[
    {
        "id": "1",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّمَا الْأَعْمَالُ ‏ ‏بِالنِّيَّاتِ ‏ ‏وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا ‏ ‏يُصِيبُهَا ‏ ‏أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيّ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْر عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر بْن عِيسَى , مَنْسُوب إِلَى حُمَيْدِ بْن أُسَامَة بَطْن مِنْ بَنِي أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى بْن قُصَيّ رَهْط خَدِيجَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَجْتَمِع مَعَهَا فِي أَسَد وَيَجْتَمِع مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُصَيّ. وَهُوَ إِمَام كَبِير مُصَنِّف , رَافَقَ الشَّافِعِيّ فِي الطَّلَب عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ وَطَبَقَته وَأَخَذَ عَنْهُ الْفِقْه وَرَحَلَ مَعَهُ إِلَى مِصْر , وَرَجَعَ بَعْد وَفَاته إِلَى مَكَّة إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا سَنَة تِسْع عَشْرَة وَمِائَتَيْنِ. فَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ اِمْتَثَلَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قَدِّمُوا قُرَيْشًا \" فَافْتَتَحَ كِتَابه بِالرِّوَايَةِ عَنْ الْحُمَيْدِيّ لِكَوْنِهِ أَفْقَه قُرَشِيّ أَخَذَ عَنْهُ. وَلَهُ مُنَاسَبَة أُخْرَى لِأَنَّهُ مَكِّيّ كَشَيْخِهِ فَنَاسَبَ أَنْ يُذْكَر فِي أَوَّل تَرْجَمَة بَدْء الْوَحْي لِأَنَّ اِبْتِدَاءَهُ كَانَ بِمَكَّة , وَمِنْ ثَمَّ ثَنَّى بِالرِّوَايَةِ عَنْ مَالِك لِأَنَّهُ شَيْخ أَهْل الْمَدِينَة وَهِيَ تَالِيَة لِمَكَّة فِي نُزُول الْوَحْي وَفِي جَمِيع الْفَضْل , وَمَالِك وَابْن عُيَيْنَةَ قَرِينَانِ , قَالَ الشَّافِعِيّ : لَوْلَاهُمَا لَذَهَبَ الْعِلْم مِنْ الْحِجَاز. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ بْن أَبِي عِمْرَان الْهِلَالِيّ أَبُو مُحَمَّد الْمَكِّيّ , أَصْله وَمَوْلِده الْكُوفَة , وَقَدْ شَارَكَ مَالِكًا فِي كَثِير مِنْ شُيُوخه وَعَاشَ بَعْده عِشْرِينَ سَنَة , وَكَانَ يُذْكَر أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَبْعِينَ مِنْ التَّابِعِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ. اِسْم جَدّه قَيْس بْن عَمْرو وَهُوَ صَحَابِيّ , وَيَحْيَى مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , وَشَيْخه مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن الْحَارِث بْن خَالِد التَّيْمِيُّ مِنْ أَوْسَاط التَّابِعِينَ , وَشَيْخ مُحَمَّد عَلْقَمَة بْن وَقَّاص اللَّيْثِيّ مِنْ كِبَارهمْ , فَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق. وَفِي الْمَعْرِفَة لِابْنِ مَنْدَهْ مَا ظَاهِره أَنَّ عَلْقَمَة صَحَابِيّ , فَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ فِيهِ تَابِعِيَّانِ وَصَحَابِيَّانِ , وَعَلَى رِوَايَة أَبِي ذَرّ يَكُون قَدْ اِجْتَمَعَ فِي هَذَا الْإِسْنَاد أَكْثَر الصِّيَغ الَّتِي يَسْتَعْمِلهَا الْمُحَدِّثُونَ , وَهِيَ التَّحْدِيث وَالْإِخْبَار وَالسَّمَاع وَالْعَنْعَنَة وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ اُعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّف فِي إِدْخَاله حَدِيث الْأَعْمَال هَذَا فِي تَرْجَمَة بَدْء الْوَحْي وَأَنَّهُ لَا تَعَلُّق لَهُ بِهِ أَصْلًا , بِحَيْثُ إِنَّ الْخَطَّابِيّ فِي شَرْحه وَالْإِسْمَاعِيلِيّ فِي مُسْتَخْرَجه أَخْرَجَاهُ قَبْل التَّرْجَمَة لِاعْتِقَادِهِمَا أَنَّهُ إِنَّمَا أَوْرَدَهُ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ فَقَطْ , وَاسْتَصْوَبَ أَبُو الْقَاسِم بْن مَنْدَهْ صَنِيع الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي ذَلِكَ , وَقَالَ اِبْن رَشِيد : لَمْ يَقْصِد الْبُخَارِيّ بِإِيرَادِهِ سِوَى بَيَان حُسْن نِيَّته فِيهِ فِي هَذَا التَّأْلِيف , وَقَدْ تُكُلِّفَتْ مُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ , فَقَالَ : كُلّ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ. اِنْتَهَى. وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقِيمهُ مَقَام الْخُطْبَة لِلْكِتَابِ ; لِأَنَّ فِي سِيَاقه أَنَّ عُمَر قَالَهُ عَلَى الْمِنْبَر بِمَحْضَرِ الصَّحَابَة , فَإِذَا صَلَحَ أَنْ يَكُون فِي خُطْبَة الْمِنْبَر صَلَحَ أَنْ يَكُون فِي خُطْبَة الْكُتُب. وَحَكَى الْمُهَلَّب أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ بِهِ حِين قَدِمَ الْمَدِينَة مُهَاجِرًا , فَنَاسَبَ إِيرَاده فِي بَدْء الْوَحْي ; لِأَنَّ الْأَحْوَال الَّتِي كَانَتْ قَبْل الْهِجْرَة كَانَتْ كَالْمُقَدِّمَةِ لَهَا لِأَنَّ بِالْهِجْرَةِ اُفْتُتِحَ الْإِذْن فِي قِتَال الْمُشْرِكِينَ , وَيَعْقُبهُ النَّصْر وَالظَّفَر وَالْفَتْح اِنْتَهَى. وَهَذَا وَجْه حَسَن , إِلَّا أَنَّنِي لَمْ أَرَ مَا ذَكَرَهُ - مِنْ كَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ بِهِ أَوَّل مَا هَاجَرَ - مَنْقُولًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي بَاب تَرْك الْحِيَل بِلَفْظِ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ \" الْحَدِيث , فَفِي هَذَا إِيمَاء إِلَى أَنَّهُ كَانَ فِي حَال الْخُطْبَة , أَمَّا كَوْنه كَانَ فِي اِبْتِدَاء قُدُومه إِلَى الْمَدِينَة فَلَمْ أَرَ مَا يَدُلّ عَلَيْهِ , وَلَعَلَّ قَائِله اِسْتَنَدَ إِلَى مَا رُوِيَ فِي قِصَّة مُهَاجِر أُمّ قَيْس , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : نَقَلُوا أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة لَا يُرِيد بِذَلِكَ فَضِيلَة الْهِجْرَة وَإِنَّمَا هَاجَرَ لِيَتَزَوَّج اِمْرَأَة تُسَمَّى أُمّ قَيْس , فَلِهَذَا خُصَّ فِي الْحَدِيث ذِكْر الْمَرْأَة دُون سَائِر مَا يُنْوَى بِهِ , اِنْتَهَى. وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَمْ يَسْتَلْزِم الْبُدَاءَة بِذِكْرِهِ أَوَّل الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة. وَقِصَّة مُهَاجِر أُمّ قَيْس رَوَاهَا سَعِيد مِنْ مَنْصُور قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ شَقِيق عَنْ عَبْد اللَّه - هُوَ اِبْن مَسْعُود - قَالَ : مَنْ هَاجَرَ يَبْتَغِي شَيْئًا فَإِنَّمَا لَهُ ذَلِكَ , هَاجَرَ رَجُل لِيَتَزَوَّج اِمْرَأَة يُقَال لَهَا أُمّ قَيْس فَكَانَ يُقَال لَهُ مُهَاجِر أُمّ قَيْس وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الْأَعْمَش بِلَفْظِ : كَانَ فِينَا رَجُل خَطَبَ اِمْرَأَة يُقَال لَهَا أُمّ قَيْس فَأَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّجهُ حَتَّى يُهَاجِر فَهَاجَرَ فَتَزَوَّجَهَا , فَكُنَّا نُسَمِّيه مُهَاجِر أُمّ قَيْس. وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ , لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ حَدِيث الْأَعْمَال سِيقَ بِسَبَبِ ذَلِكَ , وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق مَا يَقْتَضِي التَّصْرِيح بِذَلِكَ. وَأَيْضًا فَلَوْ أَرَادَ الْبُخَارِيّ إِقَامَته مَقَام الْخُطْبَة فَقَطْ أَوْ الِابْتِدَاء بِهِ تَيَمُّنًا وَتَرْغِيبًا فِي الْإِخْلَاص لَكَانَ سَاقَهُ قَبْل التَّرْجَمَة كَمَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه بْن النَّجَّار قَالَ : التَّبْوِيب يَتَعَلَّق بِالْآيَةِ وَالْحَدِيث مَعًا ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْحَى إِلَى الْأَنْبِيَاء ثُمَّ إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين }. ‏ ‏وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة فِي قَوْله تَعَالَى { شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّين مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا } قَالَ وَصَّاهُمْ بِالْإِخْلَاصِ فِي عِبَادَته. وَعَنْ أَبِي عَبْد الْمَلِك الْبَوْنِيّ قَالَ : مُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ بَدْء الْوَحْي كَانَ بِالنِّيَّةِ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى فَطَرَ مُحَمَّدًا عَلَى التَّوْحِيد وَبَغَّضَ إِلَيْهِ الْأَوْثَان وَوَهَبَ لَهُ أَوَّل أَسْبَاب النُّبُوَّة وَهِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة , فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَخْلَصَ إِلَى اللَّه فِي ذَلِكَ فَكَانَ يَتَعَبَّد بِغَارِ حِرَاء فَقَبِلَ اللَّه عَمَله وَأَتَمَّ لَهُ النِّعْمَة. وَقَالَ الْمُهَلَّب مَا مُحَصَّله : قَصَدَ الْبُخَارِيّ الْإِخْبَار عَنْ حَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَال مَنْشَئِهِ وَأَنَّ اللَّه بَغَّضَ إِلَيْهِ الْأَوْثَان وَحَبَّبَ إِلَيْهِ خِلَال الْخَيْر وَلُزُوم الْوَحْدَة فِرَارًا مِنْ قُرَنَاء السُّوء , فَلَمَّا لَزِمَ ذَلِكَ أَعْطَاهُ اللَّه عَلَى قَدْر نِيَّته وَوَهَبَ لَهُ النُّبُوَّة كَمَا يُقَال الْفَوَاتِح عُنْوَان الْخَوَاتِم. وَلَخَّصَهُ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ. ‏ ‏وَقَالَ اِبْن الْمُنِير فِي أَوَّل التَّرَاجِم : كَانَ مُقَدِّمَة النُّبُوَّة فِي حَقّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهِجْرَة إِلَى اللَّه تَعَالَى بِالْخَلْوَةِ فِي غَار حِرَاء فَنَاسَبَ الِافْتِتَاح بِحَدِيثِ الْهِجْرَة. وَمِنْ الْمُنَاسَبَات الْبَدِيعَة الْوَجِيزَة مَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ أَنَّ الْكِتَاب لَمَّا كَانَ مَوْضُوعًا لِجَمْعِ وَحْي السُّنَّة صَدَّرَهُ بِبَدْءِ الْوَحْي , وَلَمَّا كَانَ الْوَحْي لِبَيَانِ الْأَعْمَال الشَّرْعِيَّة صَدَّرَهُ بِحَدِيثِ الْأَعْمَال , وَمَعَ هَذِهِ الْمُنَاسَبَات لَا يَلِيق الْجَزْم بِأَنَّهُ لَا تَعَلُّق لَهُ بِالتَّرْجَمَةِ أَصْلًا. وَاَللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم. وَقَدْ تَوَاتَرَ النَّقْل عَنْ الْأَئِمَّة فِي تَعْظِيم قَدْر هَذَا الْحَدِيث : قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : لَيْسَ فِي أَخْبَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْء أَجْمَع وَأَغْنَى وَأَكْثَر فَائِدَة مِنْ هَذَا الْحَدِيث. وَاتَّفَقَ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَالشَّافِعِيّ فِيمَا نَقَلَهُ الْبُوَيْطِيّ عَنْهُ وَأَحْمَد بْن حَنْبَل وَعَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ والدَّارَقُطْنِيّ وَحَمْزَة الْكِنَانِيّ عَلَى أَنَّهُ ثُلُث الْإِسْلَام , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ رُبْعه , وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْيِين الْبَاقِي. وَقَالَ اِبْن مَهْدِيّ أَيْضًا : يَدْخُل فِي ثَلَاثِينَ بَابًا مِنْ الْعِلْم , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يَدْخُل فِي سَبْعِينَ بَابًا , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد بِهَذَا الْعَدَد الْمُبَالَغَة. وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ أَيْضًا : يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَل هَذَا الْحَدِيث رَأْس كُلّ بَاب. وَوَجَّهَ الْبَيْهَقِيُّ كَوْنه ثُلُث الْعِلْم بِأَنَّ كَسْب الْعَبْد يَقَع بِقَلْبِهِ وَلِسَانه وَجَوَارِحه , فَالنِّيَّة أَحَد أَقْسَامهَا الثَّلَاثَة وَأَرْجَحهَا ; لِأَنَّهَا قَدْ تَكُون عِبَادَة مُسْتَقِلَّة وَغَيْرهَا يَحْتَاج إِلَيْهَا , وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ : نِيَّة الْمُؤْمِن خَيْر مِنْ عَمَله , فَإِذَا نَظَرْت إِلَيْهَا كَانَتْ خَيْر الْأَمْرَيْنِ. وَكَلَام الْإِمَام أَحْمَد يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ بِكَوْنِهِ ثُلُث الْعِلْم أَنَّهُ أَرَادَ أَحَد الْقَوَاعِد الثَّلَاثَة الَّتِي تُرَدّ إِلَيْهَا جَمِيع الْأَحْكَام عِنْده , وَهِيَ هَذَا وَ \" مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرنَا فَهُوَ رَدّ \" وَ \" الْحَلَال بَيِّن وَالْحَرَام بَيِّن \" الْحَدِيث. ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْحَدِيث مُتَّفَق عَلَى صِحَّته أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّة الْمَشْهُورُونَ إِلَّا الْمُوَطَّأ , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ فِي الْمُوَطَّأ مُغْتَرًّا بِتَخْرِيجِ الشَّيْخَيْنِ لَهُ وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق مَالِك , وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ : قَدْ يَكُون هَذَا الْحَدِيث عَلَى طَرِيقَة بَعْض النَّاس مَرْدُودًا لِكَوْنِهِ فَرْدًا ; لِأَنَّهُ لَا يُرْوَى عَنْ عُمَر إِلَّا مِنْ رِوَايَة عَلْقَمَة , وَلَا عَنْ عَلْقَمَة إِلَّا مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم وَلَا عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم إِلَّا مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد , وَهُوَ كَمَا قَالَ , فَإِنَّهُ إِنَّمَا اِشْتَهَرَ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد وَتَفَرَّدَ بِهِ مَنْ فَوْقه وَبِذَلِكَ جَزَمَ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالْبَزَّار وَابْن السَّكَن وَحَمْزَة بْن مُحَمَّد الْكِنَانِيّ , وَأَطْلَقَ الْخَطَّابِيُّ نَفْي الْخِلَاف بَيْن أَهْل الْحَدِيث فِي أَنَّهُ لَا يُعْرَف إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَهُوَ كَمَا قَالَ لَكِنْ بِقَيْدَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا : الصِّحَّة لِأَنَّهُ وَرَدَ مِنْ طُرُق مَعْلُولَة ذَكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو الْقَاسِم بْن مَنْدَهْ وَغَيْرهمَا. ‏ ‏ثَانِيهمَا : السِّيَاق لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ عِدَّة أَحَادِيث صَحَّتْ فِي مُطْلَق النِّيَّة كَحَدِيثِ عَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة عِنْد مُسْلِم \" يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتهمْ \" , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" وَلَكِنْ جِهَاد وَنِيَّة \" , وَحَدِيث أَبِي مُوسَى \" مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَة اللَّه هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيل اللَّه \" مُتَّفَق عَلَيْهِمَا , وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود \" رُبَّ قَتِيل بَيْن الصَّفَّيْنِ اللَّه أَعْلَم بِنِيَّتِهِ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَحَدِيث عُبَادَةَ \" مَنْ غَزَا وَهُوَ لَا يَنْوِي إِلَّا عِقَالًا فَلَهُ مَا نَوَى \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَسَّر حَصْره , وَعُرِفَ بِهَذَا التَّقْرِير غَلَط مَنْ زَعَمَ أَنَّ حَدِيث عُمَر مُتَوَاتِر , إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ فَيُحْتَمَل. نَعَمْ قَدْ تَوَاتَرَ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد : فَحَكَى مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن سَعِيد النَّقَّاش الْحَافِظ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ نَفْسًا , وَسَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ أَبُو الْقَاسِم بْن مَنْدَهْ فَجَاوَزَ الثَّلَثمِائَةِ , وَرَوَى أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ عَنْ بَعْض مَشَايِخه مُذَاكَرَة عَنْ الْحَافِظ أَبِي إِسْمَاعِيل الْأَنْصَارِيّ الْهَرَوِيّ قَالَ : كَتَبْته مِنْ حَدِيث سَبْعمِائَةٍ مِنْ أَصْحَاب يَحْيَى. قُلْت : وَأَنَا أَسْتَبْعِد صِحَّة هَذَا , فَقَدْ تَتَبَّعْت طُرُقه مِنْ الرِّوَايَات الْمَشْهُورَة وَالْأَجْزَاء الْمَنْثُورَة مُنْذُ طَلَبْت الْحَدِيث إِلَى وَقْتِي هَذَا فَمَا قَدَرْت عَلَى تَكْمِيل الْمِائَة , وَقَدْ تَتَبَّعْت طُرُق غَيْره فَزَادَتْ عَلَى مَا نُقِلَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ , كَمَا سَيَأْتِي مِثَال لِذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث اِبْن عُمَر فِي غُسْل الْجُمُعَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى الْمِنْبَر ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم , وَاللَّام لِلْعَهْدِ , أَيْ مِنْبَر الْمَسْجِد النَّبَوِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ يَحْيَى فِي تَرْك الْحِيَل : سَمِعْت عُمَر يَخْطُب. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ) ‏ ‏كَذَا أُورِدَ هُنَا , وَهُوَ مِنْ مُقَابَلَة الْجَمْع بِالْجَمْعِ , أَيْ كُلّ عَمَل بِنِيَّتِهِ. وَقَالَ الْخُوبِيّ كَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ النِّيَّة تَتَنَوَّع كَمَا تَتَنَوَّع الْأَعْمَال كَمَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ وَجْه اللَّه أَوْ تَحْصِيل مَوْعُوده أَوْ الِاتِّقَاء لِوَعِيدِهِ. وَوَقَعَ فِي مُعْظَم الرِّوَايَات بِإِفْرَادِ النِّيَّة , وَوَجْهه أَنَّ مَحَلّ النِّيَّة الْقَلْب وَهُوَ مُتَّحِد فَنَاسَبَ إِفْرَادهَا. بِخِلَافِ الْأَعْمَال فَإِنَّهَا مُتَعَلِّقَة بِالظَّوَاهِرِ وَهِيَ مُتَعَدِّدَة فَنَاسَبَ جَمْعهَا ; وَلِأَنَّ النِّيَّة تَرْجِع إِلَى الْإِخْلَاص وَهُوَ وَاحِد لِلْوَاحِدِ الَّذِي لَا شَرِيك لَهُ. وَوَقَعَتْ فِي صَحِيح اِبْن حِبَّانَ بِلَفْظِ \" الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ \" بِحَذْفِ \" إِنَّمَا \" وَجَمْع الْأَعْمَال وَالنِّيَّات , وَهِيَ مَا وَقَعَ فِي كِتَاب الشِّهَاب لِلْقُضَاعِيّ وَوَصَلَهُ فِي مُسْنَده كَذَلِكَ , وَأَنْكَرَهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيّ وَأَقَرَّهُ , وَهُوَ مُتَعَقَّب بِرِوَايَةِ اِبْن حِبَّانَ , بَلْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ يَحْيَى عِنْد الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْإِيمَان بِلَفْظِ \" الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ \" , وَكَذَا فِي الْعِتْق مِنْ رِوَايَة الثَّوْرِيّ , وَفِي الْهِجْرَة مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد , وَوَقَعَ عِنْده فِي النِّكَاح بِلَفْظِ \" الْعَمَل بِالنِّيَّةِ \" بِإِفْرَادِ كُلّ مِنْهُمَا. وَالنِّيَّة بِكَسْرِ النُّون وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة عَلَى الْمَشْهُور , وَفِي بَعْض اللُّغَات بِتَخْفِيفِهَا. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ قَوْله \" إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ \" هَذَا التَّرْكِيب يُفِيد الْحَصْر عِنْد الْمُحَقِّقِينَ , وَاخْتُلِفَ فِي وَجْه إِفَادَته فَقِيلَ لِأَنَّ الْأَعْمَال جَمْع مُحَلًّى بِالْأَلِفِ وَاللَّام مُفِيد لِلِاسْتِغْرَاقِ , وَهُوَ مُسْتَلْزِم لِلْقَصْرِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ كُلّ عَمَل بِنِيَّةٍ فَلَا عَمَل إِلَّا بِنِيَّةٍ , وَقِيلَ لِأَنَّ إِنَّمَا لِلْحَصْرِ , وَهَلْ إِفَادَتهَا لَهُ بِالْمَنْطُوقِ أَوْ بِالْمَفْهُومِ , أَوْ تُفِيد الْحَصْر بِالْوَضْعِ أَوْ الْعُرْف , أَوْ تُفِيدهُ بِالْحَقِيقَةِ أَوْ بِالْمَجَازِ ؟ وَمُقْتَضَى كَلَام الْإِمَام وَأَتْبَاعه أَنَّهَا تُفِيدهُ بِالْمَنْطُوقِ وَضْعًا حَقِيقِيًّا , بَلْ نَقَلَهُ شَيْخنَا شَيْخ الْإِسْلَام عَنْ جَمِيع أَهْل الْأُصُول مِنْ الْمَذَاهِب الْأَرْبَعَة إِلَّا الْيَسِير كَالْآمِدِيّ , وَعَلَى الْعَكْس مِنْ ذَلِكَ أَهْل الْعَرَبِيَّة , وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلْحَصْرِ لَمَا حَسُنَ إِنَّمَا قَامَ زَيْد فِي جَوَاب هَلْ قَامَ عَمْرو , أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَصِحّ أَنَّهُ يَقَع فِي مِثْل هَذَا الْجَوَاب مَا قَامَ إِلَّا زَيْد وَهِيَ لِلْحَصْرِ اِتِّفَاقًا , وَقِيلَ : لَوْ كَانَتْ لِلْحَصْرِ لَاسْتَوَى إِنَّمَا قَامَ زَيْد مَعَ مَا قَامَ إِلَّا زَيْد , وَلَا تَرَدُّد فِي أَنَّ الثَّانِي أَقْوَى مِنْ الْأَوَّل , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ هَذِهِ الْقُوَّة نَفْي الْحَصْر فَقَدْ يَكُون أَحَد اللَّفْظَيْنِ أَقْوَى مِنْ الْآخَر مَعَ اِشْتِرَاكهمَا فِي أَصْل الْوَضْع كَسَوْفَ وَالسِّين , وَقَدْ وَقَعَ اِسْتِعْمَال إِنَّمَا مَوْضِع اِسْتِعْمَال النَّفْي وَالِاسْتِثْنَاء كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) وَكَقَوْلِهِ : ( وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) وَقَوْله : ( إِنَّمَا عَلَى رَسُولنَا الْبَلَاغ الْمُبِين ) وَقَوْله : ( مَا عَلَى الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ ) وَمِنْ شَوَاهِده قَوْل الْأَعْشَى : ‏ ‏وَلَسْت بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ‏ ‏وَإِنَّمَا الْعِزَّة لِلْكَاثِرِ ‏ ‏يَعْنِي مَا ثَبَتَتْ الْعِزَّة إِلَّا لِمَنْ كَانَ أَكْثَر حَصًى. وَاخْتَلَفُوا : هَلْ هِيَ بَسِيطَة أَوْ مُرَكَّبَة , فَرَجَّحُوا الْأَوَّل , وَقَدْ يُرَجَّح الثَّانِي , وَيُجَاب عَمَّا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلهمْ إِنَّ \" إِنَّ \" لِلْإِثْبَاتِ وَ \" مَا \" لِلنَّفْيِ فَيَسْتَلْزِم اِجْتِمَاع الْمُتَضَادَّيْنِ عَلَى صَدَد وَاحِد بِأَنْ يُقَال مَثَلًا : أَصْلهمَا كَانَ لِلْإِثْبَاتِ وَالنَّفْي , لَكِنَّهُمَا بَعْد التَّرْكِيب لَمْ يَبْقَيَا عَلَى أَصْلهمَا بَلْ أَفَادَا شَيْئًا آخَر , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْكَرْمَانِيُّ قَالَ : وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ إِفَادَة هَذَا السِّيَاق لِلْحَصْرِ مِنْ جِهَة أَنَّ فِيهِ تَأْكِيدًا بَعْد تَأْكِيد وَهُوَ الْمُسْتَفَاد مِنْ إِنَّمَا وَمِنْ الْجَمْع , فَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مِنْ بَاب إِيهَام الْعَكْس ; لِأَنَّ قَائِله لَمَّا رَأَى أَنَّ الْحَصْر فِيهِ تَأْكِيد عَلَى تَأْكِيد ظَنَّ أَنَّ كُلّ مَا وَقَعَ كَذَلِكَ يُفِيد الْحَصْر. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : اُسْتُدِلَّ عَلَى إِفَادَة إِنَّمَا لِلْحَصْرِ بِأَنَّ اِبْن عَبَّاس اِسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرِّبَا لَا يَكُون إِلَّا فِي النَّسِيئَة بِحَدِيثِ \" إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة \" , وَعَارَضَهُ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة فِي الْحُكْم وَلَمْ يُخَالِفُوهُ فِي فَهْمه فَكَانَ كَالِاتِّفَاقِ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهَا تُفِيد الْحَصْر. وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا تَرَكُوا الْمُعَارَضَة بِذَلِكَ تَنَزُّلًا. وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون اِعْتِمَادهمْ عَلَى قَوْله \" لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَة \" لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث الْمَذْكُور , فَلَا يُفِيد ذَلِكَ فِي رَدّ إِفَادَة الْحَصْر , بَلْ يُقَوِّيه وَيُشْعِر بِأَنَّ مُفَاد الصِّيغَتَيْنِ عِنْدهمْ وَاحِد , وَإِلَّا لَمَا اِسْتَعْمَلُوا هَذِهِ مَوْضِع هَذِهِ. وَأَوْضَح مِنْ هَذَا حَدِيث \" إِنَّمَا الْمَاء مِنْ الْمَاء \" فَإِنَّ الصَّحَابَة الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَيْهِ لَمْ يُعَارِضهُمْ الْجُمْهُور فِي فَهْم الْحَصْر مِنْهُ , وَإِنَّمَا عَارَضَهُمْ فِي الْحُكْم مِنْ أَدِلَّة أُخْرَى كَحَدِيثِ \" إِذَا اِلْتَقَى الْخِتَانَانِ \" وَقَالَ اِبْن عَطِيَّة : إِنَّمَا لَفْظ لَا يُفَارِقهُ الْمُبَالَغَة وَالتَّأْكِيد حَيْثُ وَقَعَ , وَيَصْلُح مَعَ ذَلِكَ لِلْحَصْرِ إِنْ دَخَلَ فِي قِصَّة سَاعَدَتْ عَلَيْهِ , فَجُعِلَ وُرُوده لِلْحَصْرِ مَجَازًا يَحْتَاج إِلَى قَرِينَة , وَكَلَام غَيْره عَلَى الْعَكْس مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّ أَصْل وُرُودهَا لِلْحَصْرِ , لَكِنْ قَدْ يَكُون فِي شَيْء مَخْصُوص كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّمَا اللَّه إِلَه وَاحِد ) فَإِنَّهُ سِيقَ بِاعْتِبَارِ مُنْكِرِي الْوَحْدَانِيَّة , وَإِلَّا فَلِلَّهِ سُبْحَانه صِفَات أُخْرَى كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَة , وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِر ) فَإِنَّهُ سِيقَ بِاعْتِبَارِ مُنْكِرِي الرِّسَالَة , وَإِلَّا فَلَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِفَات أُخْرَى كَالْبِشَارَةِ , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَمْثِلَة. وَهِيَ - فِيمَا يُقَال - السَّبَب فِي قَوْل مَنْ مَنَعَ إِفَادَتهَا لِلْحَصْرِ مُطْلَقًا. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏الْأَعْمَال تَقْتَضِي عَامِلَيْنِ , وَالتَّقْدِير : الْأَعْمَال الصَّادِرَة مِنْ الْمُكَلَّفِينَ , وَعَلَى هَذَا هَلْ تَخْرُج أَعْمَال الْكُفَّار ؟ الظَّاهِر الْإِخْرَاج ; لِأَنَّ الْمُرَاد بِالْأَعْمَالِ أَعْمَال الْعِبَادَة وَهِيَ لَا تَصِحّ مِنْ الْكَافِر وَإِنْ كَانَ مُخَاطَبًا بِهَا مُعَاقَبًا عَلَى تَرْكهَا وَلَا يُرَدّ الْعِتْق وَالصَّدَقَة لِأَنَّهُمَا بِدَلِيلٍ آخَر. ‏ ‏قَوْله : ( بِالنِّيَّاتِ ) الْبَاء لِلْمُصَاحَبَةِ , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون لِلسَّبَبِيَّةِ بِمَعْنَى أَنَّهَا مُقَوِّمَة لِلْعَمَلِ فَكَأَنَّهَا سَبَب فِي إِيجَاده , وَعَلَى الْأَوَّل فَهِيَ مِنْ نَفْس الْعَمَل فَيُشْتَرَط أَنْ لَا تَتَخَلَّف عَنْ أَوَّله. قَالَ النَّوَوِيّ : النِّيَّة الْقَصْد , وَهِيَ عَزِيمَة الْقَلْب. وَتَعَقَّبَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ عَزِيمَة الْقَلْب قَدْر زَائِد عَلَى أَصْل الْقَصْد. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاء هَلْ هِيَ رُكْن أَوْ شَرْط ؟ وَالْمُرَجَّح أَنَّ إِيجَادهَا ذِكْرًا فِي أَوَّل الْعَمَل رُكْن , وَاسْتِصْحَابهَا حُكْمًا بِمَعْنَى أَنْ لَا يَأْتِي بِمُنَافٍ شَرْعًا شَرْطٌ. وَلَا بُدّ مِنْ مَحْذُوف يَتَعَلَّق بِهِ الْجَارّ وَالْمَجْرُور , فَقِيلَ تُعْتَبَر وَقِيلَ تُكَمِّل وَقِيلَ تَصِحّ وَقِيلَ تَحْصُل وَقِيلَ تَسْتَقِرّ. قَالَ الطِّيبِيُّ : كَلَام الشَّارِع مَحْمُول عَلَى بَيَان الشَّرْع ; لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ هُمْ أَهْل اللِّسَان , فَكَأَنَّهُمْ خُوطِبُوا بِمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْم إِلَّا مِنْ قِبَل الشَّارِع , فَيَتَعَيَّن الْحَمْل عَلَى مَا يُفِيد الْحُكْم الشَّرْعِيّ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : النِّيَّة عِبَارَة عَنْ اِنْبِعَاث الْقَلْب نَحْو مَا يَرَاهُ مُوَافِقًا لِغَرَضٍ مِنْ جَلْب نَفْع أَوْ دَفْع ضُرّ حَالًا أَوْ مَآلًا , وَالشَّرْع خَصَّصَهُ بِالْإِرَادَةِ الْمُتَوَجِّهَة نَحْو الْفِعْل لِابْتِغَاءِ رِضَاء اللَّه وَامْتِثَال حُكْمه. وَالنِّيَّة فِي الْحَدِيث مَحْمُولَة عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيّ لِيَحْسُن تَطْبِيقه عَلَى مَا بَعْده وَتَقْسِيمه أَحْوَال الْمُهَاجِر , فَإِنَّهُ تَفْصِيل لِمَا أُجْمِلَ , وَالْحَدِيث مَتْرُوك الظَّاهِر لِأَنَّ الذَّوَات غَيْر مُنْتَفِيَة , إِذْ التَّقْدِير : لَا عَمَل إِلَّا بِالنِّيَّةِ , فَلَيْسَ الْمُرَاد نَفْي ذَات الْعَمَل لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَد بِغَيْرِ نِيَّة , بَلْ الْمُرَاد نَفْي أَحْكَامهَا كَالصِّحَّةِ وَالْكَمَال , لَكِنَّ الْحَمْل عَلَى نَفْي الصِّحَّة أَوْلَى لِأَنَّهُ أَشْبَه بِنَفْيِ الشَّيْء نَفْسه ; وَلِأَنَّ اللَّفْظ دَلَّ عَلَى نَفْي الذَّات بِالتَّصْرِيحِ وَعَلَى نَفْي الصِّفَات بِالتَّبَعِ , فَلَمَّا مَنَعَ الدَّلِيل نَفْي الذَّات بَقِيَتْ دَلَالَته عَلَى نَفْي الصِّفَات مُسْتَمِرَّة. وَقَالَ شَيْخنَا شَيْخ الْإِسْلَام : الْأَحْسَن تَقْدِير مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَعْمَال تَتْبَع النِّيَّة , لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث \" فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَته \" إِلَى آخِره. وَعَلَى هَذَا يُقَدَّر الْمَحْذُوف كَوْنًا مُطْلَقًا مِنْ اِسْم فَاعِل أَوْ فِعْل. ثُمَّ لَفْظ الْعَمَل يَتَنَاوَل فِعْل الْجَوَارِح حَتَّى اللِّسَان فَتَدْخُل الْأَقْوَال. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَأَخْرَجَ بَعْضهمْ الْأَقْوَال وَهُوَ بَعِيد , وَلَا تَرَدُّد عِنْدِي فِي أَنَّ الْحَدِيث يَتَنَاوَلهَا. وَأَمَّا التُّرُوكُ فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ فِعْل كَفّ لَكِنْ لَا يُطْلَق عَلَيْهَا لَفْظ الْعَمَل. وَقَدْ تُعُقِّبَ عَلَى مَنْ يُسَمِّي الْقَوْل عَمَلًا لِكَوْنِهِ عَمَل اللِّسَان , بِأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَعْمَل عَمَلًا فَقَالَ قَوْلًا لَا يَحْنَث. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَرْجِع الْيَمِين إِلَى الْعُرْف , وَالْقَوْل لَا يُسَمَّى عَمَلًا فِي الْعُرْف وَلِهَذَا يُعْطَف عَلَيْهِ. وَالتَّحْقِيق أَنَّ الْقَوْل لَا يَدْخُل فِي الْعَمَل حَقِيقَة وَيَدْخُل مَجَازًا , وَكَذَا الْفِعْل , لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَوْ شَاءَ رَبّك مَا فَعَلُوهُ ) بَعْد قَوْله : ( زُخْرُف الْقَوْل ). وَأَمَّا عَمَل الْقَلْب كَالنِّيَّةِ فَلَا يَتَنَاوَلهَا الْحَدِيث لِئَلَّا يَلْزَم التَّسَلْسُل , وَالْمَعْرِفَة : وَفِي تَنَاوُلهَا نَظَر , قَالَ بَعْضهمْ : هُوَ مُحَال لِأَنَّ النِّيَّة قَصْد الْمَنَوِيّ , وَإِنَّمَا يَقْصِد الْمَرْء مَا يَعْرِف فَيَلْزَم أَنْ يَكُون عَارِفًا قَبْل الْمَعْرِفَة. وَتَعَقَّبَهُ شَيْخنَا شَيْخ الْإِسْلَام سِرَاج الدِّين الْبُلْقِينِيّ بِمَا حَاصِله : إِنْ كَانَ الْمُرَاد بِالْمَعْرِفَةِ مُطْلَق الشُّعُور فَمُسَلَّم , وَإِنْ كَانَ الْمُرَاد النَّظَر فِي الدَّلِيل فَلَا ; لِأَنَّ كُلّ ذِي عَقْل يَشْعُر مَثَلًا بِأَنَّ لَهُ مَنْ يُدَبِّرهُ , فَإِذَا أَخَذَ فِي النَّظَر فِي الدَّلِيل عَلَيْهِ لِيَتَحَقَّقهُ لَمْ تَكُنْ النِّيَّة حِينَئِذٍ مُحَالًا. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الَّذِينَ اِشْتَرَطُوا النِّيَّة قَدَّرُوا صِحَّة الْأَعْمَال , وَاَلَّذِينَ لَمْ يَشْتَرِطُوهَا قَدَّرُوا كَمَال الْأَعْمَال , وَرُجِّحَ الْأَوَّل بِأَنَّ الصِّحَّة أَكْثَر لُزُومًا لِلْحَقِيقَةِ مِنْ الْكَمَال فَالْحَمْل عَلَيْهَا أَوْلَى. وَفِي هَذَا الْكَلَام إِيهَام أَنَّ بَعْض الْعُلَمَاء لَا يَرَى بِاشْتِرَاطِ النِّيَّة , وَلَيْسَ الْخِلَاف بَيْنهمْ فِي ذَلِكَ إِلَّا فِي الْوَسَائِل , وَأَمَّا الْمَقَاصِد فَلَا اِخْتِلَاف بَيْنهمْ فِي اِشْتِرَاط النِّيَّة لَهَا , وَمِنْ ثَمَّ خَالَفَ الْحَنَفِيَّة فِي اِشْتِرَاطهَا لِلْوُضُوءِ , وَخَالَفَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي اِشْتِرَاطهَا فِي التَّيَمُّم أَيْضًا. نَعَمْ بَيْن الْعُلَمَاء اِخْتِلَاف فِي اِقْتِرَان النِّيَّة بِأَوَّلِ الْعَمَل كَمَا هُوَ مَعْرُوف فِي مَبْسُوطَات الْفِقْه. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏الظَّاهِر أَنَّ الْأَلِف وَاللَّام فِي النِّيَّات مُعَاقِبَة لِلضَّمِيرِ , وَالتَّقْدِير الْأَعْمَال بِنِيَّاتِهَا , وَعَلَى هَذَا فَيَدُلّ عَلَى اِعْتِبَار نِيَّة الْعَمَل مِنْ كَوْنه مَثَلًا صَلَاة أَوْ غَيْرهَا , وَمِنْ كَوْنهَا فَرْضًا أَوْ نَفْلًا , ظُهْرًا مَثَلًا أَوْ عَصْرًا , مَقْصُورَة أَوْ غَيْر مَقْصُورَة وَهَلْ يُحْتَاج فِي مِثْل هَذَا إِلَى تَعْيِين الْعَدَد ؟ فِيهِ بَحْث. وَالرَّاجِح الِاكْتِفَاء بِتَعْيِينِ الْعِبَادَة الَّتِي لَا تَنْفَكّ عَنْ الْعَدَد الْمُعَيَّن , كَالْمُسَافِرِ مَثَلًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُر إِلَّا بِنِيَّةِ الْقَصْر , لَكِنْ لَا يَحْتَاج إِلَى نِيَّة رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُقْتَضَى الْقَصْر وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّمَا لِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوَى ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِيهِ تَحْقِيق لِاشْتِرَاطِ النِّيَّة وَالْإِخْلَاص فِي الْأَعْمَال , فَجَنَحَ إِلَى أَنَّهَا مُؤَكَّدَة , وَقَالَ غَيْره : بَلْ تُفِيد غَيْر مَا أَفَادَتْهُ الْأُولَى ; لِأَنَّ الْأُولَى نَبَّهَتْ عَلَى أَنَّ الْعَمَل يَتْبَع النِّيَّة وَيُصَاحِبهَا , فَيَتَرَتَّب الْحُكْم عَلَى ذَلِكَ , وَالثَّانِيَة أَفَادَتْ أَنَّ الْعَامِل لَا يَحْصُل لَهُ إِلَّا مَا نَوَاهُ وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الْجُمْلَة الثَّانِيَة تَقْتَضِي أَنَّ مَنْ نَوَى شَيْئًا يَحْصُل لَهُ - يَعْنِي إِذَا عَمِلَهُ بِشَرَائِطِهِ - أَوْ حَال دُون عَمَله لَهُ مَا يُعْذَر شَرْعًا بِعَدَمِ عَمَله وَكُلّ مَا لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يَحْصُل لَهُ. وَمُرَاده بِقَوْلِهِ \" مَا لَمْ يَنْوِهِ \" أَيْ لَا خُصُوصًا وَلَا عُمُومًا , أَمَّا إِذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا مَخْصُوصًا لَكِنْ كَانَتْ هُنَاكَ نِيَّة عَامَّة تَشْمَلهُ فَهَذَا مِمَّا اِخْتَلَفَتْ فِيهِ أَنْظَار الْعُلَمَاء. وَيَتَخَرَّج عَلَيْهِ مِنْ الْمَسَائِل مَا لَا يُحْصَى. وَقَدْ يَحْصُل غَيْر الْمَنَوِيّ لِمُدْرَكٍ آخَر كَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِد فَصَلَّى الْفَرْض أَوْ الرَّاتِبَة قَبْل أَنْ يَقْعُد فَإِنَّهُ يَحْصُل لَهُ تَحِيَّة الْمَسْجِد نَوَاهَا أَوْ لَمْ يَنْوِهَا ; لِأَنَّ الْقَصْد بِالتَّحِيَّةِ شَغْل الْبُقْعَة وَقَدْ حَصَلَ , وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ اِغْتَسَلَ يَوْم الْجُمُعَة عَنْ الْجَنَابَة فَإِنَّهُ لَا يَحْصُل لَهُ غُسْل الْجُمُعَة عَلَى الرَّاجِح ; لِأَنَّ غُسْل الْجُمُعَة يُنْظَر فِيهِ إِلَى التَّعَبُّد لَا إِلَى مَحْض التَّنْظِيم فَلَا بُدّ فِيهِ مِنْ الْقَصْد إِلَيْهِ , بِخِلَافِ تَحِيَّة الْمَسْجِد وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ النَّوَوِيّ : أَفَادَتْ الْجُمْلَة الثَّانِيَة اِشْتِرَاط تَعْيِين الْمَنْوِيّ كَمَنْ عَلَيْهِ صَلَاة فَائِتَة لَا يَكْفِيه أَنْ يَنْوِي الْفَائِتَة فَقَطْ حَتَّى يُعَيِّنهَا ظُهْرًا مَثَلًا أَوْ عَصْرًا , وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّه مَا إِذَا لَمْ تَنْحَصِر الْفَائِتَة. وَقَالَ اِبْن السَّمْعَانِيّ فِي أَمَالِيهِ : أَفَادَتْ أَنَّ الْأَعْمَال الْخَارِجَة عَنْ الْعِبَادَة لَا تُفِيد الثَّوَاب إِلَّا إِذَا نَوَى بِهَا فَاعِلهَا الْقُرْبَةَ , كَالْأَكْلِ إِذَا نَوَى بِهِ الْقُوَّة عَلَى الطَّاعَة. وَقَالَ غَيْره : أَفَادَتْ أَنَّ النِّيَابَة لَا تَدْخُل فِي النِّيَّة , فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْل , فَلَا يَرِدُ مِثْل نِيَّة الْوَلِيّ عَنْ الصَّبِيّ وَنَظَائِره فَإِنَّهَا عَلَى خِلَاف الْأَصْل. وَقَالَ اِبْن عَبْد السَّلَام : الْجُمْلَة الْأُولَى لِبَيَانِ مَا يُعْتَبَر مِنْ الْأَعْمَال , وَالثَّانِيَة لِبَيَانِ مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا. وَأَفَادَ أَنَّ النِّيَّة إِنَّمَا تُشْتَرَط فِي الْعِبَادَة الَّتِي لَا تَتَمَيَّز بِنَفْسِهَا , وَأَمَّا مَا يَتَمَيَّز بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِف بِصُورَتِهِ إِلَى مَا وُضِعَ لَهُ كَالْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَة وَالتِّلَاوَة لِأَنَّهَا لَا تَتَرَدَّد بَيْن الْعِبَادَة وَالْعَادَة. وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى أَصْل الْوَضْع , أَمَّا مَا حَدَثَ فِيهِ عُرْف كَالتَّسْبِيحِ لِلتَّعَجُّبِ فَلَا , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَوْ قَصَدَ بِالذِّكْرِ الْقُرْبَة إِلَى اللَّه تَعَالَى لَكَانَ أَكْثَر ثَوَابًا , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْغَزَالِيّ : حَرَكَة اللِّسَان بِالذِّكْرِ مَعَ الْغَفْلَة عَنْهُ تُحَصِّل الثَّوَاب ; لِأَنَّهُ خَيْر مِنْ حَرَكَة اللِّسَان بِالْغِيبَةِ , بَلْ هُوَ خَيْر مِنْ السُّكُوت مُطْلَقًا , أَيْ الْمُجَرَّد عَنْ التَّفَكُّر. قَالَ : وَإِنَّمَا هُوَ نَاقِص بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَمَل الْقَلْب اِنْتَهَى. وَيُؤَيِّدهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فِي بُضْع أَحَدكُمْ صَدَقَة \" ثُمَّ قَالَ فِي الْجَوَاب عَنْ قَوْلهمْ \" أَيَأْتِي أَحَدنَا شَهْوَته وَيُؤْجَر ؟ \" : \" أَرَأَيْت لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَام \". وَأُورِدَ عَلَى إِطْلَاق الْغَزَالِيّ أَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ أَنَّ الْمَرْء يُثَاب عَلَى فِعْل مُبَاح لِأَنَّهُ خَيْر مِنْ فِعْل الْحَرَام , وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَاده. وَخُصَّ مِنْ عُمُوم الْحَدِيث مَا يُقْصَد حُصُوله فِي الْجُمْلَة فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاج إِلَى نِيَّة تَخُصّهُ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِد كَمَا تَقَدَّمَ , وَكَمَنَ مَاتَ زَوْجهَا فَلَمْ يَبْلُغهَا الْخَبَر إِلَّا بَعْد مُدَّة الْعِدَّة فَإِنَّ عِدَّتهَا تَنْقَضِي ; لِأَنَّ الْمَقْصُود حُصُول بَرَاءَة الرَّحِم وَقَدْ وُجِدَتْ , وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَحْتَجْ الْمَتْرُوك إِلَى نِيَّة. وَنَازَعَ الْكَرْمَانِيُّ فِي إِطْلَاق الشَّيْخ مُحْيِي الدِّين كَوْن الْمَتْرُوك لَا يَحْتَاج إِلَى نِيَّة بِأَنَّ التَّرْك فِعْل وَهُوَ كَفّ النَّفْس , وَبِأَنَّ التُّرُوك إِذَا أُرِيدَ بِهَا تَحْصِيل الثَّوَاب بِامْتِثَالِ أَمْر الشَّارِع فَلَا بُدّ فِيهَا مِنْ قَصْد التَّرْك , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْله \" التَّرْك فِعْل \" مُخْتَلَف فِيهِ , وَمِنْ حَقّ الْمُسْتَدِلّ عَلَى الْمَانِع أَنْ يَأْتِي بِأَمْرٍ مُتَّفَق عَلَيْهِ. وَأَمَّا اِسْتِدْلَاله الثَّانِي فَلَا يُطَابِق الْمَوْرِد ; لِأَنَّ الْمَبْحُوث فِيهِ هَلْ تَلْزَم النِّيَّة فِي التُّرُوك بِحَيْثُ يَقَع الْعِقَاب بِتَرْكِهَا ؟ وَاَلَّذِي أَوْرَدَهُ هَلْ يَحْصُل الثَّوَاب بِدُونِهَا ؟ وَالتَّفَاوُت بَيْن الْمَقَامَيْنِ ظَاهِر. وَالتَّحْقِيق أَنَّ التَّرْك الْمُجَرَّد لَا ثَوَاب فِيهِ , وَإِنَّمَا يَحْصُل الثَّوَاب بِالْكَفِّ الَّذِي هُوَ فِعْل النَّفْس , فَمَنْ لَمْ تَخْطِر الْمَعْصِيَة بِبَالِهِ أَصْلًا لَيْسَ كَمَنْ خَطَرَتْ فَكَفَّ نَفْسه عَنْهَا خَوْفًا مِنْ اللَّه تَعَالَى , فَرَجَعَ الْحَال إِلَى أَنَّ الَّذِي يَحْتَاج إِلَى النِّيَّة هُوَ الْعَمَل بِجَمِيعِ وُجُوهه , لَا التَّرْك الْمُجَرَّد. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : إِذَا قُلْنَا إِنَّ تَقْدِيم الْخَبَر عَلَى الْمُبْتَدَأ يُفِيد الْقَصْر فَفِي قَوْله \" وَإِنَّمَا لِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوَى \" نَوْعَانِ مِنْ الْحَصْر : قَصْر الْمُسْنَد عَلَى الْمُسْنَد إِلَيْهِ إِذْ الْمُرَاد إِنَّمَا لِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوَاهُ , وَالتَّقْدِيم الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَته إِلَى دُنْيَا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع الْأُصُول الَّتِي اِتَّصَلَتْ لَنَا عَنْ الْبُخَارِيّ بِحَذْفِ أَحَد وَجْهَيْ التَّقْسِيم وَهُوَ قَوْله \" فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَته إِلَى اللَّه وَرَسُوله إِلَخْ \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَعَ هَذَا الْحَدِيث فِي رِوَايَتنَا وَجَمِيع نُسَخ أَصْحَابنَا مَخْرُومًا قَدْ ذَهَبَ شَطْره , وَلَسْت أَدْرِي كَيْفَ وَقَعَ هَذَا الْإِغْفَال , وَمِنْ جِهَة مَنْ عَرَضَ مِنْ رُوَاته ؟ فَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ غَيْر طَرِيق الْحُمَيْدِيّ مُسْتَوْفًى , وَقَدْ رَوَاهُ لَنَا الْأَثْبَاتُ مِنْ طَرِيق الْحُمَيْدِيّ تَامًّا , وَنَقَلَ اِبْن التِّين كَلَام الْخَطَّابِيّ مُخْتَصَرًا وَفُهِمَ مِنْ قَوْله مَخْرُومًا أَنَّهُ قَدْ يُرِيد أَنَّ فِي السَّنَد اِنْقِطَاعًا فَقَالَ مِنْ قِبَل نَفْسه لِأَنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يَلْقَ الْحُمَيْدِيّ , وَهُوَ مِمَّا يُتَعَجَّب مِنْ إِطْلَاقه مَعَ قَوْل الْبُخَارِيّ \" حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيّ \" وَتَكْرَار ذَلِكَ مِنْهُ فِي هَذَا الْكِتَاب , وَجَزَمَ كُلّ مَنْ تَرْجَمَهُ بِأَنَّ الْحُمَيْدِيّ مِنْ شُيُوخه فِي الْفِقْه وَالْحَدِيث , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي مَشْيَخَته : لَا عُذْر لِلْبُخَارِيِّ فِي إِسْقَاطه لِأَنَّ الْحُمَيْدِيّ شَيْخه فِيهِ قَدْ رَوَاهُ فِي مُسْنَده عَلَى التَّمَام. قَالَ : وَذَكَرَ قَوْم أَنَّهُ لَعَلَّهُ اِسْتَمْلَاهُ مِنْ حِفْظ الْحُمَيْدِيّ فَحَدَّثَهُ هَكَذَا فَحَدَّثَ عَنْهُ كَمَا سَمِعَ أَوْ حَدَّثَهُ بِهِ تَامًّا فَسَقَطَ مِنْ حِفْظ الْبُخَارِيّ. قَالَ : وَهُوَ أَمْر مُسْتَبْعَد جِدًّا عِنْد مَنْ اِطَّلَعَ عَلَى أَحْوَال الْقَوْم. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ الشَّارِح : الْإِسْقَاط فِيهِ مِنْ الْبُخَارِيّ فَوُجُوده فِي رِوَايَة شَيْخه وَشَيْخ شَيْخه يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ اِنْتَهَى. وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيق بِشْر بْن مُوسَى وَأَبِي إِسْمَاعِيل التِّرْمِذِيّ وَغَيْر وَاحِد عَنْ الْحُمَيْدِيّ تَامًّا , وَهُوَ فِي مُصَنَّف قَاسِم بْن أَصْبَغ وَمُسْتَخْرَجَيْ أَبِي نُعَيْم وَصَحِيح أَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق الْحُمَيْدِيّ , فَإِنْ كَانَ الْإِسْقَاط مِنْ غَيْر الْبُخَارِيّ فَقَدْ يُقَال : لِمَ اِخْتَارَ الِابْتِدَاء بِهَذَا السِّيَاق النَّاقِص ؟ وَالْجَوَاب قَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ , وَأَنَّهُ اِخْتَارَ الْحُمَيْدِيّ لِكَوْنِهِ أَجَلّ مَشَايِخه الْمَكِّيِّينَ إِلَى آخِر مَا تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُنَاسَبَة , وَإِنْ كَانَ الْإِسْقَاط مِنْهُ فَالْجَوَاب مَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّد عَلِيّ بْن أَحْمَد بْن سَعِيد الْحَافِظ فِي أَجْوِبَة لَهُ عَلَى الْبُخَارِيّ : إِنَّ أَحْسَن مَا يُجَاب بِهِ هُنَا أَنْ يُقَال : لَعَلَّ الْبُخَارِيّ قَصَدَ أَنْ يَجْعَل لِكِتَابِهِ صَدْرًا يَسْتَفْتِح بِهِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِير مِنْ النَّاس مِنْ اِسْتِفْتَاح كُتُبهمْ بِالْخُطَبِ الْمُتَضَمِّنَة لِمَعَانِي مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ التَّأْلِيف , فَكَأَنَّهُ اِبْتَدَأَ كِتَابه بِنِيَّةٍ رَدَّ عِلْمهَا إِلَى اللَّه , فَإِنْ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ الدُّنْيَا أَوْ عَرَضَ إِلَى شَيْء مِنْ مَعَانِيهَا فَسَيَجْزِيهِ بِنِيَّتِهِ. وَنَكَبَ عَنْ أَحَدِ وَجْهَيْ التَّقْسِيم مُجَانَبَة لِلتَّزْكِيَةِ الَّتِي لَا يُنَاسِب ذِكْرهَا فِي ذَلِكَ الْمَقَام. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَحَاصِله أَنَّ الْجُمْلَة الْمَحْذُوفَة تُشْعِر بِالْقُرْبَةِ الْمَحْضَة , وَالْجُمْلَة الْمُبْقَاة تَحْتَمِل التَّرَدُّد بَيْن أَنْ يَكُون مَا قَصَدَهُ يُحَصِّل الْقُرْبَة أَوْ لَا , فَلَمَّا كَانَ الْمُصَنِّف كَالْمُخْبِرِ عَنْ حَال نَفْسه فِي تَصْنِيفه هَذَا بِعِبَارَةِ هَذَا الْحَدِيث حَذَفَ الْجُمْلَة الْمُشْعِرَة بِالْقُرْبَةِ الْمَحْضَة فِرَارًا مِنْ التَّزْكِيَة , وَبَقِيت الْجُمْلَة الْمُتَرَدِّدَة الْمُحْتَمِلَة تَفْوِيضًا لِلْأَمْرِ إِلَى رَبّه الْمُطَّلِع عَلَى سَرِيرَته الْمُجَازِي لَهُ بِمُقْتَضَى نِيَّته. وَلَمَّا كَانَتْ عَادَة الْمُصَنِّفِينَ أَنْ يُضَمِّنُوا الْخُطَب اِصْطِلَاحهمْ فِي مَذَاهِبهمْ وَاخْتِيَارَاتهمْ , وَكَانَ مِنْ رَأْي الْمُصَنِّف جَوَاز اِخْتِصَار الْحَدِيث وَالرِّوَايَة بِالْمَعْنَى وَالتَّدْقِيق فِي الِاسْتِنْبَاط وَإِيثَار الْأَغْمَض عَلَى الْأَجْلَى وَتَرْجِيح الْإِسْنَاد الْوَارِد بِالصِّيَغِ الْمُصَرِّحَة بِالسَّمَاعِ عَلَى غَيْره , اِسْتَعْمَلَ جَمِيع ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِع بِعِبَارَةِ هَذَا الْحَدِيث مَتْنًا وَإِسْنَادًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد فِي بَاب الْهِجْرَة تَأَخُّر قَوْله \" فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَته إِلَى اللَّه وَرَسُوله \" عَنْ قَوْله \" فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَته إِلَى دُنْيَا يُصِيبهَا \" , فَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ وَقَعَتْ عِنْد الْبُخَارِيّ كَذَلِكَ فَتَكُون الْجُمْلَة الْمَحْذُوفَة هِيَ الْأَخِيرَة كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَة مَنْ يَقْتَصِر عَلَى بَعْض الْحَدِيث. وَعَلَى تَقْدِير أَنْ لَا يَكُون ذَلِكَ فَهُوَ مَصِير مِنْ الْبُخَارِيّ إِلَى جَوَاز الِاخْتِصَار فِي الْحَدِيث وَلَوْ مِنْ أَثْنَائِهِ. وَهَذَا هُوَ الرَّاجِح , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع : إِنْ كَانَ الْحَدِيث عِنْد الْبُخَارِيّ تَامًّا لِمَ خَرَمَهُ فِي صَدْر الْكِتَاب , مَعَ أَنَّ الْخَرْم مُخْتَلَف فِي جَوَازه ؟ قُلْت : لَا جَزْم بِالْخَرْمِ ; لِأَنَّ الْمَقَامَات مُخْتَلِفَة , فَلَعَلَّهُ - فِي مَقَام بَيَان أَنَّ الْإِيمَان بِالنِّيَّةِ وَاعْتِقَاد الْقَلْب - سَمِعَ الْحَدِيث تَامًّا , وَفِي مَقَام أَنَّ الشُّرُوع فِي الْأَعْمَال إِنَّمَا يَصِحّ بِالنِّيَّةِ سَمِعَ ذَلِكَ الْقَدْر الَّذِي رُوِيَ. ثُمَّ الْخَرْم يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ بَعْض شُيُوخ الْبُخَارِيّ لَا مِنْهُ , ثُمَّ إِنْ كَانَ مِنْهُ فَخَرَمَهُ ثَمَّ لِأَنَّ الْمَقْصُود يَتِمّ بِذَلِكَ الْمِقْدَار. فَإِنْ قُلْت : فَكَانَ الْمُنَاسِب أَنْ يَذْكُر عِنْد الْخَرْم الشِّقّ الَّذِي يَتَعَلَّق بِمَقْصُودِهِ , وَهُوَ أَنَّ النِّيَّة يَنْبَغِي أَنْ تَكُون لِلَّهِ وَرَسُوله. قُلْت : لَعَلَّهُ نَظَرَ إِلَى مَا هُوَ الْغَالِب الْكَثِير بَيْن النَّاس. اِنْتَهَى. وَهُوَ كَلَام مَنْ لَمْ يَطَّلِع عَلَى شَيْء مِنْ أَقْوَال مَنْ قَدَّمْت ذِكْره مِنْ الْأَئِمَّة عَلَى هَذَا الْحَدِيث , وَلَا سِيَّمَا كَلَام اِبْن الْعَرَبِيّ. وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : إِنَّ إِيرَاد الْحَدِيث تَامًّا تَارَة وَغَيْر تَامّ تَارَة إِنَّمَا هُوَ اِخْتِلَاف الرُّوَاة , فَكُلّ مِنْهُمْ قَدْ رَوَى مَا سَمِعَهُ فَلَا خَرْم مِنْ أَحَد , وَلَكِنَّ الْبُخَارِيّ يَذْكُرهَا فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يُنَاسِب كُلًّا مِنْهَا بِحَسَبِ الْبَاب الَّذِي يَضَعهُ تَرْجَمَة لَهُ , اِنْتَهَى وَكَأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِع عَلَى حَدِيث أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ بِسَنَدٍ وَاحِد مِنْ اِبْتِدَائِهِ إِلَى اِنْتِهَائِهِ فَسَاقَهُ فِي مَوْضِع تَامًّا وَفِي مَوْضِع مُقْتَصِرًا عَلَى بَعْضه , وَهُوَ كَثِير جِدًّا فِي الْجَامِع الصَّحِيح , فَلَا يَرْتَاب مَنْ يَكُون الْحَدِيث صِن"
    },
    {
        "id": "2",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ ‏ ‏صَلْصَلَةِ ‏ ‏الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ ‏ ‏فَيُفْصَمُ ‏ ‏عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي ‏ ‏الْمَلَكُ ‏ ‏رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ ‏ ‏فَيَفْصِمُ ‏ ‏عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ ‏ ‏لَيَتَفَصَّدُ ‏ ‏عَرَقًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ التِّنِّيسِيُّ , كَانَ نَزَلَ تِنِّيس مِنْ عَمَل مِصْر , وَأَصْله دِمَشْقِيّ , وَهُوَ مِنْ أَتْقَن النَّاس فِي الْمُوَطَّأ , كَذَا وَصَفَهُ يَحْيَى بْن مَعِين. ‏ ‏قَوْله : ( أُمّ الْمُؤْمِنِينَ ) ‏ ‏هُوَ مَأْخُوذ مِنْ قَوْله تَعَالَى ( وَأَزْوَاجه أُمَّهَاتهمْ ) أَيْ : فِي الِاحْتِرَام وَتَحْرِيم نِكَاحهنَّ لَا فِي غَيْر ذَلِكَ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الرَّاجِح , وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْوَاحِدَةِ مِنْهُنَّ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ لِلتَّغْلِيبِ , وَإِلَّا فَلَا مَانِع مِنْ أَنْ يُقَال لَهَا أُمّ الْمُؤْمِنَات عَلَى الرَّاجِح. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ الْحَارِث بْن هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الْمَخْزُومِيّ , أَخُو أَبِي جَهْل شَقِيقه , أَسْلَمَ يَوْم الْفَتْح , وَكَانَ مِنْ فُضَلَاء الصَّحَابَة , وَاسْتُشْهِدَ فِي فُتُوح الشَّام. ‏ ‏قَوْله ( سَأَلَ ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَر الرُّوَاة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , فَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون عَائِشَة حَضَرَتْ ذَلِكَ , وَعَلَى هَذَا اِعْتَمَدَ أَصْحَاب الْأَطْرَاف فَأَخْرَجُوهُ فِي مُسْنَد عَائِشَة. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْحَارِث أَخْبَرَهَا بِذَلِكَ بَعْد فَيَكُون مِنْ مُرْسَل الصَّحَابَة , وَهُوَ مَحْكُوم بِوَصْلِهِ عِنْد الْجُمْهُور. وَقَدْ جَاءَ مَا يُؤَيِّد الثَّانِي , فَفِي مُسْنَد أَحْمَد وَمُعْجَم الْبَغَوِيِّ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق عَامِر بْن صَالِح الزُّبَيْرِيّ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة عَنْ الْحَارِث بْنِ هِشَام قَالَ : سَأَلْت. وَعَامِر فِيهِ ضَعْف , لَكِنْ وَجَدْت لَهُ مُتَابِعًا عِنْد اِبْن مَنْدَهْ , وَالْمَشْهُور الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( كَيْفَ يَأْتِيك الْوَحْي ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمَسْئُول عَنْهُ صِفَة الْوَحْي نَفْسه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون صِفَة حَامِله أَوْ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ , وَعَلَى كُلّ تَقْدِير فَإِسْنَاد الْإِتْيَان إِلَى الْوَحْي مَجَاز ; لِأَنَّ الْإِتْيَان حَقِيقَة مِنْ وَصْف حَامِله. وَاعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : هَذَا الْحَدِيث لَا يَصْلُح لِهَذِهِ التَّرْجَمَة , وَإِنَّمَا الْمُنَاسِب لِكَيْفِيَّةِ بَدْء الْوَحْي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده , وَأَمَّا هَذَا فَهُوَ لِكَيْفِيَّةِ إِتْيَان الْوَحْي لَا لِبَدْءِ الْوَحْي ا ه. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَعَلَّ الْمُرَاد مِنْهُ السُّؤَال عَنْ كَيْفِيَّة اِبْتِدَاء الْوَحْي , أَوْ عَنْ كَيْفِيَّة ظُهُور الْوَحْي , فَيُوَافِق تَرْجَمَة الْبَاب. قُلْت : سِيَاقه يُشْعِر بِخِلَافِ ذَلِكَ لِإِتْيَانِهِ بِصِيغَةِ الْمُسْتَقْبَل دُون الْمَاضِي , لَكِنْ يُمْكِن أَنْ يُقَال : إِنَّ الْمُنَاسَبَة تَظْهَر مِنْ الْجَوَاب ; لِأَنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى اِنْحِصَار صِفَة الْوَحْي أَوْ صِفَة حَامِله فِي الْأَمْرَيْنِ فَيَشْمَل حَالَة الِابْتِدَاء , وَأَيْضًا فَلَا أَثَر لِلتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِير هُنَا وَلَوْ لَمْ تَظْهَر الْمُنَاسَبَة , فَضْلًا عَنْ أَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ الْبُدَاءَة بِالتَّحْدِيثِ عَنْ إِمَامَيْ الْحِجَاز فَبَدَأَ بِمَكَّة ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَدِينَةِ. وَأَيْضًا فَلَا يَلْزَم أَنْ تَتَعَلَّقَ جَمِيع أَحَادِيث الْبَاب بِبَدْءِ الْوَحْي , بَلْ يَكْفِي أَنْ يَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ وَبِمَا يَتَعَلَّقَ بِهِ وَبِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْآيَةِ أَيْضًا , وَذَلِكَ أَنَّ أَحَادِيث الْبَاب تَتَعَلَّق بِلَفْظِ التَّرْجَمَة وَبِمَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ , وَلَمَّا كَانَ فِي الْآيَة أَنَّ الْوَحْي إِلَيْهِ نَظِير الْوَحْي إِلَى الْأَنْبِيَاء قَبْله نَاسَبَ تَقْدِيم مَا يَتَعَلَّق بِهَا وَهُوَ صِفَة الْوَحْي وَصِفَة حَامِله إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْوَحْي إِلَى الْأَنْبِيَاء لَا تَبَايُن فِيهِ , فَحَسُنَ إِيرَاد هَذَا الْحَدِيث عَقِبَ حَدِيث الْأَعْمَال الَّذِي تَقَدَّمَ التَّقْدِير بِأَنَّ تَعَلُّقه بِالْآيَةِ الْكَرِيمَة أَقْوَى تَعَلُّق , وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( أَحْيَانًا ) ‏ ‏جَمْع حِين يُطْلَق عَلَى كَثِير الْوَقْت وَقَلِيله , وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا مُجَرَّد الْوَقْت , فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَوْقَاتًا يَأْتِينِي , وَانْتَصَبَ عَلَى الظَّرْفِيَّة وَعَامِله \" يَأْتِينِي \" مُؤَخَّر عَنْهُ , وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ هِشَام فِي بَدْء الْخَلْق قَالَ : كُلّ ذَلِكَ يَأْتِي الْمَلَك , أَيْ : كُلّ ذَلِكَ حَالَتَانِ فَذَكَرَهُمَا. وَرَوَى اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول \" كَانَ الْوَحْي يَأْتِينِي عَلَى نَحْوَيْنِ : يَأْتِينِي بِهِ جِبْرِيل فَيُلْقِيه عَلَيَّ كَمَا يُلْقِي الرَّجُل عَلَى الرَّجُل , فَذَاكَ يَنْفَلِت مِنِّي. وَيَأْتِينِي فِي بَيْتِي مِثْل صَوْت الْجَرَس حَتَّى يُخَالِط قَلْبِي , فَذَاكَ الَّذِي لَا يَنْفَلِت مِنِّي \" وَهَذَا مُرْسَل مَعَ ثِقَة رِجَاله , فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا كَانَ قَبْل نُزُول قَوْله تَعَالَى ( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانك ) كَمَا سَيَأْتِي , فَإِنَّ الْمَلَك قَدْ تَمَثَّلَ رَجُلًا فِي صُوَر كَثِيرَة وَلَمْ يَنْفَلِت مِنْهُ مَا أَتَاهُ بِهِ كَمَا فِي قِصَّة مَجِيئِهِ فِي صُورَة دِحْيَة وَفِي صُورَة أَعْرَابِيّ وَغَيْر ذَلِكَ وَكُلّهَا فِي الصَّحِيح. وَأُورِدَ عَلَى مَا اِقْتَضَاهُ الْحَدِيث - وَهُوَ أَنَّ الْوَحْي مُنْحَصِر فِي الْحَالَتَيْنِ - حَالَات أُخْرَى : إِمَّا مِنْ صِفَة الْوَحْي كَمَجِيئِهِ كَدَوِيِّ النَّحْل , وَالنَّفْث فِي الرَّوْع , وَالْإِلْهَام , وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَة , وَالتَّكْلِيم لَيْلَة الْإِسْرَاء بِلَا وَاسِطَة. وَإِمَّا مِنْ صِفَة حَامِل الْوَحْي كَمَجِيئِهِ فِي صُورَته الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا لَهُ سِتّمِائَةِ جَنَاح , وَرُؤْيَته عَلَى كُرْسِيّ بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض وَقَدْ سَدَّ الْأُفُق. وَالْجَوَاب مَنْع الْحَصْر فِي الْحَالَتَيْنِ الْمُقَدَّم ذِكْرهمَا وَحَمْلهمَا عَلَى الْغَالِب , أَوْ حَمْل مَا يُغَايِرهُمَا عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ بَعْد السُّؤَال , أَوْ لَمْ يَتَعَرَّض لِصِفَتَيْ الْمَلَك الْمَذْكُورَتَيْنِ لِنُدُورِهِمَا , فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ كَذَلِكَ إِلَّا مَرَّتَيْنِ أَوْ لَمْ يَأْتِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَة بِوَحْيٍ أَوْ أَتَاهُ بِهِ فَكَانَ عَلَى مِثْل صَلْصَلَة الْجَرَس , فَإِنَّهُ بَيَّنَ بِهَا صِفَة الْوَحْي لَا صِفَة حَامِله. وَأَمَّا فُنُون الْوَحْي فَدَوِيّ النَّحْل لَا يُعَارِض صَلْصَلَة الْجَرَس ; لِأَنَّ سَمَاع الدَّوِيّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَاضِرِينَ - كَمَا فِي حَدِيث عُمَر - يُسْمَع عِنْده كَدَوِيِّ النَّحْل وَالصَّلْصَلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَشَبَّهَهُ عُمَر بَدْوِيّ النَّحْل بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّامِعِينَ , وَشَبَّهَهُ هُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَلْصَلَةِ الْجَرَس بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَقَامه. وَأَمَّا النَّفْث فِي الرَّوْع فَيُحْتَمَل أَنْ يَرْجِع إِلَى إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ , فَإِذَا أَتَاهُ الْمَلَك فِي مِثْل صَلْصَلَة الْجَرَس نَفَثَ حِينَئِذٍ فِي رَوْعه. وَأَمَّا الْإِلْهَام فَلَمْ يَقَع السُّؤَال عَنْهُ ; لِأَنَّ السُّؤَال وَقَعَ عَنْ صِفَة الْوَحْي الَّذِي يَأْتِي بِحَامِلٍ , وَكَذَا التَّكْلِيم لَيْلَة الْإِسْرَاء. وَأَمَّا الرُّؤْيَة الصَّالِحَة فَقَالَ اِبْن بَطَّال : لَا تَرِدُ ; لِأَنَّ السُّؤَال وَقَعَ عَمَّا يَنْفَرِد بِهِ عَنْ النَّاس ; لِأَنَّ الرُّؤْيَا قَدْ يُشْرِكهُ فِيهَا غَيْره ا ه. وَالرُّؤْيَا الصَّادِقَة وَإِنْ كَانَتْ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة فَهِيَ بِاعْتِبَارِ صِدْقهَا لَا غَيْر , وَإِلَّا لَسَاغَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يُسَمَّى نَبِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون السُّؤَال وَقَعَ عَمَّا فِي الْيَقَظَة , أَوْ لِكَوْنِ حَال الْمَنَام لَا يَخْفَى عَلَى السَّائِل فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا يَخْفَى عَلَيْهِ , أَوْ كَانَ ظُهُور ذَلِكَ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَام أَيْضًا عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَا غَيْر , قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ : وَفِيهِ نَظَر. وَقَدْ ذَكَرَ الْحَلِيمِيّ أَنَّ الْوَحْي كَانَ يَأْتِيه عَلَى سِتَّة وَأَرْبَعِينَ نَوْعًا - فَذَكَرَهَا - وَغَالِبهَا مِنْ صِفَات حَامِل الْوَحْي , وَمَجْمُوعهَا يَدْخُل فِيمَا ذُكِرَ , وَحَدِيث \" إِنَّ رُوح الْقُدُس نَفَثَ فِي رُوعِي , أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا فِي الْقَنَاعَة , وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( مِثْل صَلْصَلَة الْجَرَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فِي مِثْل صَلْصَلَة الْجَرَس \" وَالصَّلْصَلَة بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنهمَا لَام سَاكِنَة : فِي الْأَصْل صَوْت وُقُوع الْحَدِيد بَعْضه عَلَى بَعْض , ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُلّ صَوْت لَهُ طَنِين , وَقِيلَ : هُوَ صَوْت مُتَدَارَك لَا يُدْرَك فِي أَوَّل وَهْلَة , وَالْجَرَس الْجُلْجُل الَّذِي يُعَلَّق فِي رُءُوس الدَّوَابّ , وَاشْتِقَاقه مِنْ الْجَرْس بِإِسْكَانِ الرَّاء وَهُوَ الْحِسّ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْجَرَس نَاقُوس صَغِير أَوْ سَطْل فِي دَاخِله قِطْعَة نُحَاس يُعَلَّق مَنْكُوسًا عَلَى الْبَعِير , فَإِذَا تَحَرَّكَ تَحَرَّكَتْ النُّحَاسَة فَأَصَابَتْ السَّطْل فَحَصَلَتْ الصَّلْصَلَة ا ه. وَهُوَ تَطْوِيل لِلتَّعْرِيفِ بِمَا لَا طَائِل تَحْته. وَقَوْله قِطْعَة نُحَاس مُعْتَرِض لَا يَخْتَصّ بِهِ وَكَذَا الْبَعِير وَكَذَا قَوْله مَنْكُوسًا ; لِأَنَّ تَعْلِيقه عَلَى تِلْكَ الصُّورَة هُوَ وَضْعه الْمُسْتَقِيم لَهُ. فَإِنْ قِيلَ : الْمَحْمُود لَا يُشَبَّه بِالْمَذْمُومِ , إِذْ حَقِيقَة التَّشْبِيه إِلْحَاق نَاقِص بِكَامِلٍ , وَالْمُشَبَّه الْوَحْي وَهُوَ مَحْمُود , وَالْمُشَبَّه بِهِ صَوْت الْجَرَس وَهُوَ مَذْمُوم لِصِحَّةِ النَّهْي عَنْهُ وَالتَّنْفِير مِنْ مُرَافَقَة مَا هُوَ مُعَلَّق فِيهِ وَالْإِعْلَام بِأَنَّهُ لَا تَصْحَبهُمْ الْمَلَائِكَة كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرهمَا , فَكَيْفَ يُشَبَّه مَا فَعَلَهُ الْمَلَك بِأَمْر تَنْفِر مِنْهُ الْمَلَائِكَة ؟ وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَا يَلْزَم فِي التَّشْبِيه تَسَاوِي الْمُشَبَّه بِالْمُشَبَّهِ بِهِ فِي الصِّفَات كُلّهَا , بَلْ وَلَا فِي أَخَصّ وَصْف لَهُ , بَلْ يَكْفِي اِشْتِرَاكهمَا فِي صِفَة مَا , فَالْمَقْصُود هُنَا بَيَان الْجِنْس , فَذَكَرَ مَا أَلِفَ السَّامِعُونَ سَمَاعه تَقْرِيبًا لِأَفْهَامِهِمْ. وَالْحَاصِل أَنَّ الصَّوْت لَهُ جِهَتَانِ : جِهَة قُوَّة وَجِهَة طَنِين , فَمِنْ حَيْثُ الْقُوَّة وَقَعَ التَّشْبِيه بِهِ , وَمِنْ حَيْثُ الطَّرَب وَقَعَ التَّنْفِير عَنْهُ وَعُلِّلَ بِكَوْنِهِ مِزْمَار الشَّيْطَان , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون النَّهْي عَنْهُ وَقَعَ بَعْد السُّؤَال الْمَذْكُور وَفِيهِ نَظَر. قِيلَ : وَالصَّلْصَلَة الْمَذْكُورَة صَوْت الْمَلَك بِالْوَحْيِ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيد أَنَّهُ صَوْت مُتَدَارَك يَسْمَعهُ وَلَا يَتَبَيَّنهُ أَوَّل مَا يَسْمَعهُ حَتَّى يَفْهَمهُ بَعْد , وَقِيلَ : بَلْ هُوَ صَوْت حَفِيف أَجْنِحَة الْمَلَك 0 وَالْحِكْمَة فِي تَقَدُّمه أَنْ يَقْرَع سَمْعه الْوَحْي فَلَا يَبْقَى فِيهِ مَكَان لِغَيْرِهِ , وَلَمَّا كَانَ الْجَرَس لَا تَحْصُل صَلْصَلَته إِلَّا مُتَدَارِكَة وَقَعَ التَّشْبِيه بِهِ دُون غَيْره مِنْ الْآلَات , وَسَيَأْتِي كَلَام اِبْن بَطَّال فِي هَذَا الْمَقَام فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" إِذَا قَضَى اللَّه الْأَمْر فِي السَّمَاء ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَة بِأَجْنِحَتِهَا \" الْحَدِيث عِنْد تَفْسِير قَوْله : ( حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبهمْ ) فِي تَفْسِير سُورَة سَبَأ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ أَشَدّه عَلَيَّ ) ‏ ‏يُفْهَم مِنْهُ أَنَّ الْوَحْي كُلّه شَدِيد , وَلَكِنَّ هَذِهِ الصِّفَة أَشَدّهَا , وَهُوَ وَاضِح ; لِأَنَّ الْفَهْم مِنْ كَلَام مِثْل الصَّلْصَلَة أَشْكَل مِنْ الْفَهْم مِنْ كَلَام الرَّجُل بِالتَّخَاطُبِ الْمَعْهُود , وَالْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ الْعَادَة جَرَتْ بِالْمُنَاسَبَةِ بَيْن الْقَائِل وَالسَّامِع , وَهِيَ هُنَا إِمَّا بِاتِّصَافِ السَّامِع بِوَصْفِ الْقَائِل بِغَلَبَةِ الرُّوحَانِيَّة وَهُوَ النَّوْع الْأَوَّل , وَإِمَّا بِاتِّصَافِ الْقَائِل بِوَصْفِ السَّامِع وَهُوَ الْبَشَرِيَّة وَهُوَ النَّوْع الثَّانِي , وَالْأَوَّل أَشَدّ بِلَا شَكّ. وَقَالَ شَيْخنَا شَيْخ الْإِسْلَام الْبُلْقِينِيّ : سَبَب ذَلِكَ أَنَّ الْكَلَام الْعَظِيم لَهُ مُقَدِّمَات تُؤْذِن بِتَعْظِيمِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَانَ يُعَالِج مِنْ التَّنْزِيل شِدَّة \" قَالَ وَقَالَ بَعْضهمْ : وَإِنَّمَا كَانَ شَدِيدًا عَلَيْهِ لِيَسْتَجْمِع قَلْبه فَيَكُون أَوْعَى لِمَا سَمِعَ ا ه. وَقِيلَ إِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَنْزِل هَكَذَا إِذَا نَزَلَتْ آيَة وَعِيد أَوْ تَهْدِيد , وَهَذَا فِيهِ نَظَر , وَالظَّاهِر أَنَّهُ لَا يَخْتَصّ بِالْقُرْآنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي حَدِيث يَعْلَى بْن أُمَيَّة فِي قِصَّة لَابِس الْجُبَّة الْمُتَضَمِّخ بِالطِّيبِ فِي الْحَجّ , فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ \" رَآهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَال نُزُول الْوَحْي عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَيَغِطّ \" , وَفَائِدَة هَذِهِ الشِّدَّة مَا يَتَرَتَّب عَلَى الْمَشَقَّة مِنْ زِيَادَة الزُّلْفَى , وَالدَّرَجَات. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَفْصِم ) ‏ ‏فَتْح أَوَّله وَسُكُون الْفَاء وَكَسْر الْمُهْمَلَة أَيْ : يُقْلِع وَيَتَجَلَّى مَا يَغْشَانِي , وَيُرْوَى بِضَمِّ أَوَّله مِنْ الرُّبَاعِيّ , وَفِي رِوَايَة لِأَبِي ذَرّ بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الصَّاد عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَأَصْل الْفَصْم الْقَطْع , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( لَا اِنْفِصَام لَهَا ) , وَقِيلَ الْفَصْم بِالْفَاءِ الْقَطْع بِلَا إِبَانَة وَبِالْقَافِ الْقَطْع بِإِبَانَةٍ , فَذَكَرَ بِالْفَصْمِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمَلَك فَارَقَهُ لِيَعُودَ , وَالْجَامِع بَيْنهمَا بَقَاء الْعُلْقَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ وَعَيْت عَنْهُ مَا قَالَ ) ‏ ‏أَيْ : الْقَوْل الَّذِي جَاءَ بِهِ , وَفِيهِ إِسْنَاد الْوَحْي إِلَى قَوْل الْمَلَك , وَلَا مُعَارَضَة بَيْنه وَبَيْن قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَمَّنْ قَالَ مِنْ الْكُفَّار ( إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْل الْبَشَر ) لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُنْكِرُونَ الْوَحْي , وَيُنْكِرُونَ مَجِيء الْمَلَك بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَمَثَّل لِيَ الْمَلَك رَجُلًا ) ‏ ‏التَّمَثُّل مُشْتَقّ مِنْ الْمِثْل , أَيْ : يَتَصَوَّر. وَاللَّام فِي الْمَلَك لِلْعَهْدِ وَهُوَ جِبْرِيل , وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد الْمُقَدَّم ذِكْرهَا. وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَلَك يَتَشَكَّل بِشَكْلِ الْبَشَر. ‏ ‏قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ : الْمَلَائِكَة أَجْسَام عُلْوِيَّة لَطِيفَة تَتَشَكَّل أَيّ شَكْل أَرَادُوا , وَزَعَمَ بَعْض الْفَلَاسِفَة أَنَّهَا جَوَاهِر رُوحَانِيَّة , وَ \" رَجُلًا \" مَنْصُوب بِالْمَصْدَرِيَّةِ , أَيْ : يَتَمَثَّل مِثْل رَجُل , أَوْ بِالتَّمْيِيزِ , أَوْ بِالْحَالِ وَالتَّقْدِير هَيْئَة رَجُل. قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ : تَمَثُّل جِبْرِيل مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّه أَفْنَى الزَّائِد مِنْ خَلْقه أَوْ أَزَالَهُ عَنْهُ , ثُمَّ يُعِيدهُ إِلَيْهِ بَعْد. وَجَزَمَ اِبْن عَبْد السَّلَام بِالْإِزَالَةِ دُون الْفَنَاء , وَقَرَّرَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم أَنْ يَكُون اِنْتِقَالهَا مُوجِبًا لِمَوْتِهِ , بَلْ يَجُوز أَنْ يَبْقَى الْجَسَد حَيًّا ; لِأَنَّ مَوْت الْجَسَد بِمُفَارَقَةِ الرُّوح لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَقْلًا بَلْ بِعَادَةٍ أَجْرَاهَا اللَّه تَعَالَى فِي بَعْض خَلْقه. ‏ ‏وَنَظِيره اِنْتِقَال أَرْوَاح الشُّهَدَاء إِلَى أَجْوَاف طُيُور خُضْر تَسْرَح فِي الْجَنَّة. وَقَالَ شَيْخنَا شَيْخ الْإِسْلَام : مَا ذَكَرَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ لَا يَنْحَصِر الْحَال فِيهِ , بَلْ يَجُوز أَنْ يَكُون الثَّانِي هُوَ جِبْرِيل بِشَكْلِهِ الْأَصْلِيّ , إِلَّا أَنَّهُ اِنْضَمَّ فَصَارَ عَلَى قَدْر هَيْئَة الرَّجُل , وَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ عَادَ إِلَى هَيْئَته , وَمِثَال ذَلِكَ الْقُطْن إِذَا جُمِعَ بَعْد أَنْ كَانَ مُنْتَفِشًا فَإِنَّهُ بِالنَّفْشِ يَحْصُل لَهُ صُورَة كَبِيرَة وَذَاته لَمْ تَتَغَيَّر. وَهَذَا عَلَى سَبِيل التَّقْرِيب , وَالْحَقّ أَنَّ تَمَثُّل الْمَلَك رَجُلًا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ ذَاته اِنْقَلَبَتْ رَجُلًا , بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ ظَهَرَ بِتِلْكَ الصُّورَة تَأْنِيسًا لِمَنْ يُخَاطِبهُ. وَالظَّاهِر أَيْضًا أَنَّ الْقَدْر الزَّائِد لَا يَزُول وَلَا يَفْنَى , بَلْ يَخْفَى عَلَى الرَّائِي فَقَطْ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَيُكَلِّمنِي ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيق الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِك \" فَيُعَلِّمنِي \" بِالْعَيْنِ بَدَل الْكَاف , وَالظَّاهِر أَنَّهُ تَصْحِيف , فَقَدْ وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأ رِوَايَة الْقَعْنَبِيّ بِالْكَافِ , وَكَذَا لِلدَّارَقُطْنِيّ فِي حَدِيث مَالِك مِنْ طَرِيق الْقَعْنَبِيّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَعِي مَا يَقُول ) ‏ ‏زَادَ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه \" وَهُوَ أَهْوَنه عَلَيَّ \". وَقَدْ وَقَعَ التَّغَايُر فِي الْحَالَتَيْنِ حَيْثُ قَالَ فِي الْأُولَى \" وَقَدْ وَعَيْت \" بِلَفْظِ الْمَاضِي , وَهُنَا \" فَأَعِي \" بِلَفْظِ الِاسْتِقْبَال ; لِأَنَّ الْوَعْي حَصَلَ فِي الْأَوَّل قَبْل الْفَصْم , وَفِي الثَّانِي حَصَلَ حَال الْمُكَالَمَة , أَوْ أَنَّهُ كَانَ فِي الْأَوَّل قَدْ تَلَبَّسَ بِالصِّفَاتِ الْمَلَكِيَّة فَإِذَا عَادَ إِلَى حَالَته الْجِبِلِّيَّة كَانَ حَافِظًا لِمَا قِيلَ لَهُ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَاضِي , بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ عَلَى حَالَته الْمَعْهُودَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ عَائِشَة ) ‏ ‏هُوَ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْله , وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ حَرْف الْعَطْف كَمَا يَسْتَعْمِل الْمُصَنِّف وَغَيْره كَثِيرًا , وَحَيْثُ يُرِيد التَّعْلِيق يَأْتِي بِحَرْفِ الْعَطْف. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي حَدِيث مَالِك مِنْ طَرِيق عَتِيق بْن يَعْقُوب عَنْ مَالِك مَفْصُولًا عَنْ الْحَدِيث الْأَوَّل , وَكَذَا فَصَلَهُمَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام وَنُكْتَة هَذَا الِاقْتِطَاع هُنَا اِخْتِلَاف التَّحَمُّل ; لِأَنَّهَا فِي الْأَوَّل أَخْبَرَتْ عَنْ مَسْأَلَة الْحَارِث , وَفِي الثَّانِي أَخْبَرَتْ عَمَّا شَاهَدَتْ تَأْيِيدًا لِلْخَبَرِ الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( لَيَتَفَصَّد ) ‏ ‏بِالْفَاءِ وَتَشْدِيد الْمُهْمَلَة , مَأْخُوذ مِنْ الْفَصْد وَهُوَ قَطْع الْعِرْق لِإِسَالَةِ الدَّم , شُبِّهَ جَبِينه بِالْعِرْقِ الْمَفْصُود مُبَالَغَة فِي كَثْرَة الْعَرَق. وَفِي قَوْلهَا \" فِي الْيَوْم الشَّدِيد الْبَرْد \" دِلَالَة عَلَى كَثْرَة مُعَانَاة التَّعَب وَالْكَرْب عِنْد نُزُول الْوَحْي , لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَة الْعَادَة , وَهُوَ كَثْرَة الْعَرَق فِي شِدَّة الْبَرْد , فَإِنَّهُ يُشْعِر بِوُجُودِ أَمْر طَارِئ زَائِد عَلَى الطِّبَاع الْبَشَرِيَّة. ‏ ‏وَقَوْله \" عَرَقًا \" ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيز , زَادَ اِبْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ هِشَام بِهَذَا الْإِسْنَاد عِنْد الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل \" وَإِنْ كَانَ لَيُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ عَلَى نَاقَته فَيَضْرِب حِزَامهَا مِنْ ثِقَل مَا يُوحَى إِلَيْهِ \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏حَكَى الْعَسْكَرِيّ فِي التَّصْحِيف عَنْ بَعْض شُيُوخه أَنَّهُ قَرَأَ \" لَيَتَقَصَّد \" بِالْقَافِ , ثُمَّ قَالَ الْعَسْكَرِيّ : إِنْ ثَبَتَ فَهُوَ مِنْ قَوْلهمْ تَقَصَّدَ الشَّيْء إِذَا تَكَسَّرَ وَتَقَطَّعَ , وَلَا يَخْفَى بُعْده اِنْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا التَّصْحِيف أَبُو الْفَضْل بْن طَاهِر , فَرَدَّهُ عَلَيْهِ الْمُؤْتَمِن السَّاجِيُّ بِالْفَاءِ , قَالَ : فَأَصَرَّ عَلَى الْقَاف , وَذَكَرَ الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة اِبْن طَاهِر عَنْ اِبْن نَاصِر أَنَّهُ رَدَّ عَلَى اِبْن طَاهِر لَمَّا قَرَأَهَا بِالْقَافِ , قَالَ : فَكَابَرَنِي. قُلْت : وَلَعَلَّ اِبْن طَاهِر وَجَّهَهَا بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْعَسْكَرِيّ. وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد - غَيْر مَا تَقَدَّمَ - أَنَّ السُّؤَال عَنْ الْكَيْفِيَّة لِطَلَبِ الطُّمَأْنِينَة لَا يَقْدَح فِي الْيَقِين , وَجَوَاز السُّؤَال عَنْ أَحْوَال الْأَنْبِيَاء مِنْ الْوَحْي وَغَيْره , وَأَنَّ الْمَسْئُول عَنْهُ إِذَا كَانَ ذَا أَقْسَام يَذْكُر الْمُجِيب فِي أَوَّل جَوَابه مَا يَقْتَضِي التَّفْصِيل. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ ‏ ‏فَلَقِ ‏ ‏الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو ‏ ‏بِغَارِ حِرَاءٍ ‏ ‏فَيَتَحَنَّثُ ‏ ‏فِيهِ ‏ ‏وَهُوَ التَّعَبُّدُ ‏ ‏اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ ‏ ‏يَنْزِعَ ‏ ‏إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي ‏ ‏غَارِ حِرَاءٍ ‏ ‏فَجَاءَهُ ‏ ‏الْمَلَكُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي ‏ ‏فَغَطَّنِي ‏ ‏حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ ‏ ‏أَرْسَلَنِي ‏ ‏فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي ‏ ‏فَغَطَّنِي ‏ ‏الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ ‏ ‏أَرْسَلَنِي ‏ ‏فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي ‏ ‏فَغَطَّنِي ‏ ‏الثَّالِثَةَ ثُمَّ ‏ ‏أَرْسَلَنِي ‏ ‏فَقَالَ ‏ { ‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ ‏ ‏عَلَقٍ ‏ ‏اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ‏} ‏فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى ‏ ‏خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏زَمِّلُونِي ‏ ‏زَمِّلُونِي ‏ ‏فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ ‏ ‏الرَّوْعُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لِخَدِيجَةَ ‏ ‏وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَقَالَتْ ‏ ‏خَدِيجَةُ ‏ ‏كَلَّا وَاللَّهِ ‏ ‏مَا يُخْزِيكَ ‏ ‏اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ ‏ ‏الْكَلَّ ‏ ‏وَتَكْسِبُ ‏ ‏الْمَعْدُومَ ‏ ‏وَتَقْرِي ‏ ‏الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى ‏ ‏نَوَائِبِ ‏ ‏الْحَقِّ فَانْطَلَقَتْ بِهِ ‏ ‏خَدِيجَةُ ‏ ‏حَتَّى أَتَتْ بِهِ ‏ ‏وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ‏ ‏ابْنَ عَمِّ ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏وَكَانَ امْرَأً قَدْ ‏ ‏تَنَصَّرَ ‏ ‏فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ لَهُ ‏ ‏خَدِيجَةُ ‏ ‏يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏وَرَقَةُ ‏ ‏يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ لَهُ ‏ ‏وَرَقَةُ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏النَّامُوسُ ‏ ‏الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا ‏ ‏مُؤَزَّرًا ‏ ‏ثُمَّ لَمْ ‏ ‏يَنْشَبْ ‏ ‏وَرَقَةُ ‏ ‏أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا ‏ ‏الْمَلَكُ ‏ ‏الَّذِي جَاءَنِي ‏ ‏بِحِرَاءٍ ‏ ‏جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَرُعِبْتُ مِنْهُ فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ ‏ ‏زَمِّلُونِي ‏ ‏زَمِّلُونِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏يَا أَيُّهَا ‏ ‏الْمُدَّثِّرُ ‏ ‏قُمْ فَأَنْذِرْ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏وَالرُّجْزَ ‏ ‏فَاهْجُرْ ‏} ‏فَحَمِيَ ‏ ‏الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏وَأَبُو صَالِحٍ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَمَعْمَرٌ ‏ ‏بَوَادِرُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن بُكَيْر ) ‏ ‏هُوَ يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن بُكَيْر نِسْبَة إِلَى جَدّه لِشُهْرَتِهِ بِذَلِكَ , وَهُوَ مِنْ كِبَار حُفَّاظ الْمِصْرِيِّينَ , وَأَثْبَت النَّاس فِي اللَّيْث بْن سَعْد الْفَهْمِيّ فَقِيه الْمِصْرِيِّينَ. وَعُقَيْل بِالضَّمِّ عَلَى التَّصْغِير , وَهُوَ مِنْ أَثْبَت الرُّوَاة عَنْ اِبْن شِهَاب , وَهُوَ أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن شِهَاب بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث بْن زُهْرَة الْفَقِيه , نُسِبَ إِلَى جَدّ جَدّه لِشُهْرَتِهِ , الزُّهْرِيُّ نُسِبَ إِلَى جَدّه الْأَعْلَى زُهْرَة بْن كِلَاب , وَهُوَ مِنْ رَهْط آمِنَة أُمّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , اتَّفَقُوا عَلَى إِتْقَانه وَإِمَامَته. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْوَحْي ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ تَكُون \" مِنْ \" تَبْعِيضِيَّة , أَيْ : مِنْ أَقْسَام الْوَحْي , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون بَيَانِيَّة وَرَجَّحَهُ الْقَزَّاز. وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر وَيُونُس عِنْد الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِير \" الصَّادِقَة \" وَهِيَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ضِغْث , وَبُدِئَ بِذَلِكَ لِيَكُونَ تَمْهِيدًا وَتَوْطِئَة لِلْيَقَظَةِ , ثُمَّ مَهَّدَ لَهُ فِي الْيَقَظَة أَيْضًا رُؤْيَة الضَّوْء وَسَمَاع الصَّوْت وَسَلَام الْحَجَر. ‏ ‏قَوْله : ( فِي النَّوْم ) ‏ ‏لِزِيَادَةِ الْإِيضَاح , أَوْ لِيُخْرِج رُؤْيَا الْعَيْن فِي الْيَقَظَة لِجَوَازِ إِطْلَاقهَا مَجَازًا. ‏ ‏قَوْله : ( مِثْل فَلَق الصُّبْح ) ‏ ‏بِنَصْبِ مِثْل عَلَى الْحَال , أَيْ : مُشْبِهَة ضِيَاء الصُّبْح , أَوْ عَلَى أَنَّهُ صِفَة لِمَحْذُوفٍ , أَيْ : جَاءَتْ مَجِيئًا مِثْل فَلَق الصُّبْح. وَالْمُرَاد بِفَلَقِ الصُّبْح ضِيَاؤُهُ. وَخُصَّ بِالتَّشْبِيهِ لِظُهُورِهِ الْوَاضِح الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حُبِّبَ ) ‏ ‏لَمْ يُسَمَّ فَاعِله لِعَدَمِ تَحَقُّق الْبَاعِث عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كُلّ مَنْ عِنْد اللَّه , أَوْ لِيُنَبِّه عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَاعِث الْبَشَر , أَوْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ وَحْي الْإِلْهَام. وَالْخَلَاء بِالْمَدِّ الْخَلْوَة , وَالسِّرّ فِيهِ أَنَّ الْخَلْوَة فَرَاغ الْقَلْب لِمَا يَتَوَجَّه لَهُ. وَحِرَاء بِالْمَدِّ وَكَسْر أَوَّله كَذَا فِي الرِّوَايَة وَهُوَ صَحِيح , وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ بِالْفَتْحِ وَالْقَصْر وَقَدْ حُكِيَ أَيْضًا , وَحُكِيَ فِيهِ غَيْر ذَلِكَ جَوَازًا لَا رِوَايَة. هُوَ جَبَل مَعْرُوف بِمَكَّة. وَالْغَار نَقْب فِي الْجَبَل وَجَمْعه غِيرَان. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَتَحَنَّث ) ‏ ‏هِيَ بِمَعْنَى يَتَحَنَّف , أَيْ : يَتَّبِع الْحَنِفِيَّة وَهِيَ دِين إِبْرَاهِيم , وَالْفَاء تُبْدَل ثَاء فِي كَثِير مِنْ كَلَامهمْ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن هِشَام فِي السِّيرَة \" يَتَحَنَّف \" بِالْفَاءِ أَوْ التَّحَنُّث إِلْقَاء الْحِنْث وَهُوَ الْإِثْم , كَمَا قِيلَ يَتَأَثَّم وَيَتَحَرَّج وَنَحْوهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ التَّعَبُّد ) ‏ ‏هَذَا مُدْرَج فِي الْخَبَر , وَهُوَ مِنْ تَفْسِير الزُّهْرِيّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الطِّيبِيُّ وَلَمْ يَذْكُر دَلِيله , نَعَمْ فِي رِوَايَة الْمُؤَلِّف مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْهُ فِي التَّفْسِير مَا يَدُلّ عَلَى الْإِدْرَاج. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّيَالِي ذَوَات الْعَدَد ) ‏ ‏يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ يَتَحَنَّث , وَإِبْهَام الْعَدَد لِاخْتِلَافِهِ , كَذَا قِيلَ. وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُدَد الَّتِي يَتَخَلَّلهَا مَجِيئُهُ إِلَى أَهْله , وَإِلَّا فَأَصْل الْخَلْوَة قَدْ عُرِفَتْ مُدَّتهَا وَهِيَ شَهْر , وَذَلِكَ الشَّهْر كَانَ رَمَضَان رَوَاهُ اِبْن إِسْحَاق. وَاللَّيَالِي مَنْصُوبَة عَلَى الظَّرْف , وَذَوَات مَنْصُوبَة أَيْضًا وَعَلَامَة النَّصْب فِيهِ كَسْر التَّاء. وَيَنْزِع بِكَسْرِ الزَّاي أَيْ : يَرْجِع وَزْنًا وَمَعْنًى , وَرَوَاهُ الْمُؤَلِّف بِلَفْظِهِ فِي التَّفْسِير. ‏ ‏قَوْله : ( لِمِثْلِهَا ) ‏ ‏أَيْ : اللَّيَالِي. وَالتَّزَوُّد اِسْتِصْحَاب الزَّاد. وَيَتَزَوَّد مَعْطُوف عَلَى يَتَحَنَّث. وَخَدِيجَة هِيَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ بِنْت خُوَيْلِد بْن أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى , تَأْتِي أَخْبَارهَا فِي مَنَاقِبهَا. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى جَاءَهُ الْحَقّ ) ‏ ‏أَيْ : الْأَمْر الْحَقّ , وَفِي التَّفْسِير : حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقّ - بِكَسْرِ الْجِيم - أَيْ بَغَتَهُ. وَإِنْ ثَبَتَ مِنْ مُرْسَل عُبَيْد بْن عُمَيْر أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ فِي الْمَنَام أَوَّلًا قَبْل الْيَقَظَة , أَمْكَنَ أَنْ يَكُون مَجِيء الْمَلَك فِي الْيَقَظَة عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَام. وَسُمِّيَ حَقًّا لِأَنَّهُ وَحْي مِنْ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّل شَأْنه يَرَى فِي الْمَنَام , وَكَانَ أَوَّل مَا رَأَى جِبْرِيل بِأَجْيَاد , صَرَخَ جِبْرِيل \" يَا مُحَمَّد \" فَنَظَرَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمْ يَرَ شَيْئًا , فَرَفَعَ بَصَره فَإِذَا هُوَ عَلَى أُفُق السَّمَاء فَقَالَ \" يَا مُحَمَّد , جِبْرِيل \" فَهَرَبَ فَدَخَلَ فِي النَّاس فَلَمْ يَرَ شَيْئًا , ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُمْ فَنَادَاهُ فَهَرَبَ. ثُمَّ اِسْتَعْلَنَ لَهُ جِبْرِيل مِنْ قِبَل حِرَاء , ‏ ‏فَذَكَر قِصَّة إِقْرَائِهِ ( اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك ) ‏ ‏وَرَأَى حِينَئِذٍ جِبْرِيل لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ يَاقُوت يَخْتَطِفَانِ الْبَصَر , وَهَذَا مِنْ رِوَايَة اِبْن لَهِيعَة عَنْ أَبِي الْأَسْوَد , وَابْن لَهِيعَة ضَعِيف. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا \" لَمْ أَرَهُ - يَعْنِي جِبْرِيل - عَلَى صُورَته الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا إِلَّا مَرَّتَيْنِ \" , وَبَيَّنَ أَحْمَد فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَنَّ الْأُولَى كَانَتْ عِنْد سُؤَاله إِيَّاهُ أَنْ يُرِيه صُورَته الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا , وَالثَّانِيَة عِنْد الْمِعْرَاج. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة \" لَمْ يَرَ مُحَمَّد جِبْرِيل فِي صُورَته إِلَّا مَرَّتَيْنِ : مَرَّة عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهَى , وَمَرَّة فِي أَجْيَاد \" وَهَذَا يُقَوِّي رِوَايَة اِبْن لَهِيعَة , وَتَكُون هَذِهِ الْمَرَّة غَيْر الْمَرَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ , وَإِنَّمَا لَمْ يَضُمّهَا إِلَيْهِمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُون رَآهُ فِيهَا عَلَى تَمَام صُورَته , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. وَوَقَعَ فِي السِّيرَة الَّتِي جَمَعَهَا سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ فَرَوَاهَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى عَنْ وَلَده مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ أَبِيهِ أَنَّ جِبْرِيل أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِرَاء وَأَقْرَأهُ ( اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك ) ثُمَّ اِنْصَرَفَ , فَبَقِيَ مُتَرَدِّدًا , فَأَتَاهُ مِنْ أَمَامه فِي صُورَته فَرَأَى أَمْرًا عَظِيمًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَهُ ) ‏ ‏هَذِهِ الْفَاء تُسَمَّى التَّفْسِيرِيَّة وَلَيْسَتْ التَّعْقِيدِيَّة ; لِأَنَّ مَجِيء الْمَلَك لَيْسَ بَعْد مَجِيء الْوَحْي حَتَّى تُعُقِّبَ بِهِ , بَلْ هُوَ نَفْسه , وَلَا يَلْزَم مِنْ هَذَا التَّقْرِير أَنْ يَكُون مِنْ بَاب تَفْسِير الشَّيْء بِنَفْسِهِ , بَلْ التَّفْسِير عَيْن الْمُفَسَّر بِهِ مِنْ جِهَة الْإِجْمَال , وَغَيْره مِنْ جِهَة التَّفْصِيل. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَنَا بِقَارِئ ) ‏ ‏ثَلَاثًا. \" مَا \" نَافِيَة , إِذْ لَوْ كَانَتْ اِسْتِفْهَامِيَّة لَمْ يَصْلُح دُخُول الْبَاء , وَإِنْ حُكِيَ عَنْ الْأَخْفَش جَوَازه فَهُوَ شَاذّ , وَالْبَاء زَائِدَة لِتَأْكِيدِ النَّفْي , أَيْ : مَا أُحْسِنُ الْقِرَاءَة. فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا قِيلَ لَهُ ( اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك ) أَيْ : لَا تَقْرَؤُهُ بِقُوَّتِك وَلَا بِمَعْرِفَتِك , لَكِنْ بِحَوْلِ رَبّك وَإِعَانَته , فَهُوَ يُعَلِّمك , كَمَا خَلَقَك وَكَمَا نَزَعَ عَنْك عَلَق الدَّم وَغَمْز الشَّيْطَان فِي الصِّغَر , وَعَلَّمَ أُمَّتك حَتَّى صَارَتْ تَكْتُب بِالْقَلَمِ بَعْد أَنْ كَانَتْ أُمِّيَّة , ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيّ. وَقَالَ غَيْره : إِنَّ هَذَا التَّرْكِيب - وَهُوَ قَوْله مَا أَنَا بِقَارِئ - يُفِيد الِاخْتِصَاص. وَرَدَّهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُفِيد التَّقْوِيَة وَالتَّأْكِيد , وَالتَّقْدِير : لَسْت بِقَارِئ أَلْبَتَّةَ. فَإِنْ قِيلَ : لِمَ كَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ؟ أَجَابَ أَبُو شَامَة بِأَنْ يُحْمَل قَوْله أَوَّلًا \" مَا أَنَا بِقَارِئ \" عَلَى الِامْتِنَاع , وَثَانِيًا عَلَى الْإِخْبَار بِالنَّفْيِ الْمَحْض , وَثَالِثًا عَلَى الِاسْتِفْهَام. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد فِي مَغَازِيه عَنْ عُرْوَة أَنَّهُ قَالَ : كَيْفَ أَقْرَأ وَفِي رِوَايَة عُبَيْد بْن عُمَيْر عَنْ اِبْن إِسْحَاق : مَاذَا أَقْرَأ ؟ وَفِي مُرْسَل الزُّهْرِيّ فِي دَلَائِل الْبَيْهَقِيّ : كَيْفَ أَقْرَأ ؟ كُلّ ذَلِكَ يُؤَيِّد أَنَّهَا اِسْتِفْهَامِيَّة. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَغَطَّنِي ) ‏ ‏بِغَيْنٍ مُعْجَمَة وَطَاء مُهْمَلَة , وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ بِتَاءٍ مُثَنَّاة مِنْ فَوْق كَأَنَّهُ أَرَادَ ضَمَّنِي وَعَصَرَنِي , وَالْغَطّ حَبْس النَّفَس , وَمِنْهُ غَطَّهُ فِي الْمَاء , أَوْ أَرَادَ غَمَّنِي وَمِنْهُ الْخَنْق. وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَده بِسَنَدٍ حَسَن : فَأَخَذَ بِحَلْقِي. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْد ) ‏ ‏رُوِيَ بِالْفَتْحِ وَالنَّصْب , أَيْ : بَلَغَ الْغَطّ مِنِّي غَايَة وُسْعِي. وَرُوِيَ بِالضَّمِّ وَالرَّفْع أَيْ بَلَغَ مِنِّي الْجَهْد مَبْلَغه. وَقَوْله \" أَرْسَلَنِي \" أَيْ : أَطْلَقَنِي , وَلَمْ يَذْكُر الْجَهْد هُنَا فِي الْمَرَّة الثَّالِثَة , وَهُوَ ثَابِت عِنْد الْمُؤَلِّف فِي التَّفْسِير. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَجَعَ بِهَا ) ‏ ‏أَيْ بِالْآيَاتِ أَوْ بِالْقِصَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَزَمَّلُوهُ ) ‏ ‏أَيْ : لَفُّوهُ. وَالرَّوْع بِالْفَتْحِ الْفَزَع. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ خَشِيت عَلَى نَفْسِي ) ‏ ‏دَلَّ هَذَا مَعَ قَوْله \" يَرْجُف فُؤَاده \" عَلَى اِنْفِعَال حَصَلَ لَهُ مِنْ مَجِيء الْمَلَك , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ \" زَمِّلُونِي \". وَالْخَشْيَة الْمَذْكُورَة اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِهَا عَلَى اِثْنَيْ عَشَر قَوْلًا : أَوَّلهَا : الْجُنُون وَأَنْ يَكُون مَا رَآهُ مِنْ جِنْس الْكَهَانَة , جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي عِدَّة طُرُق , وَأَبْطَلَهُ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ وَحُقّ لَهُ أَنْ يُبْطِل , لَكِنْ حَمَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ لَهُ قَبْل حُصُول الْعِلْم الضَّرُورِيّ لَهُ أَنَّ الَّذِي جَاءَهُ مَلَك وَأَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه تَعَالَى. ثَانِيهَا : الْهَاجِس , وَهُوَ بَاطِل أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِرّ وَهَذَا اِسْتَقَرَّ وَحَصَلَتْ بَيْنهمَا الْمُرَاجَعَة. ثَالِثهَا : الْمَوْت مِنْ شِدَّة الرُّعْب. رَابِعهَا : الْمَرَض , وَقَدْ جَزَمَ بِهِ اِبْن أَبِي جَمْرَة. خَامِسهَا : دَوَام الْمَرَض. سَادِسهَا : الْعَجْز عَنْ حَمْل أَعْبَاء النُّبُوَّة. سَابِعهَا : الْعَجْز عَنْ النَّظَر إِلَى الْمَلَك مِنْ الرُّعْب. ثَامِنهَا : عَدَم الصَّبْر عَلَى أَذَى قَوْمه. تَاسِعهَا : أَنْ يَقْتُلُوهُ. عَاشِرهَا : مُفَارَقَة الْوَطَن. حَادِيَ عَشَرهَا : تَكْذِيبهمْ إِيَّاهُ. ثَانِيَ عَشَرهَا : تَعْيِيرهمْ إِيَّاهُ. وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ وَأَسْلَمهَا مِنْ الِارْتِيَاب الثَّالِث وَاَللَّذَانِ بَعْده , وَمَا عَدَاهَا فَهُوَ مُعْتَرَض. وَاَللَّه الْمُوَفِّق. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَتْ خَدِيجَة كَلَّا ) ‏ ‏مَعْنَاهَا النَّفْي وَالْإِبْعَاد , وَيَحْزُنك بِفَتْحِ أَوَّله وَالْحَاء الْمُهْمَلَة وَالزَّاي الْمَضْمُومَة وَالنُّون مِنْ الْحُزْن. وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرّ بِضَمِّ أَوَّله وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَالزَّاي الْمَكْسُورَة ثُمَّ الْيَاء السَّاكِنَة مِنْ الْخِزْي. ثُمَّ اِسْتَدَلَّتْ عَلَى مَا أَقْسَمَتْ عَلَيْهِ مِنْ نَفْي ذَلِكَ أَبَدًا بِأَمْرٍ اِسْتِقْرَائِيّ وَصَفَتْهُ بِأُصُولِ مَكَارِم الْأَخْلَاق ; لِأَنَّ الْإِحْسَان إِمَّا إِلَى الْأَقَارِب أَوْ إِلَى الْأَجَانِب , وَإِمَّا بِالْبَدَنِ أَوْ بِالْمَالِ , وَإِمَّا عَلَى مَنْ يَسْتَقِلّ بِأَمْرِهِ أَوْ مَنْ لَا يَسْتَقِلّ , وَذَلِكَ كُلّه مَجْمُوع فِيمَا وَصَفَتْهُ بِهِ. وَالْكَلّ بِفَتْحِ الْكَاف : هُوَ مَنْ لَا يَسْتَقِلّ بِأَمْرِهِ كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ ) ‏ ‏وَقَوْلهَا \" وَتَكْسِب الْمَعْدُوم \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ وَتُكْسِب بِضَمِّ أَوَّله , وَعَلَيْهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الصَّوَاب الْمُعْدِم بِلَا وَاو أَيْ : الْفَقِير ; لِأَنَّ الْمَعْدُوم لَا يَكْسِب. قُلْت : وَلَا يَمْتَنِع أَنْ يُطْلَق عَلَى الْمُعْدِم الْمَعْدُوم لِكَوْنِهِ كَالْمَعْدُومِ الْمَيِّت الَّذِي لَا تَصَرُّف لَهُ , وَالْكَسْب هُوَ الِاسْتِفَادَة. فَكَأَنَّهَا قَالَتْ : إِذَا رَغِبَ غَيْرك أَنْ يَسْتَفِيد مَالًا مَوْجُودًا رَغِبْت أَنْتَ أَنْ تَسْتَفِيد رَجُلًا عَاجِزًا فَتُعَاوِنَه. وَقَالَ قَاسِم بْن ثَابِت فِي الدَّلَائِل : قَوْله يَكْسِب مَعْنَاهُ مَا يَعْدَمهُ غَيْره وَيَعْجِز عَنْهُ يُصِيبهُ هُوَ وَيَكْسِبهُ. قَالَ أَعْرَابِيّ يَمْدَح إِنْسَانًا : كَانَ أَكْسَبَهُمْ لِمَعْدُومٍ , وَأَعْطَاهُمْ لِمَحْرُومٍ وَأَنْشَدَ فِي وَصْف ذِئْب ‏ ‏كَسُوب كَذَا الْمَعْدُوم مِنْ كَسْب وَاحِد ‏ ‏أَيْ : مِمَّا يَكْسِبهُ وَحْده. اِنْتَهَى. وَلِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَتَكْسِب \" بِفَتْحِ أَوَّله , قَالَ عِيَاض : وَهَذِهِ الرِّوَايَة أَصَحّ. قُلْت : قَدْ وَجَّهْنَا الْأُولَى , وَهَذِهِ الرَّاجِحَة , وَمَعْنَاهَا تُعْطِي النَّاس مَا لَا يَجِدُونَهُ عِنْد غَيْرك , فَحَذَفَ أَحَد الْمَفْعُولَيْنِ , وَيُقَال : كَسَبْت الرَّجُل مَالًا وَأَكْسَبْته بِمَعْنًى. وَقِيلَ : مَعْنَاهُ تَكْسِب الْمَالَ الْمَعْدُومَ وَتُصِيب مِنْهُ مَا لَا يُصِيب غَيْرك. وَكَانَتْ الْعَرَب تَتَمَادَح بِكَسْبِ الْمَال , لَا سِيَّمَا قُرَيْش. وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل الْبَعْثَة مَحْظُوظًا فِي التِّجَارَة. وَإِنَّمَا يَصِحّ هَذَا الْمَعْنَى إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ مَا يَلِيق بِهِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ مَعَ إِفَادَته لِلْمَالِ يَجُود بِهِ فِي الْوُجُوه الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْمَكْرُمَات. ‏ ‏وَقَوْلهَا \" وَتُعِين عَلَى نَوَائِب الْحَقّ \" ‏ ‏هِيَ كَلِمَة جَامِعَة لِأَفْرَادِ مَا تَقَدَّمَ وَلِمَا لَمْ يَتَقَدَّم وَفِي رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ مِنْ الزِّيَادَة \" وَتَصْدُق الْحَدِيث \" وَهِيَ مِنْ أَشْرَف الْخِصَال. وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" وَتُؤَدِّي الْأَمَانَة \". وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ الْفَوَائِد اِسْتِحْبَاب تَأْنِيس مَنْ نَزَلَ بِهِ أَمْر بِذِكْرِ تَيْسِيره عَلَيْهِ وَتَهْوِينه لَدَيْهِ , وَأَنَّ مَنْ نَزَلَ بِهِ أَمْر اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُطْلِع عَلَيْهِ مَنْ يَثِق بِنَصِيحَتِهِ وَصِحَّة رَأْيه. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَتْ بِهِ ) ‏ ‏أَيْ مَضَتْ مَعَهُ , فَالْبَاء لِلْمُصَاحَبَةِ. وَوَرَقَة بِفَتْحِ الرَّاء. ‏ ‏وَقَوْله \" اِبْن عَمّ خَدِيجَة \" ‏ ‏هُوَ بِنَصْبِ اِبْن وَيُكْتَب بِالْأَلِفِ , وَهُوَ بَدَل مِنْ وَرَقَة أَوْ صِفَة أَوْ بَيَان , وَلَا يَجُوز جَرّه فَإِنَّهُ يَصِير صِفَة لِعَبْدِ الْعُزَّى , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَلَا كَتْبه بِغَيْرِ أَلِف ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقَع بَيْن عَلَمَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَنَصَّرَ ) ‏ ‏أَيْ : صَارَ نَصْرَانِيًّا , وَكَانَ قَدْ خَرَجَ هُوَ وَزَيْد بْن عَمْرو بْن نُفَيْل لَمَّا كَرِهَا عِبَادَة الْأَوْثَان إِلَى الشَّام وَغَيْرهَا يَسْأَلُونَ عَنْ الدِّين , فَأَمَّا وَرَقَة فَأَعْجَبَهُ دِين النَّصْرَانِيَّة فَتَنَصَّرَ , وَكَانَ لَقِيَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الرُّهْبَان عَلَى دِين عِيسَى وَلَمْ يُبَدَّل , وَلِهَذَا أَخْبَرَ بِشَأْنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْبِشَارَة بِهِ , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا أَفْسَدَهُ أَهْل التَّبْدِيل وَأَمَّا زَيْد بْن عَمْرو فَسَيَأْتِي خَبَره فِي الْمَنَاقِب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ يَكْتُب الْكِتَاب الْعِبْرَانِيّ فَيَكْتُب مِنْ الْإِنْجِيل بِالْعِبْرَانِيَّةِ ) ‏ ‏, وَفِي رِوَايَة يُونُس وَمَعْمَر : وَيَكْتُب مِنْ الْإِنْجِيل بِالْعَرَبِيَّةِ. وَلِمُسْلِمٍ : فَكَانَ يَكْتُب الْكِتَاب الْعَرَبِيّ. وَالْجَمِيع صَحِيح ; لِأَنَّ وَرَقَة تَعَلَّمَ اللِّسَان الْعِبْرَانِيّ وَالْكِتَابَة الْعِبْرَانِيَّة فَكَانَ يَكْتُب الْكِتَاب الْعِبْرَانِيّ كَمَا كَانَ يَكْتُب الْكِتَاب الْعَرَبِيّ , لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْكِتَابَيْنِ وَاللِّسَانَيْنِ. وَوَقَعَ لِبَعْضِ الشُّرَّاح هُنَا خَبْط فَلَا يُعْرَج عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا وَصَفَتْه بِكِتَابَةِ الْإِنْجِيل دُون حِفْظه لِأَنَّ حِفْظ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل لَمْ يَكُنْ مُتَيَسِّرًا كَتَيَسُّرِ حِفْظ الْقُرْآن الَّذِي خُصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّة , فَلِهَذَا جَاءَ فِي صِفَتهَا \" أَنَاجِيلهَا صُدُورهَا \". قَوْلهَا \" يَا اِبْن عَمّ \" هَذَا النِّدَاء عَلَى حَقِيقَته , وَوَقَعَ فِي مُسْلِم \" يَا عَمّ \" وَهُوَ وَهْم ; لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لِجَوَازِ إِرَادَة التَّوْقِير لَكِنَّ الْقِصَّة لَمْ تَتَعَدَّد وَمَخْرَجهَا مُتَّحِد , فَلَا يُحْمَل عَلَى أَنَّهَا قَالَتْ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ , فَتَعَيَّنَ الْحَمْل عَلَى الْحَقِيقَة. وَإِنَّمَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى فِي الْعِبْرَانِيّ وَالْعَرَبِيّ ; لِأَنَّهُ مِنْ كَلَام الرَّاوِي فِي وَصْف وَرَقَة وَاخْتَلَفَتْ الْمَخَارِج فَأَمْكَنَ التَّعْدَاد , وَهَذَا الْحُكْم يَطَّرِد فِي جَمِيع مَا أَشْبَهَهُ. وَقَالَتْ فِي حَقّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِسْمَعْ مِنْ اِبْن أَخِيك. لِأَنَّ وَالِده عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَوَرَقَة فِي عِدَد النَّسَب إِلَى قُصَيّ بْن كِلَاب الَّذِي يَجْتَمِعَانِ فِيهِ سَوَاء , فَكَانَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّة فِي دَرَجَة إِخْوَته. أَوْ قَالَتْهُ عَلَى سَبِيل التَّوْقِير لِسِنِّهِ. وَفِيهِ إِرْشَاد إِلَى أَنَّ صَاحِب الْحَاجَة يُقَدَّم بَيْن يَدَيْهِ مَنْ يُعْرَف بِقَدْرِهِ مِمَّنْ يَكُون أَقْرَب مِنْهُ إِلَى الْمَسْئُول , وَذَلِكَ مُسْتَفَاد مِنْ قَوْل خَدِيجَة لِوَرَقَةَ \" اِسْمَعْ مِنْ اِبْن أَخِيك \" أَرَادَتْ بِذَلِكَ أَنْ يَتَأَهَّبَ لِسَمَاعِ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ أَبْلَغ فِي التَّعْلِيم. ‏ ‏قَوْله : ( مَاذَا تَرَى ؟ ) ‏ ‏فِيهِ حَذْف يَدُلّ عَلَيْهِ سِيَاق الْكَلَام , وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة لِأَبِي نُعَيْم بِسَنَدٍ حَسَن إِلَى عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد فِي هَذِهِ الْقِصَّة قَالَ : فَأَتَتْ بِهِ وَرَقَة اِبْن عَمّهَا فَأَخْبَرَتْه بِاَلَّذِي رَأَى. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا النَّامُوس الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى ). ‏ ‏ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" أَنْزَلَ اللَّه \" , وَفِي التَّفْسِير \" أُنْزِلَ \" عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ \" هَذَا \" إِلَى الْمَلَك الَّذِي ذَكَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَبَره , وَنَزَّلَهُ مَنْزِلَة الْقَرِيب لِقُرْبِ ذِكْره. وَالنَّامُوس : صَاحِب السِّرّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّف فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. وَزَعَمَ اِبْن ظَفَر أَنَّ النَّامُوس صَاحِب سِرّ الْخَيْر , وَالْجَاسُوس صَاحِب سِرّ الشَّرّ. وَالْأَوَّل الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور. وَقَدْ سَوَّى بَيْنهمَا رُؤْيَة بْن الْعَجَّاج أَحَد فُصَحَاء الْعَرَب. وَالْمُرَاد بِالنَّامُوسِ هُنَا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام. وَقَوْله \" عَلَى مُوسَى \" وَلَمْ يَقُلْ عَلَى عِيسَى مَعَ كَوْنه نَصْرَانِيًّا ; لِأَنَّ كِتَاب مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مُشْتَمِل عَلَى أَكْثَر الْأَحْكَام , بِخِلَافِ عِيسَى. وَكَذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَوْ لِأَنَّ مُوسَى بُعِثَ بِالنِّقْمَةِ عَلَى فِرْعَوْن وَمَنْ مَعَهُ , بِخِلَافِ عِيسَى. كَذَلِكَ وَقَعَتْ النِّقْمَة عَلَى يَد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِرْعَوْن هَذِهِ الْأُمَّة وَهُوَ أَبُو جَهْل بْن هِشَام وَمَنْ مَعَهُ بِبَدْرٍ. أَوْ قَالَهُ تَحْقِيقًا لِلرِّسَالَةِ ; لِأَنَّ نُزُول جِبْرِيل عَلَى مُوسَى مُتَّفَق عَلَيْهِ بَيْن أَهْل الْكِتَاب , بِخِلَافِ عِيسَى فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْيَهُود يُنْكِرُونَ نُبُوَّته , وَأَمَّا مَا تَمَحَّلَ لَهُ السُّهَيْلِيّ مِنْ أَنَّ وَرَقَة كَانَ عَلَى اِعْتِقَاد النَّصَارَى فِي عَدَم نُبُوَّة عِيسَى وَدَعْوَاهُمْ أَنَّهُ أَحَد الْأَقَانِيم فَهُوَ مُحَال لَا يُعَرَّج عَلَيْهِ فِي حَقّ وَرَقَة وَأَشْبَاهه مِمَّنْ لَمْ يَدْخُل فِي التَّبْدِيل وَلَمْ يَأْخُذ عَمَّنْ بَدَّلَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ عِنْد الزُّبَيْر بْن بَكَّار مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن مُعَاذ عَنْ الزُّهْرِيّ فِي هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّ وَرَقَة قَالَ : نَامُوس عِيسَى. وَالْأَصَحّ مَا تَقَدَّمَ , وَعَبْد اللَّه بْن مُعَاذ ضَعِيف. نَعَمْ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة لِأَبِي نُعَيْم بِإِسْنَادٍ حَسَن إِلَى هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّ خَدِيجَة أَوَّلًا أَتَتْ اِبْن عَمّهَا وَرَقَة فَأَخْبَرَتْه الْخَبَر فَقَالَ : لَئِنْ كُنْت صَدَقْتنِي إِنَّهُ لَيَأْتِيه نَامُوس عِيسَى الَّذِي لَا يُعَلِّمهُ بَنُو إِسْرَائِيل أَبْنَاءَهُمْ. فَعَلَى هَذَا فَكَانَ وَرَقَة يَقُول تَارَة نَامُوس عِيسَى وَتَارَة نَامُوس مُوسَى , فَعِنْد إِخْبَار خَدِيجَة لَهُ بِالْقِصَّةِ قَالَ لَهَا نَامُوس عِيسَى بِحَسَبِ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ النَّصْرَانِيَّة , وَعِنْد إِخْبَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ قَالَ لَهُ نَامُوس مُوسَى لِلْمُنَاسَبَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا , وَكُلّ صَحِيح. وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَع ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ , وَعِنْد الْبَاقِينَ \" يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا \" بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر كَانَ الْمُقَدَّرَة قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ , وَهُوَ مَذْهَب الْكُوفِيِّينَ فِي قَوْله تَعَالَى ( اِنْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ). وَقَالَ اِبْن بَرِّيّ : التَّقْدِير : يَا لَيْتَنِي جُعِلْت فِيهَا جَذَعًا. وَقِيلَ : النَّصْب عَلَى الْحَال إِذَا جَعَلْت فِيهَا خَبَر لَيْتَ , وَالْعَامِل فِي الْحَال مَا يَتَعَلَّق بِهِ الْخَبَر مِنْ مَعْنَى الِاسْتِقْرَار , قَالَهُ السُّهَيْلِيّ وَضَمِير \" فِيهَا \" يَعُود عَلَى أَيَّام الدَّعْوَة. وَالْجَذَع - بِفَتْحِ الْجِيم وَالذَّال الْمُعْجَمَة - هُوَ الصَّغِير مِنْ الْبَهَائِم , كَأَنَّهُ تَمَنَّى أَنْ يَكُون عِنْد ظُهُور الدُّعَاء إِلَى الْإِسْلَام شَابًّا لِيَكُونَ أَمْكَنَ لِنَصْرِهِ , وَبِهَذَا يَتَبَيَّن سِرّ وَصْفه بِكَوْنِهِ كَانَ كَبِيرًا أَعْمَى. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ يُخْرِجك ) ‏ ‏قَالَ اِبْن مَالِك فِيهِ اِسْتِعْمَال \" إِذْ \" فِي الْمُسْتَقْبَل كَإِذَا , وَهُوَ صَحِيح , وَغَفَلَ عَنْهُ أَكْثَر النُّحَاة , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قُضِيَ الْأَمْر ) هَكَذَا ذَكَرَهُ اِبْن مَالِك وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ غَيْر وَاحِد. وَتَعَقَّبَهُ شَيْخنَا شَيْخ الْإِسْلَام بِأَنَّ النُّحَاة لَمْ يَغْفُلُوهُ بَلْ مَنَعُوا وُرُوده , وَأَوَّلُوا مَا ظَاهِره ذَلِكَ وَقَالُوا فِي مِثْل هَذَا : اِسْتَعْمَلَ الصِّيغَة الدَّالَّة عَلَى الْمُضِيّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعه فَأَنْزَلُوهُ مَنْزِلَته , وَيُقَوِّي ذَلِكَ هُنَا أَنَّ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ فِي التَّعْبِير \" حِين يُخْرِجك قَوْمك \" وَعِنْد التَّحْقِيق مَا اِدَّعَاهُ اِبْن مَالِك فِيهِ اِرْتِكَاب مَجَاز , وَمَا ذَكَرَهُ غَيْره فِيهِ اِرْتِكَاب مَجَاز , وَمَجَازهمْ أَوْلَى , لِمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ إِيقَاع الْمُسْتَقْبَل فِي صُورَة الْمُضِيّ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِهِ أَوْ اِسْتِحْضَارًا لِلصُّورَةِ الْآتِيَة فِي هَذِهِ دُون تِلْكَ مَعَ وُجُوده فِي أَفْصَح الْكَلَام , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِمَنْعِ الْوُرُود وُرُودًا مَحْمُولًا عَلَى حَقِيقَة الْحَال لَا عَلَى تَأْوِيل الِاسْتِقْبَال , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز تَمَنِّي الْمُسْتَحِيل إِذَا كَانَ فِي فِعْل خَيْر ; لِأَنَّ وَرَقَة تَمَنَّى أَنْ يَعُود شَابًّا , وَهُوَ مُسْتَحِيل عَادَة. وَيَظْهَر لِي أَنَّ التَّمَنِّي لَيْسَ مَقْصُودًا عَلَى بَابه , بَلْ الْمُرَاد مِنْ هَذَا التَّنْبِيه عَلَى صِحَّة مَا أَخْبَرَهُ بِهِ , وَالتَّنْوِيه بِقُوَّةِ تَصْدِيقه فِيمَا يَجِيء بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاو وَتَشْدِيد الْيَاء وَفَتْحهَا جَمْع مُخْرِج , فَهُمْ مُبْتَدَأ مُؤَخَّر وَمُخْرِجِيَّ خَبَر مُقَدَّم قَالَهُ اِبْن مَالِك وَاسْتَبْعَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْرِجُوهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سَبَب يَقْتَضِي الْإِخْرَاج , لِمَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق الَّتِي تَقَدَّمَ مِنْ خَدِيجَة وَصْفهَا. وَقَدْ اِسْتَدَلَّ اِبْن الدُّغُنَّة بِمِثْلِ تِلْكَ الْأَوْصَاف عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْر لَا يَخْرُج. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا عُودِيَ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة يُونُس فِي التَّفْسِير \" إِلَّا أُوذِيَ \" فَذَكَرَ وَرَقَة أَنَّ الْعِلَّة فِي ذَلِكَ مَجِيئُهُ لَهُمْ بِالِانْتِقَالِ عَنْ مَأْلُوفهمْ ; وَلِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْ الْكُتُب أَنَّهُمْ لَا يُجِيبُونَهُ إِلَى ذَلِكَ , وَأَنَّهُ يَلْزَمهُ لِذَلِكَ مُنَابَذَتهمْ وَمُعَانَدَتهمْ فَتَنْشَأ الْعَدَاوَة مِنْ ثَمَّ , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُجِيب يُقِيم الدَّلِيل عَلَى مَا يُجِيب بِهِ إِذَا اِقْتَضَاهُ الْمَقَام. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمك ) ‏ ‏إِنْ شَرْطِيَّة وَاَلَّذِي بَعْدهَا مَجْزُوم. زَادَ فِي رِوَايَة يُونُس فِي التَّفْسِير \" حَيًّا \" وَلِابْنِ إِسْحَاق \" إِنْ أَدْرَكْت ذَلِكَ الْيَوْم \" يَعْنِي يَوْم الْإِخْرَاج. ‏ ‏قَوْله : ( مُؤَزَّرًا ) ‏ ‏بِهَمْزَةٍ أَيْ : قَوِيًّا مَأْخُوذ مِنْ الْأَزْر وَهُوَ الْقُوَّة وَأَنْكَرَ الْقَزَّاز أَنْ يَكُون فِي اللُّغَة مُؤَزَّر مِنْ الْأَزْر. وَقَالَ أَبُو شَامَة : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ الْإِزَار , أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى تَشْمِيره فِي نُصْرَته , قَالَ الْأَخْطَل : \" قَوْم إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرهمْ \" الْبَيْت. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ لَمْ يَنْشَب ) ‏ ‏بِفَتْحِ الشِّين الْمُعْجَمَة أَيْ لَمْ يَلْبَث. وَأَصْل النُّشُوب التَّعَلُّق , أَيْ : لَمْ يَتَعَلَّق بِشَيْءٍ مِنْ الْأُمُور حَتَّى مَاتَ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا فِي السِّيرَة لِابْنِ إِسْحَاق أَنَّ وَرَقَة كَانَ يَمُرّ بِبِلَالٍ وَهُوَ يُعَذَّب , وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ تَأَخَّرَ إِلَى زَمَن الدَّعْوَة , وَإِلَى أَنْ دَخَلَ بَعْض النَّاس فِي الْإِسْلَام. فَإِنْ تَمَسَّكْنَا بِالتَّرْجِيحِ فَمَا فِي الصَّحِيح أَصَحّ , وَإِنْ لَحَظْنَا الْجَمْع أَمْكَنَ أَنْ يُقَال : الْوَاو فِي قَوْله : وَفَتَرَ الْوَحْي. لَيْسَتْ لِلتَّرْتِيبِ , فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ لَمْ يَحْفَظ لِوَرَقَة ذِكْرًا بَعْد ذَلِكَ فِي أَمْر مِنْ الْأُمُور فَجَعَلَ هَذِهِ الْقِصَّة اِنْتِهَاء أَمْره بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمه لَا إِلَى مَا هُوَ الْوَاقِع. وَفُتُور الْوَحْي عِبَارَة عَنْ تَأَخُّره مُدَّة مِنْ الزَّمَان , وَكَانَ ذَلِكَ لِيَذْهَب مَا كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَهُ مِنْ الرَّوْع , وَلِيَحْصُل لَهُ التَّشَوُّف إِلَى الْعَوْد , فَقَدْ رَوَى الْمُؤَلِّف فِي التَّعْبِير مِنْ طَرِيق مَعْمَر مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي تَارِيخ أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّ مُدَّة فَتْرَة الْوَحْي كَانَتْ ثَلَاث سِنِينَ , وَبِهِ جَزَمَ اِبْن إِسْحَاق , وَحَكَى الْبَيْهَقِيّ أَنَّ مُدَّة الرُّؤْيَا كَانَتْ سِتَّة أَشْهُر , وَعَلَى هَذَا فَابْتِدَاء النُّبُوَّة بِالرُّؤْيَا وَقَعَ مِنْ شَهْر مَوْلِده وَهُوَ رَبِيع الْأَوَّل بَعْد إِكْمَاله أَرْبَعِينَ سَنَة , وَابْتِدَاء وَحْي الْيَقَظَة وَقَعَ فِي رَمَضَان. وَلَيْسَ الْمُرَاد بِفَتْرَةِ الْوَحْي الْمُقَدَّرَة بِثَلَاثِ سِنِينَ وَهِيَ مَا بَيْن نُزُول \" اِقْرَأْ \" وَ \" يَا أَيّهَا الْمُدَّثِّر \" عَدَم مَجِيء جِبْرِيل إِلَيْهِ , بَلْ تَأَخُّر نُزُول الْقُرْآن فَقَطْ. ثُمَّ رَاجَعْت الْمَنْقُول عَنْ الشَّعْبِيّ مِنْ تَارِيخ الْإِمَام أَحْمَد , وَلَفْظه مِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ الشَّعْبِيّ : أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ النُّبُوَّة وَهُوَ اِبْن أَرْبَعِينَ سَنَة فَقُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ إِسْرَافِيل ثَلَاث سِنِينَ فَكَانَ يُعَلِّمهُ الْكَلِمَة وَالشَّيْء , وَلَمْ يَنْزِل عَلَيْهِ الْقُرْآن عَلَى لِسَانه فَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاث سِنِينَ قُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ جِبْرِيل , فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآن عَلَى لِسَانه عِشْرِينَ سَنَة. وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ وَحْي آخَر مُخْتَصَرًا عَنْ دَاوُدَ بِلَفْظِ : بُعِثَ لِأَرْبَعِينَ , وَوُكِّلَ بِهِ إِسْرَافِيل ثَلَاث سِنِينَ , ثُمَّ وُكِّلَ بِهِ جِبْرِيل فَعَلَى هَذَا فَيَحْسُن - بِهَذَا الْمُرْسَل إِنْ ثَبَتَ - الْجَمْع بَيْن الْقَوْلَيْنِ فِي قَدْر إِقَامَته بِمَكَّةَ بَعْد الْبَعْثَة , فَقَدْ قِيلَ ثَلَاث عَشْرَة , وَقِيلَ عَشْر , وَلَا يَتَعَلَّق ذَلِكَ بِقَدْرِ مُدَّة الْفَتْرَة , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ حَكَى اِبْن التِّين هَذِهِ الْقِصَّة , لَكِنْ وَقَعَ عِنْده مِيكَائِيل بَدَل إِسْرَافِيل , وَأَنْكَرَ الْوَاقِدِيّ هَذِهِ الرِّوَايَة الْمُرْسَلَة وَقَالَ : لَمْ يُقْرَن بِهِ مِنْ الْمَلَائِكَة إِلَّا جِبْرِيل , اِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ , فَإِنَّ الْمُثْبِت مُقَدَّم عَلَى النَّافِي إِلَّا إِنْ صَحِبَ النَّافِيَ دَلِيل نَفْيه فَيُقَدَّم وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَخَذَ السُّهَيْلِيّ هَذِهِ الرِّوَايَة فَجَمَعَ بِهَا الْمُخْتَلِف فِي مُكْثه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة , فَإِنَّهُ قَالَ : جَاءَ فِي بَعْض الرِّوَايَات الْمُسْنَدَة أَنَّ مُدَّة الْفَتْرَة سَنَتَانِ وَنِصْف , وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أَنَّ مُدَّة الرُّؤْيَا سِتَّة أَشْهُر , فَمَنْ قَالَ مَكَثَ عَشْر سِنِينَ حَذَفَ مُدَّة الرُّؤْيَا وَالْفَتْرَة , وَمَنْ قَالَ ثَلَاث عَشْرَة أَضَافَهُمَا. وَهَذَا الَّذِي اِعْتَمَدَهُ السُّهَيْلِيّ مِنْ الِاحْتِجَاج بِمُرْسَلِ الشَّعْبِيّ لَا يَثْبُت , وَقَدْ عَارَضَهُ مَا جَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ مُدَّة الْفَتْرَة الْمَذْكُورَة كَانَتْ أَيَّامًا , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب التَّعْبِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة ) ‏ ‏إِنَّمَا أَتَى بِحَرْفِ الْعَطْف لِيُعْلَم أَنَّهُ مَعْطُوف عَلَى مَا سَبَقَ , كَأَنَّهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَة بِكَذَا , وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة بِكَذَا , وَأَبُو سَلَمَة هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا مُعَلَّق وَإِنْ كَانَتْ صُورَته صُورَة التَّعْلِيق , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلَّا ثُبُوت الْوَاو الْعَاطِفَة فَإِنَّهَا دَالَّة عَلَى تَقَدُّم شَيْء عَطَفْته , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْله : عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة فَسَاقَ الْحَدِيث إِلَى آخِره ثُمَّ قَالَ : قَالَ اِبْن شِهَاب - أَيْ : بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور - وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة بِخَبَرٍ آخَر وَهُوَ كَذَا , وَدَلَّ قَوْله عَنْ فَتْرَة الْوَحْي وَقَوْله الْمَلَك الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ عَلَى تَأَخُّر نُزُول سُورَة الْمُدَّثِّر عَنْ اِقْرَأْ , وَلَمَّا خَلَتْ رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير الْآتِيَة فِي التَّفْسِير عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ جَابِر عَنْ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ أَشْكَلَ الْأَمْر , فَجَزَمَ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّ ( يَا أَيّهَا الْمُدَّثِّر ) أَوَّل مَا نَزَلَ , وَرِوَايَة الزُّهْرِيّ هَذِهِ الصَّحِيحَة تَرْفَع هَذَا الْإِشْكَال , وَسِيَاق بَسْط الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي تَفْسِير سُورَة اِقْرَأْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَرُعِبْت مِنْهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الرَّاء وَكَسْر الْعَيْن , وَلِلْأَصِيلِيِّ بِفَتْحِ الرَّاء وَضَمّ الْعَيْن أَيْ : فَزِعْت , دَلَّ عَلَى بَقِيَّة بَقِيَتْ مَعَهُ مِنْ الْفَزَع الْأَوَّل ثُمَّ زَالَتْ بِالتَّدْرِيجِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَة زَمِّلُونِي مَرَّة وَاحِدَة , وَفِي رِوَايَة يُونُس فِي التَّفْسِير فَقُلْت دَثِّرُونِي فَنَزَلَتْ ( يَا أَيّهَا الْمُدَّثِّر قُمْ فَأَنْذِرْ ) أَيْ : حَذِّرْ مِنْ الْعَذَاب مَنْ لَمْ يُؤْمِن بِك ( وَرَبّك فَكَبِّرْ ) أَيْ عَظِّمْ ( وَثِيَابك فَطَهِّرْ ) أَيْ : مِنْ النَّجَاسَة , وَقِيلَ الثِّيَاب النَّفْس , وَتَطْهِيرهَا اِجْتِنَاب النَّقَائِص , وَالرُّجْز هُنَا الْأَوْثَان كَمَا سَيَأْتِي مِنْ تَفْسِير الرَّاوِي عِنْد الْمُؤَلِّف فِي التَّفْسِير , وَالرُّجْز فِي اللُّغَة : الْعَذَاب , وَسَمَّى الْأَوْثَان هُنَا رُجْزًا ; لِأَنَّهَا سَبَبه. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَمِيَ الْوَحْي ) ‏ ‏أَيْ جَاءَ كَثِيرًا , وَفِيهِ مُطَابَقَة لِتَعْبِيرِهِ عَنْ تَأَخُّره بِالْفُتُورِ , إِذْ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى اِنْقِطَاع كُلِّيّ فَيُوصَف بِالضِّدِّ وَهُوَ الْبَرَد. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَتَابَعَ ) ‏ ‏تَأْكِيد مَعْنَوِيّ , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِحَمِيَ : قَوِيَ , وَتَتَابَعَ : تَكَاثَرَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ وَأَبِي الْوَقْت \" وَتَوَاتَرَ \" , وَالتَّوَاتُر مَجِيء الشَّيْء يَتْلُو بَعْضه بَعْضًا مِنْ غَيْر تَخَلُّل. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏خَرَّجَ الْمُصَنِّف بِالْإِسْنَادِ فِي التَّارِيخ حَدِيث الْبَاب عَنْ عَائِشَة , ثُمَّ عَنْ جَابِر بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور هُنَا فَزَادَ فِيهِ بَعْد قَوْله \" تَتَابَعَ \" : قَالَ عُرْوَة - يَعْنِي بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ - وَمَاتَتْ خَدِيجَة قَبْل أَنْ تُفْرَض الصَّلَاة , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" رَأَيْت لِخَدِيجَة بَيْتًا مِنْ قَصَب , لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَب \" قَالَ الْبُخَارِيّ : يَعْنِي قَصَب اللُّؤْلُؤ. قُلْت : وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي مَنَاقِب خَدِيجَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ ) ‏ ‏الضَّمِير يَعُود عَلَى يَحْيَى بْن بُكَيْر , وَمُتَابَعَة عَبْد اللَّه بْن يُوسُف عَنْ اللَّيْث هَذِهِ عِنْد الْمُؤَلِّف فِي قِصَّة مُوسَى. وَفِيهِ مِنْ اللَّطَائِف قَوْله عَنْ الزُّهْرِيّ : سَمِعْت عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو صَالِح ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن صَالِح كَاتِب اللَّيْث , وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيّ عَنْهُ مِنْ الْمُعَلَّقَات , وَعَلَّقَ عَنْ اللَّيْث جُمْلَة كَثِيرَة مِنْ أَفْرَاد أَبِي صَالِح عَنْهُ. وَرِوَايَة عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ اللَّيْث لِهَذَا الْحَدِيث أَخْرَجَهَا يَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي تَارِيخه عَنْهُ مَقْرُونًا بِيَحْيَى بْن بُكَيْر , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ - كَالدِّمْيَاطِيِّ - أَنَّهُ أَبُو صَالِح عَبْد الْغَفَّار بْن دَاوُدَ الْحَرَّانِيّ , فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُر مَنْ أَسْنَدَهُ عَنْ عَبْد الْغَفَّار وَقَدْ وُجِدَ فِي مُسْنَده عَنْ كَاتِب اللَّيْث. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَابَعَهُ هِلَال بْن رَدَّادٍ ) ‏ ‏بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مُثَقَّلَة , وَحَدِيثه فِي الزُّهْرِيَّات لِلذُّهْلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ يُونُس ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن يَزِيد الْأَيْلِيّ , وَمَعْمَر هُوَ اِبْن رَاشِد. ‏ ‏( بَوَادِره ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ يُونُس وَمَعْمَرًا رَوَيَا هَذَا الْحَدِيث عَنْ الزُّهْرِيّ فَوَافَقَا عُقَيْلًا عَلَيْهِ , إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا بَدَل قَوْله يَرْجُف فُؤَاده تَرْجُف بَوَادِره , وَالْبَوَادِر جَمْع بَادِرَة وَهِيَ اللَّحْمَة الَّتِي بَيْن الْمَنْكِب وَالْعُنُق تَضْطَرِب عِنْد فَزَع الْإِنْسَان , فَالرِّوَايَتَانِ مُسْتَوِيَتَانِ فِي أَصْل الْمَعْنَى ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا دَالّ عَلَى الْفَزَع , وَقَدْ بَيَّنَّا مَا فِي رِوَايَة يُونُس وَمَعْمَر مِنْ الْمُخَالَفَة لِرِوَايَةِ عُقَيْل غَيْر هَذَا فِي أَثْنَاء السِّيَاق , وَاَللَّه الْمُوَفِّق. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي تَفْسِير سُورَة ( اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك ) إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ‏ { ‏لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ‏ ‏لِتَعْجَلَ بِهِ ‏ } ‏قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعَالِجُ ‏ ‏مِنْ التَّنْزِيلِ شِدَّةً وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحَرِّكُهُمَا وَقَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ‏ ‏لِتَعْجَلَ بِهِ ‏ ‏إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ‏} ‏قَالَ جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ ‏ { ‏فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ‏} ‏قَالَ فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ ‏ { ‏ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ‏} ‏ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قَرَأَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَمَا قَرَأَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ أَبُو سَلَمَة التَّبُوذَكِيّ , وَكَانَ مِنْ حُفَّاظ الْمِصْرِيِّينَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَة ) ‏ ‏هُوَ الْوَضَّاح بْن عَبْد اللَّه الْيَشْكُرِيّ مَوْلَاهُمْ الْبَصْرِيّ , كَانَ كِتَابه فِي غَايَة الْإِتْقَان. ‏ ‏وَمُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة ‏ ‏لَا يُعْرَف اِسْم أَبِيهِ , وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى بَعْضه عَمْرو بْن دِينَار عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ مِمَّا يُعَالِج ) ‏ ‏الْمُعَالَجَة مُحَاوَلَة الشَّيْء بِمَشَقَّةٍ , أَيْ : كَانَ الْعِلَاج نَاشِئًا مِنْ تَحْرِيك الشَّفَتَيْنِ , أَيْ : مَبْدَأ الْعِلَاج مِنْهُ , أَوْ \" مَا \" مَوْصُولَة وَأُطْلِقَتْ عَلَى مَنْ يَعْقِل مَجَازًا , هَكَذَا قَرَّرَهُ الْكَرْمَانِيُّ , وَفِيهِ نَظَر ; لِأَنَّ الشِّدَّة حَاصِلَة لَهُ قَبْل التَّحَرُّك , وَالصَّوَاب مَا قَالَهُ ثَابِت السَّرَقُسْطِيّ أَنَّ الْمُرَاد كَانَ كَثِيرًا مَا يَفْعَل ذَلِكَ , وَوُرُودهمَا فِي هَذَا كَثِير وَمِنْهُ حَدِيث الرُّؤْيَا \" كَانَ مِمَّا يَقُول لِأَصْحَابِهِ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا \" ؟ وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : ‏ ‏وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِب الْكَبْش ضَرْبَة ‏ ‏عَلَى وَجْهه يُلْقِي اللِّسَان مِنْ الْفَم ‏ ‏قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة وَلَفْظهَا \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيل بِالْوَحْيِ فَكَانَ مِمَّا يُحَرِّك بِهِ لِسَانه وَشَفَتَيْهِ \". فَأَتَى بِهَذَا اللَّفْظ مُجَرَّدًا عَنْ تَقَدُّم الْعِلَاج الَّذِي قَدَّرَهُ الْكَرْمَانِيُّ , فَظَهَرَ مَا قَالَ ثَابِت , وَوَجْه مَا قَالَ غَيْره أَنَّ \" مِنْ \" إِذَا وَقَعَ بَعْدهَا \" مَا \" كَانَتْ بِمَعْنَى رُبَّمَا , وَهِيَ تُطْلَق عَلَى الْقَلِيل وَالْكَثِير وَفِي كَلَام سِيبَوَيْهِ مَوَاضِع مِنْ هَذَا مِنْهَا قَوْله : اِعْلَمْ أَنَّهُمْ مِمَّا يَحْذِفُونَ كَذَا. وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَمِنْهُ حَدِيث الْبَرَاء \" كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا نُحِبّ أَنْ نَكُون عَنْ يَمِينه \" الْحَدِيث , وَمِنْ حَدِيث سَمُرَة \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الصُّبْح مِمَّا يَقُول لِأَصْحَابِهِ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اِبْن عَبَّاس فَأَنَا أُحَرِّكهُمَا ) ‏ ‏جُمْلَة مُعْتَرِضَة بِالْفَاءِ , وَفَائِدَة هَذَا زِيَادَة الْبَيَان فِي الْوَصْف عَلَى الْقَوْل , وَعَبَّرَ فِي الْأَوَّل بِقَوْلِهِ \" كَانَ يُحَرِّكهُمَا \" وَفِي الثَّانِي بِرَأَيْت ; لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس لَمْ يَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْحَالَة ; لِأَنَّ سُورَة الْقِيَامَة مَكِّيَّة بِاتِّفَاقٍ , بَلْ الظَّاهِر أَنَّ نُزُول هَذِهِ الْآيَات كَانَ فِي أَوَّل الْأَمْر , وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْبُخَارِيّ فِي إِيرَاده هَذَا الْحَدِيث فِي بَدْء الْوَحْي , وَلَمْ يَكُنْ اِبْن عَبَّاس إِذْ ذَاكَ وُلِدَ ; لِأَنَّهُ وُلِدَ قَبْل الْهِجْرَة بِثَلَاثِ سِنِينَ , لَكِنْ يَجُوز أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ بَعْد , أَوْ بَعْض الصَّحَابَة أَخْبَرَهُ أَنَّهُ شَاهَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب , فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي مُسْنَد أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَة بِسَنَدِهِ. وَأَمَّا سَعِيد بْن جُبَيْر فَرَأَى ذَلِكَ مِنْ اِبْن عَبَّاس بِلَا نِزَاع. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ ) ‏ ‏وَقَوْله فَأَنْزَلَ اللَّه ( لَا تُحَرِّك بِهِ لِسَانك ) ‏ ‏لَا تَنَافِي بَيْنهمَا ; لِأَنَّ تَحْرِيك الشَّفَتَيْنِ , بِالْكَلَامِ الْمُشْتَمِل عَلَى الْحُرُوف الَّتِي لَا يَنْطِق بِهَا إِلَّا اللِّسَان يَلْزَم مِنْهُ تَحْرِيك اللِّسَان , أَوْ اِكْتَفَى بِالشَّفَتَيْنِ وَحَذَفَ اللِّسَان لِوُضُوحِهِ ; لِأَنَّهُ الْأَصْل فِي النُّطْق إِذْ الْأَصْل حَرَكَة الْفَم , وَكُلّ مِنْ الْحَرَكَتَيْنِ نَاشِئ عَنْ ذَلِكَ , وَقَدْ مَضَى أَنَّ فِي رِوَايَة جَرِير فِي التَّفْسِير \" يُحَرِّك بِهِ لِسَانه وَشَفَتَيْهِ \" فَجَمَعَ بَيْنهمَا , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اِبْتِدَاء الْأَمْر إِذَا لُقِّنَ الْقُرْآن نَازَعَ جِبْرِيل الْقِرَاءَة وَلَمْ يَصْبِر حَتَّى يُتِمّهَا مُسَارَعَة إِلَى الْحِفْظ لِئَلَّا يَنْفَلِت مِنْهُ شَيْء , قَالَهُ الْحَسَن وَغَيْره. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِيِّ \" يُحَرِّك بِهِ لِسَانه يُرِيد أَنْ يَحْفَظهُ \" وَلِلنَّسَائِيّ \" يَعْجَل بِقِرَاءَتِهِ لِيَحْفَظهُ \" وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم \" يَتَلَقَّى أَوَّله , وَيُحَرِّك بِهِ شَفَتَيْهِ خَشْيَة أَنْ يَنْسَى أَوَّله قَبْل أَنْ يَفْرَغَ مِنْ آخِره \" وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ عَنْ الشَّعْبِيّ \" عَجَّلَ يَتَكَلَّم بِهِ مِنْ حُبّه إِيَّاهُ \" وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُرَاد , وَلَا تَنَافِي بَيْن مَحَبَّته إِيَّاهُ وَالشِّدَّة الَّتِي تَلْحَقهُ فِي ذَلِكَ , فَأُمِرَ بِأَنْ يُنْصِتَ حَتَّى يُقْضَى إِلَيْهِ وَحْيه , وَوُعِدَ بِأَنَّهُ آمِن مِنْ تَفَلُّته مِنْهُ بِالنِّسْيَانِ أَوْ غَيْره , وَنَحْوه قَوْله تَعَالَى ( وَلَا تَعْجَل بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْل أَنْ يُقْضَى إِلَيْك وَحْيه ) أَيْ بِالْقِرَاءَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( جَمَعَهُ لَك صَدْرك ) ‏ ‏كَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات وَفِيهِ إِسْنَاد الْجَمْع إِلَى الصَّدْر بِالْمَجَازِ , كَقَوْلِهِ أَنْبَتَ الرَّبِيع الْبَقْل , أَيْ : أَنْبَتَ اللَّه فِي الرَّبِيع الْبَقْل , وَاللَّام فِي \" لَك \" لِلتَّبْيِينِ أَوْ لِلتَّعْلِيلِ , وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَالْحَمَوِيّ \" جَمَعَهُ لَك فِي صَدْرك \" وَهُوَ تَوْضِيح لِلْأَوَّلِ , وَهَذَا مِنْ تَفْسِير اِبْن عَبَّاس. وَقَالَ فِي تَفْسِير ( فَاتَّبِعْ ) أَيْ : فَاسْتَمِعْ وَأَنْصِتْ , وَفِي تَفْسِير ( بَيَانه ) أَيْ : عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأهُ. وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِالْبَيَانِ بَيَان مُجْمَلَاته وَتَوْضِيح مُشْكِلَاته , فَيُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْخِطَاب كَمَا هُوَ الصَّحِيح فِي الْأُصُول , وَالْكَلَام فِي تَفْسِير الْآيَات الْمَذْكُورَة أَخَّرْته إِلَى كِتَاب التَّفْسِير فَهُوَ مَوْضِعه. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَمَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ ‏ ‏الْمُرْسَلَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْدَان ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان الْمَرْوَزِيّ أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك أَخْبَرَنَا يُونُس هُوَ اِبْن يَزِيد الْأَيْلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا يُونُس وَمَعْمَر نَحْوه ) ‏ ‏أَيْ : أَنَّ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك حَدَّثَ بِهِ عَبْدَان عَنْ يُونُس وَحْده , وَحَدَّثَ بِهِ بِشْر بْن مُحَمَّد عَنْ يُونُس وَمَعْمَر مَعًا , أَمَّا بِاللَّفْظِ فَعَنْ يُونُس وَأَمَّا بِالْمَعْنَى فَعَنْ مَعْمَر. ‏ ‏قَوْله ( عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة بْن مَسْعُود الْآتِي فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( أَجْوَد النَّاس ) ‏ ‏بِنَصْبِ أَجْوَد ; لِأَنَّهَا خَبَر كَانَ , وَقَدَّمَ اِبْن عَبَّاس هَذِهِ الْجُمْلَة عَلَى مَا بَعْدهَا - وَإِنْ كَانَتْ لَا تَتَعَلَّق بِالْقُرْآنِ - عَلَى سَبِيل الِاحْتِرَاس مِنْ مَفْهُوم مَا بَعْدهَا. وَمَعْنَى أَجْوَد النَّاس : أَكْثَر النَّاس جُودًا , وَالْجُود الْكَرَم , وَهُوَ مِنْ الصِّفَات الْمَحْمُودَة. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث سَعْد رَفَعَهُ \" إِنَّ اللَّه جَوَاد يُحِبّ الْجُود \" الْحَدِيث. وَلَهُ فِي حَدِيث أَنَس رَفَعَهُ \" أَنَا أَجْوَد وَلَد آدَم , وَأَجْوَدهمْ بَعْدِي رَجُل عَلِمَ عِلْمًا فَنَشَرَ عِلْمه , وَرَجُل جَادَ بِنَفْسِهِ فِي سَبِيل اللَّه \" وَفِي سَنَده مَقَال , وَسَيَأْتِي فِي الصَّحِيح مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْجَع النَّاس وَأَجْوَد النَّاس \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ أَجْوَد مَا يَكُون ) ‏ ‏هُوَ بِرَفْعِ أَجْوَد هَكَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , وَأَجْوَد اِسْم كَانَ وَخَبَره مَحْذُوف , وَهُوَ نَحْو أَخْطَب مَا يَكُون الْأَمِير فِي يَوْم الْجُمُعَة. أَوْ هُوَ مَرْفُوع عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأ مُضَاف إِلَى الْمَصْدَر وَهُوَ \" مَا يَكُون \" وَمَا مَصْدَرِيَّة وَخَبَره فِي رَمَضَان , وَالتَّقْدِير أَجْوَد أَكْوَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَان , وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْبُخَارِيّ فِي تَبْوِيبه فِي كِتَاب الصِّيَام إِذْ قَالَ \" بَاب أَجْوَد مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُون فِي رَمَضَان \" , وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" أَجْوَد \" بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر كَانَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُون خَبَرهَا اِسْمهَا , وَأُجِيبَ بِجَعْلِ اِسْم كَانَ ضَمِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَجْوَد خَبَرهَا , وَالتَّقْدِير : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَّة كَوْنه فِي رَمَضَان أَجْوَد مِنْهُ فِي غَيْره , قَالَ النَّوَوِيّ : الرَّفْع أَشْهَر , وَالنَّصْب جَائِز. وَذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ اِبْن مَالِك عَنْهُ فَخَرَّجَ الرَّفْع مِنْ ثَلَاثَة أَوْجُه وَالنَّصْب مِنْ وَجْهَيْنِ. وَذَكَرَ اِبْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ لِلرَّفْعِ خَمْسَة أَوْجُه , تَوَارَدَ اِبْن مَالِك مِنْهَا فِي وَجْهَيْنِ وَزَادَ ثَلَاثَة وَلَمْ يُعَرِّج عَلَى النَّصْب. قُلْت : وَيُرَجِّح الرَّفْع وُرُوده بِدُونِ كَانَ عِنْد الْمُؤَلِّف فِي الصَّوْم. ‏ ‏قَوْله : ( فَيُدَارِسهُ الْقُرْآن ) ‏ ‏قِيلَ الْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ مُدَارَسَة الْقُرْآن تُجَدِّد لَهُ الْعَهْد بِمَزِيدِ غِنَى النَّفْس , وَالْغِنَى سَبَب الْجُود. وَالْجُود فِي الشَّرْع إِعْطَاء مَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَنْبَغِي , وَهُوَ أَعَمّ مِنْ الصَّدَقَة. وَأَيْضًا فَرَمَضَان مَوْسِم الْخَيْرَات ; لِأَنَّ نِعَم اللَّه عَلَى عِبَاده فِيهِ زَائِدَة عَلَى غَيْره , فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْثِر مُتَابَعَة سُنَّة اللَّه فِي عِبَاده. فَبِمَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْوَقْت وَالْمَنْزُول بِهِ وَالنَّازِل وَالْمُذَاكَرَة حَصَلَ الْمَزِيد فِي الْجُود. وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏الْفَاء لِلسَّبَبِيَّةِ , وَاللَّام لِلِابْتِدَاءِ وَزِيدَتْ عَلَى الْمُبْتَدَأ تَأْكِيدًا , أَوْ هِيَ جَوَاب قَسَم مُقَدَّر. وَالْمُرْسَلَة أَيْ : الْمُطْلَقَة يَعْنِي أَنَّهُ فِي الْإِسْرَاع بِالْجُودِ أَسْرَع مِنْ الرِّيح , وَعَبَّرَ بِالْمُرْسَلَةِ إِشَارَة إِلَى دَوَام هُبُوبهَا بِالرَّحْمَةِ , وَإِلَى عُمُوم النَّفْع بِجُودِهِ كَمَا تَعُمّ الرِّيح الْمُرْسَلَة جَمِيع مَا تَهُبّ عَلَيْهِ. وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث \" لَا يُسْأَل شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ \" وَثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي الصَّحِيح مِنْ حَدِيث جَابِر \" مَا سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَقَالَ لَا \". وَقَالَ النَّوَوِيّ : فِي الْحَدِيث فَوَائِد : مِنْهَا الْحَثّ عَلَى الْجُود فِي كُلّ وَقْت , وَمِنْهَا الزِّيَادَة فِي رَمَضَان وَعِنْد الِاجْتِمَاع بِأَهْلِ الصَّلَاح. وَفِيهِ زِيَارَة الصُّلَحَاء وَأَهْل الْخَيْر , وَتَكْرَار ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمَزُور لَا يَكْرَههُ , وَاسْتِحْبَاب الْإِكْثَار مِنْ الْقِرَاءَة فِي رَمَضَان وَكَوْنهَا أَفْضَل مِنْ سَائِر الْأَذْكَار , إِذْ لَوْ كَانَ الذِّكْر أَفْضَل أَوْ مُسَاوِيًا لَفَعَلَاهُ. فَإِنْ قِيلَ : الْمَقْصُود تَجْوِيد الْحِفْظ , قُلْنَا الْحِفْظ كَانَ حَاصِلًا , وَالزِّيَادَة فِيهِ تَحْصُل بِبَعْضِ الْمَجَالِس , وَأَنَّهُ يَجُوز أَنْ يُقَال رَمَضَان مِنْ غَيْر إِضَافَة غَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَظْهَر بِالتَّأَمُّلِ. قُلْت : وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ اِبْتِدَاء نُزُول الْقُرْآن كَانَ فِي شَهْر رَمَضَان ; لِأَنَّ نُزُوله إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا جُمْلَة وَاحِدَة كَانَ فِي رَمَضَان كَمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , فَكَانَ جِبْرِيل يَتَعَاهَدهُ فِي كُلّ سَنَة فَيُعَارِضهُ بِمَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنْ رَمَضَان إِلَى رَمَضَان , فَلَمَّا كَانَ الْعَام الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ عَارَضَهُ بِهِ مَرَّتَيْنِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح عَنْ فَاطِمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا. وَبِهَذَا يُجَاب مَنْ سَأَلَ عَنْ مُنَاسَبَة إِيرَاد هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي ‏ ‏رَكْبٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَكَانُوا تِجَارًا ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏ ‏فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَادَّ ‏ ‏فِيهَا ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ ‏ ‏وَكُفَّارَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَأَتَوْهُ وَهُمْ ‏ ‏بِإِيلِيَاءَ ‏ ‏فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ ‏ ‏الرُّومِ ‏ ‏ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا فَقَالَ أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ ‏ ‏يَأْثِرُوا ‏ ‏عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ لَا قَالَ فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ قُلْتُ لَا وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا قَالَ وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ قُلْتُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ ‏ ‏سِجَالٌ ‏ ‏يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ قَالَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ قُلْتُ يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ ‏ ‏وَالْعَفَافِ ‏ ‏وَالصِّلَةِ فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ ‏ ‏يَأْتَسِي ‏ ‏بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ‏ ‏لِيَذَرَ ‏ ‏الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ ‏ ‏وَالْعَفَافِ ‏ ‏فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ ‏ ‏لَتَجَشَّمْتُ ‏ ‏لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الَّذِي بَعَثَ بِهِ ‏ ‏دِحْيَةُ ‏ ‏إِلَى عَظِيمِ ‏ ‏بُصْرَى ‏ ‏فَدَفَعَهُ إِلَى ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ ‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏عَظِيمِ ‏ ‏الرُّومِ ‏ ‏سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ ‏ ‏بِدِعَايَةِ ‏ ‏الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ ‏ ‏تَوَلَّيْتَ ‏ ‏فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ ‏ ‏الْأَرِيسِيِّينَ ‏ ‏وَ ‏ { ‏يَا ‏ ‏أَهْلَ الْكِتَابِ ‏ ‏تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ ‏ ‏الصَّخَبُ ‏ ‏وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ‏ ‏ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ ‏ ‏إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ ‏ ‏بَنِي الْأَصْفَرِ ‏ ‏فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ النَّاظُورِ ‏ ‏صَاحِبُ ‏ ‏إِيلِيَاءَ ‏ ‏وَهِرَقْلَ ‏ ‏سُقُفًّا ‏ ‏عَلَى ‏ ‏نَصَارَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏يُحَدِّثُ أَنَّ ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏حِينَ قَدِمَ ‏ ‏إِيلِيَاءَ ‏ ‏أَصْبَحَ يَوْمًا ‏ ‏خَبِيثَ النَّفْسِ ‏ ‏فَقَالَ بَعْضُ ‏ ‏بَطَارِقَتِهِ ‏ ‏قَدْ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ النَّاظُورِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏هِرَقْلُ ‏ ‏حَزَّاءً ‏ ‏يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالُوا لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ وَاكْتُبْ إِلَى ‏ ‏مَدَايِنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِيَ ‏ ‏هِرَقْلُ ‏ ‏بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ ‏ ‏غَسَّانَ ‏ ‏يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ ‏ ‏هِرَقْلُ ‏ ‏قَالَ اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ وَسَأَلَهُ عَنْ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏فَقَالَ هُمْ يَخْتَتِنُونَ فَقَالَ ‏ ‏هِرَقْلُ ‏ ‏هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ‏ ‏ظَهَرَ ‏ ‏ثُمَّ كَتَبَ ‏ ‏هِرَقْلُ ‏ ‏إِلَى صَاحِبٍ لَهُ ‏ ‏بِرُومِيَةَ ‏ ‏وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ وَسَارَ ‏ ‏هِرَقْلُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏حِمْصَ ‏ ‏فَلَمْ يَرِمْ ‏ ‏حِمْصَ ‏ ‏حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَّهُ نَبِيٌّ فَأَذِنَ ‏ ‏هِرَقْلُ ‏ ‏لِعُظَمَاءِ ‏ ‏الرُّومِ ‏ ‏فِي ‏ ‏دَسْكَرَةٍ ‏ ‏لَهُ ‏ ‏بِحِمْصَ ‏ ‏ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ ‏ ‏الرُّومِ ‏ ‏هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ ‏ ‏فَحَاصُوا ‏ ‏حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ فَلَمَّا رَأَى ‏ ‏هِرَقْلُ ‏ ‏نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنْ الْإِيمَانِ قَالَ رُدُّوهُمْ عَلَيَّ وَقَالَ إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي ‏ ‏آنِفًا ‏ ‏أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ‏ ‏وَيُونُسُ ‏ ‏وَمَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَة : حَدَّثَنَا الْحَكَم بْن نَافِع , وَهُوَ هُوَ , أَخْبَرَنَا شُعَيْب : هُوَ اِبْن أَبِي حَمْزَة دِينَار الْحِمْصِيُّ , وَهُوَ مِنْ أَثْبَات أَصْحَاب الزُّهْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ صَخْر بْن حَرْب بْن أُمَيَّة بْن عَبْد شَمْس بْن عَبْد مَنَاف. ‏ ‏قَوْله : ( هِرَقْل ) ‏ ‏هُوَ مَلِك الرُّوم , وَهِرَقْل : اِسْمه , وَهُوَ بِكَسْرِ الْهَاء وَفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْقَاف , وَلَقَبه قَيْصَر , كَمَا يُلَقَّب مَلِك الْفُرْس : كِسْرَى وَنَحْوه. ‏ ‏قَوْله : ( فِي رَكْب ) ‏ ‏جَمْع رَاكِب كَصَحْبِ وَصَاحِب , وَهُمْ أُولُو الْإِبِل , الْعَشْرَة فَمَا فَوْقهَا. وَالْمَعْنَى : أَرْسَلَ إِلَى أَبِي سُفْيَان حَال كَوْنه فِي جُمْلَة الرَّكْب , وَذَاكَ لِأَنَّهُ كَانَ كَبِيرهمْ فَلِهَذَا خَصَّهُ , وَكَانَ عَدَد الرَّكْب ثَلَاثِينَ رَجُلًا , رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْإِكْلِيل. وَلِابْنِ السَّكَن : نَحْو مِنْ عِشْرِينَ , وَسَمَّى مِنْهُمْ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة فِي مُصَنَّف اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ مُرْسَل , وَفِيهِ نَظَر ; لِأَنَّهُ كَانَ إِذْ ذَاكَ مُسْلِمًا. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون رَجَعَ حِينَئِذٍ إِلَى قَيْصَر ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَة مُسْلِمًا. وَقَدْ وَقَعَ ذِكْره أَيْضًا فِي أَثَر آخَر فِي كِتَاب السِّيَر لِأَبِي إِسْحَاق الْفَزَارِيّ , وَكِتَاب الْأَمْوَال لِأَبِي عُبَيْد مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : كَتَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَر. الْحَدِيث وَفِيهِ : فَلَمَّا قَرَأَ قَيْصَر الْكِتَاب قَالَ : هَذَا كِتَاب لَمْ أَسْمَع بِمِثْلِهِ. وَدَعَا أَبَا سُفْيَان بْن حَرْب وَالْمُغِيرَة بْن شُعْبَة وَكَانَا تَاجِرَيْنِ هُنَاكَ , فَسَأَلَ عَنْ أَمْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانُوا تُجَّارًا ) بِضَمِّ التَّاء وَتَشْدِيد الْجِيم , أَوْ كَسْرهَا وَالتَّخْفِيفِ جَمْع تَاجِر. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْمُدَّة ) يَعْنِي مُدَّة الصُّلْح بِالْحُدَيْبِيَةِ , وَسَيَأْتِي شَرْحهَا فِي الْمَغَازِي , وَكَانَتْ فِي سَنَة سِتّ , وَكَانَتْ مُدَّتهَا عَشْر سِنِينَ كَمَا فِي السِّيرَة , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر , وَلِأَبِي نُعَيْم فِي مُسْنَد عَبْد اللَّه بْن دِينَار : كَانَتْ أَرْبَع سِنِينَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي الْبُيُوع مِنْ الْمُسْتَدْرَك , وَالْأَوَّل أَشْهَر. لَكِنَّهُمْ نَقَضُوا , فَغَزَاهُمْ سَنَة ثَمَان وَفَتَحَ مَكَّة. وَكُفَّار قُرَيْش بِالنَّصْبِ مَفْعُول مَعَهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَتَوْهُ ) تَقْدِيره : أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فِي طَلَب إِتْيَان الرَّكْب فَجَاءَ الرَّسُول يَطْلُب إِتْيَانهمْ فَأَتَوْهُ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصَاك الْحَجَر فَانْفَجَرَتْ ) أَيْ : فَضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ. وَوَقَعَ عِنْد الْمُؤَلِّف فِي الْجِهَاد أَنَّ الرَّسُول وَجَدَهُمْ بِبَعْضِ الشَّام , وَفِي رِوَايَة لِأَبِي نُعَيْم فِي الدَّلَائِل تَعْيِين الْمَوْضِع وَهُوَ غَزَّة. قَالَ : وَكَانَتْ وَجْه مَتْجَرهمْ. وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَنْ الزُّهْرِيّ , وَزَادَ فِي أَوَّله عَنْ أَبِي سُفْيَان قَالَ : كُنَّا قَوْمًا تُجَّارًا , وَكَانَتْ الْحَرْب قَدْ حَصَبَتْنَا , فَلَمَّا كَانَتْ الْهُدْنَة خَرَجْت تَاجِرًا إِلَى الشَّام مَعَ رَهْط مِنْ قُرَيْش , فَوَاَللَّهِ مَا عَلِمْت بِمَكَّة اِمْرَأَة وَلَا رَجُلًا إِلَّا وَقَدْ حَمَّلَنِي بِضَاعَة. فَذَكَرَهُ. وَفِيهِ : فَقَالَ هِرَقْل لِصَاحِبِ شُرْطَته : قَلِّبْ الشَّام ظَهْرًا لِبَطْنٍ حَتَّى تَأْتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ قَوْم هَذَا أَسْأَلهُ عَنْ شَأْنه. فَوَاَللَّهِ إِنِّي وَأَصْحَابِي بِغَزَّة , إِذْ هَجَمَ عَلَيْنَا فَسَاقَنَا جَمِيعًا. ‏ ‏قَوْله : ( بِإِيلِيَاء ) ‏ ‏بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَة بَعْدهَا يَاء أَخِيرَة سَاكِنَة ثُمَّ لَام مَكْسُورَة ثُمَّ يَاء أَخِيرَة ثُمَّ أَلِف مَهْمُوزَة , وَحَكَى الْبَكْرِيّ فِيهَا الْقَصْر , وَيُقَال لَهَا أَيْضًا إِلْيَا بِحَذْفِ الْيَاء الْأُولَى وَسُكُون اللَّام حَكَاهُ الْبَكْرِيّ , وَحَكَى النَّوَوِيّ مِثْله لَكِنْ بِتَقْدِيمِ الْيَاء عَلَى اللَّام وَاسْتَغْرَبَهُ , قِيلَ : مَعْنَاهُ بَيْت اللَّه. وَفِي الْجِهَاد عِنْد الْمُؤَلِّف أَنَّ هِرَقْل لَمَّا كَشَفَ اللَّه عَنْهُ جُنُود فَارِس مَشَى مِنْ حِمْص إِلَى إِيلِيَاء شُكْرًا لِلَّهِ. زَادَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّهُ كَانَ تُبْسَط لَهُ الْبُسُط وَتُوضَع عَلَيْهَا الرَّيَاحِين فَيَمْشِي عَلَيْهَا , وَنَحْوه لِأَحْمَد مِنْ حَدِيث اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ عَنْ عَمّه. وَكَانَ سَبَب ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ وَابْن عَبْد الْحَكَم مِنْ طُرُق مُتَعَاضِدَة مُلَخَّصهَا أَنَّ كِسْرَى أَغْزَى جَيْشه بِلَاد هِرَقْل , فَخَرَّبُوا كَثِيرًا مِنْ بِلَاده , ثُمَّ اِسْتَبْطَأَ كِسْرَى أَمِيره فَأَرَادَ قَتْله وَتَوْلِيَة غَيْره , فَاطَّلَعَ أَمِيره عَلَى ذَلِكَ فَبَاطَنَ هِرَقْل وَاصْطَلَحَ مَعَهُ عَلَى كِسْرَى وَانْهَزَمَ عَنْهُ بِجُنُودِ فَارِس , فَمَشَى هِرَقْل إِلَى بَيْت الْمَقْدِس شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ. وَاسْم الْأَمِير الْمَذْكُور شهر براز وَاسْم الْغَيْر الَّذِي أَرَادَ كِسْرَى تَأْمِيره فَرْحَان. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسه ) ‏ ‏أَيْ : فِي حَال كَوْنه فِي مَجْلِسه , وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَاد \" فَأَدْخَلَنَا عَلَيْهِ , فَإِذَا هُوَ جَالِس فِي مَجْلِس مُلْكه وَعَلَيْهِ التَّاج \". ‏ ‏قَوْله : ( وَحَوْله ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ ; لِأَنَّهُ ظَرْف مَكَان. ‏ ‏قَوْله : ( عُظَمَاء ) ‏ ‏جَمْع عَظِيم. وَلِابْنِ السَّكَن : فَأَدْخَلَنَا عَلَيْهِ وَعِنْده بَطَارِقَته وَالْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَان وَالرُّوم مِنْ وَلَد عِيص بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا السَّلَام عَلَى الصَّحِيح , وَدَخَلَ فِيهِمْ طَوَائِف مِنْ الْعَرَب مِنْ تَنُوخ وَبَهْرَاء وَسُلَيْح وَغَيْرهمْ مِنْ غَسَّان كَانُوا سُكَّانًا بِالشَّامِ , فَلَمَّا أَجْلَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ عَنْهَا دَخَلُوا بِلَاد الرُّوم فَاسْتَوْطَنُوهَا فَاخْتَلَطَتْ أَنْسَابهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا تَرْجُمَانه ) ‏ ‏وَلِلْمُسْتَمْلِيّ \" بِالتَّرْجُمَانِ \" مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِحْضَارِهِمْ , فَلَمَّا حَضَرُوا اسْتَدْنَاهُمْ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ دَعَاهُمْ ثُمَّ دَعَاهُمْ فَيَنْزِل عَلَى هَذَا , وَلَمْ يَقَع تَكْرَار ذَلِكَ إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة. وَالتَّرْجُمَان بِفَتْحِ التَّاء الْمُثَنَّاة وَضَمّ الْجِيم وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيّ فِي شَرْح مُسْلِم , وَيَجُوز ضَمّ التَّاء إِتْبَاعًا , وَيَجُوز فَتْح الْجِيم مَعَ فَتْح أَوَّله حَكَاهُ الْجَوْهَرِيّ , وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِالرَّابِعَةِ وَهِيَ ضَمّ أَوَّله وَفَتْح الْجِيم , وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَغَيْره \" بِتَرْجُمَانِهِ \" يَعْنِي أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا أَحْضَرَهُ صُحْبَته , وَالتَّرْجُمَان الْمُعَبِّر عَنْ لُغَة بِلُغَةٍ , وَهُوَ مُعَرَّب وَقِيلَ عَرَبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : أَيّكُمْ أَقْرَب نَسَبًا ) ‏ ‏أَيْ : قَالَ التَّرْجُمَان عَلَى لِسَان هِرَقْل. ‏ ‏قَوْله : ( بِهَذَا الرَّجُل ) ‏ ‏زَادَ اِبْن السَّكَن : الَّذِي خَرَجَ بِأَرْضِ الْعَرَب يَزْعُم أَنَّهُ نَبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت أَنَا أَقْرَبهمْ نَسَبًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن : فَقَالُوا هَذَا أَقْرَبنَا بِهِ نَسَبًا , هُوَ اِبْن عَمّه أَخِي أَبِيهِ. وَإِنَّمَا كَانَ أَبُو سُفْيَان أَقْرَب لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي عَبْد مَنَافٍ , وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ الْمُصَنِّف فِي الْجِهَاد بِقَوْلِهِ : قَالَ مَا قَرَابَتك مِنْهُ ؟ قُلْت : هُوَ اِبْن عَمِّي. قَالَ أَبُو سُفْيَان : وَلَمْ يَكُنْ فِي الرَّكْب مِنْ بَنِي عَبْد مَنَاف غَيْرِي ا ه. وَعَبْد مَنَاف الْأَب الرَّابِع لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَا لِأَبِي سُفْيَان , وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اِبْن عَمّ لِأَنَّهُ نَزَّلَ كُلًّا مِنْهُمَا مَنْزِلَة جَدّه , فَعَبْد الْمُطَّلِب بْن هَاشِم بْن عَبْد مَنَاف اِبْن عَمّ أُمَيَّة بْن عَبْد شَمْس بْن عَبْد مَنَاف , وَعَلَى هَذَا فَفِيمَا أُطْلِقَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن تَجَوُّز , وَإِنَّمَا خَصَّ هِرَقْل الْأَقْرَب لِأَنَّهُ أَحْرَى بِالِاطِّلَاعِ عَلَى أُمُوره ظَاهِرًا وَبَاطِنًا أَكْثَر مِنْ غَيْره ; وَلِأَنَّ الْأَبْعَد لَا يُؤْمَن أَنْ يَقْدَح فِي نَسَبه بِخِلَافِ الْأَقْرَب , وَظَهَرَ ذَلِكَ فِي سُؤَاله بَعْد ذَلِكَ : كَيْفَ نَسَبه فِيكُمْ ؟ وَقَوْله \" بِهَذَا الرَّجُل \" ضَمَّنَ \" أَقْرَب \" مَعْنَى \" أَوْصَل \" فَعَدَّاهُ بِالْبَاءِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" مِنْ هَذَا الرَّجُل \" وَهُوَ عَلَى الْأَصْل. وَقَوْله \" الَّذِي يَزْعُم \" فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيّ \" يَدَّعِي \". وَزَعَمَ : قَالَ الْجَوْهَرِيّ بِمَعْنَى قَالَ , وَحَكَاهُ أَيْضًا ثَعْلَب وَجَمَاعَة كَمَا سَيَأْتِي فِي قِصَّة ضِمَام فِي كِتَاب الْعِلْم. قُلْت : وَهُوَ كَثِير وَيَأْتِي مَوْضِع الشَّكّ غَالِبًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَاجْعَلُوهُمْ عِنْد ظَهْره ) ‏ ‏أَيْ : لِئَلَّا يَسْتَحْيُوا أَنْ يُوَاجِهُوهُ بِالتَّكْذِيبِ إِنْ كَذَبَ , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْوَاقِدِيّ. وَقَوْله \" إِنْ كَذَبَنِي \" بِتَخْفِيفِ الذَّال أَيْ : إِنْ نَقَلَ إِلَيَّ الْكَذِب. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ ) أَيْ : أَبُو سُفْيَان. وَسَقَطَ لَفْظ قَالَ مِنْ رِوَايَة كَرِيمَة وَأَبِي الْوَقْت فَأَشْكَلَ ظَاهِره , وَبِإِثْبَاتِهَا يَزُول الْإِشْكَال. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَاَللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاء مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا ) ‏ ‏أَيْ : يَنْقُلُوا عَلَيَّ الْكَذِب لَكَذَبْت عَلَيْهِ. وَلِلْأَصِيلِيِّ عَنْهُ أَيْ : عَنْ الْإِخْبَار بِحَالِهِ. وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَقْبِحُونَ الْكَذِب إِمَّا بِالْأَخْذِ عَنْ الشَّرْع السَّابِق , أَوْ بِالْعُرْفِ. وَفِي قَوْله يَأْثِرُوا دُون قَوْله يَكْذِبُوا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ كَانَ وَاثِقًا مِنْهُمْ بِعَدَمِ التَّكْذِيب أَنْ لَوْ كَذَبَ لِاشْتِرَاكِهِمْ مَعَهُ فِي عَدَاوَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ اِسْتِحْيَاء وَأَنَفَة مِنْ أَنْ يَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ بَعْد أَنْ يَرْجِعُوا فَيَصِير عِنْد سَامِعِي ذَلِكَ كَذَّابًا. وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق التَّصْرِيح بِذَلِكَ وَلَفْظه \" فَوَاَللَّهِ لَوْ قَدْ كَذَبْت مَا رَدُّوا عَلَيَّ \" وَلَكِنِّي كُنْت اِمْرَأً سَيِّدًا أَتَكَرَّم عَنْ الْكَذِب , وَعَلِمْت أَنَّ أَيْسَر مَا فِي ذَلِكَ إِنْ أَنَا كَذَبْته أَنْ يَحْفَظُوا ذَلِكَ عَنِّي ثُمَّ يَتَحَدَّثُوا بِهِ , فَلَمْ أَكْذِبهُ. وَزَادَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته : قَالَ أَبُو سُفْيَان : فَوَاَللَّهِ مَا رَأَيْت مِنْ رَجُل قَطُّ كَانَ أَدْهَى مِنْ ذَلِكَ الْأَقْلَف , يَعْنِي هِرَقْل. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ أَوَّل ) ‏ ‏هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْخَبَر , وَبِهِ جَاءَتْ الرِّوَايَة , وَيَجُوز رَفْعه عَلَى الْإِسْمِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( كَيْف نَسَبه فِيكُمْ ؟ ) ‏ ‏أَيْ : مَا حَال نَسَبه فِيكُمْ , أَهُوَ مِنْ أَشْرَافكُمْ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ : هُوَ فِينَا ذُو نَسَب. فَالتَّنْوِين فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ , وَأَشْكَلَ هَذَا عَلَى بَعْض الشَّارِحِينَ , وَهَذَا وَجْهه. ‏ ‏قَوْله : ( فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْل مِنْكُمْ أَحَد قَطّ قَبْله ؟ ) ‏ ‏ولِلْكُشْمِيهَنِيّ وَالْأَصِيلِيّ بَدَل قَبْله \" مِثْله \" فَقَوْله : مِنْكُمْ أَيْ : مِنْ قَوْمكُمْ يَعْنِي قُرَيْشًا أَوْ الْعَرَب. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الشَّافِعِيّ يَعُمّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْمُخَاطَبِينَ فَقَطْ. وَكَذَا قَوْله فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ ؟ وَقَوْله بِمَاذَا يَأْمُركُمْ ؟ وَاسْتَعْمَلَ قَطُّ بِغَيْرِ أَدَاة النَّفْي وَهُوَ نَادِر , وَمِنْهُ قَوْل عُمَر \" صَلَّيْنَا أَكْثَر مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنهُ رَكْعَتَيْنِ \" وَيُحْتَمَل أَنْ يُقَال إِنَّ النَّفْي مُضَمَّن فِيهِ كَأَنَّهُ قَالَ : هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْل أَحَد أَوْ لَمْ يَقُلْهُ أَحَد قَطُّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِك ؟ ) ‏ ‏وَلِكَرِيمَة وَالْأَصِيلِيّ وَأَبِي الْوَقْت بِزِيَادَةِ \" مِنْ \" الْجَارَّة , وَلِابْنِ عَسَاكِر بِفَتْحِ مِنْ وَمَلَكَ فِعْل مَاضٍ , وَالْجَارَّة أَرْجَح لِسُقُوطِهَا مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَالْمَعْنَى فِي الثَّلَاثَة وَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَشْرَاف النَّاس اِتَّبَعُوهُ ) ‏ ‏فِيهِ إِسْقَاط هَمْزَة الِاسْتِفْهَام وَهُوَ قَلِيل , وَقَدْ ثَبَتَ لِلْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِير وَلَفْظه : أَيَتْبَعُهُ أَشْرَاف النَّاس ؟ وَالْمُرَاد بِالْأَشْرَافِ هُنَا أَهْل النَّخْوَة وَالتَّكَبُّر مِنْهُمْ , لَا كُلّ شَرِيف , حَتَّى لَا يَرِدُ مِثْل أَبِي بَكْر وَعُمَر وَأَمْثَالهمَا مِمَّنْ أَسْلَمَ قَبْل هَذَا السُّؤَال. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق : تَبِعَهُ مِنَّا الضُّعَفَاء وَالْمَسَاكِين , فَأَمَّا ذَوُو الْأَنْسَاب وَالشَّرَف فَمَا تَبِعَهُ مِنْهُمْ أَحَد. وَهُوَ مَحْمُول عَلَى الْأَكْثَر الْأَغْلَب. ‏ ‏قَوْله : ( سُخْطَة ) ‏ ‏بِضَمّ أَوَّله وَفَتْحِهِ , وَأَخْرَجَ بِهَذَا مَنْ اِرْتَدَّ مُكْرَهًا , أَوْ لَا لِسَخَطٍ لِدِينِ الْإِسْلَام بَلْ لِرَغْبَةٍ فِي غَيْره كَحَظٍّ نَفْسَانِيّ , كَمَا وَقَعَ لِعُبَيْدِ اللَّه بْن جَحْش. ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ ؟ ) ‏ ‏أَيْ : عَلَى النَّاس وَإِنَّمَا عَدَلَ إِلَى السُّؤَال عَنْ التُّهْمَة عَنْ السُّؤَال عَنْ نَفْس الْكَذِب تَقْرِيرًا لَهُمْ عَلَى صِدْقه ; لِأَنَّ التُّهْمَة إِذَا اِنْتَفَتْ اِنْتَفَى سَبَبهَا , وَلِهَذَا عَقَّبَهُ بِالسُّؤَالِ عَنْ الْغَدْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَة أُدْخِل فِيهَا شَيْئًا ) ‏ ‏أَيْ : أَنْتَقِصهُ بِهِ , عَلَى أَنَّ التَّنْقِيص هُنَا أَمْر نِسْبِيّ , وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ يَقْطَع بِعَدَمِ غَدْره أَرْفَع رُتْبَة مِمَّنْ يُجَوِّز وُقُوع ذَلِكَ مِنْهُ فِي الْجُمْلَة , وَقَدْ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدهمْ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَغْدِر. وَلَمَّا كَانَ الْأَمْر مَغِيبًا - لِأَنَّهُ مُسْتَقْبَل - أَمِنَ أَبُو سُفْيَان أَنْ يُنْسَب فِي ذَلِكَ إِلَى الْكَذِب , وَلِهَذَا أَوْرَدَهُ بِالتَّرَدُّدِ , وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُعَرِّج هِرَقْل عَلَى هَذَا الْقَدْر مِنْهُ. وَقَدْ صَرَّحَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته عَنْ الزُّهْرِيّ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ \" قَالَ فَوَاَللَّهِ مَا اِلْتَفَتَ إِلَيْهَا مِنِّي \". وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة مُرْسَلًا \" خَرَجَ أَبُو سُفْيَان إِلَى الشَّام - فَذَكَرَ الْحَدِيث , إِلَى أَنْ قَالَ - فَقَالَ أَبُو سُفْيَان : هُوَ سَاحِر كَذَّاب. فَقَالَ هِرَقْل : إِنِّي لَا أُرِيد شَتْمه , وَلَكِنْ كَيْفَ نَسَبه - إِلَى أَنْ قَالَ - فَهَلْ يَغْدِر إِذَا عَاهَدَ ؟ قَالَ : لَا , إِلَّا أَنْ يَغْدِر فِي هُدْنَته هَذِهِ. فَقَالَ : وَمَا يَخَاف مِنْ هَذِهِ ؟ فَقَالَ : إِنَّ قَوْمِي أَمَدُّوا حُلَفَاءَهُمْ عَلَى حُلَفَائِهِ. قَالَ : إِنْ كُنْتُمْ بَدَأْتُمْ فَأَنْتُمْ أَغْدَر \". ‏ ‏قَوْله : ( سِجَال ) ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّله , أَيْ : نُوَب , وَالسَّجْل الدَّلْو , وَالْحَرْب اِسْم جِنْس , وَلِهَذَا جُعِلَ خَبَره اِسْم جَمْع. وَيَنَال أَيْ : يُصِيب , فَكَأَنَّهُ شَبَّهَ الْمُحَارِبِينَ بِالْمُسْتَقِينَ : يَسْتَقِي هَذَا دَلْوًا وَهَذَا دَلْوًا. وَأَشَارَ أَبُو سُفْيَان بِذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ بَيْنهمْ فِي غَزْوَة بَدْر وَغَزْوَة أُحُد , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو سُفْيَان يَوْم أُحُد فِي قَوْله \" يَوْم بِيَوْمِ بَدْر , وَالْحَرْب سِجَال \" وَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بَلْ نَطَقَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فِي حَدِيث أَوْس بْن حُذَيْفَة الثَّقَفِيّ لَمَّا كَانَ يُحَدِّث وَفْد ثَقِيف , أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَغَيْره. وَوَقَعَ فِي مُرْسَل عُرْوَة \" قَالَ أَبُو سُفْيَان : غُلِبْنَا مَرَّة يَوْم بَدْر وَأَنَا غَائِب , ثُمَّ غَزْوَتهمْ فِي بُيُوتهمْ بِبَقْرِ الْبُطُون وَجَدْع الْآذَان \" وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى يَوْم أُحُد. ‏ ‏قَوْله : ( بِمَاذَا يَأْمُركُمْ ) ؟ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الرَّسُول مِنْ شَأْنه أَنْ يَأْمُر قَوْمه. ‏ ‏قَوْله : ( يَقُول اُعْبُدُوا اللَّه وَحْده ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ لِلْأَمْرِ صِيغَة مَعْرُوفَة ; لِأَنَّهُ أَتَى بِقَوْلِهِ \" اُعْبُدُوا اللَّه \" فِي جَوَاب مَا يَأْمُركُمْ , وَهُوَ مِنْ أَحْسَن الْأَدِلَّة فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة ; لِأَنَّ أَبَا سُفْيَان مِنْ أَهْل اللِّسَان , وَكَذَلِكَ الرَّاوِي عَنْهُ اِبْن عَبَّاس , بَلْ هُوَ مِنْ أَفْصَحهمْ وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ مُقِرًّا لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ) ‏ ‏سَقَطَ مِنْ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ الْوَاو فَيَكُون تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ وَحْده. ‏ ‏قَوْله : ( وَاتْرُكُوا مَا يَقُول آبَاؤُكُمْ ) ‏ ‏هِيَ كَلِمَة جَامِعَة لِتَرْكِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة , وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْآبَاء تَنْبِيهًا عَلَى عُذْرهمْ فِي مُخَالَفَتهمْ لَهُ ; لِأَنَّ الْآبَاء قُدْوَة عِنْد الْفَرِيقَيْنِ , أَيْ عَبَدَة الْأَوْثَان وَالنَّصَارَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَأْمُرنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْق ) ‏ ‏وَلِلْمُصَنِّفِ فِي رِوَايَة \" الصَّدَقَة \" بَدَل الصِّدْق , وَرَجَّحَهَا شَيْخنَا شَيْخ الْإِسْلَام , وَيُقَوِّيهَا رِوَايَة الْمُؤَلِّف فِي التَّفْسِير \" الزَّكَاة \" وَاقْتِرَان الصَّلَاة بِالزَّكَاةِ مُعْتَاد فِي الشَّرْع , وَيُرَجِّحهَا أَيْضًا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَقْبِحُونَ الْكَذِب فَذِكْر مَا لَمْ يَأْلَفُوهُ أَوْلَى. قُلْت : وَفِي الْجُمْلَة لَيْسَ الْأَمْر بِذَلِكَ مُمْتَنِعًا كَمَا فِي أَمْرهمْ بِوَفَاءِ الْعَهْد وَأَدَاء الْأَمَانَة , وَقَدْ كَانَا مِنْ مَأْلُوف عُقَلَائِهِمْ , وَقَدْ ثَبَتَا عِنْد الْمُؤَلِّف فِي الْجِهَاد مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ شَيْخه الْكُشْمِيهَنِيّ وَالسَّرَخْسِيّ , قَالَ \" بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْق وَالصَّدَقَة \" وَفِي قَوْله : يَأْمُرنَا بَعْد قَوْله يَقُول اُعْبُدُوا اللَّه إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمُغَايَرَة بَيْن الْأَمْرَيْنِ لِمَا يَتَرَتَّب عَلَى مُخَالِفهمَا , إِذْ مُخَالِف الْأَوَّل كَافِر , وَالثَّانِي مِمَّنْ قَبِلَ الْأَوَّل عَاصٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَذَلِكَ الرُّسُل تُبْعَث فِي نَسَب قَوْمهَا ) ‏ ‏الظَّاهِر أَنَّ إِخْبَار هِرَقْل بِذَلِكَ بِالْجَزْمِ كَانَ عَنْ الْعِلْم الْمُقَرَّر عِنْده فِي الْكُتُب السَّالِفَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَقُلْت رَجُل تَأَسَّى بِقَوْلٍ ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ , وَلِغَيْرِهِ \" يَتَأَسَّى \" بِتَقْدِيمِ الْيَاء الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت , وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ هِرَقْل \" فَقُلْت \" إِلَّا فِي هَذَا وَفِي قَوْله \" هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِك \" لِأَنَّ هَذَيْنِ الْمَقَامَيْنِ مَقَام فِكْر وَنَظَر , بِخِلَافِ غَيْرهمَا مِنْ الْأَسْئِلَة فَإِنَّهَا مَقَام نَقْل. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرْت أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اِتَّبَعُوهُ ) ‏ ‏هُوَ بِمَعْنَى قَوْل أَبِي سُفْيَان ضُعَفَاؤُهُمْ , وَمِثْل ذَلِكَ يُتَسَامَح بِهِ لِاتِّحَادِ الْمَعْنَى. وَقَوْل هِرَقْل \" وَهُمْ أَتْبَاع الرُّسُل \" مَعْنَاهُ أَنَّ أَتْبَاع الرُّسُل فِي الْغَالِب أَهْل الِاسْتِكَانَة لَا أَهْل الِاسْتِكْبَار الَّذِينَ أَصَرُّوا عَلَى الشِّقَاق بَغْيًا وَحَسَدًا كَأَبِي جَهْل وَأَشْيَاعه , إِلَى أَنْ أَهْلَكَهُمْ اللَّه تَعَالَى , وَأَنْقَذَ بَعْد حِين مَنْ أَرَادَ سَعَادَته مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله ( وَكَذَلِكَ الْإِيمَان ) ‏ ‏أَيْ : أَمْر الْإِيمَان ; لِأَنَّهُ يُظْهِر نُورًا , ثُمَّ لَا يَزَال فِي زِيَادَة حَتَّى يَتِمّ بِالْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَة فِيهِ مِنْ صَلَاة وَزَكَاة وَصِيَام وَغَيْرهَا , وَلِهَذَا نَزَلَتْ فِي آخِر سِنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) وَمِنْهُ ( وَيَأْبَى اللَّه إِلَّا أَنْ يُتِمّ نُوره ) وَكَذَا جَرَى لِأَتْبَاعِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمْ يَزَالُوا فِي زِيَادَة حَتَّى كَمُلَ بِهِمْ مَا أَرَادَ اللَّه مِنْ إِظْهَار دِينه وَتَمَام نِعْمَته , فَلَهُ الْحَمْد وَالْمِنَّة. ‏ ‏قَوْله : ( حِين يُخَالِط بَشَاشَة الْقُلُوب ). ‏ ‏كَذَا رُوِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة وَالْقُلُوب مُضَاف إِلَيْهِ , أَيْ : يُخَالِط الْإِيمَان اِنْشِرَاح الصُّدُور , وَرُوِيَ \" بَشَاشَة الْقُلُوب \" بِالضَّمِّ وَالْقُلُوب مَفْعُول , أَيْ : يُخَالِط بَشَاشَة الْإِيمَان وَهُوَ شَرْحه الْقُلُوب الَّتِي يَدْخُل فِيهَا. زَادَ الْمُصَنِّف فِي الْإِيمَان \" لَا يَسْخَطهُ أَحَد \" كَمَا تَقَدَّمَ. وَزَادَ اِبْن السَّكَن فِي رِوَايَته فِي مُعْجَم الصَّحَابَة \" يَزْدَاد بِهِ عُجْبًا وَفَرَحًا \". وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" وَكَذَلِكَ حَلَاوَة الْإِيمَان لَا تَدْخُل قَلْبًا فَتَخْرُج مِنْهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَذَلِكَ الرُّسُل لَا تَغْدِر ) ‏ ‏لِأَنَّهَا لَا تَطْلُب حَظّ الدُّنْيَا الَّذِي لَا يُبَالِي طَالِبه بِالْغَدْرِ , بِخِلَافِ مَنْ طَلَبَ الْآخِرَة. وَلَمْ يُعَرِّج هِرَقْل عَلَى الدَّسِيسَة الَّتِي دَسَّهَا أَبُو سُفْيَان كَمَا تَقَدَّمَ. وَسَقَطَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة إِيرَاد تَقْدِير السُّؤَال الْعَاشِر وَاَلَّذِي بَعْده وَجَوَابه , وَقَدْ ثَبَتَ الْجَمِيع فِي رِوَايَة الْمُؤَلِّف الَّتِي فِي الْجِهَاد وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ ثَمَّ , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏قَالَ الْمَازِنِيّ هَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا هِرَقْل لَيْسَتْ قَاطِعَة عَلَى النُّبُوَّة , إِلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنَّهَا كَانَتْ عِنْده عَلَامَات عَلَى هَذَا النَّبِيّ بِعَيْنِهِ ; لِأَنَّهُ قَالَ بَعْد ذَلِكَ : قَدْ كُنْت أَعْلَم أَنَّهُ خَارِج , وَلَمْ أَكُنْ أَظُنّ أَنَّهُ مِنْكُمْ. وَمَا أَوْرَدَهُ اِحْتِمَالًا جَزَمَ بِهِ اِبْن بَطَّال ; وَهُوَ ظَاهِر. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرْت أَنَّهُ يَأْمُركُمْ ) ‏ ‏ذَكَرَ ذَلِكَ بِالِاقْتِضَاءِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَام أَبِي سُفْيَان ذِكْر الْأَمْر بَلْ صِيغَته. وَقَوْله \" وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَة الْأَوْثَان \" مُسْتَفَاد مِنْ قَوْله \" وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَاتْرُكُوا مَا يَقُول آبَاؤُكُمْ \" لِأَنَّ مَقُولهمْ الْأَمْر بِعِبَادَةِ الْأَوْثَان. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْلُص ) ‏ ‏بِضَمِّ اللَّام أَيْ : أَصِل , يُقَال خَلُصَ إِلَى كَذَا أَيْ : وَصَلَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَتَجَشَّمْت ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالشِّين الْمُعْجَمَة , أَيْ : تَكَلَّفْت الْوُصُول إِلَيْهِ. وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَتَحَقَّق أَنَّهُ لَا يَسْلَم مِنْ الْقَتْل إِنْ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاسْتَفَادَ ذَلِكَ بِالتَّجْرِبَةِ كَمَا فِي قِصَّة ضُغَاطِر الَّذِي أَظْهَر لَهُمْ إِسْلَامه فَقَتَلُوهُ. وَلِلطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق ضَعِيف عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد عَنْ دِحْيَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة مُخْتَصَرًا , فَقَالَ قَيْصَر : أَعْرِف أَنَّهُ كَذَلِكَ , وَلَكِنْ لَا أَسْتَطِيع أَنْ أَفْعَل , إِنْ فَعَلْت ذَهَبَ مُلْكِي وَقَتَلَنِي الرُّوم. وَفِي مُرْسَل اِبْن إِسْحَاق عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّ هِرَقْل قَالَ : وَيْحك , وَاَللَّه إِنِّي لَأَعْلَم أَنَّهُ نَبِيّ مُرْسَل , وَلَكِنِّي أَخَاف الرُّوم عَلَى نَفْسِي , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاتَّبَعْتُهُ. لَكِنْ لَوْ تَفَطَّنَ هِرَقْل لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكِتَاب الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيْهِ \" أَسْلِمْ تَسْلَمْ \" وَحَمَلَ الْجَزَاء عَلَى عُمُومه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لَسَلِمَ لَوْ أَسْلَمَ مِنْ كُلّ مَا يَخَافهُ. وَلَكِنَّ التَّوْفِيق بِيَدِ اللَّه تَعَالَى قَوْله \" لَغَسَلْت عَنْ قَدَمَيْهِ \" مُبَالَغَة فِي الْعُبُودِيَّة لَهُ وَالْخِدْمَة. زَادَ عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد عَنْ أَبِي سُفْيَان \" لَوْ عَلِمْت أَنَّهُ هُوَ لَمَشَيْت إِلَيْهِ حَتَّى أُقَبِّل رَأْسه وَأَغْسِل قَدَمَيْهِ \" وَهِيَ تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَقِيَ عِنْده بَعْض شَكّ. وَزَادَ فِيهَا \" وَلَقَدْ رَأَيْت جَبْهَته تَتَحَادَر عَرَقًا مِنْ كَرْب الصَّحِيفَة \" يَعْنِي لَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِ كِتَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي اِقْتِصَاره عَلَى ذِكْر غَسْل الْقَدَمَيْنِ إِشَارَة مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَطْلُب مِنْهُ - إِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ سَالِمًا - لَا وِلَايَة وَلَا مَنْصِبًا , وَإِنَّمَا يَطْلُب مَا تَحْصُل لَهُ بِهِ الْبَرَكَة. وَقَوْله \" وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكه مَا تَحْت قَدَمَيَّ \" أَيْ : بَيْت الْمَقْدِس , وَكَنَّى بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَوْضِع اِسْتِقْرَاره. أَوْ أَرَادَ الشَّام كُلّه لِأَنَّ دَار مَمْلَكَته كَانَتْ حِمْص. وَمِمَّا يُقَوِّي أَنَّ هِرَقْل آثَرَ مُلْكه عَلَى الْإِيمَان وَاسْتَمَرَّ عَلَى الضَّلَال أَنَّهُ حَارَبَ الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَة مُؤْتَة سَنَة ثَمَان بَعْد هَذِهِ الْقِصَّة بِدُونِ السَّنَتَيْنِ , فَفِي مَغَازِي اِبْن إِسْحَاق : وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا نَزَلُوا مَعَانَ مِنْ أَرْض الشَّام أَنَّ هِرَقْل نَزَلَ فِي مِائَة أَلْف مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَحَكَى كَيْفِيَّة الْوَقْعَة. وَكَذَا رَوَى اِبْن حِبَّانَ فِي صَحِيحه عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا مِنْ تَبُوك يَدْعُوهُ , وَأَنَّهُ قَارَبَ الْإِجَابَة , وَلَمْ يُجِبْ. فَدَلَّ ظَاهِر ذَلِكَ عَلَى اِسْتِمْرَاره عَلَى الْكُفْر , لَكِنْ يُحْتَمَل مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُضْمِر الْإِيمَان وَيَفْعَل هَذِهِ الْمَعَاصِيَ مُرَاعَاة لِمُلْكِهِ وَخَوْفًا مِنْ أَنْ يَقْتُلهُ قَوْمه. إِلَّا أَنَّ فِي مُسْنَد أَحْمَد أَنَّهُ كَتَبَ مِنْ تَبُوك إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي مُسْلِم. فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَذَبَ , بَلْ هُوَ عَلَى نَصْرَانِيَّته. وَفِي كِتَاب الْأَمْوَال لِأَبِي عُبَيْد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ مُرْسَل بَكْر بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيّ نَحْوه , وَلَفْظه فَقَالَ : كَذَبَ عَدُوّ اللَّه , لَيْسَ بِمُسْلِمٍ. فَعَلَى هَذَا إِطْلَاق صَاحِب الِاسْتِيعَاب أَنَّهُ آمَنَ - أَيْ : أَظْهَرَ التَّصْدِيق - لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَمِرّ عَلَيْهِ وَيَعْمَل بِمُقْتَضَاهُ , بَلْ شَحَّ بِمُلْكِهِ وَآثَرَ الْفَانِيَة عَلَى الْبَاقِيَة. وَاَللَّه الْمُوَفِّق. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ دَعَا ) ‏ ‏أَيْ : مَنْ وَكَّلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ , وَلِهَذَا عُدِّيَ إِلَى الْكِتَاب بِالْبَاءِ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( دِحْيَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الدَّال , وَحُكِيَ فَتْحهَا لُغَتَانِ , وَيُقَال إِنَّهُ الرَّئِيس بِلُغَةِ أَهْل الْيَمَن , وَهُوَ اِبْن خَلِيفَة الْكَلْبِيّ , صَحَابِيّ جَلِيل كَانَ أَحْسَن النَّاس وَجْهًا , وَأَسْلَمَ قَدِيمًا , وَبَعَثَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِر سَنَةِ سِتّ بَعْد أَنْ رَجَعَ مِنْ الْحُدَيْبِيَة بِكِتَابِهِ إِلَى هِرَقْل , وَكَانَ وُصُوله إِلَى هِرَقْل فِي الْمُحَرَّم سَنَة سَبْع , قَالَهُ الْوَاقِدِيّ. وَوَقَعَ فِي تَارِيخ خَلِيفَة أَنَّ إِرْسَال الْكِتَاب إِلَى هِرَقْل كَانَ سَنَة خَمْس , وَالْأَوَّل أَثْبَت , بَلْ هَذَا غَلَط لِتَصْرِيحِ أَبِي سُفْيَان بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مُدَّة الْهُدْنَة , وَالْهُدْنَة كَانَتْ فِي آخِر سَنَة سِتّ اِتِّفَاقًا , وَمَاتَ دِحْيَة فِي خِلَافَة مُعَاوِيَة. وَبُصْرَى بِضَمِّ أَوَّله وَالْقَصْر مَدِينَة بَيْن الْمَدِينَة وَدِمَشْق , وَقِيلَ هِيَ حَوْرَان , وَعَظِيمهَا هُوَ الْحَارِث بْن أَبِي شَمِر الْغَسَّانِيّ. وَفِي الصَّحَابَة لِابْنِ السَّكَن أَنَّهُ أَرْسَلَ بِكِتَابِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْل مَعَ عَدِيّ بْن حَاتِم , وَكَانَ عَدِيّ إِذْ ذَاكَ نَصْرَانِيًّا , فَوَصَلَ بِهِ هُوَ وَدِحْيَة مَعًا , وَكَانَتْ وَفَاة الْحَارِث الْمَذْكُور عَام الْفَتْح. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ مُحَمَّد ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ السُّنَّة أَنْ يَبْدَأ الْكِتَاب بِنَفْسِهِ , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , بَلْ حَكَى فِيهِ النَّحَّاس إِجْمَاع الصَّحَابَة. وَالْحَقّ إِثْبَات الْخِلَاف. وَفِيهِ أَنَّ \" مِنْ \" الَّتِي لِابْتِدَاءِ الْغَايَة تَأْتِي مِنْ غَيْر الزَّمَان وَالْمَكَان كَذَا قَالَهُ أَبُو حَيَّان , وَالظَّاهِر أَنَّهَا هُنَا أَيْضًا لَمْ تَخْرُج مِنْ ذَلِكَ , لَكِنْ بِارْتِكَابِ مَجَاز. زَادَ فِي حَدِيث دِحْيَة : وَعِنْدهُ اِبْن أَخ لَهُ أَحْمَر أَزْرَق سَبْط الرَّأْس. وَفِيهِ : لَمَّا قَرَأَ الْكِتَاب سَخِرَ فَقَالَ : لَا تَقْرَأْهُ , إِنَّهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ. فَقَالَ قَيْصَر : لَتَقْرَأَنَّهُ. فَقَرَأَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْبَزَّار فِي مُسْنَده عَنْ دِحْيَة الْكَلْبِيّ أَنَّهُ هُوَ نَاوَلَ الْكِتَاب لِقَيْصَر , وَلَفْظه \" بَعَثَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابِهِ إِلَى قَيْصَر فَأَعْطَيْته الْكِتَاب \". ‏ ‏قَوْله ( عَظِيم الرُّوم ) ‏ ‏فِيهِ عُدُول عَنْ ذِكْره بِالْمُلْكِ أَوْ الْإِمْرَة ; لِأَنَّهُ مَعْزُول بِحُكْمِ الْإِسْلَام , لَكِنَّهُ لَمْ يُخْلِهِ مِنْ إِكْرَام لِمَصْلَحَةِ التَّأَلُّف. وَفِي حَدِيث دِحْيَة أَنَّ اِبْن أَخِي قَيْصَر أَنْكَرَ أَيْضًا كَوْنه لَمْ يَقُلْ مَلِك الرُّوم. ‏ ‏قَوْله : ( سَلَام عَلَى مَنْ اِتَّبَعَ الْهُدَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي الِاسْتِئْذَان \" السَّلَام \" بِالتَّعْرِيفِ. وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي قِصَّة مُوسَى وَهَارُون مَعَ فِرْعَوْن. وَظَاهِر السِّيَاق يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَة مَا أُمِرَا بِهِ أَنْ يَقُولَاهُ. فَإِنْ قِيلَ : كَيْف يُبْدَأ الْكَافِر بِالسَّلَامِ ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا : لَيْسَ الْمُرَاد مِنْ هَذَا التَّحِيَّة , إِنَّمَا مَعْنَاهُ سَلِمَ مِنْ عَذَاب اللَّه مَنْ أَسْلَمَ. وَلِهَذَا جَاءَ بَعْده أَنَّ الْعَذَاب عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى. وَكَذَا جَاءَ فِي بَقِيَّة هَذَا الْكِتَاب \" فَإِنْ تَوَلَّيْت فَإِنَّ عَلَيْك إِثْم الْأَرِيسِيِّينَ \". فَمُحَصَّل الْجَوَاب أَنَّهُ لَمْ يَبْدَأ الْكَافِر بِالسَّلَامِ قَصْدًا وَإِنْ كَانَ اللَّفْظ يُشْعِر بِهِ , لَكِنَّهُ لَمْ يَدْخُل فِي الْمُرَاد لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ اِتَّبَعَ الْهُدَى فَلَمْ يُسَلِّم عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَّا بَعْد ) ‏ ‏فِي قَوْله \" أَمَّا \" مَعْنَى الشَّرْط , وَتُسْتَعْمَل لِتَفْصِيلِ مَا يُذْكَر بَعْدهَا غَالِبًا , وَقَدْ تَرِد مُسْتَأْنَفَة لَا لِتَفْصِيلٍ كَاَلَّتِي هُنَا , وَلِلتَّفْصِيلِ وَالتَّقْرِير , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هِيَ هُنَا لِلتَّفْصِيلِ وَتَقْدِيره : أَمَّا الِابْتِدَاء فَهُوَ اِسْم اللَّه , وَأَمَّا الْمَكْتُوب فَهُوَ مِنْ مُحَمَّد رَسُول اللَّه.. إِلَخْ , كَذَا قَالَ. وَلَفْظه \" بَعْد \" مَبْنِيَّة عَلَى الضَّمّ , وَكَانَ الْأَصْل أَنْ تُفْتَح لَوْ اِسْتَمَرَّتْ عَلَى الْإِضَافَة , لَكِنَّهَا قُطِعَتْ عَنْ الْإِضَافَة فَبُنِيَتْ عَلَى الضَّمّ , وَسَيَأْتِي مَزِيد فِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِي كِتَاب الْجُمُعَة. ‏ ‏قَوْله : ( بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام ) ‏ ‏بِكَسْرِ الدَّال , مِنْ قَوْلك دَعَا يَدْعُو دِعَايَة نَحْو شَكَا يَشْكُو شِكَايَة. وَلِمُسْلِمٍ \" بِدَاعِيَةِ الْإِسْلَام \" أَيْ : بِالْكَلِمَةِ الدَّاعِيَة إِلَى الْإِسْلَام , وَهِيَ شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه , وَالْبَاء مَوْضِع إِلَى. وَقَوْله \" أَسْلِمْ تَسْلَمْ \" غَايَة فِي الْبَلَاغ , وَفِيهِ نَوْع مِنْ الْبَدِيع وَهُوَ الْجِنَاس الِاشْتِقَاقِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( يُؤْتِك ) ‏ ‏جَوَاب ثَانٍ لِلْأَمْرِ. وَفِي الْجِهَاد لِلْمُؤَلِّفِ \" أَسْلِمْ أَسْلِمْ يُؤْتِك \" بِتَكْرَارِ أَسْلِمْ , فَيُحْتَمَل التَّأْكِيد , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْأَمْر الْأَوَّل لِلدُّخُولِ فِي الْإِسْلَام وَالثَّانِي لِلدَّوَامِ عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله ) الْآيَة. وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ ) الْآيَة. وَإِعْطَاؤُهُ الْأَجْر مَرَّتَيْنِ لِكَوْنِهِ كَانَ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّهِ ثُمَّ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون تَضْعِيف الْأَجْر لَهُ مِنْ جِهَة إِسْلَامه وَمِنْ جِهَة أَنَّ إِسْلَامه يَكُون سَبَبًا لِدُخُولِ أَتْبَاعه. وَسَيَأْتِي التَّصْرِيح بِذَلِكَ فِي مَوْضِعه مِنْ حَدِيث الشَّعْبِيّ مِنْ كِتَاب الْعِلْم إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ شَيْخنَا شَيْخ الْإِسْلَام أَنَّ كُلّ مَنْ دَانَ بِدِينِ أَهْل الْكِتَاب كَانَ فِي حُكْمهمْ فِي الْمُنَاكَحَة وَالذَّبَائِح ; لِأَنَّ هِرَقْل هُوَ وَقَوْمه لَيْسُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَهُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي النَّصْرَانِيَّة بَعْد التَّبْدِيل. وَقَدْ قَالَ لَهُ وَلِقَوْمِهِ ( يَا أَهْل الْكِتَاب ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُمْ حُكْم أَهْل الْكِتَاب , خِلَافًا لِمَنْ خَصَّ ذَلِكَ بِالْإِسْرَائِيلِيِّينَ أَوْ بِمَنْ عُلِمَ أَنَّ سَلَفه مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّة أَوْ النَّصْرَانِيَّة قَبْل التَّبْدِيل. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ تَوَلَّيْت ) ‏ ‏أَيْ : أَعْرَضْت عَنْ الْإِجَابَة إِلَى الدُّخُول فِي الْإِسْلَام. وَحَقِيقَة التَّوَلِّي إِنَّمَا هُوَ بِالْوَجْهِ , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي الْإِعْرَاض عَنْ الشَّيْء , وَهِيَ اِسْتِعَارَة تَبَعِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( الْأَرِيسِيِّينَ ) ‏ ‏هُوَ جَمْع أَرِيسِيّ , وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى أَرِيس بِوَزْنِ فَعِيل , وَقَدْ تُقْلَب هَمْزَته يَاء كَمَا جَاءَتْ بِهِ رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَالْأَصِيلِيّ وَغَيْرهمَا هُنَا , قَالَ اِبْن سِيده : الْأَرِيس الْأَكَّار , أَيْ : الْفَلَّاح عِنْد ثَعْلَب , وَعِنْد كُرَاع : الْأَرِيس هُوَ الْأَمِير , وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : هِيَ لُغَة شَامِيَّة , وَأَنْكَرَ اِبْن فَارِس أَنْ تَكُون عَرَبِيَّة , وَقِيلَ فِي تَفْسِيره غَيْر ذَلِكَ لَكِنْ هَذَا هُوَ الصَّحِيح هُنَا , فَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيّ بِلَفْظِ \" فَإِنَّ عَلَيْك إِثْم الْأَكَّارِينَ \" زَادَ الْبَرْقَانِيّ فِي رِوَايَته : يَعْنِي الْحَرَّاثِينَ , وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا مَا فِي رِوَايَة الْمَدَائِنِيّ مِنْ طَرِيق مُرْسَلَة \" فَإِنَّ عَلَيْك إِثْم الْفَلَّاحِينَ \" , وَكَذَا عِنْد أَبِي عُبَيْد فِي كِتَاب الْأَمْوَال مِنْ مُرْسَل عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد \" وَإِنْ لَمْ تَدْخُل فِي الْإِسْلَام فَلَا تَحُلْ بَيْن الْفَلَّاحِينَ وَبَيْن الْإِسْلَام \" قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْمُرَاد بِالْفَلَّاحِينَ أَهْل مَمْلَكَته ; لِأَنَّ كُلّ مَنْ كَانَ يَزْرَع فَهُوَ عِنْد الْعَرَب فَلَّاح , سَوَاء كَانَ يَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيّ : أَرَادَ أَنَّ عَلَيْك إِثْم الضُّعَفَاء وَالْأَتْبَاع إِذَا لَمْ يُسْلِمُوا تَقْلِيدًا لَهُ ; لِأَنَّ الْأَصَاغِر أَتْبَاع الْأَكَابِر. قُلْت : وَفِي الْكَلَام حَذْف دَلَّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ وَهُوَ : فَإِنَّ عَلَيْك مَعَ إِثْمك إِثْم الْأَرِيسِيِّينَ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ إِثْم الْأَتْبَاع بِسَبَبِ أَنَّهُمْ تَبِعُوهُ عَلَى اِسْتِمْرَار الْكُفْر فَلَأَنْ يَكُون عَلَيْهِ إِثْم نَفْسه أَوْلَى , وَهَذَا يُعَدّ مِنْ مَفْهُوم الْمُوَافَقَة , وَلَا يُعَارَض بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى ) لِأَنَّ وِزْر الْآثِم لَا يَتَحَمَّلهُ غَيْره , وَلَكِنَّ الْفَاعِل الْمُتَسَبِّب وَالْمُتَلَبِّس بِالسَّيِّئَاتِ يَتَحَمَّل مِنْ جِهَتَيْنِ : جِهَة فِعْله وَجِهَة تَسَبُّبه وَقَدْ وَرَدَ تَفْسِير الْأَرِيسِيِّينَ بِمَعْنًى آخَر , فَقَالَ اللَّيْث بْن سَعْد عَنْ يُونُس فِيمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير مِنْ طَرِيقه : الْأَرِيسِيُّونَ الْعَشَّارُونَ يَعْنِي أَهْل الْمَكْس. وَالْأَوَّل أَظْهَر. وَهَذَا إِنْ صَحَّ أَنَّهُ الْمُرَاد , فَالْمَعْنَى الْمُبَالَغَة فِي الْإِثْم , فَفِي الصَّحِيح فِي الْمَرْأَة الَّتِي اِعْتَرَفَتْ بِالزِّنَا \" لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَة لَوْ تَابَهَا صَاحِب مَكْس لَقُبِلَتْ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَيَا أَهْل الْكِتَاب إِلَخْ ) هَكَذَا ‏ ‏وَقَعَ بِإِثْبَاتِ الْوَاو فِي أَوَّله , وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض أَنَّ الْوَاو سَاقِطَة مِنْ رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَأَبِي ذَرّ , وَعَلَى ثُبُوتهَا فَهِيَ دَاخِلَة عَلَى مُقَدَّر مَعْطُوف عَلَى قَوْله \" أَدْعُوك \" , فَالتَّقْدِير : أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام , وَأَقُول لَك وَلِأَتْبَاعِك اِمْتِثَالًا لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى ( يَا أَهْل الْكِتَاب ). وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون مِنْ كَلَام أَبِي سُفْيَان ; لِأَنَّهُ لَمْ يَحْفَظ جَمِيع أَلْفَاظ الْكِتَاب , فَاسْتَحْضَرَ مِنْهَا أَوَّل الْكِتَاب فَذَكَرَهُ , وَكَذَا الْآيَة. وَكَأَنَّهُ قَالَ فِيهِ : كَانَ فِيهِ كَذَا وَكَانَ فِيهِ يَا أَهْل الْكِتَاب. فَالْوَاو مِنْ كَلَامه لَا مِنْ نَفْس الْكِتَاب , وَقِيلَ إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ ذَلِكَ قَبْل نُزُول الْآيَة فَوَافَقَ لَفْظه لَفْظهَا لَمَّا نَزَلَتْ , وَالسَّبَب فِي هَذَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي قِصَّة وَفْد نَجْرَان , وَكَانَتْ قِصَّتهمْ سَنَة الْوُفُود سَنَة تِسْع , وَقِصَّة سُفْيَان كَانَتْ قَبْل ذَلِكَ سَنَة سِتّ , وَسَيَأْتِي ذَلِكَ وَاضِحًا فِي الْمَغَازِي , وَقِيلَ : بَلْ نَزَلَتْ سَابِقَة فِي أَوَائِل الْهِجْرَة , وَإِلَيْهِ يُومِئ كَلَام اِبْن إِسْحَاق. وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي الْيَهُود. وَجَوَّزَ بَعْضهمْ نُزُولهَا مَرَّتَيْنِ , وَهُوَ بَعِيد. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏قِيلَ فِي هَذَا دَلِيل عَلَى جَوَاز قِرَاءَة الْجُنُب لِلْآيَةِ أَوْ الْآيَتَيْنِ , وَبِإِرْسَالِ بَعْض الْقُرْآن إِلَى أَرْض الْعَدُوّ وَكَذَا بِالسَّفَرِ بِهِ. وَأَغْرَبَ اِبْن بَطَّال فَادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ نُسِخَ بِالنَّهْيِ عَنْ السَّفَر بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْض الْعَدُوّ وَيَحْتَاج إِلَى إِثْبَات التَّارِيخ بِذَلِكَ. وَمُحْتَمَل أَنْ يُقَال : إِنَّ الْمُرَاد بِالْقُرْآنِ فِي حَدِيث النَّهْي عَنْ السَّفَر بِهِ أَيْ : الْمُصْحَف , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي مَوْضِعه. وَأَمَّا الْجُنُب فَيُحْتَمَل أَنْ يُقَال إِذَا لَمْ يَقْصِد التِّلَاوَة جَازَ , عَلَى أَنَّ فِي الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة نَظَرًا , فَإِنَّهَا وَاقِعَة عَيْن لَا عُمُوم فِيهَا , فَيُقَيَّد الْجَوَاز عَلَى مَا إِذَا وَقَعَ اِحْتِيَاج إِلَى ذَلِكَ كَالْإِبْلَاغِ وَالْإِنْذَار كَمَا فِي هَذِهِ الْقِصَّة , وَأَمَّا الْجَوَاز مُطْلَقًا حَيْثُ لَا ضَرُورَة فَلَا يَتَّجِه , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الطَّهَارَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَقَدْ اِشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْجُمَل الْقَلِيلَة الَّتِي تَضَمَّنَهَا هَذَا الْكِتَاب عَلَى الْأَمْر بِقَوْلِهِ \" أَسْلِمْ \" وَالتَّرْغِيب بِقَوْلِهِ \" تَسْلَمْ وَيُؤْتِك \" وَالزَّجْر بِقَوْلِهِ \" فَإِنْ تَوَلَّيْت \" وَالتَّرْهِيب بِقَوْلِهِ \" فَإِنَّ عَلَيْك \" وَالدِّلَالَة بِقَوْلِهِ \" يَا أَهْل الْكِتَاب \" وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْبَلَاغَة مَا لَا يَخْفَى وَكَيْف لَا وَهُوَ كَلَام مَنْ أُوتِيَ جَوَامِع الْكَلِم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يُشِير بِذَلِكَ إِلَى الْأَسْئِلَة وَالْأَجْوِبَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يُشِير بِذَلِكَ إِلَى الْقِصَّة الَّتِي ذَكَرَهَا اِبْن النَّاطُور بَعْد , وَالضَّمَائِر كُلّهَا تَعُود عَلَى هِرَقْل. وَالصَّخَب اللَّغَط , وَهُوَ اِخْتِلَاط الْأَصْوَات فِي الْمُخَاصَمَة , زَادَ فِي الْجِهَاد : فَلَا أَدْرِي مَا قَالُوا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لِأَصْحَابِي ) ‏ ‏زَادَ فِي الْجِهَاد : حِين خَلَوْت بِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( أَمِرَ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْمِيم أَيْ : عَظُمَ , وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير سُبْحَان. وَابْن أَبِي كَبْشَة أَرَادَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ أَبَا كَبْشَة أَحَد أَجْدَاده , وَعَادَة الْعَرَب إِذَا اِنْتَقَصَتْ نَسَبَتْ إِلَى جَدّ غَامِض , قَالَ أَبُو الْحَسَن النَّسَّابَة الْجُرْجَانِيّ : هُوَ جَدّ وَهْب جَدّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّهِ. وَهَذَا فِيهِ نَظَر ; لِأَنَّ وَهْبًا جَدّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْم أُمّه عَاتِكَة بِنْت الْأَوْقَص بْن مُرَّة بْن هِلَال , وَلَمْ يَقُلْ أَحَد مِنْ أَهْل النَّسَب إِنَّ الْأَوْقَص يُكَنَّى أَبَا كَبْشَة. وَقِيلَ هُوَ جَدّ عَبْد الْمُطَّلِب لِأُمِّهِ , وَفِيهِ نَظَر أَيْضًا ; لِأَنَّ أُمّ عَبْد الْمُطَّلِب سَلْمَى بِنْت عَمْرو بْن زَيْد الْخَزْرَجِيّ وَلَمْ يَقُلْ أَحَد مِنْ أَهْل النَّسَب إِنَّ عَمْرو بْن زَيْد يُكَنَّى أَبَا كَبْشَة. وَلَكِنْ ذَكَرَ اِبْن حَبِيب فِي الْمُجْتَبَى جَمَاعَة مِنْ أَجْدَاد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه"
    },
    {
        "id": "7",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَنْظَلَة بْن أَبِي سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ قُرَشِيّ مَكِّيّ مِنْ ذُرِّيَّة صَفْوَان بْن أُمَيَّة الْجُمَحِيّ , وَعِكْرِمَة بْن خَالِد هُوَ اِبْن سَعِيد بْن الْعَاصِ بْن هِشَام بْن الْمُغِيرَة الْمَخْزُومِيّ , وَهُوَ ثِقَة مُتَّفَق عَلَيْهِ , وَفِي طَبَقَته عِكْرِمَة بْن خَالِد بْن سَلَمَة بْن هِشَام بْن الْمُغِيرَة الْمَخْزُومِيّ , وَهُوَ ضَعِيف , وَلَمْ يُخَرِّج لَهُ الْبُخَارِيّ , نَبَّهْت عَلَيْهِ لِشِدَّةِ اِلْتِبَاسه , وَيَفْتَرِقَانِ بِشُيُوخِهِمَا , وَلَمْ يُرْوَ الضَّعِيف عَنْ اِبْن عُمَر. زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته عَنْ حَنْظَلَة قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة بْن خَالِد يُحَدِّث طَاوُسًا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّه بْن عُمَر : أَلَا تَغْزُو ؟ فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْت... فَذَكَرَ الْحَدِيث. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏اِسْم الرَّجُل السَّائِل حَكِيم , ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى خَمْس ) ‏ ‏أَيْ : دَعَائِم. وَصَرَّحَ بِهِ عَبْد الرَّزَّاق فِي رِوَايَته. وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ عَلَى خَمْسَة أَيْ : أَرْكَان. فَإِنْ قِيلَ الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة مَبْنِيَّة عَلَى الشَّهَادَة إِذْ لَا يَصِحّ شَيْء مِنْهَا إِلَّا بَعْد وُجُودهَا فَكَيْفَ يُضَمّ مَبْنِيّ إِلَى مَبْنِيّ عَلَيْهِ فِي مُسَمًّى وَاحِد ؟ أُجِيبَ بِجَوَازِ اِبْتِنَاء أَمْر عَلَى أَمْر يَنْبَنِي عَلَى الْأَمْرَيْنِ أَمْر آخَر. فَإِنْ قِيلَ : الْمَبْنِيّ لَا بُدّ أَنْ يَكُون غَيْر الْمَبْنِيّ عَلَيْهِ , أُجِيبَ : بِأَنَّ الْمَجْمُوع غَيْر مِنْ حَيْثُ الِانْفِرَاد , عَيْن مِنْ حَيْثُ الْجَمْع. وَمِثَاله الْبَيْت مِنْ الشِّعْر يُجْعَل عَلَى خَمْسَة أَعْمِدَة أَحَدهَا أَوْسَط وَالْبَقِيَّة أَرْكَان , فَمَا دَامَ الْأَوْسَط قَائِمًا فَمُسَمَّى الْبَيْت مَوْجُود وَلَوْ سَقَطَ مَهْمَا سَقَطَ مِنْ الْأَرْكَان , فَإِذَا سَقَطَ الْأَوْسَط سَقَطَ مُسَمَّى الْبَيْت , فَالْبَيْت بِالنَّظَرِ إِلَى مَجْمُوعه شَيْء وَاحِد , وَبِالنَّظَرِ إِلَى أَفْرَاده أَشْيَاء. وَأَيْضًا فَبِالنَّظَرِ إِلَى أُسِّهِ وَأَرْكَانه , الْأُسّ أَصْل , وَالْأَرْكَان تَبَع وَتَكْمِلَة. ‏ ‏( تَنْبِيهَات ) : ‏ ‏أَحَدهَا : لَمْ يُذْكَر الْجِهَاد ; لِأَنَّهُ فَرْض كِفَايَة وَلَا يَتَعَيَّن إِلَّا فِي بَعْض الْأَحْوَال , وَلِهَذَا جَعَلَهُ اِبْن عُمَر جَوَاب السَّائِل , وَزَادَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق فِي آخِره : وَإِنَّ الْجِهَاد مِنْ الْعَمَل الْحَسَن. وَأَغْرَبَ اِبْن بَطَّال فَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث كَانَ أَوَّل الْإِسْلَام قَبْل فَرْض الْجِهَاد , وَفِيهِ نَظَر , بَلْ هُوَ خَطَأ ; لِأَنَّ فَرْض الْجِهَاد كَانَ قَبْل وَقْعَة بَدْر , وَبَدْر كَانَتْ فِي رَمَضَان فِي السَّنَة الثَّانِيَة , وَفِيهَا فُرِضَ الصِّيَام وَالزَّكَاة بَعْد ذَلِكَ وَالْحَجّ بَعْد ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيح. ‏ ‏ثَانِيهَا : قَوْله \" شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" وَمَا بَعْدهَا مَخْفُوض عَلَى الْبَدَل مِنْ خَمْس , وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى حَذْف الْخَبَر , وَالتَّقْدِير مِنْهَا شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه. أَوْ عَلَى حَذْف الْمُبْتَدَأ , وَالتَّقْدِير أَحَدهَا شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه. فَإِنْ قِيلَ : لَمْ يَذْكُر الْإِيمَان بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَة وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَهُ سُؤَال جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالشَّهَادَةِ تَصْدِيق الرَّسُول فِيمَا جَاءَ بِهِ , فَيَسْتَلْزِم جَمِيع مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُعْتَقَدَات. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مَا مُحَصَّله : هُوَ مِنْ بَاب تَسْمِيَة الشَّيْء بِبَعْضِهِ كَمَا تَقُول : قَرَأْت الْحَمْد وَتُرِيد جَمِيع الْفَاتِحَة , وَكَذَا تَقُول مَثَلًا : شَهِدْت بِرِسَالَةِ مُحَمَّد وَتُرِيد جَمِيع مَا ذُكِرَ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏ثَالِثهَا : الْمُرَاد بِإِقَامِ الصَّلَاة الْمُدَاوَمَة عَلَيْهَا أَوْ مُطْلَق الْإِتْيَان بِهَا , وَالْمُرَاد بِإِيتَاءِ الزَّكَاة إِخْرَاج جُزْء مِنْ الْمَال عَلَى وَجْه مَخْصُوص. ‏ ‏رَابِعهَا : اِشْتَرَطَ الْبَاقِلَّانِيّ فِي صِحَّة الْإِسْلَام تَقَدُّم الْإِقْرَار بِالتَّوْحِيدِ عَلَى الرِّسَالَة , وَلَمْ يُتَابَع , مَعَ أَنَّهُ إِذَا دُقِّقَ فِيهِ بَانَ وَجْهه , وَيَزْدَاد اِتِّجَاهًا إِذَا فَرَّقَهُمَا , فَلْيُتَأَمَّلْ. ‏ ‏خَامِسهَا : يُسْتَفَاد مِنْهُ تَخْصِيص عُمُوم مَفْهُوم السُّنَّة بِخُصُوصِ مَنْطُوق الْقُرْآن ; لِأَنَّ عُمُوم الْحَدِيث يَقْتَضِي صِحَّة إِسْلَام مَنْ بَاشَرَ مَا ذُكِرَ , وَمَفْهُومه أَنَّ مَنْ لَمْ يُبَاشِرهُ لَا يَصِحّ مِنْهُ , وَهَذَا الْعُمُوم مَخْصُوص بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتهمْ ) عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعه. ‏ ‏سَادِسهَا : وَقَعَ هُنَا تَقْدِيم الْحَجّ عَلَى الصَّوْم , وَعَلَيْهِ بَنَى الْبُخَارِيّ تَرْتِيبه , لَكِنْ وَقَعَ فِي مُسْلِم مِنْ رِوَايَة سَعْد بْن عُبَيْدَة عَنْ اِبْن عُمَر بِتَقْدِيمِ الصَّوْم عَلَى الْحَجّ , قَالَ , فَقَالَ رَجُل : وَالْحَجّ وَصِيَام رَمَضَان , فَقَالَ اِبْن عُمَر : لَا , صِيَام رَمَضَان وَالْحَجّ , هَكَذَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. اِنْتَهَى. فَفِي هَذَا إِشْعَار بِأَنَّ رِوَايَة حَنْظَلَة الَّتِي فِي الْبُخَارِيّ مَرْوِيَّة بِالْمَعْنَى , إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع رَدّ اِبْن عُمَر عَلَى الرَّجُل لِتَعَدُّدِ الْمَجْلِس , أَوْ حَضَرَ ذَلِكَ ثُمَّ نَسِيَهُ. وَيَبْعُد مَا جَوَّزَهُ بَعْضهمْ أَنْ يَكُون اِبْن عُمَر سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَنَسِيَ أَحَدهمَا عِنْد رَدّه عَلَى الرَّجُل , وَوَجْه بُعْده أَنَّ تَطَرُّق النِّسْيَان إِلَى الرَّاوِي عَنْ الصَّحَابِيّ أَوْلَى مِنْ تَطَرُّقه إِلَى الصَّحَابِيّ , كَيْف وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق حَنْظَلَة بِتَقْدِيمِ الصَّوْم عَلَى الْحَجّ , وَلِأَبِي عَوَانَة - مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حَنْظَلَة - أَنَّهُ جَعَلَ صَوْم رَمَضَان قَبْل , فَتَنْوِيعه دَالّ عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ بِالْمَعْنَى. وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ عِنْد الْبُخَارِيّ فِي التَّفْسِير بِتَقْدِيمِ الصِّيَام عَلَى الزَّكَاة , أَفَيُقَال إِنَّ الصَّحَابِيّ سَمِعَهُ عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه ؟ هَذَا مُسْتَبْعَد. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( فَائِدَة ) ‏ ‏اِسْم الرَّجُل الْمَذْكُور يَزِيد بْن بِشْر السَّكْسَكِيّ , ذَكَرَهُ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "8",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْإِيمَانُ ‏ ‏بِضْعٌ ‏ ‏وَسِتُّونَ ‏ ‏شُعْبَةً ‏ ‏وَالْحَيَاءُ ‏ ‏شُعْبَةٌ ‏ ‏مِنْ الْإِيمَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏هَذَا أَوَّل حَدِيث وَقَعَ ذِكْره فِيهِ. وَمَجْمُوع مَا أَخْرَجَهُ لَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ الْمُتُون الْمُسْتَقِلَّة أَرْبَعمِائَةِ حَدِيث وَسِتَّة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَلَى التَّحْرِير. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي اِسْمه اِخْتِلَافًا كَثِيرًا قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَمْ يُخْتَلَف فِي اِسْم فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام مِثْل مَا اُخْتُلِفَ فِي اِسْمه , اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عِشْرِينَ قَوْلًا. قُلْت : وَسَرَدَ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي التَّلْقِيح مِنْهَا ثَمَانِيَة عَشَرَ , وَقَالَ النَّوَوِيّ : تَبْلُغ أَكْثَر مِنْ ثَلَاثِينَ قَوْلًا. قُلْت : وَقَدْ جَمَعْتهَا فِي تَرْجَمَته فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب فَلَمْ تَبْلُغ ذَلِكَ ; وَلَكِنَّ كَلَام الشَّيْخ مَحْمُول عَلَى الِاخْتِلَاف فِي اِسْمه وَفِي اِسْم أَبِيهِ مَعًا. ‏ ‏قَوْله : ( بِضْع ) ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّله , وَحُكِيَ الْفَتْح لُغَة , وَهُوَ عَدَد مُبْهَم مُقَيَّد بِمَا بَيْن الثَّلَاث إِلَى التِّسْع كَمَا جَزَمَ بِهِ الْقَزَّاز. وَقَالَ اِبْن سِيدَهْ : إِلَى الْعَشْر. وَقِيلَ : مِنْ وَاحِد إِلَى تِسْعَة. وَقِيلَ : مِنْ اِثْنَيْنِ إِلَى عَشَرَة. ‏ ‏وَقِيلَ مِنْ أَرْبَعَة إِلَى تِسْعَة. وَعَنْ الْخَلِيل : الْبِضْع السَّبْع. وَيُرَجِّح مَا قَالَهُ الْقَزَّاز مَا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى ( فَلَبِثَ فِي السِّجْن بِضْع سِنِينَ ). وَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِسَنَدٍ صَحِيح أَنَّ قُرَيْشًا قَالُوا ذَلِكَ لِأَبِي بَكْر , وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ مَرْفُوعًا , وَنَقَلَ الصَّغَانِيّ فِي الْعُبَاب أَنَّهُ خَاصّ بِمَا دُون الْعَشَرَة وَبِمَا دُون الْعِشْرِينَ , فَإِذَا جَاوَزَ الْعِشْرِينَ اِمْتَنَعَ. قَالَ : وَأَجَازَهُ أَبُو زَيْد فَقَالَ : يُقَال بِضْعَة وَعِشْرُونَ رَجُلًا وَبِضْع وَعِشْرُونَ اِمْرَأَة. وَقَالَ الْفَرَّاء : وَهُوَ خَاصّ بِالْعَشَرَاتِ إِلَى التِّسْعِينَ , وَلَا يُقَال : بِضْع وَمِائَة وَلَا بِضْع وَأَلْف. وَوَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات بِضْعَة بِتَاءِ التَّأْنِيث وَيَحْتَاج إِلَى تَأْوِيل. ‏ ‏قَوْله : ( وَسِتُّونَ ) ‏ ‏لَمْ تَخْتَلِف الطُّرُق عَنْ أَبِي عَامِر شَيْخ شَيْخ الْمُؤَلِّف فِي ذَلِكَ , وَتَابَعَهُ يَحْيَى الْحِمَّانِيّ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمِيم - عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق بِشْر بْن عَمْرو عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال فَقَالَ : بِضْع وَسِتُّونَ أَوْ بِضْع وَسَبْعُونَ , وَكَذَا وَقَعَ التَّرَدُّد فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار , وَرَوَاهُ أَصْحَاب السُّنَن الثَّلَاثَة مِنْ طَرِيقه فَقَالُوا : بِضْع وَسَبْعُونَ مِنْ غَيْر شَكّ , وَلِأَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيقٍ سِتّ وَسَبْعُونَ أَوْ سَبْع وَسَبْعُونَ , وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيّ رِوَايَة الْبُخَارِيّ ; لِأَنَّ سُلَيْمَان لَمْ يَشُكّ , وَفِيهِ نَظَر لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ رِوَايَة بِشْر بْن عَمْرو عَنْهُ فَتَرَدَّدَ أَيْضًا لَكِنْ يُرَجَّح بِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّن وَمَا عَدَاهُ مَشْكُوك فِيهِ. وَأَمَّا رِوَايَة التِّرْمِذِيّ بِلَفْظِ أَرْبَع وَسِتُّونَ فَمَعْلُولَة , وَعَلَى صِحَّتهَا لَا تُخَالِف رِوَايَة الْبُخَارِيّ , وَتَرْجِيح رِوَايَة بِضْع وَسَبْعُونَ لِكَوْنِهَا زِيَادَة ثِقَة - كَمَا ذَكَرَهُ الْحَلِيمِيّ ثُمَّ عِيَاض - لَا يَسْتَقِيم , إِذْ الَّذِي زَادَهَا لَمْ يَسْتَمِرّ عَلَى الْجَزْم بِهَا , لَا سِيَّمَا مَعَ اِتِّحَاد الْمَخْرَج. وَبِهَذَا يَتَبَيَّن شُفُوف نَظَر الْبُخَارِيّ. وَقَدْ رَجَّحَ اِبْن الصَّلَاح الْأَقَلّ لِكَوْنِهِ الْمُتَيَقَّن. ‏ ‏قَوْله : ( شُعْبَة ) ‏ ‏بِالضَّمِّ أَيْ قِطْعَة , وَالْمُرَاد الْخُصْلَة أَوْ الْجُزْء. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْحَيَاء ) ‏ ‏هُوَ بِالْمَدِّ , وَهُوَ فِي اللُّغَة تَغَيُّر وَانْكِسَار يَعْتَرِي الْإِنْسَان مِنْ خَوْف مَا يُعَاب بِهِ , وَقَدْ يُطْلَق عَلَى مُجَرَّد تَرْك الشَّيْء بِسَبَبٍ , وَالتَّرْك إِنَّمَا هُوَ مِنْ لَوَازِمه. وَفِي الشَّرْع : خُلُق يَبْعَث عَلَى اِجْتِنَاب الْقَبِيح , وَيَمْنَع مِنْ التَّقْصِير فِي حَقّ ذِي الْحَقّ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر \" الْحَيَاء خَيْر كُلّه \". فَإِنْ قِيلَ : الْحَيَاء مِنْ الْغَرَائِز فَكَيْفَ جُعِلَ شُعْبَة مِنْ الْإِيمَان ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُون غَرِيزَة وَقَدْ يَكُون تَخَلُّقًا , وَلَكِنَّ اِسْتِعْمَاله عَلَى وَفْق الشَّرْع يَحْتَاج إِلَى اِكْتِسَاب وَعِلْم وَنِيَّة , فَهُوَ مِنْ الْإِيمَان لِهَذَا , وَلِكَوْنِهِ بَاعِثًا عَلَى فِعْل الطَّاعَة وَحَاجِزًا عَنْ فِعْل الْمَعْصِيَة وَلَا يُقَال : رُبَّ حَيَاء عَنْ قَوْل الْحَقّ أَوْ فِعْل الْخَيْر ; لِأَنَّ ذَاكَ لَيْسَ شَرْعِيًّا , فَإِنْ قِيلَ : لِمَ أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ هُنَا ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ كَالدَّاعِي إِلَى بَاقِي الشُّعَب , إِذْ الْحَيّ يَخَاف فَضِيحَة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَيَأْتَمِر وَيَنْزَجِر , وَاَللَّه الْمُوَفِّق. وَسَيَأْتِي مَزِيد فِي الْكَلَام عَنْ الْحَيَاء فِي \" بَاب الْحَيَاء مِنْ الْإِيمَان \" بَعْد أَحَد عَشَر بَابًا. ‏ ‏( فَائِدَة ) ‏ ‏قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : تَكَلَّفَ جَمَاعَة حَصْر هَذِهِ الشُّعَب بِطَرِيقِ الِاجْتِهَاد , وَفِي الْحُكْم بِكَوْنِ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَاد صُعُوبَة , وَلَا يَقْدَح عَدَم مَعْرِفَة حَصْر ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيل فِي الْإِيمَان. ا ه. وَلَمْ يَتَّفِق مَنْ عَدَّ الشُّعَب عَلَى نَمَط وَاحِد , وَأَقْرَبهَا إِلَى الصَّوَاب طَرِيقَة اِبْن حِبَّانَ , لَكِنْ لَمْ نَقِف عَلَى بَيَانهَا مِنْ كَلَامه , وَقَدْ لَخَّصْت مِمَّا أَوْرَدُوهُ مَا أَذْكُرهُ , وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الشُّعَب تَتَفَرَّع عَنْ أَعْمَال الْقَلْب , وَأَعْمَال اللِّسَان , وَأَعْمَال الْبَدَن. فَأَعْمَال الْقَلْب فِيهِ الْمُعْتَقَدَات وَالنِّيَّات , وَتَشْتَمِل عَلَى أَرْبَع وَعِشْرِينَ خَصْلَة : الْإِيمَان بِاَللَّهِ , وَيَدْخُل فِيهِ الْإِيمَان بِذَاتِهِ وَصِفَاته وَتَوْحِيده بِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء , وَاعْتِقَاد حُدُوث مَا دُونه. وَالْإِيمَان بِمَلَائِكَتِهِ , وَكُتُبه , وَرُسُله , وَالْقَدَر خَيْره وَشَرّه. وَالْإِيمَان بِالْيَوْمِ الْآخِر , وَيَدْخُل فِيهِ الْمَسْأَلَة فِي الْقَبْر , وَالْبَعْث , وَالنُّشُور , وَالْحِسَاب , وَالْمِيزَان , وَالصِّرَاط , وَالْجَنَّة وَالنَّار. وَمَحَبَّة اللَّه. وَالْحُبّ وَالْبُغْض فِيهِ وَمَحَبَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاعْتِقَاد تَعْظِيمه , وَيَدْخُل فِيهِ الصَّلَاة عَلَيْهِ , وَاتِّبَاع سُنَّته. وَالْإِخْلَاص , وَيَدْخُل فِيهِ تَرْك الرِّيَاء وَالنِّفَاق. وَالتَّوْبَة. وَالْخَوْف. وَالرَّجَاء. وَالشُّكْر. وَالْوَفَاء. وَالصَّبْر. وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالتَّوَكُّل. وَالرَّحْمَة. وَالتَّوَاضُع. وَيَدْخُل فِيهِ تَوْقِير الْكَبِير وَرَحْمَة الصَّغِير. وَتَرْك الْكِبْر وَالْعُجْب. وَتَرْك الْحَسَد. وَتَرْك الْحِقْد. وَتَرْك الْغَضَب. وَأَعْمَال اللِّسَان , وَتَشْتَمِل عَلَى سَبْع خِصَال : التَّلَفُّظ بِالتَّوْحِيدِ. وَتِلَاوَة الْقُرْآن. وَتَعَلُّم الْعِلْم. وَتَعْلِيمه. وَالدُّعَاء. وَالذِّكْر , وَيَدْخُل فِيهِ الِاسْتِغْفَار , وَاجْتِنَاب اللَّغْو. وَأَعْمَال الْبَدَن , وَتَشْتَمِل عَلَى ثَمَان وَثَلَاثِينَ خُصْلَة , مِنْهَا مَا يَخْتَصّ بِالْأَعْيَانِ وَهِيَ خَمْس عَشْرَة خُصْلَة : التَّطْهِير حِسًّا وَحُكْمًا , وَيَدْخُل فِيهِ اِجْتِنَاب النَّجَاسَات. وَسَتْر الْعَوْرَة. وَالصَّلَاة فَرْضًا وَنَفْلًا. وَالزَّكَاة كَذَلِكَ. وَفَكّ الرِّقَاب. وَالْجُود , وَيَدْخُل فِيهِ إِطْعَام الطَّعَام وَإِكْرَام الضَّيْف. وَالصِّيَام فَرْضًا وَنَفْلًا. وَالْحَجّ , وَالْعُمْرَة كَذَلِكَ. وَالطَّوَاف. وَالِاعْتِكَاف. وَالْتِمَاس لَيْلَة الْقَدْر. وَالْفِرَار بِالدِّينِ , وَيَدْخُل فِيهِ الْهِجْرَة مِنْ دَار الشِّرْك. وَالْوَفَاء بِالنَّذْرِ , وَالتَّحَرِّي فِي الْإِيمَان , وَأَدَاء الْكَفَّارَات. وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّق بِالِاتِّبَاعِ , وَهِيَ سِتّ خِصَال : التَّعَفُّف بِالنِّكَاحِ , وَالْقِيَام بِحُقُوقِ الْعِيَال ; وَبِرّ الْوَالِدَيْنِ , وَفِيهِ اِجْتِنَاب الْعُقُوق. وَتَرْبِيَة الْأَوْلَاد وَصِلَة الرَّحِم. وَطَاعَة السَّادَة أَوْ الرِّفْق بِالْعَبِيدِ. وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّق بِالْعَامَّةِ , وَهِيَ سَبْع عَشْرَة خُصْلَة : الْقِيَام بِالْإِمْرَةِ مَعَ الْعَدْل. وَمُتَابَعَة الْجَمَاعَة. وَطَاعَة أُولِي الْأَمْر. وَالْإِصْلَاح بَيْن النَّاس , وَيَدْخُل فِيهِ قِتَال الْخَوَارِج وَالْبُغَاة. وَالْمُعَاوَنَة عَلَى الْبِرّ , وَيَدْخُل فِيهِ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر وَإِقَامَة الْحُدُود. وَالْجِهَاد , وَمِنْهُ الْمُرَابَطَة. وَأَدَاء الْأَمَانَة , وَمِنْهُ أَدَاء الْخُمُس. وَالْقَرْض مَعَ وَفَائِهِ. وَإِكْرَام الْجَار. وَحُسْن الْمُعَامَلَة , وَفِيهِ جَمْع الْمَال مِنْ حِلّه. وَإِنْفَاق الْمَال فِي حَقّه , وَمِنْهُ تَرْك التَّبْذِير وَالْإِسْرَاف. وَرَدّ السَّلَام. وَتَشْمِيت الْعَاطِس. وَكَفّ الْأَذَى عَنْ النَّاس. وَاجْتِنَاب اللَّهْو وَإِمَاطَة الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق. فَهَذِهِ تِسْع وَسِتُّونَ خُصْلَة , وَيُمْكِن عَدّهَا تِسْعًا وَسَبْعِينَ خُصْلَة بِاعْتِبَارِ إِفْرَاد مَا ضُمَّ بَعْضه إِلَى بَعْض مِمَّا ذُكِرَ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ الزِّيَادَة \" أَعْلَاهَا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَأَدْنَاهَا إِمَاطَة الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق \" وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنَّ مَرَاتِبهَا مُتَفَاوِتَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏فِي الْإِسْنَاد الْمَذْكُور رِوَايَة الْأَقْرَان , وَهِيَ : عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ أَبِي صَالِح ; لِأَنَّهُمَا تَابِعِيَّانِ , فَإِنْ وُجِدَتْ رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْهُ صَارَ مِنْ الْمُدَبَّج. وَرِجَاله مِنْ سُلَيْمَان إِلَى مُنْتَهَاهُ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة وَقَدْ دَخَلَهَا الْبَاقُونَ. ‏"
    },
    {
        "id": "9",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ ‏ ‏وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏دَاوُدُ هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَبِي إِيَاس ) ‏ ‏اِسْمه نَاهِيَة بِالنُّونِ وَبَيْن الْهَاءَيْنِ يَاء أَخِيرَة. وَقِيلَ اِسْمه عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله : ( أَبِي السَّفَر ) ‏ ‏اِسْمه سَعِيد بْن يَحْمَد كَمَا تَقَدَّمَ , وَإِسْمَاعِيل مَجْرُور بِالْفَتْحَةِ عَطْفًا عَلَيْهِ , وَالتَّقْدِير كِلَاهُمَا عَنْ الشَّعْبِيّ. وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو هُوَ اِبْن الْعَاصِ صَحَابِيّ اِبْن صَحَابِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( الْمُسْلِم ) ‏ ‏قِيلَ الْأَلِف وَاللَّام فِيهِ لِلْكَمَالِ نَحْو زَيْد الرَّجُل أَيْ : الْكَامِل فِي الرُّجُولِيَّة. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم أَنَّ مَنْ اِتَّصَفَ بِهَذَا خَاصَّة كَانَ كَامِلًا. وَيُجَاب بِأَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ مُرَاعَاة بَاقِي الْأَرْكَان , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُرَاد أَفْضَل الْمُسْلِمِينَ مَنْ جَمَعَ إِلَى أَدَاء حُقُوق اللَّه تَعَالَى أَدَاء حُقُوق الْمُسْلِمِينَ. اِنْتَهَى. وَإِثْبَات اِسْم الشَّيْء عَلَى مَعْنَى إِثْبَات الْكَمَال لَهُ مُسْتَفِيض فِي كَلَامهمْ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِذَلِكَ أَنْ يُبَيِّن عَلَامَة الْمُسْلِم الَّتِي يُسْتَدَلّ بِهَا عَلَى إِسْلَامه وَهِيَ سَلَامَة الْمُسْلِمِينَ مِنْ لِسَانه وَيَده , كَمَا ذُكِرَ مِثْله فِي عَلَامَة الْمُنَافِق. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِذَلِكَ الْإِشَارَة إِلَى الْحَثّ عَلَى حُسْن مُعَامَلَة الْعَبْد مَعَ رَبّه لِأَنَّهُ إِذَا أَحْسَنَ مُعَامَلَة إِخْوَانه فَأَوْلَى أَنْ يُحْسِن مُعَامَلَة رَبّه , مِنْ بَاب التَّنْبِيه بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ذِكْر الْمُسْلِمِينَ هُنَا خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِب ; لِأَنَّ مُحَافَظَة الْمُسْلِم عَلَى كَفّ الْأَذَى عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِم أَشَدّ تَأْكِيدًا ; وَلِأَنَّ الْكُفَّار بِصَدَدِ أَنْ يُقَاتِلُوا وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُحِبّ الْكَفّ عَنْهُ. وَالْإِتْيَان بِجَمْعِ التَّذْكِير لِلتَّغْلِيبِ , فَإِنَّ الْمُسْلِمَات يَدْخُلْنَ فِي ذَلِكَ. وَخَصَّ اللِّسَان بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الْمُعَبِّر عَمَّا فِي النَّفْس , وَهَكَذَا الْيَد لِأَنَّ أَكْثَر الْأَفْعَال بِهَا , وَالْحَدِيث عَامّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللِّسَان دُون الْيَد ; لِأَنَّ اللِّسَان يُمْكِنهُ الْقَوْل فِي الْمَاضِينَ وَالْمَوْجُودِينَ وَالْحَادِثِينَ بَعْد , بِخِلَافِ الْيَد , نَعَمْ يُمْكِن أَنْ تُشَارِك اللِّسَان فِي ذَلِكَ بِالْكِتَابَةِ , وَإِنَّ أَثَرهَا فِي ذَلِكَ لَعَظِيم. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ شَرْعًا تَعَاطِي الضَّرْب بِالْيَدِ فِي إِقَامَة الْحُدُود وَالتَّعَازِيرِ عَلَى الْمُسْلِم الْمُسْتَحِقّ لِذَلِكَ. وَفِي التَّعْبِير بِاللِّسَانِ دُون الْقَوْل نُكْتَة , فَيَدْخُل فِيهِ مَنْ أَخْرَجَ لِسَانه عَلَى سَبِيل الِاسْتِهْزَاء. وَفِي ذِكْر الْيَد دُون غَيْرهَا مِنْ الْجَوَارِح نُكْتَة , فَيَدْخُل فِيهَا الْيَد الْمَعْنَوِيَّة كَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى حَقّ الْغَيْر بِغَيْرِ حَقّ. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏فِيهِ مِنْ أَنْوَاع الْبَدِيع تَجْنِيس الِاشْتِقَاق , وَهُوَ كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْمُهَاجِر ) ‏ ‏هُوَ مَعْنَى الْهَاجِر , وَإِنْ كَانَ لَفْظ الْمُفَاعِل يَقْتَضِي وُقُوع فِعْل مِنْ اِثْنَيْنِ ; لَكِنَّهُ هُنَا لِلْوَاحِدِ كَالْمُسَافِرِ. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَلَى بَابه لِأَنَّ مِنْ لَازِم كَوْنه هَاجِرًا وَطَنه مَثَلًا أَنَّهُ مَهْجُور مِنْ وَطَنه , وَهَذِهِ الْهِجْرَة ضَرْبَانِ : ظَاهِرَة وَبَاطِنَة. فَالْبَاطِنَة تَرْك مَا تَدْعُو إِلَيْهِ النَّفْس الْأَمَّارَة بِالسُّوءِ وَالشَّيْطَان , وَالظَّاهِرَة الْفِرَار بِالدِّينِ مِنْ الْفِتَن. وَكَأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ لِئَلَّا يَتَّكِلُوا عَلَى مُجَرَّد التَّحَوُّل مِنْ دَارهمْ حَتَّى يَمْتَثِلُوا أَوَامِر الشَّرْع وَنَوَاهِيه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ قِيلَ بَعْد اِنْقِطَاع الْهِجْرَة لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّة تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ , بَلْ حَقِيقَة الْهِجْرَة تَحْصُل لِمَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ , فَاشْتَمَلَتْ هَاتَانِ الْجُمْلَتَانِ عَلَى جَوَامِع مِنْ مَعَانِي الْحِكَم وَالْأَحْكَام. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَفْرَاد الْبُخَارِيّ عَنْ مُسْلِم , بِخِلَافِ جَمِيع مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة. عَلَى أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ مَعْنَاهُ مِنْ وَجْه آخَر , وَزَادَ اِبْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك مِنْ حَدِيث أَنَس صَحِيحًا \" الْمُؤْمِن مَنْ أَمِنَهُ النَّاس \" وَكَأَنَّهُ اِخْتَصَرَهُ هُنَا لِتَضَمُّنِهِ لِمَعْنَاهُ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَة حَدَّثَنَا دَاوُد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي هِنْد , وَكَذَا فِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر عَنْ عَامِر وَهُوَ الشَّعْبِيّ الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الْمَوْصُول. وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان سَمَاعه لَهُ مِنْ الصَّحَابِيّ , وَالنُّكْتَة فِيهِ رِوَايَة وُهَيْب بْن خَالِد لَهُ عَنْ دَاوُدَ عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ رَجُل عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , حَكَاهُ اِبْن مَنْدَهْ , فَعَلَى هَذَا لَعَلَّ الشَّعْبِيّ بَلَغَهُ ذَلِكَ عَنْ عَبْد اللَّه , ثُمَّ لَقِيَهُ فَسَمِعَهُ مِنْهُ. وَنَبَّهَ بِالتَّعْلِيقِ الْآخَر عَلَى أَنَّ عَبْد اللَّه الَّذِي أُهْمِلَ فِي رِوَايَته هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو الَّذِي بُيِّنَ فِي رِوَايَة رَفِيقه , وَالتَّعْلِيق عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة وَصَلَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيقه وَلَفْظه \" سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عَمْرو يَقُول : وَرَبّ هَذِهِ الْبَنِيَّة لَسَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : الْمُهَاجِر مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَات , وَالْمُسْلِم مَنْ سَلِمَ النَّاس مِنْ لِسَانه وَيَده \" فَعُلِمَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ إِلَّا أَصْل الْحَدِيث. وَالْمُرَاد بِالنَّاسِ هُنَا الْمُسْلِمُونَ كَمَا فِي الْحَدِيث الْمَوْصُول , فَهُمْ النَّاس حَقِيقَة عِنْد الْإِطْلَاق ; لِأَنَّ الْإِطْلَاق يُحْمَل عَلَى الْكَامِل , وَلَا كَمَال فِي غَيْر الْمُسْلِمِينَ. وَيُمْكِن حَمْله عَلَى عُمُومه عَلَى إِرَادَة شَرْط وَهُوَ إِلَّا بِحَقٍّ , مَعَ أَنَّ إِرَادَة هَذَا الشَّرْط مُتَعَيِّنَة عَلَى كُلّ حَال , لِمَا قَدَّمْته مِنْ اِسْتِثْنَاء إِقَامَة الْحُدُود عَلَى الْمُسْلِم. وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "10",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ قَالَ ‏ ‏مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَة ) ‏ ‏هُوَ بُرَيْد بِالْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاء مُصَغَّرًا , وَشَيْخه جَدّه وَافَقَهُ فِي كُنْيَته لَا فِي اِسْمه , وَأَبُو مُوسَى هُوَ الْأَشْعَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالُوا ) ‏ ‏رَوَاهُ مُسْلِم وَالْحَسَن بْن سُفْيَان وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ سَعِيد بْن يَحْيَى بْن سَعِيد شَيْخ الْبُخَارِيّ بِإِسْنَادِهِ هَذَا بِلَفْظِ \" قُلْنَا \" , وَرَوَاهُ اِبْن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيق حُسَيْن بْن مُحَمَّد الْغَسَّانِيّ أَحَد الْحُفَّاظ عَنْ سَعِيد بْن يَحْيَى هَذَا بِلَفْظِ \" قُلْت \" , فَتَعَيَّنَ أَنَّ السَّائِل أَبُو مُوسَى , وَلَا تَخَالُف بَيْن الرِّوَايَات لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ صَرَّحَ وَفِي رِوَايَة مُسْلِم أَرَادَ نَفْسه وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَة , إِذْ الرَّاضِي بِالسُّؤَالِ فِي حُكْم السَّائِل , وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : أَرَادَ أَنَّهُ وَإِيَّاهُمْ. وَقَدْ سَأَلَ هَذَا السُّؤَال أَيْضًا أَبُو ذَرّ , رَوَاهُ اِبْن حِبَّانَ. وَعُمَيْر بْن قَتَادَة , رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَيّ الْإِسْلَام ) ‏ ‏إِنْ قِيلَ الْإِسْلَام مُفْرَد , وَشَرْط أَيّ أَنْ تَدْخُل عَلَى مُتَعَدِّد. أُجِيبَ بِأَنَّ فِيهِ حَذْفًا تَقْدِيره : أَيّ ذَوِي الْإِسْلَام أَفْضَل ؟ وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مُسْلِم : أَيّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَل ؟ وَالْجَامِع بَيْن اللَّفْظَيْنِ أَنَّ أَفْضَلِيَّة الْمُسْلِم حَاصِلَة بِهَذِهِ الْخُصْلَة. وَهَذَا التَّقْدِير أَوْلَى مِنْ تَقْدِير بَعْض الشُّرَّاح هُنَا : أَيّ خِصَال الْإِسْلَام. وَإِنَّمَا قُلْت إِنَّهُ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَلْزَم عَلَيْهِ سُؤَال آخَر بِأَنْ يُقَال : سُئِلَ عَنْ الْخِصَال فَأَجَابَ بِصَاحِبِ الْخُصْلَة , فَمَا الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ ؟ وَقَدْ يُجَاب بِأَنَّهُ يَتَأَتَّى نَحْو قَوْله تَعَالَى ( يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) الْآيَة , وَالتَّقْدِير \" بِأَيِّ ذَوِي الْإِسْلَام \" يَقَع الْجَوَاب مُطَابِقًا لَهُ بِغَيْرِ تَأْوِيل. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ بَعْض خِصَال الْمُسْلِمِينَ الْمُتَعَلِّقَة بِالْإِسْلَامِ أَفْضَل مِنْ بَعْض حَصَلَ مُرَاد الْمُصَنِّف بِقَبُولِ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان , فَتَظْهَر مُنَاسَبَة هَذَا الْحَدِيث وَاَلَّذِي قَبْله لِمَا قَبْلهمَا مِنْ تَعْدَاد أُمُور الْإِيمَان , إِذْ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام عِنْده مُتَرَادِفَانِ , وَاَللَّه أَعْلَم. فَإِنْ قِيلَ : لِمَ جَرَّدَ \" أَفْعَل \" هُنَا عَنْ الْعَمَل ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْحَذْف عِنْد الْعِلْم بِهِ جَائِز , وَالتَّقْدِير أَفْضَل مِنْ غَيْره. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ. وَيَحْيَى بْن سَعِيد الْمَذْكُور اِسْم جَدّه أَبَان بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ بْن أُمَيَّة الْأُمَوِيّ , وَنَسَبَهُ الْمُصَنِّف قُرَشِيًّا بِالنِّسْبَةِ الْأَعَمِّيَّة. يُكَنَّى أَبَا أَيُّوب. وَفِي طَبَقَته يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان , وَحَدِيثه فِي هَذَا الْكِتَاب أَكْثَر مِنْ حَدِيث الْأُمَوِيّ , وَلَيْسَ لَهُ اِبْن يَرْوِي عَنْهُ يُسَمَّى سَعِيدًا فَافْتَرَقَا. وَفِي الْكِتَاب مِمَّنْ يُقَال لَهُ يَحْيَى بْن سَعِيد اِثْنَانِ أَيْضًا , لَكِنْ مِنْ طَبَقَة فَوْق طَبَقَة هَذَيْنِ , وَهُمَا يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ السَّابِق فِي حَدِيث الْأَعْمَال أَوَّل الْكِتَاب , وَيَحْيَى بْن سَعِيد التَّيْمِيّ أَبُو حَيَّان , وَيَمْتَاز عَنْ الْأَنْصَارِيّ بِالْكُنْيَةِ. وَاَللَّه الْمُوَفِّق. ‏"
    },
    {
        "id": "11",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ ‏ ‏تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو بْن خَالِد ) ‏ ‏هُوَ الْحَرَّانِيّ , وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن , وَصَحَّفَ مَنْ ضَمَّهَا. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّيْث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعْد فَقِيه أَهْل مِصْر , عَنْ يَزِيد هُوَ اِبْن أَبِي حَبِيب الْفَقِيه أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِفْ اِسْمه , وَقِيلَ إِنَّهُ أَبُو ذَرّ , وَفِي اِبْن حِبَّانَ أَنَّهُ هَانِئ بْن يَزِيد وَالِد شُرَيْح. سَأَلَ عَنْ مَعْنَى ذَلِكَ فَأُجِيبَ بِنَحْوِ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَيّ الْإِسْلَام خَيْر ) ‏ ‏فِيهِ مَا فِي الَّذِي قَبْله مِنْ السُّؤَال , وَالتَّقْدِير أَيّ خِصَال الْإِسْلَام ؟ وَإِنَّمَا لَمْ أَخْتَرْ تَقْدِير خِصَال فِي الْأَوَّل فِرَارًا مِنْ كَثْرَة الْحَذْف , وَأَيْضًا فَتَنْوِيع التَّقْدِير يَتَضَمَّن جَوَاب مَنْ سَأَلَ فَقَالَ : السُّؤَالَانِ بِمَعْنًى وَاحِد وَالْجَوَاب مُخْتَلِف. فَيُقَال لَهُ : إِذَا لَاحَظْت هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ بَانَ الْفَرْق. وَيُمْكِن التَّوْفِيق بِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ , إِذْ الْإِطْعَام مُسْتَلْزِم لِسَلَامَةِ الْيَد وَالسَّلَام لِسَلَامَةِ اللِّسَان , قَالَهُ الْكَرْمَانِيّ. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ فِي الْغَالِب , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْجَوَاب اِخْتَلَفَ لِاخْتِلَافِ السُّؤَال عَنْ الْأَفْضَلِيَّة , إِنْ لُوحِظَ بَيْن لَفْظ أَفْضَل وَلَفْظ خَيْر فَرْق. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : الْفَضْل بِمَعْنَى كَثْرَة الثَّوَاب فِي مُقَابَلَة الْقِلَّة , وَالْخَيْر بِمَعْنَى النَّفْع فِي مُقَابَلَة الشَّرّ , فَالْأَوَّل مِنْ الْكَمِّيَّة وَالثَّانِي مِنْ الْكَيْفِيَّة فَافْتَرَقَا. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْفَرْق لَا يَتِمّ إِلَّا إِذَا اِخْتَصَّ كُلّ مِنْهُمَا بِتِلْكَ الْمَقُولَة , أَمَّا إِذَا كَانَ كُلّ مِنْهُمَا يُعْقَل تَأَتِّيه فِي الْأُخْرَى فَلَا. وَكَأَنَّهُ بُنِيَ عَلَى أَنَّ لَفْظ خَيْر اِسْم لَا أَفْعَل تَفْضِيل , وَعَلَى تَقْدِير اِتِّحَاد السُّؤَالَيْنِ جَوَاب مَشْهُور وَهُوَ الْحَمْل عَلَى اِخْتِلَاف حَال السَّائِلِينَ أَوْ السَّامِعِينَ , فَيُمْكِن أَنْ يُرَاد فِي الْجَوَاب الْأَوَّل تَحْذِير مَنْ خُشِيَ مِنْهُ الْإِيذَاء بِيَدٍ أَوْ لِسَان فَأُرْشِدَ إِلَى الْكَفّ , وَفِي الثَّانِي تَرْغِيب مَنْ رُجِيَ فِيهِ النَّفْع الْعَامّ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْل فَأُرْشِدَ إِلَى ذَلِكَ , وَخَصَّ هَاتَيْنِ الْخُصْلَتَيْنِ بِالذِّكْرِ لِمَسِيسِ الْحَاجَة إِلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ الْوَقْت , لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْجَهْد , وَلِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيف. وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام حَثَّ عَلَيْهِمَا أَوَّل مَا دَخَلَ الْمَدِينَة , كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره مُصَحَّحًا مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن سَلَام. ‏ ‏قَوْله : ( تُطْعِم ) ‏ ‏هُوَ فِي تَقْدِير الْمَصْدَر , أَيْ : أَنْ تُطْعِم , وَمِثْله تَسْمَع بِالْمُعَيْدِيّ. وَذَكَرَ الْإِطْعَام لِيَدْخُل فِيهِ الضِّيَافَة وَغَيْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَقْرَأ ) ‏ ‏بِلَفْظ مُضَارِع الْقِرَاءَة بِمَعْنَى تَقُول , قَالَ أَبُو حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ : تَقُول اِقْرَأْ عَلَيْهِ السَّلَام , وَلَا تَقُول أَقْرِئْهُ السَّلَام , فَإِذَا كَانَ مَكْتُوبًا قُلْت أَقْرِئْهُ السَّلَام أَيْ : اِجْعَلْهُ يَقْرَأهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ لَمْ تَعْرِف ) ‏ ‏أَيْ : لَا تَخُصّ بِهِ أَحَدًا تَكَبُّرًا أَوْ تَصَنُّعًا , بَلْ تَعْظِيمًا لِشِعَارِ الْإِسْلَام وَمُرَاعَاة لِأُخُوَّةِ الْمُسْلِم. فَإِنْ قِيلَ : اللَّفْظ عَامّ فَيَدْخُل الْكَافِر وَالْمُنَافِق وَالْفَاسِق. أُجِيبَ بِأَنَّهُ خُصَّ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى أَوْ أَنَّ النَّهْي مُتَأَخِّر وَكَانَ هَذَا عَامًّا لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيف , وَأَمَّا مَنْ شُكَّ فِيهِ فَالْأَصْل الْبَقَاء عَلَى الْعُمُوم حَتَّى يَثْبُت الْخُصُوص ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏الْأَوَّل : أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب بِهَذَا الْإِسْنَاد نَظِير هَذَا السُّؤَال , لَكِنْ جَعَلَ الْجَوَاب كَاَلَّذِي فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى , فَادَّعَى اِبْن مَنْدَهْ فِيهِ الِاضْطِرَاب وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمَا حَدِيثَانِ اِتَّحَدَ إِسْنَادهمَا , وَافَقَ أَحَدهمَا حَدِيث أَبِي مُوسَى. وَلِثَانِيهِمَا شَاهِد مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن سَلَام كَمَا تَقَدَّمَ ‏ ‏الثَّانِي : هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَاَلَّذِي قَبْله كَمَا ذَكَرْنَا كُوفِيُّونَ , وَاَلَّذِي بَعْده مِنْ طَرِيقَيْهِ بَصْرِيُّونَ , فَوَقَعَ لَهُ التَّسَلْسُل فِي الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة عَلَى الْوَلَاء. وَهُوَ مِنْ اللَّطَائِف. ‏"
    },
    {
        "id": "12",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يُؤْمِنُ ‏ ‏أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ حُسَيْن الْمُعَلِّم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن ذَكْوَان , وَهُوَ مَعْطُوف عَلَى شُعْبَة. فَالتَّقْدِير عَنْ شُعْبَة وَحُسَيْن كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَة , وَإِنَّمَا لَمْ يَجْمَعهُمَا ; لِأَنَّ شَيْخه أَفْرَدَهُمَا , فَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف مَعْطُوفًا اِخْتِصَارًا وَلِأَنَّ شُعْبَة قَالَ : عَنْ قَتَادَة , وَقَالَ حُسَيْن : حَدَّثَنَا قَتَادَة. وَأَغْرَبَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ فَزَعَمَ أَنَّهُ طَرِيق حُسَيْن مُعَلَّقَة , وَهُوَ غَلَط , فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ عَنْ مُسَدَّد شَيْخ الْمُصَنِّف عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ حُسَيْن الْمُعَلِّم. وَأَبْدَى الْكَرْمَانِيّ كَعَادَتِهِ بِحَسَبِ التَّجْوِيز الْعَقْلِيّ أَنْ يَكُون تَعْلِيقًا أَوْ مَعْطُوفًا عَلَى قَتَادَة , فَيَكُون شُعْبَة رَوَاهُ عَنْ حُسَيْن عَنْ قَتَادَة , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَنْفِر عَنْهُ مَنْ مَارَسَ شَيْئًا مِنْ عِلْم الْإِسْنَاد. وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏الْمَتْن الْمُسَاق هُنَا لَفْظ شُعْبَة , وَأَمَّا لَفْظ حُسَيْن مِنْ رِوَايَة مُسَدَّد الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَهُوَ \" لَا يُؤْمِن عَبْد حَتَّى يُحِبّ لِأَخِيهِ وَلِجَارِهِ \" , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق رَوْح عَنْ حُسَيْن \" حَتَّى يُحِبّ لِأَخِيهِ الْمُسْلِم مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ مِنْ الْخَيْر \" فَبَيَّنَ الْمُرَاد بِالْأُخُوَّةِ , وَعَيَّنَ جِهَة الْحُبّ. وَزَادَ مُسْلِم فِي أَوَّله عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان \" وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ \" , وَأَمَّا طَرِيق شُعْبَة فَصَرَّحَ أَحْمَد وَالنَّسَائِيّ فِي رِوَايَتهمَا بِسَمَاعِ قَتَادَة لَهُ مِنْ أَنَس , فَانْتَفَتْ تُهْمَة تَدْلِيسه. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُؤْمِن ) ‏ ‏أَيْ : مَنْ يَدَّعِي الْإِيمَان , وَلِلْمُسْتَمْلِيّ \" أَحَدكُمْ \" وَلِلْأَصِيلِيِّ \" أَحَد \" وَلِابْنِ عَسَاكِر \" عَبْد \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ , وَالْمُرَاد بِالنَّفْيِ كَمَال الْإِيمَان , وَنَفْي اِسْم الشَّيْء - عَلَى مَعْنَى نَفْي الْكَمَال عَنْهُ - مُسْتَفِيض فِي كَلَامهمْ كَقَوْلِهِمْ : فُلَان لَيْسَ بِإِنْسَانٍ. فَإِنْ قِيلَ : فَيَلْزَم أَنْ يَكُون مَنْ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الْخُصْلَة مُؤْمِنًا كَامِلًا وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِبَقِيَّةِ الْأَرْكَان , أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا وَرَدَ مَوْرِد الْمُبَالَغَة , أَوْ يُسْتَفَاد مِنْ قَوْله \" لِأَخِيهِ الْمُسْلِم \" مُلَاحَظَة بَقِيَّة صِفَات الْمُسْلِم. وَقَدْ صَرَّحَ اِبْن حِبَّانَ مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي عَدِيّ عَنْ حُسَيْن الْمُعَلِّم بِالْمُرَادِ وَلَفْظه \" لَا يَبْلُغ عَبْد حَقِيقَة الْإِيمَان \" وَمَعْنَى الْحَقِيقَة هُنَا الْكَمَال , ضَرُورَة أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَّصِف بِهَذِهِ الصِّفَة لَا يَكُون كَافِرًا , وَبِهَذَا يَتِمّ اِسْتِدْلَال الْمُصَنِّف عَلَى أَنَّهُ يَتَفَاوَت , وَأَنَّ هَذِهِ الْخُصْلَة مِنْ شُعَب الْإِيمَان , وَهِيَ دَاخِلَة فِي التَّوَاضُع عَلَى مَا سَنُقَرِّرُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يُحِبّ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ لِأَنَّ حَتَّى جَارَّة وَأَنْ بَعْدهَا مُضْمَرَة , وَلَا يَجُوز الرَّفْع فَتَكُون حَتَّى عَاطِفَة فَلَا يَصِحّ الْمَعْنَى , إِذْ عَدَم الْإِيمَان لَيْسَ سَبَبًا لِلْمَحَبَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ ) ‏ ‏أَيْ : مِنْ الْخَيْر كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَكَذَا هُوَ عِنْد النَّسَائِيّ , وَكَذَا عِنْد اِبْن مَنْدَهْ مِنْ رِوَايَة هَمَّام عَنْ قَتَاده أَيْضًا وَ \" الْخَيْر \" كَلِمَة جَامِعَة تَعُمّ الطَّاعَات وَالْمُبَاحَات الدُّنْيَوِيَّة وَالْأُخْرَوِيَّة , وَتُخْرِج الْمَنْهِيَّات لِأَنَّ اِسْم الْخَيْر لَا يَتَنَاوَلهَا. وَالْمَحَبَّة إِرَادَة مَا يَعْتَقِدهُ خَيْرًا , قَالَ النَّوَوِيّ : الْمَحَبَّة الْمَيْل إِلَى مَا يُوَافِق الْمُحِبّ , وَقَدْ تَكُون بِحَوَاسِّهِ كَحُسْنِ الصُّورَة , أَوْ بِفِعْلِهِ إِمَّا لِذَاتِهِ كَالْفَضْلِ وَالْكَمَال , وَإِمَّا لِإِحْسَانِهِ كَجَلْبِ نَفْع أَوْ دَفْع ضَرَر. اِنْتَهَى مَا يَحْصُل لَهُ. وَالْمُرَاد هُنَا بِالْمَيْلِ الِاخْتِيَارِيّ دُون الطَّبِيعِيّ وَالْقَسْرِيّ , وَالْمُرَاد أَيْضًا أَنْ يُحِبّ أَنْ يَحْصُل لِأَخِيهِ نَظِير مَا يَحْصُل لَهُ , لَا عَيْنه , سَوَاء كَانَ فِي الْأُمُور الْمَحْسُوسَة أَوْ الْمَعْنَوِيَّة , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنْ يَحْصُل لِأَخِيهِ مَا حَصَلَ لَهُ لَا مَعَ سَلْبه عَنْهُ وَلَا مَعَ بَقَائِهِ بِعَيْنِهِ لَهُ , إِذْ قِيَام الْجَوْهَر أَوْ الْعَرَض بِمَحَلَّيْنِ مُحَال. وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد بْن سِرَاج : ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث طَلَب الْمُسَاوَاة , وَحَقِيقَته تَسْتَلْزِم التَّفْضِيل ; لِأَنَّ كُلّ أَحَد يُحِبّ أَنْ يَكُون أَفْضَل مِنْ غَيْره , فَإِذَا أَحَبَّ لِأَخِيهِ مِثْله فَقَدْ دَخَلَ فِي جُمْلَة الْمَفْضُولِينَ. قُلْت : أَقَرَّ الْقَاضِي عِيَاض هَذَا , وَفِيهِ نَظَر. إِذْ الْمُرَاد الزَّجْر عَنْ هَذِهِ الْإِرَادَة ; لِأَنَّ الْمَقْصُود الْحَثّ عَلَى التَّوَاضُع. فَلَا يُحِبّ أَنْ يَكُون أَفْضَل مِنْ غَيْره , فَهُوَ مُسْتَلْزِم لِلْمُسَاوَاةِ. وَيُسْتَفَاد ذَلِكَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ( تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْض وَلَا فَسَادًا ) , وَلَا يَتِمّ ذَلِكَ إِلَّا بِتَرْكِ الْحَسَد وَالْغِلّ وَالْحِقْد وَالْغِشّ , وَكُلّهَا خِصَال مَذْمُومَة. ‏ ‏( فَائِدَة ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيّ : وَمِنْ الْإِيمَان أَيْضًا أَنْ يَبْغَض لِأَخِيهِ مَا يَبْغَض لِنَفْسِهِ مِنْ الشَّرّ , وَلَمْ يَذْكُرهُ لِأَنَّ حُبّ الشَّيْء مُسْتَلْزِم لِبُغْضِ نَقِيضه , فَتَرَكَ التَّنْصِيص عَلَيْهِ اِكْتِفَاء. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "13",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَا يُؤْمِنُ ‏ ‏أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( شُعَيْب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَمْزَة الْحِمْصِيّ , وَاسْم أَبِي حَمْزَة دِينَار. وَقَدْ أَكْثَرَ الْمُصَنِّف مِنْ تَخْرِيج حَدِيثه عَنْ الزُّهْرِيّ وَأَبِي الزِّنَاد. وَوَقَعَ فِي غَرَائِب مَالِك لِلدَّارَقُطْنِيّ إِدْخَال رَجُل - وَهُوَ أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن - بَيْن الْأَعْرَج وَأَبِي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْحَدِيث. وَهِيَ زِيَادَة شَاذَّة. فَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِدُونِهَا مِنْ حَدِيث مَالِك , وَمِنْ حَدِيث إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان. وَرَوَى اِبْن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيق أَبِي حَاتِم الرَّازِيّ عَنْ أَبِي الْيَمَان شَيْخ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث مُصَرَّحًا فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيع الْإِسْنَاد , وَكَذَا النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن عَيَّاش عَنْ شُعَيْب. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) ‏ ‏فِيهِ جَوَاز الْحَلِف عَلَى الْأَمْر الْمُهِمّ تَوْكِيدًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُسْتَحْلِف. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُؤْمِن ) ‏ ‏أَيْ : إِيمَانًا كَامِلًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَحَبّ ) ‏ ‏هُوَ أَفْعَل بِمَعْنَى الْمَفْعُول , وَهُوَ مَعَ كَثْرَته عَلَى خِلَاف الْقِيَاس , وَفَصَلَ بَيْنه وَبَيْن مَعْمُوله بِقَوْلِهِ \" إِلَيْهِ \" لِأَنَّ الْمُمْتَنِع الْفَصْل بِأَجْنَبِيٍّ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ وَالِده وَوَلَده ) ‏ ‏قَدَّمَ الْوَالِد لِلْأَكْثَرِيَّةِ لِأَنَّ كُلّ أَحَد لَهُ وَالِد مِنْ غَيْر عَكْس , وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ فِي حَدِيث أَنَس تَقْدِيم الْوَلَد عَلَى الْوَالِد , وَذَلِكَ لِمَزِيدِ الشَّفَقَة. وَلَمْ تَخْتَلِف الرِّوَايَات فِي ذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هَذَا , وَهُوَ مِنْ أَفْرَاد الْبُخَارِيّ عَنْ مُسْلِم. ‏"
    },
    {
        "id": "14",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يُؤْمِنُ ‏ ‏أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ الدَّوْرَقِيّ. وَالتَّفْرِيق بَيْن \" حَدَّثَنَا \" وَ \" أَخْبَرَنَا \" لَا يَقُول بِهِ الْمُصَنِّف كَمَا يَأْتِي فِي الْعِلْم. وَقَدْ وَقَعَ فِي غَيْر رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنَا يَعْقُوب \". ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا آدَم ) ‏ ‏عَطَفَ الْإِسْنَاد الثَّانِي عَلَى الْأَوَّل قَبْل أَنْ يَسُوق الْمَتْن فَأَوْهَمَ اِسْتِوَاءَهُمَا , فَإِنَّ لَفْظ قَتَادَة مِثْل لَفْظ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , لَكِنْ زَادَ فِيهِ \" وَالنَّاس أَجْمَعِينَ \" , وَلَفْظ عَبْد الْعَزِيز مِثْله إِلَّا أَنَّهُ قَالَ كَمَا رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه عَنْ يَعْقُوب شَيْخ الْبُخَارِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد \" مِنْ أَهْله وَمَاله \" بَدَل مِنْ وَالِده وَوَلَده , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق اِبْن عُلَيَّة , وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد عَنْ عَبْد الْعَزِيز وَلَفْظه \" لَا يُؤْمِن الرَّجُل \" وَهُوَ أَشْمَل مِنْ جِهَة , وَ \" أَحَدكُمْ \" أَشْمَل مِنْ جِهَة , وَأَشْمَل مِنْهُمَا رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" لَا يُؤْمِن أَحَدكُمْ \". فَإِنْ قِيلَ : فَسِيَاق عَبْد الْعَزِيز مُغَايِر لِسِيَاقِ قَتَادَة , وَصَنِيع الْبُخَارِيّ يُوهِم اِتِّحَادهمَا فِي الْمَعْنَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَالْجَوَاب أَنَّ الْبُخَارِيّ يَصْنَع مِثْل هَذَا نَظَرًا إِلَى أَصْل الْحَدِيث لَا إِلَى خُصُوص أَلْفَاظه , وَاقْتَصَرَ عَلَى سِيَاق قَتَادَة لِمُوَافَقَتِهِ لِسِيَاقِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَرِوَايَة شُعْبَة عَنْ قَتَادَة مَأْمُون فِيهَا مِنْ تَدْلِيس قَتَادَة ; لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَسْمَع مِنْهُ إِلَّا مَا سَمِعَهُ , وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ , وَذِكْر الْوَلَد وَالْوَالِد أَدْخَل فِي الْمَعْنَى لِأَنَّهُمَا أَعَزّ عَلَى الْعَاقِل مِنْ الْأَهْل وَالْمَال , بَلْ رُبَّمَا يَكُونَانِ أَعَزَّ مِنْ نَفْسه , وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُر النَّفْس أَيْضًا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَهَلْ تَدْخُل الْأُمّ فِي لَفْظ الْوَالِد إِنْ أُرِيدَ بِهِ مَنْ لَهُ الْوَلَد فَيَعُمّ , أَوْ يُقَال اُكْتُفِيَ بِذِكْرِ أَحَدهمَا كَمَا يُكْتَفَى عَنْ أَحَد الضِّدَّيْنِ بِالْآخَرِ وَيَكُون مَا ذُكِرَ عَلَى سَبِيل التَّمْثِيل وَالْمُرَاد الْأَعِزَّة , كَأَنَّهُ قَالَ : أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ أَعِزَّته , وَذِكْر النَّاس بَعْد الْوَالِد وَالْوَلَد مِنْ عَطْف الْعَامّ عَلَى الْخَاصّ وَهُوَ كَثِير , وَقُدِّمَ الْوَالِد عَلَى الْوَلَد فِي رِوَايَة لِتَقَدُّمِهِ بِالزَّمَانِ وَالْإِجْلَال , وَقُدِّمَ الْوَلَد فِي أُخْرَى لِمَزِيدِ الشَّفَقَة , وَهَلْ تَدْخُل النَّفْس فِي عُمُوم قَوْله وَالنَّاس أَجْمَعِينَ ؟ الظَّاهِر دُخُوله. وَقِيلَ إِضَافَة الْمَحَبَّة إِلَيْهِ تَقْتَضِي خُرُوجه مِنْهُمْ وَهُوَ بَعِيد , وَقَدْ وَقَعَ التَّنْصِيص بِذِكْرِ النَّفْس فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن هِشَام كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏وَالْمُرَاد بِالْمَحَبَّةِ هُنَا حُبّ الِاخْتِيَار لَا حُبّ الطَّبْع , قَالَهُ الْخَطَّابِيّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : فِيهِ تَلْمِيح إِلَى قَضِيَّة النَّفْس الْأَمَّارَة وَالْمُطْمَئِنَّة , فَإِنَّ مَنْ رَجَّحَ جَانِب الْمُطْمَئِنَّة كَانَ حُبّه لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِحًا , وَمَنْ رَجَّحَ جَانِب الْأَمَّارَة كَانَ حُكْمه بِالْعَكْسِ. وَفِي كَلَام الْقَاضِي عِيَاض أَنَّ ذَلِكَ شَرْط فِي صِحَّة الْإِيمَان ; لِأَنَّهُ حَمَلَ الْمَحَبَّة عَلَى مَعْنَى التَّعْظِيم وَالْإِجْلَال. وَتَعَقَّبَهُ صَاحِب الْمُفْهِم بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُرَادًا هُنَا ; لِأَنَّ اِعْتِقَاد الْأَعْظَمِيَّةِ لَيْسَ مُسْتَلْزِمًا لِلْمَحَبَّةِ , إِذْ قَدْ يَجِد الْإِنْسَان إِعْظَام شَيْء مَعَ خُلُوّهُ مِنْ مَحَبَّته. قَالَ : فَعَلَى هَذَا مَنْ لَمْ يَجِد مِنْ نَفْسه ذَلِكَ الْمَيْل لَمْ يَكْمُل إِيمَانه , وَإِلَى هَذَا يُومِئ قَوْل عُمَر الَّذِي رَوَاهُ الْمُصَنِّف فِي \" الْأَيْمَان وَالنُّذُور \" مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن هِشَام أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَأَنْت يَا رَسُول اللَّه أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ كُلّ شَيْء إِلَّا مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ : لَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , حَتَّى أَكُون أَحَبّ إِلَيْك مِنْ نَفْسك. فَقَالَ لَهُ عُمَر : فَإِنَّك الْآن وَاَللَّه أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ : الْآن يَا عُمَر \" اِنْتَهَى. ‏ ‏فَهَذِهِ الْمَحَبَّة لَيْسَتْ بِاعْتِقَادِ الْأَعْظَمِيَّةِ فَقَطْ , فَإِنَّهَا كَانَتْ حَاصِلَة لِعُمَر قَبْل ذَلِكَ قَطْعًا. وَمِنْ عَلَامَة الْحُبّ الْمَذْكُور أَنْ يُعْرَض عَلَى الْمَرْء أَنْ لَوْ خُيِّرَ بَيْن فَقْد غَرَض مِنْ أَغْرَاضه أَوْ فَقْد رُؤْيَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَوْ كَانَتْ مُمْكِنَة , فَإِنْ كَانَ فَقْدهَا أَنْ لَوْ كَانَتْ مُمْكِنَة أَشَدّ عَلَيْهِ مِنْ فَقْد شَيْء مِنْ أَغْرَاضه فَقَدْ اِتَّصَفَ بِالْأَحَبِّيَّةِ الْمَذْكُورَة , وَمَنْ لَا فَلَا. وَلَيْسَ ذَلِكَ مَحْصُورًا فِي الْوُجُود وَالْفَقْد , بَلْ يَأْتِي مِثْله فِي نَصْرَة سُنَّته وَالذَّبّ عَنْ شَرِيعَته وَقَمْع مُخَالِفِيهَا. وَيَدْخُل فِيهِ بَاب الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر. وَفِي هَذَا الْحَدِيث إِيمَاء إِلَى فَضِيلَة التَّفَكُّر , فَإِنَّ الْأَحَبِّيَّةَ الْمَذْكُورَة تُعْرَف بِهِ , وَذَلِكَ أَنَّ مَحْبُوب الْإِنْسَان إِمَّا نَفْسه وَإِمَّا غَيْرهَا. أَمَّا نَفْسه فَهُوَ أَنْ يُرِيد دَوَام بَقَائِهَا سَالِمَة مِنْ الْآفَات , هَذَا هُوَ حَقِيقَة الْمَطْلُوب. وَأَمَّا غَيْرهَا فَإِذَا حَقَّقَ الْأَمْر فِيهِ فَإِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ تَحْصِيل نَفْع مَا عَلَى وُجُوهه الْمُخْتَلِفَة حَالًا وَمَآلًا. فَإِذَا تَأَمَّلَ النَّفْع الْحَاصِل لَهُ مِنْ جِهَة الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْ ظُلُمَات الْكُفْر إِلَى نُور الْإِيمَان إِمَّا بِالْمُبَاشَرَةِ وَإِمَّا بِالسَّبَبِ عَلِمَ أَنَّهُ سَبَب بَقَاء نَفْسه الْبَقَاء الْأَبَدِيّ فِي النَّعِيم السَّرْمَدِيّ , وَعَلِمَ أَنَّ نَفْعه بِذَلِكَ أَعْظَم مِنْ جَمِيع وُجُوه الِانْتِفَاعَات , فَاسْتَحَقَّ لِذَلِكَ أَنْ يَكُون حَظّه مِنْ مَحَبَّته أَوْفَر مِنْ غَيْره ; لِأَنَّ النَّفْع الَّذِي يُثِير الْمَحَبَّة حَاصِل مِنْهُ أَكْثَر مِنْ غَيْره , وَلَكِنَّ النَّاس يَتَفَاوَتُونَ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ اِسْتِحْضَار ذَلِكَ وَالْغَفْلَة عَنْهُ. وَلَا شَكّ أَنَّ حَظّ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَتَمّ ; لِأَنَّ هَذَا ثَمَرَة الْمَعْرِفَة , وَهُمْ بِهَا أَعْلَم , وَاَللَّه الْمُوَفِّق. ‏ ‏وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : كُلّ مَنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيمَانًا صَحِيحًا لَا يَخْلُو عَنْ وِجْدَان شَيْء مِنْ تِلْكَ الْمَحَبَّة الرَّاجِحَة , غَيْر أَنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ. فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ مِنْ تِلْكَ الْمَرْتَبَة بِالْحَظِّ الْأَوْفَى , وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ مِنْهَا بِالْحَظِّ الْأَدْنَى , كَمَنْ كَانَ مُسْتَغْرِقًا فِي الشَّهَوَات مَحْجُوبًا فِي الْغَفَلَات فِي أَكْثَر الْأَوْقَات , لَكِنَّ الْكَثِير مِنْهُمْ إِذَا ذُكِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِشْتَاقَ إِلَى رُؤْيَته , بِحَيْثُ يُؤْثِرهَا عَلَى أَهْله وَوَلَده وَمَاله وَوَالِده , وَيَبْذُل نَفْسه فِي الْأُمُور الْخَطِيرَة , وَيَجِد مَخْبَر ذَلِكَ مِنْ نَفْسه وِجْدَانًا لَا تَرَدُّد فِيهِ. وَقَدْ شُوهِدَ مِنْ هَذَا الْجِنْس مَنْ يُؤْثِر زِيَارَة قَبْره وَرُؤْيَة مَوَاضِع آثَاره عَلَى جَمِيع مَا ذُكِرَ , لِمَا وَقَرَ فِي قُلُوبهمْ مِنْ مَحَبَّته. غَيْر أَنَّ ذَلِكَ سَرِيع الزَّوَال بِتَوَالِي الْغَفَلَات , وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. ‏"
    },
    {
        "id": "15",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ ‏ ‏يُقْذَفَ ‏ ‏فِي النَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى ) ‏ ‏هُوَ أَبُو مُوسَى الْعَنَزِيّ بِفَتْحِ النُّون بَعْدهَا زَاي , قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد , حَدَّثَنَا أَيُّوب هُوَ اِبْن أَبِي تَمِيمَة السَّخْتِيَانِيّ بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة عَلَى الصَّحِيح وَحُكِيَ ضَمّهَا وَكَسْرهَا , عَنْ أَبِي قِلَابَةَ بِكَسْرِ الْقَاف وَبِبَاءٍ مُوَحَّدَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاث ) ‏ ‏هُوَ مُبْتَدَأ وَالْجُمْلَة الْخَبَر , وَجَازَ الِابْتِدَاء بِالنَّكِرَةِ لِأَنَّ التَّنْوِين عِوَض الْمُضَاف إِلَيْهِ , فَالتَّقْدِير ثَلَاث خِصَال , وَيُحْتَمَل فِي إِعْرَابه غَيْر ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّ ) ‏ ‏أَيْ : حَصَلْنَ , فَهِيَ تَامَّة. وَفِي قَوْله \" حَلَاوَة الْإِيمَان \" اِسْتِعَارَة تَخْيِيلِيَّةٌ , شَبَّهَ رَغْبَة الْمُؤْمِن فِي الْإِيمَان بِشَيْءٍ حُلْو وَأَثْبَتَ لَهُ لَازِم ذَلِكَ الشَّيْء وَأَضَافَهُ إِلَيْهِ , وَفِيهِ تَلْمِيح إِلَى قِصَّة الْمَرِيض وَالصَّحِيح لِأَنَّ الْمَرِيض الصَّفْرَاوِيّ يَجِد طَعْم الْعَسَل مُرًّا وَالصَّحِيح يَذُوق حَلَاوَته عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ , وَكُلَّمَا نَقَصَتْ الصِّحَّة شَيْئًا مَا نَقَصَ ذَوْقه بِقَدْرِ ذَلِكَ , فَكَانَتْ هَذِهِ الِاسْتِعَارَة مِنْ أَوْضَح مَا يُقَوِّي اِسْتِدْلَال الْمُصَنِّف عَلَى الزِّيَادَة وَالنَّقْص. قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : إِنَّمَا عَبَّرَ بِالْحَلَاوَةِ لِأَنَّ اللَّه شَبَّهَ الْإِيمَان بِالشَّجَرَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ( مَثَلًا كَلِمَة طَيِّبَة كَشَجَرَةٍ طَيِّبَة ) فَالْكَلِمَة هِيَ كَلِمَة الْإِخْلَاص , وَالشَّجَرَة أَصْل الْإِيمَان , وَأَغْصَانهَا اِتِّبَاع الْأَمْر وَاجْتِنَاب النَّهْي , وَوَرَقهَا مَا يَهْتَمّ بِهِ الْمُؤْمِن مِنْ الْخَيْر , وَثَمَرهَا عَمَل الطَّاعَات , وَحَلَاوَة الثَّمَر جَنْي الثَّمَرَة , وَغَايَة كَمَالِهِ تَنَاهِي نُضْج الثَّمَرَة وَبِهِ تَظْهَر حَلَاوَتهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَحَبّ إِلَيْهِ ) ‏ ‏مَنْصُوب لِأَنَّهُ خَبَر يَكُون , قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : الْمُرَاد بِالْحُبِّ هُنَا الْحُبّ الْعَقْلِيّ الَّذِي هُوَ إِيثَار مَا يَقْتَضِي الْعَقْل السَّلِيم رُجْحَانه وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَاف هَوَى النَّفْس , كَالْمَرِيضِ يَعَاف الدَّوَاء بِطَبْعِهِ فَيَنْفِر عَنْهُ , وَيَمِيل إِلَيْهِ بِمُقْتَضَى عَقْله فَيَهْوَى تَنَاوُله , فَإِذَا تَأَمَّلَ الْمَرْء أَنَّ الشَّارِع لَا يَأْمُر وَلَا يَنْهَى إِلَّا بِمَا فِيهِ صَلَاح عَاجِل أَوْ خَلَاص آجِل , وَالْعَقْل يَقْتَضِي رُجْحَان جَانِب ذَلِكَ , تَمَرَّنَ عَلَى الِائْتِمَار بِأَمْرِهِ بِحَيْثُ يَصِير هَوَاهُ تَبَعًا لَهُ , وَيَلْتَذّ بِذَلِكَ اِلْتِذَاذًا عَقْلِيًّا , إِذْ الِالْتِذَاذ الْعَقْلِيّ إِدْرَاك مَا هُوَ كَمَال وَخَيْر مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ. وَعَبَّرَ الشَّارِع عَنْ هَذِهِ الْحَالَة بِالْحَلَاوَةِ لِأَنَّهَا أَظْهَر اللَّذَائِذ الْمَحْسُوسَة. قَالَ : وَإِنَّمَا جَعَلَ هَذِهِ الْأُمُور الثَّلَاثَة عُنْوَانًا لِكَمَالِ الْإِيمَان لِأَنَّ الْمَرْء إِذَا تَأَمَّلَ أَنَّ الْمُنْعِم بِالذَّاتِ هُوَ اللَّه تَعَالَى , وَأَنْ لَا مَانِح وَلَا مَانِع فِي الْحَقِيقَة سِوَاهُ , وَأَنَّ مَا عَدَاهُ وَسَائِط , وَأَنَّ الرَّسُول هُوَ الَّذِي يُبَيِّن لَهُ مُرَاد رَبّه , اِقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَتَوَجَّه بِكُلِّيَّتِهِ نَحْوه : فَلَا يُحِبّ إِلَّا مَا يُحِبّ , وَلَا يُحِبّ مَنْ يُحِبّ إِلَّا مِنْ أَجْله. وَأَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّ جُمْلَة مَا وَعَدَ وَأَوْعَدَ حَقّ يَقِينًا. وَيُخَيَّل إِلَيْهِ الْمَوْعُود كَالْوَاقِعِ , فَيَحْسَب أَنَّ مَجَالِس الذِّكْر رِيَاض الْجَنَّة , وَأَنَّ الْعَوْد إِلَى الْكُفْر إِلْقَاء فِي النَّار. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَشَاهِد الْحَدِيث مِنْ الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى ( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ - إِلَى أَنْ قَالَ - أَحَبّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّه وَرَسُوله ) ثُمَّ هَدَّدَ عَلَى ذَلِكَ وَتَوَعَّدَ بِقَوْلِهِ : ( فَتَرَبَّصُوا ). ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى التَّحَلِّي بِالْفَضَائِلِ وَالتَّخَلِّي عَنْ الرَّذَائِل , فَالْأَوَّل مِنْ الْأَوَّل وَالْأَخِير مِنْ الثَّانِي. وَقَالَ غَيْره : مَحَبَّة اللَّه عَلَى قِسْمَيْنِ فَرْض وَنَدْب , فَالْفَرْض الْمَحَبَّة الَّتِي تَبْعَث عَلَى اِمْتِثَال أَوَامِره وَالِانْتِهَاء عَنْ مَعَاصِيه وَالرِّضَا بِمَا يُقَدِّرهُ , فَمَنْ وَقَعَ فِي مَعْصِيَة مِنْ فِعْل مُحَرَّم أَوْ تَرْك وَاجِب فَلِتَقْصِيرِهِ فِي مَحَبَّة اللَّه حَيْثُ قَدَّمَ هَوَى نَفْسه وَالتَّقْصِير تَارَة يَكُون مَعَ الِاسْتِرْسَال فِي الْمُبَاحَات وَالِاسْتِكْثَار مِنْهَا , فَيُورِث الْغَفْلَة الْمُقْتَضِيَة لِلتَّوَسُّعِ فِي الرَّجَاء فَيُقْدِم عَلَى الْمَعْصِيَة , أَوْ تَسْتَمِرّ الْغَفْلَة فَيَقَع. وَهَذَا الثَّانِي يُسْرِع إِلَى الْإِقْلَاع مَعَ النَّدَم. وَإِلَى الثَّانِي يُشِير حَدِيث \" لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِن \" وَالنَّدْب أَنْ يُوَاظِب عَلَى النَّوَافِل وَيَتَجَنَّبَ الْوُقُوع فِي الشُّبُهَات , وَالْمُتَّصِف عُمُومًا بِذَلِكَ نَادِر. قَالَ : وَكَذَلِكَ مَحَبَّة الرَّسُول عَلَى قِسْمَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَيُزَاد أَنْ لَا يَتَلَقَّى شَيْئًا مِنْ الْمَأْمُورَات وَالْمَنْهِيَّات إِلَّا مِنْ مِشْكَاته , وَلَا يَسْلُك إِلَّا طَرِيقَته , وَيَرْضَى بِمَا شَرَعَهُ , حَتَّى لَا يَجِد فِي نَفْسه حَرَجًا مِمَّا قَضَاهُ , وَيَتَخَلَّق بِأَخْلَاقِهِ فِي الْجُود وَالْإِيثَار وَالْحِلْم وَالتَّوَاضُع وَغَيْرهَا , فَمَنْ جَاهَدَ نَفْسه عَلَى ذَلِكَ وَجَدَ حَلَاوَة الْإِيمَان , وَتَتَفَاوَت مَرَاتِب الْمُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّيْخ مُحْيِي الدِّين : هَذَا حَدِيث عَظِيم , أَصْل مِنْ أُصُول الدِّين. وَمَعْنَى حَلَاوَة الْإِيمَان اِسْتِلْذَاذ الطَّاعَات , وَتَحَمُّل الْمَشَاقّ فِي الدِّين , وَإِيثَار ذَلِكَ عَلَى أَعْرَاض الدُّنْيَا , وَمَحَبَّة الْعَبْد لِلَّهِ تَحْصُل بِفِعْلِ طَاعَته وَتَرْك مُخَالَفَته , وَكَذَلِكَ الرَّسُول. وَإِنَّمَا قَالَ \" مِمَّا سِوَاهُمَا \" وَلَمْ يَقُلْ \" مِمَّنْ \" لِيَعُمّ مَنْ يَعْقِل وَمَنْ لَا يَعْقِل. قَالَ : وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْس بِهَذِهِ التَّثْنِيَة. وَأَمَّا قَوْله لِلَّذِي خَطَبَ فَقَالَ : وَمَنْ يَعْصِهِمَا \" بِئْسَ الْخَطِيب أَنْتَ \" فَلَيْسَ مِنْ هَذَا ; لِأَنَّ الْمُرَاد فِي الْخُطَب الْإِيضَاح , وَأَمَّا هُنَا فَالْمُرَاد الْإِيجَاز فِي اللَّفْظ لِيُحْفَظَ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَهُ فِي مَوْضِع آخَر قَالَ \" وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَلَا يَضُرّ إِلَّا نَفْسه \". وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث إِنَّمَا وَرَدَ أَيْضًا فِي حَدِيث خُطْبَة النِّكَاح , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُود فِي خُطْبَة النِّكَاح أَيْضًا الْإِيجَاز فَلَا نَقْض. وَثَمَّ أَجْوِبَة أُخْرَى , مِنْهَا : دَعْوَى التَّرْجِيح , فَيَكُون حَيِّز الْمَنْع أَوْلَى لِأَنَّهُ عَامّ. وَالْآخَر يَحْتَمِل الْخُصُوصِيَّة ; وَلِأَنَّهُ نَاقِل وَالْآخُر مَبْنِيّ عَلَى الْأَصْل ; وَلِأَنَّهُ قَوْل وَالْآخَر فِعْل. وَرُدَّ بِأَنَّ اِحْتِمَال التَّخْصِيص فِي الْقَوْل أَيْضًا حَاصِل بِكُلِّ قَوْل لَيْسَ فِيهِ صِيغَة عُمُوم أَصْلًا , وَمِنْهَا دَعْوَى أَنَّهُ مِنْ الْخَصَائِص , فَيَمْتَنِع مِنْ غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَمْتَنِع مِنْهُ لِأَنَّ غَيْره إِذَا جَمَعَ أَوْهَمَ إِطْلَاقه التَّسْوِيَة , بِخِلَافِهِ هُوَ فَإِنَّ مَنْصِبه لَا يَتَطَرَّق إِلَيْهِ إِيهَام ذَلِكَ. وَإِلَى هَذَا مَال اِبْن عَبْد السَّلَام. وَمِنْهَا دَعْوَى التَّفْرِقَة بِوَجْهٍ آخَر , وَهُوَ أَنَّ كَلَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَا جُمْلَة وَاحِدَة فَلَا يَحْسُن إِقَامَة الظَّاهِر فِيهَا مَقَام الْمُضْمَر , وَكَلَام الَّذِي خَطَبَ جُمْلَتَانِ لَا يُكْرَه إِقَامَة الظَّاهِر فِيهِمَا مَقَام الْمُضْمَر. وَتُعُقِّبَ هَذَا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه لَا يُكْرَه إِقَامَة الظَّاهِر فِيهِمَا مَقَام الْمُضْمَر أَنْ يُكْرَه إِقَامَة الْمُضْمَر فِيهَا مَقَام الظَّاهِر , فَمَا وَجْه الرَّدّ عَلَى الْخَطِيب مَعَ أَنَّهُ هُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ كَمَا تَقَدَّمَ ؟ وَيُجَاب بِأَنَّ قِصَّة الْخَطِيب - كَمَا قُلْنَا - لَيْسَ فِيهَا صِيغَة عُمُوم , بَلْ هِيَ وَاقِعَة عَيْن , فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فِي ذَلِكَ الْمَجْلِس مَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ تَوَهُّم التَّسْوِيَة كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْ مَحَاسِن الْأَجْوِبَة فِي الْجَمْع بَيْن حَدِيث الْبَاب وَقِصَّة الْخَطِيب أَنَّ تَثْنِيَة الضَّمِير هُنَا لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَر هُوَ الْمَجْمُوع الْمُرَكَّب مِنْ الْمَحَبَّتَيْنِ , لَا كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا , فَإِنَّهَا وَحْدهَا لَاغِيَة إِذَا لَمْ تَرْتَبِط بِالْأُخْرَى. فَمَنْ يَدَّعِي حُبّ اللَّه مَثَلًا وَلَا يُحِبّ رَسُوله لَا يَنْفَعهُ ذَلِكَ , وَيُشِير إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه ) فَأَوْقَع مُتَابَعَته مُكْتَنِفَة بَيْن قُطْرَيْ مَحَبَّة الْعِبَاد وَمَحَبَّة اللَّه تَعَالَى لِلْعِبَادِ. وَأَمَّا أَمْر الْخَطِيب بِالْإِفْرَادِ فَلِأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْ الْعِصْيَانَيْنِ مُسْتَقِلّ بِاسْتِلْزَامِ الْغَوَايَة , إِذْ الْعَطْف فِي تَقْدِير التَّكْرِير , وَالْأَصْل اِسْتِقْلَال كُلّ مِنْ الْمَعْطُوفَيْنِ فِي الْحُكْم , وَيُشِير إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ( أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ ) فَأَعَادَ \" أَطِيعُوا \" فِي الرَّسُول وَلَمْ يُعِدْهُ فِي أُولِي الْأَمْر لِأَنَّهُمْ لَا اِسْتِقْلَال لَهُمْ فِي الطَّاعَة كَاسْتِقْلَالِ الرَّسُول. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ كَلَام الْبَيْضَاوِيّ وَالطِّيبِيّ. وَمِنْهَا أَجْوِبَة أُخْرَى فِيهَا تَكَلُّم : مِنْهَا أَنَّ الْمُتَكَلِّم لَا يَدْخُل فِي عُمُوم خِطَابه , وَمِنْهَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَجْمَع بِخِلَافِ غَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْ يُحِبّ الْمَرْء ) ‏ ‏قَالَ يَحْيَى بْن مُعَاذ : حَقِيقَة الْحُبّ فِي اللَّه أَنْ لَا يَزِيد بِالْبِرِّ وَلَا يَنْقُص بِالْجَفَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْ يَكْرَه أَنْ يَعُود فِي الْكُفْر ) ‏ ‏زَادَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ مُحَمَّد بْنِ الْمُثَنَّى شَيْخ الْمُصَنِّف \" بَعْد إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّه مِنْهُ \" , وَكَذَا هُوَ فِي طَرِيق أُخْرَى لِلْمُصَنِّفِ , وَالْإِنْقَاذ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون بِالْعِصْمَةِ مِنْهُ اِبْتِدَاء بِأَنْ يُولَد عَلَى الْإِسْلَام وَيَسْتَمِرّ , أَوْ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ ظُلْمَة الْكُفْر إِلَى نُور الْإِيمَان كَمَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَة , وَعَلَى الْأَوَّل فَيُحْمَل قَوْله \" يَعُود \" عَلَى مَعْنَى الصَّيْرُورَة , بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّ الْعَوْدَة فِيهِ عَلَى ظَاهِره. فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ عَدَّى الْعَوْد بِفِي وَلَمْ يُعَدّهُ بِإِلَى ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهُ ضَمَّنَهُ مَعْنَى الِاسْتِقْرَار , وَكَأَنَّهُ قَالَ يَسْتَقِرّ فِيهِ. وَمِثْله قَوْله تَعَالَى ( وَمَا يَكُون لَنَا أَنْ نَعُود فِيهَا ). ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى فَضْل مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْر فَتَرَكَ الْبَتَّة إِلَى أَنْ قُتِلَ , وَأَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه فِي الْأَدَب فِي فَضْل الْحُبّ فِي اللَّه , وَلَفْظه فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" وَحَتَّى أَنْ يُقْذَف فِي النَّار أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِع إِلَى الْكُفْر بَعْد إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّه مِنْهُ \" وَهِيَ أَبْلَغ مِنْ لَفْظ حَدِيث الْبَاب ; لِأَنَّهُ سَوَّى فِيهِ بَيْن الْأَمْرَيْنِ , وَهُنَا جُعِلَ الْوُقُوع فِي نَار الدُّنْيَا أَوْلَى مِنْ الْكُفْر الَّذِي أَنْقَذَهُ اللَّه بِالْخُرُوجِ مِنْهُ فِي نَار الْأُخْرَى , وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَصَرَّحَ النَّسَائِيّ فِي رِوَايَته وَالْإِسْمَاعِيلِيّ بِسَمَاعِ قَتَادَة لَهُ مِنْ أَنَس , وَاَللَّه الْمُوَفِّق. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق طَلْق بْن حَبِيب عَنْ أَنَس وَزَادَ فِي الْخُصْلَة الثَّانِيَة ذِكْر الْبُغْض فِي اللَّه وَلَفْظه \" وَأَنْ يُحِبّ فِي اللَّه وَيَبْغَض فِي اللَّه \" وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي تَرْجَمَته \" وَالْحُبّ فِي اللَّه وَالْبُغْض فِي اللَّه مِنْ الْإِيمَان \" وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَة. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "16",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آيَةُ ‏ ‏الْإِيمَانِ حُبُّ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَآيَةُ ‏ ‏النِّفَاقِ بُغْضُ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد ) ‏ ‏هُوَ الطَّيَالِسِيّ ‏ ‏قَوْله : ( جَبْر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْمُوَحَّدَة , وَهُوَ اِبْن عَتِيك الْأَنْصَارِيّ , وَهَذَا الرَّاوِي مِمَّنْ وَافَقَ اِسْمه اِسْم أَبِيهِ.. ‏ ‏قَوْله : ( آيَة الْإِيمَان ) ‏ ‏هُوَ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَة وَيَاء تَحْتَانِيَّة مَفْتُوحَة وَهَاء تَأْنِيث , وَالْإِيمَان مَجْرُور بِالْإِضَافَةِ , هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد فِي ضَبْط هَذِهِ الْكَلِمَة فِي جَمِيع الرِّوَايَات , فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَن وَالْمُسْتَخْرَجَات وَالْمَسَانِيد. وَالْآيَة : الْعَلَامَة كَمَا تَرْجَمَ بِهِ الْمُصَنِّف , وَوَقَعَ فِي إِعْرَاب الْحَدِيث لِأَبِي الْبَقَاء الْعُكْبَرِيّ \" إِنَّهُ الْإِيمَان \" بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَة وَنُون مُشَدَّدَة وَهَاء , وَالْإِيمَان مَرْفُوع , وَأَعْرَبَهُ فَقَالَ : إِنَّ لِلتَّأْكِيدِ , وَالْهَاء ضَمِير الشَّأْن , وَالْإِيمَان مُبْتَدَأ وَمَا بَعْده خَبَر , وَيَكُون التَّقْدِير : إِنَّ الشَّأْن الْإِيمَان حُبّ الْأَنْصَار. وَهَذَا تَصْحِيف مِنْهُ. ثُمَّ فِيهِ نَظَر مِنْ جِهَة الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يَقْتَضِي حَصْر الْإِيمَان فِي حُبّ الْأَنْصَار , وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ : وَاللَّفْظ الْمَشْهُور أَيْضًا يَقْتَضِي الْحَصْر , وَكَذَا مَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِي فَضَائِل الْأَنْصَار مِنْ حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب \" الْأَنْصَار لَا يُحِبّهُمْ إِلَّا مُؤْمِن \" , فَالْجَوَاب عَنْ الْأَوَّل أَنَّ الْعَلَامَة كَالْخَاصَّةِ تَطَّرِد وَلَا تَنْعَكِس , فَإِنْ أُخِذَ مِنْ طَرِيق الْمَفْهُوم فَهُوَ مَفْهُوم لَقَب لَا عِبْرَة بِهِ. سَلَّمْنَا الْحَصْر لَكِنَّهُ لَيْسَ حَقِيقِيًّا بَلْ اِدِّعَائِيًّا لِلْمُبَالَغَةِ , أَوْ هُوَ حَقِيقِيّ لَكِنَّهُ خَاصّ بِمَنْ أَبْغَضَهُمْ مِنْ حَيْثُ النُّصْرَة. وَالْجَوَاب عَنْ الثَّانِي أَنَّ غَايَته أَنْ لَا يَقَع حُبّ الْأَنْصَار إِلَّا لِمُؤْمِنٍ. وَلَيْسَ فِيهِ نَفْي الْإِيمَان عَمَّنْ لَمْ يَقَع مِنْهُ ذَلِكَ , بَلْ فِيهِ أَنَّ غَيْر الْمُؤْمِن لَا يُحِبّهُمْ. فَإِنْ قِيلَ : فَعَلَى الشِّقّ الثَّانِي هَلْ يَكُون مَنْ أَبْغَضَهُمْ مُنَافِقًا وَإِنْ صَدَقَ وَأَقَرَّ ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ ظَاهِر اللَّفْظ يَقْتَضِيه ; لَكِنَّهُ غَيْر مُرَاد , فَيُحْمَل عَلَى تَقْيِيد الْبُغْض بِالْجِهَةِ , فَمَنْ أَبْغَضَهُمْ مِنْ جِهَة هَذِهِ الصِّفَة - وَهِيَ كَوْنهمْ نَصَرُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَثَّرَ ذَلِكَ فِي تَصْدِيقه فَيَصِحّ أَنَّهُ مُنَافِق. وَيُقَرِّب هَذَا الْحَمْل زِيَادَة أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج فِي حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب \" مَنْ أَحَبَّ الْأَنْصَار فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ , وَمَنْ أَبْغَضَ الْأَنْصَار فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ \" , وَيَأْتِي مِثْل هَذَا الْحُبّ كَمَا سَبَقَ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد رَفَعَهُ \" لَا يَبْغَض الْأَنْصَار رَجُل يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر \" , وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيثه \" حُبّ الْأَنْصَار إِيمَان وَبُغْضهمْ نِفَاق \". وَيُحْتَمَل أَنْ يُقَال إِنَّ اللَّفْظ خَرَجَ عَلَى مَعْنَى التَّحْذِير فَلَا يُرَاد ظَاهِره , وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُقَابِل الْإِيمَان بِالْكُفْرِ الَّذِي هُوَ ضِدّه , بَلْ قَابَلَهُ بِالنِّفَاقِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ التَّرْغِيب وَالتَّرْهِيب إِنَّمَا خُوطِبَ بِهِ مَنْ يُظْهِر الْإِيمَان , أَمَّا مَنْ يُظْهِر الْكُفْر فَلَا ; لِأَنَّهُ مُرْتَكِب مَا هُوَ أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( الْأَنْصَار ) ‏ ‏هُوَ جَمْع نَاصِر كَأَصْحَاب وَصَاحِب , أَوْ جَمْع نَصِير كَأَشْرَافٍ وَشَرِيف , وَاللَّام فِيهِ لِلْعَهْدِ أَيْ : أَنْصَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمُرَاد الْأَوْس وَالْخَزْرَج , وَكَانُوا قَبْل ذَلِكَ يُعْرَفُونَ بِبَنِي قَيْلَة بِقَافٍ مَفْتُوحَة وَيَاء تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة وَهِيَ الْأُمّ الَّتِي تَجْمَع الْقَبِيلَتَيْنِ , فَسَمَّاهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْأَنْصَار \" فَصَارَ ذَلِكَ عَلَمًا عَلَيْهِمْ , وَأُطْلِقَ أَيْضًا عَلَى أَوْلَادهمْ وَحُلَفَائِهِمْ وَمَوَالِيهمْ. وَخُصُّوا بِهَذِهِ الْمَنْقَبَة الْعُظْمَى لِمَا فَازُوا بِهِ دُون غَيْرهمْ مِنْ الْقَبَائِل مِنْ إِيوَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ وَالْقِيَام بِأَمْرِهِمْ وَمُوَاسَاتهمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وَإِيثَارهمْ إِيَّاهُمْ فِي كَثِير مِنْ الْأُمُور عَلَى أَنْفُسهمْ , فَكَانَ صَنِيعهمْ لِذَلِكَ مُوجِبًا لِمُعَادَاتِهِمْ جَمِيع الْفِرَق الْمَوْجُودِينَ مِنْ عَرَب وَعَجَم , وَالْعَدَاوَة تَجُرّ الْبُغْض , ثُمَّ كَانَ مَا اِخْتَصُّوا بِهِ مِمَّا ذُكِرَ مُوجِبًا لِلْحَسَدِ , وَالْحَسَد يَجُرّ الْبُغْض , فَلِهَذَا جَاءَ التَّحْذِير مِنْ بُغْضهمْ وَالتَّرْغِيب فِي حُبّهمْ حَتَّى جُعِلَ ذَلِكَ آيَة الْإِيمَان وَالنِّفَاق , تَنْوِيهًا بِعَظِيمِ فَضْلهمْ , وَتَنْبِيهًا عَلَى كَرِيم فِعْلهمْ , وَإِنْ كَانَ مَنْ شَارَكَهُمْ فِي مَعْنَى ذَلِكَ مُشَارِكًا لَهُمْ فِي الْفَضْل الْمَذْكُور كُلٌّ بِقِسْطِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَلِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ \" لَا يُحِبّك إِلَّا مُؤْمِن وَلَا يَبْغَضك إِلَّا مُنَافِق \" , وَهَذَا جَارٍ بِاطِّرَادٍ فِي أَعْيَان الصَّحَابَة , لِتَحَقُّقِ مُشْتَرَك الْإِكْرَام , لِمَا لَهُمْ مِنْ حُسْن الْغِنَاء فِي الدِّين. قَالَ صَاحِب الْمُفْهِم : وَأَمَّا الْحُرُوب الْوَاقِعَة بَيْنهمْ فَإِنْ وَقَعَ مِنْ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ فَذَاكَ مِنْ غَيْر هَذِهِ الْجِهَة , بَلْ الْأَمْر الطَّارِئ الَّذِي اِقْتَضَى الْمُخَالَفَة , وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْكُم بَعْضهمْ عَلَى بَعْض بِالنِّفَاقِ , وَإِنَّمَا كَانَ حَالهمْ فِي ذَاكَ حَال الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَام : لِلْمُصِيبِ أَجْرَانِ وَلِلْمُخْطِئِ أَجْر وَاحِد. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "17",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَكَانَ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏وَهُوَ أَحَدُ ‏ ‏النُّقَبَاءِ ‏ ‏لَيْلَةَ ‏ ‏الْعَقَبَةِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَحَوْلَهُ ‏ ‏عِصَابَةٌ ‏ ‏مِنْ أَصْحَابِهِ ‏ ‏بَايِعُونِي ‏ ‏عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا ‏ ‏بِبُهْتَانٍ ‏ ‏تَفْتَرُونَهُ ‏ ‏بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ ‏ ‏أَصَابَ ‏ ‏مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِك ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَائِذ اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِسْم عَلَم أَيْ : ذُو عِيَاذَة بِاَللَّهِ , وَأَبُوهُ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو الْخَوْلَانِيّ صَحَابِيّ , وَهُوَ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَة تَابِعِيّ كَبِير , وَقَدْ ذُكِرَ فِي الصَّحَابَة لِأَنَّ لَهُ رُؤْيَة , وَكَانَ مَوْلِده عَام حُنَيْنٍ. وَالْإِسْنَاد كُلّه شَامِيُّونَ ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا ) ‏ ‏يَعْنِي حَضَرَ الْوَقْعَة الْمَشْهُورَة الْكَائِنَة بِالْمَكَانِ الْمَعْرُوف بِبَدْرٍ , وَهِيَ أَوَّل وَقْعَة قَاتَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا الْمُشْرِكِينَ , وَسَيَأْتِي ذِكْرهَا فِي الْمَغَازِي. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَائِل ذَلِكَ أَبُو إِدْرِيس , فَيَكُون مُتَّصِلًا إِذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ عُبَادَةَ , أَوْ الزُّهْرِيّ فَيَكُون مُنْقَطِعًا. وَكَذَا قَوْله \" وَهُوَ أَحَد النُّقَبَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏سَقَطَ قَبْلهَا مِنْ أَصْل الرِّوَايَة لَفْظ \" قَالَ \" وَهُوَ خَبَر أَنَّ ; لِأَنَّ قَوْله \" وَكَانَ \" وَمَا بَعْدهَا مُعْتَرِض , وَقَدْ جَرَتْ عَادَة كَثِير مِنْ أَهْل الْحَدِيث بِحَذْفِ قَالَ خَطَأ لَكِنْ حَيْثُ يَتَكَرَّر فِي مِثْل \" قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَا بُدّ عِنْدهمْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ النُّطْق بِهَا , وَقَدْ ثَبَتَتْ فِي رِوَايَة الْمُصَنِّف لِهَذَا الْحَدِيث بِإِسْنَادِهِ هَذَا فِي بَاب مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَلَعَلَّهَا سَقَطَتْ هُنَا مِمَّنْ بَعْده , وَلِأَحْمَد عَنْ أَبِي الْيَمَان بِهَذَا الْإِسْنَاد أَنَّ عُبَادَةَ حَدَّثَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَوْله ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام عَلَى الظَّرْفِيَّة , وَالْعِصَابَة بِكَسْرِ الْعَيْن : الْجَمَاعَة مِنْ الْعَشَرَة إِلَى الْأَرْبَعِينَ وَلَا وَاحِد لَهَا مِنْ لَفْظهَا , وَقَدْ جُمِعَتْ عَلَى عَصَائِب وَعُصَب. ‏ ‏قَوْله : ( بَايِعُونِي ) ‏ ‏زَادَ فِي بَاب وُفُود الْأَنْصَار \" تَعَالَوْا بَايِعُونِي \" , وَالْمُبَايَعَة عِبَارَة عَنْ الْمُعَاهَدَة , سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالْمُعَاوَضَةِ الْمَالِيَّة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ اللَّه اِشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّة ). ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ ) ‏ ‏قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل التَّيْمِيّ وَغَيْره : خُصَّ الْقَتْل بِالْأَوْلَادِ لِأَنَّهُ قَتْل وَقَطِيعَة رَحِم. فَالْعِنَايَة بِالنَّهْيِ عَنْهُ آكَد وَلِأَنَّهُ كَانَ شَائِعًا فِيهِمْ , وَهُوَ وَأْد الْبَنَات وَقَتْل الْبَنِينَ خَشْيَة الْإِمْلَاق , أَوْ خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ بِصَدَدِ أَنْ لَا يَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ ) ‏ ‏الْبُهْتَان الْكَذِب يَبْهَت سَامِعه , وَخَصَّ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُل بِالِافْتِرَاءِ لِأَنَّ مُعْظَم الْأَفْعَال تَقَع بِهِمَا , إِذْ كَانَتْ هِيَ الْعَوَامِل وَالْحَوَامِل لِلْمُبَاشَرَةِ وَالسَّعْي , وَكَذَا يُسَمُّونَ الصَّنَائِع الْأَيَادِي. وَقَدْ يُعَاقَب الرَّجُل بِجِنَايَةٍ قَوْلِيَّة فَيُقَال : هَذَا بِمَا كَسَبَتْ يَدَاك. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد لَا تَبْهَتُوا النَّاس كِفَاحًا وَبَعْضكُمْ يُشَاهِد بَعْضًا , كَمَا يُقَال : قُلْت كَذَا بَيْن يَدَيْ فُلَان , قَالَهُ الْخَطَّابِيّ , وَفِيهِ نَظَر لِذِكْرِ الْأَرْجُل. ‏ ‏وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيّ بِأَنَّ الْمُرَاد الْأَيْدِي , وَذَكَرَ الْأَرْجُل تَأْكِيدًا , وَمُحَصَّله أَنَّ ذِكْر الْأَرْجُل إِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَضِيًا فَلَيْسَ بِمَانِع. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِمَا بَيْن الْأَيْدِي وَالْأَرْجُل الْقَلْبَ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُتَرْجِم اللِّسَان عَنْهُ , فَلِذَلِكَ نُسِبَ إِلَيْهِ الِافْتِرَاء , كَأَنَّ الْمَعْنَى : لَا تَرْمُوا أَحَدًا بِكَذِبٍ تُزَوِّرُونَهُ فِي أَنْفُسكُمْ ثُمَّ تَبْهَتُونَ صَاحِبه بِأَلْسِنَتِكُمْ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبَى جَمْرَة : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَوْله \" بَيْن أَيْدِيكُمْ \" أَيْ : فِي الْحَال , وَقَوْله \" وَأَرْجُلكُمْ \" أَيْ : فِي الْمُسْتَقْبَل ; لِأَنَّ السَّعْي مِنْ أَفْعَال الْأَرْجُل. وَقَالَ غَيْره : أَصْل هَذَا كَانَ فِي بَيْعَة النِّسَاء , وَكَنَّى بِذَلِكَ - كَمَا قَالَ الْهَرَوِيّ فِي الْغَرِيبَيْنِ - عَنْ نِسْبَة الْمَرْأَة الْوَلَد الَّذِي تَزْنِي بِهِ أَوْ تَلْتَقِطهُ إِلَى زَوْجهَا. ثُمَّ لَمَّا اِسْتَعْمَلَ هَذَا اللَّفْظ فِي بَيْعَة الرِّجَال اُحْتِيجَ إِلَى حَمْله عَلَى غَيْر مَا وَرَدَ فِيهِ أَوَّلًا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَعْصُوا ) ‏ ‏لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي بَاب وُفُود الْأَنْصَار \" وَلَا تَعْصُونِي \" وَهُوَ مُطَابِق لِلْآيَةِ , وَالْمَعْرُوف مَا عُرِفَ مِنْ الشَّارِع حُسْنه نَهْيًا وَأَمْرًا. ‏ ‏قَوْله : ( فِي مَعْرُوف ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى وَلَا تَعْصُونِي وَلَا أَحَد أُولِي الْأَمْر عَلَيْكُمْ فِي الْمَعْرُوف , فَيَكُون التَّقْيِيد بِالْمَعْرُوفِ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ بَعْده. وَقَالَ غَيْره : نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ طَاعَة الْمَخْلُوق إِنَّمَا تَجِب فِيمَا كَانَ غَيْر مَعْصِيَة لِلَّهِ , فَهِيَ جَدِيرَة بِالتَّوَقِّي فِي مَعْصِيَة اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ ) ‏ ‏أَيْ : ثَبَتَ عَلَى الْعَهْد. وَوَفَى بِالتَّخْفِيفِ , وَفِي رِوَايَة بِالتَّشْدِيدِ , وَهُمَا بِمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَجْره عَلَى اللَّه ) ‏ ‏أَطْلَقَ هَذَا عَلَى سَبِيل التَّفْخِيم ; لِأَنَّهُ لَمَّا أَنْ ذَكَرَ الْمُبَايَعَة الْمُقْتَضِيَة لِوُجُودِ الْعِوَضَيْنِ أَثْبَتَ ذِكْر الْأَجْر فِي مَوْضِع أَحَدهمَا. وَأَفْصَحَ فِي رِوَايَة الصَّنَابِحِيّ عَنْ عُبَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ بِتَعْيِينِ الْعِوَض فَقَالَ \" الْجَنَّة \" , وَعَبَّرَ هُنَا بِلَفْظِ \" عَلَى \" لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَحَقُّق وُقُوعه كَالْوَاجِبَاتِ , وَيَتَعَيَّن حَمْله عَلَى غَيْر ظَاهِره لِلْأَدِلَّةِ الْقَائِمَة عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِب عَلَى اللَّه شَيْء , وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث مُعَاذ فِي تَفْسِير حَقّ اللَّه عَلَى الْعِبَاد تَقْرِير هَذَا. فَإِنْ قِيلَ : لِمَ اِقْتَصَرَ عَلَى الْمَنْهِيَّات وَلَمْ يَذْكُر الْمَأْمُورَات ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهُ لَمْ يُهْمِلهَا , بَلْ ذَكَرَهَا عَلَى طَرِيق الْإِجْمَال فِي قَوْله \" وَلَا تَعْصُوا \" إِذْ الْعِصْيَان مُخَالَفَة الْأَمْر , وَالْحِكْمَة فِي التَّنْصِيص عَلَى كَثِير مِنْ الْمَنْهِيَّات دُون الْمَأْمُورَات أَنَّ الْكَفّ أَيْسَر مِنْ إِنْشَاء الْفِعْل ; لِأَنَّ اِجْتِنَاب الْمَفَاسِد مُقَدَّم عَلَى اِجْتِلَاب الْمَصَالِح , وَالتَّخَلِّي عَنْ الرَّذَائِل قَبْل التَّحَلِّي بِالْفَضَائِلِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد فِي رِوَايَته \" بِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَهُوَ ) ‏ ‏أَيْ : الْعِقَاب ( كَفَّارَة ) , زَادَ أَحْمَد \" لَهُ \" وَكَذَا هُوَ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْه آخَر فِي بَاب الْمَشِيئَة مِنْ كِتَاب التَّوْحِيد , وَزَادَ \" وَطَهُور \". قَالَ النَّوَوِيّ : عُمُوم هَذَا الْحَدِيث مَخْصُوص بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ ) فَالْمُرْتَدّ إِذَا قُتِلَ عَلَى اِرْتِدَاده لَا يَكُون الْقَتْل لَهُ كَفَّارَة. قُلْت : وَهَذَا بِنَاء عَلَى أَنَّ قَوْله \" مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا \" يَتَنَاوَل جَمِيع مَا ذُكِرَ وَهُوَ ظَاهِر , وَقَدْ قِيلَ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَا ذُكِرَ بَعْد الشِّرْك , بِقَرِينَةِ أَنَّ الْمُخَاطَب بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ فَلَا يَدْخُل حَتَّى يَحْتَاج إِلَى إِخْرَاجه , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَشْعَث عَنْ عُبَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا \" إِذْ الْقَتْل عَلَى الشِّرْك لَا يُسَمَّى حَدًّا. لَكِنْ يُعَكِّر عَلَى هَذَا الْقَائِل أَنَّ الْفَاء فِي قَوْله \" فَمَنْ \" لِتَرَتُّبِ مَا بَعْدهَا عَلَى مَا قَبْلهَا , وَخِطَاب الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ لَا يَمْنَع التَّحْذِير مِنْ الْإِشْرَاك. وَمَا ذُكِرَ فِي الْحَدّ عُرْفِيّ حَادِث , فَالصَّوَاب مَا قَالَ النَّوَوِيّ. وَقَالَ الطِّيبِيّ : الْحَقّ أَنَّ الْمُرَاد بِالشِّرْكِ الشِّرْك الْأَصْغَر وَهُوَ الرِّيَاء , وَيَدُلّ عَلَيْهِ تَنْكِير \" شَيْئًا \" أَيْ : شِرْكًا أَيًّا مَا كَانَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عُرْف الشَّارِع إِذَا أَطْلَقَ الشِّرْك إِنَّمَا يُرِيد بِهِ مَا يُقَابِل التَّوْحِيد , وَقَدْ تَكَرَّرَ هَذَا اللَّفْظ فِي الْكِتَاب وَالْأَحَادِيث حَيْثُ لَا يُرَاد بِهِ إِلَّا ذَلِكَ. وَيُجَاب بِأَنَّ طَلَب الْجَمْع يَقْتَضِي اِرْتِكَاب الْمَجَاز , فَمَا قَالَهُ مُحْتَمَل وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا. وَلَكِنْ يُعَكِّر عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ عَقِبَ الْإِصَابَة بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا , وَالرِّيَاء لَا عُقُوبَة فِيهِ , فَوَضَحَ أَنَّ الْمُرَاد الشِّرْك وَأَنَّهُ مَخْصُوص. ‏ ‏وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : ذَهَبَ أَكْثَر الْعُلَمَاء أَنَّ الْحُدُود كَفَّارَات وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيث , وَمِنْهُمْ مَنْ وَقَفَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" لَا أَدْرِي الْحُدُود كَفَّارَة لِأَهْلِهَا أَمْ لَا \" , لَكِنَّ حَدِيث عُبَادَةَ أَصَحّ إِسْنَادًا. وَيُمْكِن - يَعْنِي عَلَى طَرِيق الْجَمْع بَيْنهمَا - أَنْ يَكُون حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَرَدَ أَوَّلًا قَبْل أَنْ يُعْلِمهُ اللَّه , ثُمَّ أَعْلَمَهُ بَعْد ذَلِكَ. قُلْت : حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك وَالْبَزَّار مِنْ رِوَايَة مَعْمَر عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَهُوَ صَحِيح عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر , وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيّ أَنَّ عَبْد الرَّزَّاق تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ , وَأَنَّ هِشَام بْن يُوسُف رَوَاهُ عَنْ مَعْمَر فَأَرْسَلَهُ. قُلْت : وَقَدْ وَصَلَهُ آدَم بْن أَبِي إِيَاس عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم أَيْضًا فَقَوِيَتْ رِوَايَة مَعْمَر , وَإِذَا كَانَ صَحِيحًا فَالْجَمْع - الَّذِي جَمَعَ بِهِ الْقَاضِي - حَسَن ; لَكِنَّ الْقَاضِي وَمَنْ تَبِعَهُ جَازِمُونَ بِأَنَّ حَدِيث عُبَادَةَ هَذَا كَانَ بِمَكَّة لَيْلَة الْعَقَبَة لَمَّا بَايَعَ الْأَنْصَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْعَة الْأُولَى بِمِنًى , وَأَبُو هُرَيْرَة إِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْد ذَلِكَ بِسَبْعِ سِنِينَ عَام خَيْبَر , فَكَيْفَ يَكُون حَدِيثه مُتَقَدِّمًا ؟ وَقَالُوا فِي الْجَوَاب عَنْهُ : يُمْكِن أَنْ يَكُون أَبُو هُرَيْرَة مَا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ صَحَابِيّ آخَر كَانَ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِيمًا وَلَمْ يَسْمَع مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد ذَلِكَ أَنَّ الْحُدُود كَفَّارَة كَمَا سَمِعَهُ عُبَادَةَ , وَفِي هَذَا تَعَسُّف. وَيُبْطِلهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ , وَأَنَّ الْحُدُود لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ إِذْ ذَاكَ. ‏ ‏وَالْحَقّ عِنْدِي أَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة صَحِيح وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ عَلَى حَدِيث عُبَادَةَ , وَالْمُبَايَعَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث عُبَادَةَ عَلَى الصِّفَة الْمَذْكُورَة لَمْ تَقَع لَيْلَة الْعَقَبَة , وَإِنَّمَا كَانَ لَيْلَة الْعَقَبَة مَا ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره مِنْ أَهْل الْمَغَازِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمَنْ حَضَرَ مِنْ الْأَنْصَار \" أُبَايِعكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ \" فَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ , وَعَلَى أَنْ يَرْحَل إِلَيْهِمْ هُوَ وَأَصْحَابه. وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَاب - فِي كِتَاب الْفِتَن وَغَيْره - مِنْ حَدِيث عُبَادَةَ أَيْضًا قَالَ : بَايَعْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة فِي الْعُسْر وَالْيُسْر وَالْمَنْشَط وَالْمَكْرَه.. الْحَدِيث. وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمُرَاد مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عُبَادَةَ أَنَّهُ جَرَتْ لَهُ قِصَّة مَعَ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُعَاوِيَة بِالشَّامِ \" فَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَة إِنَّك لَمْ تَكُنْ مَعَنَا إِذْ بَايَعْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة فِي النَّشَاط وَالْكَسَل , وَعَلَى الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , وَعَلَى أَنْ نَقُول بِالْحَقِّ وَلَا نَخَاف فِي اللَّه لَوْمَة لَائِم , وَعَلَى أَنْ نَنْصُر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ عَلَيْنَا يَثْرِب فَنَمْنَعهُ مِمَّا نَمْنَع مِنْهُ أَنْفُسنَا وَأَزْوَاجنَا وَأَبْنَاءَنَا , وَلَنَا الْجَنَّة. فَهَذِهِ بَيْعَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي بَايَعْنَاهُ عَلَيْهَا. فَذَكَرَ بَقِيَّة الْحَدِيث. وَعِنْد الطَّبَرَانِيّ لَهُ طَرِيق أُخْرَى وَأَلْفَاظ قَرِيبَة مِنْ هَذِهِ. وَقَدْ وَضَحَ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي الْبَيْعَة الْأُولَى. ‏ ‏ثُمَّ صَدَرَتْ مُبَايَعَات أُخْرَى سَتُذْكَرُ فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , مِنْهَا هَذِهِ الْبَيْعَة فِي حَدِيث الْبَاب فِي الزَّجْر عَنْ الْفَوَاحِش الْمَذْكُورَة. وَاَلَّذِي يُقَوِّي أَنَّهَا وَقَعَتْ بَعْد فَتْح مَكَّة بَعْد أَنْ نَزَلَتْ الْآيَة الَّتِي فِي الْمُمْتَحِنَة وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ( يَا أَيّهَا النَّبِيّ إِذَا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يُبَايِعْنَك ) وَنُزُول هَذِهِ الْآيَة مُتَأَخِّر بَعْد قِصَّة الْحُدَيْبِيَة بِلَا خِلَاف , وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ مَا عِنْد الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْحُدُود مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيّ فِي حَدِيث عُبَادَةَ هَذَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَايَعَهُمْ قَرَأَ الْآيَة كُلّهَا , وَعِنْده فِي تَفْسِير الْمُمْتَحِنَة مِنْ هَذَا الْوَجْه قَالَ \" قَرَأَ آيَة النِّسَاء \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ \" فَتَلَا عَلَيْنَا آيَة النِّسَاء قَالَ : أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا \" وَلِلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق الْحَارِث بْن فُضَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" أَلَا تُبَايِعُونَنِي عَلَى مَا بَايَعَ عَلَيْهِ النِّسَاء : أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا \" الْحَدِيث. وَلِلطَّبَرَانِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيّ بِهَذَا السَّنَد \" بَايَعْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا بَايَعَ عَلَيْهِ النِّسَاء يَوْم فَتْح مَكَّة \". وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَشْعَث عَنْ عُبَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيث \" أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاء \". ‏ ‏فَهَذِهِ أَدِلَّة ظَاهِرَة فِي أَنَّ هَذِهِ الْبَيْعَة إِنَّمَا صَدَرَتْ بَعْد نُزُول الْآيَة , بَلْ بَعْد صُدُور الْبَيْعَة , بَلْ بَعْد فَتْح مَكَّة , وَذَلِكَ بَعْد إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة بِمُدَّةٍ. وَيُؤَيِّد هَذَا مَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخه عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الطُّفَاوِيّ عَنْ أَيُّوب عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أُبَايِعكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث عُبَادَةَ , وَرِجَاله ثِقَات. وَقَدْ قَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ : إِذَا صَحَّ الْإِسْنَاد إِلَى عَمْرو بْن شُعَيْب فَهُوَ كَأَيُّوبَ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر ا ه. وَإِذَا كَانَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَحَد مَنْ حَضَرَ هَذِهِ الْبَيْعَة وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْأَنْصَار وَلَا مِمَّنْ حَضَرَ بَيْعَتهمْ وَإِنَّمَا كَانَ إِسْلَامه قُرْب إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة وَضَحَ تَغَايُر الْبَيْعَتَيْنِ - بَيْعَة الْأَنْصَار لَيْلَة الْعَقَبَة وَهِيَ قَبْل الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة , وَبَيْعَة أُخْرَى وَقَعَتْ بَعْد فَتْح مَكَّة وَشَهِدَهَا عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَكَانَ إِسْلَامه بَعْد الْهِجْرَة بِمُدَّةٍ طَوِيلَة - وَمِثْل ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث جَرِير قَالَ \" بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِثْل مَا بَايَعَ عَلَيْهِ النِّسَاء \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَكَانَ إِسْلَام جَرِير مُتَأَخِّرًا عَنْ إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة عَلَى الصَّوَاب , وَإِنَّمَا حَصَلَ الِالْتِبَاس مِنْ جِهَة أَنَّ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت حَضَرَ الْبَيْعَتَيْنِ مَعًا , وَكَانَتْ بَيْعَة الْعَقَبَة مِنْ أَجَلّ مَا يُتَمَدَّح بِهِ , فَكَانَ يَذْكُرهَا إِذَا حَدَّثَ تَنْوِيهًا بِسَابِقِيَّتِهِ , فَلَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الْبَيْعَة الَّتِي صَدَرَتْ عَلَى مِثْل بَيْعَة النِّسَاء عَقِبَ ذَلِكَ تَوَهَّمَ مَنْ لَمْ يَقِف عَلَى حَقِيقَة الْحَال أَنَّ الْبَيْعَة الْأُولَى وَقَعَتْ عَلَى ذَلِكَ. وَنَظِيره مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ عُبَادَةَ بْن الْوَلِيد بْن عُبَادَةَ بْن الصَّامِت عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه - وَكَانَ أَحَد النُّقَبَاء - قَالَ \" بَايَعْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعَة الْحَرْب \" وَكَانَ عُبَادَة مِنْ الِاثْنَيْ عَشَر الَّذِينَ بَايَعُوا فِي الْعَقَبَة الْأُولَى \" عَلَى بَيْعَة النِّسَاء وَعَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة فِي عُسْرنَا وَيُسْرنَا \" الْحَدِيث , فَإِنَّهُ ظَاهِر فِي اِتِّحَاد الْبَيْعَتَيْنِ ; وَلَكِنَّ الْحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَام لَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَة , وَهُوَ مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ عَنْ عُبَادَةَ بْن الْوَلِيد. وَالصَّوَاب أَنَّ بَيْعَة الْحَرْب بَعْد بَيْعَة الْعَقَبَة لِأَنَّ الْحَرْب إِنَّمَا شُرِعَ بَعْد الْهِجْرَة , وَيُمْكِن تَأْوِيل رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق وَرَدّهَا إِلَى مَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ اِشْتَمَلَتْ رِوَايَته عَلَى ثَلَاث بَيْعَات : بَيْعَة الْعَقَبَة وَقَدْ صَرَّحَ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْل أَنْ تُفْرَض الْحَرْب فِي رِوَايَة الصَّنَابِحِيّ عَنْ عُبَادَةَ عِنْد أَحْمَد , وَالثَّانِيَة بَيْعَة الْحَرْب وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَاد أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى عَدَم الْفِرَار , وَالثَّالِثَة بَيْعَة النِّسَاء أَيْ : الَّتِي وَقَعَتْ عَلَى نَظِير بَيْعَة النِّسَاء. وَالرَّاجِح أَنَّ التَّصْرِيح بِذَلِكَ وَهْمٌ مِنْ بَعْض الرُّوَاة , وَاَللَّه أَعْلَم. وَيُعَكِّر عَلَى ذَلِكَ التَّصْرِيح فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق مِنْ طَرِيق الصَّنَابِحِيّ عَنْ عُبَادَةَ أَنَّ بَيْعَة لَيْلَة الْعَقَبَة كَانَتْ عَلَى مِثْل بَيْعَة النِّسَاء , وَاتَّفَقَ وُقُوع ذَلِكَ قَبْل أَنْ تَنْزِل الْآيَة , وَإِنَّمَا أُضِيفَتْ إِلَى النِّسَاء لِضَبْطِهَا بِالْقُرْآنِ. وَنَظِيره مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ طَرِيق الصَّنَابِحِيّ عَنْ عُبَادَةَ قَالَ \" إِنِّي مِنْ النُّقَبَاء الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ; وَقَالَ \" بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا \" الْحَدِيث. فَظَاهِر هَذَا اِتِّحَاد الْبَيْعَتَيْنِ ; وَلَكِنَّ الْمُرَاد مَا قَرَّرْته أَنَّ قَوْله \" إِنِّي مِنْ النُّقَبَاء الَّذِينَ بَايَعُوا - أَيْ : لَيْلَة الْعَقَبَة - عَلَى الْإِيوَاء وَالنَّصْر \" وَمَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ , ثُمَّ قَالَ : بَايَعْنَاهُ إِلَخْ أَيْ : فِي وَقْت آخَر , وَيُشِير إِلَى هَذَا الْإِتْيَان بِالْوَاوِ الْعَاطِفَة فِي قَوْله \" وَقَالَ بَايَعْنَاهُ \". وَعَلَيْك بِرَدِّ مَا أَتَى مِنْ الرِّوَايَات مُوهِمًا بِأَنَّ هَذِهِ الْبَيْعَة كَانَتْ لَيْلَة الْعَقَبَة إِلَى هَذَا التَّأْوِيل الَّذِي نَهَجْت إِلَيْهِ فَيَرْتَفِع بِذَلِكَ الْإِشْكَال , وَلَا يَبْقَى بَيْن حَدِيثَيْ أَبِي هُرَيْرَة وَعُبَادَةَ تَعَارُض , وَلَا وَجْه بَعْد ذَلِكَ لِلتَّوَقُّفِ فِي كَوْن الْحُدُود كَفَّارَة. وَاعْلَمْ أَنَّ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت لَمْ يَنْفَرِد بِرِوَايَةِ هَذَا الْمَعْنَى , بَلْ رَوَى ذَلِكَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَهُوَ فِي التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَفِيهِ \" مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَاَللَّه أَكْرَم مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ الْعُقُوبَة عَلَى عَبْده فِي الْآخِرَة \" وَهُوَ عِنْد الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث أَبَى تَمِيمَة الْهُجَيْمِيّ , وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث خُزَيْمَةَ بْن ثَابِت بِإِسْنَادٍ حَسَن وَلَفْظه \" مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أُقِيمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الذَّنْب فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ \". وَلِلطَّبَرَانِيّ عَنْ اِبْن عَمْرو مَرْفُوعًا \" مَا عُوقِبَ رَجُل عَلَى ذَنْب إِلَّا جَعَلَهُ اللَّه كَفَّارَة لِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ الذَّنْب \". وَإِنَّمَا أَطَلْت فِي هَذَا الْمَوْضِع لِأَنَّنِي لَمْ أَرَ مَنْ أَزَالَ اللَّبْس فِيهِ عَلَى الْوَجْه الْمَرْضِيّ , وَاَللَّه الْهَادِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَعُوقِبَ بِهِ ) قَالَ اِبْن التِّين : يُرِيد بِهِ الْقَطْع فِي السَّرِقَة وَالْجَلْد أَوْ الرَّجْم فِي الزِّنَا. قَالَ : وَأَمَّا قَتْل الْوَلَد فَلَيْسَ لَهُ عُقُوبَة مَعْلُومَة , إِلَّا أَنْ يُرِيد قَتْل النَّفْس فَكَنَّى عَنْهُ , قُلْت : وَفِي رِوَايَة الصَّنَابِحِيّ عَنْ عُبَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيث ( وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ ) وَلَكِنَّ قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب \" فَعُوقِبَ بِهِ \" أَعَمّ مِنْ أَنْ تَكُون الْعُقُوبَة حَدًّا أَوْ تَعْزِيرًا. قَالَ اِبْن التِّين : وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي إِسْمَاعِيل وَغَيْره أَنَّ قَتْل الْقَاتِل إِنَّمَا هُوَ رَادِع لِغَيْرِهِ , وَأَمَّا فِي الْآخِرَة فَالطَّلَب لِلْمَقْتُولِ قَائِم ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ حَقّ. قُلْت : بَلْ وَصَلَ إِلَيْهِ حَقّ أَيّ حَقّ , فَإِنَّ الْمَقْتُول ظُلْمًا تُكَفَّر عَنْهُ ذُنُوبه بِالْقَتْلِ , كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَر الَّذِي صَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ وَغَيْره \" إِنَّ السَّيْف مَحَّاء لِلْخَطَايَا \" , وَعَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" إِذَا جَاءَ الْقَتْل مَحَا كُلّ شَيْء \" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ , وَلَهُ عَنْ الْحَسَن بْن عَلِيّ نَحْوه , وَلِلْبَزَّارِ عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا \" لَا يَمُرّ الْقَتْل بِذَنْبٍ إِلَّا مَحَاهُ \" فَلَوْلَا الْقَتْل مَا كُفِّرَتْ ذُنُوبه , وَأَيّ حَقّ يَصِل إِلَيْهِ أَعْظَم مِنْ هَذَا ؟ وَلَوْ كَانَ حَدّ الْقَتْل إِنَّمَا شُرِعَ لِلرَّدْعِ فَقَطْ لَمْ يُشْرَع الْعَفْو عَنْ الْقَاتِل , وَهَلْ تَدْخُل فِي الْعُقُوبَة الْمَذْكُورَة الْمَصَائِب الدُّنْيَوِيَّة مِنْ الْآلَام وَالْأَسْقَام وَغَيْرهَا ؟ فِيهِ نَظَر. وَيَدُلّ لِلْمَنْعِ قَوْله \" وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّه \" فَإِنَّ هَذِهِ الْمَصَائِب لَا تُنَافِي السَّتْر , وَلَكِنْ بَيَّنَتْ الْأَحَادِيث الْكَثِيرَة أَنَّ الْمَصَائِب تُكَفِّر الذُّنُوب , فَيُحْتَمَل أَنْ يُرَاد أَنَّهَا تُكَفِّر مَا لَا حَدّ فِيهِ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏وَيُسْتَفَاد مِنْ الْحَدِيث أَنَّ إِقَامَة الْحَدّ كَفَّارَة لِلذَّنْبِ وَلَوْ لَمْ يَتُبْ الْمَحْدُود , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور. وَقِيلَ لَا بُدّ مِنْ التَّوْبَة , وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْض التَّابِعِينَ , وَهُوَ قَوْل لِلْمُعْتَزِلَةِ , وَوَافَقَهُمْ اِبْن حَزْم وَمِنْ الْمُفَسِّرِينَ الْبَغَوِيّ وَطَائِفَة يَسِيرَة , وَاسْتَدَلُّوا بِاسْتِثْنَاءِ مَنْ تَابَ فِي قَوْله تَعَالَى ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ) وَالْجَوَاب فِي ذَلِكَ أَنَّهُ فِي عُقُوبَة الدُّنْيَا , وَلِذَلِكَ قُيِّدَتْ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّه ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة \" عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَهُوَ إِلَى اللَّه ) ‏ ‏قَالَ الْمَازِنِيّ فِيهِ رَدّ عَلَى الْخَوَارِج الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ , وَرَدّ عَلَى الْمُعْتَزِلَة الَّذِينَ يُوجِبُونَ تَعْذِيب الْفَاسِق إِذَا مَاتَ بِلَا تَوْبَة ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ تَحْت الْمَشِيئَة , وَلَمْ يَقُلْ لَا بُدّ أَنْ يُعَذِّبهُ. وَقَالَ الطِّيبِيّ : فِيهِ إِشَارَة إِلَى الْكَفّ عَنْ الشَّهَادَة بِالنَّارِ عَلَى أَحَد أَوْ بِالْجَنَّةِ لِأَحَدٍ إِلَّا مَنْ وَرَدَ النَّصّ فِيهِ بِعَيْنِهِ. قُلْت : أَمَّا الشِّقّ الْأَوَّل فَوَاضِح. وَأَمَّا الثَّانِي فَالْإِشَارَة إِلَيْهِ إِنَّمَا تُسْتَفَاد مِنْ الْحَمْل عَلَى غَيْر ظَاهِر الْحَدِيث وَهُوَ مُتَعَيَّن. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ ) ‏ ‏يَشْمَل مَنْ تَابَ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ , وَقَالَ بِذَلِكَ طَائِفَة , وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ مَنْ تَابَ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ مُؤَاخَذَة , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَأْمَن مَكْر اللَّه لِأَنَّهُ لَا اِطِّلَاع لَهُ هَلْ قُبِلَتْ تَوْبَته أَوْ لَا. وَقِيلَ يُفَرَّق بَيْن مَا يَجِب فِيهِ الْحَدّ وَمَا لَا يَجِب , وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ أَتَى مَا يُوجِب الْحَدّ , فَقِيلَ : يَجُوز أَنْ يَتُوب سِرًّا وَيَكْفِيه ذَلِكَ. وَقِيلَ : بَلْ الْأَفْضَل أَنْ يَأْتِي الْإِمَامَ وَيَعْتَرِف بِهِ وَيَسْأَلهُ أَنْ يُقِيم عَلَيْهِ الْحَدّ كَمَا وَقَعَ لِمَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ. وَفَصَلَ بَعْض الْعُلَمَاء بَيْن أَنْ يَكُون مُعْلِنًا بِالْفُجُورِ فَيُسْتَحَبّ أَنْ يُعْلِنَ بِتَوْبَتِهِ وَإِلَّا فَلَا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الصَّنَابِحِيّ عَنْ عُبَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَلَا يَنْتَهِب \" وَهُوَ مِمَّا يُتَمَسَّك بِهِ فِي أَنَّ الْبَيْعَة مُتَأَخِّرَة ; لِأَنَّ الْجِهَاد عِنْد بَيْعَة الْعَقَبَة لَمْ يَكُنْ فُرِضَ , وَالْمُرَاد بِالِانْتِهَابِ مَا يَقَع بَعْد الْقِتَال فِي الْغَنَائِم. وَزَادَ فِي رِوَايَته أَيْضًا : \" وَلَا يَعْصِي بِالْجَنَّةِ , إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ , فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا مَا كَانَ قَضَاء ذَلِكَ إِلَى اللَّه \" أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي بَاب وُفُود الْأَنْصَار عَنْ قُتَيْبَة عَنْ اللَّيْث , وَوَقَعَ عِنْده \" وَلَا يَقْضِي \" بِقَافٍ وَضَاد مُعْجَمَة وَهُوَ تَصْحِيف , وَقَدْ تَكَلَّفَ بَعْض النَّاس فِي تَخْرِيجه وَقَالَ : إِنَّهُ نَهَاكُمْ عَنْ وِلَايَة الْقَضَاء , وَيُبْطِلهُ أَنَّ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَلِيَ قَضَاء فِلَسْطِين فِي زَمَن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. وَقِيلَ : إِنَّ قَوْله \" بِالْجَنَّةِ \" مُتَعَلِّق بِيَقْضِي , أَيْ : لَا يَقْضِي بِالْجَنَّةِ لِأَحَدٍ مُعَيَّن. قُلْت : لَكِنْ يَبْقَى قَوْله \" إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ \" بِلَا جَوَاب , وَيَكْفِي فِي ثُبُوت دَعْوَى التَّصْحِيف فِيهِ رِوَايَة مُسْلِم عَنْ قُتَيْبَة بِالْعَيْنِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ , وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْنِ سُفْيَان , وَلِأَبِي نُعَيْم مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن هَارُون كِلَاهُمَا عَنْ قُتَيْبَة , وَكَذَا هُوَ عِنْد الْبُخَارِيّ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيث فِي الدِّيَات عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف عَنْ اللَّيْث فِي مُعْظَم الرِّوَايَات , لَكِنْ عِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ بِالْقَافِ وَالضَّاد أَيْضًا وَهُوَ تَصْحِيف كَمَا بَيَّنَّاهُ. وَقَوْله \" بِالْجَنَّةِ \" إِنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ فِي أَوَّله \" بَايَعْنَا \". وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "18",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا ‏ ‏شَعَفَ ‏ ‏الْجِبَالِ ‏ ‏وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ‏ ‏يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَة ) ‏ ‏هُوَ الْقَعْنَبِيّ أَحَد رُوَاة الْمُوَطَّأ , نُسِبَ إِلَى جَدّه قَعْنَب , وَهُوَ بَصْرِيّ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ مُدَّة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن أَبِي صَعْصَعَة , فَسَقَطَ الْحَارِث مِنْ الرِّوَايَة , وَاسْم أَبِي صَعْصَعَة عَمْرو بْن زَيْد بْن عَوْف الْأَنْصَارِيّ ثُمَّ الْمَازِنِيّ , هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّة , وَشَهِدَ اِبْنه الْحَارِث أُحُدًا , وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَعِيد ) ‏ ‏اِسْمه سَعْد عَلَى الصَّحِيح - وَقِيلَ سِنَان - اِبْن مَالِك بْن سِنَان , اُسْتُشْهِدَ أَبُوهُ بِأُحُدٍ , وَكَانَ هُوَ مِنْ الْمُكْثِرِينَ. وَهَذَا الْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَهُوَ مِنْ أَفْرَاد الْبُخَارِيّ عَنْ مُسْلِم. نَعَمْ أَخْرَجَ مُسْلِم فِي الْجِهَاد - وَهُوَ عِنْد الْمُصَنِّف أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر - عَنْ أَبِي سَعِيد حَدِيث الْأَعْرَابِيّ الَّذِي سَأَلَ : أَيّ النَّاس خَيْر ؟ قَالَ : مُؤْمِن مُجَاهِد فِي سَبِيل اللَّه بِنَفْسِهِ وَمَاله. قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : مُؤْمِن فِي شِعْب مِنْ الشِّعَاب يَتَّقِي اللَّه وَيَدَع النَّاس مِنْ شَرّه. وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر الْفِتَن. وَهِيَ زِيَادَة مِنْ حَافِظ فَيُقَيَّد بِهَا الْمُطْلَق. وَلَهَا شَاهِد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الْحَاكِم , وَمِنْ حَدِيث أُمّ مَالِك الْبَهْزِيَّة عِنْد التِّرْمِذِيّ , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَرَدَ مِنْ النَّهْي عَنْ سُكْنَى الْبَوَادِي وَالسِّيَاحَة وَالْعُزْلَة , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الْفِتَن. ‏ ‏قَوْله : ( يُوشِك ) ‏ ‏بِكَسْرِ الشِّين الْمُعْجَمَة أَيْ : يَقْرَب. ‏ ‏قَوْله : ( خَيْر ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْخَبَر , وَغَنَم الِاسْم , وَلِلْأَصِيلِيِّ بِرَفْعِ خَيْر وَنَصْب غَنَمًا عَلَى الْخَبَرِيَّة , وَيَجُوز رَفْعهمَا عَلَى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر يُقَدَّر فِي يَكُون ضَمِير الشَّأْن قَالَهُ اِبْن مَالِك , لَكِنْ لَمْ تَجِئْ بِهِ الرِّوَايَة. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَّبِع ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ التَّاء وَيَجُوز إِسْكَانهَا , \" وَشَعَف \" بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْعَيْن الْمُهْمَلَة جَمْع شَعَفَة كَأَكَمٍ وَأَكَمَة وَهِيَ رُءُوس الْجِبَال. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَوَاقِع الْقَطْر ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى شَعَف , أَيْ : بُطُون الْأَوْدِيَة , وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا مَظَانّ الْمَرْعَى. ‏ ‏قَوْله : ( يَفِرّ بِدِينِهِ ) ‏ ‏أَيْ : بِسَبَبِ دِينه. و \" مِنْ \" اِبْتِدَائِيَّة , قَالَ الشَّيْخ النَّوَوِيّ : فِي الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ نَظَر ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ لَفْظ الْحَدِيث عَدّ الْفِرَار دِينًا , وَإِنَّمَا هُوَ صِيَانَة لِلدِّينِ. قَالَ : فَلَعَلَّهُ لَمَّا رَآهُ صِيَانَة لِلدِّينِ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اِسْم الدِّين. وَقَالَ غَيْره : إِنْ أُرِيدَ بِمِنْ كَوْنهَا جِنْسِيَّة أَوْ تَبْعِيضِيَّة فَالنَّظَر مُتَّجَه , وَإِنْ أُرِيدَ كَوْنهَا اِبْتِدَائِيَّة أَيْ : الْفِرَار مِنْ الْفِتْنَة مَنْشَؤُهُ الدِّين فَلَا يَتَّجِه النَّظَر. وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّف أَيْضًا فِي كِتَاب الْفِتَن , وَهُوَ أَلْيَق الْمَوَاضِع بِهِ , وَالْكَلَام عَلَيْهِ يُسْتَوْفَى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "19",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ قَالُوا إِنَّا لَسْنَا ‏ ‏كَهَيْئَتِكَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أَتْقَاكُمْ ‏ ‏وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَلَام ) ‏ ‏هُوَ بِتَخْفِيفِ اللَّام عَلَى الصَّحِيح , وَقَالَ صَاحِب الْمَطَالِع : هُوَ بِتَشْدِيدِهَا عِنْد الْأَكْثَر , وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّ أَكْثَر الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ بِالتَّخْفِيفِ , وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ نَفْسه وَهُوَ أَخْبَر بِأَبِيهِ , فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْأَكْثَرِ مَشَايِخ بَلَده. وَقَدْ صَنَّفَ الْمُنْذِرِيّ جُزْءًا فِي تَرْجِيح التَّشْدِيد , وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَد خِلَافه. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَبْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان الْكُوفِيّ , وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ : حَدَّثَنَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏و اِبْن عُرْوَة بْن الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ ) ‏ ‏كَذَا فِي مُعْظَم الرِّوَايَات , وَوَقَعَ فِي بَعْضهَا أَمَرَهُمْ مَرَّة وَاحِدَة , وَعَلَيْهِ شَرْح الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ , وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي طُرُق هَذَا الْحَدِيث الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا مِنْ طَرِيق عَبْدَة , وَكَذَا مِنْ طَرِيق اِبْن نُمَيْر وَغَيْره عَنْ هِشَام عِنْد أَحْمَد , وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام وَلَفْظه \" كَانَ إِذَا أَمَرَ النَّاس بِالشَّيْءِ \" قَالُوا : وَالْمَعْنَى كَانَ إِذَا أَمَرَهُمْ بِمَا يَسْهُل عَلَيْهِمْ دُون مَا يَشُقّ خَشْيَة أَنْ يَعْجِزُوا عَنْ الدَّوَام عَلَيْهِ , وَعَمِلَ هُوَ بِنَظِيرِ مَا يَأْمُرهُمْ بِهِ مِنْ التَّخْفِيف , طَلَبُوا مِنْهُ التَّكْلِيف بِمَا يَشُقّ , لِاعْتِقَادِهِمْ اِحْتِيَاجهمْ إِلَى الْمُبَالَغَة فِي الْعَمَل لِرَفْعِ الدَّرَجَات دُونه , فَيَقُولُونَ : لَسْنَا كَهَيْئَتِك فَيَغْضَب مِنْ جِهَة أَنَّ حُصُول الدَّرَجَات لَا يُوجِب التَّقْصِير فِي الْعَمَل , بَلْ يُوجِب الِازْدِيَاد شُكْرًا لِلْمُنْعِمِ الْوَهَّاب , كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيث الْآخَر \" أَفَلَا أَكُون عَبْدًا شَكُورًا \". وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِمَا يَسْهُل عَلَيْهِمْ لِيُدَاوِمُوا عَلَيْهِ كَمَا فِي الْحَدِيث الْآخَر \" أَحَبّ الْعَمَل إِلَى اللَّه أَدْوَمه \" , وَعَلَى مُقْتَضَى مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ تَكْرِير \" أَمْرهمْ \" يَكُون الْمَعْنَى : كَانَ إِذَا أَمَرَهُمْ بِعَمَلٍ مِنْ الْأَعْمَال أَمَرَهُمْ بِمَا يُطِيقُونَ الدَّوَام عَلَيْهِ , فَأَمَرَهُمْ الثَّانِيَة جَوَاب الشَّرْط , وَقَالُوا جَوَاب ثَانٍ. ‏ ‏قَوْله : ( كَهَيْئَتِك ) ‏ ‏أَيْ : لَيْسَ حَالنَا كَحَالِك. وَعَبَّرَ بِالْهَيْئَةِ تَأْكِيدًا , وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد , الْأُولَى : أَنَّ الْأَعْمَال الصَّالِحَة تُرَقِّي صَاحِبهَا إِلَى الْمَرَاتِب السَّنِيَّة مِنْ رَفْع الدَّرَجَات وَمَحْو الْخَطِيئَات ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِر عَلَيْهِمْ اِسْتِدْلَالهمْ وَلَا تَعْلِيلهمْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَة , بَلْ مِنْ الْجِهَة الْأُخْرَى. الثَّانِيَة : أَنَّ الْعَبْد إِذَا بَلَغَ الْغَايَة فِي الْعِبَادَة وَثَمَرَاتهَا كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى لَهُ إِلَى الْمُوَاظَبَة عَلَيْهَا , اِسْتِبْقَاء لِلنِّعْمَةِ , وَاسْتِزَادَة لَهَا بِالشُّكْرِ عَلَيْهَا. الثَّالِثَة : الْوُقُوف عِنْد مَا حَدَّ الشَّارِع مِنْ عَزِيمَة وَرُخْصَة , وَاعْتِقَاد أَنَّ الْأَخْذ بِالْأَرْفَقِ الْمُوَافِق لِلشَّرْعِ أَوْلَى مِنْ الْأَشَقّ الْمُخَالِف لَهُ. الرَّابِعَة : أَنَّ الْأَوْلَى فِي الْعِبَادَة الْقَصْد وَالْمُلَازَمَة , لَا الْمُبَالَغَة الْمُفْضِيَة إِلَى التَّرْك , كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر \" الْمُنْبَتّ - أَيْ الْمُجِدّ فِي السَّيْر - لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى \". الْخَامِسَة : التَّنْبِيه عَلَى شِدَّة رَغْبَة الصَّحَابَة فِي الْعِبَادَة وَطَلَبهمْ الِازْدِيَاد مِنْ الْخَيْر. السَّادِسَة : مَشْرُوعِيَّة الْغَضَب عِنْد مُخَالَفَة الْأَمْر الشَّرْعِيّ , وَالْإِنْكَار عَلَى الْحَاذِق الْمُتَأَهِّل لِفَهْمِ الْمَعْنَى إِذَا قَصَّرَ فِي الْفَهْم , تَحْرِيضًا لَهُ عَلَى التَّيَقُّظ. السَّابِعَة : جَوَاز تَحَدُّث الْمَرْء بِمَا فِيهِ مِنْ فَضْل بِحَسَبِ الْحَاجَة لِذَلِكَ عِنْد الْأَمْن مِنْ الْمُبَاهَاة وَالتَّعَاظُم. الثَّامِنَة : بَيَان أَنَّ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُتْبَة الْكَمَال الْإِنْسَانِيّ لِأَنَّهُ مُنْحَصِر فِي الْحِكْمَتَيْنِ الْعِلْمِيَّة وَالْعَمَلِيَّة , وَقَدْ أَشَارَ إِلَى الْأُولَى بِقَوْلِهِ \" أَعْلَمكُمْ \" وَإِلَى الثَّانِيَة بِقَوْلِهِ \" أَتْقَاكُمْ \" وَوَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْم \" وَأَعْلَمكُمْ بِاَللَّهِ لَأَنَا \" بِزِيَادَةِ لَام التَّأْكِيد , وَفِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَاَللَّه إِنَّ أَبَرّكُمْ وَأَتْقَاكُمْ أَنَا \" , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ إِقَامَة الضَّمِير الْمُنْفَصِل مَقَام الْمُتَّصِل , وَهُوَ مَمْنُوع عِنْد أَكْثَر النُّحَاة إِلَّا لِلضَّرُورَةِ وَأَوَّلُوا قَوْل الشَّاعِر ‏ ‏وَإِنَّمَا يُدَافِع عَنْ أَحْسَابهمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي ‏ ‏بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاء فِيهِ مُقَدَّر , أَيْ وَمَا يُدَافِع عَنْ أَحْسَابهمْ إِلَّا أَنَا. قَالَ بَعْض الشُّرَّاح : وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث. يَشْهَد لِلْجَوَازِ بِلَا ضَرُورَة , وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ أَفْرَاد الْبُخَارِيّ عَنْ مُسْلِم , وَهُوَ مِنْ غَرَائِب الصَّحِيح , لَا أَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه , فَهُوَ مَشْهُور عَنْ هِشَام فَرْد مُطْلَق مِنْ حَدِيثه عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ أَشَرْت إِلَى مَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة فِي بَاب مَنْ لَمْ يُوَاجَه مِنْ كِتَاب الْأَدَب , وَذَكَرْت فِيهِ مَا يُؤْخَذ مِنْهُ تَعْيِين الْمَأْمُور بِهِ. وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏"
    },
    {
        "id": "20",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْبَاب , وَمُطَابَقَة التَّرْجَمَة لَهُ ظَاهِرَة مِمَّا تَقَدَّمَ وَإِسْنَاده كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَجَرَى الْمُصَنِّف عَلَى عَادَته فِي التَّبْوِيب عَلَى مَا يُسْتَفَاد مِنْ الْمَتْن مَعَ أَنَّهُ غَايَرَ الْإِسْنَاد هُنَا إِلَى أَنَس. وَ \" مَنْ \" فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة مَوْصُولَة بِخِلَافِ الَّتِي بَعْد ثَلَاث فَإِنَّهَا شَرْطِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "21",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ‏ ‏أَخْرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ ‏ ‏مِثْقَالُ ‏ ‏حَبَّةٍ مِنْ ‏ ‏خَرْدَلٍ ‏ ‏مِنْ إِيمَانٍ فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدْ اسْوَدُّوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَا ‏ ‏أَوْ الْحَيَاةِ شَكَّ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏الْحَيَاةِ وَقَالَ ‏ ‏خَرْدَلٍ ‏ ‏مِنْ خَيْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه الْأَصْبَحِيّ الْمَدَنِيّ اِبْن أُخْت مَالِك , وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَة هَذَا الْحَدِيث عَبْد اللَّه بْن وَهْب وَمَعْن بْن عِيسَى عَنْ مَالِك , وَلَيْسَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هُوَ غَرِيب صَحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( يَدْخُل ) ‏ ‏لِلدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل وَغَيْره \" يُدْخِل اللَّه \" وَزَادَ مِنْ طَرِيق مَعْن \" يُدْخِل مَنْ يَشَاء بِرَحْمَتِهِ \" وَكَذَا لَهُ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب. ‏ ‏قَوْله : ( مِثْقَال حَبَّة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْحَاء هُوَ إِشَارَة إِلَى مَا لَا أَقَلّ مِنْهُ , قَالَ الْخَطَّابِيّ : هُوَ مَثَل لِيَكُونَ عِيَارًا فِي الْمَعْرِفَة لَا فِي الْوَزْن ; لِأَنَّ مَا يُشْكِل فِي الْمَعْقُول يُرَدّ إِلَى الْمَحْسُوس لِيُفْهَم. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ : الْوَزْن لِلصُّحُفِ الْمُشْتَمِلَة عَلَى الْأَعْمَال , وَيَقَع وَزْنهَا عَلَى قَدْر أُجُور الْأَعْمَال. وَقَالَ غَيْره : يَجُوز أَنْ تُجَسَّد الْأَعْرَاض فَتُوزَن , وَمَا ثَبَتَ مِنْ أُمُور الْآخِرَة بِالشَّرْعِ لَا دَخْل لِلْعَقْلِ فِيهِ , وَالْمُرَاد بِحَبَّةِ الْخَرْدَل هُنَا مَا زَادَ مِنْ الْأَعْمَال عَلَى أَصْل التَّوْحِيد , لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" أَخْرِجُوا مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَعَمِلَ مِنْ الْخَيْر مَا يَزِنُ ذَرَّة \". وَمَحَلّ بَسْط هَذَا يَقَع فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث الشَّفَاعَة حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الرِّقَاق. ‏ ‏قَوْله : ( فِي نَهَر الْحَيَاء ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِالْمَدِّ , وَلِكَرِيمَة وَغَيْرهَا بِالْقَصْرِ , وَبِهِ جَزَمَ الْخَطَّابِيّ وَعَلَيْهِ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمُرَاد كُلّ مَا بِهِ تَحْصُل الْحَيَاة , وَالْحَيَا بِالْقَصْرِ هُوَ الْمَطَر , وَبِهِ تَحْصُل حَيَاة النَّبَات , فَهُوَ أَلْيَق بِمَعْنَى الْحَيَاة مِنْ الْحَيَاء الْمَمْدُود الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْخَجَل. ‏ ‏قَوْله : ( الْحِبَّة ) ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّله , قَالَ أَبُو حَنِيفَة الدِّينَوَرِيّ : الْحِبَّة جَمْع بُزُور النَّبَات وَاحِدَتهَا حَبَّة بِالْفَتْحِ , وَأَمَّا الْحِبّ فَهُوَ الْحِنْطَة وَالشَّعِير , وَاحِدَتهَا حَبَّة بِالْفَتْحِ أَيْضًا , وَإِنَّمَا اِفْتَرَقَا فِي الْجَمْع. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي الْمُنْتَهَى : الْحِبَّة بِالْكَسْرِ بُزُور الصَّحْرَاء مِمَّا لَيْسَ بِقُوتٍ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وُهَيْب ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن خَالِد ( حَدَّثَنَا عَمْرو ) أَيْ : اِبْن يَحْيَى الْمَازِنِيّ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( الْحَيَاة ) ‏ ‏بِالْخَفْضِ عَلَى الْحِكَايَة , وَمُرَاده أَنَّ وُهَيْبًا وَافَقَ مَالِكًا فِي رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى بِسَنَدِهِ , وَجَزَمَ بِقَوْلِهِ فِي نَهْر الْحَيَاة وَلَمْ يَشُكّ كَمَا شَكَّ مَالِك. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏أَخْرَجَ مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة مَالِك فَأَبْهَمَ الشَّاكّ , وَقَدْ يُفَسَّر هُنَا. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ خَرْدَل مِنْ خَيْر ) ‏ ‏هُوَ عَلَى الْحِكَايَة أَيْضًا , أَيْ : وَقَالَ وُهَيْب فِي رِوَايَته : مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل مِنْ خَيْر , فَخَالَفَ مَالِكًا أَيْضًا فِي هَذِهِ الْكَلِمَة. وَقَدْ سَاقَ الْمُؤَلِّف حَدِيث وُهَيْب هَذَا فِي كِتَاب الرِّقَاق عَنْ مُوسَى , بْن إِسْمَاعِيل عَنْ وُهَيْب , وَسِيَاقه أَتَمّ مِنْ سِيَاق مَالِك ; لَكِنَّهُ قَالَ \" مِنْ خَرْدَل مِنْ إِيمَان \" كَرِوَايَةِ مَالِك , فَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّف بِهَذَا , وَلَا اِعْتِرَاض عَلَيْهِ فَإِنَّ أَبَا بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث فِي مُسْنَده عَنْ عَفَّان بْن مُسْلِم عَنْ وُهَيْب فَقَالَ \" مِنْ خَرْدَل مِنْ خَيْر \" كَمَا عَلَّقَهُ الْمُصَنِّف , فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُرَاده لَا لَفْظ مُوسَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر هَذَا , لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظه , وَوَجْه مُطَابَقَة هَذَا الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِر , وَأَرَادَ بِإِيرَادِهِ الرَّدّ عَلَى الْمُرْجِئَة لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَان ضَرَر الْمَعَاصِي مَعَ الْإِيمَان , وَعَلَى الْمُعْتَزِلَة فِي أَنَّ الْمَعَاصِيَ مُوجِبَة لِلْخُلُودِ. ‏"
    },
    {
        "id": "22",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ ‏ ‏يُعْرَضُونَ ‏ ‏عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ وَعُرِضَ عَلَيَّ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ قَالُوا فَمَا ‏ ‏أَوَّلْتَ ‏ ‏ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الدِّينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ أَبُو ثَابِت الْمَدَنِيّ وَأَبُوهُ بِالتَّصْغِيرِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَالِح ) ‏ ‏و اِبْن كَيْسَانَ تَابِعِيّ جَلِيل. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْن سَهْل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حُنَيْف كَمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ , وَأَبُو أُمَامَةَ مُخْتَلَف فِي صُحْبَته , وَلَمْ يَصِحّ لَهُ سَمَاع , وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي الصَّحَابَة لِشَرَفِ الرُّؤْيَة , وَمِنْ حَيْثُ الرِّوَايَة يَكُون فِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ أَوْ تَابِعِيَّانِ وَصَحَابِيَّانِ , وَرِجَاله كُلّهمْ مَدَنِيُّونَ كَاَلَّذِي قَبْله , وَالْكَلَام عَلَى الْمَتْن يَأْتِي فِي كِتَاب التَّعْبِير , وَمُطَابَقَته لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَة مِنْ جِهَة تَأْوِيل الْقُمُص بِالدِّينِ , وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُمْ مُتَفَاضِلُونَ فِي لُبْسهَا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ مُتَفَاضِلُونَ فِي الْإِيمَان. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَا أَنَا نَائِم رَأَيْت النَّاس ) ‏ ‏أَصْل \" بَيْنَا \" بَيْن ثُمَّ أُشْبِعَتْ الْفَتْحَة. وَفِيهِ اِسْتِعْمَال بَيْنَا بِدُونِ إِذَا وَبِدُونِ إِذْ , وَهُوَ فَصِيح عِنْد الْأَصْمَعِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَر عَلَى خِلَافه , فَإِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيث حُجَّة. وَقَوْله \" الثُّدِيّ \" بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة وَكَسْر الدَّال الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْيَاء التَّحْتَانِيَّة جَمْع ثَدْي بِفَتْحِ أَوَّله وَإِسْكَان ثَانِيه وَالتَّخْفِيف , وَهُوَ مُذَكَّر عِنْد مُعْظَم أَهْل اللُّغَة , وَحُكِيَ أَنَّهُ مُؤَنَّث , وَالْمَشْهُور أَنَّهُ يُطْلَق فِي الرَّجُل وَالْمَرْأَة , وَقِيلَ يَخْتَصّ بِالْمَرْأَةِ وَهَذَا الْحَدِيث يَرُدّهُ , وَلَعَلَّ قَائِل هَذَا يَدَّعِي أَنَّهُ أُطْلِقَ فِي الْحَدِيث مَجَازًا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "23",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ التِّنِّيسِيّ نَزِيل دِمَشْق , وَرِجَال الْإِسْنَاد سِوَاهُ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا ) ‏ ‏وَلِلْأَصِيلِيِّ حَدَّثَنَا مَالِك , وَلِكَرِيمَة بْن أَنَس , وَالْحَدِيث فِي الْمُوَطَّأ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب. ‏ ‏قَوْله : ( مَرَّ عَلَى رَجُل ) ‏ ‏لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق مَعْمَر \" مَرَّ بِرَجُلٍ \" وَمَرَّ بِمَعْنَى اِجْتَازَ يُعَدَّى بِعَلَى وَبِالْبَاءِ , وَلَمْ أَعْرِفْ اِسْم هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ الْوَاعِظ وَأَخِيهِ. وَقَوْله \" يَعِظ \" أَيْ يَنْصَح أَوْ يُخَوِّف أَوْ يُذَكِّر , كَذَا شَرَحُوهُ , وَالْأَوْلَى أَنْ يُشْرَح بِمَا جَاءَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة عَنْ اِبْن شِهَاب وَلَفْظه \" يُعَاتِب أَخَاهُ فِي الْحَيَاء \" يَقُول : إِنَّك لَتَسْتَحِي , حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُول : قَدْ أَضَرَّ بِك. اِنْتَهَى. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون جَمَعَ لَهُ الْعِتَاب وَالْوَعْظ فَذَكَرَ بَعْض الرُّوَاة مَا لَمْ يَذْكُرهُ الْآخَر , لَكِنَّ الْمَخْرَج مُتَّحِد , فَالظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّف الرَّاوِي بِحَسَبِ مَا اِعْتَقَدَ أَنَّ كُلّ لَفْظ مِنْهُمَا يَقُوم مَقَام الْآخَر , وَ \" فِي \" سَبَبِيَّة فَكَأَنَّ الرَّجُل كَانَ كَثِير الْحَيَاء فَكَانَ ذَلِكَ يَمْنَعهُ مِنْ اِسْتِيفَاء حُقُوقه , فَعَاتَبَهُ أَخُوهُ عَلَى ذَلِكَ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" دَعْهُ \" أَيْ : اُتْرُكْهُ عَلَى هَذَا الْخُلُق السُّنِّيّ , ثُمَّ زَادَهُ فِي ذَلِكَ تَرْغِيبًا لِحُكْمِهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْإِيمَان , وَإِذَا كَانَ الْحَيَاء يَمْنَع صَاحِبه مِنْ اِسْتِيفَاء حَقّ نَفْسه جَرَّ لَهُ ذَلِكَ تَحْصِيل أَجْر ذَلِكَ الْحَقّ , لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمَتْرُوك لَهُ مُسْتَحِقًّا. وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَيَاء يَمْنَع صَاحِبه مِنْ اِرْتِكَاب الْمَعَاصِي كَمَا يَمْنَع الْإِيمَان , فَسُمِّيَ إِيمَانًا كَمَا يُسَمَّى الشَّيْء بِاسْمِ مَا قَامَ مَقَامه. وَحَاصِله أَنَّ إِطْلَاق كَوْنه مِنْ الْإِيمَان مَجَاز , وَالظَّاهِر أَنَّ النَّاهِيَ مَا كَانَ يَعْرِف أَنَّ الْحَيَاء مِنْ مُكَمِّلَات الْإِيمَان , فَلِهَذَا وَقَعَ التَّأْكِيد , وَقَدْ يَكُون التَّأْكِيد مِنْ جِهَة أَنَّ الْقَضِيَّة فِي نَفْسهَا مِمَّا يُهْتَمّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُنْكَر. قَالَ الرَّاغِب : الْحَيَاء اِنْقِبَاض النَّفْس عَنْ الْقَبِيح , وَهُوَ مِنْ خَصَائِص الْإِنْسَان لِيَرْتَدِع عَنْ اِرْتِكَاب كُلّ مَا يَشْتَهِي فَلَا يَكُون كَالْبَهِيمَةِ. وَهُوَ مُرَكَّب مِنْ جُبْن وَعِفَّة فَلِذَلِكَ لَا يَكُون الْمُسْتَحِي فَاسِقًا , وَقَلَّمَا يَكُون الشُّجَاع مُسْتَحِيًا , وَقَدْ يَكُون لِمُطْلَقِ الِانْقِبَاض كَمَا فِي بَعْض الصِّبْيَانِ. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. ‏ ‏وَقَالَ غَيْره : هُوَ اِنْقِبَاض النَّفْس خَشْيَة اِرْتِكَاب مَا يُكْرَه , أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون شَرْعِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا أَوْ عُرْفِيًّا , وَمُقَابِل الْأَوَّل فَاسِق وَالثَّانِي مَجْنُون وَالثَّالِث أَبْلَه. قَالَ : وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْحَيَاء شُعْبَة مِنْ الْإِيمَان أَيْ : أَثَر مِنْ آثَار الْإِيمَان , وَقَالَ الْحَلِيمِيّ : حَقِيقَة الْحَيَاء خَوْف الذَّمّ بِنِسْبَةِ الشَّرّ إِلَيْهِ , وَقَالَ غَيْره : إِنْ كَانَ فِي مُحَرَّم فَهُوَ وَاجِب , وَإِنْ كَانَ فِي مَكْرُوه فَهُوَ مَنْدُوب , وَإِنْ كَانَ فِي مُبَاح فَهُوَ الْعُرْفِيّ , وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" الْحَيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ \". وَيَجْمَع كُلّ ذَلِكَ أَنَّ الْمُبَاحَ إِنَّمَا هُوَ مَا يَقَع عَلَى وَفْق الشَّرْع إِثْبَاتًا وَنَفْيًا , وَحُكِيَ عَنْ بَعْض السَّلَف : رَأَيْت الْمَعَاصِيَ مَذَلَّة , فَتَرَكْتهَا مُرُوءَة , فَصَارَتْ دِيَانَة. وَقَدْ يَتَوَلَّد الْحَيَاء مِنْ اللَّه تَعَالَى مِنْ التَّقَلُّب فِي نِعَمِهِ فَيَسْتَحِي الْعَاقِل أَنْ يَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى مَعْصِيَته , وَقَدْ قَالَ بَعْض السَّلَف : خَفْ اللَّه عَلَى قَدْر قُدْرَته عَلَيْك. وَاسْتَحْيِ مِنْهُ عَلَى قَدْر قُرْبه مِنْك. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "24",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى ‏ ‏يَشْهَدُوا ‏ ‏أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ ‏ ‏عَصَمُوا ‏ ‏مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏زَادَ اِبْن عَسَاكِر \" الْمُسْنَدِيّ \" وَهُوَ بِفَتْحِ النُّون كَمَا مَضَى , قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَوْح هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء. ‏ ‏قَوْله : ( الْحَرَمِيّ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ , وَلِلْأَصِيلِيِّ حَرَمِيّ , وَهُوَ اِسْم بِلَفْظِ النَّسَب تُثْبَت فِيهِ الْأَلِف وَاللَّام وَتُحْذَف , مِثْل مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم الْآتِي بَعْد , وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : أَبُو رَوْح كُنْيَته , وَاسْمه ثَابِت وَالْحَرَمِيّ نِسْبَته , كَذَا قَالَ. وَهُوَ خَطَأ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا فِي جَعْله اِسْمه نِسْبَته , وَالثَّانِي فِي جَعْله اِسْم جَدّه اِسْمه , وَذَلِكَ أَنَّهُ حَرَمِيّ بْن عُمَارَة بْن أَبِي حَفْصَة وَاسْم أَبِي حَفْصَة نَابِت , وَكَأَنَّهُ رَأَى فِي كَلَام بَعْضهمْ وَاسْمه نَابِت فَظَنَّ أَنَّ الضَّمِير يَعُود عَلَى حَرَمِيّ لِأَنَّهُ الْمُتَحَدَّث عَنْهُ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الضَّمِير يَعُود عَلَى أَبِي حَفْصَة لِأَنَّهُ الْأَقْرَب , وَأَكَّدَ ذَلِكَ عِنْده وُرُوده فِي هَذَا السَّنَد \" الْحَرَمِيّ \" بِالْأَلِفِ وَاللَّام وَلَيْسَ هُوَ مَنْسُوبًا إِلَى الْحَرَم بِحَالٍ لِأَنَّهُ بَصْرِيّ الْأَصْل وَالْمَوْلِد وَالْمَنْشَأ وَالْمَسْكَن وَالْوَفَاة. وَلَمْ يَضْبِط نَابِتًا كَعَادَتِهِ وَكَأَنَّهُ ظَنَّهُ بِالْمُثَلَّثَةِ كَالْجَادَّةِ وَالصَّحِيح أَنَّ أَوَّله نُون. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ وَاقِد بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏زَادَ الْأَصِيلِيّ : يَعْنِي اِبْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر فَهُوَ مِنْ رِوَايَة الْأَبْنَاء عَنْ الْآبَاء , وَهُوَ كَثِير لَكِنَّ رِوَايَة الشَّخْص عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَقَلّ , وَوَاقِد هُنَا رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّ أَبِيهِ , وَهَذَا الْحَدِيث غَرِيب الْإِسْنَاد تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ شُعْبَة عَنْ وَاقِد قَالَهُ اِبْن حِبَّانَ , وَهُوَ عَنْ شُعْبَة عَزِيز تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ عَنْهُ حَرَمِيّ هَذَا وَعَبْد الْمَلِك بْن الصَّبَّاح , وَهُوَ عَزِيز عَنْ حَرَمِيّ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ الْمُسْنَدِيّ وَإِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرْعَرَة , وَمِنْ جِهَة إِبْرَاهِيم أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة وَابْن حِبَّانَ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْرهمْ. وَهُوَ غَرِيب عَنْ عَبْد الْمَلِك تَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ أَبُو غَسَّان مَالِك بْن عَبْد الْوَاحِد شَيْخ مُسْلِم , فَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى الْحُكْم بِصِحَّتِهِ مَعَ غَرَابَته , وَلَيْسَ هُوَ فِي مُسْنَد أَحْمَد عَلَى سَعَته. وَقَدْ اِسْتَبْعَدَ قَوْم صِحَّته بِأَنَّ الْحَدِيث لَوْ كَانَ عِنْد اِبْن عُمَر لَمَا تَرَكَ أَبَاهُ يُنَازِع أَبَا بَكْر فِي قِتَال مَانِعِي الزَّكَاة , وَلَوْ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ لَمَا كَانَ أَبُو بَكْر يُقِرّ عُمَر عَلَى الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام \" أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" , وَيَنْتَقِل عَنْ الِاسْتِدْلَال بِهَذَا النَّصّ إِلَى الْقِيَاس إِذْ قَالَ : لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْن الصَّلَاة وَالزَّكَاة ; لِأَنَّهَا قَرِينَتهَا فِي كِتَاب اللَّه. وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الْحَدِيث الْمَذْكُور عِنْد اِبْن عُمَر أَنْ يَكُون اِسْتَحْضَرَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة , وَلَوْ كَانَ مُسْتَحْضِرًا لَهُ فَقَدْ يُحْتَمَل أَنْ لَا يَكُون حَضَرَ الْمُنَاظَرَة الْمَذْكُورَة , وَلَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُون ذَكَرَهُ لَهُمَا بَعْد , وَلَمْ يَسْتَدِلّ أَبُو بَكْر فِي قِتَال مَانِعِي الزَّكَاة بِالْقِيَاسِ فَقَطْ , بَلْ أَخَذَهُ أَيْضًا مِنْ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ \" إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَام \" , قَالَ أَبُو بَكْر : وَالزَّكَاة حَقّ الْإِسْلَام. وَلَمْ يَنْفَرِد اِبْن عُمَر بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور. بَلْ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة أَيْضًا بِزِيَادَةِ الصَّلَاة وَالزَّكَاة فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي كِتَاب الزَّكَاة. ‏ ‏وَفِي الْقِصَّة دَلِيل عَلَى أَنَّ السُّنَّة قَدْ تَخْفَى عَلَى بَعْض أَكَابِر الصَّحَابَة وَيَطَّلِع عَلَيْهَا آحَادهمْ , وَلِهَذَا لَا يُلْتَفَت إِلَى الْآرَاء وَلَوْ قَوِيَتْ مَعَ وُجُود سُنَّة تُخَالِفهَا , وَلَا يُقَال كَيْفَ خَفِيَ ذَا عَلَى فُلَان ؟ وَاَللَّه الْمُوَفِّق. ‏ ‏قَوْله : ( أُمِرْت ) ‏ ‏أَيْ : أَمَرَنِي اللَّه ; لِأَنَّهُ لَا آمِر لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا اللَّه , وَقِيَاسه فِي الصَّحَابِيّ إِذَا قَالَ أُمِرْت فَالْمَعْنَى أَمَرَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا يُحْتَمَل أَنْ يُرِيد أَمَرَنِي صَحَابِيّ آخَر لِأَنَّهُمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ لَا يَحْتَجُّونَ بِأَمْر مُجْتَهِد آخَر , وَإِذَا قَالَهُ التَّابِعِيّ اُحْتُمِلَ. وَالْحَاصِل أَنَّ مَنْ اِشْتَهَرَ بِطَاعَةِ رَئِيس إِذَا قَالَ ذَلِكَ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْآمِر لَهُ هُوَ ذَلِكَ الرَّئِيس. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ أُقَاتِل ) ‏ ‏أَيْ : بِأَنْ أُقَاتِل , وَحَذْف الْجَارّ مِنْ \" أَنْ \" كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَشْهَدُوا ) ‏ ‏جُعِلَتْ غَايَة الْمُقَاتَلَة وُجُود مَا ذُكِرَ , فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ وَأَقَامَ وَآتَى عُصِمَ دَمه وَلَوْ جَحَدَ بَاقِيَ الْأَحْكَام , وَالْجَوَاب أَنَّ الشَّهَادَة بِالرِّسَالَةِ تَتَضَمَّن التَّصْدِيق بِمَا جَاءَ بِهِ , مَعَ أَنَّ نَصّ الْحَدِيث وَهُوَ قَوْله \" إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَام \" يَدْخُل فِيهِ جَمِيع ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَمْ يَكْتَفِ بِهِ وَنَصَّ عَلَى الصَّلَاة وَالزَّكَاة ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ لِعِظَمِهِمَا وَالِاهْتِمَام بِأَمْرِهِمَا ; لِأَنَّهُمَا إِمَّا الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة وَالْمَالِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُقِيمُوا الصَّلَاة ) ‏ ‏أَيْ : يُدَاوِمُوا عَلَى الْإِتْيَان بِهَا بِشُرُوطِهَا , مِنْ قَامَتْ السُّوق إِذَا نَفَقَتْ , وَقَامَتْ الْحَرْب إِذَا اِشْتَدَّ الْقِتَال. أَوْ الْمُرَاد بِالْقِيَامِ الْأَدَاء - تَعْبِيرًا عَنْ الْكُلّ بِالْجُزْءِ - إِذْ الْقِيَام بَعْض أَرْكَانهَا. وَالْمُرَاد بِالصَّلَاةِ الْمَفْرُوض مِنْهَا , لَا جِنْسهَا , فَلَا تَدْخُل سَجْدَة التِّلَاوَة مَثَلًا وَإِنْ صَدَقَ اِسْم الصَّلَاة عَلَيْهَا. وَقَالَ الشَّيْخ مُحْيِي الدِّين النَّوَوِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث : إِنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاة عَمْدًا يُقْتَل. ثُمَّ ذَكَرَ اِخْتِلَاف الْمَذَاهِب فِي ذَلِكَ. وَسُئِلَ الْكَرْمَانِيّ هُنَا عَنْ حُكْم تَارِك الزَّكَاة , وَأَجَابَ بِأَنَّ حُكْمهمَا وَاحِد لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْغَايَة , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ فِي الْمُقَاتَلَة , أَمَّا فِي الْقَتْل فَلَا. وَالْفَرْق أَنَّ الْمُمْتَنِع مِنْ إِيتَاء الزَّكَاة يُمْكِن أَنْ تُؤْخَذ مِنْهُ قَهْرًا , بِخِلَافِ الصَّلَاة , فَإِنْ اِنْتَهَى إِلَى نَصْب الْقِتَال لِيَمْنَع الزَّكَاة قُوتِلَ , وَبِهَذِهِ الصُّورَة قَاتَلَ الصِّدِّيق مَانِعِي الزَّكَاة , وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ قَتَلَ أَحَدًا مِنْهُمْ صَبْرًا. وَعَلَى هَذَا فَفِي الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى قَتْل تَارِك الصَّلَاة نَظَر ; لِلْفَرْقِ بَيْن صِيغَة أُقَاتِل وَأَقْتُل. وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ أَطْنَبَ اِبْن دَقِيق الْعِيد فِي شَرْح الْعُمْدَة فِي الْإِنْكَار عَلَى مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ : لَا يَلْزَم مِنْ إِبَاحَة الْمُقَاتَلَة إِبَاحَة الْقَتْل لِأَنَّ الْمُقَاتَلَة مُفَاعَلَة تَسْتَلْزِم وُقُوع الْقِتَال مِنْ الْجَانِبَيْنِ , وَلَا كَذَلِكَ الْقَتْل. وَحَكَى الْبَيْهَقِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ الْقِتَال مِنْ الْقَتْل بِسَبِيلٍ , قَدْ يَحِلّ قِتَال الرَّجُل وَلَا يَحِلّ قَتْله. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ ) ‏ ‏فِيهِ التَّعْبِير بِالْفِعْلِ عَمَّا بَعْضه قَوْل , إِمَّا عَلَى سَبِيل التَّغْلِيب , وَإِمَّا عَلَى إِرَادَة الْمَعْنَى الْأَعَمّ , إِذْ الْقَوْل فِعْل اللِّسَان. ‏ ‏قَوْله : ( عَصَمُوا ) ‏ ‏أَيْ : مَنَعُوا , وَأَصْل الْعِصْمَة مِنْ الْعِصَام وَهُوَ الْخَيْط الَّذِي يُشَدّ بِهِ فَم الْقِرْبَة لِيَمْنَع سَيَلَان الْمَاء. ‏ ‏قَوْله : ( وَحِسَابهمْ عَلَى اللَّه ) ‏ ‏أَيْ : فِي أَمْر سَرَائِرهمْ , وَلَفْظَة \" عَلَى \" مُشْعِرَة بِالْإِيجَابِ , وَظَاهِرهَا غَيْر مُرَاد , فَإِمَّا أَنْ تَكُون بِمَعْنَى اللَّام أَوْ عَلَى سَبِيل التَّشْبِيه , أَيْ : هُوَ كَالْوَاجِبِ عَلَى اللَّه فِي تَحَقُّق الْوُقُوع. وَفِيهِ دَلِيل عَلَى قَبُول الْأَعْمَال الظَّاهِرَة وَالْحُكْم بِمَا يَقْتَضِيه الظَّاهِر , وَالِاكْتِفَاء فِي قَبُول الْإِيمَان بِالِاعْتِقَادِ الْجَازِم خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَ تَعَلُّم الْأَدِلَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ. وَيُؤْخَذ مِنْهُ تَرْك تَكْفِير أَهْل الْبِدَع الْمُقِرِّينَ بِالتَّوْحِيدِ الْمُلْتَزِمِينَ لِلشَّرَائِعِ , وَقَبُول تَوْبَة الْكَافِر مِنْ كُفْره , مِنْ غَيْر تَفْصِيل بَيْن كُفْر ظَاهِر أَوْ بَاطِن. فَإِنْ قِيلَ : مُقْتَضَى الْحَدِيث قِتَال كُلّ مَنْ اِمْتَنَعَ مِنْ التَّوْحِيد , فَكَيْفَ تُرِكَ قِتَال مُؤَدِّي الْجِزْيَة وَالْمُعَاهَد ؟ فَالْجَوَاب مِنْ أَوْجُه , أَحَدهَا : دَعْوَى النَّسْخ بِأَنْ يَكُون الْإِذْن بِأَخْذِ الْجِزْيَة وَالْمُعَاهَدَة مُتَأَخِّرًا عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث , بِدَلِيلِ أَنَّهُ مُتَأَخِّر عَنْ قَوْله تَعَالَى ( اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ). ‏ ‏ثَانِيهَا : أَنْ يَكُون مِنْ الْعَامّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْض ; لِأَنَّ الْمَقْصُود مِنْ الْأَمْر حُصُول الْمَطْلُوب , فَإِذَا تَخَلَّفَ الْبَعْض لِدَلِيلٍ لَمْ يَقْدَح فِي الْعُمُوم. ‏ ‏ثَالِثهَا : أَنْ يَكُون مِنْ الْعَامّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصّ , فَيَكُون الْمُرَاد بِالنَّاسِ فِي قَوْله \" أُقَاتِل النَّاس \" أَيْ : الْمُشْرِكِينَ مِنْ غَيْر أَهْل الْكِتَاب , وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة النَّسَائِيّ بِلَفْظِ \" أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل الْمُشْرِكِينَ \". فَإِنْ قِيلَ : إِذَا تَمَّ هَذَا فِي أَهْل الْجِزْيَة لَمْ يَتِمّ فِي الْمُعَاهَدِينَ وَلَا فِيمَنْ مَنَعَ الْجِزْيَة , أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُمْتَنِع فِي تَرْك الْمُقَاتَلَة رَفْعهَا لَا تَأْخِيرهَا مُدَّة كَمَا فِي الْهُدْنَة , وَمُقَاتَلَة مَنْ اِمْتَنَعَ مِنْ أَدَاء الْجِزْيَة بِدَلِيلِ الْآيَة. ‏ ‏رَابِعهَا : أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِمَا ذُكِرَ مِنْ الشَّهَادَة وَغَيْرهَا التَّعْبِير عَنْ إِعْلَاء كَلِمَة اللَّه وَإِذْعَان الْمُخَالِفِينَ , فَيَحْصُل فِي بَعْض بِالْقَتْلِ وَفِي بَعْض بِالْجِزْيَةِ وَفِي بَعْض بِالْمُعَاهَدَةِ. ‏ ‏خَامِسهَا : أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْقِتَالِ هُوَ , أَوْ مَا يَقُوم مَقَامه , مِنْ جِزْيَة أَوْ غَيْرهَا. سَادِسهَا : أَنْ يُقَال الْغَرَض مِنْ ضَرْب الْجِزْيَة اِضْطِرَارهمْ إِلَى الْإِسْلَام , وَسَبَب السَّبَب سَبَب , فَكَأَنَّهُ قَالَ : حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يَلْتَزِمُوا مَا يُؤَدِّيهِمْ إِلَى الْإِسْلَام , وَهَذَا أَحْسَن , وَيَأْتِي فِيهِ مَا فِي الثَّالِث وَهُوَ آخِر الْأَجْوِبَة , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "25",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ ‏ ‏إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ حَجٌّ ‏ ‏مَبْرُورٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يُونُس ) ‏ ‏هُوَ أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس الْيَرْبُوعِيّ الْكُوفِيّ , نُسِبَ إِلَى جَدّه. ‏ ‏قَوْله : ( سُئِلَ ) ‏ ‏أَبْهَمَ السَّائِل , وَهُوَ أَبُو ذَرّ الْغِفَارِيّ , وَحَدِيثه فِي الْعِتْق. ‏ ‏قَوْله : ( قِيلَ ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : الْجِهَاد ) ‏ ‏وَفِي مُسْنَد الْحَارِث أَبِي أُسَامَة عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" ثُمَّ جِهَاد \" فَوَاخَى بَيْن الثَّلَاثَة فِي التَّنْكِير , بِخِلَافِ مَا عِنْد الْمُصَنِّف. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : الْإِيمَان لَا يَتَكَرَّر كَالْحَجِّ , وَالْجِهَاد قَدْ يَتَكَرَّر , فَالتَّنْوِين لِلْإِفْرَادِ الشَّخْصِيّ , وَالتَّعْرِيف لِلْكَمَالِ. إِذْ الْجِهَاد لَوْ أَتَى بِهِ مَرَّة مَعَ الِاحْتِيَاج إِلَى التَّكْرَار لَمَا كَانَ أَفْضَل. وَتُعُقِّبَ عَلَيْهِ بِأَنَّ التَّنْكِير مِنْ جُمْلَة وُجُوهه التَّعْظِيم , وَهُوَ يُعْطِي الْكَمَال. وَبِأَنَّ التَّعْرِيف مِنْ جُمْلَة وُجُوهه الْعَهْد , وَهُوَ يُعْطِي الْإِفْرَاد الشَّخْصِيّ , فَلَا يُسَلَّم الْفَرْق. قُلْت : وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ رِوَايَة الْحَارِث الَّتِي ذَكَرْتهَا أَنَّ التَّنْكِير وَالتَّعْرِيف فِيهِ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة ; لِأَنَّ مَخْرَجه وَاحِد , فَالْإِطَالَة فِي طَلَب الْفَرْق فِي مِثْل هَذَا غَيْر طَائِلَة , وَاَللَّه الْمُوَفِّق. ‏ ‏قَوْله : ( حَجّ مَبْرُور ) ‏ ‏أَيْ مَقْبُول وَمِنْهُ بَرَّ حَجّك , وَقِيلَ الْمَبْرُور الَّذِي لَا يُخَالِطهُ إِثْم , وَقِيلَ الَّذِي لَا رِيَاء فِيهِ. ‏ ‏( فَائِدَة ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ : ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيث الْجِهَاد بَعْد الْإِيمَان , وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ لَمْ يَذْكُر الْحَجّ وَذَكَرَ الْعِتْق , وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود بَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ الْبِرّ ثُمَّ الْجِهَاد , وَفِي الْحَدِيث الْمُتَقَدِّم ذَكَرَ السَّلَامَة مِنْ الْيَد وَاللِّسَان. قَالَ الْعُلَمَاء : اِخْتِلَاف الْأَجْوِبَة فِي ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال , وَاحْتِيَاج الْمُخَاطَبِينَ , وَذَكَرَ مَا لَمْ يَعْلَمهُ السَّائِل وَالسَّامِعُونَ وَتَرَكَ مَا عَلِمُوهُ , وَيُمْكِن أَنْ يُقَال : إِنَّ لَفْظَة \" مِنْ \" مُرَادَة كَمَا يُقَال فُلَان أَعْقَل النَّاس وَالْمُرَاد مِنْ أَعْقَلهمْ , وَمِنْهُ حَدِيث \" خَيْركُمْ خَيْركُمْ لِأَهْلِهِ \" وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّهُ لَا يَصِير بِذَلِكَ خَيْر النَّاس , فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَدَّمَ الْجِهَاد وَلَيْسَ بِرُكْنٍ عَلَى الْحَجّ وَهُوَ رُكْن ؟ فَالْجَوَاب : أَنَّ نَفْع الْحَجّ قَاصِر غَالِبًا , وَنَفْع الْجِهَاد مُتَعَدٍّ غَالِبًا , أَوْ كَانَ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ الْجِهَاد فَرْض عَيْن - وَوُقُوعه فَرْض عَيْن إِذْ ذَاكَ مُتَكَرِّر - فَكَانَ أَهَمَّ مِنْهُ فَقُدِّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "26",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْطَى ‏ ‏رَهْطًا ‏ ‏وَسَعْدٌ ‏ ‏جَالِسٌ فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلًا هُوَ ‏ ‏أَعْجَبُهُمْ ‏ ‏إِلَيَّ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا فَقَالَ أَوْ مُسْلِمًا فَسَكَتُّ قَلِيلًا ثُمَّ ‏ ‏غَلَبَنِي ‏ ‏مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي فَقُلْتُ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا فَقَالَ أَوْ مُسْلِمًا ثُمَّ ‏ ‏غَلَبَنِي ‏ ‏مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏سَعْدُ ‏ ‏إِنِّي ‏ ‏لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ ‏ ‏يَكُبَّهُ ‏ ‏اللَّهُ فِي النَّارِ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَصَالِحٌ ‏ ‏وَمَعْمَرٌ ‏ ‏وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعْد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي وَقَّاص كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته , وَهُوَ وَالِد عَامِر الرَّاوِي عَنْهُ , كَمَا وَقَعَ فِي الزَّكَاة عِنْد الْمُصَنِّف مِنْ رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ قَالَ فِيهَا \" عَنْ عَامِر بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ \" وَاسْم أَبِي وَقَّاص مَالِك , وَسَيَأْتِي تَمَام نَسَبه فِي مَنَاقِب سَعْد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَعْطَى رَهْطًا ) ‏ ‏الرَّهْط عَدَد مِنْ الرِّجَال مِنْ ثَلَاثَة إِلَى عَشَرَة , قَالَ الْقَزَّاز : وَرُبَّمَا جَاوَزُوا ذَلِكَ قَلِيلًا , وَلَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه , وَرَهْط الرَّجُل بَنُو أَبِيهِ الْأَدْنَى , وَقِيلَ قَبِيلَته. وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي ذِئْب أَنَّهُ جَاءَهُ رَهْط فَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ فَتَرَكَ رَجُلًا مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَعْد جَالِس ) ‏ ‏فِيهِ تَجْرِيد , وَقَوْله \" أَعْجَبهُمْ إِلَيَّ \" فِيهِ اِلْتِفَات , وَلَفْظه فِي الزَّكَاة \" أَعْطَى رَهْطًا وَأَنَا جَالِس \" فَسَاقَهُ بِلَا تَجْرِيد وَلَا اِلْتِفَات , وَزَادَ فِيهِ \" فَقُمْت إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَارَرْته \". ‏ ‏وَغَفَلَ بَعْضهمْ فَعَزَا هَذِهِ الزِّيَادَة إِلَى مُسْلِم فَقَطْ , وَالرَّجُل الْمَتْرُوك اِسْمه جُعَيْل بْن سُرَاقَة الضَّمْرِيّ , سَمَّاهُ الْوَاقِدِيّ فِي الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( مَا لَك عَنْ فُلَان ) ‏ ‏يَعْنِي أَيّ سَبَب لِعُدُولِك عَنْهُ إِلَى غَيْره ؟ وَلَفْظ فُلَان كِنَايَة عَنْ اِسْم أُبْهِمَ بَعْد أَنْ ذُكِرَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَاَللَّهِ ) ‏ ‏فِيهِ الْقَسَم فِي الْإِخْبَار عَلَى سَبِيل التَّأْكِيد. ‏ ‏قَوْله : ( لَأَرَاهُ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَتنَا مِنْ طَرِيق أَبِي ذَرّ وَغَيْره بِضَمِّ الْهَمْزَة هُنَا وَفِي الزَّكَاة , وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره. وَقَالَ الشَّيْخ مُحْيِي الدِّين رَحِمَهُ اللَّه : بَلْ هُوَ بِفَتْحِهَا أَيْ أَعْلَمهُ , وَلَا يَجُوز ضَمّهَا فَيَصِير بِمَعْنَى أَظُنّهُ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْد ذَلِكَ : غَلَبَنِي مَا أَعْلَم مِنْهُ ا ه. وَلَا دَلَالَة فِيمَا ذُكِرَ عَلَى تَعَيُّن الْفَتْح لِجَوَازِ إِطْلَاق الْعِلْم عَلَى الظَّنّ الْغَالِب , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَات ) , سَلَّمْنَا لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ إِطْلَاق الْعِلْم أَنْ لَا تَكُون مُقَدِّمَاته ظَنِّيَّة فَيَكُون نَظَرِيًّا لَا يَقِينِيًّا وَهُوَ الْمُمْكِن هُنَا , وَبِهَذَا جَزَمَ صَاحِب الْمُفْهِم فِي شَرْح مُسْلِم فَقَالَ : الرِّوَايَة بِضَمِّ الْهَمْزَة , وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ جَوَاز الْحَلِف عَلَى غَلَبَة الظَّنّ ; لِأَنَّ النَّبِيّ مَا نَهَاهُ عَنْ الْحَلِف , كَذَا قَالَ , وَفِيهِ نَظَر لَا يَخْفَى ; لِأَنَّهُ أَقْسَمَ عَلَى وِجْدَان الظَّنّ وَهُوَ كَذَلِكَ , وَلَمْ يُقْسِم عَلَى الْأَمْر الْمَظْنُون كَمَا ظُنَّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : أَوْ مُسْلِمًا ) ‏ ‏هُوَ بِإِسْكَانِ الْوَاو لَا بِفَتْحِهَا , فَقِيلَ هِيَ لِلتَّنْوِيعِ , وَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ لِلتَّشْرِيكِ , وَأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَقُولهُمَا مَعًا لِأَنَّهُ أَحْوَط , وَيَرُدّ هَذَا رِوَايَة اِبْن الْأَعْرَابِيّ فِي مُعْجَمه فِي هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ \" لَا تَقُلْ مُؤْمِن بَلْ مُسْلِم \" فَوَضَحَ أَنَّهَا لِلْإِضْرَابِ , وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْإِنْكَار بَلْ الْمَعْنَى أَنَّ إِطْلَاق الْمُسْلِم عَلَى مَنْ لَمْ يُخْتَبَر حَاله الْخِبْرَة الْبَاطِنَة أَوْلَى مِنْ إِطْلَاق الْمُؤْمِن ; لِأَنَّ الْإِسْلَام مَعْلُوم بِحُكْمِ الظَّاهِر , قَالَهُ الشَّيْخ مُحْيِي الدِّين مُلَخَّصًا. وَتَعَقَّبَهُ الْكَرْمَانِيّ بِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ أَنْ لَا يَكُون الْحَدِيث دَالًّا عَلَى مَا عُقِدَ لَهُ الْبَاب , وَلَا يَكُون لِرَدِّ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَعْد فَائِدَة. وَهُوَ تَعَقُّب مَرْدُود , وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْه الْمُطَابَقَة بَيْن الْحَدِيث وَالتَّرْجَمَة قَبْل , وَمُحَصَّل الْقِصَّة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوسِع الْعَطَاء لِمَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَام تَأَلُّفًا , فَلَمَّا أَعْطَى الرَّهْط وَهُمْ مِنْ الْمُؤَلَّفَة وَتَرَكَ جُعَيْلًا وَهُوَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ أَنَّ الْجَمِيع سَأَلُوهُ , خَاطَبَهُ سَعْد فِي أَمْره لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ جُعَيْلًا أَحَقّ مِنْهُمْ لِمَا اِخْتَبَرَهُ مِنْهُ دُونهمْ , وَلِهَذَا رَاجَعَ فِيهِ أَكْثَر مِنْ مَرَّة , فَأَرْشَدَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَمْرَيْنِ : أَحَدهمَا : إِعْلَامه بِالْحِكْمَةِ فِي إِعْطَاء أُولَئِكَ وَحِرْمَان جُعَيْل مَعَ كَوْنه أَحَبّ إِلَيْهِ مِمَّنْ أَعْطَى ; لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ إِعْطَاء الْمُؤَلَّف لَمْ يُؤْمَن اِرْتِدَاده فَيَكُون مِنْ أَهْل النَّار , ‏ ‏ثَانِيهمَا إِرْشَاده إِلَى التَّوَقُّف عَنْ الثَّنَاء بِالْأَمْرِ الْبَاطِن دُون الثَّنَاء بِالْأَمْرِ الظَّاهِر , فَوَضَحَ بِهَذَا فَائِدَة رَدّ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَعْد , وَأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِم مَحْض الْإِنْكَار عَلَيْهِ , بَلْ كَانَ أَحَد الْجَوَابَيْنِ عَلَى طَرِيق الْمَشُورَة بِالْأَوْلَى , وَالْآخَر عَلَى طَرِيق الِاعْتِذَار. فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ لَمْ تُقْبَل شَهَادَة سَعْد لِجُعَيْل بِالْإِيمَانِ , وَلَوْ شَهِدَ لَهُ بِالْعَدَالَةِ لَقُبِلَ مِنْهُ وَهِيَ تَسْتَلْزِم الْإِيمَان ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ كَلَام سَعْد لَمْ يَخْرُج مَخْرَج الشَّهَادَة وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَج الْمَدْح لَهُ وَالتَّوَسُّل فِي الطَّلَب لِأَجْلِهِ , فَلِهَذَا نُوقِشَ فِي لَفْظه , حَتَّى وَلَوْ كَانَ بِلَفْظِ الشَّهَادَة لَمَا اِسْتَلْزَمَتْ الْمَشُورَة عَلَيْهِ بِالْأَمْرِ الْأَوْلَى رَدّ شَهَادَته , بَلْ السِّيَاق يُرْشِد إِلَى أَنَّهُ قَبِلَ قَوْله فِيهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ اِعْتَذَرَ إِلَيْهِ. وَرَوَيْنَا فِي مُسْنَد مُحَمَّد بْن هَارُون الرُّويَانِيّ وَغَيْره بِإِسْنَادٍ صَحِيح إِلَى أَبِي سَالِم الْجَيْشَانِيّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : كَيْف تَرَى جُعَيْلًا ؟ قَالَ قُلْت : كَشَكْلِهِ مِنْ النَّاس , يَعْنِي الْمُهَاجِرِينَ. قَالَ : فَكَيْف تَرَى فُلَانًا ؟ قَالَ قُلْت : سَيِّد مِنْ سَادَات النَّاس. قَالَ : فَجُعَيْل خَيْر مِنْ مِلْء الْأَرْض مِنْ فُلَان. قَالَ قُلْت : فَفُلَان هَكَذَا وَأَنْتَ تَصْنَع بِهِ مَا تَصْنَع , قَالَ : إِنَّهُ رَأْس قَوْمه , فَأَنَا أَتَأَلَّفهُمْ بِهِ. فَهَذِهِ مَنْزِلَة جُعَيْل الْمَذْكُور عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَرَى , فَظَهَرَتْ بِهَذَا الْحِكْمَة فِي حِرْمَانه وَإِعْطَاء غَيْره , وَأَنَّ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيف كَمَا قَرَّرْنَاهُ. وَفِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد التَّفْرِقَة بَيْن حَقِيقَتَيْ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام , وَتَرْك الْقَطْع بِالْإِيمَانِ الْكَامِل لِمَنْ لَمْ يَنُصّ عَلَيْهِ , وَأَمَّا مَنْع الْقَطْع بِالْجَنَّةِ فَلَا يُؤْخَذ مِنْ هَذَا صَرِيحًا وَإِنْ تَعَرَّضَ لَهُ بَعْض الشَّارِحِينَ. نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَثْبُت فِيهِ النَّصّ , وَفِيهِ الرَّدّ عَلَى غُلَاة الْمُرْجِئَة فِي اِكْتِفَائِهِمْ فِي الْإِيمَان بِنُطْقِ اللِّسَان. وَفِيهِ جَوَاز تَصَرُّف الْإِمَام فِي مَال الْمَصَالِح وَتَقْدِيم الْأَهَمّ فَالْأَهَمّ وَإِنْ خَفِيَ وَجْه ذَلِكَ عَلَى بَعْض الرَّعِيَّة. وَفِيهِ جَوَاز الشَّفَاعَة عِنْد الْإِمَام فِيمَا يَعْتَقِد الشَّافِع جَوَازه , وَتَنْبِيه الصَّغِير لِلْكَبِيرِ عَلَى مَا يَظُنّ أَنَّهُ ذَهِلَ عَنْهُ , وَمُرَاجَعَة الْمَشْفُوع إِلَيْهِ فِي الْأَمْر إِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى مَفْسَدَة , وَأَنَّ الْإِسْرَار بِالنَّصِيحَةِ أَوْلَى مِنْ الْإِعْلَان كَمَا سَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي كِتَاب الزَّكَاة \" فَقُمْت إِلَيْهِ فَسَارَرْته \" , وَقَدْ يَتَعَيَّن إِذَا جَرّ الْإِعْلَان إِلَى مَفْسَدَة. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِمَا يَعْتَقِدهُ الْمُشِير مَصْلَحَة لَا يُنْكَر عَلَيْهِ , بَلْ يُبَيَّن لَهُ وَجْه الصَّوَاب. وَفِيهِ الِاعْتِذَار إِلَى الشَّافِع إِذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَة فِي تَرْك إِجَابَته , وَأَنْ لَا عَيْب عَلَى الشَّافِع إِذَا رُدَّتْ شَفَاعَته لِذَلِكَ. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب تَرْك الْإِلْحَاح فِي السُّؤَال كَمَا اِسْتَنْبَطَهُ الْمُؤَلِّف مِنْهُ فِي الزَّكَاة , وَسَيَأْتِي تَقْرِيره هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُل ) ‏ ‏حُذِفَ الْمَفْعُول الثَّانِي لِلتَّعْمِيمِ , أَيْ : أَيّ عَطَاء كَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَعْجَب إِلَيَّ ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَحَبّ \" وَكَذَا لِأَكْثَر الرُّوَاة. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ بَعْد قَوْله أَحَبّ إِلَيَّ مِنْهُ \" وَمَا أُعْطِيه إِلَّا مَخَافَة أَنْ يَكُبّهُ اللَّه \" إِلَخْ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق مَعْمَر \" إِنِّي أُعْطِي رِجَالًا , وَأَدَع مَنْ هُوَ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْهُمْ لَا أُعْطِيه شَيْئًا , مَخَافَة أَنْ يُكَبُّوا فِي النَّار عَلَى وُجُوههمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَكُبّهُ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّ الْكَاف يُقَال : أَكَبَّ الرَّجُل إِذَا أَطْرَقَ , وَكَبَّهُ غَيْره إِذَا قَلَبَهُ , وَهَذَا عَلَى خِلَاف الْقِيَام لِأَنَّ الْفِعْل اللَّازِم يَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ وَهَذَا زِيدَتْ عَلَيْهِ الْهَمْزَة فَقُصِرَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّف هَذَا فِي كِتَاب الزَّكَاة فَقَالَ : يُقَال أَكَبَّ الرَّجُل إِذَا كَانَ فِعْله غَيْر وَاقِع عَلَى أَحَد , فَإِذَا وَقَعَ الْفِعْل قُلْت : كَبَّهُ وَكَبَبْته. وَجَاءَ نَظِير هَذَا فِي أَحْرُف يَسِيرَة مِنْهَا : أَنْسَلَ رِيش الطَّائِر وَنَسْلْته , وَأَنْزَفَتْ الْبِئْر وَنَزَفْتهَا , وَحَكَى اِبْن الْأَعْرَابِيّ فِي الْمُتَعَدِّي كَبَّهُ وَأَكَبَّهُ مَعًا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لَيْسَ فِيهِ إِعَادَة السُّؤَال ثَانِيًا وَلَا الْجَوَاب عَنْهُ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن وَهْب وَرَشْدِين بْن سَعْد جَمِيعًا عَنْ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ بِسَنَدٍ آخَر قَالَ : عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم. وَنَقَلَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ خَطَأ مِنْ رَاوِيه وَهُوَ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْهُمَا. ‏ ‏قَوْله ( وَرَوَاهُ يُونُس ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن يَزِيد الْأَيْلِيَّ , وَحَدِيثه مَوْصُول فِي كِتَاب الْإِيمَان لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عُمَر الزُّهْرِيّ الْمُلَقَّب رُسْتَهْ بِضَمِّ الرَّاء وَإِسْكَان السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ , وَقَبْل الْهَاء مُثَنَّاة مِنْ فَوْق مَفْتُوحَة , وَلَفْظه قَرِيب مِنْ سِيَاق الْكُشْمِيهَنِيّ , لَيْسَ فِيهِ إِعَادَة السُّؤَال ثَانِيًا وَلَا الْجَوَاب عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَصَالِح ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن كَيْسَانَ , وَحَدِيثه مَوْصُول عِنْد الْمُؤَلِّف فِي كِتَاب الزَّكَاة. وَفِيهِ مِنْ اللَّطَائِف رِوَايَة ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ بَعْضهمْ عَنْ بَعْض وَهُمْ صَالِح وَالزُّهْرِيّ وَعَامِر. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَعْمَر ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن رَاشِد , وَحَدِيثه عِنْد أَحْمَد بْن حَنْبَل وَالْحُمَيْدِيّ وَغَيْرهمَا عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ , وَقَالَ فِيهِ : إِنَّهُ أَعَادَ السُّؤَال ثَلَاثًا. وَرَوَاهُ مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيّ. وَوَقَعَ فِي إِسْنَاده وَهْم مِنْهُ أَوْ مِنْ شَيْخه ; لِأَنَّ مُعْظَم الرِّوَايَات فِي الْجَوَامِع وَالْمَسَانِيد عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ بِزِيَادَةِ مَعْمَر بَيْنهمَا , وَكَذَا حَدَّثَ بِهِ اِبْن أَبِي عُمَر شَيْخ مُسْلِم فِي مُسْنَده عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه مِنْ طَرِيقه , وَزَعَمَ أَبُو مَسْعُود فِي الْأَطْرَاف أَنَّ الْوَهْم مِنْ اِبْن أَبِي عُمَر , وَهُوَ مُحْتَمِل لِأَنْ يَكُون الْوَهْم صَدَرَ مِنْهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ مُسْلِمًا , لَكِنْ لَمْ يَتَعَيَّن الْوَهْم فِي جِهَته , وَحَمَلَهُ الشَّيْخ مُحْيِي الدِّين عَلَى أَنَّ اِبْن عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِهِ مَرَّة بِإِسْقَاطِ مَعْمَر وَمَرَّة بِإِثْبَاتِهِ , وَفِيهِ بُعْد ; لِأَنَّ الرِّوَايَات قَدْ تَضَافَرَتْ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ بِإِثْبَاتِ مَعْمَر , وَلَمْ يُوجَد بِإِسْقَاطِهِ إِلَّا عِنْد مُسْلِم , وَالْمَوْجُود فِي مُسْنَد شَيْخه بِلَا إِسْقَاط كَمَا قَدَّمْنَاهُ , وَقَدْ أَوْضَحْت ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ فِي كِتَابِي \" تَعْلِيق التَّعْلِيق \". وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر مِنْ الزِّيَادَة : قَالَ الزُّهْرِيّ : فَنَرَى أَنَّ الْإِسْلَام الْكَلِمَة , وَالْإِيمَان الْعَمَل. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ هَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى حَدِيث سُؤَال جِبْرِيل , فَإِنَّ ظَاهِره يُخَالِفهُ. وَيُمْكِن أَنْ يَكُون مُرَاد الزُّهْرِيّ أَنَّ الْمَرْء يُحْكَم بِإِسْلَامِهِ وَيُسَمَّى مُسْلِمًا إِذَا تَلَفَّظَ بِالْكَلِمَةِ - أَيْ : كَلِمَة الشَّهَادَة - وَأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُؤْمِنًا إِلَّا بِالْعَمَلِ , وَالْعَمَل يَشْمَل عَمَل الْقَلْب وَالْجَوَارِح , وَعَمَل الْجَوَارِح يَدُلّ عَلَى صِدْقه. وَأَمَّا الْإِسْلَام الْمَذْكُور فِي حَدِيث جِبْرِيل فَهُوَ الشَّرْعِيّ الْكَامِل الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْر الْإِسْلَام دِينًا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ ). ‏ ‏قَوْله : ( وَابْن أَخِي الزُّهْرِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورِينَ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيث عَنْ الزُّهْرِيّ بِإِسْنَادِهِ كَمَا رَوَاهُ شُعَيْب عَنْهُ , وَحَدِيث اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ مَوْصُول عِنْد مُسْلِم , وَسَاقَ فِيهِ السُّؤَال وَالْجَوَاب ثَلَاث مَرَّات , وَقَالَ فِي آخِره \" خَشْيَة أَنْ يُكَبّ \" عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ. وَفِي رِوَايَة اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ لَطِيفَة , وَهِيَ رِوَايَة أَرْبَعَة مِنْ بَنِي زُهْرَة عَلَى الْوِلَاء هُوَ وَعَمّه وَعَامِر وَأَبُوهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "27",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ ‏ ‏تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "28",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ ‏ ‏يَكْفُرْنَ ‏ ‏الْعَشِيرَ ‏ ‏وَيَكْفُرْنَ ‏ ‏الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "29",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ‏ ‏قَالَ لَقِيتُ ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏بِالرَّبَذَةِ ‏ ‏وَعَلَيْهِ ‏ ‏حُلَّةٌ ‏ ‏وَعَلَى غُلَامِهِ ‏ ‏حُلَّةٌ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ إِخْوَانُكُمْ ‏ ‏خَوَلُكُمْ ‏ ‏جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا ‏ ‏يَغْلِبُهُمْ ‏ ‏فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ وَاصِل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَيَّان , وَلِلْأَصِيلِيِّ هُوَ الْأَحْدَب ,وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْعِتْق حَدَّثَنَا وَاصِل الْأَحْدَب ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْمَعْرُور ) ‏ ‏وَفِي الْعِتْق : سَمِعْت الْمَعْرُور بْن سُوَيْدٍ , وَهُوَ بِمُهْمَلَاتٍ سَاكِن الْعَيْن. ‏ ‏قَوْله ( بِالرَّبَذَةِ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَالْمُوَحَّدَة وَالْمُعْجَمَة : مَوْضِع بِالْبَادِيَةِ , بَيْنه وَبَيْن الْمَدِينَة ثَلَاث مَرَاحِل. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَلَيْهِ حُلَّة وَعَلَى غُلَامه حُلَّة ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَر أَصْحَاب شُعْبَة عَنْهُ , لَكِنْ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُعَاذ عَنْ شُعْبَة \" أَتَيْت أَبَا ذَرّ , فَإِذَا حُلَّة عَلَيْهِ مِنْهَا ثَوْب وَعَلَى عَبْده مِنْهَا ثَوْب \" وَهَذَا يُوَافِق مَا فِي اللُّغَة أَنَّ الْحُلَّة ثَوْبَانِ مِنْ جِنْس وَاحِد , وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ الْمَعْرُور عِنْد الْمُؤَلِّف فِي الْأَدَب بِلَفْظِ \" رَأَيْت عَلَيْهِ بُرْدًا وَعَلَى غُلَامه بُرْدًا فَقُلْت : لَوْ أَخَذْت هَذَا فَلَبِسْته كَانَتْ حُلَّة \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقُلْنَا : يَا أَبَا ذَرّ , لَوْ جَمَعْت بَيْنهمَا كَانَتْ حُلَّة \" وَلِأَبِي دَاوُدَ \" فَقَالَ الْقَوْم : يَا أَبَا ذَرّ , لَوْ أَخَذْت الَّذِي عَلَى غُلَامك فَجَعَلْته مَعَ الَّذِي عَلَيْك لَكَانَتْ حُلَّة \" فَهَذَا مُوَافِق لِقَوْلِ أَهْل اللُّغَة ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ يَصِيرَانِ بِالْجَمْعِ بَيْنهمَا حُلَّة , وَلَوْ كَانَ كَمَا فِي الْأَصْل عَلَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا حُلَّة لَكَانَ إِذَا جَمَعَهُمَا يَصِير عَلَيْهِ حُلَّتَانِ , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ بُرْد جَيِّد تَحْته ثَوْب خَلِق مِنْ جِنْسه وَعَلَى غُلَامه كَذَلِكَ , وَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : لَوْ أَخَذْت الْبُرْد الْجَيِّد فَأَضَفْته إِلَى الْبُرْد الْجَيِّد الَّذِي عَلَيْك وَأَعْطَيْت الْغُلَام الْبُرْد الْخَلِق بَدَله لَكَانَتْ حُلَّة جَيِّدَة , فَتَلْتَئِم بِذَلِكَ الرِّوَايَتَانِ , وَيُحْمَل قَوْله فِي حَدِيث الْأَعْمَش \" لَكَانَتْ حُلَّة \" أَيْ : كَامِلَة الْجَوْدَة , فَالتَّنْكِير فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ. وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ نَقَلَ بَعْض أَهْل اللُّغَة أَنَّ الْحُلَّة لَا تَكُون إِلَّا ثَوْبَيْنِ جَدِيدَيْنِ يَحُلّهُمَا مِنْ طَيّهمَا , فَأَفَادَ أَصْل تَسْمِيَة الْحُلَّة. وَغُلَام أَبِي ذَرّ الْمَذْكُور لَمْ يُسَمَّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبَا مُرَاوِح مَوْلَى أَبِي ذَرّ , وَحَدِيثه عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَذَكَرَ مُسْلِم فِي الْكُنَى أَنَّ اِسْمه سَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَأَلْته ) ‏ ‏أَيْ : عَنْ السَّبَب فِي إِلْبَاسه غُلَامه نَظِير لُبْسه ; لِأَنَّهُ عَلَى خِلَاف الْمَأْلُوف , فَأَجَابَهُ بِحِكَايَةِ الْقِصَّة الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا لِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( سَابَبْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" شَاتَمْت \" وَفِي الْأَدَب لِلْمُؤَلِّفِ \" كَانَ بَيْنِي وَبَيْن رَجُل كَلَام \" وَزَادَ مُسْلِم \" مِنْ إِخْوَانِي \" وَقِيلَ : إِنَّ الرَّجُل الْمَذْكُور هُوَ بِلَال الْمُؤَذِّن مَوْلَى أَبِي بَكْر , وَرَوَى ذَلِكَ الْوَلِيد بْنُ مُسْلِم مُنْقَطِعًا. وَمَعْنَى \" سَابَبْت \" وَقَعَ بَيْنِي وَبَيْنه سِبَاب بِالتَّخْفِيفِ , وَهُوَ مِنْ السَّبّ بِالتَّشْدِيدِ وَأَصْله الْقَطْع وَقِيلَ مَأْخُوذ مِنْ السَّبَّة وَهِيَ حَلْقَة الدُّبُر , سَمَّى الْفَاحِش مِنْ الْقَوْل بِالْفَاحِشِ مِنْ الْجَسَد , فَعَلَى الْأَوَّل الْمُرَاد قَطْع الْمَسْبُوب , وَعَلَى الثَّانِي الْمُرَاد كَشْف عَوْرَته لِأَنَّ مِنْ شَأْن السَّابّ إِبْدَاء عَوْرَة الْمَسْبُوب. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَيَّرْته بِأُمِّهِ ) ‏ ‏أَيْ : نَسَبْته إِلَى الْعَار , زَادَ فِي الْأَدَب \" وَكَانَتْ أُمّه أَعْجَمِيَّة فَنِلْت مِنْهَا \" وَفِي رِوَايَة \" قُلْت لَهُ يَا اِبْن السَّوْدَاء \" , وَالْأَعْجَمِيّ مَنْ لَا يُفْصِح بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ سَوَاء كَانَ عَرَبِيًّا أَوْ عَجَمِيًّا , وَالْفَاء فِي \" فَعَيَّرْته \" قِيلَ هِيَ تَفْسِيرِيَّة كَأَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ التَّعْيِير هُوَ السَّبّ , وَالظَّاهِر أَنَّهُ وَقَعَ بَيْنهمَا سِبَاب وَزَادَ عَلَيْهِ التَّعْيِير فَتَكُون عَاطِفَة , وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة مُسْلِم قَالَ \" أَعَيَّرْته بِأُمِّهِ ؟ فَقُلْت : مَنْ سَبَّ الرِّجَال سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمّه. قَالَ : إِنَّك اِمْرُؤٌ فِيك جَاهِلِيَّة \" أَيْ : خَصْلَة مِنْ خِصَال الْجَاهِلِيَّة. وَيَظْهَر لِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَبِي ذَرّ قَبْل أَنْ يَعْرِف تَحْرِيمه , فَكَانَتْ تِلْكَ الْخَصْلَة مِنْ خِصَال الْجَاهِلِيَّة بَاقِيَة عِنْده , فَلِهَذَا قَالَ كَمَا عِنْد الْمُؤَلِّف فِي الْأَدَب \" قُلْت : عَلَى سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَر السِّنّ ؟ قَالَ : نَعَمْ \" كَأَنَّهُ تَعَجَّبَ مِنْ خَفَاء ذَلِكَ عَلَيْهِ مَعَ كِبَر سِنّه , فَبَيَّنَ لَهُ كَوْن هَذِهِ الْخَصْلَة مَذْمُومَة شَرْعًا , وَكَانَ بَعْد ذَلِكَ يُسَاوِي غُلَامه فِي الْمَلْبُوس وَغَيْره أَخْذًا بِالْأَحْوَطِ , وَإِنْ كَانَ لَفْظ الْحَدِيث يَقْتَضِي اِشْتِرَاط الْمُوَاسَاة لَا الْمُسَاوَاة , وَسَنَذْكُرُ مَا يَتَعَلَّق بِبَقِيَّةِ ذَلِكَ فِي كِتَاب الْعِتْق حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي السِّيَاق دَلَالَة عَلَى جَوَاز تَعْدِيَة \" عَيَّرْته \" بِالْبَاءِ , وَقَدْ أَنْكَرَهُ اِبْن قُتَيْبَة وَتَبِعَهُ بَعْضهمْ , وَأَثْبَتَ آخَرُونَ أَنَّهَا لُغَة. وَقَدْ جَاءَ فِي سَبَب إِلْبَاس أَبِي ذَرّ غُلَامه مِثْل لُبْسه أَثَر مَرْفُوع أَصْرَح مِنْ هَذَا وَأَخَصّ , أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي غَالِب عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى أَبَا ذَرّ عَبْدًا فَقَالَ \" أَطْعِمْهُ مِمَّا تَأْكُل , وَأَلْبِسهُ مِمَّا تَلْبَس \" وَكَانَ لِأَبِي ذَرٍّ ثَوْب فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ , فَأَعْطَى الْغُلَام نِصْفه , فَرَآهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه \" أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ , وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ \" قَالَ : نَعَمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "30",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏وَيُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا ‏ ‏الرَّجُلَ ‏ ‏فَلَقِيَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرَةَ ‏ ‏فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قُلْتُ أَنْصُرُ هَذَا ‏ ‏الرَّجُلَ ‏ ‏قَالَ ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَيُّوب ) ‏ ‏هُوَ السَّخْتِيَانِيّ وَيُونُس هُوَ اِبْن عُبَيْد وَالْحَسَن هُوَ اِبْن أَبِي الْحَسَن الْبَصْرِيّ , وَالْأَحْنَف بْن قَيْس مُخَضْرَم وَقَدْ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنْ قَبْل إِسْلَامه , وَكَانَ رَئِيس بَنِي تَمِيم فِي الْإِسْلَام , وَبِهِ يُضْرَب الْمَثَل فِي الْحِلْم. وَقَوْله \" ذَهَبْت لِأَنْصُر هَذَا الرَّجُل \" يَعْنِي عَلِيًّا , كَذَا هُوَ فِي مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُؤَلِّف فِي الْفِتَن وَلَفْظه \" أُرِيد نُصْرَة اِبْن عَمّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته يَعْنِي عَلِيًّا. وَأَبُو بَكْرَة بِإِسْكَانِ الْكَاف هُوَ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور , وَكَانَ الْأَحْنَف أَرَادَ أَنْ يَخْرُج بِقَوْمِهِ إِلَى عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب لِيُقَاتِل مَعَهُ يَوْم الْجَمَل فَنَهَاهُ أَبُو بَكْرَة فَرَجَعَ , وَحَمَلَ أَبُو بَكْرَة الْحَدِيث عَلَى عُمُومه فِي كُلّ مُسْلِمَيْنِ اِلْتَقَيَا بِسَيْفَيْهِمَا حَسْمًا لِلْمَادَّةِ , وَإِلَّا فَالْحَقّ أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْقِتَال مِنْهُمَا بِغَيْرِ تَأْوِيل سَائِغ كَمَا قَدَّمْنَاهُ , وَيُخَصّ ذَلِكَ مِنْ عُمُوم الْحَدِيث الْمُتَقَدِّم بِدَلِيلِهِ الْخَاصّ فِي قِتَال أَهْل الْبَغْي , وَقَدْ رَجَعَ الْأَحْنَف عَنْ رَأْي أَبِي بَكْرَة فِي ذَلِكَ وَشَهِدَ مَعَ عَلِيّ بَاقِي حُرُوبه , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي بَكْرَة فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَرِجَال إِسْنَاده كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ , وَفِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض هُوَ أَيُّوب وَالْحَسَن وَالْأَحْنَف. ‏"
    },
    {
        "id": "31",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏ح ‏ ‏قَالَ ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ ‏ ‏يَلْبِسُوا ‏ ‏إِيمَانَهُمْ ‏ ‏بِظُلْمٍ ‏ } ‏قَالَ ‏ ‏أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد ) ‏ ‏هُوَ الطَّيَالِسِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي بِشْر ) ‏ ‏هُوَ فِي الرِّوَايَات الْمُصَحَّحَة بِوَاوِ الْعَطْف , وَفِي بَعْض النُّسَخ قَبْلهَا صُورَة ح , فَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْل التَّصْنِيف فَهِيَ مُهْمَلَة مَأْخُوذَة مِنْ التَّحْوِيل عَلَى الْمُخْتَار. وَإِنْ كَانَتْ مَزِيدَة مِنْ بَعْض الرُّوَاة فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مُهْمَلَة كَذَلِكَ أَوْ مُعْجَمَة مَأْخُوذَة مِنْ الْبُخَارِيّ لِأَنَّهَا رَمْزه , أَيْ : قَالَ الْبُخَارِيّ : وَحَدَّثَنِي بِشْر , وَهُوَ اِبْن خَالِد الْعَسْكَرِيّ وَشَيْخه مُحَمَّد هُوَ اِبْن جَعْفَر الْمَعْرُوف بِغُنْدَرٍ , وَهُوَ أَثْبَت النَّاس فِي شُعْبَة , وَلِهَذَا أَخْرَجَ الْمُؤَلِّف رِوَايَته مَعَ كَوْنه أَخْرَجَ الْحَدِيث عَالِيًا عَنْ أَبِي الْوَلِيد , وَاللَّفْظ الْمُسَاق هُنَا لَفْظ بِشْر , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنْهُ وَتَابَعَهُ اِبْن أَبِي عَدِيّ عَنْ شُعْبَة , وَهُوَ عِنْد الْمُؤَلِّف فِي تَفْسِير الْأَنْعَام , وَأَمَّا لَفْظ أَبِي الْوَلِيد فَسَاقَهُ الْمُؤَلِّف فِي قِصَّة لُقْمَان بِلَفْظِ \" أَيّنَا لَمْ يَلْبِس إِيمَانه بِظُلْمٍ \" وَزَادَ فِيهِ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه مِنْ طَرِيق سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْب عَنْ شُعْبَة بَعْد قَوْله : ( إِنَّ الشِّرْك لَظُلْم عَظِيم ) : فَطَابَتْ أَنْفُسنَا. وَاقْتَضَتْ رِوَايَة شُعْبَة هَذِهِ أَنَّ هَذَا السُّؤَال سَبَب نُزُول الْآيَة الْأُخْرَى الَّتِي فِي لُقْمَان , لَكِنْ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الْأَعْمَش وَهُوَ سُلَيْمَانُ الْمَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب. فَفِي رِوَايَة جَرِير عَنْهُ \" فَقَالُوا : أَيّنَا لَمْ يَلْبِس إِيمَانه بِظُلْمٍ ؟ فَقَالَ : لَيْسَ بِذَلِكَ , أَلَا تَسْمَعُونَ إِلَى قَوْل لُقْمَان \". وَفِي رِوَايَة وَكِيع عَنْهُ \" فَقَالَ لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ \". وَفِي رِوَايَة عِيسَى بْن يُونُس : \" إِنَّمَا هُوَ الشِّرْك , أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى مَا قَالَ لُقْمَان \". وَظَاهِر هَذَا أَنَّ الْآيَة الَّتِي فِي لُقْمَان كَانَتْ مَعْلُومَة عِنْدهمْ وَلِذَلِكَ نَبَّهَهُمْ عَلَيْهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون نُزُولهَا وَقَعَ فِي الْحَال فَتَلَاهَا عَلَيْهِمْ ثُمَّ نَبَّهَهُمْ فَتَلْتَئِم الرِّوَايَتَانِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانَ الشِّرْك عِنْد الصَّحَابَة أَكْبَر مِنْ أَنْ يُلَقَّب بِالظُّلْمِ , فَحَمَلُوا الظُّلْم فِي الْآيَة عَلَى مَا عَدَاهُ - يَعْنِي مِنْ الْمَعَاصِي - فَسَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة. كَذَا قَالَ , وَفِيهِ نَظَر , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُمْ حَمَلُوا الظُّلْم عَلَى عُمُومه , الشِّرْك فَمَا دُونه , وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه صَنِيع الْمُؤَلِّف. وَإِنَّمَا حَمَلُوهُ عَلَى الْعُمُوم لِأَنَّ قَوْله : ( بِظُلْمٍ ) نَكِرَة فِي سِيَاق النَّفْي ; لَكِنَّ عُمُومهَا هُنَا بِحَسَبِ الظَّاهِر. قَالَ الْمُحَقِّقُونَ : إِنْ دَخَلَ عَلَى النَّكِرَة فِي سِيَاق النَّفْي مَا يُؤَكِّد الْعُمُوم وَيُقَوِّيه نَحْو \" مِنْ \" فِي قَوْله : مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُل , أَفَادَ تَنْصِيص الْعُمُوم , وَإِلَّا فَالْعُمُوم مُسْتَفَاد بِحَسَبِ الظَّاهِر كَمَا فَهِمَهُ الصَّحَابَة مِنْ هَذِهِ الْآيَة , وَبَيَّنَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ظَاهِرهَا غَيْر مُرَاد , بَلْ هُوَ مِنْ الْعَامّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصّ , فَالْمُرَاد بِالظُّلْمِ أَعْلَى أَنْوَاعه وَهُوَ الشِّرْك. فَإِنْ قِيلَ : مِنْ أَيْنَ يَلْزَم أَنَّ مَنْ لَبَسَ الْإِيمَان بِظُلْمٍ لَا يَكُون آمِنًا وَلَا مُهْتَدِيًا حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِمْ , وَالسِّيَاق إِنَّمَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ لَمْ يُوجَد مِنْهُ الظُّلْم فَهُوَ آمِن وَمُهْتَدٍ , فَمَا الَّذِي دَلَّ عَلَى نَفْي ذَلِكَ عَمَّنْ وُجِدَ مِنْهُ الظُّلْم ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَفَاد مِنْ الْمَفْهُوم وَهُوَ مَفْهُوم الصِّفَة , أَوْ مُسْتَفَاد مِنْ الِاخْتِصَاص الْمُسْتَفَاد مِنْ تَقْدِيم \" لَهُمْ \" عَلَى الْأَمْن , أَيْ : لَهُمْ الْأَمْن لَا لِغَيْرِهِمْ , كَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ( إِيَّاكَ نَعْبُد ) وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ( كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَة هُوَ قَائِلهَا ) تَقْدِيم \" هُوَ \" عَلَى \" قَائِلهَا \" يُفِيد الِاخْتِصَاص , أَيْ : هُوَ قَائِلهَا لَا غَيْره , فَإِنْ قِيلَ : لَا يَلْزَم مِنْ قَوْله : ( إِنَّ الشِّرْك لَظُلْم عَظِيم ) أَنَّ غَيْر الشِّرْك لَا يَكُون ظُلْمًا. فَالْجَوَاب أَنَّ التَّنْوِين فِي قَوْله لَظُلْم لِلتَّعْظِيمِ , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ اِسْتِدْلَال الشَّارِع بِالْآيَةِ الثَّانِيَة , فَالتَّقْدِير لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانهمْ بِظُلْمٍ عَظِيم أَيْ بِشِرْكٍ , إِذْ لَا ظُلْم أَعْظَم مِنْهُ , وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا عِنْد الْمُؤَلِّف فِي قِصَّة إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ طَرِيق حَفْص بْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش وَلَفْظه \" قُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه أَيّنَا لَمْ يَظْلِم نَفْسه ؟ قَالَ : لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ , لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانهُمْ بِظُلْمٍ : بِشِرْكٍ. أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْل لُقْمَان \" فَذَكَرَ الْآيَة وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمَازِرِيّ جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْحَاجَة , وَنَازَعَهُ الْقَاضِي عِيَاض فَقَالَ : لَيْسَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة تَكْلِيف عَمَل , بَلْ تَكْلِيف اِعْتِقَاد بِتَصْدِيقِ الْخَبَر , وَاعْتِقَاد التَّصْدِيق لَازِم لِأَوَّلِ وُرُوده فَمَا هِيَ الْحَاجَة ؟ وَيُمْكِن أَنْ يُقَال : الْمُعْتَقَدَات أَيْضًا تَحْتَاج إِلَى الْبَيَان , فَلَمَّا أَجْمَلَ الظُّلْم حَتَّى تَنَاوَلَ إِطْلَاقه جَمِيع الْمَعَاصِي شَقَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى وَرَدَ الْبَيَان فَمَا اِنْتَفَتْ الْحَاجَة. وَالْحَقّ أَنَّ فِي الْقِصَّة تَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْخِطَاب لِأَنَّهُمْ حَيْثُ اِحْتَاجُوا إِلَيْهِ لَمْ يَتَأَخَّر. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَلْبِسُوا ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يَخْلِطُوا , تَقُول : لَبَسْت الْأَمْر بِالتَّخْفِيفِ , أَلْبِسهُ بِالْفَتْحِ فِي الْمَاضِي وَالْكَسْر فِي الْمُسْتَقْبَل , أَيْ خَلَطْته. وَتَقُول : لَبِسْت الثَّوْب أَلْبَسهُ بِالْكَسْرِ فِي الْمَاضِي وَالْفَتْح فِي الْمُسْتَقْبَل. وَقَالَ مُحَمَّد بْنُ إِسْمَاعِيل التَّيْمِيُّ فِي شَرْحه : خَلْط الْإِيمَان بِالشِّرْكِ لَا يُتَصَوَّر فَالْمُرَاد أَنَّهُمْ لَمْ تَحْصُل لَهُمْ الصِّفَتَانِ كُفْر مُتَأَخِّر عَنْ إِيمَان مُتَقَدِّم. أَيْ : لَمْ يَرْتَدُّوا. وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد أَنَّهُمْ لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنهمَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا , أَيْ : لَمْ يُنَافِقُوا. وَهَذَا أَوْجَه , وَلِهَذَا عَقَّبَهُ الْمُصَنِّف بِبَابِ عَلَامَات الْمُنَافِق , وَهَذَا مِنْ بَدِيع تَرْتِيبه. ثُمَّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد رِوَايَة ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ بَعْضهمْ عَنْ بَعْض وَهُمْ الْأَعْمَش عَنْ شَيْخه إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد النَّخَعِيِّ عَنْ خَاله عَلْقَمَة بْن قَيْس النَّخَعِيِّ , وَالثَّلَاثَة كُوفِيُّونَ فُقَهَاء , وَعَبْد اللَّه الصَّحَابِيّ هُوَ اِبْن مَسْعُود. وَهَذِهِ التَّرْجَمَة أَحَد مَا قِيلَ فِيهِ إِنَّهُ أَصَحّ الْأَسَانِيد. ‏ ‏وَالْأَعْمَش مَوْصُوف بِالتَّدْلِيسِ وَلَكِنْ فِي رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث الَّتِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهَا عِنْد الْمُؤَلِّف عَنْهُ \" حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم \" وَلَمْ أَرَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ فِي جَمِيع طُرُقه عِنْد الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرهمَا إِلَّا فِي هَذَا الطَّرِيق. وَفِي الْمَتْن مِنْ الْفَوَائِد : الْحَمْل عَلَى الْعُمُوم حَتَّى يَرِد دَلِيل الْخُصُوص , وَأَنَّ النَّكِرَة فِي سِيَاق النَّفْي تَعُمّ , وَأَنَّ الْخَاصّ يَقْضِي عَلَى الْعَامّ وَالْمُبَيَّن عَنْ الْمُجْمَل , وَأَنَّ اللَّفْظ يُحْمَل عَلَى خِلَاف ظَاهِره لِمَصْلَحَةِ دَفْع التَّعَارُض , وَأَنَّ دَرَجَات الظُّلْم تَتَفَاوَت كَمَا تَرْجَمَ لَهُ , وَأَنَّ الْمَعَاصِي لَا تُسَمَّى شِرْكًا , وَأَنَّ مَنْ لَمْ يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا فَلَهُ الْأَمْن وَهُوَ مُهْتَدٍ. فَإِنْ قِيلَ : فَالْعَاصِي قَدْ يُعَذَّب فَمَا هُوَ الْأَمْن وَالِاهْتِدَاء الَّذِي حَصَلَ لَهُ ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهُ آمِن مِنْ التَّخْلِيد فِي النَّار , مُهْتَدٍ إِلَى طَرِيق الْجَنَّة. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "32",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آيَةُ ‏ ‏الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ ‏ ‏أَخْلَفَ ‏ ‏وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيع ) ‏ ‏هُوَ الزَّهْرَانِيّ , بَصْرِيّ نَزَلَ بَغْدَاد , وَمِنْ شَيْخه فَصَاعِدًا مَدَنِيُّونَ , وَنَافِع بْن مَالِك هُوَ عَمّ مَالِك بْن أَنَس الْإِمَام. ‏ ‏قَوْله : ( آيَة الْمُنَافِق ثَلَاث ) ‏ ‏الْآيَة الْعَلَامَة , وَإِفْرَاد الْآيَة إِمَّا عَلَى إِرَادَة الْجِنْس , أَوْ أَنَّ الْعَلَامَة إِنَّمَا تَحْصُل بِاجْتِمَاعِ الثَّلَاث , وَالْأَوَّل أَلْيَق بِصَنِيعِ الْمُؤَلِّف , وَلِهَذَا تَرْجَمَ بِالْجَمْعِ وَعَقَّبَ بِالْمَتْنِ الشَّاهِد لِذَلِكَ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه بِلَفْظِ \" عَلَامَات الْمُنَافِق \" , فَإِنْ قِيلَ ظَاهِره الْحَصْر فِي الثَّلَاث فَكَيْف جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر بِلَفْظِ \" أَرْبَع مَنْ كُنَّ فِيهِ... الْحَدِيث \". أَجَابَ الْقُرْطُبِيّ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ اِسْتَجَدَّ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْعِلْم بِخِصَالِهِمْ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْده. وَأَقُول : لَيْسَ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ تَعَارُض ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ عَدّ الْخَصْلَة الْمَذْمُومَة الدَّالَّة عَلَى كَمَالِ النِّفَاق كَوْنهَا عَلَامَة عَلَى النِّفَاق ; لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون الْعَلَامَات دَالَّات عَلَى أَصْل النِّفَاق , وَالْخَصْلَة الزَّائِدَة إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى ذَلِكَ كَمُلَ بِهَا خُلُوص النِّفَاق. عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَا يَدُلّ عَلَى إِرَادَة عَدَم الْحَصْر , فَإِنَّ لَفْظه \" مِنْ عَلَامَة الْمُنَافِق ثَلَاث \" وَكَذَا أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ , وَإِذَا حُمِلَ اللَّفْظ الْأَوَّل عَلَى هَذَا لَمْ يَرِد السُّؤَال , فَيَكُون قَدْ أَخْبَرَ بِبَعْضِ الْعَلَامَات فِي وَقْت , وَبِبَعْضِهَا فِي وَقْت آخَر. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ أَيْضًا وَالنَّوَوِيّ : حَصَلَ مِنْ مَجْمُوع الرِّوَايَتَيْنِ خَمْس خِصَال ; لِأَنَّهُمَا تَوَارَدَتَا عَلَى الْكَذِب فِي الْحَدِيث وَالْخِيَانَة فِي الْأَمَانَة , وَزَادَ الْأَوَّل الْخُلْف فِي الْوَعْد وَالثَّانِي الْغَدْر فِي الْمُعَاهَدَة وَالْفُجُور فِي الْخُصُومَة. قُلْت : وَفِي رِوَايَة مُسْلِم الثَّانِي بَدَل الْغَدْر فِي الْمُعَاهَدَة الْخُلْف فِي الْوَعْد كَمَا فِي الْأَوَّل , فَكَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة تَصَرَّفَ فِي لَفْظه لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا قَدْ يَتَّحِد , وَعَلَى هَذَا فَالْمَزِيد خَصْلَة وَاحِدَة وَهِيَ الْفُجُور فِي الْخُصُومَة , وَالْفُجُور الْمَيْل عَنْ الْحَقّ وَالِاحْتِيَال فِي رَدّه. وَهَذَا قَدْ يَنْدَرِج فِي الْخَصْلَة الْأُولَى وَهِيَ الْكَذِب فِي الْحَدِيث. وَوَجْه الِاقْتِصَار عَلَى هَذِهِ الْعَلَامَات الثَّلَاث أَنَّهَا مُنَبِّهَة عَلَى مَا عَدَاهَا , إِذْ أَصْل الدِّيَانَة مُنْحَصِر فِي ثَلَاث : الْقَوْل , وَالْفِعْل , وَالنِّيَّة. فَنَبَّهَ عَلَى فَسَاد الْقَوْل بِالْكَذِبِ , وَعَلَى فَسَاد الْفِعْل بِالْخِيَانَةِ , وَعَلَى فَسَاد النِّيَّة بِالْخُلْفِ ; لِأَنَّ خُلْف الْوَعْد لَا يَقْدَح إِلَّا إِذَا كَانَ الْعَزْم عَلَيْهِ مُقَارِنًا لِلْوَعْدِ , أَمَّا لَوْ كَانَ عَازِمًا ثُمَّ عَرَضَ لَهُ مَانِع أَوْ بَدَا لَهُ رَأْي فَهَذَا لَمْ تُوجَد مِنْهُ صُورَة النِّفَاق , قَالَهُ الْغَزَالِيّ فِي الْإِحْيَاء. وَفِي الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيث طَوِيل مَا يَشْهَد لَهُ , فَفِيهِ مِنْ حَدِيث سَلْمَان \" إِذَا وَعَدَ وَهُوَ يُحَدِّث نَفْسه أَنَّهُ يُخْلِف \" وَكَذَا قَالَ فِي بَاقِي الْخِصَال , وَإِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ أُجْمِعَ عَلَى تَرْكه , وَهُوَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم مُخْتَصَر بِلَفْظِ \" إِذَا وَعَدَ الرَّجُل أَخَاهُ وَمَنْ نِيَّته أَنْ يَفِيَ لَهُ فَلَمْ يَفِ فَلَا إِثْم عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا وَعَدَ ) ‏ ‏قَالَ صَاحِب الْمُحْكَم : يُقَال وَعَدْته خَيْرًا , وَوَعَدْته شَرًّا. فَإِذَا أَسْقَطُوا الْفِعْل قَالُوا فِي الْخَيْر : وَعَدْته , وَفِي الشَّرّ : أَوْعَدْته. وَحَكَى اِبْن الْأَعْرَابِيّ فِي نَوَادِره : أَوْعَدْته خَيْرًا بِالْهَمْزَةِ. فَالْمُرَاد بِالْوَعْدِ فِي الْحَدِيث الْوَعْد بِالْخَيْرِ , وَأَمَّا الشَّرّ فَيُسْتَحَبّ إِخْلَافه. وَقَدْ يَجِب مَا لَمْ يَتَرَتَّب عَلَى تَرْك إِنْفَاذه مَفْسَدَة. ‏ ‏وَأَمَّا الْكَذِب فِي الْحَدِيث فَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ مَالِك أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ جُرِّبَ عَلَيْهِ كَذِب فَقَالَ : أَيّ نَوْع مِنْ الْكَذِب ؟ لَعَلَّهُ حَدَّثَ عَنْ عَيْش لَهُ سَلَفَ فَبَالَغَ فِي وَصْفه , فَهَذَا لَا يَضُرّ , وَإِنَّمَا يَضُرّ مَنْ حَدَّثَ عَنْ الْأَشْيَاء بِخِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ قَاصِدًا الْكَذِب اِنْتَهَى. وَقَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا الْحَدِيث عَدَّهُ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء مُشْكِلًا مِنْ حَيْثُ إنَّ هَذِهِ الْخِصَال قَدْ تُوجَد فِي الْمُسْلِم الْمُجْمَع عَلَى عَدَم الْحُكْم بِكُفْرِهِ. قَالَ : وَلَيْسَ فِيهِ إِشْكَال , بَلْ مَعْنَاهُ صَحِيح وَاَلَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ : إِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ خِصَال نِفَاق , وَصَاحِبهَا شَبِيه بِالْمُنَافِقِينَ فِي هَذِهِ الْخِصَال وَمُتَخَلِّق بِأَخْلَاقِهِمْ. قُلْت : وَمُحَصَّل هَذَا الْجَوَاب الْحَمْل فِي التَّسْمِيَة عَلَى الْمَجَاز , أَيْ : صَاحِب هَذِهِ الْخِصَال كَالْمُنَافِقِ , وَهُوَ بِنَاء عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالنِّفَاقِ نِفَاق الْكُفْر. وَقَدْ قِيلَ فِي الْجَوَاب عَنْهُ : إِنَّ الْمُرَاد بِالنِّفَاقِ نِفَاق الْعَمَل كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَهَذَا اِرْتَضَاهُ الْقُرْطُبِيّ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِ عُمَر لِحُذَيْفَة : هَلْ تَعْلَم فِيَّ شَيْئًا مِنْ النِّفَاق ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ نِفَاق الْكُفْر , وَإِنَّمَا أَرَادَ نِفَاق الْعَمَل. وَيُؤَيِّدهُ وَصْفه بِالْخَالِصِ فِي الْحَدِيث الثَّانِي بِقَوْلِهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا \". وَقِيلَ : الْمُرَاد بِإِطْلَاقِ النِّفَاق الْإِنْذَار وَالتَّحْذِير عَنْ اِرْتِكَاب هَذِهِ الْخِصَال وَأَنَّ الظَّاهِر غَيْر مُرَاد , وَهَذَا اِرْتَضَاهُ الْخَطَّابِيُّ. وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنَّ الْمُتَّصِف بِذَلِكَ هُوَ مَنْ اِعْتَادَ ذَلِكَ وَصَارَ لَهُ دَيْدَنًا. قَالَ : وَيَدُلّ عَلَيْهِ التَّعْبِير بِإِذَا , فَإِنَّهَا تَدُلّ عَلَى تَكَرُّر الْفِعْل. كَذَا قَالَ. وَالْأَوْلَى مَا قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : إِنَّ حَذْف الْمَفْعُول مِنْ \" حَدَّثَ \" يَدُلّ عَلَى الْعُمُوم , أَيْ : إِذَا حَدَّثَ فِي كُلّ شَيْء كَذَبَ فِيهِ. أَوْ يَصِير قَاصِرًا , أَيْ : إِذَا وَجَدَ مَاهِيَّة التَّحْدِيث كَذَبَ. وَقِيلَ هُوَ مَحْمُول عَلَى مَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْخِصَال وَتَهَاوَنَ بِهَا وَاسْتَخَفَّ بِأَمْرِهَا , فَإِنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ فَاسِد الِاعْتِقَاد غَالِبًا. وَهَذِهِ الْأَجْوِبَة كُلّهَا مَبْنِيَّة عَلَى أَنَّ اللَّام فِي الْمُنَافِق لِلْجِنْسِ , وَمِنْهُمْ مَنْ اِدَّعَى أَنَّهَا لِلْعَهْدِ فَقَالَ : إِنَّهُ وَرَدَ فِي حَقّ شَخْص مُعَيَّن أَوْ فِي حَقّ الْمُنَافِقِينَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِأَحَادِيث ضَعِيفَة جَاءَتْ فِي ذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ شَيْء مِنْهَا لَتَعَيَّنَ الْمَصِير إِلَيْهِ. وَأَحْسَن الْأَجْوِبَة مَا اِرْتَضَاهُ الْقُرْطُبِيّ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "33",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا ‏ ‏خَالِصًا ‏ ‏وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا ‏ ‏عَاهَدَ ‏ ‏غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ ‏ ‏فَجَرَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ شُعْبَة ) ‏ ‏وَصَلَ الْمُؤَلِّف هَذِهِ الْمُتَابَعَة فِي كِتَاب الْمَظَالِم , وَرِوَايَة قَبِيصَة عَنْ سُفْيَان - وَهُوَ الثَّوْرِيّ - ضَعَّفَهَا يَحْيَى بْن مَعِين , وَقَالَ الشَّيْخ مُحْيِي الدِّين : إِنَّمَا أَوْرَدَهَا الْبُخَارِيّ عَلَى طَرِيق الْمُتَابَعَة لَا الْأَصَالَة. وَتَعَقَّبَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهَا مُخَالِفَة فِي اللَّفْظ وَالْمَعْنَى مِنْ عِدَّة جِهَات , فَكَيْف تَكُون مُتَابَعَة ؟ وَجَوَابه أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُتَابَعَةِ هُنَا كَوْن الْحَدِيث مُخَرَّجًا فِي صَحِيح مُسْلِم وَغَيْره مِنْ طُرُق أُخْرَى عَنْ الثَّوْرِيّ , وَعِنْد الْمُؤَلِّف مِنْ طُرُق أُخْرَى عَنْ الْأَعْمَش , مِنْهَا رِوَايَة شُعْبَة الْمُشَار إِلَيْهَا , وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي ذِكْرهَا هُنَا. وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُتَابَعَةِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب , وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذْ لَوْ أَرَادَهُ لَسَمَّاهُ شَاهِدًا. وَأَمَّا دَعْوَاهُ أَنَّ بَيْنهمَا مُخَالَفَة فِي الْمَعْنَى فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ , لِمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا. وَغَايَته أَنْ يَكُون فِي أَحَدهمَا زِيَادَة وَهِيَ مَقْبُولَة لِأَنَّهَا مِنْ ثِقَة مُتْقِن. ‏ ‏وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏رِجَال الْإِسْنَاد الثَّانِي كُلّهمْ كُوفِيُّونَ , إِلَّا الصَّحَابِيّ وَقَدْ دَخَلَ الْكُوفَة أَيْضًا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "34",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا ‏ ‏وَاحْتِسَابًا ‏ ‏غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "35",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَارَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْتَدَبَ ‏ ‏اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي ‏ ‏مَا قَعَدْتُ ‏ ‏خَلْفَ ‏ ‏سَرِيَّةٍ ‏ ‏وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَرَمِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِسْم بِلَفْظِ النِّسْبَة , وَهُوَ بَصْرِيّ يُكَنَّى أَبَا عَلِيّ , قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد هُوَ اِبْن زِيَاد الْبَصْرِيّ الْعَبْدِيّ وَيُقَال لَهُ الثَّقَفِيّ , وَهُوَ ثِقَة مُتْقِن. قَالَ اِبْن الْقَطَّان : لَمْ يُعْتَلّ عَلَيْهِ بِقَادِحٍ. وَفِي طَبَقَته عَبْد الْوَاحِد بْن زَيْد بَصْرِيّ أَيْضًا لَكِنَّهُ ضَعِيف وَلَمْ يُخَرَّج عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ شَيْء. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُمَارَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْقَعْقَاع بْن شُبْرُمَةَ الضَّبِّيّ. ‏ ‏قَوْله : ( اِنْتَدَبَ اللَّه ) ‏ ‏هُوَ بِالنُّونِ أَيْ سَارَعَ بِثَوَابِهِ وَحُسْن جَزَائِهِ , وَقِيلَ بِمَعْنَى أَجَابَ إِلَى الْمُرَاد , فَفِي الصِّحَاح نَدَبْت فُلَانًا لِكَذَا فَانْتَدَبَ أَيْ : أَجَابَ إِلَيْهِ , وَقِيلَ مَعْنَاهُ تَكَفَّلَ بِالْمَطْلُوبِ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة الْمُؤَلِّف فِي أَوَاخِر الْجِهَاد لِهَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" تَكَفَّلَ اللَّه \" وَلَهُ فِي أَوَائِل الْجِهَاد مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْهُ بِلَفْظِ \" تَوَكَّلَ اللَّه \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا وَعَلَى رِوَايَة مُسْلِم هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ هُنَا \" ائْتَدَبَ \" بِيَاءٍ تَحْتَانِيَّة مَهْمُوزَة بَدَل النُّون مِنْ الْمَأْدُبَة , وَهُوَ تَصْحِيف , وَقَدْ وَجَّهُوهُ بِتَكَلُّفٍ , لَكِنْ إِطْبَاق الرُّوَاة عَلَى خِلَافه مَعَ اِتِّحَاد الْمَخْرَج كَافٍ فِي تَخْطِئَته. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُخْرِجهُ إِلَّا إِيمَان بِي ) ‏ ‏كَذَا هُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِل يُخْرِج وَالِاسْتِثْنَاء مُفَرَّغ , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ \" إِلَّا إِيمَانًا \" بِالنَّصْبِ , قَالَ النَّوَوِيّ : هُوَ مَفْعُول لَهُ , وَتَقْدِيره لَا يُخْرِجهُ الْمُخْرِج إِلَّا الْإِيمَان وَالتَّصْدِيق. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَصْدِيق بِرُسُلِي ) ‏ ‏ذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِلَفْظِ \" أَوْ تَصْدِيق \" ثُمَّ اِسْتَشْكَلَهُ وَتَكَلَّفَ الْجَوَاب عَنْهُ , وَالصَّوَاب أَسْهَل مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات بِلَفْظِ \" أَوْ \" وَقَوْله \" بِي \" فِيهِ عُدُول عَنْ ضَمِير الْغِيبَة إِلَى ضَمِير الْمُتَكَلِّم , فَهُوَ اِلْتِفَات. وَقَالَ اِبْن مَالِك : كَانَ اللَّائِق فِي الظَّاهِر هُنَا إِيمَان بِهِ , وَلَكِنْ عَلَى تَقْدِير اِسْم فَاعِل مِنْ الْقَوْل مَنْصُوب عَلَى الْحَال , أَيْ : اِنْتَدَبَ اللَّه لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيله قَائِلًا لَا يُخْرِجهُ إِلَّا إِيمَان بِي , وَلَا يُخْرِجهُ مَقُول الْقَوْل لِأَنَّ صَاحِب الْحَال عَلَى هَذَا التَّقْدِير هُوَ اللَّه. وَتَعَقَّبَهُ شِهَاب الدِّين بْن الْمُرَحِّل بِأَنَّ حَذْف الْحَال لَا يَجُوز , وَأَنَّ التَّعْبِير بِاللَّائِقِ هُنَا غَيْر لَائِق , فَالْأَوْلَى أَنَّهُ مِنْ بَاب الِالْتِفَات , وَهُوَ مُتَّجِه , وَسَيَأْتِي فِي أَثْنَاء فَرْض الْخُمُس مِنْ طَرِيق الْأَعْرَج بِلَفْظِ \" لَا يُخْرِجهُ إِلَّا الْجِهَاد فِي سَبِيله وَتَصْدِيق كَلِمَاته \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق أَبِي زُرْعَة هَذِهِ مُشْتَمِلًا عَلَى أُمُور ثَلَاثَة , وَقَدْ اِخْتَصَرَ الْمُؤَلِّف مِنْ سِيَاقه أَكْثَر الْأَمْر الثَّانِي , وَسَاقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد الْمَذْكُور بِتَمَامِهِ , وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسْلِم فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع , وَجَاءَ الْحَدِيث مُفَرَّقًا مِنْ رِوَايَة الْأَعْرَج وَغَيْره عَنْ أَبِي هُرَيْرَة كَمَا سَيَأْتِي عِنْد الْمُؤَلِّف فِي كِتَاب الْجِهَاد , وَهُنَاكَ يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "36",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا ‏ ‏وَاحْتِسَابًا ‏ ‏غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏",
        "sharh": "وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الْكَلَام عَلَى قِيَام رَمَضَان وَبَاب صِيَام رَمَضَان يَأْتِي فِي كِتَاب الصِّيَام. ‏"
    },
    {
        "id": "37",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا ‏ ‏وَاحْتِسَابًا ‏ ‏غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الْكَلَام عَلَى قِيَام رَمَضَان وَبَاب صِيَام رَمَضَان يَأْتِي فِي كِتَاب الصِّيَام. ‏"
    },
    {
        "id": "38",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ ‏ ‏يُشَادَّ ‏ ‏الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا ‏ ‏غَلَبَهُ ‏ ‏فَسَدِّدُوا ‏ ‏وَقَارِبُوا ‏ ‏وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا ‏ ‏بِالْغَدْوَةِ ‏ ‏وَالرَّوْحَةِ ‏ ‏وَشَيْءٍ مِنْ ‏ ‏الدُّلْجَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد السَّلَام بْن مُطَهِّر ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن حُسَام الْبَصْرِيّ , وَكُنْيَته أَبُو ظَفَر بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاء الْمَفْتُوحَتَيْنِ ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُمَر بْن عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ الْمُقَدِّمِيّ بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْقَاف وَالدَّال الْمُشَدَّدَة , وَهُوَ بَصْرِيّ ثِقَة ; لَكِنَّهُ مُدَلِّس شَدِيد التَّدْلِيس , وَصَفَهُ بِذَلِكَ اِبْن سَعْد وَغَيْره. وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ أَفْرَاد الْبُخَارِيّ عَنْ مُسْلِم , وَصَحَّحَهُ - وَإِنْ كَانَ مِنْ رِوَايَة مُدَلِّس بِالْعَنْعَنَةِ - لِتَصْرِيحِهِ فِيهِ بِالسَّمَاعِ مِنْ طَرِيق أُخْرَى , فَقَدْ رَوَاهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن الْمِقْدَام أَحَد شُيُوخ الْبُخَارِيّ عَنْ عُمَر بْن عَلِيّ الْمَذْكُور قَالَ \" سَمِعْت مَعْن بْن مُحَمَّد \" فَذَكَرَهُ , وَهُوَ مِنْ أَفْرَاد مَعْن بْن مُحَمَّد , وَهُوَ مَدَنِيّ ثِقَة قَلِيل الْحَدِيث , لَكِنْ تَابَعَهُ عَلَى شِقّه الثَّانِي اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ سَعِيد أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الرِّقَاق بِمَعْنَاهُ وَلَفْظه \" سَدِّدُوا وَقَرِّبُوا \" وَزَادَ فِي آخِره \" وَالْقَصْد الْقَصْد تَبْلُغُوا \" وَلَمْ يَذْكُر شِقّه الْأَوَّل , وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى بَعْض شَوَاهِده وَمِنْهَا حَدِيث عُرْوَة الْفُقَيْمِيّ بِضَمِّ الْفَاء وَفَتْح الْقَاف عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" إِنَّ دِين اللَّه يُسْر \" , وَمِنْهَا حَدِيث بُرَيْدَةَ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا , فَإِنَّهُ مَنْ يُشَادّ هَذَا الدِّين يَغْلِبهُ \" رَوَاهُمَا أَحْمَد وَإِسْنَاد كُلّ مِنْهُمَا حَسَن. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَنْ يُشَادّ الدِّين إِلَّا غَلَبَهُ ) ‏ ‏هَكَذَا فِي رِوَايَتنَا بِإِضْمَارِ الْفَاعِل , وَثَبَتَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن وَفِي بَعْض الرِّوَايَات عَنْ الْأَصِيلِيّ بِلَفْظِ \" وَلَنْ يُشَادّ الدِّين أَحَد إِلَّا غَلَبَهُ \" , وَكَذَا هُوَ فِي طُرُق هَذَا الْحَدِيث عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم وَابْن حِبَّان وَغَيْرهمْ , وَالدِّين مَنْصُوب عَلَى الْمَفْعُولِيَّة وَكَذَا فِي رِوَايَتنَا أَيْضًا , وَأَضْمَرَ الْفَاعِل لِلْعِلْمِ بِهِ , وَحَكَى صَاحِب الْمَطَالِع أَنَّ أَكْثَر الرِّوَايَات بِرَفْعِ الدِّين عَلَى أَنَّ يُشَادّ مَبْنِيّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَعَارَضَهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّ أَكْثَر الرِّوَايَات بِالنَّصْبِ , وَيُجْمَع بَيْن كَلَامَيْهِمَا بِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رِوَايَات الْمَغَارِبَة وَالْمَشَارِقَة , وَيُؤَيِّد النَّصْب لَفْظ حَدِيث بُرَيْدَةَ عِنْد أَحْمَد \" إِنَّهُ مَنْ شَادَّ هَذَا الدِّين يَغْلِبهُ \" ذَكَرَهُ فِي حَدِيث آخَر يَصْلُح أَنْ يَكُون هُوَ سَبَب حَدِيث الْبَاب. وَالْمُشَادَّة بِالتَّشْدِيدِ الْمُغَالَبَة , يُقَال شَادَّهُ يُشَادّهُ مُشَادَّة إِذَا قَاوَاهُ , وَالْمَعْنَى لَا يَتَعَمَّق أَحَد فِي الْأَعْمَال الدِّينِيَّة وَيَتْرُك الرِّفْق إِلَّا عَجَزَ وَانْقَطَعَ فَيُغْلَب. قَالَ اِبْن الْمُنِير : فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة , فَقَدْ رَأَيْنَا وَرَأَى النَّاس قَبْلنَا أَنَّ كُلّ مُتَنَطِّع فِي الدِّين يَنْقَطِع , وَلَيْسَ الْمُرَاد مَنْع طَلَب الْأَكْمَل فِي الْعِبَادَة فَإِنَّهُ مِنْ الْأُمُور الْمَحْمُودَة , بَلْ مَنْع الْإِفْرَاط الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَلَال , أَوْ الْمُبَالَغَة فِي التَّطَوُّع الْمُفْضِي إِلَى تَرْك الْأَفْضَل , أَوْ إِخْرَاج الْفَرْض عَنْ وَقْته كَمَنْ بَاتَ يُصَلِّي اللَّيْل كُلّه وَيُغَالِب النَّوْم إِلَى أَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فِي آخِر اللَّيْل فَنَامَ عَنْ صَلَاة الصُّبْح فِي الْجَمَاعَة , أَوْ إِلَى أَنْ خَرَجَ الْوَقْت الْمُخْتَار , أَوْ إِلَى أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْس فَخَرَجَ وَقْت الْفَرِيضَة , وَفِي حَدِيث مِحْجَن بْن الْأَدْرَع عِنْد أَحْمَد \" إِنَّكُمْ لَنْ تَنَالُوا هَذَا الْأَمْر بِالْمُغَالَبَةِ , وَخَيْر دِينكُمْ الْيَسَرَة \" وَقَدْ يُسْتَفَاد مِنْ هَذَا الْإِشَارَة إِلَى الْأَخْذ بِالرُّخْصَةِ الشَّرْعِيَّة , فَإِنَّ الْأَخْذ بِالْعَزِيمَةِ فِي مَوْضِع الرُّخْصَة تَنَطُّع , كَمَنْ يَتْرُك التَّيَمُّم عِنْد الْعَجْز عَنْ اِسْتِعْمَال الْمَاء فَيُفْضِي بِهِ اِسْتِعْمَاله إِلَى حُصُول الضَّرَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَدِّدُوا ) ‏ ‏أَيْ : اِلْزَمُوا السَّدَاد وَهُوَ الصَّوَاب مِنْ غَيْر إِفْرَاط وَلَا تَفْرِيط , قَالَ أَهْل اللُّغَة : السَّدَاد التَّوَسُّط فِي الْعَمَل. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَارِبُوا ) ‏ ‏أَيْ : إِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا الْأَخْذ بِالْأَكْمَلِ فَاعْمَلُوا بِمَا يُقَرِّب مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبْشِرُوا ) ‏ ‏أَيْ : بِالثَّوَابِ عَلَى الْعَمَل الدَّائِم وَإِنْ قَلَّ , وَالْمُرَاد تَبْشِير مَنْ عَجَزَ عَنْ الْعَمَل بِالْأَكْمَلِ بِأَنَّ الْعَجْز إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ صَنِيعه لَا يَسْتَلْزِم نَقْص أَجْره , وَأَبْهَمَ الْمُبَشَّر بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَتَفْخِيمًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ ) ‏ ‏أَيْ : اِسْتَعِينُوا عَلَى مُدَاوَمَة الْعِبَادَة بِإِيقَاعِهَا فِي الْأَوْقَات الْمُنَشِّطَة. وَالْغَدْوَة بِالْفَتْحِ سَيْر أَوَّل النَّهَار , وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : مَا بَيْن صَلَاة الْغَدَاة وَطُلُوع الشَّمْس. وَالرَّوْحَة بِالْفَتْحِ السَّيْر بَعْد الزَّوَال. وَالدُّلْجَة بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْحه وَإِسْكَان اللَّام سَيْر آخِر اللَّيْل , وَقِيلَ سَيْر اللَّيْل كُلّه , وَلِهَذَا عَبَّرَ فِيهِ بِالتَّبْعِيضِ ; وَلِأَنَّ عَمَل اللَّيْل أَشَقّ مِنْ عَمَل النَّهَار. وَهَذِهِ الْأَوْقَات أَطْيَب أَوْقَات الْمُسَافِر , وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاطَبَ مُسَافِرًا إِلَى مَقْصِد فَنَبَّهَهُ عَلَى أَوْقَات نَشَاطه ; لِأَنَّ الْمُسَافِر إِذَا سَافَرَ اللَّيْل وَالنَّهَار جَمِيعًا عَجَزَ وَانْقَطَعَ , وَإِذَا تَحَرَّى السَّيْر فِي هَذِهِ الْأَوْقَات الْمُنَشِّطَة أَمْكَنَتْهُ الْمُدَاوَمَة مِنْ غَيْر مَشَقَّة. وَحُسْن هَذِهِ الِاسْتِعَارَة أَنَّ الدُّنْيَا فِي الْحَقِيقَة دَار نُقْلَة إِلَى الْآخِرَة , وَأَنَّ هَذِهِ الْأَوْقَات بِخُصُوصِهَا أَرْوَح مَا يَكُون فِيهَا الْبَدَن لِلْعِبَادَةِ. وَقَوْله فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب \" الْقَصْد الْقَصْد \" بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الْإِغْرَاء , وَالْقَصْد الْأَخْذ بِالْأَمْرِ الْأَوْسَط. ‏ ‏وَمُنَاسَبَة إِيرَاد الْمُصَنِّف لِهَذَا الْحَدِيث عَقِب الْأَحَادِيث الَّتِي قَبْله ظَاهِرَة مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَضَمَّنَتْ التَّرْغِيب فِي الْقِيَام وَالصِّيَام وَالْجِهَاد , فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّن أَنَّ الْأَوْلَى لِلْعَامِلِ بِذَلِكَ أَنْ لَا يُجْهِد نَفْسه بِحَيْثُ يَعْجِز وَيَنْقَطِع , بَلْ يَعْمَل بِتَلَطُّفٍ وَتَدْرِيج لِيَدُومَ عَمَله وَلَا يَنْقَطِع. ثُمَّ عَادَ إِلَى سِيَاق الْأَحَادِيث الدَّالَّة عَلَى أَنَّ الْأَعْمَال الصَّالِحَة مَعْدُودَة مِنْ الْإِيمَان فَقَالَ : بَاب الصَّلَاة مِنْ الْإِيمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "39",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ ‏ ‏أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَأَنَّهُ ‏ ‏صَلَّى ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏بَيْتِ الْمَقْدِسِ ‏ ‏سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى ‏ ‏أَهْلِ مَسْجِدٍ ‏ ‏وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَدَارُوا كَمَا هُمْ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏وَكَانَتْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏بَيْتِ الْمَقْدِسِ ‏ ‏وَأَهْلُ الْكِتَابِ ‏ ‏فَلَمَّا ‏ ‏وَلَّى ‏ ‏وَجْهَهُ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏أَنْكَرُوا ذَلِكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو بْن خَالِد ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَسُكُون الْمِيم , وَهُوَ أَبُو الْحَسَن الْحَرَّانِيّ نَزِيل مِصْر أَحَد الثِّقَات الْأَثْبَات. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ عَنْ عَبْدُوس كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيّ , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ \" عُمَر بْن خَالِد \" بِضَمِّ الْعَيْن وَفَتْح الْمِيم , وَهُوَ تَصْحِيف نَبَّهَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُدَمَاء أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ , وَلَيْسَ فِي شُيُوخ الْبُخَارِيّ مَنْ اِسْمه عُمَر بْن خَالِد وَلَا فِي جَمِيع رِجَاله بَلْ وَلَا فِي أَحَد مِنْ رِجَال الْكُتُب السِّتَّة. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيُّ الْكُوفِيّ نَزِيل الْجَزِيرَة وَبِهَا سَمِعَ مِنْهُ عَمْرو بْن خَالِد ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ السُّبَيْعِيّ وَسَمَاع زُهَيْر مِنْهُ - فِيمَا قَالَ أَحْمَد - بَعْد أَنْ بَدَأَ تَغَيُّره , لَكِنْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ عِنْد الْمُصَنِّف إِسْرَائِيل بْن يُونُس حَفِيده وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْبَرَاء ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَازِب الْأَنْصَارِيّ , صَحَابِيّ اِبْن صَحَابِيّ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" سَمِعْت الْبَرَاء \" فَأُمِنَ مَا يُخْشَى مِنْ تَدْلِيس أَبِي إِسْحَاق. ‏ ‏قَوْله ( أَوَّل ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ فِي أَوَّل زَمَن قُدُومه , وَمَا مَصْدَرِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ قَالَ أَخْوَاله ) ‏ ‏الشَّكّ مِنْ أَبِي إِسْحَاق , وَفِي إِطْلَاق أَجْدَاده أَوْ أَخْوَاله مَجَاز ; لِأَنَّ الْأَنْصَار أَقَارِبه مِنْ جِهَة الْأُمُومَة , لِأَنَّ أُمّ جَدّه عَبْد الْمُطَّلِب بْن هَاشِم مِنْهُمْ , وَهِيَ سَلْمَى بِنْت عَمْرو أَحَد بَنِي عَدِيّ بْن النَّجَّار. ‏ ‏وَإِنَّمَا نَزَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى إِخْوَتهمْ بَنِي مَالِك بْن النَّجَّار , فَفِيهِ عَلَى هَذَا مَجَاز ثَانٍ. ‏ ‏قَوْله : ( قِبَل بَيْت الْمَقْدِس ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْمُوَحَّدَة , أَيْ إِلَى جِهَة بَيْت الْمَقْدِس. ‏ ‏قَوْله : ( سِتَّة عَشَر شَهْرًا أَوْ سَبْعَة عَشَر ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ الشَّكّ فِي رِوَايَة زُهَيْر هَذِهِ هُنَا , وَفِي الصَّلَاة أَيْضًا عَنْ أَبِي نُعَيْم عَنْهُ , وَكَذَا فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ عِنْده , وَفِي رِوَايَة إِسْرَائِيل عِنْد الْمُصَنِّف وَعِنْد التِّرْمِذِيّ أَيْضًا. وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه عَنْ عَمَّار بْن رَجَاء وَغَيْره عَنْ أَبِي نُعَيْم فَقَالَ \" سِتَّة عَشَر \" مِنْ غَيْر شَكّ , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص , وَلِلنَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَة زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة وَشَرِيك , وَلِأَبِي عَوَانَة أَيْضًا مِنْ رِوَايَة عَمَّار بْن رُزَيْق - بِتَقْدِيمِ الرَّاء مُصَغَّرًا - كُلّهمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاق , وَكَذَا لِأَحْمَد بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏وَلِلْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن عَوْف \" سَبْعَة عَشَر \" وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس. وَالْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ سَهْل بِأَنْ يَكُون مَنْ جَزَمَ بِسِتَّةَ عَشَر لَفَّقَ مِنْ شَهْر الْقُدُوم وَشَهْر التَّحْوِيل شَهْرًا وَأَلْغَى الزَّائِد , وَمَنْ جَزَمَ بِسَبْعَةَ عَشَر عَدَّهُمَا مَعًا , وَمَنْ شَكَّ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ. وَذَلِكَ أَنَّ الْقُدُوم كَانَ فِي شَهْر رَبِيع الْأَوَّل بِلَا خِلَاف , وَكَانَ التَّحْوِيل فِي نِصْف شَهْر رَجَب مِنْ السَّنَة الثَّانِيَة عَلَى الصَّحِيح , وَبِهِ جَزَمَ الْجُمْهُور , وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس. وَقَالَ اِبْن حِبَّان \" سَبْعَة عَشَر شَهْرًا وَثَلَاثَة أَيَّام \" وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْقُدُوم كَانَ فِي ثَانِي عَشَر شَهْر رَبِيع الْأَوَّل. وَشَذَّتْ أَقْوَال أُخْرَى. فَفِي اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ أَبِي إِسْحَاق فِي هَذَا الْحَدِيث \" ثَمَانِيَة عَشَر شَهْرًا \" وَأَبُو بَكْر سَيِّئ الْحِفْظ وَقَدْ اِضْطَرَبَ فِيهِ , فَعِنْد اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيقه فِي رِوَايَة سَبْعَة عَشَر وَفِي رِوَايَة سِتَّة عَشَر , وَخَرَّجَهُ بَعْضهمْ عَلَى قَوْل مُحَمَّد بْن حَبِيب أَنَّ التَّحْوِيل كَانَ فِي نِصْف شَعْبَان , وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وَأَقَرَّهُ , مَعَ كَوْنه رَجَّحَ فِي شَرْحه لِمُسْلِمٍ رِوَايَة سِتَّة عَشَر شَهْرًا لِكَوْنِهَا مَجْزُومًا بِهَا عِنْد مُسْلِم , وَلَا يَسْتَقِيم أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي شَعْبَان إِلَّا إِنْ أَلْغَى شَهْرَيْ الْقُدُوم وَالتَّحْوِيل , وَقَدْ جَزَمَ مُوسَى بْن عُقْبَة بِأَنَّ التَّحْوِيل كَانَ فِي جُمَادَى الْآخِرَة. وَمِنْ الشُّذُوذ أَيْضًا رِوَايَة ثَلَاثَة عَشَر شَهْرًا وَرِوَايَة تِسْعَة أَشْهُر أَوْ عَشَرَة أَشْهُر وَرِوَايَة شَهْرَيْنِ وَرِوَايَة سَنَتَيْنِ , وَهَذِهِ الْأَخِيرَة يُمْكِن حَمْلهَا عَلَى الصَّوَاب. وَأَسَانِيد الْجَمِيع ضَعِيفَة , وَالِاعْتِمَاد عَلَى الْقَوْل الْأَوَّل , فَجُمْلَة مَا حَكَاهُ تِسْع رِوَايَات. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّل ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ مَفْعُول صَلَّى , وَالْعَصْر كَذَلِكَ عَلَى الْبَدَلِيَّة , وَأَعْرَبَهُ اِبْن مَالِك بِالرَّفْعِ , وَفِي الْكَلَام مُقَدَّر لَمْ يُذْكَر لِوُضُوحِهِ , أَيْ : أَوَّل صَلَاة صَلَّاهَا مُتَوَجِّهًا إِلَى الْكَعْبَة صَلَاة الْعَصْر. ‏ ‏وَعِنْد اِبْن سَعْد : حُوِّلَتْ الْقِبْلَة فِي صَلَاة الظُّهْر أَوْ الْعَصْر - عَلَى التَّرَدُّد - وَسَاقَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيث عُمَارَة بْن أَوْس قَالَ : صَلَّيْنَا إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيّ. وَالتَّحْقِيق أَنَّ أَوَّل صَلَاة صَلَّاهَا فِي بَنِي سَلِمَة لَمَّا مَاتَ بِشْر بْن الْبَرَاء بْن مَعْرُور الظُّهْر , وَأَوَّل صَلَاة صَلَّاهَا بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيّ الْعَصْر , وَأَمَّا الصُّبْح فَهُوَ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر بِأَهْلِ قُبَاء , وَهَلْ كَانَ ذَلِكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَة أَوْ رَجَب أَوْ شَعْبَان ؟ أَقْوَال. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَ رَجُل ) ‏ ‏هُوَ عَبَّاد بْن بِشْر بْن قَيْظِيّ كَمَا رَوَاهُ اِبْن مَنْدَهْ مِنْ حَدِيث طَوِيلَة بِنْت أَسْلَم , وَقِيلَ هُوَ عَبَّاد بْن نَهِيك بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْهَاء , وَأَهْل الْمَسْجِد الَّذِينَ مَرَّ بِهِمْ قِيلَ هُمْ مِنْ بَنِي سَلِمَة , وَقِيلَ هُوَ عَبَّاد بْن بِشْر الَّذِي أَخْبَرَ أَهْل قُبَاء فِي صَلَاة الصُّبْح كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الصَّلَاة , وَنَذْكُر هُنَاكَ تَقْرِير الْجَمْع بَيْن هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَغَيْرهمَا مَعَ التَّنْبِيه عَلَى مَا فِيهِمَا مِنْ الْفَوَائِد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَشْهَد بِاَللَّهِ ) ‏ ‏أَيْ أَحْلِف , قَالَ الْجَوْهَرِيّ : يُقَال أَشْهَد بِكَذَا أَيْ : أَحْلِف بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قِبَل مَكَّة ) ‏ ‏أَيْ : قِبَل الْبَيْت الَّذِي فِي مَكَّة , وَلِهَذَا قَالَ \" فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَل الْبَيْت \" , و \" مَا \" مَوْصُولَة وَالْكَاف لِلْمُبَادَرَةِ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ لِلْمُقَارَنَةِ , وَهُمْ مُبْتَدَأ وَخَبَره مَحْذُوف. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ أَعْجَبَهُمْ ) ‏ ‏أَيْ : النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏( وَأَهْل الْكِتَاب ) ‏ ‏هُوَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْيَهُود , مِنْ عَطْف الْعَامّ عَلَى الْخَاصّ. وَقِيلَ الْمُرَاد النَّصَارَى لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ النَّصَارَى لَا يُصَلُّونَ لِبَيْتِ الْمَقْدِس فَكَيْف يُعْجِبهُمْ ؟ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : كَانَ إِعْجَابهمْ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّة لِلْيَهُودِ. قُلْت : وَفِيهِ بُعْد لِأَنَّهُمْ أَشَدّ النَّاس عَدَاوَة لِلْيَهُودِ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِالنَّصْبِ , وَالْوَاو بِمَعْنَى مَعَ أَيْ : يُصَلِّي مَعَ أَهْل الْكِتَاب إِلَى بَيْت الْمَقْدِس , وَاخْتُلِفَ فِي صَلَاته إِلَى بَيْت الْمَقْدِس وَهُوَ بِمَكَّة , فَرَوَى اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش الْمَذْكُورَة \" صَلَّيْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْو بَيْت الْمَقْدِس ثَمَانِيَة عَشَر شَهْرًا , وَصُرِفَتْ الْقِبْلَة إِلَى الْكَعْبَة بَعْد دُخُول الْمَدِينَة بِشَهْرَيْنِ \" وَظَاهِره أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِمَكَّة إِلَى بَيْت الْمَقْدِس مَحْضًا , وَحَكَى الزُّهْرِيّ خِلَافًا فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ يَجْعَل الْكَعْبَة خَلْف ظَهْره أَوْ يَجْعَلهَا بَيْنه وَبَيْن بَيْت الْمَقْدِس ؟ قُلْت : وَعَلَى الْأَوَّل فَكَانَ يَجْعَل الْمِيزَاب خَلْفه , وَعَلَى الثَّانِي كَانَ يُصَلِّي بَيْن الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ. وَزَعَمَ نَاس أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَسْتَقْبِل الْكَعْبَة بِمَكَّة , فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَة اِسْتَقْبَلَ بَيْت الْمَقْدِس ثُمَّ نُسِخَ. وَحَمَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ هَذَا عَلَى الْقَوْل الثَّانِي. وَيُؤَيِّد حَمْله عَلَى ظَاهِره إِمَامَة جِبْرِيل , فَفِي بَعْض طُرُقه أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْد بَاب الْبَيْت. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْكَرُوا ذَلِكَ ) ‏ ‏يَعْنِي الْيَهُود , فَنَزَلَتْ ( سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنْ النَّاس ) الْآيَة. وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّف بِذَلِكَ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ زُهَيْر ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن مُعَاوِيَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور بِحَذْفِ أَدَاة الْعَطْف كَعَادَتِهِ , وَوَهَمَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُعَلَّق , وَقَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِير مَعَ جُمْلَة الْحَدِيث عَنْ أَبِي نُعَيْم عَنْ زُهَيْر سِيَاقًا وَاحِدًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَة ) ‏ ‏أَيْ : قِبْلَة بَيْت الْمَقْدِس قَبْل أَنْ تُحَوَّل ( رِجَال وَقُتِلُوا ) ذِكْر الْقَتْل لَمْ أَرَهُ إِلَّا فِي رِوَايَة زُهَيْر , وَبَاقِي الرِّوَايَات إِنَّمَا فِيهَا ذِكْر الْمَوْت فَقَطْ , وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم صَحِيحًا عَنْ اِبْن عَبَّاس. وَاَلَّذِينَ مَاتُوا بَعْد فَرْض الصَّلَاة وَقَبْل تَحْوِيل الْقِبْلَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَشَرَة أَنْفُس , فَبِمَكَّة مِنْ قُرَيْش : عَبْد اللَّه بْن شِهَاب وَالْمُطَّلِب بْن أَزْهَر الزُّهْرِيَّانِ وَالسَّكْرَان بْن عَمْرو الْعَامِرِيّ. وَبِأَرْضِ الْحَبَشَة مِنْهُمْ : حَطَّاب - بِالْمُهْمَلَةِ - اِبْن الْحَارِث الْجُمَحِيُّ وَعَمْرو بْن أُمَيَّة الْأَسَدِيُّ وَعَبْد اللَّه بْن الْحَارِث السَّهْمِيّ وَعُرْوَة بْن عَبْد الْعُزَّى وَعَدِيّ بْن نَضْلَة الْعَدَوِيَّانِ. وَمِنْ الْأَنْصَار بِالْمَدِينَةِ : الْبَرَاء بْن مَعْرُور بِمُهْمَلَاتٍ وَأَسْعَد بْنُ زُرَارَة. فَهَؤُلَاءِ الْعَشَرَة مُتَّفَق عَلَيْهِمْ. وَمَاتَ فِي الْمُدَّة أَيْضًا إِيَاس بْن مُعَاذ الْأَشْهَلِيّ ; لَكِنَّهُ مُخْتَلَف فِي إِسْلَامه. وَلَمْ أَجِد فِي شَيْء مِنْ الْأَخْبَار أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قُتِلَ قَبْل تَحْوِيل الْقِبْلَة , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ عَدَم الذِّكْر عَدَم الْوُقُوع , فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة مَحْفُوظَة فَتُحْمَل عَلَى أَنَّ بَعْض الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَمْ يَشْتَهِر قُتِلَ فِي تِلْكَ الْمُدَّة فِي غَيْر الْجِهَاد , وَلَمْ يُضْبَط اِسْمه لِقِلَّةِ الِاعْتِنَاء بِالتَّارِيخِ إِذْ ذَاكَ. ثُمَّ وَجَدْت فِي الْمَغَازِي ذِكْر رَجُل اُخْتُلِفَ فِي إِسْلَامه وَهُوَ سُوَيْد بْن الصَّامِت , فَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ لَقِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ تَلْقَاهُ الْأَنْصَار فِي الْعَقَبَة , فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَام فَقَالَ : إِنَّ هَذَا الْقَوْل حَسَن. وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَة فَقُتِلَ بِهَا فِي وَقْعَة بُعَاث - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَإِهْمَال الْعَيْن وَآخِره مُثَلَّثَة - وَكَانَتْ قَبْل الْهِجْرَة , قَالَ فَكَانَ قَوْمه يَقُولُونَ : لَقَدْ قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِم , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ الْمُرَاد. وَذَكَرَ لِي بَعْض الْفُضَلَاء أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يُرَاد مَنْ قُتِلَ بِمَكَّة مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ كَأَبَوَيْ عَمَّار. ‏ ‏قُلْت : يَحْتَاج إِلَى ثُبُوت أَنَّ قَتْلهمَا بَعْد الْإِسْرَاء. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد : الرَّدّ عَلَى الْمُرْجِئَة فِي إِنْكَارهمْ تَسْمِيَة أَعْمَال الدِّين إِيمَانًا. وَفِيهِ أَنَّ تَمَنِّي تَغْيِير بَعْض الْأَحْكَام جَائِز إِذَا ظَهَرَتْ الْمَصْلَحَة فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ بَيَان شَرَف الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَرَامَته عَلَى رَبّه لِإِعْطَائِهِ لَهُ مَا أَحَبَّ مِنْ غَيْر تَصْرِيح بِالسُّؤَالِ. وَفِيهِ بَيَان مَا كَانَ فِي الصَّحَابَة مِنْ الْحِرْص عَلَى دِينهمْ وَالشَّفَقَة عَلَى إِخْوَانهمْ , وَقَدْ وَقَعَ لَهُمْ نَظِير هَذِهِ الْمَسْأَلَة لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر كَمَا صَحَّ مِنْ حَدِيث الْبَرَاء أَيْضًا فَنَزَلَ ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا - إِلَى قَوْله - وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ ). ‏ ‏وَقَوْله تَعَالَى ( إِنَّا لَا نُضِيع أَجْر مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ) , وَلِمُلَاحَظَةِ هَذَا الْمَعْنَى عَقَّبَ الْمُصَنِّف هَذَا الْبَاب بِقَوْلِهِ : \" بَاب حُسْن إِسْلَام الْمَرْء \" فَذَكَرَ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْمُسْلِم إِذَا فَعَلَ الْحَسَنَة أُثِيبَ عَلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "40",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هَمَّام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُنَبِّه , وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ نُسْخَته الْمَشْهُورَة الْمَرْوِيَّة بِإِسْنَادٍ وَاحِد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْهُ. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي إِفْرَاد حَدِيث مِنْ نُسْخَة هَلْ يُسَاق بِإِسْنَادِهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُبْتَدَأ بِهِ , أَوْ لَا ؟ فَالْجُمْهُور عَلَى الْجَوَاز وَمِنْهُمْ الْبُخَارِيّ , وَقِيلَ يَمْتَنِع , وَقِيلَ يَبْدَأ أَبَدًا بِأَوَّلِ حَدِيث وَيَذْكُر بَعْده مَا أَرَادَ. وَتَوَسَّطَ مُسْلِم فَأَتَى بِلَفْظٍ يُشْعِر بِأَنَّ الْمُفْرَد مِنْ جُمْلَة النُّسْخَة فَيَقُول فِي مِثْل هَذَا إِذَا اِنْتَهَى الْإِسْنَاد : فَذَكَرَ أَحَادِيث مِنْهَا كَذَا , ثُمَّ يَذْكُر أَيّ حَدِيث أَرَادَ مِنْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا أَحْسَن أَحَدكُمْ إِسْلَامه ) ‏ ‏كَذَا لَهُ وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرهمَا , وَلِإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْ عَبْد الرَّزَّاق \" إِذَا حَسُنَ إِسْلَام أَحَدكُمْ \" وَكَأَنَّهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ مِنْ لَازِمه. وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُبَارَك عَنْ مَعْمَر كَالْأَوَّلِ , وَالْخِطَاب بِأَحَدِكُمْ بِحَسَبِ اللَّفْظ لِلْحَاضِرِينَ , لَكِنَّ الْحُكْم عَامّ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ بِاتِّفَاقٍ , وَإِنْ حَصَلَ التَّنَازُع فِي كَيْفِيَّة التَّنَاوُل أَهِيَ بِالْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّة أَوْ الشَّرْعِيَّة أَوْ بِالْمَجَازِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكُلّ حَسَنَة ) ‏ ‏يُنْبِئ أَنَّ اللَّام فِي قَوْله فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله \" الْحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثَالهَا \" لِلِاسْتِغْرَاقِ. ‏ ‏قَوْله : ( بِمِثْلِهَا ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم وَإِسْحَاق وَالْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَتهمْ \" حَتَّى يَلْقَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ \". ‏"
    },
    {
        "id": "41",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا ‏ ‏امْرَأَةٌ ‏ ‏قَالَ مَنْ هَذِهِ قَالَتْ فُلَانَةُ تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا قَالَ ‏ ‏مَهْ ‏ ‏عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان , \" عَنْ هِشَام \" هُوَ اِبْن عُرْوَة بْن الزُّبَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ مَنْ هَذِهِ ) ‏ ‏لِلْأَصِيلِيّ \" قَالَ مَنْ هَذِهِ \" بِغَيْرِ فَاء , وَيُوَجَّه عَلَى أَنَّهُ جَوَاب سُؤَال مُقَدَّر , كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ : مَاذَا قَالَ حِين دَخَلَ ؟ قَالَتْ : قَالَ مَنْ هَذِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت فُلَانَة ) ‏ ‏هَذِهِ اللَّفْظَة كِنَايَة عَنْ كُلّ عَلَم مُؤَنَّث فَلَا يَنْصَرِف , زَادَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ هِشَام فِي هَذَا الْحَدِيث \" حَسَنَة الْهَيْئَة \". ‏ ‏قَوْله : ( تَذْكُر ) ‏ ‏بِفَتْحِ التَّاء الْفَوْقَانِيَّة , وَالْفَاعِل عَائِشَة. وَرُوِيَ بِضَمِّ الْيَاء التَّحْتَانِيَّة عَلَى الْبِنَاء لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , أَيْ : يَذْكُرُونَ أَنَّ صَلَاتهَا كَثِيرَة. وَلِأَحْمَد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان \" لَا تَنَام , تُصَلِّي \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي كِتَاب صَلَاة اللَّيْل مُعَلَّقًا عَنْ الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِك عَنْ هِشَام , وَهُوَ مَوْصُول فِي الْمُوَطَّأ لِلْقَعْنَبِيِّ وَحْده فِي آخِره \" لَا تَنَام بِاللَّيْلِ \" وَهَذِهِ الْمَرْأَة وَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك الْمَذْكُورَة أَنَّهَا مِنْ بَنِي أَسَد , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهَا الْحَوْلَاء بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمَدّ وَهُوَ اِسْمهَا بِنْت تُوَيْت بِمُثَنَّاتَيْنِ مُصَغَّرًا اِبْن حَبِيب بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة اِبْن أَسَد ِبْن عَبْد الْعُزَّى مِنْ رَهْط خَدِيجَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا , وَفِي رِوَايَته أَيْضًا \" وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَام اللَّيْل \" وَهَذَا يُؤَيِّد الرِّوَايَة الثَّانِيَة فِي أَنَّهَا نُقِلَتْ عَنْ غَيْرهَا. فَإِنْ قِيلَ وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَاب حَدِيث هِشَام دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ عِنْدهَا , وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ أَنَّ الْحَوْلَاء مَرَّتْ بِهَا فَظَاهِره التَّغَايُر , فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْمَارَّة اِمْرَأَة غَيْرهَا مِنْ بَنِي أَسَد أَيْضًا أَوْ أَنَّ قِصَّتهَا تَعَدَّدَتْ. وَالْجَوَاب أَنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة , وَيُبَيِّن ذَلِكَ رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ هِشَام فِي هَذَا الْحَدِيث وَلَفْظه \" مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَوْلَاء بِنْت تُوَيْت \" أَخْرَجَهُ مُحَمَّد بْن نَصْر فِي كِتَاب قِيَام اللَّيْل لَهُ , فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ أَوَّلًا عِنْد عَائِشَة فَلَمَّا دَخَلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَائِشَة قَامَتْ الْمَرْأَة كَمَا فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة الْآتِيَة , فَلَمَّا قَامَتْ لِتَخْرُج مَرَّتْ بِهِ فِي خِلَال ذَهَابهَا فَسَأَلَ عَنْهَا , وَبِهَذَا تَجْتَمِع الرِّوَايَات. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين لَعَلَّهَا أَمِنَتْ عَلَيْهَا الْفِتْنَة فَلِذَلِكَ مَدَحَتْهَا فِي وَجْههَا. قُلْت : لَكِنَّ رِوَايَة حَمَّاد بْنِ سَلَمَة عَنْ هِشَام فِي هَذَا الْحَدِيث تَدُلّ عَلَى أَنَّهَا مَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْد أَنْ خَرَجَتْ الْمَرْأَة , أَخْرَجَهُ الْحَسَن بْنُ سُفْيَان فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيقه وَلَفْظه \" كَانَتْ عِنْدِي اِمْرَأَة , فَلَمَّا قَامَتْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ هَذِهِ يَا عَائِشَة ؟ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه هَذِهِ فُلَانَة , وَهِيَ أَعْبَد أَهْل الْمَدِينَة , فَذَكَرَ الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( مَهْ ) ‏ ‏قَالَ الْجَوْهَرِيّ : هِيَ كَلِمَة مَبْنِيَّة عَلَى السُّكُون , وَهِيَ اِسْم سُمِّيَ بِهِ الْفِعْل , وَالْمَعْنَى اُكْفُفْ , يُقَال مَهْمَهْته إِذَا زَجَرْته , فَإِنْ وَصَلْت نَوَّنْت فَقُلْت مَهٍ. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : أَصْل هَذِهِ الْكَلِمَة \" مَا هَذَا \" كَالْإِنْكَارِ فَطَرَحُوا بَعْض اللَّفْظَة فَقَالُوا مَهْ فَصَيَّرُوا الْكَلِمَتَيْنِ كَلِمَة , وَهَذَا الزَّجْر يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِعَائِشَة , وَالْمُرَاد نَهْيهَا عَنْ مَدْح الْمَرْأَة بِمَا ذَكَرَتْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد النَّهْي عَنْ ذَلِكَ الْفِعْل , وَقَدْ أَخَذَ بِذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة , فَقَالُوا : يُكْرَه صَلَاة جَمِيع اللَّيْل كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانه. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ ) ‏ ‏أَيْ : اِشْتَغِلُوا مِنْ الْأَعْمَال بِمَا تَسْتَطِيعُونَ الْمُدَاوَمَة عَلَيْهِ , فَمَنْطُوقه يَقْتَضِي الْأَمْر بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا يُطَاق مِنْ الْعِبَادَة , وَمَفْهُومه يَقْتَضِي النَّهْي عَنْ تَكَلُّف مَا لَا يُطَاق. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا خَاصًّا بِصَلَاةِ اللَّيْل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَامًّا فِي الْأَعْمَال الشَّرْعِيَّة. قُلْت : سَبَب وُرُوده خَاصّ بِالصَّلَاةِ , وَلَكِنَّ اللَّفْظ عَامّ , وَهُوَ الْمُعْتَبَر. وَقَدْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ \" عَلَيْكُمْ \" مَعَ أَنَّ الْمُخَاطَب النِّسَاء طَلَبًا لِتَعْمِيمِ الْحُكْم , فَغُلِّبَتْ الذُّكُور عَلَى الْإِنَاث. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَاَللَّهِ ) ‏ ‏فِيهِ جَوَاز الْحَلِف مِنْ غَيْر اِسْتِحْلَاف. وَقَدْ يُسْتَحَبّ إِذَا كَانَ فِي تَفْخِيم أَمْر مِنْ أُمُور الدِّين أَوْ حَثّ عَلَيْهِ أَوْ تَنْفِير مِنْ مَحْذُور. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَمَلّ اللَّه حَتَّى تَمَلُّوا ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَالْمَلَال اِسْتِثْقَال الشَّيْء وَنُفُور النَّفْس عَنْهُ بَعْد مَحَبَّته , وَهُوَ مُحَال عَلَى اللَّه تَعَالَى بِاتِّفَاقٍ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَجَمَاعَة مِنْ الْمُحَقِّقِينَ : إِنَّمَا أُطْلِقَ هَذَا عَلَى جِهَة الْمُقَابَلَة اللَّفْظِيَّة مَجَازًا كَمَا قَالَ تَعَالَى ( وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مِثْلهَا ) وَأَنْظَاره , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَجْه مَجَازه أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ يَقْطَع ثَوَابه عَمَّنْ يَقْطَع الْعَمَل مَلَالًا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْمَلَالِ مِنْ بَاب تَسْمِيَة الشَّيْء بِاسْمِ سَبَبه. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : مَعْنَاهُ لَا يَقْطَع عَنْكُمْ فَضْله حَتَّى تَمَلُّوا سُؤَاله فَتَزْهَدُوا فِي الرَّغْبَة إِلَيْهِ. وَقَالَ غَيْره : مَعْنَاهُ لَا يَتَنَاهَى حَقّه عَلَيْكُمْ فِي الطَّاعَة حَتَّى يَتَنَاهَى جُهْدكُمْ , وَهَذَا كُلّه بِنَاء عَلَى أَنَّ \" حَتَّى \" عَلَى بَابهَا فِي اِنْتِهَاء الْغَايَة وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا مِنْ الْمَفْهُوم. وَجَنَحَ بَعْضهمْ إِلَى تَأْوِيلهَا فَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا يَمَلّ اللَّه إِذَا مَلَلْتُمْ , وَهُوَ مُسْتَعْمَل فِي كَلَام الْعَرَب يَقُولُونَ : لَا أَفْعَل كَذَا حَتَّى يَبْيَضّ الْقَار أَوْ حَتَّى يَشِيب الْغُرَاب. وَمِنْهُ قَوْلهمْ فِي الْبَلِيغ : لَا يَنْقَطِع حَتَّى يَنْقَطِع خُصُومه ; لِأَنَّهُ لَوْ اِنْقَطَعَ حِين يَنْقَطِعُونَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ مَزِيَّة. وَهَذَا الْمِثَال أَشْبَه مِنْ الَّذِي قَبْله لِأَنَّ شَيْب الْغُرَاب لَيْسَ مُمْكِنًا عَادَة , بِخِلَافِ الْمَلَل مِنْ الْعَابِد. وَقَالَ الْمَازِرِيّ : قِيلَ إِنَّ حَتَّى هُنَا بِمَعْنَى الْوَاو , فَيَكُون التَّقْدِير لَا يَمَلّ وَتَمَلُّونَ , فَنَفَى عَنْهُ الْمَلَل وَأَثْبَتَهُ لَهُمْ. قَالَ : وَقِيلَ حَتَّى بِمَعْنَى حِين. وَالْأَوَّل أَلْيَق وَأَجْرَى عَلَى الْقَوَاعِد , وَأَنَّهُ مِنْ بَاب الْمُقَابَلَة اللَّفْظِيَّة. وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث عَائِشَة بِلَفْظِ \" اِكْلَفُوا مِنْ الْعَمَل مَا تُطِيقُونَ , فَإِنَّ اللَّه لَا يَمَلّ مِنْ الثَّوَاب حَتَّى تَمَلُّوا مِنْ الْعَمَل \" لَكِنْ فِي سَنَده مُوسَى بْن عُبَيْدَة وَهُوَ ضَعِيف , وَقَالَ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه : هَذَا مِنْ أَلْفَاظ التَّعَارُف الَّتِي لَا يَتَهَيَّأ لِلْمُخَاطَبِ أَنْ يَعْرِف الْقَصْد مِمَّا يُخَاطَب بِهِ إِلَّا بِهَا , وَهَذَا رَأْيه فِي جَمِيع الْمُتَشَابِه. ‏ ‏قَوْله : ( أَحَبّ ) ‏ ‏قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : مَعْنَى الْمَحَبَّة مِنْ اللَّه تَعَلُّق الْإِرَادَة بِالثَّوَابِ أَيْ : : أَكْثَر الْأَعْمَال ثَوَابًا أَدْوَمهَا. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَحْده \" إِلَى اللَّه \" وَكَذَا فِي رِوَايَة عَبْدَة عَنْ هِشَام عِنْد إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده , وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة , وَلِمُسْلِمٍ عَنْ الْقَاسِم كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَة , وَهَذَا مُوَافِق لِتَرْجَمَةِ الْبَاب , وَقَالَ بَاقِي الرُّوَاة عَنْ هِشَام \" وَكَانَ أَحَبّ الدِّين إِلَيْهِ \" أَيْ : إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّف فِي الرِّقَاق فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ هِشَام , وَلَيْسَ بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ تَخَالُف ; لِأَنَّ مَا كَانَ أَحَبّ إِلَى اللَّه كَانَ أَحَبّ إِلَى رَسُوله. قَالَ النَّوَوِيّ : بِدَوَامِ الْقَلِيل تَسْتَمِرّ الطَّاعَة بِالذِّكْرِ وَالْمُرَاقَبَة وَالْإِخْلَاص وَالْإِقْبَال عَلَى اللَّه , بِخِلَافِ الْكَثِير الشَّاقّ حَتَّى يَنْمُو الْقَلِيل الدَّائِم بِحَيْثُ يَزِيد عَلَى الْكَثِير الْمُنْقَطِع أَضْعَافًا كَثِيرَة. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : إِنَّمَا أَحَبَّ الدَّائِم لِمَعْنَيَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ التَّارِك لِلْعَمَلِ بَعْد الدُّخُول فِيهِ كَالْمُعْرِضِ بَعْد الْوَصْل , فَهُوَ مُتَعَرِّض لِلذَّمِّ , وَلِهَذَا وَرَدَ الْوَعِيد فِي حَقّ مَنْ حَفِظَ آيَة ثُمَّ نَسِيَهَا وَإِنْ كَانَ قَبْل حِفْظهَا لَا يَتَعَيَّن عَلَيْهِ. ‏ ‏ثَانِيهمَا أَنَّ مُدَاوِم الْخَيْر مُلَازِم لِلْخِدْمَةِ , وَلَيْسَ مَنْ لَازَمَ الْبَاب فِي كُلّ يَوْم وَقْتًا مَا كَمَنْ لَازَمَ يَوْمًا كَامِلًا ثُمَّ اِنْقَطَعَ. وَزَادَ الْمُصَنِّف وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة \" وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَال إِلَى اللَّه مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ \". ‏"
    },
    {
        "id": "42",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ‏ ‏بُرَّةٍ ‏ ‏مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ إِيمَانٍ مَكَانَ مِنْ خَيْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَبْد اللَّه الدَّسْتُوَائِيّ , يُكَنَّى أَبَا بَكْر , وَفِي طَبَقَته هِشَام بْن حَسَّان لَكِنَّهُ لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( يَخْرُج ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّ الرَّاء , وَيُرْوَى بِالْعَكْسِ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" أَخْرِجُوا \" ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَفِي قَلْبه ) ‏ ‏فِيهِ دَلِيل عَلَى اِشْتِرَاط النُّطْق بِالتَّوْحِيدِ , أَوْ الْمُرَاد بِالْقَوْلِ هُنَا الْقَوْل النَّفْسِيّ , فَالْمَعْنَى مَنْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَصَدَقَ , فَالْإِقْرَار لَا بُدّ مِنْهُ , فَلِهَذَا أَعَادَهُ فِي كُلّ مَرَّة. وَالتَّفَاوُت يَحْصُل فِي التَّصْدِيق عَلَى الْوَجْه الْمُتَقَدِّم. فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْف لَمْ يَذْكُر الرِّسَالَة ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ الْمُرَاد الْمَجْمُوع , وَصَارَ الْجُزْء الْأَوَّل عَلَمًا عَلَيْهِ كَمَا تَقُول : قَرَأْت ( قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد ) , أَيْ : السُّورَة كُلّهَا. ‏ ‏قَوْله : ( بُرَّة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الرَّاء الْمَفْتُوحَة وَهِيَ الْقَمْحَة , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ وَزْن الْبُرَّة دُون وَزْن الشَّعِيرَة لِأَنَّهُ قَدَّمَ الشَّعِيرَة وَتَلَاهَا بِالْبُرَّةِ ثُمَّ الذَّرَّة , وَكَذَلِكَ هُوَ فِي بَعْض الْبِلَاد. فَإِنْ قِيلَ إِنَّ السِّيَاق بِالْوَاوِ وَهِيَ لَا تُرَتِّب , فَالْجَوَاب أَنَّ رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" ثُمَّ \" وَهِيَ لِلتَّرْتِيبِ. ‏ ‏قَوْله : ( ذَرَّة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء الْمَفْتُوحَة , وَصَحَّفَهَا شُعْبَة - فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق يَزِيد بْنِ زُرَيْع عَنْهُ - فَقَالَ ذُرَة بِالضَّمِّ وَتَخْفِيف الرَّاء , وَكَأَنَّ الْحَامِل لَهُ عَلَى ذَلِكَ كَوْنهَا مِنْ الْحُبُوب فَنَاسَبَتْ الشَّعِيرَة وَالْبُرَّة. قَالَ مُسْلِم فِي رِوَايَته قَالَ يَزِيد : صَحَّفَ فِيهَا أَبُو بِسْطَام , يَعْنِي شُعْبَة. وَمَعْنَى الذَّرَّة قِيلَ هِيَ أَقَلّ الْأَشْيَاء الْمَوْزُونَة , وَقِيلَ هِيَ الْهَبَاء الَّذِي يَظْهَر فِي شُعَاع الشَّمْس مِثْل رُءُوس الْإِبَر , وَقِيلَ هِيَ النَّمْلَة الصَّغِيرَة , وَيُرْوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : إِذَا وَضَعْت كَفّك فِي التُّرَاب ثُمَّ نَفَضْتهَا فَالسَّاقِط هُوَ الذَّرّ. وَيُقَال إِنَّ أَرْبَع ذَرَّات وَزْن خَرْدَلَة. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي أَوَاخِر التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا \" أُدْخِلَ الْجَنَّة مَنْ كَانَ فِي قَلْبه خَرْدَلَة , ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبه أَدْنَى شَيْء \" وَهَذَا مَعْنَى الذَّرَّة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد الْعَطَّار , وَهَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ الْحَاكِم فِي كِتَاب الْأَرْبَعِينَ لَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة. قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَان بْن يَزِيد.. فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَفَائِدَة إِيرَاد الْمُصَنِّف لَه مِنْ جِهَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا تَصْرِيح قَتَادَة فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ عَنْ أَنَس , ثَانِيَتهمَا تَعْبِيره فِي الْمَتْن بِقَوْلِهِ \" مِنْ إِيمَان \" بَدَل قَوْله \" مِنْ خَيْر \" , فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَاد بِالْخَيْرِ هُنَا الْإِيمَان. فَإِنْ قِيلَ عَلَى الْأُولَى لِمَ لَمْ يَكْتَفِ بِطَرِيقِ أَبَان السَّالِمَة مِنْ التَّدْلِيس وَيَسُوقهَا مَوْصُولَة ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ أَبَان وَإِنْ كَانَ مَقْبُولًا لَكِنَّ هِشَام أَتْقَن مِنْهُ وَأَضْبَط. فَجَمَعَ الْمُصَنِّف بَيْن الْمَصْلَحَتَيْنِ. وَاَللَّه الْمُوَفِّق. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة هَذَا الْمَتْن فِي كِتَاب التَّوْحِيد حَيْثُ ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث الشَّفَاعَة الطَّوِيل مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَرِجَال هَذَا الْحَدِيث مَوْصُولًا وَمُعَلَّقًا كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ. ‏"
    },
    {
        "id": "43",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْعُمَيْسِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏قَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا ‏ ‏مَعْشَرَ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا قَالَ أَيُّ آيَةٍ قَالَ ‏ { ‏الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا ‏} ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ قَائِمٌ ‏ ‏بِعَرَفَةَ ‏ ‏يَوْمَ جُمُعَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الصَّبَّاح سَمِعَ جَعْفَر بْن عَوْن ) ‏ ‏مُرَاده \" أَنَّهُ سَمِعَ \" , وَجَرَتْ عَادَتهمْ بِحَذْفِ \" أَنَّهُ \" فِي مِثْل هَذَا خَطًّا لَا نُطْقًا كَقَالَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُود ) ‏ ‏هَذَا الرَّجُل هُوَ كَعْب الْأَحْبَار , بَيَّنَ ذَلِكَ مُسَدَّد فِي مُسْنَده وَالطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط كُلّهمْ مِنْ طَرِيق رَجَاء بْن أَبِي سَلَمَة عَنْ عُبَادَةَ بْن نُسَيّ بِضَمِّ النُّون وَفَتْح الْمُهْمَلَة عَنْ إِسْحَاق بْن خَرَشَة عَنْ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب عَنْ كَعْب. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ قَيْس بْن مُسْلِم أَنَّ نَاسًا مِنْ الْيَهُود. وَلَهُ فِي التَّفْسِير مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ : قَالَتْ الْيَهُود. فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا حِين سُؤَال كَعْب عَنْ ذَلِكَ جَمَاعَة , وَتَكَلَّمَ كَعْب عَلَى لِسَانهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَاِتَّخَذْنَا.. إِلَخْ ) ‏ ‏أَيْ لَعَظَّمْنَاهُ وَجَعَلْنَاهُ عِيدًا لَنَا فِي كُلّ سَنَة لِعِظَمِ مَا حَصَلَ فِيهِ مِنْ إِكْمَال الدِّين. وَالْعِيد فِعْل مِنْ الْعَوْد , وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَعُود فِي كُلّ عَام. ‏ ‏قَوْله ( نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم عَنْ عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ جَعْفَر بْن عَوْن فِي هَذَا الْحَدِيث وَلَفْظه \" إِنِّي لَأَعْلَم الْيَوْم الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ , وَالْمَكَان الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ , وَزَادَ عَنْ جَعْفَر بْن عَوْن \" وَالسَّاعَة الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". فَإِنْ قِيلَ : كَيْف طَابَق الْجَوَاب السُّؤَال لِأَنَّهُ قَالَ : لَاِتَّخَذْنَاهُ عِيدًا , وَأَجَابَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِمَعْرِفَةِ الْوَقْت وَالْمَكَان , وَلَمْ يَقُلْ جَعَلْنَاهُ عِيدًا ؟ وَالْجَوَاب عَنْ هَذَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أُخْرَيَات نَهَار عَرَفَة , وَيَوْم الْعِيد إِنَّمَا يَتَحَقَّق بِأَوَّلِهِ , وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاء إِنَّ رُؤْيَة الْهِلَال بَعْد الزَّوَال لِلْقَابِلَةِ , قَالَهُ هَكَذَا بَعْض مَنْ تَقَدَّمَ , وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَة اِكْتَفَى فِيهَا بِالْإِشَارَةِ , وَإِلَّا فَرِوَايَة إِسْحَاق عَنْ قَبِيصَة الَّتِي قَدَّمْنَاهَا قَدْ نَصَّتْ عَلَى الْمُرَاد وَلَفْظه \" نَزَلَتْ يَوْم جُمُعَة يَوْم عَرَفَة وَكِلَاهُمَا بِحَمْدِ اللَّه لَنَا عِيد \" لَفْظ الطَّبَرِيّ وَالطَّبَرَانِيّ \" وَهُمَا لَنَا عِيدَانِ \" وَكَذَا عِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ يَهُودِيًّا سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : نَزَلَتْ فِي يَوْم عِيدَيْنِ , يَوْم جُمُعَة وَيَوْم عَرَفَة \" فَظَهَرَ أَنَّ الْجَوَاب تَضَمَّنَ أَنَّهُمْ اِتَّخَذُوا ذَلِكَ الْيَوْم عِيدًا وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة , وَاِتَّخَذُوا يَوْم عَرَفَة عِيدًا لِأَنَّهُ لَيْلَة الْعِيد , وَهَكَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآتِي فِي الصِّيَام \" شَهْرَا عِيد لَا يَنْقُصَانِ : رَمَضَان وَذُو الْحِجَّة \" فَسُمِّيَ رَمَضَان عِيدًا لِأَنَّهُ يُعْقُبهُ الْعِيد. فَإِنْ قِيلَ : كَيْف دَلَّتْ هَذِهِ الْقِصَّة عَلَى تَرْجَمَة الْبَاب ؟ أُجِيبَ مِنْ جِهَة أَنَّهَا بَيَّنَتْ أَنَّ نُزُولهَا كَانَ بِعَرَفَة , وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّة الْوَدَاع الَّتِي هِيَ آخِر عَهْد الْبَعْثَة حِين تَمَّتْ الشَّرِيعَة وَأَرْكَانهَا. وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ جَزَمَ السُّدِّيّ بِأَنَّهُ لَمْ يَنْزِل بَعْد هَذِهِ الْآيَة شَيْء مِنْ الْحَلَال وَالْحَرَام. ‏"
    },
    {
        "id": "44",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏ثَائِرَ ‏ ‏الرَّأْسِ يُسْمَعُ ‏ ‏دَوِيُّ ‏ ‏صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى ‏ ‏دَنَا ‏ ‏فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَصِيَامُ رَمَضَانَ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الزَّكَاةَ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ فَأَدْبَرَ ‏ ‏الرَّجُلُ ‏ ‏وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ ‏",
        "sharh": "رِجَال إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث كُلّهمْ مَدَنِيُّونَ , وَمَالِك وَالِد أَبِي سُهَيْل هُوَ اِبْن أَبِي عَامِر الْأَصْبَحِيّ حَلِيف طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس اِبْن أُخْت الْإِمَام مَالِك , فَهُوَ مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل عَنْ خَاله عَنْ عَمّه عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَلِيفه , فَهُوَ مُسَلْسَل بِالْأَقَارِبِ كَمَا هُوَ مُسَلْسَل بِالْبَلَدِ. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ رَجُل ) ‏ ‏زَادَ أَبُو ذَرّ \" مِنْ أَهْل نَجْد \" وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ وَمُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( ثَائِر الرَّأْس ) ‏ ‏هُوَ مَرْفُوع عَلَى الصِّفَة , وَيَجُوز نَصْبه عَلَى الْحَال , وَالْمُرَاد أَنَّ شَعْره مُتَفَرِّق مِنْ تَرْك الرَّفَاهِيَة , فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى قُرْب عَهْده بِالْوِفَادَةِ , وَأَوْقَعَ اِسْم الرَّأْس عَلَى الشَّعْر إِمَّا مُبَالَغَة أَوْ لِأَنَّ الشَّعْر مِنْهُ يَنْبُت. ‏ ‏قَوْله : ( يُسْمَع ) ‏ ‏بِضَمِّ الْيَاء عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ , أَوْ بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَة لِلْجَمْعِ , وَكَذَا فِي \" يُفْقَه \". ‏ ‏قَوْله ( دَوِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الدَّالّ وَكَسْر الْوَاو وَتَشْدِيد الْيَاء , كَذَا فِي رِوَايَتنَا. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : جَاءَ عِنْدنَا فِي الْبُخَارِيّ بِضَمِّ الدَّال. قَالَ : وَالصَّوَاب الْفَتْح. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الدَّوِيّ صَوْت مُرْتَفِع مُتَكَرِّر وَلَا يُفْهَم. وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَادَى مِنْ بُعْد. وَهَذَا الرَّجُل جَزَمَ اِبْن بَطَّال وَآخَرُونَ بِأَنَّهُ ضِمَام بْن ثَعْلَبَة وَافِد بَنِي سَعْد بْن بَكْر. وَالْحَامِل لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِيرَاد مُسْلِم لِقِصَّتِهِ عَقِب حَدِيث طَلْحَة ; وَلِأَنَّ فِي كُلّ مِنْهُمَا أَنَّهُ بَدْوِيّ , وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَالَ فِي آخِر حَدِيثه \" لَا أَزِيد عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُص \". لَكِنْ تَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّ سِيَاقهمَا مُخْتَلِف , وَأَسْئِلَتهمَا مُتَبَايِنَة , قَالَ : وَدَعْوَى أَنَّهُمَا قِصَّة وَاحِدَة دَعْوَى فَرَط , وَتَكَلُّف شَطَط , مِنْ غَيْر ضَرُورَة. وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَوَّاهُ بَعْضهمْ بِأَنَّ اِبْن سَعْد وَابْن عَبْد الْبَرّ وَجَمَاعَة لَمْ يَذْكُرُوا لِضِمَام إِلَّا الْأَوَّل , وَهَذَا غَيْر لَازِم. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا هُوَ يَسْأَل عَنْ الْإِسْلَام ) ‏ ‏أَيْ : عَنْ شَرَائِع الْإِسْلَام , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ حَقِيقَة الْإِسْلَام , وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُر لَهُ الشَّهَادَة لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يَعْلَمهَا أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَسْأَل عَنْ الشَّرَائِع الْفِعْلِيَّة , أَوْ ذَكَرَهَا وَلَمْ يَنْقُلهَا الرَّاوِي لِشُهْرَتِهَا , وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُر الْحَجّ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ بَعْد أَوْ الرَّاوِي اِخْتَصَرَهُ , وَيُؤَيِّد هَذَا الثَّانِي مَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الصِّيَام مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ أَبِي سُهَيْل فِي هَذَا الْحَدِيث قَالَ : فَأَخْبَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرَائِع الْإِسْلَام , فَدَخَلَ فِيهِ بَاقِي الْمَفْرُوضَات بَلْ وَالْمَنْدُوبَات. ‏ ‏قَوْله : ( خَمْس صَلَوَات ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر الْمَذْكُورَة أَنَّهُ قَالَ فِي سُؤَاله : أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّه عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاة ؟ فَقَالَ : الصَّلَوَات الْخَمْس. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا مُطَابَقَة الْجَوَاب لِلسُّؤَالِ. وَيُسْتَفَاد مِنْ سِيَاق مَالِك أَنَّهُ لَا يَجِب شَيْء مِنْ الصَّلَوَات فِي كُلّ يَوْم وَلَيْلَة غَيْر الْخَمْس , خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَ الْوِتْر أَوْ رَكْعَتَيْ الْفَجْر أَوْ صَلَاة الضُّحَى أَوْ صَلَاة الْعِيد أَوْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْد الْمَغْرِب. ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ عَلَيَّ غَيْرهَا ؟ قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّع ) ‏ ‏تَطَّوَّع بِتَشْدِيدِ الطَّاء وَالْوَاو , وَأَصْله تَتَطَوَّع بِتَاءَيْنِ فَأُدْغِمَتْ إِحْدَاهُمَا , وَيَجُوز تَخْفِيف الطَّاء عَلَى حَذْف إِحْدَاهُمَا. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الشُّرُوع فِي التَّطَوُّع يُوجِب إِتْمَامه تَمَسُّكًا بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاء فِيهِ مُتَّصِل , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : لِأَنَّهُ نَفْي وُجُوب شَيْء آخَر إِلَّا مَا تَطَوَّعَ بِهِ , وَالِاسْتِثْنَاء مِنْ النَّفْي إِثْبَات , وَلَا قَائِل بِوُجُوبِ التَّطَوُّع , فَيَتَعَيَّن أَنْ يَكُون الْمُرَاد إِلَّا أَنْ تَشْرَع فِي تَطَوُّع فَيَلْزَمك إِتْمَامه. وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيّ بِأَنَّ مَا تَمَسَّكَ بِهِ مُغَالَطَة ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاء هُنَا مِنْ غَيْر الْجِنْس ; لِأَنَّ التَّطَوُّع لَا يُقَال فِيهِ \" عَلَيْك \" فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا يَجِب عَلَيْك شَيْء , إِلَّا إِنْ أَرَدْت أَنْ تَطَّوَّع فَذَلِكَ لَك. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ التَّطَوُّع لَيْسَ بِوَاجِبٍ. فَلَا يَجِب شَيْء آخَر أَصْلًا. كَذَا قَالَ. وَحَرْف الْمَسْأَلَة دَائِر عَلَى الِاسْتِثْنَاء , فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ مُتَّصِل تَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ , وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ مُنْقَطِع اِحْتَاجَ إِلَى دَلِيل , وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَى النَّسَائِيُّ وَغَيْره أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَحْيَانًا يَنْوِي صَوْم التَّطَوُّع ثُمَّ يُفْطِر , وَفِي الْبُخَارِيّ أَنَّهُ أَمَرَ جُوَيْرِيَة بِنْت الْحَارِث أَنْ تُفْطِر يَوْم الْجُمُعَة بَعْد أَنْ شَرَعَتْ فِيهِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشُّرُوع فِي الْعِبَادَة لَا يَسْتَلْزِم الْإِتْمَام - إِذَا كَانَتْ نَافِلَة - بِهَذَا النَّصّ فِي الصَّوْم وَالْقِيَاس فِي الْبَاقِي. فَإِنْ قِيلَ : يَرِد الْحَجّ , قُلْنَا : لَا ; لِأَنَّهُ اِمْتَازَ عَنْ غَيْره بِلُزُومِ الْمُضِيّ فِي فَاسِده فَكَيْف فِي صَحِيحه. وَكَذَلِكَ اِمْتَازَ بِلُزُومِ الْكَفَّارَة فِي نَفْله كَفَرْضِهِ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏عَلَى أَنَّ فِي اِسْتِدْلَال الْحَنَفِيَّة نَظَرًا لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِفَرْضِيَّةِ الْإِتْمَام , بَلْ بِوُجُوبِهِ. وَاسْتِثْنَاء الْوَاجِب مِنْ الْفَرْض مُنْقَطِع لِتَبَايُنِهِمَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاء مِنْ النَّفْي عِنْدهمْ لَيْسَ لِلْإِثْبَاتِ بَلْ مَسْكُوت عَنْهُ. وَقَوْله \" إِلَّا أَنْ تَطَّوَّع \" اِسْتِثْنَاء مِنْ قَوْله لَا , أَيْ : لَا فَرْض عَلَيْك غَيْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَذَكَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر قَالَ : أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّه عَلَيَّ مِنْ الزَّكَاة , قَالَ فَأَخْبَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرَائِع الْإِسْلَام , فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ فِي الْقِصَّة أَشْيَاء أُجْمِلَتْ , مِنْهَا بَيَان نُصُب الزَّكَاة فَإِنَّهَا لَمْ تُفَسَّر فِي الرِّوَايَتَيْنِ , وَكَذَا أَسْمَاء الصَّلَوَات , وَكَأَنَّ السَّبَب فِيهِ شُهْرَة ذَلِكَ عِنْدهمْ , أَوْ الْقَصْد مِنْ الْقِصَّة بَيَان أَنَّ الْمُتَمَسِّك بِالْفَرَائِضِ نَاجٍ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلَ النَّوَافِل. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّه ) ‏ ‏أَيْ : رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر فَقَالَ \" وَاَلَّذِي أَكْرَمَك \". وَفِيهِ جَوَاز الْحَلِف فِي الْأَمْر الْمُهِمّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر الْمَذْكُورَة \" أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ \" أَوْ \" دَخَلَ الْجَنَّة وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ \". وَلِأَبِي دَاوُدَ مِثْله لَكِنْ بِحَذْفِ \" أَوْ \". فَإِنْ قِيلَ : مَا الْجَامِع بَيْن هَذَا وَبَيْن النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِالْآبَاءِ ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل النَّهْي , أَوْ بِأَنَّهَا كَلِمَة جَارِيَة عَلَى اللِّسَان لَا يُقْصَد بِهَا الْحَلِف , كَمَا جَرَى عَلَى لِسَانهمْ عَقْرَى , حَلْقَى وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , أَوْ فِيهِ إِضْمَار اِسْم الرَّبّ كَأَنَّهُ قَالَ : وَرَبّ أَبِيهِ , وَقِيلَ : هُوَ خَاصّ وَيَحْتَاج إِلَى دَلِيل , وَحَكَى السُّهَيْلِيّ عَنْ بَعْض مَشَايِخه أَنَّهُ قَالَ : هُوَ تَصْحِيف , وَإِنَّمَا كَانَ وَاَللَّه , فَقُصِّرَتْ اللَّامَانِ. وَاسْتَنْكَرَ الْقُرْطُبِيّ هَذَا وَقَالَ : إِنَّهُ يَجْزِم الثِّقَة بِالرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَة. وَغَفَلَ الْقَرَافِيّ فَادَّعَى أَنَّ الرِّوَايَة بِلَفْظِ : وَأَبِيهِ لَمْ تَصِحّ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّأ , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِ الْجَوَاب فَعَدَلَ إِلَى رَدّ الْخَبَر , وَهُوَ صَحِيح لَا مِرْيَة فِيهِ , وَأَقْوَى الْأَجْوِبَة الْأَوَّلَانِ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : دَلَّ قَوْله \" أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ \" عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَصْدُق فِيمَا اِلْتَزَمَ لَا يُفْلِح , وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْل الْمُرْجِئَة , فَإِنْ قِيلَ : كَيْف أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاح بِمُجَرَّدِ مَا ذَكَرَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر الْمَنْهِيَّات ؟ أَجَابَ اِبْن بَطَّال بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ قَبْل وُرُود فَرَائِض النَّهْي. وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّ السَّائِل ضِمَام , وَأَقْدَم مَا قِيلَ فِيهِ إِنَّهُ وَفَدَ سَنَة خَمْس , وَقِيلَ بَعْد ذَلِكَ , وَقَدْ كَانَ أَكْثَر الْمَنْهِيَّات وَاقِعًا قَبْل ذَلِكَ. وَالصَّوَاب أَنَّ ذَلِكَ دَاخِل فِي عُمُوم قَوْله \" فَأَخْبَرَهُ بِشَرَائِع الْإِسْلَام \" كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ أَمَّا فَلَاحه بِأَنَّهُ لَا يَنْقُص فَوَاضِح , وَأَمَّا بِأَنْ لَا يَزِيد فَكَيْف يَصِحّ ؟ أَجَابَ النَّوَوِيّ بِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاح لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ. وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا أَتَى بِزَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ لَا يَكُون مُفْلِحًا ; لِأَنَّهُ إِذَا أَفْلَحَ بِالْوَاجِبِ فَفَلَاحه بِالْمَنْدُوبِ مَعَ الْوَاجِب أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ فَكَيْف أَقَرَّهُ عَلَى حَلِفه وَقَدْ وَرَدَ النَّكِير عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَل خَيْرًا ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال وَالْأَشْخَاص , وَهَذَا جَارٍ عَلَى الْأَصْل بِأَنَّهُ لَا إِثْم عَلَى غَيْر تَارِك الْفَرَائِض , فَهُوَ مُفْلِح وَإِنْ كَانَ غَيْره أَكْثَر فَلَاحًا مِنْهُ. وَقَالَ الطِّيبِيّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا الْكَلَام صَدَرَ مِنْهُ عَلَى طَرِيق الْمُبَالَغَة فِي التَّصْدِيق وَالْقَبُول , أَيْ : قَبِلْت كَلَامك قَبُولًا لَا مَزِيد عَلَيْهِ مِنْ جِهَة السُّؤَال , وَلَا نُقْصَان فِيهِ مِنْ طَرِيق الْقَبُول. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : يَحْتَمِل أَنْ تَكُون الزِّيَادَة وَالنَّقْص تَتَعَلَّق بِالْإِبْلَاغِ ; لِأَنَّهُ كَانَ وَافِد قَوْمه لِيَتَعَلَّم وَيُعَلِّمهُمْ. قُلْت : وَالِاحْتِمَالَانِ مَرْدُودَانِ بِرِوَايَةِ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر , فَإِنَّ نَصَّهَا \" لَا أَتَطَوَّع شَيْئًا , وَلَا أَنْقُص مِمَّا فَرَضَ اللَّه عَلَيَّ شَيْئًا \". وَقِيلَ : مُرَاده بِقَوْلِهِ لَا أَزِيد وَلَا أَنْقُص أَيْ : لَا أُغَيِّر صِفَة الْفَرْض كَمَنْ يَنْقُص الظُّهْر مَثَلًا رَكْعَة أَوْ يَزِيد الْمَغْرِب , قُلْت : وَيُعَكِّر عَلَيْهِ أَيْضًا لَفْظ التَّطَوُّع فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "45",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏وَمُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا ‏ ‏وَاحْتِسَابًا ‏ ‏وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْمَنْجُوفِيّ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون النُّون وَضَمّ الْجِيم وَبَعْد الْوَاو السَّاكِنَة فَاء نِسْبَة إِلَى جَدّ جَدّه مَنْجُوف السَّدُوسِيّ , وَهُوَ بَصْرِيّ , وَكَذَا بَاقِي رِجَال الْإِسْنَاد غَيْر الصَّحَابِيّ. وَرَوْح بِفَتْحِ الرَّاء هُوَ اِبْن عُبَادَةَ الْقَيْسِيّ , وَعَوْف هُوَ اِبْن أَبِي جَمِيلَة بِفَتْحِ الْجِيم الْأَعْرَابِيّ بِفَتْحِ الْهَمْزَة , وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِفَصَاحَتِهِ وَكُنْيَته أَبُو سَهْل , وَاسْم أَبِيهِ بَنْدَوَيْهِ - بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ نُون سَاكِنَة ثُمَّ دَال مُهْمَلَة - بِوَزْنِ رَاهْوَيْهِ , وَالْحَسَن هُوَ اِبْن أَبِي الْحَسَن الْبَصْرِيّ , وَمُحَمَّد هُوَ اِبْن سِيرِينَ , وَهُوَ مَجْرُور بِالْعَطْفِ عَلَى الْحَسَن , فَالْحَسَن وَابْن سِيرِينَ حَدَّثَا بِهِ عَوْفًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة إِمَّا مُجْتَمِعَيْنِ وَإِمَّا مُتَفَرِّقَيْنِ , فَأَمَّا اِبْن سِيرِينَ فَسَمَاعه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة صَحِيح , وَأَمَّا الْحَسَن فَمُخْتَلَف فِي سَمَاعه مِنْهُ , وَالْأَكْثَر عَلَى نَفْيه وَتَوْهِيم مَنْ أَثْبَتَهُ , وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ كَثِير الْإِرْسَال فَلَا تُحْمَل عَنْعَنَته عَلَى السَّمَاع , وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف كَمَا سَمِعَ , وَقَدْ وَقَعَ لَهُ نَظِير هَذَا فِي قِصَّة مُوسَى , فَإِنَّهُ أَخْرَجَ فِيهَا حَدِيثًا مِنْ طَرِيق رَوْح بْن عُبَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَأَخْرَجَ أَيْضًا فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ طَرِيق عَوْف عَنْهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة حَدِيثًا آخَر , وَاعْتِمَاده فِي كُلّ ذَلِكَ عَلَى مُحَمَّد بْن سِيرِينَ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ اِتَّبَعَ ) ‏ ‏هُوَ بِالتَّشْدِيدِ , وَلِلْأَصِيلِيِّ \" تَبِعَ \" بِحَذْفِ الْأَلِف وَكَسْر الْمُوَحَّدَة , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا اللَّفْظ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَشْي خَلْفهَا أَفْضَل , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ يُقَال تَبِعَهُ إِذَا مَشَى خَلْفه أَوْ إِذَا مَرَّ بِهِ فَمَشَى مَعَهُ , وَكَذَلِكَ اِتَّبَعَهُ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ اِفْتَعَلَ مِنْهُ , فَإِذَا هُوَ مَقُول بِالِاشْتِرَاكِ , وَقَدْ بَيَّنَ الْمُرَاد الْحَدِيث الْآخَر الْمُصَحَّح عِنْد اِبْن حِبَّان وَغَيْره مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْمَشْي أَمَامهَا , وَأَمَّا أَتْبَعَهُ بِالْإِسْكَانِ فَهُوَ بِمَعْنَى لَحِقَهُ إِذَا كَانَ سَبَقَهُ , وَلَمْ تَأْتِ بِهِ الرِّوَايَة هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ مَعَهُ ) ‏ ‏أَيْ : مَعَ الْمُسْلِم , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَعَهَا \" أَيْ : مَعَ الْجِنَازَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يُصَلِّي ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام وَيُرْوَى بِفَتْحِهَا , فَعَلَى الْأَوَّل لَا يَحْصُل الْمَوْعُود بِهِ إِلَّا لِمَنْ تُوجَد مِنْهُ الصَّلَاة , وَعَلَى الثَّانِي قَدْ يُقَال يَحْصُل لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ , أَمَّا إِذَا قَصَدَ الصَّلَاة وَحَال دُونه مَانِع فَالظَّاهِر حُصُول الثَّوَاب لَهُ مُطْلَقًا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُفْرَغ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الرَّاء , وَيُرْوَى بِالْعَكْسِ , وَقَدْ أَثْبَتَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ إِنَّمَا يَحْصُلَانِ بِمَجْمُوعِ الصَّلَاة وَالدَّفْن , وَأَنَّ الصَّلَاة دُون الدَّفْن يَحْصُل بِهَا قِيرَاط وَاحِد , وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد خِلَافًا لِمَنْ تَمَسّك بِظَاهِرِ بَعْض الرِّوَايَات فَزَعَمَ أَنَّهُ يَحْصُل بِالْمَجْمُوعِ ثَلَاثَة قَرَارِيط , وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّة مَبَاحِثه وَفَوَائِده فِي كِتَاب الْجَنَائِز إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ ) ‏ ‏أَيْ : رَوْح بْن عُبَادَةَ , وَعُثْمَان هُوَ اِبْن الْهَيْثَم وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , فَإِنْ كَانَ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيث مِنْهُ فَهُوَ لَهُ أَعْلَى بِدَرَجَةٍ , لَكِنَّهُ ذَكَرَ الْمَوْصُول عَنْ رَوْح لِكَوْنِهِ أَشَدّ إِتْقَانًا مِنْهُ , وَنَبَّهَ بِرِوَايَةِ عُثْمَان عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَاد فِي هَذَا السَّنَد عَلَى مُحَمَّد بْن سِيرِينَ فَقَطْ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُر الْحَسَن , فَكَأَنَّ عَوْفًا كَانَ رُبَّمَا ذَكَرَهُ وَرُبَّمَا حَذَفَهُ , وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ الْمَنْجُوفِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ مَرَّة بِإِسْقَاطِ الْحَسَن , أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيقه , وَمُتَابَعَة عُثْمَان هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق بْن حَمْزَة حَدَّثَنَا أَبُو طَالِب بْن أَبِي عَوَانَة حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن سَيْف حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن الْهَيْثَم.. فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَلَفْظه مُوَافِق لِرِوَايَةِ رَوْح إِلَّا فِي قَوْله : وَكَانَ مَعَهَا فَإِنَّهُ قَالَ بَدَلهَا \" فَلَزِمَهَا \" , وَفِي قَوْله وَيُفْرَغ مِنْ دَفْنهَا فَإِنَّهُ قَالَ بَدَلهَا \" وَتُدْفَن \" , وَقَالَ فِي آخِره \" فَلَهُ قِيرَاط \" بَدَل قَوْله فَإِنَّهُ يَرْجِع بِقِيرَاطٍ , وَالْبَاقِي سَوَاء. وَلِهَذَا الِاخْتِلَاف فِي اللَّفْظ قَالَ الْمُصَنِّف \" نَحْوه \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاو , أَيْ : بِمَعْنَاهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "46",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زُبَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُرْجِئَةِ ‏ ‏فَقَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ ‏ ‏كُفْرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( زُبَيْد ) ‏ ‏قُدِّمَ أَنَّهُ بِالزَّايِ وَالْمُوَحَّدَة مُصَغَّرًا , وَهُوَ اِبْن الْحَارِث الْيَامِيّ بِيَاءٍ تَحْتَانِيَّة وَمِيم خَفِيفَة , يُكَنَّى أَبَا عَبْد الرَّحْمَن , وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث شُعْبَة أَيْضًا عَنْ مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر وَهُوَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْأَدَب , وَعَنْ الْأَعْمَش وَهُوَ عِنْد مُسْلِم , وَرَوَاهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ شُعْبَة عَنْ الثَّلَاثَة جَمِيعًا عَنْ أَبِي وَائِل , وَقَالَ اِبْن مَنْدَهْ : لَمْ يُخْتَلَف فِي رَفْعه عَنْ زُبَيْد وَاخْتُلِفَ عَلَى الْآخَرِينَ. وَرَوَاهُ عَنْ زُبَيْد غَيْر شُعْبَة أَيْضًا عِنْد مُسْلِم وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلْت أَبَا وَائِل عَنْ الْمُرْجِئَة ) ‏ ‏أَيْ : عَنْ مَقَالَة الْمُرْجِئَة , وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ عَنْ شُعْبَة عَنْ زُبَيْد قَالَ : لَمَّا ظَهَرَتْ الْمُرْجِئَة أَتَيْت أَبَا وَائِل فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ. فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ سُؤَاله كَانَ عَنْ مُعْتَقَدهمْ , وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ حِين ظُهُورهمْ , وَكَانَتْ وَفَاة أَبِي وَائِل سَنَة تِسْع وَتِسْعِينَ وَقِيلَ سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ , فَفِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّ بِدْعَة الْإِرْجَاء قَدِيمَة , وَقَدْ تَابَعَ أَبَا وَائِل فِي رِوَايَة هَذَا الْحَدِيث عَبْدُ الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مُصَحَّحًا وَلَفْظه \" قِتَال الْمُسْلِم أَخَاهُ كُفْر , وَسِبَابه فُسُوق \" , وَرَوَاهُ جَمَاعَة عَنْ عَبْد اللَّه بْنِ مَسْعُود مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا , وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص أَيْضًا مَرْفُوعًا , فَانْتَفَتْ بِذَلِكَ دَعْوَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَبَا وَائِل تَفَرَّدَ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( سِبَاب ) ‏ ‏هُوَ بِكَسْرِ السِّين وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة , وَهُوَ مَصْدَر يُقَال : سَبَّ يَسُبّ سَبًّا وَسِبَابًا , وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ : السِّبَاب أَشَدّ مِنْ السَّبّ , وَهُوَ أَنْ يَقُول الرَّجُل مَا فِيهِ وَمَا لَيْسَ فِيهِ يُرِيد بِذَلِكَ عَيْبه. وَقَالَ غَيْره : السِّبَاب هُنَا مِثْل الْقِتَال فَيَقْتَضِي الْمُفَاعَلَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَوْضَح مِنْ هَذَا فِي بَاب الْمَعَاصِي مِنْ أَمْر الْجَاهِلِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( الْمُسْلِم ) ‏ ‏كَذَا فِي مُعْظَم الرِّوَايَات , وَلِأَحْمَد عَنْ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة \" الْمُؤْمِن \" , فَكَأَنَّهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى. ‏ ‏قَوْله : ( فُسُوق ) ‏ ‏الْفِسْق فِي اللُّغَة الْخُرُوج , وَفِي الشَّرْع : الْخُرُوج عَنْ طَاعَة اللَّه وَرَسُوله , وَهُوَ فِي عُرْف الشَّرْع أَشَدّ مِنْ الْعِصْيَان , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْر وَالْفُسُوق وَالْعِصْيَان ) , فَفِي الْحَدِيث تَعْظِيم حَقّ الْمُسْلِم وَالْحُكْم عَلَى مَنْ سَبَّهُ بِغَيْرِ حَقّ بِالْفِسْقِ , وَمُقْتَضَاهُ الرَّدّ عَلَى الْمُرْجِئَة. وَعُرِفَ مِنْ هَذَا مُطَابَقَة جَوَاب أَبِي وَائِل لِلسُّؤَالِ عَنْهُمْ كَأَنَّهُ قَالَ : كَيْف تَكُون مَقَالَتهمْ حَقًّا وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول هَذَا.. ‏ ‏قَوْله : ( وَقِتَاله كُفْر ) ‏ ‏إِنْ قِيلَ : هَذَا وَإِنْ تَضَمَّنَ الرَّدّ عَلَى الْمُرْجِئَة لَكِنَّ ظَاهِره يُقَوِّي مَذْهَب الْخَوَارِج الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالْمَعَاصِي. فَالْجَوَاب : إِنَّ الْمُبَالَغَة فِي الرَّدّ عَلَى الْمُبْتَدِع اِقْتَضَتْ ذَلِكَ , وَلَا مُتَمَسَّك لِلْخَوَارِجِ فِيهِ ; لِأَنَّ ظَاهِره غَيْر مُرَاد , لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْقِتَال أَشَدّ مِنْ السِّبَاب - لِأَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى إِزْهَاق الرُّوح - عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ أَشَدّ مِنْ لَفْظ الْفِسْق وَهُوَ الْكُفْر , وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَة الْكُفْر الَّتِي هِيَ الْخُرُوج عَنْ الْمِلَّة , بَلْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْكُفْر مُبَالَغَة فِي التَّحْذِير , مُعْتَمِدًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْقَوَاعِد أَنَّ مِثْل ذَلِكَ لَا يُخْرِج عَنْ الْمِلَّةَ , مِثْل حَدِيث الشَّفَاعَة , وَمِثْل قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرِك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء ) , وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى ذَلِكَ فِي بَاب الْمَعَاصِي مِنْ أَمْر الْجَاهِلِيَّة. أَوْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْكُفْر لِشَبَهِهِ بِهِ ; لِأَنَّ قِتَال الْمُؤْمِن مِنْ شَأْن الْكَافِر. وَقِيلَ : الْمُرَاد هُنَا الْكُفْر اللُّغَوِيّ وَهُوَ التَّغْطِيَة ; لِأَنَّ حَقّ الْمُسْلِم عَلَى الْمُسْلِم أَنْ يُعِينهُ وَيَنْصُرهُ وَيَكُفّ عَنْهُ أَذَاهُ , فَلَمَّا قَاتَلَهُ كَانَ كَأَنَّهُ غَطَّى عَلَى هَذَا الْحَقّ , وَالْأَوَّلَانِ أَلْيَق بِمُرَادِ الْمُصَنِّف وَأَوْلَى بِالْمَقْصُودِ مِنْ التَّحْذِير مِنْ فِعْل ذَلِكَ وَالزَّجْر عَنْهُ بِخِلَافِ الثَّالِث. وَقِيلَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ كُفْر أَيْ قَدْ يَئُول هَذَا الْفِعْل بِشُؤْمِهِ إِلَى الْكُفْر , وَهَذَا بَعِيد , وَأَبْعَد مِنْهُ حَمْله عَلَى الْمُسْتَحِلّ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُطَابِق التَّرْجَمَة , وَلَوْ كَانَ مُرَادًا لَمْ يَحْصُل التَّفْرِيق بَيْن السِّبَاب وَالْقِتَال , فَإِنَّ مُسْتَحِلّ لَعْن الْمُسْلِم بِغَيْرِ تَأْوِيل يَكْفُر أَيْضًا. ثُمَّ ذَلِكَ مَحْمُول عَلَى مَنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ تَأْوِيل. وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الْمُحَارِبِينَ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَمِثْل هَذَا الْحَدِيث قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِب بَعْضكُمْ رِقَاب بَعْض \" فَفِيهِ هَذِهِ الْأَجْوِبَة , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْفِتَن , وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) بَعْد قَوْله : ( ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارهمْ ) الْآيَة. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَعْض الْأَعْمَال يُطْلَق عَلَيْهِ الْكُفْر تَغْلِيظًا. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِم : \" لَعْن الْمُسْلِم كَقَتْلِهِ \" فَلَا يُخَالِف هَذَا الْحَدِيث ; لِأَنَّ الْمُشَبَّه بِهِ فَوْق الْمُشَبَّه , وَالْقَدْر الَّذِي اِشْتَرَكَا فِيهِ بُلُوغ الْغَايَة فِي التَّأْثِير : هَذَا فِي الْعَرْض , وَهَذَا فِي النَّفْس. وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ وَرَدَ لِهَذَا الْمَتْن سَبَب ذَكَرْته فِي أَوَّل كِتَاب الْفِتَن فِي أَوَاخِر الصَّحِيح. ‏"
    },
    {
        "id": "47",
        "content": "‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ‏ ‏فَتَلَاحَى ‏ ‏رَجُلَانِ ‏ ‏مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنَّهُ ‏ ‏تَلَاحَى ‏ ‏فُلَانٌ وَفُلَانٌ ‏ ‏فَرُفِعَتْ ‏ ‏وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ ‏ ‏الْتَمِسُوهَا ‏ ‏فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حُمَيْدٍ ) ‏ ‏هُوَ الطَّوِيل ( ‏ ‏عَنْ أَنَس ) ‏ ‏, وَلِلْأَصِيلِيِّ \" حَدَّثَنَاهُ أَنَس بْن مَالِك \" فَأَمِنَّا تَدْلِيس حُمَيْدٍ. وَهُوَ مِنْ رِوَايَة صَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ , أَنَس عَنْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت. ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجَ يُخْبِر بِلَيْلَةِ الْقَدْر ) ‏ ‏أَيْ : بِتَعْيِينِ لَيْلَة الْقَدْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَلَاحَى ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة مُشْتَقّ مِنْ التَّلَاحِي بِكَسْرِهَا وَهُوَ التَّنَازُع وَالْمُخَاصَمَة , وَالرَّجُلَانِ أَفَادَ اِبْن دِحْيَة أَنَّهُمَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي حَدْرَد - بِحَاءٍ مَفْتُوحَة وَدَال سَاكِنَة مُهْمَلَتَيْنِ , ثُمَّ رَاءٍ مَفْتُوحَة وَدَال مُهْمَلَة أَيْضًا - وَكَعْب بْن مَالِك. وَقَوْله \" فَرُفِعَتْ \" أَيْ فَرُفِعَ تَعْيِينهَا عَنْ ذِكْرِي , هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد هُنَا. وَالسَّبَب فِيهِ مَا أَوْضَحَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي هَذِهِ الْقِصَّة قَالَ \" فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحْتَقَّانِ \" بِتَشْدِيدِ الْقَاف أَيْ : يَدَّعِي كُلّ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْمُحِقّ \" مَعَهُمَا الشَّيْطَان , فَنَسِيتهَا \". قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُخَاصَمَة مَذْمُومَة , وَأَنَّهَا سَبَب فِي الْعُقُوبَة الْمَعْنَوِيَّة أَيْ : الْحِرْمَان. وَفِيهِ أَنَّ الْمَكَان الَّذِي يَحْضُرهُ الشَّيْطَان تُرْفَع مِنْهُ الْبَرَكَة وَالْخَيْر. فَإِنْ قِيلَ كَيْف تَكُون الْمُخَاصَمَة فِي طَلَب الْحَقّ مَذْمُومَة ؟ قُلْت : إِنَّمَا كَانَتْ كَذَلِكَ لِوُقُوعِهَا فِي الْمَسْجِد , وَهُوَ مَحَلّ الذِّكْر لَا اللَّغْو , ثُمَّ فِي الْوَقْت الْمَخْصُوص أَيْضًا بِالذِّكْرِ لَا اللَّغْو وَهُوَ شَهْر رَمَضَان , فَالذَّمّ لِمَا عَرَضَ فِيهَا لَا لِذَاتِهَا , ثُمَّ إِنَّهَا مُسْتَلْزِمَة لِرَفْعِ الصَّوْت وَرَفْعه بِحَضْرَةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْهِيّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتكُمْ فَوْق صَوْت النَّبِيّ - إِلَى قَوْله تَعَالَى - أَنْ تَحْبَط أَعْمَالكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) وَمِنْ هُنَا يَتَّضِح مُنَاسَبَة هَذَا الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ وَمُطَابَقَتهَا لَهُ , وَقَدْ خَفِيَتْ عَلَى كَثِير مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى هَذَا الْكِتَاب. فَإِنْ قِيلَ قَوْله : ( وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) يَقْتَضِي الْمُؤَاخَذَة بِالْعَمَلِ الَّذِي لَا قَصْد فِيهِ. فَالْجَوَاب أَنَّ الْمُرَاد وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ بِالْإِحْبَاطِ لِاعْتِقَادِكُمْ صِغَر الذَّنْب , فَقَدْ يَعْلَم الْمَرْء الذَّنْب وَلَكِنْ لَا يَعْلَم أَنَّهُ كَبِيرَة , كَمَا قِيلَ فِي قَوْله \" إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِير \" أَيْ : عِنْدهمَا , ثُمَّ قَالَ \" وَإِنَّهُ لَكَبِير \" أَيْ : فِي نَفْس الْأَمْر. وَأَجَابَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ بِأَنَّ الْمُؤَاخَذَة تَحْصُل بِمَا لَمْ يُقْصَد فِي الثَّانِي إِذَا قُصِدَ فِي الْأَوَّل ; لِأَنَّ مُرَاعَاة الْقَصْد إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَوَّل ثُمَّ يَسْتَرْسِل حُكْم النِّيَّة الْأُولَى عَلَى مُؤْتَنَف الْعَمَل وَإِنْ عَزَبَ الْقَصْد خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَسَى أَنْ يَكُون خَيْرًا ) ‏ ‏أَيْ : وَإِنْ كَانَ عَدَم الرَّفْع أَزْيَد خَيْرًا وَأَوْلَى مِنْهُ ; لِأَنَّهُ مُتَحَقِّق فِيهِ , لَكِنْ فِي الرَّفْع خَيْر مَرْجُوّ لِاسْتِلْزَامِهِ مَزِيد الثَّوَاب ; لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِزِيَادَةِ الِاجْتِهَاد فِي اِلْتِمَاسهَا , وَإِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( فِي السَّبْع وَالتِّسْع ) كَذَا فِي مُعْظَم الرِّوَايَات بِتَقْدِيمِ السَّبْع الَّتِي أَوَّلهَا السِّين عَلَى التِّسْع , فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ رَجَاءَهَا فِي السَّبْع أَقْوَى لِلِاهْتِمَامِ بِتَقْدِيمِهِ. وَوَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج بِتَقْدِيمِ التِّسْع عَلَى تَرْتِيب التَّدَلِّي. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالتِّسْعِ وَغَيْرهَا فَقِيلَ لِتِسْعٍ يَمْضِينَ مِنْ الْعَشْر وَقِيلَ لِتِسْعٍ يَبْقَيْنَ مِنْ الشَّهْر , وَسَنَذْكُرُ بَسْط هَذَا فِي مَحَلّه حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الِاعْتِكَاف إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "48",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فَقَالَ مَا الْإِيمَانُ قَالَ ‏ ‏الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ قَالَ مَا الْإِسْلَامُ قَالَ الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ قَالَ مَا الْإِحْسَانُ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ ‏ ‏أَشْرَاطِهَا ‏ ‏إِذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ ‏ ‏رَبَّهَا ‏ ‏وَإِذَا ‏ ‏تَطَاوَلَ ‏ ‏رُعَاةُ الْإِبِلِ ‏ ‏الْبُهْمُ ‏ ‏فِي الْبُنْيَانِ فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ‏} ‏الْآيَةَ ثُمَّ ‏ ‏أَدْبَرَ ‏ ‏فَقَالَ رُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَقَالَ هَذَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏جَعَلَ ذَلِك كُلَّهُ مِنْ الْإِيمَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّة , قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّان التَّمِيمِيّ. وَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِي تَفْسِير سُورَة لُقْمَان مِنْ حَدِيث جَرِير بْن عَبْد الْحَمِيد عَنْ أَبِي حَيَّان الْمَذْكُور. وَرَوَاهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ جَرِير أَيْضًا عَنْ عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث جَرِير أَيْضًا عَنْ أَبِي فَرْوَة ثَلَاثَتهمْ عَنْ أَبِي زُرْعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. زَادَ أَبُو فَرْوَة : وَعَنْ أَبِي ذَرّ أَيْضًا , وَسَاقَ حَدِيثه عَنْهُمَا جَمِيعًا. وَفِيهِ فَوَائِد زَوَائِد سَنُشِيرُ إِلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة إِلَّا عَنْ أَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو بْن جَرِير هَذَا عَنْهُ , وَلَمْ يُخَرِّجهُ الْبُخَارِيّ إِلَّا مِنْ طَرِيق أَبِي حَيَّان عَنْهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَفِي سِيَاقه فَوَائِد زَوَائِد أَيْضًا. وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجهُ الْبُخَارِيّ لِاخْتِلَافٍ فِيهِ عَلَى بَعْض رُوَاته , فَمَشْهُوره رِوَايَة كَهْمَسٍ - بِسِينٍ مُهْمَلَة قَبْلهَا مِيم مَفْتُوحَة - بْن الْحَسَن عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَر - بِفَتْحِ الْمِيم أَوَّله يَاء تَحْتَانِيَّة مَفْتُوحَة - عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ عُمَر بْن الْخَطَّاب , رَوَاهُ عَنْ كَهْمَس جَمَاعَة مِنْ الْحُفَّاظ , وَتَابَعَهُ مَطَر الْوَرَّاق عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ , وَتَابَعَهُ سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمَر , وَكَذَا رَوَاهُ عُثْمَان بْن غِيَاث عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ لَكِنَّهُ قَالَ : عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمَر وَحُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن مَعًا عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر , زَادَ فِيهِ حُمَيْدًا , وَحُمَيْدٌ لَهُ فِي الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة ذِكْر لَا رِوَايَة. وَأَخْرَجَ مُسْلِم هَذِهِ الطُّرُق وَلَمْ يَسُقْ مِنْهَا إِلَّا مَتْن الطَّرِيق الْأُولَى وَأَحَالَ الْبَاقِي عَلَيْهَا , وَبَيْنهَا اِخْتِلَاف كَثِير سَنُشِيرُ إِلَى بَعْضه , فَأَمَّا رِوَايَة مَطَر فَأَخْرَجَهَا أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه وَغَيْره , وَأَمَّا رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ فَأَخْرَجَهَا اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه وَغَيْره , وَأَمَّا رِوَايَة عُثْمَان بْن غِيَاث فَأَخْرَجَهَا أَحْمَد فِي مُسْنَده. وَقَدْ خَالَفَهُمْ سُلَيْمَان بْن بُرَيْدَةَ أَخُو عَبْد اللَّه فَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَد بْن عُمَر لَا مِنْ رِوَايَته عَنْ أَبِيهِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَة مِنْ طَرِيق عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمَر , وَكَذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَفِي الْبَاب عَنْ أَنَس أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَالْبُخَارِيّ فِي خَلْق أَفْعَال الْعِبَاد وَإِسْنَاده حَسَن. وَعَنْ جَرِير الْبَجَلِيّ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه وَفِي إِسْنَاده خَالِد بْن يَزِيد وَهُوَ الْعُمَرِيّ وَلَا يَصْلُح لِلصَّحِيحِ , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي عَامِر الْأَشْعَرِيّ أَخْرَجَهُمَا أَحْمَد وَإِسْنَادهمَا حَسَن. وَفِي كُلّ مِنْ هَذِهِ الطُّرُق فَوَائِد سَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي أَثْنَاء الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْبَاب. وَإِنَّمَا جَمَعْت طُرُقهَا هُنَا وَعَزَوْتهَا إِلَى مُخَرِّجِيهَا لِتَسْهِيلِ الْحَوَالَة عَلَيْهَا فِرَارًا مِنْ التَّكْرَار الْمُبَايِن لِطَرِيقِ الِاخْتِصَار. وَاَللَّه الْمُوَفِّق. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ ) ‏ ‏أَيْ : ظَاهِرًا لَهُمْ غَيْر مُحْتَجِب عَنْهُمْ وَلَا مُلْتَبِس بِغَيْرِهِ , وَالْبُرُوز الظُّهُور. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي فَرْوَة الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا بَيَان ذَلِكَ , فَإِنَّ أَوَّله : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِس بَيْن أَصْحَابه فَيَجِيء الْغَرِيب فَلَا يَدْرِي أَيّهمْ هُوَ , فَطَلَبْنَا إِلَيْهِ أَنْ نَجْعَل لَهُ مَجْلِسًا يَعْرِفهُ الْغَرِيب إِذَا أَتَاهُ , قَالَ : فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا مِنْ طِين كَانَ يَجْلِس عَلَيْهِ. اِنْتَهَى. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْقُرْطُبِيّ اِسْتِحْبَاب جُلُوس الْعَالِم بِمَكَانٍ يَخْتَصّ بِهِ وَيَكُون مُرْتَفِعًا إِذَا اِحْتَاجَ لِذَلِكَ لِضَرُورَةِ تَعْلِيم وَنَحْوه. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَاهُ رَجُل ) أَيْ : مَلَك فِي صُورَة رَجُل , وَفِي التَّفْسِير لِلْمُصَنِّفِ : إِذْ أَتَاهُ رَجُل يَمْشِي , وَلِأَبِي فَرْوَة : فَإِنَّا لَجُلُوسٌ عِنْده إِذْ أَقْبَلَ رَجُل أَحْسَن النَّاس وَجْهًا وَأَطْيَب النَّاس رِيحًا كَأَنَّ ثِيَابه لَمْ يَمَسّهَا دَنَس. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق كَهْمَس فِي حَدِيث عُمَر : بَيْنَمَا نَحْنُ ذَات يَوْم عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُل شَدِيد بَيَاض الثِّيَاب شَدِيد سَوَاد الشَّعْر. وَفِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان سَوَاد اللِّحْيَة , لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَر السَّفَر وَلَا يَعْرِفهُ مِنَّا أَحَد , حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ. وَفِي رِوَايَة لِسُلَيْمَان التَّيْمِيِّ : لَيْسَ عَلَيْهِ سَحْنَاء السَّفَر , وَلَيْسَ مِنْ الْبَلَد , فَتَخَطَّى حَتَّى بَرَكَ بَيْن يَدَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يَجْلِس أَحَدنَا فِي الصَّلَاة , ثُمَّ وَضَعَ يَده عَلَى رُكْبَتَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَأَبِي عَامِر الْأَشْعَرِيّ : ثُمَّ وَضَعَ يَده عَلَى رُكْبَتَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله عَلَى فَخِذَيْهِ يَعُود عَلَى النَّبِيّ , وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيُّ وَإِسْمَاعِيل التَّيْمِيُّ لِهَذِهِ الرِّوَايَة وَرَجَّحَهُ الطِّيبِيّ بَحْثًا لِأَنَّهُ نَسَق الْكَلَام خِلَافًا لِمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيّ , وَوَافَقَهُ التُّورْبَشْتِيُّ لِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ جَلَسَ كَهَيْئَةِ الْمُتَعَلِّم بَيْن يَدَيْ مَنْ يَتَعَلَّم مِنْهُ , وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا مِنْ السِّيَاق لَكِنْ وَضْعه يَدَيْهِ عَلَى فَخِذ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنِيع مُنَبِّه لِلْإِصْغَاءِ إِلَيْهِ , وَفِيهِ إِشَارَة لِمَا يَنْبَغِي لِلْمَسْئُولِ مِنْ التَّوَاضُع وَالصَّفْح عَمَّا يَبْدُو مِنْ جَفَاء السَّائِل. وَالظَّاهِر أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَة فِي تَعْمِيَة أَمْره لِيُقَوِّيَ الظَّنّ بِأَنَّهُ مِنْ جُفَاة الْأَعْرَاب , وَلِهَذَا تَخَطَّى النَّاس حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلِهَذَا اِسْتَغْرَبَ الصَّحَابَة صَنِيعه ; وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْبَلَد وَجَاءَ مَاشِيًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَثَر سَفَر. فَإِنْ قِيلَ : كَيْف عَرَفَ عُمَر أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفهُ أَحَد مِنْهُمْ ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى ظَنّه , أَوْ إِلَى صَرِيح قَوْل الْحَاضِرِينَ. قُلْت : وَهَذَا الثَّانِي أَوْلَى , فَقَدْ جَاءَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة عُثْمَان بْن غِيَاث فَإِنَّ فِيهَا : فَنَظَرَ الْقَوْم بَعْضهمْ إِلَى بَعْض فَقَالُوا : مَا نَعْرِف هَذَا. وَأَفَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع سَبَب وُرُود هَذَا الْحَدِيث , فَعِنْده فِي أَوَّله : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَلُونِي , فَهَابُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ , قَالَ فَجَاءَ رَجُل. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْ كَهْمَس : بَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب إِذْ جَاءَهُ رَجُل - فَكَأَنَّ أَمْره لَهُمْ بِسُؤَالِهِ وَقَعَ فِي خُطْبَته - وَظَاهِره أَنَّ مَجِيء الرَّجُل كَانَ فِي حَال الْخُطْبَة , فَإِمَّا أَنْ يَكُون وَافَقَ اِنْقِضَاءَهَا أَوْ كَانَ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَدْر جَالِسًا وَعَبَّرَ عَنْهُ الرَّاوِي بِالْخُطْبَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ ) ‏ ‏زَادَ الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِير : يَا رَسُول اللَّه مَا الْإِيمَان ؟ فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْف بَدَأَ بِالسُّؤَالِ قَبْل السَّلَام ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ مُبَالَغَة فِي التَّعْمِيَة لِأَمْرِهِ , أَوْ لِيُبَيِّنَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْر وَاجِب , أَوْ سَلَّمَ فَلَمْ يَنْقُلهُ الرَّاوِي. قُلْت : وَهَذَا الثَّالِث هُوَ الْمُعْتَمَد , فَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَة أَبِي فَرْوَة , فَفِيهَا بَعْد قَوْله كَأَنَّ ثِيَابه لَمْ يَمَسّهَا دَنَس حَتَّى سَلَّمَ مِنْ طَرَف الْبِسَاط فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْك يَا مُحَمَّد , فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَام. قَالَ : أَدْنُو يَا مُحَمَّد ؟ قَالَ : ادْنُ. فَمَا زَالَ يَقُول أَدْنُو مِرَارًا وَيَقُول لَهُ ادْنُ. وَنَحْوه فِي رِوَايَة عَطَاء عَنْ اِبْن عُمَر , لَكِنْ قَالَ : السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول اللَّه. وَفِي رِوَايَة مَطَر الْوَرَّاق فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَدْنُو مِنْك ؟ قَالَ ادْنُ. وَلَمْ يَذْكُر السَّلَام. فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَات , هَلْ قَالَ لَهُ يَا مُحَمَّد أَوْ يَا رَسُول اللَّه ؟ هَلْ سَلَّمَ أَوْ لَا ؟. فَأَمَّا السَّلَام فَمَنْ ذَكَرَهُ مُقَدَّم عَلَى مَنْ سَكَتَ عَنْهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ بِنَاء عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّم وَقَالَ يَا مُحَمَّد : إِنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ التَّعْمِيَة فَصَنَعَ صَنِيع الْأَعْرَاب. قُلْت : وَيُجْمَع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ بَدَأَ أَوَّلًا بِنِدَائِهِ بِاسْمِهِ لِهَذَا الْمَعْنَى , ثُمَّ خَاطَبَهُ بِقَوْلِهِ يَا رَسُول اللَّه. وَوَقَعَ عِنْد الْقُرْطُبِيّ أَنَّهُ قَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ يَا مُحَمَّد , فَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلدَّاخِلِ أَنْ يُعَمِّم بِالسَّلَامِ ثُمَّ يُخَصِّص مَنْ يُرِيد تَخْصِيصه. اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ الرِّوَايَات إِنَّمَا فِيهِ الْإِفْرَاد وَهُوَ قَوْله : السَّلَام عَلَيْك يَا مُحَمَّد. ‏ ‏قَوْله : ( مَا الْإِيمَان ) ‏ ‏قِيلَ قَدَّمَ السُّؤَال عَنْ الْإِيمَان لِأَنَّهُ الْأَصْل , وَثَنَّى بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ يُظْهِر مِصْدَاق الدَّعْوَى , وَثَلَّثَ بِالْإِحْسَانِ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّق بِهِمَا. وَفِي رِوَايَة عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع : بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ بِالْأَمْرِ الظَّاهِر وَثَنَّى بِالْإِيمَانِ لِأَنَّهُ بِالْأَمْرِ الْبَاطِن. وَرَجَّحَ هَذَا الطِّيبِيّ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّرَقِّي. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة اِخْتَلَفَ الرُّوَاة فِي تَأْدِيَتهَا , وَلَيْسَ فِي السِّيَاق تَرْتِيب , وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة مَطَر الْوَرَّاق فَإِنَّهُ بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ وَثَنَّى بِالْإِحْسَانِ وَثَلَّثَ بِالْإِيمَانِ , فَالْحَقّ أَنَّ الْوَاقِع أَمْر وَاحِد , وَالتَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَقَعَ مِنْ الرُّوَاة. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : الْإِيمَان أَنْ تُؤْمِن بِاللَّهِ إِلَخْ ) ‏ ‏دَلَّ الْجَوَاب أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ مُتَعَلِّقَاته لَا عَنْ مَعْنَى لَفْظه , وَإِلَّا لَكَانَ الْجَوَاب : الْإِيمَان التَّصْدِيق. وَقَالَ الطِّيبِيّ : هَذَا يُوهِم التَّكْرَار , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ قَوْله أَنْ تُؤْمِن بِاَللَّهِ مُضَمَّن مَعْنَى أَنْ تَعْتَرِف بِهِ , وَلِهَذَا عَدَّاهُ بِالْبَاءِ , أَيْ : أَنْ تُصَدِّق مُعْتَرِفًا بِكَذَا. قُلْت : وَالتَّصْدِيق أَيْضًا يُعَدَّى بِالْبَاءِ فَلَا يَحْتَاج إِلَى دَعْوَى التَّضْمِين. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَيْسَ هُوَ تَعْرِيفًا لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ , بَلْ الْمُرَاد مِنْ الْمَحْدُود الْإِيمَان الشَّرْعِيّ , وَمِنْ الْحَدّ الْإِيمَان اللُّغَوِيّ قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ إِنَّمَا أَعَادَ لَفْظ الْإِيمَان لِلِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهِ تَفْخِيمًا لِأَمْرِهِ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّل مَرَّة ) فِي جَوَاب ( مَنْ يُحْيِي الْعِظَام وَهِيَ رَمِيم ) , يَعْنِي أَنَّ قَوْله أَنْ تُؤْمِن يَنْحَلّ مِنْهُ الْإِيمَان فَكَأَنَّهُ قَالَ : الْإِيمَان الشَّرْعِيّ تَصْدِيق مَخْصُوص , وَإِلَّا لَكَانَ الْجَوَاب : الْإِيمَان التَّصْدِيق , وَالْإِيمَان بِاَللَّهِ هُوَ التَّصْدِيق بِوُجُودِهِ وَأَنَّهُ مُتَّصِف بِصِفَاتِ الْكَمَال مُنَزَّه عَنْ صِفَات النَّقْص. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَلَائِكَته ) ‏ ‏الْإِيمَان بِالْمَلَائِكَةِ هُوَ التَّصْدِيق بِوُجُودِهِمْ وَأَنَّهُمْ كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّه تَعَالَى ( عِبَاد مُكْرَمُونَ ) وَقَدَّمَ الْمَلَائِكَة عَلَى الْكُتُب وَالرُّسُل نَظَرًا لِلتَّرْتِيبِ الْوَاقِع ; لِأَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى أَرْسَلَ الْمَلَك بِالْكِتَابِ إِلَى الرَّسُول وَلَيْسَ فِيهِ مُتَمَسَّك لِمَنْ فَضَّلَ الْمَلَك عَلَى الرَّسُول. ‏ ‏قَوْله : ( وَكُتُبه ) ‏ ‏هَذِهِ عِنْد الْأَصِيلِيّ هُنَا , وَاتَّفَقَ الرُّوَاة عَلَى ذِكْرهَا فِي التَّفْسِير , وَالْإِيمَان بِكُتُبِ اللَّه التَّصْدِيق بِأَنَّهَا كَلَام اللَّه وَأَنَّ مَا تَضَمَّنَتْهُ حَقّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَبِلِقَائِهِ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَتْ هُنَا بَيْن الْكُتُب وَالرُّسُل , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ , وَلَمْ تَقَع فِي بَقِيَّة الرِّوَايَات , وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا مُكَرَّرَة لِأَنَّهَا دَاخِلَة فِي الْإِيمَان بِالْبَعْثِ , وَالْحَقّ أَنَّهَا غَيْر مُكَرَّرَة , فَقِيلَ الْمُرَاد بِالْبَعْثِ الْقِيَام مِنْ الْقُبُور , وَالْمُرَاد بِاللِّقَاءِ مَا بَعْد ذَلِكَ , وَقِيلَ اللِّقَاء يَحْصُل بِالِانْتِقَالِ مِنْ دَار الدُّنْيَا , وَالْبَعْث بَعْد ذَلِكَ. وَيَدُلّ عَلَى هَذَا رِوَايَة مَطَر الْوَرَّاق فَإِنَّ فِيهَا \" وَبِالْمَوْتِ وَبِالْبَعْثِ بَعْد الْمَوْت \" , وَكَذَا فِي حَدِيث أَنَس وَابْن عَبَّاس , وَقِيلَ الْمُرَاد بِاللِّقَاءِ رُؤْيَة اللَّه , ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقْطَع لِنَفْسِهِ بِرُؤْيَةِ اللَّه , فَإِنَّهَا مُخْتَصَّة بِمَنْ مَاتَ مُؤْمِنًا , وَالْمَرْء لَا يَدْرِي بِمَ يُخْتَم لَهُ , فَكَيْف يَكُون ذَلِكَ مِنْ شُرُوط الْإِيمَان ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد الْإِيمَان بِأَنَّ ذَلِكَ حَقّ فِي نَفْس الْأَمْر , وَهَذَا مِنْ الْأَدِلَّة الْقَوِيَّة لِأَهْلِ السُّنَّة فِي إِثْبَات رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فِي الْآخِرَة إِذْ جُعِلَتْ مِنْ قَوَاعِد الْإِيمَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَرُسُله ) ‏ ‏وَلِلْأَصِيلِيِّ \" وَبِرُسُلِهِ \" , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس وَابْن عَبَّاس \" وَالْمَلَائِكَة وَالْكِتَاب وَالنَّبِيِّينَ \" , وَكُلّ مِنْ السِّيَاقَيْنِ فِي الْقُرْآن فِي الْبَقَرَة , وَالتَّعْبِير بِالنَّبِيِّينَ يَشْمَل الرُّسُل مِنْ غَيْر عَكْس , وَالْإِيمَان بِالرُّسُلِ التَّصْدِيق بِأَنَّهُمْ صَادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنْ اللَّه , وَدَلَّ الْإِجْمَال فِي الْمَلَائِكَة وَالْكُتُب وَالرُّسُل عَلَى الِاكْتِفَاء بِذَلِكَ فِي الْإِيمَان بِهِمْ مِنْ غَيْر تَفْصِيل , إِلَّا مَنْ ثَبَتَ تَسْمِيَته فَيَجِب الْإِيمَان بِهِ عَلَى التَّعْيِين. وَهَذَا التَّرْتِيب مُطَابِق لِلْآيَةِ ( آمَنَ الرَّسُول بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبّه ) وَمُنَاسَبَة التَّرْتِيب الْمَذْكُور وَإِنْ كَانَتْ الْوَاو لَا تُرَتِّب بَلْ الْمُرَاد مِنْ التَّقَدُّم أَنَّ الْخَيْر وَالرَّحْمَة مِنْ اللَّه , وَمِنْ أَعْظَم رَحْمَته أَنْ أَنْزَلَ كُتُبه إِلَى عِبَاده , وَالْمُتَلَقِّي لِذَلِكَ مِنْهُمْ الْأَنْبِيَاء , وَالْوَاسِطَة بَيْن اللَّه وَبَيْنهمْ الْمَلَائِكَة. ‏ ‏قَوْل ( وَتُؤْمِن بِالْبَعْثِ ) ‏ ‏زَادَ فِي التَّفْسِير \" الْآخِر \" وَلِمُسْلِمٍ فِي حَدِيث عُمَر \" وَالْيَوْم الْآخِر \" فَأَمَّا الْبَعْث الْآخِر فَقِيلَ ذَكَرَ الْآخِر تَأْكِيدًا كَقَوْلِهِمْ أَمْس الذَّاهِب , وَقِيلَ لِأَنَّ الْبَعْث وَقَعَ مَرَّتَيْنِ : الْأُولَى الْإِخْرَاج مِنْ الْعَدَم إِلَى الْوُجُود أَوْ مِنْ بُطُون الْأُمَّهَات بَعْد النُّطْفَة وَالْعَلَقَة إِلَى الْحَيَاة الدُّنْيَا , وَالثَّانِيَة الْبَعْث مِنْ بُطُون الْقُبُور إِلَى مَحَلّ الِاسْتِقْرَار. وَأَمَّا الْيَوْم الْآخِر فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ آخِر أَيَّام الدُّنْيَا أَوْ آخِر الْأَزْمِنَة الْمَحْدُودَة , وَالْمُرَاد بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالتَّصْدِيق بِمَا يَقَع فِيهِ مِنْ الْحِسَاب وَالْمِيزَان وَالْجَنَّة وَالنَّار. وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِذِكْرِ الْأَرْبَعَة بَعْد ذِكْر الْبَعْث فِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَيْضًا. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي مُسْتَخْرَجه هُنَا \" وَتُؤْمِن بِالْقَدَرِ \" , وَهِيَ فِي رِوَايَة أَبِي فَرْوَة أَيْضًا , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع , وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ \" كُلّه \" , وَفِي رِوَايَة كَهْمَس وَسُلَيْمَان التَّيْمِيِّ \" وَتُؤْمِن بِالْقَدَرِ خَيْره وَشَرّه \" وَكَذَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَهُوَ فِي رِوَايَة عَطَاء عَنْ اِبْن عُمَر بِزِيَادَةِ \" وَحُلْوه وَمُرّه مِنْ اللَّه \" , وَكَأَنَّ الْحِكْمَة فِي إِعَادَة لَفْظ \" وَتُؤْمِن \" عِنْد ذِكْر الْبَعْث الْإِشَارَة إِلَى أَنَّهُ نَوْع آخَر مِمَّا يُؤْمَن بِهِ ; لِأَنَّ الْبَعْث سَيُوجَدُ بَعْد , وَمَا ذُكِرَ قَبْله مَوْجُود الْآن , وَلِلتَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِ لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ يُنْكِرهُ مِنْ الْكُفَّار , وَلِهَذَا كَثُرَ تَكْرَاره فِي الْقُرْآن , وَهَكَذَا الْحِكْمَة فِي إِعَادَة لَفْظ \" وَتُؤْمِن \" عِنْد ذِكْر الْقَدَر كَأَنَّهَا إِشَارَة إِلَى مَا يَقَع فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَاف , فَحَصَلَ الِاهْتِمَام بِشَأْنِهِ بِإِعَادَةِ تُؤْمِن , ثُمَّ قَرَّرَهُ بِالْإِبْدَالِ بِقَوْلِهِ \" خَيْره وَشَرّه وَحُلْوه وَمُرّه \" ثُمَّ زَادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة \" مِنْ اللَّه \". وَالْقَدَر مَصْدَر , تَقُول : قَدَرْت الشَّيْء بِتَخْفِيفِ الدَّالّ وَفَتْحهَا أَقْدِرُهُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح قَدْرًا وَقَدَرًا , إِذَا أَحَطْت بِمِقْدَارِهِ. وَالْمُرَاد أَنَّ اللَّه تَعَالَى عَلِمَ مَقَادِير الْأَشْيَاء وَأَزْمَانهَا قَبْل إِيجَادهَا , ثُمَّ أَوْجَدَ مَا سَبَقَ فِي عِلْمه أَنَّهُ يُوجَد , فَكُلّ مُحْدَث صَادِر عَنْ عِلْمه وَقُدْرَته وَإِرَادَته , هَذَا هُوَ الْمَعْلُوم مِنْ الدِّين بِالْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّة , وَعَلَيْهِ كَانَ السَّلَف مِنْ الصَّحَابَة وَخِيَار التَّابِعِينَ , إِلَى أَنْ حَدَثَتْ بِدْعَة الْقَدَر فِي أَوَاخِر زَمَن الصَّحَابَة , وَقَدْ رَوَى مُسْلِم الْقِصَّة فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيق كَهْمَس عَنْ اِبْن بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمَر قَالَ : كَانَ أَوَّل مَنْ قَالَ فِي الْقَدَر بِالْبَصْرَةِ مَعْبَد الْجُهَنِيّ , قَالَ فَانْطَلَقْت أَنَا وَحُمَيْدٌ الْحِمْيَرِيّ , فَذَكَرَ اِجْتِمَاعهمَا بِعَبْدِ اللَّه بْن عُمَر , وَأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ بَرِيء مِمَّنْ يَقُول ذَلِكَ , وَأَنَّ اللَّه لَا يَقْبَل مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِن بِالْقَدَرِ عَمَلًا. وَقَدْ حَكَى الْمُصَنِّفُونَ فِي الْمَقَالَات عَنْ طَوَائِف مِنْ الْقَدَرِيَّة إِنْكَار كَوْن الْبَارِئ عَالِمًا بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَال الْعِبَاد قَبْل وُقُوعهَا مِنْهُمْ , وَإِنَّمَا يَعْلَمهَا بَعْد كَوْنهَا. قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره : قَدْ اِنْقَرَضَ هَذَا الْمَذْهَب , وَلَا نَعْرِف أَحَدًا يُنْسَب إِلَيْهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ : وَالْقَدَرِيَّة الْيَوْم مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّه عَالِم بِأَفْعَالِ الْعِبَاد قَبْل وُقُوعهَا , وَإِنَّمَا خَالَفُوا السَّلَف فِي زَعْمهمْ بِأَنَّ أَفْعَال الْعِبَاد مَقْدُورَة لَهُمْ وَوَاقِعَة مِنْهُمْ عَلَى جِهَة الِاسْتِقْلَال , وَهُوَ مَعَ كَوْنه مَذْهَبًا بَاطِلًا أَخَفّ مِنْ الْمَذْهَب الْأَوَّل. وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمْ فَأَنْكَرُوا تَعَلُّق الْإِرَادَة بِأَفْعَالِ الْعِبَاد فِرَارًا مِنْ تَعَلُّق الْقَدِيم بِالْمُحْدَثِ , وَهُمْ مَخْصُومُونَ بِمَا قَالَ الشَّافِعِيّ : إِنْ سَلَّمَ الْقَدَرِيّ الْعِلْم خُصِمَ. يَعْنِي يُقَال لَهُ : أَيَجُوزُ أَنْ يَقَع فِي الْوُجُود خِلَاف مَا تَضَمَّنَهُ الْعِلْم ؟ فَإِنْ مَنَعَ وَافَقَ قَوْل أَهْل السُّنَّة , وَإِنْ أَجَازَ لَزِمَهُ نِسْبَة الْجَهْل , تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ظَاهِر السِّيَاق يَقْتَضِي أَنَّ الْإِيمَان لَا يُطْلَق إِلَّا عَلَى مَنْ صَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ , وَقَدْ اِكْتَفَى الْفُقَهَاء بِإِطْلَاقِ الْإِيمَان عَلَى مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله , وَلَا اِخْتِلَاف ; لِأَنَّ الْإِيمَان بِرَسُولِ اللَّه الْمُرَاد بِهِ الْإِيمَان بِوُجُودِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ عَنْ رَبّه , فَيَدْخُل جَمِيع مَا ذُكِرَ تَحْت ذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تَعْبُد اللَّه ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْعِبَادَةِ مَعْرِفَة اللَّه فَيَكُون عَطْف الصَّلَاة وَغَيْرهَا عَلَيْهَا لِإِدْخَالِهَا فِي الْإِسْلَام , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْعِبَادَةِ الطَّاعَة مُطْلَقًا , فَيَدْخُل فِيهِ جَمِيع الْوَظَائِف , فَعَلَى هَذَا يَكُون عَطْف الصَّلَاة وَغَيْرهَا مِنْ عَطْف الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ. قُلْت : أَمَّا الِاحْتِمَال الْأَوَّل فَبَعِيد ; لِأَنَّ الْمَعْرِفَة مِنْ مُتَعَلَّقَات الْإِيمَان , وَأَمَّا الْإِسْلَام فَهُوَ أَعْمَال قَوْلِيَّة وَبَدَنِيَّة , وَقَدْ عَبَّرَ فِي حَدِيث عُمَر هُنَا بِقَوْلِهِ \" أَنْ تَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْعِبَادَةِ فِي حَدِيث الْبَاب النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ , وَبِهَذَا تَبَيَّنَ دَفْع الِاحْتِمَال الثَّانِي. وَلَمَّا عَبَّرَ الرَّاوِي بِالْعِبَادَةِ اِحْتَاجَ أَنْ يُوَضِّحهَا بِقَوْلِهِ \" وَلَا تُشْرِك بِهِ شَيْئًا \" وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهَا فِي رِوَايَة عُمَر لِاسْتِلْزَامِهَا ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ : السُّؤَال عَامّ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ مَاهِيَّة الْإِسْلَام , وَالْجَوَاب خَاصّ لِقَوْلِهِ أَنْ تَعْبُد أَوْ تَشْهَد , وَكَذَا قَالَ فِي الْإِيمَان أَنْ تُؤْمِن , وَفِي الْإِحْسَان أَنْ تَعْبُد. وَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ لِنُكْتَةِ الْفَرْق بَيْن الْمَصْدَر وَبَيْن أَنْ وَالْفِعْل ; لِأَنَّ \" أَنْ تَفْعَل \" تَدُلّ عَلَى الِاسْتِقْبَال , وَالْمَصْدَر لَا يَدُلّ عَلَى زَمَان. عَلَى أَنَّ بَعْض الرُّوَاة أَوْرَدَهُ هُنَا بِصِيغَةِ الْمَصْدَر , فَفِي رِوَايَة عُثْمَان بْن غِيَاث قَالَ \" شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" وَكَذَا فِي حَدِيث أَنَس , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِمُخَاطَبَتِهِ بِالْإِفْرَادِ اِخْتِصَاصه بِذَلِكَ , بَلْ الْمُرَاد تَعْلِيم السَّامِعِينَ الْحُكْم فِي حَقّهمْ وَحَقّ مَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ , وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي آخِره \" يُعَلِّم النَّاس دِينهمْ \". فَإِنْ قِيلَ : لِمَ لَمْ يَذْكُر الْحَجّ ؟ أَجَابَ بَعْضهمْ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ , وَهُوَ مَرْدُود بِمَا رَوَاهُ اِبْن مَنْدَهْ فِي كِتَاب الْإِيمَان بِإِسْنَادِهِ الَّذِي عَلَى شَرْط مُسْلِم مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ فِي حَدِيث عُمَر أَوَّله \" أَنَّ رَجُلًا فِي آخِر عُمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَر الْحَدِيث بِطُولِهِ , وَآخِر عُمْره يَحْتَمِل أَنْ يَكُون بَعْد حَجَّة الْوَدَاع فَإِنَّهَا آخِر سَفَرَاته , ثُمَّ بَعْد قُدُومه بِقَلِيلٍ دُون ثَلَاثَة أَشْهُر مَاتَ , وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ بَعْد إِنْزَال جَمِيع الْأَحْكَام لِتَقْرِيرِ أُمُور الدِّين - الَّتِي بَلَّغَهَا مُتَفَرِّقَة - فِي مَجْلِس وَاحِد , لِتَنْضَبِط. وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ جَوَاز سُؤَال الْعَالِم مَا لَا يَجْهَلهُ السَّائِل لِيَعْلَمهُ السَّامِع , وَأَمَّا الْحَجّ فَقَدْ ذُكِرَ , لَكِنْ بَعْض الرُّوَاة إِمَّا ذَهَلَ عَنْهُ وَإِمَّا نَسِيَهُ. وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ اِخْتِلَافهمْ فِي ذِكْر بَعْض الْأَعْمَال دُون بَعْض , فَفِي رِوَايَة كَهْمَس \" وَتَحُجّ الْبَيْت إِنْ اِسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلًا \" وَكَذَا فِي حَدِيث أَنَس , وَفِي رِوَايَة عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ لَمْ يَذْكُر الصَّوْم , وَفِي حَدِيث أَبِي عَامِر ذَكَرَ الصَّلَاة وَالزَّكَاة حَسْب , وَلَمْ يَذْكُر فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَزِيدًا عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ. وَذَكَرَ سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ فِي رِوَايَته الْجَمِيع , وَزَادَ بَعْد قَوْله وَتَحُجّ \" وَتَعْتَمِر وَتَغْتَسِل مِنْ الْجَنَابَة وَتُتَمِّم الْوُضُوء \". وَقَالَ مَطَر الْوَرَّاق فِي رِوَايَته \" وَتُقِيم الصَّلَاة وَتُؤْتِي الزَّكَاة \" قَالَ فَذَكَرَ عُرَى الْإِسْلَام , فَتَبَيَّنَّ مَا قُلْنَاهُ إِنَّ بَعْض الرُّوَاة ضَبَطَ مَا لَمْ يَضْبِطهُ غَيْره ‏ ‏قَوْله : ( وَتُقِيم الصَّلَاة ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" الْمَكْتُوبَة \" أَيْ : الْمَفْرُوضَة. وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْمَكْتُوبَةِ لِلتَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَة , فَإِنَّهُ عَبَّرَ فِي الزَّكَاة بِالْمَفْرُوضَةِ , وَلِاتِّبَاعِ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ الصَّلَاة كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ). ‏ ‏قَوْله : ( وَتَصُوم رَمَضَان ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَوْل رَمَضَان مِنْ غَيْر إِضَافَة شَهْر إِلَيْهِ , وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الصِّيَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( الْإِحْسَان ) ‏ ‏هُوَ مَصْدَر , تَقُول أَحْسَن يُحْسِن إِحْسَانًا. وَيَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ تَقُول أَحْسَنْت كَذَا إِذَا أَتْقَنْته , وَأَحْسَنْت إِلَى فُلَان إِذَا أَوْصَلْت إِلَيْهِ النَّفْع , وَالْأَوَّل هُوَ الْمُرَاد لِأَنَّ الْمَقْصُود إِتْقَان الْعِبَادَة. وَقَدْ يُلْحَظ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُخْلِص مَثَلًا مُحْسِن بِإِخْلَاصِهِ إِلَى نَفْسه , وَإِحْسَان الْعِبَادَة الْإِخْلَاص فِيهَا وَالْخُشُوع وَفَرَاغ الْبَال حَال التَّلَبُّس بِهَا وَمُرَاقَبَة الْمَعْبُود , وَأَشَارَ فِي الْجَوَاب إِلَى حَالَتَيْنِ : أَرْفَعهُمَا أَنْ يَغْلِب عَلَيْهِ مُشَاهَدَة الْحَقّ بِقَلْبِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ بِعَيْنِهِ وَهُوَ قَوْله \" كَأَنَّك تَرَاهُ \" أَيْ : وَهُوَ يَرَاك , وَالثَّانِيَة أَنْ يَسْتَحْضِر أَنَّ الْحَقّ مُطَّلِع عَلَيْهِ يَرَى كُلّ مَا يَعْمَل , وَهُوَ قَوْله \" فَإِنَّهُ يَرَاك \". وَهَاتَانِ الْحَالَتَانِ يُثَمِّرهُمَا مَعْرِفَة اللَّه وَخَشْيَته , وَقَدْ عَبَّرَ فِي رِوَايَة عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع بِقَوْلِهِ \" أَنْ تَخْشَى اللَّه كَأَنَّك تَرَاهُ \" وَكَذَا فِي حَدِيث أَنَس. وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّك إِنَّمَا تُرَاعِي الْآدَاب الْمَذْكُورَة إِذَا كُنْت تَرَاهُ وَيَرَاك , لِكَوْنِهِ يَرَاك لَا لِكَوْنِك تَرَاهُ فَهُوَ دَائِمًا يَرَاك , فَأَحْسِنْ عِبَادَته وَإِنْ لَمْ تَرَهُ , فَتَقْدِير الْحَدِيث : فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَاسْتَمِرَّ عَلَى إِحْسَان الْعِبَادَة فَإِنَّهُ يَرَاك. قَالَ : وَهَذَا الْقَدْر مِنْ الْحَدِيث أَصْل عَظِيم مِنْ أُصُول الدِّين , وَقَاعِدَة مُهِمَّة مِنْ قَوَاعِد الْمُسْلِمِينَ , وَهُوَ عُمْدَة الصِّدِّيقِينَ وَبُغْيَة السَّالِكِينَ وَكَنْز الْعَارِفِينَ وَدَأْب الصَّالِحِينَ , وَهُوَ مِنْ جَوَامِع الْكَلِم الَّتِي أُوتِيَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ نَدَبَ أَهْل التَّحْقِيق إِلَى مُجَالَسَة الصَّالِحِينَ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ التَّلَبُّس بِشَيْءٍ مِنْ النَّقَائِص اِحْتِرَامًا لَهُمْ وَاسْتِحْيَاء مِنْهُمْ , فَكَيْف بِمَنْ لَا يَزَال اللَّه مُطَّلِعًا عَلَيْهِ فِي سِرّه وَعَلَانِيَته ؟ اِنْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَ إِلَى أَصْل هَذَا الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي تَفْسِير لُقْمَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏دَلَّ سِيَاق الْحَدِيث عَلَى أَنَّ رُؤْيَة اللَّه فِي الدُّنْيَا بِالْأَبْصَارِ غَيْر وَاقِعَة , وَأَمَّا رُؤْيَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَاكَ لِدَلِيلٍ آخَر , وَقَدْ صَرَّحَ مُسْلِم فِي رِوَايَته مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا \". وَأَقْدَمَ بَعْض غُلَاة الصُّوفِيَّة عَلَى تَأْوِيل الْحَدِيث بِغَيْرِ عِلْم فَقَالَ : فِيهِ إِشَارَة إِلَى مَقَام الْمَحْو وَالْفَنَاء , وَتَقْدِيره فَإِنْ لَمْ تَكُنْ - أَيْ : فَإِنْ لَمْ تَصِرْ - شَيْئًا وَفَنِيت عَنْ نَفْسك حَتَّى كَأَنَّك لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فَإِنَّك حِينَئِذٍ تَرَاهُ. وَغَفَلَ قَائِل هَذَا - لِلْجَهْلِ بِالْعَرَبِيَّةِ - عَنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَاد مَا زَعَمَ لَكَانَ قَوْله \" تَرَاهُ \" مَحْذُوف الْأَلِف ; لِأَنَّهُ يَصِير مَجْزُومًا , لِكَوْنِهِ عَلَى زَعْمه جَوَاب الشَّرْط , وَلَمْ يَرِد فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث بِحَذْفِ الْأَلِف , وَمَنْ اِدَّعَى أَنَّ إِثْبَاتهَا فِي الْفِعْل الْمَجْزُوم عَلَى خِلَاف الْقِيَاس فَلَا يُصَار إِلَيْهِ إِذْ لَا ضَرُورَة هُنَا. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ مَا اِدَّعَاهُ صَحِيحًا لَكَانَ قَوْله \" فَإِنَّهُ يَرَاك \" ضَائِعًا لِأَنَّهُ لَا اِرْتِبَاط لَهُ بِمَا قَبْله. وَمِمَّا يُفْسِد تَأْوِيله رِوَايَة كَهْمَس فَإِنَّ لَفْظهَا \" فَإِنَّك إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك \" وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ , فَسَلَّطَ النَّفْي عَلَى الرُّؤْيَة لَا عَلَى الْكَوْن الَّذِي حَمَلَ عَلَى اِرْتِكَاب التَّأْوِيل الْمَذْكُور , وَفِي رِوَايَة أَبِي فَرْوَة \" فَإِنْ لَمْ تَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاك \" وَنَحْوه فِي حَدِيث أَنَس وَابْن عَبَّاس , وَكُلّ هَذَا يُبْطِل التَّأْوِيل الْمُتَقَدِّم. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع قَوْل السَّائِل \" صَدَقْت \" عَقِب كُلّ جَوَاب مِنْ الْأَجْوِبَة الثَّلَاثَة , وَزَادَ أَبُو فَرْوَة فِي رِوَايَته \" فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْل الرَّجُل صَدَقْت أَنْكَرْنَاهُ \" وَفِي رِوَايَة كَهْمَس \" فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلهُ وَيُصَدِّقهُ \". وَفِي رِوَايَة مَطَر \" اُنْظُرُوا إِلَيْهِ كَيْف يَسْأَلهُ وَانْظُرُوا إِلَيْهِ كَيْف يُصَدِّقهُ \" وَفِي حَدِيث أَنَس \" اُنْظُرُوا وَهُوَ يَسْأَلهُ وَهُوَ يُصَدِّقهُ كَأَنَّهُ أَعْلَم مِنْهُ \". وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بُرَيْدَةَ \" قَالَ الْقَوْم : مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِثْل هَذَا , كَأَنَّهُ يُعَلِّم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُول لَهُ : صَدَقْت صَدَقْت \". قَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّمَا عَجِبُوا مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُعْرَف إِلَّا مِنْ جِهَته , وَلَيْسَ هَذَا السَّائِل مِمَّنْ عُرِفَ بِلِقَاءِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا بِالسَّمَاعِ مِنْهُ , ثُمَّ هُوَ يَسْأَل سُؤَال عَارِف بِمَا يَسْأَل عَنْهُ لِأَنَّهُ يُخْبِرهُ بِأَنَّهُ صَادِق فِيهِ , فَتَعَجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ تَعَجُّب الْمُسْتَبْعِد لِذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( مَتَى السَّاعَة ) ‏ ‏أَيْ مَتَى تَقُوم السَّاعَة ؟ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع , وَاللَّام لِلْعَهْدِ , وَالْمُرَاد يَوْم الْقِيَامَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَا الْمَسْئُول عَنْهَا ) ‏ ‏\" مَا \" نَافِيَة. وَزَادَ فِي رِوَايَة أَبِي فَرْوَة \" فَنَكَسَ فَلَمْ يُجِبْهُ , ثُمَّ أَعَادَ فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلَاثًا , ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه فَقَالَ , مَا الْمَسْئُول \". ‏ ‏قَوْله : ( بِأَعْلَم ) ‏ ‏الْبَاء زَائِدَة لِتَأْكِيدِ النَّفْي , وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُشْعِرًا بِالتَّسَاوِي فِي الْعِلْم لَكِنَّ الْمُرَاد التَّسَاوِي فِي الْعِلْم بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى اِسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهَا لِقَوْلِهِ بَعْد \" خَمْس لَا يَعْلَمهَا إِلَّا اللَّه \" وَسَيَأْتِي نَظِير هَذَا التَّرْكِيب فِي أَوَاخِر الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي قَوْله \" مَا كُنْت بِأَعْلَم بِهِ مِنْ رَجُل مِنْكُمْ \" فَإِنَّ الْمُرَاد أَيْضًا التَّسَاوِي فِي عَدَم الْعِلْم بِهِ , وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس هُنَا فَقَالَ \" سُبْحَان اللَّه , خَمْس مِنْ الْغَيْب لَا يَعْلَمهُنَّ إِلَّا اللَّه \" ثُمَّ تَلَا الْآيَة. قَالَ النَّوَوِيّ : يُسْتَنْبَط مِنْهُ أَنَّ الْعَالِم إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَم يُصَرِّح بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمهُ , وَلَا يَكُون فِي ذَلِكَ نَقْص مِنْ مَرْتَبَته , بَلْ يَكُون ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مَزِيد وَرَعه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ مَقْصُود هَذَا السُّؤَال كَفّ السَّامِعِينَ عَنْ السُّؤَال عَنْ وَقْت السَّاعَة ; لِأَنَّهُمْ قَدْ أَكْثَرُوا السُّؤَال عَنْهَا كَمَا وَرَدَ فِي كَثِير مِنْ الْآيَات وَالْأَحَادِيث , فَلَمَّا حَصَلَ الْجَوَاب بِمَا ذُكِرَ هُنَا حَصَلَ الْيَأْس مِنْ مَعْرِفَتهَا , بِخِلَافِ الْأَسْئِلَة الْمَاضِيَة فَإِنَّ الْمُرَاد بِهَا اِسْتِخْرَاج الْأَجْوِبَة لِيَتَعَلَّمهَا السَّامِعُونَ وَيَعْمَلُوا بِهَا , وَنَبَّهَ بِهَذِهِ الْأَسْئِلَة عَلَى تَفْصِيل مَا يُمْكِن مَعْرِفَته مِمَّا لَا يُمْكِن. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ السَّائِل ) ‏ ‏عَدَلَ عَنْ قَوْله لَسْت بِأَعْلَم بِهَا مِنْك إِلَى لَفْظ يُشْعِر بِالتَّعْمِيمِ تَعْرِيضًا لِلسَّامِعِينَ , أَيْ : أَنَّ كُلّ مَسْئُول وَكُلّ سَائِل فَهُوَ كَذَلِكَ. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏هَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب وَقَعَ بَيْن عِيسَى بْن مَرْيَم وَجِبْرِيل , لَكِنْ كَانَ عِيسَى سَائِلًا وَجِبْرِيل مَسْئُولًا. قَالَ الْحُمَيْدِيّ فِي نَوَادِره : حَدَّثَنَا سُفْيَان حَدَّثَنَا مَالِك بْن مِغْوَل عَنْ إِسْمَاعِيل بْن رَجَاء عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : سَأَلَ عِيسَى بْن مَرْيَم جِبْرِيل عَنْ السَّاعَة , قَالَ فَانْتَفَضَ بِأَجْنِحَتِهِ وَقَالَ : مَا الْمَسْئُول عَنْهَا بِأَعْلَم مِنْ السَّائِل. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَأُخْبِرُك عَنْ أَشْرَاطهَا ) ‏ ‏وَفِي التَّفْسِير \" وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُك \" , وَفِي رِوَايَة أَبِي فَرْوَة \" وَلَكِنْ لَهَا عَلَامَات تُعْرَف بِهَا \" , وَفِي رِوَايَة كَهْمَس \" قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتهَا فَأَخْبَرَهُ بِهَا فَتَرَدَّدْنَا \" فَحَصَلَ التَّرَدُّد هَلْ اِبْتَدَأَهُ بِذِكْرِ الْأَمَارَات أَوْ السَّائِل سَأَلَهُ عَنْ الْأَمَارَات , وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ اِبْتَدَأَ بِقَوْلِهِ وَسَأُخْبِرُك , فَقَالَ لَهُ السَّائِل : فَأَخْبِرْنِي. وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ وَلَفْظهَا \" وَلَكِنْ إِنْ شِئْت نَبَّأْتُك عَنْ أَشْرَاطهَا , قَالَ أَجَل \" وَنَحْوه فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَزَادَ \" فَحَدِّثْنِي \" وَقَدْ حَصَلَ تَفْصِيل الْأَشْرَاط مِنْ الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَأَنَّهَا الْعَلَامَات , وَهِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة جَمْع شَرَط بِفَتْحَتَيْنِ كَقَلَمٍ وَأَقْلَام , وَيُسْتَفَاد مِنْ اِخْتِلَاف الرِّوَايَات أَنَّ التَّحْدِيث وَالْإِخْبَار وَالْإِنْبَاء بِمَعْنًى وَاحِد , وَإِنَّمَا غَايَرَ بَيْنهَا أَهْل الْحَدِيث اِصْطِلَاحًا. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : عَلَامَات السَّاعَة عَلَى قِسْمَيْنِ : مَا يَكُون مِنْ نَوْع الْمُعْتَاد , أَوْ غَيْره. وَالْمَذْكُور هُنَا الْأَوَّل. وَأَمَّا الْغَيْر مِثْل طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا فَتِلْك مُقَارِبَة لَهَا أَوْ مُضَايِقَة وَالْمُرَاد هُنَا الْعَلَامَات السَّابِقَة عَلَى ذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا وَلَدَتْ ) ‏ ‏التَّعْبِير بِإِذَا لِلْإِشْعَارِ بِتَحَقُّقِ الْوُقُوع , وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْجُمْلَة بَيَانًا لِلْأَشْرَاطِ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى , وَالتَّقْدِير وِلَادَة الْأَمَة وَتَطَاوُل الرُّعَاة. فَإِنْ قِيلَ الْأَشْرَاط جَمْع وَأَقَلّه ثَلَاثَة عَلَى الْأَصَحّ وَالْمَذْكُور هُنَا اِثْنَانِ , أَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ : بِأَنَّهُ قَدْ تُسْتَقْرَض الْقِلَّة لِلْكَثْرَةِ , وَبِالْعَكْسِ. أَوْ لِأَنَّ الْفَرْق بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَة إِنَّمَا هُوَ فِي النَّكِرَات لَا فِي الْمَعَارِف , أَوْ لِفَقْدِ جَمْع الْكَثْرَة لِلَفْظِ الشَّرْط. وَفِي جَمِيع هَذِهِ الْأَجْوِبَة نَظَر , وَلَوْ أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا دَلِيل الْقَوْل الصَّائِر إِلَى أَنَّ أَقَلّ الْجَمْع اِثْنَانِ لَمَا بَعُدَ عَنْ الصَّوَاب. وَالْجَوَاب الْمَرْضِيّ أَنَّ الْمَذْكُور مِنْ الْأَشْرَاط ثَلَاثَة , وَإِنَّمَا بَعْض الرُّوَاة اِقْتَصَرَ عَلَى اِثْنَيْنِ مِنْهَا لِأَنَّهُ هُنَا ذَكَرَ الْوِلَادَة وَالتَّطَاوُل , وَفِي التَّفْسِير ذِكْر الْوِلَادَة وَتَرَؤُّس الْحُفَاة , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن بِشْر الَّتِي أَخْرَجَ مُسْلِم إِسْنَادهَا وَسَاقَ اِبْن خُزَيْمَةَ لَفْظهَا عَنْ أَبِي حَيَّان ذِكْر الثَّلَاثَة , وَكَذَا فِي مُسْتَخْرَج الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُلَيَّة , وَكَذَا ذَكَرَهَا عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع , وَوَقَعَ مِثْل ذَلِكَ فِي حَدِيث عُمَر , فَفِي رِوَايَة كَهْمَس ذِكْر الْوِلَادَة وَالتَّطَاوُل فَقَطْ وَوَافَقَهُ عُثْمَان بْن غِيَاث , وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ ذِكْر الثَّلَاثَة وَوَافَقَهُ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , وَكَذَا ذُكِرَتْ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَأَبِي عَامِر. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا وَلَدَتْ الْأَمَة رَبّهَا ) ‏ ‏وَفِي التَّفْسِير \" رَبَّتهَا \" بِتَاءِ التَّأْنِيث , وَكَذَا فِي حَدِيث عُمَر , وَلِمُحَمَّدِ بْن بِشْر مِثْله وَزَادَ \" يَعْنِي السَّرَارِيّ \" , وَفِي رِوَايَة عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع \" إِذَا رَأَيْت الْمَرْأَة تَلِد رَبّهَا \" وَنَحْوه لِأَبِي فَرْوَة وَفِي رِوَايَة عُثْمَان بْن غِيَاث \" الْإِمَاء أَرْبَابهنَّ \" بِلَفْظِ الْجَمْع. وَالْمُرَاد بِالرَّبِّ الْمَالِك أَوْ السَّيِّد. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي مَعْنَى ذَلِكَ , قَالَ اِبْن التِّين : اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى سَبْعَة أَوْجُه , فَذَكَرَهَا لَكِنَّهَا مُتَدَاخِلَة , وَقَدْ لَخَّصْتهَا بِلَا تَدَاخُل فَإِذَا هِيَ أَرْبَعَة أَقْوَال : الْأَوَّل قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ اِتِّسَاع الْإِسْلَام وَاسْتِيلَاء أَهْله عَلَى بِلَاد الشِّرْك وَسَبْي ذَرَارِيّهمْ , فَإِذَا مَلَكَ الرَّجُل الْجَارِيَة وَاسْتَوْلَدَهَا كَانَ الْوَلَد مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ رَبّهَا لِأَنَّهُ وَلَد سَيِّدهَا. قَالَ النَّوَوِيّ وَغَيْره : إِنَّهُ قَوْل الْأَكْثَرِينَ. قُلْت : لَكِنَّ فِي كَوْنه الْمُرَاد نَظَر ; لِأَنَّ اِسْتِيلَاد الْإِمَاء كَانَ مَوْجُودًا حِين الْمَقَالَة , وَالِاسْتِيلَاء عَلَى بِلَاد الشِّرْك وَسَبْي ذَرَارِيّهمْ وَاِتِّخَاذهمْ سَرَارِيّ وَقَعَ أَكْثَره فِي صَدْر الْإِسْلَام , وَسِيَاق الْكَلَام يَقْتَضِي الْإِشَارَة إِلَى وُقُوع مَا لَمْ يَقَع مِمَّا سَيَقَعُ قُرْب قِيَام السَّاعَة , وَقَدْ فَسَّرَهُ وَكِيع فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ بِأَخَصّ مِنْ الْأَوَّل. قَالَ : أَنْ تَلِد الْعَجَم الْعَرَب , وَوَجَّهَهُ بَعْضهمْ بِأَنَّ الْإِمَاء يَلِدْنَ الْمُلُوك فَتَصِير الْأُمّ مِنْ جُمْلَة الرَّعِيَّة وَالْمَلِك سَيِّد رَعِيَّته , وَهَذَا لِإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ , وَقَرَّبَهُ أَنَّ الرُّؤَسَاء فِي الصَّدْر الْأَوَّل كَانُوا يَسْتَنْكِفُونَ غَالِبًا مِنْ وَطْء الْإِمَاء وَيَتَنَافَسُونَ فِي الْحَرَائِر , ثُمَّ اِنْعَكَسَ الْأَمْر وَلَا سِيَّمَا فِي أَثْنَاء دَوْلَة بَنِي الْعَبَّاس , وَلَكِنَّ رِوَايَة رَبَّتهَا بِتَاءِ التَّأْنِيث قَدْ لَا تُسَاعِد عَلَى ذَلِكَ. وَوَجَّهَهُ بَعْضهمْ بِأَنَّ إِطْلَاق رَبَّتهَا عَلَى وَلَدهَا مَجَاز ; لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ سَبَبًا فِي عِتْقهَا بِمَوْتِ أَبِيهِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ , وَخَصَّهُ بَعْضهمْ بِأَنَّ السَّبْي إِذَا كَثُرَ فَقَدْ يُسْبَى الْوَلَد أَوَّلًا وَهُوَ صَغِير ثُمَّ يُعْتَق وَيَكْبَر وَيَصِير رَئِيسًا بَلْ مَلِكًا ثُمَّ تُسْبَى أُمّه فِيمَا بَعْد فَيَشْتَرِيهَا عَارِفًا بِهَا , أَوْ وَهُوَ لَا يَشْعُر أَنَّهَا أُمّه , فَيَسْتَخْدِمهَا أَوْ يَتَّخِذهَا مَوْطُوءَة أَوْ يُعْتِقهَا وَيَتَزَوَّجهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" أَنْ تَلِد الْأَمَة بَعْلهَا \" وَهِيَ عِنْد مُسْلِم فَحُمِلَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَة , وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْبَعْلِ الْمَالِك وَهُوَ أَوْلَى لِتَتَّفِق الرِّوَايَات. الثَّانِي أَنْ تَبِيع السَّادَة أُمَّهَات أَوْلَادهمْ وَيَكْثُر ذَلِكَ فَيَتَدَاوَل الْمُلَّاك الْمُسْتَوْلَدَة حَتَّى يَشْتَرِيهَا وَلَدهَا وَلَا يَشْعُر بِذَلِكَ , وَعَلَى هَذَا فَاَلَّذِي يَكُون مِنْ الْأَشْرَاط غَلَبَة الْجَهْل بِتَحْرِيمِ بَيْع أُمَّهَات الْأَوْلَاد أَوْ الِاسْتِهَانَة بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة. فَإِنْ قِيلَ : "
    },
    {
        "id": "49",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏قَالَ لَهُ سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "50",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ ‏ ‏اسْتَبْرَأَ ‏ ‏لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي ‏ ‏الشُّبُهَاتِ ‏ ‏كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ ‏ ‏الْحِمَى ‏ ‏يُوشِكُ أَنْ ‏ ‏يُوَاقِعَهُ ‏ ‏أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ ‏ ‏حِمًى ‏ ‏أَلَا إِنَّ ‏ ‏حِمَى ‏ ‏اللَّهِ فِي أَرْضِهِ ‏ ‏مَحَارِمُهُ ‏ ‏أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ ‏ ‏مُضْغَةً ‏ ‏إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاء ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي زَائِدَة , وَاسْم أَبِي زَائِدَة خَالِد بْن مَيْمُون الْوَادِعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَامِر ) ‏ ‏هُوَ الشَّعْبِيّ الْفَقِيه الْمَشْهُور. وَرِجَال الْإِسْنَاد كُوفِيُّونَ. وَقَدْ دَخَلَ النُّعْمَان الْكُوفَة وَوَلِيَ إِمْرَتهَا. وَلِأَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق أَبِي حَرِيز - وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَآخِره زَاي - عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّ النُّعْمَان بْن بَشِير خَطَبَ بِهِ بِالْكُوفَةِ , وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ خَطَبَ بِهِ بِحِمْص. وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ , فَإِنَّهُ وَلِيَ إِمْرَة الْبَلَدَيْنِ وَاحِدَة بَعْد أُخْرَى , وَزَادَ مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق زَكَرِيَّاء فِيهِ \" وَأَهْوَى النُّعْمَان بِإِصْبَعِهِ إِلَى أُذُنَيْهِ يَقُول : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" وَفِي هَذَا رَدّ لِقَوْلِ الْوَاقِدِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ إِنَّ النُّعْمَان لَا يَصِحّ سَمَاعه مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى صِحَّة تَحَمُّل الصَّبِيّ الْمُمَيِّز لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ وَلِلنُّعْمَانِ ثَمَان سِنِينَ , وَزَكَرِيَّاء مَوْصُوف بِالتَّدْلِيسِ , وَلَمْ أَرَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا مِنْ رِوَايَته عَنْ الشَّعْبِيّ إِلَّا مُعَنْعَنًا ثُمَّ وَجَدْته فِي فَوَائِد اِبْن أَبِي الْهَيْثَم مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن هَارُون عَنْ زَكَرِيَّاء حَدَّثَنَا الشَّعْبِيّ , فَحَصَلَ الْأَمْن مِنْ تَدْلِيسه. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏اِدَّعَى أَبُو عَمْرو الدَّانِيّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث لَمْ يَرْوِهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْر النُّعْمَان بْن بَشِير , فَإِنْ أَرَادَ مِنْ وَجْه صَحِيح فَمُسَلَّم , وَإِلَّا فَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر وَعَمَّار فِي الْأَوْسَط لِلطَّبَرَانِيّ , وَمِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْكَبِير لَهُ , وَمِنْ حَدِيث وَاثِلَة فِي التَّرْغِيب لِلْأَصْبَهَانِيِّ , وَفِي أَسَانِيدهَا مَقَال. وَادَّعَى أَيْضًا أَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ النُّعْمَان غَيْر الشَّعْبِيّ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ , فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ النُّعْمَان أَيْضًا خَيْثَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عِنْد أَحْمَد وَغَيْره , وَعَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عِنْد أَبِي عَوَانَة وَغَيْره , وَسِمَاك بْن حَرْب عِنْد الطَّبَرَانِيّ ; لَكِنَّهُ مَشْهُور عَنْ الشَّعْبِيّ رَوَاهُ عَنْهُ جَمْع جَمّ مِنْ الْكُوفِيِّينَ , وَرَوَاهُ عَنْهُ مِنْ الْبَصْرِيِّينَ عَبْد اللَّه بْن عَوْن , وَقَدْ سَاقَ الْبُخَارِيّ إِسْنَاده فِي الْبُيُوع وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه , وَسَاقَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَسَنُشِيرُ إِلَى مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( الْحَلَال بَيِّن وَالْحَرَام بَيِّن ) ‏ ‏أَيْ فِي عَيْنهمَا وَوَصْفهمَا بِأَدِلَّتِهِمَا الظَّاهِرَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَيْنهمَا مُشَبَّهَات ) ‏ ‏بِوَزْنِ مُفَعَّلَات بِتَشْدِيدِ الْعَيْن الْمَفْتُوحَة وَهِيَ رِوَايَة مُسْلِم , أَيْ : شُبِّهَتْ بِغَيْرِهَا مِمَّا لَمْ يَتَبَيَّن بِهِ حُكْمهَا عَلَى التَّعْيِين. وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" مُشْتَبِهَات \" بِوَزْنِ مُفْتَعِلَات بِتَاءٍ مَفْتُوحَة وَعَيْن خَفِيفَة مَكْسُورَة وَهِيَ رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ , وَهُوَ لَفْظ اِبْن عَوْن , وَالْمَعْنَى أَنَّهَا مُوَحَّدَة اِكْتَسَبَتْ الشَّبَه مِنْ وَجْهَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ , وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" وَبَيْنهمَا مُتَشَابِهَات \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَعْلَمهَا كَثِير مِنْ النَّاس ) ‏ ‏أَيْ : لَا يَعْلَم حُكْمهَا , وَجَاءَ وَاضِحًا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ بِلَفْظِ \" لَا يَدْرِي كَثِير مِنْ النَّاس أَمِنَ الْحَلَال هِيَ أَمْ مِنْ الْحَرَام \" وَمَفْهُوم قَوْله \" كَثِير \" أَنَّ مَعْرِفَة حُكْمهَا مُمْكِن لَكِنْ لِلْقَلِيلِ مِنْ النَّاس وَهُمْ الْمُجْتَهِدُونَ , فَالشُّبُهَات عَلَى هَذَا فِي حَقّ غَيْرهمْ , وَقَدْ تَقَع لَهُمْ حَيْثُ لَا يَظْهَر لَهُمْ تَرْجِيح أَحَد الدَّلِيلَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَنْ اِتَّقَى الْمُشَبَّهَات ) ‏ ‏أَيْ : حَذِرَ مِنْهَا , وَالِاخْتِلَاف فِي لَفْظهَا بَيْن الرُّوَاة نَظِير الَّتِي قَبْلهَا لَكِنْ عِنْد مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ \" الشُّبُهَات \" بِالضَّمِّ جَمْع شُبْهَة. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَبْرَأَ ) ‏ ‏بِالْهَمْزِ بِوَزْنِ اِسْتَفْعَلَ مِنْ الْبَرَاءَة , أَيْ : بَرَّأَ دِينه مِنْ النَّقْص وَعِرْضه مِنْ الطَّعْن فِيهِ ; لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُعْرَف بِاجْتِنَابِ الشُّبُهَات لَمْ يَسْلَم لِقَوْلِ مَنْ يَطْعَن فِيهِ , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَوَقَّ الشُّبْهَة فِي كَسْبه وَمَعَاشه فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسه لِلطَّعْنِ فِيهِ , وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى الْمُحَافَظَة عَلَى أُمُور الدِّين وَمُرَاعَاة الْمُرُوءَة. ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَات ) ‏ ‏فِيهَا أَيْضًا مَا تَقَدَّمَ مِنْ اِخْتِلَاف الرُّوَاة. وَاخْتُلِفَ فِي حُكْم الشُّبُهَات فَقِيلَ التَّحْرِيم , وَهُوَ مَرْدُود. وَقِيلَ الْكَرَاهَة , وَقِيلَ الْوَقْف. وَهُوَ كَالْخِلَافِ فِيمَا قَبْل الشَّرْع. وَحَاصِل مَا فَسَّرَ بِهِ الْعُلَمَاء الشُّبُهَات أَرْبَعَة أَشْيَاء : أَحَدهَا تَعَارُض الْأَدِلَّة كَمَا تَقَدَّمَ , ثَانِيهَا اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء وَهِيَ مُنْتَزَعَة مِنْ الْأُولَى , ثَالِثهَا أَنَّ الْمُرَاد بِهَا مُسَمَّى الْمَكْرُوه لِأَنَّهُ يَجْتَذِبهُ جَانِبَا الْفِعْل وَالتَّرْك , رَابِعهَا أَنَّ الْمُرَاد بِهَا الْمُبَاح , وَلَا يُمْكِن قَائِل هَذَا أَنْ يَحْمِلهُ عَلَى مُتَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ مِنْ كُلّ وَجْه , بَلْ يُمْكِن حَمْله عَلَى مَا يَكُون مِنْ قِسْم خِلَاف الْأَوْلَى , بِأَنْ يَكُون مُتَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ بِاعْتِبَارِ ذَاته , رَاجِح الْفِعْل أَوْ التَّرْك بِاعْتِبَارِ أَمْر خَارِج. وَنَقَلَ اِبْن الْمُنِير فِي مَنَاقِب شَيْخه الْقَبَّارِيّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : الْمَكْرُوه عَقَبَة بَيْن الْعَبْد وَالْحَرَام , فَمَنْ اِسْتَكْثَرَ مِنْ الْمَكْرُوه تَطَرَّقَ إِلَى الْحَرَام , وَالْمُبَاح عَقَبَة بَيْنه وَبَيْن الْمَكْرُوه , فَمَنْ اِسْتَكْثَرَ مِنْهُ تَطَرَّقَ إِلَى الْمَكْرُوه. وَهُوَ مَنْزَع حَسَن. وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق ذَكَرَ مُسْلِم إِسْنَادهَا وَلَمْ يَسُقْ لَفْظهَا فِيهَا مِنْ الزِّيَادَة \" اِجْعَلُوا بَيْنكُمْ وَبَيْن الْحَرَام سُتْرَة مِنْ الْحَلَال , مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اِسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينه , وَمَنْ أَرْتَعَ فِيهِ كَانَ كَالْمُرْتِعِ إِلَى جَنْب الْحِمَى يُوشِك أَنْ يَقَع فِيهِ \" وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَلَال حَيْثُ يُخْشَى أَنْ يَئُول فِعْله مُطْلَقًا إِلَى مَكْرُوه أَوْ مُحَرَّم يَنْبَغِي اِجْتِنَابه , كَالْإِكْثَارِ مَثَلًا مِنْ الطَّيِّبَات , فَإِنَّهُ يُحْوِج إِلَى كَثْرَة الِاكْتِسَاب الْمُوقِع فِي أَخْذ مَا لَا يُسْتَحَقّ أَوْ يُفْضِي إِلَى بَطَر النَّفْس , وَأَقَلّ مَا فِيهِ الِاشْتِغَال عَنْ مَوَاقِف الْعُبُودِيَّة , وَهَذَا مَعْلُوم بِالْعَادَةِ مُشَاهَد بِالْعِيَانِ. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي رُجْحَان الْوَجْه الْأَوَّل عَلَى مَا سَأَذْكُرُهُ , وَلَا يَبْعُد أَنْ يَكُون كُلّ مِنْ الْأَوْجُه مُرَادًا , وَيَخْتَلِف ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ النَّاس : فَالْعَالِم الْفَطِن لَا يَخْفَى عَلَيْهِ تَمْيِيز الْحُكْم فَلَا يَقَع لَهُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الِاسْتِكْثَار مِنْ الْمُبَاح أَوْ الْمَكْرُوه كَمَا تَقَرَّرَ قَبْل , وَدُونه تَقَع لَهُ الشُّبْهَة فِي جَمِيع مَا ذُكِرَ بِحَسَبِ اِخْتِلَاف الْأَحْوَال. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُسْتَكْثِر مِنْ الْمَكْرُوه تَصِير فِيهِ جُرْأَة عَلَى اِرْتِكَاب الْمَنْهِيّ فِي الْجُمْلَة , أَوْ يَحْمِلهُ اِعْتِيَاده اِرْتِكَاب الْمَنْهِيّ غَيْر الْمُحَرَّم عَلَى اِرْتِكَاب الْمَنْهِيّ الْمُحَرَّم إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسه. أَوْ يَكُون ذَلِكَ لِشُبْهَةٍ فِيهِ وَهُوَ أَنَّ مَنْ تَعَاطَى مَا نُهِيَ عَنْهُ يَصِير مُظْلِم الْقَلْب لِفِقْدَانِ نُور الْوَرَع فَيَقَع فِي الْحَرَام وَلَوْ لَمْ يَخْتَرْ الْوُقُوع فِيهِ. وَوَقَعَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْبُيُوع مِنْ رِوَايَة أَبِي فَرْوَة عَنْ الشَّعْبِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْم كَانَ لِمَا اِسْتَبَانَ لَهُ أَتْرَك , وَمَنْ اِجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكّ فِيهِ مِنْ الْإِثْم أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِع مَا اِسْتَبَانَ \" وَهَذَا يُرَجِّح الْوَجْه الْأَوَّل كَمَا أَشَرْت إِلَيْهِ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن الْمُنِير عَلَى جَوَاز بَقَاء الْمُجْمَل بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ نَظَر , إِلَّا إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ مُجْمَل فِي حَقّ بَعْض دُون بَعْض , أَوْ أَرَادَ الرَّدّ عَلَى مُنْكِرِي الْقِيَاس فَيَحْتَمِل مَا قَالَ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( كَرَاعٍ يَرْعَى ) ‏ ‏هَكَذَا فِي جَمِيع نُسَخ الْبُخَارِيّ مَحْذُوف جَوَاب الشَّرْط إِنْ أُعْرِبَتْ \" مَنْ \" شَرْطِيَّة وَقَدْ ثَبَتَ الْمَحْذُوف فِي رِوَايَة الدَّارِمِيِّ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ \" وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَات وَقَعَ فِي الْحَرَام , كَالرَّاعِي يَرْعَى \" وَيُمْكِن إِعْرَاب \" مَنْ \" فِي سِيَاق الْبُخَارِيّ مَوْصُولَة فَلَا يَكُون فِيهِ حَذْف , إِذْ التَّقْدِير وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي الشُّبُهَات مِثْل رَاعٍ يَرْعَى , وَالْأَوَّل أَوْلَى لِثُبُوتِ الْمَحْذُوف فِي صَحِيح مُسْلِم وَغَيْره مِنْ طَرِيق زَكَرِيَّا الَّتِي أَخْرَجَهُ مِنْهَا الْمُؤَلِّف , وَعَلَى هَذَا فَقَوْله \" كَرَاعٍ يَرْعَى \" جُمْلَة مُسْتَأْنَفَة وَرَدَتْ عَلَى سَبِيل التَّمْثِيل لِلتَّنْبِيهِ بِالشَّاهِدِ عَلَى الْغَائِب. وَالْحِمَى الْمَحْمِيّ , أُطْلِقَ الْمَصْدَر عَلَى اِسْم الْمَفْعُول. وَفِي اِخْتِصَاص التَّمْثِيل بِذَلِكَ نُكْتَة , وَهِيَ أَنَّ مُلُوك الْعَرَب كَانُوا يَحْمُونَ لِمَرَاعِي مَوَاشِيهمْ أَمَاكِن مُخْتَصَّة يَتَوَعَّدُونَ مَنْ يَرْعَى فِيهَا بِغَيْرِ إِذْنهمْ بِالْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَة , فَمَثَّلَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا هُوَ مَشْهُور عِنْدهمْ , فَالْخَائِف مِنْ الْعُقُوبَة الْمُرَاقِب لِرِضَا الْمَلِك يَبْعُد عَنْ ذَلِكَ الْحِمَى خَشْيَة أَنْ تَقَع مَوَاشِيه فِي شَيْء مِنْهُ , فَبُعْده أَسْلَم لَهُ وَلَوْ اِشْتَدَّ حَذَره. وَغَيْر الْخَائِف الْمُرَاقِب يَقْرُب مِنْهُ وَيَرْعَى مِنْ جَوَانِبه , فَلَا يَأْمَن أَنْ تَنْفَرِد الْفَاذَّة فَتَقَع فِيهِ بِغَيْرِ اِخْتِيَاره , أَوْ يَمْحَل الْمَكَان الَّذِي هُوَ فِيهِ وَيَقَع الْخِصْب فِي الْحِمَى فَلَا يَمْلِك نَفْسه أَنْ يَقَع فِيهِ. فَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى هُوَ الْمَلِك حَقًّا , وَحِمَاهُ مَحَارِمه. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اِدَّعَى بَعْضهمْ أَنَّ التَّمْثِيل مِنْ كَلَام الشَّعْبِيّ , وَأَنَّهُ مُدْرَج فِي الْحَدِيث , حَكَى ذَلِكَ أَبُو عَمْرو الدَّانِيّ , وَلَمْ أَقِف عَلَى دَلِيله إِلَّا مَا وَقَعَ عِنْد اِبْن الْجَارُود وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْن عَوْن عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ اِبْن عَوْن فِي آخِر الْحَدِيث : لَا أَدْرِي الْمَثَل مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ قَوْل الشَّعْبِيّ. قُلْت : وَتَرَدُّد اِبْن عَوْن فِي رَفْعه لَا يَسْتَلْزِم كَوْنه مُدْرَجًا ; لِأَنَّ الْأَثْبَات قَدْ جَزَمُوا بِاتِّصَالِهِ وَرَفْعه , فَلَا يَقْدَح شَكّ بَعْضهمْ فِيهِ. وَكَذَلِكَ سُقُوط الْمَثَل مِنْ رِوَايَة بَعْض الرُّوَاة - كَأَبِي فَرْوَة عَنْ الشَّعْبِيّ - لَا يَقْدَح فِيمَنْ أَثْبَتَهُ ; لِأَنَّهُمْ حُفَّاظ. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي حَذْف الْبُخَارِيّ قَوْله \" وَقَعَ فِي الْحَرَام \" لِيَصِيرَ مَا قَبْل الْمَثَل مُرْتَبِطًا بِهِ فَيَسْلَم مِنْ دَعْوَى الْإِدْرَاج. وَمِمَّا يُقَوِّي عَدَم الْإِدْرَاج رِوَايَة اِبْن حِبَّان الْمَاضِيَة , وَكَذَا ثُبُوت الْمَثَل مَرْفُوعًا فِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس وَعَمَّار بْن يَاسِر أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّه فِي أَرْضه مَحَارِمه ) ‏ ‏سَقَطَ \" فِي أَرْضه \" مِنْ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ , وَثَبَتَتْ الْوَاو فِي قَوْله \" أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّه \" فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ , وَالْمُرَاد بِالْمَحَارِمِ فِعْل الْمَنْهِيّ الْمُحَرَّم أَوْ تَرْك الْمَأْمُور الْوَاجِب , وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي فَرْوَة التَّعْبِير بِالْمَعَاصِي بَدَل الْمَحَارِم. وَقَوْله \" أَلَا \" لِلتَّنْبِيهِ عَلَى صِحَّة مَا بَعْدهَا , وَفِي إِعَادَتهَا وَتَكْرِيرهَا دَلِيل عَلَى عِظَم شَأْن مَدْلُولهَا. ‏ ‏قَوْله ( مُضْغَة ) ‏ ‏أَيْ : قَدْر مَا يُمْضَغ , وَعَبَّرَ بِهَا هُنَا عَنْ مِقْدَار الْقَلْب فِي الرُّؤْيَة , وَسُمِّيَ الْقَلْب قَلْبًا لِتَقَلُّبِهِ فِي الْأُمُور , أَوْ لِأَنَّهُ خَالِص مَا فِي الْبَدَن , وَخَالِص كُلّ شَيْء قَلْبه , أَوْ لِأَنَّهُ وُضِعَ فِي الْجَسَد مَقْلُوبًا. وَقَوْله \" إِذَا صَلَحَتْ \" وَ \" إِذَا فَسَدَتْ \" هُوَ بِفَتْحِ عَيْنهمَا وَتُضَمّ فِي الْمُضَارِع , وَحَكَى الْفَرَّاء الضَّمّ فِي مَاضِي صَلَحَ , وَهُوَ يُضَمّ وِفَاقًا إِذَا صَارَ لَهُ الصَّلَاح هَيْئَة لَازِمَة لِشَرَفٍ وَنَحْوه , وَالتَّعْبِير بِإِذَا لِتَحَقُّق الْوُقُوع غَالِبًا , وَقَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى إِنْ كَمَا هُنَا. وَخَصَّ الْقَلْب بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَمِير الْبَدَن , وَبِصَلَاحِ الْأَمِير تَصْلُح الرَّعِيَّة , وَبِفَسَادِهِ تَفْسُد. وَفِيهِ تَنْبِيه عَلَى تَعْظِيم قَدْر الْقَلْب , وَالْحَثّ عَلَى صَلَاحه , وَالْإِشَارَة إِلَى أَنَّ لِطِيبِ الْكَسْب أَثَرًا فِيهِ. وَالْمُرَاد الْمُتَعَلِّق بِهِ مِنْ الْفَهْم الَّذِي رَكَّبَهُ اللَّه فِيهِ. وَيُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَقْل فِي الْقَلْب , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( فَتَكُون لَهُمْ قُلُوب يَعْقِلُونَ بِهَا ). وَقَوْله تَعَالَى ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لِذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْب ). قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : أَيْ : عَقْل. وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْقَلْبِ لِأَنَّهُ مَحَلّ اِسْتِقْرَاره. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏لَمْ تَقَع هَذِهِ الزِّيَادَة الَّتِي أَوَّلهَا \" أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَد مُضْغَة \" إِلَّا فِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ , وَلَا هِيَ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات عَنْ الشَّعْبِيّ , إِنَّمَا تَفَرَّدَ بِهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ زَكَرِيَّا الْمَذْكُور عَنْهُ , وَتَابَعَهُ مُجَاهِد عِنْد أَحْمَد , وَمُغِيرَة وَغَيْره عِنْد الطَّبَرَانِيّ. وَعَبَّرَ فِي بَعْض رِوَايَاته عَنْ الصَّلَاح وَالْفَسَاد بِالصِّحَّةِ وَالسَّقَم , وَمُنَاسَبَتهَا لِمَا قَبْلهَا بِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّ الْأَصْل فِي الِاتِّقَاء وَالْوُقُوع هُوَ مَا كَانَ بِالْقَلْبِ ; لِأَنَّهُ عِمَاد الْبَدَن. وَقَدْ عَظَّمَ الْعُلَمَاء أَمْر هَذَا الْحَدِيث فَعَدُّوهُ رَابِع أَرْبَعَة تَدُور عَلَيْهَا الْأَحْكَام كَمَا نُقِلَ عَنْ أَبَى دَاوُدَ , وَفِيهِ الْبَيْتَانِ الْمَشْهُورَانِ وَهُمَا : عُمْدَة ‏ ‏الدِّين عِنْدنَا كَلِمَات ‏ ‏مُسْنَدَات مِنْ قَوْل خَيْر الْبَرِيَّهْ ‏ ‏اُتْرُكْ الْمُشْبِهَات وَازْهَدْ وَدَعْ مَا ‏ ‏لَيْسَ يَعْنِيك وَاعْمَلَنَّ بِنِيَّهْ ‏ ‏وَالْمَعْرُوف عَنْ أَبِي دَاوُدَ عَدّ \" مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ... الْحَدِيث \" بَدَل \" اِزْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاس \" وَجَعَلَهُ بَعْضهمْ ثَالِث ثَلَاثَة حَذَفَ الثَّانِي , وَأَشَارَ اِبْن الْعَرَبِيّ إِلَى أَنَّهُ يُمْكِن أَنْ يُنْتَزَع مِنْهُ وَحْده جَمِيع الْأَحْكَام , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : لِأَنَّهُ اِشْتَمَلَ عَلَى التَّفْصِيل بَيْن الْحَلَال وَغَيْره , وَعَلَى تَعَلُّق جَمِيع الْأَعْمَال بِالْقَلْبِ , فَمِنْ هُنَا يُمْكِن أَنْ تُرَدّ جَمِيع الْأَحْكَام إِلَيْهِ. وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. ‏"
    },
    {
        "id": "51",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جَمْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ ‏ ‏سَهْمًا ‏ ‏مِنْ مَالِي فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ ‏ ‏وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ ‏ ‏لَمَّا أَتَوْا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ مَنْ الْقَوْمُ ‏ ‏أَوْ مَنْ الْوَفْدُ ‏ ‏قَالُوا ‏ ‏رَبِيعَةُ ‏ ‏قَالَ مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ ‏ ‏أَوْ بِالْوَفْدِ ‏ ‏غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏فَمُرْنَا بِأَمْرٍ ‏ ‏فَصْلٍ ‏ ‏نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ وَسَأَلُوهُ عَنْ الْأَشْرِبَةِ ‏ ‏فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصِيَامُ رَمَضَانَ وَأَنْ تُعْطُوا مِنْ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ ‏ ‏الْحَنْتَمِ ‏ ‏وَالدُّبَّاءِ ‏ ‏وَالنَّقِيرِ ‏ ‏وَالْمُزَفَّتِ ‏ ‏وَرُبَّمَا قَالَ ‏ ‏الْمُقَيَّرِ ‏ ‏وَقَالَ احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي جَمْرَة ) ‏ ‏هُوَ بِالْجِيمِ وَالرَّاء كَمَا تَقَدَّمَ , وَاسْمه نَصْر بْن عِمْرَان بْن نُوح بْن مَخْلَد الضُّبَعِيُّ بِضَمِّ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْمُوَحَّدَة , مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ أَوَّله مُصَغَّرًا وَهُمْ بَطْن مِنْ عَبْد الْقَيْس كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّشَاطِيّ , وَفِي بَكْر بْن وَائِل بَطْن يُقَال لَهُمْ بَنُو ضُبَيْعَةَ أَيْضًا , وَقَدْ وَهَمَ مَنْ نَسَبَ أَبَا جَمْرَة إِلَيْهِمْ مِنْ شُرَّاح الْبُخَارِيّ , فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَابْن مَنْدَهْ فِي تَرْجَمَة نُوح بْن مَخْلَد جَدّ أَبِي جَمْرَة أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : مِنْ ضُبَيْعَةَ رَبِيعَة. فَقَالَ : خَيْر رَبِيعَة عَبْد الْقَيْس ثُمَّ الْحَيّ الَّذِينَ أَنْتَ مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت أَقْعُد مَعَ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏بَيَّنَ الْمُصَنِّف فِي الْعِلْم مِنْ رِوَايَة غُنْدَر , عَنْ شُعْبَة السَّبَب فِي إِكْرَام اِبْن عَبَّاس لَهُ وَلَفْظه \" كُنْت أُتَرْجِم بَيْن اِبْن عَبَّاس وَبَيْن النَّاس \" قَالَ اِبْن الصَّلَاح : أَصْل التَّرْجَمَة التَّعْبِير عَنْ لُغَة بِلُغَةٍ , وَهُوَ عِنْدِي هُنَا أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ , وَأَنَّهُ كَانَ يُبَلِّغ كَلَام اِبْن عَبَّاس إِلَى مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ وَيُبَلِّغهُ كَلَامهمْ , إِمَّا لِزِحَامٍ أَوْ لِقُصُورِ فَهْم. قُلْت : الثَّانِي أَظْهَر ; لِأَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَهُ عَلَى سَرِيره , فَلَا فَرْق فِي الزِّحَام بَيْنهمَا إِلَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ فِي صَدْر السَّرِير وَكَانَ أَبُو جَمْرَة فِي طَرَفه الَّذِي يَلِي مَنْ يُتَرْجِم عَنْهُمْ , وَقِيلَ إِنَّ أَبَا جَمْرَة كَانَ يَعْرِف الْفَارِسِيَّة فَكَانَ يُتَرْجِم لِابْنِ عَبَّاس بِهَا , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ يَكْتَفِي فِي التَّرْجَمَة بِوَاحِدٍ. قُلْت وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيّ فِي أَوَاخِر كِتَاب الْأَحْكَام كَمَا سَيَأْتِي. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ اِبْن التِّين جَوَاز أَخْذ الْأُجْرَة عَلَى التَّعْلِيم لِقَوْلِهِ \" حَتَّى أَجْعَل لَك سَهْمًا مِنْ مَالِي \" وَفِيهِ نَظَر , لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون إِعْطَاؤُهُ ذَلِكَ كَانَ بِسَبَبِ الرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا فِي الْعُمْرَة قَبْل الْحَجّ كَمَا سَيَأْتِي عِنْد الْمُصَنِّف صَرِيحًا فِي الْحَجّ. وَقَالَ غَيْره : هُوَ أَصْل فِي اِتِّخَاذ الْمُحَدِّث الْمُسْتَمْلِي. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ : إِنَّ وَفْد عَبْد الْقَيْس ) ‏ ‏بَيَّنَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة السَّبَب فِي تَحْدِيث اِبْن عَبَّاس لِأَبِي جَمْرَة بِهَذَا الْحَدِيث , فَقَالَ بَعْد قَوْله \" وَبَيْن النَّاس \" : فَأَتَتْهُ اِمْرَأَة تَسْأَلهُ عَنْ نَبِيذ الْجَرّ , فَنَهَى عَنْهُ , فَقُلْت : يَا اِبْن عَبَّاس إِنِّي أَنْتَبِذ فِي جَرَّة خَضْرَاء نَبِيذًا حُلْوًا فَأَشْرَب مِنْهُ فَتُقَرْقِر بَطْنِي , قَالَ : لَا تَشْرَب مِنْهُ وَإِنْ كَانَ أَحْلَى مِنْ الْعَسَل. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق قُرَّة عَنْ أَبِي جَمْرَة قَالَ : قُلْت لِابْنِ عَبَّاس إِنَّ لِي جَرَّة أَنْتَبِذ فِيهَا فَأَشْرَبهُ حُلْوًا , إِنْ أَكْثَرْت مِنْهُ فَجَالَسْت الْقَوْم فَأَطَلْت الْجُلُوس خَشِيت أَنْ أَفْتَضِح , فَقَالَ \" قَدِمَ وَفْد عَبْد الْقَيْس \" فَلَمَّا كَانَ أَبُو جَمْرَة مِنْ عَبْد الْقَيْس وَكَانَ حَدِيثهمْ يَشْتَمِل عَلَى النَّهْي عَنْ الِانْتِبَاذ فِي الْجِرَار نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرهُ لَهُ. وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ اِبْن عَبَّاس لَمْ يَبْلُغهُ نَسْخ تَحْرِيم الِانْتِبَاذ فِي الْجِرَار , وَهُوَ ثَابِت مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ بْن الْحُصَيْب عِنْد مُسْلِم وَغَيْره. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ لِلْمُفْتِي أَنْ يَذْكُر الدَّلِيل مُسْتَغْنِيًا بِهِ عَنْ التَّنْصِيص عَلَى جَوَاب الْفُتْيَا إِذَا كَانَ السَّائِل بَصِيرًا بِمَوْضِعِ الْحُجَّة. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ الْقَوْم , أَوْ مَنْ الْوَفْد ) ‏ ‏الشَّكّ مِنْ أَحَد الرُّوَاة , إِمَّا أَبُو جَمْرَة أَوْ مَنْ دُونه , وَأَظُنّهُ شُعْبَة فَإِنَّهُ فِي رِوَايَة قُرَّة وَغَيْره بِغَيْرِ شَكّ. وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : الشَّكّ مِنْ اِبْن عَبَّاس. قَالَ النَّوَوِيّ : الْوَفْد الْجَمَاعَة الْمُخْتَارَة لِلتَّقَدُّمِ فِي لُقِيّ الْعُظَمَاء وَاحِدهمْ وَافِد. قَالَ : وَوَفْد عَبْد الْقَيْس الْمَذْكُورُونَ كَانُوا أَرْبَعَة عَشَر رَاكِبًا كَبِيرهمْ الْأَشَجّ , ذَكَرَهُ صَاحِب التَّحْرِير فِي شَرْح مُسْلِم وَسَمَّى مِنْهُمْ الْمُنْذِر بْن عَائِذ وَهُوَ الْأَشَجّ الْمَذْكُور وَمُنْقِذ بْن حِبَّان وَمَزِيدَة بْن مَالِك وَعَمْرو بْن مَرْحُوم وَالْحَارِث بْنَ شُعَيْب وَعُبَيْدَة بْن هَمَّام وَالْحَارِث بْن جُنْدُب وَصُحَار بْن الْعَبَّاس وَهُوَ بِصَادٍ مَضْمُومَة وَحَاء مُهْمَلَتَيْنِ , قَالَ : وَلَمْ نَعْثُر بَعْد طُول التَّتَبُّع عَلَى أَسْمَاء الْبَاقِينَ. قُلْت : قَدْ ذَكَرَ اِبْن سَعْد مِنْهُمْ عُقْبَة بْن جَرْوَة , وَفِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ قَيْس بْن النُّعْمَان الْعَبْدِيّ وَذَكَرَهُ الْخَطِيب أَيْضًا فِي الْمُبْهَمَات , وَفِي مُسْنَد الْبَزَّار وَتَارِيخ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ الْجَهْم بْن قُثَم , وَوَقَعَ ذِكْره فِي صَحِيح مُسْلِم أَيْضًا لَكِنْ لَمْ يُسَمِّهِ , وَفِي مُسْنَدَيْ أَحْمَد وَابْن أَبِي شَيْبَة الرُّسْتُم الْعَبْدِيّ , وَفِي الْمَعْرِفَة لِأَبِي نُعَيْمٍ جُوَيْرِيَةُ الْعَبْدِيّ , وَفِي الْأَدَب لِلْبُخَارِيِّ الزَّارِع بْن عَامِر الْعَبْدِيّ. فَهَؤُلَاءِ السِّتَّة الْبَاقُونَ مِنْ الْعَدَد. وَمَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ الْوَفْد كَانُوا أَرْبَعَة عَشَر رَاكِبًا لَمْ يَذْكُر دَلِيله , وَفِي الْمَعْرِفَة لِابْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيق هُود الْعَصْرِيّ وَهُوَ بِعَيْنٍ وَصَاد مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ نِسْبَة إِلَى عَصْر بَطْن مِنْ عَبْد الْقَيْس عَنْ جَدّه لِأُمِّهِ مَزِيدَة قَالَ : بَيْنَمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّث أَصْحَابه إِذْ قَالَ لَهُمْ \" سَيَطْلُعُ لَكُمْ مِنْ هَذَا الْوَجْه رَكْب هُمْ خَيْر أَهْل الْمَشْرِق \" فَقَامَ عُمَر فَلَقِيَ ثَلَاثَة عَشَر رَاكِبًا فَرَحَّبَ وَقَرَّبَ وَقَالَ : مَنْ الْقَوْم ؟ قَالُوا وَفْد عَبْد الْقَيْس , فَيُمْكِن أَنْ يَكُون أَحَد الْمَذْكُورِينَ كَانَ غَيْر رَاكِب أَوْ مُرْتَدِفًا. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدُّولَابِيّ وَغَيْره مِنْ طَرِيق أَبِي خَيْرَة - بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتَانِيَّة وَبَعْد الرَّاء هَاء - الصُّبَاحِيّ - وَهُوَ بِضَمِّ الصَّاد الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة خَفِيفَة وَبَعْد الْأَلِف حَاء مُهْمَلَة - نِسْبَة إِلَى صُبَاح بَطْن مِنْ عَبْد الْقِيس قَالَ : كُنْت فِي الْوَفْد الَّذِينَ أَتَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَفْد عَبْد الْقَيْس وَكُنَّا أَرْبَعِينَ رَجُلًا فَنَهَانَا عَنْ الدُّبَّاء وَالنَّقِير... الْحَدِيث , فَيُمْكِن أَنْ يُجْمَع بَيْنه وَبَيْن الرِّوَايَة الْأُخْرَى بِأَنَّ الثَّلَاثَة عَشَر كَانُوا رُءُوس الْوَفْد , وَلِهَذَا كَانُوا رُكْبَانًا , وَكَانَ الْبَاقُونَ أَتْبَاعًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي جُمْلَة مِنْ الْأَخْبَار ذِكْر جَمَاعَة مِنْ عَبْد الْقَيْس زِيَادَة عَلَى مَنْ سَمَّيْته هُنَا , مِنْهُمْ أَخُو الزَّارِع وَاسْمه مَطَر وَابْن أُخْته وَلَمْ يُسَمَّ وَرَوَى ذَلِكَ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمه , وَمِنْهُمْ مُشَمْرَج السَّعْدِيّ رَوَى حَدِيثه اِبْن السَّكَن وَأَنَّهُ قَدِمَ مَعَ وَفْد عَبْد الْقَيْس , وَمِنْهُمْ جَابِر بْن الْحَارِث وَخُزَيْمَة بْن عَبْد بْن عَمْرو وَهَمَّام بْن رَبِيعَة وَجَارِيَة أَوَّله جِيم اِبْن جَابِر ذَكَرَهُمْ اِبْن شَاهِين فِي مُعْجَمه , وَمِنْهُمْ نُوح بْن مَخْلَد جَدّ أَبِي جَمْرَة وَكَذَا أَبُو خَيْرَة الصُّبَاحِيّ كَمَا تَقَدَّمَ. وَإِنَّمَا أَطَلْت فِي هَذَا الْفَصْل لِقَوْلِ صَاحِب التَّحْرِير إِنَّهُ لَمْ يَظْفَر - بَعْد طُول التَّتَبُّع - إِلَّا بِمَا ذَكَرَهُمْ. قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : فِي قَوْله \" مَنْ الْقَوْم \" دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب سُؤَال الْقَاصِد عَنْ نَفْسه لِيُعْرَف فَيُنْزَل مَنْزِلَته. قَوْله : ( قَالُوا : رَبِيعَة ) فِيهِ التَّعْبِير عَنْ الْبَعْض بِالْكُلِّ لِأَنَّهُمْ بَعْض رَبِيعَة , وَهَذَا مِنْ بَعْض الرُّوَاة , فَإِنَّ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الصَّلَاة مِنْ طَرِيق عَبَّاد عَنْ أَبِي جَمْرَة : فَقَالُوا إِنَّ هَذَا الْحَيّ مِنْ رَبِيعَة. قَالَ اِبْن الصَّلَاح : الْحَيّ مَنْصُوب عَلَى الِاخْتِصَاص , وَالْمَعْنَى إِنَّا هَذَا الْحَيّ حَيّ مِنْ رَبِيعَة , قَالَ : وَالْحَيّ هُوَ اِسْم لِمَنْزِلِ الْقَبِيلَة , ثُمَّ سُمِّيَتْ الْقَبِيلَة بِهِ ; لِأَنَّ بَعْضهمْ يَحْيَا بِبَعْضٍ. ‏ ‏قَوْله : ( مَرْحَبًا ) ‏ ‏هُوَ مَنْصُوب بِفِعْلٍ مُضْمَر , أَيْ : صَادَفْت رُحْبًا بِضَمِّ الرَّاء أَيْ سَعَة , وَالرَّحْب بِالْفَتْحِ الشَّيْء الْوَاسِع , وَقَدْ يَزِيدُونَ مَعَهَا أَهْلًا , أَيْ وَجَدْت أَهْلًا فَاسْتَأْنِسْ , وَأَفَادَ الْعَسْكَرِيّ أَنَّ أَوَّل مَنْ قَالَ مَرْحَبًا سَيْف بْن ذِي يَزَن , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب تَأْنِيس الْقَادِم , وَقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَفِي حَدِيث أُمّ هَانِئ \" مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئ \" وَفِي قِصَّة عِكْرِمَة بْن أَبِي جَهْل \" مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِر \" وَفِي قِصَّة فَاطِمَة \" مَرْحَبًا بِابْنَتِي \" وَكُلّهَا صَحِيحَة. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث عَاصِم بْن بَشِير الْحَارِثِيّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ لَمَّا دَخَلَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ \" مَرْحَبًا وَعَلَيْك السَّلَام \". ‏ ‏قَوْله : ( غَيْر خَزَايَا ) ‏ ‏بِنَصْبِ \" غَيْر \" عَلَى الْحَال , وَرُوِيَ بِالْكَسْرِ عَلَى الصِّفَة , وَالْمَعْرُوف الْأَوَّل قَالَهُ النَّوَوِيّ , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق أَبِي التَّيَّاح عَنْ أَبِي جَمْرَة \" مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ الَّذِينَ جَاءُوا غَيْر خَزَايَا وَلَا نَدَامَى \" وَخَزَايَا جَمْع خَزْيَان وَهُوَ الَّذِي أَصَابَهُ خِزْي , وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ أَسْلَمُوا طَوْعًا مِنْ غَيْر حَرْب أَوْ سَبْي يُخْزِيهِمْ وَيَفْضَحهُمْ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا نَدَامَى ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانَ أَصْله نَادِمِينَ جَمْع نَادِم لِأَنَّ نَدَامَى إِنَّمَا هُوَ جَمْع نَدْمَان أَيْ : الْمُنَادِم فِي اللَّهْو , وَقَالَ الشَّاعِر ‏ ‏فَإِنْ كُنْت نَدْمَانِي فَبِالْأَكْبَرِ اسْقِنِي ‏ ‏, لَكِنَّهُ هُنَا خَرَجَ عَلَى الْإتْبَاع كَمَا قَالُوا الْعَشَايَا والْغَدَايَا , وَغَدَاة جَمْعهَا الْغَدَوَات لَكِنَّهُ أَتْبَعَ , اِنْتَهَى. وَقَدْ حَكَى الْقَزَّاز وَالْجَوْهَرِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ أَهْل اللُّغَة أَنَّهُ يُقَال نَادِم وَنَدْمَان فِي النَّدَامَة بِمَعْنًى , فَعَلَى هَذَا فَهُوَ عَلَى الْأَصْل وَلَا إِتْبَاع فِيهِ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق قُرَّة فَقَالَ \" مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ لَيْسَ الْخَزَايَا وَلَا النَّادِمِينَ \" وَهِيَ لِلطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق شُعْبَة أَيْضًا , قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : بَشَّرَهُمْ بِالْخَيْرِ عَاجِلًا وَآجِلًا ; لِأَنَّ النَّدَامَة إِنَّمَا تَكُون فِي الْعَاقِبَة , فَإِذَا اِنْتَفَتْ ثَبَتَ ضِدّهَا. وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز الثَّنَاء عَلَى الْإِنْسَان فِي وَجْهه إِذَا أُمِنَ عَلَيْهِ الْفِتْنَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا حِين الْمُقَابَلَة مُسْلِمِينَ , وَكَذَا فِي قَوْلهمْ \" كُفَّار مُضَر \" وَفِي قَوْلهمْ \" اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا فِي الشَّهْر الْحَرَام ) ‏ ‏, وَلِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَة \" إِلَّا فِي شَهْر الْحَرَام \" وَهِيَ رِوَايَة مُسْلِم , وَهِيَ مِنْ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفْسه كَمَسْجِدِ الْجَامِع وَنِسَاء الْمُؤْمِنَات. وَالْمُرَاد بِالشَّهْرِ الْحَرَام الْجِنْس فَيَشْمَل الْأَرْبَعَة الْحُرُم , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة قُرَّة عِنْد الْمُؤَلِّف فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ \" إِلَّا فِي أَشْهُر الْحُرُم \" وَرِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عِنْده فِي الْمَنَاقِب بِلَفْظِ \" إِلَّا فِي كُلّ شَهْر حَرَام \" وَقِيلَ اللَّام لِلْعَهْدِ وَالْمُرَاد شَهْر رَجَب , وَفِي رِوَايَة لِلْبَيْهَقِيِّ التَّصْرِيح بِهِ , وَكَانَتْ مُضَر تُبَالِغ فِي تَعْظِيم شَهْر رَجَب , فَلِهَذَا أُضِيفَ إِلَيْهِمْ فِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة حَيْثُ قَالَ \" رَجَب مُضَر \" كَمَا سَيَأْتِي. وَالظَّاهِر أَنَّهُمْ كَانُوا يَخُصُّونَهُ بِمَزِيدِ التَّعْظِيم مَعَ تَحْرِيمهمْ الْقِتَال فِي الْأَشْهُر الثَّلَاثَة الْأُخْرَى , إِلَّا أَنَّهُمْ رُبَّمَا أَنْسَئُوهَا بِخِلَافِهِ , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى تَقَدُّم إِسْلَام عَبْد الْقَيْس عَلَى قَبَائِل مُضَر الَّذِينَ كَانُوا بَيْنهمْ وَبَيْن الْمَدِينَة , وَكَانَتْ مَسَاكِن عَبْد الْقَيْس بِالْبَحْرَيْنِ وَمَا وَالَاهَا مِنْ أَطْرَاف الْعِرَاق , وَلِهَذَا قَالُوا - كَمَا فِي رِوَايَة شُعْبَة عِنْد الْمُؤَلِّف فِي الْعِلْم - وَإِنَّا نَأْتِيك مِنْ شُقَّة بَعِيدَة. قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : الشُّقَّة السَّفَر. وَقَالَ الزَّجَّاج : هِيَ الْغَايَة الَّتِي تُقْصَد. وَيَدُلّ عَلَى سَبْقهمْ إِلَى الْإِسْلَام أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْمُصَنِّف فِي الْجُمُعَة مِنْ طَرِيق أَبِي جَمْرَة أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : إِنَّ أَوَّل جُمُعَة جُمِّعَتْ - بَعْد جُمُعَة فِي مَسْجِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسْجِد عَبْد الْقَيْس بِجُوَاثَى مِنْ الْبَحْرَيْنِ , وَجُوَاثَى بِضَمِّ الْجِيم وَبَعْد الْأَلِف مُثَلَّثَة مَفْتُوحَة , وَهِيَ قَرْيَة شَهِيرَة لَهُمْ , وَإِنَّمَا جَمَّعُوا بَعْد رُجُوع وَفْدهمْ إِلَيْهِمْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ سَبَقُوا جَمِيع الْقُرَى إِلَى الْإِسْلَام. ‏ ‏قَوْله : ( بِأَمْرٍ فَصْل ) ‏ ‏بِالتَّنْوِينِ فِيهِمَا لَا بِالْإِضَافَةِ , وَالْأَمْر , وَاحِد الْأَوَامِر , أَيْ : مُرْنَا بِعَمَلٍ بِوَاسِطَةِ اِفْعَلُوا , وَلِهَذَا قَالَ الرَّاوِي أَمَرَهُمْ , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد وَغَيْره عِنْد الْمُؤَلِّف قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" آمُركُمْ \" , وَلَهُ عَنْ أَبِي التَّيَّاح بِصِيغَةِ اِفْعَلُوا. وَ \" الْفَصْل \" بِمَعْنَى الْفَاصِل كَالْعَدْلِ بِمَعْنَى الْعَادِل , أَيْ : يَفْصِل بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل , أَوْ بِمَعْنَى الْمُفَصَّل أَيْ الْمُبَيَّن الْمَكْشُوف حَكَاهُ الطِّيبِيُّ , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْفَصْل الْبَيِّن وَقِيلَ الْمُحْكَم. ‏ ‏قَوْله : ( نُخْبِر بِهِ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ عَلَى الصِّفَة لِأَمْرٍ , وَكَذَا قَوْله وَنَدْخُل , وَيُرْوَى بِالْجَزْمِ فِيهِمَا عَلَى أَنَّهُ جَوَاب الْأَمْر. وَسَقَطَتْ الْوَاو مِنْ وَنَدْخُل فِي بَعْض الرِّوَايَات فَيُرْفَع نُخْبِر وَيُجْزَم نَدْخُل , قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : فِيهِ دَلِيل عَلَى إِبْدَاء الْعُذْر عِنْد الْعَجْز عَنْ تَوْفِيَة الْحَقّ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا , وَعَلَى أَنَّهُ يُبْدَأ بِالسُّؤَالِ عَنْ الْأَهَمّ , وَعَلَى أَنَّ الْأَعْمَال الصَّالِحَة تُدْخِل الْجَنَّة إِذَا قُبِلَتْ , وَقَبُولهَا يَقَع بِرَحْمَةِ اللَّه كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ ) ‏ ‏أَيْ : خِصَال أَوْ جُمَل , لِقَوْلِهِمْ \" حَدِّثْنَا بِجُمَلٍ مِنْ الْأَمْر \" وَهِيَ رِوَايَة قُرَّة عِنْد الْمُؤَلِّف فِي الْمَغَازِي , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : قِيلَ إِنَّ أَوَّل الْأَرْبَع الْمَأْمُور بِهَا إِقَام الصَّلَاة , وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشَّهَادَتَيْنِ تَبَرُّكًا بِهِمَا كَمَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسه ) وَإِلَى هَذَا نَحَا الطِّيبِيُّ فَقَالَ : عَادَة الْبُلَغَاء أَنَّ الْكَلَام إِذَا كَانَ مَنْصُوبًا لِغَرَضٍ جَعَلُوا سِيَاقه لَهُ وَطَرَحُوا مَا عَدَاهُ , وَهُنَا لَمْ يَكُنْ الْغَرَض فِي الْإِيرَاد ذِكْر الشَّهَادَتَيْنِ - لِأَنَّ الْقَوْم كَانُوا مُؤْمِنِينَ مُقِرِّينَ بِكَلِمَتَيْ الشَّهَادَة - وَلَكِنْ رُبَّمَا كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ الْإِيمَان مَقْصُور عَلَيْهِمَا كَمَا كَانَ الْأَمْر فِي صَدْر الْإِسْلَام , قَالَ : فَلِهَذَا لَمْ يَعُدّ الشَّهَادَتَيْنِ فِي الْأَوَامِر. قِيلَ وَلَا يَرِد عَلَى هَذَا الْإِتْيَان بِحَرْفِ الْعَطْف فَيَحْتَاج إِلَى تَقْدِير. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : لَوْلَا وُجُود حَرْف الْعَطْف لَقُلْنَا إِنَّ ذِكْر الشَّهَادَتَيْنِ وَرَدَ عَلَى سَبِيل التَّصْدِير , لَكِنْ يُمْكِن أَنْ يُقْرَأ قَوْله \" وَإِقَام الصَّلَاة \" بِالْخَفْضِ فَيَكُون عَطْفًا عَلَى قَوْله \" أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ \" وَالتَّقْدِير أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ مُصَدَّرًا بِهِ وَبِشَرْطِهِ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ , وَأَمَرَهُمْ بِإِقَامِ الصَّلَاة إِلَخْ , قَالَ : وَيُؤَيِّد هَذَا حَذْفهمَا فِي رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق أَبِي التَّيَّاح عَنْ أَبِي جَمْرَة وَلَفْظه \" أَرْبَع وَأَرْبَع , أَقِيمُوا الصَّلَاة إِلَخْ \". فَإِنْ قِيلَ ظَاهِر مَا تَرْجَمَ بِهِ الْمُصَنِّف مِنْ أَنَّ أَدَاء الْخُمُس مِنْ الْإِيمَان يَقْتَضِي إِدْخَاله مَعَ بَاقِي الْخِصَال فِي تَفْسِير الْإِيمَان وَالتَّقْدِير الْمَذْكُور يُخَالِفهُ , أَجَابَ اِبْن رَشِيد بِأَنَّ الْمُطَابَقَة تَحْصُل مِنْ جِهَة أُخْرَى , وَهِيَ أَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ الْأَعْمَال الَّتِي يَدْخُلُونَ بِهَا الْجَنَّة وَأُجِيبُوا بِأَشْيَاء مِنْهَا أَدَاء الْخُمُس , وَالْأَعْمَال الَّتِي تُدْخِل الْجَنَّة هِيَ أَعْمَال الْإِيمَان فَيَكُون أَدَاء الْخُمُس مِنْ الْإِيمَان بِهَذَا التَّقْرِير. فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْف قَالَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَبِي جَمْرَة \" آمُركُمْ بِأَرْبَعٍ : الْإِيمَان بِاَللَّهِ : شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه. وَعَقَدَ وَاحِدَة \" كَذَا لِلْمُؤَلِّفِ فِي الْمَغَازِي , وَلَهُ فِي فَرْض الْخُمُس \" وَعَقَدَ بِيَدِهِ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَة إِحْدَى الْأَرْبَع. وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْده فِي الزَّكَاة مِنْ هَذَا الْوَجْه مِنْ زِيَادَة الْوَاو فِي قَوْله \" شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" فَهِيَ زِيَادَة شَاذَّة لَمْ يُتَابِع عَلَيْهَا حَجَّاجَ بْن مِنْهَال أَحَد , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه أَيْ : وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة عَبَّاد بْن عَبَّاد فِي أَوَائِل الْمَوَاقِيت وَلَفْظه \" آمُركُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَع : الْإِيمَان بِاَللَّهِ \" ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ \" شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه \" الْحَدِيث. وَالِاقْتِصَار عَلَى شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه عَلَى إِرَادَة الشَّهَادَتَيْنِ مَعًا لِكَوْنِهَا صَارَتْ عَلَمًا عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي بَاب زِيَادَة الْإِيمَان , وَهَذَا أَيْضًا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عَدَّ الشَّهَادَتَيْنِ مِنْ الْأَرْبَع لِأَنَّهُ أَعَادَ الضَّمِير فِي قَوْله ثُمَّ فَسَّرَهَا مُؤَنَّثًا فَيَعُود عَلَى الْأَرْبَع , وَلَوْ أَرَادَ تَفْسِير الْإِيمَان لَأَعَادَهُ مُذَكَّرًا , وَعَلَى هَذَا فَيُقَال : كَيْف قَالَ أَرْبَع وَالْمَذْكُورَات خَمْس ؟ وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْقَاضِي عِيَاض - تَبَعًا لِابْنِ بَطَّال - بِأَنَّ الْأَرْبَع مَا عَدَا أَدَاء الْخُمُس , قَالَ : كَأَنَّهُ أَرَادَ إِعْلَامهمْ بِقَوَاعِد الْإِيمَان وَفُرُوض الْأَعْيَان , ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ بِمَا يَلْزَمهُمْ إِخْرَاجه إِذَا وَقَعَ لَهُمْ جِهَاد لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِصَدَدِ مُحَارَبَة كُفَّار مُضَر , وَلَمْ يَقْصِد ذِكْرهَا بِعَيْنِهَا لِأَنَّهَا مُسَبَّبَة عَنْ الْجِهَاد , وَلَمْ يَكُنْ الْجِهَاد إِذْ ذَاكَ فَرْض عَيْن. قَالَ : وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُر الْحَجّ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ. وَقَالَ غَيْره : قَوْله \" وَأَنْ تُعْطُوا \" مَعْطُوف عَلَى قَوْله \" بِأَرْبَعٍ \" أَيْ : آمُركُمْ بِأَرْبَعٍ وَبِأَنْ تُعْطُوا , وَيَدُلّ عَلَيْهِ الْعُدُول عَنْ سِيَاق الْأَرْبَع وَالْإِتْيَان بِأَنْ وَالْفِعْل مَعَ تَوَجُّه الْخِطَاب إِلَيْهِمْ , قَالَ اِبْن التِّين : لَا يَمْتَنِع الزِّيَادَة إِذَا حَصَلَ الْوَفَاء بِوَعْدِ الْأَرْبَع. قُلْت : وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ لَفْظ رِوَايَة مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" آمُركُمْ بِأَرْبَعٍ : اُعْبُدُوا اللَّه وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَأَقِيمُوا الصَّلَاة , وَآتُوا الزَّكَاة , وَصُومُوا رَمَضَان , وَأَعْطُوا الْخُمُس مِنْ الْغَنَائِم \". وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال إِنَّهُ عَدَّ الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَاحِدَة لِأَنَّهَا قَرِينَتهَا فِي كِتَاب اللَّه , وَتَكُون الرَّابِعَة أَدَاء الْخُمُس , أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَعُدّ أَدَاء الْخُمُس لِأَنَّهُ دَاخِل فِي عُمُوم إِيتَاء الزَّكَاة , وَالْجَامِع بَيْنهمَا أَنَّهُمَا إِخْرَاج مَال مُعَيَّن فِي حَال دُون حَال. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ الظَّاهِر أَنَّ الْأُمُور الْخَمْسَة الْمَذْكُورَة هُنَا تَفْسِير لِلْإِيمَانِ وَهُوَ أَحَد الْأَرْبَعَة الْمَوْعُود بِذِكْرِهَا , وَالثَّلَاثَة الْأُخَر حَذَفَهَا الرَّاوِي اِخْتِصَارًا أَوْ نِسْيَانًا. كَذَا قَالَ , وَمَا ذُكِرَ أَنَّهُ الظَّاهِر لَعَلَّهُ يَحْسِب مَا ظَهَرَ لَهُ , وَإِلَّا فَالظَّاهِر مِنْ السِّيَاق أَنَّ الشَّهَادَة أَحَد الْأَرْبَع لِقَوْلِهِ \" وَعَقَدَ وَاحِدَة \" وَكَأَنَّ الْقَاضِي أَرَادَ أَنْ يَرْفَع الْإِشْكَال مِنْ كَوْن الْإِيمَان وَاحِدًا وَالْمَوْعُود بِذِكْرِهِ أَرْبَعًا , وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ أَجْزَائِهِ الْمُفَصَّلَة أَرْبَع , وَهُوَ فِي حَدّ ذَاته وَاحِد , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ اِسْم جَامِع لِلْخِصَالِ الْأَرْبَع الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ يَأْمُرهُمْ بِهَا , ثُمَّ فَسَّرَهَا , فَهُوَ وَاحِد بِالنَّوْعِ مُتَعَدِّد بِحَسَبِ وَظَائِفه , كَمَا أَنَّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ - وَهُوَ الِانْتِبَاذ فِيمَا يُسْرِع إِلَيْهِ الْإِسْكَار - وَاحِد بِالنَّوْعِ مُتَعَدِّد بِحَسَبِ أَوْعِيَته وَالْحِكْمَة فِي الْإِجْمَال بِالْعَدَدِ قَبْل التَّفْسِير أَنْ تَتَشَوَّف النَّفْس إِلَى التَّفْصِيل ثُمَّ تَسْكُن إِلَيْهِ وَأَنْ يَحْصُل حِفْظهَا لِلسَّامِعِ فَإِذَا نَسِيَ شَيْئًا مِنْ تَفَاصِيلهَا طَالَبَ نَفْسه بِالْعَدَدِ , فَإِذَا لَمْ يَسْتَوْفِ الْعَدَد الَّذِي فِي حِفْظه عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ بَعْض مَا سَمِعَ. وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاض مِنْ أَنَّ السَّبَب فِي كَوْنه لَمْ يَذْكُر الْحَجّ فِي الْحَدِيث لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ هُوَ الْمُعْتَمَد , وَقَدْ قَدَّمْنَا الدَّلِيل عَلَى قِدَم إِسْلَامهمْ , لَكِنْ جَزَمَ الْقَاضِي بِأَنَّ قُدُومهمْ كَانَ فِي سَنَة ثَمَان قَبْل فَتْح مَكَّة تَبِعَ فِيهِ الْوَاقِدِيّ , وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ; لِأَنَّ فَرْض الْحَجّ كَانَ سَنَة سِتّ عَلَى الْأَصَحّ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه , وَلَكِنَّ الْقَاضِي يَخْتَار أَنَّ فَرْض الْحَجّ كَانَ سَنَة تِسْع حَتَّى لَا يَرِد عَلَى مَذْهَبه أَنَّهُ عَلَى الْفَوْر ا ه. وَقَدْ اِحْتَجَّ الشَّافِعِيّ لِكَوْنِهِ عَلَى التَّرَاخِي بِأَنَّ فَرْض الْحَجّ كَانَ بَعْد الْهِجْرَة , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْحَجّ فِي سَنَة ثَمَان وَفِي سَنَة تِسْع وَلَمْ يَحُجّ إِلَّا فِي سَنَة عَشْر , وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ تَرَكَ ذِكْر الْحَجّ لِكَوْنِهِ عَلَى التَّرَاخِي فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ; لِأَنَّ كَوْنه عَلَى التَّرَاخِي لَا يَمْنَع مِنْ الْأَمْر بِهِ , وَكَذَا قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّمَا تَرَكَهُ لِشُهْرَتِهِ عِنْدهمْ لَيْسَ بِقَوِيٍّ ; لِأَنَّهُ عِنْد غَيْرهمْ مِمَّنْ ذَكَرَهُ لَهُمْ أَشْهَر مِنْهُ عِنْدهمْ , وَكَذَا قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ تَرْك ذِكْره لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَيْهِ سَبِيل مِنْ أَجْل كُفَّار مُضَر لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ عَدَم الِاسْتِطَاعَة فِي الْحَال تَرْك الْإِخْبَار بِهِ لِيُعْمَل بِهِ عِنْد الْإِمْكَان كَمَا فِي الْآيَة , بَلْ دَعْوَى أَنَّهُمْ كَانُوا لَا سَبِيل لَهُمْ إِلَى الْحَجّ مَمْنُوعَة لِأَنَّ الْحَجّ يَقَع فِي الْأَشْهُر الْحُرُم , وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْمَنُونَ فِيهَا. لَكِنْ يُمْكِن أَنْ يُقَال إِنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَهُمْ بِبَعْضِ الْأَوَامِر لِكَوْنِهِمْ سَأَلُوهُ أَنْ يُخْبِرهُمْ بِمَا يَدْخُلُونَ بِفِعْلِهِ الْجَنَّة , فَاقْتَصَرَ لَهُمْ عَلَى مَا يُمْكِنهُمْ فِعْله فِي الْحَال , وَلَمْ يَقْصِد إِعْلَامهمْ بِجَمِيعِ الْأَحْكَام الَّتِي تَجِب عَلَيْهِمْ فِعْلًا وَتَرْكًا. وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ اِقْتِصَاره فِي الْمَنَاهِي عَلَى الِانْتِبَاذ فِي الْأَوْعِيَة مَعَ أَنَّ فِي الْمَنَاهِي مَا هُوَ أَشَدّ فِي التَّحْرِيم مِنْ الِانْتِبَاذ , لَكِنْ اِقْتَصَرَ عَلَيْهَا لِكَثْرَةِ تَعَاطِيهمْ لَهَا. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كِتَاب الصِّيَام مِنْ السُّنَن الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي قِلَابَةَ الرَّقَاشِيّ عَنْ أَبِي زَيْد الْهَرَوِيِّ عَنْ قُرَّة فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ زِيَادَة ذِكْر الْحَجّ وَلَفْظه \" وَتَحُجُّوا الْبَيْت الْحَرَام \" وَلَمْ يَتَعَرَّض لِعَدَدٍ فَهِيَ رِوَايَة شَاذَّة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَمَنْ اِسْتَخْرَجَ عَلَيْهِمَا وَالنَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق قُرَّة لَمْ يَذْكُر أَحَد مِنْهُمْ الْحَجّ , وَأَبُو قِلَابَةَ تَغَيَّرَ حِفْظه فِي آخِر أَمْره فَلَعَلَّ هَذَا مِمَّا حَدَّثَ بِهِ فِي التَّغَيُّر , وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ أَبِي جَمْرَة. وَقَدْ وَرَدَ ذِكْر الْحَجّ أَيْضًا فِي مُسْنَد الْإِمَام أَحْمَد مِنْ رِوَايَة أَبَانَ الْعَطَّار عَنْ قَتَادَة عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب - وَعَنْ عِكْرِمَة - عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة وَفْد عَبْد قَيْس. وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون ذِكْر الْحَجّ فِيهِ مَحْفُوظًا فَيُجْمَع فِي الْجَوَاب عَنْهُ بَيْن الْجَوَابَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فَيُقَال : الْمُرَاد بِالْأَرْبَعِ مَا عَدَا الشَّهَادَتَيْنِ وَأَدَاء الْخُمُس. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَع : عَنْ الْحَنْتَم إِلَخْ ) ‏ ‏فِي جَوَاب قَوْله \" وَسَأَلُوهُ عَنْ الْأَشْرِبَة \" هُوَ مِنْ إِطْلَاق الْمَحَلّ وَإِرَادَة الْحَالّ , أَيْ : مَا فِي الْحَنْتَم وَنَحْوه , وَصَرَّحَ بِالْمُرَادِ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق قُرَّة فَقَالَ \" وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَع : مَا يُنْتَبَذ فِي الْحَنْتَم \" الْحَدِيث. وَالْحَنْتَم بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون النُّون وَفَتْح الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق هِيَ الْجَرَّة , كَذَا فَسَّرَهَا اِبْن عُمَر فِي صَحِيح مُسْلِم , وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : الْحَنْتَم الْجِرَار الْخُضْر , وَرَوَى الْحَرْبِيّ فِي الْغَرِيب عَنْ عَطَاء أَنَّهَا جِرَار كَانَتْ تُعْمَل مِنْ طِين وَشَعْر وَدَم. وَالدُّبَّاء بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة وَالْمَدّ هُوَ الْقَرْع , قَالَ النَّوَوِيّ : وَالْمُرَاد الْيَابِس مِنْهُ. وَحَكَى الْقَزَّاز فِيهِ الْقَصْر. وَالنَّقِير بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْقَاف : أَصْل النَّخْلَة يُنْقَر فَيُتَّخَذ مِنْهُ وِعَاء. وَالْمُزَفَّت بِالزَّايِ وَالْفَاء مَا طُلِيَ بِالزِّفْتِ. وَالْمُقَيَّر بِالْقَافِ وَالْيَاء الْأَخِيرَة مَا طُلِيَ بِالْقَارِ وَيُقَال لَهُ الْقَيْر , وَهُوَ نَبْت يُحْرَق إِذَا يَبِسَ تُطْلَى بِهِ السُّفُن وَغَيْرهَا كَمَا تُطْلَى بِالزِّفْتِ , قَالَهُ صَاحِب الْمُحْكَم. وَفِي مُسْنَد أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ عَنْ أَبِي بَكْرَة قَالَ : أَمَّا الدُّبَّاء فَإِنَّ أَهْل الطَّائِف كَانُوا يَأْخُذُونَ الْقَرْع فَيُخَرِّطُونَ فِيهِ الْعِنَب ثُمَّ يَدْفِنُونَهُ حَتَّى يُهْدَر ثُمَّ يَمُوت. وَأَمَّا النَّقِير فَإِنَّ أَهْل الْيَمَامَة كَانُوا يَنْقُرُونَ أَصْل النَّخْلَة ثُمَّ يَنْبِذُونَ الرُّطَب وَالْبُسْر ثُمَّ يَدْعُونَهُ حَتَّى يُهْدَر ثُمَّ يَمُوت. وَأَمَّا الْحَنْتَم فَجِرَار كَانَتْ تُحْمَل إِلَيْنَا فِيهَا الْخَمْر. وَأَمَّا الْمُزَفَّت فَهَذِهِ الْأَوْعِيَة الَّتِي فِيهَا الزِّفْت. اِنْتَهَى. وَإِسْنَاده حَسَن. وَتَفْسِير الصَّحَابِيّ أَوْلَى أَنْ يُعْتَمَد عَلَيْهِ مِنْ غَيْره لِأَنَّهُ أَعْلَم بِالْمُرَادِ. وَمَعْنَى النَّهْي عَنْ الِانْتِبَاذ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَة بِخُصُوصِهَا لِأَنَّهُ يُسْرِع فِيهَا الْإِسْكَار , فَرُبَّمَا شَرِبَ مِنْهَا مَنْ لَا يَشْعُر بِذَلِكَ , ثُمَّ ثَبَتَتْ الرُّخْصَة فِي الِانْتِبَاذ فِي كُلّ وِعَاء مَعَ النَّهْي عَنْ شُرْب كُلّ مُسْكِر كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ مَنْ وَهِيَ مَوْصُولَة , وَوَرَاءَكُمْ يَشْمَل مَنْ جَاءُوا مِنْ عِنْدهمْ وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الْمَكَان , وَيَشْمَل مَنْ يَحْدُث لَهُمْ مِنْ الْأَوْلَاد وَغَيْرهمْ وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الزَّمَان , فَيَحْتَمِل إِعْمَالهَا فِي الْمَعْنَيَيْنِ مَعًا حَقِيقَة وَمَجَازًا. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمُصَنِّف الِاعْتِمَاد عَلَى أَخْبَار الْآحَاد عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بَابه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "52",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "53",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ ‏ ‏يَحْتَسِبُهَا ‏ ‏فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه بْن يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ الْخَطْمِيّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الطَّاء الْمُهْمَلَة , وَهُوَ صَحَابِيّ أَنْصَارِيّ رَوَى عَنْ صَحَابِيّ أَنْصَارِيّ , وَسَيَأْتِي ذِكْر أَبِي مَسْعُود الْمَذْكُور فِي بَاب مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمَغَازِي , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حَدِيثه فِي كِتَاب النَّفَقَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْمَقْصُود مِنْهُ فِي هَذَا الْبَاب قَوْله \" يَحْتَسِبهَا \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : أَفَادَ مَنْطُوقه أَنَّ الْأَجْر فِي الْإِنْفَاق إِنَّمَا يَحْصُل بِقَصْدِ الْقُرْبَة سَوَاء كَانَتْ وَاجِبَة أَوْ مُبَاحَة , وَأَفَادَ مَفْهُومه أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْصِد الْقُرْبَة لَمْ يُؤْجَر , لَكِنْ تَبْرَأ ذِمَّته مِنْ النَّفَقَة الْوَاجِبَة لِأَنَّهَا مَعْقُولَة الْمَعْنَى , وَأَطْلَقَ الصَّدَقَة عَلَى النَّفَقَة مَجَازًا وَالْمُرَاد بِهَا الْأَجْر , وَالْقَرِينَة الصَّارِفَة عَنْ الْحَقِيقَة الْإِجْمَاع عَلَى جَوَاز النَّفَقَة عَلَى الزَّوْجَة الْهَاشِمِيَّة الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْهَا الصَّدَقَة. ‏"
    },
    {
        "id": "54",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّك ) ‏ ‏الْخِطَاب لِسَعْدٍ , وَالْمُرَاد هُوَ وَمَنْ يَصِحّ مِنْهُ الْإِنْفَاق. ‏ ‏قَوْله : ( وَجْه اللَّه ) ‏ ‏أَيْ : مَا عِنْد اللَّه مِنْ الثَّوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا أُجِرْت ) ‏ ‏يَحْتَاج إِلَى تَقْدِير لِأَنَّ الْفِعْل لَا يَقَع اِسْتِثْنَاء. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى ) ‏ ‏: هِيَ عَاطِفَة وَمَا بَعْدهَا مَنْصُوب الْمَحَلّ , وَمَا : مَوْصُولَة وَالْعَائِد مَحْذُوف. ‏ ‏قَوْله : ( فِي فَم اِمْرَأَتك ) ‏ ‏ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فِي فِي اِمْرَأَتك \" وَهِيَ رِوَايَة الْأَكْثَر , قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هِيَ أَصْوَب لِأَنَّ الْأَصْل حَذْف الْمِيم بِدَلِيلِ جَمْعه عَلَى أَفْوَاه وَتَصْغِيره عَلَى فُوَيْه. قَالَ : وَإِنَّمَا يَحْسُن إِثْبَات الْمِيم عِنْد الْإِفْرَاد وَأَمَّا عِنْد الْإِضَافَة فَلَا إِلَّا فِي لُغَة قَلِيلَة ا ه. وَهَذَا طَرَف مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص فِي مَرَضه بِمَكَّة وَعِيَادَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ وَقَوْله \" أُوصِي بِشَطْرِ مَالِي \" الْحَدِيث. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْوَصَايَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا قَوْله \" تَبْتَغِي - أَيْ : تَطْلُب - بِهَا وَجْه اللَّه \" وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ النَّوَوِيّ أَنَّ الْحَظّ إِذَا وَافَقَ الْحَقّ لَا يَقْدَح فِي ثَوَابه لِأَنَّ وَضْع اللُّقْمَة فِي فِي الزَّوْجَة يَقَع غَالِبًا فِي حَالَة الْمُدَاعَبَة , وَلِشَهْوَةِ النَّفْس فِي ذَلِكَ مَدْخَل ظَاهِر. وَمَعَ ذَلِكَ إِذَا وَجَّهَ الْقَصْد فِي تِلْكَ الْحَالَة إِلَى اِبْتِغَاء الثَّوَاب حَصَلَ لَهُ بِفَضْلِ اللَّه. قُلْت : وَجَاءَ مَا هُوَ أَصْرَح فِي هَذَا الْمُرَاد مِنْ وَضْع اللُّقْمَة , وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي ذَرّ فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ \" وَفِي بُضْع أَحَدكُمْ صَدَقَة. قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه أَيَأْتِي أَحَدنَا شَهْوَته وَيُؤْجَر ؟ قَالَ : نَعَمْ , أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَام ؟ \" الْحَدِيث. قَالَ : وَإِذَا كَانَ هَذَا بِهَذَا الْمَحَلّ - مَا فِيهِ مِنْ حَظّ النَّفْس - فَمَا الظَّنّ بِغَيْرِهِ مِمَّا لَا حَظّ لِلنَّفْسِ فِيهِ ؟ قَالَ : وَتَمْثِيله بِاللُّقْمَةِ مُبَالَغَة فِي تَحْقِيق هَذِهِ الْقَاعِدَة ; لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ الْأَجْر فِي لُقْمَة وَاحِدَة لِزَوْجَةٍ غَيْر مُضْطَرَّة فَمَا الظَّنّ بِمَنْ أَطْعَمَ لُقَمًا لِمُحْتَاجٍ , أَوْ عَمِلَ مِنْ الطَّاعَات مَا مَشَقَّته فَوْق مَشَقَّة ثَمَن اللُّقْمَة الَّذِي هُوَ مِنْ الْحَقَارَة بِالْمَحَلِّ الْأَدْنَى ا ه. وَتَمَام هَذَا أَنْ يُقَال : وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقّ الزَّوْجَة مَعَ مُشَارَكَة الزَّوْج لَهَا فِي النَّفْع بِمَا يُطْعِمهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَثِّر فِي حُسْن بَدَنهَا وَهُوَ يَنْتَفِع مِنْهَا بِذَلِكَ , وَأَيْضًا فَالْأَغْلَب أَنَّ الْإِنْفَاق عَلَى الزَّوْجَة يَقَع بِدَاعِيَةِ النَّفْس , بِخِلَافِ غَيْرهَا فَإِنَّهُ يَحْتَاج إِلَى مُجَاهَدَتهَا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "55",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَرِير بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْبَجَلِيّ بِفَتْحِ الْجِيم , وَقَيْس الرَّاوِي عَنْهُ وَإِسْمَاعِيل الرَّاوِي عَنْ قَيْس بَجَلِيَّانِ أَيْضًا , وَكُلّ مِنْهُمْ يُكَنَّى أَبَا عَبْد اللَّه , وَكُلّهمْ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( بَايَعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : اِقْتَصَرَ عَلَى الصَّلَاة وَالزَّكَاة لِشُهْرَتِهِمَا , وَلَمْ يَذْكُر الصَّوْم وَغَيْره لِدُخُولِ ذَلِكَ فِي السَّمْع وَالطَّاعَة. قُلْت : زِيَادَة السَّمْع وَالطَّاعَة وَقَعَتْ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْبُيُوع مِنْ طَرِيق سُفْيَان عَنْ إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور , وَلَهُ فِي الْأَحْكَام , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ جَرِير قَالَ : بَايَعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة , فَلَقَّنَنِي \" فِيمَا اِسْتَطَعْت , وَالنُّصْح لِكُلِّ مُسْلِم \" وَرَوَاهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق أَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو بْن جَرِير عَنْ جَدّه وَزَادَ فِيهِ : فَكَانَ جَرِير إِذَا اِشْتَرَى شَيْئًا أَوْ بَاعَ يَقُول لِصَاحِبِهِ : اِعْلَمْ أَنَّ مَا أَخَذْنَا مِنْك أَحَبّ إِلَيْنَا مِمَّا أَعْطَيْنَاكَهُ فَاخْتَرْ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيّ فِي تَرْجَمَته أَنَّ غُلَامه اِشْتَرَى لَهُ فَرَسًا بِثَلَثِمِائَةٍ , فَلَمَّا رَآهُ جَاءَ إِلَى صَاحِبه فَقَالَ : إِنَّ فَرَسك خَيْر مِنْ ثَلَثمِائَةٍ , فَلَمْ يَزَلْ يَزِيدهُ حَتَّى أَعْطَاهُ ثَمَانِمِائَةٍ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : كَانَتْ مُبَايَعَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ بِحَسَبِ مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ مِنْ تَجْدِيد عَهْد أَوْ تَوْكِيد أَمْر , فَلِذَلِكَ اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظهمْ. وَقَوْله : فِيمَا اِسْتَطَعْت رُوِّينَاهُ بِفَتْحِ التَّاء وَضَمّهَا , وَتَوْجِيههمَا وَاضِح , وَالْمَقْصُود بِهَذَا التَّنْبِيه عَلَى أَنَّ اللَّازِم مِنْ الْأُمُور الْمُبَايَع عَلَيْهَا هُوَ مَا يُطَاق , كَمَا هُوَ الْمُشْتَرَط فِي أَصْل التَّكْلِيف , وَيُشْعِر الْأَمْر بِقَوْلِ ذَلِكَ اللَّفْظ حَال الْمُبَايَعَة بِالْعَفْوِ عَنْ الْهَفْوَة وَمَا يَقَع عَنْ خَطَأ وَسَهْو. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "56",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَوْمَ مَاتَ ‏ ‏الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ‏ ‏قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ‏ ‏وَالْوَقَارِ ‏ ‏وَالسَّكِينَةِ ‏ ‏حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ فَإِنَّمَا ‏ ‏يَأْتِيكُمْ الْآنَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏اسْتَعْفُوا ‏ ‏لِأَمِيرِكُمْ فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَشَرَطَ عَلَيَّ ‏ ‏وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت جَرِير بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏الْمَسْمُوع مِنْ جَرِير حَمْد اللَّه وَالثَّنَاء عَلَيْهِ , فَالتَّقْدِير : سَمِعْت جَرِيرًا حَمِدَ اللَّه , وَالْبَاقِي شَرْح لِلْكَيْفِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَوْم مَاتَ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة ) ‏ ‏كَانَ الْمُغِيرَة وَالِيًا عَلَى الْكُوفَة فِي خِلَافَة مُعَاوِيَة , وَكَانَتْ وَفَاته سَنَة خَمْسِينَ مِنْ الْهِجْرَة , وَاسْتَنَابَ عِنْد مَوْته اِبْنه عُرْوَة , وَقِيلَ اِسْتَنَابَ جَرِيرًا الْمَذْكُور , وَلِهَذَا خَطَبَ الْخُطْبَة الْمَذْكُورَة , حَكَى ذَلِكَ الْعَلَائِيّ فِي أَخْبَار زِيَاد. وَالْوَقَار : بِالْفَتْحِ الرَّزَانَة , وَالسَّكِينَة : السُّكُون. وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ مُقَدِّمًا لِتَقْوَى اللَّه ; لِأَنَّ الْغَالِب أَنَّ وَفَاة الْأُمَرَاء تُؤَدِّي إِلَى الِاضْطِرَاب وَالْفِتْنَة , وَلَا سِيَّمَا مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْل الْكُوفَة إِذْ ذَاكَ مِنْ مُخَالَفَة وُلَاة الْأُمُور. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَأْتِيكُمْ أَمِير ) ‏ ‏أَيْ بَدَل الْأَمِير الَّذِي مَاتَ. وَمَفْهُوم الْغَايَة هُنَا , وَهُوَ أَنَّ الْمَأْمُور بِهِ يَنْتَهِي بِمَجِيءِ الْأَمِير لَيْسَ مُرَادًا , بَلْ يَلْزَم ذَلِكَ بَعْد مَجِيء الْأَمِير بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَشَرْط اِعْتِبَار مَفْهُوم الْمُخَالَفَة أَنْ لَا يُعَارِضهُ مَفْهُوم الْمُوَافَقَة. ‏ ‏قَوْله : ( الْآن ) ‏ ‏أَرَادَ بِهِ تَقْرِيب الْمُدَّة تَسْهِيلًا عَلَيْهِمْ , وَكَانَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ مُعَاوِيَة لَمَّا بَلَغَهُ مَوْت الْمُغِيرَة كَتَبَ إِلَى نَائِبه عَلَى الْبَصْرَة وَهُوَ زِيَاد أَنْ يَسِير إِلَى الْكُوفَة أَمِيرًا عَلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَعْفُوا لِأَمِيرِكُمْ ) ‏ ‏أَيْ اُطْلُبُوا لَهُ الْعَفْو مِنْ اللَّه , كَذَا فِي مُعْظَم الرِّوَايَات بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة , وَفِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر \" اِسْتَغْفِرُوا \" بِغَيْنٍ مُعْجَمَة وَزِيَادَة رَاءٍ وَهِيَ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي الْمُسْتَخْرَج. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبّ الْعَفْو ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْجَزَاء يَقَع مِنْ جِنْس الْعَمَل. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت أُبَايِعك ) ‏ ‏تَرَكَ أَدَاة الْعَطْف إِمَّا لِأَنَّهُ بَدَل مِنْ أَتَيْت أَوْ اِسْتِئْنَاف. ‏ ‏قَوْله : ( وَالنُّصْحِ ) ‏ ‏بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْإِسْلَام , وَيَجُوز نَصْبه عَطْفًا عَلَى مُقَدَّر , أَيْ : شَرَطَ عَلَى الْإِسْلَام وَالنَّصِيحَة , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى كَمَالِ شَفَقَة الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى هَذَا ) ‏ ‏أَيْ : عَلَى مَا ذُكِرَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَبّ هَذَا الْمَسْجِد ) ‏ ‏مُشْعِر بِأَنَّ خُطْبَته كَانَتْ فِي الْمَسْجِد , وَيَجُوز أَنْ يَكُون أَشَارَ إِلَى جِهَة الْمَسْجِد الْحَرَام , وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ \" وَرَبّ الْكَعْبَة \" وَذَكَرَ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى شَرَف الْمُقْسَم بِهِ لِيَكُونَ أَدْعَى لِلْقَبُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَنَاصِح ) ‏ ‏إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ وَفَّى بِمَا بَايَعَ عَلَيْهِ الرَّسُول , وَأَنَّ كَلَامه خَالِص عَنْ الْغَرَض. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَزَلَ ) ‏ ‏مُشْعِر بِأَنَّهُ خَطَبَ عَلَى الْمِنْبَر , أَوْ الْمُرَاد قَعَدَ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَة قَوْله : قَامَ فَحَمِدَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏التَّقْيِيد بِالْمُسْلِمِ لِلْأَغْلَبِ , وَإِلَّا فَالنُّصْح لِلْكَافِرِ مُعْتَبَر بِأَنْ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَام وَيُشَار عَلَيْهِ بِالصَّوَابِ إِذَا اِسْتَشَارَ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْبَيْع وَنَحْو ذَلِكَ فَجَزَمَ أَحْمَد أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصّ بِالْمُسْلِمِينَ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏( فَائِدَة أُخْرَى ) : ‏ ‏خَتَمَ الْبُخَارِيّ كِتَاب الْإِيمَان بِبَابِ النَّصِيحَة مُشِيرًا إِلَى أَنَّهُ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ فِي الْإِرْشَاد إِلَى الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح دُون السَّقِيم , ثُمَّ خَتَمَهُ بِخُطْبَةِ جَرِير الْمُتَضَمِّنَة لِشَرْحِ حَاله فِي تَصْنِيفه فَأَوْمَأَ بِقَوْلِهِ \" فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمْ الْآن \" إِلَى وُجُوب التَّمَسُّك بِالشَّرَائِعِ حَتَّى يَأْتِي مَنْ يُقِيمهَا , إِذْ لَا تَزَال طَائِفَة مَنْصُورَة , وَهُمْ فُقَهَاء أَصْحَاب الْحَدِيث. وَبِقَوْلِهِ \" اِسْتَعْفُوا لِأَمِيرِكُمْ \" إِلَى طَلَب الدُّعَاء لَهُ لِعَمَلِهِ الْفَاضِل. ثُمَّ خَتَمَ بِقَوْلِ \" اِسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ \" فَأَشْعَرَ بِخَتْمِ الْبَاب. ثُمَّ عَقَّبَهُ بِكِتَابِ الْعِلْم لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث النَّصِيحَة أَنَّ مُعْظَمهَا يَقَع بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيم. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْإِيمَان وَمُقَدِّمَته مِنْ بَدْء الْوَحْي مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى أَحَد وَثَمَانِينَ حَدِيثًا بِالْمُكَرَّرِ مِنْهَا فِي بَدْء الْوَحْي خَمْسَة عَشَر , وَفِي الْإِيمَان سِتَّة وَسِتُّونَ , الْمُكَرَّر مِنْهَا ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ , مِنْهَا فِي الْمُتَابَعَات بِصِيغَةِ الْمُتَابَعَة أَوْ التَّعْلِيق اِثْنَانِ وَعِشْرُونَ , فِي بَدْء الْوَحْي ثَمَانِيَة , وَفِي الْإِيمَان أَرْبَعَة عَشَر , وَمِنْ الْمَوْصُول الْمُكَرَّر ثَمَانِيَة , وَمِنْ التَّعْلِيق الَّذِي لَمْ يُوصَل فِي مَكَان آخَر ثَلَاثَة , وَبَقِيَّة ذَلِكَ وَهِيَ ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا مَوْصُولَة بِغَيْرِ تَكْرِير. وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا إِلَّا سَبْعَة وَهِيَ : الشَّعْبِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فِي : الْمُسْلِم وَالْمُهَاجِر , وَالْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي : حُبّ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَابْن أَبِي صَعْصَعَة عَنْ أَبِي سَعِيد فِي : الْفِرَار مِنْ الْفِتَن , وَأَنَس عَنْ عُبَادَةَ فِي لَيْلَة الْقَدْر , وَسَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي : الدِّين يُسْر , وَالْأَحْنَف عَنْ أَبِي بَكْرَة فِي الْقَاتِل وَالْمَقْتُول , وَهِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة فِي : أَنَا أَعْلَمكُمْ بِاَللَّهِ. وَجَمِيع مَا فِيهِ مِنْ الْمَوْقُوفَات عَلَى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ثَلَاثَة عَشَر أَثَرًا مُعَلَّقَة , غَيْر أَثَر اِبْن النَّاطُور فَهُوَ مَوْصُول. وَكَذَا خُطْبَة جَرِير الَّتِي خَتَمَ بِهَا كِتَاب الْإِيمَان. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "57",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحَدِّثُ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَمْ يَسْمَعْ حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنْ السَّاعَةِ قَالَ هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏فَإِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا قَالَ إِذَا ‏ ‏وُسِّدَ ‏ ‏الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فُلَيْح ) ‏ ‏بِصِيغَةِ التَّصْغِير هُوَ اِبْن سُلَيْمَان أَبُو يَحْيَى الْمَدَنِيّ , مِنْ طَبَقَة مَالِك وَهُوَ صَدُوق , تَكَلَّمَ بَعْض الْأَئِمَّة فِي حِفْظه , وَلَمْ يُخَرِّج الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيثه فِي الْأَحْكَام إِلَّا مَا تُوبِعَ عَلَيْهِ , وَأَخْرَجَ لَهُ فِي الْمَوَاعِظ وَالْآدَاب وَمَا شَاكَلَهَا طَائِفَة مِنْ أَفْرَاده وَهَذَا مِنْهَا. وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ عَالِيًا عَنْ فُلَيْح بِوَاسِطَةِ مُحَمَّد بْن سِنَان فَقَطْ ثُمَّ أَوْرَدَهُ نَازِلًا بِوَاسِطَةِ مُحَمَّد بْن فُلَيْح وَإِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر عَنْ مُحَمَّد لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي كِتَاب الرِّقَاق عَنْ مُحَمَّد بْن سِنَان فَقَطْ , فَأَرَادَ أَنْ يُعِيد هُنَا طَرِيقًا أُخْرَى , وَلِأَجْلِ نُزُولهَا قَرَنَهَا بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. وَهِلَال بْن عَلِيّ يُقَال لَهُ هِلَال بْن أَبِي مَيْمُونَة وَهِلَال بْن أَبِي هِلَال , فَقَدْ يُظَنّ ثَلَاثَة وَهُوَ وَاحِد , وَهُوَ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , وَشَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَوْسَاطهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( يُحَدِّث ) ‏ ‏هُوَ خَبَر الْمُبْتَدَأ وَحُذِفَ مَفْعُوله الثَّانِي لِدَلَالَةِ السِّيَاق عَلَيْهِ. وَالْقَوْم الرِّجَال. وَقَدْ يَدْخُل فِيهِ النِّسَاء تَبَعًا. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ أَعْرَابِيّ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَته. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَضَى ) ‏ ‏أَيْ : اِسْتَمَرَّ يُحَدِّثهُ , كَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالْحَمَوِيّ بِزِيَادَةِ هَاء , وَلَيْسَتْ فِي رِوَايَة الْبَاقِينَ , وَإِنْ ثَبَتَتْ فَالْمَعْنَى يُحَدِّث الْقَوْم الْحَدِيث الَّذِي كَانَ فِيهِ وَلَيْسَ الضَّمِير عَائِدًا عَلَى الْأَعْرَابِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ بَعْض الْقَوْم سَمِعَ مَا قَالَ ) ‏ ‏إِنَّمَا حَصَلَ لَهُمْ التَّرَدُّد فِي ذَلِكَ لِمَا ظَهَرَ مِنْ عَدَم اِلْتِفَات النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سُؤَاله وَإِصْغَائِهِ نَحْوه ; وَلِكَوْنِهِ كَانَ يَكْرَه السُّؤَال عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة بِخُصُوصِهَا , وَقَدْ تَبَيَّنَ عَدَم اِنْحِصَار تَرْك الْجَوَاب فِي الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ , بَلْ اِحْتَمَلَ كَمَا تَقَدَّمَ أَنْ يَكُون أَخَّرَهُ لِيُكْمِل الْحَدِيث الَّذِي هُوَ فِيهِ , أَوْ أَخَّرَ جَوَابه لِيُوحِيَ إِلَيْهِ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِل ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَة , وَأُرَاهُ بِالضَّمِّ أَيْ : أَظُنّهُ , وَالشَّكّ مِنْ مُحَمَّد بْن فُلَيْح. وَرَوَاهُ الْحَسَن بْن سُفْيَان وَغَيْره عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ يُونُس بْن مُحَمَّد عَنْ فُلَيْح وَلَفْظه \" أَيْنَ السَّائِل \" وَلَمْ يَشُكّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا وُسِّدَ ) ‏ ‏أَيْ : أُسْنِدَ , وَأَصْله مِنْ الْوِسَادَة , وَكَانَ مِنْ شَأْن الْأَمِير عِنْدهمْ إِذَا جَلَسَ أَنْ تُثْنَى تَحْته وِسَادَة , فَقَوْله وُسِّدَ أَيْ : جُعِلَ لَهُ غَيْر أَهْله وِسَادًا , فَتَكُون إِلَى بِمَعْنَى اللَّام وَأَتَى بِهَا لِيَدُلّ عَلَى تَضْمِين مَعْنَى أُسْنِدَ. وَلَفْظ مُحَمَّد بْن سِنَان فِي الرِّقَاق \" إِذَا أُسْنِدَ \" وَكَذَا رَوَاهُ يُونُس بْن مُحَمَّد وَغَيْره عَنْ فُلَيْح. وَمُنَاسَبَة هَذَا الْمَتْن لِكِتَابِ الْعِلْم أَنَّ إِسْنَاد الْأَمْر إِلَى غَيْر أَهْله إِنَّمَا يَكُون عِنْد غَلَبَة الْجَهْل وَرَفْع الْعِلْم , وَذَلِكَ مِنْ جُمْلَة الْأَشْرَاط وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْعِلْم مَا دَامَ قَائِمًا فَفِي الْأَمْر فُسْحَة. وَكَأَنَّ الْمُصَنِّف أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْعِلْم إِنَّمَا يُؤْخَذ عَنْ الْأَكَابِر , تَلْمِيحًا لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَيَّة الْجُمَحِيِّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" مِنْ أَشْرَاط السَّاعَة أَنْ يُلْتَمَس الْعِلْم عِنْد الْأَصَاغِر \" وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "58",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ ‏ ‏أَرْهَقَتْنَا ‏ ‏الصَّلَاةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ ‏ ‏وَيْلٌ ‏ ‏لِلْأَعْقَابِ ‏ ‏مِنْ النَّارِ مَرَّتَيْنِ ‏ ‏أَوْ ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَان ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَة كَرِيمَة عَنْهُ : عَارِم بْن الْفَضْل , وَعَارِم لَقَب , وَاسْمه مُحَمَّد كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَاهَك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَاء وَحُكِيَ كَسْرهَا وَهُوَ غَيْر مُنْصَرِف عِنْد الْأَكْثَرِينَ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَة , وَرَوَاهُ الْأَصِيلِيّ مُنْصَرِفًا فَكَأَنَّهُ لَحَظَ فِيهِ الْوَصْف. وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّف عَلَى جَوَاز رَفْع الصَّوْت بِالْعِلْمِ بِقَوْلِهِ \" فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْته \" وَإِنَّمَا يَتِمّ الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ حَيْثُ تَدْعُو الْحَاجَة إِلَيْهِ لِبُعْدٍ أَوْ كَثْرَة جَمْع أَوْ غَيْر ذَلِكَ , وَيَلْحَق بِذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ فِي مَوْعِظَة كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَدِيث جَابِر \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ وَذَكَرَ السَّاعَة اِشْتَدَّ غَضَبه وَعَلَا صَوْته... الْحَدِيث \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث النُّعْمَان فِي مَعْنَاهُ وَزَادَ \" حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا بِالسُّوقِ لَسَمِعَهُ \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى مَشْرُوعِيَّة إِعَادَة الْحَدِيث لِيُفْهَم , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَبَاحِث الْمَتْن فِي كِتَاب الْوُضُوء إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ اِبْن رَشِيد : فِي هَذَا التَّبْوِيب رَمْز مِنْ الْمُصَنِّف إِلَى أَنَّهُ يُرِيد أَنْ يَبْلُغ الْغَايَة فِي تَدْوِين هَذَا الْكِتَاب بِأَنْ يَسْتَفْرِغ وُسْعه فِي حُسْن تَرْتِيبه , وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "59",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَيْتُ ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هِيَ النَّخْلَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ مِنْ الشَّجَر شَجَرَة ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مُجَاهِد عِنْد الْمُصَنِّف فِي \" بَاب الْفَهْم فِي الْعِلْم \" قَالَ : صَحِبْت اِبْن عُمَر إِلَى الْمَدِينَة فَقَالَ \" كُنَّا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ وَقَالَ : إِنَّ مِنْ الشَّجَر \". وَلَهُ عَنْهُ فِي الْبُيُوع \" كُنْت عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَأْكُل جُمَّارًا. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَسْقُط وَرَقهَا , وَإِنَّهَا مِثْل الْمُسْلِم ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ بِكَسْرِ مِيم مِثْل وَإِسْكَان الْمُثَلَّثَة , وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَة بِفَتْحِهَا وَهُمَا بِمَعْنًى , قَالَ الْجَوْهَرِيّ : مِثْله وَمَثَله كَلِمَة تَسْوِيَة كَمَا يُقَال شِبْهه وَشَبَهه بِمَعْنًى , قَالَ : وَالْمَثَل بِالتَّحْرِيكِ أَيْضًا مَا يُضْرَب مِنْ الْأَمْثَال. اِنْتَهَى. وَوَجْه الشَّبَه بَيْن النَّخْلَة وَالْمُسْلِم مِنْ جِهَة عَدَم سُقُوط الْوَرَق مَا رَوَاهُ الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر وَلَفْظه \" قَالَ : كُنَّا عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات يَوْم فَقَالَ : إِنَّ مِثْل الْمُؤْمِن كَمِثْلِ شَجَرَة لَا تَسْقُط لَهَا أُنْمُلَة , أَتَدْرُونَ مَا هِيَ ؟ قَالُوا : لَا. قَالَ : هِيَ النَّخْلَة , لَا تَسْقُط لَهَا أُنْمُلَة , وَلَا تَسْقُط لِمُؤْمِنٍ دَعْوَة \". وَوَقَعَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْأَطْعِمَة مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش قَالَ : حَدَّثَنِي مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" بَيْنَا نَحْنُ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أُتِيَ بِجُمَّارٍ , فَقَالَ : إِنَّ مِنْ الشَّجَر لَمَا بَرَكَته كَبَرَكَةِ الْمُسْلِم \" وَهَذَا أَعَمّ مِنْ الَّذِي قَبْله , وَبَرَكَة النَّخْلَة مَوْجُودَة فِي جَمِيع أَجْزَائِهَا , مُسْتَمِرَّة فِي جَمِيع أَحْوَالهَا , فَمِنْ حِين تَطْلُع إِلَى أَنْ تَيْبَس تُؤْكَل أَنْوَاعًا , ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ يُنْتَفَع بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا , حَتَّى النَّوَى فِي عَلْف الدَّوَابّ وَاللِّيف فِي الْحِبَال وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى , وَكَذَلِكَ بَرَكَة الْمُسْلِم عَامَّة فِي جَمِيع الْأَحْوَال , وَنَفْعه مُسْتَمِرّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ حَتَّى بَعْد مَوْته. وَوَقَعَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" كُنَّا عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِم لَا يَتَحَاتّ وَرَقهَا وَلَا وَلَا وَلَا \" كَذَا ذَكَرَ النَّفْي ثَلَاث مَرَّات عَلَى طَرِيق الِاكْتِفَاء , فَقِيلَ فِي تَفْسِيره : وَلَا يَنْقَطِع ثَمَرهَا وَلَا يُعْدَم فَيْؤُهَا وَلَا يَبْطُل نَفْعهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم ذِكْر النَّفْي مَرَّة وَاحِدَة فَظَنَّ إِبْرَاهِيم بْن سُفْيَان الرَّاوِي عَنْهُ أَنَّهُ مُتَعَلِّق بِمَا بَعْده وَهُوَ قَوْله \" تُؤْتِي أُكُلهَا \" فَاسْتَشْكَلَهُ وَقَالَ : لَعَلَّ \" لَا \" زَائِدَة وَلَعَلَّهُ \" وَتُؤْتِي أُكُلهَا \" , وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ , بَلْ مَعْمُول النَّفْي مَحْذُوف عَلَى سَبِيل الِاكْتِفَاء كَمَا بَيَّنَّاهُ. وَقَوْله \" تُؤْتِي \" اِبْتِدَاء كَلَام عَلَى سَبِيل التَّفْسِير لِمَا تَقَدَّمَ. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ بِتَقْدِيمِ \" تُؤْتِي أُكُلهَا كُلّ حِين \" عَلَى قَوْله \" لَا يَتَحَاتّ وَرَقهَا \" فَسَلِمَ مِنْ الْإِشْكَال. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَقَعَ النَّاس ) ‏ ‏أَيْ ذَهَبَتْ أَفْكَارهمْ فِي أَشْجَار الْبَادِيَة , فَجَعَلَ كُلّ مِنْهُمْ يُفَسِّرهَا بِنَوْعٍ مِنْ الْأَنْوَاع وَذَهِلُوا عَنْ النَّخْلَة , يُقَال وَقَعَ الطَّائِر عَلَى الشَّجَرَة إِذَا نَزَلَ عَلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الرَّاوِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَوَقَعَ فِي نَفْسِي ) ‏ ‏بَيَّنَ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر وَجْه ذَلِكَ قَالَ : فَظَنَنْت أَنَّهَا النَّخْلَة مِنْ أَجْل الْجُمَّار الَّذِي أُتِيَ بِهِ , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمُلْغَز لَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَفَطَّن لِقَرَائِن الْأَحْوَال الْوَاقِعَة عِنْد السُّؤَال , وَأَنَّ الْمُلْغِز يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُبَالِغ فِي التَّعْمِيَة بِحَيْثُ لَا يَجْعَل لِلْمُلْغَزِ بَابًا يَدْخُل مِنْهُ , بَلْ كُلَّمَا قَرَّبَهُ كَانَ أَوْقَع فِي نَفْس سَامِعه. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَحْيَيْت ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مُجَاهِد فِي \" بَاب الْفَهْم فِي الْعِلْم \" ; فَأَرَدْت أَنْ أَقُول هِيَ النَّخْلَة فَإِذَا أَنَا أَصْغَر الْقَوْم. وَلَهُ فِي الْأَطْعِمَة : فَإِذَا أَنَا عَاشِر عَشَرَة أَنَا أَحْدَثهمْ. وَفِي رِوَايَة نَافِع : وَرَأَيْت أَبَا بَكْر وَعُمَر لَا يَتَكَلَّمَانِ فَكَرِهْت أَنْ أَتَكَلَّم , فَلَمَّا قُمْنَا قُلْت لِعُمَر : يَا أَبَتَاهُ. وَفِي رِوَايَة مَالِك عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عِنْد الْمُؤَلِّف فِي \" بَاب الْحَيَاء فِي الْعِلْم \" قَالَ عَبْد اللَّه : فَحَدَّثْت أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي فَقَالَ : لَأَنْ تَكُون قُلْتهَا أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُون لِي كَذَا وَكَذَا وَكَذَا. زَادَ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه : أَحْسَبهُ قَالَ : حُمْر النَّعَم. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ اِمْتِحَان الْعَالِم أَذْهَان الطَّلَبَة بِمَا يَخْفَى مَعَ بَيَانه لَهُمْ إِنْ لَمْ يَفْهَمُوهُ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث مُعَاوِيَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْأُغْلُوطَات - قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَحَد رُوَاته : هِيَ صِعَاب الْمَسَائِل - فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُول عَلَى مَا لَا نَفْع فِيهِ , أَوْ مَا خَرَجَ عَلَى سَبِيل تَعَنُّت الْمَسْئُول أَوْ تَعْجِيزه , وَفِيهِ التَّحْرِيض عَلَى الْفَهْم فِي الْعِلْم , وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّف \" بَاب الْفَهْم فِي الْعِلْم \". وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الْحَيَاء مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى تَفْوِيت مَصْلَحَة , وَلِهَذَا تَمَنَّى عُمَر أَنْ يَكُون اِبْنه لَمْ يَسْكُت , وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّف فِي الْعِلْم وَفِي الْأَدَب. وَفِيهِ دَلِيل عَلَى بَرَكَة النَّخْلَة وَمَا يُثْمِرهُ , وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّف أَيْضًا. وَفِيهِ دَلِيل أَنَّ بَيْع الْجُمَّار جَائِز ; لِأَنَّ كُلّ مَا جَازَ أَكْله جَازَ بَيْعه , وَلِهَذَا بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّف فِي الْبُيُوع. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن بَطَّال لِكَوْنِهِ مِنْ الْمُجْمَع عَلَيْهِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَع مِنْ التَّنْبِيه عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ عَقِب حَدِيث النَّهْي عَنْ بَيْع الثِّمَار حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا , فَكَأَنَّهُ يَقُول : لَعَلَّ مُتَخَيِّلًا يَتَخَيَّل أَنَّ هَذَا مِنْ ذَاكَ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز تَجْمِير النَّخْل , وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ فِي الْأَطْعِمَة لِئَلَّا يُظَنّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَاب إِضَاعَة الْمَال. وَأَوْرَدَهُ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى : ( ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا كَلِمَة طَيِّبَة ) إِشَارَة مِنْهُ إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالشَّجَرَةِ النَّخْلَة. وَقَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِيمَا رَوَاهُ الْبَزَّار مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ : أَتَدْرُونَ مَا هِيَ ؟ قَالَ اِبْن عُمَر : لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ أَنَّهَا النَّخْلَة , فَمَنَعَنِي أَنْ أَتَكَلَّم مَكَان سِنِّي , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" هِيَ النَّخْلَة \". وَيُجْمَع بَيْن هَذَا وَبَيْن مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِالْجُمَّارِ فَشَرَعَ فِي أَكْله تَالِيًا لِلْآيَةِ قَائِلًا : إِنَّ مِنْ الشَّجَر شَجَرَة إِلَى آخِره. وَوَقَعَ عِنْد اِبْن حِبَّان مِنْ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ يُخْبِرنِي عَنْ شَجَرَة مِثْلهَا مِثْل الْمُؤْمِن , أَصْلهَا ثَابِت وَفَرْعهَا فِي السَّمَاء ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَهُوَ يُؤَيِّد رِوَايَة الْبَزَّار , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : فَوَقَعَ التَّشْبِيه بَيْنهمَا مِنْ جِهَة أَنَّ أَصْل دِين الْمُسْلِم ثَابِت , وَأَنَّ مَا يَصْدُر عَنْهُ مِنْ الْعُلُوم وَالْخَيْر قُوت لِلْأَرْوَاحِ مُسْتَطَاب , وَأَنَّهُ لَا يَزَال مَسْتُورًا بِدِينِهِ , وَأَنَّهُ يُنْتَفَع بِكُلِّ مَا يَصْدُر عَنْهُ حَيًّا وَمَيِّتًا , اِنْتَهَى. وَقَالَ غَيْره : وَالْمُرَاد بِكَوْنِ فَرْع الْمُؤْمِن فِي السَّمَاء رَفْع عَمَله وَقَبُوله , وَرَوَى الْبَزَّار أَيْضًا مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن حُسَيْن عَنْ أَبِي بِشْر عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" مِثْل الْمُؤْمِن مِثْل النَّخْلَة , مَا أَتَاك مِنْهَا نَفَعَك \" هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَإِسْنَاده صَحِيح , وَقَدْ أَفْصَحَ بِالْمَقْصُودِ بِأَوْجَز عِبَارَة. وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَوْقِع التَّشْبِيه بَيْن الْمُسْلِم وَالنَّخْلَة مِنْ جِهَة كَوْن النَّخْلَة إِذَا قُطِعَ رَأْسهَا مَاتَتْ , أَوْ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِل حَتَّى تُلَقَّحَ , أَوْ لِأَنَّهَا تَمُوت إِذَا غَرِقَتْ , أَوْ لِأَنَّ لِطَلْعِهَا رَائِحَة مَنِيّ الْآدَمِيّ , أَوْ لِأَنَّهَا تَعْشَق , أَوْ لِأَنَّهَا تَشْرَب مِنْ أَعْلَاهَا , فَكُلّهَا أَوْجُه ضَعِيفَة ; لِأَنَّ جَمِيع ذَلِكَ مِنْ الْمُشَابِهَات مُشْتَرِك فِي الْآدَمِيِّينَ لَا يَخْتَصّ بِالْمُسْلِمِ , وَأَضْعَف مِنْ ذَلِكَ قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهَا خُلِقَتْ مِنْ فَضْلَة طِين آدَم فَإِنَّ الْحَدِيث فِي ذَلِكَ لَمْ يَثْبُت , وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِيهِ ضَرْب الْأَمْثَال وَالْأَشْبَاه لِزِيَادَةِ الْإِفْهَام , وَتَصْوِير الْمَعَانِي لِتَرْسَخ فِي الذِّهْن , وَلِتَحْدِيدِ الْفِكْر فِي النَّظَر فِي حُكْم الْحَادِثَة. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ تَشْبِيه الشَّيْء بِالشَّيْءِ لَا يَلْزَم أَنْ يَكُون نَظِيره مِنْ جَمِيع وُجُوهه , فَإِنَّ الْمُؤْمِن لَا يُمَاثِلهُ شَيْء مِنْ الْجَمَادَات وَلَا يُعَادِلهُ. وَفِيهِ تَوْقِير الْكَبِير , وَتَقْدِيم الصَّغِير أَبَاهُ فِي الْقَوْل , وَأَنَّهُ لَا يُبَادِرهُ بِمَا فَهِمَهُ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ الصَّوَاب. وَفِيهِ أَنَّ الْعَالِم الْكَبِير قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ بَعْض مَا يُدْرِكهُ مَنْ هُوَ دُونه ; لِأَنَّ الْعِلْم مَوَاهِب , وَاَللَّه يُؤْتِي فَضْله مَنْ يَشَاء. وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَالِك عَلَى أَنَّ الْخَوَاطِر الَّتِي تَقَع فِي الْقَلْب مِنْ مَحَبَّة الثَّنَاء عَلَى أَعْمَال الْخَيْر لَا يَقْدَح فِيهَا إِذَا كَانَ أَصْلهَا لِلَّهِ , وَذَلِكَ مُسْتَفَاد مِنْ تَمَنِّي عُمَر الْمَذْكُور , وَوَجْه تَمَنِّي عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مَا طُبِعَ الْإِنْسَان عَلَيْهِ مِنْ مَحَبَّة الْخَيْر لِنَفْسِهِ وَلِوَلَدِهِ , وَلِتَظْهَر فَضِيلَة الْوَلَد فِي الْفَهْم مِنْ صِغَره , وَلِيَزْدَادَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُظْوَة , وَلَعَلَّهُ كَانَ يَرْجُو أَنْ يَدْعُو لَهُ إِذْ ذَاكَ بِالزِّيَادَةِ فِي الْفَهْم. وَفِيهِ الْإِشَارَة إِلَى حَقَارَة الدُّنْيَا فِي عَيْن عُمَر لِأَنَّهُ قَابَلَ فَهْم اِبْنه لِمَسْأَلَةٍ وَاحِدَة بِحُمْرِ النَّعَم مَعَ عِظَم مِقْدَارهَا وَغَلَاء ثَمَنهَا. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏قَالَ الْبَزَّار فِي مُسْنَده : وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا السِّيَاق إِلَّا اِبْن عُمَر وَحْده , وَلَمَّا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيّ قَالَ : وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيث مُخْتَصَر لِأَبِي هُرَيْرَة أَوْرَدَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيره لَفْظه : \" مِثْل الْمُؤْمِن مِثْل النَّخْلَة \" , وَعِنْد التِّرْمِذِيّ أَيْضًا وَالنَّسَائِيِّ وَابْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ : ( وَمَثَل كَلِمَة طَيِّبَة كَشَجَرَةٍ طَيِّبَة ) قَالَ : \" هِيَ النَّخْلَة \" تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ حَمَّاد بْن سَلَمَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَة مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ عَاشِر عَشَرَة , فَاسْتَفَدْنَا مِنْ مَجْمُوع مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ مِنْهُمْ أَبَا بَكْر وَعُمَر وَابْن عُمَر , وَأَبَا هُرَيْرَة وَأَنَس بْن مَالِك إِنْ كَانَا سَمِعَا مَا رَوَيَاهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيث فِي ذَلِكَ الْمَجْلِس. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "60",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ حَدِّثُونِي مَا هِيَ قَالَ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَيْتُ ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هِيَ النَّخْلَةُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "61",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ هُوَ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ أَيُّكُمْ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُتَّكِئٌ بَيْنَ ‏ ‏ظَهْرَانَيْهِمْ ‏ ‏فَقُلْنَا ‏ ‏هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ يَا ‏ ‏ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ أَجَبْتُكَ فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَلَا ‏ ‏تَجِدْ ‏ ‏عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ فَقَالَ سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ فَقَالَ أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ أَاللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ فَقَالَ اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَاللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَاللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنْ السَّنَةِ قَالَ اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَاللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ نَعَمْ فَقَالَ الرَّجُلُ آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي وَأَنَا ‏ ‏ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ ‏ ‏أَخُو ‏ ‏بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اللَّيْث عَنْ سَعِيد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يُونُس بْن مُحَمَّد عَنْ اللَّيْث حَدَّثَنِي سَعِيد , وَكَذَا لِابْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ اللَّيْث , وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ اللَّيْث قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَجْلَان وَغَيْره عَنْ سَعِيد مَوْهُومَة مَعْدُودَة مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد , أَوْ يُحْمَل عَلَى أَنَّ اللَّيْث سَمِعَهُ عَنْ سَعِيد بِوَاسِطَةٍ ثُمَّ لَقِيَهُ فَحَدَّثَهُ بِهِ. وَفِيهِ اِخْتِلَاف آخَر أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَغَوِيّ مِنْ طَرِيق الْحَارِث بْن عُمَيْر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر , وَذَكَرَهُ اِبْن مَنْدَهْ عَنْ طَرِيق الضَّحَّاك بْن عُثْمَان كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَلَمْ يَقْدَح هَذَا الِاخْتِلَاف فِيهِ عِنْد الْبُخَارِيّ لِأَنَّ اللَّيْث أَثْبَتهُمْ فِي سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ مَعَ اِحْتِمَال أَنْ يَكُون لِسَعِيدٍ فِيهِ شَيْخَانِ , لَكِنْ تَتَرَجَّح رِوَايَة اللَّيْث بِأَنَّ الْمَقْبُرِيَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة جَادَّة مَأْلُوفَة فَلَا يَعْدِل عَنْهَا إِلَى غَيْرهَا إِلَّا مَنْ كَانَ ضَابِطًا مُتَثَبِّتًا , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ أَبِيهِ : رِوَايَة الضَّحَّاك وَهْم. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَل : رَوَاهُ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر وَأَخُوهُ عَبْد اللَّه وَالضَّحَّاك بْن عُثْمَان عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَوَهَمُوا فِيهِ وَالْقَوْل قَوْل اللَّيْث. أَمَّا مُسْلِم فَلَمْ يُخَرِّجهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه بَلْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس , وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا الْمُصَنِّف عَقِب هَذِهِ الطَّرِيق. وَمَا فَرَّ مِنْهُ مُسْلِم وَقَعَ فِي نَظِيره , فَإِنَّ حَمَّاد بْن سَلَمَة أَثْبَت النَّاس فِي ثَابِت وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ ثَابِت فَأَرْسَلَهُ , وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ رِوَايَة حَمَّاد. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن أَبِي نَمِر ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْمِيم , لَا يُعْرَف اِسْمه , ذَكَرَهُ اِبْن سَعْد فِي الصَّحَابَة , وَأَخْرَجَ لَهُ اِبْن السَّكَن حَدِيثًا , وَأَغْفَلَهُ اِبْن الْأَثِير تَبَعًا لِأُصُولِهِ. ‏ ‏قَوْله. : ( فِي الْمَسْجِد ) ‏ ‏أَيْ مَسْجِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئ ) ‏ ‏فِيهِ جَوَاز اِتِّكَاء الْإِمَام بَيْن أَتْبَاعه , وَفِيهِ مَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ تَرْك التَّكَبُّر لِقَوْلِهِ بَيْن ظَهْرَانَيْهِمْ , وَهِيَ بِفَتْحِ النُّون أَيْ بَيْنهمْ , وَزِيدَ لَفْظ الظَّهْر لِيَدُلّ عَلَى أَنَّ ظَهْرًا مِنْهُمْ قُدَّامه وَظَهْرًا وَرَاءَهُ , فَهُوَ مَحْفُوف بِهِمْ مِنْ جَانِبَيْهِ , وَالْأَلِف وَالنُّون فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ قَالَهُ صَاحِب الْفَائِق. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل الْآتِي ذِكْرهَا آخِر هَذَا الْحَدِيث فِي أَوَّله : \" عَنْ أَنَس قَالَ : نُهِينَا فِي الْقُرْآن أَنْ نَسْأَل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَانَ يُعْجِبنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُل مِنْ أَهْل الْبَادِيَة الْعَاقِل فَيَسْأَلهُ وَنَحْنُ نَسْمَع , فَجَاءَ رَجُل \" وَكَأَنَّ أَنَسًا أَشَارَ إِلَى آيَة الْمَائِدَة , وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِيهَا فِي التَّفْسِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( دَخَلَ ) ‏ ‏زَادَ الْأَصِيلِيّ قَبْلهَا \" إِذْ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ عَقَلَهُ ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ الْقَاف أَيْ : شَدَّ عَلَى سَاق الْجَمَل - بَعْد أَنْ ثَنَى رُكْبَته - حَبْلًا. قَوْله : ( فِي الْمَسْجِد ) اِسْتَنْبَطَ مِنْهُ اِبْن بَطَّال وَغَيْره طَهَارَة أَبْوَال الْإِبِل وَأَرْوَاثهَا , إِذْ لَا يُؤْمَن ذَلِكَ مِنْهُ مُدَّة كَوْنه فِي الْمَسْجِد , وَلَمْ يُنْكِرهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَدَلَالَته غَيْر وَاضِحَة , وَإِنَّمَا فِيهِ مُجَرَّد اِحْتِمَال , وَيَدْفَعهُ رِوَايَة أَبِي نُعَيْمٍ : \" أَقْبَلَ عَلَى بَعِير لَهُ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِد فَأَنَاخَهُ ثُمَّ عَقَلَهُ فَدَخَلَ الْمَسْجِد \" فَهَذَا السِّيَاق يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مَا دَخَلَ بِهِ الْمَسْجِد , وَأَصْرَح مِنْهُ رِوَايَة اِبْن عَبَّاس عِنْد أَحْمَد وَالْحَاكِم وَلَفْظهَا : \" فَأَنَاخَ بَعِيره عَلَى بَاب الْمَسْجِد فَعَقَلَهُ ثُمَّ دَخَلَ \" , فَعَلَى هَذَا فِي رِوَايَة أَنَس مَجَاز الْحَذْف , وَالتَّقْدِير : فَأَنَاخَهُ فِي سَاحَة الْمَسْجِد , أَوْ نَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( الْأَبْيَض ) ‏ ‏أَيْ : الْمُشْرَب بِحُمْرَةٍ كَمَا فِي رِوَايَة الْحَارِث بْن عُمَيْر \" الْأَمْغَر \" أَيْ : بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة قَالَ حَمْزَة بْن الْحَارِث : هُوَ الْأَبْيَض الْمُشْرَب بِحُمْرَةٍ. وَيُؤَيِّدهُ مَا يَأْتِي فِي صِفَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَبْيَض وَلَا آدَم , أَيْ : لَمْ يَكُنْ أَبْيَض صِرْفًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَجَبْتُك ) ‏ ‏أَيْ : سَمِعْتُك , وَالْمُرَاد إِنْشَاء الْإِجَابَة , أَوْ نَزَّلَ تَقْرِيره لِلصَّحَابَةِ فِي الْإِعْلَام عَنْهُ مَنْزِلَة النُّطْق , وَهَذَا لَائِق بِمُرَادِ الْمُصَنِّف. وَقَدْ قِيلَ إِنَّمَا لَمْ يَقُلْ لَهُ نَعَمْ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطِبهُ بِمَا يَلِيق بِمَنْزِلَتِهِ مِنْ التَّعْظِيم , لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْله تَعَالَى : ( لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضكُمْ بَعْضًا ) وَالْعُذْر عَنْهُ - إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ قَدَّمَ مُسْلِمًا - أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ النَّهْي , وَكَانَتْ فِيهِ بَقِيَّة مِنْ جَفَاء الْأَعْرَاب , وَقَدْ ظَهَرَتْ بَعْد ذَلِكَ فِي قَوْله : \" فَمُشَدِّد عَلَيْك فِي الْمَسْأَلَة \" وَفِي قَوْله فِي رِوَايَة ثَابِت : \" وَزَعَمَ رَسُولك أَنَّك تَزْعُم \" وَلِهَذَا وَقَعَ فِي أَوَّل رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس : \" كُنَّا نُهِينَا فِي الْقُرْآن أَنْ نَسْأَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَيْء , فَكَانَ يُعْجِبنَا أَنْ يَجِيء الرَّجُل مِنْ أَهْل الْبَادِيَة الْعَاقِل فَيَسْأَلهُ وَنَحْنُ نَسْمَع \" زَادَ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه : \" وَكَانُوا أَجْرَأ عَلَى ذَلِكَ مِنَّا \" يَعْنِي أَنَّ الصَّحَابَة وَاقِفُونَ عِنْد النَّهْي , وَأُولَئِكَ يُعْذَرُونَ بِالْجَهْلِ , وَتَمَنَّوْهُ عَاقِلًا لِيَكُونَ عَارِفًا بِمَا يَسْأَل عَنْهُ. وَظَهَرَ عَقْل ضِمَام فِي تَقْدِيمه الِاعْتِذَار بَيْن يَدَيْ مَسْأَلَته لِظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَصِل إِلَى مَقْصُوده إِلَّا بِتِلْكَ الْمُخَاطَبَة. وَفِي رِوَايَة ثَابِت مِنْ الزِّيَادَة أَنَّهُ سَأَلَهُ : \" مَنْ رَفَعَ السَّمَاء وَبَسَطَ الْأَرْض \" وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمَصْنُوعَات , ثُمَّ أَقْسَمَ عَلَيْهِ بِهِ أَنْ يَصْدُقهُ عَمَّا يَسْأَل عَنْهُ , وَكَرَّرَ الْقَسَم فِي كُلّ مَسْأَلَة تَأْكِيدًا وَتَقْرِيرًا لِلْأَمْرِ , ثُمَّ صَرَّحَ بِالتَّصْدِيقِ , فَكُلّ ذَلِكَ دَلِيل عَلَى حُسْن تَصَرُّفه وَتَمَكُّن عَقْله , وَلِهَذَا قَالَ عُمَر فِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة : \" مَا رَأَيْت أَحَدًا أَحْسَن مَسْأَلَة وَلَا أَوْجَزَ مِنْ ضِمَام \". ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون عَلَى النِّدَاء. وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ : \" يَا بْن \" بِإِثْبَاتِ حَرْف النِّدَاء. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا تَجِدْ ) ‏ ‏أَيْ : لَا تَغْضَب. وَمَادَّة \" وَجَدَ \" مُتَّحِدَة الْمَاضِي وَالْمُضَارِع مُخْتَلِفَة الْمَصَادِر , بِحَسَبِ اِخْتِلَاف الْمَعَانِي يُقَال فِي الْغَضَب مَوْجِدَة وَفِي الْمَطْلُوب وُجُودًا وَفِي الضَّالَّة وِجْدَانًا وَفِي الْحُبّ وَجْدًا بِالْفَتْحِ وَفِي الْمَال وُجْدًا بِالضَّمِّ وَفِي الْغِنَى جِدَة بِكَسْرِ الْجِيم وَتَخْفِيف الدَّال الْمَفْتُوحَة عَلَى الْأَشْهَر فِي جَمِيع ذَلِكَ , وَقَالُوا أَيْضًا فِي الْمَكْتُوب وِجَادَة وَهِيَ مُوَلَّدَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْشُدك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَضَمّ الْمُعْجَمَة وَأَصْله مِنْ النَّشِيد , وَهُوَ رَفْع الصَّوْت , وَالْمَعْنَى سَأَلْتُك رَافِعًا نَشِيدَتِي قَالَهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْح السُّنَّة. وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : نَشَدْتُك بِاَللَّهِ أَيْ سَأَلْتُك بِاَللَّهِ , كَأَنَّك ذَكَّرْته فَنَشَدَ أَيْ : تَذَكَّرَ. ‏ ‏قَوْله : ( آللَّه ) ‏ ‏بِالْمَدِّ فِي الْمَوَاضِع كُلّهَا. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ نَعَمْ ) ‏ ‏الْجَوَاب حَصَلَ بِنَعَمْ , وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُمَّ تَبَرُّكًا بِهَا , وَكَأَنَّهُ اِسْتَشْهَدَ بِاَللَّهِ فِي ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِصِدْقِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُوسَى : \" فَقَالَ : صَدَقْت. قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاء ؟ قَالَ اللَّه. قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْض وَالْجِبَال ؟ قَالَ : اللَّه. قَالَ : فَمَنْ جَعَلَ فِيهَا الْمَنَافِع ؟ قَالَ : اللَّه. قَالَ : فَبِاَلَّذِي خَلَقَ السَّمَاء وَخَلَقَ الْأَرْض وَنَصَبَ الْجِبَال وَجَعَلَ فِيهَا الْمَنَافِع , آللَّه أَرْسَلَك ؟ قَالَ : نَعَمْ \" وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تُصَلِّي ) ‏ ‏بِتَاءِ الْمُخَاطَب فِيهِ وَفِيمَا بَعْده. وَوَقَعَ عِنْد الْأَصِيلِيّ بِالنُّونِ فِيهَا. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هُوَ أَوْجه. وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة ثَابِت بِلَفْظِ : \" إِنَّ عَلَيْنَا خَمْس صَلَوَات فِي يَوْمنَا وَلَيْلَتنَا \" وَسَاقَ الْبَقِيَّة كَذَلِكَ. وَتَوْجِيه الْأَوَّل أَنَّ كُلّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَى أُمَّته حَتَّى يَقُوم دَلِيل الِاخْتِصَاص. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ وَالسَّرَخْسِيّ \" الصَّلَاة الْخَمْس \" بِالْإِفْرَادِ عَلَى إِرَادَة الْجِنْس. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تَأْخُذ هَذِهِ الصَّدَقَة ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَرْء لَا يُفَرِّق صَدَقَته بِنَفْسِهِ. ‏ ‏قُلْت : وَفِيهِ نَظَر. وَقَوْله : \" عَلَى فُقَرَائِنَا \" خَرَجَ مَخْرَج الْأَغْلَب لِأَنَّهُمْ مُعْظَم أَهْل الصَّدَقَة. ‏ ‏قَوْله : ( آمَنْت بِمَا جِئْت بِهِ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِخْبَارًا وَهُوَ اِخْتِيَار الْبُخَارِيّ , وَرَجَّحَهُ الْقَاضِي عِيَاض , وَأَنَّهُ حَضَرَ بَعْد إِسْلَامه مُسْتَثْبِتًا مِنْ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخْبَرَهُ بِهِ رَسُوله إِلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيث ثَابِت عَنْ أَنَس عِنْد مُسْلِم وَغَيْره : \" فَإِنَّ رَسُولك زَعَمَ \" وَقَالَ فِي رِوَايَة كُرَيْب عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" أَتَتْنَا كُتُبك وَأَتَتْنَا رُسُلك \" وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْحَاكِم أَصْل طَلَب عُلُوّ الْإِسْنَاد لِأَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ الرَّسُول وَآمَنَ وَصَدَّقَ , وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْمَع ذَلِكَ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشَافَهَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله : \" آمَنْت \" إِنْشَاء , وَرَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيّ لِقَوْلِهِ : \" زَعَمَ \" قَالَ : وَالزَّعْم الْقَوْل الَّذِي لَا يُوثَق بِهِ , قَالَهُ اِبْن السِّكِّيت وَغَيْره. قُلْت : وَفِيهِ نَظَر ; لِأَنَّ الزَّعْم يُطْلَق عَلَى الْقَوْل الْمُحَقَّق أَيْضًا كَمَا نَقَلَهُ أَبُو عُمَر الزَّاهِد فِي شَرْح فَصِيح شَيْخه ثَعْلَب , وَأَكْثَرَ سِيبَوَيْهِ مِنْ قَوْله : \" زَعَمَ الْخَلِيل \" فِي مَقَام الِاحْتِجَاج , وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى ذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي سُفْيَان فِي بَدْء الْوَحْي. وَأَمَّا تَبْوِيب أَبِي دَاوُدَ عَلَيْهِ : \" بَاب الْمُشْرِك يَدْخُل الْمَسْجِد \" فَلَيْسَ مَصِيرًا مِنْهُ إِلَى أَنَّ ضِمَامًا قَدِمَ مُشْرِكًا بَلْ وَجْهه أَنَّهُمْ تَرَكُوا شَخْصًا قَادِمًا يَدْخُل الْمَسْجِد مِنْ غَيْر اسْتِفْصَال. وَمِمَّا يُؤَيِّد أَنَّ قَوْله \" آمَنْت \" إِخْبَار أَنَّهُ لَمْ يَسْأَل عَنْ دَلِيل التَّوْحِيد , بَلْ عَنْ عُمُوم الرِّسَالَة وَعَنْ شَرَائِع الْإِسْلَام , وَلَوْ كَانَ إِنْشَاء لَكَانَ طَلَبَ مُعْجِزَة تُوجِب لَهُ التَّصْدِيق , قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ. وَعَكَسَهُ الْقُرْطُبِيّ فَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى صِحَّة إِيمَان الْمُقَلِّد لِلرَّسُولِ وَلَوْ لَمْ تَظْهَر لَهُ مُعْجِزَة. وَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْن الصَّلَاح. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لَمْ يَذْكُر الْحَجّ فِي رِوَايَة شَرِيك هَذِهِ , وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِم وَغَيْره فَقَالَ مُوسَى فِي رِوَايَته : \" وَإِنَّ عَلَيْنَا حَجّ الْبَيْت مَنْ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ؟ قَالَ : صَدَقَ \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا وَهُوَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس أَيْضًا. وَأَغْرَبَ اِبْن التِّين فَقَالَ : إِنَّمَا لَمْ يَذْكُرهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ. وَكَأَنَّ الْحَامِل لَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا جَزَمَ بِهِ الْوَاقِدِيّ وَمُحَمَّد بْن حَبِيب أَنَّ قُدُوم ضِمَام كَانَ سَنَة خَمْس فَيَكُون قَبْل فَرْض الْحَجّ , لَكِنَّهُ غَلَط مِنْ أَوْجُه : ‏ ‏أَحَدهَا أَنَّ فِي رِوَايَة مُسْلِم أَنَّ قُدُومه كَانَ بَعْد نُزُول النَّهْي فِي الْقُرْآن عَنْ سُؤَال الرَّسُول , وَآيَة النَّهْي فِي الْمَائِدَة وَنُزُولهَا مُتَأَخِّر جِدًّا. ‏ ‏ثَانِيهَا أَنَّ إِرْسَال الرُّسُل إِلَى الدُّعَاء إِلَى الْإِسْلَام إِنَّمَا كَانَ اِبْتِدَاؤُهُ بَعْد الْحُدَيْبِيَة , وَمُعْظَمه بَعْد فَتْح مَكَّة. ‏ ‏ثَالِثهَا أَنَّ فِي الْقِصَّة أَنَّ قَوْمه أَوْفَدُوهُ , وَإِنَّمَا كَانَ مُعْظَم الْوُفُود بَعْد فَتْح مَكَّة. ‏ ‏رَابِعهَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ قَوْمه أَطَاعُوهُ وَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَام بَعْد رُجُوعه إِلَيْهِمْ , وَلَمْ يَدْخُل بَنُو سَعْد - وَهُوَ اِبْن بَكْر بْن هَوَازِن - فِي الْإِسْلَام إِلَّا بَعْد وَقْعَة حُنَيْنٍ وَكَانَتْ فِي شَوَّال سَنَة ثَمَان كَمَا سَيَأْتِي مَشْرُوحًا فِي مَكَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. فَالصَّوَاب أَنَّ قُدُوم ضِمَام كَانَ فِي سَنَة تِسْع وَبِهِ جَزَمَ اِبْن إِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْدَة وَغَيْرهمَا. وَغَفَلَ الْبَدْر الزَّرْكَشِيّ فَقَالَ : إِنَّمَا لَمْ يَذْكُر الْحَجّ لِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدهمْ فِي شَرِيعَة إِبْرَاهِيم اِنْتَهَى. وَكَأَنَّهُ لَمْ يُرَاجِع صَحِيح مُسْلِم فَضْلًا عَنْ غَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا رَسُول مَنْ وَرَائِي ) ‏ ‏مَنْ مَوْصُولَة وَرَسُول مُضَاف إِلَيْهَا , وَيَجُوز تَنْوِينه وَكَسْر مَنْ لَكِنْ لَمْ تَأْتِ بِهِ الرِّوَايَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة كُرَيْب عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرَانِيّ. \" جَاءَ رَجُل مِنْ بَنِي سَعْد بْن بَكْر إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِيهِمْ - فَقَالَ : أَنَا وَافِد قَوْمِي وَرَسُولهمْ \" وَعِنْد أَحْمَد وَالْحَاكِم : \" بَعَثَتْ بَنُو سَعْد بْن بَكْر ضِمَام بْن ثَعْلَبَة وَافِدًا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدِمَ عَلَيْنَا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. فَقَوْل اِبْن عَبَّاس : \" فَقَدِمَ عَلَيْنَا \" يَدُلّ عَلَى تَأْخِير وِفَادَته أَيْضًا ; لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس إِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَة بَعْد الْفَتْح. وَزَادَ مُسْلِم فِي آخِر الْحَدِيث قَالَ : \" وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا أَزِيد عَلَيْهِمْ وَلَا أَنْقُص. فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّة \" وَكَذَا هِيَ فِي رِوَايَة مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل. وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَهِيَ الْحَامِلَة لِمَنْ سَمَّى الْمُبْهَم فِي حَدِيث طَلْحَة ضِمَام بْن ثَعْلَبَة كَابْنِ عَبْد الْبَرّ وَغَيْره , وَقَدْ قَدَّمْنَا هُنَاكَ أَنَّ الْقُرْطُبِيّ مَالَ إِلَى أَنَّهُ غَيْره. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا قَبْل مِنْ الزِّيَادَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّ ضِمَامًا قَالَ بَعْد قَوْله وَأَنَا ضِمَام بْن ثَعْلَبَة : \" فَأَمَّا هَذِهِ الْهَنَاة فَوَاَللَّهِ إِنْ كُنَّا لَنَتَنَزَّه عَنْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة \" يَعْنِي الْفَوَاحِش. فَلَمَّا أَنْ وَلَّى قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. \" فَقُهَ الرَّجُل \". قَالَ : وَكَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب يَقُول : مَا رَأَيْت أَحْسَن مَسْأَلَة وَلَا أَوْجَزَ مِنْ ضِمَام. وَوَقَعَ فِي آخِر حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد أَبِي دَاوُدَ : \" فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْم كَانَ أَفْضَل مِنْ ضِمَام \" وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ الْعَمَل بِخَبَرِ الْوَاحِد , وَلَا يَقْدَح فِيهِ مَجِيء ضِمَام مُسْتَثْبِتًا لِأَنَّهُ قَصَدَ اللِّقَاء وَالْمُشَافَهَة كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْحَاكِم , وَقَدْ رَجَعَ ضِمَام إِلَى قَوْمه وَحْده فَصَدَّقُوهُ وَآمَنُوا كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس. وَفِيهِ نِسْبَة الشَّخْص إِلَى جَدّه إِذَا كَانَ أَشْهَر مِنْ أَبِيهِ , وَمِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم حُنَيْنٍ : \" أَنَا اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب \". وَفِيهِ الِاسْتِحْلَاف عَلَى الْأَمْر الْمُحَقَّق لِزِيَادَةِ التَّأْكِيد , وَفِيهِ رِوَايَة الْأَقْرَان لِأَنَّ سَعِيدًا وَشَرِيكًا تَابِعِيَّانِ مِنْ دَرَجَة وَاحِدَة وَهُمَا مَدَنِيَّانِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلَمَة التَّبُوذَكِيُّ شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَحَدِيثه مَوْصُول عِنْد أَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحه وَعِنْد اِبْن مَنْدَهْ فِي الْإِيمَان , وَإِنَّمَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيّ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْتَجّ بِشَيْخِهِ سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة , وَقَدْ خُولِفَ فِي وَصْله فَرَوَاهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت مُرْسَلًا , وَرَجَّحَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهَا عِلَّة تَمْنَع مِنْ تَصْحِيح الْحَدِيث , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ دَالَّة عَلَى أَنَّ لِحَدِيثِ شَرِيك أَصْلًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَلِيّ بْن عَبْد الْحَمِيد ‏ ‏) هُوَ الْمَعْنِيّ بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَكَسْر النُّون بَعْدهَا يَاء النَّسَب , وَحَدِيثه مَوْصُول عِنْد التِّرْمِذِيّ أَخْرَجَهُ عَنْ الْبُخَارِيّ عَنْهُ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد الْحَمِيد , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع الْمُعَلَّق. ‏ ‏قَوْله : ( بِهَذَا ) ‏ ‏أَيْ : هَذَا الْمَعْنَى , وَإِلَّا فَاللَّفْظ كَمَا بَيَّنَّا مُخْتَلِف. وَسَقَطَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة مِنْ رِوَايَة أَبِي الْوَقْت وَابْن عَسَاكِر. وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي النُّسْخَة الْبَغْدَادِيَّة - الَّتِي صَحَّحَهَا الْعَلَّامَة أَبُو مُحَمَّد بْن الصَّغَانِيّ اللُّغَوِيّ بَعْد أَنْ سَمِعَهَا مِنْ أَصْحَاب أَبِي الْوَقْت وَقَابَلَهَا عَلَى عِدَّة نُسَخ وَجَعَلَ لَهَا عَلَامَات عَقِب قَوْله رَوَاهُ مُوسَى وَعَلِيّ بْن عَبْد الْحَمِيد عَنْ سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ ثَابِت مَا نَصّه : حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة حَدَّثَنَا ثَابِت عَنْ أَنَس , وَسَاقَ الْحَدِيث بِتَمَامِهِ. وَقَالَ الصَّغَانِيّ فِي الْهَامِش : هَذَا الْحَدِيث سَاقِط مِنْ النُّسَخ كُلّهَا إِلَّا فِي النُّسْخَة الَّتِي قُرِئَتْ عَلَى الْفَرَبْرِيّ صَاحِب الْبُخَارِيّ وَعَلَيْهَا خَطّه. قُلْت : وَكَذَا سَقَطَتْ فِي جَمِيع النُّسَخ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا. وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "62",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ بِكِتَابِهِ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى ‏ ‏عَظِيمِ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏فَدَفَعَهُ ‏ ‏عَظِيمُ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ ‏ ‏فَحَسِبْتُ أَنَّ ‏ ‏ابْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَصَالِح هُوَ اِبْن كَيْسَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة السَّهْمِيّ كَمَا سَمَّاهُ الْمُؤَلِّف فِي هَذَا الْحَدِيث فِي الْمَغَازِي. وَكِسْرَى هُوَ أَبَرْوِيز بْن هُرْمُز بْن أَنُوشُرْوَان , وَوَهَمَ مَنْ قَالَ هُوَ أَنُوشُرْوَان. وَعَظِيم الْبَحْرَيْنِ هُوَ الْمُنْذِر بْن سَاوَى بِالْمُهْمَلَةِ وَفَتْح الْوَاو الْمُمَالَة , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَسِبْت ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ اِبْن شِهَاب رَاوِي الْحَدِيث , فَقِصَّة الْكِتَاب عِنْده مَوْصُولَة وَقِصَّة الدُّعَاء مُرْسَلَة. وَوَجْه دَلَالَته عَلَى الْمُكَاتَبَة ظَاهِر , وَيُمْكِن أَنْ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى الْمُنَاوَلَة مِنْ حَيْثُ إنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاوَلَ الْكِتَاب لِرَسُولِهِ , وَأَمَرَهُ أَنْ يُخْبِر عَظِيم الْبَحْرَيْنِ بِأَنَّ هَذَا كِتَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ مَا فِيهِ وَلَا قَرَأَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "63",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَتَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كِتَابًا ‏ ‏أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ ‏ ‏فَقِيلَ لَهُ إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا ‏ ‏فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ فَقُلْتُ ‏ ‏لِقَتَادَةَ ‏ ‏مَنْ قَالَ نَقْشُهُ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( كَتَبَ أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُب ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَنِسْبَة الْكِتَابَة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجَازِيَّة , أَيْ : كَتَبَ الْكَاتِب بِأَمْرِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا ) ‏ ‏يُعْرَف مِنْ هَذَا فَائِدَة إِيرَاده هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب لِيُنَبِّه عَلَى أَنَّ شَرْط الْعَمَل بِالْمُكَاتَبَةِ أَنْ يَكُون الْكِتَاب مَخْتُومًا لِيَحْصُل الْأَمْن مِنْ تَوَهُّم تَغْيِيره , لَكِنْ قَدْ يُسْتَغْنَى عَنْ خَتْمه إِذَا كَانَ الْحَامِل عَدْلًا مُؤْتَمَنًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ شُعْبَة , وَسَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي الْجِهَاد وَفِي اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏لَمْ يَذْكُر الْمُصَنِّف مِنْ أَقْسَام التَّحَمُّل الْإِجَازَة الْمُجَرَّدَة عَنْ الْمُنَاوَلَة أَوْ الْمُكَاتَبَة , وَلَا الْوِجَادَة وَلَا الْوَصِيَّة وَلَا الْأَعْلَام الْمُجَرَّدَات عَنْ الْإِجَازَة , وَكَأَنَّهُ لَا يَرَى بِشَيْءٍ مِنْهَا. وَقَدْ اِدَّعَى اِبْن مَنْدَهْ أَنَّ كُلّ مَا يَقُول الْبُخَارِيّ فِيهِ : \" قَالَ لِي \" فَهِيَ إِجَازَة , وَهِيَ دَعْوَى مَرْدُودَة بِدَلِيلِ أَنِّي اِسْتَقْرَيْت كَثِيرًا مِنْ الْمَوَاضِع الَّتِي يَقُول فِيهَا الْجَامِع قَالَ لِي فَوَجَدْته فِي غَيْر الْجَامِع يَقُول فِيهَا حَدَّثَنَا , وَالْبُخَارِيّ لَا يَسْتَجِيز فِي الْإِجَازَة إِطْلَاق التَّحْدِيث , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا عِنْده مِنْ الْمَسْمُوع , لَكِنْ سَبَب اِسْتِعْمَاله لِهَذِهِ الصِّيغَة لِيُفَرِّق بَيْن مَا يَبْلُغ شَرْطه وَمَا لَا يَبْلُغ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "64",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا مُرَّةَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَذَهَبَ وَاحِدٌ قَالَ فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى ‏ ‏فُرْجَةً ‏ ‏فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ أَمَّا أَحَدُهُمْ ‏ ‏فَأَوَى ‏ ‏إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَوْلَى عَقِيل ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن , وَقِيلَ لِأَبِي مُرَّة ذَلِكَ لِلُزُومِهِ إِيَّاهُ , وَإِنَّمَا هُوَ مَوْلَى أُخْته أُمّ هَانِئ بِنْت أَبِي طَالِب. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي وَاقِد ) ‏ ‏صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ إِسْحَاق فَقَالَ : عَنْ أَبِي مُرَّة أَنَّ أَبَا وَاقِد حَدَّثَهُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ اِسْم أَبِي وَاقِد الْحَارِث بْن مَالِك , وَقِيلَ اِبْن عَوْف , وَقِيلَ عَوْف بْن الْحَارِث , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَرِجَال إِسْنَاده مَدَنِيُّونَ , وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأ , وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي وَاقِد إِلَّا أَبُو مُرَّة. وَلَا عَنْهُ إِلَّا إِسْحَاق , وَأَبُو مُرَّة وَالرَّاوِي عَنْهُ تَابِعِيَّانِ , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث أَنَس أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَالْحَاكِم. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاثَة نَفَر ) ‏ ‏النَّفَر بِالتَّحْرِيكِ لِلرِّجَالِ مِنْ ثَلَاثَة إِلَى عَشَرَة , وَالْمَعْنَى ثَلَاثَة هُمْ نَفَر , وَالنَّفَر اِسْم جَمْع وَلِهَذَا وَقَعَ مُمَيَّزًا لِلْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( تِسْعَة رَهْط ). ‏ ‏قَوْله : ( فَأَقْبَلَ اِثْنَانِ ) ‏ ‏بَعْد قَوْله : \" أَقْبَلَ ثَلَاثَة \" هُمَا إقْبَالَانِ , كَأَنَّهُمْ أَقْبَلُوا أَوَّلًا مِنْ الطَّرِيق فَدَخَلُوا الْمَسْجِد مَارِّينَ كَمَا فِي حَدِيث أَنَس , فَإِذَا ثَلَاثَة نَفَر يَمُرُّونَ , فَلَمَّا رَأَوْا مَجْلِس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ إِلَيْهِ اِثْنَانِ مِنْهُمْ وَاسْتَمَرَّ الثَّالِث ذَاهِبًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَقَفَا ) ‏ ‏زَادَ أَكْثَر رُوَاة الْمُوَطَّأ : \" فَلَمَّا وَقَفَا سَلَّمَا \" وَكَذَا عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ. وَلَمْ يَذْكُر الْمُصَنِّف هُنَا وَلَا فِي الصَّلَاة السَّلَام. وَكَذَا لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة مُسْلِم. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الدَّاخِل يَبْدَأ بِالسَّلَامِ , وَأَنَّ الْقَائِم يُسَلِّم عَلَى الْقَاعِد , وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُر رَدّ السَّلَام عَلَيْهِمَا اِكْتِفَاء بِشُهْرَتِهِ , أَوْ يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْمُسْتَغْرِق فِي الْعِبَادَة يَسْقُط عَنْهُ الرَّدّ. وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان. وَلَمْ يَذْكُر أَنَّهُمَا صَلَّيَا تَحِيَّة الْمَسْجِد إِمَّا لِكَوْنِ ذَلِكَ كَانَ قَبْل أَنْ تُشْرَع أَوْ كَانَا عَلَى غَيْر وُضُوء أَوْ وَقَعَ فَلَمْ يُنْقَل لِلِاهْتِمَامِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقِصَّة أَوْ كَانَ فِي غَيْر وَقْت تَنَفُّل , قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض بِنَاء عَلَى مَذْهَبه فِي أَنَّهَا لَا تُصَلَّى فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَقَفَا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ : عَلَى مَجْلِس رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ \" عَلَى \" بِمَعْنَى عِنْد. ‏ ‏قَوْله : ( فُرْجَة ) ‏ ‏بِالضَّمِّ وَالْفَتْح مَعًا هِيَ الْخَلَل بَيْن الشَّيْئَيْنِ. وَالْحَلْقَة بِإِسْكَانِ اللَّام كُلّ شَيْء مُسْتَدِير خَالِي الْوَسَط وَالْجَمْع حَلَق بِفَتْحَتَيْنِ , وَحُكِيَ فَتْح اللَّام فِي الْوَاحِد وَهُوَ نَادِر. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب التَّحْلِيق فِي مَجَالِس الذِّكْر وَالْعِلْم , وَفِيهِ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِع مِنْهَا كَانَ أَحَقّ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَّا الْآخَر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة , وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَخْتَصّ بِالْأَخِيرِ لِإِطْلَاقِهِ هُنَا عَلَى الثَّانِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَوَى إِلَى اللَّه فَآوَاهُ اللَّه ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الرِّوَايَة الصَّحِيحَة بِقَصْرِ الْأَوَّل وَمَدّ الثَّانِي وَهُوَ الْمَشْهُور فِي اللُّغَة , وَفِي الْقُرْآن ( إِذْ أَوَى الْفِتْيَة إِلَى الْكَهْف ) بِالْقَصْرِ , ( وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَة ) بِالْمَدِّ , وَحُكِيَ فِي اللُّغَة الْقَصْر وَالْمَدّ مَعًا فِيهِمَا. وَمَعْنَى أَوَى إِلَى اللَّه لَجَأَ إِلَى اللَّه , أَوْ عَلَى الْحَذْف أَيْ : اِنْضَمَّ إِلَى مَجْلِس رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَعْنَى فَآوَاهُ اللَّه أَيْ : جَازَاهُ بِنَظِيرِ فِعْله بِأَنْ ضَمَّهُ إِلَى رَحْمَته وَرِضْوَانه. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الْأَدَب فِي مَجَالِس الْعِلْم وَفَضْل سَدّ خَلَل الْحَلْقَة , كَمَا وَرَدَ التَّرْغِيب فِي سَدّ خَلَل الصُّفُوف فِي الصَّلَاة , وَجَوَاز التَّخَطِّي لِسَدِّ الْخَلَل مَا لَمْ يُؤْذِ , فَإِنْ خُشِيَ اُسْتُحِبَّ الْجُلُوس حَيْثُ يَنْتَهِي كَمَا فَعَلَ الثَّانِي. وَفِيهِ الثَّنَاء عَلَى مَنْ زَاحَمَ فِي طَلَب الْخَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَحْيَا ) ‏ ‏أَيْ تَرَكَ الْمُزَاحَمَة كَمَا فَعَلَ رَفِيقه حَيَاء مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِمَّنْ حَضَرَ قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض , وَقَدْ بَيَّنَ أَنَس فِي رِوَايَته سَبَب اِسْتِحْيَاء هَذَا الثَّانِي فَلَفْظه عِنْد الْحَاكِم : \" وَمَضَى الثَّانِي قَلِيلًا ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ \" فَالْمَعْنَى أَنَّهُ اِسْتَحْيَا مِنْ الذَّهَاب عَنْ الْمَجْلِس كَمَا فَعَلَ رَفِيقه الثَّالِث. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَحْيَا اللَّه مِنْهُ ) ‏ ‏أَيْ : رَحِمَهُ وَلَمْ يُعَاقِبهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَعْرَضَ اللَّه عَنْهُ ) ‏ ‏أَيْ : سَخِطَ عَلَيْهِ , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَنْ ذَهَبَ مُعْرِضًا لَا لِعُذْرٍ , هَذَا إِنْ كَانَ مُسْلِمًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُنَافِقًا , وَاطَّلَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَمْره , كَمَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" فَأَعْرَضَ اللَّه عَنْهُ \" إِخْبَارًا أَوْ دُعَاء. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس : \" فَاسْتَغْنَى فَاسْتَغْنَى اللَّه عَنْهُ \" وَهَذَا يُرَشِّح كَوْنه خَبَرًا , وَإِطْلَاق الْإِعْرَاض وَغَيْره فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى عَلَى سَبِيل الْمُقَابَلَة وَالْمُشَاكَلَة , فَيُحْمَل كُلّ لَفْظ مِنْهَا عَلَى مَا يَلِيق بِجَلَالِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى. وَفَائِدَة إِطْلَاق ذَلِكَ بَيَان الشَّيْء بِطَرِيقٍ وَاضِح , وَفِيهِ جَوَاز الْإِخْبَار عَنْ أَهْل الْمَعَاصِي وَأَحْوَالهمْ لِلزَّجْرِ عَنْهَا وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعَدّ مِنْ الْغَيْبَة , وَفِي الْحَدِيث فَضْل مُلَازَمَة حَلَق الْعِلْم وَالذِّكْر وَجُلُوس الْعَالِم وَالْمُذَكِّر فِي الْمَسْجِد , وَفِيهِ الثَّنَاء عَلَى الْمُسْتَحِي. وَالْجُلُوس حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِس. وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث عَلَى تَسْمِيَة وَاحِد مِنْ الثَّلَاثَة الْمَذْكُورِينَ. وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "65",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏ذَكَرَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ ‏ ‏بِخِطَامِهِ ‏ ‏أَوْ بِزِمَامِهِ ‏ ‏قَالَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَ يَوْمَ ‏ ‏النَّحْرِ ‏ ‏قُلْنَا بَلَى قَالَ فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ قُلْنَا بَلَى قَالَ ‏ ‏فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بِشْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُفَضَّل , وَرِجَال الْإِسْنَاد كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( ذَكَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏نَصَبَ النَّبِيّ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَفِي \" ذَكَرَ \" ضَمِير يَعُود عَلَى الرَّاوِي , يَعْنِي أَنَّ أَبَا بَكْرَة كَانَ يُحَدِّثهُمْ فَذَكَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قَعَدَ عَلَى بَعِيره. وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مَا يُشْعِر بِذَلِكَ وَلَفْظه عَنْ أَبِي بَكْرَة قَالَ. وَذَكَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَالْوَاو إِمَّا حَالِيَّة وَإِمَّا عَاطِفَة وَالْمَعْطُوف عَلَيْهِ مَحْذُوف. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر عَنْ أَبِي بَكْرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَعَدَ وَلَا إِشْكَال فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمْسَكَ إِنْسَان بِخِطَامِهِ أَوْ بِزِمَامِهِ ) ‏ ‏الشَّكّ مِنْ الرَّاوِي , وَالزِّمَام وَالْخِطَام بِمَعْنًى , وَهُوَ الْخَيْط الَّذِي تُشَدّ فِيهِ الْحَلْقَة الَّتِي تُسَمَّى بِالْبُرَةِ - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَتَخْفِيف الرَّاء الْمَفْتُوحَة - فِي أَنْف الْبَعِير. وَهَذَا الْمُمْسِك سَمَّاهُ بَعْض الشُّرَّاح بِلَالًا , وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أُمّ الْحُصَيْن قَالَتْ : حَجَجْت فَرَأَيْت بِلَالًا يَقُود بِخِطَامِ رَاحِلَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي السُّنَن مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن خَارِجَة قَالَ : كُنْت آخِذًا بِزِمَامِ نَاقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْتَهَى. فَذَكَرَ بَعْض الْخُطْبَة , فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُفَسَّر بِهِ الْمُبْهَم مِنْ بِلَال , لَكِنَّ الصَّوَاب أَنَّهُ هُنَا أَبُو بَكْرَة , فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُبَارَك عَنْ اِبْن عَوْن وَلَفْظه : خَطَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَته يَوْم النَّحْر , وَأَمْسَكْت - إِمَّا قَالَ بِخِطَامِهَا , وَإِمَّا قَالَ بِزِمَامِهَا - وَاسْتَفَدْنَا مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّكّ مِمَّنْ دُون أَبِي بَكْرَة لَا مِنْهُ. وَفَائِدَة إِمْسَاك الْخِطَام صَوْن الْبَعِير عَنْ الِاضْطِرَاب حَتَّى لَا يُشَوِّش عَلَى رَاكِبه. ‏ ‏قَوْله : ( أَيّ يَوْم هَذَا ) ‏ ‏سَقَطَ مِنْ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالْحَمَوِيّ السُّؤَال عَنْ الشَّهْر وَالْجَوَاب الَّذِي قَبْله فَصَارَ هَكَذَا : أَيّ يَوْم هَذَا , فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اِسْمه قَالَ : أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّة ؟ وَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَتَوْجِيهه ظَاهِر , وَهُوَ مِنْ إِطْلَاق الْكُلّ عَلَى الْبَعْض ; وَلَكِنَّ الثَّابِت فِي الرِّوَايَات عِنْد مُسْلِم وَغَيْره مَا ثَبَتَ عِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ وَكَرِيمَة , وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم وَغَيْره السُّؤَال عَنْ الْبَلَد , وَهَذَا كُلّه فِي رِوَايَة اِبْن عَوْن , وَثَبَتَ السُّؤَال عَنْ الثَّلَاثَة عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْأَضَاحِيّ مِنْ رِوَايَة أَيُّوب , وَفِي الْحَجّ مِنْ رِوَايَة قُرَّة كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن سِيرِينَ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : سُؤَاله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الثَّلَاثَة وَسُكُوته بَعْد كُلّ سُؤَال مِنْهَا كَانَ لِاسْتِحْضَارِ فُهُومهمْ وَلِيُقْبِلُوا عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِمْ , وَلِيَسْتَشْعِرُوا عَظَمَة مَا يُخْبِرهُمْ عَنْهُ , وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْد هَذَا : فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ إِلَخْ , مُبَالَغَة فِي بَيَان تَحْرِيم هَذِهِ الْأَشْيَاء. اِنْتَهَى. وَمَنَاط التَّشْبِيه فِي قَوْله : \" كَحُرْمَةِ يَوْمكُمْ \" وَمَا بَعْده ظُهُوره عِنْد السَّامِعِينَ ; لِأَنَّ تَحْرِيم الْبَلَد وَالشَّهْر وَالْيَوْم كَانَ ثَابِتًا فِي نُفُوسهمْ - مُقَرَّرًا عِنْدهمْ , بِخِلَافِ الْأَنْفُس وَالْأَمْوَال وَالْأَعْرَاض فَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يَسْتَبِيحُونَهَا , فَطَرَأَ الشَّرْع عَلَيْهِمْ بِأَنَّ تَحْرِيم دَم الْمُسْلِم وَمَاله وَعِرْضه أَعْظَم مِنْ تَحْرِيم الْبَلَد وَالشَّهْر وَالْيَوْم , فَلَا يَرِد كَوْن الْمُشَبَّه بِهِ أَخَفْض رُتْبَة مِنْ الْمُشَبَّه ; لِأَنَّ الْخِطَاب إِنَّمَا وَقَعَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا اِعْتَادَهُ الْمُخَاطَبُونَ قَبْل تَقْرِير الشَّرْع. وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَات الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا عِنْد الْمُصَنِّف وَغَيْره أَنَّهُمْ أَجَابُوهُ عَنْ كُلّ سُؤَال بِقَوْلِهِمْ : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم. وَذَلِكَ مِنْ حُسْن أَدَبهمْ ; لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ الْجَوَاب , وَأَنَّهُ لَيْسَ مُرَاده مُطْلَق الْإِخْبَار بِمَا يَعْرِفُونَهُ , وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَة الْبَاب : حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اِسْمه. فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى تَفْوِيض الْأُمُور الْكُلِّيَّة إِلَى الشَّارِع , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ الْحُجَّة لِمُثْبِتِي الْحَقَائِق الشَّرْعِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ عَلَى حَذْف مُضَاف , أَيْ : سَفْك دِمَائِكُمْ وَأَخْذ أَمْوَالكُمْ وَثَلْب أَعْرَاضكُمْ. وَالْعِرْض بِكَسْرِ الْعَيْن مَوْضِع الْمَدْح وَالذَّمّ مِنْ الْإِنْسَان , سَوَاء كَانَ فِي نَفْسه أَوْ سَلَفه. ‏ ‏قَوْله : ( لِيُبَلِّغ الشَّاهِد ) ‏ ‏أَيْ : الْحَاضِر فِي الْمَجْلِس ‏ ‏( الْغَائِب ) ‏ ‏أَيْ : الْغَائِب عَنْهُ , وَالْمُرَاد إِمَّا تَبْلِيغ الْقَوْل الْمَذْكُور أَوْ تَبْلِيغ جَمِيع الْأَحْكَام. وَقَوْله : \" مِنْهُ \" صِلَة لِأَفْعَل التَّفْضِيل , وَجَازَ الْفَصْل بَيْنهمَا لِأَنَّ فِي الظَّرْف سَعَة , وَلَيْسَ الْفَاصِل أَيْضًا أَجْنَبِيًّا. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَاب : \" فَسَكَتْنَا بَعْد السُّؤَال \". وَعِنْد الْمُصَنِّف فِي الْحَجّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاس يَوْم النَّحْر فَقَالَ : أَيّ يَوْم هَذَا ؟ قَالُوا : يَوْم حَرَام. وَظَاهِرهمَا التَّعَارُض , وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ الطَّائِفَة الَّذِينَ كَانَ فِيهِمْ اِبْن عَبَّاس أَجَابُوا , وَالطَّائِفَة الَّذِينَ كَانَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرَة لَمْ يُجِيبُوا بَلْ قَالُوا : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ. أَوْ تَكُون رِوَايَة اِبْن عَبَّاس بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّ فِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْحَجّ وَفِي الْفِتَن أَنَّهُ لَمَّا قَالَ : \" أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر ؟ قَالُوا بَلَى \" بِمَعْنَى قَوْلهمْ يَوْم حَرَام بِالِاسْتِلْزَامِ , وَغَايَته أَنَّ أَبَا بَكْرَة نَقَلَ السِّيَاق بِتَمَامِهِ , وَاخْتَصَرَهُ اِبْن عَبَّاس. وَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِسَبَبِ قُرْب أَبِي بَكْرَة مِنْهُ لِكَوْنِهِ كَانَ آخِذًا بِخِطَامِ النَّاقَة. وَقَالَ بَعْضهمْ : يَحْتَمِل تَعَدُّد الْخُطْبَة , فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ كَرَّرَهَا فِي يَوْم النَّحْر فَيَحْتَاج لِدَلِيلٍ , فَإِنَّ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْحَجّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم النَّحْر بَيْن الْجَمَرَات فِي حَجَّته. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد - غَيْر مَا تَقَدَّمَ - الْحَثّ عَلَى تَبْلِيغ الْعِلْم , وَجَوَاز التَّحَمُّل قَبْل كَمَالِ الْأَهْلِيَّة , وَأَنَّ الْفَهْم لَيْسَ شَرْطًا فِي الْأَدَاء , وَأَنَّهُ قَدْ يَأْتِي فِي الْآخِر مَنْ يَكُون أَفْهَم مِمَّنْ تَقَدَّمَهُ لَكِنْ بِقِلَّةٍ , وَاسْتَنْبَطَ اِبْن الْمُنِير مِنْ تَعْلِيل كَوْن الْمُتَأَخِّر أَرْجَح نَظَرًا مِنْ الْمُتَقَدِّم أَنَّ تَفْسِير الرَّاوِي أَرْجَح مِنْ تَفْسِير غَيْره. وَفِيهِ جَوَاز الْقُعُود عَلَى ظَهْر الدَّوَابّ وَهِيَ وَاقِفَة إِذَا اُحْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ , وَحُمِلَ النَّهْي الْوَارِد فِي ذَلِكَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَة. وَفِيهِ الْخُطْبَة عَلَى مَوْضِع عَالٍ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي إِسْمَاعه لِلنَّاسِ وَرُؤْيَتهمْ إِيَّاهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "66",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَخَوَّلُنَا ‏ ‏بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ , لَكِنَّ مُحَمَّد بْن يُوسُف الْفِرْيَابِيّ وَإِنْ كَانَ يَرْوِي عَنْ السُّفْيَانَيْنِ فَإِنَّهُ حِين يُطْلِق يُرِيد بِهِ الثَّوْرِيّ , كَمَا أَنَّ الْبُخَارِيّ حَيْثُ يُطْلِق مُحَمَّد بْن يُوسُف لَا يُرِيد بِهِ إِلَّا الْفِرْيَابِيّ وَإِنْ كَانَ يَرْوِي عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف الْبَيْكَنْدِيّ أَيْضًا. وَقَدْ وَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ هُنَا الْبَيْكَنْدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي وَائِل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد الْمَذْكُورَة : سَمِعْت شَقِيقًا وَهُوَ أَبُو وَائِل. وَأَفَادَ هَذَا التَّصْرِيح رَفْع مَا يُتَوَهَّم فِي رِوَايَة مُسْلِم الَّتِي أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ الْأَعْمَش عَنْ شَقِيق عَنْ عَبْد اللَّه فَذَكَرَ الْحَدِيث قَالَ عَلِيّ بْن مُسْهِر قَالَ الْأَعْمَش : وَحَدَّثَنِي عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ شَقِيق عَنْ عَبْد اللَّه مِثْله , فَقَدْ يُوهِم هَذَا أَنَّ الْأَعْمَش دَلَّسَهُ أَوَّلًا عَنْ شَقِيق , ثُمَّ سَمَّى الْوَاسِطَة بَيْنهمَا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي وَائِل بِلَا وَاسِطَة وَسَمِعَهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ , وَأَرَادَ بِذِكْرِ الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَإِنْ كَانَتْ نَازِلَة تَأْكِيده , أَوْ لِيُنَبِّه عَلَى عِنَايَته بِالرِّوَايَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سَمِعَهُ نَازِلًا فَلَمْ يَقْنَع بِذَلِكَ حَتَّى سَمِعَهُ عَالِيًا , وَكَذَا صَرَّحَ الْأَعْمَش بِالتَّحْدِيثِ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الدَّعَوَات مِنْ رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث عَنْهُ قَالَ : حَدَّثَنِي شَقِيق. وَزَادَ فِي أَوَّله أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود لِيَخْرُج إِلَيْهِمْ فَيُذَكِّرهُمْ , وَأَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ قَالَ : أَمَا إِنِّي أَخْبَر بِمَكَانِكُمْ وَلَكِنَّهُ يَمْنَعنِي مِنْ الْخُرُوج إِلَيْكُمْ.. فَذَكَرَ الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يَتَخَوَّلنَا ) ‏ ‏بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْوَاو , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْخَائِل بِالْمُعْجَمَةِ هُوَ الْقَائِم الْمُتَعَهِّد لِلْمَالِ , يُقَال خَالَ الْمَال يَخُولهُ تَخَوُّلًا إِذَا تَعَهَّدَهُ وَأَصْلَحَهُ. وَالْمَعْنَى كَانَ يُرَاعِي الْأَوْقَات فِي تَذْكِيرنَا , وَلَا يَفْعَل ذَلِكَ كُلّ يَوْم لِئَلَّا نَمَلّ. وَالتَّخَوُّن بِالنُّونِ أَيْضًا يُقَال تَخَوَّنَ الشَّيْء إِذَا تَعَهَّدَهُ وَحَفِظَهُ , أَيْ : اِجْتَنَبَ الْخِيَانَة فِيهِ , كَمَا قِيلَ فِي تَحَنَّثَ وَتَأَثَّمَ وَنَظَائِرهمَا. وَقَدْ قِيلَ إِنَّ أَبَا عَمْرو بْن الْعَلَاء سَمِعَ الْأَعْمَش يُحَدِّث هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ : \" يَتَخَوَّلنَا \" بِاللَّامِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ بِالنُّونِ فَلَمْ يَرْجِع لِأَجْلِ الرِّوَايَة , وَكِلَا اللَّفْظَيْنِ جَائِز. وَحَكَى أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ عَنْ أَبِي عَمْرو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : الصَّوَاب \" يَتَحَوَّلنَا \" بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة أَيْ : يَتَطَلَّب أَحْوَالنَا الَّتِي نَنْشَط فِيهَا لِلْمَوْعِظَةِ. قُلْت : وَالصَّوَاب مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَة الْأُولَى فَقَدْ رَوَاهُ مَنْصُور عَنْ أَبِي وَائِل كَرِوَايَةِ الْأَعْمَش , وَهُوَ فِي الْبَاب الْآتِي. وَإِذَا ثَبَتَتْ الرِّوَايَة وَصَحَّ الْمَعْنَى بَطَلَ الِاعْتِرَاض. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَيْنَا ) ‏ ‏أَيْ : السَّآمَة الطَّارِئَة عَلَيْنَا , أَوْ ضَمَّنَ السَّآمَة مَعْنَى الْمَشَقَّة فَعَدَّاهَا بِعَلَى , وَالصِّلَة مَحْذُوفَة وَالتَّقْدِير مِنْ الْمَوْعِظَة. وَيُسْتَفَاد مِنْ الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب تَرْك الْمُدَاوَمَة فِي الْجِدّ فِي الْعَمَل الصَّالِح خَشْيَة الْمَلَال , وَإِنْ كَانَتْ الْمُوَاظَبَة مَطْلُوبَة لَكِنَّهَا عَلَى قِسْمَيْنِ : إِمَّا كُلّ يَوْم مَعَ عَدَم التَّكَلُّف. وَإِمَّا يَوْمًا بَعْد يَوْم فَيَكُون يَوْم التَّرْك لِأَجْلِ الرَّاحَة لِيُقْبِل عَلَى الثَّانِي بِنَشَاطٍ , وَإِمَّا يَوْمًا فِي الْجُمُعَة , وَيَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال وَالْأَشْخَاص , وَالضَّابِط الْحَاجَة مَعَ مُرَاعَاة وُجُود النَّشَاط. وَاحْتَمَلَ عَمَل اِبْن مَسْعُود مِنْ اِسْتِدْلَاله أَنْ يَكُون اِقْتَدَى بِفِعْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى فِي الْيَوْم الَّذِي عَيَّنَهُ , وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون اِقْتَدَى بِمُجَرَّدِ التَّخَلُّل بَيْن الْعَمَل وَالتَّرْك الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّخَوُّلِ , وَالثَّانِي أَظْهَر. وَأَخَذَ بَعْض الْعُلَمَاء مِنْ حَدِيث الْبَاب كَرَاهِيَة تَشْبِيه غَيْر الرَّوَاتِب بِالرَّوَاتِبِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا فِي وَقْت مُعَيَّن دَائِمًا , وَجَاءَ عَنْ مَالِك مَا يُشْبِه ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "67",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو التَّيَّاحِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَبُو التَّيَّاح ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة الْفَوْقَانِيَّة وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة وَآخِره مُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تُعَسِّرُوا ) ‏ ‏الْفَائِدَة فِيهِ التَّصْرِيح بِاللَّازِمِ تَأْكِيدًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ : لَوْ اِقْتَصَرَ عَلَى يَسِّرُوا لَصَدَقَ عَلَى مَنْ يَسَّرَ مَرَّة وَعَسَّرَ كَثِيرًا , فَقَالَ : \" وَلَا تُعَسِّرُوا \" لِنَفْيِ التَّعْسِير فِي جَمِيع الْأَحْوَال , وَكَذَا الْقَوْل فِي عَطْفه عَلَيْهِ : \" وَلَا تُنَفِّرُوا \". وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَقَام مَقَام الْإِطْنَاب لَا الْإِيجَاز. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَشِّرُوا ) ‏ ‏بَعْد قَوْله : \" يَسِّرُوا \" فِيهِ الْجِنَاس الْخَطِّيّ. وَوَقَعَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْأَدَب عَنْ آدَم عَنْ شُعْبَة بَدَلهَا : \" وَسَكِّنُوا \" وَهِيَ الَّتِي تُقَابِل وَلَا تُنَفِّرُوا ; لِأَنَّ السُّكُون ضِدّ النُّفُور , كَمَا أَنَّ ضِدّ الْبِشَارَة النِّذَارَة , لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ النِّذَارَة - وَهِيَ الْإِخْبَار بِالشَّرِّ - فِي اِبْتِدَاء التَّعْلِيم تُوجِب النُّفْرَة قُوبِلَتْ الْبِشَارَة بِالتَّنْفِيرِ , وَالْمُرَاد تَأْلِيف مَنْ قَرُبَ إِسْلَامه وَتَرْك التَّشْدِيد عَلَيْهِ فِي الِابْتِدَاء. وَكَذَلِكَ الزَّجْر عَنْ الْمَعَاصِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُون بِتَلَطُّفٍ لِيُقْبَل , وَكَذَا تَعَلُّم الْعِلْم يَنْبَغِي أَنْ يَكُون بِالتَّدْرِيجِ ; لِأَنَّ الشَّيْء إِذَا كَانَ فِي اِبْتِدَائِهِ سَهْلًا حُبِّبَ إِلَى مَنْ يَدْخُل فِيهِ وَتَلَقَّاهُ بِانْبِسَاطٍ , وَكَانَتْ عَاقِبَته غَالِبًا الِازْدِيَاد , بِخِلَافِ ضِدّه. وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "68",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا ‏ ‏أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ قَالَ أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ وَإِنِّي ‏ ‏أَتَخَوَّلُكُمْ ‏ ‏بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَخَوَّلُنَا ‏ ‏بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( جَرِير ) ‏ ‏و اِبْن عَبْد الْحَمِيد , وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود , وَكُنْيَته أَبُو عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُ رَجُل ) ‏ ‏هَذَا الْمُبْهَم يُشْبِه أَنْ يَكُون هُوَ يَزِيد بْن مُعَاوِيَة النَّخَعِيُّ , وَفِي سِيَاق الْمُصَنِّف فِي أَوَاخِر الدَّعَوَات مَا يُرْشِد إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَوَدِدْت ) ‏ ‏اللَّام جَوَاب قَسَمَ مَحْذُوف , أَيْ وَاَللَّه لَوَدِدْت , وَفَاعِل \" يَمْنَعنِي \" أَنِّي أَكْرَه بِفَتْحِ هَمْزَة أَنِّي , وَأُمِلّكُمْ بِضَمِّ الْهَمْزَة أَيْ : أُضْجِركُمْ , وَإِنِّي الثَّانِيَة بِكَسْرِ الْهَمْزَة. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْمَتْن قَرِيبًا. وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ , وَحَدِيث أَنَس الَّذِي قَبْله بَصْرِيُّونَ. ‏"
    },
    {
        "id": "69",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏خَطِيبًا يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا ‏ ‏يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الْأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عُفَيْر ) ‏ ‏هُوَ سَعِيد بْن كَثِير بْن عُفَيْر , نُسِبَ إِلَى جَدّه , وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏قَالَ حُمَيْدٌ فِي الِاعْتِصَام : لِلْمُؤَلِّفِ مِنْ هَذَا الْوَجْه : أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ. وَلِمُسْلِمٍ : حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , زَادَ تَسْمِيَة جَدّه ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت مُعَاوِيَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي سُفْيَان. ‏ ‏قَوْله : ( خَطِيبًا ) ‏ ‏هُوَ حَال مِنْ الْمَفْعُول , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم وَالِاعْتِصَام. \" سَمِعْت مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان وَهُوَ يَخْطُب \". وَهَذَا الْحَدِيث مُشْتَمِل عَلَى ثَلَاثَة أَحْكَام : أَحَدهَا فَضْل النَّفَقَة فِي الدِّين. وَثَانِيهَا أَنَّ الْمُعْطِي فِي الْحَقِيقَة هُوَ اللَّه. وَثَالِثهَا أَنَّ بَعْض هَذِهِ الْأُمَّة يَبْقَى عَلَى الْحَقّ أَبَدًا. فَالْأَوَّل لَائِق بِأَبْوَابِ الْعِلْم. وَالثَّانِي لَائِق بِقَسْمِ الصَّدَقَات , وَلِهَذَا أَوْرَدَهُ مُسْلِم فِي الزَّكَاة , وَالْمُؤَلِّف فِي الْخُمُس. وَالثَّالِث لَائِق بِذِكْرِ أَشْرَاط السَّاعَة , وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُؤَلِّف فِي الِاعْتِصَام لِالْتِفَاتِهِ إِلَى مَسْأَلَة عَدَم خُلُوّ الزَّمَان عَنْ مُجْتَهِد , وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِيهِ هُنَاكَ , وَأَنَّ الْمُرَاد بِأَمْرِ اللَّه هُنَا الرِّيح الَّتِي تَقْبِض رُوح كُلّ مَنْ فِي قَلْبه شَيْء مِنْ الْإِيمَان وَيَبْقَى شِرَار النَّاس فَعَلَيْهِمْ تَقُوم السَّاعَة. وَقَدْ تَتَعَلَّق لِأَحَادِيث الثَّلَاثَة بِأَبْوَابِ الْعِلْم - بَلْ بِتَرْجَمَةِ هَذَا الْبَاب خَاصَّة - مِنْ جِهَة إِثْبَات الْخَيْر لِمَنْ تَفَقَّهَ فِي دِين اللَّه , وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُون بِالِاكْتِسَابِ فَقَطْ , بَلْ لِمَنْ يَفْتَح اللَّه عَلَيْهِ بِهِ , وَأَنَّ مَنْ يَفْتَح اللَّه عَلَيْهِ بِذَلِكَ لَا يَزَال جِنْسه مَوْجُودًا حَتَّى يَأْتِي أَمْر اللَّه , وَقَدْ جَزَمَ الْبُخَارِيّ بِأَنَّ الْمُرَاد بِهِمْ أَهْل الْعِلْم بِالْآثَارِ , وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل : إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْل الْحَدِيث فَلَا أَدْرِي مَنْ هُمْ , وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : أَرَادَ أَحْمَد أَهْل السُّنَّة وَمَنْ يَعْتَقِد مَذْهَب أَهْل الْحَدِيث , وَقَالَ النَّوَوِيّ : مُحْتَمَل أَنْ تَكُون هَذِهِ الطَّائِفَة فِرْقَة مِنْ أَنْوَاع الْمُؤْمِنِينَ مِمَّنْ يُقِيم أَمْر اللَّه تَعَالَى مِنْ مُجَاهِد وَفَقِيه وَمُحَدِّث وَزَاهِد وَآمِر بِالْمَعْرُوفِ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاع الْخَيْر , وَلَا يَلْزَم اِجْتِمَاعهمْ فِي مَكَان وَاحِد بَلْ يَجُوز أَنْ يَكُونُوا مُتَفَرِّقِينَ. قُلْت : وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي كِتَاب الِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( يُفَقِّههُ ) ‏ ‏أَيْ : يُفَهِّمهُ كَمَا تَقَدَّمَ , وَهِيَ سَاكِنَة الْهَاء لِأَنَّهَا جَوَاب الشَّرْط , يُقَال فَقُهَ بِالضَّمِّ إِذَا صَارَ الْفِقْه لَهُ سَجِيَّة , وَفَقَهَ بِالْفَتْحِ إِذَا سَبَقَ غَيْره إِلَى الْفَهْم , وَفَقِهَ بِالْكَسْرِ إِذَا فَهِمَ. وَنَكَّرَ \" خَيْرًا \" لِيَشْمَل الْقَلِيل وَالْكَثِير , وَالتَّنْكِير لِلتَّعْظِيمِ لِأَنَّ الْمَقَام يَقْتَضِيه. وَمَفْهُوم الْحَدِيث أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّه فِي الدِّين - أَيْ : يَتَعَلَّم قَوَاعِد الْإِسْلَام وَمَا يَتَّصِل بِهَا مِنْ الْفُرُوع - فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْر. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى حَدِيث مُعَاوِيَة مِنْ وَجْه آخَر ضَعِيف وَزَادَ فِي آخِره : \" وَمَنْ لَمْ يَتَفَقَّه فِي الدِّين لَمْ يُبَالِ اللَّه بِهِ \" وَالْمَعْنَى صَحِيح ; لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِف أُمُور دِينه لَا يَكُون فَقِيهًا وَلَا طَالِب فِقْه , فَيَصِحّ أَنْ يُوصَف بِأَنَّهُ مَا أُرِيدَ بِهِ الْخَيْر , وَفِي ذَلِكَ بَيَان ظَاهِر لِفَضْلِ الْعُلَمَاء عَلَى سَائِر النَّاس , وَلِفَضْلِ التَّفَقُّه فِي الدِّين عَلَى سَائِر الْعُلُوم. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى الْحَدِيثَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِي مَوْضِعهمَا مِنْ الْخُمُس وَالِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله : \" لَنْ تَزَالَ هَذِهِ الْأُمَّة \" يَعْنِي بَعْض الْأُمَّة كَمَا يَجِيء مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْمَوْضِع الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "70",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏قَالَ صَحِبْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأُتِيَ ‏ ‏بِجُمَّارٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ فَسَكَتُّ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هِيَ النَّخْلَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ : \" اِبْن عَبْد اللَّه \" وَهُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ الْمَدِينِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان قَالَ : قَالَ لِي اِبْن أَبِي نَجِيح ) ‏ ‏فِي مُسْنَده الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان : حَدَّثَنِي اِبْن أَبِي نَجِيح. ‏ ‏قَوْله : ( صَحِبْت اِبْن عُمَر إِلَى الْمَدِينَة ) ‏ ‏فِيهِ مَا كَانَ بَعْض الصَّحَابَة عَلَيْهِ مِنْ تَوَقِّي الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا عِنْد الْحَاجَة خَشْيَة الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان , وَهَذِهِ كَانَتْ طَرِيقَة اِبْن عُمَر وَوَالِده عُمَر وَجَمَاعَة , وَإِنَّمَا كَثُرَتْ أَحَادِيث اِبْن عُمَر مَعَ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ يَسْأَلهُ وَيَسْتَفْتِيه , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَتْن حَدِيث الْبَاب فِي أَوَائِل كِتَاب الْعِلْم. وَمُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ اِبْن عُمَر لَمَّا ذَكَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْأَلَة عِنْد إِحْضَار الْجُمَّار إِلَيْهِ فَهِمَ أَنَّ الْمَسْئُول عَنْهُ النَّخْلَة , فَالْفَهْم فِطْنَة يَفْهَم بِهَا صَاحِبهَا مِنْ الْكَلَام مَا يَقْتَرِن بِهِ مِنْ قَوْل أَوْ فِعْل , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْآتِي فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة حَيْثُ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّه \" فَبَكَى أَبُو بَكْر وَقَالَ : فَدَيْنَاك بِآبَائِنَا , فَتَعَجَّبَ النَّاس. وَكَانَ أَبُو بَكْر فَهِمَ مِنْ الْمَقَام أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّر , فَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَبُو سَعِيد : فَكَانَ أَبُو بَكْر أَعْلَمنَا بِهِ. وَاَللَّه الْهَادِي إِلَى الصَّوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "71",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا ‏ ‏حَسَدَ ‏ ‏إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَلَى غَيْر مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيّ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ الزُّهْرِيّ حَدَّثَ سُفْيَان بِهَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ غَيْر اللَّفْظ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ إِسْمَاعِيل , وَرِوَايَة سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّف فِي التَّوْحِيد عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم. وَرَوَاهَا مُسْلِم عَنْ زُهَيْر بْن حَرْب , وَغَيْره عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ. سَاقَهُ مُسْلِم تَامًّا , وَاخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيّ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ أَيْضًا تَامًّا فِي فَضَائِل الْقُرْآن مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ حَدَّثَنِي سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر... فَذَكَرَهُ وَسَنَذْكُرُ مَا تَخَالَفَتْ فِيهِ الرِّوَايَات بَعْد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله. ( قَالَ سَمِعْت ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ إِسْمَاعِيل عَلَى مَا حَرَّرْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا حَسَدَ ) ‏ ‏الْحَسَد تَمَنِّي زَوَال النِّعْمَة عَنْ الْمُنْعَم عَلَيْهِ , وَخَصَّهُ بَعْضهمْ بِأَنْ يَتَمَنَّى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ , وَالْحَقّ أَنَّهُ أَعَمّ , وَسَبَبه أَنَّ الطِّبَاع مَجْبُولَة عَلَى حُبّ التَّرَفُّع عَلَى الْجِنْس , فَإِذَا رَأَى لِغَيْرِهِ مَا لَيْسَ لَهُ أَحَبَّ أَنْ يَزُول ذَلِكَ عَنْهُ لَهُ لِيَرْتَفِع عَلَيْهِ , أَوْ مُطْلَقًا لِيُسَاوِيه. وَصَاحِبه مَذْمُوم إِذَا عَمِلَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ مِنْ تَصْمِيم أَوْ قَوْل أَوْ فِعْل. وَيَنْبَغِي لِمَنْ خَطَرَ لَهُ ذَلِكَ أَنْ يَكْرَههُ كَمَا يَكْرَه مَا وُضِعَ فِي طَبْعه مِنْ حُبّ الْمَنْهِيَّات. وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَتْ النِّعْمَة لِكَافِرٍ أَوْ فَاسِق يَسْتَعِين بِهَا عَلَى مَعَاصِي اللَّه تَعَالَى. فَهَذَا حُكْم الْحَسَد بِحَسَبِ حَقِيقَته , وَأَمَّا الْحَسَد الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث فَهُوَ الْغِبْطَة , وَأَطْلَقَ الْحَسَد عَلَيْهَا مَجَازًا , وَهِيَ أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُون لَهُ مِثْل مَا لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْر أَنْ يَزُول عَنْهُ , وَالْحِرْص عَلَى هَذَا يُسَمَّى مُنَافَسَة , فَإِنْ كَانَ فِي الطَّاعَة فَهُوَ مَحْمُود , وَمِنْهُ - ( فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ ). وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْصِيَة فَهُوَ مَذْمُوم , وَمِنْهُ : \" وَلَا تَنَافَسُوا \". وَإِنْ كَانَ فِي الْجَائِزَات فَهُوَ مُبَاح , فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيث : لَا غِبْطَة أَعْظَم - أَوْ أَفْضَل - مِنْ الْغِبْطَة فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ - وَوَجْه الْحَصْر أَنَّ الطَّاعَات إِمَّا بَدَنِيَّة أَوْ مَالِيَّة أَوْ كَائِنَة عَنْهُمَا , وَقَدْ أَشَارَ إِلَى الْبَدَنِيَّة بِإِتْيَانِ الْحِكْمَة وَالْقَضَاء بِهَا وَتَعْلِيمهَا , وَلَفْظ حَدِيث اِبْن عُمَر : \" رَجُل آتَاهُ اللَّه الْقُرْآن فَهُوَ يَقُوم بِهِ آنَاء اللَّيْل وَآنَاء النَّهَار \" وَالْمُرَاد بِالْقِيَامِ بِهِ الْعَمَل بِهِ مُطْلَقًا , أَعَمّ مِنْ تِلَاوَته دَاخِل الصَّلَاة أَوْ خَارِجهَا وَمِنْ تَعْلِيمه , وَالْحُكْم وَالْفَتْوَى بِمُقْتَضَاهُ , فَلَا تَخَالُف بَيْن لَفْظَيْ الْحَدِيثَيْنِ. وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث يَزِيد بْن الْأَخْنَس السُّلَمِيّ : \" رَجُل آتَاهُ اللَّه الْقُرْآن فَهُوَ يَقُوم بِهِ آنَاء اللَّيْل وَآنَاء النَّهَار , وَيَتَّبِع مَا فِيهِ \". وَيَجُوز حَمْل الْحَسَد فِي الْحَدِيث عَلَى حَقِيقَته عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع , وَالتَّقْدِير نَفْي الْحَسَد مُطْلَقًا , لَكِنْ هَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ مَحْمُودَتَانِ , وَلَا حَسَدَ فِيهِمَا فَلَا حَسَدَ أَصْلًا. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا فِي اِثْنَتَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا فِي مُعْظَم الرِّوَايَات \" اِثْنَتَيْنِ \" بِتَاءِ التَّأْنِيث , أَيْ : لَا حَسَدَ مَحْمُود فِي شَيْء إِلَّا فِي خَصْلَتَيْنِ. وَعَلَى هَذَا فَقَوْله : \" رَجُل \" بِالرَّفْعِ , وَالتَّقْدِير خَصْلَة رَجُل حُذِفَ الْمُضَاف وَأُقِيمَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مَقَامه. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الِاعْتِصَام : \" إِلَّا فِي اِثْنَيْنِ. وَعَلَى هَذَا فَقَوْله : \" رَجُل \" بِالْخَفْضِ عَلَى الْبَدَلِيَّة أَيْ : خَصْلَة رَجُلَيْنِ , وَيَجُوز النَّصْب بِإِضْمَارِ أَعْنِي وَهِيَ رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ. ‏ ‏قَوْله : ( مَالًا ) ‏ ‏نَكَّرَهُ لِيَشْمَل الْقَلِيل وَالْكَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( فَسُلِّطَ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَلِلْبَاقِينَ فَسَلَّطَهُ , وَعَبَّرَ بِالتَّسْلِيطِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى قَهْر النَّفْس الْمَجْبُولَة عَلَى الشُّحّ. ‏ ‏قَوْله : ( هَلَكَته ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَالْكَاف أَيْ : إِهْلَاكه , وَعَبَّرَ بِذَلِكَ لِيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبْقِي مِنْهُ شَيْئًا. وَكَمَّلَهُ بِقَوْلِهِ : \" فِي الْحَقّ \" أَيْ : فِي الطَّاعَات لِيُزِيلَ عَنْهُ إِيهَام الْإِسْرَاف الْمَذْمُوم. ‏ ‏قَوْله : ( الْحِكْمَة ) ‏ ‏اللَّام لِلْعَهْدِ ; لِأَنَّ الْمُرَاد بِهَا الْقُرْآن عَلَى مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ قَبْل , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْحِكْمَةِ كُلّ مَا مَنَعَ مِنْ الْجَهْل وَزَجَرَ عَنْ الْقَبِيح. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏زَادَ أَبُو هُرَيْرَة فِي هَذَا الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَسَدِ الْمَذْكُور هُنَا الْغِبْطَة كَمَا ذَكَرْنَاهُ , وَلَفْظه : \" فَقَالَ رَجُل لَيْتَنِي أُوتِيت مِثْل مَا أُوتِيَ فُلَان , فَعَمِلْت مِثْل مَا يَعْمَل \" أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِي فَضَائِل الْقُرْآن. وَعِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي كَبْشَة الْأَنْمَارِيّ - بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَإِسْكَان النُّون - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول.. فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ اِسْتِوَاء الْعَالِم فِي الْمَال بِالْحَقِّ وَالْمُتَمَنِّي فِي الْأَجْر , وَلَفْظه : \" وَعَبْد رَزَقَهُ اللَّه عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقهُ مَالًا , فَهُوَ صَادِق النِّيَّة يَقُول : لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْت مِثْل مَا يَعْمَل فُلَان , فَأَجْرهمَا سَوَاء \" , وَذَكَرَ فِي ضِدّهمَا : \" أَنَّهُمَا فِي الْوِزْر سَوَاء \" وَقَالَ فِيهِ : حَدِيث حَسَن صَحِيح. وَإِطْلَاق كَوْنهمَا سَوَاء يَرُدّ عَلَى الْخَطَّابِيّ فِي جَزْمه بِأَنَّ الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْغَنِيّ إِذَا قَامَ بِشُرُوطِ الْمَال كَانَ أَفْضَل مِنْ الْفَقِير. نَعَمْ يَكُون أَفْضَل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ أَعْرَضَ وَلَمْ يَتَمَنَّ ; لَكِنَّ الْأَفْضَلِيَّة الْمُسْتَفَادَة مِنْهُ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ الْخَصْلَة فَقَطْ لَا مُطْلَقًا. وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَة إِلَى الْبَحْث فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي حَدِيث : \" الطَّاعِم الشَّاكِر كَالصَّائِمِ الصَّابِر \" حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّف فِي كِتَاب الْأَطْعِمَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "72",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ ‏ ‏وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ ‏ ‏فِي صَاحِبِ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏هُوَ ‏ ‏خَضِرٌ ‏ ‏فَمَرَّ بِهِمَا ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏فَدَعَاهُ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏الَّذِي سَأَلَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَذْكُرُ شَأْنَهُ قَالَ نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَيْنَمَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فِي مَلَإٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏لَا فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏بَلَى عَبْدُنَا ‏ ‏خَضِرٌ ‏ ‏فَسَأَلَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏السَّبِيلَ إِلَيْهِ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ ‏ ‏لِمُوسَى ‏ ‏فَتَاهُ ‏ { ‏أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا ‏ ‏أَنْسَانِيهِ ‏ ‏إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ‏} { ‏قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا ‏ ‏نَبْغِي ‏ ‏فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ‏} ‏فَوَجَدَا ‏ ‏خَضِرًا ‏ ‏فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا ) ‏ ‏وَلِلْأَصِيلِيِّ : \" حَدَّثَنِي \" بِالْإِفْرَادِ. ‏ ‏قَوْله : ( غُرَيْر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَة أَنَّهُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة مُصَغَّرًا , وَمُحَمَّد وَشَيْخه وَأَبُوهُ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد زُهْرِيُّونَ , وَكَذَا اِبْن شِهَاب شَيْخ صَالِح وَهُوَ اِبْن كَيْسَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَهُ ) ‏ ‏لِلْكُشْمِيهَنِيّ : \" حَدَّثَ \" بِغَيْرِ هَاء , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى السَّمَاع لِأَنَّ صَالِحًا غَيْر مُدَلِّس. ‏ ‏قَوْله : ( تَمَارَى ) ‏ ‏أَيْ : تَجَادَلَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْحُرّ ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ الْحَاء وَتَشْدِيد الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ , وَهُوَ صَحَابِيّ مَشْهُور ذَكَرَهُ اِبْن السَّكَن وَغَيْره , وَلَهُ ذِكْر عِنْد الْمُصَنِّف أَيْضًا فِي قِصَّة لَهُ مَعَ عُمَر قَالَ فِيهَا : وَكَانَ الْحُرّ مِنْ النَّفَر الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَر , يَعْنِي لِفَضْلِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن عَبَّاس هُوَ خَضِر ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر مَا قَالَ الْحُرّ بْن قَيْس , وَلَا وَقَفْت عَلَى ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث. وَخَضِر بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه أَوْ بِكَسْرِ أَوَّله وَإِسْكَان ثَانِيه , ثَبَتَتْ بِهِمَا الرِّوَايَة , وَبِإِثْبَاتِ الْأَلِف وَاللَّام فِيهِ , وَبِحَذْفِهِمَا. وَهَذَا التَّمَارِي الَّذِي وَقَعَ بَيْن اِبْن عَبَّاس وَالْحُرّ غَيْر التَّمَارِي الَّذِي وَقَعَ بَيْن سَعِيد بْن جُبَيْر وَنَوْف الْبَكَالِيّ , فَإِنَّ هَذَا فِي صَاحِب مُوسَى هَلْ هُوَ الْخَضِر أَوْ غَيْره. وَذَاكَ فِي مُوسَى هَلْ هُوَ مُوسَى بْن عِمْرَان الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْرَاة أَوْ مُوسَى بْن مِيشَا بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُعْجَمَة. وَسِيَاق سَعِيد بْن جُبَيْر لِلْحَدِيثِ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَتَمّ مِنْ سِيَاق عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة لِهَذَا بِشَيْءٍ كَثِير , وَسَيَأْتِي ذِكْر ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي كِتَاب التَّفْسِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَيُقَال إِنَّ اِسْم الْخَضِر بَلْيَا بِمُوَحَّدَةٍ وَلَام سَاكِنَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة , وَسَيَأْتِي فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء النَّقْل عَنْ سَبَب تَلْقِيبه بِالْخَضِرِ , وَسَيَأْتِي نَقْل الْخِلَاف فِي نَسَبه وَهَلْ هُوَ رَسُول أَوْ نَبِيّ فَقَطْ أَوْ مَلَك بِفَتْحِ اللَّام أَوْ وَلِيّ فَقَطْ , وَهَلْ هُوَ بَاقٍ أَوْ مَاتَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَاهُ ) ‏ ‏أَيْ نَادَاهُ. وَذَكَرَ اِبْن التِّين أَنَّ فِيهِ حَذْفًا وَالتَّقْدِير : فَقَامَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ ; لِأَنَّ الْمَعْرُوف عَنْ اِبْن عَبَّاس التَّأَدُّب مَعَ مَنْ يَأْخُذ عَنْهُ , وَأَخْبَاره فِي ذَلِكَ شَهِيرَة. ‏ ‏قَوْله : ‏ ‏( إِذْ جَاءَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَته. ‏ ‏قَوْله : ( بَلَى عَبْدُنَا ) ‏ ‏أَيْ : هُوَ أَعْلَم , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ : \" بَلْ \" بِإِسْكَانِ اللَّام , وَالتَّقْدِير فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ لَا تُطْلِق النَّفْي بَلْ قُلْ خَضِر. وَإِنَّمَا قَالَ عَبْدنَا - وَإِنْ كَانَ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ يَقُول عَبْد اللَّه - لِكَوْنِهِ أَوْرَدَهُ عَلَى طَرِيق الْحِكَايَة عَنْ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى , وَالْإِضَافَة فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَّبِع أَثَر الْحُوت فِي الْبَحْر ) ‏ ‏فِي هَذَا السِّيَاق اِخْتِصَار يَأْتِي بَيَانه عِنْد شَرْحه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( مَا كُنَّا نَبْغِ ) ‏ ‏أَيْ : نَطْلُب ; لِأَنَّ فَقْد الْحُوت جُعِلَ آيَة أَيْ : عَلَامَة عَلَى الْمَوْضِع الَّذِي فِيهِ الْخَضِر. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز التَّجَادُل فِي الْعِلْم إِذَا كَانَ بِغَيْرِ تَعَنُّت , وَالرُّجُوع إِلَى أَهْل الْعِلْم عِنْدَ التَّنَازُع , وَالْعَمَل بِخَبَرِ الْوَاحِد الصَّدُوق , وَرُكُوب الْبَحْر فِي طَلَب الْعِلْم بَلْ فِي طَلَب الِاسْتِكْثَار مِنْهُ , وَمَشْرُوعِيَّة حَمْل الزَّاد فِي السَّفَر , وَلُزُوم التَّوَاضُع فِي كُلّ حَال , وَلِهَذَا حَرَصَ مُوسَى عَلَى الِالْتِقَاء بِالْخَضِرِ عَلَيْهِمَا السَّلَام وَطَلَب التَّعَلُّم مِنْهُ تَعْلِيمًا لِقَوْمِهِ أَنْ يَتَأَدَّبُوا بِأَدَبِهِ , وَتَنْبِيهًا لِمَنْ زَكَّى نَفْسه أَنْ يَسْلُك مَسْلَك التَّوَاضُع. ‏"
    },
    {
        "id": "73",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَر ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن أَبِي الْحَجَّاج الْمَعْرُوف بِالْمُقْعَدِ الْبَصْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا خَالِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مِهْرَانَ الْحَذَّاء. ‏ ‏قَوْله : ( ضَمَّنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ الْمُصَنِّف فِي فَضْل اِبْن عَبَّاس عَنْ مُسَدَّد عَنْ عَبْد الْوَارِث \" إِلَى صَدْره \" وَكَانَ اِبْن عَبَّاس إِذْ ذَاكَ غُلَامًا مُمَيِّزًا , فَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز اِحْتِضَان الصَّبِيّ الْقَرِيب عَلَى سَبِيل الشَّفَقَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَلِّمْهُ الْكِتَاب ) ‏ ‏بَيَّنَ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الطَّهَارَة مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد عَنْ اِبْن عَبَّاس سَبَب هَذَا الدُّعَاء وَلَفْظه : \" دَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَلَاء فَوَضَعْت لَهُ وَضُوءًا \" زَادَ مُسْلِم. \" فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ : مَنْ وَضَعَ هَذَا ؟ فَأُخْبِرَ \" وَلِمُسْلِمٍ قَالُوا اِبْن عَبَّاس , وَلِأَحْمَد وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْهُ أَنَّ مَيْمُونَة هِيَ الَّتِي أَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ , وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي بَيْتهَا لَيْلًا , وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي اللَّيْلَة الَّتِي بَاتَ اِبْن عَبَّاس فِيهَا عِنْدهَا لِيَرَى صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن دِينَار عَنْ كُرَيْب عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قِيَامه خَلْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاة اللَّيْل وَفِيهِ : \" فَقَالَ لِي مَا بَالك ؟ أَجْعَلك حِذَائِي فَتَخْلُفنِي. فَقُلْت : أَوَيَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّي حِذَاءَك وَأَنْتَ رَسُول اللَّه ؟ فَدَعَا لِي أَنْ يَزِيدنِي اللَّه فَهْمًا وَعِلْمًا \" وَالْمُرَاد بِالْكِتَابِ الْقُرْآن لِأَنَّ الْعُرْف الشَّرْعِيّ عَلَيْهِ , وَالْمُرَاد بِالتَّعْلِيمِ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ حِفْظه وَالتَّفَهُّم فِيهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسَدَّد \" الْحِكْمَة \" بَدَل الْكِتَاب وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الثَّابِت فِي الطُّرُق كُلّهَا عَنْ خَالِد الْحَذَّاء , كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَر ; لِأَنَّ الْمُصَنِّف أَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيث وُهَيْب عَنْ خَالِد بِلَفْظِ : \" الْكِتَاب \" أَيْضًا , فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْحِكْمَةِ أَيْضًا الْقُرْآن , فَيَكُون بَعْضهمْ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى. وَلِلنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : دَعَا لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أُوتَى الْحِكْمَة مَرَّتَيْنِ , فَيَحْتَمِل تَعَدُّد الْوَاقِعَة , فَيَكُون الْمُرَاد بِالْكِتَابِ الْقُرْآن وَبِالْحِكْمَةِ السُّنَّة. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد الَّتِي قَدَّمْنَاهَا عِنْد الشَّيْخَيْنِ : \" اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّين \" لَكِنْ لَمْ يَقَع عِنْد مُسْلِم \" فِي الدِّين \". وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيّ فِي الْجَمْع أَنَّ أَبَا مَسْعُود ذَكَرَهُ فِي أَطْرَاف الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظِ \" اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّين , وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيل \" قَالَ الْحُمَيْدِيّ : وَهَذِهِ الزِّيَادَة لَيْسَتْ فِي الصَّحِيحَيْنِ. قُلْت : وَهُوَ كَمَا قَالَ. نَعَمْ هِيَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر الَّتِي قَدَّمْنَاهَا عِنْد أَحْمَد وَابْن حِبَّان وَالطَّبَرَانِيِّ وَرَوَاهَا اِبْن سَعْد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عِكْرِمَة مُرْسَلًا , وَأَخْرَجَ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَم الصَّحَابَة مِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ اِبْن عُمَر : كَانَ عُمَر يَدْعُو اِبْن عَبَّاس وَيُقَرِّبهُ وَيَقُول : إِنِّي رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاك يَوْمًا فَمَسَحَ رَأْسك وَقَالَ : \" اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّين , وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيل \". وَوَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ خَالِد الْحَذَّاء فِي حَدِيث الْبَاب بِلَفْظِ : \" اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَة وَتَأْوِيل الْكِتَاب \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة مُسْتَغْرَبَة مِنْ هَذَا الْوَجْه , فَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَهَّاب بِدُونِهَا , وَقَدْ وَجَدْتهَا عِنْد اِبْن سَعْد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : دَعَانِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِي وَقَالَ : \" اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَة وَتَأْوِيل الْكِتَاب \". وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد عَنْ هُشَيْم عَنْ خَالِد فِي حَدِيث الْبَاب بِلَفْظِ : \" مَسَحَ عَلَى رَأْسِي \" وَهَذِهِ الدَّعْوَة مِمَّا تَحَقَّقَ إِجَابَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا , لِمَا عُلِمَ مِنْ حَال اِبْن عَبَّاس فِي مَعْرِفَة التَّفْسِير وَالْفِقْه فِي الدِّين رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. وَاخْتَلَفَ الشُّرَّاح فِي الْمُرَاد بِالْحِكْمَةِ هُنَا فَقِيلَ : الْقُرْآن كَمَا تَقَدَّمَ , وَقِيلَ الْعَمَل بِهِ , وَقِيلَ السُّنَّة , وَقِيلَ الْإِصَابَة فِي الْقَوْل , وَقِيلَ الْخَشْيَة , وَقِيلَ الْفَهْم عَنْ اللَّه , وَقِيلَ الْعَقْل , وَقِيلَ مَا يَشْهَد الْعَقْل بِصِحَّتِهِ , وَقِيلَ نُور يُفَرَّق بِهِ بَيْن الْإِلْهَام وَالْوَسْوَاس , وَقِيلَ سُرْعَة الْجَوَاب مَعَ الْإِصَابَة. وَبَعْض هَذِهِ الْأَقْوَال ذَكَرَهَا بَعْض أَهْل التَّفْسِير فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَان الْحِكْمَة ). وَالْأَقْرَب أَنَّ الْمُرَاد بِهَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْفَهْم فِي الْقُرْآن , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي الْمَنَاقِب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "74",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ ‏ ‏أَتَانٍ ‏ ‏وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ ‏ ‏نَاهَزْتُ ‏ ‏الِاحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ ‏ ‏الْأَتَانَ ‏ ‏تَرْتَعُ فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى حِمَار ) ‏ ‏هُوَ اِسْم جِنْس يَشْمَل الذَّكَر وَالْأُنْثَى كَقَوْلِك بَعِير. وَقَدْ شَذَّ حِمَارَة فِي الْأُنْثَى حَكَاهُ فِي الصِّحَاح. وَأَتَان بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَشَذَّ كَسْرهَا كَمَا حَكَاهُ الصَّغَانِيّ هِيَ الْأُنْثَى مِنْ الْحَمِير , وَرُبَّمَا قَالُوا لِلْأُنْثَى أَتَانَة حَكَاهُ يُونُس وَأَنْكَرَهُ غَيْره , فَجَاءَ فِي الرِّوَايَة عَلَى اللُّغَة الْفُصْحَى. وَحِمَار أَتَان بِالتَّنْوِينِ فِيهِمَا عَلَى النَّعْت أَوْ الْبَدَل , وَرُوِيَ بِالْإِضَافَةِ. وَذَكَر اِبْن الْأَثِير أَنَّ فَائِدَة التَّنْصِيص عَلَى كَوْنهَا أُنْثَى لِلِاسْتِدْلَالِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى عَلَى أَنَّ الْأُنْثَى مِنْ بَنِي آدَم لَا تَقْطَع الصَّلَاة لِأَنَّهُنَّ أَشْرَف , وَهُوَ قِيَاس صَحِيح مِنْ حَيْثُ النَّظَر , إِلَّا أَنَّ الْخَبَر الصَّحِيح لَا يُدْفَع بِمِثْلِهِ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الصَّلَاة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( نَاهَزْت ) ‏ ‏أَيْ قَارَبْت , وَالْمُرَاد بِالِاحْتِلَامِ الْبُلُوغ الشَّرْعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى غَيْر جِدَار ) أَيْ : إِلَى غَيْر سُتْرَة قَالَهُ الشَّافِعِيّ. وَسِيَاق الْكَلَام يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس أَوْرَدَهُ فِي مَعْرِض الِاسْتِدْلَال عَلَى أَنَّ الْمُرُور بَيْن يَدَيْ الْمُصَلِّي لَا يَقْطَع صَلَاته. وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الْبَزَّار بِلَفْظِ : \" وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَة لَيْسَ لِشَيْءٍ يَسْتُرهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( بَيْن يَدَيْ بَعْض الصَّفّ ) ‏ ‏هُوَ مَجَاز عَنْ الْأَمَام بِفَتْحِ الْهَمْزَة ; لِأَنَّ الصَّفّ لَيْسَ لَهُ يَد. وَبَعْض الصَّفّ يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ صَفّ مِنْ الصُّفُوف أَوْ بَعْض مِنْ أَحَد الصُّفُوف قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( تَرْتَع ) ‏ ‏بِمُثَنَّاتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَضَمّ الْعَيْن أَيْ : تَأْكُل مَا تَشَاء , وَقِيلَ تُسْرِع فِي الْمَشْي , وَجَاءَ أَيْضًا بِكَسْرِ الْعَيْن بِوَزْنِ يَفْتَعِل مِنْ الرَّعْي , وَأَصْله تَرْتَعِي لَكِنْ حُذِفَتْ الْيَاء تَخْفِيفًا , وَالْأَوَّل أَصْوَب , وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي الْحَجّ نَزَلْت عَنْهَا فَرَتَعَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَدَخَلْت ) ‏ ‏ولِلْكُشْمِيهَنِيّ : \" فَدَخَلْت \" بِالْفَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يُنْكِر ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَد ) ‏ ‏قِيلَ فِيهِ جَوَاز تَقْدِيم الْمَصْلَحَة الرَّاجِحَة عَلَى الْمَفْسَدَة الْخَفِيفَة ; لِأَنَّ الْمُرُور مَفْسَدَة خَفِيفَة , وَالدُّخُول فِي الصَّلَاة مَصْلَحَة رَاجِحَة , وَاسْتَدَلَّ اِبْن عَبَّاس عَلَى الْجَوَاز بِعَدَمِ الْإِنْكَار لِانْتِفَاءِ الْمَوَانِع إِذْ ذَاكَ , وَلَا يُقَال مَنَعَ مِنْ الْإِنْكَار اِشْتِغَالهمْ بِالصَّلَاةِ لِأَنَّهُ نَفَى الْإِنْكَار مُطْلَقًا فَتَنَاوَلَ مَا بَعْد الصَّلَاة. وَأَيْضًا فَكَانَ الْإِنْكَار يُمْكِن بِالْإِشَارَةِ. وَفِيهِ مَا تُرْجِمَ لَهُ أَنَّ التَّحَمُّل لَا يُشْتَرَط فِيهِ كَمَال الْأَهْلِيَّة وَإِنَّمَا يُشْتَرَط عِنْد الْأَدَاء. وَيُلْحَق بِالصَّبِيِّ فِي ذَلِكَ الْعَبْد وَالْفَاسِق وَالْكَافِر. وَقَامَتْ حِكَايَة اِبْن عَبَّاس لِفِعْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقْرِيره مَقَام حِكَايَة قَوْله , إِذْ لَا فَرْق بَيْن الْأُمُور الثَّلَاثَة فِي شَرَائِط الْأَدَاء. فَإِنْ قِيلَ : التَّقْيِيد بِالصَّبِيِّ وَالصَّغِير فِي التَّرْجَمَة لَا يُطَابِق حَدِيث اِبْن عَبَّاس , أَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالصَّغِيرِ غَيْر الْبَالِغ , وَذِكْر الصَّبِيّ مَعَهُ مِنْ بَاب التَّوْضِيح. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَفْظ الصَّغِير يَتَعَلَّق بِقِصَّةِ مَحْمُود , وَلَفْظ الصَّبِيّ يَتَعَلَّق بِهِمَا مَعًا وَاَللَّه أَعْلَم. وَسَيَأْتِي بَاقِي مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الصَّلَاة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "75",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُسْهِرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَقَلْتُ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَجَّةً ‏ ‏مَجَّهَا ‏ ‏فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الْبِيكَنْدِيّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْره , وَأَمَّا الْفِرْيَابِيّ فَلَيْسَتْ لَهُ رِوَايَة عَنْ أَبِي مُسْهِر , وَكَانَ أَبُو مُسْهِر شَيْخ الشَّامِيِّينَ فِي زَمَانه وَقَدْ لَقِيَهُ الْبُخَارِيّ وَسَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا يَسِيرًا , وَحَدَّثَ عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ , وَذَكَرَ اِبْن الْمُرَابِط فِيمَا نَقَلَهُ اِبْن رَشِيد عَنْهُ أَنَّ أَبَا مُسْهِر تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيث عَنْ مُحَمَّد بْن حَرْب. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ اِبْن الْمُرَابِط فَإِنَّ النَّسَائِيَّ رَوَاهُ فِي السُّنَن الْكُبْرَى عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُصَفَّى عَنْ مُحَمَّد بْن حَرْب. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَل مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَوْصَاء - وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَالصَّاد الْمُهْمَلَة - عَنْ سَلَمَة بْن الْخَلِيل وَأَبِي التَّقِيّ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَكَسْر الْقَاف كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّد بْن حَرْب. فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة غَيْر أَبِي مُسْهِر رَوَوْهُ عَنْ مُحَمَّد بْن حَرْب فَكَأَنَّهُ الْمُتَفَرِّد بِهِ عَنْ الزُّبَيْدِيّ , وَهَذَا الْإِسْنَاد إِلَى الزُّهْرِيّ شَامِيُّونَ. وَقَدْ دَخَلَهَا هُوَ وَشَيْخه مَحْمُود بْن الرَّبِيع بْن سُرَاقَة بْن عَمْرو الْأَنْصَارِيّ الْخَزْرَجِيّ وَحَدِيثه هَذَا طَرَف مِنْ حَدِيثه عَنْ عِتْبَانِ بْن مَالِك الْآتِي فِي الصَّلَاة مِنْ رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ وَغَيْره عَنْ الزُّهْرِيّ. وَفِي الرِّقَاق مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ أَخْبَرَنِي مَحْمُود. ‏ ‏قَوْله : ( عَقَلْت ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف أَيْ : حَفِظْت. ‏ ‏قَوْله : ( مَجَّة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَتَشْدِيد الْجِيم , وَالْمَجّ هُوَ إِرْسَال الْمَاء مِنْ الْفَم , وَقِيلَ لَا يُسَمَّى مَجًّا إِلَّا إِنْ كَانَ عَلَى بُعْد. وَفَعَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مَحْمُود إِمَّا مُدَاعَبَة مِنْهُ , أَوْ لِيُبَارَك عَلَيْهِ بِهَا كَمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنه مَعَ أَوْلَاد الصَّحَابَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا اِبْن خَمْس سِنِينَ ) ‏ ‏لَمْ أَرَ التَّقْيِيد بِالسِّنِّ عِنْد تَحَمُّله فِي شَيْء مِنْ طُرُقه لَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي غَيْرهمَا مِنْ الْجَوَامِع وَالْمَسَانِيد إِلَّا فِي طَرِيق الزُّبَيْدِيّ هَذِهِ , وَالزُّبَيْدِيّ مِنْ كِبَار الْحُفَّاظ الْمُتْقِنِينَ عَنْ الزُّهْرِيّ حَتَّى قَالَ الْوَلِيد بْن مُسْلِم : كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يُفَضِّلهُ عَلَى جَمِيع مَنْ سَمِعَ مِنْ الزُّهْرِيّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَيْسَ فِي حَدِيثه خَطَأ. وَقَدْ تَابَعَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن نَمِر عَنْ الزُّهْرِيّ لَكِنَّ لَفْظه عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَالْخَطِيب فِي الْكِفَايَة مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن نَمِر - وَهُوَ بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْمِيم - عَنْ الزُّهْرِيّ وَغَيْره قَالَ : حَدَّثَنِي مَحْمُود بْن الرَّبِيع , وَتُوُفِّيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ اِبْن خَمْس سِنِينَ , فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ الْوَاقِعَة الَّتِي ضَبَطَهَا كَانَتْ فِي آخِر سَنَة مِنْ حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن حِبَّان وَغَيْره أَنَّهُ مَاتَ سَنَة تِسْع وَتِسْعِينَ وَهُوَ اِبْن أَرْبَع وَتِسْعِينَ سَنَة وَهُوَ مُطَابِق لِهَذِهِ الرِّوَايَة. وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض فِي الْإِلْمَاع وَغَيْره أَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات أَنَّهُ كَانَ اِبْن أَرْبَع , وَلَمْ أَقِف عَلَى هَذَا صَرِيحًا فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات بَعْد التَّتَبُّع التَّامّ , إِلَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِنْ قَوْل صَاحِب الِاسْتِيعَاب إِنَّهُ عَقَلَ الْمَجَّة وَهُوَ اِبْن أَرْبَع سِنِينَ أَوْ خَمْس , وَكَانَ الْحَامِل لَهُ عَلَى هَذَا التَّرَدُّد قَوْل الْوَاقِدِيّ إِنَّهُ كَانَ اِبْن ثَلَاث وَتِسْعِينَ لَمَّا مَاتَ , وَالْأَوَّل أَوْلَى بِالِاعْتِمَادِ لِصِحَّةِ إِسْنَاده , عَلَى أَنَّ قَوْل الْوَاقِدِيّ يُمْكِن حَمْله إِنْ صَحَّ عَلَى أَنَّهُ أَلْغَى الْكَسْر وَجَبَرَهُ غَيْره. وَاَللَّه أَعْلَم. وَإِذَا تَحَرَّرَ هَذَا فَقَدْ اِعْتَرَضَ الْمُهَلَّب عَلَى الْبُخَارِيّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَذْكُر هُنَا حَدِيث اِبْن الزُّبَيْر فِي رُؤْيَته وَالِده يَوْم بَنِي قُرَيْظَة وَمُرَاجَعَته لَهُ فِي ذَلِكَ , فَفِيهِ السَّمَاع مِنْهُ وَكَانَ سِنّه إِذْ ذَاكَ ثَلَاث سِنِينَ أَوْ أَرْبَعًا , فَهُوَ أَصْغَر مِنْ مَحْمُود. وَلَيْسَ فِي قِصَّة مَحْمُود ضَبْطه لِسَمَاعِ شَيْء فَكَانَ ذِكْر حَدِيث اِبْن الزُّبَيْر أَوْلَى لِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ. وَأَجَابَ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّ الْبُخَارِيّ إِنَّمَا أَرَادَ نَقْل السُّنَن النَّبَوِيَّة لَا الْأَحْوَال الْوُجُودِيَّة , وَمَحْمُود نَقَلَ سُنَّة مَقْصُودَة فِي كَوْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجَّ مَجَّة فِي وَجْهه , بَلْ فِي مُجَرَّد رُؤْيَته إِيَّاهُ فَائِدَة شَرْعِيَّة تُثْبِت كَوْنه صَحَابِيًّا. وَأَمَّا قِصَّة اِبْن الزُّبَيْر فَلَيْسَ فِيهَا نَقْل سُنَّة مِنْ السُّنَن النَّبَوِيَّة حَتَّى تَدْخُل فِي هَذَا الْبَاب. ثُمَّ أَنْشَدَ ‏ ‏وَصَاحِب الْبَيْت أَدْرَى بِاَلَّذِي فِيهِ ‏ ‏اِنْتَهَى. وَهُوَ جَوَاب مُسَدَّد. وَتَكْمِلَته مَا قَدَّمْنَاهُ قَبْل أَنَّ الْمَقْصُود بِلَفْظِ السَّمَاع فِي التَّرْجَمَة هُوَ أَوْ مَا يُنَزَّل مَنْزِلَته مِنْ نَقْل الْفِعْل أَوْ التَّقْرِير , وَغَفَلَ الْبَدْر الزَّرْكَشِيّ فَقَالَ : يَحْتَاج الْمُهَلَّب إِلَى ثُبُوت أَنَّ قِصَّة اِبْن الزُّبَيْر صَحِيحَة عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ. اِنْتَهَى. وَالْبُخَارِيّ قَدْ أَخْرَجَ قِصَّة اِبْن الزُّبَيْر الْمَذْكُورَة فِي مَنَاقِب الزُّبَيْر فِي الصَّحِيح , فَالْإِيرَاد مُوَجَّه وَقَدْ حَصَلَ جَوَابه. وَالْعَجَب مِنْ مُتَكَلِّم عَلَى كِتَاب يَغْفُل عَمَّا وَقَعَ فِيهِ فِي الْمَوَاضِع الْوَاضِحَة وَيَعْتَرِضهَا بِمَا يُؤَدِّي إِلَى نَفْي وُرُودهَا فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ دَلْو ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ : \" مُعَلَّق \" وَلِابْنِ حِبَّان \" مُعَلَّقَة \" وَالدَّلْو يُذَكَّر وَيُؤَنَّث. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الرِّقَاق مِنْ رِوَايَة مَعْمَر \" مِنْ دَلْو كَانَتْ فِي دَارِهِمْ \" وَلَهُ فِي الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَغَيْرهمَا : \" مِنْ بِئْر \" بَدَل دَلْو , وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ الْمَاء أُخِذَ بِالدَّلْوِ مِنْ الْبِئْر وَتَنَاوَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الدَّلْو. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ جَوَاز إِحْضَار الصِّبْيَان مَجَالِس الْحَدِيث وَزِيَارَة الْإِمَام أَصْحَابه فِي دُورهمْ وَمُدَاعَبَته صِبْيَانهمْ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى تَسْمِيع مَنْ يَكُون اِبْن خَمْس , وَمَنْ كَانَ دُونهَا يُكْتَب لَهُ حُضُور. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث وَلَا فِي تَبْوِيب الْبُخَارِيّ مَا يَدُلّ عَلَيْهِ بَلْ الَّذِي يَنْبَغِي فِي ذَلِكَ اِعْتِبَار الْفَهْم , فَمَنْ فَهِمَ الْخِطَاب سَمِعَ وَإِنْ كَانَ دُون اِبْن خَمْس وَإِلَّا فَلَا , وَقَالَ اِبْن رَشِيد : الظَّاهِر أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِتَحْدِيدِ الْخَمْس أَنَّهَا مَظِنَّة لِذَلِكَ , لَا أَنَّ بُلُوغهَا شَرْط لَا بُدّ مِنْ تَحَقُّقه , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَرِيب مِنْهُ ضَبْط الْفُقَهَاء سِنّ التَّمْيِيز بِسِتٍّ أَوْ سَبْع , وَالْمُرَجَّح أَنَّهَا مَظِنَّة لَا تَحْدِيد. وَمِنْ أَقْوَى مَا يُتَمَسَّك بِهِ فِي أَنَّ الْمَرَدّ فِي ذَلِكَ إِلَى الْفَهْم فَيَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاص مَا أَوْرَدَهُ الْخَطِيب مِنْ طَرِيق أَبِي عَاصِم قَالَ : ذَهَبْت بِابْنِي - وَهُوَ اِبْن ثَلَاث سِنِينَ - إِلَى اِبْن جُرَيْجٍ فَحَدَّثَهُ , قَالَ أَبُو عَاصِم : وَلَا بَأْس بِتَعْلِيمِ الصَّبِيّ الْحَدِيث وَالْقُرْآن وَهُوَ فِي هَذَا السِّنّ , يَعْنِي إِذَا كَانَ فَهِمًا. وَقِصَّة أَبِي بَكْر بْن الْمُقْرِي الْحَافِظ فِي تَسْمِيعه لِابْنِ أَرْبَع بَعْد أَنْ اِمْتَحَنَهُ بِحِفْظِ سُوَر مِنْ الْقُرْآن مَشْهُورَة. ‏"
    },
    {
        "id": "76",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ ‏ ‏قَاضِي ‏ ‏حِمْصَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ ‏ ‏وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ ‏ ‏فِي صَاحِبِ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَمَرَّ بِهِمَا ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏فَدَعَاهُ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَذْكُرُ شَأْنَهُ فَقَالَ ‏ ‏أُبَيٌّ ‏ ‏نَعَمْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ ‏ ‏بَيْنَمَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فِي مَلَإٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏لَا فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏بَلَى عَبْدُنَا ‏ ‏خَضِرٌ ‏ ‏فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ فَكَانَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ فَتَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏لِمُوسَى ‏ { ‏أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا ‏ ‏أَنْسَانِيهِ ‏ ‏إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏ذَلِكَ مَا كُنَّا ‏ ‏نَبْغِي ‏ ‏فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ‏} ‏فَوَجَدَا ‏ ‏خَضِرًا ‏ ‏فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَالِد بْن خَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكَسْر اللَّام الْخَفِيفَة بَعْدهَا يَاء تَحْتَانِيَّة مُشَدَّدَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَة , وَإِنَّمَا أَعَدْته لِأَنَّهُ وَقَعَ عِنْد الزَّرْكَشِيّ مَضْبُوطًا بِلَامٍ مُشَدَّدَة , وَهُوَ سَبْق قَلَم أَوْ خَطَأ مِنْ النَّاسِخ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرّ ) ‏ ‏سَقَطَتْ \" هُوَ \" مِنْ رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر فَعَطَفَ عَلَى الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل بِغَيْرِ تَأْكِيد وَلَا فَصْل , وَهُوَ جَائِز عِنْد الْبَعْض. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث قَبْل بِبَابَيْنِ , وَلَيْسَ بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ اِخْتِلَاف إِلَّا فِيمَا لَا يُغَيِّر الْمَعْنَى وَهُوَ قَلِيل. وَفِيهِ فَضْل الِازْدِيَاد مِنْ الْعِلْم , وَلَوْ مَعَ الْمَشَقَّة وَالنَّصَب بِالسَّفَرِ , وَخُضُوع الْكَبِير لِمَنْ يَتَعَلَّم مِنْهُ. وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ قَوْله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّه فَبِهُدَاهُمْ اِقْتَدِهِ ) وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْهُمْ , فَتَدْخُل أُمَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْت هَذَا الْأَمْر إِلَّا فِيمَا ثَبَتَ نَسْخه. ‏"
    },
    {
        "id": "77",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ ‏ ‏الْغَيْثِ ‏ ‏الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ ‏ ‏الْكَلَأَ ‏ ‏وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ وَكَانَتْ مِنْهَا ‏ ‏أَجَادِبُ ‏ ‏أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ ‏ ‏قِيعَانٌ ‏ ‏لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ ‏ ‏كَلَأً ‏ ‏فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ ‏ ‏قَيَّلَتْ الْمَاءَ قَاعٌ يَعْلُوهُ الْمَاءُ ‏ ‏وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِي مِنْ الْأَرْضِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَلَاء ) ‏ ‏هُوَ أَبُو كُرَيْب مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اِسْمه , وَكَذَا شَيْخه أَبُو أُسَامَة , وَبُرَيْد بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَأَبُو بُرْدَة جَدّه وَهُوَ اِبْن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. وَقَالَ فِي السِّيَاق عَنْ أَبِي مُوسَى وَلَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ تَفَنُّنًا , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَثَل ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة وَالْمُرَاد بِهِ الصِّفَة الْعَجِيبَة لَا الْقَوْل السَّائِر. ‏ ‏قَوْله : ( الْهُدَى ) ‏ ‏أَيْ : الدَّلَالَة الْمُوَصِّلَة إِلَى الْمَطْلُوب , وَالْعِلْم الْمُرَاد بِهِ مَعْرِفَة الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( نَقِيَّة ) ‏ ‏كَذَا عِنْد الْبُخَارِيّ فِي جَمِيع الرِّوَايَات الَّتِي رَأَيْنَاهَا بِالنُّونِ مِنْ النَّقَاء وَهِيَ صِفَة لِمَحْذُوفٍ , لَكِنْ وَقَعَ عِنْد الْخَطَّابِيّ وَالْحُمَيْدِيّ وَفِي حَاشِيَة أَصْل أَبِي ذَرّ ثَغِبَة بِمُثَلَّثَةِ مَفْتُوحَة وَغَيْن مُعْجَمَة مَكْسُورَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة خَفِيفَة مَفْتُوحَة , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هِيَ مُسْتَنْقَع الْمَاء فِي الْجِبَال وَالصُّخُور. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هَذَا غَلَط فِي الرِّوَايَة , وَإِحَالَة لِلْمَعْنَى ; لِأَنَّ هَذَا وَصْف الطَّائِفَة الْأُولَى الَّتِي تَنْبُت , وَمَا ذَكَرَهُ يَصْلُح وَصْفًا لِلثَّانِيَةِ الَّتِي تُمْسِك الْمَاء. قَالَ : وَمَا ضَبَطْنَاهُ فِي الْبُخَارِيّ مِنْ جَمِيع الطُّرُق إِلَّا \" نَقِيَّة \" بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْقَاف وَتَشْدِيد الْيَاء التَّحْتَانِيَّة , وَهُوَ مِثْل قَوْله فِي مُسْلِم : \" طَائِفَة طَيِّبَة \". قُلْت : وَهُوَ فِي جَمِيع مَا وَقَفَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَسَانِيد وَالْمُسْتَخْرَجَات كَمَا عِنْد مُسْلِم وَفِي كِتَاب الزَّرْكَشِيّ. وَرُوِيَ : \" بُقْعَة \" قُلْت : هُوَ بِمَعْنَى طَائِفَة , لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ رِوَايَات الصَّحِيحَيْنِ. ثُمَّ قَرَأْت فِي شَرْح اِبْن رَجَب أَنَّ فِي رِوَايَة بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَل النُّون قَالَ : وَالْمُرَاد بِهَا الْقِطْعَة الطَّيِّبَة كَمَا يُقَال فُلَان بَقِيَّة النَّاس , وَمِنْهُ : ( فَلَوْلَا كَانَ مِنْ الْقُرُون مِنْ قَبْلكُمْ أُولُو بَقِيَّة ). ‏ ‏قَوْله : ( قَبِلَتْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَكَسْر الْمُوَحَّدَة مِنْ الْقَبُول , كَذَا فِي مُعْظَم الرِّوَايَات. وَوَقَعَ عِنْد الْأَصِيلِيّ : \" قَيَّلَتْ \" بِالتَّحْتَانِيَّةِ الْمُشَدَّدَة , وَهُوَ تَصْحِيف كَمَا سَنَذْكُرُهُ بَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( الْكَلَأ ) ‏ ‏بِالْهَمْزَةِ بِلَا مَدّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْعُشْب ) ‏ ‏هُوَ مِنْ ذِكْر الْخَاصّ بَعْد الْعَامّ ; لِأَنَّ الْكَلَأ يُطْلَق عَلَى النَّبْت الرَّطْب وَالْيَابِس مَعًا , وَالْعُشْب لِلرَّطْبِ فَقَطْ. ‏ ‏قَوْله : ( إِخَاذَات ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَالْخَاء وَالذَّال الْمُعْجَمَتَيْنِ وَآخِره مُثَنَّاة مِنْ فَوْق قَبْلهَا أَلِف جَمْع إِخَاذَة وَهِيَ الْأَرْض الَّتِي تُمْسِك الْمَاء , وَفِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ وَكَذَا فِي مُسْلِم وَغَيْره : \" أَجَادِب \" بِالْجِيمِ وَالدَّال الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة جَمْع جَدَب بِفَتْحِ الدَّال الْمُهْمَلَة عَلَى غَيْر قِيَاس وَهِيَ الْأَرْض الصُّلْبَة الَّتِي لَا يَنْضُب مِنْهَا الْمَاء. وَضَبَطَهُ الْمَازِرِيّ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. وَوَهَّمَهُ الْقَاضِي. وَرَوَاهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي يَعْلَى عَنْ أَبِي كُرَيْب : \" أَحَارِب \" بِحَاءٍ وَرَاء مُهْمَلَتَيْنِ , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَمْ يَضْبِطهُ أَبُو يَعْلَى وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَيْسَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة بِشَيْءٍ. قَالَ : وَقَالَ بَعْضهمْ : \" أَجَارِد \" بِجِيمٍ وَرَاء ثُمَّ دَال مُهْمَلَة جَمْع جَرْدَاء وَهِيَ الْبَارِزَة الَّتِي لَا تُنْبِت , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ صَحِيح الْمَعْنَى إِنْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَة. وَأَغْرَبَ صَاحِب الْمَطَالِع فَجَعَلَ الْجَمِيع رِوَايَات , وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ سِوَى رِوَايَتَيْنِ فَقَطْ , وَكَذَا جَزَمَ الْقَاضِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَفَعَ اللَّه بِهَا ) ‏ ‏أَيْ بِالْإِخَاذَاتِ. وَلِلْأَصِيلِيِّ بِهِ أَيْ بِالْمَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَرَعُوا ) ‏ ‏كَذَا لَهُ بِزِيَادَةِ زَاي مِنْ الزَّرْع , وَوَافَقَهُ أَبُو يَعْلَى وَيَعْقُوب بْن الْأَخْرَم وَغَيْرهمَا عَنْ أَبِي كُرَيْب , وَلِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرهمَا عَنْ أَبِي كُرَيْب : \" وَرَعَوْا \" بِغَيْرِ زَاي مِنْ الرَّعْي , قَالَ النَّوَوِيّ. كِلَاهُمَا صَحِيح. وَرَجَّحَ الْقَاضِي رِوَايَة مُسْلِم بِلَا مُرَجِّح ; لِأَنَّ رِوَايَة زَرَعُوا تَدُلّ عَلَى مُبَاشَرَة الزَّرْع لِتُطَابِق فِي التَّمْثِيل مُبَاشَرَة طَلَب الْعِلْم , وَإِنْ كَانَتْ رِوَايَة رَعَوْا مُطَابِقَة لِقَوْلِهِ أَنْبَتَتْ , لَكِنَّ الْمُرَاد أَنَّهَا قَابِلَة لِلْإِنْبَاتِ. وَقِيلَ إِنَّهُ رُوِيَ \" وَوَعَوْا \" بِوَاوَيْنِ , وَلَا أَصْل لِذَلِكَ. وَقَالَ الْقَاضِي قَوْله : \" وَرَعَوْا \" رَاجِع لِلْأُولَى لِأَنَّ الثَّانِيَة لَمْ يَحْصُل مِنْهَا نَبَات اِنْتَهَى. وَيُمْكِن أَنْ يَرْجِع إِلَى الثَّانِيَة أَيْضًا بِمَعْنَى أَنَّ الْمَاء الَّذِي اِسْتَقَرَّ بِهَا سُقِيَتْ مِنْهُ أَرْض أُخْرَى فَأَنْبَتَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَصَابَ ) أَيْ : الْمَاء. وَلِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَة أَصَابَتْ أَيْ : طَائِفَة أُخْرَى. وَوَقَعَ كَذَلِكَ صَرِيحًا عِنْد النَّسَائِيِّ. وَالْمُرَاد بِالطَّائِفَةِ الْقِطْعَة. ‏ ‏قَوْله : ( قِيعَان ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف جَمْع قَاع وَهُوَ الْأَرْض الْمُسْتَوِيَة الْمَلْسَاء الَّتِي لَا تُنْبِت. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُهَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَاف أَيْ صَارَ فَقِيهًا. وَقَالَ اِبْن التِّين : رُوِّينَاهُ بِكَسْرِهَا وَالضَّمّ أَشْبَه. قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره : ضَرَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ الدِّين مَثَلًا بِالْغَيْثِ الْعَامّ الَّذِي يَأْتِي فِي حَال حَاجَتهمْ إِلَيْهِ , وَكَذَا كَانَ النَّاس قَبْل مَبْعَثه , فَكَمَا أَنَّ الْغَيْث يُحْيِي الْبَلَد الْمَيِّت فَكَذَا عُلُوم الدِّين تُحْيِي الْقَلْب الْمَيِّت. ثُمَّ شَبَّهَ السَّامِعِينَ لَهُ بِالْأَرْضِ الْمُخْتَلِفَة الَّتِي يَنْزِل بِهَا الْغَيْث , فَمِنْهُمْ الْعَالِم الْعَامِل الْمُعَلِّم. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْض الطَّيِّبَة شَرِبَتْ فَانْتَفَعَتْ فِي نَفْسهَا وَأَنْبَتَتْ فَنَفَعَتْ غَيْرهَا. وَمِنْهُمْ الْجَامِع لِلْعِلْمِ الْمُسْتَغْرِق لِزَمَانِهِ فِيهِ غَيْر أَنَّهُ لَمْ يَعْمَل بِنَوَافِلِهِ أَوْ لَمْ يَتَفَقَّه فِيمَا جَمَعَ لَكِنَّهُ أَدَّاهُ لِغَيْرِهِ , فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْض الَّتِي يَسْتَقِرّ فِيهَا الْمَاء فَيَنْتَفِع النَّاس بِهِ , وَهُوَ الْمُشَار إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ : \" نَضَّرَ اللَّه اِمْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا \". وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْمَع الْعِلْم فَلَا يَحْفَظهُ وَلَا يَعْمَل بِهِ وَلَا يَنْقُلهُ لِغَيْرِهِ , فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْض السَّبْخَة أَوْ الْمَلْسَاء الَّتِي لَا تَقْبَل الْمَاء أَوْ تُفْسِدهُ عَلَى غَيْرهَا. وَإِنَّمَا جَمَعَ الْمَثَل بَيْن الطَّائِفَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ الْمَحْمُودَتَيْنِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِانْتِفَاع بِهِمَا , وَأَفْرَدَ الطَّائِفَة الثَّالِثَة الْمَذْمُومَة لِعَدَمِ النَّفْع بِهَا. وَاَللَّه أَعْلَم. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ فِي كُلّ مَثَل طَائِفَتَيْنِ , فَالْأَوَّل قَدْ أَوْضَحْنَاهُ , وَالثَّانِي الْأُولَى مِنْهُ مَنْ دَخَلَ فِي الدِّين وَلَمْ يَسْمَع الْعِلْم أَوْ سَمِعَهُ فَلَمْ يَعْمَل بِهِ وَلَمْ يُعَلِّمهُ , وَمِثَالهَا مِنْ الْأَرْض السِّبَاخ وَأُشِيرَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" مَنْ لَمْ يَرْفَع بِذَلِكَ رَأْسًا \" أَيْ : أَعْرَضَ عَنْهُ فَلَمْ يَنْتَفِع لَهُ وَلَا نَفَعَ. وَالثَّانِيَة مِنْهُ مَنْ لَمْ يَدْخُل فِي الدِّين أَصْلًا , بَلْ بَلَغَهُ فَكَفَرَ بِهِ , وَمِثَالهَا مِنْ الْأَرْض الصَّمَّاء الْمَلْسَاء الْمُسْتَوِيَة الَّتِي يَمُرّ عَلَيْهَا الْمَاء فَلَا يَنْتَفِع بِهِ , وَأُشِير إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" وَلَمْ يَقْبَل هُدَى اللَّه الَّذِي جِئْت بِهِ \". وَقَالَ الطِّيبِيّ : بَقِيَ مِنْ أَقْسَام النَّاس قِسْمَانِ : أَحَدهمَا الَّذِي اِنْتَفَعَ بِالْعِلْمِ فِي نَفْسه وَلَمْ يُعَلِّمهُ غَيْره , وَالثَّانِي مَنْ لَمْ يَنْتَفِع بِهِ فِي نَفْسه وَعَلَّمَهُ غَيْره. قُلْت : وَالْأَوَّل دَاخِل فِي الْأَوَّل لِأَنَّ النَّفْع حَصَلَ فِي الْجُمْلَة وَإِنْ تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبه , وَكَذَلِكَ مَا تُنْبِتهُ الْأَرْض , فَمِنْهُ مَا يَنْتَفِع النَّاس بِهِ وَمِنْهُ مَا يَصِير هَشِيمًا. وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنْ كَانَ عَمِلَ الْفَرَائِض وَأَهْمَلَ النَّوَافِل فَقَدْ دَخَلَ فِي الثَّانِي كَمَا قَرَّرْنَاهُ , وَإِنْ تَرَكَ الْفَرَائِض أَيْضًا فَهُوَ فَاسِق لَا يَجُوز الْأَخْذ عَنْهُ , وَلَعَلَّهُ يَدْخُل فِي عُمُوم : \" مَنْ لَمْ يَرْفَع بِذَلِكَ رَأْسًا \" وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ إِسْحَاق : وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَة قَيَّلَتْ ) ‏ ‏أَيْ : بِتَشْدِيدِ الْيَاء التَّحْتَانِيَّة. أَيْ : إِنَّ إِسْحَاق وَهُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ حَيْثُ رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي أُسَامَة خَالَفَ فِي هَذَا الْحَرْف. قَالَ الْأَصِيلِيّ : هُوَ تَصْحِيف مِنْ إِسْحَاق. وَقَالَ غَيْره : بَلْ هُوَ صَوَاب وَمَعْنَاهُ شَرِبَتْ , وَالْقَيْل شُرْب نِصْف النَّهَار , يُقَال قَيَّلَتْ الْإِبِل أَيْ شَرِبَتْ فِي الْقَائِلَة. وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّ الْمَقْصُود لَا يَخْتَصّ بِشُرْبِ الْقَائِلَة. وَأُجِيبَ بِأَنَّ كَوْن هَذَا أَصْله لَا يَمْنَع اِسْتِعْمَاله عَلَى الْإِطْلَاق تَجَوُّزًا. وَقَالَ اِبْن دُرَيْد : قَيَّلَ الْمَاء فِي الْمَكَان الْمُنْخَفِض إِذَا اِجْتَمَعَ فِيهِ , وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيّ أَيْضًا بِأَنَّهُ يُفْسِد التَّمْثِيل ; لِأَنَّ اِجْتِمَاع الْمَاء إِنَّمَا هُوَ مِثَال الطَّائِفَة الثَّانِيَة , وَالْكَلَام هُنَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْأُولَى الَّتِي شَرِبَتْ وَأَنْبَتَتْ. قَالَ : وَالْأَظْهَر أَنَّهُ تَصْحِيف. ‏ ‏قَوْله : ( قَاع يَعْلُوهُ الْمَاء. وَالصَّفْصَف الْمُسْتَوِي مِنْ الْأَرْض ) ‏ ‏هَذَا ثَابِت عِنْد الْمُسْتَمْلِيّ , وَأَرَادَ بِهِ أَنَّ قِيعَان الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث جَمْع قَاع وَأَنَّهَا الْأَرْض الَّتِي يَعْلُوهَا الْمَاء وَلَا يَسْتَقِرّ فِيهَا , وَإِنَّمَا ذَكَرَ الصَّفْصَف مَعَهُ جَرْيًا عَلَى عَادَته فِي الِاعْتِنَاء بِتَفْسِيرِ مَا يَقَع فِي الْحَدِيث مِنْ الْأَلْفَاظ الْوَاقِعَة فِي الْقُرْآن , وَقَدْ يَسْتَطْرِد. وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ الْمُصْطَفّ بَدَل الصَّفْصَف وَهُوَ تَصْحِيف. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة : وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : وَكَانَ شَيْخنَا الْعِرَاقِيّ يُرَجِّحهَا وَلَمْ أَسْمَع ذَلِكَ مِنْهُ , وَقَدْ وَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ : وَقَالَ إِسْحَاق عَنْ أَبِي أُسَامَة. وَهَذَا يُرَجِّح الْأَوَّل. ‏"
    },
    {
        "id": "78",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ‏ ‏أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ وَيَظْهَرَ الزِّنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عِمْرَان بْن مَيْسَرَة ) ‏ ‏فِي بَعْضهَا عِمْرَان غَيْر مَذْكُور الْأَب , وَقَدْ عُرِفَ مِنْ الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَنَّهُ اِبْن مَيْسَرَة. وَقَدْ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عِمْرَان بْن مُوسَى الْقَزَّاز , وَلَيْسَ هُوَ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْوَارِث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد ( عَنْ أَبِي التَّيَّاح ) بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَة فَوْقَانِيَّة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة وَآخِره حَاء مُهْمَلَة كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏زَادَ الْأَصِيلِيّ وَأَبُو ذَرّ : \" اِبْن مَالِك \" وَلِلنَّسَائِيّ : \" حَدَّثَنَا أَنَس \". وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ , وَكَذَا الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( أَشْرَاط السَّاعَة ) ‏ ‏أَيْ : عَلَامَاتهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَان , وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِنْهَا مَا يَكُون مِنْ قَبِيل الْمُعْتَاد , وَمِنْهَا مَا يَكُون خَارِقًا لِلْعَادَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يُرْفَع الْعِلْم ) ‏ ‏هُوَ فِي مَحَلّ نَصْب لِأَنَّهُ اِسْم إِنَّ , وَسَقَطَتْ \" إِنَّ \" مِنْ رِوَايَة النَّسَائِيِّ حَيْثُ أَخْرَجَهُ عَنْ عِمْرَان شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , فَعَلَى رِوَايَته يَكُون مَرْفُوع الْمَحَلّ. وَالْمُرَاد بِرَفْعِهِ مَوْت حَمَلَته كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَثْبُت ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْمُثَلَّثَة وَضَمّ الْمُوَحَّدَة وَفَتْح الْمُثَنَّاة , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم : \" وَيُبَثّ \" بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُثَلَّثَة أَيْ يَنْتَشِر. وَغَفَلَ الْكَرْمَانِيُّ فَعَزَاهَا لِلْبُخَارِيِّ , وَإِنَّمَا حَكَاهَا النَّوَوِيّ فِي الشَّرْح لِمُسْلِمٍ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَفِي رِوَايَة \" وَيَنْبُت \" بِالنُّونِ بَدَل الْمُثَلَّثَة مِنْ النَّبَات , وَحَكَى اِبْن رَجَب عَنْ بَعْضهمْ : \" وَيَنُثّ \" بِنُونٍ وَمُثَلَّثَة مِنْ النَّثّ وَهُوَ الْإِشَاعَة. قُلْت : وَلَيْسَتْ هَذِهِ فِي شَيْء مِنْ الصَّحِيحَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُشْرَب الْخَمْر ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاة أَوَّله وَفَتْح الْمُوَحَّدَة عَلَى الْعَطْف , وَالْمُرَاد كَثْرَة ذَلِكَ وَاشْتِهَاره. وَعِنْد الْمُصَنِّف فِي النِّكَاح مِنْ طَرِيق هِشَام عَنْ قَتَادَة : \" وَيَكْثُر شُرْب الْخَمْر \" فَالْعَلَامَة مَجْمُوع مَا ذُكِرَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَظْهَر الزِّنَا ) ‏ ‏أَيْ : يَفْشُو كَمَا فِي رِوَايَة مُسْلِم. ‏"
    },
    {
        "id": "79",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ‏ ‏أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً ‏ ‏الْقَيِّمُ ‏ ‏الْوَاحِدُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏زَادَ الْأَصِيلِيّ : \" بْن مَالِك \". ‏ ‏قَوْله : ( لَأُحَدِّثَنَّكُمْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَهُوَ جَوَاب قَسَم مَحْذُوف أَيْ وَاَللَّه لَأُحَدِّثَنَّكُمْ , وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق هِشَام عَنْ قَتَادَة , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة أَلَّا أُحَدِّثكُمْ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَالَ لَهُمْ أَوَّلًا : أَلَا أُحَدِّثكُمْ ؟ فَقَالَ نَعَمْ , فَقَالَ : لَأُحَدِّثَنَّكُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُحَدِّثكُمْ أَحَد بَعْدِي ) ‏ ‏كَذَا لَهُ وَلِمُسْلِمٍ بِحَذْفِ الْمَفْعُول , وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة لَا يُحَدِّثكُمْ بِهِ أَحَد بَعْدِي , وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيق هِشَام لَا يُحَدِّثكُمْ بِهِ غَيْرِي , وَلِأَبِي عَوَانَة مِنْ هَذَا الْوَجْه : \" لَا يُحَدِّثكُمْ أَحَد سَمِعَهُ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدِي \" وَعَرَفَ أَنَس أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَد مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْره ; لِأَنَّهُ كَانَ آخِر مَنْ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ مِنْ الصَّحَابَة , فَلَعَلَّ الْخِطَاب بِذَلِكَ كَانَ لِأَهْلِ الْبَصْرَة , أَوْ كَانَ عَامًّا وَكَانَ تَحْدِيثه بِذَلِكَ فِي آخِر عُمْره ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْده مِنْ الصَّحَابَة مَنْ ثَبَتَ سَمَاعه مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا النَّادِر مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَتْن فِي مَرْوِيّه. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : يَحْتَمِل أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِمَا رَأَى مِنْ التَّغْيِير وَنَقْص الْعِلْم , يَعْنِي فَاقْتَضَى ذَلِكَ عِنْده أَنَّهُ لِفَسَادِ الْحَال لَا يُحَدِّثهُمْ أَحَد بِالْحَقِّ. قُلْت : وَالْأَوَّل أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت ) ‏ ‏هُوَ بَيَان , أَوْ بَدَل لِقَوْلِهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَقِلّ الْعِلْم ) ‏ ‏هُوَ بِكَسْرِ الْقَاف مِنْ الْقِلَّة , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ غُنْدَر وَغَيْره عَنْ شُعْبَة : \" أَنْ يُرْفَع الْعِلْم \" وَكَذَا فِي رِوَايَة سَعِيد عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة وَهَمَّام عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْحُدُود وَهِشَام عِنْده فِي النِّكَاح كُلّهمْ عَنْ قَتَادَة , وَهُوَ مُوَافِق لِرِوَايَةِ أَبِي التَّيَّاح , وَلِلْمُصَنِّفِ أَيْضًا فِي الْأَشْرِبَة مِنْ طَرِيق هِشَام : \" أَنْ يَقِلّ \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقِلَّتِهِ أَوَّل الْعَلَّامَة وَبِرَفْعِهِ آخِرهَا , أَوْ أُطْلِقَتْ الْقِلَّة وَأُرِيد بِهَا الْعَدَم كَمَا يُطْلَق الْعَدَم وَيُرَاد بِهِ الْقِلَّة , وَهَذَا أَلْيَق لِاتِّحَادِ الْمَخْرَج. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَكْثُر النِّسَاء ) ‏ ‏قِيلَ سَبَبه أَنَّ الْفِتَن تَكْثُر فَيَكْثُر الْقَتْل فِي الرِّجَال لِأَنَّهُمْ أَهْل الْحَرْب دُون النِّسَاء. وَقَالَ أَبُو عَبْد الْمَلِك : هُوَ إِشَارَة إِلَى كَثْرَة الْفُتُوح فَتَكْثُر السَّبَايَا فَيَتَّخِذ الرَّجُل الْوَاحِد عِدَّة مَوْطُوآت. قُلْت : وَفِيهِ نَظَر ; لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْقِلَّةِ فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى الْآتِي فِي الزَّكَاة عِنْد الْمُصَنِّف فَقَالَ : \" مِنْ قِلَّة الرِّجَال وَكَثْرَة النِّسَاء \" وَالظَّاهِر أَنَّهَا عَلَامَة مَحْضَة لَا لِسَبَبٍ آخَر , بَلْ يُقَدِّر اللَّه فِي آخِر الزَّمَان أَنْ يَقِلّ مَنْ يُولَد مِنْ الذُّكُور وَيَكْثُر مَنْ يُولَد مِنْ الْإِنَاث , وَكَوْن كَثْرَة النِّسَاء مِنْ الْعَلَامَات مُنَاسِبَة لِظُهُورِ الْجَهْل وَرَفْع الْعِلْم. وَقَوْله : \" لِخَمْسِينَ \" يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ حَقِيقَة هَذَا الْعَدَد , أَوْ يَكُون مَجَازًا عَنْ الْكَثْرَة. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى : \" وَتَرَى الرَّجُل الْوَاحِد يَتْبَعهُ أَرْبَعُونَ اِمْرَأَة \". ‏ ‏قَوْله : ( الْقَيِّم ) ‏ ‏أَيْ : مَنْ يَقُوم بِأَمْرِهِنَّ , وَاللَّام لِلْعَهْدِ إِشْعَارًا بِمَا هُوَ مَعْهُود مِنْ كَوْن الرِّجَال قَوَّامِينَ عَلَى النِّسَاء. وَكَأَنَّ هَذِهِ الْأُمُور الْخَمْسَة خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهَا مُشْعِرَة بِاخْتِلَالِ الْأُمُور الَّتِي يَحْصُل بِحِفْظِهَا صَلَاح الْمَعَاش وَالْمَعَاد , وَهِيَ الدِّين لِأَنَّ رَفْع الْعِلْم يُخِلّ بِهِ , وَالْعَقْل لِأَنَّ شُرْب الْخَمْر يُخِلّ بِهِ , وَالنَّسَب لِأَنَّ الزِّنَا يُخِلّ بِهِ , وَالنَّفْس وَالْمَال لِأَنَّ كَثْرَة الْفِتَن تُخِلّ بِهِمَا. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَإِنَّمَا كَانَ اِخْتِلَال هَذِهِ الْأُمُور مُؤْذِنًا بِخَرَابِ الْعَالَم لِأَنَّ الْخَلْق لَا يُتْرَكُونَ هَمَلًا , وَلَا نَبِيّ بَعْد نَبِيّنَا صَلَوَات اللَّه تَعَالَى وَسَلَامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ , فَيَتَعَيَّن ذَلِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة , إِذْ أَخْبَرَ عَنْ أُمُور سَتَقَعُ فَوَقَعَتْ , خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْأَزْمَان. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي التَّذْكِرَة : يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالْقَيِّمِ مَنْ يَقُوم عَلَيْهِنَّ سَوَاء كُنَّ مَوْطُوآت أَمْ لَا. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ يَقَع فِي الزَّمَان الَّذِي لَا يَبْقَى فِيهِ مَنْ يَقُول اللَّه اللَّه فَيَتَزَوَّج الْوَاحِد بِغَيْرِ عَدَد جَهْلًا بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيّ. قُلْت : وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْ بَعْض أُمَرَاء التُّرْكُمَان وَغَيْرهمْ مِنْ أَهْل هَذَا الزَّمَان مَعَ دَعْوَاهُ الْإِسْلَام. وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. ‏"
    },
    {
        "id": "80",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏قَالُوا فَمَا ‏ ‏أَوَّلْتَهُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْعِلْمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عُفَيْر ) ‏ ‏هُوَ سَعِيد بْن كَثِير بْن عُفَيْر الْمِصْرِيّ , نُسِبَ إِلَى جَدّه كَمَا تَقَدَّمَ. وَعُفَيْر بِضَمِّ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا فَاء كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اللَّيْث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعْد عَنْ عُقَيْل , وَلِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَة : \" حَدَّثَنِي اللَّيْث حَدَّثَنِي عُقَيْل \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حَمْزَة ) ‏ ‏وَلِلْمُصَنِّفِ فِي التَّعْبِير : \" أَخْبَرَنِي حَمْزَة \". ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَا ) ‏ ‏أَصْله بَيْن فَأُشْبِعَتْ الْفَتْحَة. ‏ ‏قَوْله : ( أُتِيت ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَشَرِبْت ) ‏ ‏أَيْ : مِنْ ذَلِكَ اللَّبَن. ‏ ‏قَوْله : ( لَأَرَى ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة مِنْ الرِّوَايَة أَوْ مِنْ الْعِلْم , وَاللَّام لِلتَّأْكِيدِ أَوْ جَوَاب قَسَم مَحْذُوف , وَالرِّيّ بِكَسْرِ الرَّاء فِي الرِّوَايَة وَحَكَى الْجَوْهَرِيّ الْفَتْح , وَقَالَ غَيْره : بِالْكَسْرِ الْفِعْل , وَبِالْفَتْحِ الْمَصْدَر. ‏ ‏قَوْله : ( يَخْرُج ) ‏ ‏أَيْ : الرِّيّ , وَأَطْلَقَ رُؤْيَته إِيَّاهُ عَلَى سَبِيل الِاسْتِعَارَة. ‏ ‏قَوْله : ( فِي أَظْفَارِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر : \" مِنْ أَظْفَارِي \" وَهُوَ أَبْلَغ , وَفِي التَّعْبِير : \" مِنْ أَطْرَافِي \" وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الْعِلْم ) ‏ ‏هُوَ بِالنَّصْبِ وَبِالرَّفْعِ مَعًا فِي الرِّوَايَة , وَتَوْجِيههمَا ظَاهِر. وَتَفْسِير اللَّبَن بِالْعِلْمِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي كَثْرَة النَّفْع بِهِمَا. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي مَنَاقِب عُمَر وَفِي كِتَاب التَّعْبِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ اِبْن الْمُنِير : وَجْه الْفَضِيلَة لِلْعِلْمِ فِي الْحَدِيث مِنْ جِهَة أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ الْعِلْم بِأَنَّهُ فَضْلَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَصِيب مِمَّا آتَاهُ اللَّه , وَنَاهِيك بِذَلِكَ , اِنْتَهَى. وَهَذَا قَالَهُ بِنَاء عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْفَضْلِ الْفَضِيلَة , وَغَفَلَ عَنْ النُّكْتَة الْمُتَقَدِّمَة. ‏"
    },
    {
        "id": "81",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ فَقَالَ ‏ ‏اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ لَمْ ‏ ‏أَشْعُرْ ‏ ‏فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ قَالَ ارْمِ وَلَا حَرَجَ فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس. ‏ ‏قَوْله : ( حَجَّة الْوَدَاع ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْحَاء وَيَجُوز كَسْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ ) ‏ ‏هُوَ إِمَّا حَال مِنْ فَاعِل وَقَفَ أَوْ مِنْ النَّاس , أَوْ اِسْتِئْنَاف بَيَانًا لِسَبَبِ الْوُقُوف. ‏ ‏قَوْله : ‏ ‏( فَجَاءَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِف اِسْم هَذَا السَّائِل وَلَا الَّذِي بَعْده فِي قَوْله : \" فَجَاءَ آخَر \" وَالظَّاهِر أَنَّ الصَّحَابِيّ لَمْ يُسَمِّ أَحَدًا لِكَثْرَةِ مَنْ سَأَلَ إِذْ ذَاكَ , وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا حَرَجَ ) ‏ ‏أَيْ : لَا شَيْء عَلَيْهِ مُطْلَقًا مِنْ الْإِثْم , لَا فِي التَّرْتِيب وَلَا فِي تَرْك الْفِدْيَة. هَذَا ظَاهِره. وَقَالَ بَعْض الْفُقَهَاء : الْمُرَاد نَفْي الْإِثْم فَقَطْ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات الصَّحِيحَة : \" وَلَمْ يَأْمُر بِكَفَّارَةٍ \" وَسَيَأْتِي مَبَاحِث ذَلِكَ فِي كِتَاب الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد كُلّهمْ مَدَنِيُّونَ. ‏"
    },
    {
        "id": "82",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ‏ ‏فَأَوْمَأَ ‏ ‏بِيَدِهِ قَالَ ‏ ‏وَلَا حَرَجَ قَالَ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ‏ ‏فَأَوْمَأَ ‏ ‏بِيَدِهِ وَلَا حَرَجَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وُهَيْب ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ اِبْن خَالِد , مِنْ حُفَّاظ الْبَصْرَة , مَاتَ سَنَة خَمْس وَسِتِّينَ وَقِيلَ تِسْع وَسِتِّينَ , وَأَرَّخَهُ الدِّمْيَاطِيّ فِي حَوَاشِي نُسْخَته سَنَة سِتّ وَخَمْسِينَ وَهُوَ وَهْم. وَأَيُّوب هُوَ السَّخْتِيَانِيّ , وَعِكْرِمَة هُوَ مَوْلَى اِبْن عَبَّاس , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( سُئِلَ ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ أَوَّله ‏ ‏( فَقَالَ ) ‏ ‏أَيْ : السَّائِل : ‏ ‏( ذَبَحْت قَبْل أَنْ أَرْمِي ) ‏ ‏أَيْ فَهَلْ عَلَيَّ شَيْء ؟ ‏ ‏قَوْله : ( فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ فَقَالَ : لَا حَرَج ) ‏ ‏أَيْ : عَلَيْك. وَقَوْله : \" فَقَالَ \" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون بَيَانًا لِقَوْلِهِ أَوْمَأَ وَيَكُون مِنْ إِطْلَاق الْقَوْل عَلَى الْفِعْل كَمَا فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده : \" فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ \" , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون حَالًا وَالتَّقْدِير فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ قَائِلًا لَا حَرَج , فَجَمَعَ بَيْن الْإِشَارَة وَالنُّطْق , وَالْأَوَّل أَلْيَق بِتَرْجَمَةِ الْمُصَنِّف. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ حَلَقْت ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنَّ السَّائِل هُوَ الْأَوَّل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون غَيْره وَيَكُون التَّقْدِير فَقَالَ سَائِل كَذَا , وَقَالَ آخَر كَذَا , وَهُوَ الْأَظْهَر لِيُوَافِق الرِّوَايَة الَّتِي قَبْله حَيْثُ قَالَ : فَجَاءَ آخَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ وَلَا حَرَج ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَتْ الْوَاو فِي قَوْله وَلَا حَرَج , وَلَيْسَتْ عِنْد أَبِي ذَرّ فِي الْجَوَاب الْأَوَّل , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لِأَنَّ الْأَوَّل كَانَ فِي اِبْتِدَاء الْحُكْم وَالثَّانِي عَطْف عَلَى الْمَذْكُور أَوَّلًا اِنْتَهَى. وَقَدْ ثَبَتَتْ الْوَاو فِي الْأَوَّل أَيْضًا فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَغَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "83",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْهَرْجُ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا كَأَنَّه يُرِيدُ الْقَتْلَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْمَكِّيّ ) ‏ ‏هُوَ اِسْم وَلَيْسَ بِنَسَبٍ , وَهُوَ مِنْ كِبَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي بَاب إِثْم مَنْ كَذَبَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا حَنْظَلَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي سُفْيَان بْن عَبْد الرَّحْمَن الْجُمَحِيِّ الْمَدَنِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَالِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن سُلَيْمَان الرَّاوِي عَنْ حَنْظَلَة قَالَ : \" سَمِعْت سَالِمًا \" وَزَادَ فِيهِ : \" لَا أَدْرِي كَمْ رَأَيْت أَبَا هُرَيْرَة قَائِمًا فِي السُّوق يَقُول يُقْبَض الْعِلْم \" فَذَكَرَهُ مَوْقُوفًا , لَكِنْ ظَهَرَ فِي آخِره أَنَّهُ مَرْفُوع. ‏ ‏قَوْله : ( يُقْبَض الْعِلْم ) ‏ ‏يُفَسَّر الْمُرَاد بِقَوْلِهِ قَبْل هَذَا : \" يُرْفَع الْعِلْم \" وَالْقَبْض يُفَسِّرهُ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو الْآتِي بَعْد أَنَّهُ يَقَع بِمَوْتِ الْعُلَمَاء. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَظْهَر الْجَهْل ) ‏ ‏هُوَ مِنْ لَازِم ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْفِتَن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَغَيْره : \" وَتَظْهَر الْفِتَن \". ‏ ‏قَوْله : ( الْهَرْج ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْهَاء وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا جِيم. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ إِطْلَاق الْقَوْل عَلَى الْفِعْل. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَرَّفَهَا ) ‏ ‏الْفَاء فِيهِ تَفْسِيرِيَّة كَأَنَّ الرَّاوِيَ بَيَّنَ أَنَّ الْإِيمَاء كَانَ مُحَرَّفًا. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنَّهُ يُرِيد الْقَتْل ) ‏ ‏كَأَنَّ ذَلِكَ فُهِمَ مِنْ تَحْرِيف الْيَد وَحَرَكَتهَا كَالضَّارِبِ ; لَكِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة لَمْ أَرَهَا فِي مُعْظَم الرِّوَايَات وَكَأَنَّهَا مِنْ تَفْسِير الرَّاوِي عَنْ حَنْظَلَة , فَإِنَّ أَبَا عَوَانَة رَوَاهُ عَنْ عَبَّاس الدُّورِيّ عَنْ أَبِي عَاصِم عَنْ حَنْظَلَة وَقَالَ فِي آخِره : \" وَأَرَانَا أَبُو عَاصِم كَأَنَّهُ يَضْرِب عُنُق الْإِنْسَان \" وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْهَرْج هُوَ الْفِتْنَة , فَإِرَادَة الْقَتْل مِنْ لَفْظه عَلَى طَرِيق التَّجَوُّز إِذْ هُوَ لَازِم مَعْنَى الْهَرْج , قَالَ إِلَّا أَنْ يَثْبُت وُرُود الْهَرْج بِمَعْنَى الْقَتْل لُغَة. قُلْت : وَهِيَ غَفْلَة عَمَّا فِي الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْفِتَن. وَالْهَرْج الْقَتْل بِلِسَانِ الْحَبَشَة. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "84",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَتَيْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ مَا شَأْنُ النَّاسِ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ فَقَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ قُلْتُ آيَةٌ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ نَعَمْ فَقُمْتُ حَتَّى ‏ ‏تَجَلَّانِي ‏ ‏الْغَشْيُ فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ‏ ‏فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ ‏ ‏أَوْ قَرِيبَ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ ‏ ‏مِنْ فِتْنَةِ ‏ ‏الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ‏ ‏يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ ‏ ‏أَوْ الْمُوقِنُ لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ ‏ ‏فَيَقُولُ هُوَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا هُوَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏ثَلَاثًا فَيُقَالُ نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ وَأَمَّا الْمُنَافِقُ ‏ ‏أَوْ الْمُرْتَابُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ ‏ ‏فَيَقُولُ لَا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة بْن الزُّبَيْر. عَنْ ( فَاطِمَة ) هِيَ بِنْت الْمُنْذِر بْن الزُّبَيْر وَهِيَ زَوْجَة هِشَام وَبِنْت عَمّه. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَسْمَاء ) ‏ ‏أَيْ بِنْت أَبِي بَكْر الصِّدِّيق زَوْج الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام وَهِيَ جَدَّة هِشَام وَفَاطِمَة جَمِيعًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت مَا شَأْن النَّاس ) ‏ ‏أَيْ : لِمَا رَأَتْ مِنْ اِضْطِرَابهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَشَارَتْ ) ‏ ‏أَيْ عَائِشَة إِلَى السَّمَاء أَيْ : اِنْكَسَفَتْ الشَّمْس. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا النَّاس قِيَام ) ‏ ‏كَأَنَّهَا اِلْتَفَتَتْ مِنْ حُجْرَة عَائِشَة إِلَى مَنْ فِي الْمَسْجِد فَوَجَدَتْهُمْ قِيَامًا فِي صَلَاة الْكُسُوف , فَفِيهِ إِطْلَاق النَّاس عَلَى الْبَعْض. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَتْ سُبْحَان اللَّه ) ‏ ‏أَيْ : أَشَارَتْ قَائِلَة سُبْحَان اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت آيَة ) ‏ ‏هُوَ بِالرَّفْعِ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف أَيْ : هَذِهِ آيَة أَيْ : عَلَامَة , وَيَجُوز حَذْف هَمْزَة الِاسْتِفْهَام وَإِثْبَاتهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُمْت ) ‏ ‏أَيْ : فِي الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى عَلَانِي ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف اللَّام , وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة تَجَلَّانِي بِمُثَنَّاةٍ وَجِيم وَلَام مُشَدَّدَة , وَجِلَال الشَّيْء مَا غُطِّيَ بِهِ. وَالْغَشْي بِفَتْحِ الْغَيْن وَإِسْكَان الشِّين الْمُعْجَمَتَيْنِ وَتَخْفِيف الْيَاء وَبِكَسْرِ الشِّين وَتَشْدِيد الْيَاء أَيْضًا هُوَ طَرَف مِنْ الْإِغْمَاء , وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا الْحَالَة الْقَرِيبَة مِنْهُ فَأَطْلَقَتْهُ مَجَازًا , وَلِهَذَا قَالَتْ : فَجَعَلْت أَصُبّ عَلَى رَأْسِي الْمَاء أَيْ : فِي تِلْكَ الْحَال لِيَذْهَب. وَوَهَمَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ صَبَّهَا كَانَ بَعْد الْإِفَاقَة , وَسَيَأْتِي تَقْرِير ذَلِكَ فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا فِي صَلَاة الْكُسُوف إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( أُرِيته ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى الْجَنَّة وَالنَّار ) ‏ ‏رُوِّينَاهُ بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاث فِيهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( مِثْل أَوْ قَرِيبًا ) ‏ ‏كَذَا هُوَ بِتَرْكِ التَّنْوِين فِي الْأَوَّل وَإِثْبَاته فِي الثَّانِي , قَالَ اِبْن مَالِك , تَوْجِيهه أَنَّ أَصْله مِثْل فِتْنَة الدَّجَّال أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَة الدَّجَّال , فَحُذِفَ مَا أُضِيفَ إِلَى مِثْل وَتُرِكَ عَلَى هَيْئَته قَبْل الْحَذْف , وَجَازَ الْحَذْف لِدَلَالَةِ مَا بَعْده عَلَيْهِ , وَهَذَا كَقَوْلِ الشَّاعِر : ‏ ‏بَيْن ذِرَاعَيْ وَجَبْهَة الْأَسَد ‏ ‏تَقْدِيره : بَيْن ذِرَاعَيْ الْأَسَد وَجَبْهَة الْأَسَد وَقَالَ الْآخَر : ‏ ‏أَمَام وَخَلْف الْمَرْء مِنْ لُطْف رَبّه ‏ ‏كَوَالِيء تَزْوِي عَنْهُ مَا هُوَ يَحْذَر ‏ ‏وَفِي رِوَايَة بِتَرْكِ التَّنْوِين فِي الثَّانِي أَيْضًا , وَتَوْجِيهه أَنَّهُ مُضَاف إِلَى فِتْنَة أَيْضًا , وَإِظْهَار حَرْف الْجَرّ بَيْن الْمُضَاف وَالْمُضَاف إِلَيْهِ جَائِز عِنْد قَوْم. وَقَوْله : \" لَا أَدْرِي أَيّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاء \" جُمْلَة مُعْتَرِضَة بَيَّنَ بِهَا الرَّاوِي أَنَّ الشَّكّ مِنْهُ هَلْ قَالَتْ لَهُ أَسْمَاء مِثْل أَوْ قَالَتْ قَرِيبًا , وَسَتَأْتِي مَبَاحِث هَذَا الْمَتْن فِي كِتَاب الْجَنَائِز إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ هُنَا : قَالَ اِبْن عَبَّاس مَرْقَدنَا مَخْرَجنَا. وَفِي ثُبُوت ذَلِكَ نَظَر لِأَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي الْحَدِيث لِذَلِكَ ذِكْر وَإِنْ كَانَ قَدْ يَظْهَر لَهُ مُنَاسَبَة. وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعه مِنْ سُورَة يس. ‏"
    },
    {
        "id": "85",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جَمْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَبَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ إِنَّ ‏ ‏وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ ‏ ‏أَتَوْا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ مَنْ الْوَفْدُ ‏ ‏أَوْ مَنْ الْقَوْمُ ‏ ‏قَالُوا ‏ ‏رَبِيعَةُ ‏ ‏فَقَالَ مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ ‏ ‏أَوْ بِالْوَفْدِ ‏ ‏غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى قَالُوا إِنَّا ‏ ‏نَأْتِيكَ مِنْ ‏ ‏شُقَّةٍ ‏ ‏بَعِيدَةٍ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ ‏ ‏فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ قَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَتُعْطُوا الْخُمُسَ مِنْ الْمَغْنَمِ وَنَهَاهُمْ عَنْ ‏ ‏الدُّبَّاءِ ‏ ‏وَالْحَنْتَمِ ‏ ‏وَالْمُزَفَّتِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏رُبَّمَا قَالَ ‏ ‏النَّقِيرِ ‏ ‏وَرُبَّمَا قَالَ ‏ ‏الْمُقَيَّرِ ‏ ‏قَالَ احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَبِي جَمْرَة ) ‏ ‏هُوَ بِالْجِيمِ وَالرَّاء كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ شُقَّة ) ‏ ‏بِضَمِّ الشِّين الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْقَاف. ‏ ‏قَوْله : ( وَتُعْطُوا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ , وَهُوَ مَنْصُوب بِتَقْدِيرِ أَنْ , وَسَاغَ التَّقْدِير لِأَنَّ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ اِسْم قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ. قُلْت : قَدْ رَوَاهُ أَحْمَد عَنْ غُنْدَر فَقَالَ : \" وَأَنْ تُعْطُوا \" فَكَأَنَّ حَذْفهَا مِنْ شَيْخ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ شُعْبَة : وَرُبَّمَا قَالَ النَّقِير ) ‏ ‏أَيْ : بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَة وَتَخْفِيف الْقَاف الْمَكْسُورَة ( وَرُبَّمَا قَالَ الْمُقَيَّر ) أَيْ : بِالْمِيمِ الْمَضْمُومَة وَفَتْح الْقَاف وَتَشْدِيد الْيَاء الْمَفْتُوحَة , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّد فِي هَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ لِيُثْبِت إِحْدَاهُمَا دُون الْأُخْرَى لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْ ذِكْر الْمُقَيَّر التَّكْرَار لِسَبْقِ ذِكْر الْمُزَفَّت لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ , بَلْ الْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ جَازِمًا بِذِكْرِ الثَّلَاثَة الْأُوَل شَاكًّا فِي الرَّابِع وَهُوَ النَّقِير , فَكَانَ تَارَة يَذْكُرهُ وَتَارَة لَا يَذْكُرهُ. وَكَانَ أَيْضًا شَاكًّا فِي التَّلَفُّظ بِالثَّالِثِ فَكَانَ تَارَة يَقُول الْمُزَفَّت وَتَارَة يَقُول الْمُقَيَّر. هَذَا تَوْجِيهه فَلَا يُلْتَفَت إِلَى مَا عَدَاهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي أَوَاخِر كِتَاب الْإِيمَان. وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف هُنَاكَ عَالِيًا عَنْ عَلِيّ بْن الْجَعْد عَنْ شُعْبَة , وَلَمْ يَتَرَدَّد إِلَّا فِي الْمُزَفَّت وَالْمُقَيَّر فَقَطْ , وَجَزَمَ بِالنَّقِيرِ , وَهُوَ يُؤَيِّد مَا قُلْته. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَخْبِرُوهُ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْبَاء. وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : \" وَأَخْبِرُوا \" بِحَذْفِ الضَّمِير. ‏"
    },
    {
        "id": "86",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏أَنَّهُ تَزَوَّجَ ‏ ‏ابْنَةً ‏ ‏لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ ‏ ‏فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ ‏ ‏عُقْبَةَ ‏ ‏وَالَّتِي تَزَوَّجَ فَقَالَ لَهَا ‏ ‏عُقْبَةُ ‏ ‏مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَسَأَلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ فَفَارَقَهَا ‏ ‏عُقْبَةُ ‏ ‏وَنَكَحَتْ ‏ ‏زَوْجًا ‏ ‏غَيْرَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة نُسِبَ إِلَى جَدّه. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُقْبَة بْن الْحَارِث ) ‏ ‏سَيَأْتِي تَصْرِيحه بِالسَّمَاعِ مِنْ عُقْبَة فِي كِتَاب النِّكَاح خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَهُ , وَسَيَأْتِي الْخِلَاف فِي كُنْيَة عُقْبَة فِي قِصَّة خُبَيْب بْن عَدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ تَزَوَّجَ اِبْنَة ) ‏ ‏اِسْمهَا غَنِيَّة بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَكَسْر النُّون بَعْدهَا يَاء تَحْتَانِيَّة مُشَدَّدَة , وَكُنْيَتهَا أُمّ يَحْيَى كَمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَات. وَهَجَمَ الْكَرْمَانِيّ فَقَالَ : لَا يُعْرَف اِسْمهَا , وَأَبُو إِهَاب بِكَسْرِ الْهَمْزَة لَا أَعْرِف اِسْمه , وَهُوَ مَذْكُور فِي الصَّحَابَة , وَعَزِيز بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَكَسْر الزَّاي وَآخِره زَاي أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَة , وَمَنْ قَالَهُ بِضَمِّ أَوَّله فَقَدْ حَرَّفَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَتْهُ اِمْرَأَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا أَخْبَرْتنِي ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُثَنَّاة أَيْ قَبْل ذَلِكَ كَأَنَّهُ اِتَّهَمَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَكِبَ ) ‏ ‏أَيْ : مِنْ مَكَّة لِأَنَّهَا كَانَتْ دَار إِقَامَته. وَالْفَرْق بَيْن هَذِهِ التَّرْجَمَة وَتَرْجَمَة : \" بَاب الْخُرُوج فِي طَلَب الْعِلْم \" أَنَّ هَذَا أَخَصّ وَذَاكَ أَعَمّ , وَسَتَأْتِي مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الشَّهَادَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْره ) ‏ ‏اِسْم هَذَا الزَّوْج ظُرَيْب بِضَمِّ الْمُعْجَمَة الْمُشَالَة وَفَتْح الرَّاء وَآخِره مُوَحَّدَة مُصَغَّرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "87",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أَنَا ‏ ‏وَجَارٌ لِي ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فِي ‏ ‏بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏وَهِيَ مِنْ ‏ ‏عَوَالِي الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فَنَزَلَ صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا فَقَالَ أَثَمَّ هُوَ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَإِذَا هِيَ تَبْكِي فَقُلْتُ طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ لَا أَدْرِي ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ قَالَ ‏ ‏لَا فَقُلْتُ اللَّهُ أَكْبَرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي ثَوْر ) ‏ ‏هُوَ مَكِّيّ نَوْفَلِيٌّ , وَقَدْ اِشْتَرَكَ مَعَهُ فِي اِسْمه وَاسْم أَبِيهِ , وَفِي الرِّوَايَة عَنْ اِبْن عَبَّاس وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْهُمَا عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة بْن مَسْعُود الْمَدَنِيّ الْهُذَلِيّ ; لَكِنَّ رِوَايَته عَنْ اِبْن عَبَّاس كَثِيرَة فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَلَيْسَ لِابْنِ أَبِي ثَوْر عَنْ اِبْن عَبَّاس غَيْر هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَارٍ لِي ) ‏ ‏هَذَا الْجَار هُوَ عِتْبَان بْن مَالِك أَفَادَهُ اِبْن الْقَسْطَلَّانِيّ , لَكِنْ لَمْ يَذْكُر دَلِيله. ‏ ‏قَوْله : ( فِي بَنِي أُمَيَّة ) ‏ ‏أَيْ : نَاحِيَة بَنِي أُمَيَّة , سُمِّيَتْ الْبُقْعَة بِاسْمِ مَنْ نَزَلَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَثَمَّ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة. ‏ ‏قَوْله : ( دَخَلْت عَلَى حَفْصَة ) ‏ ‏ظَاهِر سِيَاقه يُوهِم أَنَّهُ مِنْ كَلَام الْأَنْصَارِيّ , وَإِنَّمَا الدَّاخِل عَلَى حَفْصَة عُمَر , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ : \" فَدَخَلْت عَلَى حَفْصَة \" أَيْ : قَالَ عُمَر : فَدَخَلْت عَلَى حَفْصَة , وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا مِنْ الِاخْتِصَار , وَإِلَّا فَفِي أَصْل الْحَدِيث بَعْد قَوْله أَمْر عَظِيم : \" طَلَّقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ. قُلْت : قَدْ كُنْت أَظُنّ أَنَّ هَذَا كَائِن , حَتَّى إِذَا صَلَّيْت الصُّبْح شَدَدْت عَلَيَّ ثِيَابِي ثُمَّ نَزَلْت , فَدَخَلْت عَلَى حَفْصَة \" يَعْنِي أُمّ الْمُؤْمِنِينَ بِنْته. وَفِي هَذَا الْحَدِيث الِاعْتِمَاد عَلَى خَبَر الْوَاحِد , وَالْعَمَل بِمَرَاسِيل الصَّحَابَة. وَفِي أَنَّ الطَّالِب لَا يَغْفُل عَنْ النَّظَر فِي أَمْر مَعَاشه لِيَسْتَعِينَ عَلَى طَلَب الْعِلْم وَغَيْره , مَعَ أَخْذه بِالْحَزْمِ فِي السُّؤَال عَمَّا يَفُوتهُ يَوْم غَيْبَته , لِمَا عُلِمَ مِنْ حَال عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَتَعَانَى التِّجَارَة إِذْ ذَاكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبُيُوع. وَفِيهِ أَنَّ شَرْط التَّوَاتُر أَنْ يَكُون مُسْتَنَد نَقَلَته الْأَمْر الْمَحْسُوس , لَا الْإِشَاعَة الَّتِي لَا يُدْرَى مَنْ بَدَأَ بِهَا. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "88",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ فَقَالَ ‏ ‏أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كَثِير ) ‏ ‏هُوَ الْعَبْدِيّ وَلَمْ يُخَرِّج لِلصَّنْعَانِيِّ شَيْئًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ ‏ ‏( عَنْ اِبْن أَبِي خَالِد ) ‏ ‏هُوَ إِسْمَاعِيل. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ رَجُل ) ‏ ‏قِيلَ هُوَ حَزْم بْن أَبِي كَعْب. ‏ ‏قَوْله : ( لَا أَكَاد أُدْرِك الصَّلَاة مِمَّا يُطِيل ) ‏ ‏قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : ظَاهِره مُشْكِل ; لِأَنَّ التَّطْوِيل يَقْتَضِي الْإِدْرَاك لَا عَدَمه , قَالَ فَكَأَنَّ الْأَلِف زِيدَتْ بَعْد لَا وَكَأَنَّ أَدْرَكَ كَانَتْ أَتْرُك. قُلْت : هُوَ تَوْجِيه حَسَن لَوْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَة. وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد بْن سِرَاج : مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ بِهِ ضَعْف , فَكَانَ إِذَا طَوَّلَ بِهِ الْإِمَام فِي الْقِيَام لَا يَبْلُغ الرُّكُوع إِلَّا وَقَدْ اِزْدَادَ ضَعْفه فَلَا يَكَاد يُتِمّ مَعَهُ الصَّلَاة. قُلْت : وَهُوَ مَعْنًى حَسَن , لَكِنْ رَوَاهُ الْمُصَنِّف عَنْ الْفِرْيَابِيّ عَنْ سُفْيَان بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظِ : \" إِنِّي لَأَتَأَخَّر عَنْ الصَّلَاة \" فَعَلَى هَذَا فَمُرَاده بِقَوْلِهِ : \" إِنِّي لَا أَكَاد أُدْرِك الصَّلَاة \" أَيْ : لَا أَقْرُب مِنْ الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة بَلْ أَتَأَخَّر عَنْهَا أَحْيَانًا مِنْ أَجْل التَّطْوِيل , وَسَيَأْتِي تَحْرِير هَذَا فِي مَوْضِعه فِي الصَّلَاة , وَيَأْتِي الْخِلَاف فِي اِسْم الشَّاكِي وَالْمَشْكُوّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَشَدّ غَضَبًا ) ‏ ‏قِيلَ إِنَّمَا غَضِبَ لِتَقَدُّمِ نَهْيه عَنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَذَا الْحَاجَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ : \" وَذُو الْحَاجَة \" وَتَوْجِيهه أَنَّهُ عُطِفَ عَلَى مَوْضِع اِسْم إِنَّ قَبْل دُخُولهَا , أَوْ هُوَ اِسْتِئْنَاف. ‏"
    },
    {
        "id": "89",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو الْعَقَدِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ الْمَدِينِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُنْبَعِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَأَلَهُ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اللُّقَطَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اعْرِفْ ‏ ‏وِكَاءَهَا ‏ ‏أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا ‏ ‏وَعِفَاصَهَا ‏ ‏ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ قَالَ ‏ ‏فَضَالَّةُ ‏ ‏الْإِبِلِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ ‏ ‏أَوْ قَالَ احْمَرَّ وَجْهُهُ ‏ ‏فَقَالَ وَمَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا قَالَ ‏ ‏فَضَالَّةُ ‏ ‏الْغَنَمِ قَالَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَأَلَهُ رَجُل ) ‏ ‏هُوَ عُمَيْر وَالِد مَالِك , وَقِيلَ غَيْره كَمَا سَيَأْتِي فِي اللُّقَطَة. ‏ ‏قَوْله : ( وِكَاءَهَا ) ‏ ‏هُوَ بِكَسْرِ الْوَاو مَا يُرْبَط بِهِ , وَالْعِفَاص بِكَسْرِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة هُوَ الْوِعَاء بِكَسْرِ الْوَاو. ‏ ‏قَوْله : ( فَغَضِبَ ) ‏ ‏إِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ نَهَى قَبْل ذَلِكَ عَنْ اِلْتِقَاطهَا , وَإِمَّا لِأَنَّ السَّائِل قَصَّرَ فِي فَهْمه فَقَاسَ مَا يَتَعَيَّن اِلْتِقَاطه عَلَى مَا لَا يَتَعَيَّن. ‏ ‏قَوْله : ( سِقَاؤُهَا ) ‏ ‏هُوَ بِكَسْرِ أَوَّله وَالْمُرَاد بِذَلِكَ أَجْوَافهَا لِأَنَّهَا تَشْرَب فَتَكْتَفِي بِهِ أَيَّامًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَحِذَاؤُهَا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة ثُمَّ ذَال مُعْجَمَة وَالْمُرَاد هُنَا خُفّهَا. وَسَتَأْتِي مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْبُيُوع إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "90",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ ‏ ‏سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ قَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مَنْ أَبِي قَالَ أَبُوكَ ‏ ‏حُذَافَةُ ‏ ‏فَقَامَ ‏ ‏آخَرُ ‏ ‏فَقَالَ مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُوكَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏شَيْبَةَ ‏ ‏فَلَمَّا رَأَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَلَاء ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هَذَا الْإِسْنَاد فِي : \" بَاب فَضْل مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشْيَاء ) ‏ ‏كَانَ مِنْهَا السُّؤَال عَنْ السَّاعَة وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِل كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِير الْمَائِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ رَجُل ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة بِضَمِّ أَوَّله وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء الْقُرَشِيّ السَّهْمِيّ كَمَا سَمَّاهُ فِي حَدِيث أَنَس الْآتِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ آخَر ) ‏ ‏هُوَ سَعْد بْن سَالِم مَوْلَى شَيْبَة بْن رَبِيعَة , سَمَّاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي التَّمْهِيد فِي تَرْجَمَة سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح مِنْهُ , وَأَغْفَلَهُ فِي الِاسْتِيعَاب , وَلَمْ يَظْفَر بِهِ أَحَد مِنْ الشَّارِحِينَ وَلَا مَنْ صَنَّفَ فِي الْمُبْهَمَات وَلَا فِي أَسْمَاء الصَّحَابَة , وَهُوَ صَحَابِيّ بِلَا مِرْيَة لِقَوْلِهِ : \" فَقَالَ مَنْ أَبِي يَا رَسُول اللَّه \" وَوَقَعَ فِي تَفْسِير مُقَاتِل فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْد الدَّار قَالَ : مَنْ أَبِي ؟ قَالَ : سَعْد , نَسَبَهُ إِلَى غَيْر أَبِيهِ بِخِلَافِ اِبْن حُذَافَة , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا رَأَى عُمَر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْخَطَّاب ‏ ‏( مَا فِي وَجْهه ) ‏ ‏أَيْ : مِنْ الْغَضَب ( قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّا نَتُوب إِلَى اللَّه ) أَيْ : مِمَّا يُوجِب غَضَبك. وَفِي حَدِيث أَنَس الْآتِي بَعْد أَنَّ عُمَر بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ : رَضِينَا بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. وَالْجَمْع بَيْنهمَا ظَاهِر بِأَنَّهُ قَالَ جَمِيع ذَلِكَ , فَنَقَلَ كُلّ مِنْ الصَّحَابِيَّيْنِ مَا حَفِظَ , وَدَلَّ عَلَى اِتِّحَاد الْمَجْلِس اِشْتِرَاكهمَا فِي نَقْل قِصَّة عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَصَرَ الْمُصَنِّف الْغَضَب عَلَى الْمَوْعِظَة وَالتَّعْلِيم دُون الْحُكْم لِأَنَّ الْحَاكِم مَأْمُور أَنْ لَا يَقْضِي وَهُوَ غَضْبَان , وَالْفَرْق أَنَّ الْوَاعِظ مِنْ شَأْنه أَنْ يَكُون فِي صُورَة الْغَضْبَان لِأَنَّ مَقَامه يَقْتَضِي تَكَلُّف الِانْزِعَاج لِأَنَّهُ فِي صُورَة الْمُنْذِر , وَكَذَا الْمُعَلِّم إِذَا أَنْكَرَ عَلَى مَنْ يَتَعَلَّم مِنْهُ سُوء فَهْم وَنَحْوه لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون أَدْعَى لِلْقَبُولِ مِنْهُ , وَلَيْسَ ذَلِكَ لَازِمًا فِي حَقّ كُلّ أَحَد بَلْ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ أَحْوَال الْمُتَعَلِّمِينَ , وَأَمَّا الْحَاكِم فَهُوَ بِخِلَافِ ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي فِي بَابه. فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَضَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي حَال غَضَبه حَيْثُ قَالَ : أَبُوك فُلَان. فَالْجَوَاب أَنْ يُقَال : أَوَّلًا لَيْسَ هَذَا مِنْ بَاب الْحُكْم , وَعَلَى تَقْدِيره فَيُقَال : هَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاته لِمَحَلِّ الْعِصْمَة , فَاسْتَوَى غَضَبه وَرِضَاهُ. وَمُجَرَّد غَضَبه مِنْ الشَّيْء دَالّ عَلَى تَحْرِيمه أَوْ كَرَاهَته , بِخِلَافِ غَيْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "91",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ فَقَامَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ ‏ ‏فَقَالَ مَنْ أَبِي فَقَالَ ‏ ‏أَبُوكَ ‏ ‏حُذَافَةُ ‏ ‏ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ سَلُونِي فَبَرَكَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ‏ ‏وَبِمُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَبِيًّا فَسَكَتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَرَجَ فَقَامَ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة ) ‏ ‏فِيهِ حَذْف يَظْهَر مِنْ الرِّوَايَة الْأُخْرَى , وَالتَّقْدِير خَرَجَ فَسُئِلَ فَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ فَغَضِبَ فَقَالَ : سَلُونِي , فَقَامَ عَبْد اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَضِينَا بِاَللَّهِ رَبًّا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : فَهِمَ عُمَر مِنْهُ أَنَّ تِلْكَ الْأَسْئِلَة قَدْ تَكُون عَلَى سَبِيل التَّعَنُّت أَوْ الشَّكّ , فَخَشِيَ أَنْ تَنْزِل الْعُقُوبَة بِسَبَبِ ذَلِكَ فَقَالَ : رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا إِلَخْ , فَرَضِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَسَكَتَ. ‏"
    },
    {
        "id": "92",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ ‏ ‏إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الصَّفَّار , وَلَمْ يُخَرِّج الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْدَة بْن عَبْد الرَّحِيم الْمَرْوَزِيِّ وَهُوَ مِنْ طَبَقَة عَبْدَة الصَّفَّار , وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ حَدَّثَنَا عَبْدَة الصَّفَّار. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد , يُكَنَّى أَبَا سَهْل , وَالْمُثَنَّى وَالِد عَبْد اللَّه هُوَ بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْمُثَلَّثَة وَتَشْدِيد النُّون الْمَفْتُوحَة وَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَنَس بْن مَالِك , وَثُمَامَة عَمّه. وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ ) ‏ ‏أَيْ : مِنْ عَادَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمُرَاد أَنَّ أَنَسًا مُخْبِر عَمَّا عَرَفَهُ مِنْ شَأْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَاهَدَهُ , لَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ. وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ الْمُصَنِّف أَخْرَجَهُ فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان عَنْ إِسْحَاق - وَهُوَ اِبْن مَنْصُور - عَنْ عَبْد الصَّمَد بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَى أَنَس فَقَالَ \" إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "93",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَارُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ ‏ ‏إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِذَا تَكَلَّمَ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيّ : مِثْل هَذَا التَّرْكِيب يُشْعِر بِالِاسْتِمْرَارِ عِنْد الْأُصُولِيِّينَ. ‏ ‏قَوْله : ( بِكَلِمَةٍ ) ‏ ‏أَيْ : بِجُمْلَةٍ مُفِيدَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَعَادَهَا ثَلَاثًا ) ‏ ‏قَدْ بَيَّنَ الْمُرَاد بِذَلِكَ فِي نَفْس الْحَدِيث بِقَوْلِهِ : \" حَتَّى تُفْهَم عَنْهُ \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك \" حَتَّى تُعْقَل عَنْهُ \". وَوَهَمَ الْحَاكِم فِي اِسْتِدْرَاكه وَفِي دَعْوَاهُ أَنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يُخَرِّجهُ , وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : حَسَن صَحِيح غَرِيب , إِنَّمَا نَعْرِفهُ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى. اِنْتَهَى. وَعَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى مِمَّنْ تَفَرَّدَ الْبُخَارِيّ بِإِخْرَاجِ حَدِيثه دُون مُسْلِم وَقَدْ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ وَالتِّرْمِذِيّ , وَقَالَ أَبُو زُرْعَة وَأَبُو حَاتِم : صَالِح , وَقَالَ اِبْن أَبِي خَيْثَمَة عَنْ اِبْن مَعِين : لَيْسَ بِشَيْءٍ , وَقَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. قُلْت : لَعَلَّهُ أَرَادَ فِي بَعْض حَدِيثه , وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْبُخَارِيّ حَيْثُ يُخَرِّج لِبَعْضِ مَنْ فِيهِ مَقَال لَا يُخَرِّج شَيْئًا مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ. وَقَوْل اِبْن مَعِين لَيْسَ بِشَيْءٍ أَرَادَ بِهِ فِي حَدِيث بِعَيْنِهِ سُئِلَ عَنْهُ , وَقَدْ قَوَّاهُ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن مَنْصُور عَنْهُ. وَفِي الْجُمْلَة فَالرَّجُل إِذَا ثَبَتَتْ عَدَالَته لَمْ يُقْبَل فِيهِ الْجَرْح إِلَّا إِذَا كَانَ مُفَسَّرًا بِأَمْرٍ قَادِح , وَذَلِكَ غَيْر مَوْجُود فِي عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى هَذَا. وَقَدْ قَالَ اِبْن حِبَّان لَمَّا ذَكَرَهُ فِي الثِّقَات : رُبَّمَا أَخْطَأَ. وَاَلَّذِي أُنْكِرَ عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ رِوَايَته عَنْ غَيْر عَمّه ثُمَامَة , وَالْبُخَارِيّ إِنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ عَنْ عَمّه هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره , وَلَا شَكَّ أَنَّ الرَّجُل أَضْبَط لِحَدِيثِ آل بَيْته مِنْ غَيْره , وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : نَبَّهَ الْبُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة عَلَى الرَّدّ عَلَى مَنْ كَرِهَ إِعَادَة الْحَدِيث , وَأَنْكَرَ عَلَى الطَّالِب الِاسْتِعَادَة وَعَدَّهُ مِنْ الْبَلَادَة , قَالَ : وَالْحَقّ أَنَّ هَذَا يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِح , فَلَا عَيْب عَلَى الْمُسْتَفِيد الَّذِي لَا يَحْفَظ مِنْ مَرَّة إِذَا اِسْتَعَادَ , وَلَا عُذْر لِلْمُفِيدِ إِذَا لَمْ يُعِدْ بَلْ الْإِعَادَة عَلَيْهِ آكَد مِنْ الِابْتِدَاء ; لِأَنَّ الشُّرُوع مُلْزِم. وَقَالَ اِبْن التِّين : فِيهِ أَنَّ الثَّلَاث غَايَة مَا يَقَع بِهِ الِاعْتِذَار وَالْبَيَان ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْم ) ‏ ‏أَيْ : وَكَانَ إِذَا أَتَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ تَتِمَّة الشَّرْط , وَقَوْله سَلَّمَ عَلَيْهِمْ هُوَ الْجَوَاب , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : يُشْبِه أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَام الِاسْتِئْذَان عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو مُوسَى وَغَيْره , وَأَمَّا أَنْ يَمُرّ الْمَارّ مُسَلِّمًا فَالْمَعْرُوف عَدَم التَّكْرَار. قُلْت : وَقَدْ فَهِمَ الْمُصَنِّف هَذَا بِعَيْنِهِ فَأَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيث مَقْرُونًا بِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى فِي قِصَّته مَعَ عُمَر كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاسْتِئْذَان , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَانَ يَقَع أَيْضًا مِنْهُ إِذَا خَشِيَ أَنَّهُ لَا يُسْمَع سَلَامه. وَمَا اِدَّعَاهُ الْكَرْمَانِيُّ مِنْ أَنَّ الصِّيغَة الْمَذْكُورَة تُفِيد الِاسْتِمْرَار مِمَّا يُنَازَع فِيهِ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "94",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ ‏ ‏وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ مَرَّتَيْنِ ‏ ‏أَوْ ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو ‏ ‏( فَأَدْرَكَنَا ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْكَاف. ‏ ‏وَقَوْله : \" أَرْهَقْنَا \" ‏ ‏بِسُكُونِ الْقَاف , وَلِلْأَصِيلِيِّ \" أَرْهَقَتْنَا \" ‏ ‏وَقَوْله : \" صَلَاة الْعَصْر \" ‏ ‏هُوَ بَدَل مِنْ الصَّلَاة إِنْ رَفْعًا فَرَفْع وَإِنْ نَصْبًا فَنَصْب. ‏ ‏قَوْله : ( مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَهُوَ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الثَّلَاث لَيْسَتْ شَرْطًا , بَلْ الْمُرَاد التَّفْهِيم , فَإِذَا حَصَلَ بِدُونِهَا أَجَزَأَ. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْمَتْن فِي الطَّهَارَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "95",
        "content": "‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُحَارِبِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ ‏ ‏بِمُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَامِرٌ ‏ ‏أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَلَّام ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَتنَا مِنْ طَرِيق أَبِي ذَرّ , وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة حَدَّثَنَا مُحَمَّد هُوَ اِبْن سَلَّام , وَلِلْأَصِيلِيِّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد حَسْب , وَاعْتَمَدَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَاف فَقَالَ : رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ مُحَمَّد قِيلَ هُوَ اِبْن سَلَّام. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيّ وَهُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن زِيَاد , وَلَيْسَ لَهُ عِنْد الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيث آخَر فِي الْعِيدَيْنِ , وَذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّ بَعْض أَهْل بَلَدهمْ صَحَّفَ \" الْمُحَارِبِيّ \" فَقَالَ الْبُخَارِيّ , فَأَخْطَأَ خَطَأ فَاحِشًا. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا صَالِح بْن حَيَّان ) ‏ ‏هُوَ صَالِح بْن صَالِح بْن مُسْلِم بْن حَيَّان نُسِبَ إِلَى جَدّ أَبِيهِ , وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْيَاء التَّحْتَانِيَّة , وَلَقَبه حَيّ وَهُوَ أَشْهَر بِهِ مِنْ اِسْمه , وَكَذَا مَنْ يُنْسَب إِلَيْهِ يُقَال لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ غَالِبًا فُلَان اِبْن حَيّ كَصَالِحِ بْن حَيّ هَذَا. وَهُوَ ثِقَة مَشْهُور , وَفِي طَبَقَته رَاوٍ آخَر كُوفِيّ أَيْضًا يُقَال لَهُ صَالِح بْن حَيَّان الْقُرَشِيّ لَكِنَّهُ ضَعِيف , وَقَدْ وَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ لَهُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَخْرَجَ لِصَالِحِ بْن حَيّ , وَهَذَا الْحَدِيث مَعْرُوف بِرِوَايَتِهِ عَنْ الشَّعْبِيّ دُون الْقُرَشِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيثه مِنْ طُرُق : مِنْهَا فِي الْجِهَاد مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا صَالِح بْن حَيّ أَبُو حَيَّان قَالَ : سَمِعْت الشَّعْبِيّ , وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي كِتَاب الْأَدَب الْمُفْرَد بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ هُنَا فَقَالَ صَالِح بْن حَيّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَامِر ) ‏ ‏أَيْ : قَالَ صَالِح قَالَ عَامِر , وَعَادَتهمْ حَذْف قَالَ إِذَا تَكَرَّرَتْ خَطًّا لَا نُطْقًا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعِتْق وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاثَة لَهُمْ أَجْرَانِ ) ‏ ‏ثَلَاثَة مُبْتَدَأ , وَالتَّقْدِير ثَلَاثَة رِجَال أَوْ رِجَال ثَلَاثَة , وَلَهُمْ أَجْرَانِ خَبَره. ‏ ‏قَوْله : ( رَجُل ) ‏ ‏هُوَ بَدَل تَفْصِيل , أَوْ بَدَل كُلّ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَجْمُوع. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أَهْل الْكِتَاب ) ‏ ‏لَفْظ الْكِتَاب عَامّ وَمَعْنَاهُ خَاصّ , أَيْ : الْمُنَزَّل مِنْ عِنْد اللَّه , وَالْمُرَاد بِهِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل كَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ نُصُوص الْكِتَاب وَالسُّنَّة حَيْثُ يُطْلَق أَهْل الْكِتَاب , وَقِيلَ الْمُرَاد بِهِ هُنَا الْإِنْجِيل خَاصَّة إِنْ قُلْنَا إِنَّ النَّصْرَانِيَّة نَاسِخَة لِلْيَهُودِيَّةِ , كَذَا قَرَّرَهُ جَمَاعَة , وَلَا يَحْتَاج إِلَى اِشْتِرَاط النَّسْخ لِأَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل بِلَا خِلَاف , فَمَنْ أَجَابَهُ مِنْهُمْ نُسِبَ إِلَيْهِ , وَمَنْ كَذَّبَهُ مِنْهُمْ وَاسْتَمَرَّ عَلَى يَهُودِيَّته لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا فَلَا يَتَنَاوَلهُ الْخَبَر ; لِأَنَّ شَرْطه أَنْ يَكُون مُؤْمِنًا بِنَبِيِّهِ. نَعَمْ مَنْ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّة مِنْ غَيْر بَنِي إِسْرَائِيل , أَوْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَلَمْ تَبْلُغهُ دَعْوَته , يَصْدُق عَلَيْهِ أَنَّهُ يَهُودِيّ مُؤْمِن , إِذْ هُوَ مُؤْمِن بِنَبِيِّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَلَمْ يُكَذِّب نَبِيًّا آخَر , فَمَنْ أَدْرَكَ بَعْثَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمُنَاسَبَة وَآمَنَ بِهِ لَا يُشْكِل أَنَّهُ يَدْخُل فِي الْخَبَر الْمَذْكُور , وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل الْعَرَب الَّذِينَ كَانُوا بِالْيَمَنِ وَغَيْرهَا مِمَّنْ دَخَلَ مِنْهُمْ فِي الْيَهُودِيَّة وَلَمْ تَبْلُغهُمْ دَعْوَة عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام لِكَوْنِهِ أُرْسِلَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل خَاصَّة. نَعَمْ الْإِشْكَال فِي الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْآيَة الْمُوَافِقَة لِهَذَا الْحَدِيث وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : ( أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ ) نَزَلَتْ فِي طَائِفَة آمَنُوا مِنْهُمْ كَعَبْدِ اللَّه بْن سَلَام وَغَيْره , فَفِي الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث رِفَاعَة الْقُرَظِيّ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَات فِيَّ وَفِيمَنْ آمَنَ مَعِي. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ عَلِيّ بْن رِفَاعَة الْقُرَظِيّ قَالَ : خَرَجَ عَشَرَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب - مِنْهُمْ أَبِي رِفَاعَة - إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنُوا بِهِ فَأُوذُوا , فَنَزَلَتْ ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب مِنْ قَبْله هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ) الْآيَات , فَهَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِعِيسَى بَلْ اِسْتَمَرُّوا عَلَى الْيَهُودِيَّة إِلَى أَنْ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ , قَالَ الطِّيبِيّ : فَيَحْتَمِل إِجْرَاء الْحَدِيث عَلَى عُمُومه , إِذْ لَا يَبْعُد أَنْ يَكُون طَرَيَان الْإِيمَان بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَبًا لِقَبُولِ تِلْكَ الْأَدْيَان وَإِنْ كَانَتْ مَنْسُوخَة. اِنْتَهَى. وَسَأَذْكُرُ مَا يُؤَيِّدهُ بَعْد. وَيُمْكِن أَنْ يُقَال فِي حَقّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ : إِنَّهُ لَمْ تَبْلُغهُمْ دَعْوَة عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام لِأَنَّهَا لَمْ تَنْتَشِر فِي أَكْثَر الْبِلَاد , فَاسْتَمَرُّوا عَلَى يَهُودِيَّتهمْ مُؤْمِنِينَ بِنَبِيِّهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام , إِلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَام فَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَبِهَذَا يَرْتَفِع الْإِشْكَال إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ( فَوَائِد ) : ‏ ‏الْأُولَى : وَقَعَ فِي شَرْح اِبْن التِّين وَغَيْره أَنَّ الْآيَة الْمَذْكُورَة نَزَلَتْ فِي كَعْب الْأَحْبَار وَعَبْد اللَّه بْن سَلَام , وَهُوَ صَوَاب فِي عَبْد اللَّه خَطَأ فِي كَعْب ; لِأَنَّ كَعْبًا لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَة , وَلَمْ يُسْلِم إِلَّا فِي عَهْد عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَاَلَّذِي فِي تَفْسِير الطَّبَرِيّ وَغَيْره عَنْ قَتَادَة أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن سَلَام وَسَلْمَان الْفَارِسِيّ , وَهَذَا مُسْتَقِيم ; لِأَنَّ عَبْد اللَّه كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْهِجْرَة , وَسَلْمَان كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبُيُوع. وَهُمَا صَحَابِيَّانِ مَشْهُورَانِ. ‏ ‏الثَّانِيَة : قَالَ الْقُرْطُبِيّ الْكِتَابِيّ الَّذِي يُضَاعَف أَجْره مَرَّتَيْنِ هُوَ الَّذِي كَانَ عَلَى الْحَقّ فِي شَرْعه عَقْدًا وَفِعْلًا إِلَى أَنْ آمَنَ بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيُؤْجَر عَلَى اِتِّبَاع الْحَقّ الْأَوَّل وَالثَّانِي. اِنْتَهَى. وَيُشْكِل عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى هِرَقْل : \" أَسْلِمْ يُؤْتِك اللَّه أَجْرك مَرَّتَيْنِ \" , وَهِرَقْل كَانَ مِمَّنْ دَخَلَ فِي النَّصْرَانِيَّة بَعْد التَّبْدِيل , وَقَدْ قَدَّمْت بَحْث شَيْخ الْإِسْلَام فِي هَذَا فِي حَدِيث أَبِي سُفْيَان فِي بَدْء الْوَحْي. ‏ ‏الثَّالِثَة : قَالَ أَبُو عَبْد الْمَلِك الْبَوْنِيّ وَغَيْره : إِنَّ الْحَدِيث لَا يَتَنَاوَل الْيَهُود الْبَتَّة , وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ كَمَا قَرَّرْنَاهُ. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ : إِنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَتَنَاوَل جَمِيع الْأُمَم فِيمَا فَعَلُوهُ مِنْ خَيْر كَمَا فِي حَدِيث حَكِيم بْن حِزَام الْآتِي : \" أَسْلَمْت عَلَى مَا أَسْلَفْت مِنْ خَيْر \" وَهُوَ مُتَعَقَّب ; لِأَنَّ الْحَدِيث مُقَيَّد بِأَهْلِ الْكِتَاب فَلَا يَتَنَاوَل غَيْرهمْ إِلَّا بِقِيَاسِ الْخَيْر عَلَى الْإِيمَان. وَأَيْضًا فَالنُّكْتَة فِي قَوْله : \" آمَنَ بِنَبِيِّهِ \" الْإِشْعَار بِعِلِّيَّةِ الْأَجْر , أَيْ : أَنَّ سَبَب الْأَجْرَيْنِ الْإِيمَان بِالنَّبِيِّينَ , وَالْكُفَّار لَيْسُوا كَذَلِكَ. وَيُمْكِن أَنْ يُقَال الْفَرْق بَيْن أَهْل الْكِتَاب وَغَيْرهمْ مِنْ الْكُفَّار أَنَّ أَهْل الْكِتَاب يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ) فَمَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ مِنْهُمْ كَانَ لَهُ فَضْل عَلَى غَيْره , وَكَذَا مَنْ كَذَّبَهُ مِنْهُمْ كَانَ وِزْره أَشَدّ مِنْ وِزْر غَيْره , وَقَدْ وَرَدَ مِثْل ذَلِكَ فِي حَقّ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِ الْوَحْي كَانَ يَنْزِل فِي بُيُوتهنَّ. فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَمْ يُذْكَرْنَ فِي هَذَا الْحَدِيث فَيَكُون الْعَدَد أَرْبَعَة ؟ أَجَابَ شَيْخنَا شَيْخ الْإِسْلَام بِأَنَّ قَضِيَّتهنَّ خَاصَّة بِهِنَّ مَقْصُورَة عَلَيْهِنَّ , وَالثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث مُسْتَمِرَّة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَهَذَا مَصِير شَيْخنَا إِلَى أَنَّ قَضِيَّة مُؤْمِن أَهْل الْكِتَاب مُسْتَمِرَّة , وَقَدْ اِدَّعَى الْكَرْمَانِيّ اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِمَنْ آمَنَ فِي عَهْد الْبَعْثَة , وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ نَبِيّهمْ بَعْد الْبَعْثَة إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاعْتِبَارِ عُمُوم بَعْثَتِهِ. اِنْتَهَى. وَقَضِيَّته أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يَتِمّ لِمَنْ كَانَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ خَصَّهُ بِمَنْ لَمْ تَبْلُغهُ الدَّعْوَة فَلَا فَرْق فِي ذَلِكَ بَيْن عَهْده وَبَعْده , فَمَا قَالَهُ شَيْخنَا أَظْهَر. وَالْمُرَاد بِنِسْبَتِهِمْ إِلَى غَيْر نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْل ذَلِكَ , وَأَمَّا مَا قَوَّى بِهِ الْكَرْمَانِيّ دَعْوَاهُ بِكَوْنِ السِّيَاق مُخْتَلِفًا حَيْثُ قِيلَ فِي مُؤْمِن أَهْل الْكِتَاب : \" رَجُل \" بِالتَّنْكِيرِ وَفِي \" الْعَبْد \" بِالتَّعْرِيفِ , وَحَيْثُ زِيدَتْ فِيهِ : \" إِذَا \" الدَّالَّة عَلَى مَعْنَى الِاسْتِقْبَال فَأَشْعَرَ ذَلِك بِأَنَّ الْأَجْرَيْنِ لِمُؤْمِنِ أَهْل الْكِتَاب لَا يَقَع فِي الِاسْتِقْبَال , بِخِلَافِ الْعَبْد. اِنْتَهَى. وَهُوَ غَيْر مُسْتَقِيم ; لِأَنَّهُ مَشَى فِيهِ مَعَ ظَاهِر اللَّفْظ , وَلَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْن الرُّوَاة , بَلْ هُوَ عِنْد الْمُصَنِّف وَغَيْره مُخْتَلِف , فَقَدْ عَبَّرَ فِي تَرْجَمَة عِيسَى بِإِذَا فِي الثَّلَاثَة , وَعَبَّرَ فِي النِّكَاح بِقَوْلِهِ : \" أَيّمَا رَجُل \" فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة وَهِيَ صَرِيحَة فِي التَّعْمِيم , وَأَمَّا الِاخْتِلَاف بِالتَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِير فَلَا أَثَر لَهُ هُنَا لِأَنَّ الْمُعَرَّف بِلَامِ الْجِنْس مُؤَدَّاهُ مُؤَدَّى النَّكِرَة وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏الرَّابِعَة : حُكْم الْمَرْأَة الْكِتَابِيَّة حُكْم الرَّجُل كَمَا هُوَ مُطَّرِد فِي جُلّ الْأَحْكَام حَيْثُ يَدْخُلْنَ مَعَ الرِّجَال بِالتَّبَعِيَّةِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيل , وَسَتَأْتِي مَبَاحِث الْعَبْد فِي الْعِتْق وَمَبَاحِث الْأَمَة فِي النِّكَاح. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَهُ أَجْرَانِ ) ‏ ‏هُوَ تَكْرِير لِطُولِ الْكَلَام لِلِاهْتِمَامِ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ عَامِر ) ‏ ‏- أَيْ الشَّعْبِيّ - أَعْطَيْنَاكهَا , ظَاهِره أَنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ صَالِحًا الرَّاوِي عَنْهُ ; وَلِهَذَا جَزَمَ الْكَرْمَانِيّ بِقَوْلِهِ : \" الْخِطَاب لِصَالِحٍ \" وَلَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ إِنَّمَا خَاطَبَ بِذَلِكَ رَجُلًا مِنْ أَهْل خُرَاسَان سَأَلَهُ عَمَّنْ يُعْتِق أَمَته ثُمَّ يَتَزَوَّجهَا , كَمَا سَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَة عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ هَذَا الْكِتَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( بِغَيْرِ شَيْء ) ‏ ‏أَيْ : مِنْ الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة , وَإِلَّا فَالْأَجْر الْأُخْرَوِيّ حَاصِل لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( يُرْكَب فِيمَا دُونهَا ) ‏ ‏أَيْ : يُرْحَل لِأَجْلِ مَا هُوَ أَهْوَن مِنْهَا كَمَا عِنْده فِي الْجِهَاد , وَالضَّمِير عَائِد عَلَى الْمَسْأَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى الْمَدِينَة ) ‏ ‏أَيْ : النَّبَوِيَّة , وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ , ثُمَّ تَفَرَّقَ الصَّحَابَة فِي الْبِلَاد بَعْد فُتُوح الْأَمْصَار وَسَكَنُوهَا , فَاكْتَفَى أَهْل كُلّ بَلَد بِعُلَمَائِهِ إِلَّا مَنْ طَلَبَ التَّوَسُّع فِي الْعِلْم فَرَحَلَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث جَابِر فِي ذَلِكَ , وَلِهَذَا عَبَّرَ الشَّعْبِيّ - مَعَ كَوْنه مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ - بِقَوْلِهِ \" كَانَ \" , وَاسْتِدْلَال اِبْن بَطَّال وَغَيْره مِنْ الْمَالِكِيَّة عَلَى تَخْصِيص الْعِلْم بِالْمَدِينَةِ فِيهِ نَظَر لِمَا قَرَّرْنَاهُ. إِنَّمَا قَالَ الشَّعْبِيّ ذَلِكَ تَحْرِيضًا لِلسَّامِعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى لِحِفْظِهِ وَأَجْلَبَ لِحِرْصِهِ وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. وَقَدْ رَوَى الدَّارِمِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ بُسْر بْن عُبَيْد اللَّه - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة - قَالَ : إِنْ كُنْت لَأَرْكَب إِلَى الْمِصْر مِنْ الْأَمْصَار فِي الْحَدِيث الْوَاحِد. وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَة قَالَ : كُنَّا نَسْمَع الْحَدِيث عَنْ الصَّحَابَة , فَلَا نَرْضَى حَتَّى نَرْكَب إِلَيْهِمْ فَنَسْمَعهُ مِنْهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "96",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَطَاءً ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏أَشْهَدُ عَلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ وَمَعَهُ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي ‏ ‏الْقُرْطَ ‏ ‏وَالْخَاتَمَ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏وَقَالَ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَيُّوب ) ‏ ‏هُوَ السَّخْتِيَانِيّ , وَعَطَاء هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاح. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ قَالَ عَطَاء أَشْهَد ) ‏ ‏مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّاوِي تَرَدَّدَ هَلْ لَفْظ أَشْهَد مِنْ قَوْل اِبْن عَبَّاس أَوْ مِنْ قَوْل عَطَاء ; وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة جَازِمًا بِلَفْظِ \" أَشْهَد \" عَنْ كُلّ مِنْهُمَا , وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِلَفْظِ الشَّهَادَة تَأْكِيدًا لِتَحَقُّقِهِ وَوُثُوقًا بِوُقُوعِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَعَهُ بِلَال ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَسَقَطَتْ الْوَاو لِلْبَاقِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( الْقُرْط ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ الْقَاف وَإِسْكَان الرَّاء بَعْدهَا طَاء مُهْمَلَة , أَيْ : الْحَلْقَة الَّتِي تَكُون فِي شَحْمَة الْأُذُن , وَسَيَأْتِي مَزِيد فِي هَذَا الْمَتْن فِي الْعِيدَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّة , وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق أَنَّهُ جَزَمَ عَنْ أَيُّوب بِأَنَّ لَفْظ \" أَشْهَد \" مِنْ كَلَام اِبْن عَبَّاس فَقَطْ , وَكَذَا جَزَمَ بِهِ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَده عَنْ شُعْبَة , وَكَذَا قَالَ وُهَيْب عَنْ أَيُّوب ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيّ فَقَالَ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله وَقَالَ إِسْمَاعِيل عَطْفًا عَلَى حَدَّثَنَا شُعْبَة , فَيَكُون الْمُرَاد بِهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ إِسْمَاعِيل فَلَا يَكُون تَعْلِيقًا اِنْتَهَى. وَهُوَ مَرْدُود بِأَنَّ سُلَيْمَان بْن حَرْب لَا رِوَايَة لَهُ عَنْ إِسْمَاعِيل أَصْلًا لَا لِهَذَا الْحَدِيث وَلَا لِغَيْرِهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الزَّكَاة مَوْصُولًا عَنْ مُؤَمِّل بْن هِشَام عَنْ إِسْمَاعِيل كَمَا سَيَأْتِي , وَقَدْ قُلْنَا غَيْر مَرَّة : إِنَّ الِاحْتِمَالَات الْعَقْلِيَّة لَا مَدْخَل لَهَا فِي الْأُمُور النَّقْلِيَّة. وَلَوْ اِسْتَرْسَلَ فِيهَا مُسْتَرْسِل لَقَالَ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِسْمَاعِيل هُنَا آخَر غَيْر اِبْن عُلَيَّة , وَأَنَّ أَيُّوب آخَر غَيْر السَّخْتِيَانِيّ , وَهَكَذَا فِي أَكْثَر الرُّوَاة , فَيَخْرُج بِذَلِكَ إِلَى مَا لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز الْمُعَاطَاة فِي الصَّدَقَة , وَصَدَقَة الْمَرْأَة مِنْ مَالهَا بِغَيْرِ إِذْن زَوْجهَا , وَأَنَّ الصَّدَقَة تَمْحُو كَثِيرًا مِنْ الذُّنُوب الَّتِي تُدْخِل النَّار. ‏"
    },
    {
        "id": "97",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ ‏ ‏أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ ‏ ‏أَوْ نَفْسِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الْقَاسِم الْأُوَيْسِيّ , وَسُلَيْمَان هُوَ اِبْن بِلَال , وَعَمْرو بْن أَبِي عَمْرو هُوَ مَوْلَى الْمُطَّلِب بْن عَبْد اللَّه بْن حَنْطَب , وَاسْم أَبِي عَمْرو مَيْسَرَة. وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ قَالَ : قِيلَ يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَكَرِيمَة. وَسَقَطَتْ \" قِيلَ \" لِلْبَاقِينَ وَهُوَ الصَّوَاب , وَلَعَلَّهَا كَانَتْ قُلْت فَتَصَحَّفَتْ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الرِّقَاق كَذَلِكَ , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ , وَلِأَبِي نُعَيْمٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ يَا رَسُول اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( أَوَّل مِنْك ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَتنَا بِرَفْعِ اللَّام وَنَصْبهَا , فَالرَّفْع عَلَى الصِّفَة لِأَحَدٍ أَوْ الْبَدَل مِنْهُ وَالنَّصْب عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول ثَانٍ لِظَنَنْت قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض , وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء : عَلَى الْحَال , وَلَا يَضُرّ كَوْنه نَكِرَة لِأَنَّهَا فِي سِيَاق النَّفْي كَقَوْلِهِمْ مَا كَانَ أَحَد مِثْلك. و \" مَا \" فِي قَوْله \" لِمَا \" مَوْصُولَة و \" مِنْ \" بَيَانِيَّة أَوْ تَبْعِيضِيَّة , وَفِيهِ فَضْل أَبِي هُرَيْرَة وَفَضْل الْحِرْص عَلَى تَحْصِيل الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) ‏ ‏اِحْتِرَاز مِنْ الْمُشْرِك , وَالْمُرَاد مَعَ قَوْله مُحَمَّد رَسُول اللَّه , لَكِنْ قَدْ يُكْتَفَى بِالْجُزْءِ الْأَوَّل مِنْ كَلِمَتَيْ الشَّهَادَة لِأَنَّهُ صَارَ شِعَارًا لِمَجْمُوعِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَان. ‏ ‏قَوْله : ( خَالِصًا ) ‏ ‏اِحْتِرَاز مِنْ الْمُنَافِق , وَمَعْنَى أَفْعَل فِي قَوْله \" أَسْعَد \" الْفِعْل لَا أَنَّهَا أَفْعَل التَّفْضِيل أَيْ : سَعِيد النَّاس , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأَحْسَنَ مَقِيلًا ) وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَفْعَل التَّفْضِيل عَلَى بَابهَا , وَأَنَّ كُلّ أَحَد يَحْصُل لَهُ سَعْد بِشَفَاعَتِهِ ; لَكِنَّ الْمُؤْمِن الْمُخْلِص أَكْثَر سَعَادَة بِهَا , فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْفَع فِي الْخَلْق لِإِرَاحَتِهِمْ مِنْ هَوْل الْمَوْقِف , وَيَشْفَع فِي بَعْض الْكُفَّار , بِتَخْفِيفِ الْعَذَاب كَمَا صَحَّ فِي حَقّ أَبِي طَالِب , وَيَشْفَع فِي بَعْض الْمُؤْمِنِينَ بِالْخُرُوجِ مِنْ النَّار بَعْد أَنْ دَخَلُوهَا , وَفِي بَعْضهمْ بِعَدَمِ دُخُولهَا بَعْد أَنْ اِسْتَوْجَبُوا دُخُولهَا , وَفِي بَعْضهمْ بِدُخُولِ الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب , وَفِي بَعْضهمْ بِرَفْعِ الدَّرَجَات فِيهَا. فَظَهَرَ الِاشْتِرَاك فِي السَّعَادَة بِالشَّفَاعَةِ وَأَنَّ أَسْعَدهمْ بِهَا الْمُؤْمِن الْمُخْلِص. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ قَلْبه , أَوْ نَفْسه ) شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الرِّقَاق \" خَالِصًا مِنْ قِبَل نَفْسه \" وَذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّأْكِيد كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : ( فَإِنَّهُ آثِم قَلْبه ) وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى اِشْتِرَاط النُّطْق بِكَلِمَتَيْ الشَّهَادَة لِتَعْبِيرِهِ بِالْقَوْلِ فِي قَوْله : \" مَنْ قَالَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "98",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ ‏ ‏انْتِزَاعًا ‏ ‏يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ ‏ ‏بِقَبْضِ ‏ ‏الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْفِرَبْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبَّاسٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مَالِك ) ‏ ‏قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَمْ يَرْوِهِ فِي الْمُوَطَّأ إِلَّا مَعْن بْن عِيسَى , وَرَوَاهُ أَصْحَاب مَالِك كَابْنِ وَهْب وَغَيْره عَنْ مَالِك خَارِج الْمُوَطَّأ , وَأَفَادَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ سُلَيْمَان بْن يَزِيد رَوَاهُ أَيْضًا فِي الْمُوَطَّأ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ اُشْتُهِرَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة فَوَقَعَ لَنَا مِنْ رِوَايَة أَكْثَر مِنْ سَبْعِينَ نَفْسًا عَنْهُ مِنْ أَهْل الْحَرَمَيْنِ وَالْعِرَاقَيْنِ وَالشَّام وَخُرَاسَان وَمِصْر وَغَيْرهَا , وَوَافَقَهُ عَلَى رِوَايَته عَنْ أَبِيهِ عُرْوَة أَبُو الْأَسْوَد الْمَدَنِيّ وَحَدِيثه فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَالزُّهْرِيّ وَحَدِيثه فِي النَّسَائِيِّ , وَيَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَحَدِيثه فِي صَحِيح أَبِي عَوَانَة , وَوَافَقَ أَبَاهُ عَلَى رِوَايَته عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْحَكَم بْن ثَوَبَان وَحَدِيثه فِي مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَقْبِض الْعِلْم اِنْتِزَاعًا ) ‏ ‏أَيْ : مَحْوًا مِنْ الصُّدُور , وَكَانَ تَحْدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فِي حَجَّة الْوَدَاع كَمَا رَوَاهُ أَحْمَد والطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : لَمَّا كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاع قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" خُذُوا الْعِلْم قَبْل أَنْ يُقْبَض أَوْ يُرْفَع \" فَقَالَ أَعْرَابِيّ : كَيْف يُرْفَع ؟ فَقَالَ : أَلَا إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْم ذَهَابُ حَمَلَته. ثَلَاث مَرَّات. قَالَ اِبْن الْمُنِير : مَحْو الْعِلْم مِنْ الصُّدُور جَائِز فِي الْقُدْرَة , إِلَّا أَنَّ هَذَا الْحَدِيث دَلَّ عَلَى عَدَم وُقُوعه. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِم ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَالْقَاف , وَلِلْأَصِيلِيِّ بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْقَاف , وَعَالِمًا مَنْصُوب أَيْ : لَمْ يُبْقِ اللَّه عَالِمًا. وَفِي رِوَايَة مُسْلِم : \" حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُك عَالِمًا \" , ‏ ‏قَوْله : ( رُءُوسًا ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ : ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَالتَّنْوِين جَمْع رَأْس. قُلْت : وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ أَيْضًا بِفَتْحِ الْهَمْزَة , وَفِي آخِره هَمْزَة أُخْرَى مَفْتُوحَة جَمْع رَئِيس. ‏ ‏قَوْله : ( بِغَيْرِ عِلْم ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد فِي الِاعْتِصَام عِنْد الْمُصَنِّف : \" فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ \" وَرَوَاهَا مُسْلِم كَالْأُولَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الْفَرَبْرِيّ ) ‏ ‏هَذَا مِنْ زِيَادَات الرَّاوِي عَنْ الْبُخَارِيّ فِي بَعْض الْأَسَانِيد , وَهِيَ قَلِيلَة. ‏ ‏قَوْله : ( نَحْوه ) ‏ ‏أَيْ : بِمَعْنَى حَدِيث مَالِك. وَلَفْظ رِوَايَة قُتَيْبَة هَذِهِ أَخْرَجَهَا مُسْلِم عَنْهُ , وَفِي هَذَا الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى حِفْظ الْعِلْم , وَالتَّحْذِير مِنْ تَرْئِيس الْجَهَلَة , وَفِيهِ أَنَّ الْفَتْوَى هِيَ الرِّيَاسَة الْحَقِيقِيَّة وَذَمَّ مَنْ يُقْدِم عَلَيْهَا بِغَيْرِ عِلْم. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُور عَلَى الْقَوْل بِخُلُوِّ الزَّمَان عَنْ مُجْتَهِد , وَلِلَّهِ الْأَمْر يَفْعَل مَا يَشَاء. وَسَيَكُونُ لَنَا فِي الْمَسْأَلَة عَوْد فِي كِتَاب الِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "99",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَتْ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَلَبَنَا ‏ ‏عَلَيْكَ الرِّجَالُ فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ ‏ ‏مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ ‏ ‏تُقَدِّمُ ‏ ‏ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنْ النَّارِ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ وَاثْنَتَيْنِ فَقَالَ وَاثْنَتَيْنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ذَكْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا ‏ ‏الْحِنْثَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا آدَم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي إِيَاس. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ النِّسَاء ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَلِلْبَاقِينَ \" قَالَتْ النِّسَاء \" وَكِلَاهُمَا جَائِز. وَ \" غَلَبَنَا \" بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَ \" الرِّجَال \" بِالضَّمِّ لِأَنَّهُ فَاعِله. ‏ ‏قَوْله : ( فَاجْعَلْ لَنَا ) ‏ ‏أَيْ : عَيِّنْ لَنَا. وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْجَعْلِ لِأَنَّهُ لَازِمه. وَمِنْ اِبْتِدَائِيَّة مُتَعَلِّقَة بِاجْعَلْ , وَالْمُرَاد رَدّ ذَلِكَ إِلَى اِخْتِيَاره. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَعَظَهُنَّ ) ‏ ‏التَّقْدِير فَوَفَّى بِوَعْدِهِ فَلَقِيَهُنَّ فَوَعَظَهُنَّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَهْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِنَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّة فَقَالَ : \" مَوْعِدكُنَّ بَيْت فُلَانَة \" فَأَتَاهُنَّ فَحَدَّثَهُنَّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَرَهُنَّ ) ‏ ‏أَيْ : بِالصَّدَقَةِ , أَوْ حَذَفَ الْمَأْمُور بِهِ لِإِرَادَةِ التَّعْمِيم. ‏ ‏قَوْله : ( مَا مِنْكُنَّ اِمْرَأَة ) , وَلِلْأَصِيلِيِّ مَا مِنْ اِمْرَأَة و \" مِنْ \" زَائِدَة لَفْظًا. وَقَوْله تُقَدِّم صِفَة لِامْرَأَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا كَانَ لَهَا ) ‏ ‏أَيْ : التَّقْدِيم ‏ ‏( حِجَابًا ) ‏ ‏. وَلِلْأَصِيلِيِّ \" حِجَاب \" بِالرَّفْعِ وَتُعْرَب كَانَ تَامَّة أَيْ : حَصَلَ لَهَا حِجَاب. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْجَنَائِز إِلَّا كُنَّ لَهَا أَيْ : الْأَنْفُس الَّتِي تُقَدِّم. وَلَهُ فِي الِاعْتِصَام إِلَّا كَانُوا أَيْ الْأَوْلَاد. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَتْ اِمْرَأَة ) ‏ ‏هِيَ أُمّ سُلَيْمٍ , وَقِيلَ غَيْرهَا كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي الْجَنَائِز. ‏ ‏قَوْله : ( وَاثْنَيْنِ ) ‏ ‏وَلِكَرِيمَة \" وَاثْنَتَيْنِ \" بِزِيَادَةِ تَاء التَّأْنِيث , وَهُوَ مَنْصُوب بِالْعَطْفِ عَلَى ثَلَاثَة وَيُسَمَّى الْعَطْف التَّلْقِينِيّ , وَكَأَنَّهَا فَهِمَتْ الْحَصْر وَطَمِعَتْ فِي الْفَضْل فَسَأَلَتْ عَنْ حُكْم الِاثْنَيْنِ هَلْ يَلْتَحِق بِالثَّلَاثَةِ أَوْ لَا , وَسَيَأْتِي فِي الْجَنَائِز الْكَلَام فِي تَقْدِيم الْوَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن بَشَّار ) أَفَادَ بِهَذَا الْإِسْنَاد فَائِدَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا تَسْمِيَة اِبْن الْأَصْبَهَانِيّ الْمُبْهَم فِي الرِّوَايَة الْأُولَى , وَالثَّانِيَة زِيَادَة طَرِيق أَبِي هُرَيْرَة الَّتِي زَادَ فِيهَا التَّقْيِيد بِعَدَمِ بُلُوغ الْحِنْث , أَيْ : الْإِثْم. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ مَاتُوا قَبْل أَنْ يَبْلُغُوا ; لِأَنَّ الْإِثْم إِنَّمَا يُكْتَب بَعْد الْبُلُوغ , وَكَأَنَّ السِّرّ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُنْسَب إِلَيْهِمْ إِذْ ذَاكَ عُقُوق فَيَكُون الْحُزْن عَلَيْهِمْ أَشَدّ. وَفِي الْحَدِيث مَا كَانَ عَلَيْهِ نِسَاء الصَّحَابَة مِنْ الْحِرْص عَلَى تَعْلِيم أُمُور الدِّين , وَفِيهِ جَوَاز الْوَعْد , وَأَنَّ أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّة , وَأَنَّ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدَانِ حَجَبَاهُ مِنْ النَّار , وَلَا اِخْتِصَاص لِذَلِكَ بِالنِّسَاءِ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْصِيص عَلَيْهِ فِي الْجَنَائِز. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوع. وَالْوَاو فِي قَوْله : \" وَقَالَ \" لِلْعَطْفِ عَلَى مَحْذُوف تَقْدِيره مِثْله أَيْ مِثْل حَدِيث أَبِي سَعِيد , وَالْوَاو فِي قَوْله \" وَعَنْ عَبْد الرَّحْمَن \" لِلْعَطْفِ عَلَى قَوْله أَوَّلًا : \" عَنْ عَبْد الرَّحْمَن \". وَالْحَاصِل أَنَّ شُعْبَة يَرْوِيه عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بِإِسْنَادَيْنِ , فَهُوَ مَوْصُول , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّق. ‏"
    },
    {
        "id": "100",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا ‏ ‏رَاجَعَتْ ‏ ‏فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ وَأَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ‏} ‏قَالَتْ فَقَالَ إِنَّمَا ذَلِكِ ‏ ‏الْعَرْضُ ‏ ‏وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عَائِشَة ) ‏ ‏ظَاهِر أَوَّله الْإِرْسَال ; لِأَنَّ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة تَابِعِيّ لَمْ يُدْرِك مُرَاجَعَة عَائِشَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنْ تَبَيَّنَ وَصْله بَعْد فِي قَوْله : \" قَالَتْ عَائِشَة فَقُلْت \". ‏ ‏قَوْله : ( كَانَتْ لَا تَسْمَع ) ‏ ‏أَتَى بِالْمُضَارِعِ اِسْتِحْضَارًا لِلصُّورَةِ الْمَاضِيَة لِقُوَّةِ تَحَقُّقهَا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا ذَلِك ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْكَاف ( الْعَرْض ) أَيْ : عَرْض النَّاس عَلَى الْمِيزَان. ‏ ‏قَوْله : ( نُوقِشَ ) ‏ ‏بِالْقَافِ وَالْمُعْجَمَة مِنْ الْمُنَاقَشَة وَأَصْلهَا الِاسْتِخْرَاج , وَمِنْهُ نَقَشَ الشَّوْكَة إِذَا اِسْتَخْرَجَهَا , وَالْمُرَاد هُنَا الْمُبَالَغَة فِي الِاسْتِيفَاء , وَالْمَعْنَى أَنَّ تَحْرِير الْحِسَاب يُفْضِي إِلَى اِسْتِحْقَاق الْعَذَاب ; لِأَنَّ حَسَنَات الْعَبْد مَوْقُوفَة عَلَى الْقَبُول , وَإِنْ لَمْ تَقَع الرَّحْمَة الْمُقْتَضِيَة لِلْقَبُولِ لَا يَحْصُل النَّجَاء. ‏ ‏قَوْله فِي آخِره ( يَهْلِك ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام وَإِسْكَان الْكَاف. وَفِي الْحَدِيث مَا كَانَ عِنْد عَائِشَة مِنْ الْحِرْص عَلَى تَفَهُّم مَعَانِي الْحَدِيث , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَتَضَجَّر مِنْ الْمُرَاجَعَة فِي الْعِلْم. وَفِيهِ جَوَاز الْمُنَاظَرَة , وَمُقَابَلَة السُّنَّة بِالْكِتَابِ , وَتَفَاوُت النَّاس فِي الْحِسَاب. وَفِيهِ أَنَّ السُّؤَال عَنْ مِثْل هَذَا لَمْ يَدْخُل فِيمَا نُهِيَ الصَّحَابَة عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى : ( لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء ) وَفِي حَدِيث أَنَس : \" كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْء \" وَقَدْ وَقَعَ نَحْو ذَلِكَ لِغَيْرِ عَائِشَة , فَفِي حَدِيث حَفْصَة أَنَّهَا لَمَّا سَمِعَتْ : \" لَا يَدْخُل النَّار أَحَد مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَة \" قَالَتْ. أَلَيْسَ اللَّه يَقُول : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا ) فَأُجِيبَتْ بِقَوْلِهِ : ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا ) الْآيَة , وَسَأَلَ الصَّحَابَة لَمَّا نَزَلَتْ : ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانهمْ بِظُلْمٍ ) : أَيّنَا لَمْ يَظْلِم نَفْسه ؟ فَأُجِيبُوا بِأَنَّ الْمُرَاد بِالظُّلْمِ الشِّرْك. وَالْجَامِع بَيْن هَذِهِ الْمَسَائِل الثَّلَاث ظُهُور الْعُمُوم فِي الْحِسَاب وَالْوُرُود وَالظُّلْم. فَأَوْضَحَ لَهُمْ أَنَّ الْمُرَاد فِي كُلّ مِنْهَا أَمْر خَاصّ. وَلَمْ يَقَع مِثْل هَذَا مِنْ الصَّحَابَة إِلَّا قَلِيلًا مَعَ تَوَجُّه السُّؤَال وَظُهُوره , وَذَلِكَ لِكَمَالِ فَهْمهمْ وَمَعْرِفَتهمْ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ , فَيُحْمَل مَا وَرَدَ مِنْ ذَمّ مَنْ سَأَلَ عَنْ الْمُشْكِلَات عَلَى مَنْ سَأَلَ تَعَنُّتًا كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ زَيْغ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ اِبْتِغَاء الْفِتْنَة ) وَفِي حَدِيث عَائِشَة : \" فَإِذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ عَنْ ذَلِكَ فَهُمْ الَّذِينَ سَمَّى اللَّه فَاحْذَرُوهُمْ \" وَمِنْ ثَمَّ أَنْكَرَ عُمَر عَلَى صُبَيْغ لَمَّا رَآهُ أَكْثَرَ مِنْ السُّؤَال عَنْ مِثْل ذَلِكَ وَعَاقَبَهُ , وَسَيَأْتِي إِيضَاح هَذَا كُلّه فِي كِتَاب الِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَسَيَأْتِي بَاقِيه فِي كِتَاب الرِّقَاق , وَكَذَا الْكَلَام عَلَى اِنْتِقَاد الدَّارَقُطْنِيِّ لِإِسْنَادِهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "101",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي شُرَيْحٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏وَهُوَ يَبْعَثُ ‏ ‏الْبُعُوثَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ ‏ ‏يَسْفِكَ ‏ ‏بِهَا دَمًا وَلَا ‏ ‏يَعْضِدَ ‏ ‏بِهَا شَجَرَةً فَإِنْ أَحَدٌ ‏ ‏تَرَخَّصَ ‏ ‏لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيهَا فَقُولُوا إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَقِيلَ ‏ ‏لِأَبِي شُرَيْحٍ ‏ ‏مَا قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قَالَ أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا ‏ ‏أَبَا شُرَيْحٍ ‏ ‏لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا ‏ ‏بِدَمٍ ‏ ‏وَلَا فَارًّا ‏ ‏بِخَرْبَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي شُرَيْح ) ‏ ‏هُوَ الْخُزَاعِيّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور , وَعَمْرو بْن سَعِيد هُوَ اِبْن الْعَاصِي بْن سَعِيد بْن الْعَاصِي بْن أُمَيَّة الْقُرَشِيّ الْأُمَوِيّ يُعْرَف بِالْأَشْدَقِ , وَلَيْسَتْ لَهُ صُحْبَة وَلَا كَانَ مِنْ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ يَبْعَث الْبُعُوث ) ‏ ‏أَيْ يُرْسِل الْجُيُوش إِلَى مَكَّة لِقِتَالِ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر لِكَوْنِهِ اِمْتَنَعَ مِنْ مُبَايَعَة يَزِيد بْن مُعَاوِيَة وَاعْتَصَمَ بِالْحَرَمِ , وَكَانَ عَمْرو وَالِي يَزِيد عَلَى الْمَدِينَة , وَالْقِصَّة مَشْهُورَة , وَمُلَخَّصهَا أَنَّ مُعَاوِيَة عَهِدَ بِالْخِلَافَةِ بَعْده لِيَزِيدَ بْن مُعَاوِيَة , فَبَايَعَهُ النَّاس إِلَّا الْحُسَيْن بْن عَلِيّ وَابْن الزُّبَيْر , فَأَمَّا اِبْن أَبِي بَكْر فَمَاتَ قَبْل مَوْت مُعَاوِيَة , وَأَمَّا اِبْن عُمَر فَبَايَعَ لِيَزِيدَ عَقِب مَوْت أَبِيهِ , وَأَمَّا الْحُسَيْن بْن عَلِيّ فَسَارَ إِلَى الْكُوفَة لِاسْتِدْعَائِهِمْ إِيَّاهُ لِيُبَايِعُوهُ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَب قَتْله , وَأَمَّا اِبْن الزُّبَيْر فَاعْتَصَمَ وَيُسَمَّى عَائِذ الْبَيْت وَغَلَبَ عَلَى أَمْر مَكَّة , فَكَانَ يَزِيد بْن مُعَاوِيَة يَأْمُر أُمَرَاءَهُ عَلَى الْمَدِينَة أَنْ يُجَهِّزُوا إِلَيْهِ الْجُيُوش , فَكَانَ آخِر ذَلِكَ أَنَّ أَهْل الْمَدِينَة اِجْتَمَعُوا عَلَى خَلْع يَزِيد مِنْ الْخِلَافَة. ‏ ‏قَوْله : ( اِئْذَنْ لِي ) ‏ ‏فِيهِ حُسْن التَّلَطُّف فِي الْإِنْكَار عَلَى أُمَرَاء الْجَوْر لِيَكُونَ أَدْعَى لِقَبُولِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( أُحَدِّثك ) ‏ ‏بِالْجَزْمِ لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمْر. ‏ ‏قَوْله : ( قَامَ ) ‏ ‏صِفَة لِلْقَوْلِ , وَالْمَقُول هُوَ حَمْد اللَّه إِلَخْ. ‏ ‏قَوْله : ( الْغَد ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ أَنَّهُ خَطَبَ فِي الْيَوْم الثَّانِي مِنْ فَتْح مَكَّة. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ إِلَخْ ) ‏ ‏أَرَادَ أَنَّهُ بَالَغَ فِي حِفْظه وَالتَّثَبُّت فِيهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذهُ بِوَاسِطَةٍ , وَأَتَى بِالتَّثْنِيَةِ تَأْكِيدًا , وَالضَّمِير فِي قَوْله : \" تَكَلَّمَ بِهِ \" عَائِد عَلَى قَوْله قَوْلًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يُحَرِّمهَا النَّاس ) ‏ ‏بِالضَّمِّ أَيْ : أَنَّ تَحْرِيمهَا كَانَ بِوَحْيٍ مِنْ اللَّه لَا مِنْ اِصْطِلَاح النَّاس , ‏ ‏قَوْله : ( يَسْفِك ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء وَحُكِيَ ضَمّهَا , وَهُوَ صَبّ الدَّم , وَالْمُرَاد بِهِ الْقَتْل. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَعْضِد ) ‏ ‏بِكَسْرِ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفَتْح الدَّال أَيْ : يَقْطَع بِالْمِعْضَدِ وَهُوَ آلَة كَالْفَأْسِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي ) ‏ ‏أَيْ اللَّه , رُوِيَ بِضَمِّ الْهَمْزَة. وَفِي قَوْله \" لِي \" اِلْتِفَات لِأَنَّ نَسَق الْكَلَام \" وَإِنَّمَا أَذِنَ لَهُ \" أَيْ : لِرَسُولِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( سَاعَة ) ‏ ‏أَيْ : مِقْدَارًا مِنْ الزَّمَان , وَالْمُرَاد بِهِ يَوْم الْفَتْح. وَفِي مُسْنَد أَحْمَد مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ طُلُوع الشَّمْس إِلَى الْعَصْر , وَالْمَأْذُون لَهُ فِيهِ الْقِتَال لَا قَطْع الشَّجَر. ‏ ‏قَوْله : ( مَا قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏أَيْ : فِي جَوَابك. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تُعِيذ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاة أَوَّله وَآخِره ذَال مُعْجَمَة أَيْ : مَكَّة لَا تَعْصِم الْعَاصِيَ عَنْ إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهِ ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا فَارًّا ) ‏ ‏بِالْفَاءِ وَالرَّاء الْمُشَدَّدَة أَيْ : هَارِبًا عَلَيْهِ دَم يَعْتَصِم بِمَكَّة كَيْلَا يُقْتَصّ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( بِخَرْبَةٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الرَّاء ثُمَّ مُوَحَّدَة يَعْنِي السَّرِقَة كَذَا ثَبَتَ تَفْسِيرهَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ , قَالَ اِبْن بَطَّال : الْخُرْبَة بِالضَّمِّ الْفَسَاد , وَبِالْفَتْحِ السَّرِقَة. وَقَدْ تَشَدَّقَ عَمْرو فِي الْجَوَاب وَأَتَى بِكَلَامٍ ظَاهِره حَقّ لَكِنْ أَرَادَ بِهِ الْبَاطِل , فَإِنَّ الصَّحَابِيّ أَنْكَرَ عَلَيْهِ نَصْب الْحَرْب عَلَى مَكَّة فَأَجَابَهُ بِأَنَّهَا لَا تَمْنَع مِنْ إِقَامَة الْقِصَاص , وَهُوَ صَحِيح إِلَّا أَنَّ اِبْن الزُّبَيْر لَمْ يَرْتَكِب أَمْرًا يَجِب عَلَيْهِ فِيهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَسَنَذْكُرُ مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْحَجّ , وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَاف فِي الْقِتَال فِي الْحَرَم إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي الْحَدِيث شَرَف مَكَّة , وَتَقْدِيم الْحَمْد وَالثَّنَاء عَلَى الْقَوْل الْمَقْصُود , وَإِثْبَات خَصَائِص الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتِوَاء الْمُسْلِمِينَ مَعَهُ فِي الْحُكْم إِلَّا مَا ثَبَتَ تَخْصِيصه بِهِ , وَوُقُوع النَّسْخ , وَفَضْل أَبِي شُرَيْح لِاتِّبَاعِهِ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّبْلِيغِ عَنْهُ وَغَيْر ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "102",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏ذُكِرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ ‏ ‏عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا أَلَا لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ وَكَانَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ذَلِكَ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ مَرَّتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَمَّاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سِيرِينَ ‏ ‏( عَنْ اِبْن أَبِي بَكْرَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ , وَسَقَطَ عَنْ اِبْن أَبِي بَكْرَة لِلْبَاقِينَ فَصَارَ مُنْقَطِعًا لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَسْمَع مِنْ أَبِي بَكْرَة , وَفِي رِوَايَة \" عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْرَة \" وَهِيَ خَطَأ وَكَأَنَّ \" عَنْ \" سَقَطَتْ مِنْهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي أَوَائِل كِتَاب الْعِلْم مِنْ طَرِيق أُخْرَى : \" عَنْ مُحَمَّد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْرَة عَنْ أَبِيهِ \" وَهُوَ الصَّوَاب , وَسَيَأْتِي بِهَذَا السَّنَد فِي تَفْسِير سُورَة بَرَاءَة بِإِسْقَاطِهِ عَنْ بَعْضهمْ وَسَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَفِيهِ : \" عَنْ اِبْن أَبِي بَكْرَة \" عِنْد الْجَمِيع , وَيَأْتِي فِي بَدْء الْخَلْق. ‏ ‏قَوْله : ( ذُكِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِيهِ اِخْتِصَار وَقَدْ قَدَّمْنَا تَوْجِيهه هُنَاكَ , وَكَأَنَّهُ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ ذَكَرَ فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِنْ كَلَامه وَمِنْ جُمْلَته قَوْله : \" فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ \" إِلَخْ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سِيرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَحْسِبهُ ) ‏ ‏كَأَنَّهُ شَكَّ فِي قَوْله : \" وَأَعْرَاضكُمْ \" أَقَالَهَا اِبْن أَبِي بَكْرَة أَمْ لَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْعِلْم الْجَزْم بِهَا وَهِيَ مَنْصُوبَة بِالْعَطْفِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا هَلْ بَلَّغْت ) ‏ ‏هَذَا مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ تَكْمِلَة الْحَدِيث , وَاعْتَرَضَ قَوْله : \" وَكَانَ مُحَمَّد \" إِلَى قَوْله : \" ذَلِكَ \" فِي أَثْنَاء الْحَدِيث , هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد فَلَا يُلْتَفَت إِلَى مَا عَدَاهُ. وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "103",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجْ النَّارَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَنْصُور ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر الْكُوفِيّ , وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير , وَرِبْعِيّ بِكَسْرِ أَوَّله وَإِسْكَان الْمُوَحَّدَة , وَأَبُوهُ حِرَاش بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة أَوَّله وَهُوَ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت عَلِيًّا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ ) ‏ ‏هُوَ عَامّ فِي كُلّ كَاذِب , مُطْلَق فِي كُلّ نَوْع مِنْ الْكَذِب , وَمَعْنَاهُ لَا تَنْسِبُوا الْكَذِب إِلَيَّ. وَلَا مَفْهُوم لِقَوْلِهِ : \" عَلَيَّ \" لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّر أَنْ يُكْذَب لَهُ لِنَهْيِهِ عَنْ مُطْلَق الْكَذِب. وَقَدْ اِغْتَرَّ قَوْم مِنْ الْجَهَلَة فَوَضَعُوا أَحَادِيث فِي التَّرْغِيب وَالتَّرْهِيب وَقَالُوا : نَحْنُ لَمْ نَكْذِب عَلَيْهِ بَلْ فَعَلْنَا ذَلِكَ لِتَأْيِيدِ شَرِيعَته , وَمَا دَرَوْا أَنَّ تَقْوِيله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ يَقْتَضِي الْكَذِب عَلَى اللَّه تَعَالَى ; لِأَنَّهُ إِثْبَات حُكْم مِنْ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة سَوَاء كَانَ فِي الْإِيجَاب أَوْ النَّدْب , وَكَذَا مُقَابِلهمَا وَهُوَ الْحَرَام وَالْمَكْرُوه. وَلَا يُعْتَدّ بِمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مِنْ الْكَرَامِيَّة حَيْثُ جَوَّزُوا وَضْع الْكَذِب فِي التَّرْغِيب وَالتَّرْهِيب فِي تَثْبِيت مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآن وَالسُّنَّة وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ كَذِب لَهُ لَا عَلَيْهِ , وَهُوَ جَهْل بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّة. وَتَمَسَّكَ بَعْضهمْ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث مِنْ زِيَادَة لَمْ تَثْبُت وَهِيَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود بِلَفْظِ : \" مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ لِيُضِلّ بِهِ النَّاس \" الْحَدِيث , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي وَصْله وَإِرْسَاله , وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِم إِرْسَاله , وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ حَدِيث يَعْلَى بْن مُرَّة بِسَنَدٍ ضَعِيف , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوته فَلَيْسَتْ اللَّام فِيهِ لِلْعِلَّةِ بَلْ لِلصَّيْرُورَةِ كَمَا فُسِّرَ قَوْله تَعَالَى : ( فَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا لِيُضِلّ النَّاس ) وَالْمَعْنَى أَنَّ مَآل أَمْره إِلَى الْإِضْلَال , أَوْ هُوَ مِنْ تَخْصِيص بَعْض أَفْرَاد الْعُمُوم بِالذِّكْرِ فَلَا مَفْهُوم لَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَة - وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ مِنْ إِمْلَاق ) فَإِنَّ قَتْل الْأَوْلَاد وَمُضَاعَفَة الرِّبَا وَالْإِضْلَال فِي هَذِهِ الْآيَات إِنَّمَا هُوَ لِتَأْكِيدِ الْأَمْر فِيهَا لَا لِاخْتِصَاصِ الْحُكْم. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَلِجْ النَّار ) ‏ ‏جَعَلَ الْأَمْر بِالْوُلُوجِ مُسَبَّبًا عَنْ الْكَذِب ; لِأَنَّ لَازِم الْأَمْر الْإِلْزَام وَالْإِلْزَام بِوُلُوجِ النَّار سَبَبه الْكَذِب عَلَيْهِ أَوْ هُوَ بِلَفْظِ الْأَمْر وَمَعْنَاهُ الْخَبَر , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" مَنْ يَكْذِب عَلَيَّ يَلِج النَّار \" وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيق شَرِيك عَنْ مَنْصُور قَالَ : \" الْكَذِب عَلَيَّ يُولِج - أَيْ : يُدْخِل - النَّار \". ‏"
    },
    {
        "id": "104",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِلزُّبَيْرِ ‏ ‏إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ قَالَ أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ ‏ ‏فَلْيَتَبَوَّأْ ‏ ‏مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد ) ‏ ‏هُوَ الطَّيَالِسِيّ وَ ( جَامِع بْن شَدَّاد ) كُوفِيّ تَابِعِيّ صَغِير. وَفِي الْإِسْنَاد لَطِيفَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ يَرْوِيه صَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ. ثَانِيهمَا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة الْأَبْنَاء عَنْ الْآبَاء بِخُصُوصِ رِوَايَة الْأَب عَنْ الْجَدّ وَقَدْ أُفْرِدَتْ بِالتَّصْنِيفِ. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِلزُّبَيْرِ ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن الْعَوَّام. ‏ ‏قَوْله : ( تُحَدِّث ) ‏ ‏حَذَفَ مَفْعُولهَا لِيَشْمَل ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا يُحَدِّث فُلَان وَفُلَان ) ‏ ‏سُمِّيَ مِنْهُمَا فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَا ) ‏ ‏بِالْمِيمِ الْمُخَفَّفَة وَهِيَ مِنْ حُرُوف التَّنْبِيه ‏ ‏وَ ( إِنِّي ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة ‏ ‏( لَمْ أُفَارِقهُ ) ‏ ‏أَيْ لَمْ أُفَارِق رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : \" مُنْذُ أَسْلَمْت \" وَالْمُرَاد فِي الْأَغْلَب وَإِلَّا فَقَدْ هَاجَرَ الزُّبَيْر إِلَى الْحَبَشَة , وَكَذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَال هِجْرَته إِلَى الْمَدِينَة. وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا الْكَلَام عَلَى سَبِيل التَّوْجِيه لِلسُّؤَالِ ; لِأَنَّ لَازِم الْمُلَازَمَة السَّمَاع , وَلَازِمه عَادَة التَّحْدِيث , لَكِنْ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا خَشِيَهُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيث الَّذِي ذَكَرَهُ , وَلِهَذَا أَتَى بِقَوْلِهِ : \" لَكِنْ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الزُّبَيْر بْن بَكَّار فِي كِتَاب النَّسَب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر قَالَ : \" عَنَانِي ذَلِكَ \" يَعْنِي قِلَّة رِوَايَة الزُّبَيْر : \" فَسَأَلْته \" أَيْ : عَنْ ذَلِكَ \" فَقَالَ : يَا بُنَيّ , كَانَ بَيْنِي وَبَيْنه مِنْ الْقَرَابَة وَالرَّحِم مَا عَلِمْت , وَعَمَّته أُمِّي , وَزَوْجَته خَدِيجَة عَمَّتِي , وَأُمّه آمِنَة بِنْت وَهْب وَجَدَّتِي هَالَة بِنْت وُهَيْب اِبْنَيْ عَبْد مَنَاف بْن زُهْرَة , وَعِنْدِي أُمّك , وَأُخْتهَا عَائِشَة عِنْده , وَلَكِنِّي سَمِعْته يَقُول \". ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ لَيْسَ فِيهِ \" مُتَعَمِّدًا \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة , وَكَذَا فِي رِوَايَة الزُّبَيْر بْن بَكَّار الْمَذْكُورَة , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقه وَزَادَ فِيهِ \" مُتَعَمِّدًا \" وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق مُعَاذ عَنْ شُعْبَة , وَالِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى شُعْبَة. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر بِلَفْظِ : \" مَنْ حَدَّثَ عَنِّي كَذِبًا \" وَلَمْ يَذْكُر الْعَمْد. وَفِي تَمَسُّك الزُّبَيْر بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ اِخْتِيَار قِلَّة التَّحْدِيث دَلِيل لِلْأَصَحِّ فِي أَنَّ الْكَذِب هُوَ الْإِخْبَار بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَاف مَا هُوَ عَلَيْهِ سَوَاء كَانَ عَمْدًا أَمْ خَطَأ , وَالْمُخْطِئ وَإِنْ كَانَ غَيْر مَأْثُوم بِالْإِجْمَاعِ لَكِنَّ الزُّبَيْر خَشِيَ مِنْ الْإِكْثَار أَنْ يَقَع فِي الْخَطَأ وَهُوَ لَا يَشْعُر ; لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَأْثَم بِالْخَطَأِ لَكِنْ قَدْ يَأْثَم بِالْإِكْثَارِ إِذْ الْإِكْثَار مَظِنَّة الْخَطَأ , وَالثِّقَة إِذَا حَدَّثَ بِالْخَطَأِ فَحُمِلَ عَنْهُ وَهُوَ لَا يَشْعُر أَنَّهُ خَطَأ يُعْمَل بِهِ عَلَى الدَّوَام لِلْوُثُوقِ بِنَقْلِهِ , فَيَكُون سَبَبًا لِلْعَمَلِ بِمَا لَمْ يَقُلْهُ الشَّارِع , فَمَنْ خَشِيَ مِنْ إِكْثَار الْوُقُوع فِي الْخَطَأ لَا يُؤْمَن عَلَيْهِ الْإِثْم إِذَا تَعَمَّدَ الْإِكْثَار , فَمِنْ ثَمَّ تَوَقَّفَ الزُّبَيْر وَغَيْره مِنْ الصَّحَابَة عَنْ الْإِكْثَار مِنْ التَّحْدِيث. وَأَمَّا مَنْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ فَمَحْمُول عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا وَاثِقِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ بِالتَّثَبُّتِ , أَوْ طَالَتْ أَعْمَارهمْ فَاحْتِيجَ إِلَى مَا عِنْدهمْ فَسُئِلُوا فَلَمْ يُمْكِنهُمْ الْكِتْمَان. رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَتَبَوَّأْ ) ‏ ‏أَيْ فَلْيَتَّخِذْ لِنَفْسِهِ مَنْزِلًا , يُقَال تَبَوَّأَ الرَّجُل الْمَكَان إِذَا اِتَّخَذَهُ سَكَنًا , وَهُوَ أَمْر بِمَعْنَى الْخَبَر أَيْضًا , أَوْ بِمَعْنَى التَّهْدِيد , أَوْ بِمَعْنَى التَّهَكُّم , أَوْ دُعَاء عَلَى فَاعِل ذَلِكَ أَيْ : بَوَّأَهُ اللَّه ذَلِكَ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْأَمْر عَلَى حَقِيقَته , وَالْمَعْنَى مَنْ كَذَبَ فَلْيَأْمُرْ نَفْسه بِالتَّبَوُّءِ وَيَلْزَم عَلَيْهِ كَذَا , قَالَ : وَأَوَّلهَا أَوْلَاهَا , فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" بُنِيَ لَهُ بَيْت فِي النَّار \" قَالَ الطِّيبِيّ : فِيهِ إِشَارَة إِلَى مَعْنَى الْقَصْد فِي الذَّنْب وَجَزَائِهِ , أَيْ كَمَا أَنَّهُ قَصَدَ فِي الْكَذِب التَّعَمُّد فَلْيَقْصِدْ بِجَزَائِهِ التَّبَوُّء. ‏"
    },
    {
        "id": "105",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا ‏ ‏فَلْيَتَبَوَّأْ ‏ ‏مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَر ) ‏ ‏هُوَ الْبَصْرِيّ الْمُقْعَد , وَعَبْد الْوَارِث هُوَ اِبْن سَعِيد , وَعَبْد الْعَزِيز هُوَ اِبْن صُهَيْب. وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدِيثًا ) ‏ ‏الْمُرَاد بِهِ جِنْس الْحَدِيث , وَلِهَذَا وَصَفَهُ بِالْكَثْرَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هُوَ وَمَا بَعْده فِي مَحَلّ الرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعِل يَمْنَعنِي , وَإِنَّمَا خَشِيَ أَنَس مِمَّا خَشِيَ مِنْهُ الزُّبَيْر , وَلِهَذَا صَرَّحَ بِلَفْظِ الْإِكْثَار لِأَنَّهُ مَظِنَّة , وَمَنْ حَامَ حَوْل الْحِمَى لَا يَأْمَن وُقُوعه فِيهِ , فَكَانَ التَّقْلِيل مِنْهُمْ لِلِاحْتِرَازِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَأَنَس مِنْ الْمُكْثِرِينَ لِأَنَّهُ تَأَخَّرَتْ وَفَاته فَاحْتِيجَ إِلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَمْ يُمْكِنهُ الْكِتْمَان. وَيُجْمَع بِأَنَّهُ لَوْ حَدَّثَ بِجَمِيعِ مَا عِنْده لَكَانَ أَضْعَاف مَا حَدَّثَ بِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَتَّاب - بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاة فَوْقَانِيَّة - مَوْلَى هُرْمُز , سَمِعْت أَنَسًا يَقُول : \" لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ أُخْطِئ لَحَدَّثْتُك بِأَشْيَاء قَالَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد بِإِسْنَادٍ , فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُحَدِّث إِلَّا مَا تَحَقَّقَهُ وَيَتْرُك مَا يَشُكّ فِيهِ. وَحَمَلَهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُحَافِظ عَلَى الرِّوَايَة بِاللَّفْظِ فَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : \" لَوْلَا أَنْ أُخْطِئ \". وَفِيهِ نَظَر , وَالْمَعْرُوف عَنْ أَنَس جَوَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى كَمَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيب عَنْهُ صَرِيحًا , وَقَدْ وُجِدَ فِي رِوَايَاته ذَلِكَ كَالْحَدِيثِ فِي الْبَسْمَلَة , وَفِي قِصَّة تَكْثِير الْمَاء عِنْد الْوُضُوء , وَفِي قِصَّة تَكْثِير الطَّعَام. ‏ ‏قَوْله : ( كَذِبًا ) ‏ ‏هُوَ نَكِرَة فِي سِيَاق الشَّرْط فَيَعُمّ جَمِيع أَنْوَاع الْكَذِب. ‏"
    },
    {
        "id": "106",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ ‏ ‏فَلْيَتَبَوَّأْ ‏ ‏مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْمَكِّيّ ) ‏ ‏هُوَ اِسْم وَلَيْسَ بِنَسَبٍ كَمَا تَقَدَّمَ : وَهُوَ مِنْ كِبَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ , سَمِعَ مِنْ سَبْعَة عَشَر نَفْسًا مِنْ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ يَزِيد بْن أَبِي عُبَيْد الْمَذْكُور هُنَا , وَهُوَ مَوْلَى سَلَمَة بْن الْأَكْوَع صَاحِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا الْحَدِيث أَوَّل ثُلَاثِيّ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ , وَلَيْسَ فِيهِ أَعْلَى مِنْ الثُّلَاثِيَّات , وَقَدْ أُفْرِدَتْ فَبَلَغَتْ أَكْثَر مِنْ عِشْرِينَ حَدِيثًا. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ يَقُلْ ) ‏ ‏أَصْله يَقُول وَإِنَّمَا جُزِمَ بِالشَّرْطِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا لَمْ أَقُلْ ) ‏ ‏أَيْ : شَيْئًا لَمْ أَقُلْهُ فَحَذَفَ الْعَائِد وَهُوَ جَائِز وَذَكَرَ الْقَوْل لِأَنَّهُ الْأَكْثَر وَحُكْم الْفِعْل كَذَلِكَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّة الِامْتِنَاع وَقَدْ دَخَلَ الْفِعْل فِي عُمُوم حَدِيث الزُّبَيْر وَأَنَس السَّابِقَيْنِ لِتَعْبِيرِهِمَا بِلَفْظِ الْكَذِب عَلَيْهِ وَمِثْلهمَا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْد حَدِيث سَلَمَة فَلَا فَرْق فِي ذَلِكَ بَيْن أَنْ يَقُول قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا وَفَعَلَ كَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ قَالَهُ أَوْ فَعَلَهُ , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظ مَنْ مَنَعَ الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى. وَأَجَابَ الْمُجِيزُونَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَاد النَّهْي عَنْ الْإِتْيَان بِلَفْظٍ يُوجِب تَغَيُّر الْحُكْم مَعَ أَنَّ الْإِتْيَان بِاللَّفْظِ لَا شَكَّ فِي أَوْلَوِيَّته. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "107",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا ‏ ‏يَتَمَثَّلُ ‏ ‏فِي صُورَتِي وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ‏ ‏فَلْيَتَبَوَّأْ ‏ ‏مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَصِين ) ‏ ‏هُوَ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوح الْأَوَّل , وَأَبُو صَالِح هُوَ ذَكْوَانُ السَّمَّان. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّف هَذَا الْحَدِيث بِتَمَامِهِ فِي كِتَاب الْأَدَب مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ اِقْتَصَرَ مُسْلِم فِي رِوَايَته لَهُ عَلَى الْجُمْلَة الْأَخِيرَة وَهِيَ مَقْصُود الْبَاب , وَإِنَّمَا سَاقَهُ الْمُؤَلِّف بِتَمَامِهِ وَلَمْ يَخْتَصِرهُ كَعَادَتِهِ لِيُنَبِّه عَلَى أَنَّ الْكَذِب عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَوِي فِيهِ الْيَقَظَة وَالْمَنَام. وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. فَإِنْ قِيلَ : الْكَذِب مَعْصِيَة إِلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ فِي الْإِصْلَاح وَغَيْره , وَالْمَعَاصِي قَدْ تُوُعِّدَ عَلَيْهَا بِالنَّارِ , فَمَا الَّذِي اِمْتَازَ بِهِ الْكَاذِب عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَعِيد عَلَى مَنْ كَذَبَ عَلَى غَيْره ؟ فَالْجَوَاب عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ الْكَذِب عَلَيْهِ يُكَفِّر مُتَعَمِّده عِنْد بَعْض أَهْل الْعِلْم , وَهُوَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ , لَكِنْ ضَعَّفَهُ اِبْنه إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ بَعْده , وَمَالَ اِبْن الْمُنِير إِلَى اِخْتِيَاره , وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ الْكَاذِب عَلَيْهِ فِي تَحْلِيل حَرَام مَثَلًا لَا يَنْفَكّ عَنْ اِسْتِحْلَال ذَلِكَ الْحَرَام أَوْ الْحَمْل عَلَى اِسْتِحْلَاله , وَاسْتِحْلَال الْحَرَام كُفْر , وَالْحَمْل عَلَى الْكُفْر كُفْر. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَر لَا يَخْفَى , وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُر إِلَّا إِذَا اِعْتَقَدَ حِلّ ذَلِكَ. الْجَوَاب الثَّانِي أَنَّ الْكَذِب عَلَيْهِ كَبِيرَة وَالْكَذِب عَلَى غَيْره صَغِيرَة فَافْتَرَقَا , وَلَا يَلْزَم مِنْ اِسْتِوَاء الْوَعِيد فِي حَقّ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ أَوْ كَذَبَ عَلَى غَيْره أَنْ يَكُون مَقَرّهمَا وَاحِدًا أَوْ طُول إِقَامَتهمَا سَوَاء , فَقَدْ دَلَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" فَلْيَتَبَوَّأْ \" عَلَى طُول الْإِقَامَة فِيهَا , بَلْ ظَاهِره أَنَّهُ لَا يَخْرُج مِنْهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَل لَهُ مَنْزِلًا غَيْره , إِلَّا أَنَّ الْأَدِلَّة الْقَطْعِيَّة قَامَتْ عَلَى أَنَّ خُلُود التَّأْبِيد مُخْتَصّ بِالْكَافِرِينَ , وَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن الْكَذِب عَلَيْهِ وَبَيْن الْكَذِب عَلَى غَيْره كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجَنَائِز فِي حَدِيث الْمُغِيرَة حَيْثُ يَقُول \" إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَد \" وَسَنَذْكُرُ مَبَاحِثه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَنَذْكُر فِيهِ الِاخْتِلَاف فِي تَوْبَة مَنْ تَعَمَّدَ الْكَذِب عَلَيْهِ هَلْ تُقْبَل أَوْ لَا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏رَتَّبَ الْمُصَنِّف أَحَادِيث الْبَاب تَرْتِيبًا حَسَنًا لِأَنَّهُ بَدَأَ بِحَدِيثِ عَلِيّ وَفِيهِ مَقْصُود الْبَاب , وَثَنَّى بِحَدِيثِ الزُّبَيْر الدَّالّ عَلَى تَوَقِّي الصَّحَابَة وَتَحَرُّزهمْ مِنْ الْكَذِب عَلَيْهِ , وَثَلَّثَ بِحَدِيثِ أَنَس الدَّالّ عَلَى أَنَّ اِمْتِنَاعهمْ إِنَّمَا كَانَ مِنْ الْإِكْثَار الْمُفْضِي إِلَى الْخَطَأ لَا عَنْ أَصْل التَّحْدِيث ; لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالتَّبْلِيغِ , وَخَتَمَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى اِسْتِوَاء تَحْرِيم الْكَذِب عَلَيْهِ سَوَاء كَانَتْ دَعْوَى السَّمَاع مِنْهُ فِي الْيَقِظَة أَوْ فِي الْمَنَام. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ حَدِيث : \" مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ \" أَيْضًا مِنْ حَدِيث الْمُغِيرَة وَهُوَ فِي الْجَنَائِز , وَمِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ وَهُوَ فِي أَخْبَار بَنِي إِسْرَائِيل , وَمِنْ حَدِيث وَاثِلَة بْن الْأَسْقَع وَهُوَ فِي مَنَاقِب قُرَيْش , لَكِنْ لَيْسَ هُوَ بِلَفْظِ الْوَعِيد بِالنَّارِ صَرِيحًا. وَاتَّفَقَ مُسْلِم مَعَهُ عَلَى تَخْرِيج حَدِيث عَلِيّ وَأَنَس وَأَبِي هُرَيْرَة وَالْمُغِيرَة , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد أَيْضًا , وَصَحَّ أَيْضًا فِي غَيْر الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث عُثْمَان بْن عَفَّان وَابْن مَسْعُود وَابْن عُمَر وَأَبِي قَتَادَة وَجَابِر وَزَيْد بْن أَرْقَم , وَوَرَدَ بِأَسَانِيد حِسَان مِنْ حَدِيث طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه وَسَعِيد بْن زَيْد وَأَبِي عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَمُعَاذ بْن جَبَل وَعُقْبَة بْن عَامِر وَعِمْرَان بْن حُصَيْنٍ وَابْن عَبَّاس وَسَلْمَان الْفَارِسِيّ وَمُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان وَرَافِع بْن خَدِيج وَطَارِق الْأَشْجَعِيّ وَالسَّائِب بْن يَزِيد وَخَالِد بْن عُرْفُطَة وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي قِرْصَافَة وَأَبِي مُوسَى الْغَافِقِيّ وَعَائِشَة , فَهَؤُلَاءِ [ ثَلَاثَة وَ ] ثَلَاثُونَ نَفْسًا مِنْ الصَّحَابَة , وَوَرَدَ أَيْضًا عَنْ نَحْو خَمْسِينَ غَيْرهمْ بِأَسَانِيد ضَعِيفَة , وَعَنْ نَحْو مِنْ عِشْرِينَ آخَرِينَ بِأَسَانِيد سَاقِطَة. وَقَدْ اِعْتَنَى جَمَاعَة مِنْ الْحُفَّاظ بِجَمْعِ طُرُقه , فَأَوَّل مَنْ وَقَفْت عَلَى كَلَامه فِي ذَلِكَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ , وَتَبِعَهُ يَعْقُوب بْن شَيْبَة فَقَالَ : رُوِيَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ عِشْرِينَ وَجْهًا عَنْ الصَّحَابَة مِنْ الْحِجَازِيِّينَ وَغَيْرهمْ , ثُمَّ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَأَبُو بَكْر الْبَزَّار فَقَالَ كُلّ مِنْهُمَا : إِنَّهُ وَرَدَ مِنْ حَدِيث أَرْبَعِينَ مِنْ الصَّحَابَة , وَجَمَعَ طُرُقه فِي ذَلِكَ الْعَصْر أَبُو مُحَمَّد يَحْيَى بْن مُحَمَّد بْن صَاعِد فَزَادَ قَلِيلًا. وَقَالَ أَبُو بَكْر الصَّحَابِيّ شَارِح رِسَالَة الشَّافِعِيّ : رَوَاهُ سِتُّونَ نَفْسًا مِنْ الصَّحَابَة , وَجَمَعَ طُرُقه الطَّبَرَانِيُّ فَزَادَ قَلِيلًا , وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم بْن مَنْدَهْ رَوَاهُ أَكْثَر مِنْ ثَمَانِينَ نَفْسًا , وَقَدْ خَرَّجَهَا بَعْض النَّيْسَابُورِيِّينَ فَزَادَتْ قَلِيلًا , وَقَدْ جَمَعَ طُرُقه اِبْن الْجَوْزِيّ فِي مُقَدِّمَة كِتَاب \" الْمَوْضُوعَات \" فَجَاوَزَ التِّسْعِينَ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن دِحْيَة , وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ : يَرْوِيه نَحْو مِائَة مِنْ الصَّحَابَة , وَقَدْ جَمَعَهَا بَعْده الْحَافِظَانِ يُوسُف بْن خَلِيل وَأَبُو عَلِيّ الْبَكْرِيّ وَهُمَا مُتَعَاصِرَانِ فَوَقَعَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا لَيْسَ عِنْد الْآخَر , وَتَحَصَّلَ مِنْ مَجْمُوع ذَلِكَ كُلّه رِوَايَة مِائَة مِنْ الصَّحَابَة عَلَى مَا فَصَّلْته مِنْ صَحِيح وَحَسَن وَضَعِيف وَسَاقِط , مَعَ أَنَّ فِيهَا مَا هُوَ فِي مُطْلَق ذَمّ الْكَذِب عَلَيْهِ مِنْ غَيْر تَقْيِيد بِهَذَا الْوَعِيد الْخَاصّ. وَنَقَلَ النَّوَوِيّ أَنَّهُ جَاءَ عَنْ مِائَتَيْنِ مِنْ الصَّحَابَة , وَلِأَجْلِ كَثْرَة طُرُقه أَطْلَقَ عَلَيْهِ جَمَاعَة أَنَّهُ مُتَوَاتِر , وَنَازَعَ بَعْض مَشَايِخنَا فِي ذَلِكَ قَالَ : لِأَنَّ شَرْط التَّوَاتُر اِسْتِوَاء طَرَفَيْهِ وَمَا بَيْنهمَا فِي الْكَثْرَة , وَلَيْسَتْ مَوْجُودَة فِي كُلّ طَرِيق مِنْهَا بِمُفْرَدِهَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِإِطْلَاقِ كَوْنه مُتَوَاتِرًا رِوَايَة الْمَجْمُوع عَنْ الْمَجْمُوع مِنْ اِبْتِدَائِهِ إِلَى اِنْتِهَائِهِ فِي كُلّ عَصْر , وَهَذَا كَافٍ فِي إِفَادَة الْعِلْم. وَأَيْضًا فَطَرِيق أَنَس وَحْدهَا قَدْ رَوَاهَا عَنْهُ الْعَدَد الْكَثِير وَتَوَاتَرَتْ عَنْهُمْ. نَعَمْ وَحَدِيث عَلِيّ رَوَاهُ عَنْهُ سِتَّة مِنْ مَشَاهِير التَّابِعِينَ وَثِقَاتهمْ , وَكَذَا حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَأَبِي هُرَيْرَة وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو , فَلَوْ قِيلَ فِي كُلّ مِنْهَا إِنَّهُ مُتَوَاتِر عَنْ صَحَابِيّه لَكَانَ صَحِيحًا , فَإِنَّ الْعَدَد الْمُعَيَّن لَا يُشْتَرَط فِي الْمُتَوَاتِر , بَلْ مَا أَفَادَ الْعِلْم كَفَى , وَالصِّفَات الْعَلِيَّة فِي الرُّوَاة تَقُوم مَقَام الْعَدَد أَوْ تَزِيد عَلَيْهِ كَمَا قَرَّرْته فِي نُكَت عُلُوم الْحَدِيث وَفِي شَرْح نُخْبَة الْفِكْر , وَبَيَّنْت هُنَاكَ الرَّدّ عَلَى مَنْ اِدَّعَى أَنَّ مِثَال الْمُتَوَاتِر لَا يُوجَد إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث , وَبَيَّنْت أَنَّ أَمْثِلَته كَثِيرَة : مِنْهَا حَدِيث \" مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا , وَالْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ , وَرَفْع الْيَدَيْنِ , وَالشَّفَاعَة وَالْحَوْض وَرُؤْيَة اللَّه فِي الْآخِرَة , وَالْأَئِمَّة مِنْ قُرَيْش وَغَيْر ذَلِكَ \". وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْحَاكِم وَوَافَقَهُ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ رِوَايَة الْعَشَرَة الْمَشْهُورَة , قَالَ : وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا حَدِيث أَجْمَعَ الْعَشَرَة عَلَى رِوَايَته غَيْره , فَقَدْ تَعَقَّبَهُ غَيْر وَاحِد , لَكِنَّ الطُّرُق عَنْهُمْ مَوْجُودَة فِيمَا جَمَعَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ وَمَنْ بَعْده , وَالثَّابِت مِنْهَا مَا قَدَّمْت ذِكْره. فَمِنْ الصِّحَاح عَلِيّ وَالزُّبَيْر , وَمِنْ الْحِسَان طَلْحَة وَسَعْد وَسَعِيد وَأَبُو عُبَيْدَة , وَمِنْ الضَّعِيف الْمُتَمَاسِك طَرِيق عُثْمَان , وَبَقِيَّتهَا ضَعِيف وَسَاقِط. ‏"
    },
    {
        "id": "108",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُطَرِّفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ قَالَ ‏ ‏لَا إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ قُلْتُ فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ ‏ ‏الْعَقْلُ ‏ ‏وَفَكَاكُ ‏ ‏الْأَسِيرِ وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْن سَلَام ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ , وَاسْمه مُحَمَّد , وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَبُو دَاوُد وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ ; لِأَنَّ وَكِيعًا مَشْهُور بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ , وَقَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ فِي الْأَطْرَاف. يُقَال : إِنَّهُ اِبْن عُيَيْنَةَ. قُلْت : لَوْ كَانَ اِبْن عُيَيْنَةَ لَنَسَبَهُ لِأَنَّ الْقَاعِدَة فِي كُلّ مَنْ رَوَى عَنْ مُتَّفِقَيْ الِاسْم أَنْ يَحْمِل مَنْ أَهْمَلَ نِسْبَته عَلَى مَنْ يَكُون لَهُ بِهِ خُصُوصِيَّة مِنْ إِكْثَار وَنَحْوه كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَبْل هَذَا , وَهَكَذَا نَقُول هُنَا لِأَنَّ وَكِيعًا قَلِيل الرِّوَايَة عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ بِخِلَافِ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُطَرِّف ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الطَّاء الْمُهْمَلَة وَكَسْر الرَّاء اِبْن طَرِيف بِطَاءٍ مُهْمَلَة أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الشَّعْبِيّ ) ‏ ‏وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الدِّيَات سَمِعْت الشَّعْبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ) ‏ ‏هُوَ وَهْب السُّوَائِيّ , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته , وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الدِّيَات : سَمِعْت أَبَا جُحَيْفَةَ. وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ إِلَّا شَيْخ الْبُخَارِيّ وَقَدْ دَخَلَ الْكُوفَة , وَهُوَ مِنْ رِوَايَة صَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِعَلِيٍّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ عِنْدكُمْ ) ‏ ‏الْخِطَاب لِعَلِيٍّ , وَالْجَمْع إِمَّا لِإِرَادَتِهِ مَعَ بَقِيَّة أَهْل الْبَيْت أَوْ لِلتَّعْظِيمِ. ‏ ‏قَوْله : ( كِتَاب ) ‏ ‏أَيْ : مَكْتُوب أَخَذْتُمُوهُ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي الْجِهَاد : \" هَلْ عِنْدكُمْ شَيْء مِنْ الْوَحْي إِلَّا مَا فِي كِتَاب اللَّه \" وَلَهُ فِي الدِّيَات \" هَلْ عِنْدكُمْ شَيْء مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآن \" وَفِي مُسْنَد إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ جَرِير عَنْ مُطَرِّف : \" هَلْ عَلِمْت شَيْئًا مِنْ الْوَحْي \" وَإِنَّمَا سَأَلَهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ جَمَاعَة مِنْ الشِّيعَة كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ عِنْد أَهْل الْبَيْت - لَا سِيَّمَا عَلِيًّا - أَشْيَاء مِنْ الْوَحْي خَصَّهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا لَمْ يُطْلِع غَيْرهمْ عَلَيْهَا. وَقَدْ سَأَلَ عَلِيًّا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة أَيْضًا قَيْس بْن عُبَاد - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة - وَالْأَشْتَر النَّخَعِيُّ وَحَدِيثهمَا فِي مُسْنَد النَّسَائِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَا ) ‏ ‏زَادَ الْمُصَنِّف فِي الْجِهَاد \" لَا وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّة وَبَرَأَ النَّسَمَة \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا كِتَابُ اللَّه ) ‏ ‏هُوَ بِالرَّفْعِ , وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْده أَشْيَاء مَكْتُوبَة مِنْ الْفِقْه الْمُسْتَنْبَط مِنْ كِتَاب اللَّه , وَهِيَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : أَوْ فَهْم أُعْطِيَهُ رَجُل \" لِأَنَّهُ ذُكِرَ بِالرَّفْعِ , فَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاء مِنْ غَيْر الْجِنْس لَكَانَ مَنْصُوبًا. كَذَا قَالَ , وَالظَّاهِر أَنَّ الِاسْتِثْنَاء فِيهِ مُنْقَطِع , وَالْمُرَاد بِذِكْرِ الْفَهْم إِثْبَات إِمْكَان الزِّيَادَة عَلَى مَا فِي الْكِتَاب. وَقَدْ رَوَاهُ الْمُصَنِّف فِي الدِّيَات بِلَفْظِ : \" مَا عِنْدنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآن , إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُل مِنْ الْكِتَاب \" فَالِاسْتِثْنَاء الْأَوَّل مُفَرَّغ وَالثَّانِي مُنْقَطِع , مَعْنَاهُ لَكِنْ إِنْ أَعْطَى اللَّه رَجُلًا فَهْمًا فِي كِتَابه فَهُوَ يَقْدِر عَلَى الِاسْتِنْبَاط فَتَحْصُل عِنْده الزِّيَادَة بِذَلِكَ الِاعْتِبَار. وَقَدْ رَوَى أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ طَرِيق طَارِق بْن شِهَاب قَالَ : شَهِدْت عَلِيًّا عَلَى الْمِنْبَر وَهُوَ يَقُول : \" وَاَللَّه مَا عِنْدنَا كِتَاب نَقْرَأهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا كِتَاب اللَّه وَهَذِهِ الصَّحِيفَة \" وَهُوَ يُؤَيِّد مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْفَهْمِ شَيْئًا مَكْتُوبًا. ‏ ‏قَوْله : ( الصَّحِيفَة ) ‏ ‏أَيْ : الْوَرَقَة الْمَكْتُوبَة. وَلِلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق الْأَشْتَر \" فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَاب سَيْفه \". ‏ ‏قَوْله : ( الْعَقْل ) ‏ ‏أَيْ : الدِّيَة , وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعْطُونَ فِيهَا الْإِبِل وَيَرْبِطُونَهَا بِفِنَاءِ دَار الْمَقْتُول بِالْعِقَالِ وَهُوَ الْحَبْل. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ بَدَل الْعَقْل \" الدِّيَات \" وَالْمُرَاد أَحْكَامهَا وَمَقَادِيرهَا وَأَصْنَافهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَفِكَاك ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء وَفَتْحهَا. وَقَالَ الْفَرَّاء الْفَتْح أَفْصَح , وَالْمَعْنَى أَنَّ فِيهَا حُكْم تَخْلِيص الْأَسِير مِنْ يَد الْعَدُوّ وَالتَّرْغِيب فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يُقْتَل ) ‏ ‏بِضَمِّ اللَّام , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ : \" وَأَنْ لَا يُقْتَل \" بِفَتْحِ اللَّام , وَعُطِفَتْ الْجُمْلَة عَلَى الْمُفْرَد لِأَنَّ التَّقْدِير فِيهَا أَيْ الصَّحِيفَة حُكْم الْعَقْل وَحُكْم تَحْرِيم قَتْل الْمُسْلِم بِالْكَافِرِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَسْأَلَة قَتْل الْمُسْلِم بِالْكَافِرِ فِي كِتَاب الْقِصَاص وَالدِّيَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَوَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق يَزِيد التَّيْمِيِّ عَنْ عَلِيّ قَالَ : \" مَا عِنْدنَا شَيْء نَقْرَأهُ إِلَّا كِتَاب اللَّه وَهَذِهِ الصَّحِيفَة. فَإِذَا فِيهَا : الْمَدِينَة حَرَم... \" الْحَدِيث. وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْل عَنْ عَلِيّ : \" مَا خَصَّنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمّ بِهِ النَّاس كَافَّة إِلَّا مَا فِي قِرَاب سَيْفِي هَذَا. وَأَخْرَجَ صَحِيفَة مَكْتُوبَة فِيهَا : لَعَنَ اللَّه مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّه... \" الْحَدِيث. وَلِلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق الْأَشْتَر وَغَيْره عَنْ عَلِيّ : \" فَإِذَا فِيهَا : الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ , يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ.. \" الْحَدِيث. وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق طَارِق بْن شِهَاب : \" فِيهَا فَرَائِض الصَّدَقَة \" وَالْجَمْع بَيْن هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّ الصَّحِيفَة كَانَتْ وَاحِدَة وَكَانَ جَمِيع ذَلِكَ مَكْتُوبًا فِيهَا , فَنَقَلَ كُلّ وَاحِد مِنْ الرِّوَايَة عَنْهُ مَا حَفِظَهُ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَتَادَة فِي رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي حَسَّان عَنْ عَلِيّ , وَبَيَّنَ أَيْضًا السَّبَب فِي سُؤَالهمْ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِل مِنْ طَرِيق أَبِي حَسَّان أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَأْمُر بِالْأَمْرِ فَيُقَال : قَدْ فَعَلْنَاهُ. فَيَقُول : صَدَقَ اللَّه وَرَسُوله. فَقَالَ لَهُ الْأَشْتَر : هَذَا الَّذِي تَقُول أَهُوَ شَيْء عَهِدَهُ إِلَيْك رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة دُون النَّاس ؟ فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "109",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏خُزَاعَةَ ‏ ‏قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ ‏ ‏بَنِي لَيْثٍ ‏ ‏عَامَ فَتْحِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏بِقَتِيلٍ ‏ ‏مِنْهُمْ قَتَلُوهُ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَكِبَ ‏ ‏رَاحِلَتَهُ ‏ ‏فَخَطَبَ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ ‏ ‏حَبَسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏الْقَتْلَ ‏ ‏أَوْ الْفِيلَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏كَذَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏وَاجْعَلُوهُ عَلَى الشَّكِّ الْفِيلَ أَوْ الْقَتْلَ ‏ ‏وَغَيْرُهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الْفِيلَ ‏ ‏وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْمُؤْمِنِينَ أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ لَا ‏ ‏يُخْتَلَى ‏ ‏شَوْكُهَا وَلَا ‏ ‏يُعْضَدُ ‏ ‏شَجَرُهَا وَلَا ‏ ‏تُلْتَقَطُ ‏ ‏سَاقِطَتُهَا ‏ ‏إِلَّا ‏ ‏لِمُنْشِدٍ ‏ ‏فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ ‏ ‏النَّظَرَيْنِ ‏ ‏إِمَّا أَنْ ‏ ‏يُعْقَلَ ‏ ‏وَإِمَّا أَنْ ‏ ‏يُقَادَ ‏ ‏أَهْلُ الْقَتِيلِ فَجَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏فَقَالَ اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ اكْتُبُوا لِأَبِي فُلَانٍ فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏يُقَالُ ‏ ‏يُقَادُ ‏ ‏بِالْقَافِ فَقِيلَ ‏ ‏لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ قَالَ كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا شَيْبَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن يُكَنَّى أَبَا مُعَاوِيَة , وَهُوَ بِفَتْحِ الشِّين الْمُعْجَمَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة ثُمَّ مُوَحَّدَة , وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيّ بِهَذِهِ الصُّورَة غَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي الدِّيَات : \" حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَة حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَة \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ خُزَاعَة ) ‏ ‏أَيْ الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة , وَالْمُرَاد وَاحِد مِنْهُمْ فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اِسْم الْقَبِيلَة مَجَازًا , وَاسْم هَذَا الْقَاتِل خِرَاش بْن أُمَيَّة الْخُزَاعِيّ , وَالْمَقْتُول فِي الْجَاهِلِيَّة مِنْهُمْ اِسْمه أَحْمَر , وَالْمَقْتُول فِي الْإِسْلَام مِنْ بَنِي لَيْث لَمْ يُسَمَّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَبَسَ ) ‏ ‏أَيْ : مَنَعَ عَنْ مَكَّة. ( ‏ ‏الْقَتْل ) ‏ ‏أَيْ : بِالْقَافِ وَالْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق ‏ ‏( أَوْ الْفِيل ) ‏ ‏أَيْ : بِالْفَاءِ الْمَكْسُورَة بَعْدهَا يَاء تَحْتَانِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( كَذَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ ) ‏ ‏أَرَادَ الْبُخَارِيّ أَنَّ الشَّكّ فِيهِ مِنْ شَيْخه. ‏ ‏قَوْله : ( وَغَيْره يَقُول : الْفِيل ) ‏ ‏أَيْ : بِالْفَاءِ وَلَا يَشُكّ , وَالْمُرَاد بِالْغَيْرِ مَنْ رَوَاهُ عَنْ شَيْبَانَ رَفِيقًا لِأَبِي نُعَيْمٍ وَهُوَ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , وَمَنْ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى رَفِيقًا لِشَيْبَانَ وَهُوَ حَرْب بْن شَدَّاد كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه عِنْد الْمُصَنِّف فِي الدِّيَات , وَالْمُرَاد بِحَبْسِ الْفِيل أَهْل الْفِيل وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الْقِصَّة الْمَشْهُورَة لِلْحَبَشَةِ فِي غَزَوْهُمْ مَكَّة وَمَعَهُمْ الْفِيل فَمَنَعَهَا اللَّه مِنْهُمْ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ الطَّيْر الْأَبَابِيل مَعَ كَوْن أَهْل مَكَّة إِذْ ذَاكَ كَانُوا كُفَّارًا , فَحُرْمَة أَهْلهَا بَعْد الْإِسْلَام آكَد ; لَكِنَّ غَزْو النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهَا مَخْصُوص بِهِ عَلَى ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الْحَجّ مُفَصَّلًا إِنْ شَاءَ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَسُلِّطَ عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ أَوَّله , وَرَسُول مَرْفُوع وَالْمُؤْمِنُونَ مَعْطُوف عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَحِلّ ) ‏ ‏لِلْكُشْمِيهَنِيّ : \" وَلَمْ تَحِلّ \" وَلِلْمُصَنِّف فِي اللُّقَطَة مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى : \" وَلَنْ \" وَهِيَ أَلْيَق بِالْمُسْتَقْبَلِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُخْتَلَى ) ‏ ‏بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَيْ : لَا يُحْصَد يُقَال اِخْتَلَيْته إِذَا قَطَعْته وَذِكْر الشَّوْك دَالّ عَلَى مَنْع قَطْع غَيْره مِنْ بَاب أَوْلَى , وَسَيَأْتِي ذِكْر الْخِلَاف فِيهِ فِي الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا لِمُنْشِدٍ ) ‏ ‏أَيْ مُعَرِّف , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب اللُّقَطَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا , وَفِيهِ حَذْف وَقَعَ بَيَانه فِي رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي الدِّيَات عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ بِهَذَا الْإِسْنَاد : \" فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيل \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِمَّا أَنْ يُقَاد ) ‏ ‏هُوَ بِالْقَافِ أَيْ : يَقْتَصّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" إِمَّا أَنْ يُفَادَى \" بِالْفَاءِ وَزِيَادَة يَاء بَعْد الدَّال , وَالصَّوَاب أَنَّ الرِّوَايَة عَلَى وَجْهَيْنِ : مَنْ قَالَهَا بِالْقَافِ قَالَ فِيمَا قَبْلهَا : \" إِمَّا أَنْ يُعْقَل \" مِنْ الْعَقْل وَهُوَ الدِّيَة , وَمَنْ قَالَهَا بِالْفَاءِ قَالَ فِيمَا قَبْلهَا : \" إِمَّا أَنْ يُقْتَل \" بِالْقَافِ وَالْمُثَنَّاة. وَالْحَاصِل تَفْسِير \" النَّظَرَيْنِ \" بِالْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَة. وَفِي الْمَسْأَلَة بَحْث يَأْتِي فِي الدِّيَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ رَجُل مِنْ أَهْل الْيَمَن ) ‏ ‏هُوَ أَبُو شَاه بِهَاءٍ مُنَوَّنَة , وَسَيَأْتِي فِي اللُّقَطَة مُسَمًّى , وَالْإِشَارَة إِلَى مَنْ حَرَّفَهُ , وَهُنَاكَ مِنْ الزِّيَادَة عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم : \" قُلْت لِلْأَوْزَاعِيِّ : مَا قَوْله : اُكْتُبُوا لِي ؟ قَالَ : هَذِهِ الْخُطْبَة الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قُلْت : وَبِهَذَا تَظْهَر مُطَابَقَة هَذَا الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل مِنْ قُرَيْش ) ‏ ‏هُوَ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب كَمَا يَأْتِي فِي اللُّقَطَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِابْنِ أَبِي شَيْبَة : \" فَقَالَ رَجُل مِنْ قُرَيْش يُقَال لَهُ شَاه \" وَهُوَ غَلَط. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا الْإِذْخِر ) ‏ ‏كَذَا هُوَ فِي رِوَايَتنَا بِالنَّصْبِ , وَيَجُوز رَفْعه عَلَى الْبَدَل مِمَّا قَبْله. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا الْإِذْخِر إِلَّا الْإِذْخِر ) ‏ ‏كَذَا هُوَ فِي رِوَايَتنَا , وَالثَّانِيَة عَلَى سَبِيل التَّأْكِيد. ‏"
    },
    {
        "id": "110",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَخِيهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَا مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار الْمَكِّيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَخِيهِ ) ‏ ‏هُوَ هَمَّام بْن مُنَبِّه بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَة الْمَكْسُورَة وَكَانَ أَكْبَر مِنْهُ سِنًّا لَكِنْ تَأَخَّرَتْ وَفَاته عَنْ وَهْب , وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ مِنْ طَبَقَة مُتَقَارِبَة أَوَّلهمْ عَمْرو. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُب وَلَا أَكْتُب ) ‏ ‏هَذَا اِسْتِدْلَال مِنْ أَبِي هُرَيْرَة عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَكْثَرِيَّة مَا عِنْد عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَيْ : اِبْن الْعَاصِ عَلَى مَا عِنْده , وَيُسْتَفَاد مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ جَازِمًا بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحَابَة أَكْثَر حَدِيثًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ إِلَّا عَبْد اللَّه , مَعَ أَنَّ الْمَوْجُود الْمَرْوِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَقَلّ مِنْ الْمَوْجُود الْمَرْوِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَة , فَإِنْ قُلْنَا الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع فَلَا إِشْكَال , إِذْ التَّقْدِير : لَكِنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ عَبْد اللَّه وَهُوَ الْكِتَابَة لَمْ يَكُنْ مِنِّي , سَوَاء لَزِمَ مِنْهُ كَوْنه أَكْثَر حَدِيثًا لِمَا تَقْتَضِيه الْعَادَة أَمْ لَا. وَإِنْ قُلْنَا الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِل فَالسَّبَب فِيهِ مِنْ جِهَات : أَحَدهَا أَنَّ عَبْد اللَّه كَانَ مُشْتَغِلًا بِالْعِبَادَةِ أَكْثَرَ مِنْ اِشْتِغَاله بِالتَّعْلِيمِ فَقَلَّتْ الرِّوَايَة عَنْهُ. ثَانِيهَا أَنَّهُ كَانَ أَكْثَر مُقَامه بَعْد فُتُوح الْأَمْصَار بِمِصْرَ أَوْ بِالطَّائِفِ وَلَمْ تَكُنْ الرِّحْلَة إِلَيْهِمَا مِمَّنْ يَطْلُب الْعِلْم كَالرِّحْلَةِ إِلَى الْمَدِينَة , وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة مُتَصَدِّيًا فِيهَا لِلْفَتْوَى وَالتَّحْدِيث إِلَى أَنْ مَاتَ , وَيَظْهَر هَذَا مِنْ كَثْرَة مَنْ حَمَلَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ ثَمَانمِائَةِ نَفْس مِنْ التَّابِعِينَ , وَلَمْ يَقَع هَذَا لِغَيْرِهِ. ثَالِثهَا مَا اُخْتُصَّ بِهِ أَبُو هُرَيْرَة مِنْ دَعْوَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِأَنْ لَا يَنْسَى مَا يُحَدِّثهُ بِهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا. رَابِعهَا أَنَّ عَبْد اللَّه كَانَ قَدْ ظَفِرَ فِي الشَّام بِحِمْلِ جَمَل مِنْ كُتُب أَهْل الْكِتَاب فَكَانَ يَنْظُر فِيهَا وَيُحَدِّث مِنْهَا فَتَجَنَّبَ الْأَخْذ عَنْهُ لِذَلِكَ كَثِير مِنْ أَئِمَّة التَّابِعِينَ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا أَكْتُب ) قَدْ يُعَارِضهُ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن وَهْب مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن عَمْرو بْن أُمَيَّة قَالَ : تُحُدِّثَ عِنْد أَبِي هُرَيْرَة بِحَدِيثٍ , فَأَخَذَ بِيَدِي إِلَى بَيْته فَأَرَانَا كُتُبًا مِنْ حَدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : هَذَا هُوَ مَكْتُوب عِنْدِي. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : حَدِيث هَمَّام أَصَحّ , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَكْتُب فِي الْعَهْد النَّبَوِيّ ثُمَّ كَتَبَ بَعْده. قُلْت : وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ وُجُود الْحَدِيث مَكْتُوبًا عَنْهُ أَنْ يَكُون بِخَطِّهِ , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَكْتُب , فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمَكْتُوب عِنْده بِغَيْرِ خَطّه. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ مَعْمَر ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن رَاشِد يَعْنِي تَابَعَ وَهْب بْن مُنَبِّه فِي رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ هَمَّام , وَالْمُتَابَعَة الْمَذْكُورَة أَخْرَجَهَا عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر , وَأَخْرَجَهَا أَبُو بَكْر بْن عَلِيّ الْمَرْوَزِيّ فِي كِتَاب الْعِلْم لَهُ عَنْ حَجَّاج بْن الشَّاعِر عَنْهُ , وَرَوَى أَحْمَد وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَل مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ مُجَاهِد وَالْمُغِيرَة بْن حَكِيم قَالَا : سَمِعْنَا أَبَا هُرَيْرَة يَقُول : \" مَا كَانَ أَحَد أَعْلَم بِحَدِيثِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُب بِيَدِهِ وَيَعِي بِقَلْبِهِ , وَكُنْت أَعِي وَلَا أَكْتُب , اِسْتَأْذَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكِتَاب عَنْهُ فَأَذِنَ لَهُ \" إِسْنَاده حَسَن. وَلَهُ طَرِيق أُخْرَى أَخْرَجَهَا الْعُقَيْلِيّ فِي تَرْجَمَة عَبْد الرَّحْمَن بْن سَلْمَان عَنْ عَقِيل عَنْ الْمُغِيرَة بْن حَكِيم سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ : \" مَا كَانَ أَحَد أَعْلَم بِحَدِيثِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي إِلَّا عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُب , اِسْتَأْذَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْتُب بِيَدِهِ مَا سَمِعَ مِنْهُ فَأَذِنَ لَهُ \" الْحَدِيث. وَعِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق يُوسُف بْن مَاهَك عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو : \" كُنْت أَكْتُب كُلّ شَيْء سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَهَتْنِي قُرَيْش \" الْحَدِيث. وَفِيهِ : \" اُكْتُبْ , فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُج مِنْهُ إِلَّا الْحَقّ \" وَلِهَذَا طُرُق أُخْرَى عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو يُقَوِّي بَعْضهَا بَعْضًا. وَلَا يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُونَا فِي الْوَعْي سَوَاء لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ اِخْتِصَاص أَبِي هُرَيْرَة بِالدُّعَاءِ بِعَدَمِ النِّسْيَان , وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال تُحْمَل أَكْثَرِيَّة عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَلَى مَا فَازَ بِهِ عَبْد اللَّه مِنْ الْكِتَابَة قَبْل الدُّعَاء لِأَبِي هُرَيْرَة ; لِأَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثه : \" فَمَا نَسِيت شَيْئًا بَعْد \" فَجَازَ أَنْ يَدْخُل عَلَيْهِ النِّسْيَان فِيمَا سَمِعَهُ قَبْل الدُّعَاء , بِخِلَافِ عَبْد اللَّه فَإِنَّ الَّذِي سَمِعَهُ مَضْبُوط بِالْكِتَابَةِ , وَاَلَّذِي اِنْتَشَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَعَ ذَلِكَ أَضْعَاف مَا اِنْتَشَرَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو لِتَصَدِّي أَبِي هُرَيْرَة لِذَلِكَ وَمُقَامه بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة , بِخِلَافِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فِي الْأَمْرَيْنِ. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ وَمِنْ حَدِيث عَلِيّ الْمُتَقَدِّم وَمِنْ قِصَّة أَبِي شَاه أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ فِي كِتَابَة الْحَدِيث عَنْهُ , وَهُوَ يُعَارِض حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْر الْقُرْآن \" رَوَاهُ مُسْلِم. وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ النَّهْي خَاصّ بِوَقْتِ نُزُول الْقُرْآن خَشْيَة اِلْتِبَاسه بِغَيْرِهِ , وَالْإِذْن فِي غَيْر ذَلِكَ. أَوْ أَنَّ النَّهْي خَاصّ بِكِتَابَةِ غَيْر الْقُرْآن مَعَ الْقُرْآن فِي شَيْء وَاحِد وَالْإِذْن فِي تَفْرِيقهمَا , أَوْ النَّهْي مُتَقَدِّم وَالْإِذْن نَاسِخ لَهُ عِنْد الْأَمْن مِنْ الِالْتِبَاس وَهُوَ أَقْرَبهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُنَافِيهَا. وَقِيلَ النَّهْي خَاصّ بِمَنْ خُشِيَ مِنْهُ الِاتِّكَال عَلَى الْكِتَابَة دُون الْحِفْظ , وَالْإِذْن لِمَنْ أُمِنَ مِنْهُ ذَلِكَ , وَمِنْهُمْ مَنْ أَعَلَّ حَدِيث أَبِي سَعِيد وَقَالَ : الصَّوَاب وَقْفه عَلَى أَبِي سَعِيد , قَالَهُ الْبُخَارِيّ وَغَيْره. قَالَ الْعُلَمَاء. كَرِهَ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كِتَابَة الْحَدِيث وَاسْتَحَبُّوا أَنْ يُؤْخَذ عَنْهُمْ حِفْظًا كَمَا أَخَذُوا حِفْظًا , لَكِنْ لَمَّا قَصُرَتْ الْهِمَم وَخَشِيَ الْأَئِمَّة ضَيَاع الْعِلْم دَوَّنُوهُ , وَأَوَّل مَنْ دَوَّنَ الْحَدِيث اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيّ عَلَى رَأْس الْمِائَة بِأَمْرِ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز , ثُمَّ كَثُرَ التَّدْوِين ثُمَّ التَّصْنِيف , وَحَصَلَ بِذَلِكَ خَيْر كَثِير. فَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏"
    },
    {
        "id": "111",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَجَعُهُ قَالَ ‏ ‏ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَلَبَهُ ‏ ‏الْوَجَعُ وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ ‏ ‏اللَّغَطُ ‏ ‏قَالَ قُومُوا عَنِّي وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ ‏ ‏فَخَرَجَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏الرَّزِيَّةَ ‏ ‏كُلَّ ‏ ‏الرَّزِيَّةِ ‏ ‏مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبَيْنَ كِتَابِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن عُتْبَة بْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا اِشْتَدَّ ) ‏ ‏أَيْ : قَوِيَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَعه ) ‏ ‏أَيْ : فِي مَرَض مَوْته كَمَا سَيَأْتِي. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ : \" لَمَّا حَضَرَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَفَاةُ \" وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ حَدِيث سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم الْخَمِيس وَهُوَ قَبْل مَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْبَعَةِ أَيَّام. ‏ ‏قَوْله : ( بِكِتَابٍ ) ‏ ‏أَيْ : بِأَدَوَاتِ الْكِتَاب , فَفِيهِ مَجَاز الْحَذْف. وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ قَالَ : \" اِئْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاة \" وَالْمُرَاد بِالْكَتِفِ عَظْم الْكَتِف لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْتُبُونَ فِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَكْتُبْ ) ‏ ‏هُوَ بِإِسْكَانِ الْبَاء جَوَاب الْأَمْر , وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى الِاسْتِئْنَاف , وَفِيهِ مَجَاز أَيْضًا أَيْ : آمُر بِالْكِتَابَةِ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِي الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الصُّلْح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي مُسْنَد أَحْمَد مِنْ حَدِيث عَلِيّ أَنَّهُ الْمَأْمُور بِذَلِكَ وَلَفْظه \" أَمَرَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ آتِيَهُ بِطَبَقٍ - أَيْ : كَتِف - يَكْتُب مَا لَا تَضِلّ أُمَّته مِنْ بَعْده \". ‏ ‏قَوْله : ( كِتَابًا ) ‏ ‏بَعْد قَوْله : \" بِكِتَابٍ \" فِيهِ الْجِنَاس التَّامّ بَيْن الْكَلِمَتَيْنِ , وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْحَقِيقَةِ وَالْأُخْرَى بِالْمَجَازِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَضِلُّوا ) ‏ ‏هُوَ نَفْي وَحُذِفَتْ النُّون فِي الرِّوَايَات الَّتِي اِتَّصَلَتْ لَنَا لِأَنَّهُ بَدَل مِنْ جَوَاب الْأَمْر , وَتَعَدُّد جَوَاب الْأَمْر مِنْ غَيْر حَرْف الْعَطْف جَائِز. ‏ ‏قَوْله : ( غَلَبَهُ الْوَجَع ) ‏ ‏أَيْ : فَيَشُقّ عَلَيْهِ إِمْلَاء الْكِتَاب أَوْ مُبَاشَرَة الْكِتَابَة , وَكَأَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَقْتَضِي التَّطْوِيل , قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره : اِئْتُونِي أَمْر , وَكَانَ حَقّ الْمَأْمُور أَنْ يُبَادِر لِلِامْتِثَالِ , لَكِنْ ظَهَرَ لِعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مَعَ طَائِفَة أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوب , وَأَنَّهُ مِنْ بَاب الْإِرْشَاد إِلَى الْأَصْلَح فَكَرِهُوا أَنْ يُكَلِّفُوهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشُقّ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَة مَعَ اِسْتِحْضَارهمْ قَوْله تَعَالَى : ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء ) وَقَوْله تَعَالَى : ( تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء ) , وَلِهَذَا قَالَ عُمَر : حَسْبنَا كِتَاب اللَّه. وَظَهَرَ لِطَائِفَةٍ أُخْرَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُكْتَب لِمَا فِيهِ مِنْ اِمْتِثَال أَمْره وَمَا يَتَضَمَّنهُ مِنْ زِيَادَة الْإِيضَاح , وَدَلَّ أَمْره لَهُمَا بِالْقِيَامِ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ الْأَوَّل كَانَ عَلَى الِاخْتِيَار , وَلِهَذَا عَاشَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد ذَلِكَ أَيَّامًا وَلَمْ يُعَاوِد أَمْرَهُمْ بِذَلِكَ , وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَتْرُكهُ لِاخْتِلَافِهِمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُك التَّبْلِيغ لِمُخَالَفَةِ مَنْ خَالَفَ , وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَة يُرَاجِعُونَهُ فِي بَعْض الْأُمُور مَا لَمْ يَجْزِم بِالْأَمْرِ , فَإِذَا عَزَمَ اِمْتَثَلُوا. وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي كِتَاب الِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ عُدَّ هَذَا مِنْ مُوَافَقَة عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالْكِتَابِ , فَقِيلَ : كَانَ أَرَادَ أَنْ يَكْتُب كِتَابًا يَنُصّ فِيهِ عَلَى الْأَحْكَام لِيَرْتَفِع الِاخْتِلَاف , وَقِيلَ : بَلْ أَرَادَ أَنْ يَنُصّ عَلَى أَسَامِي الْخُلَفَاء بَعْده حَتَّى لَا يَقَع بَيْنهمْ الِاخْتِلَاف , قَالَهُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي أَوَائِل مَرَضه وَهُوَ عِنْد عَائِشَة : \" اُدْعِي لِي أَبَاك وَأَخَاك حَتَّى أَكْتُب كِتَابًا , فَإِنِّي أَخَاف أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُول قَائِل , وَيَأْبَى اللَّه وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْر \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. وَلِلْمُصَنِّفِ مَعْنَاهُ , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكْتُب , وَالْأَوَّل أَظْهَر لِقَوْلِ عُمَر : كِتَاب اللَّه حَسْبنَا. أَيْ : كَافِينَا. مَعَ أَنَّهُ يَشْمَل الْوَجْه الثَّانِي لِأَنَّهُ بَعْض أَفْرَاده. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا ذَهَبَ عُمَر إِلَى أَنَّهُ لَوْ نَصَّ بِمَا يُزِيل الْخِلَاف لَبَطَلَتْ فَضِيلَة الْعُلَمَاء وَعُدِمَ الِاجْتِهَاد. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ بِأَنَّهُ لَوْ نَصَّ عَلَى شَيْء أَوْ أَشْيَاء لَمْ يَبْطُل الِاجْتِهَاد لِأَنَّ الْحَوَادِث لَا يُمْكِن حَصْرهَا. قَالَ : وَإِنَّمَا خَافَ عُمَر أَنْ يَكُون مَا يَكْتُبهُ فِي حَالَة غَلَبَة الْمَرَض فَيَجِد بِذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ سَبِيلًا إِلَى الطَّعْن فِي ذَلِكَ الْمَكْتُوب , وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدهُ فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُع ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ الْأَوْلَى كَانَ الْمُبَادَرَة إِلَى اِمْتِثَال الْأَمْر , وَإِنْ كَانَ مَا اِخْتَارَهُ عُمَر صَوَابًا إِذْ لَمْ يَتَدَارَك ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد كَمَا قَدَّمْنَاهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَاخْتِلَافهمْ فِي ذَلِكَ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي قَوْله لَهُمْ : \" لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَد الْعَصْر إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَة \" فَتَخَوَّفَ نَاس فَوْت الْوَقْت فَصَلَّوْا , وَتَمَسَّكَ آخَرُونَ بِظَاهِرِ الْأَمْر فَلَمْ يُصَلُّوا , فَمَا عَنَّفَ أَحَدًا مِنْهُمْ مِنْ أَجْل الِاجْتِهَاد الْمُسَوِّغ وَالْمَقْصِد الصَّالِح. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَ اِبْن عَبَّاس يَقُول ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ مَعَهُمْ , وَأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة خَرَجَ قَائِلًا هَذِهِ الْمَقَالَة. وَلَيْسَ الْأَمْر فِي الْوَاقِع عَلَى مَا يَقْتَضِيه هَذَا الظَّاهِر , بَلْ قَوْل اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور إِنَّمَا كَانَ يَقُولهُ عِنْدَمَا يُحَدِّث بِهَذَا الْحَدِيث , فَفِي رِوَايَة مَعْمَر عِنْد الْمُصَنِّف فِي الِاعْتِصَام وَغَيْره : قَالَ عُبَيْد اللَّه فَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول. وَكَذَا لِأَحْمَد مِنْ طَرِيق جَرِير بْن حَازِم عَنْ يُونُس بْن يَزِيد. وَجَزَمَ اِبْن تَيْمِيَة فِي الرَّدّ عَلَى الرَّافِضِيّ بِمَا قُلْته , وَكُلّ مِنْ الْأَحَادِيث يَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِيهِ فِي مَكَانه اللَّائِق بِهِ , إِلَّا حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر فَهُوَ عُمْدَة الْبَاب. وَوَجْه رِوَايَة حَدِيث الْبَاب أَنَّ اِبْن عَبَّاس لَمَّا حَدَّثَ عُبَيْد اللَّه بِهَذَا الْحَدِيث خَرَجَ مِنْ الْمَكَان الَّذِي كَانَ بِهِ وَهُوَ يَقُول ذَلِكَ. وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج قَالَ عُبَيْد اللَّه : فَسَمِعْت اِبْن عَبَّاس يَقُول إِلَخْ. وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ حَمْله عَلَى غَيْر ظَاهِره لِأَنَّ عُبَيْد اللَّه تَابِعِيّ مِنْ الطَّبَقَة الثَّانِيَة لَمْ يُدْرِك الْقِصَّة فِي وَقْتهَا لِأَنَّهُ وُلِدَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَة , ثُمَّ سَمِعَهَا مِنْ اِبْن عَبَّاس بَعْد ذَلِكَ بِمُدَّةٍ أُخْرَى. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( الرَّزِيئَة ) ‏ ‏هِيَ بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الزَّاي بَعْدهَا يَاء ثُمَّ هَمْزَة , وَقَدْ تُسَهَّل الْهَمْزَة وَتُشَدَّد الْيَاء , وَمَعْنَاهَا الْمُصِيبَة , وَزَادَ فِي رِوَايَة مَعْمَر \" لِاخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطهمْ \" أَيْ : أَنَّ الِاخْتِلَاف كَانَ سَبَبًا لِتَرْكِ كِتَابَة الْكِتَاب. وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى جَوَاز كِتَابَة الْعِلْم , وَعَلَى أَنَّ الِاخْتِلَاف قَدْ يَكُون سَبَبًا فِي حِرْمَان الْخَيْر كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّة الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَخَاصَمَا فَرُفِعَ تَعْيِين لَيْلَة الْقَدْر بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَفِيهِ وُقُوع الِاجْتِهَاد بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا لَمْ يُنْزَل عَلَيْهِ فِيهِ , وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّة مَا يَتَعَلَّق بِهِ فِي أَوَاخِر السِّيرَة النَّبَوِيَّة مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَدَّمَ حَدِيث عَلِيّ أَنَّهُ كَتَبَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَطْرُقهُ اِحْتِمَال أَنْ يَكُون إِنَّمَا كَتَبَ ذَلِكَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَبْلُغهُ النَّهْي , وَثَنَّى بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة وَفِيهِ الْأَمْر بِالْكِتَابَةِ وَهُوَ بَعْد النَّهْي فَيَكُون نَاسِخًا , وَثَلَّثَ بِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَقَدْ بَيَّنْت أَنَّ فِي بَعْض طُرُقه إِذْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ فِي ذَلِكَ , فَهُوَ أَقْوَى فِي الِاسْتِدْلَال لِلْجَوَازِ مِنْ الْأَمْر أَنْ يَكْتُبُوا لِأَبِي شَاه لِاحْتِمَالِ اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِمَنْ يَكُون أُمِّيًّا أَوْ أَعْمَى , وَخَتَمَ بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس الدَّالّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَمَّ أَنْ يَكْتُب لِأُمَّتِهِ كِتَابًا يَحْصُل مَعَهُ الْأَمْن مِنْ الِاخْتِلَاف وَهُوَ لَا يَهُمّ إِلَّا بِحَقٍّ. ‏"
    },
    {
        "id": "112",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِنْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏وَعَمْرٍو ‏ ‏وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِنْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ ‏ ‏سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْفِتَنِ وَمَاذَا فُتِحَ مِنْ الْخَزَائِنِ أَيْقِظُوا ‏ ‏صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ ‏ ‏فَرُبَّ ‏ ‏كَاسِيَةٍ ‏ ‏فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( صَدَقَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْفَضْل الْمَرْوَزِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِنْد ) ‏ ‏هِيَ بِنْت الْحَارِث الْفِرَاسِيَّة بِكَسْرِ الْفَاء وَالسِّين الْمُهْمَلَة , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بَدَلهَا عَنْ اِمْرَأَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَمْرو ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَتنَا بِالرَّفْعِ , وَيَجُوز الْكَسْر , وَالْمَعْنَى أَنَّ اِبْن عُيَيْنَةَ حَدَّثَهُمْ عَنْ مَعْمَر ثُمَّ قَالَ : وَعَمْرو هُوَ اِبْن دِينَار , فَعَلَى رِوَايَة الْكَسْر يَكُون مَعْطُوفًا عَلَى مَعْمَر , وَعَلَى رِوَايَة الرَّفْع يَكُون اِسْتِئْنَافًا كَأَنَّ اِبْن عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِحَذْفِ صِيغَة الْأَدَاء وَقَدْ جَرَتْ عَادَته بِذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى الْحُمَيْدِيّ هَذَا الْحَدِيث فِي مُسْنَده عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ , قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَمْرو وَيَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ الزُّهْرِيّ , فَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ عَنْ الثَّلَاثَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ , وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ هُوَ الْقَطَّان لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْ الزُّهْرِيّ وَلَا لَقِيَهُ. وَوَقَعَ فِي غَيْر رِوَايَة عَنْ أَبِي ذَرّ \" عَنْ اِمْرَأَة \" بَدَل قَوْله عَنْ هِنْد فِي الْإِسْنَاد الثَّانِي. وَالْحَاصِل أَنَّ الزُّهْرِيّ كَانَ رُبَّمَا أَبْهَمَهَا وَرُبَّمَا سَمَّاهَا. وَقَدْ رَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ وَلَمْ يَذْكُر هِنْدًا وَلَا أُمّ سَلَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( سُبْحَان اللَّه مَاذَا ) ‏ ‏مَا اِسْتِفْهَامِيَّة مُتَضَمِّنَة لِمَعْنَى التَّعَجُّب وَالتَّعْظِيم , وَعَبَّرَ عَنْ الرَّحْمَة بِالْخَزَائِنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( خَزَائِن رَحْمَة رَبّك ) وَعَنْ الْعَذَاب بِالْفِتَنِ لِأَنَّهَا أَسْبَابه , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مَا نَكِرَة مَوْصُوفَة. ‏ ‏قَوْله : ( أُنْزِلَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" أَنْزَلَ اللَّه \" بِإِظْهَارِ الْفَاعِل , وَالْمُرَاد بِالْإِنْزَالِ إِعْلَام الْمَلَائِكَة بِالْأَمْرِ الْمَقْدُور , أَوْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي نَوْمه ذَاكَ بِمَا سَيَقَعُ بَعْده مِنْ الْفِتَن فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْإِنْزَالِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَاذَا فُتِحَ مِنْ الْخَزَائِن ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيّ : الثَّانِي هُوَ الْأَوَّل , وَالشَّيْء قَدْ يُعْطَف عَلَى نَفْسه تَأْكِيدًا ; لِأَنَّ مَا يُفْتَح مِنْ الْخَزَائِن يَكُون سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ , وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَاد بِالْخَزَائِنِ خَزَائِن فَارِس وَالرُّوم وَغَيْرهمَا مِمَّا فُتِحَ عَلَى الصَّحَابَة ; لَكِنَّ الْمُغَايَرَة بَيْن الْخَزَائِن وَالْفِتَن أَوْضَح لِأَنَّهُمَا غَيْر مُتَلَازِمَيْنِ , وَكَمْ مِنْ نَائِل مِنْ تِلْكَ الْخَزَائِن سَالِم مِنْ الْفِتَن. ‏ ‏قَوْله : ( صَوَاحِب الْحُجَر ) ‏ ‏بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْح الْجِيم جَمْع حُجْرَة وَهِيَ مَنَازِل أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنَّمَا خَصَّهُنَّ بِالْإِيقَاظِ لِأَنَّهُنَّ الْحَاضِرَات حِينَئِذٍ , أَوْ مِنْ بَاب \" اِبْدَأْ بِنَفْسِك ثُمَّ بِمَنْ تَعُول \". ‏ ‏قَوْله : ( فَرُبَّ كَاسِيَة ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن مَالِك عَلَى أَنَّ رُبَّ فِي الْغَالِب لِلتَّكْثِيرِ ; لِأَنَّ هَذَا الْوَصْف لِلنِّسَاءِ وَهُنَّ أَكْثَر أَهْل النَّار اِنْتَهَى. وَهَذَا يَدُلّ لِوُرُودِهَا فِي التَّكْثِير لَا لِأَكْثَرِيَّتِهَا فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَارِيَة ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ الْيَاء وَهِيَ مَجْرُورَة فِي أَكْثَر الرِّوَايَات عَلَى النَّعْت , قَالَ السُّهَيْلِيّ : إِنَّهُ الْأَحْسَن عِنْد سِيبَوَيْهِ ; لِأَنَّ رُبَّ عِنْده حَرْف جَرّ يَلْزَم صَدْر الْكَلَام , قَالَ : وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ وَالْجُمْلَة فِي مَوْضِع النَّعْت , أَيْ : هِيَ عَارِيَة وَالْفِعْل الَّذِي تَتَعَلَّق بِهِ رُبَّ مَحْذُوف. اِنْتَهَى. وَأَشَارَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ إِلَى مُوجِب إِيقَاظ أَزْوَاجه , أَيْ : يَنْبَغِي لَهُنَّ أَنْ لَا يَتَغَافَلْنَ عَنْ الْعِبَادَة وَيَعْتَمِدْنَ عَلَى كَوْنهنَّ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز قَوْل : \" سُبْحَان اللَّه \" عِنْد التَّعَجُّب , وَنَدْبِيَّة ذِكْر اللَّه بَعْد الِاسْتِيقَاظ , وَإِيقَاظ الرَّجُل أَهْله بِاللَّيْلِ لِلْعِبَادَةِ لَا سِيَّمَا عِنْد آيَة تَحْدُث. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد رِوَايَة الْأَقْرَان فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدهمَا اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَر , وَالثَّانِي عَمْرو وَيَحْيَى عَنْ الزُّهْرِيّ وَفِيهِ رِوَايَة ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ بَعْضهمْ عَنْ بَعْض فِي نَسَق. وَهِنْد قَدْ قِيلَ إِنَّهَا صَحَابِيَّة فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مِنْ رِوَايَة تَابِعِيّ عَنْ مِثْله عَنْ صَحَابِيَّة عَنْ مِثْلهَا , وَأُمّ سَلَمَة هِيَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , وَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَة لَيْلَتهَا. وَفِي الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب الْإِسْرَاع إِلَى الصَّلَاة عِنْد خَشْيَة الشَّرّ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاة ) وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْر فَزِعَ إِلَى الصَّلَاة , وَأَمَرَ مَنْ رَأَى فِي مَنَامه مَا يَكْرَه أَنْ يُصَلِّيَ , وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي مَوَاضِعه. وَفِيهِ التَّسْبِيح عِنْد رُؤْيَة الْأَشْيَاء الْمَهُولَة , وَفِيهِ تَحْذِير الْعَالِم مَنْ يَأْخُذ عَنْهُ مِنْ كُلّ شَيْء يَتَوَقَّع حُصُوله , وَالْإِرْشَاد إِلَى مَا يَدْفَع ذَلِكَ الْمَحْذُور. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "113",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ ‏ ‏أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي اللَّيْث قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَبْد الرَّحْمَن , وَفِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن , وَاللَّيْث وَعَبْد الرَّحْمَن قَرِينَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَالِم ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( أَبِي حَثْمَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُثَلَّثَة , وَاسْم أَبِي حَثْمَة عَبْد اللَّه بْن حُذَيْفَة الْعَدَوِيُّ , وَأَمَّا أَبُو بَكْر الرَّازِيّ فَتَابِعِيّ مَشْهُور لَمْ يُسَمَّ , وَقَدْ قِيلَ إِنَّ اِسْمه كُنْيَته. ‏ ‏قَوْله : ( صَلَّى لَنَا ) ‏ ‏أَيْ إِمَامًا , وَفِي رِوَايَة \" بِنَا \" بِمُوَحَّدَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( الْعِشَاء ) ‏ ‏أَيْ : صَلَاة الْعِشَاء. ‏ ‏قَوْله : ( فِي آخِر حَيَاته ) ‏ ‏جَاءَ مُقَيَّدًا فِي رِوَايَة جَابِر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل مَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَهْرٍ. ‏ ‏قَوْله : ( أَرَأَيْتَكُمْ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة لِأَنَّهَا ضَمِير الْمُخَاطَب وَالْكَاف ضَمِير ثَانٍ لَا مَحَلّ لَهَا مِنْ الْإِعْرَاب وَالْهَمْزَة الْأُولَى لِلِاسْتِفْهَامِ , وَالرُّؤْيَة بِمَعْنَى الْعِلْم أَوْ الْبَصَر , وَالْمَعْنَى أَعَلِمْتُمْ أَوْ أَبْصَرْتُمْ لَيْلَتكُمْ , وَهِيَ مَنْصُوبَة عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَالْجَوَاب مَحْذُوف تَقْدِيره قَالُوا نَعَمْ , قَالَ فَاضْبُطُوهَا. وَتَرِد أَرَأَيْتَكُمْ لِلِاسْتِخْبَارِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : ( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَاب اللَّه ) الْآيَة , قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : الْمَعْنَى أَخْبِرُونِي. وَمُتَعَلِّق الِاسْتِخْبَار مَحْذُوف تَقْدِيره مَنْ تَدْعُونَ. ثُمَّ بَكَّتَهُمْ فَقَالَ : ( أَغْيَر اللَّه تَدْعُونَ ). اِنْتَهَى. وَإِنَّمَا أَوْرَدْت هَذَا لِأَنَّ بَعْض النَّاس نَقَلَ كَلَام الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْآيَة إِلَى هَذَا الْحَدِيث , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ جَعَلَ التَّقْدِير أَخْبِرُونِي لَيْلَتكُمْ هَذِهِ فَاحْفَظُوهَا , وَلَيْسَ ذَلِكَ مُطَابِقًا لِسِيَاقِ الْآيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ رَأْس ) ‏ ‏وَلِلْأَصِيلِيِّ \" فَإِنَّ عَلَى رَأْس \" أَيْ عِنْد اِنْتِهَاء مِائةِ سَنَة. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْهَا ) ‏ ‏فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ \" مِنْ \" تَكُون لِابْتِدَاءِ الْغَايَة فِي الزَّمَان كَقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ , وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ نُحَاة الْبَصْرَة , وَأَوَّلُوا مَا وَرَدَ مِنْ شَوَاهِده كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( مِنْ أَوَّل يَوْم أَحَقّ أَنْ تَقُوم فِيهِ ) وَقَوْل أَنَس مَا زِلْت أُحِبّ الدُّبَّاء مِنْ يَوْمئِذٍ , وَقَوْله : مُطِرْنَا مِنْ يَوْم الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْر الْأَرْض ) ‏ ‏أَيْ الْآن مَوْجُودًا أَحَد إِذْ ذَاكَ , وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا التَّقْدِير عِنْد الْمُصَنِّف مِنْ رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّلَاة مَعَ بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ , قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا أَرَادَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّة تَخْتَرِم الْجِيل الَّذِي هُمْ فِيهِ , فَوَعَظَهُمْ بِقِصَرِ أَعْمَارهمْ , وَأَعْلَمهُمْ أَنَّ أَعْمَارهمْ لَيْسَتْ كَأَعْمَارِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْأُمَم لِيَجْتَهِدُوا فِي الْعِبَادَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْمُرَاد أَنَّ كُلّ مَنْ كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَة عَلَى الْأَرْض لَا يَعِيش بَعْد هَذِهِ اللَّيْلَة أَكْثَر مِنْ مِائَة سَنَة سَوَاء قَلَّ عُمْره قَبْل ذَلِكَ أَمْ لَا , وَلَيْسَ فِيهِ نَفْي حَيَاة أَحَد يُولَد بَعْد تِلْكَ اللَّيْلَة مِائَة سَنَة. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "114",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي ‏ ‏مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا فَصَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعِشَاءَ ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏نَامَ ‏ ‏الْغُلَيِّمُ ‏ ‏أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا ‏ ‏ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ ‏ ‏غَطِيطَهُ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏خَطِيطَهُ ‏ ‏ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحَكَم ) ‏ ‏بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ اِبْن عُتَيْبَة بِالْمُثَنَّاةِ تَصْغِير عَتَبَة , وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير , وَكَانَ أَحَد الْفُقَهَاء. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ جَاءَ ) ‏ ‏أَيْ : مِنْ الْمَسْجِد. ‏ ‏قَوْله : ( نَامَ الْغُلَيِّم ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَهُوَ مِنْ تَصْغِير الشَّفَقَة , وَالْمُرَاد بِهِ اِبْن عَبَّاس , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ إِخْبَارًا مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَوْمِهِ أَوْ اِسْتِفْهَامًا بِحَذْفِ الْهَمْزَة وَهُوَ الْوَاقِع. وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ : \" يَا أُمّ الْغُلَيِّم \" بِالنِّدَاءِ وَهُوَ تَصْحِيف لَمْ تَثْبُت بِهِ رِوَايَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ كَلِمَة ) ‏ ‏بِالشَّكِّ مِنْ الرَّاوِي , وَالْمُرَاد بِالْكَلِمَةِ الْجُمْلَة أَوْ الْمُفْرَدَة , فَفِي رِوَايَة أُخْرَى \" نَامَ الْغُلَام \". ‏ ‏قَوْله : ( غَطِيطه ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَهُوَ صَوْت نَفَس النَّائِم , وَالنَّخِير أَقْوَى مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ خَطِيطه ) ‏ ‏بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة , وَالشَّكّ فِيهِ مِنْ الرَّاوِي , وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّل قَالَهُ الدَّاوُدِيّ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : لَمْ أَجِدهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة عِنْد أَهْل اللُّغَة. وَتَبِعَهُ الْقَاضِي عِيَاض فَقَالَ : هُوَ هُنَا وَهْم. اِنْتَهَى. وَقَدْ نَقَلَ اِبْن الْأَثِير عَنْ أَهْل الْغَرِيب أَنَّهُ دُون الْغَطِيط. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ : رَكْعَتَيْ الْفَجْر. وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيّ فَقَالَ : إِنَّمَا فَصَلَ بَيْنهمَا وَبَيْن الْخَمْس وَلَمْ يَقُلْ سَبْع رَكَعَات لِأَنَّ الْخَمْس اِقْتَدَى اِبْن عَبَّاس بِهِ فِيهَا بِخِلَافِ الرَّكْعَتَيْنِ , أَوْ لِأَنَّ الْخَمْس بِسَلَامٍ وَالرَّكْعَتَيْنِ بِسَلَامٍ آخَر اِنْتَهَى , وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ جُمْلَة صَلَاة اللَّيْل وَهُوَ مُحْتَمَل لَكِنَّ حَمْلهمَا عَلَى سُنَّة الْفَجْر أَوْلَى لِيَحْصُل الْخَتْم بِالْوَتْرِ , وَسَيَأْتِي تَفْصِيل هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الصَّلَاة فِي بَاب الْوَتْر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَمُنَاسَبَة حَدِيث اِبْن عُمَر لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَة لِقَوْلِهِ فِيهِ : \" قَامَ فَقَالَ \" بَعْد قَوْله : \" صَلَّى الْعِشَاء \" وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس فَقَالَ اِبْن الْمُنِير وَمَنْ تَبِعَهُ : يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد أَنَّ أَصْل السَّمَر يَثْبُت بِهَذِهِ الْكَلِمَة وَهِيَ قَوْله : \" نَامَ الْغُلَيِّم \" , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد اِرْتِقَاب اِبْن عَبَّاس لِأَحْوَالِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا فَرْق بَيْن التَّعْلِيم مِنْ الْقَوْل وَالتَّعْلِيم مِنْ الْفِعْل , فَقَدْ سَمَرَ اِبْن عَبَّاس لَيْلَته فِي طَلَب الْعِلْم , زَادَ الْكَرْمَانِيّ أَوْ مَا يُفْهَم مِنْ جَعْله إِيَّاهُ عَلَى يَمِينه كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ : قِفْ عَنْ يَمِينِي. فَقَالَ : وَقَفْت ا ه. وَكُلّ مَا ذَكَرَهُ مُعْتَرَض ; لِأَنَّ مَنْ يَتَكَلَّم بِكَلِمَةٍ وَاحِدَة لَا يُسَمَّى سَامِرًا , وَصَنِيع اِبْن عَبَّاس يُسَمَّى سَهَرًا لَا سَمَرًا إِذْ السَّمَر لَا يَكُون إِلَّا عَنْ تَحَدُّث قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَأَبْعَدهَا الْأَخِير لِأَنَّ مَا يَقَع بَعْد الِانْتِبَاه مِنْ النَّوْم لَا يُسَمَّى سَمَرًا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ أَيْضًا : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاد الْبُخَارِيّ أَنَّ الْأَقَارِب إِذَا اِجْتَمَعُوا لَا بُدّ أَنْ يَجْرِي بَيْنهمْ حَدِيث لِلْمُؤَانَسَةِ وَحَدِيثه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلّه عِلْم وَفَوَائِد. قُلْت : وَالْأَوْلَى مِنْ هَذَا كُلّه أَنَّ مُنَاسَبَة التَّرْجَمَة مُسْتَفَادَة مِنْ لَفْظ آخَر فِي هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ مِنْ طَرِيق أُخْرَى , وَهَذَا يَصْنَعهُ الْمُصَنِّف كَثِيرًا يُرِيد بِهِ تَنْبِيه النَّاظِر فِي كِتَابه عَلَى الِاعْتِنَاء بِتَتَبُّعِ طُرُق الْحَدِيث , وَالنَّظَر فِي مَوَاقِع أَلْفَاظ الرُّوَاة ; لِأَنَّ تَفْسِير الْحَدِيث بِالْحَدِيثِ أَوْلَى مِنْ الْخَوْض فِيهِ بِالظَّنِّ. وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيّ هُنَا مَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث مِمَّا يَدُلّ صَرِيحًا عَلَى حَقِيقَة السَّمَر بَعْد الْعِشَاء , وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ فِي التَّفْسِير وَغَيْره مِنْ طَرِيق كُرَيْب عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : بِتّ فِي بَيْت مَيْمُونَة فَتَحَدَّثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْله سَاعَة ثُمَّ رَقَدَ.. الْحَدِيث. فَصَحَّتْ التَّرْجَمَة بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى مِنْ غَيْر حَاجَة إِلَى تَعَسُّف وَلَا رَجْم بِالظَّنِّ. فَإِنْ قِيلَ : هَذَا إِنَّمَا يَدُلّ عَلَى السَّمَر مَعَ الْأَهْل لَا فِي الْعِلْم , فَالْجَوَاب أَنَّهُ يُلْحَق بِهِ , وَالْجَامِع تَحْصِيل الْفَائِدَة , أَوْ هُوَ بِدَلِيلِ الْفَحْوَى ; لِأَنَّهُ إِذَا شَرَعَ فِي الْمُبَاح فَفِي الْمُسْتَحَبّ مِنْ طَرِيق الْأَوْلَى. وَسَنَذْكُرُ بَاقِي مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف مُطَوَّلًا فِي كِتَاب الْوِتْر مِنْ كِتَاب الصَّلَاة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَيَدْخُل فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَهُمْ بَعْد الْعِشَاء , وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الصَّلَاة. وَلِأَنَسٍ حَدِيث آخَر فِي قِصَّة أُسَيْد بْن حُضَيْر وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي الْمَنَاقِب , وَحَدِيث عُمَر \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمُر مَعَ أَبِي بَكْر فِي الْأَمْر مِنْ أُمُور الْمُسْلِمِينَ \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَرِجَاله ثِقَات , وَهُوَ صَرِيح فِي الْمَقْصُود , إِلَّا أَنَّ فِي إِسْنَاده اِخْتِلَافًا عَلَى عَلْقَمَة , فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحّ عَلَى شَرْطه. وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو : \" كَانَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثنَا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل حَتَّى يُصْبِح لَا يَقُوم إِلَّا إِلَى عَظِيم صَلَاة \" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ , وَهُوَ مِنْ رِوَايَة أَبِي حَسَّان عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَلَيْسَ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ , وَأَمَّا حَدِيث \" لَا سَمَر إِلَّا لِمُصَلٍّ أَوْ مُسَافِر \" فَهُوَ عِنْد أَحْمَد بِسَنَدٍ فِيهِ رَاوٍ مَجْهُول , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوته فَالسَّمَر فِي الْعِلْم يُلْحَق بِالسَّمَرِ فِي الصَّلَاة نَافِلَة , وَقَدْ سَمَرَ عُمَر مَعَ أَبِي مُوسَى فِي مُذَاكَرَة الْفِقْه فَقَالَ أَبُو مُوسَى : \" الصَّلَاة \" فَقَالَ عُمَر : إِنَّا فِي صَلَاة. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "115",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَلَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا ثُمَّ يَتْلُو ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏الرَّحِيمُ ‏} ‏إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏كَانَ يَشْغَلُهُمْ ‏ ‏الصَّفْقُ ‏ ‏بِالْأَسْوَاقِ وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏كَانَ يَشْغَلُهُمْ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ وَإِنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏هُوَ الْأُوَيْسِيّ الْمَدَنِيّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَة ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْحَدِيث عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّف فِي الْبُيُوع مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ , وَلَهُ فِيهِ وَفِي الْمُزَارَعَة مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيّ هُنَا زِيَادَة وَهِيَ : \" وَيَقُولُونَ : مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار لَا يُحَدِّثُونَ مِثْل أَحَادِيثه \" وَبِهَا تَبِين الْحِكْمَة فِي ذِكْره الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار وَوَضْعه الْمُظْهَر مَوْضِع الْمُضْمَر عَلَى طَرِيق الْحِكَايَة حَيْثُ قَالَ : \" أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَة \" وَلَمْ يَقُلْ أَكْثَرْت. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَوْلَا آيَتَانِ ) ‏ ‏مَقُول قَالَ لَا مَقُول يَقُولُونَ , وَقَوْله : ثُمَّ يَتْلُو مَقُول الْأَعْرَج , وَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمُضَارِع اِسْتِحْضَارًا لِصُورَةِ التِّلَاوَة , وَمَعْنَاهُ : لَوْلَا أَنَّ اللَّه ذَمَّ الْكَاتِمِينَ لِلْعِلْمِ مَا حَدَّثَ أَصْلًا , لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْكِتْمَان حَرَامًا وَجَبَ الْإِظْهَار , فَلِهَذَا حَصَلَتْ الْكَثْرَة لِكَثْرَةِ مَا عِنْده. ثُمَّ ذَكَرَ سَبَب الْكَثْرَة بِقَوْلِهِ : \" إِنَّ إِخْوَاننَا \" وَأَرَادَ بِصِيغَةِ الْجَمْع نَفْسه وَأَمْثَاله , وَالْمُرَاد بِالْأُخُوَّةِ أُخُوَّة الْإِسْلَام. ‏ ‏قَوْله : ( يَشْغَلهُمْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله مِنْ الثُّلَاثِيّ , وَحُكِيَ ضَمّه وَهُوَ شَاذّ. ‏ ‏قَوْله : ( الصَّفْق ) ‏ ‏بِإِسْكَان الْفَاء , هُوَ ضَرْب الْيَد عَلَى الْيَد , وَجَرَتْ بِهِ عَادَتهمْ عِنْد عَقْد الْبَيْع. ‏ ‏قَوْله : ( فِي أَمْوَالهمْ ) ‏ ‏أَيْ : الْقِيَام عَلَى مَصَالِح زَرْعهمْ , وَلِمُسْلِمٍ \" كَانَ يَشْغَلهُمْ عَمَل أَرَضِيهمْ \" وَلِابْنِ سَعْد \" كَانَ يَشْغَلهُمْ الْقِيَام عَلَى أَرَضِيهمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِيهِ اِلْتِفَات إِذْ كَانَ نَسَق الْكَلَام أَنْ يَقُول : وَإِنِّي. ‏ ‏قَوْله : ( لِشِبَعِ ) ‏ ‏بِلَامِ التَّعْلِيل لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ الثَّابِت فِي غَيْر الْبُخَارِيّ أَيْضًا , وَلِلْأَصِيلِيِّ \" بِشِبَعِ \" بِمُوَحَّدَةٍ أَوَّله , وَزَادَ الْمُصَنِّف فِي الْبُيُوع \" وَكُنْت اِمْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِين الصُّفَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَيَحْضُر ) ‏ ‏أَيْ : مِنْ الْأَحْوَال ‏ ‏( وَيَحْفَظ ) ‏ ‏أَيْ : مِنْ الْأَقْوَال , وَهُمَا مَعْطُوفَانِ عَلَى قَوْله : \" يَلْزَم \". وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك مِنْ حَدِيث طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه شَاهِدًا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة هَذَا وَلَفْظه \" لَا أَشُكّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَا نَسْمَع , وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِسْكِينًا لَا شَيْء لَهُ ضَيْفًا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَل مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن عُمَارَة بْن حَزْم أَنَّهُ قَعَدَ فِي مَجْلِس فِيهِ مَشْيَخَة مِنْ الصَّحَابَة بِضْعَة عَشَر رَجُلًا فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَة يُحَدِّثهُمْ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَدِيثِ فَلَا يَعْرِفهُ بَعْضهمْ , فَيُرَاجِعُونَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفُوهُ , ثُمَّ يُحَدِّثهُمْ بِالْحَدِيثِ كَذَلِكَ حَتَّى فَعَلَ مِرَارًا , فَعَرَفْت يَوْمَئِذٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَحْفَظ النَّاس. وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَة : كُنْت أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْرَفنَا بِحَدِيثِهِ. قَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن. وَاخْتُلِفَ فِي إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث عَلَى الزُّهْرِيّ فَرَوَاهُ مَالِك عَنْهُ هَكَذَا , وَوَافَقَهُ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد وَسُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ , وَرَوَاهُ شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَأَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَتَابَعَهُ يُونُس بْن يَزِيد. وَالْإِسْنَادَانِ جَمِيعًا مَحْفُوظَانِ صَحَّحَهُمَا الشَّيْخَانِ , وَزَادُوا فِي رِوَايَتهمْ عَنْ الزُّهْرِيّ شَيْئًا سَنَذْكُرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيث الثَّانِي ‏"
    },
    {
        "id": "116",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ قَالَ ‏ ‏ابْسُطْ رِدَاءَكَ فَبَسَطْتُهُ قَالَ فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ ضُمَّهُ فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏أَوْ قَالَ غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله. ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏هُوَ الزُّهْرِيّ الْمَدَنِيّ صَاحِب مَالِك , وَسَقَطَ قَوْله أَبُو مُصْعَب مِنْ رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَأَبِي ذَرّ , وَهُوَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَر. وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ أَيْضًا وَكَذَا الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( كَثِيرًا ) ‏ ‏هُوَ صِفَة لِقَوْلِهِ حَدِيثًا لِأَنَّهُ اِسْم جِنْس. ‏ ‏قَوْله : ( فَغَرَفَ ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر الْمَغْرُوف مِنْهُ وَكَأَنَّهَا كَانَتْ إِشَارَة مَحْضَة. ‏ ‏قَوْله : ( ضُمَّ ) ‏ ‏ولِلْكُشْمِيهَنِيّ وَالْبَاقِينَ \" ضُمَّهُ \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَيَجُوز ضَمّهَا , وَقِيلَ يَتَعَيَّن لِأَجْلِ ضَمَّة الْهَاء , وَيَجُوز كَسْرهَا لَكِنْ مَعَ إِسْكَان الْهَاء وَكَسْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا نَسِيت شَيْئًا بَعْدُ ) ‏ ‏هُوَ مَقْطُوع الْإِضَافَة مَبْنِيّ عَلَى الضَّمّ , وَتَنْكِير شَيْئًا بَعْد النَّفْي ظَاهِر الْعُمُوم فِي عَدَم النِّسْيَان مِنْهُ لِكُلِّ شَيْء مِنْ الْحَدِيث وَغَيْره. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ وَغَيْره عَنْ الزُّهْرِيّ فِي الْحَدِيث الْمَاضِي \" فَوَاَلَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيت شَيْئًا سَمِعْته مِنْهُ \" , وَفِي رِوَايَة يُونُس عِنْد مُسْلِم : \" فَمَا نَسِيت بَعْد ذَلِكَ الْيَوْم شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ \" وَهَذَا يَقْتَضِي تَخْصِيص عَدَم النِّسْيَان بِالْحَدِيثِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب : \" فَمَا نَسِيت مِنْ مَقَالَته تِلْكَ مِنْ شَيْء \" وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَم النِّسْيَان بِتِلْكَ الْمَقَالَة فَقَطْ ; لَكِنَّ سِيَاق الْكَلَام يَقْتَضِي تَرْجِيح رِوَايَة يُونُس وَمَنْ وَافَقَهُ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة نَبَّهَ بِهِ عَلَى كَثْرَة مَحْفُوظه مِنْ الْحَدِيث فَلَا يَصِحّ حَمْله عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَة وَحْدهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون وَقَعَتْ لَهُ قَضِيَّتَانِ : فَاَلَّتِي رَوَاهَا الزُّهْرِيّ مُخْتَصَّة بِتِلْكَ الْمَقَالَة , وَالْقَضِيَّة الَّتِي رَوَاهَا سَعِيد الْمَقْبُرِيُّ عَامَّة. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ اِبْن وَهْب مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن عَمْرو بْن أُمَيَّة قَالَ : تَحَدَّثْت عِنْد أَبِي هُرَيْرَة بِحَدِيثٍ فَأَنْكَرَهُ , فَقُلْت إِنِّي سَمِعْت مِنْك , فَقَالَ : إِنْ كُنْت سَمِعْته مِنِّي فَهُوَ مَكْتُوب عِنْدِي. فَقَدْ يُتَمَسَّك بِهِ فِي تَخْصِيص عَدَم النِّسْيَان بِتِلْكَ الْمَقَالَة لَكِنَّ سَنَدَ هَذَا ضَعِيف , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوته فَهُوَ نَادِر. وَيَلْتَحِق بِهِ حَدِيث أَبِي سَلَمَة عَنْهُ \" لَا عَدْوَى \" فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَنْكَرَهُ. قَالَ : فَمَا رَأَيْته نَسِيَ شَيْئًا غَيْره. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏الْمَقَالَة الْمُشَار إِلَيْهَا فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ أُبْهِمَتْ فِي جَمِيع طُرُقه , وَقَدْ وَجَدْتهَا مُصَرَّحًا بِهَا فِي جَامِع التِّرْمِذِيّ وَفِي الْحِلْيَة لِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" مَا مِنْ رَجُل يَسْمَع كَلِمَة أَوْ كَلِمَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا مِمَّا فَرَضَ اللَّه فَيَتَعَلَّمهُنَّ وَيُعَلِّمهُنَّ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِأَبِي هُرَيْرَة وَمُعْجِزَة وَاضِحَة مِنْ عَلَامَات النُّبُوَّة ; لِأَنَّ النِّسْيَان مِنْ لَوَازِم الْإِنْسَان , وَقَدْ اِعْتَرَفَ أَبُو هُرَيْرَة بِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِر مِنْهُ ثُمَّ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِبَرَكَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي الْمُسْتَدْرَك لِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت قَالَ : \" كُنْت أَنَا وَأَبُو هُرَيْرَة وَآخَر عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اُدْعُوَا. فَدَعَوْت أَنَا وَصَاحِبِي وَأَمَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ دَعَا أَبُو هُرَيْرَة فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك مِثْل مَا سَأَلَك صَاحِبَايَ , وَأَسْأَلك عِلْمًا لَا يُنْسَى. فَأَمَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا : وَنَحْنُ كَذَلِكَ يَا رَسُول اللَّه , فَقَالَ : سَبَقَكُمَا الْغُلَام الدَّوْسِيّ \" وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى حِفْظ الْعِلْم , وَفِيهِ أَنَّ التَّقَلُّل مِنْ الدُّنْيَا أَمْكَن لِحِفْظِهِ. وَفِيهِ فَضِيلَة التَّكَسُّب لِمَنْ لَهُ عِيَال , وَفِيهِ جَوَاز إِخْبَار الْمَرْء بِمَا فِيهِ مِنْ فَضِيلَة إِذْ اُضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ وَأُمِنَ مِنْ الْإِعْجَاب. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن أَبِي فُدَيْك بِهَذَا ) ‏ ‏أَشْكَلَ قَوْله بِهَذَا عَلَى بَعْض الشَّارِحِينَ لِأَنَّ اِبْن أَبِي فُدَيْك لَمْ يَتَقَدَّم لَهُ ذِكْر , وَقَدْ ظَنَّ بَعْضهمْ أَنَّهُ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن دِينَار الْمَذْكُور قَبْل , فَيَكُون مُرَاده أَنَّ السِّيَاقَيْنِ مُتَّحِدَانِ إِلَّا فِي اللَّفْظَة الْمُبَيَّنَة فِيهِ , وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ; لِأَنَّ اِبْن أَبِي فُدَيْك اِسْمه مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم وَهُوَ لَيْثِيّ يُكَنَّى أَبَا إِسْمَاعِيل , وَابْن دِينَار جُهَنِيّ يُكَنَّى أَبَا عَبْد اللَّه , لَكِنْ اِشْتَرَكَا فِي الرِّوَايَة عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب لِهَذَا الْحَدِيث وَلِغَيْرِهِ , وَفِي كَوْنهمَا مَدَنِيَّيْنِ , وَجَوَّزَ بَعْضهمْ أَنْ يَكُون الْحَدِيث عِنْد الْمُصَنِّف بِإِسْنَادٍ آخَر عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب , وَكُلّ ذَلِكَ غَفْلَة عَمَّا عِنْد الْمُصَنِّف فِي عَلَامَات النُّبُوَّة فَقَدْ سَاقَهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَالْمَتْن مِنْ غَيْر تَغْيِير إِلَّا فِي قَوْله : \" بِيَدَيْهِ \" فَإِنَّهُ ذَكَرَهَا بِالْإِفْرَادِ , وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا : \" فَغَرَفَ \" وَهِيَ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ فِي حَدِيث الْبَاب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَحْده \" فَحَذَفَ \" بَدَل فَغَرَفَ , وَهُوَ تَصْحِيف لِمَا وَضَحَ فِي سِيَاقه فِي عَلَامَات النُّبُوَّة. وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن سَعْد فِي الطَّبَقَات عَنْ اِبْن أَبِي فُدَيْك فَقَالَ : فَغَرَفَ. ‏"
    },
    {
        "id": "117",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وِعَاءَيْنِ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس ‏ ‏( حَدَّثَنِي أَخِي ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْر عَبْد الْحَمِيد. ‏ ‏قَوْله : ( حَفِظْت عَنْ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ \" بَدَل عَنْ , وَهِيَ أَصْرَح فِي تَلَقِّيه مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا وَاسِطَة. ‏ ‏قَوْله : ( وِعَاءَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ ظَرْفَيْنِ , أَطْلَقَ الْمَحَلّ وَأَرَادَ بِهِ الْحَالّ , أَيْ : نَوْعَيْنِ مِنْ الْعِلْم , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَنْدَفِع إِيرَاد مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا يُعَارِض قَوْله فِي الْحَدِيث الْمَاضِي \" كُنْت لَا أَكْتُب \" وَإِنَّمَا مُرَاده أَنَّ مَحْفُوظه مِنْ الْحَدِيث لَوْ كُتِبَ لَمَلَأَ وِعَاءَيْنِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبُو هُرَيْرَة أَمْلَى حَدِيثه عَلَى مَنْ يَثِق بِهِ فَكَتَبَهُ لَهُ وَتَرَكَهُ عِنْده , وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَوَقَعَ فِي الْمُسْنَد عَنْهُ \" حَفِظْت ثَلَاثَة أَجْرِبَة , بَثَثْت مِنْهَا جِرَابَيْنِ \" وَلَيْسَ هَذَا مُخَالِفًا لِحَدِيثِ الْبَاب لِأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّ أَحَد الْوِعَاءَيْنِ كَانَ أَكْبَر مِنْ الْآخَر بِحَيْثُ يَجِيء مَا فِي الْكَبِير فِي جِرَابَيْنِ وَمَا فِي الصَّغِير فِي وَاحِد. وَوَقَعَ فِي الْمُحَدِّث الْفَاضِل لِلرَّامَهُرْمُزِي مِنْ طَرِيق مُنْقَطِعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" خَمْسَة أَجْرِبَة \" وَهُوَ إِنْ ثَبَتَ مَحْمُول عَلَى نَحْو مَا تَقَدَّمَ. وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا نَشَرَهُ مِنْ الْحَدِيث أَكْثَر مِمَّا لَمْ يَنْشُرهُ. ‏ ‏قَوْله : ( بَثَثْته ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَالْمُثَلَّثَة وَبَعْدهَا مُثَلَّثَة سَاكِنَة تُدْغَم فِي الْمُثَنَّاة الَّتِي بَعْدهَا أَيْ : أَذَعْته وَنَشَرْته , زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : فِي النَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُوم ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ : قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه - يَعْنِي الْمُصَنِّف - الْبُلْعُوم مَجْرَى الطَّعَام , وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة , وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ الْقَتْل. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَقُطِعَ هَذَا \" يَعْنِي رَأْسه. وَحَمَلَ الْعُلَمَاء الْوِعَاء الَّذِي لَمْ يَبُثّهُ عَلَى الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا تَبْيِين أَسَامِي أُمَرَاء السُّوء وَأَحْوَالهمْ وَزَمَنهمْ , وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَكُنِّي عَنْ بَعْضه وَلَا يُصَرِّح بِهِ خَوْفًا عَلَى نَفْسه مِنْهُمْ , كَقَوْلِهِ : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ رَأْس السِّتِّينَ وَإِمَارَة الصِّبْيَان يُشِير إِلَى خِلَافَة يَزِيد بْن مُعَاوِيَة لِأَنَّهَا كَانَتْ سَنَة سِتِّينَ مِنْ الْهِجْرَة. وَاسْتَجَابَ اللَّه دُعَاء أَبِي هُرَيْرَة فَمَاتَ قَبْلهَا بِسَنَةٍ , وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ اِبْن الْمُنِير : جَعَلَ الْبَاطِنِيَّة هَذَا الْحَدِيث ذَرِيعَة إِلَى تَصْحِيح بَاطِلهمْ حَيْثُ اِعْتَقَدُوا أَنَّ لِلشَّرِيعَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا , وَذَلِكَ الْبَاطِن إِنَّمَا حَاصِله الِانْحِلَال مِنْ الدِّين. قَالَ : وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو هُرَيْرَة بِقَوْلِهِ : \" قُطِعَ \" أَيْ : قَطَعَ أَهْل الْجَوْر رَأْسه إِذَا سَمِعُوا عَيْبه لِفِعْلِهِمْ وَتَضْلِيله لِسَعْيِهِمْ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ الْأَحَادِيث الْمَكْتُوبَة لَوْ كَانَتْ مِنْ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَا وَسِعَهُ كِتْمَانهَا لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيث الْأَوَّل مِنْ الْآيَة الدَّالَّة عَلَى ذَمّ مَنْ كَتَمَ الْعِلْم. وَقَالَ غَيْره : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ مَعَ الصِّنْف الْمَذْكُور مَا يَتَعَلَّق بِأَشْرَاطِ السَّاعَة وَتَغَيُّر الْأَحْوَال وَالْمَلَاحِم فِي آخِر الزَّمَان , فَيُنْكِر ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَأْلَفهُ , وَيَعْتَرِض عَلَيْهِ مَنْ لَا شُعُور لَهُ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "118",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ اسْتَنْصِتْ النَّاسَ فَقَالَ ‏ ‏لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَجَّاج ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مِنْهَال. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيّ , وَهُوَ جَدّ أَبِي زُرْعَة الرَّاوِي عَنْهُ هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَهُ فِي حَجَّة الْوَدَاع ) ‏ ‏اِدَّعَى بَعْضهمْ أَنَّ لَفْظ \" لَهُ \" زِيَادَة ; لِأَنَّ جَرِيرًا إِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْد حَجَّة الْوَدَاع بِنَحْوٍ مِنْ شَهْرَيْنِ , فَقَدْ جَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِأَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْل مَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا , وَمَا جَزَمَ بِهِ يُعَارِضهُ قَوْل الْبَغَوِيِّ وَابْن حِبَّان إِنَّهُ أَسْلَمَ فِي رَمَضَان سَنَة عَشْر. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُصَنِّف لِهَذَا الْحَدِيث فِي بَاب حَجَّة الْوَدَاع بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِجَرِيرٍ , وَهَذَا لَا يَحْتَمِل التَّأْوِيل فَيُقَوِّي مَا قَالَ الْبَغَوِيُّ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( يَضْرِب ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ الْبَاء فِي الرِّوَايَات , وَالْمَعْنَى لَا تَفْعَلُوا فِعْل الْكُفَّار فَتُشْبِهُوهُمْ فِي حَالَة قَتْل بَعْضهمْ بَعْضًا. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ أَنَّ الْإِنْصَات لِلْعُلَمَاءِ لَازِم لِلْمُتَعَلِّمِينَ ; لِأَنَّ الْعُلَمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء. كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا مُنَاسَبَة التَّرْجَمَة لِلْحَدِيثِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْخُطْبَة الْمَذْكُورَة كَانَتْ فِي حَجَّة الْوَدَاع وَالْجَمْع كَثِير جِدًّا , وَكَانَ اِجْتِمَاعهمْ لِرَمْيِ الْجِمَار وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُور الْحَجّ , وَقَدْ قَالَ لَهُمْ : \" خُذُوا عَنِّي مَنَاسِككُمْ \" كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم , فَلَمَّا خَطَبَهُمْ لِيُعَلِّمهُمْ نَاسَبَ أَنْ يَأْمُرهُمْ بِالْإِنْصَاتِ. وَقَدْ وَقَعَ التَّفْرِيق بَيْن الْإِنْصَات وَالِاسْتِمَاع فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآن فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ) وَمَعْنَاهُمَا مُخْتَلِف , فَالْإِنْصَات هُوَ السُّكُوت وَهُوَ يَحْصُل مِمَّنْ يَسْتَمِع وَمِمَّنْ لَا يَسْتَمِع كَأَنْ يَكُون مُفَكِّرًا فِي أَمْر آخَر , وَكَذَلِكَ الِاسْتِمَاع قَدْ يَكُون مَعَ السُّكُوت وَقَدْ يَكُون مَعَ النُّطْق بِكَلَامٍ آخَر لَا يَشْتَغِل النَّاطِق بِهِ عَنْ فَهْم مَا يَقُول الَّذِي يَسْتَمِع مِنْهُ , وَقَدْ قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَغَيْره : أَوَّل الْعِلْم الِاسْتِمَاع , ثُمَّ الْإِنْصَات , ثُمَّ الْحِفْظ , ثُمَّ الْعَمَل , ثُمَّ النَّشْر. وَعَنْ الْأَصْمَعِيّ تَقْدِيم الْإِنْصَات عَلَى الِاسْتِمَاع. وَقَدْ ذَكَرَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ : أَخْبَرَنِي مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ كَهَمْسٍ عَنْ مُطَرِّف قَالَ : الْإِنْصَات مِنْ الْعَيْنَيْنِ. فَقَالَ لَهُ اِبْن عُيَيْنَةَ : وَمَا نَدْرِي كَيْف ذَلِكَ ؟ قَالَ : إِذَا حَدَّثْت رَجُلًا فَلَمْ يَنْظُر إِلَيْك لَمْ يَكُنْ مُنْصِتًا اِنْتَهَى. وَهَذَا مَحْمُول عَلَى الْغَالِب. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "119",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏نَوْفًا الْبَكَالِيَّ ‏ ‏يَزْعُمُ أَنَّ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏لَيْسَ ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏إِنَّمَا هُوَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏آخَرُ فَقَالَ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَامَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فَقَالَ أَنَا أَعْلَمُ فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي ‏ ‏بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ بِهِ فَقِيلَ لَهُ احْمِلْ حُوتًا فِي ‏ ‏مِكْتَلٍ ‏ ‏فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ ‏ ‏يُوشَعَ بْنِ نُونٍ ‏ ‏وَحَمَلَا حُوتًا فِي ‏ ‏مِكْتَلٍ ‏ ‏حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا ‏ ‏فَانْسَلَّ ‏ ‏الْحُوتُ مِنْ ‏ ‏الْمِكْتَلِ ‏ { ‏فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ ‏ ‏سَرَبًا ‏ } ‏وَكَانَ ‏ ‏لِمُوسَى ‏ ‏وَفَتَاهُ عَجَبًا فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏لِفَتَاهُ ‏ { ‏آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا ‏ ‏نَصَبًا ‏ } ‏وَلَمْ يَجِدْ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏مَسًّا مِنْ ‏ ‏النَّصَبِ ‏ ‏حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ ‏ { ‏أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا ‏ ‏أَنْسَانِيهِ ‏ ‏إِلَّا الشَّيْطَانُ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏ذَلِكَ مَا كُنَّا ‏ ‏نَبْغِي ‏ ‏فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ‏} ‏فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ ‏ ‏أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ ‏ ‏فَسَلَّمَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ فَقَالَ أَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ قَالَ ‏ { ‏هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ ‏ ‏تُعَلِّمَنِي ‏ ‏مِمَّا عُلِّمْتَ ‏ ‏رَشَدًا ‏ } ‏قَالَ ‏ { ‏إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ‏ ‏مَعِيَ صَبْرًا ‏} ‏يَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُهُ ‏ { ‏قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ‏} ‏فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا فَعُرِفَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏يَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ فَعَمَدَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ ‏ ‏نَوْلٍ ‏ ‏عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ‏ { ‏قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ‏ ‏مَعِيَ صَبْرًا قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ‏} ‏فَكَانَتْ الْأُولَى مِنْ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏نِسْيَانًا فَانْطَلَقَا فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ‏} { ‏قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ‏ ‏مَعِيَ صَبْرًا ‏} ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏وَهَذَا أَوْكَدُ ‏ { ‏فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ ‏ ‏يَنْقَضَّ ‏ ‏فَأَقَامَهُ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏بِيَدِهِ ‏ ‏فَأَقَامَهُ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ‏} ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَرْحَمُ اللَّهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ ‏ ‏أَمْرِهِمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ الْمُسْنَدِيّ , وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَعَمْرو هُوَ اِبْن دِينَار , وَنَوْف بِفَتْحِ النُّون وَبِالْفَاءِ , وَالْبَكَالِيّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَكَسْرهَا وَتَخْفِيف الْكَاف - وَوَهَمَ مَنْ شَدَّدَهَا - مَنْسُوب إِلَى بَكَال بَطْن مِنْ حِمْيَر , وَوَهَمَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مَنْسُوب إِلَى بِكِيل بِكَسْرِ الْكَاف بَطْن مِنْ هَمْدَانَ لِأَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ , وَنَوْف الْمَذْكُور تَابِعِيّ مِنْ أَهْل دِمَشْق فَاضِل عَالِم لَا سِيَّمَا بِالْإِسْرَائِيلِيَّاتِ , وَكَانَ اِبْن اِمْرَأَة كَعْب الْأَحْبَار وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ مُوسَى ) ‏ ‏أَيْ : صَاحِب الْخَضِر , وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِير. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَر ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَتنَا بِغَيْرِ تَنْوِين فِيهِمَا , وَهُوَ عَلَم عَلَى شَخْص مُعَيَّن قَالُوا إِنَّهُ مُوسَى بْن مِيشَا بِكَسْرِ الْمِيم وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَة , وَجَزَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ مُنَوَّن مَصْرُوف لِأَنَّهُ نَكِرَة , وَنُقِلَ عَنْ اِبْن مَالِك أَنَّهُ جَعَلَهُ مِثَالًا لِلْعَلَمِ إِذَا نُكِّرَ تَخْفِيفًا , قَالَ : وَفِيهِ بَحْث. ‏ ‏قَوْله : ( كَذَبَ عَدُوّ اللَّه ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : لَمْ يُرِدْ اِبْن عَبَّاس إِخْرَاج نَوْف عَنْ وِلَايَة اللَّه , وَلَكِنَّ قُلُوب الْعُلَمَاء تَنْفِر إِذَا سَمِعَتْ غَيْر الْحَقّ , فَيُطْلِقُونَ أَمْثَال هَذَا الْكَلَام لِقَصْدِ الزَّجْر وَالتَّحْذِير مِنْهُ وَحَقِيقَته غَيْر مُرَادَة. قُلْت : وَيَجُوز أَنْ يَكُون اِبْن عَبَّاس اِتَّهَمَ نَوْفًا فِي صِحَّة إِسْلَامه , فَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ فِي حَقّ الْحُرّ بْن قَيْس هَذِهِ الْمَقَالَة مَعَ تَوَارُدهمَا عَلَيْهَا. وَأَمَّا تَكْذِيبه فَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ لِلْعَالِمِ إِذَا كَانَ عِنْده عِلْم بِشَيْءٍ فَسَمِعَ غَيْره يَذْكُر فِيهِ شَيْئًا بِغَيْرِ عِلْم أَنْ يُكَذِّبهُ , وَنَظِيره قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" كَذَبَ أَبُو السَّنَابِل \" أَيْ : أَخْبَرَ بِمَا هُوَ بَاطِل فِي نَفْس الْأَمْر. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي أُبَيّ بْن كَعْب ) ‏ ‏فِي اِسْتِدْلَاله بِذَلِكَ دَلِيل عَلَى قُوَّة خَبَر الْوَاحِد الْمُتْقِن عِنْده حَيْثُ يُطْلِق مِثْل هَذَا الْكَلَام فِي حَقّ مَنْ خَالَفَهُ , وَفِي الْإِسْنَاد رِوَايَة تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ وَهُمَا عَمْرو وَسَعِيد , وَصَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ وَهُمَا اِبْن عَبَّاس وَأُبَيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَنَا أَعْلَم ) ‏ ‏فِي جَوَاب أَيّ النَّاس أَعْلَم , قِيلَ : إِنَّهُ مُخَالِف لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة السَّابِقَة فِي بَاب الْخُرُوج فِي طَلَب الْعِلْم قَالَ : هَلْ تَعْلَم أَحَدًا أَعْلَم مِنْك ؟ وَعِنْدِي لَا مُخَالَفَة بَيْنهمَا ; لِأَنَّ قَوْله هُنَا \" أَنَا أَعْلَم \" أَيْ : فِيمَا أَعْلَم , فَيُطَابِق قَوْله \" لَا \" فِي جَوَاب مَنْ قَالَ لَهُ : هَلْ تَعْلَم أَحَدًا أَعْلَم مِنْك ؟ فِي إِسْنَاد ذَلِكَ إِلَى عِلْمه لَا إِلَى مَا فِي نَفْس الْأَمْر. وَعِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر بِهَذَا السَّنَد \" قَامَ مُوسَى خَطِيبًا فَعَرَضَ فِي نَفْسه أَنَّ أَحَدًا لَمْ يُؤْتَ مِنْ الْعِلْم مَا أُوتِيَ , وَعَلِمَ اللَّه بِمَا حَدَّثَ بِهِ نَفْسه فَقَالَ : يَا مُوسَى , إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ آتَيْته مِنْ الْعِلْم مَا لَمْ أُوتِك \" وَعِنْد عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر \" فَقَالَ : مَا أَجِد أَحَدًا أَعْلَم بِاَللَّهِ وَأَمْره مِنِّي \". وَهُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي إِسْحَاق بِلَفْظِ \" مَا أَعْلَم فِي الْأَرْض رَجُلًا خَيْرًا أَوْ أَعْلَم مِنِّي \" قَالَ اِبْن الْمُنِير : ظَنَّ اِبْن بَطَّال أَنَّ تَرْك مُوسَى الْجَوَاب عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة كَانَ أَوْلَى. قَالَ : وَعِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ رَدّ الْعِلْم إِلَى اللَّه تَعَالَى مُتَعَيِّن أَجَابَ أَوْ لَمْ يُجِبْ , فَلَوْ قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام : \" أَنَا وَاَللَّه أَعْلَم \" لَمْ تَحْصُل الْمُعَاتَبَة , وَإِنَّمَا عُوتِبَ عَلَى اِقْتِصَاره عَلَى ذَلِكَ , أَيْ : لِأَنَّ الْجَزْم يُوهِم أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي نَفْس الْأَمْر , وَإِنَّمَا مُرَاده الْإِخْبَار بِمَا فِي عِلْمه كَمَا قَدَّمْنَاهُ , وَالْعَتْب مِنْ اللَّه تَعَالَى مَحْمُول عَلَى مَا يَلِيق بِهِ لَا عَلَى مَعْنَاهُ الْعُرْفِيّ فِي الْآدَمِيِّينَ كَنَظَائِرِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( هُوَ أَعْلَم مِنْك ) ‏ ‏ظَاهِر فِي أَنَّ الْخَضِر نَبِيّ , بَلْ نَبِيّ مُرْسَل , إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَلَزِمَ تَفْضِيل الْعَالِي عَلَى الْأَعْلَى وَهُوَ بَاطِل مِنْ الْقَوْل , وَلِهَذَا أَوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيّ سُؤَالًا وَهُوَ : دَلَّتْ حَاجَة مُوسَى إِلَى التَّعْلِيم مِنْ غَيْره أَنَّهُ مُوسَى بْن مِيشَا كَمَا قِيلَ , إِذْ النَّبِيّ يَجِب أَنْ يَكُون أَعْلَم أَهْل زَمَانه , وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا نَقْص بِالنَّبِيِّ فِي أَخْذ الْعِلْم مِنْ نَبِيّ مِثْله , قُلْت : وَفِي الْجَوَاب نَظَر ; لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم نَفْي مَا أَوْجَبَ , وَالْحَقّ أَنَّ الْمُرَاد بِهَذَا الْإِطْلَاق تَقْيِيد الْأَعْلَمِيَّة بِأَمْرٍ مَخْصُوص , لِقَوْلِهِ بَعْد ذَلِكَ \" إِنِّي عَلَى عِلْم مِنْ عِلْم اللَّه عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمهُ أَنْتَ , وَأَنْتَ عَلَى عِلْم عَلَّمَكَهُ اللَّه لَا أَعْلَمهُ \" وَالْمُرَاد بِكَوْنِ النَّبِيّ أَعْلَم أَهْل زَمَانه أَيْ مِمَّنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ , وَلَمْ يَكُنْ مُوسَى مُرْسَلًا إِلَى الْخَضِر , وَإِذًا فَلَا نَقْص بِهِ إِذَا كَانَ الْخَضِر أَعْلَم مِنْهُ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ نَبِيّ مُرْسَل , أَوْ أَعْلَم مِنْهُ فِي أَمْر مَخْصُوص إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ نَبِيّ أَوْ وَلِيّ , وَيَنْحَلّ بِهَذَا التَّقْرِير إِشْكَالَات كَثِيرَة. وَمِنْ أَوْضَح مَا يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى نُبُوَّة الْخَضِر قَوْله : ( وَمَا فَعَلْته عَنْ أَمْرِي ) وَيَنْبَغِي اِعْتِقَاد كَوْنه نَبِيًّا لِئَلَّا يَتَذَرَّع بِذَلِكَ أَهْل الْبَاطِل فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْوَلِيّ أَفْضَل مِنْ النَّبِيّ , حَاشَا وَكَلَّا. وَتَعَقَّبَ اِبْن الْمُنِير عَلَى اِبْن بَطَّال إِيرَاده فِي هَذَا الْمَوْضِع كَثِيرًا مِنْ أَقْوَال السَّلَف فِي التَّحْذِير مِنْ الدَّعْوَى فِي الْعِلْم , وَالْحَثّ عَلَى قَوْل الْعَالِم لَا أَدْرِي , بِأَنَّ سِيَاق مِثْل ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِع غَيْر لَائِق , وَهُوَ كَمَا قَالَ رَحِمَهُ اللَّه. قَالَ : وَلَيْسَ قَوْل مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَنَا أَعْلَم كَقَوْلِ آحَاد النَّاس مِثْل ذَلِكَ , وَلَا نَتِيجَة قَوْله كَنَتِيجَةِ قَوْلهمْ فَإِنَّ نَتِيجَة قَوْلهمْ الْعُجْب وَالْكِبْر وَنَتِيجَة قَوْله الْمَزِيد مِنْ الْعِلْم وَالْحَثّ عَلَى التَّوَاضُع وَالْحِرْص عَلَى طَلَب الْعِلْم. وَاسْتِدْلَاله بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز الِاعْتِرَاض بِالْعَقْلِ عَلَى الشَّرْع خَطَأ ; لِأَنَّ مُوسَى إِنَّمَا اِعْتَرَضَ بِظَاهِرِ الشَّرْع لَا بِالْعَقْلِ الْمُجَرَّد , فَفِيهِ حُجَّة عَلَى صِحَّة الِاعْتِرَاض بِالشَّرْعِ عَلَى مَا لَا يَسُوغ فِيهِ وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا فِي بَاطِن الْأَمْر. ‏ ‏قَوْله : ( فِي مِكْتَل ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَا بَقِيَّة لَيْلَتهمَا ) ‏ ‏بِالْجَرِّ عَلَى الْإِضَافَة وَيَوْمهمَا بِالنَّصْبِ عَلَى إِرَادَة سَيْر جَمِيعه , وَنَبَّهَ بَعْض الْحُذَّاق عَلَى أَنَّهُ مَقْلُوب. وَأَنَّ الصَّوَاب بَقِيَّة يَوْمهمَا وَلَيْلَتهمَا لِقَوْلِهِ بَعْده \" فَلَمَّا أَصْبَحَ \" لِأَنَّهُ لَا يُصْبِح إِلَّا عَنْ لَيْل اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" فَلَمَّا أَصْبَحَ \" أَيْ مِنْ اللَّيْلَة الَّتِي تَلِي الْيَوْم الَّذِي سَارَا جَمِيعه. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّى ) ‏ ‏أَيْ : كَيْف \" بِأَرْضِك السَّلَام \". وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي التَّفْسِير \" هَلْ بِأَرْضِي مِنْ سَلَام \" أَوْ مِنْ أَيْنَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : ( أَنَّى لَك هَذَا ) وَالْمَعْنَى مِنْ أَيْنَ السَّلَام فِي هَذِهِ الْأَرْض الَّتِي لَا يُعْرَف فِيهَا ؟ وَكَأَنَّهَا كَانَتْ بِلَاد كُفْر , أَوْ كَانَتْ تَحِيَّتهمْ بِغَيْرِ السَّلَام , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاء وَمَنْ دُونهمْ لَا يَعْلَمُونَ مِنْ الْغَيْب إِلَّا مَا عَلَّمَهُمْ اللَّه , إِذْ لَوْ كَانَ الْخَضِر يَعْلَم كُلّ غَيْب لَعَرَفَ مُوسَى قَبْل أَنْ يَسْأَلهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ ) ‏ ‏أَيْ : مُوسَى وَالْخَضِر , وَلَمْ يَذْكُر فَتَى مُوسَى - وَهُوَ يُوشَع - لِأَنَّهُ تَابِع غَيْر مَقْصُود بِالْأَصَالَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَلَّمُوهُمْ ) ‏ ‏ضَمَّ يُوشَع مَعَهُمَا فِي الْكَلَام لِأَهْلِ السَّفِينَة لِأَنَّ الْمَقَام يَقْتَضِي كَلَام التَّابِع. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَمَلُوهُمَا ) ‏ ‏يُقَال فِيهِ مَا قِيلَ فِي يَمْشِيَانِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون يُوشَع لَمْ يَرْكَب مَعَهُمَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقَع لَهُ ذِكْر بَعْد ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ عُصْفُور ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله , قِيلَ هُوَ الصُّرَد بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَفَتْح الرَّاء , وَفِي الرِّحْلَة لِلْخَطِيبِ أَنَّهُ الْخُطَّاف. ‏ ‏قَوْله : ( مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمك مِنْ عِلْم اللَّه ) ‏ ‏لَفْظ النَّقْص لَيْسَ عَلَى ظَاهِره ; لِأَنَّ عِلْم اللَّه لَا يَدْخُلهُ النَّقْص , فَقِيلَ مَعْنَاهُ لَمْ يَأْخُذ , وَهَذَا تَوْجِيه حَسَن. وَيَكُون التَّشْبِيه وَاقِعًا عَلَى الْأَخْذ لَا عَلَى الْمَأْخُوذ مِنْهُ , وَأَحْسَن مِنْهُ أَنَّ الْمُرَاد بِالْعِلْمِ الْمُرَاد بِدَلِيلِ دُخُول حَرْف التَّبْعِيض ; لِأَنَّ الْعِلْم الْقَائِم بِذَاتِ اللَّه تَعَالَى صِفَة قَدِيمَة لَا تَتَبَعَّض وَالْمَعْلُوم هُوَ الَّذِي يَتَبَعَّض , وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : الْمُرَاد أَنَّ نَقْص الْعُصْفُور لَا يَنْقُص الْبَحْر بِهَذَا الْمَعْنَى , وَهُوَ كَمَا قِيلَ : وَلَا عَيْب فِيهِمْ غَيْر أَنَّ سُيُوفهمْ بِهِنَّ فُلُول مِنْ قِرَاع الْكَتَائِب ‏ ‏أَيْ : لَيْسَ فِيهِمْ عَيْب , وَحَاصِله أَنَّ نَفْي النَّقْص أُطْلِقَ عَلَى سَبِيل الْمُبَالَغَة. وَقِيلَ \" إِلَّا \" بِمَعْنَى وَلَا أَيْ : وَلَا كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُور. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَنْ أَطْلَقَ اللَّفْظ هُنَا تَجَوَّزَ لِقَصْدِهِ التَّمَسُّك وَالتَّعْظِيم , إِذْ لَا نَقْص فِي عِلْم اللَّه وَلَا نِهَايَة لِمَعْلُومَاتِهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ بِلَفْظٍ أَحْسَن سِيَاقًا مِنْ هَذَا وَأَبْعَد إِشْكَالًا فَقَالَ : \" مَا عِلْمِي وَعِلْمك فِي جَنْب عِلْم اللَّه إِلَّا كَمَا أَخَذَ هَذَا الْعُصْفُور بِمِنْقَارِهِ مِنْ الْبَحْر \" وَهُوَ تَفْسِير لِلَّفْظِ الَّذِي وَقَعَ هُنَا , قَالَ : وَفِي قِصَّة مُوسَى وَالْخَضِر مِنْ الْفَوَائِد أَنَّ اللَّه يَفْعَل فِي مُلْكه مَا يُرِيد , وَيَحْكُم فِي خَلْقه بِمَا يَشَاء مِمَّا يَنْفَع أَوْ يَضُرّ , فَلَا مَدْخَل لِلْعَقْلِ فِي أَفْعَاله وَلَا مُعَارَضَة لِأَحْكَامِهِ , بَلْ يَجِب عَلَى الْخَلْق الرِّضَا وَالتَّسْلِيم , فَإِنَّ إِدْرَاك الْعُقُول لِأَسْرَارِ الرُّبُوبِيَّة قَاصِر فَلَا يَتَوَجَّه عَلَى حُكْمه لِمَ وَلَا كَيْفَ , كَمَا لَا يَتَوَجَّه عَلَيْهِ فِي وُجُوده أَيْنَ وَحَيْثُ وَأَنَّ الْعَقْل لَا يُحَسِّن وَلَا يُقَبِّح وَأَنَّ ذَلِكَ رَاجِع إِلَى الشَّرْع : فَمَا حَسَّنَهُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ فَهُوَ حَسَن , وَمَا قَبَّحَهُ بِالذَّمِّ فَهُوَ قَبِيح. وَأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِيمَا يَقْضِيه حُكْمًا وَأَسْرَارًا فِي مَصَالِح خَفِيَّة اِعْتَبَرَهَا كُلّ ذَلِكَ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَته مِنْ غَيْر وُجُوب عَلَيْهِ وَلَا حُكْم عَقْل يَتَوَجَّه إِلَيْهِ , بَلْ بِحَسَبِ مَا سَبَقَ فِي عِلْمه وَنَافِذ حُكْمه , فَمَا أَطْلَعَ الْخَلْق عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْأَسْرَار عُرِفَ , وَإِلَّا فَالْعَقْل عِنْده وَاقِف. فَلْيَحْذَرْ الْمَرْء مِنْ الِاعْتِرَاض فَإِنَّ مَآل ذَلِكَ إِلَى الْخَيْبَة. قَالَ : وَلْنُنَبِّهْ هُنَا عَلَى مُغَلَّطَتَيْنِ الْأُولَى : وَقَعَ لِبَعْضِ الْجَهَلَة أَنَّ الْخَضِر أَفْضَل مِنْ مُوسَى تَمَسُّكًا بِهَذِهِ الْقِصَّة وَبِمَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ , وَهَذَا إِنَّمَا يَصْدُر مِمَّنْ قَصَرَ نَظَرَهُ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّة وَلَمْ يَنْظُر فِيمَا خَصَّ اللَّه بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ الرِّسَالَة وَسَمَاع كَلَام اللَّه وَإِعْطَائِهِ التَّوْرَاة فِيهَا عِلْم كُلّ شَيْء , وَأَنَّ أَنْبِيَاء بَنِي إِسْرَائِيل كُلّهمْ دَاخِلُونَ تَحْت شَرِيعَته وَيُخَاطِبُونَ بِحُكْمِ نُبُوَّته حَتَّى عِيسَى , وَأَدِلَّة ذَلِكَ فِي الْقُرْآن كَثِيرَة , وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : ( يَا مُوسَى إِنِّي اِصْطَفَيْتُك عَلَى النَّاس بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي ) وَسَيَأْتِي فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مِنْ فَضَائِل مُوسَى مَا فِيهِ كِفَايَة. قَالَ : وَالْخَضِر وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَيْسَ بِرَسُولٍ بِاتِّفَاقٍ , وَالرَّسُول أَفْضَل مِنْ نَبِيّ لَيْسَ بِرَسُولٍ , وَلَوْ تَنَزَّلْنَا عَلَى أَنَّهُ رَسُول فَرِسَالَة مُوسَى أَعْظَم وَأُمَّته أَكْثَر فَهُوَ أَفْضَل , وَغَايَة الْخَضِر أَنْ يَكُون كَوَاحِدٍ مِنْ أَنْبِيَاء بَنِي إِسْرَائِيل وَمُوسَى أَفْضَلهمْ. وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّ الْخَضِر لَيْسَ بِنَبِيٍّ بَلْ وَلِيّ فَالنَّبِيّ أَفْضَل مِنْ الْوَلِيّ , وَهُوَ أَمْر مَقْطُوع بِهِ عَقْلًا وَنَقْلًا , وَالصَّائِر إِلَى خِلَافه كَافِر لِأَنَّهُ أَمْر مَعْلُوم مِنْ الشَّرْع بِالضَّرُورَةِ. قَالَ : وَإِنَّمَا كَانَتْ قِصَّة الْخَضِر مَعَ مُوسَى اِمْتِحَانًا لِمُوسَى لِيَعْتَبِر. الثَّانِيَة : ذَهَبَ قَوْم مِنْ الزَّنَادِقَة إِلَى سُلُوك طَرِيقَة تَسْتَلْزِم هَدْم أَحْكَام الشَّرِيعَة فَقَالُوا : إِنَّهُ يُسْتَفَاد مِنْ قِصَّة مُوسَى وَالْخَضِر أَنَّ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الْعَامَّة تَخْتَصّ بِالْعَامَّةِ وَالْأَغْبِيَاء , وَأَمَّا الْأَوْلِيَاء وَالْخَوَاصّ فَلَا حَاجَة بِهِمْ إِلَى تِلْكَ النُّصُوص , بَلْ إِنَّمَا يُرَاد مِنْهُمْ مَا يَقَع فِي قُلُوبهمْ , وَيُحْكَم عَلَيْهِمْ بِمَا يَغْلِب عَلَى خَوَاطِرهمْ , لِصَفَاءِ قُلُوبهمْ عَنْ الْأَكْدَار وَخُلُوّهَا عَنْ الْأَغْيَار. فَتَنْجَلِي لَهُمْ الْعُلُوم الْإِلَهِيَّة وَالْحَقَائِق الرَّبَّانِيَّة , فَيَقِفُونَ عَلَى أَسْرَار الْكَائِنَات وَيَعْلَمُونَ الْأَحْكَام الْجُزْئِيَّات فَيَسْتَغْنُونَ بِهَا عَنْ أَحْكَام الشَّرَائِع الْكُلِّيَّات , كَمَا اِتَّفَقَ لِلْخَضِرِ , فَإِنَّهُ اِسْتَغْنَى بِمَا يَنْجَلِي لَهُ مِنْ تِلْكَ الْعُلُوم عَمَّا كَانَ عِنْد مُوسَى , وَيُؤَيِّدهُ الْحَدِيث الْمَشْهُور : \" اِسْتَفْتِ قَلْبك وَإِنْ أَفْتَوْك \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَهَذَا الْقَوْل زَنْدَقَة وَكُفْر ; لِأَنَّهُ إِنْكَار لِمَا عُلِمَ مِنْ الشَّرَائِع , فَإِنَّ اللَّه قَدْ أَجْرَى سُنَّته وَأَنْفَذَ كَلِمَته بِأَنَّ أَحْكَامه لَا تُعْلَم إِلَّا بِوَاسِطَةِ رُسُله السُّفَرَاء بَيْنه وَبَيْن خَلْقه الْمُبَيِّنِينَ لِشَرَائِعِهِ وَأَحْكَامه , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( اللَّه يَصْطَفِي مِنْ الْمَلَائِكَة رُسُلًا وَمِنْ النَّاس ) وَقَالَ : ( اللَّه أَعْلَم حَيْثُ يَجْعَل رِسَالَاته ) وَأَمَرَ بِطَاعَتِهِمْ فِي كُلّ مَا جَاءُوا بِهِ , وَحَثَّ عَلَى طَاعَتهمْ وَالتَّمَسُّك بِمَا أَمَرُوا بِهِ فَإِنَّ فِيهِ الْهُدَى. وَقَدْ حَصَلَ الْعِلْم الْيَقِين وَإِجْمَاع السَّلَف عَلَى ذَلِكَ , فَمَنْ اِدَّعَى أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقًا أُخْرَى يَعْرِف بِهَا أَمْرَهُ وَنَهْيه غَيْر الطُّرُق الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الرُّسُل يَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ الرَّسُول فَهُوَ كَافِر يُقْتَل وَلَا يُسْتَتَاب. قَالَ : وَهِيَ دَعْوَى تَسْتَلْزِم إِثْبَات نُبُوَّة بَعْد نَبِيّنَا ; لِأَنَّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ يَأْخُذ عَنْ قَلْبه لِأَنَّ الَّذِي يَقَع فِيهِ هُوَ حُكْم اللَّه وَأَنَّهُ يَعْمَل بِمُقْتَضَاهُ مِنْ غَيْر حَاجَة مِنْهُ إِلَى كِتَاب وَلَا سُنَّة فَقَدْ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ خَاصَّة النُّبُوَّة كَمَا قَالَ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" إِنَّ رُوح الْقُدُس نَفَثَ فِي رُوعِي \". قَالَ : وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ قَالَ : أَنَا لَا آخُذ عَنْ الْمَوْتَى , وَإِنَّمَا آخُذ عَنْ الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت. وَكَذَا قَالَ آخَر : أَنَا آخُذ عَنْ قَلْبِي عَنْ رَبِّي. وَكُلّ ذَلِكَ كُفْر بِاتِّفَاقِ أَهْل الشَّرَائِع , وَنَسْأَل اللَّه الْهِدَايَة وَالتَّوْفِيق. وَقَالَ غَيْره : مَنْ اِسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ الْخَضِر عَلَى أَنَّ الْوَلِيّ يَجُوز أَنْ يَطَّلِع مِنْ خَفَايَا الْأُمُور عَلَى مَا يُخَالِف الشَّرِيعَة وَيَجُوز لَهُ فِعْله فَقَدْ ضَلَّ , وَلَيْسَ مَا تَمَسَّكَ بِهِ صَحِيحًا , فَإِنَّ الَّذِي فَعَلَهُ الْخَضِر لَيْسَ فِي شَيْء مِنْهُ مَا يُنَاقِض الشَّرْع , فَإِنَّ نَقْض لَوْح مِنْ أَلْوَاح السَّفِينَة لِدَفْعِ الظَّالِم عَنْ غَصْبهَا ثُمَّ إِذَا تَرَكَهَا أُعِيدَ اللَّوْح جَائِز شَرْعًا وَعَقْلًا ; وَلَكِنَّ مُبَادَرَة مُوسَى بِالْإِنْكَارِ بِحَسَبِ الظَّاهِر. وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق الَّتِي أَخْرَجَهَا مُسْلِم وَلَفْظه : فَإِذَا جَاءَ الَّذِي يُسَخِّرهَا فَوَجَدَهَا مُنْخَرِقَة تَجَاوَزَهَا فَأُصْلِحهَا. فَيُسْتَفَاد مِنْهُ وُجُوب التَّأَنِّي عَنْ الْإِنْكَار فِي الْمُحْتَمَلَات. وَأَمَّا قَتْله الْغُلَام فَلَعَلَّهُ كَانَ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة. وَأَمَّا إِقَامَة الْجِدَار فَمِنْ بَاب مُقَابَلَة الْإِسَاءَة بِالْإِحْسَانِ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَمَدَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمِيم , وَكَذَا قَوْله عَمَدْت. وَنَوْل بِفَتْحِ النُّون أَيْ : أُجْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَا ) ‏ ‏أَيْ فَخَرَجَا مِنْ السَّفِينَة فَانْطَلَقَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَيْضًا فِي التَّفْسِير. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الْخَضِر بِيَدِهِ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ إِطْلَاق الْقَوْل عَلَى الْفِعْل , وَسَنَذْكُرُ بَاقِي مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب التَّفْسِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "120",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا وَيُقَاتِلُ ‏ ‏حَمِيَّةً ‏ ‏فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ ‏ ‏قَالَ وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُثْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي شَيْبَة , وَجَرِير هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق , وَأَبُو مُوسَى هُوَ الْأَشْعَرِيّ , وَكُلّهمْ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسه ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ الْقَائِل هُوَ أَبُو مُوسَى , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَنْ دُونه فَيَكُون مُدْرَجًا فِي أَثْنَاء الْخَبَر. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ قَاتَلَ إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ جَوَامِع كَلِمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ أَجَابَ بِلَفْظِ جَامِع لِمَعْنَى السُّؤَال مَعَ الزِّيَادَة عَلَيْهِ , وَفِي الْحَدِيث شَاهِد لِحَدِيثِ \" الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ \" , وَأَنَّهُ لَا بَأْس بِقِيَامِ طَالِب الْحَاجَة عِنْد أَمْن الْكِبْر , وَأَنَّ الْفَضْل الَّذِي وَرَدَ فِي الْمُجَاهِدِينَ مُخْتَصّ بِمَنْ قَاتَلَ لِإِعْلَاءِ دِين اللَّه. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب إِقْبَال الْمَسْئُول عَلَى السَّائِل. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْجِهَاد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "121",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَ ‏ ‏الْجَمْرَةِ ‏ ‏وَهُوَ يُسْأَلُ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ قَالَ ‏ ‏ارْمِ وَلَا حَرَجَ قَالَ آخَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ قَالَ انْحَرْ وَلَا حَرَجَ فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "122",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي خَرِبِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى ‏ ‏عَسِيبٍ ‏ ‏مَعَهُ فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَسْأَلُوهُ لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَنَسْأَلَنَّهُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏مَا الرُّوحُ فَسَكَتَ فَقُلْتُ إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَقُمْتُ فَلَمَّا ‏ ‏انْجَلَى ‏ ‏عَنْهُ قَالَ ‏ { ‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ‏} ‏وَمَا أُوتُوا مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد الْبَصْرِيّ , وَإِسْنَاد الْأَعْمَش إِلَى مُنْتَهَاهُ مِمَّا قِيلَ إِنَّهُ أَصَحّ الْأَسَانِيد. ‏ ‏قَوْله : ( خِرَب ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفَتْح الرَّاء جَمْع خِرْبَة , وَيُقَال بِالْعَكْسِ. وَالْخَرِب ضِدّ الْعَامِر. وَوَقَعَ فِي مَوْضِع آخَر بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الرَّاء بَعْدهَا مُثَلَّثَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَسِيب ) ‏ ‏أَيْ : عَصًا مِنْ جَرِيد النَّخْل. ‏ ‏قَوْله : ( بِنَفَرٍ مِنْ الْيَهُود ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى أَسْمَائِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَسْأَلُوهُ لَا يَجِيء ) ‏ ‏فِي رِوَايَتنَا بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَاب النَّهْي , وَيَجُوز النَّصْب. وَالْمَعْنَى لَا تَسْأَلُوهُ خَشْيَة أَنْ يَجِيء فِيهِ بِشَيْءٍ , وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى الِاسْتِئْنَاف. ‏ ‏قَوْله : ( لَنَسْأَلَنَّهُ ) ‏ ‏جَوَاب الْقَسَم الْمَحْذُوف. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُمْت ) ‏ ‏أَيْ : حَتَّى لَا أَكُون مُشَوِّشًا عَلَيْهِ , أَوْ فَقُمْت قَائِمًا حَائِلًا بَيْنه وَبَيْنهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا اِنْجَلَى ) ‏ ‏أَيْ الْكَرْب الَّذِي كَانَ يَغْشَاهُ حَال الْوَحْي. ‏ ‏قَوْله : ( الرُّوح ) ‏ ‏الْأَكْثَر عَلَى أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ حَقِيقَة الرُّوح الَّذِي فِي الْحَيَوَان , وَقِيلَ عَنْ جِبْرِيل , وَقِيلَ عَنْ عِيسَى , وَقِيلَ عَنْ الْقُرْآن , وَقِيلَ عَنْ خَلْق عَظِيم رُوحَانِيّ , وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ. وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي كِتَاب التَّفْسِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَنُشِير هُنَا إِلَى مَا قِيلَ فِي الرُّوح الْحَيَوَانِيّ وَأَنَّ الْأَصَحّ أَنَّ حَقِيقَته مِمَّا اِسْتَأْثَرَ اللَّه بِعِلْمِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( هِيَ كَذَا ) ‏ ‏ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" هَكَذَا فِي قِرَاءَتنَا \" أَيْ : قِرَاءَة الْأَعْمَش , وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَة فِي السَّبْعَة بَلْ وَلَا فِي الْمَشْهُور مِنْ غَيْرهَا , وَقَدْ أَغْفَلَهَا أَبُو عُبَيْد فِي كِتَاب الْقِرَاءَات لَهُ مِنْ قِرَاءَة الْأَعْمَش. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "123",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏قُلْتُ قَالَتْ لِي ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ قَالَ ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏بِكُفْرٍ لَنَقَضْتُ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ ‏ ‏فَفَعَلَهُ ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِسْرَائِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُونُس ‏ ‏( عَنْ أَبِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ السَّبِيعِيّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَهُوَ جَدّ إِسْرَائِيل الرَّاوِي عَنْهُ , ‏ ‏و ( الْأَسْوَد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد النَّخَعِيُّ وَالْإِسْنَاد إِلَيْهِ كُلّهمْ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لِي اِبْن الزُّبَيْر ) ‏ ‏يَعْنِي عَبْد اللَّه الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَتْ عَائِشَة ) ‏ ‏أَيْ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْكَعْبَة ) ‏ ‏يَعْنِي فِي شَأْن الْكَعْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت قَالَتْ لِي ) ‏ ‏زَادَ فِيهِ اِبْن أَبِي شَيْبَة فِي مُسْنَده عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى بِهَذَا الْإِسْنَاد : قُلْت لَقَدْ حَدَّثَتْنِي حَدِيثًا كَثِيرًا نَسِيت بَعْضه وَأَنَا أَذْكُر بَعْضه , قَالَ - أَيْ : اِبْن الزُّبَيْر - مَا نَسِيت أَذْكَرْتُك , قُلْت قَالَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدِيث عَهْدهمْ ) ‏ ‏بِتَنْوِينِ حَدِيث , وَرَفْع \" عَهْدهمْ \" عَلَى إِعْمَال الصِّفَة الْمُشَبَّهَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ ) ‏ ‏لِلْأَصِيلِيِّ \" فَقَالَ اِبْن الزُّبَيْر : بِكُفْرٍ \" أَيْ أَذْكَرَهُ اِبْن الزُّبَيْر بِقَوْلِهَا بِكُفْرٍ كَانَ الْأَسْوَد نَسِيَهَا , وَأَمَّا مَا بَعْدهَا وَهُوَ قَوْله : \" لَنَقَضْت إِلَخْ \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِمَّا نَسِيَ أَيْضًا أَوْ مِمَّا ذَكَرَ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْأَسْوَد بِتَمَامِهِ , إِلَّا قَوْله : \" بِكُفْرٍ \" فَقَالَ بَدَلهَا بِجَاهِلِيَّةٍ , وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ فِي الْحَجّ فِي طَرِيق أُخْرَى عَنْ الْأَسْوَد , وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق وَلَفْظه \" قُلْت حَدَّثَتْنِي حَدِيثًا حَفِظْت أَوَّله وَنَسِيت آخِره \" وَرَجَّحَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ عَلَى رِوَايَة إِسْرَائِيل , وَفِيمَا قَالَ نَظَر لِمَا قَدَّمْنَاهُ. وَعَلَى قَوْله يَكُون فِي رِوَايَة شُعْبَة إِدْرَاج. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( بَابًا ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَل , كَذَا لِأَبِي ذَرّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَلِغَيْرِهِ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَاف. ‏ ‏قَوْله : ( فَفَعَلَهُ ) ‏ ‏يَعْنِي بَنَى الْكَعْبَة عَلَى مَا أَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي كِتَاب الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي الْحَدِيث مَعْنَى مَا تَرْجَمَ لَهُ لِأَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تُعَظِّم أَمْر الْكَعْبَة جِدًّا , فَخَشِيَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَظُنُّوا لِأَجْلِ قُرْب عَهْدهمْ بِالْإِسْلَامِ أَنَّهُ غَيَّرَ بِنَاءَهَا لِيَنْفَرِد بِالْفَخْرِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ تَرْك الْمَصْلَحَة لِأَمْنِ الْوُقُوع فِي الْمَفْسَدَة , وَمِنْهُ تَرْك إِنْكَار الْمُنْكَر خَشْيَة الْوُقُوع فِي أَنْكَر مِنْهُ , وَأَنَّ الْإِمَام يَسُوس رَعِيَّته بِمَا فِيهِ إِصْلَاحهمْ وَلَوْ كَانَ مَفْضُولًا مَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا. ‏"
    },
    {
        "id": "124",
        "content": "‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الطُّفَيْلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏بِذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏و اِبْن مُوسَى كَمَا ثَبَتَ لِلْبَاقِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَعْرُوف ) ‏ ‏هُوَ اِبْن خَرَّبُوذ كَمَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة , وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير مَكِّيّ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , وَأَبُوهُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء الْمَفْتُوحَة وَضَمّ الْمُوَحَّدَة وَآخِره مُعْجَمَة. وَهَذَا الْإِسْنَاد مِنْ عَوَالِي الْبُخَارِيّ لِأَنَّهُ يَلْتَحِق بِالثُّلَاثِيَّاتِ , مِنْ حَيْثُ إنَّ الرَّاوِي الثَّالِث مِنْهُ صَحَابِيّ وَهُوَ أَبُو الطُّفَيْل عَامِر بْن وَاثِلَة اللَّيْثِيّ آخِر الصَّحَابَة مَوْتًا , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( حَدِّثُوا النَّاس بِمَا يَعْرِفُونَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَسَقَطَ كُلّه مِنْ رِوَايَته عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ , وَلِغَيْرِهِ بِتَقْدِيمِ الْمَتْن اِبْتَدَأَ بِهِ مُعَلَّقًا فَقَالَ : وَقَالَ عَلِيّ إِلَخْ. ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالْإِسْنَادِ. وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" بِمَا يَعْرِفُونَ \" أَيْ : يَفْهَمُونَ. وَزَادَ آدَم بْن أَبِي إِيَاس فِي كِتَاب الْعِلْم لَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن دَاوُدَ عَنْ مَعْرُوف فِي آخِره \" وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ \" أَيْ : يَشْتَبِه عَلَيْهِمْ فَهْمه. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج. وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُتَشَابِه لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَر عِنْد الْعَامَّة. وَمِثْله قَوْل اِبْن مَسْعُود : \" مَا أَنْتَ مُحَدِّثًا قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغهُ عُقُولهمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَة \" رَوَاهُ مُسْلِم. وَمِمَّنْ كَرِهَ التَّحْدِيث بِبَعْضٍ دُون بَعْض أَحْمَد فِي الْأَحَادِيث الَّتِي ظَاهِرهَا الْخُرُوج عَلَى السُّلْطَان , وَمَالِك فِي أَحَادِيث الصِّفَات , وَأَبُو يُوسُف فِي الْغَرَائِب , وَمِنْ قَبْلهمْ أَبُو هُرَيْرَة كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الْجِرَابَيْنِ وَأَنَّ الْمُرَاد مَا يَقَع مِنْ الْفِتَن , وَنَحْوه عَنْ حُذَيْفَة وَعَنْ الْحَسَن أَنَّهُ أَنْكَرَ تَحْدِيث أَنَس لِلْحَجَّاجِ بِقِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ لِأَنَّهُ اِتَّخَذَهَا وَسِيلَة إِلَى مَا كَانَ يَعْتَمِدهُ مِنْ الْمُبَالَغَة فِي سَفْك الدِّمَاء بِتَأْوِيلِهِ الْوَاهِي , وَضَابِط ذَلِكَ أَنْ يَكُون ظَاهِر الْحَدِيث يُقَوِّي الْبِدْعَة وَظَاهِره فِي الْأَصْل غَيْر مُرَاد , فَالْإِمْسَاك عَنْهُ عِنْد مَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ الْأَخْذ بِظَاهِرِهِ مَطْلُوب. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "125",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمُعاذٌ ‏ ‏رَدِيفُهُ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏الرَّحْلِ ‏ ‏قَالَ يَا ‏ ‏مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ‏ ‏قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ يَا ‏ ‏مُعَاذُ ‏ ‏قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا قَالَ ‏ ‏مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا قَالَ إِذًا يَتَّكِلُوا وَأَخْبَرَ بِهَا ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏عِنْدَ مَوْتِهِ ‏ ‏تَأَثُّمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي أَبِي ) ‏ ‏هُوَ هِشَام بْن أَبِي عَبْد اللَّه الدَّسْتُوَائِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( رَدِيفه ) ‏ ‏أَيْ : رَاكِب خَلْف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْجُمْلَة حَالِيَّة وَالرَّحْل بِإِسْكَانِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَأَكْثَر مَا يُسْتَعْمَل لِلْبَعِيرِ لَكِنْ مُعَاذ كَانَ فِي تِلْكَ الْحَالَة رَدِيفه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَار كَمَا يَأْتِي فِي الْجِهَاد. ‏ ‏قَوْله ‏ ‏: ( قَالَ : يَا مُعَاذ بْن جَبَل ) ‏ ‏هُوَ خَبَر \" أَنَّ \" الْمُتَقَدِّمَة , وَابْن جَبَل بِفَتْحِ النُّون , وَأَمَّا مُعَاذ فَبِالضَّمِّ لِأَنَّهُ مُنَادَى مُفْرَد عَلَم , وَهَذَا اِخْتِيَار اِبْن مَالِك لِعَدَمِ اِحْتِيَاجه إِلَى تَقْدِير , وَاخْتَارَ اِبْن الْحَاجِب النَّصْب عَلَى أَنَّهُ مَعَ مَا بَعْده كَاسْمٍ وَاحِد مُرَكَّب كَأَنَّهُ أُضِيفَ , وَالْمُنَادَى الْمُضَاف مَنْصُوب , وَقَالَ اِبْن التِّين : يَجُوز النَّصْب عَلَى أَنَّ قَوْله مُعَاذ زَائِد , فَالتَّقْدِير يَا اِبْن جَبَل , وَهُوَ يَرْجِع إِلَى كَلَام اِبْن الْحَاجِب بِتَأْوِيلٍ. ‏ ‏قَوْله. ( قَالَ : لَبَّيْكَ يَا رَسُول اللَّه وَسَعْدَيْك ) ‏ ‏اللَّبّ بِفَتْحِ اللَّام مَعْنَاهُ هُنَا الْإِجَابَة , وَالسَّعْد الْمُسَاعَدَة , كَأَنَّهُ قَالَ : لَبًّا لَك وَإِسْعَادًا لَك ; وَلَكِنَّهُمَا ثُنِّيَا عَلَى مَعْنَى التَّأْكِيد وَالتَّكْثِير , أَيْ : إِجَابَة بَعْد إِجَابَة وَإِسْعَادًا بَعْد إِسْعَاد. وَقِيلَ فِي أَصْل لَبَّيْكَ وَاشْتِقَاقهَا غَيْر ذَلِكَ , وَسَنُوَضِّحُهُ فِي كِتَاب الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاثًا ) ‏ ‏أَيْ : النِّدَاء وَالْإِجَابَة قِيلَا ثَلَاثًا , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة مُسْلِم , وَيُؤَيِّدهُ الْحَدِيث الْمُتَقَدِّم فِي بَاب مَنْ أَعَادَ الْحَدِيث ثَلَاثًا لِيُفْهَم عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( صِدْقًا ) ‏ ‏فِيهِ اِحْتِرَاز عَنْ شَهَادَة الْمُنَافِق. وَقَوْله : \" مِنْ قَلْبه \" يُمْكِن أَنْ يَتَعَلَّق بِصِدْقًا أَيْ : يَشْهَد بِلَفْظِهِ وَيُصَدِّق بِقَلْبِهِ , وَيُمْكِن أَنْ يَتَعَلَّق بِيَشْهَد أَيْ : يَشْهَد بِقَلْبِهِ , وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَقَالَ الطِّيبِيّ : قَوْله \" صِدْقًا \" أُقِيمَ هُنَا مَقَام الِاسْتِقَامَة لِأَنَّ الصِّدْق يُعَبَّر بِهِ قَوْلًا عَنْ مُطَابَقَة الْقَوْل الْمُخْبَر عَنْهُ , وَيُعَبَّر بِهِ فِعْلًا عَنْ تَحَرِّي الْأَخْلَاق الْمَرْضِيَّة كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) أَيْ : حَقَّقَ مَا أَوْرَدَهُ قَوْلًا بِمَا تَحَرَّاهُ فِعْلًا. اِنْتَهَى. وَأَرَادَ بِهَذَا التَّقْرِير رَفْع الْإِشْكَال عَنْ ظَاهِر الْخَبَر ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي عَدَم دُخُول جَمِيع مَنْ شَهِدَ الشَّهَادَتَيْنِ النَّار لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْمِيم وَالتَّأْكِيد , لَكِنْ دَلَّتْ الْأَدِلَّة الْقَطْعِيَّة عِنْد أَهْل السُّنَّة عَلَى أَنَّ طَائِفَة مِنْ عُصَاة الْمُؤْمِنِينَ يُعَذَّبُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْ النَّار بِالشَّفَاعَةِ , فَعُلِمَ أَنَّ ظَاهِره غَيْر مُرَاد , فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ مُقَيَّد بِمَنْ عَمِلَ الْأَعْمَال الصَّالِحَة. قَالَ : وَلِأَجْلِ خَفَاء ذَلِكَ لَمْ يُؤْذَن لِمُعَاذ فِي التَّبْشِير بِهِ. وَقَدْ أَجَابَ الْعُلَمَاء عَنْ الْإِشْكَال أَيْضًا بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى : مِنْهَا أَنَّ مُطْلَقه مُقَيَّد بِمَنْ قَالَهَا تَائِبًا ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ. وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل نُزُول الْفَرَائِض , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ مِثْل هَذَا الْحَدِيث وَقَعَ لِأَبِي هُرَيْرَة كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم , وَصُحْبَته مُتَأَخِّرَة عَنْ نُزُول أَكْثَر الْفَرَائِض , وَكَذَا وَرَدَ نَحْوه مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى رَوَاهُ أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن , وَكَانَ قُدُومه فِي السَّنَة الَّتِي قَدِمَ فِيهَا أَبُو هُرَيْرَة. وَمِنْهَا أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِب , إِذْ الْغَالِب أَنَّ الْمُوَحِّد يَعْمَل الطَّاعَة وَيَجْتَنِب الْمَعْصِيَة. وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَاد بِتَحْرِيمِهِ عَلَى النَّار تَحْرِيم خُلُوده فِيهَا لَا أَصْل دُخُولهَا. وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَاد النَّار الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ لَا الطَّبَقَة الَّتِي أُفْرِدَتْ لِعُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ. وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَاد بِتَحْرِيمِهِ عَلَى النَّار حُرْمَة جُمْلَته لِأَنَّ النَّار لَا تَأْكُل مَوَاضِع السُّجُود مِنْ الْمُسْلِم كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّم عَلَيْهَا , وَكَذَا لِسَانه النَّاطِق بِالتَّوْحِيدِ. وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَسْتَبْشِرُونَ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ أَيْ فَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ , وَلِلْبَاقِينَ بِحَذْفِ النُّون , وَهُوَ أَوْجَه لِوُقُوعِ الْفَاء بَعْد النَّفْي أَوْ الِاسْتِفْهَام أَوْ الْعَرْض وَهِيَ تَنْصِب فِي كُلّ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( إذًا يَتَّكِلُوا ) ‏ ‏بِتَشْدِيد الْمُثَنَّاة الْمَفْتُوحَة وَكَسْر الْكَاف , وَهُوَ جَوَاب وَجَزَاء أَيْ : إِنْ أَخْبَرْتهمْ يَتَّكِلُوا. وَلِلْأَصِيلِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ يَنْكُلُوا بِإِسْكَانِ النُّون وَضَمّ الْكَاف أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ الْعَمَل اِعْتِمَادًا عَلَى مَا يَتَبَادَر مِنْ ظَاهِره , وَرَوَى الْبَزَّار بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِمُعَاذٍ فِي التَّبْشِير , فَلَقِيَهُ عُمَر فَقَالَ : لَا تَعْجَل. ثُمَّ دَخَلَ فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه أَنْتَ أَفْضَل رَأْيًا , إِنَّ النَّاس إِذَا سَمِعُوا ذَلِكَ اِتَّكَلُوا عَلَيْهَا , قَالَ فَرَدَّهُ. وَهَذَا مَعْدُود مِنْ مُوَافَقَات عُمَر , وَفِيهِ جَوَاز الِاجْتِهَاد بِحَضْرَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاسْتَدَلَّ بَعْض مُتَكَلِّمِي الْأَشَاعِرَة مِنْ قَوْله : \" يَتَّكِلُوا \" عَلَى أَنَّ لِلْعَبْدِ اِخْتِيَارًا كَمَا سَبَقَ فِي عِلْم اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( عِنْد مَوْته ) ‏ ‏أَيْ : مَوْت مُعَاذ. وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : يَحْتَمِل أَنْ يَرْجِع الضَّمِير إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْت : وَيَرُدّهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَد بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ مُعَاذًا حِين حَضَرَتْهُ الْوَفَاة يَقُول : سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا لَمْ يَمْنَعنِي أَنْ أُحَدِّثكُمُوهُ إِلَّا مَخَافَة أَنْ تَتَّكِلُوا.. فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( تَأَثُّمًا ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَتَشْدِيد الْمُثَلَّثَة الْمَضْمُومَة , أَيْ : خَشْيَة الْوُقُوع فِي الْإِثْم , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهه فِي حَدِيث بَدْء الْوَحْي فِي قَوْله : \" يَتَحَنَّث \". وَالْمُرَاد بِالْإِثْمِ الْحَاصِل مِنْ كِتْمَان الْعِلْم , وَدَلَّ صَنِيع مُعَاذ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ النَّهْي عَنْ التَّبْشِير كَانَ عَلَى التَّنْزِيه لَا عَلَى التَّحْرِيم , وَإِلَّا لَمَا كَانَ يُخْبِر بِهِ أَصْلًا. أَوْ عَرَفَ أَنَّ النَّهْي مُقَيَّد بِالِاتِّكَالِ فَأَخْبَرَهُ بِهِ مَنْ لَا يَخْشَى عَلَيْهِ ذَلِكَ , وَإِذَا زَالَ الْقَيْد زَالَ الْمُقَيَّد , وَالْأَوَّل أَوْجَه لِكَوْنِهِ أَخَّرَ ذَلِكَ إِلَى وَقْت مَوْته. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : لَعَلَّ مُعَاذًا لَمْ يَفْهَم النَّهْي , لَكِنْ كُسِرَ عَزْمه عَمَّا عَرَضَ لَهُ مِنْ تَبْشِيرهمْ. قُلْت : وَالرِّوَايَة الْآتِيَة صَرِيحَة فِي النَّهْي , فَالْأَوْلَى مَا تَقَدَّمَ. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز الْإِرْدَاف , وَبَيَان تَوَاضُع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَنْزِلَة مُعَاذ بْن جَبَل مِنْ الْعِلْم لِأَنَّهُ خَصَّهُ بِمَا ذَكَرَ. وَفِيهِ جَوَاز اِسْتِفْسَار الطَّالِب عَمَّا يَتَرَدَّد فِيهِ , وَاسْتِئْذَانه فِي إِشَاعَة مَا يَعْلَم بِهِ وَحْده. ‏"
    },
    {
        "id": "126",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ذُكِرَ لِي ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ‏ ‏مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قَالَ أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ لَا إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسَدَّد حَدَّثَنَا مُعْتَمِر ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , وَذَكَرَ الْجَيَّانِيّ أَنَّ عَبْدُوسًا وَالْقَابِسِيّ رَوَيَاهُ عَنْ أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ بِإِسْقَاطِ مُسَدَّد مِنْ السَّنَد , قَالَ : وَهُوَ وَهْم وَلَا يَتَّصِل السَّنَد إِلَّا بِذِكْرِهِ. اِنْتَهَى. وَمُعْتَمِر هُوَ اِبْن سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ. وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ إِلَّا مُعَاذًا , وَكَذَا الَّذِي قَبْله إِلَّا إِسْحَاق فَهُوَ مَرْوَزِيّ , وَهُوَ الْإِمَام الْمَعْرُوف بِابْنِ رَاهْوَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ذُكِرَ لِي ) ‏ ‏هُوَ بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاء لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَلَمْ يُسَمِّ أَنَس مَنْ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فِي جَمِيع مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ الطُّرُق , وَكَذَلِكَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ عِنْد أَحْمَد ; لِأَنَّ مُعَاذًا إِنَّمَا حَدَّثَ بِهِ عِنْد مَوْته بِالشَّامِ , وَجَابِر وَأَنَس إِذْ ذَاكَ بِالْمَدِينَةِ فَلَمْ يَشْهَدَاهُ وَقَدْ حَضَرَ ذَلِكَ مِنْ مُعَاذ عَمْرو بْن مَيْمُون الْأَوْدِيّ أَحَد الْمُخَضْرَمِينَ كَمَا سَيَأْتِي عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْجِهَاد , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَا فِي سِيَاقه مِنْ الزِّيَادَة ثَمَّ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ مُعَاذ أَيْضًا , فَيَحْتَمِل أَنْ يُفَسَّر الْمُبْهَم بِأَحَدِهِمَا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَوْرَدَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَاف هَذَا الْحَدِيث فِي مُسْنَد أَنَس , وَهُوَ مِنْ مَرَاسِيل أَنَس , وَكَانَ حَقّه أَنْ يَذْكُرهُ فِي الْمُبْهَمَات. وَاَللَّه الْمُوَفِّق. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ لَقِيَ اللَّه ) ‏ ‏أَيْ مَنْ لَقِيَ الْأَجَل الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّه يَعْنِي الْمَوْت. كَذَا قَالَهُ جَمَاعَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد الْبَعْث أَوْ رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فِي الْآخِرَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُشْرِك بِهِ ) ‏ ‏اِقْتَصَرَ عَلَى نَفْي الْإِشْرَاك لِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي التَّوْحِيد بِالِاقْتِضَاءِ , وَيَسْتَدْعِي إِثْبَات الرِّسَالَة بِاللُّزُومِ , إِذْ مَنْ كَذَّبَ رَسُول اللَّه فَقَدْ كَذَّبَ اللَّه وَمَنْ كَذَّبَ اللَّه فَهُوَ مُشْرِك , أَوْ هُوَ مِثْل قَوْل الْقَائِل : مَنْ تَوَضَّأَ صَحَّتْ صَلَاته , أَيْ : مَعَ سَائِر الشَّرَائِط. فَالْمُرَاد مَنْ مَاتَ حَال كَوْنه مُؤْمِنًا بِجَمِيعِ مَا يَجِب الْإِيمَان بِهِ. وَلَيْسَ فِي قَوْله : \" دَخَلَ الْجَنَّة \" مِنْ الْإِشْكَال مَا تَقَدَّمَ فِي السِّيَاق الْمَاضِي ; لِأَنَّهُ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون قَبْل التَّعْذِيب أَوْ بَعْده. فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذ عِنْد مَوْته تَأَثُّمًا مَعْنَى التَّأَثُّم التَّحَرُّج مِنْ الْوُقُوع فِي الْإِثْم وَهُوَ كَالتَّحَنُّثِ , وَإِنَّمَا خَشِيَ مُعَاذ مِنْ الْإِثْم الْمُرَتَّب عَلَى كِتْمَان الْعِلْم , وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ مَنْع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْبِر بِهَا إِخْبَارًا عَامًّا لِقَوْلِهِ : \" أَفَلَا أُبَشِّر النَّاس \" فَأَخَذَ هُوَ أَوَّلًا بِعُمُومِ الْمَنْع فَلَمْ يُخْبِر بِهَا أَحَدًا , ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْمَنْع إِنَّمَا هُوَ مِنْ الْإِخْبَار عُمُومًا , فَبَادَرَ قَبْل مَوْته فَأَخْبَرَ بِهَا خَاصًّا مِنْ النَّاس فَجَمَعَ بَيْن الْحُكْمَيْنِ. وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّ الْمَنْع لَوْ كَانَ عَلَى عُمُومه فِي الْأَشْخَاص لَمَا أَخْبَرَ هُوَ بِذَلِكَ , وَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي مِثْل مَقَامه فِي الْفَهْم أَنَّهُ لَمْ يَمْنَع مِنْ إِخْبَاره. وَقَدْ تُعُقِّبَ هَذَا الْجَوَاب بِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر فِيهِ اِنْقِطَاع عَنْ مُعَاذ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاة قَالَ : أَدْخِلُوا عَلَيَّ النَّاس. فَأُدْخِلُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : \" مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا جَعَلَهُ اللَّه فِي الْجَنَّة \" وَمَا كُنْت أُحَدِّثكُمُوهُ إِلَّا عِنْد الْمَوْت , وَشَاهِدِي عَلَى ذَلِكَ أَبُو الدَّرْدَاء. فَقَالَ : صَدَقَ أَخِي , وَمَا كَانَ يُحَدِّثكُمْ بِهِ إِلَّا عِنْد مَوْته. وَقَدْ وَقَعَ لِأَبِي أَيُّوب مِثْل ذَلِكَ , فَفِي الْمُسْنَد مِنْ طَرِيق أَبِي ظَبْيَانَ أَنَّ أَبَا أَيُّوب غَزَا الرُّوم فَمَرِضَ , فَلَمَّا حَضَرَ قَالَ : سَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْلَا حَالِي هَذِهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ , سَمِعْته يَقُول : \" مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة \". وَإِذَا عُورِضَ هَذَا الْجَوَاب فَأُجِيبَ عَنْ أَصْل الْإِشْكَال بِأَنَّ مُعَاذًا اِطَّلَعَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْمَقْصُود مِنْ الْمَنْع التَّحْرِيم بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا هُرَيْرَة أَنْ يُبَشِّر بِذَلِكَ النَّاس , فَلَقِيَهُ عُمَر فَدَفَعَهُ وَقَالَ : اِرْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَة , وَدَخَلَ عَلَى أَثَره فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه لَا تَفْعَل , فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِل النَّاس , فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ. فَقَالَ : فَخَلِّهِمْ. أَخْرَجَهُ مُسْلِم. فَكَأَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ : \" أَخَاف أَنْ يَتَّكِلُوا \" كَانَ بَعْد قِصَّة أَبِي هُرَيْرَة , فَكَانَ النَّهْي لِلْمَصْلَحَةِ لَا لِلتَّحْرِيمِ , فَلِذَلِكَ أَخْبَرَ بِهِ مُعَاذ لِعُمُومِ الْآيَة بِالتَّبْلِيغِ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( لَا ) ‏ ‏هِيَ لِلنَّهْيِ لَيْسَتْ دَاخِلَة عَلَى \" أَخَاف \" , بَلْ الْمَعْنَى لَا تُبَشِّر , ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ فَقَالَ : \" أَخَاف \". وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة \" إِنِّي أَخَاف \" بِإِثْبَاتِ التَّعْلِيل , وَلِلْحَسَنِ بْن سُفْيَان فِي مُسْنَده عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ عَنْ مُعْتَمِر \" قَالَ : لَا , دَعْهُمْ فَلْيَتَنَافَسُوا فِي الْأَعْمَال , فَإِنِّي أَخَاف أَنْ يَتَّكِلُوا \". ‏"
    },
    {
        "id": "127",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏جَاءَتْ ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ فَغَطَّتْ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏تَعْنِي وَجْهَهَا وَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ قَالَ نَعَمْ ‏ ‏تَرِبَتْ ‏ ‏يَمِينُكِ فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة بْن الزُّبَيْر. وَفِي الْإِسْنَاد مِنْ اللَّطَائِف رِوَايَة تَابِعِيّ عَنْ مِثْله عَنْ صَحَابِيَّة عَنْ مِثْلهَا , وَفِيهِ رِوَايَة الِابْن عَنْ أَبِيهِ وَالْبِنْت عَنْ أُمّهَا , وَزَيْنَب هِيَ بِنْت أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الْأَسَد رَبِيبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُسِبَتْ إِلَى أُمّهَا تَشْرِيفًا لِكَوْنِهَا زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَتْ أُمّ سُلَيْمٍ ) ‏ ‏هِيَ بِنْت مِلْحَان وَالِدَة أَنَس بْن مَالِك. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّه لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقّ ) ‏ ‏أَيْ : لَا يَأْمُر بِالْحَيَاءِ فِي الْحَقّ. وَقَدَّمَتْ أُمّ سُلَيْمٍ هَذَا الْكَلَام بَسْطًا لِعُذْرِهَا فِي ذِكْر مَا تَسْتَحْيِي النِّسَاء مِنْ ذِكْره بِحَضْرَةِ الرِّجَال , وَلِهَذَا قَالَتْ لَهَا عَائِشَة كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم : فَضَحْت النِّسَاء. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا هِيَ اِحْتَلَمَتْ ) ‏ ‏أَيْ رَأَتْ فِي مَنَامهَا أَنَّهَا تُجَامَع. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا رَأَتْ الْمَاء ) ‏ ‏يَدُلّ عَلَى تَحَقُّق وُقُوع ذَلِكَ , وَجَعْل رُؤْيَة الْمَاء شَرْطًا لِلْغُسْلِ يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَرَ الْمَاء لَا غُسْل عَلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَغَطَّتْ أُمّ سَلَمَة ) ‏ ‏فِي مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لِعَائِشَة أَيْضًا , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُمَا كَانَتَا حَاضِرَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَعْنِي وَجْههَا ) ‏ ‏هُوَ بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْق , وَالْقَائِل عُرْوَة , وَفَاعِل تَعْنِي زَيْنَب , وَالضَّمِير يَعُود عَلَى أُمّ سَلَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَحْتَلِم ) ‏ ‏بِحَذْفِ هَمْزَة الِاسْتِفْهَام , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" أَوَتَحْتَلِمُ \" بِإِثْبَاتِهَا , قِيلَ : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الِاحْتِلَام يَكُون فِي بَعْض النِّسَاء دُون بَعْض وَلِذَلِكَ أَنْكَرَتْ أُمّ سَلَمَة ذَلِكَ ; لَكِنَّ الْجَوَاب يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا إِنَّمَا أَنْكَرَتْ وُجُود الْمَنِيّ مِنْ أَصْله وَلِهَذَا أُنْكِرَ عَلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( تَرِبَتْ يَمِينك ) ‏ ‏أَيْ : اِفْتَقَرَتْ وَصَارَتْ عَلَى التُّرَاب , وَهِيَ مِنْ الْأَلْفَاظ الَّتِي تُطْلَق عِنْد الزَّجْر وَلَا يُرَاد بِهَا ظَاهِرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَبِمَ ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَة. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَبَاحِثه فِي كِتَاب الطَّهَارَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "128",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَهِيَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ حَدِّثُونِي مَا هِيَ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَادِيَةِ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَاسْتَحْيَيْتُ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا بِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هِيَ النَّخْلَةُ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي فَقَالَ لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث اِبْن عُمَر هَذَا فِي أَوَائِل كِتَاب الْعِلْم , وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِقَوْلِ اِبْن عُمَر : \" فَاسْتَحْيَيْت \" وَلِتَأَسُّفِ عُمَر عَلَى كَوْنه لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِتَظْهَر فَضِيلَته , فَاسْتَلْزَمَ حَيَاء اِبْن عُمَر تَفْوِيت ذَلِكَ , وَكَانَ يُمْكِنهُ إِذَا اسْتَحْيَى إِجْلَالًا لِمَنْ هُوَ أَكْبَر مِنْهُ أَنْ يَذْكُر ذَلِكَ لِغَيْرِهِ سِرًّا لِيُخْبِر بِهِ عَنْهُ , فَجَمَعَ بَيْن الْمَصْلَحَتَيْنِ ; وَلِهَذَا عَقَّبَهُ الْمُصَنِّف بِبَابِ مَنْ اسْتَحْيَى فَأَمَرَ غَيْره بِالسُّؤَالِ. ‏"
    },
    {
        "id": "129",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُنْذِرٍ الْثَّوْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ رَجُلًا ‏ ‏مَذَّاءً ‏ ‏فَأَمَرْتُ ‏ ‏الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ ‏ ‏أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلَهُ فَقَالَ ‏ ‏فِيهِ الْوُضُوءُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب قَالَ : ‏ ‏\" كُنْت رَجُلًا مَذَّاء \" ‏ ‏وَهُوَ بِتَثْقِيلِ الذَّال الْمُعْجَمَة وَالْمَدّ أَيْ كَثِير الْمَذْي , وَهُوَ بِإِسْكَانِ الْمُعْجَمَة : الْمَاء الَّذِي يَخْرُج مِنْ الرَّجُل عِنْد الْمُلَاعَبَة , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الطَّهَارَة أَيْضًا. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى جَوَاز الِاعْتِمَاد عَلَى الْخَبَر الْمَظْنُون مَعَ الْقُدْرَة عَلَى الْمَقْطُوع , وَهُوَ خَطَأ , فَفِي النَّسَائِيِّ أَنَّ السُّؤَال وَقَعَ وَعَلِيّ حَاضِر. ‏"
    },
    {
        "id": "130",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُهِلُّ ‏ ‏أَهْلُ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏ذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏وَيُهِلُّ ‏ ‏أَهْلُ ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْجُحْفَةِ ‏ ‏وَيُهِلُّ ‏ ‏أَهْلُ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏قَرْنٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَيُهِلُّ ‏ ‏أَهْلُ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏يَلَمْلَمَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏يَقُولُ لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الْمَسْجِد ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذَا الرَّجُل , وَالْمُرَاد بِالْمَسْجِدِ مَسْجِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ السُّؤَال عَنْ مَوَاقِيت الْحَجّ كَانَ قَبْل السَّفَر مِنْ الْمَدِينَة , وَ \" قَرْن \" بِإِسْكَانِ الرَّاء وَغَلِطَ مَنْ فَتَحَهَا. وَقَوْل اِبْن عُمَر : \" وَيَزْعُمُونَ إِلَخْ \" يُفَسَّر بِمَنْ رَوَى الْحَدِيث تَامًّا كَابْنِ عَبَّاس وَغَيْره. وَفِيهِ دَلِيل عَلَى إِطْلَاق الزَّعْم عَلَى الْقَوْل الْمُحَقَّق لِأَنَّ اِبْن عُمَر سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنَّهُ لَمْ يَفْهَمهُ لِقَوْلِهِ : \" لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ \" أَيْ : الْجُمْلَة الْأَخِيرَة فَصَارَ يَرْوِيهَا عَنْ غَيْره , وَهُوَ دَالّ عَلَى شِدَّة تَحَرِّيه وَوَرَعه , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى فَوَائِده فِي الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "131",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ ‏ ‏لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا ‏ ‏الْبُرْنُسَ ‏ ‏وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ ‏ ‏الْوَرْسُ ‏ ‏أَوْ الزَّعْفَرَانُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَابْن أَبِي ذِئْب ) ‏ ‏هُوَ بِالضَّمِّ عَطْفًا عَلَى قَوْل آدَم : \" حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي ذِئْب \" وَالْمُرَاد أَنَّ آدَم سَمِعَهُ مِنْ اِبْن أَبِي ذِئْب بِإِسْنَادَيْنِ , وَفِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" وَعَنْ الزُّهْرِيّ \" بِالْعَطْفِ عَلَى نَافِع وَلَمْ يُعِدْ ذِكْر اِبْن أَبِي ذِئْب. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى فَوَائِده فِي كِتَاب الْحَجّ أَيْضًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْعِلْم مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى مِائَة حَدِيث وَحَدِيثَيْنِ , مِنْهَا فِي الْمُتَابَعَات بِصِيغَةِ التَّعْلِيق وَغَيْرهَا ثَمَانِيَة عَشَر , وَالتَّعَالِيق الَّتِي لَمْ يُوصِلهَا فِي مَكَان آخَر أَرْبَعَة وَهِيَ : كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّة , وَرَحَلَ جَابِر إِلَى عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس , وَقِصَّة ضِمَام فِي رُجُوعه إِلَى قَوْمه , وَحَدِيث إِنَّمَا الْعِلْم بِالتَّعَلُّمِ. وَبَاقِي ذَلِكَ وَهُوَ ثَمَانُونَ حَدِيثًا كُلّهَا مَوْصُولَة , فَالْمُكَرَّر مِنْهَا سِتَّة عَشَر حَدِيثًا , وَبِغَيْرِ تَكْرِير أَرْبَعَة وَسِتُّونَ حَدِيثًا , وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا إِلَّا سِتَّة عَشَر حَدِيثًا وَهِيَ الْأَرْبَعَة الْمُعَلَّقَة الْمَذْكُورَة , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِذَا وُسِّدَ الْأَمْر إِلَى غَيْر أَهْله \" , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَاب \" , وَحَدِيثه فِي الذَّبْح قَبْل الرَّمْي , وَحَدِيث عُقْبَة بْن الْحَارِث فِي شَهَادَة الْمُرْضِعَة , وَحَدِيث أَنَس فِي إِعَادَة الْكَلِمَة ثَلَاثًا , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَسْعَد النَّاس بِالشَّفَاعَةِ \" , وَحَدِيث الزُّبَيْر \" مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ \" , وَحَدِيث سَلَمَة \" مَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ \" , وَحَدِيث عَلِيّ فِي الصَّحِيفَة , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي كَوْنه أَكْثَر الصَّحَابَة حَدِيثًا , وَحَدِيث أُمّ سَلَمَة \" مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَة مِنْ الْفِتَن \" , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة حَفِظْت وِعَاءَيْنِ. وَالْمُرَاد بِمُوَافَقَةِ مُسْلِم مُوَافَقَته عَلَى تَخْرِيج أَصْل الْحَدِيث عَنْ صَحَابِيّه وَإِنْ وَقَعَتْ بَعْض الْمُخَالَفَة فِي بَعْض السِّيَاقَات. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار الْمَوْقُوفَة عَلَى الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدهمْ اِثْنَانِ وَعِشْرُونَ أَثَرًا : أَرْبَعَة مِنْهَا مَوْصُولَة , وَالْبَقِيَّة مُعَلَّقَة. قَالَ اِبْن رَشِيد : خَتَمَ الْبُخَارِيّ كِتَاب الْعِلْم بِبَابِ مَنْ أَجَابَ السَّائِل بِأَكْثَر مِمَّا سَأَلَ عَنْهُ إِشَارَة مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ بَلَغَ الْغَايَة فِي الْجَوَاب عَمَلًا بِالنَّصِيحَةِ , وَاعْتِمَادًا عَلَى النِّيَّة الصَّحِيحَة. وَأَشَارَ قَبْل ذَلِكَ بِقَلِيلٍ بِتَرْجَمَةِ مَنْ تَرَكَ بَعْض الِاخْتِيَار مَخَافَة أَنْ يَقْصُر فَهْم بَعْض النَّاس عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ رُبَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ , فَأَتْبَعَ الطَّيِّب بِالطَّيِّبِ بِأَبْرَع سِيَاق وَأَبْدَع اِتِّسَاق. رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "132",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ قَالَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏حَضْرَمَوْتَ ‏ ‏مَا الْحَدَثُ يَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَا تُقْبَل ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَتنَا بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاء لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي تَرْك الْحِيَل عَنْ إِسْحَاق بْن نَصْر , وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِلَفْظِ \" لَا يَقْبَل اللَّه \" وَالْمُرَاد بِالْقَبُولِ هُنَا مَا يُرَادِف الصِّحَّة وَهُوَ الْإِجْزَاء , وَحَقِيقَة الْقَبُول ثَمَرَة وُقُوع الطَّاعَة مُجْزِئَة رَافِعَة لِمَا فِي الذِّمَّة. وَلَمَّا كَانَ الْإِتْيَان بِشُرُوطِهَا مَظِنَّة الْإِجْزَاء الَّذِي الْقَبُول ثَمَرَته عَبَّرَ عَنْهُ بِالْقَبُولِ مَجَازًا , وَأَمَّا الْقَبُول الْمَنْفِيّ فِي مِثْل قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" مَنْ أَتَى عَرَّافًا لَمْ تُقْبَل لَهُ صَلَاة \" فَهُوَ الْحَقِيقِيّ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَصِحّ الْعَمَل وَيَتَخَلَّف الْقَبُول لِمَانِعٍ , وَلِهَذَا كَانَ بَعْض السَّلَف يَقُول : لَأَنْ تُقْبَل لِي صَلَاة وَاحِدَة أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ جَمِيع الدُّنْيَا , قَالَهُ اِبْن عُمَر. قَالَ : لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ ). ‏ ‏قَوْله : ( أَحْدَثَ ) ‏ ‏أَيْ : وُجِدَ مِنْهُ الْحَدَث , وَالْمُرَاد بِهِ الْخَارِج مِنْ أَحَد السَّبِيلَيْنِ , وَإِنَّمَا فَسَّرَهُ أَبُو هُرَيْرَة بِأَخَصّ مِنْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا بِالْأَخَفِّ عَلَى الْأَغْلَظ ; وَلِأَنَّهُمَا قَدْ يَقَعَانِ فِي أَثْنَاء الصَّلَاة أَكْثَر مِنْ غَيْرهمَا , وَأَمَّا بَاقِي الْأَحْدَاث الْمُخْتَلَف فِيهَا بَيْن الْعُلَمَاء - كَمَسِّ الذَّكَر وَلَمْس الْمَرْأَة وَالْقَيْء مِلْء الْفَم وَالْحِجَامَة - فَلَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ لَا يَرَى النَّقْض بِشَيْءٍ مِنْهَا. وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّف كَمَا سَيَأْتِي فِي بَاب مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوء إِلَّا مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ. وَقِيلَ : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَة اِقْتَصَرَ فِي الْجَوَاب عَلَى مَا ذُكِرَ لِعِلْمِهِ أَنَّ السَّائِل كَانَ يَعْلَم مَا عَدَا ذَلِكَ , وَفِيهِ بُعْد. وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى بُطْلَان الصَّلَاة بِالْحَدَثِ سَوَاء كَانَ خُرُوجه اِخْتِيَارِيًّا أَمْ اِضْطِرَارِيًّا , وَعَلَى أَنَّ الْوُضُوء لَا يَجِب لِكُلِّ صَلَاة لِأَنَّ الْقَبُول اِنْتَفَى إِلَى غَايَة الْوُضُوء , وَمَا بَعْدهَا مُخَالِف لِمَا قَبْلهَا فَاقْتَضَى ذَلِكَ قَبُول الصَّلَاة بَعْد الْوُضُوء مُطْلَقًا. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَوَضَّأ ) ‏ ‏أَيْ : بِالْمَاءِ أَوْ مَا يَقُوم مَقَامه , وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ قَوِيّ عَنْ أَبِي ذَرّ مَرْفُوعًا \" الصَّعِيد الطَّيِّب وَضُوء الْمُسْلِم \" فَأَطْلَقَ الشَّارِع عَلَى التَّيَمُّم أَنَّهُ وَضُوء لِكَوْنِهِ قَامَ مَقَامه , وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَبُولِ صَلَاة مَنْ كَانَ مُحْدِثًا فَتَوَضَّأَ أَيْ : مَعَ بَاقِي شُرُوط الصَّلَاة. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "133",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَقِيتُ مَعَ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ فَتَوَضَّأَ فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏ ‏غُرًّا ‏ ‏مُحَجَّلِينَ ‏ ‏مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ ‏ ‏فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ ‏ ‏غُرَّتَهُ ‏ ‏فَلْيَفْعَلْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ خَالِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد الْإسْكَنْدَرَانِيّ أَحَد الْفُقَهَاء الثِّقَات , وَرِوَايَته عَنْ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال مِنْ بَاب رِوَايَة الْأَقْرَان. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِر ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَإِسْكَان الْجِيم هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْمَدَنِيّ , وُصِفَ هُوَ وَأَبُوهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِمَا كَانَا يُبَخِّرَانِ مَسْجِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَزَعَمَ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّ وَصْف عَبْد اللَّه بِذَلِكَ حَقِيقَة وَوَصْف اِبْنه نُعَيْم بِذَلِكَ مَجَاز , وَفِيهِ نَظَر فَقَدْ جَزَمَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ بِأَنَّ نُعَيْمًا كَانَ يُبَاشِر ذَلِكَ. وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد السِّتَّة نِصْفهمْ مِصْرِيُّونَ , وَهُمْ اللَّيْث وَشَيْخه وَالرَّاوِي عَنْهُ , وَالنِّصْف الْآخَر مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله. ( رَقِيت ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْقَاف أَيْ : صَعِدْت. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَوَضَّأَ ) ‏ ‏كَذَا لِجُمْهُورِ الرُّوَاة , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ يَوْمًا بَدَل قَوْله فَتَوَضَّأَ وَهُوَ تَصْحِيف , وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ الْبُخَارِيّ بِلَفْظِ \" تَوَضَّأَ \" وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِيهِ \" فَغَسَلَ وَجْهه وَيَدَيْهِ فَرَفَعَ فِي عَضُدَيْهِ , وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ فَرَفَعَ فِي سَاقَيْهِ \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال نَحْوه , وَمِنْ طَرِيق عُمَارَة بْن غَزِيَّة عَنْ نُعَيْمٍ وَزَادَ فِي هَذِهِ : أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ : \" هَكَذَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأ \" فَأَفَادَ رَفْعه , وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ رَأْي أَبِي هُرَيْرَة بَلْ مِنْ رِوَايَته وَرَأْيه مَعًا. ‏ ‏قَوْله : ( أُمَّتِي ) ‏ ‏أَيْ : أُمَّة الْإِجَابَة وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ , وَقَدْ تُطْلَق أُمَّة مُحَمَّد وَيُرَاد بِهَا أُمَّة الدَّعْوَة وَلَيْسَتْ مُرَادَة هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( يُدْعَوْنَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله أَيْ : يُنَادَوْنَ أَوْ يُسَمَّوْنَ. ‏ ‏قَوْله : ( غُرًّا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء جَمْع أَغَرّ أَيْ ذُو غُرَّة , وَأَصْل الْغُرَّة لَمْعَة بَيْضَاء تَكُون فِي جَبْهَة الْفَرَس , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْجَمَال وَالشُّهْرَة وَطِيب الذِّكْر , وَالْمُرَاد بِهَا هُنَا النُّور الْكَائِن فِي وُجُوه أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَغُرًّا مَنْصُوب عَلَى الْمَفْعُولِيَّة لِيُدْعَوْنَ أَوْ عَلَى الْحَال , أَيْ : أَنَّهُمْ إِذَا دُعُوا عَلَى رُءُوس الْأَشْهَاد نُودُوا بِهَذَا الْوَصْف وَكَانُوا عَلَى هَذِهِ الصِّفَة. ‏ ‏قَوْله : ( مُحَجَّلِينَ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالْجِيم مِنْ التَّحْجِيل وَهُوَ بَيَاض يَكُون فِي ثَلَاث قَوَائِم مِنْ قَوَائِم الْفَرَس , وَأَصْله مِنْ الْحِجْل بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَهُوَ الْخَلْخَال , وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا أَيْضًا النُّور. وَاسْتَدَلَّ الْحَلِيمِيّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْوُضُوء مِنْ خَصَائِص هَذِهِ الْأُمَّة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي قِصَّة سَارَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا مَعَ الْمَلِك الَّذِي أَعْطَاهَا هَاجَرَ أَنَّ سَارَة لَمَّا هَمَّ الْمَلِك بِالدُّنُوِّ مِنْهَا قَامَتْ تَتَوَضَّأ وَتُصَلِّي , وَفِي قِصَّة جُرَيْجٍ الرَّاهِب أَيْضًا أَنَّهُ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ كَلَّمَ الْغُلَام , فَالظَّاهِر أَنَّ الَّذِي اِخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّة هُوَ الْغُرَّة وَالتَّحْجِيل لَا أَصْل الْوُضُوء , وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا مَرْفُوعًا قَالَ : \" سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْركُمْ \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة نَحْوه. وَ \" سِيمَا \" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الْيَاء الْأَخِيرَة أَيْ : عَلَامَة. وَقَدْ اِعْتَرَضَ بَعْضهمْ عَلَى الْحَلِيمِيّ بِحَدِيثِ \" هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوء الْأَنْبِيَاء قَبْلِي \" وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف كَمَا تَقَدَّمَ لَا يَصِحّ الِاحْتِجَاج بِهِ لِضَعْفِهِ ; وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْوُضُوء مِنْ خَصَائِص الْأَنْبِيَاء دُون أُمَمهمْ إِلَّا هَذِهِ الْأُمَّة. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ آثَار الْوُضُوء ) ‏ ‏بِضَمِّ الْوَاو , وَيَجُوز فَتْحهَا عَلَى أَنَّهُ الْمَاء قَالَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيل غُرَّته فَلْيَفْعَلْ ) ‏ ‏أَيْ : فَلْيُطِلْ الْغُرَّة وَالتَّحْجِيل. وَاقْتَصَرَ عَلَى إِحْدَاهُمَا لِدَلَالَتِهَا عَلَى الْأُخْرَى نَحْو ( سَرَابِيل تَقِيكُمْ الْحَرّ ) وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْر الْغُرَّة وَهِيَ مُؤَنَّثَة دُون التَّحْجِيل وَهُوَ مُذَكَّر لِأَنَّ مَحَلّ الْغُرَّة أَشْرَف أَعْضَاء الْوُضُوء , وَأَوَّل مَا يَقَع عَلَيْهِ النَّظَر مِنْ الْإِنْسَان. عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عُمَارَة بْن غَزِيَّة ذِكْر الْأَمْرَيْنِ , وَلَفْظه \" فَلْيُطِلْ غُرَّته وَتَحْجِيله \" وَقَالَ اِبْن بَطَّال : كَنَّى أَبُو هُرَيْرَة بِالْغُرَّةِ عَنْ التَّحْجِيل لِأَنَّ الْوَجْه لَا سَبِيل إِلَى الزِّيَادَة فِي غَسْله , وَفِيمَا قَالَ نَظَر لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم قَلْب اللُّغَة , وَمَا نَفَاهُ مَمْنُوع لِأَنَّ الْإِطَالَة مُمْكِنَة فِي الْوَجْه بِأَنْ يَغْسِل إِلَى صَفْحَة الْعُنُق مَثَلًا. وَنَقَلَ الرَّافِعِيّ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ الْغُرَّة تُطْلَق عَلَى كُلّ مِنْ الْغُرَّة وَالتَّحْجِيل. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِره أَنَّهُ بَقِيَّة الْحَدِيث , لَكِنْ رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق فُلَيْح عَنْ نُعَيْمٍ وَفِي آخِره : قَالَ نُعَيْم لَا أَدْرِي قَوْله مَنْ اِسْتَطَاعَ إِلَخْ مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة , وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الْجُمْلَة فِي رِوَايَة أَحَد مِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث مِنْ الصَّحَابَة وَهُمْ عَشَرَة وَلَا مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة غَيْر رِوَايَة نُعَيْمٍ هَذِهِ وَاَللَّه أَعْلَم. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْقَدْر الْمُسْتَحَبّ مِنْ التَّطْوِيل فِي التَّحْجِيل فَقِيلَ : إِلَى الْمَنْكِب وَالرُّكْبَة , وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رِوَايَة وَرَأْيًا. وَعَنْ اِبْن عُمَر مِنْ فِعْله أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة , وَأَبُو عُبَيْد بِإِسْنَادٍ حَسَن , وَقِيلَ الْمُسْتَحَبّ الزِّيَادَة إِلَى نِصْف الْعَضُد وَالسَّاق , وَقِيلَ إِلَى فَوْق ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال وَطَائِفَة مِنْ الْمَالِكِيَّة : لَا تُسْتَحَبّ الزِّيَادَة عَلَى الْكَعْب وَالْمِرْفَق لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ \" وَكَلَامهمْ مُعْتَرَض مِنْ وُجُوه , وَرِوَايَة مُسْلِم صَرِيحَة فِي الِاسْتِحْبَاب فَلَا تَعَارُض بِالِاحْتِمَالِ. وَأَمَّا دَعْوَاهُمْ اِتِّفَاق الْعُلَمَاء عَلَى خِلَاف مَذْهَب أَبِي هُرَيْرَة فِي ذَلِكَ فَهِيَ مَرْدُودَة بِمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ اِبْن عُمَر , وَقَدْ صَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِهِ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف وَأَكْثَر الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة. وَأَمَّا تَأْوِيلهمْ الْإِطَالَة الْمَطْلُوبَة بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْوُضُوء فَمُعْتَرَض بِأَنَّ الرَّاوِي أَدْرَى بِمَعْنَى مَا رَوَى , كَيْف وَقَدْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ إِلَى الشَّارِع صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْحَدِيث مَعْنَى مَا تَرْجَمَ لَهُ مِنْ فَضْل الْوُضُوء ; لِأَنَّ الْفَضْل الْحَاصِل بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيل مِنْ آثَار الزِّيَادَة عَلَى الْوَاجِب , فَكَيْف الظَّنّ بِالْوَاجِبِ ؟ وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ أَحَادِيث صَحِيحَة صَرِيحَة أَخْرَجَهَا مُسْلِم وَغَيْره , وَفِيهِ جَوَاز الْوُضُوء عَلَى ظَهْر الْمَسْجِد لَكِنْ إِذَا لَمْ يَحْصُل مِنْهُ أَذًى لِلْمَسْجِدِ أَوْ لِمَنْ فِيهِ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "134",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏ح ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الرَّجُلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ لَا ‏ ‏يَنْفَتِلْ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏لَا يَنْصَرِفْ ‏ ‏حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْمَدِينِيّ وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ عَبَّاد ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , وَسَقَطَتْ الْوَاو مِنْ رِوَايَة كَرِيمَة غَلَطًا لِأَنَّ سَعِيدًا لَا رِوَايَة لَهُ عَنْ عَبَّاد أَصْلًا , ثُمَّ إِنَّ شَيْخ سَعِيد فِيهِ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَمّ عَبَّاد كَأَنَّهُ قَالَ كِلَاهُمَا عَنْ عَمّه أَيْ : عَمّ الثَّانِي وَهُوَ عَبَّاد , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَحْذُوفًا مِنْ مَرَاسِيل اِبْن الْمُسَيِّب , وَعَلَى الْأَوَّل جَرَى صَاحِب الْأَطْرَاف. وَيُؤَيِّد الثَّانِي رِوَايَة مَعْمَر لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَرُوَاته ثِقَات لَكِنْ سُئِلَ أَحْمَد عَنْهُ فَقَالَ إِنَّهُ مُنْكَر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمّه ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن عَاصِم الْمَازِنِيّ الْأَنْصَارِيّ , سَمَّاهُ مُسْلِم وَغَيْره فِي رِوَايَتهمْ لِهَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ , وَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ عَمّ عَبَّاد لِأَبِيهِ أَوْ لِأُمِّهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ شَكَا ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَتنَا شَكَا بِأَلِفٍ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الرَّاوِي هُوَ الشَّاكِي , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ عَبْد الْجَبَّار بْن الْعَلَاء عَنْ سُفْيَان وَلَفْظه عَنْ عَمّه عَبْد اللَّه بْن زَيْد قَالَ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّجُل. وَوَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" شُكِيَ \" بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ , وَعَلَى هَذَا فَالْهَاء فِي أَنَّهُ ضَمِير الشَّأْن. وَوَقَعَ فِي مُسْلِم \" شُكِيَ \" بِالضَّمِّ أَيْضًا كَمَا ضَبَطَهُ النَّوَوِيّ. وَقَالَ : لَمْ يُسَمَّ الشَّاكِي , قَالَ : وَجَاءَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ أَنَّهُ الرَّاوِي. قَالَ : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَهَّم مِنْ هَذَا أَنَّ \" شَكَا \" بِالْفَتْحِ أَيْ : فِي رِوَايَة مُسْلِم , وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَى هَذَا لِأَنَّ بَعْض النَّاس قَالَ إِنَّهُ لَمْ يَظْهَر لَهُ كَلَام النَّوَوِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( الرَّجُل ) ‏ ‏بِالضَّمِّ عَلَى الْحِكَايَة. وَهُوَ وَمَا بَعْده فِي مَوْضِع النَّصْب. ‏ ‏قَوْله : ( يُخَيَّل ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْيَاء الْأَخِيرَة الْمَفْتُوحَة , وَأَصْله مِنْ الْخَيَال , وَالْمَعْنَى يَظُنّ , وَالظَّنّ هُنَا أَعَمّ مِنْ تَسَاوِي الِاحْتِمَالَيْنِ أَوْ تَرْجِيح أَحَدهمَا عَلَى مَا هُوَ أَصْل اللُّغَة مِنْ أَنَّ الظَّنّ خِلَاف الْيَقِين. ‏ ‏قَوْله : ( يَجِد الشَّيْء ) ‏ ‏أَيْ : الْحَدَث خَارِجًا مِنْهُ , وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَفْظه \" يُخَيَّل إِلَيْهِ فِي صَلَاته أَنَّهُ يَخْرُج مِنْهُ شَيْء \" وَفِيهِ الْعُدُول عَنْ ذِكْر الشَّيْء الْمُسْتَقْذَر بِخَاصِّ اِسْمه إِلَّا لِلضَّرُورَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الصَّلَاة ) ‏ ‏تَمَسَّكَ بَعْض الْمَالِكِيَّة بِظَاهِرِهِ فَخَصُّوا الْحُكْم بِمَنْ كَانَ دَاخِل الصَّلَاة , وَأَوْجَبُوا الْوُضُوء عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجهَا , وَفَرَّقُوا بِالنَّهْيِ عَنْ إِبْطَال الْعِبَادَة , وَالنَّهْي عَنْ إِبْطَال الْعِبَادَة مُتَوَقِّف عَلَى صِحَّتهَا , فَلَا مَعْنَى لِلتَّفْرِيقِ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ هَذَا التَّخَيُّل إِنْ كَانَ نَاقِضًا خَارِج الصَّلَاة فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون كَذَلِكَ فِيهَا كَبَقِيَّةِ النَّوَاقِض. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَنْفَتِل ) ‏ ‏بِالْجَزْمِ عَلَى النَّهْي , وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى أَنَّ \" لَا \" نَافِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ لَا يَنْصَرِف ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَكَأَنَّهُ مِنْ عَلِيّ ; لِأَنَّ الرُّوَاة غَيْره رَوَوْهُ عَنْ سُفْيَان بِلَفْظِ لَا يَنْصَرِف مِنْ غَيْر شَكّ. ‏ ‏قَوْله : ( صَوْتًا ) ‏ ‏أَيْ : مِنْ مَخْرَجه. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ يَجِد ) ‏ ‏أَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَعَبَّرَ بِالْوِجْدَانِ دُون الشَّمّ لِيَشْمَل مَا لَوْ لَمَسَ الْمَحَلّ ثُمَّ شَمَّ يَده , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَنْ اِسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَمْس الدُّبُر لَا يَنْقُض لِأَنَّ الصُّورَة تُحْمَل عَلَى لَمْس مَا قَارَبَهُ لَا عَيْنه. وَدَلَّ حَدِيث الْبَاب عَلَى صِحَّة الصَّلَاة مَا لَمْ يَتَيَقَّن الْحَدَث , وَلَيْسَ الْمُرَاد تَخْصِيص هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ بِالْيَقِينِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى إِذَا كَانَ أَوْسَع مِنْ اللَّفْظ كَانَ الْحُكْم لِلْمَعْنَى قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي حُكْم بَقَاء الْأَشْيَاء عَلَى أُصُولهَا حَتَّى يُتَيَقَّن خِلَاف ذَلِكَ , وَلَا يَضُرّ الشَّكّ الطَّارِئ عَلَيْهَا. وَأَخَذَ بِهَذَا الْحَدِيث جُمْهُور الْعُلَمَاء. وَرُوِيَ عَنْ مَالِك النَّقْض مُطْلَقًا , وَرُوِيَ عَنْهُ النَّقْض خَارِج الصَّلَاة دُون دَاخِلهَا , وَرُوِيَ هَذَا التَّفْصِيل عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ , وَالْأَوَّل مَشْهُور مَذْهَب مَالِك قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ , وَهُوَ رِوَايَة اِبْن الْقَاسِم عَنْهُ. وَرَوَى اِبْن نَافِع عَنْهُ لَا وُضُوء عَلَيْهِ مُطْلَقًا كَقَوْلِ الْجُمْهُور , وَرَوَى اِبْن وَهْب عَنْهُ \" أَحَبّ إِلَيَّ أَنْ يَتَوَضَّأ \". وَرِوَايَة التَّفْصِيل لَمْ تَثْبُت عَنْهُ وَإِنَّمَا هِيَ لِأَصْحَابِهِ , وَحَمَلَ بَعْضهمْ الْحَدِيث عَلَى مَنْ كَانَ بِهِ وَسْوَاس , وَتَمَسَّكَ بِأَنَّ الشَّكْوَى لَا تَكُون إِلَّا عَنْ عِلَّة , وَأُجِيبَ بِمَا دَلَّ عَلَى التَّعْمِيم , وَهُوَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم وَلَفْظه \" إِذَا وَجَدَ أَحَدكُمْ فِي بَطْنه شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخْرَجَ مِنْهُ شَيْء أَمْ لَا فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنْ الْمَسْجِد حَتَّى يَسْمَع صَوْتًا أَوْ يَجِد رِيحًا \" وَقَوْله : فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنْ الْمَسْجِد أَيْ : مِنْ الصَّلَاة , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَته. وَقَالَ الْعِرَاقِيّ : مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِك رَاجِح ; لِأَنَّهُ اِحْتَاطَ لِلصَّلَاةِ وَهِيَ مَقْصِد , وَأَلْغَى الشَّكّ فِي السَّبَب الْمُبْرِئ , وَغَيْره اِحْتَاطَ لِلطَّهَارَةِ وَهِيَ وَسِيلَة وَأَلْغَى الشَّكّ فِي الْحَدَث النَّاقِض لَهَا , وَالِاحْتِيَاط لِلْمَقَاصِدِ أَوْلَى مِنْ الِاحْتِيَاط لِلْوَسَائِلِ. وَجَوَابه أَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ النَّظَر قَوِيّ ; لَكِنَّهُ مُغَايِر لِمَدْلُولِ الْحَدِيث لِأَنَّهُ أَمَرَ بِعَدَمِ الِانْصِرَاف إِلَى أَنْ يَتَحَقَّق. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُسْتَدَلّ بِهِ لِمَنْ أَوْجَبَ الْحَدّ عَلَى مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رِيح الْخَمْر لِأَنَّهُ اِعْتَبَرَ وِجْدَان الرِّيح وَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحُكْم , وَيُمْكِن الْفَرْق بِأَنَّ الْحُدُود تُدْرَأ بِالشُّبْهَةِ وَالشُّبْهَة هُنَا قَائِمَة , بِخِلَافِ الْأَوَّل فَإِنَّهُ مُتَحَقِّق. ‏"
    },
    {
        "id": "135",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏كُرَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى ‏ ‏وَرُبَّمَا قَالَ اضْطَجَعَ ‏ ‏حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏حَدَّثَنَا بِهِ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏لَيْلَةً فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ مِنْ ‏ ‏شَنٍّ ‏ ‏مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا ‏ ‏يُخَفِّفُهُ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏وَيُقَلِّلُهُ ‏ ‏وَقَامَ ‏ ‏يُصَلِّي فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ ‏ ‏وَرُبَّمَا قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ شِمَالِهِ ‏ ‏فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ أَتَاهُ الْمُنَادِي ‏ ‏فَآذَنَهُ ‏ ‏بِالصَّلَاةِ فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏ ‏قُلْنَا ‏ ‏لِعَمْرٍو ‏ ‏إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ‏ ‏ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَة , وَعَمْرو هُوَ اِبْن دِينَار الْمَكِّيّ لَا الْبَصْرِيّ , وَكُرَيْب بِالتَّصْغِيرِ مِنْ الْأَسْمَاء الْمُفْرَدَة فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَالْإِسْنَاد مَكِّيُّونَ , سِوَى عَلِيّ وَقَدْ أَقَامَ بِهَا مُدَّة. وَفِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ : عَمْرو عَنْ كُرَيْب. ‏ ‏قَوْله. ( وَرُبَّمَا قَالَ اِضْطَجَعَ ) ‏ ‏أَيْ : كَانَ سُفْيَان يَقُول تَارَة نَامَ وَتَارَة اِضْطَجَعَ , وَلَيْسَا مُتَرَادِفَيْنِ بَلْ بَيْنهمَا عُمُوم وَخُصُوص مِنْ وَجْه ; لَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِقَامَة أَحَدهمَا مَقَام الْآخَر , بَلْ كَانَ إِذَا رَوَى الْحَدِيث مُطَوَّلًا قَالَ اِضْطَجَعَ فَنَامَ كَمَا سَيَأْتِي , وَإِذَا اِخْتَصَرَهُ قَالَ نَامَ أَيْ : مُضْطَجِعًا أَوْ اِضْطَجَعَ أَيْ نَائِمًا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ حَدَّثَنَا ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ سُفْيَان كَانَ يُحَدِّثهُمْ بِهِ مُخْتَصَرًا ثُمَّ صَارَ يُحَدِّثهُمْ بِهِ مُطَوَّلًا. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْلَة فَقَامَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِابْنِ السَّكَن \" فَنَامَ \" بِالنُّونِ بَدَل الْقَاف وَصَوَّبَهَا الْقَاضِي عِيَاض لِأَجْلِ قَوْله بَعْد ذَلِكَ \" فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْض اللَّيْل قَامَ \" اِنْتَهَى. وَلَا يَنْبَغِي الْجَزْم بِخَطَئِهَا لِأَنَّ تَوْجِيههَا ظَاهِر وَهُوَ أَنَّ الْفَاء فِي قَوْله \" فَلَمَّا \" تَفْصِيلِيَّة , فَالْجُمْلَة الثَّانِيَة وَإِنْ كَانَ مَضْمُونهَا مَضْمُون الْأُولَى لَكِنَّ الْمُغَايَرَة بَيْنهمَا بِالْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيل. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا كَانَ ) ‏ ‏أَيْ : رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏( فِي بَعْض اللَّيْل ) ‏ ‏ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ \" بَدَل فِي , فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون بِمَعْنَاهَا وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون زَائِدَة وَكَانَ تَامَّة , أَيْ : فَلَمَّا حَصَلَ بَعْض اللَّيْل. ‏ ‏قَوْله : ( شَنّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد النُّون أَيْ الْقِرْبَة الْعَتِيقَة. ‏ ‏قَوْله : ( مُعَلَّق ) ‏ ‏ذُكِّرَ عَلَى إِرَادَة الْجِلْد أَوْ الْوِعَاء , وَقَدْ أَخْرَجَهُ بَعْد أَبْوَاب بِلَفْظِ مُعَلَّقَة. ‏ ‏قَوْله : ( يُخَفِّفهُ عَمْرو وَيُقَلِّلهُ ) ‏ ‏أَيْ : يَصِفهُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّقْلِيل , وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : يُخَفِّفهُ أَيْ : لَا يُكْثِر الدَّلْك , وَيُقَلِّلهُ أَيْ : لَا يَزِيد عَلَى مَرَّة مَرَّة. قَالَ : وَفِيهِ دَلِيل عَلَى إِيجَاب الدَّلْك ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُمْكِن اِخْتِصَاره لَاخْتَصَرَهُ ; لَكِنَّهُ لَمْ يَخْتَصِرهُ. اِنْتَهَى. وَهِيَ دَعْوَى مَرْدُودَة , فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَر مَا يَقْتَضِي الدَّلْك , بَلْ الِاقْتِصَار عَلَى سَيَلَان الْمَاء عَلَى الْعُضْو أَخَفّ مِنْ قَلِيل الدَّلْك. ‏ ‏قَوْله : ( نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَمْ يَقُلْ مِثْلًا لِأَنَّ حَقِيقَة مُمَاثَلَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقْدِر عَلَيْهَا غَيْره اِنْتَهَى. وَقَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيث كَمَا سَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب \" فَقُمْت فَصَنَعْت مِثْل مَا صَنَعَ \" وَلَا يَلْزَم مِنْ إِطْلَاق الْمِثْلِيَّة الْمُسَاوَاة مِنْ كُلّ جِهَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَآذَنهُ ) ‏ ‏بِالْمَدِّ أَيْ أَعْلَمهُ , وَلِلْمُسْتَمْلِيّ فَنَادَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ ) ‏ ‏فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ النَّوْم لَيْسَ حَدَثًا بَلْ مَظِنَّة الْحَدَث لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ تَنَام عَيْنه وَلَا يَنَام قَلْبه فَلَوْ أَحْدَثَ لَعَلِمَ بِذَلِكَ , وَلِهَذَا كَانَ رُبَّمَا تَوَضَّأَ إِذَا قَامَ مِنْ النَّوْم وَرُبَّمَا لَمْ يَتَوَضَّأ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَإِنَّمَا مُنِعَ قَلْبه النَّوْم لِيَعِيَ الْوَحْي الَّذِي يَأْتِيه فِي مَنَامه. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْنَا ) ‏ ‏الْقَائِل سُفْيَان , وَالْحَدِيث الْمَذْكُور صَحِيح كَمَا سَيَأْتِي مِنْ وَجْه آخَر , وَعُبَيْد بْن عُمَيْر مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ , وَلِأَبِيهِ عُمَيْر بْن قَتَادَة صُحْبَة. وَقَوْله : \" رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء وَحْي \" رَوَاهُ مُسْلِم مَرْفُوعًا , وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد مِنْ رِوَايَة شَرِيك عَنْ أَنَس. وَوَجْه الِاسْتِدْلَال بِمَا تَلَاهُ مِنْ جِهَة أَنَّ الرُّؤْيَا لَوْ لَمْ تَكُنْ وَحْيًا لَمَا جَازَ لِإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام الْإِقْدَام عَلَى ذَبْح وَلَده. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ الشَّارِح فَقَالَ : قَوْل عُبَيْد بْن عُمَيْر لَا تَعَلُّق لَهُ بِهَذَا الْبَاب. وَهَذَا إِلْزَام مِنْهُ لِلْبُخَارِيِّ بِأَنْ لَا يَذْكُر مِنْ الْحَدِيث إِلَّا مَا يَتَعَلَّق بِالتَّرْجَمَةِ فَقَطْ , وَلَمْ يَشْتَرِط ذَلِكَ أَحَد , وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّق بِحَدِيثِ الْبَاب أَصْلًا فَمَمْنُوع وَاَللَّه أَعْلَم. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْوِتْر مِنْ كِتَاب الصَّلَاة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "136",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ ‏ ‏دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏حَتَّى إِذَا كَانَ ‏ ‏بِالشِّعْبِ ‏ ‏نَزَلَ فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ فَقُلْتُ الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏الصَّلَاةُ أَمَامَكَ فَرَكِبَ فَلَمَّا جَاءَ ‏ ‏الْمُزْدَلِفَةَ ‏ ‏نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَة ) ‏ ‏هُوَ الْقَعْنَبِيّ , وَالْحَدِيث فِي الْمُوَطَّأ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَفِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ : مُوسَى عَنْ كُرَيْب , وَأُسَامَة بْن زَيْد أَيْ : اِبْن حَارِثَة مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَهُ وَلِأَبِيهِ وَجَدّه صُحْبَة. وَسَتَأْتِي مَنَاقِبه فِي مَكَانهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( دَفَعَ مِنْ عَرَفَة ) ‏ ‏أَيْ : أَفَاضَ. ‏ ‏قَوْله : ( بِالشِّعْبِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الشِّين الْمُعْجَمَة هُوَ الطَّرِيق فِي الْجَبَل , وَاللَّام فِيهِ لِلْعَهْدِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يُسْبِغ الْوُضُوء ) ‏ ‏أَيْ : خَفَّفَهُ , وَيَأْتِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي تَوْجِيه الْحَدِيث الْمَاضِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت الصَّلَاة ) ‏ ‏هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاء , أَوْ عَلَى الْحَذْف , وَالتَّقْدِير أَتُرِيدُ الصَّلَاة ؟ وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة تَأْتِي \" فَقُلْت أَتُصَلِّي يَا رَسُول اللَّه \" وَيَجُوز الرَّفْع , وَالتَّقْدِير حَانَتْ الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الصَّلَاة ) ‏ ‏هُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاء , وَ \" أَمَامك \" بِفَتْحِ الْهَمْزَة خَبَره , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى مَشْرُوعِيَّة الْوُضُوء لِلدَّوَامِ عَلَى الطَّهَارَة لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا يُصَلِّ بِذَلِكَ الْوُضُوء شَيْئًا , وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَاد بِالْوُضُوءِ هُنَا الِاسْتِنْجَاء فَبَاطِل ; لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" فَجَعَلْت أَصُبّ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأ \" وَلِقَوْلِهِ هُنَا \" وَلَمْ يُسْبِغ الْوُضُوء \". ‏ ‏قَوْله : ( نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوء ) ‏ ‏فِيهِ دَلِيل عَلَى مَشْرُوعِيَّة إِعَادَة الْوُضُوء مِنْ غَيْر أَنْ يَفْصِل بَيْنهمَا بِصَلَاةٍ , قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ , وَفِيهِ نَظَر لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون أَحْدَثَ. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏الْمَاء الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَتئِذٍ كَانَ مِنْ مَاء زَمْزَم , أَخْرَجَهُ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن حَنْبَل فِي زِيَادَات مُسْنَد أَبِيهِ بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , فَيُسْتَفَاد مِنْهُ الرَّدّ عَلَى مَنْ مَنَعَ اِسْتِعْمَال مَاء زَمْزَم لِغَيْرِ الشُّرْب. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "137",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ بِلَالٍ يَعْنِي سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ أَخَذَ ‏ ‏غَرْفَةً ‏ ‏مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ ثُمَّ أَخَذَ ‏ ‏غَرْفَةً ‏ ‏مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الْأُخْرَى فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ ثُمَّ أَخَذَ ‏ ‏غَرْفَةً ‏ ‏مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ أَخَذَ ‏ ‏غَرْفَةً ‏ ‏مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ أَخَذَ ‏ ‏غَرْفَةً ‏ ‏مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا ثُمَّ أَخَذَ ‏ ‏غَرْفَةً ‏ ‏أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ ‏ ‏يَعْنِي الْيُسْرَى ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَوَضَّأُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم ) ‏ ‏هُوَ أَبُو يَحْيَى الْمَعْرُوف بِصَاعِقَةَ. وَكَانَ أَحَد الْحُفَّاظ , وَهُوَ مِنْ صِغَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَاد , وَشَيْخه مَنْصُور كَانَ أَحَد الْحُفَّاظ أَيْضًا , وَقَدْ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيّ لَكِنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ. وَفِي الْإِسْنَاد رِوَايَة تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ : زَيْد عَنْ عَطَاء. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ تَوَضَّأَ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي أَوَّله مِنْ طَرِيق هِشَام بْن سَعْد عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ \" أَتُحِبُّونَ أَنْ أُرِيكُمْ كَيْف كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأ ؟ فَدَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاء \". وَلِلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ زَيْد فِي أَوَّل الْحَدِيث \" تَوَضَّأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَرَفَ غَرْفَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَغَسَلَ وَجْهه ) ‏ ‏الْفَاء تَفْصِيلِيَّة لِأَنَّهَا دَاخِلَة بَيْن الْمُجْمَل وَالْمُفَصَّل. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْذ غَرْفَة ) ‏ ‏وَهُوَ بَيَان الْغَسْل وَظَاهِره أَنَّ الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق مِنْ جُمْلَة غَسْل الْوَجْه ; لَكِنَّ الْمُرَاد بِالْوَجْهِ أَوَّلًا مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ الْمَفْرُوض وَالْمَسْنُون ; بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَعَادَ ذِكْره ثَانِيًا بَعْد ذِكْر الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق بِغَرْفَةٍ مُسْتَقِلَّة , وَفِيهِ دَلِيل الْجَمْع بَيْن الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق بِغَرْفَةٍ وَاحِدَة وَغَسْل الْوَجْه بِالْيَدَيْنِ جَمِيعًا إِذَا كَانَ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَة لِأَنَّ الْيَد الْوَاحِدَة قَدْ لَا تَسْتَوْعِبهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَضَافَهَا ) ‏ ‏بَيَان لِقَوْلِهِ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَغَسَلَ بِهَا ) ‏ ‏أَيْ : بِالْغَرْفَةِ. وَلِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَة \" فَغَسَلَ بِهِمَا \" أَيْ بِالْيَدَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر لَهَا غَرْفَة مُسْتَقِلَّة , فَقَدْ يَتَمَسَّك بِهِ مَنْ يَقُول بِطَهُورِيَّةِ الْمَاء الْمُسْتَعْمَل , لَكِنْ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَة مِنْ الْمَاء , ثُمَّ نَفَضَ يَده , ثُمَّ مَسَحَ رَأْسه \" زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز الدَّرَاوَرْدِيّ عَنْ زَيْد \" وَأُذُنَيْهِ مَرَّة وَاحِدَة \" وَمِنْ طَرِيق اِبْن عَجْلَان \" بَاطِنهمَا بِالسَّبَّاحَتَيْنِ وَظَاهِرهمَا بِإِبْهَامَيْهِ \" وَزَادَ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ فِيهِمَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَرَشَّ ) ‏ ‏أَيْ : سَكَبَ الْمَاء قَلِيلًا قَلِيلًا إِلَى أَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ مُسَمَّى الْغَسْل. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى غَسَلَهَا ) ‏ ‏صَرِيح فِي أَنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِالرَّشِّ , وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالْحَاكِم \" فَرَشَّ عَلَى رِجْله الْيُمْنَى وَفِيهَا النَّعْل , ثُمَّ مَسَحَهَا بِيَدَيْهِ يَد فَوْق الْقَدَم وَيَد تَحْت النَّعْل \" فَالْمُرَاد بِالْمَسْحِ تَسْيِيل الْمَاء حَتَّى يَسْتَوْعِب الْعُضْو , وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَضَّأ فِي النَّعْل كَمَا سَيَأْتِي عِنْد الْمُصَنِّف مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر , وَأَمَّا قَوْله : \" تَحْت النَّعْل \" : فَإِنْ لَمْ يُحْمَل عَلَى التَّجَوُّز عَنْ الْقَدَم وَإِلَّا فَهِيَ رِوَايَة شَاذَّة وَرَاوِيهَا هِشَام بْن سَعْد لَا يُحْتَجّ بِمَا تَفَرَّدَ بِهِ فَكَيْف إِذَا خَالَفَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَغَسَلَ بِهَا رِجْله يَعْنِي الْيُسْرَى ) ‏ ‏قَائِل : \" يَعْنِي \" هُوَ زَيْد بْن أَسْلَمَ أَوْ مَنْ دُونه , وَاسْتَدَلَّ اِبْن بَطَّال بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْمَاء الْمُسْتَعْمَل طَهُور ; لِأَنَّ الْعُضْو إِذَا غُسِلَ مَرَّة وَاحِدَة فَإِنَّ الْمَاء الَّذِي يَبْقَى فِي الْيَد مِنْهَا يُلَاقِي مَاء الْعُضْو الَّذِي يَلِيه. وَأَيْضًا فَالْغَرْفَة تُلَاقِي أَوَّل جُزْء مِنْ أَجْزَاء كُلّ عُضْو فَيَصِير مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَاء مَا دَامَ مُتَّصِلًا بِالْيَدِ مَثَلًا لَا يُسَمَّى مُسْتَعْمَلًا حَتَّى يَنْفَصِل , وَفِي الْجَوَاب بَحْث. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ذَكَرَ اِبْن التِّين أَنَّهُ رَوَاهُ بِلَفْظِ \" فَعَلَّ بِهَا رِجْله \" بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَاللَّام الْمُشَدَّدَة قَالَ : فَلَعَلَّهُ جَعَلَ الرِّجْلَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْعُضْو الْوَاحِد فَعَدَّ الْغَسْلَة الثَّانِيَة تَكْرِيرًا لِأَنَّ الْعَلّ هُوَ الشُّرْب الثَّانِي اِنْتَهَى , وَهُوَ تَكَلُّف ظَاهِر , وَالْحَقّ أَنَّهَا تَصْحِيف. ‏"
    },
    {
        "id": "138",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَبْلُغُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا ‏ ‏أَتَى ‏ ‏أَهْلَهُ ‏ ‏قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرُّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( جَرِير ) ‏ ‏و اِبْن عَبْد الْحَمِيد , وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُضِيَ بَيْنهمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيّ وَالْحَمَوِيّ , وَلِلْبَاقِينَ \" بَيْنهمَا \" وَهُوَ أَصْوَب , وَيُحْمَل الْأَوَّل عَلَى أَنَّ أَقَلّ الْجَمْع اِثْنَانِ , وَسَيَأْتِي مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَأَفَادَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ رَأَى فِي نُسْخَة قُرِئَتْ عَلَى الْفَرَبْرِيّ قِيلَ لِأَبِي عَبْد اللَّه يَعْنِي الْمُصَنِّف : مَنْ لَا يُحْسِن الْعَرَبِيَّة يَقُولهَا بِالْفَارِسِيَّةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "139",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا دَخَلَ ‏ ‏الْخَلَاءَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ‏ ‏الْخُبُثِ ‏ ‏وَالْخَبَائِثِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏ابْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمَّادٍ ‏ ‏إِذَا دَخَلَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْخُبْث ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة كَذَا فِي الرِّوَايَة , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّهُ لَا يَجُوز غَيْره , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَجُوز إِسْكَان الْمُوَحَّدَة كَمَا فِي نَظَائِره مِمَّا جَاءَ عَلَى هَذَا الْوَجْه كَكُتُبٍ وَكُتْب , قَالَ النَّوَوِيّ : وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَة بِأَنَّ الْبَاء هُنَا سَاكِنَة مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَة , إِلَّا أَنْ يُقَال إِنَّ تَرْك التَّخْفِيف أَوْلَى لِئَلَّا يَشْتَبِه بِالْمَصْدَرِ , وَالْخُبْث جَمْع خَبِيث وَالْخَبَائِث جَمْع خَبِيثَة , يُرِيد ذُكْرَان الشَّيَاطِين وَإِنَاثهمْ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَابْن حِبَّان وَغَيْرهمَا , وَوَقَعَ فِي نُسْخَة اِبْن عَسَاكِر : قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه - يَعْنِي الْبُخَارِيّ - وَيُقَال الْخُبْث أَيْ بِإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَة , فَإِنْ كَانَتْ مُخَفَّفَة عَنْ الْحَرَكَة فَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهه , وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْمُفْرَد فَمَعْنَاهُ كَمَا قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : الْمَكْرُوه , قَالَ : فَإِنْ كَانَ مِنْ الْكَلَام فَهُوَ الشَّتْم , وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمِلَل فَهُوَ الْكُفْر , وَإِنْ كَانَ مِنْ الطَّعَام فَهُوَ الْحَرَام , وَإِنْ كَانَ مِنْ الشَّرَاب فَهُوَ الضَّارّ , وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِالْخَبَائِثِ الْمَعَاصِي أَوْ مُطْلَق الْأَفْعَال الْمَذْمُومَة لِيَحْصُل التَّنَاسُب ; وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَغَيْره \" أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الْخُبْث وَالْخَبِيث \" أَوْ \" الْخُبْث وَالْخَبَائِث \" هَكَذَا عَلَى الشَّكّ , الْأَوَّل بِالْإِسْكَانِ مَعَ الْإِفْرَاد , وَالثَّانِي بِالتَّحْرِيكِ مَعَ الْجَمْع , أَيْ : مِنْ الشَّيْء الْمَكْرُوه وَمِنْ الشَّيْء الْمَذْمُوم , أَوْ مِنْ ذُكْرَان الشَّيَاطِين وَإِنَاثهمْ. وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذ إِظْهَارًا لِلْعُبُودِيَّةِ , وَيَجْهَر بِهَا لِلتَّعْلِيمِ. وَقَدْ رَوَى الْعُمَرِيُّ هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُخْتَار عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب بِلَفْظِ الْأَمْر قَالَ : \" إِذَا دَخَلْتُمْ الْخَلَاء فَقُولُوا : بِسْمِ اللَّه , أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الْخُبْث وَالْخَبَائِث \" وَإِسْنَاده عَلَى شَرْط مُسْلِم , وَفِيهِ زِيَادَة التَّسْمِيَة وَلَمْ أَرَهَا فِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ اِبْن عَرْعَرَة ) ‏ ‏اِسْمه مُحَمَّد , وَحَدِيثه عِنْد الْمُصَنِّف فِي الدَّعَوَات. ‏ ‏قَوْله. ( وَقَالَ غُنْدَر ) ‏ ‏هَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ الْبَزَّار فِي مُسْنَده عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار بُنْدَار عَنْ غُنْدَر بِلَفْظِهِ , وَرَوَاهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ غُنْدَر بِلَفْظِ إِذَا دَخَلَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حَمَّاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَمَة يَعْنِي عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب , وَطَرِيق مُوسَى هَذِهِ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ سَعِيد بْن زَيْد ) ‏ ‏هُوَ أَخُو حَمَّاد بْن زَيْد , وَرِوَايَته هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْأَدَب الْمُفْرَد قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَان حَدَّثَنَا سَعِيد بْن زَيْد حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب قَالَ : حَدَّثَنِي أَنَس قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُل الْخَلَاء قَالَ.. فَذَكَرَ مِثْل حَدِيث الْبَاب , وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة تَبْيِين الْمُرَاد مِنْ قَوْله : \" إِذَا دَخَلَ الْخَلَاء \" أَيْ : كَانَ يَقُول هَذَا الذِّكْر عِنْد إِرَادَة الدُّخُول لَا بَعْده. وَاَللَّه أَعْلَم. وَهَذَا فِي الْأَمْكِنَة الْمُعَدَّة لِذَلِكَ بِقَرِينَةِ الدُّخُول , وَلِهَذَا قَالَ اِبْن بَطَّال. رِوَايَة \" إِذَا أَتَى \" أَعَمّ لِشُمُولِهَا اِنْتَهَى. وَالْكَلَام هُنَا فِي مَقَامَيْنِ : أَحَدهمَا هَلْ يَخْتَصّ هَذَا الذِّكْر بِالْأَمْكِنَةِ الْمُعَدَّة لِذَلِكَ لِكَوْنِهَا تَحْضُرهَا الشَّيَاطِين كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم فِي السُّنَن , أَوْ يَشْمَل حَتَّى لَوْ بَال فِي إِنَاء مَثَلًا فِي جَانِب الْبَيْت ؟ الْأَصَحّ الثَّانِي مَا لَمْ يَشْرَع فِي قَضَاء الْحَاجَة. الثَّانِي مَتَى يَقُول ذَلِكَ ؟ فَمَنْ يَكْرَه ذِكْر اللَّه فِي تِلْكَ الْحَالَة يُفَصِّل : أَمَّا فِي الْأَمْكِنَة الْمُعَدَّة لِذَلِكَ فَيَقُولهُ قُبَيْل دُخُولهَا , وَأَمَّا فِي غَيْرهَا فَيَقُولهُ فِي أَوَّل الشُّرُوع كَتَشْمِيرِ ثِيَابه مَثَلًا وَهَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور , وَقَالُوا فِيمَنْ نَسِيَ : يَسْتَعِيذ بِقَلْبِهِ لَا بِلِسَانِهِ. وَمَنْ يُجِيز مُطْلَقًا كَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِك لَا يَحْتَاج إِلَى تَفْصِيل. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏سَعِيد بْن زَيْد الَّذِي أَتَى بِالرِّوَايَةِ الْمُبَيِّنَة صَدُوق تَكَلَّمَ بَعْضهمْ فِي حِفْظه , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْمَوْضِع الْمُعَلَّق , لَكِنْ لَمْ يَنْفَرِد بِهَذَا اللَّفْظ , فَقَدْ رَوَاهُ مُسَدَّد عَنْ عَبْد الْوَارِث عَنْ عَبْد الْعَزِيز مِثْله , وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقه وَهُوَ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "140",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وَرْقَاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ مَنْ وَضَعَ هَذَا فَأُخْبِرَ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ ‏ ‏فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَرْقَاء ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ ( ‏ ‏اِبْن أَبِي يَزِيد ) ‏ ‏مَكِّيّ ثِقَة لَا يُعْرَف اِسْم أَبِيهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ اِبْن أَبِي زَائِدَة وَهُوَ غَلَط. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَضَعْت لَهُ وَضُوءًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاو أَيْ : مَاء لِيَتَوَضَّأ بِهِ , وَقِيلَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون نَاوَلَهُ إِيَّاهُ لِيَسْتَنْجِيَ بِهِ , وَفِيهِ نَظَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُخْبِرَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم أَنَّ مَيْمُونَة بِنْت الْحَارِث خَالَة اِبْن عَبَّاس هِيَ الْمُخْبِرَة بِذَلِكَ , قَالَ التَّيْمِيُّ : فِيهِ اِسْتِحْبَاب الْمُكَافَأَة بِالدُّعَاءِ. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : مُنَاسَبَة الدُّعَاء لِابْنِ عَبَّاس بِالتَّفَقُّهِ عَلَى وَضْعه الْمَاء مِنْ جِهَة أَنَّهُ تَرَدَّدَ بَيْن ثَلَاثَة أُمُور : إِمَّا أَنْ يَدْخُل إِلَيْهِ بِالْمَاءِ إِلَى الْخَلَاء , أَوْ يَضَعهُ عَلَى الْبَاب لِيَتَنَاوَلهُ مِنْ قُرْب , أَوْ لَا يَفْعَل شَيْئًا , فَرَأَى الثَّانِي أَوْفَق ; لِأَنَّ فِي الْأَوَّل تَعَرُّضًا لِلِاطِّلَاعِ , وَالثَّالِث يَسْتَدْعِي مَشَقَّة فِي طَلَب الْمَاء , وَالثَّانِي أَسْهَلهَا , فَفِعْله يَدُلّ عَلَى ذَكَائِهِ , فَنَاسَبَ أَنْ يَدْعُو لَهُ بِالتَّفَقُّهِ فِي الدِّين لِيَحْصُل بِهِ النَّفْع , وَكَذَا كَانَ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَاقِي مَبَاحِثه فِي كِتَاب الْعِلْم. ‏"
    },
    {
        "id": "141",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ ‏ ‏الْغَائِطَ ‏ ‏فَلَا يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ وَلَا ‏ ‏يُوَلِّهَا ‏ ‏ظَهْرَهُ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَلَا يَسْتَقْبِل ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام لِأَنَّ \" لَا \" نَاهِيَة وَاللَّام فِي الْقِبْلَة لِلْعَهْدِ أَيْ لِلْكَعْبَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْره ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ \" وَلَا يَسْتَدْبِرهَا \" وَزَادَ \" بِبَوْلٍ أَوْ بِغَائِطٍ \" وَالْغَائِط الثَّانِي غَيْر الْأَوَّل , أُطْلِقَ عَلَى الْخَارِج مِنْ الدُّبُر مَجَازًا مِنْ إِطْلَاق اِسْم الْمَحَلّ عَلَى الْحَالّ كَرَاهِيَة لِذِكْرِهِ بِصَرِيحِ اِسْمه , وَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ جِنَاس تَامّ , وَالظَّاهِر مِنْ قَوْله \" بِبَوْلٍ \" اِخْتِصَاص النَّهْي بِخُرُوجِ الْخَارِج مِنْ الْعَوْرَة , وَيَكُون مَثَاره إِكْرَام الْقِبْلَة عَنْ الْمُوَاجَهَة بِالنَّجَاسَةِ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي حَدِيث جَابِر \" إِذَا هَرَقْنَا الْمَاء \". وَقِيلَ مَثَار النَّهْي كَشْف الْعَوْرَة , وَعَلَى هَذَا فَيَطَّرِد فِي كُلّ حَالَة تُكْشَف فِيهَا الْعَوْرَة كَالْوَطْءِ مَثَلًا , وَقَدْ نَقَلَهُ اِبْن شَاسٍ الْمَالِكِيّ قَوْلًا فِي مَذْهَبهمْ وَكَأَنَّ قَائِله تَمَسَّكَ بِرِوَايَةٍ فِي الْمُوَطَّأ \" لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَة بِفُرُوجِكُمْ \" وَلَكِنَّهَا مَحْمُولَة عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّل أَيْ : حَال قَضَاء الْحَاجَة جَمْعًا بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ وَاَللَّه أَعْلَم. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى قَوْل أَبِي أَيُّوب \" فَنَنْحَرِف وَنَسْتَغْفِر \" حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِي أَوَائِل الصَّلَاة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "142",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلَا تَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلَا ‏ ‏بَيْتَ الْمَقْدِسِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏لَقَدْ ‏ ‏ارْتَقَيْتُ ‏ ‏يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏لَبِنَتَيْنِ ‏ ‏مُسْتَقْبِلًا ‏ ‏بَيْتَ الْمَقْدِسِ ‏ ‏لِحَاجَتِهِ وَقَالَ لَعَلَّكَ مِنْ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ فَقُلْتُ لَا أَدْرِي وَاللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏يَعْنِي الَّذِي ‏ ‏يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنْ الْأَرْضِ يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالْأَرْضِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ الْمَدَنِيّ التَّابِعِيّ , وَكَذَا شَيْخه وَشَيْخ شَيْخه فِي الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة , وَلَكِنْ قِيلَ : إِنَّ لِوَاسِع رُؤْيَة فَذُكِرَ لِذَلِكَ فِي الصَّحَابَة , وَأَبُوهُ حِبَّان هُوَ اِبْن مُنْقِذ بْن عُمَر لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَة أَنَّهُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَبِالْمُوَحَّدَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ كَانَ يَقُول ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُسْلِم فِي رِوَايَته , وَسَيَأْتِي لَفْظه قَرِيبًا , فَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الضَّمِير يَعُود عَلَى وَاسِع فَهُوَ وَهْم مِنْهُ وَلَيْسَ قَوْله \" فَقَالَ اِبْن عُمَر \" جَوَابًا لِوَاسِعٍ , بَلْ الْفَاء فِي قَوْله : \" فَقَالَ \" سَبَبِيَّة ; لِأَنَّ اِبْن عُمَر أَوْرَدَ الْقَوْل الْأَوَّل مُنْكِرًا لَهُ , ثُمَّ بَيَّنَ سَبَب إِنْكَاره بِمَا رَوَاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ يُمْكِنهُ أَنْ يَقُول : فَلَقَدْ رَأَيْت إِلَخْ وَلَكِنَّ الرَّاوِي عَنْهُ - وَهُوَ وَاسِع - أَرَادَ التَّأْكِيد بِإِعَادَةِ قَوْله : \" قَالَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ نَاسًا ) ‏ ‏يُشِير بِذَلِكَ إِلَى مَنْ كَانَ يَقُول بِعُمُومِ النَّهْي كَمَا سَبَقَ , وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ أَبِي أَيُّوب وَأَبِي هُرَيْرَة وَمَعْقِل الْأَسَدِيِّ وَغَيْرهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا قَعَدْت ) ‏ ‏ذَكَرَ الْقُعُود لِكَوْنِهِ الْغَالِب وَإِلَّا فَحَال الْقِيَام كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى حَاجَتك ) ‏ ‏كَنَّى بِهَذَا عَنْ التَّبَرُّز وَنَحْوه. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ ) ‏ ‏اللَّام جَوَاب قَسَم مَحْذُوف. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى ظَهْر بَيْت لَنَا ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة يَزِيد الْآتِيَة \" عَلَى ظَهْر بَيْتنَا \" وَفِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر الْآتِيَة \" عَلَى ظَهْر بَيْت حَفْصَة \" أَيْ : أُخْته كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي رِوَايَة مُسْلِم , وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ \" دَخَلْت عَلَى حَفْصَة بِنْت عُمَر فَصَعِدْت ظَهْر الْبَيْت \". وَطَرِيق الْجَمْع أَنْ يُقَال : إِضَافَته الْبَيْت إِلَيْهِ عَلَى سَبِيل الْمَجَاز لِكَوْنِهَا أُخْته فَلَهُ مِنْهُ سَبَب , وَحَيْثُ أَضَافَهُ إِلَى حَفْصَة كَانَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ الْبَيْت الَّذِي أَسْكَنَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ وَاسْتَمَرَّ فِي يَدهَا إِلَى أَنْ مَاتَتْ فَوَرِثَ عَنْهَا , وَسَيَأْتِي اِنْتِزَاع الْمُصَنِّف ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْخُمُس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَحَيْثُ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسه كَانَ بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ الْحَال لِأَنَّهُ وَرِثَ حَفْصَة دُون إِخْوَته لِكَوْنِهَا كَانَتْ شَقِيقَته وَلَمْ تَتْرُك مَنْ يَحْجُبهُ عَنْ الِاسْتِيعَاب. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى لَبِنَتَيْنِ ) ‏ ‏وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ \" فَأَشْرَفْت عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى خَلَائِهِ \" وَفِي رِوَايَة لَهُ : \" فَرَأَيْته يَقْضِي حَاجَته مَحْجُوبًا عَلَيْهِ بِلَبِنٍ \" وَلِلْحَكِيمِ التِّرْمِذِيّ بِسَنَدٍ صَحِيح \" فَرَأَيْته فِي كَنِيف \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْكَاف وَكَسْر النُّون بَعْدهَا يَاء تَحْتَانِيَّة ثُمَّ فَاء. وَانْتَفَى بِهَذَا إِيرَاد مَنْ قَالَ مِمَّنْ يَرَى الْجَوَاز مُطْلَقًا : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَآهُ فِي الْفَضَاء وَكَوْنه رَآهُ عَلَى لَبِنَتَيْنِ لَا يَدُلّ عَلَى الْبِنَاء لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون جَلَسَ عَلَيْهِمَا لِيَرْتَفِع بِهِمَا عَنْ الْأَرْض , وَيَرُدّ هَذَا الِاحْتِمَال أَيْضًا أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يَرَى الْمَنْع مِنْ الِاسْتِقْبَال فِي الْفَضَاء إِلَّا بِسَاتِرٍ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم بِسَنَدٍ لَا بَأْس بِهِ , وَلَمْ يَقْصِد اِبْن عُمَر الْإِشْرَاف عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْحَالَة وَإِنَّمَا صَعِدَ السَّطْح لِضَرُورَةٍ لَهُ كَمَا فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة فَحَانَتْ مِنْهُ اِلْتِفَاتَة كَمَا فِي رِوَايَة لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر. نَعَمْ لَمَّا اِتَّفَقَتْ لَهُ رُؤْيَته فِي تِلْكَ الْحَالَة عَنْ غَيْر قَصْد أَحَبَّ أَنْ لَا يُخْلِيَ ذَلِكَ مِنْ فَائِدَة فَحَفِظَ هَذَا الْحُكْم الشَّرْعِيّ , وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا رَآهُ مِنْ جِهَة ظَهْره حَتَّى سَاغَ لَهُ تَأَمُّل الْكَيْفِيَّة الْمَذْكُورَة مِنْ غَيْر مَحْذُور , وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى شِدَّة حِرْص الصَّحَابِيّ عَلَى تَتَبُّع أَحْوَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَتَّبِعهَا , وَكَذَا كَانَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن عُمَر ‏ ‏( لَعَلَّك ) ‏ ‏, الْخِطَاب لِوَاسِعٍ , وَغَلِطَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَرْفُوع. وَقَدْ فَسَّرَ مَالِك الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكهمْ \" أَيْ : مَنْ يُلْصِق بَطْنه بِوَرِكَيْهِ إِذَا سَجَدَ , وَهُوَ خِلَاف هَيْئَة السُّجُود الْمَشْرُوعَة وَهِيَ التَّجَافِي وَالتَّجَنُّح كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي مَوْضِعه , وَفِي النِّهَايَة : وَفُسِّرَ بِأَنَّهُ يُفَرِّج رُكْبَتَيْهِ فَيَصِير مُعْتَمِدًا عَلَى وَرِكَيْهِ. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَتْ مُنَاسَبَة ذِكْر اِبْن عُمَر لِهَذَا مَعَ الْمَسْأَلَة السَّابِقَة فَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِي خَاطَبَهُ لَا يَعْرِف السُّنَّة ; إِذْ لَوْ كَانَ عَارِفًا بِهَا لَعَرَفَ الْفَرْق بَيْن الْفَضَاء وَغَيْره , أَوْ الْفَرْق بَيْن اِسْتِقْبَال الْكَعْبَة وَبَيْت الْمَقْدِس , وَإِنَّمَا كَنَّى عَمَّنْ لَا يَعْرِف السُّنَّة بِاَلَّذِي يُصَلِّي عَلَى وَرِكَيْهِ لِأَنَّ مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ لَا يَكُون إِلَّا جَاهِلًا بِالسُّنَّةِ , وَهَذَا الْجَوَاب لِلْكَرْمَانِيّ , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّف , وَلَيْسَ فِي السِّيَاق أَنَّ وَاسِعًا سَأَلَ اِبْن عُمَر عَنْ الْمَسْأَلَة الْأُولَى حَتَّى يَنْسِبهُ إِلَى عَدَم مَعْرِفَتهَا. ثُمَّ الْحَصْر الْأَخِير مَرْدُود ; لِأَنَّهُ قَدْ يَسْجُد عَلَى وَرِكَيْهِ مَنْ يَكُون عَارِفًا بِسُنَنِ الْخَلَاء , وَاَلَّذِي يَظْهَر فِي الْمُنَاسَبَة مَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاق مُسْلِم , فَفِي أَوَّله عِنْده عَنْ وَاسِع قَالَ : \" كُنْت أُصَلِّي فِي الْمَسْجِد فَإِذَا عَبْد اللَّه بْن عُمَر جَالِس , فَلَمَّا قَضَيْت صَلَاتِي اِنْصَرَفْت إِلَيْهِ مِنْ شِقِّي , فَقَالَ عَبْد اللَّه : يَقُول النَّاس \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , فَكَأَنَّ اِبْن عُمَر رَأَى مِنْهُ فِي حَال سُجُوده شَيْئًا لَمْ يَتَحَقَّقهُ فَسَأَلَهُ عَنْهُ بِالْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَة , وَكَأَنَّهُ بَدَأَ بِالْقِصَّةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا مِنْ رِوَايَته الْمَرْفُوعَة الْمُحَقَّقَة عِنْده فَقَدَّمَهَا عَلَى ذَلِكَ الْأَمْر الْمَظْنُون , وَلَا يَبْعُد أَنْ يَكُون قَرِيب الْعَهْد بِقَوْلِ مَنْ نَقَلَ عَنْهُمْ مَا نَقَلَ فَأَحَبَّ أَنْ يُعَرِّف الْحُكْم لِهَذَا التَّابِعِيّ لِيَنْقُلهُ عَنْهُ , عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِع إِبْدَاء مُنَاسَبَة بَيْن هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِخُصُوصِهِمَا وَأَنَّ لِإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى تَعَلُّقًا بِأَنْ يُقَال : لَعَلَّ الَّذِي كَانَ يَسْجُد وَهُوَ لَاصِق بَطْنه بِوَرِكَيْهِ كَانَ يَظُنّ اِمْتِنَاع اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة بِفَرْجِهِ فِي كُلّ حَالَة كَمَا قَدَّمْنَا فِي الْكَلَام عَلَى مَثَار النَّهْي. وَأَحْوَال الصَّلَاة أَرْبَعَة : قِيَام وَرُكُوع وَسُجُود وَقُعُود , وَانْضِمَام الْفَرْج فِيهَا بَيْن الْوَرِكَيْنِ مُمْكِن إِلَّا إِذَا جَافَى فِي السُّجُود فَرَأَى أَنَّ فِي الْإِلْصَاق ضَمًّا لِلْفَرْجِ فَفَعَلَهُ اِبْتِدَاعًا وَتَنَطُّعًا , وَالسُّنَّة بِخِلَافِ ذَلِكَ , وَالتَّسَتُّر بِالثِّيَابِ كَافٍ فِي ذَلِكَ , كَمَا أَنَّ الْجِدَار كَافٍ فِي كَوْنه حَائِلًا بَيْن الْعَوْرَة وَالْقِبْلَة إِنْ قُلْنَا : إِنَّ مَثَار النَّهْي الِاسْتِقْبَال بِالْعَوْرَةِ , فَلَمَّا حَدَّثَ اِبْن عُمَر التَّابِعِيَّ بِالْحُكْمِ الْأَوَّل أَشَارَ لَهُ إِلَى الْحُكْم الثَّانِي مُنَبِّهًا لَهُ عَلَى مَا ظَنَّهُ مِنْهُ فِي تِلْكَ الصَّلَاة الَّتِي رَآهُ صَلَّاهَا. وَأَمَّا قَوْل وَاسِع \" لَا أَدْرِي \" فَدَالّ عَلَى أَنَّهُ لَا شُعُور عِنْده بِشَيْءٍ مِمَّا ظَنَّهُ بِهِ , وَلِهَذَا لَمْ يُغْلِظ اِبْن عُمَر لَهُ فِي الزَّجْر. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "143",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُنَّ ‏ ‏يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى ‏ ‏الْمَنَاصِعِ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏صَعِيدٌ ‏ ‏أَفْيَحُ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏احْجُبْ ‏ ‏نِسَاءَكَ فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَفْعَلُ فَخَرَجَتْ ‏ ‏سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي عِشَاءً وَكَانَتْ امْرَأَةً طَوِيلَةً فَنَادَاهَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا ‏ ‏سَوْدَةُ ‏ ‏حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ ‏آيَةَ الْحِجَابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ قَدْ أُذِنَ أَنْ تَخْرُجْنَ فِي حَاجَتِكُنَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏يَعْنِي الْبَرَازَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن بُكَيْر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هَذَا الْإِسْنَاد بِرُمَّتِهِ فِي بَدْء الْوَحْي , وَفِيهِ تَابِعِيَّانِ عُرْوَة وَابْن شِهَاب , وَقَرِينَانِ اللَّيْث وَعَقِيل. ‏ ‏قَوْله : ( الْمَنَاصِع ) ‏ ‏بِالنُّونِ وَكَسْر الصَّاد الْمُهْمَلَة بَعْدهَا عَيْن مُهْمَلَة جَمْع مَنْصَع بِوَزْنِ مَقْعَد وَهِيَ أَمَاكِن مَعْرُوفَة مِنْ نَاحِيَة الْبَقِيع , قَالَ الدَّاوُدِيّ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَان يَنْصَع فِيهَا أَيْ : يَخْلُص. وَالظَّاهِر أَنَّ التَّفْسِير مَقُول عَائِشَة. وَالْأَفْيَح بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة الْمُتَّسِع. ‏ ‏قَوْله : ( اُحْجُبْ ) ‏ ‏أَيْ اِمْنَعْهُنَّ مِنْ الْخُرُوج مِنْ بُيُوتهنَّ ; بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَر بَعْد نُزُول آيَة الْحِجَاب قَالَ لِسَوْدَةَ مَا قَالَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ أَوَّلًا الْأَمْر بِسَتْرِ وُجُوههنَّ , فَلَمَّا وَقَعَ الْأَمْر بِوَفْقِ مَا أَرَادَ أَحَبَّ أَيْضًا أَنْ يَحْجُب أَشْخَاصهنَّ مُبَالَغَة فِي التَّسَتُّر فَلَمْ يُجَبْ لِأَجْلِ الضَّرُورَة , وَهَذَا أَظْهَر الِاحْتِمَالَيْنِ. وَقَدْ كَانَ عُمَر يَعُدّ نُزُول آيَة الْحِجَاب مِنْ مُوَافَقَاته كَمَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب , وَعَلَى هَذَا فَقَدْ كَانَ لَهُنَّ فِي التَّسَتُّر عِنْد قَضَاء الْحَاجَة حَالَات : أَوَّلهَا بِالظُّلْمَةِ لِأَنَّهُنَّ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ دُون النَّهَار كَمَا قَالَتْ عَائِشَة فِي هَذَا الْحَدِيث \" كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ \" وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الْإِفْك \" فَخَرَجَتْ مَعِي أُمّ مِسْطَح قِبَل الْمَنَاصِع , وَهُوَ مُتَبَرَّزنَا , وَكُنَّا لَا نَخْرُج إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْل \" اِنْتَهَى. ثُمَّ نَزَلَ الْحِجَاب فَتَسَتَّرْنَ بِالثِّيَابِ , لَكِنْ كَانَتْ أَشْخَاصهنَّ رُبَّمَا تَتَمَيَّز ; وَلِهَذَا قَالَ عُمَر لِسَوْدَةَ فِي الْمَرَّة الثَّانِيَة بَعْد نُزُول الْحِجَاب : أَمَا وَاَللَّه مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا , ثُمَّ اُتُّخِذَتْ الْكُنُف فِي الْبُيُوت فَتَسَتَّرْنَ بِهَا كَمَا فِي حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الْإِفْك أَيْضًا فَإِنَّ فِيهَا \" وَذَلِكَ قَبْل أَنْ تُتَّخَذ الْكُنُف \" , وَكَانَ قِصَّة الْإِفْك قَبْل نُزُول آيَة الْحِجَاب كَمَا سَيَأْتِي شَرْحه فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّه الْحِجَاب ) ‏ ‏وَلِلْمُسْتَمْلِيّ \" آيَة الْحِجَاب \" زَادَ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ عَنْ اِبْن شِهَاب \" فَأَنْزَلَ اللَّه الْحِجَاب ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوت النَّبِيّ ) الْآيَة \" , وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير الْأَحْزَاب أَنَّ سَبَب نُزُولهَا قِصَّة زَيْنَب بِنْت جَحْش لَمَّا أَوْلَمَ عَلَيْهَا وَتَأَخَّرَ النَّفَر الثَّلَاثَة فِي الْبَيْت وَاسْتَحْيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْمُرهُمْ بِالْخُرُوجِ فَنَزَلَتْ آيَة الْحِجَاب , وَسَيَأْتِي أَيْضًا حَدِيث عُمَر \" قُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ نِسَاءَك يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ الْبَرّ وَالْفَاجِر , فَلَوْ أَمَرْتهنَّ أَنْ يَحْتَجِبْنَ , فَنَزَلَتْ آيَة الْحِجَاب \" , وَرَوَى اِبْن جَرِير فِي تَفْسِيره مِنْ طَرِيق مُجَاهِد قَالَ : بَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ بَعْض أَصْحَابه وَعَائِشَة تَأْكُل مَعَهُمْ إِذْ أَصَابَتْ يَد رَجُل مِنْهُمْ يَدهَا , فَكَرِهَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ آيَة الْحِجَاب. وَطَرِيق الْجَمْع بَيْنهَا أَنَّ أَسْبَاب نُزُول الْحِجَاب تَعَدَّدَتْ , وَكَانَتْ قِصَّة زَيْنَب آخِرهَا لِلنَّصِّ عَلَى قِصَّتهَا فِي الْآيَة , وَالْمُرَاد بِآيَةِ الْحِجَاب فِي بَعْضهَا قَوْله تَعَالَى : ( يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبهِنَّ ). ‏ ‏وَقَوْله : ( حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَحْيَى. وَسَيَأْتِي حَدِيثه هَذَا فِي التَّفْسِير مُطَوَّلًا , وَمُحَصَّله أَنَّ سَوْدَة خَرَجَتْ بَعْدَمَا ضُرِبَ الْحِجَاب لِحَاجَتِهَا - وَكَانَتْ عَظِيمَة الْجِسْم - فَرَآهَا عُمَر بْن الْخَطَّاب فَقَالَ. يَا سَوْدَة , أَمَا وَاَللَّه مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَانْظُرِي كَيْف تَخْرُجِينَ. فَرَجَعَتْ فَشَكَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَعَشَّى , فَأُوحِيَ إِلَيْهِ , فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِقْه هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ يَجُوز لِلنِّسَاءِ التَّصَرُّف فِيمَا لَهُنَّ الْحَاجَة إِلَيْهِ مِنْ مَصَالِحهنَّ , وَفِيهِ مُرَاجَعَة الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى فِيمَا يَتَبَيَّن لَهُ أَنَّهُ الصَّوَاب وَحَيْثُ لَا يَقْصِد التَّعَنُّت , وَفِيهِ مَنْقَبَة لِعُمَر , وَفِيهِ جَوَاز كَلَام الرِّجَال مَعَ النِّسَاء فِي الطُّرُق لِلضَّرُورَةِ , وَجَوَاز الْإِغْلَاظ فِي الْقَوْل لِمَنْ يَقْصِد الْخَيْر , وَفِيهِ جَوَاز وَعْظ الرَّجُل أُمّه فِي الدِّين لِأَنَّ سَوْدَة مِنْ أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ , وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْتَظِر الْوَحْي فِي الْأُمُور الشَّرْعِيَّة ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرهُنَّ بِالْحِجَابِ مَعَ وُضُوح الْحَاجَة إِلَيْهِ حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَة , وَكَذَا فِي إِذْنه لَهُنَّ بِالْخُرُوجِ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "144",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ارْتَقَيْتُ ‏ ‏فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏لِبَعْضِ حَاجَتِي فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ ‏ ‏الشَّأْمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن عُمَر بْن حَفْص بْن عَاصِم بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير مِنْ فُقَهَاء أَهْل الْمَدِينَة وأَثْبَاتهمْ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏"
    },
    {
        "id": "145",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَمَّهُ ‏ ‏وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ قَالَ ‏ ‏لَقَدْ ظَهَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَاعِدًا عَلَى ‏ ‏لَبِنَتَيْنِ ‏ ‏مُسْتَقْبِلَ ‏ ‏بَيْتِ الْمَقْدِسِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ الدَّوْرَقِيّ , وَيَزِيد هُوَ اِبْن هَارُون كَمَا لِأَبِي ذَرّ وَالْأَصِيلِيّ , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ الَّذِي رَوَى مَالِك عَنْهُ هَذَا الْحَدِيث كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَمْ يَقَع فِي رِوَايَة يَحْيَى \" مُسْتَدْبِر الْقِبْلَة \" أَيْ : الْكَعْبَة كَمَا فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ لَازِم مَنْ اِسْتَقْبَلَ الشَّام بِالْمَدِينَةِ , وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّصْرِيح بِهِ , وَالتَّعْبِير تَارَة بِالشَّامِ وَتَارَة بِبَيْتِ الْمَقْدِس بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُمَا فِي جِهَة وَاحِدَة. ‏"
    },
    {
        "id": "146",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُعَاذٍ وَاسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَجِيءُ أَنَا ‏ ‏وَغُلَامٌ ‏ ‏مَعَنَا ‏ ‏إِدَاوَةٌ ‏ ‏مِنْ مَاءٍ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏يَسْتَنْجِي ‏ ‏بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَام بْن عَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏هُوَ الطَّيَالِسِيّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَجِيء أَنَا وَغُلَام ) ‏ ‏زَادَ فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة عَقِبهَا \" مِنَّا \" أَيْ : مِنْ الْأَنْصَار , وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته , وَلِمُسْلِمٍ \" نَحْوِي \" أَيْ مُقَارِب لِي فِي السِّنّ , وَالْغُلَام هُوَ الْمُتَرَعْرِع قَالَهُ أَبُو عُبَيْد , وَقَالَ فِي الْمُحْكَم : مِنْ لَدُنْ الْفِطَام إِلَى سَبْع سِنِينَ , وَحَكَى الزَّمَخْشَرِيّ فِي أَسَاس الْبَلَاغَة أَنَّ الْغُلَام هُوَ الصَّغِير إِلَى حَدّ الِالْتِحَاء , فَإِنْ قِيلَ لَهُ بَعْد الِالْتِحَاء غُلَام فَهُوَ مَجَاز. ‏ ‏قَوْله : ( إِدَاوَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة إِنَاء صَغِير مِنْ جِلْد. ‏ ‏قَوْله ‏ ‏: ( مِنْ مَاء ) ‏ ‏أَيْ : مَمْلُوءَة مِنْ مَاء. ‏ ‏قَوْله : ( يَعْنِي يَسْتَنْجِي بِهِ ) ‏ ‏قَائِل \" يَعْنِي \" هُوَ هِشَام. وَقَدْ رَوَاهُ الْمُصَنِّف بَعْد هَذَا عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب فَلَمْ يَذْكُرهَا , لَكِنَّهُ رَوَاهُ عَقِبَهُ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة فَقَالَ : \" يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ \" وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن مَرْزُوق عَنْ شُعْبَة \" فَأَنْطَلِق أَنَا وَغُلَام مِنْ الْأَنْصَار مَعَنَا إِدَاوَة فِيهَا مَاء يَسْتَنْجِي مِنْهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" , وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيق رَوْح بْن الْقَاسِم عَنْ عَطَاء بْن أَبِي مَيْمُونَة \" إِذَا تَبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ أَتَيْته بِمَاءٍ فَيَغْسِل بِهِ \" , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق خَالِد الْحَذَّاء عَنْ عَطَاء عَنْ أَنَس \" فَخَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدْ اِسْتَنْجَى بِالْمَاءِ \" وَقَدْ بَانَ بِهَذِهِ الرِّوَايَات أَنَّ حِكَايَة الِاسْتِنْجَاء مِنْ قَوْل أَنَس رَاوِي الْحَدِيث , فَفِيهِ الرَّدّ عَلَى الْأَصِيلِيّ حَيْثُ تَعَقَّبَ عَلَى الْبُخَارِيّ اِسْتِدْلَاله بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ قَالَ : لِأَنَّ قَوْله \" يَسْتَنْجِي بِهِ \" لَيْسَ هُوَ مِنْ قَوْل أَنَس إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْل أَبِي الْوَلِيد أَيْ : أَحَد الرُّوَاة عَنْ شُعْبَة , وَقَدْ رَوَاهُ سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ شُعْبَة فَلَمْ يَذْكُرهَا , قَالَ : فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَاء لِوُضُوئِهِ اِنْتَهَى. وَقَدْ اِنْتَفَى هَذَا الِاحْتِمَال بِالرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا , وَكَذَا فِيهِ الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْله \" يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ \" مُدْرَج مِنْ قَوْل عَطَاء الرَّاوِي عَنْ أَنَس فَيَكُون مُرْسَلًا فَلَا حُجَّة فِيهِ كَمَا حَكَاهُ اِبْن التِّين عَنْ أَبِي عَبْد الْمَلِك الْبَوْنِيّ , فَإِنَّ رِوَايَة خَالِد الَّتِي ذَكَرْنَاهَا تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ قَوْل أَنَس حَيْثُ قَالَ : فَخَرَجَ عَلَيْنَا. وَوَقَعَ هُنَا فِي نُكَت الْبَدْر الزَّرْكَشِيّ تَصْحِيف , فَإِنَّهُ نَسَبَ التَّعَقُّب الْمَذْكُور إِلَى الْإِسْمَاعِيلِيّ وَإِنَّمَا هُوَ لِلْأَصِيلِيِّ , وَأَقَرَّهُ فَكَأَنَّهُ اِرْتَضَاهُ وَلَيْسَ بِمَرْضِيٍّ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ. وَكَذَا نَسَبَهُ الْكَرْمَانِيُّ إِلَى اِبْن بَطَّال وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ , وَابْن بَطَّال إِنَّمَا أَخَذَهُ عَنْ الْأَصِيلِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "147",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُعَاذٍ هُوَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلَامٌ مِنَّا مَعَنَا ‏ ‏إِدَاوَةٌ ‏ ‏مِنْ مَاءٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "148",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ ‏ ‏إِدَاوَةً ‏ ‏مِنْ مَاءٍ ‏ ‏وَعَنَزَةً ‏ ‏يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏وَشَاذَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏الْعَنَزَةُ ‏ ‏عَصًا عَلَيْهِ ‏ ‏زُجٌّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ أَنَس بْن مَالِك ) ‏ ‏أَيْ : \" أَنَّهُ سَمِعَ \" وَلَفْظَة \" أَنَّهُ \" تُحْذَف فِي الْخَطّ عُرْفًا. ‏ ‏قَوْله : ( يَدْخُل الْخَلَاء ) ‏ ‏الْمُرَاد بِهِ هُنَا الْفَضَاء لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" كَانَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ \" وَلِقَرِينَةِ حَمْل الْعَنَزَة مَعَ الْمَاء فَإِنَّ الصَّلَاة إِلَيْهَا إِنَّمَا تَكُون حَيْثُ لَا سُتْرَة غَيْرهَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَخْلِيَة الَّتِي فِي الْبُيُوت كَانَ خِدْمَته فِيهَا مُتَعَلِّقَة بِأَهْلِهِ. وَفَهِمَ بَعْضهمْ مِنْ تَبْوِيب الْبُخَارِيّ أَنَّهَا كَانَتْ تُحْمَل لِيَسْتَتِر بِهَا عِنْد قَضَاء الْحَاجَة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ ضَابِط السُّتْرَة فِي هَذَا مَا يَسْتُر الْأَسَافِل وَالْعَنَزَة لَيْسَتْ كَذَلِكَ. نَعَمْ يَحْتَمِل أَنْ يَرْكُزهَا أَمَامه وَيَضَع عَلَيْهَا الثَّوْب السَّاتِر , أَوْ يَرْكَزُهَا بِجَنْبِهِ لِتَكُونَ إِشَارَة إِلَى مَنْع مَنْ يَرُوم الْمُرُور بِقُرْبِهِ , أَوْ تُحْمَل لِنَبْشِ الْأَرْض الصُّلْبَة , أَوْ لِمَنْعِ مَا يَعْرِض مِنْ هَوَامّ الْأَرْض , لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعُد عِنْد قَضَاء الْحَاجَة , أَوْ تُحْمَل لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا اِسْتَنْجَى تَوَضَّأَ , وَإِذَا تَوَضَّأَ صَلَّى , وَهَذَا أَظْهَر الْأَوْجُه , وَسَيَأْتِي التَّبْوِيب عَلَى الْعَنَزَة فِي سُتْرَة الْمُصَلِّي فِي الصَّلَاة. وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى غَسْل الْبَوْل كَمَا سَيَأْتِي. وَفِيهِ جَوَاز اِسْتِخْدَام الْأَحْرَار - خُصُوصًا إِذَا أُرْصِدُوا لِذَلِكَ - لِيَحْصُل لَهُمْ التَّمَرُّن عَلَى التَّوَاضُع. وَفِيهِ أَنَّ فِي خِدْمَة الْعَالِم شَرَفًا لِلْمُتَعَلِّمِ ; لِكَوْنِ أَبِي الدَّرْدَاء مَدَحَ اِبْن مَسْعُود بِذَلِكَ. وَفِيهِ حُجَّة عَلَى اِبْن حَبِيب حَيْثُ مَنَعَ الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ مَطْعُوم لِأَنَّ مَاء الْمَدِينَة كَانَ عَذْبَا. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى اِسْتِحْبَاب التَّوَضُّؤ مِنْ الْأَوَانِي دُون الْأَنْهَار وَالْبِرَك , وَلَا يَسْتَقِيم إِلَّا لَوْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ الْأَنْهَار وَالْبِرَك فَعَدَلَ عَنْهَا إِلَى الْأَوَانِي. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ النَّضْر ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن شُمَيْلٍ , تَابَعَ مُحَمَّدَ بْن جَعْفَر , وَحَدِيثه مَوْصُول عِنْد النَّسَائِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَشَاذَان ) ‏ ‏أَيْ : الْأَسْوَد بْن عَامِر وَحَدِيثه عِنْد الْمُصَنِّف فِي الصَّلَاة وَلَفْظه \" وَمَعَنَا عُكَّازَة أَوْ عَصًا أَوْ عَنَزَة \" وَالظَّاهِر أَنَّ \" أَوْ \" شَكّ مِنْ الرَّاوِي لِتَوَافُقِ الرِّوَايَات عَلَى ذِكْر الْعَنَزَة وَاللَّهُ أَعْلَم. وَجَمِيع الرُّوَاة الْمَذْكُورِينَ فِي هَذِهِ الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة بَصْرِيُّونَ. ‏"
    },
    {
        "id": "149",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلَا ‏ ‏يَتَمَسَّحْ ‏ ‏بِيَمِينِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُعَاذ بْن فَضَالَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء وَالضَّاد الْمُعْجَمَة , وَهُوَ بَصْرِيّ مِنْ قُدَمَاء شُيُوخ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن أَبِي عَبْد اللَّه لَا اِبْن حَسَّان , وَهُمَا بَصْرِيَّانِ ثِقَتَانِ مَشْهُورَانِ مِنْ طَبَقَة وَاحِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏أَيْ : أَبِي قَتَادَة الْحَارِث وَقِيلَ عَمْرو وَقِيلَ النُّعْمَان الْأَنْصَارِيّ , فَارِس رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوَّل مَشَاهِده أُحُد وَمَاتَ سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ عَلَى الصَّحِيح فِيهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا يَتَنَفَّس ) ‏ ‏بِالْجَزْمِ وَ \" لَا \" نَاهِيَة فِي الثَّلَاثَة , وَرُوِيَ بِالضَّمِّ فِيهَا عَلَى أَنَّ لَا نَافِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْإِنَاء ) ‏ ‏أَيْ دَاخِله , وَأَمَّا إِذَا أَبَانَهُ وَتَنَفَّسَ فَهِيَ السُّنَّة كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث أَنَس فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَهَذَا النَّهْي لِلتَّأَدُّبِ لِإِرَادَةِ الْمُبَالَغَة فِي النَّظَافَة , إِذْ قَدْ يَخْرُج مَعَ النَّفَس بُصَاق أَوْ مُخَاط أَوْ بُخَار رَدِيء فَيُكْسِبهُ رَائِحَة كَرِيهَة فَيَتَقَذَّر بِهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ عَنْ شُرْبه. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا أَتَى الْخَلَاء ) ‏ ‏أَيْ : فَبَالَ كَمَا فَسَّرَتْهُ الرِّوَايَةُ الَّتِي بَعْدهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَتَمَسَّح بِيَمِينِهِ ) ‏ ‏أَيْ : لَا يَسْتَنْجِ. وَقَدْ أَثَارَ الْخَطَّابِيُّ هُنَا بَحْثًا وَبَالَغَ فِي التَّبَجُّح بِهِ وَحَكَى عَنْ أَبِي عَلِيّ بْن أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ نَاظَرَ رَجُلًا مِنْ الْفُقَهَاء الْخُرَاسَانِيِّينَ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة فَأَعْيَاهُ جَوَابهَا , ثُمَّ أَجَابَ الْخَطَّابِيُّ عَنْهُ بِجَوَابٍ فِيهِ نَظَر , وَمُحَصَّل الْإِيرَاد أَنَّ الْمُسْتَجْمِر مَتَى اِسْتَجْمَرَ بِيَسَارِهِ اِسْتَلْزَمَ مَسّ ذَكَره بِيَمِينِهِ , وَمَتَى أَمْسَكَهُ بِيَسَارِهِ اِسْتَلْزَمَ اِسْتِجْمَاره بِيَمِينِهِ وَكِلَاهُمَا قَدْ شَمِلَهُ النَّهْي , وَمُحَصَّل الْجَوَاب أَنَّهُ يَقْصِد الْأَشْيَاء الضَّخْمَة الَّتِي لَا تَزُول بِالْحَرَكَةِ كَالْجِدَارِ وَنَحْوه مِنْ الْأَشْيَاء الْبَارِزَة فَيَسْتَجْمِر بِهَا بِيَسَارِهِ , فَإِنْ لَمْ يَجِد فَلْيُلْصِقْ مَقْعَدَته بِالْأَرْضِ وَيُمْسِك مَا يَسْتَجْمِر بِهِ بَيْن عَقِبَيْهِ أَوْ إِبْهَامَيْ رِجْلَيْهِ وَيَسْتَجْمِر بِيَسَارِهِ فَلَا يَكُون مُتَصَرِّفًا فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ اِنْتَهَى. وَهَذِهِ هَيْئَة مُنْكَرَة بَلْ يَتَعَذَّر فِعْلهَا فِي غَالِب الْأَوْقَات , وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ النَّهْي عَنْ الِاسْتِجْمَار بِالْيَمِينِ مُخْتَصّ بِالدُّبُرِ , وَالنَّهْي عَنْ الْمَسّ مُخْتَصّ بِالذَّكَرِ فَبَطَلَ الْإِيرَاد مِنْ أَصْله , كَذَا قَالَ. وَمَا اِدَّعَاهُ مِنْ تَخْصِيص الِاسْتِنْجَاء بِالدُّبُرِ مَرْدُود , وَالْمَسّ وَإِنْ كَانَ مُخْتَصًّا بِالذَّكَرِ لَكِنْ يُلْحَق بِهِ الدُّبُر قِيَاسًا , وَالتَّنْصِيص عَلَى الذَّكَر لَا مَفْهُوم لَهُ بَلْ فَرْج الْمَرْأَة كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا خُصَّ الذَّكَر بِالذِّكْرِ لِكَوْنِ الرِّجَال فِي الْغَالِب هُمْ الْمُخَاطَبُونَ وَالنِّسَاء شَقَائِق الرِّجَال فِي الْأَحْكَام إِلَّا مَا خُصَّ. وَالصَّوَاب فِي الصُّورَة الَّتِي أَوْرَدَهَا الْخَطَّابِيُّ مَا قَالَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ بَعْده كَالْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيط وَالْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيب أَنَّهُ يُمِرّ الْعُضْو بِيَسَارِهِ عَلَى شَيْء يُمْسِكهُ بِيَمِينِهِ وَهِيَ قَارَّة غَيْر مُتَحَرِّكَة فَلَا يُعَدّ مُسْتَجْمِرًا بِالْيَمِينِ وَلَا مَاسًّا بِهَا , وَمَنْ اِدَّعَى أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَة يَكُون مُسْتَجْمِرًا بِيَمِينِهِ فَقَدْ غَلِطَ , وَإِنَّمَا هُوَ كَمَنْ صَبَّ بِيَمِينِهِ الْمَاء عَلَى يَسَاره حَال الِاسْتِنْجَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "150",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الْفِرْيَابِيّ , وَقَدْ صَرَّحَ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَته بِسَمَاعِ يَحْيَى لَهُ مِنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَة , وَصَرَّحَ اِبْن الْمُنْذِر فِي الْأَوْسَط بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيع الْإِسْنَاد , أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق بِشْر بْن بَكْر عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فَحَصَلَ الْأَمْن مِنْ مَحْذُور التَّدْلِيس. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا يَأْخُذَنَّ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ بِنُونِ التَّأْكِيد وَلِغَيْرِهِ بِدُونِهَا , وَهُوَ مُطَابِق لِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَة \" لَا يُمْسِك \" وَكَذَا فِي مُسْلِم التَّعْبِير بِالْمَسْكِ مِنْ رِوَايَة هَمَّام عَنْ يَحْيَى , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَا يَمَسّ \" فَاعْتُرِضَ عَلَى تَرْجَمَة الْبُخَارِيّ بِأَنَّ الْمَسّ أَعَمّ مِنْ الْمَسْك , يَعْنِي فَكَيْف يُسْتَدَلّ بِالْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصّ ؟ وَلَا إِيرَاد عَلَى الْبُخَارِيّ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّة لِمَا بَيَّنَّاهُ. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضهمْ مَنْع الِاسْتِنْجَاء بِالْيَدِ الَّتِي فِيهَا الْخَاتَم الْمَنْقُوش فِيهِ اِسْم اللَّه تَعَالَى لِكَوْنِ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ لِتَشْرِيفِ الْيَمِين فَيَكُون ذَلِكَ مِنْ بَاب الْأَوْلَى , وَمَا وَقَعَ فِي الْعُتْبِيَّة عَنْ مَالِك مِنْ عَدَم الْكَرَاهَة قَدْ أَنْكَرَهُ حُذَّاق أَصْحَابه , وَقِيلَ : الْحِكْمَة فِي النَّهْي لِكَوْنِ الْيَمِين مُعَدَّة لِلْأَكْلِ بِهَا فَلَوْ تَعَاطَى ذَلِكَ بِهَا لَأَمْكَنَ أَنْ يَتَذَكَّرهُ عِنْد الْأَكْل فَيَتَأَذَّى بِذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَتَنَفَّس فِي الْإِنَاء ) ‏ ‏جُمْلَة خَبَرِيَّة مُسْتَقِلَّة إِنْ كَانَتْ لَا نَافِيَة , وَإِنْ كَانَتْ نَاهِيَة فَمَعْطُوفَة , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مُقَيَّدًا بِقَيْدٍ أَنْ يَكُون الْمَعْطُوف مُقَيَّدًا بِهِ ; لِأَنَّ التَّنَفُّس لَا يَتَعَلَّق بِحَالَةِ الْبَوْل وَإِنَّمَا هُوَ حُكْم مُسْتَقِلّ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْحِكْمَة فِي ذِكْرهَا هُنَا أَنَّ الْغَالِب مِنْ أَخْلَاق الْمُؤْمِنِينَ التَّأَسِّي بِأَفْعَالِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ كَانَ إِذَا بَالَ تَوَضَّأَ , وَثَبَتَ أَنَّهُ شَرِبَ فَضْل وَضُوئِهِ , فَالْمُؤْمِن بِصَدَدِ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ , فَعَلَّمَهُ أَدَب الشُّرْب مُطْلَقًا لِاسْتِحْضَارِهِ , وَالتَّنَفُّس فِي الْإِنَاء مُخْتَصّ بِحَالَةِ الشُّرْب كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاق الرِّوَايَة الَّتِي قَبْله. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَا يَتَنَفَّس أَحَدكُمْ فِي الْإِنَاء إِذَا كَانَ يَشْرَب مِنْهُ \" وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "151",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْمَكِّيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ ‏ ‏ابْغِنِي ‏ ‏أَحْجَارًا ‏ ‏أَسْتَنْفِضْ ‏ ‏بِهَا ‏ ‏أَوْ نَحْوَهُ ‏ ‏وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا ‏ ‏رَوْثٍ ‏ ‏فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِي فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ فَلَمَّا قَضَى أَتْبَعَهُ بِهِنَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد الْمَكِّيّ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الْوَلِيد الْأَزْرَقِيّ جَدّ أَبِي الْوَلِيد مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه صَاحِب تَارِيخ مَكَّة , وَفِي طَبَقَته أَحْمَد بْن مُحَمَّد الْمَكِّيّ أَيْضًا لَكِنَّ كُنْيَته أَبُو مُحَمَّد وَاسْم جَدّه عَوْن وَيُعْرَف بِالْقَوَّاسِ , وَقَدْ وَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيّ رَوَى عَنْهُ , وَإِنَّمَا رَوَى عَنْ أَبِي الْوَلِيد , وَوَهَمَ أَيْضًا مَنْ جَعَلَهُمَا وَاحِدًا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَدّه ) ‏ ‏يَعْنِي سَعِيد بْن عَمْرو بْن سَعِيد بْن الْعَاصِي بْن أُمَيَّة الْقُرَشِيّ الْأُمَوِيّ , وَعَمْرو بْن سَعِيد هُوَ الْمَعْرُوف بِالْأَشْدَقِ الَّذِي وَلِيَ إِمْرَة الْمَدِينَة وَكَانَ يُجَهِّز الْبُعُوث إِلَى مَكَّة كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث أَبِي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ , وَكَانَ عَمْرو هَذَا قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى دِمَشْق فِي زَمَن عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان , فَقَتَلَهُ عَبْد الْمَلِك وَسَيَّرَ أَوْلَاده إِلَى الْمَدِينَة , وَسَكَنَ وَلَده مَكَّة لَمَّا ظَهَرَتْ دَوْلَة بَنِي الْعَبَّاس فَاسْتَمَرُّوا بِهَا , فَفِي الْإِسْنَاد مَكِّيَّانِ وَمَدَنِيَّانِ. ‏ ‏قَوْله : ( اِتَّبَعْت ) ‏ ‏بِتَشْدِيد التَّاء الْمُثَنَّاة , أَيْ : سِرْت وَرَاءَهُ , وَالْوَاو فِي قَوْله \" وَخَرَجَ \" حَالِيَّة وَفِي قَوْله \" وَكَانَ \" اِسْتِئْنَافِيَّة , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ فَكَانَ بِالْفَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَنَوْت مِنْهُ ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَسْتَأْنِس وَأَتَنَحْنَح , فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقُلْت : أَبُو هُرَيْرَة \". ‏ ‏قَوْله : ( اِبْغِنِي ) ‏ ‏بِالْوَصْلِ مِنْ الثُّلَاثِيّ أَيْ : اطْلُبْ لِي , يُقَال : بَغَيْتُك الشَّيْء أَيْ : طَلَبْته لَك. وَفِي رِوَايَة بِالْقَطْعِ أَيْ : أَعِنِّي عَلَى الطَّلَب , يُقَال أَبْغَيْتُك الشَّيْء أَيْ أَعَنْتُك عَلَى طَلَبه , وَالْوَصْل أَلْيَق بِالسِّيَاقِ , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ اِئْتِنِي. ‏ ‏قَوْله : ( أَسْتَنْفِض ) ‏ ‏بِفَاءٍ مَكْسُورَة وَضَاد مُعْجَمَة مَجْزُوم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمْر , وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى الِاسْتِئْنَاف , قَالَ الْقَزَّاز : قَوْله أَسْتَنْفِض أَسَتَفْعِلُ مِنْ النَّفْض وَهُوَ أَنْ تَهُزّ الشَّيْء لِيَطِيرَ غُبَاره , قَالَ : وَهَذَا مَوْضِع أَسْتَنْظِف , أَيْ : بِتَقْدِيمِ الظَّاء الْمُشَالَة عَلَى الْفَاء , وَلَكِنْ كَذَا رُوِيَ. اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي الرِّوَايَة صَوَاب فَفِي الْقَامُوس اِسْتَنْفَضَهُ اِسْتَخْرَجَهُ , وَبِالْحَجَرِ اِسْتَنْجَى , وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ كَلَام الْمُطَرِّزِيّ قَالَ : الِاسْتِنْفَاض الِاسْتِخْرَاج , وَيُكَنَّى بِهِ عَنْ الِاسْتِنْجَاء , وَمَنْ رَوَاهُ بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة فَقَدْ صَحَّفَ. اِنْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَسْتَنْجِ \" بَدَل أَسْتَنْفِض وَكَأَنَّهَا الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَتنَا أَوْ نَحْوه , وَيَكُون التَّرَدُّد مِنْ بَعْض رُوَاته. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَأْتِنِي ) ‏ ‏كَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَشِيَ أَنْ يَفْهَم أَبُو هُرَيْرَة مِنْ قَوْله \" أَسْتَنْجِ \" أَنَّ كُلّ مَا يُزِيل الْأَثَر وَيُنَقِّي كَافٍ وَلَا اِخْتِصَاص لِذَلِكَ بِالْأَحْجَارِ , فَنَبَّهَهُ بِاقْتِصَارِهِ فِي النَّهْي عَلَى الْعَظْم وَالرَّوْث عَلَى أَنَّ مَا سِوَاهُمَا يُجْزِئ , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالْأَحْجَارِ - كَمَا يَقُولهُ بَعْض الْحَنَابِلَة وَالظَّاهِرِيَّة - لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ هَذَيْنِ بِالنَّهْيِ مَعْنًى , وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَحْجَار بِالذِّكْرِ لِكَثْرَةِ وُجُودهَا , وَزَادَ الْمُصَنِّف فِي الْمَبْعَث فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَرَغَ \" مَا بَال الْعَظْم وَالرَّوْث ؟ قَالَ : هُمَا مِنْ طَعَام الْجِنّ \" وَالظَّاهِر مِنْ هَذَا التَّعْلِيل اِخْتِصَاص الْمَنْع بِهِمَا. نَعَمْ يَلْتَحِق بِهِمَا جَمِيع الْمَطْعُومَات الَّتِي لِلْآدَمِيِّينَ قِيَاسًا مِنْ بَاب الْأَوْلَى , وَكَذَا الْمُحْتَرَمَات كَأَوْرَاقِ كُتُب الْعِلْم. وَمَنْ قَالَ عِلَّة النَّهْي عَنْ الرَّوْث كَوْنه نَجَسًا أَلْحَقَ بِهِ كُلّ نَجَس مُتَنَجِّس , وَعَنْ الْعَظْم كَوْنه لَزِجًا فَلَا يُزِيل إِزَالَة تَامَّة أَلْحَقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ كَالزُّجَاجِ الْأَمْلَس , وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ بِعَظْمٍ وَقَالَ \" إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ \" وَفِي هَذَا رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الِاسْتِنْجَاء بِهِمَا يُجْزِئ وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْمَبْعَث بَيَان قِصَّة وَفْد الْجِنّ وَأَيّ وَقْت كَانَتْ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَعْرَضْت ) ‏ ‏كَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" وَاعْتَرَضْت \" بِزِيَادَةِ مُثَنَّاة بَعْد الْعَيْن وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا قَضَى ) ‏ ‏أَيْ : حَاجَته ‏ ‏( أَتْبَعهُ ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ قَطْع أَيْ أَلْحَقهُ , وَكُنِّيَ بِذَلِكَ عَنْ الِاسْتِنْجَاء. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز اِتِّبَاع السَّادَات وَإِنْ لَمْ يَأْمُرُوا بِذَلِكَ , وَاسْتِخْدَام الْإِمَام بَعْض رَعِيَّته , وَالْإِعْرَاض عَنْ قَاضِي الْحَاجَة , وَالْإِعَانَة عَلَى إِحْضَار مَا يُسْتَنْجَى بِهِ وَإِعْدَاده عِنْده لِئَلَّا يَحْتَاج إِلَى طَلَبهَا بَعْد الْفَرَاغ فَلَا يَأْمَن التَّلَوُّث. وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "152",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏ ‏ذَكَرَهُ وَلَكِنْ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَتَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْغَائِطَ ‏ ‏فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ ‏ ‏وَالْتَمَسْتُ ‏ ‏الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذْتُ ‏ ‏رَوْثَةً ‏ ‏فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى ‏ ‏الرَّوْثَةَ ‏ ‏وَقَالَ هَذَا ‏ ‏رِكْسٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة الْجُعْفِيّ الْكُوفِيّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ , وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السَّبِيعِيّ وَهُوَ تَابِعِيّ وَكَذَا شَيْخه عَبْد الرَّحْمَن وَأَبُوهُ الْأَسْوَد. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَة ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود. ‏ ‏وَقَوْله : ( ذَكَرَهُ ) ‏ ‏أَيْ : لِي. ( وَلَكِنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَسْوَد ) أَيْ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ لِي بِدَلِيلِ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة الْمُعَلَّقَة حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن , وَإِنَّمَا عَدَلَ أَبُو إِسْحَاق عَنْ الرِّوَايَة عَنْ أَبِي عُبَيْدَة إِلَى الرِّوَايَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن - مَعَ أَنَّ رِوَايَة أَبِي عُبَيْدَة أَعْلَى لَهُ - لِكَوْنِ أَبِي عُبَيْدَة لَمْ يَسْمَع مِنْ أَبِيهِ عَلَى الصَّحِيح فَتَكُون مُنْقَطِعَة بِخِلَافِ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن فَإِنَّهَا مَوْصُولَة , وَرِوَايَة أَبِي إِسْحَاق لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي عُبَيْدَة عَنْ أَبِيهِ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عِنْد التِّرْمِذِيّ وَغَيْره مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل بْن يُونُس عَنْ أَبِي إِسْحَاق , فَمُرَاد أَبِي إِسْحَاق هُنَا بِقَوْلِهِ \" لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَة ذَكَرَهُ \" أَيْ : لَسْت أَرْوِيه الْآن عَنْ أَبِي عُبَيْدَة وَإِنَّمَا أَرْوِيه عَنْ عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ الْأَسْوَد بْن يَزِيد النَّخَعِيُّ صَاحِب اِبْن مَسْعُود , وَقَالَ اِبْن التِّين : هُوَ الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث الزُّهْرِيُّ , وَهُوَ غَلَط فَاحِش فَإِنَّ الْأَسْوَد الزُّهْرِيّ لَمْ يُسْلِم فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعِيش حَتَّى يَرْوِي عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَى الْغَائِط ) ‏ ‏أَيْ : الْأَرْض الْمُطَمْئِنَة لِقَضَاءِ الْحَاجَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ أَجِد ) ‏ ‏وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَلَمْ أَجِدهُ أَيْ : الْحَجَر الثَّالِث. ‏ ‏قَوْله : ( بِثَلَاثَةِ أَحْجَار ) ‏ ‏فِيهِ الْعَمَل بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْي فِي حَدِيث سَلْمَان عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" وَلَا يَسْتَنْجِ أَحَدكُمْ بِأَقَلّ مِنْ ثَلَاثَة أَحْجَار \" رَوَاهُ مُسْلِم , وَأَخَذَ بِهَذَا الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَأَصْحَاب الْحَدِيث فَاشْتَرَطُوا أَنْ لَا يَنْقُص مِنْ الثَّلَاث مُرَاعَاة الْإِنْقَاء إِذَا لَمْ يَحْصُل بِهَا فَيُزَاد حَتَّى يُنَقَّى , وَيُسْتَحَبّ حِينَئِذٍ الْإِيتَار لِقَوْلِهِ \" وَمَنْ اِسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ \" , وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ لِزِيَادَةٍ فِي أَبِي دَاوُدَ حَسَنَة الْإِسْنَاد قَالَ \" وَمَنْ لَا فَلَا حَرَج \" , وَبِهَذَا يَحْصُل الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَات فِي هَذَا الْبَاب. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَوْ كَانَ الْقَصْد الْإِنْقَاء فَقَطْ لَخَلَا اِشْتِرَاط الْعَدَد عَنْ الْفَائِدَة , فَلَمَّا اِشْتَرَطَ الْعَدَد لَفْظًا وَعُلِمَ الْإِنْقَاء فِيهِ مَعْنًى دَلَّ عَلَى إِيجَاب الْأَمْرَيْنِ , وَنَظِيره الْعِدَّة بِالْأَقْرَاءِ فَإِنَّ الْعَدَد مُشْتَرَط وَلَوْ تَحَقَّقَتْ بَرَاءَة الرَّحِم بِقُرْءٍ وَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذْت رَوْثَة ) ‏ ‏زَادَ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَة لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهَا كَانَتْ رَوْثَة حِمَار , وَنَقَلَ التَّيْمِيُّ أَنَّ الرَّوْث مُخْتَصّ بِمَا يَكُون مِنْ الْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَلْقَى الرَّوْثَة ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ عَلَى عَدَم اِشْتِرَاط الثَّلَاثَة قَالَ : لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُشْتَرَطًا لَطَلَبَ ثَالِثًا , كَذَا قَالَ , وَغَفَلَ رَحِمَهُ اللَّه عَمَّا أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَلْقَمَة عَنْ اِبْن مَسْعُود فِي هَذَا الْحَدِيث فَإِنَّ فِيهِ \" فَأَلْقَى الرَّوْثَة وَقَالَ : إِنَّهَا رِكْس , اِئْتِنِي بِحَجَرٍ \" وَرِجَاله ثِقَات أَثْبَات. وَقَدْ تَابَعَ عَلَيْهِ مَعْمَرًا أَبُو شُعْبَة الْوَاسِطِيُّ وَهُوَ ضَعِيف أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَتَابَعَهُمَا عَمَّار بْن رُزَيْق أَحَد الثِّقَات عَنْ أَبِي إِسْحَاق , وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ أَبَا إِسْحَاق لَمْ يَسْمَع مِنْ عَلْقَمَة لَكِنْ أَثْبَتَ سَمَاعه لِهَذَا الْحَدِيث مِنْهُ الْكَرَابِيسِيُّ , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون أَرْسَلَهُ عَنْهُ فَالْمُرْسَل حُجَّة عِنْد الْمُخَالِفِينَ وَعِنْدنَا أَيْضًا إِذَا اُعْتُضِدَ , وَاسْتِدْلَال الطَّحَاوِيّ فِيهِ نَظَر بَعْد ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون اِكْتَفَى بِالْأَمْرِ الْأَوَّل فِي طَلَب الثَّلَاثَة فَلَمْ يُجَدِّد الْأَمْر بِطَلَبِ الثَّالِث , أَوْ اِكْتَفَى بِطَرَفِ أَحَدهمَا عَنْ الثَّالِث لِأَنَّ الْمَقْصُود بِالثَّلَاثَةِ أَنْ يَمْسَح بِهَا ثَلَاث مَسَحَات وَذَلِكَ حَاصِل وَلَوْ بِوَاحِدٍ , وَالدَّلِيل عَلَى صِحَّته أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ بِطَرَفٍ وَاحِد وَرَمَاهُ ثُمَّ جَاءَ شَخْص آخَر فَمَسَحَ بِطَرَفِهِ الْآخَر لَأَجْزَأَهُمَا بِلَا خِلَاف وَقَالَ أَبُو الْحَسَن بْن الْقَصَّار الْمَالِكِيّ : رُوِيَ أَنَّهُ أَتَاهُ بِثَالِثٍ , لَكِنْ لَا يَصِحّ , وَلَوْ صَحَّ فَالِاسْتِدْلَال بِهِ لِمَنْ لَا يَشْتَرِط الثَّلَاثَة قَائِم لِأَنَّهُ اِقْتَصَرَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى ثَلَاثَة فَحَصَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَقَلّ مِنْ ثَلَاثَة. اِنْتَهَى. وَفِيهِ نَظَر أَيْضًا لِأَنَّ الزِّيَادَة ثَابِتَة كَمَا قَدَّمْنَاهُ , وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا وَقَفَ عَلَى الطَّرِيق الَّتِي عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ فَقَطْ. ثُمَّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَمْ يَخْرُج مِنْهُ شَيْء إِلَّا مِنْ سَبِيل وَاحِد. وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون خَرَجَ مِنْهُمَا فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِكْتَفَى لِلْقُبُلِ بِالْمَسْحِ فِي الْأَرْض وَلِلدُّبُرِ بِالثَّلَاثَةِ , أَوْ مَسَحَ مِنْ كُلّ مِنْهُمَا بِطَرَفَيْنِ. وَأَمَّا اِسْتِدْلَالهمْ عَلَى عَدَم الِاشْتِرَاط لِلْعَدَدِ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَسْح الرَّأْس فَفَاسِد الِاعْتِبَار ; لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَة النَّصّ الصَّرِيح كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَسَلْمَان وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا رِكْس ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا بِكَسْرِ الرَّاء وَإِسْكَان الْكَاف فَقِيلَ : هِيَ لُغَة فِي رِجْس بِالْجِيمِ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ وَابْن خُزَيْمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيث فَإِنَّهَا عِنْدهمَا بِالْجِيمِ , وَقِيلَ الرِّكْس الرَّجِيع رُدَّ مِنْ حَالَة الطَّهَارَة إِلَى حَالَة النَّجَاسَة , قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَال رُدَّ مِنْ حَالَة الطَّعَام إِلَى حَالَة الرَّوْث. وَقَالَ اِبْن بَطَّال لَمْ أَرَ هَذَا الْحَرْف فِي اللُّغَة , يَعْنِي الرِّكْس بِالْكَافِ. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو عَبْد الْمَلِك بِأَنَّ مَعْنَاهُ الرَّدّ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( أُرْكِسُوا فِيهَا ) أَيْ رُدُّوا , فَكَأَنَّهُ قَالَ : هَذَا رَدّ عَلَيْك. اِنْتَهَى. وَلَوْ ثَبَتَ مَا قَالَ لَكَانَ بِفَتْحِ الرَّاء يُقَال رَكَسَهُ رَكْسًا إِذَا رَدَّهُ , وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ : هَذَا رِكْس يَعْنِي نَجَسًا , وَهَذَا يُؤَيِّد الْأَوَّل. وَأَغْرَبَ النَّسَائِيُّ فَقَالَ عَقِب هَذَا الْحَدِيث : الرِّكْس طَعَام الْجِنّ , وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ فِي اللُّغَة فَهُوَ مُرِيح مِنْ الْإِشْكَال. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن يُوسُف عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏يَعْنِي يُوسُف بْن إِسْحَاق بْن أَبِي إِسْحَاق السَّبِيعِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق وَهُوَ جَدّه قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن يَعْنِي اِبْن الْأَسْوَد بْن يَزِيد بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَوَّلًا , وَأَرَادَ الْبُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَبَا إِسْحَاق دَلَّسَ هَذَا الْخَبَر كَمَا حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ سُلَيْمَان الشَّاذَكُونِيّ حَيْثُ قَالَ : لَمْ يُسْمَع فِي التَّدْلِيس بِأَخْفَى مِنْ هَذَا. قَالَ \" لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَة ذَكَرَهُ وَلَكِنْ عَبْد الرَّحْمَن \" وَلَمْ يَقُلْ ذَكَرَهُ لِي. اِنْتَهَى. وَقَدْ اِسْتَدَلَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا عَلَى صِحَّة سَمَاع أَبِي إِسْحَاق لِهَذَا الْحَدِيث مِنْ عَبْد الرَّحْمَن بِكَوْنِ يَحْيَى الْقَطَّان رَوَاهُ عَنْ زُهَيْر فَقَالَ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقه : وَالْقَطَّان لَا يَرْضَى أَنْ يَأْخُذ عَنْ زُهَيْر مَا لَيْسَ بِسَمَاعٍ لِأَبِي إِسْحَاق , وَكَأَنَّهُ عُرِفَ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيع الْقَطَّان أَوْ بِالتَّصْرِيحِ مِنْ قَوْله فَانْزَاحَتْ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيق عِلَّة التَّدْلِيس. وَقَدْ أَعَلَّهُ قَوْم بِالِاضْطِرَابِ وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاق فِي كِتَاب الْعِلَل وَاسْتَوْفَيْته فِي مُقَدِّمَة الشَّرْح الْكَبِير , لَكِنْ رِوَايَة زُهَيْر هَذِهِ تَرَجَّحَتْ عِنْد الْبُخَارِيّ بِمُتَابَعَةِ يُوسُف حَفِيد أَبِي إِسْحَاق وَتَابَعَهُمَا شَرِيك الْقَاضِي وَزَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة وَغَيْرهمَا , وَتَابَعَ أَبَا إِسْحَاق عَلَى رِوَايَته عَنْ عَبْد الرَّحْمَن الْمَذْكُور لَيْثُ بْن أَبِي سُلَيْمٍ وَحَدِيثه يُسْتَشْهَد بِهِ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة. وَمِمَّا يُرَجِّحهَا أَيْضًا اِسْتِحْضَار أَبِي إِسْحَاق لِطَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَة وَعُدُوله عَنْهَا بِخِلَافِ رِوَايَة إِسْرَائِيل عَنْهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّض فِيهَا لِرِوَايَةِ عَبْد الرَّحْمَن كَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره , فَلَمَّا اِخْتَارَ فِي رِوَايَة زُهَيْر طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن عَلَى طَرِيق أَبُو عُبَيْدَة دَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَارِف بِالطَّرِيقَيْنِ وَأَنَّ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن عِنْده أَرْجَح وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "153",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرَّةً مَرَّةً ‏",
        "sharh": "وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ , وَالرَّاوِي عَنْهُ الْفِرْيَابِيّ لَا الْبَيْكَنْدِيّ , وَصَرَّحَ أَبُو دَاوُدَ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَتهمَا بِسَمَاعِ سُفْيَان لَهُ مِنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "154",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن عِيسَى ) ‏ ‏هُوَ الْبَسْطَامِيّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة , وَيُونُس هُوَ الْمُؤَدِّب , وَفُلَيْح وَمَنْ فَوْقه مَدَنِيُّونَ , وَعَبْد اللَّه بْن زَيْد هُوَ اِبْن عَاصِم الْمَازِنِيّ , وَحَدِيثه هَذَا مُخْتَصَر مِنْ حَدِيث مَشْهُور فِي صِفَة وُضُوء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد مِنْ حَدِيث مَالِك وَغَيْره , لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ الْغَسْل مَرَّتَيْنِ إِلَّا فِي الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ. نَعَمْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد التَّثْنِيَة فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَمَسْح الرَّأْس وَتَثْلِيث غَسْل الْوَجْه , لَكِنْ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة نَظَر سَنُشِيرُ إِلَيْهِ بَعْد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَعَلَى هَذَا فَحَقّ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد أَنْ يُبَوَّب لَهُ غَسْل بَعْض الْأَعْضَاء مَرَّة وَبَعْضهَا مَرَّتَيْنِ وَبَعْضهَا ثَلَاثًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ وَابْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ , وَهُوَ شَاهِد قَوِيّ لِرِوَايَةِ فُلَيْح هَذِهِ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون حَدِيثه هَذَا الْمُجْمَل غَيْر حَدِيث مَالِك الْمُبَيِّن لِاخْتِلَافِ مَخْرَجهمَا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "155",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏حُمْرَانَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ‏ ‏دَعَا بِإِنَاءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَلَكِنْ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏حُمْرَانَ ‏ ‏فَلَمَّا تَوَضَّأَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏قَالَ أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ يُحْسِنُ وُضُوءَهُ وَيُصَلِّي الصَّلَاةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏الْآيَةَ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَطَاء بْن يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ اللَّيْثِيّ الْمَدَنِيّ. وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَفِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ : حُمْرَان وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة اِبْن أَبَانَ , وَعَطَاء , وَابْن شِهَاب. وَفِي الْإِسْنَاد الَّذِي يَلِيه أَرْبَعَة مِنْ التَّابِعِينَ : حُمْرَان وَعُرْوَة وَهُمَا قَرِينَانِ , وَابْن شِهَاب وَصَالِح بْن كَيْسَانَ وَهُمَا قَرِينَانِ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( دَعَا بِإِنَاءٍ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة شُعَيْب الْآتِيَة قَرِيبًا \" دَعَا بِوَضُوءٍ \" , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق يُونُس , وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاو اِسْم لِلْمَاءِ الْمُعَدّ لِلْوُضُوءِ وَبِالضَّمِّ الَّذِي هُوَ الْفِعْل , وَفِيهِ الِاسْتِعَانَة عَلَى إِحْضَار مَا يُتَوَضَّأ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَفْرَغَ ) ‏ ‏أَيْ : صَبَّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاث مِرَار ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَأَبِي الْوَقْت , وَلِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَة مَرَّات بِمُثَنَّاةٍ آخِره , وَفِيهِ غَسْل الْيَدَيْنِ قَبْل إِدْخَالهمَا الْإِنَاء وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَقِب نَوْم اِحْتِيَاطًا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينه ) ‏ ‏فِيهِ الِاغْتِرَاف بِالْيَمِينِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى عَدَم اِشْتِرَاط نِيَّة الِاغْتِرَاف , وَلَا دَلَالَة فِيهِ نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ) ‏ ‏وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَاسْتَنْشَقَ \" بَدَل وَاسْتَنْثَرَ , وَالْأَوَّل أَعَمّ , وَثَبَتَتْ الثَّلَاثَة فِي رِوَايَة شُعَيْب الْآتِيَة فِي بَاب الْمَضْمَضَة , وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث تَقْيِيد ذَلِكَ بِعَدَدٍ. نَعَمْ ذَكَرَهُ اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ عُثْمَان وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَات عَلَى تَقْدِيم الْمَضْمَضَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ غَسَلَ وَجْهه ) ‏ ‏فِيهِ تَأْخِيره عَنْ الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق , وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ حِكْمَة ذَلِكَ اِعْتِبَار أَوْصَاف الْمَاء ; لِأَنَّ اللَّوْن يُدْرَك بِالْبَصَرِ وَالطَّعْم يُدْرَك بِالْفَمِ وَالرِّيح يُدْرَك بِالْأَنْفِ فَقُدِّمَتْ الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وَهُمَا مَسْنُونَانِ قَبْل الْوَجْه وَهُوَ مَفْرُوض , اِحْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ. وَسَيَأْتِي ذِكْر حِكْمَة الِاسْتِنْثَار فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ : كُلّ وَاحِدَة كَمَا بَيَّنَهُ الْمُصَنِّف فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ فِي الصَّوْم , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق يُونُس وَفِيهَا تَقْدِيم الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَالتَّعْبِير فِي كُلّ مِنْهُمَا بِثُمَّ وَكَذَا الْقَوْل فِي الرِّجْلَيْنِ أَيْضًا ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ) ‏ ‏هُوَ بِحَذْفِ الْبَاء فِي الرِّوَايَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ , وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْ طُرُقه فِي الصَّحِيحَيْنِ ذِكْر عَدَد الْمَسْح , وَبِهِ قَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاء. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يُسْتَحَبّ التَّثْلِيث فِي الْمَسْح كَمَا فِي الْغُسْل , وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِظَاهِرِ رِوَايَة لِمُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُجْمَل تَبَيَّنَ فِي الرِّوَايَات الصَّحِيحَة أَنَّ الْمَسْح لَمْ يَتَكَرَّر فَيُحْمَل عَلَى الْغَالِب أَوْ يَخْتَصّ بِالْمَغْسُولِ , قَالَ أَبُو دَاوُد فِي السُّنَن : أَحَادِيث عُثْمَان الصِّحَاح كُلّهَا تَدُلّ عَلَى أَنَّ مَسْح الرَّأْس مَرَّة وَاحِدَة ; وَكَذَا قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : إِنَّ الثَّابِت عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْح مَرَّة وَاحِدَة , وَبِأَنَّ الْمَسْح مَبْنِيّ عَلَى التَّخْفِيف فَلَا يُقَاسَ عَلَى الْغُسْل الْمُرَاد مِنْهُ الْمُبَالَغَة فِي الْإِسْبَاغ , وَبِأَنَّ الْعَدَد لَوْ اُعْتُبِرَ فِي الْمَسْح لَصَارَ فِي صُورَة الْغُسْل , إِذْ حَقِيقَة الْغُسْل جَرَيَان الْمَاء , وَالدَّلْك لَيْسَ بِمُشْتَرَطٍ عَلَى الصَّحِيح عِنْد أَكْثَر الْعُلَمَاء. وَبَالَغَ أَبُو عُبَيْدَة فَقَالَ : لَا نَعْلَم أَحَدًا مِنْ السَّلَف اِسْتَحَبَّ تَثْلِيث مَسْح الرَّأْس إِلَّا إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ , وَفِيمَا قَالَ نَظَر , فَقَدْ نَقَلَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَابْن الْمُنْذِر عَنْ أَنَس وَعَطَاء وَغَيْرهمَا , وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ وَجْهَيْنِ صَحَّحَ أَحَدهمَا اِبْن خُزَيْمَة وَغَيْره فِي حَدِيث عُثْمَان تَثْلِيث مَسْح الرَّأْس , وَالزِّيَادَة مِنْ الثِّقَة مَقْبُولَة. ‏ ‏قَوْله : ( نَحْو وُضُوئِي هَذَا ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ : إِنَّمَا لَمْ يَقُلْ \" مِثْل \" لِأَنَّ حَقِيقَة مُمَاثَلَته لَا يَقْدِر عَلَيْهَا غَيْره. قُلْت : لَكِنْ ثَبَتَ التَّعْبِير بِهَا فِي رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي الرِّقَاق مِنْ طَرِيق مُعَاذ بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ حُمْرَان عَنْ عُثْمَان وَلَفْظه \" مَنْ تَوَضَّأَ مِثْل هَذَا الْوُضُوء \" وَلَهُ فِي الصِّيَام مِنْ رِوَايَة مَعْمَر \" مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا \" , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ حُمْرَان \" تَوَضَّأَ مِثْل وُضُوئِي هَذَا \" وَعَلَى هَذَا فَالتَّعْبِير بِنَحْوٍ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة لِأَنَّهَا تُطْلَق عَلَى الْمِثْلِيَّة مَجَازًا , لِأَنَّ \" مِثْل \" وَإِنْ كَانَتْ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاة ظَاهِرًا لَكِنَّهَا تُطْلَق عَلَى الْغَالِب , فَبِهَذَا تَلْتَئِم الرِّوَايَتَانِ وَيَكُون الْمَتْرُوك بِحَيْثُ لَا يُخِلّ بِالْمَقْصُودِ. وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏فِيهِ اِسْتِحْبَاب صَلَاة رَكْعَتَيْنِ عَقِب الْوُضُوء , وَيَأْتِي فِيهِمَا مَا يَأْتِي فِي تَحِيَّة الْمَسْجِد. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُحَدِّث فِيهِمَا نَفْسه ) الْمُرَاد بِهِ مَا تَسْتَرْسِل النَّفْس مَعَهُ وَيُمْكِن الْمَرْء قَطْعه ; لِأَنَّ قَوْلَهُ \" يُحَدِّث \" يَقْتَضِي تَكَسُّبًا مِنْهُ , فَأَمَّا مَا يَهْجُم مِنْ الْخَطَرَات وَالْوَسَاوِس وَيَتَعَذَّر دَفْعه فَذَلِكَ مَعْفُوّ عَنْهُ. وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ الْمُرَاد مَنْ لَمْ يَحْصُل لَهُ حَدِيث النَّفْس أَصْلًا وَرَأْسًا , وَيَشْهَد لَهُ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُبَارَك فِي الزُّهْد بِلَفْظِ \" لَمْ يَسِرْ فِيهِمَا \". وَرَدَّهُ النَّوَوِيّ فَقَالَ : الصَّوَاب حُصُول هَذِهِ الْفَضِيلَة مَعَ طَرَيَان الْخَوَاطِر الْعَارِضَة غَيْر الْمُسْتَقِرَّة. نَعَمْ مَنْ اِتَّفَقَ أَنْ يَحْصُل لَهُ عَدَم حَدِيث النَّفْس أَصْلًا أَعْلَى دَرَجَة بِلَا رَيْب. ثُمَّ إِنَّ تِلْكَ الْخَوَاطِر مِنْهَا مَا يَتَعَلَّق بِالدُّنْيَا وَالْمُرَاد دَفْعه مُطْلَقًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِلْحَكِيمِ التِّرْمِذِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" لَا يُحَدِّث نَفْسه بِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا \". وَهِيَ فِي الزُّهْد لِابْنِ الْمُبَارَك أَيْضًا وَالْمُصَنِّف لِابْنِ أَبِي شَيْبَة , وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّق بِالْآخِرَةِ فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا أَشْبَهَ أَحْوَال الدُّنْيَا , وَإِنْ كَانَ مِنْ مُتَعَلَّقَات تِلْكَ الصَّلَاة فَلَا , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة مَبَاحِث ذَلِكَ فِي كِتَاب الصَّلَاة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ ذَنْبه ) ‏ ‏ظَاهِره يَعُمّ الْكَبَائِر وَالصَّغَائِر ; لَكِنَّ الْعُلَمَاء خَصُّوهُ بِالصَّغَائِرِ لِوُرُودِهِ مُقَيَّدًا بِاسْتِثْنَاءِ الْكَبَائِر فِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة , وَهُوَ فِي حَقّ مَنْ لَهُ كَبَائِر وَصَغَائِر , فَمَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا صَغَائِر كُفِّرَتْ عَنْهُ , وَمَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا كَبَائِر خُفِّفَ عَنْهُ مِنْهَا بِمِقْدَارِ مَا لِصَاحِبِ الصَّغَائِر , وَمَنْ لَيْسَ لَهُ صَغَائِر وَلَا كَبَائِر يَزْدَاد فِي حَسَنَاته بِنَظِيرِ ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيث التَّعْلِيم بِالْفِعْلِ لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ وَأَضْبَط لِلْمُتَعَلِّمِ , وَالتَّرْتِيب فِي أَعْضَاء الْوُضُوء لِلْإِتْيَانِ فِي جَمِيعهَا بِثُمَّ , وَالتَّرْغِيب فِي الْإِخْلَاص , وَتَحْذِير مَنْ لَهَا فِي صَلَاته بِالتَّفْكِيرِ فِي أُمُور الدُّنْيَا مِنْ عَدَم الْقَبُول , وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِي الْعَزْم عَلَى عَمَل مَعْصِيَة فَإِنَّهُ يَحْضُر الْمَرْء فِي حَال صَلَاته مَا هُوَ مَشْغُوف بِهِ أَكْثَر مِنْ خَارِجهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي الرِّقَاق فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا تَغْتَرُّوا \" أَيْ : فَتَسْتَكْثِرُوا مِنْ الْأَعْمَال السَّيِّئَة بِنَاء عَلَى أَنَّ الصَّلَاة تُكَفِّرهَا , فَإِنَّ الصَّلَاة الَّتِي تُكَفَّر بِهَا الْخَطَايَا هِيَ الَّتِي يَقْبَلهَا اللَّه , وَأَنَّى لِلْعَبْدِ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن سَعْد , وَهُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله \" حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" وَزَعَمَ مُغَلْطَاي وَغَيْره أَنَّهُ مُعَلَّق , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا , وَإِذَا كَانَا جَمِيعًا عِنْد يَعْقُوب فَلَا مَانِع أَنْ يَكُونَا عِنْد الْأُوَيْسِيّ. ثُمَّ وَجَدْت الْحَدِيث الثَّانِي عِنْد أَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحه - مِنْ حَدِيث الْأُوَيْسِيّ الْمَذْكُور - فَصَحَّ مَا قُلْته بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي تَعْلِيق التَّعْلِيق. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنَّ عُرْوَة يُحَدِّث ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ شَيْخَيْ اِبْن شِهَاب اِخْتَلَفَا فِي رِوَايَتهمَا لَهُ عَنْ حُمْرَان عَنْ عُثْمَان , فَحَدَّثَهُ بِهِ عَطَاء عَلَى صِفَة وَعُرْوَة عَلَى صِفَة , وَلَيْسَ ذَلِكَ اِخْتِلَافًا وَإِنَّمَا هُمَا حَدِيثَانِ مُتَغَايِرَانِ , وَقَدْ رَوَاهُمَا مُعَاذ بْن عَبْد الرَّحْمَن فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقه نَحْو سِيَاق عَطَاء , وَمُسْلِم مِنْ طَرِيقه نَحْو سِيَاق عُرْوَة , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْلَا آيَة ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" فِي كِتَاب اللَّه \" وَلِأَجْلِ هَذِهِ الزِّيَادَة صَحَّفَ بَعْض رُوَاته آيَة فَجَعَلَهَا \" أَنَّهُ \" بِالنُّونِ الْمُشَدَّدَة وَبِهَاءِ الشَّأْن. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُصَلِّي الصَّلَاة ) ‏ ‏أَيْ : الْمَكْتُوبَة , وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" فَيُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَوَات الْخَمْس \". ‏ ‏قَوْله : ( وَبَيْن الصَّلَاة ) ‏ ‏أَيْ الَّتِي تَلِيهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُسْلِم فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يُصَلِّيهَا ) ‏ ‏أَيْ : يَشْرَع فِي الصَّلَاة الثَّانِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُرْوَة : الْآيَة \" إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا \" ) ‏ ‏يَعْنِي الْآيَة الَّتِي فِي الْبَقَرَة إِلَى قَوْله \" اللَّاعِنُونَ \" كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُسْلِم , وَمُرَاد عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة تُحَرِّض عَلَى التَّبْلِيغ , وَهِيَ وَإِنْ نَزَلَتْ فِي أَهْل الْكِتَاب لَكِنَّ الْعِبْرَة بِعُمُومِ اللَّفْظ , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْو ذَلِكَ لِأَبِي هُرَيْرَة فِي كِتَاب الْعِلْم , وَإِنَّمَا كَانَ عُثْمَان يَرَى تَرْك تَبْلِيغهمْ ذَلِكَ لَوْلَا الْآيَة الْمَذْكُورَة خَشْيَة عَلَيْهِمْ مِنْ الِاغْتِرَار وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ رَوَى مَالِك هَذَا الْحَدِيث فِي الْمُوَطَّأ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , وَلَمْ يَقَع فِي رِوَايَته تَعْيِين الْآيَة فَقَالَ مِنْ قِبَل نَفْسه : أَرَاهُ يُرِيد ( وَأَقِمْ الصَّلَاة طَرَفَيْ النَّهَار وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْل إِنَّ الْحَسَنَات يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات ). اِنْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ عُرْوَة رَاوِي الْحَدِيث بِالْجَزْمِ أَوْلَى. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "156",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو إِدْرِيسَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏مَنْ تَوَضَّأَ ‏ ‏فَلْيَسْتَنْثِرْ ‏ ‏وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَبُو إِدْرِيس ) ‏ ‏هُوَ الْخَوْلَانِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُبَارَك وَغَيْره عَنْ يُونُس أَبَا سَعِيد مَعَ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَسْتَنْثِرْ ) ‏ ‏ظَاهِر الْأَمْر أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ , فَيَلْزَم مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْشَاق لِوُرُودِ الْأَمْر بِهِ كَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي عُبَيْد وَأَبِي ثَوْر وَابْن الْمُنْذِر أَنْ يَقُول بِهِ فِي الِاسْتِنْثَار , وَظَاهِر كَلَام صَاحِب الْمُغْنِي يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِذَلِكَ , وَأَنَّ مَشْرُوعِيَّة الِاسْتِنْشَاق لَا تَحْصُل إِلَّا بِالِاسْتِنْثَارِ , وَصَرَّحَ اِبْن بَطَّال بِأَنَّ بَعْض الْعُلَمَاء قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْثَار , وَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاع عَلَى عَدَم وُجُوبه. وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْأَمْر فِيهِ لِلنَّدْبِ بِمَا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ \" تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَك اللَّه \" فَأَحَالَهُ عَلَى الْآيَة وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْر الِاسْتِنْشَاق. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالْأَمْرِ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ آيَة الْوُضُوء , فَقَدْ أَمَرَ اللَّه سُبْحَانه بِاتِّبَاعِ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْمُبَيِّن عَنْ اللَّه أَمْرَهُ , وَلَمْ يَحْكِ أَحَد مِمَّنْ وَصَفَ وُضُوءَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَى الِاسْتِقْصَاء أَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِنْشَاق بَلْ وَلَا الْمَضْمَضَة , وَهُوَ يَرُدّ عَلَى مَنْ لَمْ يُوجِب الْمَضْمَضَة أَيْضًا , وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْر بِهَا أَيْضًا فِي سُنَن أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيح , وَذَكَرَ اِبْن الْمُنْذِر أَنَّ الشَّافِعِيّ لَمْ يَحْتَجّ عَلَى عَدَم وُجُوب الِاسْتِنْشَاق مَعَ صِحَّة الْأَمْر بِهِ إِلَّا لِكَوْنِهِ لَا يَعْلَم خِلَافًا فِي أَنَّ تَارِكه لَا يُعِيد , وَهَذَا دَلِيل قَوِيّ , فَإِنَّهُ لَا يُحْفَظ ذَلِكَ عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعِينَ إِلَّا عَنْ عَطَاء , وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ إِيجَاب الْإِعَادَة , ذَكَرَهُ كُلّه اِبْن الْمُنْذِر , وَلَمْ يَذْكُر فِي هَذِهِ الرِّوَايَة عَدَدًا. وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ أَبِي الزِّنَاد وَلَفْظه \" وَإِذَا اِسْتَنْثَرَ فَلْيَسْتَنْثِرْ وِتْرًا \" أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده عَنْهُ , وَأَصْله لِمُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَة عِيسَى بْن طَلْحَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الْمُصَنِّف فِي بَدْء الْخَلْق \" إِذَا اِسْتَيْقَظَ أَحَدكُمْ مِنْ مَنَامه فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا , فَإِنَّ الشَّيْطَان يَبِيت عَلَى خَيْشُومه \" , وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِالِاسْتِنْثَارِ فِي الْوُضُوء التَّنْظِيف لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَعُونَة عَلَى الْقِرَاءَة ; لِأَنَّ بِتَنْقِيَةِ مَجْرَى النَّفَس تَصِحّ مَخَارِج الْحُرُوف , وَيُزَاد لِلْمُسْتَيْقِظِ بِأَنَّ ذَلِكَ لِطَرْدِ الشَّيْطَان. وَسَنَذْكُرُ بَاقِي مَبَاحِثه فِي مَكَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ اِسْتَجْمَرَ ) ‏ ‏أَيْ : اِسْتَعْمَلَ الْجِمَار - وَهِيَ الْحِجَارَة الصِّغَار - فِي الِاسْتِنْجَاء. وَحَمَلَهُ بَعْضهمْ عَلَى اِسْتِعْمَال الْبَخُور فَإِنَّهُ يُقَال فِيهِ : تَجَمَّرَ وَاسْتَجْمَرَ , حَكَاهُ اِبْن حَبِيب عَنْ اِبْن عُمَر وَلَا يَصِحّ عَنْهُ , وَابْن عَبْد الْبَرّ عَنْ مَالِك , وَرَوَى اِبْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَنْهُ خِلَافه , وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر أَيْضًا بِمُوَافَقَةِ الْجُمْهُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل عَلَى مَعْنَى قَوْله \" فَلْيُوتِرْ \" فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث اِبْن مَسْعُود. وَاسْتَدَلَّ بَعْض مَنْ نَفَى وُجُوب الِاسْتِنْجَاء بِهَذَا الْحَدِيث لِلْإِتْيَانِ فِيهِ بِحَرْفِ الشَّرْط , وَلَا دَلَالَة فِيهِ , وَإِنَّمَا مُقْتَضَاهُ التَّخْيِير بَيْن الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ أَوْ بِالْأَحْجَارِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "157",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِذَا تَوَضَّأَ ) ‏ ‏أَيْ : إِذَا شَرَعَ فِي الْوُضُوء. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفه مَاء ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَسَقَطَ قَوْله \" مَاء \" لِغَيْرِهِ. وَكَذَا اِخْتَلَفَ رُوَاة الْمُوَطَّأ فِي إِسْقَاطه وَذِكْره , وَثَبَتَ ذِكْره لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان عَنْ أَبِي الزِّنَاد. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ لِيَنْتَثِر ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَالْأَصِيلِيّ بِوَزْنِ لِيَفْتَعِل , وَلِغَيْرِهِمَا ثُمَّ لِيَنْثُر بِمُثَلَّثَةٍ مَضْمُومَة بَعْد النُّون السَّاكِنَة , وَالرِّوَايَتَانِ لِأَصْحَابِ الْمُوَطَّأ أَيْضًا , قَالَ الْفَرَّاء : يُقَال نَثَرَ الرَّجُل وَانْتَثَرَ وَاسْتَنْثَرَ إِذَا حَرَّكَ النَّثْرَة وَهِيَ طَرَف الْأَنْف فِي الطَّهَارَة. ‏ ‏قَوْله ( وَإِذَا اِسْتَيْقَظَ ) ‏ ‏هَكَذَا عَطَفَهُ الْمُصَنِّف , وَاقْتَضَى سِيَاقه أَنَّهُ حَدِيث وَاحِد , وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُوَطَّأ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ مُوَطَّأ يَحْيَى رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن يُوسُف شَيْخ الْبُخَارِيّ مُفَرَّقًا , وَكَذَا هُوَ فِي مُوَطَّأ يَحْيَى بْن بُكَيْر وَغَيْره , وَكَذَا فَرَّقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ حَدِيث مَالِك , وَكَذَا أَخْرَجَ مُسْلِم الْحَدِيث الْأَوَّل مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد , وَالثَّانِي مِنْ طَرِيق الْمُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي الزِّنَاد. وَعَلَى هَذَا فَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ كَانَ يَرَى جَوَاز جَمْع الْحَدِيثَيْنِ إِذَا اِتَّحَدَ سَنَدهمَا فِي سِيَاق وَاحِد , كَمَا يَرَى جَوَاز تَفْرِيق الْحَدِيث الْوَاحِد إِذَا اِشْتَمَلَ عَلَى حُكْمَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ نَوْمه ) ‏ ‏أَخَذَ بِعُمُومِهِ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور فَاسْتَحَبُّوهُ عَقِب كُلّ نَوْم , وَخَصَّهُ أَحْمَد بِنَوْمِ اللَّيْل لِقَوْلِهِ فِي آخِر الْحَدِيث \" بَاتَتْ يَده \" لِأَنَّ حَقِيقَة الْمَبِيت أَنْ يَكُون فِي اللَّيْل. وَفِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ سَاقَ مُسْلِم إِسْنَادهَا \" إِذَا قَامَ أَحَدكُمْ مِنْ اللَّيْل \" وَكَذَا لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْه آخَر صَحِيح , وَلِأَبِي عَوَانَة فِي رِوَايَة سَاقَ مُسْلِم إِسْنَادهَا أَيْضًا \" إِذَا قَامَ أَحَدكُمْ إِلَى الْوُضُوء حِين يُصْبِح \" لَكِنَّ التَّعْلِيل يَقْتَضِي إِلْحَاق نَوْم النَّهَار بِنَوْمِ اللَّيْل , وَإِنَّمَا خُصَّ نَوْم اللَّيْل بِالذِّكْرِ لِلْغَلَبَةِ. قَالَ الرَّافِعِيّ فِي شَرْح الْمُسْنَد : يُمْكِن أَنْ يُقَال الْكَرَاهَة فِي الْغَمْس لِمَنْ نَامَ لَيْلًا أَشَدّ مِنْهَا لِمَنْ نَامَ نَهَارًا ; لِأَنَّ الِاحْتِمَال فِي نَوْم اللَّيْل أَقْرَب لِطُولِهِ عَادَة , ثُمَّ الْأَمْر عِنْد الْجُمْهُور عَلَى النَّدْب , وَحَمَلَهُ أَحْمَد عَلَى الْوُجُوب فِي نَوْم اللَّيْل دُون النَّهَار , وَعَنْهُ فِي رِوَايَة اِسْتِحْبَابه فِي نَوْم النَّهَار , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ غَمَسَ يَده لَمْ يَضُرّ الْمَاء , وَقَالَ إِسْحَاق وَدَاوُد وَالطَّبَرِيّ يَنْجُس , وَاسْتَدَلَّ لَهُمْ بِمَا وَرَدَ مِنْ الْأَمْر بِإِرَاقَتِهِ ; لَكِنَّهُ حَدِيث ضَعِيف أَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ , وَالْقَرِينَة الصَّارِفَة لِلْأَمْرِ عَنْ الْوُجُوب عِنْد الْجُمْهُور التَّعْلِيل بِأَمْرٍ يَقْتَضِي الشَّكّ ; لِأَنَّ الشَّكّ لَا يَقْتَضِي وُجُوبًا فِي هَذَا الْحُكْم اِسْتِصْحَابًا لِأَصْلِ الطَّهَارَة. وَاسْتَدَلَّ أَبُو عَوَانَة عَلَى عَدَم الْوُجُوب بِوُضُوئِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الشَّنّ الْمُعَلَّق بَعْد قِيَامه مِنْ النَّوْم كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْله \" أَحَدكُمْ \" يَقْتَضِي اِخْتِصَاصه بِغَيْرِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ صَحَّ عَنْهُ غَسْل يَدَيْهِ قَبْل إِدْخَالهمَا فِي الْإِنَاء حَال الْيَقَظَة , فَاسْتِحْبَابه بَعْد النَّوْم أَوْلَى , وَيَكُون تَرْكه لِبَيَانِ الْجَوَاز. وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيث فِي رِوَايَات لِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرهمَا \" فَلْيَغْسِلْهُمَا ثَلَاثًا \" وَفِي رِوَايَة \" ثَلَاث مَرَّات \" , وَالتَّقْيِيد بِالْعَدَدِ فِي غَيْر النَّجَاسَة الْعَيْنِيَّة يَدُلّ عَلَى النَّدْبِيَّة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد \" فَلَا يَضَع يَده فِي الْوَضُوء حَتَّى يَغْسِلهَا \" وَالنَّهْي فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا إِنْ فَعَلَ اُسْتُحِبَّ وَإِنْ تَرَكَ كُرِهَ وَلَا تَزُول الْكَرَاهَة بِدُونِ الثَّلَاث , نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ. وَالْمُرَاد بِالْيَدِ هُنَا الْكَفّ دُون مَا زَادَ عَلَيْهَا اِتِّفَاقًا , وَهَذَا كُلّه فِي حَقّ مَنْ قَامَ مِنْ النَّوْم لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَفْهُوم الشَّرْط وَهُوَ حُجَّة عِنْد الْأَكْثَر , أَمَّا الْمُسْتَيْقِظ فَيُسْتَحَبّ لَهُ الْفِعْل لِحَدِيثِ عُثْمَان وَعَبْد اللَّه بْن زَيْد , وَلَا يُكْرَه التَّرْك لِعَدَمِ وُرُود النَّهْي فِيهِ , وَقَدْ رَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلهُ وَلَا يَرَى بِتَرْكِهِ بَأْسًا , وَسَيَأْتِي عَنْ اِبْن عُمَر وَالْبَرَاء نَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَبْل أَنْ يُدْخِلهَا ) ‏ ‏, وَلِمُسْلِمٍ وَابْن خُزَيْمَةَ وَغَيْرهمَا مِنْ طُرُق \" فَلَا يَغْمِس يَده فِي الْإِنَاء حَتَّى يَغْسِلهَا \" وَهِيَ أَبْيَن فِي الْمُرَاد مِنْ رِوَايَة الْإِدْخَال ; لِأَنَّ مُطْلَق الْإِدْخَال لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ كَرَاهَة كَمَنْ أَدْخَلَ يَده فِي إِنَاء وَاسِع فَاغْتَرَفَ مِنْهُ بِإِنَاءٍ صَغِير مِنْ غَيْر أَنْ يُلَامِس يَده الْمَاء. ‏ ‏قَوْله : ( فِي وَضُوئِهِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاو أَيْ : الْإِنَاء الَّذِي أُعِدَّ لِلْوُضُوءِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فِي الْإِنَاء \" وَهِيَ رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طُرُق أُخْرَى , وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ \" فِي إِنَائِهِ أَوْ وَضُوئِهِ \" عَلَى الشَّكّ , وَالظَّاهِر اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِإِنَاءِ الْوُضُوء , وَيَلْحَق بِهِ إِنَاء الْغُسْل لِأَنَّهُ وُضُوء وَزِيَادَة , وَكَذَا بَاقِي الْآنِيَة قِيَاسًا , لَكِنْ فِي الِاسْتِحْبَاب مِنْ غَيْر كَرَاهَة لِعَدَمِ وُرُود النَّهْي فِيهَا عَنْ ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم. وَخَرَجَ بِذِكْرِ الْإِنَاء الْبِرَك وَالْحِيَاض الَّتِي لَا تَفْسُد بِغَمْسِ الْيَد فِيهَا عَلَى تَقْدِير نَجَاسَتهَا فَلَا يَتَنَاوَلهَا النَّهْي وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ أَحَدكُمْ ) ‏ ‏قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : فِيهِ إِيمَاء إِلَى أَنَّ الْبَاعِث عَلَى الْأَمْر بِذَلِكَ اِحْتِمَال النَّجَاسَة ; لِأَنَّ الشَّارِع إِذَا ذَكَرَ حُكْمًا وَعَقَّبَهُ بِعِلَّةٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ ثُبُوت الْحُكْم لِأَجْلِهَا , وَمِثْله قَوْله فِي حَدِيث الْمُحْرِم الَّذِي سَقَطَ فَمَاتَ فَإِنَّهُ يُبْعَث مُلَبِّيًا بَعْد نَهْيهمْ عَنْ تَطْيِيبه , فَنَبَّهَ عَلَى عِلَّة النَّهْي وَهِيَ كَوْنه مُحْرِمًا. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَدْرِي ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ عِلَّة النَّهْي اِحْتِمَال هَلْ لَاقَتْ يَده مَا يُؤَثِّر فِي الْمَاء أَوْ لَا , وَمُقْتَضَاهُ إِلْحَاق مَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا , وَمَفْهُومه أَنَّ مَنْ دَرَى أَيْنَ بَاتَتْ يَده كَمَنْ لَفَّ عَلَيْهَا خِرْقَة مَثَلًا فَاسْتَيْقَظَ وَهِيَ عَلَى حَالهَا أَنْ لَا كَرَاهَة , وَإِنْ كَانَ غَسْلهَا مُسْتَحَبًّا عَلَى الْمُخْتَار كَمَا فِي الْمُسْتَيْقِظ , وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْأَمْر فِي ذَلِكَ لِلتَّعَبُّدِ - كَمَالِك - لَا يُفَرِّق بَيْن شَاكّ وَمُتَيَقِّن. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى التَّفْرِقَة بَيْن وُرُود الْمَاء عَلَى النَّجَاسَة وَبَيْن وُرُود النَّجَاسَة عَلَى الْمَاء , وَهُوَ ظَاهِر. وَعَلَى أَنَّ النَّجَاسَة تُؤَثِّر فِي الْمَاء , وَهُوَ صَحِيح ; لَكِنَّ كَوْنهَا تُؤَثِّر التَّنْجِيس وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّر فِيهِ نَظَر ; لِأَنَّ مُطْلَق التَّأْثِير لَا يَدُلّ عَلَى خُصُوص التَّأْثِير بِالتَّنْجِيسِ , فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْكَرَاهَة بِالْمُتَيَقَّنِ أَشَدّ مِنْ الْكَرَاهَة بِالْمَظْنُونِ قَالَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد , وَمُرَاده أَنَّهُ لَيْسَتْ فِيهِ دَلَالَة قَطْعِيَّة عَلَى مَنْ يَقُول : إِنَّ الْمَاء لَا يَنْجُس إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَيْنَ بَاتَتْ يَده ) ‏ ‏أَيْ مِنْ جَسَده , قَالَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه : كَانُوا يَسْتَجْمِرُونَ وَبِلَادهمْ حَارَّة فَرُبَّمَا عَرِقَ أَحَدهمْ إِذَا نَامَ فَيَحْتَمِل أَنْ تَطُوف يَده عَلَى الْمَحَلّ أَوْ عَلَى بَثْرَة أَوْ دَم حَيَوَان أَوْ قَذَر غَيْر ذَلِكَ. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ بِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِم الْأَمْر بِغَسْلِ ثَوْب النَّائِم لِجَوَازِ ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْعَرَق فِي الْيَد دُون الْمَحَلّ , أَوْ أَنَّ الْمُسْتَيْقِظ لَا يُرِيد غَمْس ثَوْبه فِي الْمَاء حَتَّى يُؤْمَر بِغَسْلِهِ , بِخِلَافِ الْيَد فَإِنَّهُ مُحْتَاج إِلَى غَمْسهَا , وَهَذَا أَقْوَى الْجَوَابَيْنِ. وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا اِخْتِصَاص لِذَلِكَ بِمَحَلِّ الِاسْتِجْمَار مَا رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْوَلِيد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة عَنْ خَالِد الْحَذَّاء عَنْ عَبْد اللَّه اِبْن شَقِيق عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْحَدِيث قَالَ فِي آخِره \" أَيْنَ بَاتَتْ يَده مِنْهُ \" وَأَصْله فِي مُسْلِم دُون قَوْله \" مِنْهُ \" قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهَا شُعْبَة , وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : تَفَرَّدَ بِهَا مُحَمَّد بْن الْوَلِيد. قُلْت : إِنْ أَرَادَ عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر فَمُسَلَّم , وَإِنْ أَرَادَ مُطْلَقًا فَلَا , فَقَدْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَابَعَهُ عَبْد الصَّمَد عَنْ شُعْبَة , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقه. وَفِي الْحَدِيث الْأَخْذ بِالْوَثِيقَةِ , وَالْعَمَل بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَة , وَالْكِنَايَة عَمَّا يُسْتَحْيَا مِنْهُ إِذَا حَصَلَ الْإِفْهَام بِهَا , وَاسْتِحْبَاب غَسْل النَّجَاسَة ثَلَاثًا لِأَنَّهُ أَمَرَنَا بِالتَّثْلِيثِ عِنْد تَوَهُّمهَا فَعِنْد تَيَقُّنهَا أَوْلَى. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ قَوْم فَوَائِد أُخْرَى فِيهَا بُعْد , مِنْهَا أَنَّ مَوْضِع الِاسْتِنْجَاء مَخْصُوص بِالرُّخْصَةِ فِي جَوَاز الصَّلَاة مَعَ بَقَاء أَثَر النَّجَاسَة عَلَيْهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ , وَمِنْهَا إِيجَاب الْوُضُوء مِنْ النَّوْم , قَالَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَمِنْهَا تَقْوِيَة مَنْ يَقُول بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسّ الذَّكَر حَكَاهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَمِنْهَا أَنَّ الْقَلِيل مِنْ الْمَاء لَا يَصِير مُسْتَعْمَلًا بِإِدْخَالِ الْيَد فِيهِ لِمَنْ أَرَادَ الْوُضُوء , قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ صَاحِب الْخِصَال مِنْ الشَّافِعِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "158",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَخَلَّفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنَّا فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الْعَصْرَ فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ ‏ ‏وَيْلٌ ‏ ‏لِلْأَعْقَابِ ‏ ‏مِنْ النَّارِ مَرَّتَيْنِ ‏ ‏أَوْ ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُوسَى ) ‏ ‏اِبْن إِسْمَاعِيل هُوَ التَّبُوذَكِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنَّا فِي سَفْرَة ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة \" سَافَرْنَاهَا \" وَظَاهِره أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر كَانَ فِي تِلْكَ السَّفْرَة وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة , وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّه مُحَقَّقًا إِلَّا فِي حَجَّة الْوَدَاع , أَمَّا غَزْوَة الْفَتْح فَقَدْ كَانَ فِيهَا لَكِنْ مَا رَجَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا إِلَى الْمَدِينَة مِنْ مَكَّة بَلْ مِنْ الْجِعْرَانَة , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون عُمْرَة الْقَضِيَّة فَإِنَّ هِجْرَة عَبْد اللَّه بْن عُمَر كَانَتْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْهَقَنَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَاء وَالْقَاف وَ \" الْعَصْرُ \" مَرْفُوع بِالْفَاعِلِيَّةِ كَذَا لِأَبِي ذَرّ. وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة بِإِسْكَانِ الْقَاف وَالْعَصْر مَنْصُوب بِالْمَفْعُولِيَّةِ , وَيُقَوِّي الْأَوَّل رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" أَرْهَقَتْنَا \" بِفَتْحِ الْقَاف بَعْدهَا مُثَنَّاة سَاكِنَة , وَمَعْنَى الْإِرْهَاق الْإِدْرَاك وَالْغِشْيَان , قَالَ اِبْن بَطَّال : كَأَنَّ الصَّحَابَة أَخَّرُوا الصَّلَاة فِي أَوَّل الْوَقْت طَمَعًا أَنْ يَلْحَقهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلُّوا مَعَهُ , فَلَمَّا ضَاقَ الْوَقْت بَادَرُوا إِلَى الْوُضُوء وَلِعَجَلَتِهِمْ لَمْ يُسْبِغُوهُ , فَأَدْرَكَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ. قُلْت : مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَأْخِيرهمْ قَالَهُ اِحْتِمَالًا , وَيَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يَكُونُوا أَخَّرُوا لِكَوْنِهِمْ عَلَى طُهْر أَوْ لِرَجَاءِ الْوُصُول إِلَى الْمَاء , وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة مُسْلِم \" حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْم عِنْد الْعَصْر \" أَيْ : قُرْب دُخُول وَقْتهَا فَتَوَضَّئُوا وَهُمْ عِجَال. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَمْسَح عَلَى أَرْجُلنَا ) ‏ ‏اِنْتَزَعَ مِنْهُ الْبُخَارِيّ أَنَّ الْإِنْكَار عَلَيْهِمْ كَانَ بِسَبَبِ الْمَسْح لَا بِسَبَبِ الِاقْتِصَار عَلَى غَسْل بَعْض الرِّجْل , فَلِهَذَا قَالَ فِي التَّرْجَمَة وَلَا يَمْسَح عَلَى الْقَدَمَيْنِ , وَهَذَا ظَاهِر الرِّوَايَة الْمُتَّفَق عَلَيْهَا , وَفِي أَفْرَاد مُسْلِم \" فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابهمْ بِيض تَلُوح لَمْ يَمَسّهَا الْمَاء \" فَتَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ يَقُول بِإِجْزَاءِ الْمَسْح , وَبِحَمْلِ الْإِنْكَار عَلَى تَرْك التَّعْمِيم ; لَكِنَّ الرِّوَايَة الْمُتَّفَق عَلَيْهَا أَرْجَح فَتُحْمَل هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَيْهَا بِالتَّأْوِيلِ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله \" لَمْ يَمَسّهَا الْمَاء \" أَيْ : مَاء الْغُسْل جَمْعًا بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ. وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ رِوَايَة مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا لَمْ يَغْسِل عَقِبه فَقَالَ ذَلِكَ : وَأَيْضًا فَمَنْ قَالَ بِالْمَسْحِ لَمْ يُوجِب مَسْح الْعَقِب , وَالْحَدِيث حُجَّة عَلَيْهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَمَّا أَمَرَهُمْ بِتَعْمِيمِ غَسْل الرِّجْلَيْنِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمَا لُمْعَة دَلَّ عَلَى أَنَّ فَرْضهَا الْغَسْل. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّ التَّعْمِيم لَا يَسْتَلْزِم الْغَسْل , فَالرَّأْس تُعَمّ بِالْمَسْحِ وَلَيْسَ فَرْضهَا الْغَسْل. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْجُلنَا ) قَابَلَ الْجَمْع بِالْجَمْعِ فَالْأَرْجُل مُوَزَّعَة عَلَى الرِّجَال فَلَا يَلْزَم أَنْ يَكُون لِكُلِّ رَجُل أَرْجُل. ‏ ‏قَوْله : ( وَيْل ) ‏ ‏جَازَ الِابْتِدَاء بِالنَّكِرَةِ لِأَنَّهُ دُعَاء وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَال : أَظْهَرهَا مَا رَوَاهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد مَرْفُوعًا \" وَيْل وَادٍ فِي جَهَنَّم \" قَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ : لَوْ كَانَ الْمَاسِح مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ لَمَا تُوُعِّدَ بِالنَّارِ , وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا فِي كُتُب الْخِلَاف عَنْ الشِّيعَة أَنَّ الْوَاجِب الْمَسْح أَخْذًا بِظَاهِرِ قِرَاءَة ( وَأَرْجُلِكُمْ ) بِالْخَفْضِ , وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَة وُضُوئِهِ أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَهُوَ الْمُبَيِّن لِأَمْرِ اللَّه , وَقَدْ قَالَ فِي حَدِيث عَمْرو بْن عَبَسَة الَّذِي رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره مُطَوَّلًا فِي فَضْل الْوُضُوء \" ثُمَّ يَغْسِل قَدَمَيْهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّه \" وَلَمْ يَثْبُت عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة خِلَاف ذَلِكَ إِلَّا عَنْ عَلِيّ وَابْن عَبَّاس وَأَنَس , وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُمْ الرُّجُوع عَنْ ذَلِكَ , قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى : أَجْمَعَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَسْل الْقَدَمَيْنِ , رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور. وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ وَابْن حَزْم أَنَّ الْمَسْح مَنْسُوخ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( لِلْأَعْقَابِ ) ‏ ‏أَيْ : الْمَرْئِيَّة إِذْ ذَاكَ فَاللَّام لِلْعَهْدِ وَيَلْتَحِق بِهَا مَا يُشَارِكهَا فِي ذَلِكَ ; وَالْعَقِب مُؤَخَّر الْقَدَم , قَالَ الْبَغَوِيُّ : مَعْنَاهُ وَيْل لِأَصْحَابِ الْأَعْقَاب الْمُقَصِّرِينَ فِي غَسْلهَا. وَقِيلَ أَرَادَ أَنَّ الْعَقِب مُخْتَصّ بِالْعِقَابِ إِذَا قُصِّرَ فِي غَسْله. وَفِي الْحَدِيث تَعْلِيم الْجَاهِل وَرَفْع الصَّوْت بِالْإِنْكَارِ وَتَكْرَار الْمَسْأَلَة لِتُفْهَم كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم ‏"
    },
    {
        "id": "159",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمْرَانَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ‏ ‏أَنَّهُ رَأَى ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ‏ ‏دَعَا بِوَضُوءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا وَقَالَ ‏ ‏مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ غَسَلَ كُلّ رِجْل ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ , وَلِابْنِ عَسَاكِر كِلْتَا رِجْلَيْهِ وَهِيَ الَّتِي اِعْتَمَدَهَا صَاحِب الْعُمْدَة , وَلِلْمُسْتَمْلِيّ وَالْحَمَوِيّ كُلّ رِجْله وَهِيَ تُفِيد تَعْمِيم كُلّ رِجْل بِالْغَسْلِ , وَفِي نُسْخَة رِجْلَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ وَهِيَ بِمَعْنَى الْأُولَى. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُحَدِّث ) ‏ ‏تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه قَرِيبًا , وَقَالَ بَعْضهمْ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِذَلِكَ الْإِخْلَاص , أَوْ تَرْك الْعُجْب بِأَنْ لَا يَرَى لِنَفْسِهِ مَزِيَّة خَشْيَة أَنْ يَتَغَيَّر فَيَتَكَبَّر فَيَهْلِك. ‏ ‏قَوْله : ( غَفَرَ اللَّه لَهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيّ , وَلِغَيْرِهِ \" غُفِرَ لَهُ \" عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه , إِلَّا أَنَّ فِي هَذَا السِّيَاق مِنْ الزِّيَادَة رَفْع صِفَة الْوُضُوء إِلَى فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَزَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة لِيُونُس \" قَالَ الزُّهْرِيّ : كَانَ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ هَذَا الْوُضُوء أَسْبَغ مَا يَتَوَضَّأ بِهِ أَحَد لِلصَّلَاةِ \" , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ لَا يَرَى تَثْلِيث مَسْح الرَّأْس كَمَا سَيَأْتِي فِي بَاب مَسْح الرَّأْس مَرَّة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "160",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّئُونَ مِنْ ‏ ‏الْمِطْهَرَةِ ‏ ‏قَالَ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ ‏ ‏فَإِنَّ ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَيْلٌ ‏ ‏لِلْأَعْقَابِ ‏ ‏مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مُحَمَّد بْن زِيَاد ) ‏ ‏هُوَ الْجُمَحِيُّ الْمَدَنِيّ لَا الْإلْهَانِيّ الْحِمْصِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ ) ‏ ‏الْوَاو حَالِيَّة مِنْ مَفْعُول سَمِعْت , وَالنَّاس يَتَوَضَّئُونَ حَال مِنْ فَاعِل يَمُرّ. ‏ ‏قَوْله : ( الْمِطْهَرَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم هِيَ الْإِنَاء الْمُعَدّ لِلتَّطَهُّرِ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَسْبِغُوا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة أَيْ : أَكْمِلُوا , وَكَأَنَّهُ رَأَى مِنْهُمْ تَقْصِيرًا وَخَشِيَ عَلَيْهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ أَبَا الْقَاسِم ) ‏ ‏فِيهِ ذِكْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكُنْيَتِهِ وَهُوَ حَسَن , وَذِكْره بِوَصْفِ الرِّسَالَة أَحْسَن , وَفِيهِ أَنَّ الْعَالِم يَسْتَدِلّ عَلَى مَا يُفْتِي بِهِ لِيَكُونَ أَوْقَع فِي نَفْس سَامِعه , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْأَعْقَاب , وَإِنَّمَا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِصُورَةِ السَّبَب كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , فَيَلْتَحِق بِهَا مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ جَمِيع الْأَعْضَاء الَّتِي قَدْ يَحْصُل التَّسَاهُل فِي إِسْبَاغهَا. وَفِي الْحَاكِم وَغَيْره مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث \" وَيْل لِلْأَعْقَابِ وَبُطُون الْأَقْدَام مِنْ النَّار \" وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي التَّرْجَمَة أَثَر اِبْن سِيرِينَ فِي غَسْله مَوْضِع الْخَاتَم لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَصِل إِلَيْهِ الْمَاء إِذَا كَانَ ضَيِّقًا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "161",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا قَالَ وَمَا هِيَ يَا ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنْ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ ‏ ‏السِّبْتِيَّةَ ‏ ‏وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَمَّا الْأَرْكَانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ وَأَمَّا النِّعَالُ ‏ ‏السِّبْتِيَّةُ ‏ ‏فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا وَأَمَّا الْإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُهِلُّ حَتَّى ‏ ‏تَنْبَعِثَ ‏ ‏بِهِ رَاحِلَتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عُبَيْد بْن جُرَيْجٍ ) ‏ ‏هُوَ مَدَنِيّ مَوْلَى بَنِي تَمِيم , وَلَيْسَ بَيْنه وَبَيْن اِبْن جُرَيْجٍ الْفَقِيه الْمَكِّيّ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّة نَسَب , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَة أَنَّ الْفَقِيه هُوَ عَبْد الْمَلِك بْن عَبْد الْعَزِيز بْن جُرَيْجٍ فَقَدْ يُظَنّ أَنَّ هَذَا عَمّه وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَهَذَا الْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَفِيهِ رِوَايَة الْأَقْرَان لِأَنَّ عُبَيْدًا وَسَعِيدًا تَابِعِيَّانِ مِنْ طَبَقَة وَاحِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْبَعًا ) ‏ ‏أَيْ أَرْبَع خِصَال. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابك ) ‏ ‏أَيْ : أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَاد بَعْضهمْ , وَالظَّاهِر مِنْ السِّيَاق اِنْفِرَاد اِبْن عُمَر بِمَا ذُكِرَ دُون غَيْره مِمَّنْ رَآهُمْ عُبَيْد. وَقَالَ الْمَازِرِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاده لَا يَصْنَعهُنَّ غَيْرك مُجْتَمِعَة وَإِنْ كَانَ يَصْنَع بَعْضهَا. ‏ ‏قَوْله : ( الْأَرْكَان ) ‏ ‏أَيْ أَرْكَان الْكَعْبَة الْأَرْبَعَة , وَظَاهِره أَنَّ غَيْر اِبْن عُمَر مِنْ الصَّحَابَة الَّذِينَ رَآهُمْ عُبَيْد كَانُوا يَسْتَلِمُونَ الْأَرْكَان كُلّهَا , وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ مُعَاوِيَة وَابْن الزُّبَيْر , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( السِّبْتِيَّة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة هِيَ الَّتِي لَا شَعْر فِيهَا , مُشْتَقَّة مِنْ السَّبْت وَهُوَ الْحَلْق قَالَهُ فِي التَّهْذِيب , وَقِيلَ : السِّبْت جِلْد الْبَقَر الْمَدْبُوغ بِالْقَرَظِ , وَقِيلَ بِالسُّبْتِ بِضَمِّ أَوَّله وَهُوَ نَبْت يُدْبَغ بِهِ قَالَهُ صَاحِب الْمُنْتَهَى , وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : قِيلَ لَهَا سِبْتِيَّة لِأَنَّهَا اِنْسَبَتَتْ بِالدِّبَاغِ أَيْ : لَانَتْ بِهِ , يُقَال رَطْبَة مُنْسَبِتَة أَيْ : لَيِّنَة. ‏ ‏قَوْله : ( تُصْبَغ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَحُكِيَ فَتْحهَا وَكَسْرهَا , وَهَلْ الْمُرَاد صَبْغ الثَّوْب أَوْ الشَّعْر ؟ يَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَهَلَّ النَّاس ) ‏ ‏أَيْ : رَفَعُوا أَصْوَاتهمْ بِالتَّلْبِيَةِ مِنْ أَوَّل ذِي الْحِجَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ تُهِلّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ حَتَّى يَكُون ( يَوْم التَّرْوِيَة ) أَيْ : الثَّامِن مِنْ ذِي الْحِجَّة , وَمُرَاده فَتُهِلّ أَنْتَ حِينَئِذٍ. وَتَبَيَّنَ مِنْ جَوَاب اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ لَا يُهِلّ حَتَّى يَرْكَب قَاصِدًا إِلَى مِنًى , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَة أَيْضًا فِي الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن عُمَر مُجِيبًا لِعُبَيْدٍ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاس \" فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه بْن عُمَر \". ‏ ‏قَوْله : ( الْيَمَانِيَيْنِ ) ‏ ‏تَثْنِيَة يَمَان وَالْمُرَاد بِهِمَا الرُّكْن الْأَسْوَد وَاَلَّذِي يُسَامِتهُ مِنْ مُقَابَلَة الصَّفَا , وَقِيلَ لِلْأَسْوَدِ يَمَانٍ تَغْلِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنِّي أُحِبّ أَنْ أَصْبُغ ) ‏ ‏ولِلْكُشْمِيهَنِيّ وَالْبَاقِينَ \" فَأَنَا أُحِبّ \" كَاَلَّتِي قَبْلهَا , وَسَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "162",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَهُنَّ فِي غَسْلِ ‏ ‏ابْنَتِهِ ‏ ‏ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُلَيَّة , وَخَالِد هُوَ الْحَذَّاء. وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي غَسْل ) ‏ ‏أَيْ : فِي صِفَة غَسْل اِبْنَته زَيْنَب عَلَيْهَا السَّلَام كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقه فِي كِتَاب الْجَنَائِز إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "163",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ ‏ ‏وَتَرَجُّلِهِ ‏ ‏وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ ‏",
        "sharh": "وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّف مِنْ الْحَدِيث طَرَفًا لِيُبَيِّنَ بِهِ الْمُرَاد بِقَوْلِ عَائِشَة \" يُعْجِبهُ التَّيَمُّن \" إِذْ هُوَ لَفْظ مُشْتَرَك بَيْن الِابْتِدَاء بِالْيَمِينِ وَتَعَاطِي الشَّيْء بِالْيَمِينِ وَالتَّبَرُّك وَقَصْد الْيَمِين , فَبَانَ بِحَدِيثِ أُمّ عَطِيَّة أَنَّ الْمُرَاد بِالطُّهُورِ الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت أَبِي ) ‏ ‏هُوَ سُلَيْمُ بْن أَسْوَد الْمُحَارِبِيّ الْكُوفِيّ أَبُو الشَّعْثَاء مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اِسْمه , وَهُوَ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ كَشَيْخِهِ مَسْرُوق فَهُمَا قَرِينَانِ كَمَا أَنَّ أَشْعَث وَشُعْبَة قَرِينَانِ وَهُمَا مِنْ كِبَار أَتْبَاع التَّابِعِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يُعْجِبهُ التَّيَمُّن ) ‏ ‏قِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبّ الْفَأْل الْحَسَن إِذْ أَصْحَاب الْيَمِين أَهْل الْجَنَّة. وَزَادَ الْمُصَنِّف فِي الصَّلَاة عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ شُعْبَة \" مَا اِسْتَطَاعَ \" فَنَبَّهَ عَلَى الْمُحَافَظَة عَلَى ذَلِكَ مَا لَمْ يَمْنَع مَانِع. ‏ ‏قَوْله : ( فِي تَنَعُّله ) ‏ ‏أَيْ : لُبْس نَعْله ( ‏ ‏وَتَرَجُّله ) ‏ ‏أَيْ : تَرْجِيل شَعْره وَهُوَ تَسْرِيحه وَدَهْنه , قَالَ فِي الْمَشَارِق : رَجَّلَ شَعْره إِذَا مَشَّطَهُ بِمَاءٍ أَوْ دُهْن لِيَلِينَ وَيُرْسِل الثَّائِر وَيَمُدّ الْمُنْقَبِض , زَادَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم عَنْ شُعْبَة وَسِوَاكه. ‏ ‏قَوْله : ( فِي شَأْنه كُلّه ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ الرُّوَاة بِغَيْرِ وَاو , وَفِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْت بِإِثْبَاتِ الْوَاو وَهِيَ الَّتِي اِعْتَمَدَهَا صَاحِب الْعُمْدَة , قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين : هُوَ عَامّ مَخْصُوص ; لِأَنَّ دُخُول الْخَلَاء وَالْخُرُوج مِنْ الْمَسْجِد وَنَحْوهمَا يُبْدَأ فِيهِمَا بِالْيَسَارِ , اِنْتَهَى. وَتَأْكِيد \" الشَّأْن \" بِقَوْلِهِ \" كُلّه \" يَدُلّ عَلَى التَّعْمِيم ; لِأَنَّ التَّأْكِيد يَرْفَع الْمَجَاز فَيُمْكِن أَنْ يُقَال : حَقِيقَة الشَّأْن مَا كَانَ فِعْلًا مَقْصُودًا , وَمَا يُسْتَحَبّ فِيهِ التَّيَاسُر لَيْسَ مِنْ الْأَفْعَال الْمَقْصُودَة بَلْ هِيَ إِمَّا تُرُوك وَإِمَّا غَيْر مَقْصُودَة , وَهَذَا كُلّه عَلَى تَقْدِير إِثْبَات الْوَاو , وَأَمَّا عَلَى إِسْقَاطهَا فَقَوْله \" فِي شَأْنه كُلّه \" مُتَعَلِّق بِيُعْجِبُهُ لَا بِالتَّيَمُّنِ أَيْ يُعْجِبهُ فِي شَأْنه كُلّه التَّيَمُّن فِي تَنَعُّله إِلَخْ , أَيْ : لَا يَتْرُك ذَلِكَ سَفَرًا وَلَا حَضَرًا وَلَا فِي فَرَاغه وَلَا شُغْله وَنَحْو ذَلِكَ. وَقَالَ الطِّيبِيّ قَوْله \" فِي شَأْنه \" بَدَل مِنْ قَوْله \" فِي تَنَعُّله \" بِإِعَادَةِ الْعَامِل. قَالَ : وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ التَّنَعُّل لِتَعَلُّقِهِ بِالرِّجْلِ , وَالتَّرَجُّل لِتَعَلُّقِهِ بِالرَّأْسِ , وَالطُّهُور لِكَوْنِهِ مِفْتَاح أَبْوَاب الْعِبَادَة , فَكَأَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى جَمِيع الْأَعْضَاء فَيَكُون كَبَدَلِ الْكُلّ مِنْ الْكُلّ. قُلْت : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم بِتَقْدِيمِ قَوْله \" فِي شَأْنه كُلّه \" عَلَى قَوْله \" فِي تَنَعُّله إِلَخْ \" وَعَلَيْهَا شَرَحَ الطِّيبِيّ , وَجَمِيع مَا قَدَّمْنَاهُ مَبْنِيّ عَلَى ظَاهِر السِّيَاق الْوَارِد هُنَا , لَكِنْ بَيَّنَ الْمُصَنِّف فِي الْأَطْعِمَة مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ شُعْبَة أَنَّ أَشْعَث شَيْخه كَانَ يُحَدِّث بِهِ تَارَة مُقْتَصِرًا عَلَى قَوْله \" فِي شَأْنه كُلّه \" وَتَارَة عَلَى قَوْله \" فِي تَنَعُّله إِلَخْ \" وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة أَنَّ عَائِشَة أَيْضًا كَانَتْ تُجْمِلهُ تَارَة وَتُبَيِّنهُ أُخْرَى , فَعَلَى هَذَا يَكُون أَصْل الْحَدِيث مَا ذُكِرَ مِنْ التَّنَعُّل وَغَيْره , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَحْوَص وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن عُبَيْد كِلَاهُمَا عَنْ أَشْعَث بِدُونِ قَوْله \" فِي شَأْنه كُلّه \" , وَكَأَنَّ الرِّوَايَة الْمُقْتَصِرَة عَلَى \" فِي شَأْنه كُلّه \" مِنْ الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" فِي طُهُوره وَنَعْله \" بِفَتْحِ النُّون وَإِسْكَان الْعَيْن أَيْ : هَيْئَة تَنَعُّله , وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان فِي مُسْلِم \" وَنَعَله \" بِفَتْحِ الْعَيْن. وَفِي الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب الْبُدَاءَة بِشِقِّ الرَّأْس الْأَيْمَن فِي التَّرَجُّل وَالْغُسْل وَالْحَلْق , وَلَا يُقَال : هُوَ مِنْ بَاب الْإِزَالَة فَيُبْدَأ فِيهِ بِالْأَيْسَرِ , بَلْ هُوَ مِنْ بَاب الْعِبَادَة وَالتَّزْيِين , وَقَدْ ثَبَتَ الِابْتِدَاء بِالشِّقِّ الْأَيْمَن فِي الْحَلْق كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا , وَفِيهِ الْبُدَاءَة بِالرِّجْلِ الْيُمْنَى فِي التَّنَعُّل وَفِي إِزَالَتهَا بِالْيُسْرَى وَفِيهِ الْبُدَاءَة بِالْيَدِ الْيُمْنَى فِي الْوُضُوء وَكَذَا الرِّجْل , وَبِالشِّقِّ الْأَيْمَن فِي الْغُسْل. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِسْتِحْبَاب الصَّلَاة عَنْ يَمِين الْإِمَام وَفِي مَيْمَنَة الْمَسْجِد وَفِي الْأَكْل وَالشُّرْب بِالْيَمِينِ , وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِي هَذِهِ الْمَوَاضِع كُلّهَا , قَالَ النَّوَوِيّ : قَاعِدَة الشَّرْع الْمُسْتَمِرَّة اِسْتِحْبَاب الْبُدَاءَة بِالْيَمِينِ فِي كُلّ مَا كَانَ مِنْ بَاب التَّكْرِيم وَالتَّزْيِين , وَمَا كَانَ بِضِدِّهِمَا اُسْتُحِبَّ فِيهِ التَّيَاسُر. قَالَ : وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ تَقْدِيم الْيَمِين فِي الْوُضُوء سُنَّة مَنْ خَالَفَهَا فَاتَهُ الْفَضْل وَتَمَّ وُضُوءُهُ , اِنْتَهَى. وَمُرَاده بِالْعُلَمَاءِ أَهْل السُّنَّة , وَإِلَّا فَمَذْهَب الشِّيعَة الْوُجُوب , وَغَلِطَ الْمُرْتَضَى مِنْهُمْ فَنَسَبَهُ لِلشَّافِعِيِّ , وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَازِم مِنْ قَوْله بِوُجُوبِ التَّرْتِيب ; لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ فِي الْيَدَيْنِ وَلَا فِي الرِّجْلَيْنِ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْعُضْو الْوَاحِد ; وَلِأَنَّهُمَا جُمِعَا فِي لَفْظ الْقُرْآن , لَكِنْ يُشْكِل عَلَى أَصْحَابه حُكْمهمْ عَلَى الْمَاء بِالِاسْتِعْمَالِ إِذَا اِنْتَقَلَ مِنْ يَد إِلَى يَد أُخْرَى , مَعَ قَوْلهمْ بِأَنَّ الْمَاء مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْو لَا يُسَمَّى مُسْتَعْمَلًا , وَفِي اِسْتِدْلَالهمْ عَلَى وُجُوب التَّرْتِيب بِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُل أَحَد فِي صِفَة وُضُوء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مُنَكِّسًا , وَكَذَلِكَ لَمْ يَنْقُل أَحَد أَنَّهُ قَدَّمَ الْيُسْرَى عَلَى الْيُمْنَى. وَوَقَعَ فِي الْبَيَان لِلْعِمْرَانِيِّ وَالتَّجْرِيد لِلْبَنْدَنِيجِيِّ نِسْبَة الْقَوْل بِالْوُجُوبِ إِلَى الْفُقَهَاء السَّبْعَة , وَهُوَ تَصْحِيف مِنْ الشِّيعَة. وَفِي كَلَام الرَّافِعِيّ مَا يُوهِم أَنَّ أَحْمَد قَالَ بِوُجُوبِهِ , وَلَا يُعْرَف ذَلِكَ عَنْهُ , بَلْ قَالَ الشَّيْخ الْمُوَفَّق فِي الْمُغْنِي : لَا نَعْلَم فِي عَدَم الْوُجُوب خِلَافًا. ‏"
    },
    {
        "id": "164",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ ‏ ‏فَالْتَمَسَ ‏ ‏النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِوَضُوءٍ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ قَالَ ‏ ‏فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَالْتُمِسَ ) ‏ ‏بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَالْتَمَسُوا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَحَانَ ) ‏ ‏وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَحَانَتْ \" وَالْوَاو لِلْحَالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ. ‏ ‏قَوْله : ( الْوَضُوء ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاو , أَيْ : الْمَاء الَّذِي يُتَوَضَّأ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَجِدُوا ) ‏ ‏وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَلَمْ يَجِدُوهُ \" بِزِيَادَةِ الضَّمِير. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُتِيَ ) بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ , وَبَيَّنَ الْمُصَنِّف فِي رِوَايَة قَتَادَة أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالزَّوْرَاءِ وَهُوَ سُوق بِالْمَدِينَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( بِوَضُوءٍ ) ‏ ‏بِالْفَتْحِ أَيْ : بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاء لِيَتَوَضَّأ بِهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك \" فَجَاءَ رَجُل بِقَدَحٍ فِيهِ مَاء يَسِير , فَصَغُرَ أَنْ يَبْسُط صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ كَفّه فَضَمَّ أَصَابِعه \" , وَنَحْوه فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ الْآتِيَة فِي بَاب الْوُضُوء مِنْ الْمِخْضَب. ‏ ‏قَوْله : ( يَنْبُع ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّ الْمُوَحَّدَة وَيَجُوز كَسْرهَا وَفَتْحهَا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب عَلَامَات النُّبُوَّة مُسْتَوْعَبًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْد آخِرهمْ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ حَتَّى لِلتَّدْرِيجِ وَمِنْ لِلْبَيَانِ , أَيْ : تَوَضَّأَ النَّاس حَتَّى تَوَضَّأَ الَّذِينَ عِنْد آخِرهمْ وَهُوَ كِنَايَة عَنْ جَمِيعهمْ , قَالَ : وَعِنْد بِمَعْنَى فِي لِأَنَّ عِنْد وَإِنْ كَانَتْ لِلظَّرْفِيَّةِ الْخَاصَّة لَكِنَّ الْمُبَالَغَة تَقْتَضِي أَنْ تَكُون لِمُطْلَقِ الظَّرْفِيَّة , فَكَأَنَّهُ قَالَ : الَّذِينَ هُمْ فِي آخِرهمْ. وَقَالَ التَّيْمِيُّ : الْمَعْنَى تَوَضَّأَ الْقَوْم حَتَّى وَصَلَتْ النَّوْبَة إِلَى الْآخِر. وَقَالَ النَّوَوِيّ : مِنْ هُنَا بِمَعْنَى إِلَى وَهِيَ لُغَة. وَتَعَقَّبَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهَا شَاذَّة , قَالَ : ثُمَّ إِنَّ إِلَى لَا يَجُوز أَنْ تَدْخُل عَلَى عِنْد , وَيَلْزَم عَلَيْهِ وَعَلَى مَا قَالَ التَّيْمِيُّ أَنْ لَا يَدْخُل الْأَخِير , لَكِنْ مَا قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ مِنْ أَنَّ \" إِلَى \" لَا تَدْخُل عَلَى \" عِنْد \" , لَا يَلْزَم مِثْله فِي \" مِنْ \" إِذَا وَقَعَتْ بِمَعْنَى إِلَى , وَعَلَى تَوْجِيه النَّوَوِيّ يُمْكِن أَنْ يُقَال : عِنْد زَائِدَة. وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُوَاسَاة مَشْرُوعَة عِنْد الضَّرُورَة لِمَنْ كَانَ فِي مَائِهِ فَضْل عَنْ وُضُوئِهِ. وَفِيهِ أَنَّ اِغْتِرَاف الْمُتَوَضِّئ مِنْ الْمَاء الْقَلِيل لَا يُصَيِّر الْمَاء مُسْتَعْمَلًا , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيّ عَلَى أَنَّ الْأَمْر بِغَسْلِ الْيَد قَبْل إِدْخَالهَا الْإِنَاء أَمْر نَدْب لَا حَتْم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا الْحَدِيث - يَعْنِي حَدِيث نَبْع الْمَاء - شَهِدَهُ جَمْع مِنْ الصَّحَابَة , إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ طَرِيق أَنَس وَذَلِكَ لِطُولِ عُمْره وَلِطَلَبِ النَّاس عُلُوّ السَّنَد. كَذَا قَالَ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هَذِهِ الْقِصَّة رَوَاهَا الْعَدَد الْكَثِير مِنْ الثِّقَات عَنْ الْجَمّ الْغَفِير عَنْ الْكَافَّة مُتَّصِلًا عَنْ جُمْلَة مِنْ الصَّحَابَة , بَلْ لَمْ يُؤْثَر عَنْ أَحَد مِنْهُمْ إِنْكَار ذَلِكَ فَهُوَ مُلْتَحِق بِالْقَطْعِيِّ مِنْ مُعْجِزَاته. اِنْتَهَى. فَانْظُرْ كَمْ بَيْن الْكَلَامَيْنِ مِنْ التَّفَاوُت وَسَنُحَرِّرُ هَذَا الْمَوْضِع فِي كِتَاب عَلَامَات النُّبُوَّة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "165",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِعَبِيدَةَ ‏ ‏عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَصَبْنَاهُ ‏ ‏مِنْ قِبَلِ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَاصِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان , وَابْن سِيرِينَ هُوَ مُحَمَّد , وَعُبَيْدَة هُوَ اِبْن عَمْرو السَّلْمَانِيّ أَحَد كِبَار التَّابِعِينَ الْمُخَضْرَمِينَ أَسْلَمَ قَبْل وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَتَيْنِ وَلَمْ يَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ شَعَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ : شَيْء. ‏ ‏قَوْله : ( أَصَبْنَاهُ ) ‏ ‏أَيْ : حَصَلَ لَنَا مِنْ جِهَة أَنَس بْن مَالِك. وَأَرَادَ الْمُصَنِّف بِإِيرَادِ هَذَا الْأَثَر تَقْرِير أَنَّ الشَّعَر الَّذِي حَصَلَ لِأَبِي طَلْحَة كَمَا فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِيه بَقِيَ عِنْد آل بَيْته إِلَى أَنْ صَارَ لِمَوَالِيهِمْ مِنْهُ لِأَنَّ سِيرِينَ وَالِد مُحَمَّد كَانَ مَوْلَى أَنَس بْن مَالِك وَكَانَ أَنَس رَبِيب أَبِي طَلْحَة. وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ عَلَى التَّرْجَمَة أَنَّ الشَّعْر طَاهِر وَإِلَّا لَمَا حَفِظُوهُ وَلَا تَمَنَّى عُبَيْدَة أَنْ يَكُون عِنْده شَعْرَة وَاحِدَة مِنْهُ , وَإِذَا كَانَ طَاهِرًا فَالْمَاء الَّذِي يُغْسَل بِهِ طَاهِر. ‏"
    },
    {
        "id": "166",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ كَانَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبَّاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبَّاد الْمُهَلَّبِيّ , وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد لِأَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ شَيْخ شَيْخه سَعِيد بْن سُلَيْمَان , بَلْ سَمِعَ مِنْ أَبِي عَاصِم وَغَيْره مِنْ أَصْحَاب اِبْن عَوْن فَيَقَع بَيْنه وَبَيْن اِبْن عَوْن وَاحِد , وَهُنَا بَيْنه وَبَيْنه ثَلَاثَة أَنْفُس. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا حَلَقَ ) ‏ ‏أَيْ : أَمَرَ الْحَلَّاق فَحَلَقَهُ , فَأَضَافَ الْفِعْل إِلَيْهِ مَجَازًا , وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّة الْوَدَاع كَمَا سَنُبَيِّنُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ أَبُو طَلْحَة ) ‏ ‏يَعْنِي الْأَنْصَارِيّ زَوْج أُمّ سُلَيْمٍ وَالِدَة أَنَس , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن سُلَيْمَان الْمَذْكُور أَبَيْنَ مِمَّا سَاقَهُ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم وَلَفْظه \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْحَلَّاق فَحَلَقَ رَأْسه , وَدَفَعَ إِلَى أَبِي طَلْحَة الشِّقّ الْأَيْمَن , ثُمَّ حَلَقَ الشِّقّ الْآخَر فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمهُ بَيْن النَّاس \". وَرَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَام بْن حَسَّان عَنْ اِبْن سِيرِينَ بِلَفْظِ \" لَمَّا رَمَى الْجَمْرَة وَنَحَرَ نُسُكه نَاوَلَ الْحَالِق شِقّه الْأَيْمَن فَحَلَقَهُ , ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَة فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ , ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقّ الْأَيْسَر فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَة فَقَالَ : اِقْسِمْهُ بَيْن النَّاس \" , وَلَهُ مِنْ رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث عَنْ هِشَام أَنَّهُ قَسَمَ الْأَيْمَن فِيمَنْ يَلِيه , وَفِي لَفْظ \" فَوَزَّعَهُ بَيْن النَّاس الشَّعْرَة وَالشَّعْرَتَيْنِ , وَأَعْطَى الْأَيْسَر أُمّ سُلَيْمٍ \" , وَفِي لَفْظ \" أَبَا طَلْحَة \" وَلَا تَنَاقُض فِي هَذِهِ الرِّوَايَات , بَلْ طَرِيق الْجَمْع بَيْنهَا أَنَّهُ نَاوَلَ أَبَا طَلْحَة كُلًّا مِنْ الشِّقَّيْنِ فَأَمَّا الْأَيْمَن فَوَزَّعَهُ أَبُو طَلْحَة بِأَمْرِهِ وَأَمَّا الْأَيْسَر فَأَعْطَاهُ لِأُمِّ سُلَيْمٍ زَوْجَته بِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا , زَادَ أَحْمَد فِي رِوَايَة لَهُ لِتَجْعَلهُ فِي طِيبهَا , وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِير فِي قَوْله \" يَقْسِمهُ \" فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة يَعُود عَلَى الشِّقّ الْأَيْمَن , وَكَذَا قَوْله فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" فَقَالَ اِقْسِمْهُ بَيْن النَّاس \" قَالَ النَّوَوِيّ : فِيهِ اِسْتِحْبَاب الْبُدَاءَة بِالشِّقِّ الْأَيْمَن مِنْ رَأْس الْمَحْلُوق , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَة , وَفِيهِ طَهَارَة شَعْر الْآدَمِيّ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور وَهُوَ الصَّحِيح عِنْدنَا , وَفِيهِ التَّبَرُّك بِشَعْرِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَوَاز اِقْتِنَائِهِ , وَفِيهِ الْمُوَاسَاة بَيْن الْأَصْحَاب فِي الْعَطِيَّة وَالْهَدِيَّة. أَقُول : وَفِيهِ أَنَّ الْمُوَاسَاة لَا تَسْتَلْزِم الْمُسَاوَاة. وَفِيهِ تَنْفِيل مَنْ يَتَوَلَّى التَّفْرِقَة عَلَى غَيْره , قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي اِسْم الْحَالِق فَالصَّحِيح أَنَّهُ مَعْمَر بْن عَبْد اللَّه كَمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيّ , وَقِيلَ : هُوَ خِرَاش بْن أُمَيَّة وَهُوَ بِمُعْجَمَتَيْنِ ا ه. وَالصَّحِيح أَنَّ خِرَاشًا كَانَ الْحَالِق بِالْحُدَيْبِيَةِ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "167",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا ‏",
        "sharh": "وَقَعَ هُنَا - فِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر - قَبْل إِيرَاد حَدِيث مَالِك \" بَاب إِذَا شَرِبَ الْكَلْب فِي الْإِنَاء \" ‏ ‏قَوْله ( إِذَا شَرِبَ ) ‏ ‏كَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ , وَالْمَشْهُور عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ رِوَايَة جُمْهُور أَصْحَابه عَنْهُ \" إِذَا وَلَغَ \" , وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة , يُقَال وَلَغَ يَلَغ - بِالْفَتْحِ فِيهِمَا - إِذَا شَرِبَ بِطَرَفِ لِسَانه , أَوْ أَدْخَلَ لِسَانه فِيهِ فَحَرَّكَهُ , وَقَالَ ثَعْلَب : هُوَ أَنْ يُدْخِل لِسَانه فِي الْمَاء وَغَيْره مِنْ كُلّ مَائِع فَيُحَرِّكهُ , زَادَ اِبْن دُرُسْتَوَيْهِ : شَرِبَ أَوْ لَمْ يَشْرَب. وَقَالَ اِبْن مَكِّيّ : فَإِنْ كَانَ غَيْر مَائِع يُقَال لَعِقَهُ. وَقَالَ الْمُطَرِّزِيّ : فَإِنْ كَانَ فَارِغًا يُقَال لَحِسَهُ. وَادَّعَى اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ لَفْظ \" شَرِبَ \" لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا مَالِك , وَأَنَّ غَيْره رَوَاهُ بِلَفْظِ \" وَلَغَ \" , وَلَيْسَ كَمَا اِدَّعَى فَقَدْ رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ هِشَام بْن حَسَّان عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" إِذَا شَرِبَ \" لَكِنَّ الْمَشْهُور عَنْ هِشَام بْن حَسَّان بِلَفْظِ إِذَا وَلَغَ , كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَغَيْره مِنْ طُرُق عَنْهُ , وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي الزِّنَاد شَيْخ مَالِك بِلَفْظِ \" إِذَا شَرِبَ \" وَرْقَاء بْن عُمَر أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيّ , وَكَذَا الْمُغِيرَة بْنُ عَبْد الرَّحْمَن أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى , نَعَمْ وَرُوِيَ عَنْ مَالِك بِلَفْظِ \" إِذَا وَلَغَ \" أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْد فِي كِتَاب الطَّهُور لَهُ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُمَر عَنْهُ , وَمِنْ طَرِيقه أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآت لَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي عَلِيّ الْحَنَفِيّ عَنْ مَالِك , وَهُوَ فِي نُسْخَة صَحِيحَة مِنْ سُنَن اِبْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة رَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ مَالِك أَيْضًا , وَكَأَنَّ أَبَا الزِّنَاد حَدَّثَ بِهِ بِاللَّفْظَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى ; لَكِنَّ الشُّرْب كَمَا بَيَّنَّا أَخَصّ مِنْ الْوُلُوغ فَلَا يَقُوم مَقَامه. وَمَفْهُوم الشَّرْط فِي قَوْله إِذَا وَلَغَ يَقْتَضِي قَصْر الْحُكْم عَلَى ذَلِكَ , لَكِنْ إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْأَمْر بِالْغَسْلِ لِلتَّنْجِيسِ يَتَعَدَّى الْحُكْم إِلَى مَا إِذَا لَحِسَ أَوْ لَعِقَ مَثَلًا , وَيَكُون ذِكْر الْوُلُوغ لِلْغَالِبِ , وَأَمَّا إِلْحَاق بَاقِي أَعْضَائِهِ كَيَدِهِ وَرِجْله فَالْمَذْهَب الْمَنْصُوص أَنَّهُ كَذَلِكَ لِأَنَّ فَمه أَشْرَفهَا فَيَكُون الْبَاقِي مِنْ بَاب الْأَوْلَى , وَخَصَّهُ فِي الْقَدِيم الْأَوَّل , وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة : إِنَّهُ وَجْه شَاذّ. وَفِي شَرْح الْمُهَذَّب : إِنَّهُ الْقَوِيّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيل , وَالْأَوْلَوِيَّة الْمَذْكُورَة قَدْ تُمْنَع لِكَوْنِ فَمه مَحَلّ اِسْتِعْمَال النَّجَاسَات. ‏ ‏قَوْله : ( فِي إِنَاء أَحَدكُمْ ) ‏ ‏ظَاهِره الْعُمُوم فِي الْآنِيَة , وَمَفْهُومه يُخْرِج الْمَاء الْمُسْتَنْقَع مَثَلًا , وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مُطْلَقًا , لَكِنْ إِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الْغَسْل لِلتَّنْجِيسِ يَجْرِي الْحُكْم فِي الْقَلِيل مِنْ الْمَاء دُون الْكَثِير , وَالْإِضَافَة الَّتِي فِي إِنَاء أَحَدكُمْ يُلْغَى اِعْتِبَارهَا هُنَا لِأَنَّ الطَّهَارَة لَا تَتَوَقَّف عَلَى مِلْكه , وَكَذَا قَوْله \" فَلْيَغْسِلهُ \" لَا يَتَوَقَّف عَلَى أَنْ يَكُون هُوَ الْغَاسِل. وَزَادَ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح وَأَبِي رَزِين عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَلْيُرِقْهُ \" وَهُوَ يُقَوِّي الْقَوْل بِأَنَّ الْغَسْل لِلتَّنْجِيسِ , إِذْ الْمُرَاق أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون مَاء أَوْ طَعَامًا , فَلَوْ كَانَ طَاهِرًا لَمْ يُؤْمَر بِإِرَاقَتِهِ لِلنَّهْيِ عَنْ إِضَاعَة الْمَال , لَكِنْ قَالَ النَّسَائِيُّ : لَا أَعْلَم أَحَدًا تَابَعَ عَلِيّ بْن مُسْهِر عَلَى زِيَادَة فَلْيُرِقْهُ. وَقَالَ حَمْزَة الْكِنَانِيّ : إِنَّهَا غَيْر مَحْفُوظَة. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَمْ يَذْكُرهَا الْحُفَّاظ مِنْ أَصْحَاب الْأَعْمَش كَأَبِي مُعَاوِيَة وَشُعْبَة. وَقَالَ اِبْن مَنْدَهْ : لَا تُعْرَف عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوه إِلَّا عَنْ عَلِيّ بْن مُسْهِر بِهَذَا الْإِسْنَاد. قُلْت : قَدْ وَرَدَ الْأَمْر بِالْإِرَاقَةِ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ , لَكِنْ فِي رَفْعه نَظَر , وَالصَّحِيح أَنَّهُ مَوْقُوف. وَكَذَا ذَكَرَ الْإِرَاقَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَوْقُوفًا وَإِسْنَاده صَحِيح أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَغْسِلْهُ ) ‏ ‏يَقْتَضِي الْفَوْر , لَكِنْ حَمَلَهُ الْجُمْهُور عَلَى الِاسْتِحْبَاب إِلَّا لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِل ذَلِكَ الْإِنَاء. ‏ ‏قَوْله : ( سَبْعًا ) ‏ ‏أَيْ : سَبْع مِرَار , وَلَمْ يَقَع فِي رِوَايَة مَالِك التَّتْرِيب وَلَمْ يَثْبُت فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات عَنْ أَبِي هُرَيْرَة إِلَّا عَنْ اِبْن سِيرِينَ , عَلَى أَنَّ بَعْض أَصْحَابه لَمْ يَذْكُرهُ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الْحَسَن وَأَبِي رَافِع عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ وَعَبْد الرَّحْمَن وَالِد السُّدِّيّ عِنْد الْبَزَّار. وَاخْتَلَفَ الرُّوَاة عَنْ اِبْن سِيرِينَ فِي مَحَلّ غَسْلَة التَّتْرِيب , فَلِمُسْلِمٍ وَغَيْره مِنْ طَرِيق هِشَام بْن حَسَّان عَنْهُ \" أُولَاهُنَّ \" وَهِيَ رِوَايَة الْأَكْثَر عَنْ اِبْن سِيرِينَ وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي رَافِع الْمَذْكُورَة , وَاخْتُلِفَ عَنْ قَتَادَة عَنْ اِبْن سِيرِينَ فَقَالَ سَعِيد بْن بَشِير عَنْهُ \" أُولَاهُنَّ \" أَيْضًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَقَالَ أَبَان عَنْ قَتَادَة \" السَّابِعَة \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَلِلشَّافِعِيِّ عَنْ سُفْيَان عَنْ أَيُّوب عَنْ اِبْن سِيرِينَ \" أُولَاهُنَّ أَوْ إِحْدَاهُنَّ \". وَفِي رِوَايَة السُّدِّيّ عَنْ الْبَزَّار \" إِحْدَاهُنَّ \" وَكَذَا فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْهُ , فَطَرِيق الْجَمْع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات أَنْ يُقَال إِحْدَاهُنَّ مُبْهَمَة وَأُولَاهُنَّ وَالسَّابِعَة مُعَيَّنَة و \" أَوْ \" إِنْ كَانَتْ فِي نَفْس الْخَبَر فَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ فَمُقْتَضَى حَمْل الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد أَنْ يُحْمَل عَلَى أَحَدهمَا لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَة عَلَى الرِّوَايَة الْمُعَيَّنَة , وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ فِي الْأُمّ وَالْبُوَيْطِيّ وَصَرَّحَ بِهِ الْمَرْعَشِيّ وَغَيْره مِنْ الْأَصْحَاب وَذَكَرَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد وَالسُّبْكِيّ بَحْثًا , وَهُوَ مَنْصُوص كَمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ كَانَتْ \" أَوْ \" شَكًّا مِنْ الرَّاوِي فَرِوَايَة مَنْ عَيَّنَ وَلَمْ يَشُكّ أَوْلَى مِنْ رِوَايَة مَنْ أَبْهَمَ أَوْ شَكَّ , فَيَبْقَى النَّظَر فِي التَّرْجِيح بَيْن رِوَايَة أُولَاهُنَّ وَرِوَايَة السَّابِعَة , وَرِوَايَة أُولَاهُنَّ أَرْجَح مِنْ حَيْثُ الْأَكْثَرِيَّة وَالْأَحْفَظِيَّة وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا ; لِأَنَّ تَتْرِيب الْأَخِيرَة يَقْتَضِي الِاحْتِيَاج إِلَى غَسْلَة أُخْرَى لِتَنْظِيفِهِ , وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيّ فِي حَرْمَلَة عَلَى أَنَّ الْأُولَى أَوْلَى وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ حُكْم النَّجَاسَة يَتَعَدَّى عَنْ مَحَلّهَا إِلَى مَا يُجَاوِرهَا بِشَرْطِ كَوْنه مَائِعًا , وَعَلَى تَنْجِيس الْمَائِعَات إِذَا وَقَعَ فِي جُزْء مِنْهَا نَجَاسَة , وَعَلَى تَنْجِيس الْإِنَاء الَّذِي يَتَّصِل بِالْمَائِعِ , وَعَلَى أَنَّ الْمَاء الْقَلِيل يَنْجُس بِوُقُوعِ النَّجَاسَة فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّر ; لِأَنَّ وُلُوغ الْكَلْب لَا يُغَيِّر الْمَاء الَّذِي فِي الْإِنَاء غَالِبًا , وَعَلَى أَنَّ وُرُود الْمَاء عَلَى النَّجَاسَة يُخَالِف وُرُودهَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِإِرَاقَةِ الْمَاء لَمَّا وَرَدَتْ عَلَيْهِ النَّجَاسَة , وَهُوَ حَقِيقَة فِي إِرَاقَة جَمِيعه وَأَمَرَ بِغَسْلِهِ , وَحَقِيقَته تَتَأَدَّى بِمَا يُسَمَّى غَسْلًا وَلَوْ كَانَ مَا يُغْسَل بِهِ أَقَلّ مِمَّا أُرِيقَ. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏خَالَفَ ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة , فَأَمَّا الْمَالِكِيَّة فَلَمْ يَقُولُوا بِالتَّتْرِيبِ أَصْلًا مَعَ إِيجَابهمْ التَّسْبِيع عَلَى الْمَشْهُور عِنْدهمْ ; لِأَنَّ التَّتْرِيب لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة مَالِك , قَالَ الْقَرَافِيّ مِنْهُمْ : قَدْ صَحَّتْ فِيهِ الْأَحَادِيث , فَالْعَجَب مِنْهُمْ كَيْف لَمْ يَقُولُوا بِهَا. وَعَنْ مَالِك رِوَايَة أَنَّ الْأَمْر بِالتَّسْبِيعِ لِلنَّدْبِ , وَالْمَعْرُوف عِنْد أَصْحَابه أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ لَكِنَّهُ لِلتَّعَبُّدِ لِكَوْنِ الْكَلْب طَاهِرًا عِنْدهمْ , وَأَبْدَى بَعْض مُتَأَخِّرِيهِمْ لَهُ حِكْمَة غَيْر التَّنْجِيس كَمَا سَيَأْتِي. وَعَنْ مَالِك رِوَايَة بِأَنَّهُ نَجِس ; لَكِنَّ قَاعِدَته أَنَّ الْمَاء لَا يَنْجُس إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ , فَلَا يَجِب التَّسْبِيع لِلنَّجَاسَةِ بَلْ لِلتَّعَبُّدِ , لَكِنْ يَرِد عَلَيْهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّل هَذَا الْحَدِيث فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِم وَغَيْره مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْنِ سِيرِينَ وَهَمَّام بْن مُنَبِّه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" طَهُور إِنَاء أَحَدكُمْ \" لِأَنَّ الطَّهَارَة تُسْتَعْمَل إِمَّا عَنْ حَدَث أَوْ خَبَث , وَلَا حَدَث عَلَى الْإِنَاء فَتَعَيَّنَ الْخَبَث. وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْحَصْر لِأَنَّ التَّيَمُّم لَا يَرْفَع الْحَدَث وَقَدْ قِيلَ لَهُ طَهُور الْمُسْلِم ; وَلِأَنَّ الطَّهَارَة تُطْلَق عَلَى غَيْر ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة تُطَهِّرهُمْ ) وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" السِّوَاك مَطْهَرَة لِلْفَمِ \" وَالْجَوَاب عَنْ الْأَوَّل بِأَنَّ التَّيَمُّم نَاشِئ عَنْ حَدَث فَلَمَّا قَامَ مَقَامَ مَا يُطَهِّر الْحَدَث سُمِّيَ طَهُورًا. وَمَنْ يَقُول بِأَنَّهُ يَرْفَع الْحَدَث يَمْنَع هَذَا الْإِيرَاد مِنْ أَصْله. وَالْجَوَاب عَنْ الثَّانِي أَنَّ أَلْفَاظ الشَّرْع إِذَا دَارَتْ بَيْن الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة وَالشَّرْعِيَّة حُمِلَتْ عَلَى الشَّرْعِيَّة إِلَّا إِذَا قَامَ دَلِيل , وَدَعْوَى بَعْض الْمَالِكِيَّة أَنَّ الْمَأْمُور بِالْغَسْلِ مِنْ وُلُوغه الْكَلْب الْمَنْهِيّ عَنْ اِتِّخَاذه دُون الْمَأْذُون فِيهِ يَحْتَاج إِلَى ثُبُوت تَقَدُّم النَّهْي عَنْ الِاتِّخَاذ عَنْ الْأَمْر بِالْغَسْلِ , وَإِلَى قَرِينَة تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد مَا لَمْ يُؤْذَن فِي اِتِّخَاذه ; لِأَنَّ الظَّاهِر مِنْ اللَّام فِي قَوْله الْكَلْب أَنَّهَا لِلْجِنْسِ أَوْ لِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّة فَيَحْتَاج الْمُدَّعِي أَنَّهَا لِلْعَهْدِ إِلَى دَلِيل , وَمِثْله تَفْرِقَة بَعْضهمْ بَيْن الْبَدَوِيّ وَالْحَضَرِيّ , وَدَعْوَى بَعْضهمْ أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوص بِالْكَلْبِ الْكَلِب , وَأَنَّ الْحِكْمَة فِي الْأَمْر بِغَسْلِهِ مِنْ جِهَة الطِّبّ لِأَنَّ الشَّارِع اِعْتَبَرَ السَّبْع فِي مَوَاضِع مِنْهُ كَقَوْلِهِ \" صُبُّوا عَلَيَّ مِنْ سَبْع قِرَب \" , قَوْله \" مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَات عَجْوَة \". وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْكَلْب الْكَلِب لَا يَقْرَب الْمَاء فَكَيْف يُؤْمَر بِالْغَسْلِ مِنْ وُلُوغه ؟ وَأَجَابَ حَفِيد اِبْن رُشْد بِأَنَّهُ لَا يَقْرَب الْمَاء بَعْد اِسْتِحْكَام الْكَلْب مِنْهُ , أَمَّا فِي اِبْتِدَائِهِ فَلَا يَمْتَنِع. وَهَذَا التَّعْلِيل وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُنَاسَبَة لَكِنَّهُ يَسْتَلْزِم التَّخْصِيص بِلَا دَلِيل وَالتَّعْلِيل بِالتَّنْجِيسِ أَقْوَى لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوص , وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ اِبْن عَبَّاس التَّصْرِيح بِأَنَّ الْغَسْل مِنْ وُلُوغ الْكَلْب بِأَنَّهُ رِجْس رَوَاهُ مُحَمَّد بْن نَصْر الْمَرْوَزِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح وَلَمْ يَصِحّ عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة خِلَافه وَالْمَشْهُور عَنْ الْمَالِكِيَّة أَيْضًا التَّفْرِقَة بَيْن إِنَاء الْمَاء فَيُرَاق وَيُغْسَل وَبَيْن إِنَاء الطَّعَام فَيُؤْكَل ثُمَّ يُغْسَل الْإِنَاء تَعَبُّدًا لِأَنَّ الْأَمْر بِالْإِرَاقَةِ عَامّ فَيُخَصّ الطَّعَام مِنْهُ بِالنَّهْيِ عَنْ إِضَاعَة الْمَال , وَعُورِضَ بِأَنَّ النَّهْي عَنْ الْإِضَاعَة مَخْصُوص بِالْأَمْرِ بِالْإِرَاقَةِ وَيَتَرَجَّح هَذَا الثَّانِي بِالْإِجْمَاعِ عَلَى إِرَاقَة مَا تَقَع فِيهِ النَّجَاسَة مِنْ قَلِيل الْمَائِعَات وَلَوْ عَظُمَ ثَمَنه , فَثَبَتَ أَنَّ عُمُوم النَّهْي عَنْ الْإِضَاعَة مَخْصُوص بِخِلَافِ الْأَمْر بِالْإِرَاقَةِ , وَإِذَا ثَبَتَتْ نَجَاسَة سُؤْره كَانَ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون لِنَجَاسَةِ عَيْنه أَوْ لِنَجَاسَةٍ طَارِئَة كَأَكْلِ الْمَيْتَة مَثَلًا ; لَكِنَّ الْأَوَّل أَرْجَح إِذْ هُوَ الْأَصْل ; وَلِأَنَّهُ يَلْزَم عَلَى الثَّانِي مُشَارَكَة غَيْره لَهُ فِي الْحُكْم كَالْهِرَّةِ مَثَلًا , وَإِذَا ثَبَتَتْ نَجَاسَة سُؤْره لِعَيْنِهِ لَمْ يَدُلّ عَلَى نَجَاسَة بَاقِيه إِلَّا بِطَرِيقِ الْقِيَاس كَأَنْ يُقَال : لُعَابه نَجِس فَفَمه نَجِس لِأَنَّهُ مُتَحَلِّب مِنْهُ وَاللُّعَاب عَرَق فَمه وَفَمه أَطْيَب بَدَنه فَيَكُون عَرَقه نَجِسًا وَإِذَا كَانَ عَرَقه نَجِسًا كَانَ بَدَنه نَجِسًا لِأَنَّ الْعَرَق مُتَحَلِّب مِنْ الْبَدَن وَلَكِنْ هَلْ يَلْتَحِق بَاقِي أَعْضَائِهِ بِلِسَانِهِ فِي وُجُوب السَّبْع وَالتَّتْرِيب أَمْ لَا ؟ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ مِنْ كَلَام النَّوَوِيّ , وَأَمَّا الْحَنَفِيَّة فَلَمْ يَقُولُوا بِوُجُوبِ السَّبْع وَلَا التَّتْرِيب , وَاعْتَذَرَ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْره عَنْهُمْ بِأُمُورٍ , مِنْهَا كَوْن أَبِي هُرَيْرَة رَاوِيهِ أَفْتَى بِثَلَاثِ غَسَلَات فَثَبَتَ بِذَلِكَ نَسْخ السَّبْع , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَفْتَى بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِ نَدْبِيَّة السَّبْع لَا وُجُوبهَا أَوْ كَانَ نَسِيَ مَا رَوَاهُ , وَمَعَ الِاحْتِمَال لَا يَثْبُت النَّسْخ , وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَفْتَى بِالْغَسْلِ سَبْعًا وَرِوَايَة مَنْ رَوَى عَنْهُ مُوَافِقَة فُتْيَاهُ لِرِوَايَتِهِ أَرْجَح مِنْ رِوَايَة مَنْ رَوَى عَنْهُ مُخَالَفَتهَا مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَاد وَمِنْ حَيْثُ النَّظَر , أَمَّا النَّظَر فَظَاهِر وَأَمَّا الْإِسْنَاد فَالْمُوَافَقَة وَرَدَتْ مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْهُ وَهَذَا مِنْ أَصَحّ الْأَسَانِيد , وَأَمَّا الْمُخَالَفَة فَمِنْ رِوَايَة عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي سُلَيْمَان عَنْ عَطَاء عَنْهُ وَهُوَ دُون الْأَوَّل فِي الْقُوَّة بِكَثِيرٍ , وَمِنْهَا أَنَّ الْعَذِرَة أَشَدّ فِي النَّجَاسَة مِنْ سُؤْر الْكَلْب , وَلَمْ يُقَيَّد بِالسَّبْعِ فَيَكُون الْوُلُوغ كَذَلِكَ مِنْ بَاب الْأَوْلَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنهَا أَشَدّ مِنْهُ فِي الِاسْتِقْذَار أَنْ لَا يَكُون أَشَدّ مِنْهَا فِي تَغْلِيظ الْحُكْم , وَبِأَنَّهُ قِيَاس فِي مُقَابَلَة النَّصّ وَهُوَ فَاسِد الِاعْتِبَار. وَمِنْهَا دَعْوَى أَنَّ الْأَمْر بِذَلِكَ كَانَ عِنْد الْأَمْر بِقَتْلِ الْكِلَاب , فَلَمَّا نُهِيَ عَنْ قَتْلهَا نُسِخَ الْأَمْر بِالْغَسْلِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَمْر بِقَتْلِهَا كَانَ فِي أَوَائِل الْهِجْرَة وَالْأَمْر بِالْغَسْلِ مُتَأَخِّر جِدًّا لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة وَعَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل , وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن مُغَفَّل أَنَّهُ سَمِعَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُر بِالْغَسْلِ وَكَانَ إِسْلَامه سَنَة سَبْع كَأَبِي هُرَيْرَة , بَلْ سِيَاق مُسْلِم ظَاهِر فِي أَنَّ الْأَمْر بِالْغَسْلِ كَانَ بَعْد الْأَمْر بِقَتْلِ الْكِلَاب , وَمِنْهَا إِلْزَام الشَّافِعِيَّة بِإِيجَابِ ثَمَان غَسَلَات عَمَلًا بِظَاهِرِ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَلَفْظه \" فَاغْسِلُوهُ سَبْع مَرَّات وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَة فِي التُّرَاب \" وَفِي رِوَايَة أَحْمَد \" بِالتُّرَابِ \" وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الشَّافِعِيَّة لَا يَقُولُونَ بِظَاهِرِ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل أَنْ يَتْرُكُوا هُمْ الْعَمَل بِالْحَدِيثِ أَصْلًا وَرَأْسًا ; لِأَنَّ اِعْتِذَار الشَّافِعِيَّة عَنْ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مُتَّجِهًا فَذَاكَ , وَإِلَّا فَكُلّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ مَلُوم فِي تَرْك الْعَمَل بِهِ , قَالَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد. وَقَدْ اِعْتَذَرَ بَعْضهمْ عَنْ الْعَمَل بِهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافه , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ ثَبَتَ الْقَوْل بِذَلِكَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ , وَبِهِ قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل فِي رِوَايَة حَرْب الْكَرْمَانِيّ عَنْهُ , وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ حَدِيث لَمْ أَقِف عَلَى صِحَّته ; وَلَكِنَّ هَذَا لَا يُثْبِت الْعُذْر لِمَنْ وَقَفَ عَلَى صِحَّته , وَجَنَحَ بَعْضهمْ إِلَى التَّرْجِيح لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة عَلَى حَدِيث اِبْن مُغَفَّل , وَالتَّرْجِيح لَا يُصَار إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَان الْجَمْع , وَالْأَخْذ بِحَدِيثِ اِبْن مُغَفَّل يَسْتَلْزِم الْأَخْذ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة دُون الْعَكْس , وَالزِّيَادَة مِنْ الثِّقَة مَقْبُولَة. وَلَوْ سَلَكْنَا التَّرْجِيح فِي هَذَا الْبَاب لَمْ نَقُلْ بِالتَّتْرِيبِ أَصْلًا لِأَنَّ رِوَايَة مَالِك بِدُونِهِ أَرْجَح مِنْ رِوَايَة مَنْ أَثْبَتَهُ , وَمَعَ ذَلِكَ فَقُلْنَا بِهِ أَخْذًا بِزِيَادَةِ الثِّقَة. وَجَمَعَ بَعْضهمْ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ بِضَرْبٍ مِنْ الْمَجَاز فَقَالَ : لَمَّا كَانَ التُّرَاب جِنْسًا غَيْر الْمَاء جُعِلَ اِجْتِمَاعهمَا فِي الْمَرَّة الْوَاحِدَة مَعْدُودًا بِاثْنَتَيْنِ. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد بِأَنَّ قَوْله \" وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَة بِالتُّرَابِ \" ظَاهِر فِي كَوْنهَا غَسْلَة مُسْتَقِلَّة , لَكِنْ لَوْ وَقَعَ التَّعْفِير فِي أَوَّله قَبْل وُرُود الْغَسَلَات السَّبْع كَانَتْ الْغَسَلَات ثَمَانِيَة وَيَكُون إِطْلَاق الْغَسْلَة عَلَى التَّتْرِيب مَجَازًا. وَهَذَا الْجَمْع مِنْ مُرَجِّحَات تَعَيُّن التُّرَاب فِي الْأُولَى. وَالْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث وَمَا يَتَفَرَّع مِنْهُ مُنْتَشِر جِدًّا , وَيُمْكِن أَنْ يُفْرَد بِالتَّصْنِيفِ ; وَلَكِنَّ هَذَا الْقَدْر كَافٍ فِي هَذَا الْمُخْتَصَر. وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. ‏"
    },
    {
        "id": "168",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ ‏ ‏الثَّرَى ‏ ‏مِنْ الْعَطَشِ فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى ‏ ‏أَرْوَاهُ ‏ ‏فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَنْصُور الْكَوْسَج كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج , وَعَبْد الصَّمَد هُوَ اِبْن عَبْد الْوَارِث , وَشَيْخه عَبْد الرَّحْمَن تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضهمْ لَكِنَّهُ صَدُوق وَلَمْ يَنْفَرِد بِهَذَا الْحَدِيث , وَالْإِسْنَاد مِنْهُ فَصَاعِدًا مَدَنِيُّونَ , وَأَبُوهُ وَشَيْخه أَبُو صَالِح السَّمَّان تَابِعِيَّانِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏لَمْ يُسَمَّ هَذَا الرَّجُل وَهُوَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( يَأْكُل الثَّرَى ) ‏ ‏بِالْمُثَلَّثَةِ أَيْ يَلْعَق التُّرَاب النَّدِيّ , وَفِي الْمُحْكَم الثَّرَى التُّرَاب , وَقِيلَ التُّرَاب الَّذِي إِذَا بُلَّ لَمْ يَصِرْ طِينًا لَازِبًا. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْعَطَش ) ‏ ‏أَيْ بِسَبَبِ الْعَطَش. ‏ ‏قَوْله : ( يَغْرِف لَهُ بِهِ ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّف عَلَى طَهَارَة سُؤْر الْكَلْب لِأَنَّ ظَاهِره أَنَّهُ سَقَى الْكَلْب فِيهِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الِاسْتِدْلَال بِهِ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ شَرْع مَنْ قَبْلنَا شَرْع لَنَا وَفِيهِ اِخْتِلَاف , وَلَوْ قُلْنَا بِهِ لَكَانَ مَحَلّه فِيمَا لَمْ يُنْسَخ , وَمَعَ إِرْخَاء الْعِنَان لَا يَتِمّ الِاسْتِدْلَال بِهِ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون صَبَّهُ فِي شَيْء فَسَقَاهُ أَوْ غَسَلَ خُفّه بَعْد ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَلْبَسهُ بَعْد ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَشَكَرَ اللَّه لَهُ ) ‏ ‏أَيْ : أَثْنَى عَلَيْهِ فَجَزَاهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ قَبِلَ عَمَله وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّة. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث فِي بَاب فَضْل سَقْي الْمَاء مِنْ كِتَاب الشُّرْب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْله : ( وَقَالَ أَحْمَد بْن شَبِيب ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَمْزَة بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن عُمَر بْن الْخَطَّاب. ‏ ‏( كَانَتْ الْكِلَاب ) ‏ ‏زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ والْبَيْهَقِيّ فِي رِوَايَتهمَا لِهَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن شَبِيب الْمَذْكُور مَوْصُولًا بِصَرِيحِ التَّحْدِيث قَبْل قَوْله تُقْبِل \" تَبُول \" وَبَعْدهَا وَاو الْعَطْف , وَكَذَا ذَكَرَ الْأَصِيلِيّ أَنَّهَا فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن مَعْقِل عَنْ الْبُخَارِيّ , وَكَذَا أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُد وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن وَهْب عَنْ يُونُس بْن يَزِيد شَيْخ شَبِيب بْن سَعِيد الْمَذْكُور , وَعَلَى هَذَا فَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَة الْكِلَاب لِلِاتِّفَاقِ عَلَى نَجَاسَة بَوْلهَا قَالَهُ اِبْن الْمُنِير. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مَنْ يَقُول إِنَّ الْكَلْب يُؤْكَل وَأَنَّ بَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمه طَاهِر يَقْدَح فِي نَقْل الِاتِّفَاق , لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ جَمْع بِأَنَّ أَبْوَال الْحَيَوَانَات كُلّهَا طَاهِرَة إِلَّا الْآدَمِيّ , وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ اِبْن وَهْب حَكَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره عَنْهُ وَسَيَأْتِي فِي بَاب غَسْل الْبَوْل , وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : الْمُرَاد أَنَّهَا كَانَتْ تَبُول خَارِج الْمَسْجِد فِي مَوَاطِنهَا ثُمَّ تُقْبِل وَتُدْبِر فِي الْمَسْجِد , إِذْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْت غَلَق. قَالَ : وَيَبْعُد أَنْ تُتْرَك الْكِلَاب تَنْتَاب الْمَسْجِد حَتَّى تَمْتَهِنهُ بِالْبَوْلِ فِيهِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِذَا قِيلَ بِطَهَارَتِهَا لَمْ يَمْتَنِع ذَلِكَ كَمَا فِي الْهِرَّة , وَالْأَقْرَب أَنْ يُقَال : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي اِبْتِدَاء الْحَال عَلَى أَصْل الْإِبَاحَة ثُمَّ وَرَدَ الْأَمْر بِتَكْرِيمِ الْمَسَاجِد وَتَطْهِيرهَا وَجَعْل الْأَبْوَاب عَلَيْهَا , وَيُشِير إِلَى ذَلِكَ مَا زَادَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب فِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : كَانَ عُمَر يَقُول بِأَعْلَى صَوْته \" اِجْتَنِبُوا اللَّغْو فِي الْمَسْجِد \" قَالَ اِبْن عُمَر : وَقَدْ كُنْت أَبِيت فِي الْمَسْجِد عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ الْكِلَاب... إِلَخْ , فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الِابْتِدَاء , ثُمَّ وَرَدَ الْأَمْر بِتَكْرِيمِ الْمَسْجِد حَتَّى مِنْ لَغْو الْكَلَام , وَبِهَذَا يَنْدَفِع الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى طَهَارَة الْكَلْب. وَأَمَّا قَوْله \" فِي زَمَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَهُوَ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي جَمِيع الْأَزْمِنَة لِأَنَّهُ اِسْم مُضَاف لَكِنَّهُ مَخْصُوص بِمَا قَبْل الزَّمَن الَّذِي أُمِرَ فِيهِ بِصِيَانَةِ الْمَسْجِد , وَفِي قَوْله \" فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ \" مُبَالَغَة لِدَلَالَتِهِ عَلَى نَفْي الْغَسْل مِنْ بَاب الْأَوْلَى , وَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ اِبْن بَطَّال عَلَى طَهَارَة سُؤْره لِأَنَّ مِنْ شَأْن الْكِلَاب أَنْ تَتْبَع مَوَاضِع الْمَأْكُول , وَكَانَ بَعْض الصَّحَابَة لَا بُيُوت لَهُمْ إِلَّا الْمَسْجِد فَلَا يَخْلُو أَنْ يَصِل لُعَابهَا إِلَى بَعْض أَجْزَاء الْمَسْجِد , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ طَهَارَة الْمَسْجِد مُتَيَقَّنَة وَمَا ذُكِرَ مَشْكُوك فِيهِ , وَالْيَقِين لَا يُرْفَع بِالشَّكِّ. ثُمَّ إِنَّ دَلَالَته لَا تُعَارِض دَلَالَة مَنْطُوق الْحَدِيث الْوَارِد فِي الْأَمْر بِالْغَسْلِ مِنْ وُلُوغه , وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَن عَلَى أَنَّ الْأَرْض تَطْهُر إِذَا لَاقَتْهَا النَّجَاسَة بِالْجَفَافِ , يَعْنِي أَنَّ قَوْله \" لَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ \" يَدُلّ عَلَى نَفْي صَبّ الْمَاء مِنْ بَاب الْأَوْلَى , فَلَوْلَا أَنَّ الْجَفَاف يُفِيد تَطْهِير الْأَرْض مَا تَرَكُوا ذَلِكَ , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏حَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ الشَّارِح أَنَّهُ أَبْدَلَ قَوْله يَرُشُّونَ بِلَفْظِ \" يَرْتَقِبُونَ \" بِإِسْكَانِ الرَّاء ثُمَّ مُثَنَّاة مَفْتُوحَة ثُمَّ قَاف مَكْسُورَة ثُمَّ مُوَحَّدَة , وَفَسَّرَهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَخْشَوْنَ فَصُحِّفَ اللَّفْظ , وَأَبْعَدَ فِي التَّفْسِير لِأَنَّ مَعْنَى الِارْتِقَاب الِانْتِظَار , وَأَمَّا نَفْي الْخَوْف مِنْ نَفْي الِارْتِقَاب فَهُوَ تَفْسِير بِبَعْضِ لَوَازِمه. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "169",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي السَّفَرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ وَإِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ قُلْتُ أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ قَالَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِبْن أَبِي السَّفَر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَة أَنَّ اِسْمه عَبْد اللَّه , وَأَنَّ السَّفَر بِفَتْحِ الْفَاء , وَوَهَمَ مَنْ سَكَّنَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَدِيّ بْن حَاتِم ) ‏ ‏أَيْ الطَّائِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلْت ) ‏ ‏أَيْ : عَنْ حُكْم صَيْد الْكِلَاب , وَحَذَفَ لَفْظ السُّؤَال اِكْتِفَاء بِدَلَالَةِ الْجَوَاب عَلَيْهِ , وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّف مِنْ طَرِيق أُخْرَى فِي الصَّيْد كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَإِنَّمَا سَاقَ الْمُصَنِّف هَذَا الْحَدِيث هُنَا لِيَسْتَدِلّ بِهِ لِمَذْهَبِهِ فِي طَهَارَة سُؤْر الْكَلْب , وَمُطَابَقَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْله فِيهَا \" وَسُؤْر الْكِلَاب \" , وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْ الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لَهُ فِي أَكْل مَا صَادَهُ الْكَلْب وَلَمْ يُقَيِّد ذَلِكَ بِغَسْلِ مَوْضِع فَمه , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ مَالِك : كَيْف يُؤْكَل صَيْده وَيَكُون لُعَابه نَجِسًا ؟ وَأَجَابَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّ الْحَدِيث سِيقَ لِتَعْرِيفِ أَنَّ قَتْله ذَكَاته , وَلَيْسَ فِيهِ إِثْبَات نَجَاسَة وَلَا نَفْيهَا. وَيَدُلّ لِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ اِغْسِلْ الدَّم إِذَا خَرَجَ مِنْ جُرْح نَابِه ; لَكِنَّهُ وَكَلَهُ إِلَى مَا تَقَرَّرَ عِنْده مِنْ وُجُوب غَسْل الدَّم , فَلَعَلَّهُ وَكَلَهُ أَيْضًا إِلَى مَا تَقَرَّرَ عِنْده مِنْ غَسْل مَا يُمَاسّهُ فَمه. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنَّ السِّكِّين إِذَا سُقِيَتْ بِمَاءٍ نَجِس وَذَبَحَ بِهَا نَجَّسَتْ الذَّبِيحَة , وَنَاب الْكَلْب عِنْدهمْ نَجِس الْعَيْن , وَقَدْ وَافَقُونَا عَلَى أَنَّ ذَكَاته شَرْعِيَّة لَا تُنَجِّس الْمُذَكَّى. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ الِاتِّفَاق عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَة لَا تَصِير نَجِسَة بِعَضِّ الْكَلْب ثُبُوت الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِير مُتَنَجِّسَة , فَمَا أَلْزَمَهُمْ بِهِ مِنْ التَّنَاقُض لَيْسَ بِلَازِمٍ , عَلَى أَنَّ فِي الْمَسْأَلَة عِنْدهمْ خِلَافًا , وَالْمَشْهُور وُجُوب غَسْل الْمَعَضّ , وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِع بَسْط هَذِهِ الْمَسْأَلَة. ‏"
    },
    {
        "id": "170",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يُحْدِثْ فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏أَعْجَمِيٌّ مَا الْحَدَثُ يَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ الصَّوْتُ ‏ ‏يَعْنِي الضَّرْطَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِبْن أَبِي ذِئْب ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّ اِسْمه مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ إِلَّا آدَم وَقَدْ دَخَلَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( مَا كَانَ فِي الْمَسْجِد ) ‏ ‏, أَيْ : مَا دَامَ , وَهِيَ رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ , وَالْمُرَاد أَنَّهُ فِي ثَوَاب الصَّلَاة مَا دَامَ يَنْتَظِرهَا وَإِلَّا لَامْتَنَعَ عَلَيْهِ الْكَلَام وَنَحْوه , وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ نَكَّرَ قَوْله \" فِي صَلَاة \" لِيُشْعِر بِأَنَّ الْمُرَاد نَوْع صَلَاته الَّتِي يَنْتَظِرهَا , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الصَّلَاة فِي أَبْوَاب صَلَاة الْجَمَاعَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَعْجَمِيّ ) ‏ ‏أَيْ : غَيْر فَصِيح بِالْعَرَبِيَّةِ سَوَاء كَانَ عَرَبِيّ الْأَصْل أَمْ لَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا الْأَعْجَمِيّ هُوَ الْحَضْرَمِيّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْره فِي أَوَائِل كِتَاب الْوُضُوء. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الصَّوْت ) ‏ ‏كَذَا فَسَّرَهُ هُنَا , وَيُؤَيِّدهُ الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة قَبْل فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره حَيْثُ قَالَ \" لَا وُضُوء إِلَّا مِنْ صَوْت أَوْ رِيح \" فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا وُضُوء إِلَّا مِنْ ضُرَاط أَوْ فُسَاء , وَإِنَّمَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ دُون مَا هُوَ أَشَدّ مِنْهُمَا لِكَوْنِهِمَا لَا يَخْرُج مِنْ الْمَرْء غَالِبًا فِي الْمَسْجِد غَيْرهمَا , فَالظَّاهِر أَنَّ السُّؤَال وَقَعَ عَنْ الْحَدِيث الْخَاصّ وَهُوَ الْمَعْهُود وُقُوعه غَالِبًا فِي الصَّلَاة كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَائِل الْوُضُوء. ‏"
    },
    {
        "id": "171",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد ) ‏ ‏هُوَ الطَّيَالِسِيّ , وَإِنْ كَانَ هِشَام بْن عَمَّار يُكَنَّى أَيْضًا أَبَا الْوَلِيد , وَيَرْوِي أَيْضًا عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ وَيَرْوِي عَنْهُ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَمّه ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد الْمَازِنِيّ , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيثه هَذَا فِي \" بَاب لَا يَتَوَضَّأ مِنْ الشَّكّ حَتَّى يَسْتَيْقِن \" وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِظُهُورِ دَلَالَته عَلَى حَصْر النَّقْض بِمَا يَخْرُج مِنْ السَّبِيلَيْنِ , وَقَدْ قَدَّمْنَا تَوْجِيه إِلْحَاق بَقِيَّة النَّوَاقِض بِهِمَا أَوَائِل الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "172",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُنْذِرٍ أَبِي يَعْلَى الْثَّوْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏كُنْتُ رَجُلًا ‏ ‏مَذَّاءً ‏ ‏فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرْتُ ‏ ‏الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ ‏ ‏فَسَأَلَهُ فَقَالَ ‏ ‏فِيهِ الْوُضُوءُ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْمَتْن فِي بَاب غَسْل الْمَذْي مِنْ كِتَاب الْغُسْل إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَتَقَدَّمَتْ لَهُ طَرِيق أُخْرَى فِي أَوَاخِر كِتَاب الْعِلْم. وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِدَلَالَتِهِ عَلَى إِيجَاب الْوُضُوء مِنْ الْمَذْي وَهُوَ خَارِج مِنْ أَحَد الْمَخْرَجَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَوَاهُ شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش ) ‏ ‏أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَده عَنْ شُعْبَة كَذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "173",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏أَرَأَيْتَ ‏ ‏إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمْنِ قَالَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ قَالَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏وَالزُّبَيْرَ ‏ ‏وَطَلْحَةَ ‏ ‏وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعْد بْن حَفْص ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , إِلَّا الْقَابِسِيّ فَقَالَ \" سَعِيد \" وَكَذَا صَنَعَ فِي حَدِيثه الْآخَر الْآتِي فِي بَاب فَضْل النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه مِنْ كِتَاب الْجِهَاد , نَبَّهَ عَلَيْهِمَا الْجَيَّانِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا شَيْبَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ يَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير , عَنْ أَبِي سَلَمَة أَيْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف. وَفِي الْإِسْنَاد تَابِعِيَّانِ كَبِيرَانِ مَدَنِيَّانِ يَرْوِي أَحَدهمَا عَنْ الْآخَر وَصَحَابِيَّانِ كَذَلِكَ , وَيَحْيَى بْن أَبِي كَثِير أَيْضًا تَابِعِيّ صَغِير , فَفِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق. ‏ ‏قَوْله : ( أَرَأَيْت ) ‏ ‏أَيْ : أَخْبِرْنِي. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا جَامَعَ ) ‏ ‏أَيْ الرَّجُل فَلَمْ يُمْنِ بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّة وَسُكُون الْمِيم. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا يَتَوَضَّأ لِلصَّلَاةِ ) ‏ ‏بَيَان لِأَنَّ الْمُرَاد الْوُضُوء الشَّرْعِيّ لَا اللُّغَوِيّ , وَسَيَأْتِي حُكْم هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي آخِر كِتَاب الْغُسْل , وَنُبَيِّن هُنَاكَ أَنَّهُ مَنْسُوخ , وَلَا يُقَال إِذَا كَانَ مَنْسُوخًا كَيْف يَصِحّ الِاسْتِدْلَال بِهِ لِأَنَّا نَقُول الْمَنْسُوخ مِنْهُ عَدَم وُجُوب الْغُسْل وَنَاسِخه الْأَمْر بِالْغُسْلِ , وَأَمَّا الْأَمْر بِالْوُضُوءِ فَهُوَ بَاقٍ لِأَنَّهُ مُنْدَرِج تَحْت الْغُسْل , وَالْحِكْمَة فِي الْأَمْر بِالْوُضُوءِ قَبْل أَنْ يَجِب الْغُسْل إِمَّا لِكَوْنِ الْجِمَاع مَظِنَّة خُرُوج الْمَذْي أَوْ لِمُلَامَسَةِ الْمَرْأَة , وَبِهَذَا تَظْهَر مُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "174",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْسَلَ إِلَى ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ فَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏وَهْبٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَلَمْ يَقُلْ ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏وَيَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏الْوُضُوءُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيْرهَا , زَادَ الْأَصِيلِيّ \" هُوَ اِبْن مَنْصُور \" وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن مَنْصُور بْن بَهْرَام \" بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَهُوَ الْمَعْرُوف بِالْكَوْسَجِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا النَّضْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شُمَيْلٍ بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا , وَالْحَكَم هُوَ اِبْن عُتَيْبَة بِمُثَنَّاةٍ وَمُوَحَّدَة مُصَغَّرًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْسَلَ إِلَى رَجُل مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْره \" مَرَّ عَلَى رَجُل \" فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ مَرَّ بِهِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ , وَهَذَا الْأَنْصَارِيّ سَمَّاهُ مُسْلِم فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي سَعِيد \" عِتْبَان \" وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة ثُمَّ مُوَحَّدَة خَفِيفَة وَلَفْظه مِنْ رِوَايَة شَرِيك بْن أَبِي نَمِر عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي سَعِيد عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" خَرَجْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قُبَاء , حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَنِي سَالِم وَقَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَاب عِتْبَان فَخَرَجَ يَجُرّ إِزَاره. فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْجَلْنَا الرَّجُل \" فَذَكَرَ الْحَدِيث بِمَعْنَاهُ. وَعِتْبَان الْمَذْكُور هُوَ اِبْن مَالِك الْأَنْصَارِيّ كَمَا نَسَبَهُ بَقِيّ بْن مَخْلَد فِي رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة فِي صَحِيح أَبِي عَوَانَة أَنَّهُ اِبْن عِتْبَان وَالْأَوَّل أَصَحّ , وَرَوَاهُ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَنْ سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي سَعِيد عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه لَكِنَّهُ قَالَ \" فَهَتَفَ بِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابه يُقَال لَهُ صَالِح \" فَإِنْ حُمِلَ عَلَى تَعَدُّد الْوَاقِعَة وَإِلَّا فَطَرِيق مُسْلِم أَصَحّ. وَقَدْ وَقَعَتْ الْقِصَّة أَيْضًا لِرَافِعِ بْن خَدِيج وَغَيْره أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَغَيْره ; وَلَكِنَّ الْأَقْرَب فِي تَفْسِير الْمُبْهَم الَّذِي فِي الْبُخَارِيّ أَنَّهُ عِتْبَان. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( يَقْطُر ) ‏ ‏أَيْ : يَنْزِل مِنْهُ الْمَاء قَطْرَة قَطْرَة مِنْ أَثَر الْغُسْل. ‏ ‏قَوْله : ( لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاك ) ‏ ‏أَيْ : عَنْ فَرَاغ حَاجَتك مِنْ الْجِمَاع , وَفِيهِ جَوَاز الْأَخْذ بِالْقَرَائِنِ ; لِأَنَّ الصَّحَابِيّ لَمَّا أَبْطَأَ عَنْ الْإِجَابَة مُدَّة الِاغْتِسَال خَالَفَ الْمَعْهُود مِنْهُ وَهُوَ سُرْعَة الْإِجَابَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا رَأَى عَلَيْهِ أَثَر الْغُسْل دَلَّ عَلَى أَنَّ شُغْله كَانَ بِهِ , وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون نَزَعَ قَبْل الْإِنْزَال لِيُسْرِع الْإِجَابَة , أَوْ كَانَ أَنْزَلَ فَوَقَعَ السُّؤَال عَنْ ذَلِكَ. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الدَّوَام عَلَى الطَّهَارَة لِكَوْنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ تَأْخِير إِجَابَته , وَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل إِيجَابهَا , إِذْ الْوَاجِب لَا يُؤَخَّر لِلْمُسْتَحَبِّ. وَقَدْ كَانَ عِتْبَان طَلَبَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْته فِي مَكَان يَتَّخِذهُ مُصَلًّى فَأَجَابَهُ , كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه , فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون هِيَ هَذِهِ الْوَاقِعَة , وَقَدَّمَ الِاغْتِسَال لِيَكُونَ مُتَأَهِّبًا لِلصَّلَاةِ مَعَهُ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا أُعْجِلْت ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الْجِيم , وَفِي أَصْل أَبِي ذَرّ \" إِذَا عُجِّلْت \" بِلَا هَمْز وَ \" قُحِطْت \" وَفِي رِوَايَة غَيْره \" أُقْحِطْت \" بِوَزْنِ أُعْجِلْت , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ. قَالَ صَاحِب الْأَفْعَال : يُقَال أَقَحَطَ الرَّجُل إِذَا جَامَعَ وَلَمْ يُنْزِل. وَحَكَى اِبْن الْجَوْزِيّ عَنْ اِبْن الْخَشَّاب أَنَّ الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُونَ قَحَطَ بِفَتْحِ الْقَاف , قَالَ : وَالصَّوَاب الضَّمّ. قُلْت : وَرِوَايَته فِي أَمَالِي أَبِي عَلِيّ الْقَالِيّ بِالْوَجْهَيْنِ فِي الْقَاف , وَبِزِيَادَةِ الْهَمْزَة الْمَضْمُومَة , يُقَال قَحَطَ النَّاس وَأُقْحِطُوا إِذَا حُبِسَ عَنْهُمْ الْمَطَر , وَمِنْهُ اُسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِتَأَخُّرِ الْإِنْزَال. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَيْسَ قَوْله \" أَوْ \" لِلشَّكِّ بَلْ هُوَ لِبَيَانِ عَدَم الْإِنْزَال سَوَاء كَانَ بِحَسَبِ أَمْر مِنْ ذَات الشَّخْص أَمْ لَا , وَهَذَا بِنَاء عَلَى أَنَّ إِحْدَاهُمَا بِالتَّعْدِيَةِ وَإِلَّا فَهِيَ لِلشَّكِّ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ وَهْب ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن جَرِير بْن حَازِم , وَالضَّمِير يَعُود عَلَى النَّضْر , وَمُتَابَعَة وَهْب وَصَلَهَا أَبُو الْعَبَّاس السَّرَّاج فِي مُسْنَده عَنْ زِيَاد بْن أَيُّوب عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَقُلْ غُنْدَر وَيَحْيَى عَنْ شُعْبَة الْوُضُوء ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ غُنْدَرًا وَهُوَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَيَحْيَى وَهُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان رَوَيَا هَذَا الْحَدِيث عَنْ شُعْبَة بِهَذَا الْإِسْنَاد وَالْمَتْن , لَكِنْ لَمْ يَقُولَا فِيهِ \" عَلَيْك الْوُضُوء \" فَأَمَّا يَحْيَى فَهُوَ كَمَا قَالَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل فِي مُسْنَده عَنْهُ وَلَفْظه \" فَلَيْسَ عَلَيْك غُسْل \" وَأَمَّا غُنْدَر فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا فِي مُسْنَده عَنْهُ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الْوُضُوء وَلَفْظه \" فَلَا غُسْل عَلَيْك , عَلَيْك الْوُضُوء \" , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَابْن مَاجَهْ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طُرُق عَنْهُ , وَكَذَا ذَكَرَهُ أَكْثَر أَصْحَاب شُعْبَة كَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ وَغَيْره عَنْهُ , فَكَأَنَّ بَعْض مَشَايِخ الْبُخَارِيّ حَدَّثَهُ بِهِ عَنْ يَحْيَى وَغُنْدَر مَعًا فَسَاقَهُ لَهُ عَلَى لَفْظ يَحْيَى وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ كَانَ بَيْن الصَّحَابَة اِخْتِلَاف فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي آخِر كِتَاب الْغُسْل إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "175",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا ‏ ‏أَفَاضَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عَرَفةَ ‏ ‏عَدَلَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الشِّعْبِ ‏ ‏فَقَضَى حَاجَتَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي فَقَالَ ‏ ‏الْمُصَلَّى أَمَامَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِبْن سَلَام ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد كَمَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ. وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد رِوَايَة الْأَقْرَان لِأَنَّ يَحْيَى وَمُوسَى بْن عُقْبَة تَابِعِيَّانِ صَغِيرَانِ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة , وَكُرَيْب مَوْلَى اِبْن عَبَّاس مِنْ أَوَاسِط التَّابِعِينَ فَفِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى شَيْء مِنْ مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب إِسْبَاغ الْوُضُوء \" وَيَأْتِي بَاقِيهَا فِي كِتَاب الْحَجّ. وَوَقَعَ فِي تَرَاجِم الْبُخَارِيّ لِابْنِ الْمُنِير فِي هَذَا الْمَوْضِع وَهْم , فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ اِبْن عَبَّاس عَنْ أُسَامَة , وَلَيْسَ هُوَ مِنْ رِوَايَة اِبْن عَبَّاس وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ رِوَايَة كُرَيْب مَوْلَى اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( أَصُبّ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَة وَمَفْعُوله مَحْذُوف أَيْ : الْمَاء. وَقَوْله \" وَيَتَوَضَّأ \" أَيْ : وَهُوَ يَتَوَضَّأ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّف عَلَى الِاسْتِعَانَة فِي الْوُضُوء , لَكِنْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْكَرَاهِيَة مُخْتَصَّة بِغَيْرِ الْمَشَقَّة أَوْ الِاحْتِيَاج فِي الْجُمْلَة لَا يَسْتَدِلّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ أُسَامَة لِأَنَّهُ كَانَ فِي السَّفَر. وَكَذَا حَدِيث الْمُغِيرَة الْمَذْكُور , قَالَ اِبْن الْمُنِير : قَاسَ الْبُخَارِيّ تَوْضِئَة الرَّجُل غَيْره عَلَى صَبّه عَلَيْهِ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي مَعْنَى الْإِعَانَة. قُلْت : وَالْفَرْق بَيْنهمَا ظَاهِر , وَلَمْ يُفْصِح الْبُخَارِيّ فِي الْمَسْأَلَة بِجَوَازٍ وَلَا غَيْره , وَهَذِهِ عَادَته فِي الْأُمُور الْمُحْتَمَلَة. قَالَ النَّوَوِيّ : الِاسْتِعَانَة ثَلَاثَة أَقْسَام : إِحْضَار الْمَاء , وَلَا كَرَاهَة فِيهِ أَصْلًا. قُلْت : لَكِنْ الْأَفْضَل خِلَافه. قَالَ : الثَّانِي مُبَاشَرَة الْأَجْنَبِيّ الْغُسْل , وَهَذَا مَكْرُوه إِلَّا لِحَاجَةٍ. الثَّالِث : الصَّبّ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدهمَا يُكْرَه , وَالثَّانِي خِلَاف الْأَوْلَى. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ لَا يَكُون خِلَاف الْأَوْلَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يَفْعَلهُ لِبَيَانِ الْجَوَاز فَلَا يَكُون فِي حَقّه خِلَاف الْأَوْلَى بِخِلَافِ غَيْره. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : إِذَا كَانَ الْأَوْلَى تَرْكه كَيْف يُنَازَع فِي كَرَاهَته ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ كُلّ مَكْرُوه فِعْله خِلَاف الْأَوْلَى مِنْ غَيْر عَكْس , إِذْ الْمَكْرُوه يُطْلَق عَلَى الْحَرَام بِخِلَافِ الْآخَر. ‏"
    },
    {
        "id": "176",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ وَأَنَّهُ ذَهَبَ لِحَاجَةٍ لَهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُغِيرَةَ ‏ ‏جَعَلَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ ‏ ‏فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ الْفَلَّاس أَحَد الْحُفَّاظ الْبَصْرِيِّينَ , وَعَبْد الْوَهَّاب هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ , وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيّ , وَسَعْد بْن إِبْرَاهِيم أَيْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف. وَفِي الْإِسْنَاد رِوَايَة الْأَقْرَان فِي مَوْضِعَيْنِ ; لِأَنَّ يَحْيَى وَسَعْدًا تَابِعِيَّانِ صَغِيرَانِ , وَنَافِع بْن جُبَيْر وَعُرْوَة بْن الْمُغِيرَة تَابِعِيَّانِ وَسَطَانِ , فَفِيهِ أَرْبَعَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق وَهُوَ مِنْ النَّوَادِر. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ كَانَ ) ‏ ‏أَدَّى عُرْوَة مَعْنَى كَلَام أَبِيهِ بِعِبَارَةِ نَفْسه , وَإِلَّا فَكَانَ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ يَقُول : قَالَ إِنِّي كُنْت , وَكَذَا قَوْله \" وَأَنَّ الْمُغِيرَة جَعَلَ \" وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال هُوَ اِلْتِفَات عَلَى رَأْي فَيَكُون عُرْوَة أَدَّى لَفْظ أَبِيهِ , وَالضَّمِير فِي قَوْله \" وَأَنَّهُ ذَهَبَ \" وَفِي قَوْله \" لَهُ \" لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث تَأْتِي فِي الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا الِاسْتِدْلَال عَلَى الِاسْتِعَانَة. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا مِنْ الْقُرُبَات الَّتِي يَجُوز لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْمَلهَا عَنْ غَيْره بِخِلَافِ الصَّلَاة , قَالَ : وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيّ مِنْ صَبّ الْمَاء عَلَيْهِ عِنْد الْوُضُوء أَنَّهُ يَجُوز لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَضِّئهُ غَيْره ; لِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَ الْمُتَوَضِّئ الِاغْتِرَاف مِنْ الْمَاء لِأَعْضَائِهِ وَجَازَ لَهُ أَنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ غَيْرُهُ بِالصَّبِّ - وَالِاغْتِرَافُ بَعْضُ عَمَل الْوُضُوء - كَذَلِكَ يَجُوز فِي بَقِيَّة أَعْمَاله. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّ الِاغْتِرَاف مِنْ الْوَسَائِل لَا مِنْ الْمَقَاصِد ; لِأَنَّهُ لَوْ اِغْتَرَفَ ثُمَّ نَوَى أَنْ يَتَوَضَّأ جَازَ , وَلَوْ كَانَ الِاغْتِرَاف عَمَلًا مُسْتَقِلًّا لَكَانَ قَدْ قَدَّمَ النِّيَّة عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوز. وَحَاصِله التَّفْرِقَة بَيْن الْإِعَانَة بِالصَّبِّ وَبَيْن الْإِعَانَة بِمُبَاشَرَةِ الْغَيْر لِغَسْلِ الْأَعْضَاء , وَهَذَا هُوَ الْفَرْق الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ قَبْلُ. وَالْحَدِيثَانِ دَالَّانِ عَلَى عَدَم كَرَاهَة الِاسْتِعَانَة بِالصَّبِّ , وَكَذَا إِحْضَار الْمَاء مِنْ بَاب الْأَوْلَى. وَأَمَّا الْمُبَاشَرَة فَلَا دَلَالَة فِيهِمَا عَلَيْهَا , نَعَمْ يُسْتَحَبّ أَنْ لَا يَسْتَعِين أَصْلًا. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيُّ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَقُول : مَا أُبَالِي مَنْ أَعَانَنِي عَلَى طُهُورِي أَوْ عَلَى رُكُوعِي وَسُجُودِي , فَمَحْمُول عَلَى الْإِعَانَة بِالْمُبَاشَرَةِ لِلصَّبِّ , بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَغَيْره عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ كَانَ يَسْكُب عَلَى اِبْن عُمَر وَهُوَ يَغْسِل رِجْلَيْهِ. وَقَدْ رَوَى الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك مِنْ حَدِيث الرُّبَيِّع بِنْت مُعَوِّذ أَنَّهَا قَالَتْ : أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَضُوءٍ فَقَالَ : اُسْكُبِي , فَسَكَبْت عَلَيْهِ. وَهَذَا أَصْرَح فِي عَدَم الْكَرَاهَة مِنْ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ; لِكَوْنِهِ فِي الْحَضَر ; وَلِكَوْنِهِ بِصِيغَةِ الطَّلَب ; لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْط الْمُصَنِّف. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "177",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ ‏ ‏مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهِيَ خَالَتُهُ فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ ‏ ‏وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ ‏ ‏الْخَوَاتِمَ ‏ ‏مِنْ سُورَةِ آلِ ‏ ‏عِمْرَانَ ‏ ‏ثُمَّ قَامَ إِلَى ‏ ‏شَنٍّ ‏ ‏مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ ‏ ‏يُصَلِّي قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى ‏ ‏يَفْتِلُهَا ‏ ‏فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس. ‏ ‏قَوْله : ( مَخْرَمَةَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَإِسْكَان الْمُعْجَمَة , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاضْطَجَعْت ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ اِبْن عَبَّاس , وَفِيهِ اِلْتِفَات لِأَنَّ أُسْلُوب الْكَلَام كَانَ يَقْتَضِي أَنْ يَقُول فَاضْطَجَعَ لِأَنَّهُ قَالَ قَبْل ذَلِكَ إِنَّهُ بَاتَ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي عَرْض ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله عَلَى الْمَشْهُور , وَبِالضَّمِّ أَيْضًا , وَأَنْكَرَهُ الْبَاجِيّ مِنْ جِهَة النَّقْل وَمِنْ جِهَة الْمَعْنَى قَالَ : لِأَنَّ الْعُرْض بِالضَّمِّ هُوَ الْجَانِب وَهُوَ لَفْظ مُشْتَرَك. قُلْت : لَكِنْ لَمَّا قَالَ \" فِي طُولهَا \" تَعَيَّنَ الْمُرَاد , وَقَدْ صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَة فَلَا وَجْه لِلْإِنْكَارِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَمْسَح النَّوْم ) ‏ ‏أَيْ : يَمْسَح بِيَدِهِ عَيْنَيْهِ , مِنْ بَاب إِطْلَاق اِسْم الْحَالّ عَلَى الْمَحَلّ , أَوْ أَثَر النَّوْم مِنْ بَاب إِطْلَاق السَّبَب عَلَى الْمُسَبَّب. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْر الْآيَات أَوَّلهَا ) ( إِنَّ فِي خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ) إِلَى آخِر السُّورَة. قَالَ اِبْن بَطَّال وَمَنْ تَبِعَهُ : فِيهِ دَلِيل عَلَى رَدّ مَنْ كَرِهَ قِرَاءَة الْقُرْآن عَلَى غَيْر طَهَارَة ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَات بَعْد قِيَامه مِنْ النَّوْم قَبْل أَنْ يَتَوَضَّأ. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير وَغَيْره بِأَنَّ ذَلِكَ مُفَرَّع عَلَى أَنَّ النَّوْم فِي حَقّه يَنْقُض , وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَالَ \" تَنَام عَيْنَايَ وَلَا يَنَام قَلْبِي \" وَأَمَّا كَوْنه تَوَضَّأَ عَقِب ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ جَدَّدَ الْوُضُوء أَوْ أَحْدَثَ بَعْد ذَلِكَ فَتَوَضَّأَ. قُلْت : وَهُوَ تَعْقِيب جَيِّد بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَوْل اِبْن بَطَّال : بَعْد قِيَامه مِنْ النَّوْم ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّن كَوْنه أَحْدَثَ فِي النَّوْم , لَكِنْ لَمَّا عَقَّبَ ذَلِكَ بِالْوُضُوءِ كَانَ ظَاهِرًا فِي كَوْنه أَحْدَثَ , وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن نَوْمه لَا يَنْقُض وُضُوءَهُ أَنْ لَا يَقَع مِنْهُ حَدَث وَهُوَ نَائِم , نَعَمْ خُصُوصِيَّته أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ شَعَرَ بِهِ بِخِلَافِ غَيْره. وَمَا اِدَّعَوْهُ مِنْ التَّجْدِيد وَغَيْره الْأَصْل عَدَمه. وَقَدْ سَبَقَ الْإِسْمَاعِيلِيّ إِلَى مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ اِبْن الْمُنِير , وَالْأَظْهَر أَنَّ مُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّ مُضَاجَعَة الْأَهْل فِي الْفِرَاش لَا تَخْلُو مِنْ الْمُلَامَسَة. وَيُمْكِن أَنْ يُؤْخَذ ذَلِكَ مِنْ قَوْل اِبْن عَبَّاس \" فَصَنَعْت مِثْل مَا صَنَعَ \" وَلَمْ يُرِدْ الْمُصَنِّف أَنَّ مُجَرَّد نَوْمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْقُض لِأَنَّ فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث عِنْده فِي بَاب التَّخْفِيف فِي الْوُضُوء \" ثُمَّ اِضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى \". ثُمَّ رَأَيْت فِي الْحَلَبِيَّات لِلسُّبْكِيِّ الْكَبِير بَعْد أَنْ ذَكَرَ اِعْتِرَاض الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَعَلَّ الْبُخَارِيّ اِحْتَجَّ بِفِعْلِ اِبْن عَبَّاس بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ اِعْتَبَرَ اِضْطِجَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْله وَاللَّمْس يَنْقُض الْوُضُوء. قُلْت : وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْحَدِيث تَوْجِيه مَا قَيَّدْت الْحَدِيث بِهِ فِي تَرْجَمَة الْبَاب , وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْأَصْغَر , إِذْ لَوْ كَانَ الْأَكْبَر لَمَا اِقْتَصَرَ عَلَى الْوُضُوء ثُمَّ صَلَّى بَلْ كَانَ يَغْتَسِل. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى شَنّ مُعَلَّقَة ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الشَّنّ الْقِرْبَة الَّتِي تَبَدَّتْ لِلْبَلَاءِ , وَلِذَلِكَ قَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" مُعَلَّقَة \" فَأَنَّثَ لِإِرَادَةِ الْقِرْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُمْت فَصَنَعْت مِثْل مَا صَنَعَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة فِي بَاب تَخْفِيف الْوُضُوء إِلَى هَذَا الْمَوْضِع فَلْيُرَاجَعْ مِنْ ثَمَّ , وَسَتَأْتِي بَقِيَّة مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْوِتْر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر كَرَاهَة ذِكْر اللَّه بَعْد الْحَدِيث ; لَكِنَّهُ عَلَى غَيْر شَرْط الْمُصَنِّف. ‏"
    },
    {
        "id": "178",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏امْرَأَتِهِ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدَّتِهَا ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏أَتَيْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ ‏ ‏خَسَفَتْ ‏ ‏الشَّمْسُ فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي فَقُلْتُ مَا لِلنَّاسِ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ فَقُلْتُ آيَةٌ فَأَشَارَتْ أَيْ نَعَمْ فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَلَقَدْ ‏ ‏أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ ‏ ‏أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ ‏ ‏الدَّجَّالِ ‏ ‏لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ ‏ ‏يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ ‏ ‏أَوْ الْمُوقِنُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ ‏ ‏فَيَقُولُ هُوَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا فَيُقَالُ لَهُ نَمْ صَالِحًا فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا وَأَمَّا الْمُنَافِقُ ‏ ‏أَوْ الْمُرْتَابُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ ‏ ‏فَيَقُولُ لَا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏و اِبْن أَبِي أُوَيْس أَيْضًا , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ أَيْضًا , وَفِيهِ رِوَايَة الْأَقْرَان هِشَام وَامْرَأَته فَاطِمَة بِنْت عَمّه الْمُنْذِر. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَشَارَتْ أَنْ نَعَمْ ) ‏ ‏كَذَا لِأَكْثَرِهِمْ بِالنُّونِ , وَلِكَرِيمَة \" أَيْ نَعَمْ \" وَهِيَ رِوَايَة وُهَيْب الْمُتَقَدِّمَة فِي الْعِلْم , وَبَيَّنَ فِيهَا أَنَّ هَذِهِ الْإِشَارَة كَانَتْ بِرَأْسِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( تَجَلَّانِي ) ‏ ‏أَيْ : غَطَّانِي , قَالَ اِبْن بَطَّال : الْغَشْي مَرَض يَعْرِض مِنْ طُول التَّعَب وَالْوُقُوف , وَهُوَ ضَرْب مِنْ الْإِغْمَاء إِلَّا أَنَّهُ دُونه , وَإِنَّمَا صَبَّتْ أَسْمَاء الْمَاء عَلَى رَأْسهَا مُدَافَعَة لَهُ , وَلَوْ كَانَ شَدِيدًا لَكَانَ كَالْإِغْمَاءِ , وَهُوَ يَنْقُض الْوُضُوء بِالْإِجْمَاعِ , اِنْتَهَى. وَكَوْنهَا كَانَتْ تَتَوَلَّى صَبَّ الْمَاء عَلَيْهَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ حَوَاسّهَا كَانَتْ مُدْرِكَة , وَذَلِكَ لَا يَنْقُض الْوُضُوء. وَمَحَلّ الِاسْتِدْلَال بِفِعْلِهَا مِنْ جِهَة أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي خَلْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ يَرَى الَّذِي خَلْفه وَهُوَ فِي الصَّلَاة وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْعِلْم , وَتَأْتِي بَقِيَّة مَبَاحِثه فِي كِتَاب صَلَاة الْكُسُوف إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "179",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏وَهُوَ جَدُّ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ‏ ‏أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَوَضَّأُ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏نَعَمْ ‏ ‏فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏أَيْ : أَبِي عُثْمَان يَحْيَى بْن عُمَارَة أَيْ : اِبْن أَبِي حَسَن وَاسْمه تَمِيم بْن عَبْد عَمْرو , وَلِجَدِّهِ أَبِي حَسَن صُحْبَة , وَكَذَا لِعُمَارَةَ فِيمَا جَزَمَ بِهِ اِبْن عَبْد الْبَرّ. وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : فِيهِ نَظَر. وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ إِلَّا عَبْد اللَّه بْن يُوسُف وَقَدْ دَخَلَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏هُوَ عَمْرو بْن أَبِي حَسَن كَمَا سَمَّاهُ الْمُصَنِّف فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْد هَذَا مِنْ طَرِيق وُهَيْب عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى , وَعَلَى هَذَا فَقَوْله هُنَا \" وَهُوَ جَدّ عَمْرو بْن يَحْيَى \" فِيهِ تَجَوُّز ; لِأَنَّهُ عَمّ أَبِيهِ , وَسَمَّاهُ جَدًّا لِكَوْنِهِ فِي مَنْزِلَته , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" وَهُوَ \" عَبْد اللَّه بْن زَيْد ; لِأَنَّهُ لَيْسَ جَدًّا لِعَمْرِو بْن يَحْيَى لَا حَقِيقَة وَلَا مَجَازًا. وَأَمَّا قَوْل صَاحِب الْكَمَال وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَرْجَمَة عَمْرو بْن يَحْيَى أَنَّهُ اِبْن بِنْت عَبْد اللَّه بْن زَيْد فَغَلَط تَوَهَّمَهُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة , وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّ أُمّ عَمْرو بْن يَحْيَى هِيَ حَمِيدَة بِنْت مُحَمَّد بْن إِيَاس بْن الْبُكَيْر , وَقَالَ غَيْره هِيَ أُمّ النُّعْمَان بِنْت أَبِي حَيَّة فَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ اِخْتَلَفَ رُوَاة الْمُوَطَّأ فِي تَعْيِين هَذَا السَّائِل , وَأَمَّا أَكْثَرهمْ فَأَبْهَمَهُ , قَالَ مَعْن بْن عِيسَى فِي رِوَايَته عَنْ عَمْرو عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى : إِنَّهُ سَمِعَ أَبَا حَسَن - وَهُوَ جَدّ عَمْرو بْن يَحْيَى - قَالَ لِعَبْدِ اللَّه بْن زَيْد وَكَانَ مِنْ الصَّحَابَة... فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن الشَّيْبَانِيُّ عَنْ مَالِك : حَدَّثَنَا عَمْرو عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى أَنَّهُ سَمِعَ جَدّه أَبَا حَسَن يَسْأَل عَبْد اللَّه بْن زَيْد. وَكَذَا سَاقَهُ سَحْنُون فِي الْمُدَوَّنَة. وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْأُمّ : عَنْ مَالِك عَنْ عَمْرو عَنْ أَبِيهِ إِنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّه بْن زَيْد. وَمِثْله رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي خَلِيفَة عَنْ الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِك عَنْ عَمْرو عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْت.. وَاَلَّذِي يَجْمَع هَذَا الِاخْتِلَاف أَنْ يُقَال : اِجْتَمَعَ عِنْد عَبْد اللَّه بْن زَيْد أَبُو حَسَن الْأَنْصَارِيّ وَابْنه عَمْرو وَابْن اِبْنه يَحْيَى بْن عُمَارَة بْن أَبِي حَسَن فَسَأَلُوهُ عَنْ صِفَة وُضُوء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَوَلَّى السُّؤَال مِنْهُمْ لَهُ عَمْرو بْن أَبِي حَسَن , فَحَيْثُ نُسِبَ إِلَيْهِ السُّؤَال كَانَ عَلَى الْحَقِيقَة. وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال عِنْد الْمُصَنِّف فِي بَاب الْوُضُوء مِنْ التَّوْر قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرو بْن يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ عَمِّي يَعْنِي عَمْرو بْن أَبِي حَسَن يُكْثِر الْوُضُوء , فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّه بْن زَيْد أَخْبِرْنِي. فَذَكَرَهُ. وَحَيْثُ نُسِبَ السُّؤَال إِلَى أَبِي حَسَن فَعَلَى الْمَجَاز لِكَوْنِهِ كَانَ الْأَكْبَر وَكَانَ حَاضِرًا. وَحَيْثُ نُسِبَ السُّؤَال لِيَحْيَى بْن عُمَارَة فَعَلَى الْمَجَاز أَيْضًا لِكَوْنِهِ نَاقِل الْحَدِيث وَقَدْ حَضَرَ السُّؤَال. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن الصَّبَّاح عَنْ خَالِد الْوَاسِطِيّ عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن زَيْد قَالَ \" قِيلَ لَهُ تَوَضَّأْ لَنَا \" فَذَكَرَهُ مُبْهَمًا. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق وَهْب بْن بَقِيَّة عَنْ خَالِد الْمَذْكُور بِلَفْظِ \" قُلْنَا لَهُ \" , وَهَذَا يُؤَيِّد الْجَمْع الْمُتَقَدِّم مِنْ كَوْنهمْ اِتَّفَقُوا عَلَى سُؤَاله ; لَكِنَّ مُتَوَلِّي السُّؤَال مِنْهُمْ عَمْرو بْن أَبِي حَسَن. وَيَزِيد ذَلِكَ وُضُوحًا رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيّ عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمّه عَمْرو بْن أَبِي حَسَن قَالَ \" كُنْت كَثِير الْوُضُوء , فَقُلْت لِعَبْدِ اللَّه بْن زَيْد \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَسْتَطِيعُ ) ‏ ‏فِيهِ مُلَاطَفَة الطَّالِب لِلشَّيْخِ , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُ بِالْفِعْلِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي التَّعْلِيم , وَسَبَب الِاسْتِفْهَام مَا قَامَ عِنْده مِنْ اِحْتِمَال أَنْ يَكُون الشَّيْخ نَسِيَ ذَلِكَ لِبُعْدِ الْعَهْد. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَا بِمَاءٍ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة وَهْب فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده \" فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاء \". وَالتَّوْر بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَة قَالَ الدَّاوُدِيّ : قَدَح. وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : إِنَاء يُشْرَب مِنْهُ. وَقِيلَ هُوَ الطَّسْت , وَقِيلَ يُشْبِه الطَّسْت , وَقِيلَ هُوَ مِثْل الْقِدْر يَكُون مِنْ صُفْر أَوْ حِجَارَة. وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة عِنْد الْمُصَنِّف فِي بَاب الْغُسْل فِي الْمِخْضَب فِي أَوَّل هَذَا الْحَدِيث \" أَتَانَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاء فِي تَوْر مِنْ صُفْر \" وَالصُّفْر بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الْفَاء وَقَدْ تُكْسَر صِنْف مِنْ حَدِيد النُّحَاس , قِيلَ : إِنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ يُشْبِه الذَّهَب , وَيُسَمَّى أَيْضًا الشَّبَه بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة. وَالتَّوْر الْمَذْكُور يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ الَّذِي تَوَضَّأَ مِنْهُ عَبْد اللَّه بْن زَيْد إِذْ سُئِلَ عَنْ صِفَة الْوُضُوء فَيَكُون أَبْلَغَ فِي حِكَايَة صُورَة الْحَال عَلَى وَجْههَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَفْرَغَ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة مُوسَى عَنْ وُهَيْب \" فَأَكْفَأَ \" بِهَمْزَتَيْنِ , وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن حَرْب فِي بَاب مَسْح الرَّأْس مَرَّة عَنْ وُهَيْب \" فَكَفَأَ \" بِفَتْحِ الْكَاف , وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى يُقَال كَفَأَ الْإِنَاء وَأَكْفَأَ إِذَا أَمَالَهُ , وَقَالَ الْكِسَائِيّ كَفَأْت الْإِنَاء كَبَبْته وَأَكْفَأْته أَمَلْته , وَالْمُرَاد فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِفْرَاغ الْمَاء مِنْ الْإِنَاء عَلَى الْيَد كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي رِوَايَة مَالِك. ‏ ‏قَوْله : ( فَغَسَلَ يَده مَرَّتَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة مَالِك بِإِفْرَادِ يَده , وَفِي رِوَايَة وُهَيْب وَسُلَيْمَان بْن بِلَال عِنْد الْمُصَنِّف وَكَذَا لِلدَّرَاوَرْدِيِّ عِنْد أَبِي نُعَيْمٍ \" فَغَسَلَ يَدَيْهِ \" بِالتَّثْنِيَةِ , فَيُحْمَل الْإِفْرَاد فِي رِوَايَة مَالِك عَلَى الْجِنْس , وَعِنْد مَالِك \" مَرَّتَيْنِ \" , وَعِنْد هَؤُلَاءِ \" ثَلَاثًا \" , وَكَذَا لِخَالِدِ بْن عَبْد اللَّه عِنْد مُسْلِم , وَهَؤُلَاءِ حُفَّاظ وَقَدْ اِجْتَمَعُوا فَزِيَادَتهمْ مُقَدَّمَة عَلَى الْحَافِظ الْوَاحِد , وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق بَهْز عَنْ وُهَيْب أَنَّهُ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيث مَرَّتَيْنِ مِنْ عَمْرو بْن يَحْيَى إِمْلَاء , فَتَأَكَّدَ تَرْجِيح رِوَايَته , وَلَا يُقَال يُحْمَل عَلَى وَاقِعَتَيْنِ لِأَنَّا نَقُول : الْمَخْرَج مُتَّحِد وَالْأَصْل عَدَم التَّعَدُّد. وَفِيهِ مِنْ الْأَحْكَام غَسْل الْيَد قَبْل إِدْخَالهَا الْإِنَاء وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْر نَوْم كَمَا تَقَدَّمَ مِثْله فِي حَدِيث عُثْمَان , وَالْمُرَاد بِالْيَدَيْنِ هُنَا الْكَفَّانِ لَا غَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ) ‏ ‏, ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ \" وَالِاسْتِنْثَار يَسْتَلْزِم الِاسْتِنْشَاق بِلَا عَكْس , وَقَدْ ذَكَرَ فِي رِوَايَة وُهَيْب الثَّلَاثَة وَزَادَ بَعْد قَوْله ثَلَاثًا \" بِثَلَاثِ غَرَفَات \" ; وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى اِسْتِحْبَاب الْجَمْع بَيْن الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق مِنْ كُلّ غَرْفَة , وَفِي رِوَايَة خَالِد بْن عَبْد اللَّه الْآتِيَة بَعْد قَلِيل \" مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفّ وَاحِد فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا \" وَهُوَ صَرِيح فِي الْجَمْع كُلّ مَرَّة , بِخِلَافِ رِوَايَة وُهَيْب فَإِنَّهُ تَطَرَّقَهَا اِحْتِمَال التَّوْزِيع بِلَا تَسْوِيَة كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ اِبْن دَقِيق الْعِيد. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال عِنْد الْمُصَنِّف فِي بَاب الْوُضُوء مِنْ التَّوْر \" فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاث مَرَّات مِنْ غَرْفَة وَاحِدَة \" وَاسْتُدِلَّ بِهَا عَلَى الْجَمْع بِغَرْفَةٍ وَاحِدَة , وَفِيهِ نَظَر لِمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ اِتِّحَاد الْمَخْرَج فَتُقَدَّم الزِّيَادَة , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة خَالِد الْمَذْكُورَة \" ثُمَّ أَدْخَلَ يَده فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ \" فَاسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى تَقْدِيم الْمَضْمَضَة عَلَى الِاسْتِنْشَاق لِكَوْنِهِ عَطْف بِالْفَاءِ التَّعْقِيبِيَّة وَفِيهِ بَحْث. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ غَسَلَ وَجْهه ثَلَاثًا ) لَمْ تَخْتَلِف الرِّوَايَات فِي ذَلِكَ , وَيَلْزَم مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى وُجُوب تَعْمِيم الرَّأْس بِالْمَسْحِ أَنْ يَسْتَدِلّ بِهِ عَلَى وُجُوب التَّرْتِيب لِلْإِتْيَانِ بِقَوْلِهِ \" ثُمَّ \" فِي الْجَمِيع ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْحُكْمَيْنِ مُجْمَل فِي الْآيَة بَيَّنَتْهُ السُّنَّة بِالْفِعْلِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا بِتَكْرَارِ مَرَّتَيْنِ , وَلَمْ تَخْتَلِف الرِّوَايَات عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى فِي غَسْل الْيَدَيْنِ مَرَّتَيْنِ , لَكِنْ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق حِبَّان بْن وَاسِع عَنْ عَبْد اللَّه بْن زَيْد أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَفِيهِ \" وَيَده الْيُمْنَى ثَلَاثًا ثُمَّ الْأُخْرَى ثَلَاثًا \" فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ وُضُوء آخَر لِكَوْنِ مَخْرَج الْحَدِيثَيْنِ غَيْر مُتَّحِد. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِيّ وَالْحَمَوِيّ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ بِالْإِفْرَادِ عَلَى إِرَادَة الْجِنْس , وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء : هَلْ يَدْخُل الْمِرْفَقَانِ فِي غَسْل الْيَدَيْنِ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ الْمُعْظَم : نَعَمْ , وَخَالَفَ زُفَر , وَحَكَاهُ بَعْضهمْ عَنْ مَالِك , وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ لِلْجُمْهُورِ بِأَنَّ إِلَى فِي الْآيَة بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهمْ إِلَى أَمْوَالكُمْ ) , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ خِلَاف الظَّاهِر , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَرِينَة دَلَّتْ عَلَيْهِ وَهِيَ كَوْن مَا بَعْد \" إِلَى \" مِنْ جِنْس مَا قَبْلهَا. وَقَالَ اِبْن الْقَصَّار : الْيَد يَتَنَاوَلهَا الِاسْم إِلَى الْإِبْط لِحَدِيثِ عَمَّار \" أَنَّهُ تَيَمَّمَ إِلَى الْإِبْط \" وَهُوَ مِنْ أَهْل اللُّغَة , فَلَمَّا جَاءَ قَوْله تَعَالَى ( إِلَى الْمَرَافِق ) بَقِيَ الْمِرْفَق مَغْسُولًا مَعَ الذِّرَاعَيْنِ بِحَقِّ الِاسْم , اِنْتَهَى. فَعَلَى هَذَا فَإِلَى هُنَا حَدّ لِلْمَتْرُوكِ مِنْ غَسْل الْيَدَيْنِ لَا لِلْمَغْسُولِ , وَفِي كَوْن ذَلِكَ ظَاهِرًا مِنْ السِّيَاق نَظَر , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : لَفْظ إِلَى يُفِيد مَعْنَى الْغَايَة مُطْلَقًا , فَأَمَّا دُخُولهَا فِي الْحُكْم وَخُرُوجهَا فَأَمْر يَدُور مَعَ الدَّلِيل , فَقَوْله تَعَالَى ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَام إِلَى اللَّيْل ) دَلِيل عَدَم الدُّخُول النَّهْي عَنْ الْوِصَال , وَقَوْل الْقَائِل حَفِظْت الْقُرْآن مِنْ أَوَّله إِلَى آخِره دَلِيل الدُّخُول كَوْن الْكَلَام مَسُوقًا لِحِفْظِ جَمِيع الْقُرْآن , وَقَوْله تَعَالَى ( إِلَى الْمَرَافِق ) لَا دَلِيل فِيهِ عَلَى أَحَد الْأَمْرَيْنِ , قَالَ : فَأَخَذَ الْعُلَمَاء بِالِاحْتِيَاطِ وَوَقَفَ زُفَر مَعَ الْمُتَيَقَّن , اِنْتَهَى. وَيُمْكِن أَنْ يُسْتَدَلّ لِدُخُولِهِمَا بِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفِي الدَّارَقُطْنِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث عُثْمَان فِي صِفَة الْوُضُوء \" فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ حَتَّى مَسَّ أَطْرَاف الْعَضُدَيْنِ \" وَفِيهِ عَنْ جَابِر قَالَ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاء عَلَى مِرْفَقَيْهِ \" لَكِنَّ إِسْنَاده ضَعِيف , وَفِي الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث وَائِل بْن حُجْر فِي صِفَة الْوُضُوء \" وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى جَاوَزَ الْمِرْفَق \" وَفِي الطَّحَاوِيّ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث ثَعْلَبَة بْن عَبَّاد عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا \" ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَسِيل الْمَاء عَلَى مِرْفَقَيْهِ \" فَهَذِهِ الْأَحَادِيث يُقَوِّي بَعْضهَا بَعْضًا. قَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ : \" إِلَى \" فِي الْآيَة يَحْتَمِل أَنْ تَكُون بِمَعْنَى الْغَايَة وَأَنْ تَكُون بِمَعْنَى مَعَ , فَبَيَّنَتْ السُّنَّة أَنَّهَا بِمَعْنَى مَعَ , اِنْتَهَى. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْأُمّ : لَا أَعْلَم مُخَالِفًا فِي إِيجَاب دُخُول الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوء , فَعَلَى هَذَا فَزُفَر مَحْجُوج بِالْإِجْمَاعِ قَبْله وَكَذَا مَنْ قَالَ بِذَلِكَ مِنْ أَهْل الظَّاهِر بَعْده , وَلَمْ يَثْبُت ذَلِكَ عَنْ مَالِك صَرِيحًا وَإِنَّمَا حَكَى عَنْهُ أَشْهَب كَلَامًا مُحْتَمِلًا وَالْمِرْفَق بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْفَاء هُوَ الْعَظْم النَّاتِئ فِي آخِر الذِّرَاع سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُرْتَفَق بِهِ فِي الِاتِّكَاء وَنَحْوه. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ مَسَحَ رَأْسه ) ‏ ‏زَادَ اِبْن الطَّبَّاع \" كُلّه \" كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ , وَفِي رِوَايَة خَالِد بْن عَبْد اللَّه بِرَأْسِهِ بِزِيَادَةِ الْبَاء. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْبَاء لِلتَّعْدِيَةِ يَجُوز حَذْفهَا وَإِثْبَاتهَا كَقَوْلِك مَسَحْت رَأْس الْيَتِيم وَمَسَحْت بِرَأْسِهِ. وَقِيلَ دَخَلَتْ الْبَاء لِتُفِيدَ مَعْنًى آخَر وَهُوَ أَنَّ الْغُسْل لُغَة يَقْتَضِي مَغْسُولًا بِهِ , وَالْمَسْح لُغَة لَا يَقْتَضِي مَمْسُوحًا بِهِ , فَلَوْ قَالَ وَامْسَحُوا رُءُوسكُمْ لَأَجْزَأَ الْمَسْح بِالْيَدِ بِغَيْرِ مَاء , فَكَأَنَّهُ قَالَ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ الْمَاء فَهُوَ عَلَى الْقَلْب , وَالتَّقْدِير اِمْسَحُوا رُءُوسكُمْ بِالْمَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : اِحْتَمَلَ قَوْله تَعَالَى : ( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ) جَمِيع الرَّأْس أَوْ بَعْضه , فَدَلَّتْ السُّنَّة عَلَى أَنَّ بَعْضه يُجْزِئ. وَالْفَرْق بَيْنه وَبَيْن قَوْله تَعَالَى ( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ ) فِي التَّيَمُّم أَنَّ الْمَسْح فِيهِ بَدَل عَنْ الْغَسْل وَمَسْح الرَّأْس أَصْل فَافْتَرَقَا , وَلَا يَرِد كَوْن مَسْح الْخُفّ بَدَلًا عَنْ غَسْل الرِّجْل لِأَنَّ الرُّخْصَة فِيهِ ثَبَتَتْ بِالْإِجْمَاعِ. فَإِنْ قِيلَ : فَلَعَلَّهُ اِقْتَصَرَ عَلَى مَسْح النَّاصِيَة لِعُذْرٍ - لِأَنَّهُ كَانَ فِي سَفَر وَهُوَ مَظِنَّة الْعُذْر , وَلِهَذَا مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَة بَعْد مَسْح النَّاصِيَة كَمَا هُوَ ظَاهِر مِنْ سِيَاق مُسْلِم فِي حَدِيث الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة - قُلْنَا : قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَسْح مُقَدَّم الرَّأْس مِنْ غَيْر مَسْح عَلَى الْعِمَامَة وَلَا تَعَرُّض لِسَفَرٍ , وَهُوَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيّ مِنْ حَدِيث عَطَاء أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَحَسَرَ الْعِمَامَة عَنْ رَأْسه وَمَسَحَ مُقَدَّم رَأْسه , وَهُوَ مُرْسَل لَكِنَّهُ اُعْتُضِدَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْه آخَر مَوْصُولًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَنَس. وَفِي إِسْنَاده أَبُو مَعْقِل لَا يُعْرَف حَاله , فَقَدْ اِعْتَضَدَ كُلّ مِنْ الْمُرْسَل وَالْمَوْصُول بِالْآخَرِ , وَحَصَلَتْ الْقُوَّة مِنْ الصُّورَة الْمَجْمُوعَة , وَهَذَا مِثَال لِمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيّ مِنْ أَنَّ الْمُرْسَل يَعْتَضِد بِمُرْسَلٍ آخَر أَوْ مُسْنَد , وَظَهَرَ بِهَذَا جَوَاب مَنْ أَوْرَدَ أَنَّ الْحُجَّة حِينَئِذٍ بِالْمُسْنَدِ فَيَقَع الْمُرْسَل لَغْوًا , وَقَدْ قَرَّرْت جَوَاب ذَلِكَ فِيمَا كَتَبْته عَلَى عُلُوم الْحَدِيث لِابْنِ الصَّلَاح. وَفِي الْبَاب أَيْضًا عَنْ عُثْمَان فِي صِفَة الْوُضُوء قَالَ \" وَمَسَحَ مُقَدَّم رَأْسه \" أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور , وَفِيهِ خَالِد بْن يَزِيد بْن أَبِي مَالِك مُخْتَلَف فِيهِ. وَصَحَّ عَنْ اِبْن عُمَر الِاكْتِفَاء بِمَسْحِ بَعْض الرَّأْس , قَالَهُ اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْره , وَلَمْ يَصِحّ عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة إِنْكَار ذَلِكَ , قَالَهُ اِبْن حَزْم. وَهَذَا كُلّه مِمَّا يَقْوَى بِهِ الْمُرْسَل الْمُتَقَدِّم ذِكْره وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسه ) ‏ ‏الظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ الْحَدِيث وَلَيْسَ مُدْرَجًا مِنْ كَلَام مَالِك , فَفِيهِ حُجَّة عَلَى مَنْ قَالَ : السُّنَّة أَنْ يَبْدَأ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْس إِلَى أَنْ يَنْتَهِي إِلَى مُقَدَّمه لِظَاهِرِ قَوْله \" أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ \". وَيَرِد عَلَيْهِ أَنَّ الْوَاو لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب , وَسَيَأْتِي عِنْد الْمُصَنِّف قَرِيبًا مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال \" فَأَدْبَرَ بِيَدَيْهِ وَأَقْبَلَ \" فَلَمْ يَكُنْ فِي ظَاهِره حُجَّة لِأَنَّ الْإِقْبَال وَالْإِدْبَار مِنْ الْأُمُور الْإِضَافِيَّة , وَلَمْ يُعَيِّن مَا أَقْبَلَ إِلَيْهِ وَلَا مَا أَدْبَرَ عَنْهُ , وَمَخْرَج الطَّرِيقَيْنِ مُتَّحِد , فَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِد. وَعَيَّنَتْ رِوَايَة مَالِك الْبُدَاءَة بِالْمُقَدَّمِ فَيُحْمَل قَوْله \" أَقْبَلَ \" عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَسْمِيَة الْفِعْل بِابْتِدَائِهِ , أَيْ : بَدَأَ بِقِبَلِ الرَّأْس , وَقِيلَ فِي تَوْجِيهه غَيْر ذَلِكَ. وَالْحِكْمَة فِي هَذَا الْإِقْبَال وَالْإِدْبَار اِسْتِيعَاب جِهَتَيْ الرَّأْس بِالْمَسْحِ , فَعَلَى هَذَا يَخْتَصّ ذَلِكَ بِمَنْ لَهُ شَعْر , وَالْمَشْهُور عَمَّنْ أَوْجَبَ التَّعْمِيم أَنَّ الْأُولَى وَاجِبَة وَالثَّانِيَة سُنَّة , وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّن ضَعْف الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى وُجُوب التَّعْمِيم , وَاَللَّه أَعْلَم ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة وُهَيْب الْآتِيَة \" إِلَى الْكَعْبَيْنِ \" وَالْبَحْث فِيهِ كَالْبَحْثِ فِي قَوْله إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ , وَالْمَشْهُور أَنَّ الْكَعْب هُوَ الْعَظْم النَّاشِز عِنْد مُلْتَقَى السَّاق وَالْقَدَم , وَحَكَى مُحَمَّد بْن الْحَسَن عَنْ أَبِي حَنِيفَة أَنَّهُ الْعَظْم الَّذِي فِي ظَهْر الْقَدَم عِنْد مَعْقِد الشِّرَاك , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك مِثْله , وَالْأَوَّل هُوَ الصَّحِيح الَّذِي يَعْرِفهُ أَهْل اللُّغَة , وَقَدْ أَكْثَرَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ ذَلِكَ , وَمِنْ أَوْضَح الْأَدِلَّة فِيهِ حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير الصَّحِيح فِي صِفَة الصَّفّ فِي الصَّلَاة \" فَرَأَيْت الرَّجُل مِنَّا يُلْزِق كَعْبه بِكَعْبِ صَاحِبه \" وَقِيلَ إِنَّ مُحَمَّدًا إِنَّمَا رَأَى ذَلِكَ فِي حَدِيث قَطْع الْمُحْرِم الْخُفَّيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِذَا لَمْ يَجِد النَّعْلَيْنِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد الْإِفْرَاغ عَلَى الْيَدَيْنِ مَعًا فِي اِبْتِدَاء الْوُضُوء , وَأَنَّ الْوُضُوء الْوَاحِد يَكُون بَعْضه بِمَرَّةٍ وَبَعْضه بِمَرَّتَيْنِ وَبَعْضه بِثَلَاثٍ , وَفِيهِ مَجِيء الْإِمَام إِلَى بَيْت بَعْض رَعِيَّته وَابْتِدَاؤُهُمْ إِيَّاهُ بِمَا يَظُنُّونَ أَنَّ لَهُ بِهِ حَاجَة , وَجَوَاز الِاسْتِعَانَة فِي إِحْضَار الْمَاء مِنْ غَيْر كَرَاهَة , وَالتَّعْلِيم بِالْفِعْلِ , وَأَنَّ الِاغْتِرَاف مِنْ الْمَاء الْقَلِيل لِلتَّطَهُّرِ لَا يُصَيِّر الْمَاء مُسْتَعْمَلًا لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة وُهَيْب وَغَيْره \" ثُمَّ أَدْخَلَ يَده فَغَسَلَ وَجْهه... إِلَخْ \" , وَأَمَّا اِشْتِرَاط نِيَّة الِاغْتِرَاف فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث مَا يُثْبِتهَا وَلَا مَا يَنْفِيهَا , وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه عَلَى جَوَاز التَّطَهُّر بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَل , وَتَوْجِيهه أَنَّ النِّيَّة لَمْ تُذْكَر فِيهِ , وَقَدْ أَدْخَلَ يَده لِلِاغْتِرَافِ بَعْد غَسْل الْوَجْه وَهُوَ وَقْت غَسْلهَا , وَقَالَ الْغَزَالِيّ : مُجَرَّد الِاغْتِرَاف لَا يُصَيِّر الْمَاء مُسْتَعْمَلًا لِأَنَّ الِاسْتِعْمَال إِنَّمَا يَقَع مِنْ الْمُغْتَرَف مِنْهُ , وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَغَوِيُّ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّف عَلَى اِسْتِيعَاب مَسْح الرَّأْس , وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يَدُلّ لِذَلِكَ نَدْبًا لَا فَرْضًا , وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُنْدَب تَكْرِيره كَمَا سَيَأْتِي فِي بَاب مُفْرَد , وَعَلَى الْجَمْع بَيْن الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق مِنْ غَرْفَة كَمَا سَيَأْتِي أَيْضًا , وَعَلَى جَوَاز التَّطَهُّر مِنْ آنِيَة النُّحَاس وَغَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "180",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏شَهِدْتُ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ ‏ ‏سَأَلَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَعَا ‏ ‏بِتَوْرٍ ‏ ‏مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَكْفَأَ ‏ ‏عَلَى يَدِهِ مِنْ ‏ ‏التَّوْرِ ‏ ‏فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي ‏ ‏التَّوْرِ ‏ ‏فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ ‏ ‏غَرَفَاتٍ ‏ ‏ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ‏",
        "sharh": "عَمْرو الْمَذْكُور هُوَ اِبْن يَحْيَى بْن عُمَارَة شَيْخ مَالِك الْمُتَقَدِّم , وَعَمْرو بْن أَبِي حَسَن عَمّ أَبِيهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ , وَسَمَّاهُ هُنَاكَ جَدّه مَجَازًا , وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ - تَبَعًا لِصَاحِبِ الْكَمَال - فَقَالَ : عَمْرو بْن أَبِي حَسَن جَدّ عَمْرو بْن يَحْيَى مِنْ قِبَل أُمّه , وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ أُمّ عَمْرو بْن يَحْيَى لَيْسَتْ بِنْتًا لِعَمْرِو بْن أَبِي حَسَن فَلَمْ يَسْتَقِمْ مَا قَالَهُ بِالِاحْتِمَالِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَوَضَّأَ لَهُمْ ) ‏ ‏أَيْ : لِأَجْلِهِمْ ‏ ‏( وُضُوء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ : مِثْل وُضُوء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ وُضُوءَهُ مُبَالَغَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَدْخَلَ يَده فَغَسَلَ وَجْهه ) ‏ ‏بَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة تَجْدِيد الِاغْتِرَاف لِكُلِّ عُضْو , وَأَنَّهُ اِغْتَرَفَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ , وَكَذَا هُوَ فِي بَاقِي الرِّوَايَات , وَفِي مُسْلِم وَغَيْره , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر وَأَبِي الْوَقْت مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن بِلَال الْآتِيَة \" ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ \" بِالتَّثْنِيَةِ , وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَلَا الْأَصِيلِيّ وَلَا فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات خَارِج الصَّحِيح قَالَهُ النَّوَوِيّ , وَأَظُنّ أَنَّ الْإِنَاء كَانَ صَغِيرًا فَاغْتَرَفَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ ثُمَّ أَضَافَهَا إِلَى الْأُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيره فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَإِلَّا فَالِاغْتِرَاف بِالْيَدَيْنِ جَمِيعًا أَسْهَل وَأَقْرَب تَنَاوُلًا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ ) ‏ ‏الْمُرَاد غَسَلَ كُلّ يَد مَرَّتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي طَرِيق مَالِك \" ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ \" وَلَيْسَ الْمُرَاد تَوْزِيع الْمَرَّتَيْنِ عَلَى الْيَدَيْنِ فَكَانَ يَكُون لِكُلِّ يَد مَرَّة وَاحِدَة. ‏"
    },
    {
        "id": "181",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا جُحَيْفَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْهَاجِرَةِ ‏ ‏فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ فَصَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ ‏ ‏عَنَزَةٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏دَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ ‏ ‏وَمَجَّ ‏ ‏فِيهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لَهُمَا ‏ ‏اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحَكَم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُتَيْبَة تَصْغِير عَتَبَة بِالْمُثَنَّاةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَة , كَانَ مِنْ الْفُقَهَاء الْكُوفِيِّينَ , وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير. وَحَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ الْمَذْكُور سَتَأْتِي مَبَاحِثه فِي بَاب السُّتْرَة فِي الصَّلَاة. وَقَوْله \" يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْل وَضُوئِهِ \" كَأَنَّهُمْ اِقْتَسَمُوا الْمَاء الَّذِي فَضَلَ عَنْهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا تَنَاوَلُوا مَا سَالَ مِنْ أَعْضَاء وُضُوئِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِيهِ دَلَالَة بَيِّنَة عَلَى طَهَارَة الْمَاء الْمُسْتَعْمَل. ‏ ‏وَقَوْله : ( وَقَالَ أَبُو مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ الْأَشْعَرِيّ , وَهَذَا الْحَدِيث طَرَف مِنْ حَدِيث مُطَوَّل أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّف فِي الْمَغَازِي وَأَوَّله عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ \" كُنْت عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ وَمَعَهُ بِلَال , فَأَتَاهُ أَعْرَابِيّ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَعُرِفَ مِنْهُ تَفْسِير الْمُبْهَمَيْنِ فِي قَوْله \" اِشْرَبَا \" وَهُمَا أَبُو مُوسَى وَبِلَال. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّف طَرَفًا مِنْهُ أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ فِي بَاب الْغُسْل وَالْوُضُوء فِي الْمِخْضَب كَمَا سَيَأْتِي بَعْد قَلِيل. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَجَّ فِيهِ ) ‏ ‏أَيْ : صَبَّ مَا تَنَاوَلَهُ مِنْ الْمَاء فِي الْإِنَاء , وَالْغَرَض بِذَلِكَ إِيجَاد الْبَرَكَة بِرِيقِهِ الْمُبَارَك. ‏"
    },
    {
        "id": "182",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَهُوَ الَّذِي ‏ ‏مَجَّ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي وَجْهِهِ وَهُوَ غُلَامٌ مِنْ بِئْرِهِمْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ ‏ ‏وَغَيْرِهِ ‏ ‏يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ ‏ ‏وَإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَادُوا ‏ ‏يَقْتَتِلُونَ ‏ ‏عَلَى وَضُوئِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , وَصَالِح هُوَ اِبْن كَيْسَانَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث مَحْمُود بْن الرَّبِيع هَذَا فِي بَاب مَتَى يَصِحّ سَمَاع الصَّغِير مِنْ كِتَاب الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عُرْوَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الزُّبَيْر ‏ ‏( عَنْ الْمِسْوَر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَخْرَمَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَغَيْره ) ‏ ‏هُوَ مَرْوَان بْن الْحَكَم كَمَا سَيَأْتِي مَوْصُولًا مُطَوَّلًا فِي كِتَاب الشُّرُوط , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذِهِ الرِّوَايَة وَإِنْ كَانَتْ عَنْ مَجْهُول لَكِنَّهَا مُتَابَعَة , وَيُغْتَفَر فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَر فِي الْأُصُول. قُلْت : وَهَذَا صَحِيح إِلَّا أَنَّهُ لَا يُعْتَذَر بِهِ هُنَا لِأَنَّ الْمُبْهَم مَعْرُوف , وَإِنَّمَا لَمْ يُسَمِّهِ اِخْتِصَارًا كَمَا اِخْتَصَرَ السَّنَد فَعَلَّقَهُ , وَزَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ قَوْله \" وَقَالَ عُرْوَة \" مَعْطُوف عَلَى قَوْله فِي السَّنَد الَّذِي قَبْله \" أَخْبَرَنِي مَحْمُود \" فَيَكُون صَالِح بْن كَيْسَانَ رَوَى عَنْ الزُّهْرِيّ حَدِيث مَحْمُود وَعَطَفَ عَلَيْهِ حَدِيث عُرْوَة , فَعَلَى هَذَا لَا يَكُون حَدِيث عُرْوَة مُعَلَّقًا بَلْ يَكُون مَوْصُولًا بِالسَّنَدِ الَّذِي قَبْله , وَصَنِيع أَئِمَّة النَّقْل يُخَالِف مَا زَعَمَهُ , وَاسْتَمَرَّ الْكَرْمَانِيُّ عَلَى هَذَا التَّجْوِيز حَتَّى زَعَمَ أَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله \" يُصَدِّق كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا صَاحِبه \" لِلْمِسْوَرِ وَمَحْمُود , وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ بَلْ هُوَ لِلْمِسْوَرِ وَمَرْوَان , وَهُوَ تَجْوِيز مِنْهُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْل , وَالرُّجُوع إِلَى النَّقْل فِي بَاب النَّقْل أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( كَانُوا يَقْتَتِلُونَ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَلِلْبَاقِينَ \" كَادُوا \" بِالدَّالِ وَهُوَ الصَّوَاب لِأَنَّهُ لَمْ يَقَع بَيْنهمْ قِتَال , وَإِنَّمَا حَكَى ذَلِكَ عُرْوَة بْن مَسْعُود الثَّقَفِيّ لَمَّا رَجَعَ إِلَى قُرَيْش لِيُعْلِمهُمْ شِدَّة تَعْظِيم الصَّحَابَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَيُمْكِن أَنْ يَكُون أَطْلَقَ الْقِتَال مُبَالَغَة. ‏"
    },
    {
        "id": "183",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجَعْدِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏ابْنَ أُخْتِي ‏ ‏وَجِعٌ ‏ ‏فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ ‏ ‏زِرِّ الْحَجَلَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيّ كَأَنَّهُ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَجَعَلَهُ الْبَاقُونَ مِنْهُ بِلَا فَصْل. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن يُونُس ) ‏ ‏هُوَ أَبُو مُسْلِم الْمُسْتَمْلِيّ أَحَد الْحُفَّاظ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْجَعْد ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَلِلْأَكْثَرِ \" الْجُعَيْد \" بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ الْمَشْهُور , وَالسَّائِب بْن يَزِيد مِنْ صِغَار الصَّحَابَة , وَسَيَأْتِي حَدِيثه هَذَا مُبَيَّنًا فِي كِتَاب عَلَامَات النُّبُوَّة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَقِعٌ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَالتَّنْوِين , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ وَقَعَ بِلَفْظِ الْمَاضِي , وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة \" وَجَع \" بِالْجِيمِ وَالتَّنْوِين , وَالْوَقْع وَجَع فِي الْقَدَمَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( زِرّ الْحَجَلَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الزَّاي وَتَشْدِيد الرَّاء , وَالْحَجَلَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْجِيم وَاحِدَة الْحِجَال , وَهِيَ بُيُوت تُزَيَّن بِالثِّيَابِ وَالْأَسِرَّة وَالسُّتُور لَهَا عُرًى وَأَزْرَار , وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْحَجَلَةِ الطَّيْر وَهُوَ الْيَعْقُوب يُقَال لِلْأُنْثَى مِنْهُ حَجَلَة , وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِزِرِّهَا بَيْضَتهَا , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي حَدِيث آخَر \" مِثْل بَيْضَة الْحَمَامَة \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَأَرَادَ الْبُخَارِيّ الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى رَدّ قَوْل مَنْ قَالَ بِنَجَاسَةِ الْمَاء الْمُسْتَعْمَل , وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُف , وَحَكَى الشَّافِعِيّ فِي الْأُمّ عَنْ مُحَمَّد بْن الْحَسَن أَنَّ أَبَا يُوسُف رَجَعَ عَنْهُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ بَعْد شَهْرَيْنِ , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة ثَلَاث رِوَايَات : الْأُولَى طَاهِر لَا طَهُور وَهِيَ رِوَايَة مُحَمَّد بْن الْحَسَن عَنْهُ وَهُوَ قَوْله وَقَوْل الشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْد الْحَنَفِيَّة , الثَّانِيَة نَجِس نَجَاسَة خَفِيفَة وَهِيَ رِوَايَة أَبِي يُوسُف عَنْهُ , الثَّالِثَة نَجِس نَجَاسَة غَلِيظَة وَهِيَ رِوَايَة الْحَسَن اللُّؤْلُؤِيّ عَنْهُ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيث تَرُدّ عَلَيْهِ لِأَنَّ النَّجِس لَا يُتَبَرَّك بِهِ , وَحَدِيث الْمَجَّة وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَصْرِيح بِالْوُضُوءِ لَكِنَّ تَوْجِيهه أَنَّ الْقَائِل بِنَجَاسَةِ الْمَاء الْمُسْتَعْمَل إِذَا عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ مَاء مُضَاف قِيلَ لَهُ هُوَ مُضَاف إِلَى طَاهِر لَمْ يَتَغَيَّر بِهِ , وَكَذَلِكَ الْمَاء الَّذِي خَالَطَهُ الرِّيق طَاهِر لِحَدِيثِ الْمَجَّة , وَأَمَّا مَنْ عَلَّلَهُ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ مَاء الذَّنُوب فَيَجِب إِبْعَاده مُحْتَجًّا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ عِنْد مُسْلِم وَغَيْره , فَأَحَادِيث الْبَاب أَيْضًا تَرُدّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَا يَجِب إِبْعَاده لَا يُتَبَرَّك بِهِ وَلَا يُشْرَب , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَفِي إِجْمَاع أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ الْبَلَل الْبَاقِي عَلَى أَعْضَاء الْمُتَوَضِّئ وَمَا قَطَرَ مِنْهُ عَلَى ثِيَابه طَاهِر دَلِيل قَوِيّ عَلَى طَهَارَة الْمَاء الْمُسْتَعْمَل , وَأَمَّا كَوْنه غَيْر طَهُور فَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْغُسْل إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "184",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏أَنَّهُ أَفْرَغَ مِنْ الْإِنَاءِ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ غَسَلَ أَوْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏هَكَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ غَسَلَ ) ‏ ‏أَيْ : فَمه ‏ ‏( أَوْ مَضْمَضَ ) ‏ ‏كَذَا عِنْده بِالشَّكِّ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن الصَّبَّاح عَنْ خَالِد بِسَنَدِهِ هَذَا مِنْ غَيْر شَكّ وَلَفْظه \" ثُمَّ أَدْخَلَ يَده فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ \" وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق وَهْب بْن بَقِيَّة عَنْ خَالِد كَذَا , فَالظَّاهِر أَنَّ الشَّكّ فِيهِ مِنْ مُسَدَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ. وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : الظَّاهِر أَنَّ الشَّكّ فِيهِ مِنْ التَّابِعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ كَفَّة وَاحِدَة ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَفِي نُسْخَة \" مِنْ غَرْفَة وَاحِدَة \" وَلِلْأَكْثَرِ \" مِنْ كَفّ \" بِغَيْرِ هَاء. قَالَ اِبْن بَطَّال : الْمُرَاد بِالْكَفَّةِ الْغَرْفَة , فَاشْتُقَّ لِذَلِكَ مِنْ اِسْم الْكَفّ عِبَارَة عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى , قَالَ : وَلَا يُعْرَف فِي كَلَام الْعَرَب إِلْحَاق هَاء التَّأْنِيث فِي الْكَفّ , وَمُحَصَّله أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ كَفَّة : فَعْلَة , لَا أَنَّهَا تَأْنِيث الْكَفّ. وَقَالَ صَاحِب الْمَشَارِق : قَوْله مِنْ كُفَّة هِيَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْح كَغَرْفَةٍ وَغُرْفَة أَيْ مَا مَلَأ كَفّه مِنْ الْمَاء. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر غَسْل الْوَجْه اِخْتِصَارًا , وَهُوَ ثَابِت فِي رِوَايَة مُسْلِم وَغَيْره. وَبَقِيَّة مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "185",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهِدْتُ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ ‏ ‏سَأَلَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَعَا ‏ ‏بِتَوْرٍ ‏ ‏مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ لَهُمْ فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ ‏ ‏غَرَفَاتٍ ‏ ‏مِنْ مَاءٍ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ بِهِمَا ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاء ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَدَعَا بِمَاءٍ \" وَلَمْ يَذْكُر التَّوْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَفَأَهُ ) ‏ ‏أَيْ : أَمَالَهُ , وَلِلْأَصِيلِيِّ \" فَأَكْفَأَهُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْل أَنَّهُمَا بِمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله ( فَأَقْبَلَ بِيَدِهِ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِالْإِفْرَادِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالتَّثْنِيَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا وُهَيْب ) ‏ ‏أَيْ : بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور وَحَدِيثه , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ طَرِيق مُوسَى هَذِهِ فِي بَاب غَسْل الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ , وَذَكَرَ فِيهَا أَنَّ مَسْح الرَّأْس مَرَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْل الْخِلَاف فِي اِسْتِحْبَاب الْعَدَد فِي مَسْح الرَّأْس فِي بَاب الْوُضُوء ثَلَاثًا ثَلَاثًا فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث عُثْمَان , وَذَكَرْنَا قَوْل أَبِي دَاوُدَ : إِنَّ الرِّوَايَات الصَّحِيحَة عَنْ عُثْمَان لَيْسَ فِيهَا عَدَد لِمَسْحِ الرَّأْس , وَأَنَّهُ أَوْرَدَ الْعَدَد مِنْ طَرِيقَيْنِ صَحَّحَ أَحَدهمَا غَيْره , وَالزِّيَادَة مِنْ الثِّقَة مَقْبُولَة فَيُحْمَل قَوْل أَبِي دَاوُدَ عَلَى إِرَادَة اِسْتِثْنَاء الطَّرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا , فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِلَّا هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ , قَالَ اِبْن السَّمْعَانِيّ فِي الِاصْطِلَام : اِخْتِلَاف الرِّوَايَة يُحْمَل عَلَى التَّعَدُّد , فَيَكُون مَسَحَ تَارَة مَرَّة وَتَارَة ثَلَاثًا , فَلَيْسَ فِي رِوَايَة \" مَسَحَ مَرَّة \" حُجَّة عَلَى مَنْع التَّعَدُّد. وَيُحْتَجّ لِلتَّعَدُّدِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَغْسُول لِأَنَّ الْوُضُوء طَهَارَة حُكْمِيَّة , وَلَا فَرْق فِي الطَّهَارَة الْحُكْمِيَّة بَيْن الْغَسْل وَالْمَسْح. وَأُجِيبَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَسْح مَبْنِيّ عَلَى التَّخْفِيف بِخِلَافِ الْغَسْل , وَلَوْ شُرِعَ التَّكْرَار لَصَارَتْ صُورَته صُورَة الْمَغْسُول. وَقَدْ اُتُّفِقَ عَلَى كَرَاهَة غَسْل الرَّأْس بَدَل الْمَسْح وَإِنْ كَانَ مُجْزِئًا , وَأَجَابَ بِأَنَّ الْخِفَّة تَقْتَضِي عَدَم الِاسْتِيعَاب وَهُوَ مَشْرُوع بِالِاتِّفَاقِ فَلْيَكُنْ الْعَدَد كَذَلِكَ , وَجَوَابه وَاضِح. وَمِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّة عَلَى عَدَم الْعَدَد الْحَدِيث الْمَشْهُور الَّذِي صَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ فِي صِفَة الْوُضُوء حَيْثُ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد أَنْ فَرَغَ \" مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ \" فَإِنَّ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور فِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّهُ مَسَحَ رَأْسه مَرَّة وَاحِدَة , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَة فِي مَسْح الرَّأْس عَلَى الْمَرَّة غَيْر مُسْتَحَبَّة , وَيُحْمَل مَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيث فِي تَثْلِيث الْمَسْح - إِنْ صَحَّتْ - عَلَى إِرَادَة الِاسْتِيعَاب بِالْمَسْحِ , لَا أَنَّهَا مَسَحَات مُسْتَقِلَّة لِجَمِيعِ الرَّأْس. جَمْعًا بَيْن هَذِهِ الْأَدِلَّة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لَمْ يَقَع فِي هَذِهِ الرِّوَايَة ذِكْر غَسْل الْوَجْه , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ يَكُون هُوَ مَفْعُول غَسَلَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الشَّكّ مِنْ الرَّاوِي , وَالتَّقْدِير : فَغَسَلَ وَجْهه أَوْ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ. قُلْت : وَلَا يَخْفَى بُعْده. وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيث الْمَذْكُور مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَتهمَا الْمَذْكُورَة وَفِيهَا بَعْد ذِكْر الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق \" ثُمَّ غَسَلَ وَجْهه ثَلَاثًا \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِصَار مِنْ مُسَدَّد , كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّكّ مِنْهُ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَجُوز أَنْ يَكُون حَذَفَ الْوَجْه إِذَا لَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْهُ اِخْتِلَاف , وَذَكَرَ مَا عَدَاهُ لِمَا فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق مِنْ الْإِفْرَاد وَالْجَمْع , وَلِمَا فِي إِدْخَال الْمِرْفَقَيْنِ , وَلِمَا فِي مَسْح جَمِيع الرَّأْس , وَلِمَا فِي الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ , اِنْتَهَى مُلَخَّصًا وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه. ‏"
    },
    {
        "id": "186",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَمِيعًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ التِّنِّيسِيُّ أَحَد رُوَاة الْمُوَطَّأ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ الرِّجَال وَالنِّسَاء ) ‏ ‏ظَاهِره التَّعْمِيم فَاللَّام لِلْجِنْسِ لَا لِلِاسْتِغْرَاقِ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي زَمَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْبُخَارِيّ يَرَى أَنَّ الصَّحَابِيّ إِذَا أَضَافَ الْفِعْل إِلَى زَمَن الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُون حُكْمه الرَّفْع وَهُوَ الصَّحِيح , وَحُكِيَ عَنْ قَوْم خِلَافه لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِع , وَهُوَ ضَعِيف لِتَوَفُّرِ دَوَاعِي الصَّحَابَة عَلَى سُؤَالهمْ إِيَّاهُ عَنْ الْأُمُور الَّتِي تَقَع لَهُمْ وَمِنْهُمْ , وَلَوْ لَمْ يَسْأَلُوهُ لَمْ يُقَرُّوا عَلَى فِعْل غَيْر الْجَائِز فِي زَمَن التَّشْرِيع , فَقَدْ اِسْتَدَلَّ أَبُو سَعِيد وَجَابِر عَلَى إِبَاحَة الْعَزْل بِكَوْنِهِمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَالْقُرْآن يَنْزِل وَلَوْ كَانَ مَنْهِيًّا لَنَهَى عَنْهُ الْقُرْآن , وَزَادَ اِبْن مَاجَهْ عَنْ هِشَام بْن عَمَّار عَنْ مَالِك فِي هَذَا الْحَدِيث \" مِنْ إِنَاء وَاحِد \" , وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" نُدْلِي فِيهِ أَيْدِينَا \" وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الِاغْتِرَاف مِنْ الْمَاء الْقَلِيل لَا يُصَيِّرهُ مُسْتَعْمَلًا لِأَنَّ أَوَانِيَهُمْ كَانَتْ صِغَارًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيّ فِي الْأُمّ فِي عِدَّة مَوَاضِع , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى طَهَارَة الذِّمِّيَّة وَاسْتِعْمَال فَضْل طَهُورهَا وَسُؤْرهَا لِجَوَازِ تَزَوُّجهنَّ وَعَدَم التَّفْرِقَة فِي الْحَدِيث بَيْن الْمُسْلِمَة وَغَيْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( جَمِيعًا ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الْمَاء فِي حَالَة وَاحِدَة , وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ قَوْم أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الرِّجَال وَالنِّسَاء كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ جَمِيعًا فِي مَوْضِع وَاحِد , هَؤُلَاءِ عَلَى حِدَة وَهَؤُلَاءِ عَلَى حِدَة , وَالزِّيَادَة الْمُتَقَدِّمَة فِي قَوْله \" مِنْ إِنَاء وَاحِد \" تَرِد عَلَيْهِ , وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِل اِسْتَبْعَدَ اِجْتِمَاع الرِّجَال وَالنِّسَاء الْأَجَانِب , وَقَدْ أَجَابَ اِبْن التِّين عَنْهُ بِمَا حَكَاهُ عَنْ سَحْنُون أَنَّ مَعْنَاهُ كَانَ الرِّجَال يَتَوَضَّئُونَ وَيَذْهَبُونَ ثُمَّ تَأْتِي النِّسَاء فَيَتَوَضَّأْنَ , وَهُوَ خِلَاف الظَّاهِر مِنْ قَوْله \" جَمِيعًا \" , قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْجَمِيع ضِدّ الْمُفْتَرِق , وَقَدْ وَقَعَ مُصَرَّحًا بِوَحْدَةِ الْإِنَاء فِي صَحِيح اِبْن خُزَيْمَة فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق مُعْتَمِر عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه يَتَطَهَّرُونَ وَالنِّسَاء مَعَهُمْ مِنْ إِنَاء وَاحِد كُلّهمْ يَتَطَهَّر مِنْهُ , وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَاب أَنْ يُقَال : لَا مَانِع مِنْ الِاجْتِمَاع قَبْل نُزُول الْحِجَاب , وَأَمَّا بَعْده فَيَخْتَصّ بِالزَّوْجَاتِ وَالْمَحَارِم. وَنَقَلَ الطَّحَاوِيّ ثُمَّ الْقُرْطُبِيّ وَالنَّوَوِيّ الِاتِّفَاق عَلَى جَوَاز اِغْتِسَال الرَّجُل وَالْمَرْأَة مِنْ الْإِنَاء الْوَاحِد. وَفِيهِ نَظَر , لِمَا حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْهُ , وَكَذَا حَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ قَوْم , وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة عَلَيْهِمْ. وَنَقَلَ النَّوَوِيّ أَيْضًا الِاتِّفَاق عَلَى جَوَاز وُضُوء الْمَرْأَة بِفَضْلِ الرَّجُل دُون الْعَكْس , وَفِيهِ نَظَر أَيْضًا فَقَدْ أَثْبَتَ الْخِلَافَ فِيهِ الطَّحَاوِيّ , وَثَبَتَ عَنْ اِبْن عُمَر وَالشَّعْبِيّ وَالْأَوْزَاعِيِّ الْمَنْع لَكِنْ مُقَيَّدًا بِمَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا , وَأَمَّا عَكْسه فَصَحَّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَرْجِس الصَّحَابِيّ وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُمَا مَنَعُوا التَّطَهُّر بِفَضْلِ الْمَرْأَة , وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق , لَكِنْ قَيَّدَاهُ بِمَا إِذَا خَلَتْ بِهِ لِأَنَّ أَحَادِيث الْبَاب ظَاهِرَة فِي الْجَوَاز إِذَا اِجْتَمَعَا , وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيّ عَنْ أَحْمَد أَنَّ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي مَنْع التَّطَهُّر بِفَضْلِ الْمَرْأَة وَفِي جَوَاز ذَلِكَ مُضْطَرِبَة , قَالَ : لَكِنْ صَحَّ عَنْ عِدَّة مِنْ الصَّحَابَة الْمَنْع فِيمَا إِذَا خَلَتْ بِهِ , وَعُورِضَ بِصِحَّةِ الْجَوَاز عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة مِنْهُمْ اِبْن عَبَّاس وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَشْهَر الْأَحَادِيث فِي ذَلِكَ مِنْ الْجِهَتَيْنِ حَدِيث الْحَكَم بْن عَمْرو الْغِفَارِيِّ فِي الْمَنْع , وَحَدِيث مَيْمُونَة فِي الْجَوَاز. أَمَّا حَدِيث الْحَكَم بْن عَمْرو فَأَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان , وَأَغْرَبَ النَّوَوِيّ فَقَالَ : اِتَّفَقَ الْحُفَّاظ عَلَى تَضْعِيفه. وَأَمَّا حَدِيث مَيْمُونَة فَأَخْرَجَهُ مُسْلِم , لَكِنْ أَعَلَّهُ قَوْم لِتَرَدُّدٍ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار حَيْثُ قَالَ : عِلْمِي وَاَلَّذِي يَخْطِر عَلَى بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاء أَخْبَرَنِي... فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَقَدْ وَرَدَ طَرِيق أُخْرَى بِلَا تَرَدُّد لَكِنَّ رَاوِيهَا غَيْر ضَابِط وَقَدْ خُولِفَ , وَالْمَحْفُوظ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَيْمُونَة كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاء وَاحِد \" , وَفِي الْمَنْع أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِيّ قَالَ : لَقِيت رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَع سِنِينَ فَقَالَ \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَغْتَسِل الْمَرْأَة بِفَضْلِ الرَّجُل أَوْ يَغْتَسِل الرَّجُل بِفَضْلِ الْمَرْأَة وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا \" رِجَاله ثِقَات , وَلَمْ أَقِف لِمَنْ أَعَلَّهُ عَلَى حُجَّة قَوِيَّة , وَدَعْوَى الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُرْسَل مَرْدُودَة لِأَنَّ إِبْهَام الصَّحَابِيّ لَا يَضُرّ , وَقَدْ صَرَّحَ التَّابِعِيّ بِأَنَّهُ لَقِيَهُ , وَدَعْوَى اِبْن حَزْم أَنَّ دَاوُد رَاوِيه عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْد الرَّحْمَن هُوَ اِبْن يَزِيد الْأَوْدِيّ وَهُوَ ضَعِيف مَرْدُودَة , فَإِنَّهُ اِبْن عَبْد اللَّه الْأَوْدِيّ وَهُوَ ثِقَة , وَقَدْ صَرَّحَ بِاسْمِ أَبِيهِ أَبُو دَاوُد وَغَيْره , وَمِنْ أَحَادِيث الْجَوَاز مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن وَالدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَغَيْرهمَا مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ مَيْمُونَة قَالَتْ : أَجْنَبْت فَاغْتَسَلْت مِنْ جَفْنَة , فَفَضَلَتْ فِيهَا فَضْلَة , فَجَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِل مِنْهُ , فَقُلْت لَهُ فَقَالَ \" الْمَاء لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَة \" وَاغْتَسَلَ مِنْهُ. لَفْظ الدَّارَقُطْنِيِّ. وَقَدْ أَعَلَّهُ قَوْم بِسِمَاكِ بْن حَرْب رَاوِيه عَنْ عِكْرِمَة لِأَنَّهُ كَانَ يَقْبَل التَّلْقِين , لَكِنْ قَدْ رَوَاهُ عَنْهُ شُعْبَة وَهُوَ لَا يَحْمِل عَنْ مَشَايِخه إِلَّا صَحِيح حَدِيثهمْ. وَقَوْل أَحْمَد : إِنَّ الْأَحَادِيث مِنْ الطَّرِيقَيْنِ مُضْطَرِبَة إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ عِنْد تَعَذُّر الْجَمْع , وَهُوَ مُمْكِن بِأَنْ تُحْمَل أَحَادِيث النَّهْي عَلَى مَا تَسَاقَطَ مِنْ الْأَعْضَاء , وَالْجَوَاز عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ الْمَاء , وَبِذَلِكَ جَمَعَ الْخَطَّابِيُّ , أَوْ يُحْمَل النَّهْي عَلَى التَّنْزِيه جَمْعًا بَيْن الْأَدِلَّة. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "187",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ لَا ‏ ‏أَعْقِلُ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنْ الْمِيرَاثُ إِنَّمَا يَرِثُنِي ‏ ‏كَلَالَةٌ ‏ ‏فَنَزَلَتْ ‏ ‏آيَةُ الْفَرَائِضِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَعُودنِي ) ‏ ‏زَادَ الْمُصَنِّف فِي الطِّبّ \" مَاشِيًا \" ‏ ‏قَوْله ( لَا أَعْقِل ) ‏ ‏أَيْ : لَا أَفْهَم , وَحَذَفَ مَفْعُوله إِشَارَة إِلَى عِظَم الْحَال , أَيْ : لَا أَعْقِل شَيْئًا , وَصَرَّحَ بِهِ فِي التَّفْسِير , وَلَهُ فِي الطِّبّ \" فَوَجَدَنِي قَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ \" وَهُوَ الْمُطَابِق لِلتَّرْجَمَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ وَضُوئِهِ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد صَبَّ عَلَيَّ بَعْض الْمَاء الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَوْ مِمَّا بَقِيَ مِنْهُ , وَالْأَوَّل الْمُرَاد , فَلِلْمُصَنِّفِ فِي الِاعْتِصَام \" ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ \" فَتَوَضَّأَ وَصَبَّهُ عَلَيَّ \" ‏ ‏قَوْله : ( لِمَنْ الْمِيرَاث ) ‏ ‏اللَّام بَدَل مِنْ الْمُضَاف إِلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ مِيرَاثِي , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي الِاعْتِصَام أَنَّهُ قَالَ \" كَيْف أَصْنَع فِي مَالِي \" وَالْمُرَاد بِآيَةِ الْفَرَائِض هُنَا قَوْله تَعَالَى ( يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَة ) كَمَا سَيَأْتِي مُبَيَّنًا فِي التَّفْسِير , وَيُذْكَر هُنَاكَ بَقِيَّة مَبَاحِثه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "188",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَقَامَ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الدَّارِ إِلَى أَهْلِهِ وَبَقِيَ قَوْمٌ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمِخْضَبٍ ‏ ‏مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ مَاءٌ فَصَغُرَ ‏ ‏الْمِخْضَبُ ‏ ‏أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ قُلْنَا كَمْ كُنْتُمْ قَالَ ثَمَانِينَ وَزِيَادَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُنِير ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْر النُّون بَعْدهَا يَاء خَفِيفَة كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمُقَدِّمَة لَكِنْ وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" اِبْن الْمُنِير \" بِزِيَادَةِ الْأَلِف وَاللَّام , فَقَدْ يَلْتَبِس بِابْنِ الْمُنَيَّر الَّذِي نَنْقُل عَنْهُ فِي هَذَا الشَّرْح لَكِنَّهُ بِتَثْقِيلِ الْيَاء وَنُون مَفْتُوحَة , وَهُوَ مُتَأَخِّر عَنْ هَذَا الرَّاوِي بِأَكْثَر مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ سَنَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَضَرَتْ الصَّلَاة ) ‏ ‏هِيَ الْعَصْر. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى أَهْله ) ‏ ‏أَيْ : لِإِرَادَةِ الْوُضُوء ‏ ‏( وَبَقِيَ قَوْم ) ‏ ‏أَيْ : عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , \" وَمِنْ \" فِي قَوْله \" مِنْ حِجَارَة \" لِبَيَانِ الْجِنْس. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَغُرَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الصَّاد الْمُهْمَلَة وَضَمّ الْغَيْن الْمُعْجَمَة أَيْ : لَمْ يَسَعْ بَسْط كَفّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَبْسُط كَفّه مِنْ صِغَر الْمِخْضَب \" وَهُوَ دَالّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ إِنَّ الْمِخْضَب قَدْ يُطْلَق عَلَى الْإِنَاء الصَّغِير , وَمَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث تَقَدَّمَتْ فِي بَاب اِلْتِمَاس الْوَضُوء , وَبَاقِي الْكَلَام عَلَيْهِ يَأْتِي فِي عَلَامَات النُّبُوَّة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف هُنَاكَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُنِير أَيْضًا لَكِنَّهُ قَالَ \" عَنْ يَزِيد بْن هَارُون \" بَدَل عَبْد اللَّه بْن بَكْر , فَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخَيْنِ , حَدَّثَهُ كُلّ مِنْهُمَا بِهِ عَنْ حُمَيْدٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "189",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ ‏ ‏وَمَجَّ ‏ ‏فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ بُرَيْد ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاء مُصَغَّرًا هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي بُرْدَة , وَالْقَدْر الْمَذْكُور مِنْ الْمَتْن تَقَدَّمَ بَعْضه مُعَلَّقًا فِي بَاب اِسْتِعْمَال فَضْل وَضُوء النَّاس , وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْغَرَض مِنْهُ ذِكْر الْقَدَح وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "190",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَحْمَد بْن يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس نُسِبَ إِلَى جَدّه , وَعَبْد الْعَزِيز شَيْخه هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَلَمَة نُسِبَ إِلَى جَدّه أَيْضًا , فَاتَّفَقَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُنْسَب إِلَى جَدّه وَفِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اِسْم أَبِيهِ عَبْد اللَّه وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُكَنَّى أَبَا عَبْد اللَّه وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ثِقَة حَافِظ فَقِيه. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏, وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَأَبِي الْوَقْت \" أَتَانَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَغَسَلَ وَجْهه ) ‏ ‏تَفْسِير لِقَوْلِهِ فَتَوَضَّأَ , وَفِيهِ حَذْف تَقْدِيره فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بَاقِي الرِّوَايَات , وَالْمَخْرَج مُتَّحِد , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه , وَأَنَّ عَبْد الْعَزِيز هَذَا زَادَ فِي رِوَايَته أَنَّ التَّوْر كَانَ مِنْ صُفْر أَيْ : نُحَاس جَيِّد. ‏"
    },
    {
        "id": "191",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا ‏ ‏ثَقُلَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ ‏ ‏عَبَّاسٍ ‏ ‏وَرَجُلٍ آخَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ أَتَدْرِي مَنْ الرَّجُلُ الْآخَرُ قُلْتُ لَا قَالَ هُوَ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَكَانَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏تُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ بَعْدَمَا دَخَلَ بَيْتَهُ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ ‏ ‏هَرِيقُوا ‏ ‏عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ وَأُجْلِسَ فِي ‏ ‏مِخْضَبٍ ‏ ‏لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏طَفِقْنَا ‏ ‏نَصُبُّ عَلَيْهِ تِلْكَ حَتَّى ‏ ‏طَفِقَ ‏ ‏يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا ثَقُلَ ) ‏ ‏أَيْ : فِي الْمَرَض , وَهُوَ بِضَمِّ الْقَاف بِوَزْنِ صَغُرَ قَالَهُ فِي الصِّحَاح , وَفِي الْقَامُوس لِشَيْخِنَا : ثَقِلَ كَفَرِحَ فَهُوَ ثَاقِل وَثَقِيل اِشْتَدَّ مَرَضه , فَلَعَلَّ فِي النُّسْخَة سَقْطًا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فِي أَنْ يُمَرَّض ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء الثَّقِيلَة , أَيْ : يُخْدَم فِي مَرَضه. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَذِنَّ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد النُّون الْمَفْتُوحَة أَيْ : الْأَزْوَاج , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْقَسْم كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فَعَلَ ذَلِكَ تَطْيِيبًا لَهُنَّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الرَّاوِي لَهُ عَنْ عَائِشَة , وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور بِغَيْرِ أَدَاة عَطْف. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف أَيْضًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( هَرِيقُوا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْأَصِيلِيِّ \" أَهْرِيقُوا \" بِزِيَادَةِ الْهَمْزَة , قَالَ اِبْن التِّين هُوَ بِإِسْكَانِ الْهَاء , وَنُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ أَهْرَاقَ يُهْرِيق إهْرِيَاقًا مِثْل أَسْطَاعَ يُسْطِيع اسْطِيَاعًا بِقَطْعِ الْأَلِف وَفَتْحهَا فِي الْمَاضِي وَضَمّ الْيَاء فِي الْمُسْتَقْبَل وَهِيَ لُغَة فِي أَطَاعَ يُطِيع فَجُعِلَتْ السِّين وَالْهَاء عِوَضًا مِنْ ذَهَاب حَرَكَة عَيْن الْفِعْل , وَرُوِيَ بِفَتْحِ الْهَاء وَاسْتَشْكَلَهُ , وَيُوَجَّه بِأَنَّ الْهَاء مُبْدَلَة مِنْ الْهَمْزَة لِأَنَّ أَصْل هَرَاقَ أَرَاقَ ثُمَّ اُجْتُلِبَتْ الْهَمْزَة فَتَحْرِيك الْهَاء عَلَى إِبْقَاء الْبَدَل وَالْمُبْدَل مِنْهُ وَلَهُ نَظَائِر , وَذَكَرَ لَهُ الْجَوْهَرِيّ تَوْجِيهًا آخَر وَأَنَّ أَصْله أَأَرِيقُوا فَأُبْدِلَتْ الْهَمْزَة الثَّانِيَة هَاء لِلْخِفَّةِ , وَجَزَمَ ثَعْلَب فِي الْفَصِيح بِأَنَّ أَهَرِيقَهُ بِفَتْحِ الْهَاء وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ سَبْع قِرَب ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُشْبِه أَنْ يَكُون خَصَّ السَّبْع تَبَرُّكًا بِهَذَا الْعَدَد ; لِأَنَّ لَهُ دُخُولًا فِي كَثِير مِنْ أُمُور الشَّرِيعَة وَأَصْل الْخِلْقَة. وَفِي رِوَايَة لِلطَّبَرَانِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" مِنْ آبَار شَتَّى \" وَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ لِلتَّدَاوِي لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة أُخْرَى فِي الصَّحِيح \" لَعَلِّي أَسْتَرِيح فَأَعْهَد \" أَيْ : أُوصِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَأُجْلِسَ فِي مِخْضَب حَفْصَة ) ‏ ‏زَادَ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَنَّهُ كَانَ مِنْ نُحَاس , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى الرَّدّ عَلَى مَنْ كَرِهَ الِاغْتِسَال فِيهِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن عُمَر , وَقَالَ عَطَاء : إِنَّمَا كَرِهَ مِنْ النُّحَاس رِيحه. ‏ ‏قَوْله : ( نَصُبّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ ) ‏ ‏أَيْ : الْقِرَب السَّبْع. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى طَفِقَ ) ‏ ‏يُقَال طَفِقَ يَفْعَل كَذَا إِذَا شَرَعَ فِي فِعْل وَاسْتَمَرَّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاس ) ‏ ‏زَادَ الْمُصَنِّف مِنْ طَرِيق عَقِيل عَنْ الزُّهْرِيّ \" فَصَلَّى بِهِمْ وَخَطَبَهُمْ ثُمَّ خَرَجَ \" وَهُوَ فِي بَاب الْوَفَاة فِي آخِر كِتَاب الْمَغَازِي , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة مَبَاحِثه هُنَاكَ , وَعَلَى مَا فِيهِ مِنْ أَحْكَام الْإِمَامَة فِي بَاب حَدّ الْمَرِيض أَنْ يَشْهَد الْجَمَاعَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "192",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ عَمِّي يُكْثِرُ مِنْ الْوُضُوءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏أَخْبِرْنِيا ‏ ‏كَيْفَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَوَضَّأُ ‏ ‏فَدَعَا ‏ ‏بِتَوْرٍ ‏ ‏مِنْ مَاءٍ فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مِرَارٍ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي ‏ ‏التَّوْرِ ‏ ‏فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاغْتَرَفَ بِهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَدْبَرَ بِهِ وَأَقْبَلَ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ فَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَوَضَّأُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ عَمِّي ) ‏ ‏هُوَ عَمْرو بْن أَبِي حَسَن كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ عَمّه عَلَى الْحَقِيقَة. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أَدْخَلَ يَده فِي التَّوْر فَمَضْمَضَ ) ‏ ‏فِيهِ حَذْف تَقْدِيره ثُمَّ أَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ غَرْفَة وَاحِدَة ) ‏ ‏يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ \" فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ \" وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنهمَا ثَلَاث مَرَّات كُلّ مَرَّة مِنْ غَرْفَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ \" ثَلَاث مَرَّات \" وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنهمَا ثَلَاث مَرَّات مِنْ غَرْفَة وَاحِدَة , وَالْأَوَّل مُوَافِق لِبَاقِي الرِّوَايَات فَهُوَ أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ ) ‏ ‏أَيْ : عَبْد اللَّه بْن زَيْد ‏ ‏( هَكَذَا ) ‏ ‏هَذِهِ الزِّيَادَة صَرِيحَة فِي رَفْع الْحَدِيث وَإِنْ كَانَ أَوَّل سِيَاق الْحَدِيث يَدُلّ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "193",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَأُتِيَ بِقَدَحٍ ‏ ‏رَحْرَاحٍ ‏ ‏فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَحَزَرْتُ ‏ ‏مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَمَّاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد وَلَمْ يَسْمَع مُسَدَّد مِنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( رَحْرَاح ) ‏ ‏بِمُهْمَلَاتٍ الْأُولَى مَفْتُوحَة بَعْدهَا سُكُون أَيْ : مُتَّسِع الْفَم , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الرَّحْرَاح الْإِنَاء الْوَاسِع الصَّحْن الْقَرِيب الْقَعْر وَمِثْله لَا يَسَع الْمَاء الْكَثِير فَهُوَ أَدَلّ عَلَى عِظَم الْمُعْجِزَة. قُلْت : وَهَذِهِ الصِّفَة شَبِيهَة بِالطَّسْتِ , وَبِهَذَا يَظْهَر مُنَاسَبَة هَذَا الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ. وَرَوَى اِبْن خُزَيْمَةَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَحْمَد بْن عَبْدَة عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد فَقَالَ بَدَل رَحْرَاح \" زُجَاج \" بِزَايٍ مَضْمُومَة وَجِيمَيْنِ , وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْوُضُوء مِنْ آنِيَّة الزُّجَاج ضِدّ قَوْل مَنْ زَعَمَ مِنْ الْمُتَصَوِّفَة أَنَّ ذَلِكَ إِسْرَاف لِإِسْرَاعِ الْكَسْر إِلَيْهِ. قُلْت : وَهَذِهِ اللَّفْظَة تَفَرَّدَ بِهَا أَحْمَد بْن عَبْدَة , وَخَالَفَهُ أَصْحَاب حَمَّاد بْن زَيْد فَقَالُوا رَحْرَاح , وَقَالَ بَعْضهمْ \" وَاسِع الْفَم \" وَهِيَ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن نَاجِيَة عَنْ مُحَمَّد بْن مُوسَى وَإِسْحَاق بْن أَبِي إِسْرَائِيل وَأَحْمَد بْن عَبْدَة كُلّهمْ عَنْ حَمَّاد , وَكَأَنَّهُ سَاقَهُ عَلَى لَفْظ مُحَمَّد بْن مُوسَى , وَصَرَّحَ جَمْع مِنْ الْحُذَّاق بِأَنَّ أَحْمَد بْن عَبْدَة صَحَّفَهَا , وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّهُ أَتَى فِي رِوَايَته بِقَوْلِهِ \" أَحْسَبهُ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُتْقِنهُ , فَإِنْ كَانَ ضَبَطَهُ فَلَا مُنَافَاة بَيْن رِوَايَته وَرِوَايَة الْجَمَاعَة لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا وَصَفُوا هَيْئَته وَذَكَرَ هُوَ جِنْسه. وَفِي مُسْنَد أَحْمَد عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْمُقَوْقِس أَهْدَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَحًا مِنْ زُجَاج , لَكِنْ فِي إِسْنَاده مَقَال. ‏ ‏قَوْله \" فَحَزَرْت \" ‏ ‏بِتَقْدِيمِ الزَّاي أَيْ : قَدَّرْت , وَتَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة حُمَيْدٍ أَنَّهُمْ كَانُوا ثَمَانِينَ وَزِيَادَة , وَهُنَا قَالَ مَا بَيْن السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ , وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ أَنَسًا لَمْ يَكُنْ يَضْبِط الْعِدَّة بَلْ كَانَ يَتَحَقَّق أَنَّهَا تُنِيف عَلَى السَّبْعِينَ وَيَشُكّ هَلْ بَلَغَتْ الْعَقْد الثَّامِن أَوْ تَجَاوَزَتْهُ , فَرُبَّمَا جَزَمَ بِالْمُجَاوَزَةِ حَيْثُ يَغْلِب ذَلِكَ عَلَى ظَنّه. وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى رَدّ قَوْل مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَاب الرَّأْي : إِنَّ الْوُضُوء مُقَدَّر بِقَدْرٍ مِنْ الْمَاء مُعَيَّن , وَوَجْه الدَّلَالَة أَنَّ الصَّحَابَة اِغْتَرَفُوا مِنْ ذَلِكَ الْقَدَح مِنْ غَيْر تَقْدِير ; لِأَنَّ الْمَاء النَّابِع لَمْ يَكُنْ قَدْره مَعْلُومًا لَهُمْ فَدَلَّ عَلَى عَدَم التَّقْدِير , وَبِهَذَا يَظْهَر مُنَاسَبَة تَعْقِيب الْمُصَنِّف هَذَا الْحَدِيث بِبَابِ الْوُضُوء بِالْمُدِّ , وَالْمُدّ إِنَاء يَسَع رِطْلًا وَثُلُثًا بِالْبَغْدَادِيِّ , قَالَهُ جُمْهُور أَهْل الْعِلْم , وَخَالَفَ بَعْض الْحَنَفِيَّة فَقَالُوا الْمُدّ رِطْلَانِ. ‏"
    },
    {
        "id": "194",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ جَبْرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَغْسِلُ أَوْ كَانَ ‏ ‏يَغْتَسِلُ ‏ ‏بِالصَّاعِ ‏ ‏إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِبْن جَبْر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْمُوَحَّدَة , وَمَنْ قَالَهُ بِالتَّصْغِيرِ فَقَدْ صَحَّفَ ; لِأَنَّ اِبْن جُبَيْر وَهُوَ سَعِيد لَا رِوَايَة لَهُ عَنْ أَنَس فِي هَذَا الْكِتَاب , وَالرَّاوِي هُنَا هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن جَبْر بْن عَتِيك الْأَنْصَارِيّ , وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ قَالَ : حَدَّثَنَا مِسْعَر حَدَّثَنِي شَيْخ مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ اِبْن جَبْر. وَفِي الْإِسْنَاد كُوفِيَّانِ أَبُو نُعَيْمٍ وَشَيْخه , وَبَصْرِيَّانِ أَنَس وَالرَّاوِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( يَغْسِل ) ‏ ‏أَيْ : جَسَده , وَالشَّكّ فِيهِ مِنْ الْبُخَارِيّ أَوْ مِنْ أَبِي نُعَيْمٍ لَمَّا حَدَّثَهُ بِهِ , فَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي نُعَيْمٍ فَقَالَ \" يَغْتَسِل \" وَلَمْ يَشُكّ. ‏ ‏قَوْله : ( بِالصَّاعِ ) ‏ ‏هُوَ إِنَاء يَسَع خَمْسَة أَرْطَال وَثُلُثًا بِالْبَغْدَادِيِّ , وَقَالَ بَعْض الْحَنَفِيَّة ثَمَانِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى خَمْسَة أَمْدَاد ) ‏ ‏أَيْ كَانَ رُبَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى الصَّاع وَهُوَ أَرْبَعَة أَمْدَاد , وَرُبَّمَا زَادَ عَلَيْهَا إِلَى خَمْسَة , فَكَأَنَّ أَنَسًا لَمْ يَطَّلِع عَلَى أَنَّهُ اِسْتَعْمَلَ فِي الْغَسْل أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا النِّهَايَة , وَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِل هِيَ وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاء وَاحِد هُوَ الْفَرَق , قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ وَالشَّافِعِيّ وَغَيْرهمَا : هُوَ ثَلَاثَة آصُع , وَرَوَى مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيثهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِل مِنْ إِنَاء يَسَع ثَلَاثَة أَمْدَاد , فَهَذَا يَدُلّ عَلَى اِخْتِلَاف الْحَال فِي ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَة , وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ قَدَّرَ الْوُضُوء وَالْغُسْل بِمَا ذَكَرَ فِي حَدِيث الْبَاب كَابْنِ شَعْبَان مِنْ الْمَالِكِيَّة , وَكَذَا مَنْ قَالَ بِهِ مِنْ الْحَنَفِيَّة مَعَ مُخَالَفَتهمْ لَهُ فِي مِقْدَار الْمُدّ وَالصَّاع , وَحَمَلَهُ الْجُمْهُور عَلَى الِاسْتِحْبَاب لِأَنَّ أَكْثَر مَنْ قَدَّرَ وُضُوءَهُ وَغُسْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّحَابَة قَدَّرَهُمَا بِذَلِكَ , فَفِي مُسْلِم عَنْ سَفِينَة مِثْله , وَلِأَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ جَابِر مِثْله , وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة وَابْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَغَيْرهمْ , وَهَذَا إِذَا لَمْ تَدْعُ الْحَاجَة إِلَى الزِّيَادَة , وَهُوَ أَيْضًا فِي حَقّ مَنْ يَكُون خَلْقه مُعْتَدِلًا , وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّف فِي أَوَّل كِتَاب الْوُضُوء بِقَوْلِهِ \" وَكَرِهَ أَهْل الْعِلْم الْإِسْرَاف فِيهِ وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "195",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو النَّضْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ‏ ‏وَأَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏سَأَلَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ نَعَمْ إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًا ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏عَنْ النَّبِيّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو النَّضْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَصْبَغ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ اِخْتَارَ الرِّوَايَة عَنْهُ لِهَذَا الْحَدِيث لِقَوْلِهِ \" الْمَسْح عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَكَابِر أَصْحَابه فِي الْحَضَر أَثْبَت عِنْدنَا وَأَقْوَى مِنْ أَنْ نَتْبَع مَالِكًا عَلَى خِلَافه \". وَعَمْرو هُوَ اِبْن الْحَارِث , وَهُوَ وَمَنْ دُونه ثَلَاثَة مِصْرِيُّونَ , وَاَلَّذِينَ فَوْقه ثَلَاثَة مَدَنِيُّونَ , وَالْإِسْنَاد رِوَايَة تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ : أَبُو النَّضْر عَنْ أَبِي سَلَمَة , وَصَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَّ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر فَهُوَ مَوْصُول إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّ أَبَا سَلَمَة سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ عَبْد اللَّه وَإِلَّا فَأَبُو سَلَمَة لَمْ يُدْرِك الْقِصَّة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي النَّضْر عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : \" رَأَيْت سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص يَمْسَح عَلَى خُفَّيْهِ بِالْعِرَاقِ حِين تَوَضَّأَ فَأَنْكَرْت ذَلِكَ عَلَيْهِ , فَلَمَّا اِجْتَمَعْنَا عِنْد عُمَر قَالَ لِي سَعْد : سَلْ أَبَاك \" فَذَكَرَ الْقِصَّة. وَرَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر نَحْوه وَفِيهِ أَنَّ عُمَر قَالَ \" كُنَّا وَنَحْنُ مَعَ نَبِيّنَا نَمْسَح عَلَى خِفَافنَا لَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا تَسْأَل عَنْهُ غَيْره ) ‏ ‏أَيْ لِقُوَّةِ الْوُثُوق بِنَقْلِهِ , فَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الصِّفَات الْمُوجِبَة لِلتَّرْجِيحِ إِذَا اِجْتَمَعَتْ فِي الرَّاوِي كَانَتْ مِنْ جُمْلَة الْقَرَائِن الَّتِي إِذَا حَفَّتْ خَبَر الْوَاحِد قَامَتْ مَقَام الْأَشْخَاص الْمُتَعَدِّدَة , وَقَدْ يُفِيد الْعِلْم عِنْد الْبَعْض دُون الْبَعْض , وَعَلَى أَنَّ عُمَر كَانَ يَقْبَل خَبَر الْوَاحِد , وَمَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ التَّوَقُّف إِنَّمَا كَانَ عِنْد وُقُوع رِيبَة لَهُ فِي بَعْض الْمَوَاضِع , وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِتَفَاوُتِ رُتَب الْعَدَالَة وَدُخُول التَّرْجِيح فِي ذَلِكَ عِنْد التَّعَارُض , وَيُمْكِن إِبْدَاء الْفَارِق فِي ذَلِكَ بَيْن الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة , وَفِيهِ تَعْظِيم عَظِيم مِنْ عُمَر لِسَعْدٍ , وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابِيّ الْقَدِيم الصُّحْبَة قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ الْأُمُور الْجَلِيَّة فِي الشَّرْع مَا يَطَّلِع عَلَيْهِ غَيْره ; لِأَنَّ اِبْن عُمَر أَنْكَرَ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ مَعَ قَدِيم صُحْبَته وَكَثْرَة رِوَايَته , وَقَدْ رَوَى قِصَّته مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ نَافِع وَعَبْد اللَّه بْن دِينَار أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ \" أَنَّ اِبْن عُمَر قَدِمَ الْكُوفَة عَلَى سَعْد وَهُوَ أَمِيرهَا فَرَآهُ يَمْسَح عَلَى الْخُفَّيْنِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ سَعْد سَلْ أَبَاك \" فَذَكَرَ الْقِصَّة. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن عُمَر إِنَّمَا أَنْكَرَ الْمَسْح فِي الْحَضَر لَا فِي السَّفَر لِظَاهِرِ هَذِهِ الْقِصَّة , وَمَعَ ذَلِكَ فَالْفَائِدَة بِحَالِهَا. وَاَللَّه أَعْلَم ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُوسَى بْن عُقْبَة ) ‏ ‏هَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَفِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ عَلَى الْوِلَاء أَوَّلهمْ مُوسَى , وَمُوسَى وَأَبُو النَّضْر قَرِينَانِ مَدَنِيَّانِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ سَعْدًا حَدَّثَهُ ) ‏ ‏أَيْ : حَدَّثَ أَبَا سَلَمَة , وَالْمُحَدَّث بِهِ مَحْذُوف تَبَيَّنَ مِنْ الرِّوَايَة الْمَوْصُولَة أَنَّ لَفْظه \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الْمُقَدَّر. ‏ ‏قَوْله : ( نَحْوه ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ مَقُول الْقَوْل , وَظَهَرَ أَنَّ قَوْل عُمَر فِي هَذِهِ الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة بِمَعْنَى الرِّوَايَة الَّتِي وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف لَا بِلَفْظِهَا. وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة وَلَفْظه \" وَأَنَّ عُمَر قَالَ لِعَبْدِ اللَّه - أَيْ : اِبْنه كَأَنَّهُ يَلُومهُ - إِذَا حَدَّثَك سَعْد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَبْتَغِ وَرَاء حَدِيثه شَيْئًا. ‏"
    },
    {
        "id": "196",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَاتَّبَعَهُ ‏ ‏الْمُغِيرَةُ ‏ ‏بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ فَتَوَضَّأَ ‏ ‏وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اللَّيْث ) ‏ ‏بْن سَعْد ‏ ‏( عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْهُ فِي بَاب الرَّجُل يُوَضِّئ صَاحِبه , وَأَنَّ فِيهِ أَرْبَعَة مِنْ التَّابِعِينَ عَلَى الْوِلَاء. وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اللَّيْث فَقَالَ : عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة بَدَل يَحْيَى بْن سَعِيد , وَسِيَاقه أَتَمّ , فَكَأَنَّ لِلَّيْثِ فِيهِ شَيْخَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ ) ‏ ‏فِي الْبَاب الَّذِي بَعْد هَذَا أَنَّهُ كَانَ فِي سَفَر , وَفِي الْمَغَازِي أَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك عَلَى تَرَدُّد فِي ذَلِكَ مِنْ رُوَاته. وَلِمَالِك وَأَحْمَد وَأَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيق عَبَّاد بْن زِيَاد عَنْ عُرْوَة بْن الْمُغِيرَة أَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك بِلَا تَرَدُّد , وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْد صَلَاة الْفَجْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَاتَّبَعَهُ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاة الْمَفْتُوحَة , وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْ الْمُغِيرَة فِي الْجِهَاد وَغَيْره أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يَتْبَعهُ بِالْإِدَاوَةِ , وَزَادَ \" فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حَاجَته , ثُمَّ أَقْبَلَ فَتَوَضَّأَ \" وَعِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الْمُغِيرَة أَنَّ الْمَاء الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَخَذَهُ الْمُغِيرَة مِنْ أَعْرَابِيَّة صَبَّتْهُ لَهُ مِنْ قِرْبَة كَانَتْ جِلْد مَيْتَة , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ \" سَلْهَا فَإِنْ كَانَتْ دَبَغَتْهَا فَهُوَ طَهُور \" وَأَنَّهَا قَالَتْ : أَيْ : وَاَللَّه لَقَدْ دَبَغْتهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَوَضَّأَ ) ‏ ‏زَادَ فِي الْجِهَاد \" وَعَلَيْهِ جُبَّة شَامِيَّة \" وَلِأَبِي دَاوُدَ \" مِنْ صُوف مِنْ جِبَاب الرُّوم \" , وَزَادَ الْمُصَنِّف فِي الطَّرِيق الَّذِي فِي \" بَاب الرَّجُل يُوَضِّئ صَاحِبه \" : \" فَغَسَلَ وَجْهه وَيَدَيْهِ \" وَالْفَاء فِي فَغَسَلَ تَفْصِيلِيَّة , وَتَبَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَوَضَّأَ أَيْ : بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَة , لَا أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيّ عَلَى الِاقْتِصَار عَلَى فُرُوض الْوُضُوء دُون سُنَنه , لَا سِيَّمَا فِي حَال مَظِنَّة قِلَّة الْمَاء كَالسَّفَرِ , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهَا فَلَمْ يَذْكُرهَا الْمُغِيرَة , قَالَ : وَالظَّاهِر خِلَافه. قُلْت بَلْ فَعَلَهَا وَذَكَرَهَا الْمُغِيرَة , فَفِي رِوَايَة أَحْمَد مِنْ طَرِيق عَبَّاد بْن زِيَاد الْمَذْكُورَة \" أَنَّهُ غَسَلَ كَفَّيْهِ \" , وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر قَوِيّ \" فَغَسَلَهُمَا فَأَحْسَنَ غَسْلهمَا \" قَالَ : وَأَشُكّ أَقَالَ دَلَكَهُمَا بِتُرَابٍ أَمْ لَا. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَاد \" أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهه \" زَادَ أَحْمَد \" ثَلَاث مَرَّات , فَذَهَبَ يُخْرِج يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ فَكَانَا ضَيِّقَيْنِ , فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْت الْجُبَّة \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْه آخَر \" وَأَلْقَى الْجُبَّة عَلَى مَنْكِبَيْهِ \" وَلِأَحْمَد \" فَغَسَلَ يَده الْيَمِين ثَلَاث مَرَّات وَيَده الْيُسْرَى ثَلَاث مَرَّات \" وَلِلْمُصَنِّفِ \" وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ \" وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَته وَعَلَى الْخُفَّيْنِ \" وَسَيَأْتِي قَوْله \" إِنِّي أَدْخَلْتهمَا طَاهِرَتَيْنِ \" فِي الْبَاب الَّذِي بَعْد هَذَا. وَحَدِيث الْمُغِيرَة هَذَا ذَكَرَ الْبَزَّار أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ سِتُّونَ رَجُلًا , وَقَدْ لَخَّصْت مَقَاصِد طُرُقه الصَّحِيحَة فِي هَذِهِ الْقِطْعَة , وَفِيهِ مِنْ الْفَوَائِد الْإِبْعَاد عِنْد قَضَاء الْحَاجَة , وَالتَّوَارِي عَنْ الْأَعْيُن , وَاسْتِحْبَاب الدَّوَام عَلَى الطَّهَارَة لِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُغِيرَة أَنْ يَتْبَعهُ بِالْمَاءِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَنْجِ بِهِ وَإِنَّمَا تَوَضَّأَ بِهِ حِين رَجَعَ , وَفِيهِ جَوَاز الِاسْتِعَانَة كَمَا شُرِحَ فِي بَابه , وَغَسْل مَا يُصِيب الْيَد مِنْ الْأَذَى عِنْد الِاسْتِجْمَار , وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي إِزَالَته بِغَيْرِ الْمَاء , وَالِاسْتِعَانَة عَلَى إِزَالَة الرَّائِحَة بِالتُّرَابِ وَنَحْوه. وَقَدْ يُسْتَنْبَط مِنْهُ أَنَّ مَا اِنْتَشَرَ عَنْ الْمُعْتَاد لَا يُزَال إِلَّا بِالْمَاءِ , وَفِيهِ الِانْتِفَاع بِجُلُودِ الْمَيْتَة إِذَا دُبِغَتْ , وَالِانْتِفَاع بِثِيَابِ الْكُفَّار حَتَّى تَتَحَقَّق نَجَاسَتهَا لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَ الْجُبَّة الرُّومِيَّة وَلَمْ يَسْتَفْصِل , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيّ عَلَى أَنَّ الصُّوف لَا يَنْجُس بِالْمَوْتِ لِأَنَّ الْجُبَّة كَانَتْ شَامِيَّة وَكَانَتْ الشَّام إِذْ ذَاكَ دَار كُفْر وَمَأْكُول أَهْلهَا الْمَيْتَات , كَذَا قَالَ. وَفِيهِ الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ مَنْسُوخ بِآيَةِ الْوُضُوء الَّتِي فِي الْمَائِدَة لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي غَزْوَة الْمُرَيْسِيع وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّة فِي غَزْوَة تَبُوك , وَهِيَ بَعْدهَا بِاتِّفَاقٍ , وَسَيَأْتِي حَدِيث جَرِير الْبَجَلِيّ فِي مَعْنَى ذَلِكَ فِي كِتَاب الصَّلَاة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَفِيهِ التَّشْمِير فِي السَّفَر , وَلُبْس الثِّيَاب الضَّيِّقَة فِيهِ لِكَوْنِهَا أَعْوَن عَلَى ذَلِكَ , وَفِيهِ الْمُوَاظَبَة عَلَى سُنَن الْوُضُوء حَتَّى فِي السَّفَر , وَفِيهِ قَبُول خَبَر الْوَاحِد فِي الْأَحْكَام وَلَوْ كَانَتْ اِمْرَأَة , سَوَاء كَانَ ذَلِكَ فِيمَا تَعُمّ بِهِ الْبَلْوَى أَمْ لَا ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَ خَبَر الْأَعْرَابِيَّة كَمَا تَقَدَّمَ. وَفِيهِ أَنَّ الِاقْتِصَار عَلَى غَسْل مُعْظَم الْمَفْرُوض غَسْله لَا يُجْزِئ لِإِخْرَاجِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْت الْجُبَّة وَلَمْ يَكْتَفِ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُمَا بِالْمَسْحِ عَلَيْهِ , وَقَدْ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوب تَعْمِيم مَسْح الرَّأْس لِكَوْنِهِ كَمَّلَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَة وَلَمْ يَكْتَفِ بِالْمَسْحِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ ذِرَاعَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "197",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ ‏ ‏وَأَبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( شَيْبَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَة حَدَّثَنِي جَعْفَر بْن عَمْرو بْن أُمَيَّة. وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ عَلَى الْوِلَاء أَوَّلهمْ يَحْيَى وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير , وَأَبُو سَلَمَة وَجَعْفَر قَرِينَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَابَعَهُ ) ‏ ‏أَيْ تَابَعَ شَيْبَانَ ‏ ‏( حَرْب ) ‏ ‏وَهُوَ اِبْن شَدَّاد , وَحَدِيثه مَوْصُول عِنْد النَّسَائِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد الْعَطَّار وَهُوَ مَعْطُوف عَلَى حَرْب , وَحَدِيثه مَوْصُول عِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "198",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏لِأَحْمَد عَنْ أَبِي الْمُغِيرَة عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي يَحْيَى. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى عِمَامَته وَخُفَّيْهِ ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَهُوَ مَشْهُور عَنْهُ. وَأَسْقَطَ بَعْض الرُّوَاة عَنْهُ جَعْفَرًا مِنْ الْإِسْنَاد , وَهُوَ خَطَأ قَالَهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَابَعَهُ ) ‏ ‏أَيْ : تَابَعَ الْأَوْزَاعِيَّ ‏ ‏( مَعْمَرٌ ) ‏ ‏اِبْن رَاشِد فِي الْمَتْن لَا فِي الْإِسْنَاد , وَهَذَا هُوَ السَّبَب فِي سِيَاق الْمُصَنِّف الْإِسْنَاد ثَانِيًا لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَة مَعْمَر ذِكْر جَعْفَر , وَذَكَرَ أَبُو ذَرّ فِي رِوَايَته لَفْظ الْمَتْن وَهُوَ قَوْله \" يَمْسَح عَلَى عِمَامَته \" زَادَ الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَخُفَّيْهِ \" وَسَقَطَ ذِكْر الْمَتْن مِنْ سَائِر الرِّوَايَات فِي الصَّحِيح , وَرَاوِيَة مَعْمَر قَدْ أَخْرَجَهَا عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفه عَنْ مَعْمَر بِدُونِ ذِكْر الْعِمَامَة , لَكِنْ أَخْرَجَهَا اِبْن مَنْدَهْ فِي كِتَاب الطَّهَارَة لَهُ مِنْ طَرِيق مَعْمَر بِإِثْبَاتِهَا , وَأَغْرَبَ الْأَصِيلِيّ فِيمَا حَكَاهُ اِبْن بَطَّال فَقَالَ : ذِكْر الْعِمَامَة فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ خَطَأ الْأَوْزَاعِيِّ ; لِأَنَّ شَيْبَانَ وَغَيْره رَوَوْهُ عَنْ يَحْيَى بِدُونِهَا , فَوَجَبَ تَغْلِيب رِوَايَة الْجَمَاعَة عَلَى الْوَاحِدَة , قَالَ : وَأَمَّا مُتَابَعَة مَعْمَر فَلَيْسَ فِيهَا ذِكْر الْعِمَامَة , وَهِيَ أَيْضًا مُرْسَلَة لِأَنَّ أَبَا سَلَمَة لَمْ يَسْمَع مِنْ عَمْرو. قُلْت : سَمَاع أَبِي سَلَمَة مِنْ عَمْرو مُمْكِن , فَإِنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَة سِتِّينَ وَأَبُو سَلَمَة مَدَنِيّ وَلَمْ يُوصَف بِتَدْلِيسٍ , وَقَدْ سَمِعَ مِنْ خَلْق مَاتُوا قَبْل عَمْرو , وَقَدْ رَوَى بُكَيْر بْن الْأَشَجّ عَنْ أَبِي سَلَمَة أَنَّهُ أَرْسَلَ جَعْفَر بْنَ عَمْرو بْن أُمَيَّة إِلَى أَبِيهِ يَسْأَلهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيث , فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ بِهِ , فَلَا مَانِع أَنْ يَكُون أَبُو سَلَمَة اِجْتَمَعَ بِعَمْرٍو بَعْد فَسَمِعَهُ مِنْهُ , وَيُقَوِّيه تَوَفُّر دَوَاعِيهمْ عَلَى الِاجْتِمَاع فِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ , وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ اِبْن مَنْدَهْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مَعْمَر بِإِثْبَاتِ ذِكْر الْعِمَامَة فِيهِ , وَعَلَى تَقْدِير تَفَرُّد الْأَوْزَاعِيّ بِذِكْرِهَا لَا يَسْتَلْزِم ذَلِكَ تَخْطِئَته ; لِأَنَّهَا تَكُون زِيَادَة مِنْ ثِقَة حَافِظ غَيْر مُنَافِيَة لِرِوَايَةِ رُفْقَته فَتُقْبَل , وَلَا تَكُون شَاذَّة , وَلَا مَعْنَى لِرَدِّ الرِّوَايَات الصَّحِيحَة بِهَذِهِ التَّعْلِيلَات الْوَاهِيَة. وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي مَعْنَى الْمَسْح عَلَى الْعِمَامَة فَقِيلَ : إِنَّهُ كَمَّلَ عَلَيْهَا بَعْد مَسْح النَّاصِيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَة مُسْلِم بِمَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ , وَإِلَى عَدَم الِاقْتِصَار عَلَى الْمَسْح عَلَيْهَا ذَهَبَ الْجُمْهُور , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : فَرَضَ اللَّه مَسْح الرَّأْس , وَالْحَدِيث فِي مَسْح الْعِمَامَة مُحْتَمِل لِلتَّأْوِيلِ , فَلَا يُتْرَك الْمُتَيَقَّن لِلْمُحْتَمَلِ. قَالَ : وَقِيَاسه عَلَى مَسْح الْخُفّ بَعِيد ; لِأَنَّهُ يَشُقّ نَزْعه بِخِلَافِهَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِينَ أَجَازُوا الِاقْتِصَار عَلَى مَسْح الْعِمَامَة شَرَطُوا فِيهِ الْمَشَقَّة فِي نَزْعهَا كَمَا فِي الْخُفّ , وَطَرِيقه أَنْ تَكُون مُحَنَّكَة كَعَمَائِم الْعَرَب , وَقَالُوا عُضْو يَسْقُط فَرْضه فِي التَّيَمُّم فَجَازَ الْمَسْح عَلَى حَائِله كَالْقَدَمَيْنِ , وَقَالُوا : الْآيَة لَا تَنْفِي ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا عِنْد مَنْ يَحْمِل الْمُشْتَرَك عَلَى حَقِيقَته وَمَجَازه لِأَنَّ مَنْ قَالَ قَبَّلْت رَأْس فُلَان يَصْدُق وَلَوْ كَانَ عَلَى حَائِل , وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَة عَنْهُ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَالطَّبَرِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن الْمُنْذِر وَغَيْرهمْ , وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْر وَعُمَر , وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" إِنْ يُطِعْ النَّاس أَبَا بَكْر وَعُمَر يَرْشُدُوا \". وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "199",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ ‏ ‏دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي زَائِدَة. ‏ ‏( عَنْ عَامِر ) ‏ ‏هُوَ الشَّعْبِيّ , وَزَكَرِيَّا مُدَلِّس وَلَمْ أَرَهُ مِنْ حَدِيثه إِلَّا بِالْعَنْعَنَةِ , لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ زَكَرِيَّا , وَالْقَطَّان لَا يَحْمِل مِنْ حَدِيث شُيُوخه الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا مَا كَانَ مَسْمُوعًا لَهُمْ , صَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَهْوَيْت ) ‏ ‏أَيْ : مَدَدْت يَدِي , قَالَ الْأَصْمَعِيّ : أَهْوَيْت بِالشَّيْءِ إِذَا أَوْمَأْت بِهِ , وَقَالَ غَيْره : أَهْوَيْت قَصَدْت الْهَوَاء مِنْ الْقِيَام إِلَى الْقُعُود. وَقِيلَ الْإهْوَاء الْإِمَالَة , قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ خِدْمَة الْعَالِم , وَأَنَّ لِلْخَادِمِ أَنْ يَقْصِد إِلَى مَا يَعْرِف مِنْ عَادَة مَخْدُومه قَبْل أَنْ يَأْمُرهُ , وَفِيهِ الْفَهْم عَنْ الْإِشَارَة , وَرَدّ الْجَوَاب عَمَّا يُفْهَم عَنْهَا لِقَوْلِهِ \" فَقَالَ دَعْهُمَا \" ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنِّي أَدْخَلْتهمَا ) ‏ ‏أَيْ : الْقَدَمَيْنِ ‏ ‏( طَاهِرَتَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" وَهُمَا طَاهِرَتَانِ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ \" فَإِنِّي أَدْخَلْت الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ \" وَلِلْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَده \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَيَمْسَحُ أَحَدنَا عَلَى خُفَّيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِذَا أَدْخَلَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ \" وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيث صَفْوَان بْن عَسَّال \" أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَمْسَح عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذَا نَحْنُ أَدْخَلْنَاهُمَا عَلَى طُهْر ثَلَاثًا إِذَا سَافَرْنَا , وَيَوْمًا وَلَيْلَة إِذَا أَقَمْنَا \" قَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ ذَكَرْته لِلْمُزَنِيِّ فَقَالَ لِي : حَدِّثْ بِهِ أَصْحَابنَا , فَإِنَّهُ أَقْوَى حُجَّة لِلشَّافِعِيِّ. اِنْتَهَى. وَحَدِيث صَفْوَان وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ ; لَكِنَّ حَدِيث الْبَاب مُوَافِق لَهُ فِي الدَّلَالَة عَلَى اِشْتِرَاط الطَّهَارَة عِنْد اللُّبْس , وَأَشَارَ الْمُزَنِيّ بِمَا قَالَ إِلَى الْخِلَاف فِي الْمَسْأَلَة , وَمُحَصَّله أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَالْجُمْهُور حَمَلُوا الطَّهَارَة عَلَى الشَّرْعِيَّة فِي الْوُضُوء , وَخَالَفَهُمْ دَاوُد فَقَالَ : إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى رِجْلَيْهِ نَجَاسَة عِنْد اللُّبْس جَازَ لَهُ الْمَسْح , وَلَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ لَبِسَهُمَا لَمْ يُبَحْ لَهُ عِنْدهمْ لِأَنَّ التَّيَمُّم مُبِيح لَا رَافِع , وَخَالَفَهُمْ أَصْبَغ. وَلَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ بِنِيَّةِ الْوُضُوء ثُمَّ لَبِسَهُمَا ثُمَّ أَكْمَلَ بَاقِيَ الْأَعْضَاء لَمْ يَبُحْ الْمَسْح عِنْد الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى إِيجَاب التَّرْتِيب , وَكَذَا عِنْد مَنْ لَا يُوجِبهُ بِنَاء عَلَى أَنَّ الطَّهَارَة لَا تَتَبَعَّض , لَكِنْ قَالَ صَاحِب الْهِدَايَة مِنْ الْحَنَفِيَّة : شَرْط إِبَاحَة الْمَسْح لُبْسهمَا عَلَى طَهَارَة كَامِلَة , قَالَ : وَالْمُرَاد بِالْكَامِلَةِ وَقْت الْحَدَث لَا وَقْت اللُّبْس , فِي هَذِهِ الصُّورَة إِذَا كَمَّلَ الْوُضُوء ثُمَّ أَحْدَثَ جَازَ لَهُ الْمَسْح ; لِأَنَّهُ وَقْت الْحَدَث كَانَ عَلَى طَهَارَة كَامِلَة اِنْتَهَى. وَالْحَدِيث حُجَّة عَلَيْهِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الطَّهَارَة قَبْل لُبْس الْخُفّ شَرْطًا لِجَوَازِ الْمَسْح , وَالْمُعَلَّق بِشَرْطٍ لَا يَصِحّ إِلَّا بِوُجُودِ ذَلِكَ الشَّرْط , وَقَدْ سَلِمَ أَنَّ الْمُرَاد بِالطَّهَارَةِ الْكَامِلَة , وَلَوْ تَوَضَّأَ مُرَتِّبًا وَبَقِيَ غَسْل إِحْدَى رِجْلَيْهِ فَلَبِسَ ثُمَّ غَسَلَ الثَّانِيَة وَلَبِسَ لَمْ يَبُحْ لَهُ الْمَسْح عِنْد الْأَكْثَر , وَأَجَازَهُ الثَّوْرِيّ وَالْكُوفِيُّونَ وَالْمُزَنِيّ صَاحِب الشَّافِعِيّ وَمُطَرِّف صَاحِب مَالِك وَابْن الْمُنْذِر وَغَيْرهمْ لِصِدْقِ أَنَّهُ أَدْخَلَ كُلًّا مِنْ رِجْلَيْهِ الْخُفَّيْنِ وَهِيَ طَاهِرَة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحُكْم الْمُرَتَّب عَلَى التَّثْنِيَة غَيْر الْحُكْم الْمُرَتَّب عَلَى الْوَحْدَة , وَاسْتَضْعَفَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد لِأَنَّ الِاحْتِمَال بَاقٍ. قَالَ : لَكِنْ إِنْ ضُمَّ إِلَيْهِ دَلِيل يَدُلّ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَة لَا تَتَبَعَّض اِتَّجَهَ. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ خَاصّ بِالْوُضُوءِ لَا مَدْخَل لِلْغُسْلِ فِيهِ بِإِجْمَاعٍ. ‏ ‏( فَائِدَة أُخْرَى ) : ‏ ‏لَوْ نَزَعَ خُفَّيْهِ بَعْد الْمَسْح قَبْل اِنْقِضَاء الْمُدَّة عِنْد مَنْ قَالَ بِالتَّوْقِيتِ أَعَادَ الْوُضُوء عِنْد أَحْمَد وَإِسْحَاق وَغَيْرهمَا وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ عِنْد الْكُوفِيِّينَ وَالْمُزَنِيّ وَأَبِي ثَوْر , وَكَذَا قَالَ مَالِك وَاللَّيْث إِلَّا إِنْ تَطَاوَلَ , وَقَالَ الْحَسَن وَابْن أَبِي لَيْلَى وَجَمَاعَة : لَيْسَ عَلَيْهِ غَسْل قَدَمَيْهِ , وَقَاسُوهُ عَلَى مَنْ مَسَحَ رَأْسه ثُمَّ حَلَقَهُ أَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِ إِعَادَة الْمَسْح , وَفِيهِ نَظَر. ‏ ‏( فَائِدَة أُخْرَى ) : ‏ ‏لَمْ يُخْرِج الْبُخَارِيّ مَا يَدُلّ عَلَى تَوْقِيت الْمَسْح , وَقَالَ بِهِ الْجُمْهُور. وَخَالَفَ مَالِك فِي الْمَشْهُور عَنْهُ فَقَالَ : يَمْسَح مَا لَمْ يَخْلَع , وَرُوِيَ مِثْله عَنْ عُمَر. وَأَخْرَجَ مُسْلِم التَّوْقِيت مِنْ حَدِيث عَلِيّ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث صَفْوَان بْن عَسَّال , وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي بَكْرَة وَصَحَّحَهُ الشَّافِعِيّ وَغَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "200",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَكَلَ كَتِف شَاة ) ‏ ‏أَيْ : لَحْمه. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَطْعِمَة \" تَعَرَّقَ \" أَيْ : أَكَلَ مَا عَلَى الْعَرْق - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الرَّاء - وَهُوَ الْعَظْم , وَيُقَال لَهُ الْعُرَاق بِالضَّمِّ أَيْضًا. وَأَفَادَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيل أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي بَيْت ضُبَاعَة بِنْت الزُّبَيْر بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَهِيَ بِنْت عَمّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ كَانَ فِي بَيْت مَيْمُونَة كَمَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثهَا وَهِيَ خَالَة اِبْن عَبَّاس , كَمَا أَنَّ ضُبَاعَة بِنْت عَمّه. وَبَيَّنَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة أَنَّ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الصَّلَاة هُوَ بِلَال. ‏"
    },
    {
        "id": "201",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَحْتَزُّ ‏ ‏مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَى السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَحْتَزّ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي أَيْ : يَقْطَع , زَادَ فِي الْأَطْعِمَة مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ \" يَأْكُل مِنْهَا \" وَفِي الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق صَالِح عَنْ الزُّهْرِيّ \" يَأْكُل ذِرَاعًا يَحْتَزّ مِنْهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَلْقَى السِّكِّينَ ) ‏ ‏زَادَ فِي الْأَطْعِمَة عَنْ أَبِي الْيَمَان عَنْ شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ \" فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّين \" , وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْكَرِيم بْن الْهَيْثَم عَنْ أَبِي الْيَمَان فِي آخِر الْحَدِيث : قَالَ الزُّهْرِيّ : فَذَهَبَتْ تِلْكَ - أَيْ : الْقِصَّة - فِي النَّاس , ثُمَّ أَخْبَرَ رِجَال مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنِسَاء مِنْ أَزْوَاجه أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتْ النَّار \" قَالَ فَكَانَ الزُّهْرِيّ يَرَى أَنَّ الْأَمْر بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّار نَاسِخ لِأَحَادِيث الْبَاب ; لِأَنَّ الْإِبَاحَة سَابِقَة وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِحَدِيث جَابِر قَالَ \" كَانَ آخِر الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْك الْوُضُوء مِمَّا مَسَّتْ النَّار \" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَغَيْرهمَا وَصَحَّحَهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حِبَّان وَغَيْرهمَا , لَكِنْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره : إِنَّ الْمُرَاد بِالْأَمْرِ هُنَا الشَّأْن وَالْقِصَّة لَا مُقَابِل النَّهْي , وَأَنَّ هَذَا اللَّفْظ مُخْتَصَر مِنْ حَدِيث جَابِر الْمَشْهُور فِي قِصَّة الْمَرْأَة الَّتِي صَنَعَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاة فَأَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى الظُّهْر ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا وَصَلَّى الْعَصْر وَلَمْ يَتَوَضَّأ , فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون هَذِهِ الْقِصَّة وَقَعَتْ قَبْل الْأَمْر بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّار , وَأَنَّ وُضُوءَهُ لِصَلَاةِ الظُّهْر كَانَ عَنْ حَدَث لَا بِسَبَبِ الْأَكْل مِنْ الشَّاة. وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُثْمَان الدَّارِمِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَمَّا اِخْتَلَفَتْ أَحَادِيث الْبَاب وَلَمْ يَتَبَيَّن الرَّاجِح مِنْهَا نَظَرْنَا إِلَى مَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاء الرَّاشِدُونَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَجَّحْنَا بِهِ أَحَد الْجَانِبَيْنِ , وَارْتَضَى النَّوَوِيّ هَذَا فِي شَرْح الْمُهَذَّب. وَبِهَذَا تَظْهَر حِكْمَة تَصْدِير الْبُخَارِيّ حَدِيث الْبَاب بِالْأَثَرِ الْمَنْقُول عَنْ الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة , قَالَ النَّوَوِيّ : كَانَ الْخِلَاف فِيهِ مَعْرُوفًا بَيْن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , ثُمَّ اِسْتَقَرَّ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهُ لَا وُضُوء مِمَّا مَسَّتْ النَّار إِلَّا مَا تَقَدَّمَ اِسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ لُحُوم الْإِبِل. وَجَمَعَ الْخَطَّابِيُّ بِوَجْهٍ آخَر وَهُوَ أَنَّ أَحَادِيث الْأَمْر مَحْمُولَة عَلَى الِاسْتِحْبَاب لَا عَلَى الْوُجُوب , وَاَللَّه أَعْلَم. وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيّ فِي الصَّلَاة بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْأَمْر بِتَقْدِيمِ الْعَشَاء عَلَى الصَّلَاة خَاصّ بِغَيْرِ الْإِمَام الرَّاتِب , وَعَلَى جَوَاز قَطْع اللَّحْم بِالسِّكِّينِ , وَفِي النَّهْي عَنْهُ حَدِيث ضَعِيف فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ فَإِنْ ثَبَتَ خُصَّ بِعَدَمِ الْحَاجَة الدَّاعِيَة إِلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّه بِالْأَعَاجِمِ وَأَهْل التَّرَف , وَفِيهِ أَنَّ الشَّهَادَة عَلَى النَّفْي - إِذَا كَانَ مَحْصُورًا - تُقْبَل. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏لَيْسَ لِعَمْرِو بْن أُمَيَّة رِوَايَة فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث وَاَلَّذِي مَضَى فِي الْمَسْح فَقَطْ. ‏"
    },
    {
        "id": "202",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏بَنِي حَارِثَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏حَتَّى إِذَا كَانُوا ‏ ‏بِالصَّهْبَاءِ ‏ ‏وَهِيَ أَدْنَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَعَا ‏ ‏بِالْأَزْوَادِ ‏ ‏فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا ‏ ‏بِالسَّوِيقِ ‏ ‏فَأَمَرَ بِهِ ‏ ‏فَثُرِّيَ ‏ ‏فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَكَلْنَا ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ , وَالْإِسْنَاد مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخ الْبُخَارِيّ. وَبُشَيْر بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَة مُصَغَّرًا , وَيَسَار بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( بِالصَّهْبَاءِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمَدّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهِيَ أَدْنَى خَيْبَر ) ‏ ‏أَيْ : طَرَفهَا مِمَّا يَلِي الْمَدِينَة. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَطْعِمَة وَهِيَ عَلَى رَوْحَة مِنْ خَيْبَر. وَقَالَ أَبُو عُبَيْد الْبَكْرِيّ فِي مُعْجَم الْبُلْدَان : هِيَ عَلَى بَرِيد وَبَيَّنَ الْبُخَارِيّ فِي مَوْضِع آخَر مِنْ الْأَطْعِمَة مِنْ حَدِيث اِبْن عُيَيْنَةَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ قَوْل يَحْيَى بْن سَعِيد أُدْرِجَتْ , وَسَيَأْتِي الْحَدِيث قَرِيبًا بِدُونِ الزِّيَادَة مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ يَحْيَى. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ دَعَا بِالْأَزْوَادِ ) ‏ ‏فِيهِ جَمْع الرُّفَقَاء عَلَى الزَّاد فِي السَّفَر , وَإِنْ كَانَ بَعْضهمْ أَكْثَر أَكْلًا , وَفِيهِ حَمْل الْأَزْوَاد فِي الْأَسْفَار وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَح فِي التَّوَكُّل , وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمُهَلَّب أَنَّ الْإِمَام يَأْخُذ الْمُحْتَكِرِينَ بِإِخْرَاجِ الطَّعَام عِنْد قِلَّته لِيَبِيعُوهُ مِنْ أَهْل الْحَاجَة , وَأَنَّ الْإِمَام يَنْظُر لِأَهْلِ الْعَسْكَر فَيَجْمَع الزَّاد لِيُصِيبَ مِنْهُ مَنْ لَا زَادَ مَعَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَثُرِّيَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة وَتَشْدِيد الرَّاء وَيَجُوز تَخْفِيفهَا , أَيْ بُلَّ بِالْمَاءِ لِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْيُبْس. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَكَلْنَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان \" وَشَرِبْنَا \". وَفِي الْجِهَاد مِنْ رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب \" فَلُكْنَا وَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِب فَمَضْمَضَ ) ‏ ‏أَيْ : قَبْل الدُّخُول فِي الصَّلَاة , وَفَائِدَة الْمَضْمَضَة مِنْ السَّوِيق وَإِنْ كَانَ لَا دَسَم لَهُ أَنْ تَحْتَبِس بَقَايَاهُ بَيْن الْأَسْنَان وَنَوَاحِي الْفَم فَيَشْغَلهُ تَتَبُّعه عَنْ أَحْوَال الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَتَوَضَّأ ) ‏ ‏أَيْ : بِسَبَبِ أَكْل السَّوِيق. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْوُضُوء مِمَّا مَسَّتْ النَّار مَنْسُوخ لِأَنَّهُ مُتَقَدِّم وَخَيْبَر كَانَتْ سَنَة سَبْع. قُلْت : لَا دَلَالَة فِيهِ ; لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة حَضَرَ بَعْد فَتْح خَيْبَر وَرَوَى الْأَمْر بِالْوُضُوءِ كَمَا فِي مُسْلِم , وَكَانَ يُفْتِي بِهِ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيّ عَلَى جَوَاز صَلَاتَيْنِ فَأَكْثَر بِوُضُوءٍ وَاحِد , وَعَلَى اِسْتِحْبَاب الْمَضْمَضَة بَعْد الطَّعَام. ‏"
    },
    {
        "id": "203",
        "content": "‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُكَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَكَلَ عِنْدَهَا كَتِفًا ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث , وَبُكَيْر هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن الْأَشَجّ , وَمَبَاحِث الْمَتْن تَقَدَّمَتْ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. وَنِصْف الْإِسْنَاد الْأَوَّل مِصْرِيُّونَ وَنِصْفه الْأَعْلَى مَدَنِيُّونَ , وَلِعَمْرِو بْن الْحَارِث فِيهِ إِسْنَاد آخَر إِلَى مَيْمُونَة ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مَقْرُونًا بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّل , وَلَيْسَ فِي حَدِيث مَيْمُونَة ذِكْر الْمَضْمَضَة الَّتِي تَرْجَمَ بِهَا فَقِيلَ : أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهَا غَيْر وَاجِبَة بِدَلِيلِ تَرْكهَا فِي هَذَا الْحَدِيث , مَعَ أَنَّ الْمَأْكُول دَسَم يَحْتَاج إِلَى الْمَضْمَضَة مِنْهُ فَتَرَكَهَا لِبَيَانِ الْجَوَاز , وَأَفَادَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي نُسْخَة الْفَرَبْرِيّ الَّتِي بِخَطِّهِ تَقْدِيم حَدِيث مَيْمُونَة هَذَا إِلَى الْبَاب الَّذِي قَبْله , فَعَلَى هَذَا هُوَ مِنْ تَصَرُّف النُّسَّاخ. ‏"
    },
    {
        "id": "204",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏وَقُتَيْبَةُ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ وَقَالَ إِنَّ لَهُ دَسَمًا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث قُتَيْبَة هَذَا أَحَد الْأَحَادِيث الَّتِي أَخْرَجَهَا الْأَئِمَّة الْخَمْسَة وَهُمْ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ شَيْخ وَاحِد وَهُوَ قُتَيْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( شَرِبَ لَبَنًا ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ لَهُ دَسَمًا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب : فِيهِ بَيَان عِلَّة الْأَمْر بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّار , وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَلِفُوا فِي الْجَاهِلِيَّة قِلَّة التَّنْظِيف فَأُمِرُوا بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّار , فَلَمَّا تَقَرَّرَتْ النَّظَافَة فِي الْإِسْلَام وَشَاعَتْ نُسِخَ. كَذَا قَالَ وَلَا تَعَلُّق لِحَدِيثِ الْبَاب بِمَا ذَكَرَ , إِنَّمَا فِيهِ بَيَان الْعِلَّة لِلْمَضْمَضَةِ مِنْ اللَّبَن فَيَدُلّ عَلَى اِسْتِحْبَابهَا مِنْ كُلّ شَيْء دَسِم , وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ اِسْتِحْبَاب غَسْل الْيَدَيْنِ لِلتَّنْظِيفِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ ) ‏ ‏أَيْ : عُقَيْلًا ‏ ‏( يُونُس ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن يَزِيد , وَحَدِيثه مَوْصُول عِنْد مُسْلِم , وَحَدِيث صَالِح مَوْصُول عِنْد أَبِي الْعَبَّاس السَّرَّاج فِي مُسْنَده. وَتَابَعَهُمْ أَيْضًا الْأَوْزَاعِيُّ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الْأَطْعِمَة عَنْ أَبِي عَاصِم عَنْهُ بِلَفْظِ حَدِيث الْبَاب , لَكِنْ رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق بْن الْوَلِيد بْن مُسْلِم قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ فَذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الْأَمْر \" مَضْمِضُوا مِنْ اللَّبَن \" الْحَدِيث , كَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اللَّيْث بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَأَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة وَسَهْل بْن سَعْد مِثْله , وَإِسْنَاد كُلّ مِنْهُمَا حَسَن وَالدَّلِيل عَلَى الْأَمْر فِيهِ لِلِاسْتِحْبَابِ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَاوِي الْحَدِيث أَنَّهُ شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ ثُمَّ قَالَ \" لَوْ لَمْ أَتَمَضْمَض مَا بَالَيْت \". وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ لَبَنًا فَلَمْ يَتَمَضْمَض وَلَمْ يَتَوَضَّأ \". وَأَغْرَبَ اِبْن شَاهِين فَجَعَلَ حَدِيث أَنَس نَاسِخًا لِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس , وَلَمْ يَذْكُر مَنْ قَالَ فِيهِ بِالْوُجُوبِ حَتَّى يَحْتَاج إِلَى دَعْوَى النَّسْخ. ‏"
    },
    {
        "id": "205",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ‏ ‏يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏زَادَ الْأَصِيلِيّ \" اِبْن عُرْوَة \" وَالْإِسْنَاد مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا نَعَسَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن وَغَلَّطُوا مَنْ ضَمَّهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَلْيَرْقُدْ ) ‏ ‏وَلِلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ هِشَام \" فَلْيَنْصَرِفْ \" وَالْمُرَاد بِهِ التَّسْلِيم مِنْ الصَّلَاة , وَحَمَلَهُ الْمُهَلَّب عَلَى ظَاهِره فَقَالَ : إِنَّمَا أَمَرَهُ بِقَطْعِ الصَّلَاة لِغَلَبَةِ النَّوْم عَلَيْهِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ النُّعَاس أَقَلّ مِنْ ذَلِكَ عُفِيَ عَنْهُ. قَالَ : وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ النَّوْم الْقَلِيل لَا يَنْقُض الْوُضُوء , وَخَالَفَ الْمُزَنِيّ فَقَالَ : يَنْقُض قَلِيله وَكَثِيره. فَخَرَقَ الْإِجْمَاع. كَذَا قَالَ الْمُهَلَّب , وَتَبِعَهُ اِبْن بَطَّال وَابْن التِّين وَغَيْرهمَا , وَقَدْ تَحَامَلُوا عَلَى الْمُزَنِيّ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى , فَقَدْ نَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْره عَنْ بَعْض الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الْمَصِير إِلَى أَنَّ النَّوْم حَدَث يَنْقُض قَلِيله وَكَثِيره , وَهُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْد وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَبِهِ أَقُول لِعُمُومِ حَدِيث صَفْوَان بْن عَسَّال يَعْنِي الَّذِي صَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره , فَفِيهِ \" إِلَّا مِنْ غَائِط أَوْ بَوْل أَوْ نَوْم \" فَيُسَوِّي بَيْنهمَا فِي الْحُكْم , وَالْمُرَاد بِقَلِيلِهِ وَكَثِيره طُول زَمَانه وَقِصَره لَا مَبَادِيه , وَاَلَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ النَّوْم مَظِنَّة الْحَدَث اِخْتَلَفُوا عَلَى أَقْوَال : التَّفْرِقَة بَيْن قَلِيله وَكَثِيره وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيّ وَمَالِك , وَبَيْن الْمُضْطَجِع وَغَيْره وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيّ , وَبَيْن الْمُضْطَجِع وَالْمُسْتَنِد وَغَيْرهمَا وَهُوَ قَوْل أَصْحَاب الرَّأْي , وَبَيْنهمَا وَالسَّاجِد بِشَرْطِ قَصْده النَّوْم وَبَيْن غَيْرهمْ وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُف , وَقِيلَ لَا يَنْقُض نَوْم غَيْر الْقَاعِد مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم , وَعَنْهُ التَّفْصِيل بَيْن خَارِج الصَّلَاة فَيَنْقُض أَوْ دَاخِلهَا فَلَا , وَفَصَّلَ فِي الْجَدِيد بَيْن الْقَاعِد الْمُتَمَكِّن فَلَا يَنْقُض وَبَيْن غَيْره فَيَنْقُض , وَفِي الْمُهَذَّب : وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُ النَّوْم وَهُوَ قَاعِد وَمَحَلّ الْحَدِيث مِنْهُ مُتَمَكِّن بِالْأَرْضِ فَالْمَنْصُوص أَنَّهُ لَا يَنْقُض وُضُوءَهُ , وَقَالَ فِي الْبُوَيْطِيّ : يُنْتَقَض , وَهُوَ اِخْتِيَار الْمُزَنِيّ. اِنْتَهَى. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ لَفْظ الْبُوَيْطِيّ لَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ : وَمَنْ نَامَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا فَرَأَى رُؤْيَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوء. قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا قَابِل لِلتَّأْوِيلِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ أَحَدكُمْ ) ‏ ‏قَالَ الْمُهَلَّب فِيهِ إِشَارَة إِلَى الْعِلَّة الْمُوجِبَة لِقَطْعِ الصَّلَاة , فَمَنْ صَارَ فِي مِثْل هَذِهِ الْحَال فَقَدْ اِنْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِالْإِجْمَاعِ. كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَر , فَإِنَّ الْإِشَارَة إِنَّمَا هِيَ إِلَى جَوَاز قَطْع الصَّلَاة أَوْ الِانْصِرَاف إِذَا سَلَّمَ مِنْهَا , وَأَمَّا النَّقْض فَلَا يَتَبَيَّن مِنْ سِيَاق الْحَدِيث لِأَنَّ جَرَيَان مَا ذُكِرَ عَلَى اللِّسَان مُمْكِن مِنْ النَّاعِس , وَهُوَ الْقَائِل إِنَّ قَلِيل النَّوْم لَا يَنْقُض فَكَيْف بِالنُّعَاسِ , وَمَا اِدَّعَاهُ مِنْ الْإِجْمَاع مُنْتَقِض فَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَابْن عُمَر وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّ النَّوْم لَا يَنْقُض مُطْلَقًا , وَفِي صَحِيح مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ \" وَكَانَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاة مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ , فَحُمِلَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَهُمْ قُعُود , لَكِنْ فِي مُسْنَد الْبَزَّار بِإِسْنَادٍ صَحِيح فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَيَضَعُونَ جُنُوبهمْ , فَمِنْهُمْ مَنْ يَنَام , ثُمَّ يَقُومُونَ إِلَى الصَّلَاة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَيَسُبَّ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ وَيَجُوز الرَّفْع , وَمَعْنَى يَسُبّ يَدْعُو عَلَى نَفْسه , وَصَرَّحَ بِهِ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ هِشَام , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عِلَّة النَّهْي خَشْيَة أَنْ يُوَافِق سَاعَة الْإِجَابَة قَالَهُ اِبْن أَبِي جَمْرَة , وَفِيهِ الْأَخْذ بِالِاحْتِيَاطِ لِأَنَّهُ عُلِّلَ بِأَمْرٍ مُحْتَمَل , وَالْحَثّ عَلَى الْخُشُوع وَحُضُور الْقَلْب لِلْعِبَادَةِ وَاجْتِنَاب الْمَكْرُوهَات فِي الطَّاعَات وَجَوَاز الدُّعَاء فِي الصَّلَاة مِنْ غَيْر تَقْيِيد بِشَيْءٍ مُعَيَّن. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏هَذَا الْحَدِيث وَرَدَ عَلَى سَبَب , وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق عَنْ هِشَام فِي قِصَّة الْحَوْلَاء بِنْت تُوَيْت كَمَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب أَحَبّ الدِّين إِلَى اللَّه أَدْوَمه \". ‏"
    },
    {
        "id": "206",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنَمْ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقْرَأُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَر ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَعَبْد الْوَارِث هُوَ اِبْن سَعِيد , وَأَيُّوب هُوَ السَّخْتِيَانِيّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا نَعَسَ ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَحَدكُمْ \" وَلِمُحَمَّدِ بْن نَصْر مِنْ طَرِيق وُهَيْب عَنْ أَيُّوب \" فَلْيَنْصَرِفْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَنَمْ ) ‏ ‏قَالَ الْمُهَلَّب : إِنَّمَا هَذَا فِي صَلَاة اللَّيْل ; لِأَنَّ الْفَرِيضَة لَيْسَتْ فِي أَوْقَات النَّوْم , وَلَا فِيهَا مِنْ التَّطْوِيل مَا يُوجِب ذَلِكَ. اِنْتَهَى. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ جَاءَ عَلَى سَبَب ; لَكِنَّ الْعِبْرَة بِعُمُومِ اللَّفْظ فَيُعْمَل بِهِ أَيْضًا فِي الْفَرَائِض إِنْ وَقَعَ مَا أَمِنَ بَقَاء الْوَقْت. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيّ إِلَى أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيث اِضْطِرَابًا فَقَالَ : رَوَاهُ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب فَوَقَفَهُ وَقَالَ فِيهِ : عَنْ أَيُّوب قُرِئَ عَلَيَّ كِتَاب عَنْ أَبِي قِلَابَةَ فَعَرَفْته , رَوَاهُ عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ أَيُّوب فَلَمْ يَذْكُر أَنَسًا. اِنْتَهَى. وَهَذَا لَا يُوجِب الِاضْطِرَاب ; لِأَنَّ رِوَايَة عَبْد الْوَارِث أَرْجَح بِمُوَافَقَةِ وُهَيْب وَالطُّفَاوِيّ لَهُ عَنْ أَيُّوب , وَقَوْل حَمَّاد عَنْهُ \" قُرِئَ عَلَيَّ \" لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ أَبِي قِلَابَةَ بَلْ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ أَنَّهُ فِيمَا سَمِعَهُ مِنْ أَبِي قِلَابَةَ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "207",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ قَالَ يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الْفِرْيَابِيّ , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا مُسَدِّد ) ‏ ‏هُوَ تَحْوِيل إِلَى إِسْنَاد ثَانٍ قَبْل ذِكْر الْمَتْن , وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّل أَعْلَى لِتَصْرِيحِ سُفْيَان الثَّوْرِيّ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ , وَعَمْرو بْن عَامِر كُوفِيّ أَنْصَارِيّ وَقِيلَ بَجَلِيّ , وَصَحَّحَ الْمِزِّيُّ أَنَّ الْبَجَلِيّ رَاوٍ آخَر غَيْر هَذَا الْأَنْصَارِيّ , وَلَيْسَ لِهَذَا فِي الْبُخَارِيّ غَيْر ثَلَاثَة أَحَادِيث كُلّهَا عَنْ أَنَس , وَلَيْسَ لِلْبَجَلِيِّ عِنْده رِوَايَة , وَقَدْ يَلْتَبِس بِهِ عُمَر بْن عَامِر بِضَمِّ الْعَيْن رَاوٍ آخَر بَصْرِيّ سُلَمِيّ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِم , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ شَيْء. ‏ ‏قَوْله : ( عِنْد كُلّ صَلَاة ) ‏ ‏أَيْ : مَفْرُوضَة , زَادَ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" طَاهِرًا أَوْ غَيْر طَاهِر \" وَظَاهِره أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ عَادَته , لَكِنْ حَدِيث سُوَيْد الْمَذْكُور فِي الْبَاب يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد الْغَالِب , قَالَ الطَّحَاوِيُّ يَحْتَمِل أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ خَاصَّة ثُمَّ نُسِخَ يَوْم الْفَتْح لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ , يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الصَّلَوَات يَوْم الْفَتْح بِوُضُوءٍ وَاحِد , وَأَنَّ عُمَر سَأَلَهُ فَقَالَ \" عَمْدًا فَعَلْته \" وَقَالَ : يَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلهُ اِسْتِحْبَابًا ثُمَّ خَشِيَ أَنْ يُظَنّ وُجُوبه فَتَرَكَهُ لِبَيَانِ الْجَوَاز. قُلْت : وَهَذَا أَقْرَب , وَعَلَى تَقْدِير الْأَوَّل فَالنَّسْخ كَانَ قَبْل الْفَتْح بِدَلِيلِ حَدِيث سُوَيْد بْن النُّعْمَان فَإِنَّهُ كَانَ فِي خَيْبَر وَهِيَ قَبْل الْفَتْح بِزَمَانٍ. ‏ ‏قَوْله : ( كَيْف كُنْتُمْ ) ‏ ‏الْقَائِل عَمْرو بْن عَامِر , وَالْمُرَاد الصَّحَابَة. وَلِلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ عَمْرو أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا \" أَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأ لِكُلِّ صَلَاة ؟ قَالَ نَعَمْ \". وَلِابْنِ مَاجَهْ \" وَكُنَّا نَحْنُ نُصَلِّي الصَّلَوَات كُلّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِد \". ‏ ‏قَوْله : ( يُجْزِئ ) ‏ ‏بِالضَّمِّ مِنْ أَجْزَأَ أَيْ يَكْفِي , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" يَكْفِي \". ‏"
    },
    {
        "id": "208",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏حَتَّى إِذَا كُنَّا ‏ ‏بِالصَّهْبَاءِ ‏ ‏صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعَصْرَ فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالْأَطْعِمَةِ فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا ‏ ‏بِالسَّوِيقِ ‏ ‏فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ ثُمَّ صَلَّى لَنَا الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال. وَمَبَاحِث الْمَتْن تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا , وَأَفَادَتْ هَذِهِ الطَّرِيق التَّصْرِيح بِالْإِخْبَارِ مِنْ يَحْيَى وَشَيْخه , وَلَيْسَ لِسُوَيْد بْن النُّعْمَان عِنْد الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي مَوَاضِع كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ , وَهُوَ أَنْصَارِيّ حَارِثِيّ شَهِدَ بَيْعَة الرِّضْوَان كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّهُ شَهِدَ قَبْل ذَلِكَ أُحُدًا وَمَا بَعْدهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "209",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِحَائِطٍ ‏ ‏مِنْ حِيطَانِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ثُمَّ قَالَ بَلَى كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ وَكَانَ الْآخَرُ يَمْشِي ‏ ‏بِالنَّمِيمَةِ ‏ ‏ثُمَّ دَعَا ‏ ‏بِجَرِيدَةٍ ‏ ‏فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا أَوْ إِلَى أَنْ يَيْبَسَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُثْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي شَيْبَة , وَجَرِير هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , وَمُجَاهِد هُوَ اِبْن جَبْر صَاحِب اِبْن عَبَّاس وَقَدْ سَمِعَ الْكَثِير مِنْهُ وَاشْتُهِرَ بِالْأَخْذِ عَنْهُ , لَكِنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث الْأَعْمَش عَنْ مُجَاهِد فَأَدْخَلَ بَيْنه وَبَيْن اِبْن عَبَّاس طَاوُسًا كَمَا أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّف بَعْد قَلِيل , وَإِخْرَاجه لَهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ يَقْتَضِي صِحَّتهمَا عِنْده , فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ مُجَاهِدًا سَمِعَهُ مِنْ طَاوُس عَنْ اِبْن عَبَّاس ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ اِبْن عَبَّاس بِلَا وَاسِطَة أَوْ الْعَكْس , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي سِيَاقه عَنْ طَاوُس زِيَادَة عَلَى مَا فِي رِوَايَته عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَصَرَّحَ اِبْن حِبَّان بِصِحَّةِ الطَّرِيقَيْنِ مَعًا , وَقَالَ التِّرْمِذِيّ رِوَايَة الْأَعْمَش أَصَحّ. ‏ ‏قَوْله : ( مَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَائِطٍ ) ‏ ‏أَيْ : بُسْتَان , وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَب \" خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَعْض حِيطَان الْمَدِينَة \" فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ الْحَائِط الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ غَيْر الْحَائِط الَّذِي مَرَّ بِهِ , وَفِي الْأَفْرَاد لِلدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيث جَابِر أَنَّ الْحَائِط كَانَ لِأُمّ مُبَشِّر الْأَنْصَارِيَّة , وَهُوَ يُقَوِّي رِوَايَة الْأَدَب لِجَزْمِهَا بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْر شَكّ وَالشَّكّ فِي قَوْله \" أَوْ مَكَّة \" مِنْ جَرِير. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَمِعَ صَوْت إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورهمَا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن مَالِك : فِي قَوْله \" صَوْت إِنْسَانَيْنِ \" شَاهِد عَلَى جَوَاز إِفْرَاد الْمُضَاف الْمُثَنَّى إِذَا كَانَ جُزْء مَا أُضِيف إِلَيْهِ نَحْو أَكَلْت رَأْس شَاتَيْنِ , وَجَمْعه أَجْوَد نَحْو ( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبكُمَا ) وَقَدْ اِجْتَمَعَ التَّثْنِيَة وَالْجَمْع فِي قَوْله : ظَهْرَاهُمَا مِثْل ظُهُور التُّرْسَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُضَاف جُزْء مَا أُضِيف إِلَيْهِ , فَالْأَكْثَر مَجِيئُهُ بِلَفْظِ التَّثْنِيَة , فَإِنْ أُمِنَ اللَّبْس جَازَ جَعْل الْمُضَاف بِلَفْظِ الْجَمْع. وَقَوْله \" يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورهمَا \" شَاهِد لِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( يُعَذَّبَانِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" مَرَّ بِقَبْرَيْنِ \" زَادَ اِبْن مَاجَهْ \" جَدِيدَيْنِ فَقَالَ : إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ \" فَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : أَعَادَ الضَّمِير عَلَى غَيْر مَذْكُور لِأَنَّ سِيَاق الْكَلَام يَدُلّ عَلَيْهِ , وَأَنْ يُقَال أَعَادَهُ عَلَى الْقَبْرَيْنِ مَجَازًا وَالْمُرَاد مَنْ فِيهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِير. ثُمَّ قَالَ : بَلَى ) ‏ ‏أَيْ : إِنَّهُ لَكَبِير. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ مَنْصُور فَقَالَ \" وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِير. وَإِنَّهُ لَكَبِير \" وَهَذَا مِنْ زِيَادَات رِوَايَة مَنْصُور عَلَى الْأَعْمَش وَلَمْ يُخْرِجهَا مُسْلِم , وَاسْتَدَلَّ اِبْن بَطَّال بِرِوَايَةِ الْأَعْمَش عَلَى أَنَّ التَّعْذِيب لَا يَخْتَصّ بِالْكَبَائِرِ بَلْ قَدْ يَقَع عَلَى الصَّغَائِر , قَالَ لِأَنَّ الِاحْتِرَاز مِنْ الْبَوْل لَمْ يَرِد فِيهِ وَعِيد , يَعْنِي قَبْل هَذِهِ الْقِصَّة. وَتُعُقِّبَ بِهَذِهِ الزِّيَادَة , وَقَدْ وَرَدَ مِثْلهَا مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرَة عِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ وَلَفْظه \" وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِير , بَلَى \" وَقَالَ اِبْن مَالِك : فِي قَوْله \" فِي كَبِير \" شَاهِد عَلَى وُرُود \" فِي \" لِلتَّعْلِيلِ , وَهُوَ مِثْل قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" عُذِّبَتْ اِمْرَأَة فِي هِرَّة \" قَالَ : وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَى أَكْثَر النَّحْوِيِّينَ مَعَ وُرُوده فِي الْقُرْآن كَقَوْلِ اللَّه تَعَالَى ( لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ ) وَفِي الْحَدِيث كَمَا تَقَدَّمَ , وَفِي الشِّعْر فَذَكَرَ شَوَاهِد. اِنْتَهَى. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله \" وَإِنَّهُ لَكَبِير \" فَقَالَ أَبُو عَبْد الْمَلِك الْبَوْنِيّ : يَحْتَمِل أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ غَيْر كَبِير , فَأُوحِيَ إِلَيْهِ فِي الْحَال بِأَنَّهُ كَبِير , فَاسْتَدْرَكَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون نَسْخًا وَالنَّسْخ لَا يَدْخُل الْخَبَر. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحُكْم بِالْخَبَرِ يَجُوز نَسْخه فَقَوْله \" وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِير \" إِخْبَار بِالْحُكْمِ , فَإِذَا أُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَبِير فَأَخْبَرَ بِهِ كَانَ نَسْخًا لِذَلِكَ الْحُكْم. ‏ ‏وَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله \" وَأَنَّهُ \" يَعُود عَلَى الْعَذَاب , لِمَا وَرَدَ فِي صَحِيح اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" يُعَذَّبَانِ عَذَابًا شَدِيدًا فِي ذَنْب هَيِّن \" وَقِيلَ الضَّمِير يَعُود عَلَى أَحَد الذَّنْبَيْنِ وَهُوَ النَّمِيمَة لِأَنَّهَا مِنْ الْكَبَائِر بِخِلَافِ كَشْف الْعَوْرَة , وَهَذَا مَعَ ضَعْفه غَيْر مُسْتَقِيم لِأَنَّ الِاسْتِتَار الْمَنْفِيّ لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ كَشْف الْعَوْرَة فَقَطْ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ وَابْن الْعَرَبِيّ : \" كَبِير \" الْمَنْفِيّ بِمَعْنَى أَكْبَر , وَالْمُثْبَت وَاحِد الْكَبَائِر , أَيْ : لَيْسَ ذَلِكَ بِأَكْبَر الْكَبَائِر كَالْقَتْلِ مَثَلًا , وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فِي الْجُمْلَة. وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَيْسَ بِكَبِيرٍ فِي الصُّورَة لِأَنَّ تَعَاطِيَ ذَلِكَ يَدُلّ عَلَى الدَّنَاءَة وَالْحَقَارَة , وَهُوَ كَبِير الذَّنْب. وَقِيلَ لَيْسَ بِكَبِيرٍ فِي اِعْتِقَادهمَا أَوْ فِي اِعْتِقَاد الْمُخَاطَبِينَ وَهُوَ عِنْد اللَّه كَبِير كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْد اللَّه عَظِيم ) , وَقِيلَ لَيْسَ بِكَبِيرٍ فِي مَشَقَّة الِاحْتِرَاز , أَيْ : كَانَ لَا يَشُقّ عَلَيْهِمَا الِاحْتِرَاز مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَا الْأَخِير جَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيُّ وَغَيْره وَرَجَّحَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد وَجَمَاعَة , وَقِيلَ لَيْسَ بِكَبِيرٍ بِمُجَرَّدِهِ وَإِنَّمَا صَارَ كَبِيرًا بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ , وَيُرْشِد إِلَى ذَلِكَ السِّيَاق فَإِنَّهُ وَصَفَ كُلًّا مِنْهُمَا بِمَا يَدُلّ عَلَى تَجَدُّد ذَلِكَ مِنْهُ وَاسْتِمْرَاره عَلَيْهِ لِلْإِتْيَانِ بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَة بَعْد حَرْف كَانَ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَسْتَتِر ) ‏ ‏كَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات بِمُثَنَّاتَيْنِ مِنْ فَوْق الْأُولَى مَفْتُوحَة وَالثَّانِيَة مَكْسُورَة , وَفِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر \" يَسْتَبْرِئ \" بِمُوَحَّدَةٍ سَاكِنَة مِنْ الِاسْتِبْرَاء. وَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ فِي حَدِيث الْأَعْمَش \" يَسْتَنْزِه \" بِنُونٍ سَاكِنَة بَعْدهَا زَاي ثُمَّ هَاء , فَعَلَى رِوَايَة الْأَكْثَر مَعْنَى الِاسْتِتَار أَنَّهُ لَا يَجْعَل بَيْنه وَبَيْن بَوْله سُتْرَة يَعْنِي لَا يَتَحَفَّظ مِنْهُ , فَتُوَافِق رِوَايَة لَا يَسْتَنْزِه لِأَنَّهَا مِنْ التَّنَزُّه وَهُوَ الْإِبْعَاد , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ الْأَعْمَش \" كَانَ لَا يَتَوَقَّى \" وَهِيَ مُفَسِّرَة لِلْمُرَادِ. وَأَجْرَاهُ بَعْضهمْ عَلَى ظَاهِره فَقَالَ : مَعْنَاهُ لَا يَسْتُر عَوْرَته. وَضُعِّفَ بِأَنَّ التَّعْذِيب لَوْ وَقَعَ عَلَى كَشْف الْعَوْرَة لَاسْتَقَلَّ الْكَشْف بِالسَّبَبِيَّةِ وَاطُّرِحَ اِعْتِبَار الْبَوْل فَيَتَرَتَّب الْعَذَاب عَلَى الْكَشْف سَوَاء وُجِدَ الْبَوْل أَمْ لَا , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَسَيَأْتِي كَلَام اِبْن دَقِيق الْعِيد قَرِيبًا. وَأَمَّا رِوَايَة الِاسْتِبْرَاء فَهِيَ أَبْلَغ فِي التَّوَقِّي. وَتَعَقَّبَ الْإِسْمَاعِيلِيّ رِوَايَة الِاسْتِتَار بِمَا يَحْصُل جَوَابه مِمَّا ذَكَرْنَا قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : لَوْ حُمِلَ الِاسْتِتَار عَلَى حَقِيقَته لَلَزِمَ أَنَّ مُجَرَّد كَشْف الْعَوْرَة كَانَ سَبَب الْعَذَاب الْمَذْكُور , وَسِيَاق الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى أَنَّ لِلْبَوْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَذَاب الْقَبْر خُصُوصِيَّة , يُشِير إِلَى مَا صَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" أَكْثَر عَذَاب الْقَبْر مِنْ الْبَوْل \" أَيْ : بِسَبَبِ تَرْك التَّحَرُّز مِنْهُ. قَالَ : وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ لَفْظ \" مِنْ \" فِي هَذَا الْحَدِيث لَمَّا أُضِيف إِلَى الْبَوْل اِقْتَضَى نِسْبَة الِاسْتِتَار الَّذِي عَدَمه سَبَب الْعَذَاب إِلَى الْبَوْل , بِمَعْنَى أَنَّ اِبْتِدَاء سَبَب الْعَذَاب مِنْ الْبَوْل , فَلَوْ حُمِلَ عَلَى مُجَرَّد كَشْف الْعَوْرَة زَالَ هَذَا الْمَعْنَى , فَتَعَيَّنَ الْحَمْل عَلَى الْمَجَاز لِتَجْتَمِع أَلْفَاظ الْحَدِيث عَلَى مَعْنًى وَاحِد لِأَنَّ مَخْرَجه وَاحِد. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة عِنْد أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ \" أَمَّا أَحَدهمَا فَيُعَذَّب فِي الْبَوْل \" وَمِثْله لِلطَّبَرَانِيّ عَنْ أَنَس. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ بَوْله ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي التَّرْجَمَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : هِيَ نَقْل كَلَام النَّاس. وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا مَا كَانَ بِقَصْدِ الْإِضْرَار , فَأَمَّا مَا اِقْتَضَى فِعْل مَصْلَحَة أَوْ تَرْك مَفْسَدَة فَهُوَ مَطْلُوب. اِنْتَهَى. وَهُوَ تَفْسِير لِلنَّمِيمَةِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ , وَكَلَام غَيْره يُخَالِفهُ كَمَا سَنَذْكُرُ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي مَوْضِعه مِنْ كِتَاب الْأَدَب. قَالَ النَّوَوِيّ : وَهِيَ نَقْل كَلَام الْغَيْر بِقَصْدِ الْإِضْرَار , وَهِيَ مِنْ أَقْبَح الْقَبَائِح. وَتَعَقَّبَهُ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : هَذَا لَا يَصِحّ عَلَى قَاعِدَة الْفُقَهَاء , فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : الْكَبِيرَة هِيَ الْمُوجِبَة لِلْحَدِّ وَلَا حَدّ عَلَى الْمَشْي بِالنَّمِيمَةِ , إِلَّا أَنْ يُقَال : الِاسْتِمْرَار هُوَ الْمُسْتَفَاد مِنْهُ جَعْله كَبِيرَة ; لِأَنَّ الْإِصْرَار عَلَى الصَّغِيرَة حُكْمه حُكْم الْكَبِيرَة. أَوْ أَنَّ الْمُرَاد بِالْكَبِيرَةِ مَعْنًى غَيْر الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيّ. اِنْتَهَى. وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْفُقَهَاء لَيْسَ هُوَ قَوْل جَمِيعهمْ ; لَكِنَّ كَلَام الرَّافِعِيّ يُشْعِر بِتَرْجِيحِهِ حَيْثُ حَكَى فِي تَعْرِيف الْكَبِيرَة وَجْهَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا هَذَا , ‏ ‏وَالثَّانِي مَا فِيهِ وَعِيد شَدِيد. قَالَ : وَهُمْ إِلَى الْأَوَّل أَمْيَل. وَالثَّانِي أَوْفَق لِمَا ذَكَرُوهُ عِنْد تَفْصِيل الْكَبَائِر. اِنْتَهَى. وَلَا بُدّ مِنْ حَمْل الْقَوْل الْأَوَّل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ غَيْر مَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ; وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا يُعَدّ عُقُوق الْوَالِدَيْنِ وَشَهَادَة الزُّور مِنْ الْكَبَائِر , مَعَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَّهُمَا مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَة مُسْتَوْفًى فِي أَوَّل كِتَاب الْحُدُود إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَعُرِفَ بِهَذَا الْجَوَاب عَنْ اِعْتِرَاض الْكَرْمَانِيّ بِأَنَّ النَّمِيمَة قَدْ نُصَّ فِي الصَّحِيح عَلَى أَنَّهَا كَبِيرَة كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ ) ‏ ‏, وَلِلْأَعْمَشِ \" فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْب \" وَالْعَسِيب بِمُهْمَلَتَيْنِ بِوَزْنِ فَعِيل هِيَ الْجَرِيدَة الَّتِي لَمْ يَنْبُت فِيهَا خُوص , فَإِنْ نَبَتَ فَهِيَ السَّعَفَة. وَقِيلَ : إِنَّهُ خَصَّ الْجَرِيد بِذَلِكَ لِأَنَّهُ بَطِيء الْجَفَاف. وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي رَافِع بِسَنَدٍ ضَعِيف أَنَّ الَّذِي أَتَاهُ بِالْجَرِيدَةِ بِلَال , وَلَفْظه \" كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَة إِذْ سَمِعَ شَيْئًا فِي قَبْر فَقَالَ لِبِلَالٍ : اِئْتِنِي بِجَرِيدَةٍ خَضْرَاء \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَسَرَهَا ) ‏ ‏أَيْ : فَأَتَى بِهَا فَكَسَرَهَا , وَفِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة عِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيّ أَنَّهُ الَّذِي أَتَى بِهَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُسْلِم فِي حَدِيث جَابِر الطَّوِيل الْمَذْكُور فِي أَوَاخِر الْكِتَاب أَنَّهُ الَّذِي قَطَعَ الْغُصْنَيْنِ , فَهُوَ فِي قِصَّة أُخْرَى غَيْر هَذِهِ , فَالْمُغَايَرَة بَيْنهمَا مِنْ أَوْجُه : مِنْهَا أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ فِي الْمَدِينَة وَكَانَ مَعَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَة , وَقِصَّة جَابِر كَانَتْ فِي السَّفَر وَكَانَ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَتَبِعَهُ جَابِر وَحْده. ‏ ‏وَمِنْهَا أَنَّ فِي هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَرَسَ الْجَرِيدَة بَعْد أَنْ شَقَّهَا نِصْفَيْنِ كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْد هَذَا مِنْ رِوَايَة الْأَعْمَش , وَفِي حَدِيث جَابِر أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ جَابِرًا بِقَطْعِ غُصْنَيْنِ مِنْ شَجَرَتَيْنِ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَتَرَ بِهِمَا عِنْد قَضَاء حَاجَته , ثُمَّ أَمَرَ جَابِرًا فَأَلْقَى الْغُصْنَيْنِ عَنْ يَمِينه وَعَنْ يَسَاره حَيْثُ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا , وَأَنَّ جَابِرًا سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ \" إِنِّي مَرَرْت بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَأَحْبَبْت بِشَفَاعَتِي أَنْ يُرْفَع عَنْهُمَا مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ \" وَلَمْ يُذْكَر فِي قِصَّة جَابِر أَيْضًا السَّبَب الَّذِي كَانَا يُعَذَّبَانِ بِهِ , وَلَا التَّرَجِّي الْآتِي فِي قَوْله \" لَعَلَّهُ \" , فَبَانَ تَغَايُر حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَحَدِيث جَابِر وَأَنَّهُمَا كَانَا فِي قِصَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ , وَلَا يَبْعُد تَعَدُّد ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبْرٍ فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ : اِئْتُونِي بِجَرِيدَتَيْنِ , فَجَعَلَ إِحْدَاهُمَا عِنْد رَأْسه وَالْأُخْرَى عِنْد رِجْلَيْهِ \" فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون هَذِهِ قِصَّة ثَالِثَة , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي حَدِيث أَبِي رَافِع كَمَا تَقَدَّمَ \" فَسَمِعَ شَيْئًا فِي قَبْر \" وَفِيهِ \" فَكَسَرَهَا بِاثْنَيْنِ تَرَكَ نِصْفهَا عِنْد رَأْسه وَنِصْفهَا عِنْد رِجْلَيْهِ \" وَفِي قِصَّة الْوَاحِد حَمَلَ نِصْفهَا عِنْد رَأْسه وَنِصْفهَا عِنْد رِجْلَيْهِ , وَفِي قِصَّة الِاثْنَيْنِ \" جَعَلَ عَلَى كُلّ قَبْر جَرِيدَة \". ‏ ‏( كِسْرَتَيْنِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْكَاف , وَالْكِسْرَة الْقِطْعَة مِنْ الشَّيْء الْمَكْسُور , وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَة الْأَعْمَش أَنَّهَا كَانَتْ نِصْفًا. وَفِي رِوَايَة جَرِير عَنْهُ \" بِاثْنَتَيْنِ \" قَالَ النَّوَوِيّ : الْبَاء زَائِدَة لِلتَّوْكِيدِ وَالنَّصْب عَلَى الْحَال. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَضَعَ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش الْآتِيَة \" فَغَرَزَ \" وَهِيَ أَخَصّ مِنْ الْأُولَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَضَعَ عَلَى كُلّ قَبْر مِنْهُمَا كِسْرَة ) ‏ ‏وَقَعَ فِي مُسْنَد عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد عَنْ الْأَعْمَش , ثُمَّ غَرَزَ عِنْد رَأْس كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا قِطْعَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ لَهُ ) ‏ ‏لِلْأَعْمَشِ \" قَالُوا \" أَيْ : الصَّحَابَة , وَلَمْ نَقِف عَلَى تَعْيِين السَّائِل مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَعَلَّهُ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن مَالِك : يَجُوز أَنْ تَكُون الْهَاء ضَمِير الشَّأْن , وَجَازَ تَفْسِيره بِأَنْ وَصِلَتهَا لِأَنَّهَا فِي حُكْم جُمْلَة لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مُسْنَد وَمُسْنَد إِلَيْهِ. قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون \" أَنْ \" زَائِدَة مَعَ كَوْنهَا نَاصِبَة كَزِيَادَةِ الْبَاء مَعَ كَوْنِهَا جَارَّة. اِنْتَهَى. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة بِحَذْفِ \" أَنْ \" فَقَوَّى الِاحْتِمَال الثَّانِي. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : شَبَّهَ لَعَلَّ بِعَسَى فَأَتَى بِأَنْ فِي خَبَره. ‏ ‏قَوْله : ( يُخَفَّف ) ‏ ‏بِالضَّمِّ وَفَتْح الْفَاء , أَيْ : الْعَذَاب عَنْ الْمَقْبُورَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا لَمْ تَيْبَسَا ) ‏ ‏كَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّة أَيْ : الْكِسْرَتَانِ , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" إِلَّا أَنْ تَيْبَسَا \" بِحَرْفِ الِاسْتِثْنَاء , وَلِلْمُسْتَمْلِيّ \" إِلَى أَنْ يَيْبَسَا \" بِإِلَى الَّتِي لِلْغَايَةِ وَالْيَاء التَّحْتَانِيَّة أَيْ : الْعُودَانِ , قَالَ الْمَازِرِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّ الْعَذَاب يُخَفَّف عَنْهُمَا هَذِهِ الْمُدَّة. اِنْتَهَى. وَعَلَى هَذَا فَلَعَلَّ هُنَا لِلتَّعْلِيلِ , قَالَ : وَلَا يَظْهَر لَهُ وَجْه غَيْر هَذَا. وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ الْوَحْي لَمَا أَتَى بِحَرْفِ التَّرَجِّي , كَذَا قَالَ. وَلَا يَرِد عَلَيْهِ ذَلِكَ إِذَا حَمَلْنَاهَا عَلَى التَّعْلِيل , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَقِيلَ إِنَّهُ شَفَعَ لَهُمَا هَذِهِ الْمُدَّة كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي حَدِيث جَابِر ; لِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة. وَكَذَا رَجَّحَ النَّوَوِيّ كَوْن الْقِصَّة وَاحِدَة , وَفِيهِ نَظَر لِمَا أَوْضَحْنَا مِنْ الْمُغَايَرَة بَيْنهمَا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ دَعَا لَهُمَا بِالتَّخْفِيفِ مُدَّة بَقَاء النَّدَاوَة , لَا أَنَّ فِي الْجَرِيدَة مَعْنًى يَخُصّهُ , وَلَا أَنَّ فِي الرَّطْب مَعْنًى لَيْسَ فِي الْيَابِس. قَالَ : وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ يُسَبِّح مَا دَامَ رَطْبًا فَيَحْصُل التَّخْفِيف بِبَرَكَةِ التَّسْبِيح , وَعَلَى هَذَا فَيَطَّرِد فِي كُلّ مَا فِيهِ رُطُوبَة مِنْ الْأَشْجَار وَغَيْرهَا ; وَكَذَلِكَ فِيمَا فِيهِ بَرَكَة الذِّكْر وَتِلَاوَة الْقُرْآن مِنْ بَاب الْأَوْلَى. وَقَالَ الطِّيبِيّ : الْحِكْمَة فِي كَوْنهمَا مَا دَامَتَا رَطْبَتَيْنِ تَمْنَعَانِ الْعَذَاب يَحْتَمِل أَنْ تَكُون غَيْر مَعْلُومَة لَنَا كَعَدَدِ الزَّبَانِيَة. وَقَدْ اِسْتَنْكَرَ الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَضْعَ النَّاس الْجَرِيد وَنَحْوه فِي الْقَبْر عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيث. قَالَ الطُّرْطُوشِيّ : لِأَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِبَرَكَةِ يَده. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : لِأَنَّهُ عَلَّلَ غَرْزهمَا عَلَى الْقَبْر بِأَمْرٍ مُغَيَّب وَهُوَ قَوْله \" لَيُعَذَّبَانِ \". قُلْت : لَا يَلْزَم مِنْ كَوْننَا لَا نَعْلَم أَيُعَذَّبُ أَمْ لَا أَنْ لَا نَتَسَبَّب لَهُ فِي أَمْر يُخَفِّف عَنْهُ الْعَذَاب أَنْ لَوْ عُذِّبَ , كَمَا لَا يَمْنَع كَوْننَا لَا نَدْرِي أَرُحِمَ أَمْ لَا أَنْ لَا نَدْعُوَ لَهُ بِالرَّحْمَةِ. وَلَيْسَ فِي السِّيَاق مَا يَقْطَع عَلَى أَنَّهُ بَاشَرَ الْوَضْع بِيَدِهِ الْكَرِيمَة , بَلْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَمَرَ بِهِ. ‏ ‏وَقَدْ تَأَسَّى بُرَيْدَة بْن الْحُصَيْب الصَّحَابِيّ بِذَلِكَ فَأَوْصَى أَنْ يُوضَع عَلَى قَبْره جَرِيدَتَانِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجَنَائِز مِنْ هَذَا الْكِتَاب , وَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُتَّبَع مِنْ غَيْره. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لَمْ يُعْرَف اِسْم الْمَقْبُورَيْنِ وَلَا أَحَدهمَا , وَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى عَمْد مِنْ الرُّوَاة لِقَصْدِ السَّتْر عَلَيْهِمَا , وَهُوَ عَمَل مُسْتَحْسَن. وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُبَالَغ فِي الْفَحْص عَنْ تَسْمِيَة مَنْ وَقَعَ فِي حَقّه مَا يُذَمّ بِهِ. وَمَا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ فِي التَّذْكِرَة وَضَعَّفَهُ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ أَحَدهمَا سَعْد بْن مُعَاذ فَهُوَ قَوْل بَاطِل لَا يَنْبَغِي ذِكْره إِلَّا مَقْرُونًا بِبَيَانِهِ. وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى بُطْلَان الْحِكَايَة الْمَذْكُورَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَضَرَ دَفْن سَعْد بْن مُعَاذ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح , وَأَمَّا قِصَّة الْمَقْبُورَيْنِ فَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْد أَحْمَد أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ \" مَنْ دَفَنْتُمْ الْيَوْم هَاهُنَا ؟ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرهُمَا , وَإِنَّمَا ذَكَرْت هَذَا ذَبًّا عَنْ هَذَا السَّيِّد الَّذِي سَمَّاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" سَيِّدًا \" وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ \" قُومُوا إِلَى سَيِّدكُمْ \" وَقَالَ \" إِنَّ حُكْمه قَدْ وَافَقَ حُكْم اللَّه \" وَقَالَ \" إِنَّ عَرْش الرَّحْمَن اِهْتَزَّ لِمَوْتِهِ \" إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ مَنَاقِبه الْجَلِيلَة , خَشْيَة أَنْ يَغْتَرّ نَاقِص الْعِلْم بِمَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيّ فَيَعْتَقِدَ صِحَّة ذَلِكَ وَهُوَ بَاطِل. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْمَقْبُورَيْنِ فَقِيلَ كَانَا كَافِرَيْنِ , وَبِهِ جَزَمَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ , وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيث جَابِر بِسَنَدٍ فِيهِ اِبْن لَهِيعَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى قَبْرَيْنِ مِنْ بَنِي النَّجَّار هَلَكَا فِي الْجَاهِلِيَّة , فَسَمِعَهُمَا يُعَذَّبَانِ فِي الْبَوْل وَالنَّمِيمَة \" قَالَ أَبُو مُوسَى : هَذَا وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِقَوِيٍّ لَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيح ; لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ لَمَا كَانَ لِشَفَاعَتِهِ إِلَى أَنْ تَيْبَس الْجَرِيدَتَانِ مَعْنًى ; وَلَكِنَّهُ لَمَّا رَآهُمَا يُعَذَّبَانِ لَمْ يَسْتَجِزْ لِلُطْفِهِ وَعَطْفه حِرْمَانهمَا مِنْ إِحْسَانه فَشَفَعَ لَهُمَا إِلَى الْمُدَّة الْمَذْكُورَة , وَجَزَمَ اِبْن الْعَطَّار فِي شَرْح الْعُمْدَة بِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ وَقَالَ : لَا يَجُوز أَنْ يُقَال إِنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ لَمْ يَدْعُ لَهُمَا بِتَخْفِيفِ الْعَذَاب وَلَا تَرَجَّاهُ لَهُمَا , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصه لَبَيَّنَهُ , يَعْنِي كَمَا فِي قِصَّة أَبِي طَالِب. قُلْت : وَمَا قَالَهُ أَخِيرًا هُوَ الْجَوَاب , وَمَا طَالَبَ بِهِ مِنْ الْبَيَان قَدْ حَصَلَ , وَلَا يَلْزَم التَّنْصِيص عَلَى لَفْظ الْخُصُوصِيَّة ; لَكِنَّ الْحَدِيث الَّذِي اِحْتَجَّ بِهِ أَبُو مُوسَى ضَعِيف كَمَا اِعْتَرَفَ بِهِ , وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَلَى شَرْط مُسْلِم وَلَيْسَ فِيهِ سَبَب التَّعْذِيب , فَهُوَ مِنْ تَخْلِيط اِبْن لَهِيعَة , وَهُوَ مُطَابِق لِحَدِيثِ جَابِر الطَّوِيل الَّذِي قَدَّمْنَا أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ , وَاحْتِمَال كَوْنهمَا كَافِرَيْنِ فِيهِ ظَاهِر. وَأَمَّا حَدِيث الْبَاب فَالظَّاهِر مِنْ مَجْمُوع طُرُقه أَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ , فَفِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ \" مَرَّ بِقَبْرَيْنِ جَدِيدَيْنِ \" فَانْتَفَى كَوْنهمَا فِي الْجَاهِلِيَّة , وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْد أَحْمَد \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِالْبَقِيعِ فَقَالَ : مَنْ دَفَنْتُمْ الْيَوْم هَاهُنَا ؟ \" فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ ; لِأَنَّ الْبَقِيع مَقْبَرَة الْمُسْلِمِينَ , وَالْخِطَاب لِلْمُسْلِمِينَ مَعَ جَرَيَان الْعَادَة بِأَنَّ كُلّ فَرِيق يَتَوَلَّاهُ مَنْ هُوَ مِنْهُمْ , وَيُقَوِّي كَوْنهمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ رِوَايَة أَبِي بَكْرَة عِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح \" يُعَذَّبَانِ , وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِير \" وَ \" بَلَى وَمَا يُعَذَّبَانِ إِلَّا فِي الْغِيبَة وَالْبَوْل \" فَهَذَا الْحَصْر يَنْفِي كَوْنهمَا كَانَا كَافِرَيْنِ ; لِأَنَّ الْكَافِر وَإِنْ عُذِّبَ عَلَى تَرْك أَحْكَام الْإِسْلَام فَإِنَّهُ يُعَذَّب مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْكُفْر بِلَا خِلَاف. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْجَنَائِز إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِيهِ التَّحْذِير مِنْ مُلَابَسَة الْبَوْل , وَيَلْتَحِق بِهِ غَيْره مِنْ النَّجَاسَات فِي الْبَدَن وَالثَّوْب , وَيُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى وُجُوب إِزَالَة النَّجَاسَة , خِلَافًا لِمَنْ خَصَّ الْوُجُوب بِوَقْتِ إِرَادَة الصَّلَاة , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "210",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا تَبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فَيَغْسِلُ بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ الدَّوْرَقِيّ قَالَ \" أَخْبَرَنَا \" وَلِلْأَكْثَرِ \" حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم \" وَهُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّة , وَلَيْسَ هُوَ أَخَا يَعْقُوب. وَرَوْح بْن الْقَاسِم بِفَتْحِ الرَّاء عَلَى الْمَشْهُور , وَنَقَلَ اِبْن التِّين وَالْقَابِسِيّ أَنَّهُ قُرِئَ بِضَمِّهَا وَهُوَ شَاذّ مَرْدُود , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِث الْمَتْن فِي بَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ , وَالِاسْتِدْلَال بِهِ هُنَا عَلَى غَسْل الْبَوْل أَعَمّ مِنْ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى الِاسْتِنْجَاء فَلَا تَكْرَار فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَيُغْتَسَل بِهِ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ - بِوَزْنِ يُفْتَعَل - وَلِغَيْرِهِ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَسُكُون الْغَيْن وَكَسْر السِّين , وَحَذْف مَفْعُوله لِلْعِلْمِ بِهِ , أَوْ لِلْحَيَاءِ مِنْ ذِكْره. ‏"
    },
    {
        "id": "211",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي ‏ ‏بِالنَّمِيمَةِ ‏ ‏ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏وَحَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏مِثْلَهُ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مُحَمَّد بْن خَازِم ) ‏ ‏بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي هُوَ أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير. ‏ ‏قَوْله : ( فَغَرَزَ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة وَكِيع فِي الْأَدَب \" فَغَرَسَ \" وَهُمَا بِمَعْنًى , وَأَفَادَ سَعْد الدِّين الْحَارِثِيّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْد رَأْس الْقَبْر. وَقَالَ : إِنَّهُ ثَبَتَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح , وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد اِبْن حِبَّان وَقَدْ قَدَّمْنَا لَفْظه , ثُمَّ وَجَدْته فِي مُسْنَد عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد عَنْ الْأَعْمَش فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس صَرِيحًا. ‏ ‏قَوْله : ( لِمَ فَعَلْت ) ‏ ‏سَقَطَ لَفْظ \" هَذَا \" مِنْ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالسَّرَخْسِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن الْمُثَنَّى : وَحَدَّثَنَا وَكِيع ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الْأَوَّل , وَثَبَتَتْ أَدَاة الْعَطْف فِيهِ لِلْأَصِيلِيِّ وَلِهَذَا ظَنَّ بَعْضهمْ أَنَّهُ مُعَلَّق , وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى هَذَا عَنْ وَكِيع وَأَبِي مُعَاوِيَة جَمِيعًا عَنْ الْأَعْمَش , وَالْحِكْمَة فِي إِفْرَاد الْبُخَارِيّ لَهُ أَنَّ فِي رِوَايَة وَكِيع التَّصْرِيح بِسَمَاعِ الْأَعْمَش دُون الْآخَر. وَبَاقِي مَبَاحِث الْمَتْن تَقَدَّمَتْ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏"
    },
    {
        "id": "212",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى أَعْرَابِيًّا يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ ‏ ‏دَعُوهُ حَتَّى إِذَا فَرَغَ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هَمَّام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَحْيَى , ‏ ‏وَإِسْحَاق ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ \" حَدَّثَنِي أَنَس \". ‏ ‏قَوْله : ( رَأَى أَعْرَابِيًّا ) ‏ ‏حَكَى أَبُو بَكْر التَّارِيخِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن نَافِع الْمُزَنِيّ أَنَّهُ الْأَقْرَع بْن حَابِس التَّمِيمِيّ , وَقِيلَ غَيْره كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْمَسْجِد ) ‏ ‏أَيْ : مَسْجِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ دَعُوهُ ) ‏ ‏كَانَ هَذَا الْأَمْر بِالتَّرْكِ عَقِب زَجْر النَّاس لَهُ كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى ) ‏ ‏أَيْ : فَتَرَكُوهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ بَوْله , فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَاءٍ أَيْ : فِي دَلْو كَبِير ‏ ‏( فَصَبَّهُ ) ‏ ‏أَيْ : فَأَمَرَ بِصَبِّهِ كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ كُلّه صَرِيحًا. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة اِبْن عَمَّار عَنْ إِسْحَاق فَسَاقَهُ مُطَوَّلًا بِنَحْوٍ مِمَّا شَرَحْنَاهُ , وَزَادَ فِيهِ : ثُمَّ إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ \" إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِد لَا تَصْلُح لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْل وَلَا الْقَذَر , إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّه تَعَالَى وَالصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن \" وَسَنَذْكُرُ فَوَائِده فِي الْبَاب الْآتِي بَعْده إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "213",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعُوهُ ‏ ‏وَهَرِيقُوا ‏ ‏عَلَى بَوْلِهِ ‏ ‏سَجْلًا ‏ ‏مِنْ مَاءٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏ذَنُوبًا ‏ ‏مِنْ مَاءٍ ‏ ‏فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ ‏",
        "sharh": "\" 373 \" ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّهِ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَرَوَاهُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْهُ \" عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ \" بَدَلَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَتَابَعَهُ سُفْيَان بْن حُسَيْن فَالظَّاهِر أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَتَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَامَ أَعْرَابِيٌّ ) ‏ ‏اد اِبْن عُيَيْنَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْره فِي أَوَّلِهِ \" أَنَّهُ صَلَّى ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اِرْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا. فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا. فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة سَتَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مُفْرَدَة فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. وَقَدْ رَوَى اِبْن مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ الْحَدِيث تَامًّا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ حَدِيث وَاثِلَة بْن الْأَسْقَعِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار قَالَ \" اِطَّلَعَ ذُو الْخُوَيْصِرَةَ الْيَمَانِيّ وَكَانَ رَجُلًا جَافِيًا \" فَذَكَرَه تَامًّا بِمَعْنَاهُ وَزِيَادَة وَهُوَ مُرْسَل وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا مُبْهَمٌ بَيْنَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَبَيْنَ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء وَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي زُرْعَة الدِّمَشْقِيّ أَحْمَد بْن خَالِد الذَّهَبِيّ عَنْهُ وَهُوَ فِي جَمْعِ مُسْنَدِ اِبْن إِسْحَاق لِأَبِي زُرْعَة الدِّمَشْقِيّ مِنْ طَرِيقِ الشَّامِيِّينَ عَنْهُ بِهَذَا السَّنَدِ لَكِنْ قَالَ فِي أَوَّلِهِ \" اِطَّلَعَ ذُو الْخُوَيْصِرَة التَّمِيمِيّ وَكَانَ جَافِيًا \" وَالتَّمِيمِيّ هُوَ حُرْقُوص بْن زُهَيْر الَّذِي صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ رُءُوسِ الْخَوَارِجِ وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضهمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَمَانِيِّ لَكِنْ لَهُ أَصْل أَصِيل وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ تَسْمِيَة الْأَعْرَابِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل التَّارِيخِيّ إِنَّهُ الْأَقْرَعُ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْحُسَيْن بْن فَارِس أَنَّهُ عُيَيْنَة بْن حِصْن وَالْعِلْم عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ ) ‏ ‏أَيْ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ \" فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ \" وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَس \" فَقَامُوا إِلَيْهِ \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" فَأَرَادَ أَصْحَابه أَنْ يَمْنَعُوهُ \" وَفِي رِوَايَةِ أَنَس فِي هَذَا الْبَابِ \" فَزَجَرَهُ النَّاسُ \" وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيق عَبْدَان شَيْخ الْمُصَنِّفِ فِيهِ بِلَفْظِ \" فَصَاحَ النَّاسُ بِهِ \" وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ اِبْن الْمُبَارَك. فَظَهَرَ أَنَّ تَنَاوُلَهُ كَانَ بِالْأَلْسِنَةِ لَا بِالْأَيْدِي. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاق عَنْ أَنَس \" فَقَالَ الصَّحَابَة مَهْ مَهْ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَهَرِيقُوا ) ‏ ‏وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ \" وَأَهْرِيقُوا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيههَا فِي بَاب الْغُسْل فِي الْمُخَضَّبِ. ‏ ‏قَوْله : ( سَجْلًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُون الْجِيمِ قَالَ أَبُو حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ : هُوَ الدَّلْوُ مَلْأَى وَلَا يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ وَهِيَ فَارِغَة. وَقَالَ اِبْن دُرَيْد : السَّجْلُّ دَلْو وَاسِعَة. وَفِي الصِّحَاحِ : الدَّلْوُ الضَّخْمَةُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ ذَنُوبًا ) ‏ ‏قَالَ الْخَلِيل : الدَّلْوُ مَلْأَى مَاء. وَقَالَ اِبْن فَارِس : الدَّلْوُ الْعَظِيمَةُ. وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت فِيهَا مَاء قَرِيب مِنْ الْمِلْءِ وَلَا يُقَالُ لَهَا وَهِيَ فَارِغَة ذَنُوب. اِنْتَهَى. فَعَلَى التَّرَادُفِ \" أَوْ \" لِلشَّكِّ مِنْ الرَّاوِي وَإِلَّا فَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ وَالْأَوَّل أَظْهَرُ فَإِنَّ رِوَايَةَ أَنَس لَمْ تَخْتَلِفْ فِي أَنَّهَا ذَنُوب. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ \" مِنْ مَاء \" مَعَ أَنَّ الذَّنُوبَ مِنْ شَأْنِهَا ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرَسِ الطَّوِيلِ وَغَيْرِهِمَا. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ ) ‏ ‏إِسْنَاد الْبَعْث إِلَيْهِمْ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَبْعُوثُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا ذَكَرَ لَكِنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا فِي مَقَام التَّبْلِيغِ عَنْهُ فِي حُضُورِهِ وَغَيْبَتِهِ أَطْلَقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ إِذْ هُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ قِبَلِهِ بِذَلِكَ أَيْ مَأْمُورُونَ. وَكَانَ ذَلِكَ شَأْنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ بَعَثَهُ إِلَى جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ يَقُولُ : \" يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا \". ‏"
    },
    {
        "id": "214",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَابُ ‏ ‏يُهَرِيقُ الْمَاءَ عَلَى الْبَوْلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏قَالَ وَحَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ فَزَجَرَهُ النَّاسُ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ ‏ ‏أَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ ‏ ‏فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْمُبَارَك وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا خَالِد ) ‏ ‏سَقَطَتْ الْوَاوُ مِنْ رِوَايَةٍ كَرِيمَةٍ وَالْعَطْف فِيهِ عَلَى قَوْلِهِ \" حَدَّثَنَا عَبْدَان \" وَسُلَيْمَانُ هُوَ اِبْن بِلَال وَبَانَ لِي الْمَتْن عَلَى لَفْظِ رِوَايَتِهِ ; لِأَنَّ لَفْظ عَبْدَان فِيهِ مُخَالَفَة لِسِيَاقِهِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ أَنَّهُ عِنْد الْبَيْهَقِيّ. ‏ ‏قَوْله ( فِي طَائِفَة الْمَسْجِد ) ‏ ‏أَيْ نَاحِيَتِهِ وَالطَّائِفَة الْقِطْعَة مِنْ الشَّيْءِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَهَاهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْدَان \" فَقَالَ اُتْرُكُوهُ فَتَرَكُوهُ \". ‏ ‏قَوْله ( فَهَرِيقَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْبَاقِينَ \" فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ \" وَيَجُوزُ إِسْكَان الْهَاء وَفَتْحهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَضَبَطَهُ اِبْن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ بِفَتْحِ الْهَاءِ أَيْضًا. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ : أَنَّ الِاحْتِرَازَ مِنْ النَّجَاسَةِ كَانَ مُقَرَّرًا فِي نُفُوسِ الصَّحَابَةِ وَلِهَذَا بَادَرُوا إِلَى الْإِنْكَارِ بِحَضْرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ اِسْتِئْذَانِهِ وَلِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ أَيْضًا مَنْ طَلَبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز التَّمَسُّك بِالْعُمُومِ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ الْخُصُوص قَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّمَسُّكَ يَتَحَتَّمُ عِنْدَ اِحْتِمَالِ التَّخْصِيصِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ , وَلَا يَجِبُ التَّوَقُّف عَنْ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ لِذَلِكَ لِأَنَّ عُلَمَاءَ الْأَمْصَارِ مَا بَرِحُوا يُفْتُونَ بِمَا بَلَغَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ التَّخْصِيصِ وَلِهَذِهِ الْقِصَّةِ أَيْضًا إِذْ لَمْ يُنْكِر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ لِمَ نَهَيْتُمْ الْأَعْرَابِيَّ ؟ بَلْ أَمَرَهُمْ بِالْكَفِّ عَنْهُ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ وَهُوَ دَفْعُ أَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَيْسَرِهِمَا. وَتَحْصِيلُ أَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَرْكِ أَيْسَرِهِمَا. وَفِيهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى إِزَالَةِ الْمَفَاسِدِ عِنْدَ زَوَال الْمَانِع لِأَمْرِهِمْ عِنْدَ فَرَاغِهِ بِصَبِّ الْمَاءِ. وَفِيهِ تَعْيِين الْمَاء لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ ; لِأَنَّ الْجَفَافَ بِالرِّيحِ أَوْ الشَّمْسِ لَوْ كَانَ يَكْفِي لَمَا حَصَلَ التَّكْلِيفُ بِطَلَب الدَّلْو. وَفِيهِ أَنَّ غُسَالَة النَّجَاسَة الْوَاقِعَة عَلَى الْأَرْضِ طَاهِرَة , وَيَلْتَحِقُ بِهِ غَيْر الْوَاقِعَةِ ; لِأَنَّ الْبَلَّةَ الْبَاقِيَة عَلَى الْأَرْضِ غُسَالَة نَجَاسَة فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ التُّرَابَ نُقِلَ وَعَلِمْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ التَّطْهِير تَعَيَّنَ الْحُكْم بِطَهَارَة الْبَلَّة وَإِذَا كَانَتْ طَاهِرَة فَالْمُنْفَصِلَة أَيْضًا مِثْلُهَا لِعَدَم الْفَارِقِ , وَيُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ اِشْتِرَاطِ نُضُوبِ الْمَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ اُشْتُرِطَ لَتَوَقَّفَتْ طَهَارَةُ الْأَرْضِ عَلَى الْجَفَافِ. وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ عَصْر الثَّوْب إِذْ لَا فَارِقَ. قَالَ الْمُوَفَّق فِي الْمُغْنِي بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَاف : الْأَوْلَى الْحُكْم بِالطَّهَارَةِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الصَّبِّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ شَيْئًا. وَفِيهِ الرِّفْقُ بِالْجَاهِلِ وَتَعْلِيمه مَا يَلْزَمُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْنِيفٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ عِنَادًا , وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُحْتَاجُ إِلَى اِسْتِئْلَافه. وَفِيهِ رَأْفَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُسْنُ خُلُقِهِ. قَالَ اِبْن مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة : \" فَقَالَ الْأَعْرَابِيّ - بَعْدَ أَنْ فُقِّهَ فِي الْإِسْلَامِ فَقَامَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَلَمْ يُؤَنِّبْ وَلَمْ يَسُبَّ \". وَفِيهِ تَعْظِيمُ الْمَسْجِد وَتَنْزِيهُهُ عَنْ الْأَقْذَارِ. وَظَاهِر الْحَصْرِ مِنْ سِيَاق مُسْلِم فِي حَدِيثِ أَنَس أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ شَيْءٌ غَيْرُ مَا ذَكَرَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ , لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الْحَصْرِ مِنْهُ غَيْر مَعْمُولٍ بِهِ , وَلَا رَيْبَ أَنَّ فِعْل غَيْر الْمَذْكُورَاتِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا خِلَافُ الْأَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ أَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا وَلَا يُشْتَرَطُ حَفْرهَا خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا : لَا تَطْهُرُ إِلَّا بِحَفْرِهَا كَذَا أَطْلَقَ النَّوَوِيّ وَغَيْره. وَالْمَذْكُور فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ التَّفْصِيلُ بَيْن إِذَا كَانَتْ رَخْوَة بِحَيْثُ يَتَخَلَّلُهَا الْمَاء حَتَّى يَغْمُرَهَا فَهَذِهِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى حَفْرٍ , وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ صُلْبَة فَلَا بُدّ مِنْ حَفْرِهَا وَإِلْقَاء التُّرَابِ ; لِأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَغْمُرْ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلهَا وَاحْتَجُّوا فِيهِ بِحَدِيثٍ جَاءَ مِنْ ثَلَاثِ طُرُق : ‏ ‏أَحَدهَا مَوْصُول عَنْ اِبْن مَسْعُود أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيّ لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ قَالَهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ , ‏ ‏وَالْآخَرَانِ مُرْسَلَانِ أَخْرَجَ أَحَدَهُمَا أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْن مَعْقِل بْنِ مُقَرِّن , وَالْآخَر مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيقِ طَاوُس وَرُوَاتهمَا ثِقَات وَهُوَ يَلْزَمُ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ مُطْلَقًا , وَكَذَا مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ إِذَا اِعْتَضَدَ مُطْلَقًا , وَالشَّافِعِيّ إِنَّمَا يَعْتَضِدُ عِنْدَهُ إِذَا كَانَ مِنْ رِوَايَةِ كِبَارِ التَّابِعِينَ , وَكَانَ مَنْ أَرْسَلَ إِذَا سَمَّى لَا يُسَمِّي إِلَّا ثِقَة وَذَلِكَ مَفْقُود فِي الْمُرْسَلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ سَنَدَيْهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ , وَسَيَأْتِي بَاقِي فَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "215",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ ‏ ‏فَأَتْبَعَهُ ‏ ‏إِيَّاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بِصَبِيٍّ ) ‏ ‏يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ اِبْن أُمِّ قَيْسٍ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَسَن بْن عَلِيّ أَوْ الْحُسَيْن , فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أُمّ سَلَمَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَتْ : \" بَال الْحَسَنُ - أَوْ الْحُسَيْن - عَلَى بَطْن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَرَكَهُ حَتَّى قَضَى بَوْلَهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ \". وَلِأَحْمَدَ عَنْ أَبِي لَيْلَى نَحْوُهُ. وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ \" فَجِيءَ بِالْحَسَنِ \" وَلَمْ يَتَرَدَّدْ , وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ. وَإِنَّمَا رَجَّحْت أَنَّهُ غَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْعَقِيقَةِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة \" أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَبِيٍّ يُحَنِّكُهُ \" وَفِي قِصَّتِهِ أَنَّهُ بَالَ عَلَى ثَوْبِهِ وَأَمَّا قِصَّةُ الْحَسَنِ فَفِي حَدِيثِ أَبِي لَيْلَى وَأُمّ سَلَمَة أَنَّهُ بَالَ عَلَى بَطْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي حَدِيثِ زَيْنَب بِنْت جَحْش عِنْد الطَّبَرَانِيّ \" أَنَّهُ جَاءَ وَهُوَ يَحْبُو وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمٌ فَصَعِدَ عَلَى بَطْنِهِ وَوَضَعَ ذَكَرَهُ فِي سُرَّتِهِ فَبَالَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث بِتَمَامِهِ فَظَهَرَتْ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتْبَعَهُ ) ‏ ‏بِإِسْكَان الْمُثَنَّاة أَيْ : أَتْبَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَوْل الَّذِي عَلَى الثَّوْبِ الْمَاء يَصُبُّهُ عَلَيْهِ. زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ هِشَام \" فَأَتْبَعَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ \". وَلِابْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ هِشَام \" فَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ \" وَلِلطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ الثَّقَفِيّ عَنْ هِشَام \" فَنَضَحَهُ عَلَيْهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "216",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ ‏ ‏أَنَّهَا ‏ ‏أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أُمِّ قَيْس ) ‏ ‏قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : اِسْمُهَا جُذَامَة يَعْنِي بِالْجِيمِ وَالْمُعْجَمَة وَقَالَ السُّهَيْلِيّ : اِسْمهَا آمِنَة وَهِيَ أُخْتُ عُكَّاشَة بْن مِحْصَن الْأَسَدِيّ وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَل كَمَا عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ عَنْ اِبْن شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَيْسَ لَهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ غَيْره وَغَيْر حَدِيثٍ آخَرَ فِي الطِّبِّ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا قِصَّة لِابْنِهَا وَمَاتَ اِبْنُهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَغِيرٌ كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالطَّعَامِ مَا عَدَا اللَّبَن الَّذِي يَرْتَضِعُهُ وَالتَّمْر الَّذِي يُحَنَّكُ بِهِ وَالْعَطَل الَّذِي يَلْعَقُهُ لِلْمُدَاوَاةِ وَغَيْرهَا فَكَانَ الْمُرَاد أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الِاغْتِذَاء بِغَيْرِ اللَّبَنِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ هَذَا مُقْتَضَى كَلَام النَّوَوِيّ فِي شَرْحِ مُسْلِم وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَأَطْلَقَ فِي الرَّوْضَةِ - تَبَعًا لِأَصْلِهَا - أَنَّهُ لَمْ يَطْعَمْ وَلَمْ يَشْرَبْ غَيْر اللَّبَن وَقَالَ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ : الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ غَيْر اللَّبَنِ وَغَيْر مَا يُحَنَّكُ بِهِ وَمَا أَشْبَهَهُ. وَحَمَلَ الْمُوَفَّق الْحَمَوِيّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ قَوْله \" لَمْ يَأْكُلْ \" عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ : مَعْنَاهُ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِجَعْلِ الطَّعَامِ فِي فِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَبِهِ جَزَمَ الْمُوَفَّق بْن قُدَامَةَ وَغَيْره. وَقَالَ اِبْن التِّينِ : يُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَوَّتْ بِالطَّعَامِ وَلَمْ يَسْتَغْنِ بِهِ عَنْ الرَّضَاعِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا إِنَّمَا جَاءَتْ بِهِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ لِيُحَنِّكهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُحْمَلُ النَّفْيُ عَلَى عُمُومِهِ وَيُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْعَقِيقَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَجْلَسَهُ ) ‏ ‏أَيْ وَضَعَهُ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ كَانَ لَمَّا وُلِدَ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجُلُوسُ حَصَلَ مِنْهُ عَلَى الْعَادَةِ إِنْ قُلْنَا كَانَ فِي سِنّ مَنْ يَحْبُو كَمَا فِي قِصَّةِ الْحَسَنِ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى ثَوْبِهِ ) ‏ ‏أَيْ ثَوْب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَغْرَبَ اِبْن شَعْبَان مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ : الْمُرَادُ بِهِ ثَوْب الصَّبِيّ وَالصَّوَاب الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله ( فَنَضَحَهُ ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ اِبْن شِهَابٍ \" فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن شِهَابٍ \" فَرَشَّهُ \" زَادَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ \" عَلَيْهِ \". وَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ - أَيْ بَيْنَ نَضَحَ وَرَشَّ - ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ الِابْتِدَاءَ كَانَ بِالرَّشِّ وَهُوَ تَنْقِيط الْمَاء وَانْتَهَى إِلَى النَّضْحِ وَهُوَ صَبُّ الْمَاءِ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَة مِنْ طَرِيقِ جَرِير عَنْ هِشَام \" فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ \" وَلِأَبِي عَوَانَةَ \" فَصَبَّهُ عَلَى الْبَوْلِ يُتْبِعُهُ إِيَّاهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَغْسِلْهُ ) ‏ ‏اِدَّعَى الْأَصِيلِيّ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مِنْ كَلَامِ اِبْن شِهَابٍ رَاوِي الْحَدِيثِ وَأَنَّ الْمَرْفُوعَ اِنْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ \" فَنَضَحَهُ \" قَالَ : وَكَذَلِكَ رَوَى مَعْمَر عَنْ اِبْن شِهَابٍ وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة قَالَ \" فَرَشَّهُ \" لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ اِنْتَهَى. وَلَيْسَ فِي سِيَاق مَعْمَرٍ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا اِدَّعَاهُ مِنْ الْإِدْرَاجِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ بِنَحْوِ سِيَاقِ مَالِك لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ \" وَلَمْ يَغْسِلْهُ \" وَقَدْ قَالَهَا مَعَ مَالِك اللَّيْثُ وَعَمْرو بْن الْحَارِث وَيُونُس بْن يَزِيد كُلُّهمْ عَنْ اِبْن شِهَابٍ أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَة وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُمْ وَهُوَ لِمُسْلِمٍ عَنْ يُونُسَ وَحْدَهُ. نَعَمْ زَاد مَعْمَرٌ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ : \" قَالَ اِبْن شِهَابٍ : فَمَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ يُرَشَّ بَوْل الصَّبِيّ وَيُغْسَلَ بَوْل الْجَارِيَة \" فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة هِيَ الَّتِي زَادَهَا مَالِك وَمَنْ تَبِعَهُ لَأَمْكَنَ دَعْوَى الْإِدْرَاجِ لَكِنَّهَا غَيْرُهَا فَلَا إِدْرَاجَ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ اِبْن أَبِي شَيْبَة فَلَا اِخْتِصَاصَ لَهُ بِذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَفْظ رِوَايَةِ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن شِهَابٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا عَنْ مُسْلِم وَغَيْره وَبَيَّنَّا أَنَّهَا غَيْرُ مُخَالِفَةٍ لِرِوَايَة مَالِك وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ : النَّدْبُ إِلَى حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَالتَّوَاضُعِ وَالرِّفْقِ بِالصِّغَارِ وَتَحْنِيكِ الْمَوْلُود وَالتَّبَرُّكِ بِأَهْلِ الْفَضْلِ وَحَمْلِ الْأَطْفَالِ إِلَيْهِمْ حَال الْوِلَادَة وَبَعْدهَا وَحُكْم بَوْل الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَا وَهُوَ مَقْصُودُ الْبَابِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ هِيَ أَوْجُهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ : أَصَحُّهَا الِاكْتِفَاء بِالنَّضْحِ فِي بَوْل الصَّبِيّ لَا الْجَارِيَةِ , وَهُوَ قَوْلُ عَلِيّ وَعَطَاء وَالْحَسَن وَالزُّهْرِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَابْن وَهْبٍ وَغَيْرهمْ وَرَوَاهُ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ أَصْحَابه هِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ. ‏ ‏وَالثَّانِي : يَكْفِي النَّضْح فِيهِمَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيّ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيّ , وَخَصَّصَ اِبْن الْعَرَبِيِّ النَّقْل فِي هَذَا بِمَا إِذَا كَانَا لَمْ يَدْخُلْ أَجْوَافَهُمَا شَيْء أَصْلًا. ‏ ‏وَالثَّالِث : هُمَا سَوَاء فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّة وَالْمَالِكِيَّةُ قَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : اِتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ الْقِيَاسَ وَقَالُوا الْمُرَاد بِقَوْلِهَا \" وَلَمْ يَغْسِلْهُ \" أَيْ غَسْلًا مُبَالَغًا فِيهِ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَيُبْعِدُهُ مَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَر - يَعْنِي الَّتِي قَدَّمْنَاهَا - مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ بَوْل الصَّبِيّ وَالصَّبِيَّة فَإِنَّهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا قَالَ : وَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا أَوْجُهٌ : مِنْهَا مَا هُوَ رَكِيك , وَأَقْوَى ذَلِكَ مَا قِيلَ : إِنَّ النُّفُوسَ أَعْلَقُ بِالذُّكُورِ مِنْهَا بِالْإِنَاثِ يَعْنِي فَحَصَلَتْ الرُّخْصَة فِي الذُّكُورِ لِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْغَسْلَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى مُجَرَّدِ إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى الْمَحَلِّ. قُلْت : وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّضْحِ هُنَا الْغَسْل. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ : ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيّ : لَيْسَ تَجْوِيز مَنْ جَوَّزَ النَّضْح مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَوْل الصَّبِيّ غَيْر نَجِس وَلَكِنَّهُ لِتَخْفِيف نَجَاسَته. اِنْتَهَى. وَأَثْبَتَ الطَّحَاوِيّ الْخِلَافَ فَقَالَ : قَالَ قَوْمٌ بِطَهَارَة بَوْل الصَّبِيّ قَبْلَ الطَّعَامِ , وَكَذَا جَزَمَ بِهِ ابْن عَبْدِ الْبَرِّ وَابْن بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُمَا عَنْ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا وَلَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيَّة وَلَا الْحَنَابِلَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ : هَذِهِ حِكَايَة بَاطِلَة اِنْتَهَى. وَكَأَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيق اللَّازِم وَأَصْحَاب الْمَذْهَبِ أَعْلَم بِمُرَادِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "217",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُبَاطَةَ ‏ ‏قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي وَائِل ) ‏ ‏وَلِأَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا وَائِل وَلِأَحْمَدَ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ الْأَعْمَشِ حَدَّثَنِي أَبُو وَائِل. ‏ ‏قَوْله : ( سُبَاطَة قَوْم ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَة هِيَ الْمَزْبَلَةُ وَالْكُنَاسَةُ تَكُونُ بِفِنَاءِ الدُّورِ مِرْفَقًا لِأَهْلِهَا وَتَكُونُ فِي الْغَالِبِ سَهْلَة لَا يَرْتَدُّ فِيهَا الْبَوْل عَلَى الْبَائِلِ وَإِضَافَتهَا إِلَى الْقَوْمِ إِضَافَة اِخْتِصَاصٍ لَا مِلْكٍ ; لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ النَّجَاسَةِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إِيرَاد مَنْ اسْتَشْكَلَهُ لِكَوْن الْبَوْل يُوهِي الْجِدَار فَفِيهِ إِضْرَار أَوْ نَقُولُ : إِنَّمَا بَالَ فَوْقَ السُّبَاطَةِ لَا فِي أَصْل الْجِدَار وَهُوَ صَرِيحُ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَقِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ إِذْنهمْ فِي ذَلِكَ بِالتَّصْرِيحِ أَوْ غَيْره , أَوْ لِكَوْنِهِ مِمَّا يَتَسَامَحُ النَّاسُ بِهِ , أَوْ لِعِلْمِهِ بِإِيثَارِهِمْ إِيَّاهُ بِذَلِكَ , أَوْ لِكَوْنِهِ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ أُمَّتِهِ دُونَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحَ الْمَعْنَى لَكِنْ لَمْ يُعْهَدْ ذَلِكَ مِنْ سِيرَتِهِ وَمَكَارِم أَخْلَاقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ ) ‏ ‏زَاد مُسْلِم وَغَيْره مِنْ طُرُقٍ عَنْ الْأَعْمَشِ \" فَتَنَحَّيْت فَقَالَ : ادْنُهْ فَدَنَوْت حَتَّى قُمْت عِنْدَ عَقِبَيْهِ \" وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان \" أَتَى سُبَاطَة قَوْم فَتَبَاعَدْت مِنْهُ فَأَدْنَانِي حَتَّى صِرْت قَرِيبًا مِنْ عَقِبَيْهِ فَبَالَ قَائِمًا وَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ \" وَكَذَا زَادَ مُسْلِم وَغَيْره فِيهِ ذِكْر الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَهُوَ ثَابِتٌ أَيْضًا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْره مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ , وَزَادَ عِيسَى بْن يُونُس فِيهِ عَنْ الْأَعْمَشِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ أَخْرَجَهُ ابْن عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَزَعَمَ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّ عِيسَى تَفَرَّدَ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن طَلْحَة بْن مُصَرِّف عَنْ الْأَعْمَشِ كَذَلِكَ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيث عِصْمَة بْن مَالِك سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ فِي الْحَضَرِ وَهُوَ ظَاهِر وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ اِخْتَصَرَهُ لِتَفَرُّدِ الْأَعْمَشِ بِهِ فَقَدْ رَوَى اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ أَنَّ عَاصِمًا رَوَاهُ لَهُ عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ الْمُغِيرَةِ \" أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى سُبَاطَة قَوْم فَبَالَ قَائِمًا \" قَالَ عَاصِم : وَهَذَا الْأَعْمَشُ يَرْوِيه عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ حُذَيْفَةَ وَمَا حَفِظَهُ يَعْنِي أَنَّ رِوَايَتَهُ هِيَ الصَّوَاب. قَالَ شُعْبَة : فَسَأَلْتُ عَنْهُ مَنْصُورًا فَحَدَّثَنِيهِ عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ حُذَيْفَةَ يَعْنِي كَمَا قَالَ الْأَعْمَش لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْمَسْحَ , فَقَدْ وَافَقَ مَنْصُورٌ الْأَعْمَشَ عَلَى قَوْلِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ دُونَ الزِّيَادَةِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ مُسْلِم إِلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ بَلْ ذَكَرَهَا فِي حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ; لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مِنْ حَافِظٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيثُ أَبِي وَائِل عَنْ حُذَيْفَةَ أَصَحّ , يَعْنِي حَدِيثَهُ عَنْ الْمُغِيرَةِ وَهُوَ كَمَا قَالَ وَإِنْ جَنَحَ اِبْن خُزَيْمَة إِلَى تَصْحِيحِ الرِّوَايَتَيْنِ لِكَوْن حَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان وَافَقَ عَاصِمًا عَلَى قَوْلِهِ عَنْ الْمُغِيرَةِ , فَجَازَ أَنْ يَكُونَ أَبُو وَائِل سَمِعَهُ مِنْهُمَا فَيَصِحُّ الْقَوْلَانِ مَعًا , لَكِنْ مِنْ حَيْثُ التَّرْجِيح رِوَايَة الْأَعْمَشِ وَمَنْصُور لِاتِّفَاقِهِمَا أَصَحّ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِم وَحَمَّاد لِكَوْنِهِمَا فِي حِفْظِهِمَا مَقَال. ‏"
    },
    {
        "id": "218",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَتَمَاشَى فَأَتَى ‏ ‏سُبَاطَةَ ‏ ‏قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ ‏ ‏فَانْتَبَذْتُ ‏ ‏مِنْهُ فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُهُ فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد وَمَنْصُور وَهُوَ اِبْنُ الْمُعْتَمِرِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْتُنِي ) ‏ ‏بِضَمّ الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( فَانْتَبَذْتُ ) ‏ ‏بِالنُّونِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ تَنَحَّيْتُ يُقَالُ : جَلَسَ فُلَان نُبْذَة بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّهَا أَيْ نَاحِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَشَارَ إِلَيَّ ) ‏ ‏يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ. وَإِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ لِيَجْمَع بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ : عَدَم مُشَاهَدَتِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَسَمَاع نِدَائِهِ لَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَة , أَوْ رُؤْيَة إِشَارَتِهِ إِذَا أَشَارَ لَهُ وَهُوَ مُسْتَدْبِرُهُ. وَلَيْسَتْ فِيهِ دَلَالَة عَلَى جَوَازِ الْكَلَامِ فِي حَال الْبَوْل ; لِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بَيَّنَتْ أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" ادْنُهْ \" كَانَ بِالْإِشَارَةِ لَا بِاللَّفْظِ , وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ مِنْ الْإِبْعَادِ - عِنْدَ قَضَاء الْحَاجَة - عَنْ الطُّرُقِ الْمَسْلُوكَةِ وَعَنْ أَعْيُن النَّظَّارَة فَقَدْ قِيلَ فِيهِ : إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَشْغُولًا بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَلَعَلَّهُ طَالَ عَلَيْهِ الْمَجْلِس فَاحْتَاجَ إِلَى الْبَوْلِ فَلَوْ أَبْعَدَ لَتَضَرَّرَ , وَاسْتَدْنَى حُذَيْفَة لِيَسْتُرَهُ مِنْ خَلْفِهِ مِنْ رُؤْيَةِ مَنْ لَعَلَّهُ يَمُرُّ بِهِ وَكَانَ قُدَّامُهُ مَسْتُورًا بِالْحَائِطِ , أَوْ لَعَلَّهُ فَعَلَهُ لِبَيَان الْجَوَاز. ثُمَّ هُوَ فِي الْبَوْلِ وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ الْغَائِطِ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى زِيَادَةِ تَكَشُّف , وَلِمَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِنْ الرَّائِحَةِ. وَالْغَرَضُ مِنْ الْإِبْعَادِ التَّسَتُّر وَهُوَ يَحْصُلُ بِإِرْخَاءِ الذَّيْلِ وَالدُّنُوِّ مِنْ السَّاتِرِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث عِصْمَة بْن مَالِك قَالَ \" خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ سِكَكِ الْمَدِينَةِ فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَة قَوْم فَقَالَ يَا حُذَيْفَة اُسْتُرْنِي \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَظَهَرَ مِنْهُ الْحِكْمَة فِي إِدْنَائِهِ حُذَيْفَة فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَكَانَ حُذَيْفَةُ لَمَّا وَقَفَ خَلْفَهُ عَنْدَ عَقِبِهِ اِسْتَدْبَرَهُ وَظَهَرَ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْحَضَرِ لَا فِي السَّفَرِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ دَفْع أَشَدِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِأَخَفِّهِمَا وَالْإِتْيَان بِأَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ إِذَا لَمْ يُمْكِنَا مَعًا. وَبَيَانه أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُطِيلُ الْجُلُوسَ لِمَصَالِحِ الْأُمَّةِ وَيُكْثِرُ مِنْ زِيَارَةِ أَصْحَابِهِ وَعِيَادَتِهِمْ , فَلَّمَا حَضَرَهُ الْبَوْل وَهُوَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْحَالَاتِ لَمْ يُؤَخِّرْهُ حَتَّى يَبْعُدَ كَعَادَتِهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَأْخِيرِهِ مِنْ الضَّرَرِ فَرَاعَى أَهَمَّ الْأَمْرَيْنِ وَقَدَّمَ الْمَصْلَحَةَ فِي تَقْرِيب حُذَيْفَة مِنْهُ لِيَسْتُرَهُ مِنْ الْمَارَّةِ عَلَى مَصْلَحَة تَأْخِيره عَنْهُ إِذْ لَمْ يُمْكِنْ جَمْعُهُمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "219",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ‏ ‏يُشَدِّدُ ‏ ‏فِي الْبَوْلِ وَيَقُولُ إِنَّ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ ‏ ‏قَرَضَهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏لَيْتَهُ أَمْسَكَ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُبَاطَةَ ‏ ‏قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏( كَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ ) ‏ ‏بَيَّنَ اِبْن الْمُنْذِر وَجْه هَذَا التَّشْدِيد فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مُوسَى وَرَأَى رَجُلًا يَبُولُ قَائِمًا فَقَالَ : وَيْحك أَفَلَا قَاعِدًا \" ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَبِهَذَا يَظْهَرُ مُطَابَقَة حَدِيث حُذَيْفَة فِي تَعَقُّبِهِ عَلَى أَبِي مُوسَى. ‏ ‏قَوْله : ( ثَوْب أَحَدِهِمْ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي مُسْلِم \" جِلْد أَحَدِهِمْ \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : مُرَادُهُ بِالْجِلْدِ وَاحِد الْجُلُود الَّتِي كَانُوا يَلْبَسُونَهَا وَحَمَلَهُ بَعْضهمْ عَلَى ظَاهِرِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ الْإِصْرِ الَّذِي حَمَلُوهُ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة أَبِي دَاوُد فَفِيهَا \" كَانَ إِذَا أَصَابَ جَسَد أَحَدِهِمْ \" لَكِنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ صَرِيحَةٌ فِي الثِّيَابِ فَلَعَلَّ بَعْضهمْ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَرَضَهُ ) ‏ ‏أَيْ قَطَعَهُ. زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِالْمِقْرَاضِ , وَهُوَ يَدْفَعُ حَمْل مَنْ حَمَلَ الْقَرْضَ عَلَى الْغَسْلِ بِالْمَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْتَهُ أَمْسَكَ ) ‏ ‏لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" لَوَدِدْت أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيد \" وَإِنَّمَا اِحْتَجَّ حُذَيْفَة بِهَذَا الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ الْبَائِلَ عَنْ قِيَامٍ قَدْ يَتَعَرَّضُ لِلرَّشَاشِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّشْدِيدَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَالِكٍ فِي الرُّخْصَةِ فِي مِثْلِ رُءُوسِ الْإِبَرِ مِنْ الْبَوْلِ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَصِلْ إِلَى بَدَنِهِ مِنْهُ شَيْء وَإِلَى هَذَا أَشَارَ اِبْنُ حِبَّانَ فِي ذِكْرِ السَّبَبِ فِي قِيَامِهِ قَالَ : لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا يَصْلُحُ لِلْقُعُودِ فَقَامَ لِكَوْن الطَّرَف الَّذِي يَلِيه مِنْ السُّبَاطَةِ كَانَ عَالِيًا فَأَمِنَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْهِ شَيْء مِنْ بَوْلِهِ. وَقِيلَ : لِأَنَّ السُّبَاطَةَ رَخْوَة يَتَخَلَّلُهَا الْبَوْل فَلَا يَرْتَدُّ إِلَى الْبَائِلِ مِنْهُ شَيْء. وَقِيلَ إِنَّمَا بَالَ قَائِمًا ; لِأَنَّهَا حَالَةٌ يُؤْمَنُ مَعَهَا خُرُوج الرِّيحِ بِصَوْتٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ ; لِكَوْنِهِ قَرِيبًا مِنْ الدِّيَارِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ \" الْبَوْل قَائِمًا أَحْصَنُ لِلدُّبُرِ \". وَقِيلَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَسْتَشْفِي لِوَجَع الصُّلْب بِذَلِكَ فَلَعَلَّهُ كَانَ بِهِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" إِنَّمَا بَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا لِجُرْحٍ كَانَ فِي مَأْبِضِهِ \" وَالْمَأْبِضِ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا مُوَحَّدَة ثُمَّ مُعْجَمَة بَاطِن الرُّكْبَة فَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ لِأَجْلِهِ مِنْ الْقُعُودِ وَلَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَكَانَ فِيهِ غِنًى عَنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ لَكِنْ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْأَظْهَر أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَان الْجَوَاز وَكَانَ أَكْثَر أَحْوَالِهِ الْبَوْل عَنْ قُعُود وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَسَلَكَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَابْن شَاهِين فِيهِ مَسْلَكًا آخَرَ فَزَعَمَا أَنَّ الْبَوْلَ عَنْ قِيَامٍ مَنْسُوخٌ , وَاسْتَدَلَّا عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عَائِشَة الَّذِي قَدَّمْنَاهُ \" مَا بَالَ قَائِمًا مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ \" وَبِحَدِيثِهَا أَيْضًا \" مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّهُ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ , مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا \" وَالصَّوَاب أَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخ وَالْجَوَاب عَنْ حَدِيثِ عَائِشَة إِلَى مُسْتَنَد إِلَى عِلْمِهَا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي الْبُيُوتِ وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْبُيُوتِ فَلَمْ تَطَّلِعْ هِيَ عَلَيْهِ وَقَدْ حَفِظَهُ حُذَيْفَة وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَتَضَمَّنَ الرَّدَّ عَلَى مَا نَفَتْهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَر وَعَلِيّ وَزَيْد بْن ثَابِت وَغَيْرهمْ أَنَّهُمْ بَالُوا قِيَامًا وَهُوَ دَالٌّ عَلَى الْجَوَازِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ إِذَا أَمِنَ الرَّشَاشَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ شَيْء كَمَا بَيَّنْته فِي أَوَائِل شَرْحِ التِّرْمِذِيَّ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "220",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَتْنِي ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏جَاءَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ قَالَ ‏ ‏تَحُتُّهُ ثُمَّ ‏ ‏تَقْرُصُهُ ‏ ‏بِالْمَاءِ وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان ‏ ‏وَهِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة ‏ ‏وَفَاطِمَة ) ‏ ‏هِيَ زَوْجَتُهُ بِنْت عَمّه الْمُنْذِر ‏ ‏وَأَسْمَاء ) ‏ ‏هِيَ جَدَّتُهُمَا لِأَبَوَيْهِمَا بِنْت أَبِي بَكْر الصِّدِّيق. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَتْ اِمْرَأَة ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَام فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَسْمَاءَ هِيَ السَّائِلَةُ وَأَغْرَبَ النَّوَوِيّ فَضَعَّفَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِلَا دَلِيلٍ وَهِيَ صَحِيحَةُ الْإِسْنَادِ لَا عِلَّةَ لَهَا وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُبْهِمَ الرَّاوِي اِسْم نَفْسه كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيد فِي قِصَّة الرُّقْيَة بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ ) ‏ ‏أَيْ يَصِلُ دَمُ الْحَيْضِ إِلَى الثَّوْبِ وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ هِشَام \" إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ \". ‏ ‏قَوْله : ( تَحُتُّهُ ) ‏ ‏بِالْفَتْحِ وَضَمّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيد الْمُثَنَّاة الْفَوْقَانِيَّة أَيْ تَحُكُّهُ وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَة وَالْمُرَاد بِذَلِكَ إِزَالَة عَيْنِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ تَقْرُصُهُ ) ‏ ‏بِالْفَتْحِ وَإِسْكَان الْقَاف وَضَمّ الرَّاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ كَذَا فِي رِوَايَتِنَا. وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره فِيهِ الضَّمّ وَفَتْح الْقَافِ وَتَشْدِيد الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ تُدَلِّكُ مَوْضِع الدَّم بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهَا لِيَتَحَلَّل بِذَلِكَ وَيَخْرُج مَا تَشَرَّبَهُ الثَّوْب مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَنْضَحُهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْحَاءِ أَيْ تَغْسِلُهُ قَالَهُ الْخَطَّابِيّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْمُرَادُ بِهِ الرَّشّ ; لِأَنَّ غَسْلَ الدَّمِ اُسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِهِ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ , وَأَمَّا النَّضْحُ فَهُوَ لِمَا شَكَّتْ فِيهِ مِنْ الثَّوْبِ. قُلْت : فَعَلَى هَذَا فَالضَّمِير فِي قَوْلِهِ تَنْضَحُهُ يَعُودُ عَلَى الثَّوْبِ بِخِلَاف \" تَحُتُّهُ \" فَإِنَّهُ يَعُودُ عَلَى الدَّمِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ اِخْتِلَافُ الضَّمَائِرِ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. ثُمَّ إِنَّ الرَّشَّ عَلَى الْمَشْكُوكِ فِيهِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ طَاهِرًا فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُتَنَجِّسًا لَمْ يَطْهُرْ بِذَلِكَ فَالْأَحْسَن مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيّ قَالَ الْخَطَّابِيّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيل عَلَى أَنَّ النَّجَاسَاتِ إِنَّمَا تُزَالُ بِالْمَاءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ ; لِأَنَّ جَمِيعَ النَّجَاسَاتِ بِمَثَابَةِ الدَّمِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِجْمَاعًا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ أَيْ يَتَعَيَّنُ الْمَاء لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة وَأَبِي يُوسُف يَجُوزُ تَطْهِير النَّجَاسَة بِكُلّ مَائِع طَاهِر وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيث عَائِشَة \" مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْب وَاحِد تَحِيضُ فِيهِ فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ قَالَتْ بِرِيقِهَا فَقَصَعَتْهُ بِظُفُرِهَا \" وَلِأَبِي دَاوُد \" بَلَّتْهُ بِرِيقِهَا \" وَجْه الْحُجَّةِ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الرِّيقُ لَا يُطَهِّرُ لَزَادَ النَّجَاسَة. وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ قَصَدَتْ بِذَلِكَ تَحْلِيلَ أَثَرِهِ ثُمَّ غَسَلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي كِتَاب الْحَيْض فِي بَابِ هَلْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ. ‏ ‏( فَائِدَة : ‏ ‏تُعُقِّبَ اِسْتِدْلَالُ مَنْ اِسْتَدَلَّ عَلَى تَعْيِين إِزَالَة النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ; وَلِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِبِ فِي الِاسْتِعْمَالِ لَا الشَّرْطِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْخَبَرَ نَصَّ عَلَى الْمَاءِ فَإِلْحَاق غَيْرِهِ بِهِ بِالْقِيَاسِ , وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَنْقُصُ الْفَرْعُ عَنْ الْأَصْلِ فِي الْعِلَّةِ وَلَيْسَ فِي غَيْرِ الْمَاءِ مَا فِي الْمَاءِ مِنْ رِقَّتِهِ وَسُرْعَة نُفُوذِهِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَسَيَأْتِي بَاقِي فَوَائِدِهِ فِي بَاب غَسْل دَمِ الْحَيْضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "221",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏جَاءَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ ‏ ‏أُسْتَحَاضُ ‏ ‏فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا ‏ ‏إِنَّمَا ذَلِكِ ‏ ‏عِرْقٌ ‏ ‏وَلَيْسَ بِحَيْضٍ فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي ‏ ‏قَالَ وَقَالَ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب وَلِلْأَصِيلِيّ : اِبْنُ سَلَّام وَلِأَبِي ذَرٍّ : هُوَ اِبْنُ سَلَّام وَأَبُو مُعَاوِيَة هُوَ الضَّرِيرُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏زَادَ الْأَصِيلِيّ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَاطِمَة بِنْت أَبِي حُبَيْش ) ‏ ‏بِالْحَاء الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ اِسْمه قَيْس بْن الْمُطَّلِبِ بْن أَسَد وَهِيَ غَيْرُ فَاطِمَة بِنْت قَيْس الَّتِي طَلُقَتْ ثَلَاثًا. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( أُسْتَحَاضُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْح الْمُثَنَّاة يُقَالُ اُسْتُحِيضَتْ الْمَرْأَة إِذَا اِسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا الْمُعْتَادَةِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَة وَالِاسْتِحَاضَة جَرَيَان الدَّمِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا ) ‏ ‏أَيْ لَا تَدَعِي الصَّلَاةَ. ‏ ‏قَوْله ( عِرْق ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْعَيْنِ هُوَ الْمُسَمَّى بِالْعَاذِلِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( حَيْضَتُك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْحَاءِ وَيَجُوزُ كَسْرهَا. وَالْمُرَادُ بِالْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ هُنَا اِبْتِدَاء دَم الْحَيْضِ وَانْقِطَاعه. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعِي الصَّلَاة ) ‏ ‏يَتَضَمَّنُ نَهْي الْحَائِضِ عَنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ لِلتَّحْرِيمِ وَيَقْتَضِي فَسَادَ الصَّلَاة بِالْإِجْمَاعِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاغْسِلِي عَنْك الدَّم ) ‏ ‏أَيْ وَاغْتَسِلِي وَالْأَمْر بِالِاغْتِسَالِ مُسْتَفَاد مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى كَمَا سَيَأْتِي بَسْطهَا فِي كِتَاب الْحَيْض إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ ) ‏ ‏أَيْ هِشَام بْن عُرْوَة ‏ ‏( وَقَالَ أَبِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَادَّعَى بَعْضهمْ أَنَّ هَذَا مُعَلَّق , وَلَيْسَ بِصَوَاب بَلْ هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُحَمَّد عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِ. وَادَّعَى آخَر أَنَّ قَوْلَهُ \" ثُمَّ تَوَضَّئِي \" مِنْ كَلَام عُرْوَة مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَلَامَهُ لَقَالَ ثُمَّ تَتَوَضَّأُ بِصِيغَة الْإِخْبَار فَلَمَّا أَتَى بِهِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ شَاكَلَهُ الْأَمْرُ الَّذِي فِي الْمَرْفُوعِ وَهُوَ قَوْلُهُ \" فَاغْسِلِي \". وَسَنَذْكُرُ حُكْمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَاب الْحَيْض إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "222",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْجَزَرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَمْرو بْن مَيْمُون الْجَزَرِيّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْجُمْهُورِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا رَاء مَنْسُوب إِلَى الْجَزِيرَةِ وَكَانَ مَيْمُون بْن مِهْرَان وَالِد عَمْرو نَزَلَهَا فَنُسِبَ إِلَيْهَا وَلَده. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ وَحَدَّهُ الْجَوْزِيّ بِوَاوٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا زَاي وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَغْسِلُ الْجَنَابَة ) ‏ ‏أَيْ أَثَر الْجَنَابَة فَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَوْ أُطْلِقَ اِسْم الْجَنَابَة عَلَى الْمَنِيِّ مَجَازًا. ‏ ‏قَوْله : ( بُقَع ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ جَمْع بُقْعَة قَالَ أَهْل اللُّغَةِ : الْبُقَعُ اِخْتِلَاف اللَّوْنَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "223",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ مَيْمُونٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَتْ كُنْتُ ‏ ‏أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ بُقَعُ الْمَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الْإِسْنَادِ ( حَدَّثَنَا يَزِيدُ ) ‏ ‏قَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ : كَذَا هُوَ غَيْر مَنْسُوبٍ فِي رِوَايَة الْفَرَبْرِيّ وَحَمَّاد بْن شَاكِر وَيُقَالُ إِنَّهُ اِبْن هَارُون وَلَيْسَ بِابْن زُرَيْعٍ وَجَمِيعًا قَدْ رُوِيَا - يَعْنِي عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون - وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ السَّكَنِ أَحَد الرُّوَاة عَنْ الْفَرَبْرِيّ \" حَدَّثَنَا يَزِيدُ يَعْنِي اِبْن زُرَيْعٍ \" وَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْكِلَابَاذِيُّ وَرَجَّحَ الْقُطْب الْحَلِيمِيّ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ اِبْن هَارُون قَالَ : لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْ رِوَايَتِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ رِوَايَةِ اِبْن زُرَيْعٍ. ‏ ‏قُلْت : وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَم الْوِجْدَانِ عَدَمُ الْوُقُوعِ كَيْفَ وَقَدْ جَزَمَ أَبُو مَسْعُود بِأَنَّهُ رَوَاهُ فَدَلَّ عَلَى وِجْدَانِهِ وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّم عَلَى النَّافِي. وَقَدْ خَرَّجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره مِنْ حَدِيثِ يَزِيد بْن هَارُون بِلَفْظٍ مُخَالِفٍ لِلسِّيَاقِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا مِنْ مُرَجِّحَات كَوْنه اِبْن زُرَيْعٍ وَأَيْضًا فَقُتَيْبَة مَعْرُوف بِالرِّوَايَةِ عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْعٍ دُونَ اِبْن هَارُون قَالَهُ الْمِزِّيّ , وَالْقَاعِدَة فِي مَنْ أُهْمِلَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَنْ لِلرَّاوِي بِهِ خُصُوصِيَّة كَالْإِكْثَارِ وَغَيْره فَتَرَجَّحَ أَنَّهُ اِبْن زُرَيْعٍ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِأَبِي ذَرٍّ يَعْنِي اِبْن مَيْمُون وَهُوَ اِبْن مِهْرَان كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيه. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْتُ عَائِشَة ) ‏ ‏وَفِي الْإِسْنَادِ الَّذِي يَلِيه \" سَأَلْت عَائِشَة \" فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْبَزَّارِ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْن يَسَارٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَة عَلَى أَنَّ الْبَزَّارَ مَسْبُوق بِهَذِهِ الدَّعْوَى فَقَدْ حَكَاهُ الشَّافِعِيّ فِي الْأُمِّ عَنْ غَيْرِهِ وَزَادَ أَنَّ الْحُفَّاظَ قَالُوا : إِنَّ عَمْرو بْن مَيْمُون غَلِطَ فِي رَفْعِهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي فَتْوَى سُلَيْمَانَ. اِنْتَهَى. وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ تَصْحِيحِ الْبُخَارِيّ لَهُ وَمُوَافَقَةِ مُسْلِمٍ لَهُ عَلَى تَصْحِيحِهِ صِحَّة سَمَاعِ سُلَيْمَانَ مِنْهَا وَأَنَّ رَفْعَهُ صَحِيح وَلَيْسَ بَيْنَ فَتْوَاهُ وَرِوَايَتِهِ تَنَافٍ وَكَذَا لَا تَأْثِيرَ لِلِاخْتِلَافِ فِي الرِّوَايَتَيْنِ حَيْثُ وَقَعَ فِي إِحْدَاهُمَا أَنَّ عَمْرو بْن مَيْمُون سَأَلَ سُلَيْمَان وَفِي الْأُخْرَى أَنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ عَائِشَة ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَأَلَ شَيْخَهُ فَحَفِظَ بَعْض الرُّوَاةِ مَا لَمْ يَحْفَظْ بَعْض وَكُلّهمْ ثِقَات. ‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد الْبَصْرِيُّ وَفِي طَبَقَتِهِ عَبْد الْوَاحِد بْن زَيْد الْبَصْرِيّ وَلَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيّ شَيْئًا. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْمَنِيِّ ) ‏ ‏أَيْ عَنْ حُكْم الْمَنِيّ هَلْ يُشْرَعُ غَسْله أَمْ لَا ؟ فَحَصَلَ الْجَوَابُ بِأَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُهُ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَقْتَضِي إِيجَابه كَمَا قَدَّمْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَخْرُجُ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْحُجْرَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ. ‏ ‏قَوْله : ( بُقَع الْمَاءِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْعَيْنِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ \" أَثَر الْغَسْل \" وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ جَوَاز سُؤَالِ النِّسَاءِ عَمَّا يُسْتَحَى مِنْهُ لِمَصْلَحَةِ تَعَلُّمِ الْأَحْكَامِ وَفِيهِ خِدْمَةُ الزَّوْجَاتِ لِلْأَزْوَاجِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّف عَلَى أَنَّ بَقَاءَ الْأَثَرِ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَغَيْرهَا لَا يَضُرُّ فَلِهَذَا تَرْجَمَ \" بَاب إِذَا غَسَلَ الْجَنَابَة أَوْ غَيْرهَا فَلَمْ يَذْهَبْ أَثَره \" وَأَعَادَ الضَّمِير مُذَكَّرًا عَلَى الْمَعْنَى أَيْ فَلَمْ يَذْهَبْ أَثَر الشَّيْءِ الْمَغْسُولِ وَمُرَاده أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ. وَذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيث الْجَنَابَةِ وَأَلْحَقَ غَيْرهَا بِهَا قِيَاسًا أَوْ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ خَوْلَة بِنْت يَسَار قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّهِ لَيْسَ لِي إِلَّا ثَوْب وَاحِد وَأَنَا أَحِيضُ فِيهِ فَكَيْفَ أَصْنَعُ ؟ قَالَ \" إِذَا طَهُرْت فَاغْسِلِيهِ ثُمَّ صَلِّي فِيهِ \" قَالَتْ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الدَّمُ ؟ قَالَ \" يَكْفِيك الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ \" وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيّ وَالْمُرَاد بِالْأَثَرِ مَا تَعَسَّرَ إِزَالَته جَمْعًا بَيْنَ هَذَا وَبَيْن حَدِيث أُمّ قَيْس \" حُكِّيهِ بِضِلْعٍ وَاغْسِلِيهِ بِمَاء وَسِدْر \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا وَإِسْنَاده حَسَن. وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ هَذَا الْحَدِيث عَلَى شَرْطِ الْمُصَنِّفِ اِسْتَنْبَطَ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي عَلَى شَرْطِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى كَعَادَتِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "224",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمِنْقَرِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ‏ ‏فِي الثَّوْبِ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِيهِ بُقَعُ الْمَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْمِنْقَرِيّ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ النُّون وَفَتْحِ الْقَافِ نِسْبَة إِلَى بَنِي مِنْقَر - بَطْنٌ مِنْ تَمِيم - وَهُوَ أَبُو سَلَمَةَ التَّبُوذَكِيُّ وَعَبْد الْوَاحِد هُوَ اِبْن زِيَاد أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت سُلَيْمَان بْن يَسَار فِي الثَّوْبِ ) ‏ ‏أَيْ يَقُولُ فِي مَسْأَلَة الثَّوْب وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" سَأَلْت سُلَيْمَان بْن يَسَارٍ فِي الثَّوْبِ \" أَيْ قُلْتُ لَهُ مَا تَقُولُ فِي الثَّوْبِ أَوْ فِي بِمَعْنَى عَنْ. ‏ ‏قَوْله : ( أَغْسِلُهُ ) ‏ ‏أَيْ أَثَر الْجَنَابَة أَوْ الْمَنِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَثَر الْغَسْل فِيهِ ) ‏ ‏يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِير رَاجِعًا إِلَى أَثَرِ الْمَاءِ أَوْ إِلَى الثَّوْبِ وَيَكُونُ قَوْله \" بُقَع الْمَاءِ \" بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ \" أَثَر الْغَسْل \" كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ الْمَعْنَى أَثَر الْجَنَابَة الْمَغْسُولَة بِالْمَاءِ فِيهِ مِنْ بُقَعِ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ. وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى \" ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ \" بَعْدَ قَوْلِهِ \" كَانَتْ تَغْسِلُ الْمَنِيّ \" يَرْجَحُ هَذَا الِاحْتِمَالُ الْأَخِيرُ ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ وَهُوَ الْمَنِيُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "225",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهَا كَانَتْ ‏ ‏تَغْسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة الْجُعْفِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهَا كَانَتْ ) ‏ ‏يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَذْكُورًا بِالْمَعْنَى مِنْ لَفْظِهَا أَيْ قَالَتْ كُنْت أَغْسِلُ لِيُشَاكِل قَوْلهَا \" ثُمَّ أَرَاهُ \" أَوْ حَذَفَ لَفْظ قَالَتْ قَبْلَ قَوْلهَا ثُمَّ أَرَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا ) ‏ ‏يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِهَا وَيَنْزِلُ عَلَى حَالَتَيْنِ أَوْ شَكًّا مِنْ أَحَدِ رُوَاته , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "226",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ ‏ ‏عُكْلٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏عُرَيْنَةَ ‏ ‏فَاجْتَوَوْا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِلِقَاحٍ ‏ ‏وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَانْطَلَقُوا فَلَمَّا ‏ ‏صَحُّوا ‏ ‏قَتَلُوا ‏ ‏رَاعِيَ ‏ ‏النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ فَجَاءَ الْخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ‏ ‏وَسُمِرَتْ ‏ ‏أَعْيُنُهُمْ وَأُلْقُوا فِي ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو قِلَابَةَ ‏ ‏فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَتَابَعَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيّ وَأَبِي دَاوُد الْحَرَّانِيِّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ الْقَاضِي كُلّهمْ عَنْ سُلَيْمَانَ , وَخَالَفَهُمْ مُسْلِم فَأَخْرَجَهُ عَنْ هَارُون بْن عَبْد اللَّه عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب وَزَادَ بَيْنَ أَيُّوب وَأَبِي قِلَابَةَ أَبَا رَجَاء مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الطَّرَسُوسِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ : ثُبُوتُ أَبِي رَجَاء وَحَذْفه - فِي حَدِيثِ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوبَ - صَوَاب ; لِأَنَّ أَيُّوبَ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ بِقِصَّةِ الْعُرَنِيِّنَ خَاصَّة , وَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْهُ مُقْتَصِرِينَ عَلَيْهَا وَحَدَّثَ بِهِ أَيُّوب أَيْضًا عَنْ أَبِي رَجَاء مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَزَادَ فِيهِ قِصَّة طَوِيلَة لِأَبِي قِلَابَةَ مَعَ عُمَر بْنِ عَبْد الْعَزِيز كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الدِّيَات وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ حَجَّاج الصَّوَّاف عَنْ أَبِي رَجَاء فَالطَّرِيقَانِ جَمِيعًا صَحِيحَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏زَادَ الْأَصِيلِيّ \" اِبْن مَالِك \". ‏ ‏قَوْله : ( قَدِمَ أُنَاس ) ‏ ‏وَلِلْأَصِيلِيّ وَالْكُشْمِيهَنِيِّ وَاَلسَّرْخَسِيِّ \" نَاس \" أَيْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الدِّيَاتِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَجَاء عَنْ أَبِي قِلَابَةَ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ ) ‏ ‏الشَّكّ فِيهِ مِنْ حَمَّاد وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْمُحَارِبِينَ عَنْ قُتَيْبَة عَنْ حَمَّاد \" أَنَّ رَهْطًا مَنْ عُكْلٍ أَوْ قَالَ مِنْ عُرَيْنَةَ وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ مَنْ عُكْلٍ \" وَلَهُ فِي الْجِهَادِ عَنْ وُهَيْبٍ عَنْ أَيُّوبَ \" أَنَّ رَهْطًا مَنْ عُكْلٍ \" وَلَمْ يَشُكَّ وَكَذَا فِي الْمُحَارِبِينَ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَفِي الدِّيَاتِ عَنْ أَبِي رَجَاء كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَلَهُ فِي الزَّكَاةِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس \" أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ \" وَلَمْ يَشُكَّ أَيْضًا وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة عَنْ أَنَس وَفِي الْمَغَازِي عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة \" أَنَّ نَاسًا مِنْ عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ \" بِالْوَاو الْعَاطِفَةِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ وَالطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن بَشِير عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس قَالَ : كَانُوا أَرْبَعَةً مِنْ عُرَيْنَةَ وَثَلَاثَة مِنْ عُكْلٍ وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ وُهَيْب عَنْ أَيُّوبَ وَفِي الدِّيَاتِ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاج الصَّوَّاف عَنْ أَبِي رَجَاء كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَس \" أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَة \" لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الثَّامِن مِنْ غَيْرِ الْقَبِيلَتَيْنِ وَكَانَ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ فَلَمْ يُنْسَبْ وَغَفَلَ مَنْ نَسَبَ عِدَّتَهُمْ ثَمَانِيَة لِرِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى وَهِيَ عِنْد الْبُخَارِيِّ وَكَذَا عِنْد مُسْلِم وَزَعَمَ اِبْنُ التِّينِ تَبَعًا لِلدَّاوُدِيِّ أَنَّ عُرَيْنَةَ هُمْ عُكْل وَهُوَ غَلَطٌ , بَلْ هُمَا قَبِيلَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ : عُكْلٌ مِنْ عَدْنَان وعُرَيْنَةُ مِنْ قَحْطَانَ. وَعُكْل بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَان الْكَاف قَبِيلَة مِنْ تَيْمِ الرَّبَاب. وعُرَيْنَة بِالْعَيْنِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالنُّونِ مُصَغَّرًا حَيٌّ مِنْ قُضَاعَة وَحَيٌّ مِنْ بَجِيلَة , وَالْمُرَاد هُنَا الثَّانِي كَذَا ذَكَرَهُ مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَس وَوَقَعَ عِنْدَ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة بِإِسْنَادٍ سَاقِطٍ أَنَّهُمْ مِنْ بَنِي فَزَارَة. وَهُوَ غَلَطٌ ; لِأَنَّ بَنِي فَزَارَة مِنْ مُضَرَ لَا يَجْتَمِعُونَ مَعَ عُكْلٍ وَلَا مَعَ عُرَيْنَةَ أَصْلًا. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي أَنَّ قُدُومَهُمْ كَانَ بَعْدَ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَكَانَتْ فِي جُمَادَى الْآخِرَةَ سَنَة سِتّ. وَذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَة وَكَانَتْ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنْهَا , وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ أَنَّهَا كَانَتْ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا وَتَبِعَهُ اِبْن سَعْد وَابْن حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْمُحَارِبِينَ مِنْ طَرِيقِ وُهَيْب عَنْ أَيُّوبَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الصُّفَّةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبُوا الْخُرُوجَ إِلَى الْإِبِلِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَة ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير قَبْلَ هَذَا \" فَأَسْلَمُوا \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي رَجَاء قَبْلَ هَذَا \" فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ \" قَالَ اِبْن فَارِس : اجْتَوَيْت الْبَلَد إِذَا كَرَهْت الْمُقَام فِيهِ وَإِنْ كُنْت فِي نِعْمَة. وَقَيَّدَهُ الْخَطَّابِيُّ بِمَا إِذَا تَضَرَّرَ بِالْإِقَامَةِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ. وَقَالَ الْقَزَّاز : اجْتَوَوْا أَيْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ طَعَامهَا وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : الْجَوَى دَاء يَأْخُذُ مِنْ الْوَبَاءِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَعْنِي رِوَايَة أَبِي رَجَاء الْمَذْكُورَة \" اِسْتَوْخَمُوا \" قَالَ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. وَقَالَ غَيْره : الْجَوَى دَاء يُصِيبُ الْجَوْف. وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَة فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ \" فَقَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَهْل ضَرْع وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيف \". وَلَهُ فِي الطِّبِّ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَس \" أَنَّ نَاسًا كَانَ بِهِمْ سَقَمٌ قَالُوا : يَا رَسُول اللَّهِ آوِنَا وَأَطْعِمْنَا فَلَمَّا صَحُّوا قَالُوا : إِنَّ الْمَدِينَةَ وَخِمَة \". وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ قَدِمُوا سِقَامًا فَلَمَّا صَحُّوا مِنْ السَّقَمِ كَرِهُوا الْإِقَامَةَ بِالْمَدِينَةِ لِوَخَمِهَا , فَأَمَّا السَّقَمُ الَّذِي كَانَ بِهِمْ فَهُوَ الْهُزَالُ الشَّدِيدُ وَالْجَهْد مِنْ الْجُوعِ فَعِنْد أَبِي عَوَانَةَ مِنْ رِوَايَة غَيْلَان عَنْ أَنَس \" كَانَ بِهِمْ هُزَال شَدِيد \" وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعْد عَنْهُ \" مُصْفَرَّة أَلْوَانُهُمْ \". وَأَمَّا الْوَخْمُ الَّذِي شَكَوْا مِنْهُ بَعْدَ أَنْ صَحَّتْ أَجْسَامُهُمْ فَهُوَ مِنْ حُمَّى الْمَدِينَة كَمَا عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس وَسَيَأْتِي ذِكْرُ حُمَّى الْمَدِينَة مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة فِي الطِّبِّ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا اللَّهَ أَنْ يَنْقُلَهَا إِلَى الْجُحْفَةِ. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَةِ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة عَنْ أَنَس \" وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ الْمُوم \" أَيْ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُون الْوَاوِ قَالَ : وَهُوَ الْبِرْسَامُ أَيْ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ سُرْيَانِيّ مُعَرَّب أُطْلِقَ عَلَى اِخْتِلَالِ الْعَقْلِ وَعَلَى وَرَمِ الرَّأْسِ وَعَلَى وَرَمِ الصَّدْرِ وَالْمُرَاد هُنَا الْأَخِير. فَعِنْد أَبِي عَوَانَةَ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّام عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ \" فَعَظُمَتْ بُطُونُهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَهُمْ بِلِقَاحٍ ) ‏ ‏أَيْ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَلْحَقُوا بِهَا وَلِلْمُصَنِّفِ فِي رِوَايَةِ هَمَّام عَنْ قَتَادَة \" فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِيهِ \" وَلَهُ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ حَمَّاد \" فَأَمَرَ لَهُمْ بِلِقَاح \" ; بِزِيَادَة اللَّام فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَة أَوْ لِلتَّعْلِيلِ أَوْ لِشِبْهِ الْمِلْكِ أَوْ لِلِاخْتِصَاصِ وَلَيْسَتْ لِلتَّمْلِيكِ وَعِنْد أَبِي عَوَانَةَ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة الَّتِي أَخْرَجَ مُسْلِم إِسْنَادهَا \" أَنَّهُمْ بَدَءُوا بِطَلَبِ الْخُرُوجِ إِلَى اللِّقَاحِ فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّهِ قَدْ وَقَعَ هَذَا الْوَجَعُ فَلَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَخَرَجْنَا إِلَى الْإِبِلِ \" وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ وُهَيْب عَنْ أَيُّوبَ أَنَّهُمْ قَالُوا \" يَا رَسُول اللَّهِ أَبْغِنَا رِسْلًا \" أَيْ اُطْلُبْ لَنَا لَبَنًا \" قَالَ مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلَّا أَنْ تَلْحَقُوا بِالذَّوْدِ \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي رَجَاء \" هَذِهِ نَعَمٌ لَنَا تَخْرُجُ فَاخْرُجُوا فِيهَا \". وَاللِّقَاحُ بِاللَّامِ الْمَكْسُورَةِ وَالْقَافِ وَآخِره مُهْمَلَة : النُّوقُ ذَوَات الْأَلْبَانِ وَاحِدُهَا لِقْحَة بِكَسْرِ اللَّامِ وَإِسْكَان الْقَاف وَقَالَ أَبُو عَمْرو : يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ هِيَ لَبُونٌ وَظَاهِرُ مَا مَضَى أَنَّ اللِّقَاحَ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمُحَارِبِينَ عَنْ مُوسَى عَنْ وُهَيْب بِسَنَدِهِ فَقَالَ \" إِلَّا أَنْ تَلْحَقُوا بِإِبِل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَهُ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير بِسَنَدِهِ \" فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبِل الصَّدَقَةِ \" وَكَذَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَة , وَالْجَمْع بَيْنَهُمَا أَنَّ إِبِلَ الصَّدَقَةِ كَانَتْ تَرْعَى خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَصَادَفَ بَعْث النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِقَاحِهِ إِلَى الْمَرْعَى مَا طَلَبَ هَؤُلَاءِ النَّفَر الْخُرُوج إِلَى الصَّحْرَاءِ لِشُرْبِ أَلْبَانِ الْإِبِلِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا مَعَ رَاعِيهِ فَخَرَجُوا مَعَهُ إِلَى الْإِبِلِ فَفَعَلُوا مَا فَعَلُوا وَظَهَرَ بِذَلِكَ مِصْدَاق قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّ الْمَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَهَا \" وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ. وَذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّ عَدَد لِقَاحه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ خَمْسَ عَشْرَة وَأَنَّهُمْ نَحَرُوا مِنْهَا وَاحِدَة يُقَالُ لَهَا الْحِنَّاءُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ مُتَابِعٌ لِلْوَاقِدِيِّ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ فِي الْمَغَازِي بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مُرْسَل. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْ يَشْرَبُوا ) ‏ ‏أَيْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا وَلَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي رَجَاء \" فَاخْرُجُوا فَاشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالهَا \" بِصِيغَةِ الْأَمْرِ , وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَة \" فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْتُوا الصَّدَقَة فَيَشْرَبُوا \" فَأَمَّا شُرْبُهُمْ أَلْبَان الصَّدَقَة فَلِأَنَّهُمْ مِنْ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ , وَأَمَّا شُرْبُهُمْ لَبَن لِقَاح النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبِإِذْنِهِ الْمَذْكُورِ , وَأَمَّا شُرْبُهُمْ الْبَوْل فَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهِ أَمَّا مِنْ الْإِبِلِ فَبِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَمَّا مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَبِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ , وَهَذَا قَوْل مَالِك وَأَحْمَد وَطَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَوَافَقَهُمْ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ اِبْن خُزَيْمَة وَابْن الْمُنْذِر وَابْن حِبَّانَ وَالْإِصْطَخْرِيُّ وَالرُّويَانِيّ , وَذَهَبَ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُورُ إِلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَة الْأَبْوَال وَالْأَرْوَاث كُلّهَا مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْره , وَاحْتَجَّ اِبْن الْمُنْذِر لِقَوْلِهِ بِأَنَّ الْأَشْيَاءَ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى تَثْبُتَ النَّجَاسَةُ قَالَ : وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِأُولَئِكَ الْأَقْوَام لَمْ يُصِبْ إِذْ الْخَصَائِصُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ قَالَ : وَفِي تَرْكِ أَهْلِ الْعِلْمِ بَيْعَ النَّاس أَبْعَارَ الْغَنَم فِي أَسْوَاقِهِمْ وَاسْتِعْمَال أَبْوَال الْإِبِل فِي أَدْوِيَتِهِمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ غَيْرِ نَكِير دَلِيل عَلَى طَهَارَتِهَا. ‏ ‏قُلْت : وَهُوَ اِسْتِدْلَالٌ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ لَا يَجِبُ إِنْكَاره فَلَا يَدُلُّ تَرْك إِنْكَاره عَلَى جَوَازِهِ فَضْلًا عَنْ طَهَارَتِهِ , وَقَدْ دَلَّ عَلَى نَجَاسَة الْأَبْوَال كُلّهَا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : تَعَلَّقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِطَهَارَة أَبْوَال الْإِبِل وَعُورِضُوا بِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ فِي شُرْبِهَا لِلتَّدَاوِي وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّدَاوِيَ لَيْسَ حَال ضَرُورَة بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فَكَيْفَ يُبَاحُ الْحَرَامُ لِمَا لَا يَجِبُ ؟ وَأُجِيبَ بِمَنْعِ أَنَّهُ لَيْسَ حَالَ ضَرُورَة بَلْ هُوَ حَال ضَرُورَة إِذَا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَى خَبَرِهِ وَمَا أُبِيحُ لِلضَّرُورَةِ لَا يُسَمَّى حَرَامًا وَقْتَ تَنَاوُلِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ) فَمَا اُضْطُرَّ إِلَيْهِ الْمَرْء فَهُوَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ كَالْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَا تَضَمَّنَهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ الْحَرَامَ لَا يُبَاحُ إِلَّا لِأَمْرٍ وَاجِبٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ , فَإِنَّ الْفِطْرَ فِي رَمَضَان حَرَام وَمَعَ ذَلِكَ فَيُبَاحُ لِأَمْرٍ جَائِز كَالسَّفَرِ مَثَلًا. وَأَمَّا قَوْلُ غَيْرِهِ لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا جَازَ التَّدَاوِي بِهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا \" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أُمّ سَلَمَةَ وَسَتَأْتِي لَهُ طَرِيق أُخْرَى فِي الْأَشْرِبَة مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالنَّجَس حَرَام فَلَا يُتَدَاوَى بِهِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ شِفَاء فَجَوَابه أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الِاخْتِيَارِ , وَأَمَّا فِي حَال الضَّرُورَة فَلَا يَكُونُ حَرَامًا كَالْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ وَلَا يَرِدُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمْرِ \" إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاء إِنَّهَا دَاء \" فِي جَوَاب مَنْ سَأَلَهُ عَنْ التَّدَاوِي بِهَا فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِم فَإِنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِالْخَمْرِ وَيَلْتَحِقُ بِهِ غَيْرهَا مِنْ الْمُسْكِرِ , وَالْفَرْق بَيْنَ الْمُسْكِرِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ أَنَّ الْحَدَّ يَثْبُتُ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ دُونَ غَيْرِهِ ; وَلِأَنَّ شُرْبَهُ يَجُرُّ إِلَى مَفَاسِدَ كَثِيرَةٍ وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ فِي الْخَمْرِ شِفَاءً فَجَاءَ الشَّرْعُ بِخِلَافِ مُعْتَقَدِهِمْ , قَالَهُ الطَّحَاوِيّ بِمَعْنَاهُ. وَأَمَّا أَبْوَال الْإِبِل فَقَدْ رَوَى اِبْن الْمُنْذِر عَنْ اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا \" أَنَّ فِي أَبْوَال الْإِبِل شِفَاءً لِلذَّرِبَةِ بُطُونُهُمْ \" وَالذَّرَبُ فَسَادُ الْمَعِدَة , فَلَا يُقَاسُ مَا ثَبَتَ أَنَّ فِيهِ دَوَاءً عَلَى مَا ثَبَتَ نَفْي الدَّوَاء عَنْهُ وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ , وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهَا كُلّهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا صَحُّوا ) ‏ ‏فِي السِّيَاقِ حَذْف تَقْدِيرُهُ \" فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالهَا وَأَلْبَانِهَا فَلَمَّا صَحُّوا \". وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي رَجَاء وَزَادَ فِي رِوَايَةِ وُهَيْب \" وَسَمِنُوا \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِت \" وَرَجَعَتْ إِلَيْهِمْ أَلْوَانُهُمْ \". ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( وَاسْتَاقُوا النَّعَم ) ‏ ‏مِنْ السَّوْقِ وَهُوَ السَّيْرُ الْعَنِيفُ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ الْخَبَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ وُهَيْب عَنْ أَيُّوبَ \" الصَّرِيخُ \" بِالْخَاء الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِل أَيْ صَرَخَ بِالْإِعْلَامِ بِمَا وَقَعَ مِنْهُمْ , وَهَذَا الصَّارِخ أَحَد الرَّاعِيَيْنِ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاوِيَة بْن قُرَّةَ عَنْ أَنَس , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم إِسْنَاده وَلَفْظُهُ \" فَقَتَلُوا أَحَد الرَّاعِيَيْنِ وَجَاءَ الْآخَر قَدْ جَزِعَ فَقَالَ : قَدْ قَتَلُوا صَاحِبِي وَذَهَبُوا بِالْإِبِلِ \" وَاسْم رَاعِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَقْتُولِ يَسَارُ بِيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة خَفِيفَة كَذَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَعِ بِإِسْنَادِ صَالِحٍ قَالَ \" كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُلَام يُقَالُ لَهُ يَسَار \" زَادَ اِبْن إِسْحَاق \" أَصَابَهُ فِي غَزْوَةِ بَنِي ثَعْلَبَة \" قَالَ سَلَمَة \" فَرَآهُ يُحْسِنُ الصَّلَاة فَأَعْتَقَهُ وَبَعَثَهُ فِي لِقَاحٍ لَهُ بِالْحَرَّةِ فَكَانَ بِهَا \" فَذَكَرَ قِصَّةَ الْعُرَنِيِّنَ وَأَنَّهُمْ قَتَلُوهُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَة الرَّاعِي الْآتِي بِالْخَبَرِ , وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ رَاعِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَلَمْ تَخْتَلِفْ رِوَايَات الْبُخَارِيّ فِي أَنَّ الْمَقْتُولَ رَاعِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي ذِكْرِهِ بِالْإِفْرَادِ , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ لَكِنْ عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب عَنْ أَنَس \" ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرُّعَاةِ فَقَتَلُوهُمْ \" بِصِيغَةِ الْجَمْعِ , وَنَحْوُهُ لِابْنِ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ أَنَس فَيُحْتَمَلُ أَنْ إِبِل الصَّدَقَةِ كَانَ لَهَا رُعَاة فَقُتِلَ بَعْضُهُمْ مَعَ رَاعِي اللِّقَاح فَاقْتَصَرَ بَعْض الرُّوَاةِ عَلَى رَاعِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ بَعْضهمْ مَعَهُ غَيْرُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْض الرُّوَاةِ ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى فَتَجُوزُ فِي الْإِتْيَانِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ , وَهَذَا أَرْجَح ; لِأَنَّ أَصْحَابَ الْمَغَازِي لَمْ يَذْكُرْ أَحَد مِنْهُمْ أَنَّهُمْ قَتَلُوا غَيْر يَسَار وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ ) ‏ ‏زَاد فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيّ \" الطَّلَب \" وَفِي حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَعِ \" خَيْلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَمِيرهمْ كُرْزُ بْن جَابِر الْفِهْرِيّ \" وَكَذَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق وَالْأَكْثَرُونَ وَهُوَ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُون الرَّاءِ بَعْدَهَا زَاي وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيّ \" فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِمْ قَافَة \" أَيْ جَمْعَ قَائِفٍ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاوِيَة بْن قُرَّةَ عَنْ أَنَس أَنَّهُمْ شَبَابٌ مِنْ الْأَنْصَارِ قَرِيب مِنْ عِشْرِينَ رَجُلًا وَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِفًا يَقْتَصُّ آثَارهمْ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِ هَذَا الْقَائِف وَلَا عَلَى اِسْم وَاحِدٍ مِنْ الْعِشْرِينَ لَكِنْ فِي مَغَازِي الْوَاقِدِيّ أَنَّ السَّرِيَّةَ كَانَتْ عِشْرِينَ رَجُلًا وَلَمْ يَقُلْ مِنْ الْأَنْصَارِ بَلْ سَمَّى مِنْهُمْ جَمَاعَةً مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ بُرَيْدَة بْن الْحُصَيْبِ وَسَلَمَة بْن الْأَكْوَع الْأَسْلَمِيَّانِ وَجُنْدُب وَرَافِع اِبْنَا مَكِيث الْجُهَنِيَّانِ وَأَبُو ذَرٍّ وَأَبُو رُهْمٍ الْغِفَارِيَّانِ وَبِلَال بْن الْحَارِث وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن عَوْف الْمُزَنِيَّانِ وَغَيْرهمْ , وَالْوَاقِدِيُّ لَا يَحْتَجُّ بِهِ إِذَا اِنْفَرَدَ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ لَمْ يُسَمِّهِ الْوَاقِدِيّ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأُطْلِقَ الْأَنْصَارُ تَغْلِيبًا أَوْ قِيلَ لِلْجَمِيعِ أَنْصَار بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ. وَفِي مَغَازِي مُوسَى بْن عُقْبَةَ أَنَّ أَمِيرَ هَذِهِ السَّرِيَّةِ سَعِيد بْن زَيْد كَذَا عِنْدَهُ بِزِيَادَة يَاء وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ سَعْد بِسُكُونِ الْعَيْنِ بْن زَيْد الْأَشْهَلِيُّ وَهَذَا أَيْضًا أَنْصَارِيّ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ رَأْسَ الْأَنْصَارِ وَكَانَ كُرْز أَمِير الْجَمَاعَة. وَرَوَى الطَّبَرِيّ وَغَيْره مِنْ حَدِيثِ جَرِير بْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ فِي آثَارِهِمْ لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيف وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ جَرِيرًا تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ عَنْ هَذَا الْوَقْتِ بِمُدَّة , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا اِرْتَفَعَ ) ‏ ‏فِيهِ حَذْف تَقْدِيرُهُ فَأُدْرِكُوا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَأُخِذُوا فَلَمَّا اِرْتَفَعَ النَّهَار جِيءَ بِهِمْ أَيْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَارَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَ بِقَطْعِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَصِيلِيّ وَالْمُسْتَمْلِي وَاَلسَّرْخَسِيّ وَلِلْبَاقِينَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ قَالَ الدَّاوُدِيّ : يَعْنِي قَطْع يَدَيْ كُلّ وَاحِد وَرِجْلَيْهِ. قُلْت : تَرُدُّهُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ \" مِنْ خِلَاف \" وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْفِرْيَابِيّ عَنْ الْأَوْزَاعِيّ بِسَنَدِهِ وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيّ أَيْضًا \" وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ \" أَيْ لَمْ يَكْوِ مَا قَطَعَ مِنْهُمْ بِالنَّارِ لِيَنْقَطِع الدَّم بَلْ تَرَكَهُ يَنْزِفُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَسُمِّرَتْ أَعْيُنهمْ ) ‏ ‏تَشْدِيد الْمِيمِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي رَجَاء \" وَسَمَرَ \" بِتَخْفِيف الْمِيم وَلَمْ تَخْتَلِفْ رِوَايَات الْبُخَارِيّ فِي أَنَّهُ بِالرَّاءِ وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْد الْعَزِيز \" وَسَمَلَ \" بِالتَّخْفِيفِ وَاللَّام قَالَ الْخَطَّابِيّ السَّمْل : فَقْءُ الْعَيْنِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذَلِيّ : ‏ ‏وَالْعَيْن بَعْدهمْ كَأَنَّ حِدَاقَهَا ‏ ‏سُمِلَتْ بِشَوْكٍ فَهِيَ عُورٌ تَدْمَعُ ‏ ‏قَالَ : وَالسَّمْرُ لُغَة فِي السَّمْلِ وَمَخْرَجهمَا مُتَقَارِب. قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْمِسْمَارِ يُرِيدُ أَنَّهُمْ كُحِّلُوا بِأَمْيَالٍ قَدْ أُحْمِيَتْ. قُلْت : قَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالْمُرَادِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ وُهَيْب عَنْ أَيُّوبَ وَمِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَلَفْظُهُ \" ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلهمْ بِهَا \" فَهَذَا يُوَضِّحُ مَا تَقَدَّمَ وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ رِوَايَة السَّمْل ; لِأَنَّهُ فَقْءُ الْعَيْنِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ كَمَا مَضَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ ) ‏ ‏هِيَ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ مَعْرُوفَة بِالْمَدِينَةِ وَإِنَّمَا أُلْقُوا فِيهَا ; لِأَنَّهَا قُرْبُ الْمَكَانِ الَّذِي فَعَلُوا فِيهِ مَا فَعَلُوا. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ ) ‏ ‏زَاد وُهَيْب وَالْأَوْزَاعِيّ \" حَتَّى مَاتُوا \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي رَجَاء \" ثُمَّ نَبَذَهُمْ فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا \" وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَة \" يَعَضُّونَ الْحِجَارَة \" وَفِي الطِّبِّ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِت قَالَ أَنَس \" فَرَأَيْت الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَكْدُمُ الْأَرْض بِلِسَانِهِ حَتَّى يَمُوتَ \" وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ \" يَعَضُّ الْأَرْضَ لِيَجِدَ بَرْدَهَا مِمَّا يَجِدُ مِنْ الْحَرِّ وَالشِّدَّةِ \". وَزَعَمَ الْوَاقِدِيّ أَنَّهُمْ صُلِبُوا وَالرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ تَرُدُّهُ. لَكِنْ عِنْد أَبِي عَوَانَةَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَقِيل عَنْ أَنَس \" فَصَلَبَ اِثْنَيْنِ وَقَطَعَ اِثْنَيْنِ وَسَمَلَ اِثْنَيْنِ \" كَذَا ذَكَرَ سِتَّة فَقَطْ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَعُقُوبَتهمْ كَانَتْ مُوَزَّعَة. وَمَالَ جَمَاعَة مِنْهُمْ اِبْن الْجَوْزِيِّ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَلَيْهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْقِصَاصِ ; لِمَا عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَنْ أَنَس \" إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرُّعَاةِ \" وَقَصَّرَ مَنْ اِقْتَصَرَ فِي عَزْوِهِ لِلتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيّ وَتَعَقَّبَهُ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ الْمُثْلَةَ فِي حَقِّهِمْ وَقَعَتْ مِنْ جِهَاتٍ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا السَّمْل فَيَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوت الْبَقِيَّة. قُلْت : كَأَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِمَا نَقَلَهُ أَهْل الْمَغَازِي أَنَّهُمْ مَثَّلُوا بِالرَّاعِي وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ قَالَ اِبْن شَاهِين عَقِب حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ : هَذَا الْحَدِيثُ يَنْسَخُ كُلّ مُثْلَة. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْجَوْزِيِّ بِأَنَّ اِدِّعَاءَ النَّسْخِ يَحْتَاجُ إِلَى تَارِيخ. قُلْت : يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي الْجِهَادِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة فِي النَّهْيِ عَنْ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ بَعْدَ الْإِذْنِ فِيهِ وَقِصَّة الْعُرَنِيِّنَ قَبْلَ إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة وَقَدْ حَضَرَ الْإِذْن ثُمَّ النَّهْي. وَرَوَى قَتَادَة عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ أَنَّ قِصَّتَهُمْ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُود وَلِمُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي : وَذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ الْمُثْلَةِ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَإِلَى هَذَا مَالَ الْبُخَارِيّ وَحَكَاهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَاسْتَشْكَلَ الْقَاضِي عِيَاض عَدَم سَقْيهمْ الْمَاء لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ فَاسْتَسْقَى لَا يُمْنَعُ وَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا وَقَعَ مِنْهُ نَهْي عَنْ سَقْيِهِمْ اِنْتَهَى. وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَسُكُوته كَافٍ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ. وَأَجَابَ النَّوَوِيّ بِأَنَّ الْمُحَارِب الْمُرْتَدّ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي سَقْيِ الْمَاءِ وَلَا غَيْره وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ إِلَّا لِطَهَارَتِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَهُ لِلْمُرْتَدِّ وَيَتَيَمَّمَ بَلْ يَسْتَعْمِلُهُ وَلَوْ مَاتَ الْمُرْتَدُّ عَطَشًا وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : إِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِمْ الْمَوْتَ بِذَلِكَ وَقِيلَ : إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَعْطِيشِهِمْ ; لِكَوْنِهِمْ كَفَرُوا نِعْمَة سَقْي أَلْبَان الْإِبِلِ الَّتِي حَصَلَ لَهُمْ بِهَا الشِّفَاءُ مِنْ الْجُوعِ وَالْوَخْم وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا بِالْعَطَشِ عَلَى مَنْ عَطَّشَ آلَ بَيْتِهِ فِي قِصَّةٍ رَوَاهَا النَّسَائِيّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَنَعُوا إِرْسَال مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ اللَّبَنِ الَّذِي كَانَ يُرَاحُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ لِقَاحِهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن سَعْد وَاللَّه أَعْلَمُ ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو قِلَابَةَ فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا ) ‏ ‏أَيْ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا اللِّقَاحَ مِنْ حِرْزٍ مِثْلهَا وَهَذَا قَالَهُ أَبُو قِلَابَةَ اِسْتِنْبَاطًا. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( وَقَتَلُوا ) ‏ ‏أَيْ الرَّاعِي كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَفَرُوا ) ‏ ‏هُوَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَسِ فِي الْمَغَازِي وَكَذَا فِي رِوَايَةِ وُهَيْب عَنْ أَيُّوبَ فِي الْجِهَادِ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي قِلَابَةَ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضهمْ وَكَذَا قَوْله \" وَحَارَبُوا \" ثَبَتَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ \" وَهَرَبُوا مُحَارِبِينَ \" وَسَتَأْتِي قِصَّة أَبِي قِلَابَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز فِي مَسْأَلَة الْقَسَامَة مِنْ كِتَاب الدِّيَات إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ غَيْر مَا تَقَدَّمَ : قُدُومُ الْوُفُودِ عَلَى الْإِمَامِ وَنَظَرُهُ فِي مَصَالِحِهِمْ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة الطِّبّ وَالتَّدَاوِي بِأَلْبَانِ الْإِبِلِ وَأَبْوَالهَا. وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ جَسَدٍ يُطَبَّبُ بِمَا اِعْتَادَهُ وَفِيهِ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ سَوَاء قَتَلُوهُ غِيلَة أَوْ حِرَابَة إِنْ قُلْنَا إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ قِصَاصًا وَفِيهِ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقِصَاصِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْمُثْلَةِ الْمَنْهِيّ عَنْهَا وَثُبُوت حُكْمِ الْمُحَارَبَةِ فِي الصَّحْرَاءِ وَأَمَّا فِي الْقُرَى فَفِيهِ خِلَاف وَفِيهِ جَوَازُ اِسْتِعْمَالِ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ إِبِل الصَّدَقَةِ فِي الشُّرْبِ وَفِي غَيْرِهِ قِيَاسًا عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَفِيهِ الْعَمَلُ بِقَوْل الْقَائِف وَلِلْعَرَبِ فِي ذَلِكَ الْمَعْرِفَة التَّامَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "227",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَبُو التَّيَّاحِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّهُ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّة ثُمَّ التَّحْتَانِيَّة الْمُشَدَّدَة وَآخِره مُهْمَلَة وَهَذَا الْحَدِيث فِي الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ بِطَهَارَة أَبْوَالهَا وَأَبْعَارِهَا قَالُوا : لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُبَاشِرُونَهَا فِي صَلَاتِهِمْ فَلَا تَكُونُ نَجِسَة , وَنُوزِعَ مَنْ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ لِاحْتِمَال الْحَائِل وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ عَلَى حَائِلٍ دُونَ الْأَرْضِ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةُ نَفْي لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إِنَّهَا مُسْتَنِدَة إِلَى أَصْل , وَالْجَوَاب أَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى حَصِيرٍ فِي دَارِهِمْ وَصَحَّ عَنْ عَائِشَة أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ وَقَالَ اِبْن حَزْم : هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخ ; لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ فَاقْتَضَى أَنَّهُ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَة أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُطَيَّبَ وَتُنَظَّفَ رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَة وَغَيْرُهُ وَلِأَبِي دَاوُد نَحْوُهُ مِنْ حَدِيث سَمُرَةَ وَزَاد \" وَأَنْ نُطَهِّرَهَا \" قَالَ : وَهَذَا بَعْد بِنَاءِ الْمَسْجِدِ. وَمَا اِدَّعَاهُ مِنْ النَّسْخ يَقْتَضِي الْجَوَازَ ثُمَّ الْمَنْع وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ إِذْنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ثَابِت عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ جَابِر بْن سَمُرَةَ. نَعَمْ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى طَهَارَة الْمَرَابِض لَكِنْ فِيهِ أَيْضًا النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَعَاطِن الْإِبِل فَلَوْ اِقْتَضَى الْإِذْنُ الطِّهَارَةَ لَاقْتَضَى النَّهْيُ التَّنْجِيسَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَد بِالْفَرْقِ لَكِنَّ الْمَعْنَى فِي الْإِذْنِ وَالنَّهْيِ بِشَيْءٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِالطَّهَارَةِ وَلَا النَّجَاسَة وَهُوَ أَنَّ الْغَنَمَ مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّة وَالْإِبِل خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "228",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ ‏ ‏أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ وَكُلُوا سَمْنَكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ مَيْمُونَةَ ) ‏ ‏هِيَ بِنْت الْحَارِث خَالَة اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ ) ‏ ‏بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَالسَّائِل عَنْ ذَلِكَ هِيَ مَيْمُونَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّان وَجُوَيْرِيَةَ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" أَنَّ مَيْمُونَة اِسْتَفْتَتْ \" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ ) ‏ ‏زَاد النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ مَالِكٍ \" فِي سَمْنٍ جَامِدٍ \" وَزَاد الْمُصَنِّفِ فِي الذَّبَائِحِ مِنْ رِوَايَةِ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن شِهَابٍ \" فَمَاتَتْ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا حَوْلَهَا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ السَّمْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "229",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْنٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ ‏ ‏خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَعْنٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏مَا لَا أُحْصِيهِ ‏ ‏يَقُولُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَعْن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عِيسَى الْقَزَّاز. ‏ ‏قَوْله : ( خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ ) ‏ ‏أَيْ الْجَمِيعَ وَكُلُوا الْبَاقِيَ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مَعْن ) ‏ ‏هُوَ قَوْلُ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه فَهُوَ مُتَّصِل وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُعَلَّق وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ كَلَام مَعْن وَسَاق حَدِيثه بِنُزُول - بِالنِّسْبَةِ لِلْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ - مَعَ مُوَافَقَتِهِ لَهُ فِي السِّيَاقِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الِاخْتِلَافِ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ فَرَوَاهُ أَصْحَابُ الْمُوَطَّأِ عَنْهُ وَاخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ عَنْهُ هَكَذَا كَيَحْيَى بْن يَحْيَى وَغَيْره وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَيْمُونَة كَالْقَعْنَبِيِّ وَغَيْره وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اِبْن عَبَّاس كَأَشْهَبَ وَغَيْره , وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اِبْن عَبَّاس وَلَا مَيْمُونَةَ كَيَحْيَى بْن بُكَيْرٍ وَأَبِي مُصْعَب وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَد مِنْهُمْ لَفْظَة \" جَامِد \" إِلَّا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَكَذَا ذَكَرَهَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن شِهَابٍ وَرَوَاهُ الْحُمَيْدِيّ وَالْحُفَّاظ مِنْ أَصْحَابِ اِبْن عُيَيْنَةَ بِدُونِهَا وَجَوَّدُوا إِسْنَاده فَذَكَرُوا فِيهِ اِبْن عَبَّاس وَمَيْمُونَة وَهُوَ الصَّحِيحُ وَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ اِبْن شِهَابٍ مُجَوَّدًا , وَلَهُ فِيهِ عَنْ اِبْن شِهَابٍ إِسْنَاد آخَر عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَفْظه \" سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ قَالَ : إِذَا كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ \" وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ هَذِهِ : هِيَ خَطَأٌ. وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ أَبِيهِ : إِنَّهَا وَهْمٌ. وَأَشَارَ التِّرْمِذِيّ إِلَى أَنَّهَا شَاذَّة وَقَالَ الذُّهْلِيّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ : الطَّرِيقَانِ عِنْدَنَا مَحْفُوظَانِ لَكِنَّ طَرِيقَ اِبْن عَبَّاس عَنْ مَيْمُونَة أَشْهَر , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ اِبْن التِّينِ إِيرَاد الْبُخَارِيّ كَلَام مَعْن هَذَا مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِرِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ وَأُجِيبُ بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِتَجْوِيد إِسْنَاده. وَظَهَرَ لِي وَجْه آخَر وَهُوَ أَنَّ رِوَايَة مَعْن الْمَذْكُورَة وَقَعَتْ خَارِج الْمُوَطَّأ هَكَذَا وَقَدْ رَوَاهَا فِي الْمُوَطَّأِ فَلَمْ يَذْكُرْ اِبْن عَبَّاس وَلَا مَيْمُونَةَ كَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره مِنْ طَرِيقِهِ فَأَشَارَ الْمُصَنِّف إِلَى أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَا يَضُرُّ ; لِأَنَّ مَالِك كَانَ يَصِلُهُ تَارَةً وَيُرْسِلُهُ تَارَة وَرِوَايَة الْوَصْل عَنْهُ مُقَدَّمَة قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ مَعْن بْن عِيسَى مِرَارًا وَتَابَعَهُ غَيْره مِنْ الْحُفَّاظ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( فَائِدَة : ‏ ‏أَخَذَ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ مَعْمَرٍ الدَّالِّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْجَامِدِ وَالذَّائِبِ وَنَقَلَ ابْن عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْجَامِدَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ مَيْتَة طُرِحَتْ وَمَا حَوْلَهَا مِنْهُ إِذَا تُحُقِّقَ أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَجْزَائِهَا لَمْ يَصِلْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْهُ وَأَمَّا الْمَائِع فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَنْجُسُ كُلّه بِمُلَاقَاة النَّجَاسَة وَخَالَفَ فَرِيق : مِنْهُمْ الزُّهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَسَيَأْتِي إِيضَاح ذَلِكَ فِي كِتَابِ الذَّبَائِح وَكَذَلِكَ مَسْأَلَة الِانْتِفَاعِ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ أَوْ الْمُتَنَجِّسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ اِبْن الْمُنِير : مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ السَّمْن لِلْآثَارِ الَّتِي قَبْلَهُ اِخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي التَّنْجِيسِ تَغَيُّر الصِّفَاتِ فَلَمَّا كَانَ رِيش الْمَيْتَة لَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِهَا بِالْمَوْتِ وَكَذَا عَظْمهَا فَكَذَلِكَ السَّمْن الْبَعِيد عَنْ مَوْقِعِ الْمَيْتَةِ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّر وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا لَاقَتْهُ النَّجَاسَة وَلَمْ يَتَغَيَّرْ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ. ‏"
    },
    {
        "id": "230",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُلُّ ‏ ‏كَلْمٍ ‏ ‏يُكْلَمُهُ ‏ ‏الْمُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذْ طُعِنَتْ تَفَجَّرُ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ ‏ ‏وَالْعَرْفُ ‏ ‏عَرْفُ ‏ ‏الْمِسْكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي مُوسَى الْمَرْوَزِيّ الْمَعْرُوفُ بِمَرْدَوَيْهِ , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك ‏ ‏قَوْله : ( كُلّ كَلْمٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْكَافِ وَإِسْكَان اللَّام ( يُكْلَمُهُ بِضَمِّ أَوَّله وَإِسْكَانِ الْكَاف وَفَتْحِ اللَّامِ أَيْ كُلُّ جُرْحٍ يُجْرَحُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) ‏ ‏قَيْدٌ يُخْرِجُ مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ الْجِرَاحَاتِ فِي غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ وَزَادَ فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَاَللَّه أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ \" وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ خَلُصَتْ نِيَّتُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( تَكُونُ كَهَيْئَتِهَا ) ‏ ‏أَعَادَ الضَّمِير مُؤَنَّثًا لِإِرَادَة الْجِرَاحَة وَيُوَضِّحُهُ رِوَايَة الْقَابِسِيّ عَنْ أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيّ عَنْ الْفَرَبْرِيّ \" كُلّ كَلْمَةٍ يُكْلَمُهَا \" وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ اِبْن عَسَاكِر. ‏ ‏قَوْله : ( تَفَجَّرُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ وَحَذْفِ التَّاءِ الْأُولَى إِذْ أَصْلُهُ تَتَفَجَّرُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْعَرْفُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُون الرَّاءِ الرِّيح , وَالْحِكْمَة فِي كَوْن الدَّم يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى هَيْئَتِهِ أَنَّهُ يَشْهَدُ لِصَاحِبِهِ بِفَضْلِهِ وَعَلَى ظَالِمِهِ بِفِعْلِهِ وَفَائِدَة رَائِحَته الطَّيِّبَة أَنْ تَنْتَشِرَ فِي أَهْل الْمَوْقِف إِظْهَارًا لِفَضِيلَتِهِ أَيْضًا وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُشْرَعُ غَسْل الشَّهِيد فِي الْمَعْرَكَةِ. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ إِيرَاد الْمُصَنِّفِ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَدْخُلُ فِي طَهَارَة الدَّمِ وَلَا نَجَاسَته وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي فَضْل الْمَطْعُون فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ بِإِيرَادِهِ تَأْكِيد مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ تَبَدُّلَ الصِّفَةِ يُؤَثِّرُ فِي الْمَوْصُوفِ فَكَمَا أَنَّ تَغَيُّرَ صِفَةِ الدَّمِ بِالرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ أَخْرَجَهُ مِنْ الذَّمِّ إِلَى الْمَدْحِ فَكَذَلِكَ تَغَيُّرُ صِفَة الْمَاءِ إِذَا تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ يُخْرِجُهُ عَنْ صِفَةِ الطَّهَارَةِ إِلَى النَّجَاسَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْغَرَضَ إِثْبَات اِنْحِصَار التَّنْجِيس بِالتَّغَيُّرِ وَمَا ذَكَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّنْجِيسَ يَحْصُلُ بِالتَّغَيُّرِ وَهُوَ وِفَاق لَا أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِهِ وَهُوَ مَوْضِعُ النِّزَاعِ. وَقَالَ بَعْضهمْ : مَقْصُود الْبُخَارِيّ أَنْ يُبَيِّنَ طَهَارَة الْمِسْك رَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ بِنَجَاسَتِهِ ; لِكَوْنِهِ دَمًا اِنْعَقَدَ فَلَمَّا تَغَيَّرَ عَنْ الْحَالَةِ الْمَكْرُوهَةِ مِنْ الدَّمِ وَهِيَ الزَّهَمُ وَقُبْحُ الرَّائِحَة إِلَى الْحَالَةِ الْمَمْدُوحَةِ وَهِيَ طِيبُ رَائِحَةِ الْمِسْكِ دَخَلَ عَلَيْهِ الْحِلُّ وَانْتَقَلَ مِنْ حَالَةِ النَّجَاسَةِ إِلَى حَالَةِ الطَّهَارَةِ كَالْخَمْرَةِ إِذَا تَخَلَّلَتْ. وَقَالَ اِبْن رَشِيد : مُرَادُهُ أَنَّ اِنْتِقَالَ الدَّمِ إِلَى الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ هُوَ الَّذِي نَقَلَهُ مِنْ حَالَةِ الذَّمِّ إِلَى حَالَةِ الْمَدْحِ فَحَصَلَ مِنْ هَذَا تَغْلِيب وَصْف وَاحِد وَهُوَ الرَّائِحَةُ عَلَى وَصْفَيْنِ وَهُمَا الطَّعْم وَاللَّوْن فَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّهُ مَتَى تَغَيَّرَ أَحَد الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة بِصَلَاحٍ أَوْ فَسَادٍ تَبِعَهُ الْوَصْفَانِ الْبَاقِيَانِ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى رَدِّ مَا نُقِلَ عَنْ رَبِيعَة وَغَيْرِهِ أَنَّ تَغَيُّرَ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ لَا يُؤَثِّرُ حَتَّى يَجْتَمِعَ وَصْفَانِ قَالَ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ رِيحه بِشَيْءٍ طَيِّبٍ لَا يَسْلُبُهُ اِسْم الْمَاء كَمَا أَنَّ الدَّمَ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ اِسْم الدَّمِ مَعَ تَغَيُّرِ رَائِحَتِهِ إِلَى رَائِحَةِ الْمِسْكِ ; لِأَنَّهُ قَدْ سَمَّاهُ دَمًا مَعَ تَغَيُّر الرِّيح فَمَا دَامَ الِاسْمُ وَاقِعًا عَلَى الْمُسَمَّى فَالْحُكْم تَابِع لَهُ. ا ه كَلَامه. وَيَرُدُّ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا كَانَتْ أَوْصَافه الثَّلَاثَة فَاسِدَة ثُمَّ تَغَيَّرَتْ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهَا إِلَى صَلَاحٍ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِصَلَاحِهِ كُلّه وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ. وَعَلَى الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُسْلَبْ اِسْم الْمَاء أَنْ لَا يَكُون مَوْصُوفًا بِصِفَةٍ تَمْنَعُ مِنْ اِسْتِعْمَالِهِ مَعَ بَقَاءِ اِسْم الْمَاءِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ لَمَّا نَقَلَ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّ الدَّمَ لَمَّا اِنْتَقَلَ بِطِيبِ رَائِحَتِهِ مِنْ حُكْمِ النَّجَاسَةِ إِلَى الطَّهَارَةِ وَمِنْ حُكْمِ الْقَذَارَة إِلَى الطِّيبِ لِتَغَيُّرِ رَائِحَتِهِ حَتَّى حَكَمَ لَهُ بِحُكْمِ الْمِسْكِ وَبِالطِّيبِ لِلشَّهِيدِ فَكَذَلِكَ الْمَاء يَنْتَقِلُ بِتَغَيُّرِ رَائِحَتِهِ مِنْ الطَّهَارَةِ إِلَى النَّجَاسَةِ قَالَ : هَذَا ضَعِيف مَعَ تَكَلُّفِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "231",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الْأَعْرَجَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْأَعْرَج ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ شُعَيْب وَوَافَقَهُ اِبْن عُيَيْنَةَ فِيمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيّ عَنْهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَرَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ مُوسَى بْن أَبِي عُثْمَان عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ والطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيقِ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ أَبِيهِ وَالطَّرِيقَانِ مَعًا صَحِيحَانِ وَلِأَبِي الزِّنَادِ فِيهِ شَيْخَانِ وَلَفْظُهُمَا فِي سِيَاق الْمَتْن مُخْتَلِفٌ كَمَا سَنُشِيرُ إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ ) ‏ ‏اِخْتَلَفَ فِي الْحِكْمَةِ فِي تَقْدِيمِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْحَدِيثِ الْمَقْصُودِ فَقَالَ اِبْن بَطَّالٍ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَة سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مَا بَعْدَهُ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ فَحَدَّثَ بِهِمَا جَمِيعًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَمَّامٌ فَعَلَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ سَمِعَهُمَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَة وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مُنَاسَبَة لِلتَّرْجَمَةِ. قُلْت : جَزَمَ اِبْن التِّينِ بِالْأَوَّلِ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ حَدِيثًا وَاحِدًا مَا فَصَّلَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَبِإِسْنَادِهِ وَأَيْضًا فَقَوْله \" نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ \" طَرَف مِنْ حَدِيثٍ مَشْهُورٍ فِي ذِكْرِ يَوْم الْجُمْعَةِ سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَوْ رَاعَى الْبُخَارِيّ مَا اِدَّعَاهُ لَسَاقَ الْمَتْنَ بِتَمَامِهِ. وَأَيْضًا فَحَدِيث الْبَابِ مَرْوِيّ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي دَوَاوِينِ الْأَئِمَّةِ وَلَيْسَ فِي طَرِيقٍ مِنْهَا فِي أَوَّلِهِ \" نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْيَمَانِ شَيْخ الْبُخَارِيّ بِدُونِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ. وَقَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَمَّامٌ وَهِمَ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَة. وَلَيْسَ لِهَمَّامٍ ذِكْرٌ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ. وَقَوْلُهُ إِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مُنَاسَبَة لِلتَّرْجَمَةِ صَحِيح وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ تَكَلَّفَ فَأَبْدَى بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَة كَمَا سَنَذْكُرُهُ , وَالصَّوَاب أَنَّ الْبُخَارِيَّ فِي الْغَالِبِ يَذْكُرُ الشَّيْءَ كَمَا سَمِعَهُ جُمْلَة لِتَضَمُّنِهِ مَوْضِع الدَّلَالَة الْمَطْلُوبَة مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَاقِيهِ مَقْصُودًا كَمَا صَنَعَ فِي حَدِيثِ عُرْوَة الْبَارِقِيِّ فِي شِرَاءِ الشَّاةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي الْجِهَادِ وَأَمْثِلَة ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ كَثِيرَة. وَقَدْ وَقَعَ لِمَالِكٍ نَحْوُ هَذَا فِي الْمُوَطَّأِ إِذْ أَخْرَجَ فِي بَاب صَلَاة الصُّبْحِ وَالْعَتَمَة مُتُونًا بِسَنَدٍ وَاحِدٍ أَوَّلُهَا \" مَرَّ رَجُل بِغُصْن شَوْك \" وَآخِرُهَا \" لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصُّبْحِ وَالْعَتَمَة لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا \" وَلَيْسَ غَرَضه مِنْهَا إِلَّا الْحَدِيث الْأَخِير لَكِنَّهُ أَدَّاهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي سَمِعَهُ. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ فِي الْقَبَسِ : نَرَى الْجُهَّالَ يَتْعَبُونَ فِي تَأْوِيلِهَا وَلَا تَعَلُّقَ لِلْأَوَّلِ مِنْهَا بِالْبَابِ أَصْلًا. وَقَالَ غَيْره : وَجْه الْمُنَاسَبَة بَيْنَهُمَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ آخِر مَنْ يُدْفَنُ مِنْ الْأُمَمِ فِي الْأَرْضِ وَأَوَّلُ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا ; لِأَنَّ الْوِعَاءَ آخِرُ مَا يُوضَعُ فِيهِ أَوَّل مَا يَخْرُجُ مِنْهُ فَكَذَلِكَ الْمَاء الرَّاكِد آخِر مَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ الْبَوْلِ أَوَّلُ مَا يُصَادِفُ أَعْضَاء الْمُتَطَهِّر فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَنِبَ ذَلِكَ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. ‏ ‏وَقِيلَ : وَجْه الْمُنَاسَبَة أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَإِنْ سَبَقُوا فِي الزَّمَانِ لَكِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَبَقَتْهُمْ بِاجْتِنَابِ الْمَاءِ الرَّاكِدِ إِذَا وَقَعَ الْبَوْل فِيهِ فَلَعَلَّهُمْ كَانُوا لَا يَجْتَنِبُونَهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا أَشَدَّ مُبَالَغَة فِي اِجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ بِحَيْثُ كَانَتْ النَّجَاسَة إِذَا أَصَابَتْ جِلْدَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ التَّسَاهُل فِي هَذَا ؟ وَهُوَ اِسْتِبْعَادٌ لَا يَسْتَلْزِمُ رَفْع الِاحْتِمَال الْمَذْكُور , وَمَا قَرَّرْنَاهُ أَوْلَى. وَقَدْ وَقَعَ لِلْبُخَارِيّ فِي كِتَاب التَّعْبِير - فِي حَدِيثٍ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْل هَذَا - صَدَّرَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ \" نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ \" قَالَ : وَبِإِسْنَادِهِ. وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْمُنَاسَبَة الْمَذْكُورَة مَعَ مَا فِيهَا مِنْ التَّكَلُّفِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ نُسْخَةَ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة كَنُسْخَة مَعْمَر عَنْ هَمَّام عَنْهُ وَلِهَذَا قَلَّ حَدِيثٌ يُوجَدُ فِي هَذِهِ إِلَّا وَهُوَ فِي الْأُخْرَى وَقَدْ اِشْتَمَلَتَا عَلَى أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ غَالِبَهَا وَابْتِدَاء كُلّ نُسْخَةٍ مِنْهُمَا حَدِيث \" نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ \" فَلِهَذَا صَدَّرَ بِهِ الْبُخَارِيّ فِيمَا أَخْرَجَهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَسَلَكَ مُسْلِم فِي نُسْخَة هَمَّام طَرِيقًا أُخْرَى فَيَقُولُ فِي كُلّ حَدِيث أَخْرَجَهُ مِنْهَا : قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ أَحَادِيث مِنْهَا وَقَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَذْكُرُ الْحَدِيثَ الَّذِي يُرِيدُهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ مِنْ أَثْنَاءِ النُّسْخَةِ لَا أَوَّلِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "232",
        "content": "‏ ‏وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ ‏ ‏لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الَّذِي لَا يَجْرِي ) ‏ ‏قِيلَ هُوَ تَفْسِيرٌ لِلدَّائِمِ وَإِيضَاحٌ لِمَعْنَاهُ , وَقِيلَ اِحْتَرَزَ بِهِ عَنْ رَاكِدٍ يَجْرِي بَعْضه كَالْبِرَكِ وَقِيلَ اِحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْمَاءِ الدَّائِمِ ; لِأَنَّهُ جَارٍ مِنْ حَيْثُ الصُّورَة سَاكِن مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَيْدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَان عَنْ أَبِي هُرَيْرَة الَّتِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهَا حَيْثُ جَاءَ فِيهَا بِلَفْظ \" الرَّاكِد \" بَدَلَ الدَّائِم وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ جَابِر وَقَالَ اِبْنُ الْأَنْبَارِيِّ : الدَّائِمُ مِنْ حُرُوف الْأَضْدَاد يُقَالُ لِلسَّاكِنِ وَالدَّائِرِ وَمِنْهُ أَصَابَ الرَّأْسَ دُوَامٌ أَيْ دُوَارٌ وَعَلَى هَذَا فَقَوْله \" الَّذِي لَا يَجْرِي \" صِفَة مُخَصِّصَة لِأَحَد مَعْنَيَيْ الْمُشْتَرَك وَقِيلَ الدَّائِم وَالرَّاكِد مُقَابِلَانِ لِلْجَارِي لَكِنْ الَّذِي لَهُ نَبْع وَالرَّاكِد الَّذِي لَا نَبْعَ لَهُ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَغْتَسِلُ ) ‏ ‏بِضَمِّ اللَّامِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَالَ اِبْن مَالِك : يَجُوزُ الْجَزْمُ عَطْفًا عَلَى يَبُولُنَّ ; لِأَنَّهُ مَجْزُوم الْمَوْضِع بِلَا النَّاهِيَةِ وَلَكِنَّهُ بُنِيَ عَلَى الْفَتْحِ لِتَوْكِيدِهِ بِالنُّونِ. وَمَنَعَ ذَلِكَ الْقُرْطُبِيّ فَقَالَ : لَوْ أَرَادَ النَّهْيَ لَقَالَ ثُمَّ لَا يَغْتَسِلَنَّ فَحِينَئِذٍ يَتَسَاوَى الْأَمْرَانِ فِي النَّهْيِ عَنْهُمَا ; لِأَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي تَوَارَدَا عَلَيْهِ شَيْء وَاحِد وَهُوَ الْمَاءُ. قَالَ : فَعُدُولُهُ عَنْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْعَطْف بَلْ نَبَّهَ عَلَى مَآلِ الْحَالِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا بَالَ فِيهِ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ اِسْتِعْمَالُهُ. وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا يَضْرِبَنَّ أَحَدُكُمْ اِمْرَأَته ضَرْبَ الْأَمَةِ ثُمَّ يُضَاجِعُهَا \" فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ أَحَد بِالْجَزْمِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ النَّهْي عَنْ الضَّرْبِ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي مَآلِ حَالِهِ إِلَى مُضَاجَعَتِهَا فَتَمْتَنِعُ لِإِسَاءَتِهِ إِلَيْهَا فَلَا يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُوده. وَتَقْدِيرُ اللَّفْظِ ثُمَّ هُوَ يُضَاجِعُهَا. وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ \" ثُمَّ هُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهُ \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْكِيد النَّهْي أَنْ لَا يُعْطَف عَلَيْهِ نَهْي آخَر غَيْر مُؤَكِّد ; لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ فِي أَحَدِهِمَا مَعْنًى لَيْسَ لِلْآخَرِ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَلَا يَجُوزُ النَّصْبُ إِذْ لَا تُضْمَرُ أَنْ بَعْد ثُمَّ وَأَجَازَهُ اِبْن مَالِك بِإِعْطَاءِ ثُمَّ حُكْمَ الْوَاو وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَنْهِيّ عَنْهُ الْجَمْع بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ دُونَ إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا وَضَعَّفَهُ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْأَحْكَامِ الْمُتَعَدِّدَةِ لَفْظٌ وَاحِدٌ فَيُؤْخَذُ النَّهْي عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ ثَبَتَتْ رِوَايَة النَّصْب وَيُؤْخَذُ النَّهْي عَنْ الْإِفْرَادِ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ. قُلْت : وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ جَابِر عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ \" نَهَى عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ \" وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي السَّائِبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظ \" لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ \" وَرَوَى أَبُو دَاوُد النَّهْي عَنْهُمَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَلَفْظُهُ \" لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ \" وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الْحَنَفِيَّةِ عَلَى تَنْجِيسِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ ; لِأَنَّ الْبَوْلَ يُنَجِّسُ الْمَاءَ فَكَذَلِكَ الِاغْتِسَال وَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا مَعًا وَهُوَ لِلتَّحْرِيمِ فَيَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ فِيهِمَا. وَرُدَّ بِأَنَّهَا دَلَالَة اِقْتِرَان وَهِيَ ضَعِيفَة وَعَلَى تَقْدِير تَسْلِيمهَا فَلَا يَلْزَمُ التَّسْوِيَةُ فَيَكُونُ النَّهْي عَنْ الْبَوْلِ لِئَلَّا يُنَجِّسَهُ وَعَنْ الِاغْتِسَالِ فِيهِ لِئَلَّا يَسْلُبَهُ الطَّهُورِيَّة. وَيَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا قَوْله فِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَة ؟ قَالَ : يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الِانْغِمَاسِ فِيهِ لِئَلَّا يَصِيرَ مُسْتَعْمَلًا فَيَمْتَنِعُ عَلَى الْغَيْرِ الِانْتِفَاع بِهِ وَالصَّحَابِيُّ أَعْلَم بِمَوَارِدِ الْخِطَابِ مِنْ غَيْرِهِ. وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ غَيْر طَهُور , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْأَدِلَّةُ عَلَى طَهَارَتِهِ وَلَا فَرْقَ فِي الْمَاءِ الَّذِي لَا يَجْرِي فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ بَوْلِ الْآدَمِيِّ وَغَيْره خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ وَلَا بَيْنَ أَنْ يَبُولَ فِي الْمَاءِ أَوْ يَبُولَ فِي إِنَاءٍ ثُمَّ يَصُبّهُ فِيهِ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ وَهَذَا كُلّه مَحْمُول عَلَى الْمَاءِ الْقَلِيل عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى اِخْتِلَافِهِمْ فِي حَدِّ الْقَلِيلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل مَنْ لَا يَعْتَبِرُ إِلَّا التَّغَيُّرَ وَعَدَمه وَهُوَ قَوِيّ لَكِنَّ الْفَصْلَ بِالْقُلَّتَيْنِ أَقْوَى لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ وَقَدْ اِعْتَرَفَ الطَّحَاوِيّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ بِذَلِكَ لَكِنَّهُ اِعْتَذَرَ عَنْ الْقَوْلِ بِهِ بِأَنَّ الْقُلَّةَ فِي الْعُرْفِ تُطْلَقُ عَلَى الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ كَالْجَرَّةِ , وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْ الْحَدِيثِ تَقْدِيرُهُمَا فَيَكُونُ مُجْمَلًا فَلَا يُعْمَلُ بِهِ , وَقَوَّاهُ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ لَكِنْ اِسْتَدَلَّ لَهُ غَيْرهمَا فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْن سَلَّام : الْمُرَادُ الْقُلَّة الْكَبِيرَة إِذْ لَوْ أَرَادَ الصَّغِيرَةَ لَمْ يَحْتَجْ لِذِكْرِ الْعَدَدِ. فَإِنَّ الصَّغِيرَتَيْنِ قَدْرُ وَاحِدَة كَبِيرَة وَيُرْجَعُ فِي الْكَبِيرَةِ إِلَى الْعُرْفِ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّارِعَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَرَكَ تَحْدِيدَهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّوْسِعَةِ وَالْعِلْمُ مُحِيط بِأَنَّهُ مَا خَاطَبَ الصَّحَابَةَ إِلَّا بِمَا يَفْهَمُونَ فَانْتَفَى الْإِجْمَال لَكِنْ لِعَدَمِ التَّحْدِيدِ وَقَعَ الْخُلْفُ بَيْنَ السَّلَفِ فِي مِقْدَارِهِمَا عَلَى تِسْعَةِ أَقْوَالٍ حَكَاهَا اِبْن الْمُنْذِر ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْدِيدهمَا بِالْأَرْطَالِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا. وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ حَمَلَ النَّهْي عَلَى التَّنْزِيهِ فِيمَا لَا يَتَغَيَّرُ وَهُوَ قَوْلُ الْبَاقِينَ فِي الْكَثِيرِ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّحْرِيمِ مُطْلَقًا عَلَى قَاعِدَةِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ ; لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَنْجِيسِ الْمَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ كَذَا هُنَا وَفِي رِوَايَةِ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ \" ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ سِيرِينَ وَكُلّ مِنْ اللَّفْظَيْنِ يُفِيدُ حُكْمًا بِالنَّصِّ وَحُكْمًا بِالِاسْتِنْبَاطِ قَالَهُ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِلَفْظ \" فِيهِ \" تَدُلُّ عَلَى مَنْعِ الِانْغِمَاسِ بِالنَّصِّ وَعَلَى مَنْعِ التَّنَاوُلِ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَالرِّوَايَةَ بِلَفْظِ \" مِنْهُ \" بِعَكْسِ ذَلِكَ وَكُلُّهُ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ يَنْجُسُ بِمُلَاقَاة النَّجَاسَة وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "233",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَاجِدٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي عِنْدَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏وَأَبُو جَهْلٍ ‏ ‏وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى ‏ ‏جَزُورِ ‏ ‏بَنِي فُلَانٍ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏إِذَا سَجَدَ ‏ ‏فَانْبَعَثَ ‏ ‏أَشْقَى ‏ ‏الْقَوْمِ فَجَاءَ بِهِ فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَأَنَا أَنْظُرُ لَا ‏ ‏أُغْنِي ‏ ‏شَيْئًا لَوْ كَانَ لِي ‏ ‏مَنَعَةٌ ‏ ‏قَالَ فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى جَاءَتْهُ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ عَلَيْكَ ‏ ‏بِقُرَيْشٍ ‏ ‏ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ قَالَ وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ ثُمَّ سَمَّى اللَّهُمَّ عَلَيْكَ ‏ ‏بِأَبِي جَهْلٍ ‏ ‏وَعَلَيْكَ ‏ ‏بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ‏ ‏وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ‏ ‏وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ يَحْفَظْ قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَرْعَى ‏ ‏فِي ‏ ‏الْقَلِيبِ ‏ ‏قَلِيبِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْدَان ) ‏ ‏أَعَادَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرَ الْجِزْيَةِ عَنْهُ فَقَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَان هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان وَعَرَفْنَا مِنْ سِيَاقِهِ هُنَاكَ أَنَّ اللَّفْظَ هُنَا لِرِوَايَةِ أَحْمَد بْن عُثْمَان وَإِنَّمَا قَرَنَهَا بِرِوَايَة عَبْدَان تَقْوِيَة لَهَا ; لِأَنَّ فِي إِبْرَاهِيمَ بْن يُوسُف مَقَالًا , وَأَحْمَدُ الْمَذْكُورُ هُوَ اِبْن عُثْمَان بْنِ حَكِيمٍ الْأَوْدِيّ الْكُوفِيّ وَهُوَ مِنْ صِغَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْهُ عَنْ خَالِد بْن مَخْلَد عَنْ عَلِيّ بْن صَالِح عَنْ أَبِي إِسْحَاق وَرِجَالُ إِسْنَاده جَمِيعًا كُوفِيُّونَ وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السَّبِيعِيّ , وَيُوسُف الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ اِبْنُ اِبْنِهِ إِسْحَاق وَأَفَادَتْ رِوَايَتُهُ التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ لِأَبِي إِسْحَاق عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون وَلِعَمْرو عَنْ عَبْد اللَّه وَعَيَّنَتْ أَيْضًا عَبْد اللَّه بِأَنَّهُ اِبْن مَسْعُود وَعَمْرو بْن مَيْمُون هُوَ الْأَوْدِيّ تَابِعِيّ كَبِير مُخَضْرَم أَسْلَمَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَرَهُ ثُمَّ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَهُوَ غَيْرُ عَمْرو بْن مَيْمُون الْجَزَرِيّ الَّذِي تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِإِسْنَادِ أَبِي إِسْحَاق هَذَا وَقَدْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ وَالْبُخَارِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ وَزُهَيْر وَمُسْلِم مِنْ رِوَايَةِ زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة وَكُلُّهُمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاق. وَسَنَذْكُرُ مَا فِي اِخْتِلَافِ رِوَايَاتِهِمْ مِنْ الْفَوَائِدِ مُبَيَّنًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِد ) ‏ ‏بَقِيَّته مِنْ رِوَايَة عَبْدَان الْمَذْكُور \" وَحَوْلَهُ نَاس مِنْ قُرَيْش مِنْ الْمُشْرِكِينَ \" ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ عَنْ عَبْد اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو جَهْل وَأَصْحَابٌ لَهُ ) ‏ ‏هُمْ السَّبْعَةُ الْمَدْعُوُّ عَلَيْهِمْ بَعْدُ بَيَّنَهُ الْبَزَّار مِنْ طَرِيق الْأَجْلَح عَنْ أَبِي إِسْحَاق. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ قَالَ بَعْضهمْ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو جَهْل سَمَّاهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَةِ زَكَرِيَّا الْمَذْكُورَةِ وَزَادَ فِيهِ \" وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ \" وَالْجَزُور مِنْ الْإِبِلِ مَا يُجْزَرُ أَيْ يُقْطَعُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالسَّلَى مَقْصُور بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْوَلَدُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ مِنْ الْبَهَائِمِ وَأَمَّا مِنْ الْآدَمِيَّاتِ فَالْمَشِيمَة وَحَكَى صَاحِبُ الْمُحْكَمِ أَنَّهُ يُقَالُ فِيهِنَّ أَيْضًا سَلًى. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( فَيَضَعُهُ ) ‏ ‏زَاد فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ \" فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلَاهَا ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى يَسْجُدَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْم ) ‏ ‏لِلْكُشْمِيهَنِيّ وَاَلسَّرْخَسِيّ \" أَشْقَى قَوْم \" بِالتَّنْكِيرِ فَفِيهِ مُبَالَغَة لَكِنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِي الْأَوَّل ; لِأَنَّ الشَّقَاءَ هُنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُولَئِكَ الْأَقْوَامِ فَقَطْ كَمَا سَنُقَرِّرُهُ بَعْدُ , وَهُوَ عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْطٍ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرًا سَمَّاهُ شُعْبَة وَفِي سِيَاقِهِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ اِخْتِصَار يُوهِمُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ اِبْتِدَاء. وَقَدْ سَاقَهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ نَحْوَ رِوَايَةِ يُوسُفَ هَذِهِ وَقَالَ فِيهِ : فَجَاءَ عُقْبَةَ بْن أَبِي مُعَيْطٍ فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا أُغْنِي ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ ولِلْكُشْمِيهَنِيّ وَالْمُسْتَمْلِي \" لَا أُغَيِّرُ \" وَمَعْنَاهُمَا صَحِيح أَيْ لَا أُغْنِي فِي كَفِّ شَرِّهِمْ أَوْ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ فِعْلِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَة ) ‏ ‏قَالَهُ النَّوَوِيّ : الْمَنَعَةُ بِفَتْحِ النُّونِ الْقُوَّة قَالَ وَحَكَى الْإِسْكَان وَهُوَ ضَعِيف. وَجَزَمَ الْقُرْطُبِيّ بِسُكُونِ النُّونِ قَالَ : وَيَجُوزُ الْفَتْحُ عَلَى أَنَّهُ جَمْعٌ مَانِعٌ كَكَاتِب وَكَتَبَة وَقَدْ رَجَّحَ الْقَزَّاز وَالْهَرَوِيُّ الْإِسْكَان فِي الْمُفْرَدِ , وَعَكَسَ ذَلِكَ صَاحِب إِصْلَاحِ الْمَنْطِقِ وَهُوَ مُعْتَمَد النَّوَوِيّ قَالَ : وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِمَكَّةَ عَشِيرَة ; لِكَوْنِهِ هُذَلِيًّا حَلِيفًا وَكَانَ حُلَفَاؤُهُ إِذْ ذَاكَ كُفَّارًا , وَفِي الْكَلَامِ حَذْف تَقْدِيرُهُ : لَطَرَحْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَرَّحَ بِهِ مُسْلِم فِي رِوَايَةِ زَكَرِيَّا وَلِلْبَزَّارِ \" فَأَنَا أَرْهَبُ - أَيْ أَخَافُ - مِنْهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَيُحِيلُ بَعْضهمْ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِالْمُهْمَلَةِ مِنْ الْإِحَالَةِ وَالْمُرَادُ أَنَّ بَعْضهمْ يَنْسُبُ فِعْل ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ بِالْإِشَارَةِ تَهَكُّمًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَالَ يَحِيلُ بِالْفَتْحِ إِذَا وَثَبَ عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ أَيْ يَثِبُ بَعْضهمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْ الْمَرَحِ وَالْبَطَرِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ زَكَرِيَّا \" وَيَمِيلُ \" بِالْمِيم أَيْ مِنْ كَثْرَةِ الضَّحِكِ وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاطِمَة ) ‏ ‏هِيَ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَادَ إِسْرَائِيل \" وَهِيَ جُوَيْرِيَةُ فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى وَثَبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَطَرَحَتْهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ بِحَذْف الْمَفْعُول زَادَ إِسْرَائِيل \" وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتُمُهُمْ \" زَادَ الْبَزَّار \" فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهَا شَيْئًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَرَفَعَ رَأْسه ) ‏ ‏زَاد الْبَزَّار مِنْ رِوَايَةِ زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ اللَّهُمَّ \" قَالَ الْبَزَّار : تَفَرَّدَ بِقَوْلِهِ \" أَمَّا بَعْدُ \" زَيْد. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ ) ‏ ‏يُشْعِرُ بِمُهْلَةٍ بَيْنَ الرَّفْعِ وَالدُّعَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ فَفِي رِوَايَة الْأَجْلَح عِنْدَ الْبَزَّارِ \" فَرَفَعَ رَأْسَهُ كَمَا كَانَ يَرْفَعُهُ عِنْد تَمَام سُجُوده فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ : \" اللَّهُمَّ \" وَلِمُسْلِم وَالنَّسَائِيّ نَحْوُهُ , وَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّ الدُّعَاءَ الْمَذْكُورَ وَقَعَ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَكِنْ وَقَعَ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةِ كَمَا ثَبَتَ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْر عَنْ أَبِي إِسْحَاق عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَيْك بِقُرَيْش ) ‏ ‏أَيْ بِإِهْلَاك قُرَيْش وَالْمُرَاد الْكُفَّار مِنْهُمْ أَوْ مَنْ سَمَّى مِنْهُمْ فَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوص. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاث مَرَّات ) ‏ ‏كَرَّرَهُ إِسْرَائِيل فِي رِوَايَتِهِ لَفْظًا لَا عَدَدًا وَزَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَةِ زَكَرِيَّا \" وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ زَكَرِيَّا \" فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْته ذَهَبَ عَنْهُمْ الضَّحِك وَخَافُوا دَعْوَته \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانُوا يَرَوْنَ ) ‏ ‏بِفَتْح أَوَّله فِي رِوَايَتِنَا مِنْ الرَّأْيِ أَيْ يَعْتَقِدُونَ وَفِي غَيْرِهَا بِالضَّمِّ أَيْ يَظُنُّونَ وَالْمُرَاد بِالْبَلَدِ مَكَّة. وَوَقَعَ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ الْبُخَارِيّ \" فِي الثَّالِثَةِ \" بَدَلَ قَوْله فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ وَيُنَاسِبُهُ قَوْلُهُ \" ثَلَاث مَرَّات \" وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا بَقِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ سَمَّى ) ‏ ‏أَيْ فَصَّلَ مَنْ أَجْمَلَ. ‏ ‏قَوْله : ( بِأَبِي جَهْلٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ بِعَمْرو بْن هِشَام وَهُوَ اِسْمُ أَبِي جَهْل فَلَعَلَّهُ سَمَّاهُ وَكَنَّاهُ مَعًا. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( وَالْوَلِيد بْن عُتْبَةَ ) ‏ ‏هُوَ وَلَدُ الْمَذْكُورِ بَعْد أَبِي جَهْلٍ وَلَمْ تَخْتَلِفْ الرِّوَايَات فِي أَنَّهُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ بَعْدَهَا مُثَنَّاة سَاكِنَة ثُمَّ مُوَحَّدَة لَكِنْ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَةِ زَكَرِيَّا بِالْقَاف بَدَل الْمُثَنَّاة وَهُوَ وَهْمٌ قَدِيمٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ اِبْن سُفْيَان الرَّاوِي عَنْ مُسْلِم وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ شَيْخِ مُسْلِم عَلَى الصَّوَابِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأُمَيَّة بْن خَلَف ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ شُعْبَة \" أَوْ أُبَيُّ بْن خَلَف \" شَكّ شُعْبَة وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَقِيبَ رِوَايَة الثَّوْرِيّ فِي الْجِهَادِ وَقَالَ : الصَّحِيحُ أُمَيَّة لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَهُ هُنَاكَ \" أُبَيُّ بْن خَلَف \" وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ أَوْ مِنْ شَيْخه أَبِي بَكْر عَبْد اللَّه بْن أَبِي شَيْبَة إِذْ حَدَّثَهُ فَقَدْ رَوَاهُ شَيْخُهُ أَبُو بَكْر فِي مُسْنَدِهِ فَقَالَ \" أُمَيَّة \" وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْر كَذَلِكَ وَهُوَ الصَّوَابُ وَأَطْبَقَ أَصْحَاب الْمَغَازِي عَلَى أَنَّ الْمَقْتُولَ بِبَدْر أُمَيَّة وَعَلَى أَنَّ أَخَاهُ أُبَيًّا قُتِلَ بِأُحُدٍ وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي قَتْل أُمَيَّةَ بِبَدْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَدَّ السَّابِع فَلَمْ نَحْفَظْهُ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا بِالنُّونِ وَهِيَ لِلْجَمْعِ وَفِي غَيْرِهَا بِالْيَاء التَّحْتَانِيَّةِ قَالَ الْكَرْمَانِيّ : فَاعِل عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ اِبْن مَسْعُود وَفَاعِل \" فَلَمْ نَحْفَظْهُ \" اِبْن مَسْعُود أَوْ عَمْرو بْن مَيْمُون قُلْت : وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ تَهَيَّأَ لَهُ الْجَزْمُ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ عِنْد مُسْلِم مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاعِل \" فَلَمْ نَحْفَظْهُ \" أَبُو إِسْحَاق وَلَفْظه \" قَالَ أَبُو إِسْحَاق وَنَسِيتُ السَّابِع \" وَعَلَى هَذَا فَفَاعِل عَدَّ عَمْرو بْن مَيْمُون عَلَى أَنَّ أَبَا إِسْحَاق قَدْ تَذَكَّرَهُ مَرَّة أُخْرَى فَسَمَّاهُ عُمَارَة بْن الْوَلِيد كَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ عَنْ اِبْن إِسْحَاق وَسَمَاع إِسْرَائِيلَ مِنْ أَبِي إِسْحَاق فِي غَايَةِ الْإِتْقَانِ لِلُزُومِهِ إِيَّاهُ ; لِأَنَّهُ جَدُّهُ وَكَانَ خِصِّيصًا بِهِ قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ : مَا فَاتَنِي الَّذِي فَاتَنِي مِنْ حَدِيث الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق إِلَّا اِتِّكَالًا عَلَى إِسْرَائِيلَ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِهِ أَتَمَّ. وَعَنْ إِسْرَائِيلَ قَالَ : كُنْت أَحْفَظُ حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاق كَمَا أَحْفَظُ سُورَة الْحَمْد وَاسْتَشْكَلَ بَعْضهمْ عَدَّ عُمَارَة بْن الْوَلِيد فِي الْمَذْكُورِينَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ بِبَدْرٍ بَلْ ذَكَرَ أَصْحَابُ الْمَغَازِي أَنَّهُ مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَلَهُ قِصَّةٌ مِنْ النَّجَاشِيِّ إِذْ تَعَرَّضَ لِامْرَأَتِهِ فَأَمَرَ النَّجَاشِيّ سَاحِرًا فَنَفَخَ فِي إِحْلِيل عُمَارَة مِنْ سِحْرِهِ عُقُوبَة لَهُ فَتَوَحَّشَ وَصَارَ مَعَ الْبَهَائِمِ إِلَى أَنْ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَة. وَالْجَوَابُ أَنَّ كَلَامَ اِبْن مَسْعُود فِي أَنَّهُ رَآهُمْ صَرْعَى فِي الْقَلِيبِ مَحْمُول عَلَى الْأَكْثَرِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ عُقْبَةَ بْن أَبِي مُعَيْط لَمْ يُطْرَحْ فِي الْقَلِيبِ وَإِنَّمَا قُتِلَ صَبْرًا بَعْدَ أَنْ رَحَلُوا عَنْ بَدْر مَرْحَلَة وَأُمَيَّة بْن خَلَف لَمْ يُطْرَحْ فِي الْقَلِيبِ كَمَا هُوَ بَلْ مُقَطَّعًا كَمَا سَيَأْتِي , وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي كَيْفِيَّة مَقْتَلِ الْمَذْكُورِينَ بِبَدْر وَزِيَادَة بَيَان فِي أَحْوَالِهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَسْعُود وَالْمُرَاد بِالْيَدِ هُنَا الْقُدْرَة وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" وَاَلَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ \" وَلِلنَّسَائِيِّ \" وَاَلَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَاب \" وَكَأَنَّ عَبْد اللَّه قَالَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا. ‏ ‏قَوْله : ( صَرْعَى فِي الْقَلِيبِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ \" لَقَدْ رَأَيْتهمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيب بَدْرٍ \" ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَة \" وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَمَامِ الدُّعَاءِ الْمَاضِي فَيَكُونُ فِيهِ عَلَمٌ عَظِيم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ أُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ وَزَاد شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ \" إِلَّا أُمَيَّة فَإِنَّهُ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ \" زَادَ \" لِأَنَّهُ كَانَ بَادِنًا \" قَالَ الْعُلَمَاء : وَإِنَّمَا أَمَرَ بِإِلْقَائِهِمْ فِيهِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى النَّاس بِرِيحِهِمْ وَإِلَّا فَالْحَرْبِيّ لَا يَجِبُ دَفْنه , وَالظَّاهِر أَنَّ الْبِئْرَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَاءٌ مَعِينٌ. ‏ ‏قَوْله : ( قَلِيب بَدْر ) ‏ ‏بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ , وَالْقَلِيبُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَآخِره مُوَحَّدَة هُوَ الْبِئْر الَّتِي لَمْ تُطْوَ وَقِيلَ الْعَادِيَّة الْقَدِيمَة الَّتِي لَا يُعْرَفُ صَاحِبهَا. ‏ ‏( فَائِدَة : ‏ ‏رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَجْلَح عَنْ أَبِي إِسْحَاق فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث وَزَادَ فِي آخِرِهِ قِصَّةَ أَبِي الْبُخْتُرِيِّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُؤَالِهِ إِيَّاهُ عَنْ الْقِصَّةِ وَضَرْبِ أَبِي الْبُخْتُرِيِّ أَبَا جَهْلٍ وَشَجِّهِ إِيَّاهُ وَالْقِصَّة مَشْهُورَة فِي السِّيرَةِ وَأَخْرَجَهَا الْبَزَّار مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاق وَأَشَارَ إِلَى تَفَرُّد الْأَجْلَح بِهَا عَنْ أَبِي إِسْحَاق وَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيم الدُّعَاء بِمَكَّةَ عِنْدَ الْكُفَّارِ وَمَا اِزْدَادَتْ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا تَعْظِيمًا. وَفِيهِ مَعْرِفَة الْكُفَّار بِصِدْقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِخَوْفِهِمْ مِنْ دُعَائِهِ , وَلَكِنْ حَمَلَهُمْ الْحَسَد عَلَى تَرْك الِانْقِيَاد لَهُ وَفِيهِ حِلْمُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّنْ آذَاهُ فَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيّ عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ اِبْن مَسْعُود قَالَ : لَمْ أَرَهُ دَعَا عَلَيْهِمْ إِلَّا يَوْمَئِذٍ. وَإِنَّمَا اِسْتَحَقُّوا الدُّعَاءَ حِينَئِذٍ ; لِمَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالَ عِبَادَة رَبِّهِ. وَفِيهِ اِسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ ثَلَاثًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ اِسْتِحْبَاب السَّلَامِ ثَلَاثًا وَغَيْر ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِ لَكِنْ قَالَ بَعْضهمْ : مَحَلُّهُ مَا إِذَا كَانَ كَافِرًا فَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَيُسْتَحَبُّ الِاسْتِغْفَارُ لَهُ وَالدُّعَاءُ بِالتَّوْبَةِ وَلَوْ قِيلَ : لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الدُّعَاءِ عَلَى الْكَافِرِ لَمَا كَانَ بَعِيدًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اِطَّلَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُدْعَى لِكُلّ حَيّ بِالْهِدَايَةِ. وَفِيهِ قُوَّةُ نَفْسِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ مِنْ صِغَرِهَا لِشَرَفِهَا فِي قَوْمِهَا وَنَفْسِهَا ; لِكَوْنِهَا صَرَخَتْ بِشَتْمِهِمْ وَهُمْ رُءُوس قُرَيْش فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهَا. وَفِيهِ أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ آكَدُ مِنْ السَّبَبِ وَالْإِعَانَةِ لِقَوْلِهِ فِي عُقْبَةَ \" أَشْقَى الْقَوْم \" مَعَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ وَهُوَ أَشَدُّ مِنْهُ كُفْرًا وَأَذًى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنَّ الشَّقَاءَ هُنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ ; لِأَنَّهُمْ اِشْتَرَكُوا فِي الْأَمْرِ وَالرِّضَا وَانْفَرَدَ عُقْبَة بِالْمُبَاشَرَةِ فَكَانَ أَشْقَاهُمْ وَلِهَذَا قُتِلُوا فِي الْحَرْبِ وَقُتِلَ هُوَ صَبْرًا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ حَدَثَ لَهُ فِي صِلَاتِهِ مَا يَمْنَعُ اِنْعِقَادهَا اِبْتِدَاء لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَوْ تَمَادَى وَعَلَى هَذَا يَنْزِلُ كَلَام الْمُصَنِّفِ فَلَوْ كَانَتْ نَجَاسَة فَأَزَالهَا فِي الْحَالِ وَلَا أَثَرَ لَهَا صَحَّتْ اِتِّفَاقًا وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَة فَرْثِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَعَلَى أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ , وَحَمْلُهُ عَلَى مَا سَبَقَ أَوْلَى. وَتُعُقِّبَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْفَرْثَ لَمْ يُفْرَدْ بَلْ كَانَ مَعَ الدَّمِ كَمَا فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ وَالدَّمُ نَجِس اِتِّفَاقًا. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْفَرْثَ وَالدَّمَ كَانَا دَاخِلَ السَّلَى وَجِلْدَة السَّلَى الظَّاهِرَة طَاهِرَة فَكَانَ كَحَمْلِ الْقَارُورَةِ الْمُرَصَّصَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا ذَبِيحَة وَثَنِيٍّ فَجَمِيع أَجْزَائِهَا نَجِسَة ; لِأَنَّهَا مَيْتَة وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ التَّعَبُّدِ بِتَحْرِيم ذَبَائِحهمْ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَارِيخٍ وَلَا يَكْفِي فِيهِ الِاحْتِمَال. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْجَوَابُ الْمَرْضِيُّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمْ مَا وُضِعَ عَلَى ظَهْرِهِ فَاسْتَمَرَّ فِي سُجُودِهِ اِسْتِصْحَابًا لِأَصْلِ الطَّهَارَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِنَا بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ. وَأَجَابَ بِأَنَّ الْإِعَادَةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِي الْفَرِيضَةِ , فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا فَرِيضَةٌ فَالْوَقْت مُوَسَّع فَلَعَلَّهُ أَعَادَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ أَعَادَ لَنُقِلَ وَلَمْ يُنْقَلْ وَبِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُقِرُّهُ عَلَى التَّمَادِي فِي صَلَاةٍ فَاسِدَةٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ خَلَعَ نَعْلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَهُ أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا , وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ بِمَا أُلْقِيَ عَلَى ظَهْرِهِ أَنَّ فَاطِمَة ذَهَبَتْ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ وَعَقَّبَ هُوَ صَلَاته بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "234",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَزَقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ثَوْبِهِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏طَوَّلَهُ ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الْفِرْيَابِيّ وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيُّ. وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ الْفِرْيَابِيّ وَزَادَ فِي آخِرِهِ \" وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ \". ‏ ‏قَوْله : ( طَوَّلَهُ اِبْن أَبِي مَرْيَم ) ‏ ‏هُوَ سَعِيد بْن الْحَكَمِ الْمِصْرِيّ أَحَد شُيُوخ الْبُخَارِيّ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ. وَأَفَادَتْ رِوَايَتُهُ تَصْرِيح حُمَيْدٍ بِالسَّمَاعِ لَهُ مِنْ أَنَس خِلَافًا لِمَا رَوَى يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة أَنَّهُ قَالَ : حَدِيثُ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس فِي الْبُزَاقِ إِنَّمَا سَمِعَهُ مَنْ ثَابَتٍ عَنْ أَبِي نَضْرَة فَظَهَرَ أَنَّ حُمَيْدًا لَمْ يُدَلِّسْ فِيهِ. وَمَفْعُولُ سَمِعْت الثَّانِي مَحْذُوف ; لِلْعِلْمِ بِهِ وَالْمُرَاد أَنَّهُ كَالْمَتْنِ الَّذِي قَبْلَهُ مَعَ زِيَادَاتٍ فِيهِ. وَقَدْ وَقَعَ مُطَوَّلًا أَيْضًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَاب حَكّ الْبُزَاق بِالْيَدِ فِي الْمَسْجِدِ. ‏"
    },
    {
        "id": "235",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَصِيلِيّ وَغَيْره وَلِأَبِي ذَرٍّ \" حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ \". ‏ ‏قَوْله : ( كُلّ شَرَابٍ أَسْكَرَ ) ‏ ‏أَيْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ الْإِسْكَار سَوَاء حَصَلَ بِشُرْبِهِ السُّكْرُ أَمْ لَا قَالَ الْخَطَّابِيّ : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ قَلِيل الْمُسْكِر وَكَثِيره حَرَام مِنْ أَيِّ نَوْعٍ كَانَ ; لِأَنَّهَا صِيغَة عُمُوم أُشِيرَ بِهَا إِلَى جِنْس الشَّرَاب الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ السُّكْر فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ : كُلُّ طَعَامٍ أَشْبَعَ فَهُوَ حَلَال فَإِنَّهُ يَكُونُ دَالًّا عَلَى حِلِّ كُلِّ طَعَامٍ مِنْ شَأْنِهِ الْإِشْبَاع وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الشِّبَع بِهِ لِبَعْضٍ دُونَ بَعْض. وَوَجْهُ اِحْتِجَاج الْبُخَارِيّ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْمُسْكِرَ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ وَمَا لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ اِتِّفَاقًا وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ شُرْبِ النَّبِيذِ فِي الْأَشْرِبَة إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "236",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ ‏ ‏وَسَأَلَهُ النَّاسُ وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ بِأَيِّ شَيْءٍ دُووِيَ جُرْحُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏يَجِيءُ ‏ ‏بِتُرْسِهِ ‏ ‏فِيهِ مَاءٌ ‏ ‏وَفَاطِمَةُ ‏ ‏تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : لَمْ يَنْسُبْهُ أَحَد مِنْ الرُّوَاةِ وَهُوَ عِنْدِي اِبْنُ سَلَّام. قُلْت : وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْن عَسَاكِر \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد يَعْنِي اِبْن سَلَّام \" : ‏ ‏قَوْله : ( وَسَأَلَهُ النَّاسُ ) ‏ ‏جُمْلَة حَالِيَّة وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ \" وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَد \" أَيْ عِنْد السُّؤَالِ لِيَكُونَ أَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ سَمَاعِهِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( دُوِيَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الدَّالِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَحُذِفَتْ إِحْدَى الْوَاوَيْنِ فِي الْكِتَابَةِ كَدَاوُدَ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( مَا بَقِيَ أَحَدٌ ) ‏ ‏إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ كَانَ آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي النِّكَاحِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ قُتَيْبَة عَنْ سُفْيَان وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" اِخْتَلَفَ النَّاسُ بِأَيِّ شَيْءٍ دُوِيَ جُرْح رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَسَيَأْتِي ذِكْر سَبَبِ هَذَا الْجُرْحِ وَتَسْمِيَة فَاعِلِهِ فِي الْمَغَازِي فِي وَقْعَة أُحُدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَكَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ تَحْدِيثٍ سَهْلٍ بِذَلِكَ أَكْثَر مِنْ ثَمَانِينَ سَنَة. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( فَأُخِذَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَلَهُ فِي الطِّبِّ \" فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَة الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى الْمَاءِ كَثْرَةً عَمَدَتْ إِلَى حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا وَأَلْصَقَتْهَا عَلَى الْجُرْحِ فَرَقَأَ الدَّم \" وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّة التَّدَاوِي وَمُعَالَجَة الْجِرَاحِ وَاِتِّخَاذ التُّرْس فِي الْحَرْبِ , وَأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ ; لِصُدُورِهِ مِنْ سَيِّدِ الْمُتَوَكِّلِينَ. وَفِيهِ مُبَاشَرَة الْمَرْأَة لِأَبِيهَا وَكَذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنْ ذَوِي مَحَارِمهَا وَمُدَاوَاتهَا لِأَمْرَاضِهِمْ وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "237",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَجَدْتُهُ ‏ ‏يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ بِيَدِهِ يَقُولُ أُعْ أُعْ وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ كَأَنَّه ‏ ‏يَتَهَوَّعُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي بُرْدَةِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. ‏ ‏( قَوْله : ( يَسْتَنُّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَتَشْدِيدِ النُّونِ مِنْ السِّنِّ بِالْكَسْرِ أَوْ الْفَتْحِ إِمَّا لِأَنَّ السِّوَاكَ يَمُرُّ عَلَى الْأَسْنَانِ أَوْ لِأَنَّهُ يَسُنُّهَا أَيْ يُحَدِّدُهَا. ‏ ‏قَوْله : ( يَقُولُ ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ السِّوَاكُ مَجَازًا. ‏ ‏قَوْله : ( أُعْ أُعْ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَأَشَارَ اِبْن التِّينِ إِلَى أَنَّ غَيْرَهُ رَوَاهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة عَنْ أَحْمَد بْن عَبْدَة عَنْ حَمَّاد بِتَقْدِيمِ الْعَيْنِ عَلَى الْهَمْزَةِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي عَنْ عَارِم - وَهُوَ أَبُو النُّعْمَان - شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ وَلِأَبِي دَاوُد بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ هَاء وَلِلْجَوْزَقِيِّ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ بَدَلَ الْهَاء وَالرِّوَايَة الْأُولَى أَشْهَر وَإِنَّمَا اِخْتَلَفَ الرُّوَاة لِتَقَارُبِ مَخَارِجِ هَذِهِ الْأَحْرُفِ كُلّهَا تَرْجِعُ إِلَى حِكَايَة صَوْته إِذْ جَعَلَ السِّوَاكَ عَلَى طَرَفِ لِسَانِهِ كَمَا عِنْد مُسْلِم وَالْمُرَاد طَرَفه الدَّاخِل كَمَا عِنْدَ أَحْمَدَ \" يَسْتَنُّ إِلَى فَوْق \" وَلِهَذَا قَالَ هُنَا \" كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ \" وَالتَّهَوُّع التَّقَيُّؤ أَيْ لَهُ صَوْت كَصَوْت الْمُتَقَيِّئ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّة السِّوَاك عَلَى اللِّسَانِ طُولًا أَمَّا الْأَسْنَانُ فَالْأَحَبُّ فِيهَا أَنْ تَكُونَ عَرْضًا وَفِيهِ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ عِنْد أَبِي دَاوُد وَلَهُ شَاهِدٌ مَوْصُولٌ عِنْد الْعُقَيْلِيّ فِي الضُّعَفَاءِ وَفِيهِ تَأْكِيد السِّوَاك وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَسْنَانِ وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّنْظِيفِ وَالتَّطَيُّبِ لَا مِنْ بَابِ إِزَالَة الْقَاذُورَات ; لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَفِ بِهِ وَبَوَّبُوا عَلَيْهِ \" اِسْتِيَاك الْإِمَام بِحَضْرَةِ رَعِيَّته \". ‏"
    },
    {
        "id": "238",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ ‏ ‏يَشُوصُ ‏ ‏فَاهُ بِالسِّوَاكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حُذَيْفَةَ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْيَمَانِ وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( يَشُوصُ ) ‏ ‏بِضَمّ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاوِ بَعْدَهَا مُهْمَلَة وَالشَّوْصُ بِالْفَتْحِ الْغَسْل وَالتَّنْظِيف كَذَا فِي الصِّحَاحِ. وَفِي الْمُحْكَمِ الْغَسْل عَنْ كُرَاعٍ وَالتَّنْقِيَة عَنْ أَبِي عُبَيْد وَالدَّلْك عَنْ اِبْن الْأَنْبَارِيِّ وَقِيلَ الْإِمْرَارُ عَلَى الْأَسْنَانِ مِنْ أَسْفَلِ إِلَى فَوْق وَاسْتَدَلَّ قَائِلُهُ بِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الشَّوْصَةِ وَهِيَ رِيح تَرْفَعُ الْقَلْب عَنْ مَوْضِعِهِ عَكَسَهُ الْخَطَّابِيّ فَقَالَ : هُوَ دَلْكُ الْأَسْنَانِ بِالسِّوَاكِ أَوْ الْأَصَابِعِ عَرْضًا قَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : فِيهِ اِسْتِحْبَاب السِّوَاك عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ ; لِأَنَّ النَّوْمَ مُقْتَضٍ لِتَغَيُّر الْفَم لِمَا يَتَصَاعَدُ إِلَيْهِ مِنْ أَبْخِرَة الْمَعِدَة وَالسِّوَاك آلَة تَنْظِيفِهِ فَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ مُقْتَضَاهُ قَالَ : وَظَاهِرُ قَوْله \" مِنْ اللَّيْلِ \" عَامٌّ فِي كُلِّ حَالَة وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُخَصَّ بِمَا إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. قُلْت : وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَة الْمُصَنِّفِ فِي الصَّلَاةِ بِلَفْظ \" إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ \" وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس يَشْهَدُ لَهُ وَكَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ السِّرُّ فِي ذِكْرِهِ فِي التَّرْجَمَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ كَثِيرًا مِنْ أَحْكَام السِّوَاك فِي الصَّلَاةِ وَفِي الصِّيَامِ كَمَا سَتَأْتِي فِي أَمَاكِنِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "239",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ ثُمَّ قُلْ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ قَالَ فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا بَلَغْتُ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ قُلْتُ وَرَسُولِكَ قَالَ لَا وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْمُبَارَك ‏ ‏وَسُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ ‏ ‏وَمَنْصُور ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْمُعْتَمِرِ. قَوْله : ( فَتَوَضَّأْ ) ظَاهِرُهُ اسْتِحْبَابُ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ النَّوْمَ وَلَوْ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَنْ كَانَ مُحْدِثًا. وَوَجْهُ مُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ \" فَإِنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِك فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ \" وَالْمُرَاد بِالْفِطْرَةِ السُّنَّة. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرهمَا مَنْ طُرُقٍ عَنْ الْبَرَاءِ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْر الْوُضُوءِ إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَكَذَا قَالَ التِّرْمِذِيّ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيث عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَحَدِيث عَنْ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَلَيْسَ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَاجْعَلْهُنَّ آخَر مَا تَقُولُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ آخِر \" وَهِيَ تُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهُنَّ شَيْئًا مِمَّا شُرِعَ مِنْ الذِّكْرِ عِنْدَ النَّوْمِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَا وَنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْتَ ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيّ : فِيهِ حُجَّة لِمَنْ مَنَعَ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ \" وَنَبِيِّك \" إِلَى أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا أَوْ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ \" وَرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْت \" وَصْف زَائِد بِخِلَافِ قَوْلِهِ \" وَنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْتَ \" وَقَالَ غَيْره لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ لَيْسَ بِمَعْنَى لَفْظ النَّبِيِّ وَلَا خِلَافَ فِي الْمَنْعِ إِذَا اِخْتَلَفَ الْمَعْنَى فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ الْوَصْفَيْنِ صَرِيحًا وَإِنْ كَانَ وَصْف الرِّسَالَةِ يَسْتَلْزِمُ وَصْفَ النُّبُوَّةِ أَوْ لِأَنَّ أَلْفَاظ الْأَذْكَار تَوْقِيفِيَّة فِي تَعْيِينِ اللَّفْظِ وَتَقْدِيرِ الثَّوَابِ فَرُبَّمَا كَانَ فِي اللَّفْظِ سِرٌّ لَيْسَ فِي الْآخَرِ وَلَوْ كَانَ يُرَادِفُهُ فِي الظَّاهِرِ أَوْ لَعَلَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظِ فَرَأَى أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ أَوْ ذَكَرَهُ اِحْتِرَازًا مِمَّنْ أُرسِلَ مِنْ غَيْرِ نُبُوَّةٍ كَجِبْرِيلَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ; لِأَنَّهُمْ رُسُلٌ لَا أَنْبِيَاءُ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ تَخْلِيصَ الْكَلَامِ مِنْ اللَّبْسِ أَوْ لِأَنَّ لَفْظَ النَّبِيِّ أَمْدَحُ مِنْ لَفْظِ الرَّسُول ; لِأَنَّهُ مُشْتَرِكٌ فِي الْإِطْلَاقِ عَلَى كُلِّ مَنْ أُرْسِلَ بِخِلَاف لَفْظِ النَّبِيِّ فَإِنَّهُ لَا اِشْتِرَاكَ فِيهِ عُرْفًا وَعَلَى هَذَا فَقَوْل مَنْ قَالَ : كُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ لَا يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ. وَأَمَّا مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِبْدَالُ لَفْظِ قَالَ نَبِيّ اللَّهِ مَثَلًا فِي الرِّوَايَةِ بِلَفْظِ قَالَ رَسُول اللَّهِ وَكَذَا عَكْسه وَلَوْ أَجَزْنَا الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى فَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَكَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَجَازَ الْأَوَّل دُونَ الثَّانِي لِكَوْنِ الْأَوَّلِ أَخَصَّ مِنْ الثَّانِي ; لِأَنَّا نَقُولُ : الذَّاتُ الْمُخْبَرُ عَنْهَا فِي الرِّوَايَةِ وَاحِدَة فَبِأَيِّ وَصْفٍ وَصَفْتَ بِهِ تِلْكَ الذَّات مِنْ أَوْصَافِهَا اللَّائِقَةِ بِهَا عُلِمَ الْقَصْد بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ وَلَوْ تَبَايَنَتْ مَعَانِي الصِّفَاتِ كَمَا لَوْ أُبْدِلَ اِسْمٌ بِكُنْيَةٍ أَوْ كُنْيَة بِاسْمٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي مَثَلًا عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه الْبُخَارِيّ أَوْ عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْبُخَارِيّ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَوْجُهِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا مِنْ إِرَادَةِ التَّوْقِيفِ وَغَيْره وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ : ‏ ‏النُّكْتَة فِي خَتْم الْبُخَارِيّ كِتَاب الْوُضُوء بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ آخِرُ وُضُوءٍ أُمِرَ بِهِ الْمُكَلَّفُ فِي الْيَقَظَةِ وَلِقَوْلِهِ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ \" وَاجْعَلْهُنَّ آخَر مَا تَقُولُ \" فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِخَتْمِ الْكِتَابِ وَاَللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ. ‏ ‏( خَاتِمَة : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْوُضُوء وَمَا مَعَهُ مِنْ أَحْكَامِ الْمِيَاه وَالِاسْتِطَابَةِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ حَدِيثًا الْمَوْصُول مِنْهَا مِائَة وَسِتَّة عَشَرَ حَدِيثًا وَالْمَذْكُور مِنْهَا بِلَفْظِ الْمُتَابَعَةِ وَصِيغَةِ التَّعْلِيقِ ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا فَالْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَلَاثَة وَسَبْعُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِص مِنْهَا أَحَد وَثَمَانُونَ حَدِيثًا ثَلَاثَة مِنْهَا مُعَلَّقَة وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى تِسْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَهِيَ الثَّلَاثَةُ الْمُعَلَّقَةُ وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي صِفَة الْوُضُوء وَحَدِيثه تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ابْغِنِي أَحْجَارًا وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي الْحَجَرَيْنِ وَالرَّوْثَةِ وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد فِي الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَحَدِيث أَنَس فِي اِدِّخَار شَعْر النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الرَّجُلِ الَّذِي سَقَى الْكَلْبَ وَحَدِيث السَّائِب بْن يَزِيد فِي خَاتَمِ النُّبُوَّةِ وَحَدِيثِ سَعْد وَعُمَر فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَحَدِيث عَمْرو بْن أُمَيَّة فِيهِ وَحَدِيث سُوَيْدِ بْن النُّعْمَان فِي الْمَضْمَضَةِ مِنْ السَّوِيقِ وَحَدِيث أَنَس إِذَا نَعَسَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُتِمَّ وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّةِ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ وَحَدِيث مَيْمُونَة فِي فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْن وَحَدِيث أَنَس فِي الْبُزَاقِ فِي الثَّوْبِ وَفِيهِ مِنْ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ أَثَرًا الْمَوْصُول مِنْهَا ثَلَاثَة وَالْبَقِيَّة مُعَلَّقَة , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "240",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ ‏ ‏فَيُخَلِّلُ ‏ ‏بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ ثُمَّ ‏ ‏يُفِيضُ ‏ ‏الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ إِذَا اِغْتَسَلَ ) ‏ ‏أَيْ شَرَعَ فِي الْفِعْلِ و \" مِنْ \" فِي قَوْلِهِ \" مِنْ الْجَنَابَةِ \" سَبَبِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ) ‏ ‏يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَسْلهمَا لِلتَّنْظِيفِ مِمَّا بِهِمَا مِنْ مُسْتَقْذَرٍ وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث مَيْمُونَة تَقْوِيَة ذَلِكَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْغَسْل الْمَشْرُوع عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ زِيَادَة اِبْن عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ هِشَام \" قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ \" رَوَاهُ الشَّافِعِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَزَادَ أَيْضًا \" ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَة وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ حَمَّاد بْن زَيْد كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام وَهِيَ زِيَادَةٌ جَلِيلَةٌ ; لِأَنَّ بِتَقْدِيم غَسْله يَحْصُلُ الْأَمْنُ مِنْ مَسِّهِ فِي أَثْنَاءِ الْغُسْلِ. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاة ) ‏ ‏فِيهِ اِحْتِرَاز عَنْ الْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاء بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ سُنَّة مُسْتَقِلَّة بِحَيْثُ يَجِبُ غَسْل أَعْضَاء الْوُضُوء مَعَ بَقِيَّةِ الْجَسَدِ فِي الْغُسْلِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِغَسْلِهَا فِي الْوُضُوءِ عَنْ إِعَادَتِهِ , وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فِي أَوَّلِ عُضْوٍ وَإِنَّمَا قَدَّمَ غَسْل أَعْضَاء الْوُضُوء تَشْرِيفًا لَهَا وَلِتَحْصُل لَهُ صُورَة الطَّهَارَتَيْنِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الدَّاوُدِيّ شَارِح الْمُخْتَصَر مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ : يُقَدِّمُ غَسْل أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ عَلَى تَرْتِيب الْوُضُوء لَكِنْ بِنِيَّة غُسْل الْجَنَابَةِ. وَنَقَلَ اِبْن بَطَّالٍ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ مَعَ الْغُسْلِ وَهُوَ مَرْدُود فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَة مِنْهُمْ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَنُوبُ عَنْ الْوُضُوءِ لِلْمُحْدِثِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَيُخَلِّلُ بِهَا ) ‏ ‏أَيْ بِأَصَابِعِهِ الَّتِي أَدْخَلَهَا فِي الْمَاءِ. وَلِمُسْلِم \" ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاء فَيُدْخِلُ أَصَابِعه فِي أُصُولِ الشَّعْرِ \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُيَيْنَةَ \" ثُمَّ يُشَرِّبُ شَعْرَهُ الْمَاءَ \". ‏ ‏قَوْله : ( أُصُول الشَّعْرِ ) ‏ ‏وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" أُصُول شَعْرِهِ \" أَيْ شَعْرِ رَأْسِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ هِشَام عِنْد الْبَيْهَقِيّ \" يُخَلِّلُ بِهَا شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَن فَيُتْبِعُ بِهَا أُصُول الشَّعْرِ ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ كَذَلِكَ \" وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : اِحْتَجَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى تَخْلِيلِ شَعْرِ الْجَسَدِ فِي الْغُسْلِ إِمَّا لِعُمُومِ قَوْلِهِ \" أُصُول الشَّعْرِ \" وَإِمَّا بِالْقِيَاسِ عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ. وَفَائِدَة التَّخْلِيل إِيصَال الْمَاءِ إِلَى الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ وَمُبَاشَرَة الشَّعْر بِالْيَدِ لِيَحْصُل تَعْمِيمُهُ بِالْمَاءِ وَتَأْنِيس الْبَشَرَة لِئَلَّا يُصِيبَهَا بِالصَّبِّ مَا تَتَأَذَّى بِهِ. ثُمَّ هَذَا التَّخْلِيل غَيْر وَاجِب اِتِّفَاقًا إِلَّا إِنْ كَانَ الشَّعْرُ مُلَبَّدًا بِشَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَ الْمَاءِ وَبَيْنَ الْوُصُولِ إِلَى أُصُولِهِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يُدْخِلُ ) ‏ ‏إِنَّمَا ذَكَرَهُ بِلَفْظ الْمُضَارِع وَمَا قَبْلَهُ مَذْكُور بِلَفْظ الْمَاضِي - وَهُوَ الْأَصْلُ - لِإِرَادَةِ اِسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ لِلسَّامِعِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاث غُرَفِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَفَتْحِ الرَّاءِ جَمْع غُرْفَةٍ وَهِيَ قَدْرُ مَا يُغْرَفُ مِنْ الْمَاءِ بِالْكَفِّ ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" ثَلَاث غُرُفَات \" وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي جَمْعِ الْقِلَّةِ. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب التَّثْلِيث فِي الْغُسْلِ قَالَ النَّوَوِيّ : وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إِلَّا مَا تَفَرَّدَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يُسْتَحَبُّ التَّكْرَار فِي الْغُسْلِ. قُلْت : وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ السِّنْجِيّ فِي شَرْح الْفُرُوع وَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَحَمَلَ التَّثْلِيث فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى رِوَايَة الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة الْآتِيَةِ قَرِيبًا فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا أَنَّ كُلَّ غُرْفَةٍ كَانَتْ فِي جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الرَّأْسِ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيث مَيْمُونَة زِيَادَة فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يُفِيضُ ) ‏ ‏أَيْ يُسِيلُ وَالْإِفَاضَة الْإِسَالَة. وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الدَّلْك وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَالَ الْمَازِرِيّ : لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّ أَفَاضَ بِمَعْنَى غَسَلَ , وَالْخِلَافُ فِي الْغَسْلِ قَائِم. قُلْت : وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : لَمْ يَأْتِ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ فِي وُضُوء الْغُسْل ذِكْرُ التَّكْرَار. قُلْت : بَلْ وَرَدَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا وَصَفَتْ غُسْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجَنَابَةِ. الْحَدِيثَ , وَفِيهِ \" ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ ثَلَاثًا وَيَسْتَنْشِقُ ثَلَاثًا وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا \". ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى جِلْدِهِ كُلّه ) ‏ ‏هَذَا التَّأْكِيد يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَمَّمَ جَمِيع جَسَدِهِ بِالْغُسْلِ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ أَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّة قَبْلَ الْغُسْلِ وَعَلَى هَذَا فَيَنْوِي الْمُغْتَسِلُ الْوُضُوء إِنْ كَانَ مُحْدِثًا وَإِلَّا فَسُنَّة الْغُسْل. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى اِسْتِحْبَاب إِكْمَال الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ وَلَا يُؤَخِّرُ غَسْل الرِّجْلَيْنِ إِلَى فَرَاغِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهَا \" كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ \" وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ فِي حَدِيثِ عَائِشَة مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام فَقَالَ فِي آخِرِهِ \" ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِر جَسَده ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو مُعَاوِيَة دُونَ أَصْحَابِ هِشَامٍ قَالَ الْبَيْهَقِيّ هِيَ غَرِيبَةٌ صَحِيحَةٌ. قُلْت : لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام مَقَالٌ نَعَمْ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَة أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فَذَكَرَ حَدِيث الْغُسْل كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَزَادَ فِي آخِرِهِ \" فَإِذَا فَرَغَ غَسَلَ رِجْلَيْهِ \" فَأَمَّا أَنْ تُحْمَلَ الرِّوَايَات عَنْ عَائِشَة عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا \" وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ \" أَيْ أَكْثَرُهُ وَهُوَ مَا سِوَى الرِّجْلَيْنِ أَوْ يُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَيُسْتَدَلّ بِرِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَة عَلَى جَوَازِ تَفْرِيق الْوُضُوء وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْله فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَة \" ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ \" أَيْ أَعَادَ غَسْلهمَا لِاسْتِيعَاب الْغَسْل بَعْدَ أَنْ كَانَ غَسَلَهُمَا فِي الْوُضُوءِ فَيُوَافِقُ قَوْله فِي حَدِيثِ الْبَابِ \" ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى جِلْدِهِ كُلّه \". ‏"
    },
    {
        "id": "241",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنْ ‏ ‏الْأَذَى ‏ ‏ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا هَذِهِ غُسْلُهُ مِنْ الْجَنَابَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الْفِرْيَابِيّ وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيُّ وَجَزَمَ الْكَرْمَانِيّ بِأَنَّ مُحَمَّد بْن يُوسُف هُوَ الْبِيكَنْدِيّ وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْر رِجْلَيْهِ ) ‏ ‏التَّصْرِيح بِتَأْخِيرِ الرِّجْلَيْنِ فِي وُضُوء الْغُسْل إِلَخْ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ رِوَايَةِ عَائِشَة. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إِمَّا بِحَمْلِ رِوَايَةِ عَائِشَة عَلَى الْمَجَازِ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِمَّا بِحَمْلِهِ عَلَى حَالَةٍ أُخْرَى وَبِحَسَب اِخْتِلَاف هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ اِخْتَلَفَ نَظَر الْعُلَمَاءِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اِسْتِحْبَاب تَأْخِير غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْغُسْلِ وَعَنْ مَالِكٍ إِنْ كَانَ الْمَكَان غَيْر نَظِيفٍ فَالْمُسْتَحَبّ تَأْخِيرهمَا وَإِلَّا فَالتَّقْدِيم وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْأَفْضَلِ قَوْلَانِ قَالَ النَّوَوِيّ أَصَحّهمَا وَأَشْهَرهمَا وَمُخْتَارهمَا أَنَّهُ يُكْمِلُ وُضُوءَهُ قَالَ : لِأَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَة وَمَيْمُونَة كَذَلِكَ. اِنْتَهَى. كَذَا قَالَ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ عَنْهُمَا التَّصْرِيح بِذَلِكَ بَلْ هِيَ إِمَّا مُحْتَمَلَة كَرِوَايَة \" تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ \" أَوْ ظَاهِرَة تَأْخِيرِهِمَا كَرِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَة الْمُتَقَدِّمَةِ وَشَاهِدهَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَة وَيُوَافِقُهَا أَكْثَر الرِّوَايَاتِ عَنْ مَيْمُونَةَ أَوْ صَرِيحَة فِي تَأْخِيرِهِمَا كَحَدِيثِ الْبَابِ وَرَاوِيهَا مُقَدَّم فِي الْحِفْظِ وَالْفِقْه عَلَى جَمِيعِ مَنْ رَوَاهُ عَنْ الْأَعْمَشِ. وَقَوْل مَنْ قَالَ \" إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً لِبَيَان الْجَوَاز \" مُتَعَقَّبٌ فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَشِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ , وَلَفْظه \" كَانَ إِذَا اِغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِي آخِرِهِ \" ثُمَّ يَتَنَحَّى فَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْحِكْمَةُ فِي تَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ لِيَحْصُل الِافْتِتَاح وَالِاخْتِتَام بِأَعْضَاء الْوُضُوء. ‏ ‏قَوْله : ( وَغَسَلَ فَرْجَهُ ) ‏ ‏فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ; لِأَنَّ غَسْلَ الْفَرْجِ كَانَ قَبْلَ الْوُضُوءِ إِذْ الْوَاوُ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ الثَّوْرِيِّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَاب السَّتْر فِي الْغُسْلِ فَذَكَرَ أَوَّلًا غَسْل الْيَدَيْنِ ثُمَّ غَسْلَ الْفَرْجِ ثُمَّ مَسْحَ يَده بِالْحَائِطِ ثُمَّ الْوُضُوء غَيْر رِجْلَيْهِ وَأَتَى بِثُمَّ الدَّالَّة عَلَى التَّرْتِيبِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( هَذِهِ غُسْلُهُ ) ‏ ‏الْإِشَارَة إِلَى الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ التَّقْدِيرُ هَذِهِ صِفَة غُسْله وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" هَذَا غُسْلُهُ \" وَهُوَ ظَاهِر وَأَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيّ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ مُدْرَجَة مِنْ قَوْلِ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْدِ وَأَنَّ زَائِدَة بْن قُدَامَة بَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الْأَعْمَشِ وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيّ بِحَدِيث مَيْمُونَة هَذَا عَلَى جَوَازِ تَفْرِيق الْوُضُوء وَعَلَى اِسْتِحْبَاب الْإِفْرَاغ بِالْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ لِلْمُغْتَرِفِ مِنْ الْمَاءِ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ وَحَفْصٍ وَغَيْرِهِمَا \" ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ \" وَعَلَى مَشْرُوعِيَّة الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ لِقَوْلِهِ فِيهَا \" ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ \" وَتَمَسَّكَ بِهِ الْحَنَفِيَّة لِلْقَوْلِ بِوُجُوبِهِمَا وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُجَرَّدَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ إِلَّا إِذَا كَانَ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ وَلَيْسَ الْأَمْر هُنَا كَذَلِكَ قَالَهُ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَعَلَى اِسْتِحْبَاب مَسْح الْيَدِ بِالتُّرَابِ مِنْ الْحَائِطِ أَوْ الْأَرْضِ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ \" ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ أَوْ بِالْحَائِطِ \" قَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الِاكْتِفَاء بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَم التَّكْرَارِ وَفِيهِ خِلَاف. اِنْتَهَى. وَصَحَّحَ النَّوَوِيّ وَغَيْره أَنَّهُ يُجْزِئُ لَكِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّنْظِيفِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ وَأَمَّا دَلْكُ الْيَدِ بِالْأَرْضِ فَلِلْمُبَالَغَةِ فِيهِ لِيَكُونَ أَنْقَى كَمَا قَالَ الْبُخَارِيّ. وَأَبْعَدَ مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ أَوْ عَلَى نَجَاسَة رُطُوبَة الْفَرْجِ ; لِأَنَّ الْغُسْلَ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ \" وَمَا أَصَابَهُ مِنْ أَذًى \" لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي النَّجَاسَةِ أَيْضًا وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ مَرَّة وَاحِدَة وَعَلَى أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ أَكْمَلَ بَاقِيَ أَعْضَاءِ بَدَنِهِ لَا يُشْرَعُ لَهُ تَجْدِيد الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ وَعَلَى جَوَازِ نَفْضِ الْيَدَيْنِ مِنْ مَاءِ الْغُسْلِ وَكَذَا الْوُضُوء , وَفِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَوْرَدَهُ الرَّافِعِيّ وَغَيْرُهُ وَلَفْظُهُ \" لَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّهَا مَرَاوِح الشَّيْطَان \" وَقَالَ اِبْن الصَّلَاحِ : لَمْ أَجِدْهُ. وَتَبِعَهُ النَّوَوِيّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ وَابْن أَبِي حَاتِم فِي الْعِلَلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة وَلَوْ لَمْ يُعَارِضْهُ هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح لَمْ يَكُنْ صَالِحًا أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ. وَعَلَى اِسْتِحْبَاب التَّسَتُّر فِي الْغُسْلِ وَلَوْ كَانَ فِي الْبَيْتِ وَقَدْ عَقَدَ الْمُصَنِّفُ لِكُلِّ مَسْأَلَة بَابًا وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث فِيهِ بِمُغَايَرَة الطُّرُق وَمَدَارهَا عَلَى الْأَعْمَشِ وَعِنْدَ بَعْضِ الرُّوَاةِ عَنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ وَقَدْ جَمَعْت فَوَائِدهَا فِي هَذَا الْبَابِ. وَصَرَّحَ فِي رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاثٍ عَنْ الْأَعْمَشِ بِسَمَاعِ الْأَعْمَشِ مَنْ سَالِمٍ فَأُمِنَ تَدْلِيسُهُ. وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ عَلَى الْوَلَاءِ : الْأَعْمَشُ وَسَالِم وَكُرَيْب وَصَحَابِيَّانِ : اِبْن عَبَّاس وَخَالَته مَيْمُونَة بِنْت الْحَارِث. وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ أَيْضًا جَوَاز الِاسْتِعَانَة بِإِحْضَارِ مَاءِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ لِقَوْلِهَا فِي رِوَايَة حَفْص وَغَيْره \" وَضَعْت لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا \" وَفِي رِوَايَةِ عَبْد الْوَاحِد \" مَا يَغْتَسِلُ بِهِ \" وَفِيهِ خِدْمَةُ الزَّوْجَاتِ لِأَزْوَاجِهِنَّ وَفِيهِ الصَّبُّ بِالْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ لِغَسْلِ الْفَرْجِ بِهَا وَفِيهِ تَقْدِيم غَسْل الْكَفَّيْنِ عَلَى غَسْلِ الْفَرْجِ لِمَنْ يُرِيدُ الِاغْتِرَافَ لِئَلَّا يُدْخِلَهُمَا فِي الْمَاءِ وَفِيهِمَا مَا لَعَلَّهُ يُسْتَقْذَرُ فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاء فِي إِبْرِيقٍ مَثَلًا فَالْأَوْلَى تَقْدِيم غَسْل الْفَرْجِ لِتَوَالِي أَعْضَاء الْوُضُوء وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ التَّنْصِيص عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ فِي هَذَا الْوُضُوءِ وَتَمَسَّكَ بِهِ الْمَالِكِيَّة لِقَوْلِهِمْ إِنَّ وُضُوء الْغُسْل لَا يُمْسَحُ فِيهِ الرَّأْس بَلْ يُكْتَفَى عَنْهُ بِغَسْلِهِ وَاسْتَدَلَّ بَعْضهمْ بِقَوْلِهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَة وَغَيْره \" فَنَاوَلْته ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ \" عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْشِيفِ بَعْدَ الْغُسْلِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدَم الْأَخْذِ لِأَمْرٍ آخَرَ لَا يَتَعَلَّقُ بِكَرَاهَة التَّنْشِيف بَلْ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْخِرْقَةِ أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ مُسْتَعْجِلًا أَوْ غَيْر ذَلِكَ. قَالَ الْمُهَلَّب : يُحْتَمَلُ تَرْكُهُ الثَّوْب ; لِإِبْقَاءِ بَرَكَةِ الْمَاءِ أَوْ لِلتَّوَاضُعِ أَوْ لِشَيْءٍ رَآهُ فِي الثَّوْبِ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ وَسَخ وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَد وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِالْمِنْدِيلِ وَإِنَّمَا رَدَّهُ مَخَافَة أَنْ يَصِيرَ عَادَة. وَقَالَ التَّيْمِيُّ فِي شَرْحِهِ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَتَنَشَّفُ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تَأْتِهِ بِالْمِنْدِيلِ. وَقَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : نَفْضُهُ الْمَاء بِيَدِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا كَرَاهَةَ فِي التَّنْشِيفِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِزَالَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ : اِخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِيهِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُه أَشْهَرُهَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَرْكُهُ وَقِيلَ مَكْرُوه وَقِيلَ مُبَاحٌ وَقِيلَ مُسْتَحَبّ وَقِيلَ مَكْرُوه فِي الصَّيْفِ مُبَاح فِي الشِّتَاءِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُتَقَاطِرِ مِنْ أَعْضَاء الْمُتَطَهِّر خِلَافًا لِمَنْ غَلَا مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ بِنَجَاسَتِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "242",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏الْفَرَقُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلَه : ( عَنْ عُرْوَة) ‏ ‏أَيْ اِبْن الزُّبَيْر كَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ وَخَالَفَهُمْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد فَرَوَاهُ عَنْهُ عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَرَجَّحَ أَبُو زُرْعَة الْأَوَّل. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلزُّهْرِيِّ شَيْخَانِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مَحْفُوظٌ عَنْ عُرْوَة وَالْقَاسِمِ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَا وَالنَّبِيُّ ) ‏ ‏يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ وَهُوَ مِنْ بَابِ تَغْلِيبِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الْغَائِبِ لِكَوْنِهَا هِيَ السَّبَب فِي الِاغْتِسَالِ فَكَأَنَّهَا أَصْلٌ فِي الْبَابِ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ ) ‏ ‏مِنْ الْأُولَى : اِبْتِدَائِيَّة وَالثَّانِيَة : بَيَانِيَّة وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدَح بَدَلًا مِنْ إِنَاءٍ بِتَكْرَارِ حَرْفِ الْجَرِّ وَقَالَ اِبْن التِّينِ : كَانَ هَذَا الْإِنَاء مِنْ شَبَهٍ وَهُوَ بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة كَمَا تَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ فِي صِفَة الْوُضُوء مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن زَيْد وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ وَلَفْظُهُ \" تَوْر مِنْ شَبَهٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( يُقَالُ لَهُ الْفَرَقُ ) ‏ ‏وَلِمَالِك عَنْ الزُّهْرِيِّ : هُوَ الْفَرْقُ وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ \" مِنْ الْجَنَابَةِ \" أَيْ بِسَبَبِ الْجَنَابَةِ وَلِأَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب \" وَذَلِكَ الْقَدَح يَوْمَئِذٍ يُدْعَى الْفَرَق \" قَالَ اِبْن التِّينِ : الْفَرْقُ بِتَسْكِينِ الرَّاءِ وَرَوَيْنَاهُ بِفَتْحِهَا وَجَوَّزَ بَعْضهمْ الْأَمْرَيْنِ , وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ وَغَيْره هُوَ بِالْفَتْحِ وَقَالَ النَّوَوِيّ الْفَتْح أَفْصَح وَأَشْهَرُ , وَزَعَمَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ الصَّوَابُ قَالَ : وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُمَا لُغَتَانِ. قُلْت : لَعَلَّ مُسْتَنَد الْبَاجِيِّ مَا حَكَاهُ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ ثَعْلَب وَغَيْرِهِ : الْفَرَقُ بِالْفَتْحِ وَالْمُحَدِّثُونَ يُسَكِّنُونَهُ , وَكَلَام الْعَرَبِ بِالْفَتْحِ. اِنْتَهَى. وَقَدْ حَكَى الْإِسْكَان أَبُو زَيْد وَابْن دُرَيْد وَغَيْرهمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالَّذِي فِي رِوَايَتِنَا هُوَ الْفَتْحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَحَكَى اِبْن الْأَثِيرِ أَنَّ الْفَرَقَ بِالْفَتْحِ سِتَّة عَشَرَ رِطْلًا وَبِالْإِسْكَانِ مِائَة وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَهُوَ غَرِيب. وَأَمَّا مِقْدَاره فَعِنْد مُسْلِم فِي آخِرِ رِوَايَةِ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ سُفْيَان يَعْنِي اِبْن عُيَيْنَةَ : الْفَرَقُ ثَلَاثَة آصُعٍ قَالَ النَّوَوِيّ : وَكَذَا قَالَ الْجَمَاهِير وَقِيلَ الْفَرَقُ صَاعَانِ لَكِنْ نَقَلَ أَبُو عُبَيْد الِاتِّفَاق عَلَى أَنَّ الْفَرَقَ ثَلَاثَة آصُعٍ وَعَلَى أَنَّ الْفَرَقَ سِتَّة عَشَرَ رِطْلًا وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ اِتِّفَاقَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَإِلَّا فَقَدَ قَالَ بَعْض الْفُقَهَاءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرهمْ : إِنَّ الصَّاعَ ثَمَانِيَة أَرْطَال وَتَمَسَّكُوا بِمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي عَنْ عَائِشَة أَنَّهُ حَزَرَ الْإِنَاء ثَمَانِيَة أَرْطَال وَالصَّحِيح الْأَوَّل فَإِنَّ الْحَزْرَ لَا يُعَارَضُ بِهِ التَّحْدِيد. وَأَيْضًا فَلِمَ صَرَّحَ مُجَاهِد بِأَنَّ الْإِنَاءَ الْمَذْكُورَ صَاع فَيُحْمَلُ عَلَى اِخْتِلَافِ الْأَوَانِي مَعَ تَقَارُبِهَا وَيُؤَيِّدُ كَوْن الْفَرْق ثَلَاثَةَ آصُعٍ مَا رَوَاهُ اِبْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَة بِلَفْظ \" قَدْر سِتَّةِ أَقْسَاط \" وَالْقِسْط بِكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ نِصْف صَاع وَالِاخْتِلَاف بَيْنَهُمْ أَنَّ الْفَرَقَ سِتَّة عَشَرَ رِطْلًا فَصَحَّ أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَة أَرْطَال وَثُلُث وَتَوَسَّطَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ الصَّاعُ الَّذِي لِمَاءِ الْغُسْل ثَمَانِيَة أَرْطَالِ وَاَلَّذِي لِزَكَاةِ الْفِطْرِ وَغَيْرِهَا خَمْسَة أَرْطَال وَثُلُث وَهُوَ ضَعِيف. وَمَبَاحِث الْمَتْن تَقَدَّمَتْ فِي بَاب وُضُوء الرَّجُلِ مَعَ اِمْرَأَتِهِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ الدَّاوُدِيّ عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَى عَوْرَةِ اِمْرَأَتِهِ وَعَكْسه وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ اِبْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَان بْن مُوسَى أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى فَرْجِ اِمْرَأَتِهِ فَقَالَ سَأَلْتُ عَطَاء فَقَالَ سَأَلْت عَائِشَة فَذَكَرَتْ هَذَا الْحَدِيث بِمَعْنَاهُ وَهُوَ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "243",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَسَأَلَهَا أَخُوهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْوًا مِنْ صَاعٍ فَاغْتَسَلَتْ وَأَفَاضَتْ عَلَى رَأْسِهَا وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏وَبَهْزٌ ‏ ‏وَالْجُدِّيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏قَدْرِ صَاعٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏وَعَبْد الصَّمَد ) ‏ ‏هُوَ ابْن عَبْدِ الْوَارِث ‏ ‏وَأَبُو بَكْر بْن حَفْص ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر بْن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص شَارَكَ شَيْخَهُ أَبَا سَلَمَة - وَهُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف - فِي كَوْنِهِ زُهْرِيًّا مَدَنِيًّا مَشْهُورًا بِالْكُنْيَةِ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ اِسْمَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَبْد اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَخُو عَائِشَة ) ‏ ‏زَعَمَ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ أَخُوهَا لِأُمِّهَا وَهُوَ الطُّفَيْل بْن عَبْد اللَّه وَلَا يَصِحُّ وَاحِد مِنْهُمَا ; لِمَا رَوَى مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ مُعَاذ وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ خَالِد بْن الْحَارِث وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيد بْن هَارُون كُلّهمْ عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَخُوهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ وَقَالَ النَّوَوِيّ وَجَمَاعَة إِنَّهُ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد مُعْتَمِدِينَ عَلَى مَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي الْجَنَائِزِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد رَضِيع عَائِشَة عَنْهَا فَذَكَرَ حَدِيثًا غَيْر هَذَا وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عِنْدِي أَنَّهُ الْمُرَادُ هُنَا ; لِأَنَّ لَهَا أَخًا آخَرَ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَهُوَ كَثِير بْن عُبَيْد رَضِيع عَائِشَة رَوَى عَنْهَا أَيْضًا وَحَدِيثه فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ وَسُنَن أَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيقِ اِبْنِهِ سَعِيد بْن كَثِير عَنْهُ. وَعَبْد اللَّه بْن يَزِيد بَصْرِيٌّ وَكَثِير بْن عُبَيْد كُوفِيّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْهَم هُنَا أَحَدهمَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْوٍ ) ‏ ‏بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ صِفَة لِإِنَاء وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَة \" نَحْوًا \" بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَجْرُورِ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ أَوْ بِإِضْمَارِ أَعْنِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَاب ) ‏ ‏قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : ظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا رَأَيَا عَمَلَهَا فِي رَأْسِهَا وَأَعَالِي جَسَدهَا مِمَّا يَحِلُّ نَظَرُهُ لِلْمَحْرَمِ ; لِأَنَّهَا خَالَةُ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ الرَّضَاعِ أَرْضَعَتْهُ أُخْتهَا أُمّ كُلْثُوم وَإِنَّمَا سَتَرَتْ أَسَافِل بَدَنهَا مِمَّا لَا يَحِلُّ لِلْمَحْرَمِ النَّظَرُ إِلَيْهِ قَالَ : وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِاغْتِسَالِهَا بِحَضْرَتِهِمَا مَعْنًى. وَفِي فِعْلِ عَائِشَة دَلَالَة عَلَى اِسْتِحْبَاب التَّعْلِيم بِالْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ وَلَمَّا كَانَ السُّؤَال مُحْتَمِلًا لِلْكَيْفِيَّةِ وَالْكَمِّيَّة ثَبَتَ لَهُمَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرَيْنِ مَعًا : أَمَّا الْكَيْفِيَّةُ فَبِالِاقْتِصَارِ عَلَى إِفَاضَة الْمَاء وَأَمَّا الْكَمِّيَّةُ فَبِالِاكْتِفَاءِ بِالصَّاعِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ الْبُخَارِيُّ الْمُصَنِّفُ ( ‏ ‏قَالَ يَزِيد بْن هَارُون ) ‏ ‏هَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَهْزٌ ) ‏ ‏بِالزَّاي الْمُعْجَمَةِ هُوَ اِبْنُ أَسَدٍ وَحَدِيثُهُ مَوْصُول عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِمَا \" مِنْ الْجَنَابَةِ \" وَعِنْدَهُمَا أَيْضًا \" عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثًا \" وَكَذَا عِنْد مُسْلِم وَالنَّسَائِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْجُدِّيّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ نِسْبَة إِلَى جُدَّة سَاحِل مَكَّةَ وَكَانَ أَصْله مِنْهَا لَكِنَّهُ سَكَنَ الْبَصْرَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْرِ صَاع ) ‏ ‏بِالْكَسْرِ عَلَى الْحِكَايَةِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْمُرَادُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ الِاغْتِسَالَ وَقَعَ بِمِلْءِ الصَّاعِ مِنْ الْمَاءِ تَقْرِيبًا لَا تَحْدِيدًا. ‏"
    },
    {
        "id": "244",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ آدَمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو جَعْفَرٍ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏هُوَ ‏ ‏وَأَبُوهُ ‏ ‏وَعِنْدَهُ قَوْمٌ فَسَأَلُوهُ عَنْ الْغُسْلِ فَقَالَ يَكْفِيكَ صَاعٌ فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مَا يَكْفِينِي فَقَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ ‏ ‏أَوْفَى ‏ ‏مِنْكَ شَعَرًا وَخَيْرٌ مِنْكَ ثُمَّ ‏ ‏أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيّ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن آدَمَ ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : ثَبَتَ لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ - إِلَّا لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ الْحَمَوِيّ فَسَقَطَ مِنْ رِوَايَتِهِ يَحْيَى بْن آدَم وَهُوَ وَهْمٌ - فَلَا يَتَّصِلُ السَّنَد إِلَّا بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السَّبِيعِيُّ وَأَبُو جَعْفَر هُوَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب الْمَعْرُوفُ بِالْبَاقِرِ. ‏ ‏قَوْله : ( هُوَ وَأَبُوهُ ) ‏ ‏أَيْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن ‏ ‏( وَعِنْدَهُ ) ‏ ‏أَيْ عِنْدَ جَابِر. ‏ ‏قَوْله : ( قَوْم ) ‏ ‏كَذَا فِي النُّسَخ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا مِنْ الْبُخَارِيِّ وَوَقَعَ فِي الْعُمْدَةِ \" وَعِنْدَهُ قَوْمُهُ \" بِزِيَادَةِ الْهَاء وَجَعَلَهَا شُرَّاحهَا ضَمِيرًا يَعُودُ عَلَى جَابِر وَفِيهِ مَا فِيهِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة فِي مُسْلِمٍ أَصْلًا وَذَلِكَ وَارِد أَيْضًا عَلَى قَوْلِهِ إِنَّهُ يُخَرِّجُ الْمُتَّفَق عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَأَلُوهُ عَنْ الْغُسْلِ ) ‏ ‏أَفَادَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ مُتَوَلِّيَ السُّؤَالِ هُوَ أَبُو جَعْفَر الرَّاوِي فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" سَأَلْت جَابِرًا عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ \" وَبَيَّنَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ سَبَب السُّؤَالِ فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي جَعْفَر قَالَ \" تَمَارَيْنَا فِي الْغُسْلِ عِنْدَ جَابِر فَكَانَ أَبُو جَعْفَر تَوَلَّى السُّؤَال \" وَنَسَب السُّؤَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِلَى الْجَمِيعِ مَجَازًا ; لِقَصْدِهِمْ ذَلِكَ وَلِهَذَا أَفْرَدَ جَابِر الْجَوَاب فَقَالَ \" يَكْفِيك \" وَهُوَ بِفَتْح أَوَّله وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا الْمَوْضِعِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" مِنْهُمْ \" أَيْ مِنْ الْقَوْمِ وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ثَبَتَ فِي رِوَايَتِنَا ; لِأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ هُوَ الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب الَّذِي يُعْرَفُ أَبُوهُ بِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَوْمِ جَابِر ; لِأَنَّهُ هَاشِمِيّ وَجَابِر أَنْصَارِيّ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( أَوْفَى ) ‏ ‏يَحْتَمِلُ الصِّفَةَ وَالْمِقْدَار أَيْ أَطْوَل وَأَكْثَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَخَيْر مِنْك ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى أَوْفَى الْمُخْبَر بِهِ عَنْ هُوَ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيّ \" أَوْ خَيْرًا \" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْمَوْصُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَمَّنَا ) ‏ ‏فَاعِل أَمَّنَا هُوَ جَابِر كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ وَاضِحًا مِنْ فِعْلِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَلَا اِلْتِفَاتَ إِلَى مَنْ جَعَلَهُ مِنْ مَقُولِهِ وَالْفَاعِل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَف مِنْ الِاحْتِجَاجِ بِأَفْعَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِانْقِيَاد إِلَى ذَلِكَ وَفِيهِ جَوَازُ الرَّدِّ بِعُنْفٍ عَلَى مَنْ يُمَارِي بِغَيْرِ عِلْمٍ إِذَا قَصَدَ الرَّادّ إِيضَاح الْحَقِّ وَتَحْذِير السَّامِعِينَ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ التَّنَطُّعِ وَالْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ. ‏"
    },
    {
        "id": "245",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَيْمُونَةَ ‏ ‏كَانَا ‏ ‏يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏يَقُولُ أَخِيرًا عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار وَفِي مُسْنَد الْحُمَيْدِيّ \" حَدَّثَنَا سُفْيَان أَخْبَرَنَا عَمْرو أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّعْثَاءِ \" وَهُوَ جَابِر بْن زَيْد الْمَذْكُورُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّفُ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ اِبْن عُيَيْنَةَ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ عَنْهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَنْهُ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا وَإِنَّمَا رَجَّحَ الْبُخَارِيّ رِوَايَة أَبِي نُعَيْمٍ جَرْيًا عَلَى قَاعِدَةِ الْمُحَدِّثِينَ ; لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْمُرَجِّحَاتِ عِنْدَهُمْ قِدَمَ السَّمَاع ; لِأَنَّهُ مَظِنَّة قُوَّة حِفْظِ الشَّيْخِ وَلِرِوَايَةِ الْآخَرِينَ جِهَة أُخْرَى مِنْ وُجُوه التَّرْجِيح وَهِيَ كَوْنُهُمْ أَكْثَرَ عَدَدًا وَمُلَازَمَة لِسُفْيَان وَرَجَّحَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَهُوَ كَوْن اِبْن عَبَّاس لَا يَطَّلِعُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَالَةِ اِغْتِسَالِهِ مَعَ مَيْمُونَة فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَهُ عَنْهَا. وَقَدْ أَخْرَجَ الرِّوَايَةَ الْمَذْكُورَةَ الشَّافِعِيّ وَالْحُمَيْدِيُّ وَابْن أَبِي عُمَر وَابْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْرُهُمْ فِي مَسَانِيدِهِمْ عَنْ سُفْيَان وَمُسْلِم وَالنَّسَائِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيقِهِ وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْبَحْثِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَا يَرَى التَّسْوِيَة بَيْن \" عَنْ فُلَان \" وَبَيْن \" إِنَّ فُلَانًا \" فِي ذَلِكَ بَحْث يَطُولُ ذِكْره \" وَقَدْ حَقَّقْتُهُ فِيمَا كَتَبْته عَلَى كِتَاب اِبْن الصَّلَاحِ. وَادَّعَى بَعْضُ الشَّارِحِينَ أَنَّ حَدِيث مَيْمُونَة هَذَا لَا مُنَاسَبَةَ لَهُ بِالتَّرْجَمَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قَدْرَ الْإِنَاء. وَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَفَادُ مِنْ مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ أَوَانِيَهُمْ كَانَتْ صِغَارًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ فَيَدْخُلُ هَذَا الْحَدِيثُ تَحْتَ قَوْلِهِ \" وَنَحْوِهِ \" أَيْ نَحْوِ الصَّاعِ أَوْ يُحْمَلُ الْمُطْلَق فِيهِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَدِيثِ عَائِشَة وَهُوَ الْفَرَقُ ; لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا زَوْجَة لَهُ وَاغْتَسَلَتْ مَعَهُ فَتَكُونُ حِصَّة كُلٍّ مِنْهُمَا أَزْيَد مِنْ صَاع فَيَدْخُلُ تَحْتَ التَّرْجَمَةِ بِالتَّقْرِيبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "246",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَّا أَنَا ‏ ‏فَأُفِيضُ ‏ ‏عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة الْجُعْفِيّ وَقَدْ عَلَا عَنْهُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ وَنَزَلَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ ‏ ‏وَأَبُو إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ السَّبِيعِيُّ أَيْضًا وَسُلَيْمَان بْن صُرَدٍ خُزَاعِيٌّ وَهُوَ مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَة وَأَبُوهُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْح الرَّاءِ وَشَيْخُهُ مِنْ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ فَفِيهِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَقَسِيم \" أَمَّا \" مَحْذُوف وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ سَبَبَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَأَوَّلُهُ عِنْدَهُ \" ذَكَرُوا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ \" فَذَكَرَهُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" تَمَارَوْا فِي الْغُسْلِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَعْض الْقَوْمِ : أَمَّا أَنَا فَأَغْسِلُ رَأْسِي بِكَذَا وَكَذَا \" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ , وَهَذَا هُوَ الْقَسِيمُ الْمَحْذُوفُ وَدَلَّ قَوْله \" ثَلَاثًا \" عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِكَذَا وَكَذَا أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ هُمْ وَفْد ثَقِيف وَالسِّيَاق مُشْعِر بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يُفِيضُ إِلَّا ثَلَاثًا وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِأَنْ تَكُونَ لِلتَّكْرَارِ وَمُحْتَمِلَةٌ لِأَنْ تَكُونَ لِلتَّوْزِيعِ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ لَكِنَّ حَدِيثَ جَابِر فِي آخِرِ الْبَابِ يُقَوِّي الِاحْتِمَال الْأَوَّل وَسَنَذْكُرُ مَا فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( كِلْتَيْهِمَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" كِلَاهُمَا \" وَحَكَى اِبْنُ التِّينِ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ \" كِلْتَاهُمَا \" وَهِيَ مُخَرَّجَةٌ عَلَى مَنْ يَرَاهَا تَثْنِيَة وَيَرَى أَنَّ التَّثْنِيَةَ لَا تَتَغَيَّرُ كَقَوْلِهِ : قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ وَهُوَ مَذْهَب الْفَرَّاء فِي \" كِلَا \" خِلَافًا لِلْبَصْرِيِّينَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُخَرَّجَ الرَّفْع فِيهِمَا عَلَى الْقَطْعِ. ‏"
    },
    {
        "id": "247",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مِخْوَلِ بْنِ رَاشِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُفْرِغُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي ) ‏ ‏وَلِلْأَصِيلِيّ حَدَّثَنَا ( ‏ ‏مُحَمَّد بْن بَشَّار ) ‏ ‏هُوَ بُنْدَارٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَتِهِ حَيْثُ أَخْرَجَهُ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان وَغَيْرِهِ عَنْهُ وَأَبُوهُ بِالْمُوَحَّدَةِ وَتَثْقِيل الْمُعْجَمَة بِلَا خِلَاف. وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ غَيْره قَالَهُ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ وَجَمَاعَة بَعْدَهُ وَغَفَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَضَبَطَهُ بِمُثَنَّاة وَسِين مُهْمَلَة وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مُمَارَسَةٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( مِخْوَل ) ‏ ‏بِكَسْر أَوَّله وَإِسْكَان الْمُعْجَمَة وَبِوَزْنِ مُحَمَّد أَيْضًا وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَالْأَوَّلُ لِلْأَكْثَرِ وَالثَّانِي لِابْن عَسَاكِر وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَمُحَمَّد بْن عَلِيّ شَيْخه هُوَ أَبُو جَعْفَر الْمَعْرُوف بِالْبَاقِرِ. ‏ ‏قَوْله : ( يُفْرِغُ ) ‏ ‏بِضَمّ أَوَّله. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاثًا ) ‏ ‏أَيْ غُرُفَات. زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالَ شُعْبَة : أَظُنُّهُ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ \" وَفِيهِ \" وَقَالَ رَجُل مِنْ بَنِي هَاشِم : إِنَّ شَعْرِي كَثِير فَقَالَ جَابِر : شَعْرُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَكْثَر مِنْ شَعْرِك وَأَطْيَب \". ‏"
    },
    {
        "id": "248",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَأَتَانِي ابْنُ عَمِّكَ يُعَرِّضُ ‏ ‏بِالْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ‏ ‏قَالَ كَيْفَ الْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ فَقُلْتُ كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ وَيُفِيضُهَا عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى ‏ ‏سَائِرِ ‏ ‏جَسَدِهِ فَقَالَ لِي ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏إِنِّي رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعَرِ فَقُلْتُ كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَكْثَرَ مِنْكَ شَعَرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَعْمَر ) ‏ ‏بِإِسْكَان الْعَيْن فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ وَبِهِ جَزَمَ الْمِزِّيُّ , وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ بِوَزْنِ مُحَمَّد وَبِهِ جَزَمَ الْحَاكِمُ , وَلَيْسَ لَهُ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ سَامٍ فَيُقَالُ مَعْمَر بْن سَام وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيف الْمِيم. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن عَمِّك ) ‏ ‏فِيهِ تَجَوُّزٌ فَإِنَّهُ اِبْنُ عَمِّ وَالِدِهِ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , وَالْحَنَفِيَّةُ كَانَتْ زَوْج عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب تَزَوَّجَهَا بَعْدَ فَاطِمَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا فَاشْتُهِرَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا. وَقَوْلُ جَابِر \" أَتَانِي \" يُشْعِرُ بِأَنَّ سُؤَالَ الْحَسَن بْن مُحَمَّد كَانَ فِي غَيْبَة أَبِي جَعْفَر فَهُوَ غَيْرُ سُؤَال أَبِي جَعْفَر الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَنْ الْكَمِّيَّةِ كَمَا أَشْعَرَ بِذَلِكَ قَوْله فِي الْجَوَابِ \" يَكْفِيك صَاع \" وَهَذَا عَنْ الْكَيْفِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِ \" كَيْفَ الْغُسْلُ \" وَلَكِنَّ الْحَسَن بْن مُحَمَّد فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا هُوَ الْمُنَازِعُ لِجَابِر فِي ذَلِكَ فَقَالَ فِي جَوَاب الْكَمِّيَّة \" مَا يَكْفِينِي \" أَيْ الصَّاع وَلَمْ يُعَلِّلْ وَقَالَ فِي جَوَاب الْكَيْفِيَّة \" إِنِّي كَثِيرُ الشَّعْرِ \" أَيْ فَأَحْتَاجُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ غُرُفَات فَقَالَ لَهُ جَابِر فِي جَوَاب الْكَيْفِيَّة \" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ شَعْرًا مِنْك وَأَطْيَبَ \" أَيْ وَاكْتَفَى بِالثَّلَاثِ فَاقْتَضَى أَنَّ الْإِنْقَاءَ يَحْصُلُ بِهَا وَقَالَ فِي جَوَاب الْكَمِّيَّة مَا تَقَدَّمَ , وَنَاسَب ذِكْرُ الْخَيْرِيَّة ; لِأَنَّ طَلَبَ الِازْدِيَادِ مِنْ الْمَاءِ يُلْحَظُ فِيهِ التَّحَرِّي فِي إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ الْجَسَدِ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيِّد الْوَرِعِينَ وَأَتْقَى النَّاسِ لِلَّهِ وَأَعْلَمَهُمْ بِهِ. وَقَدْ اِكْتَفَى بِالصَّاعِ فَأَشَارَ جَابِر إِلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا اِكْتَفَى بِهِ تَنَطُّعٌ قَدْ يَكُونُ مَثَارُهُ الْوَسْوَسَة فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاث أَكُفٍّ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ \" ثَلَاثَة أَكُفٍّ \" وَهِيَ جَمْعُ كَفٍّ وَالْكَفُّ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ وَالْمُرَاد أَنَّهُ يَأْخُذُ فِي كُلِّ مَرَّة كَفَّيْنِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَن بْن صَالِح عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ \" وَبَسَطَ يَدَيْهِ \" وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ جُبَيْر بْن مُطْعِم الَّذِي فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَالْكَفُّ اِسْم جِنْسٍ فَيُحْمَلُ عَلَى الِاثْنَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْغُرُفَات الثَّلَاث لِلتَّكْرَارِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ جِهَةٍ مِنْ الرَّأْسِ غُرْفَةٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ عَائِشَة قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "249",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏مَيْمُونَةُ ‏ ‏وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَاءً لِلْغُسْلِ ‏ ‏فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ ‏ ‏أَوْ ثَلَاثًا ‏ ‏ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد وَبَاقِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْن تَقَدَّمَ فِي بَاب الْوُضُوء قَبْلَ الْغُسْلِ. ‏ ‏قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ( فَغَسَلَ يَدَهُ ) ‏ ‏وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" يَدَيْهِ \" ‏ ‏( مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ) ‏ ‏الشَّكّ مِنْ الْأَعْمَشِ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْهُ وَغَفَلَ الْكَرْمَانِيّ فَقَالَ : الشَّكُّ مِنْ مَيْمُونَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَذَاكِيره ) ‏ ‏هُوَ جَمْعُ ذَكَرٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاس وَقِيلَ وَاحِدُهُ مِذْكَار وَكَأَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْعُضْوِ وَبَيْنَ خِلَافِ الْأُنْثَى قَالَ الْأَخْفَش : هُوَ مِنْ الْجَمْعِ الَّذِي لَا وَاحِدَ لَهُ وَقِيلَ وَاحِده مِذْكَار وَقَالَ اِبْن خَرُوف : إِنَّمَا جَمْعُهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَسَدِ إِلَّا وَاحِد بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَتَّصِلُ بِهِ وَأَطْلَقَ عَلَى الْكُلِّ اِسْمَهُ فَكَأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْمَجْمُوعِ كَالذَّكَرِ فِي حُكْمِ الْغَسْلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "250",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَنْظَلَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ ‏ ‏الْحِلَابِ ‏ ‏فَأَخَذَ بِكَفِّهِ فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ فَقَالَ بِهِمَا عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( أَبُو عَاصِم ) ‏ ‏الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَادِ هُوَ النَّبِيلُ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيّ وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ لَكِنَّهُ نَزَلَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ فَأَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَة. ‏ ‏وَحَنْظَلَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي سُفْيَان الْجُمَحِيّ. ‏ ‏وَالْقَاسِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر. ‏ ‏وَقَوْله \" كَانَ إِذَا اِغْتَسَلَ \" ) ‏ ‏أَيْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ كَمَا تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ. ) ‏ ‏وَقَوْله \" دَعَا \" ) ‏ ‏أَيْ طَلَب. ‏ ‏وَقَوْله \" نَحْوَ الْحِلَابِ \" ) ‏ ‏أَيْ إِنَاءٍ قَرِيبٍ مِنْ الْإِنَاءِ الَّذِي يُسَمَّى الْحِلَاب وَقَدْ وَصَفَهُ أَبُو عَاصِم بِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ شِبْرٍ فِي شِبْرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ \" وَأَشَارَ أَبُو عَاصِم بِكَفَّيْهِ \" فَكَأَنَّهُ حَلَّقَ بِشِبْرَيْهِ يَصِفُ بِهِ دَوْرَهُ الْأَعْلَى وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ \" كَقَدْر كُوز يَسَعُ ثَمَانِيَة أَرْطَال \" وَزَاد مُسْلِم فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ بَعْدَ قَوْلِهِ الْأَيْسَرِ \" ثُمَّ بِكَفَّيْهِ فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ \" فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ إِلَى الْغُرْفَةِ الثَّالِثَةِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ رِوَايَة أَبِي عَوَانَةَ وَقَوْلُهُ \" بِكَفِّهِ \" وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِكَفَّيْهِ \" بِالتَّثْنِيَةِ وَقَوْله \" عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ \" هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ قَالَ الْجَوْهَرِيّ كُلّ مَوْضِعٍ صَلَحَ فِيهِ \" بَيْن \" فَهُوَ وَسْطٌ بِالسُّكُونِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ فَهُوَ بِالتَّحْرِيكِ. وَفِي الْحَدِيثِ اِسْتِحْبَاب الْبُدَاءَة بِالْمَيَامِنِ فِي التَّطَهُّرِ وَبِذَلِكَ تَرْجَمَ عَلَيْهِ اِبْن خُزَيْمَة وَالْبَيْهَقِيّ. وَفِيهِ الِاجْتِزَاءُ بِالْغُسْلِ بِثَلَاثِ غُرُفَات وَتَرْجَمَ عَلَى ذَلِكَ اِبْنُ حِبَّانَ. وَسَنَذْكُرُ الْكَلَامَ عَلَى قَوْلِهِ \" فَقَالَ بِهِمَا \" فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "251",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَتْنَا ‏ ‏مَيْمُونَةُ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غُسْلًا فَأَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ ثُمَّ غَسَلَهَا ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَأَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ فَلَمْ ‏ ‏يَنْفُضْ ‏ ‏بِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُمَر بْن حَفْص ) ‏ ‏أَيْ اِبْن غِيَاثٍ كَمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيّ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( غُسْلًا ) ‏ ‏بِضَمّ أَوَّله أَيْ مَاءُ الِاغْتِسَالِ كَمَا سَبَقَ فِي بَاب الْغُسْلِ مَرَّة. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الْأَرْض ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَتِنَا وَلِلْأَكْثَرِ \" بِيَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ \" وَهُوَ مِنْ إِطْلَاق الْقَوْل عَلَى الْفِعْلِ وَقَدْ وَقَعَ إِطْلَاق الْفِعْل عَلَى الْقَوْلِ فِي حَدِيث \" لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اِثْنَتَيْنِ \" قَالَ فِيهِ فِي الَّذِي يَتْلُو الْقُرْآنَ \" لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا لَفَعَلْت مِثْلَ مَا يَفْعَلُ \" وَسَيَأْتِي فِي بَابِ نَفْضِ الْيَدَيْنِ قَرِيبًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَة عَنْ الْأَعْمَشِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ \" فَضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ \" فَيُفَسَّرُ \" قَالَ \" هُنَا بِضَرَبَ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ تَنَحَّى ) ‏ ‏أَيْ تَحَوَّلَ إِلَى نَاحِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَنْفُضُ بِهَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةٍ \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه يَعْنِي لَمْ يَتَمَسَّحْ \" وَأَنَّثَ الضَّمِيرَ عَلَى إِرَادَةِ الْخِرْقَةِ ; لِأَنَّ الْمِنْدِيلَ خِرْقَة مَخْصُوصَة وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَنْ أَفْرَغَ عَلَى يَمِينِهِ \" قَالَتْ مَيْمُونَة فَنَاوَلْته خِرْقَة \" وَبَقِيَّة مَبَاحِث الْحَدِيث تَقَدَّمَتْ فِي بَاب الْوُضُوء قَبْلَ الْغُسْلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "252",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الْحَائِطَ ثُمَّ غَسَلَهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر الْحُمَيْدِيّ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَتِنَا وَاقْتَصَرَ الْأَكْثَر عَلَى \" حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيّ \". ‏ ‏( وَسُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَغَسَلَ فَرْجَهُ ) ‏ ‏هَذِهِ الْفَاء تَفْسِيرِيَّة وَلَيْسَتْ تَعْقِبِيَّةً ; لِأَنَّ غَسْلَ الْفَرْجِ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الِاغْتِسَالِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا. وَمِنْ فَوَائِد هَذَا السِّيَاق الْإِتْيَان فِيهِ بِثُمَّ الدَّالَّة عَلَى تَرْتِيبِ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ صِفَة الْغُسْل. ‏"
    },
    {
        "id": "253",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَة ) ‏ ‏زَاد مُسْلِم \" ابْن قَعْنَبٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا وَلِكَرِيمَة \" أَخْبَرَنَا أَفْلَحُ \" ) ‏ ‏وَهُوَ اِبْن حُمَيْد كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم وَلَمْ يُخَرِّجْ الْبُخَارِيّ عَنْ أَفْلَحَ بْن سَعِيد شَيْئًا. ‏ ‏وَالْقَاسِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَتْن فِي بَاب غُسْل الرَّجُلِ مَعَ اِمْرَأَتِهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مَعَ مُغَايَرَةٍ فِي آخِرِهِ وَزَاد مُسْلِم فِي آخِرِهِ \" مِنْ الْجَنَابَةِ \" أَيْ لِأَجْلِ الْجَنَابَةِ وَلِأَبِي عَوَانَةَ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ أَفْلَحَ أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِم يَقُولُ سَمِعْت عَائِشَة.. فَذَكَرَهُ وَزَادَ فِيهِ \" وَتَلْتَقِي \" بَعْدَ قَوْلِهِ \" تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا \" فِيهِ \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاق بْن سُلَيْمَان عَنْ أَفْلَحَ \" تَخْتَلِفُ فِيهِ أَيْدِينَا \" يَعْنِي حَتَّى تَلْتَقِيَ وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِهِ \" تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ يَعْنِي وَتَلْتَقِي \" وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ \" وَتَلْتَقِي \" مُدْرَج وَسَيَأْتِي فِي بَاب تَخْلِيل الشَّعْرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهَا \" كُنَّا نَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا \" فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ قَالَ \" وَتَلْتَقِي \" بِالْمَعْنَى وَمَعْنَى \" تَخْتَلِفُ \" أَنَّهُ كَانَ يَغْتَرِفُ تَارَةً قَبْلَهَا وَتَغْتَرِفُ هِيَ تَارَةً قَبْلَهُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذَةَ عَنْ عَائِشَة \" فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ دَعْ لِي \" زَادَ النَّسَائِيّ \" وَأُبَادِرَهُ حَتَّى يَقُولَ دَعِي لِي \" وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَاز اِغْتِرَاف الْجُنُب مِنْ الْمَاءِ الْقَلِيل وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ التَّطَهُّرِ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَلَا بِمَا يَفْضُلُ مِنْهُ , وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ اِنْغِمَاس الْجُنُب فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّنْزِيهِ كَرَاهِيَة أَنْ يُسْتَقْذَرَ لَا لِكَوْنِهِ يَصِيرُ نَجِسًا بِانْغِمَاس الْجُنُب فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ جَمِيعِ بَدَن الْجُنُب وَبَيْنَ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ. وَأَمَّا تَوْجِيه الِاسْتِدْلَال بِهِ لِلتَّرْجَمَةِ فَلِأَنَّ الْجُنُبَ لَمَّا جَازَ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ; لِيَغْتَرِف بِهَا قَبْلَ اِرْتِفَاعِ حَدَثِهِ لِتَمَامِ الْغُسْلِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِغَسْلِ يَدِهِ قَبْلَ إِدْخَالِهَا لَيْسَ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى الْجَنَابَةِ بَلْ إِلَى مَا لَعَلَّهُ يَكُونُ بِيَدِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ أَوْ مَظْنُونَة. ‏"
    },
    {
        "id": "254",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسَدَّد قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة. ‏ ‏وَهِشَام ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( غَسْل يَدِهِ ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد تَامًّا عَنْ مُسَدَّدٍ بِهَذَا السَّنَدِ لَكِنْ قَالَ \" يَدَيْهِ \" بِالتَّثْنِيَةِ وَزَاد \" يَصُبُّ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى \" أَيْ مِنْ الْإِنَاءِ \" فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ يُفْرِغُ عَلَى شِمَاله ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ \" الْحَدِيثَ. وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد وَسَيَأْتِي نَحْوُهُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ عَنْ هِشَام فِي بَاب تَخْلِيل الشَّعْرِ قَالَ الْمُهَلَّب. حَمَلَ الْبُخَارِيّ أَحَادِيث الْبَاب الَّتِي لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا غَسْلَ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا عَلَى حَالِ تَيَقُّنِ نَظَافَة الْيَدِ , وَحَدِيث هِشَام - يَعْنِي هَذَا - عَلَى مَا إِذَا خَشِيَ أَنْ يَكُونَ عَلِقَ بِهَا شَيْءٌ فَاسْتَعْمَلَ مِنْ اِخْتِلَافِ الْحَدِيثَيْنِ مَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَنَفَى التَّعَارُض عَنْهُمَا. اِنْتَهَى. وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الْفِعْلُ عَلَى النَّدْبِ وَالتَّرْكُ عَلَى الْجَوَازِ. أَوْ يُقَال : حَدِيثُ التَّرْكِ مُطْلَق وَحَدِيث الْفِعْلِ مُقَيَّد فَيُحْمَلُ الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّدِ ; لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ الْفِعْلِ زِيَادَة لَمْ تُذْكَرْ فِي الْأُخْرَى. ‏"
    },
    {
        "id": "255",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ) ‏ ‏هُوَ الطَّيَالِسِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ جَنَابَةٍ ) ‏ ‏لِلْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ الْجَنَابَةِ \" أَيْ لِأَجْلِ الْجَنَابَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ \" شُعْبَة عَنْ أَبِي بَكْر بْن حَفْص \" فَلِشُعْبَةَ فِيهِ إِسْنَادَانِ إِلَى عَائِشَة حَدَّثَهُ أَحَد شَيْخَيْهِ بِهِ عَنْ عُرْوَة وَالْآخَر عَنْ الْقَاسِمِ وَقَدْ وَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن مُعَلَّقَة وَقَدْ أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَلِيدِ بِالْإِسْنَادَيْنِ وَقَالَا : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا , وَكَذَا قَالَ أَبُو مَسْعُود وَغَيْره فِي الْأَطْرَافِ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( مِثْلهُ ) ‏ ‏أَيْ مِثْل الْمَتْنِ الْمَذْكُورِ وَلِلْأَصِيلِيّ \" بِمِثْلِهِ \" بِزِيَادَةِ مُوَحَّدَةٍ فِي أَوَّلِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "256",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْمَرْأَةُ مِنْ نِسَائِهِ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏مِنْ الْجَنَابَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ) ‏ ‏هُوَ الطَّيَالِسِيّ أَيْضًا وَهَذَا إِسْنَاد ثَالِث لَهُ عَنْ شُعْبَةَ أَيْضًا فِي هَذَا الْمَتْنِ لَكِنْ مِنْ طَرِيقِ صَحَابِيٍّ آخَرَ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ بِعَيْنِهِ تَقَدَّمَ لِمَتْنٍ آخَرَ فِي بَابِ عَلَامَة الْإِيمَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْمَرْأَة ) ‏ ‏جَوَّزَ فِيهِ الرَّفْع عَلَى الْعَطْفِ وَالنَّصْبَ عَلَى الْمَعِيَّةِ وَاللَّامُ فِيهَا لِلْجِنْسِ. ‏ ‏قَوْله : ( زَاد مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله ( وَوَهْبٌ ) ‏ ‏زَادَ الْأَصِيلِيّ \" وَأَبُو الْوَقْتِ بْن جَرِير \" أَيْ اِبْن حَازِم وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَوُهَيْب بِالتَّصْغِيرِ وَأَظُنُّهُ وَهْمًا فَإِنَّ الْحَدِيثَ وُجِدَ بَعْدَ تَتَبُّعِ كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَةِ وَهْبِ بْن جَرِير وَلَمْ نَجِدْهُ مِنْ رِوَايَةِ وُهَيْب بْن خَالِد وَوَهْبُ بْن جَرِير مِنْ الرُّوَاةِ عَنْ شُعْبَة وَأَمَّا وُهَيْب فَهُوَ مِنْ أَقْرَانِهِ وَمُرَاد الْبُخَارِيّ أَنَّ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم وَوَهْبَ بْن جَرِير رَوَيَا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو الْوَلِيدِ فَزَادَا فِي آخِرِهِ \" مِنْ الْجَنَابَةِ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَةِ وَهْبِ بْن جَرِير بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "257",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏مَيْمُونَةُ ‏ ‏وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَاءً يَغْتَسِلُ بِهِ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ‏ ‏أَوْ ثَلَاثًا ‏ ‏ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَغَسَلَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى مِنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَحْبُوب ) ‏ ‏هُوَ الْبَصْرِيُّ ‏ ‏وَعَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد الْبَصْرِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَتْن مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْهُ فِي بَاب الْغُسْل مَرَّةً وَسِيَاقهمَا وَاحِد غَالِبًا إِلَّا أَنَّ فِي ذَلِكَ \" ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ \" وَفِي هَذَا \" تَنَحَّى مِنْ مَقَامِهِ \" وَهُمَا بِمَعْنًى وَأَبْدَى الْكَرْمَانِيّ مِنْ هَذَا اِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ اِغْتَسَلَ قَائِمًا. ‏"
    },
    {
        "id": "258",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غُسْلًا وَسَتَرْتُهُ فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏لَا أَدْرِي أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لَا ‏ ‏ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ ‏ ‏أَوْ بِالْحَائِطِ ‏ ‏ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَغَسَلَ رَأْسَهُ ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ فَنَاوَلْتُهُ خِرْقَةً فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَلَمْ يُرِدْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَتِهِ أَيْضًا فِي بَاب الْغُسْل مَرَّة لَكِنَّ شَيْخَهُ هُنَاكَ عَبْد الْوَاحِد وَهُنَا أَبُو عَوَانَةَ وَهُوَ الْوَضَّاحُ الْبَصْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَتَرْتُهُ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن فُضَيْل عَنْ الْأَعْمَشِ \" بِثَوْبٍ \" وَالْوَاو فِيهِ حَالِيَّة. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( فَصَبَّ ) ‏ ‏قِيلَ هُوَ مَعْطُوف عَلَى مَحْذُوف أَيْ فَأَرَادَ الْغُسْلَ فَكَشَفَ رَأْسَهُ فَأَخَذَ الْمَاء فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ قَالَهُ الْكَرْمَانِيّ. وَلَا يَتَعَيَّنُ مَا قَالَهُ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْوَضْع مُعَقَّبًا بِالصَّبِّ عَلَى ظَاهِرِهِ وَالْإِرَادَةُ وَالْكَشْفُ يُمْكِنُ كَوْنُهُمَا وَقَعَا قَبْلَ الْوَضْعِ , وَالْأَخْذُ هُوَ عَيْنُ الصَّبّ هُنَا وَالْمَعْنَى وَضَعَتْ لَهُ مَاءً فَشَرَعَ فِي الْغُسْلِ ثُمَّ شَرَحَتْ الصِّفَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُلَيْمَان ) ‏ ‏أَيْ الْأَعْمَش وَقَائِل ذَلِكَ أَبُو عَوَانَةَ وَفَاعِل \" أَذَكَرَ \" سَالِم بْن أَبِي الْجَعْدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْد الْوَاحِد وَغَيْرِهِ عَنْ الْأَعْمَشِ \" فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا \" وَلِابْنِ فُضَيْلٍ عَنْ الْأَعْمَشِ \" فَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا \" وَلَمْ يَشُكَّ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ فَكَأَنَّ الْأَعْمَشَ كَانَ يَشُكُّ فِيهِ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَجَزَمَ ; لِأَنَّ سَمَاعَ ابْنِ فُضَيْلٍ مِنْهُ مُتَأَخِّر. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ تَمَضْمَضَ ) ‏ ‏وَلِلْأَصِيلِيّ \" مَضْمَضَ \" بِغَيْرِ تَاء. ‏ ‏قَوْله : ( وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْأَكْثَرِ \" فَغَسَلَ \" بِالْفَاء. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ بِيَدِهِ ) ‏ ‏أَيْ أَشَارَ وَهُوَ مِنْ إِطْلَاق الْقَوْل عَلَى الْفِعْلِ كَمَا تَقَدَّمَ مِثْله. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يُرِدْهَا ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَإِسْكَانِ الدَّالِ مِنْ الْإِرَادَةِ وَالْأَصْل \" يُرِيدُهَا \" لَكِنْ جُزِمَ بِلَمْ , وَمَنْ قَالَهَا بِفَتْحِ أَوَّله وَتَشْدِيدِ الدَّالِ فَقَدْ صَحَّفَ وَأَفْسَدَ الْمَعْنَى وَقَدْ حَكَى فِي الْمَطَالِعِ أَنَّهَا رِوَايَةُ اِبْنِ السَّكَنِ قَالَ : وَهِيَ وَهْمٌ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد عَنْ عَفَّانَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ \" فَقَالَ هَكَذَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ لَا أُرِيدهَا \" وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَة عَنْ الْأَعْمَشِ \" فَنَاوَلْته ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ \" وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "259",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ذَكَرْتُهُ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏يَرْحَمُ اللَّهُ ‏ ‏أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا ‏ ‏يَنْضَخُ ‏ ‏طِيبًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَيَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان وَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ فِي الْقِرَاءَةِ قَبْلَ قَوْلِهِ \" عَنْ شُعْبَة \" لَفْظ \" كِلَاهُمَا \" ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْ اِبْن أَبِي عَدِيّ وَيَحْيَى رَوَاهُ لِمُحَمَّد بْن بَشَّار عَنْ شُعْبَة وَحَذْفُ كِلَاهُمَا مِنْ الْخَطِّ اِصْطِلَاحٌ. ‏ ‏قَوْله : ( ذَكَرْتُهُ ) ‏ ‏أَيْ قَوْلَ اِبْن عُمَر الْمَذْكُورَ بَعْدَ بَابٍ وَهُوَ قَوْلُهُ \" مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا \" وَقَدْ بَيَّنَهُ مُسْلِم فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْتَشِرِ قَالَ \" سَأَلْت عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ الرَّجُلِ يَتَطَيَّبُ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا \" فَذَكَرَهُ وَزَادَ \" قَالَ اِبْن عُمَر : ; لَأَنْ أُطْلَى بِقَطْرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ \" وَكَذَا سَاقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِتَمَامِهِ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ اِخْتَصَرَهُ لِكَوْن الْمَخْذُوف مَعْلُومًا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَوْ حَدَّثَهُ بِهِ مُحَمَّد بْن بَشَّار مُخْتَصَرًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَبَا عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عُمَر اِسْتَرْحَمَتْ لَهُ عَائِشَة إِشْعَارًا بِأَنَّهُ قَدْ سَهَا فِيمَا قَالَهُ إِذْ لَوْ اِسْتَحْضَرَ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَطُوفُ ) ‏ ‏كِنَايَة عَنْ الْجِمَاعِ وَبِذَلِكَ تَظْهَرُ مُنَاسَبَة الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِمَاع وَأَنْ يُرَادَ بِهِ تَجْدِيد الْعَهْدِ بِهِنَّ. قُلْت : وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ يُرَجِّحُهُ الْحَدِيث الثَّانِي ; لِقَوْلِهِ فِيهِ \" أُعْطِيَ قُوَّة ثَلَاثِينَ \" وَ \" يَطُوفُ \" فِي الْأَوَّلِ مِثْلُ \" يَدُورُ \" فِي الثَّانِي. ‏ ‏قَوْله : ( يَنْضَخُ ) ‏ ‏بِفَتْح أَوَّله وَبِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْخَاء الْمُعْجَمَةِ قَالَ الْأَصْمَعِيّ : النَّضْخُ بِالْمُعْجَمَةِ أَكْثَر مِنْ النَّضْحِ بِالْمُهْمَلَةِ. وَسَوَّى بَيْنَهُمَا أَبُو زَيْد وَقَالَ اِبْن كَيْسَان : إِنَّهُ بِالْمُعْجَمَةِ لِمَا ثَخُنَ وَبِالْمُهْمَلَةِ ; لِمَا رَقَّ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ عَيْنَ الطِّيبِ بَقِيَتْ بَعْدَ الْإِحْرَامِ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : بِحَيْثُ إنَّهُ صَارَ كَأَنَّهُ يَتَسَاقَطُ مِنْهُ الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ. وَسَنَذْكُرُ حُكْمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَاب الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "260",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِأَنَسٍ ‏ ‏أَوَكَانَ يُطِيقُهُ قَالَ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏حَدَّثَهُمْ ‏ ‏تِسْعُ نِسْوَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مُعَاذ بْن هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ ) ‏ ‏الْمُرَاد بِهَا قَدْر مِنْ الزَّمَانِ لَا مَا اِصْطَلَحَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْهَيْئَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ) ‏ ‏الْوَاو بِمَعْنَى \" أَوْ \" جَزَمَ بِهِ الْكَرْمَانِيّ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى بَابِهَا بِأَنْ تَكُونَ تِلْكَ السَّاعَة جُزْءًا مِنْ آخِرِ أَحَدهمَا وَجُزْءًا مِنْ أَوَّلِ الْآخَرِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن خُزَيْمَة : تَفَرَّدَ بِذَلِكَ مُعَاذ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ وَرَوَاهُ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة وَغَيْرُهُ عَنْ قَتَادَة فَقَالُوا \" تِسْع نِسْوَة \". اِنْتَهَى. وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيّ إِلَى رِوَايَةِ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة فَعَلَّقَهَا هُنَا وَوَصَلَهَا بَعْد اِثْنَيْ عَشَر بَابًا بِلَفْظ \" كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْع نِسْوَة \" وَقَدْ جَمَعَ اِبْن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى حَالَتَيْنِ لَكِنَّهُ وَهِمَ فِي قَوْلِهِ \" أَنَّ الْأُولَى كَانَتْ فِي أَوَّلِ قُدُومِهِ الْمَدِينَة حَيْثُ كَانَ تَحْتَهُ تِسْع نِسْوَة وَالْحَالَةَ الثَّانِيَةَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ حَيْثُ اِجْتَمَعَ عِنْدَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ اِمْرَأَة \" وَمَوْضِع الْوَهْم مِنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ اِمْرَأَةٌ سِوَى سَوْدَة ثُمَّ دَخَلَ عَلَى عَائِشَة بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ تَزَوَّجَ أُمّ سَلَمَة وَحَفْصَةَ وَزَيْنَب بِنْت خُزَيْمَة فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ ثُمَّ تَزَوَّجَ زَيْنَب بِنْت جَحْش فِي الْخَامِسَةِ ثُمَّ جُوَيْرِيَة فِي السَّادِسَةِ ثُمَّ صَفِيَّة وَأُمّ حَبِيبَة وَمَيْمُونَة فِي السَّابِعَةِ وَهَؤُلَاءِ جَمِيع مَنْ دَخَلَ بِهِنَّ مِنْ الزَّوْجَاتِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَاخْتُلِفَ فِي رَيْحَانَةَ وَكَانَتْ مِنْ سَبْيِ بَنِي قُرَيْظَة فَجَزَمَ اِبْن إِسْحَاق بِأَنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَاب فَاخْتَارَتْ الْبَقَاءَ فِي مِلْكِهِ وَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهَا مَاتَتْ قَبْلَهُ فِي سَنَة عَشْر وَكَذَا مَاتَتْ زَيْنَب بِنْت خُزَيْمَة بَعْدَ دُخُولِهَا عَلَيْهِ بِقَلِيل قَالَ ابْن عَبْدِ الْبَرِّ : مَكَثَتْ عِنْدَهُ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة. فَعَلَى هَذَا لَمْ يَجْتَمِعْ عِنْدَهُ مِنْ الزَّوْجَاتِ أَكْثَر مِنْ تِسْع مَعَ أَنَّ سَوْدَة كَانْت وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَة كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ فَرَجَحَتْ رِوَايَةُ سَعِيد. لَكِنْ تُحْمَلُ رِوَايَةُ هِشَام عَلَى أَنَّهُ ضَمَّ مَارِيَة وَرَيْحَانَة إِلَيْهِنَّ وَأَطْلَقَ عَلَيْهِنَّ لَفْظَ \" نِسَائِهِ \" تَغْلِيبًا. وَقَدْ سَرَدَ الدِّمْيَاطِيّ - فِي السِّيرَةِ الَّتِي جَمَعَهَا - مَنْ اِطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَزْوَاجِهِ مِمَّنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ عَقَدَ عَلَيْهَا فَقَطْ أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ خَطَبَهَا وَلَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا فَبَلَغَتْ ثَلَاثِينَ وَفِي الْمُخْتَارَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَس \" تَزَوَّحَ خَمْس عَشْرَة : دَخَلَ مِنْهُنَّ بِإِحْدَى عَشْرَةَ وَمَاتَ عَنْ تِسْع \". وَسَرَدَ أَسْمَاءَهُنَّ أَيْضًا أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمُرِيّ ثُمَّ مُغَلْطَايْ فَزِدْنَ عَلَى الْعَدَدِ الَّذِي ذَكَرَهُ الدِّمْيَاطِيُّ وَأَنْكَرَ اِبْن الْقَيِّمِ ذَلِكَ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْكَثْرَةَ الْمَذْكُورَةَ مَحْمُولَة عَلَى اِخْتِلَافٍ فِي بَعْضِ الْأَسْمَاءِ وَبِمُقْتَضَى ذَلِكَ تَنْقُصُ الْعِدَّة. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوَكَانَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاوِ هُوَ مَقُول قَتَادَة وَالْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَمُمَيَّز ثَلَاثِينَ مَحْذُوفٌ أَيْ ثَلَاثِينَ رَجُلًا وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى مِنْ مُعَاذ بْن هِشَام \" أَرْبَعِينَ \" بَدَل ثَلَاثِينَ وَهِيَ شَاذَّةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ فِي مَرَاسِيل طَاوُس مِثْل ذَلِكَ وَزَادَ \" فِي الْجِمَاعِ \" وَفِي صِفَةِ الْجَنَّةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد مِثْله وَزَادَ \" مِنْ رِجَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ \" وَمِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَرَفَعَهُ \" أُعْطِيت قُوَّة أَرْبَعِينَ فِي الْبَطْشِ وَالْجِمَاعِ \" وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ زَيْد بْن أَرْقَم رَفَعَهُ \" إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُعْطَى قُوَّة مِائَة فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَالشَّهْوَةِ \" فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حِسَاب قُوَّة نَبِيِّنَا أَرْبَعَة آلَاف. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة كَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا أَنَّ الْأَصِيلِيّ قَالَ : إِنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَة \" شُعْبَة \" بَدَلَ سَعِيد قَالَ \" وَفِي عَرْضِنَا عَلَى أَبِي زَيْد بِمَكَّةَ سَعِيد \" قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيُّ وَهُوَ الصَّوَابُ. قُلْت : وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ وَصَلَ رِوَايَةَ سَعِيد وَأَمَّا رِوَايَةُ شُعْبَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ قَتَادَة فَقَدْ وَصَلَهَا الْإِمَامُ أَحْمَد. قَالَ اِبْن الْمُنِير : لَيْسَ فِي حَدِيثِ دَوَرَانِهِ عَلَى نِسَائِهِ دَلِيل عَلَى التَّرْجَمَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ طَافَ عَلَيْهِنَّ وَاغْتَسَلَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ عَنْ كُلِّ فِعْلَة غُسْلًا. قَالَ وَالِاحْتِمَال فِي رِوَايَة اللَّيْلَةِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي السَّاعَةِ. قُلْت : التَّقْيِيدُ بِاللَّيْلَةِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ عَائِشَة وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَس فَحَيْثُ جَاءَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِاللَّيْلَةِ قَيَّدَ الِاغْتِسَال بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ. كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَاتٍ لِلنَّسَائِيِّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حِبَّانَ وَوَقَعَ التَّقْيِيدُ بِالْغُسْلِ الْوَاحِدِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ اللَّيْلَةِ فِي رِوَايَاتٍ أُخْرَى لَهُمْ وَلِمُسْلِم وَحَيْثُ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَس التَّقْيِيد بِالسَّاعَةِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْيِيد الْغُسْل بِالْمَرَّةِ ; لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ أَوْ يَتَعَسَّرُ وَحَيْثُ جَاءَ فِيهَا تَكْرَار الْمُبَاشَرَة وَالْغُسْل مَعًا وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي التَّرْجَمَةِ \" فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ \" أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا فِيمَا أَخْرَجَهُ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ وَيُحْمَلُ الْمُطْلَق فِي حَدِيثِ عَائِشَة عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَدِيثِ أَنَس لِيَتَوَافَقَا وَمِنْ لَازِم جِمَاعهنَّ فِي السَّاعَةِ أَوْ اللَّيْلَة الْوَاحِدَة عَوْدُ الْجِمَاع كَمَا تَرْجَمَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب النِّكَاح عَلَى اِسْتِحْبَاب الِاسْتِكْثَار مِنْ النِّسَاءِ وَأَشَارَ فِيهِ إِلَى أَنَّ الْقَسْمَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ طَوَائِف مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , وَبِهِ جَزَمَ الْإِصْطَخْرِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَشْهُور عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ الْوُجُوب وَيَحْتَاجُ مَنْ قَالَ بِهِ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ بِرِضَا صَاحِبَة النَّوْبَة كَمَا اِسْتَأْذَنَهُنَّ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَة وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ يَحْصُلُ عِنْدَ اِسْتِيفَاء الْقِسْمَة ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْقِسْمَةَ , وَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ إِقْبَالِهِ مِنْ سَفَر ; لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا سَافَرَ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ فَيُسَافِرُ بِمَنْ يَخْرُجُ سَهْمُهَا فَإِذَا اِنْصَرَفَ اِسْتَأْنَفَ وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ أَلْيَق بِحَدِيثِ عَائِشَة وَكَذَا الثَّانِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ يَقَعُ قَبْلَ وُجُوبِ الْقِسْمَةِ ثُمَّ تَرَكَ بَعْدَهَا. وَأَغْرَبَ اِبْن الْعَرَبِيِّ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ خَصَّ نَبِيَّهُ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّهُ أَعْطَاهُ سَاعَة فِي كُلِّ يَوْمٍ لَا يَكُونُ لِأَزْوَاجِهِ فِيهَا حَقّ يَدْخُلُ فِيهَا عَلَى جَمِيعِهِنَّ فَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ثُمَّ يَسْتَقِرُّ عِنْدَ مَنْ لَهَا النَّوْبَةُ وَكَانَتْ تِلْكَ السَّاعَة بَعْدَ الْعَصْرِ فَإِنْ اِشْتَغَلَ عَنْهَا كَانَتْ بَعْدَ الْمَغْرِبِ , وَيَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ مَا ذَكَرَهُ مُفَصَّلًا. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ غَيْر مَا تَقَدَّمَ مَا أُعْطِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقُوَّةِ عَلَى الْجِمَاعِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ الْبِنْيَةِ وَصِحَّة الذُّكُورِيَّة وَالْحِكْمَة فِي كَثْرَةِ أَزْوَاجِهِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي لَيْسَتْ ظَاهِرَةً يَطَّلِعْنَ عَلَيْهَا فَيَنْقُلْنَهَا وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَة مِنْ ذَلِكَ الْكَثِير الطَّيِّب , وَمِنْ ثَمَّ فَضَّلَهَا بَعْضهمْ عَلَى الْبَاقِيَاتِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْنُ التِّينِ لِقَوْلِ مَالِكٍ بِلُزُوم الظِّهَار مِنْ الْإِمَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّائِدَتَيْنِ عَلَى التِّسْعِ مَارِيَة وَرَيْحَانَة وَقَدْ أَطْلَقَ عَلَى الْجَمِيعِ لَفْظَ نِسَائِهِ تُعُقِّبَ بِأَنَّ الْإِطْلَاقَ الْمَذْكُورَ لِلتَّغْلِيبِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّة لِمَا اِدَّعَى وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن الْمُنِير عَلَى جَوَازِ وَطْءِ الْحُرَّةِ بَعْدَ الْأَمَةِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ بَيْنَهُمَا وَلَا غَيْره وَالْمَنْقُول عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَتَأَكَّدُ الِاسْتِحْبَاب فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ لِبَيَان الْجَوَاز فَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "261",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَسَأَلَ فَقَالَ ‏ ‏تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ) ‏ ‏هُوَ الطَّيَالِسِيّ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ السُّلَمِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( مَذَّاء ) ‏ ‏صِيغَة مُبَالَغَة مِنْ الْمَذْيِ يُقَالُ مَذَى يَمْذِي مِثْلُ مَضَى يَمْضِي ثُلَاثِيًّا وَيُقَالُ أَيْضًا أَمْذَى يُمْذِي بِوَزْنِ أَعْطَى يُعْطِي رُبَاعِيًّا. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرْتُ رَجُلًا ) ‏ ‏هُوَ الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَاب الْوُضُوء مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَزَادَ فِيهِ \" فَاسْتَحْيَيْت أَنْ أَسْأَلَ \". ‏ ‏قَوْله : ( لِمَكَانِ اِبْنَتِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيّ \" مِنْ أَجْلِ فَاطِمَة \" رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( تَوَضَّأْ ) ‏ ‏هَذَا الْأَمْر بِلَفْظ الْإِفْرَاد يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمِقْدَادَ سَأَلَ لِنَفْسِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ لِمُبْهَمٍ أَوْ لِعَلِيٍّ فَوَجَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخِطَاب إِلَيْهِ. وَالظَّاهِر أَنَّ عَلِيًّا كَانَ حَاضِر السُّؤَال فَقَدْ أَطْبَقَ أَصْحَاب الْمَسَانِيد وَالْأَطْرَاف عَلَى إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي مُسْنَدِ عَلِيّ وَلَوْ حَمَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ لَأَوْرَدُوهُ فِي مُسْنَد الْمِقْدَاد. وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيّ قَالَ \" فَقُلْت لِرَجُلٍ جَالِسٍ إِلَى جَنْبِي سَلْهُ فَسَأَلَهُ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" فَقَالَ : يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ \" بِلَفْظِ الْغَائِبِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَال الْمِقْدَاد وَقَعَ عَلَى الْإِبْهَامِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ فَفِي مُسْلِمٍ أَيْضًا \" فَسَأَلَهُ عَنْ الْمَذْيِ يَخْرُجُ مِنْ الْإِنْسَانِ \" وَفِي الْمُوَطَّأِ نَحْوُهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة ذِكْرُ سَبَب ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنِ بْن قَبِيصَةٍ عَنْ عَلِيّ قَالَ \" كُنْت رَجُلًا مَذَّاء فَجَعَلْت أَغْتَسِلُ مِنْهُ فِي الشِّتَاءِ حَتَّى تَشَقَّقَ ظَهْرِي فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَفْعَلْ \" وَلِأَبِي دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة مِنْ حَدِيثِ سَهْل بْن حُنَيْفٍ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ نَحْوُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ \" أَمَرْتُ عَمَّارًا أَنْ يَسْأَلَ \" وَفِي رِوَايَةٍ لِابْن حِبَّانَ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ \" سَأَلْت \". وَجَمَعَ اِبْن حِبَّانَ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ عَمَّارًا أَنْ يَسْأَلَ ثُمَّ أَمَرَ الْمِقْدَاد بِذَلِكَ ثُمَّ سَأَلَ بِنَفْسِهِ , وَهُوَ جَمْعٌ جَيِّدٌ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى آخِرِهِ ; لِكَوْنِهِ مُغَايِرًا لِقَوْلِهِ إِنَّهُ اِسْتَحْيَى مِنْ السُّؤَالِ بِنَفْسِهِ لِأَجْلِ فَاطِمَة فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ بِأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ أَطْلَقَ أَنَّهُ سَأَلَ لِكَوْنِهِ الْآمِرَ بِذَلِكَ وَبِهَذَا جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ ثُمَّ النَّوَوِيُّ وَيُؤَيِّدُ أَنَّهُ أَمَرَ كُلًّا مِنْ الْمِقْدَادِ وَعَمَّارًا بِالسُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيقِ عَائِش بْن أَنَس قَالَ \" تَذَاكَرَ عَلِيّ وَالْمِقْدَاد وَعَمَّار الْمَذْي فَقَالَ عَلِيّ : إِنَّنِي رَجُل مَذَّاء فَاسْأَلَا عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ أَحَد الرَّجُلَيْنِ \" وَصَحَّحَ اِبْن بَشْكُوَال أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى السُّؤَالَ عَنْ ذَلِكَ هُوَ الْمِقْدَادُ وَعَلَى هَذَا فَنِسْبَة عَمَّار إِلَى أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ مَحْمُولَة عَلَى الْمَجَازِ أَيْضًا ; لِكَوْنِهِ قَصَدَهُ لَكِنْ تَوَلَّى الْمِقْدَاد الْخِطَاب دُونَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" تَوَضَّأْ \" عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ بِخُرُوج الْمَذْي وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ وَهُوَ إِجْمَاع وَعَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ كَالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنْ الْبَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ اِسْتِدْلَال الْمُصَنِّفِ بِهِ فِي بَاب : مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوء إِلَّا مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ وَحَكَى الطَّحَاوِيّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيّ قَالَ : سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَذْيِ فَقَالَ \" فِيهِ الْوُضُوء وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْل \" فَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ حُكْمَ الْمَذْيِ حُكْمُ الْبَوْل وَغَيْره مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ لَا أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ بِمُجَرَّدِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاغْسِلْ ذَكَرَك ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ تَقْدِيم الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِهِ وَوَقَعَ فِي الْعُمْدَةِ نِسْبَة ذَلِكَ إِلَى الْبُخَارِيِّ بِالْعَكْسِ لَكِنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ فَالْمَعْنَى وَاحِد وَهِيَ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَيَجُوزُ تَقْدِيم غَسْله عَلَى الْوُضُوءِ وَهُوَ أَوْلَى وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِهِ لَكِنْ مَنْ يَقُولُ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّهِ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَائِل وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى تَعَيُّنِ الْمَاء فِيهِ دُونَ الْأَحْجَارِ وَنَحْوِهَا ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يُعَيِّنُ الْغَسْلَ , وَالْمُعَيَّنُ لَا يَقَعُ الِامْتِثَال إِلَّا بِهِ وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيّ فِي شَرْحِ مُسْلِم وَصَحَّحَ فِي بَاقِي كُتُبِهِ جَوَاز الِاقْتِصَار إِلْحَاقًا بِالْبَوْلِ وَحَمْلًا لِلْأَمْرِ بِغَسْلِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِبِ , وَهَذَا الْمَعْرُوف فِي الْمَذْهَبِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى إِيجَابِ اِسْتِيعَابِهِ بِالْغَسْلِ عَمَلًا بِالْحَقِيقَةِ لَكِنَّ الْجُمْهُورَ نَظَرُوا إِلَى الْمَعْنَى فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِغَسْلِهِ إِنَّمَا هُوَ خُرُوجُ الْخَارِجِ فَلَا تَجِبُ الْمُجَاوَزَة إِلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَة \" فَقَالَ تَوَضَّأْ وَاغْسِلْهُ \" فَأَعَادَ الضَّمِير عَلَى الْمَذْيِ وَنَظِيرُ هَذَا قَوْله \" مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ \" فَإِنَّ النَّقْضَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَسّ جَمِيعه وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ غَسْل جَمِيعه هَلْ هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى أَوْ لِلتَّعَبُّدِ ؟ فَعَلَى الثَّانِي تَجِبُ النِّيَّة فِيهِ قَالَ الطَّحَاوِيّ : لَمْ يَكُنْ الْأَمْر بِغَسْلِهِ لِوُجُوبِ غَسْلِهِ كُلّه بَلْ لِيَتَقَلَّص فَيَبْطُلُ خُرُوجه كَمَا فِي الضَّرْعِ إِذَا غُسِلَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ يَتَفَرَّقُ لَبَنه إِلَى دَاخِلِ الضَّرْعِ فَيَنْقَطِعُ بِخُرُوجِهِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى نَجَاسَة الْمَذْي وَهُوَ ظَاهِرٌ وَخَرَّجَ اِبْن عَقِيل الْحَنْبَلِيُّ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ : إِنَّ الْمَذْيَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَنِيِّ رِوَايَةً بِطَهَارَتِهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنِيًّا لَوَجَبَ الْغُسْلُ مِنْهُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ بِهِ سَلَس الْمَذْي ; لِلْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مَعَ الْوَصْفِ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْكَثْرَةِ وَتَعَقَّبَهُ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ الْكَثْرَةَ هُنَا نَاشِئَةٌ عَنْ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ مَعَ صِحَّةِ الْجَسَدِ بِخِلَافِ صَاحِبِ السَّلَسِ فَإِنَّهُ يَنْشَأُ عَنْ عِلَّةٍ فِي الْجَسَدِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : أَمَرَ الشَّارِع بِالْوُضُوءِ مِنْهُ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ فَدَلَّ عَلَى عُمُومِ الْحُكْمِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَعَلَى جَوَاز الِاعْتِمَاد عَلَى الْخَبَرِ الْمَظْنُونِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَقْطُوعِ وَفِيهِمَا نَظَرٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ بِحَضْرَةِ عَلِيّ ثُمَّ لَوْ صَحَّ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ فِي غَيْبَتِهِ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلَى الْمُدَّعَى لِاحْتِمَالِ وُجُودِ الْقَرَائِنِ الَّتِي تَحُفُّ الْخَبَر فَتُرَقِّيهِ عَنْ الظَّنِّ إِلَى الْقَطْعِ قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض. وَقَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : الْمُرَادُ بِالِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مَعَ كَوْنِهِ خَبَر وَاحِد أَنَّهُ صُورَةٌ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي تَدُلُّ وَهِيَ كَثِيرَةٌ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِجُمْلَتِهَا لَا بِفَرْدٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا. وَفِيهِ جَوَاز الِاسْتِنَابَة فِي الِاسْتِفْتَاءِ وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَاز دَعْوَى الْوَكِيلِ بِحَضْرَة مُوَكِّله وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَة عَلَيْهِ مِنْ حُرْمَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَوْقِيره وَفِيهِ اِسْتِعْمَالُ الْأَدَبِ فِي تَرْكِ الْمُوَاجَهَةِ بِمَا يُسْتَحَى مِنْهُ عُرْفًا وَحُسْن الْمُعَاشَرَةِ مَعَ الْأَصْهَارِ وَتَرْك ذِكْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِجِمَاعِ الْمَرْأَةِ وَنَحْوِهِ بِحَضْرَةِ أَقَارِبِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ اِسْتِدْلَال الْمُصَنِّفِ بِهِ فِي الْعِلْمِ لِمَنْ اِسْتَحْيَى فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ ; لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ : اِسْتِعْمَال الْحَيَاءِ وَعَدَم التَّفْرِيطِ فِي مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "262",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الْحَدِيثِ قَبْلَ بَاب وَمَوْضِع الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ قَوْلَهَا \" طَافَ فِي نِسَائِهِ \" كِنَايَة عَنْ الْجِمَاعِ وَمِنْ لَازِمِهِ الِاغْتِسَال. وَقَدْ ذَكَرَتْ أَنَّهَا طَيَّبَتْهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ أَصْبَحَ مُحْرِمًا. وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَيْضًا وُقُوع رَدِّ بَعْض الصَّحَابَةِ عَلَى بَعْضٍ بِالدَّلِيلِ وَاطِّلَاع أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَة وَخِدْمَةُ الزَّوْجَات لِأَزْوَاجِهِنَّ وَالتَّطَيُّب عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَسَيَأْتِي فِي الْحَجِّ. وَقَالَ اِبْن بَطَّالٍ : فِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ اِتِّخَاذ الطِّيبِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عِنْدَ الْجِمَاعِ. ‏"
    },
    {
        "id": "263",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُحْرِمٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحَكَمُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عُتَيْبَة هُوَ وَشَيْخه إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَشَيْخه الْأَسْوَد بْن يَزِيد فُقَهَاءُ كُوفِيُّونَ تَابِعِيُّونَ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( وَبِيص ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا يَاء تَحْتَانِيَّة ثُمَّ صَاد مُهْمَلَة هُوَ الْبَرِيقُ وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَبِيص الطِّيب تَلَأْلُؤُهُ وَذَلِكَ لِعَيْنٍ قَائِمَةٍ لَا لِلرِّيحِ فَقَطْ. ‏ ‏قَوْله : ( مَفْرِق ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا. وَدَلَالَةُ هَذَا الْمَتْن عَلَى التَّرْجَمَةِ إِمَّا لِكَوْنِهَا قِصَّةً وَاحِدَةً وَإِمَّا لِأَنَّ مِنْ سُنَنِ الْإِحْرَامِ الْغُسْلَ عِنْدَهُ وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُهُ. وَفِيهِ أَنَّ بَقَاءَ الطِّيبِ عَلَى بَدَن الْمُحْرِم لَا يَضُرُّ بِخِلَاف اِبْتِدَائِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ. ‏"
    },
    {
        "id": "264",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اغْتَسَلَ ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ‏ ‏وَقَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ نَغْرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا اِغْتَسَلَ ) ‏ ‏أَيْ أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا ظَنَّ) ‏ ‏يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِهِ وَيُكْتَفَى فِيهِ بِالْغَلَبَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى عَلِمَ. ‏ ‏قَوْله ( أَرْوَى ) ‏ ‏هُوَ فِعْلٌ مَاضٍ مِنْ الْإِرْوَاءِ يُقَالُ أَرْوَاهُ إِذَا جَعَلَهُ رَيَّانًا وَالْمُرَادُ بِالْبَشَرَةِ هُنَا مَا تَحْتَ الشَّعْرِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَفَاضَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى شَعْرِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ غَسَلَ سَائِر جَسَده ) ‏ ‏أَيْ بَقِيَّة جَسَدِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِك عَنْ هِشَام فِي أَوَّلِ كِتَاب الْغُسْل هُنَا \" عَلَى جِلْدِهِ كُلّه \" فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ سَائِر هُنَا بِمَعْنَى الْجَمِيع جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ. وَبَقِيَّةُ مَبَاحِث الْحَدِيث تَقَدَّمَتْ هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَتْ ) ‏ ‏أَيْ عَائِشَة \" وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ مُتَّصِلٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله : ( نَغْرِفُ ) ‏ ‏إِسْكَان الْمُعْجَمَة بَعْدَهَا رَاء مَكْسُورَة وَلَهُ فِي الِاعْتِصَامِ \" نَشْرَعُ فِيهِ جَمِيعًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه فِي بَاب : هَلْ يُدْخِلُ الْجُنُب يَده فِي الطَّهُورِ. ‏"
    },
    {
        "id": "265",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ عِيسَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَضُوءًا لِجَنَابَةٍ ‏ ‏فَأَكْفَأَ ‏ ‏بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ ‏ ‏أَوْ ثَلَاثًا ‏ ‏ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ ‏ ‏أَوْ الْحَائِطِ ‏ ‏مَرَّتَيْنِ ‏ ‏أَوْ ثَلَاثًا ‏ ‏ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ قَالَتْ فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا ) ‏ ‏وَلِأَبِي ذَرٍّ ( حَدَّثَنَا الْفَضْل. ‏ ‏قَوْله : ( وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُضُوء الْجَنَابَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْإِضَافَةِ , وَلِكَرِيمَة \" وُضُوءًا \" بِالتَّنْوِينِ \" لِجَنَابَةٍ \" بِلَامٍ وَاحِدَةٍ وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" جَنَابَة \" وَلِرَفِيقَيْهِ \" وُضِعَ \" عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ \" لِرَسُولِ اللَّهِ \" بِزِيَادَة اللَّام أَيْ لِأَجْلِهِ \" وُضُوء \" بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَفَأَ ) ‏ ‏وَلِغَيْر أَبِي ذَرٍّ \" فَأَكْفَأَ \" أَيْ قَلَبَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى يَسَارِهِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي وَكَرِيمَة \" عَلَى شِمَالِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( ضَرَبَ يَده بِالْأَرْضِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" ضَرْب بِيَدِهِ الْأَرْض \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : حَدِيثُ عَائِشَة الَّذِي فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَلْيَق بِالتَّرْجَمَةِ ; لِأَنَّ فِيهِ \" ثُمَّ غَسَلَ سَائِر جَسَدِهِ \" وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ فَفِيهِ \" ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ \" فَدَخَلَ فِي عُمُومِهِ مَوَاضِع الْوُضُوء فَلَا يُطَابِقُ قَوْله \" وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِع الْوُضُوء \" وَأَجَابَ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ وَالْعُرْفِ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ يَخُصُّ أَعْضَاء الْوُضُوءِ فَإِنَّ تَقْدِيم غَسْلِ أَعْضَاء الْوُضُوء وَعُرْف النَّاس مِنْ مَفْهُومِ الْجَسَدِ إِذَا أُطْلِقَ بَعْدَهُ يُعْطِي ذَلِكَ ا ه. وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه. وَأَجَابَ اِبْن التِّينِ بِأَنَّ مُرَاد الْبُخَارِيّ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ \" ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ \" أَيْ مَا بَقِيَ مِنْ جَسَدِهِ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. وَهَذَا فِيهِ نَظَر ; لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ غَيْر تِلْكَ الْقِصَّةِ كَمَا قَدَّمْنَا فِي أَوَائِل الْغُسْلِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : لَفْظ \" جَسَده \" شَامِل لِجَمِيعِ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ الْحَدِيث السَّابِق أَوْ الْمُرَاد هُنَا بِسَائِر جَسَده أَيْ بَاقِيهِ بَعْدَ الرَّأْسِ لَا أَعْضَاء الْوُضُوء. قُلْت : وَمِنْ لَازِمِ هَذَا التَّقْدِيرِ أَنَّ الْحَدِيثَ غَيْر مُطَابِقٍ لِلتَّرْجَمَةِ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ حَمَلَ قَوْله \" ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ \" عَلَى الْمَجَازِ أَيْ مَا بَقِيَ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْله بَعْدُ \" فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ \" إِذْ لَوْ كَانَ قَوْله \" غَسَلَ جَسَدَهُ \" مَحْمُولًا عَلَى عُمُومِهِ لَمْ يَحْتَجْ لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ ثَانِيًا ; لِأَنَّ غَسْلَهُمَا كَانَ يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ وَهَذَا أَشْبَه بِتَصَرُّفَات الْبُخَارِيّ إِذْ مِنْ شَأْنه الِاعْتِنَاء بِالْأَخْفَى أَكْثَر مِنْ الْأَجْلَى. وَاسْتَنْبَطَ اِبْن بَطَّالٍ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِع الْوُضُوء إِجْزَاء غُسْل الْجُمْعَةِ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَإِجْزَاء الصَّلَاة بِالْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ لِمَنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ التَّجْدِيدِ مُحْدِثًا. ‏ ‏وَالِاسْتِنْبَاط الْمَذْكُور مَبْنِيّ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ الْوَاقِعَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ سُنَّةٌ وَأَجْزَأَ مَعَ ذَلِكَ عَنْ غَسْلِ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ بَعْدَهُ. وَهِيَ دَعْوَى مَرْدُودَةٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النِّيَّةِ فَمَنْ نَوَى غَسْل الْجَنَابَةِ وَقَدَّمَ أَعْضَاء الْوُضُوء لِفَضِيلَتِهِ ثُمَّ غَسَلَهُ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ الْمَذْكُورُ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( يَنْفُضُ الْمَاء بِيَدِهِ ) ‏ ‏سَقَطَ \" الْمَاء \" مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَلِلْأَصِيلِيّ \" فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ. وَبَاقِي مَبَاحِث الْمَتْن تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْغُسْلِ. وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ‏"
    },
    {
        "id": "266",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتْ الصُّفُوفُ قِيَامًا فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ فَقَالَ لَنَا ‏ ‏مَكَانَكُمْ ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيّ ‏ ‏وَيُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد. ‏ ‏قَوْله : ( وَعُدِّلَتْ ) ‏ ‏أَيْ سُوِّيَتْ وَكَانَ مِنْ شَأْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يُكَبِّرَ حَتَّى تَسْتَوِيَ الصُّفُوفُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَر ) ‏ ‏أَيْ تَذَكَّرَ لَا أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَفْظًا وَعِلْم الرَّاوِي بِذَلِكَ مِنْ قَرَائِنِ الْحَالِ أَوْ بِإِعْلَامِهِ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَةِ صَالِح بْن كَيْسَان عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّلَاةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَنَا : مَكَانَكُمْ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ : إِلْزَمُوا مَكَانكُمْ. وَفِيهِ إِطْلَاق الْقَوْل عَلَى الْفِعْلِ فَإِنَّ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ مَكَانَكُمْ \" وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَمَعَ بَيْنَ الْكَلَامِ وَالْإِشَارَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَأْسه يَقْطُرُ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ مَاءِ الْغُسْلِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ \" فَكَبَّرَ \" الِاكْتِفَاء بِالْإِقَامَةِ السَّابِقَةِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَاز التَّخَلُّل الْكَثِير بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَسَيَأْتِي مَعَ بَقِيَّةِ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ قُبَيْل أَبْوَاب صَلَاة الْجَمَاعَةِ بَعْدَ أَبْوَابِ الْأَذَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَبْد الْأَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عَبْد الْأَعْلَى الْبَصْرِيُّ وَرِوَايَته مَوْصُولَة عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَد عَنْهُ وَقَدْ تَابَعَ عُثْمَان بْن عُمَر رَاوِيَهُ عَنْ يُونُسَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن وَهْبٍ عِنْد مُسْلِم وَهَذِهِ مُتَابَعَة تَامَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ ) ‏ ‏رِوَايَته مَوْصُولَة عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي أَوَائِل أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ السَّبَبَ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَابَعَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ رَوَاهُ كَوْن الْمُتَابَعَة وَقَعَتْ بِلَفْظِهِ وَالرِّوَايَةِ بِمَعْنَاهُ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ بَلْ هُوَ مِنْ التَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "267",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْأَعْمَشَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏مَيْمُونَةُ ‏ ‏وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غُسْلًا فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ فَضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ فَمَسَحَهَا ثُمَّ غَسَلَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَة ) ‏ ‏هُوَ السُّكَّرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ نَفْضِ مَاء الْغَسِيلِ وَالْوُضُوءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَوَائِل الْغُسْلِ وَهُوَ ظَاهِر. وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ مَرْوَزِيَّانِ : عَبْدَان وَشَيْخُهُ وَكُوفِيَّانِ الْأَعْمَش وَشَيْخُهُ وَمَدَنِيَّانِ كُرَيْب وَشَيْخُهُ وَفِيمَا قَبْلَهُ بِبَابٍ كَذَلِكَ لِأَنَّ يُوسُف بْن عِيسَى وَشَيْخه مَرْوَزِيَّانِ وَفِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ بَصْرِيَّانِ : مُوسَى وَأَبُو عَوَانَةَ وَكَذَا مُوسَى وَعَبْد الْوَاحِد وَكَذَا مُحَمَّد بْن مَحْبُوب وَعَبْد الْوَاحِد وَفِيمَا قَبْل أَيْضًا مَكِّيَّانِ : الْحُمَيْدِيُّ وَسُفْيَانُ وَكُلّهمْ رَوَوْهُ عَنْ الْأَعْمَشِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. ‏"
    },
    {
        "id": "268",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏إِذَا أَصَابَتْ إِحْدَانَا جَنَابَةٌ أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا ثَلَاثًا فَوْقَ رَأْسِهَا ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِهَا عَلَى شِقِّهَا الْأَيْمَنِ وَبِيَدِهَا الْأُخْرَى عَلَى شِقِّهَا الْأَيْسَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ) ‏ ‏هَذَا مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيّ وَهُوَ كُوفِيٌّ سَكَنَ مَكَّةَ وَمَنْ فَوْقَهُ إِلَى عَائِشَة مَكِّيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَفِيَّة ) ‏ ‏وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" أَنَّهُ سَمِعَ صَفِيَّة \" وَهِيَ مِنْ صِغَار الصَّحَابَة وَأَبُوهَا شَيْبَة هُوَ اِبْن عُثْمَان الْحَجَبِيّ الْعَبْدَرِيّ صَحَابِيّ مَشْهُور. ‏ ‏قَوْله : ( أَصَابَ ) ‏ ‏وَلِكَرِيمَة \" أَصَابَتْ \" ( ‏ ‏إِحْدَانَا ) ‏ ‏أَيْ أَزْوَاج النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْحَدِيثِ حُكْمُ الرَّفْع ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ اِطِّلَاع النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مَصِيرٌ مِنْ الْبُخَارِيِّ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ \" كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا \" حُكْم الرَّفْعِ سَوَاء صَرَّحَ بِإِضَافَتِهِ إِلَى زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ لَا وَبِهِ جَزَمَ الْحَاكِمُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا ) ‏ ‏وَلِكَرِيمَة \" بِيَدِهَا \" أَيْ الْمَاءَ , وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَوْقَ رَأْسِهَا ) ‏ ‏أَيْ فَصَبَّتْهُ فَوْقَ رَأْسِهَا وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا الْمَاء ثُمَّ صَبَّتْ عَلَى رَأْسِهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَبِيَدِهَا الْأُخْرَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" ثُمَّ أَخَذَتْ بِيَدِهَا \" وَهِيَ أَدَلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ كَانَ لَفْظ \" الْأُخْرَى \" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهَا أُولَى وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهَا. فَإِنْ قِيلَ : الْحَدِيثُ دَالّ عَلَى تَقْدِيمِ أَيْمَنِ الشَّخْصِ لَا أَيْمَنِ رَأْسه فَكَيْفَ يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ ؟ أَجَابَ الْكَرْمَانِيّ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ أَيْمَنِ الشَّخْصِ أَيَمْنه مِنْ رَأْسِهِ إِلَى قَدَمِهِ فَيُطَابِقُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ حَمَلَ الثَّلَاث فِي الرَّأْسِ عَلَى التَّوْزِيعِ كَمَا سَبَقَ فِي بَاب : مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "269",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏بَنُو إِسْرَائِيلَ ‏ ‏يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَكَانَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ ‏ ‏آدَرُ ‏ ‏فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ فَخَرَجَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فِي ‏ ‏إِثْرِهِ ‏ ‏يَقُولُ ثَوْبِي يَا حَجَرُ حَتَّى نَظَرَتْ ‏ ‏بَنُو إِسْرَائِيلَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَأْسٍ ‏ ‏وَأَخَذَ ثَوْبَهُ ‏ ‏فَطَفِقَ ‏ ‏بِالْحَجَرِ ضَرْبًا فَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنَّهُ ‏ ‏لَنَدَبٌ ‏ ‏بِالْحَجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْبًا بِالْحَجَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ) ‏ ‏أَيْ جَمَاعَتُهُمْ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( قَالَتْ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ). ‏ ‏قَوْله : ( يَغْتَسِلُونَ عُرَاة ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِهِمْ وَإِلَّا لَمَا أَقَرَّهُمْ مُوسَى عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ هُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ أَخْذًا بِالْأَفْضَلِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا عُصَاة لَهُ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ فَأَطَالَ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( آدَر ) ‏ ‏بِالْمَدِّ وَفَتْح الدَّالِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الرَّاء قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْأُدْرَةُ نَفْخَة فِي الْخُصْيَةِ وَهِيَ بِفَتَحَاتٍ وَحُكِيَ بِضَمِّ أَوَّله وَإِسْكَانِ الدَّالِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَمَحَ مُوسَى ) ‏ ‏أَيْ جَرَى مُسْرِعًا وَفِي رِوَايَة \" فَخَرَجَ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثَوْبِي يَا حَجَر ) ‏ ‏أَيْ أَعْطِنِي وَإِنَّمَا خَاطَبَهُ ; لِأَنَّهُ أَجْرَاهُ مَجْرَى مَنْ يَعْقِلُ لِكَوْنِهِ فَرَّ بِثَوْبِهِ فَانْتَقَلَ عِنْدَهُ مِنْ حُكْمِ الْجَمَاد إِلَى حُكْمِ الْحَيَوَانِ فَنَادَاهُ فَلَمَّا لَمْ يُعْطِهِ ضَرَبَهُ. وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُوسَى أَرَادَ بِضَرْبِهِ إِظْهَارَ الْمُعْجِزَةِ بِتَأْثِيرِ ضَرْبِهِ فِيهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ وَحْيٍ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى نَظَرَتْ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُمْ رَأَوْا جَسَدَهُ وَبِهِ يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال عَلَى جَوَاز النَّطْر عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِمُدَاوَاةٍ وَشَبَهِهَا وَأَبْدَى اِبْنُ الْجَوْزِيِّ اِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ كَانَ عَلَيْهِ مِئْزَر ; لِأَنَّهُ يُظْهِرُ مَا تَحْتَهُ بَعْدَ الْبَلَلِ وَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ نَاقِلًا لَهُ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ وَفِيهِ نَظَر. ‏ ‏قَوْله ( فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا ) ‏ ‏كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ وَالْحَمَوِيّ \" فَطَفِقَ الْحَجْر ضَرْبًا \" وَالْحَجْرُ عَلَى هَذَا مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أَيْ طَفِقَ يَضْرِبُ الْحَجَرَ ضَرْبًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ) ‏ ‏هُوَ مِنْ تَتِمَّة مَقُول هَمَّام وَلَيْسَ بِمُعَلَّق. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( لَنَدَبٌ ) ‏ ‏بِالنُّونِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَة الْمَفْتُوحَتَيْنِ وَهُوَ الْأَثَرُ وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "270",
        "content": "‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ بَيْنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏يَحْتَثِي ‏ ‏فِي ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قَالَ بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ وَجَزَمَ الْكَرْمَانِيّ بِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِصِيغَة التَّمْرِيض فَأَخْطَأَ فَإِنَّ الْحَدِيثَيْنِ ثَابِتَانِ فِي نُسْخَة هَمَّام بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ هَذَا الثَّانِي مِنْ رِوَايَةِ عَبْد الرَّزَّاق بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَحْتَثِي ) ‏ ‏بِإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاة بَعْدَهَا مُثَلَّثَة وَالْحَثْيَةُ هِيَ الْأَخْذ بِالْيَدِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ عَنْ أَبِي زَيْد \" يَحْتَثن \" بِنُونٍ فِي آخِرِهِ بَدَل الْيَاء. ‏ ‏قَوْله : ( لَا غِنَى ) ‏ ‏الْقَصْر بِلَا تَنْوِينٍ وَرَوَيْنَاهُ بِالتَّنْوِينِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ \" لَا \" بِمَعْنَى لَيْسَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن طَهْمَان وَرِوَايَتُهُ مَوْصُولَة بِهَذَا الْإِسْنَادِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَاتَبَهُ عَلَى جَمْعِ الْجَرَادِ وَلَمْ يُعَاتِبْهُ عَلَى الِاغْتِسَالِ عُرْيَانًا فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "271",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا مُرَّةَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ ‏ ‏يَغْتَسِلُ ‏ ‏وَفَاطِمَةُ ‏ ‏تَسْتُرُهُ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقُلْتُ أَنَا ‏ ‏أُمُّ هَانِئٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَوْلَى عُمَر بْن عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ التَّيْمِيُّ وَأُمّ هَانِئٍ بِهَمْزَةٍ مُنَوَّنَةٍ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ مَنْ هَذِهِ ؟ ) ‏ ‏يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السِّتْرَ كَانَ كَثِيفًا وَعَرَفَ أَنَّهَا اِمْرَأَةٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِيهِ الرِّجَالُ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ تَامًّا. ‏"
    },
    {
        "id": "272",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَتَرْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الْحَائِطِ أَوْ الْأَرْضِ ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ الْمَاءَ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏وَابْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏فِي السَّتْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْمُبَارَك ‏ ‏وَسُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي أَوَّلِ الْغُسْلِ لِلْمُصَنِّفِ عَالِيًا إِلَى الثَّوْرِيِّ وَنَزَلَ فِيهِ هُنَا دَرَجَة. وَكَذَلِكَ نَزَلَ فِيهِ شَيْخُهُ عَبْدَان دَرَجَة ; لِأَنَّهُ سَبَقَ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي حَمْزَة عَنْ الْأَعْمَشِ. وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ اِعْتِنَاؤُهُ بِمُغَايَرَةِ الطُّرُقِ عِنْدَ تَغَايُرِ الْأَحْكَامِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ ) ‏ ‏أَيْ عَنْ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمُتَابَعَةُ مَوْصُولَة عِنْدَهُ فِي بَاب : مَنْ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَابْن فُضَيْل ) ‏ ‏أَيْ الْأَعْمَش أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَرِوَايَته مَوْصُولَة فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ الْإِسْفِرَايِينِيّ نَحْو رِوَايَة أَبِي عَوَانَةَ الْبَصْرِيّ وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُ السَّتْرِ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَة عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَمِنْ رِوَايَةِ زَائِدَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَسَبَقَتْ مَبَاحِث الْحَدِيث فِي أَوَّلِ الْغُسْلِ , وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ‏"
    },
    {
        "id": "273",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏جَاءَتْ ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَعَمْ إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي بَابِ الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَفِيهِ زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة فَنُسِبَتْ هُنَاكَ إِلَى أُمِّهَا وَهُنَا إِلَى أَبِيهَا وَقَدْ اِتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاجِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا وَرَوَاهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَةَ لَكِنْ قَالَ \" عَنْ عَائِشَة \" وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ وَقَعَتْ بَيْنَ أُمِّ سُلَيْم وَعَائِشة وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأُمّ سَلَمَة لَا لِعَائِشَة , وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيح رِوَايَةِ هِشَام وَهُوَ ظَاهِرُ صَنِيع الْبُخَارِيّ لَكِنْ نَقَلَ ابْن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الذُّهْلِيّ أَنَّهُ صَحَّحَ الرِّوَايَتَيْنِ وَأَشَارَ أَبُو دَاوُد إِلَى تَقْوِيَةِ رِوَايَة الزُّهْرِيّ ; لِأَنَّ نَافِع بْن عَبْد اللَّه تَابَعَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَة وَأَخْرَجَ مُسْلِم أَيْضًا رِوَايَةَ نَافِع وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَس قَالَ \" جَاءَتْ أُمّ سُلَيْم إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ لَهُ وَعَائِشَة عِنْدَهُ \" فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَرَوَى أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ جَدَّتِهِ أُمّ سُلَيْم وَكَانَتْ مُجَاوِرَة لِأُمّ سَلَمَة \" فَقَالَتْ أُمّ سُلَيْمٍ : يَا رَسُول اللَّهِ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ أَنَّ أُمّ سَلَمَة هِيَ الَّتِي رَاجَعَتْهَا وَهَذَا يُقَوِّي رِوَايَة هِشَام قَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرْحِ مُسْلِم : يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة جَمِيعًا أَنْكَرَتَا عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ حُضُورُ أُمّ سَلَمَة وَعَائِشَة عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ أَنَسًا وَعَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة حَضَرُوا الْقِصَّةَ. اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَنَسًا لَمْ يَحْضُرْ الْقِصَّةَ وَإِنَّمَا تَلَقَّى ذَلِكَ مِنْ أُمِّهِ أُمِّ سُلَيْمٍ وَفِي صَحِيح مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَس مَا يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ وَرَوَى أَحْمَد مِنْ حَدِيثِ اِبْن عُمَر نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَإِنَّمَا تَلَقَّى ذَلِكَ اِبْن عُمَر مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أَوْ غَيْرهَا. وَقَدْ سَأَلَتْ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا خَوْلَة بِنْت حَكِيم عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ وَفِي آخِرِهِ \" كَمَا لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ غُسْل إِذَا رَأَى ذَلِكَ فَلَمْ يُنْزِلْ \" وَسَهْلَة بِنْت سُهَيْل عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَبُسْرَةَ بِنْت صَفْوَان عِنْدَ اِبْن أَبِي شَيْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ ) ‏ ‏قَدَّمَتْ هَذَا الْقَوْلَ تَمْهِيدًا لِعُذْرِهَا فِي ذِكْرِ مَا يُسْتَحَى مِنْهُ وَالْمُرَاد بِالْحَيَاءِ هُنَا مَعْنَاهُ اللُّغَوِيّ إِذْ الْحَيَاءُ الشَّرْعِيُّ خَيْر كُلّه. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْإِيمَان أَنَّ الْحَيَاءَ لُغَة : تَغَيُّر وَانْكِسَار وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيُحْمَلُ هُنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْحَيَاءِ فِي الْحَقِّ أَوْ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذِكْرِ الْحَقِّ. وَقَدْ يُقَالُ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّأْوِيلِ فِي الْإِثْبَاتِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي النَّفْيِ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَفْهُومُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْتَحْيِي مِنْ غَيْرِ الْحَقِّ عَادَ إِلَى جَانِب الْإِثْبَاتِ فَاحْتِيجَ إِلَى تَأْوِيلِهِ قَالَهُ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ. ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْل ) ‏ ‏\" مِنْ \" زَائِدَة وَقَدْ سَقَطَتْ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ. ‏ ‏قَوْله : ( اِحْتَلَمَتْ ) ‏ ‏الِاحْتِلَام اِفْتِعَال مِنْ الْحُلْمِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُون اللَّامِ وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِم فِي نَوْمِهِ يُقَالُ مِنْهُ حَلَمَ بِالْفَتْحِ وَاحْتَلَمَ وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا أَمْر خَاصّ مِنْهُ وَهُوَ الْجِمَاعُ. وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَد مِنْ حَدِيثِ أُمّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّهِ إِذَا رَأَتْ الْمَرْأَة أَنَّ زَوْجَهَا يُجَامِعُهَا فِي الْمَنَامِ أَتَغْتَسِلُ ؟. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ ) ‏ ‏أَيْ الْمَنِيّ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان عَنْ هِشَام \" إِذَا رَأَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَاءَ فَلْتَغْتَسِلْ \" وَزَادَ \" فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَة : وَهَلْ تَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ ؟ \" وَكَذَلِكَ رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَة أَصْحَاب هِشَامٍ عَنْهُ غَيْر مَالِكٍ فَلَمْ يَذْكُرْهَا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام فِي بَابِ الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ وَفِيهِ \" أَوَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ ؟ \" وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ يَظْهَرُ مِنْ السِّيَاقِ أَيْ أَتَرَى الْمَرْأَةُ الْمَاء وَتَحْتَلِمُ ؟ وَفِيهِ \" فَغَطَّتْ أُمّ سَلَمَة وَجْههَا \" وَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ هِشَام \" فَضَحِكَتْ أُمّ سَلَمَة \" وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا تَبَسَّمَتْ تَعَجُّبًا وَغَطَّتْ وَجْهَهَا حَيَاء وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة وَكِيع عَنْ هِشَام \" فَقَالَتْ لَهَا : يَا أُمّ سُلَيْمٍ فَضَحْتِ النِّسَاء \" وَكَذَا لِأَحْمَد مِنْ حَدِيثِ أُمّ سُلَيْمٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كِتْمَان مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِنَّ ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ شَهْوَتِهِنَّ لِلرِّجَالِ. وَقَالَ اِبْن بَطَّالٍ : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ كُلَّ النِّسَاءِ يَحْتَلِمْنَ وَعَكَسَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ بَعْضَ النِّسَاءِ لَا يَحْتَلِمْنَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ بَطَّالٍ الْجَوَاز لَا الْوُقُوعُ أَيْ فِيهِنَّ قَابِلِيَّة ذَلِكَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْإِنْزَالِ وَنَفَى اِبْن بَطَّالٍ الْخِلَافَ فِيهِ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ عَنْ النَّخَعِيِّ. وَكَأَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ لَمْ تَسْمَعْ حَدِيث \" الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ \" أَوْ سَمِعَتْهُ وَقَامَ عِنْدَهَا مَا يُوهِمُ خُرُوج الْمَرْأَةِ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ نُدُورُ بُرُوز الْمَاء مِنْهَا. وَقَدْ رَوَى أَحْمَد مِنْ حَدِيثِ أُمّ سُلَيْمٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ أُمّ سَلَمَة قَالَتْ \" يَا رَسُول اللَّهِ وَهَلْ لِلْمَرْأَةِ مَاء ؟ فَقَالَ : هُنَّ شَقَائِق الرِّجَال \" وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ \" إِذَا رَأَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَاءَ كَمَا يَرَاهُ الرَّجُلُ \" وَرَوَى أَحْمَد مِنْ حَدِيثِ خَوْلَة بِنْت حَكِيم فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ \" لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْل حَتَّى تُنْزِلَ كَمَا يُنْزِلُ الرَّجُلُ \" وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَاء الْمَرْأَة لَا يَبْرُزُ , وَإِنَّمَا يُعْرَفُ إِنْزَالُهَا بِشَهْوَتِهَا وَحُمِلَ قَوْلُهُ \" إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ \" أَيْ عَلِمَتْ بِهِ ; لِأَنَّ وُجُودَ الْعِلْمِ هُنَا مُتَعَذِّرٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ بِهِ عِلْمَهَا بِذَلِكَ وَهِيَ نَائِمَةٌ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ ; لِأَنَّ الرَّجُلَ لَوْ رَأَى أَنَّهُ جَامَعَ وَعَلِمَ أَنَّهُ أَنْزَلَ فِي النَّوْمِ ثُمَّ اِسْتَيْقَظَ فَلَمْ يَرَ بَلَلًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْغُسْلُ اِتِّفَاقًا فَكَذَلِكَ الْمَرْأَة وَإِنْ أَرَادَ بِهِ عِلْمَهَا بِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ اِسْتَيْقَظَتْ فَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ فِي الْيَقَظَةِ مَا كَانَ فِي النَّوْمِ إِنْ كَانَ مُشَاهَدًا فَحَمْلُ الرُّؤْيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا هُوَ الصَّوَابُ , وَفِيهِ اِسْتِفْتَاءُ الْمَرْأَةِ بِنَفْسِهَا وَسِيَاق صُوَرِ الْأَحْوَالِ فِي الْوَقَائِعِ الشَّرْعِيَّةِ لِمَا يُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَاز التَّبَسُّم فِي التَّعَجُّبِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ \" فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا \" فِي بَدْءِ الْخَلْقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "274",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏بَكْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَهُوَ جُنُبٌ ‏ ‏فَانْخَنَسْتُ ‏ ‏مِنْهُ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ أَيْنَ كُنْتَ يَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ جُنُبًا فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَقَالَ ‏ ‏سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان ‏ ‏وَحُمَيْد ) ‏ ‏هُوَ الطَّوِيلُ ‏ ‏وَبَكْر ) ‏ ‏هُوَ ابْن عَبْدِ اللَّه الْمُزَنِيُّ ‏ ‏وَأَبُو رَافِع ) ‏ ‏الصَّائِغ وَهُوَ مَدَنِيٌّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ وَمَنْ دُونَهُ فِي الْإِسْنَادِ بَصْرِيُّونَ أَيْضًا وَحُمَيْد وَبَكْر وَأَبُو رَافِع ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق. ‏ ‏قَوْله : ( فِي بَعْضِ طُرُق ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةٍ وَالْأَصِيلِيّ \" طُرُق \" وَلِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ \" لَقِيتُهُ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ \" وَهِيَ تُوَافِقُ رِوَايَة الْأَصِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ جُنُبٌ ) ‏ ‏يَعْنِي نَفْسه وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد \" وَأَنَا جُنُب \". ‏ ‏قَوْله : ( فَانْخَنَسْتُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ وَالْحَمَوِيّ وَكَرِيمَة بِنُونٍ ثُمَّ خَاء مُعْجَمَة ثُمَّ نُون ثُمَّ سِين مُهْمَلَة وَقَالَ الْقَزَّاز : وَقَعَ فِي رِوَايَة \" فَانْبَخَسْتُ \" يَعْنِي بِنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة ثُمَّ خَاء مُعْجَمَة ثُمَّ سِين مُهْمَلَة قَالَ : وَلَا وَجْهَ لَهُ وَالصَّوَاب أَنْ يُقَالَ \" فَانْخَنَسْت \" يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ : وَالْمَعْنَى مَضَيْت عَنْهُ مُسْتَخْفِيًا وَلِذَلِكَ وُصِفَ الشَّيْطَان بِالْخَنَّاسِ وَيُقَوِّيه الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" فَانْسَلَلْت \". اِنْتَهَى. وَقَالَ اِبْن بَطَّالٍ : وَقَعَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ \" فَانْبَخَسْت \" يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ : وَلِابْنِ السَّكَنِ بِالْجِيمِ قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ( فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ) أَيْ جَرَتْ وَانْدَفَعَتْ وَهَذِهِ أَيْضًا رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَأَبِي الْوَقْتِ وَابْن عَسَاكِر وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" فَانْتَجَسْت \" بِنُونٍ ثُمَّ مُثَنَّاة فَوْقَانِيَّة ثُمَّ جِيم أَيْ اِعْتَقَدْت نَفْسِي نَجِسًا. وُوُجِّهَتْ الرِّوَايَة الَّتِي أَنْكَرَهَا الْقَزَّاز بِأَنَّهَا مَأْخُوذَة مِنْ الْبَخْسِ وَهُوَ النَّقْصُ أَيْ اِعْتَقَدَ نُقْصَان نَفْسِهِ بِجَنَابَتِهِ عَنْ مُجَالَسَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيّ مِثْلُ رِوَايَةِ اِبْنِ السَّكَنِ وَقَالَ : مَعْنَى انْبَخَسْت مِنْهُ تَنَحَّيْت عَنْهُ وَلَمْ يَثْبُتْ لِي مِنْ طَرِيق الرِّوَايَة غَيْر مَا تَقَدَّمَ وَأَشْبَهُهَا بِالصَّوَابِ الْأُولَى ثُمَّ هَذِهِ. وَقَدْ نَقَلَ الشُّرَّاحُ فِيهَا أَلْفَاظًا مُخْتَلِفَةً مِمَّا صَحَّفَهُ بَعْض الرُّوَاةِ لَا مَعْنَى لِلتَّشَاغُلِ بِذِكْرِهِ كَانْتَجَشْت بِشِين مُعْجَمَةٍ مِنْ النَّجْشِ وَبِنُونٍ وَحَاء مُهْمَلَة ثُمَّ مُوَحَّدَة ثُمَّ سِين مُهْمَلَة مِنْ الِانْحِبَاسِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ ) ‏ ‏تَمَسَّكَ بِمَفْهُومِهِ بَعْض أَهْل الظَّاهِر فَقَالَ : إِنَّ الْكَافِرَ نَجِس الْعَيْن وَقَوَّاهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ طَاهِرُ الْأَعْضَاءِ لِاعْتِيَادِهِ مُجَانَبَة النَّجَاسَة بِخِلَافِ الْمُشْرِكِ ; لِعَدَمِ تَحَفُّظِهِ عَنْ النَّجَاسَةِ وَعَنْ الْآيَةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ نَجَسٌ فِي الِاعْتِقَادِ وَالِاسْتِقْذَارِ وَحُجَّتهمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ نِكَاح نِسَاء أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَعْلُوم أَنَّ عَرَقَهُنَّ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ مَنْ يُضَاجِعُهُنَّ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْ عَلَيْهِ مِنْ غُسْلِ الْكِتَابِيَّةِ إِلَّا مِثْل مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ غُسْلِ الْمُسْلِمَة فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآدَمِيّ الْحَيّ لَيْسَ بِنَجِس الْعَيْن إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ. وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ شَرْح مُسْلِم فَنَسَبَ الْقَوْل بِنَجَاسَةِ الْكَافِرِ إِلَى الشَّافِعِيِّ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَيِّتِ فِي كِتَاب الْجَنَائِز إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اِسْتِحْبَاب الطَّهَارَةِ عِنْدَ مُلَابَسَة الْأُمُور الْمُعَظَّمَة وَاسْتِحْبَاب اِحْتِرَام أَهْلِ الْفَضْلِ وَتَوْقِيرِهِمْ وَمُصَاحَبَتِهِمْ عَلَى أَكْمَلِ الْهَيْئَاتِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَهَابِ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا لَقِيَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ مَاسَحَهُ وَدَعَا لَهُ هَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة فَلَمَّا ظَنَّ أَبُو هُرَيْرَة أَنَّ الْجُنُبَ يَنْجُسُ بِالْحَدَثِ خَشِيَ أَنْ يُمَاسِحَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَعَادَتِهِ فَبَادَرَ إِلَى الِاغْتِسَالِ وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ \" وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَة \" وَقَوْله \" سُبْحَانَ اللَّه \" تَعَجَّبَ مِنْ اِعْتِقَاد أَبِي هُرَيْرَة التَّنَجُّس بِالْجَنَابَةِ أَيْ كَيْفَ يَخْفَى عَلَيْهِ هَذَا الظَّاهِرُ ؟ وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب اِسْتِئْذَان التَّابِعِ لِلْمَتْبُوعِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُفَارِقَهُ ; لِقَوْلِهِ \" أَيْنَ كُنْت ؟ \" فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُفَارِقَهُ حَتَّى يُعْلِمَهُ. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب تَنْبِيهِ الْمَتْبُوع لِتَابِعِهِ عَلَى الصَّوَابِ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ. وَفِيهِ جَوَاز تَأْخِير الِاغْتِسَال عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ وُجُوبِهِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ اِبْن حِبَّانَ الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْجُنُبَ إِذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ فَنَوَى الِاغْتِسَال أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ يَنْجُسُ وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيّ عَلَى طَهَارَةِ عَرَق الْجُنُب ; لِأَنَّ بَدَنَهُ لَا يَنْجُسُ بِالْجَنَابَةِ فَكَذَلِكَ مَا تَحَلَّبَ مِنْهُ. وَعَلَى جَوَازِ تَصَرُّف الْجُنُب فِي حَوَائِجِهِ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ. ‏"
    },
    {
        "id": "275",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏حَدَّثَهُمْ ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة كَذَا لَهُمْ إِلَّا الْأَصِيلِيّ فَقَالَ شُعْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ النَّبِيَّ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَة \" أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِرَقْمِ \" 268 \" فِي بَابِ إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَادَ وَإِيرَاده لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ يُقَوِّي رِوَايَة \" وَغَيْره \" بِالْجَرِّ ; لِأَنَّ حُجَرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ مُتَقَارِبَة فَهُوَ مُحْتَاجٌ فِي الدُّخُولِ فِي هَذِهِ إِلَى هَذِهِ إِلَى الْمَشْيِ وَعَلَى هَذَا فَنَاسَبَهُ إِيرَادُ أَثَرِ عَطَاء مِنْ جِهَةِ الِاشْتِرَاكِ فِي جَوَازِ تَشَاغُل الْجُنُب بِغَيْرِ غُسْل وَقَدْ خَالَفَ عَطَاء غَيْره كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْره فَقَالُوا : يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوء وَحَدِيث أَنَس يُقَوِّي اِخْتِيَارَ عَطَاءٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَوْرَدَهُ لِيَسْتَدِلّ لَهُ لَا لِيَسْتَدِلّ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "276",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا جُنُبٌ فَأَخَذَ بِيَدِي فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ ‏ ‏فَانْسَلَلْتُ ‏ ‏فَأَتَيْتُ ‏ ‏الرَّحْلَ ‏ ‏فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ فَقَالَ أَيْنَ كُنْتَ يَا ‏ ‏أَبَا هِرٍّ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ فَقَالَ ‏ ‏سُبْحَانَ اللَّهِ يَا ‏ ‏أَبَا هِرٍّ ‏ ‏إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَيَّاش ) ‏ ‏بِيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ هُوَ اِبْنُ الْوَلِيدِ الرَّقَّام ‏ ‏وَعَبْد الْأَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عَبْد الْأَعْلَى وَالْإِسْنَاد أَيْضًا إِلَى أَبِي رَافِع بَصْرِيُّونَ وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( فَانْسَلَلْت ) ‏ ‏أَيْ ذَهَبْتُ فِي خُفْيَة وَالرَّحْل بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ أَيْ الْمَكَان الَّذِي يَأْوِي فِيهِ وَقَوْله \" يَا أَبَا هُرَيْرَة \" وَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْكُشْمِيهَنِيّ \" يَا أَبَا هِرّ \" بِالتَّرْخِيمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "277",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏وَشَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَرْقُدُ وَهُوَ جُنُبٌ قَالَتْ نَعَمْ وَيَتَوَضَّأُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ ‏ ‏وَشَيْبَان ) ‏ ‏هُوَ ابْن عَبْدِ الرَّحْمَن وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير وَصَرَّحَ بِتَحْدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ لَهُ فِي رِوَايَةِ اِبْن أَبِي شَيْبَة. وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ نَعَمْ وَيَتَوَضَّأُ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا سَدَّ لَفْظ \" نَعَمْ \" مَسَدّه أَيْ يَرْقُدُ وَيَتَوَضَّأُ وَالْوَاو لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فَالْمَعْنَى يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَرْقُدُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظ \" كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ \" وَهَذَا السِّيَاق أَوْضَح فِي الْمُرَادِ. وَلِلْمُصَنِّفِ مِثْلُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا مِنْ رِوَايَة عُرْوَة عَنْ عَائِشَة بِزِيَادَة \" غَسَلَ فَرْجَهُ \" وَزَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِي آخِر حَدِيث الْبَاب \" وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَام نَحْوُهُ , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ حَمَلَ الْوُضُوء هُنَا عَلَى التَّنْظِيفِ. ‏"
    },
    {
        "id": "278",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ قَالَ ‏ ‏نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب سَأَلَ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ اِبْن عُمَر حَضَرَ هَذَا السُّؤَالَ فَيَكُونُ الْحَدِيث مِنْ مُسْنَدِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ رِوَايَةِ نَافِع وَرُوِيَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ \" يَا رَسُول اللَّهِ \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مُسْنَد عُمَرَ وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عُمَر عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَرَ لَكِنْ لَيْسَ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ مَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ. وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ جَوَازَ رُقَاد الْجُنُب فِي الْبَيْتِ يَقْتَضِي جَوَازَ اِسْتِقْرَارِهِ فِيهِ يَقْظَانَ لِعَدَم الْفَرْق أَوْ لِأَنَّ نَوْمَهُ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَاز لِحُصُولِ الْيَقَظَةِ بَيْنَ وُضُوئِهِ وَنَوْمِهِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةٍ قَبْل حَدِيث اِبْن عُمَر \" بَاب نَوْم الْجُنُب \" وَهَذِهِ التَّرْجَمَة زَائِدَة لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا بِبَاب الْجُنُب يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَنَامُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرْجَمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَعَلَى التَّقْيِيدِ فَلَا تَكُونُ زَائِدَة. ‏"
    },
    {
        "id": "279",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ يَتِيم عُرْوَة. وَنِصْفُ هَذَا الْإِسْنَادِ الْمُبْتَدَأ بِهِ بَصْرِيُّونَ وَنِصْفُهُ الْأَعْلَى مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله ( وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ ) ‏ ‏أَيْ تَوَضَّأَ وُضُوءًا كَمَا لِلصَّلَاةِ وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَوَضَّأَ وُضُوءًا شَرْعِيًّا لَا لُغَوِيًّا. ‏"
    },
    {
        "id": "280",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتَفْتَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ قَالَ نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَة ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ مُصَغَّرًا وَهُوَ اِسْمُ رَجُل وَاسْمُ أَبِيهِ أَسْمَاء بْن عُبَيْد وَقَدْ سَمِعَ جُوَيْرِيَة هَذَا مِنْ نَافِع مَوْلَى اِبْن عُمَر وَمِنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِع. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن عَسَاكِر \" عَنْ اِبْن عُمَر \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ نَافِع \" لِيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لْيَنَمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "281",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏ذَكَرَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأِ بِاتِّفَاقٍ مِنْ رُوَاة الْمُوَطَّأ وَرَوَاهُ خَارِج الْمُوَطَّأ عَنْ نَافِعٍ بَدَلَ عَبْد اللَّه بْن دِينَار وَذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ السَّكَنِ عَنْ نَافِعٍ بَدَلَ عَبْد اللَّه بْن دِينَار وَكَانَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْأَصِيلِيّ إِلَّا أَنَّهُ ضَرَبَ عَلَى نَافِع وَكَتَبَ فَوْقَهُ \" عَبْد اللَّه بْن دِينَار \" قَالَ أَبُو عَلِيّ : وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظ لِمَالِكٍ عَنْهُمَا جَمِيعًا. اِنْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ ابْن عَبْدِ الْبَرِّ : الْحَدِيثُ لِمَالِكٍ عَنْهُمَا جَمِيعًا لَكِنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار وَحَدِيث نَافِع غَرِيب. اِنْتَهَى. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ كَذَلِكَ عَنْ نَافِع خَمْسَة أَوْ سِتَّة فَلَا غَرَابَةَ وَإِنْ سَاقَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ فَمُرَاده مَا رَوَاهُ خَارِج الْمُوَطَّأ فَهِيَ غَرَابَة خَاصَّةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُوَطَّأ نَعَمْ رِوَايَة الْمُوَطَّأ أَشْهَر. ‏ ‏قَوْله : ( ذَكَرَ عُمَرُ بْن الْخَطَّاب ) ‏ ‏مُقْتَضَاهُ أَيْضًا أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ اِبْن عُمَر كَمَا هُوَ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ وَرَوَاهُ أَبُو نُوح عَنْ مَالِكٍ فَزَادَ فِيهِ عَنْ عُمَر , وَقَدْ بَيَّنَ النَّسَائِيّ سَبَب ذَلِكَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ : أَصَابَ اِبْن عُمَر جَنَابَة فَأَتَى عُمَر فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَأَتَى عُمَر النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْمَرَهُ فَقَالَ \" لِيَتَوَضَّأْ وَيَرْقُد \" وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِير فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ \" أَنَّهُ تُصِيبُهُ \" يَعُودُ عَلَى اِبْن عُمَر لَا عَلَى عُمَر وَقَوْله فِي الْجَوَابِ \" تَوَضَّأْ \" يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اِبْن عُمَر كَانَ حَاضِرًا فَوَجَّهَ الْخِطَابَ إِلَيْهِ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( بِأَنَّهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ وَلِلْبَاقِينَ \" أَنَّهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُ ) ‏ ‏سَقَطَ لَفْظ \" لَهُ \" مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَك ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي نُوح \" اِغْسِلْ ذَكَرَك ثُمَّ تَوَضَّأْ ثُمَّ نَمْ \" وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ : يَجُوزُ تَقْدِيم الْوُضُوء عَلَى غَسْل الذَّكَر ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوُضُوءٍ يَرْفَعُ الْحَدَث وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّعَبُّدِ إِذْ الْجَنَابَةُ أَشَدّ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ فَتَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نُوح أَنَّ غَسْلَهُ مُقَدَّم عَلَى الْوُضُوءِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمَسَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَسَّهُ يَنْقُضُ. وَقَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : جَاءَ الْحَدِيثُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَجَاءَ بِصِيغَة الشَّرْط وَهُوَ مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ. وَقَالَ ابْن عَبْدِ الْبَرِّ : ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ وَذَهَبَ أَهْل الظَّاهِر إِلَى إِيجَابِهِ وَهُوَ شُذُوذ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَاسْتَنْكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذَا النَّقْل وَقَالَ : لَمْ يَقُلْ الشَّافِعِيّ بِوُجُوبِهِ وَلَا يَعْرِفُ ذَلِكَ أَصْحَابه. وَهُوَ كَمَا قَالَ لَكِنَّ كَلَامَ اِبْنِ الْعَرَبِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ نَفْيَ الْإِبَاحَةِ الْمُسْتَوِيَةِ الطَّرَفَيْنِ لَا إِثْبَاتَ الْوُجُوبِ أَوْ أَرَادَ بِأَنَّهُ وَاجِب وُجُوبَ سُنَّة أَيْ مُتَأَكَّدُ الِاسْتِحْبَاب وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَابَلَهُ بِقَوْلِ اِبْن حَبِيب : هُوَ وَاجِبٌ وُجُوب الْفَرَائِض وَهَذَا مَوْجُود فِي عِبَارَةِ الْمَالِكِيَّةِ كَثِيرًا وَأَشَارَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ إِلَى تَقْوِيَةِ قَوْلِ اِبْن حَبِيب , وَبَوَّبَ عَلَيْهِ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ إِيجَاب الْوُضُوءِ عَنْ الْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ ثُمَّ اِسْتَدَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ وَابْن خُزَيْمَة عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا \" إِنَّمَا أُمِرْتَ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَادَ. وَقَدْ قَدَحَ فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ اِبْن رُشْد الْمَالِكِيّ وَهُوَ وَاضِح. وَنَقَلَ الطَّحَاوِيّ عَنْ أَبِي يُوسُف أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ وَتَمَسَّكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْنُبُ ثُمَّ يَنَامُ وَلَا يَمَسُّ مَاءً رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحُفَّاظَ قَالُوا إِنَّ أَبَا إِسْحَاق غَلِطَ فِيهِ وَبِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ تَرَكَ الْوُضُوءَ لِبَيَان الْجَوَاز لِئَلَّا يُعْتَقَدَ وُجُوبه أَوْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَمَسُّ مَاءً أَيْ لِلْغُسْلِ , وَأَوْرَدَ الطَّحَاوِيّ مِنْ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ أَبِي إِسْحَاق مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ جَنَحَ الطَّحَاوِيّ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ التَّنْظِيف وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اِبْن عُمَر رَاوِي الْحَدِيثِ وَهُوَ صَاحِبُ الْقِصَّةِ كَانَ يَتَوَضَّأُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ كَمَا رَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِع وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ ثَبَتَ تَقْيِيد الْوُضُوء بِالصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَتِهِ وَمِنْ رِوَايَةِ عَائِشَة كَمَا تَقَدَّمَ فَيُعْتَمَدُ وَيُحْمَلُ تَرْك اِبْن عُمَر لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِعُذْر. وَقَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاءِ : الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ هُنَا الشَّرْعِيّ وَالْحِكْمَة فِيهِ أَنَّهُ يُخَفِّفُ الْحَدَثَ وَلَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ تَفْرِيق الْغُسْل فَيَنْوِيه فَيَرْتَفِعُ الْحَدَث عَنْ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ الْمَخْصُوصَة عَلَى الصَّحِيحِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَات عَنْ شَدَّاد بْن أَوْس الصَّحَابِيّ قَالَ \" إِذَا أَجْنَب أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَإِنَّهُ نِصْفُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ \" وَقِيلَ : الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ إِحْدَى الطِّهَارَتَيْنِ فَعَلَى هَذَا يَقُومُ التَّيَمُّم مَقَامه. وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَجْنَبَ فَأَرَادَ أَنْ يَنَامَ تَوَضَّأَ أَوْ تَيَمَّمَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّيَمُّم هُنَا عِنْد عُسْر وُجُود الْمَاءِ وَقِيلَ الْحِكْمَة فِيهِ أَنَّهُ يَنْشَطُ إِلَى الْعَوْدِ أَوْ إِلَى الْغُسْلِ وَقَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : نَصَّ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى الْحَائِضِ ; لِأَنَّهَا لَوْ اِغْتَسَلَتْ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهَا بِخِلَاف الْجُنُب لَكِنْ إِذَا اِنْقَطَعَ دَمهَا اِسْتُحِبَّ لَهَا ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ وَإِنَّمَا يَتَضَيَّقُ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ وَاسْتِحْبَاب التَّنْظِيف عِنْدَ النَّوْمِ قَالَ اِبْن الْجَوْزِيِّ : وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَبْعُدُ عَنْ الْوَسَخِ وَالرِّيحِ الْكَرِيهَةِ بِخِلَاف الشَّيَاطِين فَإِنَّهَا تَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "282",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ ‏ ‏جَهَدَهَا ‏ ‏فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَإِنَّمَا فَرَّقَهُمَا ; لِأَنَّ مُعَاذًا قَالَ \" حَدَّثَنَا \" وَأَبَا نُعَيْمٍ قَالَ \" عَنْ \" وَطَرِيق مُعَاذ إِلَى الصَّحَابِيِّ كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا جَلَسَ ) ‏ ‏لِضَمِير الْمُسْتَتِر فِيهِ وَفِي قَوْلِهِ \" جَهِدَ \" لِلرَّجُلِ وَالضَّمِيرَانِ الْبَارِزَانِ فِي قَوْلِهِ \" شُعَبِهَا \" و \" جَهَدَهَا \" لِلْمَرْأَةِ , وَتَرَكَ إِظْهَار ذَلِكَ لِلْمَعْرِفَةِ بِهِ , وَقَدْ وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةٍ لِابْن الْمُنْذِر مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" إِذَا غَشِيَ الرَّجُل اِمْرَأَته فَقَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا \" الْحَدِيثَ , وَالشُّعَبُ جَمْع شُعْبَة وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ الشَّيْءِ قِيلَ الْمُرَاد هُنَا يَدَاهَا وَرِجْلَاهَا وَقِيلَ رِجْلَاهَا وَفَخِذَاهَا وَقِيلَ سَاقَاهَا وَفَخِذَاهَا وَقِيلَ فَخِذَاهَا وَإِسْكَتَاهَا وَقِيلَ فَخِذَاهَا وَشَفْرَاهَا وَقِيلَ نَوَاحِي فَرْجِهَا الْأَرْبَع قَالَ الْأَزْهَرِيّ : الْإِسْكَتَانِ نَاحِيَتَا الْفَرْجِ , وَالشَّفْرَانِ طَرَف النَّاحِيَتَيْنِ وَرَجَّحَ الْقَاضِي عِيَاض الْأَخِير وَاخْتَارَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ الْأَوَّلَ , قَالَ : لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْجُلُوسِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ فَاكْتَفَى بِهِ عَنْ التَّصْرِيحِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ جَهَدَهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْهَاءِ يُقَالُ جَهَدَ وَأَجْهَدَ أَيْ بَلَغَ الْمَشَقَّة قِيلَ مَعْنَاهُ كَدّهَا بِحَرَكَتِهِ أَوْ بَلَغَ جَهْده فِي الْعَمَلِ بِهَا وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَة \" ثُمَّ اِجْتَهَدَ \" وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ شُعْبَة وَهِشَام مَعًا عَنْ قَتَادَة بِلَفْظ \" وَأَلْزَقَ الْخِتَان بِالْخِتَانِ \" بَدَلَ قَوْله ثُمَّ جَهَدَهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَهْدَ هُنَا كِنَايَة عَنْ مُعَالَجَة الْإِيلَاج وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ اِبْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة مُخْتَصَرًا وَلَفْظه \" إِذَا اِلْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ \" وَهَذَا مُطَابِق لِلَفْظِ التَّرْجَمَة فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَعَادَتِهِ فِي التَّبْوِيبِ بِلَفْظِ إِحْدَى رِوَايَاتِ حَدِيث الْبَابِ , وَرُوِيَ أَيْضًا بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ عَنْهَا وَفِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْن زَيْد وَهُوَ ضَعِيف وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْهَا وَرِجَاله ثِقَات وَرَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْهَا بِلَفْظ \" وَمَسَّ الْخِتَان الْخِتَان \" وَالْمُرَاد بِالْمَسِّ وَالِالْتِقَاءِ الْمُحَاذَاة وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَة التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظ \" إِذَا جَاوَزَ \" وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالْمَسِّ حَقِيقَته ; لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ غَيْبَة الْحَشَفَة وَلَوْ حَصَلَ الْمَسُّ قَبْلَ الْإِيلَاجِ لَمْ يَجِبْ الْغُسْل بِالْإِجْمَاعِ قَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ إِيجَابَ الْغُسْلِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِنْزَالِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْجَهْدِ الْإِنْزَال ; لِأَنَّهُ هُوَ الْغَايَة فِي الْأَمْرِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلِيل وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّصْرِيحَ بِعَدَمِ التَّوَقُّفِ عَلَى الْإِنْزَالِ قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُق الْحَدِيث الْمَذْكُور فَانْتَفَى الِاحْتِمَال فَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق مَطَر الْوَرَّاق عَنْ الْحَسَنِ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ \" وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ \" وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة قَتَادَة أَيْضًا رَوَاهُ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عَفَّانَ قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّام وَأَبَان قَالَا حَدَّثَنَا قَتَادَة بِهِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ \" أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ \" وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيّ بْن سَهْل عَنْ عَفَّانَ , وَكَذَا ذَكَرَهَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ قَتَادَة. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَمْرو ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَرْزُوق وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةٍ وَقَدْ رَوَيْنَا حَدِيثَهُ مَوْصُولًا فِي فَوَائِدِ عُثْمَان بْن أَحْمَد السَّمَّاك حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن عُمَر الضَّبِّيّ حَدَّثَنَا عَمْرو بْن مَرْزُوق حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ قَتَادَة فَذَكَر مِثْلَ سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَاب لَكِنْ قَالَ \" وَأَجْهَدَهَا \" وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ شُعْبَةَ رَوَاهُ عَنْ قَتَادَة عَنْ الْحَسَنِ لَا عَنْ الْحَسَنِ نَفْسه وَالضَّمِير فِي تَابَعَهُ يَعُودُ عَلَى هِشَام لَا عَلَى قَتَادَة. وَقَرَأْت بِخَطِّ الشَّيْخِ مُغَلْطَايَْ أَنَّ رِوَايَةَ عَمْرو بْن مَرْزُوق هَذِهِ عِنْد مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن جِبِلَّة عَنْ وَهْبٍ بْن جَرِير وَابْن أَبِي عَدِيّ كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرو بْن مَرْزُوق عَنْ شُعْبَة وَتَبِعَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّ ذِكْرَ عَمْرو بْن مَرْزُوق فِي إِسْنَادِ مُسْلِم زِيَادَة بَلْ لَمْ يُخَرِّجْ مُسْلِم لِعَمْرِو بْن مَرْزُوقٍ شَيْئًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُوسَى ) ‏ ‏أَيْ اِبْن إِسْمَاعِيل قَالَ ( ‏ ‏حَدَّثَنَا ) ‏ ‏وَلِلْأَصِيلِيّ أَخْبَرَنَا ‏ ‏( أَبَانُ ) ‏ ‏وَهُوَ اِبْن يَزِيد الْعَطَّار وَأَفَادَتْ رِوَايَته التَّصْرِيح بِتَحْدِيثِ الْحَسَنِ لِقَتَادَة وَقَرَأْت بِخَطّ مُغَلْطَايْ أَيْضًا أَنَّ رِوَايَةَ مُوسَى هَذِهِ عِنْد الْبَيْهَقِيّ أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيق عَفَّانَ وَهَمَّامٍ كِلَاهُمَا عَنْ مُوسَى عَنْ أَبَانَ وَهُوَ تَخْلِيطٌ تَبِعَهُ عَلَيْهِ أَيْضًا بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَإِنَّمَا أَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيق عَفَّانَ عَنْ هَمَّام وَأَبَانَ جَمِيعًا عَنْ قَتَادَة فَهَمَّام شَيْخُ عَفَّان لَا رَفِيقُهُ وَأَبَانُ رَفِيق هَمَّام لَا شَيْخُ شَيْخِهِ , وَلَا ذِكْرَ لِمُوسَى فِيهِ أَصْلًا بَلْ عَفَّانُ رَوَاهُ عَنْ أَبَانَ كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ مُوسَى فَهُوَ رَفِيقُهُ لَا شَيْخُهُ وَاَللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ : ‏ ‏زَادَ هُنَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ : هَذَا أَجْوَد وَأَوْكَد وَإِنَّمَا بَيَّنَّا.. إِلَى آخِر الْكَلَام الْآتِي فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "283",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحُسَيْنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ قَالَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ قَالَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ‏ ‏وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا أَيُّوبَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْحُسَيْن ) ‏ ‏زَادَ أَبُو ذَرٍّ \" الْمُعَلِّم \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير أَيْ قَالَ الْحُسَيْن قَالَ يَحْيَى وَلَفْظُ \" قَالَ \" الْأُولَى تُحْذَفُ فِي الْخَطِّ عُرْفًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَخْبَرَنِي ) ‏ ‏هُوَ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّر أَيْ أَخْبَرَنِي بِكَذَا وَأَخْبَرَنِي بِكَذَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِحَذْفِ الْوَاوِ قَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : لَمْ يَسْمَعْهُ الْحُسَيْن مِنْ يَحْيَى فَلِهَذَا قَالَ \" قَالَ يَحْيَى \" كَذَا ذَكَرَهُ وَلَمْ يَأْتِ بِدَلِيل. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَنْ الْحُسَيْن عَنْ يَحْيَى وَلَيْسَ الْحُسَيْن بِمُدَلِّس وَعَنْعَنَةُ غَيْر الْمُدَلِّسِ مَحْمُولَة عَلَى السَّمَاعِ إِذَا لَقِيَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِي رِوَايَةِ اِبْن خُزَيْمَة فِي رِوَايَةِ الْحُسَيْن عَنْ يَحْيَى بِالتَّحْدِيثِ وَلَفْظُهُ \" حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير \" وَلَمْ يَنْفَرِدْ الْحُسَيْن مَعَ ذَلِكَ بِهِ فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى أَيْضًا مُعَاوِيَة بْن سَلَّام أَخْرَجَهُ اِبْن شَاهِين وَشَيْبَانُ بْن عَبْد الرَّحْمَن أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَاب الْوُضُوء مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ وَسَبَقَ الْكَلَامُ هُنَاكَ عَلَى فَوَائِد هَذَا الْإِسْنَادِ وَأَلْفَاظ الْمَتْن. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ ) ‏ ‏فِيهِ اِلْتِفَات ; لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَقُولَ فَأَمَرُونِي أَوْ هُوَ مَقُولُ عَطَاء بْن يَسَارٍ فَيَكُونُ مُرْسَلًا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْجَامِعِ الَّذِي فِي ضِمْنِ \" إِذَا جَامَعَ \" وَجَزَمَ أَيْضًا بِأَنَّهُ عَنْ عُثْمَان إِفْتَاءٌ وَرِوَايَةٌ مَرْفُوعَةٌ وَعَنْ الْبَاقِينَ إِفْتَاء فَقَطْ. قُلْت : وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ أَمَرُوهُ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ عُثْمَان فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي عَدَمِ الرَّفْعِ لَكِنْ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ : فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ وَهَذَا ظَاهِره الرَّفْع ; لِأَنَّ عُثْمَان أَفْتَاهُ بِذَلِكَ وَحَدَّثَهُ بِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْمِثْلِيَّة تَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَيْضًا أَفْتَوْهُ وَحَدَّثُوهُ وَقَدْ صَرَّحَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِالرَّفْعِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ وَلَفْظه \" فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ غَيْر يَحْيَى الْحَمَّانِيُّ , وَلَيْسَ هُوَ مِنْ شَرْطِ هَذَا الْكِتَابِ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْبَاقِينَ \" قَالَ يَحْيَى : وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة \" وَهُوَ الْمُرَادُ وَهُوَ مَعْطُوفٌ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ مُعَلَّقًا وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث عَنْ أَبِيهِ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هُوَ وَهْمٌ ; لِأَنَّ أَبَا أَيُّوب إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ أُبَيِّ بْن كَعْب كَمَا قَالَ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ. قُلْت : الظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا أَيُّوب سَمِعَهُ مِنْهُمَا لِاخْتِلَافِ السِّيَاقِ ; لِأَنَّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب قِصَّة لَيْسَتْ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ وَهُوَ ابْن عَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف أَكْبَر قَدْرًا وَسِنًّا وَعِلْمًا مِنْ هِشَام بْن عُرْوَة وَرِوَايَته عَنْ عُرْوَةَ مِنْ بَابِ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ ; لِأَنَّهُمَا تَابِعِيَّانِ فَقِيهَانِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَذَلِكَ رِوَايَة أَبِي أَيُّوب عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب ; لِأَنَّهُمَا فَقِيهَانِ صَحَابِيَّانِ كَبِيرَانِ وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي أَيُّوب عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَقَدْ حَكَى الْأَثْرَم عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ حَدِيثَ زَيْد بْن خَالِد الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَابِ مَعْلُول ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ الْفَتْوَى بِخِلَافِ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ حَكَى يَعْقُوب بْن شَيْبَة عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ أَنَّهُ شَاذّ. وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ ثَابِتٌ مِنْ جِهَةِ اِتِّصَالِ إِسْنَاده وَحِفْظِ رُوَاتِهِ وَقَدْ رَوَى اِبْن عُيَيْنَةَ أَيْضًا عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ عَطَاء بْن يَسَارٍ نَحْوَ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءٍ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْرُهُ فَلَيْسَ هُوَ فَرْدًا وَأَمَّا كَوْنُهُمْ أَفْتَوْا بِخِلَافِهِ فَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ نَاسِخه فَذَهَبُوا إِلَيْهِ وَكَمْ مِنْ حَدِيثٍ مَنْسُوخٍ وَهُوَ صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ الصِّنَاعَة الْحَدِيثِيَّة. وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث الْبَابِ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالْوُضُوءِ إِذَا لَمْ يُنْزِل الْمُجَامِع مَنْسُوخ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَعَائِشَة الْمَذْكُورَانِ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى النَّسْخ مَا رَوَاهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ عَنْ سَهْل بْن سَعْد قَالَ : حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْن كَعْب أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَقُولُونَ \" الْمَاء مِنْ الْمَاءِ \" رُخْصَة كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ بِهَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ. صَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَة وَابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ كَذَا قَالَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى عِلَّتِهِ فَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِي كَوْن الزُّهْرِيّ سَمِعَهُ مِنْ سَهْل. ‏ ‏نَعَمْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِم عَنْ سَهْل وَلِهَذَا الْإِسْنَادِ أَيْضًا عِلَّة أُخْرَى ذَكَرَهَا اِبْن أَبِي حَاتِم وَفِي الْجُمْلَةِ هُوَ إِسْنَادٌ صَالِحٌ لِأَنْ يُحْتَجَّ بِهِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي النَّسْخ. عَلَى أَنَّ حَدِيثَ الْغُسْلِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ أَرْجَحُ مِنْ حَدِيث الْمَاء مِنْ الْمَاءِ ; لِأَنَّهُ بِالْمَنْطُوقِ وَتَرْكُ الْغُسْلِ مِنْ حَدِيث الْمَاء بِالْمَفْهُومِ أَوْ بِالْمَنْطُوقِ أَيْضًا لَكِنَّ ذَاكَ أَصْرَحُ مِنْهُ. وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ \" الْمَاء مِنْ الْمَاءِ \" عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ مَا يَقَعُ فِي الْمَنَامِ مِنْ رُؤْيَةِ الْجِمَاعِ وَهُوَ تَأْوِيلٌ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعَارُض. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ : ‏ ‏فِي قَوْلِهِ \" الْمَاء مِنْ الْمَاءِ \" جِنَاس تَامّ وَالْمُرَاد بِالْمَاءِ الْأَوَّلِ مَاء الْغُسْلِ وَبِالثَّانِي الْمَنِيّ , وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ يَقْتَضِي أَنَّ الْجَنَابَةَ تُطْلَقُ بِالْحَقِيقَةِ عَلَى الْجِمَاعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِنْزَالٌ فَإِنَّ كُلّ مَنْ خُوطِبَ بِأَنَّ فُلَانًا أَجْنَبَ مِنْ فُلَانَةَ عَقِلَ أَنَّهُ أَصَابَهَا وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ قَالَ : وَلَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّ الزِّنَا الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ هُوَ الْجِمَاعُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِنْزَال. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : إِيجَابُ الْغُسْلِ بِالْإِيلَاجِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْزَالِ نَظِيرُ إِيجَابِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خُرُوج الْبَوْلِ فَهُمَا مُتَّفِقَانِ دَلِيلًا وَتَعْلِيلًا , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "284",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ قَالَ ‏ ‏يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏الْغَسْلُ أَحْوَطُ وَذَاكَ الْآخِرُ وَإِنَّمَا بَيَّنَّا لِاخْتِلَافِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي ) ‏ ‏يَعْنِي أَبَاهُ عُرْوَة وَهُوَ وَاضِح وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهُ نَظِير أُبَيِّ بْن كَعْبٍ لِكَوْنِهِ ذُكِرَ فِي الْإِسْنَادِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ ) ‏ ‏أَيْ يَغْسِلُ الرَّجُلُ الْعُضْوَ الَّذِي مَسَّ فَرْج الْمَرْأَةِ مِنْ أَعْضَائِهِ وَهُوَ مِنْ إِطْلَاق الْمَلْزُوم وَإِرَادَة اللَّازِم ; لِأَنَّ الْمُرَادَ رُطُوبَة فَرْجِهَا ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ) ‏ ‏رِيح فِي تَأْخِير الْوُضُوء عَنْ غَسْل الذَّكَر زَادَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ هِشَام فِيهِ \" وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَيُصَلِّي ) ‏ ‏هُوَ أَصْرَحُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى تَرْكِ الْغُسْلِ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏وَالْمُصَنِّف وَقَائِل ذَلِكَ هُوَ الرَّاوِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( الْغُسْل أَحْوَط ) ‏ ‏أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَثْبُت النَّاسِخُ وَلَا يَظْهَرُ التَّرْجِيحُ فَالِاحْتِيَاطُ لِلدِّينِ الِاغْتِسَالُ. ‏ ‏قَوْله : ( الْأَخِير ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ \" الْآخَر \" بِالْمَدِّ بِغَيْرِ يَاء أَيْ آخِرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الشَّارِعِ أَوْ مِنْ اِجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ اِبْن التِّينِ : ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الْخَاءِ فَعَلَى هَذَا الْإِشَارَة فِي قَوْلِهِ \" وَذَاكَ \" إِلَى حَدِيثِ الْبَابِ ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا بَيَّنَّا لِاخْتِلَافِهِمْ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةٍ \" إِنَّمَا بَيَّنَّا اِخْتِلَافَهُمْ \" وَلِلْأَصِيلِيّ \" إِنَّمَا بَيَّنَّاهُ لِاخْتِلَافِهِمْ \" وَفِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيّ \" إِنَّمَا بَيَّنَّا الْحَدِيثَ الْآخَرَ لِاخْتِلَافِهِمْ وَالْمَاءُ أَنْقَى \" وَاللَّامُ تَعْلِيلِيَّة أَيْ حَتَّى لَا يُظَنَّ أَنَّ فِي ذَلِكَ إِجْمَاعًا. وَاسْتَشْكَلَ اِبْن الْعَرَبِيِّ كَلَام الْبُخَارِيّ فَقَالَ : إِيجَابُ الْغُسْلِ أَطْبَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَمَا خَالَفَ فِيهِ إِلَّا دَاوُد وَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِهِ وَإِنَّمَا الْأَمْرُ الصَّعْبُ مُخَالَفَة الْبُخَارِيّ وَحُكْمه بِأَنَّ الْغُسْلَ مُسْتَحَبّ وَهُوَ أَحَدُ أَئِمَّة الدِّينِ وَأَجِلَّة عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِي تَضْعِيف حَدِيثِ الْبَاب بِمَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى بَعْضِهِ ثُمَّ قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَاد الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ \" الْغُسْل أَحْوَط \" أَيْ فِي الدِّينِ وَهُوَ بَابٌ مَشْهُورٌ فِي الْأُصُولِ قَالَ : وَهُوَ أَشْبَهُ بِإِمَامَةِ الرَّجُلِ وَعِلْمِهِ. قُلْت : وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُتَرْجِمْ بِجَوَازِ تَرْك الْغُسْل وَإِنَّمَا تَرْجَمَ بِبَعْضِ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى إِيجَابِ الْوُضُوءِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا نَفْيُ اِبْنِ الْعَرَبِيِّ الْخِلَاف فَمُعْتَرَض فَإِنَّهُ مَشْهُورٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ثَبَتَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ لَكِنْ اِدَّعَى اِبْنُ الْقَصَّارِ أَنَّ الْخِلَافَ اِرْتَفَعَ بَيْنَ التَّابِعِينَ وَهُوَ مُعْتَرَضٌ أَيْضًا فَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيّ : أَنَّهُ قَالَ بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ جَمَاعَة فَسَمَّى بَعْضهمْ قَالَ : وَمِنْ التَّابِعِينَ الْأَعْمَش وَتَبِعَهُ عِيَاض لَكِنْ قَالَ : لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَد بَعْدَ الصَّحَابَةِ غَيْره وَهُوَ مُعْتَرَضٌ أَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن وَهُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عِنْدَ عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق أَيْضًا عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ لَا تَطِيبُ نَفْسِي إِذَا لَمْ أُنْزِلَ حَتَّى اِغْتَسَلَ مِنْ أَجْلِ اِخْتِلَافِ النَّاسِ لِأَخْذِنَا بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي اِخْتِلَافِ الْحَدِيثِ : حَدِيث \" الْمَاء مِنْ الْمَاءِ \" ثَابِتٌ لَكِنَّهُ مَنْسُوخٌ إِلَى أَنْ قَالَ : فَخَالَفَنَا بَعْضُ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا - يَعْنِي مِنْ الْحِجَازِيِّينَ - فَقَالُوا : لَا يَجِبُ الْغُسْلُ حَتَّى يُنْزِلَ ا ه. فَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْخِلَافَ كَانَ مَشْهُورًا بَيْنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى إِيجَابِ الْغُسْلِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏( خَاتِمَة : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْغُسْل - وَمَا مَعَهُ مِنْ أَحْكَام الْجَنَابَة - مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى ثَلَاثَة وَسِتِّينَ حَدِيثًا الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى خَمْسَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا الْمَوْصُول مِنْهَا أَحَد وَعِشْرُونَ وَالْبَقِيَّة تَعْلِيق وَمُتَابَعَة , وَالْخَالِص ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ مِنْهَا وَاحِد مُعَلَّق وَهُوَ حَدِيثُ بَهْزٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جِدِّهِ وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَاهُ وَسِوَى حَدِيث جَابِر فِي الِاكْتِفَاءِ فِي الْغُسْلِ بِصَاع وَحَدِيث أَنَس كَانَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ اِمْرَأَةً فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَحَدِيثه فِي الِاغْتِسَالِ مَعَ الْمَرْأَةِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَحَدِيث عَائِشَة فِي صِفَة غُسْل الْمَرْأَة مِنْ الْجَنَابَةِ. وَفِيهِ مِنْ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَشَرَة الْمُعَلَّق مِنْهَا سَبْعَة وَالْمَوْصُول ثَلَاثَة وَهِيَ حَدِيثُ زَيْد بْن خَالِد عَنْ عَلِيّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر الْمَذْكُور فِي الْبَابِ الْأَخِيرِ فَإِنْ كَانَ مَرْفُوعًا عَنْهُمْ فَتَزِيدُ عِدَّة الْخَالِص مِنْ الْمَرْفُوعِ ثَلَاثَة وَهِيَ أَيْضًا مِنْ أَفْرَادِهِ عَنْ مُسْلِم. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "285",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏خَرَجْنَا لَا ‏ ‏نَرَى ‏ ‏إِلَّا الْحَجَّ فَلَمَّا كُنَّا ‏ ‏بِسَرِفَ ‏ ‏حِضْتُ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا أَبْكِي قَالَ مَا لَكِ ‏ ‏أَنُفِسْتِ ‏ ‏قُلْتُ نَعَمْ قَالَ إِنَّ ‏ ‏هَذَا أَمْرٌ ‏ ‏كَتَبَهُ ‏ ‏اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فَاقْضِي ‏ ‏مَا ‏ ‏يَقْضِي ‏ ‏الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏قَالَتْ وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت الْقَاسِم ) ‏ ‏يَعْنِي أَبَاهُ , وَهُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق. ‏ ‏قَوْله : ( لَا نُرَى ) ‏ ‏بِالضَّمِّ أَيْ لَا نَظُنّ. و \" سَرِف \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الرَّاء بَعْدهَا فَاء مَوْضِع قَرِيب مِنْ مَكَّة بَيْنهمَا نَحْو مِنْ عَشْرَة أَمْيَال , وَهُوَ مَمْنُوع مِنْ الصَّرْف وَقَدْ يُصْرَف. ‏ ‏قَوْله : ( فَاقْضِي ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْقَضَاءِ هُنَا الْأَدَاء وَهُمَا فِي اللُّغَة بِمَعْنًى وَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( غَيْر أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ ) ‏ ‏زَادَ فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة \" حَتَّى تَطْهُرِي \" وَهَذَا الِاسْتِثْنَاء مُخْتَصّ بِأَحْوَالِ الْحَجّ لَا بِجَمِيعِ أَحْوَال الْمَرْأَة , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث بِتَمَامِهِ فِي كِتَاب الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "286",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏أُرَجِّلُ ‏ ‏رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا حَائِضٌ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث مُطَابِق لِمَا تُرْجِْم لَهُ مِنْ جِهَة التَّرْجِيل , وَأُلْحِقَ بِهِ الْغَسْل قِيَاسًا , أَوْ إِشَارَة إِلَى الطَّرِيق الْآتِيَة فِي بَاب مُبَاشَرَة الْحَائِض فَإِنَّهَا صَرِيحَة فِي ذَلِكَ , وَهُوَ دَالّ عَلَى أَنَّ ذَات الْحَائِض طَاهِرَة , وَعَلَى أَنَّ حَيْضهَا لَا يَمْنَع مُلَامَسَتهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "287",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سُئِلَ أَتَخْدُمُنِي الْحَائِضُ أَوْ تَدْنُو مِنِّي الْمَرْأَةُ وَهِيَ جُنُبٌ فَقَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏كُلُّ ذَلِكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَكُلُّ ذَلِكَ تَخْدُمُنِي وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ ‏ ‏أَخْبَرَتْنِي ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَنَّهَا كَانَتْ ‏ ‏تُرَجِّلُ تَعْنِي رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهِيَ حَائِضٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَئِذٍ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ يُدْنِي لَهَا رَأْسَهُ وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا فَتُرَجِّلُهُ وَهِيَ حَائِضٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا هِشَام ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَر \" أَخْبَرَنِي هِشَام بْن عُرْوَة \" وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد لَطِيفَة , وَهِيَ اِتِّفَاق اِسْم شَيْخ الرَّاوِي وَتِلْمِيذه , مِثَاله هَذَا اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ هِشَام وَعَنْهُ هِشَام , فَالْأَعْلَى اِبْن عُرْوَة وَالْأَدْنَى اِبْن يُوسُف , وَهُوَ نَوْع أَغْفَلَهُ اِبْن الصَّلَاح. ‏ ‏قَوْله : ( مُجَاوِر ) ‏ ‏أَيْ مُعْتَكِف , وَثَبَتَ هَذَا التَّفْسِير فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ فِي الْأَصْل , وَحُجْرَة عَائِشَة كَانَتْ مُلَاصِقَة لِلْمَسْجِدِ , وَأَلْحَقَ عُرْوَة الْجَنَابَة بِالْحَيْضِ قِيَاسًا , وَهُوَ جَلِيّ ; لِأَنَّ الِاسْتِقْذَار بِالْحَائِضِ أَكْثَر مِنْ الْجُنُب , وَأَلْحَقَ الْخِدْمَة بِالتَّرْجِيلِ. وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى طَهَارَة بَدَن الْحَائِض وَعَرَقهَا , وَأَنَّ الْمُبَاشَرَة الْمَمْنُوعَة لِلْمُعْتَكِفِ هِيَ الْجِمَاع وَمُقَدِّمَاته , وَأَنَّ الْحَائِض لَا تَدْخُل الْمَسْجِد. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ حُجَّة عَلَى الشَّافِعِيّ فِي قَوْله أَنَّ الْمُبَاشَرَة مُطْلَقًا تَنْقُض الْوُضُوء , كَذَا قَالَ. وَلَا حُجَّة فِيهِ ; لِأَنَّ الِاعْتِكَاف لَا يُشْتَرَط فِيهِ الْوُضُوء , وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث أَنَّهُ عَقَّبَ ذَلِكَ الْفِعْل بِالصَّلَاةِ , وَعَلَى تَقْدِير ذَلِكَ فَمَسّ الشَّعْر لَا يَنْقُض الْوُضُوء. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "288",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏زُهَيْرًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّهُ ‏ ‏حَدَّثَتْهُ أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏حَدَّثَتْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَتَّكِئُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ زُهَيْرًا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة الْجُعْفِيُّ , وَمَنْصُور بْن صَفِيَّة مَنْسُوب إِلَى أُمّه لِشُهْرَتِهَا وَهُوَ مَنْصُور اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الْحَجَبِيّ وَأُمّه صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة بْن عُثْمَان مِنْ صِغَار الصَّحَابَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَقْرَأ الْقُرْآن ) ‏ ‏وَلِلْمُصَنِّفِ فِي التَّوْحِيد \" كَانَ يَقْرَأ الْقُرْآن وَرَأْسه فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِض \" فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِالِاتِّكَاءِ وَضْع رَأْسه فِي حِجْرهَا. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِي هَذَا الْفِعْل إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْحَائِض لَا تَقْرَأ الْقُرْآن ; لِأَنَّ قِرَاءَتهَا لَوْ كَانَتْ جَائِزَة لَمَا تُوُهِّمَ اِمْتِنَاع الْقِرَاءَة فِي حِجْرهَا حَتَّى اُحْتِيجَ إِلَى التَّنْصِيص عَلَيْهَا , وَفِيهِ جَوَاز مُلَامَسَة الْحَائِض وَأَنَّ ذَاتهَا وَثِيَابهَا عَلَى الطَّهَارَة مَا لَمْ يَلْحَق شَيْئًا مِنْهَا نَجَاسَة , وَهَذَا مَبْنِيّ عَلَى مَنْع الْقِرَاءَة فِي الْمَوَاضِع الْمُسْتَقْذَرَة , وَفِيهِ جَوَاز الْقِرَاءَة بِقُرْبِ مَحَلّ النَّجَاسَة , قَالَهُ النَّوَوِيّ : وَفِيهِ جَوَاز اِسْتِنَاد الْمَرِيض فِي صَلَاته إِلَى الْحَائِض إِذَا كَانَتْ أَثْوَابهَا طَاهِرَة , قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "289",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَتْهُ أَنَّ ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَتْهَا قَالَتْ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُضْطَجِعَةٌ فِي ‏ ‏خَمِيصَةٍ ‏ ‏إِذْ حِضْتُ ‏ ‏فَانْسَلَلْتُ ‏ ‏فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي قَالَ ‏ ‏أَنُفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ فَدَعَانِي فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي ‏ ‏الْخَمِيلَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَة أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيق مُعَاذ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( مُضْطَجِعَة ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ وَيَجُوز النَّصْب. ‏ ‏قَوْله : ( فِي خَمِيصَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَة : كِسَاء أَسْوَد لَهُ أَعْلَام يَكُون مِنْ صُوف وَغَيْره وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ طُرُقه بِلَفْظِ خَمِيصَة إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة. وَأَصْحَاب يَحْيَى ثُمَّ أَصْحَاب هِشَام كُلّهمْ قَالُوا خَمِيلَة بِاللَّامِ بَدَل الصَّاد , وَهُوَ مُوَافِق لِمَا فِي آخِر الْحَدِيث , قِيلَ : الْخَمِيلَة الْقَطِيفَة , وَقِيلَ الطُّنْفِسَة. وَقَالَ الْخَلِيل : الْخَمِيلَة ثَوْب لَهُ خَمْل أَيْ هُدْب , وَعَلَى هَذَا لَا مُنَافَاة بَيْن الْخَمِيصَة وَالْخَمِيلَة فَكَأَنَّهَا كَانَتْ كِسَاء أَسْوَد لَهَا أَهْدَاب ‏ ‏قَوْله : ( فَانْسَلَلْت ) ‏ ‏بِلَامَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَة وَالثَّانِيَة سَاكِنَة , أَيْ ذَهَبْت فِي خُفْيَة. زَادَ الْمُصَنِّف مِنْ رِوَايَة شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا \" فَخَرَجْت مِنْهَا \" أَيْ مِنْ الْخَمِيصَة قَالَ النَّوَوِيّ كَأَنَّهَا خَافَتْ وُصُول شَيْء مِنْ دَمهَا إِلَيْهِ , أَوْ خَافَتْ أَنْ يَطْلُب الِاسْتِمْتَاع بِهَا فَذَهَبَتْ لِتَتَأَهَّبَ لِذَلِكَ , أَوْ تَقَذَّرَتْ نَفْسهَا وَلَمْ تَرْضَهَا لِمُضَاجَعَتِهِ , فَلِذَلِكَ أَذِنَ لَهَا فِي الْعَوْد. ‏ ‏قَوْله : ( ثِيَاب حَيْضَتِي ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَتنَا الْحَاء وَكَسْرهَا مَعًا , وَمَعْنَى الْفَتْح أَخَذْت ثِيَابِي الَّتِي أَلْبَسهَا زَمَن الْحَيْض ; لِأَنَّ الْحَيْضَة بِالْفَتْحِ هِيَ الْحَيْض. وَمَعْنَى الْكَسْر أَخَذْت ثِيَابِي الَّتِي أَعْدَدْتهَا لِأَلْبَسهَا حَالَة الْحَيْض , وَجَزَمَ الْخَطَّابِيُّ بِرِوَايَةِ الْكَسْر وَرَجَّحَهَا النَّوَوِيّ , وَرَجَّحَ الْقُرْطُبِيّ رِوَايَة الْفَتْح لِوُرُودِهِ فِي بَعْض طُرُقه بِلَفْظِ حَيْضِي بِغَيْرِ تَاء. ‏ ‏قَوْله : ( أَنُفِسْت ) ‏ ‏؟ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَصْل هَذِهِ الْكَلِمَة مِنْ النَّفْس وَهُوَ الدَّم , إِلَّا أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْن بِنَاء الْفِعْل مِنْ الْحَيْض وَالنِّفَاس , فَقَالُوا فِي الْحَيْض نَفِسَتْ بِفَتْحِ النُّون , وَفِي الْوِلَادَة بِضَمِّهَا. اِنْتَهَى , وَهَذَا قَوْل كَثِير مِنْ أَهْل اللُّغَة , لَكِنْ حَكَى أَبُو حَاتِم عَنْ الْأَصْمَعِيّ قَالَ : يُقَال نُفِسَتْ الْمَرْأَة فِي الْحَيْض وَالْوِلَادَة , بِضَمِّ النُّون فِيهِمَا. وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَتنَا بِالْوَجْهَيْنِ فَتْح النُّون وَضَمّهَا , وَفِي الْحَدِيث جَوَاز النَّوْم مَعَ الْحَائِض فِي ثِيَابهَا وَالِاضْطِجَاع مَعَهَا فِي لِحَاف وَاحِد , وَاسْتِحْبَاب اِتِّخَاذ الْمَرْأَة ثِيَابًا لِلْحَيْضِ غَيْر ثِيَابهَا الْمُعْتَادَة , وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّف عَلَى ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مُبَاشَرَتهَا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "290",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ كِلَانَا جُنُبٌ وَكَانَ يَأْمُرُنِي ‏ ‏فَأَتَّزِرُ ‏ ‏فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا قَبِيصَة ) ‏ ‏الْقَاف وَالصَّاد الْمُهْمَلَة هُوَ اِبْن عُقْبَة , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , ‏ ‏وَمَنْصُور ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر. وَالْإِسْنَاد كُلّه إِلَى عَائِشَة كُوفِيُّونَ , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى اِغْتِسَالهَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاء وَاحِد فِي كِتَاب الْغُسْل. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَّزِر ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَتنَا , وَغَيْرهَا بِتَشْدِيدِ التَّاء الْمُثَنَّاة بَعْد الْهَمْزَة , وَأَصْله فَأَئْتَزِرُ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَة بَعْد الْهَمْزَة الْمَفْتُوحَة ثُمَّ الْمُثَنَّاة بِوَزْنِ أَفْتَعِل , وَأَنْكَرَ أَكْثَر النُّحَاة الْإِدْغَام حَتَّى قَالَ صَاحِب الْمُفَصَّل إِنَّهُ خَطَأ , لَكِنْ نَقَلَ غَيْره أَنَّهُ مَذْهَب الْكُوفِيِّينَ , وَحَكَاهُ الصَّغَانِيّ فِي مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ. وَقَالَ اِبْن مَالِك : إِنَّهُ مَقْصُور عَلَى السَّمَاع وَمِنْهُ قِرَاءَة اِبْن مَحِيص ( فَلْيُؤَدِّ الَّذِي أُتُّمِنَ ) بِالتَّشْدِيدِ , وَالْمُرَاد بِذَلِكَ أَنَّهَا تَشُدّ إِزَارهَا عَلَى وَسَطهَا , وَحَدَّدَ ذَلِكَ الْفُقَهَاء بِمَا بَيْن السُّرَّة وَالرُّكْبَة عَمَلًا بِالْعُرْفِ الْغَالِب. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة الْحَدِيث قَبْل بِبَابَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "291",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُبَاشِرَهَا ‏ ‏أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي ‏ ‏فَوْرِ ‏ ‏حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا قَالَتْ وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ ‏ ‏إِرْبَهُ ‏ ‏كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمْلِكُ ‏ ‏إِرْبَهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏وَجَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن خَلِيل ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَة , وَلِغَيْرِهِمَا \" الْخَلِيل \". وَالْإِسْنَاد أَيْضًا إِلَى عَائِشَة كُلّهمْ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِحْدَانَا ) ‏ ‏أَيْ إِحْدَى أَزْوَاج النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تَتَّزِر ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاة الثَّانِيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيههَا , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" أَنْ تَأْتَزِرَ \" بِهَمْزَةٍ سَاكِنَة وَهِيَ أَفْصَح. ‏ ‏قَوْله : ( فِي فَوْر حَيْضَتهَا ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فَوْر الْحَيْض أَوَّله وَمُعْظَمه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : فَوْر الْحَيْضَة مُعْظَم صَبّهَا , مِنْ فَوَرَان الْقِدْر وَغَلَيَانهَا. ‏ ‏قَوْله : ( يَمْلِك إِرْبه ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون الرَّاء ثُمَّ مُوَحَّدَة , قِيلَ الْمُرَاد عُضْوه الَّذِي يَسْتَمْتِع بِهِ , وَقِيلَ حَاجَته , وَالْحَاجَة تُسَمَّى إِرْبًا بِالْكَسْرِ ثُمَّ السُّكُون وَأَرَبًا بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالرَّاء , وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحه أَنَّهُ رُوِيَ هُنَا بِالْوَجْهَيْنِ , وَأَنْكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَر كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيّ وَغَيْره عَنْهُ رِوَايَة الْكَسْر , وَكَذَا أَنْكَرَهَا النَّحَّاس. وَقَدْ ثَبَتَتْ رِوَايَة الْكَسْر , وَتَوْجِيههَا ظَاهِر فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهَا , وَالْمُرَاد أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَمْلَك النَّاس لِأَمْرِهِ , فَلَا يُخْشَى عَلَيْهِ مَا يُخْشَى عَلَى غَيْره مِنْ أَنْ يَحُوم حَوْل الْحِمَى , وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يُبَاشِر فَوْق الْإِزَار تَشْرِيعًا لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ. وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاء , وَهُوَ الْجَارِي عَلَى قَاعِدَة الْمَالِكِيَّة فِي بَاب سَدّ الذَّرَائِع. وَذَهَبَ كَثِير مِنْ السَّلَف وَالثَّوْرِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق إِلَى أَنَّ الَّذِي يُمْتَنَع فِي الِاسْتِمْتَاع بِالْحَائِضِ الْفَرْج فَقَطْ , وَبِهِ قَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن مِنْ الْحَنَفِيَّة وَرَجَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ , وَهُوَ اِخْتِيَار أَصَبْغ مِنْ الْمَالِكِيَّة , وَأَحَد الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر. وَقَالَ النَّوَوِيّ : هُوَ الْأَرْجَح دَلِيلًا لِحَدِيثِ أَنَس فِي مُسْلِم \" اِصْنَعُوا كُلّ شَيْء إِلَّا الْجِمَاع \" وَحَمَلُوا حَدِيث الْبَاب وَشَبَهه عَلَى الِاسْتِحْبَاب جَمْعًا بَيْن الْأَدِلَّة. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب مَا يَقْتَضِي مَنْع مَا تَحْت الْإِزَار ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ. اِنْتَهَى. وَيَدُلّ عَلَى الْجَوَاز أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ قَوِيّ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ بَعْض أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ مِنْ الْحَائِض شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجهَا ثَوْبًا , وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ عَلَى الْجَوَاز بِأَنَّ الْمُبَاشَرَة تَحْت الْإِزَار دُون الْفَرْج لَا تُوجِب حَدًّا وَلَا غُسْلًا فَأَشْبَهَتْ الْمُبَاشَرَة فَوْق الْإِزَار. وَفَصَّلَ بَعْض الشَّافِعِيَّة فَقَالَ : إِنْ كَانَ يَضْبِط نَفْسه عِنْد الْمُبَاشَرَة عَنْ الْفَرْج وَيَثِق مِنْهَا بِاجْتِنَابِهِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا , وَاسْتَحْسَنَهُ النَّوَوِيّ. وَلَا يَبْعُد تَخْرِيج وَجْه مُفَرِّق بَيْن اِبْتِدَاء الْحَيْض وَمَا بَعْده لِظَاهِرِ التَّقْيِيد بِقَوْلِهَا \" فَوْر حَيْضَتهَا \" , وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ أُمّ سَلَمَة أَيْضًا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَّقِي سَوْرَة الدَّم ثَلَاثًا ثُمَّ يُبَاشِر بَعْد ذَلِكَ , وَيُجْمَع بَيْنه وَبَيْن الْأَحَادِيث الدَّالَّة عَلَى الْمُبَادَرَة إِلَى الْمُبَاشَرَة عَلَى اِخْتِلَاف هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ خَالِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْوَاسِطِيُّ , ‏ ‏وَجَرِير ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , أَيْ تَابَعَا عَلِيّ بْن مُسْهِر فِي رِوَايَة هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَلِلشَّيْبَانِيِّ فِيهِ إِسْنَاد آخَر كَمَا سَيَأْتِي عَقِبه , وَمُتَابَعَة خَالِد وَصَلَهَا أَبُو الْقَاسِم التَّنُوخِيّ فِي فَوَائِده مِنْ طَرِيق وَهْب بْن بَقِيَّة عَنْهُ , وَقَدْ أَوْرَدْت إِسْنَادهَا فِي تَعْلِيق التَّعْلِيق , وَمُتَابَعَة جَرِير وَصَلَهَا أَبُو دَاوُدَ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك. وَهَذَا مِمَّا وَهِمَ فِي اِسْتِدْرَاكه لِكَوْنِهِ مُخَرَّجًا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيق الشَّيْبَانِيِّ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَسْوَد بِسَنَدِهِ هَذَا مَنْصُور بْن أَبِي الْأَسْوَد. أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه. ‏"
    },
    {
        "id": "292",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا فَاتَّزَرَتْ وَهِيَ حَائِضٌ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَان ) ‏ ‏هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ عَارِم , ‏ ‏وَعَبْد الْوَاحِد ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد الْبَصْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أُسَامَة بْن الْهَاد اللَّيْثِيّ , وَهُوَ مِنْ أَوْلَاد الصَّحَابَة لَهُ رُؤْيَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَرَهَا ) ‏ ‏أَيْ بِالِاتِّزَارِ ( فَاتَّزَرَتْ ) وَهُوَ فِي رِوَايَتنَا بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَة عَلَى اللُّغَة الْفُصْحَى. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ سُفْيَان ) ‏ ‏يَعْنِي الثَّوْرِيّ ( ‏ ‏عَنْ الشَّيْبَانِيِّ ) ‏ ‏يَعْنِي بِسَنَدِ عَبْد الْوَاحِد , وَهُوَ عِنْد الْإِمَام أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ سُفْيَان نَحْوه. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَاد خَالِد بْن عَبْد اللَّه عِنْد مُسْلِم وَجَرِير بْن عَبْد الْحَمِيد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَذَلِكَ مِمَّا يَدْفَع عَنْهُ تَوَهُّمَ الِاضْطِرَاب , وَكَأَنَّ الشَّيْبَانِيَّ كَانَ يُحَدِّث بِهِ تَارَة مِنْ مُسْنَد عَائِشَة وَتَارَة مِنْ مُسْنَد مَيْمُونَة , فَسَمِعَهُ مِنْهُ جَرِير وَخَالِد بِالْإِسْنَادَيْنِ , وَسَمِعَهُ غَيْرهمَا بِأَحَدِهِمَا. وَرَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا - بِإِسْنَادِ مَيْمُونَة - حَفْص بْن غِيَاث عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَأَبُو مُعَاوِيَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَسْبَاط بْن مُحَمَّد عِنْد أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحه. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِإِسْنَادِ عَائِشَة. ‏"
    },
    {
        "id": "293",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ‏ ‏تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي ‏ ‏أُرِيتُكُنَّ ‏ ‏أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُكْثِرْنَ ‏ ‏اللَّعْنَ ‏ ‏وَتَكْفُرْنَ ‏ ‏الْعَشِيرَ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ ‏ ‏لِلُبِّ ‏ ‏الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ قُلْنَ وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم ) ‏ ‏هُوَ سَعِيد بْن الْحَكَم بْن مُحَمَّد بْن سَالِم الْمِصْرِيّ الْجُمَحِيُّ , لَقِيَهُ الْبُخَارِيّ وَرَوَى مُسْلِم وَأَصْحَاب السُّنَن عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ , وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير أَخُو إِسْمَاعِيل , وَالْإِسْنَاد مِنْهُ فَصَاعِدًا مَدَنِيُّونَ , وَفِيهِ تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ , زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ عِيَاض بْن عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن أَبِي سَرْح الْعَامِرِيّ , لِأَبِيهِ صُحْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي. ‏ ‏قَوْله ( إِلَى الْمُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاء ) ‏ ‏اِخْتَصَرَهُ الْمُؤَلِّف هُنَا , وَقَدْ سَاقَهُ فِي كِتَاب الزَّكَاة تَامًّا وَلَفْظه : \" إِلَى الْمُصَلَّى فَوَعَظَ النَّاس وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ : أَيّهَا النَّاس تَصَدَّقُوا , فَمَرَّ عَلَى النِّسَاء \" , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي سَعِيد أَنَّهُ كَانَ وَعَدَ النِّسَاء بِأَنْ يُفْرِدهُنَّ بِالْمَوْعِظَةِ فَأَنْجَزَهُ ذَلِكَ الْيَوْم , وَفِيهِ أَنَّهُ وَعَظَهُنَّ وَبَشَّرَهُنَّ. ‏ ‏قَوْله : ( يَا مَعْشَر النِّسَاء ) ‏ ‏الْمَعْشَر كُلّ جَمَاعَة أَمْرهمْ وَاحِد , وَنُقِلَ عَنْ ثَعْلَب أَنَّهُ مَخْصُوص بِالرِّجَالِ , وَهَذَا الْحَدِيث يَرُدّ عَلَيْهِ , إِلَّا إِنْ كَانَ مُرَاده بِالتَّخْصِيصِ حَالَة إِطْلَاق الْمَعْشَر لَا تَقْيِيده كَمَا فِي الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( أُرِيتُكُنَّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الرَّاء عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ , وَالْمُرَاد أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَرَاهُنَّ لَهُ لَيْلَة الْإِسْرَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , بِلَفْظِ \" أُرِيت النَّار فَرَأَيْت أَكْثَر أَهْلهَا النِّسَاء \" وَيُسْتَفَاد مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ الرُّؤْيَة الْمَذْكُورَة وَقَعَتْ فِي حَال صَلَاة الْكُسُوف كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا فِي بَاب صَلَاة الْكُسُوف جَمَاعَةً. ‏ ‏قَوْله : ( وَبِمَ ؟ ) ‏ ‏الْوَاو اِسْتِئْنَافِيَّة وَالْبَاء تَعْلِيلِيَّة وَالْمِيم أَصْلهَا مَا الِاسْتِفْهَامِيَّة فَحُذِفَتْ مِنْهَا الْأَلِف تَخْفِيفًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَكْفُرْنَ الْعَشِير ) ‏ ‏أَيْ تَجْحَدْنَ حَقّ الْخَلِيط - وَهُوَ الزَّوْج - أَوْ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ نَاقِصَات ) ‏ ‏صِفَة مَوْصُوف مَحْذُوف قَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْله \" مَا رَأَيْت مِنْ نَاقِصَات إِلَخْ \" زِيَادَة عَلَى الْجَوَاب تُسَمَّى الِاسْتِتْبَاع , كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ , وَيَظْهَر لِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَة أَسْبَاب كَوْنهنَّ أَكْثَر أَهْل النَّار ; لِأَنَّهُنَّ إِذَا كُنَّ سَبَبًا لِإِذْهَابِ عَقْل الرَّجُل الْحَازِم حَتَّى يَفْعَل أَوْ يَقُول مَا لَا يَنْبَغِي فَقَدْ شَارَكْنَهُ فِي الْإِثْم وَزِدْنَ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَذْهَبُ ) ‏ ‏أَيْ أَشَدّ إِذْهَابًا , وَاللُّبّ أَخَصّ مِنْ الْعَقْل وَهُوَ الْخَالِص مِنْهُ , ‏ ‏( الْحَازِم ) ‏ ‏الضَّابِط لِأَمْرِهِ , وَهَذِهِ مُبَالَغَة فِي وَصْفهنَّ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الضَّابِط لِأَمْرِهِ إِذَا كَانَ يَنْقَاد لَهُنَّ فَغَيْر الضَّابِط أَوْلَى , وَاسْتِعْمَال أَفْعَل التَّفْضِيل مِنْ الْإِذْهَاب جَائِز عِنْد سِيبَوَيْهِ حَيْثُ جَوَّزَهُ مِنْ الثُّلَاثِيّ وَالْمَزِيد. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْنَ : وَمَا نُقْصَان دِيننَا ) ؟ ‏ ‏كَأَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ حَتَّى سَأَلْنَ عَنْهُ , وَنَفْس السُّؤَال دَالّ عَلَى النُّقْصَان ; لِأَنَّهُنَّ سَلَّمْنَ مَا نُسِبَ إِلَيْهِنَّ مِنْ الْأُمُور الثَّلَاثَة - الْإِكْثَار وَالْكُفْرَان وَالْإِذْهَاب - ثُمَّ اسْتَشْكَلْنَ كَوْنهنَّ نَاقِصَات. وَمَا أَلْطَف مَا أَجَابَهُنَّ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْر تَعْنِيف وَلَا لَوْم , بَلْ خَاطَبَهُنَّ عَلَى قَدْر عُقُولهنَّ , وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ \" مِثْل نِصْف شَهَادَة الرَّجُل \" إِلَى قَوْله تَعَالَى ( فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ ) ; لِأَنَّ الِاسْتِظْهَار بِأُخْرَى مُؤْذِنٌ بِقِلَّةِ ضَبْطهَا وَهُوَ مُشْعِرٌ بِنَقْصِ عَقْلهَا , وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ حَمَلَ الْعَقْل هُنَا عَلَى الدِّيَة وَفِيهِ بُعْدٌ قُلْت : بَلْ سِيَاق الْكَلَام يَأْبَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَلِكِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْكَاف خِطَابًا الَّتِي تَوَلَّتْ الْخِطَاب , وَيَجُوز فَتْحهَا عَلَى أَنَّهُ لِلْخِطَابِ الْعَامّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ مَنْع الْحَائِض مِنْ الصَّوْم وَالصَّلَاة كَانَ ثَابِتًا بِحُكْمِ الشَّرْع قَبْل ذَلِكَ الْمَجْلِس. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد : مَشْرُوعِيَّة الْخُرُوج إِلَى الْمُصَلَّى فِي الْعِيد , وَأَمْر الْإِمَام النَّاس بِالصَّدَقَةِ فِيهِ , وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْض الصُّوفِيَّة جَوَاز الطَّلَب مِنْ الْأَغْنِيَاء لِلْفُقَرَاءِ وَلَهُ شُرُوطٌ , وَفِيهِ حُضُور النِّسَاء الْعِيد , لَكِنْ بِحَيْثُ يَنْفَرِدْنَ عَنْ الرِّجَال خَوْف الْفِتْنَة , وَفِيهِ جَوَاز عِظَة الْإِمَام النِّسَاء عَلَى حِدَة وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم , وَفِيهِ أَنَّ جَحْد النِّعَم حَرَام , وَكَذَا كَثْرَة اِسْتِعْمَال الْكَلَام الْقَبِيح كَاللَّعْنِ وَالشَّتْم , اِسْتَدَلَّ النَّوَوِيّ عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ الْكَبَائِر بِالتَّوَعُّدِ عَلَيْهَا بِالنَّارِ , وَفِيهِ ذَمّ اللَّعْن وَهُوَ الدُّعَاء بِالْإِبْعَادِ مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا كَانَ فِي مُعَيَّن , وَفِيهِ إِطْلَاق الْكُفْر عَلَى الذُّنُوب الَّتِي لَا تُخْرِجُ عَنْ الْمِلَّة تَغْلِيظًا عَلَى فَاعِلهَا لِقَوْلِهِ فِي بَعْض طُرُقه \" بِكُفْرِهِنَّ \" كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَان , وَهُوَ كَإِطْلَاقِ نَفْي الْإِيمَان , وَفِيهِ الْإِغْلَاظ فِي النُّصْح بِمَا يَكُون سَبَبًا لِإِزَالَةِ الصِّفَة الَّتِي تُعَاب , وَأَنْ لَا يُوَاجَهُ بِذَلِكَ الشَّخْص الْمُعَيَّن ; لِأَنَّ التَّعْمِيم تَسْهِيلًا عَلَى السَّامِع , وَفِيهِ أَنَّ الصَّدَقَة تَدْفَع الْعَذَاب , وَأَنَّهَا قَدْ تُكَفِّر الذُّنُوب الَّتِي بَيْن الْمَخْلُوقِينَ , وَأَنَّ الْعَقْل يَقْبَل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان , وَكَذَلِكَ الْإِيمَان كَمَا تَقَدَّمَ , وَلَيْسَ الْمَقْصُود بِذِكْرِ النَّقْص فِي النِّسَاء لَوْمهنَّ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَصْل الْخِلْقَة , لَكِنَّ التَّنْبِيه عَلَى ذَلِكَ تَحْذِيرًا مِنْ الِافْتِتَان بِهِنَّ , وَلِهَذَا رَتَّبَ الْعَذَاب عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ الْكُفْرَان وَغَيْره لَا عَلَى النَّقْص , وَلَيْسَ نَقْصُ الدِّين مُنْحَصِرًا فِيمَا يَحْصُل بِهِ الْإِثْم بَلْ فِي أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ قَالَهُ النَّوَوِيّ ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ , فَالْكَامِل مَثَلًا نَاقِصٌ عَنْ الْأَكْمَل , وَمِنْ ذَلِكَ الْحَائِض لَا تَأْثَم بِتَرْكِ الصَّلَاة زَمَن الْحَيْض لَكِنَّهَا نَاقِصَة عَنْ الْمُصَلِّي , وَهَلْ تُثَاب عَلَى هَذَا التَّرْك لِكَوْنِهَا مُكَلَّفَة بِهِ كَمَا يُثَاب الْمَرِيض عَلَى النَّوَافِل الَّتِي كَانَ يَعْمَلهَا فِي صِحَّته وَشُغِلَ بِالْمَرَضِ عَنْهَا ؟ قَالَ النَّوَوِيّ : الظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تُثَاب , وَالْفَرْق بَيْنهَا وَبَيْن الْمَرِيض أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلهَا بِنِيَّةِ الدَّوَام عَلَيْهَا مَعَ أَهْلِيَّته , وَالْحَائِض لَيْسَتْ كَذَلِكَ. وَعِنْدِي - فِي كَوْن هَذَا الْفَرْق مُسْتَلْزِمًا لِكَوْنِهَا لَا تُثَاب - وَقْفَةٌ , وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا مُرَاجَعَة الْمُتَعَلِّم لِمُعَلِّمِهِ وَالتَّابِع لِمَتْبُوعِهِ فِيمَا لَا يَظْهَر لَهُ مَعْنَاهُ , وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْخُلُق الْعَظِيم وَالصَّفْح الْجَمِيل وَالرِّفْق وَالرَّأْفَة , زَادَهُ اللَّه تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا. ‏"
    },
    {
        "id": "294",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ فَلَمَّا جِئْنَا ‏ ‏سَرِفَ ‏ ‏طَمِثْتُ ‏ ‏فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ مَا يُبْكِيكِ قُلْتُ لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ قَالَ لَعَلَّكِ نُفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ ‏ ‏فَإِنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏حَتَّى تَطْهُرِي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "295",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ ‏ ‏لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي لَا أَطْهُرُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي بَاب غَسْل الدَّم مِنْ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام وَهُوَ اِبْن عُرْوَة. فِي هَذَا الْحَدِيث التَّصْرِيحُ بِبَيَانِ السَّبَب وَهُوَ قَوْلهَا \" إِنِّي أُسْتَحَاض \" وَكَانَ عِنْدهَا أَنَّ طَهَارَة الْحَائِض لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِانْقِطَاعِ الدَّم فَكَنَّتْ بِعَدَمِ الطُّهْر عَنْ اِتِّصَاله , وَكَانَتْ عَلِمَتْ أَنَّ الْحَائِض لَا تُصَلِّي فَظَنَّتْ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْم مُقْتَرِن بِجَرَيَانِ الدَّم مِنْ الْفَرْج فَأَرَادَتْ تَحَقُّقَ ذَلِكَ فَقَالَتْ \" أَفَأَدَعُ الصَّلَاة \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا ذَلِكِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْكَاف وَزَادَ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة \" فَقَالَ لَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْحَاء كَمَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَكْثَر الْمُحَدِّثِينَ أَوْ كُلّهمْ , وَإِنْ كَانَ قَدْ اِخْتَارَ الْكَسْر عَلَى إِرَادَة الْحَالَة لَكِنَّ الْفَتْح هُنَا أَظْهَرُ , وَقَالَ النَّوَوِيّ : وَهُوَ مُتَعَيَّن أَوْ قَرِيب مِنْ الْمُتَعَيَّن ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ إِثْبَات الِاسْتِحَاضَة وَنَفْي الْحَيْض. وَأَمَّا قَوْله \" فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَة \" فَيَجُوز فِيهِ الْوَجْهَانِ مَعًا جَوَازًا حَسَنًا. اِنْتَهَى كَلَامه. وَاَلَّذِي فِي رِوَايَتنَا بِفَتْحِ الْحَاء فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّم وَصَلِّي ) ‏ ‏أَيْ بَعْد الِاغْتِسَال كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيح بِهِ فِي بَاب إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْر ثَلَاث حِيَضٍ مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة فِي هَذَا الْحَدِيث قَالَ فِي آخِره \" ثُمَّ اِغْتَسِلِي وَصَلِّي \" وَلَمْ يَذْكُر غَسْل الدَّم. وَهَذَا الِاخْتِلَاف وَاقِعٌ بَيْن أَصْحَاب هِشَام , مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ غَسْل الدَّم وَلَمْ يَذْكُر الِاغْتِسَال وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ الِاغْتِسَال وَلَمْ يَذْكُر غَسْل الدَّم , كُلّهمْ ثِقَات وَأَحَادِيثهمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ , فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ كُلّ فَرِيق اِخْتَصَرَ أَحَد الْأَمْرَيْنِ لِوُضُوحِهِ عِنْده. وَفِيهِ اِخْتِلَاف ثَالِث أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي بَاب غَسْل الدَّم مِنْ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة فَذَكَر مِثْل حَدِيث الْبَاب وَزَادَ \" ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاة \" وَرَدَدْنَا هُنَاكَ قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ مَدْرَجٌ , وَقَوْل مَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ مَوْقُوف عَلَى عُرْوَة , وَلَمْ يَنْفَرِد أَبُو مُعَاوِيَة بِذَلِكَ فَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ هِشَام وَادَّعَى أَنَّ حَمَّادًا تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَة , وَأَوْمَأَ مُسْلِم أَيْضًا إِلَى ذَلِكَ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة وَالسَّرَّاج مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سُلَيْمٍ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام , وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة إِذَا مَيَّزَتْ دَم الْحَيْض مِنْ دَم الِاسْتِحَاضَة تَعْتَبِر دَم الْحَيْض وَتَعْمَل عَلَى إِقْبَاله وَإِدْبَاره , فَإِذَا اِنْقَضَى قَدْره اِغْتَسَلَتْ عَنْهُ ثُمَّ صَارَ حُكْم دَم الِاسْتِحَاضَة حُكْم الْحَدَث فَتَتَوَضَّأ لِكُلِّ صَلَاة , لَكِنَّهَا لَا تُصَلِّي بِذَلِكَ الْوُضُوء أَكْثَر مِنْ فَرِيضَة وَاحِدَة مُؤَدَّاة أَوْ مَقْضِيَّة لِظَاهِرِ قَوْله \" ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاة \" , وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُور , وَعِنْد الْحَنَفِيَّة أَنَّ الْوُضُوء مُتَعَلِّق بِوَقْتِ الصَّلَاة فَلَهَا أَنْ تُصَلِّي بِهِ الْفَرِيضَة الْحَاضِرَة وَمَا شَاءَتْ مِنْ الْفَوَائِت مَا لَمْ يَخْرُج وَقْت الْحَاضِرَة , وَعَلَى قَوْلهمْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاة \" أَيْ لِوَقْتِ كُلّ صَلَاة , فَفِيهِ مَجَاز الْحَذْف وَيَحْتَاج إِلَى دَلِيل. وَعِنْد الْمَالِكِيَّة يُسْتَحَبّ لَهَا الْوُضُوء لِكُلِّ صَلَاة وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِحَدِيثٍ آخَر , وَقَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق : إِنْ اِغْتَسَلَتْ لِكُلِّ فَرْض فَهُوَ أَحْوَطُ. وَفِيهِ جَوَازًا اِسْتِفْتَاء الْمَرْأَة بِنَفْسِهَا وَمُشَافَهَتهَا لِلرَّجُلِ فِيمَا يَتَعَلَّق بِأَحْوَالِ النِّسَاء , وَجَوَاز سَمَاع صَوْتهَا لِلْحَاجَةِ. وَفِيهِ غَيْر ذَلِكَ. وَقَدْ اِسْتَنْبَطَ مِنْهُ الرَّازِيَُّ الْحَنَفِيّ أَنَّ مُدَّة أَقَلّ الْحَيْض , ثَلَاثَة أَيَّام وَأَكْثَره عَشَرَة لِقَوْلِهِ \" قَدْر الْأَيَّام الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا \" ; لِأَنَّ أَقَلّ مَا يُطْلَق عَلَيْهِ لَفْظ \" أَيَّام ثَلَاثَةٌ وَأَكْثَره عَشَرَةٌ فَأَمَّا دُون الثَّلَاثَة فَإِنَّمَا يُقَال يَوْمَانِ وَيَوْم وَأَمَّا فَوْق عَشَرَة فَإِنَّمَا يُقَال أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا وَهَكَذَا إِلَى عِشْرِينَ , وَفِي الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ نَظَرٌ ‏"
    },
    {
        "id": "296",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏سَأَلَتْ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ ‏",
        "sharh": "قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام هُنَاكَ عَلَى حَدِيث أَسْمَاء هَذَا , أَخْرَجَهُ هُنَاكَ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ هِشَام , وَإِسْنَاد هَذِهِ الرِّوَايَة كَاَلَّتِي قَبْلهَا مَدَنِيُّونَ سِوَى شَيْخه. وَفِيهِ مِنْ الْفَوَائِد مَا فِي الَّذِي قَبْله , وَجَوَاز سُؤَال الْمَرْأَة عَمَّا يُسْتَحَى مِنْ ذِكْره , وَالْإِفْصَاح بِذِكْرِ مَا يُسْتَقْذَر لِلضَّرُورَةِ , وَأَنَّ دَم الْحَيْض كَغَيْرِهِ مِنْ الدِّمَاء فِي وُجُوب غَسْله. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب فَرْك النَّجَاسَة الْيَابِسَة لِيَهُونَ غَسْلهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "297",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ ثُمَّ تَقْتَرِصُ الدَّمَ مِنْ ثَوْبِهَا عِنْدَ طُهْرِهَا فَتَغْسِلُهُ وَتَنْضَحُ عَلَى سَائِرِهِ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَصْبَغ ) ‏ ‏هُوَ وَشَيْخه وَشَيْخ شَيْخه الثَّلَاثَة مِصْرِيُّونَ , وَالْبَاقُونَ وَهُمْ ثَلَاثَة أَيْضًا مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَتْ إِحْدَانَا ) ‏ ‏أَيْ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُنَّ كُنَّ يَصْنَعْنَ ذَلِكَ فِي زَمَنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِهَذَا يَلْتَحِق هَذَا الْحَدِيث بِحُكْمِ الْمَرْفُوع , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أَسْمَاء الَّذِي قَبْله , قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : حَدِيث عَائِشَة يُفَسِّر حَدِيث أَسْمَاء وَأَنَّ الْمُرَاد بِالنَّضْحِ فِي حَدِيث أَسْمَاء الْغَسْل , وَأَمَّا قَوْل عَائِشَة \" وَتَنْضَح عَلَى سَائِره \" فَإِنَّمَا فَعَلَتْ ذَلِكَ دَفْعًا لِلْوَسْوَسَةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ بَانَ سِيَاق حَدِيثهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِل الدَّم لَا بَعْضه , وَفِي قَوْلهَا \" ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ \" إِشَارَة إِلَى اِمْتِنَاع الصَّلَاة فِي الثَّوْب النَّجِس. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ تَقْتَرِص الدَّم ) ‏ ‏بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة بِوَزْنِ تَفْتَعِل أَيْ تَغْسِلهُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعهَا. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : مَعْنَاهُ تَقْتَطِع كَأَنَّهَا تَحُوزهُ دُون بَاقِي الْمَوَاضِع , وَالْأَوَّل أَشْبَهُ بِحَدِيثِ أَسْمَاء. ‏ ‏قَوْله : ( عِنْد طُهْرهَا ) ‏ ‏كَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , وَلِلْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ \" عِنْد طُهْره \" أَيْ الثَّوْب , وَالْمَعْنَى عِنْد إِرَادَة تَطْهِيره. وَفِيهِ جَوَاز تَرْك النَّجَاسَة فِي الثَّوْب عِنْد عَدَم الْحَاجَة إِلَى تَطْهِيره. ‏"
    },
    {
        "id": "298",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ فَرُبَّمَا وَضَعَتْ الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنْ الدَّمِ وَزَعَمَ أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَأَتْ مَاءَ الْعُصْفُرِ فَقَالَتْ كَأَنَّ هَذَا شَيْءٌ كَانَتْ ‏ ‏فُلَانَةُ ‏ ‏تَجِدُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا خَالِد بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الطَّحَّان الْوَاسِطِيّ , وَشَيْخه خَالِد هُوَ اِبْن مِهْرَانَ الَّذِي يُقَال لَهُ الْحَذَّاء بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالذَّال الْمُعْجَمَة الْمُثَقَّلَة , وَمَدَار الْحَدِيث الْمَذْكُور عَلَيْهِ , وَعِكْرِمَة هُوَ مَوْلَى اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( بَعْض نِسَائِهِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : مَا عَرَفْنَا مَنْ مِنْ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ مُسْتَحَاضَة , قَالَ : وَالظَّاهِر أَنَّ عَائِشَة أَشَارَتْ بِقَوْلِهَا مِنْ نِسَائِهِ أَيْ النِّسَاء الْمُتَعَلِّقَات بِهِ وَهِيَ أُمّ حَبِيبَة بِنْت جَحْش أُخْت زَيْنَب بِنْت جَحْش قُلْت : يَرُدّ هَذَا التَّأْوِيل قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" اِمْرَأَة مِنْ أَزْوَاجه \" وَقَدْ ذَكَرهَا الْحُمَيْدِيّ عَقِب الرِّوَايَة الْأُولَى فَمَا أَدْرِي كَيْف غَفَلَ عَنْهَا اِبْن الْجَوْزِيّ , وَفِي الرِّوَايَة الثَّالِثَة \" بَعْض أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ \" وَمِنْ الْمُسْتَبْعَد أَنْ تَعْتَكِف مَعَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِمْرَأَة غَيْر زَوْجَاته وَإِنْ كَانَ لَهَا بِهِ تَعَلُّق. وَقَدْ حَكَى اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ بَنَات جَحْش الثَّلَاث كُنَّ مُسْتَحَاضَاتٍ : زَيْنَب أُمّ الْمُؤْمِنِينَ وَحَمْنَة زَوْج طَلْحَة وَأُمّ حَبِيبَة زَوْج عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَهِيَ الْمَشْهُورَة مِنْهُنَّ بِذَلِكَ , وَسَيَأْتِي حَدِيثهَا فِي ذَلِكَ. وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَانَ بْن كَثِير عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" اُسْتُحِيضَتْ زَيْنَب بِنْت جَحْش فَقَالَ لَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاة \" وَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأ أَنَّ زَيْنَب بِنْت جَحْش اُسْتُحِيضَتْ , وَجَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِأَنَّهُ خَطَأ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْت عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَاَلَّتِي كَانَتْ تَحْت عَبْد الرَّحْمَن بْنِ عَوْف إِنَّمَا هِيَ أُمّ حَبِيبَة أُخْتهَا. وَقَالَ شَيْخنَا الْإِمَام الْبُلْقِينِيُّ : يُحْمَل عَلَى أَنَّ زَيْنَب بِنْت جَحْش اُسْتُحِيضَتْ وَقْتًا بِخِلَافِ أُخْتهَا فَإِنَّ اِسْتِحَاضَتهَا دَامَتْ. قُلْت : وَكَذَا يُحْمَل عَلَى مَا سَأَذْكُرُهُ فِي حَقّ سَوْدَة وَأُمّ سَلَمَة وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏وَقَرَأْت بِخَطِّ مُغَلْطَايْ فِي عَدِّ الْمُسْتَحَاضَاتِ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَسَوْدَة بِنْت زَمْعَةَ ذَكَرهَا الْعَلَاء بْن الْمُسَيِّب عَنْ الْحَكَم عَنْ أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن , فَلَعَلَّهَا هِيَ الْمَذْكُورَة. قُلْت : وَهُوَ حَدِيثٌ ذَكَره أَبُو دَاوُد مِنْ هَذَا الْوَجْه تَعْلِيقًا وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ اِبْن خُزَيْمَةَ أَخْرَجَهُ مَوْصُولًا. قُلْت : لَكِنَّهُ مُرْسَل ; لِأَنَّ أَبَا جَعْفَر تَابِعِيّ وَلَمْ يَذْكُر مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ. وَقَرَأْت فِي السُّنَن لِسَعِيدِ بْن مَنْصُور : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا خَالِد هُوَ الْحَذَّاء عَنْ عِكْرِمَة أَنَّ اِمْرَأَة مِنْ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ مُعْتَكِفَة وَهِيَ مُسْتَحَاضَة قَالَ : وَحَدَّثَنَا بِهِ خَالِد مَرَّة أُخْرَى عَنْ عِكْرِمَة أَنَّ أُمّ سَلَمَة كَانَتْ عَاكِفَة وَهِيَ مُسْتَحَاضَة وَرُبَّمَا جَعَلَتْ الطَّسْت تَحْتهَا. قُلْت : وَهَذَا أَوْلَى مَا فَسَّرَتْ بِهِ هَذِهِ الْمَرْأَة لِاتِّحَادِ الْمَخْرَج. وَقَدْ أَرْسَلَهُ إِسْمَاعِيل بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عِكْرِمَة , وَوَصَلَهُ خَالِد الطَّحَّان وَيَزِيد بْن زُرَيْعٍ وَغَيْرهمَا بِذِكْرِ عَائِشَة فِيهِ , وَرَجَّحَ الْبُخَارِيّ الْمَوْصُول فَأَخْرَجَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّةَ هَذَا الْحَدِيث كَمَا أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور بِدُونِ تَسْمِيَة أُمّ سَلَمَة. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الدَّم ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِ الدَّم. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَعَمَ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى مَعْنَى الْعَنْعَنَة أَيْ حَدَّثَنِي عِكْرِمَة بِكَذَا وَزَعَمَ كَذَا , وَأَبْعَد مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّق. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنَّ ) ‏ ‏بِالْهَمْزِ وَتَشْدِيدِ النُّون. ‏ ‏قَوْله : ( فُلَانَة ) ‏ ‏لِظَاهِرِ أَنَّهَا تَعْنِي الْمَرْأَة الَّتِي ذَكَرَتْهَا قَبْل. وَرَأَيْت عَلَى حَاشِيَة نُسْخَة صَحِيحَة مِنْ أَصْل أَبِي ذَرٍّ مَا نَصّه \" فُلَانَة هِيَ رَمْلَة أُمّ حَبِيبَة بِنْت أَبِي سُفْيَان \" فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَهُوَ قَوْل ثَالِث فِي تَفْسِير الْمُبْهَمَة , وَعَلَى مَا زَعَمَ اِبْن الْجَوْزِيّ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَة لَيْسَتْ مِنْ أَزْوَاجه فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة اُسْتُحِيضَتْ , رَوَى ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ فِي جَمْعه حَدِيث يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير , لَكِنَّ الْحَدِيث فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ مِنْ حِكَايَة زَيْنَب عَنْ غَيْرهَا وَهُوَ أَشْبَه , فَإِنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَغِيرَة ; لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمّهَا فِي السَّنَة الثَّالِثَة وَزَيْنَب تُرْضِع وَأَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ حَكَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَة سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْهَا. ‏ ‏قُلْت : وَهُوَ عِنْد أَبِي دَاوُد عَلَى التَّرَدُّد هَلْ هُوَ عَنْ أَسْمَاء أَوْ فَاطِمَة بِنْت أَبِي حُبَيْشٍ , وَهَاتَانِ لَهُمَا بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَلُّق ; لِأَنَّ زَيْنَب رَبِيبَته وَأَسْمَاء أُخْت اِمْرَأَته مَيْمُونَة لِأُمّهَا , وَكَذَا لِحَمْنَةَ وَأُمّ حَبِيبَة بِهِ تَعَلُّق وَحَدِيثهمَا فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ , فَهَؤُلَاءِ سَبْع يُمْكِنُ أَنْ تُفَسَّرَ الْمُبْهَمَة بِإِحْدَاهُنَّ. وَأَمَّا مَنْ اُسْتُحِيضَتْ فِي عَهْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّحَابِيَّات غَيْرهنَّ فَسَهْلَة بِنْت سُهَيْل ذَكَرهَا أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا , وَأَسْمَاء بِنْت مَرْثَد ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْره , وَبَادِيَة بِنْت غَيْلَان ذَكَرهَا اِبْن مَنْدَهْ , وَفَاطِمَة بِنْت أَبِي حُبَيْشٍ وَقِصَّتهَا عَنْ عَائِشَة فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَوَقَعَ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ عَنْ فَاطِمَة بِنْت قَيْس فَظَنَّ بَعْضهمْ أَنَّهَا الْقُرَشِيَّة الْفِهْرِيَّة وَالصَّوَاب أَنَّهَا بِنْت أَبِي حُبَيْشٍ وَاسْم أَبِي حُبَيْشٍ قَيْسٌ , فَهَؤُلَاءِ أَرْبَع نِسْوَة أَيْضًا وَقَدْ كَمَّلْنَ عَشْرًا بِحَذْفِ زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز مُكْث الْمُسْتَحَاضَة فِي الْمَسْجِد وَصِحَّة اِعْتِكَافهَا وَصَلَاتهَا وَجَوَاز حَدَثِهَا فِي الْمَسْجِد عِنْد أَمْنِ التَّلْوِيث وَيَلْتَحِق بِهَا دَائِم الْحَدَث وَمَنْ بِهِ جُرْح يَسِيل. ‏"
    },
    {
        "id": "299",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "300",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "301",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا ‏ ‏فَقَصَعَتْهُ ‏ ‏بِظُفْرِهَا ‏",
        "sharh": "فِي الْجَمْع بَيْن هَذَا الْحَدِيث وَبَيْن حَدِيث أُمّ سَلَمَة الْمَاضِي الدَّالّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهَا ثَوْب مُخْتَصّ بِالْحَيْضِ أَنَّ حَدِيث عَائِشَة مَحْمُول عَلَى مَا كَانَ فِي أَوَّل الْأَمْر وَحَدِيث أُمّ سَلَمَة مَحْمُول عَلَى مَا كَانَ بَعْد اِتِّسَاع الْحَال , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مُرَاد عَائِشَة بِقَوْلِهَا \" ثَوْب وَاحِد \" مُخْتَصّ بِالْحَيْضِ , وَلَيْسَ فِي سِيَاقهَا مَا يَنْفِي أَنْ يَكُون لَهَا غَيْره فِي زَمَن الطُّهْر فَيُوَافِق حَدِيث أُمّ سَلَمَة , وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّهَا صَلَّتْ فِيهِ فَلَا يَكُون فِيهِ حُجَّة لِمَنْ أَجَازَ إِزَالَة النَّجَاسَة بِغَيْرِ الْمَاء , وَإِنَّمَا أَزَالَتْ الدَّم بِرِيقِهَا لِيَذْهَب أَثَره وَلَمْ تَقْصِد تَطْهِيره , وَقَدْ مَضَى قَبْلُ بِبَابٍ عَنْهَا ذِكْر الْغُسْل بَعْد الْقَرْص قَالَتْ \" ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا عِنْد إِرَادَة الصَّلَاة فِيهِ كَانَتْ تَغْسِلهُ. وَقَوْلهَا فِي حَدِيث الْبَاب \" قَالَتْ بِرِيقِهَا \" مِنْ إِطْلَاق الْقَوْل عَلَى الْفِعْل , وَقَوْلهَا \" فَمَصَعَتْه \" بِالصَّادِ وَالْعَيْن الْمُهْمَلَتَيْنِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ أَيْ حَكَّتْهُ وَفَرَكَتْهُ بِظُفْرِهَا , وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِالْقَافِ بَدَل الْمِيم , وَالْقَصْع الدَّلْك. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ عَائِشَة بِمَعْنَى هَذَا الْحَدِيث \" ثُمَّ تَرَى فِيهِ قَطْرَة مِنْ دَم فَتَقْصَعهُ بِظُفْرِهَا \" فَعَلَى هَذَا فَيُحْمَل حَدِيث الْبَاب عَلَى أَنَّ الْمُرَاد دَم يَسِير يُعْفَى عَنْ مِثْله , وَالتَّوْجِيه الْأَوَّل أَقْوَى. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏طَعَنَ بَعْضهمْ فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ جِهَة دَعْوَى الِانْقِطَاع , وَمِنْ جِهَة دَعْوَى الِاضْطِرَاب. فَأَمَّا الِانْقِطَاع فَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَمْ يَسْمَع مُجَاهِد مِنْ عَائِشَة , وَهَذَا مَرْدُود , فَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ مِنْهَا عِنْد الْبُخَارِيّ فِي غَيْر هَذَا الْإِسْنَاد , وَأَثْبَتَهُ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ , فَهُوَ مُقَدَّم عَلَى مَنْ نَفَاهُ. وَأَمَّا الِاضْطِرَاب فَلِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ لَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير عَنْ إِبْرَاهِيم بْن نَافِع عَنْ الْحَسَن بْن مُسْلِم بَدَل اِبْن أَبِي نَجِيح , وَهَذَا الِاخْتِلَاف لَا يُوجِب الِاضْطِرَاب ; لِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيم بْن نَافِع سَمِعَهُ مِنْ شَيْخَيْنِ , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَأَبُو نُعَيْمٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ أَحْفَظُ مِنْ مُحَمَّد بْن كَثِير شَيْخ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ , وَقَدْ تَابَعَ أَبَا نُعَيْمٍ خَلَّادُ بْن يَحْيَى وَأَبُو حُذَيْفَة وَالنُّعْمَان بْن عَبْد السَّلَام فَرَجَحَتْ رِوَايَته , وَالرِّوَايَة الْمَرْجُوحَة لَا تُؤَثِّر فِي الرِّوَايَة الرَّاجِحَة. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "302",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ كُنَّا ‏ ‏نُنْهَى أَنْ ‏ ‏نُحِدَّ ‏ ‏عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلَا نَكْتَحِلَ وَلَا نَتَطَيَّبَ وَلَا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ ‏ ‏عَصْبٍ ‏ ‏وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي ‏ ‏نُبْذَةٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏كُسْتِ ‏ ‏أَظْفَارٍ وَكُنَّا نُنْهَى عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَيُّوب عَنْ حَفْصَة عَنْ أُمّ عَطِيَّة ) ‏ ‏زَادَ الْمُسْتَمْلِي وَكَرِيمَة \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه \" أَيْ الْمُصَنِّف \" أَوْ هِشَام بْن حَسَّان عَنْ حَفْصَة عَنْ أُمّ عَطِيَّة \" كَأَنَّهُ شَكَّ فِي شَيْخ حَمَّاد أَهُوَ أَيُّوب أَوْ هِشَام , وَلَمْ يَذْكُر ذَلِكَ بَاقِي الرُّوَاة وَلَا أَصْحَاب الْمُسْتَخْرَجَات وَلَا الْأَطْرَاف , وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الطَّلَاق بِهَذَا الْإِسْنَاد فَلَمْ يَذْكُر ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا نُنْهَى ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون الْأُولَى وَفَاعِل النَّهْي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ رِوَايَة هِشَام الْمُعَلَّقَة الْمَذْكُورَة بَعْدُ , وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي ذِكْرِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( نُحِدَّ ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون وَكَسْر الْمُهْمَلَة مِنْ الْإِحْدَاد وَهُوَ الِامْتِنَاع مِنْ الزِّينَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا عَلَى زَوْج ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ \" إِلَّا عَلَى زَوْجهَا \" وَالْأُولَى مُوَافِقَة لِلَفْظِ \" نُحِدَّ \" وَتَوْجِيه الثَّانِيَة أَنَّ الضَّمِير يَعُود عَلَى الْوَاحِدَة الْمُنْدَرِجَة فِي قَوْلهَا \" كُنَّا نَنْهَى \" أَيْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا نَكْتَحِل ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ وَالنَّصْب أَيْضًا عَلَى الْعَطْف , و \" لَا \" زَائِدَة , وَأَكَّدَ بِهَا ; لِأَنَّ فِي النَّهْي مَعْنَى النَّفْي. ‏ ‏قَوْله : ( ثَوْب عَصْب ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ , قَالَ فِي الْمُحْكَم : هُوَ ضَرْبٌ مِنْ بُرُود الْيَمَن يُعْصَب غَزْله أَيْ يُجْمَع ثُمَّ يُصْبَغ ثُمَّ يُنْسَج , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى أَحْكَام الْحَادَّة فِي كِتَاب الطَّلَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فِي نُبْذَةٍ ) ‏ ‏أَيْ قِطْعَة. ‏ ‏قَوْله : ( كُسْتِ أَظْفَار ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة قَالَ اِبْن التِّين صَوَابه \" قِسْط ظِفَار \" كَذَا قَالَ , وَلَمْ أَرَ هَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , لَكِنْ حَكَاهُ صَاحِب الْمَشَارِق , وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ مَنْسُوب إِلَى ظِفَار مَدِينَة مَعْرُوفَة بِسَوَاحِل الْيَمَن يُجْلَب إِلَيْهَا الْقِسْط الْهِنْدِيّ , وَحَكَى فِي ضَبْط ظِفَار وَجْهَيْنِ كَسْر أَوَّله وَصَرْفه أَوْ فَتْحه وَالْبِنَاء بِوَزْنِ قِطَام , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" مِنْ قِسْط أَوْ أَظْفَار \" بِإِثْبَاتِ \" أَوْ \" وَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ , قَالَ فِي الْمَشَارِق : الْقِسْط بَخُور مَعْرُوف وَكَذَلِكَ الْأَظْفَار , قَالَ فِي الْبَارِع : الْأَظْفَار ضَرْبٌ مِنْ الْعِطْر يُشْبِه الظُّفْر. ‏ ‏وَقَالَ صَاحِب الْمُحْكَم : الظُّفْر ضَرْب مِنْ الْعِطْر أَسْوَد مُغَلَّف مِنْ أَصْله عَلَى شَكْل ظُفْر الْإِنْسَان يُوضَع فِي الْبَخُور وَالْجَمْع أَظْفَار , وَقَالَ صَاحِب الْعَيْن : لَا وَاحِد لَهُ. وَالْكُسْت بِضَمِّ الْكَاف وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُثَنَّاة هُوَ الْقِسْط , قَالَهُ الْمُصَنِّف فِي الطَّلَاق , وَكَذَا قَالَهُ غَيْره , وَحَكَى الْمُفَضَّل بْن سَلَمَة أَنَّهُ يُقَال بِالْكَافِ وَالطَّاء أَيْضًا , قَالَ النَّوَوِيّ : لَيْسَ الْقِسْط وَالظُّفْر مِنْ مَقْصُود التَّطَيُّب , وَإِنَّمَا رَخَّصَ فِيهِ لِلْحَادَّةِ إِذَا اِغْتَسَلَتْ مِنْ الْحَيْض لِإِزَالَةِ الرَّائِحَة الْكَرِيهَة , قَالَ الْمُهَلَّب : رَخَّصَ لَهَا فِي التَّبَخُّر لِدَفْعِ رَائِحَة الدَّم عَنْهَا لِمَا تَسْتَقْبِلهُ مِنْ الصَّلَاة. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَسْأَلَة اِتِّبَاع الْجَنَائِز فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَرُوِيَ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ , وَلِغَيْرِهِ \" وَرَوَاهُ \" أَيْ الْحَدِيث الْمَذْكُور , وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا عِنْد الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الطَّلَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مِنْ حَدِيثه هِشَام الْمَذْكُور , وَلَمْ يَقَع هَذَا التَّعْلِيق فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي , وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَجَوَّزَ أَنْ يَكُون قَائِل \" وَرَوَاهُ \" حَمَّاد بْن زَيْد الْمَذْكُور فِي أَوَّل الْبَاب فَلَا يَكُون تَعْلِيقًا. ‏"
    },
    {
        "id": "303",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏سَأَلَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ ‏ ‏خُذِي ‏ ‏فِرْصَةً ‏ ‏مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا قَالَتْ كَيْفَ أَتَطَهَّرُ قَالَ تَطَهَّرِي بِهَا قَالَتْ كَيْفَ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي ‏ ‏فَاجْتَبَذْتُهَا ‏ ‏إِلَيَّ فَقُلْتُ ‏ ‏تَتَبَّعِي ‏ ‏بِهَا أَثَرَ الدَّمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُوسَى الْبَلْخِيّ كَمَا جَزَمَ بِهِ اِبْن السَّكَن فِي رِوَايَته عَنْ الْفَرَبْرِيّ , وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هُوَ يَحْيَى بْن جَعْفَر , وَقِيلَ إِنَّهُ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي بَعْض النُّسَخ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَنْصُور بْن صَفِيَّة ) ‏ ‏هِيَ بِنْت شَيْبَة بْن عُثْمَان بْن أَبِي طَلْحَة الْعَبْدَرِيّ , نُسِبَ إِلَيْهَا لِشُهْرَتِهَا , وَاسْم أَبِيهِ عَبْد الرَّحْمَن بْن طَلْحَة بْن الْحَارِث بْن طَلْحَة بْن أَبِي طَلْحَة الْعَبْدَرِيّ , وَهُوَ مِنْ رَهْط زَوْجَته صَفِيَّة , وَشَيْبَة لَهُ صُحْبَةٌ وَلَهَا أَيْضًا , وَقُتِلَ الْحَارِثُ بْن طَلْحَة بِأُحُدٍ , وَلِعَبْدِ الرَّحْمَن رُؤْيَة , وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِالسَّمَاعِ فِي جَمِيع السَّنَد عِنْد الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ اِمْرَأَة ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة وُهَيْب \" مِنْ الْأَنْصَار \" وَسَمَّاهَا مُسْلِم فِي رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُهَاجِر أَسْمَاء بِنْت شَكَلٍ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَالْكَاف الْمَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ اللَّام , وَلَمْ يُسَمِّ أَبَاهَا فِي رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة عَنْ إِبْرَاهِيم , وَرَوَى الْخَطِيب فِي الْمُبْهَمَات مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ شُعْبَة هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ : أَسْمَاء بِنْت يَزِيد بْن السَّكَن بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون الْأَنْصَارِيَّة الَّتِي يُقَال لَهَا خَطِيبَة النِّسَاء , وَتَبِعَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي التَّلْقِيح وَالدِّمْيَاطِيّ وَزَادَ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي مُسْلِم تَصْحِيف ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَنْصَار مَنْ يُقَال لَهُ شَكَل , وَهُوَ رَدٌّ لِلرِّوَايَةِ الثَّابِتَة بِغَيْرِ دَلِيل , وَقَدْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون شَكَل لَقَبًا لَا اِسْمًا , وَالْمَشْهُور فِي الْمَسَانِيد وَالْجَوَامِع فِي هَذَا الْحَدِيث أَسْمَاء بِنْت شَكَل كَمَا فِي مُسْلِم , أَوْ أَسْمَاء لِغَيْرِ نَسَب كَمَا فِي أَبِي دَاوُدَ , وَكَذَا فِي مُسْتَخْرَج أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ الطَّرِيق الَّتِي أَخْرَجَهُ مِنْهَا الْخَطِيب , وَحَكَى النَّوَوِيّ فِي شَرْح مُسْلِم الْوَجْهَيْنِ بِغَيْرِ تَرْجِيح وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَهَا كَيْف تَغْتَسِل قَالَ : خُذِي ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ هُوَ بَيَان لِقَوْلِهَا \" أَمَرَهَا \" فَإِنْ قِيلَ كَيْف يَكُون بَيَانًا لِلِاغْتِسَالِ , وَالِاغْتِسَال صَبّ الْمَاء لَا أَخْذ الْفِرْصَة ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ السُّؤَال لَمْ يَكُنْ عَنْ نَفْس الِاغْتِسَال ; لِأَنَّهُ مَعْرُوف لِكُلِّ أَحَد , بَلْ كَانَ لِقَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى هَذَا الْجَوَاب الرَّافِعِيّ فِي شَرْح الْمُسْنَد وَابْن أَبِي جَمْرَة وُقُوفًا مَعَ هَذَا اللَّفْظ الْوَارِد مَعَ قَطْع النَّظَر عَنْ الطَّرِيق الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عِنْد مُسْلِم الدَّالَّة عَلَى أَنَّ بَعْض الرُّوَاة اِخْتَصَرَ أَوْ اِقْتَصَرَ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فِرْصَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء وَحَكَى اِبْن سِيدَهْ تَثْلِيثهَا وَبِإِسْكَانِ الرَّاء وَإِهْمَال الصَّاد : قِطْعَة مِنْ صُوف أَوْ قُطْن أَوْ جِلْدَة عَلَيْهَا صُوف حَكَاهُ أَبُو عُبَيْد وَغَيْره , وَحَكَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ فِي رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص \" قَرْصَة \" بِفَتْحِ الْقَاف , وَوَجَّهَهُ الْمُنْذِرِيُّ فَقَالَ : يَعْنِي شَيْئًا يَسِيرًا مِثْل الْقَرْصَة بِطَرَفِ الْإِصْبَعَيْنِ. اِنْتَهَى. وَوَهِمَ مَنْ عَزَى هَذِهِ الرِّوَايَة لِلْبُخَارِيِّ , وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : هِيَ \" قَرْضَة \" بِفَتْحِ الْقَاف وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَة. وَقَوْله : \" مِنْ مَسْك \" بِفَتْحِ الْمِيم وَالْمُرَاد قِطْعَة جِلْد , وَهِيَ رِوَايَة مَنْ قَالَهُ بِكَسْرِ الْمِيم , وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي ضِيق يَمْتَنِع مَعَهُ أَنْ يَمْتَهِنُوا الْمِسْك مَعَ غَلَاء ثَمَنه. وَتَبِعَهُ اِبْن بَطَّالٍ. وَفِي الْمَشَارِق أَنَّ أَكْثَر الرِّوَايَات بِفَتْحِ الْمِيم. وَرَجَّحَ النَّوَوِيّ الْكَسْر وَقَالَ : إِنَّ الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْله \" فِرْصَة مُمَسَّكَة \" تَدُلّ عَلَيْهِ , وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْخَطَّابِيَّ قَالَ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" مُمَسَّكَة \" أَيْ مَأْخُوذَة بِالْيَدِ , يُقَال أَمْسَكْته وَمَسَّكْتهُ. لَكِنْ يَبْقَى الْكَلَام ظَاهِر الرِّكَّة ; لِأَنَّهُ يَصِير هَكَذَا : خُذِي قِطْعَة مَأْخُوذَة. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : صَنِيع الْبُخَارِيّ يُشْعِر بِأَنَّ الرِّوَايَة عِنْده بِفَتْحِ الْمِيم حَيْثُ جَعَلَ لِلْأَمْرِ بِالطِّيبِ بَابًا مُسْتَقِلًّا. اِنْتَهَى. وَاقْتِصَار الْبُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة عَلَى بَعْض مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ لَا يَدُلّ عَلَى نَفْي مَا عَدَاهُ , وَيُقَوِّي رِوَايَة الْكَسْر وَأَنَّ الْمُرَاد التَّطَيُّب مَا فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق حَيْثُ وَقَعَ عِنْده \" مِنْ ذَرِيرَة \" , وَمَا اِسْتَبْعَدَهُ اِبْن قُتَيْبَة مِنْ اِمْتِهَان الْمِسْك لَيْسَ بِبَعِيدٍ لِمَا عُرِفَ مِنْ شَأْن أَهْل الْحِجَاز مِنْ كَثْرَة اِسْتِعْمَال الطِّيب , وَقَدْ يَكُون الْمَأْمُور بِهِ مَنْ يَقْدِر عَلَيْهِ. قَالَ النَّوَوِيّ : وَالْمَقْصُود بِاسْتِعْمَالِ الطِّيب دَفْع الرَّائِحَة الْكَرِيهَة عَلَى الصَّحِيح. وَقِيلَ لِكَوْنِهِ أَسْرَعَ إِلَى الْحَبَل. حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ قَالَ : فَعَلَى الْأَوَّل إِنْ فَقَدَتْ الْمِسْك اِسْتَعْمَلَتْ مَا يَخْلُفهُ فِي طِيب الرِّيح , وَعَلَى الثَّانِي مَا يَقُوم مَقَامه فِي إِسْرَاع الْعُلُوق. وَضَعَّفَ النَّوَوِيُّ الثَّانِيَ وَقَالَ : لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَاخْتَصَّتْ بِهِ الْمُزَوَّجَة. قَالَ : وَإِطْلَاق الْأَحَادِيث يَرُدُّهُ , وَالصَّوَاب أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبّ لِكُلِّ مُغْتَسِلَة مِنْ حَيْض أَوْ نِفَاس , وَيُكْرَهُ تَرْكه لِلْقَادِرَةِ , فَإِنْ لَمْ تَجِد مِسْكًا فَطِيبًا , فَإِنْ لَمْ تَجِد فَمُزِيلًا كَالطِّينِ وَإِلَّا فَالْمَاء كَافٍ , وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَاب قَبْله أَنَّ الْحَادَّة تَتَبَخَّر بِالْقِسْطِ فَيَجْزِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَطَهَّرِي ) ‏ ‏قَالَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا \" تَوَضَّئِي \" أَيْ تَنَظَّفِي. ‏ ‏قَوْله ( سُبْحَان اللَّه ) ‏ ‏زَادَ فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة \" اِسْتَحْيَا وَأَعْرَضَ \" , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" فَلَمَّا رَأَيْته اِسْتَحْيَا عَلَّمْتهَا \" وَزَادَ الدَّارِمِيُّ \" وَهُوَ يَسْمَع فَلَا يُنْكِر \". ‏ ‏قَوْله : ( أَثَر الدَّم ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ : الْمُرَاد بِهِ عِنْد الْعُلَمَاء الْفَرْج , وَقَالَ الْمَحَامِلِيّ : يُسْتَحَبّ لَهَا أَنْ تُطَيِّبَ كُلّ مَوْضِع أَصَابَهُ الدَّم مِنْ بَدَنهَا , قَالَ : وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ , وَظَاهِر الْحَدِيث حُجَّة لَهُ. قُلْت : وَيُصَرِّح بِهِ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" تَتَبَّعِي بِهَا مَوَاضِع الدَّم \". وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد التَّسْبِيح عِنْد التَّعَجُّب , وَمَعْنَاهُ هُنَا كَيْف يَخْفَى هَذَا الظَّاهِر الَّذِي لَا يَحْتَاج فِي فَهْمه إِلَى فِكْر ؟ وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الْكِنَايَات فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْعَوْرَاتِ. وَفِيهِ سُؤَال الْمَرْأَة الْعَالِم عَنْ أَحْوَالهَا الَّتِي يُحْتَشَمُ مِنْهَا , وَلِهَذَا كَانَتْ عَائِشَة تَقُول فِي نِسَاء الْأَنْصَار \" لَمْ يَمْنَعهُنَّ الْحَيَاء أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّين \". كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث , وَتَقَدَّمَ فِي الْعِلْم مُعَلَّقًا. وَفِيهِ الِاكْتِفَاء بِالتَّعْرِيضِ وَالْإِشَارَة فِي الْأُمُور الْمُسْتَهْجَنَة , وَتَكْرِير الْجَوَاب لِإِفْهَامِ السَّائِل , وَإِنَّمَا كَرَّرَهُ مَعَ كَوْنهَا لَمْ تَفْهَمهُ أَوَّلًا ; لِأَنَّ الْجَوَاب بِهِ يُؤْخَذ مِنْ إِعْرَاضه بِوَجْهِهِ عِنْد قَوْله \" تَوَضَّئِي \" أَيْ فِي الْمَحَلّ الَّذِي يَسْتَحْيِي مِنْ مُوَاجَهَة الْمَرْأَة بِالتَّصْرِيحِ بِهِ , فَاكْتَفَى بِلِسَانِ الْحَال عَنْ لِسَان الْمَقَال , وَفَهِمَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا ذَلِكَ عَنْهُ فَتَوَلَّتْ تَعْلِيمهَا. وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّف فِي الِاعْتِصَام \" الْأَحْكَام الَّتِي تُعْرَفُ بِالدَّلَائِلِ \". وَفِيهِ تَفْسِير كَلَام الْعَالِم بِحَضْرَتِهِ لِمَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ إِذَا عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ يُعْجِبهُ. وَفِيهِ الْأَخْذ عَنْ الْمَفْضُول بِحَضْرَةِ الْفَاضِل. وَفِيهِ صِحَّة الْعَرْض عَلَى الْمُحَدِّث إِذَا أَقَرَّهُ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ عَقِبه نَعَمْ , وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَط فِي صِحَّة التَّحَمُّل فَهْم السَّامِع لِجَمِيعِ مَا يَسْمَعهُ. وَفِيهِ الرِّفْق بِالْمُتَعَلِّمِ وَإِقَامَة الْعُذْر لِمَنْ لَا يَفْهَم. وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْء مَطْلُوب بِسَتْرِ عُيُوبه وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا جُبِلَ عَلَيْهَا مِنْ جِهَة أَمْر الْمَرْأَة بِالتَّطَيُّبِ لِإِزَالَةِ الرَّائِحَة الْكَرِيهَة. وَفِيهِ حُسْن خُلُقه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَظِيم حِلْمه وَحَيَائِهِ. زَادَهُ اللَّه شَرَفًا. ‏"
    },
    {
        "id": "304",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنْ الْمَحِيضِ قَالَ ‏ ‏خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِي ثَلَاثًا ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَحْيَا فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ ‏ ‏أَوْ قَالَ تَوَضَّئِي بِهَا ‏ ‏فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَمَنْصُور هُوَ اِبْن صَفِيَّة الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد قَبْله. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَوَضَّئِي ثَلَاثًا ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يَتَعَلَّق قَوْله \" ثَلَاثًا \" بِتَوَضَّئِي أَيْ كَرِّرِي الْوُضُوء ثَلَاثًا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَتَعَلَّق بِقَالَ وَيُؤَيِّدهُ السِّيَاق الْمُتَقَدِّم , أَيْ قَالَ لَهَا ذَلِكَ ثَلَاث مَرَّات. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ قَالَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر \" وَقَالَ \" بِالْوَاوِ الْعَاطِفَة , وَالْأُولَى أَظْهَر , وَمَحَلّ التَّرَدُّد فِي لَفْظ \" بِهَا \" هَلْ هُوَ ثَابِت أَمْ لَا , أَوْ التَّرَدُّد وَاقِع بَيْنه وَبَيْن لَفْظ \" ثَلَاثًا \" وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "305",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ لَيْلَةُ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ أَمَرَ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ فَأَعْمَرَنِي مِنْ ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ) ‏ ‏وَاِبْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( انْقُضِي رَأْسك ) ‏ ‏أَيْ حِلِّي ضَفْره ‏ ‏( وَامْتَشِطِي ) ‏ ‏قِيلَ لَيْسَ فِيهِ دَلِيل عَلَى التَّرْجَمَة , قَالَهُ الدَّاوُدِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ , قَالُوا : لِأَنَّ أَمْرهَا بِالِامْتِشَاطِ كَانَ لِلْإِهْلَالِ وَهِيَ حَائِض لَا عِنْد غُسْلهَا , وَالْجَوَاب أَنَّ الْإِهْلَال بِالْحَجِّ يَقْتَضِي الِاغْتِسَال ; لِأَنَّهُ مِنْ سُنَّة الْإِحْرَام , وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْر بِالِاغْتِسَالِ صَرِيحًا فِي هَذِهِ الْقِصَّة فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر وَلَفْظه \" فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ \" فَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ جَرَى عَلَى عَادَته فِي الْإِشَارَة إِلَى مَا تَضَمَّنَهُ بَعْض طُرُق الْحَدِيث وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا فِيمَا سَاقَهُ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الدَّاوُدِيّ أَرَادَ بِقَوْلِهِ \" لَا عِنْد غُسْلهَا \" أَيْ مِنْ الْحَيْض وَلَمْ يُرِدْ نَفْي الِاغْتِسَال مُطْلَقًا , وَالْحَامِل لَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عَائِشَة إِنَّمَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضهَا يَوْم النَّحْر فَلَمْ تَغْتَسِل يَوْم عَرَفَة إِلَّا لِلْإِحْرَامِ , وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفَ وَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَة فَهُوَ مَحْمُول عَلَى غُسْل الْإِحْرَام جَمْعًا بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ , وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ غُسْلهَا إِذْ ذَاكَ كَانَ لِلْإِحْرَامِ اُسْتُفِيدَ مَعْنَى التَّرْجَمَة مِنْ دَلِيل الْخِطَاب ; لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ لَهَا الِامْتِشَاط فِي غُسْل الْإِحْرَام وَهُوَ مَنْدُوب كَانَ جَوَازه لِغُسْلِ الْمَحِيض وَهُوَ وَاجِب أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَرَ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن أَبِي بَكْر , وَلَيْلَة الْحَصْبَة بِفَتْحِ الْحَاء وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَة هِيَ اللَّيْلَة الَّتِي نَزَلُوا فِيهَا فِي الْمُحَصَّب , وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي نَزَلُوهُ بَعْد النَّفْر مِنْ مِنًى خَارِج مَكَّة. ‏ ‏قَوْله : ( الَّتِي نَسَكْتُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , مَأْخُوذ مِنْ النُّسُك. وَفِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ \" سَكَتّ \" بِحَذْفِ النُّون وَتَشْدِيد آخِره أَيْ عَنْهَا , وَالْقَابِسِيّ بِمُعْجَمَةٍ وَالتَّخْفِيف , وَالضَّمِير فِيهِ رَاجِع إِلَى عَائِشَة عَلَى سَبِيل الِالْتِفَات , وَفِي السِّيَاق اِلْتِفَات آخَر بَعْد اِلْتِفَات , وَهُوَ ظَاهِر لِلْمُتَأَمِّلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "306",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏وَأَنَا حَائِضٌ فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ دَعِي عُمْرَتَكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِحَجٍّ فَفَعَلْتُ حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي أَخِي ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَخَرَجْتُ إِلَى ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَلْيُهْلِلْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" فَلْيُهِلَّ \" بِلَامٍ وَاحِدَة مُشَدَّدَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَأَحْلَلْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَالْحَمَوِيّ \" لَأَهْلَلْت \" بِالْهَاءِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث وَاَلَّذِي قَبْله فِي كِتَاب الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "307",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ يَا رَبِّ نُطْفَةٌ يَا رَبِّ ‏ ‏عَلَقَةٌ ‏ ‏يَا رَبِّ ‏ ‏مُضْغَةٌ ‏ ‏فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَمَا الرِّزْقُ وَالْأَجَلُ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَمَّاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد , وَعُبَيْد اللَّه بِالتَّصْغِيرِ اِبْن أَبِي بَكْر بْن أَنَس بْن مَالِك. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَتنَا بِالتَّخْفِيفِ , يُقَال وَكَلَهُ بِكَذَا إِذَا اِسْتَكْفَاهُ إِيَّاهُ وَصَرَفَ أَمْره إِلَيْهِ , وَلِلْأَكْثَرِ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ). ‏ ‏قَوْله : ( يَقُول يَا رَبِّ نُطْفَةٌ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِين , أَيْ وَقَعَتْ فِي الرَّحِم نُطْفَةٌ , وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ بِالنَّصْبِ أَيْ خَلَقَتْ يَا رَبّ نُطْفَة , وَنِدَاء الْمَلَك بِالْأُمُورِ الثَّلَاثَة لَيْسَ فِي دُفْعَة وَاحِدَة , بَلْ بَيْن كُلّ حَالَة وَحَالَة مُدَّة تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْآتِي فِي كِتَاب الْقَدَر أَنَّهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام هُنَاكَ عَلَى بَقِيَّة فَوَائِد حَدِيث أَنَس هَذَا , وَالْجَمْع بَيْنه وَبَيْن مَا ظَاهِره التَّعَارُض مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْمَذْكُور , وَمُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّ الْحَدِيث الْمَذْكُور مُفَسِّر لِلْآيَةِ. وَأَوْضَحُ مِنْهُ سِيَاقًا مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْد عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَة عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : \" إِذَا وَقَعَتْ النُّطْفَة فِي الرَّحِم بَعَثَ اللَّه مَلَكًا فَقَالَ : يَا رَبّ مُخَلَّقَة أَوْ غَيْر مُخَلَّقَة ؟ فَإِنْ قَالَ غَيْر مُخَلَّقَة مَجَّهَا الرَّحِم دَمًا , وَإِنْ قَالَ مُخَلَّقَة قَالَ : يَا رَبّ فَمَا صِفَة هَذِهِ النُّطْفَة ؟ \" فَذَكَر الْحَدِيث وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ , وَهُوَ مَوْقُوفٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ حُكْمًا , وَحَكَى الطَّبَرِيُّ لِأَهْلِ التَّفْسِير فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا وَقَالَ : الصَّوَاب قَوْل مَنْ قَالَ الْمُخَلَّقَة الْمُصَوَّرَة خَلْقًا تَامًّا , وَغَيْر الْمُخَلَّقَة السِّقْط قَبْل تَمَام خَلْقه , وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد وَالشَّعْبِيّ وَغَيْرهمَا. وَقَالَ اِبْن بَطَّالٍ : غَرَض الْبُخَارِيّ بِإِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيث فِي أَبْوَاب الْحَيْض تَقْوِيَة مَذْهَب مَنْ يَقُول إِنَّ الْحَامِل لَا تَحِيض , وَهُوَ قَوْل الْكُوفِيِّينَ وَأَحْمَد وَأَبِي ثَوْر وَابْن الْمُنْذِر وَطَائِفَة , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم , وَقَالَ فِي الْجَدِيد : إِنَّهَا تَحِيض , وَبِهِ قَالَ إِسْحَاق , وَعَنْ مَالِك رِوَايَتَانِ. قُلْت : وَفِي الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور عَلَى أَنَّهَا لَا تَحِيض نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن مَا يَخْرُج مِنْ الْحَامِل هُوَ السِّقْط الَّذِي لَمْ يُصَوَّر أَنْ لَا يَكُون الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْمَرْأَة الَّتِي يَسْتَمِرّ حَمْلهَا لَيْسَ بِحَيْضٍ. وَمَا اِدَّعَاهُ الْمُخَالِف مِنْ أَنَّهُ رَشْح مِنْ الْوَلَد أَوْ مِنْ فَضْلَة غِذَائِهِ أَوْ دَم فِسَاد لِعِلَّةٍ فَمُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ. وَمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ خَبَر أَوْ أَثَر لَا يَثْبُت ; لِأَنَّ هَذَا دَم بِصِفَاتِ دَم الْحَيْض وَفِي زَمَن إِمْكَانه فَلَهُ حُكْم دَم الْحَيْض , فَمَنْ اِدَّعَى خِلَافه فَعَلَيْهِ الْبَيَان. وَأَقْوَى حُجَجِهِمْ أَنَّ اِسْتِبْرَاء الْأَمَة اُعْتُبِرَ بِالْمَحِيضِ لِتَحَقُّقِ بَرَاءَة الرَّحِم مِنْ الْحَمْل , فَلَوْ كَانَتْ الْحَامِل تَحِيض لَمْ تَتِمّ الْبَرَاءَة بِالْحَيْضِ , وَاسْتَدَلَّ اِبْن الْمُنِير عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِدَمِ حَيْض بِأَنَّ الْمَلَك مُوَكَّل بِرَحِمِ الْحَامِل , وَالْمَلَائِكَة لَا تَدْخُل بَيْتًا فِيهِ قَذَرٌ وَلَا يُلَائِمهَا ذَلِكَ. وَأُجِيب بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الْمَلَك مُوَكَّلًا بِهِ أَنْ يَكُون حَالًّا فِيهِ , ثُمَّ هُوَ مُشْتَرَك الْإِلْزَام ; لِأَنَّ الدَّم كُلّه قَذِر , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "308",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَقَدِمْنَا ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ ‏ ‏فَلْيُحْلِلْ ‏ ‏وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يُحِلُّ حَتَّى يُحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ قَالَتْ فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ وَأُهِلَّ بِحَجٍّ وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي فَبَعَثَ مَعِي ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ‏ ‏وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنْ ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" بِحَجَّةٍ \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَكَذَا لِلْحَمَوِيِّ فِي الْمَوْضِع الثَّانِي. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ فَحِضْت ) ‏ ‏أَيْ بِسَرِفَ قَبْل دُخُول مَكَّة. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى قَضَيْت حَجَّتِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَأَبِي الْوَقْت \" حَجِّي \" , وَالْكَلَام عَلَى فَوَائِد الْحَدِيث يَأْتِي فِي كِتَاب الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "309",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ ‏ ‏كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي ‏",
        "sharh": "حَدِيث فَاطِمَة بِنْت أَبِي حُبَيْشٍ تَقَدَّمَ فِي بَاب الِاسْتِحَاضَة , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏فِي هَذَا الْإِسْنَاد هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ ; لِأَنَّ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد وَهُوَ الْمُسْنَدِيّ لَمْ يَسْمَع مِنْ الثَّوْرِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "310",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَتْنِي ‏ ‏مُعَاذَةُ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏أَتَجْزِي ‏ ‏إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ فَقَالَتْ ‏ ‏أَحَرُورِيَّةٌ ‏ ‏أَنْتِ كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ ‏ ‏أَوْ قَالَتْ فَلَا نَفْعَلُهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "311",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَتْهُ أَنَّ ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏حِضْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏الْخَمِيلَةِ ‏ ‏فَانْسَلَلْتُ ‏ ‏فَخَرَجْتُ مِنْهَا فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَلَبِسْتُهَا فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنُفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ فَدَعَانِي فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِي ‏ ‏الْخَمِيلَةِ ‏ ‏قَالَتْ وَحَدَّثَتْنِي أَنَّ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ الْجَنَابَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏الْمَذْكُور هُوَ اِبْنُ أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ وَحَدَّثَتْنِي ) ‏ ‏هُوَ مَقُول زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة , وَفَاعِل \" حَدَّثَتْنِي \" أُمّهَا أُمّ سَلَمَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَاب الصِّيَام. ‏ ‏قَوْله : ( وَكُنْت ) ‏ ‏مَعْطُوف عَلَى جُمْلَة الْحَدِيث الَّذِي قَبْله وَهِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى فَوَائِده فِي كِتَاب الْغُسْل. ‏"
    },
    {
        "id": "312",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُضْطَجِعَةٌ فِي ‏ ‏خَمِيلَةٍ ‏ ‏حِضْتُ ‏ ‏فَانْسَلَلْتُ ‏ ‏فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَقَالَ ‏ ‏أَنُفِسْتِ فَقُلْتُ نَعَمْ فَدَعَانِي فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي ‏ ‏الْخَمِيلَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏هِشَام ‏ ‏الْمَذْكُور هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ , ‏ ‏وَيَحْيَى ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير , وَالْكَلَام عَلَى الْحَدِيث قَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَنْ سَمَّى النِّفَاس حَيْضًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "313",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنَّا نَمْنَعُ ‏ ‏عَوَاتِقَنَا ‏ ‏أَنْ يَخْرُجْنَ فِي الْعِيدَيْنِ فَقَدِمَتْ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ ‏ ‏بَنِي خَلَفٍ ‏ ‏فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثِنْتَيْ عَشَرَةَ غَزْوَةً وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتٍّ قَالَتْ كُنَّا نُدَاوِي ‏ ‏الْكَلْمَى ‏ ‏وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى فَسَأَلَتْ أُخْتِي النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ قَالَ ‏ ‏لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا وَلْتَشْهَد الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا قَدِمَتْ ‏ ‏أُمُّ عَطِيَّةَ ‏ ‏سَأَلْتُهَا أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ بِأَبِي نَعَمْ وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ إِلَّا قَالَتْ بِأَبِي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَخْرُجُ ‏ ‏الْعَوَاتِقُ ‏ ‏وَذَوَاتُ ‏ ‏الْخُدُورِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏الْعَوَاتِقُ ‏ ‏ذَوَاتُ ‏ ‏الْخُدُورِ ‏ ‏وَالْحُيَّضُ وَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى قَالَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏فَقُلْتُ الْحُيَّضُ فَقَالَتْ أَلَيْسَ تَشْهَدُ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏وَكَذَا وَكَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب , وَلِأَبِي ذَرٍّ مُحَمَّد بْن سَلَّام , وَلِكَرِيمَة مُحَمَّد هُوَ اِبْن سَلَّامٍ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ الثَّقَفِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَوَاتِقنَا ) ‏ ‏الْعَوَاتِق جَمْع عَاتِق وَهِيَ مَنْ بَلَغَتْ الْحُلُم أَوْ قَارَبَتْ , أَوْ اِسْتَحَقَّتْ التَّزْوِيج , أَوْ هِيَ الْكَرِيمَة عَلَى أَهْلهَا , أَوْ الَّتِي عَتَقَتْ عَنْ الِامْتِهَان فِي الْخُرُوج لِلْخِدْمَةِ , وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَمْنَعُونَ الْعَوَاتِق مِنْ الْخُرُوج لِمَا حَدَثَ بَعْد الْعَصْر الْأَوَّل مِنْ الْفَسَاد , وَلَمْ تُلَاحِظ الصَّحَابَة ذَلِكَ بَلْ رَأَتْ اِسْتِمْرَار الْحُكْم عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَدِمَتْ اِمْرَأَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَتهَا. وَقَصْر بَنِي خَلَف كَانَ بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى طَلْحَة اِبْن عَبْد اللَّه بْن خَلَف الْخُزَاعِيّ الْمَعْرُوف بِطَلْحَة الطَّلَحَات وَقَدْ وَلِيَ إِمْرَة سِجِسْتَان. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتهَا ) ‏ ‏قِيلَ هِيَ أُمّ عَطِيَّة , وَقِيلَ غَيْرهَا وَعَلَيْهِ مَشَى الْكَرْمَانِيُّ , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ تَكُون أُمّ عَطِيَّة فَلَمْ نَقِف عَلَى تَسْمِيَة زَوْجهَا أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( ثِنْتَيْ عَشْرَة ) ‏ ‏زَادَ الْأَصِيلِيّ \" غَزْوَةً \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ أُخْتِي ) ‏ ‏فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيره قَالَتْ الْمَرْأَة وَكَانَتْ أُخْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ ) ‏ ‏أَيْ الْأُخْت , وَالْكَلْمَى بِفَتْحِ الْكَاف وَسُكُون اللَّام : جَمْع كَلِيم أَيْ جَرِيح. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ جِلْبَابهَا ) ‏ ‏قِيلَ الْمُرَاد بِهِ الْجِنْس , أَيْ تُعِيرهَا مِنْ ثِيَابهَا مَا لَا تَحْتَاج إِلَيْهِ. وَقِيلَ الْمُرَاد تُشْرِكهَا مَعَهَا فِي لُبْس الثَّوْب الَّذِي عَلَيْهَا , وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى تَفْسِير الْجِلْبَاب - وَهُوَ بِكَسْرِ الْجِيم وَسُكُون اللَّام وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنهمَا أَلِفٌ - قِيلَ : هُوَ الْمُقَنَّعَة أَوْ الْخِمَار أَوْ أَعْرَضُ مِنْهُ , وَقِيلَ الثَّوْب الْوَاسِع يَكُون دُون الرِّدَاء , وَقِيلَ الْإِزَار , وَقِيلَ الْمِلْحَفَة , وَقِيلَ الْمُلَاءَة , وَقِيلَ الْقَمِيص. ‏ ‏قَوْله : ( وَدَعْوَة الْمُسْلِمِينَ ) ‏ ‏- فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" الْمُؤْمِنِينَ \" وَهِيَ مُوَافِقَة لِرِوَايَةِ أُمّ عَطِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ ) ‏ ‏أَيْ أُمّ عَطِيَّة ‏ ‏( لَا تَذْكُرهُ ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏( إِلَّا قَالَتْ : بِأَبِي ) ‏ ‏أَيْ هُوَ مُفَدًّى بِأَبِي , وَفِي رِوَايَة عَبْدُوس بِيَبِي بِبَاءٍ تَحْتَانِيَّة بَدَل الْهَمْزَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَلِلْأَصِيلِيّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة الثَّانِيَة مَعَ قَلْب الْهَمْزَة يَاء - كَعَبْدُوس - لَكِنْ فَتَحَ مَا بَعْدهَا كَأَنَّهُ جَعَلَهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَال وَاحِدًا , وَنُقِلَ عَنْ الْأَصِيلِيّ أَيْضًا كَالْأَصْلِ لَكِنَّهُ فَتَحَ الثَّانِيَة أَيْضًا , وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن مَالِك هَذِهِ الْأَرْبَعَة فِي شَوَاهِد التَّوْضِيح , وَقَالَ اِبْن الْأَثِير : قَوْله بَأْبَأَ أَصْله بِأَبِي هُوَ , يُقَال بَأْبَأْت الصَّبِيّ إِذَا قُلْت لَهُ أَفْدِيك بِأَبِي فَقَلَبُوا الْيَاء أَلِفًا كَمَا فِي \" وَيْلَتَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَذَوَات الْخُدُور ) ‏ ‏بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالدَّال الْمُهْمَلَة جَمْع خِدْر بِكَسْرِهَا وَسُكُون الدَّال , وَهُوَ سِتْر يَكُون فِي نَاحِيَة الْبَيْت تَقْعُد الْبِكْر وَرَاءَهُ , وَلِلْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَة \" الْعَوَاتِق وَذَوَات الْخُدُور أَوْ الْعَوَاتِق ذَوَات الْخُدُور \" عَلَى الشَّكّ , وَبَيْن الْعَاتِق وَالْبِكْر عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَعْتَزِل الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى ) ‏ ‏بِضَمِّ اللَّام هُوَ خَبَر. بِمَعْنَى الْأَمْر , وَفِي رِوَايَة \" وَيَعْتَزِلْنَ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى \" وَهُوَ نَحْو أَكَلُونِي الْبَرَاغِيث. وَحَمَلَ الْجُمْهُور الْأَمْر الْمَذْكُور عَلَى النَّدْب ; لِأَنَّ الْمُصَلَّى لَيْسَ بِمَسْجِدٍ فَيَمْتَنِع الْحُيَّض مِنْ دُخُوله , وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : الِاعْتِزَال وَاجِب , وَالْخُرُوج وَالشُّهُود مَنْدُوب , مَعَ كَوْنه نَقَلَ عَنْ النَّوَوِيّ تَصْوِيب عَدَم وُجُوبه , وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : الْحِكْمَة فِي اِعْتِزَالهنَّ أَنَّ فِي وُقُوفهنَّ وَهُنَّ لَا يُصَلِّينَ مَعَ الْمُصَلِّيَات إِظْهَارَ اِسْتِهَانَة بِالْحَالِ. فَاسْتُحِبَّ لَهُنَّ اِجْتِنَاب ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت : آلْحُيَّض ) ‏ ‏بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَة , كَأَنَّهَا تَتَعَجَّب مِنْ ذَلِكَ ‏ ‏( فَقَالَتْ ) ‏ ‏أَيْ أُمّ عَطِيَّة : ‏ ‏( أَلَيْسَ تَشْهَد ) ‏ ‏أَيْ الْحُيَّض , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" أَلَيْسَتْ \" وَلِلْأَصِيلِيّ \" أَلَيْسَ يَشْهَدْنَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَذَا وَكَذَا ) ‏ ‏أَيْ وَمُزْدَلِفَة وَمِنًى وَغَيْرهمَا. وَفِيهِ أَنَّ الْحَائِض لَا تَهْجُرُ ذِكْرَ اللَّه وَلَا مَوَاطِنَ الْخَيْر كَمَجَالِس الْعِلْم وَالذِّكْر سِوَى الْمَسَاجِد , وَفِيهِ اِمْتِنَاعُ خُرُوج الْمَرْأَة بِغَيْرِ جِلْبَاب , وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا سَيَأْتِي اِسْتِيفَاؤُهُ فِي كِتَاب الْعِيدَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "314",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ ‏ ‏سَأَلَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ ‏ ‏لَا إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي رَجَاء ) ‏ ‏هُوَ أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن أَيُّوب الْهَرَوِيُّ يُكَنَّى أَبَا الْوَلِيد , وَهُوَ حَنَفِيُّ النَّسَب لَا الْمَذْهَب , وَقِصَّة فَاطِمَة بِنْت أَبِي حُبَيْشٍ تَقَدَّمَتْ فِي بَاب الِاسْتِحَاضَة , وَمُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْله \" قَدْر الْأَيَّام الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا \" فَوَكَّلَ ذَلِكَ إِلَى أَمَانَتهَا وَرَدَّهُ إِلَى عَادَتهَا , وَذَلِكَ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاص. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَقَلّ الْحَيْض وَأَقَلّ الطُّهْر , وَنَقَلَ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَكْثَره خَمْسَة عَشَر يَوْمًا , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يَجْتَمِع أَقَلّ الطُّهْر وَأَقَلّ الْحَيْض مَعًا. فَأَقَلّ مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّة عِنْده سِتُّونَ يَوْمًا , وَقَالَ صَاحِبَاهُ : تَنْقَضِي فِي تِسْعَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا بِنَاء عَلَى أَنَّ أَقَلّ الْحَيْض ثَلَاثَة أَيَّام وَأَنَّ أَقَلّ الطُّهْر خَمْسَة عَشَر يَوْمًا وَأَنَّ الْمُرَاد بِالْقُرْءِ الْحَيْض , وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيّ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : الْقُرْء الطُّهْر وَأَقَلّه خَمْسَة عَشَر يَوْمًا , وَأَقَلّ الْحَيْض يَوْم وَلَيْلَة فَتَنْقَضِي عِنْده فِي اِثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ , وَهُوَ مُوَافِق لِقِصَّةِ عَلِيّ وَشُرَيْح الْمُتَقَدِّمَة إِذَا حَمَلَ ذِكْر الشَّهْر فِيهَا عَلَى إِلْغَاء الْكَسْر , وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة هُشَيْم عَنْ إِسْمَاعِيل فِيهَا بِلَفْظِ \" حَاضَتْ فِي شَهْر أَوْ خَمْسَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا \" ‏"
    },
    {
        "id": "315",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنَّا لَا نَعُدُّ ‏ ‏الْكُدْرَةَ ‏ ‏وَالصُّفْرَةَ ‏ ‏شَيْئًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد ) ‏ ‏وَاِبْن سِيرِينَ , وَكَذَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل وَهُوَ اِبْن عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوب , وَرَوَاهُ وُهَيْب بْن خَالِد عَنْ أَيُّوب عَنْ حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ عَنْ أُمّ عَطِيَّة أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ. وَنُقِلَ عَنْ الذُّهْلِيِّ أَنَّهُ رَجَّحَ رِوَايَة وُهَيْب. وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ مِنْ تَصْحِيح رِوَايَة إِسْمَاعِيل أَرْجَح لِمُوَافَقَةِ مَعْمَر لَهُ , وَلِأَنَّ إِسْمَاعِيل أَحْفَظ لِحَدِيثِ أَيُّوب مِنْ غَيْره , وَيُمْكِن أَنَّ أَيُّوب سَمِعَهُ مِنْهُمَا. ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا لَا نَعُدُّ ) ‏ ‏أَيْ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عِلْمه بِذَلِكَ , وَبِهَذَا يُعْطَى الْحَدِيث حُكْم الرَّفْع , وَهُوَ مَصِير مِنْ الْبُخَارِيّ إِلَى أَنَّ مِثْل هَذِهِ الصِّيغَة تُعَدُّ فِي الْمَرْفُوع وَلَوْ لَمْ يُصَرِّح الصَّحَابِيّ بِذِكْرِ زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِهَذَا جَزَمَ الْحَاكِم وَغَيْره خِلَافًا لِلْخَطِيبِ. ‏ ‏قَوْله : ( الْكُدْرَة وَالصُّفْرَة ) ‏ ‏أَيْ الْمَاء الَّذِي تَرَاهُ الْمَرْأَة كَالصَّدِيدِ يَعْلُوهُ اِصْفِرَار. ‏ ‏قَوْله : ( شَيْئًا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْحَيْض , وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ حَفْصَة عَنْ أُمّ عَطِيَّة \" كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَة وَالصُّفْرَة بَعْد الطُّهْر شَيْئًا \" وَهُوَ مُوَافِق لِمَا تَرْجَمَ بِهِ الْبُخَارِيّ. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "316",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْنٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ حَبِيبَةَ ‏ ‏اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَقَالَ ‏ ‏هَذَا عِرْقٌ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ عَمْرَة ) ‏ ‏يَعْنِي كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَة , كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْت وَابْن عَسَاكِر بِحَذْفِ الْوَاو فَصَارَ مِنْ رِوَايَة عُرْوَة عَنْ عَمْرَة , وَكَذَا ذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ أَحْمَد بْن الْحَسَن الصُّوفِيّ حَدَّثَهُمْ بِهِ عَنْ خَلَف بْن سَالِم عَنْ مَعْن , وَالْمَحْفُوظ إِثْبَات الْوَاو وَأَنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَاهُ عَنْ شَيْخَيْنِ عُرْوَة وَعَمْرَة كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره مِنْ طُرُق عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَمْرو بْنِ الْحَارِث , وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة وَحْده , وَمُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد , وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق يُونُس كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَة وَحْدهَا , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هُوَ صَحِيح مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة وَعَمْرَة جَمِيعًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أُمّ حَبِيبَة ) ‏ ‏هِيَ بِنْت جَحْش أُخْت زَيْنَب أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , وَهِيَ مَشْهُورَة بِكُنْيَتِهَا , وَقَدْ قِيلَ اِسْمهَا حَبِيبَة وَكُنْيَتهَا أُمّ حَبِيب بِغَيْرِ هَاء قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ وَتَبِعَهُ الْحَرْبِيّ وَرَجَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَالْمَشْهُور فِي الرِّوَايَات الصَّحِيحَة أُمّ حَبِيبَة بِإِثْبَاتِ الْهَاء , وَكَانَتْ زَوْج عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف كَمَا ثَبَتَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث. وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأ \" عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة أَنَّ زَيْنَب بِنْت جَحْش الَّتِي كَانَتْ تَحْت عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف كَانَتْ تُسْتَحَاض \" الْحَدِيث , فَقِيلَ هُوَ وَهْمٌ , وَقِيلَ بَلْ صَوَابٌ وَأَنَّ اِسْمهَا زَيْنَب وَكُنْيَتهَا أُمّ حَبِيبَة , وَأَمَّا كَوْنُ اِسْم أُخْتهَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَب فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ اِسْمهَا الْأَصْلِيّ , وَإِنَّمَا كَانَ اِسْمهَا بَرَّة فَغَيَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي أَسْبَاب النُّزُول لِلْوَاحِدِيِّ أَنَّ تَغْيِيرَ اِسْمهَا كَانَ بَعْد أَنْ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهَا بِاسْمِ أُخْتهَا لِكَوْنِ أُخْتهَا غَلَبَتْ عَلَيْهَا الْكُنْيَة فَأُمِنَ اللَّبْس , وَلَهُمَا أُخْت أُخْرَى اِسْمهَا حَمْنَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمِيم بَعْدهَا نُونٌ وَهِيَ إِحْدَى الْمُسْتَحَاضَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَتَعَسَّفَ بَعْض الْمَالِكِيَّة فَزَعَمَ أَنَّ اِسْم كُلّ مِنْ بَنَات جَحْش زَيْنَب قَالَ : فَأَمَّا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , فَاشْتُهِرَتْ بِاسْمِهَا , وَأَمَّا أُمّ حَبِيبَة فَاشْتُهِرَتْ بِكُنْيَتِهَا , وَأَمَّا حَمْنَة فَاشْتُهِرَتْ بِلَقَبِهَا , وَلَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ عَلَى دَعْوَاهُ بِأَنَّ حَمْنَة لَقَبٌ. وَلَمْ يَنْفَرِد الْمُوَطَّأ بِتَسْمِيَةِ أُمّ حَبِيبَة زَيْنَب , فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَده عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب حَدِيث الْبَاب فَقَالَ \" أَنَّ زَيْنَب بِنْت جَحْش \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( اُسْتُحِيضَتْ سَبْع سِنِينَ ) ‏ ‏قِيلَ فِيهِ حُجَّة لِابْنِ الْقَاسِم فِي إِسْقَاطه عَنْ الْمُسْتَحَاضَة قَضَاء الصَّلَاة إِذَا تَرَكَتْهَا ظَانَّة أَنَّ ذَلِكَ حَيْض ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرهَا بِالْإِعَادَةِ مَعَ طُول الْمُدَّة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهَا \" سَبْع سِنِينَ \" بَيَان مُدَّة اِسْتِحَاضَتهَا مَعَ قَطْع النَّظَر هَلْ كَانَتْ الْمُدَّة كُلّهَا قَبْل السُّؤَال أَوْ لَا فَلَا يَكُون فِيهِ حُجَّة لِمَا ذُكِرَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِل ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَتُصَلِّي \" وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ , وَهَذَا الْأَمْر بِالِاغْتِسَالِ مُطْلَق فَلَا يَدُلّ عَلَى التَّكْرَار , فَلَعَلَّهَا فَهِمَتْ طَلَب ذَلِكَ مِنْهَا بِقَرِينَةٍ فَلِهَذَا كَانَتْ تَغْتَسِل لِكُلِّ صَلَاة , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِنَّمَا أَمَرَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَغْتَسِل وَتُصَلِّي , وَإِنَّمَا كَانَتْ تَغْتَسِل لِكُلِّ صَلَاة تَطَوُّعًا , وَكَذَا قَالَ اللَّيْث بْنُ سَعْد فِي رِوَايَته عِنْد مُسْلِم : لَمْ يَذْكُر اِبْن شِهَاب أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِل لِكُلِّ صَلَاة , وَلَكِنَّهُ شَيْء فَعَلَتْهُ هِيَ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُور قَالُوا : لَا يَجِب عَلَى الْمُسْتَحَاضَة الْغُسْل لِكُلِّ صَلَاة , إِلَّا الْمُتَحَيِّرَة , لَكِنْ يَجِب عَلَيْهَا الْوُضُوء. وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة \" أَنَّ أُمّ حَبِيبَة اُسْتُحِيضَتْ فَأَمَرَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَنْتَظِر أَيَّام أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِل وَتُصَلِّي , فَإِذَا رَأَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ \". وَاسْتَدَلَّ الْمُهَلَّبِيّ بِقَوْلِهِ لَهَا \" هَذَا عِرْق \" عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجِب عَلَيْهَا الْغُسْل لِكُلِّ صَلَاة ; لِأَنَّ دَم الْعِرْق لَا يُوجِب غُسْلًا. وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَانِ بْن كَثِير وَابْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَأَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاة \" فَقَدْ طَعَنَ الْحُفَّاظ فِي هَذِهِ الزِّيَادَة ; لِأَنَّ الْأَثْبَات مِنْ أَصْحَاب الزُّهْرِيِّ لَمْ يَذْكُرُوهَا , وَقَدْ صَرَّحَ اللَّيْث كَمَا تَقَدَّمَ عِنْد مُسْلِم بِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَذْكُرهَا , لَكِنْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِل عِنْد كُلّ صَلَاة \" فَيُحْمَل الْأَمْر عَلَى النَّدْب جَمْعًا بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ , هَذِهِ وَرِوَايَة عِكْرِمَة , وَقَدْ حَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُتَحَيِّرَة , وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة عِكْرِمَة أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَنْتَظِر أَيَّام أَقْرَائِهَا , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عِرَاك بْن مَالِك عَنْ عُرْوَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَقَالَ لَهَا اُمْكُثِي قَدْر مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك \" وَلِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْره مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ وَابْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيث الْبَاب نَحْوه , لَكِنْ اِسْتَنْكَرَ أَبُو دَاوُدَ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ , وَأَجَابَ بَعْض مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ غَيْر مُمَيِّزَة بِأَنَّ قَوْله \" فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِل لِكُلِّ صَلَاة \" أَيْ مِنْ الدَّم الَّذِي أَصَابَهَا ; لِأَنَّهُ مِنْ إِزَالَة النَّجَاسَة وَهِيَ شَرْط فِي صِحَّة الصَّلَاة , وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : حَدِيث أُمّ حَبِيبَة مَنْسُوخ بِحَدِيثِ فَاطِمَة بِنْت أَبِي حُبَيْشٍ , أَيْ لِأَنَّ فِيهِ الْأَمْر بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاة لَا الْغُسْل , وَالْجَمْع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ بِحَمْلِ الْأَمْر فِي حَدِيث أُمّ حَبِيبَة عَلَى النَّدْب أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "317",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ ‏ ‏قَدْ حَاضَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ فَقَالُوا بَلَى قَالَ فَاخْرُجِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرَة بِنْت عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هِيَ الْمَذْكُورَة فِي الْإِسْنَاد الَّذِي قَبْله , وَهَذَا الْإِسْنَاد - سِوَى شَيْخ الْبُخَارِيّ - مَدَنِيُّونَ , وَفِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ وَهُمْ مِنْ بَيْن مَالِك وَعَائِشَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ صَفِيَّة ) ‏ ‏أَيْ زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالُوا : بَلَى ) ‏ ‏أَيْ النِّسَاء وَمَنْ مَعَهُنَّ مِنْ الْمَحَارِم. ‏ ‏قَوْله : ( فَاخْرُجِي ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْإِفْرَادِ خِطَابًا لِصَفِيَّة مِنْ بَاب الْعُدُول عَنْ الْغَيْبَة , وَهِيَ قَوْله \" أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ \" إِلَى الْخِطَاب , أَوْ هُوَ خِطَاب لِعَائِشَة , أَيْ فَاخْرُجِي فَهِيَ تَخْرُج مَعَك , وَلِلْمُسْتَمْلِي وَالْكُشْمِيهَنِيّ \" فَاخْرُجْنَ \" وَهُوَ عَلَى وَفْق السِّيَاق , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث وَاَلَّذِي بَعْده فِي كِتَاب الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله فِيهِ \" وَكَانَ اِبْن عُمَر \" هُوَ مَقُول طَاوُسٍ لَا اِبْن عَبَّاس , وَكَذَا قَوْله \" ثُمَّ سَمِعْته يَقُول \" وَكَانَ اِبْن عُمَر يُفْتِي بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَتَأَخَّر إِلَى أَنْ تَطْهُر مِنْ أَجَل طَوَاف الْوَدَاع , ثُمَّ بَلَغَتْهُ الرُّخْصَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُنَّ فِي تَرْكه فَصَارَ إِلَيْهِ , أَوْ كَانَ نَسِيَ ذَلِكَ فَتَذَكَّرَهُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَائِض لَا تَطُوف. ‏"
    },
    {
        "id": "318",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏يَقُولُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏تَنْفِرُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَخَّصَ لَهُنَّ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "319",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زُهَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي ‏",
        "sharh": "\" 558 \" ‏ ‏قَوْله : ( بَاب الصَّلَاة عَلَى النُّفَسَاء وَسُنَّتُهَا ) ‏ ‏أَيْ سُنَّة الصَّلَاة عَلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "320",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شَبَابَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِي بَطْنٍ فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَامَ وَسَطَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي سُرَيْج ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْجِيم , وَاسْمه الصَّبَّاح , وَقِيلَ إِنَّ أَحْمَد هُوَ اِبْن عُمَر بْن أَبِي سُرَيْج فَكَأَنَّهُ نُسِبَ إِلَى جَدّه. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ اِمْرَأَة ) ‏ ‏هِيَ أُمّ كَعْب سَمَّاهَا مُسْلِم فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَارِث عَنْ حُسَيْن الْمُعَلِّم , وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الصَّحَابَة أَنَّهَا أَنْصَارِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( مَاتَتْ فِي بَطْن ) ‏ ‏أَيْ بِسَبَبِ بَطْنٍ يَعْنِي الْحَمْل , وَهُوَ نَظِير قَوْله \" عُذِّبَتْ اِمْرَأَة فِي هِرَّة \" قَالَ اِبْن التَّيْمِيِّ : قِيلَ وَهِمَ الْبُخَارِيّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة فَظَنَّ أَنَّ قَوْله \" مَاتَتْ فِي بَطْن \" مَاتَتْ فِي الْوِلَادَة , قَالَ : وَمَعْنَى مَاتَتْ فِي بَطْنٍ مَاتَتْ مَبْطُونَة. قُلْت : بَلْ الْمُوَهِّمُ لَهُ هُوَ الْوَاهِم , فَإِنَّ عِنْد الْمُصَنِّف فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ كِتَاب الْجَنَائِز \" مَاتَتْ فِي نِفَاسهَا \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ وَسَطهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ السِّين فِي رِوَايَتنَا , وَكَذَا ضَبَطَهُ اِبْن التِّين , وَضَبَطَهُ غَيْره بِالسُّكُونِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَقَامَ عِنْد وَسَطهَا \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَاب الْجَنَائِز إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْبُخَارِيّ قَصَدَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة أَنَّ النُّفَسَاء وَإِنْ كَانَتْ لَا تُصَلِّي لَهَا حُكْم غَيْرهَا أَيْ فِي طَهَارَة الْعَيْن , لِصَلَاةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا , قَالَ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ اِبْن آدَم يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ ; لِأَنَّ النُّفَسَاء جَمَعَتْ الْمَوْت وَحَمْلَ النَّجَاسَة بِالدَّمِ اللَّازِم لَهَا , فَلَمَّا لَمْ يَضُرّهَا ذَلِكَ كَانَ الْمَيِّت الَّذِي لَا يَسِيل مِنْهُ نَجَاسَة أَوْلَى. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّ هَذَا أَجْنَبِيّ عَنْ مَقْصُود الْبُخَارِيّ , قَالَ وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنَّهَا وَإِنْ وَرَدَ أَنَّهَا مِنْ الشُّهَدَاء فَهِيَ مِمَّنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا كَغَيْرِ الشُّهَدَاء وَتَعَقَّبَهُ اِبْن رَشِيد بِأَنَّهُ أَيْضًا أَجْنَبِيّ عَنْ أَبْوَاب الْحَيْض , قَالَ : وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيّ أَنْ يَسْتَدِلّ بِلَازِمٍ مِنْ لَوَازِم الصَّلَاة ; لِأَنَّ الصَّلَاة اِقْتَضَتْ أَنَّ الْمُسْتَقْبِل فِيهَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُون مَحْكُومًا بِطَهَارَتِهِ , فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهَا - أَيْ إِلَيْهَا - لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلُ بِطَهَارَةِ عَيْنهَا , وَحُكْمُ النُّفَسَاء وَالْحَائِض وَاحِدٌ قَالَ : وَيَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذَا مَقْصُوده إِدْخَال حَدِيث مَيْمُونَة فِي الْبَاب كَمَا فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَغَيْره. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ قَبْل حَدِيث مَيْمُونَة : ‏"
    },
    {
        "id": "321",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ اسْمُهُ الْوَضَّاحُ ‏ ‏مِنْ كِتَابِهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏خَالَتِي ‏ ‏مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضًا لَا تُصَلِّي وَهِيَ مُفْتَرِشَةٌ بِحِذَاءِ ‏ ‏مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏يُصَلِّي عَلَى ‏ ‏خُمْرَتِهِ ‏ ‏إِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي بَعْضُ ثَوْبِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُدْرِك ) ‏ ‏هُوَ الطَّحَّان الْبَصْرِيّ أَحَدُ الْحُفَّاظ , وَهُوَ مِنْ صِغَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ , بَلْ الْبُخَارِيّ أَقْدَمُ مِنْهُ , وَقَدْ شَارَكَهُ فِي شَيْخه يَحْيَى بْن حَمَّاد الْمَذْكُور هُنَا , وَكَأَنَّ هَذَا الْحَدِيث فَاتَهُ فَاعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى الْحَسَن الْمَذْكُور ; لِأَنَّهُ كَانَ عَارِفًا بِحَدِيثِ يَحْيَى بْن حَمَّاد. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ كِتَابه ) ‏ ‏إِشَارَة إِلَى أَنَّ أَبَا عَوَانَة حَدَّثَ بِهِ مِنْ كِتَابه لَا مِنْ حِفْظه , وَكَانَ إِذَا حَدَّثَ مِنْ كِتَابه أَتْقَنَ مِمَّا إِذَا حَدَّثَ مِنْ حِفْظه حَتَّى قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ : كِتَاب أَبِي عَوَانَة أَثْبَتُ مِنْ حِفْظِ هُشَيْم. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَتْ تَكُون ) ‏ ‏أَيْ تَحْصُل أَوْ تَسْتَقِرّ , وَيُحْتَمَل أَنَّ قَوْله \" تَكُون لَا تُصَلِّي \" خَبَر لِكَانَتْ , وَقَوْله \" حَائِضًا \" حَال نَحْو ( وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ ) قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( بِحِذَاءِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْخَاء الْمُهْمَلَة بَعْدهَا ذَال مُعْجَمَة وَمَدَّة أَيْ بِجَنْبِ مَسْجِد وَالْمُرَاد بِالْمَسْجِدِ مَكَان سُجُوده , وَالْخُمْرَة بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم قَالَ الطَّبَرِيُّ : هُوَ مُصَلًّى صَغِير يُعْمَل مِنْ سَعَف النَّخْل , سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَتْرِهَا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ مِنْ حَرّ الْأَرْض وَبَرْدهَا , فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَة سُمِّيَتْ حَصِيرًا , وَكَذَا قَالَ الْأَزْهَرِيّ فِي تَهْذِيبه وَصَاحِبه أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيُّ وَجَمَاعَة بَعْدهمْ , وَزَادَ فِي النِّهَايَة : وَلَا تَكُون خُمْرَة إِلَّا فِي هَذَا الْمِقْدَار قَالَ : وَسُمِّيَتْ خُمْرَة ; لِأَنَّ خُيُوطهَا مَسْتُورَة بِسَعَفِهَا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هِيَ السَّجَّادَة يَسْجُد عَلَيْهَا الْمُصَلِّي. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْفَأْرَة الَّتِي جَرَّتْ الْفَتِيلَة حَتَّى أَلْقَتْهَا عَلَى الْخُمْرَة الَّتِي كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا عَلَيْهَا.. الْحَدِيث قَالَ : فَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِإِطْلَاقِ الْخُمْرَة عَلَى مَا زَادَ عَلَى قَدْر الْوَجْه , قَالَ : وَسُمِّيَتْ خُمْرَة ; لِأَنَّهَا تُغَطِّي الْوَجْه , وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَى حُكْم الصَّلَاة عَلَيْهَا فِي كِتَاب الصَّلَاة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) ‏ ‏: اِشْتَمَلَ كِتَاب الْحَيْض مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى سَبْعَة وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اِثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا الْمَوْصُول مِنْهَا عَشَرَة أَحَادِيث , وَالْبَقِيَّة تَعْلِيق وَمُتَابَعَة , وَالْخَالِص خَمْسَة وَعِشْرُونَ حَدِيثًا مِنْهَا وَاحِد مُعَلَّق وَهُوَ حَدِيث كَانَ يَذْكُر اللَّه عَلَى كُلّ أَحْيَانه , وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة. وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث عَائِشَة كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيض ثُمَّ تَقْتَرِص الدَّم وَحَدِيثهَا فِي اِعْتِكَاف الْمُسْتَحَاضَة , وَحَدِيثهَا مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْب وَاحِد , وَحَدِيث أُمّ عَطِيَّة كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَة , وَحَدِيث اِبْن عُمَر رَخَّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِر. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار الْمَوْقُوفَة عَلَى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ خَمْسَة عَشَرَ أَثَرًا كُلُّهَا مُعَلَّقَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "322",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا ‏ ‏بِالْبَيْدَاءِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏بِذَاتِ الْجَيْشِ ‏ ‏انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏الْتِمَاسِهِ ‏ ‏وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ فَأَتَى النَّاسُ إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ‏ ‏فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَعَاتَبَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى فَخِذِي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ ‏آيَةَ التَّيَمُّمِ ‏ ‏فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ ‏ ‏أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ ‏ ‏مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَرِجَاله سِوَى شَيْخ الْبُخَارِيّ مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي بَعْض أَسْفَاره ) ‏ ‏قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي التَّمْهِيد : يُقَال إِنَّهُ كَانَ فِي غَزَاة بَنِي الْمُصْطَلِق , وَجَزَمَ بِذَلِكَ فِي \" الِاسْتِذْكَار \" وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ اِبْن سَعْد وَابْن حِبَّانَ. وَغَزَاة بَنِي الْمُصْطَلِق هِيَ غَزْوَة الْمُرَيْسِيعِ , وَفِيهَا وَقَعَتْ قِصَّة الْإِفْك لِعَائِشَة , وَكَانَ اِبْتِدَاء ذَلِكَ بِسَبَبِ وُقُوع عِقْدهَا أَيْضًا , فَإِنْ كَانَ مَا جَزَمُوا بِهِ ثَابِتًا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ سَقَطَ مِنْهَا فِي تِلْكَ السَّفْرَة مَرَّتَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْقِصَّتَيْنِ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي سِيَاقهمَا , وَاسْتَبْعَدَ بَعْض شُيُوخنَا ذَلِكَ قَالَ : لِأَنَّ الْمُرَيْسِيع مِنْ نَاحِيَة مَكَّة بَيْن قَدِيد وَالسَّاحِل , وَهَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ مِنْ نَاحِيَة خَيْبَر لِقَوْلِهَا فِي الْحَدِيث \" حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْش \" وَهُمَا بَيْن الْمَدِينَة وَخَيْبَر كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ. ‏ ‏قُلْت : وَمَا جَزَمَ بِهِ مُخَالِفٌ لِمَا جَزَمَ بِهِ اِبْن التِّين فَإِنَّهُ قَالَ : الْبَيْدَاء هِيَ ذُو الْحُلَيْفَة بِالْقُرْبِ مِنْ الْمَدِينَة مِنْ طَرِيق مَكَّة , قَالَ : وَذَات الْجَيْش وَرَاء ذِي الْحُلَيْفَة. وَقَالَ أَبُو عُبَيْد الْبَكْرِيّ فِي مُعْجَمه : الْبَيْدَاء أَدْنَى إِلَى مَكَّة مِنْ ذِي الْحُلَيْفَة. ثُمَّ سَاقَ حَدِيث عَائِشَة هَذَا. ثُمَّ سَاقَ حَدِيث اِبْن عُمَر قَالَ \" بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ فِيهَا , مَا أَهَلَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ عِنْد الْمَسْجِد \" الْحَدِيث. قَالَ : وَالْبَيْدَاء هُوَ الشَّرَف الَّذِي قُدَّام ذِي الْحُلَيْفَة فِي طَرِيق مَكَّة. وَقَالَ أَيْضًا : ذَات الْجَيْش مِنْ الْمَدِينَة عَلَى بَرِيد , قَالَ : وَبَيْنهَا وَبَيْن الْعَقِيق سَبْعَة أَمْيَال , وَالْعَقِيق مِنْ طَرِيق مَكَّة لَا مِنْ طَرِيق خَيْبَر , فَاسْتَقَامَ مَا قَالَ اِبْن التِّين. وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان قَالَ حَدَّثَنَا هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ فِيهِ \" إِنَّ الْقِلَادَة سَقَطَتْ لَيْلَة الْأَبْوَاء \" ا ه , وَالْأَبْوَاء بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة. وَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر فِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ هِشَام قَالَ. \" وَكَانَ ذَلِكَ الْمَكَان يُقَال لَهُ الصُّلْصُل \" رَوَاهُ جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ فِي كِتَاب الطَّهَارَة لَهُ وَابْن عَبْد الْبَرّ مِنْ طَرِيقه , وَالصُّلْصُل بِمُهْمَلَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ وَلَامَيْنِ الْأُولَى سَاكِنَة بَيْن الصَّادَيْنِ , قَالَ الْبَكْرِيُّ : هُوَ جَبَل عِنْد ذِي الْحُلَيْفَة , كَذَا ذَكَره فِي حَرْف الصَّاد الْمُهْمَلَة , وَوَهِمَ مُغَلْطَايْ فِي فَهْمِ كَلَامه فَزَعَمَ أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة , وَقَلَّدَهُ فِي ذَلِكَ بَعْض الشُّرَّاح وَتَصَرَّفَ فِيهِ فَزَادَهُ وَهْمًا عَلَى وَهْمٍ , وَعُرِفَ مِنْ تَضَافُر هَذِهِ الرِّوَايَات تَصْوِيب مَا قَالَهُ اِبْن التِّين , وَاعْتَمَدَ بَعْضهمْ فِي تَعَدُّدِ السَّفَر عَلَى رِوَايَة لِلطَّبَرَانِيِّ صَرِيحَة فِي ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( عِقْد ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة كُلّ مَا يُعْقَد وَيُعَلَّق فِي الْعُنُق , وَيُسَمَّى قِلَادَة كَمَا سَيَأْتِي , وَفِي التَّفْسِير مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث \" سَقَطَتْ قِلَادَة لِي بِالْبَيْدَاءِ وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَة , فَأَنَاخَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلَ \" وَهَذَا مُشْعِرٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْد قُرْبهمْ مِنْ الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى اِلْتِمَاسه ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِ طَلَبه , وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمَبْعُوث فِي طَلَبه أُسَيْد بْن حُضَيْرٍ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَيْسُوا عَلَى مَاء , وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاء ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَسَقَطَتْ الْجُمْلَة الثَّانِيَة فِي الْمَوْضِع الْأَوَّل مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ , وَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى جَوَاز الْإِقَامَة فِي الْمَكَان الَّذِي لَا مَاء فِيهِ , وَكَذَا سُلُوك الطَّرِيق الَّتِي لَا مَاء فِيهَا , وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمَدِينَة كَانَتْ قَرِيبَة مِنْهُمْ وَهُمْ عَلَى قَصْد دُخُولهَا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَم بِعَدَمِ الْمَاء مَعَ الرَّكْب وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ بِأَنَّ الْمَكَان لَا مَاء فِيهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَوْله \" لَيْسَ مَعَهُمْ مَاء \" أَيْ لِلْوُضُوءِ , وَأَمَّا مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لِلشُّرْبِ فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَعَهُمْ , وَالْأَوَّل مُحْتَمَل لِجَوَازِ إِرْسَال الْمَطَر أَوْ نَبْع الْمَاء مِنْ بَيْن أَصَابِعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا وَقَعَ فِي مَوَاطِن أُخْرَى. وَفِيهِ اِعْتِنَاء الْإِمَام بِحِفْظِ حُقُوق الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ قَلَّتْ , فَقَدْ نَقَلَ اِبْن بَطَّالٍ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ ثَمَن الْعِقْد الْمَذْكُور كَانَ اِثْنَيْ عَشَر دِرْهَمًا , وَيَلْتَحِق بِتَحْصِيلِ الضَّائِع الْإِقَامَة لِلُحُوقِ الْمُنْقَطِع وَدَفْن الْمَيِّت وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ مَصَالِح الرَّعِيَّة , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى تَرْك إِضَاعَة الْمَال. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْر ) ‏ ‏فِيهِ شَكْوَى الْمَرْأَة إِلَى أَبِيهَا وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْج , وَكَأَنَّهُمْ إِنَّمَا شَكَوْا إِلَى أَبِي بَكْر لِكَوْنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ نَائِمًا وَكَانُوا لَا يُوقِظُونَهُ. وَفِيهِ نِسْبَة الْفِعْل إِلَى مَنْ كَانَ سَبَبًا فِيهِ لِقَوْلِهِمْ : صَنَعَتْ وَأَقَامَتْ , وَفِيهِ جَوَاز دُخُول الرَّجُل عَلَى اِبْنَته وَإِنْ كَانَ زَوْجهَا عِنْدهَا إِذَا عَلِمَ رِضَاهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ حَالَةَ مُبَاشَرَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْر , وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَقُول ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث فَقَالَ : حَبَسْت النَّاس فِي قِلَادَة , أَيْ بِسَبَبِهَا. وَسَيَأْتِي مِنْ الطَّبَرَانِيّ أَنَّ مِنْ جُمْلَة مَا عَاتَبَهَا بِهِ قَوْله \" فِي كُلّ مَرَّة تَكُونِينَ عَنَاء \". وَالنُّكْتَة فِي قَوْل عَائِشَة \" فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْر \" وَلَمْ تَقُلْ أَبِي ; لِأَنَّ قَضِيَّة الْأُبُوَّة الْحُنُوّ , وَمَا وَقَعَ مِنْ الْعِتَاب بِالْقَوْلِ وَالتَّأْنِيب بِالْفِعْلِ مُغَايِر لِذَلِكَ فِي الظَّاهِر , فَلِذَلِكَ أَنْزَلَتْهُ مَنْزِلَة الْأَجْنَبِيّ فَلَمْ تَقُلْ أَبِي. ‏ ‏قَوْله : ( يَطْعُنُنِي ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ الْعَيْن , وَكَذَا فِي جَمِيع مَا هُوَ حِسِّيّ , وَأَمَّا الْمَعْنَوِيّ فَيُقَال يَطْعَنُ بِالْفَتْحِ , هَذَا الْمَشْهُور فِيهِمَا , وَحُكِيَ فِيهِمَا الْفَتْح مَعًا فِي الْمَطَالِع وَغَيْرهَا , وَالضَّمّ فِيهِمَا حَكَاهُ صَاحِب الْجَامِع. وَفِيهِ تَأْدِيب الرَّجُل اِبْنَته وَلَوْ كَانَتْ مُزَوَّجَة كَبِيرَة خَارِجَة عَنْ بَيْته , وَيَلْحَق بِذَلِكَ تَأْدِيب مِنْ لَهُ تَأْدِيبه وَلَوْ لَمْ يَأْذَن لَهُ الْإِمَام. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّك ) ‏ ‏فِيهِ اِسْتِحْبَاب الصَّبْر لِمَنْ نَالَهُ مَا يُوجِب الْحَرَكَة أَوْ يَحْصُل بِهِ تَشْوِيش لِنَائِمٍ , وَكَذَا لِمُصَلٍّ أَوْ قَارِئ أَوْ مُشْتَغِل بِعِلْمٍ أَوْ ذِكْرٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ حِين أَصْبَحَ ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا , وَأَوْرَدَهُ فِي فَضْل أَبِي بَكْر عَنْ قُتَيْبَة عَنْ مَالِك بِلَفْظِ \" فَنَامَ حَتَّى أَصْبَحَ \" وَهِيَ رِوَايَة مُسْلِم وَرَوَاهُ الْمُوَطَّأ , وَالْمَعْنَى فِيهِمَا مُتَقَارِب ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قِيَامه مِنْ نَوْمه كَانَ عِنْد الصُّبْح , وَقَالَ بَعْضهمْ : لَيْسَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" حَتَّى أَصْبَحَ \" بَيَان غَايَة النَّوْم إِلَى الصَّبَاح , بَلْ بَيَان غَايَة فَقْد الْمَاء إِلَى الصَّبَاح ; لِأَنَّهُ قَيَّدَ قَوْله \" حَتَّى أَصْبَحَ \" بِقَوْلِهِ \" عَلَى غَيْر مَاء \" أَيْ آلَ أَمْره إِلَى أَنْ أَصْبَحَ عَلَى غَيْر مَاء , وَأَمَّا رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث فَلَفْظهَا \" ثُمَّ إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتْ الصُّبْح \" فَإِنْ أُعْرِبَتْ الْوَاو حَالِيَّة كَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الِاسْتِيقَاظ وَقَعَ حَال وُجُود الصَّبَاح وَهُوَ الظَّاهِر , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الرُّخْصَة فِي تَرْك التَّهَجُّد فِي السَّفَر إِنْ ثَبَتَ أَنَّ التَّهَجُّد كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ , وَعَلَى أَنَّ طَلَب الْمَاء لَا يَجِبُ إِلَّا بَعْد دُخُول الْوَقْت لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث بَعْد قَوْله وَحَضَرَتْ الصُّبْح \" فَالْتَمَسَ الْمَاء فَلَمْ يُوجَد \" وَعَلَى أَنَّ الْوُضُوء كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ قَبْل نُزُول آيَة التَّيَمُّم وَلِهَذَا اِسْتَعْظَمُوا نُزُولهمْ عَلَى غَيْر مَاء. وَوَقَعَ مِنْ أَبِي بَكْر فِي حَقّ عَائِشَة مَا وَقَعَ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : مَعْلُوم عِنْد جَمِيع أَهْل الْمَغَازِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ مُنْذُ اُفْتُرِضَتْ الصَّلَاة عَلَيْهِ إِلَّا بِوُضُوءٍ , وَلَا يَدْفَع ذَلِكَ إِلَّا جَاهِل أَوْ مُعَانِد. قَالَ : وَفِي قَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث \" آيَة التَّيَمُّم \" إِشَارَة إِلَى أَنَّ الَّذِي طَرَأَ إِلَيْهِمْ مِنْ الْعِلْم حِينَئِذٍ حُكْم التَّيَمُّم لَا حُكْم الْوُضُوء. قَالَ : وَالْحِكْمَة فِي نُزُول آيَة الْوُضُوء - مَعَ تَقَدُّمِ الْعَمَل بِهِ - لِيَكُونَ فَرْضُهُ مَتْلُوًّا بِالتَّنْزِيلِ. وَقَالَ غَيْره : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَوَّل آيَة الْوُضُوء نَزَلَ قَدِيمًا فَعَلِمُوا بِهِ الْوُضُوء , ثُمَّ نَزَلَ بَقِيَّتهَا وَهُوَ ذِكْر التَّيَمُّم فِي هَذِهِ الْقِصَّة , وَإِطْلَاق آيَة التَّيَمُّم عَلَى هَذَا مِنْ تَسْمِيَة الْكُلّ بِاسْمِ الْبَعْض , لَكِنَّ رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث الَّتِي قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُصَنِّف أَخْرَجَهَا فِي التَّفْسِير تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ جَمِيعًا فِي هَذِهِ الْقِصَّة , فَالظَّاهِر مَا قَالَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّم ) قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هَذِهِ مُعْضِلَة مَا وَجَدْت لِدَائِهَا مِنْ دَوَاء ; لِأَنَّا لَا نَعْلَم أَيّ الْآيَتَيْنِ عَنَتْ عَائِشَة. قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : هِيَ آيَة النِّسَاء أَوْ آيَة الْمَائِدَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : هِيَ آيَة النِّسَاء. وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ آيَة الْمَائِدَة تُسَمَّى آيَة الْوُضُوء وَآيَة النِّسَاء لَا ذِكْر فِيهَا لِلْوُضُوءِ فَيُتَّجَه تَخْصِيصهَا بِآيَةِ التَّيَمُّم. وَأَوْرَدَ الْوَاحِدِيّ فِي أَسْبَاب النُّزُول هَذَا الْحَدِيث عِنْد ذِكْر آيَة النِّسَاء أَيْضًا , وَخَفِيَ عَلَى الْجَمِيع مَا ظَهَرَ لِلْبُخَارِيّ مِنْ أَنَّ الْمُرَاد بِهَا آيَة الْمَائِدَة بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ لِرِوَايَةِ عَمْرو بْن الْحَارِث إِذْ صَرَّحَ فِيهَا بِقَوْلِهِ \" فَنَزَلَتْ ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ) الْآيَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَتَيَمَّمُوا ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يَكُون خَبَرًا عَنْ فِعْل الصَّحَابَة , أَيْ فَتَيَمَّمَ النَّاسُ بَعْد نُزُول الْآيَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون حِكَايَة لِبَعْضِ الْآيَة وَهُوَ الْأَمْر فِي قَوْله : ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ) بَيَانًا لِقَوْلِهِ \" آيَة التَّيَمُّم \" أَوْ بَدَلًا. وَاسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ عَلَى وُجُوب النِّيَّة فِي التَّيَمُّم ; لِأَنَّ مَعْنَى ( فَتَيَمَّمُوا ) اِقْصِدُوا كَمَا تَقَدَّمَ , وَهُوَ قَوْل فُقَهَاء الْأَمْصَار إِلَّا الْأَوْزَاعِيَّ , وَعَلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَقْلُ التُّرَاب وَلَا يَكْفِي هُبُوب الرِّيح بِهِ بِخِلَافِ الْوُضُوء كَمَا لَوْ أَصَابَهُ مَطَرٌ فَنَوَى الْوُضُوء بِهِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ , وَالْأَظْهَر الْإِجْزَاء لِمَنْ قَصَدَ التُّرَاب مِنْ الرِّيح الْهَابَّة , بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَقْصِد , وَهُوَ اِخْتِيَار الشَّيْخ أَبِي حَامِد. وَعَلَى تَعْيِينِ الصَّعِيد الطَّيِّب لِلتَّيَمُّمِ , لَكِنْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِالصَّعِيدِ الطَّيِّب كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابه قَرِيبًا , وَعَلَى أَنَّهُ يَجِبُ التَّيَمُّم لِكُلِّ فَرِيضَة , وَسَنَذْكُرُ تَوْجِيهه وَمَا يَرُدّ عَلَيْهِ بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏: لَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ طُرُق حَدِيث عَائِشَة هَذَا كَيْفِيَّة التَّيَمُّم , وَقَدْ رَوَى عَمَّار بْن يَاسِر قِصَّتهَا هَذِهِ فَبَيَّنَ ذَلِكَ , لَكِنْ اِخْتَلَفَ الرُّوَاة عَلَى عَمَّار فِي الْكَيْفِيَّة كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَنُبَيِّنُ الْأَصَحّ مِنْهُ فِي بَاب التَّيَمُّم لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أُسَيْد ) ‏ ‏هُوَ بِالتَّصْغِيرِ ‏ ‏( اِبْن الْحُضَيْرِ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَة ثُمَّ مُعْجَمَة مُصَغَّرًا أَيْضًا , وَهُوَ مِنْ كِبَار الْأَنْصَار , وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الْمَنَاقِب. وَإِنَّمَا قَالَ مَا قَالَ دُون غَيْره ; لِأَنَّهُ كَانَ رَأْس مَنْ بُعِثَ فِي طَلَبِ الْعِقْد الَّذِي ضَاعَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتكُمْ ) ‏ ‏أَيْ بَلْ هِيَ مَسْبُوقَة بِغَيْرِهَا مِنْ الْبَرَكَات , وَالْمُرَاد بِآلِ أَبِي بَكْر نَفْسه وَأَهْله وَأَتْبَاعه. وَفِيهِ دَلِيل عَلَى فَضْل عَائِشَة وَأَبِيهَا وَتَكْرَار الْبَرَكَة مِنْهُمَا. وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث \" لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ \" وَفِي تَفْسِير إِسْحَاق الْبُسْتِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْهَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا \" مَا كَانَ أَعْظَم بَرَكَة قِلَادَتك \" وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة الْآتِيَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" فَوَاَللَّهِ مَا نَزَلَ بِك مِنْ أَمْر تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّه لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا \" وَفِي النِّكَاح مِنْ هَذَا الْوَجْه \" إِلَّا جَعَلَ اللَّه لَك مِنْهُ مَخْرَجًا , وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَة \" وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ بَعْد قِصَّة الْإِفْك , فَيَقْوَى قَوْل مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَعَدُّدِ ضَيَاع الْعِقْد , وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ مُحَمَّد بْن حَبِيب الْإِخْبَارِيّ فَقَالَ : سَقَطَ عِقْد عَائِشَة فِي غَزْوَة ذَات الرِّقَاع , وَفِي غَزْوَة بَنِي الْمُصْطَلِق. وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْمَغَازِي فِي أَيّ هَاتَيْنِ الْغَزَاتَيْنِ كَانَتْ أَوَّلًا. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : كَانَتْ قِصَّة التَّيَمُّم فِي غَزَاة الْفَتْح. ثُمَّ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ , وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ آيَة التَّيَمُّم لَمْ أَدْرِ كَيْف أَصْنَع... الْحَدِيث. فَهَذَا يَدُلّ عَلَى تَأَخُّرِهَا عَنْ غَزْوَة بَنِي الْمُصْطَلِق ; لِأَنَّ إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة كَانَ فِي السَّنَة السَّابِعَة وَهِيَ بَعْدهَا بِلَا خِلَاف , وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي أَنَّ الْبُخَارِيّ يَرَى أَنَّ غَزْوَة ذَات الرِّقَاع كَانَتْ بَعْد قُدُوم أَبِي مُوسَى , وَقُدُومه كَانَ وَقْت إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة. وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى تَأَخُّرِ الْقِصَّة أَيْضًا عَنْ قِصَّة الْإِفْك مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَبَّاد بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْر عِقْدِي مَا كَانَ , وَقَالَ أَهْل الْإِفْك مَا قَالُوا , خَرَجْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة أُخْرَى فَسَقَطَ أَيْضًا عِقْدِي حَتَّى حَبَسَ النَّاس عَلَى اِلْتِمَاسه. فَقَالَ لِي أَبُو بَكْر : يَا بُنَيَّة فِي كُلّ سَفْرَة تَكُونِينَ عَنَاء وَبَلَاء عَلَى النَّاس ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الرُّخْصَة فِي التَّيَمُّم. قَالَ أَبُو بَكْر : إِنَّك لَمُبَارَكَةٌ , ثَلَاثًا. وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّدُ بْن حُمَيْدٍ الرَّازِّي , وَفِيهِ مَقَال. وَفِي سِيَاقه مِنْ الْفَوَائِد بَيَان عِتَاب أَبِي بَكْر الَّذِي أُبْهِمَ فِي حَدِيث الْبَاب , وَالتَّصْرِيح بِأَنَّ ضَيَاع الْعِقْد كَانَ مَرَّتَيْنِ فِي غَزْوَتَيْنِ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَعَثْنَا ) ‏ ‏أَيْ أَثَرنَا ( ‏ ‏الْبَعِير الَّذِي كُنْت عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ حَالَةَ السَّفَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَصَبْنَا الْعِقْد تَحْته ) ‏ ‏ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا فِي طَلَبه أَوَّلًا لَمْ يَجِدُوهُ. وَفِي رِوَايَة عُرْوَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" فَبَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَوَجَدَهَا \" أَيْ الْقِلَادَة. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي فَضْل عَائِشَة مِنْ هَذَا الْوَجْه وَكَذَا لِمُسْلِم \" فَبَعَثَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابه فِي طَلَبهَا \" وَلِأَبِي دَاوُدَ \" فَبَعَثَ أُسَيْد بْن حُضَيْرٍ وَنَاسًا مَعَهُ \" وَطَرِيق الْجَمْع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات أَنَّ أُسَيْدًا كَانَ رَأْس مَنْ بُعِثَ لِذَلِكَ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ فِي بَعْض الرِّوَايَات دُون غَيْره , وَكَذَا أَسْنَدَ الْفِعْل إِلَى وَاحِد مُبْهَم وَهُوَ الْمُرَاد بِهِ , وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا الْعِقْد أَوَّلًا. فَلَمَّا رَجَعُوا وَنَزَلَتْ آيَة التَّيَمُّم وَأَرَادُوا الرَّحِيل وَأَثَارُوا الْبَعِير وَجَدَهُ أُسَيْد بْن حُضَيْرٍ , فَعَلَى هَذَا فَقَوْله فِي رِوَايَة عُرْوَة الْآتِيَة : \" فَوَجَدَهَا \" أَيْ بَعْد جَمِيع مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفْتِيش وَغَيْره. وَقَالَ النَّوَوِيّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ فَاعِل وَجَدَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ بَالِغ الدَّاوُدِيّ فِي تَوْهِيم رِوَايَة عُرْوَة , وَنُقِلَ عَنْ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي أَنَّهُ حَمَلَ الْوَهْم فِيهَا عَلَى عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر , وَقَدْ بَانَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ أَنْ لَا تَخَالُفَ بَيْنهمَا وَلَا وَهْمَ. وَفِي الْحَدِيثَيْنِ اِخْتِلَاف آخَر وَهُوَ قَوْل عَائِشَة \" اِنْقَطَعَ عِقْدٌ لِي \" وَقَالَتْ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث \" سَقَطَتْ قِلَادَة لِي \" وَفِي رِوَايَة عُرْوَة الْآتِيَة عَنْهَا أَنَّهَا اِسْتَعَارَتْ قِلَادَة مِنْ أَسْمَاء يَعْنِي أُخْتهَا فَهَلَكَتْ أَيْ ضَاعَتْ , وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ إِضَافَة الْقِلَادَة إِلَى عَائِشَة لِكَوْنِهَا فِي يَدهَا وَتَصَرُّفِهَا , وَإِلَى أَسْمَاء لِكَوْنِهَا مِلْكهَا لِتَصْرِيحِ عَائِشَة فِي رِوَايَة عُرْوَة بِأَنَّهَا اِسْتَعَارَتْهَا مِنْهَا , وَهَذَا كُلّه بِنَاء عَلَى اِتِّحَاد الْقِصَّة. وَقَدْ جَنَحَ الْبُخَارِيّ فِي التَّفْسِير إِلَى تَعَدُّدِهَا حَيْثُ أَوْرَدَ حَدِيث الْبَاب فِي تَفْسِير الْمَائِدَة وَحَدِيث عُرْوَة فِي تَفْسِير النِّسَاء , فَكَانَ نُزُول آيَة الْمَائِدَة بِسَبَبِ عِقْد عَائِشَة , وَآيَة النِّسَاء بِسَبَبِ قِلَادَة أَسْمَاء , وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ اِتِّحَاد الْقِصَّة أَظْهَرُ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) ‏ ‏: وَقَعَ فِي رِوَايَة عَمَّار عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره فِي هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّ الْعِقْد الْمَذْكُور كَانَ مِنْ جَزْع ظِفَار , وَكَذَا وَقَعَ فِي قِصَّة الْإِفْك كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْجَزْع بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الزَّاي خَرَزٌ يَمَنِيٌّ. وَظِفَار مَدِينَة تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي بَاب الطِّيبِ لِلْمَرْأَةِ عِنْد غُسْلهَا مِنْ الْمَحِيض , وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ جَوَازُ السَّفَر بِالنِّسَاءِ وَاِتِّخَاذُهُنَّ الْحُلِيَّ تَجَمُّلًا لِأَزْوَاجِهِنَّ , وَجَوَاز السَّفَر بِالْعَارِيَةِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى رِضَا صَاحِبهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "323",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ هُوَ الْعَوَقِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَيَّارٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ الْفَقِيرُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ ‏ ‏بِالرُّعْبِ ‏ ‏مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي سَعِيد بْن النَّضْر , قَالَ أَخْبَرَنَا هُشَيْم ) ‏ ‏إِنَّمَا لَمْ يَجْمَع الْبُخَارِيّ بَيْن شَيْخَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيث مَعَ كَوْنهمَا حَدَّثَاهُ بِهِ عَنْ هُشَيْم ; لِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمَا مُتَفَرِّقَيْنِ , وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّد بْن سِنَان مَعَ غَيْره فَلِهَذَا جَمَعَ فَقَالَ \" حَدَّثَنَا \" وَسَمِعَهُ مِنْ سَعِيد وَحْده فَلِهَذَا أَفْرَدَ فَقَالَ \" حَدَّثَنِي \". وَكَأَنَّ مُحَمَّدًا سَمِعَهُ مِنْ لَفْظ هُشَيْم فَلِهَذَا قَالَ \" حَدَّثَنَا \" وَكَأَنَّ سَعِيدًا قَرَأَهُ أَوْ سَمِعَهُ يَقْرَأ عَلَى هُشَيْم فَلِهَذَا قَالَ \" أَخْبَرَنَا \" وَمُرَاعَاة هَذَا كُلّه عَلَى سَبِيل الِاصْطِلَاح. ثُمَّ إِنَّ سِيَاق الْمَتْن لَفْظ سَعِيد , وَقَدْ ظَهَرَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيع الْبُخَارِيّ أَنَّهُ إِذَا أَوْرَدَ الْحَدِيث عَنْ غَيْر وَاحِد فَإِنَّ اللَّفْظ يَكُون لِلْأَخِيرِ وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا سَيَّار ) ‏ ‏بِمُهْمَلَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة مُشَدَّدَة وَآخِره رَاء , هُوَ أَبُو الْحَكَم الْعَنْزِيّ الْوَاسِطِيُّ الْبَصْرِيّ وَاسْم أَبِيهِ وَرْدَان عَلَى الْأَشْهَر , وَيُكَنَّى أَبَا سَيَّار , اِتَّفَقُوا عَلَى تَوْثِيق سَيَّار , وَأَخْرَجَ لَهُ الْأَئِمَّة السِّتَّة وَغَيْرهمْ , وَقَدْ أَدْرَكَ بَعْض الصَّحَابَة لَكِنْ لَمْ يَلْقَ أَحَدًا مِنْهُمْ فَهُوَ مِنْ كِبَار أَتْبَاع التَّابِعِينَ. وَلَهُمْ شَيْخ آخَر يُقَال لَهُ سَيَّار , لَكِنَّهُ تَابِعِيّ شَامِيّ أَخْرَجَ لَهُ التِّرْمِذِيّ وَذَكَرَهُ اِبْن حِبَّانَ فِي الثِّقَات , وَإِنَّمَا ذَكَرْتهُ ; لِأَنَّهُ رَوَى مَعْنَى حَدِيث الْبَاب عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَلَمْ يُنْسَب فِي الرِّوَايَة كَمَا لَمْ يُنْسَب سَيَّار فِي حَدِيث الْبَاب فَرُبَّمَا ظَنَّهُمَا بَعْض مِنْ لَا تَمْيِيز لَهُ وَاحِدًا فَيَظُنُّ أَنَّ فِي الْإِسْنَاد اِخْتِلَافًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَزِيد الْفَقِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن صُهَيْبٍ يُكَنَّى أَبَا عُثْمَان , تَابِعِيّ مَشْهُور , قِيلَ لَهُ الْفَقِير ; لِأَنَّهُ كَانَ يَشْكُو فَقَار ظَهْره وَلَمْ يَكُنْ فَقِيرًا مِنْ الْمَال. قَالَ صَاحِب الْمُحْكَم : رَجُل فَقِير مَكْسُور فَقَار الظَّهْر , وَيُقَال لَهُ فَقِّير بِالتَّشْدِيدِ أَيْضًا. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) ‏ ‏: مَدَار حَدِيث جَابِر هَذَا عَلَى هُشَيْم بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَلَهُ شَوَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَأَبِي مُوسَى وَأَبِي ذَرٍّ , مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه , رَوَاهَا كُلّهَا أَحْمَد بِأَسَانِيد حِسَان. ‏ ‏قَوْله : ( أُعْطِيت خَمْسًا ) ‏ ‏بَيَّنَ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك وَهِيَ آخِر غَزَوَات رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي ) ‏ ‏زَادَ فِي الصَّلَاة عَنْ مُحَمَّد بْن سِنَان \" مِنْ الْأَنْبِيَاء \" , وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" لَا أَقُولهُنَّ فَخْرًا \" وَمَفْهُومه أَنَّهُ لَمْ يَخْتَصَّ بِغَيْرِ الْخَمْس الْمَذْكُورَة , لَكِنْ رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" فُضِّلْت عَلَى الْأَنْبِيَاء بِسِتٍّ \" فَذَكَر أَرْبَعًا مِنْ هَذِهِ الْخَمْس وَزَادَ ثِنْتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدُ , وَطَرِيق الْجَمْع أَنْ يُقَال : لَعَلَّهُ اِطَّلَعَ أَوَّلًا عَلَى بَعْض مَا اِخْتَصَّ بِهِ ثُمَّ اِطَّلَعَ عَلَى الْبَاقِي , وَمَنْ لَا يَرَى مَفْهُوم الْعَدَد حُجَّةً يَدْفَع هَذَا الْإِشْكَال مِنْ أَصْله , وَظَاهِر الْحَدِيث يَقْتَضِي أَنَّ كُلّ وَاحِدَة مِنْ الْخَمْس الْمَذْكُورَات لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ قَبْله , وَهُوَ كَذَلِكَ , وَلَا يُعْتَرَض بِأَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى أَهْل الْأَرْض بَعْد الطُّوفَان ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا مَعَهُ وَقَدْ كَانَ مُرْسَلًا إِلَيْهِمْ ; لِأَنَّ هَذَا الْعُمُوم لَمْ يَكُنْ فِي أَصْل بَعْثَته وَإِنَّمَا اِتَّفَقَ بِالْحَادِثِ الَّذِي وَقَعَ وَهُوَ اِنْحِصَار الْخَلْق فِي الْمَوْجُودِينَ بَعْد هَلَاك سَائِر النَّاس , وَأَمَّا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعُمُوم رِسَالَته مِنْ أَصْل الْبَعْثَة فَثَبَتَ اِخْتِصَاصه بِذَلِكَ , وَأَمَّا قَوْل أَهْل الْمَوْقِف لِنُوح كَمَا صَحَّ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة \" أَنْتَ أَوَّل رَسُول إِلَى أَهْل الْأَرْض \" فَلَيْسَ الْمُرَاد بِهِ عُمُوم بَعْثَته بَلْ إِثْبَات أَوَّلِيَّة إِرْسَاله , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون مُرَادًا فَهُوَ مَخْصُوص بِتَنْصِيصِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي عِدَّة آيَاتٍ عَلَى أَنَّ إِرْسَال نُوح كَانَ إِلَى قَوْمه وَلَمْ يَذْكُر أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى غَيْرهمْ , وَاسْتَدَلَّ بَعْضهمْ لِعُمُومِ بَعْثَته بِكَوْنِهِ دَعَا عَلَى جَمِيع مَنْ فِي الْأَرْض فَأُهْلِكُوا بِالْغَرَقِ إِلَّا أَهْل السَّفِينَة , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا إِلَيْهِمْ لَمَا أُهْلِكُوا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ). وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَوَّلُ الرُّسُل , وَأُجِيب بِجَوَازِ أَنْ يَكُون غَيْره أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ فِي أَثْنَاء مُدَّة نُوح وَعَلِمَ نُوحٌ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَدَعَا عَلَى مَنْ لَمْ يُؤْمِن مِنْ قَوْمه وَمِنْ غَيْرهمْ فَأُجِيب. وَهَذَا جَوَابٌ حَسَنٌ , لَكِنْ لَمْ يُنْقَل أَنَّهُ نُبِّئَ فِي زَمَن نُوحٍ غَيْرُهُ. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَعْنَى الْخُصُوصِيَّة لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ بَقَاء شَرِيعَته إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَنُوحٌ وَغَيْره بِصَدَدِ أَنْ يُبْعَث نَبِيٌّ فِي زَمَانه أَوْ بَعْده فَيَنْسَخ بَعْض شَرِيعَته , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون دُعَاؤُهُ قَوْمه إِلَى التَّوْحِيد بَلَغَ بَقِيَّة النَّاس فَتَمَادَوْا عَلَى الشِّرْك فَاسْتَحَقُّوا الْعِقَاب , وَإِلَى هَذَا نَحَا اِبْن عَطِيَّة فِي تَفْسِير سُورَة هُود قَالَ : وَغَيْر مُمْكِن أَنْ تَكُون نُبُوَّته لَمْ تَبْلُغ الْقَرِيب وَالْبَعِيد لِطُولِ مُدَّته , وَوَجَّهَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد بِأَنَّ تَوْحِيد اللَّه تَعَالَى يَجُوز أَنْ يَكُون عَامًّا فِي حَقّ بَعْض الْأَنْبِيَاء وَإِنْ كَانَ اِلْتِزَام فُرُوع شَرِيعَته لَيْسَ عَامًّا ; لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَاتَلَ غَيْر قَوْمه عَلَى الشِّرْك , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ التَّوْحِيد لَازِمًا لَهُمْ لَمْ يُقَاتِلهُمْ. وَيُحْتَمَل أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْض عِنْد إِرْسَال نُوحٍ إِلَّا قَوْم نُوحٍ فَبَعْثَتُهُ خَاصَّةٌ لِكَوْنِهَا إِلَى قَوْمه فَقَطْ وَهِيَ عَامَّةٌ فِي الصُّورَة لِعَدَمِ وُجُود غَيْرهمْ , لَكِنْ لَوْ اِتَّفَقَ وُجُود غَيْرهمْ لَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا إِلَيْهِمْ. وَغَفَلَ الدَّاوُدِيّ الشَّارِح غَفْلَة عَظِيمَة فَقَالَ : قَوْله \" لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ \" يَعْنِي لَمْ تُجْمَع لِأَحَدٍ قَبْله ; لِأَنَّ نُوحًا بُعِثَ إِلَى كَافَّة النَّاس , وَأَمَّا الْأَرْبَع فَلَمْ يُعْطَ أَحَدٌ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ. وَكَأَنَّهُ نَظَرَ فِي أَوَّل الْحَدِيث وَغَفَلَ عَنْ آخِره ; لِأَنَّهُ نَصَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُصُوصِيَّته بِهَذِهِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ \" وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَث إِلَى قَوْمه خَاصَّة \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَكَانَ كُلّ نَبِيّ... إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْله : ( نُصِرْت بِالرُّعْبِ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو أُمَامَةَ \" يُقْذَفُ فِي قُلُوب أَعْدَائِي \" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. ‏ ‏قَوْله : ( مَسِيرَة شَهْر ) ‏ ‏مَفْهُومه أَنَّهُ لَمْ يُوجَد لِغَيْرِهِ النَّصْر بِالرُّعْبِ فِي هَذِهِ الْمُدَّة وَلَا فِي أَكْثَر مِنْهَا , أَمَّا مَا دُونهَا فَلَا , لَكِنَّ لَفْظ رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب \" وَنُصِرْت عَلَى الْعَدُوّ بِالرُّعْبِ وَلَوْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنهمْ مَسِيرَة شَهْر \" فَالظَّاهِر اِخْتِصَاصه بِهِ مُطْلَقًا , وَإِنَّمَا جَعَلَ الْغَايَة شَهْرًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْن بَلَده وَبَيْن أَحَدٍ مِنْ أَعْدَائِهِ أَكْثَر مِنْهُ , وَهَذِهِ الْخُصُوصِيَّة حَاصِلَةٌ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاق حَتَّى لَوْ كَانَ وَحْده بِغَيْرِ عَسْكَر , وَهَلْ هِيَ حَاصِلَة لِأُمَّتِهِ مِنْ بَعْده ؟ فِيهِ اِحْتِمَالٌ. ‏ ‏قَوْله : ( وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْض مَسْجِدًا ) ‏ ‏أَيْ مَوْضِع سُجُود , لَا يَخْتَصّ السُّجُود مِنْهَا بِمَوْضِعٍ دُون غَيْره , وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُون مَجَازًا عَنْ الْمَكَان الْمَبْنِيّ لِلصَّلَاةِ , وَهُوَ مِنْ مَجَاز التَّشْبِيه ; لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتْ الصَّلَاة فِي جَمِيعهَا كَانَتْ كَالْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ , قَالَ اِبْن التِّين : قِيلَ الْمُرَاد جُعِلَتْ لِي الْأَرْض مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَجُعِلَتْ لِغَيْرِي مَسْجِدًا وَلَمْ تُجْعَل لَهُ طَهُورًا ; لِأَنَّ عِيسَى كَانَ يَسِيح فِي الْأَرْض وَيُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ , كَذَا قَالَ. وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الدَّاوُدِيّ , وَقِيلَ إِنَّمَا أُبِيحَتْ لَهُمْ فِي مَوْضِع يَتَيَقَّنُونَ طَهَارَته , بِخِلَافِ هَذِهِ الْأُمَّة فَأُبِيحَ لَهَا فِي جَمِيع الْأَرْض إِلَّا فِيمَا تَيَقَّنُوا نَجَاسَته. وَالْأَظْهَر مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ أَنَّ مَنْ قَبْله إِنَّمَا أُبِيحَتْ لَهُمْ الصَّلَوَات فِي أَمَاكِن مَخْصُوصَة كَالْبِيَعِ وَالصَّوَامِع , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب بِلَفْظِ \" وَكَانَ مَنْ قَبْلِي إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسهمْ \". وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِع النِّزَاع فَثَبَتَتْ الْخُصُوصِيَّة , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس نَحْو حَدِيث الْبَاب وَفِيهِ \" وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْأَنْبِيَاء أَحَدٌ يُصَلِّي حَتَّى يَبْلُغ مِحْرَابه \". ‏ ‏قَوْله : ( وَطَهُورًا ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الطَّهُور هُوَ الْمُطَهِّر لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّ الطَّهُور لَوْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ الطَّاهِر لَمْ تَثْبُت الْخُصُوصِيَّة , وَالْحَدِيث إِنَّمَا سِيقَ لِإِثْبَاتِهَا. وَقَدْ رَوَى اِبْن الْمُنْذِر وَابْن الْجَارُود بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا \" جُعِلَتْ لِي كُلّ أَرْض طَيِّبَة مَسْجِدًا وَطَهُورًا \". وَمَعْنَى طَيِّبَة طَاهِرَة , فَلَوْ كَانَ مَعْنَى طَهُورًا طَاهِرًا لَلَزِمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِل , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّم يَرْفَع الْحَدَث كَالْمَاءِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي هَذَا الْوَصْف , وَفِيهِ نَظَرٌ. وَعَلَى أَنَّ التَّيَمُّم جَائِز بِجَمِيعِ أَجْزَاء الْأَرْض , وَقَدْ أَكَّدَ فِي رِوَايَة أَبِي أُمَامَةَ بِقَوْلِهِ \" وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْض كُلّهَا وَلِأُمَّتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا \". وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَيُّمَا رَجُلٍ ) ‏ ‏أَيْ مُبْتَدَأ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْط , و \" مَا \" زَائِدَة لِلتَّأْكِيدِ , وَهَذِهِ صِيغَة عُمُوم يَدْخُل تَحْتهَا مَنْ لَمْ يَجِد مَاء وَلَا تُرَابًا وَوَجَدَ شَيْئًا مِنْ أَجْزَاء الْأَرْض فَإِنَّهُ يَتَيَمَّم بِهِ , وَلَا يُقَال هُوَ خَاصّ بِالصَّلَاةِ ; لِأَنَّا نَقُول : لَفْظ حَدِيث جَابِر مُخْتَصَر , وَفِي رِوَايَة أَبِي أُمَامَةَ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ \" فَأَيُّمَا رَجُل مِنْ أُمَّتِي أَتَى الصَّلَاة فَلَمْ يَجِد مَاء وَجَدَ الْأَرْض طَهُورًا وَمَسْجِدًا \" وَعِنْد أَحْمَد \" فَعِنْده طَهُورُهُ وَمَسْجِدُهُ \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب \" فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَمَسَّحْت وَصَلَّيْت \" وَاحْتَجَّ مَنْ خَصَّ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ بِحَدِيثِ حُذَيْفَة عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْض كُلّهَا مَسْجِدًا , وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِد الْمَاء \". وَهَذَا خَاصّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل الْعَامّ عَلَيْهِ فَتَخْتَصّ الطَّهُورِيَّة بِالتُّرَابِ , وَدَلَّ الِافْتِرَاق فِي اللَّفْظ حَيْثُ حَصَلَ التَّأْكِيد فِي جَعْلهَا مَسْجِدًا دُون الْآخَر عَلَى اِفْتِرَاق الْحُكْم وَإِلَّا لَعُطِفَ أَحَدهمَا عَلَى الْآخَر نَسَقًا كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب. وَمَنَعَ بَعْضهمْ الِاسْتِدْلَال بِلَفْظِ \" التُّرْبَة \" عَلَى خُصُوصِيَّة التَّيَمُّم بِالتُّرَابِ بِأَنْ قَالَ : تُرْبَة كُلّ مَكَان مَا فِيهِ مِنْ تُرَاب أَوْ غَيْره. وَأُجِيب بِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور بِلَفْظِ \" التُّرَاب \" أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره. وَفِي حَدِيث عَلِيٍّ \" وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَن , وَيُقَوِّي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ خَاصّ بِالتُّرَابِ أَنَّ الْحَدِيث سِيقَ لِإِظْهَارِ التَّشْرِيف وَالتَّخْصِيص , فَلَوْ كَانَ جَائِزًا بِغَيْرِ التُّرَاب لَمَا اُقْتُصِرَ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيُصَلِّ ) ‏ ‏عُرِفَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَاد فَلْيُصَلِّ بَعْدَ أَنْ يَتَيَمَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِم ) ‏ ‏وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ الْمَغَانِم وَهِيَ رِوَايَة مُسْلِم , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانَ مَنْ تَقَدَّمَ عَلَى ضَرْبَيْنِ , مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُؤْذَن لَهُ فِي الْجِهَاد فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ مَغَانِم , وَمِنْهُمْ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ لَكِنْ كَانُوا إِذَا غَنِمُوا شَيْئًا لَمْ يَحِلّ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوهُ وَجَاءَتْ نَار فَأَحْرَقَتْهُ. وَقِيلَ : الْمُرَاد أَنَّهُ خُصّ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْغَنِيمَة يَصْرِفهَا كَيْف يَشَاء , وَالْأَوَّل أَصْوَب وَهُوَ أَنَّ مَنْ مَضَى لَمْ تَحِلّ لَهُمْ الْغَنَائِم أَصْلًا , وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي الْجِهَاد. ‏ ‏قَوْله : ( وَأُعْطِيت الشَّفَاعَة ) ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الْأَقْرَب أَنَّ اللَّام فِيهَا لِلْعَهْدِ , وَالْمُرَاد الشَّفَاعَة الْعُظْمَى فِي إِرَاحَة النَّاس مِنْ هَوْل الْمَوْقِف , وَلَا خِلَاف فِي وُقُوعهَا. وَكَذَا جَزَمَ النَّوَوِيّ وَغَيْره. وَقِيلَ الشَّفَاعَة الَّتِي اِخْتَصَّ بِهَا أَنَّهُ لَا يُرَدُّ فِيمَا يَسْأَلُ. وَقِيلَ الشَّفَاعَة لِخُرُوجِ مَنْ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ إِيمَان ; لِأَنَّ شَفَاعَة غَيْره تَقَع فِيمَنْ فِي قَلْبه أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , قَالَهُ عِيَاض. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ هَذِهِ مُرَادَة مَعَ الْأُولَى ; لِأَنَّهُ يَتْبَعهَا بِهَا كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا فِي حَدِيث الشَّفَاعَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي كِتَاب الرِّقَاق. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْث : يُحْتَمَل أَنَّ الشَّفَاعَة الَّتِي يَخْتَصّ بِهَا أَنَّهُ يَشْفَع لِأَهْلِ الصَّغَائِر وَالْكَبَائِر , وَغَيْره إِنَّمَا يَشْفَع لِأَهْلِ الصَّغَائِر دُون الْكَبَائِر. ‏ ‏وَنَقَلَ عِيَاض أَنَّ الشَّفَاعَة الْمُخْتَصَّة بِهِ شَفَاعَة لَا تُرَدُّ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" وَأُعْطِيت الشَّفَاعَة فَأَخَّرْتهَا لِأُمَّتِي , فَهِيَ لِمَنْ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا \" وَفِي حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب \" فَهِيَ لَكُمْ وَلِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ \" فَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِالشَّفَاعَةِ الْمُخْتَصَّة فِي هَذَا الْحَدِيث إِخْرَاج مَنْ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ إِلَّا التَّوْحِيد , وَهُوَ مُخْتَصّ أَيْضًا بِالشَّفَاعَةِ الْأُولَى , لَكِنْ جَاءَ التَّنْوِيه بِذِكْرِ هَذِهِ ; لِأَنَّهَا غَايَة الْمَطْلُوب مِنْ تِلْكَ لِاقْتِضَائِهَا الرَّاحَة الْمُسْتَمِرَّة , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَقَدْ ثَبَتَتْ هَذِهِ الشَّفَاعَة فِي رِوَايَة الْحَسَن عَنْ أَنَس كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب التَّوْحِيد \" ثُمَّ أَرْجِع إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَة فَأَقُول : يَا رَبّ اِئْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , فَيَقُول : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ \" وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم قَبْل قَوْله \" وَعِزَّتِي \" فَيَقُول \" لَيْسَ ذَلِكَ لَك , وَعِزَّتِي.. إِلَخْ ; لِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يُبَاشِر الْإِخْرَاج كَمَا فِي الْمَرَّات الْمَاضِيَة , بَلْ كَانَتْ شَفَاعَته سَبَبًا فِي ذَلِكَ فِي الْجُمْلَة. وَاللَّهُ أَعْلَم. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى قَوْله \" وَكَانَ النَّبِيّ يُبْعَث إِلَى قَوْمه خَاصَّة \" فِي أَوَائِل الْبَاب. وَأَمَّا قَوْله \" وَبُعِثْت إِلَى النَّاس عَامَّة \" فَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَبُعِثْت إِلَى كُلّ أَحْمَر وَأَسْوَد \" فَقِيلَ الْمُرَاد بِالْأَحْمَرِ الْعَجَم وَبِالْأَسْوَدِ الْعَرَب , وَقِيلَ الْأَحْمَر الْإِنْس وَالْأَسْوَد الْجِنّ , وَعَلَى الْأَوَّل التَّنْصِيص عَلَى الْإِنْس مِنْ بَاب التَّنْبِيه بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى ; لِأَنَّهُ مُرْسَل إِلَى الْجَمِيع , وَأَصْرَحُ الرِّوَايَات فِي ذَلِكَ وَأَشْمَلُهَا رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" وَأُرْسِلْت إِلَى الْخَلْق كَافَّة \". ‏ ‏( تَكْمِيلٌ ) : ‏ ‏أَوَّل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هَذَا \" فُضِّلْت عَلَى الْأَنْبِيَاء بِسِتٍّ \" فَذَكَر الْخَمْس الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث جَابِر إِلَّا الشَّفَاعَة وَزَادَ خَصْلَتَيْنِ وَهُمَا \" وَأُعْطِيت جَوَامِع الْكَلِم , وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ \" فَتَحْصُل مِنْهُ. وَمِنْ حَدِيث جَابِر سَبْع خِصَال. وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة \" فُضِّلْنَا عَلَى النَّاس بِثَلَاثِ خِصَال : جُعِلَتْ صُفُوفنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَة \" وَذَكَرَ خَصْلَة الْأَرْض كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ : وَذَكَرَ خَصْلَة أُخْرَى , وَهَذِهِ الْخَصْلَة الْمُبْهَمَة بَيَّنَهَا اِبْن خُزَيْمَةَ وَالنَّسَائِيُّ وَهِيَ \" وَأُعْطِيت هَذِهِ الْآيَات مِنْ آخِر سُورَة الْبَقَرَة مِنْ كَنْز تَحْت الْعَرْش \". يُشِير إِلَى مَا حَطَّهُ اللَّهُ عَنْ أُمَّته مِنْ الْإِصْر وَتَحْمِيل مَا لَا طَاقَة لَهُمْ بِهِ , وَرَفْع الْخَطَأ وَالنِّسْيَان , فَصَارَتْ الْخِصَال تِسْعًا. وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث عَلِيٍّ \" أُعْطِيت أَرْبَعًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَد مِنْ أَنْبِيَاء اللَّه : أُعْطِيت مَفَاتِيح الْأَرْض , وَسُمِّيت أَحْمَد , وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْر الْأُمَم \" وَذَكَرَ خَصْلَة التُّرَاب فَصَارَتْ الْخِصَال اِثْنَتَيْ عَشْرَة خَصْلَة , وَعِنْد الْبَزَّار مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" فُضِّلْت عَلَى الْأَنْبِيَاء بِسِتٍّ : غُفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْر الْأُمَم , وَأُعْطِيت الْكَوْثَر , وَإِنَّ صَاحِبكُمْ لَصَاحِبُ لِوَاء الْحَمْد يَوْم الْقِيَامَة تَحْته آدَم فَمَنْ دُونه \" وَذَكَرَ ثِنْتَيْنِ مِمَّا تَقَدَّمَ. وَلَهُ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" فُضِّلْت عَلَى الْأَنْبِيَاء بِخَصْلَتَيْنِ : كَانَ شَيْطَانِي كَافِرًا فَأَعَانَنِي اللَّه عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ \" قَالَ وَنَسِيت الْأُخْرَى. قُلْت : فَيَنْتَظِم بِهَذَا سَبْع عَشْرَة خَصْلَة. وَيُمْكِنُ أَنْ يُوجَد أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ لِمَنْ أَمْعَنَ التَّتَبُّع. وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرِيق الْجَمْع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات , وَأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ فِيهَا. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو سَعِيد النَّيْسَابُورِيّ فِي كِتَاب شَرَف الْمُصْطَفَى أَنَّ عَدَد الَّذِي اِخْتَصَّ بِهِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْأَنْبِيَاء سِتُّونَ خَصْلَة. وَفِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ مَشْرُوعِيَّة تَعْدِيد نِعَمِ اللَّه , وَإِلْقَاء الْعِلْم قَبْل السُّؤَال , وَأَنَّ الْأَصْل فِي الْأَرْض الطَّهَارَة , وَأَنَّ صِحَّة الصَّلَاة لَا تَخْتَصّ بِالْمَسْجِدِ الْمَبْنِيّ لِذَلِكَ. وَأَمَّا حَدِيث \" لَا صَلَاة لِجَارِ الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد \" فَضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيث جَابِر. وَاسْتَدَلَّ بِهِ صَاحِب الْمَبْسُوط مِنْ الْحَنَفِيَّة عَلَى إِظْهَار كَرَامَة الْآدَمِيّ وَقَالَ : لِأَنَّ الْآدَمِيّ خُلِقَ مِنْ مَاء وَتُرَاب , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طَهُور , فَفِي ذَلِكَ بَيَان كَرَامَته , وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "324",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏قِلَادَةً فَهَلَكَتْ ‏ ‏فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلًا فَوَجَدَهَا فَأَدْرَكَتْهُمْ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ ‏آيَةَ التَّيَمُّمِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكِ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع الرِّوَايَات غَيْر مَنْسُوب , وَكَذَا فِي قِصَّة سَعْد بْن مُعَاذ فَإِنَّهُ أَوْرَدَهَا فِي الصَّلَاة وَالْهِجْرَة وَالْمَغَازِي بِهَذَا الْإِسْنَاد عَنْهُ وَلَمْ يَنْسُبهُ , وَأَعَادَهُ فِي التَّفْسِير تَامًّا , وَمِثْله فِي الصَّلَاة حَدِيث \" مُرُوا أَبَا بَكْر أَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ \" وَكَذَا سَبَقَ فِي \" بَاب خُرُوج النِّسَاء إِلَى الْبَرَاز \" لَكِنْ مِنْ رِوَايَته عَنْ أَبِي أُسَامَة لَا عَنْ عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر , وَأَعَادَهُ فِي التَّفْسِير تَامًّا , وَمِثْله فِي التَّفْسِير حَدِيث عَائِشَة \" كُنْت أَغَارَ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسهنَّ \" وَفِي صِفَة إِبْلِيس حَدِيث \" لَمَّا كَانَ يَوْم أُحُد اِنْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ \" الْحَدِيث. وَجَزَمَ الْكَلَابَاذِيّ بِأَنَّهُ اللُّؤْلُئِيّ الْبَلْخِيّ , وَقَالَ اِبْن عَدِيٍّ : هُوَ زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة , وَإِلَى هَذَا مَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ ; لِأَنَّهُ كُوفِيّ , وَكَذَا الشَّيْخَانِ الْمَذْكُورَانِ عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر وَأَبُو أُسَامَة , وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ فِي الْعِيدَيْنِ عَنْ زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى عَنْ الْمُحَارِبِيّ لَكِنْ قَالَ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى أَبُو السُّكَيْن فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون هُوَ الْمُهْمَل فِي الْمَوَاضِع الْأُخْرَى ; لِأَنَّهُ كُوفِيّ وَشَيْخه كُوفِيّ أَيْضًا. وَقَدْ ذَكَرَ الْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيب أَنَّهُ رَوَى عَنْ اِبْن نُمَيْر وَأَبِي أُسَامَة أَيْضًا , وَجَزَمَ صَاحِب الزَّهْرَة بِأَنَّ الْبُخَارِيّ رَوَى عَنْ أَبِي السُّكَيْن أَرْبَعَة أَحَادِيث , وَهُوَ مَصِير مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ الْمُرَاد كَمَا جَوَّزْنَاهُ , وَإِلَى ذَلِكَ مَالَ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ فِي رِجَال الْبُخَارِيّ. وَاللَّهُ أَعْلَم ‏ ‏قَوْله : ( وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاء فَصَلَّوْا ) ‏ ‏زَادَ الْحَسَن بْن سُفْيَان فِي مُسْنَده عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ أَبِيهِ \" فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوء \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيقه , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن نُمَيْر , وَكَذَا لِلْمُصَنِّف فِي فَضْل عَائِشَة مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة , وَفِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق عَبْدَة بْن سُلَيْمَان كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة , وَأَغْرَبَ اِبْن الْمُنْذِر فَادَّعَى أَنَّ عَبْدَة تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَة. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِث الْحَدِيث وَطَرِيق الْجَمْع بَيْن رِوَايَة عُرْوَة وَالْقَاسِم فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏"
    },
    {
        "id": "325",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَيْرًا ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقْبَلْتُ أَنَا ‏ ‏وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى ‏ ‏أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو الْجُهَيْمِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏أَقْبَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ نَحْوِ ‏ ‏بِئْرِ جَمَلٍ ‏ ‏فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ‏ ‏فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ جَعْفَر بْن رَبِيعَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَدَّثَنِي جَعْفَر \" , وَنِصْفُ هَذَا الْإِسْنَاد مِصْرِيُّونَ وَنِصْفُهُ الْأَعْلَى مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت عُمَيْرًا مَوْلَى اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْهِلَالِيّ مَوْلَى أُمّ الْفَضْل بِنْت الْحَارِث وَالِدَة اِبْن عَبَّاس , وَقَدْ رَوَى اِبْن إِسْحَاق هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ \" مَوْلَى عُبَيْد اللَّه بْن عَبَّاس \" , وَإِذَا كَانَ مَوْلَى أُمّ الْفَضْل فَهُوَ مَوْلَى أَوْلَادهَا. وَرَوَى مُوسَى بْن عُقْبَة وَابْن لَهِيعَة وَأَبُو الْحُوَيْرِث هَذَا الْحَدِيث عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي الْجُهَيْمِ وَلَمْ يَذْكُرُوا بَيْنهمَا عُمَيْرًا وَالصَّوَاب إِثْبَاته , وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح غَيْر هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيث آخَر عَنْ أُمّ الْفَضْل , وَرِوَايَة الْأَعْرَج عَنْهُ مِنْ رِوَايَة الْأَقْرَان. ‏ ‏قَوْله : ( أَقْبَلْت أَنَا وَعَبْد اللَّه بْن يَسَار ) ‏ ‏هُوَ أَخُو عَطَاء بْن يَسَار التَّابِعِيّ الْمَشْهُور , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي هَذَا الْحَدِيث \" عَبْد الرَّحْمَن بْن يَسَار \" وَهُوَ وَهْمٌ , وَلَيْسَ لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيث رِوَايَة , وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرهُ الْمُصَنِّفُونَ فِي رِجَال الصَّحِيحَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى أَبِي جُهَيْم ) ‏ ‏قِيلَ اِسْمه عَبْد اللَّه , وَحَكَى اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ أَبِيهِ قَالَ : يُقَال هُوَ الْحَارِث اِبْن الصِّمَّة , فَعَلَى هَذَا لَفْظَة \" اِبْن \" زَائِدَة بَيْن أَبِي جُهَيْم وَالْحَارِث , لَكِنْ صَحَّحَ أَبُو حَاتِم أَنَّ الْحَارِث اِسْم أَبِيهِ لَا اِسْمه , وَفَرَّقَ اِبْن أَبِي حَاتِم بَيْنه وَبَيْن عَبْد اللَّه بْن جُهَيْم يُكَنَّى أَيْضًا أَبَا جُهَيْم , وَقَالَ اِبْن مَنْدَهْ \" عَبْد اللَّه بْنُ جُهَيْم بْن الْحَارِث بْن الصِّمَّة \" فَجَعَلَ الْحَارِث اِسْم جَدّه , وَلَمْ يُوَافِق عَلَيْهِ , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَع الْأَقْوَال الْمُخْتَلِفَة فِيهِ. وَالصِّمَّة بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمِيم هُوَ اِبْن عَمْرو بْن عَتِيك الْخَزْرَجِيّ , وَوَقَعَ فِي مُسْلِم \" دَخَلْنَا عَلَى أَبِي الْجَهْم \" بِإِسْكَانِ الْهَاء وَالصَّوَاب أَنَّهُ بِالتَّصْغِيرِ , وَفِي الصَّحَابَة شَخْص آخَر يُقَال لَهُ أَبُو الْجَهْم وَهُوَ صَاحِب الْإِنْبِجَانِيَّة , وَهُوَ غَيْر هَذَا ; لِأَنَّهُ قُرَشِيّ وَهَذَا أَنْصَارِيّ , وَيُقَال بِحَذْفِ الْأَلِف وَاللَّام فِي كُلّ مِنْهُمَا وَبِإِثْبَاتِهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ نَحْو بِئْر جَمَل ) ‏ ‏أَيْ مِنْ جِهَة الْمَوْضِع الَّذِي يُعْرَفُ بِذَاكَ , وَهُوَ مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ , وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَالْمِيم , وَفِي النَّسَائِيِّ بِئْر الْجَمَل وَهُوَ مِنْ الْعَقِيق. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَقِيَهُ رَجُل ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الْجُهَيْمِ الرَّاوِي , بَيَّنَهُ الشَّافِعِيّ فِي رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق أَبِي الْحُوَيْرِث عَنْ الْأَعْرَج. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَار ) ‏ ‏وَلِلدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق عَنْ الْأَعْرَج \" حَتَّى وَضَعَ يَده عَلَى الْجِدَار \" وَزَادَ الشَّافِعِيّ \" فَحَتَّهُ بِعَصًا \" , وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْجِدَار كَانَ مُبَاحًا , أَوْ مَمْلُوكًا لِإِنْسَانٍ يَعْرِف رِضَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ) ‏ ‏وَلِلدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ اللَّيْث \" فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَذِرَاعَيْهِ \" كَذَا لِلشَّافِعِيِّ مِنْ رِوَايَة أَبِي الْحُوَيْرِث , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , لَكِنْ خَطَّأَ الْحُفَّاظُ رِوَايَتَهُ فِي رَفْعِهِ وَصَوَّبُوا وَقْفَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَالِكًا أَخْرَجَهُ مَوْقُوفًا بِمَعْنَاهُ وَهُوَ الصَّحِيح , وَالثَّابِت فِي حَدِيث أَبِي جُهَيْم أَيْضًا بِلَفْظِ \" يَدَيْهِ \" لَا ذِرَاعَيْهِ فَإِنَّهَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ مَعَ مَا فِي أَبِي الْحُوَيْرِث وَأَبِي صَالِح مِنْ الضَّعْف , وَسَيَأْتِي ذِكْر الْخِلَاف فِي إِيجَاب مَسْح الذِّرَاعَيْنِ بَعْدُ بِبَابٍ وَاحِد , قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا الْحَدِيث مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَادِمًا لِلْمَاءِ حَال التَّيَمُّم. قَالَ : وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيع الْبُخَارِيّ , لَكِنْ تُعُقِّبَ اِسْتِدْلَالُهُ بِهِ عَلَى جَوَاز التَّيَمُّم فِي الْحَضَر بِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبَب , وَهُوَ إِرَادَة ذِكْر اللَّه ; لِأَنَّ لَفْظ السَّلَام مِنْ أَسْمَائِهِ , وَمَا أُرِيدَ بِهِ اِسْتِبَاحَة الصَّلَاة. وَأُجِيب بِأَنَّهُ لَمَّا تَيَمَّمَ فِي الْحَضَر لِرَدِّ السَّلَام - مَعَ جَوَازه بِدُونِ الطَّهَارَة - فَمَنْ خَشِيَ فَوْت الصَّلَاة فِي الْحَضَر جَازَ لَهُ التَّيَمُّم بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِعَدَمِ جَوَاز الصَّلَاة بِغَيْرِ طَهَارَة مَعَ الْقُدْرَة , وَقِيلَ يُحْتَمَل أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ التَّيَمُّم رَفْع الْحَدَث , وَلَا اِسْتِبَاحَة مَحْظُور , وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّشَبُّه بِالْمُتَطَهِّرِينَ كَمَا يُشْرَع الْإِمْسَاك فِي رَمَضَان لِمَنْ يُبَاح لَهُ الْفِطْر , أَوْ أَرَادَ تَخْفِيف الْحَدَث بِالتَّيَمُّمِ كَمَا يُشْرَع تَخْفِيف حَدَث الْجُنُب بِالْوُضُوءِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن بَطَّالٍ عَلَى عَدَم اِشْتِرَاط التُّرَاب قَالَ : ; لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنَّهُ لَمْ يَعْلَق بِيَدِهِ مِنْ الْجِدَار تُرَابٌ , وَنُوقِضَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُوم بَلْ هُوَ مُحْتَمَل , وَقَدْ سِيقَ مِنْ رِوَايَة الشَّافِعِيّ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْجِدَار تُرَابٌ , وَلِهَذَا اِحْتَاجَ إِلَى حَتِّهِ بِالْعَصَا. ‏"
    },
    {
        "id": "326",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ذَرٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَقَالَ إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبْ الْمَاءَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ‏ ‏لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ وَأَمَّا أَنَا ‏ ‏فَتَمَعَّكْتُ ‏ ‏فَصَلَّيْتُ فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا فَضَرَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحَكَمُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُتَيْبَة. الْفَقِيه الْكُوفِيّ , وَذَرّ بِالْمُعْجَمَةِ هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه المرهبي. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَته , وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ أَنَّهُ مِنْ أَهْل الْبَادِيَة , وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْنِ حَرْب الْآتِيَة أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى شَهِدَ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ أُصِبْ الْمَاء , فَقَالَ عَمَّار ) ‏ ‏هَذِهِ الرِّوَايَة اِخْتَصَرَ فِيهَا جَوَاب عُمَر , وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْمُصَنِّف , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق آدَم أَيْضًا بِدُونِهَا , وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه مِنْ رِوَايَة سِتَّة أَنْفُس أَيْضًا عَنْ شُعْبَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَلَمْ يَسُقْهُ تَامًّا مِنْ رِوَايَة وَاحِد مِنْهُمْ , نَعَمْ ذَكَرَ جَوَاب عُمَر مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد , وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن مُحَمَّد كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَة وَلَفْظهمَا \" فَقَالَ لَا تُصَلِّ \" زَادَ السَّرَّاج \" حَتَّى تَجِد الْمَاء \" وَلِلنَّسَائِيِّ نَحْوُهُ. وَهَذَا مَذْهَبٌ مَشْهُورٌ عَنْ عُمَر , وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , وَجَرَتْ فِيهِ مُنَاظَرَة بَيْن أَبِي مُوسَى وَابْن مَسْعُود كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب التَّيَمُّم ضَرْبَةٌ \" , وَقِيلَ إِنَّ اِبْن مَسْعُود رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ , وَسَنَذْكُرُ هُنَاكَ تَوْجِيه مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عُمَر فِي ذَلِكَ وَالْجَوَاب عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي سَفَر ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ \" فِي سَرِيَّة \" وَزَادَ \" فَأَجْنَبْنَا \" وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِثْله فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ شُعْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَمَعَّكْت ) ‏ ‏وَفِي الرِّوَايَة الْآتِيَة بَعْدُ \" فَتَمَرَّغْت \" بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة أَيْ تَقَلَّبْت , وَكَأَنَّ عَمَّارًا اِسْتَعْمَلَ الْقِيَاس فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة ; لِأَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ التَّيَمُّم إِذَا وَقَعَ بَدَل الْوُضُوء وَقَعَ عَلَى هَيْئَة الْوُضُوء رَأَى أَنَّ التَّيَمُّم عَنْ الْغُسْل يَقَع عَلَى هَيْئَة الْغُسْل. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيث وُقُوعُ اِجْتِهَاد الصَّحَابَة فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّ الْمُجْتَهِد لَا لَوْمَ عَلَيْهِ إِذَا بَذَلَ وُسْعَهُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْ الْحَقّ , وَأَنَّهُ إِذَا عَمِلَ بِالِاجْتِهَادِ لَا تَجِب عَلَيْهِ الْإِعَادَة , وَفِي تَرْكه أَمْر عُمَر أَيْضًا بِقَضَائِهَا مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ فَاقِد الطَّهُورَيْنِ لَا يُصَلِّي وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك ) ‏ ‏فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِب فِي التَّيَمُّم هِيَ الصِّفَة الْمَشْرُوحَة فِي هَذَا الْحَدِيث , وَالزِّيَادَة عَلَى ذَلِكَ لَوْ ثَبَتَتْ بِالْأَمْرِ دَلَّتْ عَلَى النَّسْخ وَلَزِمَ قَبُولهَا , لَكِنْ إِنَّمَا وَرَدَتْ بِالْفِعْلِ فَتُحْمَلُ عَلَى الْأَكْمَل , وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَر مِنْ حَيْثُ الدَّلِيل كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْض ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرٍّ فَضَرَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَا لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق آدَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَفَخَ فِيهِمَا ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة حَجَّاج الْآتِيَة \" ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ \" وَهِيَ كِنَايَة عَنْ النَّفْخ , وَفِيهَا إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ كَانَ نَفْخًا خَفِيفًا , وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن حَرْب \" تَفَلَ فِيهِمَا \" وَالتَّفْل قَالَ أَهْل اللُّغَة : هُوَ دُون الْبَزْق , وَالنَّفْث دُونه. وَسِيَاق هَؤُلَاءِ يَدُلّ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيم وَقَعَ بِالْفِعْلِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن هَارُون وَغَيْره - كُلّهمْ عَنْ شُعْبَة - أَنَّ التَّعْلِيم وَقَعَ بِالْقَوْلِ , وَلَفْظهمْ \" إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَنْ تَضْرِب بِيَدَيْك الْأَرْض \" زَادَ يَحْيَى \" ثُمَّ تَنْفُخ ثُمَّ تَمْسَح بِهِمَا وَجْهك وَكَفَّيْك \" وَاسْتُدِلَّ بِالنَّفْخِ عَلَى اِسْتِحْبَاب تَخْفِيف التُّرَاب كَمَا تَقَدَّمَ , وَعَلَى سُقُوط اِسْتِحْبَاب التَّكْرَار فِي التَّيَمُّم ; لِأَنَّ التَّكْرَار يَسْتَلْزِم عَدَم التَّخْفِيف , وَعَلَى أَنَّ مَنْ غَسَلَ رَأْسه بَدَل الْمَسْح فِي الْوُضُوء أَجْزَأَهُ أَخْذًا مِنْ كَوْن عَمَّار تَمَرَّغَ فِي التُّرَاب لِلتَّيَمُّمِ وَأَجْزَأَهُ ذَلِكَ , وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذ جَوَاز الزِّيَادَة عَلَى الضَّرْبَتَيْنِ فِي التَّيَمُّم , وَسُقُوط إِيجَاب التَّرْتِيب فِي التَّيَمُّم عَنْ الْجَنَابَة. ‏"
    },
    {
        "id": "327",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ذَرٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمَّارٌ ‏ ‏بِهَذَا وَضَرَبَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ‏ ‏ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ذَرًّا ‏ ‏يَقُولُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ ‏ ‏ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَمَّارٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا حَجَّاج ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مِنْهَال , وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ شُعْبَة بِغَيْرِ هَذَا السِّيَاق , وَلَمْ يَسْمَع الْبُخَارِيّ مِنْ حَجَّاج بْن مُحَمَّد , وَتَابَعَهُ عَلَى هَذَا السِّيَاق عَنْ حَجَّاج بْنِ مِنْهَال عَلِيُّ بْن عَبْد الْعَزِيز الْبَغَوِيُّ أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُنْذِر وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ , وَخَالَفَهُمَا مُحَمَّد بْن خُزَيْمَةَ الْبَصْرِيّ عَنْهُ فَقَالَ \" عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ \" أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ. قُلْت : سَقَطَتْ مِنْ رِوَايَته لَفْظَة \" اِبْن \" وَلَا بُدّ مِنْهَا ; لِأَنَّ أَبْزَى وَالِد عَبْد الرَّحْمَن لَا رِوَايَة لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيث. وَاللَّهُ أَعْلَم ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْحَكَم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَالْأَصِيلِيّ \" أَخْبَرَنِي الْحَكَم \" وَهِيَ رِوَايَة اِبْن الْمُنْذِر أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي الْوَقْت \" عَنْ سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن \". ‏ ‏قَوْله : ( بِهَذَا ) ‏ ‏أَشَارَ إِلَى سِيَاق الْمَتْن الَّذِي قَبْله مِنْ رِوَايَة آدَم عَنْ شُعْبَة وَهُوَ كَذَلِكَ , إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَة حَجَّاج قِصَّة عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ النَّضْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شُمَيْلٍ , وَهَذَا التَّعْلِيق مَوْصُول عِنْد مُسْلِم عَنْ إِسْحَاق بْن مَنْصُور عَنْ النَّضْر , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْهُ وَأَفَادَ النَّضْر فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ الْحَكَم سَمِعَهُ مِنْ شَيْخ شَيْخه سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَالظَّاهِر أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ ذَرّ عَنْ سَعِيد ثُمَّ لَقِيَ سَعِيدًا فَأَخَذَهُ عَنْهُ , وَكَأَنَّ سَمَاعه لَهُ مِنْ ذَرٍّ كَانَ أَتْقَنَ وَلِهَذَا أَكْثَر مَا يَجِيءُ فِي الرِّوَايَات بِإِثْبَاتِهِ , وَأَفَادَتْ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن حَرْب أَنَّ عُمَر أَيْضًا كَانَ قَدْ أَجْنَب فَلِهَذَا خَالَفَ اِجْتِهَاده اِجْتِهَاد عَمَّار. ‏"
    },
    {
        "id": "328",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ذَرٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ شَهِدَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏وَقَالَ لَهُ ‏ ‏عَمَّارٌ ‏ ‏كُنَّا فِي ‏ ‏سَرِيَّةٍ ‏ ‏فَأَجْنَبْنَا وَقَالَ ‏ ‏تَفَلَ ‏ ‏فِيهِمَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "329",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ذَرٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَمَّارٌ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏تَمَعَّكْتُ ‏ ‏فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَكْفِيكَ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ذَرٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ‏ ‏قَالَ شَهِدْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عَمَّارٌ ‏ ‏وَسَاقَ الْحَدِيثَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَثِير ( يَكْفِيك الْوَجْه وَالْكَفَّانِ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَغَيْره بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى الْفَاعِلِيَّة وَهُوَ وَاضِحٌ , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَة \" يَكْفِيك الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ \" بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الْمَفْعُولِيَّة إِمَّا بِإِضْمَارِ أَعْنِي أَوْ التَّقْدِير يَكْفِيك أَنْ تَمْسَح الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ , أَوْ بِالرَّفْعِ فِي الْوَجْه عَلَى الْفَاعِلِيَّة وَبِالنَّصْبِ فِي الْكَفَّيْنِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول مَعَهُ , وَقِيلَ إِنَّهُ رُوِيَ بِالْجَرِّ فِيهِمَا وَوَجَّهَهُ اِبْن مَالِك بِأَنَّ الْأَصْل يَكْفِيك مَسْح الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ فَحَذَفَ الْمُضَاف وَبَقِيَ الْمَجْرُور بِهِ عَلَى مَا كَانَ , وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا اللَّفْظ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْكَفَّيْنِ لَيْسَ بِفَرْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَابْن جَرِير وَابْن الْمُنْذِر وَابْن خُزَيْمَةَ , وَنَقَلَهُ اِبْن الْجَهْم وَغَيْره عَنْ مَالِك , وَنَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَصْحَاب الْحَدِيث وَقَالَ النَّوَوِيّ : رَوَاهُ أَبُو ثَوْر وَغَيْره عَنْ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم , وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْمَاوَرْدِيّ وَغَيْره. قَالَ : وَهُوَ إِنْكَار مَرْدُود ; لِأَنَّ أَبَا ثَوْر إِمَام ثِقَة. قَالَ : وَهَذَا الْقَوْل وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا فَهُوَ الْقَوِيّ فِي الدَّلِيل. اِنْتَهَى كَلَامه فِي شَرْح الْمُهَذَّب. وَقَالَ فِي شَرْح مُسْلِم فِي الْجَوَاب عَنْ هَذَا الْحَدِيث : إِنَّ الْمُرَاد بِهِ بَيَان صُورَة الضَّرْب لِلتَّعْلِيمِ , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِهِ بَيَان جَمِيع مَا يَحْصُل بِهِ التَّيَمُّم. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سِيَاق الْقِصَّة يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ بَيَان جَمِيع ذَلِكَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الظَّاهِر مِنْ قَوْله \" إِنَّمَا يَكْفِيك \" ; وَأَمَّا مَا اِسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ اِشْتِرَاط بُلُوغ الْمَسْح إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ مُشْتَرَط فِي الْوُضُوء فَجَوَابه أَنَّهُ قِيَاس فِي مُقَابَلَة النَّصّ , فَهُوَ فَاسِد الِاعْتِبَار وَقَدْ عَارَضَهُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِط ذَلِكَ بِقِيَاسٍ آخَر , وَهُوَ الْإِطْلَاق فِي آيَة السَّرِقَة , وَلَا حَاجَة لِذَلِكَ مَعَ وُجُود هَذَا النَّصّ. ‏ ‏وَقَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَلَمْ يَسُقْ الْمَتْن فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بَلْ قَالَ \" وَسَاقَ الْحَدِيث \" وَظَاهِره أَنَّ لَفْظه يُوَافِق اللَّفْظ الَّذِي قَبْله. ثُمَّ سَاقَهُ نَازِلًا مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة , وَأَظُنّهُ قَصَدَ بِإِيرَادِ هَذِهِ الطُّرُق الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ النَّضْر تَفَرَّدَ بِزِيَادَتِهِ , وَأَنَّ الْحَكَم سَمِعَهُ مِنْ سَعِيد بِلَا وَاسِطَة. ‏"
    },
    {
        "id": "330",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ذَرٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَمَّارٌ ‏ ‏فَضَرَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِهِ الْأَرْضَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ‏",
        "sharh": "اِخْتَصَرَ الْمُصَنِّف سِيَاق غُنْدَر , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار شَيْخ الْبُخَارِيّ وَسِيَاقه أَتَمُّ ذَكَرَ فِيهِ قِصَّة عُمَر وَذَكَر فِيهِ النَّفْخ أَيْضًا. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "331",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَإِنَّا ‏ ‏أَسْرَيْنَا ‏ ‏حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ ‏ ‏وَقَعْنَا ‏ ‏وَقْعَةً ‏ ‏وَلَا ‏ ‏وَقْعَةَ ‏ ‏أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ يُسَمِّيهِمْ ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏فَنَسِيَ ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏الرَّابِعُ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ وَكَانَ رَجُلًا ‏ ‏جَلِيدًا ‏ ‏فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتِهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ قَالَ لَا ‏ ‏ضَيْرَ ‏ ‏أَوْ لَا ‏ ‏يَضِيرُ ‏ ‏ارْتَحِلُوا فَارْتَحَلَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاس فَلَمَّا ‏ ‏انْفَتَلَ ‏ ‏مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ قَالَ مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ قَالَ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ قَالَ ‏ ‏عَلَيْكَ ‏ ‏بِالصَّعِيدِ ‏ ‏فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ الْعَطَشِ فَنَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا كَانَ ‏ ‏يُسَمِّيهِ ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏نَسِيَهُ ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏وَدَعَا ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏فَقَالَ اذْهَبَا ‏ ‏فَابْتَغِيَا ‏ ‏الْمَاءَ فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ ‏ ‏مَزَادَتَيْنِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏سَطِيحَتَيْنِ ‏ ‏مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا فَقَالَا لَهَا أَيْنَ الْمَاءُ قَالَتْ ‏ ‏عَهْدِي ‏ ‏بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ وَنَفَرُنَا ‏ ‏خُلُوفًا ‏ ‏قَالَا لَهَا انْطَلِقِي إِذًا قَالَتْ إِلَى أَيْنَ قَالَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ الَّذِي يُقَالُ لَهُ ‏ ‏الصَّابِئُ ‏ ‏قَالَا هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ فَانْطَلِقِي فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ قَالَ فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا وَدَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِإِنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ ‏ ‏الْمَزَادَتَيْنِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏سَطِيحَتَيْنِ ‏ ‏وَأَوْكَأَ ‏ ‏أَفْوَاهَهُمَا ‏ ‏وَأَطْلَقَ ‏ ‏الْعَزَالِيَ ‏ ‏وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا فَسَقَى مَنْ شَاءَ وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ وَكَانَ آخِرُ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ قَالَ اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ وَهِيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ ‏ ‏أُقْلِعَ ‏ ‏عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اجْمَعُوا لَهَا فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ ‏ ‏وَسَوِيقَةٍ ‏ ‏حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا قَالَ لَهَا تَعْلَمِينَ مَا ‏ ‏رَزِئْنَا ‏ ‏مِنْ مَائِكِ شَيْئًا وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدْ ‏ ‏احْتَبَسَتْ ‏ ‏عَنْهُمْ قَالُوا مَا ‏ ‏حَبَسَكِ ‏ ‏يَا فُلَانَةُ قَالَتْ الْعَجَبُ لَقِيَنِي رَجُلَانِ فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ ‏ ‏الصَّابِئُ ‏ ‏فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلَا يُصِيبُونَ ‏ ‏الصِّرْمَ ‏ ‏الَّذِي هِيَ مِنْهُ فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدْعُونَكُمْ ‏ ‏عَمْدًا ‏ ‏فَهَلْ لَكُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏صَبَأَ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى غَيْرِهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو الْعَالِيَةِ ‏ { ‏الصَّابِئِينَ ‏} ‏فِرْقَةٌ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الكِتَابِ ‏ ‏يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو ذَرٍّ \" اِبْن مُسَرْهَد \" , ‏ ‏وَيَحْيَى بْن سَعِيد ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان , ‏ ‏وَعَوْف ‏ ‏بِالْفَاءِ هُوَ الْأَعْرَابِيّ ‏ ‏وَأَبُو رَجَاء ‏ ‏هُوَ الْعُطَارِدِيّ ‏ ‏وَعِمْرَانُ ‏ ‏هُوَ اِبْن حُصَيْنٍ كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا فِي سَفَر مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏اُخْتُلِفَ فِي تَعْيِين هَذَا السَّفَر : فَفِي مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ وَقَعَ عِنْد رُجُوعهمْ مِنْ خَيْبَر قَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة , وَفِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" أَقْبَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْحُدَيْبِيَة لَيْلًا فَنَزَلَ فَقَالَ مَنْ يَكْلَؤُنَا ؟ فَقَالَ بِلَال أَنَا \" الْحَدِيث. وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ مُرْسَلًا \" عَرَّسَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة بِطَرِيقِ مَكَّة , وَوَكَّلَ بِلَالًا \" , وَفِي مُصَنَّف عَبْد الرَّزَّاق عَنْ عَطَاء بْن يَسَار مُرْسَلًا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِطَرِيقِ تَبُوك , وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِل نَحْوه مِنْ حَدِيث عُقْبَة بْنِ عَامِر , وَرَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي قَتَادَة مُطَوَّلًا وَالْبُخَارِيّ مُخْتَصَرًا فِي الصَّلَاة قِصَّة نَوْمهمْ عَنْ صَلَاة الصُّبْح أَيْضًا فِي السَّفَر لَكِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَة جَيْش الْأُمَرَاء , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِأَنَّ غَزْوَة جَيْش الْأُمَرَاء هِيَ غَزْوَة مُؤْتَة وَلَمْ يَشْهَدهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ كَمَا قَالَ , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِغَزْوَةِ جَيْش الْأُمَرَاء غَزْوَة أُخْرَى غَيْر غَزْوَة مُؤْتَة. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ كَانَ ذَلِكَ مَرَّة أَوْ أَكْثَر , أَعْنِي نَوْمهمْ عَنْ صَلَاة الصُّبْح , فَجَزَمَ الْأَصِيلِيّ بِأَنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة , وَتَعَقَّبَهُ الْقَاضِي عِيَاض بِأَنَّ قِصَّة أَبِي قَتَادَةَ مُغَايِرَةٌ لِقِصَّةِ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ , وَهُوَ كَمَا قَالَ , فَأَنَّ قِصَّة أَبِي قَتَادَةَ فِيهَا أَنَّ أَبَا بَكْر وَعُمَر لَمْ يَكُونَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَامَ , وَقِصَّة عِمْرَان فِيهَا أَنَّهُمَا كَانَا مَعَهُ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ , وَأَيْضًا فَقِصَّة عِمْرَان فِيهَا أَنَّ أَوَّل مَنْ اِسْتَيْقَظَ أَبُو بَكْر وَلَمْ يَسْتَيْقِظ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَيْقَظَهُ عُمَر بِالتَّكْبِيرِ , وَقِصَّة أَبِي قَتَادَةَ فِيهَا أَنَّ أَوَّل مَنْ اِسْتَيْقَظَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي الْقِصَّتَيْنِ غَيْر ذَلِكَ مِنْ وُجُوه الْمُغَايَرَات , وَمَعَ ذَلِكَ فَالْجَمْع بَيْنهمَا مُمْكِنٌ لَا سِيَّمَا مَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم وَغَيْره أَنَّ عَبْد اللَّه بْن رَبَاح رَاوِي الْحَدِيث عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ذَكَرَ أَنَّ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ سَمِعَهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ بِطُولِهِ فَقَالَ لَهُ : أَنْظُر كَيْف تُحَدِّثُ , فَإِنِّي كُنْت شَاهِدًا الْقِصَّة. قَالَ فَمَا أَنُكِرَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَدِيث شَيْئًا. فَهَذَا يَدُلّ عَلَى اِتِّحَادهَا. لَكِنْ لِمُدَّعِي التَّعَدُّد أَنْ يَقُول : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون عِمْرَان حَضَرَ الْقِصَّتَيْنِ فَحَدَّثَ بِإِحْدَاهُمَا وَصَدَّقَ عَبْد اللَّه بْن رَبَاح لَمَّا حَدَّثَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بِالْأُخْرَى. وَاللَّهُ أَعْلَم. وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى تَعَدُّد الْقِصَّة اِخْتِلَاف مَوَاطِنهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ , وَحَاوَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ الْجَمْع بَيْنهمَا بِأَنَّ زَمَان رُجُوعهمْ مِنْ خَيْبَر قَرِيب مِنْ زَمَان رُجُوعهمْ مِنْ الْحُدَيْبِيَة , وَأَنَّ اِسْم طَرِيق مَكَّة يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّف , وَرِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق بِتَعْيِينِ غَزْوَة تَبُوك تَرُدُّ عَلَيْهِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن أُمَيَّة شَبِيهًا بِقِصَّةِ عِمْرَان , وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي كَلَأ لَهُمْ الْفَجْر ذُو مِخْبَرٍ , وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْمُوَحَّدَة , وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق ذِي مِخْبَرٍ أَيْضًا وَأَصْله عِنْد أَبِي دَاوُدَ , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم أَنَّ بِلَالًا هُوَ الَّذِي كَلَأ لَهُمْ الْفَجْر , وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلهمْ اِسْتِيقَاظًا كَمَا فِي قِصَّة أَبِي قَتَادَةَ. وَلِابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ كَلَأ لَهُمْ الْفَجْر , وَهَذَا أَيْضًا يَدُلّ عَلَى تَعَدُّد الْقِصَّة وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( أَسْرَيْنَا ) ‏ ‏قَالَ الْجَوْهَرِيّ : تَقُول سَرَيْت وَأَسْرَيْت بِمَعْنَى إِذَا سِرْت لَيْلًا , وَقَالَ صَاحِب الْمُحْكَم السُّرَى سَيْر عَامَّة اللَّيْل وَقِيلَ سَيْر اللَّيْل كُلّه. وَهَذَا الْحَدِيث يُخَالِف الْقَوْل الثَّانِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَعْنَا وَقْعَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي قَتَادَةَ عِنْد الْمُصَنِّف ذِكْر سَبَب نُزُولهمْ فِي تِلْكَ السَّاعَة وَهُوَ سُؤَال بَعْض الْقَوْم فِي ذَلِكَ , وَفِيهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" أَخَاف أَنْ تَنَامُوا عَنْ الصَّلَاة , فَقَالَ بِلَال أَنَا أُوقِظهُمْ \" ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ أَوَّل مَنْ اِسْتَيْقَظَ فُلَان ) ‏ ‏بِنَصْبِ أَوَّل ; لِأَنَّهُ خَبَر كَانَ. وَقَوْله \" الرَّابِع \" هُوَ فِي رِوَايَتنَا بِالرَّفْعِ , وَيَجُوز نَصْبه عَلَى خَبَر كَانَ أَيْضًا , وَقَدْ بَيَّنَ عَوْفٌ أَنَّهُ نَسِيَ تَسْمِيَة الثَّلَاثَة مَعَ أَنَّ شَيْخه كَانَ يُسَمِّيهِمْ , وَقَدْ شَارَكَهُ فِي رِوَايَته عِنْدُهُ سَلْم بْنُ زَرِير فَسَمَّى أَوَّل مَنْ اِسْتَيْقَظَ , أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي عَلَامَات النُّبُوَّة مِنْ طَرِيقه وَلَفْظه \" فَكَانَ أَوَّل مَنْ اِسْتَيْقَظَ أَبُو بَكْر \". وَيُشْبِه وَاللَّهُ أَعْلَم أَنْ يَكُون الثَّانِي عِمْرَان رَاوِي الْقِصَّة ; لِأَنَّ ظَاهِر سِيَاقه أَنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنهُ مُشَاهَدَته إِلَّا بَعْد اِسْتِيقَاظه , وَيُشْبِه أَنْ يَكُون الثَّالِث مَنْ شَارَكَ عِمْرَان فِي رِوَايَة هَذِهِ الْقِصَّة الْمُعَيَّنَة , فَفِي الطَّبَرَانِيّ مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن أُمَيَّة \" قَالَ ذُو مِخْبَرٍ : فَمَا أَيْقَظَنِي إِلَّا حَرُّ الشَّمْس , فَجِئْت أَدْنَى الْقَوْم فَأَيْقَظْته , وَأَيْقَظَ النَّاس بَعْضهمْ بَعْضًا حَتَّى اِسْتَيْقَظَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُث لَهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الدَّال بَعْدهَا مُثَلَّثَةٌ أَيْ مِنْ الْوَحْي , كَانُوا يَخَافُونَ مِنْ إِيقَاظه قَطْعَ الْوَحْي فَلَا يُوقِظُونَهُ لِاحْتِمَالِ ذَلِكَ. قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : يُؤْخَذ مِنْهُ التَّمَسُّك بِالْأَمْرِ الْأَعَمّ اِحْتِيَاطًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا ) ‏ ‏هُوَ مِنْ الْجَلَادَة بِمَعْنَى الصَّلَابَة , وَزَادَ مُسْلِمٌ هُنَا \" أَجْوَف \" أَيْ رَفِيع الصَّوْت , يَخْرُج صَوْته مِنْ جَوْفه بِقُوَّةٍ. وَفِي اِسْتِعْمَاله التَّكْبِير سُلُوك طَرِيق الْأَدَب وَالْجَمْع بَيْن الْمَصْلَحَتَيْنِ , وَخَصَّ التَّكْبِير ; لِأَنَّهُ أَصْلُ الدُّعَاء إِلَى الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( الَّذِي أَصَابَهُمْ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ نَوْمِهِمْ عَنْ صَلَاة الصُّبْح حَتَّى خَرَجَ وَقْتهَا. ‏ ‏قَوْله ( لَا ضَيْر ) ‏ ‏أَيْ لَا ضَرَر , ‏ ‏وَقَوْله \" أَوْ لَا يُضِيرُ \" ‏ ‏شَكٌّ مِنْ عَوْفٍ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَته , وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج \" لَا يَسُوءُ وَلَا يُضِيرُ \" وَفِيهِ تَأْنِيسٌ لِقُلُوبِ الصَّحَابَة لِمَا عَرَضَ لَهُمْ مِنْ الْأَسَف عَلَى فَوَاتِ الصَّلَاة فِي وَقْتهَا بِأَنَّهُمْ لَا حَرَج عَلَيْهِمْ إِذْ لَمْ يَتَعَمَّدُوا ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( اِرْتَحِلُوا ) ‏ ‏بِصِيغَةِ الْأَمْر , اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَأْخِير الْفَائِتَة عَنْ وَقْت ذِكْرهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَغَافُل أَوْ اِسْتِهَانَة , وَقَدْ بَيَّنَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة السَّبَب فِي الْأَمْر بِالِارْتِحَالِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِع الَّذِي نَامُوا فِيهِ وَلَفْظه \" فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَان \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" تَحَوَّلُوا عَنْ مَكَانكُمْ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَة \" وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعِلَّة فِيهِ كَوْنُ ذَلِكَ كَانَ وَقْت الْكَرَاهَة , بَلْ فِي حَدِيث الْبَاب أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَيْقِظُوا حَتَّى وَجَدُوا حَرّ الشَّمْس , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" حَتَّى ضَرَبَتْهُمْ الشَّمْس \" وَذَلِكَ لَا يَكُون إِلَّا بَعْد أَنْ يَذْهَب وَقْت الْكَرَاهَة , وَقَدْ قِيلَ إِنَّمَا أَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاة لِاشْتِغَالِهِمْ بِأَحْوَالِهَا , وَقِيلَ تَحَرُّزًا مِنْ الْعَدُوّ , وَقِيلَ اِنْتِظَارًا لِمَا يَنْزِل عَلَيْهِ مِنْ الْوَحْي , وَقِيلَ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ غَفْلَة كَمَا تَقَدَّمَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ , وَقِيلَ لِيَسْتَيْقِظَ مَنْ كَانَ نَائِمًا وَيَنْشَطَ مَنْ كَانَ كَسْلَانًا. وَرُوِيَ عَنْ اِبْن وَهْب وَغَيْره أَنَّ تَأْخِير قَضَاء الْفَائِتَة مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْآيَة مَكِّيَّة وَالْحَدِيث مَدَنِيّ فَكَيْف يَنْسَخ الْمُتَقَدِّمُ الْمُتَأَخِّرَ ؟ وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاء فِي الْجَمْع بَيْن حَدِيث النَّوْم هَذَا وَبَيْن قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَام قَلْبِي \" قَالَ النَّوَوِيّ : لَهُ جَوَابَانِ , أَحَدهمَا أَنَّ الْقَلْب إِنَّمَا يُدْرِك الْحِسِّيَّات الْمُتَعَلِّقَة بِهِ كَالْحَدَثِ وَالْأَلَم وَنَحْوهمَا , وَلَا يُدْرِك مَا يَتَعَلَّق بِالْعَيْنِ ; لِأَنَّهَا نَائِمَةٌ وَالْقَلْب يَقْظَان. وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ لَهُ حَالَانِ : حَالٌ كَانَ قَلْبه فِيهِ لَا يَنَام وَهُوَ الْأَغْلَب , وَحَال يَنَام فِيهِ قَلْبه وَهُوَ نَادِرٌ , فَصَادَفَ هَذَا أَيْ قِصَّة النَّوْم عَنْ الصَّلَاة. قَالَ : وَالصَّحِيح الْمُعْتَمَد هُوَ الْأَوَّل وَالثَّانِي ضَعِيف. وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَلَا يُقَال الْقَلْب وَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِك مَا يَتَعَلَّق بِالْعَيْنِ مِنْ رُؤْيَة الْفَجْر مَثَلًا لَكِنَّهُ يُدْرِك إِذَا كَانَ يَقْظَانًا مُرُور الْوَقْت الطَّوِيل , فَإِنَّ مِنْ اِبْتِدَاء طُلُوع الْفَجْر إِلَى أَنْ حَمِيَتْ الشَّمْس مُدَّة طَوِيلَة لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا ; لِأَنَّا نَقُول : يُحْتَمَل أَنْ يُقَال كَانَ قَلْبه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ ذَاكَ مُسْتَغْرِقًا بِالْوَحْيِ , وَلَا يَلْزَم مَعَ ذَلِكَ وَصْفُهُ بِالنَّوْمِ , كَمَا كَانَ يَسْتَغْرِق صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالَة إِلْقَاء الْوَحْي فِي الْيَقَظَة , وَتَكُون الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ بَيَان التَّشْرِيع بِالْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ أَوْقَع فِي النَّفْس كَمَا فِي قَضِيَّة سَهْوه فِي الصَّلَاة. وَقَرِيب مِنْ هَذَا جَوَاب اِبْن الْمُنِير : أَنَّ الْقَلْب قَدْ يَحْصُل لَهُ السَّهْو فِي الْيَقَظَة لِمَصْلَحَةِ التَّشْرِيع , فَفِي النَّوْم بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , أَوْ عَلَى السَّوَاء. وَقَدْ أُجِيب عَلَى أَصْل الْإِشْكَال بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى ضَعِيفَة , مِنْهَا أَنَّ مَعْنَى قَوْله \" لَا يَنَام قَلْبِي \" أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ حَالَة اِنْتِقَاض وُضُوئِهِ , وَمِنْهَا أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَسْتَغْرِق بِالنَّوْمِ حَتَّى يُوجَد مِنْهُ الْحَدَث , وَهَذَا قَرِيب مِنْ الَّذِي قَبْله. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : كَأَنَّ قَائِل هَذَا أَرَادَ تَخْصِيص يَقَظَة الْقَلْب بِإِدْرَاكِ حَالَة الِانْتِقَاض , وَذَلِكَ بَعِيدٌ , وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَام قَلْبِي \" خَرَجَ جَوَابًا عَنْ قَوْل عَائِشَة : أَتَنَامُ قَبْل أَنْ تُوتِرَ ؟ وَهَذَا كَلَام لَا تَعَلُّق لَهُ بِانْتِقَاضِ الطَّهَارَة الَّذِي تَكَلَّمُوا فِيهِ , وَإِنَّمَا هُوَ جَوَاب يَتَعَلَّق بِأَمْرِ الْوِتْر فَتُحْمَلُ يَقَظَته عَلَى تَعَلُّق الْقَلْب بِالْيَقَظَةِ لِلْوِتْرِ , وَفَرَّقَ بَيْن مَنْ شَرَعَ فِي النَّوْم مُطْمَئِنّ الْقَلْب بِهِ وَبَيْن مَنْ شَرَعَ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِالْيَقَظَةِ. قَالَ : فَعَلَى هَذَا فَلَا تَعَارُض وَلَا إِشْكَال فِي حَدِيث النَّوْم حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْس ; لِأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ اِطْمَأَنَّ فِي نَوْمه لِمَا أَوْجَبَهُ تَعَبُ السَّيْر مُعْتَمِدًا عَلَى مَنْ وَكَّلَهُ بِكِلَاءَةِ الْفَجْر. ا ه , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَمُحَصَّلُهُ تَخْصِيصُ الْيَقَظَة الْمَفْهُومَة مِنْ قَوْله \" وَلَا يَنَام قَلْبِي \" بِإِدْرَاكِهِ وَقْت الْوِتْر إِدْرَاكًا مَعْنَوِيًّا لِتَعَلُّقِهِ بِهِ , وَأَنَّ نَوْمه فِي حَدِيث الْبَاب كَانَ نَوْمًا مُسْتَغْرِقًا , وَيُؤَيِّدهُ قَوْل بِلَال لَهُ \" أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك \" كَمَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ , وَمَعْلُومٌ أَنَّ نَوْم بِلَال كَانَ مُسْتَغْرِقًا. وَقَدْ اِعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَا قَالَهُ يَقْتَضِي اِعْتِبَار خُصُوص السَّبَب , وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُعْتَبَر إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ وَأَرْشَدَ إِلَيْهِ السِّيَاق , وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ. وَمِنْ الْأَجْوِبَة الضَّعِيفَة أَيْضًا قَوْل مَنْ قَالَ : كَانَ قَلْبه يَقْظَانًا وَعَلِمَ بِخُرُوجِ الْوَقْت لَكِنْ تَرَكَ إِعْلَامهمْ بِذَلِكَ عَمْدًا لِمَصْلَحَةِ التَّشْرِيع. وَقَوْل مَنْ قَالَ : الْمُرَاد بِنَفْيِ النَّوْم عَنْ قَلْبه أَنَّهُ لَا يَطْرَأ عَلَيْهِ أَضْغَاث أَحْلَام كَمَا يَطْرَأ عَلَى غَيْره , بَلْ كُلّ مَا يَرَاهُ فِي نَوْمه حَقٌّ وَوَحْيٌ. فَهَذِهِ عِدَّة أَجْوِبَة أَقْرَبهَا إِلَى الصَّوَاب الْأَوَّل عَلَى الْوَجْه الَّذِي قَرَّرْنَاهُ , وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيّ : أَخَذَ بِهَذَا بَعْض الْعُلَمَاء فَقَالَ : مَنْ اِنْتَبَهَ مِنْ نَوْم عَنْ صَلَاة فَاتَتْهُ فِي سَفَر فَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ مَوْضِعه , وَإِنْ كَانَ وَادِيًا فَيَخْرُج عَنْهُ. وَقِيلَ إِنَّمَا يَلْزَم فِي ذَلِكَ الْوَادِي بِعَيْنِهِ , وَقِيلَ : هُوَ خَاصّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَم مِنْ حَال ذَلِكَ الْوَادِي وَلَا غَيْره ذَلِكَ إِلَّا هُوَ. وَقَالَ غَيْره : يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَنْ حَصَلَتْ لَهُ غَفْلَة فِي مَكَان عَنْ عِبَادَة اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّحَوُّل مِنْهُ , وَمِنْهُ أَمْر النَّاعِس فِي سَمَاع الْخُطْبَة يَوْم الْجُمْعَة بِالتَّحَوُّلِ مِنْ مَكَانه إِلَى مَكَان آخَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَارَ غَيْر بَعِيدٍ ) ‏ ‏يَدُلّ عَلَى أَنَّ الِارْتِحَال الْمَذْكُور وَقَعَ عَلَى خِلَاف سَيْرهمْ الْمُعْتَاد. ‏ ‏قَوْله : ( وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْأَذَان لِلْفَوَائِتِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النِّدَاء أَعَمُّ مِنْ الْأَذَان فَيُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِهِ هُنَا الْإِقَامَة. وَأُجِيب بِأَنَّ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ التَّصْرِيح بِالتَّأْذِينِ , وَكَذَا هُوَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي أَوَاخِر الْمَوَاقِيت. وَتَرْجَمَ لَهُ خَاصَّة بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّى بِالنَّاسِ ) ‏ ‏فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْجَمَاعَة فِي الْفَوَائِت. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ , وَوَقَعَ فِي شَرْح الْعُمْدَة لِلشَّيْخِ سِرَاج الدِّين بْن الْمُلَقِّن مَا نَصُّهُ : هَذَا الرَّجُل هُوَ خَلَّادُ بْن رَافِع بْن مَالِك الْأَنْصَارِيّ أَخُو رِفَاعَة , شَهِدَ بَدْرًا , قَالَ اِبْن الْكَلْبِيّ : وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ , وَقَالَ غَيْره : لَهُ رِوَايَة. وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عَاشَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْت : أَمَّا عَلَى قَوْل اِبْن الْكَلْبِيّ فَيَسْتَحِيل أَنْ يَكُون هُوَ صَاحِب هَذِهِ الْقِصَّة لِتَقَدُّمِ وَقْعَة بَدْر عَلَى هَذِهِ الْقِصَّة بِمُدَّةٍ طَوِيلَة بِلَا خِلَاف , فَكَيْف يَحْضُرُ هَذِهِ الْقِصَّة بَعْد قَتْله ؟ وَأَمَّا عَلَى قَوْل غَيْر اِبْن الْكَلْبِيّ فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون هُوَ , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه لَهُ رِوَايَة أَنْ يَكُون عَاشَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون الرِّوَايَة عَنْهُ مُنْقَطِعَة , أَوْ مُتَّصِلَة لَكِنْ نَقَلَهَا عَنْهُ صَحَابِيّ آخَر وَنَحْوه. وَعَلَى هَذَا فَلَا مُنَافَاة بَيْن هَذَا وَبَيْن مَنْ قَالَ إِنَّهُ قُتِلَ بِبَدْرٍ إِلَّا أَنْ تَجِيء رِوَايَة عَنْ تَابِعِيّ غَيْر مُخَضْرَم وَصَرَّحَ فِيهَا بِسَمَاعِهِ مِنْهُ فَحِينَئِذٍ يَلْزَم أَنْ يَكُون عَاشَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنْ لَا يَلْزَم أَنْ يَكُون هُوَ صَاحِب هَذِهِ الْقِصَّة , إِلَّا إِنْ وَرَدَتْ رِوَايَة مَخْصُوصَة بِذَلِكَ , وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا إِلَى الْآن. ‏ ‏قَوْله : ( أَصَابَتْنِي جَنَابَة وَلَا مَاء ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة , أَيْ مَعِي أَوْ مَوْجُود , وَهُوَ أَبْلَغُ فِي إِقَامَة عُذْره. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة مَشْرُوعِيَّة تَيَمُّم الْجُنُب , وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. وَفِيهَا جَوَاز الِاجْتِهَاد بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ سِيَاق الْقِصَّة يَدُلّ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّم كَانَ مَعْلُومًا عِنْدهمْ , لَكِنَّهُ صَرِيح فِي الْآيَة عَنْ الْحَدَث الْأَصْغَر , بِنَاء عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُلَامَسَةِ مَا دُون الْجِمَاع , وَأَمَّا الْحَدَث الْأَكْبَر فَلَيْسَتْ صَرِيحَة فِيهِ , فَكَأَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِد أَنَّ الْجُنُب لَا يَتَيَمَّم , فَعَمِلَ بِذَلِكَ مَعَ قُدْرَته عَلَى أَنْ يَسْأَل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذَا الْحُكْم , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْلَم مَشْرُوعِيَّة التَّيَمُّم أَصْلًا فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ فَاقِد الطَّهُورَيْنِ. وَيُؤْخَذ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّ لِلْعَالِمِ إِذَا رَأَى فِعْلًا مُحْتَمَلًا أَنْ يَسْأَل فَاعِله عَنْ الْحَال فِيهِ لِيُوَضِّح لَهُ وَجْه الصَّوَاب. وَفِيهِ التَّحْرِيض عَلَى الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة , وَأَنَّ تَرْك الشَّخْص الصَّلَاة بِحَضْرَةِ الْمُصَلِّينَ مَعِيبٌ عَلَى فَاعِله بِغَيْرِ عُذْر. وَفِيهِ حُسْنُ الْمُلَاطَفَة , وَالرِّفْقُ فِي الْإِنْكَار. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَيْك بِالصَّعِيدِ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة سَلْم بْن زَرِير \" فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَيَمَّم بِالصَّعِيدِ \" وَاللَّام فِيهِ لِلْعَهْدِ الْمَذْكُور فِي الْآيَة الْكَرِيمَة , وَيُؤْخَذ مِنْهُ الِاكْتِفَاء فِي الْبَيَان بِمَا يَحْصُل بِهِ الْمَقْصُود مِنْ الْإِفْهَام ; لِأَنَّهُ أَحَالَهُ عَلَى الْكَيْفِيَّة الْمَعْلُومَة مِنْ الْآيَة , وَلَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِهَا. وَدَلَّ قَوْله يَكْفِيك عَلَى أَنَّ الْمُتَيَمِّم فِي مِثْل هَذِهِ الْحَالَة لَا يَلْزَمهُ الْقَضَاء , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" يَكْفِيك \" أَيْ لِلْأَدَاءِ , فَلَا يَدُلّ عَلَى تَرْكِ الْقَضَاء. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَا فُلَانًا ) ‏ ‏هُوَ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله فِي رِوَايَة سَلْم بْن زَرِير عِنْد مُسْلِمٍ \" ثُمَّ عَجَّلَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَكْب بَيْن يَدَيْهِ نَطْلُب الْمَاء \" وَدَلَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَعَلِيٌّ فَقَطْ ; لِأَنَّهُمَا خُوطِبَا بِلَفْظِ التَّثْنِيَة , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمَا غَيْرهمَا عَلَى سَبِيل التَّبَعِيَّة لَهُمَا فَيُتَّجَه إِطْلَاق لَفْظ رَكْب فِي رِوَايَة مُسْلِم , وَخُصَّا بِالْخِطَابِ ; لِأَنَّهُمَا الْمَقْصُودَانِ بِالْإِرْسَالِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَابْتَغِيَا ) ‏ ‏لِلْأَصِيلِيّ \" فَابْغِيَا \" وَلِأَحْمَد \" فَأَبْغِيَانَا \" وَالْمُرَاد الطَّلَب يُقَال اِبْتَغِ الشَّيْء أَيْ تَطَلَّبْهُ , وَابْغِ الشَّيْء أَيْ اُطْلُبْهُ , وَأَبْغِنِي أَيْ اُطْلُبْ لِي. وَفِيهِ الْجَرْي عَلَى الْعَادَة فِي طَلَب الْمَاء وَغَيْره دُون الْوُقُوف عِنْد خَرْقهَا , وَأَنَّ التَّسَبُّب فِي ذَلِكَ غَيْر قَادِح فِي التَّوَكُّل. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْن مَزَادَتَيْنِ ) ‏ ‏الْمَزَادَة بِفَتْحِ الْمِيم وَالزَّاي قِرْبَة كَبِيرَة يُزَاد فِيهَا جِلْدٌ مِنْ غَيْرهَا , وَتُسَمَّى أَيْضًا \" السَّطِيحَة \" , وَ \" أَوْ \" هُنَا شَكٌّ مِنْ عَوْف لِخُلُوِّ رِوَايَة مُسْلِم عَنْ أَبِي رَجَاء عَنْهَا , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَإِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَة - أَيْ مُدَلِّيَة - رِجْلَيْهَا بَيْن مَزَادَتَيْنِ \" وَالْمُرَاد بِهِمَا الرَّاوِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَمْسِ ) ‏ ‏خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ , وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْر , وَ \" هَذِهِ السَّاعَة \" بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّة. وَقَالَ اِبْن مَالِك : أَصْلُهُ فِي مِثْل هَذِهِ السَّاعَة فَحُذِفَ الْمُضَاف وَأُقِيمَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مَقَامه أَيْ بَعْد حَذْف \" فِي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَنَفَرنَا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن سِيدَهْ النَّفَر مَا دُون الْعَشَرَة , وَقِيلَ النَّفَر النَّاس عَنْ كَرَاعٍ. قُلْت : وَهُوَ اللَّائِق هُنَا ; لِأَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّ رِجَالهَا تَخَلَّفُوا لِطَلَبِ الْمَاء. وَ \" خُلُوف \" بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام جَمْع خَالِف , قَالَ اِبْن فَارِس : الْخَالِف الْمُسْتَقِي , وَيُقَال أَيْضًا لِمَنْ غَابَ , وَلَعَلَّهُ الْمُرَاد هُنَا , أَيْ أَنَّ رِجَالهَا غَابُوا عَنْ الْحَيّ , وَيَكُون قَوْلهَا \" وَنَفَرنَا خُلُوف \" جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ زَائِدَةٌ عَلَى جَوَاب السُّؤَال. وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ \" وَنَفَرنَا خُلُوفًا \" بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَال السَّادَّةِ مَسَدّ الْخَبَر. ‏ ‏قَوْله : ( الصَّابِي ) ‏ ‏بِلَا هَمْز أَيْ الْمَائِل , وَيُرْوَى بِالْهَمْزِ مِنْ صَبَأَ صُبُوءًا , أَيْ خَرَجَ مِنْ دِين إِلَى دِين. وَسَيَأْتِي تَفْسِيره لِلْمُصَنِّفِ فِي آخِر الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ ) ‏ ‏فِيهِ أَدَبٌ حَسَنٌ , وَلَوْ قَالَا لَهَا \" لَا \" لَفَاتَ الْمَقْصُود , أَوْ \" نَعَمْ \" لَمْ يَحْسُن بِهِمَا إِذْ فِيهِ تَقْرِير ذَلِكَ , فَتَخَلَّصَا أَحْسَن تَخَلُّص. وَفِيهِ جَوَاز الْخَلْوَة بِالْأَجْنَبِيَّةِ فِي مِثْل هَذِهِ الْحَالَة عِنْد أَمْن الْفِتْنَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرهَا ) ‏ ‏قَالَ بَعْض الشُّرَّاح الْمُتَقَدِّمِينَ : إِنَّمَا أَخَذُوهَا وَاسْتَجَازُوا أَخْذ مَائِهَا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ كَافِرَة حَرْبِيَّة , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون لَهَا عَهْدٌ فَضَرُورَةُ الْعَطَش تُبِيح لِلْمُسْلِمِ الْمَاءَ الْمَمْلُوك لِغَيْرِهِ عَلَى عِوَضٍ , وَإِلَّا فَنَفْسُ الشَّارِع تُفْدَى بِكُلِّ شَيْء عَلَى سَبِيل الْوُجُوب. ‏ ‏قَوْله : ( فَفَرَّغَ ) ‏ ‏وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَأَفْرَغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاه الْمَزَادَتَيْنِ \" زَادَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَتَمَضْمَضَ فِي الْمَاء وَأَعَادَهُ فِي أَفْوَاه الْمَزَادَتَيْنِ \" وَبِهَذِهِ الزِّيَادَة تَتَّضِحُ الْحِكْمَة فِي رَبْط الْأَفْوَاه بَعْد فَتْحهَا , وَإِطْلَاق الْأَفْوَاه هُنَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) إِذْ لَيْسَ لِكُلِّ مَزَادَة سِوَى فَم وَاحِد , وَعُرِفَ مِنْهَا أَنَّ الْبَرَكَة إِنَّمَا حَصَلَتْ بِمُشَارَكَةِ رِيقه الطَّاهِر الْمُبَارَك لِلْمَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَوْكَأَ ) ‏ ‏أَيْ رَبَطَ , ‏ ‏وَقَوْله : ( وَأَطْلَقَ ) ‏ ‏أَيْ فَتَحَ \" وَالْعَزَالِي \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالزَّاي وَكَسْر اللَّام وَيَجُوز فَتْحهَا جَمْع عَزْلَاء بِإِسْكَانِ الزَّاي. قَالَ الْخَلِيل : هِيَ مَصَبُّ الْمَاء مِنْ الرَّاوِيَة , وَلِكُلِّ مَزَادَة عِزَالَانِ مِنْ أَسْفَلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَسْقُوا ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ قَطْع مَفْتُوحَة مِنْ أَسْقَى , أَوْ بِهَمْزَةِ وَصْل مَكْسُورَة مِنْ سَقَى , وَالْمُرَاد أَنَّهُمْ سَقَوْا غَيْرهمْ كَالدَّوَابِّ وَنَحْوهَا وَاسْتَقَوْا هُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ آخِر ذَلِكَ أَنْ أَعْطَى ) ‏ ‏بِنَصْبِ آخِر عَلَى أَنَّهُ خَبَر مُقَدَّم , وَأَنْ أَعْطَى اِسْم كَانَ , وَيَجُوز رَفْعه عَلَى أَنَّ أَعْطَى الْخَبَر ; لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مَعْرِفَة. قَالَ أَبُو الْبَقَاء : وَالْأَوَّل أَقْوَى , وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ) الْآيَة. وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّة عَلَى تَقْدِيم مَصْلَحَة شُرْب الْآدَمِيّ وَالْحَيَوَان عَلَى غَيْره كَمَصْلَحَةِ الطَّهَارَة بِالْمَاءِ لِتَأْخِيرِ الْمُحْتَاج إِلَيْهَا عَمَّنْ سَقَى وَاسْتَقَى , وَلَا يُقَال قَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة سَلْم بْن زَرِير \" غَيْر أَنَّا لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا \" ; لِأَنَّا نَقُول : هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ الْإِبِل لَمْ تَكُنْ مُحْتَاجَة إِذْ ذَاكَ إِلَى السَّقْي , فَيُحْمَل قَوْله فَسَقَى عَلَى غَيْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَيْمُ اللَّهِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْرهَا وَالْمِيم مَضْمُومَة أَصْله \" أَيْمُن اللَّه \" وَهُوَ اِسْمٌ وُضِعَ لِلْقَسَمِ هَكَذَا ثُمَّ حُذِفَتْ مِنْهُ النُّون تَخْفِيفًا وَأَلِفُهُ أَلِفُ وَصْل مَفْتُوحَة وَلَمْ يَجِيء كَذَلِكَ غَيْرهَا , وَهُوَ مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَره مَحْذُوف وَالتَّقْدِير أَيْم اللَّه قَسَمِي , وَفِيهَا لُغَات جَمَعَ مِنْهَا النَّوَوِيّ فِي تَهْذِيبه سَبْع عَشْرَة وَبَلَغَ بِهَا غَيْره عِشْرِينَ , وَسَيَكُونُ لَنَا إِلَيْهَا عَوْدَة لِبَيَانِهَا فِي كِتَاب الْأَيْمَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز التَّوْكِيد بِالْيَمِينِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّن. ‏ ‏قَوْله : ( أَشَدّ مِلْأَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا هَمْزَة , وَفِي رِوَايَة لِلْبَيْهَقِيّ \" أَمْلَأ مِنْهَا \" , وَالْمُرَاد أَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ مَا بَقِيَ فِيهَا مِنْ الْمَاء أَكْثَر مِمَّا كَانَ أَوَّلًا. ‏ ‏قَوْله : ( اِجْمَعُوا لَهَا ) ‏ ‏فِيهِ جَوَاز الْأَخْذ لِلْمُحْتَاجِ بِرِضَا الْمَطْلُوب مِنْهُ , أَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُ إِنْ تَعَيَّنَ , وَفِيهِ جَوَاز الْمُعَاطَاة فِي مِثْل هَذَا مِنْ الْهِبَات وَالْإِبَاحَات مِنْ غَيْر لَفْظ مِنْ الْمُعْطِي وَالْآخِذ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ بَيْن عَجْوَةٍ وَسَوِيقَةٍ ) ‏ ‏الْعَجْوَة مَعْرُوفَة , وَالسَّوِيقَة بِفَتْحِ أَوَّله وَكَذَا الدَّقِيقَة , وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة بِضَمِّهَا مُصَغَّرًا مُثَقَّلًا. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد فِي رِوَايَته \" كَثِيرًا \" وَفِيهِ إِطْلَاق لَفْظ الطَّعَام عَلَى غَيْر الْحِنْطَة وَالذُّرَة خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَوْله \" حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا \" أَيْ غَيْر مَا ذُكِرَ مِنْ الْعَجْوَة وَغَيْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَهَا تَعَلَّمِينَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَثَانِيه وَتَشْدِيد اللَّام أَيْ اِعْلَمِي , وَلِلْأَصِيلِيّ \" قَالُوا \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" قَالَ لَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَتُحْمَلُ رِوَايَة الْأَصِيلِيّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا لَهَا ذَلِكَ بِأَمْرِهِ. وَقَدْ اِشْتَمَلَ ذَلِكَ عَلَى عَلَمٍ عَظِيمٍ مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة. ‏ ‏قَوْله : ( مَا رَزِئْنَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الزَّاي - وَيَجُوز فَتْحهَا - وَبَعْدهَا هَمْزَة سَاكِنَة أَيْ نَقَصْنَا , وَظَاهِرُهُ أَنَّ جَمِيع مَا أَخَذُوهُ مِنْ الْمَاء مِمَّا زَادَهُ اللَّه تَعَالَى وَأَوْجَدَهُ , وَأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِط فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَائِهَا فِي الْحَقِيقَة وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِر مُخْتَلِطًا , وَهَذَا أَبْدَعُ وَأَغْرَبُ فِي الْمُعْجِزَة , وَهُوَ ظَاهِر قَوْله : ( وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا ) وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَا نَقَصْنَا مِنْ مِقْدَار مَائِك شَيْئًا. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى جَوَاز اِسْتِعْمَال أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ مَا لَمْ يَتَيَقَّن فِيهَا النَّجَاسَة , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الَّذِي أَعْطَاهَا لَيْسَ عَلَى سَبِيل الْعِوَض عَنْ مَائِهَا بَلْ عَلَى سَبِيل التَّكَرُّم وَالتَّفَضُّل. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا ) ‏ ‏أَيْ أَشَارَتْ , وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ. ‏ ‏قَوْله : ( يُغِيرُونَ ) ‏ ‏بِالضَّمِّ مِنْ أَغَارَ أَيْ دَفَعَ الْخَيْل فِي الْحَرْب. ‏ ‏قَوْله : ( الصِّرْم ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة , أَيْ أَبْيَاتًا مُجْتَمِعَة مِنْ النَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا : مَا أَرَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا ) ‏ ‏هَذِهِ رِوَايَة الْأَكْثَر , قَالَ اِبْن مَالِك : مَا مَوْصُولَة , وَأَرَى بِفَتْحِ الْهَمْزَة بِمَعْنَى أَعْلَم , وَالْمَعْنَى الَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَتْرُكُونَكُمْ عَمْدًا لَا غَفْلَة وَلَا نِسْيَانًا بَلْ مُرَاعَاة لِمَا سَبَقَ بَيْنِي وَبَيْنهمْ , وَهَذِهِ الْغَايَة فِي مُرَاعَاة الصُّحْبَة الْيَسِيرَة , وَكَانَ هَذَا الْقَوْل سَبَبًا لِرَغْبَتِهِمْ فِي الْإِسْلَام. وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ \" مَا أَرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْم \" وَقَالَ اِبْن مَالِك أَيْضًا : وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ \" مَا أَدْرِي \" يَعْنِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ. قَالَ : وَمَا مَوْصُولَة وَأَنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَقَالَ غَيْره : مَا نَافِيَة وَأَنَّ بِمَعْنَى لَعَلَّ. وَقِيلَ : مَا نَافِيَة وَإِنَّ بِالْكَسْرِ , وَمَعْنَاهُ لَا أَعْلَم حَالكُمْ فِي تَخَلُّفكُمْ عَنْ الْإِسْلَام مَعَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا. وَمُحَصَّل الْقِصَّة أَنَّ الْمُسْلِمِينَ صَارُوا يُرَاعُونَ قَوْمهَا عَلَى سَبِيل الِاسْتِئْلَاف لَهُمْ حَتَّى كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِمْ. وَبِهَذَا يَحْصُل الْجَوَاب عَنْ الْإِشْكَال الَّذِي ذَكَره بَعْضهمْ , وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِيلَاء عَلَى الْكُفَّار بِمُجَرَّدِهِ يُوجِب رِقّ النِّسَاء وَالصِّبْيَانِ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَتْ الْمَرْأَة فِي الرِّقّ بِاسْتِيلَائِهِمْ عَلَيْهَا فَكَيْف وَقَعَ إِطْلَاقهَا وَتَزْوِيدهَا كَمَا تَقَدَّمَ ؟ لِأَنَّا نَقُول : أُطْلِقَتْ لِمَصْلَحَةِ الِاسْتِئْلَاف الَّذِي جَرّ دُخُول قَوْمهَا أَجْمَعِينَ فِي الْإِسْلَام , وَيُحْتَمَل أَنَّهَا كَانَ لَهَا أَمَانٌ قَبْل ذَلِكَ , أَوْ كَانَتْ مِنْ قَوْم لَهُمْ عَهْدٌ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى جَوَاز أَخْذ أَمْوَال النَّاس عِنْد الضَّرُورَة بِثَمَنٍ إِنْ كَانَ لَهُ ثَمَن , وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمَاء كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمَرْأَةِ وَأَنَّهَا كَانَتْ مَعْصُومَة النَّفْس وَالْمَال , وَيَحْتَاج إِلَى ثُبُوت ذَلِكَ. وَإِنَّمَا قَدَّمْنَاهُ اِحْتِمَالًا. وَأَمَّا قَوْله \" بِثَمَن \" فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ إِعْطَائِهَا مَا ذَكَرَ , وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّ الْعَطِيَّة الْمَذْكُورَة مُتَقَوَّمَة , وَالْمَاء مِثْلِيٌّ , وَضَمَان الْمِثْلِيّ إِنَّمَا يَكُون بِالْمِثْلِ. وَيَنْعَكِس مَا قَالَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الْمَأْخُوذ مِنْ فَضْل الْمَاء لِلضَّرُورَةِ لَا يَجِبُ الْعِوَضُ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضهمْ : فِيهِ جَوَاز طَعَام الْمُخَارَجَة ; لِأَنَّهُمْ تَخَارَجُوا فِي عِوَض الْمَاء , وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَفِيهِ أَنَّ الْخَوَارِق لَا تُغَيِّر الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : صَبَأَ... إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحْده , وَوَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ : صَبَأَ فُلَان : اِنْخَلَعَ. وَأَصْبَأ , أَيْ كَذَلِكَ. وَكَذَا قَوْله \" وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة... إِلَخْ \" وَقَدْ وَصَلَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق الرَّبِيع بْن أَنَس عَنْهُ. وَقَالَ غَيْره : هُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَى صَابِئ بْن متوشلح عَمّ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام. وَرَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الصَّابِئُونَ لَيْسَ لَهُمْ كِتَاب. اِنْتَهَى. وَوَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ \" أُصِبْ أَمَل \" وَهَذَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِير سُورَة يُوسُف إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ هَذَا هُنَا لِيُبَيِّنَ الْفَرْق بَيْن الصَّابِئ الْمُرَاد فِي هَذَا الْحَدِيث وَالصَّابِئ الْمَنْسُوب لِلطَّائِفَةِ الْمَذْكُورَة. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "332",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ هُوَ غُنْدَرٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏إِذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ لَا ‏ ‏يُصَلِّي قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمْ الْبَرْدَ قَالَ هَكَذَا ‏ ‏يَعْنِي تَيَمَّمَ وَصَلَّى قَالَ قُلْتُ فَأَيْنَ قَوْلُ ‏ ‏عَمَّارٍ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏قَالَ إِنِّي لَمْ أَرَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏قَنِعَ بِقَوْلِ ‏ ‏عَمَّارٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد هُوَ غُنْدَر ) ‏ ‏لَمْ يَقُلْ الْأَصِيلِيّ \" هُوَ غُنْدَر \" فَكَأَنَّهَا مَقُول مَنْ دُون الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ شُعْبَة ) ‏ ‏لِلْأَصِيلِيّ \" حَدَّثَنَا شُعْبَة \" , وَسُلَيْمَان هُوَ الْأَعْمَش. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا لَمْ تَجِد الْمَاء لَا تُصَلِّي ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَتنَا بِتَاءِ الْخِطَاب , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه وَلَفْظ \" فَقَالَ عَبْد اللَّه نَعَمْ إِنْ لَمْ أَجِد الْمَاء شَهْرًا لَا أُصَلِّي \" وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة بِالْيَاءِ التَّحْتَانِيَّة فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَيْ إِذَا لَمْ يَجِد الْجُنُب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏زَادَ اِبْن عَسَاكِر \" نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَحَدهمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْحَمَوِيِّ \" أَحَدكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ هَكَذَا ) ‏ ‏فِيهِ إِطْلَاق الْقَوْل عَلَى الْعَمَل , وَقَوْله \" يَعْنِي تَيَمَّمَ وَصَلَّى \" شَرْح لِقَوْلِهِ \" هَكَذَا \" وَالظَّاهِر أَنَّهُ مَقُول أَبِي مُوسَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَيْنَ قَوْل عَمَّار لِعُمَر ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة شُعْبَة مُخْتَصَرًا , وَبَيَانه فِي رِوَايَة حَفْص الْآتِيَة ثُمَّ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة وَهِيَ أَتَمُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "333",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ عِنْدَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَأَبِي مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏أَرَأَيْتَ يَا ‏ ‏أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏إِذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً كَيْفَ يَصْنَعُ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏لَا ‏ ‏يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏فَكَيْفَ تَصْنَعُ ‏ ‏بِقَوْلِ ‏ ‏عَمَّارٍ ‏ ‏حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَكْفِيكَ قَالَ أَلَمْ تَرَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ ‏ ‏عَمَّارٍ ‏ ‏كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَمَا دَرَى ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏مَا يَقُولُ فَقَالَ إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمْ الْمَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ فَقُلْتُ ‏ ‏لِشَقِيقٍ ‏ ‏فَإِنَّمَا كَرِهَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏لِهَذَا قَالَ نَعَمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "334",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ جَالِسًا مَعَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ شَهْرًا أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ ‏ ‏الْمَائِدَةِ ‏ { ‏فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ‏} ‏فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمْ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا ‏ ‏الصَّعِيدَ ‏ ‏قُلْتُ وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا قَالَ نَعَمْ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ ‏ ‏عَمَّارٍ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِد الْمَاءَ ‏ ‏فَتَمَرَّغْتُ ‏ ‏فِي ‏ ‏الصَّعِيدِ ‏ ‏كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَفَلَمْ تَرَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ ‏ ‏عَمَّارٍ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَأَبِي مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ ‏ ‏عَمَّارٍ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ فَأَجْنَبْتُ ‏ ‏فَتَمَعَّكْتُ ‏ ‏بِالصَّعِيدِ ‏ ‏فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَلَامٍ ) ‏ ‏وَلِلْأَصِيلِيّ مُحَمَّد هُوَ اِبْن سَلَامٍ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا كَانَ يَتَيَمَّم وَيُصَلِّي ) ‏ ‏وَلِكَرِيمَة وَالْأَصِيلِيّ \" أَمَا كَانَ \" بِزِيَادَةِ هَمْزَة الِاسْتِفْهَام , وَلِمُسْلِمٍ كَيْف يَصْنَع بِالصَّلَاةِ ؟ قَالَ عَبْد اللَّه \" لَا يَتَيَمَّم وَإِنْ لَمْ يَجِد الْمَاء شَهْرًا \" وَنَحْوه لِأَبِي دَاوُدَ \" قَالَ فَقَالَ أَبُو مُوسَى فَكَيْف تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَكَيْف تَصْنَعُونَ فِي سُورَة الْمَائِدَة ) ‏ ‏ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَكَيْف تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَة فِي سُورَة الْمَائِدَة \" وَسَقَطَ لَفْظ الْآيَة مِنْ رِوَايَة الْأَصِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ تَجِدُوا ) ‏ ‏هُوَ بَيَان لِلْمُرَادِ مِنْ الْآيَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا \" وَهُوَ مُغَايِرٌ لِلتِّلَاوَةِ وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ ثُمَّ أَصْلَحَهَا عَلَى وَفْق الْآيَة , وَإِنَّمَا عَيَّنَ سُورَة الْمَائِدَة لِكَوْنِهَا أَظْهَر فِي مَشْرُوعِيَّة تَيَمُّم الْجُنُب مِنْ آيَة النِّسَاء لِتَقَدُّمِ حُكْم الْوُضُوء فِي الْمَائِدَة , قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ عَبْد اللَّه كَانَ يَرَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُلَامَسَةِ الْجِمَاع فَلِهَذَا لَمْ يَدْفَع دَلِيل أَبِي مُوسَى وَإِلَّا لَكَانَ يَقُول لَهُ الْمُرَاد مِنْ الْمُلَامَسَة اِلْتِقَاء الْبَشَرَتَيْنِ فِيمَا دُون الْجِمَاع , وَجَعْلُ التَّيَمُّم بَدَلًا مِنْ الْوُضُوء لَا يَسْتَلْزِم جَعْله بَدَلًا مِنْ الْغُسْل. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا بَرَدَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء عَلَى الْمَشْهُور , وَحَكَى الْجَوْهَرِيّ ضَمَّهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ شَقِيق قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُوَ الْأَعْمَش وَالْمَقُول لَهُ شَقِيق كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة حَفْص الَّتِي قَبْل هَذِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَع ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ ذِكْر أَبِي مُوسَى لِقِصَّةِ عَمَّار مُتَأَخِّرٌ عَنْ اِحْتِجَاجه بِالْآيَةِ , وَفِي رِوَايَة حَفْص الْمَاضِيَة اِحْتِجَاجه بِالْآيَةِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ اِحْتِجَاجه بِحَدِيثِ عَمَّار , وَرِوَايَة حَفْص أَرْجَحُ ; لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَة تَدُلّ عَلَى ضَبْط ذَلِكَ وَهِيَ قَوْله : فَدَعْنَا مِنْ قَوْل عَمَّار كَيْف تَصْنَع بِهَذِهِ الْآيَة. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَضَمِّ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَأَصْله تَتَمَرَّغ فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ الْكَيْفِيَّة الْمَذْكُورَة مُجْزِئَةٌ فَيُحْمَل مَا وَرَدَ زَائِدًا عَلَيْهَا عَلَى الْأَكْمَل. ‏ ‏قَوْله : ( ظَهْر كَفّه بِشِمَالِهِ أَوْ ظَهْر شِمَاله بِكَفِّهِ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات بِالشَّكِّ , وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ تَحْرِير ذَلِكَ مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة أَيْضًا وَلَفْظه \" ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينه وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَاله عَلَى الْكَفَّيْنِ ثُمَّ مَسَحَ وَجْهه. وَفِيهِ الِاكْتِفَاء بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ فِي التَّيَمُّم , وَنَقَلَهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ جُمْهُور الْعُلَمَاء وَاخْتَارَهُ. وَفِيهِ أَنَّ التَّرْتِيب غَيْر مُشْتَرَط فِي التَّيَمُّم , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : اُخْتُلِفَ فِي لَفْظ هَذَا الْحَدِيث فَوَقَعَ عِنْد الْبُخَارِيّ بِلَفْظِ ثُمَّ وَفِي سِيَاقه اِخْتِصَارٌ وَلِمُسْلِمٍ بِالْوَاوِ وَلَفْظه \" ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَال عَلَى الْيَمِين وَظَاهِر كَفَّيْهِ وَوَجْهه \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مَا هُوَ أَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ. قُلْت : وَلَفْظه مِنْ طَرِيق هَارُون الْحَمَّال عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة \" إِنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَضْرِب بِيَدَيْك عَلَى الْأَرْض ثُمَّ تَنْفُضهُمَا ثُمَّ تَمْسَح بِيَمِينِك عَلَى شِمَالك وَشِمَالك عَلَى يَمِينك ثُمَّ تَمْسَح عَلَى وَجْهك \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِشْكَالٌ مِنْ خَمْسَة أَوْجُه : أَحَدُهَا الضَّرْبَة الْوَاحِدَة , وَفِي الطُّرُق الْأُخْرَى ضَرْبَتَانِ , وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيّ الْأَصَحّ الْمَنْصُوص ضَرْبَتَانِ. قُلْت : مُرَاد النَّوَوِيّ مَا يَتَعَلَّق بِنَقْلِ الْمَذْهَب. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَمْ تَرَ عُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَة \" أَفَلَمْ \" بِزِيَادَةِ فَاء , وَإِنَّمَا لَمْ يَقْنَع عُمَر بِقَوْلِ عَمَّار لِكَوْنِهِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْحَال وَحَضَرَ مَعَهُ تِلْكَ الْقِصَّة كَمَا سَيَأْتِي فِي رِوَايَة يَعْلَى بْن عُبَيْد , وَلَمْ يَتَذَكَّر ذَلِكَ عُمَر أَصْلًا , وَلِهَذَا قَالَ لِعَمَّار فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى : اِتَّقِ اللَّه يَا عَمَّار , قَالَ : إِنْ شِئْت لَمْ أُحَدِّث بِهِ فَقَالَ عُمَر : نُوَلِّيك مَا تَوَلَّيْت. قَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى قَوْل عُمَر \" اِتَّقِ اللَّه يَا عَمَّار \" أَيْ فِيمَا تَرْوِيه وَتَثَبَّتَ فِيهِ , فَلَعَلَّك نَسِيت أَوْ اِشْتَبَهَ عَلَيْك , فَإِنِّي كُنْت مَعَك وَلَا أَتَذَكَّرُ شَيْئًا مِنْ هَذَا , وَمَعْنَى قَوْل عَمَّار : إِنْ رَأَيْت الْمَصْلَحَة فِي الْإِمْسَاك عَنْ التَّحْدِيث بِهِ رَاجِحَة عَلَى التَّحْدِيث بِهِ وَافَقْتُك وَأَمْسَكْت فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْته فَلَمْ يَبْقَ عَلَيَّ فِيهِ حَرَجٌ. فَقَالَ لَهُ عُمَر : نُوَلِّيك مَا تَوَلَّيْت , أَيْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنِي لَا أَتَذَكَّرُهُ أَنْ لَا يَكُون حَقًّا فِي نَفْس الْأَمْر , فَلَيْسَ لِي مَنْعُك مِنْ التَّحْدِيث بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( زَادَ يَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُبَيْد , وَاَلَّذِي زَادَهُ يَعْلَى فِي هَذِهِ الْقِصَّة قَوْل عَمَّار لِعُمَر \" بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ \" وَبِهِ يَتَّضِح عُذْر عُمَر كَمَا قَدَّمْنَاهُ , وَأَمَّا اِبْن مَسْعُود فَلَا عُذْر لَهُ فِي التَّوَقُّف عَنْ قَبُول حَدِيث عَمَّار , فَلِهَذَا جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْفُتْيَا بِذَلِكَ كَمَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ فِيهِ اِنْقِطَاعٌ عَنْهُ , وَرِوَايَة يَعْلَى بْن عُبَيْدٍ لِهَذَا الْحَدِيث وَصَلَهَا أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك هَكَذَا ) ‏ ‏لِلْكُشْمِيهَنِيّ \" هَذَا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَاحِدَة ) ‏ ‏أَيْ مَسْحَة وَاحِدَة. ‏"
    },
    {
        "id": "335",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيُّ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ فَقَالَ يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ قَالَ ‏ ‏عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏. كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَا تَرْجَمَةٍ , وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَة الْأَصِيلِيّ أَصْلًا , فَعَلَى رِوَايَته هُوَ مِنْ جُمْلَة التَّرْجَمَة الْمَاضِيَة , وَعَلَى الْأَوَّل هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْل مِنْ الْبَاب كَنَظَائِرِهِ. ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَحَدِيثه هَذَا مُخْتَصَر مِنْ الْحَدِيث الطَّوِيل الْمَاضِي فِي \" بَاب الصَّعِيد الطَّيِّب \" وَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِكَوْنِ الضَّرْبَة فِي التَّيَمُّم مَرَّة وَاحِدَة , فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُصَنِّف أَخَذَهُ مِنْ عَدَم التَّقْيِيد ; لِأَنَّ الْمَرَّة الْوَاحِدَة أَقَلّ مَا يَحْصُل بِهِ الِامْتِثَال , وَوُجُوبهَا مُتَيَقَّن. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب التَّيَمُّم مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى سَبْعَة عَشَر حَدِيثًا , الْمُكَرَّر مِنْهَا عَشَرَة , مِنْهَا اِثْنَانِ مُعَلَّقَانِ وَالْخَالِص سَبْعَة مِنْهَا وَاحِد مُعَلَّق وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ الْمُعَلَّق , وَفِيهِ مِنْ الْمَوْقُوفَات عَلَى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ عَشَرَة آثَار , مِنْهَا ثَلَاثَة مَوْصُولَة وَهِيَ فَتْوَى عُمَر وَأَبِي مُوسَى وَابْن مَسْعُود , وَمِنْ بَرَاعَة الْخِتَام الْوَاقِعَة لِلْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْكِتَاب خَتْمه كِتَاب التَّيَمُّم بِقَوْلِهِ \" فَإِنَّهُ يَكْفِيك \" إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْكِفَايَة بِمَا أَوْرَدَهُ تَحْصُل لِمَنْ تَدَبَّرَ وَتَفَهَّمَ , وَاللَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "336",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏أَبُو ذَرٍّ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فُرِجَ ‏ ‏عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَنَزَلَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ ‏ ‏زَمْزَمَ ‏ ‏ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي ‏ ‏فَعَرَجَ ‏ ‏بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏لِخَازِنِ السَّمَاءِ افْتَحْ قَالَ مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قَالَ هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ قَالَ نَعَمْ مَعِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ ‏ ‏أَسْوِدَةٌ ‏ ‏وَعَلَى يَسَارِهِ ‏ ‏أَسْوِدَةٌ ‏ ‏إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى فَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ‏ ‏وَالِابْنِ الصَّالِحِ قُلْتُ ‏ ‏لِجِبْرِيلَ ‏ ‏مَنْ هَذَا قَال هَذَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏وَهَذِهِ ‏ ‏الْأَسْوِدَةُ ‏ ‏عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ‏ ‏نَسَمُ ‏ ‏بَنِيهِ فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ ‏ ‏وَالْأَسْوِدَةُ ‏ ‏الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ لِخَازِنِهَا افْتَحْ فَقَالَ لَهُ خَازِنِهَا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُ فَفَتَحَ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏وَإِدْرِيسَ ‏ ‏وَمُوسَى ‏ ‏وَعِيسَى ‏ ‏وَإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا ‏ ‏وَإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَلَمَّا مَرَّ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِإِدْرِيسَ ‏ ‏قَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا ‏ ‏إِدْرِيسُ ‏ ‏ثُمَّ مَرَرْتُ ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏فَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏ثُمَّ مَرَرْتُ ‏ ‏بِعِيسَى ‏ ‏فَقَالَ مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏ثُمَّ مَرَرْتُ ‏ ‏بِإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ‏ ‏وَالِابْنِ الصَّالِحِ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ حَزْمٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏كَانَا يَقُولَانِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ‏ ‏ظَهَرْتُ ‏ ‏لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ ‏ ‏صَرِيفَ الْأَقْلَامِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ حَزْمٍ ‏ ‏وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ قُلْتُ فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً قَالَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا فَرَجَعْتُ إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قُلْتُ وَضَعَ شَطْرَهَا فَقَالَ رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَرَاجَعْتُهُ فَقَالَ هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ فَرَجَعْتُ إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ رَاجِعْ رَبَّكَ فَقُلْتُ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا ‏ ‏حَبَايِلُ ‏ ‏اللُّؤْلُؤِ وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فُرِجَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْفَاء وَبِالْجِيمِ أَيْ فُتِحَ , وَالْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ الْمَلَك اِنْصَبَّ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاء انْصِبَابَةً وَاحِدَة وَلَمْ يُعَرِّج عَلَى شَيْء سِوَاهُ مُبَالَغَة فِي الْمُنَاجَاة وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الطَّلَب وَقَعَ عَلَى غَيْر مِيعَاد , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون السِّرّ فِي ذَلِكَ التَّمْهِيد لِمَا وَقَعَ مِنْ شَقّ صَدْره , فَكَأَنَّ الْمَلَك أَرَاهُ بِانْفِرَاجِ السَّقْف وَالْتِئَامه فِي الْحَال كَيْفِيَّة مَا سَيَصْنَعُ بِهِ لُطْفًا بِهِ وَتَثْبِيتًا لَهُ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَفَرَجَ صَدْرِي ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْفَاء وَبِالْجِيمِ أَيْضًا أَيْ شَقَّهُ , وَرَجَّحَ عِيَاض أَنَّ شَقَّ الصَّدْر كَانَ وَهُوَ صَغِير عِنْد مُرْضِعَته حَلِيمَة , وَتَعَقَّبَهُ السُّهَيْلِيّ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ الصَّوَاب , وَسَيَأْتِي تَحْقِيقه عِنْد الْكَلَام عَلَى حَدِيث شَرِيك فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَمُحَصَّله أَنَّ الشَّقّ الْأَوَّل كَانَ لِاسْتِعْدَادِهِ لِنَزْعِ الْعَلَقَة الَّتِي قِيلَ لَهُ عِنْدهَا هَذَا حَظُّ الشَّيْطَان مِنْك. وَالشَّقّ الثَّانِي كَانَ لِاسْتِعْدَادِهِ لِلتَّلَقِّي الْحَاصِل لَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة , وَقَدْ رَوَى الطَّيَالِسِيُّ وَالْحَارِث فِي مُسْنَدَيْهِمَا مِنْ حَدِيث عَائِشَة أَنَّ الشَّقّ وَقَعَ مَرَّة أُخْرَى عِنْد مَجِيء جِبْرِيل لَهُ بِالْوَحْيِ فِي غَار حِرَاء وَاللَّهُ أَعْلَم. وَمُنَاسَبَته ظَاهِرَة. وَرُوِيَ الشَّقّ أَيْضًا وَهُوَ اِبْن عَشْر أَوْ نَحْوهَا فِي قِصَّة لَهُ مَعَ عَبْد الْمُطَّلِب أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِل. وَرُوِيَ مَرَّة أُخْرَى خَامِسَة وَلَا تَثْبُتُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ جَاءَ بِطَسْت ) ‏ ‏بِفَتْح الطَّاء وَبِكَسْرِهَا إِنَاء مَعْرُوف سَبَقَ تَحْقِيقه فِي الْوُضُوء , وَخُصَّ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ آلَة الْغَسْل عُرْفًا وَكَانَ مِنْ ذَهَب ; لِأَنَّهُ أَعْلَى أَوَانِي الْجَنَّة , وَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَحْلِيَة الْمُصْحَف وَغَيْره بِالذَّهَبِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَعْمِل لَهُ الْمَلَك , فَيَحْتَاج إِلَى ثُبُوت كَوْنهمْ مُكَلَّفِينَ بِمَا كُلِّفْنَا بِهِ , وَوَرَاء ذَلِكَ كَانَ عَلَى أَصْل الْإِبَاحَة ; لِأَنَّ تَحْرِيم الذَّهْب إِنَّمَا وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا فِي اللِّبَاس. ‏ ‏قَوْله : ( مُمْتَلِئ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِالتَّذْكِيرِ عَلَى مَعْنَى الْإِنَاء لَا عَلَى لَفْظ الطَّسْت ; لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَة , ‏ ‏وَ ( حِكْمَة وَإِيمَانًا ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيز , وَالْمَعْنَى أَنَّ الطَّسْت جُعِلَ فِيهَا شَيْءٌ يَحْصُل بِهِ كَمَالُ الْإِيمَان وَالْحِكْمَة فَسُمِّيَ حِكْمَة وَإِيمَانًا مَجَازًا , أَوْ مَثَلًا لَهُ بِنَاء عَلَى جَوَاز تَمْثِيل الْمَعَانِي كَمَا يُمَثَّلُ الْمَوْتُ كَبْشًا , قَالَ النَّوَوِيّ : فِي تَفْسِير الْحِكْمَة أَقْوَال كَثِيرَة مُضْطَرِبَة صَفَا لَنَا مِنْهَا أَنَّ الْحِكْمَة الْعِلْم الْمُشْتَمِل عَلَى الْمَعْرِفَة بِاَللَّهِ مَعَ نَفَاذ الْبَصِيرَة وَتَهْذِيب النَّفْس وَتَحْقِيق الْحَقّ لِلْعَمَلِ بِهِ وَالْكَفّ عَنْ ضِدّه , وَالْحَكِيم مَنْ حَازَ ذَلِكَ. ا ه مُلَخَّصًا. وَقَدْ تُطْلَقُ الْحِكْمَة عَلَى الْقُرْآن وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى ذَلِكَ كُلّه , وَعَلَى النُّبُوَّة كَذَلِكَ , وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْعِلْم فَقَطْ , وَعَلَى الْمَعْرِفَة فَقَطْ وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّ الْمِعْرَاج وَقَعَ غَيْر مَرَّة لِكَوْنِ الْإِسْرَاء إِلَى بَيْت الْمَقْدِس لَمْ يُذْكَر هُنَا , وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَال هُوَ مِنْ اِخْتِصَار الرَّاوِي , وَالْإِتْيَان بِثُمَّ الْمُقْتَضِيَة لِلتَّرَاخِي لَا يُنَافِي وُقُوع أَمْر الْإِسْرَاء بَيْن الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَهُمَا الْإطْبَاق وَالْعُرُوج بَلْ يُشِير إِلَيْهِ , وَحَاصِلُهُ أَنَّ بَعْض الرُّوَاة ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرهُ الْآخَر , وَيُؤَيِّدهُ تَرْجَمَة الْمُصَنِّف كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَرَجَ ) ‏ ‏بِالْفَتْحِ أَيْ الْمَلَك ‏ ‏( بِي ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِهِ \" عَلَى الِالْتِفَات أَوْ التَّجْرِيد. ‏ ‏قَوْله : ( اِفْتَحْ ) ‏ ‏يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْبَاب كَانَ مُغْلَقًا. قَالَ اِبْن الْمُنِير حِكْمَته التَّحَقُّق أَنَّ السَّمَاء لَمْ تُفْتَح إِلَّا مِنْ أَجْله , بِخِلَافِ مَا لَوْ وَجَدَهُ مَفْتُوحًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ جِبْرِيل ) ‏ ‏فِيهِ مِنْ أَدَب الِاسْتِئْذَان أَنَّ الْمُسْتَأْذِن يُسَمِّي نَفْسه لِئَلَّا يَلْتَبِس بِغَيْرِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَأُرْسِلَ إِلَيْهِ ) ‏ ‏وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" أَوَأُرْسِلَ إِلَيْهِ \" يُحْتَمَل أَنْ يَكُون خَفِيَ عَلَيْهِ أَصْلُ إِرْسَاله لِاشْتِغَالِهِ بِعِبَادَتِهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون اِسْتَفْهَمَ عَنْ الْإِرْسَال إِلَيْهِ لِلْعُرُوجِ إِلَى السَّمَاء وَهُوَ الْأَظْهَر لِقَوْلِهِ \" إِلَيْهِ \" , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ رَسُول الرَّجُل يَقُوم مَقَام إِذْنه ; لِأَنَّ الْخَازِن لَمْ يَتَوَقَّف عَنْ الْفَتْح لَهُ عَلَى الْوَحْي إِلَيْهِ بِذَلِكَ , بَلْ عَمِلَ بِلَازِمِ الْإِرْسَال إِلَيْهِ , وَسَيَأْتِي فِي هَذَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَيُؤَيِّد الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَة شَرِيك \" أَوَقَدْ بُعِثَ \" لَكِنَّهَا مِنْ الْمَوَاضِع الَّتِي تُعُقِّبَتْ كَمَا سَيَأْتِي تَحْرِيرهَا فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَسْوِدَة ) ‏ ‏وَزْنُ أَزْمِنَة وَهِيَ الْأَشْخَاص مِنْ كُلّ شَيْء. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِجِبْرِيل مَنْ هَذَا ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْهُ بَعْد أَنْ قَالَ لَهُ آدَمُ مَرْحَبًا , وَرِوَايَة مَالِك بْن صَعْصَعَة بِعَكْسِ ذَلِكَ وَهِيَ الْمُعْتَمَدَة فَتُحْمَل هَذِهِ عَلَيْهَا إِذْ لَيْسَ فِي هَذِهِ أَدَاة تَرْتِيب. ‏ ‏قَوْله : ( نَسَمُ بَنِيهِ ) ‏ ‏النَّسَم بِالنُّونِ وَالْمُهْمَلَة الْمَفْتُوحَتَيْنِ جَمْع نَسَمَة وَهِيَ الرُّوح , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ رَوَاهُ بِكَسْرِ الشِّين الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْيَاء آخِر الْحُرُوف بَعْدهَا مِيم وَهُوَ تَصْحِيف , وَظَاهِره أَنَّ أَرْوَاح بَنِي آدَم مِنْ أَهْل الْجَنَّة وَالنَّار فِي السَّمَاء , وَهُوَ مُشْكِلٌ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَدْ جَاءَ أَنَّ أَرْوَاح الْكُفَّار فِي سِجِّين وَأَنَّ أَرْوَاح الْمُؤْمِنِينَ مُنَعَّمَة فِي الْجَنَّة , يَعْنِي فَكَيْف تَكُون مُجْتَمِعَة فِي سَمَاء الدُّنْيَا ؟ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَل أَنَّهَا تُعْرَضُ عَلَى آدَم أَوْقَاتًا فَصَادَفَ وَقْتُ عَرْضهَا مُرُورَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَدُلّ - عَلَى أَنَّ كَوْنهمْ فِي الْجَنَّة وَالنَّار إِنَّمَا هُوَ فِي أَوْقَاتٍ دُون أَوْقَاتٍ - قَوْله تَعَالَى ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ أَرْوَاح الْكُفَّار لَا تُفْتَح لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء كَمَا هُوَ نَصُّ الْقُرْآن. وَالْجَوَاب عَنْهُ مَا أَبْدَاهُ هُوَ اِحْتِمَالًا أَنَّ الْجَنَّة كَانَتْ فِي جِهَة يَمِين آدَم وَالنَّار فِي جِهَة شِمَاله , وَكَانَ يُكْشَفُ لَهُ عَنْهُمَا , ا ه. وَيُحْتَمَل أَنْ يُقَال : إِنَّ النَّسَم الْمَرْئِيَّة هِيَ الَّتِي لَمْ تَدْخُل الْأَجْسَاد بَعْدُ وَهِيَ مَخْلُوقَة قَبْل الْأَجْسَاد وَمُسْتَقَرُّهَا عَنْ يَمِين آدَم وَشِمَاله. وَقَدْ أُعْلِمَ بِمَا سَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ , فَلِذَلِكَ كَانَ يَسْتَبْشِر إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ عَنْ يَمِينه وَيَحْزَن إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ عَنْ يَسَاره , بِخِلَافِ الَّتِي فِي الْأَجْسَاد فَلَيْسَتْ مُرَادَة قَطْعًا , وَبِخِلَافِ الَّتِي اِنْتَقَلَتْ مِنْ الْأَجْسَاد إِلَى مُسْتَقَرِّهَا مِنْ جَنَّة أَوْ نَار فَلَيْسَتْ مُرَادَة أَيْضًا فِيمَا يَظْهَر. وَبِهَذَا يَنْدَفِع الْإِيرَاد وَيُعْرَف أَنَّ قَوْله \" نَسَم بَنِيهِ \" عَامٌّ مَخْصُوصٌ , أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوص. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ اِبْن إِسْحَاق وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقه فِي حَدِيث الْإِسْرَاء \" فَإِذَا بِآدَم تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاح ذُرِّيَّته الْمُؤْمِنِينَ فَيَقُول رُوح طَيِّبَة وَنَفْس طَيِّبَة اِجْعَلُوهَا فِي عِلِّيِّينَ , ثُمَّ تُعْرَض عَلَيْهِ أَرْوَاح ذُرِّيَّته الْفُجَّار فَيَقُول رُوح خَبِيثَة وَنَفْس خَبِيثَة اِجْعَلُوهَا فِي سِجِّين \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار \" فَإِذَا عَنْ يَمِينه بَاب يَخْرُج مِنْهُ رِيح طَيِّبَة , وَعَنْ شِمَاله بَاب يَخْرُج مِنْهُ رِيح خَبِيثَة , إِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينه اِسْتَبْشَرَ , وَإِذَا نَظَرَ عَنْ شِمَاله حَزِنَ \" فَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى مِنْ جَمِيع مَا تَقَدَّمَ , وَلَكِنَّ سَنَده ضَعِيفٌ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَنَس فَذَكَرَ ) ‏ ‏أَيْ أَبُو ذَرٍّ ‏ ‏( أَنَّهُ وَجَدَ ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يُثْبِت ) ‏ ‏أَيْ أَبُو ذَرٍّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِبْرَاهِيم فِي السَّمَاء السَّادِسَة ) ‏ ‏هُوَ مُوَافِق لِرِوَايَةِ شَرِيك عَنْ أَنَس , وَالثَّابِت فِي جَمِيع الرِّوَايَات غَيْر هَاتَيْنِ أَنَّهُ فِي السَّابِعَة. فَإِنْ قُلْنَا بِتَعَدُّدِ الْمِعْرَاج فَلَا تَعَارُض , وَإِلَّا فَالْأَرْجَح رِوَايَة الْجَمَاعَة لِقَوْلِهِ فِيهَا \" أَنَّهُ رَآهُ مُسْنِدًا ظَهْره إِلَى الْبَيْت الْمَعْمُور \" وَهُوَ فِي السَّابِعَة بِلَا خِلَاف , وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ فِي السَّادِسَة عِنْد شَجَرَة طُوبَى فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ الْبَيْت الَّذِي فِي السَّادِسَة بِجَانِبِ شَجَرَة طُوبَى ; لِأَنَّهُ جَاءَ عَنْهُ أَنَّ فِي كُلّ سَمَاء بَيْتًا يُحَاذِي الْكَعْبَة وَكُلّ مِنْهَا مَعْمُور بِالْمَلَائِكَةِ , وَكَذَا الْقَوْل فِيمَا جَاءَ عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس وَغَيْره أَنَّ الْبَيْت الْمَعْمُور فِي السَّمَاء الدُّنْيَا , فَإِنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَوَّل بَيْت يُحَاذِي الْكَعْبَة مِنْ بُيُوت السَّمَاوَات وَيُقَال إِنَّ اِسْم الْبَيْت الْمَعْمُور \" الضُّرَاح \" بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَآخِره مُهْمَلَة , وَيُقَال بَلْ هُوَ اِسْم سَمَاء الدُّنْيَا , وَلِأَنَّهُ قَالَ هُنَا إِنَّهُ لَمْ يُثْبِت كَيْف مَنَازِلهمْ فَرِوَايَة مَنْ أَثْبَتَهَا أَرْجَحُ , وَسَأَذْكُرُ مَزِيدًا لِهَذَا فِي كِتَاب التَّوْحِيد. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَنَس فَلَمَّا مَرَّ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ هَذِهِ الْقِطْعَة لَمْ يَسْمَعهَا أَنَسٌ مِنْ أَبِي ذَرٍّ. ‏ ‏قَوْله : ( مَرَّ جِبْرِيل بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِدْرِيس ) ‏ ‏الْبَاء الْأُولَى لِلْمُصَاحَبَةِ وَالثَّانِيَة لِلْإِلْصَاقِ أَوْ بِمَعْنَى عَلَى. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ مَرَرْت بِعِيسَى ) ‏ ‏لَيْسَتْ \" ثُمَّ \" عَلَى بَابهَا فِي التَّرْتِيب , إِلَّا إِنْ قِيلَ بِتَعَدُّدِ الْمِعْرَاج , إِذْ الرِّوَايَات مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرُور بِهِ كَانَ قَبْل الْمُرُور بِمُوسَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب فَأَخْبَرَنِي اِبْن حَزْم ) ‏ ‏أَيْ أَبُو بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم. وَأَمَّا أَبُوهُ مُحَمَّد فَلَمْ يَسْمَع الزُّهْرِيُّ مِنْهُ لِتَقَدُّمِ مَوْته , لَكِنَّ رِوَايَة أَبِي بَكْر عَنْ أَبِي حَبَّة مُنْقَطِعَةٌ ; لِأَنَّهُ اِسْتَشْهَدَ بِأَحَدٍ قَبْل مَوْلِد أَبِي بَكْر بِدَهْرٍ وَقَبْل مَوْلِد أَبِيهِ مُحَمَّد أَيْضًا , وَأَبُو حَبَّة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَة عَلَى الْمَشْهُور , وَعِنْد الْقَابِسِيّ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتَانِيَّة وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ , وَذَكَره الْوَاقِدِيُّ بِالنُّونِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى ظَهَرْت ) ‏ ‏أَيْ اِرْتَفَعْت , ‏ ‏وَ ( الْمُسْتَوَى ) ‏ ‏الْمِصْعَد ‏ ‏وَ ( صَرِيفَ الْأَقْلَام ) ‏ ‏بِفَتْحِ الصَّاد الْمُهْمَلَة تَصْوِيتُهَا حَالَة الْكِتَابَة , وَالْمُرَاد مَا تَكْتُبهُ الْمَلَائِكَة مِنْ أَقْضِيَة اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن حَزْم ) ‏ ‏أَيْ عَنْ شَيْخه ‏ ‏( وَأَنَس ) ‏ ‏أَيْ عَنْ أَبِي ذَرٍّ كَذَا جَزَمَ بِهِ أَصْحَاب الْأَطْرَاف , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مُرْسَلًا مِنْ جِهَة اِبْن حَزْم وَمِنْ رِوَايَة أَنَس بِلَا وَاسِطَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس عِنْد مُسْلِم \" فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاة كُلّ يَوْم وَلَيْلَة \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة مَالِك بْن صَعْصَعَة عِنْد الْمُصَنِّف , فَيُحْتَمَل أَنْ يُقَال فِي كُلّ مِنْ رِوَايَة الْبَاب وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى اِخْتِصَار , أَوْ يُقَال ذِكْر الْفَرْض عَلَيْهِ يَسْتَلْزِم الْفَرْض عَلَى الْأُمَّة وَبِالْعَكْسِ إِلَّا مَا يُسْتَثْنَى مِنْ خَصَائِصه. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَاجَعَنِي ) ‏ ‏وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ فَرَاجَعْت وَالْمَعْنَى وَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَضَعَ شَطْرهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك بْن صَعْصَعَة \" فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا \" وَمِثْله لِشَرِيك , وَفِي رِوَايَة ثَابِت \" فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا \" قَالَ اِبْن الْمُنِير : ذِكْر الشَّطْر أَعَمُّ مِنْ كَوْنه وَقَعَ فِي دُفْعَة وَاحِدَة. قُلْت : وَكَذَا الْعَشْر فَكَأَنَّهُ وَضَعَ الْعَشْر فِي دُفْعَتَيْنِ وَالشَّطْر فِي خَمْس دُفُعَات , أَوْ الْمُرَاد بِالشَّطْرِ فِي حَدِيث الْبَاب الْبَعْض وَقَدْ حَقَقْت رِوَايَة ثَابِت أَنَّ التَّخْفِيف كَانَ خَمْسًا خَمْسًا وَهِيَ زِيَادَة مُعْتَمَدَة يَتَعَيَّن حَمْلُ بَاقِي الرِّوَايَات عَلَيْهَا , وَأَمَّا قَوْل الْكَرْمَانِيِّ الشَّطْر هُوَ النِّصْف فَفِي الْمُرَاجَعَة الْأُولَى وَضَعَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَفِي الثَّانِيَة ثَلَاثَة عَشَر يَعْنِي نِصْف الْخَمْسَة وَالْعِشْرِينَ بِجَبْرِ الْكَسْر وَفِي الثَّالِثَة سَبْعًا , كَذَا قَالَ. وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب فِي الْمُرَاجَعَة الثَّالِثَة ذِكْر وَضْع شَيْء , إِلَّا أَنْ يُقَال حُذِفَ ذَلِكَ اِخْتِصَارًا فَيُتَّجَه , لَكِنَّ الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَات يَأْبَى هَذَا الْحَمْل , فَالْمُعْتَمَد مَا تَقَدَّمَ. وَأَبْدَى اِبْن الْمُنِير هُنَا نُكْتَة لَطِيفَة فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا أَمَرَهُ أَنْ يَرْجِع بَعْد أَنْ صَارَتْ خَمْسًا فَقَالَ : اِسْتَحْيَيْت مِنْ رَبِّي , قَالَ اِبْن الْمُنِير : يُحْتَمَل أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَرَّسَ مِنْ كَوْن التَّخْفِيف وَقَعَ خَمْسًا خَمْسًا أَنَّهُ لَوْ سَأَلَ التَّخْفِيف بَعْد أَنْ صَارَتْ خَمْسًا لَكَانَ سَائِلًا فِي رَفْعهَا فَلِذَلِكَ اِسْتَحْيَا ا ه. وَدَلَّتْ مُرَاجَعَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَبِّهِ فِي طَلَب التَّخْفِيف تِلْكَ الْمَرَّات كُلّهَا أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْر فِي كُلّ مَرَّة لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيل الْإِلْزَام , بِخِلَافِ الْمَرَّة الْأَخِيرَة فَفِيهَا مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى : \" لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ \". وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون سَبَب الِاسْتِحْيَاء أَنَّ الْعَشَرَة آخِر جَمْع الْقِلَّة وَأَوَّل جَمْع الْكَثْرَة , فَخَشِيَ أَنْ يَدْخُل فِي الْإِلْحَاح فِي السُّؤَال لَكِنَّ الْإِلْحَاح فِي الطَّلَب مِنْ اللَّه مَطْلُوب , فَكَأَنَّهُ خَشِيَ مِنْ عَدَم الْقِيَام بِالشُّكْرِ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد زِيَادَة فِي هَذَا وَمُخَالَفَةٌ. وَأَبْدَى بَعْض الشُّيُوخ حِكْمَة لِاخْتِيَارِ مُوسَى تَكْرِير تَرْدَاد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَمَّا كَانَ مُوسَى قَدْ سَأَلَ الرُّؤْيَة فَمُنِعَ وَعَرَفَ أَنَّهَا حَصَلَتْ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَدَ بِتَكْرِيرِ رُجُوعه تَكْرِير رُؤْيَته لِيَرَى مَنْ رَأَى , كَمَا قِيلَ : لَعَلِّي أَرَاهُمْ أَوْ أَرَى مَنْ رَآهُمْ قُلْت : وَيَحْتَاج إِلَى ثُبُوت تَجَدُّد الرُّؤْيَة فِي كُلّ مَرَّة. ‏ ‏قَوْله : ( هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرٍّ \" هِيَ \" بَدَل \" هُنَّ \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَالْمُرَاد هُنَّ خَمْس عَدَدًا بِاعْتِبَارِ الْفِعْل وَخَمْسُونَ اِعْتِدَادًا بِاعْتِبَارِ الثَّوَاب , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَم فَرْضِيَّة مَا زَادَ عَلَى الصَّلَوَات الْخَمْس كَالْوِتْرِ , وَعَلَى دُخُول النَّسْخ فِي الْإِنْشَاءَات وَلَوْ كَانَتْ مُؤَكَّدَة , خِلَافًا لِقَوْم فِيمَا أُكِّدَ , وَعَلَى جَوَاز النَّسْخ قَبْل الْفِعْل. قَالَ اِبْن بَطَّالٍ وَغَيْره : أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَسَخَ الْخَمْسِينَ بِالْخَمْسِ قَبْل أَنْ تُصَلَّى , ثُمَّ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ أَكْمَلَ لَهُمْ الثَّوَاب. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير فَقَالَ : هَذَا ذَكَرَهُ طَوَائِف مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَالشُّرَّاح , وَهُوَ مُشْكِل عَلَى مَنْ أَثْبَتَ النَّسْخ قَبْل الْفِعْل كَالْأَشَاعِرَةِ أَوْ مَنَعَهُ كَالْمُعْتَزِلَةِ , لِكَوْنِهِمْ اِتَّفَقُوا جَمِيعًا عَلَى أَنَّ النَّسْخ لَا يُتَصَوَّر قَبْل الْبَلَاغ , وَحَدِيث الْإِسْرَاء وَقَعَ فِيهِ النَّسْخ قَبْل الْبَلَاغ , فَهُوَ مُشْكِل عَلَيْهِمْ جَمِيعًا. قَالَ : وَهَذِهِ نُكْتَةٌ مُبْتَكَرَةٌ. قُلْت : إِنْ أَرَادَ قَبْل الْبَلَاغ لِكُلِّ أَحَد فَمَمْنُوعٌ , وَإِنْ أَرَادَ قَبْل الْبَلَاغ إِلَى الْأُمَّة فَمُسَلَّمٌ , لَكِنْ قَدْ يُقَال : لَيْسَ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ نَسْخًا , لَكِنْ هُوَ نَسْخٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ كُلِّفَ بِذَلِكَ قَطْعًا ثُمَّ نُسِخَ بَعْد أَنْ بُلِّغَهُ وَقَبْل أَنْ يَفْعَل , فَالْمَسْأَلَة صَحِيحَة التَّصْوِير فِي حَقّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيد فِي شَرْح حَدِيث الْإِسْرَاء فِي التَّرْجَمَة النَّبَوِيَّة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ لِجَمِيعِ رُوَاة الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْمَوْضِع بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة ثُمَّ الْمُوَحَّدَة وَبَعْد الْأَلِف تَحْتَانِيَّة ثُمَّ لَام , وَذَكَرَ كَثِير مِنْ الْأَئِمَّة أَنَّهُ تَصْحِيف وَإِنَّمَا هُوَ \" جَنَابِذُ \" بِالْجِيمِ وَالنُّون وَبَعْد الْأَلِف مُوَحَّدَة ثُمَّ ذَال مُعْجَمَة كَمَا وَقَعَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مِنْ رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك وَغَيْره عَنْ يُونُس , وَكَذَا عِنْد غَيْره مِنْ الْأَئِمَّة. وَوَجَدْت فِي نُسْخَة مُعْتَمَدَة مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ فِي هَذَا الْمَوْضِع \" جَنَابِذُ \" عَلَى الصَّوَاب وَأَظُنّهُ مِنْ إِصْلَاح بَعْض الرُّوَاة , وَقَالَ اِبْن حَزْم فِي أَجْوِبَته عَلَى مَوَاضِع مِنْ الْبُخَارِيّ : فَتَّشْت عَلَى هَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ فَلَمْ أَجِدهُمَا وَلَا وَاحِدَة مِنْهُمَا وَلَا وَقَفْت عَلَى مَعْنَاهُمَا. اِنْتَهَى. وَذَكَرَ غَيْره أَنَّ الْجَنَابِذ شَبَه الْقِبَاب وَاحِدهَا جُنْبُذَة بِالضَّمِّ , وَهُوَ مَا اِرْتَفَعَ مِنْ الْبِنَاء , فَهُوَ فَارِسِيّ مُعَرَّب وَأَصْله بِلِسَانِهِمْ كُنْبُذَة بِوَزْنِهِ لَكِنَّ الْمُوَحَّدَة مَفْتُوحَة وَالْكَاف لَيْسَتْ خَالِصَة , وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس قَالَ \" لَمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَتَيْت عَلَى نَهَر حَافَتَاهُ قِبَاب اللُّؤْلُؤ \" وَقَالَ صَاحِب الْمَطَالِع فِي الْحَبَائِل قِيلَ : هِيَ الْقَلَائِد وَالْعُقُود , أَوْ هِيَ مِنْ حِبَال الرَّمْل أَيْ فِيهَا لُؤْلُؤ مِثْل حِبَال الرَّمْل جَمْع حَبْل وَهُوَ مَا اِسْتَطَالَ مِنْ الرَّمْل , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَبَائِل لَا تَكُون إِلَّا جَمْع حِبَالَة أَوْ حَبِيلَةٍ بِوَزْنِ عَظِيمَة , وَقَالَ بَعْض مَنْ اِعْتَنَى بِالْبُخَارِيِّ : الْحَبَائِل جَمْع حِبَالَة وَحِبَالَة جَمْع حَبْل عَلَى غَيْر قِيَاس , وَالْمُرَاد أَنَّ فِيهَا عُقُودًا وَقَلَائِد مِنْ اللُّؤْلُؤ. ‏"
    },
    {
        "id": "337",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : فَرَضَ اللَّه الصَّلَاة حِين فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏كَرَّرَتْ لَفْظ رَكْعَتَيْنِ لِتُفِيدَ عُمُوم التَّثْنِيَة لِكُلِّ صَلَاة , زَادَ اِبْن إِسْحَاق \" قَالَ حَدَّثَنِي صَالِح بْن كَيْسَانَ بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَّا الْمَغْرِب فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَلَاثًا \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيقه , وَلِلْمُصَنِّفِ فِي كِتَاب الْهِجْرَة مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" فُرِضَتْ الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ , ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا \" فَعَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ الزِّيَادَة فِي قَوْله هُنَا \" وَزِيدَ فِي صَلَاة الْحَضَر \" وَقَعَتْ بِالْمَدِينَةِ , وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث الْحَنَفِيَّة وَبَنَوْا عَلَيْهِ أَنَّ الْقَصْر فِي السَّفَر عَزِيمَةٌ لَا رُخْصَةٌ , وَاحْتَجَّ مُخَالِفُوهُمْ بِقَوْلِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى ( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ ) لِأَنَّ نَفْي الْجُنَاح لَا يَدُلّ عَلَى الْعَزِيمَة , وَالْقَصْر إِنَّمَا يَكُون مِنْ شَيْء أَطْوَل مِنْهُ. وَيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ رُخْصَة أَيْضًا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" صَدَقَة تَصَدَّقَ اللَّه بِهَا عَلَيْكُمْ \" وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيث الْبَاب بِأَنَّهُ مِنْ قَوْل عَائِشَة غَيْر مَرْفُوع وَبِأَنَّهَا لَمْ تَشْهَد زَمَان فَرْض الصَّلَاة , قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره , وَفِي هَذَا الْجَوَاب نَظَرٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَهُوَ مِمَّا لَا مَجَال لِلرَّأْيِ فِيهِ فَلَهُ حُكْم الرَّفْع , وَأَمَّا ثَانِيًا فَعَلَى تَقْدِير تَسْلِيم أَنَّهَا لَمْ تُدْرِك الْقِصَّة يَكُون مُرْسَل صَحَابِيّ وَهُوَ حُجَّة ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ تَكُون أَخَذَتْهُ عَنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَنْ صَحَابِيّ آخَر أَدْرَكَ ذَلِكَ , وَأَمَّا قَوْل إِمَام الْحَرَمَيْنِ لَوْ كَانَ ثَابِتًا لَنُقِلَ مُتَوَاتِرًا فَفِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ ; لِأَنَّ التَّوَاتُر فِي مِثْل هَذَا غَيْر لَازِم , وَقَالُوا أَيْضًا : يُعَارِض حَدِيث عَائِشَة هَذَا حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" فُرِضَتْ الصَّلَاة فِي الْحَضَر أَرْبَعًا وَفِي السَّفَر رَكْعَتَيْنِ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَالْجَوَاب أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْع بَيْن حَدِيث عَائِشَة وَابْن عَبَّاس كَمَا سَيَأْتِي فَلَا تَعَارُض , وَأَلْزَمُوا الْحَنَفِيَّة عَلَى قَاعِدَتهمْ فِيمَا إِذَا عَارَضَ رَأْي الصَّحَابِيّ رِوَايَته بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : الْعِبْرَة بِمَا رَأَى لَا بِمَا رَوَى , وَخَالَفُوا ذَلِكَ هُنَا , فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا كَانَتْ تُتِمّ فِي السَّفَر فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَرْوِيّ عَنْهَا غَيْر ثَابِت , وَالْجَوَاب عَنْهُمْ أَنَّ عُرْوَة الرَّاوِي عَنْهَا قَدْ قَالَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ إِتْمَامهَا فِي السَّفَر إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَان , فَعَلَى هَذَا لَا تَعَارُض بَيْن رِوَايَتهَا وَبَيْن رَأْيهَا , فَرِوَايَتهَا صَحِيحَة وَرَأْيهَا مَبْنِيّ عَلَى مَا تَأَوَّلَتْ. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي - وَبِهِ تَجْتَمِع الْأَدِلَّة السَّابِقَة - أَنَّ الصَّلَوَات فُرِضَتْ لَيْلَة الْإِسْرَاء رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِب , ثُمَّ زِيدَتْ بَعْد الْهِجْرَة عَقِب الْهِجْرَة إِلَّا الصُّبْح , كَمَا رَوَى اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" فُرِضَتْ صَلَاة الْحَضَر وَالسَّفَر رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ , فَلَمَّا قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة وَاطْمَأَنَّ زِيدَ فِي صَلَاة الْحَضَر رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ , وَتُرِكَتْ صَلَاة الْفَجْر لِطُولِ الْقِرَاءَة , وَصَلَاة الْمَغْرِب ; لِأَنَّهَا وِتْر النَّهَار \" ا ه. ثُمَّ بَعْد أَنْ اِسْتَقَرَّ فَرْض الرُّبَاعِيَّة خُفِّفَ مِنْهَا فِي السَّفَر عِنْد نُزُول الْآيَة السَّابِقَة وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ ) وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا ذَكَره اِبْن الْأَثِير فِي شَرْح الْمُسْنَد أَنَّ قَصْر الصَّلَاة كَانَ فِي السَّنَة الرَّابِعَة مِنْ الْهِجْرَة , وَهُوَ مَأْخُوذ مِمَّا ذَكَره غَيْره أَنَّ نُزُول آيَة الْخَوْف كَانَ فِيهَا , وَقِيلَ كَانَ قَصْر الصَّلَاة فِي رَبِيع الْآخَر مِنْ السَّنَة الثَّانِيَة ذَكَره الدُّولَابِيُّ وَأَوْرَدَهُ السُّهَيْلِيّ بِلَفْظِ \" بَعْد الْهِجْرَة بِعَام أَوْ نَحْوه , وَقِيلَ بَعْد الْهِجْرَة بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا \" , فَعَلَى هَذَا الْمُرَاد بِقَوْلِ عَائِشَة \" فَأُقِرَّتْ صَلَاة السَّفَر \" أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ الْأَمْر مِنْ التَّخْفِيف , لَا أَنَّهَا اِسْتَمَرَّتْ مُنْذُ فُرِضَتْ , فَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقَصْر عَزِيمَة , وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" وَالْخَوْف رَكْعَة \" فَالْبَحْث فِيهِ يَجِيء إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي صَلَاة الْخَوْف. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏ذَهَبَ جَمَاعَة إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْل الْإِسْرَاء صَلَاة مَفْرُوضَة إِلَّا مَا كَانَ وَقَعَ الْأَمْر بِهِ مِنْ صَلَاة اللَّيْل مِنْ غَيْر تَحْدِيد , وَذَهَبَ الْحَرْبِيُّ إِلَى أَنَّ الصَّلَاة كَانَتْ مَفْرُوضَة رَكْعَتَيْنِ بِالْغَدَاةِ وَرَكْعَتَيْنِ بِالْعَشِيِّ , وَذَكَرَ الشَّافِعِيّ عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّ صَلَاة اللَّيْل كَانَتْ مَفْرُوضَة ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) فَصَارَ الْفَرْض قِيَام بَعْض اللَّيْل , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْس. وَاسْتَنْكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ ذَلِكَ وَقَالَ : الْآيَة تَدُلّ عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) إِنَّمَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيهَا ( وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) وَالْقِتَال إِنَّمَا وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ لَا بِمَكَّة , وَالْإِسْرَاء كَانَ بِمَكَّة قَبْل ذَلِكَ , ا ه. وَمَا اِسْتَدَلَّ بِهِ غَيْر وَاضِح ; لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ( عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ ) ظَاهِر فِي الِاسْتِقْبَال , فَكَأَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى اِمْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَعْجِيلِ التَّخْفِيف قَبْل وُجُود الْمَشَقَّة الَّتِي عَلِمَ أَنَّهَا سَتَقَعُ لَهُمْ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "338",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتِ ‏ ‏الْخُدُورِ ‏ ‏فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ قَالَتْ امْرَأَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ ‏ ‏قَالَ لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ‏ ‏حَدَّثَتْنَا ‏ ‏أُمُّ عَطِيَّةَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَزِيد بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ التُّسْتَرِيُّ , وَمُحَمَّد هُوَ اِبْن سِيرِينَ , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَكَذَا الْمُعَلَّق بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( أُمِرْنَا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق هِشَام عَنْ حَفْصَة عَنْ أُمّ عَطِيَّة قَالَتْ \" أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي الطَّهَارَة بِأَتَمّ مِنْ هَذَا السِّيَاق فِي بَاب شُهُود الْحَائِض الْعِيدَيْنِ , وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ ثَمَّ. ‏ ‏قَوْله : ( يَوْم الْعِيدَيْنِ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والْكُشْمِيهَنِيّ \" يَوْم الْعِيد \" بِالْإِفْرَادِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَعْتَزِل الْحُيَّض عَنْ مُصَلَّاهُنَّ ) ‏ ‏أَيْ النِّسَاء اللَّاتِي لَسْنَ بِحُيَّضٍ , وَلِلْمُسْتَمْلِي \" عَنْ مُصَلَّاهُمْ \" عَلَى التَّغْلِيب , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" عَنْ الْمُصَلَّى \" وَالْمُرَاد بِهِ مَوْضِع الصَّلَاة. وَدَلَالَته عَلَى التَّرْجَمَة مِنْ جِهَة تَأْكِيد الْأَمْر بِاللُّبْسِ حَتَّى بِالْعَارِيَةِ لِلْخُرُوجِ إِلَى صَلَاة الْعِيد فَيَكُون ذَلِكَ لِلْفَرِيضَةِ أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء ) ‏ ‏هُوَ الْغُدَانِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمُهْمَلَة وَبَعْد الْأَلِف نُون , هَكَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , وَوَقَعَ عِنْد الْأَصِيلِيّ فِي عَرْضه عَلَى أَبِي زَيْد بِمَكَّة \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن رَجَاء قَالَ \" وَفِي بَعْض النُّسَخ عَنْ أَبِي زَيْد \" وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء \" كَمَا قَالَ الْبَاقُونَ. قُلْت : وَهَذَا هُوَ الَّذِي اِعْتَمَدَهُ أَصْحَاب الْأَطْرَاف وَالْكَلَام عَلَى رِجَال هَذَا الْكِتَاب , وَعِمْرَان الْمَذْكُور هُوَ الْقَطَّانُ , وَفَائِدَة التَّعْلِيق عَنْهُ تَصْرِيح مُحَمَّد بْنِ سِيرِينَ بِتَحْدِيثِ أُمّ عَطِيَّة لَهُ , فَبَطَلَ مَا تَخَيَّلَهُ بَعْضهمْ مِنْ أَنَّ مُحَمَّدًا إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ أُخْته حَفْصَة عَنْ أُمّ عَطِيَّة. وَقَدْ رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير \" حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد الْعَزِيز حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن رَجَاء \" وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "339",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏قَالَ صَلَّى ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى ‏ ‏الْمِشْجَبِ ‏ ‏قَالَ لَهُ ‏ ‏قَائِلٌ ‏ ‏تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ فَقَالَ إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي وَاقِدٌ ) ‏ ‏هُوَ أَخُو عَاصِم بْن مُحَمَّد الرَّاوِي عَنْهُ , وَمُحَمَّد أَبُوهُمَا هُوَ اِبْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه اِبْن عُمَر , وَوَاقِد وَمُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر مَدَنِيَّانِ تَابِعِيَّانِ مِنْ طَبَقَة وَاحِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ قِبَلِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْمُوَحَّدَة , أَيْ مِنْ جِهَة قَفَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( الْمِشْجَب ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْجِيم بَعْدهَا مُوَحَّدَة , هُوَ عِيدَان تُضَمُّ رُءُوسهَا وَيُفَرَّجُ بَيْن قَوَائِمهَا تُوضَع عَلَيْهَا الثِّيَاب وَغَيْرهَا , وَقَالَ اِبْن سِيدَهْ : الْمِشْجَب وَالشِّجَاب خَشَبَات ثَلَاث يُعَلِّق عَلَيْهَا الرَّاعِي دَلْوه وَسِقَاءَهُ , وَيُقَال فِي الْمَثَل \" فُلَان كَالْمِشْجَبِ مِنْ حَيْثُ قَصَدْته وَجَدْته \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُ قَائِل ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم أَنَّهُ عُبَادَةُ بْن الْوَلِيد بْن عُبَادَةَ بْن الصَّامِت , وَسَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّ سَعِيد بْن الْحَارِث سَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة , وَلَعَلَّهُمَا جَمِيعًا سَأَلَاهُ , وَسَيَأْتِي عِنْد الْمُصَنِّف فِي \" بَاب الصَّلَاة بِغَيْرِ رِدَاء \" مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُنْكَدِر أَيْضًا \" فَقُلْنَا يَا أَبَا عَبْد اللَّه \" فَلَعَلَّ السُّؤَال تَعَدَّدَ , وَقَالَ فِي جَوَاب اِبْن الْمُنْكَدِر \" فَأَحْبَبْت أَنْ يَرَانِي الْجُهَّال مِثْلكُمْ \" وَعُرِفَ بِهِ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ هُنَا \" أَحْمَق \" أَيْ جَاهِل. وَالْحُمْق وَضْعُ الشَّيْء فِي غَيْر مَوْضِعه مَعَ الْعِلْم بِقُبْحِهِ , قَالَهُ فِي النِّهَايَة. وَالْغَرَض بَيَان جَوَاز الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاة فِي الثَّوْبَيْنِ أَفْضَل , فَكَأَنَّهُ قَالَ : صَنَعْته عَمْدًا لِبَيَانِ الْجَوَاز إِمَّا لِيَقْتَدِيَ بِي الْجَاهِلُ اِبْتِدَاءً أَوْ يُنْكِر عَلَيَّ فَأُعَلِّمهُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِز. وَإِنَّمَا أَغْلَظَ لَهُمْ فِي الْخِطَاب زَجْرًا عَنْ الْإِنْكَار عَلَى الْعُلَمَاء , وَلِيُحِثّهُمْ عَلَى الْبَحْث عَنْ الْأُمُور الشَّرْعِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ) ‏ ‏أَيْ كَانَ أَكْثَرنَا فِي عَهْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَمْلِك إِلَّا الثَّوْب الْوَاحِد , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُكَلَّف تَحْصِيل ثَوْب ثَانٍ لِيُصَلِّيَ فِيهِ , فَدَلَّ عَلَى الْجَوَاز. وَعَقَّبَ الْمُصَنِّف حَدِيثه هَذَا بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْمُصَرِّحَة بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَكُونَ بَيَان الْجَوَاز بِهِ أَوْقَع فِي النَّفْس , لِكَوْنِهِ أَصْرَح فِي الرَّفْع مِنْ الَّذِي قَبْله. وَخَفِيَ ذَلِك عَلَى الْكَرْمَانِيِّ فَقَالَ : دَلَالَته - أَيْ الْحَدِيث الْأَخِير - عَلَى التَّرْجَمَة وَهِيَ عَقْد الْإِزَار عَلَى الْقَفَا إِمَّا لِأَنَّهُ مَخْرُوم مِنْ الْحَدِيث السَّابِق - أَيْ هُوَ طَرَف مِنْ الَّذِي قَبْله - وَإِمَّا لِأَنَّهُ يَدُلّ عَلَيْهِ بِحَسَب الْغَالِب إِذْ لَوْلَا عَقْده عَلَى الْقَفَا لَمَا سَتَرَ الْعَوْرَة غَالِبًا , ا ه. وَلَوْ تَأَمَّلَ لَفْظه وَسِيَاقه بَعْد ثَمَانِيَة أَبْوَاب لَعَرَفَ اِنْدِفَاع اِحْتِمَالَيْهِ فَإِنَّهُ طَرَف مِنْ الْحَدِيث الْمَذْكُور هُنَاكَ لَا مِنْ السَّابِق , وَلَا ضَرُورَة إِلَى مَا اِدَّعَاهُ مِنْ الْغَلَبَة , فَإِنَّ لَفْظه \" وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْب مُلْتَحِفًا بِهِ \" وَهِيَ قِصَّة أُخْرَى فِيمَا يَظْهَر كَانَ الثَّوْب فِيهَا وَاسِعًا فَالْتَحَفَ بِهِ , وَكَانَ فِي الْأُولَى ضَيِّقًا فَعَقَدَهُ , وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيِّد هَذَا التَّفْصِيل قَرِيبًا. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏كَانَ الْخِلَاف فِي مَنْع جَوَاز الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد قَدِيمًا , رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" لَا تُصَلِّينَ فِي ثَوْب وَاحِد وَإِنْ كَانَ أَوْسَعَ مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض \" وَنَسَبَ اِبْن بَطَّالٍ ذَلِكَ لِابْنِ عُمَر ثُمَّ قَالَ : لَمْ يُتَابَع عَلَيْهِ , ثُمَّ اِسْتَقَرَّ الْأَمْر عَلَى الْجَوَاز. ‏"
    },
    {
        "id": "340",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُطَرِّفٌ أَبُو مُصْعَبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَقَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن سُلَيْمَان الْأَصَمّ صَاحِب مَالِك , مَدَنِيٌّ هُوَ وَبَاقِي رِجَال إِسْنَاده وَقَدْ شَارَكَ أَبَا مُصْعَب أَحْمَد بْن أَبِي بَكْر الزُّهْرِيّ فِي صُحْبَة مَالِك , وَفِي رِوَايَة الْمُوَطَّأ عَنْهُ , وَفِي كُنْيَته. لَكِنَّ أَحْمَد مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اِسْمه , وَمُطَرِّف بِالْعَكْسِ. ‏"
    },
    {
        "id": "341",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ ‏ ‏خَالَفَ ‏ ‏بَيْنَ طَرَفَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى حَدَّثَنَا هِشَام بْن عُرْوَة ) ‏ ‏هَذَا الْإِسْنَاد لَهُ حُكْم الثُّلَاثِيَّات وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ صُورَتهَا ; لِأَنَّ أَعْلَى مَا يَقَع لِلْبُخَارِيِّ مَا بَيْنه وَبَيْن الصَّحَابِيّ فِيهِ اِثْنَانِ , فَإِنْ كَانَ الصَّحَابِيّ يَرْوِيه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحِينَئِذٍ تُوجَد فِيهِ صُورَة الثُّلَاثِيّ , وَإِنْ كَانَ يَرْوِيه عَنْ صَحَابِيّ آخَر فَلَا , لَكِنَّ الْحُكْم مِنْ حَيْثُ الْعُلُوّ وَاحِد لِصِدْقِ أَنَّ بَيْنه وَبَيْن الصَّحَابِيّ اِثْنَيْنِ. وَهَكَذَا تَقُول بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّابِعِيّ إِذَا لَمْ يَقَع بَيْنه وَبَيْنه إِلَّا وَاحِد , فَإِنْ رَوَاهُ التَّابِعِيّ عَنْ صَحَابِيّ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ , وَإِنْ رَوَاهُ عَنْ تَابِعِيّ آخَر فَلَهُ حُكْم الْعُلُوّ لَا صُورَة الثُّلَاثِيّ كَهَذَا الْحَدِيث , فَإِنَّ هِشَام بْن عُرْوَة مِنْ التَّابِعِينَ , لَكِنَّهُ حَدَّثَ هُنَا عَنْ تَابِعِيّ آخَر وَهُوَ أَبُوهُ , فَلَوْ رَوَاهُ عَنْ صَحَابِيّ وَرَوَاهُ ذَلِكَ الصَّحَابِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَانَ ثُلَاثِيًّا. وَالْحَاصِل أَنَّ هَذَا مِنْ الْعُلُوّ النِّسْبِيّ لَا الْمُطْلَق وَاللَّهُ أَعْلَم. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف الْحَدِيث الْمَذْكُور بِنُزُولِ دَرَجَة مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ هِشَام وَهُوَ اِبْن عُرْوَة الْمَذْكُور , وَفَائِدَته مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ التَّصْرِيح بِأَنَّ الصَّحَابِيّ شَاهَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَل مَا نَقَلَ عَنْهُ أَوَّلًا بِالصُّورَةِ الْمُحْتَمَلَة , وَفِيهِ تَعْيِين الْمَكَان وَهُوَ بَيْت أُمّ سَلَمَة وَهِيَ وَالِدَة الصَّحَابِيّ الْمَذْكُور عُمَر بْنُ أَبِي سَلَمَة رَبِيب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِيهِ زِيَادَة كَوْن طَرَفَيْ الثَّوْب عَلَى عَاتِقَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ قَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيث الْمَذْكُور مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى وَفِيهِ جَمِيع الزِّيَادَة فَكَأَنَّ عُبَيْد اللَّه حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيّ مُخْتَصَرًا. وَفَائِدَة إِيرَاد الْمُصَنِّف الْحَدِيث الْمَذْكُور ثَالِثًا بِالنُّزُولِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام تَصْرِيح هِشَام عَنْ أَبِيهِ بِأَنَّ عُمَر أَخْبَرَهُ. وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ الْمَاضِيَتَيْنِ بِالْعَنْعَنَةِ. وَفِيهِ أَيْضًا ذِكْر الِاشْتِمَال وَهُوَ مُطَابِق لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفْسِير. ‏"
    },
    {
        "id": "342",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "343",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ‏ ‏مُشْتَمِلًا ‏ ‏بِهِ فِي بَيْتِ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مُشْتَمِلًا بِهِ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْحَال , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ بِالْجَرِّ عَلَى الْمُجَاوَرَة أَوْ الرَّفْع عَلَى الْحَذْف. قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : فَائِدَة الِالْتِحَاف الْمَذْكُور أَنْ لَا يَنْظُر الْمُصَلِّي إِلَى عَوْرَة نَفْسه إِذَا رَكَعَ , وَلِئَلَّا يَسْقُط الثَّوْب عِنْد الرُّكُوع وَالسُّجُود. ‏"
    },
    {
        "id": "344",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا مُرَّةَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ ‏ ‏وَفَاطِمَةُ ‏ ‏ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ قَالَتْ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقُلْتُ أَنَا ‏ ‏أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَقَالَ مَرْحَبًا ‏ ‏بِأُمِّ هَانِئٍ ‏ ‏فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ ‏ ‏فَصَلَّى ‏ ‏ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ ‏ ‏أَجَرْتُهُ ‏ ‏فُلَانَ ‏ ‏ابْنَ هُبَيْرَةَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ أَجَرْنَا مَنْ ‏ ‏أَجَرْتِ ‏ ‏يَا ‏ ‏أُمَّ هَانِئٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أُمُّ هَانِئٍ ‏ ‏وَذَاكَ ضُحًى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي النَّضْر ) ‏ ‏هُوَ الْمَدَنِيّ , وَأَبُو مُرَّة تَقَدَّمَ ذِكْره فِي الْعِلْم , وَعُرِفَ هُنَا بِأَنَّهُ مَوْلَى أُمّ هَانِئ وَهُنَاكَ بِأَنَّهُ مَوْلَى عَقِيل , وَهُوَ مَوْلَى أُمّ هَانِئ حَقِيقَة , وَأَمَّا عَقِيل فَلِكَوْنِهِ أَخَاهَا فَنُسِبَ إِلَى وَلَائِهِ مَجَازًا بِأَدْنَى مُلَابَسَة , أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ يُكْثِر مُلَازَمَة عَقِيل كَمَا وَقَعَ لِمِقْسَمٍ مَعَ اِبْن عَبَّاس. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى أَوَائِل هَذَا الْحَدِيث فِي الْغُسْل فِي بَاب التَّسَتُّر , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ أَيْضًا فِي صَلَاة الضُّحَى : وَمَوْضِع الْحَاجَة مِنْهُ هُنَا أَنَّ أُمّ هَانِئ وَصَفَتْ الِالْتِحَاف الْمَذْكُور فِي هَذِهِ الطَّرِيق الْمَوْصُولَة بِأَنَّهُ الْمُخَالَفَة بَيْن طَرَفَيْ الثَّوْب عَلَى الْعَاتِقَيْنِ فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة قَبْلُ , فَطَابَق التَّفْسِير الْمُتَقَدِّم فِي التَّرْجَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( زَعَمَ اِبْن أُمِّي ) ‏ ‏هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب , وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيِّ \" اِبْن أَبِي \" وَهُوَ صَحِيح فِي الْمَعْنَى فَإِنَّهُ شَقِيقهَا , وَ \" زَعَمَ \" هُنَا بِمَعْنَى اِدَّعَى , ‏ ‏وَقَوْلهَا ( قَاتَلَ رَجُلًا ) ‏ ‏فِيهِ إِطْلَاق اِسْم الْفَاعِل عَلَى مَنْ عَزَمَ عَلَى التَّلَبُّس بِالْفَعْلَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فُلَان بْن هُبَيْرَة ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَل أَوْ الرَّفْع عَلَى الْحَذْف , وَعِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي مُرَّة عَنْ أُمّ هَانِئ \" إِنِّي أَجَرْت حَمَوَيْنِ لِي \" قَالَ أَبُو الْعَبَّاس بْن سُرَيْج وَغَيْره : هُمَا جَعْدَة بْن هُبَيْرَة وَرَجُل آخَر مِنْ بَنِي مَخْزُوم كَانَا فِيمَنْ قَاتَلَ خَالِد بْن الْوَلِيد وَلَمْ يَقْبَلَا الْأَمَان , فَأَجَارَتْهُمَا أُمّ هَانِئ وَكَانَا مِنْ أَحْمَائِهَا. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : إِنْ كَانَ اِبْن هُبَيْرَة مِنْهُمَا فَهُوَ جَعْدَة كَذَا قَالَ , وَجَعْدَة مَعْدُودٌ فِيمَنْ لَهُ رُؤْيَة وَلَمْ تَصِحّ لَهُ صُحْبَة , وَقَدْ ذَكَرَهُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَة فِي التَّابِعِينَ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا , فَكَيْفَ يَتَهَيَّأ لِمَنْ هَذِهِ سَبِيله فِي صِغَر السِّنّ أَنْ يَكُون عَام الْفَتْح مُقَاتِلًا حَتَّى يَحْتَاج إِلَى الْأَمَان ؟ ثُمَّ لَوْ كَانَ وَلَد أُمّ هَانِئ لَمْ يَهْتَمَّ عَلِيٌّ بِقَتْلِهِ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ وَهَرَبَ زَوْجهَا وَتَرَكَ وَلَدهَا عِنْدهَا , وَجَوَّزَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنْ يَكُون اِبْنًا لِهُبَيْرَةَ مِنْ غَيْرهَا , مَعَ نَقْله عَنْ أَهْل النَّسَب أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا لِهُبَيْرَةَ وَلَدًا مِنْ غَيْر أُمّ هَانِئ , وَجَزَمَ اِبْن هِشَام فِي تَهْذِيب السِّيرَة بِأَنَّ اللَّذَيْنِ أَجَارَتْهُمَا أُمّ هَانِئ هُمَا الْحَارِث بْن هِشَام وَزُهَيْر بْن أَبِي أُمَيَّة الْمَخْزُومِيَّانِ. وَرَوَى الْأَزْرَق بِسَنَدٍ فِيهِ الْوَاقِدِيُّ فِي حَدِيث أُمّ هَانِئ هَذَا أَنَّهُمَا الْحَارِث بْن هِشَام وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي رَبِيعَة , وَحَكَى بَعْضهمْ أَنَّهُمَا الْحَارِث بْن هِشَام وَهُبَيْرَة بْن أَبِي وَهْب , وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ هُبَيْرَة هَرَبَ عِنْد فَتْح مَكَّة إِلَى نَجْرَان فَلَمْ يَزَلْ بِهَا مُشْرِكًا حَتَّى مَاتَ , كَذَا جَزَمَ بِهِ اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره فَلَا يَصِحّ ذِكْره فِيمَنْ أَجَارَتْهُ أُمّ هَانِئ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ قَالَ الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ : فُلَان اِبْن هُبَيْرَة هُوَ الْحَارِث بْن هِشَام. اِنْتَهَى. وَقَدْ تُصُرِّفَ فِي كَلَام الزُّبَيْر وَإِنَّمَا وَقَعَ عِنْد الزُّبَيْر فِي هَذِهِ الْقِصَّة مَوْضِع فُلَان بْن هُبَيْرَة \" الْحَارِث بْن هِشَام \" , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ فِي رِوَايَة الْبَاب حَذْفًا , كَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ \" فُلَان اِبْن عَمّ هُبَيْرَة \" فَسَقَطَ لَفْظ عَمّ أَوْ كَانَ فِيهِ \" فُلَان قَرِيب هُبَيْرَة \" فَتَغَيَّرَ لَفْظ قَرِيب بِلَفْظِ اِبْن , وَكُلٌّ مِنْ الْحَارِث بْن هِشَام وَزُهَيْر بْن أَبِي أُمَيَّة وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي رَبِيعَة يَصِحُّ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ اِبْنُ عَمّ هُبَيْرَة وَقَرِيبُهُ , لِكَوْنِ الْجَمِيع مِنْ بَنِي مَخْزُوم. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِأَمَانِ الْمَرْأَة فِي آخِر كِتَاب الْجِهَاد إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "345",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَائِلًا ‏ ‏سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , لَكِنْ ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّة السَّرَخْسِيُّ الْحَنَفِيُّ فِي كِتَابه \" الْمَبْسُوط \" أَنَّ السَّائِل ثَوْبَانُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوَلِكُلِّكُمْ ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَفْظُهُ اِسْتِخْبَارٌ وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَار عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ قِلَّة الثِّيَاب , وَوَقَعَ فِي ضِمْنه الْفَتْوَى مِنْ طَرِيق الْفَحْوَى , كَأَنَّهُ يَقُول : إِذَا عَلِمْتُمْ أَنَّ سَتْر الْعَوْرَة فَرْض وَالصَّلَاة لَازِمَة وَلَيْسَ لِكُلِّ أَحَد مِنْكُمْ ثَوْبَانِ فَكَيْف لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد جَائِزَة ؟ أَيْ مَعَ مُرَاعَاة سَتْر الْعَوْرَة بِهِ. ‏ ‏وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : مَعْنَاهُ لَوْ كَانَتْ الصَّلَاة مَكْرُوهَة فِي الثَّوْب الْوَاحِد لَكُرِهَتْ لِمَنْ لَا يَجِد إِلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا. اِنْتَهَى. وَهَذِهِ الْمُلَازَمَة فِي مَقَام الْمَنْع لِلْفَرْقِ بَيْن الْقَادِر وَغَيْره , وَالسُّؤَال إِنَّمَا كَانَ عَنْ الْجَوَاز وَعَدَمه لَا عَنْ الْكَرَاهَة. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏رَوَى اِبْن حِبَّانَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ اِبْن شِهَاب , لَكِنْ قَالَ فِي الْجَوَاب \" لِيَتَوَشَّحْ بِهِ ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِ \" فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَا حَدِيثَيْنِ , أَوْ حَدِيثًا وَاحِدًا فَرَّقَهُ الرُّوَاة وَهُوَ الْأَظْهَرُ , وَكَأَنَّ الْمُصَنِّف أَشَارَ إِلَى هَذَا لِذِكْرِهِ التَّوَشُّحَ فِي التَّرْجَمَة. وَاَللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "346",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا ‏ ‏يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى ‏ ‏عَاتِقَيْهِ ‏ ‏شَيْءٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَا يُصَلِّي ) ‏ ‏قَالَ اِبْن الْأَثِير : كَذَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِإِثْبَاتِ الْيَاء , وَوَجْهه أَنَّ \" لَا \" نَافِيَة , وَهُوَ خَبَر بِمَعْنَى النَّهْي. قُلْت : وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" مِنْ طَرِيق الشَّافِعِيّ عَنْ مَالِك بِلَفْظِ \" لَا يُصَلِّ \" بِغَيْرِ يَاء , وَمِنْ طَرِيق عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء عَنْ مَالِك بِلَفْظِ \" لَا يُصَلِّينَ \" بِزِيَادَةِ نُون التَّأْكِيد , وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي الزِّنَاد بِلَفْظِ \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْء ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد \" مِنْهُ شَيْء \" وَالْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَتَّزِر فِي وَسَطه وَيَشُدّ طَرَفَيْ الثَّوْب فِي حَقْوَيْهِ بَلْ يَتَوَشَّح بِهِمَا عَلَى عَاتِقَيْهِ لِيَحْصُل السَّتْر لِجُزْءٍ مِنْ أَعَالِي الْبَدَن وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ , أَوْ لِكَوْنِ ذَلِكَ أَمْكَن فِي سَتْر الْعَوْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "347",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُهُ ‏ ‏أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْته ) ‏ ‏أَيْ قَالَ يَحْيَى سَمِعْت عِكْرِمَة , ثُمَّ تَرَدَّدَ هَلْ سَمِعَهُ اِبْتِدَاء أَوْ جَوَاب سُؤَال مِنْهُ. هَذَا ظَاهِر هَذِهِ الرِّوَايَة. وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ مَكِّيّ بْن عَبْدَان عَنْ حَمْدَان السُّلَمِيّ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ بِلَفْظِ \" سَمِعْته أَوْ كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ \" فَحَصَلَ التَّرَدُّد بَيْن السَّمَاع وَالْكِتَابَة , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَلَا أَعْلَم أَحَدًا ذَكَرَ فِيهِ سَمَاع يَحْيَى مِنْ عِكْرِمَة , يَعْنِي بِالْجَزْمِ. قَالَ : وَقَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيق حُسَيْن بْن مُحَمَّد عَنْ شَيْبَانَ بِالتَّرَدُّدِ فِي السَّمَاع أَوْ الْكِتَابَة أَيْضًا. قُلْت : قَدْ رَوَاهُ الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة فِي مُسْنَده عَنْ يَزِيد بْن هَارُونَ عَنْ شَيْبَانَ نَحْو رِوَايَة الْبُخَارِيّ قَالَ \" سَمِعْته \" أَوْ \" كُنْت سَأَلْته فَسَمِعْته \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج. ‏ ‏قَوْله : ( أَشْهَدُ ) ‏ ‏ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا لِحِفْظِهِ وَاسْتِحْضَاره. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ صَلَّى فِي ثَوْب ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَاحِد \". وَدَلَالَته عَلَى التَّرْجَمَة مِنْ جِهَة أَنَّ الْمُخَالَفَة بَيْن الطَّرَفَيْنِ لَا تَتَيَسَّرُ إِلَّا بِجَعْلِ شَيْء مِنْ الثَّوْب عَلَى الْعَاتِق , كَذَا قَالَ الْكَرْمَانِيُّ. وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث التَّصْرِيح بِالْمُرَادِ فَأَشَارَ إِلَيْهِ الْمُصَنِّفُ كَعَادَتِهِ , فَعِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ يَحْيَى فِيهِ \" فَلْيُخَالِفْ بَيْن طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ \" وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيق حُسَيْن عَنْ شَيْبَانَ , وَقَدْ حَمَلَ الْجُمْهُور هَذَا الْأَمْر عَلَى الِاسْتِحْبَاب , وَالنَّهْي فِي الَّذِي قَبْله عَلَى التَّنْزِيه. وَعَنْ أَحْمَد \" لَا تَصِحّ صَلَاة مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَتَرَكَهُ \" جَعَلَهُ مِنْ الشَّرَائِط , وَعَنْهُ \" تَصِحّ وَيَأْثَم \" جَعَلَهُ وَاجِبًا مُسْتَقْبِلًا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : ظَاهِر النَّهْي يَقْتَضِي التَّحْرِيم لَكِنَّ الْإِجْمَاع مُنْعَقِد عَلَى جَوَاز تَرْكه. كَذَا قَالَ وَغَفَلَ عَمَّا ذَكَرَهُ بَعْد قَلِيل عَنْ النَّوَوِيّ مِنْ حِكَايَة مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ أَحْمَد , وَقَدْ نَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ مُحَمَّد بْن عَلِيّ عَدَم الْجَوَاز , وَكَلَام التِّرْمِذِيّ يَدُلّ عَلَى ثُبُوت الْخِلَاف أَيْضًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ قَبْلُ بِبَابٍ , وَعَقَدَ الطَّحَاوِيُّ لَهُ بَابًا فِي شَرْح الْمَعَانِي وَنَقَلَ الْمَنْع عَنْ اِبْن عُمَر ثُمَّ عَنْ طَاوُسٍ وَالنَّخَعِيِّ , وَنَقَلَهُ غَيْره عَنْ اِبْن وَهْب وَابْن جَرِير , وَجَمَعَ الطَّحَاوِيُّ بَيْن أَحَادِيث الْبَاب بِأَنَّ الْأَصْل أَنْ يُصَلِّي مُشْتَمِلًا فَإِنْ ضَاقَ اِتَّزَرَ. وَنَقَلَ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين السُّبْكِيّ وُجُوب ذَلِكَ عَنْ نَصّ الشَّافِعِيّ وَاخْتَارَهُ , لَكِنَّ الْمَعْرُوف فِي كُتُب الشَّافِعِيَّة خِلَافه. وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ عَلَى عَدَم الْوُجُوب بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي ثَوْب كَانَ أَحَد طَرَفَيْهِ عَلَى بَعْض نِسَائِهِ وَهِيَ نَائِمَة , قَالَ : وَمَعْلُوم أَنَّ الطَّرَف الَّذِي هُوَ لَابِسه مِنْ الثَّوْب غَيْر مُتَّسِع لِأَنْ يَتَّزِر بِهِ وَيَفْضُل مِنْهُ مَا كَانَ لِعَاتِقِهِ , وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى , وَالظَّاهِر مِنْ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّف التَّفْصِيل بَيْن مَا إِذَا كَانَ الثَّوْب وَاسِعًا فَيَجِب , وَبَيْن مَا إِذَا كَانَ ضَيِّقًا أُزُرهُمْ يَجِب وَضْع شَيْء مِنْهُ عَلَى الْعَاتِق , وَهُوَ اِخْتِيَار اِبْن الْمُنْذِر , وَبِذَلِكَ تَظْهَر أُزُرهُمْ تَعْقِيبه بِبَاب إِذَا كَانَ الثَّوْب ضَيِّقًا. ‏"
    },
    {
        "id": "348",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ سَأَلْنَا ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي فَوَجَدْتُهُ ‏ ‏يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ ‏ ‏فَاشْتَمَلْتُ ‏ ‏بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ مَا ‏ ‏السُّرَى ‏ ‏يَا ‏ ‏جَابِرُ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ مَا هَذَا ‏ ‏الِاشْتِمَالُ ‏ ‏الَّذِي رَأَيْتُ قُلْتُ كَانَ ثَوْبٌ ‏ ‏يَعْنِي ضَاقَ ‏ ‏قَالَ فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا ‏ ‏فَاتَّزِرْ ‏ ‏بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فِي بَعْض أَسْفَاره ) ‏ ‏عَيَّنَهُ مُسْلِم فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق عُبَادَةَ بْن الْوَلِيد بْن عُبَادَةَ عَنْ جَابِر \" غَزْوَة بُوَاطٍ \" وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَهِيَ مِنْ أَوَائِل مَغَازِيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( لِبَعْضِ أَمْرِي ) ‏ ‏أَيْ حَاجَتِي , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَرْسَلَهُ هُوَ وَجَبَّار بْن صَخْر لِتَهْيِئَةِ الْمَاء فِي الْمَنْزِل \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا السُّرَى ) ‏ ‏أَيْ مَا سَبَب الْأُزُر أَيْ سَيْرك فِي اللَّيْل. ‏ ‏قَوْله : ( مَا هَذَا الِاشْتِمَال ) ‏ ‏كَأَنَّهُ اِسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الِاشْتِمَال الَّذِي أَنْكَرَهُ هُوَ أَنْ يُدِير الثَّوْب عَلَى بَدَنه كُلّه لَا يُخْرِجُ مِنْهُ يَده. قُلْت : كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَفْسِير الصَّمَّاء عَلَى أَحَد الْأَوْجُه , لَكِنْ بَيَّنَ مُسْلِم فِي رِوَايَته أَنَّ الْإِنْكَار كَانَ بِسَبَبِ أَنَّ الثَّوْب كَانَ ضَيِّقًا وَأَنَّهُ خَالَفَ بَيْن طَرَفَيْهِ وَتَوَاقَصَ - أَيْ اِنْحَنَى - عَلَيْهِ , كَأَنَّهُ عِنْد الْمُخَالَفَة بَيْن طَرَفَيْ الثَّوْب لَمْ يَصِرْ سَاتِرًا فَانْحَنَى لِيَسْتَتِرَ , فَأَعْلَمهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الثَّوْب وَاسِعًا , فَأَمَّا إِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَإِنَّهُ الْأَزْر أَنْ يَتَّزِر بِهِ ; لِأَنَّ الْقَصْد الْأَصْلِيّ سَتْر الْعَوْرَة وَهُوَ يَحْصُل بِالِائْتِزَارِ وَلَا يَحْتَاج إِلَى التَّوَاقُص الْمُغَايِر لِلِاعْتِدَالِ الْمَأْمُور بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ ثَوْب ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَة بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّة , وَلِغَيْرِهِمَا بِالنَّصْبِ أَيْ كَانَ الْمُشْتَمِل بِهِ ثَوْبًا , زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : ضَيِّقًا. ‏"
    },
    {
        "id": "349",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ وَيُقَالُ لِلنِّسَاءِ ‏ ‏لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيدٍ الْقَطَّانُ , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , ‏ ‏وَأَبُو حَازِم ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , وَسَهْل هُوَ اِبْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ رِجَالٌ ) ‏ ‏التَّنْكِير فِيهِ لِلتَّنْوِيعِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ بَعْضهمْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُد \" رَأَيْت الرِّجَال \" وَاللَّام فِيهِ لِلْجِنْسِ فَهُوَ فِي حُكْم النَّكِرَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَاقِدِي أُزُرهمْ عَلَى أَعْنَاقهمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ الثَّوْرِيّ : عَاقِدِي أُزُرهمْ فِي أَعْنَاقهمْ مِنْ ضِيق الْأُزُر. وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الثَّوْب إِذَا أَمْكَنَ الِالْتِحَاف بِهِ كَانَ أَوْلَى مِنْ الِائْتِزَار ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّسَتُّر. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لِلنِّسَاءِ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَاعِل قَالَ هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا جَزَمَ بِهِ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَيُقَال لِلنِّسَاءِ \" وَفِي رِوَايَة وَكِيع \" فَقَالَ قَائِل يَا مَعْشَر النِّسَاء \" فَكَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مَنْ يَقُول لَهُنَّ ذَلِكَ , وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنّ أَنَّهُ بِلَال , وَإِنَّمَا نَهَى النِّسَاء عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَلْمَحْنَ عِنْد رَفْع رُءُوسهنَّ مِنْ السُّجُود شَيْئًا مِنْ عَوْرَات الرِّجَال بِسَبَبِ ذَلِكَ عِنْد نُهُوضهمْ. وَعِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ مِنْ حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر وَلَفْظه \" فَلَا تَرْفَع رَأْسهَا حَتَّى يَرْفَع الرِّجَال رُءُوسهمْ كَرَاهِيَة أَنْ يَرَيْنَ عَوْرَات الرِّجَال \" وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّسَتُّر مِنْ أَسْفَل. ‏"
    },
    {
        "id": "350",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ فَقَالَ يَا ‏ ‏مُغِيرَةُ ‏ ‏خُذْ ‏ ‏الْإِدَاوَةَ ‏ ‏فَأَخَذْتُهَا فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حَاجَتَهُ وَعَلَيْهِ ‏ ‏جُبَّةٌ ‏ ‏شَأْمِيَّةٌ فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ‏ ‏وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ صَلَّى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُوسَى الْبَلْخِيّ , قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : رَوَى الْبُخَارِيّ فِي \" بَاب الْجُبَّة الشَّامِيَّة \" وَفِي الْجَنَائِز وَفِي تَفْسِير الدُّخَان عَنْ يَحْيَى - غَيْر مَنْسُوب - عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة فَنَسَبُ اِبْنِ السَّكَن الَّذِي فِي الْجَنَائِز يَحْيَى بْن مُوسَى قَالَ : وَلَمْ أَجِد الْآخَرَيْنِ مَنْسُوبَيْنِ لِأَحَدٍ. قُلْت : فَيَنْبَغِي حَمْلُ مَا أُهْمِل عَلَى مَا بُيِّنَ , قَدْ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ بِأَنَّ الَّذِي فِي الْجَنَائِز هُوَ يَحْيَى بْن جَعْفَر الْبِيكَنْدِيّ , وَذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْض النُّسَخ هُنَا مِثْله. قُلْت : وَالْأَوَّل أَرْجَح ; لِأَنَّ أَبَا عَلِيّ بْن شَبُّويَة وَافَقَ اِبْن السَّكَن عَنْ الْفَرَبْرِيّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْجَنَائِز وَهُنَا أَيْضًا , وَرَأَيْت بِخَطِّ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ : يَحْيَى هُوَ اِبْن بُكَيْر , وَأَبُو مُعَاوِيَة هُوَ شَيْبَانُ النَّحْوِيّ. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَلَيْسَ لِيَحْيَى بْن بُكَيْر عَنْ شَيْبَانَ رِوَايَة. وَبَعْد أَنْ رَدَّدَ الْكَرْمَانِيُّ يَحْيَى بَيْنَ اِبْنِ مُوسَى أَوْ اِبْن جَعْفَر أَوْ اِبْن مَعِين قَالَ : وَأَبُو مُعَاوِيَة يُحْتَمَل أَنْ يَكُون شَيْبَانَ النَّحْوِيّ. وَهُوَ عَجِيب فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الثَّلَاثَة لَمْ يَسْمَع مِنْ شَيْبَانَ الْمَذْكُور , وَجَزَمَ أَبُو مَسْعُود وَكَذَا خَلَف فِي الْأَطْرَاف وَتَبِعَهُمَا الْمِزِّيُّ بِأَنَّ الَّذِي فِي الْجَنَائِز هُوَ يَحْيَى بْن يَحْيَى , وَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ اِبْن السَّكَن يَرُدُّ عَلَيْهِمْ وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَافَقَهُ اِبْن شَبُّويَة , وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ أَبَا مُعَاوِيَة هُنَا هُوَ الضَّرِير. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الضُّحَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى فَوَائِد حَدِيث الْمُغِيرَة فِي \" بَاب الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "351",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَنْقُلُ مَعَهُمْ الْحِجَارَةَ ‏ ‏لِلْكَعْبَةِ ‏ ‏وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏عَمُّهُ يَا ابْنَ أَخِي لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ قَالَ فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا رَوْحٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عُبَادَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْقُل مَعَهُمْ ) ‏ ‏أَيْ مَعَ قُرَيْش لَمَّا بَنَوْا الْكَعْبَة , وَكَانَ ذَلِكَ قَبْل الْبَعْثَة , فَرِوَايَة جَابِر لِذَلِكَ مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة , فَإِمَّا أَنْ يَكُون سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد ذَلِكَ أَوْ مِنْ بَعْض مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَة. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ الْعَبَّاس , وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ الْعَبَّاس أَيْضًا اِبْنه عَبْد اللَّه وَسِيَاقه أَتَمُّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَفِيهِ \" فَقَامَ فَأَخَذَ إِزَاره وَقَالَ نُهِيت أَنْ أَمْشِي عُرْيَانًا \" وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي كِتَاب الْحَجّ مَعَ بَقِيَّة فَوَائِده فِي بَاب بُنْيَان الْكَعْبَة إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلْت ) ‏ ‏أَيْ الْإِزَار , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَجَعَلْته \" وَجَوَاب لَوْ مَحْذُوف إِنْ كَانَتْ شَرْطِيَّة وَتَقْدِيره : لَكَانَ أَسْهَلَ عَلَيْك , وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّمَنِّي فَلَا حَذْف. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ فَحَلَّهُ ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَقُول جَابِر أَوْ مَقُول مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا رُئِيَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الرَّاء بَعْدهَا هَمْزَة مَكْسُورَة , وَيَجُوز كَسْر الرَّاء بَعْدهَا مَدَّة ثُمَّ هَمْزَة مَفْتُوحَة , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَلَمْ يَتَعَرَّ بَعْد ذَلِكَ \" وَمُطَابَقَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَة الْأَخِيرَة ; لِأَنَّهَا تَتَنَاوَل مَا بَعْد النُّبُوَّة فَيَتِمُّ بِذَلِكَ الِاسْتِدْلَال. وَفِيهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَصُونًا عَمَّا يُسْتَقْبَح قَبْل الْبَعْثَة وَبَعْدهَا. وَفِيهِ النَّهْي عَنْ التَّعَرِّي بِحَضْرَةِ النَّاس , وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِالْخَلْوَةِ بَعْد قَلِيل. وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَرَّى وَهُوَ صَغِير عِنْد حَلِيمَة فَلَكَمَهُ لَاكِمٌ فَلَمْ يَعُدْ يَتَعَرَّى. وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى نَفْي التَّعَرِّي بِغَيْرِ ضَرُورَة عَادِيَّة , وَاَلَّذِي فِي حَدِيث الْبَاب عَلَى الضَّرُورَة الْعَادِيَّة , وَالنَّفْي فِيهَا عَلَى الْإِطْلَاق , أَوْ يَتَقَيَّد بِالضَّرُورَةِ الشَّرْعِيَّة كَحَالَةِ النَّوْم مَعَ الْأَهْل أَحْيَانًا. ‏"
    },
    {
        "id": "352",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلَهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ ‏ ‏أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَقَالَ إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ صَلَّى رَجُلٌ فِي ‏ ‏إِزَارٍ ‏ ‏وَرِدَاءٍ فِي ‏ ‏إِزَارٍ ‏ ‏وَقَمِيصٍ فِي ‏ ‏إِزَارٍ ‏ ‏وَقَبَاءٍ ‏ ‏فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ فِي سَرَاوِيلَ ‏ ‏وَقَبَاءٍ ‏ ‏فِي ‏ ‏تُبَّانٍ ‏ ‏وَقَبَاءٍ ‏ ‏فِي ‏ ‏تُبَّانٍ ‏ ‏وَقَمِيصٍ ‏ ‏قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ فِي ‏ ‏تُبَّانٍ ‏ ‏وَرِدَاءٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سِيرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَامَ رَجُل ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الْمَرْفُوع مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ ) ‏ ‏أَيْ عَنْ ذَلِكَ , وَلَمْ يُسَمَّ أَيْضًا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون اِبْن مَسْعُود ; لِأَنَّهُ اِخْتَلَفَ هُوَ وَأُبَيّ بْن كَعْب فِي ذَلِكَ فَقَالَ أُبَيّ الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد يَعْنِي لَا تُكْرَه , وَقَالَ اِبْن مَسْعُود إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ وَفِي الثِّيَاب قِلَّةٌ , فَقَامَ عُمَر عَلَى الْمِنْبَر فَقَالَ : الْقَوْل مَا قَالَ أُبَيّ , وَلَمْ يَأْلُ اِبْن مَسْعُود. أَيْ لَمْ يُقَصِّر. أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق. ‏ ‏قَوْله : ( جَمَعَ رَجُل ) ‏ ‏هُوَ بَقِيَّة قَوْل عُمَر , وَأَوْرَدَهُ بِصِيغَةِ الْخَبَر وَمُرَاده الْأَمْر , قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : يَعْنِي لِيَجْمَعْ وَلْيُصَلِّ. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : الصَّحِيح أَنَّهُ كَلَام فِي مَعْنَى الشَّرْط كَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ جَمَعَ رَجُل عَلَيْهِ ثِيَابه فَحَسَن. ثُمَّ فَصَّلَ الْجَمْع بِصُوَرٍ عَلَى مَعْنَى الْبَدَلِيَّة. وَقَالَ اِبْن مَالِك : تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيث فَائِدَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا وُرُود الْفِعْل الْمَاضِي بِمَعْنَى الْأَمْر وَهُوَ قَوْله \" صَلَّى \" وَالْمَعْنَى لِيُصَلِّ , وَمِثْله قَوْلهمْ اِتَّقَى اللَّهَ عَبْدٌ وَالْمَعْنَى لِيَتَّقِ. ثَانِيهمَا حَذْف حَرْف الْعَطْف , فَإِنَّ الْأَصْل صَلَّى رَجُل فِي إِزَار وَرِدَاء وَفِي إِزَار وَقَمِيص , وَمِثْله قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" تَصَدَّقَ اِمْرُؤٌ مِنْ دِينَاره , مِنْ دِرْهَمه , مِنْ صَاع تَمْره \". اِنْتَهَى , فَحَصَلَ فِي كُلّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ تَوْجِيهَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : وَأَحْسَبُهُ ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ أَبُو هُرَيْرَة , وَالضَّمِير فِي \" أَحْسَبهُ \" رَاجِعٌ إِلَى عُمَر , وَإِنَّمَا لَمْ يَحْصُل الْجَزْم بِذَلِكَ لِإِمْكَانِ أَنَّ عُمَر أَهْمَلَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ التُّبَّان لَا يَسْتُر الْعَوْرَة كُلّهَا بِنَاء عَلَى أَنَّ الْفَخِذ مِنْ الْعَوْرَة فَالسَّتْر بِهِ حَاصِلٌ مَعَ الْقَبَاء وَمَعَ الْقَمِيص , وَأَمَّا مَعَ الرِّدَاء فَقَدْ لَا يَحْصُل. وَرَأَى أَبُو هُرَيْرَة أَنَّ اِنْحِصَار الْقِسْمَة يَقْتَضِي ذِكْر هَذِهِ الصُّورَة وَأَنَّ السَّتْر قَدْ يَحْصُل بِهَا إِذَا كَانَ الرِّدَاء سَابِغًا , وَمَجْمُوع مَا ذَكَرَ عُمَر مِنْ الْمَلَابِس سِتَّة , ثَلَاثَةٌ لِلْوَسَطِ وَثَلَاثَةٌ لِغَيْرِهِ , فَقَدَّمَ مَلَابِس الْوَسَط ; لِأَنَّهَا مَحَلّ سَتْر الْعَوْرَة , وَقَدَّمَ أَسْتَرهَا أَوْ أَكْثَرهَا اِسْتِعْمَالًا لَهُمْ , وَضَمَّ إِلَى كُلّ وَاحِد وَاحِدًا , فَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ تِسْع صُوَر مِنْ ضَرْب ثَلَاثَةٍ فِي ثَلَاثَةٍ , وَلَمْ يَقْصِد الْحَصْر فِي ذَلِكَ , بَلْ يَلْحَق بِذَلِكَ مَا يَقُوم مَقَامه. وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى وُجُوب الصَّلَاة فِي الثِّيَاب لِمَا فِيهِ مِنْ أَنَّ الِاقْتِصَار عَلَى الثَّوْب الْوَاحِد كَانَ لِضِيقِ الْحَال. وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَاة فِي الثَّوْبَيْنِ أَفْضَل مِنْ الثَّوْب الْوَاحِد وَصَرَّحَ الْقَاضِي عِيَاض بِنَفْيِ الْخِلَاف فِي ذَلِكَ , لَكِنَّ عِبَارَة اِبْن الْمُنْذِر قَدْ تُفْهِم إِثْبَاته ; لِأَنَّهُ لَمَّا حَكَى عَنْ الْأَئِمَّة جَوَاز الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد قَالَ : وَقَدْ اِسْتَحَبَّ بَعْضهمْ الصَّلَاة فِي ثَوْبَيْنِ. وَعَنْ أَشْهَب فِيمَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى الصَّلَاة فِي السَّرَاوِيل مَعَ الْقُدْرَة : يُعِيد فِي الْوَقْت , إِلَّا إِنْ كَانَ صَفِيقًا. وَعَنْ بَعْض الْحَنَفِيَّة يُكْرَه. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏رَوَى اِبْن حِبَّانَ حَدِيث الْبَاب مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوب فَأَدْرَجَ الْمَوْقُوف فِي الْمَرْفُوع وَلَمْ يَذْكُر عُمَر , وَرِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد هَذِهِ الْمُفَصَّلَة أَصَحّ , وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ حَمَّاد بْن سَلَمَة فَرَوَاهُ عَنْ أَيُّوب وَهِشَام وَحَبِيب وَعَاصِم كُلّهمْ عَنْ اِبْن سِيرِينَ , أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ أَيْضًا. وَأَخْرَجَ مُسْلِم حَدِيث اِبْن عُلَيَّةَ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمُتَّفَق عَلَى رَفْعه وَحَذَفَ الْبَاقِي , وَذَلِكَ مِنْ حُسْن تَصَرُّفه وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "353",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ ‏ ‏لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا ‏ ‏الْبُرْنُسَ ‏ ‏وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا ‏ ‏وَرْسٌ ‏ ‏فَمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَاصِم بْن عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ الْوَاسِطِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلَ رَجُل ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي آخِر كِتَاب الْعِلْم أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ , وَأَخَّرْنَا الْكَلَام عَلَيْهِ إِلَى مَوْضِعه فِي الْحَجّ. وَمَوْضِع الْحَاجَة مِنْهُ هُنَا أَنَّ الصَّلَاة تَجُوز بِدُونِ الْقَمِيص وَالسَّرَاوِيل وَغَيْرهمَا مِنْ الْمَخِيط لِأَمْرِ الْمُحْرِم بِاجْتِنَابِ ذَلِكَ , وَهُوَ مَأْمُور بِالصَّلَاةِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَكُونَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَمَوِيِّ وَالْمُسْتَمْلِي \" حَتَّى يَكُون \" بِالْإِفْرَادِ أَيْ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ نَافِع ) ‏ ‏مَعْطُوف عَلَى قَوْله \" عَنْ الزُّهْرِيِّ \" وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة فِي آخِر كِتَاب الْعِلْم , فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ هُنَاكَ عَنْ آدَم عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب , فَقَدَّمَ طَرِيق نَافِع وَعَطَفَ عَلَيْهَا طَرِيق الزُّهْرِيِّ , عَكْسُ مَا هُنَا. وَزَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ قَوْله \" وَعَنْ نَافِع \" تَعْلِيقٌ مِنْ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّجْوِيزَات الْعَقْلِيَّة لَا يَلِيق اِسْتِعْمَالهَا فِي الْأُمُور النَّقْلِيَّة. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. ‏"
    },
    {
        "id": "354",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اشْتِمَالِ ‏ ‏الصَّمَّاءِ ‏ ‏وَأَنْ ‏ ‏يَحْتَبِيَ ‏ ‏الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏عَنْ ( أَبِي سَعِيد ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْث عَنْ اِبْن شِهَاب وَوَافَقَهُ اِبْن جُرَيْجٍ كَمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي اللِّبَاس , وَرَوَاهُ فِي اللِّبَاس أَيْضًا مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اللَّيْث أَيْضًا عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عَامِر بْن سَعْد عَنْ أَبِي سَعِيد وَسِيَاقه أَتَمُّ. وَفِيهِ النَّهْي عَنْ الْمُلَامَسَة وَالْمُنَابَذَة أَيْضًا , وَفِيهِ تَفْسِير جَمِيع ذَلِكَ. وَرَوَاهُ فِي الِاسْتِئْذَان مِنْ طَرِيق سُفْيَان عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عَطَاء بْنِ يَزِيد عَنْ أَبِي سَعِيد بِنَحْوِ رِوَايَة يُونُس لَكِنْ بِدُونِ التَّفْسِير , وَالطُّرُق الثَّلَاثَة صَحِيحَة , وَابْن شِهَاب سَمِعَ حَدِيث أَبِي سَعِيد مِنْ ثَلَاثَة مِنْ أَصْحَابه فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ كُلّ مِنْهُمْ بِمُفْرَدِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِشْتِمَال الصَّمَّاء ) ‏ ‏وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَة وَالْمَدّ , قَالَ أَهْل اللُّغَة : هُوَ أَنْ يُخَلِّل جَسَده بِالثَّوْبِ لَا يَرْفَع مِنْهُ جَانِبًا وَلَا يُبْقِي مَا يُخْرِج مِنْهُ يَده. قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : سُمِّيَتْ صَمَّاء ; لِأَنَّهُ يَسُدّ الْمَنَافِذ كُلّهَا فَتَصِير كَالصَّخْرَةِ الصَّمَّاء الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خَرْق. وَقَالَ الْفُقَهَاء : هُوَ أَنْ يَلْتَحِف بِالثَّوْبِ ثُمَّ يَرْفَعهُ مِنْ أَحَد جَانِبَيْهِ فَيَضَعهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَيَصِير فَرْجه بَادِيًا. قَالَ النَّوَوِيّ فَعَلَى تَفْسِير أَهْل اللُّغَة يَكُون مَكْرُوهًا لِئَلَّا يَعْرِض لَهُ حَاجَة فَيَتَعَسَّر عَلَيْهِ إِخْرَاج يَده فَيَلْحَقهُ الضَّرَر , وَعَلَى تَفْسِير الْفُقَهَاء يَحْرُم لِأَجْلِ اِنْكِشَاف الْعَوْرَة. قُلْت : ظَاهِر سِيَاق الْمُصَنِّف مِنْ رِوَايَة يُونُس فِي اللِّبَاس أَنَّ التَّفْسِير الْمَذْكُور فِيهَا مَرْفُوع , وَهُوَ مُوَافِق لِمَا قَالَ الْفُقَهَاء. وَلَفْظه : وَالصَّمَّاء أَنْ يَجْعَل ثَوْبه عَلَى أَحَد عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُو أَحَد شِقَّيْهِ. وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون مَوْقُوفًا فَهُوَ حُجَّة عَلَى الصَّحِيح ; لِأَنَّهُ تَفْسِير مِنْ الرَّاوِي لَا يُخَالِف ظَاهِر الْخَبَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْ يَحْتَبِيَ ) ‏ ‏الِاحْتِبَاء أَنْ يَقْعُد عَلَى أَلْيَتَيْهِ وَيَنْصِب سَاقَيْهِ وَيَلُفّ عَلَيْهِ ثَوْبًا , وَيُقَال لَهُ الْحُبْوَة , وَكَانَتْ مِنْ شَأْن الْعَرَب. وَفَسَّرَهَا فِي رِوَايَة يُونُس الْمَذْكُورَة بِنَحْوِ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "355",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ بَيْعَتَيْنِ عَنْ ‏ ‏اللِّمَاسِ ‏ ‏وَالنِّبَاذِ ‏ ‏وَأَنْ ‏ ‏يَشْتَمِلَ ‏ ‏الصَّمَّاءَ ‏ ‏وَأَنْ ‏ ‏يَحْتَبِيَ ‏ ‏الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) ‏ ‏هُوَالثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ بَيْعَتَيْنِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة , وَيَجُوز كَسْرهَا عَلَى إِرَادَة الْهَيْئَة. ‏ ‏وَ ( اللِّمَاس ) ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّله وَكَذَا ‏ ‏( النِّبَاذ ) ‏ ‏وَأَوَّله نُون ثُمَّ مُوَحَّدَة خَفِيفَة وَآخِره مُعْجَمَة , وَسَيَأْتِي تَفْسِيرهمَا فِي كِتَاب الْبُيُوع إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْمُطْلَق فِي الِاحْتِبَاء هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّد فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله. ‏"
    },
    {
        "id": "356",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ يَوْمَ النَّحْرِ نُؤَذِّنُ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏أَنْ ‏ ‏لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏عُرْيَانٌ قَالَ ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏فَأَمَرَهُ أَنْ ‏ ‏يُؤَذِّنَ ‏ ‏بِبَرَاءَةٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَأَذَّنَ مَعَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فِي أَهْل ‏ ‏مِنًى ‏ ‏يَوْمَ النَّحْرِ لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏عُرْيَانٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب , وَرَدَّدَهُ الْحُفَّاظ بَيْن اِبْن مَنْصُور وَبَيْن اِبْن رَاهْوَيْهِ. وَوَقَعَ فِي نُسْخَتِي مِنْ طَرِيق أَبِي ذَرٍّ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ اِبْن رَاهْوَيْهِ , إِذْ لَمْ يَرْوِ الْبُخَارِيّ عَنْ إِسْحَاق اِبْن أَبِي إِسْرَائِيل وَاسْمه إِبْرَاهِيم شَيْئًا وَلَا عَنْ الصَّوَّاف وَهُوَ دُونهمَا فِي الطَّبَقَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن سَعْد وَرُوَاة هَذَا الْإِسْنَاد سِوَى صَحَابِيّه وَشَيْخ الْمُصَنِّف زُهْرِيُّونَ وَهُمْ أَرْبَعَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ لَا يَحُجّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" أَلَا لَا يَحُجّ \" بِأَدَاةِ الِاسْتِفْتَاح قَبْل حَرْف النَّهْي , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب وُجُوب الصَّلَاة فِي الثِّيَاب \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة مَبَاحِثه فِي كِتَاب الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "357",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي الْمَوَالِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏قَالَ دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ مُلْتَحِفًا بِهِ وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا يَا ‏ ‏أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏تُصَلِّي وَرِدَاؤُكَ مَوْضُوعٌ قَالَ نَعَمْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَرَانِي الْجُهَّالُ مِثْلُكُمْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي هَكَذَا ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث جَابِر فِي \" بَاب عَقْد الْإِزَار عَلَى الْقَفَا \" ‏ ‏وَقَوْله هُنَا ( مُلْتَحِفًا بِهِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَال , وَلِلْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ \" مُلْتَحِف \" بِالرَّفْعِ عَلَى الْحَذْف , وَفِي نُسْخَتِي عَنْهُمَا بِالْجَرِّ عَلَى الْمُجَاوَرَة , وَقَوْله فِي آخِره \" يُصَلِّي كَذَا \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" يُصَلِّي هَكَذَا \" ‏ ‏وَقَوْله : ( الْجُهَّال مِثْلكُمْ ) ‏ ‏لَفْظ الْمِثْل مُفْرَدٌ لَكِنَّهُ اِسْمُ جِنْس فَلِذَلِكَ طَابَق لَفْظ الْجُهَّال وَهُوَ جَمْعٌ , أَوْ اِكْتَسَبَ الْجَمْعِيَّة مِنْ الْإِضَافَة. ‏"
    },
    {
        "id": "358",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَزَا ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ ‏ ‏الْغَدَاةِ ‏ ‏بِغَلَسٍ ‏ ‏فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَكِبَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏وَأَنَا رَدِيفُ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏زُقَاقِ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ حَسَرَ ‏ ‏الْإِزَارَ ‏ ‏عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ ‏ ‏اللَّهُ أَكْبَرُ ‏ ‏خَرِبَتْ ‏ ‏خَيْبَرُ ‏ ‏إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا ‏ ‏بِسَاحَةِ ‏ ‏قَوْمٍ ‏ { ‏فَسَاءَ ‏ ‏صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ‏} ‏قَالَهَا ثَلَاثًا قَالَ وَخَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ فَقَالُوا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالْخَمِيسُ ‏ ‏يَعْنِي الْجَيْشَ ‏ ‏قَالَ فَأَصَبْنَاهَا ‏ ‏عَنْوَةً ‏ ‏فَجُمِعَ السَّبْيُ فَجَاءَ ‏ ‏دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ قَالَ اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً فَأَخَذَ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ ‏ ‏فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعْطَيْتَ ‏ ‏دِحْيَةَ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ ‏ ‏سَيِّدَةَ ‏ ‏قُرَيْظَةَ ‏ ‏وَالنَّضِيرِ ‏ ‏لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ قَالَ ادْعُوهُ بِهَا فَجَاءَ بِهَا فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ خُذْ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ غَيْرَهَا قَالَ فَأَعْتَقَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَتَزَوَّجَهَا فَقَالَ لَهُ ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا حَمْزَةَ ‏ ‏مَا أَصْدَقَهَا قَالَ نَفْسَهَا أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏فَأَهْدَتْهَا ‏ ‏لَهُ مِنْ اللَّيْلِ فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَرُوسًا فَقَالَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ وَبَسَطَ ‏ ‏نِطَعًا ‏ ‏فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَدْ ذَكَرَ ‏ ‏السَّوِيقَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَحَاسُوا ‏ ‏حَيْسًا ‏ ‏فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ الدَّوْرَقِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا ) ‏ ‏أَيْ خَارِجًا مِنْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( صَلَاة الْغَدَاة ) ‏ ‏فِيهِ جَوَازُ إِطْلَاق ذَلِكَ عَلَى صَلَاة الصُّبْح , خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا رَدِيف أَبِي طَلْحَة ) ‏ ‏فِيهِ جَوَاز الْإِرْدَاف , وَمَحَلّه مَا إِذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ مُطِيقَةً. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ مَرْكُوبه. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسّ فَخِذ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ حَسَرَ الْإِزَار عَنْ فَخِذه حَتَّى إِنِّي أَنْظُر ) ‏ ‏وَفْي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَأَنْظُرَ \" ( إِلَى بَيَاض فَخِذ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ). هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ \" ثُمَّ أَنَّهُ حَسَرَ \" وَالصَّوَاب أَنَّهُ عِنْده بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ تَعْلِيقه الْمَاضِي فِي أَوَائِل الْبَاب حَيْثُ قَالَ \" وَقَالَ أَنَس : حَسَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ بِدَلِيلِ رِوَايَة مُسْلِم \" فَانْحَسَرَ \" وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَقِيمٍ , إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ وُقُوعه كَذَلِكَ فِي رِوَايَة مُسْلِم أَنْ لَا يَقَع عِنْد الْبُخَارِيّ عَلَى خِلَافه , وَيَكْفِي فِي كَوْنه عِنْد الْبُخَارِيّ بِفَتْحَتَيْنِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّعْلِيق. وَقَدْ وَافَقَ مُسْلِمًا عَلَى رِوَايَته بِلَفْظِ \" فَانْحَسَرَ \" أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ اِبْن عُلَيَّة , وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ يَعْقُوب شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْقَاسِم بْن زَكَرِيَّا عَنْ يَعْقُوب الْمَذْكُور وَلَفْظه \" فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زُقَاق خَيْبَر إِذْ خَرَّ الْإِزَار \". قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هَكَذَا وَقَعَ عِنْدِي خَرَّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ , وَإِنْ كَانَتْ رِوَايَته هِيَ الْمَحْفُوظَة فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْفَخِذ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ. اِنْتَهَى. وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّ رِوَايَة الْبُخَارِيّ بِفَتْحَتَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ , أَيْ كَشَفَ الْإِزَار عَنْ فَخِذه عِنْد سَوْق مَرْكُوبه لِيَتَمَكَّن مِنْ ذَلِكَ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : حَدِيث أَنَس وَمَا مَعَهُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي قَضَايَا مُعَيَّنَة فِي أَوْقَات مَخْصُوصَة يَتَطَرَّق إِلَيْهَا مِنْ اِحْتِمَال الْخُصُوصِيَّة أَوْ الْبَقَاء عَلَى أَصْل الْإِبَاحَة مَا لَا يَتَطَرَّق إِلَى حَدِيث جَرْهَد وَمَا مَعَهُ ; لِأَنَّهُ يَتَضَمَّن إِعْطَاء حُكْمٍ كُلِّيٍّ وَإِظْهَار شَرْع عَامّ , فَكَانَ الْعَمَل بِهِ أَوْلَى. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ مُرَاد الْمُصَنِّف بِقَوْلِهِ \" وَحَدِيث جَرْهَد أَحْوَط \". قَالَ النَّوَوِيّ : ذَهَبَ أَكْثَر الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ الْفَخِذ عَوْرَة , وَعَنْ أَحْمَد وَمَالك فِي رِوَايَة : الْعَوْرَة الْقُبُل وَالدُّبُر فَقَطْ , وَبِهِ قَالَ أَهْل الظَّاهِر وَابْن جَرِير وَالْإِصْطَخْرِيّ. قُلْت : فِي ثُبُوت ذَلِكَ عَنْ اِبْن جَرِير نَظَرٌ , فَقَدْ ذَكَرَ الْمَسْأَلَة فِي تَهْذِيبه وَرَدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْفَخِذ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ , وَمِمَّا اِحْتَجُّوا بِهِ قَوْل أَنَس فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسّ فَخِذ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِذْ ظَاهِره أَنَّ الْمَسّ كَانَ بِدُونِ الْحَائِل , وَمَسُّ الْعَوْرَة بِدُونِ حَائِل لَا يَجُوز. وَعَلَى رِوَايَة مُسْلِم وَمَنْ تَابَعَهُ فِي أَنَّ الْإِزَار لَمْ يَنْكَشِف بِقَصْدٍ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمْكِن الِاسْتِدْلَال عَلَى أَنَّ الْفَخِذ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ مِنْ جِهَة اِسْتِمْرَاره عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ جَازَ وُقُوعه مِنْ غَيْر قَصْد لَكِنْ لَوْ كَانَتْ عَوْرَة لَمْ يُقَرّ عَلَى ذَلِكَ لِمَكَانِ عِصْمَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لِبَيَانِ التَّشْرِيع لِغَيْرِ الْمُخْتَار لَكَانَ مُمْكِنًا , لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَة أَنَّهُ كَانَ يَتَعَيَّن حِينَئِذٍ الْبَيَان عَقِبه كَمَا فِي قَضِيَّة السَّهْو فِي الصَّلَاة , وَسِيَاقه عِنْد أَبِي عَوَانَة وَالْجَوْزَقِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَارِث عَنْ عَبْد الْعَزِيز ظَاهِر فِي اِسْتِمْرَار ذَلِكَ , وَلَفْظه \" فَأَجْرَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زُقَاق خَيْبَر , وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسّ فَخِذ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنِّي لَأَرَى بَيَاض فَخِذَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَة قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ , خَرِبَتْ خَيْبَرُ ) ‏ ‏قِيلَ مُنَاسَبَة ذَلِكَ الْقَوْل أَنَّهُمْ اِسْتَقْبَلُوا النَّاس بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلهمْ , وَهِيَ مِنْ آلَات الْهَدْم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏هُوَ الرَّاوِي عَنْ أَنَس ‏ ‏( وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْ أَنَس هَذِهِ اللَّفْظَة , بَلْ سَمِعَ مِنْهُ ( فَقَالُوا مُحَمَّد ) وَسَمِعَ مِنْ بَعْض أَصْحَابه عَنْهُ ( وَالْخَمِيس ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة وَالْجَوْزَقِيّ الْمَذْكُورَة \" فَقَالُوا مُحَمَّد وَالْخَمِيس \" مِنْ غَيْر تَفْصِيل , فَدَلَّتْ رِوَايَة اِبْن عُلَيَّة هَذِهِ عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَارِث إِدْرَاجًا , وَكَذَا وَقَعَ لِحَمَّادِ بْن زَيْد عَنْ عَبْد الْعَزِيز وَثَابِت كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِر صَلَاة الْخَوْف. وَبَعْض أَصْحَاب عَبْد الْعَزِيز يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مُحَمَّد بْن سِيرِينَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقه , أَوْ ثَابِتًا الْبُنَانِيّ فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( يَعْنِي الْجَيْش ) ‏ ‏تَفْسِير مِنْ عَبْد الْعَزِيز أَوْ مِمَّنْ دُونه , وَأَدْرَجَهَا عَبْد الْوَارِث فِي رِوَايَته أَيْضًا , وَسُمِّيَ خَمِيسًا ; لِأَنَّهُ خَمْسَة أَقْسَام : مُقَدِّمَة , وَسَاقَة , وَقَلْب , وَجَنَاحَانِ. وَقِيلَ مِنْ تَخْمِيس الْغَنِيمَة , وَتَعَقَّبَهُ الْأَزْهَرِيّ بِأَنَّ التَّخْمِيس إِنَّمَا ثَبَتَ بِالشَّرْعِ وَقَدْ كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يُسَمُّونَ الْجَيْش خَمِيسًا فَبَانَ أَنَّ الْقَوْل الْأَوَّل أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْوَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة , أَيْ قَهْرًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَعْطِنِي جَارِيَة ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يَكُون إِذْنه لَهُ فِي أَخْذ الْجَارِيَة عَلَى سَبِيل التَّنْفِيل لَهُ إِمَّا مِنْ أَصْل الْغَنِيمَة أَوْ مِنْ خُمُس الْخُمُس بَعْد أَنْ مُيِّزَ , أَوْ قَبْلُ عَلَى أَنْ تُحْسَب مِنْهُ إِذَا مُيِّزَ , أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي أَخْذهَا لِتَقُومَ عَلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ وَتُحْسَب مِنْ سَهْمه. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَخَذَ ) ‏ ‏أَيْ فَذَهَبَ فَأَخَذَ ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( خُذْ جَارِيَة مِنْ السَّبْي غَيْرهَا ) ‏ ‏ذَكَرَ الشَّافِعِيّ فِي \" الْأُمّ \" عَنْ \" سِيَر الْوَاقِدِيِّ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ أُخْت كِنَانَة بْن الرَّبِيع بْن أَبِي الْحَقِيق. اِنْتَهَى. وَكَانَ كِنَانَة زَوْج صَفِيَّة , فَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَيَّبَ خَاطَرَهُ لَمَّا اِسْتَرْجَعَ مِنْهُ صَفِيَّة بِأَنْ أَعْطَاهُ أُخْت زَوْجهَا , وَاسْتِرْجَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفِيَّة مِنْهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي أَخْذ جَارِيَة مِنْ حَشْو السَّبْي لَا فِي أَخْذ أَفْضَلهنَّ , فَجَازَ اِسْتِرْجَاعهَا مِنْهُ لِئَلَّا يَتَمَيَّز بِهَا عَلَى بَاقِي الْجَيْش مَعَ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَفْضَل مِنْهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِشْتَرَى صَفِيَّة مِنْهُ بِسَبْعَةِ أَرْؤُس , وَإِطْلَاق الشِّرَاء عَلَى ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْمَجَاز , وَلَيْسَ فِي قَوْله \" سَبْعَة أَرْؤُس \" مَا يُنَافِي قَوْله هُنَا \" خُذْ جَارِيَة \" إِذْ لَيْسَ هُنَا دَلَالَة عَلَى نَفْي الزِّيَادَة. وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّة هَذَا الْحَدِيث فِي غَزْوَة خَيْبَر مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي , وَالْكَلَام عَلَى قَوْله \" أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا \" فِي كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُ ) ‏ ‏أَيْ لِأَنَسٍ , وَثَابِتٌ هُوَ الْبُنَانِيُّ , وَأَبُو حَمْزَة كُنْيَةُ أَنَس , وَأُمّ سُلَيْمٍ وَالِدَة أَنَس. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَهْدَتْهَا ) ‏ ‏أَيْ زَفَّتْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَحْسَبهُ ) ‏ ‏أَيْ أَنَسًا ‏ ‏( قَدْ ذَكَرَ السَّوِيق ) ‏ ‏, وَجَزَمَ عَبْد الْوَارِث فِي رِوَايَته بِذِكْرِ السَّوِيق فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَاسُوا ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ خَلَطُوا , وَالْحَيْس بِفَتْحِ أَوَّله خَلِيط السَّمْن وَالتَّمْر وَالْأَقِط , قَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏التَّمْر وَالسَّمْن جَمِيعًا وَالْأَقِط ‏ ‏الْحَيْس إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِط ‏ ‏وَقَدْ يَخْتَلِط مَعَ هَذِهِ الثَّلَاثَة غَيْرهَا كَالسَّوِيقِ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة فَوَائِد ذَلِكَ فِي كِتَاب الْوَلِيمَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "359",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي الْفَجْرَ فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ ‏ ‏مُتَلَفِّعَاتٍ ‏ ‏فِي ‏ ‏مُرُوطِهِنَّ ‏ ‏ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عَائِشَة قَالَتْ : لَقَدْ ) ‏ ‏اللَّام فِي لَقَدْ جَوَاب قَسَم مَحْذُوف. ‏ ‏قَوْله : ( مُتَلَفِّعَات ) ‏ ‏قَالَ الْأَصْمَعِيّ : التَّلَفُّع أَنْ تَشْتَمِل بِالثَّوْبِ حَتَّى تُجَلِّل بِهِ جَسَدك , وَفِي شَرْح الْمُوَطَّأ لِابْنِ حَبِيب : التَّلَفُّع لَا يَكُون إِلَّا بِتَغْطِيَةِ الرَّأْس , وَالتَّلَفُّف يَكُون بِتَغْطِيَةِ الرَّأْس وَكَشْفه , ‏ ‏وَ ( الْمُرُوط ) ‏ ‏جَمْع مِرْط بِكَسْرِ أَوَّله , كِسَاء مِنْ خَزّ أَوْ صُوف أَوْ غَيْره. وَعَنْ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ مَا يُقْتَضَى أَنَّهُ خَاصّ بِلُبْسِ النِّسَاء. وَقَدْ اِعْتَرَضَ عَلَى اِسْتِدْلَال الْمُصَنِّف بِهِ عَلَى جَوَاز صَلَاة الْمَرْأَة فِي الثَّوْب الْوَاحِد بِأَنَّ الِالْتِفَاع الْمَذْكُور يُحْتَمَل أَنْ يَكُون فَوْق ثِيَاب أُخْرَى. وَالْجَوَاب عَنْهُ أَنَّهُ تَمَسَّكَ بِأَنَّ الْأَصْل عَدَم الزِّيَادَة عَلَى مَا ذَكَرَ , عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح بِشَيْءٍ إِلَّا أَنَّ اِخْتِيَاره يُؤْخَذ فِي الْعَادَة مِنْ الْآثَار الَّتِي يُودِعهَا فِي التَّرْجَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ ) ‏ ‏زَادَ فِي الْمَوَاقِيت \" مِنْ الْغَلَس \" وَهُوَ يُعَيِّنُ أَحَد الِاحْتِمَالَيْنِ : هَلْ عَدَم الْمَعْرِفَة بِهِنَّ لِبَقَاءِ الظُّلْمَة أَوْ لِمُبَالَغَتِهِنَّ فِي التَّغْطِيَة ؟ وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة مَبَاحِثه فِي الْمَوَاقِيت إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "360",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى فِي ‏ ‏خَمِيصَةٍ ‏ ‏لَهَا ‏ ‏أَعْلَامٌ ‏ ‏فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ ‏ ‏اذْهَبُوا ‏ ‏بِخَمِيصَتِي ‏ ‏هَذِهِ إِلَى ‏ ‏أَبِي جَهْمٍ ‏ ‏وَأْتُونِي ‏ ‏بِأَنْبِجَانِيَّةِ ‏ ‏أَبِي جَهْمٍ ‏ ‏فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي ‏ ‏آنِفًا ‏ ‏عَنْ صَلَاتِي ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ ‏ ‏تَفْتِنَنِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَمِيصَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَكَسْر الْمِيم وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَة , كِسَاء مُرَبَّع لَهُ عَلَمَانِ , وَالْأَنْبِجَانِيَّة بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون النُّون وَكَسْر الْمُوَحَّدَة وَتَخْفِيف الْجِيم وَبَعْد النُّون يَاء النِّسْبَة : كِسَاء غَلِيظ لَا عَلَم لَهُ , وَقَالَ ثَعْلَب : يَجُوز فَتْح هَمْزَته وَكَسْرهَا , وَكَذَا الْمُوَحَّدَة , يُقَال كَبْش أَنْبِجَانِيّ إِذَا كَانَ مُلْتَفًّا , كَثِير الصُّوف. ‏ ‏وَكِسَاء أَنْبِجَانِيّ كَذَلِكَ , وَأَنْكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَنْسُوب إِلَى مَنْبِج الْبَلَد الْمَعْرُوف بِالشَّامِ. ‏ ‏قَالَ صَاحِب الصِّحَاح : إِذَا نَسَبْت إِلَى مَنْبِج فَتَحْت الْبَاء فَقُلْت : كِسَاء مَنْبَجَانِيّ أَخْرَجُوهُ مَخْرَج مَنْظَرَانِيّ. ‏ ‏وَفِي الْجَمْهَرَة : مَنْبِج مَوْضِع أَعْجَمِيّ تَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَب وَنَسَبُوا إِلَيْهِ الثِّيَاب الْمَنْبِجَانِيَّة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ : لَا يُقَال كِسَاء أَنْبِجَانِيّ وَإِنَّمَا يُقَال مَنْبِجَانِيّ , قَالَ : وَهَذَا مِمَّا تُخْطِئ فِيهِ الْعَامَّة. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو مُوسَى كَمَا تَقَدَّمَ فَقَالَ : الصَّوَاب أَنَّ هَذِهِ النِّسْبَة إِلَى مَوْضِع يُقَال لَهُ أَنْبِجَان , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى أَبِي جَهْم ) ‏ ‏هُوَ عُبَيْد اللَّه - وَيُقَال عَامِر - بْن حُذَيْفَة الْقُرَشِيّ الْعَدَوِيِّ صَحَابِيّ مَشْهُور , وَإِنَّمَا خَصَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِرْسَالِ الْخَمِيصَة ; لِأَنَّهُ كَانَ أَهْدَاهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" أَهْدَى أَبُو جَهْم بْن حُذَيْفَة إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمِيصَة لَهَا عَلَم فَشَهِدَ فِيهَا الصَّلَاة , فَلَمَّا اِنْصَرَفَ قَالَ : رُدِّي هَذِهِ الْخَمِيصَة إِلَى أَبِي جَهْم \" وَوَقَعَ عِنْد الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ مَا يُخَالِف ذَلِكَ , فَأَخْرَجَ مِنْ وَجْه مُرْسَل \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِخَمِيصَتَيْنِ سَوْدَاوَيْنِ فَلَبِسَ إِحْدَاهُمَا وَبَعَثَ الْأُخْرَى إِلَى أَبِي جَهْم \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أُخْرَى \" وَأَخَذَ كُرْدِيًّا لِأَبِي جَهْم , فَقِيلَ : يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَمِيصَة كَانَتْ خَيْرًا مِنْ الْكُرْدِيّ \". قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : إِنَّمَا طَلَبَ مِنْهُ ثَوْبًا غَيْرهَا لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ هَدِيَّته اِسْتِخْفَافًا بِهِ , قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ الْوَاهِب إِذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ عَطِيَّته مِنْ غَيْر أَنْ يَكُون هُوَ الرَّاجِع فِيهَا فَلَهُ أَنْ يَقْبَلهَا مِنْ غَيْر كَرَاهَة. قُلْت : وَهَذَا مَبْنِيّ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَة , وَرِوَايَة الزُّبَيْر وَاَلَّتِي بَعْدهَا تُصَرِّح بِالتَّعَدُّدِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَلْهَتْنِي ) ‏ ‏أَيْ شَغَلَتْنِي , يُقَال لَهِيَ بِالْكَسْرِ إِذَا غَفَلَ , وَلَهَا بِالْفَتْحِ إِذَا لَعِب. ‏ ‏قَوْله : ( آنِفًا ) ‏ ‏أَيْ قَرِيبًا , وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ اِئْتِنَاف الشَّيْء أَيْ اِبْتِدَائِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَلَاتِي ) ‏ ‏أَيْ عَنْ كَمَالِ الْحُضُور فِيهَا , كَذَا قِيلَ , وَالطَّرِيق الْآتِيَة الْمُعَلَّقَة تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَع لَهُ شَيْء مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا خَشِيَ أَنْ يَقَع لِقَوْلِهِ \" فَأَخَاف \". وَكَذَا فِي رِوَايَة مَالِك \" فَكَادَ \" فَلْتُؤَوَّلْ الرِّوَايَة الْأُولَى. ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِيهِ مُبَادَرَة الرَّسُول إِلَى مَصَالِح الصَّلَاة , وَنَفْي مَا لَعَلَّهُ يَخْدِش فِيهَا. وَأَمَّا بَعْثه بِالْخَمِيصَةِ إِلَى أَبِي جَهْم فَلَا يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَسْتَعْمِلهَا فِي الصَّلَاة. وَمِثْله قَوْله فِي حُلَّة عُطَارِد حَيْثُ بَعَثَ بِهَا إِلَى عُمَر \" إِنِّي لَمْ أَبْعَث بِهَا إِلَيْك لِتَلْبَسهَا \" وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ جِنْس قَوْله \" كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي \" وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ كَرَاهِيَة كُلّ مَا يَشْغَل عَنْ الصَّلَاة مِنْ الْأَصْبَاغ وَالنُّقُوش وَنَحْوهَا. وَفِيهِ قَبُول الْهَدِيَّة مِنْ الْأَصْحَاب وَالْإِرْسَال إِلَيْهِمْ وَالطَّلَب مِنْهُمْ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبَاجِيّ عَلَى صِحَّة الْمُعَاطَاة لِعَدَمِ ذِكْر الصِّيغَة. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : فِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ لِلصُّوَرِ وَالْأَشْيَاء الظَّاهِرَة تَأْثِيرًا فِي الْقُلُوب الطَّاهِرَة وَالنُّفُوس الزَّكِيَّة , يَعْنِي فَضْلًا عَمَّنْ دُونهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ هِشَام بْن عُرْوَة ) ‏ ‏أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن أَبِي شَيْبَة وَمُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقه , وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ طُرُقهمْ هَذَا اللَّفْظ. نَعَمْ اللَّفْظ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْمُوَطَّأ قَرِيب مِنْ هَذَا اللَّفْظ الْمُعَلَّق , وَلَفْظه : \" فَإِنِّي نَظَرْت إِلَى عَلَمهَا فِي الصَّلَاة فَكَادَ يَفْتِنُنِي \" وَالْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِحَمْلِ قَوْله \" أَلْهَتْنِي \" عَلَى قَوْله \" كَادَتْ \" فَيَكُون إِطْلَاق الْأُولَى لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْقُرْب لَا لِتَحَقُّقِ وُقُوع الْإِلْهَاء. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَوْله \" فَأَخَاف أَنْ تَفْتِنِّي \" فِي رِوَايَتنَا بِكَسْرِ الْمُثَنَّاة وَتَشْدِيد النُّون , وَفِي رِوَايَة الْبَاقِينَ بِإِظْهَارِ النُّون الْأُولَى وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّله مِنْ الثُّلَاثِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "361",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏قِرَامٌ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمِيطِي ‏ ‏عَنَّا ‏ ‏قِرَامَكِ ‏ ‏هَذَا فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ ‏ ‏تَعْرِضُ ‏ ‏فِي صَلَاتِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْوَارِث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد , وَالْإِسْنَادُ كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( قِرَام ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَتَخْفِيف الرَّاء : سِتْرٌ رَقِيقٌ مِنْ صُوفٍ ذُو أَلْوَان. ‏ ‏قَوْله : ( أَمِيطِي ) ‏ ‏أَيْ أَزِيلِي وَزْنًا وَمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَزَالُ تَصَاوِير ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَتنَا , وَلِلْبَاقِينَ بِإِثْبَاتِ الضَّمِير , وَالْهَاء فِي رِوَايَتنَا فِي \" فَإِنَّهُ \" ضَمِير الشَّأْن , وَعَلَى الْأُخْرَى يُحْتَمَل أَنْ تَعُود عَلَى الثَّوْب. ‏ ‏قَوْله : ( تَعْرِض ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الرَّاء أَيْ تَلُوح , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" تَعَرَّض \" بِفَتْحِ الْعَيْن وَتَشْدِيد الرَّاء , أَصْلُهُ تَتَعَرَّض. وَدَلَّ الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الصَّلَاة لَا تَفْسُد بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْطَعهَا وَلَمْ يُعِدْهَا , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب اللِّبَاس بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى طُرُق حَدِيث عَائِشَة فِي هَذَا , وَالتَّوْفِيق بَيْن مَا ظَاهِره الِاخْتِلَاف مِنْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَاَللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "362",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرُّوجُ ‏ ‏حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ وَقَالَ ‏ ‏لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَزِيد ) ‏ ‏زَادَ الْأَصِيلِيّ هُوَ اِبْن أَبِي حَبِيب , ‏ ‏وَأَبُو الْخَيْر ‏ ‏هُوَ الْيَزَنِيّ بِفَتْحِ الزَّاي بَعْدهَا نُون , وَالْإِسْنَاد كُلّه مِصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( أُهْدِيَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله , وَاَلَّذِي أَهْدَاهُ هُوَ أُكَيْدِر كَمَا سَيَأْتِي فِي اللِّبَاس , وَظَاهِر هَذَا الْحَدِيث أَنَّ صَلَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ كَانَتْ قَبْل تَحْرِيم لُبْس الْحَرِير , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" صَلَّى فِي قَبَاء دِيبَاج ثُمَّ نَزَعَهُ وَقَالَ : نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيل \" وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَفْهُوم قَوْله \" لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ \" ; لِأَنَّ الْمُتَّقِي وَغَيْره فِي التَّحْرِيم سَوَاء , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِالْمُتَّقِي الْمُسْلِم أَيْ الْمُتَّقِي لِلْكُفْرِ , وَيَكُون النَّهْي سَبَب النَّزْع , وَيَكْوُنَّ ذَلِكَ اِبْتِدَاء التَّحْرِيم , وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَنْ أَجَازَ الصَّلَاة فِي ثِيَاب الْحَرِير لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعِدْ تِلْكَ الصَّلَاة ; لِأَنَّ تَرْك إِعَادَتهَا لِكَوْنِهَا وَقَعَتْ قَبْل التَّحْرِيم , أَمَّا بَعْده فَعِنْد الْجُمْهُور تُجْزِئ لَكِنْ مَعَ التَّحْرِيم , وَعَنْ مَالِك يُعِيد فِي الْوَقْت , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "363",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏قُبَّةٍ ‏ ‏حَمْرَاءَ مِنْ ‏ ‏أَدَمٍ ‏ ‏وَرَأَيْتُ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَأَيْتُ النَّاسَ ‏ ‏يَبْتَدِرُونَ ‏ ‏ذَاكَ الْوَضُوءَ فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ ثُمَّ رَأَيْتُ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏أَخَذَ ‏ ‏عَنَزَةً ‏ ‏فَرَكَزَهَا وَخَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏حُلَّةٍ ‏ ‏حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا صَلَّى إِلَى ‏ ‏الْعَنَزَةِ ‏ ‏بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ ‏ ‏الْعَنَزَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخَذَ وَضُوء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاو , أَيْ الْمَاء الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ اِسْتِدْلَال الْمُصَنِّف بِهِ عَلَى طَهَارَة الْمَاء الْمُسْتَعْمَل , وَيَأْتِي بَاقِي مَبَاحِثه فِي أَبْوَاب السُّتْرَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "364",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلُوا ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ ‏ ‏مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ فَقَالَ مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ أَعْلَمُ مِنِّي هُوَ مِنْ ‏ ‏أَثْلِ ‏ ‏الْغَابَةِ ‏ ‏عَمِلَهُ ‏ ‏فُلَانٌ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏فُلَانَةَ ‏ ‏لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ كَبَّرَ وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَجَعَ ‏ ‏الْقَهْقَرَى ‏ ‏فَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَجَعَ ‏ ‏الْقَهْقَرَى ‏ ‏حَتَّى سَجَدَ بِالْأَرْضِ فَهَذَا شَأْنُهُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ‏ ‏سَأَلَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ‏ ‏رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ أَعْلَى مِنْ النَّاسِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ النَّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فَقُلْتُ إِنَّ ‏ ‏سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ ‏ ‏كَانَ يُسْأَلُ عَنْ هَذَا كَثِيرًا فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ قَالَ لَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَة , ‏ ‏وَأَبُو حَازِم ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ ) ‏ ‏ولِلْكُشْمِيهَنِيّ فِي النَّاس ‏ ‏( أَعْلَم مِنِّي ) ‏ ‏أَيْ بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أَثْل ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمُثَلَّثَة شَجَر مَعْرُوف , وَالْغَابَة بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَة مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَمِلَهُ فُلَان مَوْلَى فُلَانَة ) ‏ ‏اُخْتُلِفَ فِي اِسْم النَّجَّار الْمَذْكُور كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجُمُعَة , وَأَقْرَبهَا مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيد فِي \" شَرَف الْمُصْطَفَى \" مِنْ طَرِيق اِبْن لَهِيعَة عَنْ عُمَارَة بْن غَزِيَّةَ عَنْ عَبَّاس بْن سَهْل عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ بِالْمَدِينَةِ نَجَّار وَاحِد يُقَال لَهُ مَيْمُون فَذَكَر قِصَّة الْمِنْبَر. وَأَمَّا الْمَرْأَة فَلَا يُعْرَف اِسْمهَا لَكِنَّهَا أَنْصَارِيَّة. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ مَالِك : أَنَّ النَّجَّار كَانَ مَوْلًى لِسَعْدِ بْن عُبَادَةَ , فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فِي الْأَصْل مَوْلَى اِمْرَأَته وَنُسِبَ إِلَيْهِ مَجَازًا , وَاسْم اِمْرَأَته فَكِيهَة بِنْت عُبَيْد بْن دُلَيْم , وَهِيَ اِبْنَة عَمّه , أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ , فَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون هِيَ الْمُرَادَة. لَكِنْ رَوَاهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ فَقَالَ : مَوْلًى لِبَنِي بَيَاضَة. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الدَّلَائِل لِأَبِي مُوسَى الْمَدِينِيّ نَقْلًا عَنْ جَعْفَر المُسْتَغْفِرِيّ أَنَّهُ قَالَ : فِي أَسْمَاء النِّسَاء مِنْ الصَّحَابَة عُلَاثَة بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَبِالْمُثَلَّثَةِ , ثُمَّ سَاقَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي حَازِم قَالَ : وَفِيهِ أَرْسَلَ إِلَى عُلَاثَة اِمْرَأَة قَدْ سَمَّاهَا سَهْل , فَقَدْ قَالَ أَبُو مُوسَى : صَحَّفَ فِيهِ جَعْفَر أَوْ شَيْخه , وَإِنَّمَا هُوَ \" فُلَانَة \" , اِنْتَهَى. ‏ ‏وَوَقَعَ عِنْد الْكَرْمَانِيّ قِيلَ : اِسْمهَا عَائِشَة , وَأَظُنُّهُ صَحَّفَ الْمُصْحَف , وَلَوْ ذَكَرَ مُسْتَنَده فِي ذَلِكَ لَكَانَ أَوْلَى. ثُمَّ وَجَدْت فِي الْأَوْسَط لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث جَابِر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي إِلَى سَارِيَة فِي الْمَسْجِد وَيَخْطُب إِلَيْهَا وَيَعْتَمِد عَلَيْهَا , فَأَمَرَتْ عَائِشَة فَصَنَعَتْ لَهُ مِنْبَره هَذَا , فَذَكَرَ الْحَدِيث وَإِسْنَاده ضَعِيف. ‏ ‏وَلَوْ صَحَّ لَمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ عَائِشَة هِيَ الْمُرَادَة فِي حَدِيث سَهْل هَذَا إِلَّا بِتَعَسُّفٍ , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَالْغَرَض مِنْ إِيرَاد هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب جَوَاز الصَّلَاة عَلَى الْمِنْبَر , وَفِيهِ جَوَاز اِخْتِلَاف مَوْقِف الْإِمَام وَالْمَأْمُوم فِي الْعُلْو وَالسُّفْل , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُصَنِّف فِي حِكَايَته عَنْ شَيْخه عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل. وَلِابْنِ دَقِيق الْعِيد فِي ذَلِكَ بَحْثٌ , فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلّ بِهِ عَلَى جَوَاز الِارْتِفَاع مِنْ غَيْر قَصْد التَّعْلِيم لَمْ يَسْتَقِمْ ; لِأَنَّ اللَّفْظ لَا يَتَنَاوَلهُ , وَلِانْفِرَادِ الْأَصْل بِوَصْفٍ مُعْتَبَرٍ تَقْتَضِي الْمُنَاسَبَةُ اِعْتِبَاره فَلَا بُدّ مِنْهُ , وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَاز الْعَمَل الْيَسِير فِي الصَّلَاة كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ فَقُلْت ) ‏ ‏أَيْ قَالَ عَلِيٌّ لِأَحْمَد بْن حَنْبَل. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ تَسْمَعهُ مِنْهُ ؟ قَالَ : لَا ) ‏ ‏صَرِيح فِي أَنَّ أَحْمَد بْن حَنْبَل لَمْ يَسْمَع هَذَا الْحَدِيث مِنْ اِبْن عُيَيْنَة. ‏ ‏وَقَدْ رَاجَعْت مُسْنَده فَوَجَدْته قَدْ أَخْرَجَ فِيهِ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ بِهَذَا الْإِسْنَاد مِنْ هَذَا الْحَدِيث قَوْل سَهْل \" كَانَ الْمِنْبَر مِنْ أَثْل الْغَابَة \" فَقَطْ , فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَنْفِيّ فِي قَوْله \" فَلَمْ تَسْمَعهُ مِنْهُ ؟ قَالَ : لَا \" جَمِيع الْحَدِيث لَا بَعْضه , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا وَهُوَ صَلَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَر دَاخِل فِي ذَلِكَ الْبَعْض , فَلِذَلِكَ سَأَلَ عَنْهُ عَلِيًّا , وَلَهُ عِنْده طَرِيق أُخْرَى مِنْ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم عَنْ أَبِيهِ. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز الصَّلَاة عَلَى الْخَشَب , وَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَسَن وَابْن سِيرِينَ , أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُمَا. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ اِبْن مَسْعُود وَابْن عُمَر نَحْوه وَعَنْ مَسْرُوق أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ لَبِنَةً لِيَسْجُدَ عَلَيْهَا إِذَا رَكِبَ السَّفِينَة , وَعَنْ اِبْن سِيرِينَ نَحْوه. وَالْقَوْل بِالْجَوَازِ هُوَ الْمُعْتَمَد. ‏"
    },
    {
        "id": "365",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ ‏ ‏فَجُحِشَتْ ‏ ‏سَاقُهُ أَوْ كَتِفُهُ ‏ ‏وَآلَى ‏ ‏مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا فَجَلَسَ فِي ‏ ‏مَشْرُبَةٍ ‏ ‏لَهُ دَرَجَتُهَا مِنْ جُذُوعٍ فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ ‏ ‏لِيُؤْتَمَّ ‏ ‏بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا وَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا فَقَالَ إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم ) ‏ ‏هُوَ الْحَافِظ الْمَعْرُوف بِصَاعِقَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ هُشَيْم عَنْ حُمَيْدٍ \" حَدَّثَنَا أَنَس \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجُحِشَتْ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيم وَكَسْر الْمُهْمَلَة بَعْدهَا شِين مُعْجَمَة , وَالْجَحْش الْخَدْش أَوْ أَشَدّ مِنْهُ قَلِيلًا. ‏ ‏قَوْله : ( سَاقه أَوْ كَتِفه ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَفِي رِوَايَة بِشْر بْن الْمُفَضَّل عَنْ حُمَيْدٍ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" اِنْفَكَّتْ قَدَمه \" وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَس فِي الصَّحِيحَيْنِ \" فَجُحِشَ شِقّه الْأَيْمَن \" وَهِيَ أَشْمَل مِمَّا قَبْلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَآلَى مِنْ نِسَائِهِ ) ‏ ‏أَيْ حَلَفَ لَا يَدْخُل عَلَيْهِنَّ شَهْرًا , وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِيلَاءَ الْمُتَعَارَفَ بَيْن الْفُقَهَاء. ‏ ‏قَوْله : ( مَشْرُبَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَبِضَمِّ الرَّاء وَيَجُوز فَتْحهَا , هِيَ الْغُرْفَة الْمُرْتَفِعَة. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ جُذُوع ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّنْوِينِ بِغَيْرِ إِضَافَة , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ مِنْ جُذُوع النَّخْل , وَالْغَرَض مِنْ هَذَا الْحَدِيث هُنَا صَلَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَشْرُبَة , وَهِيَ مَعْمُولَةٌ مِنْ الْخَشَب , قَالَهُ اِبْن بَطَّالٍ. ‏ ‏وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن دَرَجهَا مِنْ خَشَب أَنْ تَكُون كُلّهَا خَشَبًا , فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْغَرَض مِنْهُ بَيَان جَوَاز الصَّلَاة عَلَى السَّطْح إِذْ هِيَ سَقْف فِي الْجُمْلَة. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة فَوَائِده فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "366",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي وَأَنَا ‏ ‏حِذَاءَهُ ‏ ‏وَأَنَا حَائِضٌ وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ قَالَتْ وَكَانَ ‏ ‏يُصَلِّي عَلَى ‏ ‏الْخُمْرَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ خَالِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْوَاسِطِيّ , ‏ ‏وَسُلَيْمَان الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏هُوَ أَبُو إِسْحَاق مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي الطَّهَارَة , وَاسْتُدِلَّ بِهِ هُنَاكَ عَلَى أَنَّ عَيْن الْحَائِض طَاهِرَة , وَهُنَا عَلَى أَنَّ مُلَاقَاة بَدَن الطَّاهِر وَثِيَابه لَا تُفْسِد الصَّلَاة وَلَوْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِنَجَاسَةٍ حُكْمِيَّة. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ النَّجَاسَة إِذَا كَانَتْ عَيْنِيَّة قَدْ تَضُرُّ , وَفِيهِ أَنَّ مُحَاذَاة الْمَرْأَة لَا تُفْسِد الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَة ) ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطهَا فِي آخِر كِتَاب الْحَيْض. قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : لَا خِلَاف بَيْن فُقَهَاء الْأَمْصَار فِي جَوَاز الصَّلَاة عَلَيْهَا إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز أَنَّهُ كَانَ يُؤْتَى بِتُرَابٍ فَيُوضَع عَلَى الْخُمْرَة فَيَسْجُد عَلَيْهِ , وَلَعَلَّهُ كَانَ يَفْعَلهُ عَلَى جِهَة الْمُبَالَغَة فِي التَّوَاضُع وَالْخُشُوع فَلَا يَكُون فِيهِ مُخَالَفَة لِلْجَمَاعَةِ وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر أَنَّهُ كَانَ يَكْرَه الصَّلَاة عَلَى شَيْء دُون الْأَرْض , وَكَذَا رُوِيَ عَنْ غَيْر عُرْوَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يُحْمَل عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "367",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ جَدَّتَهُ ‏ ‏مُلَيْكَةَ ‏ ‏دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ قُومُوا فَلِأُصَلِّ لَكُمْ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ ‏ ‏فَنَضَحْتُهُ ‏ ‏بِمَاءٍ ‏ ‏فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَصَفَفْتُ ‏ ‏وَالْيَتِيمَ ‏ ‏وَرَاءَهُ ‏ ‏وَالْعَجُوزُ ‏ ‏مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْحَمَوِيّ , وَلِلْبَاقِينَ : إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ جَدَّته مُلَيْكَة ) ‏ ‏أَيْ بِضَمِّ الْمِيم تَصْغِير مَلِكَة , وَالضَّمِير فِي جَدَّته يَعُود عَلَى إِسْحَاق , جَزَمَ بِهِ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَعَبْد الْحَقّ وَعِيَاض , وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيّ. وَجَزَمَ اِبْن سَعْد وَابْن مَنْدَهْ وَابْن الْحَصَّار بِأَنَّهَا جَدَّة أَنَس وَالِدَة أُمّه أُمّ سُلَيْمٍ , وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَة وَمَنْ تَبِعَهُ وَكَلَام عَبْد الْغَنِيّ فِي الْعُمْدَة , وَهُوَ ظَاهِر السِّيَاق , وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَيْنَاهُ فِي فَوَائِد الْعِرَاقِيِّينَ لِأَبِي الشَّيْخ مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن يَحْيَى الْمُقَدَّمِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس قَالَ \" أَرْسَلَتْنِي جَدَّتِي إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْمهَا مُلَيْكَة فَجَاءَنَا فَحَضَرَتْ الصَّلَاة \" الْحَدِيث. وَقَالَ اِبْن سَعْد فِي الطَّبَقَات : أُمّ سُلَيْمٍ بِنْت مِلْحَان , فَسَاقَ نَسَبهَا إِلَى عَدِيّ بْن النَّجَّار وَقَالَ : وَهِيَ الْغُمَيْصَاء وَيُقَال الرُّمَيْسَاء , وَيُقَال اِسْمهَا سَهْلَة وَيُقَال أُنَيْفَة أَيْ بِالنُّونِ وَالْفَاء الْمُصَغَّرَة وَيُقَال رُمَيْثَة , وَأُمّهَا مُلَيْكَة بِنْت مَالِك بْن عَدِيٍّ , فَسَاقَ نَسَبهَا إِلَى مَالِك بْن النَّجَّار ثُمَّ قَالَ : تَزَوَّجَهَا أَيْ أُمّ سُلَيْمٍ مَالِك بْن النَّضْر فَوَلَدَتْ لَهُ أَنَس بْن مَالِك , ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَة فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْد اللَّه وَأَبَا عُمَيْر. قُلْت : وَعَبْد اللَّه هُوَ وَالِد إِسْحَاق , رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَمّه أَخِي أَبِيهِ لِأُمّه أَنَس بْن مَالِك , وَمُقْتَضَى كَلَام مَنْ أَعَادَ الضَّمِير فِي جَدَّته إِلَى إِسْحَاق أَنْ يَكُون اِسْم أُمّ سُلَيْمٍ مُلَيْكَة , وَمُسْتَنَدهمْ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس قَالَ \" صَفَفْت أَنَا وَيَتِيم فِي بَيْتنَا خَلْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأُمِّي أُمّ سُلَيْمٍ خَلْفنَا \" هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَاب الصُّفُوف , وَالْقِصَّة وَاحِدَة طَوَّلَهَا مَالِك وَاخْتَصَرَهَا سُفْيَان , وَيُحْتَمَل تَعَدُّدهَا فَلَا تُخَالِف مَا تَقَدَّمَ , وَكَوْن مُلَيْكَة جَدَّة أَنَس لَا يَنْفِي كَوْنهَا جَدَّة إِسْحَاق لِمَا بَيَّنَّاهُ , لَكِنَّ الرِّوَايَة الَّتِي سَأَذْكُرُهَا عَنْ \" غَرَائِب مَالِك \" ظَاهِرَة فِي أَنَّ مُلَيْكَة اِسْم أُمّ سُلَيْمٍ نَفْسهَا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( لِطَعَامٍ ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِ طَعَام , وَهُوَ مُشْعِر بِأَنَّ مَجِيئَهُ كَانَ لِذَلِكَ لَا لِيُصَلِّيَ بِهِمْ لِيَتَّخِذُوا مَكَان صَلَاته مُصَلًّى لَهُمْ كَمَا فِي قِصَّة عِتْبَان بْن مَالِك الْآتِيَة , وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي كَوْنه بَدَأَ فِي قِصَّة عِتْبَان بِالصَّلَاةِ قَبْل الطَّعَام , وَهُنَا بِالطَّعَامِ قَبْل الصَّلَاة , فَبَدَأَ فِي كُلّ مِنْهُمَا بِأَصْلِ مَا دُعِيَ لِأَجْلِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ قُومُوا ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَرْك الْوُضُوء مِمَّا مَسَّتْ النَّار لِكَوْنِهِ صَلَّى بَعْد الطَّعَام , وَفِيهِ نَظَرٌ , لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" عَنْ الْبَغَوِيِّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَوْن عَنْ مَالِك وَلَفْظه \" صَنَعَتْ مُلَيْكَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا فَأَكَلَ مِنْهُ وَأَنَا مَعَهُ , ثُمَّ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَلِأُصَلِّيَ لَكُمْ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَتنَا بِكَسْرِ اللَّام وَفَتْح الْيَاء , وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ بِحَذْفِ الْيَاء قَالَ اِبْن مَالِك : رُوِيَ بِحَذْفِ الْيَاء وَثُبُوتهَا مَفْتُوحَة وَسَاكِنَة , وَوَجْهه أَنَّ اللَّام عِنْد ثُبُوت الْيَاء مَفْتُوحَة لَامُ كَيْ وَالْفِعْل بَعْدهَا مَنْصُوب بِأَنْ مُضْمَرَة وَاللَّام وَمَصْحُوبهَا خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير قُومُوا فَقِيَامكُمْ لِأُصَلِّيَ لَكُمْ , وَيَجُوز عَلَى مَذْهَب الْأَخْفَش أَنْ تَكُون الْفَاء زَائِدَة وَاللَّام مُتَعَلِّقَة بِقُومُوا , وَعِنْد سُكُون الْيَاء يُحْتَمَل أَنْ تَكُون اللَّام أَيْضًا لَام كَيْ وَسُكِّنَتْ الْيَاء تَخْفِيفًا أَوْ لَام الْأَمْر وَثَبَتَتْ الْيَاء فِي الْجَزْم إِجْرَاء لِلْمُعْتَلِّ مَجْرَى الصَّحِيح كَقِرَاءَةِ قُنْبُل \" إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِر \" , وَعِنْد حَذْف الْيَاء اللَّام لَام الْأَمْر , وَأَمْر الْمُتَكَلِّم نَفْسه بِفِعْلٍ مَقْرُونٍ بِاللَّامِ فَصِيح قَلِيل فِي الِاسْتِعْمَال وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ) قَالَ : وَيَجُوز فَتْح اللَّام. ثُمَّ ذَكَرَ تَوْجِيهه , وَفِيهِ لِغَيْرِهِ بَحْثٌ اِخْتَصَرْته ; لِأَنَّ الرِّوَايَة لَمْ تَرِدْ بِهِ , وَقِيلَ : إِنَّ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَأُصَلِّ \" بِحَذْفِ اللَّام , وَلَيْسَ هُوَ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ النُّسَخ الصَّحِيحَة , وَحَكَى اِبْن قُرْقُولٍ عَنْ بَعْض الرِّوَايَات \" فَلِنُصَلِّ \" بِالنُّونِ وَكَسْر اللَّام وَالْجَزْم , وَاللَّام عَلَى هَذَا لَام الْأَمْر وَكَسْرهَا لُغَة مَعْرُوفَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَكُمْ ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِكُمْ قَالَ السُّهَيْلِيّ : الْأَمَر هُنَا بِمَعْنَى الْخَبَر , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ) وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَمْرًا لَهُمْ بِالِائْتِمَام لَكِنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسه لِارْتِبَاطِ فِعْلهمْ بِفِعْلِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ طُول مَا لُبِسَ ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ الِافْتِرَاش يُسَمَّى لُبْسًا , وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَنْع اِفْتِرَاش الْحَرِير لِعُمُومِ النَّهْي عَنْ لُبْس الْحَرِير , وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَلْبَس حَرِيرًا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث بِالِافْتِرَاشِ ; لِأَنَّ الْأَيْمَان مَبْنَاهَا عَلَى الْعُرْف. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَضَحْته ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يَكُون النَّضْح لِتَلْيِينِ الْحَصِير أَوْ لِتَنْظِيفِهِ أَوْ لِتَطْهِيرِهِ , وَلَا يَصِحُّ الْجَزْم بِالْأَخِيرِ , بَلْ الْمُتَبَادَر غَيْره ; لِأَنَّ الْأَصْل الطَّهَارَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَصَفَفْت أَنَا وَالْيَتِيم ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ \" فَصَفَفْت وَالْيَتِيم \" بِغَيْرِ تَأْكِيد وَالْأَوَّل أَفْصَحُ , وَيَجُوز فِي \" الْيَتِيم \" الرَّفْع وَالنَّصْب , قَالَ صَاحِب الْعُمْدَة : الْيَتِيم هُوَ ضُمَيْرَة جَدّ حُسَيْن بْن عَبْد اللَّه بْن ضُمَيْرَة , قَالَ اِبْن الْحَذَّاء : كَذَا سَمَّاهُ عَبْد الْمَلِك بْن حَبِيب وَلَمْ يَذْكُرهُ غَيْره , وَأَظُنّهُ سَمِعَهُ مِنْ حُسَيْن بْن عَبْد اللَّه أَوْ مِنْ غَيْره مِنْ أَهْل الْمَدِينَة. قَالَ : وَضُمَيْرَة هُوَ اِبْن أَبِي ضُمَيْرَة مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاخْتُلِفَ فِي اِسْم أَبِي ضُمَيْرَة فَقِيلَ رَوْح , وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ. اِنْتَهَى. وَوَهِمَ بَعْض الشُّرَّاح فَقَالَ : اِسْم الْيَتِيم ضُمَيْرَة وَقِيلَ رَوْح , فَكَأَنَّهُ اِنْتَقَلَ ذِهْنه مِنْ الْخِلَاف فِي اِسْم أَبِيهِ إِلَيْهِ , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب الْمَرْأَة وَحْدهَا تَكُون صَفًّا \" ذِكْر مَنْ قَالَ إِنَّ اِسْمه سُلَيْم وَبِيَان وَهْمه فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَجَزَمَ الْبُخَارِيّ بِأَنَّ اِسْم أَبِي ضُمَيْرَة سَعْد الْحِمْيَرِيّ وَيُقَال سَعِيد , وَنَسَبَهُ اِبْن حِبَّانَ لَيْثِيًّا. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْعَجُوز ) ‏ ‏هِيَ مُلَيْكَة الْمَذْكُورَة أَوَّلًا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ اِنْصَرَفَ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى بَيْته أَوْ مِنْ الصَّلَاة. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد إِجَابَة الدَّعْوَة وَلَوْ لَمْ تَكُنْ عُرْسًا وَلَوْ كَانَ الدَّاعِي اِمْرَأَة لَكِنْ حَيْثُ تُؤْمَنُ الْفِتْنَة , وَالْأَكْل مِنْ طَعَام الدَّعْوَة , وَصَلَاة النَّافِلَة جَمَاعَة فِي الْبُيُوت , وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ تَعْلِيمهمْ أَفْعَال الصَّلَاة بِالْمُشَاهَدَةِ لِأَجْلِ الْمَرْأَة فَإِنَّهَا قَدْ يَخْفَى عَلَيْهَا بَعْض التَّفَاصِيل لِبُعْدِ مَوْقِفهَا. وَفِيهِ تَنْظِيف مَكَان الْمُصَلَّى , وَقِيَام الصَّبِيّ مَعَ الرَّجُل صَفًّا , وَتَأْخِير النِّسَاء عَنْ صُفُوف الرِّجَال , وَقِيَام الْمَرْأَة صَفًّا وَحْدهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا اِمْرَأَة غَيْرهَا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز صَلَاة الْمُنْفَرِد خَلْف الصَّفّ وَحْده , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِذَلِكَ. وَفِيهِ الِاقْتِصَار فِي نَافِلَة النَّهَار عَلَى رَكْعَتَيْنِ خِلَافًا لِمَنْ اِشْتَرَطَ أَرْبَعًا , وَسَيَأْتِي ذِكْر ذَلِكَ فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِيهِ صِحَّة صَلَاة الصَّبِيّ الْمُمَيِّز وَوُضُوئِهِ , وَأَنَّ مَحَلّ الْفَضْل الْوَارِد فِي صَلَاة النَّافِلَة مُنْفَرِدًا حَيْثُ لَا يَكُون هُنَاكَ مَصْلَحَة كَالتَّعْلِيمِ , بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَال هُوَ إِذْ ذَاكَ أَفْضَل وَلَا سِيَّمَا فِي حَقّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏الْأَوَّل أَوْرَدَ مَالِك هَذَا الْحَدِيث فِي تَرْجَمَة صَلَاة الضُّحَى , وَتُعُقِّبَ بِمَا رَوَاهُ أَنَس بْن سِيرِينَ عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّهُ لَمْ يَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى إِلَّا مَرَّة وَاحِدَة فِي دَار الْأَنْصَارِيّ الضَّخْم الَّذِي دَعَاهُ لِيُصَلِّيَ فِي بَيْته , أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف كَمَا سَيَأْتِي. وَأَجَابَ صَاحِب \" الْقَبَس \" بِأَنَّ مَالِكًا نَظَرَ إِلَى كَوْن الْوَقْت الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ تِلْكَ الصَّلَاة هُوَ وَقْت صَلَاة الضُّحَى فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ , وَأَنَّ أَنَسًا لَمْ يَطَّلِع عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَوَى بِتِلْكَ الصَّلَاة صَلَاة الضُّحَى. ‏ ‏الثَّانِي النُّكْتَة فِي تَرْجَمَة الْبَاب الْإِشَارَة إِلَى مَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره مِنْ طَرِيق شُرَيْح بْن هَانِئ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَة : أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى الْحَصِير وَاَللَّهُ يَقُول ( وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) فَقَالَتْ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي عَلَى الْحَصِير , فَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت عِنْد الْمُصَنِّف أَوْ رَآهُ شَاذًّا مَرْدُودًا لِمُعَارَضَتِهِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ كَحَدِيثِ الْبَاب , بَلْ سَيَأْتِي عِنْده مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ حَصِيرٌ يَبْسُطهُ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ \" وَفِي مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى حَصِير. ‏"
    },
    {
        "id": "368",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي عَلَى ‏ ‏الْخُمْرَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "369",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ ‏ ‏غَمَزَنِي ‏ ‏فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا قَالَتْ وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَالْإِسْنَادُ كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت أَنَام بَيْن يَدَيْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَته ) ‏ ‏أَيْ فِي مَكَان سُجُوده , وَيَتَبَيَّن ذَلِكَ مِنْ الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَبَضْت رِجْلَيْ ) ‏ ‏كَذَا بِالتَّثْنِيَةِ لِلْأَكْثَرِ , وَكَذَا فِي قَوْلهَا \" بَسَطْتهمَا \" وَلِلْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ \" رِجْلِي \" بِالْإِفْرَادِ , وَكَذَا \" بَسَطْتهَا \" وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِقَوْلِهَا \" غَمَزَنِي \" عَلَى أَنَّ لَمْسَ الْمَرْأَة لَا يَنْقُض الْوُضُوء , وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ الْحَائِل , أَوْ بِالْخُصُوصِيَّةِ , وَعَلَى أَنَّ الْمَرْأَة لَا تَقْطَع الصَّلَاة , وَسَيَأْتِي مَعَ بَقِيَّة مَبَاحِثه فِي أَبْوَاب السُّتْرَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْلهَا \" وَالْبُيُوت يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيح \" كَأَنَّهَا أَرَادَتْ بِهِ الِاعْتِذَار عَنْ نَوْمهَا عَلَى تِلْكَ الصِّفَة , قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُمْ صَارُوا بَعْد ذَلِكَ يَسْتَصْبِحُونَ. وَمُنَاسَبَة هَذَا الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلهَا \" كُنْت أَنَام \" وَقَدْ صَرَّحَتْ فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِيه بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى فِرَاش أَهْله. ‏"
    },
    {
        "id": "370",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي وَهِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ اعْتِرَاضَ الْجَنَازَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِعْتِرَاض الْجِنَازَة ) ‏ ‏مَنْصُوب بِأَنَّهُ مَفْعُول مُطْلَق بِعَامِلٍ مُقَدَّر أَيْ مُعْتَرِضَة اِعْتِرَاضًا كَاعْتِرَاضِ الْجِنَازَة وَالْمُرَاد أَنَّهَا تَكُون نَائِمَة بَيْن يَدَيْهِ مِنْ جِهَة يَمِينه إِلَى جِهَة شِمَاله كَمَا تَكُون الْجِنَازَة بَيْن يَدَيْ الْمُصَلِّي عَلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "371",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِرَاكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي ‏ ‏وَعَائِشَةُ ‏ ‏مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى الْفِرَاشِ الَّذِي يَنَامَانِ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَبِيب , ‏ ‏وَعِرَاك ‏ ‏هُوَ اِبْن مَالِك , ‏ ‏وَعُرْوَة ‏ ‏هُوَ اِبْن الزُّبَيْر , وَالثَّلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ , وَصُورَةُ سِيَاقه بِهَذَا الْإِرْسَال , لَكِنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ عَائِشَة بِدَلِيلِ الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا. ‏ ‏وَالنُّكْتَة فِي إِيرَاده أَنَّ فِيهِ تَقْيِيد الْفِرَاش بِكَوْنِهِ الَّذِي يَنَامَانِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ أَوَّل الْبَاب , بِخِلَافِ الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا فَإِنَّ قَوْلهَا \" فِرَاش أَهْله \" أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُون هُوَ الَّذِي نَامَ عَلَيْهِ أَوْ غَيْره , وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَاة إِلَى النَّائِم لَا تُكْرَه ; وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيث ضَعِيفَة فِي النَّهْي عَنْ ذَلِكَ , وَهِيَ مَحْمُولَة - إِنْ ثَبَتَتْ - عَلَى مَا إِذَا حَصَلَ شَغْل الْفِكْر بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "372",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏غَالِبٌ الْقَطَّانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا غَالِب الْقَطَّانُ ) ‏ ‏, وَلِلْأَكْثَرِ \" حَدَّثَنِي \" بِالْإِفْرَادِ , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( طَرَف الثَّوْب ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ بَسَطَ ثَوْبه [ وَكَذَا ] لِلْمُصَنِّفِ فِي أَبْوَاب الْعَمَل فِي الصَّلَاة , وَلَهُ مِنْ طَرِيق خَالِد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ غَالِب \" سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابنَا اِتِّقَاء الْحَرّ \" وَالثَّوْب فِي الْأَصْل يُطْلَق عَلَى غَيْر الْمَخِيط. وَقَدْ يُطْلَق عَلَى الْمَخِيط مَجَازًا. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز اِسْتِعْمَال الثِّيَاب وَكَذَا غَيْرهَا فِي الْحَيْلُولَة بَيْن الْمُصَلِّي وَبَيْن الْأَرْض لِاتِّقَاءِ حَرّهَا وَكَذَا بَرْدهَا. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ مُبَاشَرَة الْأَرْض عَنْد السُّجُود هُوَ الْأَصْلِيّ ; لِأَنَّهُ عَلَّقَ بَسْط الثَّوْب بِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَة. وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى إِجَازَة السُّجُود عَلَى الثَّوْب الْمُتَّصِل بِالْمُصَلِّي , قَالَ النَّوَوِيّ : وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالْجُمْهُور , وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيّ عَلَى الثَّوْب الْمُنْفَصِل. اِنْتَهَى. وَأَيَّدَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَمْل بِمَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" فَيَأْخُذ أَحَدنَا الْحَصَى فِي يَده فَإِذَا بَرَدَ وَضَعَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ \" قَالَ : فَلَوْ جَازَ السُّجُود عَلَى شَيْء مُتَّصِل بِهِ لَمَا اِحْتَاجُوا إِلَى تَبْرِيد الْحَصَى مَعَ طُول الْأَمْر فِيهِ. وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الَّذِي كَانَ يُبَرِّد الْحَصَى لَمْ يَكُنْ فِي ثَوْبه فَضْلَة يَسْجُد عَلَيْهَا مَعَ بَقَاء سُتْرَته لَهُ. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يَحْتَاج مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْجَوَاز إِلَى أَمْرَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ لَفْظ \" ثَوْبه \" دَالٌّ عَلَى الْمُتَّصِل بِهِ , إِمَّا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظ وَهُوَ تَعْقِيب السُّجُود بِالْبَسْطِ يَعْنِي كَمَا فِي رِوَايَة مُسْلِم , وَإِمَّا مِنْ خَارِج اللَّفْظ وَهُوَ قِلَّة الثِّيَاب عِنْدهمْ. وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون كَذَلِكَ - وَهُوَ الْأَمْر الثَّانِي - يَحْتَاج إِلَى ثُبُوت كَوْنه مُتَنَاوِلًا لِمَحَلِّ النِّزَاع , وَهُوَ أَنْ يَكُون مِمَّا يَتَحَرَّك بِحَرَكَةِ الْمُصَلِّي , وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ جَوَاز الْعَمَل الْقَلِيل فِي الصَّلَاة , وَمُرَاعَاة الْخُشُوع فِيهَا ; لِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّ صَنِيعهمْ ذَلِكَ لِإِزَالَةِ التَّشْوِيش الْعَارِض مِنْ حَرَارَة الْأَرْض. وَفِيهِ تَقْدِيم الظُّهْر فِي أَوَّل الْوَقْت , وَظَاهِر الْأَحَادِيث الْوَارِد فِي الْأَمْر بِالْإِبْرَادِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَوَاقِيت يُعَارِضهُ , فَمَنْ قَالَ الْإِبْرَاد رُخْصَة فَلَا إِشْكَال , وَمَنْ قَالَ سُنَّة فَإِمَّا أَنْ يَقُول التَّقْدِيم الْمَذْكُور رُخْصَة , وَإِمَّا أَنْ يَقُول مَنْسُوخ بِالْأَمَرِ بِالْإِبْرَادِ. وَأَحْسَن مِنْهُمَا أَنْ يُقَال : إِنَّ شِدَّة الْحَرّ قَدْ تُوجَد مَعَ الْإِبْرَاد فَيَحْتَاج إِلَى السُّجُود عَلَى الثَّوْب أَوْ إِلَى تَبْرِيد الْحَصَى ; لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَمِرّ حَرّه بَعْد الْإِبْرَاد , وَتَكُون فَائِدَة الْإِبْرَاد وُجُود ظِلٍّ يَمْشِي فِيهِ إِلَى الْمَسْجِد أَوْ يُصَلِّي فِيهِ فِي الْمَسْجِد , أَشَارَ إِلَى هَذَا الْجَمْع الْقُرْطُبِيّ ثُمَّ اِبْن دَقِيق الْعِيد , وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى تَعَارُض الْحَدِيثَيْنِ. وَفِيهِ أَنَّ قَوْل الصَّحَابِيّ \" كُنَّا نَفْعَل كَذَا \" مِنْ قَبِيل الْمَرْفُوع لِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ عَلَى تَخْرِيج هَذَا الْحَدِيث فِي صَحِيحَيْهِمَا بِلْ وَمُعْظَم الْمُصَنِّفِينَ , لَكِنْ قَدْ يُقَال إِنَّ فِي هَذَا زِيَادَة عَلَى مُجَرَّد الصِّيغَة لِكَوْنِهِ فِي الصَّلَاة خَلْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ كَانَ يَرَى فِيهَا مَنْ خَلْفه كَمَا يَرَى مَنْ أَمَامه فَيَكُون تَقْرِيره فِيهِ مَأْخُوذًا مِنْ هَذِهِ الطَّرِيق لَا مِنْ مُجَرَّد صِيغَة \" كُنَّا نَفْعَل \" ‏"
    },
    {
        "id": "373",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْأَزْدِيُّ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏أَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ قَالَ نَعَمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : هُوَ مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا نَجَاسَة , ثُمَّ هِيَ مِنْ الرُّخَص كَمَا قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد لَا مِنْ الْمُسْتَحَبَّات ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْخُل فِي الْمَعْنَى الْمَطْلُوب مِنْ الصَّلَاة , وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَلَابِس الزِّينَة إِلَّا أَنَّ مُلَامَسَته الْأَرْض الَّتِي تَكْثُر فِيهَا النَّجَاسَات قَدْ تَقْصُر عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَة , وَإِذَا تَعَارَضَتْ مُرَاعَاة مَصْلَحَة التَّحْسِين وَمُرَاعَاة إِزَالَة النَّجَاسَة قُدِّمَتْ الثَّانِيَة ; لِأَنَّهَا مِنْ بَاب دَفْع الْمَفَاسِد , وَالْأُخْرَى مِنْ بَاب جَلْب الْمَصَالِح. قَالَ : إِلَّا أَنْ يَرِدَ دَلِيل بِإِلْحَاقِهِ بِمَا يَتَجَمَّل بِهِ فَيَرْجِع إِلَيْهِ وَيَتْرُك هَذَا النَّظَر. قُلْت : قَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث شَدَّاد بْن أَوْس مَرْفُوعًا \" خَالِفُوا الْيَهُود فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالهمْ وَلَا خِفَافهمْ \" فَيَكُون اِسْتِحْبَاب ذَلِكَ مِنْ جِهَة قَصْد الْمُخَالَفَة الْمَذْكُورَة. وَوَرَدَ فِي كَوْن الصَّلَاة فِي النِّعَال مِنْ الزِّينَة الْمَأْمُور بِأَخْذِهَا فِي الْآيَة حَدِيث ضَعِيف جِدًّا أَوْرَدَهُ اِبْن عَدِيٍّ فِي الْكَامِل وَابْن مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيره مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَالْعُقَيْلِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس. ‏"
    },
    {
        "id": "374",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ ‏ ‏وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى فَسُئِلَ فَقَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَنَعَ مِثْلَ هَذَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ لِأَنَّ ‏ ‏جَرِيرًا ‏ ‏كَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ أَسْلَمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ , وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ كُوفِيُّونَ إِبْرَاهِيم وَشَيْخه وَالرَّاوِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ) ‏ ‏, ظَاهِر فِي أَنَّهُ صَلَّى فِي خُفَّيْهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ نَزَعَهُمَا بَعْد الْمَسْح لَوَجَبَ غَسْل رِجْلَيْهِ , وَلَوْ غَسَلَهُمَا لَنُقِلَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَسُئِلَ ) ‏ ‏, ولِلطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن الْحَارِث عَنْ الْأَعْمَش أَنَّ السَّائِل لَهُ عَنْ ذَلِكَ هُوَ هَمَّام الْمَذْكُور , وَلَهُ مِنْ طَرِيق زَائِدَة عَنْ الْأَعْمَش \" فَعَابَ عَلَيْهِ ذَلِكَ رَجُل مِنْ الْقَوْم \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ يُعْجِبهُمْ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش \" كَانَ يُعْجِبهُمْ هَذَا الْحَدِيث \" وَمِنْ طَرِيق عِيسَى بْن يُونُس عَنْهُ \" فَكَانَ أَصْحَاب عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يُعْجِبهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ آخِر مَنْ أَسْلَمَ ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ \" ; لِأَنَّ إِسْلَام جَرِير كَانَ بَعْد نُزُول الْمَائِدَة \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو بْن جَرِير فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" قَالُوا إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ - أَيْ مَسْح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخُفَّيْنِ - قَبْل نُزُول الْمَائِدَة , فَقَالَ جَرِير : مَا أَسْلَمْت إِلَّا بَعْد نُزُول الْمَائِدَة \" وَعِنْد الطَّبَرَانِيّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْنِ سِيرِينَ عَنْ جَرِير \" إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حِجَّة الْوَدَاع \" وَرَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق شَهْر بْن حَوْشَبٍ قَالَ : رَأَيْت جَرِير بْن عَبْد اللَّه فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث الْبَاب , قَالَ \" فَقُلْت لَهُ أَقَبْلَ الْمَائِدَة أَمْ بَعْدهَا ؟ قَالَ : مَا أَسْلَمْت إِلَّا بَعْد الْمَائِدَة \" قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث مُفَسِّر ; لِأَنَّ بَعْض مَنْ أَنْكَرَ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ تَأَوَّلَ أَنَّ مَسْح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَبْل نُزُول آيَة الْوُضُوء الَّتِي فِي الْمَائِدَة فَيَكُون مَنْسُوخًا , فَذَكَرَ جَرِير فِي حَدِيثه أَنَّهُ رَآهُ يَمْسَح بَعْد نُزُول الْمَائِدَة , فَكَانَ أَصْحَاب اِبْن مَسْعُود يُعْجِبهُمْ حَدِيث جَرِير ; لِأَنَّ فِيهِ رَدًّا عَلَى أَصْحَاب التَّأْوِيل الْمَذْكُور. وَذَكَرَ بَعْض الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي آيَة الْوُضُوء - وَهِيَ قِرَاءَة الْخَفْض - دَالَّة عَلَى الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ سَائِر مَبَاحِثه فِي كِتَاب الْوُضُوء. ‏"
    },
    {
        "id": "375",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَضَّأْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَصَلَّى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن نَصْر ) ‏ ‏هُوَ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن نَصْر , نُسِبَ إِلَى جَدّه , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ غَيْره. وَفِيهِ أَيْضًا ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ : الْأَعْمَش وَشَيْخه مُسْلِم وَهُوَ أَبُو الضُّحَى وَمَسْرُوق , وَتَرَدَّدَ الْكَرْمَانِيُّ فِي أَنَّ مُسْلِمًا هَلْ هُوَ أَبُو الضُّحَى أَوْ الْبُطَيْن قُصُور , فَقَدْ جَزَمَ الْحُفَّاظ بِأَنَّهُ أَبُو الضُّحَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى فَوَائِد حَدِيث الْمُغِيرَة حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف تَامًّا فِي كِتَاب الْوُضُوء. ‏"
    },
    {
        "id": "376",
        "content": "‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَهْدِيٌّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَاصِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏مَا صَلَّيْتَ قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ لَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "377",
        "content": "‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ هُرْمُزَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ ‏ ‏حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "378",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ الْمَهْدِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ‏ ‏ذِمَّةُ ‏ ‏اللَّهِ ‏ ‏وَذِمَّةُ ‏ ‏رَسُولِهِ فَلَا ‏ ‏تُخْفِرُوا ‏ ‏اللَّهَ فِي ‏ ‏ذِمَّتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَبَّاس ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَة , وَمَيْمُون بْن سِيَاهٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف التَّحْتَانِيَّة ثُمَّ هَاء مُنَوَّنَة وَيَجُوز تَرْك صَرْفه , وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ مَعْنَاهُ الْأَسْوَد , وَقِيلَ عَرَبِيٌّ. ‏ ‏قَوْله : ( ذِمَّة اللَّهِ ) ‏ ‏أَيْ أَمَانَته وَعَهْده. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا تُخْفِرُوا ) ‏ ‏بِالضَّمِّ مِنْ الرُّبَاعِيّ , أَيْ لَا تَغْدِرُوا , يُقَال أَخَفَرْت إِذَا غَدَرْت , وَخَفَرْت إِذَا حَمَيْت , وَيُقَال إِنَّ الْهَمْزَة فِي أَخَفَرْت لِلْإِزَالَةِ , أَيْ تَرَكْت حِمَايَته. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا تُخْفِرُوا اللَّه فِي ذِمَّته ) ‏ ‏أَيْ وَلَا رَسُوله , وَحُذِفَ لِدَلَالَةِ السِّيَاق عَلَيْهِ , أَوْ لِاسْتِلْزَامِ الْمَذْكُور الْمَحْذُوف , وَقَدْ أَخَذَ بِمَفْهُومِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى قَتْل تَارِك الصَّلَاة , وَلَهُ مَوْضِعٌ غَيْر هَذَا. وَفِي الْحَدِيث تَعْظِيم شَأْن الْقِبْلَة , وَذَكَرَ الِاسْتِقْبَال بَعْد الصَّلَاة لِلتَّنْوِيهِ بِهِ , وَإِلَّا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الصَّلَاة لِكَوْنِهِ مِنْ شُرُوطهَا. وَفِيهِ أَنَّ أُمُور النَّاس مَحْمُولَةٌ عَلَى الظَّاهِر , فَمَنْ أَظْهَرَ شِعَار الدِّين أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ أَهْله مَا لَمْ يَظْهَر مِنْهُ خِلَاف ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "379",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نُعَيْمٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏قَالَ سَأَلَ ‏ ‏مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا حَمْزَةَ ‏ ‏مَا يُحَرِّمُ دَمَ الْعَبْدِ وَمَالَهُ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَصَلَّى صَلَاتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا نُعَيْم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَمَّاد الْخُزَاعِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن شَاكِر عَنْ الْبُخَارِيّ \" قَالَ نُعَيْم بْنُ حَمَّاد \" وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَالْأَصِيلِيّ \" قَالَ اِبْن الْمُبَارَك \" بِغَيْرِ ذِكْر نُعَيْمٍ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج , وَقَدْ وَقَعَ لَنَا مِنْ طَرِيق نُعَيْمٍ مَوْصُولًا فِي سُنَن الدَّارَقُطْنِيِّ , وَتَابَعَهُ حَمَّاد بْن مُوسَى وَسَعِيد بْن يَعْقُوب وَغَيْرهمَا عَنْ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) ‏ ‏اِقْتَصَرَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَذْكُر الرِّسَالَة وَهِيَ مُرَادَةٌ كَمَا تَقُول قَرَأْت الْحَمْد وَتُرِيد السُّورَة كُلّهَا , وَقِيلَ أَوَّل الْحَدِيث وَرَدَ فِي حَقّ مَنْ جَحَدَ التَّوْحِيد فَإِذَا أَقَرَّ بِهِ صَارَ كَالْمُوَحِّدِ مِنْ أَهْل الْكِتَاب يَحْتَاج إِلَى الْإِيمَان بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول , فَلِهَذَا عَطَفَ الْأَفْعَال الْمَذْكُورَة عَلَيْهَا فَقَالَ \" وَصَلَّوْا صَلَاتنَا إِلَخْ \" وَالصَّلَاة الشَّرْعِيَّة مُتَضَمِّنَة لِلشَّهَادَةِ بِالرِّسَالَةِ , وَحِكْمَة الِاقْتِصَار عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ الْأَفْعَال أَنَّ مَنْ يُقِرّ بِالتَّوْحِيدِ مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَإِنْ صَلَّوْا وَاسْتَقْبَلُوا وَذَبَحُوا لَكِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ مِثْل صَلَاتنَا وَلَا يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتنَا , وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْبَح لِغَيْرِ اللَّه , وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَأْكُل ذَبِيحَتنَا , وَلِهَذَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" وَأَكَلَ ذَبِيحَتنَا \" وَالِاطِّلَاع عَلَى حَال الْمَرْء فِي صَلَاته وَأَكْله يُمْكِن بِسُرْعَةٍ فِي أَوَّل يَوْم , بِخِلَافِ غَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُور الدِّين. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَدْ حَرُمَتْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّ الرَّاء , وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات بِالتَّشْدِيدِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ سَائِر مَبَاحِثه فِي \" بَاب فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة \" مِنْ كِتَاب الْإِيمَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏وَ اِبْن الْمَدِينِيّ , وَفَائِدَة إِيرَاد هَذَا الْإِسْنَاد تَقْوِيَة رِوَايَة مَيْمُون بْن سِيَاهٍ لِمُتَابَعَةِ حُمَيْدٍ لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا يُحَرِّمُ ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ هُوَ مَعْطُوف عَلَى شَيْء مَحْذُوف , كَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ شَيْء قَبْل هَذَا وَعَنْ هَذَا , وَالْوَاو اِسْتِئْنَافِيَّة وَسَقَطَتْ مِنْ رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَة , وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي قَوْل حُمَيْدٍ \" سَأَلَ مَيْمُون أَنَسًا \" التَّصْرِيح بِكَوْنِهِ حَضَرَ ذَلِكَ عَقِبه بِطَرِيقِ يَحْيَى بْن أَيُّوب الَّتِي فِيهَا تَصْرِيح حُمَيْدٍ بِأَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ لِئَلَّا يَظُنّ أَنَّهُ دَلَّسَهُ , وَلِتَصْرِيحِهِ أَيْضًا بِالرَّفْعِ , وَإِنْ كَانَ لِلْأُخْرَى حِكْمَة. وَقَدْ رَوَيْنَا طَرِيق يَحْيَى بْن أَيُّوب مَوْصُولَة فِي الْإِيمَان لِمُحَمَّدِ بْن نَصْر وَلِابْنِ مَنْدَهْ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مَرْيَم الْمَذْكُور. وَأَعَلَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ طَرِيق حُمَيْدٍ الْمَذْكُورَة فَقَالَ : الْحَدِيث حَدِيث مَيْمُون , وَحُمَيْدٌ إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْهُ , وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِرِوَايَةِ مُعَاذ بْن مُعَاذ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ مَيْمُون قَالَ : سَأَلْت أَنَسًا , قَالَ وَحَدِيث يَحْيَى بْن أَيُّوب لَا يُحْتَجُّ بِهِ - يَعْنِي فِي التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ - قَالَ : لِأَنَّ عَادَة الْمِصْرِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ ذِكْر الْخَبَر فِيمَا يَرْوُونَهُ. قُلْت هَذَا التَّعْلِيل مَرْدُود , وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَاب , لَمْ يُوثَق بِرِوَايَةِ مُدَلِّسٍ أَصْلًا وَلَوْ صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ , وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافه. وَرِوَايَة مُعَاذ لَا دَلِيل فِيهَا عَلَى أَنَّ حُمَيْدًا لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ أَنَس ; لِأَنَّهُ لَا مَانِع أَنْ يَسْمَعهُ مِنْ أَنَس ثُمَّ يَسْتَثْبِت فِيهِ مِنْ مَيْمُون - لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ كَانَ السَّائِل عَنْ ذَلِكَ - فَكَانَ حَقِيقًا بِضَبْطِهِ فَكَانَ حُمَيْدٌ تَارَة يُحَدِّث بِهِ عَنْ أَنَس لِأَجْلِ الْعُلُوّ , وَتَارَة عَنْ مَيْمُون لِكَوْنِهِ ثَبَّتَهُ فِيهِ , وَقَدْ جَرَتْ عَادَة حُمَيْدٍ بِهَذَا يَقُول \" حَدَّثَنِي أَنَس وَثَبَّتَنِي فِيهِ ثَابِتٌ \" وَكَذَا وَقَعَ لِغَيْرِ حُمَيْدٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "380",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا أَتَيْتُمْ ‏ ‏الْغَائِطَ ‏ ‏فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا قَالَ ‏ ‏أَبُو أَيُّوبَ ‏ ‏فَقَدِمْنَا ‏ ‏الشَّأْمَ ‏ ‏فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏الْقِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَالْمُرَاد أَنَّ سُفْيَان حَدَّثَ بِهِ عَلِيًّا مَرَّتَيْنِ : مَرَّة صَرَّحَ بِتَحْدِيثِ الزُّهْرِيِّ لَهُ وَفِيهِ عَنْعَنَةُ عَطَاء , وَمَرَّة أَتَى بِالْعَنْعَنَةِ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَبِتَصْرِيحِ عَطَاء بِالسَّمَاعِ. وَادَّعَى بَعْضهمْ أَنَّ الرِّوَايَة الثَّانِيَة مُعَلَّقَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا قَرََّرْته , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَالَ فِي الْأَوَّل عَنْ أَبِي أَيُّوب أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي الثَّانِي سَمِعْت أَبَا أَيُّوب عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَانَ الثَّانِي أَقْوَى ; لِأَنَّ السَّمَاع أَقْوَى مِنْ الْعَنْعَنَة وَالْعَنْعَنَة أَقْوَى مِنْ \" أَنَّ \" لَكِنْ فِيهِ ضَعْف مِنْ جِهَة التَّعْلِيق حَيْثُ قَالَ \" وَعَنْ الزُّهْرِيِّ \" اِنْتَهَى , وَفِي دَعْوَاهُ ضَعْف \" أَنَّ \" بِالنِّسْبَةِ إِلَى \" عَنْ \" نَظَرٌ , فَكَأَنَّهُ قَلَّدَ فِي ذَلِكَ نَقْل اِبْن الصَّلَاح عَنْ أَحْمَد وَيَعْقُوب بْن شَيْبَة , وَقَدْ بَيَّنَ شَيْخُنَا فِي شَرْحه مَنْظُومَته وَهْمَ اِبْن الصَّلَاح فِي ذَلِكَ وَأَنَّ حُكْمهمَا وَاحِد , إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ التَّعْبِير بِأَنَّ مَا إِذَا أَضَافَ إِلَيْهَا قِصَّة مَا أَدْرَكَهَا الرَّاوِي , وَأَمَّا جَزْمه بِكَوْنِ السَّنَد الثَّانِي مُعَلَّقًا فَهُوَ بِحَسَب الظَّاهِر وَإِلَّا فَحَمْلُهُ عَلَى مَا قَبْله مُمْكِن , وَقَدْ رَوَيْنَاهَا فِي مُسْنَد إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان. ‏ ‏فَذَكَرَ مِثْلَ سِيَاقهَا سَوَاء , فَعَلَى هَذَا فَلَا ضَعْف فِيهِ أَصْلًا. وَاللَّهُ أَعْلَم. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِد الْمَتْن فِي أَوَائِل كِتَاب الطَّهَارَة. ‏"
    },
    {
        "id": "381",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْنَا ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ رَجُلٍ طَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏الْعُمْرَةَ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ فَقَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَطَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَطَافَ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ‏ ‏وَسَأَلْنَا ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( طَافَ بِالْبَيْتِ لِلْعُمْرَةِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ \" طَافَ بِالْبَيْتِ لِعُمْرَةٍ \" بِحَذْفِ اللَّام مِنْ قَوْله \" لِلْعُمْرَةِ \" وَلَا بُدّ مِنْ تَقْدِيرهَا لِيَصِحّ الْكَلَام. ‏ ‏قَوْله : ( أَيَأْتِي اِمْرَأَته ) ‏ ‏أَيْ هَلْ حَلَّ مِنْ إِحْرَامه حَتَّى يَجُوز لَهُ الْجِمَاع وَغَيْره مِنْ مُحَرَّمَات الْإِحْرَام ؟ وَخَصَّ إِتْيَان الْمَرْأَة بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّهُ أَعْظَم الْمُحَرَّمَات فِي الْإِحْرَام , وَأَجَابَهُمْ اِبْن عُمَر بِالْإِشَارَةِ إِلَى وُجُوب اِتِّبَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا سِيَّمَا فِي أَمْر الْمَنَاسِك , لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" خُذُوا عَنِّي مَنَاسِككُمْ \" وَأَجَابَهُمْ جَابِر بِصَرِيحِ النَّهْي , وَعَلَيْهِ أَكْثَر الْفُقَهَاء , وَخَالَفَ فِيهِ اِبْن عَبَّاس فَأَجَازَ لِلْمُعْتَمِرِ التَّحَلُّل بَعْد الطَّوَاف وَقَبْل السَّعْي , وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي مَوْضِعه مِنْ كِتَاب الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْمُنَاسِب لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيث قَوْله \" وَصَلَّى خَلْف الْمَقَام رَكْعَتَيْنِ \" وَقَدْ يُشْعِر بِحَمْلِ الْأَمْر فِي قَوْله \" وَاِتَّخِذُوا \" عَلَى تَخْصِيص ذَلِكَ بِرَكْعَتَيْ الطَّوَاف , وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَة إِلَى وُجُوب ذَلِكَ خَلْف الْمَقَام كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانه فِي الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "382",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَيْفٍ يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏قَالَ أُتِيَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏فَقِيلَ لَهُ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏فَأَقْبَلْتُ وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ خَرَجَ وَأَجِدُ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏قَائِمًا بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَسَأَلْتُ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏أَصَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِهِ إِذَا دَخَلْتَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَيْف ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان أَوْ اِبْن أَبِي سُلَيْمَان الْمَكِّيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَى اِبْن عُمَر ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْم الَّذِي أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَجِد ) ‏ ‏بَعْد ‏ ‏قَوْله : ( فَأَقْبَلْت ) ‏ ‏وَكَانَ الْمُنَاسِب لِلسِّيَاقِ أَنْ يَقُول وَوَجَدْت , وَكَأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارِع اِسْتِحْضَارًا لِتِلْكَ الصُّورَة حَتَّى كَأَنَّ الْمُخَاطَب يُشَاهِدهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَائِمًا بَيْن الْبَابَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ الْمِصْرَاعَيْنِ وَحَمَلَهُ الْكَرْمَانِيُّ تَجْوِيزًا عَلَى حَقِيقَة التَّثْنِيَة وَقَالَ : أَرَادَ بِالْبَابِ الثَّانِي الَّذِي لَمْ تَفْتَحهُ قُرَيْش حِين بَنَتْ الْكَعْبَة بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ , أَوْ كَانَ إِخْبَار الرَّاوِي بِذَلِكَ بَعْد أَنْ فَتَحَهُ اِبْن الزُّبَيْر , وَهَذَا يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُون اِبْن عُمَر وَجَدَ بِلَالًا فِي وَسَط الْكَعْبَة , وَفِيهِ بُعْدٌ. وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيِّ \" بَيْن النَّاس \" بِنُونٍ وَسِين مُهْمَلَة وَهِيَ أَوْضَحُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ نَعَمْ رَكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره هَذَا مَعَ أَنَّ الْمَشْهُور عَنْ اِبْن عُمَر مِنْ طَرِيق نَافِع وَغَيْره عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ \" وَنَسِيت أَنْ أَسْأَلهُ كَمْ صَلَّى \" قَالَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِالْكَيْفِيَّةِ وَهِيَ تَعْيِين الْمَوْقِف فِي الْكَعْبَة , وَلَمْ يُخْبِرهُ بِالْكَمِّيَّةِ , وَنَسِيَ هُوَ أَنْ يَسْأَلهُ عَنْهَا , وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَال : يُحْتَمَل أَنَّ اِبْن عُمَر اِعْتَمَدَ فِي قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة رَكْعَتَيْنِ عَلَى الْقَدْر الْمُتَحَقِّق لَهُ , وَذَلِكَ أَنَّ بِلَالًا أَثْبَتَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّى وَلَمْ يَنْقُل أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَفَّلَ فِي النَّهَار بِأَقَلّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ , فَكَانَتْ الرَّكْعَتَانِ مُتَحَقِّقًا وُقُوعهمَا لِمَا عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ عَادَته. فَعَلَى هَذَا فَقَوْله \" رَكْعَتَيْنِ \" مِنْ كَلَام اِبْن عُمَر لَا مِنْ كَلَام بِلَال. وَقَدْ وَجَدْت مَا يُؤَيِّد هَذَا وَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَمْعًا آخَر بَيْن الْحَدِيثَيْنِ , وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" كِتَاب مَكَّة \" مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَاسْتَقْبَلَنِي بِلَال فَقُلْت : مَا صَنَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاهُنَا ؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَيْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ; فَعَلَى هَذَا فَيُحْمَل قَوْله \" نَسِيت أَنْ أَسْأَلهُ كَمْ صَلَّى \" عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلهُ لَفْظًا وَلَمْ يُجِبْهُ لَفْظًا , وَإِنَّمَا اِسْتَفَادَ مِنْهُ صَلَاة الرَّكْعَتَيْنِ بِإِشَارَتِهِ لَا بِنُطْقِهِ. ‏ ‏وَأَمَّا قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" وَنَسِيت أَنْ أَسْأَلهُ كَمْ صَلَّى \" فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ مُرَاده أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّق هَلْ زَادَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ أَوْ لَا. وَأَمَّا قَوْل بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ : يُجْمَع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ اِبْن عُمَر نَسِيَ أَنْ يَسْأَل بِلَالًا ثُمَّ لَقِيَهُ مَرَّة أُخْرَى فَسَأَلَهُ , فَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ الَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْقِصَّة - وَهِيَ سُؤَال اِبْن عُمَر عَنْ صَلَاته فِي الْكَعْبَة - لَمْ تَتَعَدَّد ; لِأَنَّهُ أَتَى فِي السُّؤَال بِالْفَاءِ الْمُعَقِّبَة فِي الرِّوَايَتَيْنِ مَعًا , فَقَالَ فِي هَذِهِ فَأَقْبَلْت ثُمَّ قَالَ فَسَأَلْت بِلَالًا , وَقَالَ فِي الْأُخْرَى فَبَدَرْت فَسَأَلْت بِلَالًا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السُّؤَال عَنْ ذَلِكَ كَانَ وَاحِدًا فِي وَقْت وَاحِد. ‏ ‏ثَانِيهمَا أَنَّ رَاوِي قَوْل اِبْن عُمَر \" وَنَسِيت \" هُوَ نَافِع مَوْلَاهُ وَيَبْعُد مَعَ طُول مُلَازَمَته لَهُ إِلَى وَقْت مَوْته أَنْ يَسْتَمِرّ عَلَى حِكَايَة النِّسْيَان وَلَا يَتَعَرَّض لِحِكَايَةِ الذِّكْر أَصْلًا. وَاَللَّهُ أَعْلَم. وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عِيَاض أَنَّ قَوْله \" رَكْعَتَيْنِ \" غَلَط مِنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان ; لِأَنَّ اِبْن عُمَر قَدْ قَالَ \" نَسِيت أَنْ أَسْأَلهُ كَمْ صَلَّى \" قَالَ : وَإِنَّمَا دَخَلَ الْوَهْم عَلَيْهِ مِنْ ذِكْر الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدُ , فَهُوَ كَلَام مَرْدُود , وَالْمُغَلِّط هُوَ الْغَالِطُ , فَإِنَّهُ ذَكَرَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْل وَبَعْد فَلَمْ يَهِم مِنْ مَوْضِع إِلَى مَوْضِع , وَلَمْ يَنْفَرِد يَحْيَى بْن سَعِيد بِذَلِكَ حَتَّى يُغَلَّط , فَقَدْ تَابَعَهُ أَبُو نُعَيْمٍ عِنْد الْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيِّ , وَأَبُو عَاصِم عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ , وَعُمَر بْن عَلِيّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَعَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عِنْد أَحْمَد كُلّهمْ عَنْ سَيْف , وَلَمْ يَنْفَرِد بِهِ سَيْف أَيْضًا فَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ خُصَيْف عَنْ مُجَاهِد عِنْد أَحْمَد , وَلَمْ يَنْفَرِد بِهِ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر فَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عِنْد أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ , وَعَمْرو بْن دِينَار عِنْد أَحْمَد أَيْضًا بِاخْتِصَارٍ , وَمِنْ حَدِيث عُثْمَان بْنِ أَبِي طَلْحَة عِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادٍ قَوِيّ , وَمِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الْبَزَّار , وَمِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْنِ صَفْوَان قَالَ \" فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلْت مَنْ كَانَ مَعَهُ فَقَالُوا : صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عِنْد السَّارِيَة الْوُسْطَى \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح , وَمِنْ حَدِيث شَيْبَة بْن عُثْمَان قَالَ \" لَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عِنْد الْعَمُودَيْنِ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّد , فَالْعَجَب مِنْ الْإِقْدَام عَلَى تَغْلِيط جَبَل مِنْ جِبَال الْحِفْظ بِقَوْلِ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ وَجْه الْجَمْع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ فَقَالَ بِغَيْرِ عِلْم , وَلَوْ سَكَتَ لَسَلِمَ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي وَجْه الْكَعْبَة ) ‏ ‏أَيْ مُوَاجِه بَاب الْكَعْبَة , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الظَّاهِر مِنْ التَّرْجَمَة أَنَّهُ مَقَام إِبْرَاهِيم - أَيْ أَنَّهُ كَانَ عِنْد الْبَاب - قُلْت : قَدَّمْنَا أَنَّهُ خِلَاف الْمَنْقُول عَنْ أَهْل الْعِلْم بِذَلِكَ , وَقَدَّمْنَا أَيْضًا مُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ غَيْر هَذِهِ الْحَيْثِيَّة , وَهِيَ أَنَّ اِسْتِقْبَال الْمَقَام غَيْر وَاجِب , وَنُقِلَ عَنْ اِبْن عَبَّاس كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْره أَنَّهُ قَالَ : مَا أُحِبّ أَنْ أُصَلِّي فِي الْكَعْبَة , مَنْ صَلَّى فِيهَا فَقَدْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا خَلْفه , وَهَذَا هُوَ السِّرّ أَيْضًا فِي إِيرَاد حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "383",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏وَقَالَ هَذِهِ الْقِبْلَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِسْحَاق بْن نَصْر ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ مَنْسُوبًا فِي جَمِيع الرِّوَايَات الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَابْن مَسْعُود وَغَيْرهمْ , وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاس الطَّرْقِيّ فِي الْأَطْرَاف لَهُ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَهُ عَنْ إِسْحَاق غَيْر مَنْسُوب , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق شَيْخ إِسْحَاق بْن نَصْر فِيهِ بِإِسْنَادِهِ هَذَا فَجَعَلَهُ مِنْ رِوَايَة اِبْن عَبَّاس عَنْ أُسَامَة بْن زَيْد , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن بَكْر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ وَهُوَ الْأَرْجَح , وَسَيَأْتِي وَجْه التَّوْفِيق بَيْن رِوَايَة بِلَال الْمُثْبِتَة لِصَلَاتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَعْبَة وَبَيْن هَذِهِ الرِّوَايَة النَّافِيَة فِي كِتَاب الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فِي قُبُل الْكَعْبَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَاف وَالْمُوَحَّدَة وَقَدْ تُسَكَّنُ أَيْ مُقَابِلهَا أَوْ مَا اِسْتَقْبَلَك مِنْهَا وَهُوَ وَجْههَا , وَهَذَا مُوَافِق لِرِوَايَةِ اِبْن عُمَر السَّالِفَة. ‏ ‏قَوْله : ( هَذِهِ الْقِبْلَة ) ‏ ‏الْإِشَارَة إِلَى الْكَعْبَة , قِيلَ الْمُرَاد بِذَلِكَ تَقْرِير حُكْم الِانْتِقَال عَنْ بَيْت الْمَقْدِس , وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّ حُكْم مَنْ شَاهَدَ الْبَيْت وُجُوب مُوَاجَهَة عَيْنه جَزْمًا بِخِلَافِ الْغَائِب , وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِاسْتِقْبَالِهِ لَيْسَ هُوَ الْحَرَم كُلّه وَلَا مَكَّة وَلَا الْمَسْجِد الَّذِي حَوْل الْكَعْبَة بَلْ الْكَعْبَة نَفْسهَا , أَوْ الْإِشَارَة إِلَى وَجْه الْكَعْبَة أَيْ هَذَا مَوْقِف الْإِمَام , وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ الْبَزَّار مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن حَبَشِيّ الْخَثْعَمِيّ قَالَ \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إِلَى بَاب الْكَعْبَة وَهُوَ يَقُول : أَيّهَا النَّاس , إِنَّ الْبَاب قِبْلَة الْبَيْت \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى النَّدْب لِقِيَامِ الْإِجْمَاع عَلَى جَوَاز اِسْتِقْبَال الْبَيْت مِنْ جَمِيع جِهَاته. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "384",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى نَحْوَ ‏ ‏بَيْتِ الْمَقْدِسِ ‏ ‏سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏قَدْ نَرَى ‏ ‏تَقَلُّبَ ‏ ‏وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ‏} ‏فَتَوَجَّهَ نَحْوَ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ وَهُمْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ { ‏مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏} ‏فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَا صَلَّى فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ نَحْوَ ‏ ‏بَيْتِ الْمَقْدِسِ ‏ ‏فَقَالَ هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فَتَحَرَّفَ ‏ ‏الْقَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْبَرَاء ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الصَّلَاة مِنْ الْإِيمَان \" مِنْ كِتَاب الْإِيمَان بَيَان مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق مُصَرِّحًا بِتَحْدِيثِ الْبَرَاء لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ يُحِبّ أَنْ يُوَجَّه إِلَى الْكَعْبَة ) ‏ ‏جَاءَ بَيَان ذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْره مِنْ طَرِيق عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة - وَالْيَهُود أَكْثَر أَهْلهَا - يَسْتَقْبِلُونَ بَيْت الْمَقْدِس أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِل بَيْت الْمَقْدِس , فَفَرِحَتْ الْيَهُود , فَاسْتَقْبَلَهَا سَبْعَة عَشَر شَهْرًا , وَكَانَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبّ أَنْ يَسْتَقْبِل قِبْلَة إِبْرَاهِيم , فَكَانَ يَدْعُو وَيَنْظُر إِلَى السَّمَاء , فَنَزَلَتْ. وَمِنْ طَرِيق مُجَاهِد قَالَ : إِنَّمَا كَانَ يُحِبّ أَنْ يَتَحَوَّل إِلَى الْكَعْبَة ; لِأَنَّ الْيَهُود قَالُوا : يُخَالِفنَا مُحَمَّد وَيَتْبَع قِبْلَتنَا , فَنَزَلَتْ. ‏ ‏وَظَاهِر حَدِيث اِبْن عَبَّاس هَذَا أَنَّ اِسْتِقْبَال بَيْت الْمَقْدِس إِنَّمَا وَقَعَ بَعْد الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة , لَكِنْ أَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِمَكَّة نَحْو بَيْت الْمَقْدِس وَالْكَعْبَة بَيْن يَدَيْهِ \" وَالْجَمْع بَيْنهمَا مُمْكِنٌ بِأَنْ يَكُون أُمِرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرَ أَنْ يَسْتَمِرّ عَلَى الصَّلَاة لِبَيْتِ الْمَقْدِس , وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ : صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّل مَا صَلَّى إِلَى الْكَعْبَة , ثُمَّ صُرِفَ إِلَى بَيْت الْمَقْدِس وَهُوَ بِمَكَّة فَصَلَّى ثَلَاث حِجَج , ثُمَّ هَاجَرَ فَصَلَّى إِلَيْهِ بَعْد قُدُومه الْمَدِينَة سِتَّة عَشَر شَهْرًا , ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَة. فَقَوْله فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْأَوَّل \" أَمَرَهُ اللَّه \" يَرُدُّ قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ صَلَّى إِلَى بَيْت الْمَقْدِس بِاجْتِهَادٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ , وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى إِلَى بَيْت الْمَقْدِس يَتَأَلَّف أَهْل الْكِتَاب , وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ يَكُون بِتَوْقِيفٍ. ‏ ‏قَوْله : ( نَحْو بَيْت الْمَقْدِس ) ‏ ‏أَيْ بِالْمَدِينَةِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الصَّلَاة مِنْ الْإِيمَان \" فِي كِتَاب الْإِيمَان تَحْرِيرُ الْمُدَّة الْمَذْكُورَة وَأَنَّهَا سِتَّة عَشَر شَهْرًا وَأَيَّام. ‏ ‏قَوْله : ( يُوَجَّهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم أَيْ يُؤْمَرُ بِالتَّوَجُّهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّى مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجَال ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ , وَفِي رِوَايَة غَيْرهمَا \" رَجُل \" وَهُوَ الْمَشْهُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَان أَنَّ اِسْمه عَبَّاد بْن بِشْر , وَتَحْتَاج رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي إِلَى تَقْدِير مَحْذُوف فِي قَوْله \" ثُمَّ خَرَجَ \" أَيْ بَعْض أُولَئِكَ الرِّجَال. ‏ ‏قَوْله : ( فِي صَلَاة الْعَصْر نَحْو بَيْت الْمَقْدِس ) ‏ ‏ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فِي صَلَاة الْعَصْر يُصَلُّونَ نَحْو بَيْت الْمَقْدِس \" وَفِيهِ إِفْصَاحٌ بِالْمُرَادِ. وَوَقَعَ فِي تَفْسِير اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق ثُوَيْلَة بِنْت أَسْلَمَ \" صَلَّيْت الظُّهْر - أَوْ الْعَصْر - فِي مَسْجِد بَنِي حَارِثَة فَاسْتَقْبَلْنَا مَسْجِد إِيلْيَاءَ فَصَلَّيْنَا سَجْدَتَيْنِ - أَيْ رَكْعَتَيْنِ - ثُمَّ جَاءَنَا مَنْ يُخْبِرُنَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ اِسْتَقْبَلَ الْبَيْت الْحَرَام \". وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة فِي الصَّلَاة الَّتِي تَحَوَّلَتْ الْقِبْلَة عِنْدهَا , وَكَذَا فِي الْمَسْجِد فَظَاهِر حَدِيث الْبَرَاء هَذَا أَنَّهَا الظُّهْر , وَذَكَرَ مُحَمَّد بْن سَعْد فِي الطَّبَقَات قَالَ : يُقَال إِنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْر فِي مَسْجِده بِالْمُسْلِمِينَ , ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يَتَوَجَّه إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام , فَاسْتَدَارَ إِلَيْهِ وَدَار مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ. وَيُقَال زَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمّ بِشْر بْن الْبَرَاء بْن مَعْرُور فِي بَنِي سَلَمَة فَصَنَعَتْ لَهُ طَعَامًا وَحَانَتْ الطُّهْر فَصَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ , ثُمَّ أُمِرَ فَاسْتَدَارَ إِلَى الْكَعْبَة وَاسْتَقْبَلَ الْمِيزَاب فَسُمِّيَ \" مَسْجِد الْقِبْلَتَيْنِ \" , قَالَ اِبْن سَعْد قَالَ الْوَاقِدِيُّ : هَذَا أَثْبَتُ عِنْدنَا. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عُمَارَة بْن رُوَيْبَةَ قَالَ \" كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيّ حِين صُرِفَتْ الْقِبْلَة , فَدَار وَدُرْنَا مَعَهُ فِي رَكْعَتَيْنِ \" , وَأَخْرَجَ الْبَزَّار مِنْ حَدِيث أَنَس \" اِنْصَرَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْت الْمَقْدِس وَهُوَ يُصَلِّي الظُّهْر بِوَجْهِهِ إِلَى الْكَعْبَة \" , ولِلطَّبَرَانِيّ نَحْوه مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس , وَفِي كُلّ مِنْهُمَا ضَعْفٌ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ ) ‏ ‏أَيْ الرَّجُل ‏ ‏( هُوَ يَشْهَدُ ) ‏ ‏يَعْنِي بِذَلِكَ نَفْسَهُ , وَهُوَ عَلَى سَبِيل التَّجْرِيد , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الرَّاوِي نَقَلَ كَلَامه بِالْمَعْنَى , وَيُؤَيِّدهُ الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة فِي الْإِيمَان بِلَفْظِ \" أَشْهَدُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "385",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي عَلَى ‏ ‏رَاحِلَتِهِ ‏ ‏حَيْثُ تَوَجَّهَتْ فَإِذَا أَرَادَ الْفَرِيضَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "386",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏لَا أَدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ ‏ ‏فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالُوا صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا ‏ ‏فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ لَنَبَّأْتُكُمْ بِهِ وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ ‏ ‏فَلْيَتَحَرَّ ‏ ‏الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَنْصُور ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , ‏ ‏وَإِبْرَاهِيم ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد النَّخَعِيُّ , وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ غَيْره. ‏ ‏وَهَذِهِ التَّرْجَمَة مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيد. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ الرَّاوِي الْمَذْكُور ‏ ‏( لَا أَدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمُرَاد أَنَّ إِبْرَاهِيم شَكَّ فِي سَبَب سُجُود السَّهْو الْمَذْكُور هَلْ كَانَ لِأَجْلِ الزِّيَادَة أَوْ النُّقْصَان , لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده مِنْ رِوَايَة الْحَكَم عَنْ إِبْرَاهِيم بِإِسْنَادِهِ هَذَا أَنَّهُ صَلَّى خَمْسًا , وَهُوَ يَقْتَضِي الْجَزْم بِالزِّيَادَةِ , فَلَعَلَّهُ شَكَّ لَمَّا حَدَّثَ مَنْصُورًا وَتَيَقَّنَ لَمَّا حَدَّثَ الْحَكَم. وَقَدْ تَابَعَ الْحَكَم عَلَى ذَلِكَ حَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان وَطَلْحَة بْن مُصَرِّف وَغَيْرهمَا , وَعَيَّنَ فِي رِوَايَة الْحَكَم أَيْضًا وَحَمَّاد أَنَّهَا الظُّهْر , وَوَقَعَ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَة طَلْحَة بْن مُصَرِّف عَنْ إِبْرَاهِيم أَنَّهَا الْعَصْر , وَمَا فِي الصَّحِيح أَصَحُّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَحَدَثَ ) ‏ ‏بِفَتَحَاتٍ وَمَعْنَاهُ السُّؤَال عَنْ حُدُوث شَيْء مِنْ الْوَحْي يُوجِب تَغْيِير حُكْم الصَّلَاة عَمَّا عَهِدُوهُ , وَدَلَّ اِسْتِفْهَامهمْ عَنْ ذَلِكَ عَلَى جَوَاز النَّسْخ عِنْدهمْ وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَقَّعُونَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَمَا ذَاكَ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْده شُعُور مِمَّا وَقَعَ مِنْهُ مِنْ الزِّيَادَة , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز وُقُوع السَّهْو مِنْ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي الْأَفْعَال. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَهُوَ قَوْل عَامَّة الْعُلَمَاء وَالنُّظَّار , وَشَذَّتْ طَائِفَة فَقَالُوا : لَا يَجُوز عَلَى النَّبِيّ السَّهْو , وَهَذَا الْحَدِيث يَرُدّ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ \" أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ \" وَلِقَوْلِهِ \" فَإِذَا نَسِيت فَذَكِّرُونِي \" أَيْ بِالتَّسْبِيحِ وَنَحْوه , وَفِي قَوْله : ( لَوْ حَدَثَ شَيْء فِي الصَّلَاة لَنَبَّأْتُكُمْ بِهِ ) دَلِيل عَلَى عَدَم تَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْحَاجَة. وَمُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْله : ( فَثَنَى رِجْله ) ولِلْكُشْمِيهَنِيّ وَالْأَصِيلِيّ \" رِجْلَيْهِ \" بِالتَّثْنِيَةِ , ( وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة ) فَدَلَّ عَلَى عَدَم تَرْك الِاسْتِقْبَال فِي كُلّ حَال مِنْ أَحْوَال الصَّلَاة , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى رُجُوع الْإِمَام إِلَى قَوْل الْمَأْمُومِينَ , لَكِنْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون تَذَكَّرَ عِنْد ذَلِكَ أَوْ عَلِمَ بِالْوَحْيِ أَوْ أَنَّ سُؤَالهمْ أَحْدَثَ عِنْده شَكًّا فَسَجَدَ لِوُجُودِ الشَّكّ الَّذِي طَرَأَ لَا لِمُجَرَّدِ قَوْلهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَاب ) ‏ ‏بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالرَّاء الْمُشَدَّدَة أَيْ فَلْيَقْصِدْ , وَالْمُرَاد الْبِنَاء عَلَى الْيَقِين كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا مَعَ بَقِيَّة مَبَاحِثه فِي أَبْوَاب السَّهْو إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "387",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اتَّخَذْنَا مِنْ ‏ ‏مَقَامِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏مُصَلًّى فَنَزَلَتْ ‏ { ‏وَاتَّخِذُوا مِنْ ‏ ‏مَقَامِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏مُصَلًّى ‏} ‏وَآيَةُ الْحِجَابِ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ ‏ ‏الْبَرُّ ‏ ‏وَالْفَاجِرُ ‏ ‏فَنَزَلَتْ ‏ ‏آيَةُ الْحِجَابِ ‏ ‏وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُنَّ ‏ { ‏عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ ‏ ‏يُبَدِّلَهُ ‏ ‏أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ‏} ‏فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس قَالَ : قَالَ عُمَر ) ‏ ‏هُوَ مِنْ رِوَايَة صَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ , لَكِنَّهُ صَغِيرٌ عَنْ كَبِيرٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَافَقْت رَبِّي فِي ثَلَاث ) ‏ ‏أَيْ وَقَائِع , وَالْمَعْنَى وَافَقَنِي رَبِّي فَأَنْزَلَ الْقُرْآن عَلَى وَفْق مَا رَأَيْت , لَكِنْ لِرِعَايَةِ الْأَدَب أَسْنَدَ الْمُوَافَقَة إِلَى نَفْسه , أَوْ أَشَارَ بِهِ إِلَى حُدُوث رَأْيه وَقِدَم الْحُكْم , وَلَيْسَ فِي تَخْصِيصه الْعَدَد بِالثَّلَاثِ مَا يَنْفِي الزِّيَادَة عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ الْمُوَافَقَة فِي أَشْيَاء غَيْر هَذِهِ مِنْ مَشْهُورهَا قِصَّة أُسَارَى بَدْر وَقِصَّة الصَّلَاة عَلَى الْمُنَافِقِينَ , وَهُمَا فِي الصَّحِيح , وَصَحَّحَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ \" مَا نَزَلَ بِالنَّاسِ أَمْر قَطّ فَقَالُوا فِيهِ وَقَالَ فِيهِ عُمَر إِلَّا نَزَلَ الْقُرْآن فِيهِ عَلَى نَحْو مَا قَالَ عُمَر \" وَهَذَا دَالٌّ عَلَى كَثْرَة مُوَافَقَته , وَأَكْثَر مَا وَقَفْنَا مِنْهَا بِالتَّعْيِينِ عَلَى خَمْسَة عَشَر لَكِنْ ذَلِكَ بِحَسَب الْمَنْقُول , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَقَام إِبْرَاهِيم , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَسْأَلَة الْحِجَاب فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب , وَعَلَى مَسْأَلَة التَّخْيِير فِي تَفْسِير سُورَة التَّحْرِيم , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" وَاجْتَمَعَ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَيْرَة عَلَيْهِ فَقُلْت لَهُنَّ : عَسَى رَبّه إِلَخْ \" وَذَكَرَ فِيهِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة زِيَادَة يَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا فِي بَاب عِشْرَة النِّسَاء فِي أَوَاخِر النِّكَاح. وَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ اللَّائِق إِيرَاد هَذَا الْحَدِيث فِي الْبَاب الْمَاضِي وَهُوَ قَوْله : ( وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) وَالْجَوَاب أَنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إِلَى حَدِيث اِبْن عُمَر لِلتَّنْصِيصِ فِيهِ عَلَى وُقُوع ذَلِكَ مِنْ فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ حَدِيث عُمَر هَذَا فَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِذَلِكَ , وَأَمَّا مُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ فَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَاد مِنْ التَّرْجَمَة مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَة وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا , فَأَمَّا عَلَى قَوْل مَنْ فَسَّرَ مَقَام إِبْرَاهِيم بِالْكَعْبَةِ فَظَاهِر , أَوْ بِالْحَرَمِ كُلّه فَمِنْ فِي قَوْله : ( مِنْ مَقَام إِبْرَاهِيم ) لِلتَّبْعِيضِ , وَمُصَلًّى أَيْ قِبْلَة , أَوْ بِالْحَجَرِ الَّذِي وَقَفَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم وَهُوَ الْأَظْهَر فَيَكُون تَعَلُّقه بِالْمُتَعَلِّقِ بِالْقِبْلَةِ لَا بِنَفْسِ الْقِبْلَة , وَقَالَ اِبْن رَشِيد : الَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ تَعَلُّق الْحَدِيث بِالتَّرْجَمَةِ الْإِشَارَة إِلَى مَوْضِع الِاجْتِهَاد فِي الْقِبْلَة ; لِأَنَّ عُمَر اِجْتَهَدَ فِي أَنْ اِخْتَارَ أَنْ يَكُون الْمُصَلَّى إِلَى مَقَام إِبْرَاهِيم الَّذِي هُوَ فِي وَجْه الْكَعْبَة فَاخْتَارَ إِحْدَى جِهَات الْقِبْلَة بِالِاجْتِهَادِ , وَحَصَلَتْ مُوَافَقَته عَلَى ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى تَصْوِيب اِجْتِهَاد الْمُجْتَهِد إِذَا بَذَلَ وُسْعه وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن أَبِي مَرْيَم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة \" حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي مَرْيَم \" , وَفَائِدَة إِيرَاد هَذَا الْإِسْنَاد مَا فِيهِ مِنْ التَّصْرِيح بِسَمَاعِ حُمَيْدٍ مِنْ أَنَس فَأُمِنَ مِنْ تَدْلِيسه , ‏ ‏وَقَوْله : ( بِهَذَا ) ‏ ‏أَيْ إِسْنَادًا وَمَتْنًا , فَهُوَ مِنْ رِوَايَة أَنَس عَنْ عُمَر لَا مِنْ رِوَايَة أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفَائِدَة التَّعْلِيق الْمَذْكُور تَصْرِيح حُمَيْدٍ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَنَس , وَقَدْ تَعَقَّبَهُ بَعْضهمْ بِأَنَّ يَحْيَى بْن أَيُّوب لَمْ يَحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيّ وَإِنْ خَرَّجَ لَهُ فِي الْمُتَابَعَات. وَأَقُول : وَهَذَا مِنْ جُمْلَة الْمُتَابَعَات , وَلَمْ يَنْفَرِد يَحْيَى بْن أَيُّوب بِالتَّصْرِيحِ الْمَذْكُور فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة يُوسُف الْقَاضِي عَنْ أَبِي الرَّبِيع الزُّهْرَانِيّ عَنْ هُشَيْم أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ حَدَّثَنَا أَنَس. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "388",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا النَّاسُ ‏ ‏بِقُبَاءٍ ‏ ‏فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏فَاسْتَدَارُوا إِلَى ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( بَيْنَا النَّاس بِقُبَاءٍ ) ‏ ‏بِالْمَدِّ وَالصَّرْف وَهُوَ الْأَشْهَر , وَيَجُوز فِيهِ الْقَصْر وَعَدَم الصَّرْف وَهُوَ يُذَكَّر وَيُؤَنَّث : مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ ظَاهِر الْمَدِينَة , وَالْمُرَاد هُنَا مَسْجِد أَهْل قُبَاء فَفِيهِ مَجَاز الْحَذْف , وَاللَّام فِي النَّاس لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيّ وَالْمُرَاد أَهْل قُبَاء وَمَنْ حَضَرَ مَعَهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي صَلَاة الصُّبْح ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ \" فِي صَلَاة الْغَدَاة \" وَهُوَ أَحَد أَسْمَائِهَا , وَقَدْ نَقَلَ بَعْضهمْ كَرَاهِيَة تَسْمِيَتهَا بِذَلِكَ. وَهَذَا فِيهِ مُغَايَرَةٌ لِحَدِيثِ الْبَرَاء الْمُتَقَدِّم فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي صَلَاة الْعَصْر , وَالْجَوَاب أَنْ لَا مُنَافَاة بَيْن الْخَبَرَيْنِ ; لِأَنَّ الْخَبَر وَصَلَ وَقْت الْعَصْر إِلَى مَنْ هُوَ دَاخِل الْمَدِينَة وَهُمْ بَنُو حَارِثَة وَذَلِكَ فِي حَدِيث الْبَرَاء , وَالْآتِي إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَبَّاد بْن بِشْر أَوْ اِبْن نَهِيك كَمَا تَقَدَّمَ , وَوَصَلَ الْخَبَر وَقْت الصُّبْح إِلَى مَنْ هُوَ خَارِج الْمَدِينَة وَهُمْ بَنُو عَمْرو بْن عَوْف أَهْل قُبَاء وَذَلِكَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر , وَلَمْ يُسَمَّ الْآتِي بِذَلِكَ إِلَيْهِمْ , وَإِنْ كَانَ اِبْن طَاهِر وَغَيْره نَقَلُوا أَنَّهُ عَبَّاد بْن بِشْر فَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَقّ بَنِي حَارِثَة فِي صَلَاة الْعَصْر , فَإِنْ كَانَ مَا نَقَلُوا مَحْفُوظًا فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَبَّاد أَتَى بَنِي حَارِثَة أَوَّلًا فِي وَقْت الْعَصْر ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى أَهْل قُبَاء فَأَعْلَمهُمْ بِذَلِكَ فِي وَقْت الصُّبْح. وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى تَعَدُّدهمَا أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى مِنْ حَدِيث أَنَس \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَلَمَة مَرَّ وَهُمْ رُكُوع فِي صَلَاة الْفَجْر \" فَهَذَا مُوَافِق لِرِوَايَةِ اِبْن عُمَر فِي تَعْيِين الصَّلَاة , وَبَنُو سَلَمَة غَيْر بَنِي حَارِثَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَة قُرْآنٌ ) ‏ ‏فِيهِ إِطْلَاق اللَّيْلَة عَلَى بَعْض الْيَوْم الْمَاضِي وَاللَّيْلَة الَّتِي تَلِيه مَجَازًا , وَالتَّنْكِير فِي قَوْله \" قُرْآن \" لِإِرَادَةِ الْبَعْضِيَّة , وَالْمُرَاد قَوْله : ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِك فِي السَّمَاء ) الْآيَات. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ أُمِرَ ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ مَنْ يُؤْمَر بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْزَم أُمَّته , وَأَنَّ أَفْعَاله يُتَأَسَّى بِهَا كَأَقْوَالِهِ حَتَّى يَقُوم دَلِيل الْخُصُوص. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَقْبَلُوهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة لِلْأَكْثَرِ أَيْ فَتَحَوَّلُوا إِلَى جِهَة الْكَعْبَة , وَفَاعِل \" اِسْتَقْبَلُوهَا \" الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ وَهُمْ أَهْل قُبَاء. ‏ ‏وَقَوْله : ( وَكَانَتْ وُجُوههمْ إِلَخْ ) ‏ ‏تَفْسِير مِنْ الرَّاوِي لِلتَّحَوُّلِ الْمَذْكُور , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فَاعِل اِسْتَقْبَلُوهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ , وَضَمِير \" وُجُوههمْ \" لَهُمْ أَوْ لِأَهْلِ قُبَاء عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ. وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ فَاسْتَقْبَلُوهَا بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة بِصِيغَةِ الْأَمْر , وَيَأْتِي فِي ضَمِير وُجُوههمْ الِاحْتِمَالَانِ الْمَذْكُورَانِ , وَعَوْده إِلَى أَهْل قُبَاء أَظْهَرُ , وَيُرَجِّحُ رِوَايَةَ الْكَسْرِ أَنَّهُ عِنْد الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِير مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار فِي هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ \" وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِل الْكَعْبَة , أَلَا فَاسْتَقْبِلُوهَا \" فَدُخُول حَرْف الِاسْتِفْتَاح يُشْعِر بِأَنَّ الَّذِي بَعْده أَمْرٌ لَا أَنَّهُ بَقِيَّةُ الْخَبَر الَّذِي قَبْله , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَوَقَعَ بَيَانُ كَيْفِيَّة التَّحَوُّل فِي حَدِيث ثُوَيْلَة بِنْت أَسْلَمَ عِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم وَقَدْ ذَكَرْت بَعْضه قَرِيبًا وَقَالَتْ فِيهِ \" فَتَحَوَّلَ النِّسَاء مَكَان الرِّجَال وَالرِّجَال مَكَان النِّسَاء , فَصَلَّيْنَا السَّجْدَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ إِلَى الْبَيْت الْحَرَام \". قُلْت : وَتَصْوِيره أَنَّ الْإِمَام تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانه فِي مُقَدَّم الْمَسْجِد إِلَى مُؤَخَّر الْمَسْجِد ; لِأَنَّ مَنْ اِسْتَقْبَلَ الْكَعْبَة اِسْتَدْبَرَ بَيْت الْمَقْدِس , وَهُوَ لَوْ دَارَ كَمَا هُوَ فِي مَكَانه لَمْ يَكُنْ خَلْفه مَكَان يَسَع الصُّفُوف , وَلَمَّا تَحَوَّلَ الْإِمَام تَحَوَّلَتْ الرِّجَال حَتَّى صَارُوا خَلْفه وَتَحَوَّلَتْ النِّسَاء حَتَّى صِرْنَ خَلْف الرِّجَال , وَهَذَا يَسْتَدْعِي عَمَلًا كَثِيرًا فِي الصَّلَاة فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ قَبْل تَحْرِيم الْعَمَل الْكَثِير كَمَا كَانَ قَبْل تَحْرِيم الْكَلَام , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون اُغْتُفِرَ الْعَمَل الْمَذْكُور مِنْ أَجْل الْمَصْلَحَة الْمَذْكُورَة , أَوْ لَمْ تَتَوَالَ الْخُطَا عِنْد التَّحْوِيل بَلْ وَقَعَتْ مُفَرَّقَة. وَاللَّهُ أَعْلَم. وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ حُكْم النَّاسِخ لَا يَثْبُت فِي حَقّ الْمُكَلَّف حَتَّى يَبْلُغهُ ; لِأَنَّ أَهْل قُبَاء لَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ مَعَ كَوْن الْأَمْر بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَة وَقَعَ قَبْل صَلَاتهمْ تِلْكَ بِصَلَوَاتٍ. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَة وَلَمْ يُمْكِنْهُ اِسْتِعْلَام ذَلِكَ فَالْفَرْض غَيْر لَازِم لَهُ. وَفِيهِ جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُمْ لَمَّا تَمَادَوْا فِي الصَّلَاة وَلَمْ يَقْطَعُوهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ رَجَحَ عِنْدهمْ التَّمَادِي وَالتَّحَوُّل عَلَى الْقَطْع وَالِاسْتِئْنَاف , وَلَا يَكُون ذَلِكَ إِلَّا عَنْ اِجْتِهَاد , كَذَا قِيلَ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون عِنْدهمْ فِي ذَلِكَ نَصٌّ سَابِق. ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَرَقِّبًا التَّحَوُّل الْمَذْكُور فَلَا مَانِع أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَا صَنَعُوا مِنْ التَّمَادِي وَالتَّحَوُّل. وَفِيهِ قَبُول خَبَر الْوَاحِد وَوُجُوب الْعَمَل بِهِ وَنَسْخُ مَا تَقَرَّرَ بِطَرِيقِ الْعِلْم بِهِ ; لِأَنَّ صَلَاتهمْ إِلَى بَيْت الْمَقْدِس كَانَتْ عِنْدهمْ بِطَرِيقِ الْقَطْع لِمُشَاهَدَتِهِمْ صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِهَته , وَوَقَعَ تَحَوُّلهمْ عَنْهَا إِلَى جِهَة الْكَعْبَة بِخَبَرِ هَذَا الْوَاحِد , وَأُجِيب بِأَنَّ الْخَبَر الْمَذْكُور اِحْتَفَّتْ بِهِ قَرَائِن وَمُقَدَّمَات أَفَادَتْ الْقَطْع عِنْدهمْ بِصِدْقِ ذَلِكَ الْمُخْبِر فَلَمْ يَنْسَخ عِنْدهمْ مَا يُفِيد الْعِلْم إِلَّا بِمَا يُفِيد الْعِلْم , وَقِيلَ : كَانَ النَّسْخ بِخَبَرِ الْوَاحِد جَائِزًا فِي زَمَنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا مُنِعَ بَعْده , وَيَحْتَاج إِلَى دَلِيل. وَفِيهِ جَوَاز تَعْلِيم مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاة مَنْ هُوَ فِيهَا , وَأَنَّ اِسْتِمَاع الْمُصَلِّي لِكَلَام مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاة لَا يُفْسِد صَلَاته. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى تَعْيِين الْوَقْت الَّذِي حُوِّلَتْ فِيهِ الْقِبْلَة فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْبَرَاء فِي كِتَاب الْإِيمَان , وَوَجْه تَعَلُّق حَدِيث اِبْن عُمَر بِتَرْجَمَةِ الْبَاب أَنَّ دَلَالَته عَلَى الْجُزْء الْأَوَّل مِنْهَا مِنْ قَوْله \" أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِل الْكَعْبَة \" وَعَلَى الْجُزْء الثَّانِي مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ صَلَّوْا فِي أَوَّل تِلْكَ الصَّلَاة إِلَى الْقِبْلَة الْمَنْسُوخَة جَاهِلِينَ بِوُجُوبِ التَّحَوُّل عَنْهَا وَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ مَعَ ذَلِكَ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ فَيَكُون حُكْم السَّاهِي كَذَلِكَ , لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّق بَيْنهمَا بِأَنَّ الْجَاهِل مُسْتَصْحِبٌ لِلْحُكْمِ الْأَوَّل مُغْتَفَرٌ فِي حَقّه مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي حَقّ السَّاهِي ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُون عَنْ حُكْم اِسْتَقَرَّ عِنْده وَعَرَفَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "389",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الظُّهْرَ خَمْسًا فَقَالُوا أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالُوا صَلَّيْتَ خَمْسًا ‏ ‏فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏( قَالَ : صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْر خَمْسًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَتَعَلُّقه بِالتَّرْجَمَةِ مِنْ ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَمَا ذَاكَ ) ‏ ‏أَيْ مَا سَبَب هَذَا السُّؤَال ؟ وَكَانَ فِي تِلْكَ الْحَالَة غَيْر مُسْتَقْبِل الْقِبْلَة سَهْوًا كَمَا يَظْهَر فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة مِنْ قَوْله \" فَثَنَى رِجْله وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "390",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏قِبْلَتِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ الطُّرُق بِالْعَنْعَنَةِ , وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق فَصَرَّحَ بِسَمَاعِ حُمَيْدٍ مِنْ أَنَس فَأُمِنَ تَدْلِيسه. ‏ ‏قَوْله : ( نُخَامَة ) ‏ ‏قِيلَ هِيَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الصَّدْرِ , وَقِيلَ النُّخَاعَةُ بِالْعَيْنِ مِنْ الصَّدْر , وَبِالْمِيمِ مِنْ الرَّأْس. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْقِبْلَة ) ‏ ‏أَيْ الْحَائِط الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى رُئِيَ ) ‏ ‏أَيْ شُوهِدَ فِي وَجْهه أَثَر الْمَشَقَّة , وَلِلنَّسَائِيِّ \" فَغَضِبَ حَتَّى اِحْمَرَّ وَجْهه \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَب مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْل الْمَسْجِد \". ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ ) ‏ ‏أَيْ بَعْد شُرُوعِهِ فِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ أَنَّ رَبّه ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالشَّكِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى بَعْد خَمْسَة أَبْوَاب. وَلِلْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ \" وَأَنَّ رَبّه \" بِوَاوِ الْعَطْف , وَالْمُرَاد بِالْمُنَاجَاةِ مِنْ قِبَل الْعَبْد حَقِيقَة النَّجْوَى وَمِنْ قِبَل الرَّبّ لَازِم ذَلِكَ فَيَكُون مَجَازًا , وَالْمَعْنَى إِقْبَاله عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَان , وَأَمَّا قَوْله : ( أَوْ إِنَّ رَبّه بَيْنه وَبَيْن الْقِبْلَة ) وَكَذَا فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده \" فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهه \" فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ تَوَجُّهه إِلَى الْقِبْلَة مُفْضٍ بِالْقَصْدِ مِنْهُ إِلَى رَبّه فَصَارَ فِي التَّقْدِير : فَإِنَّ مَقْصُودَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ. وَقِيلَ هُوَ عَلَى حَذْف مُضَاف أَيْ عَظَمَة اللَّهِ أَوْ ثَوَاب اللَّه. ‏ ‏وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هُوَ كَلَام خَرَجَ عَلَى التَّعْظِيم لِشَأْنِ الْقِبْلَة. وَقَدْ نَزَعَ بِهِ بَعْض الْمُعْتَزِلَة الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّه فِي كُلّ مَكَان , وَهُوَ جَهْل وَاضِح ; لِأَنَّ فِي الْحَدِيث أَنَّهُ يَبْزُق تَحْت قَدَمه , وَفِيهِ نَقْضُ مَا أَصَّلُوهُ , وَفِيهِ الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْش بِذَاتِهِ وَمَهْمَا تُؤُوِّلَ بِهِ هَذَا جَازَ أَنْ يُتَأَوَّلَ بِهِ ذَاكَ وَاَللَّهُ أَعْلَم. وَهَذَا التَّعْلِيل يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْبُزَاق فِي الْقِبْلَة حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِد أَمْ لَا وَلَا سِيَّمَا مِنْ الْمُصَلِّي فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَاف فِي أَنَّ كَرَاهِيَة الْبُزَاق فِي الْمَسْجِد هَلْ هِيَ لِلتَّنْزِيهِ أَوْ لِلتَّحْرِيمِ. وَفِي صَحِيحَيْ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة مَرْفُوعًا \" مَنْ تَفَلَ تُجَاه الْقِبْلَة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَتَفْلُهُ بَيْن عَيْنَيْهِ \" وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا \" يُبْعَث صَاحِبُ النُّخَامَة فِي الْقِبْلَة يَوْم الْقِيَامَة وَهِيَ فِي وَجْهه \" وَلِأَبِي دَاوُدَ وَابْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث السَّائِب بْن خَلَّاد \" أَنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَة , فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يُصَلِّي لَكُمْ \" الْحَدِيث , وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ \" إِنَّك آذَيْت اللَّهَ وَرَسُولَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( قِبَل قِبْلَته ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْمُوَحَّدَة أَيْ جِهَة قِبْلَته. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ تَحْت قَدَمه ) ‏ ‏أَيْ الْيُسْرَى كَمَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , وَزَادَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَيَدْفِنهَا \" كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَخَذَ طَرَف رِدَائِهِ إِلَخْ ) ‏ ‏فِيهِ الْبَيَان بِالْفِعْلِ لِيَكُونَ أَوْقَع فِي نَفْس السَّامِع , وَظَاهِر ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ يَفْعَل هَكَذَا ) ‏ ‏أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْن مَا ذُكِرَ , لَكِنْ سَيَأْتِي بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب أَنَّ الْمُصَنِّف حَمَلَ هَذَا الْأَخِير عَلَى مَا إِذَا بَدَرَهُ الْبُزَاق , فَأَوْ - عَلَى هَذَا - فِي الْحَدِيث لِلتَّنْوِيعِ. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "391",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ ‏ ‏إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ ‏ ‏يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقُ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏وَجْهِهِ فَإِنَّ اللَّهَ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث اِبْن عُمَر ( رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَار الْقِبْلَة ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" فِي جِدَار الْمَسْجِد \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي أَوَاخِر الصَّلَاة مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ نَافِع \" فِي قِبْلَة الْمَسْجِد \" وَزَادَ فِيهِ \" ثُمَّ نَزَلَ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ \" وَهُوَ مُطَابِق لِلتَّرْجَمَةِ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ فِي حَال الْخُطْبَة. وَصَرَّحَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِذَلِكَ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا \" قَالَ وَأَحْسَبُهُ دَعَا بِزَعْفَرَان فَلَطَّخَهُ بِهِ \" زَادَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب \" فَلِذَلِكَ صُنِعَ الزَّعْفَرَانُ فِي الْمَسَاجِد \". ‏"
    },
    {
        "id": "392",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ مُخَاطًا أَوْ بُصَاقًا أَوْ نُخَامَةً فَحَكَّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث عَائِشَة ( رَأَى فِي جِدَار الْقِبْلَة مُخَاطًا أَوْ بُصَاقًا أَوْ نُخَامَة فَحَكَّهُ ) ‏ ‏كَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ بِالشَّكِّ , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق مَعْنٍ عَنْ مَالِك \" أَوْ نُخَاعًا \" بَدَل مُخَاطًا وَهُوَ أَشْبَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْق بَيْن النُّخَاعَة وَالنُّخَامَة. ‏"
    },
    {
        "id": "393",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَأَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَاهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى نُخَامَةً فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا فَقَالَ ‏ ‏إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَتَنَاوَلَ حَصَاة ) ‏ ‏هَذَا مَوْضِع التَّرْجَمَة , وَلَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْن النُّخَامَة وَالْمُخَاط , فَلِذَلِكَ اِسْتَدَلَّ بِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَر. ‏ ‏قَوْل ( فَحَكَّهَا ) ‏ ‏ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَحَتَّهَا \" بِمُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ , وَهُمَا بِمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا عَنْ يَمِينِهِ ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "394",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَأَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏أَخْبَرَاهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى نُخَامَةً فِي حَائِطِ الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَصَاةً فَحَتَّهَا ثُمَّ قَالَ ‏ ‏إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَخَّمْ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "395",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَتْفِلَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ رِجْلِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "396",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "397",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبْصَرَ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ ثُمَّ ‏ ‏نَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏حُمَيْدًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيٌّ ) ‏ ‏زَادَ الْأَصِيلِيّ \" اِبْن عَبْد اللَّه \" وَهُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , وَالْمَتْن هُوَ الَّذِي مَضَى مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ اِبْن شِهَاب وَهُوَ الزُّهْرِيُّ , وَلَمْ يَذْكُر سُفْيَان - وَهُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ - فِيهِ أَبَا هُرَيْرَة , كَذَا فِي الرِّوَايَات كُلّهَا , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" بَدَل أَبِي سَعِيد , وَهُوَ وَهْمٌ , وَكَأَنَّ الْحَامِل لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى فِي آخِره \" وَعَنْ الزُّهْرِيِّ سَمِعَ حُمَيْدًا عَنْ أَبِي سَعِيد \" فَظَنَّ أَنَّهُ عِنْده عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعِيد مَعًا , لَكِنَّهُ فَرَّقَهُمَا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُصَنِّف أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ سُفْيَان رَوَاهُ مَرَّة بِالْعَنْعَنَةِ وَمَرَّة صَرَّحَ بِسَمَاعِ الزُّهْرِيِّ مِنْ حُمَيْدٍ , وَوَهِمَ بَعْض الشُّرَّاح فِي زَعْمه أَنَّ قَوْله \" وَعَنْ الزُّهْرِيِّ \" مُعَلَّقٌ بَلْ هُوَ مَوْصُولٌ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ نَظَائِرُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنْ عَنْ يَسَاره أَوْ تَحْت قَدَمه ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَهُوَ الْمُطَابِق لِلتَّرْجَمَةِ. وَفِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْت \" وَتَحْت قَدَمه \" بِالْوَاوِ. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي رَافِع عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَلَكِنْ عَنْ يَسَاره تَحْت قَدَمه \" بِحَذْفِ \" أَوْ \" , وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ مِنْ حَدِيث أَنَس فِي أَوَاخِر الصَّلَاة , وَالرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا \" أَوْ \" أَعَمّ لِكَوْنِهَا تَشْمَل مَا تَحْت الْقَدَم وَغَيْر ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "398",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "399",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّمَا يُنَاجِي ) ‏ ‏لِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَإِنَّهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ ) ‏ ‏يَقْتَضِي تَخْصِيص الْمَنْع بِمَا إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاة , لَكِنَّ التَّعْلِيل الْمُتَقَدِّم بِأَذَى الْمُسْلِم يَقْتَضِي الْمَنْع فِي جِدَار الْمَسْجِد مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاة , فَيُجْمَع بِأَنْ يُقَال : كَوْنه فِي الصَّلَاة أَشَدّ إِثْمًا مُطْلَقًا , وَكَوْنه فِي جِدَار الْقِبْلَة أَشَدّ إِثْمًا مِنْ كَوْنه فِي غَيْرهَا مِنْ جُدُر الْمَسْجِد , فَهِيَ مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ مَعَ الِاشْتِرَاك فِي الْمَنْع. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ عَنْ يَمِينه مَلَكًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّ ظَاهِره اِخْتِصَاصه بِحَالَةِ الصَّلَاة , فَإِنْ قُلْنَا : الْمُرَاد بِالْمَلَكِ الْكَاتِب فَقَدْ اسْتَشْكَلَ اِخْتِصَاصه بِالْمَنْعِ مَعَ أَنَّ عَنْ يَسَاره مَلَكًا آخَر , وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِمَلَكِ الْيَمِين تَشْرِيفًا لَهُ وَتَكْرِيمًا , هَكَذَا قَالَهُ جَمَاعَة مِنْ الْقُدَمَاء وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَأَجَابَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الصَّلَاة أُمُّ الْحَسَنَات الْبَدَنِيَّة فَلَا دَخْل لِكَاتِبِ السَّيِّئَات فِيهَا , وَيَشْهَد لَهُ مَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة مَوْقُوفًا فِي هَذَا الْحَدِيث قَالَ \" وَلَا عَنْ يَمِينه , فَإِنَّ عَنْ يَمِينه كَاتِبَ الْحَسَنَات \". وَفِي الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَإِنَّهُ يَقُوم بَيْن يَدَيْ اللَّه وَمَلَكه عَنْ يَمِينه وَقَرِينه عَنْ يَسَاره \" ا ه. فَالتَّفْل حِينَئِذٍ إِنَّمَا يَقَع عَلَى الْقَرِين وَهُوَ الشَّيْطَان , وَلَعَلَّ مَلَك الْيَسَار حِينَئِذٍ يَكُون بِحَيْثُ لَا يُصِيبهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ , أَوْ أَنَّهُ يَتَحَوَّل فِي الصَّلَاة إِلَى الْيَمِين. وَاَللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَدْفِنهَا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : لَمْ يَقُلْ يُغَطِّيهَا ; لِأَنَّ التَّغْطِيَة يَسْتَمِرُّ الضَّرَر بِهَا إِذْ لَا يَأْمَن أَنْ يَجْلِس غَيْره عَلَيْهَا فَتُؤْذِيه , بِخِلَافِ الدَّفْن فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّعْمِيق فِي بَاطِن الْأَرْض , وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الرِّيَاض : الْمُرَاد بِدَفْنِهَا مَا إِذَا كَانَ الْمَسْجِد تُرَابِيًّا أَوْ رَمْلِيًّا , فَأَمَّا إِذَا كَانَ مُبَلَّطًا مَثَلًا فَدَلَكَهَا عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مَثَلًا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَفْنٍ بَلْ زِيَادَةٌ فِي التَّقْذِير. قُلْت : لَكِنْ إِذَا لَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ أَلْبَتَّة فَلَا مَانِعَ , وَعَلَيْهِ يُحْمَل قَوْله فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْنِ الشِّخِّير الْمُتَقَدِّم \" ثُمَّ دَلَكَهُ بِنَعْلِهِ \" وَكَذَا قَوْله فِي حَدِيث طَارِق عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" وَبَزَقَ تَحْت رِجْله وَدَلَكَ \". ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏قَالَ الْقَفَّال فِي فَتَاوِيه : هَذَا الْحَدِيث مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَخْرُج مِنْ الْفَم أَوْ يَنْزِل مِنْ الرَّأْس , أَمَّا مَا يَخْرُج مِنْ الصَّدْر فَهُوَ نَجَسٌ فَلَا يُدْفَن فِي الْمَسْجِد ا ه. وَهَذَا عَلَى اِخْتِيَاره , لَكِنْ يَظْهَر التَّفْصِيلُ فِيمَا إِذَا كَانَ طَرَفًا مِنْ قَيْء , وَكَذَا إِذَا خَالَطَ الْبُزَاق دَمٌ. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "400",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ وَرُئِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ ‏ ‏أَوْ رُئِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ ‏ ‏أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ ‏ ‏فَلَا يَبْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ قَالَ أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "401",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي ) ‏ ‏هُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار لِمَا يَلْزَم مِنْهُ , أَيْ أَنْتُمْ تَظُنُّونَ أَنِّي لَا أَرَى فِعْلكُمْ لِكَوْنِ قِبْلَتِي فِي هَذِهِ الْجِهَة ; لِأَنَّ مَنْ اِسْتَقْبَلَ شَيْئًا اِسْتَدْبَرَ مَا وَرَاءَهُ , لَكِنْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رُؤْيَته لَا تَخْتَصّ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ فَقِيلَ : الْمُرَاد بِهَا الْعِلْم إِمَّا بِأَنْ يُوحَى إِلَيْهِ كَيْفِيَّة فِعْلهمْ وَإِمَّا أَنْ يُلْهَم , وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْعِلْم لَوْ كَانَ مُرَادًا لَمْ يُقَيِّدهُ بِقَوْلِهِ مِنْ وَرَاء ظَهْرِي. وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّهُ يَرَى مَنْ عَنْ يَمِينه وَمَنْ عَنْ يَسَاره مِمَّنْ تُدْرِكهُ عَيْنه مَعَ اِلْتِفَات يَسِير فِي النَّادِر , وَيُوصَف مَنْ هُوَ هُنَاكَ بِأَنَّهُ وَرَاء ظَهْره , وَهَذَا ظَاهِر التَّكَلُّف , وَفِيهِ عُدُول عَنْ الظَّاهِر بِلَا مُوجِب. وَالصَّوَاب الْمُخْتَار أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى ظَاهِره , وَأَنَّ هَذَا الْإِبْصَار إِدْرَاك حَقِيقِيّ خَاصّ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْخَرَقَتْ لَهُ فِيهِ الْعَادَة , وَعَلَى هَذَا عَمَل الْمُصَنِّف فَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , وَكَذَا نُقِلَ عَنْ الْإِمَام أَحْمَد وَغَيْره. ثُمَّ ذَلِكَ الْإِدْرَاك يَجُوز أَنْ يَكُون بِرُؤْيَةِ عَيْنه اِنْخَرَقَتْ لَهُ الْعَادَة فِيهِ أَيْضًا فَكَانَ يَرَى بِهَا مِنْ غَيْر مُقَابَلَة ; لِأَنَّ الْحَقّ عِنْد أَهْل السُّنَّة أَنَّ الرُّؤْيَة لَا يُشْتَرَط لَهَا عَقْلًا عُضْو مَخْصُوص وَلَا مُقَابَلَةٌ وَلَا قُرْبٌ , وَإِنَّمَا تِلْكَ أُمُور عَادِيَّة يَجُوز حُصُول الْإِدْرَاك مَعَ عَدَمهَا عَقْلًا , وَلِذَلِكَ حَكَمُوا بِجَوَازِ رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فِي الدَّار الْآخِرَة خِلَافًا لِأَهْلِ الْبِدَع لِوُقُوفِهِمْ مَعَ الْعَادَة. ‏ ‏وَقِيلَ كَانَتْ لَهُ عَيْن خَلْف ظَهْره يَرَى بِهَا مَنْ وَرَاءَهُ دَائِمًا , وَقِيلَ كَانَ بَيْن كَتِفَيْهِ عَيْنَانِ مِثْل سَمِّ الْخِيَاط يُبْصِر بِهِمَا لَا يَحْجُبُهُمَا ثَوْب وَلَا غَيْره , وَقِيلَ : بَلْ كَانَتْ صُوَرهمْ تَنْطَبِع فِي حَائِط قِبْلَته كَمَا تَنْطَبِع فِي الْمِرْآة فَيَرَى أَمْثِلَتهمْ فِيهَا فَيُشَاهِد أَفْعَالهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا خُشُوعكُمْ ) ‏ ‏أَيْ فِي جَمِيع الْأَرْكَان , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد بِهِ السُّجُود ; لِأَنَّ فِيهِ غَايَة الْخُشُوع , وَقَدْ صَرَّحَ بِالسُّجُودِ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي لَأَرَاكُمْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "402",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَاةً ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الرُّكُوعِ ‏ ‏إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي كَمَا أَرَاكُمْ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي حَدِيث أَنَس ‏ ‏( صَلَّى لَنَا ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِنَا. ‏ ‏وَقَوْله : ( صَلَاة ) ‏ ‏بِالتَّنْكِيرِ لِلْإِبْهَامِ. ‏ ‏وَقَوْله : ( ثُمَّ رَقِيَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ فِي الصَّلَاة ) ‏ ‏أَيْ فِي شَأْن الصَّلَاة , أَوْ هُوَ مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ بَعْدُ ‏ ‏( إِنِّي لَأَرَاكُمْ ) ‏ ‏عِنْد مَنْ يُجِيز تَقَدُّمَ الظَّرْف. ‏ ‏وَقَوْله : ( وَفِي الرُّكُوع ) ‏ ‏فَرْدُهُ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي الصَّلَاة اِهْتِمَامًا بِهِ إِمَّا لِكَوْنِ التَّقْصِير فِيهِ كَانَ أَكْثَر , أَوْ لِأَنَّهُ أَعْظَم الْأَرْكَان بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَسْبُوق يُدْرِك الرَّكْعَة بِتَمَامِهَا بِإِدْرَاكِ الرُّكُوع. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا أَرَاكُمْ ) ‏ ‏يَعْنِي مِنْ أَمَامِي. وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَمَا سَيَأْتِي. وَلِمُسْلِمٍ \" إِنِّي لَأُبْصِرُ مَنْ وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مَنْ بَيْن يَدَيَّ \" وَفِيهِ دَلِيل عَلَى الْمُخْتَار أَنَّ الْمُرَاد بِالرُّؤْيَةِ الْإِبْصَار , وَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصّ بِحَالَةِ الصَّلَاة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَاقِعًا فِي جَمِيع أَحْوَاله , وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِد. وَحَكَى بَقِيُّ بْن مَخْلَدٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُبْصِر فِي الظُّلْمَة كَمَا يُبْصِر فِي الضَّوْء. وَفِي الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى الْخُشُوع فِي الصَّلَاة وَالْمُحَافَظَة عَلَى إِتْمَام أَرْكَانهَا وَأَبْعَاضهَا , وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَبِّهَ النَّاس عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِأَحْوَالِ الصَّلَاة , وَلَا سِيَّمَا إِنْ رَأَى مِنْهُمْ مَا يُخَالِف الْأُولَى. وَسَأَذْكُرُ حُكْم الْخُشُوع فِي أَبْوَاب صِفَة الصَّلَاة حَيْثُ تَرْجَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مَعَ بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "403",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي ‏ ‏أُضْمِرَتْ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْحَفْيَاءِ ‏ ‏وَأَمَدُهَا ‏ ‏ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ ‏ ‏وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ ‏ ‏تُضْمَرْ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الثَّنِيَّةِ ‏ ‏إِلَى مَسْجِدِ ‏ ‏بَنِي زُرَيْقٍ ‏ ‏وَأَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "404",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَجَدْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ نَاسٌ فَقُمْتُ فَقَالَ لِي ‏ ‏آرْسَلَكَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏قُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ لِطَعَامٍ قُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ قُومُوا فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "405",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُوسَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا قَالَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ ‏ ‏فَتَلَاعَنَا ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيّ \" اِبْن مُوسَى \" وَكَذَا نَسَبَهُ اِبْن السَّكَن , وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ هُوَ اِبْن جَعْفَر , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِحَدِيثِ سَهْل بْن سَعْد الْمَذْكُور وَتَسْمِيَة مَنْ أُبْهِمَ فِيهِ فِي كِتَاب اللِّعَان إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيَأْتِي ذِكْر الِاخْتِلَاف فِي جَوَاز الْقَضَاء فِي الْمَسْجِد فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "406",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَاهُ فِي مَنْزِلِهِ فَقَالَ ‏ ‏أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ لَكَ مِنْ بَيْتِكَ قَالَ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى مَكَانٍ فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏صَرَّحَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَده بِسَمَاعِ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد لَهُ مِنْ اِبْن شِهَاب ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَحْمُود بْن الرَّبِيع ) ‏ ‏وَلِلْمُصَنِّفِ فِي \" بَاب النَّوَافِل جَمَاعَة \" كَمَا سَيَأْتِي مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ \" أَخْبَرَنِي مَحْمُود \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عِتْبَانَ ) ‏ ‏زَادَ يَعْقُوب الْمَذْكُور فِي رِوَايَته قِصَّة مَحْمُود فِي عَقْلِهِ الْمَجَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر فِي كِتَاب الْعِلْم , وَصَرَّحَ يَعْقُوب أَيْضًا بِسَمَاعِ مَحْمُود مِنْ عِتْبَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَاهُ فِي مَنْزِله ) ‏ ‏اِخْتَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَسَاقَهُ مِنْ رِوَايَة يَعْقُوب الْمَذْكُور تَامًّا كَمَا أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق عَقِيل فِي الْبَاب الْآتِي. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ أُصَلِّي مِنْ بَيْتك ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَكَذَا فِي رِوَايَة يَعْقُوب وَلِلْمُسْتَمْلِي هُنَا \" أَنْ أُصَلِّي لَك \" ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فِي بَيْتك \" : وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "407",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏وَهُوَ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِمَّنْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ ‏ ‏أَنْكَرْتُ ‏ ‏بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتْ الْأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى قَالَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ ‏ ‏عِتْبَانُ ‏ ‏فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ قَالَ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيْتِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَبَّرَ فَقُمْنَا فَصَفَّنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ قَالَ وَحَبَسْنَاهُ عَلَى ‏ ‏خَزِيرَةٍ ‏ ‏صَنَعْنَاهَا لَهُ قَالَ ‏ ‏فَآبَ ‏ ‏فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ فَاجْتَمَعُوا فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ أَيْنَ ‏ ‏مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ ‏ ‏فَقَالَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَقُلْ ذَلِكَ أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏ثُمَّ سَأَلْتُ ‏ ‏الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏وَهُوَ أَحَدُ ‏ ‏بَنِي سَالِمٍ ‏ ‏وَهُوَ مِنْ ‏ ‏سَرَاتِهِمْ ‏ ‏عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عِتْبَانَ بْن مَالِك ) ‏ ‏أَيْ الْخَزْرَجِيّ السَّالِمِي مِنْ بَنِي سَالِم بْن عَوْف بْن عَمْرو بْن عَوْف بْن الْخَزْرَج , هُوَ بِكَسْرِ الْعَيْن وَيَجُوز ضَمّهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ أَتَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس عَنْ عِتْبَانَ عِنْد مُسْلِم أَنَّهُ بَعَثَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطْلُب مِنْهُ ذَلِكَ , فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون نُسِبَ إِتْيَان رَسُوله إِلَى نَفْسه مَجَازًا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَتَاهُ مَرَّة وَبَعَثَ إِلَيْهِ أُخْرَى إِمَّا مُتَقَاضِيًا وَإِمَّا مُذَكِّرًا. وَفِي الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي أُوَيْس عَنْ اِبْن شِهَاب بِسَنَدِهِ أَنَّهُ \" قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم جُمُعَة : لَوْ أَتَيْتنِي يَا رَسُول اللَّه \" وَفِيهِ أَنَّهُ أَتَاهُ يَوْم السَّبْت , وَظَاهِره أَنَّ مُخَاطَبَة عِتْبَانَ بِذَلِكَ كَانَتْ حَقِيقِيَّة لَا مَجَازًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ أَنْكَرْت بَصَرِي ) ‏ ‏كَذَا ذَكَرَهُ جُمْهُور أَصْحَاب اِبْن شِهَاب كَمَا لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْنِ سَعْد وَمَعْمَر , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق يُونُس , ولِلطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ وَالْأَوْزَاعِيِّ , وَلَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي أُوَيْس \" لَمَّا سَاءَ بَصَرِي \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن نَمِر \" جَعَلَ بَصَرِي يَكِلّ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ ثَابِت \" أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْض الشَّيْء \" وَكُلّ ذَلِكَ ظَاهِر فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَلَغَ الْعَمَى إِذْ ذَاكَ , لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي بَاب الرُّخْصَة فِي الْمَطَر مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب فَقَالَ فِيهِ \" إِنَّ عِتْبَانَ كَانَ يَؤُمّ قَوْمه وَهُوَ أَعْمَى , وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهَا تَكُون الظُّلْمَة وَالسَّيْل , وَأَنَا رَجُل ضَرِير الْبَصَر \" الْحَدِيث. وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ رِوَايَة مَالِك هَذِهِ مُعَارِضَة لِغَيْرِهِ , وَلَيْسَتْ عِنْدِي كَذَلِكَ , بَلْ قَوْل مَحْمُود \" إِنَّ عِتْبَانَ كَانَ يَؤُمّ قَوْمه وَهُوَ أَعْمَى \" أَيْ حِين لَقِيَهُ مَحْمُود وَسَمِعَ مِنْهُ الْحَدِيث , لَا حِين سُؤَاله لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَيُبَيِّنُهُ قَوْله فِي رِوَايَة يَعْقُوب \" فَجِئْت إِلَى عِتْبَانَ وَهُوَ شَيْخ أَعْمَى يَؤُمّ قَوْمه \". وَأَمَّا قَوْله \" وَأَنَا رَجُل ضَرِير الْبَصَر \" أَيْ أَصَابَنِي فِيهِ ضُرٌّ كَقَوْلِهِ \" أَنْكَرْت بَصَرِي \". وَيُؤَيِّد هَذَا الْحَمْل قَوْله فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد أَيْضًا \" لَمَّا أَنْكَرْت مِنْ بَصَرِي \" وَقَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْض الشَّيْء \" فَإِنَّهُ ظَاهِر فِي أَنَّهُ لَمْ يَكْمُل عَمَاهُ , لَكِنَّ رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت بِلَفْظِ \" أَنَّهُ عَمِيَ فَأَرْسَلَ \" وَقَدْ جَمَعَ اِبْن خُزَيْمَةَ بَيْن رِوَايَة مَالِك وَغَيْره مِنْ أَصْحَاب اِبْن شِهَاب فَقَالَ : قَوْله. \" أَنْكَرْت بَصَرِي \" هَذَا اللَّفْظ يُطْلَق عَلَى مَنْ فِي بَصَره سُوء وَإِنْ كَانَ يُبْصِر بَصَرًا مَا , وَعَلَى مَنْ صَارَ أَعْمَى لَا يُبْصِر شَيْئًا. اِنْتَهَى. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَال : أَطْلَقَ عَلَيْهِ عَمًى لِقُرْبِهِ مِنْهُ وَمُشَارَكَته لَهُ فِي فَوَات بَعْض مَا كَانَ يَعْهَدهُ فِي حَال الصِّحَّة , وَبِهَذَا تَأْتَلِف الرِّوَايَات. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( أُصَلِّي لِقَوْمِي ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِهِمْ , وَالْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ يَؤُمّهُمْ , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( سَالَ الْوَادِي ) ‏ ‏أَيْ سَالَ الْمَاء فِي الْوَادِي , فَهُوَ مِنْ إِطْلَاق الْمَحَلّ عَلَى الْحَالّ , ولِلطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ \" وَأَنَّ الْأَمْطَار حِين تَكُون يَمْنَعُنِي سَيْلُ الْوَادِي \". ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنِي وَبَيْنهمْ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" يَسِيل الْوَادِي الَّذِي بَيْن مَسْكَنِي وَبَيْن مَسْجِد قَوْمِي فَيَحُول بَيْنِي وَبَيْن الصَّلَاة مَعَهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأُصَلِّي بِهِمْ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى \" آتِي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَدِدْت ) ‏ ‏بِكَسْرِ الدَّال الْأُولَى أَيْ تَمَنَّيْت. وَحَكَى الْقَزَّاز جَوَاز فَتْح الدَّال فِي الْمَاضِي وَالْوَاو فِي الْمَصْدَر , وَالْمَشْهُور فِي الْمَصْدَر الضَّمّ وَحُكِيَ فِيهِ أَيْضًا الْفَتْح فَهُوَ مُثَلَّثٌ. ‏ ‏قَوْله : ( فَتُصَلِّي ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْيَاء وَيَجُوز النَّصْب لِوُقُوعِ الْفَاء بَعْد التَّمَنِّي , وَكَذَا ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَّخِذُهُ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ وَيَجُوز النَّصْب. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) ‏ ‏هُوَ هُنَا لِلتَّعْلِيقِ لَا لِمَحْضِ التَّبَرُّك , كَذَا قِيلَ وَيَجُوز أَنْ يَكُون لِلتَّبَرُّكِ لِاحْتِمَالِ اِطِّلَاعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَحْيِ عَلَى الْجَزْم بِأَنَّ ذَلِكَ سَيَقَعُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عِتْبَانُ ) ‏ ‏ظَاهِر هَذَا السِّيَاق أَنَّ الْحَدِيث مِنْ أَوَّله إِلَى هُنَا مِنْ رِوَايَة مَحْمُود بْن الرَّبِيع بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَمِنْ هُنَا إِلَى آخِره مِنْ رِوَايَته عَنْ عِتْبَانَ صَاحِب الْقِصَّة. وَقَدْ يُقَال : الْقَدْر الْأَوَّل مُرْسَل ; لِأَنَّ مَحْمُودًا يَصْغُر عَنْ حُضُور ذَلِكَ , لَكِنْ وَقَعَ التَّصْرِيح فِي أَوَّله بِالتَّحْدِيثِ بَيْن عِتْبَانَ وَمَحْمُود مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْد أَبِي عَوَانَة , وَكَذَا وَقَعَ تَصْرِيحه بِالسَّمَاعِ عِنْد الْمُصَنِّف مِنْ طَرِيق مَعْمَر وَمِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَاب الْمَاضِي , فَيُحْمَل قَوْله \" قَالَ عِتْبَانُ \" عَلَى أَنَّ مَحْمُودًا أَعَادَ اِسْم شَيْخه اِهْتِمَامًا بِذَلِكَ لِطُولِ الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَغَدَا عَلَيَّ ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" بِالْغَدِ \" , ولِلطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي أُوَيْس أَنَّ السُّؤَال وَقَعَ يَوْم الْجُمُعَة , وَالتَّوَجُّهُ إِلَيْهِ وَقَعَ يَوْم السَّبْت كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو بَكْر ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر جُمْهُور الرُّوَاة عَنْ اِبْن شِهَاب غَيْره , حَتَّى أَنَّ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" فَاسْتَأْذَنَا فَأَذِنْت لَهُمَا \" لَكِنْ فِي رِوَايَة أَبِي أُوَيْس \" وَمَعَهُ أَبُو بَكْر وَعُمَر \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَنَس عَنْ عِتْبَانَ \" فَأَتَانِي وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابه \" ولِلطَّبَرَانِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس \" فِي نَفَر مِنْ أَصْحَابه \" فَيُحْتَمَل الْجَمْع بِأَنَّ أَبَا بَكْر صَحِبَهُ وَحْده فِي اِبْتِدَاء التَّوَجُّه ثُمَّ عِنْد الدُّخُول أَوْ قَبْله اِجْتَمَعَ عُمَر وَغَيْره مِنْ الصَّحَابَة فَدَخَلُوا مَعَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَجْلِس حِين دَخَلَ ) ‏ ‏, وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" حَتَّى دَخَلَ \" قَالَ عِيَاض : زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهَا غَلَط , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ الْمَعْنَى فَلَمْ يَجْلِس فِي الدَّار وَلَا غَيْرهَا حَتَّى دَخَلَ الْبَيْت مُبَادِرًا إِلَى مَا جَاءَ بِسَبَبِهِ. وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب عِنْد الْمُصَنِّف وَكَذَا عِنْد الطَّيَالِسِيِّ \" فَلَمَّا دَخَلَ لَمْ يَجْلِس حَتَّى قَالَ أَيْنَ تُحِبّ \" وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْه آخَر , وَهِيَ أَبْيَنُ فِي الْمُرَاد ; لِأَنَّ جُلُوسه إِنَّمَا وَقَعَ بَعْد صَلَاته بِخِلَافِ مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي بَيْت مُلَيْكَة حَيْثُ جَلَسَ فَأَكَلَ ثُمَّ صَلَّى ; لِأَنَّهُ هُنَاكَ دُعِيَ إِلَى الطَّعَام فَبَدَأَ بِهِ , وَهُنَا دُعِيَ إِلَى الصَّلَاة فَبَدَأَ بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ أُصَلِّي مِنْ بَيْتك ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَالْجُمْهُور مِنْ رُوَاة الزُّهْرِيِّ , وَوَقَعَ عِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ وَحْده \" فِي بَيْتك \". ‏ ‏قَوْله : ( وَحَبَسْنَاهُ ) ‏ ‏أَيْ مَنَعْنَاهُ مِنْ الرُّجُوعِ. ‏ ‏قَوْله : ( خَزِيرَة ) ‏ ‏بِخَاءِ مُعْجَمَة مَفْتُوحَة بَعْدهَا زَاي مَكْسُورَة ثُمَّ يَاء تَحْتَانِيَّة ثُمَّ رَاء ثُمَّ هَاء نَوْعٌ مِنْ الْأَطْعِمَة قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : تُصْنَع مِنْ لَحْم يُقَطَّع صِغَارًا ثُمَّ يُصَبّ عَلَيْهِ مَاء كَثِير فَإِذَا نَضِجَ ذُرَّ عَلَيْهِ الدَّقِيق , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَحْم فَهُوَ عَصِيدَة. وَكَذَا ذَكَرَ يَعْقُوب نَحْوه وَزَادَ \" مِنْ لَحْم بَاتَ لَيْلَة \" قَالَ : وَقِيلَ هِيَ حَسَاء مِنْ دَقِيق فِيهِ دَسَم , وَحَكَى فِي الْجَمْهَرَة نَحْوه , وَحَكَى الْأَزْهَرِيّ عَنْ أَبِي الْهَيْثَم أَنَّ الْخَزِيرَة مِنْ النُّخَالَة , وَكَذَا حَكَاهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الْأَطْعِمَة عَنْ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ , قَالَ عِيَاض : الْمُرَاد بِالنُّخَالَةِ دَقِيق لَمْ يُغَرْبَل. قُلْت : وَيُؤَيِّد هَذَا التَّفْسِير قَوْله فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عِنْد مُسْلِم \" عَلَى جَشِيشَة \" بِجِيمٍ وَمُعْجَمَتَيْنِ , قَالَ أَهْل اللُّغَة : هِيَ أَنْ تُطْحَن الْحِنْطَة قَلِيلًا ثُمَّ يُلْقَى فِيهَا شَحْم أَوْ غَيْره , وَفِي الْمَطَالِع : أَنَّهَا رُوِيَتْ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِحَاءٍ وَرَاءَيْنِ مُهْمَلَات. وَحَكَى الْمُصَنِّف فِي الْأَطْعِمَة عَنْ النَّضْر أَيْضًا أَنَّهَا - أَيْ الَّتِي بِمُهْمَلَاتٍ - تُصْنَعُ مِنْ اللَّبَن. ‏ ‏قَوْله : ( فَثَابَ فِي الْبَيْت رِجَال ) ‏ ‏بِمُثَلَّثَةِ وَبَعْد الْأَلِف مُوَحَّدَة , أَيْ اِجْتَمَعُوا بَعْد أَنْ تَفَرَّقُوا. قَالَ الْخَلِيل : الْمَثَابَة مُجْتَمَعُ النَّاس بَعْد اِفْتِرَاقهمْ , وَمِنْهُ قِيلَ لِلْبَيْتِ مَثَابَة. وَقَالَ صَاحِب الْمُحْكَم : يُقَال ثَابَ إِذَا رَجَعَ وَثَابَ إِذَا أَقْبَلَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أَهْل الدَّار ) ‏ ‏أَيْ الْمَحَلَّة , كَقَوْلِهِ \" خَيْر دُور الْأَنْصَار دَارَ بَنِي النَّجَّار \" أَيْ مَحَلَّتهمْ , وَالْمُرَاد أَهْلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ قَائِل مِنْهُمْ ) ‏ ‏لَمْ يُسَمَّ هَذَا الْمُبْتَدِئُ. ‏ ‏قَوْله : ( مَالِك بْن الدُّخَيْشِن ) ‏ ‏بِضَمِّ الدَّال الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا شِين مُعْجَمَة مَكْسُورَة ثُمَّ نُون ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ اِبْن الدُّخْشُن ) ‏ ‏بِضَمِّ الدَّال وَالشِّين وَسُكُون الْخَاء بَيْنهمَا وَحُكِيَ كَسْر أَوَّله , وَالشَّكّ فِيهِ مِنْ الرَّاوِي هَلْ هُوَ مُصَغَّر أَوْ مُكَبَّر. وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي هُنَا فِي الثَّانِيَة بِالْمِيمِ بَدَل النُّون , وَعِنْد الْمُصَنِّف فِي الْمُحَارَبِينَ مِنْ رِوَايَة مَعْمَر \" الدُّخْشُن \" بِالنُّونِ مُكَبَّرًا مِنْ غَيْر شَكّ , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق يُونُس , وَلَهُ مِنْ طَرِيق مَعْمَر بِالشَّكِّ , وَنَقَلَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَحْمَد بْن صَالِح أَنَّ الصَّوَاب \" الدُّخْشُم \" بِالْمِيمِ وَهِيَ رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق ثَابِت عَنْ أَنَس عَنْ عِتْبَانَ , وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق النَّضْر بْن أَنَس عَنْ أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ بَعْضهمْ ) ‏ ‏قِيلَ هُوَ عِتْبَانُ رَاوِي الْحَدِيث , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي التَّمْهِيد : الرَّجُل الَّذِي سَارَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْل رَجُل مِنْ الْمُنَافِقِينَ هُوَ عِتْبَانُ , وَالْمُنَافِق الْمُشَار إِلَيْهِ هُوَ مَالِك بْن الدُّخْشُم. ثُمَّ سَاقَ حَدِيث عِتْبَانَ الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب , وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل عَلَى مَا اِدَّعَاهُ مِنْ أَنَّ الَّذِي سَارَّهُ هُوَ عِتْبَانُ. وَأَغْرَبَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ فَنَقَلَ عَنْ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ الَّذِي قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيث \" ذَلِكَ مُنَافِق \" هُوَ عِتْبَانُ أَخْذًا مِنْ كَلَامه هَذَا , وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِذَلِكَ , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَمْ يَخْتَلِف فِي شُهُود مَالِك بَدْرًا وَهُوَ الَّذِي أَسَرَ سُهَيْل بْن عَمْرو , ثُمَّ سَاقَ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ \" أَلَيْسَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا \". قُلْت : وَفِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاق أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مَالِكًا هَذَا وَمَعْن بْنَ عَدِيٍّ فَحَرَّقَا مَسْجِد الضِّرَار , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّا اُتُّهِمَ بِهِ مِنْ النِّفَاق , أَوْ كَانَ قَدْ أَقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ , أَوْ النِّفَاق الَّذِي اُتُّهِمَ بِهِ لَيْسَ نِفَاق الْكُفْر إِنَّمَا أَنْكَرَ الصَّحَابَة عَلَيْهِ تَوَدُّدَهُ لِلْمُنَافِقِينَ , وَلَعَلَّ لَهُ عُذْرًا فِي ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ لِحَاطِبٍ. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) ‏ ‏ولِلطَّيَالِسِيّ \" أَمَا يَقُول \" وَلِمُسْلِمٍ \" أَلَيْسَ يَشْهَد \" وَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ هَذَا الِاسْتِفْهَام أَنْ لَا جَزْمَ بِذَلِكَ. وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا فِي جَوَابه \" إِنَّهُ لَيَقُولُ ذَلِكَ وَمَا هُوَ فِي قَلْبه \" كَمَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَنَس عَنْ عِتْبَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ ) ‏ ‏أَيْ تَوَجُّهَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَصِيحَته إِلَى الْمُنَافِقِينَ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يُقَال نَصَحْت لَهُ لَا إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : قَدْ ضُمِّنَ مَعْنَى الِانْتِهَاء , كَذَا قَالَ , وَالظَّاهِر أَنَّ قَوْله \" إِلَى الْمُنَافِقِينَ \" مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ \" وَجْهه \" فَهُوَ الَّذِي يَتَعَدَّى بِإِلَى , وَأَمَّا مُتَعَلَّق نَصِيحَته فَمَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَاضِي , وَوَهِمَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُعَلَّق. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ سَأَلْت ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيّ \" بَعْد ذَلِكَ \" وَالْحُصَيْن بِمُهْمَلَتَيْنِ لِجَمِيعِهِمْ إِلَّا لِلْقَابِسِيِّ فَضَبَطَهُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة وَغَلَّطُوهُ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ سَرَاتهمْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة أَيْ خِيَارهمْ , وَهُوَ جَمْع سَرِيّ , قَالَ أَبُو عُبَيْد : هُوَ الْمُرْتَفِع الْقَدْر مِنْ سَرُوَ الرَّجُل يَسْرُو إِذَا كَانَ رَفِيع الْقَدْر , وَأَصْله مِنْ السَّرَاة وَهُوَ أَرْفَع الْمَوَاضِع مِنْ ظَهْر الدَّابَّة , وَقِيلَ هُوَ رَأْسهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْحُصَيْن سَمِعَهُ أَيْضًا مِنْ عِتْبَانَ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون حَمَلَهُ عَنْ صَحَابِيّ آخَر , وَلَيْسَ لِلْحُصَيْنِ وَلَا لِعِتْبَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي أَكْثَر مِنْ عَشَرَة مَوَاضِع مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا , وَقَدْ سَمِعَهُ مِنْ عِتْبَانَ أَيْضًا أَنَس بْن مَالِك كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَسَمِعَهُ أَبُو بَكْر بْن أَنَس مَعَ أَبِيهِ مِنْ عِتْبَانَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب النَّوَافِل جَمَاعَة \" أَنَّ أَبَا أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ سَمِعَ مَحْمُود بْن الرَّبِيع يُحَدِّث بِهِ عَنْ عِتْبَانَ فَأَنْكَرَهُ لِمَا يَقْتَضِيه ظَاهِره مِنْ أَنَّ النَّار مُحَرَّمَةٌ عَلَى جَمِيع الْمُوَحِّدِينَ , وَأَحَادِيث الشَّفَاعَة دَالَّة عَلَى أَنَّ بَعْضهمْ يُعَذَّب , لَكِنْ لِلْعُلَمَاءِ أَجْوِبَة عَنْ ذَلِكَ : مِنْهَا مَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّهُ قَالَ عَقِب حَدِيث الْبَاب \" ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْد ذَلِكَ فَرَائِض وَأُمُور نَرَى أَنَّ الْأَمْر قَدْ اِنْتَهَى إِلَيْهَا , فَمَنْ اِسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَغْتَرّ فَلَا يَغْتَرّ \" وَفِي كَلَامه نَظَرٌ ; لِأَنَّ الصَّلَوَات الْخَمْس نَزَلَ فَرْضهَا قَبْل هَذِهِ الْوَاقِعَة قَطْعًا , وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ تَارِكهَا لَا يُعَذَّب إِذَا كَانَ مُوَحِّدًا. وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّ مَنْ قَالَهَا مُخْلِصًا لَا يَتْرُك الْفَرَائِض ; لِأَنَّ الْإِخْلَاص يَحْمِل عَلَى أَدَاء اللَّازِم. وَتُعُقِّبَ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَة. وَقِيلَ الْمُرَاد تَحْرِيم التَّخْلِيد أَوْ تَحْرِيم دُخُول النَّار الْمُعَدَّة لِلْكَافِرِينَ لَا الطَّبَقَة الْمُعَدَّة لِلْعُصَاةِ , وَقِيلَ الْمُرَاد تَحْرِيم دُخُول النَّار بِشَرْطِ حُصُول قَبُول الْعَمَل الصَّالِح وَالتَّجَاوُز عَنْ السَّيِّئ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد : إِمَامَةُ الْأَعْمَى , وَإِخْبَارُ الْمَرْء عَنْ نَفْسه بِمَا فِيهِ مِنْ عَاهَة وَلَا يَكُون مِنْ الشَّكْوَى , وَأَنَّهُ كَانَ فِي الْمَدِينَة مَسَاجِد لِلْجَمَاعَةِ سِوَى مَسْجِده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّخَلُّفُ عَنْ الْجَمَاعَة فِي الْمَطَر وَالظُّلْمَة وَنَحْو ذَلِكَ , وَاِتِّخَاذُ مَوْضِع مُعَيَّن لِلصَّلَاةِ. وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ إِيطَان مَوْضِع مُعَيَّن مِنْ الْمَسْجِد فَفِيهِ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ , وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا اِسْتَلْزَمَ رِيَاء وَنَحْوه. وَفِيهِ تَسْوِيَة الصُّفُوف وَأَنَّ عُمُوم النَّهْي عَنْ إِمَامَة الزَّائِر مَنْ زَارَهُ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا كَانَ الزَّائِر هُوَ الْإِمَام الْأَعْظَم فَلَا يُكْرَهُ , وَكَذَا مَنْ أَذِنَ لَهُ صَاحِب الْمَنْزِل. وَفِيهِ التَّبَرُّك بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ وَطِئَهَا , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ مَنْ دُعِيَ مِنْ الصَّالِحِينَ لِيُتَبَرَّك بِهِ أَنَّهُ يُجِيب إِذَا أَمِنَ الْفِتْنَة. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عِتْبَانُ إِنَّمَا طَلَبَ بِذَلِكَ الْوُقُوف عَلَى جِهَة الْقِبْلَة بِالْقَطْعِ , وَفِيهِ إِجَابَةُ الْفَاضِل دَعْوَة الْمَفْضُول , وَالتَّبَرُّك بِالْمَشِيئَةِ وَالْوَفَاء بِالْوَعْدِ , وَاسْتِصْحَاب الزَّائِر بَعْض أَصْحَابه إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُسْتَدْعِي لَا يَكْرَه ذَلِكَ , وَالِاسْتِئْذَان عَلَى الدَّاعِي فِي بَيْته وَإِنْ تَقَدَّمَ مِنْهُ طَلَب الْحُضُور , وَأَنَّ اِتِّخَاذ مَكَان فِي الْبَيْت لِلصَّلَاةِ لَا يَسْتَلْزِم وَقْفِيَّتَهُ وَلَوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اِسْم الْمَسْجِد , وَفِيهِ اِجْتِمَاع أَهْل الْمَحَلَّة عَلَى الْإِمَام أَوْ الْعَالِم إِذَا وَرَدَ مَنْزِل بَعْضهمْ لِيَسْتَفِيدُوا مِنْهُ وَيَتَبَرَّكُوا بِهِ وَالتَّنْبِيه عَلَى مَنْ يَظُنّ بِهِ الْفَسَاد فِي الدِّين عِنْد الْإِمَام عَلَى جِهَة النَّصِيحَة وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ غِيبَة , وَأَنَّ عَلَى الْإِمَام أَنْ يَتَثَبَّتَ فِي ذَلِكَ وَيَحْمِلَ الْأَمْر فِيهِ عَلَى الْوَجْه الْجَمِيل , وَفِيهِ اِفْتِقَاد مَنْ غَابَ عَنْ الْجَمَاعَة بِلَا عُذْر , وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْإِيمَان النُّطْق مِنْ غَيْر اِعْتِقَاد , وَأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّار مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيد وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيّ غَيْر تَرْجَمَة الْبَاب وَاَلَّذِي قَبْله الرُّخْصَة فِي الصَّلَاة فِي الرِّحَال عِنْد الْمَطَر وَصَلَاة النَّوَافِل جَمَاعَة وَسَلَام الْمَأْمُوم حِين يُسَلِّمُ الْإِمَام وَأَنَّ رَدَّ السَّلَام عَلَى الْإِمَام لَا يَجِبُ , وَأَنَّ الْإِمَام إِذَا زَارَ قَوْمًا أَمَّهُمْ , وَشُهُود عِتْبَانَ بَدْرًا وَأَكْل الْخَزِيرَة , وَأَنَّ الْعَمَل الَّذِي يُبْتَغَى بِهِ وَجْه اللَّه تَعَالَى يُنَجِّي صَاحِبه إِذَا قَبِلَهُ اللَّهُ تَعَالَى , وَأَنَّ مَنْ نَسَبَ مَنْ يُظْهِر الْإِسْلَام إِلَى النِّفَاق وَنَحْوه بِقَرِينَةٍ تَقُوم عِنْده لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ وَلَا يَفْسُقُ بَلْ يُعْذَرُ بِالتَّأْوِيلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "408",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ ‏ ‏وَتَرَجُّلِهِ ‏ ‏وَتَنَعُّلِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "409",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ حَبِيبَةَ ‏ ‏وَأُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا ‏ ‏بِالْحَبَشَةِ ‏ ‏فِيهَا تَصَاوِيرُ فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّ ‏ ‏أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّانُ ‏ ‏( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أُمّ حَبِيبَة ) ‏ ‏أَيْ رَمْلَة بِنْت أَبِي سُفْيَان الْأُمَوِيَّة ‏ ‏( وَأُمّ سَلَمَة ) ‏ ‏أَيْ هِنْد بِنْت أَبِي أُمَيَّة الْمَخْزُومِيَّة وَهُمَا مِنْ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتَا مِمَّنْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَة كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه. ‏ ‏قَوْله : ( ذَكَرَتَا ) ‏ ‏كَذَا لِأَكْثَر الرُّوَاة , وَلِلْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ \" ذَكَرَا \" بِالتَّذْكِيرِ وَهُوَ مُشْكِلٌ. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْنَهَا ) ‏ ‏أَيْ هُمَا وَمَنْ كَانَ مَعَهُمَا , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ وَالْأَصِيلِيّ \" رَأَتَاهَا \" وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ قَرِيبًا فِي \" بَاب الصَّلَاة فِي الْبِيعَة \" مِنْ طَرِيق عَبْدَة عَنْ هِشَام أَنَّ تِلْكَ الْكَنِيسَة كَانَتْ تُسَمَّى مَارِيَة بِكَسْرِ الرَّاء وَتَخْفِيف الْيَاء التَّحْتَانِيَّة , وَلَهُ فِي الْجَنَائِز مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ هِشَام نَحْوه , وَزَادَ فِي أَوَّله \" لَمَّا اِشْتَكَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَمِنْ طَرِيق هِلَال عَنْ عُرْوَة بِلَفْظِ \" قَالَ فِي مَرَضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث جُنْدُب أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نَحْو ذَلِكَ قَبْل أَنْ يُتَوَفَّى بِخَمْسٍ وَزَادَ فِيهِ \" فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُور مَسَاجِد فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ \". اِنْتَهَى. وَفَائِدَة التَّنْصِيص عَلَى زَمَن النَّهْي الْإِشَارَة إِلَى أَنَّهُ مِنْ الْأَمْر الْمُحْكَم الَّذِي لَمْ يُنْسَخ لِكَوْنِهِ 222 صَدَرَ فِي آخِر حَيَاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ أُولَئِكِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْكَاف وَيَجُوز فَتْحُهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَاتَ ) ‏ ‏عَطْف عَلَى قَوْله \" كَانَ \" وَقَوْله \" بَنَوْا \" جَوَاب \" إِذَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَر ) ‏ ‏وَلِلْمُسْتَمْلِي \" تِيك الصُّوَر \" بِالْيَاءِ التَّحْتَانِيَّة بَدَل اللَّام , وَفِي الْكَاف فِيهَا وَفِي أُولَئِكِ مَا فِي أُولَئِكِ الْمَاضِيَة , وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ أَوَائِلهمْ لِيَتَأَنَّسُوا بِرُؤْيَةِ تِلْكَ الصُّوَر وَيَتَذَكَّرُوا أَحْوَالهمْ الصَّالِحَة فَيَجْتَهِدُوا كَاجْتِهَادِهِمْ , ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْدهمْ خُلُوف جَهِلُوا مُرَادهمْ وَوَسْوَسَ لَهُمْ الشَّيْطَان أَنَّ أَسْلَافكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ هَذِهِ الصُّوَر وَيُعَظِّمُونَهَا فَعَبَدُوهَا , فَحَذَّرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مِثْل ذَلِكَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ الْمُؤَدِّيَة إِلَى ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى تَحْرِيم التَّصْوِير , وَحَمَلَ بَعْضهمْ الْوَعِيد عَلَى مَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَان لِقُرْبِ الْعَهْد بِعِبَادَةِ الْأَوْثَان , وَأَمَّا الْآن فَلَا. وَقَدْ أَطْنَبَ اِبْن دَقِيق الْعِيد فِي رَدّ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب اللِّبَاس. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : لَمَّا كَانَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى يَسْجُدُونَ لِقُبُورِ الْأَنْبِيَاء تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ وَيَجْعَلُونَهَا قِبْلَة يَتَوَجَّهُونَ فِي الصَّلَاة نَحْوهَا وَاِتَّخَذُوهَا أَوْثَانًا لَعَنَهُمْ وَمَنَعَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مِثْل ذَلِكَ , فَأَمَّا مَنْ اِتَّخَذَ مَسْجِدًا فِي جِوَار صَالِح وَقَصَدَ التَّبَرُّك بِالْقُرْبِ مِنْهُ لَا التَّعْظِيم لَهُ وَلَا التَّوَجُّه نَحْوه فَلَا يَدْخُل فِي ذَلِكَ الْوَعِيد وَفِي الْحَدِيث جَوَاز حِكَايَة مَا يُشَاهِدهُ الْمُؤْمِن مِنْ الْعَجَائِب , وَوُجُوب بَيَان حُكْم ذَلِكَ عَلَى الْعَالِم بِهِ , وَذَمّ فَاعِل الْمُحَرَّمَات , وَأَنَّ الِاعْتِبَار فِي الْأَحْكَام بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ. وَفِيهِ كَرَاهِيَة الصَّلَاة فِي الْمَقَابِر سَوَاء كَانَتْ بِجَنْبِ الْقَبْر أَوْ عَلَيْهِ أَوْ إِلَيْهِ , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ قَرِيبًا , وَيَأْتِي حَدِيث أَنَس فِي بِنَاء الْمَسْجِد مَبْسُوطًا فِي كِتَاب الْهِجْرَة , وَإِسْنَاده كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ. ‏"
    },
    {
        "id": "410",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَنَزَلَ أَعْلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ ‏ ‏بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏فَأَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى ‏ ‏بَنِي النَّجَّارِ ‏ ‏فَجَاءُوا ‏ ‏مُتَقَلِّدِي ‏ ‏السُّيُوفِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى رَاحِلَتِهِ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رِدْفُهُ وَمَلَأُ ‏ ‏بَنِي النَّجَّارِ ‏ ‏حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى ‏ ‏بِفِنَاءِ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ وَيُصَلِّي فِي ‏ ‏مَرَابِضِ ‏ ‏الْغَنَمِ وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَإٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي النَّجَّارِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏بَنِي النَّجَّارِ ‏ ‏ثَامِنُونِي ‏ ‏بِحَائِطِكُمْ ‏ ‏هَذَا قَالُوا لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ وَفِيهِ خَرِبٌ وَفِيهِ نَخْلٌ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ ‏ ‏فَنُبِشَتْ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏بِالْخَرِبِ ‏ ‏فَسُوِّيَتْ وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ وَجَعَلُوا ‏ ‏عِضَادَتَيْهِ ‏ ‏الْحِجَارَةَ وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ ‏ ‏يَرْتَجِزُونَ ‏ ‏وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ ‏ ‏الْآخِرَهْ ‏ ‏فَاغْفِرْ ‏ ‏لِلْأَنْصَارِ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرَهْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِيهِ \" فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ \" ‏ ‏كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ , وَلِلْبَاقِينَ \" أَرْبَع عَشْرَة \" وَهُوَ الصَّوَاب مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ وَفِيهِ \" وَقَدْ اِخْتَلَفَ فِيهِ أَهْل السِّيَر \" كَمَا سَيَأْتِي. وَقَوْله \" وَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّار \" هُمْ أَخْوَال عَبْد الْمُطَّلِب ; لِأَنَّ أُمّه سَلْمَى مِنْهُمْ , فَأَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النُّزُول عِنْدهمْ لَمَّا تَحَوَّلَ مِنْ قُبَاء , وَالنَّجَّار بَطْن مِنْ الْخَزْرَج وَاسْمه تَيْم اللَّات بْنُ ثَعْلَبَة. ‏ ‏قَوْله : ( مُتَقَلِّدِينَ السُّيُوف ) ‏ ‏مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَال , وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة \" مُتَقَلِّدِي السُّيُوف \" بِحَذْفِ النُّون , وَالسُّيُوف مَجْرُورَة بِالْإِضَافَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو بَكْر رِدْفه ) ‏ ‏كَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْدَفَهُ تَشْرِيفًا لَهُ وَتَنْوِيهَا بِقَدْرِهِ , وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ لِأَبِي بَكْر نَاقَة هَاجَرَ عَلَيْهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي الْهِجْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّار حَوْله ) ‏ ‏أَيْ جَمَاعَتهمْ , وَكَأَنَّهُمْ مَشَوْا مَعَهُ أَدَبًا. ‏ ‏وَقَوْله : ( حَتَّى أَلْقَى ) ‏ ‏أَيْ أَلْقَى رَحْله , وَالْفِنَاء النَّاحِيَة الْمُتَّسِعَة أَمَام الدَّار. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَّهُ أَمَرَ ) ‏ ‏بِالْفَتْحِ عَلَى الْبِنَاء لِلْفَاعِلِ , وَقِيلَ رُوِيَ بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثَامِنُونِي ) ‏ ‏بِالْمُثَلَّثَةِ : اُذْكُرُوا لِي ثَمَنه لِأَذْكُرَ لَكُمْ الثَّمَن الَّذِي أَخْتَارهُ , قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْمُسَاوَمَة , فَكَأَنَّهُ قَالَ سَاوِمُونِي فِي الثَّمَن. ‏ ‏قَوْله : ( لَا نَطْلُب ثَمَنه إِلَّا إِلَى اللَّه ) ‏ ‏تَقْدِيره لَا نَطْلُب الثَّمَن , لَكِنَّ الْأَمْر فِيهِ إِلَى اللَّه , أَوْ \" إِلَى \" بِمَعْنَى مِنْ , وَكَذَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَا نَطْلُب ثَمَنه إِلَّا مِنْ اللَّه \" وَزَادَ اِبْن مَاجَهْ \" أَبَدًا \". وَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنْهُ ثَمَنًا. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَهْل السِّيَر كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ فِيهِ ) ‏ ‏أَيْ فِي الْحَائِط الَّذِي بَنَى فِي مَكَانه الْمَسْجِد. ‏ ‏قَوْله : ( وَفِيهِ خَرِب ) ‏ ‏قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : الْمَعْرُوف فِيهِ فَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكَسْر الرَّاء بَعْدهَا مُوَحَّدَة جَمْع خَرِبَة كَكَلِم وَكَلِمَة. قُلْت : وَكَذَا ضُبِطَ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ , وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا كَسْر أَوَّله وَفَتْح ثَانِيه جَمْع خَرِبَة كَعِنَبِ وَعِنَبَة , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" حَرْث \" بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا مُثَلَّثَة , وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ رِوَايَة عَبْد الْوَارِث بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَة وَرِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَبِي التَّيَّاح بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَة , فَعَلَى هَذَا فَرِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ وَهْمٌ ; لِأَنَّ الْبُخَارِيّ إِنَّمَا أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة عَبْد الْوَارِث , وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ ضَبْطًا آخَر , وَفِيهِ بَحْثٌ سَيَأْتِي مَعَ بَقِيَّة مَا فِيهِ فِي كِتَاب الْهِجْرَة إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله فِي آخِره ( فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ \" فَاغْفِرْ الْأَنْصَار \" بِحَذْفِ اللَّام , وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ ضَمَّنَ اِغْفِرْ مَعْنَى اُسْتُرْ , وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّد بِلَفْظِ \" فَانْصُرْ الْأَنْصَار \". وَفِي الْحَدِيث جَوَاز التَّصَرُّف فِي الْمَقْبَرَة الْمَمْلُوكَة بِالْهِبَةِ وَالْبَيْع , وَجَوَاز نَبْش الْقُبُور الدَّارِسَة إِذَا لَمْ تَكُنْ مُحْتَرَمَة , وَجَوَاز الصَّلَاة فِي مَقَابِر الْمُشْرِكِينَ بَعْد نَبْشهَا وَإِخْرَاج مَا فِيهَا , وَجَوَاز بِنَاء الْمَسَاجِد فِي أَمَاكِنهَا , قِيلَ وَفِيهِ جَوَاز قَطْع الْأَشْجَار الْمُثْمِرَة لِلْحَاجَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْله \" وَأَمَرَ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ \" وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِمَّا لَا يُثْمِر إِمَّا بِأَنْ يَكُون ذُكُورًا وَإِمَّا أَنْ يَكُون طَرَأَ عَلَيْهِ مَا قَطَعَ ثَمَرَته. وَسَيَأْتِي صِفَة هَيْئَة بِنَاء الْمَسْجِد مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر وَغَيْره قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "411",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي فِي ‏ ‏مَرَابِضِ ‏ ‏الْغَنَمِ ثُمَّ سَمِعْتُهُ بَعْدُ يَقُولُ كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي فِي ‏ ‏مَرَابِضِ ‏ ‏الْغَنَمِ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس طَرَف مِنْ الْحَدِيث الَّذِي قَبْله , لَكِنْ بَيَّنَ هُنَاكَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبّ الصَّلَاة حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ - أَيْ حَيْثُ دَخَلَ وَقْتهَا - سَوَاء كَانَ فِي مَرَابِض الْغَنَم أَوْ غَيْرهَا , وَبَيَّنَ هُنَاكَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِد , ثُمَّ بَعْد بِنَاء الْمَسْجِد صَارَ لَا يُحِبّ الصَّلَاة فِي غَيْره إِلَّا لِضَرُورَةٍ. قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : هَذَا الْحَدِيث حُجَّة عَلَى الشَّافِعِيّ فِي قَوْله بِنَجَاسَةِ أَبْوَال الْغَنَم وَأَبْعَارِهَا ; لِأَنَّ مَرَابِض الْغَنَم لَا تَسْلَم مِنْ ذَلِكَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَصْل الطَّهَارَة وَعَدَم السَّلَامَة مِنْهَا غَالِب , وَإِذَا تَعَارَضَ الْأَصْل وَالْغَالِب قُدِّمَ الْأَصْل. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَزِيد بَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الطَّهَارَة فِي بَاب أَبْوَال الْإِبِل. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏الْقَائِل \" ثَمّ سَمِعْته بَعْدُ يَقُول \" هُوَ شُعْبَة يَعْنِي أَنَّهُ سَمِعَ شَيْخه يَزِيد فِيهِ الْقَيْد الْمَذْكُور بَعْد أَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ بِدُونِهِ , وَمَفْهُوم الزِّيَادَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ فِي مَرَابِض الْغَنَم بَعْد بِنَاء الْمَسْجِد , لَكِنْ قَدْ ثَبَتَ إِذْنه فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الطَّهَارَة. ‏"
    },
    {
        "id": "412",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏يُصَلِّي إِلَى بَعِيرِهِ وَقَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَفْعَلُهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "413",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏أُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "414",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّانُ , ‏ ‏وَعُبَيْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ صَلَاتكُمْ ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيّ \" مِنْ \" لِلتَّبْعِيضِ , وَالْمُرَاد النَّوَافِل بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر مَرْفُوعًا \" إِذَا قَضَى أَحَدكُمْ الصَّلَاة فِي مَسْجِده فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاته \" , قُلْت : وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي الِاحْتِمَال. وَقَدْ حَكَى عِيَاض عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ مَعْنَاهُ : اِجْعَلُوا بَعْض فَرَائِضكُمْ فِي بُيُوتكُمْ لِيَقْتَدِيَ بِكُمْ مَنْ لَا يَخْرُج إِلَى الْمَسْجِد مِنْ نِسْوَة وَغَيْرهنَّ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَكِنَّ الْأَوَّل هُوَ الرَّاجِح. وَقَدْ بَالَغَ الشَّيْخ مُحْيِي الدِّين فَقَالَ : لَا يَجُوز حَمْله عَلَى الْفَرِيضَة , وَقَدْ نَازَعَ الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمُصَنِّف أَيْضًا فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة فَقَالَ : الْحَدِيث دَالٌّ عَلَى كَرَاهَة الصَّلَاة فِي الْقَبْر لَا فِي الْمَقَابِر. قُلْت : قَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ \" الْمَقَابِر \" كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" لَا تَجْعَلُوا بُيُوتكُمْ مَقَابِر \" وَقَالَ اِبْن التِّين : تَأَوَّلَهُ الْبُخَارِيّ عَلَى كَرَاهَة الصَّلَاة فِي الْمَقَابِر , وَتَأَوَّلَهُ جَمَاعَة عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا فِيهِ النَّدْب إِلَى الصَّلَاة فِي الْبُيُوت إِذْ الْمَوْتَى لَا يُصَلُّونَ , كَأَنَّهُ قَالَ : \" لَا تَكُونُوا كَالْمَوْتَى الَّذِينَ لَا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتهمْ , وَهِيَ الْقُبُور \". قَالَ : فَأَمَّا جَوَاز الصَّلَاة فِي الْمَقَابِر أَوْ الْمَنْع مِنْهُ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يُؤْخَذ مِنْهُ ذَلِكَ. قُلْت : إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْمَنْطُوق فَمُسَلَّمٌ , وَإِنْ أَرَادَ نَفْي ذَلِكَ مُطْلَقًا فَلَا , فَقَدْ قَدَّمْنَا وَجْه اِسْتِنْبَاطه. وَقَالَ فِي النِّهَايَة تَبَعًا لِلْمَطَالِعِ : إِنْ تَأْوِيل الْبُخَارِيّ مَرْجُوح , وَالْأَوْلَى قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ إِنَّ الْمَيِّت لَا يُصَلَّى فِي قَبْره. وَقَدْ نَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم أَنَّهُمْ اِسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْمَقْبَرَة لَيْسَتْ بِمَوْضِعِ الصَّلَاة , وَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْح السُّنَّة وَالْخَطَّابِيُّ , وَقَالَ أَيْضًا : يُحْتَمَل أَنَّ الْمُرَاد لَا تَجْعَلُوا بُيُوتكُمْ وَطَنًا لِلنَّوْمِ فَقَطْ لَا تُصَلُّونَ فِيهَا فَإِنَّ النَّوْم أَخُو الْمَوْت وَالْمَيِّت لَا يُصَلِّي. وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : حَاصِل مَا يَحْتَمِلهُ أَرْبَعَة مَعَانٍ , فَذَكَرَ الثَّلَاثَة الْمَاضِيَة وَرَابِعهَا : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ فِي بَيْته جَعَلَ نَفْسه كَالْمَيِّتِ وَبَيْته كَالْقَبْرِ. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِم \" مَثَل الْبَيْت الَّذِي يُذْكَر اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْت الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ كَمَثَلِ الْحَيّ وَالْمَيِّت \". قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَأَمَّا مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى النَّهْي عَنْ دَفْن الْمَوْتَى فِي الْبُيُوت فَلَيْسَ بِشَيْءٍ , فَقَدْ دُفِنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْته الَّذِي كَانَ يَسْكُنهُ أَيَّام حَيَاته , قُلْت : مَا اِدَّعَى أَنَّهُ تَأْوِيل هُوَ ظَاهِر لَفْظ الْحَدِيث وَلَا سِيَّمَا إِنْ جَعَلَ النَّهْيَ حُكْمًا مُنْفَصِلًا عَنْ الْأَمْر. وَمَا اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى رَدّه تَعَقَّبَهُ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : لَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصه. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْأَنْبِيَاء يُدْفَنُونَ حَيْثُ يَمُوتُونَ. قُلْت : هَذَا الْحَدِيث رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ مَعَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ أَبِي بَكْر مَرْفُوعًا \" مَا قُبِضَ نَبِيّ إِلَّا دُفِنَ حَيْثُ يُقْبَض \" وَفِي إِسْنَاده حُسَيْن بْن عَبْد اللَّه الْهَاشِمِيّ وَهُوَ ضَعِيف , وَلَهُ طَرِيق أُخْرَى مُرْسَلَة ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِل , وَرَوَى التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل وَالنَّسَائِيّ فِي الْكُبْرَى مِنْ طَرِيق سَالِم بْن عُبَيْد الْأَشْجَعِيّ الصَّحَابِيّ عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق أَنَّهُ قِيلَ لَهُ \" فَأَيْنَ يُدْفَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : فِي الْمَكَان الَّذِي قَبَضَ اللَّه فِيهِ رُوحه , فَإِنَّهُ لَمْ يَقْبِض رُوحه إِلَّا فِي مَكَان طَيِّب \" إِسْنَاده صَحِيح لَكِنَّهُ مَوْقُوف. وَاَلَّذِي قَبْله أَصْرَحُ فِي الْمَقْصُود. وَإِذَا حُمِلَ دَفْنُهُ فِي بَيْته عَلَى الِاخْتِصَاص لَمْ يَبْعُد نَهْي غَيْره عَنْ ذَلِكَ , بَلْ هُوَ مُتَّجَه ; لِأَنَّ اِسْتِمْرَار الدَّفْن فِي الْبُيُوت رُبَّمَا صَيَّرَهَا مَقَابِر فَتَصِير الصَّلَاة فِيهَا مَكْرُوهَة , وَلَفْظ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم أَصْرَحُ مِنْ حَدِيث الْبَاب وَهُوَ قَوْله \" لَا تَجْعَلُوا بُيُوتكُمْ مَقَابِر \" فَإِنَّ ظَاهِره يَقْتَضِي النَّهْي عَنْ الدَّفْن فِي الْبُيُوت مُطْلَقًا. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "415",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس اِبْن أُخْت مَالِكٍ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَدْخُلُوا ) ‏ ‏كَانَ هَذَا النَّهْي لَمَّا مَرُّوا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحِجْرِ دِيَار ثَمُود فِي حَال تَوَجُّههمْ إِلَى تَبُوك , وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّف فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر بِبَعْضِ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الذَّال الْمُعْجَمَة. وَلَهُ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء \" لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِن الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ) ‏ ‏لَيْسَ الْمُرَاد الِاقْتِصَار فِي ذَلِكَ عَلَى اِبْتِدَاء الدُّخُول , بَلْ دَائِمًا عِنْد كُلّ جُزْء مِنْ الدُّخُول , وَأَمَّا الِاسْتِقْرَار فَالْكَيْفِيَّة الْمَذْكُورَة مَطْلُوبَة فِيهِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ , وَسَيَأْتِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْزِل فِيهِ أَلْبَتَّة. قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : هَذَا يَدُلّ عَلَى إِبَاحَة الصَّلَاة هُنَاكَ ; لِأَنَّ الصَّلَاة مَوْضِع بُكَاء وَتَضَرُّع , كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى عَدَم مُطَابَقَة الْحَدِيث لِأَثَرِ عَلِيّ. قُلْت : وَالْحَدِيث مُطَابِق لَهُ مِنْ جِهَة أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ تَرْك النُّزُول كَمَا وَقَعَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْمَغَازِي فِي آخِر الْحَدِيث \" ثُمَّ قَنَّعَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسه وَأَسْرَعَ السَّيْر حَتَّى أَجَازَ الْوَادِي \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْزِل وَلَمْ يُصَلِّ هُنَاكَ كَمَا صَنَعَ عَلِيّ فِي خَسْف بَابِل. وَرَوَى الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ قَالَ \" رَأَيْت رَجُلًا جَاءَ بِخَاتَمٍ وَجَدَهُ بِالْحِجْرِ فِي بُيُوت الْمُعَذَّبِينَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَتَرَ بِيَدِهِ أَنْ يَنْظُر إِلَيْهِ وَقَالَ : أَلْقِهِ. فَأَلْقَاهُ \" لَكِنَّ إِسْنَاده ضَعِيف , وَسَيَأْتِي نَهْيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسْتَقَى مِنْ مِيَاههمْ فِي كِتَاب أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُصِيبكُمْ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ \" لَا \" نَافِيَة وَالْمَعْنَى لِئَلَّا يُصِيبكُمْ. وَيَجُوز الْجَزْم عَلَى أَنَّهَا نَاهِيَة وَهُوَ أَوْجَهُ , وَهُوَ نَهْي بِمَعْنَى الْخَبَر. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء \" أَنْ يُصِيبكُمْ \" أَيْ خَشْيَة أَنْ يُصِيبكُمْ , وَوَجْه هَذِهِ الْخَشْيَة أَنَّ الْبُكَاء يَبْعَثهُ عَلَى التَّفَكُّر وَالِاعْتِبَار , فَكَأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالتَّفَكُّرِ فِي أَحْوَال تُوجِب الْبُكَاء مِنْ تَقْدِير اللَّه تَعَالَى عَلَى أُولَئِكَ بِالْكُفْرِ مَعَ تَمْكِينه لَهُمْ فِي الْأَرْض وَإِمْهَالهمْ مُدَّة طَوِيلَة ثُمَّ إِيقَاع نِقْمَته بِهِمْ وَشِدَّة عَذَابه , وَهُوَ سُبْحَانه مُقَلِّب الْقُلُوب فَلَا يَأْمَن الْمُؤْمِن أَنْ تَكُون عَاقِبَته إِلَى مِثْل ذَلِكَ. وَالتَّفَكُّر أَيْضًا فِي مُقَابَلَة أُولَئِكَ نِعْمَة اللَّه بِالْكُفْرِ وَإِهْمَالهمْ إِعْمَال عُقُولهمْ فِيمَا يُوجِب الْإِيمَان بِهِ وَالطَّاعَة لَهُ , فَمَنْ مَرَّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَتَفَكَّر فِيمَا يُوجِب الْبُكَاء اِعْتِبَارًا بِأَحْوَالِهِمْ فَقَدْ شَابَهَهُمْ فِي الْإِهْمَال , وَدَلَّ عَلَى قَسَاوَة قَلْبه وَعَدَم خُشُوعه , فَلَا يَأْمَن أَنْ يَجُرّهُ ذَلِكَ إِلَى الْعَمَل بِمِثْلِ أَعْمَالهمْ فَيُصِيبهُ مَا أَصَابَهُمْ , وَبِهَذَا يَنْدَفِع اِعْتِرَاض مَنْ قَالَ : كَيْف يُصِيب عَذَاب الظَّالِمِينَ مَنْ لَيْسَ بِظَالِمٍ ؟ لِأَنَّهُ بِهَذَا التَّقْرِير لَا يَأْمَن أَنْ يَصِير ظَالِمًا فَيُعَذَّب بِظُلْمِهِ. وَفِي الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى الْمُرَاقَبَة , وَالزَّجْر عَنْ السُّكْنَى فِي دِيَار الْمُعَذَّبِينَ , وَالْإِسْرَاع عِنْد الْمُرُور بِهَا , وَقَدْ أُشِير إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ( وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْف فَعَلْنَا بِهِمْ ). ‏"
    },
    {
        "id": "416",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنْ الصُّوَرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمْ الْعَبْدُ الصَّالِحُ أَوْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَّامٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ اِبْن السَّكَن فِي رِوَايَته. وَعَبْدَة هُوَ اِبْن سُلَيْمَان , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الْمَتْن قَبْل خَمْسَة أَبْوَاب , وَمُطَابَقَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْله \" بَنَوْا عَلَى قَبْره مَسْجِدًا \" فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى نَهْي الْمُسْلِم عَنْ أَنْ يُصَلِّي فِي الْكَنِيسَة فَيَتَّخِذهَا بِصَلَاتِهِ مَسْجِدًا. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "417",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَفِقَ ‏ ‏يَطْرَحُ ‏ ‏خَمِيصَةً ‏ ‏لَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَإِذَا ‏ ‏اغْتَمَّ ‏ ‏بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ ‏ ‏لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ‏ ‏يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( لَمَّا نَزَلَ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِفَتْحَتَيْنِ وَالْفَاعِل مَحْذُوف أَيْ الْمَوْت , وَلِغَيْرِهِ بِضَمِّ النُّون وَكَسْر الزَّاي , وَطَفِقَ أَيْ جَعَلَ. وَالْخَمِيصَة كِسَاء لَهُ أَعْلَام كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ فِي تِلْكَ الْحَال , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي الْوَقْت الَّذِي ذَكَرَتْ فِيهِ أُمّ سَلَمَة وَأُمّ حَبِيبَة أَمْر الْكَنِيسَة الَّتِي رَأَتَاهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَة , وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّهُ مُرْتَحِل مِنْ ذَلِكَ الْمَرَض فَخَافَ أَنْ يُعَظَّم قَبْره كَمَا فَعَلَ مَنْ مَضَى فَلَعَنَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى إِشَارَة إِلَى ذَمّ مَنْ يَفْعَل فِعْلهمْ , ‏ ‏وَقَوْله : ( اِتَّخَذُوا ) ‏ ‏جُمْلَة مُسْتَأْنَفَة عَلَى سَبِيل الْبَيَان لِمُوجِبِ اللَّعْن , كَأَنَّهُ قِيلَ مَا سَبَب لَعْنهِمْ ؟ فَأُجِيب بِقَوْلِهِ \" اِتَّخَذُوا \". ‏ ‏وَقَوْله : ( يُحَذِّر مَا صَنَعُوا ) ‏ ‏جُمْلَة أُخْرَى مُسْتَأْنَفَة مِنْ كَلَام الرَّاوِي , كَأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حِكْمَة ذِكْر ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت فَأُجِيب بِذَلِكَ. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ ذِكْر النَّصَارَى فِيهِ ; لِأَنَّ الْيَهُود لَهُمْ أَنْبِيَاء بِخِلَافِ النَّصَارَى فَلَيْسَ بَيْن عِيسَى وَبَيْن نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيّ غَيْره وَلَيْسَ لَهُ قَبْر , وَالْجَوَاب أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ أَنْبِيَاء أَيْضًا لَكِنَّهُمْ غَيْر مُرْسَلِينَ كَالْحَوَارِيِّينَ وَمَرْيَم فِي قَوْل , أَوْ الْجَمْع فِي قَوْله \" أَنْبِيَائِهِمْ \" بِإِزَاءِ الْمَجْمُوع مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , وَالْمُرَاد الْأَنْبِيَاء وَكِبَار أَتْبَاعهمْ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْأَنْبِيَاء , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق جُنْدُب \" كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُور أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِد \" وَلِهَذَا لَمَّا أَفْرَدَ النَّصَارَى فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله قَالَ \" إِذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُل الصَّالِح \" وَلَمَّا أَفْرَدَ الْيَهُود فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده قَالَ \" قُبُور أَنْبِيَائِهِمْ \" , أَوْ الْمُرَاد بِالِاتِّخَاذِ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون اِبْتِدَاعًا أَوْ اِتِّبَاعًا , فَالْيَهُود اِبْتَدَعَتْ وَالنَّصَارَى اِتَّبَعَتْ , وَلَا رَيْب أَنَّ النَّصَارَى تُعَظِّم قُبُور كَثِير مِنْ الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ تُعَظِّمهُمْ الْيَهُود. ‏"
    },
    {
        "id": "418",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَاتَلَ اللَّهُ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "419",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سَيَّارٌ هُوَ أَبُو الْحَكَمِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ الْفَقِيرُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي نُصِرْتُ ‏ ‏بِالرُّعْبِ ‏ ‏مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث جَابِر فِي أَوَائِل كِتَاب التَّيَمُّم , وَأَخْرَجَهُ هُنَاكَ عَنْ مُحَمَّد بْن سِنَان أَيْضًا وَسَعِيد بْن النَّضْر لَكِنَّهُ سَاقَهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظ سَعِيد وَهُنَا عَلَى لَفْظ اِبْن سِنَان وَلَيْسَ بَيْنهمَا تَفَاوُت مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَا فِي السَّنَد وَلَا فِي الْمَتْن , وَإِيرَاده لَهُ هُنَا يُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَرَادَ أَنَّ الْكَرَاهَة فِي الْأَبْوَاب الْمُتَقَدِّمَة لَيْسَتْ لِلتَّحْرِيمِ لِعُمُومِ قَوْله \" جُعِلَتْ لِي الْأَرْض مَسْجِدًا \" أَيْ كُلّ جُزْء مِنْهَا يَصْلُح أَنْ يَكُون مَكَانًا لِلسُّجُودِ , أَوْ يَصْلُح أَنْ يُبْنَى فِيهِ مَكَان لِلصَّلَاةِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَرَادَ أَنَّ الْكَرَاهَة فِيهَا لِلتَّحْرِيمِ , وَعُمُوم حَدِيث جَابِر مَخْصُوص بِهَا , وَالْأَوَّل أَوْلَى ; لِأَنَّ الْحَدِيث سِيقَ فِي مَقَام الِامْتِنَان فَلَا يَنْبَغِي تَخْصِيصه , وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّلَاة فِي الْأَرْض الْمُتَنَجِّسَة لَا تَصِحّ ; لِأَنَّ التَّنَجُّس وَصْفٌ طَارِئٌ , وَالِاعْتِبَار بِمَا قَبْل ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "420",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏وَلِيدَةً ‏ ‏كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنْ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏فَأَعْتَقُوهَا فَكَانَتْ مَعَهُمْ قَالَتْ فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا ‏ ‏وِشَاحٌ ‏ ‏أَحْمَرُ مِنْ ‏ ‏سُيُورٍ ‏ ‏قَالَتْ فَوَضَعَتْهُ أَوْ وَقَعَ مِنْهَا فَمَرَّتْ بِهِ ‏ ‏حُدَيَّاةٌ ‏ ‏وَهُوَ مُلْقًى فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطِفَتْهُ قَالَتْ فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ قَالَتْ فَاتَّهَمُونِي بِهِ قَالَتْ ‏ ‏فَطَفِقُوا ‏ ‏يُفَتِّشُونَ حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا قَالَتْ وَاللَّهِ إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ إِذْ مَرَّتْ ‏ ‏الْحُدَيَّاةُ ‏ ‏فَأَلْقَتْهُ قَالَتْ فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ قَالَتْ فَقُلْتُ هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ زَعَمْتُمْ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ وَهُوَ ذَا هُوَ قَالَتْ فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَسْلَمَتْ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَكَانَ لَهَا ‏ ‏خِبَاءٌ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ أَوْ ‏ ‏حِفْشٌ ‏ ‏قَالَتْ فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي قَالَتْ فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا إِلَّا قَالَتْ ‏ ‏وَيَوْمَ ‏ ‏الْوِشَاحِ ‏ ‏مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا ‏ ‏أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهَا مَا شَأْنُكِ لَا تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إِلَّا قُلْتِ هَذَا قَالَتْ فَحَدَّثَتْنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ وَلِيدَة ) ‏ ‏أَيْ أَمَة , وَهِيَ فِي الْأَصْل الْمَوْلُودَة سَاعَة تُولَد قَالَهُ اِبْن سِيدَهْ , ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْأَمَة وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ فَخَرَجَتْ ) ‏ ‏الْقَائِلَة ذَلِكَ هِيَ الْوَلِيدَة الْمَذْكُورَة , وَقَدْ رَوَتْ عَنْهَا عَائِشَة هَذِهِ الْقِصَّة , وَالْبَيْت الَّذِي أَنْشَدَتْهُ , وَلَمْ يَذْكُرهَا أَحَد مِمَّنْ صَنَّفَ فِي رُوَاة الْبُخَارِيّ وَلَا وَقَفَتْ عَلَى اِسْمهَا وَلَا عَلَى اِسْم الْقَبِيلَة الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ وَلَا عَلَى اِسْم الصَّبِيَّة صَاحِبَة الْوِشَاح. وَالْوِشَاح بِكَسْرِ الْوَاو وَيَجُوز ضَمّهَا وَيَجُوز إِبْدَالهَا أَلِفًا : خَيْطَانِ مِنْ لُؤْلُؤ يُخَالِف بَيْنهمَا وَتَتَوَشَّح بِهِ الْمَرْأَة , وَقِيلَ يُنْسَج مِنْ أَدِيم عَرِيضًا وَيُرَصَّع بِاللُّؤْلُؤِ وَتَشُدّهُ الْمَرْأَة بَيْن عَاتِقهَا وَكَشْحهَا. وَعَنْ الْفَارِسِيّ : لَا يُسَمَّى وِشَاحًا حَتَّى يَكُون مَنْظُومًا بِلُؤْلُؤ وَوَدَعٍ. اِنْتَهَى. وَقَوْلهَا فِي الْحَدِيث \" مِنْ سُيُور \" يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ جِلْد , وَقَوْلهَا بَعْد \" فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا \" لَا يَنْفِي كَوْنه مُرَصَّعًا ; لِأَنَّ بَيَاض اللُّؤْلُؤ عَلَى حُمْرَة الْجِلْد يَصِير كَاللَّحْمِ السَّمِين. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَضَعَتْهُ أَوْ وَقَعَ مِنْهَا ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَقَدْ رَوَاهُ ثَابِت فِي الدَّلَائِل مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام فَزَادَ فِيهِ أَنَّ الصَّبِيَّة كَانَتْ عَرُوسًا فَدَخَلَتْ إِلَى مُغْتَسَلهَا فَوَضَعَتْ الْوِشَاح. ‏ ‏قَوْله : ( حُدَيَّاة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْح الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْدِيد الْيَاء التَّحْتَانِيَّة تَصْغِير حِدَأَة بِالْهَمْزِ بِوَزْنِ عِنَبَة , وَيَجُوز فَتْح أَوَّله. وَهِيَ الطَّائِر الْمَعْرُوف الْمَأْذُون فِي قَتْله فِي الْحِلّ وَالْحَرَم , وَالْأَصْل فِي تَصْغِيرهَا حُدَيْأَة بِسُكُونِ الْيَاء وَفَتْح الْهَمْزَة لَكِنْ سُهِّلَتْ الْهَمْزَة وَأُدْغِمَتْ ثُمَّ أُشْبِعَتْ الْفَتْحَة فَصَارَتْ أَلِفًا , وَتُسَمَّى أَيْضًا الْحُدَّى بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيد الدَّال مَقْصُور , وَيُقَال لَهَا أَيْضًا الْحِدَو بِكَسْرِ أَوَّله وَفَتْح الدَّال الْخَفِيفَة وَسُكُون الْوَاو وَجَمْعهَا حُدَأ كَالْمُفْرَدِ بِلَا هَاء , وَرُبَّمَا قَالُوهُ بِالْمَدِّ. وَاَللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلهَا ) ‏ ‏كَأَنَّهُ مِنْ كَلَام عَائِشَة , وَإِلَّا فَمُقْتَضَى السِّيَاق أَنْ تَقُول \" قُبُلِي \" وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي أَيَّام الْجَاهِلِيَّة مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ هِشَام , فَالظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ كَلَام الْوَلِيدَة أَوْرَدَتْهُ بِلَفْظِ الْغَيْبَة اِلْتِفَاتًا أَوْ تَجْرِيدًا , وَزَادَ فِيهِ ثَابِت أَيْضًا \" قَالَتْ : فَدَعَوْت اللَّه أَنْ يُبَرِّئنِي فَجَاءَتْ الْحُدَيَّا وَهُمْ يَنْظُرُونَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ ذَا هُوَ ) ‏ ‏تَحْتَمِل أَنْ يَكُون \" هُوَ \" الثَّانِي خَبَرًا بَعْد خَبَر أَوْ مُبْتَدَأ وَخَبَره مَحْذُوف أَوْ يَكُون خَبَرًا عَنْ ذَا وَالْمَجْمُوع خَبَرًا عَنْ الْأَوَّل وَيُحْتَمَل غَيْر ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْمٍ \" وَهَا هُوَ ذَا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ \" وَهُوَ ذَا كَمَا تَرَوْنَ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ ) ‏ ‏أَيْ عَائِشَة ( فَجَاءَتْ ) أَيْ الْمَرْأَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَتْ ) ‏ ‏أَيْ الْمَرْأَة , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَكَانَ \". وَالْخِبَاء بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة وَبِالْمَدِّ : الْخَيْمَة مِنْ وَبَر أَوْ غَيْره , وَعَنْ أَبِي عُبَيْد لَا يَكُون مِنْ شَعْر. وَالْحِفْش بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْفَاء بَعْدهَا شِين مُعْجَمَة : الْبَيْت الصَّغِير الْقَرِيب السُّمْك , مَأْخُوذ مِنْ الِانْحِفَاش وَهُوَ الِانْضِمَام , وَأَصْله الْوِعَاء الَّذِي تَضَع الْمَرْأَة فِيهِ غَزْلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَحَدَّثُ ) ‏ ‏بِلَفْظِ الْمُضَارِع بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَعَاجِيب ) ‏ ‏أَيْ أَعَاجِيب وَاحِدهَا أُعْجُوبَة , وَنَقَلَ اِبْن السَّيِّد أَنَّ تَعَاجِيب لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا إِنَّهُ ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ اللَّام وَكَسْر الْهَمْزَة , وَهَذَا الْبَيْت الَّذِي أَنْشَدَتْهُ هَذِهِ الْمَرْأَة عَرُوضه مِنْ الضَّرْب الْأَوَّل مِنْ الطَّوِيل وَأَجْزَاؤُهُ ثَمَانِيَة وَوَزْنه فَعُولُن مَفَاعِيلُن أَرْبَع مَرَّات , لَكِنْ دَخَلَ الْبَيْت الْمَذْكُور الْقَبْض وَهُوَ حَذْف الْخَامِس السَّاكِن فِي ثَانِي جُزْء مِنْهُ , فَإِنْ أَشْبَعْت حَرَكَة الْحَاء مِنْ الْوِشَاح صَارَ سَالِمًا. أَوْ قُلْت وَيَوْم وِشَاح بِالتَّنْوِينِ بَعْد حَذْف التَّعْرِيف صَارَ الْقَبْض فِي أَوَّل جُزْء مِنْ الْبَيْت وَهُوَ أَخَفّ مِنْ الْأَوَّل , وَاسْتِعْمَال الْقَبْض فِي الْجُزْء الثَّانِي وَكَذَا السَّادِس فِي أَشْعَار الْعَرَب كَثِير جِدًّا نَادِر فِي أَشْعَار الْمُوَلَّدِينَ , وَهُوَ عِنْد الْخَلِيل بْن أَحْمَد أَصْلَح مِنْ الْكَفّ , وَلَا يَجُوز الْجَمْع عِنْدهمْ بَيْن الْكَفّ - وَهُوَ حَذْف السَّابِع السَّاكِن - وَبَيْن الْقَبْض بَلْ يُشْتَرَط أَنْ يَتَعَاقَبَا. وَإِنَّمَا أَوْرَدْت هَذَا الْقَدْر هُنَا ; لِأَنَّ الطَّبْع السَّلِيم يَنْفِر مِنْ الْقَبْض الْمَذْكُور. وَفِي الْحَدِيث إِبَاحَة الْمَبِيت وَالْمَقِيل فِي الْمَسْجِد لِمَنْ لَا مَسْكَن لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا كَانَ أَوْ اِمْرَأَة عِنْد أَمْن الْفِتْنَة , وَإِبَاحَة اِسْتِظْلَاله فِيهِ بِالْخَيْمَةِ وَنَحْوهَا , وَفِيهِ الْخُرُوج مِنْ الْبَلَد الَّذِي يَحْصُل لِلْمَرْءِ فِيهِ الْمِحْنَة , وَلَعَلَّهُ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَا هُوَ خَيْر لَهُ كَمَا وَقَعَ لِهَذِهِ الْمَرْأَة. وَفِيهِ فَضْل الْهِجْرَة مِنْ دَار الْكُفْر , وَإِجَابَة دَعْوَة الْمَظْلُوم وَلَوْ كَانَ كَافِرًا ; لِأَنَّ فِي السِّيَاق أَنَّ إِسْلَامهَا كَانَ بَعْد قُدُومهَا الْمَدِينَة. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "421",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لَا أَهْلَ لَهُ فِي ‏ ‏مَسْجِدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّانُ ‏ ‏( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْعُمَرِيّ , وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر هَذَا مُخْتَصَر أَيْضًا مِنْ حَدِيث لَهُ طَوِيل يَأْتِي فِي بَاب فَضْل قِيَام اللَّيْل , وَأَوْرَدَهُ اِبْن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا أَيْضًا بِلَفْظِ \" كُنَّا نَنَام \". ‏ ‏قَوْله : ( أَعْزَب ) ‏ ‏الْمُهْمَلَة وَالزَّاي أَيْ غَيْر مُتَزَوِّج. وَالْمَشْهُور فِيهِ عَزِب بِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْر الزَّاي , وَالْأَوَّل لُغَة قَلِيلَة مَعَ أَنَّ الْقَزَّاز أَنْكَرَهَا. ‏ ‏وَقَوْله : ( لَا أَهْل لَهُ ) ‏ ‏هُوَ تَفْسِير لِقَوْلِهِ أَعْزَب , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ الْعَامّ بَعْد الْخَاصّ فَيَدْخُل فِيهِ الْأَقَارِب وَنَحْوهمْ. ‏ ‏وَقَوْله : ( فِي مَسْجِد ) ‏ ‏مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ يَنَام. ‏"
    },
    {
        "id": "422",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْتَ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏فَلَمْ يَجِدْ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏فِي الْبَيْتِ فَقَالَ أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ قَالَتْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ ‏ ‏يَقِلْ ‏ ‏عِنْدِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِإِنْسَانٍ انْظُرْ أَيْنَ هُوَ فَجَاءَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ وَأَصَابَهُ تُرَابٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ ‏ ‏قُمْ ‏ ‏أَبَا تُرَابٍ ‏ ‏قُمْ ‏ ‏أَبَا تُرَابٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ سَلَمَة بْن دِينَار وَالِد عَبْد الْعَزِيز الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( أَيْنَ اِبْن عَمّك ) ‏ ‏فِيهِ إِطْلَاق اِبْن الْعَمّ عَلَى أَقَارِب الْأَب ; لِأَنَّهُ اِبْن عَمّ أَبِيهَا لَا اِبْن عَمّهَا , وَفِيهِ إِرْشَادهَا إِلَى أَنْ تَخَاطُبه بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِعْطَاف بِذِكْرِ الْقَرَابَة , وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِمَ مَا وَقَعَ بَيْنهمَا فَأَرَادَ اِسْتِعْطَافهَا عَلَيْهِ بِذِكْرِ الْقَرَابَة الْقَرِيبَة الَّتِي بَيْنهمَا. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْيَاء التَّحْتَانِيَّة وَكَسْر الْقَاف , مِنْ الْقَيْلُولَة وَهُوَ نَوْم نِصْف النَّهَار. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لِإِنْسَانٍ ) ‏ ‏يَظْهَر لِي أَنَّهُ سَهْل رَاوِي الْحَدِيث ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُر أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْره. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَب \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفَاطِمَةَ أَيْنَ اِبْن عَمّك ؟ قَالَتْ فِي الْمَسْجِد \" وَلَيْسَ بَيْنه وَبَيْن الَّذِي هُنَا مُخَالَفَة لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْمُرَاد مِنْ ‏ ‏قَوْله : ( اُنْظُرْ أَيْنَ هُوَ ) ‏ ‏الْمَكَان الْمَخْصُوص مِنْ الْمَسْجِد. وَعِنْد الطَّبَرَانِيّ \" فَأَمَرَ إِنْسَانًا مَعَهُ فَوَجَدَهُ مُضْطَجِعًا فِي فَيْء الْجِدَار \". ‏ ‏قَوْله : ( هُوَ رَاقِد فِي الْمَسْجِد ) ‏ ‏فِيهِ مُرَاد التَّرْجَمَة ; لِأَنَّ حَدِيث اِبْن عُمَر يَدُلّ عَلَى إِبَاحَته لِمَنْ لَا مَسْكَن لَهُ , وَكَذَا بَقِيَّة أَحَادِيث الْبَاب , إِلَّا قِصَّة عَلِيّ فَإِنَّهَا تَقْتَضِي التَّعْمِيم , لَكِنْ يُمْكِن أَنْ يُفَرَّق بَيْن نَوْم اللَّيْل وَبَيْن قَيْلُولَة النَّهَار. وَفِي حَدِيث سَهْل هَذَا مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا جَوَاز الْقَائِلَة فِي الْمَسْجِد , وَمُمَازَحَة الْمُغْضَب بِمَا لَا يَغْضَب مِنْهُ بَلْ يَحْصُل بِهِ تَأْنِيسه , وَفِيهِ التَّكْنِيَة بِغَيْرِ الْوَلَد وَتَكْنِيَة مَنْ لَهُ كُنْيَة , وَالتَّلْقِيب بِالْكُنْيَةِ لِمَنْ لَا يَغْضَب , وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَب أَنَّهُ كَانَ يَفْرَح إِذَا دُعِيَ بِذَلِكَ. وَفِيهِ مُدَارَة الصِّهْر وَتَسْكِينه مِنْ غَضَبه , وَدُخُول الْوَالِد بَيْت اِبْنَته بِغَيْرِ إِذْن زَوْجهَا حَيْثُ يَعْلَم رِضَاهُ , وَأَنَّهُ لَا بَأْس بِإِبْدَاءِ الْمَنْكِبَيْنِ فِي غَيْر الصَّلَاة. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة مَا يَتَعَلَّق بِهِ فِي فَضَائِل عَلِيٍّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "423",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ عِيسَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ الصُّفَّةِ ‏ ‏مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ إِمَّا ‏ ‏إِزَارٌ ‏ ‏وَإِمَّا كِسَاءٌ قَدْ رَبَطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْن فُضَيْلٍ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن فُضَيْلِ بْن غَزْوَانَ , وَأَبُو حَازِم هُوَ سَلْمَان الْأَشْجَعِيّ , وَهُوَ أَكْبَر مِنْ أَبِي حَازِم الَّذِي قَبْله فِي السِّنّ وَاللِّقَاء , وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا مَدَنِيَّيْنِ تَابِعِيَّيْنِ ثِقَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ رَأَيْت سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَاب الصُّفَّة ) ‏ ‏يُشْعِر بِأَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَر مِنْ سَبْعِينَ , وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ رَآهُمْ أَبُو هُرَيْرَة غَيْر السَّبْعِينَ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة بِئْر مَعُونَة , وَكَانُوا مِنْ أَهْل الصُّفَّة أَيْضًا لَكِنَّهُمْ اُسْتُشْهِدُوا قَبْل إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة , وَقَدْ اِعْتَنَى بِجَمْعِ أَصْحَاب الصُّفَّة اِبْن الْأَعْرَابِيّ وَالسُّلَمِيّ وَالْحَاكِم وَأَبُو نُعَيْمٍ , وَعِنْد كُلّ مِنْهُمْ مَا لَيْسَ عِنْد الْآخَر , وَفِي بَعْض مَا ذَكَرُوهُ اِعْتِرَاض وَمُنَاقَشَة , لَكِنْ لَا يَسَع هَذَا الْمُخْتَصَر تَفْصِيل ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( رِدَاء ) ‏ ‏هُوَ مَا يَسْتُر أَعَالِي الْبَدَن فَقَطْ. ‏ ‏وَقَوْله : ( إِمَّا إِزَار ) ‏ ‏أَيْ فَقَطْ ‏ ‏( وَإِمَّا كِسَاء ) ‏ ‏أَيْ عَلَى الْهَيْئَة الْمَشْرُوحَة فِي الْمَتْن. ‏ ‏وَقَوْله : ( قَدْ رَبَطُوا ) ‏ ‏أَيْ الْأَكْسِيَة فَحَذَفَ الْمَفْعُول لِلْعِلْمِ بِهِ. ‏ ‏وَقَوْله : ( فَمِنْهَا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْأَكْسِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَجْمَعهُ بِيَدِهِ ) ‏ ‏أَيْ الْوَاحِد مِنْهُمْ , زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ ذَلِكَ فِي حَال كَوْنهمْ فِي الصَّلَاة. وَمُحَصَّل ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ ثَوْبَانِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْو هَذِهِ الصِّفَة فِي \" بَاب إِذَا كَانَ الثَّوْب ضَيِّقًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "424",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏أُرَاهُ قَالَ ‏ ‏ضُحًى فَقَالَ ‏ ‏صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( قَالَ مِسْعَر أُرَاهُ ) ‏ ‏بِالضَّمِّ أَيْ أَظُنّهُ , وَالضَّمِير لِمُحَارِبٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دِين ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْحَمَوِيِّ وَكَانَ \" لَهُ \" أَيْ لِجَابِرِ \" عَلَيْهِ \" أَيْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ‏ ‏وَفِي قَوْله بَعْد ذَلِكَ ( فَقَضَانِي ) ‏ ‏اِلْتِفَات. وَهَذَا الدِّين هُوَ ثَمَن جَمَل جَابِر. وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي كِتَاب الشُّرُوط , وَنَذْكُر هُنَاكَ فَوَائِده إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف أَيْضًا فِي نَحْو مِنْ عِشْرِينَ مَوْضِعًا مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا وَمَوْصُولًا وَمُعَلَّقًا. وَمُطَابَقَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّ تَقَاضِيهِ لِثَمَنِ الْجَمَل كَانَ عِنْد قُدُومه مِنْ السَّفَر كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا. وَغَفَلَ مُغَلْطَايْ حَيْثُ قَالَ : لَيْسَ فِيهِ مَا بَوَّبَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُول إِنَّ جَابِرًا لَمْ يَقْدَم مِنْ سَفَر ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يُشْعِر بِذَلِكَ , قَالَ النَّوَوِيّ : هَذِهِ الصَّلَاة مَقْصُودَةٌ لِلْقُدُومِ مِنْ السَّفَر يَنْوِي بِهَا صَلَاة الْقُدُوم , لَا أَنَّهَا تَحِيَّة الْمَسْجِد الَّتِي أُمِرَ الدَّاخِل بِهَا قَبْل أَنْ يَجْلِس , لَكِنْ تَحْصُل التَّحِيَّة بِهَا. وَتَمَسَّكَ بَعْض مَنْ مَنَعَ الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَنْهِيَّة وَلَوْ كَانَتْ ذَات سَبَب بِقَوْلِهِ \" ضُحًى \" وَلَا حُجَّة فِيهِ ; لِأَنَّهَا وَاقِعَة عَيْن. ‏"
    },
    {
        "id": "425",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ) ‏ ‏بِفَتْحَتَيْنِ , هَكَذَا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الرُّوَاة عَنْ مَالِك , وَرَوَاهُ سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ عَامِر بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر فَقَالَ \" عَنْ جَابِر \" بَدَل أَبِي قَتَادَة , وَخَطَّأَهُ التِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( السَّلَمِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحَتَيْنِ ; لِأَنَّهُ مِنْ الْأَنْصَار , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيّ كَاَلَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَرْكَعْ ) ‏ ‏أَيْ فَلْيُصَلِّ , مِنْ إِطْلَاق الْجُزْء وَإِرَادَة الْكُلّ. ‏ ‏قَوْله : ( رَكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏هَذَا الْعَدَد لَا مَفْهُوم لِأَكْثَرِهِ بِاتِّفَاقٍ , وَاخْتُلِفَ فِي أَقَلّه , وَالصَّحِيح اِعْتِبَاره فَلَا تَتَأَدَّى هَذِهِ السُّنَّة بِأَقَلّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ. وَاتَّفَقَ أَئِمَّة الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الْأَمْر فِي ذَلِكَ لِلنَّدْبِ , وَنَقَلَ اِبْن بَطَّالٍ عَنْ أَهْل الظَّاهِر الْوُجُوب , وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ اِبْن حَزْم عَدَمه , وَمِنْ أَدِلَّة عَدَم الْوُجُوب قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي رَآهُ يَتَخَطَّى \" اِجْلِسْ فَقَدْ آذَيْت \" وَلَمْ يَأْمُرهُ بِصَلَاةٍ , كَذَا اِسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْره وَفِيهِ نَظَر. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا : الْأَوْقَات الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاة فِيهَا لَيْسَ هَذَا الْأَمْر بِدَاخِلٍ فِيهَا. قُلْت : هُمَا عُمُومَانِ تَعَارَضَا , الْأَمْر بِالصَّلَاةِ لِكُلّ دَاخِل مِنْ غَيْر تَفْصِيل , وَالنَّهْي عَنْ الصَّلَاة فِي أَوْقَات مَخْصُوصَة , فَلَا بُدّ مِنْ تَخْصِيص أَحَد الْعُمُومَيْنِ , فَذَهَبَ جَمْع إِلَى تَخْصِيص النَّهْي وَتَعْمِيم الْأَمْر - وَهُوَ الْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة - وَذَهَبَ جَمْع إِلَى عَكْسه وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّة وَالْمَالِكِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( قَبْل أَنْ يَجْلِس ) ‏ ‏صَرَّحَ جَمَاعَة بِأَنَّهُ إِذَا خَالَفَ وَجَلَسَ لَا يُشْرَع لَهُ التَّدَارُك , وَفِيهِ نَظَر لِمَا رَوَاهُ اِبْن حِبَّانَ فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ \" دَخَلَ الْمَسْجِد فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَكَعْت رَكْعَتَيْنِ ؟ قَالَ لَا , قَالَ : قُمْ فَارْكَعْهُمَا \" تَرْجَمَ عَلَيْهِ اِبْن حِبَّانَ أَنَّ تَحِيَّة الْمَسْجِد لَا تَفُوت بِالْجُلُوسِ. قُلْت : وَمِثْله قِصَّة سُلَيْك كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجُمُعَة. وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ : يُحْتَمَل أَنْ يُقَال وَقْتهمَا قَبْل الْجُلُوس وَقْت فَضِيلَة وَبَعْده وَقْت جَوَاز , أَوْ يُقَال وَقْتهمَا قَبْله أَدَاء وَبَعْده قَضَاء , وَيُحْتَمَل أَنْ تُحْمَل مَشْرُوعِيَّتهمَا بَعْد الْجُلُوس عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْل. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ هَذَا وَرَدَ عَلَى سَبَب , وَهُوَ \" أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ الْمَسْجِد فَوَجَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا بَيْن أَصْحَابه فَجَلَسَ مَعَهُمْ , فَقَالَ لَهُ : مَا مَنَعَك أَنْ تَرْكَع ؟ قَالَ : رَأَيْتُك جَالِسًا وَالنَّاس جُلُوس. قَالَ : فَإِذَا دَخَلَ أَحَدكُمْ الْمَسْجِد فَلَا يَجْلِس حَتَّى يَرْكَع رَكْعَتَيْنِ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. وَعِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي قَتَادَةَ \" أَعْطُوا الْمَسَاجِد حَقّهَا , قِيلَ لَهُ : وَمَا حَقّهَا ؟ قَالَ رَكْعَتَيْنِ قَبْل أَنْ تَجْلِس \". ‏"
    },
    {
        "id": "426",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمَلَائِكَةُ ‏ ‏تُصَلِّي ‏ ‏عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ ‏ ‏يُحْدِثْ ‏ ‏تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْمَلَائِكَة تُصَلِّي ) ‏ ‏لِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" إِنَّ الْمَلَائِكَة تُصَلِّي \" بِزِيَادَةِ إِنَّ , وَالْمُرَاد بِالْمَلَائِكَةِ الْحَفَظَة أَوْ السَّيَّارَة أَوْ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( تَقُول إِلَخْ ) هُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ تُصَلِّي. ‏ ‏قَوْله : ( مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ ) ‏ ‏مَفْهُومه أَنَّهُ إِذَا اِنْصَرَفَ عَنْهُ اِنْقَضَى ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب مَنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِد يَنْتَظِر الصَّلَاة \" بَيَان فَضِيلَة مَنْ اِنْتَظَرَ الصَّلَاة مُطْلَقًا سَوَاء ثَبَتَ فِي مَجْلِسه ذَلِكَ مِنْ الْمَسْجِد أَمْ تَحَوَّلَ إِلَى غَيْره , وَلَفْظه \" وَلَا يَزَال فِي صَلَاة مَا اِنْتَظَرَ الصَّلَاة \" فَأَثْبَتَ لِلْمُنْتَظِرِ حُكْم الْمُصَلِّي , فَيُمْكِن أَنْ يُحْمَل قَوْله \" فِي مُصَلَّاهُ \" عَلَى الْمَكَان الْمُعَدّ لِلصَّلَاةِ , لَا الْمَوْضِع الْخَاصّ بِالسُّجُودِ , فَلَا يَكُون بَيْن الْحَدِيثَيْنِ تَخَالُف. ‏ ‏وَقَوْله : ( مَا لَمْ يُحْدِث ) ‏ ‏يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْحَدَث يُبْطِل ذَلِكَ وَلَوْ اِسْتَمَرَّ جَالِسًا. وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْحَدَث فِي الْمَسْجِد أَشَدّ مِنْ النُّخَامَة لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ لَهَا كَفَّارَة , وَلَمْ يَذْكُر لِهَذَا كَفَّارَة , بَلْ عُومِلَ صَاحِبه بِحِرْمَانِ اِسْتِغْفَار الْمَلَائِكَة , وَدُعَاء الْمَلَائِكَة مَرْجُوّ الْإِجَابَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ اِرْتَضَى ) وَسَيَأْتِي بَقِيَّة فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب مَنْ جَلَسَ يَنْتَظِر \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "427",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ ‏ ‏الْجَرِيدُ ‏ ‏وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏شَيْئًا وَزَادَ فِيهِ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا ثُمَّ غَيَّرَهُ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ ‏ ‏وَالْقَصَّةِ ‏ ‏وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقَفَهُ ‏ ‏بِالسَّاجِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏زَادَ الْأَصِيلِيّ اِبْن سَعْد. وَرِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ نَافِع مِنْ رِوَايَة الْأَقْرَان ; لِأَنَّهُمَا مَدَنِيَّانِ ثِقَتَانِ تَابِعِيَّانِ مِنْ طَبَقَة وَاحِدَة , وَعَبْد اللَّه \" هُوَ اِبْن عُمَر \". ‏ ‏قَوْله : ( بِاللَّبِنِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَكَسْر الْمُوَحَّدَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَمَده ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَثَانِيه وَيَجُوز ضَمّهمَا , وَكَذَا قَوْله \" خَشَب \". ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ فِيهِ عُمَر وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانه ) ‏ ‏أَيْ بِجِنْسِ الْآلَات الْمَذْكُورَة وَلَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ هَيْئَتِهِ إِلَّا تَوْسِيعه. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَان ) ‏ ‏, أَيْ مِنْ الْوَجْهَيْنِ : التَّوْسِيع , وَتَغْيِير الْآلَات. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَة ) ‏ ‏أَيْ بَدَل اللَّبِن , وَلِلْحَمَوِيِّ وَالْمُسْتَمْلِي \" بِحِجَارَةٍ مَنْقُوشَة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَالْقَصَّة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَتَشْدِيد الصَّاد الْمُهْمَلَة وَهِيَ الْجِصّ بِلُغَةِ أَهْل الْحِجَاز , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : تُشْبِهُ الْجِصّ وَلَيْسَتْ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَقَفَهُ ) ‏ ‏بِلَفْظِ الْمَاضِي عَطْفًا عَلَى جَعَلَ , وَبِإِسْكَانِ الْقَاف عَلَى عُمُده , وَالسَّاج نَوْع مِنْ الْخَشَب مَعْرُوف يُؤْتَى بِهِ مِنْ الْهِنْد , وَقَالَ اِبْن بَطَّالٍ وَغَيْره : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ السُّنَّة فِي بُنْيَان الْمَسْجِد الْقَصْد وَتَرْك الْغُلُوّ فِي تَحْسِينه , فَقَدْ كَانَ عُمَر مَعَ كَثْرَة الْفُتُوح فِي أَيَّامه وَسَعَة الْمَال عِنْده لَمْ يُغَيِّر الْمَسْجِد عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا اِحْتَاجَ إِلَى تَجْدِيده ; لِأَنَّ جَرِيد النَّخْل كَانَ قَدْ نَخِرَ فِي أَيَّامه , ثُمَّ كَانَ عُثْمَان وَالْمَال فِي زَمَانه أَكْثَر فَحَسَّنَهُ بِمَا لَا يَقْتَضِي الزَّخْرَفَة , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَنْكَرَ بَعْض الصَّحَابَة عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد قَلِيل. وَأَوَّل مَنْ زَخْرَفَ الْمَسَاجِد الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان , وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر عَصْر الصَّحَابَة , وَسَكَتَ كَثِير مِنْ أَهْل الْعِلْم عَنْ إِنْكَار ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ الْفِتْنَة , وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ بَعْضهمْ - وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة - إِذَا وَقَعَ عَلَى سَبِيل التَّعْظِيم لِلْمَسَاجِدِ , وَلَمْ يَقَع الصَّرْف عَلَى ذَلِكَ مِنْ بَيْت الْمَال. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : لَمَّا شَيَّدَ النَّاس بُيُوتهمْ وَزَخْرَفُوهَا نَاسَبَ أَنْ يُصْنَع ذَلِكَ بِالْمَسَاجِدِ صَوْنًا لَهَا عَنْ الِاسْتِهَانَة. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَنْع إِنْ كَانَ لِلْحَثِّ عَلَى اِتِّبَاع السَّلَف فِي تَرْك الرَّفَاهِيَة فَهُوَ كَمَا قَالَ , وَإِنْ كَانَ لِخَشْيَةِ شَغْل بَال الْمُصَلِّي بِالزَّخْرَفَةِ فَلَا لِبَقَاءِ الْعِلَّة. وَفِي حَدِيث أَنَس عَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة لِإِخْبَارِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا سَيَقَعُ , فَوَقَعَ كَمَا قَالَ. ‏"
    },
    {
        "id": "428",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَلِابْنِهِ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏انْطَلِقَا إِلَى ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ ‏ ‏فَاحْتَبَى ‏ ‏ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً ‏ ‏وَعَمَّارٌ ‏ ‏لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ فَرَآهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ ‏ ‏وَيْحَ ‏ ‏عَمَّارٍ ‏ ‏تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ ‏ ‏الْبَاغِيَةُ ‏ ‏يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ قَالَ يَقُولُ ‏ ‏عَمَّارٌ ‏ ‏أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "429",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى امْرَأَةٍ ‏ ‏مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى اِمْرَأَةٍ ) ‏ ‏تَقَدُّم ذِكْرُهَا فِي بَاب الصَّلَاة عَلَى الْمِنْبَرِ وَالسُّطُوحِ , وَالتَّنْبِيه عَلَى غَلَط مَنْ سَمَّاهَا عُلَاثَة , وَكَذَا التَّنْبِيه عَلَى اِسْمِ غُلَامِهَا , وَسَاق الْمَتْن هُنَا مُخْتَصَرًا , , وَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ فِي الْبُيُوعِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَسَنَذْكُرُ فَوَائِدَهُ فِي كِتَاب الْجُمْعَة إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "430",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا قَالَ ‏ ‏إِنْ شِئْتِ فَعَمِلَتْ الْمِنْبَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا خَلَّادٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَحْيَى , وَأَيْمَنُ بِوَزْنٍ أَفْعَلَ وَهُوَ الْحَبَشِيُّ مَوْلَى بَنِي مَخْزُوم. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ اِمْرَأَةً ) ‏ ‏هِيَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي حَدِيث سَهْلٍ فَإِنْ قِيلَ ظَاهِر سِيَاقِ حَدِيثِ جَابِر مُخَالِف لِسِيَاقِ حَدِيثِ سَهْلٍ ; لِأَنَّ فِي هَذَا أَنَّهَا اِبْتَدَأَتْ بِالْعَرْضِ وَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيْهَا يَطْلُبُ ذَلِكَ , أَجَابَ اِبْنُ بَطَّالٍ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَة اِبْتَدَأَتْ بِالسُّؤَالِ مُتَبَرِّعَة بِذَلِكَ فَلَمَّا حَصَلَ لَهَا الْقَبُولُ أَمْكَنَ أَنْ يُبْطِئَ الْغُلَام بِعَمَلِهِ فَأَرْسَلَ يَسْتَنْجِزُهَا إِتْمَامَهُ لِعِلْمِهِ بِطِيب نَفْسهَا بِمَا بَذَلَتْهُ. قَالَ : وَيُمْكِنُ إِرْسَالُهُ إِلَيْهَا لِيَعْرِفَهَا بِصِفَةِ مَا يَصْنَعُهُ الْغُلَامُ مِنْ الْأَعْوَادِ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْبَرًا. ‏ ‏قُلْت : قَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظ \" أَلَا أَجْعَلُ لَك مُنِيرًا \" فَلَعَلَّ التَّعْرِيفَ وَقَعَ بِصِفَةٍ لِلْمِنْبَرِ مَخْصُوصَة. أَوْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ إِلَيْهَا الْأَمْر بِقَوْلِهِ لَهَا \" إِنْ شِئْت \" كَانَ ذَلِكَ سَبَب الْبُطْءِ , لَا أَنَّ الْغُلَام كَانَ شَرَعَ وَأَبْطَأَ وَلَا أَنَّهُ جَهِلَ الصِّفَة , وَهَذَا أَوْجَه الْأَوْجُه فِي نَظَرِي. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا أَجْعَلُ لَك ) ‏ ‏أَضَافَتْ الْجَعْل إِلَى نَفْسِهَا مَجَازًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَإِنِّي لِي غُلَام نَجَّار \" وَقَدْ اِخْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْمَتْن أَيْضًا , وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ. وَفِي الْحَدِيثِ قَبُول الْبَذْلِ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ سُؤَالٍ وَاسْتِنْجَاز الْوَعْد مِمَّنْ يُعْلَمُ مِنْهُ الْإِجَابَةُ وَالتَّقَرُّب إِلَى أَهْلِ الْفَضْلِ بِعَمَلِ الْخَيْرِ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة فَوَائِدِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "431",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏بُكَيْرًا ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلَانِيَّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ‏ ‏يَقُولُ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى ‏ ‏مَسْجِدَ الرَّسُولِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ بَنَى مَسْجِدًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بُكَيْرٌ ‏ ‏حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ ‏ ‏بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِثِ وَبُكَيْرٌ بِالتَّصْغِيرِ هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن الْأَشَجِّ وَعُبَيْد اللَّهِ هُوَ اِبْنُ الْأَسْوَدِ. وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق : بُكَيْر وَعَاصِم وَعُبَيْد اللَّه وَثَلَاثَة مِنْ أَوَّلِهِ مِصْرِيُّونَ , وَثَلَاثَة مِنْ آخِرِهِ مَدَنِيُّونَ وَفِي وَسَطِهِ مَدَنِيّ سَكَن مِصْر وَهُوَ بُكَيْرٌ , فَانْقَسَمَ الْإِسْنَاد إِلَى مِصْرِيٍّ وَمَدَنِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ ) ‏ ‏وَقْع بَيَانُ ذَلِكَ عِنْد مُسْلِم حَيْثُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مَحْمُود بْن لَبِيد الْأَنْصَارِيّ - وَهُوَ مِنْ صِغَار الصَّحَابَة - قَالَ \" لَمَّا أَرَادَ عُثْمَان بِنَاءَ الْمَسْجِدِ كَرِهَ النَّاس ذَلِكَ وَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعُوهُ عَلَى هَيْئَتِهِ \" أَيْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ \" حِينَ بَنَى \" أَيْ حِينِ أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ. وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : لَعَلَّ الَّذِي كَرِهَ الصَّحَابَةُ مِنْ عُثْمَان بِنَاؤُهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ لَا مُجَرَّدُ تَوْسِيعِهِ. اِنْتَهَى. وَلَمْ يَبْنِ عُثْمَان الْمَسْجِدَ إِنْشَاءً وَإِنَّمَا وَسَّعَهُ وَشَيَّدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ بُنْيَان الْمَسْجِد فَيُؤْخَذُ مِنْهُ إِطْلَاق الْبِنَاءِ فِي حَقِّ مَنْ جَدَّدَ كَمَا يُطْلَقُ فِي حَقِّ مَنْ أَنْشَأَ. أَوْ الْمُرَاد بِالْمَسْجِدِ هُنَا بَعْض الْمَسْجِدِ مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَسْجِد الرَّسُولِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْحَمَوِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَسْجِد رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ ) ‏ ‏حُذِفَ الْمَفْعُول لِلْعِلْمِ بِهِ , وَالْمُرَاد الْكَلَام بِالْإِنْكَارِ وَنَحْوه. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏كَانَ بِنَاءَ عُثْمَان لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ سَنَة ثَلَاثِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ , وَقِيلَ فِي آخِر سَنَةٍ مِنْ خِلَافَتِهِ. فَفِي كِتَابِ السِّيَرِ عَنْ الْحَارِث بْن مِسْكِين عَنْ اِبْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مَالِك أَنَّ كَعْب الْأَحْبَار كَانَ يَقُولُ عِنْدَ بُنْيَان عُثْمَان الْمَسْجِد : لَوَدِدْت أَنَّ هَذَا الْمَسْجِدَ لَا يُنْجَزُ فَإِنَّهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ بُنْيَانِهِ قُتِلَ عُثْمَان. قَالَ مَالِك : فَكَانَ كَذَلِكَ. ‏ ‏قُلْت : وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الْأَوَّل كَانَ تَارِيخ اِبْتِدَائِهِ وَالثَّانِي تَارِيخ اِنْتِهَائِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ بَنَى مَسْجِدًا ) ‏ ‏التَّنْكِير فِيهِ لِلشُّيُوعِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْكَبِير وَالصَّغِير , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَنَس عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا , وَزَاد اِبْن أَبِي شَيْبَة فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُثْمَان \" وَلَوْ كَمَفْحَص قَطَاة \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة أَيْضًا عِنْدَ اِبْنِ حِبَّانَ وَالْبَزَّار مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ. وَعِنْد أَبِي مُسْلِم الْكَجِّيّ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس , وَعِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَنَس وَابْن عُمَر وَعِنْد أَبِي نُعَيْم فِي الْحِلْيَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَرَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَة مِنْ حَدِيثِ جَابِر بِلَفْظ \" كَمَفْحَص قَطَاة أَوْ أَصْغَر \" , وَحَمَلَ أَكْثَر الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ ; لِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي تَفْحَصُ الْقَطَاة عَنْهُ لِتَضَع فِيهِ بَيْضَهَا وَتَرْقُد عَلَيْهِ لَا يَكْفِي مِقْدَاره لِلصَّلَاةِ فِيهِ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة جَابِر هَذِهِ. وَقِيلَ بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ , وَالْمَعْنَى أَنْ يَزِيدَ فِي مَسْجِدٍ قَدْرًا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ تَكُونُ تِلْكَ الزِّيَادَة هَذَا الْقَدْر أَوْ يَشْتَرِكُ جَمَاعَة فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ فَتَقَعُ حِصَّة كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْقَدْر , وَهَذَا كُلّه بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ مَا يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ , وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُتَّخَذُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ , فَإِنْ كَانَ الْمُرَاد بِالْمَسْجِدِ مَوْضِع السُّجُودِ وَهُوَ مَا يَسَعُ الْجَبْهَةَ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ , لَكِنَّ قَوْلَهُ \" بَنَى \" يُشْعِرُ بِوُجُودِ بِنَاءٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أُمِّ حَبِيبَة \" مَنْ بَنَى لِلَّهِ بَيْتًا \" أَخْرَجَهُ سَمْوَيْهِ فِي فَوَائِدِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ , وَقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ \" مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اِسْمُ اللَّهِ \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَابْن حِبَّان وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرو بْن عَبَسَة , فَكُلّ ذَلِكَ مُشْعِر بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ الْمَكَان الْمُتَّخَذ لَا مَوْضِعُ السُّجُود فَقَطْ , لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ إِرَادَة الْآخَر مَجَازًا , إِذْ بِنَاءُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ , وَقَدْ شَاهَدْنَا كَثِيرًا مِنْ الْمَسَاجِدِ فِي طُرُقِ الْمُسَافِرِينَ يُحَوِّطُونَهَا إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَهِيَ فِي غَايَةِ الصِّغَرِ وَبَعْضُهَا لَا تَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ قَدَرِ مَوْضِعِ السُّجُودِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة نَحْو حَدِيث عُثْمَان وَزَاد : قُلْت وَهَذِهِ الْمَسَاجِدُ الَّتِي فِي الطُّرُقِ ؟ قَالَ نَعَمْ. وَلِلطَّبَرانِيّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِرْصَافَة وَإِسْنَادُهُمَا حَسَن. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ بُكَيْرٍ حَسِبْت أَنَّهُ ) ‏ ‏أَيْ شَيْخِهِ عَاصِمًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ ) ‏ ‏أَيْ يَطْلُبُ بِهِ رِضَا اللَّهِ وَالْمَعْنَى بِذَلِكَ الْإِخْلَاصِ , وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ لَمْ يَجْزِمْ بِهَا بُكَيْرٌ فِي الْحَدِيثِ , وَلَمْ أَرَهَا إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ هَكَذَا , وَكَأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْحَدِيثِ بِلَفْظِهَا , فَإِنَّ كُلّ مَنْ رَوَى حَدِيثَ عُثْمَان مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ إِلَيْهِ لَفْظُهُمْ \" مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا \" فَكَأَنَّ بُكَيْرًا نَسِيَهَا فَذَكَرَهَا بِالْمَعْنَى مُتَرَدِّدًا فِي اللَّفْظِ الَّذِي ظَنَّهُ , فَإِنَّ قَوْلَهُ \" لِلَّهِ \" بِمَعْنَى قَوْلِهِ يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ وَهُوَ الْإِخْلَاصُ. ‏ ‏فَائِدَة : ‏ ‏قَالَ اِبْن الْجَوْزِيِّ مَنْ كَتَبَ اِسْمَهُ عَلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي يَبْنِيه كَانَ بَعِيدًا مِنْ الْإِخْلَاصِ. اِنْتَهَى. وَمَنْ بَنَاهُ بِالْأُجْرَةِ لَا يَحْصُلُ لَهُ هَذَا الْوَعْدُ الْمَخْصُوصُ لِعَدَمِ الْإِخْلَاصِ وَإِنْ كَانَ يُؤَجَّرُ فِي الْجُمْلَةِ. وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةٍ بْن عَامِر مَرْفُوعًا \" إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَة الْجَنَّة : صَانِعَهُ الْمُحْتَسِبَ فِي صَنْعَتِهِ , وَالرَّامِيَ بِهِ , وَالْمُمِدَّ بِهِ \" فَقَوْله \" الْمُحْتَسِب فِي صَنْعَتِهِ \" أَيْ مَنْ يَقْصِدُ بِذَلِكَ إِعَانَةَ الْمُجَاهِدِ , وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَطَوِّعًا بِذَلِكَ أَوْ بِأُجْرَة , لَكِنَّ الْإِخْلَاصَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنْ الْمُتَطَوِّعِ , وَهَلْ يَحْصُلُ الثَّوَاب الْمَذْكُور لِمَنْ جَعَلَ بُقْعَةً مِنْ الْأَرْضِ مَسْجِدًا بِأَنْ يَكْتَفِيَ بِتَحْوِيطِهَا مِنْ غَيْرِ بَنَاءٍ , وَكَذَا مَنْ عَمَدَ إِلَى بِنَاءٍ كَانَ يَمْلِكُهُ فَوَقَفَهُ مَسْجِدًا ؟ إِنْ وَقَفْنَا مَعَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ فَلَا , , وَإِنْ نَظَرْنَا إِلَى الْمَعْنَى فَنَعَمْ وَهُوَ الْمُتَّجِهُ , وَكَذَا قَوْله \" بَنَى \" حَقِيقَة فِي الْمُبَاشِرِ بِشَرْطِهَا , لَكِنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي دُخُولَ الْآمِرِ بِذَلِكَ أَيْضًا , وَهُوَ الْمُنْطَبِقُ عَلَى اِسْتِدْلَالِ عُثْمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ اِسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُ , وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( بَنَى اللَّهُ ) ‏ ‏إِسْنَاد الْبِنَاء إِلَى اللَّهِ مَجَاز , وَإِبْرَاز الْفَاعِلِ فِيهِ لِتَعْظِيمِ ذِكْرِهِ جَلَّ اِسْمُهُ أَوْ لِئَلَّا تَتَنَافَرَ الضَّمَائِر , أَوْ يُتَوَهَّمَ عَوْدُهُ عَلَى بَانِي الْمَسْجِدِ. ‏ ‏قَوْله : ( مِثْلَهُ ) ‏ ‏صِفَة لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ بَنَى بِنَاء مِثْله , وَلَفْظ \" الْمِثْلِ \" لَهُ اِسْتِعْمَالَانِ : أَحَدُهُمَا الْإِفْرَاد مُطْلَقًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلنَا وَالْآخَر الْمُطَابَقَة كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( أُمَم أَمْثَالُكُمْ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاء أَبْنِيَة مُتَعَدِّدَة , فَيَحْصُلُ جَوَابُ مَنْ اِسْتَشْكَلَ التَّقْيِيد بِقَوْلِهِ \" مِثْلَهُ \" مَعَ أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشَرَةِ أَمْثَالهَا , لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد بَنَى اللَّهُ لَهُ عَشَرَةَ أَبْنِيَةٍ مَثْلَهُ , وَالْأَصْلُ أَنَّ ثَوَاب الْحَسَنَة الْوَاحِدَة وَاحِد بِحُكْمِ الْعَدْلِ وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْفَضْلِ. وَأَمَّا مَنْ أَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالهَا فَفِيهِ بُعْدٌ وَكَذَا مَنْ أَجَابَ بِأَنَّ التَّقْيِيدِ بِالْوَاحِدِ لَا يَنْفِي الزِّيَادَة عَلَيْهِ. وَمِنْ الْأَجْوِبَةِ الْمَرْضِيَّةِ أَيْضًا أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ هُنَا بِحَسَبِ الْكَمِّيَّة , وَالزِّيَادَة حَاصِلَة بِحَسَبِ الْكَيْفِيَّة فَكَمْ مِنْ بَيْت خَيْر مِنْ عَشَرَةٍ بَلْ مِنْ مِائَة. أَوْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْمِثْلِيَّةِ أَنَّ جَزَاءَ هَذِهِ الْحَسَنَة مَنْ جِنْسِ الْبِنَاءِ لَا مَنْ غَيْرِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ , مَعَ أَنَّ التَّفَاوُتَ حَاصِلٌ قَطْعًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ضِيقِ الدُّنْيَا وَسِعَةِ الْجَنَّةِ , إِذْ مَوْضِع شِبْر فِيهَا خَيْر مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ , وَقَدْ رَوَى أَحْمَد مِنْ حَدِيث وَاثِلَة بِلَفْظ \" بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلَ مِنْهُ \" وَلِلطَّبَرانِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَة بِلَفْظِ \" أَوْسَعَ مِنْهُ \" وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمِثْلِيَّةَ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الْمُسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ وَجْه. وَقَالَ النَّوَوِيّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد أَنَّ فَضْلَهُ عَلَى بُيُوتِ الْجَنَّةِ كَفَضْلِ الْمَسْجِدِ عَلَى بُيُوت الدُّنْيَا. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْجَنَّةِ ) ‏ ‏يَتَعَلَّقُ بِبَنَى , أَوْ هُوَ حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ \" مِثْلَهُ \" , وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى دُخُولِ فَاعِلِ ذَلِكَ الْجَنَّةَ , إِذْ الْمَقْصُودُ بِالْبِنَاءِ لَهُ أَنْ يَسْكُنَهُ , وَهُوَ لَا يَسْكُنُهُ إِلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "432",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِعَمْرٍو ‏ ‏أَسَمِعْتَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمْسِكْ ‏ ‏بِنِصَالِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏سُفْيَان ‏ ‏الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ اِبْن عُيَيْنَة , ‏ ‏وَعَمْرو ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. وَلَمْ يَذْكُرْ قُتَيْبَة فِي هَذَا السِّيَاقِ جَوَاب عَمْرو عَنْ اِسْتِفْهَامِ سُفْيَان , كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ُ وَحُكِيَ عَنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي آخِرِهِ \" فَقَالَ نَعَمْ \" وَلَمْ أَرَهُ فِيهَا. وَقَدْ ذَكَرَهُ غَيْر قُتَيْبَةَ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْفِتَنِ عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه عَنْ سُفْيَان مِثْلَهُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ \" فَقَالَ نَعَمْ \" وَرَوَاهُ مُسْلِم مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَان عَنْ عَمْرو بِغَيْرِ سُؤَال وَلَا جَوَابٍ , لَكِنَّ سِيَاقَ الْمُصَنِّفِ يُفِيدُ تَحَقُّق الِاتِّصَالِ فِيهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ سُفْيَان أَيْضًا أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عَمْروِ وَلَفْظُهُ \" أَنَّ رَجُلًا مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ بَأَسْهُمٍ قَدْ أَبْدَى نُصُولَهَا , فَأَمَرَ أَنْ يَأْخُذَ بِنُصُولِهَا كَيْ لَا تَخْدِشَ مُسْلِمًا \" وَلَيْسَ فِي سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ \" كَيْ \". وَأَفَادَتْ رِوَايَة سُفْيَان تَعْيِين الْآمِر الْمُبْهَم فِي رِوَايَةِ حَمَّاد وَأَفَادَتْ رِوَايَة حَمَّاد بَيَان عِلَّة الْأَمْر بِذَلِكَ. وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر أَنَّ الْمَارّ الْمَذْكُور كَانَ يَتَصَدَّقُ بِالنَّبْلِ فِي الْمَسْجِدِ , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ إِلَى الْآنَ. ‏ ‏( فَائِدَة : ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : حَدِيثُ جَابِر لَا يَظْهَرُ فِيهِ الْإِسْنَادُ ; لِأَنَّ سُفْيَان لَمْ يَقُلْ إِنَّ عَمْرًا قَالَ لَهُ نَعَمْ. قَالَ : وَلَكِنْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي غَيْرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ \" فَقَالَ نَعَمْ \" فَبَانَ بِقَوْلِهِ نَعَمْ إِسْنَاد الْحَدِيثِ. قُلْت : هَذَا مَبْنِيّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَرْجُوحِ فِي اِشْتِرَاطِ قَوْلِ الشَّيْخِ \" نَعَمْ \" إِذَا قَالَ لَهُ الْقَارِئ مَثَلًا : أَحَدَّثَك فَلَانٌ ؟ وَالْمَذْهَبُ الرَّاجِحُ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَر الْمُحَقِّقِينَ - وَمِنْهُمْ الْبُخَارِيّ - أَنَّ ذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ , بَلْ يُكْتَفَى بِسُكُوتِ الشَّيْخِ إِذَا كَانَ مُتَيَقِّظًا , وَعَلَى هَذَا فَالْإِسْنَاد فِي حَدِيثِ جَابِر ظَاهِر وَاللَّه أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَة إِلَى تَعْظِيم قَلِيل الدَّم كَثِيره , وَتَأْكِيد حُرْمَة الْمُسْلِمِ , وَجَوَاز إِدْخَالِ السِّلَاحِ الْمَسْجِد. وَفِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد قَالَ \" نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَقْلِيب السِّلَاح فِي الْمَسْجِدِ \" وَالْمَعْنَى فِيهِ مَا تَقَدَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "433",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ فَلْيَأْخُذْ عَلَى نِصَالِهَا لَا ‏ ‏يَعْقِرْ ‏ ‏بِكَفِّهِ مُسْلِمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَوْ أَسْوَاقنَا ) ‏ ‏هُوَ تَنْوِيعٌ مِنْ الشَّارِعِ وَلَيْسَ شَكًّا مِنْ الرَّاوِي , وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ \" بِنَبْلٍ \" لِلْمُصَاحَبَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى نِصَالِهَا ) ‏ ‏ضُمِّنَ الْأَخْذُ مَعْنَى الِاسْتِعْلَاء لِلْمُبَالَغَةِ , أَوْ \" عَلَى \" بِمَعْنَى الْبَاء كَمَا تَقَدَّمَ فِي طَرِيقِ حَمَّاد عَنْ عَمْرو , وَسَيَأْتِي مِنْ طَرِيق ثَابِت عَنْ أَبِي بُرْدَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَعْقِرْ ) ‏ ‏أَيْ لَا يَجْرَحْ , وَهُوَ مَجْزُومٌ نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ جَوَاب الْأَمْر , وَيَجُوزُ الرَّفْعُ. ‏ ‏قَوْله : ( بِكَفِّهِ ) ‏ ‏مُتَعَلِّق بُقُوله \" فَلْيَأْخُذْ \" وَكَذَا رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ \" لَا يَعْقِرُ مُسْلِمًا بِكَفِّهِ \" لَيْسَ قَوْله بِكَفِّهِ مُتَعَلِّقًا بِيَعْقِرْ , , وَالتَّقْدِيرُ : فَلْيَأْخُذْ بِكَفِّهِ عَلَى نِصَالِهَا لَا يَعْقِرُ مُسْلِمًا. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا بِكَفِّهِ أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ \" لَفْظُ مُسْلِم , , وَلَهُ مِنْ طَرِيق ثَابِت عَنْ أَبِي بُرْدَة \" فَلْيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا , ثُمَّ لْيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا ثُمَّ لْيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "434",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏يَسْتَشْهِدُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ يَا ‏ ‏حَسَّانُ ‏ ‏أَجِبْ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ ‏ ‏بِرُوحِ الْقُدُسِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏نَعَمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةِ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ شُعَيْب , وَتَابَعَهُ إِسْحَاق بْن رَاشِد عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَرَوَاهُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : \" عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ \" بَدَلَ أَبِي سَلَمَة , أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ , وَتَابَعَهُ مَعْمَر عِنْدَ مُسْلِم وَإِبْرَاهِيم بْن سَعْد وَإِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة عِنْدَ النَّسَائِيِّ , , وَهَذَا مِنْ الِاخْتِلَافِ الَّذِي لَا يَضُرُّ ; لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ عِنْدَهُ عَنْهُمَا مَعًا فَكَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً عَنْ هَذَا وَتَارَةً عَنْ هَذَا , وَهَذَا مِنْ جِنْسِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَتَعَقَّبُهَا الدَّارَقُطْنِيّ عَلَى الشَّيْخَيْنِ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ فَلْيُسْتَدْرَكْ عَلَيْهِ. وَفِي الْإِسْنَادِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ , وَهُوَ عَلَى شَرْطِ التَّتَبُّعِ أَيْضًا , وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب \" مَرَّ عُمَر فِي الْمَسْجِدِ وَحَسَّان يُنْشِدُ فَقَالَ : كُنْت أُنْشِدُ فِيهِ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك. ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ : أَنْشُدُك اللَّهَ \" الْحَدِيثَ. وَرِوَايَةُ سَعِيدٍ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ عِنْدَهُمْ مُرْسَلَة ; لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ الْمُرُورِ , وَلَكِنْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ سَعِيدًا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة بَعْدُ أَوْ مِنْ حَسَّان , أَوْ وَقْع لِحَسَّانَ اِسْتِشْهَاد أَبِي هُرَيْرَة مَرَّة أُخْرَى فَحَضَرَ ذَلِكَ سَعِيد , وَيُقَوِّيه سِيَاق حَدِيث الْبَاب فَإِنَّ فِيهِ أَنَّ أَبَا سَلَمَةٍ سَمِعَ حَسَّان يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَة , وَأَبُو سَلَمَةٍ لَمْ يُدْرِكْ زَمَن مُرُور عُمَرَ أَيْضًا فَإِنَّهُ أَصْغَرُ مِنْ سَعِيد , فَدَلَّ عَلَى تَعَدُّد الِاسْتِشْهَاد , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اِلْتِفَات حَسَّان إِلَى أَبِي هُرَيْرَة وَاسْتِشْهَاده بِهِ إِنَّمَا وَقَعَ مُتَأَخِّرًا ; لِأَنَّ \" ثُمَّ \" لَا تَدُلُّ عَلَى الْفَوْرِيَّةِ , وَالْأَصْل عَدَم التَّعَدُّدِ وَغَايَته أَنْ يَكُونَ سَعِيد أَرْسَلَ قِصَّةَ الْمُرُورِ ثُمَّ سَمِعَ بَعْدَ ذَلِكَ اِسْتِشْهَاد حَسَّان لِأَبِي هُرَيْرَة وَهُوَ الْمَقْصُودُ ; لِأَنَّهُ الْمَرْفُوعُ , وَهُوَ مَوْصُولًا بِلَا تَرَدُّد. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( يَسْتَشْهِدُ ) ‏ ‏أَيْ يَطْلُبُ الشَّهَادَةَ , وَالْمُرَاد الْإِخْبَار بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ الشَّهَادَة مُبَالَغَة فِي تَقْوِيَةِ الْخَبَرِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْشُدُك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ , أَيْ سَأَلْتُك اللَّه , وَالنَّشْد بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُون الْمُعْجَمَة التَّذَكُّر. ‏ ‏قَوْله : ( أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سَعِيد \" أَجِبْ عَنِّي \" فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي هُنَا بِالْمَعْنَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَيِّدْهُ ) ‏ ‏أَيْ قَوِّهِ , وَرُوح الْقُدُسِ الْمُرَاد هَنَا جِبْرِيل , بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْبَرَاء عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا بِلَفْظِ \" وَجِبْرِيلُ مَعَك \" وَالْمُرَاد بِالْإِجَابَةِ الرَّدّ عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ هَجَوْا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عُرْوَةٍ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْصِبُ لِحَسَّان مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ فَيَقُومُ عَلَيْهِ يَهْجُو الْكُفَّار , وَذَكَرَ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَافِ \" أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ تَعْلِيقًا نَحْوَهُ , وَأَتَمَّ مِنْهُ , لَكِنِّي لَمْ أَرَهُ فِيهِ , قَالَ اِبْن بَطَّال : لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ حَسَّان أَنْشَدَ شِعْرًا فِي الْمَسْجِدِ بِحَضْرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنَّ رِوَايَة الْبُخَارِيّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ طَرِيق سَعِيد تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَسَّان \" أَجِبْ عَنِّي \" كَانَ فِي الْمَسْجِدِ , وَأَنَّهُ أَنْشَدَ فِيهِ مَا أَجَابَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ غَيْره : يَحْتَمِلُ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَرَادَ أَنَّ الشِّعْرَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الْحَقِّ حَقٌّ , بِدَلِيلِ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَسَّان عَلَى شِعْرِهِ , وَإِذَا كَانَ حَقًّا جَاز فِي الْمَسْجِدِ كَسَائِرِ الْكَلَامِ الْحَقِّ , وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ كَمَا يُمْنَعُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْكَلَامِ الْخَبِيثِ وَاللَّغْوِ السَّاقِطِ. ‏ ‏قُلْت : وَالْأَوَّلُ أَلْيَق بِتَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْمَازِرِيُّ وَقَالَ : إِنَّمَا اِخْتَصَرَ الْبُخَارِيّ الْقِصَّة لِاشْتِهَارِهَا وَلِكَوْنِهِ ذَكَرَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. اِنْتَهَى. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جِدِّهِ قَالَ \" نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسَاجِدِ \" وَإِسْنَادُهُ صَحِيح إِلَى عَمْرو - فَمَنْ يُصَحِّحْ نُسْخَتَهُ يُصَحِّحْهُ - وَفِي الْمَعْنَى عِدَّة أَحَادِيثَ لَكِنَّ فِي أَسَانِيدِهَا مَقَال فَالْجَمْع بَيْنَهَا وَبَيْن حَدِيث الْبَابِ أَنْ يُحْمَلَ النَّهْيُ عَلَى تَنَاشُدِ أَشْعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْمُبْطِلِينَ , وَالْمَأْذُونِ فِيهِ مَا سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ. وَقِيلَ : الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَا إِذَا كَانَ التَّنَاشُد غَالِبًا عَلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَتَشَاغَلَ بِهِ مِنْ فِيهِ. وَأَبْعَدَ أَبُو عَبْد الْمَلِك الْبَوْنِيُّ فَأَعْمَلَ أَحَادِيث النَّهْيِ وَادَّعَى النَّسْخَ فِي حَدِيثِ الْإِذْنِ وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ حَكَاهُ اِبْنُ التِّينِ عَنْهُ , وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ طَرَدَ هَذِهِ الدَّعْوَى فِيمَا سَيَأْتِي مِنْ دُخُولِ أَصْحَابِ الْحِرَابِ الْمَسْجِد وَكَذَا دُخُول الْمُشْرِكِ. ‏"
    },
    {
        "id": "435",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَقَدْ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي ‏ ‏وَالْحَبَشَةُ ‏ ‏يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْحَبَشَةُ ‏ ‏يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الْإِسْنَادِ ( عَنْ صَالِحٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن كَيْسَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِي بَابِ حُجْرَتِي وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ ) ‏ ‏فِيهِ جَوَاز ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ , وَحَكَى اِبْنُ التِّينِ عَنْ أَبِي الْحَسَن اللَّخْمِيّ أَنَّ اللَّعِبَ بِالْحِرَابِ فِي الْمَسْجِدِ مَنْسُوخ بِالْقُرْآنِ وَالسَّنَةِ : أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْله تَعَالَى ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيث \" جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ \". وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيف , وَلَيْسَ فِيهِ وَلَا فِي الْآيَةِ تَصْرِيح بِمَا اِدَّعَاهُ , وَلَا عُرِفَ التَّارِيخ فَيَثْبُتُ النَّسْخ. وَحَكَى بَعْض الْمَالِكِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لَعِبَهُمْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَكَانَتْ عَائِشَة فِي الْمَسْجِدِ , وَهَذَا لَا يَثْبُتُ عَنْ مَالِكٍ فَإِنَّهُ خِلَافُ مَا صُرِّحَ بِهِ فِي طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ , وَفِي بَعْضِهَا أَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ لَعِبَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" دَعْهُمْ \". وَاللَّعِبُ بِالْحِرَابِ لَيْسَ لَعِبًا مُجَرَّدًا بَلْ فِيهِ تَدْرِيب الشُّجْعَانِ عَلَى مَوَاقِعِ الْحُرُوبِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْعَدُوِّ. وَقَالَ الْمُهَلِّب : الْمَسْجِدُ مَوْضُوع لِأَمْرِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ , فَمَا كَانَ مِنْ الْأَعْمَالِ يَجْمَعُ مَنْفَعَةَ الدِّينِ وَأَهْله جَازَ فِيهِ. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَاز النَّظَرِ إِلَى اللَّهْوِ الْمُبَاحِ , وَفِيهِ حُسْنُ خُلُقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْلِهِ وَكَرْم مُعَاشَرَته , وَفَضْل عَائِشَة وَعَظِيم مَحَلِّهَا عِنْدَهُ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى فَوَائِدِهِ فِي كِتَاب الْعِيدَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فِي بَابِ حُجْرَتِي ) ‏ ‏عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَة عَلَى بَابِ حُجْرَتِي. ‏ ‏قَوْله : ( يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ ) ‏ ‏يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ نُزُول الْحِجَاب , وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُلِ. وَأَجَابَ بَعْض مَنْ مَنَعَ بِأَنَّ عَائِشَة كَانْت إِذْ ذَاكَ صَغِيرَة , وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا ذَكَرْنَا. وَادَّعَى بَعْضُهُمْ النَّسْخَ بِحَدِيث \" أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا ؟ \" وَهُوَ حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهِ. وَسَيَأْتِي لِلْمَسْأَلَةِ مَزِيد بَسْطٍ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَاد إِبْرَاهِيم بْنُ الْمُنْذِر ) ‏ ‏يُرِيدُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ رَوَاهُ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ - وَهُوَ اِبْن يَزِيدَ - عَنْ اِبْن شِهَاب كَرِوَايَةِ صَالِحٍ , لَكِنْ عَيَّنَ أَنَّ لَعِبَهُمْ كَانَ بِحِرَابِهِمْ , وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِلتَّرْجَمَةِ , وَفِي ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْبُخَارِيَّ يَقْصِدُ بِالتَّرْجَمَةِ أَصْلَ الْحَدِيثِ لَا خُصُوصَ السِّيَاقِ الَّذِي يُورِدُهُ , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى طَرِيقِ يُونُسَ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر مَوْصُولَةً , نَعَمْ وَصَلَهَا مُسْلِم عَنْ أَبِي طَاهِر بْن السَّرْح عَنْ اِبْنِ وَهْبٍ , وَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُثْمَان بْن عُمَر عَنْ يُونُسَ وَفِيهِ الزِّيَادَةُ. ‏"
    },
    {
        "id": "436",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَتَتْهَا ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏تَسْأَلُهَا فِي ‏ ‏كِتَابَتِهَا ‏ ‏فَقَالَتْ إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏لِي وَقَالَ أَهْلُهَا إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتِهَا مَا بَقِيَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مَرَّةً إِنْ شِئْتِ أَعْتَقْتِهَا وَيَكُونُ ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏لَنَا ‏ ‏فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَكَّرَتْهُ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّ ‏ ‏الْوَلَاءَ ‏ ‏لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مَرَّةً فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَعَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَمْرَةَ ‏ ‏قَالَتْ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏وَلَمْ يَذْكُرْ صَعِدَ الْمِنْبَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَة ‏ ‏( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد. وَلِلْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ \" عَنْ سُفْيَان حَدَّثَنَا يَحْيَى \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ أَتَتْهَا ) ‏ ‏فِيهِ اِلْتِفَات إِنْ كَانَ فَاعِل قَالَتْ عَائِشَة , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِل عَمْرَة فَلَا اِلْتِفَاتَ. ‏ ‏قَوْله : ( تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا ) ‏ ‏ضُمِّنَ \" تَسْأَلُ \" مَعْنَى تَسْتَعِينُ , وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَالْمُرَاد بِقَوْلِهَا \" أَهْلك \" مُوَالِيك , وَحُذِفَ مَفْعُول \" أَعْطَيْت \" الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَالْمُرَاد بَقِيَّة مَا عَلَيْهَا , وَسَيَأْتِي تَعْيِينه فِي كِتَاب الْعِتْق إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ سُفْيَان مَرَّةً ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ سُفْيَان حَدَّثَ بِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ , وَهُوَ مَوْصُولٌ غَيْر مُعَلَّق. ‏ ‏قَوْله : ( ذَكَّرْتُهُ ذَلِكَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا بِتَشْدِيدِ الْكَافِ , فَقِيلَ : الصَّوَابُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِك وَغَيْره بِلَفْظ \" ذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ \" ; لِأَنَّ التَّذْكِيرَ يَسْتَدْعِي سَبْق عِلْمٍ بِذَلِكَ , وَلَا يَتَّجِهُ تَخْطِئَة هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِاحْتِمَالِ السَّبْقِ أَوَّلًا عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَت فِي كِتَابِ اللَّهِ ) ‏ ‏كَأَنَّهُ ذُكِرَ بِاعْتِبَارِ جِنْس الشَّرْط وَلَفْظ \" مِائَة \" لِلْمُبَالَغَةِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي كِتَابِ اللَّهِ ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيّ : لَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ مَا لَمْ يُنَصُّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِل , فَإِنَّ لَفْظ \" الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ \" مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنَّ الْأَمْرَ بِطَاعَتِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَجَازَ إِضَافَة ذَلِكَ إِلَى الْكِتَابِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ لَجَازَتْ إِضَافَةُ مَا اِقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ , وَالْجَوَاب عَنْهُ أَنَّ تِلْكَ الْإِضَافَةَ إِنَّمَا هِيَ بِطْرِيق الْعُمُوم لَا بِخُصُوصِ الْمَسْأَلَةِ الْمُعَيَّنَةِ , وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْ الْخَطَّابِيِّ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِكِتَابِ اللَّهِ هُنَا الْقُرْآن , وَنَظِيرُ مَا جَنَحَ إِلَيْهِ مَا قَالَهُ اِبْن مَسْعُود لِأُمِّ يَعْقُوبَ فِي قِصَّة الْوَاشِمَة : مَالِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ. ثُمَّ اِسْتَدَلَّ عَلَى كَوْنِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ هُنَا \" فِي كِتَابِ اللَّهِ \" أَيْ فِي حُكْمِ اللَّهِ , سَوَاء ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ أَمْ فِي السُّنَّةِ. أَوْ الْمُرَاد بِالْكِتَابِ الْمَكْتُوبُ أَيْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَحَدِيثُ عَائِشَة هَذَا فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ قَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى مِنْ الْبُيُوعِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِهِمَا , وَاعْتَنَى بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ فَأَفْرَدُوهُ بِالتَّصْنِيفِ. وَسَنَذْكُرُ فَوَائِدَهُ مُلَخَّصَةً مَجْمُوعَةً فِي كِتَابِ الْعِتْق إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَوَاهُ مَالِكُ ) ‏ ‏وَصَلَهُ فِي بَابِ الْمُكَاتَبِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف عَنْهُ , وَصُورَة سِيَاقِهِ الْإِرْسَال وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَلِيٌّ ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عَبْد اللَّه الْمَذْكُورُ أَوَّلَ الْبَابِ , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان , وَعَبْد الْوَهَّاب هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَلِيَّ بْن عَبْد اللَّه حَدَّثَ الْبُخَارِيّ عَنْ أَرْبَعَة أَنْفُسٍ حَدَّثَهُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِهِ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيِّ , وَإِنَّمَا أَفْرَدَ رِوَايَةَ سُفْيَان لِمُطَابَقَتِهَا التَّرْجَمَة بِذِكْر الْمُنِير فِيهَا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ التَّعْلِيقَ عَنْ مَالِكٍ مُتَأَخِّرٌ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَنْ طَرِيقِ جَعْفَر بْن عَوْن. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرَةَ نَحْوَهُ ) ‏ ‏يَعْنِي نَحْوَ رِوَايَةِ مَالِك , وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن بَشَّار عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان وَعَبْد الْوَهَّاب كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد قَالَ \" أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ أَنَّ بَرِيرَةَ \" فَذَكَرَهُ , وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْمِنْبَرِ أَيْضًا , وَصُورَتُهُ أَيْضًا الْإِرْسَال , لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ \" فَزَعَمَتْ عَائِشَة أَنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , فَظَهَرَ بِذَلِكَ اِتِّصَاله. وَأَفَادَتْ رِوَايَةُ جَعْفَر بْن عَوْن التَّصْرِيحَ بِسَمَاعِ يَحْيَى مِنْ عَمْرَة وَبِسَمَاع عَمْرَة مِنْ عَائِشَة فَأُمِنَ بِذَلِكَ مَا يُخْشَى فِيهِ مِنْ الْإِرْسَالِ الْمَذْكُورِ وَغَيْره. وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَر بْن عَوْن وَفِيهِ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" أَتَتْنِي بَرِيرَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْمِنْبَرِ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "437",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَعْبٍ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏تَقَاضَى ‏ ‏ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ ‏ ‏دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ ‏ ‏سِجْفَ ‏ ‏حُجْرَتِهِ فَنَادَى يَا ‏ ‏كَعْبُ ‏ ‏قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيْ ‏ ‏الشَّطْرَ ‏ ‏قَالَ لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُمْ فَاقْضِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ كَعْبٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَالِك أَبُوهُ. ‏ ‏قَوْله : ( دَيْنًا ) ‏ ‏وَقْع فِي رِوَايَةِ زَمْعَة بْن صَالِح عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ أُوقِيَّتَيْنِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْمَسْجِدِ ) ‏ ‏مُتَعَلِّق بِتَقَاضِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ \" فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَظَاهِر الرِّوَايَتَيْنِ التَّخَالُف , وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَرَّ بِهِمَا أَوَّلًا ثُمَّ إِنَّ كَعْبًا أَشْخَصَ خَصْمَهُ لِلْمُحَاكَمَةِ فَسَمِعَهُمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا وَهُوَ فِي بَيْتِهِ. ‏ ‏قُلْت : وَفِيهِ بُعْدٌ ; لِأَنَّ فِي الطَّرِيقَيْنِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ إِلَى كَعْبٍ بِالْوَضِيعَةِ وَأَمَرَ غَرِيمَهُ بِالْقَضَاءِ , فَلَوْ كَانَ أَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ تَقَدَّمَ لَهُمَا لَمَا اِحْتَاجَ إِلَى الْإِعَادَةِ. وَالْأَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ لِي أَنْ يُحْمَلَ الْمُرُورُ عَلَى أَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ لَا حِسِّيٍّ. ‏ ‏قَوْله : ( سِجْف ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمِلَةِ وَسُكُون الْجِيمِ وَحَكَى فَتْح أَوَّلَهُ وَهُوَ السِّتْرُ , وَقِيلَ أَحَد طَرَفَيْ السِّتْر الْمُفَرَّج. ‏ ‏قَوْله : ( أَيْ الشَّطْرَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ ضَعْ الشَّطْر ; لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ \" هَذَا \" وَالْمُرَاد بِالشَّطْرِ النِّصْف وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ فَعَلْت ) ‏ ‏مُبَالَغَة فِي اِمْتِثَال الْأَمْر. ‏ ‏وَقَوْلُهُ ( قُمْ ) ‏ ‏خِطَاب لِابْن أَبِي حَدْرَد , وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ الْوَضِيعَة وَالتَّأْجِيل. ‏ ‏وَفِي الْحَدِيثِ جَوَاز رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ , وَهُوَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ , وَقَدْ أَفْرَدَ لَهُ الْمُصَنِّف بَابًا يَأْتِي قَرِيبًا , وَالْمَنْقُول عَنْ مَالِكٍ مَنْعُهُ فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا , وَعَنْهُ التَّفْرِقَة بَيْنَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْعِلْمِ وَالْخَيْرِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَيَجُوزُ , وَبَيْنَ رَفْعِهِ بِاللَّغَطِ وَنَحْوِهِ فَلَا. قَالَ الْمُهَلَّب : لَوْ كَانَ رَفْع الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ لَمَا تَرَكَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَبَيَّنَ لَهُمَا ذَلِكَ. ‏ ‏قُلْت : وَلِمَنْ مَنَعَ أَنْ يَقُولَ : لَعَلَّهُ تَقَدَّمَ بَهِيهٍ عَنْ ذَلِكَ فَاكْتَفَى بِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَى التَّوَصُّلِ بِالطَّرِيقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى تَرْكِ ذَلِكَ بِالصُّلْحِ الْمُقْتَضِي لِتَرْكِ الْمُخَاصَمَةِ الْمُوجِبَةِ لِرَفْعِ الصَّوْتِ. وَفِيهِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْإِشَارَةِ إِذَا فُهِمَتْ وَالشَّفَاعَةِ إِلَى صَاحِبِ الْحَقِّ , وَإِشَارَة الْحَاكِمِ بِالصُّلْحِ وَقَبُول الشَّفَاعَةِ , وَجَوَاز إِرْخَاء السِّتْرِ عَلَى الْبَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "438",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا أَسْوَدَ ‏ ‏أَوْ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ‏ ‏كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ فَسَأَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْهُ فَقَالُوا مَاتَ قَالَ أَفَلَا كُنْتُمْ ‏ ‏آذَنْتُمُونِي ‏ ‏بِهِ ‏ ‏دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ ‏ ‏أَوْ قَالَ قَبْرِهَا ‏ ‏فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي رَافِع ) ‏ ‏هُوَ الصَّائِغُ تَابِعِيّ كَبِير , وَوَهْم بَعْض الشُّرَّاحِ فَقَالَ : إِنَّهُ أَبُو رَافِع الصَّحَابِيِّ , وَقَالَ : هُوَ مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيّ. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا رَافِع الصَّحَابِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَوْ اِمْرَأَةً سَوْدَاءَ ) ‏ ‏الشَّكّ فِيهِ مِنْ ثَابِت ; لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَة هَكَذَا , أَوْ مِنْ أَبِي رَافِع. وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حَمَّاد بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ : وَلَا أَرَاهُ إِلَّا اِمْرَأَة وَرَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَة مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ اِمْرَأَةً سَوْدَاءَ وَلَمْ يَشُكَّ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ فَسَمَّاهَا \" أَمّ مِحْجَن \" وَأَفَادَ أَنَّ الَّذِي أَجَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سُؤَالِهِ عَنْهَا أَبُو بَكْر الصِّدِّيق. وَذَكَرَ اِبْن مِنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ \" خَرْقَاءَ اِمْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ \" وَوَقَعَ ذِكْرُهَا فِي حَدِيثِ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ , وَذَكَرَهَا اِبْن حِبَّانَ فِي الصَّحَابَةِ بِذَلِكَ بِدُونِ ذِكْرِ السَّنَدِ , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهَذَا اِسْمُهَا وَكُنْيَتُهَا \" أُمُّ مِحْجَنٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ ) ‏ ‏بِقَافٍ مَضْمُومَةٍ أَيْ يَجْمَعُ الْقُمَامَةَ وَهِيَ الْكُنَاسَةُ. فَإِنْ قِيلَ : دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى كَنْسِ الْمَسْجِدِ فَمِنْ أَيْنَ يُؤْخَذُ اِلْتِقَاط الْخِرَق وَمَا مَعَهُ ؟ أَجَابَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ وَالْجَامِع التَّنْظِيف. ‏ ‏قُلْت : وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنْ تَصَرُّف الْبُخَارِيّ أَنَّهُ أَشَارَ بِكُلِّ ذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ صَرِيحًا , فَفِي طَرِيقِ الْعَلَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ \" كَانَتْ تَلْتَقِطُ الْخِرَقَ وَالْعِيدَانَ مِنْ الْمَسْجِدِ \" وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْمُتَقَدِّم \" كَانَتْ مُولَعَة بِلَقْط الْقَذَى مِنْ الْمَسْجِدِ \" وَالْقَذَى بِالْقَافِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُور : جَمْعُ قَذَاة , وَجَمْعُ الْجَمْعِ أَقَذِيَة قَالَ أَهْلَ اللُّغَةِ الْقَذَى فِي الْعَيْنِ وَالشَّرَابِ مَا يَسْقُطُ فِيهِ , ثُمَّ اِسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ فِي الْبَيْتِ وَغَيْره إِذَا كَانَ يَسِيرًا. وَتَكَلَّفَ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ فَزَعَمَ أَنَّ حُكْمَ التَّرْجَمَةِ يُؤْخَذُ مِنْ إِتْيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَبْرَ حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ , قَالَ : فَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ التَّرْغِيبُ فِي تَنْظِيفِ الْمَسْجِدِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْهُ ) ‏ ‏أَيْ عَنْ حَالِهِ , وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوف أَيْ النَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( آذَنْتُمُونِي ) ‏ ‏بِالْمَدِّ أَيْ أَعْلَمْتُمُونِي , زَاد الْمُصَنِّفُ فِي الْجَنَائِزِ \" قَالَ فَحَقَّرُوا شَأْنَهُ \" وَزَاد اِبْن خُزَيْمَة فِي طَرِيقِ الْعَلَاءِ \" قَالُوا مَاتَ مِنْ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَك \" وَكَذَا فِي حَدِيثِ بُرَيْدَة , زَادَ مُسْلِم عَنْ أَبِي كَامِل الْجَحْدَرِيِّ عَنْ حَمَّاد بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي آخِرِهِ ثُمَّ قَالَ \" إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَة عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ \" وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجْ الْبُخَارِيّ هَذِهِ الزِّيَادَة ; لِأَنَّهَا مُدْرَجَة فِي هَذَا الْإِسْنَادِ , وَهِيَ مِنْ مَرَاسِيل ثَابِت , بَيَّنَ ذَلِكَ غَيْر وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ حَمَّاد بْن زَيْد , وَقَدْ أَوْضَحْت ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ فِي كِتَاب \" بَيَان الْمُدْرَج \" , قَالَ الْبَيْهَقِيّ : يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ مَرَاسِيل ثَابِت كَمَا قَالَ أَحْمَد بْن عَبَدَة , أَوْ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَس يَعْنِي كَمَا رَوَاهُ اِبْنُ مَنْدَهْ. وَوَقَعَ فِي مُسْنَدِ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد وَأَبِي عَامِر الْخَزَّازِ كِلَاهُمَا عَنْ ثَابِتٍ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ , وَزَادَ بَعْدَهَا \" فَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَارِ : إِنَّ أَبِي - أَوْ أَخِي - مَاتَ أَوْ دُفِنَ فَصَلِّ عَلَيْهِ. قَالَ فَانْطَلَقَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ تَنْظِيفِ الْمَسْجِدِ , وَالسُّؤَالِ عَنْ الْخَادِمِ وَالصَّدِيقِ إِذَا غَابَ. ‏ ‏وَفِيهِ الْمُكَافَأَةُ بِالدُّعَاءِ ُ وَالتَّرْغِيبُ فِي شُهُودِ جَنَائِزِ أَهْل الْخَيْرِ وَنَدْبُ الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّتِ الْحَاضِرِ عِنْدَ قَبْرِهِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ , وَالْإِعْلَام بِالْمَوْتِ. ‏"
    },
    {
        "id": "439",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا أُنْزِلَتْ الْآيَاتُ مِنْ سُورَةِ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏فِي الرِّبَا خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الْخَمْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَمْزَة ) ‏ ‏هُوَ السُّكَّرِيُّ , وَمُسْلِم هُوَ اِبْن صُبَيْح أَبُو الضُّحَى. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : كَانَ تَحْرِيم الْخَمْرِ قَبْلَ نُزُولِ آيَة الرِّبَا بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ , فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِتَحْرِيمِهَا مَرَّةً بَعْد أُخْرَى تَأْكِيدًا. ‏ ‏قُلْت : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيم التِّجَارَةِ فِيهَا تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ تَحْرِيم عَيْنهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "440",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏أَوْ رَجُلًا ‏ ‏كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ ‏ ‏وَلَا أُرَاهُ إِلَّا امْرَأَةً فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏صَلَّى عَلَى قَبْرِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن وَاقِدٍ ) ‏ ‏وَاقِدٌ جَدُّهُ , وَاسْم أَبِيهِ عَبْد الْمَلِك , وَشَيْخه حَمَّاد هُوَ اِبْن زَيْد , وَرِجَاله إِلَى أَبِي هُرَيْرَة بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا أُرَاهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَةِ , أَيْ أَظُنُّهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرَ حَدِيث النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي تَقَدَّمَ قَبْلَ بَابٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "441",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ ‏ ‏أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا ‏ ‏لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى ‏ ‏سَارِيَةٍ ‏ ‏مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏رَبِّ ‏ { ‏هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ‏} ‏قَالَ ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏فَرَدَّهُ ‏ ‏خَاسِئًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا رَوْحُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عُبَادَة. ‏ ‏قَوْله : ( تَفَلَّتَ ) ‏ ‏بِالْفَاء وَتَشْدِيد اللَّامِ أَيْ تَعَرَّضَ لِي فَلْتَةً , أَيْ بَغَتْهُ. وَقَالَ الْقَزَّاز : يَعْنِي تَوَثَّبَ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : أَفْلَتَ الشَّيْء فَانْفَلَتَ وَتَفَلَّتَ بِمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله : ( الْبَارِحَةَ ) ‏ ‏قَالَ صَاحِب الْمُنْتَهَى : كُلّ زَائِل بَارِح , وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْبَارِحَةُ , وَهِيَ أَدْنَى لَيْلَةٍ زَالَتْ عَنْك. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ كَلِمَة نَحْوَهَا ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيّ : الضَّمِيرُ رَاجِع إِلَى الْبَارِحَةِ أَوْ إِلَى جُمْلَةِ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ. ‏ ‏قُلْت : رَوَاهُ شَبَابَة عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ \" عَرَضَ لِي فَشَدَّ عَلَيَّ \" أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ. وَهُوَ يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْد الرَّزَّاق \" عَرَضَ لِي فِي صُورَةِ هِرّ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ \" جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة \" فَأَخَذْتُهُ فَصَرَعْتُهُ فَخَنَقْتُهُ حَتَّى وَجَدْت لِسَانه عَلَى يَدِي \" وَفَهِمَ اِبْنُ بَطَّال وَغَيْرُهُ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ حِينَ عَرَضَ لَهُ غَيْرَ مُتَشَكِّلٍ بِغَيْرِ صُورَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ فَقَالُوا : إِنَّ رُؤْيَة الشَّيْطَان عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا خَاصّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ النَّاسِ فَلَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيله الْآيَةَ. وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ مَبَاحِثِ هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي \" بَاب ذِكْر الْجِنِّ \" حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ , وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ حَدِيثِ الْبَابِ فِي تَفْسِيرِ سُورَة ص. ‏ ‏قَوْله ( رَبِّ اِعْفَرْ لِي وَهَبْ لِي ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَفِي بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ هُنَا رَبِّ هَبْ لِي. قَالَ الْكَرْمَانِيّ : لَعَلَّهُ ذَكَرَهُ عَلَى طَرِيقِ الِاقْتِبَاسِ لَا عَلَى قَصْدِ التِّلَاوَةِ. ‏ ‏قُلْت : وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَلَى نَسَق التِّلَاوَة فَالظَّاهِر أَنَّهُ تَغْيِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ رَوْحٌ فَرَدَّهُ ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ الْعِفْرِيتَ ‏ ‏( خَاسِئًا ) ‏ ‏أَيْ مَطْرُودًا. وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي رِوَايَةِ رَوْحٍ دُونَ رَفِيقِهِ مُحَمَّد بْن جَعْفَر , لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ مُحَمَّد اِبْن بَشَّار عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَحْدَهُ , وَزَاد فِي آخِرِهِ أَيْضًا \" فَرَدَّهُ خَاسِئًا \" , وَرَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق النَّضْر عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ \" فَرَدَّهُ اللَّه خَاسِئًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "442",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْلًا قِبَلَ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي حَنِيفَةَ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ ‏ ‏ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ ‏ ‏فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَطْلِقُوا ‏ ‏ثُمَامَةَ ‏ ‏فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَيْلًا ) ‏ ‏أَيْ فُرْسَانًا وَالْأَصْل أَنَّهُمْ كَانُوا رِجَالًا عَلَى خَيْل , وَثُمَامَةُ بِمُثَلَّثَة مَضْمُومَة وَأُثَال بِضَمِّ الْهَمْزَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَة خَفِيفَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى نَخْلٍ ) ‏ ‏فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِالْخَاء الْمُعْجَمَةِ , وَفِي النُّسْخَةِ الْمَقْرُوءَةِ عَلَى أَبِي الْوَقْتِ بِالْجِيمِ وَصَوَّبَهَا بَعْضهمْ , وَقَالَ : وَالنَّجْلُ الْمَاء الْقَلِيل النَّابِع وَقِيلَ الْجَارِي. ‏ ‏قُلْت : وَيُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الْأُولَى أَنَّ لَفْظَ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" فَانْطَلَقَ إِلَى حَائِطِ أَبِي طَلْحَة \" سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ تَامًّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "443",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أُصِيبَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏فِي ‏ ‏الْأَكْحَلِ ‏ ‏فَضَرَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ فَلَمْ ‏ ‏يَرُعْهُمْ ‏ ‏وَفِي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي غِفَارٍ ‏ ‏إِلَّا الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ فَإِذَا ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يَغْذُو ‏ ‏جُرْحُهُ دَمًا فَمَاتَ فِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْبَلْخِيُّ اللُّؤْلُؤِيُّ وَكَانَ حَافِظًا , وَفِي شُيُوخ الْبُخَارِيّ زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى أَبُو المِسْكِين , وَقَدْ شَارَكَ الْبَلْخِيّ فِي بَعْضِ شُيُوخِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أُصِيبَ سَعْدُ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُعَاذ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْأَكْحَلِ ) ‏ ‏هُوَ عِرْقٌ فِي الْيَدِ. ‏ ‏قَوْله : ( خَيْمَة فِي الْمَسْجِدِ ) ‏ ‏أَيْ لِسَعْدٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَرُعْهُمْ ) ‏ ‏أَيْ يُفْزِعُهُمْ , قَالَ الْخَطَّابِيّ : الْمَعْنَى أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ فِي حَالِ طُمَأْنِينَةٍ حَتَّى أَفْزَعَتْهُمْ رُؤْيَة الدَّم فَارْتَاعُوا لَهُ , وَقَالَ غَيْره : الْمُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ السُّرْعَة لَا نَفْسُ الْفَزَعِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَفِي الْمَسْجِدِ خَيْمَة ) ‏ ‏هَذِهِ الْجُمْلَة مُعْتَرِضَة بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ وَالتَّقْدِير : فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا الدَّم , وَالْمَعْنَى فَرَاعَهُمْ الدَّم. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ قِبَلِكُمْ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَافِ , أَيْ مِنْ جِهَتِكُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( يَغْذُو ) ‏ ‏غَيْن وَذَال مُعْجَمَتَيْنِ , أَيْ يَسِيلُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَاتَ فِيهَا ) ‏ ‏أَيْ فِي الْخَيْمَةِ , أَوْ فِي تِلْكَ الْمَرْضَةِ. وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَمَاتَ مِنْهَا \" أَيْ الْجِرَاحَةِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَاب الْمَغَازِي حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَاكَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ. ‏"
    },
    {
        "id": "444",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنِّي ‏ ‏أَشْتَكِي ‏ ‏قَالَ ‏ ‏طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏يَقْرَأُ بْ ‏ ‏الطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ‏",
        "sharh": "وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةِ أَيْضًا فِي الْحَجِّ , وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ , وَرِجَال إِسْنَاده مَدَنِيُّونَ , وَفِيهِ تَابِعِيَّانِ مُحَمَّد وَعُرْوَة , وَصَحَابِيَّتَانِ زَيْنَب وَأُمُّهَا أُمُّ سَلَمَةَ. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَاز دُخُولِ الدَّوَابِّ الَّتِي يُؤْكَلُ لَحْمُهَا الْمَسْجِد إِذَا اُحْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ بَوْلَهَا لَا يُنَجِّسُهُ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الدَّوَابِّ. وَتُعَقِّبُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ مَعَ [ عَدَم ] الْحَاجَة , بَلْ ذَلِكَ دَائِر عَلَى التَّلْوِيثِ وَعَدَمه , فَحَيْثُ يُخْشَى التَّلْوِيثُ يَمْتَنِعُ الدُّخُول. وَقَدْ قِيلَ إِنَّ نَاقَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ مُنَوَّقَة أَيْ مُدَرَّبَةً مُعَلَّمَةً فَيُؤْمَنُ مِنْهَا مَا يُحْذَرُ مِنْ التَّلْوِيثِ وَهِيَ سَائِرَةٌ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعِير أُمّ سَلَمَةَ كَانَ كَذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "445",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلَيْنِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصْبَاحَيْنِ يُضِيئَانِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "446",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النَّضْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَطَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَبَكَى ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ إِنْ يَكُنْ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ الْعَبْدَ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَعْلَمَنَا قَالَ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏لَا تَبْكِ إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا ‏ ‏خَلِيلًا ‏ ‏مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابُ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد بْن حُنَيْن عَنْ بُسْر بْن سَعِيد ) ‏ ‏هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ , وَسَقَطَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ عَنْ أَبِي زَيْد ذِكْرُ بُسْر بْن سَعِيد فَصَارَ عَنْ عُبَيْد بْن حُنَيْن عَنْ أَبِي سَعِيد وَهُوَ صَحِيحٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكِنَّ مُحَمَّد بْن سِنَان إِنَّمَا حَدَّثَ بِهِ كَالَّذِي وَقَعَ فِي بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ , فَقَدْ نَقَلَ اِبْن السَّكَنِ عَنْ الْفَرَبْرِيِّ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : هَكَذَا حَدَّثَ بِهِ مُحَمَّد بْن سِنَان , وَهُوَ خَطَأ , وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ عُبَيْد بْن حُنَيْن وَعَنْ بُسْر بْن سَعِيد يَعْنِي بِوَاوِ الْعَطْفِ ُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَبُو النَّضْرِ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخَيْنِ حَدَّثَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِهِ عَنْ أَبِي سَعِيد , وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم كَذَلِكَ عَنْ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ فُلَيْحٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عُبَيْدٍ وَبُسْرٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي سَعِيد وَتَابَعَهُ يُونُس اِبْن مُحَمَّد عَنْ فُلَيْحٍ أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ , وَرَوَاهُ أَبُو عَامِر الْعَقَدِيّ عَنْ فُلَيْح عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ بُسْر وَحْدَهُ , أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْر فَكَأَنَّ فُلَيْحًا كَانَ يَجْمَعُهُمَا مَرَّةً وَيَقْتَصِرُ مَرَّةً عَلَى أَحَدِهِمَا. وَقَدْ رَوَاهُ مَالِك عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عُبَيْدٍ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي سَعِيد أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِي الْهِجْرَةِ , وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي أَنَّ الْحَدِيثَ عِنْد أَبِي النَّضْرِ عَنْ شَيْخَيْنِ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّ مُحَمَّد بْن سِنَان أَخْطَأَ فِي حَذْفِ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ مَعَ اِحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْخَطَأ مِنْ فُلَيْح حَال تَحْدِيثه لَهُ بِهِ , وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ أَنَّ الْمُعَافِيَ بْن سُلَيْمَان الْحَرَّانِيَّ رَوَاهُ عَنْ فُلَيْح كَرِوَايَةِ مُحَمَّد بْن سِنَان , وَقَدْ نَبَّهَ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ حَذْفَ الْوَاوِ خَطَأ فَلَمْ يَبْقَ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ سَبِيل قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عَبِيدٍ عَنْ بُسْر غَيْر مَحْفُوظَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ يَكُنْ اللَّه خَيَّرَ عَبْدًا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ \" إِنْ يَكُنْ لِلَّهِ عَبْدٌ خَيْرٌ \" وَالْهَمْزَةَ فِي \" إِنْ \" مَكْسُورَة عَلَى أَنَّهَا شَرْطِيَّة ُ وَجَوَّزَ اِبْن التِّينِ فَتْحهَا عَلَى أَنَّهَا تَعْلِيلِيَّةٌ وَفِيهِ نَظَرٌ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ : قَالَ الْعُلَمَاء مَعْنَاهُ أَكْثَرُهُمْ جُودًا لَنَا بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ , وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْمَنِّ الَّذِي هُوَ الِاعْتِدَادُ بِالصَّنِيعَةِ ; لِأَنَّ الْمِنَّةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي قَبُولِ ذَلِكَ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : هُوَ مِنْ الِامْتِنَانِ , وَالْمُرَاد أَنَّ أَبَا بَكْر لَهُ مِنْ الْحُقُوقِ مَا لَوْ كَانَ لِغَيْرِهِ نَظِيرِهَا لَامْتَنَّ بِهَا , يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ اِبْن عَبَّاس \" لَيْسَ أَحَد أَمَنّ عَلَى \" , وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْأَصِيلِيِّ \" وَلَكِنْ خُوَّة الْإِسْلَام \" بِحَذْفِ الْأَلِفِ كَأَنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ إِلَى النُّونِ وَحَذَفَ الْهَمْزَةِ , فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ ضَمُّ نُونِ لَكِنْ كَمَا قَالَهُ اِبْن مَالِك , وَخَبَر هَذِهِ الْجُمْلَة مَحْذُوف , وَالتَّقْدِير أَفْضَل كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس الَّذِي بَعْدَهُ \" وَلَكِنْ فِيهِ خُلَّة الْإِسْلَام \" وَيَأْتِي مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِشْكَالِ وَبَيَانه فِي كِتَاب الْمَنَاقِب إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَبَيَّنَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَرَض مَوْته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَلِكَ لِمَّا أَمَرَ أَبَا بَكْر أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ , فَلِذَلِكَ اِسْتَثْنَى خَوْخَته بِخِلَافِ غَيْرِهِ , وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْإِشَارَاتِ إِلَى اِسْتِخْلَافِهِ كَمَا سَيَأْتِي أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "447",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبٌ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ ‏ ‏أَبِي بكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ ‏ ‏وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ النَّاسِ ‏ ‏خَلِيلًا ‏ ‏لَاتَّخَذْتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏خَلِيلًا ‏ ‏وَلَكِنْ ‏ ‏خُلَّةُ ‏ ‏الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ سُدُّوا عَنِّي كُلَّ ‏ ‏خَوْخَةٍ ‏ ‏فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ ‏ ‏خَوْخَةِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْر ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ \" إِلَّا \" بَدَل غَيْر. ‏"
    },
    {
        "id": "448",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَدَعَا ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ ‏ ‏فَفَتَحَ الْبَابَ ‏ ‏فَدَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ ‏ ‏ثُمَّ أَغْلَقَ الْبَابَ فَلَبِثَ فِيهِ سَاعَةً ثُمَّ خَرَجُوا قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏فَبَدَرْتُ فَسَأَلْتُ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏فَقَالَ صَلَّى فِيهِ فَقُلْتُ فِي أَيٍّ قَالَ بَيْنَ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏فَذَهَبَ عَلَيَّ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد ) ‏ ‏لَمْ يَقُلْ الْأَصِيلِيّ \" اِبْن زَيْد \" , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ اِبْن عُمَر هَذَا فِي كِتَاب الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ اِبْن بَطَّال : الْحِكْمَةُ فِي غَلْقِ الْبَابِ حِينَئِذٍ لِئَلَّا يَظُنُّ النَّاس أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ سُنَّةٌ فَيَلْتَزِمُونَ ذَلِكَ كَذَا قَالَ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَقَالَ غَيْره : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَزْدَحِمُوا عَلَيْهِ لِتَوَفُّر دَوَاعِيهِمْ عَلَى مُرَاعَاةِ أَفْعَالِهِ لِيَأْخُذُوهَا عَنْهُ , أَوْ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَسْكَن لِقَلْبِهِ وَأَجْمَع لِخُشُوعِهِ. وَإِنَّمَا أَدْخَلَ مَعَهُ عُثْمَان لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهُ عُزِلَ عَنْ وِلَايَةِ الْكَعْبَةِ , وَبِلَالًا وَأُسَامَة لِمُلَازَمَتِهِمَا خَدَمْته. وَقِيلَ : فَائِدَةُ ذَلِكَ التَّمَكُّن مِنْ الصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ جِهَاتِهَا ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ إِلَى جِهَةِ الْبَابِ وَهُوَ مَفْتُوحٌ لَا تَصِحُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "449",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْلًا قِبَلَ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي حَنِيفَةَ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ ‏ ‏ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ ‏ ‏فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ‏",
        "sharh": "وَقَدْ اِخْتَصَرَ الْمُصَنِّف الْحَدِيث مُقْتَصِرًا عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْهُ وَسَيَأْتِي تَامًّا فِي الْمُغَازِي. وَفِي دُخُولِ الْمُشْرِكِ الْمَسْجِد مَذَاهِب : فَعَنْ الْحَنَفِيَّةِ الْجَوَازُ مُطْلَقًا , وَعَنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمُزَنِيِّ الْمَنْع مُطْلَقًا , وَعَنْ الشَّافِعِيَّةِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام وَغَيْره لِلْآيَةِ. وَقِيلَ : يُؤْذَنُ لِلْكِتَابِيِّ خَاصَّةً , وَحَدِيث الْبَابِ يَرُدُّ عَلَيْهِ , فَإِنَّ ثُمَامَة لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "450",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ قَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ ‏ ‏فَحَصَبَنِي ‏ ‏رَجُلٌ فَنَظَرْتُ فَإِذَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ فَجِئْتُهُ بِهِمَا قَالَ مَنْ أَنْتُمَا ‏ ‏أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا ‏ ‏قَالَا مِنْ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏الطَّائِفِ ‏ ‏قَالَ لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي ‏ ‏مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْجَعْدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" الْجَعْد بْن أَوْس \" وَهُوَ هُوَ , فَإِنَّ اِسْمَهُ الْجَعْدُ وَقَدْ يُصَغَّرُ , وَهُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَوْس , فَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي يَزِيد بْن خَصِيفَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن خَصِيفَة نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ , وَرَوَى حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الْجُعَيْد عَنْ السَّائِبِ بِلَا وَاسِطَة أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , والْجُعَيْد صَحَّ سَمَاعُهُ مِنْ السَّائِبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ , فَلَيْسَ هَذَا الِاخْتِلَاف قَادِحًا , وَعِنْدَ عَبْد الرَّزَّاق لَهُ طَرِيق أُخْرَى عَنْ نَافِعٍ قَالَ \" كَانَ عُمَرُ يَقُولُ لَا تُكْثِرُوا اللَّغَطَ. فَدَخَلَ الْمَسْجِد فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ قَدْ اِرْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا. فَقَالَ : إِنَّ مَسْجِدَنَا هَذَا لَا يُرْفَعُ فِيهِ الصَّوْت \" الْحَدِيث. وَفِيهِ اِنْقِطَاع ; لِأَنَّ نَافِعًا لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ الزَّمَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت قَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُولِ بِالْقَاف , وَفِي رِوَايَة \" نَائِمًا \" بِالنُّونِ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة حَاتِم عَنْ الْجُعَيْد بِلَفْظ \" كُنْت مُضْطَجِعًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَحَصَبَنِي ) ‏ ‏أَيْ رَمَانِي بِالْحَصْبَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا عُمَرُ ) ‏ ‏الْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيرِهِ قَائِم أَوْ نَحْوُهُ , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ , لَكِنَّ فِي رِوَايَةِ عَبْد الرَّزَّاق أَنَّهُمَا ثَقَفِيَّانِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ كُنْتُمَا ) ‏ ‏يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ نَهْيه عَنْ ذَلِكَ , وَفِيهِ الْمَعْذِرَةُ لِأَهْلِ الْجَهْلِ بِالْحُكْمِ إِذَا كَانَ مِمَّا يَخْفَى مِثْلُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَأَوْجَعْتُكُمَا ) ‏ ‏زَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" جَلْدًا \". وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يَتَبَيَّنُ كَوْن هَذَا الْحَدِيث لَهُ حُكْم الرَّفْعِ ; لِأَنَّ عُمَرَ لَا يَتَوَعَّدُهُمَا بِالْجَلْدِ إِلَّا عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرٍ تَوْقِيفِيٍّ. ‏ ‏قَوْله : ( تَرْفَعَانِ ) ‏ ‏هُوَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّهُمَا قَالَا لَهُ : لِمَ تُوجِعُنَا ؟ قَالَ : ; لِأَنَّكُمَا تَرْفَعَانِ. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" بِرَفْعِكُمَا أَصْوَاتَكُمَا \" وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قَدَّرْنَاهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيه جَمْعِ أَصْوَاتَكُمَا فِي حَدِيث \" يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "451",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ تَقَاضَى ‏ ‏ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ ‏ ‏دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى كَشَفَ ‏ ‏سِجْفَ ‏ ‏حُجْرَتِهِ وَنَادَى ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏كَعْبُ ‏ ‏قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعْ ‏ ‏الشَّطْرَ ‏ ‏مِنْ دَيْنِكَ قَالَ ‏ ‏كَعْبٌ ‏ ‏قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُمْ فَاقْضِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيّ الشَّبُّوِيِّ عَنْ الْفَرَبْرِيّ \" حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن صَالِح \" وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْنُ السَّكَنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى حَدِيث كَعْب فِي \" بَاب التَّقَاضِي \" قَبْلَ عَشَرَةِ أَبْوَابٍ أَوْ نَحْوِهَا. وَقَوْلُهُ هُنَا \" حَتَّى سَمِعَهَا \" فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيّ \" سَمِعَهُمَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "452",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا تَرَى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ قَالَ ‏ ‏مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ وِتْرًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَرَ بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا تَرَى ) ‏ ‏أَيْ مَا رَأْيُك ؟ مِنْ الرَّأْيِ , وَمِنْ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ. ‏ ‏و ( مَثْنَى مَثْنَى ) ‏ ‏بِغَيْرِ تَنْوِينٍ أَيْ اِثْنَتَيْنِ اِثْنَتَيْنِ , وَكُرِّرَ تَأْكِيدًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَوْتَرَتْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاءِ , أَيْ تِلْكَ الْوَاحِدَةُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ , وَقَائِل ذَلِكَ هُوَ نَافِع , وَالضَّمِيرِ لِابْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( بِاللَّيْلِ ) ‏ ‏هِيَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ وَالْأَصِيلِيّ فَقَطْ. ‏"
    },
    {
        "id": "453",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَقَالَ ‏ ‏مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ تُوتِرُ لَكَ مَا قَدْ صَلَّيْتَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَجُلًا نَادَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ ( تُوتِرْ ) ‏ ‏بِالْجَزْمِ جَوَابًا لِلْأَمْرِ , وَبِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ , وَزَادَ الْكُشْمِيهَنِيّ وَالْأَصِيلِيّ \" لَك \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الْوَلِيد بْن كَثِير ) ‏ ‏هَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَة عَنْ الْوَلِيدِ , وَهُوَ بِمَعْنَى حَدِيث نَافِعٌ عَنْ اِبْن عُمَر , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي كُتَّاب الْوَتَر إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَرَادَ الْبُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَان أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ لِيَتِمّ لَهُ الِاسْتِدْلَالُ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ. وَقَدْ اِعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : لَيْسَ فِيمَا ذُكِرَ دَلَالَةٌ عَلَى الْحَلَقِ وَلَا عَلَى الْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ بِحَال. وَأُجِيبَ بِأَنَّ كَوْنَهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ صَرِيح مِنْ هَذَا الْمُعَلَّقِ , وَأَمَّا التَّحَلُّقُ فَقَالَ الْمُهَلَّب : شَبَّهَ الْبُخَارِيُّ جُلُوس الرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ حَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ بِالتَّحَلُّقِ حَوْلَ الْعَالِمِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ إِلَّا وَعِنْدَهُ جَمْعٌ جُلُوسٌ مُحَدِّقِينَ بِهِ كَالْمُتَحَلِّقِينَ , وَاللَّه أَعْلَمُ. وَقَالَ غَيْره : حَدِيثُ اِبْن عُمَر يَتَعَلَّقُ بِأَحَدِ رُكْنَيْ التَّرْجَمَة وَهُوَ الْجُلُوسُ , وَحَدِيث أَبِي وَاقِد يَتَعَلَّقُ بِالرُّكْنِ الْآخَرِ وَهُوَ التَّحَلُّقُ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ جَابِر بْن سَمُرَة قَالَ \" دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ وَهُمْ حِلَقٌ فَقَالَ : مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ \" فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَرِهَ تَحَلُّقَهُمْ عَلَى مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَا مَنْفَعَةَ بِخِلَاف تَحَلُّقِهِمْ حَوْلَهُ فَإِنَّهُ كَانَ لِسَمَاعِ الْعِلْمِ وَالتَّعَلُّمِ مِنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "454",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا مُرَّةَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَذَهَبَ وَاحِدٌ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَمَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ ) ‏ ‏زَاد فِي الْعِلْمِ \" وَالنَّاسُ مَعَهُ \" وَهُوَ أَصْرَحُ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَأْي فُرْجَةً ) ‏ ‏زَاد فِي الْعِلْمِ \" فِي الْحَلْقَةِ \" وَزَادَهَا الْأَصِيلِيّ والْكُشْمِيهَنِيّ أَيْضًا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى فَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "455",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَعُثْمَانُ ‏ ‏يَفْعَلَانِ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَة ) ‏ ‏هُوَ الْقَعْنَبِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمِّهِ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن عَاصِم الْمَازِنِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيّ : فِيهِ أَنَّ النَّهْيَ الْوَارِدَ عَنْ ذَلِكَ مَنْسُوخ , أَوْ يُحْمَلُ النَّهْي حَيْثُ يُخْشَى أَنْ تَبْدُوَ الْعَوْرَة وَالْجَوَاز حَيْثُ يُؤْمَنُ ذَلِكَ. ‏ ‏قُلْت : الثَّانِي أَوْلَى مِنْ اِدِّعَاءِ النَّسْخِ ; لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ , وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهِ الْبَيْهَقِيّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرهمَا مِنْ الْمُحْدَثِينَ , وَجَزْم اِبْنُ بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخ. وَقَالَ الْمَازِرِيّ : إِنَّمَا بَوَّبَ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ , لَا فِي الْكُتُبِ الصِّحَاحِ , النَّهْي عَنْ أَنْ يَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى , لَكِنَّهُ عَامٌّ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعُ , وَاسْتِلْقَاؤُهُ فِي الْمَسْجِدِ فِعْل قَدْ يَدَّعِي قَصْره عَلَيْهِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَوَاز لَكِنْ لَمَّا صَحَّ أَنَّ عُمَر وَعُثْمَان كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ خَاصًّا بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بَلْ هُوَ جَائِز مُطْلَقًا , فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا صَارَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَعَارُضٌ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا , فَذَكَرَ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيّ. وَفِي قَوْلِهِ عَنْ حَدِيث النَّهْي \" لَيْسَ فِي الْكُتُبِ الصِّحَاحِ \" إِغْفَال , فَإِنَّ الْحَدِيثَ عِنْد مُسْلِم فِي اللِّبَاسِ مِنْ حَدِيثِ جَابِر , وَفِي قَوْلِهِ \" فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَوَاز \" نَظَر ; لِأَنَّ الْخَصَائِصَ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ , وَالظَّاهِرَ أَنَّ فِعْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لِبَيَان الْجَوَاز , وَكَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الِاسْتِرَاحَةِ لَا عِنْد مُجْتَمَعِ النَّاسِ لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ مِنْ الْجُلُوسِ بَيْنَهُمْ بِالْوَقَارِ التَّامِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الْخَطَّابِيّ : وَفِيهِ جَوَاز الِاتِّكَاء فِي الْمَسْجِدِ وَالِاضْطِجَاع وَأَنْوَاع الِاسْتِرَاحَةِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : فِيهِ أَنَّ الْأَجْرَ الْوَارِد لِلَّابِثِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَخْتَصُّ بِالْجَالِسِ بَلْ يَحْصُلُ لِلْمُسْتَلْقِي أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الْقَعْنَبِيّ , وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُوَطَّأِ , وَقَدْ غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّق. ‏"
    },
    {
        "id": "456",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمْ ‏ ‏أَعْقِلْ ‏ ‏أَبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً ثُمَّ ‏ ‏بَدَا ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَابْتَنَى مَسْجِدًا ‏ ‏بِفِنَاءِ ‏ ‏دَارِهِ فَكَانَ ‏ ‏يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏مِنْ الْمُشْرِكِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَأَخْبَرَنِي عُرْوَة ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّر , وَالْمُرَاد بِأَبَوَيْ عَائِشَة أَبُو بَكْر وَأُمّ رُومَان , وَهُوَ دَالٌّ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِ أَمِّ رُومَان. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْر ) ‏ ‏اِخْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ الْمَتْن هُنَا , وَقَدْ سَاقَهُ فِي كِتَاب الْهِجْرَة مُطَوَّلًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَذَكَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ \" وَعَشِيَّة \" وَقَبْلَ قَوْلِهِ \" ثُمَّ بَدَا \" قِصَّة طَوِيلَة فِي خُرُوجِ أَبِي بَكْر عَنْ مَكَّةَ وَرُجُوعه فِي جِوَارِ اِبْنِ الدِّغِنَّةِ وَاشْتِرَاطِهِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسْتَعْلِنَ بِعِبَادَتِهِ , فَعِنْدَ فَرَاغ الْقِصَّة قَالَ \" ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْر \" أَيْ ظَهَرَ لَهُ رَأْيٌ فَبَنَى مَسْجِدًا , فَذَكَرَ بَاقِي الْقِصَّةِ مُطَوَّلًا كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مَبْسُوطًا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَمْ يَجِدْ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ - حَيْثُ شَرَحَ جَمِيع الْحَدِيثِ هُنَا - مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ هُنَا سِوَى قَدْرٍ يَسِيرٍ , وَقَدْ اِشْتَمَلَ مِنْ فَضَائِلِ الصِّدِّيقِ عَلَى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "457",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَاةُ الْجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَأَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً ‏ ‏وَحَطَّ ‏ ‏عَنْهُ خَطِيئَةً حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ ‏ ‏تَحْبِسُهُ ‏ ‏وَتُصَلِّي ‏ ‏يَعْنِي عَلَيْهِ ‏ ‏الْمَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي ‏ ‏يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا أَخْرَجَهُ بَعْد فِي \" بَابِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ \" وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى فَوَائِدِهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَزَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ \" وَتَصِلِي الْمَلَائِكَة... إِلَخْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي \" بَابِ الْحَدَثِ فِي الْمَسْجِدِ \" مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ( صَلَاة الْجَمِيعِ ) ‏ ‏أَيْ الْجَمَاعَةِ , وَتَكَلَّفَ مَنْ قَالَ التَّقْدِيرُ فِي الْجَمِيعِ , ‏ ‏وَقَوْله : ( عَلَى صَلَاتِهِ ) ‏ ‏أَيْ الشَّخْصِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ أَحَدَكُمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْفَاء , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ بِالْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ سَبَبِيَّةٌ أَوْ لِلْمُصَاحَبَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَحْسِنْ ) ‏ ‏أَيْ أَسْبِغْ الْوُضُوءَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا لَمْ يُؤْذِ يُحْدِثُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْفِعْلِ الْمَجْزُوم عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَيَجُوزُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ \" مَا لَمْ يُؤْذِ يُحْدِثُ فِيهِ \" بِلَفْظ الْجَارّ وَالْمَجْرُور مُتَعَلِّقًا بِيُؤْذِ , وَالْمُرَاد بِالْحَدَثِ النَّاقِضِ لِلْوُضُوءِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ لَكِنْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِع عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِالْأَوَّلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "458",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَامِدُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بِشْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَاقِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏ابْنِ عَمْرٍو ‏ ‏شَبَكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَصَابِعَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي فَلَمْ أَحْفَظْهُ ‏ ‏فَقَوَّمَهُ لِي ‏ ‏وَاقِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏وَهُوَ يَقُولُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي ‏ ‏حُثَالَةٍ ‏ ‏مِنْ النَّاسِ بِهَذَا ‏",
        "sharh": "يَأْتِي الْكَلَام عَلَى حَدِيثِ اِبْن عُمَر فِي كِتَاب الْفِتَن. ‏"
    },
    {
        "id": "459",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَشُدُّ بَعْضه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" شَدَّ \" بِلَفْظ الْمَاضِي. ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ ‏ ‏وَأَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه. وَوَقَعَ لِلكُشْمِيهَنِيّ \" عَنْ بَرِيدٍ \" وَهُوَ اِسْمُهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "460",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِحْدَى صَلَاتَيْ ‏ ‏الْعَشِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ سِيرِينَ ‏ ‏سَمَّاهَا ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا ‏ ‏قَالَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّه غَضْبَانُ وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَخَرَجَتْ ‏ ‏السَّرَعَانُ ‏ ‏مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا قَصُرَتْ الصَّلَاةُ وَفِي الْقَوْمِ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏ذُو الْيَدَيْنِ ‏ ‏قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ الصَّلَاةُ قَالَ لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ فَقَالَ ‏ ‏أَكَمَا يَقُولُ ‏ ‏ذُو الْيَدَيْنِ ‏ ‏فَقَالُوا نَعَمْ فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ ثُمَّ سَلَّمَ فَيَقُولُ نُبِّئْتُ أَنَّ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ‏ ‏قَالَ ثُمَّ سَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَنْصُور كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم. ‏ ‏قَوْله : ( إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيِّ الْعِشَاء بِالْمَدِّ وَهُوَ وَهْم , فَقَدْ صَحَّ أَنَّهَا الظُّهْرُ أَوْ الْعَصْرُ كَمَا سَيَأْتِي , وَابْتِدَاء الْعَشِيّ مِنْ أَوَّلِ الزَّوَالِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى ) ‏ ‏عِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ \" خَدّه الْأَيْمَن \" بَدَلَ يَدِهِ الْيُمْنَى وَهُوَ أَشْبَهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّكْرَارُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ : ثُمَّ سَلَّمَ ؟ ) ‏ ‏أَيْ رُبَّمَا سَأَلُوا اِبْنَ سِيرِينَ هَلْ فِي الْحَدِيثِ \" ثُمَّ سَلَّمَ فَيَقُولُ نُبِّئْت إِلَخْ \" وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ عِمْرَان. وَقَدْ بَيَّنَ أَشْعَث فِي رِوَايَتِهِ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ الْوَاسِطَة بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِمْرَانَ فَقَالَ \" قَالَ اِبْن سِيرِينَ حَدَّثَنِي خَالِد الْحَذَّاء عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَمِّهِ أَبِي الْمُهَلَّب عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْن \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ , وَوَقَعَ لَنَا عَالِيًا فِي جُزْء الذُّهْلِيِّ , فَظَهَرَ أَنَّ اِبْنَ سِيرِينَ أَبْهَمَ ثَلَاثَة. وَرِوَايَتُهُ عَنْ خَالِدٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنْ الْأَصَاغِر. ‏"
    },
    {
        "id": "461",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَتَحَرَّى أَمَاكِنَ مِنْ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِيهَا ‏ ‏وَيُحَدِّثُ أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي فِيهَا ‏ ‏وَأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي فِي تِلْكَ الْأَمْكِنَةِ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي فِي تِلْكَ الْأَمْكِنَةِ وَسَأَلْتُ ‏ ‏سَالِمًا ‏ ‏فَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا وَافَقَ ‏ ‏نَافِعًا ‏ ‏فِي الْأَمْكِنَةِ كُلِّهَا إِلَّا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي مَسْجِدٍ ‏ ‏بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي نَافِع ) ‏ ‏الْقَائِل ذَلِكَ هُوَ مُوسَى بْن عُقْبَة , وَلَمْ يَسُقّ الْبُخَارِيّ لَفْظ فُضَيْل بْن سُلَيْمَان , بَلْ سَاقَ لَفْظَ أَنَس بْن عِيَاض وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ ذِكْر سَالِمٍ , بَلْ ذِكْر نَافِع فَقَطْ وَقَدْ دَلَّتْ رِوَايَة فُضَيْل عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ سَالِم وَنَافِع مُتَّفِقَتَانِ إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ , وَكَأَنَّهُ اِعْتَمَدَ رِوَايَةَ أَنَس بْن عِيَاض لِكَوْنِهِ أَتْقَنَ مِنْ فُضَيْل. وَمُحَصِّلُ ذَلِكَ أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يَتَبَرَّكُ بِتِلْكَ الْأَمَاكِنِ , وَتَشَدُّدُهُ فِي الِاتِّبَاعِ مَشْهُور , وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأَى النَّاسَ فِي سَفَر يَتَبَادَرُونَ إِلَى مَكَانٍ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا : قَدْ صَلَّى فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : مَنْ عَرَضَتْ لَهُ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّ وَإِلَّا فَلْيَمْضِ , فَإِنَّمَا هَلَكَ أَهْل الْكِتَابِ ; لِأَنَّهُمْ تَتَبَّعُوا آثَارَ أَنْبِيَائِهِمْ فَاتَّخَذُوهَا كَنَائِس وَبِيَعًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ زِيَارَتهمْ لِمِثْلِ ذَلِكَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ أَوْ خَشِيَ أَنْ يُشْكِلَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فَيَظُنَّهُ وَاجِبًا , وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَأْمُون مِنْ اِبْن عُمَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث عِتْبَان وَسُؤَاله النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ لِيَتَّخِذَهُ مُصَلًّى وَإِجَابَة النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ حُجَّةٌ فِي التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "462",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَنْزِلُ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏حِينَ يَعْتَمِرُ وَفِي حَجَّتِهِ حِينَ حَجَّ تَحْتَ ‏ ‏سَمُرَةٍ ‏ ‏فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ الَّذِي ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏وَكَانَ إِذَا رَجَعَ مِنْ غَزْوٍ كَانَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ هَبَطَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ فَإِذَا ظَهَرَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ أَنَاخَ ‏ ‏بِالْبَطْحَاءِ ‏ ‏الَّتِي عَلَى ‏ ‏شَفِيرِ ‏ ‏الْوَادِي الشَّرْقِيَّةِ ‏ ‏فَعَرَّسَ ‏ ‏ثَمَّ حَتَّى يُصْبِحَ لَيْسَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الَّذِي ‏ ‏بِحِجَارَةٍ ‏ ‏وَلَا عَلَى ‏ ‏الْأَكَمَةِ ‏ ‏الَّتِي عَلَيْهَا الْمَسْجِدُ كَانَ ثَمَّ خَلِيجٌ ‏ ‏يُصَلِّي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عِنْدَهُ فِي بَطْنِهِ ‏ ‏كُثُبٌ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَمَّ ‏ ‏يُصَلِّي ‏ ‏فَدَحَا ‏ ‏السَّيْلُ فِيهِ ‏ ‏بِالْبَطْحَاءِ ‏ ‏حَتَّى دَفَنَ ذَلِكَ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏يُصَلِّي فِيهِ وَأَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى حَيْثُ الْمَسْجِدُ الصَّغِيرُ الَّذِي دُونَ الْمَسْجِدِ الَّذِي ‏ ‏بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ ‏ ‏وَقَدْ كَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏يَعْلَمُ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ثَمَّ عَنْ يَمِينِكَ حِينَ تَقُومُ فِي الْمَسْجِدِ تُصَلِّي وَذَلِكَ الْمَسْجِدُ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ الْيُمْنَى وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَأَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي إِلَى ‏ ‏الْعِرْقِ ‏ ‏الَّذِي عِنْدَ مُنْصَرَفِ ‏ ‏الرَّوْحَاءِ ‏ ‏وَذَلِكَ ‏ ‏الْعِرْقُ ‏ ‏انْتِهَاءُ طَرَفِهِ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ دُونَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُنْصَرَفِ وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَقَدْ ابْتُنِيَ ثَمَّ مَسْجِدٌ فَلَمْ يَكُنْ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏يُصَلِّي فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ كَانَ يَتْرُكُهُ عَنْ يَسَارِهِ وَوَرَاءَهُ وَيُصَلِّي أَمَامَهُ إِلَى ‏ ‏الْعِرْقِ ‏ ‏نَفْسِهِ وَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏يَرُوحُ مِنْ ‏ ‏الرَّوْحَاءِ ‏ ‏فَلَا ‏ ‏يُصَلِّي الظُّهْرَ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ الْمَكَانَ فَيُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ وَإِذَا أَقْبَلَ مِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَإِنْ مَرَّ بِهِ قَبْلَ الصُّبْحِ بِسَاعَةٍ أَوْ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ ‏ ‏عَرَّسَ ‏ ‏حَتَّى يُصَلِّيَ بِهَا الصُّبْحَ وَأَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَنْزِلُ تَحْتَ ‏ ‏سَرْحَةٍ ‏ ‏ضَخْمَةٍ دُونَ ‏ ‏الرُّوَيْثَةِ ‏ ‏عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وَوِجَاهَ الطَّرِيقِ فِي مَكَانٍ ‏ ‏بَطْحٍ ‏ ‏سَهْلٍ حَتَّى يُفْضِيَ مِنْ أَكَمَةٍ دُوَيْنَ بَرِيدِ ‏ ‏الرُّوَيْثَةِ ‏ ‏بِمِيلَيْنِ وَقَدْ انْكَسَرَ أَعْلَاهَا فَانْثَنَى فِي جَوْفِهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ وَفِي سَاقِهَا كُثُبٌ كَثِيرَةٌ وَأَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى فِي طَرَفِ ‏ ‏تَلْعَةٍ ‏ ‏مِنْ وَرَاءِ ‏ ‏الْعَرْجِ ‏ ‏وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى هَضْبَةٍ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ قَبْرَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْقُبُورِ رَضَمٌ مِنْ حِجَارَةٍ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ عِنْدَ ‏ ‏سَلَمَاتِ ‏ ‏الطَّرِيقِ بَيْنَ أُولَئِكَ ‏ ‏السَّلَمَاتِ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏يَرُوحُ مِنْ ‏ ‏الْعَرْجِ ‏ ‏بَعْدَ أَنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ ‏ ‏بِالْهَاجِرَةِ ‏ ‏فَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ وَأَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَزَلَ عِنْدَ سَرَحَاتٍ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ فِي مَسِيلٍ دُونَ ‏ ‏هَرْشَى ‏ ‏ذَلِكَ ‏ ‏الْمَسِيلُ ‏ ‏لَاصِقٌ ‏ ‏بِكُرَاعِ ‏ ‏هَرْشَى ‏ ‏بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ قَرِيبٌ مِنْ ‏ ‏غَلْوَةٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏يُصَلِّي إِلَى ‏ ‏سَرْحَةٍ ‏ ‏هِيَ أَقْرَبُ ‏ ‏السَّرَحَاتِ ‏ ‏إِلَى الطَّرِيقِ وَهِيَ أَطْوَلُهُنَّ وَأَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَنْزِلُ فِي ‏ ‏الْمَسِيلِ ‏ ‏الَّذِي فِي أَدْنَى ‏ ‏مَرِّ الظَّهْرَانِ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏حِينَ يَهْبِطُ مِنْ ‏ ‏الصَّفْرَاوَاتِ ‏ ‏يَنْزِلُ فِي بَطْنِ ذَلِكَ ‏ ‏الْمَسِيلِ ‏ ‏عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏لَيْسَ بَيْنَ مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبَيْنَ الطَّرِيقِ إِلَّا رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ وَأَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَنْزِلُ ‏ ‏بِذِي طُوًى ‏ ‏وَيَبِيتُ حَتَّى يُصْبِحَ ‏ ‏يُصَلِّي الصُّبْحَ حِينَ يَقْدَمُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَلِكَ عَلَى ‏ ‏أَكَمَةٍ ‏ ‏غَلِيظَةٍ لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ‏ ‏أَكَمَةٍ ‏ ‏غَلِيظَةٍ وَأَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَقْبَلَ ‏ ‏فُرْضَتَيْ ‏ ‏الْجَبَلِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَبَلِ الطَّوِيلِ نَحْوَ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فَجَعَلَ الْمَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ يَسَارَ الْمَسْجِدِ بِطَرَفِ ‏ ‏الْأَكَمَةِ ‏ ‏وَمُصَلَّى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَسْفَلَ مِنْهُ عَلَى ‏ ‏الْأَكَمَةِ ‏ ‏السَّوْدَاءِ تَدَعُ مِنْ ‏ ‏الْأَكَمَةِ ‏ ‏عَشَرَةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا ثُمَّ تُصَلِّي مُسْتَقْبِلَ ‏ ‏الْفُرْضَتَيْنِ ‏ ‏مِنْ الْجَبَلِ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تَحْتَ سَمُرَةٍ ) ‏ ‏أَيْ شَجَرَة ذَات شَوْك , وَهِيَ الَّتِي تُعْرَفُ بِأُمّ غَيْلَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ ) ‏ ‏أَيْ طَرِيقِ ذِي الْحُلَيْفَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( بَطْن وَادٍ ) ‏ ‏أَيْ وَادِي الْعَقِيق. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَرَّسَ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَاتٍ وَالرَّاءُ مُشَدَّدَةٌ , قَالَ الْخَطَّابِيّ : التَّعْرِيسُ نُزُول اِسْتِرَاحَةٍ لِغَيْرِ إِقَامَة , وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَخَصَّهُ بِذَلِكَ الْأَصْمَعِيِّ وَأَطْلَقَ أَبُو زَيْد. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى الْأَكَمَةِ ) ‏ ‏هُوَ الْمَوْضِعُ الْمُرْتَفِعُ عَلَى مَا حَوْلَهُ , وَقِيلَ هُوَ تَلٌّ مِنْ حَجَرٍ وَاحِدٍ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ ثَمَّ خَلِيج ) ‏ ‏كَرَّرَ لَفْظ \" ثَمَّ \" فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ , وَهُوَ بِفَتْح الْمُثَلَّثَة وَالْمُرَاد بِهِ الْجِهَة , وَالْخَلِيج وَادٍ لَهُ عُمْق , وَالْكُثُب بِضَمِّ الْكَافِ وَالْمُثَلَّثَة جَمْع كَثِيب وَهُوَ رَمْلٌ مُجْتَمِعٌ. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَحَا ) ‏ ‏بِالْحَاء الْمُهْمَلَةِ أَيْ دَفَعَ. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَدَخَلَ \" بِالْخَاء الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ , وَنَقَلَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ \" قَدْ جَاءَ \" بِالْقَاف وَالْجِيمِ عَلَى أَنَّهُمَا كَلِمَتَانِ حَرْف التَّحْقِيقِ وَالْفِعْلُ الْمَاضِي مِنْ الْمَجِيءِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر حَدَّثَهُ ) ‏ ‏أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( بِشَرَفِ الرَّوْحَاء ) ‏ ‏هِيَ قَوِيَّةٌ جَامِعَةٌ عَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنْ الْمَدِينَةِ , وَهِيَ آخِرُ السَّيَّالَةِ لِلْمُتَوَجِّهِ إِلَى مَكَّةَ , وَالْمَسْجِدِ الْأَوْسَطِ هُوَ فِي الْوَادِي الْمَعْرُوفِ الْآنَ بِوَادِي بَنِي سَالِم. وَفِي الْآذَانِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ بَيْنَهُمَا سِتَّة وَثَلَاثِينَ مِيلًا. ‏ ‏قَوْله : ( يُعْلِمُ الْمَكَان ) ‏ ‏بِضَمّ أَوَّله مِنْ أَعْلَمَ يُعْلِمُ مِنْ الْعَلَامَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَقُولُ ثَمَّ عَنْ يَمِينِك ) ‏ ‏قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هُوَ تَصْحِيفُ , وَالصَّوَابُ \" بِعَوَاسِج عَنْ يَمِينِك \". ‏ ‏قُلْت : تَوْجِيهُ الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ , وَمَا ذَكَرَهُ إِنْ ثَبَتَتْ بِهِ رِوَايَةٌ فَهُوَ أَوْلَى , وَقَدْ وَقَعَ التَّوَقُّف فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَدِيمًا فَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظ \" يُعْلِمُ الْمَكَان الَّذِي صَلَّى \" قَالَ فِيهِ هُنَا لَفْظَة لَمْ أَضْبِطْهَا \" عَنْ يَمِينِك \" الْحَدِيثِ. ‏ ‏قَوْله : ( يُصَلِّي إِلَى الْعِرْقِ ) ‏ ‏أَيْ عِرْق الظَّبْيَة وَهُوَ وَادٍ مَعْرُوفٌ قَالَهُ أَبُو عُبَيْد الْبَكْرِيّ. ‏ ‏( وَمُنْصَرَف الرَّوْحَاء ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاءِ , أَيْ آخِرِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ اِبْتُنِيَ ) ‏ ‏بِضَمٍّ الْمُثَنَّاةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( سَرْحَة ضَخْمَة ) ‏ ‏أَيْ شَجَرَة عَظِيمَة ‏ ‏وَ ( الرُّوَيْثَة ) ‏ ‏بِالرَّاءِ وَالْمُثَلَّثَة مُصَغَّرًا , قَرْيَة جَامِعَة بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَبْعَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا. ‏ ‏( وَوِجَاهُ الطَّرِيق ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْوَاوِ , أَيْ مُقَابِلَة. ‏ ‏قَوْله : ( بَطْح ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُون الطَّاءِ وَبِكَسْرِهَا أَيْضًا , أَيْ وَاسِع. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يُفْضِيَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْمُسْتَمْلِي وَالْحَموِيِّ \" حِينَ يُفْضِي \". ‏ ‏قَوْله ( دُوَيْنَ بَرِيد الرُّوَيْثَةِ بِمِيلَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَكَانِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الْبَرِيد بِالرُّوَيْثَةِ مِيلَانِ , قِيلَ الْمُرَاد بِالْبَرِيدِ سِكَّة الطَّرِيق. ‏ ‏قَوْله ( فَانْثَنَى ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَلْعَة ) ‏ ‏بِفَتْح الْمُثَنَّاة وَسُكُون اللَّامِ بَعْدَهَا مُهْمَلَة وَهِيَ مَسِيلُ الْمَاءِ مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلَ , وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَا اِرْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ وَلِمَا اِنْهَبَطَ , ‏ ‏وَ ( الْعَرْج ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُون الرَّاءِ بَعْدَهَا جِيم : قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْن الرُّوَيْثَة ثَلَاثَة عَشَر أَوْ أَرْبَعَة عَشَر مِيلًا ‏ ‏وَ ( الْهَضْبَة ) ‏ ‏بِسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَة فَوْقَ الْكَثِيبِ فِي الِارْتِفَاعِ وَدُونَ الْجَبَلِ , وَقِيلَ الْجَبَلُ الْمُنْبَسِطُ عَلَى الْأَرْضِ , وَقِيلَ الْأَكَمَة الْمَلْسَاء وَ \" الرَّضْم \" الْحِجَارَة الْكِبَار وَاحِدهَا رَضْمَة بِسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَة فِي الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ , وَوَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيّ بِالتَّحْرِيكِ. ‏ ‏قَوْله : ( عِنْدَ سَلِمَات الطَّرِيق ) ‏ ‏أَيْ مَا يَتَفَرَّعُ عَنْ جَوَانِبِهِ , وَالسَّلِمَاتِ بِفَتْحِ الْمُهْمِلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَالْأَصِيلِيّ وَفِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ بِفَتْحِ اللَّامِ , وَقِيلَ : هِيَ بِالْكَسْرِ الصَّخْرَات , وَبِالْفَتْحِ الشَّجَرَات وَ \" السَّرَحَات \" بِالتَّحْرِيكِ جُمَع سَرْحَة وَهِيَ الشَّجَرَةُ الضَّخْمَةُ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي مَسِيلٍ دُونَ هَرْشَى ) ‏ ‏الْمُسِيل الْمَكَان الْمُنْحَدِر وَهَرْشَى بِفَتْح أَوَّله وَسُكُون الرَّاءِ بَعْدَهَا شِين مُعْجَمَة مَقْصُور , قَالَ الْبَكْرِيُّ هُوَ جَبَلٌ عَلَى مُلْتَقَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ قَرِيب مِنْ الْجُحْفَةِ , وَكَرَاعٍ هَرْشَى طَرَفهَا , وَ \" الْغَلْوَة \" بِالْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَة غَايَةُ بُلُوغ السَّهْم , وَقِيلَ قَدْرُ ثُلْثَيْ مِيلٍ. ‏ ‏قَوْله : ( مَرِّ الظَّهْرَانِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَبِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُون الْهَاءِ هُوَ الْوَادِي الَّذِي تُسَمِّيه الْعَامَّة بَطْنَ مَرْوٍ بِإِسْكَان الرَّاء بَعْدَهَا وَاو. قَالَ الْبَكْرِيّ : بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ سِتَّةَ عَشَرَ مِيلًا , وَقَالَ أَبُو غَسَّان سُمِّيَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ فِي بَطْنِ الْوَادِي كِتَابَةً بِعِرْقٍ مِنْ الْأَرْضِ أَبْيَض هِجَاء \" م ر ا \" الْمِيم مُنْفَصِلَة عَنْ الرَّاءِ , وَقِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَرَارَةِ مَائِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قِبَلَ الْمَدِينَةِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَافِ وَبِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ُ أَيْ مُقَابِلَهَا. ‏ ‏و ( الصَّفْرَاوَات ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمِلَةِ وَسُكُون الْفَاءِ جُمَع صَفْرَاء وَهُوَ مَكَانٌ بَعْدَ مَرِّ الظَّهْرَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَنْزِلُ بِذِي طُوَى ) ‏ ‏بِضَمّ الطَّاءِ لِلْأَكْثَرِ وَبِهِ جَزَمَ الْجَوْهَرِيّ , وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي \" بِذِي الطُّوَى \" بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَلَامٍ قَيَّدَهُ الْأَصِيلِيّ بِالْكَسْرِ وَحَكَى عِيَاض وَغَيْره الْفَتْح أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَقْبَلَ فُرْضَتَيْ الْجَبَل ) ‏ ‏الْفُرْضَة بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُون الرَّاءِ بَعْدَهَا ضَاد مُعْجَمَة : مَدْخَلُ الطَّرِيقِ إِلَى الْجَبَلِ , وَقِيلَ الشَّقُّ الْمُرْتَفِعُ كَالشُّرَافَةِ , وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَدْخَلِ النَّهْرِ. ‏ ‏( تَنْبِيهَات ) : ‏ ‏الْأَوَّل اِشْتَمَلَ هَذَا السِّيَاقُ عَلَى تِسْعَةِ أَحَادِيثَ أَخْرَجَهَا الْحَسَن بْن سُفْيَان فِي مَسْنَدِهِ مُفَرَّقَة مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس عَنْ أَنَس بْن عِيَاض يُعِيدُ الْإِسْنَادَ فِي كُلّ حَدِيث , إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الثَّالِث. وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْهَا الْحَدِيثَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ فِي كِتَاب الْحَجّ. الثَّانِي : هَذِهِ الْمَسَاجِدُ لَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ مِنْهَا غَيْر مَسْجِدَيْ ذِي الْحُلَيْفَةِ , وَالْمَسَاجِدِ الَّتِي بِالرَّوْحَاءِ يَعْرِفُهَا أَهْلُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ فِي \" أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ \" لَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَة بَسْطٍ فِي صِفَةِ تِلْكَ الْمَسَاجِدِ. وَفِي التِّرْمِذِيَّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرو بْن عَوْف أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَادِي الرَّوْحَاء وَقَالَ \" لَقَدْ صَلَّى فِي هَذَا الْمَسْجِدِ سَبْعُونَ نَبِيًّا \". الثَّالِثُ : عُرِفَ مِنْ صَنِيعِ اِبْن عُمَر اِسْتِحْبَاب تَتَبُّع آثَار النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّبَرُّك بِهَا , وَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ : إِنَّ الْمَسَاجِدَ - الَّتِي ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِيهَا - لَوْ نَذَرَ أَحَد الصَّلَاة فِي شَيْءٍ مِنْهَا تَعَيَّنَ كَمَا تَتَعَيَّنُ الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة. الرَّابِعُ : ذَكَرَ الْبُخَارِيّ الْمَسَاجِد الَّتِي فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ , وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَسَاجِدَ الَّتِي كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهُ إِسْنَاد فِي ذَلِكَ عَلَى شَرْطِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ \" الْمَسَاجِد وَالْأَمَاكِن الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ مُسْتَوْعِبًا , وَرَوَى عَنْ أَبِي غَسَّان عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ كُلَّ مَسْجِدٍ بِالْمَدِينَةِ وَنَوَاحِيهَا مَبْنِيّ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ الْمُطَابَقَة , فَقَدْ صَلَّى فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَلِكَ أَنَّ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ سَأَلَ النَّاسَ - وَهُمْ يَوْمَئِذٍ مُتَوَافِرُونَ - عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ بَنَاهَا بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ الْمُطَابَقَة ا ه. وَقَدْ عَيَّنَ عُمَر بْن شَبَّة مِنْهَا شَيْئًا كَثِيرًا , لَكِنَّ أَكْثَرَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ قَدْ اِنْدَثَرَ , وَبَقِيَ مِنْ الْمَشْهُورَةِ الْآنَ مَسْجِد قُبَاءٍ , وَمَسْجِد الْفَضِيخِ وَهُوَ شَرْقِيّ مَسْجِد قُبَاءٍ وَمَسْجِد بَنِي قُرَيْظَةَ , وَمُشْرَبَة أُمِّ إِبْرَاهِيمَ وَهِيَ شَمَالَيّ مَسْجِد بَنِي قُرَيْظَةَ , وَمَسْجِد بَنِي ظَفَر شَرْقِيّ الْبَقِيع وَيُعْرَفُ بِمَسْجِد الْبَغْلَة وَمَسْجِد بَنِي مُعَاوِيَة وَيُعْرَفُ بِمَسْجِد الْإِجَابَة وَمَسْجِد الْفَتْح قَرِيب مِنْ جَبَلِ سَلْع , وَمَسْجِد الْقُبْلَتَيْنِ فِي بَنِي سَلَمَة , هَكَذَا أَثْبَتَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا , وَفَائِدَةُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْبَغَوِيّ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "463",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ ‏ ‏أَتَانٍ ‏ ‏وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ ‏ ‏نَاهَزْتُ ‏ ‏الِاحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي بِالنَّاسِ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ ‏ ‏الْأَتَانَ ‏ ‏تَرْتَعُ ‏ ‏وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( نَاهَزْت الِاحْتِلَام ) ‏ ‏أَيْ قَارَبْتُهُ , وَقَدْ ذَكَرْت الِاخْتِلَافَ فِي قَدْر عُمْره فِي \" بَابِ تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ \" مِنْ كِتَاب فَضِيلَة الْقُرْآنِ وَفِي \" بَاب الِاخْتِتَان بَعْدَ الْكِبَرِ \" مِنْ كِتَاب الِاسْتِئْذَان. وَتَوْجِيهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِ مِنْ ذَلِكَ وَبَيَان الرَّاجِحِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏ ‏قَوْله : ( يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى ) ‏ ‏كَذَا قَالَ مَالِك وَأَكْثَر أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَةِ اِبْن عُيَيْنَة \" بِعَرَفَةَ \" قَالَ النَّوَوِيّ : يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّعَدُّدِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ اِتِّحَادِ مَخْرَجِ الْحَدِيث , فَالْحَقّ أَنَّ قَوْلَ اِبْن عُيَيْنَة \" بِعَرَفَةَ \" شَاذّ. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَوْ الْفَتْحِ \" وَهَذَا الشَّكّ مِنْ مَعْمَرٍ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ , وَالْحَقّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. ‏ ‏قَوْله : ( بَعْض الصَّفِّ ) ‏ ‏زَاد الْمُصَنِّفِ فِي الْحَجِّ مِنْ رِوَايَة اِبْن أَخِي اِبْن شِهَاب عَنْ عَمِّهِ \" حَتَّى سِرْت بَيْنَ يَدَيْ بَعْض الصَّفِّ الْأَوَّلِ \". اِنْتَهَى. وَهُوَ يُعَيِّنُ أَحَد الِاحْتِمَالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَد ) ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : اِسْتَدَلَّ اِبْن عَبَّاس بِتَرْك الْإِنْكَار عَلَى الْجَوَازِ , وَلَمْ يَسْتَدِلَّ بِتَرْكِ إِعَادَتِهِمْ لِلصَّلَاةِ ; لِأَنَّ تَرْك الْإِنْكَار أَكْثَرُ فَائِدَةً. ‏ ‏قُلْت : وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ تَرْكَ الْإِعَادَةِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا فَقَطْ لَا عَلَى جَوَازِ الْمُرُورِ , وَتَرْك الْإِنْكَارُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمُرُورِ وَصِحَّة الصَّلَاةِ مَعًا. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ تَرْك الْإِنْكَار حُجَّة عَلَى الْجَوَازِ بِشَرْطِهِ وَهُوَ اِنْتِفَاءُ الْمَوَانِع مِنْ الْإِنْكَارِ وَثُبُوتُ الْعِلْمِ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى الْفِعْلِ , وَلَا يُقَالُ لَا يَلْزَمُ مِمَّا ذُكِرَ اِطِّلَاع النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الصَّفّ حَائِلًا دُونَ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ ; لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرَى فِي الصَّلَاةِ مِنْ وَرَائِهِ كَمَا يَرَى مَنْ أَمَامَهُ وَتُقَدِّمُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ بَعْض الصَّفِّ الْأَوَّلِ , فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَائِل دُونَ الرُّؤْيَةِ , وَلَوْ لَمْ يَرِدْ شَيْء مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ تَوَفُّر دَوَاعِيهِمْ عَلَى سُؤَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يَحْدُثُ لَهُمْ كَافِيًا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى اِطِّلَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ وَاللَّه أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مُرُور الْحِمَار لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ , فَيَكُونُ نَاسِخًا لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِم فِي كَوْن مُرُور الْحِمَار يَقْطَعُ الصَّلَاة ُ وَكَذَا مُرُور الْمَرْأَة وَالْكَلْب الْأَسْوَد. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مُرُور الْحِمَار مُتَحَقِّق فِي حَال مُرُور اِبْن عَبَّاس وَهُوَ رَاكِبُهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ لِكَوْن الْإِمَام سُتْرَة لِمَنْ خَلْفُهُ وَأَمَّا مُرُورُهُ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ عَنْهُ فَيَحْتَاجُ إِلَى نَقْل. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : حَدِيثُ اِبْن عَبَّاس هَذَا يَخُصُّ حَدِيثٌ أَبِي سَعِيد \" إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ \" فَإِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوص بِالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِد , فَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس هَذَا , قَالَ : وَهَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَكَذَا نَقَلَ عِيَاض الِاتِّفَاق عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومِينَ يُصَلُّونَ إِلَى سُتْرَة , لَكِنْ اِخْتَلَفُوا هَلْ سُتْرَتُهُمْ سُتْرَةُ الْإِمَام أَمْ سُتْرَتُهُمْ الْإِمَام نَفْسه ا ه. فِيهِ نَظَرٌ , لِمَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ الْحَكَمِ بْن عَمْرو الْغِفَارِيّ الصَّحَابِيّ \" أَنَّهُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي سَفَرٍ وَبَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَة , فَمَرَّتْ حَمِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِهِ فَأَعَادَ بِهِمْ الصَّلَاةَ \". وَفِي رِوَايَةِ لَهُ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ \" إِنَّهَا لَمْ تَقْطَعْ صَلَاتِي وَلَكِنْ قَطَعَتْ صَلَاتَكُمْ ُ فَهَذَا يُعَكِّرُ عَلَى مَا نُقِلَ مِنْ الِاتِّفَاقِ. وَلَفْظُ تَرْجَمَة الْبَابِ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ سُوَيْدِ بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا \" سُتْرَة الْإِمَام سُتْرَة لِمَنْ خَلْفُهُ \" وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ سُوَيْدٌ عَنْ عَاصِم ا ه. وَسُوَيْدٌ ضَعِيف عِنْدَهُمْ. وَوَرَدَتْ أَيْضًا فِي حَدِيثٍ مَوْقُوفٍ عَلَى اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق , وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ الَّذِي نَقَلَهُ عِيَاض فِيمَا لَوْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ أَحَد , فَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ سُتْرَة الْإِمَام سُتْرَة مَنْ خَلْفِهِ يَضُرُّ صَلَاتَهُ وَصَلَاتَهُمْ مَعًا , وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْإِمَامَ نَفْسه سُتْرَة مَنْ خَلْفِهِ يَضُرُّ صَلَاتَهُ وَلَا يَضُرُّ صَلَاتَهُمْ ُ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّة مَبَاحِث حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي كِتَابِ الْعِلْمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "464",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الْأُمَرَاءُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيُّ : لَمْ أَجِدْ إِسْحَاق هَذَا مَنْسُوبًا لِأَحَدٍ مِنْ الرُّوَاةِ : قُلْت : وَقَدْ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم وَخَلَفٌ وَغَيْرُهَا بِأَنَّهُ إِسْحَاق بْن مَنْصُور. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ ) ‏ ‏أَيْ أَمَرَ خَادِمَهُ بِحَمْلِ الْحَرْبَةِ , وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْعِيدَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ نَافِع \" كَانَ يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى وَالْعَنَزَة تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا \" زَاد اِبْن مَاجَهْ وَابْن خُزَيْمَة وَالْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَذَلِكَ أَنَّ الْمُصَلَّى كَانَ فَضَاءً لَيْسَ فِيهِ شَيْء يَسْتُرُهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَالنَّاسُ ) ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى فَاعِلِ فَيُصَلِّي. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ نَصْبَ الْحَرْبَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ حَيْثُ لَا يَكُونُ جِدَار. ‏ ‏قَوْله : ( فَمِنْ ثَمَّ ) ‏ ‏أَيْ فَمِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ اِتَّخَذَ الْأُمَرَاءُ الْحَرْبَةَ يَخْرُجُ بِهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فِي الْعِيدِ وَنَحْوِهِ , وَهَذِهِ الْجُمْلَة الْأَخِيرَة فَصَّلَهَا عَلِيُّ اِبْنُ مُسْهِرٍ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عُمَر فَجَعَلَهَا مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ كَمَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ , وَأَوْضَحْتُهُ فِي كِتَاب \" الْمُدْرَج \". ‏ ‏وَفِي الْحَدِيثِ الِاحْتِيَاط لِلصَّلَاةِ وَأَخْذُ آلَةِ دَفْعِ الْأَعْدَاءِ لَا سِيَّمَا فِي السَّفَرِ , وَجَوَاز الِاسْتِخْدَام وَغَيْر ذَلِكَ. وَالضَّمِيرُ فِي \" اِتَّخَذَهَا \" يَحْتَمِلُ عَوْدَهُ إِلَى الْحَرْبَةِ نَفْسهَا أَوْ إِلَى جِنْس الْحَرْبَة , وَقَدْ رَوَى عُمَر بْن شَبَّة فِي \" أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ \" مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ الْقَرَظِ \" أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرْبَةً فَأَمْسَكَهَا لِنَفْسِهِ , فَهِيَ الَّتِي يَمْشِي بِهَا مَعَ الْإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ \". وَمِنْ طَرِيق اللَّيْث أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْعَنَزَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ لِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَتَلَهُ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام يَوْمَ أُحُد فَأَخَذَهَا مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يَنْصِبُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِذَا صَلَّى. وَيَحْتَمِلُ الْجَمْعُ بِأَنَّ عَنَزَة الزُّبَيْر كَانْت أَوَّلًا قَبْلَ حَرْبَة النَّجَاشِيّ. ‏ ‏( فَائِدَة ) ‏ ‏حَدِيث أَبِي جُحَيْفَة أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ فِي \" بَابِ اِسْتِعْمَالِ فَضْل وَضُوء النَّاسِ \" وَفِي حَدِيثِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ مِنْ الصَّلَاةِ فِي \" بَاب الصَّلَاة فِي الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ \" وَذَكَرَهُ أَيْضًا هُنَا وَبَعْدَ بَابَيْنِ أَيْضًا وَفِي الْأَذَانِ وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْضِعَيْنِ وَفِي اللِّبَاسِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَمَدَارُهُ عِنْدَهُ عَلَى الْحَكَمِ بْن عُتَيْبَةَ وَعَلَى عَوْن بْن أَبِي جُحَيْفَة كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي جُحَيْفَة وَعِنْدَ أَحَدِهِمَا مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ , وَقَدْ سَمِعَهُ شُعْبَةُ مِنْهُمَا كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا. ‏"
    },
    {
        "id": "465",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى بِهِمْ ‏ ‏بِالْبَطْحَاءِ ‏ ‏وَبَيْنَ يَدَيْهِ ‏ ‏عَنَزَةٌ ‏ ‏الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاءِ ) ‏ ‏يَعْنِي بَطْحَاء مَكَّةَ , وَهُوَ مَوْضِعٌ خَارِجَ مَكَّةَ , وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْأَبْطَحُ , وَكَذَا ذَكَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْعُمَيْسِ عَنْ عَوْن , وَزَادَ مِنْ رِوَايَةِ آدَم عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَوْنٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْهَاجِرَةِ ُ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ - كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيّ - أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْت الْأُولَى مِنْهُمَا , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْله \" وَالْعَصْر رَكْعَتَيْنِ \" أَيْ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطهَا وَتَفْسِيرهَا فِي الطَّهَارَةِ فِي حَدِيثِ أَنَس. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْعُمَيْسِ \" جَاءَ بِلَال فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ , ثُمَّ خَرَجَ بِالْعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ \" وَأَوَّلَ رِوَايَةَ عُمَر بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ عَوْنٍ عَنْ أَبِيهِ \" رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مَنْ أُدْمٍ , وَرَأَيْت بِلَالًا أَخَذَ وَضَوْء رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَرَأَيْت النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوء فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسُّح بِهِ , وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ \" وَفِيهَا أَيْضًا \" وَخَرَجَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا \" وَفِي رِوَايَةِ مَالِك بْن مِغْوَل عَنْ عَوْن \" كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيص سَاقَيْهِ \" وَبَيَّنَ فِيهَا أَيْضًا أَنَّ الْوَضُوءَ الَّذِي اِبْتَدَرَهُ النَّاس كَانَ فَضْل الْمَاءِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ ُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ عَوْنٍ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ بِقَوْلِهِ \" ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ \". ‏ ‏قَوْله : ( يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ بَيْنِ الْعَنَزَةِ وَالْقِبْلَةِ لَا بَيْنُهُ وَبَيْنَ الْعَنَزَةِ , فَفِي رِوَايَةِ عُمَر بْن أَبِي زَائِدَة فِي بَاب الصَّلَاة فِي الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ \" وَرَأَيْت النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْ الْعَنَزَة \". وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ اِلْتِمَاس الْبَرَكَة مِمَّا لَامَسَهُ الصَّالِحُونَ , وَوَضْعُ السُّتْرَةِ لِلْمُصَلِّي حَيْثُ يُخْشَى الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالِاكْتِفَاءُ فِيهَا بِمِثْلِ غِلَظِ الْعَنَزَة وَأَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ لِمَا يُشْعِرُ بِهِ الْخَبَر مِنْ مُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَأَنَّ اِبْتِدَاء الْقَصْر مِنْ حِينِ مُفَارَقَة الْبَلَد الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ , وَفِيهِ تَعْظِيمُ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب تَشْمِير الثِّيَابِ لَا سِيَّمَا فِي السَّفَرِ وَكَذَا اِسْتِصْحَاب الْعَنَزَة وَنَحْوِهَا , وَمَشْرُوعِيَّة الْأَذَان فِي السَّفَرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَذَانِ وَجَوَاز النَّظَرِ إِلَى السَّاقِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ فِي الرَّجُلِ حَيْثُ لَا فِتْنَةَ , وَجَوَاز لُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ , وَفِيهِ خِلَافٌ يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "466",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَخْبَرَنِي أَبِي \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَهْلِ ) ‏ ‏زَاد الْأَصِيلِيّ \" اِبْن سَعْد \". ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ بَيْن مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ مَقَامِهِ فِي صَلَاتِهِ وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَيْنَ الْجِدَارِ ) ‏ ‏, أَيْ جِدَارِ الْمَسْجِدِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَة , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي غَسَّان عَنْ أَبِي حَازِم فِي الِاعْتِصَامِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَمَرُّ الشَّاة ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ , وَكَانَ تَامَّة أَوْ مَمَرّ اِسْم كَانَ بِتَقْدِيرٍ قَدْرَ أَوْ نَحْوَهُ وَالظَّرْف الْخَبَر. وَأَعْرَبَهُ الْكَرْمَانِيّ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ مَمَرّ خَبَر كَانَ وَاسْمهَا نَحْوَ قَدْر الْمَسَافَة قَالَ : وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "467",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ جِدَارُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مَا كَادَتْ الشَّاةُ ‏ ‏تَجُوزُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَلَمَةَ ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن الْأَكْوَع وَهَذَا ثَانِي ثُلَاثِيَّات الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ جِدَار الْمَسْجِدِ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مَكِّيّ , وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِم عَنْ يَزِيدُ بِلَفْظ \" كَانَ الْمِنْبَر عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَائِط الْقِبْلَةَ إِلَّا قَدْر مَا تَمُرُّ الْعَنْزَة , فَتَبَيَّنُ بِهَذَا السِّيَاقِ أَنَّ الْحَدِيثَ مَرْفُوع. ‏ ‏قَوْله : ( تَجُوزُهَا ) ‏ ‏وَلِبَعْضِهِمْ \" أَنْ تَجُوزَهَا \" أَيْ الْمَسَافَةِ وَهِيَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْجِدَارِ. فَإِنْ قِيلَ : مَنْ أَيْنَ يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ ؟ أَجَابَ الْكَرْمَانِيّ فَقَالَ : مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ بِجَنْب الْمِنْبَر , أَيْ وَلَمْ يَكُنْ لِمَسْجِدِهِ مِحْرَاب , فَتَكُونُ مَسَافَةَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ نَظِيرَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْجِدَارِ فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَسُتْرَته قَدْر مَا كَانَ بَيْنَ مِنْبَرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجِدَار الْقِبْلَة. وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ اِبْن رَشِيد أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى حَدِيثِ سَهْل بْن سَعْد الَّذِي تَقَدَّمُ فِي \" بَاب الصَّلَاةَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ \" فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ حِينَ عُمِلَ فَصَلَّى عَلَيْهِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ ذِكْرَ الْمِنْبَرِ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَوْضِع قِيَام الْمُصَلِّي. فَإِنْ قِيلَ : إِنْ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ عَلَى الْمِنْبَرِ وَإِنَّمَا نَزَلَ فَسَجَدَ فِي أَصْلِهِ , وَبَيْنَ أَصْل الْمِنْبَر وَبَيْنَ الْجِدَارِ أَكْثَر مِنْ مَمَرّ الشَّاة أُجِيبَ بِأَنَّ أَكْثَرَ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ قَدْ حَصَلَ فِي أَعْلَى الْمِنْبَرِ , وَإِنَّمَا نَزَلَ عَنْ الْمِنْبَرِ ; لِأَنَّ الدَّرَجَةَ لَمْ تَتَّسِعْ لِقَدْر سُجُوده فَحَصَلَ بِهِ الْمَقْصُود. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمَّا سَجَدَ فِي أَصْل الْمِنْبَر صَارَتْ الدَّرَجَة الَّتِي فَوْقَهُ سُتْرَة لَهُ وَهُوَ قَدْرُ مَا تَقَدَّمَ. قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا أَقَلُّ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهُ , يَعْنِي قَدْر مَمَرّ الشَّاة , وَقِيلَ أَقَلّ ذَلِكَ ثَلَاثَة أَذْرُعٍ لِحَدِيثِ بِلَال \" إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ ثَلَاثَةُ أَذْرُع , كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَاب. وَجَمَعَ الدَّاوُدِيّ بِأَنَّ أَقَلَّهُ مَمَرّ الشَّاة. وَأَكْثَرُهُ ثَلَاثَة أَذْرُع. وَجَمَعَ بَعْضهمْ بِأَنَّ الْأَوَّل فِي حَال الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالثَّانِي فِي حَال الرُّكُوع وَالسُّجُود. وَقَالَ اِبْن الصَّلَاحِ : قَدَّرُوا مَمَرّ الشَّاة بِثَلَاثَةِ أَذْرُع. ‏ ‏قُلْت : وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَقَالَ الْبَغَوِيّ : اِسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ الدُّنُوّ مِنْ السُّتْرَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا قَدْرُ إِمْكَانِ السُّجُودِ , وَكَذَلِكَ بَيْنَ الصُّفُوفِ. وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالدُّنُوِّ مِنْهَا , وَفِيهِ بَيَانُ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ , وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ سَهْل اِبْن أَبِي حَثْمَة مَرْفُوعًا \" إِذَا صَلَّى أَحَدكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَان عَلَيْهِ صِلَاته \". ‏"
    },
    {
        "id": "468",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يُرْكَزُ لَهُ الْحَرْبَةُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تُرْكَزُ ) ‏ ‏أَيْ تُغْرَزُ فِي الْأَرْضِ. ‏"
    },
    {
        "id": "469",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْهَاجِرَةِ ‏ ‏فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ ‏ ‏عَنَزَةٌ ‏ ‏وَالْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَالْمَرْأَة وَالْحِمَار يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا ) ‏ ‏كَذَا وَرَدَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْجِنْسَ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة \" وَالنَّاس وَالدَّوَابّ يَمُرُّونَ \" كَمَا تَقَدَّمَ , أَوْ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ وَغَيْرُهُمَا أَوْ الْمُرَاد الْحِمَار بِرَاكِبِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِلَفْظ \" يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمَرْأَة وَالْحِمَار \" فَالظَّاهِر أَنْ الَّذِي وَقَعَ هُنَا مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ , وَقَالَ اِبْن التِّينِ : الصَّوَابُ يَمُرَّانِ , إِذْ فِي يَمُرُّونَ إِطْلَاق صِيغَة الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ. وَقَالَ اِبْن مَالِك : أَعَادَ ضَمِير الذُّكُور الْعُقَلَاء عَلَى مُؤَنَّثٍ وَمُذَكَّرٍ غَيْر عَاقِلٍ وَهُوَ مُشْكِل , وَالْوَجْه فِيهِ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَرْأَةَ وَالْحِمَارَ وَرَاكِبه فَحَذَفَ الرَّاكِب لِدَلَالَة الْحِمَار عَلَيْهِ , ثُمَّ غَلَّبَ تَذْكِير الرَّاكِب الْمَفْهُوم عَلَى تَأْنِيث الْمَرْأَة وَذَا الْعَقْلِ عَلَى الْحِمَارِ. وَقَدْ وَقَعَ الْإِخْبَار عَنْ مَذْكُورٍ وَمَحْذُوفٍ فِي قَوْلِهِمْ \" رَاكِب الْبَعِيرِ طَرِيحَانِ \" أَيْ الْبَعِيرِ وَرَاكِبه. ‏"
    },
    {
        "id": "470",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شَاذَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلَامٌ وَمَعَنَا عُكَّازَةٌ أَوْ عَصًا أَوْ ‏ ‏عَنَزَةٌ ‏ ‏وَمَعَنَا ‏ ‏إِدَاوَةٌ ‏ ‏فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ نَاوَلْنَاهُ ‏ ‏الْإِدَاوَةَ ‏",
        "sharh": "سَاق الْبُخَارِيّ حَدِيث أَنَس , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الطَّهَارَةِ. ‏ ‏قَوْله فِيهِ ( وَمَعَنَا عُكَّازَةٌ أَوْ عَصَا أَوْ عَنَزَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون وَالزَّاي الْمَفْتُوحَاتِ ُ وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ \" أَوْ غَيْره \" بِالْمُعْجَمَةِ وَالْيَاء وَالرَّاء , أَيْ سِوَاهُ , أَيْ الْمَذْكُورِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَصْحِيف. ‏"
    },
    {
        "id": "471",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْهَاجِرَةِ ‏ ‏فَصَلَّى ‏ ‏بِالْبَطْحَاءِ ‏ ‏الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَنَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ ‏ ‏عَنَزَةً ‏ ‏وَتَوَضَّأَ فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( بِالْبَطْحَاءِ ) ‏ ‏قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهَا بَطْحَاءُ مَكَّةَ. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : إِنَّمَا خَصَّ مَكَّةَ بِالذِّكْرِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ السُّتْرَةَ قِبْلَةٌ , وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِمَكَّةَ قِبْلَةٌ إِلَّا الْكَعْبَة , فَلَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى سُتْرَة. اِنْتَهَى. وَالَّذِي أَظُنُّهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَنْكُتَ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ عَبْد الرَّزَّاق حَيْثُ قَالَ فِي \" بَابِ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ شَيْء \" ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ كَثِير بْن كَثِير بْن الْمُطَّلِب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جِدِّهِ قَالَ \" رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَام لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ - أَيْ النَّاسِ - سُتْرَة \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا أَصْحَاب السُّنَنِ , وَرِجَاله مُوَثَّقُونَ إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُول , فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ عَنْ اِبْن عُيَيْنَة قَالَ : كَانَ اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنَا بِهِ هَكَذَا فَلَقِيت كَثِيرًا فَقَالَ : لَيْسَ مِنْ أَبِي سَمِعْتُهُ وَلَكِنْ عَنْ بَعْضِ أَهْلِي عَنْ جَدِّي. فَأَرَادَ الْبُخَارِيّ التَّنْبِيه عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا فِي مَشْرُوعِيَّة السُّتْرَة , وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَة وَقَدْ قَدَّمْنَا وَجْه الدَّلَالَةِ مِنْهُ. وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَنْ لَا فَرْقَ فِي مَنْعِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي بَيْنَ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا. وَاغْتَفَرَ بَعْض الْفُقَهَاءِ ذَلِكَ لِلطَّائِفِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ لِلضَّرُورَةِ , وَعَنْ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ جَوَاز ذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَكَّةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "472",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ آتِي مَعَ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏فَيُصَلِّي عِنْدَ ‏ ‏الْأُسْطُوَانَةِ ‏ ‏الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ فَقُلْتُ يَا ‏ ‏أَبَا مُسْلِمٍ ‏ ‏أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ ‏ ‏الْأُسْطُوَانَةِ ‏ ‏قَالَ فَإِنِّي ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْمَكِّيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم كَمَا ثَبَتَ عِنْدَ الْأَصِيلِيّ وَغَيْره وَهَذَا ثَالِث ثُلَاثِيَّات الْبُخَارِيّ. وَقَدْ سَاوَى فِيهِ الْبُخَارِيّ شَيْخه أَحْمَد بْن حَنْبَل , فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم. ‏ ‏قَوْله : ( الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ ) ‏ ‏هَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لِلْمُصْحَفِ مَوْضِعٌ خَاصٌّ بِهِ , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم بِلَفْظ \" يُصَلِّي وَرَاءَ الصُّنْدُوقِ \" وَكَأَنَّهُ كَانَ لِلْمُصْحَفِ صُنْدُوقٌ يُوضَعُ فِيهِ , وَالْأُسْطُوَانَةُ الْمَذْكُورَةُ حَقَّقَ لَنَا بَعْض مَشَايِخِنَا أَنَّهَا الْمُتَوَسِّطَةُ فِي الرَّوْضَةِ الْمُكَرَّمَةِ , وَأَنَّهَا تُعْرَفُ بِأُسْطُوَانَةِ الْمُهَاجِرِينَ. قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ \" لَوْ عَرَفَهَا النَّاسُ لَاضْطَرَبُوا عَلَيْهَا بِالسِّهَامِ \" وَأَنَّهَا أَسَرَّتْهَا إِلَى اِبْن الزُّبَيْر فَكَانَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ عِنْدَهَا. ثُمَّ وَجَدْت ذَلِكَ فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ لِابْن النَّجَّار وَزَاد \" أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْش كَانُوا يَجْتَمِعُونَ عِنْدَهَا \" وَذَكَرَهُ قَبْلَهُ مُحَمَّد بْن الْحَسَن فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَا أَبَا مُسْلِم ) ‏ ‏هِيَ كُنْيَة سَلَمَة , وَ \" يَتَحَرَّى \" أَيْ يَقْصِدُ. ‏"
    },
    {
        "id": "473",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَقَدْ رَأَيْتُ كِبَارَ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَبْتَدِرُونَ ‏ ‏السَّوَارِيَ ‏ ‏عِنْدَ الْمَغْرِبِ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ , وَعَمْرو بْن عَامِر هُوَ الْكُوفِيُّ الْأَنْصَارِيّ , لَا وَالِدُ أَسَد فَإِنَّهُ يُجَلِّي , وَلَا عَمْرو بْن عَامِر الْبَصْرِيّ فَإِنَّهُ سُلَمِيٌّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ رَأَيْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ ( لَقَدْ أَدْرَكْت. ‏ ‏قَوْله : ( عِنْدَ الْمَغْرِبِ ) ‏ ‏أَيْ عِنْدِ أَذَان الْمَغْرِب , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ اِبْن مَهْدِيّ عَنْ سُفْيَان وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب عَنْ أَنَس نَحْوَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَاد شُعْبَةُ عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَامِر الْمَذْكُورُ , قَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَاب الْأَذَان مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ \" عَنْ عَمْرو بْن عَامِر الْأَنْصَارِيّ \" وَزَاد فِيهِ أَيْضًا \" يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ مَعَ بَقِيَّةِ مَبَاحِثِهِ وَتَعْيِين مَنْ وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ الْمُشَار إِلَيْهِمْ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "474",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏فَأَطَالَ ثُمَّ خَرَجَ وَكُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ دَخَلَ عَلَى أَثَرِهِ فَسَأَلْتُ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏أَيْنَ صَلَّى قَالَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَة ) ‏ ‏هُوَ بِالْجِيمِ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ وَهُوَ اِبْن أَسْمَاء الضُّبَعِيُّ وَاتَّفَقَ أَنَّ اِسْمَهُ وَاسْم أَبِيهِ مِنْ الْأَعْلَامِ الْمُشْتَرَكَة بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَقَدْ سَمِعَ جُوَيْرِيَة الْمَذْكُور مِنْ نَافِع , وَرَوَى أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت أَوَّلَ النَّاسِ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ , وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيّ وَابْن عَسَاكِر \" وَكُنْت \" بِزِيَادَة وَاو فِي أَوَّلِهِ وَهِيَ أَشْبَهُ وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ ثُمَّ خَرَجَ \" وَدَخَلَ عَبْد اللَّه عَلَى أَثَرِهِ أَوَّل النَّاسِ \". ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" الْمُتَقَدِّمَيْنِ \" كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ , وَفِي رِوَايَةِ مَالِك الَّتِي تَلِيهَا \" جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَاره وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَثَلَاثَةُ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ \" , وَلَيْسَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مُخَالَفَة لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ مَالِك \" وَكَانَ الْبَيْت يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَة \" مُشْكِل ; لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِكَوْنِ مَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ كَانَ اِثْنَيْنِ وَلِهَذَا عَقَّبَهُ الْبُخَارِيّ بِرِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ الَّتِي قَالَ فِيهَا \" عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ \" , وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ حَيْثُ ثَنَّى أَشَارَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْبَيْت فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَحَيْثُ أَفْرَدَ أَشَارَ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ قَوْله \" وَكَانَ الْبَيْت يَوْمَئِذٍ \" ; لِأَنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ تَغَيَّرَ عَنْ هَيْئَتِهِ الْأُولَى. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : لَفَظَ الْعَمُود جِنْسٌ يَحْتَمِلُ الْوَاحِد وَالِاثْنَيْنِ , فَهُوَ مُجْمَلٌ بَيَّنَتْهُ رِوَايَة \" وَعَمُودَيْنِ \" , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : لَمْ تَكُنْ الْأَعْمِدَة الثَّلَاثَة عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ بَلْ اِثْنَانِ عَلَى سَمْت وَالثَّالِث عَلَى غَيْرِ سَمْتِهِمَا , وَلَفْظ \" الْمُقَدَّمَيْنِ \" فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ مُشْعِر بِهِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قُلْت : وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا رِوَايَة مُجَاهِدٍ عَنْ اِبْن عُمَر الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي \" بَاب : وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى \" فَإِنَّ فِيهَا \" بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِ الدَّاخِلِ \" وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ عَمُودَانِ عَلَى الْيَسَارِ وَأَنَّهُ صَلَّى بَيْنَهُمَا , فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ ثَمَّ عَمُود آخَر عَنْ الْيَمِينِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ أَوْ عَلَى غَيْرِ سَمْت الْعَمُودَيْنِ فَيَصِحُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ \" جَعَلَ عَنْ يَمِينِهِ عَمُودَيْنِ \" وَقَوْل مَنْ قَالَ \" جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ \". وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيّ اِحْتِمَالًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ ثَلَاثَة أَعْمِدَة مُصْطَفَّةً فَصَلَّى إِلَى جَنْب الْأَوْسَط , فَمَنْ قَالَ جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَمِينه وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ لَمْ يَعْتَبِرْ الَّذِي صَلَّى إِلَى جَنْبِهِ وَمَنْ قَالَ عَمُودَيْنِ اِعْتَبَرَهُ. ثُمَّ وَجَدْتُهُ مَسْبُوقًا بِهَذَا الِاحْتِمَالِ , وَأَبْعَد مِنْهُ قَوْل مَنْ قَالَ : اِنْتَقَلَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَان , وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ لِقِلَّتِهِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "475",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ ‏ ‏فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ وَمَكَثَ فِيهَا فَسَأَلْتُ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏حِينَ خَرَجَ مَا صَنَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ وَكَانَ ‏ ‏الْبَيْتُ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ ثُمَّ صَلَّى ‏ ‏وَقَالَ لَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي أُوَيْس , كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَالْأَصِيلِيّ \" قَالَ \" مُجَرَّدَة , وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ \" قَالَ لَنَا \" فَوَضَّحَ وَصْلَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيّ الِاخْتِلَاف عَلَى مَالِكٍ فِيهِ , فَوَافَقَ الْجُمْهُورُ عَبْدَ اللَّه بْن يُوسُف فِي قَوْلِهِ : ‏ ‏( عَمُودًا عَنْ يَمِينه وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ ) ‏ ‏وَوَافَقَ إِسْمَاعِيل فِي قَوْلِهِ \" عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ \" اِبْن الْقَاسِم وَالْقَعْنَبِيّ وَأَبُو مُصْعَب وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن وَأَبُو حُذَافَة وَكَذَا الشَّافِعِيّ وَابْن مَهْدِيّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا وَقَالَ يَحْيَى بْن يَحْيَى النَّيْسَابُورِيّ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ مُسْلِم \" جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَاره وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ \" عَكْس رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ , وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيّ وَبِشْر بْن عُمَر فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا , وَجَمَعَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ , وَهُوَ بَعِيدٌ لِاتِّحَادٍ مَخْرَجِ الْحَدِيث , وَقَدْ جَزَمَ الْبَيْهَقِيّ بِتَرْجِيحِ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ وَمَنْ وَافَقَهُ , وَفِيهِ اِخْتِلَافٌ رَابِع. قَالَ عُثْمَان بْن عُمَر عَنْ مَالِكِ \" جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ \" وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنْ يَكُونَ هُنَاكَ أَرْبَعَة أَعْمِدَة اِثْنَانِ مُجْتَمِعَانِ وَاثْنَانِ مُنْفَرِدَانِ فَوَقَفَ عِنْدَ الْمُجْتَمِعَيْنِ لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْله \" وَكَانَ الْبَيْت يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَة \" بَعْدَ قَوْلِهِ \" وَثَلَاثَة أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ \" وَقَدْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ , لَمْ يُتَابَعْ عُثْمَان بْن عُمَر عَلَى ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "476",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا دَخَلَ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ حِينَ يَدْخُلُ وَجَعَلَ الْبَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ صَلَّى يَتَوَخَّى الْمَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى فِيهِ قَالَ وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِنَا بَأْسٌ إِنْ صَلَّى فِي أَيِّ نَوَاحِي ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏شَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ قَرِيبًا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ وَاسْمُهَا مَحْذُوف. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ ثَلَاثِ أَذْرُعِ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ , وَلِغَيْرِهِ ثَلَاثَة بِالتَّأْنِيثِ وَالذِّرَاعِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَوَخَّى ) ‏ ‏الْمُعْجَمَة , أَيْ يَقْصِدُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يُصَلِّيَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَلِغَيْرِهِ أَنَّ صَلَّى بِلَفْظ الْمَاضِي وَمُرَاد اِبْن عُمَر أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ مُوَافَقَة الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ مُوَافَقَة ذَلِكَ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ الْغَرَضُ بِغَيْرِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "477",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ ‏ ‏يُعَرِّضُ ‏ ‏رَاحِلَتَهُ ‏ ‏فَيُصَلِّي إِلَيْهَا قُلْتُ أَفَرَأَيْتَ إِذَا ‏ ‏هَبَّتْ ‏ ‏الرِّكَابُ ‏ ‏قَالَ كَانَ يَأْخُذُ هَذَا الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فَيُصَلِّي إِلَى آخِرَتِهِ أَوْ قَالَ مُؤَخَّرِهِ وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَفْعَلُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يُعَرِّضُ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ ُ أَيْ يَجْعَلُهَا عَرْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت أَفَرَأَيْت ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ كَلَامُ نَافِع وَالْمَسْئُولُ اِبْن عُمَر , لَكِنْ بَيَّنَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدَة بْن حُمَيْد عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عُمَر أَنَّهُ كَلَامُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَالْمَسْئُولُ نَافِع , فَعَلَى هَذَا هُوَ مُرْسَلٌ ; لِأَنَّ فَاعِل يَأْخُذُ هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ نَافِع. ‏ ‏قَوْله : ( هَبَّتْ الرِّكَابُ ) ‏ ‏أَيْ هَاجَتْ الْإِبِل يُقَالُ هَبَّ الْفَحْلُ إِذَا هَاجَ , وَهَبَّ الْبَعِير فِي السَّيْرِ إِذَا نَشِطَ. وَالرِّكَابُ الْإِبِل الَّتِي يُسَار عَلَيْهَا وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا وَالْمَعْنَى أَنَّ الْإِبِلَ إِذَا هَاجَتْ شَوَّشَتْ عَلَى الْمُصَلِّي لِعَدَمِ اِسْتِقْرَارِهَا , فَيَعْدِلُ عَنْهَا إِلَى الرَّحْلِ فَيَجْعَلهُ سُتْرَة. ‏ ‏وَقَوْله : ( فَيَعْدِلهُ ) ‏ ‏بِفَتْحٍ أَوَّلَهُ وَسُكُون الْعَيْنِ وَكَسْرِ الدَّالِ , أَيْ يُقِيمهُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ. وَيَجُوزُ التَّشْدِيدُ. ‏ ‏وَقَوْله : ( إِلَى أَخَرَتِهِ ) ‏ ‏بِفَتَحَاتٍ بِلَا مَدٍّ وَيَجُوزُ الْمَدّ , ‏ ‏( وَمُؤْخِرَته ) ‏ ‏بِضَمّ أَوَّله ثُمَّ هَمْزَة سَاكِنَة , وَأَمَّا الْخَاءُ فَجَزَمَ أَبُو عُبَيْد بِكَسْرِهَا وَجَوَّزَ الْفَتْح , وَأَنْكَرَ اِبْنُ قُتَيْبَة الْفَتْحَ , وَعَكَسَ ذَلِكَ اِبْن مَكِّيّ فَقَالَ : لَا يُقَالُ مُقْدِمٌ وَمُؤْخِرٌ بِالْكَسْرِ إِلَّا فِي الْعَيْنِ خَاصَّة , وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَيُقَالُ بِالْفَتْحِ فَقَطْ. وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْخَاءِ. وَالْمُرَادُ بِهَا الْعُود الَّذِي فِي آخِرِ الرَّحْلِ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ الرَّاكِبُ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيل عَلَى جَوَاز التَّسَتُّر بِمَا يَسْتَقِرُّ مِنْ الْحَيَوَانِ , وَلَا يُعَارِضُهُ النَّهْي فِي مَعَاطِن الْإِبِل ; لِأَنَّ الْمَعَاطِن مَوَاضِع إِقَامَتِهَا عِنْدَ الْمَاءِ وَكَرَاهَةُ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ عِنْدَهَا إِمَّا لِشَدَّةِ نَتْنِهَا وَإِمَّا ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَخَلَّوْنَ بَيْنَهَا مُسْتَتِرِينَ بِهَا. اِنْتَهَى. وَقَالَ غَيْره : عِلَّة النَّهْي عَنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْإِبِل خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ , فَيُحْمَلُ مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي السَّفَرِ مِنْ الصَّلَاةِ إِلَيْهَا عَلَى حَالَةِ الضَّرُورَةِ , وَنَظِيرُهُ صَلَاته إِلَى السَّرِيرِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَرْأَة لِكَوْنِ الْبَيْتِ كَانَ ضَيِّقًا. وَعَلَى هَذَا فَقَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ : لَا يُسْتَتَرُ بِاِمْرَأَةٍ وَلَا دَابَّة , أَيْ فِي حَال الِاخْتِيَار. وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن عُيَيْنَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى بَعِيرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ رَحْلٌ , وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا فِي حَال شَدِّ الرَّحْلِ عَلَيْهَا أَقْرَب إِلَى السُّكُونِ مِنْ حَال تَجْرِيدهَا. ‏ ‏( تَكْمِلَة ) ‏ ‏اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ مُؤَخِّرَةَ الرَّحْلِ فِي مِقْدَارِ أَقَلِّ السُّتْرَة , وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهَا بِفِعْلِ ذَلِكَ. فَقِيلَ ذِرَاع , وَقِيلَ ثُلُثَا ذِرَاع وَهُوَ أَشْهَرُ , لَكِنْ فِي مُصَنَّفِ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ نَافِعٍ أَنَّ مُؤَخِّرَةَ رَحْل اِبْن عُمَر كَانْت قَدْرَ ذِرَاع. ‏"
    },
    {
        "id": "478",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَعَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ ‏ ‏لَقَدْ رَأَيْتُنِي مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ فَيَجِيءُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ فَيُصَلِّي فَأَكْرَهُ أَنْ ‏ ‏أُسَنِّحَهُ ‏ ‏فَأَنْسَلُّ ‏ ‏مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْ السَّرِيرِ حَتَّى ‏ ‏أَنْسَلَّ ‏ ‏مِنْ لِحَافِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَعَدَلْتُمُونَا ) ‏ ‏هُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار مِنْ عَائِشَة , قَالَتْهُ لِمَنْ قَالَ بِحَضْرَتِهَا \" يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ \" كَمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَة مَسْرُوق عَنْهَا بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَاب , وَهُنَاكَ نَذْكُرُ مَبَاحِث هَذَا الْمَتْن إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهَا ‏ ‏\" رَأَيْتُنِي \" ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاة وَقَوْلُهَا ‏ ‏\" أَنْ أَسْنَحَهُ \" ‏ ‏بِفَتْحِ النُّونِ وَالْحَاءِ الْمُهْمِلَةِ أَيْ أَظْهَرُ لَهُ مِنْ قُدَّامِهِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : هُوَ مِنْ قَوْلِك سَنَحَ لِي الشَّيْءُ إِذَا عَرَضَ لِي , تُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ تَخْشَى أَنْ تَسْتَقْبِلَهُ وَهُوَ يُصَلِّي بِبَدَنِهَا , أَيْ مُنْتَصِبَة. وَقَوْلُهَا ‏ ‏\" أَنْسَلُّ \" ‏ ‏بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ , أَيْ أَخْرُجُ بِخُفْيَةٍ أَوْ بِرِفْقٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "479",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَدَوِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ ‏ ‏يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ ‏ ‏بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ ‏ ‏أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏فِي صَدْرِهِ فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ ‏ ‏مَسَاغًا ‏ ‏إِلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ فَعَادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏أَشَدَّ مِنْ الْأُولَى فَنَالَ مِنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏ثُمَّ دَخَلَ عَلَى ‏ ‏مَرْوَانَ ‏ ‏فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏وَدَخَلَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏خَلْفَهُ عَلَى ‏ ‏مَرْوَانَ ‏ ‏فَقَالَ مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيكَ يَا ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُبَيْد , وَقَدْ قَرَنَ الْبُخَارِيّ رِوَايَته بِرِوَايَةِ سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة , وَتَبَيَّنَ مِنْ إِيرَادِهِ أَنَّ الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ لَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ , وَلَفْظ الْمَتْن الَّذِي سَاقَهُ هُنَا هُوَ لَفْظُ سُلَيْمَانَ أَيْضًا لَا لَفْظُ يُونُس , وَإِنَّمَا ظَهَرَ لَنَا ذَلِكَ مِنْ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ سَاقَ الْحَدِيثَ فِي كِتَاب بَدْء الْخَلْقِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ الَّذِي سَاقَهُ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بِعَيْنِهِ , وَلَفْظ الْمَتْن مُغَايِر لِلَّفْظِ الَّذِي سَاقَهُ هُنَا , وَلَيْسَ فِيهِ تَقْيِيد الدَّفْع بِمَا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي يُصَلِّي إِلَى سُتْرَة. وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ سُلَيْم بْن حَيَّانَ تَابَعَ يُونُس عَنْ حُمَيْدٍ عَلَى عَدَمِ التَّقْيِيدِ. ‏ ‏قُلْت : وَالْمُطْلَقُ فِي هَذَا مَحْمُول عَلَى الْمُقَيَّدِ ; لِأَنَّ الَّذِي يُصَلِّي إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِهَا وَلَا سِيَّمَا إِنْ صَلَّى فِي مَشَارِع الْمُشَاة وَقَدْ رَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر التَّفْرِقَة بَيْنَ مَنْ يُصَلِّي إِلَى سُتْرَةٍ وَإِلَى غَيْرِ سُتْرَة. وَفِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِأَصْلِهَا : وَلَوْ صَلَّى إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ أَوْ كَانَتْ وَتَبَاعَدَ مِنْهَا فَالْأَصَحّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الدَّفْعُ لِتَقْصِيرِهِ وَلَا يَحْرُمُ الْمُرُور حِينَئِذٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ذَكَرَ أَبُو مَسْعُود وَغَيْره أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُخَرِّجْ لِسُلَيْمَانَ بْن الْمُغِيرَة شَيْئًا مَوْصُولًا إِلَّا هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَرَادَ شَابّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْط ) ‏ ‏وَقَعَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِأَبِي نُعَيْم أَنَّهُ الْوَلِيدُ بْن عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط أَخْرَجَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَامِر الْأَسْلَمِيّ عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم قَالَ \" بَيْنَمَا أَبُو سَعِيد قَائِم يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلَ الْوَلِيد اِبْن عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ , فَدَفَعَهُ , فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَهُ \" هَذَا آخِر مَا أَوْرَدَهُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ. وَفِي تَفْسِير الَّذِي وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ الْوَلِيدُ هَذَا نَظَر ; لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ. زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَمَرْوَان يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَدِينَةِ \" ا ه. وَمَرْوَانُ إِنَّمَا كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَة , وَلَمْ يَكُنْ الْوَلِيد حِينَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَان تَحَوَّلَ إِلَى الْجَزِيرَةِ فَسَكَنَهَا حَتَّى مَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَة , وَلَمْ يَحْضُرْ شَيْئًا مِنْ الْحُرُوبِ الَّتِي كَانَتْ بَيْن عَلِيٍّ وَمَنْ خَالَفَهُ. وَأَيْضًا فَلَمْ يَكُنْ الْوَلِيدُ يَوْمئِذٍ شَابًّا , بَلْ كَانَ فِي عَشْر الْخَمْسِينَ فَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ : فَأَقْبَلَ اِبْنُ الْوَلِيدِ بْن عُقْبَةَ فَيَتَّجِهُ. وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق حَدِيث الْبَابِ عَنْ دَاوُد بْن قَيْس عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي سَعِيد عَنْ أَبِيهِ فَقَالَ فِيهِ \" إِذْ جَاءَ شَابّ \" وَلَمْ يُسَمِّهِ أَيْضًا. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ وَقَالَ فِيهِ \" فَذَهَبَ ذُو قَرَابَةٍ لِمَرْوَانَ \". وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَلَاء فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيد فَقَالَ فِيهِ \" مَرَّ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ بَنِي مَرْوَانَ \". وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ \" فَمَرَّ اِبْنٌ لِمَرْوَانَ \" وَسَمَّاهُ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَان بْن مُوسَى \" دَاوُد بْن مَرْوَان \" وَلَفْظه \" أَرَادَ دَاوُد بْن مَرْوَان أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي سَعِيد وَمَرْوَان يَوْمئِذٍ أَمِير الْمَدِينَةِ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث ُ وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن الْجَوْزِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَسْمِيَة الْمُبْهَم الَّذِي فِي الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ دَاوُد بْن مَرْوَان , وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْط وَلَيْسَ مَرْوَانُ مِنْ بَنِيهِ , بَلْ أَبُو مُعَيْط اِبْن عَمِّ وَالِد مَرْوَان ; لِأَنَّهُ أَبُو مُعَيْطِ بْن أَبِي عَمْرو بْن أُمَيَّة , وَوَالِد مَرْوَانَ هُوَ الْحَكَمُ بْن أَبِي الْعَاصِ بْن أُمَيَّة , وَلَيْسَتْ أُمّ دَاوُد وَلَا أُمّ مَرْوَانَ وَلَا أُمَّ الْحَكَم مِنْ وَلَدِ أَبِي مُعَيْط , فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَاوُد نُسِبَ إِلَى أَبِي مُعَيْطٍ مِنْ جِهَةِ الرَّضَاعَةِ أَوْ لِكَوْن جَدّه لِأُمِّهِ عُثْمَان بْن عَفَّان كَانَ أَخَا لِلْوَلِيدِ بْن عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط لِأُمِّهِ فَنُسِبَ دَاوُد إِلَيْهِ وَفِيهِ بُعْد , وَالْأَقْرَب أَنْ تَكُونَ الْوَاقِعَةُ تَعَدَّدَتْ لِأَبِي سَعِيد مَعَ غَيْرِ وَاحِد , فَفِي مُصَنَّفِ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيد فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ \" فَأَرَادَ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ \" الْحَدِيث , وَعَبْد الرَّحْمَن مَخْزُومِيّ مَا لَهُ مِنْ أَبِي مُعَيْطٍ نِسْبَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا ) ‏ ‏بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ , أَيْ مَمَرًّا. وَقَوْلُهُ \" فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيد \" , أَيْ أَصَابَ مِنْ عِرْضِهِ بِالشَّتْمِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ مَالِك وَلِابْنِ أَخِيك ؟ ) ‏ ‏أَطْلَقَ الْأُخُوَّة بِاعْتِبَارِ الْإِيمَانِ , وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمَارَّ غَيْر الْوَلِيدِ ; لِأَنَّ أَبَاهُ عُقْبَة قُتِلَ كَافِرًا وَاسْتَدَلَّ الرَّافِعِيّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّة الدَّفْع وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَسْلَكٌ غَيْرُهُ , خِلَافًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَلِابْنِ الرِّفْعَةِ فِيهِ بَحْثٌ سَنُشِيرُ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَدْفَعْهُ ) ‏ ‏, وَلِمُسْلِمٍ \" فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : أَيْ بِالْإِشَارَةِ وَلَطِيف الْمَنْع. ‏ ‏وَقَوْله : ( فَلْيُقَاتِلْهُ ) ‏ ‏أَيْ يَزِيدُ فِي دَفْعِهِ الثَّانِي أَشَدّ مِنْ الْأَوَّلِ. قَالَ : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ , لِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ لِقَاعِدَةِ الْإِقْبَال عَلَى الصَّلَاةِ وَالِاشْتِغَالِ بِهَا وَالْخُشُوعِ فِيهَا ا ه. وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ حَقِيقَة وَاسْتَبْعَدَ اِبْن الْعَرَبِيِّ ذَلِكَ فِي \" الْقَبَسِ \" وَقَالَ : الْمُرَادُ بِالْمُقَاتَلَةِ الْمُدَافَعَةِ. وَأَغْرَبَ الْبَاجِيُّ فَقَالَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد بِالْمُقَاتَلَةِ اللَّعْن أَوْ التَّعْنِيف. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّكَلُّمَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُبْطِل , بِخِلَافِ الْفِعْلِ الْيَسِيرِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُ يَلْعَنُهُ دَاعِيًا لَا مُخَاطِبًا , لَكِنَّ فِعْلَ الصَّحَابِيِّ يُخَالِفُهُ , وَهُوَ أَدْرَى بِالْمُرَادِ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظ \" فَإِنْ أَبَى فَلْيَجْعَلْ يَدَهُ فِي صَدْرِهِ وَيَدْفَعْهُ \" وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الدَّفْعِ بِالْيَدِ. وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَاتَلَةِ دَفْعٌ أَشَدّ مِنْ الدَّفْعِ الْأَوَّلِ , وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن عُمَر يَقْتَضِي أَنَّ الْمُقَاتَلَةَ إِنَّمَا تُشْرَعُ إِذَا تَعَيَّنَتْ فِي دَفْعِهِ , وَبِنَحْوِهِ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا فَقَالُوا : يَرُدُّهُ بِأَسْهَلِ الْوُجُوه ُ فَإِنْ أَبَى فَبِأَشَدَّ , وَلَوْ أَدَّى إِلَى قَتْلِهِ. فَلَوْ قَتَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ أَبَاحَ لَهُ مُقَاتَلَتَهُ , وَالْمُقَاتَلَةَ الْمُبَاحَةَ لَا ضَمَانَ فِيهَا. وَنَقَلَ عِيَاض وَغَيْره أَنَّ عِنْدَهُمْ خِلَافًا فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره الِاتِّفَاق عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَشْيُ مِنْ مَكَانه لِيَدْفَعَهُ , وَلَا الْعَمَل الْكَثِير فِي مُدَافَعَتِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَشَدّ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْمُرُورِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا مَرَّ وَلَمْ يَدْفَعْهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ ; لِأَنَّ فِيهِ إِعَادَةً لِلْمُرُورِ , وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن مَسْعُود وَغَيْره أَنَّ لَهُ ذَلِكَ , وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا رَدَّهُ فَامْتَنَعَ وَتَمَادَى , لَا حَيْثُ يُقَصِّرُ الْمُصَلِّي فِي الرَّدِّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِوُجُوبِ هَذَا الدَّفْعِ , بَلْ صَرَّحَ أَصْحَابنَا بِأَنَّهُ مَنْدُوب. اِنْتَهَى. وَقَدْ صَرَّحَ بِوُجُوبِهِ أَهَّلُ الظَّاهِرِ , فَكَأَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يُرَاجِعْ كَلَامَهُمْ فِيهِ أَوْ لَمْ يَعْتَدَّ بِخِلَافِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ ) ‏ ‏أَيْ فِعْلُهُ فِعْل الشَّيْطَانِ ; لِأَنَّهُ أَبَى إِلَّا التَّشْوِيشَ عَلَى الْمُصَلِّي. وَإِطْلَاقُ الشَّيْطَانِ عَلَى الْمَارِدِ مِنْ الْإِنْسِ سَائِغ شَائِع وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى ( شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَاز إِطْلَاق لَفْظ الشَّيْطَانِ عَلَى مَنْ يَفْتِنُ فِي الدِّينِ , وَأَنَّ الْحُكْمَ لِلْمَعَانِي دُونَ الْأَسْمَاءِ , لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَصِيرَ الْمَارّ شَيْطَانًا بِمُجَرَّدِ مُرُورِهِ. اِنْتَهَى. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ \" الشَّيْطَانِ \" يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الْجِنِّيِّ وَمَجَازًا عَلَى الْإِنْسِيِّ , وَفِيهِ بَحْث. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : فَإِنَّمَا الْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْطَانُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان \" وَنَحْوه لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عُمَر بِلَفْظ \" فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ \". وَاسْتَنْبَطَ اِبْن أَبِي جَمْرَة مِنْ قَوْلِهِ \" فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان \" أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ \" فَلْيُقَاتِلْهُ \" الْمُدَافَعَة اللَّطِيفَة لَا حَقِيقَةُ الْقِتَال , قَالَ : لِأَنَّ مُقَاتَلَة الشَّيْطَان إِنَّمَا هِيَ بِالِاسْتِعَاذَةِ وَالتَّسَتُّرِ عَنْهُ بِالتَّسْمِيَةِ وَنَحْوِهَا , وَإِنَّمَا جَازَ الْفِعْلُ الْيَسِيرُ فِي الصَّلَاةِ لِلضَّرُورَةِ , فَلَوْ قَاتَلَهُ حَقِيقَة الْمُقَاتَلَةِ لَكَانَ أَشَدّ عَلَى صَلَاتِهِ مِنْ الْمَارِّ. قَالَ : وَهَلْ الْمُقَاتَلَةُ لِخَلَلٍ يَقَعُ فِي صَلَاةِ الْمُصَلِّي مِنْ الْمُرُورِ , أَوْ لِدَفْعِ الْإِثْم عَنْ الْمَارِّ ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي. اِنْتَهَى. وَقَالَ غَيْره : بَلْ الْأَوَّل أَظْهَرُ ; لِأَنَّ إِقْبَالَ الْمُصَلِّي عَلَى صَلَاتِهِ أَوْلَى لَهُ مِنْ اِشْتِغَالِهِ بِدَفْع الْإِثْم عَنْ غَيْرِهِ. وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن مَسْعُود \" أَنَّ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي يَقْطَعُ نِصْفَ صَلَاتِهِ \" وَرَوَى أَبُو نُعَيْم عَنْ عُمَرَ \" لَوْ يَعْلَمُ الْمُصَلِّي مَا يَنْقُصُ مِنْ صَلَاتِهِ بِالْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا صَلَّى إِلَّا إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ \". فَهَذَانِ الْأَثَرَانِ مُقْتَضَاهُمَا أَنَّ الدَّفْعَ لِخَلَلٍ يَتَعَلَّقُ بِصَلَاةِ الْمُصَلِّي , وَلَا يَخْتَصُّ بِالْمَارِّ , وَهُمَا وَإِنْ كَانَا مَوْقُوفَيْنِ لَفْظًا فَحُكْمُهُمَا حُكْم الرَّفْعِ ; لِأَنَّ مِثْلَهُمَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْي. ‏"
    },
    {
        "id": "480",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ ‏ ‏أَرْسَلَهُ إِلَى ‏ ‏أَبِي جُهَيْمٍ ‏ ‏يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فَقَالَ ‏ ‏أَبُو جُهَيْمٍ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ ‏ ‏أَبُو النَّضْرِ ‏ ‏لَا أَدْرِي أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَاذَا عَلَيْهِ ) ‏ ‏زَاد الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ الْإِثْمِ \" وَلَيْسَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ غَيْرِهِ , وَالْحَدِيثِ فِي الْمُوَطَّأِ بِدُونِهَا. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِك فِي شَيْءٍ مِنْهُ , وَكَذَا رَوَاهُ بَاقِي السِّتَّةِ وَأَصْحَاب الْمَسَانِيد وَالْمُسْتَخْرَجَات بِدُونِهَا , وَلَمْ أَرَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ مُطْلَقًا. لَكِنْ فِي مُصَنَّفِ اِبْن أَبِي شَيْبَة \" يَعْنِي مِنْ الْإِثْمِ \" فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ذُكِرَتْ فِي أَصْل الْبُخَارِيّ حَاشِيَة فَظَنَّهَا الْكُشْمِيهَنِيّ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا مِنْ الْحُفَّاظِ بَلْ كَانَ رَاوِيَة. وَقَدْ عَزَاهَا الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ فِي الْأَحْكَامِ لِلْبُخَارِيِّ وَأَطْلَقَ , فَعَيَّبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبِ الْعُمْدَةِ فِي إِبْهَامِهِ أَنَّهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَأَنْكَرَ اِبْن الصَّلَاحِ فِي مُشْكِل الْوَسِيط عَلَى مَنْ أَثْبَتَهَا فِي الْخَبَرِ فَقَالَ : لَفْظُ الْإِثْم لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ صَرِيحًا. وَلَمَّا ذَكَرَهُ النَّوَوِيّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ دُونَهَا قَالَ : وَفِي رِوَايَةٍ رُوِّيْنَاهَا فِي الْأَرْبَعِينَ لِعَبْدِ الْقَادِر الْهَرَوِيِّ \" مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ الْمَارَّ لَوْ عَلِمَ مِقْدَار الْإِثْمِ الَّذِي يَلْحَقُهُ مِنْ مُرُورِهِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي لَاخْتَارَ أَنْ يَقِفَ الْمُدَّة الْمَذْكُورَة حَتَّى لَا يَلْحَقَهُ ذَلِكَ الْإِثْم. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : جَوَاب \" لَوْ \" لَيْسَ هُوَ الْمَذْكُور , بَلْ التَّقْدِير : لَوْ يَعْلَمُ مَا عَلَيْهِ لَوَقَفَ أَرْبَعِينَ وَلَوْ وَقَفَ أَرْبَعِينَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ. وَلَيْسَ مَا قَالَهُ مُتَعَيِّنًا , قَالَ : وَأُبْهِمُ الْمَعْدُود تَفْخِيمًا لِلْأَمْرِ وَتَعْظِيمًا. ‏ ‏قُلْت : ظَاهِر السِّيَاق أَنَّهُ عُيِّنَ الْمَعْدُود وَلَكِنْ شَكَّ الرَّاوِي فِيهِ , ثُمَّ أَبْدَى الْكَرْمَانِيّ لِتَخْصِيصٍ الْأَرْبَعِينَ بِالذِّكْرِ حِكْمَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا كَوْنُ الْأَرْبَعَةِ أَصْلَ جَمِيع الْأَعْدَادِ فَلَمَّا أُرِيدُ التَّكْثِير ضُرِبَت فِي عَشَرَة. ثَانِيَتُهُمَا كَوْنُ كَمَال أَطْوَار الْإِنْسَان بِأَرْبَعِينَ كَالنُّطْفَةِ وَالْمُضْغَةِ وَالْعَلَقَةِ , وَكَذَا بُلُوغ الْأَشُدّ. وَيَحْتَمِلُ غَيْر ذَلِكَ ا ه. وَفِي اِبْن مَاجَهْ وَابْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة \" لَكَانَ أَنْ يَقِفَ مِائَة عَام خَيْرًا لَهُ مِنْ الْخُطْوَةِ الَّتِي خَطَاهَا \". وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ إِطْلَاقَ الْأَرْبَعِينَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِ الْأَمْرِ لَا لِخُصُوصِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ. وَجَنَحَ الطَّحَاوِيّ إِلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْمِائَةِ وَقَعَ بَعْدَ التَّقْيِيدِ بِالْأَرْبَعِينَ زِيَادَةً فِي تَعْظِيمِ الْأَمْرِ عَلَى الْمَارِّ ; لِأَنَّهُمَا لَمْ يَقَعَا مَعًا إِذْ الْمِائَةُ أَكْثَرُ مِنْ الْأَرْبَعِينَ وَالْمَقَام مَقَام زَجْرٍ وَتَخْوِيفٍ فَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَ ذِكْر الْمِائَة عَلَى الْأَرْبَعِينَ , بَلْ الْمُنَاسِب أَنْ يَتَأَخَّرَ. وَمُمَيِّز الْأَرْبَعِينَ إِنْ كَانَ هُوَ السَّنَةَ ثَبَتَ الْمُدَّعَى , وَأَمَّا دُونُهَا فَمِنْ بَاب الْأَوْلَى , وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْنَد الْبَزَّار مِنْ طَرِيقِ اِبْن عُيَيْنَة الَّتِي ذَكَرَهَا اِبْن الْقَطَّان \" لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا \" أَخْرَجَهُ عَنْ أَحْمَد بْن عَبَدَة الضَّبِّيّ عَنْ اِبْن عُيَيْنَة. وَقَدْ جَعَلَ اِبْن الْقَطَّان الْجَزْمَ فِي طَرِيقِ اِبْن عُيَيْنَة وَالشَّكّ فِي طَرِيقِ غَيْرِهِ دَالًّا عَلَى التَّعَدُّدِ , لَكِنْ رَوَاهُ أَحْمَد وَابْن أَبِي شَيْبَة وَسَعِيد بْن مَنْصُور وَغَيْرهمْ مِنْ الْحُفَّاظِ عَنْ اِبْن عُيَيْنَة عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَلَى الشَّكِّ أَيْضًا وَزَادَ فِيهِ \" أَوْ سَاعَة \" فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْجَزْم وَالشَّكّ وَقَعَا مَعًا مِنْ رَاوٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا أَنْ يُقَالَ : لَعَلَّهُ تَذَكَّرَ فِي الْحَالِ فَجَزَمَ , وَفِيهِ مَا فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( خَيْرًا لَهُ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ , وَلِبَعْضِهِمْ \" خَيْر \" بِالرَّفْعِ وَهِيَ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيَّ , وَأَعْرَبَهَا اِبْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى أَنَّهَا اِسْمُ كَانَ , وَأَشَارَ إِلَى تَسْوِيغ الِابْتِدَاء بِالنَّكِرَةِ لِكَوْنِهَا مَوْصُوفَةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : اِسْمُهَا ضَمِير الشَّأْنِ وَالْجُمْلَةُ خَبَرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو النَّضْرِ ) ‏ ‏هُوَ كَلَامُ مَالِكٍ وَلَيْسَ مِنْ تَعْلِيق الْبُخَارِيّ , ; لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ. وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ وَابْن عُيَيْنَة كَمَا ذَكَرْنَا. قَالَ النَّوَوِيّ : فِيهِ دَلِيل عَلَى تَحْرِيم الْمُرُور , فَإِنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ النَّهْي الْأَكِيد وَالْوَعِيد الشَّدِيد عَلَى ذَلِكَ. اِنْتَهَى. وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يُعَدَّ فِي الْكَبَائِرِ وَفِيهِ أَخْذُ الْقَرِينِ عَنْ قَرِينِهِ مَا فَاتَهُ أَوْ اِسْتِثْبَاتُهُ فِيمَا سَمِعَ مَعَهُ. وَفِيهِ الِاعْتِمَادُ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ ; لِأَنَّ زَيْدًا اِقْتَصَرَ عَلَى النُّزُولِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعُلُوِّ اِكْتِفَاءً بِرَسُولِهِ الْمَذْكُورِ. وَفِيهِ اِسْتِعْمَالُ \" لَوْ \" فِي بَاب الْوَعِيد , وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي النَّهْيِ , لِأَنَّ مَحَلّ النَّهْي أَنْ يُشْعِرَ بِمَا يُعَانِدُ الْمَقْدُور كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب الْقَدَر حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيهَات ) : ‏ ‏أَحَدهَا اِسْتَنْبَطَ اِبْن بَطَّال مِنْ قَوْلِهِ \" لَوْ يَعْلَمُ \" أَنَّ الْإِثْمَ يَخْتَصُّ بِمَنْ يَعْلَمُ بِالنَّهْي وَارْتَكَبَهُ. اِنْتَهَى. ‏ ‏وَأَخْذه مِنْ ذَلِكَ فِيهِ بُعْدٌ , لَكِنْ هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى. ثَانِيهَا : ظَاهِرُ الْحَدِيث أَنَّ الْوَعِيدَ الْمَذْكُورَ يَخْتَصُّ بِمَنْ مَرَّ لَا بِمَنْ وَقَفَ عَامِدًا مَثَلًا بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي أَوْ قَعَدَ أَوْ رَقَدَ , لَكِنْ إِنْ كَانَتْ الْعِلَّة فِيهِ التَّشْوِيش عَلَى الْمُصَلِّي فَهُوَ فِي مَعْنَى الْمَارِّ. ثَالِثُهَا : ظَاهَرُهُ عُمُوم النَّهْيِ فِي كُلّ مُصَلٍّ , وَخَصَّهُ بَعْض الْمَالِكِيَّةِ بِالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ ; لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ; لِأَنَّ سُتْرَة إِمَامه سُتْرَة لَهُ أَوْ إِمَامه سُتْرَة لَهُ ا ه. وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ لَا يُطَابِقُ الْمُدَّعَى ; لِأَنَّ السُّتْرَةَ تُفِيدُ رَفْع الْحَرَجِ عَنْ الْمُصَلِّي لَا عَنْ الْمَارِّ , فَاسْتَوَى الْإِمَام وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ فِي ذَلِكَ. رَابِعُهَا : ذَكَرَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ أَيْ الْمَالِكِيَّةِ قَسَّمَ أَحْوَال الْمَارّ وَالْمُصَلِّي فِي الْإِثْمِ وَعَدَمه إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَام : يَأْثَمُ الْمَارُّ دُونَ الْمُصَلِّي , وَعَكْسه يَأْثَمَانِ جَمِيعًا , وَعَكْسه. فَالصُّورَةُ الْأُولَى أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى سُتْرَةٍ فِي غَيْرِ مَشْرَعٍ وَلِلْمَارِّ مَنْدُوحَة فَيَأْثَمُ الْمَارُّ دُونَ الْمُصَلِّي. الثَّانِيَةُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَشْرَعٍ مَسْلُوك بِغَيْرِ سُتْرَةٍ أَوْ مُتَبَاعِدًا عَنْ السُّتْرَةِ وَلَا يَجِدُ الْمَارّ مَنْدُوحَة فَيَأْثَمُ الْمُصَلِّي دُونَ الْمَارِّ. الثَّالِثَةُ مِثْل الثَّانِيَة لَكِنْ يَجِدُ الْمَارّ مَنْدُوحَة فَيَأْثَمَانِ جَمِيعًا. الرَّابِعَةُ مِثْل الْأُولَى لَكِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَارّ مَنْدُوحَة فَلَا يَأْثَمَانِ جَمِيعًا. اِنْتَهَى. وَظَاهِرُ الْحَدِيث يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ الْمُرُورِ مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَسْلَكًا بَلْ يَقِفُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُصَلِّي مِنْ صَلَاتِهِ. وَيُؤَيِّدُهُ قِصَّة أَبِي سَعِيد السَّابِقَةِ فَإِنَّ فِيهَا \" فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى قَوْلِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ : إِنَّ الدَّفْعَ لَا يُشْرَعُ لِلْمُصَلِّي فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ , وَنَازَعَهُ الرَّافِعِيّ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْنُ الرِّفْعَةِ بِمَا حَاصِله أَنَّ الشَّابَّ إِنَّمَا اِسْتَوْجَبَ مِنْ أَبِي سَعِيد الدَّفْعَ لِكَوْنِهِ قَصَّرَ فِي التَّأَخُّرِ عَنْ الْحُضُورِ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى وَقَعَ الزِّحَام. اِنْتَهَى. وَمَا قَالَهُ مُحْتَمَل لَكِنْ لَا يَدْفَعُ الِاسْتِدْلَالَ ; لِأَنَّ أَبَا سَعِيد لَمْ يَعْتَذِرْ بِذَلِكَ ; وَلِأَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ صَلَاة الْجُمْعَةَ أَوْ فِيهَا مَعَ اِحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقْع بَعْدَهَا فَلَا يَتَّجِهُ مَا قَالَهُ مِنْ التَّقْصِيرِ بِعَدَمِ التَّبْكِيرِ , بَلَى كَثْرَة الزِّحَامِ حِينَئِذٍ أَوْجَهُ , وَاللَّه أَعْلَمُ. خَامِسُهَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَبَّاس السَّرَّاج مِنْ طَرِيق الضَّحَّاك اِبْن عُثْمَان عَنْ أَبِي النَّضْرِ \" لَوْ يَعْلَمُ الْمَارّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَالْمُصَلَّى \" فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا إِذَا قَصَّرَ الْمُصَلِّي فِي دَفْعِ الْمَارِّ أَوْ بِأَنْ صَلَّى فِي الشَّارِعِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْله \" وَالْمُصَلَّى \" بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ بَيْنِ يَدَيْ الْمُصَلِّي مِنْ دَاخِلِ سُتْرَتِهِ , وَهَذَا أَظْهَر , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "481",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُسْلِمٍ يَعْنِي ابْنَ صُبَيْحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ فَقَالُوا يَقْطَعُهَا الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ قَالَتْ لَقَدْ جَعَلْتُمُونَا كِلَابًا ‏ ‏لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي وَإِنِّي لَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ فَتَكُونُ لِي الْحَاجَةُ فَأَكْرَهُ أَنْ أَسْتَقْبِلَهُ ‏ ‏فَأَنْسَلُّ ‏ ‏انْسِلَالًا ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَتَكُونُ لِي الْحَاجَة وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْتَقْبِلَهُ ) ‏ ‏, كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْوَاو , وَهِيَ حَالِيَّة. وَلِلكُشْمِيهَنِيّ فَأَكْرَهُ بِالْفَاء. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ , يَعْنِي أَنَّ عَلِيّ بْن مُسْهِر رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادَيْنِ إِلَى عَائِشَة عَنْ مُسْلِم - وَهُوَ أَبُو الضُّحَى - عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْهَا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ , وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْودِ عَنْهَا بِالْمَعْنَى , وَقَدْ تَقَدَّمُ لَفْظُهُ فِي \" بَاب الصَّلَاة عَلَى السَّرِيرِ \" وَأَمَّا ظَنُّ الْكَرْمَانِيّ أَنَّ مُسْلِمًا هَذَا هُوَ الْبَطِينُ فَلَمْ يُصِبْ فِي ظَنِّهِ ذَلِكَ , قَالَ اِبْن الْمُنِير : التَّرْجَمَةُ لَا تُطَابِقُ حَدِيثَ عَائِشَة , لَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ بِالْأَوْلَى , لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَقْبِلَتَهُ , فَلَعَلَّهَا كَانَتْ مُنْحَرِفَة أَوْ مُسْتَدْبِرَة. وَقَالَ اِبْن رَشِيد قَصَدَ الْبُخَارِيّ أَنَّ شُغْلَ الْمُصَلِّي بِالْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ فِي قِبْلَتِهِ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَتْ أَشَدُّ مِنْ شُغْلِهِ بِالرَّجُلِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ تَضُرَّ صَلَاتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُشْتَغِلٍ بِهَا , فَكَذَلِكَ لَا تَضُرُّ صَلَاة مَنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِهَا , وَالرَّجُل مِنْ بَاب الْأَوْلَى. وَاقْتَنَعَ الْكَرْمَانِيّ بِأَنَّ حُكْمَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَاحِد فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "482",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة وَرَدَ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظٍ آخَرَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ قَدْ يُفَرِّقُ مُفَرِّق بَيْنَ كَوْنِهَا نَائِمَةً أَوْ يَقْظَى , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ أَيْضًا إِلَى تَضْعِيف الْحَدِيث الْوَارِد فِي النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ إِلَى النَّائِمِ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس. وَقَالَ أَبُو دَاوُد : طَرُقُهُ كُلّهَا وَاهِيَة , يَعْنِي حَدِيثَ اِبْن عَبَّاس. اِنْتَهَى. وَفِي الْبَابِ عَنْ اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ , وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ وَهُمَا وَاهِيَانِ أَيْضًا. وَكَرِهَ مُجَاهِد وَطَاوُس وَمَالِك الصَّلَاة إِلَى النَّائِمِ خَشْيَة أَنْ يَبْدُوَ مِنْهُ مَا يُلْهِي الْمُصَلِّي عَنْ صَلَاتِهِ. وَظَاهِرُ تَصَرُّف الْمُصَنِّفِ أَنَّ عَدَمَ الْكَرَاهِيَةِ حَيْثُ يَحْصُلُ الْأَمْنُ مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏يَحْيَى ) ‏ ‏الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَادِ هُوَ الْقَطَّان , ‏ ‏وَهِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏"
    },
    {
        "id": "483",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ ‏ ‏غَمَزَنِي ‏ ‏فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا قَالَتْ وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة وَرَدَ أَيْضًا بِلَفْظٍ آخَرَ , وَقَدْ تَقَدَّمُ فِي \" بَاب الصَّلَاةَ عَلَى الْفِرَاشِ \" مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَدَلَالَةُ الْحَدِيثِ عَلَى التَّطَوُّعِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ صَلَاتَهُ هَذِهِ فِي بَيْتِهِ بِاللَّيْلِ وَكَانَتْ صَلَاته الْفَرَائِض بِالْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : لَفْظُ التَّرْجَمَة يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ظَهْر الْمَرْأَةِ إِلَيْهِ , وَلَفْظ الْحَدِيثِ لَا تَخْصِيصَ فِيهِ بِالظَّهْرِ. ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ السُّنَّةَ لِلنَّائِمِ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَالْغَالِب مِنْ حَالِ عَائِشَة ذَلِكَ. اِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه. وَسُنَّةُ ذَلِكَ لِلنَّائِمِ فِي اِبْتِدَاءِ النَّوْمِ لَا فِي دَوَامِهِ ; لِأَنَّهُ يَنْقَلِبُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَى \" خَلْفَ الْمَرْأَةِ \" وَرَاءَهَا , فَتَكُونُ هِيَ نَفْسهَا أَمَامَ الْمُصَلِّي لَا خُصُوص ظَهْرِهَا , وَلَوْ أَرَادَهُ لَقَالَ : خَلْفَ ظَهْرِ الْمَرْأَةِ , وَالْأَصْلُ عَدَم التَّقْدِيرِ. وَفِي قَوْلِهَا \" وَالْبُيُوت يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيح \" إِشَارَة إِلَى عَدَمِ الِاشْتِغَالِ بِهَا. وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ كَوْنه يَغْمِزُهَا عِنْدَ السُّجُودِ لِيَسْجُدَ مَكَان رِجْلَيْهَا كَمَا وَقَعَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد ; لِأَنَّ الشُّغْلَ بِهَا مَأْمُون فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَمَنْ أَمِنَ ذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ فِي حَقِّهِ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏الظَّاهِر أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ غَيْر الْحَالَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي صَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِهَةِ السَّرِيرِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ ; لِأَنْ يَسْجُد مَكَان رِجْلَيْهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ بِأَنْ يُقَالَ : كَانَتْ صِلَاته فَوْقَ السَّرِيرِ لَا أَسْفَلَ مِنْهُ كَمَا جَنَحَ إِلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِيمَا سَبَقَ , لَكِنَّ حَمْلَهُ عَلَى حَالَتَيْنِ أَوْلَى , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "484",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏ح ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ فَقَالَتْ شَبَّهْتُمُونَا بِالْحُمُرِ وَالْكِلَابِ وَاللَّهِ ‏ ‏لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي وَإِنِّي عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مُضْطَجِعَةً فَتَبْدُو لِي الْحَاجَةُ فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ فَأُوذِيَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَنْسَلُّ ‏ ‏مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الْأَعْمَش ) ‏ ‏هُوَ مَقُول حَفْص بْن غِيَاثٍ وَلَيْسَ بِتَعْلِيق , وَهُوَ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيّ بْن مُسْهِر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة ذُكِرَ عِنْدَهَا ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا. وَقَوْلُهُ الْكَلْب إِلَخْ فِيهِ حَذْف , وَبَيَانه فِي رِوَايَةِ عَلِيّ بْن مُسْهِر \" ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ فَقَالُوا يَقْطَعُهَا \" وَرَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْر بْن حَفْص عَنْ عُرْوَةَ قَالَ \" قَالَتْ عَائِشَة : مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ؟ فَقُلْت : الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ \" وَلِسَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ وَجْهٍ آخَرَ \" قَالَتْ عَائِشَة : يَا أَهْل الْعِرَاقِ قَدْ عَدَلْتُمُونَا \" الْحَدِيثَ. وَكَأَنَّهَا أَشَارَتْ بِذَلِكَ إِلَى مَا رَوَاهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ مَرْفُوعًا , وَهُوَ عِنْد مُسْلِم وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْن الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ , وَقَيَّدَ الْكَلْب فِي رِوَايَتِهِ بِالْأَسْوَدِ وَعِنْدَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق الْحَسَن الْبَصْرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل , وَعِنْد الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ أَيْضًا , عَنْ الْحَكَمِ بْن عُمَر نَحْوَهُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيد , وَعِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة كَذَلِكَ , وَعِنْد أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس مِثْلَهُ , لَكِنْ قَيَّدَ الْمَرْأَةَ بِالْحَائِضِ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ كَذَلِكَ وَفِيهِ تَقْيِيد الْكَلْب أَيْضًا بِالْأَسْوَدِ. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعَمَلِ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ ُ فَمَالَ الطَّحَاوِيّ وَغَيْره إِلَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ وَمَا وَافَقَهُ مَنْسُوخ بِحَدِيثِ عَائِشَة وَغَيْرِهَا وَتُعُقِّبُ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا عُلِمَ التَّارِيخُ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ , وَالتَّارِيخُ هُنَا لَمْ يَتَحَقَّقْ وَالْجَمْع لَمْ يَتَعَذَّرْ. وَمَالَ الشَّافِعِيّ وَغَيْره إِلَى تَأْوِيلِ الْقَطْعِ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَقْص الْخُشُوع لَا الْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ , وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ رَاوِي الْحَدِيثِ سَأَلَ عَنْ الْحِكْمَةِ فِي التَّقْيِيدِ بِالْأَسْوَدِ فَأُجِيبَ بِأَنَّهُ شَيْطَان. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَوْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّحِيحِ \" إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ فَإِذَا قَضَى التَّثْوِيب أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفَسه \" الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي فِي \" بَابِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ \" حَدِيث \" إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي فَشَدَّ عَلَيَّ \" الْحَدِيث. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة \" فَأَخَذْتُهُ فَصَرَعْتُهُ فَخَنَقْتُهُ \" وَلَا يُقَالُ قَدْ ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ جَاءَ لِيَقْطَع صَلَاتَهُ ; لِأَنَّا نَقُولُ : قَدْ بَيَّنَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِم سَبَب الْقَطْعِ , وَهُوَ أَنَّهُ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلهُ فِي وَجْهِهِ , وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْمُرُورِ فَقَدْ حَصَلَ وَلَمْ تَفْسُدْ بِهِ الصَّلَاةُ. وَقَالَ بَعْضهمْ : حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ مُقَدَّم ; لِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَة عَلَى أَصْل الْإِبَاحَة. اِنْتَهَى. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُمَا مُتَعَارِضَانِ , وَمَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ لَا تَعَارُضَ. وَقَالَ أَحْمَد : يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ , وَفِي النَّفْسِ مِنْ الْحِمَارِ وَالْمَرْأَةِ شَيْء. وَوَجَّهَهُ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِي الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مَا يُعَارِضُهُ , وَوَجَدَ فِي الْحِمَارِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , يَعْنِي الَّذِي تَقَدَّمَ فِي مُرُورِهِ وَهُوَ رَاكِبٌ بِمِنًى , وَوَجَدَ فِي الْمَرْأَةِ حَدِيث عَائِشَة يَعْنِي حَدِيث الْبَابِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي دَلَالَتِهِ عَلَى ذَلِكَ بَعْدُ. ‏ ‏قَوْله : ( شَبَّهْتُمُونَا ) ‏ ‏هَذَا اللَّفْظ رِوَايَة مَسْرُوق , وَرِوَايَة الْأَسْوَدِ عَنْهَا \" أَعَدَلْتُمُونَا \" وَالْمَعْنَى وَاحِد. ‏ ‏وَتَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيّ بْن مُسْهِر بِلَفْظ \" جَعَلْتُمُونَا كِلَابًا \" وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ. قَالَ اِبْن مَالِك : فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَاز تَعَدِّي الْمُشَبَّه بِهِ بِالْبَاء وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ حَتَّى بَالَغَ فَخَطَّأَ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْلِهِ : شَبَّهَ كَذَا بِكَذَا , وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ مَنْ يُوثَقُ بِعَرَبِيَّتِهِ وَقَدْ وُجِدَ فِي كَلَامِ مَنْ هُوَ فَوْقَ ذَلِكَ وَهِيَ عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَ : وَالْحَقُّ أَنَّهُ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ سُقُوطهَا أَشْهَر فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَثُبُوتِهَا لَازِم فِي عُرْفِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ فَأُوذِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّشْوِيشَ بِالْمَرْأَةِ وَهِيَ قَاعِدَةٌ يَحْصُلُ مِنْهُ مَا لَا يَحْصُلُ بِهَا وَهِيَ رَاقِدَة , وَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ , وَعَلَى هَذَا فَمُرُورهَا أَشَدّ. وَفِي النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الْأُسُودِ عَنْهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" فَأَكْرَهُ أَنْ أَقُومَ فَأَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ , فَأَنْسَلُّ اِنْسِلَالًا \" فَالظَّاهِر أَنَّ عَائِشَة إِنَّمَا أَنْكَرَتْ إِطْلَاقَ كَوْن الْمَرْأَة تَقْطَعُ الصَّلَاةَ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ , لَا الْمُرُورُ بِخُصُوصِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْسَلُّ ) ‏ ‏بِرَفْع اللَّام عَطْفًا عَلَى \" فَأَكْرَهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "485",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏عَمَّهُ ‏ ‏عَنْ الصَّلَاةِ يَقْطَعُهَا شَيْءٌ فَقَالَ لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُومُ فَيُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ الْحَنْظَلِيُّ الْمَعْرُوف بِابْن رَاهْوَيْهِ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْنُ السَّكَنِ. وَفِي رِوَايَةِ غَيْر أَبِي ذَرٍّ \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق \" غَيْر مَنْسُوب , وَزَعَمَ أَبُو نُعَيْم أَنَّهُ اِبْن مَنْصُور الْكَوْسَج , وَالْأَوَّل أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ إِلَخْ ) ‏ ‏وَوَجْه الدَّلَالَةِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة الَّذِي اِحْتَجَّ بِهِ اِبْن شِهَاب أَنَّ حَدِيث \" يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَة إِلَخْ \" يَشْمَلُ مَا إِذَا كَانَتْ مَارَّة أَوْ قَائِمَة أَوْ قَاعِدَة أَوْ مُضْطَجِعَة , فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى وَهِيَ مُضْطَجِعَةٌ أَمَامَهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى نَسْخِ الْحُكْمِ فِي الْمُضْطَجِعِ , وَفِي الْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ. ‏ ‏وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إِثْبَاتِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ , فَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ حَدِيثَهَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ لَمْ يَدُلَّ إِلَّا عَلَى نَسْخ الِاضْطِجَاع فَقَطْ. وَقَدْ نَازَعَ بَعْضهمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ أُخْرَى : أَحَدُهَا : أَنَّ الْعِلَّةَ فِي قَطْع الصَّلَاة بِهَا مَا يَحْصُلُ مِنْ التَّشْوِيشِ , وَقَدْ قَالَتْ إِنَّ الْبُيُوتَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَصَابِيح فَانْتَفَى الْمَعْلُول بِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ. ثَانِيهَا : أَنَّ الْمَرْأَةَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مُطْلَقَة وَفِي حَدِيثِ عَائِشَة مُقَيَّدَة بِكَوْنِهَا زَوْجَتَهُ , فَقَدْ يُحْمَلُ الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّدِ , وَيُقَالُ يَتَقَيَّدُ الْقَطْع بِالْأَجْنَبِيَّةِ لِخَشْيَةِ الِافْتِتَانِ بِهَا بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهَا حَاصِلَة. ثَالِثُهَا : أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَة وَاقِعَة حَالٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ , بِخِلَافِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فَإِنَّهُ مَسُوق مَسَاق التَّشْرِيعِ الْعَامِّ , وَقَدْ أَشَارَ اِبْن بَطَّال إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَقْدِرُ مِنْ مِلْكِ إِرْبِهِ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْره. وَقَالَ بَعْض الْحَنَابِلَةِ يُعَارِضُ حَدِيث أَبِي ذَرٍّ وَمَا وَافَقَهُ أَحَادِيث صَحِيحَة غَيْر صَرِيحَةٍ وَصَرِيحَةٌ غَيْر صَحِيحَةٍ فَلَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الصَّرِيحِ بِالْمُحْتَمَلِ , يَعْنِي حَدِيثَ عَائِشَة وَمَا وَافَقَهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَارِّ وَبَيْنَ النَّائِمِ فِي الْقِبْلَةِ أَنَّ الْمُرُورَ حَرَام بِخِلَافِ الِاسْتِقْرَارِ نَائِمًا كَانَ أَمْ غَيْره , فَهَكَذَا الْمَرْأَةُ يَقْطَعُ مُرُورُهَا دُونَ لُبْثِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَيُصَلِّيَ. وَوَقَعَ لِلْمُسْتَمْلِي \" عَنْ فِرَاش أَهْله \" وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ \" يَقُومُ \" وَالْأَوَّل يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ كَانَتْ وَاقِعَةً عَلَى الْفِرَاشِ , بِخِلَافِ الثَّانِي فَفِيهِ اِحْتِمَال. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الصَّلَاةَ عَلَى الْفِرَاشِ \" مِنْ رِوَايَة عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب مِثْلُ الْأَوَّلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "486",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ ‏ ‏أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ ‏ ‏بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلِأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ‏ ‏فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَالِك \" سَمِعْت أَبَا قَتَادَةَ \" وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَمْرو بْن سُلَيْم أَنَّهُ \" سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ حَامِل أُمَامَةَ ) ‏ ‏الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَاتِ بِالتَّنْوِينِ وَنَصْبِ أُمَامَة , وَرَوَى بِالْإِضَافَةِ كَمَا قُرِئَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ بِالْوَجْهَيْنِ , وَتَخْصِيص الْحَمْل فِي التَّرْجَمَةِ بِكَوْنِهِ عَلَى الْعُنُقِ - مَعَ أَنَّ السِّيَاقَ يَشْمَلُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ - مَأْخُوذ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مُصَرِّحَةٍ بِذَلِكَ وَهِيَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق بُكَيْر بْن الْأَشَجِّ عَنْ عَمْرو بْن سُلَيْم وَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِ حَدِيثِ الْبَابِ فَزَادَ فِيهِ \" عَلَى عَاتِقِهِ \" وَكَذَا لِمُسْلِم وَغَيْرِهِ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى , وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ اِبْن جُرَيْجٍ \" عَلَى رَقَبَتِهِ \". وأُمَامَة بِضَمِّ الْهَمْزَةِ تَخْفِيف الْمِيمَيْنِ كَانَتْ صَغِيرَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَة بِوَصِيَّةٍ مِنْهَا وَلَمْ تُعْقِبْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلِأَبِي الْعَاصِ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيّ : الْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ \" بِنْت زَيْنَب \" بِمَعْنَى اللَّام , فَأَظْهَرَ فِي الْمَعْطُوفِ وَهُوَ قَوْلُهُ \" وَلِأَبِي الْعَاصِ \" مَا هُوَ مُقَدَّرٌ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. اِنْتَهَى. وَأَشَارَ اِبْن الْعَطَّارِ إِلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ كَوْن وَالِد أُمَامَة كَانَ إِذْ ذَاكَ مُشْرِكًا فَنُسِبَتْ إِلَى أُمِّهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ يُنْسَبُ إِلَى أَشْرَفِ أَبَوَيْهِ دِينًا وَنَسَبًا. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهَا مِنْ أَبِي الْعَاصِ تَبْيِينًا لِحَقِيقَةِ نَسَبِهَا. اِنْتَهَى. وَهَذَا السِّيَاقُ لِمَالِكٍ وَحْدَهُ , وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ عَامِر بْن عَبْد اللَّه فَنَسَبُوهَا إِلَى أَبِيهَا ثُمَّ بَيَّنُوا أَنَّهَا بِنْتُ زَيْنَب كَمَا هُوَ عِنْد مُسْلِم وَغَيْرِهِ , وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيق الْمَقْبُرِيّ عَنْ عَمْرو بْن سُلَيْم \" يَحْمِلُ أُمَامَة بِنْت أَبِي الْعَاصِ - وَأُمُّهَا زَيْنَب بِنْت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَاتِقِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن رَبِيعَة بْن عَبْدِ شَمْسٍ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ الْجُمْهُورُ عَنْ مَالِك وَرَوَاهُ يَحْيَى بْن بُكَيْر وَمَعْن بْن عِيسَى وَأَبُو مُصْعَب وَغَيْرُهُمْ عَنْ مَالِكٍ فَقَالُوا \" اِبْن الرَّبِيع \" وَهُوَ الصَّوَابُ. وَغَفَلَ الْكَرْمَانِيّ فَقَالَ خَالَفَ الْقَوْم الْبُخَارِيّ فَقَالَ : رَبِيعَة , وَعِنْدَهُمْ الرَّبِيع وَالْوَاقِعُ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ الْقَوْمِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ كَالْبُخَارِيِّ فَالْمُخَالَفَة فِيهِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ مَالِك , وَادَّعَى الْأَصِيلِيّ أَنَّهُ اِبْن الرَّبِيع بْن رَبِيعَة فَنَسَبَهُ مَالِك مَرَّةً إِلَى جَدِّهِ , وَرَدَّهُ عِيَاض وَالْقُرْطُبِيّ وَغَيْرهمَا لِإِطْبَاق النَّسَّابِينَ عَلَى خِلَافِهِ. نَعَمْ قَدْ نَسَبَهُ مَالِك إِلَى جَدِّهِ فِي قَوْلِهِ \" اِبْن عَبْد شَمْس \" وَإِنَّمَا هُوَ اِبْنُ عَبْد الْعُزَّى بْن عَبْد شَمْس , أَطْبَقَ عَلَى ذَلِكَ النَّسَّابُونَ أَيْضًا , وَاسْم أَبِي الْعَاصِ لَقِيط وَقِيلَ مِقْسَمٌ وَقِيلَ الْقَاسِم وَقِيلَ مِهْشَم وَقِيلَ هُشَيْمٌ وَقِيلَ يَاسِر وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ. أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَهَاجَرَ , وَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْنَتَهُ زَيْنَب وَمَاتَتْ مَعَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ , وَكَانَتْ وَفَاته فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا سَجَدَ وَضْعهَا ) ‏ ‏كَذَا لِمَالِكٍ أَيْضًا , وَرَوَاهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُثْمَان بْن أَبِي سُلَيْمَان وَمُحَمَّد اِبْن عِجْلَانِ , وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيّ , وَأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ اِبْن جُرَيْجٍ , وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعُمَيْسِ كُلّهمْ عَنْ عَامِر بْن عَبْد اللَّه شَيْخ مَالِك فَقَالُوا \" إِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا \" وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيق الْمَقْبُرِيّ عَنْ عَمْرو اِبْن سُلَيْم \" حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخَذَهَا فَوَضَعَهَا ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ , حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِهِ قَامَ وَأَخَذَهَا فَرَدَّهَا فِي مَكَانِهَا \" , وَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّ فِعْلَ الْحَمْلِ وَالْوَضْعِ كَانَ مِنْهُ لَا مِنْهَا بِخِلَافِ مَا أَوَّلَهُ الْخَطَّابِيّ حَيْثُ قَالَ : يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الصِّبْيَة كَانَتْ قَدْ أَلِفَتْهُ , فَإِذَا سَجَدَ تَعَلَّقَتْ بِأَطْرَافِهِ وَالْتَزَمَتْهُ فَيَنْهَضُ مِنْ سُجُودِهِ فَتَبْقَى مَحْمُولَة كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يَرْكَعَ فَيُرْسِلَهَا. قَالَ : هَذَا وَجْهُهُ عِنْدِي. وَقَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ لَفْظ حَمَلَ لَا يُسَاوِي لَفْظ وَضَعَ فِي اِقْتِضَاءِ فِعْلِ الْفَاعِلِ ; لِأَنَّا نَقُولُ : فَلَانَ حَمَلَ كَذَا وَلَوْ كَانَ غَيْره حَمَلَهُ , بِخِلَافِ وَضَعَ , فَعَلَى هَذَا فَالْفِعْل الصَّادِر مِنْهُ هُوَ الْوَضْعُ لَا الرَّفْعُ فَيَقِلُّ الْعَمَلُ. قَالَ : وَقَدْ كُنْت أَحْسِبُ هَذَا حَسَنًا إِلَى أَنْ رَأَيْت فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ \" فَإِذَا قَامَ أَعَادَهَا \". قُلْت : وَهِيَ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ. وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُد الَّتِي قَدَّمْنَاهَا أَصْرَحُ فِي ذَلِكَ وَهِيَ \" ثُمَّ أَخَذَهَا فَرَدَّهَا فِي مَكَانِهَا \" وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ اِبْن جُرَيْجٍ \" وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عَلَى رَقَبَتِهِ \". قَالَ الْقُرْطُبِيّ : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ , وَالَّذِي أَحْوَجَهُمْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَمَل كَثِير , فَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ فِي النَّافِلَةِ , وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ , فَإِنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ كَانَ فِي فَرِيضَة. وَسَبَقَهُ إِلَى اِسْتِبْعَادِ ذَلِكَ الْمَازِرِيّ وَعِيَاض , لِمَا ثَبَتَ فِي مُسْلِم \" رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَؤُمُّ النَّاس وأُمَامَة عَلَى عَاتِقِهِ \". قَالَ الْمَازِرِيّ : إِمَامَتُهُ بِالنَّاسِ فِي النَّافِلَةِ لَيْسَتْ بِمَعْهُودَةٍ. وَلِأَبِي دَاوُد \" بَيْنَمَا نَحْنُ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الظُّهْرِ - أَوْ الْعَصْرِ - وَقَدْ دَعَاهُ بِلَال إِلَى الصَّلَاةِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا وأُمَامَة عَلَى عَاتِقِهِ فَقَامَ فِي مُصَلَّاهُ فَقُمْنَا خَلْفَهُ فَكَبَّرَ فَكَبَّرْنَا وَهِيَ فِي مَكَانِهَا \" , وَعِنْد الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ وَتَبِعَهُ السُّهَيْلِيّ الصُّبْح وَوَهِمَ مَنْ عَزَاهُ لِلصَّحِيحَيْنِ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَرَوَى أَشْهَب وَعَبْد اللَّه بْن نَافِع عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ حَيْثُ لَمْ يَجِدُ مَنْ يَكْفِيه أَمْرهَا. اِنْتَهَى. وَقَالَ بَعْض أَصْحَابِهِ : ; لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَبَكَتْ وَشَغَلَتْ سِرّه فِي صَلَاتِهِ أَكْثَر مِنْ شُغْلِهِ بِحَمْلِهَا. وَفَرَّقَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ , وَقَالَ الْبَاجِيّ : إِنْ وَجَدَ مَنْ يَكْفِيه أَمْرهَا جَاز فِي النَّافِلَةِ دُونَ الْفَرِيضَةِ , وَإِنْ لَمْ يَجِدْ جَاز فِيهِمَا. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَرَوَى عَبْد اللَّه بْن يُوسُف التِّنِّيسِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْحَدِيثَ مَنْسُوخ. ‏ ‏قُلْت : رَوَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَقِبَ رِوَايَتِهِ لِلْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِهِ , لَكِنَّهُ غَيْرُ صَرِيح ُ وَلَفْظُهُ : قَالَ التِّنِّيسِيُّ قَالَ مَالِك : مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسِخ وَمَنْسُوخ ُ وَلَيْسَ الْعَمَل عَلَى هَذَا. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَعَلَّهُ نُسِخَ بِتَحْرِيمِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَبِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا \" ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ , وَهَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ قَطْعًا بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ. وَذَكَرَ عِيَاض عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِهِ كَانَ مَعْصُومًا مِنْ أَنْ تَبُولَ وَهُوَ حَامِلُهَا , وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَم الِاخْتِصَاصِ وَبِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الِاخْتِصَاصِ فِي أَمْرِ ثُبُوتِهِ فِي غَيْرِهِ بِغَيْرِ دَلِيل , وَلَا مَدْخَل لِلْقِيَاسِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. وَحَمَلَ أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ مُتَوَالٍ لِوُجُودِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي أَرْكَانِ صَلَاتِهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : اِدَّعَى بَعْض الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخ , وَبَعْضهمْ أَنَّهُ مِنْ الْخَصَائِصِ , وَبَعْضهمْ أَنَّهُ كَانَ لِضَرُورَة ُ وَكُلّ ذَلِكَ دَعَاوَى بَاطِلَة مَرْدُودَة لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا , وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُخَالِفُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ ; لِأَنَّ الْآدَمِيَّ طَاهِر , وَمَا فِي جَوْفِهِ مَعْفُوّ عَنْهُ , وَثِيَاب الْأَطْفَالِ وَأَجْسَادُهُمْ مَحْمُولَة عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى تَتَبَيَّنَ النَّجَاسَة وَالْأَعْمَال فِي الصَّلَاةِ لَا تُبْطِلُهَا إِذَا قَلَّتْ أَوْ تَفَرَّقَتْ , وَدَلَائِل الشَّرْعِ مُتَظَاهِرَة عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِبَيَان الْجَوَاز. وَقَالَ الْفَاكِهَانِيّ : وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي حَمْلِهِ أُمَامَة فِي الصَّلَاةِ دَفْعًا لِمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَأْلَفُهُ مِنْ كَرَاهَةِ الْبَنَاتُ وَحَمْلِهِنَّ , فَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي رَدْعِهِمْ , وَالْبَيَانُ بِالْفِعْلِ قَدْ يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْقَوْلِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَرْجِيحِ الْعَمَلِ بِالْأَصْلِ عَلَى الْغَالِبِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيّ. وَلِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ هُنَا بَحْث مِنْ جِهَةِ أَنَّ حِكَايَات الْأَحْوَال لَا عُمُومَ لَهَا , وَعَلَى جَوَازِ إِدْخَالِ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسَاجِدِ وَعَلَى أَنَّ لَمْسَ الصِّغَارِ الصَّبَايَا غَيْر مُؤَثِّرٍ فِي الطَّهَارَةِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَغَيْرِهِنَّ , وَعَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ حَمَلَ آدَمِيًّا , وَكَذَا مَنْ حَمَلَ حَيَوَانًا طَاهِرًا وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيل بَيْنَ الْمُسْتَجْمِرِ وَغَيْره وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أُمَامَة كَانَتْ حِينَئِذٍ قَدْ غَسَلَتْ , كَمَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَسُّهَا بِحَائِلٍ. وَفِيهِ تَوَاضُعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَشَفَقَته عَلَى الْأَطْفَالِ , وَإِكْرَامه لَهُمْ جَبْرًا لَهُمْ وَلِوَالِدَيْهِمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "487",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَتْنِي ‏ ‏خَالَتِي ‏ ‏مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرُبَّمَا وَقَعَ ثَوْبُهُ عَلَيَّ وَأَنَا عَلَى فِرَاشِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حِيَالَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمِلَةِ بَعْدَهَا يَاء تَحْتَانِيَّة أَيْ بِجَنْبِهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "488",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الشَّيْبَانِيُّ سُلَيْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ نَائِمَةٌ فَإِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي ثَوْبُهُ وَأَنَا حَائِضٌ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏وَأَنَا حَائِضٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي ثَوْبُهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْمُسْتَمْلِي والْكُشْمِيهَنِيّ \" ثِيَابه \" وَلِلْأَصِيلِيّ \" أَصَابَتْنِي ثِيَابُهُ \". قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا الْحَدِيثُ وَشَبَهه مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا اِعْتِرَاض الْمَرْأَةِ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَقِبْلَتِهِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْقُعُودِ لَا عَلَى جَوَازِ الْمُرُورِ. اِنْتَهَى. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ تَرْجَمَةَ الْبَابِ لَيْسَتْ مَعْقُودَة لِلِاعْتِرَاضِ بَلْ مَسْأَلَة الِاعْتِرَاض تَقَدَّمَتْ , وَالظَّاهِر أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَصَدَ بَيَان صِحَّة الصَّلَاةِ وَلَوْ كَانَتْ الْحَائِض بِجَنْبِ الْمُصَلِّي وَلَوْ أَصَابَتْهَا ثِيَابُهُ , لَا كَوْن الْحَائِض بَيْنَ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ. وَتَعْبِيرُهُ بِقَوْلِهِ \" إِلَى \" أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ , فَإِنَّ الِانْتِهَاءَ يَصْدُقُ عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ أَمَامَهُ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ , وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْحَدِيثِ بِكَوْنِهَا كَانَتْ إِلَى جَنْبِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا حَائِضُ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ لِغَيْرِهِ , لَكِنْ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ \" أَصَابَنِي ثَوْبُهُ \" زَاد مُسَدَّد عَنْ خَالِدٍ عَنْ الشَّيْبَانِيّ \" وَأَنَا حَائِض \" , وَرِوَايَة مُسَدَّد هَذِهِ سَاقَهَا الْمُصَنِّفُ فِي \" بَابِ إِذَا أَصَابَ ثَوْب الْمُصَلِّي \" وَفِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ , وَهِيَ أَصْرَحُ بِمُرَادِ التَّرْجَمَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "489",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْقَاسِمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏بِئْسَمَا عَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ ‏ ‏لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَيَّ فَقَبَضْتُهُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ الْفَلَّاسُ , ‏ ‏وَيَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّانُ , ‏ ‏وَعُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْعُمَرِيُّ , وَالْقَاسِم هُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله : ( بِئْسَمَا عَدَلْتُمُونَا ) ‏ ‏تَخْفِيف الدَّالِ , وَ \" مَا \" نَكِرَة مُفَسِّرَة لِفَاعِلِ بِئْسَ , وَالْمَخْصُوص بِالذَّمِّ مَحْذُوف تَقْدِيرُهُ عَدْلَكُمْ , أَيْ تَسْوِيَتكُمْ إِيَّانَا بِمَا ذُكِرَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى مَبَاحِث الْحَدِيث فِي \" بَابِ التَّطَوُّعِ خَلْفَ الْمَرْأَةِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "490",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّورَمَارِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَائِمٌ ‏ ‏يُصَلِّي عِنْدَ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏وَجَمْعُ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فِي مَجَالِسِهِمْ إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا ‏ ‏الْمُرَائِي ‏ ‏أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى ‏ ‏جَزُورِ ‏ ‏آلِ فُلَانٍ فَيَعْمِدُ إِلَى ‏ ‏فَرْثِهَا ‏ ‏وَدَمِهَا ‏ ‏وَسَلَاهَا ‏ ‏فَيَجِيءُ بِهِ ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَانْبَعَثَ ‏ ‏أَشْقَاهُمْ ‏ ‏فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَثَبَتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَاجِدًا فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنْ الضَّحِكِ فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ ‏ ‏فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى وَثَبَتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَاجِدًا حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الصَّلَاةَ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ عَلَيْكَ ‏ ‏بِقُرَيْشٍ ‏ ‏اللَّهُمَّ عَلَيْكَ ‏ ‏بِقُرَيْشٍ ‏ ‏اللَّهُمَّ عَلَيْكَ ‏ ‏بِقُرَيْشٍ ‏ ‏ثُمَّ سَمَّى اللَّهُمَّ عَلَيْكَ ‏ ‏بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ ‏ ‏وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ‏ ‏وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ‏ ‏وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى ‏ ‏الْقَلِيبِ ‏ ‏قَلِيبِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ ‏ ‏الْقَلِيبِ ‏ ‏لَعْنَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ مِنْ صِغَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ شَارَكَهُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ شَيْخِهِ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى الْمَذْكُور , وَعُبَيْد اللَّهِ وَمَنْ فَوْقَهُ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الْمُرَائِي ) ‏ ‏مَأْخُوذ مِنْ الرِّيَاءِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ فِي الْمَلَإِ دُونَ الْخَلْوَةِ لِيُرَى. ‏ ‏قَوْله : ( جَزُور آلِ فُلَانِ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِمْ لَكِنْ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونُوا آلَ أَبِي مُعَيْط لِمُبَادَرَة عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط إِلَى إِحْضَارِ مَا طَلَبُوهُ مِنْهُ , وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ أَشْقَاهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَ مُنْطَلِق ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ اِبْن مَسْعُود الرَّاوِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الطَّهَارَةِ قَبْلَ الْغُسْلِ بِقَلِيلٍ. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَتْ أَبْوَابُ اِسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ - وَمَا مَعَهَا مِنْ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ وَسُتْرَة الْمُصَلَّى - مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى سِتَّة وَثَمَانِينَ حَدِيثًا الْمُكَرَّر مِنْهَا سِتَّة وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا عَشَرَة تَقَدَّمَتْ وَسِتَّة وَعِشْرُونَ فِيهَا الْخَالِص مِنْهَا خَمْسُونَ حَدِيثًا , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيج أُصُولهَا سِوَى حَدِيث أَنَس \" مَنْ اِسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الصَّلَاةِ فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ , لَكِنَّ أَوْضَحْنَا أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ أُسَامَةَ , وَحَدِيث جَابِر فِي الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ ُ وَحَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّةِ الْوَلِيدَةِ صَاحِبَة الْوِشَاحِ , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" رَأَيْت سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ \" , وَحَدِيث اِبْن عُمَر \" كَانَ الْمَسْجِد مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ \" , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّةِ عَمَّار فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ , وَحَدِيثه فِي الْخُطْبَةِ فِي خَوْخَةِ أَبِي بَكْر , وَحَدِيث عُمَرَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى عَشَرَةِ أَحَادِيثَ , وَحَدِيث عَائِشَة \" لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ \". وَفِيهَا مِنْ الْمُعَلَّقَاتِ ثَمَانِيَة عَشَرَ حَدِيثًا كُلّهَا مُكَرَّرَة إِلَّا حَدِيث أَنَس فِي قِصَّةِ الْعَبَّاس وَمَالِ الْبَحْرِينِ وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِهِ أَيْضًا عَنْ مُسْلِم , فَجُمْلَة مَا فِيهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ بِالْمُكَرَّرِ مِائَة وَأَرْبَعَة أَحَادِيثَ , وَفِيهَا مِنْ الْآثَارِ ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ كُلّهَا مُعَلَّقَات , إِلَّا أَثَر مَسَاجِد اِبْن عَبَّاس , وَأَثَر عُمَر وَعُثْمَان أَنَّهُمَا كَانَا يَسْتَلْقِيَانِ فِي الْمَسْجِدِ , وَأَثَرهمَا أَنَّهُمَا زَادَا فِي الْمَسْجِدِ , فَإِنَّ هَذِهِ مَوْصُولَة. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "491",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏قَالَ قَرَأْتُ عَلَى ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ‏ ‏فَدَخَلَ عَلَيْهِ ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ‏ ‏أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهُوَ ‏ ‏بِالْعِرَاقِ ‏ ‏فَدَخَلَ عَلَيْهِ ‏ ‏أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏فَقَالَ مَا هَذَا يَا ‏ ‏مُغِيرَةُ ‏ ‏أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ بِهَذَا أُمِرْتُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لِعُرْوَةَ ‏ ‏اعْلَمْ ‏ ‏مَا تُحَدِّثُ أَوَأَنَّ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏هُوَ ‏ ‏أَقَامَ ‏ ‏لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقْتَ الصَّلَاةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏كَذَلِكَ كَانَ ‏ ‏بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَة ) ‏ ‏هُوَ الْقَعْنَبِيّ , وَهَذَا الْحَدِيث أَوَّل شَيْءٍ فِي الْمُوَطَّأِ , وَرِجَاله كُلّهمْ مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ) ‏ ‏وَلِلْمُصَنِّفِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ اِبْن شِهَاب بَيَان الصَّلَاة الْمَذْكُورَة وَلَفْظه \" أَخَّرَ الْعَصْر شَيْئًا \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : ظَاهِرُ سِيَاقه أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ يَوْمًا مَا , لَا أَنْ ذَلِكَ كَانَ عَادَةً لَهُ وَإِنْ كَانَ أَهْل بَيْتِهِ مَعْرُوفِينَ بِذَلِكَ ا ه. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ قَرِيبًا فِي \" بَاب تَضْيِيع الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا \" وَكَذَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيّ , وَفِي رِوَايَةِ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ اِبْن شِهَاب \" أَخَّرَ الصَّلَاةَ مَرَّة \" يَعْنِي الْعَصْر , وَلِلطَّبَرانِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْر بْن حَزْم أَنَّ عُرْوَة حَدَّثَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فِي زَمَان الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك - وَكَانَ ذَلِكَ زَمَانٌ يُؤَخِّرُونَ فِيهِ الصَّلَاةَ , يَعْنِي بَنِي أُمَيَّة. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : الْمُرَادُ أَنَّهُ أَخَّرَهَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْت الْمُسْتَحَبّ , لَا أَنَّهُ أَخَّرَهَا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ ا ه. وَيُؤَيِّدُهُ سِيَاقُ رِوَايَةِ اللَّيْث الْمُتَقَدِّمَةِ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ أُسَامَة بْن زَيْد اللَّيْثِيّ عَنْ اِبْن شِهَاب فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ \" دَعَا الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَأَمْسَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهَا \" فَمَحْمُول عَلَى أَنَّهُ قَارَبَ الْمَسَاءَ لَا أَنَّهُ دَخَلَ فِيهِ. وَقَدْ رَجَعَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ ذَلِكَ , فَرَوَى الْأَوْزَاعِيّ عَنْ عَاصِم بْن رَجَاء بْن حَيْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز - يَعْنِي فِي خِلَافَتِهِ - كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي السَّاعَةِ الثَّامِنَةِ وَالْعَصْرَ فِي السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ حِينَ تَدْخُلُ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ) ‏ ‏بَيَّنَ عَبْد الرَّزَّاق فِي رِوَايَتِهِ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ الْعَصْر أَيْضًا وَلَفْظه \" أَمْسَى الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة بِصَلَاةِ الْعَصْرِ \". ‏ ‏قَوْله ( وَهُوَ بِالْعِرَاقِ ) ‏ ‏فِي الْمُوَطَّأِ رِوَايَة الْقَعْنَبِيّ وَغَيْره عَنْ مَالِكِ \" وَهُوَ بِالْكُوفَةِ \" , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي خَلِيفَة عَنْ الْقَعْنَبِيّ. وَالْكُوفَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِرَاقِ , فَالتَّعْبِير بِهَا أَخَصّ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْعِرَاقِ , وَكَانَ الْمُغِيرَة إِذْ ذَاكَ أَمِيرًا عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان. ‏ ‏قَوْله ( أَبُو مَسْعُود ) ‏ ‏أَيْ عُقْبَة بْن عَمْرو الْبَدْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( مَا هَذَا ) ‏ ‏أَيْ التَّأْخِيرُ. ‏ ‏قَوْله ( أَلَيْسَ ) ‏ ‏كَذَا الرِّوَايَة , وَهُوَ اِسْتِعْمَالٌ صَحِيحٌ , لَكِنَّ الْأَكْثَرَ فِي الِاسْتِعْمَالِ فِي مُخَاطَبَةِ الْحَاضِرِ \" أَلَسْت \" وَفِي مُخَاطَبَةِ الْغَائِبِ \" أَلَيْسَ \". ‏ ‏قَوْله ( قَدْ عَلِمْت ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى عِلْم الْمُغِيرَة بِذَلِكَ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ مِنْ أَبِي مَسْعُود لِعِلْمِهِ بِصُحْبَةِ الْمُغِيرَةِ. ‏ ‏قُلْت : وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّل رِوَايَةُ شُعَيْب عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ بِلَفْظ \" فَقَالَ لَقَدْ عَلِمْت \" بِغَيْرِ أَدَاةِ اِسْتِفْهَام , وَنَحْوُهُ لِعَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر وَابْن جُرَيْجٍ جَمِيعًا. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ ) ‏ ‏بَيَّنَ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمُغَازِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ صَبِيحَةَ اللَّيْلَةِ الَّتِي فُرِضَتْ فِيهَا الصَّلَاةُ وَهِيَ لَيْلَة الْإِسْرَاء , قَالَ اِبْن إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْن مُسْلِم عَنْ نَافِع بْن جُبَيْر \" وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق \" عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ نَافِع بْن جُبَيْر وَغَيْره : لَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْرِيَ بِهِ لَمْ يَرُعْهُ إِلَّا جِبْرِيلُ نَزَلَ حِينَ زَاغَتْ الشَّمْس , وَلِذَلِكَ سُمِّيَت \" الْأُولَى \" أَيْ صَلَاةُ الظُّهْرِ , فَأَمَرَ فَصِيحَ بِأَصْحَابِهِ : \" الصَّلَاة جَامِعَة , فَاجْتَمَعُوا , فَصَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ وَصَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ بَيَان الْأَوْقَات إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ , وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَهَا بِبَيَانِ جِبْرِيلَ , وَبَعْدَهَا بِبَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( نَزَلَ فَصَلَّى , فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : ظَاهِرُهُ أَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ بَعْدَ فَرَاغ صَلَاة جِبْرِيلَ , لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ فِي غَيْرِهِ أَنْ جِبْرِيلَ أَمَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيُحْمَلُ قَوْله \" صَلَّى فَصَلَّى \" عَلَى أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ كُلَّمَا فَعَلَ جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ تَابَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِعْلِهِ ا ه. وَبِهَذَا جَزَمَ النَّوَوِيّ. وَقَالَ غَيْره : الْفَاءُ بِمَعْنَى الْوَاو وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَقَدَّمُ فِي بَعْضِ الْأَرْكَانِ عَلَى جِبْرِيلَ عَلَى مَا يَقْتَضِيه مُطْلَقُ الْجَمْعِ. وَأُجِيبَ بِمُرَاعَاة الْحَيْثِيَّة وَهِيَ التَّبْيِينُ , فَكَانَ لِأَجْلِ ذَلِكَ يَتَرَاخَى عَنْهُ. وَقِيلَ : الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَة اللَّيْث عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْره \" نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِيَ فَصَلَّيْت مَعَهُ \" , وَفِي رِوَايَةِ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر \" نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى النَّاسُ مَعَهُ \" وَهَذَا يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ نَافِع بْن جُبَيْر الْمُتَقَدِّمَةَ وَإِنَّمَا دَعَاهُمْ إِلَى الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ \" الصَّلَاة جَامِعَة \" ; لِأَنَّ الْأَذَانَ لَمْ يَكُنْ شُرِعَ حِينَئِذٍ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَاز الِائْتِمَام بِمَنْ يَأْتَمُّ بِغَيْرِهِ , وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَا يُجَابُ بِهِ عَنْ قِصَّةِ أَبِي بَكْر فِي صَلَاتِهِ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَاة النَّاسِ خَلْفَهُ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُبَلِّغًا فَقَطْ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ بِمِثْلِ مَا كُلِّفَ بِهِ الْإِنْس. قَالَهُ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْره. وَأَجَابَ عِيَاض بِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تَكُونُ تِلْكَ الصَّلَاة كَانَتْ وَاجِبَة عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ. وَتَعَقَّبَهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ صَبِيحَة لَيْلَةِ فَرْضِ الصَّلَاة , وَأَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَيْهِ كَانَ مُعَلَّقًا بِالْبَيَانِ , فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْوُجُوب إِلَّا بَعْدَ تِلْكَ الصَّلَاةِ. قَالَ : وَأَيْضًا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ مُتَنَفِّلًا بَلْ كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاة وَاجِبَة عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِتَبْلِيغِهَا ُ فَهِيَ صَلَاةُ مُفْتَرِضٍ خَلْف مُفْتَرِض ا ه. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْ يُجَوِّزُ صَلَاة مُفْتَرِضٍ بِفَرْضٍ خَلْف مُفْتَرِض بِفَرْضٍ آخَرَ , كَذَا قَالَ ُ وَهُوَ مُسَلَّمٌ لَهُ فِي صُورَة الْمُؤَدَّاة مَثَلًا خَلْفَ الْمَقْضِيَّةِ لَا فِي صُورَةِ الظُّهْرِ خَلْفَ الْعَصْرِ مَثَلًا. ‏ ‏قَوْله ( بِهَذَا أُمِرْت ) ‏ ‏بِفَتْح الْمُثَنَّاة عَلَى الْمَشْهُورِ , وَالْمَعْنَى هَذَا الَّذِي أُمِرْت بِهِ أَنْ تُصَلِّيَهُ كُلّ يَوْم وَلَيْلَة وَرُوِيَ بِالضَّمِّ , أَيْ هَذَا الَّذِي أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِهِ لَك. ‏ ‏قَوْله ( اِعْلَمْ ) ‏ ‏بِصِيغَةِ الْأَمْرِ. ‏ ‏قَوْله ( أَوْ أَنَّ جِبْرِيلَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ لِلِاسْتِفْهَامِ وَالْوَاو هِيَ الْعَاطِفَةُ وَالْعَطْف عَلَى شَيْءٍ مُقَدَّر وَبِكَسْرِ هَمْزَة إِنَّ وَيَجُوزُ الْفَتْحُ. ‏ ‏قَوْله ( وُقُوتَ الصَّلَاةِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي بِصِيغَةِ الْجَمْعِ , وَلِلْبَاقِينَ \" وَقْتَ الصَّلَاةِ \" بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ لِلْجِنْسِ. ‏ ‏قَوْله ( كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرٌ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَة بِوَزْنِ فَعِيلٍ. وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ ذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ لِكَوْنِهِ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَآهُ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هَذَا السِّيَاقُ مُنْقَطِع عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ اِبْن شِهَاب لَمْ يَقُلْ حَضَرْت مُرَاجَعَة عُرْوَة لِعُمَرَ , وَعُرْوَة لَمْ يَقُلْ حَدَّثَنِي بَشِيرٌ , لَكِنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِثُبُوت اللِّقَاء وَالْمُجَالَسَة لَا بِالصِّيَغِ ا ه. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : اِعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ بِهَذَا الطَّرِيقِ لَيْسَ مُتَّصِل الْإِسْنَاد إِذْ لَمْ يَقُلْ أَبُو مَسْعُود : شَاهَدْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قُلْت : هَذَا لَا يُسَمَّى مُنْقَطِعًا اِصْطِلَاحًا ُ وَإِنَّمَا هُوَ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ الْقِصَّة , فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بَلَغَهُ عَنْهُ بِتَبْلِيغ مَنْ شَاهَدَهُ أَوْ سَمِعَهُ كَصَحَابِيٍّ آخَرَ. عَلَى أَنَّ رِوَايَة اللَّيْث عِنْدَ الْمُصَنِّفِ تُزِيلُ الْإِشْكَالَ كُلّه , وَلَفْظه \" فَقَالَ عُرْوَة : سَمِعْت بَشِير بْن أَبِي مَسْعُود يَقُولُ : سَمِعْت أَبِي يَقُولُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَكَذَا سِيَاق اِبْن شِهَاب , وَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ عُرْوَة , وَابْن شِهَاب قَدْ جُرِّبَ عَلَيْهِ التَّدْلِيسُ , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ \" كُنَّا مَعَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز \" ; فَذَكَرَهُ. وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ \" سَمِعْت عُرْوَة يُحَدِّثُ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز \" الْحَدِيث. قَالَ الْقُرْطُبِىُّ : قَوْلُ عُرْوَةَ إِنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز إِذْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الْأَوْقَاتِ. قَالَ : وَغَايَةُ مَا يُتَوَهَّمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ نَبَّهَهُ وَذَكَّرَهُ بِمَا كَانَ يَعْرِفُهُ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأَوْقَاتِ. قَالَ : وَفِيهِ بُعْدٌ , لِإِنْكَارِ عُمَرَ عَلَى عُرْوَةَ حَيْثُ قَالَ لَهُ \" اِعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ يَا عُرْوَة \" قَالَ : وَظَاهِرُ هَذَا الْإِنْكَار أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ. ‏ ‏قُلْت : لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْهَا أَنْ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِتَفَاصِيلِ الْأَوْقَات الْمَذْكُورَة مِنْ جِهَةِ الْعَمَلِ الْمُسْتَمِرِّ , لَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ أَصْلَهُ بِتَبْيِينِ جِبْرِيلَ بِالْفِعْلِ , فَلِهَذَا اِسْتَثْبَتَ فِيهِ ُ وَكَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنْ لَا مُفَاضَلَةَ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ الْوَاحِدِ , وَكَذَا يُحْمَلُ عَمَل الْمُغِيرَةِ وَغَيْره مِنْ الصَّحَابَةِ , وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ عَلَى جَوَاب الْمُغِيرَة لِأَبِي مَسْعُود وَالظَّاهِر أَنَّهُ رَجَعَ إِلَيْهِ وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏وَأَمَّا مَا زَادَهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ : فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُعَلِّمُ الصَّلَاة بِعَلَامَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا , وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي \" كِتَاب الْمَوَاقِيت \" لَهُ مِنْ طَرِيق الْوَلِيد عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ \" مَا زَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز يَتَعَلَّمُ مَوَاقِيت الصَّلَاةِ حَتَّى مَاتَ \". وَمِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيل بْن حَكِيم \" أَنَّ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز جَعَلَ سَاعَات يَنْقَضِينَ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ \" زَادَ مِنْ طَرِيقِ اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ \" فَمَا أَخَّرَهَا حَتَّى مَاتَ \" فَكُلّه يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَحْتَاطُ فِي الْأَوْقَاتِ كَثِير اِحْتِيَاطٍ إِلَّا بَعْدَ أَنْ حَدَّثَهُ عُرْوَة بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَرَدّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ بَيَان أَبِي مَسْعُود لِلْأَوْقَاتِ وَفِي ذَلِكَ مَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ , وَيُوَضِّحُ تَوْجِيه اِحْتِجَاج عُرْوَة بِهِ , فَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَة وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ وَهْبٍ , وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب كِلَاهُمَا عَنْ أُسَامَةَ بْن زَيْد عَنْ الزُّهْرِيِّ هَذَا الْحَدِيث بِإِسْنَادِهِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ \" قَالَ أَبُو مَسْعُود : فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْر حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد أَنَّ أُسَامَة بْن زَيْد تَفَرَّدَ بِتَفْسِير الْأَوْقَات فِيهِ , وَأَنَّ أَصْحَابَ الزُّهْرِيِّ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ. قَالَ : وَكَذَا رَوَاهُ هِشَام بْن عُرْوَة وَحَبِيب بْن أَبِي مَرْزُوق عَنْ عُرْوَةَ لَمْ يَذْكُرَا تَفْسِيرًا ا ه. وَرِوَايَةُ هِشَام أَخْرَجَهَا سَعِيد بْن مَنْصُور فِي سُنَنِهِ , وَرِوَايَة حَبِيبٍ أَخْرَجَهَا الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة فِي مُسْنَدِهِ. وَقَدْ وَجَدْت مَا يُعَضِّدُ رِوَايَة أُسَامَةَ وَيَزِيدُ عَلَيْهَا أَنَّ الْبَيَان مِنْ فِعْلِ جِبْرِيلَ , وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَاغَنْدِيُّ فِي \" مُسْنَدِ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز \" وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" السُّنَنِ الْكُبْرَى \" مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن حَزْم أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ أَبِي مَسْعُود , فَذَكَرَهُ مُنْقَطِعًا , لَكِنْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بَكْر عَنْ عُرْوَة , فَرَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى عُرْوَة , وَوَضَّحَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا , وَأَنَّ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ اِخْتِصَارًا , وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَالِك وَمَنْ تَابَعَهُ مَا يَنْفِي الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة فَلَا تُوصَفُ وَالْحَالَة هَذِهِ بِالشُّذُوذِ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ : دُخُولُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْأُمَرَاءِ , وَإِنْكَارُهُمْ عَلَيْهِمْ مَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ , وَاسْتِثْبَات الْعَالِم فِيمَا يَسْتَغْرِبُهُ السَّامِعُ , وَالرُّجُوع عِنْدَ التَّنَازُعِ إِلَى السُّنَّةِ. ‏ ‏وَفِيهِ فَضِيلَة عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز. ‏ ‏وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْمُبَادَرَةِ بِالصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الْفَاضِلِ. وَقَبُولُ خَبَر الْوَاحِد الثَّبَت. وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن بَطَّال وَغَيْره عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ بِالْمُتَّصِلِ دُونَ الْمُنْقَطِعِ ; لِأَنَّ عُرْوَةَ أَجَابَ عَنْ اِسْتِفْهَامِ عَمَرَ لَهُ لَمَّا أَنْ أَرْسَلَ الْحَدِيثَ بِذِكْر مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ , فَكَأَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ : تَأَمَّلْ مَا تَقُولُ , فَلَعَلَّهُ بَلَغَكَ عَنْ غَيْرِ ثَبَت. فَكَأَنَّ عُرْوَةَ قَالَ لَهُ : بَلْ قَدْ سَمِعْته مِمَّنْ قَدْ سَمِعَ صَاحِب رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّاحِبُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ عِيَاض عَلَى جَوَازِ الِاحْتِجَاجِ بِمُرْسَلِ الثِّقَة كَصَنِيع عُرْوَة حِينَ اِحْتَجَّ عَلَى عُمَرَ قَالَ : وَإِنَّمَا رَاجَعَهُ عُمَر لِتَثَبُّتِهِ فِيهِ لَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَرْضَ بِهِ مُرْسَلًا. كَذَا قَالَ , وَظَاهِر السِّيَاقِ يَشْهَدُ لِمَا قَالَ اِبْن بَطَّال. وَقَالَ اِبْن بَطَّال أَيْضًا : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيل عَلَى ضَعْف الْحَدِيث الْوَارِد فِي أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمَيْنِ لِوَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِكُلِّ صَلَاة , قَالَ : ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ يُنْكِرْ عُرْوَة عَلَى عُمَر صَلَاتَهُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ مُحْتَجًّا بِصَلَاةِ جِبْرِيلَ مَعَ أَنَّ جِبْرِيلَ قَدْ صَلَّى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَقَالَ \" الْوَقْت مَا بَيْنَ هَذَيْنِ \" وَأُجِيبُ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ صَلَاة عُمَر كَانْت خَرَجَتْ عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَهُوَ مَصِيرُ ظَلِّ الشَّيْء مَثْلَيْهِ , لَا عَنْ وَقْتِ الْجَوَازِ وَهُوَ مَغِيبُ الشَّمْسِ , فَيَتَّجِهُ إِنْكَارُ عُرْوَة , وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ ضَعْف الْحَدِيثِ. أَوْ يَكُونُ عُرْوَةُ أَنْكَرَ مُخَالَفَةَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَرَأَى أَنَّ الصَّلَاةَ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّمَا هِيَ لِبَيَان الْجَوَاز , فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ ضَعْف الْحَدِيثِ أَيْضًا. وَقَدْ رَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيقِ طَلْقِ بْن حَبِيب مُرْسَلًا قَالَ \" إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ وَمَا فَاتَتْهُ , وَلِمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا خَيْر لَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ \" وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ اِبْن عُمَر مِنْ قَوْلِهِ , وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ اِحْتِجَاج عُرْوَة بِحَدِيثِ عَائِشَة فِي كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْر وَالشَّمْس فِي حُجْرَتِهَا , وَهِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي وَقَعَ الْإِنْكَارُ بِسَبَبِهَا وَبِذَلِكَ تَظْهَرُ مُنَاسِبَة ذِكْرِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَة بَعْدَ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُود ; لِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَة يُشْعِرُ بِمُوَاظَبَتِهِ عَلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ , وَحَدِيثُ أَبِي مَسْعُود يُشْعِرُ بِأَنَّ أَصْلَ بَيَان الْأَوْقَات كَانَ بِتَعْلِيمِ جِبْرِيلَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عُرْوَة : وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَة ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيّ : هُوَ إِمَّا مَقُول اِبْن شِهَاب أَوْ تَعْلِيق مِنْ الْبُخَارِيِّ. ‏ ‏قُلْت : الِاحْتِمَالُ الثَّانِي - عَلَى بُعْدِهِ - مُغَايِر لِلْوَاقِعِ كَمَا سَيَظْهَرُ فِي \" بَاب وَقْتِ الْعَصْرِ \" قَرِيبًا. فَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْنَدًا عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَة ُ فَهُوَ مَقُولُهُ وَلَيْسَ بِتَعْلِيق , وَسَنَذْكُرُ الْكَلَامَ عَلَى فَوَائِدِهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "492",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبَّادٌ هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا إِنَّا مِنْ هَذَا الْحَيِّ مِنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ ‏ ‏وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذْهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا فَقَالَ ‏ ‏آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ وَأَنْهَى عَنْ ‏ ‏الدُّبَّاءِ ‏ ‏وَالْحَنْتَمِ ‏ ‏وَالْمُقَيَّرِ ‏ ‏وَالنَّقِيرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ \" حَدَّثَنَا عَبَّاد وَهُوَ اِبْنُ عَبَّاد \" ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَتْ الْوَاوُ لِغَيْرِهِ , وَهُوَ مِمَّنْ وَافَقَ اِسْمُهُ اِسْم أَبِيهِ , وَاسْم جَدِّهِ حَبِيب بْن الْمُهَلَّب بْن أَبِي صُفْرَة. ‏ ‏وَقَوْله \" إِنَّا مِنْ هَذَا الْحَيِّ \" ) ‏ ‏هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "493",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَايَعْتُ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ‏",
        "sharh": "وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ مَا يَشْتَرِطُ بَعْدَ التَّوْحِيدِ إِقَامَة الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهَا رَأْس الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة ثُمَّ أَدَاء الزَّكَاةِ ; لِأَنَّهَا رَأْس الْعِبَادَات الْمَالِيَّة , ثُمَّ يَعْلَمُ كُلّ قَوْمٍ مَا حَاجَتُهُمْ إِلَيْهِ أَمْسِ , فَبَايَعَ جَرِيرًا عَلَى النَّصِيحَةِ ; لِأَنَّهُ كَانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ فَأَرْشَدَهُ إِلَى تَعْلِيمِهِمْ بِأَمْرِهِ بِالنَّصِيحَةِ لَهُمْ , وَبَايَعَ وَفْد عَبْد الْقَيْس عَلَى أَدَاء الْخُمْس لِكَوْنِهِمْ كَانُوا أَهْل مُحَارَبَة مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ كُفَّار مُضَرَ , وَقَدْ تَقَدَّمُ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيث جَرِير أَيْضًا مُسْتَوْفًى فِي آخِر كِتَاب الْإِيمَان. ‏ ‏وَ \" يَحْيَى \" ) ‏ ‏فِي الْإِسْنَادِ أَيْضًا هُوَ الْقَطَّان , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَقَيْسٌ هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم. ‏"
    },
    {
        "id": "494",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْفِتْنَةِ قُلْتُ أَنَا كَمَا قَالَهُ قَالَ إِنَّكَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا لَجَرِيءٌ قُلْتُ ‏ ‏فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ قَالَ لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ وَلَكِنْ الْفِتْنَةُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ قَالَ لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا قَالَ أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ قَالَ يُكْسَرُ قَالَ إِذًا لَا يُغْلَقَ أَبَدًا قُلْنَا أَكَانَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَعْلَمُ الْبَابَ قَالَ نَعَمْ كَمَا أَنَّ دُونَ الْغَدِ اللَّيْلَةَ إِنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏فَأَمَرْنَا ‏ ‏مَسْرُوقًا ‏ ‏فَسَأَلَهُ فَقَالَ ‏ ‏الْبَابُ ‏ ‏عُمَرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان , وَشَقِيق هُوَ اِبْنُ سَلَمَةَ أَبُو وَائِل. ‏ ‏قَوْله ( فِي الْفِتْنَةِ لِلْمُسْتَمْلِي ‏ ‏\" حَدَّثَنِي حُذَيْفَة \" ) ‏ ‏. ‏ ‏قَوْله ( فِي الْفِتْنَةِ ) ‏ ‏فِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَازِ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَإِرَادَة الْخَاصّ. إِذْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ إِلَّا عَنْ فِتْنَةٍ مَخْصُوصَةٍ. وَمَعْنَى الْفِتْنَة فِي الْأَصْلِ الِاخْتِبَار وَالِامْتِحَان , ثُمَّ اِسْتُعْمِلَتْ فِي كُلِّ أَمْرٍ يَكْشِفُهُ الِامْتِحَانُ عَنْ سُوء. وَتُطْلَقُ عَلَى الْكُفْرِ , وَالْغُلُوِّ فِي التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ , وَعَلَى الْفَضِيحَةِ وَالْبَلِيَّة وَالْعَذَابِ وَالْقِتَالِ وَالتَّحَوُّلِ مِنْ الْحَسَنِ إِلَى الْقَبِيحِ وَالْمَيْلِ إِلَى الشَّيْءِ وَالْإِعْجَابِ بِهِ , وَتَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة. ‏ ‏قَوْله ( أَنَا كَمَا قَالَهُ ) ‏ ‏أَيْ أَنَا أَحْفَظُ مَا قَالَهُ , وَالْكَاف زَائِدَة لِلتَّأْكِيدِ , أَوْ هِيَ بِمَعْنَى عَلَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْمِثْلِيَّة , أَيْ أَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَهُ. ‏ ‏قَوْله ( عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏( أَوْ عَلَيْهَا ) ‏ ‏أَيْ عَلَى الْمَقَالَةِ وَالشَّكّ مِنْ أَحَدِ رُوَاته. ‏ ‏قَوْله ( الْأَمْر وَالنَّهْي ) ‏ ‏أَيْ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الزَّكَاةِ. ‏ ‏قَوْله ( قُلْنَا ) ‏ ‏هُوَ مَقُول شَقِيق. و ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي حَدَّثْته ) ‏ ‏هُوَ مَقُول حُذَيْفَة. وَ ( الْأَغَالِيط جَمْع أُغْلُوطَة. ‏ ‏وَقَوْله ( فَهَبْنَا ) ‏ ‏أَيْ خِفْنَا , وَهُوَ مَقُول شَقِيقٍ أَيْضًا. ‏ ‏وَقَوْله ( الْبَاب عُمَرُ ) ‏ ‏لَا يُغَايِرُ قَوْلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ( إِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِتْنَةِ بَابًا ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ بَيْنَك وَبَيْنَهَا , أَيْ بَيْنَ زَمَانِك وَبَيْنَ زَمَانِ الْفِتْنَةِ وُجُود حَيَاتِك , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "495",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏أَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ ‏ ‏وَزُلَفًا ‏ ‏مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ ‏ ‏يُذْهِبْنَ ‏ ‏السَّيِّئَاتِ ‏} ‏فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِي هَذَا قَالَ لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الْيَسَرِ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَالْمُهْمَلَة الْأَنْصَارِيّ , رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقِيلَ غَيْرُهُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَكِنْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا مِنْ الْأَنْصَارِ. ‏ ‏قَوْله ( لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلّهمْ ) ‏ ‏فِيهِ مُبَالَغَة فِي التَّأْكِيدِ وَسَقَطَ \" كُلّهمْ \" مِنْ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي آخِرِ تَفْسِيرِ سُورَةِ هُود إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاحْتَجَّ الْمُرْجِئَة بِظَاهِرِهِ وَظَاهِر الَّذِي قَبْلَهُ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْخَيْرِ مُكَفِّرَة لِلْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ وَحَمَلَهُ جُمْهُور أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى الصَّغَائِرِ عَمَلًا بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "496",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنَا ‏ ‏صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ وَأَشَارَ إِلَى دَارِ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ ‏ ‏الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( قَالَ الْوَلِيد بْن الْعَيْزَارِ أَخْبَرَنِي ) ‏ ‏هُوَ عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ شُعْبَة مُبْهَمًا , وَرَوَاهُ مَالِك بْن مِغْوَل عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ وَأَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ فِي التَّوْحِيدِ عَنْ الْوَلِيدِ فَصَرَّحَا بَاسِم عَبْد اللَّه , وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَة النَّخَعِيّ عَنْ أَبِي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ وَأَحْمَد مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَة بْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَأَشَارَ بِيَدِهِ ) ‏ ‏فِيهِ الِاكْتِفَاء بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ عَنْ التَّصْرِيحِ وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله ( أَيّ الْعَمَلِ أَحَبّ إِلَى اللَّهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مَالِك بْن مِغْوَل \" أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَل \" وَكَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ , فَإِنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظ هُوَ الْمَسْئُولُ بِهِ فَلَفْظ حَدِيث الْبَابِ مَلْزُوم عَنْهُ. وَمُحَصِّلُ مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْره مِمَّا اِخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأَجْوِبَة بِأَنَّهُ أَفْضَل الْأَعْمَالِ أَنَّ الْجَوَابَ اِخْتَلَفَ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ بِأَنْ أَعْلَمَ كُلَّ قَوْمٍ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ , أَوْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ رَغْبَة , أَوْ بِمَا هُوَ لَائِقٌ بِهِمْ , أَوْ كَانَ الِاخْتِلَاف بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ بِأَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ , فَقَدْ كَانَ الْجِهَاد فِي اِبْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَفْضَل الْأَعْمَالِ ; لِأَنَّهُ الْوَسِيلَةُ إِلَى الْقِيَامِ بِهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهَا , وَقَدْ تَضَافَرَتْ النُّصُوص عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَل مِنْ الصَّدَقَةِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي وَقْتِ مُوَاسَاةِ الْمُضْطَرِّ تَكُونُ الصَّدَقَةُ أَفْضَلَ , أَوْ أَنَّ \" أَفْضَلَ \" لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا بَلْ الْمُرَاد بِهَا الْفَضْل الْمُطْلَق , أَوْ الْمُرَاد مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فَحُذِفَتْ مِنْ وَهِيَ مُرَادَة. وَقَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : الْأَعْمَالُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَحْمُولَة عَلَى الْبَدَنِيَّةِ , وَأَرَادَ بِذَلِكَ الِاحْتِرَازَ عَنْ الْإِيمَانِ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ , فَلَا تَعَارُضَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْن حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَفْضَل الْأَعْمَالِ إِيمَان بِاللَّهِ \" الْحَدِيثَ. وَقَالَ غَيْره : الْمُرَادُ بِالْجِهَادِ هُنَا مَا لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْن ; لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِذْنِ الْوَالِدَيْنِ فَيَكُونُ بَرُّهُمَا مُقَدَّمًا عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( الصَّلَاة عَلَى وَقْتِهَا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال فِيهِ أَنَّ الْبِدَارَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِهَا أَفْضَل مِنْ التَّرَاخِي فِيهَا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا شَرَطَ فِيهَا أَنْ تَكُونَ أَحَبّ الْأَعْمَالِ إِذَا أُقِيمَتْ لِوَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ. ‏ ‏قُلْت : وَفِي أَخْذِ ذَلِكَ مِنْ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ نَظَر , قَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : لَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي أَوَّلًا وَلَا آخِرًا ُ وَكَأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الِاحْتِرَاز عَمَّا إِذَا وَقَعَتْ قَضَاء. وَتُعُقِّبُ بِأَنَّ إِخْرَاجَهَا عَنْ وَقْتِهَا مُحَرَّم , وَلَفْظ \" أَحَبَّ \" يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الِاسْتِحْبَابِ فَيَكُونُ الْمُرَاد الِاحْتِرَاز عَنْ إِيقَاعِهَا آخِر الْوَقْتِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُشَارَكَةَ إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْمَالِ , فَإِنْ وَقَعَتْ الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا كَانَتْ أَحَبّ إِلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ الْأَعْمَالِ ; فَوَقَعَ الِاحْتِرَاز عَمَّا إِذَا وَقَعَتْ خَارِجَ وَقْتِهَا مِنْ مَعْذُورٍ كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي فَإِنَّ إِخْرَاجَهُمَا لَهَا عَنْ وَقْتِهَا لَا يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ وَلَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ مَعَ كَوْنِهِ مَحْبُوبًا لَكِنَّ إِيقَاعَهَا فِي الْوَقْتِ أَحَبّ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اِتَّفَقَ أَصْحَابُ شُعْبَةَ عَلَى اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ \" عَنْ وَقْتِهَا \" وَخَالَفَهُمْ عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ وَهُوَ شَيْخٌ صَدُوقٌ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ فَقَالَ \" الصَّلَاة فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا \" أَحْرَجَهُ الْحَاكِمُ والدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : مَا أَحْسَبُهُ حَفِظَهُ ; لِأَنَّهُ كِيرٌ وَتَغَيَّرَ حَفِظَهُ. ‏ ‏قُلْت : وَرَوَاهُ الْحَسَن بْن عَلِيّ الْمَعْمَرِيّ فِي \" الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ \" عَنْ أَبِي مُوسَى مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ كَذَلِكَ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : تَفَرَّدَ بِهِ الْمَعْمَرِيّ , فَقَدْ رَوَاهُ أَصْحَابُ أَبِي مُوسَى عَنْهُ بِلَفْظ \" عَلَى وَقْتِهَا \" ثُمَّ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ الْمَحَامِلِيّ عَنْ أَبِي مُوسَى كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ وَهَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَاب غُنْدَر عَنْهُ , وَالظَّاهِر أَنَّ الْمَعْمَرِيّ وَهِمَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ , وَقَدْ أَطْلَقَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْحِ الْمُهَذَّبِ \" أَنَّ رِوَايَة \" فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا \" ضَعِيفَة ا ه , لَكِنْ لَهَا طَرِيق أُخْرَى أَخْرَجَهَا اِبْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ عُثْمَان عَنْ عُمَرَ عَنْ مَالِك بْن مِغْوَلٍ عَنْ الْوَلِيدِ وَتَفَرَّدَ عُثْمَان بِذَلِكَ , وَالْمَعْرُوف عَنْ مَالِك بْن مِغْوَلٍ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ , كَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْره , وَكَأَنَّ مَنْ رَوَاهَا كَذَلِكَ ظَنَّ أَنَّ الْمَعْنَى وَاحِد , وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْ لَفْظَة \" عَلَى \" ; لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الِاسْتِعْلَاءَ عَلَى جَمِيعِ الْوَقْتِ فَيَتَعَيَّنُ أَوَّله , قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره : قَوْلُهُ \" لِوَقْتِهَا \" اللَّام لِلِاسْتِقْبَالِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ أَيْ مُسْتَقْبِلَاتٍ عِدَّتَهُنَّ , وَقِيلَ لِلِابْتِدَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْس وَقِيلَ بِمَعْنَى فِي , أَيْ فِي وَقْتِهَا. وَقَوْلُهُ \" عَلَى وَقْتِهَا \" قِيلَ عَلَى بِمَعْنَى اللَّام فَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ ُ وَقِيلَ لِإِرَادَةِ الِاسْتِعْلَاءِ عَلَى الْوَقْتِ وَفَائِدَته تَحَقُّقُ دُخُول الْوَقْتِ لِيَقَع الْأَدَاءُ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أَيْ ) ‏ ‏قِيلَ : الصَّوَابُ أَنَّهُ غَيْرُ مُنَوَّنٍ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ فِي الْكَلَامِ , وَالسَّائِل يَنْتَظِرُ الْجَوَابَ وَالتَّنْوِينُ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَتَنْوِينه وَوَصْله بِمَا بَعْدَهُ خَطَأ , فَيُوقَفُ عَلَيْهِ وَقْفَة لَطِيفَة ثُمَّ يُؤْتَى بِمَا بَعْدَهُ قَالَهُ الْفَاكِهَانِيّ. وَحَكَى اِبْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ اِبْن الْخَشَّاب الْجَزْم بِتَنْوِينِهِ ; لِأَنَّهُ مُعْرَبٌ غَيْرُ مُضَافٍ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُضَافٌ تَقْدِيرًا وَالْمُضَاف إِلَيْهِ مَحْذُوف لَفْظًا , وَالتَّقْدِير : ثُمَّ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبّ ؟ فَيُوقَفُ عَلَيْهِ بِلَا تَنْوِين. وَقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلَى أَنَّهَا تُعْرَبُ وَلَكِنَّهَا تُبْنَى إِذَا أُضِيفَتْ , وَاسْتَشْكَلَهُ الزَّجَّاج. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي \" قَالَ ثُمَّ بِرّ الْوَالِدَيْنِ \" بِزِيَادَةِ ثُمَّ , قَالَ بَعْضهمْ : هَذَا الْحَدِيثُ مُوَافِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَنْ اُشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَفْسِيرِ اِبْن عُيَيْنَة حَيْثُ قَالَ : مَنْ صَلَّى الصَّلَوَات الْخَمْس فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ وَمَنْ دَعَا لِوَالِدَيْهِ عَقِبَهَا فَقَدْ شَكَرَ لَهُمَا. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي بِهِنَّ ) ‏ ‏هُوَ مَقُولُ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَفِيهِ تَقْرِيرٌ وَتَأْكِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ بَاشَرَ السُّؤَالَ وَسَمِعَ الْجَوَابَ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَوْ اِسْتَزَدْته ) ‏ ‏يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَهُوَ مَرَاتِب أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ مُطْلَقِ الْمَسَائِلِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا , وَزَاد التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق الْمَسْعُودِيّ عَنْ الْوَلِيدِ \" فَسَكَتَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ اِسْتَزَدْته لَزَادَنِي \" فَكَأَنَّهُ اِسْتَشْعَرَ مِنْهُ مَشَقَّة , وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم \" فَمَا تَرَكْت أَنْ أَسْتَزِيدَهُ إِلَّا إِرْعَاء عَلَيْهِ \" أَيْ شَفَقَةً عَلَيْهِ لِئَلَّا يَسْأَمَ. وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ تَعْظِيم الْوَالِدَيْنِ , وَأَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ يُفَضَّلُ بَعْضهَا عَلَى بَعْض. وَفِيهِ السُّؤَالُ عَنْ مَسَائِلَ شَتَّى فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ , وَالرِّفْق بِالْعَالِمِ , وَالتَّوَقُّف عَنْ الْإِكْثَارِ عَلَيْهِ خَشْيَة مَلَالِهِ , وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة مِنْ تَعْظِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالشَّفَقَة عَلَيْهِ , وَمَا كَانَ هُوَ عَلَيْهِ مِنْ إِرْشَادِ الْمُسْتَرْشِدِينَ وَلَوْ شَقَّ عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْإِشَارَةَ تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَة التَّصْرِيح إِذَا كَانَتْ مُعَيَّنَة لِلْمُشَارِ إِلَيْهِ مُمَيِّز لَهُ عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ اِبْن بَزِيزَةَ : الَّذِي يَقْتَضِيه النَّظَرُ تَقَدُّمُ الْجِهَادِ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبَدَنِ ; لِأَنَّ فِيهِ بَذْلَ النَّفْسِ , إِلَّا أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَأَدَائِهَا فِي أَوْقَاتِهَا وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى بِرِّ الْوَالِدَيْنِ أَمْر لَازِم مُتَكَرِّر دَائِم لَا يَصْبِرُ عَلَى مُرَاقَبَة أَمْر اللَّهِ فِيهِ إِلَّا الصِّدِّيقُونَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "497",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ يَعْنِي ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ ‏ ‏دَرَنِهِ ‏ ‏قَالُوا لَا يُبْقِي مِنْ ‏ ‏دَرَنِهِ ‏ ‏شَيْئًا قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( اِبْن أَبِي حَازِم وَالدَّرَاوَرْدِيّ ) ‏ ‏كُلّ مِنْهُمَا يُسَمَّى عَبْد الْعَزِيز , وَهُمَا مَدَنِيَّانِ وَكَذَا بَقِيَّة رِجَال الْإِسْنَاد. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي أُسَامَة بْن الْهَادِ اللَّيْثِيّ , وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ , وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق اللَّيْث بْن سَعْد وَبَكْر بْن مُضَرٍ كِلَاهُمَا عَنْهُ. نَعِمَ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِىُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن عُبَيْد عَنْهُ لَكِنَّهُ شَاذٌّ ; لِأَنَّ أَصْحَابَ الْأَعْمَشِ إِنَّمَا رَوَوْهُ عَنْهُ عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر , وَهُوَ عِنْد مُسْلِم أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ التَّيْمِيُّ رَاوِي حَدِيث الْأَعْمَالِ , وَهُوَ مِنْ التَّابِعِينَ أَيْضًا , فَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَة تَابِعِيُّونَ عَلَى نَسَق , ‏ ‏قَوْله ( أَرَأَيْتُمْ ) ‏ ‏هُوَ اِسْتِفْهَام تَقْرِير مُتَعَلِّق بِالِاسْتِخْبَارِ , أَيْ أَخْبِرُونِي هَلْ يَبْقَى. ‏ ‏قَوْله ( لَوْ أَنَّ نَهْرًا ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيّ : لَفْظ \" لَوْ \" يَقْتَضِي أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْفِعْلِ وَأَنْ يُجَابَ , لَكِنَّهُ وَضَعَ الِاسْتِفْهَامَ مَوْضِعَهُ تَأْكِيدًا وَتَقْرِيرًا , وَالتَّقْدِيرَ لَوْ ثَبَتَ نَهْر صِفَتُهُ كَذَا لَمَا بَقِيَ كَذَا , وَالنَّهْرُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا مَا بَيْنَ جَنْبَيْ الْوَادِي , سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسِعَتِهِ وَكَذَلِكَ سُمِّيَ النَّهَارُ لِسِعَةِ ضَوْئِهِ. ‏ ‏قَوْله ( مَا تَقُولُ ) ‏ ‏كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ بِإِفْرَادِ الْمُخَاطَبِ , وَالْمَعْنَى مَا تَقُولُ يَا أَيُّهَا السَّامِعُ ؟ وَلِأَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى مُسْلِم وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ وَالْجَوْزَقِيِّ \" مَا تَقُولُونَ \" بِصِيغَةِ الْجَمْعِ , وَالْإِشَارَةِ فِي ذَلِكَ إِلَى الِاغْتِسَالِ , قَالَ اِبْن مَالِك : فِيهِ شَاهِد عَلَى إِجْرَاءِ فِعْلِ الْقَوْلِ مَجْرَى فِعْلِ الظَّنِّ , وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُضَارِعًا مُسْنَدًا إِلَى الْمُخَاطَبِ مُتَّصِلًا بِاسْتِفْهَامٍ. ‏ ‏قَوْله ( يُبْقِي ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ دَرَنِهِ ) ‏ ‏زَاد مُسْلِم \" شَيْئًا \" وَالدَّرَن الْوَسَخ , وَقَدْ يُطْلَقُ الدَّرَن عَلَى الْحَبِّ الصِّغَار الَّتِي تَحْصُلُ فِي بَعْضِ الْأَجْسَادِ , وَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا لَا يُبْقِي ) ‏ ‏بِضَمّ أَوَّله أَيْضًا , ‏ ‏وَ ( شَيْئًا ) ‏ ‏مَنْصُوب عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ. وَلِمُسْلِم \" لَا يَبْقَى \" بِفَتْح أَوَّله وَ \" شَيْء \" بِالرَّفْعِ , وَالْفَاء فِي قَوْلِهِ \" فَذَلِكَ \" جَوَاب شَيْءٍ مَحْذُوف , أَيْ إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عِنْدَكُمْ فَهُوَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ إِلَخْ. وَفَائِدَةُ التَّمْثِيلِ التَّأْكِيد , وَجَعْل الْمَعْقُول كَالْمَحْسُوسِ. قَالَ الطِّيبِيّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُبَالَغَة فِي نَفْي الذُّنُوب ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْتَصِرُوا فِي الْجَوَابِ عَلَى \" لَا \" أَعَادُوا اللَّفْظَ تَأْكِيدًا. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : وَجْه التَّمْثِيل أَنَّ الْمَرْءَ كَمَا يَتَدَنَّسُ بِالْأَقْذَارِ الْمَحْسُوسَةِ فِي بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ وَيُطَهِّرُهُ الْمَاءُ الْكَثِير فَكَذَلِكَ الصَّلَوَات تُطَهِّرُ الْعَبْد عَنْ أَقْذَار الذُّنُوب حَتَّى لَا تُبْقِي لَهُ ذَنْبًا إِلَّا أَسْقَطَتْهُ اِنْتَهَى. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَطَايَا فِي الْحَدِيثِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ لَكِنْ قَالَ اِبْن بَطَّال : يُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ الصَّغَائِر خَاصَّة ; لِأَنَّهُ شَبَّهَ الْخَطَايَا بِالدَّرَنِ وَالدَّرَنِ صَغِير بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ مِنْ الْقُرُوحِ وَالْخُرَاجَاتِ , اِنْتَهَى. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّرَنِ فِي الْحَدِيثِ الْحَبّ , وَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَسَخ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُهُ الِاغْتِسَالُ وَالتَّنَظُّفُ. وَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ التَّصْرِيح بِذَلِكَ , وَهُوَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَرَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاء بْن يَسَارٍ أَنَّهُ سَمَّعَ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيّ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ \" أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ مُعْتَمَل , وَبَيْنَ مُنْزِلِهِ وَمُعْتَمَلِهِ خَمْسَة أَنْهَار ُ فَإِذَا اِنْطَلَقَ إِلَى مُعْتَمَلِهِ عَمِلَ مَا شَاءَ اللَّهُ فَأَصَابَهُ وَسَخٌ أَوْ عَرَق , فَكُلَّمَا مَرَّ بِنَهْرٍ اِغْتَسَلَ مِنْهُ \" الْحَدِيث. وَلِهَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَاهِرُ الْحَدِيث أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ تَسْتَقِلُّ بِتَكْفِيرِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ , وَهُوَ مُشْكِل , لَكِنْ رَوَى مُسْلِم قَبْلَهُ حَدِيث الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" الصَّلَوَات الْخَمْس كَفَّارَة لِمَا بَيْنَهَا مَا اِجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ \" فَعَلَى هَذَا الْمُقَيَّدُ يُحْمَلُ مَا أُطْلِقَ فِي غَيْرِهِ. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏قَالَ اِبْن بَزِيزَةَ فِي \" شَرْحِ الْأَحْكَامِ \" : يَتَوَجَّهُ عَلَى حَدِيثِ الْعَلَاءِ إِشْكَال يَصْعُبُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ , وَذَلِكَ أَنَّ الصَّغَائِرَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ مُكَفِّرَة بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا الَّذِي تُكَفِّرُهُ الصَّلَوَات الْخَمْس ؟ اِنْتَهَى. وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّ السُّؤَالَ غَيْر وَارِد ; لِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ ( إِنْ تَجْتَنِبُوا أَيْ فِي جَمِيعِ الْعُمُرِ وَمَعْنَاهُ الْمُوَافَاة عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ وَقْتِ الْإِيمَانِ أَوْ التَّكْلِيفِ إِلَى الْمَوْتِ , وَالَّذِي فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهَا - أَيْ فِي يَوْمِهَا - إِذَا اِجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ , فَعَلَى هَذَا لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ , اِنْتَهَى. وَعَلَى تَقْدِير وُرُود السُّؤَالِ فَالتَّخَلُّص مِنْهُ بِحَمْدِ اللَّهِ سَهْل , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ اِجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ إِلَّا بِفِعْلِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ , فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْهَا لَمْ يَعُدْ مُجْتَنِبًا لِلْكَبَائِرِ ; لِأَنَّ تَرْكَهَا مِنْ الْكَبَائِرِ فَوَقَفَ التَّكْفِير عَلَى فِعْلِهَا , وَاللَّه أَعْلَمُ. وَقَدْ فَصَّلَ شَيْخُنَا الْإِمَام الْبُلْقِينِيُّ أَحْوَال الْإِنْسَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَصْدُرُ مِنْهُ مِنْ صَغِيرَة وَكَبِيرَة , فَقَالَ : تَنْحَصِرُ فِي خَمْسَة , أَحَدهَا : أَنْ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ شَيْءٌ الْبَتَّةَ , فَهَذَا يُعَاوَضُ بِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ. ثَانِيهَا : يَأْتِي بِصَغَائِرَ بِلَا إِصْرَار , فَهَذَا تُكَفَّرُ عَنْهُ جَزْمًا. ثَالِثُهَا : مِثْلُهُ لَكِنْ مَعَ الْإِصْرَارِ فَلَا تُكَفَّرُ إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الصَّغَائِرِ كَبِيرَة. رَابِعُهَا : أَنْ يَأْتِيَ بِكَبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ وَصَغَائِرَ. خَامِسُهَا : أَنْ يَأْتِيَ بِكَبَائِرَ وَصَغَائِرَ , وَهَذَا فِيهِ نَظَر يَحْتَمِلُ إِذَا لَمْ يُجْتَنَبْ الْكَبَائِر أَنْ لَا تُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ بَلْ تُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تُكَفِّرَ شَيْئًا أَصْلًا , وَالثَّانِي أَرْجَح ; لِأَنَّ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ إِذَا لَمْ تَتَعَيَّنُ جِهَته لَا يُعْمَلُ بِهِ ُ فَهُنَا لَا تُكَفِّرُ شَيْئًا إِمَّا لِاخْتِلَاط الْكَبَائِر وَالصَّغَائِر أَوْ لِتَمَحُّضِ الْكَبَائِرِ أَوْ تُكَفِّر الصَّغَائِر , فَلَمْ تَتَعَيَّنْ جِهَةُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ لِدَوَرَانِهِ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مُقْتَضَى تَجَنُّب الْكَبَائِرِ أَنَّ هُنَاكَ كَبَائِرَ , وَمُقْتَضَى \" مَا اِجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ \" أَنْ لَا كَبَائِرَ فَيُصَانُ الْحَدِيث عَنْهُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ وَأَحْمَد بِلَفْظ \" مَا تَقُولُ \" إِلَّا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَلَيْسَ هُوَ عِنْد أَبِي دَاوُد أَصْلًا وَهُوَ عِنْدُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَان لَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة , وَلَفْظ مُسْلِم \" أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلّ يَوْم خَمْس مَرَّاتٍ هَلْ كَانَ يُبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْء \" وَعَلَى لَفْظِهِ اِقْتَصَرَ عَبْد الْحَقّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَكَذَا الْحُمَيْدِيّ , وَوَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَ أَنْ سَاقَهُ بِلَفْظ \" مَا تَقُولُونَ \" أَنَّهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَن الْأَرْبَعَة , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَصْلَ الْحَدِيثِ , لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْد أَبِي دَاوُد أَصْلًا وَلَا اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُتَأَخِّرَةِ مِنْ الْبُخَارِيِّ بِالْيَاء التَّحْتَانِيَّةِ آخِر الْحُرُوفِ \" مَنْ يَقُولُ \" فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ أَنَّهُ غَلَطٌ وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى , وَاعْتَمَدَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ اِبْن مَالِك مِمَّا قَدَّمْته وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ , بَلْ لَهُ وَجْه وَجِيه , وَالتَّقْدِير مَا يَقُولُ أَحَدكُمْ فِي ذَلِكَ. وَالشَّرْطُ الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْن مَالِك وَغَيْره مِنْ النُّحَاةِ إِنَّمَا هُوَ لِإِجْرَاءِ فِعْلِ الْقَوْلِ مَجْرَى فِعْل الظَّنّ كَمَا تَقَدَّمَ , وَأَمَّا إِذَا تُرِكَ الْقَوْلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَلَا , وَهَذَا ظَاهِر , وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "498",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مَهْدِيٌّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏غَيْلَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِيلَ الصَّلَاةُ قَالَ أَلَيْسَ ضَيَّعْتُمْ مَا ضَيَّعْتُمْ فِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَهْدِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَيْمُون وَغَيْلَانٌ هُوَ اِبْن جَرِير , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( قِيلَ الصَّلَاة ) ‏ ‏أَيْ قِيلِ لَهُ الصَّلَاة هِيَ شَيْء مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ بَاقِيَةٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا السَّلْب الْعَامّ ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُمْ غَيَّرُوهَا أَيْضًا بِأَنْ أَخْرَجُوهَا عَنْ الْوَقْتِ , وَهَذَا الَّذِي قَالَ لِأَنَسٍ ذَلِكَ يُقَالُ لَهُ أَبُو رَافِع , بَيَّنَهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ رَوْحٍ عَنْ عُثْمَان بْن سَعْد عَنْ أَنَس فَذَكَرَ نَحْوَهُ , \" فَقَالَ أَبُو رَافِع : يَا أَبَا حَمْزَة وَلَا الصَّلَاة ؟ فَقَالَ لَهُ أَنَس : قَدْ عَلِمْتُمْ مَا صَنَعَ الْحَجَّاج فِي الصَّلَاةِ \". ‏ ‏قَوْله ( ضَيَّعْتُمْ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَالنُّونِ لِلْأَكْثَرِ , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ بِالْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيد الْيَاءِ وَهُوَ أَوْضَحُ فِي مُطَابَقَةِ التَّرْجَمَةِ , وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّل مَا ذَكَرْتُهُ آنِفًا مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَان وَسَعْد وَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِمْرَان الْجَوْنِيِّ عَنْ أَنَس فَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ \" أَوَ لَمْ يُضَيِّعُوا فِي الصَّلَاةِ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ \" ؟ وَرَوَى اِبْن سَعْد فِي الطَّبَقَاتِ سَبَب قَوْلِ أَنَسٍ هَذَا الْقَوْل , فَأَخْرَجَ فِي تَرْجَمَةِ أَنَس مِنْ طَرِيقِ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْعُرْيَانِ الْحَارِثِيّ سَمِعْت ثَابِتًا الْبُنَانِيّ قَالَ : كُنَّا مَعَ أَنَس بْن مَالِك , فَأَخَّرَ الْحَجَّاج الصَّلَاةَ , فَقَامَ أَنَس يُرِيدُ أَنْ يُكَلِّمَهُ ُ فَنَهَاهُ إِخْوَانُهُ شَفَقَة عَلَيْهِ مِنْهُ , فَخَرَجَ فَرَكِبَ دَابَّتَهُ فَقَالَ فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ \" وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كُنَّا عَلَيْهِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا شَهَادَة أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه \" فَقَالَ رَجُل : فَالصَّلَاةُ يَا أَبَا حَمْزَة ؟ قَالَ \" قَدْ جَعَلْتُمْ الظُّهْرَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ ُ أَفَتِلْكَ كَانَتْ صَلَاة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي عُمَر فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّاد عَنْ ثَابِت مُخْتَصَرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "499",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏يَقُولُ دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏بِدِمَشْقَ ‏ ‏وَهُوَ يَبْكِي فَقُلْتُ مَا يُبْكِيكَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي رَوَّاد ) ‏ ‏هُوَ خُرَاسَانِيٌّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ وَاسْم أَبِيهِ مَيْمُون. ‏ ‏قَوْله ( أَخُو عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏أَيْ هُوَ أَخُو عَبْد الْعَزِيز , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ أَخِي عَبْد الْعَزِيز وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ عُثْمَان. ‏ ‏قَوْله ( بِدِمَشْقَ ) ‏ ‏كَانَ قُدُوم أَنَس دِمَشْق فِي إِمَارَةِ الْحَجَّاجِ عَلَى الْعِرَاقِ , قَدِمَهَا شَاكِيًا مِنْ الْحَجَّاجِ لِلْخَلِيفَةِ , وَهُوَ إِذْ ذَاكَ الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك. ‏ ‏قَوْله ( مِمَّا أَدْرَكْت ) ‏ ‏أَيْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ , وَالْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مَوْجُودًا مِنْ الطَّاعَاتِ مَعْمُولًا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ غَيْر الصَّلَاةِ. ‏ ‏قَوْله ( وَهَذِهِ الصَّلَاة قَدْ ضُيِّعَتْ ) ‏ ‏قَالَ الْمُهَلَّب : وَالْمُرَادُ بِتَضْيِيعِهَا تَأْخِيرهَا عَنْ وَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ لَا أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهَا عَنْ الْوَقْتِ , كَذَا قَالَ وَتَبِعَهُ جَمَاعَة , وَهُوَ مَعَ عَدَمِ مُطَابَقَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ مُخَالِف لِلْوَاقِعِ , فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْحَجَّاج وَأَمِيرَهُ الْوَلِيد وَغَيْرَهُمَا كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا , وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَة , مِنْهَا مَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : أَخَّرَ الْوَلِيد الْجُمْعَة حَتَّى أَمْسَى \" فَجِئْت فَصَلَّيْت الظُّهْرَ قَبْلَ أَنْ أَجْلِسَ ثُمَّ صَلَّيْت الْعَصْرَ وَأَنَا جَالِس إِيمَاءً وَهُوَ يَخْطُبُ. وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ عَطَاء خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْقَتْلِ. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْر بْنِ عُتْبَة قَالَ : صَلَّيْت إِلَى جَنْبِ أَبِي جُحَيْفَة فَمَسَّى الْحَجَّاج بِالصَّلَاةِ , فَقَامَ أَبُو جُحَيْفَة فَصَلَّى. وَمِنْ طَرِيقِ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ الْحَجَّاجِ , فَلَمَّا أَخَّرَ الصَّلَاةَ تَرَكَ أَنْ يَشْهَدَهَا مَعَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن أَبِي إِسْمَاعِيل قَالَ : كُنْت بِمِنًى وَصُحُفٌ تُقْرَأُ لِلْوَلِيدِ فَأَخَّرُوا الصَّلَاةَ فَنَظَرْت إِلَى سَعِيد بْن جُبَيْر وَعَطَاء يُومِئَانِ إِيمَاء وَهُمَا قَاعِدَانِ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَكْر بْن خَلَف ) ‏ ‏هُوَ الْبَصْرِيُّ نَزِيل مَكَّة , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْجَامِعِ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع. وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَحْمُود بْن مُحَمَّد الْوَاسِطِيّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْر بَكْر بْن خَلَف. ‏ ‏قَوْله ( نَحْوَهُ ) ‏ ‏سِيَاقه عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مُوَافِق لِلَّذِي قَبْلَهُ , إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِيهِ \" وَهُوَ وَحْدُهُ \" وَقَالَ فِيهِ \" لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كُنَّا عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَالْبَاقِي سَوَاء. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏إِطْلَاق أَنَس مَحْمُول عَلَى مَا شَاهَدَهُ مِنْ أُمَرَاءِ الشَّامِ وَالْبَصْرَةِ خَاصَّة ُ وَإِلَّا فَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقَالَ \" مَا أَنْكَرْت شَيْئًا إِلَّا أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوف \" وَالسَّبَب فِيهِ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَعُمَر عَبْد الْعَزِيز أَمِيرهَا حِينَئِذٍ وَكَانَ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ حَتَّى أَخْبَرَهُ عُرْوَة عَنْ بَشِير بْن أَبِي مَسْعُود عَنْ أَبِيهِ بِالنَّصِّ عَلَى الْأَوْقَاتِ , فَكَانَ يُحَافِظُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ إِخْرَاجِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي أَوَائِل الصَّلَاةِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يُرَاعِي الْأَمْر مَعَهُمْ فَيُؤَخِّرُ الظَّهْر إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا. وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَنَس أَيْضًا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَة بْن سَهْل عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "500",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَتْفِلَنَّ عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏لَا يَتْفِلُ قُدَّامَهُ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏لَا يَبْزُقُ ‏ ‏بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَبْزُقْ فِي الْقِبْلَةِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَبْد اللَّه الدَّسْتُوَائِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ سَعِيد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي عَرُوبَة ‏ ‏( عَنْ قَتَادَة ) ‏ ‏أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ , وَطَرِيقه مَوْصُولَة عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَد وَابْنِ حِبَّانَ. وَقَوْلُهُ فِيهَا \" قُدَّامَهُ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ \" شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ شُعْبَة ) ‏ ‏أَيْ عَنْ قَتَادَة بِالْإِسْنَادِ أَيْضًا , وَطَرِيقه مَوْصُولَة عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِيمَا تَقَدَّمَ عَنْ آدَمَ عَنْهُ , وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي \" بَاب حَكّ الْمُخَاط مِنْ الْمَسْجِدِ \" عَنْ حَفْص بْن عُمَر عَنْ شُعْبَة , وَأَرَادَ بِهَذَيْنِ التَّعْلِيقَيْنِ بَيَان اِخْتِلَاف أَلْفَاظِ أَصْحَابِ قَتَادَة عَنْهُ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ , وَرِوَايَة شُعْبَةَ أَتَمُّ الرِّوَايَاتِ , لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا الْمُنَاجَاةُ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : لَيْسَ هَذَا التَّعْلِيق مَوْقُوفًا عَلَى قَتَادَة وَلَا عَلَى شُعْبَة , يَعْنِي بَلْ هِيَ مَرْفُوعَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ : وَيَحْتَمِلُ الدُّخُولُ تَحْتَ الْإِسْنَادِ السَّابِقِ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَثَلًا : حَدَّثَنَا مُسْلِم حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَحَدَّثَنَا مُسْلِم قَالَ : قَالَ سَعِيد , وَحَدَّثَنَا مُسْلِم قَالَ : قَالَ شُعْبَة. اِنْتَهَى. وَهُوَ اِحْتِمَالٌ ضَعِيفٌ بِالنِّسْبَةِ لِشُعْبَةَ , فَإِنَّ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم سَمِعَ مِنْهُ , وَبَاطِل بِالنِّسْبَةِ لِسَعِيدٍ فَإِنَّهُ لَا رِوَايَةَ لَهُ عَنْهُ , وَالَّذِي ذَكَرْتُهُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَكَذَا طَرِيق حُمَيْدٍ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي أَوَّلِ أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْهُ , لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا قَوْله \" وَلَا عَنْ يَمِينِهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "501",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلَا يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ كَالْكَلْبِ وَإِذَا بَزَقَ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( اِعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَبْوَابِ صِفَة الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّمَا يُنَاجِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ \". قَالَ الْكَرْمَانِيّ مَا حَاصِله : تَقَدَّمَ أَنَّ عِلَّة النَّهْي عَنْ الْبُزَاقِ عَنْ الْيَمِينِ بِأَنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا , وَهُنَا عَلَّلَ بِالْمُنَاجَاةِ , وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الْحُكْمَ الْوَاحِدَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِلَّتَانِ سَوَاء كَانَتَا مُجْتَمِعَتَيْنِ أَوْ مُنْفَرِدَتَيْنِ وَالْمُنَاجِي تَارَةً يَكُونُ قُدَّامَ مَنْ يُنَاجِيه وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَتَارَةً يَكُونُ عَنْ يَمِينِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "502",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْرَجُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَغَيْرُهُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَنَافِعٌ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ ‏ ‏فَأَبْرِدُوا ‏ ‏عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ ‏ ‏فَيْحِ ‏ ‏جَهَنَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان بْن بِلَال كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ , وَأَبُو بَكْر هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْسٍ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ أَيُّوب وَسُلَيْمَان هُوَ اِبْن بِلَال وَالِد أَيُّوبَ , رَوَى أَيُّوبُ عَنْهُ تَارَةً بِوَاسِطَةٍ وَتَارَةً بِلَا وَاسِطَة. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا الْأَعْرَجُ عَبْد الرَّحْمَن وَغَيْره ) ‏ ‏هُوَ أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن فِيمَا أَظُنُّ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوب بْن سُلَيْمَان فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ \" وَغَيْره \". وَالْإِسْنَادُ كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( وَنَافِع ) ‏ ‏هُوَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْأَعْرَجِ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ نَافِع , وَقَدْ رَوَى اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْد الرَّحْمَن الثَّقَفِيّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عُمَر عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر بَعْضه \" أَبْرِدُوا بِالظُهْرِ \" وَرَوَى السَّرَّاج مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بَعْضه \" شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْح جَهَنَّم \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُمَا ) ‏ ‏أَيْ أَبَا هُرَيْرَة وَابْن عُمَر ‏ ‏( حَدَّثَاهُ ) ‏ ‏أَيْ حَدَّثَا مَنْ حَدَّثَ صَالِحَ بْن كَيْسَانَ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمِير أَنَّهُمَا يَعُودُ عَلَى الْأَعْرَحِ وَنَافِع , أَيْ أَنَّ الْأَعْرَجَ وَنَافِعًا حَدَّثَاهُ أَيْ صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ شَيْخَيْهِمَا بِذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَنَّهُمَا حَدَّثَا \" بِغَيْرِ ضَمِيرٍ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا اِشْتَدَّ ) ‏ ‏أَصْله اِشْتَدَدَ بِوَزْنِ اِفْتَعَلَ مِنْ الشِّدَّةِ ثُمَّ أُدْغِمَتْ إِحْدَى الدَّالَيْنَ فِي الْأُخْرَى , وَمَفْهُومه أَنَّ الْحَرَّ إِذَا لَمْ يَشْتَدَّ لَمْ يُشْرَعْ الْإِبْرَاد , وَكَذَا لَا يُشْرَعُ فِي الْبَرْدِ مِنْ بَاب الْأَوْلَى. ‏ ‏قَوْله ( فَأَبْرِدُوا ) ‏ ‏بِقَطْعِ الْهَمْزَة وَكَسْر الرَّاء , أَيْ أَخِّرُوا إِلَى أَنْ يَبْرُدَ الْوَقْت. يُقَالُ أَبْرَدَ إِذَا دَخَلَ فِي الْبَرْدِ كَأَظْهَرَ إِذَا دَخَلَ فِي الظَّهِيرَةِ , وَمِثْله فِي الْمَكَانِ أَنْجَدَ إِذَا دَخَلَ نَجْدًا , وَأَتْهَمَ إِذَا دَخَلَ تِهَامَة. وَالْأَمْرُ بِالْإِبْرَادِ أَمْر اِسْتِحْبَاب , وَقِيلَ أَمْر إِرْشَاد , وَقِيلَ بَلْ هُوَ لِلْوُجُوبِ. حَكَاهُ عِيَاض وَغَيْره وَغَفَلَ الْكَرْمَانِيّ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ , نَعَمْ قَالَ جُمْهُور أَهْلِ الْعِلْمِ يُسْتَحَبُّ تَأْخِير الظُهْر فِي شِدَّةِ الْحَرِّ إِلَى أَنْ يَبْرُدَ الْوَقْت وَيَنْكَسِرَ الْوَهَج , وَخَصَّهُ بَعْضهمْ بِالْجَمَاعَةِ , فَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَالتَّعْجِيل فِي حَقِّهِ أَفْضَل , وَهَذَا قَوْل أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيِّ أَيْضًا لَكِنْ خَصَّهُ بِالْبَلَدِ الْحَارِّ وَقَيَّدَ الْجَمَاعَةَ بِمَا إِذَا كَانُوا يَنْتَابُونَ مَسْجِدًا مِنْ بُعْد , فَلَوْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ أَوْ كَانُوا يَمْشُونَ فِي كُنْ فَالْأَفْضَل فِي حَقِّهِمْ التَّعْجِيل , وَالْمَشْهُور عَنْ أَحْمَدَ التَّسْوِيَة مِنْ غَيْرِ تَخْصِيص وَلَا قَيْد , وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاق وَالْكُوفِيِّينَ وَابْن الْمُنْذِر وَاسْتَدَلَّ لَهُ التِّرْمِذِيّ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْآتِي بَعْدَ هَذَا ; لِأَنَّ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي سَفَر , وَهِيَ رِوَايَةٌ لِلْمُصَنِّفِ أَيْضًا سَتَأْتِي قَرِيبًا , قَالَ : فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيّ لَمْ يَأْمُرْ بِالْإِبْرَادِ لِاجْتِمَاعِهِمْ فِي السَّفَرِ وَكَانُوا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى أَنْ يَنْتَابُوا مِنْ الْبُعْدِ. قَالَ التِّرْمِذِيّ وَالْأَوَّل أَوْلَى لِلِاتِّبَاعِ. وَتَعَقَبَهُ الْكَرْمَانِيّ بِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الْعَسْكَرِ الْكَثِير تَفْرِقَتُهُمْ فِي أَطْرَافِ الْمَنْزِلِ لِلتَّخْفِيفِ وَطَلَب الرَّعْيِ فَلَا نُسَلِّمُ اِجْتِمَاعهمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. اِنْتَهَى. وَأَيْضًا فَلَمْ تَجْرِ عَادَتُهُمْ بِاِتِّخَاذِ خِبَاءٍ كَبِيرٍ يَجْمَعُهُمْ , بَلْ كَانُوا يَتَفَرَّقُونَ فِي ظِلَالِ الشَّجَرِ , وَلَيْسَ هُنَاكَ كِنّ يَمْشُونَ فِيهِ , فَلَيْسَ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ مَا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيّ , وَغَايَته أَنَّهُ اِسْتَنْبَطَ مِنْ النَّصِّ الْعَامِّ - وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْإِبْرَادِ - مَعْنَى يُخَصِّصُهُ , وَذَلِكَ جَائِز عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْأُصُولِ , لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي. ذَلِكَ تَأَذِّيهِمْ بِالْحَرِّ فِي طَرِيقِهِمْ وَلِلْمُتَمَسِّكِ بِعُمُومِهِ أَنْ يَقُولَ : الْعِلَّةُ فِيهِ تَأَذِّيهِمْ بِحَرّ الرَّمْضَاء فِي جِبَاهِهِمْ حَالَة السُّجُودِ , وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَنَس \" كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالظَّهَائِرِ سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اِتِّقَاء الْحَرِّ \" رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِم , وَفِي حَدِيثِ أَنَس أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ نَحْوُهُ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا. وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعِلَّةَ الْأُولَى أَظْهَر , فَإِنَّ الْإِبْرَادَ لَا يُزِيلُ الْحَرَّ عَنْ الْأَرْضِ , وَذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّ تَعْجِيل الظُهْر أَفْضَل مُطْلَقًا. وَقَالُوا : مَعْنَى أَبْرِدُوا صَلُّوْا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَخْذًا مِنْ بَرْدِ النَّهَارِ وَهُوَ أَوَّلُهُ , وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ , وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ \" فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْح جَهَنَّم \" إِذْ التَّعْلِيلُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ التَّأْخِير , وَحَدِيث أَبِي ذَرٍّ الْآتِي صَرِيح فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ \" اِنْتَظِرِ اِنْتَظِرْ \" وَالْحَامِل لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَدِيث خَبَّاب \" شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرّ الرَّمْضَاء فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا \" أَيْ فَلَمْ يُزِلْ شَكْوَانَا , وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِم. وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ , وَبِأَنَّ الصَّلَاةَ حِينَئِذٍ أَكْثَرُ مَشَقَّة فَتَكُونُ أَفْضَل وَالْجَوَاب عَنْ حَدِيث خَبَّاب أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ طَلَبُوا تَأْخِيرًا زَائِدًا عَنْ وَقْتِ الْإِبْرَادِ وَهُوَ زَوَالُ حَرِّ الرَّمْضَاء , وَذَلِكَ قَدْ يَسْتَلْزِمُ خُرُوج الْوَقْت , فَلِذَلِكَ لَمْ يُجِبْهُمْ , أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِأَحَادِيثِ الْإِبْرَاد فَإِنَّهَا مُتَأَخِّرَة عَنْهُ وَاسْتَدَلَّ لَهُ الطَّحَاوِيّ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة قَالَ \" كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُهْر بِالْهَاجِرَةِ , ثُمَّ قَالَ لَنَا أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ \" الْحَدِيث , وَهُوَ حَدِيثُ رِجَالِهِ ثِقَات رَوَاهُ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ. وَنَقَلَ الْخَلَّال عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : هَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَجَمَعَ بَعْضهمْ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْإِبْرَادَ رُخْصَة وَالتَّعْجِيلَ أَفْضَل , وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ أَمْرُ إِرْشَادِ , وَعَكَسَهُ بَعْضهمْ فَقَالَ : الْإِبْرَادُ أَفْضَل. وَحَدِيث جَبَّاب يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَهُوَ الصَّارِفُ لِلْأَمْرِ عَنْ الْوُجُوبِ. كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَر ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الْمَنْع مِنْ التَّأْخِيرِ. وَقِيلَ مَعْنَى قَوْل خَبَّاب \" فَلَمْ يُشْكِنَا \" أَيْ فَلَمْ يُحْوِجْنَا إِلَى شَكْوَى بَلْ أَذِنَ لَنَا فِي الْإِبْرَادِ , حُكِيَ عَنْ ثَعْلَب , وَيَرُدُّهُ أَنَّ فِي الْخَبَرِ زِيَادَةً رَوَاهَا اِبْن الْمُنْذِر بَعْدَ قَوْلِهِ \" فَلَمْ يُشْكِنَا \" وَقَالَ \" إِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فَصَلُّوا \" وَأَحْسَن الْأَجْوِبَةِ كَمَا قَالَ الْمَازِرِيّ الْأَوَّل , وَالْجَوَابِ عَنْ أَحَادِيثَ أَوَّل الْوَقْتِ أَنَّهَا عَامَّةٌ أَوْ مُطْلَقَة وَالْأَمْر بِالْإِبْرَادِ خَاصّ فَهُوَ مُقَدَّم , وَلَا اِلْتِفَاتَ إِلَى مَنْ قَالَ التَّعْجِيلَ أَكْثَر مَشَقَّة فَيَكُونُ أَفْضَل ; لِأَنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي الْأَشَقِّ , بَلْ قَدْ يَكُونُ الْأَخَفّ أَفْضَل كَمَا فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ. ‏ ‏قَوْله ( بِالصَّلَاةِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَالْبَاء لِلتَّعْدِيَةِ ُ وَقِيلَ زَائِدَة. وَمَعْنَى أَبْرِدُوا أَخِّرُوا عَلَى سَبِيلِ التَّضْمِينِ أَيْ أَخِّرُوا الصَّلَاةَ. وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَنْ الصَّلَاةِ \" فَقِيلَ زَائِدَة أَيْضًا أَوْ عَنْ بِمَعْنَى الْبَاء , أَوْ هِيَ لِلْمُجَاوَزَةِ أَيْ تَجَاوَزُوا وَقْتهَا الْمُعْتَاد إِلَى أَنْ تَنْكَسِرَ شِدَّة الْحَرِّ , وَالْمُرَاد بِالصَّلَاةِ الظُهْر ; لِأَنَّهَا الصَّلَاةُ الَّتِي يَشْتَدُّ الْحَرُّ غَالِبًا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا , وَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ , فَلِهَذَا حَمَلَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّدِ وَاللَّه أَعْلَمُ. وَقَدْ حَمَلَ بَعْضهمْ الصَّلَاة عَلَى عُمُومِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُفْرَد الْمُعَرَّف يَعُمُّ , فَقَالَ بِهِ أَشْهَب فِي الْعَصْرِ , وَقَالَ بِهِ أَحْمَد فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ فِي الشِّتَاءِ حَيْثُ قَالَ : تُؤَخَّرُ فِي الصَّيْفِ دُونَ الشِّتَاءِ , وَلَمْ يَقُلْ أَحَد بِهِ فِي الْمَغْرِبِ وَلَا فِي الصُّبْحِ لِضِيقِ وَقْتِهِمَا. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ ) ‏ ‏تَعْلِيل لِمَشْرُوعِيَّةِ التَّأْخِيرِ الْمَذْكُورِ , وَهَلْ الْحِكْمَةُ فِيهِ دَفْع الْمَشَقَّة لِكَوْنِهَا قَدْ تَسْلُبُ الْخُشُوع ؟ وَهَذَا أَظْهَرَ , أَوْ كَوْنهَا الْحَالَةَ الَّتِي يَنْتَشِرُ فِيهَا الْعَذَابُ ؟ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَمْرو بْن عَبَسَة عِنْد مُسْلِم حَيْثُ قَالَ لَهُ \" أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ اِسْتِوَاء الشَّمْس فَإِنَّهَا سَاعَة تُسَجَّرُ فِيهَا جَهَنَّم \" وَقَدْ اِسْتُشْكِلَ هَذَا بِأَنَّ الصَّلَاةَ سَبَب الرَّحْمَةِ فَفِعْلَهَا مَظِنَّة لِطَرْدِ الْعَذَابِ. فَكَيْفَ أَمَرَ بِتَرْكِهَا ؟ وَأَجَابَ عَنْهُ أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمَرِيُّ بِأَنَّ التَّعْلِيلَ إِذَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ وَجَبَ قَبُوله وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ مَعْنَاهُ وَاسْتَنْبَطَ لَهُ الزَّيْنُ بْن الْمُنِيرِ مَعْنًى يُنَاسِبُهُ فَقَالَ : وَقْت ظُهُور أَثَرِ الْغَضَبِ لَا يُنْجَعُ فِيهِ الطَّلَب إِلَّا مِمَّنْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَالصَّلَاة لَا تَنْفَكُّ عَنْ كَوْنِهَا طَلَبًا وَدُعَاءً فَنَاسَبَ الِاقْتِصَار عَنْهَا حِينَئِذٍ. وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الشَّفَاعَةِ حَيْثُ اِعْتَذَرَ الْأَنْبِيَاءُ كُلّهمْ لِلْأُمَمِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْله سِوَى نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَعْتَذِرْ بَلْ طَلَبَ لِكَوْنِهِ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ سَجْر جَهَنَّم سَبَب فَيْحِهَا وَفَيْحُهَا سَبَب وُجُودِ شِدَّةِ الْحَرِّ وَهُوَ مَظِنَّة الْمَشَقَّة الَّتِي هِيَ مَظِنَّة سَلْب الْخُشُوع فَنَاسَبَ أَنْ لَا يُصَلَّى فِيهَا. لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ سَجْرَهَا مُسْتَمِرّ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ وَالْإِبْرَادُ مُخْتَصّ بِشِدَّةِ الْحَرّ فَهُمَا مُتَغَايِرَانِ , فَحِكْمَة الْإِبْرَاد دَفْعُ الْمَشَقَّة , وَحِكْمَة التَّرْكِ وَقْت سَجْرِهَا لِكَوْنِهِ وَقْتَ ظُهُور أَثَرِ الْغَضَبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ فَيْح جَهَنَّم ) ‏ ‏أَيْ مِنْ سِعَةِ اِنْتِشَارِهَا وَتَنَفُّسِهَا , وَمِنْهُ مَكَانٌ أَفْيَحُ أَيْ مُتَّسِع , وَهَذَا كِنَايَة عَنْ شِدَّةِ اِسْتِْعَارِهَا , وَظَاهَرَهُ أَنَّ مَثَار وَهَجِ الْحَرُّ فِي الْأَرْضِ مِنْ فَيْح جَهَنَّم حَقِيقَة , وَقِيلَ هُوَ مِنْ مَجَاز التَّشْبِيه , أَيْ كَأَنَّهُ نَارُ جَهَنَّمَ فِي الْحَرِّ , وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيث الْآتِي : \" اِشْتَكَتْ النَّار إِلَى رَبِّهَا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ \" وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "503",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِ أَبِي الْحَسَنِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الظُّهْرَ فَقَالَ ‏ ‏أَبْرِدْ أَبْرِدْ ‏ ‏أَوْ قَالَ انْتَظِرْ انْتَظِرْ ‏ ‏وَقَالَ شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ ‏ ‏فَيْحِ ‏ ‏جَهَنَّمَ فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ ‏ ‏فَأَبْرِدُوا ‏ ‏عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى رَأَيْنَا ‏ ‏فَيْءَ ‏ ‏التُّلُولِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْمُهَاجِرِ أَبِي الْحَسَن ) ‏ ‏الْمُهَاجِر اِسْم وَلَيْسَ بِوَصْفٍ وَالْأَلِف وَاللَّام فِيهِ لِلَمْحِ الصِّفَةِ كَمَا فِي الْعَبَّاس , وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ بِغَيْرِ أَلِف وَلَام. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي ذَرٍّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ \" سَمِعْت أَبَا ذَرٍّ \". ‏ ‏قَوْله ( أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هُوَ بِلَال كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله ( الظُهْرَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ , أَيْ أَذَّنَ وَقْتَ الظُّهْرِ وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظ \" أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ بِالظُهْرِ \" وَسَيَأْتِي بِلَفْظِ لِلظُهْرِ وَهُمَا وَاضِحَانِ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَبْرِدْ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِبْرَادِ وَقَعَ بَعْدَ تَقَدُّم الْأَذَان مِنْهُ , وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ بِلَفْظِ فَأَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُهْرِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ الْأَذَانِ فَيُجْمِعُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّهُ شَرَعَ فِي الْأَذَانِ فَقِيلَ لَهُ أَبْرِدْ فَتَرَكَ , فَمَعْنَى أَذَّنَ : شَرَعَ فِي الْأَذَانِ وَمَعْنَى أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ : أَيْ يُتِمّ ] الْأَذَان وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى رَأَيْنَا فَيْء التُّلُول ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا مُؤَخَّرًا عَنْ قَوْلِهِ \" شِدَّة الْحَرِّ إِلَخْ \" , وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَقْع ذَلِكَ عَقِبَ قَوْلِهِ \" أَبْرِدُوا \" وَهُوَ أَوْضَحُ فِي السِّيَاقِ ; لِأَنَّ الْغَايَةَ مُتَعَلِّقَة بِالْإِبْرَادِ , وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ بَقِيَّة مَبَاحِثِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "504",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ ‏ ‏فَأَبْرِدُوا ‏ ‏بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ ‏ ‏فَيْحِ ‏ ‏جَهَنَّمَ وَاشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ ‏ ‏الزَّمْهَرِيرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَفِظْنَاهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ جَعْفَر الْفِرْيَابِيِّ عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ شَيْخ الْمُصَنِّفِ فِيهِ بِلَفْظ \" حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ سُفْيَان عَنْهُ , وَرَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاس السَّرَّاج عَنْ أَبِي قُدَامَةَ عَنْ سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ أَوْ أَبِي سَلَمَة أَحَدهمَا أَوْ كِلَاهُمَا , وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْب اِبْن أَبِي حَمْزَة عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَلَمَة وَحْدَهُ , وَالطَّرِيقَانِ مَحْفُوظَانِ , فَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْث وَعَمْرو بْن الْحَارِث عِنْد مُسْلِم , وَمَعْمَر وَابْن جُرَيْجٍ عِنْدَ أَحْمَدَ , وَابْن أَخِي الزُّهْرِيّ وَأُسَامَة بْن زَيْد عِنْدَ السَّرَّاجِ , سِتَّتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد وَأَبِي سَلَمَة كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله ( وَاشْتَكَتْ النَّار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالَ وَاشْتَكَتْ النَّار \" وَفَاعِل قَالَ هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ قَبِلَ , وَوَهِمَ مَنْ جَعَلَهُ مَوْقُوفًا أَوْ مُعَلِّقًا. وَقَدْ أَفْرَدَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَان , وَكَذَلِكَ السَّرَّاج مِنْ طَرِيقِ سُفْيَان وَغَيْرِهِ , وَقَدْ اِخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الشَّكْوَى هَلْ هِيَ بِلِسَانِ الْمَقَالِ أَوْ بِلِسَانِ الْحَالِ ؟ وَاخْتَارَ كُلًّا طَائِفَة. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لِكِلَا الْقَوْلَيْنِ وَجْه وَنَظَائِر , وَالْأَوَّل أَرْجَح , وَقَالَ عِيَاض : إِنَّهُ الْأَظْهَرُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَا إِحَالَةَ فِي حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ. قَالَ : وَإِذَا أَخْبَرَ الصَّادِق بِأَمْرٍ جَائِزٍ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَأْوِيلِهِ فَحَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَوْلَى. وَقَالَ النَّوَوِيّ نَحْوُ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ : حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ هُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ نَحْوَ ذَلِكَ التوربشتي , وَرَجَّحَ الْبَيْضَاوِيّ حَمْلَهُ عَلَى الْمَجَازِ فَقَالَ : شَكَوَاهَا مَجَاز عَنْ غَلَيَانِهَا ُ وَأَكْلُهَا بَعْضُهَا بَعْضًا مَجَاز عَنْ اِزْدِحَامِ أَجْزَائِهَا , وَتَنَفُّسُهَا مَجَاز عَنْ خُرُوجِ مَا يَبْرُزُ مِنْهَا. وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِيرِ : الْمُخْتَارُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِصَلَاحِيَّةِ الْقُدْرَةِ لِذَلِكَ ُ وَ; لِأَنَّ اِسْتِعَارَة الْكَلَام لِلْحَالِ وَإِنْ عُهِدَتْ وَسُمِعَتْ , لَكِنَّ الشَّكْوَى وَتَفْسِيرهَا وَالتَّعْلِيل لَهُ وَالْإِذْن وَالْقَبُول وَالتَّنَفُّس وَقَصْره عَلَى اِثْنَيْنِ فَقَطْ بَعِيد مِنْ الْمَجَازِ خَارِج عَمَّا أُلِفَ مِنْ اِسْتِعْمَالِهِ. ‏ ‏قَوْله ( بِنَفَسَيْنِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاءِ , وَالنَّفَسِ مَعْرُوف وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْجَوْفِ وَيَدْخُلُ فِيهِ مِنْ الْهَوَاءِ. ‏ ‏قَوْله ( نَفَس فِي الشِّتَاءِ وَنَفَس فِي الصَّيْفِ ) ‏ ‏بِالْجَرِّ فِيهِمَا عَلَى الْبَدَلِ أَوْ الْبَيَانِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ. ‏ ‏قَوْله ( أَشُدّ ) ‏ ‏يَجُوزُ الْكَسْر فِيهِ عَلَى الْبَدَلِ , لَكِنَّهُ فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ. قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيره فَذَلِكَ أَشَدّ. وَقَالَ الطِّيبِي : جَعْل أَشَدّ مُبْتَدَأ مَحْذُوف الْخَبَر أَوْلَى , وَالتَّقْدِير أَشَدّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ مِنْ ذَلِكَ النَّفَسِ. ‏ ‏قُلْت : يُؤَيِّدُ الْأَوَّل رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ فَهُوَ أَشَدُّ , وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي رِوَايَة النَّسَائِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ , وَفِي سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ لَفّ وَنَشْر غَيْر مُرَتَّبٍ , وَهُوَ مُرَتَّبٌ فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ. وَالْمُرَادُ بِالزَّمْهَرِيرِ شِدَّة الْبَرْدِ , وَاسْتُشْكِلَ وُجُودُهُ فِي النَّارِ وَلَا إِشْكَالَ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّارِ مَحَلّهَا وَفِيهَا طَبَقَةٌ زَمْهَرِيرِيَّةٌ : وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرهمْ أَنَّ النَّارَ لَا تُخْلَقُ إِلَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏الْأَوَّل : قَضِيَّة التَّعْلِيل الْمَذْكُور قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْهَا مَشْرُوعِيَّةُ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ شِدَّةِ الْبَرْدِ , وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَد ; لِأَنَّهَا تَكُونُ غَالِبًا فِي وَقْتِ الصُّبْحِ فَلَا تَزُولُ إِلَّا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ , فَلَوْ أُخِّرَتْ لَخَرَجَ الْوَقْت. ‏ ‏الثَّانِي : النَّفَسُ الْمَذْكُور يَنْشَأُ عَنْهُ أَشَدُّ الْحَرِّ فِي الصَّيْفِ وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتَصِرْ فِي الْأَمْرِ بِالْإِبْرَادِ عَلَى أَشَدِّهِ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ عِنْدَ شَدِيدِهِ أَيْضًا فَالْأَشَدِّيَّةُ تَحْصُلُ عِنْدَ التَّنَفُّسِ , وَالشِّدَّةُ مُسْتَمِرَّة بَعْدَ ذَلِكَ فَيَسْتَمِرُّ الْإِبْرَاد إِلَى أَنْ تَذْهَبَ الشِّدَّة , وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "505",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ ‏ ‏فَيْحِ ‏ ‏جَهَنَّمَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَيَحْيَى ‏ ‏وَأَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( بِالظُهْرِ ) ‏ ‏قَدّ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّة الْإِبْرَاد لِلْجُمْعَةِ , وَقَالَ بِهِ بَعْض الشَّافِعِيَّةِ , وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ , لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا سَيَأْتِي تَوْجِيهُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ. قَدْ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ وَلَفْظه \" بِالصَّلَاةِ \" وَلَمْ أَرَهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَان بِلَفْظ \" بِالظُهْرِ \" وَفِي إِسْنَادِهِ اِخْتِلَاف عَلَى الثَّوْرِيِّ رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَقَالَ \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" بَدَلَ أَبِي سَعِيد أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ , وَالْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْد الرَّزَّاق أَيْضًا , ثُمَّ رَوَى عَنْ الذُّهْلِيِّ قَالَ : هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَصْحَابُ الْأَعْمَشِ عَنْهُ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي سَعِيد , وَهَذِهِ الطَّرِيق أَشْهَر. وَرَوَاهُ زَائِدَة وَهُوَ مُتْقِنٌ عَنْهُ , فَقَالَ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : وَالطَّرِيقَانِ عِنْدِي مَحْفُوظَانِ ; لِأَنَّ الثَّوْرِيَّ رَوَاهُ عَنْ الْأَعْمَشِ بِالْوَجْهَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( وَيَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَد عَنْهُ بِلَفْظ \" بِالصَّلَاةِ \" وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي يَعْلَى عَنْ الْمُقَدَّمِيّ عَنْ يَحْيَى بِلَفْظ \" بِالظُهْرِ \". ‏ ‏قَوْله ( وَأَبُو عَوَانَةِ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ وَصَلَهُ عَنْهُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ السَّرَّاج مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن عُبَيْد وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق وَكِيعٍ , كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ أَيْضًا بِلَفْظ \" بِالظُهْرِ \". ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏رَتَّبَ الْمُصَنِّفِ أَحَادِيث هَذَا الْبَاب تَرْتِيبًا حَسَنًا فَبَدَأَ بِالْحَدِيثِ الْمُطْلَقِ , وَثَنَّى بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ الْإِرْشَاد إِلَى غَايَة الْوَقْت الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا الْإِبْرَاد وَهُوَ ظُهُورُ فَيْءِ التُّلُول , وَثَلَّثَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ بَيَان الْعِلَّةِ فِي كَوْنِ ذَلِكَ الْمُطْلَق مَحْمُولًا عَلَى الْمُقَيَّدِ , وَرَبَّعَ بِالْحَدِيثِ الْمُفْصِحِ بِالتَّقْيِيدِ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. ‏"
    },
    {
        "id": "506",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُهَاجِرٌ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏لِبَنِي تَيْمِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبْرِدْ ‏ ‏ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَبْرِدْ ‏ ‏حَتَّى رَأَيْنَا ‏ ‏فَيْءَ ‏ ‏التُّلُولِ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ ‏ ‏فَيْحِ ‏ ‏جَهَنَّمَ فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ ‏ ‏فَأَبْرِدُوا ‏ ‏بِالصَّلَاةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ { ‏تَتَفَيَّأُ ‏ } ‏تَتَمَيَّلُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ شَبَابَةَ , وَمُسَدَّدٍ عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَالِدٍ , وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ وَأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ , وَوَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ وَالطَّحَاوِيُّ وَالْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ وَهْبٍ أَيْضًا , كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ بِلَالٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ أَبْرِدْ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ عَنْ شُعْبَةَ \" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا \" وَجَزَمَ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ شُعْبَةَ بِذِكْرِ الثَّالِثَةِ , وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي \" بَابِ الْأَذَانِ لِلْمُسَافِرِينَ \" فَإِنْ قِيلَ : الْإِبْرَادُ لِلصَّلَاةِ فَكَيْفَ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ بِهِ لِلْأَذَانِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ هَلْ هُوَ لِلْوَقْتِ أَوْ لِلصَّلَاةِ ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ , وَالْأَمْرُ الْمَذْكُورُ يُقَوِّي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لِلصَّلَاةِ. وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ عَادَتَهُمْ جَرَتْ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَخَلَّفُونَ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ عَنْ الْحُضُورِ إِلَى الْجَمَاعَةِ , فَالْإِبْرَادُ بِالْأَذَانِ لِغَرَضِ الْإِبْرَادِ بِالْعِبَادَةِ , قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْذِينِ هُنَا الْإِقَامَةُ. ‏ ‏قُلْت : وَيَشْهَدُ لَهُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ \" فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ \" لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ \" فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُؤَذِّنَ \" وَفِيهِ \" ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ \" وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ إِقَامَتَهُ كَانَتْ لَا تَتَخَلَّفُ عَنْ الْأَذَانِ لِمُحَافَظَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ , فَرِوَايَةُ \" فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ \" أَيْ أَنْ يُؤَذِّنَ ثُمَّ يُقِيمَ , وَرِوَايَةُ \" فَأَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ \" أَيْ ثُمَّ يُقِيمَ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ ) ‏ ‏هَذِهِ الْغَايَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ \" فَقَالَ لَهُ أَبْرِدْ \" أَيْ كَانَ يَقُولُ لَهُ فِي الزَّمَانِ الَّذِي قَبْلَ الرُّؤْيَةِ أَبْرِدْ , أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَبْرِدْ أَيْ قَالَ لَهُ أَبْرِدْ إِلَى أَنْ تَرَى , أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ أَيْ قَالَ لَهُ أَبْرِدْ فَأَبْرَدَ إِلَى أَنْ رَأَيْنَا , وَالْفَيْءُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ هُوَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ الظِّلِّ , وَالتُّلُولُ جَمْعُ تَلٍّ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ : كُلُّ مَا اِجْتَمَعَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ تُرَابٍ أَوْ رَمْلٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ , وَهِيَ فِي الْغَالِبِ مُنْبَطِحَةٌ غَيْرُ شَاخِصَةٍ فَلَا يَظْهَرُ لَهَا ظِلٌّ إِلَّا إِذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ وَقْتِ الظُّهْرِ , وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي غَايَةِ الْإِبْرَادِ , فَقِيلَ : حَتَّى يَصِيرَ الظِّلُّ ذِرَاعًا بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ , وَقِيلَ رُبْعَ قَامَةٍ , وَقِيلَ ثُلُثَهَا , وَقِيلَ نِصْفَهَا , وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَنَزَّلَهَا الْمَازِرِيُّ عَلَى اِخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ , وَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ , لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَمْتَدَّ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ , وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَذَانِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ \" حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ \" فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَخَّرَهَا إِلَى أَنْ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَذِهِ الْمُسَاوَاةِ ظُهُورُ الظِّلِّ بِجَنْبِ التَّلِّ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا فَسَاوَاهُ فِي الظُّهُورِ لَا فِي الْمِقْدَارِ , أَوْ يُقَالُ : قَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ فَلَعَلَّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا مَعَ الْعَصْرِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَقَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ : يَتَفَيَّأُ : يَتَمَيَّلُ ) ) ‏ ‏أَيْ قَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ ) مَعْنَاهُ يَتَمَيَّلُ , كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْفَيْءَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ ظِلٌّ مَائِلٌ مِنْ جِهَةٍ إِلَى أُخْرَى , وَتَتَفَيَّأُ فِي رِوَايَتِنَا بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ أَيْ الظِّلَالُ , وَقُرِئَ أَيْضًا بِالتَّحْتَانِيَّةِ , أَيْ الشَّيْءُ , وَالْقِرَاءَتَانِ شَهِيرَتَانِ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَكَرِيمَةَ , وَقَدْ وَصَلَهُ اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "507",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ حِينَ ‏ ‏زَاغَتْ الشَّمْسُ ‏ ‏فَصَلَّى الظُّهْرَ فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ السَّاعَةَ فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ فَلَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي الْبُكَاءِ وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ سَلُونِي فَقَامَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ ‏ ‏فَقَالَ مَنْ أَبِي قَالَ أَبُوكَ ‏ ‏حُذَافَةُ ‏ ‏ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ سَلُونِي فَبَرَكَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ‏ ‏وَبِمُحَمَّدٍ ‏ ‏نَبِيًّا فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ‏ ‏آنِفًا ‏ ‏فِي ‏ ‏عُرْضِ ‏ ‏هَذَا الْحَائِطِ فَلَمْ أَرَ كَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَنَسٍ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ فِي \" بَابِ مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ \" بِهَذَا الْإِسْنَادِ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِهِ مُسْتَوْعَبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( زَاغَتْ ) ‏ ‏أَيْ مَالَتْ , وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ \" زَالَتْ \" وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا صَدْرُ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ \" خَرَجَ حِينَ زَاغَتْ الشَّمْسُ فَصَلَّى الظُّهْرَ \" فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ زَوَالَ الشَّمْسِ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ , إِذْ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَهُ , وَهَذَا هُوَ الَّذِي اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ , وَكَانَ فِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ جَوَّزَ صَلَاةَ الظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ. وَعَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ مِثْلُهُ فِي الْجُمْعَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْعَيْنِ , أَيْ جَانِبِهِ أَوْ وَسَطِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَلَمْ أَرَ كَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ ) ‏ ‏أَيْ الْمَرْئِيِّ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ. ‏"
    },
    {
        "id": "508",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْمِنْهَالِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَرْزَةَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا ‏ ‏زَالَتْ ‏ ‏الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏رَجَعَ وَالشَّمْسُ ‏ ‏حَيَّةٌ ‏ ‏وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ إِلَى ‏ ‏شَطْرِ ‏ ‏اللَّيْلِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏لَقِيتُهُ مَرَّةً ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" حَدَّثَنَا أَبُو الْمِنْهَال \" وَهُوَ سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ الْآتِي ذِكْرُهُ فِي \" بَابِ وَقْتِ الْعَصْرِ \" مِنْ رِوَايَةِ عَوْفٍ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( يَعْرِفُ جَلِيسَهُ ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي بِجَنْبِهِ , فَفِي رِوَايَةِ الْجَوْزَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ شُعْبَةَ \" فَيَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى جَلِيسِهِ إِلَى جَنْبِهِ فَيَعْرِفُ وَجْهَهُ \" وَلِأَحْمَدَ \" فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ وَجْهَ جَلِيسِهِ \" وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ \" فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعْرِفُ فَيَعْرِفُهُ \". وَلَهُ فِي أُخْرَى \" وَنَنْصَرِفُ حِينَ يَعْرِفُ بَعْضُنَا وَجْهَ بَعْضٍ \". ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَالْعَصْرَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ وَيُصَلِّي الْعَصْرَ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَالْأَصِيلِيِّ , وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا \" وَيَرْجِعُ \" بِزِيَادَةِ وَاوٍ وَبِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ 2 عَلَيْهَا شَرْحُ الْخَطَّابِيِّ , وَظَاهِرُهُ حُصُولِ الذَّهَابِ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالرُّجُوعُ مِنْ ثَمَّ إِلَى الْمَسْجِدِ , لَكِنْ فِي رِوَايَةِ عَوْفٍ الْآتِيَةِ قَرِيبًا \" ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ \" فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا الذَّهَابُ فَقَطْ دُونَ الرُّجُوعِ , وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رِوَايَةِ الْبَابِ أَنْ يُقَالَ : يَحْتَمِلُ أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ \" وَأَحَدُنَا \" بِمَعْنَى \" ثُمَّ \" عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهَا تَرِدُ لِلتَّرْتِيبِ مِثْلُ ثُمَّ , وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ , وَالتَّقْدِيرُ ثُمَّ يَذْهَبُ أَحَدُنَا أَيْ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ \" رَجَعَ \" فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى يَرْجِعُ وَيَكُونُ بَيَانًا لِقَوْلِهِ يَذْهَبُ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَجَعَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ يَذْهَبُ رَاجِعًا , وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَدَاةَ الشَّرْطِ سَقَطَتْ إِمَّا لَوْ أَوْ إِذَا , وَالتَّقْدِيرُ وَلَوْ يَذْهَبُ أَحَدُنَا إِلَخْ , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ رَجَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ أَحَدُنَا وَيَذْهَبُ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ , وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ لَكِنَّهُ يُغَايِرُ رِوَايَةَ عَوْفٍ , وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ \" وَالْعَصْرَ يَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ \" وَلِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ شُعْبَةَ مِثْلُهُ لَكِنْ بِلَفْظِ \" يَذْهَبُ \" بَدَلَ يَرْجِعُ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ أَيْضًا بَعْدَ أَنْ حَكَى اِحْتِمَالًا آخَرَ وَهُوَ أَيْ قَوْلُهُ رَجَعَ عَطْفٌ عَلَى يَذْهَبُ وَالْوَاوُ مُقَدَّرَةٌ وَرَجَعَ بِمَعْنَى يَرْجِعُ. اِنْتَهَى. وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الْأَخِيرُ جَزَمَ بِهِ اِبْنُ بَطَّالٍ , وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلرِّوَايَةِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ شَيْخِ الْمُصَنِّفِ فِيهِ بِلَفْظِ \" وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَيَرْجِعُ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ \" وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا يَرِدُ عَلَيْهَا وَأَنَّ رِوَايَةَ عَوْفٍ أَوْضَحَتْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّجُوعِ الذَّهَابُ أَيْ مِنْ الْمَسْجِدِ , وَإِنَّمَا سُمِّيَ رُجُوعًا لِأَنَّ اِبْتِدَاءَ الْمَجِيءِ كَانَ مِنْ الْمَنْزِلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَكَانَ الذَّهَابُ مِنْهُ إِلَى الْمَنْزِلِ رُجُوعًا , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي \" بَابِ وَقْتِ الْعَصْرِ \" قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَقَالَ مُعَاذٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ مُعَاذٍ الْبَصْرِيُّ ‏ ‏( عَنْ شُعْبَةَ ) ‏ ‏أَيْ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ بِهِ , وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ , وَكَذَا الَّذِي قَبْلَهُ. وَجَزَمَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِقَوْلِهِ \" إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ \" وَكَذَا لِأَحْمَدَ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ شُعْبَةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "509",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ مُقَاتِلٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏غَالِبٌ الْقَطَّانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالظَّهَائِرِ فَسَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الْحَرِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ وَغَيْرِهِ , وَلِأَبِي ذَرٍّ \" بْنِ مُقَاتِلٍ \". ‏ ‏قَوْلُهُ ( أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْمُبَارَكِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا مُهْمَلًا , وَهُوَ السُّلَمِيُ وَاسْمُ جَدِّهِ بُكَيْرٌ , وَثَبَتَ الْأَمْرَانِ فِي مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ , وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ , وَفِي طَبَقَتِهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيُّ نَزِيلُ دِمَشْقَ وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ الْعَبْدِيُّ وَلَمْ يُخَرِّجْ لَهُمَا الْبُخَارِيُّ شَيْئًا. ‏ ‏قَوْلُهُ ( بِالظَّهَائِرِ ) ‏ ‏جَمْعُ ظَهِيرَةٍ وَهِيَ الْهَاجِرَةُ , وَالْمُرَادُ صَلَاةُ الظُّهْرِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَالْأَكْثَرِينَ , وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ \" فَسَجَدْنَا \" بِزِيَادَةِ فَاءٍ وَهِيَ عَاطِفَةٌ عَلَى شَيْءٍ مُقَدَّرٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( اِتِّقَاءَ الْحَرِّ ) ‏ ‏أَيْ لِلْوِقَايَةِ مِنْ الْحَرِّ , وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ غَالِبٍ كَمَا مَضَى , وَلَفْظُهُ مُغَايِرٌ لِلَفْظِهِ , لَكِنَّ الْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي \" بَابِ السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ \" وَفِيهِ الْجَوَابُ عَنْ اِسْتِدْلَالِ مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ وَلَوْ كَانَ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ , وَفِيهِ الْمُبَادَرَةِ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَلَوْ كَانَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ. وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ الْأَمْرَ بِالْإِبْرَادِ , بَلْ هُوَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَإِنْ كَانَ الْإِبْرَادُ أَفْضَلَ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "510",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏سَبْعًا وَثَمَانِيًا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فَقَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏لَعَلَّهُ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَسَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ , وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( سَبْعًا وَثَمَانِيًا ) ‏ ‏أَيْ سَبْعًا جَمِيعًا وَثَمَانِيًا جَمِيعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي \" بَابِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ \" مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَقَالَ أَيُّوبُ ) ‏ ‏هُوَ السَّخْتِيَانِيُّ , وَالْمَقُولُ لَهُ هُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( عَسَى ) ‏ ‏أَيْ أَنْ يَكُونَ كَمَا قُلْت , وَاحْتِمَالُ الْمَطَرِ قَالَ بِهِ أَيْضًا مَالِكٌ عَقِبَ إِخْرَاجِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ نَحْوه , وَقَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ بِالْمَدِينَةِ \" مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ \" قَالَ مَالِكٌ : لَعَلَّهُ كَانَ فِي مَطَرٍ , لَكِنْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِلَفْظِ \" مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ \" فَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ لِلْخَوْفِ أَوْ السَّفَرِ أَوْ الْمَطَرِ , وَجَوَّزَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ لِلْمَرَضِ , وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ , وَفِيهِ نَظَرٌ , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَمْعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِعَارِضِ الْمَرَضِ لَمَا صَلَّى مَعَهُ إِلَّا مَنْ بِهِ نَحْوُ ذَلِكَ الْعُذْرِ , وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بِأَصْحَابِهِ , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ اِبْنُ عَبَّاس فِي رِوَايَتِهِ , قَالَ النَّوَوِيُّ : وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي غَيْمٍ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ اِنْكَشَفَ الْغَيْمُ مَثَلًا فَبَانَ أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ دَخَلَ فَصَلَّاهَا , قَالَ وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَدْنَى اِحْتِمَالٍ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَلَا اِحْتِمَالَ فِيهِ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ا ه. وَكَأَنَّ نَفْيَهُ الِاحْتِمَالَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَغْرِبِ إِلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ , وَالْمُخْتَارُ عِنْدَهُ خِلَافُهُ , وَهُوَ أَنَّ وَقْتَهَا يَمْتَدُّ إِلَى الْعِشَاءِ , فَعَلَى هَذَا فَالِاحْتِمَالُ قَائِمٌ. قَالَ : وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ صُورِيٌّ , بِأَنْ يَكُونَ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَعَجَّلَ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. قَالَ : وَهُوَ اِحْتِمَالٌ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ مُخَالَفَةً لَا تُحْتَمَلُ ا ه. وَهَذَا الَّذِي ضَعَّفَهُ اِسْتَحْسَنَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَرَجَّحَهُ قَبْلَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ مِنْ الْقُدَمَاءِ اِبْنُ الْمَاجِشُونِ وَالطَّحَاوِيُّ وَقَوَّاهُ اِبْنُ سَيِّدِ النَّاسِ بِأَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَدْ قَالَ بِهِ , وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَزَادَ : قُلْت يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ. قَالَ : وَأَنَا أَظُنُّهُ. قَالَ اِبْنُ سَيِّدِ النَّاسِ : وَرَاوِي الْحَدِيثِ أَدْرَى بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْرِهِ. ‏ ‏قُلْت : لَكِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِذَلِكَ , بَلْ لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ , فَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُهُ لِأَيُّوبَ وَتَجْوِيزُهُ لِأَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ بِعُذْرِ الْمَطَرِ , لَكِنْ يُقَوِّي مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْجَمْعِ الصُّورِيِّ أَنَّ طُرُقَ الْحَدِيثِ كُلَّهَا لَيْسَ فِيهَا تَعَرُّضٌ لِوَقْتِ الْجَمْعِ. فَإِمَّا أَنْ تُحْمَلَ عَلَى مُطْلَقِهَا فَيَسْتَلْزِمُ إِخْرَاجَ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا الْمَحْدُود بِغَيْرِ عُذْرٍ , وَإِمَّا أَنْ تُحْمَلَ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ لَا تَسْتَلْزِمُ الْإِخْرَاجَ وَيُجْمَعُ بِهَا بَيْنَ مُفْتَرَقِ الْأَحَادِيثِ , وَالْجَمْعُ الصُّورِيُّ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ إِلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ , فَجَوَّزُوا الْجَمْعَ فِي الْحَضَرِ لِلْحَاجَةِ مُطْلَقًا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُتَّخَذَ ذَلِكَ عَادَةً , وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ اِبْنُ سِيرِينَ وَرَبِيعَةُ وَأَشْهَبُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْقَفَّالُ الْكَبِيرُ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ , وَاسْتَدَلَّ لَهُمْ بِمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : فَقُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو اِبْنِ هَرَمٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّ اِبْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى بِالْبَصْرَةِ الْأُولَى وَالْعَصْرَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ , وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ , فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ شُغْلٍ , وَفِيهِ رَفْعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ أَنَّ شُغْلَ اِبْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ كَانَ بِالْخُطْبَةِ وَأَنَّهُ خَطَبَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ بَدَتْ النُّجُومُ , ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. وَفِيهِ تَصْدِيقُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَفْعِهِ. وَمَا ذَكَرَهُ اِبْنُ عَبَّاسٍ مِنْ التَّعْلِيلِ بِنَفْيِ الْحَرَجِ ظَاهِرٌ فِي مُطْلَقِ الْجَمْعِ , وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَلَفْظُهُ \" جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ , فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : صَنَعْت هَذَا لِئَلَّا تُحْرَجَ أُمَّتِي \" وَإِرَادَةُ نَفْيِ الْحَرَجِ يَقْدَحُ فِي حَمْلِهِ عَلَى الْجَمْعِ الصُّورِيِّ , لِأَنَّ الْقَصْدَ إِلَيْهِ لَا يَخْلُو عَنْ حَرَجٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "511",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏مِنْ قَعْرِ حُجْرَتِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏( وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ مِنْ قَعْرِ حُجْرَتِهَا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هَذَا التَّعْلِيقُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَالْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ. وَالصَّوَابُ تَأْخِيرُهُ عَنْ الْإِسْنَادِ الْمَوْصُولِ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْمُصَنِّفِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ عِيَاضٍ وَهُوَ أَبُو ضَمْرَةَ اللَّيْثِيُّ وَأَبَا أُسَامَةَ رَوَيَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَام وَهُوَ اِبْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَزَادَ أَبُو أُسَامَةَ التَّقْيِيدَ بِقَعْرِ الْحُجْرَةِ , وَهُوَ أَوْضَحُ فِي تَعْجِيلِ الْعَصْرِ مِنْ الرِّوَايَةِ الْمُطْلَقَةِ , وَقَدْ وَصَلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ طَرِيقَ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ لَكِنْ بِلَفْظِ \" وَالشَّمْسُ وَاقِعَةٌ فِي حُجْرَتِي \" وَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ \" حُجْرَتِهَا \" لِعَائِشَةَ , وَفِيهِ نَوْعُ اِلْتِفَاتٍ. وَإِسْنَادُ أَبِي ضَمْرَةَ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ , وَالْمُرَادُ بِالْحُجْرَةِ - وَهِيَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ - الْبَيْتُ , وَالْمُرَادُ بِالشَّمْسِ ضَوْؤُهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "512",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا لَمْ يَظْهَرْ الْفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا ‏",
        "sharh": "وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ‏ ‏( وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا ) ‏ ‏أَيْ بَاقِيَةٌ , وَقَوْلُهُ ‏ ‏\" لَمْ يَظْهَرْ الْفَيْءُ \" ) ‏ ‏أَيْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ الشَّمْسُ فِيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْمَوَاقِيتِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ \" أَيْ تَرْتَفِعَ , فَهَذَا الظُّهُورُ غَيْرُ ذَلِكَ الظُّهُورِ. وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِظُهُورِ الشَّمْسِ خُرُوجُهَا مِنْ الْحُجْرَةِ , وَبِظُهُورِ الْفَيْءِ اِنْبِسَاطُهُ فِي الْحُجْرَةِ. وَلَيْسَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ اِخْتِلَافٌ , لِأَنَّ اِنْبِسَاطَ الْفَيْءِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الشَّمْسِ. ‏"
    },
    {
        "id": "513",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي صَلَاةَ الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِي لَمْ يَظْهَرْ الْفَيْءُ بَعْدُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏وَشُعَيْبٌ ‏ ‏وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ ‏ ‏وَالشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( اِبْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ \" عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ \" وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" عَنْ سُفْيَانَ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي مِنْ الزُّهْرِيِّ \". ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ ) ‏ ‏, أَيْ ظَاهِرَةٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( بَعْدُ ) ‏ ‏بِالضَّمِّ بِلَا تَنْوِينٍ. قَوْلُهُ ‏ ‏( وَقَالَ مَالِكٌ إِلَخْ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورِينَ رَوَوْهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَجَعَلُوا الظُّهُورَ لِلشَّمْسِ , وَابْنُ عُيَيْنَةَ جَعَلَهُ الْفَيْءَ. وَقَدْ قَدَّمْنَا تَوْجِيهَ ذَلِكَ وَطَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا , وَأَنَّ طَرِيقَ مَالِكٍ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي أَوَّلِ الْمَوَاقِيتِ , وَأَمَّا طَرِيقُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ الْأَنْصَارِيُّ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ , وَأَمَّا طَرِيقُ شُعَيْبٍ , وَهُوَ اِبْنُ أَبِي حَمْزَةَ فَوَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ , وَأَمَّا طَرِيقُ اِبْنِ أَبِي حَفْصَةَ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْسَرَةَ فَرَوَيْنَاهَا مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ عَدِيٍّ فِي نُسْخَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْ اِبْنِ أَبِي حَفْصَةَ. وَالْمُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجِيلُ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا , وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَتْهُ عَائِشَةُ , وَكَذَا الرَّاوِي عَنْهَا عُرْوَةُ وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي تَأْخِيرِهِ صَلَاةِ الْعَصْرِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَشَذَّ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ : لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى التَّعْجِيلِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْحُجْرَةَ كَانَتْ قَصِيرَةَ الْجِدَارِ فَلَمْ تَكُنْ الشَّمْسُ تَحْتَجِبُ عَنْهَا إِلَّا بِقُرْبِ غُرُوبِهَا فَيَدُلُّ عَلَى التَّأْخِيرِ لَا عَلَى التَّعْجِيلِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ مَعَ اِتِّسَاعِ الْحُجْرَةِ , وَقَدْ عُرِفَ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ أَنَّ حُجَرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَكُنْ مُتَّسِعَةً , وَلَا يَكُونُ ضَوْءُ الشَّمْسِ بَاقِيًا فِي قَعْرِ الْحُجْرَةِ الصَّغِيرَةِ إِلَّا وَالشَّمْسُ قَائِمَةٌ مُرْتَفِعَةٌ , وَإِلَّا مَتَى مَالَتْ جِدًّا اِرْتَفَعَ ضَوْؤُهَا عَنْ قَاعِ الْحُجْرَةِ , وَلَوْ كَانَتْ الْجُدُرُ قَصِيرَةً. قَالَ النَّوَوِيُّ : كَانَتْ الْحُجْرَةُ ضَيِّقَةَ الْعَرْصَةِ قَصِيرَةَ الْجِدَارِ بِحَيْثُ كَانَ طُولَ جِدَارِهَا أَقَلَّ مِنْ مَسَافَةِ الْعَرْصَةِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ , فَإِذَا صَارَ ظِلُّ الْجِدَارِ مِثْلَهُ كَانَتْ الشَّمْسُ بَعْدُ فِي أَوَاخِرِ الْعَرْصَةِ ا ه. وَكَأَنَّ الْمُؤَلِّفَ لَمَّا لَمْ يَقَعْ لَهُ حَدِيثٌ عَلَى شَرْطِهِ فِي تَعْيِينِ أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ - وَهُوَ مَصِيرُ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ - اِسْتَغْنَى بِهَذَا الْحَدِيثِ الدَّالِّ عَلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عِدَّةَ أَحَادِيثَ مُصَرَّحَةً بِالْمَقْصُودِ. وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مُخَالَفَةٌ فِي ذَلِكَ , إِلَّا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ , فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ مَصِيرُ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ , قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : خَالَفَهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي ذَلِكَ حَتَّى أَصْحَابُهُ - يَعْنِي الْآخِذِينَ عَنْهُ - وَإِلَّا فَقَدْ اِنْتَصَرَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ فَقَالُوا ثَبَتَ الْأَمْرُ بِالْإِبْرَادِ وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ ذَهَابِ اِشْتِدَادِ الْحَرِّ , وَلَا يَذْهَبُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ , فَيَكُونُ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ مَصِيرَ الظِّلِّ مِثْلَيْهِ , وَحِكَايَةُ مِثْلَ هَذَا تُغْنِي عَنْ رَدِّهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "514",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ أَنَا ‏ ‏وَأَبِي ‏ ‏عَلَى ‏ ‏أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ أَبِي ‏ ‏كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ فَقَالَ كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي ‏ ‏الْهَجِيرَ ‏ ‏الَّتِي تَدْعُونَهَا الْأُولَى حِينَ ‏ ‏تَدْحَضُ ‏ ‏الشَّمْسُ وَيُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى ‏ ‏رَحْلِهِ ‏ ‏فِي أَقْصَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَالشَّمْسُ ‏ ‏حَيَّةٌ ‏ ‏وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا ‏ ‏الْعَتَمَةَ ‏ ‏وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا وَكَانَ ‏ ‏يَنْفَتِلُ ‏ ‏مِنْ صَلَاةِ ‏ ‏الْغَدَاةِ ‏ ‏حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْمُبَارَكِ وَعَوْفٌ هُوَ الْأَعْرَابِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( دَخَلْت أَنَا وَأَبِي ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ \" زَمَنَ أُخْرِجَ اِبْنُ زِيَادٍ مِنْ الْبَصْرَةِ \" قُلْت : وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْفِتَنِ , وَسَلَامَةُ وَالِدُ سَيَّارٍ حَكَى عَنْهُ وَلَدُهُ هُنَا وَلَمْ أَجِدْ مَنْ تَرْجَمَهُ , وَقَدْ وَقَعَتْ لِابْنِهِ عَنْهُ رِوَايَةٌ فِي الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ فِي ذِكْرِ الْحَوْضِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( الْمَكْتُوبَةَ ) ‏ ‏أَيْ الْمَفْرُوضَةَ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ لِكَوْنِ أَبِي بَرْزَةَ لَمْ يَذْكُرْهُ وَفِيهِ بَحْثٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ ) ) ‏ ‏أَيْ صَلَاةَ الْهَجِيرِ , وَالْهَجِيرُ وَالْهَاجِرَةُ بِمَعْنًى , وَهُوَ وَقْتُ شِدَّةِ الْحَرِّ , وَسُمِّيَتْ الظُّهْرُ بِذَلِكَ لِأَنَّ وَقْتَهَا يَدْخُلُ حِينَئِذٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( تَدْعُونَهَا الْأُولَى ) ‏ ‏قِيلَ سُمِّيَتْ الْأُولَى لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةِ النَّهَارِ وَقِيلَ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَيَّنَ لَهُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ ) ‏ ‏أَيْ تَزُولُ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ مَأْخُوذٌ مِنْ الدَّحْضِ وَهُوَ الزَّلْقُ , وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ \" حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ \" وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا , وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ الْأَمْرَ بِالْإِبْرَادِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ الْبَرْدِ أَوْ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْإِبْرَادِ أَوْ عِنْدَ فَقْدِ شُرُوطِ الْإِبْرَادِ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِشِدَّةِ الْحَرِّ , أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِظَاهِرِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِتَقْدِيمِ مَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ مِنْ طَهَارَةٍ وَسَتْرٍ وَغَيْرِهِمَا قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ , وَلَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ التَّقْرِيبُ. فَتَحْصُلُ الْفَضِيلَةُ لِمَنْ لَمْ يَتَشَاغَلْ عِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِغَيْرِ أَسْبَابِ الصَّلَاةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( إِلَى رَحْلِهِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ , أَيْ مَسْكَنِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ ) ) ‏ ‏صِفَةٌ لِلرَّحْلِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ ) ) ‏ ‏أَيْ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : الْمُرَادُ بِحَيَاتِهَا قُوَّةُ أَثَرِهَا حَرَارَةً وَلَوْنًا وَشُعَاعًا وَإِنَارَةً , وَذَلِكَ لَا يَكُونُ بَعْدَ مَصِيرِ الظِّلِّ مِثْلَيْ الشَّيْءِ ا ه. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ خَيْثَمَةَ أَحَدِ التَّابِعِينَ قَالَ : حَيَاتُهَا أَنْ تَجِدَ حَرَّهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَنَسِيت مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ ) ‏ ‏قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ سَيَّارٌ , بَيَّنَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ وَقْتِ الْعِشَاءِ , قَالَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اِسْتِحْبَابِ التَّأْخِيرِ قَلِيلًا لِأَنَّ التَّبْعِيضَ يَدُلُّ عَلَيْهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ بَعْضٌ مُطْلَقٌ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى قِلَّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ , وَسَيَأْتِي فِي \" بَابِ وَقْتِ الْعِشَاءِ \" مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ التَّأْخِيرَ إِنَّمَا كَانَ لِانْتِظَارِ مَنْ يَجِيءُ لِشُهُودِ الْجَمَاعَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : لَعَلَّ تَقْيِيدَهُ الظُّهْرَ وَالْعِشَاءَ دُونَ غَيْرِهِمَا لِلِاهْتِمَامِ بِأَمْرِهِمَا , فَتَسْمِيَةُ الظُّهْرِ بِالْأُولَى يُشْعِرُ بِتَقْدِيمِهَا , وَتَسْمِيَةُ الْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ يُشْعِرُ بِتَأْخِيرِهَا , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى كَرَاهَةِ النَّوْمِ قَبْلَهَا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَكَانَ يَنْفَتِلُ ) ‏ ‏أَيْ يَنْصَرِفُ مِنْ الصَّلَاةِ , أَوْ يَلْتَفِتُ إِلَى الْمَأْمُومِينَ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ ) ‏ ‏أَيْ الصُّبْحِ , وَفِيهِ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي تَسْمِيَةِ الصُّبْحِ بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى اِخْتِلَافِ أَلْفَاظِ الرِّوَايَةِ فِيهِ , وَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى التَّعْجِيلِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ لِأَنَّ اِبْتِدَاءَ مَعْرِفَةِ الْإِنْسَانِ وَجْهَ جَلِيسِهِ يَكُونُ فِي أَوَاخِرِ الْغَلَسِ , وَقَدْ صَحَّ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ مِنْ عَادَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْتِيلُ الْقِرَاءَةِ وَتَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ , فَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ فِيهَا مُغَلِّسًا , وَادَّعَى الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي حَيْثُ قَالَتْ فِيهِ : \" لَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ \" , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ , وَهُوَ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي بَرْزَةَ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْرِفَةِ مَنْ هُوَ مُسْفِرٌ جَالِسٌ إِلَى جَنْبِ الْمُصَلِّي فَهُوَ مُمْكِنٌ , وَحَدِيثُ عَائِشَةَ مُتَعَلِّقٌ بِمَنْ هُوَ مُتَلَفِّفٌ مَعَ أَنَّهُ عَلَى بُعْدٍ فَهُوَ بَعِيدٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَيَقْرَأُ ) ) ‏ ‏أَيْ فِي الصُّبْحِ ‏ ‏( بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ ) ‏ ‏يَعْنِي مِنْ الْآيِ. وَقَدَّرَهَا فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ بِسُورَةِ الْحَاقَّةِ وَنَحْوِهَا , وَتَقَدَّمَ فِي \" بَابِ وَقْتِ الظُّهْرِ \" بِلَفْظِ \" مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ \" وَأَشَارَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَقُولَ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالْمِائَةِ لِأَنَّ لَفْظَ \" بَيْنَ \" يَقْتَضِي الدُّخُولَ عَلَى مُتَعَدِّدٍ. قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ : وَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَفَوْقَهَا إِلَى الْمِائَةِ , فَحُذِفَ لَفْظُ فَوْقَهَا لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. وَفِي السِّيَاقِ تَأَدُّبُ الصَّغِيرِ مَعَ الْكَبِيرِ , وَمُسَارَعَةُ الْمَسْئُولِ بِالْجَوَابِ إِذَا كَانَ عَارِفًا بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "515",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ إِلَى ‏ ‏بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏فَنَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ) ‏ ‏أَيْ بِقُبَاءَ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَنَازِلَهُمْ. وَإِخْرَاجُ الْمُصَنِّفِ لِهَذَا الْحَدِيثِ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ \" كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا \" مُسْنَدٌ وَلَوْ لَمْ يُصَرِّحْ بِإِضَافَتِهِ إِلَى زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ اِخْتِيَارُ الْحَاكِمِ , وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْخَطِيبُ وَغَيْرُهُمَا : هُوَ مَوْقُوفٌ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ حُكْمًا , لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ أَوْرَدَهُ فِي مَقَامِ الِاحْتِجَاجِ , فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ كَوْنَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ رَوَى اِبْنُ الْمُبَارَكِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ فِيهِ \" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعَصْرَ \" الْحَدِيثَ , أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ كَانَتْ مَنَازِلُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ الْمَدِينَةِ , وَكَانُوا يُصَلُّونَ الْعَصْرَ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَغِلُونَ بِأَعْمَالِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ , فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى تَعْجِيلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا , وَسَيَأْتِي فِي طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "516",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏صَلَّيْنَا مَعَ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏الظُّهْرَ ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏فَوَجَدْنَاهُ ‏ ‏يُصَلِّي الْعَصْرَ فَقُلْتُ يَا عَمِّ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ قَالَ ‏ ‏الْعَصْرُ وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( سَمِعْت أَبَا أُمَامَةَ ) ‏ ‏هُوَ أَسْعَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ , وَهُوَ عَمُّ الرَّاوِي عَنْهُ. وَفِي الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يُصَلِّي الصَّلَاةَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا تَبَعًا لِسَلَفِهِ , إِلَى أَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ فِي الْعَصْرِ دُونَ الظُّهْرِ لِأَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ بِخِلَافِ وَقْتِ الْعَصْرِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَيْضًا , وَهُوَ عِنْدَ اِنْتِهَاءِ وَقْتِ الظُّهْرِ , وَلِهَذَا تَشَكَّكَ أَبُو أُمَامَةَ فِي صَلَاةِ أَنَسٍ أَهِيَ الظُّهْرُ أَوْ الْعَصْرُ , فَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ. وَقَوْلُهُ لَهُ \" يَا عَمُّ \" هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْقِيرِ وَلِكَوْنِهِ أَكْبَرَ سِنًّا مِنْهُ مَعَ أَنَّ نَسَبَهُمَا مُجْتَمِعٌ فِي الْأَنْصَارِ , لَكِنَّهُ لَيْسَ عَمَّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( بَابُ وَقْتِ الْعَصْرِ ) كَذَا وَقَعَ وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي دُونَ غَيْرَةِ , وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّهُ تَكْرَارٌ بِلَا فَائِدَةٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "517",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ‏ ‏حَيَّةٌ ‏ ‏فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى ‏ ‏الْعَوَالِي ‏ ‏فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ‏ ‏وَبَعْضُ ‏ ‏الْعَوَالِي ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ ) ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بَقَاءِ حَرِّهَا وَضَوْئِهَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ‏ ‏( فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ) ‏ ‏أَيْ دُونَ ذَلِكَ الِارْتِفَاعِ. لَكِنَّهَا لَمْ تَصِلْ إِلَى الْحَدِّ الَّذِي تُوصَفُ بِهِ بِأَنَّهَا مُنْخَفِضَةٌ , وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى تَعْجِيلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ لِوَصْفِ الشَّمْسِ بِالِارْتِفَاعِ بَعْدَ أَنْ تَمْضِيَ مَسَافَةُ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ , وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَبْيَضِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ \" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِنَا الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُحَلِّقَةٌ , ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى قَوْمِي فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ فَأَقُولُ لَهُمْ قُومُوا فَصَلُّوا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَلَّى \" قَالَ الطَّحَاوِيُّ : نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ أُولَئِكَ - يَعْنِي قَوْمَ أَنَسٍ - لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَهَا إِلَّا قَبْلَ اِصْفِرَارِ الشَّمْسِ , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَجِّلُهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَبَعْضُ الْعَوَالِي ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا أَيْ بَيْنَ بَعْضِ الْعَوَالِي وَالْمَدِينَةِ الْمَسَافَةُ الْمَذْكُورَةُ , وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الصَّغَانِيِّ عَنْ أَبِي الْيَمَانِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ \" وَبُعْدُ الْعَوَالِي \" بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الِاعْتِصَامِ تَعْلِيقًا , وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ لَكِنْ قَالَ \" أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ \" , وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ جَمِيعًا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ أَبِي عُتْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حِمْيَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظُهُ \" وَالْعَوَالِي مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ \" , أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ الْمَحَامِلِيِّ عَنْ أَبِي عُتْبَةَ الْمَذْكُورِ بِسَنَدِهِ فَوَقَعَ عِنْدَهُ \" عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ \" وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ فِيهِ \" عَلَى مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ \" فَتَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَقْرَبَ الْعَوَالِي مِنْ الْمَدِينَةِ مَسَافَةُ مِيلَيْنِ وَأَبْعَدُهَا مَسَافَةُ سِتَّةِ أَمْيَالٍ إِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ الْمَحَامِلِيِّ مَحْفُوظَةً. وَوَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ \" أَبْعَدُ الْعَوَالِي مَسَافَةُ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ \" قَالَ عِيَاضٌ : كَأَنَّهُ أَرَادَ مُعْظَمَ عِمَارَتِهَا وَإِلَّا فَأَبْعَدُهَا ثَمَانِيَةُ أَمْيَالٍ. اِنْتَهَى. وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ آخِرُهُمْ صَاحِبُ النِّهَايَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُ أَبْعَدُ الْأَمْكِنَةِ الَّتِي كَانَ يَذْهَبُ إِلَيْهَا الذَّاهِبُ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ , وَالْعَوَالِي عِبَارَةٌ عَنْ الْقُرَى الْمُجْتَمِعَةِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ نَجْدِهَا , وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ جِهَةِ تِهَامَتِهَا فَيُقَالُ لَهَا السَّافِلَةُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَبَعْضُ الْعَوَالِي إِلَخْ ) مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ , بَيَّنَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ فِيهِ - بَعْدَ قَوْلِهِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ - قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَالْعَوَالِي مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ , وَلَمْ يَقِفْ الْكَرْمَانِيُّ عَلَى هَذَا فَقَالَ : هُوَ إِمَّا كَلَامُ الْبُخَارِيِّ أَوْ أَنَسٍ أَوْ الزُّهْرِيِّ كَمَا هُوَ عَادَتُهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "518",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى ‏ ‏قُبَاءٍ ‏ ‏فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ‏",
        "sharh": "قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى ‏ ‏( كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ) ‏ ‏أَيْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ الطُّرُقِ الْأُخْرَى , وَقَدْ رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءَ ) ‏ ‏كَأَنَّ أَنَسًا أَرَادَ بِالذَّاهِبِ نَفْسَهُ كَمَا تُشْعِرُ بِذَلِكَ رِوَايَةُ أَبِي الْأَبْيَضِ الْمُتَقَدِّمَةِ. قَالَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" إِلَى قُبَاءَ \" وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ بَلْ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ \" إِلَى الْعَوَالِي \" وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. قَالَ : وَقَوْلُ مَالِكٍ إِلَى قُبَاءَ وَهْمٌ لَا شَكَّ فِيهِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ اِبْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" إِلَى قُبَاءَ \" كَمَا قَالَ مَالِكٌ , نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ فَنِسْبَةُ الْوَهْمِ فِيهِ إِلَى مَالِكٍ مُنْتَقَدٌ , فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ وَهْمًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ الزُّهْرِيِّ حِينَ حَدَّثَ بِهِ مَالِكًا , وَقَدْ رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ فِيهِ \" إِلَى الْعَوَالِي \" كَمَا قَالَ الْجَمَاعَةُ , فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مَالِكٍ وَتُوبِعَ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِخِلَافِ مَا جَزَمَ بِهِ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ : الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْعَوَالِي , فَصَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ. وَمَعَ ذَلِكَ فَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ , لَكِنَّ رِوَايَةَ مَالِكٍ أَخَصُّ لِأَنَّ قُبَاءَ مِنْ الْعَوَالِي وَلَيْسَتْ الْعَوَالِي كُلَّ قُبَاءَ , وَلَعَلَّ مَالِكًا لَمَّا رَأَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ إِجْمَالًا حَمَلَهَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُفَسَّرَةِ وَهِيَ رِوَايَتُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَنْ إِسْحَاقَ حَيْثُ قَالَ فِيهَا \" ثُمَّ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ أَهْلُ قُبَاءَ , فَبَنَى مَالِكٌ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا حَدَّثَاهُ عَنْ أَنَسٍ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ , فَهَذَا الْجَمْعُ أَوْلَى مِنْ الْجَزْمِ بِأَنَّ مَالِكًا وَهِمَ فِيهِ. وَأَمَّا اِسْتِدْلَالُ اِبْنِ بَطَّالٍ عَلَى أَنَّ الْوَهْمَ فِيهِ مِمَّنْ دُونَ مَالِكٍ بِرِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُوَافِقَةِ لِرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَفِيهِ نَظَرٌ , لِأَنَّ مَالِكًا أَثْبَتَهُ فِي الْمُوَطَّأِ بِاللَّفْظِ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ كَافَّةُ أَصْحَابِهِ , فَرِوَايَةُ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ عَنْهُ شَاذَّةٌ. فَكَيْفَ تَكُونُ دَالَّةً عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ الْجَمَاعَةِ وَهْمٌ ؟ بَلْ إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا وَهْمٌ فَهُوَ مِنْ مَالِكٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبَزَّارُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا ؟ أَوْ مِنْ الزُّهْرِيِّ حِينَ حَدَّثَهُ بِهِ ؟ وَالْأَوْلَى سُلُوكُ طَرِيقِ الْجَمْعِ الَّتِي أَوْضَحْنَاهَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. قَالَ اِبْنُ رَشِيدٍ : قَضَى الْبُخَارِيُّ بِالصَّوَابِ لِمَالِكٍ بِأَحْسَنِ إِشَارَةٍ وَأَوْجَزِ عِبَارَةٍ , لِأَنَّهُ قَدَّمَ أَوَّلًا الْمُجْمَلَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِحَدِيثِ مَالِكٍ الْمُفَسَّرِ الْمُعَيِّنِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قُبَاءُ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( إِلَى قُبَاءَ فَيَأْتِيهِمْ ) أَيْ أَهْلَ قُبَاءَ وَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ النَّوَوِيُّ : فِي الْحَدِيثِ الْمُبَادَرَةُ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا , لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَذْهَبَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِيلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَتَغَيَّرْ , فَفِيهِ دَلِيلٌ لِلْجُمْهُورِ فِي أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ مَصِيرُ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ. وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "519",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا ‏ ‏وُتِرَ ‏ ‏أَهْلَهُ وَمَالَهُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ { ‏يَتِرَكُمْ ‏} ‏وَتَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلْتَ لَهُ قَتِيلًا أَوْ أَخَذْتَ لَهُ مَالًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( الَّذِي تَفُوتُهُ ) ‏ ‏قَالَ اِبْنُ بَزِيزَةَ : فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ. ‏ ‏قُلْت : وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ , وَسَقَطَ لِلْأَكْثَرِ لَفْظُ صَلَاةٍ وَالْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ فَكَأَنَّمَا. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وُتِرَ أَهْلَهُ ) ‏ ‏هُوَ بِالنَّصْبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِوُتِرَ , وَأُضْمِرَ فِي وُتِرَ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى الَّذِي فَاتَتْهُ , فَالْمَعْنَى أُصِيبَ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ. وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ( وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) , وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَتِرَكُمْ. اِنْتَهَى. وَقِيلَ وُتِرَ هُنَا بِمَعْنَى نُقِصَ , فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ نَصْبُهُ وَرَفْعُهُ , لِأَنَّ مَنْ رَدَّ النَّقْصَ إِلَى الرَّجُلِ نَصَبَ وَأَضْمَرَ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْفَاعِلِ , وَمَنْ رَدَّهُ إِلَى الْأَهْلِ رَفَعَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يُرْوَى بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ وُتِرَ بِمَعْنَى سُلِبَ وَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ , وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ وُتِرَ بِمَعْنَى أُخِذَ فَيَكُونُ أَهْلَهُ هُوَ الْمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي أَيْضًا وَتَرْت الرَّجُلَ إِذَا قَتَلْت لَهُ قَتِيلًا أَوْ أَخَذْت مَالَهُ , وَحَقِيقَةُ الْوَتْرِ كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ هُوَ الظُّلْمُ فِي الدَّمِ , فَعَلَى هَذَا فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَالِ مَجَازٌ , لَكِنْ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمَوْتُورُ هُوَ الَّذِي قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَلَمْ يُدْرَكْ بِدَمِهِ , تَقُولُ مِنْهُ وُتِرَ وَتَقُولُ أَيْضًا وَتَرَهُ حَقَّهُ أَيْ نَقَصَهُ. وَقِيلَ الْمَوْتُورُ مَنْ أُخِذَ أَهْلُهُ أَوْ مَالُهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَشَدُّ لِغَمِّهِ , فَوَقَعَ التَّشْبِيهُ بِذَلِكَ لِمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ غَمَّانِ : غَمُّ الْإِثْمِ وَغَمُّ فَقْدِ الثَّوَابِ. كَمَا يَجْتَمِعُ عَلَى الْمَوْتُورِ غَمَّانِ : غَمُّ السَّلْبِ , وَغَمُّ الطَّلَبِ بِالثَّأْرِ. وَقِيلَ : مَعْنَى وُتِرَ أُخِذَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ فَصَارَ وَتْرًا أَيْ فَرْدًا , وَيُؤَيِّدُ الَّذِي قَبْلَهُ رِوَايَةُ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ فَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ \" وَهُوَ قَاعِدٌ \" , وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ التَّغْلِيظُ عَلَى مَنْ تَفُوتُهُ الْعَصْرُ , وَأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِهَا. وَقَالَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ خَرَجَ جَوَابًا لِسَائِلٍ سَأَلَ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ فَأُجِيبَ , فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ إِلْحَاقَ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ بِهَا. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُلْحَقُ غَيْرُ الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ إِذَا عُرِفَتْ الْعِلَّةُ وَاشْتَرَكَا فِيهَا. قَالَ : وَالْعِلَّةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ لَمْ تَتَحَقَّقْ فَلَا يَلْتَحِقُ غَيْرُ الْعَصْرِ بِهَا. اِنْتَهَى. وَهَذَا لَا يَدْفَعُ الِاحْتِمَالَ. وَقَدْ اِحْتَجَّ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِمَا رَوَاهُ اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْره مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا \" مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً حَتَّى تَفُوتَهُ \" الْحَدِيثَ. ‏ ‏قُلْت : وَفِي إِسْنَادِهِ اِنْقِطَاعٌ لِأَنَّ أَبَا قِلَابَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِلَفْظِ \" مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ \" فَرَجَعَ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ إِلَى تَعْيِينِ الْعَصْرِ. وَرَوَى اِبْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا \" مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ \" وَهَذَا ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَوْفَلٍ بِلَفْظِ \" لَأَنْ يُوتَرَ أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ وَمَالَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَفُوتَهُ وَقْتُ صَلَاةٍ \" وَهَذَا أَيْضًا ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَيْضًا تَرْجِيحُ تَوْجِيهِ رِوَايَةِ النَّصْبِ الْمُصَدَّرِ بِهَا , لَكِنَّ الْمَحْفُوظَ مِنْ حَدِيثِ نَوْفَلٍ بِلَفْظِ \" مِنْ الصَّلَوَاتِ صَلَاةً مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ \" أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ , وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَزَادَ فِيهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ : قُلْت لِأَبِي بَكْرٍ - يَعْنِي اِبْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ - مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ ؟ قَالَ : الْعَصْرُ. وَرَوَاهُ اِبْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَصَرَّحَ بِكَوْنِهَا الْعَصْرَ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ , وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ كَوْنَهَا الْعَصْرَ مِنْ تَفْسِيرِ أَبِي بَكْرٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَفِيهِ أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ قَوْلِ اِبْنِ عُمَرَ , فَالظَّاهِرُ اِخْتِصَاصُ الْعَصْرِ بِذَلِكَ , وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِتَفْوِيتِهَا إِخْرَاجُهَا عَنْ وَقْتِهَا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ \" قُلْت لِنَافِعٍ : حِينَ تَغِيبُ الشَّمْسُ ؟ قَالَ : نَعَمْ \" وَتَفْسِيرُ الرَّاوِي إِذَا كَانَ فَقِيهًا أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ , لَكِنْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" وَفَوَاتُهَا أَنْ تَدْخُلَ الشَّمْسَ صُفْرَةٌ \" وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي خُرُوجِ وَقْتِ الْعَصْرِ. وَنُقِلَ عَنْ اِبْن وَهْبٍ أَنَّ الْمُرَادَ إِخْرَاجُهَا عَنْ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الشُّرَّاحِ : إِنَّمَا أَرَادَ فَوَاتَهَا فِي الْجَمَاعَةِ لَا فَوَاتَهَا بِاصْفِرَارِ الشَّمْسِ أَوْ بِمَغِيبِهَا. قَالَ : وَلَوْ كَانَ لِفَوَاتِ وَقْتِهَا كُلِّهِ لَبَطَلَ اِخْتِصَاصُ الْعَصْرِ , لِأَنَّ ذَهَابَ الْوَقْتِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَنُوقِضَ بِعَيْنِ مَا اِدَّعَاهُ , لِأَنَّ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ صَلَاةٍ لَكِنْ فِي صَدْرِ كَلَامِهِ أَنَّ الْعَصْرَ اِخْتَصَّتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ الْمُتَعَاقِبِينَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فِيهَا , وَتَعَقَّبَهُ اِبْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْفَجْرَ أَيْضًا فِيهَا اِجْتِمَاعُ الْمُتَعَاقِبِينَ فَلَا يَخْتَصُّ الْعَصْرُ بِذَلِكَ , قَالَ : وَالْحَقُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْتَصُّ مَا شَاءَ مِنْ الصَّلَوَاتِ بِمَا شَاءَ مِنْ الْفَضِيلَةِ. اِنْتَهَى. وَبَوَّبَ التِّرْمِذِيُّ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ \" مَا جَاءَ فِي السَّهْوِ عَنْ وَقْتِ الْعَصْرِ \" فَحَمَلَهُ عَلَى السَّاهِي , وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ يَلْحَقُهُ مِنْ الْأَسَفِ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الثَّوَابِ لِمَنْ صَلَّى مَا يَلْحَقُ مَنْ ذَهَبَ مِنْهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ , وَقَدْ رُوِيَ بِمَعْنَى ذَلِكَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , وَيُؤْخَذُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ أَسَفَ الْعَامِدِ أَشَدُّ , لِاجْتِمَاعِ فَقْدِ الثَّوَابِ وَحُصُولِ الْإِثْمِ. قَالَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى تَحْقِيرِ الدُّنْيَا وَأَنَّ قَلِيلَ الْعَمَلِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهَا. وَقَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : لَا يُوجَدُ حَدِيثٌ يَقُومُ مَقَامَ هَذَا الْحَدِيثِ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ) وَقَالَ : وَلَا يُوجَدُ حَدِيثٌ فِيهِ تَكْيِيفُ الْمُحَافَظَةِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ. ‏"
    },
    {
        "id": "520",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْمَلِيحِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ ‏ ‏بُرَيْدَةَ ‏ ‏فِي ‏ ‏غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏بَكِّرُوا ‏ ‏بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ ‏ ‏حَبِطَ ‏ ‏عَمَلُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ) ‏ ‏سَقَطَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ \" اِبْنُ إِبْرَاهِيمَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا هِشَامٌ ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْدَ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ \" أَنْبَأَنَا هِشَامٌ \" وَهُوَ اِبْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسّْتُوَائِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( أَخْبَرَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏عِنْدَ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ \" حَدَّثَنَا \". ‏ ‏قَوْلُهُ ( عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ) ‏ ‏عِنْدَ اِبْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ يَحْيَى أَنَّ أَبَا قِلَابَةَ حَدَّثَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ) ‏ ‏عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي \" بَابِ التَّبْكِيرِ بِالصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ \" عَنْ مُعَاذِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ هِشَامِ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ أَبَا الْمَلِيحِ حَدَّثَهُ , وَأَبُو الْمَلِيحِ هُوَ اِبْنُ أُسَامَةَ بْنُ عُمَيْرٍ الْهُذَلِيُّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اِسْمَهُ عَامِرٌ وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ , وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ عَلَى نَسَقٍ. وَتَابَعَ هِشَامًا عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ شَيْبَانُ وَمَعْمَرٌ وَحَدِيثُهُمَا عِنْدَ أَحْمَدَ , وَخَالَفَهُمْ الْأَوْزَاعِيُّ فَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَاجِرِ عَنْ بُرَيْدَةَ , وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَحْفُوظُ , وَخَالَفَهُمْ أَيْضًا فِي سِيَاقِ الْمَتْنِ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي \" بَابِ التَّبْكِيرِ \" الْمَذْكُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ ( كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( ذِي غَيْمٍ ) ‏ ‏قِيلَ خَصَّ يَوْمَ الْغَيْمِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ التَّأْخِيرِ إِمَّا لِمُتَنَطِّعٍ يَحْتَاطُ لِدُخُولِ الْوَقْتِ فَيُبَالِغُ فِي التَّأْخِيرِ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ , أَوْ لِمُتَشَاغِلٍ بِأَمْرٍ آخَرَ فَيَظُنُّ بَقَاءَ الْوَقْتِ فَيَسْتَرْسِلُ فِي شُغْلِهِ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ الْوَقْتُ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( بَكِّرُوا ) ‏ ‏أَيْ عَجِّلُوا , وَالتَّبْكِيرُ يُطْلَقُ لِكُلِّ مَنْ بَادَرَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ , وَأَصْلُهُ الْمُبَادَرَةُ بِالشَّيْءِ أَوَّلَ النَّهَارِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏الْفَاءُ لِلتَّعْلِيلِ , وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ مَعْرِفَةُ تَيَقُّنِ دُخُولِ أَوَّلِ الْوَقْتِ مَعَ وُجُودِ الْغَيْمِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْتَمِدُونَ فِيهِ إِلَّا عَلَى الشَّمْسِ , وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ بُرَيْدَةَ قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ مَعْرِفَةِ دُخُولِ الْوَقْتِ , لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ مِنْ أَنْ تَظْهَرَ الشَّمْسُ أَحْيَانًا. ثُمَّ إِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ - إِذَا اِحْتَجَبَتْ الشَّمْسُ - الْيَقِينُ بَلْ يَكْفِي الِاجْتِهَادُ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ ) ‏ ‏زَادَ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَتِهِ \" مُتَعَمِّدًا \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَقَدْ حَبِطَ ) ‏ ‏سَقَطَ \" فَقَدْ \" مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي , وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ \" أَحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهُ \". وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَقُولُ بِتَكْفِيرِ أَهْلِ الْمَعَاصِي مِنْ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ وَقَالُوا : هُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ) وَقَالَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَفْهُومُ الْآيَةِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ لَمْ يَحْبَطْ عَمَلُهُ فَيَتَعَارَضُ مَفْهُومُهَا وَمَنْطُوقُ الْحَدِيثِ فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ , لِأَنَّ الْجَمْعَ إِذَا أَمْكَنَ كَانَ أَوْلَى مِنْ التَّرْجِيحِ. وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَيْضًا الْحَنَابِلَةُ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ مِنْ أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ يَكْفُرُ , وَجَوَابُهُمْ مَا تَقَدَّمَ. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ لَمَا اِخْتَصَّتْ الْعَصْرُ بِذَلِكَ. وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ , فَافْتَرَقُوا فِي تَأْوِيلِهِ فِرَقًا. فَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ سَبَبَ التَّرْكِ , وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ الْحَبَطَ , وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ الْعَمَلَ فَقِيلَ : الْمُرَادُ مَنْ تَرَكَهَا جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا , أَوْ مُعْتَرِفًا لَكِنْ مُسْتَخِفًّا مُسْتَهْزِئًا بِمَنْ أَقَامَهَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي فَهِمَهُ الصَّحَابِيُّ إِنَّمَا هُوَ التَّفْرِيطُ , وَلِهَذَا أُمِرَ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا , وَفَهْمُهُ أَوْلَى مِنْ فَهْمِ غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ الْمُرَادُ مَنْ تَرَكَهَا مُتَكَاسِلًا لَكِنْ خَرَجَ الْوَعِيدُ مَخْرَجَ الزَّجْرِ الشَّدِيدِ وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُرَادٍ كَقَوْلِهِ \" لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ \" وَقِيلَ هُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ كَأَنَّ الْمَعْنَى : فَقَدْ أَشْبَهَ مَنْ حَبِطَ عَمَلُهُ , وَقِيلَ مَعْنَاهُ كَادَ أَنْ يَحْبَطَ , وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْحَبَطِ نُقْصَانُ الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى اللَّهِ , فَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ الصَّلَاةُ خَاصَّةً , أَيْ لَا يَحْصُلُ عَلَى أَجْرِ مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ وَلَا يَرْتَفِعُ لَهُ عَمَلُهَا حِينَئِذٍ , وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْحَبَطِ الْإِبْطَالُ أَيْ يَبْطُلُ اِنْتِفَاعُهُ بِعَمَلِهِ فِي وَقْتٍ مَا ثُمَّ يَنْتَفِعُ بِهِ , كَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ فِي الْمَشِيئَةِ فَإِنْ غُفِرَ لَهُ فَمُجَرَّدُ الْوُقُوفِ إِبْطَالٌ لِنَفْعِ الْحَسَنَةِ إِذْ ذَاكَ وَإِنْ عُذِّبَ ثُمَّ غُفِرَ لَهُ فَكَذَلِكَ. قَالَ مَعْنَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي \" بَابِ خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ \" وَمُحَصِّلُ مَا قَالَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَبَطِ فِي الْآيَةِ غَيْرُ الْمُرَادِ بِالْحَبَطِ فِي الْحَدِيثِ , وَقَالَ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : الْحَبَطُ عَلَى قِسْمَيْنِ , حَبَطُ إِسْقَاطٍ وَهُوَ إِحْبَاطُ الْكُفْرِ لِلْإِيمَانِ وَجَمِيعِ الْحَسَنَاتِ , وَحَبَطُ مُوَازَنَةٍ وَهُوَ إِحْبَاطُ الْمَعَاصِي لِلِانْتِفَاعِ بِالْحَسَنَاتِ عِنْدَ رُجْحَانِهَا عَلَيْهَا إِلَى أَنْ تَحْصُلَ النَّجَاةُ فَيَرْجِعَ إِلَيْهِ جَزَاءُ حَسَنَاتِهِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْعَمَلِ فِي الْحَدِيثِ عَمَلُ الدُّنْيَا الَّذِي يُسَبِّبُ الِاشْتِغَالَ بِهِ تَرْكُ الصَّلَاةِ , بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا يَتَمَتَّعُ , وَأَقْرَبُ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الزَّجْرِ الشَّدِيدِ وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُرَادٍ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "521",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً ‏ ‏يَعْنِي الْبَدْرَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا ‏ ‏تُضَامُّونَ ‏ ‏فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏افْعَلُوا لَا تَفُوتَنَّكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ أَبِي خَالِدٍ , وَقَيْسٌ هُوَ اِبْنُ أَبِي حَازِمٍ , وَوَقَعَ عِنْدَ اِبْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ إِسْمَاعِيلَ مِنْ قَيْسٍ وَسَمَاعِ قَيْسٍ مِنْ جَرِيرٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِمٌ \" لَيْلَةَ الْبَدْرِ \" وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ , وَهُوَ خَالٍ مِنْ الْعَنْعَنَةِ أَيْضًا كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَابِ فَضْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ ( لَا تُضَامُونَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ مُخَفَّفًا , أَيْ لَا يَحْصُلُ لَكُمْ ضَيْمٌ حِينَئِذٍ , وَرُوِيَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدِ مِنْ الضَّمِّ , وَالْمُرَادُ نَفْيُ الِازْدِحَامِ , وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَإِنْ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا ) ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَطْعِ أَسْبَابِ الْغَلَبَةِ الْمُنَافِيَةِ لِلِاسْتِطَاعَةِ كَالنَّوْمِ وَالشُّغْلِ وَمُقَاوَمَةِ ذَلِكَ بِالِاسْتِعْدَادِ لَهُ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ ( فَافْعَلُوا ) ‏ ‏أَيْ عَدَمَ الْغَلَبَةِ , وَهُوَ كِنَايَةٌ عَمَّا ذُكِرَ مِنْ الِاسْتِعْدَادِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ الْمَذْكُورَةِ \" فَلَا تَغْفُلُوا عَنْ صَلَاةٍ \" الْحَدِيثَ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِمٌ \" يَعْنِي الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ \" وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ \" قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ \" وَقَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ قَالَ الْمُهَلَّبُ : قَوْلُهُ \" فَإِنْ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَنْ صَلَاةٍ \" أَيْ فِي الْجَمَاعَةِ. قَالَ : وَخَصَّ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لِاجْتِمَاعِ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمَا وَرَفْعِهِمْ أَعْمَالَ الْعِبَادِ لِئَلَّا يَفُوتَهُمْ هَذَا الْفَضْلُ الْعَظِيمُ. ‏ ‏قُلْت : وَعُرِفَ بِهَذَا مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ حَدِيثِ \" يَتَعَاقَبُونَ \" عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ , لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ تَقْيِيدِ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ فِي جَمَاعَةٍ , وَإِنْ كَانَ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ مَعْلُومًا مِنْ أَحَادِيثَ أُخَرَ , بَلْ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَتَنَاوَلُ مَنْ صَلَّاهُمَا وَلَوْ مُنْفَرِدًا , إِذْ مُقْتَضَاهُ التَّحْرِيضُ عَلَى فِعْلِهِمَا أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ جَمَاعَةً أَوْ لَا. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَافْعَلُوا ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ قَدْ يُرْجَى نَيْلُهَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ ا ه. وَقَدْ يُسْتَشْهَدُ لِذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ , قَالَ \" إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً \" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ \" وَأَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غَدْوَةً وَعَشِيَّةً \" وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( ثُمَّ قَرَأَ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ الْجَامِعِ , وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِي غَيْرِهِ بِإِبْهَامِ فَاعِلِ قَرَأَ , وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنْ لَمْ أَرَ ذَلِكَ صَرِيحًا , وَحَمَلَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ , وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِإِسْنَادِ حَدِيثِ الْبَابِ \" ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ \" أَيْ الصَّحَابِيُّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ , فَظَهَرَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ وَمَا وَافَقَهُ إِدْرَاجٌ. قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَوَجْهُ مُنَاسَبَةِ ذِكْرِ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ عِنْدَ ذِكْرِ الرُّؤْيَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ الطَّاعَاتِ , وَقَدْ ثَبَتَ لِهَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ الْفَضْلِ عَلَى غَيْرِهِمَا مَا ذُكِرَ مِنْ اِجْتِمَاعِ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمَا وَرَفْعِ الْأَعْمَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ , فَهُمَا أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ , فَنَاسَبَ أَنْ يُجَازِيَ الْمُحَافَظَ عَلَيْهِمَا بِأَفْضَلِ الْعَطَايَا وَهُوَ النَّظَرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ لَمَّا حَقَّقَ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى بِرُؤْيَةِ الْقَمَرِ وَالشَّمْسِ - وَهُمَا آيَتَانِ عَظِيمَتَانِ شُرِعَتْ لِخُسُوفِهِمَا الصَّلَاةُ وَالذِّكْرُ - نَاسَبَ مَنْ يُحِبُّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُحَافِظَ عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ غُرُوبِهَا ا ه. وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ وَتَكَلُّفُهُ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "522",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ ‏ ‏يَعْرُجُ ‏ ‏الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ ‏ ‏كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( يَتَعَاقَبُونَ ) ‏ ‏أَيْ تَأْتِي طَائِفَةٌ عَقِبَ طَائِفَةٍ , ثُمَّ تَعُودُ الْأُولَى عَقِبَ الثَّانِيَةِ. قَالَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّعَاقُبُ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ أَوْ رَجُلَيْنِ بِأَنْ يَأْتِيَ هَذَا مَرَّةً وَيَعْقُبُهُ هَذَا , وَمِنْهُ تَعْقِيبُ الْجُيُوشِ أَنْ يُجَهِّزَ الْأَمِيرُ بَعْثًا إِلَى مُدَّةٍ ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُمْ فِي الرُّجُوعِ بَعْدَ أَنْ يُجَهِّزَ غَيْرَهُمْ إِلَى مُدَّةٍ , ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُمْ فِي الرُّجُوعِ بَعْدَ أَنْ يُجَهِّزَ الْأَوَّلِينَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ \" يَتَعَاقَبُونَ \" عَلَامَةُ الْفَاعِلِ الْمُذَكَّرِ الْمَجْمُوعِ عَلَى لُغَةِ بِلْحَارِثِ وَهُمْ الْقَائِلُونَ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ , وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ ‏ ‏بِحُورَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقَارِبُهُ ‏ ‏وَهِيَ لُغَةٌ فَاشِيَةٌ وَعَلَيْهَا حَمَلَ الْأَخْفَشُ قَوْلَهُ تَعَالَى ( وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) قَالَ : وَقَدْ تَعَسَّفَ بَعْضُ النُّحَاةِ فِي تَأْوِيلِهَا وَرَدِّهَا لِلْبَدَلِ , وَهُوَ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ , فَإِنَّ تِلْكَ اللُّغَةَ مَشْهُورَةٌ وَلَهَا وَجْهٌ مِنْ الْقِيَاسِ وَاضِحٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ : قَوْلُهُ ( وَأَسَرُّوا ) عَائِدٌ عَلَى النَّاسِ الْمَذْكُورِينَ أَوَّلًا. وَ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) بَدَلٌ مِنْ الضَّمِيرِ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ أَنَّهُ لَمَّا قِيلَ ( وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ) قِيلَ : مَنْ هُمْ ؟ قَالَ : ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) حَكَاهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ , وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِذْ الْأَصْلُ عَدَمُ التَّقْدِيرِ. وَتَوَارَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ , وَوَافَقَهُمْ اِبْنُ مَالِكٍ وَنَاقَشَهُ أَبُو حَيَّانَ زَاعِمًا أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَ اِخْتَصَرَهَا الرَّاوِي , وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ \" إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ : مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ , وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ \" الْحَدِيثَ , وَقَدْ سُومِحَ فِي الْعَزْوِ إِلَى مُسْنَدِ الْبَزَّارِ مَعَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَالْعَزْوُ إِلَيْهِمَا أَوْلَى , وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ \" يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ \" وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ \" الْمَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ : مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ , وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ \" , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ \" إِنَّ الْمَلَائِكَةَ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ \" فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي الزِّنَادِ , فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ تَارَةً يَذْكُرُهُ هَكَذَا وَتَارَةً هَكَذَا , فَيُقَوِّي بَحْثَ أَبِي حَيَّان , وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ غَيْرَ الْأَعْرَجِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَدْ رَوَوْهُ تَامًّا فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَة لَكِنْ بِحَذْفِ \" إِنَّ \" مِنْ أَوَّلِهِ , وَأَخْرَجَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَالسَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ \" إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَتَعَاقَبُونَ \" وَهَذِهِ هِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبَزَّارُ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ \" إِنَّ الْمَلَائِكَةَ فِيكُمْ يَتَعَقَّبُونَ \" وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَالْعَزْوُ إِلَى الطَّرِيقِ الَّتِي تَتَّحِدُ مَعَ الطَّرِيقِ الَّتِي وَقَعَ الْقَوْلُ فِيهَا أَوْلَى مِنْ طَرِيقٍ مُغَايِرَةٍ لَهَا , فَلْيُعْزَ ذَلِكَ إِلَى تَخْرِيجِ الْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ لِمَا أَوْضَحْته. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. ‏ ‏قَوْله ( فِيكُمْ ) ‏ ‏أَيْ الْمُصَلِّينَ أَوْ مُطْلَق الْمُؤْمِنِينَ. ‏ ‏قَوْله ( مَلَائِكَة ) ‏ ‏قِيلَ هُمْ الْحَفَظَة نَقَلَهُ عِيَاض وَغَيْره عَنْ الْجُمْهُور , وَتَرَدَّدَ اِبْن بَزِيزَةَ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْأَظْهَر عِنْدِي أَنَّهُمْ غَيْرهمْ , وَيُقَوِّيه أَنَّهُ لَمْ يَنْقُل أَنَّ الْحَفَظَة يُفَارِقُونَ الْعَبْد , وَلَا أَنَّ حَفَظَة اللَّيْل غَيْر حَفَظَة النَّهَار , وَبِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا هُمْ الْحَفَظَة لَمْ يَقَع الِاكْتِفَاء فِي السُّؤَال مِنْهُمْ عَنْ حَالَة التَّرْك دُون غَيْرهَا فِي قَوْله \" كَيْف تَرَكْتُمْ عِبَادِي \". ‏ ‏قَوْله ( وَيَجْتَمِعُونَ ) ‏ ‏قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : التَّعَاقُب مُغَايِر لِلِاجْتِمَاعِ , لَكِنَّ ذَلِكَ مُنَزَّل عَلَى حَالَيْنِ. ‏ ‏قُلْت : وَهُوَ ظَاهِر , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : الْأَظْهَر أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ مَعَهُمْ الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة , وَاللَّفْظ مُحْتَمِل لِلْجَمَاعَةِ وَغَيْرهَا , كَمَا يَحْتَمِل أَنَّ التَّعَاقُب يَقَع بَيْن طَائِفَتَيْنِ دُون غَيْرهمْ , وَأَنْ يَقَع التَّعَاقُب بَيْنهمْ فِي النَّوْع لَا فِي الشَّخْص. قَالَ عِيَاض : وَالْحِكْمَة فِي اِجْتِمَاعهمْ فِي هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ لُطْف اللَّه تَعَالَى بِعِبَادِهِ وَإِكْرَامه لَهُمْ بِأَنْ جَعَلَ اِجْتِمَاع مَلَائِكَته فِي حَال طَاعَة عِبَاده لِتَكُونَ شَهَادَتهمْ لَهُمْ بِأَحْسَنِ الشَّهَادَة. ‏ ‏قُلْت : وَفِيهِ شَيْء , لِأَنَّهُ رَجَّحَ أَنَّهُمْ الْحَفَظَة , وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِينَ يَصْعَدُونَ كَانُوا مُقِيمِينَ عِنْدهمْ مُشَاهِدِينَ لِأَعْمَالِهِمْ فِي جَمِيع الْأَوْقَات , فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَال : الْحِكْمَة فِي كَوْنه تَعَالَى لَا يَسْأَلهُمْ إِلَّا عَنْ الْحَالَة الَّتِي تَرَكُوهُمْ عَلَيْهَا مَا ذُكِرَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَسْتُر عَنْهُمْ مَا يَعْمَلُونَهُ فِيمَا بَيْن الْوَقْتَيْنِ , لَكِنَّهُ بِنَاء عَلَى أَنَّهُمْ غَيْر الْحَفَظَة. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى الْحَدِيث الْآخَر \" إِنَّ الصَّلَاة إِلَى الصَّلَاة كَفَّارَة لِمَا بَيْنهمَا \" فَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ السُّؤَال مِنْ كُلّ طَائِفَة عَنْ آخِر شَيْء فَارَقُوهُمْ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يَعْرُج الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الْحَنَفِيَّة عَلَى اِسْتِحْبَاب تَأْخِير صَلَاة الْعَصْر لِيَقَع عُرُوج الْمَلَائِكَة إِذَا فَرَغَ مِنْهَا آخِرَ النَّهَار , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْر لَازِم , إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَا يَصْعَدُونَ إِلَّا سَاعَة الْفَرَاغ مِنْ الصَّلَاة بَلْ جَائِز أَنْ تَفْرُغ الصَّلَاة وَيَتَأَخَّرُوا بَعْد ذَلِكَ إِلَى آخِرِ النَّهَار , وَلَا مَانِع أَيْضًا مِنْ أَنْ تَصْعَدَ مَلَائِكَة النَّهَار وَبَعْض النَّهَار بَاقٍ وَتُقِيم مَلَائِكَة اللَّيْل , وَلَا يَرُدّ عَلَى ذَلِكَ وَصْفُهُمْ بِالْمَبِيتِ بِقَوْلِهِ \" بَاتُوا فِيكُمْ \" لِأَنَّ اِسْم الْمَبِيت صَادِق عَلَيْهِمْ وَلَوْ تَقَدَّمَتْ إِقَامَتهمْ بِاللَّيْلِ قِطْعَة مِنْ النَّهَار. ‏ ‏قَوْله ( الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ ) اُخْتُلِفَ فِي سَبَب الِاقْتِصَار عَلَى سُؤَال الَّذِينَ بَاتُوا دُون الَّذِينَ ظَلُّوا , فَقِيلَ : هُوَ مِنْ بَاب الِاكْتِفَاء بِذِكْرِ أَحَد الْمِثْلَيْنِ عَنْ الْآخَر كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى ) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَنْفَع , وَقَوْله تَعَالَى ( سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ ) أَيْ وَالْبَرْد , وَإِلَى هَذَا أَشَارَ اِبْن التِّين وَغَيْره , ثُمَّ قِيلَ : الْحِكْمَة فِي الِاقْتِصَار عَلَى ذَلِكَ أَنَّ حُكْم طَرَفَيْ النَّهَار يُعْلَم مِنْ حُكْم طَرَفَيْ اللَّيْل , فَلَوْ ذَكَرَهُ لَكَانَ تَكْرَارًا. ثُمَّ قِيلَ : الْحِكْمَة فِي الِاقْتِصَار عَلَى هَذَا الشِّقّ دُون الْآخَر أَنَّ اللَّيْل مَظِنَّة الْمَعْصِيَة فَلَمَّا لَمْ يَقَع مِنْهُمْ عِصْيَان - مَعَ إِمْكَان دَوَاعِي الْفِعْل مِنْ إِمْكَان الْإِخْفَاء وَنَحْوه - وَاشْتَغَلُوا بِالطَّاعَةِ كَانَ النَّهَار أَوْلَى بِذَلِكَ , فَكَانَ السُّؤَال عَنْ اللَّيْل أَبْلَغ مِنْ السُّؤَال عَنْ النَّهَار لِكَوْنِ النَّهَار مَحَلّ الِاشْتِهَار. وَقِيلَ : الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّ مَلَائِكَة اللَّيْل إِذَا صَلَّوْا الْفَجْر عَرَجُوا فِي الْحَال , وَمَلَائِكَة النَّهَار إِذَا صَلَّوْا الْعَصْر لَبِثُوا إِلَى آخِرِ النَّهَار لِضَبْطِ بَقِيَّة عَمَل النَّهَار , وَهَذَا ضَعِيف , لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَلَائِكَة النَّهَار لَا يُسْأَلُونَ عَنْ وَقْت الْعَصْر , وَهُوَ خِلَاف ظَاهِر الْحَدِيث كَمَا سَيَأْتِي. ثُمَّ هُوَ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّهُمْ الْحَفَظَة وَفِيهِ نَظَر لِمَا سَنُبَيِّنُهُ , وَقِيلَ بَنَاهُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُمْ الْحَفَظَة أَنَّهُمْ مَلَائِكَة النَّهَار فَقَطْ وَهُمْ لَا يَبْرَحُونَ عَنْ مُلَازَمَة بَنِي آدَم , وَمَلَائِكَة اللَّيْل هُمْ الَّذِينَ يَعْرُجُونَ وَيَتَعَاقَبُونَ , وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" كِتَاب الصَّلَاة \" لَهُ مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد بْن يَزِيد النَّخَعِيِّ قَالَ : يَلْتَقِي الْحَارِسَانِ - أَيْ مَلَائِكَة اللَّيْل وَمَلَائِكَة النَّهَار - عِنْد صَلَاة الصُّبْح فَيُسَلِّم بَعْضهمْ عَلَى بَعْض فَتَصْعَد مَلَائِكَة اللَّيْل وَتَلْبَث مَلَائِكَة النَّهَار. وَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْعُرُوج إِنَّمَا يَقَع عِنْد صَلَاة الْفَجْر خَاصَّةً , وَأَمَّا النُّزُول فَيَقَع فِي الصَّلَاتَيْنِ مَعًا , وَفِيهِ التَّعَاقُب , وَصُورَته أَنْ تَنْزِل طَائِفَة عِنْد الْعَصْر وَتَبِيت , ثُمَّ تَنْزِل طَائِفَة ثَانِيَة عِنْد الْفَجْر , فَيَجْتَمِع الطَّائِفَتَانِ فِي صَلَاة الْفَجْر , ثُمَّ يَعْرُج الَّذِينَ بَاتُوا فَقَطْ وَيَسْتَمِرّ الَّذِينَ نَزَلُوا وَقْت الْفَجْر إِلَى الْعَصْر فَتَنْزِل الطَّائِفَة الْأُخْرَى حَصَلَ اِجْتِمَاعهمْ عِنْد الْعَصْر أَيْضًا وَلَا يَصْعَد مِنْهُمْ أَحَد بَلْ تَبِيت الطَّائِفَتَانِ أَيْضًا ثُمَّ تَعْرُج إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَيَسْتَمِرّ ذَلِكَ فَتَصِحّ صُورَة التَّعَاقُب مَعَ اِخْتِصَاص النُّزُول بِالْعَصْرِ وَالْعُرُوج بِالْفَجْرِ , فَلِهَذَا خَصَّ السُّؤَال بِاَلَّذِينَ بَاتُوا , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقِيلَ : إِنَّ قَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاة الْفَجْر وَصَلَاة الْعَصْر \" وَهْم لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي طُرُق كَثِيرَة أَنَّ الِاجْتِمَاع فِي صَلَاة الْفَجْر مِنْ غَيْر ذِكْر صَلَاة الْعَصْر كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي أَثْنَاء حَدِيث قَالَ فِيهِ \" وَتَجْتَمِع مَلَائِكَة اللَّيْل وَمَلَائِكَة النَّهَار فِي صَلَاة الْفَجْر \" قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( وَقُرْآن الْفَجْر إِنَّ قُرْآن الْفَجْر كَانَ مَشْهُودًا ) وَفِي التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ مِنْ وَجْه آخَر بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ قُرْآن الْفَجْر كَانَ مَشْهُودًا ) قَالَ : \" تَشْهَدهُ مَلَائِكَة اللَّيْل وَالنَّهَار \" وَرَوَى اِبْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء مَرْفُوعًا نَحْوه , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَيْسَ فِي هَذَا دَفْعٌ لِلرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا ذِكْر الْعَصْر , إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ عَدَم ذِكْر الْعَصْر فِي الْآيَة وَالْحَدِيث الْآخَر عَدَم اِجْتِمَاعهمْ فِي الْعَصْر لِأَنَّ الْمَسْكُوت عَنْهُ قَدْ يَكُون فِي حُكْم الْمَذْكُور بِدَلِيلٍ آخَر , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الِاقْتِصَار وَقَعَ فِي الْفَجْر لِكَوْنِهَا جَهْرِيَّة , وَبَحْثُهُ الْأَوَّل مُتَّجَه لِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى اِدِّعَاء تَوْهِيم الرَّاوِي الثِّقَة مَعَ إِمْكَان التَّوْفِيق بَيْن الرِّوَايَات , وَلَا سِيَّمَا أَنَّ الزِّيَادَة مِنْ الْعَدْل الضَّابِط مَقْبُولَة. وَلِمَ لَا يُقَال : إِنَّ رِوَايَة مَنْ لَمْ يَذْكُر سُؤَال الَّذِينَ أَقَامُوا فِي النَّهَار وَاقِع مِنْ تَقْصِير بَعْض الرُّوَاة , أَوْ يُحْمَل قَوْله \" ثُمَّ يَعْرُج الَّذِينَ بَاتُوا \" عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَبِيت بِاللَّيْلِ وَالْإِقَامَة بِالنَّهَارِ , فَلَا يَخْتَصّ ذَلِكَ بِلَيْلٍ دُون نَهَار وَلَا عَكْسِهِ , بَلْ كُلّ طَائِفَة مِنْهُمْ إِذَا صَعِدَتْ سُئِلَتْ , وَغَايَة مَا فِيهِ أَنَّهُ اِسْتَعْمَلَ لَفْظ \" بَاتَ \" فِي أَقَامَ مَجَازًا , وَيَكُون قَوْله \" فَيَسْأَلُهُمْ \" أَيْ كُلًّا مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْوَقْت الَّذِي يَصْعَد فِيهِ , وَيَدُلّ عَلَى هَذَا الْحَمْل رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد عِنْد النَّسَائِيِّ وَلَفْظه \" ثُمَّ يَعْرُج الَّذِينَ كَانُوا فِيكُمْ \" فَعَلَى هَذَا لَمْ يَقَع فِي الْمَتْن اِخْتِصَار وَلَا اِقْتِصَار , وَهَذَا أَقْرَب الْأَجْوِبَة. وَقَدْ وَقَعَ لَنَا هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق أُخْرَى وَاضِحًا وَفِيهِ التَّصْرِيح بِسُؤَالِ كُلّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ , وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه وَأَبُو الْعَبَّاس السَّرَّاجُ جَمِيعًا عَنْ يُوسُف بْن مُوسَى عَنْ جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" تَجْتَمِع مَلَائِكَة اللَّيْل وَمَلَائِكَة النَّهَار فِي صَلَاة الْفَجْر وَصَلَاة الْعَصْر , فَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاة الْفَجْر , فَتَصْعَدُ مَلَائِكَة اللَّيْل وَتَبِيتُ مَلَائِكَة النَّهَار , وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاة الْعَصْر فَتَصْعَدُ مَلَائِكَة النَّهَار وَتَبِيت مَلَائِكَة اللَّيْل , فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ : كَيْف تَرَكْتُمْ عِبَادِي \" الْحَدِيث. وَهَذِهِ الرِّوَايَة تُزِيل الْإِشْكَال وَتُغْنِي عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الِاحْتِمَالَات الْمُتَقَدِّمَة , فَهِيَ الْمُعْتَمَدَة , وَيُحْمَل مَا نَقَصَ مِنْهَا عَلَى تَقْصِير بَعْض الرُّوَاة. ‏ ‏قَوْله ( فَيَسْأَلهُمْ ) ‏ ‏قِيلَ الْحِكْمَة فِيهِ اِسْتِدْعَاء شَهَادَتهمْ لِبَنِي آدَم بِالْخَيْرِ , وَاسْتِنْطَاقهمْ بِمَا يَقْتَضِي التَّعَطُّف عَلَيْهِمْ , وَذَلِكَ لِإِظْهَارِ الْحِكْمَة فِي خَلْق نَوْع الْإِنْسَان فِي مُقَابَلَة مَنْ قَالَ مِنْ الْمَلَائِكَة ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك , قَالَ إِنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ ) أَيْ وَقَدْ وُجِدَ فِيهِمْ مَنْ يُسَبِّح وَيُقَدِّس مِثْلكُمْ بِنَصِّ شَهَادَتكُمْ , وَقَالَ عِيَاض : هَذَا السُّؤَال عَلَى سَبِيل التَّعَبُّد لِلْمَلَائِكَةِ كَمَا أُمِرُوا أَنْ يَكْتُبُوا أَعْمَال بَنِي آدَم , وَهُوَ سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم مِنْ الْجَمِيع بِالْجَمِيعِ. ‏ ‏قَوْله : ( كَيْف تَرَكْتُمْ عِبَادِي ) ‏ ‏قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة. وَقَعَ السُّؤَال عَنْ آخِرِ الْأَعْمَال لِأَنَّ الْأَعْمَال بِخَوَاتِيمِهَا. ‏ ‏قَالَ وَالْعِبَاد الْمَسْئُول عَنْهُمْ هُمْ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان ). ‏ ‏قَوْله : ( تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ) ‏ ‏لَمْ يُرَاعُوا التَّرْتِيب الْوُجُودِيّ , لِأَنَّهُمْ بَدَءُوا بِالتَّرْكِ قَبْل الْإِتْيَان , وَالْحِكْمَة فِيهِ أَنَّهُمْ طَابَقُوا السُّؤَال لِأَنَّهُ قَالَ : كَيْف تَرَكْتُمْ ؟ وَلِأَنَّ الْمُخْبَر بِهِ صَلَاة الْعِبَاد وَالْأَعْمَال بِخَوَاتِيمِهَا فَنَاسَبَ ذَلِكَ إِخْبَارهمْ عَنْ آخِرِ عَمَلهمْ قَبْل أَوَّله , وَقَوْله \" تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ \" ظَاهِره أَنَّهُمْ فَارَقُوهُمْ عِنْد شُرُوعهمْ فِي الْعَصْر سَوَاء تَمَّتْ أَمْ مَنَعَ مَانِع مِنْ إِتْمَامهَا وَسَوَاء شَرَعَ الْجَمِيع فِيهَا أَمْ لَا لِأَنَّ الْمُنْتَظِر فِي حُكْم الْمُصَلِّي , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِمْ \" وَهُمْ يُصَلُّونَ \" أَيْ يَنْتَظِرُونَ صَلَاة الْمَغْرِب. وَقَالَ اِبْن التِّين : الْوَاو فِي قَوْله \" وَهُمْ يُصَلُّونَ \" وَاو الْحَال أَيْ تَرَكْنَاهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَال , وَلَا يُقَال يَلْزَم مِنْهُ أَنَّهُمْ فَارَقُوهُمْ قَبْل اِنْقِضَاء الصَّلَاة فَلَمْ يَشْهَدُوهَا مَعَهُمْ , وَالْخَبَر نَاطِق بِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَهَا لِأَنَّا نَقُول : هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُمْ شَهِدُوا الصَّلَاة مَعَ مَنْ صَلَّاهَا فِي أَوَّل وَقْتهَا , وَشَهِدُوا مَنْ دَخَلَ فِيهَا بَعْد ذَلِكَ , وَمَنْ شَرَعَ فِي أَسْبَاب ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏: اِسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْض الصُّوفِيَّة أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ لَا يُفَارِقَ الشَّخْصُ شَيْئًا مِنْ أُمُوره إِلَّا وَهُوَ عَلَى طَهَارَة كَشَعْرِهِ إِذَا حَلَقَهُ وَظُفْرِهِ إِذَا قَلَّمَهُ وَثَوْبه إِذَا أَبْدَلَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَةَ : أَجَابَتْ الْمَلَائِكَة بِأَكْثَرَ مِمَّا سُئِلُوا عَنْهُ , لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُ سُؤَال يَسْتَدْعِي التَّعَطُّف عَلَى بَنِي آدَم فَزَادُوا فِي مُوجِب ذَلِكَ. ‏ ‏قُلْت : وَوَقَعَ فِي صَحِيح اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث \" فَاغْفِرْ لَهُمْ يَوْم الدِّين \" قَالَ : وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الصَّلَاة أَعْلَى الْعِبَادَات لِأَنَّهُ عَنْهَا وَقَعَ السُّؤَال وَالْجَوَاب , وَفِيهِ الْإِشَارَة إِلَى عِظَم هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ لِكَوْنِهِمَا تَجْتَمِع فِيهِمَا الطَّائِفَتَانِ وَفِي غَيْرهمَا طَائِفَة وَاحِدَة وَالْإِشَارَة إِلَى شَرَف الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ , وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الرِّزْق يُقَسَّم بَعْد صَلَاة الصُّبْح , وَأَنَّ الْأَعْمَال تُرْفَع آخِرَ النَّهَار , فَمَنْ كَانَ حِينَئِذٍ فِي طَاعَة بُورِكَ فِي رِزْقه وَفِي عَمَله , وَاَللَّه أَعْلَم. وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ حِكْمَة الْأَمْر بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا وَالِاهْتِمَام بِهِمَا , وَفِيهِ تَشْرِيفُ هَذِهِ الْأُمَّة عَلَى غَيْرهَا , وَيَسْتَلْزِم تَشْرِيف نَبِيّهَا عَلَى غَيْره. وَفِيهِ الْإِخْبَار بِالْغُيُوبِ , وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ زِيَادَة الْإِيمَان. وَفِيهِ الْإِخْبَار بِمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ ضَبْط أَحْوَالنَا حَتَّى نَتَيَقَّظ وَنَتَحَفَّظ فِي الْأَوَامِر وَالنَّوَاهِي وَنَفْرَح فِي هَذِهِ الْأَوْقَات بِقُدُومِ رُسُل رَبّنَا وَسُؤَال رَبّنَا عَنَّا. وَفِيهِ إِعْلَامنَا بِحُبِّ مَلَائِكَة اللَّه لَنَا لِنَزْدَادَ فِيهِمْ حُبًّا وَنَتَقَرَّب إِلَى اللَّه بِذَلِكَ. وَفِيهِ كَلَام اللَّه تَعَالَى مَعَ مَلَائِكَته. وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِد وَاَللَّه أَعْلَم. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي \" بَاب قَوْله ثُمَّ يَعْرُج \" فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "523",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "524",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أُوتِيَ ‏ ‏أَهْلُ التَّوْرَاةِ ‏ ‏التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا فَأُعْطُوا ‏ ‏قِيرَاطًا ‏ ‏قِيرَاطًا ‏ ‏ثُمَّ أُوتِيَ ‏ ‏أَهْلُ الْإِنْجِيلِ ‏ ‏الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا ‏ ‏قِيرَاطًا ‏ ‏قِيرَاطًا ‏ ‏ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينَا ‏ ‏قِيرَاطَيْنِ ‏ ‏قِيرَاطَيْنِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ ‏ ‏أَيْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ ‏ ‏قِيرَاطَيْنِ ‏ ‏قِيرَاطَيْنِ ‏ ‏وَأَعْطَيْتَنَا ‏ ‏قِيرَاطًا ‏ ‏قِيرَاطًا ‏ ‏وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ ‏هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَا قَالَ فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَم كَمَا بَيْن صَلَاة الْعَصْر إِلَى غُرُوب الشَّمْس ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ بَقَاء هَذِهِ الْأُمَّة وَقَعَ فِي زَمَان الْأُمَم السَّالِفَة , وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَاد قَطْعًا , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ نِسْبَة مُدَّة هَذِهِ الْأُمَّة إِلَى مُدَّة مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْأُمَم مِثْل مَا بَيْن صَلَاة الْعَصْر وَغُرُوب الشَّمْس إِلَى بَقِيَّة النَّهَار , فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا سَلَفَ إِلَخْ , وَحَاصِله أَنَّ \" فِي \" بِمَعْنَى إِلَى , وَحُذِفَ الْمُضَافُ وَهُوَ لَفْظ \" نِسْبَة \". وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّف هَذَا الْحَدِيث وَكَذَا حَدِيث أَبِي مُوسَى الْآتِي بَعْده فِي أَبْوَاب الْإِجَارَة , وَيَقَع اِسْتِيفَاء الْكَلَام عَلَيْهِمَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَالْغَرَض هُنَا بَيَان مُطَابَقَتِهِمَا لِلتَّرْجَمَةِ وَالتَّوْفِيق بَيْن مَا ظَاهِره الِاخْتِلَاف مِنْهُمَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أُوتِيَ أَهْل التَّوْرَاة التَّوْرَاة ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ هَذَا كَالشَّرْحِ وَالْبَيَان لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْدِير مُدَّة الزَّمَانَيْنِ , وَقَدْ زَادَ الْمُصَنِّفُ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر فِي فَضَائِل الْقُرْآن هُنَا \" وَأَنَّ مَثَلَكُمْ وَمَثَلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِلَخْ \" وَهُوَ يُشْعِر بِأَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( قِيرَاطًا قِيرَاطًا ) ‏ ‏كَرَّرَ قِيرَاطًا لِيَدُلَّ عَلَى تَقْسِيم الْقَرَارِيط عَلَى الْعُمَّال , لِأَنَّ الْعَرَب إِذَا أَرَادَتْ تَقْسِيم الشَّيْء عَلَى مُتَعَدِّد كَرَّرَتْهُ كَمَا يُقَال : اِقْسِمْ هَذَا الْمَال عَلَى بَنِي فُلَان دِرْهَمًا دِرْهَمًا , لِكُلِّ وَاحِد دِرْهَم. ‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث اِبْن عُمَر ‏ ‏( عَجَزُوا ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيُّ : هَذَا مُشْكِل , لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُرَاد مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا فَلَا يُوصَف بِالْعَجْزِ لِأَنَّهُ عَمِلَ مَا أُمِرَ بِهِ , وَإِنْ كَانَ مَنْ مَاتَ بَعْد التَّغْيِير وَالتَّبْدِيل فَكَيْف يُعْطَى الْقِيرَاط مَنْ حَبَطَ عَمَلُهُ بِكُفْرِهِ ؟ وَأَوْرَدَهُ اِبْنُ التِّين قَائِلًا : قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَنْفَصِل عَنْهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا قَبْل التَّغْيِير وَالتَّبْدِيل , وَعَبَّرَ بِالْعَجْزِ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَسْتَوْفُوا عَمَل النَّهَار كُلّه وَإِنْ كَانُوا قَدْ اِسْتَوْفَوْا عَمَل مَا قُدِّرَ لَهُمْ , فَقَوْله عَجَزُوا أَيْ عَنْ إِحْرَاز الْأَجْر الثَّانِي دُون الْأَوَّل , لَكِنْ مَنْ أَدْرَكَ مِنْهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآمَنَ بِهِ أُعْطِيَ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ كَمَا سَبَقَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي كِتَاب الْإِيمَان. قَالَ الْمُهَلَّب مَا مَعْنَاهُ : أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ حَدِيث اِبْن عُمَر وَحَدِيث أَبِي مُوسَى فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة لِيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَسْتَحِقّ بِعَمَلِ الْبَعْض أَجْر الْكُلّ , مِثْل الَّذِي أُعْطِيَ مِنْ الْعَصْر إِلَى اللَّيْل أَجْر النَّهَار كُلّه , فَهُوَ نَظِير مَنْ يُعْطَى أَجْر الصَّلَاة كُلّهَا وَلَوْ لَمْ يُدْرِك إِلَّا رَكْعَة , وَبِهَذَا تَظْهَر مُطَابَقَة الْحَدِيثَيْنِ لِلتَّرْجَمَةِ. ‏ ‏قُلْت : وَتَكْمِلَة ذَلِكَ أَنْ يُقَال إِنَّ فَضْل اللَّه الَّذِي أَقَامَ بِهِ عَمَل رُبْع النَّهَار مُقَامَ عَمَل النَّهَار كُلّه هُوَ الَّذِي اِقْتَضَى أَنْ يَقُوم إِدْرَاك الرَّكْعَة الْوَاحِدَة مِنْ الصَّلَاة الرُّبَاعِيَّة الَّتِي هِيَ الْعَصْر مَقَام إِدْرَاك الْأَرْبَع فِي الْوَقْت , فَاشْتَرَكَا فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا رُبْع الْعَمَل , وَحَصَلَ بِهَذَا التَّقْرِير الْجَوَاب عَمَّنْ اِسْتَشْكَلَ وُقُوع الْجَمِيع أَدَاء مَعَ أَنَّ الْأَكْثَر إِنَّمَا وَقَعَ خَارِجَ الْوَقْت , فَيُقَال فِي هَذَا مَا أُجِيبَ بِهِ أَهْل الْكِتَابَيْنِ ( ذَلِكَ فَضْل اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء ). وَقَدْ اِسْتَبْعَدَ بَعْض الشُّرَّاح كَلَام الْمُهَلَّب ثُمَّ قَالَ : هُوَ مُنْفَكٌّ عَنْ مَحَلِّ الِاسْتِدْلَال , لِأَنَّ الْأُمَّة عَمِلَتْ آخِرَ النَّهَار فَكَانَ أَفْضَل مِنْ عَمَل الْمُتَقَدِّمِينَ قَبْلهَا , وَلَا خِلَاف أَنَّ تَقْدِيم الصَّلَاة أَفْضَل مِنْ تَأْخِيرهَا. ثُمَّ هُوَ مِنْ الْخُصُوصِيَّات الَّتِي لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا , لِأَنَّ صِيَام آخِرِ النَّهَار لَا يُجْزِئُ عَنْ جُمْلَته , فَكَذَلِكَ سَائِر الْعِبَادَات. ‏ ‏قُلْت : فَاسْتَبْعَدَ غَيْرَ مُسْتَبْعَدٍ , وَلَيْسَ فِي كَلَام الْمُهَلَّبِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ إِيقَاع الْعِبَادَة فِي آخِرِ وَقْتهَا أَفْضَل مِنْ إِيقَاعهَا فِي أَوَّله. وَأَمَّا إِجْزَاء عَمَل الْبَعْض عَنْ الْكُلّ فَمِنْ قَبِيل الْفَضْل , فَهُوَ كَالْخُصُوصِيَّةِ سَوَاءٌ. ‏ ‏وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : يُسْتَنْبَط مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ وَقْت الْعَمَل مُمْتَدّ إِلَى غُرُوب الشَّمْس , وَأَقْرَب الْأَعْمَال الْمَشْهُورَة بِهَذَا الْوَقْت صَلَاة الْعَصْر , قَالَ : فَهُوَ مِنْ قَبِيل الْإِشَارَة لَا مِنْ صَرِيح الْعِبَارَة , فَإِنَّ الْحَدِيث مِثَال , وَلَيْسَ الْمُرَاد الْعَمَل الْخَاصّ بِهَذَا الْوَقْت , بَلْ هُوَ شَامِل لِسَائِرِ الْأَعْمَال مِنْ الطَّاعَات فِي بَقِيَّة الْإِمْهَال إِلَى قِيَام السَّاعَة. وَقَدْ قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ : إِنَّ الْأَحْكَام لَا تُؤْخَذ مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي تَأْتِي لِضَرْبِ الْأَمْثَال. ‏ ‏قُلْت : وَمَا أَبْدَاهُ مُنَاسِبٌ لِإِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيث فِي أَبْوَاب أَوْقَات الْعَصْر لَا لِخُصُوصِ التَّرْجَمَة وَهِيَ \" مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنْ الْعَصْر قَبْل الْغُرُوب \" بِخِلَافِ مَا أَبْدَاهُ الْمُهَلَّبُ وَأَكْمَلْنَاهُ , وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنْ الْمُخَالَفَة بَيْن سِيَاق حَدِيث اِبْن عُمَر وَحَدِيث أَبِي مُوسَى فَظَاهِرهمَا أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ , وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضهمْ الْجَمْع بَيْنهمَا فَتَعَسَّفَ. وَقَالَ اِبْن رَشِيد مَا حَاصِله : إِنَّ حَدِيث اِبْن عُمَر ذُكِرَ مِثَالًا لِأَهْلِ الْأَعْذَار لِقَوْلِهِ \" فَعَجَزُوا \" فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ اِسْتِيفَاء الْعَمَل مِنْ غَيْر أَنْ يَكُون لَهُ صَنِيع فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَجْر يَحْصُل لَهُ تَامًّا فَضْلًا مِنْ اللَّه. قَالَ : وَذُكِرَ حَدِيث أَبِي مُوسَى مِثَالًا لِمَنْ أَخَّرَ بِغَيْرِ عُذْر , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ عَنْهُمْ ( لَا حَاجَة لَنَا إِلَى أَجْرِك ) فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ مَنْ أَخَّرَ عَامِدًا لَا يَحْصُل لَهُ مَا حَصَلَ لِأَهْلِ الْأَعْذَار. ‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى ( فَقَالَ أَكْمِلُوا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَبِالْكَافِ وَكَذَا وَقَعَ فِي الْإِجَازَة. وَوَقَعَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" اِعْمَلُوا \" بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَبِالْعَيْنِ. ‏ ‏قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ ‏ ‏( وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا ) ‏ ‏تَمَسَّكَ بِهِ بَعْض الْحَنَفِيَّة كَأَبِي زَيْد فِي كِتَاب الْأَسْرَار إِلَى أَنَّ وَقْت الْعَصْر مِنْ مَصِير ظِلّ كُلّ شَيْء مِثْلَيْهِ , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ مَصِير ظِلّ كُلّ شَيْء مِثْلَهُ لَكَانَ مُسَاوِيًا لِوَقْتِ الظُّهْر , وَقَدْ قَالُوا ( كُنَّا أَكْثَر عَمَلًا ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ دُون وَقْت الظُّهْر , وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْمُسَاوَاة , وَذَلِكَ مَعْرُوف عِنْد أَهْل الْعِلْم بِهَذَا الْفَنّ , وَهُوَ أَنَّ الْمُدَّة الَّتِي بَيْن الظُّهْر وَالْعَصْر أَطْوَلُ مِنْ الْمُدَّة الَّتِي بَيْن الْعَصْر وَالْمَغْرِب , وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ بَعْض الْحَنَابِلَة مِنْ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ وَقْت الْعَصْر رُبْع النَّهَار فَمَحْمُول عَلَى التَّقْرِيب إِذَا فَرَغْنَا عَلَى أَنَّ أَوَّل وَقْت الْعَصْر مَصِير الظِّلّ مِثْله كَمَا قَالَ الْجُمْهُور , وَأَمَّا عَلَى قَوْل الْحَنَفِيَّة فَاَلَّذِي مِنْ الظُّهْر إِلَى الْعَصْر أَطْوَل قَطْعًا , وَعَلَى التَّنَزُّل لَا يَلْزَم مِنْ التَّمْثِيل وَالتَّشْبِيه التَّسْوِيَة مِنْ كُلّ جِهَة , وَبِأَنَّ الْخَبَر إِذَا وَرَدَ فِي مَعْنًى مَقْصُودٍ لَا تُؤْخَذ مِنْهُ الْمُعَارَضَةُ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ مَقْصُودًا فِي أَمْر آخَر , وَبِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَر نَصٌّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ أَكْثَر عَمَلًا لِصِدْقِ أَنَّ كُلَّهُمْ مُجْتَمِعِينَ أَكْثَر عَمَلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون أَطْلَقَ ذَلِكَ تَغْلِيبًا , وَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَوْلَ الْيَهُود خَاصَّةً فَيَنْدَفِعُ الِاعْتِرَاض مِنْ أَصْلِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضهمْ , وَتَكُون نِسْبَة ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ فِي الظَّاهِر غَيْر مُرَادَة بَلْ هُوَ عُمُوم أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوص أَطْلَقَ ذَلِكَ تَغْلِيبًا , وَبِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنِهِمْ أَكْثَر عَمَلًا أَنْ يَكُونُوا أَكْثَر زَمَانًا لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْعَمَل فِي زَمَنهمْ كَانَ أَشَقَّ , وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ( رَبَّنَا وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ). وَمِمَّا يُؤَيِّد كَوْن الْمُرَاد كَثْرَةَ الْعَمَل وَقِلَّتَهُ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى طُول الزَّمَان وَقِصَره كَوْنُ أَهْل الْأَخْبَار مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّ الْمُدَّة الَّتِي بَيْن عِيسَى وَنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُون الْمُدَّة الَّتِي بَيْن نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيَام السَّاعَة لِأَنَّ جُمْهُور أَهْل الْمَعْرِفَة بِالْأَخْبَارِ قَالُوا إِنَّ مُدَّةَ الْفَتْرَة بَيْن عِيسَى وَنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ سُلَيْمَانَ , وَقِيلَ إِنَّهَا دُون ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهَا مِائَةٌ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَهَذِهِ مُدَّة الْمُسْلِمِينَ بِالْمُشَاهَدَةِ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , فَلَوْ تَمَسَّكْنَا بِأَنَّ الْمُرَاد التَّمْثِيل بِطُولِ الزَّمَانَيْنِ وَقِصَرِهِمَا لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ وَقْت الْعَصْر أَطْوَل مِنْ وَقْت الظُّهْر وَلَا قَائِل بِهِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد كَثْرَة الْعَمَل وَقِلَّتُهُ , وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "525",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو كُرَيْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ ‏ ‏وَالْيَهُودِ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ فَقَالُوا لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ فَقَالَ أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَلَكُمْ الَّذِي شَرَطْتُ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالُوا لَكَ مَا عَمِلْنَا فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "526",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النَّجَاشِيِّ صُهَيْبٌ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( الْوَلِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( هُوَ عَطَاء بْن صُهَيْبٍ ) ‏ ‏هُوَ مَوْلَى رَافِع بْن خَدِيجٍ شَيْخه , قَالَ اِبْن حِبَّانَ : صَحِبَهُ سِتَّ سِنِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِع نَبْلِهِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْمُوَحَّدَةِ , أَيْ الْمَوَاضِع الَّتِي تَصِلُ إِلَيْهَا سِهَامه إِذَا رَمَى بِهَا. وَرَوَى أَحْمَد فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق عَلِيِّ بْنِ بِلَال عَنْ نَاس مِنْ الْأَنْصَار قَالُوا \" كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَغْرِب ثُمَّ نَرْجِع فَنَتَرَامَى حَتَّى نَأْتِيَ دِيَارَنَا , فَمَا يَخْفَى عَلَيْنَا مَوَاقِع سِهَامنَا \" إِسْنَاده حَسَن , وَالنَّبْلُ هِيَ السِّهَام الْعَرَبِيَّة , وَهِيَ مُؤَنَّثَة لَا وَاحِد لَهَا مِنْ لَفْظهَا , قَالَهُ اِبْن سِيدَهْ , وَقِيلَ وَاحِدهَا نَبْلَة مِثْل تَمْر وَتَمْرَة , وَمُقْتَضَاهُ الْمُبَادَرَة بِالْمَغْرِبِ فِي أَوَّل وَقْتهَا بِحَيْثُ إنَّ الْفَرَاغ مِنْهَا يَقَع وَالضَّوْء بَاقٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "527",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏قَالَ قَدِمَ ‏ ‏الْحَجَّاجُ ‏ ‏فَسَأَلْنَا ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي الظُّهْرَ ‏ ‏بِالْهَاجِرَةِ ‏ ‏وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا إِذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَوْا أَخَّرَ وَالصُّبْحَ كَانُوا ‏ ‏أَوْ كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّيهَا ‏ ‏بِغَلَسٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مُحَمَّد بْن جَعْفَر ) ‏ ‏هُوَ غُنْدَرٌ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو ) ‏ ‏فِي مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُعَاذٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَعْد \" سَمِعَ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن الْحَسَن \". ‏ ‏قَوْله : ( قَدِمَ الْحَجَّاجُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْجِيم وَآخِرُهُ جِيمٌ هُوَ اِبْن يُوسُف الثَّقَفِيُّ , وَزَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ الرِّوَايَة بِضَمِّ أَوَّلِهِ قَالَ : وَهُوَ جَمْعُ حَاجٍّ. اِنْتَهَى. وَهُوَ تَحْرِيف بِلَا خِلَاف , فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحه مِنْ طُرُق أَبِي النَّضْرِ عَنْ شُعْبَةَ : سَأَلْنَا جَابِر بْن عَبْد اللَّه فِي زَمَن الْحَجَّاجِ وَكَانَ يُؤَخِّرُ الصَّلَاة عَنْ وَقْت الصَّلَاة , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُعَاذٍ عَنْ شُعْبَةَ \" كَانَ الْحَجَّاجُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاة \". ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) ‏ ‏: كَانَ قُدُوم الْحَجَّاجِ الْمَدِينَةَ أَمِيرًا عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ عَبْد الْمَلِكِ بْن مَرْوَان سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَذَلِكَ عَقِبَ قَتْلِ اِبْنِ الزُّبَيْرِ , فَأَمَّرَهُ عَبْدُ الْمَلِك عَلَى الْحَرَمَيْنِ وَمَا مَعَهُمَا , ثُمَّ نَقَلَهُ بَعْد هَذَا إِلَى الْعِرَاق. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْهَاجِرَةِ ) ‏ ‏ظَاهِره يُعَارِض حَدِيث الْإِبْرَاد , لِأَنَّ قَوْله كَانَ يَفْعَل يُشْعِرُ بِالْكَثْرَةِ وَالدَّوَام عُرْفًا قَالَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد , وَيُجْمَعُ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ بِأَنْ يَكُون أَطْلَقَ الْهَاجِرَة عَلَى الْوَقْت بَعْد الزَّوَال مُطْلَقًا لِأَنَّ الْإِبْرَاد كَمَا تَقَدَّمَ مُقَيَّد بِحَالِ شِدَّة الْحَرِّ وَغَيْر ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ , فَإِنْ وُجِدَتْ شُرُوط الْإِبْرَاد أَبْرَدَ وَإِلَّا عَجَّلَ , فَالْمَعْنَى كَانَ يُصَلِّي الظُّهْر بِالْهَاجِرَةِ إِلَّا إِنْ اِحْتَاجَ إِلَى الْإِبْرَاد. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مُرَاده لَفَصَّلَ كَمَا فَصَّلَ فِي الْعِشَاء , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( نَقِيَّة ) ‏ ‏بِالنُّونِ أَوَّله , أَيْ خَالِصَة صَافِيَة لَمْ تَدْخُلْهَا صُفْرَة وَلَا تَغَيُّرٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا وَجَبَتْ ) ‏ ‏أَيْ غَابَتْ , وَأَصْلُ الْوُجُوب السُّقُوط , وَالْمُرَاد سُقُوط قُرْص الشَّمْس , وَفَاعِل وَجَبَتْ مُسْتَتِر وَهُوَ الشَّمْس. وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم \" وَالْمَغْرِب إِذَا غَرَبَتْ الشَّمْس \" وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيق أَبِي النَّضْرِ عَنْ شُعْبَةَ \" وَالْمَغْرِب حِين تَجِب الشَّمْس \" وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ سُقُوط قُرْص الشَّمْس يَدْخُل بِهِ وَقْت الْمَغْرِب , وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّهُ مَا إِذَا كَانَ لَا يَحُول بَيْن رُؤْيَتهَا غَارِبَة وَبَيْن الرَّائِي حَائِل , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْعِشَاء أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ أَحْيَانًا يُؤَخِّرهَا وَأَحْيَانًا يُعَجِّل , كَانَ إِذَا رَآهُمْ قَدْ اِجْتَمَعُوا إِلَخْ \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي \" بَاب وَقْت الْعِشَاء \" عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم عَنْ شُعْبَةَ \" إِذَا كَثُرَ النَّاس عَجَّلَ , وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ \" وَنَحْوه لِأَبِي عَوَانَةَ فِي رِوَايَة. وَالْأَحْيَانُ جَمْعُ حِينٍ , وَهُوَ اِسْم مُبْهَم يَقَع عَلَى الْقَلِيل وَالْكَثِير مِنْ الزَّمَان عَلَى الْمَشْهُور , وَقِيلَ الْحِين سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَقِيلَ أَرْبَعُونَ سَنَةً وَحَدِيث الْبَاب يُقَوِّي الْمَشْهُور. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حُكْم وَقْت الْعِشَاء فِي بَابه. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : إِذَا تَعَارَضَ فِي شَخْصٍ أَمْرَانِ أَحَدهمَا أَنْ يُقَدِّمَ الصَّلَاة فِي أَوَّل الْوَقْت مُنْفَرِدًا أَوْ يُؤَخِّرَهَا فِي الْجَمَاعَة , أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ؟ الْأَقْرَب عِنْدِي أَنَّ التَّأْخِير لِصَلَاةِ الْجَمَاعَة أَفْضَل , وَحَدِيث الْبَاب يَدُلُّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ \" وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ \" فَيُؤَخِّرُ لِأَجْلِ الْجَمَاعَة مَعَ إِمْكَان التَّقْدِيم. ‏ ‏قُلْت : وَرِوَايَة مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم الَّتِي تَقَدَّمَتْ تَدُلّ عَلَى أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ , وَهُوَ أَنَّ اِنْتِظَار مَنْ تَكْثُرُ بِهِمْ الْجَمَاعَة أَوْلَى مِنْ التَّقْدِيم , وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا إِذَا لَمْ يَفْحُشْ التَّأْخِيرُ وَلَمْ يَشُقَّ عَلَى الْحَاضِرِينَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( كَانُوا أَوْ كَانَ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الشَّكّ مِنْ الرَّاوِي عَنْ جَابِر , وَمَعْنَاهُمَا مُتَلَازِمَانِ لِأَنَّ أَيَّهمَا كَانَ يَدْخُل فِيهِ الْآخَر , إِنْ أَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالصَّحَابَة فِي ذَلِكَ كَانُوا مَعَهُ , وَإِنْ أَرَادَ الصَّحَابَة فَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِمَامهمْ , أَيْ كَانَ شَأْنه التَّعْجِيل لَهَا دَائِمًا لَا كَمَا كَانَ يَصْنَع فِي الْعِشَاء مِنْ تَعْجِيلهَا أَوْ تَأْخِيرهَا. وَخَبَر كَانُوا مَحْذُوف يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله يُصَلِّيهَا , أَيْ كَانُوا يُصَلُّونَ. وَالْغَلَسُ بِفَتْحِ اللَّام ظُلْمَة آخِرِ اللَّيْل , وَقَالَ اِبْن بَطَّالٍ مَا حَاصِله : فِيهِ حَذْفَانِ , حَذَفَ خَبَر كَانُوا وَهُوَ جَائِز كَحَذْفِ خَبَر الْمُبْتَدَأ فِي قَوْله ( وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ) أَيْ فَعِدَّتُهُنَّ مِثْل ذَلِكَ , وَالْحَذْف الثَّانِي حَذْف الْجُمْلَة الَّتِي بَعْد \" أَوْ \" تَقْدِيره : أَوْ لَمْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ. قَالَ اِبْن التِّين : وَيَصِحّ أَنْ يَكُون كَانُوا هُنَا تَامَّة غَيْر نَاقِصَة بِمَعْنَى الْحُضُور وَالْوُقُوع , فَيَكُون الْمَحْذُوف مَا بَعْدَ \" أَوْ \" خَاصَّة. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون شَكًّا مِنْ الرَّاوِي هَلْ قَالَ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ كَانُوا. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَقْدِيره : وَالصُّبْح كَانُوا مُجْتَمِعِينَ مَعَ النَّبِيّ , أَوْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ يُصَلِّيهَا بِالْغَلَسِ. ‏ ‏قُلْت : وَالتَّقْدِير الْمُتَقَدِّم أَوْلَى. وَالْحَقّ أَنَّهُ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , فَقَدْ وَقَعَتْ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَالصُّبْح كَانُوا أَوْ قَالَ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" , وَفِيهِ حَذْفٌ وَاحِد تَقْدِيره : وَالصُّبْح كَانُوا يُصَلُّونَهَا أَوْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ , فَقَوْله \" بِغَلَسٍ \" يَتَعَلَّق بِأَيِّ اللَّفْظَيْنِ كَانَ هُوَ الْوَاقِع , وَلَا يَلْزَم مِنْ قَوْله \" كَانُوا يُصَلُّونَهَا \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ , وَلَا مِنْ قَوْله \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَنَّهُ كَانَ وَحْده , بَلْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" كَانُوا يُصَلُّونَهَا \" أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَصْحَابِهِ , وَهَكَذَا قَوْله \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهَا \" أَيْ بِأَصْحَابِهِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "528",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَغْرِبَ إِذَا ‏ ‏تَوَارَتْ ‏ ‏بِالْحِجَابِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَلَمَةَ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْأَكْوَعِ , وَهَذَا مِنْ ثُلَاثِيَّات الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) ‏ ‏أَيْ اِسْتَتَرَتْ , وَالْمُرَاد الشَّمْس , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَمْ يَذْكُرهَا اِعْتِمَادًا عَلَى أَفْهَام السَّامِعِينَ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْقُرْآن ( حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ). اِنْتَهَى. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق حَاتِم اِبْن إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيد بْن أَبِي عُبَيْد بِلَفْظِ \" إِذَا غَرَبَتْ الشَّمْس وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِصَار فِي الْمَتْن مِنْ شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ صَحَّ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَرَوَاهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ صَفْوَانَ بْن عِيسَى , وَأَبُو عَوَانَةَ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيق صَفْوَانَ أَيْضًا عَنْ يَزِيدَ بْن أَبِي عُبَيْد بِلَفْظِ \" كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِب سَاعَةَ تَغْرُب الشَّمْس حِينَ يَغِيب حَاجِبهَا \" وَالْمُرَاد حَاجِبهَا الَّذِي يَبْقَى بَعْد أَنْ يَغِيبَ أَكْثَرُهَا , وَالرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا \" تَوَارَتْ \" أَصْرَحُ فِي الْمُرَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "529",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَبْعًا جَمِيعًا وَثَمَانِيًا جَمِيعًا ‏",
        "sharh": "قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْجَمْع بَيْن الظُّهْر وَالْعَصْر فِي وَقْت الظُّهْر وَاَللَّه أَعْلَم. وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى ضَعْف حَدِيث أَبِي بَصْرَةَ بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَة رَفَعَهُ فِي أَثْنَاء حَدِيث \" وَلَا صَلَاة بَعْدهَا حَتَّى يَرَى الشَّاهِد \" وَالشَّاهِد النَّجْمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "530",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحُسَيْنِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيُّ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَغْلِبَنَّكُمْ ‏ ‏الْأَعْرَابُ ‏ ‏عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ الْمَغْرِبِ قَالَ ‏ ‏الْأَعْرَابُ ‏ ‏وَتَقُولُ هِيَ الْعِشَاءُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْوَارِث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد التَّنُّورِيُّ , ‏ ‏وَقَوْله : ( عَنْ الْحُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ الْمُعَلِّمُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه الْمُزَنِيُّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ لَمْ يَذْكُر اِسْم أَبِيهِ , زَادَ فِي رِوَايَة كَرِيمَةَ هُوَ اِبْن مُغَفَّلٍ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاء الْمُشَدَّدَة , وَكَذَلِكَ وَقَعَ مَنْسُوبًا بِذِكْرِ أَبِيهِ فِي رِوَايَة عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث عَنْ أَبِيهِ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَغْلِبَنَّكُمْ ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : يُقَال غَلَبَهُ عَلَى كَذَا غَصَبَهُ مِنْهُ أَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ قَهْرًا , وَالْمَعْنَى لَا تَتَعَرَّضُوا لِمَا هُوَ مِنْ عَادَتِهِمْ مِنْ تَسْمِيَة الْمَغْرِب بِالْعِشَاءِ وَالْعِشَاء بِالْعَتَمَةِ فَيَغْصِبْ مِنْكُمْ الْأَعْرَاب اِسْم الْعِشَاء الَّتِي سَمَّاهَا اللَّه بِهَا. قَالَ : فَالنَّهْي عَلَى الظَّاهِر لِلْأَعْرَابِ وَعَلَى الْحَقِيقَة لَهُمْ. وَقَالَ غَيْره : مَعْنَى الْغَلَبَة أَنَّكُمْ تُسَمُّونَهَا اِسْمًا وَهُمْ يُسَمُّونَهَا اِسْمًا , فَإِنْ سَمَّيْتُمُوهَا بِالِاسْمِ الَّذِي يُسَمُّونَهَا بِهِ وَافَقْتُمُوهُمْ , وَإِذَا وَافَقَ الْخَصْم خَصْمه صَارَ كَأَنَّهُ اِنْقَطَعَ لَهُ حَتَّى غَلَبَهُ , وَلَا يَحْتَاج إِلَى تَقْدِير غَصَبَ وَلَا أَخَذَ. وَقَالَ التوربشتي : الْمَعْنَى لَا تُطْلِقُوا هَذَا الِاسْم عَلَى مَا هُوَ مُتَدَاوَل بَيْنَهُمْ فَيَغْلِب مُصْطَلَحُهُمْ عَلَى الِاسْم الَّذِي شَرَعْته لَكُمْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْأَعْرَاب مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْبَادِيَة وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا , وَالْعَرَبِيّ مَنْ يَنْتَسِب إِلَى الْعَرَب وَلَوْ لَمْ يَسْكُن الْبَادِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى اِسْم صَلَاتِكُمْ ) ‏ ‏التَّعْبِير بِالِاسْمِ يُبْعِدُ قَوْل الْأَزْهَرِيِّ أَنَّ الْمُرَاد بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تُؤَخَّرَ صَلَاتُهَا عَنْ وَقْت الْغُرُوب , وَكَذَا قَوْل اِبْن الْمُنِير : السِّرُّ فِي النَّهْي سَدُّ الذَّرِيعَة لِئَلَّا تُسَمَّى عِشَاءً فَيُظَنَّ اِمْتِدَادُ وَقْتهَا عَنْ غُرُوب الشَّمْس أَخْذًا مِنْ لَفْظ الْعِشَاء ا ه. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ تَقْوِيَة مَذْهَبه فِي أَنَّ وَقْت الْمَغْرِب مُضَيَّقٌ , وَفِيهِ نَظَرٌ , إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ تَسْمِيَتهَا الْمَغْرِب أَنْ يَكُون وَقْتهَا مُضَيَّقًا , فَإِنَّ الظُّهْر سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ اِبْتِدَاء وَقْتهَا عِنْد الظَّهِيرَة وَلَيْسَ وَقْتهَا مُضَيَّقًا بِلَا خِلَاف. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَتَقُول الْأَعْرَاب هِيَ الْعِشَاء ) ‏ ‏سِرُّ النَّهْي عَنْ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الْعِشَاء لُغَةً هُوَ أَوَّل ظَلَامِ اللَّيْل , وَذَلِكَ مِنْ غَيْبُوبَة الشَّفَق , فَلَوْ قِيلَ لِلْمَغْرِبِ عِشَاء لَأَدَّى إِلَى أَنَّ أَوَّل وَقْتهَا غَيْبُوبَة الشَّفَق , وَقَدْ جَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ فَاعِل قَالَ هُوَ عَبْد اللَّه الْمُزَنِيُّ رَاوِي الْحَدِيث , وَيَحْتَاج إِلَى نَقْلٍ خَاصّ لِذَلِكَ وَإِلَّا فَظَاهِر إِيرَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّهُ مِنْ تَتِمَّة الْحَدِيث , فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ \" فَإِنَّ الْأَعْرَاب تُسَمِّيهَا \" وَالْأَصْل فِي مِثْل هَذَا أَنْ يَكُون كَلَامًا وَاحِدًا حَتَّى يَقُوم دَلِيل عَلَى إِدْرَاجه. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏لَا يَتَنَاوَل النَّهْيُ تَسْمِيَةَ الْمَغْرِب عِشَاء عَلَى سَبِيل التَّغْلِيب كَمَنْ قَالَ مَثَلًا : صَلَّيْت الْعِشَاءَيْنِ , إِذَا قُلْنَا إِنَّ حِكْمَة النَّهْي عَنْ تَسْمِيَتهَا عِشَاء خَوْف اللَّبْس لِزَوَالِ اللَّبْس فِي الصِّيغَة الْمَذْكُورَة , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏أَوْرَدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ حَدِيث الْبَاب مِنْ طَرِيق عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث عَنْ أَبِيهِ , وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي لَفْظ الْمَتْن فَقَالَ هَارُونُ الْحَمَّالُ عَنْهُ كَرِوَايَةِ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قُلْت : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل فِي مُسْنَده وَأَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْر بْن حَرْب عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه وَغَيْرُ وَاحِد عَنْ عَبْد الصَّمَد , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه عَنْ عَبْد الْوَارِث بْن عَبْد الصَّمَد عَنْ أَبِيهِ ا ه. وَقَالَ أَبُو مَسْعُود الرَّازِيُّ عَنْ عَبْد الصَّمَد \" لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَاب عَلَى اِسْم صَلَاتكُمْ فَإِنَّ الْأَعْرَاب تُسَمِّيهَا عَتَمَة \" قُلْت : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَلِيّ بْن عَبْد الْعَزِيز الْبَغَوِيُّ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه عَنْ الطَّبَرَانِيِّ كَذَلِكَ , وَجَنَحَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى تَرْجِيح رِوَايَة أَبِي مَسْعُود لِمُوَافَقَتِهِ حَدِيث اِبْن عُمَر - يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِم - كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي صَدْرِ الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ. وَاَلَّذِي يَتَبَيَّن لِي أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ : أَحَدهمَا فِي الْمَغْرِب , وَالْآخَرُ فِي الْعِشَاء , كَانَا جَمِيعًا عِنْد عَبْد الْوَارِث بِسَنَدٍ وَاحِدٍ , وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "531",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءِ وَهِيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ ‏ ‏الْعَتَمَةَ ‏ ‏ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ ‏ ‏أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سَالِمٌ أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ سَالِمُ بْنُ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَشَيْخُهُ عَبْد اللَّه هُوَ أَبُوهُ. ‏ ‏قَوْله : ( صَلَّى لَنَا ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِنَا أَوْ اللَّامُ بِمَعْنَى الْبَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهِيَ الَّتِي يَدْعُونَهَا النَّاس الْعَتَمَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي بَرْزَةَ فِي قَوْله \" وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاء الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَة \" وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مِنْ حَدِيث عَائِشَة عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ , وَفِي كُلّ ذَلِكَ إِشْعَارٌ بِغَلَبَةِ اِسْتِعْمَالِهِمْ لَهَا بِهَذَا الِاسْم , فَصَارَ مَنْ عَرَفَ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ يَحْتَاج إِلَى ذِكْرِهِ لِقَصْدِ التَّعْرِيف , قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْره : يُجْمَعُ بَيْن النَّهْي عَنْ تَسْمِيَتهَا عَتَمَة وَبَيْن مَا جَاءَ مِنْ تَسْمِيَتهَا عَتَمَة بِأَمْرَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ اِسْتَعْمَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَاز وَأَنَّ النَّهْي لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ , وَالثَّانِي بِأَنَّهُ خَاطَبَ بِالْعَتَمَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْعِشَاء لِكَوْنِهِ أَشْهَرَ عِنْدهمْ مِنْ الْعِشَاء , فَهُوَ لِقَصْدِ التَّعْرِيف لَا لِقَصْدِ التَّسْمِيَة. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ اِسْتَعْمَلَ لَفْظ الْعَتَمَة فِي الْعِشَاء لِأَنَّهُ كَانَ مُشْتَهِرًا عِنْدهمْ اِسْتِعْمَال لَفْظ الْعِشَاء لِلْمَغْرِبِ , فَلَوْ قَالَ : لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصُّبْح وَالْعِشَاء , لَتَوَهَّمُوا أَنَّهَا الْمَغْرِب. ‏ ‏قُلْت : وَهَذَا ضَعِيف لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي نَفْس هَذَا الْحَدِيث \" لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصُّبْح وَالْعِشَاء \" , فَالظَّاهِر أَنَّ التَّعْبِير بِالْعِشَاءِ تَارَةً وَبِالْعَتَمَةِ تَارَةً مَنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاة , وَقِيلَ إِنَّ النَّهْيَ عَنْ تَسْمِيَة الْعِشَاء عَتَمَة نَسَخَ الْجَوَازَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ نُزُول الْآيَة كَانَ قَبْل الْحَدِيث الْمَذْكُور , وَفِي كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ نَظَرٌ لِلِاحْتِيَاجِ فِي مِثْل ذَلِكَ إِلَى التَّارِيخ , وَلَا بُعْدَ فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا , فَلَمَّا كَثُرَ إِطْلَاقهمْ لَهُ نُهُوا عَنْهُ لِئَلَّا تَغْلِبَ السُّنَّةُ الْجَاهِلِيَّةُ عَلَى السُّنَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ رَوَوْا النَّهْي اِسْتَعْمَلُوا التَّسْمِيَة الْمَذْكُورَة وَأَمَّا اِسْتِعْمَالهَا فِي مِثْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَلِرَفْعِ الِالْتِبَاس بِالْمَغْرِبِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَهِيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِغَلَبَةِ هَذِهِ التَّسْمِيَة عِنْد النَّاس مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ النَّهْي , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَتْنِ الْحَدِيث فِي \" بَاب السَّمَرِ فِي الْعِلْمِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "532",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو هُوَ ابْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏قَالَ سَأَلْنَا ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي الظُّهْرَ ‏ ‏بِالْهَاجِرَةِ ‏ ‏وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ ‏ ‏حَيَّةٌ ‏ ‏وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ وَالْعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ وَالصُّبْحَ ‏ ‏بِغَلَسٍ ‏",
        "sharh": "قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيث جَابِر فِي \" بَاب وَقْتِ الْمَغْرِبِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "533",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ ‏ ‏أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَخَرَجَ فَقَالَ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ ‏ ‏مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرَكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُرْوَةَ ) ‏ ‏عِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَة يُونُسَ عَنْ اِبْن شِهَاب \" أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَذَلِك قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الْإِسْلَامُ ) ‏ ‏أَيْ فِي غَيْر الْمَدِينَة , وَإِنَّمَا فَشَا الْإِسْلَام فِي غَيْرهَا بَعْد فَتْحِ مَكَّةَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى قَالَ عُمَرُ ) ‏ ‏زَادَ الْمُصَنِّفُ مِنْ رِوَايَة صَالِح عَنْ اِبْن شِهَاب فِي \" بَاب النَّوْم قَبْل الْعِشَاء \" : \" حَتَّى نَادَاهُ عُمَر : الصَّلَاةَ \". وَهِيَ بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيره مَثَلًا صَلِّ الصَّلَاةَ , وَسَاغَ هَذَا الْحَذْف لِدَلَالَةِ السِّيَاق عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( نَامَ النِّسَاء وَالصِّبْيَانُ ) ‏ ‏أَيْ الْحَاضِرُونَ فِي الْمَسْجِد , وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مَظِنَّة قِلَّة الصَّبْر عَنْ النَّوْم , وَمَحَلُّ الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة , بِخِلَافِ الرِّجَال. وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِد ثُمَّ اِسْتَيْقَظْنَا \" وَنَحْوه فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ الَّذِي رَقَدَ بَعْضهمْ لَا كُلُّهُمْ , وَنُسِبَ الرُّقَاد إِلَى الْجَمِيع مَجَازًا. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب النَّوْم قَبْل الْعِشَاء لِمَنْ غُلِبَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "534",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ نُزُولًا فِي ‏ ‏بَقِيعِ بُطْحَانَ ‏ ‏وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ ‏ ‏نَفَرٌ ‏ ‏مِنْهُمْ فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَا وَأَصْحَابِي وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ حَتَّى ‏ ‏ابْهَارَّ ‏ ‏اللَّيْلُ ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى بِهِمْ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ ‏ ‏عَلَى رِسْلِكُمْ ‏ ‏أَبْشِرُوا إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ ‏ ‏يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ ‏ ‏أَوْ قَالَ مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ لَا يَدْرِي أَيَّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏فَرَجَعْنَا فَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ بُرَيْدٍ ) ‏ ‏هُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ , وَشَيْخه أَبُو بُرْدَةَ هُوَ جَدُّهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة مِنْ بَقِيع وَضَمّهَا مِنْ بُطْحَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَهُ بَعْض الشُّغْلِ فِي بَعْض أَمْرِهِ فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ ) ‏ ‏فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ تَأْخِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هَذِهِ الْغَايَة لَمْ يَكُنْ قَصْدًا. وَمِثْلُهُ قَوْله فِي حَدِيث اِبْن عُمَر الْآتِي قَرِيبًا \" شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً \" وَكَذَا قَوْله فِي حَدِيث عَائِشَة \" أَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ لَيْلَةً \" يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنه , وَالْفَيْصَل فِي هَذَا حَدِيث جَابِر \" كَانُوا إِذَا اِجْتَمَعُوا عَجَّلَ , وَإِذَا أَبْطَئُوا أَخَّرَ \". ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏الشُّغْلُ الْمَذْكُورُ كَانَ فِي تَجْهِيز جَيْشٍ , رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْه صَحِيح عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى اِبْهَارَّ اللَّيْلُ ) ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيد الرَّاء , أَيْ طَلَعَتْ نُجُومه وَاشْتَبَكَتْ , وَالْبَاهِرُ الْمُمْتَلِئُ نُورًا , قَالَهُ أَبُو سَعِيد الضَّرِير. وَعَنْ سِيبَوَيْهِ : اِبْهَارَّ اللَّيْل كَثُرَتْ ظُلْمَتُهُ وَابْهَارَّ الْقَمَرُ كَثُرَ ضَوْءُهُ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : اِبْهَارَّ : اِنْتَصَفَ مَأْخُوذ مِنْ بُهْرَةِ الشَّيْء وَهُوَ وَسَطُهُ , وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ نِصْف اللَّيْل \" , وَهُوَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد كَمَا سَيَأْتِي , وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث أَنَس عِنْد الْمُصَنِّفِ \" إِلَى نِصْف اللَّيْل \". وَفِي الصِّحَاح : اِبْهَارَّ اللَّيْلُ ذَهَبَ مُعْظَمُهُ وَأَكْثَرُهُ. وَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أُمِّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَة \" حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى رِسْلِكُمْ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا , الْمَعْنَى تَأَنَّوْا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ هَمْزِ إِنَّ , وَوَهَمَ مَنْ ضَبَطَهُ بِالْفَتْحِ , وَأَمَّا قَوْله \" أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ \" فَهُوَ بِفَتْحِ أَنَّهُ لِلتَّعْلِيلِ , وَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى فَضْل تَأْخِير صَلَاة الْعِشَاء , وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ لِمَا فِي الِانْتِظَار مِنْ الْفَضْل , لَكِنْ قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : وَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ الْآنَ لِلْأَئِمَّةِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالتَّخْفِيفِ وَقَالَ \" إِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ \" فَتَرْكُ التَّطْوِيلِ عَلَيْهِمْ فِي الِانْتِظَار أَوْلَى. ‏ ‏قُلْت : وَقَدْ رَوَى أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَغَيْرهمْ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ \" صَلَّيْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة الْعَتَمَة , فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ فَقَالَ : إِنَّ النَّاس قَدْ صَلَّوْا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ , وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاة مَا اِنْتَظَرْتُمْ الصَّلَاة , وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ وَسَقَمُ السَّقِيمِ وَحَاجَةُ ذِي الْحَاجَةِ لَأَخَّرْت هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْل \" وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَرِيبًا \" لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا \". وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ \" فَعَلَى هَذَا مَنْ وَجَدَ بِهِ قُوَّةً عَلَى تَأْخِيرِهَا وَلَمْ يَغْلِبْهُ النَّوْمُ وَلَمْ يَشُقَّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمَأْمُومِينَ فَالتَّأْخِير فِي حَقّه أَفْضَل , وَقَدْ قَرَّرَ النَّوَوِيُّ ذَلِكَ فِي شَرْحِ مُسْلِم , وَهُوَ اِخْتِيَار كَثِير مِنْ أَهْل الْحَدِيث مِنْ الشَّافِعِيَّة وَغَيْرهمْ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِرِ عَنْ اللَّيْث وَإِسْحَاقَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إِلَى قَبْلَ الثُّلُثِ , وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : يُسْتَحَبّ إِلَى الثُّلُث , وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَكْثَر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ , وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : التَّعْجِيلُ أَفْضَلُ , وَكَذَا قَالَ فِي الْإِمْلَاء وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ وَقَالُوا : إِنَّهُ مِمَّا يُفْتَى بِهِ عَلَى الْقَدِيمِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْإِمْلَاء وَهُوَ مِنْ كُتُبِهِ الْجَدِيدَة , وَالْمُخْتَار مِنْ حَيْثُ الدَّلِيل أَفْضَلِيَّةُ التَّأْخِير , وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرُ التَّفْصِيلُ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَرْحَى ) ‏ ‏جَمْعُ فَرْحَان عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ , وَمِثْلُهُ \" وَتَرَى النَّاس سَكْرَى \" فِي قِرَاءَةٍ , أَوْ تَأْنِيث فِرَاح وَهُوَ نَحْو الرِّجَال فَعَلْت , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَرَجَعْنَا وَفَرِحْنَا \" وَلِبَعْضِهِمْ \" فَرَجَعْنَا فَرَحًا \" بِفَتْحِ الرَّاء عَلَى الْمَصْدَر , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم كَالرِّوَايَةِ الْأُولَى , وَسَبَب فَرَحِهِمْ عِلْمُهُمْ بِاخْتِصَاصِهِمْ بِهَذِهِ الْعِبَادَة الَّتِي هِيَ نِعْمَة عُظْمَى مُسْتَلْزِمَة لِلْمَثُوبَةِ الْحُسْنَى مَا اِنْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ تَجْمِيعهمْ فِيهَا خَلْف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "535",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْمِنْهَالِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَرْزَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَلَّامٍ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَوَافَقَهُ اِبْن السَّكَنِ. وَفِي أَكْثَر الرِّوَايَات \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد \" غَيْر مَنْسُوب , وَقَدْ تَعَيَّنَ مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ وَابْن السَّكَن وَحَدِيث أَبِي بَرْزَةَ الْمَذْكُور طَرَفٌ مِنْ حَدِيثه الْآتِي فِي السَّمَرِ بَعْدَ الْعِشَاء. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا ) ‏ ‏أَيْ الْمُحَادَثَةَ. وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ أَنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَة مَخْصُوصَةٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَمْرٍ مَطْلُوبٍ , وَقِيلَ : الْحِكْمَةُ فِيهِ لِئَلَّا يَكُونَ سَبَبًا فِي تَرْكِ قِيَامِ اللَّيْلِ , أَوْ لِلِاسْتِغْرَاقِ فِي الْحَدِيث ثُمَّ يَسْتَغْرِقُ فِي النَّوْمِ فَيَخْرُجُ وَقْتُ الصُّبْحِ , وَسَيَأْتِي الْجَمْع بَيْن هَذَا الْحَدِيث وَبَيْن حَدِيثه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد صَلَاة الْعِشَاء فِي الْبَاب الْمَذْكُور. ‏"
    },
    {
        "id": "536",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَعْتَمَ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏الصَّلَاةَ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَخَرَجَ فَقَالَ ‏ ‏مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرُكُمْ قَالَ وَلَا يُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إِلَّا ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ ‏ ‏الشَّفَقُ ‏ ‏إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ) ‏ ‏هُوَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَاسْمه عَبْد اللَّه أَخُو إِسْمَاعِيلَ شَيْخ الْبُخَارِيّ وَيُعْرَفُ بِالْأَعْشَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تُصَلَّى ) ‏ ‏بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّة وَفَتْح اللَّام الْمُشَدَّدَة أَيْ صَلَاة الْعِشَاء , وَالْمُرَاد أَنَّهَا لَا تُصَلَّى بِالْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَة وَهِيَ الْجَمَاعَة إِلَّا بِالْمَدِينَةِ , وَبِهِ صَرَّحَ الدَّاوُدِيُّ , لِأَنَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ إِلَّا سِرًّا , وَأَمَّا غَيْرُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَة مِنْ الْبِلَادِ فَلَمْ يَكُنْ الْإِسْلَام دَخَلَهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَكَانُوا ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , وَفِي هَذَا بَيَان الْوَقْت الْمُخْتَار لِصَلَاةِ الْعِشَاء لِمَا يُشْعِرُ بِهِ السِّيَاق مِنْ الْمُوَاظَبَة عَلَى ذَلِكَ , وَقَدْ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْر فِي هَذَا الْحَدِيث عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيمَ اِبْن أَبِي عَبْلَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظُهُ \" ثُمَّ قَالَ صَلُّوهَا فِيمَا بَيْن أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُث اللَّيْل \" وَلَيْسَ بَيْن هَذَا وَبَيْن قَوْله فِي حَدِيث أَنَسٍ \" أَنَّهُ أَخَّرَ الصَّلَاة إِلَى نِصْف اللَّيْل \" مُعَارَضَةٌ لِأَنَّ حَدِيث عَائِشَة مَحْمُول عَلَى الْأَغْلَب مِنْ عَادَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة يُونُسَ عَنْ اِبْن شِهَاب فِي هَذَا الْحَدِيث : قَالَ اِبْن شِهَابٍ وَذَكَرَ لِي أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَنْزُرُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّلَاةِ \" وَذَلِكَ حِينَ صَاحَ عُمَرُ , وَقَوْله \" تَنْزُرُوا \" بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الزَّايِ بَعْدَهَا رَاءٌ , أَيْ تُلِحُّوا عَلَيْهِ , وَرُوِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ رَاءٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ زَايٌ أَيْ تَخْرُجُوا. ‏"
    },
    {
        "id": "537",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ يَعْنِي ابْنَ غَيْلَانَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏لَا يُبَالِي أَقَدَّمَهَا أَمْ أَخَّرَهَا إِذَا كَانَ لَا يَخْشَى أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ عَنْ وَقْتِهَا وَكَانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِعَطَاءٍ ‏ ‏وَقَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَعْتَمَ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ وَاسْتَيْقَظُوا وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا فَقَامَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَقَالَ الصَّلَاةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الْآنَ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ ‏ ‏لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا فَاسْتَثْبَتُّ ‏ ‏عَطَاءً ‏ ‏كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى رَأْسِهِ يَدَهُ كَمَا أَنْبَأَهُ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَبَدَّدَ ‏ ‏لِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ ‏ ‏تَبْدِيدٍ ‏ ‏ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ ثُمَّ ضَمَّهَا يُمِرُّهَا كَذَلِكَ عَلَى الرَّأْسِ حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الْأُذُنِ مِمَّا يَلِي ‏ ‏الْوَجْهَ عَلَى ‏ ‏الصُّدْغِ ‏ ‏وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ لَا يُقَصِّرُ وَلَا ‏ ‏يَبْطُشُ ‏ ‏إِلَّا كَذَلِكَ وَقَالَ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوا هَكَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غَيْلَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً فَأَخَّرَهَا ) ‏ ‏هَذَا التَّأْخِير مُغَايِرٌ لِلتَّأْخِيرِ الْمَذْكُور فِي حَدِيث جَابِر وَغَيْره الْمُقَيَّد بِتَأْخِيرِ اِجْتِمَاع الْمُصَلِّينَ , وَسِيَاقُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِد ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ , وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الرَّاقِدُ مِنْهُمْ كَانَ قَاعِدًا مُتَمَكِّنًا , أَوْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُضْطَجِعًا لَكِنَّهُ تَوَضَّأَ وَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ , اِكْتِفَاءً بِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ عَلَى غَيْر وُضُوءٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر ‏ ‏( يَرْقُد قَبْلَهَا ) ‏ ‏أَيْ قَبْل صَلَاةِ الْعِشَاء , وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَخْشَ أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ عَنْ وَقْتِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَبْل ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ \" وَكَانَ لَا يُبَالِي أَقَدَّمَهَا أَمْ أَخَّرَهَا \" وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ اِبْنَ عُمَرَ كَانَ رُبَّمَا رَقَدَ عَنْ الْعِشَاء الْآخِرَةِ وَيَأْمُر أَنْ يُوقِظُوهُ , وَالْمُصَنِّفُ حَمَلَ ذَلِكَ فِي التَّرْجَمَة عَلَى مَا إِذَا غَلَبَهُ النَّوْم , وَهُوَ اللَّائِق بِحَالِ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ ) ‏ ‏هُوَ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ - وَهُوَ مَحْمُودٌ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ - وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفِهِ بِالْإِسْنَادَيْنِ , وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ الطَّبَرَانِيُّ , وَعَنْهُ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ عُمَر فَقَالَ الصَّلَاة ) ‏ ‏, زَادَ فِي التَّمَنِّي \" رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ \" وَهُوَ مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ عَائِشَة الْمَاضِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" عَلَى رَأْسِي \" وَهُوَ وَهْمٌ لِمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ مِنْ هَيْئَةِ عَصْرِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَعْرَهُ مِنْ الْمَاءِ , وَكَأَنَّهُ كَانَ اِغْتَسَلَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَثْبَتَ ) ‏ ‏هُوَ مَقُول اِبْن جُرَيْجٍ , وَعَطَاء هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاحٍ , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ اِبْنُ يَسَارٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَبَدَّدَ ) ‏ ‏أَيْ فَرَّقَ. وَقَرْنُ الرَّأْسِ جَانِبُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ ضَمَّهَا ) ‏ ‏كَذَا لَهُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة وَالْمِيم , وَلِمُسْلِمٍ \" وَصَبَّهَا \" بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ , وَصَوَّبَهُ عِيَاضٌ قَالَ : لِأَنَّهُ يَصِفُ عَصْرَ الْمَاءِ مِنْ الشَّعْرِ بِالْيَدِ. قُلْت : وَرِوَايَة الْبُخَارِيّ مُوَجَّهَةٌ , لِأَنَّ ضَمَّ الْيَدِ صِفَةٌ لِلْعَاصِرِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامَهُ ) ‏ ‏كَذَا بِالْإِفْرَادِ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ , وَلِغَيْرِهِ \" إِبْهَامَيْهِ \" وَهُوَ مَنْصُوب بِالْمَفْعُولِيَّةِ وَفَاعِلُهُ طَرَفُ الْأُذُنِ , وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مَرْفُوع. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى \" طَرَفَ \" مَنْصُوبٌ وَفَاعِله إِبْهَامه وَهُوَ مَرْفُوع , وَيُؤَيِّد رِوَايَة الْأَكْثَر رِوَايَة حَجَّاجٍ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عِنْد النَّسَائِيِّ وَأَبِي نُعَيْم \" حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامَاهُ طَرَفَ الْأُذُنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُقَصِّرُ وَلَا يَبْطِشُ ) ‏ ‏أَيْ لَا يُبْطِئُ وَلَا يَسْتَعْجِلُ , وَيُقَصِّرُ بِالْقَافِ لِلْأَكْثَرِ وَوَقَعَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَا يَعْصِرُ \" بِالْعَيْنِ , وَالْأُولَى أَصْوَبُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَأَمَرْتهمْ أَنْ يُصَلُّوهَا ) ‏ ‏كَذَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي كِتَاب التَّمَنِّي عِنْد الْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَان بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ وَغَيْره فِي هَذَا الْحَدِيث وَقَالَ \" إِنَّهُ لِلْوَقْتِ لَوْلَا أَنَّ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي \". ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا الْحَدِيث بِمَعْنَاهُ قَالَ : وَذَهَبَ النَّاس إِلَّا عُثْمَانَ بْن مَظْعُون فِي سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا , فَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ \" مَا صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاة أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "538",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحِيمِ الْمُحَارِبِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَخَّرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا أَمَا ‏ ‏إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ‏ ‏وَبِيصِ ‏ ‏خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحِيمِ الْمُحَارِبِيُّ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ , وَقَعَ لِأَبِي الْوَقْتُ وَغَيَّرَهُ عَبْد الرَّحِيم بِغَيْرِ صِيغَة أَدَاء , وَهُوَ عَبْد الرَّحِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الْمُحَارِبِيُّ الْكُوفِيُّ , يُكَنَّى أَبَا زِيَادٍ , وَهُوَ مِنْ قُدَمَاءِ شُيُوخ الْبُخَارِيِّ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح عَنْهُ غَيْر هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِدِ. ‏ ‏قَوْله : ( صَلَاة الْعِشَاء ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" لَيْلَةً \" وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ صَلَّى النَّاسُ ) ‏ ‏أَيْ الْمَعْهُودُونَ مِمَّنْ صَلَّى مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِذْ ذَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ اِبْن أَبِي مَرْيَمَ ) ‏ ‏يَعْنِي سَعِيد بْن الْحَكَمِ الْمِصْرِيَّ , وَمُرَاده بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَانُ سَمَاع حُمَيْدٍ لِلْحَدِيثِ مِنْ أَنَسٍ. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَخْ ) ‏ ‏الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِع الْمَفْعُول لِقَوْلِهِ \" زَادَ \". وَقَدْ وَقَعَ لَنَا هَذَا التَّعْلِيق مَوْصُولًا عَالِيًا مِنْ طَرِيق أَبِي طَاهِر الْمُخْلِصِ فِي الْجُزْء الْأَوَّل مِنْ فَوَائِدِهِ , قَالَ : حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْن مَنْصُور حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي مَرْيَمَ بِسَنَدِهِ وَأَوَّلُهُ \" سَأَلَ أَنَسٌ : هَلْ اِتَّخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا ؟ قَالَ : نَعَمْ , أَخَّرَ الْعِشَاء \" فَذَكَرَهُ , وَفِي آخِرِهِ \" وَكَأَنِّي أَنْظُر إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ \" الْوَبِيصُ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَةِ : الْبَرِيقُ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى فَضْل اِنْتِظَار الصَّلَاة فِي أَبْوَاب الْجَمَاعَة , وَعَلَى الْخَاتَم وَلُبْسِهِ فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "539",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ أَمَا ‏ ‏إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُّونَ أَوْ لَا ‏ ‏تُضَاهُونَ ‏ ‏فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ثُمَّ قَالَ فَ ‏ { ‏سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّانُ , ‏ ‏وَإِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , ‏ ‏وَقَيْسٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَازِمٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث جَرِير فِي \" بَاب فَضْل صَلَاة الْعَصْر \". ‏"
    },
    {
        "id": "540",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو جَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ صَلَّى ‏ ‏الْبَرْدَيْنِ ‏ ‏دَخَلَ الْجَنَّةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جَمْرَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ بِهَذَا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَبَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو جَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَبُو جَمْرَةَ ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالرَّاء وَهُوَ الضُّبَعِيُّ , وَشَيْخُهُ أَبُو بَكْرٍ هُوَ اِبْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ بِدَلِيلِ الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدَهُ حَيْثُ وَقَعَ فِيهَا \" أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ \" وَعَبْد اللَّه بْن قَيْسٍ هُوَ أَبُو مُوسَى , وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَارَةَ بْن رُوَيْبَةَ وَالْأَوَّل أَرْجَحُ كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الرَّاء تَثْنِيَة بَرْدٍ , وَالْمُرَاد صَلَاةُ الْفَجْر وَالْعَصْر , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله فِي حَدِيث جَرِير \" صَلَاة قَبْل طُلُوع الشَّمْس وَقَبْل غُرُوبهَا \" زَادَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" يَعْنِي الْعَصْر وَالْفَجْر : سُمِّيَتَا بَرْدَيْنِ لِأَنَّهُمَا تُصَلَّيَانِ فِي بَرْدَيْ النَّهَارِ وَهُمَا طَرَفَاهُ حِين يَطِيبُ الْهَوَاءُ وَتَذْهَبُ سُورَةُ الْحَرِّ , وَنُقِلَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ صَلَاة الْمَغْرِب تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا. وَقَالَ الْبَزَّار فِي تَوْجِيه اِخْتِصَاص هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ بِدُخُولِ الْجَنَّة دُون غَيْرهمَا مِنْ الصَّلَوَات مَا مُحَصِّلُهُ : إِنَّ مَنْ مَوْصُولَةٌ لَا شَرْطِيَّة , وَالْمُرَاد الَّذِينَ صَلَّوْهُمَا أَوَّل مَا فُرِضَتْ الصَّلَاة ثُمَّ مَاتُوا قَبْل فَرْضِ الصَّلَوَات الْخَمْس , لِأَنَّهَا فُرِضَتْ أَوَّلًا رَكْعَتَيْنِ بِالْغَدَاةِ وَرَكْعَتَيْنِ بِالْعَشِيِّ , ثُمَّ فُرِضَتْ الصَّلَوَات الْخَمْس , فَهُوَ خَبَرٌ عَنْ نَاس مَخْصُوصِينَ لَا عُمُوم فِيهِ. ‏ ‏قُلْت : وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّف , وَالْأَوْجَهُ أَنَّ \" مَنْ \" فِي الْحَدِيث شَرْطِيَّة. وَقَوْله \" دَخَلَ \" جَوَاب الشَّرْط , وَعَدَلَ عَنْ الْأَصْل وَهُوَ فِعْلُ الْمُضَارِع كَأَنْ يَقُول يَدْخُل الْجَنَّة إِرَادَةً لِلتَّأْكِيدِ فِي وُقُوعه بِجَعْلِ مَا سَيَقَعُ كَالْوَاقِعِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن رَجَاءٍ ) ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه الْبَصْرِيّ الْغُدَّانِيُّ , وَهُوَ أَحَد شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ وَصَلَهُ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيُّ قَالَ \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه رَجَاء \" وَرَوَيْنَاهُ عَالِيًا مِنْ طَرِيقه فِي الْجُزْءِ الْمَشْهُور الْمَرْوِيِّ عَنْهُ مِنْ طَرِيق السَّلَفِيِّ وَلَفْظ الْمَتْنِ وَاحِدٌ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَنْصُور , وَلَمْ يَقَع مَنْسُوبًا فِي شَيْء مِنْ الْكُتُب وَالرِّوَايَات , وَاسْتَدَلَّ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ عَلَى أَنَّهُ اِبْن مَنْصُور بِأَنَّ مُسْلِمًا رَوَى عَنْ إِسْحَاقَ بْن مَنْصُور عَنْ حِبَّانَ بْن هِلَال حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا. ‏ ‏قُلْت : رَأَيْت فِي رِوَايَة أَبِي عَلَى الشَّبُّوِيِّ عَنْ الْفَرَبْرِيِّ فِي \" بَاب الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ \" حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْن مَنْصُور حَدَّثَنَا حَبَّان بْن هِلَال فَذَكَرَ حَدِيثًا , فَهَذِهِ الْقَرِينَةُ أَقْوَى مِنْ الْقَرِينَةِ الَّتِي فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَبَّانُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن هِلَال وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ , فَاجْتَمَعَتْ الرِّوَايَات عَنْ هَمَّامٍ بِأَنَّ شَيْخَ أَبِي جَمْرَةَ هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , فَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ اِبْن عُمَارَةَ بْنُ رُوَيْبَةَ , وَحَدِيث عُمَارَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْره مِنْ طُرُق عَنْ أَبِي بَكْرِ بْن عُمَارَةَ عَنْ أَبِيهِ لَكِنَّ لَفْظَهُ \" لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوع الشَّمْس وَقَبْل غُرُوبهَا \" وَهَذَا اللَّفْظُ مُغَايِرٌ لِلَفْظِ حَدِيث أَبِي مُوسَى وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا , فَالصَّوَابُ أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ. ‏"
    },
    {
        "id": "541",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قُلْتُ كَمْ بَيْنَهُمَا قَالَ قَدْرُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ ‏ ‏يَعْنِي آيَةً ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "542",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏تَسَحَّرَا فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى قُلْنَا ‏ ‏لِأَنَسٍ ‏ ‏كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ قَالَ قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَامَ نَبِيُّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلَاة فَصَلَّيَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَة , وَلِغَيْرِهِ فَصَلَّيْنَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّة فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الصِّيَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِهِ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْت الصُّبْح طُلُوع الْفَجْر لِأَنَّهُ الْوَقْت الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الطَّعَام وَالشَّرَاب , وَالْمُدَّة الَّتِي بَيْن الْفَرَاغ مِنْ السُّحُور وَالدُّخُول فِي الصَّلَاة - وَهِيَ قِرَاءَة الْخَمْسِينَ آيَةً أَوْ نَحْوهَا - قَدْرِ ثُلُثِ خُمُسِ سَاعَةٍ , وَلَعَلَّهَا مِقْدَارُ مَا يَتَوَضَّأُ. فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ أَوَّل وَقْت الصُّبْح أَوَّل مَا يَطْلُع الْفَجْر. ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْخُل فِيهَا بِغَلَسٍ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "543",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَخِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَخِيهِ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ , وَسُلَيْمَانُ هُوَ اِبْنُ بِلَالٍ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي الصِّيَام. وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى مُبَادَرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَلَاةِ الصُّبْح فِي أَوَّل الْوَقْت , وَحَدِيث عَائِشَة تَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَلَفْظه أَصْرَحُ فِي مُرَاده فِي هَذَا الْبَاب مِنْ جِهَة التَّغْلِيس بِالصُّبْحِ وَأَنَّ سِيَاقه يَقْتَضِي الْمُوَاظَبَة عَلَى ذَلِكَ , وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْفَرَ بِالصُّبْحِ مَرَّةً ثُمَّ كَانَتْ صَلَاته بَعْدُ بِالْغَلَسِ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَعُدْ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ غَيْر وَاحِد مِنْ حَدِيث رَافِع بْن خَدِيجٍ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ \" فَقَدْ حَمَلَهُ الشَّافِعِيّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ تَحَقُّقُ طُلُوعُ الْفَجْرِ , وَحَمَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد الْأَمْرُ بِتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا حَتَّى يَخْرُج مِنْ الصَّلَاة مُسْفِرًا , وَأَبْعَدَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِلصَّلَاةِ فِي الْغَلَسِ. وَأَمَّا حَدِيث اِبْن مَسْعُود الَّذِي أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْره أَنَّهُ قَالَ \" مَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْر وَقْتهَا ذَلِكَ الْيَوْم \" يَعْنِي فِي الْفَجْر يَوْمَ الْمُزْدَلِفَةِ , فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا مَعَ طُلُوع الْفَجْر مِنْ غَيْر تَأْخِير , فَإِنَّ فِي حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت وَسَهْل بْن سَعْد مَا يُشْعِرُ بِتَأْخِيرٍ يَسِيرٍ , لَا أَنَّهُ صَلَّاهَا , قَبْل أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْر. وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "544",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ ‏ ‏كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَاةَ الْفَجْرِ ‏ ‏مُتَلَفِّعَاتٍ ‏ ‏بِمُرُوطِهِنَّ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏يَنْقَلِبْنَ ‏ ‏إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ ‏ ‏الْغَلَسِ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي حَدِيث عَائِشَة ‏ ‏( كُنَّ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هُوَ مِثْلُ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ لِأَنَّ قِيَاسَهُ الْإِفْرَادُ وَقَدْ جُمِعَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ ) ‏ ‏تَقْدِيرُهُ نِسَاءُ الْأَنْفُسِ الْمُؤْمِنَات أَوْ نَحْوهَا ذَلِكَ حَتَّى لَا يَكُونَ مِنْ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفْسه , وَقِيلَ إِنَّ \" نِسَاءَ \" هُنَا بِمَعْنَى الْفَاضِلَات أَيْ فَاضِلَات الْمُؤْمِنَات كَمَا يُقَال رِجَالُ الْقَوْمِ أَيْ فُضَلَاؤُهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( يَشْهَدْنَ ) ‏ ‏أَيْ يَحْضُرْنَ , وَ ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ لَا يُعْرَفْنَ أَنِسَاءٌ أَمْ رِجَالٌ , أَيْ لَا يَظْهَرُ لِلرَّائِي إِلَّا الْأَشْبَاحُ خَاصَّةً , وَقِيلَ لَا يُعْرَفُ أَعْيَانُهُنَّ فَلَا يُفَرَّق بَيْن خَدِيجَة وَزَيْنَب , وَضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْمُتَلَفِّعَةَ فِي النَّهَار لَا تُعْرَفُ عَيْنُهَا فَلَا يَبْقَى فِي الْكَلَام فَائِدَةٌ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْرِفَة إِنَّمَا تَتَعَلَّق بِالْأَعْيَانِ , فَلَوْ كَانَ الْمُرَاد الْأَوَّل لَعَبَّرَ بِنَفْيِ الْعِلْم , وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمُتَلَفِّعَةَ بِالنَّهَارِ لَا تُعْرَفُ عَيْنُهَا فِيهِ نَظَرٌ , لِأَنَّ لِكُلِّ اِمْرَأَةٍ هَيْئَةٌ غَيْرُ هَيْئَةِ الْأُخْرَى فِي الْغَالِبِ وَلَوْ كَانَ بَدَنُهَا مُغَطًّى. وَقَالَ الْبَاجِيُّ : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُنَّ كُنَّ سَافِرَاتٍ إِذْ لَوْ كُنَّ مُتَنَقِّبَاتٍ لَمَنَعَ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِنَّ لَا الْغَلَسُ. ‏ ‏قُلْت : وَفِيهِ مَا فِيهِ , لِأَنَّهُ مَبْنِيّ عَلَى الِاشْتِبَاه الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ , وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا إِنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ هَيْئَةً غَالِبًا فَلَا يَلْزَم مَا ذُكِرَ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( مُتَلَفِّعَاتٍ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحُهُ , ‏ ‏( وَالْمُرُوطُ ) ‏ ‏جَمْعُ مِرْطٍ بِكَسْرِ الْمِيم وَهُوَ كِسَاءٌ مُعَلَّمٌ مِنْ خَزٍّ أَوْ صُوف أَوْ غَيْر ذَلِكَ , وَقِيلَ لَا يُسَمَّى مِرْطًا إِلَّا إِذَا كَانَ أَخْضَرَ وَلَا يَلْبَسُهُ إِلَّا النِّسَاءُ , وَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ مِرْطٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ‏ ‏( يَنْقَلِبْنَ ) ‏ ‏أَيْ يَرْجِعْنَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْغَلَسِ ) ‏ ‏مِنْ اِبْتِدَائِيَّةٌ أَوْ تَعْلِيلِيَّةٌ , وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْن هَذَا وَبَيْن حَدِيث بَرْزَةَ السَّابِقِ أَنَّهُ كَانَ يَنْصَرِفُ مِنْ الصَّلَاة حِين يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ , لِأَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ رُؤْيَةِ الْمُتَلَفِّعَةِ عَلَى بُعْدٍ , وَذَاكَ إِخْبَارٌ عَنْ رُؤْيَةِ الْجَلِيسِ. ‏ ‏وَفِي الْحَدِيثِ اِسْتِحْبَابُ الْمُبَادَرَةِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَجَوَازُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِد لِشُهُودِ الصَّلَاة فِي اللَّيْل , وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُهُ فِي النَّهَارِ مِنْ بَاب أَوْلَى لِأَنَّ اللَّيْلَ مَظِنَّةُ الرِّيبَةِ أَكْثَرَ مِنْ النَّهَارِ , وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِنَّ أَوْ بِهِنَّ فِتْنَةٌ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى جَوَازِ صَلَاة الْمَرْأَة مُخْتَمِرَةَ الْأَنْفِ وَالْفَمِ , فَكَأَنَّهُ جَعَلَ التَّلَفُّعَ صِفَةً لِشُهُودِ الصَّلَاة. وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهَا إِنَّمَا أَخْبَرَتْ عَنْ هَيْئَةِ الِانْصِرَافِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "545",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏يُحَدِّثُونَهُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يُحَدِّثُونَهُ ) ‏ ‏أَيْ يُحَدِّثُونَ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ. وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْح ) ‏ ‏الْإِدْرَاكُ الْوُصُولُ إِلَى الشَّيْء , فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِذَلِكَ , وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا بِالْإِجْمَاعِ , فَقِيلَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَدْرَكَ الْوَقْت , فَإِذَا صَلَّى رَكْعَة أُخْرَى فَقَدْ كَمُلَتْ صَلَاته , وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ وَلَفْظُهُ \" مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصُّبْح رَكْعَة قَبْل أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَرَكْعَة بَعْدَمَا تَطْلُعُ الشَّمْس فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاة \" وَأَصْرَحُ مِنْهُ رِوَايَةُ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءٍ - وَهُوَ اِبْن يَسَارٍ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَنْ صَلَّى رَكْعَة مِنْ الْعَصْر قَبْل أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْس , ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ بَعْد غُرُوب الشَّمْس فَلَمْ يَفُتْهُ الْعَصْر \". وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الصُّبْح , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ الْمُصَنِّفِ فِي \" بَاب مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْعَصْر رَكْعَة \" مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَقَالَ فِيهَا \" فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ \" , وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ \" مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاة فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاة كُلَّهَا , إِلَّا أَنَّهُ يَقْضِي مَا فَاتَهُ \" , وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ \" مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنْ الصُّبْح قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْس فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى \". وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الرَّدّ عَلَى الطَّحَاوِيِّ حَيْثُ خَصَّ الْإِدْرَاكَ بِاحْتِلَامِ الصَّبِيِّ وَطُهْرِ الْحَائِضِ وَإِسْلَامِ الْكَافِرِ وَنَحْوِهَا , وَأَرَادَ بِذَلِكَ نُصْرَةَ مَذْهَبه فِي أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصُّبْح رَكْعَة تَفْسُدُ صَلَاته لِأَنَّهُ لَا يُكْمِلُهَا إِلَّا فِي وَقْتِ الْكَرَاهَة , وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَتَنَاوَلُ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ وَهِيَ خِلَافِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ , ‏ ‏قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَبِهَذَا يَقُولُ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَة فَقَالَ : مَنْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْس وَهُوَ فِي صَلَاة الصُّبْح بَطَلَتْ صَلَاته , وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَنْ الصَّلَاة عِنْد طُلُوع الشَّمْس , وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ أَحَادِيث النَّهْي نَاسِخَةٌ لِهَذَا الْحَدِيث , وَهِيَ دَعْوَى تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيل , فَإِنَّهُ لَا يُصَار إِلَى النَّسْخ بِالِاحْتِمَالِ , وَالْجَمْع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ مُمْكِنٌ بِأَنْ تُحْمَلَ أَحَادِيثُ النَّهْي عَلَى مَا لَا سَبَبَ لَهُ مِنْ النَّوَافِلِ , وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّخْصِيصَ , أَوْلَى مِنْ اِدِّعَاءِ النَّسْخِ , وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَة لَا يَكُون مُدْرِكًا لِلْوَقْتِ , وَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفَاصِيلُ بَيْنَ أَصْحَاب الْأَعْذَار وَغَيْرهمْ , وَبَيْن مُدْرِكِ الْجَمَاعَة وَمُدْرِكِ الْوَقْتِ , وَكَذَا مُدْرِكُ الْجُمُعَةِ , وَمِقْدَارُ هَذِهِ الرَّكْعَة قَدْرُ مَا يُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ وَيَقْرَأُ أُمَّ الْقُرْآن وَيَرْكَعُ وَيَرْفَعُ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ بِشُرُوطِ كُلِّ ذَلِكَ , وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : الْمُعْتَبَرُ فِيهَا أَخَفُّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ , وَهَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ , أَمَّا أَصْحَاب الْأَعْذَارِ - كَمَنْ أَفَاقَ مِنْ إِغْمَاء , أَوْ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْت هَذَا الْقَدْر كَانَتْ الصَّلَاة فِي حَقِّهِمْ أَدَاءً. وَقَدْ قَالَ قَوْم : يَكُون مَا أَدْرَكَ فِي الْوَقْت أَدَاءً وَبَعْدَهُ قَضَاءً , وَقِيلَ يَكُون كَذَلِكَ لَكِنَّهُ يَلْتَحِقُ بِالْأَدَاءِ حُكْمًا , وَالْمُخْتَار أَنَّ الْكُلّ أَدَاءٌ وَذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّه تَعَالَى. وَنَقَلَ بَعْضهمْ الِاتِّفَاق عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز لِمَنْ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ تَأْخِير الصَّلَاة حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا الْقَدْرُ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( لَطِيفَةٌ ) : ‏ ‏أَوْرَدَ الْمُصَنِّف فِي \" بَاب مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْعَصْر \" طَرِيق أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَفِي هَذَا الْبَاب طَرِيق عَطَاء بْن يَسَارٍ وَمَنْ مَعَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , لِأَنَّهُ قَدَّمَ فِي طَرِيق أَبِي سَلَمَةَ ذِكْرَ الْعَصْر , وَقَدَّمَ فِي هَذَا ذِكْرَ الصُّبْح فَنَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَا قَدَّمَ لِمَا يُشْعِرُ بِهِ التَّقْدِيمُ مِنْ اِهْتِمَام. وَاَللَّه الْهَادِي لِلصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "546",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "547",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَالِيَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا الْعَالِيَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَاسٌ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَامٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَبْد اللَّه الدَّسّْتُوَائِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي الْعَالِيَة ) ‏ ‏هُوَ الرِّيَاحِيُّ بِالْيَاءِ التَّحْتَانِيَّة وَاسْمُهُ رُفَيْعٌ بِالتَّصْغِيرِ , وَوَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَة غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ , وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّف طَرِيق يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْت أَبَا الْعَالِيَة. وَالسِّرّ فِيهَا التَّصْرِيح بِسَمَاعِ قَتَادَةَ لَهُ مِنْ أَبِي الْعَالِيَة وَإِنْ كَانَتْ طَرِيق هِشَامٍ أَعْلَى مِنْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( شَهِدَ عِنْدِي ) ‏ ‏أَيْ أَعْلَمَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي , وَلَمْ يُرِدْ شَهَادَةَ الْحُكْمِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَرْضِيُّونَ ) ‏ ‏أَيْ لَا شَكَّ فِي صِدْقِهِمْ وَدِينِهِمْ , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَزِيدَ بْن زُرَيْعٍ عَنْ هَمَّامٍ \" شَهِدَ عِنْدِي رِجَال مَرْضِيُّونَ فِيهِمْ عُمَر \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة \" حَدَّثَنِي رِجَال أَحَبُّهُمْ إِلَيَّ عُمَرُ. ‏ ‏قَوْله : ( نَاس بِهَذَا ) ‏ ‏أَيْ بِهَذَا الْحَدِيث بِمَعْنَاهُ , فَإِنَّ مُسَدَّدًا رَوَاهُ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ وَلَفْظه \" حَدَّثَنِي نَاس أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ عُمَر \" وَقَالَ فِيهِ \" حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس \" وَوَقَعَ فِي التِّرْمِذِيّ عَنْهُ \" سَمِعْت غَيْر وَاحِد مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ عُمَر , وَكَانَ مِنْ أَحَبِّهِمْ إِلَيَّ \". ‏ ‏قَوْله : ( بَعْدَ الصُّبْح ) ‏ ‏أَيْ بَعْدَ صَلَاة الصُّبْح لِأَنَّهُ لَا جَائِز أَنْ يَكُون الْحُكْم فِيهِ مُعَلَّقًا بِالْوَقْتِ , إِذْ لَا بُدَّ مِنْ أَدَاء الصُّبْح , فَتَعَيَّنَ التَّقْدِير الْمَذْكُور. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : هَذَا الْحَدِيث مَعْمُول بِهِ عِنْد فُقَهَاء الْأَمْصَار , وَخَالَفَ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ وَبَعْض الظَّاهِرِيَّة مِنْ بَعْض الْوُجُوه. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تُشْرِقَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله مِنْ أَشْرَقَ , يُقَال أَشْرَقَتْ الشَّمْس اِرْتَفَعَتْ وَأَضَاءَتْ , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْآتِي فِي الْبَاب بَعْدَهُ بِلَفْظِ \" حَتَّى تَرْتَفِع الشَّمْس \" وَيُرْوَى بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمِّ ثَالِثه بِوَزْنِ تَغْرُبُ يُقَال شَرَقَتْ الشَّمْس أَيْ طَلَعَتْ , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ اِبْن عُمَر شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْس أَوْ تَطْلُع \" عَلَى الشَّكِّ , وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فِي رِوَايَة مُسَدَّدٍ \" حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس \" بِغَيْرِ شَكٍّ , وَكَذَا هُوَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْآتِي آخِرَ الْبَاب بِلَفْظِ \" حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس \" بِالْجَزْمِ , وَيُجْمَعُ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالطُّلُوعِ طُلُوع مَخْصُوص , أَيْ حَتَّى تَطْلُع مُرْتَفِعَة. قَالَ النَّوَوِيّ : أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى كَرَاهَة صَلَاة لَا سَبَب لَهَا فِي الْأَوْقَات الْمَنْهِيِّ عَنْهَا , وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَاز الْفَرَائِض الْمُؤَدَّاة فِيهَا , وَاخْتَلَفُوا فِي النَّوَافِل الَّتِي لَهَا سَبَب كَصَلَاةِ تَحِيَّة الْمَسْجِد وَسُجُود التِّلَاوَة وَالشُّكْر وَصَلَاة الْعِيد وَالْكُسُوف وَصَلَاة الْجِنَازَة وَقَضَاء الْفَائِتَة , فَذَهَبَ الشَّافِعِيّ وَطَائِفَة إِلَى جَوَاز ذَلِكَ كُلّه بِلَا كَرَاهَة , وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَة وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ دَاخِل فِي عُمُوم النَّهْيِ , وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى سُنَّةَ الظُّهْر بَعْدَ الْعَصْر , وَهُوَ صَرِيح فِي قَضَاء السُّنَّةِ الْفَائِتَة فَالْحَاضِرَة أَوْلَى وَالْفَرِيضَة الْمَقْضِيَّة أَوْلَى , وَيَلْتَحِق مَا لَهُ سَبَب. ‏ ‏قُلْت : وَمَا نَقَلَهُ مِنْ الْإِجْمَاع وَالِاتِّفَاق مُتَعَقَّبٌ , فَقَدْ حَكَى غَيْره عَنْ طَائِفَة مِنْ السَّلَف الْإِبَاحَة مُطْلَقًا وَأَنَّ أَحَادِيث النَّهْيِ مَنْسُوخَة , وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَغَيْره مِنْ أَهْل الظَّاهِر , وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن حَزْمٍ , وَعَنْ طَائِفَة أُخْرَى الْمَنْع مُطْلَقًا فِي جَمِيع الصَّلَوَات , وَصَحَّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَكَعْب بْن عُجْرَةَ الْمَنْع مِنْ صَلَاة الْفَرْض فِي هَذِهِ الْأَوْقَات , وَحَكَى آخَرُونَ الْإِجْمَاع عَلَى جَوَاز صَلَاة الْجِنَازَة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة , وَهُوَ مُتَعَقَّب بِمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ , وَمَا اِدَّعَاهُ اِبْن حَزْمٍ وَغَيْره مِنْ النَّسْخ مُسْتَنِدًا إِلَى حَدِيث \" مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصُّبْح رَكْعَة قَبْل أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْس فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى \" فَدَلَّ عَلَى إِبَاحَة الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَنْهِيَّةِ. اِنْتَهَى. وَقَالَ غَيْرهمْ : اِدِّعَاء التَّخْصِيص أَوْلَى مِنْ اِدِّعَاء النَّسْخ فَيُحْمَلُ النَّهْي عَلَى مَا لَا سَبَب لَهُ , وَيَخُصّ مِنْهُ مَا لَهُ سَبَب صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمْعًا بَيْن الْأَدِلَّة , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : اِخْتَلَفُوا فِي جَوَاز الصَّلَاة بَعْد الصُّبْح وَالْعَصْر وَعِنْدَ الطُّلُوع وَالْغُرُوب وَعِنْدَ الِاسْتِوَاء , فَذَهَبَ دَاوُدُ إِلَى الْجَوَاز مُطْلَقًا وَكَأَنَّهُ حَمَلَ النَّهْي عَلَى التَّنْزِيه. ‏ ‏قُلْت : بَلْ الْمَحْكِيّ عَنْهُ أَنَّهُ اِدَّعَى النَّسْخ كَمَا تَقَدَّمَ , قَالَ : وَقَالَ الشَّافِعِيّ تَجُوز الْفَرَائِض وَمَا لَهُ سَبَب مِنْ النَّوَافِل , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يَحْرُمُ الْجَمِيع سِوَى عَصْر يَوْمه , وَتَحْرُمُ الْمَنْذُورَة أَيْضًا. وَقَالَ مَالِك : تَحْرُمُ النَّوَافِل دُونَ الْفَرَائِض , وَوَافَقَهُ أَحْمَد , لَكِنَّهُ اِسْتَثْنَى رَكْعَتَيْ الطَّوَاف. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏لَمْ يَقَع لَنَا تَسْمِيَة الرِّجَال الْمَرْضِيِّينَ الَّذِينَ حَدَّثُوا اِبْن عَبَّاس بِهَذَا الْحَدِيث , وَبَلَغَنِي أَنَّ بَعْض مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْعُمْدَة تَجَاسَرَ وَزَعَمَ أَنَّهُمْ الْمَذْكُورُونَ فِيهَا عِنْد قَوْل مُصَنِّفِهَا : وَفِي الْبَاب عَنْ فُلَان وَفُلَان. وَلَقَدْ أَخْطَأَ هَذَا الْمُتَجَاسِرُ خَطَأً بَيِّنًا فَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "548",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا ‏ ‏تَحَرَّوْا ‏ ‏بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا ‏ ‏وَقَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا طَلَعَ ‏ ‏حَاجِبُ الشَّمْسِ ‏ ‏فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ وَإِذَا غَابَ ‏ ‏حَاجِبُ الشَّمْسِ ‏ ‏فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَامٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَةَ بْن الزُّبَيْرِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَحَرَّوْا ) ‏ ‏أَصْله لَا تَتَحَرَّوْا , فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ , وَالْمَعْنَى لَا تَقْصِدُوا. وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي الْمُرَاد بِذَلِكَ , فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ تَفْسِيرًا لِلْحَدِيثِ السَّابِق وَمُبَيِّنًا لِلْمُرَادِ بِهِ فَقَالَ : لَا تُكْرَه الصَّلَاة بَعْدَ الصُّبْح وَلَا بَعْدَ الْعَصْر إِلَّا لِمَنْ قَصَدَ بِصَلَاتِهِ طُلُوع الشَّمْس وَغُرُوبهَا , وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ بَعْض أَهْل الظَّاهِر وَقَوَّاهُ اِبْن الْمُنْذِر وَاحْتَجَّ لَهُ. وَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : وَهِمَ عُمَر , إِنَّمَا نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ يُتَحَرَّى طُلُوع الشَّمْس وَغُرُوبهَا. اِنْتَهَى. وَسَيَأْتِي مِنْ قَوْل اِبْن عُمَر أَيْضًا مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَرِيبًا بَعْدَ بَابَيْنِ , وَرُبَّمَا قَوَّى ذَلِكَ بَعْضهمْ بِحَدِيثِ \" مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنْ الصُّبْح قَبْل أَنْ تَطْلُع الشَّمْس فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا الْأُخْرَى \" فَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ حِينَئِذٍ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَة مُخْتَصَّة بِمَنْ قَصَدَ الصَّلَاة فِي ذَلِكَ الْوَقْت لَا مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ اِتِّفَاقًا , وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد بَيَان فِي آخِرِ الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ , وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ نَهْيًا مُسْتَقِلًّا , وَكَرِهَ الصَّلَاة فِي تِلْكَ الْأَوْقَات سَوَاء قَصَدَ لَهَا أَمْ لَمْ يَقْصِدْ , وَهُوَ قَوْل الْأَكْثَر. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ لِأَنَّهَا رَأَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْر , فَحَمَلَتْ نَهْيَهُ عَلَى مَنْ قَصَدَ ذَلِكَ لَا عَلَى الْإِطْلَاق , وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا صَلَّى حِينَئِذٍ قَضَاء كَمَا سَيَأْتِي , وَأَمَّا النَّهْي فَهُوَ ثَابِت مِنْ طَرِيق جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة غَيْر عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فَلَا اِخْتِصَاص لَهُ بِالْوَهْمِ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ : حَدَّثَنِي اِبْن عُمَر ) ‏ ‏هُوَ مَقُول عُرْوَة أَيْضًا , وَهُوَ حَدِيث آخَر , وَقَدْ أَفْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَذَكَرَ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ الْحَدِيثَانِ مَعًا مِنْ رِوَايَة عَلِيِّ بْن مُسْهِرٍ وَعِيسَى بْن يُونُسَ وَمُحَمَّد بْن بِشْرٍ وَوَكِيع وَمَالِكِ اِبْن سَعِيرٍ وَمُحَاضِر كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ , وَأَنَّهُ وَقَعَ لَهُ الْحَدِيث الثَّانِي فَقَطْ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ هِشَامٍ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَرْتَفِع ) ‏ ‏جَعَلَ اِرْتِفَاعهَا غَايَةَ النَّهْيِ , وَهُوَ يُقَوِّي رِوَايَة مَنْ رَوَى الْحَدِيث الْمَاضِي بِلَفْظِ \" حَتَّى تُشْرِقَ \" مِنْ الْإِشْرَاق وَهُوَ الِارْتِفَاع كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَبْدَةُ ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن سُلَيْمَانَ , وَالضَّمِير يَعُود عَلَى يَحْيَى بْن سَعِيد وَهُوَ الْقَطَّان , يَعْنِي تَابَعَ يَحْيَى الْقَطَّان عَلَى رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ هِشَامٍ , وَرِوَايَة عَبْدَةَ هَذِهِ مَوْصُولَة عِنْد الْمُصَنِّفِ فِي بَدْء الْخَلْق , وَفِيهِ الْحَدِيثَانِ مَعًا وَقَالَ فِيهِ \" حَتَّى تَبْرُزَ \" بَدَلَ تَرْتَفِع. وَقَالَ فِيهِ \" لَا تَحَيَّنُوا , بِالْيَاءِ التَّحْتَانِيَّة وَالنُّون وَزَادَ فِيهِ \" فَإِنَّهَا تَطْلُع بَيْن قَرْنَيْ شَيْطَان \" وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى عِلَّة النَّهْي عَنْ الصَّلَاة فِي الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ , وَزَادَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن عَبَسَةَ \" وَحِينَئِذٍ يَسْجُد لَهَا الْكُفَّار \" فَالنَّهْي حِينَئِذٍ لِتَرْكِ مُشَابَهَة الْكُفَّار , وَقَدْ اِعْتَبَرَ ذَلِكَ الشَّرْع فِي أَشْيَاء كَثِيرَة وَفِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَلَى أَبِي مُحَمَّد الْبَغَوِيِّ حَيْثُ قَالَ : إِنَّ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ مَعْنَاهُ , وَجَعَلَهُ مِنْ قَبِيلِ التَّعَبُّد الَّذِي يَجِبُ الْإِيمَان بِهِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَان \" فِي أَوَائِل بَدْء الْخَلْق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( حَاجِبُ الشَّمْس ) ‏ ‏أَيْ طَرَفُ قُرْصهَا , قَالَ الْجَوْهَرِيّ : حَوَاجِب الشَّمْس نَوَاحِيهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "549",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ صَلَاتَيْنِ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَعَنْ ‏ ‏اشْتِمَالِ ‏ ‏الصَّمَّاءِ وَعَنْ ‏ ‏الِاحْتِبَاءِ ‏ ‏فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُفْضِي بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَعَنْ ‏ ‏الْمُنَابَذَةِ ‏ ‏وَالْمُلَامَسَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَفْص بْن عَاصِم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَهُوَ جَدّ عُبَيْدِ اللَّه بْن عُمَر الْمَذْكُور فِي هَذَا الْإِسْنَاد. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ صَلَاتَيْنِ ) ‏ ‏مُحَصِّلُ مَا فِي الْبَاب أَرْبَعَة أَحَادِيث : الْأَوَّل وَالْأَخِير يَتَعَلَّقَانِ بِالْفِعْلِ , وَالثَّانِي وَالثَّالِث يَتَعَلَّقَانِ بِالْوَقْتِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْبَيْعَتَيْنِ فِي كِتَاب الْبَيْع , وَعَلَى اللُّبْسَتَيْنِ فِي كِتَاب اللِّبَاس. ‏ ‏قَوْله : ( بَعْدَ الْفَجْر ) ) ‏ ‏أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْر كَمَا تَقَدَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "550",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَا يُتَحَرَّى ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِلَفْظِ الْخَبَر , قَالَ السُّهَيْلِيُّ : يَجُوز الْخَبَر عَنْ مُسْتَقَرِّ أَمْر الشَّرْع , أَيْ لَا يَكُون إِلَّا هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَيُصَلِّيَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ , وَالْمُرَاد نَفْيُ التَّحَرِّي وَالصَّلَاة مَعًا , وَيَجُوز الرَّفْع أَيْ لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ الصَّلَاة فِي وَقْت كَذَا فَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ , وَقَالَ اِبْن خَرُوفٍ : يَجُوز فِي \" فَيُصَلِّي \" ثَلَاثَة أَوْجُه : الْجَزْم عَلَى الْعَطْف أَيْ لَا يَتَحَرَّ وَلَا يُصَلِّ , وَالرَّفْع عَلَى الْقَطْع أَيْ لَا يَتَحَرَّى فَهُوَ يُصَلِّي , وَالنَّصْب عَلَى جَوَاب النَّهْي وَالْمَعْنَى لَا يَتَحَرَّى مُصَلِّيًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْله لَا يَتَحَرَّى نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْي , وَيُصَلِّيَ بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ جَوَابه , كَأَنَّهُ قِيلَ : لَا يَتَحَرَّى , فَقِيلَ : لِمَ ؟ فَأُجِيبَ : خِيفَةَ أَنْ يُصَلِّيَ. وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَدَّرَ غَيْر ذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَعْنَبِيِّ فِي الْمُوَطَّأ \" لَا يَتَحَرَّى أَحَدكُمْ أَنْ يُصَلِّيَ \" وَمَعْنَاهُ لَا يَتَحَرَّى الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "551",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الْجُنْدَعِيُّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَالِح ) ‏ ‏هُوَ اِبْن كَيْسَانَ وَلَمْ يُخَرِّجْ الْبُخَارِيّ لِصَالِحِ بْن أَبِي الْأَخْضَر شَيْئًا. ‏ ‏قَوْله : ( لَا صَلَاة ) ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَصِيغَة النَّفْي فِي أَلْفَاظ الشَّارِع إِذَا دَخَلَتْ عَلَى فِعْلٍ كَانَ الْأَوْلَى حَمْلُهَا عَلَى نَفِي الْفِعْل الشَّرْعِيّ لَا الْحِسِّيّ , لِأَنَّا لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى نَفْي الْفِعْل الْحِسِّيّ لَاحْتَجْنَا فِي تَصْحِيحه إِلَى إِضْمَار , وَالْأَصْل عَدَمه. وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الشَّرْعِيّ لَمْ نَحْتَجْ إِلَى إِضْمَار , فَهَذَا وَجْه الْأَوْلَوِيَّة. وَعَلَى هَذَا فَهُوَ نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْي , وَالتَّقْدِير لَا تُصَلُّوا. وَحَكَى أَبُو الْفَتْح الْيَعْمُرِيُّ عَنْ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ النَّهْي عَنْ الصَّلَاة بَعْدَ الصُّبْح وَبَعْدَ الْعَصْر إِنَّمَا هُوَ إِعْلَام بِأَنَّهُمَا لَا يُتَطَوَّعُ بَعْدَهُمَا , وَلَمْ يُقْصَد الْوَقْت بِالنَّهْيِ كَمَا قُصِدَ بِهِ وَقْت الطُّلُوع وَوَقْت الْغُرُوب , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الصُّبْح وَلَا بَعْدَ الْعَصْر , إِلَّا أَنْ تَكُون الشَّمْس نَقِيَّةً \" وَفِي رِوَايَة \" مُرْتَفِعَة \" , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْبَعْدِيَّةِ لَيْسَ عَلَى عُمُومه , وَإِنَّمَا الْمُرَاد وَقْت الطُّلُوع وَوَقْت الْغُرُوب مَا قَارَبَهُمَا وَاَللَّه أَعْلَم. وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّ الصَّلَاة الْمَنْهِيَّة غَيْر صَحِيحَة , فَلَازَمَهُ أَنْ لَا يَقْصِدَ لَهَا الْمُكَلَّفُ , إِذْ الْعَاقِل لَا يَشْتَغِل بِمَا لَا فَائِدَة فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا صَلَاة بَعْدَ الصُّبْح ) ‏ ‏أَيْ بَعْدَ صَلَاة الصُّبْح , وَصَرَّحَ بِهِ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه فِي الْمَوْضِعَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "552",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا ‏ ‏يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ أَبَان ) ‏ ‏هُوَ الْبَلْخِيُّ , وَقِيلَ الْوَاسِطِيُّ , وَلِكُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ مُرَجِّحٌ وَكِلَاهُمَا ثِقَةٌ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُعَاوِيَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُعَاذٍ وَغَيْره عَنْ شُعْبَةَ \" خَطَبَنَا مُعَاوِيَةُ \" وَاتَّفَقَ أَصْحَاب شُعْبَة عَلَى أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ حُمْرَانَ , وَخَالَفَهُمْ عَنْ ابْنِ عُمَر وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فَقَالَا \" عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ \" وَالطَّرِيق الَّتِي اِخْتَارَهَا الْبُخَارِيّ أَرْجَحُ , وَيَجُوز أَنْ يَكُون لِأَبِي التَّيَّاحِ فِيهِ شَيْخَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( يُصَلِّيهِمَا ) ‏ ‏أَيْ الرَّكْعَتَيْنِ , وَلِلْحَمَوِيِّ \" يُصَلِّيهَا \" أَيْ الصَّلَاة. وَكَذَا وَقَعَ الْخِلَاف بَيْن الرُّوَاة فِي قَوْله عَنْهَا أَوْ عَنْهُمَا , وَكَلَام مُعَاوِيَة مُشْعِرٌ بِأَنَّ مَنْ خَاطَبَهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ بَعْدَ الْعَصْر رَكْعَتَيْنِ عَلَى سَبِيل التَّطَوُّع الرَّاتِب لَهَا كَمَا يُصَلِّي بَعْدَ الظُّهْر , وَمَا نَفَاهُ مِنْ رُؤْيَة صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمَا قَدْ أَثْبَتَهُ غَيْره , وَالْمُثْبِت مُقَدَّم عَلَى النَّافِي. وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ قَوْل عَائِشَة \" كَانَ لَا يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِد \" لَكِنْ لَيْسَ فِي رِوَايَة الْإِثْبَات مُعَارَضَةٌ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَة فِي النَّهْي , لِأَنَّ رِوَايَة الْإِثْبَات لَهَا سَبَب كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ , فَأُلْحِقَ بِهَا مَا لَهُ سَبَب وَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى عُمُومه , وَالنَّهْي فِيهِ مَحْمُول عَلَى مَا لَا سَبَب لَهُ. وَأَمَّا مَنْ يَرَى عُمُوم النَّهْي وَلَا يَخُصّهُ بِمَا لَهُ سَبَب فَيَحْمِلُ إِنْكَار مُعَاوِيَة عَلَى مَنْ يَتَطَوَّع وَيَحْمِلُ الْفِعْل عَلَى الْخُصُوصِيَّة , وَلَا يَخْفَى رُجْحَان الْأَوَّل , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "553",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خُبَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْدَةُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَانَ , وَبَقِيَّة الْإِسْنَاد وَالْمَتْن تَقَدَّمَ بِأَتَمِّ سِيَاقٍ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "554",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُصَلِّي كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يُصَلُّونَ لَا أَنْهَى أَحَدًا ‏ ‏يُصَلِّي بِلَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ مَا شَاءَ غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْدٍ. ‏ ‏قَوْله : ( أُصَلِّي ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي أَوَّله مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد \" كَانَ لَا يُصَلِّي مِنْ أَوَّل النَّهَار حَتَّى تَزُولَ الشَّمْس وَيَقُول أُصَلِّي إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ لَا تَحَرَّوْا ) ‏ ‏أَصْلُهُ تَتَحَرَّوْا أَيْ تَقْصِدُوا , وَزَادَ عَبْد الرَّزَّاق فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيث عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ نَافِع \" فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ : إِنَّهُ يَطْلُع قَرْن الشَّيْطَان مَعَ طُلُوع الشَّمْس \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : الْمُرَاد بِحَصْرِ الْكَرَاهَة فِي الْأَوْقَات الْخَمْسَة إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوْقَات الْأَصْلِيَّة وَإِلَّا فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّنَفُّل وَقْتَ إِقَامَة الصَّلَاة , وَوَقْتَ صُعُود الْإِمَام لِخُطْبَةِ الْجُمُعَة , وَفِي حَالَة الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة جَمَاعَةً لِمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّة كَرَاهَة التَّنَفُّل بَعْدَ الْجُمُعَة حَتَّى يَنْصَرِف النَّاس , وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّة كَرَاهَة التَّنَفُّل قَبْلَ صَلَاة الْمَغْرِب , وَسَيَأْتِي ثُبُوت الْأَمْر بِهِ فِي هَذَا الْجَامِع الصَّحِيح. ‏"
    },
    {
        "id": "555",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ وَمَا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ عَنْ الصَّلَاةِ وَكَانَ ‏ ‏يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلَاتِهِ قَاعِدًا تَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّيهِمَا وَلَا يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ مَخَافَةَ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَة قَالَتْ : وَاَلَّذِي ذَهَبَ بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن الْحَسَن , وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي زُرْعَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي نُعَيْم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَأَلَهَا عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْر فَقَالَتْ \" وَاَلَّذِي ذَهَبَ بِنَفْسِهِ \" تَعْنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا \" فَقَالَ لَهَا أَيْمَنُ : إِنَّ عُمَر كَانَ يَنْهَى عَنْهُمَا وَيَضْرِب عَلَيْهِمَا \" فَقَالَتْ \" صَدَقْت , وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهِمَا \" فَذَكَرَهُ. وَالْخَبَر بِذَلِكَ عَنْ عُمَر أَيْضًا ثَابِت فِي رِوَايَة كُرَيْبٍ عَنْ أُمّ سَلَمَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي \" بَاب إِذَا كَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَفِي أَوَّل الْخَبَر عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ اِبْن عَبَّاس وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن أَزْهَرَ أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَة فَقَالُوا : اِقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنَّا جَمِيعًا وَسَلْهَا عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلَاة الْعَصْر وَقُلْ لَهَا إِنَّا أُخْبِرْنَا أَنَّك تُصَلِّينَهُمَا , وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُمَا , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : وَقَدْ كُنْت أَضْرِب النَّاس مَعَ عُمَر عَلَيْهِمَا , الْحَدِيثَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏رَوَى عَبْد الرَّزَّاق مِنْ حَدِيث زَيْد بْن خَالِد سَبَب ضَرْبِ عُمَرَ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ عَنْ زَيْد بْنِ خَالِد : إِنَّ عُمَر رَآهُ وَهُوَ خَلِيفَة رَكَعَ بَعْدَ الْعَصْر فَضَرَبَهُ , فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ \" فَقَالَ عُمَر : يَا زَيْدُ لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّخِذَهُمَا النَّاس سُلَّمًا إِلَى الصَّلَاة حَتَّى اللَّيْلِ لَمْ أَضْرِب فِيهِمَا \" فَلَعَلَّ عُمَر كَانَ يَرَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاة بَعْدَ الْعَصْر إِنَّمَا هُوَ خَشْيَةَ إِيقَاع الصَّلَاة عِنْدَ غُرُوب الشَّمْس , وَهَذَا يُوَافِق قَوْل اِبْن عُمَر الْمَاضِي وَمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ اِبْن الْمُنْذِرِ وَغَيْره , وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْث عَنْ أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَةَ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ نَحْوَ رِوَايَة زَيْد بْن خَالِد وَجَوَاب عُمَر لَهُ وَفِيهِ \" وَلَكِنِّي أَخَاف أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَكُمْ قَوْم يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ الْعَصْر إِلَى الْمَغْرِب حَتَّى يَمُرُّوا بِالسَّاعَةِ الَّتِي نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلَّى فِيهَا \" وَهَذَا أَيْضًا يَدُلّ لِمَا قُلْنَاهُ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" مَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي أَعْلَام النُّبُوَّة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "556",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏ابْنَ أُخْتِي ‏ ‏مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَامٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْنَ أُخْتِي ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاء وَحَرْفُ النِّدَاء مَحْذُوف وَأَثْبَتَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَتِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "557",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏رَكْعَتَانِ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْدُ الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد , ‏ ‏وَالشَّيْبَانِيُّ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو إِسْحَاق , وَأَبُو إِسْحَاق الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الَّذِي بَعْدَهُ هُوَ السَّبِيعِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( يَدَعُهُمَا ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ \" فِي بَيْتِي \". ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏فَهِمَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا مِنْ مُوَاظَبَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْر أَنَّ نَهْيَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاة بَعْدَ الْعَصْر حَتَّى تَغْرُب الشَّمْس مُخْتَصّ بِمَنْ قَصَدَ الصَّلَاة عَنْ غُرُوب الشَّمْس لَا إِطْلَاقه , فَلِهَذَا قَالَتْ مَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهَا , وَكَانَتْ تَتَنَفَّل بَعْدَ الْعَصْر. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَجّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع قَالَ : رَأَيْت اِبْن الزُّبَيْر يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْر وَيُخْبِر أَنَّ عَائِشَة حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَدْخُل بَيْتَهَا إِلَّا صَلَّاهُمَا. وَكَأَنَّ اِبْنَ الزُّبَيْر فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ مَا فَهِمَتْهُ خَالَته عَائِشَة. وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ أَنَّ مُعَاوِيَة سَأَلَ اِبْن الزُّبَيْر عَنْ ذَلِكَ فَرَدَّ الْحَدِيث إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ , فَذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَة قِصَّةَ الرَّكْعَتَيْنِ حَيْثُ شُغِلَ عَنْهُمَا فَرَجَعَ الْأَمْر إِلَى مَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَوْل عَائِشَة \" مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِيَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ \" وَقَوْلهَا \" لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا \" وَقَوْلهَا \" مَا كَانَ يَأْتِينِي فِي يَوْم بَعْدَ الْعَصْر إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ \" مُرَادهَا مِنْ الْوَقْت الَّذِي شُغِلَ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْر فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْر , وَلَمْ تُرِدْ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْر رَكْعَتَيْنِ مِنْ أَوَّل مَا فُرِضَتْ الصَّلَوَات مَثَلًا إِلَى آخِرِ عُمُرِهِ , بَلْ فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَةَ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلهُمَا قَبْلَ الْوَقْت الَّذِي ذَكَرَتْ أَنَّهُ قَضَاهُمَا فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "558",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏الْأَسْوَدَ ‏ ‏وَمَسْرُوقًا ‏ ‏شَهِدَا عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْتِينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "559",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا الْمَلِيحِ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ كُنَّا مَعَ ‏ ‏بُرَيْدَةَ ‏ ‏فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ فَقَالَ ‏ ‏بَكِّرُوا ‏ ‏بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "560",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حُصَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةً فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ لَوْ ‏ ‏عَرَّسْتَ ‏ ‏بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنْ الصَّلَاةِ قَالَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏أَنَا أُوقِظُكُمْ فَاضْطَجَعُوا وَأَسْنَدَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ طَلَعَ ‏ ‏حَاجِبُ الشَّمْسِ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏بِلَالُ ‏ ‏أَيْنَ مَا قُلْتَ قَالَ مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ يَا ‏ ‏بِلَالُ ‏ ‏قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فَتَوَضَّأَ فَلَمَّا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ قَامَ فَصَلَّى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الْوَاسِطِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( سِرْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً ) ‏ ‏كَانَ ذَلِكَ فِي رُجُوعه مِنْ خَيْبَرَ , كَذَا جَزَمَ بِهِ بَعْض الشُّرَّاح مُعْتَمِدًا عَلَى مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَفِيهِ نَظَرٌ , لِمَا بَيَّنْته فِي \" بَاب الصَّعِيد الطَّيِّب \" مِنْ كِتَاب التَّيَمُّم. وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ هَذَا الْوَجْه فِي أَوَّلِهِ \" كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسِيرُ بِنَا \" وَزَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن رَبَاح عَنْ أَبِي قَتَادَةَ فِي أَوَّل الْحَدِيث قِصَّة لَهُ فِي مَسِيره مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَسَ حَتَّى مَال عَنْ رَاحِلَته , وَأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَعَّمَهُ ثَلَاثَ مَرَّات , وَأَنَّهُ فِي الْأَخِيرَة مَالَ عَنْ الطَّرِيق فَنَزَلَ فِي سَبْعَة أَنْفُس فَوَضَعَ رَأْسه ثُمَّ قَالَ \" اِحْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا \" وَلَمْ يَذْكُر مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيّ مِنْ قَوْل بَعْض الْقَوْم \" لَوْ عَرَّسَتْ بِنَا \" وَلَا قَوْل بِلَال \" أَنَا أُوقِظُكُمْ \" وَلَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة هَذَا السَّائِل. وَالتَّعْرِيس نُزُول الْمُسَافِر لِغَيْرِ إِقَامَة , وَأَصْله نُزُولٌ آخِرَ اللَّيْل. وَجَوَاب \" لَوْ \" مَحْذُوف تَقْدِيره : لَكَانَ أَسْهَلَ عَلَيْنَا. ‏ ‏قَوْله : ‏ ‏( أَنَا أُوقِظُكُمْ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة \" فَمَنْ يُوقِظُنَا ؟ قَالَ بِلَال : أَنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" فَغَلَبَتْ \" بِغَيْرِ ضَمِيرٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ اِسْتَيْقَظَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالشَّمْس فِي ظَهْرِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ‏ ‏( يَا بِلَالُ أَيْنَ مَا قُلْت ؟ ) ‏ ‏أَيْ أَيْنَ الْوَفَاء بِقَوْلِك أَنَا أُوقِظُكُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( مِثْلُهَا ) ‏ ‏أَيْ مِثْلُ النَّوْمَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّه قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ ) ‏ ‏هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( اللَّه يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَاَلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ) وَلَا يَلْزَم مِنْ قَبْضِ الرُّوح الْمَوْتُ , فَالْمَوْت اِنْقِطَاع تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِالْبَدَنِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا , وَالنَّوْم اِنْقِطَاعه عَنْ ظَاهِره فَقَطْ. زَادَ مُسْلِم \" أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْم تَفْرِيط \" الْحَدِيثَ. ‏ ‏قَوْله : ( حِينَ شَاءَ ) ‏ ‏حِين فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَيْسَ لِوَقْتِ وَاحِد , فَإِنَّ نَوْم الْقَوْم لَا يَتَّفِق غَالِبًا فِي وَقْت وَاحِد بَلْ يَتَتَابَعُونَ , فَيَكُون حِينَ الْأُولَى خَبَرًا عَنْ أَحْيَان مُتَعَدِّدَة. ‏ ‏قَوْله : ( قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلَاةِ ) ‏ ‏كَذَا هُوَ بِتَشْدِيدِ ذَالِ أَذِّنْ وَبِالْمُوَحَّدَةِ فِيهِمَا , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ فَآذِنْ بِالْمَدِّ وَحَذْفِ الْمُوَحَّدَة مِنْ \" بِالنَّاسِ \". وَآذِنْ مَعْنَاهُ أَعْلِمْ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ بَعْدُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَوَضَّأَ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" فَتَوَضَّأَ النَّاس , فَلَمَّا اِرْتَفَعَتْ \" , فِي رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق هُشَيْمٍ عَنْ حُصَيْنٍ \" فَقَضَوْا حَوَائِجهمْ فَتَوَضَّئُوا إِلَى أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْس \" وَهُوَ أَبْيَنُ سِيَاقًا , وَنَحْوُهُ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق خَالِد عَنْ حُصَيْنٍ , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ تَأْخِيرَهُ الصَّلَاةَ إِلَى أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْس وَارْتَفَعَتْ كَانَ بِسَبَبِ الشُّغْلِ بِقَضَاءِ حَوَائِجهمْ , لَا لِخُرُوجِ وَقْت الْكَرَاهَة. ‏ ‏قَوْل ( وَابْيَاضَّتْ ) وَزْنه اِفْعَالَّ بِتَشْدِيدِ اللَّام مِثْلُ اِحْمَارَّ وَابْهَارَّ , أَيْ صَفَتْ. وَقِيلَ إِنَّمَا يُقَال ذَلِكَ فِي كُلّ لَوْن بَيْن لَوْنَيْنِ , فَأَمَّا الْخَالِص مِنْ الْبَيَاض مَثَلًا فَإِنَّمَا يُقَال لَهُ أَبْيَضُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّى ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُدَ \" بِالنَّاسِ \". وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد جَوَاز اِلْتِمَاس الْأَتْبَاعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِهِمْ الدُّنْيَوِيَّة وَغَيْرهَا وَلَكِنْ بِصِيغَةِ الْعَرْض لَا بِصِيغَةِ الِاعْتِرَاض , وَأَنَّ عَلَى الْإِمَام أَنْ يُرَاعِيَ الْمَصَالِح الدِّينِيَّة وَالِاحْتِرَاز عَمَّا يَحْتَمِل فَوَاتَ الْعِبَادَةِ عَنْ وَقْتِهَا بِسَبَبِهِ , وَجَوَازُ اِلْتِزَام الْخَادِمِ الْقِيَام بِمُرَاقَبَةِ ذَلِكَ وَالِاكْتِفَاء فِي الْأُمُور الْمُهِمَّة بِالْوَاحِدِ , وَقَبُول الْعُذْر مِمَّنْ اِعْتَذَرَ بِأَمْرٍ سَائِغ , وَتَسْوِيغُ الْمُطَالَبَة بِالْوَفَاءِ بِالِالْتِزَامِ , وَتَوَجَّهَتْ الْمُطَالَبَة عَلَى بِلَال بِذَلِكَ تَنْبِيهًا لَهُ عَلَى اِجْتِنَاب الدَّعْوَى وَالثِّقَة بِالنَّفْسِ وَحُسْن الظَّنّ بِهَا لَا سِيَّمَا فِي مَظَانِّ الْغَلَبَة وَسَلْبِ الِاخْتِيَار , وَإِنَّمَا بَادَرَ بِلَال إِلَى قَوْله \" أَنَا أُوقِظُكُمْ \" اِتِّبَاعًا لِعَادَتِهِ فِي الِاسْتِيقَاظ فِي مِثْل ذَلِكَ الْوَقْت لِأَجْلِ الْأَذَان , وَفِيهِ خُرُوج الْإِمَام بِنَفْسِهِ فِي الْغَزَوَات وَالسَّرَايَا , وَفِيهِ الرَّدّ عَلَى مُنْكِرِي الْقَدَرِ وَأَنَّهُ لَا وَاقِع فِي الْكَوْن إِلَّا بِقَدَرٍ , وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا مَا تَرْجَمَ لَهُ وَهُوَ الْأَذَان لِلْفَائِتَةِ , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم وَأَحْمَد وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذِرِ , وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد : لَا يُؤَذَّنُ لَهَا , وَالْمُخْتَار عِنْدَ كَثِير مِنْ أَصْحَابه أَنْ يُؤَذَّنَ لِصِحَّةِ الْحَدِيث. وَحَمْلُ الْأَذَانِ هُنَا عَلَى الْإِقَامَة مُتَعَقَّبٌ , لِأَنَّهُ عَقَّبَ الْأَذَانَ بِالْوُضُوءِ ثُمَّ بِارْتِفَاعِ الشَّمْس , فَلَوْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ الْإِقَامَة لَمَا أَخَّرَ الصَّلَاة عَنْهَا. نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ مَحْضُ الْإِعْلَامِ وَلَا سِيَّمَا عَلَى رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْن الْمُنْذِرِ مِنْ حَدِيث عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة \" فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ , ثُمَّ أَمَرَهُ. فَأَقَامَ فَصَلَّى الْغَدَاة \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث الَّذِي اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَ التَّأْذِين فِي الْبَاب بَعْدَ هَذَا , وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْجَمَاعَة فِي الْفَوَائِت وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ أَيْضًا , وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الْمَالِكِيَّة عَلَى عَدَم قَضَاء السُّنَّةِ الرَّاتِبَة لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِيهِ أَنَّهُمْ صَلَّوْا رَكْعَتَيْ الْفَجْر , وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ عَدَم الذِّكْر عَدَمُ الْوُقُوع , لَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ رَكَعَهُمَا فِي حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ هَذَا عِنْدَ مُسْلِم , وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ لِذَلِكَ فِي أَبْوَاب التَّطَوُّع , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُهَلَّبُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاة الْوُسْطَى هِيَ الصُّبْح قَالَ : لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُر أَحَدًا بِمُرَاقَبَةِ وَقْت صَلَاة غَيْرهَا , وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى , قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الْمَأْمُورُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَفُتْهُ صَلَاةٌ غَيْرُهَا لِغَيْرِ عُذْرِ شُغْلِهِ عَنْهَا ا ه. وَهُوَ كَلَام مُتَدَافِعٌ , فَأَيُّ عُذْر أَبْيَنُ مِنْ النَّوْم , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَبُول خَبَر الْوَاحِد , قَالَ اِبْن بَزِيزَةَ وَلَيْسَ هُوَ بِقَاطِعٍ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْجِع إِلَى قَوْل بِلَال بِمُجَرَّدِهِ , بَلْ بَعْدَ النَّظَر إِلَى الْفَجْر لَوْ اِسْتَيْقَظَ مَثَلًا , وَفِيهِ جَوَاز تَأْخِير قَضَاء الْفَائِتَة عَنْ وَقْت الِانْتِبَاه مَثَلًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مَعَ بَقِيَّة فَوَائِده فِي \" بَاب الصَّعِيد الطَّيِّب \" مِنْ كِتَاب التَّيَمُّم. ‏"
    },
    {
        "id": "561",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏جَاءَ يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ تَغْرُبُ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا فَقُمْنَا إِلَى ‏ ‏بُطْحَانَ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( هِشَامٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَبْد اللَّه الدَّسّْتُوَائِيُّ , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِيرٍ , وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله : ‏ ‏( أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب ) ‏ ‏قَدْ اِتَّفَقَ الرُّوَاة عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة جَابِر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا حَجَّاجَ بْنَ نُصَيْرٍ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِيرٍ فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ جَابِر عَنْ عُمَر \" فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَد عُمَر , تَفَرَّدَ بِذَلِكَ حَجَّاجٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ. ‏ ‏قَوْله : ( يَوْمَ الْخَنْدَق ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحُ أَمْره فِي كِتَاب الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ‏ ‏( بَعْدَمَا غَرَبَتْ الشَّمْس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى عِنْدَ الْمُصَنِّفِ \" وَذَلِكَ بَعْدَمَا أَفْطَرَ الصَّائِم \" وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. ‏ ‏قَوْله : ( يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ ) ‏ ‏لِأَنَّهُمْ كَانُوا السَّبَب فِي تَأْخِيرهمْ الصَّلَاة عَنْ وَقْتهَا , إِمَّا الْمُخْتَار كَمَا وَقَعَ لِعُمَر , وَإِمَّا مُطْلَقًا كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا كِدْت ) ‏ ‏قَالَ الْيَعْمُرِيُّ : لَفْظَةُ \" كَادَ \" مِنْ أَفْعَال الْمُقَارَبَةِ , فَإِذَا قُلْت كَادَ زَيْدٌ يَقُوم فُهِمَ مِنْهَا أَنَّهُ قَارَبَ الْقِيَام وَلَمْ يَقُمْ , قَالَ : وَالرَّاجِح فِيهَا أَنْ لَا تُقْرَنَ بِأَنْ , بِخِلَافِ عَسَى فَإِنَّ الرَّاجِح فِيهَا أَنْ تُقْرَنَ. قَالَ : وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْلِم فِي هَذَا الْحَدِيث \" حَتَّى كَادَتْ الشَّمْس أَنْ تَغْرُب \". ‏ ‏قُلْت : وَفِي الْبُخَارِيّ فِي \" بَاب غَزْوَة الْخَنْدَق \" أَيْضًا وَهُوَ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة , وَهَلْ تَسُوغُ الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى فِي مِثْل هَذَا أَوْ لَا ؟ الظَّاهِر الْجَوَاز , لِأَنَّ الْمَقْصُود الْإِخْبَار عَنْ صَلَاته الْعَصْر كَيْف وَقَعَتْ , لَا الْإِخْبَار عَنْ عُمَر هَلْ تَكَلَّمَ بِالرَّاجِحَةِ أَوْ الْمَرْجُوحَة. قَالَ : وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَعْنَى \" كَادَ \" الْمُقَارَبَة فَقَوْل عُمَر \" مَا كِدْت أُصَلِّي الْعَصْر حَتَّى كَادَتْ الشَّمْس تَغْرُب \" مَعْنَاهُ أَنَّهُ صَلَّى الْعَصْر قُرْبَ غُرُوب الشَّمْس , لِأَنَّ نَفْيَ الصَّلَاة يَقْتَضِي إِثْبَاتهَا , وَإِثْبَات الْغُرُوب يَقْتَضِي نَفْيَهُ , فَتَحَصَّلَ مِنْ ذَلِكَ لِعُمَر ثُبُوتُ الصَّلَاة وَلَمْ يَثْبُت الْغُرُوب ا ه. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَا يَلْزَم مِنْ هَذَا السِّيَاق وُقُوع الصَّلَاة فِي وَقْت الْعَصْر , بَلْ يَلْزَم مِنْهُ أَنْ لَا تَقَع الصَّلَاة لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كَيْدُودَتَهُ كَانَتْ كَيْدُودَتَهَا , قَالَ : وَحَاصِله عُرْفًا مَا صَلَّيْت حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْس ا ه. وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَ التَّقْرِيرَيْنِ مِنْ الْفَرْق , وَمَا اِدَّعَاهُ مِنْ الْعُرْف مَمْنُوع وَكَذَا الْعِنْدِيَّةُ , لِلْفَرْقِ الَّذِي أَوْضَحَهُ الْيَعْمُرِيُّ مِنْ الْإِثْبَات وَالنَّفْي لِأَنَّ كَادَ إِذَا أُثْبِتَتْ نَفَتْ وَإِذَا نَفَتْ أُثْبِتَتْ كَمَا قَالَ فِيهَا الْمَعَرِّي مُلْغِزًا : ‏ ‏إِذَا نُفِيَتْ وَاَللَّه أَعْلَم أَثْبَتَتْ ‏ ‏وَإِنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ ‏ ‏هَذَا إِلَى مَا فِي تَعْبِيره بِلَفْظِ كَيْدُودَةٍ مِنْ الثِّقَلِ وَاَللَّه الْهَادِي إِلَى الصَّوَاب. فَإِنْ قِيلَ : الظَّاهِر أَنَّ عُمَر كَانَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْف اِخْتَصَّ بِأَنْ أَدْرَكَ صَلَاة الْعَصْر قَبْلَ غُرُوب الشَّمْس بِخِلَافِ بَقِيَّة الصَّحَابَة , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الشُّغْلُ وَقَعَ بِالْمُشْرِكِينَ إِلَى قُرْبِ غُرُوب الشَّمْس , وَكَانَ عُمَر حِينَئِذٍ مُتَوَضِّئًا فَبَادَرَ فَأَوْقَعَ الصَّلَاة , ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ فِي الْحَال الَّتِي كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا قَدْ شَرَعَ يَتَهَيَّأ لِلصَّلَاةِ , وَلِهَذَا قَامَ عِنْدَ الْإِخْبَار هُوَ وَأَصْحَابه إِلَى الْوُضُوء. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي سَبَب تَأْخِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاة ذَلِكَ الْيَوْمَ , فَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ نِسْيَانًا , وَاسْتَبْعَدَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنْ الْجَمِيع. وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي جُمْعَةَ \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْمَغْرِب يَوْمَ الْأَحْزَاب , فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : هَلْ عَلِمَ رَجُل مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْت الْعَصْر ؟ قَالُوا : لَا يَا رَسُول اللَّه , فَصَلَّى الْعَصْر ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِب \" ا ه. وَفِي صِحَّة هَذَا الْحَدِيث نَظَرٌ , لِأَنَّهُ مُخَالِف لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَر \" وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتهَا \" وَيُمْكِنُ الْجَمْع بَيْنَهُمَا بِتَكَلُّفٍ. ‏ ‏وَقِيلَ كَانَ عَمْدًا لِكَوْنِهِمْ شَغَلُوهُ فَلَمْ يُمَكِّنُوهُ مِنْ ذَلِكَ , وَهُوَ أَقْرَب , لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُنْزِلَ اللَّه فِي صَلَاة الْخَوْف ( فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ) وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحُكْم هَلْ نُسِخَ أَمْ لَا كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب صَلَاة الْخَوْف إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( بُطْحَانَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيه : وَادٍ بِالْمَدِينَةِ , وَقِيلَ هُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْر ثَانِيه حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّى الْعَصْر ) ‏ ‏وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأ مِنْ طَرِيق أُخْرَى أَنَّ الَّذِي فَاتَهُمْ الظُّهْر وَالْعَصْر , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ الظُّهْر وَالْعَصْر وَالْمَغْرِب , وَأَنَّهُمْ صَلَّوْا بَعْدَ هَوًى مِنْ اللَّيْل وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْدَ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ \" أَنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَرْبَع صَلَوَات يَوْمَ الْخَنْدَق حَتَّى ذَهَبَ مِنْ اللَّيْل مَا شَاءَ اللَّه \" وَفِي قَوْله \" أَرْبَعٍ \" تَجَوُّزٌ لِأَنَّ الْعِشَاء لَمْ تَكُنْ فَاتَتْ. قَالَ الْيَعْمُرِيُّ : مِنْ النَّاس مَنْ رَجَّحَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ اِبْن الْعَرَبِيّ فَقَالَ : إِنَّ الصَّحِيح أَنَّ الصَّلَاة الَّتِي شُغِلَ عَنْهَا وَاحِدَة وَهِيَ الْعَصْر. ‏ ‏قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث عَلِيّ فِي مُسْلِم \" شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر \" قَالَ : وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بِأَنَّ الْخَنْدَقَ كَانَتْ وَقْعَتُهُ أَيَّامًا فَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَة فِي تِلْكَ الْأَيَّام , قَالَ : وَهَذَا أَوْلَى. ‏ ‏قُلْت : وَيُقَرِّبُهُ أَنَّ رِوَايَتَيْ أَبِي سَعِيد وَابْن مَسْعُود لَيْسَ فِيهِمَا تَعَرُّضٌ لِقِصَّةِ عُمَر , بَلْ فِيهِمَا أَنَّ قَضَاءَهُ لِلصَّلَاةِ وَقَعَ بَعْدَ خُرُوج وَقْت الْمَغْرِب. وَأَمَّا رِوَايَة حَدِيث الْبَاب فَفِيهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَقِبَ غُرُوب الشَّمْس. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَإِنْ قُلْت كَيْف دَلَّ الْحَدِيث عَلَى الْجَمَاعَة ؟ قُلْت : إِمَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ فِي السِّيَاق اِخْتِصَارًا , وَإِمَّا مِنْ إِجْرَاء الرَّاوِي الْفَائِتَة الَّتِي هِيَ الْعَصْر وَالْحَاضِرَة الَّتِي هِيَ الْمَغْرِب مَجْرًى وَاحِدًا. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَغْرِب كَانَتْ بِالْجَمَاعَةِ لِمَا هُوَ مَعْلُوم مِنْ عَادَتِهِ ا ه. وَبِالِاحْتِمَالِ الْأَوَّل جَزَمَ اِبْن الْمُنِير زَيْنُ الدِّين فَقَالَ : فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ صَلَّى فِي جَمَاعَة , أُجِيبَ بِأَنَّ مَقْصُود التَّرْجَمَة مُسْتَفَاد مِنْ قَوْله \" فَقَامَ وَقُمْنَا وَتَوَضَّأَ وَتَوَضَّأْنَا \". ‏ ‏قُلْت : الِاحْتِمَال الْأَوَّل هُوَ الْوَاقِع فِي نَفْس الْأَمْر , فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق يَزِيدَ بْن زُرَيْعٍ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ \" فَصَلَّى بِنَا الْعَصْر \" , وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد تَرْتِيب الْفَوَائِت , وَالْأَكْثَر عَلَى وُجُوبه مَعَ الذِّكْرِ لَا مَعَ النِّسْيَان. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيهَا , وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَذَكَّرَ فَائِتَة فِي وَقْتِ حَاضِرَة ضَيِّقٍ هَلْ يَبْدَأ بِالْفَائِتَةِ - وَإِنْ خَرَجَ وَقْت الْحَاضِرَة - أَوْ يَبْدَأ بِالْحَاضِرَةِ , أَوْ يَتَخَيَّر ؟ فَقَالَ بِالْأَوَّلِ مَالِكٌ , وَقَالَ بِالثَّانِي الشَّافِعِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْيِ وَأَكْثَر أَصْحَاب الْحَدِيث , وَقَالَ بِالثَّالِثِ أَشْهَبُ. وَقَالَ عِيَاض : مَحَلُّ الْخِلَاف إِذَا لَمْ تَكْثُرْ الصَّلَوَات الْفَوَائِت , فَأَمَّا إِذَا كَثُرَتْ فَلَا خِلَاف أَنَّهُ يَبْدَأ بِالْحَاضِرَةِ , وَاخْتَلَفُوا فِي حَدّ الْقَلِيل , فَقِيلَ : صَلَاة يَوْم , وَقِيلَ أَرْبَع صَلَوَات. وَفِيهِ جَوَاز الْيَمِين مِنْ غَيْر اِسْتِحْلَاف إِذَا اِقْتَضَتْ مَصْلَحَةٌ مِنْ زِيَادَة طُمَأْنِينَة أَوْ نَفْيِ تَوَهُّمٍ. وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق وَحُسْنِ التَّأَنِّي مَعَ أَصْحَابه وَتَأَلُّفِهِمْ وَمَا يَنْبَغِي الِاقْتِدَاء بِهِ فِي ذَلِكَ , وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب قَضَاء الْفَوَائِت فِي الْجَمَاعَة وَبِهِ قَالَ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم إِلَّا اللَّيْثَ مَعَ أَنَّهُ أَجَازَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ جَمَاعَةً إِذَا فَاتَتْ وَالْإِقَامَة لِلصَّلَاةِ الْفَائِتَة , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَم مَشْرُوعِيَّة الْأَذَان لِلْفَائِتَةِ , وَأَجَابَ مَنْ اِعْتَبَرَهُ بِأَنَّ الْمَغْرِبَ كَانَتْ حَاضِرَة وَلَمْ يَذْكُر الرَّاوِي الْأَذَان لَهَا , وَقَدْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَذَان لِلْحَاضِرَةِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ تَرَكَ ذِكْرَ ذَلِكَ لَا أَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي نَفْس الْأَمْرِ , وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْمَغْرِب لَمْ يَتَهَيَّأْ إِيقَاعهَا إِلَّا بَعْدَ خُرُوج وَقْتهَا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى الْقَوْلِ بِتَضْيِيقِهِ. وَعَكَسَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُتَّسِعٌ , لِأَنَّهُ قَدَّمَ الْعَصْرَ عَلَيْهَا فَلَوْ كَانَ ضَيِّقًا لَبَدَأَ بِالْمَغْرِبِ وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْل الشَّافِعِيّ فِي قَوْله بِتَقَدُّمِ الْحَاضِرَة وَهُوَ الَّذِي قَالَ بِأَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِب ضَيِّقٌ فَيَحْتَاج إِلَى الْجَوَاب عَنْ هَذَا الْحَدِيث , وَهَذَا فِي حَدِيث جَابِر , وَأَمَّا حَدِيث أَبِي سَعِيد فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ هَذَا لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ فِيهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بَعْدَ مُضِيِّ هَوًى مِنْ اللَّيْلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "562",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ ‏ { ‏وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ‏} ‏قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ ‏ ‏وَأَقِمْ الصَّلَاةَ للذِّكْرَى ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَبَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هَمَّامٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَحْيَى , وَالْإِسْنَاد كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ نَسِيَ صَلَاة فَلْيُصَلِّ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع الرِّوَايَات بِحَذْف الْمَفْعُول , وَرَوَاهُ مُسْلِم عَنْ هَدَّابِ بْن خَالِد عَنْ هَمَّامٍ بِلَفْظِ \" فَلْيُصَلِّهَا \" وَهُوَ أَبْيَنُ لِلْمُرَادِ. وَزَادَ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ رِوَايَة سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ \" أَوْ نَامَ عَنْهَا \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة الْمُثَنَّى بْن سَعِيد الضُّبَعِيِّ عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ مِنْهُ الْقَائِل إِنَّ الْعَامِد لَا يَقْضِي الصَّلَاة لِأَنَّ اِنْتِفَاء الشَّرْط يَسْتَلْزِم اِنْتِفَاء الْمَشْرُوط فَيَلْزَم مِنْهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْسَ لَا يُصَلِّي وَقَالَ مَنْ قَالَ يَقْضِي الْعَامِد بِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَفَاد مِنْ مَفْهُوم الْخِطَاب , فَيَكُون مِنْ بَاب التَّنْبِيه بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى , لِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ الْقَضَاء عَلَى النَّاسِي - مَعَ سُقُوط الْإِثْم وَرَفْعِ الْحَرَج عَنْهُ - فَالْعَامِد أَوْلَى. وَادَّعَى بَعْضهمْ أَنَّ وُجُوب الْقَضَاء عَلَى الْعَامِد يُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" نَسِيَ \" لِأَنَّ النِّسْيَان يُطْلَقُ عَلَى التَّرْك سَوَاءٌ كَانَ عَنْ ذُهُولٍ أَمْ لَا , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( نَسُوا اللَّه فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسهمْ - نَسُوا اللَّه فَنَسِيَهُمْ ). قَالَ : وَيُقَوِّي ذَلِكَ قَوْله \" لَا كَفَّارَة لَهَا \" وَالنَّائِم وَالنَّاسِي لَا إِثْم عَلَيْهِ. قَالَ : وَهُوَ بَحْثٌ ضَعِيف , لِأَنَّ الْخَبَر بِذِكْرِ النَّائِم ثَابِتٌ وَقَدْ قَالَ فِيهِ \" لَا كَفَّارَةَ لَهَا \" وَالْكَفَّارَة قَدْ تَكُون عَنْ الْخَطَأ كَمَا تَكُون عَنْ الْعَمْد , وَالْقَائِل بِأَنَّ الْعَامِد لَا يَقْضِي لَمْ يَرِدْ أَنَّهُ أَخَفُّ حَالًا مِنْ النَّاسِي , بَلْ يَقُول إِنَّهُ لَوْ شُرِعَ لَهُ الْقَضَاء لَكَانَ هُوَ وَالنَّاسِي سَوَاءً , وَالنَّاسِي غَيْرُ مَأْثُومٍ بِخِلَافِ الْعَامِد فَالْعَامِد أَسْوَأُ حَالًا مِنْ النَّاسِي فَكَيْف يَسْتَوِيَانِ ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَال إِنَّ إِثْمَ الْعَامِد بِإِخْرَاجِهِ الصَّلَاة عَنْ وَقْتهَا بَاقٍ عَلَيْهِ وَلَوْ قَضَاهَا , بِخِلَافِ النَّاسِي فَإِنَّهُ لَا إِثْم عَلَيْهِ مُطْلَقًا , وَوُجُوب الْقَضَاء عَلَى الْعَامِد بِالْخِطَابِ الْأَوَّل لِأَنَّهُ قَدْ خُوطِبَ بِالصَّلَاةِ وَتَرَتَّبَتْ فِي ذِمَّته فَصَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ , وَالدَّيْن لَا يَسْقُط إِلَّا بِأَدَائِهِ فَيَأْثَم بِإِخْرَاجِهِ لَهَا عَنْ الْوَقْت الْمَحْدُود لَهَا وَيَسْقُط عَنْهُ الطَّلَب بِأَدَائِهَا , فَمَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَان عَامِدًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُ مَعَ بَقَاء إِثْم الْإِفْطَار عَلَيْهِ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مُوسَى ) ‏ ‏أَيْ دُونَ أَبِي نُعَيْم ‏ ‏( قَالَ هَمَّامٌ سَمِعْته ) ‏ ‏يَعْنِي قَتَادَةَ ‏ ‏( يَقُول بَعْدُ ) ‏ ‏أَيْ فِي وَقْتٍ آخَرَ ( لِلذِّكْرَى ) يَعْنِي أَنَّ هَمَّام سَمِعَهُ مِنْ قَتَادَةَ مَرَّةً بِلَفْظِ ‏ ‏( لِلذِّكْرَى ) ‏ ‏بِلَامَيْنِ وَفَتْح الرَّاء بَعْدَهَا أَلْفٌ مَقْصُورَةٌ - وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق يُونُس أَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ يَقْرَأهَا كَذَلِكَ - وَمَرَّةً كَانَ يَقُولهَا قَتَادَةَ بِلَفْظِ \" لِذِكْرِي \" بِلَامٍ وَاحِدَةٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَهِيَ الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذِكْرِ الْآيَة هَلْ هِيَ مِنْ كَلَامِ قَتَادَةَ أَوْ هِيَ مِنْ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ هَدَّابٍ قَالَ قَتَادَةُ ‏ ‏( وَأَقِمْ الصَّلَاة لِذِكْرِي ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق الْمُثَنَّى عَنْ قَتَادَةَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِذَا رَقَدَ أَحَدكُمْ عَنْ الصَّلَاة أَوْ غَفَلَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّه يَقُول ( أَقِمْ الصَّلَاة لِذِكْرِي ) وَهَذَا ظَاهِر أَنَّ الْجَمِيع مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا , لِأَنَّ الْمُخَاطَب بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام , وَهُوَ الصَّحِيح فِي الْأُصُول مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخ , وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" لِذِكْرِي \" فَقِيلَ الْمَعْنَى لِتَذْكُرنِي فِيهَا. وَقِيلَ لِأَذْكُرَك بِالْمَدْحِ , وَقِيلَ إِذَا ذَكَرْتهَا , أَيْ لِتَذْكِيرِي لَك إِيَّاهَا , وَهَذَا يُعَضِّدُ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ \" لِلذِّكْرَى \". وَقَالَ النَّخَعِيُّ. اللَّام لِلظَّرْفِ , أَيْ إِذَا ذَكَرْتنِي أَيْ إِذَا ذَكَرْت أَمْرِي بَعْدَمَا نَسِيت , وَقِيلَ لَا تَذْكُرْ فِيهَا غَيْرِي , وَقِيلَ شُكْرًا لِذِكْرِي , وَقِيلَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ ذِكْرِي ذِكْرُ أَمْرِي , وَقِيلَ الْمَعْنَى إِذَا ذَكَرْت الصَّلَاة فَقَدْ ذَكَرْتنِي فَإِنَّ الصَّلَاة عِبَادَة لِلَّهِ فَمَتَى ذَكَرَهَا ذَكَرَ الْمَعْبُود فَكَأَنَّهُ أَرَادَ لِذِكْرِ الصَّلَاة. وَقَالَ التوربشتي : الْأَوْلَى أَنْ يَقْصِدَ إِلَى وَجْهٍ يُوَافِق الْآيَة وَالْحَدِيث , وَكَأَنَّ الْمَعْنَى أَقِمْ الصَّلَاة لِذِكْرِهَا , لِأَنَّهُ إِذَا ذَكَرَهَا ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى , أَوْ يَقْصِد مُضَاف أَيْ لِذِكْرِ صَلَاتِي أَوْ ذَكَرَ الضَّمِيرَ فِيهِ مَوْضِعَ الصَّلَاة لِشَرَفِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ حَبَّانُ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ اِبْنُ هِلَالٍ , وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان سَمَاعِ قَتَادَةَ لَهُ مِنْ أَنَسٍ لِتَصْرِيحِهِ فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ , وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحه عَنْ عَمَّار بْنِ رَجَاءٍ عَنْ حَبَّانَ بْن هِلَال وَفِيهِ أَنَّ هَمَّامًا سَمِعَهُ مِنْ قَتَادَةَ مَرَّتَيْنِ كَمَا فِي رِوَايَة مُوسَى. ‏"
    },
    {
        "id": "563",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى الْقَطَّانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَعَلَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ وَقَالَ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ قَالَ فَنَزَلْنَا ‏ ‏بُطْحَانَ ‏ ‏فَصَلَّى بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( يَحْيَى ) ‏ ‏الْمَذْكُور فِيهِ هُوَ ‏ ‏( الْقَطَّانُ ) ‏ ‏, وَبَقِيَّة الْإِسْنَاد تَقَدَّمَ قَبْلُ. وَأَوْرَدَ الْمَتْن هُنَا مُخْتَصَرًا , وَلَا يَنْهَض الِاسْتِدْلَال بِهِ لِمَنْ يَقُول بِوُجُوبِ تَرْتِيب الْفَوَائِت إِلَّا إِذَا قُلْنَا إِنَّ أَفْعَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُجَرَّدَة لِلْوُجُوبِ , اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُسْتَدَلَّ لَهُ بِعُمُومِ قَوْله \" صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي \" فَيَقْوَى , وَقَدْ اِعْتَبَرَ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّة فِي أَشْيَاءَ غَيْرِ هَذِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "564",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْمِنْهَالِ ‏ ‏قَالَ انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى ‏ ‏أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ أَبِي ‏ ‏حَدِّثْنَا ‏ ‏كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ قَالَ كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي ‏ ‏الْهَجِيرَ ‏ ‏وَهِيَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْأُولَى حِينَ ‏ ‏تَدْحَضُ ‏ ‏الشَّمْسُ وَيُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى أَهْلِهِ فِي أَقْصَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَالشَّمْسُ ‏ ‏حَيَّةٌ ‏ ‏وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ قَالَ وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ قَالَ وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا وَكَانَ ‏ ‏يَنْفَتِلُ ‏ ‏مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ أَحَدُنَا جَلِيسَهُ وَيَقْرَأُ مِنْ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ ‏",
        "sharh": "قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي بَرْزَةَ الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب فِي \" بَاب وَقْت الْعَصْر \". وَمَوْضِع الْحَاجَة مِنْهُ هُنَا قَوْله \" وَكَانَ يَكْرَه النَّوْم قَبْلَهَا وَالْحَدِيث بَعْدَهَا \" لِأَنَّ النَّوْم قَبْلَهَا قَدْ يُؤَدِّي إِلَى إِخْرَاجهَا عَنْ وَقْتهَا مُطْلَقًا أَوْ عَنْ الْوَقْت الْمُخْتَار , وَالسَّمَر بَعْدَهَا قَدْ يُؤَدِّي إِلَى النَّوْم عَنْ الصُّبْح أَوْ عَنْ وَقْتهَا الْمُخْتَار أَوْ عَنْ قِيَام اللَّيْل , وَكَانَ عُمَر بْن الْخَطَّابِ يَضْرِب النَّاس عَلَى ذَلِكَ وَيَقُول : أَسَمَرًا أَوَّلَ اللَّيْل وَنَوْمًا آخِرَهُ ؟ وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ عِلَّة النَّهْي ذَلِكَ فَقَدْ يُفَرِّقُ فَارِقٌ بَيْنَ اللَّيَالِي الطِّوَال وَالْقِصَار , وَيُمْكِنُ أَنْ تُحْمَلَ الْكَرَاهَة عَلَى الْإِطْلَاق حَسْمًا لِلْمَادَّةِ , لِأَنَّ الشَّيْء إِذَا شُرِعَ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةً قَدْ يَسْتَمِرُّ فَيَصِيرُ مَثِنَّةً , وَاَللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "565",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ انْتَظَرْنَا ‏ ‏الْحَسَنَ ‏ ‏وَرَاثَ ‏ ‏عَلَيْنَا حَتَّى قَرُبْنَا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ فَجَاءَ فَقَالَ دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلَاءِ ثُمَّ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏انْتَظَرْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى كَانَ ‏ ‏شَطْرُ ‏ ‏اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ أَلَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا وَإِنَّكُمْ ‏ ‏لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمْ الصَّلَاةَ قَالَ ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏وَإِنَّ الْقَوْمَ لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا انْتَظَرُوا الْخَيْرَ قَالَ ‏ ‏قُرَّةُ ‏ ‏هُوَ مِنْ حَدِيثِ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْنُ صُبَاحٍ ) ‏ ‏هُوَ الْعَطَّار وَهُوَ بَصْرِيٌّ وَكَذَا بَقِيَّة رِجَال هَذَا الْإِسْنَاد. ‏ ‏قَوْله : ( اِنْتَظَرْنَا الْحَسَن ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي الْحَسَن الْبَصْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَاثَ عَلَيْنَا ) ‏ ‏الْوَاو لِلْحَالِ وَرَاثَ بِمُثَلَّثَةٍ غَيْر مَهْمُوز أَيْ أَبْطَأَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ وَقْت قِيَامه ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي جَرَتْ عَادَتُهُ بِالْقُعُودِ مَعَهُمْ فِيهِ كُلَّ لَيْلَة فِي الْمَسْجِد لِأَخْذِ الْعِلْم عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( دَعَانَا جِيرَانُنَا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْجِيم , كَأَنَّ الْحَسَن أَوْرَدَ هَذَا مَوْرِدَ الِاعْتِذَار عَنْ تَخَلُّفِهِ عَنْ الْقُعُود عَلَى عَادَتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ ) ‏ ‏أَيْ الْحَسَن ‏ ‏( قَالَ أَنَس نَظَرْنَا ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" اِنْتَظَرْنَا \" وَهُمَا بِمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى كَانَ شَطْر اللَّيْل ) ‏ ‏بِرَفْعِ شَطْر , وَكَانَ تَامَّة , ‏ ‏وَقَوْله : ( يَبْلُغهُ ) ‏ ‏أَيْ يَقْرُبُ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ خَطَبَنَا ) ‏ ‏هُوَ مَوْضِع التَّرْجَمَة لِمَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" بَعْدَهَا \" أَيْ بَعْدَ صَلَاتهَا. وَأَوْرَدَ الْحَسَن ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ مُؤْنِسًا لَهُمْ وَمُعَرِّفًا أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانَ فَاتَهُمْ الْأَجْر عَلَى مَا يَتَعَلَّمُونَهُ مِنْهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَى ظَنُّهُمْ فَلَمْ يَفُتْهُمْ الْأَجْر مُطْلَقًا لِأَنَّ مُنْتَظِر الْخَيْر فِي خَيْر فَيَحْصُلُ لَهُ الْأَجْر بِذَلِكَ , وَالْمُرَاد أَنَّهُ يَحْصُل لَهُمْ الْخَيْر فِي الْجُمْلَة لَا مِنْ جَمِيع الْجِهَات , وَبِهَذَا يُجَاب عَمَّنْ اِسْتَشْكَلَ قَوْله \" أَنَّهُمْ فِي صَلَاة \" مَعَ أَنَّهُمْ جَائِز لَهُمْ الْأَكْل وَالْحَدِيث وَغَيْر ذَلِكَ. وَاسْتَدَلَّ الْحَسَن عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ آنَسَ أَصْحَابه بِمِثْلِ ذَلِكَ , وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَن بَعْدُ : وَأَنَّ الْقَوْم لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا اِنْتَظَرُوا الْخَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ قُرَّةُ : هُوَ مِنْ حَدِيث أَنَس ) ‏ ‏يَعْنِي الْكَلَام الْأَخِير , وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَر لِي , لِأَنَّ الْكَلَام الْأَوَّل ظَاهِر فِي كَوْنه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَخِير هُوَ الَّذِي لَمْ يُصَرِّح الْحَسَن بِرَفْعِهِ وَلَا بِوَصْلِهِ فَأَرَادَ قُرَّةُ الَّذِي اِطَّلَعَ عَلَى كَوْنه فِي نَفْس الْأَمْر مَوْصُولًا مَرْفُوعًا أَنْ يَعْلَم مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَابْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْد اللَّه بْن الصُّبَاحِ شَيْخ الْبُخَارِيّ بِإِسْنَادِهِ هَذَا حَدِيثًا خَالَفَ الْبُخَارِيّ فِيهِ فِي بَعْض الْإِسْنَاد وَالْمَتْن فَقَالَا \" عَنْ أَبِي عَلِيّ الْحَنَفِيّ عَنْ قُرَّةَ بْن خَالِد عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس قَالَ : نَظَرْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ نِصْف اللَّيْل , قَالَ فَجَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى. قَالَ : فَكَأَنَّمَا أَنْظُر إِذَا وَبِيصُ خَاتَمه حَلْقَة فِضَّة \". اِنْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي مُسْتَخْرَجه عَنْ عُمَر بْن سَهْل عَنْ عَبْد اللَّه بْن الصُّبَاحِ كَذَلِكَ مِنْ رِوَايَة قُرَّة عَنْ قَتَادَةَ , وَلَمْ يُصِبْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ حَدِيث آخَر كَانَ عِنْدَ أَبِي عَلِيّ الْحَنَفِيّ عَنْ قُرَّة أَيْضًا وَسَمِعَهُ مِنْهُ عَبْد اللَّه بْن الصُّبَاحِ كَمَا سَمِعَ مِنْهُ الْحَدِيث الْآخَرَ عَنْ قُرَّة عَنْ الْحَسَن , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي كُلّ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ مَا لَيْسَ فِي الْآخَر , وَقَدْ أَوْرَدَ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه الْحَدِيثَيْنِ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ : فَأَوْرَدَ حَدِيث قُرَّة عَنْ قَتَادَةَ مِنْ طُرُق مِنْهَا عَنْ يَزِيد بْن عُمَر عَنْ أَبِي عَلِيّ الْحَنَفِيّ , وَحَدِيث قُرَّة عَنْ الْحَسَن مِنْ رِوَايَة حَجَّاجِ بْن نُصَيْر عَنْ قُرَّة , وَهُوَ فِي التَّحْقِيق حَدِيث وَاحِد عَنْ أَنَس اِشْتَرَكَ الْحَسَن وَقَتَادَةُ فِي سَمَاعه مِنْهُ فَاقْتَصَرَ الْحَسَن عَلَى مَوْضِع حَاجَته مِنْهُ فَلَمْ يَذْكُر قِصَّة الْخَاتَم وَزَادَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى قَتَادَةَ مَا لَمْ يَذْكُرهُ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "566",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ابْنُ أَبِي حَثْمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ ‏ ‏فَوَهِلَ ‏ ‏النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو بَكْر بْن أَبِي حَثْمَة ) ‏ ‏نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ , وَهُوَ أَبُو بَكْرِ بْن سُلَيْمَان بْن أَبِي حَثْمَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ كَذَلِكَ فِي \" بَاب السَّمَر بِالْعِلْمِ \" مِنْ كِتَاب الْعِلْم , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث اِبْن عُمَر هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَهِلَ النَّاس ) ‏ ‏أَيْ غَلِطُوا أَوْ تَوَهَّمُوا أَوْ فَزِعُوا أَوْ نَسَوْا , وَالْأَوَّل أَقْرَب هُنَا , وَقِيلَ وَهَلَ بِالْفَتْحِ بِمَعْنَى وَهِمَ بِالْكَسْرِ وَوَهِلَ بِالْكَسْرِ مِثْلُهُ , وَقِيلَ بِالْفَتْحِ غَلِطَ , وَبِالْكَسْرِ فَزِعَ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي مَقَالَةِ ) ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ والْكُشْمِيهَنِيّ مِنْ مَقَالَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ فِي هَذِهِ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مِنْ هَذِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مِائَة سَنَة ) ‏ ‏لِأَنَّ بَعْضهمْ كَانَ يَقُول إِنَّ السَّاعَة تَقُوم عِنْدَ تَقَضِّي مِائَةِ سَنَةٍ كَمَا رَوَى ذَلِكَ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيث أَبِي مَسْعُود الْبَدْرِيّ , وَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , وَقَدْ بَيَّنَ اِبْن عُمَر فِي هَذَا الْحَدِيث مُرَاد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ مُرَاده أَنَّ عِنْدَ اِنْقِضَاء مِائَة سَنَة مِنْ مَقَالَته تِلْكَ يَنْخَرِمُ ذَلِكَ الْقَرْن فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ تِلْكَ الْمَقَالَة , وَكَذَلِكَ وَقَعَ بِالِاسْتِقْرَاءِ فَكَانَ آخِرَ مَنْ ضُبِطَ أَمْرُهُ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَئِذٍ أَبُو الطُّفَيْل عَامِر بْن وَاثِلَةَ , وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْل الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ كَانَ آخِرَ الصَّحَابَة مَوْتًا , وَغَايَة مَا قِيلَ فِيهِ إِنَّهُ بَقِيَ إِلَى سَنَةِ عَشْرٍ وَمِائَةٍ وَهِيَ رَأْس مِائَة سَنَة مِنْ مَقَالَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ النَّوَوِيّ وَغَيْره : اِحْتَجَّ الْبُخَارِيّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى مَوْت الْخَضِر , وَالْجُمْهُور عَلَى خِلَافه , وَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْخَضِر كَانَ حِينَئِذٍ مِنْ سَاكِنِي الْبَحْر فَلَمْ يَدْخُل فِي الْحَدِيث , قَالُوا : وَمَعْنَى الْحَدِيث لَا يَبْقَى مِمَّنْ تَرَوْنَهُ أَوْ تَعْرِفُونَهُ , فَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوص. وَقِيلَ اِحْتَرَزَ بِالْأَرْضِ عَنْ الْمَلَائِكَة , وَقَالُوا : خَرَجَ عِيسَى مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ حَيٌّ لِأَنَّهُ فِي السَّمَاء لَا فِي الْأَرْض , وَخَرَجَ إِبْلِيسُ لِأَنَّهُ عَلَى الْمَاء أَوْ فِي الْهَوَاء , وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : إِنَّ اللَّام فِي الْأَرْض عَهْدِيَّةٌ وَالْمُرَاد أَرْض الْمَدِينَة , وَالْحَقّ أَنَّهَا لِلْعُمُومِ وَتَتَنَاوَلُ جَمْع بَنِي آدَم , وَأَمَّا مَنْ قَالَ : الْمُرَاد أُمَّةُ مُحَمَّد سَوَاءٌ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ وَأُمَّةُ الدَّعْوَةِ , وَخَرَجَ عِيسَى وَالْخَضِر لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أُمَّتِهِ , فَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيف , لِأَنَّ عِيسَى يَحْكُم بِشَرِيعَتِهِ فَيَكُون مِنْ أُمَّتِهِ , وَالْقَوْل فِي الْخَضِر إِنْ كَانَ حَيًّا كَالْقَوْلِ فِي عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "567",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَصْحَابَ الصُّفَّةِ ‏ ‏كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ وَأَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏جَاءَ بِثَلَاثَةٍ فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعَشَرَةٍ قَالَ فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي فَلَا أَدْرِي قَالَ وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ ‏ ‏بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَإِنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتْ الْعِشَاءُ ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ ‏ ‏أَوْ قَالَتْ ضَيْفِكَ ‏ ‏قَالَ أَوَمَا ‏ ‏عَشَّيْتِيهِمْ قَالَتْ أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا قَالَ فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ فَقَالَ يَا ‏ ‏غُنْثَرُ ‏ ‏فَجَدَّعَ ‏ ‏وَسَبَّ وَقَالَ كُلُوا لَا هَنِيئًا فَقَالَ وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا وَايْمُ اللَّهِ ‏ ‏مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا ‏ ‏رَبَا ‏ ‏مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا قَالَ ‏ ‏يَعْنِي حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا أُخْتَ ‏ ‏بَنِي فِرَاسٍ ‏ ‏مَا هَذَا قَالَتْ لَا ‏ ‏وَقُرَّةِ عَيْنِي ‏ ‏لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ فَأَكَلَ مِنْهَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَقَالَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ ‏ ‏يَعْنِي يَمِينَهُ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ فَمَضَى الْأَجَلُ فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ أَوْ كَمَا قَالَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانُوا أُنَاسًا ) ‏ ‏لِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" كَانُوا نَاسًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَهُوَ أَنَا وَأَبِي ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ \" وَأُمِّي \" وَلِلْمُسْتَمْلِيّ \" فَهُوَ وَأَنَا وَأُمِّي \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صَلَّيْت الْعِشَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" حَتَّى \" بَدَلَ حَيْثُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَفَرَّقَنَا ) ‏ ‏أَيْ جَعَلَنَا فِرَقًا , وَسَنَذْكُرُ فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث وَمَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَام وَغَيْرهَا فِي \" عَلَامَات النُّبُوَّة \" مُفَصَّلًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْمَوَاقِيت عَلَى مِائَة حَدِيث وَسَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْ ذَلِكَ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا وَالْبَاقِي مَوْصُول , الْخَالِص مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا وَالْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا تَقَدَّمَ تِسْعَة وَسِتُّونَ حَدِيثًا , وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى جَمِيعهَا سِوَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَهِيَ حَدِيث أَنَس فِي السُّجُود عَلَى الظَّهَائِر وَقَدْ أَخْرَجَ مَعْنَاهُ , وَحَدِيثه \" مَا أَعْرِفُ شَيْئًا \" وَحَدِيثه فِي الْمَعْنَى \" هَذِهِ الصَّلَاة قَدْ ضُيِّعَتْ \" وَحَدِيث اِبْن عُمَر \" أَبْرِدُوا \" وَكَذَا حَدِيث أَبِي سَعِيد وَحَدِيث اِبْن عُمَر \" إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ \" وَحَدِيث أَبِي مُوسَى \" مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُود \" وَحَدِيث أَنَس \" كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْر \" وَقَدْ اِتَّفَقَا عَلَى أَصْلِهِ , وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّلٍ \" لَا يَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَاب \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ \" وَحَدِيث سَهْل بْن سَعْد \" كُنْت أَتَسَحَّر \" وَحَدِيث مُعَاوِيَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْر , وَحَدِيث أَبِي قَتَادَةَ فِي النَّوْم عَنْ الصُّبْح , عَلَى أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ أَصْلَ الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَرَ لَكِنْ بَيَّنَّا فِي الشَّرْح أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ لِقِصَّتَيْنِ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار الْمَوْقُوفَة ثَلَاثَة آثَار وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "568",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ فَذَكَرُوا ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏فَأُمِرَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏أَنْ ‏ ‏يَشْفَعَ ‏ ‏الْأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد , وَخَالِد هُوَ الْحَذَّاءُ كَمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة , وَالْإِسْنَاد كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( ذَكَرُوا النَّار وَالنَّاقُوس فَذَكَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ) ‏ ‏كَذَا سَاقَهُ عَبْد الْوَارِث مُخْتَصَرًا , وَرِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب الْآتِيَة فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ أَوْضَحُ قَلِيلًا حَيْثُ قَالَ \" لَمَّا كَثُرَ النَّاس ذَكَرُوا أَنْ يَعْلَمُوا وَقْت الصَّلَاة بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ , فَذَكَرُوا أَنْ يُورُوا نَارًا أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا \" وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَة رَوْحِ بْن عَطَاء عَنْ خَالِد عِنْدَ أَبِي الشَّيْخ وَلَفْظه \" فَقَالُوا لَوْ اِتَّخَذْنَا نَاقُوسًا. فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاكَ لِلنَّصَارَى. فَقَالُوا : لَوْ اِتَّخَذْنَا بُوقًا , فَقَالَ : ذَاكَ لِلْيَهُودِ. فَقَالُوا : لَوْ رَفَعْنَا نَارًا , فَقَالَ : ذَاكَ لِلْمَجُوسِ \" فَعَلَى هَذَا فَفِي رِوَايَة عَبْد الْوَارِث اِخْتِصَار كَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ : ذَكَرُوا النَّار وَالنَّاقُوس وَالْبُوق فَذَكَرُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَاللَّفّ وَالنَّشْر فِيهِ مَعْكُوس , فَالنَّار لِلْمَجُوسِ وَالنَّاقُوس لِلنَّصَارَى وَالْبُوق لِلْيَهُودِ. وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث اِبْن عُمَر التَّنْصِيص عَلَى أَنَّ الْبُوق لِلْيَهُودِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُون النَّار وَالْبُوق جَمِيعًا لِلْيَهُودِ جَمْعًا بَيْنَ حَدِيثَيْ أَنَس وَابْن عُمَر. اِنْتَهَى. وَرِوَايَة رَوْحٍ تُغْنِي عَنْ هَذَا الِاحْتِمَال. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُمِرَ بِلَال ) ‏ ‏هَكَذَا فِي مُعْظَم الرِّوَايَات عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ , وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْحَدِيث وَأَهْل الْأُصُول فِي اِقْتِضَاء هَذِهِ الصِّيغَة لِلرَّفْعِ , وَالْمُخْتَار عِنْدَ مُحَقِّقِي الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا تَقْتَضِيهِ , لِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَمْرِ مَنْ لَهُ الْأَمْر الشَّرْعِيّ الَّذِي يَلْزَم اِتِّبَاعه وَهُوَ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ هُنَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ التَّقْرِير فِي الْعِبَادَة إِنَّمَا يُؤْخَذ عَنْ تَوْقِيف فَيَقْوَى جَانِب الرَّفْع جِدًّا. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة رَوْحِ بْن عَطَاء الْمَذْكُورَة \" فَأَمَرَ بِلَالًا \" بِالنَّصْبِ وَفَاعِل أَمَرَ هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ بَيِّنٌ فِي سِيَاقه. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَة النَّسَائِيِّ وَغَيْره عَنْ قُتَيْبَة عَنْ عَبْد الْوَهَّاب بِلَفْظِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِلَالًا \" قَالَ الْحَاكِم : صَرَّحَ بِرَفْعِهِ إِمَام الْحَدِيث بِلَا مُدَافَعَةِ قُتَيْبَةَ. ‏ ‏قُلْت : وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيق مَرْوَانَ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ قُتَيْبَة وَيَحْيَى بْن مَعِينٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد الْوَهَّاب , وَطَرِيق يَحْيَى عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا , وَلَمْ يَنْفَرِد بِهِ عَبْد الْوَهَّاب. وَقَدْ رَوَاهُ الْبَلَاذُرِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن شِهَاب الْحَنَّاط عَنْ أَبِي قِلَابَةَ : وَقَضِيَّة وُقُوع ذَلِكَ عَقِبَ الْمُشَاوَرَة فِي أَمْر النِّدَاء إِلَى الصَّلَاة ظَاهِر فِي أَنَّ الْآمِرَ بِذَلِكَ هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا غَيْره كَمَا اِسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن الْمُنْذِرِ وَابْن حِبَّانَ , وَاسْتَدَلَّ بِوُرُودِ الْأَمْر بِهِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْأَذَان. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَمْر إِذَا وَرَدَ بِصِفَةِ الْأَذَان لَا بِنَفْسِهِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ الْأَمْر بِالصِّفَةِ لَزِمَ أَنْ يَكُون الْأَصْل مَأْمُورًا بِهِ , قَالَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد. وَمِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ مُطْلَقًا الْأَوْزَاعِيُّ وَدَاوُدُ وَابْن الْمُنْذِرِ وَهُوَ ظَاهِر قَوْل مَالِك فِي الْمُوَطَّأ وَحَكَى عَنْ مُحَمَّد بْن الْحَسَن , وَقِيلَ وَاجِب فِي الْجُمُعَة فَقَطْ وَقِيلَ فَرْضُ كِفَايَة , وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ مِنْ السُّنَن الْمُؤَكَّدَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مُنْشَأِ الْخِلَاف فِي ذَلِكَ , وَأَخْطَأَ مَنْ اِسْتَدَلَّ عَلَى عَدَم وُجُوبه بِالْإِجْمَاعِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "569",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏كَانَ يَقُولُ ‏ ‏كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏يَجْتَمِعُونَ ‏ ‏فَيَتَحَيَّنُونَ ‏ ‏الصَّلَاةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ ‏ ‏النَّصَارَى ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏بِلَالُ ‏ ‏قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يَقُول ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ \". ‏ ‏قَوْله : ( حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَة ) ‏ ‏أَيْ مِنْ مَكَّةَ فِي الْهِجْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَتَحَيَّنُونَ ) ‏ ‏بِحَاءٍ مُهْمَلَة بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ نُونٌ , أَيْ يُقَدِّرُونَ أَحْيَانَهَا لِيَأْتُوا إِلَيْهَا , وَالْحِينُ الْوَقْتُ وَالزَّمَانُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ يُنَادَى لَهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الدَّال عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ , قَالَ اِبْن مَالِك : فِيهِ جَوَاز اِسْتِعْمَال لَيْسَ حَرْفًا لَا اِسْمٌ لَهَا وَلَا خَبَرٌ , وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِسْمهَا ضَمِير الشَّأْن وَالْجُمْلَة بَعْدَهَا خَبَر. ‏ ‏قُلْت : وَرِوَايَة مُسْلِم تُؤَيِّد ذَلِكَ , فَإِنَّ لَفْظَهُ \" لَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ اِتَّخِذُوا ) ‏ ‏لَمْ يَقَع لِي تَعَيُّنُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي ذَلِكَ , وَاخْتَصَرَ الْجَوَاب فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَوَقَعَ لِابْنِ مَاجَهْ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ اِبْن عُمَر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَشَارَ النَّاس لِمَا يَجْمَعُهُمْ إِلَى الصَّلَاة , فَذَكَرُوا الْبُوقَ , فَكَرِهَهُ مِنْ أَجْلِ الْيَهُود. ثُمَّ ذَكَرُوا النَّاقُوس , فَكَرِهَهُ مِنْ أَجْلِ النَّصَارَى \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَة رَوْحِ بْن عَطَاء نَحْوَهُ. وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْد اللَّه بْن زَيْد عِنْدَ أَبِي الشَّيْخ وَعِنْدَ أَبِي عُمَيْر بْن أَنَس عَنْ عُمُومَته عَنْ سَعِيد بْن مَنْصُور. ‏ ‏قَوْله : ( بَلْ بُوقًا ) ‏ ‏أَيْ بَلْ اِتَّخِذُوا بُوقًا , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ \" بَلْ قَرْنًا \" وَهِيَ رِوَايَة مُسْلِم وَالنَّسَائِيِّ. وَالْبُوق وَالْقَرْن مَعْرُوفَانِ , وَالْمُرَاد أَنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ فَيَجْتَمِعُونَ عِنْدَ سَمَاع صَوْته , وَهُوَ مِنْ شِعَار الْيَهُود , وَيُسَمَّى أَيْضًا \" الشَّبُّور \" بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة وَالْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَة الثَّقِيلَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عُمَر أَوَلَا ) ) ‏ ‏الْهَمْزَة لِلِاسْتِفْهَامِ وَالْوَاو لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّر كَمَا فِي نَظَائِره. قَالَ الطِّيبِيُّ : الْهَمْزَة إِنْكَار لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى , أَيْ الْمُقَدَّرَة وَتَقْرِير لِلْجُمْلَةِ الثَّانِيَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رَجُلًا ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ \" مِنْكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( يُنَادَى ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون عَبْد اللَّه بْن زَيْد لَمَّا أَخْبَرَ بِرُؤْيَاهُ وَصَدَّقَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَادَرَ عُمَر فَقَالَ : أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي - أَيْ يُؤَذِّن - لِلرُّؤْيَا الْمَذْكُورَة , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قُمْ يَا بِلَالُ \" فَعَلَى هَذَا فَالْفَاء فِي سِيَاق حَدِيث اِبْن عُمَر هِيَ الْفَصِيحَة , وَالتَّقْدِير فَافْتَرَقُوا فَرَأَى عَبْد اللَّه بْن زَيْد , فَجَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصَّ عَلَيْهِ فَصَدَّقَهُ فَقَالَ عُمَر. قُلْت : وَسِيَاق حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد يُخَالِف ذَلِكَ , فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا قَصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ أَلْقِهَا عَلَى بِلَال فَلْيُؤَذِّنْ بِهَا , قَالَ فَسَمِعَ عُمَر الصَّوْت فَخَرَجَ فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَقَدْ رَأَيْت مِثْلَ الَّذِي رَأَى , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ عُمَر لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا لَمَّا قَصَّ عَبْد اللَّه بْن زَيْد رُؤْيَاهُ. وَالظَّاهِر أَنَّ إِشَارَة عُمَر بِإِرْسَالِ رَجُل يُنَادِي لِلصَّلَاةِ كَانَتْ عَقِبَ الْمُشَاوَرَة فِيمَا يَفْعَلُونَهُ , وَأَنَّ رُؤْيَا عَبْد اللَّه بْن زَيْد كَانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيح إِلَى أَبِي عُمَيْر بْن أَنَس عَنْ عُمُومَته مِنْ الْأَنْصَار. قَالُوا : \" اِهْتَمَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّلَاةِ كَيْفَ يَجْمَع النَّاس لَهَا , فَقَالَ : اِنْصِبْ رَايَة عِنْدَ حُضُور وَقْت الصَّلَاة فَإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا , فَلَمْ يُعْجِبْهُ \" الْحَدِيثَ. وَفِيهِ \" ذَكَرُوا الْقُنْعَ - بِضَمِّ الْقَاف وَسُكُون النُّون يَعْنِي الْبُوق - وَذَكَرُوا النَّاقُوس , فَانْصَرَفَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد وَهُوَ مُهْتَمٌّ فَأُرِيَ الْأَذَان , فَغَدَا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : وَكَانَ عُمَر رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَتَمَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : \" مَا مَنَعَك أَنْ تُخْبِرَنَا ؟ قَالَ : سَبَقَنِي عَبْد اللَّه بْن زَيْد فَاسْتَحْيَيْت. فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا بِلَال قُمْ فَانْظُرْ مَا يَأْمُرك بِهِ عَبْد اللَّه بْن زَيْد فَافْعَلْهُ \" تَرْجَمَ لَهُ أَبُو دَاوُدَ \" بَدْء الْأَذَان \" وَقَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرِّ : رَوَى قِصَّة عَبْد اللَّه اِبْن زَيْد جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَة وَمَعَانٍ مُتَقَارِبَة وَهِيَ مِنْ وُجُوه حِسَانٍ وَهَذَا أَحْسَنُهَا. ‏ ‏قُلْت : وَهَذَا لَا يُخَالِفُهُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ عَبْدَ اللَّه بْن زَيْد لَمَّا قَصَّ مَنَامَهُ فَسَمِعَ عُمَر الْأَذَان فَجَاءَ فَقَالَ قَدْ رَأَيْت , لِأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُخْبِر بِذَلِكَ عَقِبَ إِخْبَار عَبْد اللَّه بَلْ مُتَرَاخِيًا عَنْهُ لِقَوْلِهِ \" مَا مَنَعَك أَنْ تُخْبِرَنَا \" أَيْ عَقِبَ إِخْبَار عَبْد اللَّه فَاعْتَذَرَ بِالِاسْتِحْيَاءِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُخْبِر بِذَلِكَ عَلَى الْفَوْر , وَلَيْسَ فِي حَدِيث أَبِي عُمَيْر التَّصْرِيح بِأَنَّ عُمَر كَانَ حَاضِرًا عِنْدَ قَصِّ عَبْد اللَّه رُؤْيَاهُ , بِخِلَافِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَته الَّتِي ذَكَرَ بِهَا \" فَسَمِعَ عُمَر الصَّوْت فَخَرَجَ فَقَالَ \" فَإِنَّهُ صَرِيح فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا عِنْدَ قَصِّ عَبْد اللَّه , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَادِ بِالصَّلَاةِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَأَذِّنْ بِالصَّلَاةِ \" قَالَ عِيَاضٌ : الْمُرَاد الْإِعْلَام الْمَحْضُ بِحُضُورِ وَقْتهَا لَا خُصُوصُ الْأَذَان الْمَشْرُوع. وَأَغْرَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْن الْعَرَبِيّ فَحَمَلَ قَوْله \" أَذِّنْ \" عَلَى الْأَذَان الْمَشْرُوع , وَطَعَنَ فِي صِحَّة حَدِيث اِبْن عُمَر وَقَالَ : عَجَبًا لِأَبِي عِيسَى كَيْف صَحَّحَهُ. وَالْمَعْرُوف أَنَّ شَرْعَ الْأَذَان إِنَّمَا كَانَ بِرُؤْيَا عَبْد اللَّه بْن زَيْد. اِنْتَهَى. وَلَا تُدْفَعُ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِمِثْلِ هَذَا مَعَ إِمْكَان الْجَمْع كَمَا قَدَّمْنَاهُ , وَقَدْ قَالَ اِبْن مَنْدَهْ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر : إِنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَا بِلَال قُمْ ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض وَغَيْرُهُ : فِيهِ حُجَّةٌ لِشَرْعِ الْأَذَان قَائِمًا. ‏ ‏قُلْت : وَكَذَا اِحْتَجَّ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن الْمُنْذِرِ , وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" قُمْ \" أَيْ اِذْهَبْ إِلَى مَوْضِعٍ بَارِز فَنَادِ فِيهِ بِالصَّلَاةِ لِيَسْمَعَك النَّاس , , قَالَ : وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْقِيَامِ فِي حَالِ الْأَذَان. اِنْتَهَى. وَمَا نَفَاهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ مِنْ ظَاهِر اللَّفْظ , فَإِنَّ الصِّيغَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْأَمْرَيْنِ , وَإِنْ كَانَ مَا قَالَهُ أَرْجَحَ. وَنَقَلَ عِيَاض أَنَّ مَذْهَبَ الْعُلَمَاء كَافَّةً أَنَّ الْأَذَان قَاعِدًا لَا يَجُوز , إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ وَوَافَقَهُ أَبُو الْفَرَجِ الْمَالِكِيّ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْخِلَاف مَعْرُوف عِنْدَ الشَّافِعِيَّة , وَبِأَنَّ الْمَشْهُور عِنْدَ الْحَنَفِيَّة كُلّهمْ أَنَّ الْقِيَام سُنَّةٌ , وَأَنَّهُ لَوْ أَذَّنَ قَاعِدًا صَحَّ , وَالصَّوَاب مَا قَالَ اِبْن الْمُنْذِرِ أَنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقِيَام مِنْ السُّنَّةِ. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏كَانَ اللَّفْظ الَّذِي يُنَادِي بِهِ بِلَال لِلصَّلَاةِ قَوْله \" الصَّلَاة جَامِعَة \" أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد فِي الطَّبَقَات مِنْ مَرَاسِيل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب. وَظَنَّ بَعْضهمْ أَنَّ بِلَالًا حِينَئِذٍ إِنَّمَا أُمِرَ بِالْأَذَانِ الْمَعْهُود فَذَكَرَ مُنَاسَبَة اِخْتِصَاص بِلَال بِذَاكَ دُونَ غَيْره لِكَوْنِهِ كَانَ لَمَّا عُذِّبَ لِيَرْجِعَ عَنْ الْإِسْلَام فَيَقُول : أَحَدٌ أَحَدٌ , فَجُوزِيَ بِوِلَايَةِ الْأَذَان الْمُشْتَمِلَة عَلَى التَّوْحِيد فِي اِبْتِدَائِهِ وَانْتِهَائِهِ , وَهِيَ مُنَاسَبَةٌ حَسَنَةٌ فِي اِخْتِصَاص بِلَال بِالْأَذَانِ , إِلَّا أَنَّ هَذَا الْمَوْضِع لَيْسَ هُوَ مَحَلَّهَا. وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر دَلِيل عَلَى مَشْرُوعِيَّة طَلَبِ الْأَحْكَام مِنْ الْمَعَانِي الْمُسْتَنْبَطَة دُونَ الِاقْتِصَار عَلَى الظَّوَاهِر. قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ , وَعَلَى مُرَاعَاة الْمَصَالِح وَالْعَمَل بِهَا , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا شَقَّ عَلَيْهِمْ التَّبْكِير إِلَى الصَّلَاة فَتَفُوتهُمْ أَشْغَالهمْ , أَوْ التَّأْخِير فَيَفُوتهُمْ وَقْتُ الصَّلَاة , نَظَرُوا فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة التَّشَاوُر فِي الْأُمُور الْمُهِمَّة وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُتَشَاوِرِينَ إِذَا أَخْبَرَ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اِجْتِهَاده , وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَة لِعُمَر. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ إِثْبَاتُ حُكْم الْأَذَان بِرُؤْيَا عَبْد اللَّه بْن زَيْد لِأَنَّ رُؤْيَا غَيْر الْأَنْبِيَاء لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا حُكْمٌ شَرْعِيّ , وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ مُقَارَنَةِ الْوَحْي لِذَلِكَ , أَوْ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِمُقْتَضَاهَا لِيَنْظُرَ أَيُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا , وَلَا سِيَّمَا لَمَّا رَأَى نَظْمَهَا يَبْعُدُ دُخُولُ الْوَسْوَاس فِيهِ , وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْقَوْل بِجَوَازِ اِجْتِهَاده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحْكَام وَهُوَ الْمَنْصُور فِي الْأُصُول , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل مَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيل مِنْ طَرِيق عُبَيْدِ بْن عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ أَنَّ عُمَر لَمَّا رَأَى الْأَذَان جَاءَ لِيُخْبِرَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ الْوَحْي قَدْ وَرَدَ بِذَلِكَ فَمَا رَاعَهُ إِلَّا أَذَانُ بِلَال , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" سَبَقَك بِذَلِكَ الْوَحْي \" وَهَذَا أَصَحّ مِمَّا حَكَى الدَّاوُدِيُّ عَنْ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ جِبْرِيل أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَذَانِ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهُ عَبْد اللَّه بْن زَيْد وَعُمَر بِثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ , وَأَشَارَ السُّهَيْلِيُّ إِلَى أَنَّ الْحِكْمَة فِي اِبْتِدَاء شَرْعِ الْأَذَان عَلَى لِسَان غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّنْوِيه بِعُلُوِّ قَدْره عَلَى لِسَان غَيْره لِيَكُونَ أَفْخَمَ لِشَأْنِهِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "570",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُمِرَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏أَنْ ‏ ‏يَشْفَعَ ‏ ‏الْأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ إِلَّا الْإِقَامَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ ) ‏ ‏هُوَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ , رَوَى عَنْ أَيُّوبَ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانه , وَقَدْ رَوَى حَمَّاد بْن زَيْد عَنْهُمَا جَمِيعًا وَقَالَ : مَاتَ سِمَاكٌ قَبْلَ أَيُّوبَ , وَرِجَال إِسْنَاده كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَشْفَع ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَفَتْح الْفَاء أَيْ يَأْتِي بِأَلْفَاظِهِ شَفْعًا. قَالَ الزَّيْنُ بْن الْمُنِير : وَصْفُ الْأَذَانِ بِأَنَّهُ شَفْعٌ يُفَسِّرُهُ قَوْله \" مَثْنَى مَثْنَى \" أَيْ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ تَسْتَوِيَ جَمِيعُ أَلْفَاظه فِي ذَلِكَ , لَكِنْ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّ كَلِمَة التَّوْحِيد الَّتِي فِي آخِرِهِ مُفْرَدَةٌ فَيُحْمَلُ قَوْله \" مَثْنَى \" عَلَى مَا سِوَاهَا , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ تَأْكِيد مَذْهَبه فِي تَرْكِ تَرْبِيع التَّكْبِير فِي أَوَّلِهِ , لَكِنْ لِمَنْ قَالَ بِالتَّرْبِيعِ أَنْ يَدَّعِيَ نَظِيرَ مَا اِدَّعَاهُ لِثُبُوتِ الْخَبَر بِذَلِكَ , وَسَيَأْتِي فِي الْإِقَامَة تَوْجِيهٌ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَائِل بِهِ لَا يَحْتَاج إِلَى دَعْوَى التَّخْصِيص. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَة إِلَّا الْإِقَامَة ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْمَنْفِيِّ غَيْرُ الْمُرَاد بِالْمُثْبَتِ , فَالْمُرَاد بِالْمُثْبَتِ جَمِيعُ الْأَلْفَاظ الْمَشْرُوعَة عِنْدَ الْقِيَام إِلَى الصَّلَاة , وَالْمُرَاد بِالْمَنْفِيِّ خُصُوص قَوْله \" قَدْ قَامَتْ الصَّلَاة \" كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ صَرِيحًا. وَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ جِنَاسٌ تَامٌّ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏اِدَّعَى اِبْن مَنْدَهْ أَنَّ قَوْله \" إِلَّا الْإِقَامَة \" مِنْ قَوْل أَيُّوبَ غَيْرُ مُسْنَدٍ كَمَا فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْنِ إِبْرَاهِيمَ , وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ فِي رِوَايَة سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ هَذِهِ إِدْرَاجًا , وَكَذَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَصِيلِيُّ : قَوْله \" إِلَّا الْإِقَامَةَ \" هُوَ مِنْ قَوْل أَيُّوبَ وَلَيْسَ مِنْ الْحَدِيث. وَفِيمَا قَالَاهُ نَظَرٌ , لِأَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاق رَوَاهُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ بِسَنَدِهِ مُتَّصِلًا بِالْخَبَرِ مُفَسَّرًا وَلَفْظه \" كَانَ بِلَال يُثَنِّي الْأَذَان وَيُوتِرُ الْإِقَامَة , إِلَّا قَوْلَهُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاة \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه وَالسَّرَّاجُ فِي مُسْنَده وَكَذَا هُوَ فِي مُصَنَّف عَبْد الرَّزَّاق , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَيَقُول قَدْ قَامَتْ الصَّلَاة مَرَّتَيْنِ \" وَالْأَصْل أَنَّ مَا كَانَ فِي الْخَبَر فَهُوَ مِنْهُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيل عَلَى خِلَافه , وَلَا دَلِيل فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَحَصَّل مِنْهَا أَنَّ خَالِدًا كَانَ لَا يَذْكُر الزِّيَادَةَ وَكَانَ أَيُّوبُ يَذْكُرُهَا , وَكُلٌّ مِنْهُمَا رَوَى الْحَدِيث عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَس , فَكَانَ فِي رِوَايَة أَيُّوبَ زِيَادَة مِنْ حَافِظ فَتُقْبَلُ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ عَدَمُ اِسْتِثْنَاء التَّكْبِير فِي الْإِقَامَة , وَأَجَابَ بَعْض الشَّافِعِيَّة بِأَنَّ التَّثْنِيَة فِي تَكْبِيرَة الْإِقَامَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَذَان إِفْرَاد , قَالَ النَّوَوِيّ : وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُول الْمُؤَذِّنُ كُلّ تَكْبِيرَتَيْنِ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ. قُلْت : وَهَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى فِي أَوَّل الْأَذَان لَا فِي التَّكْبِير الَّذِي فِي آخِرِهِ. وَعَلَى مَا قَالَ النَّوَوِيّ يَنْبَغِي لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يُفْرِدَ كُلَّ تَكْبِيرَة مِنْ اللَّتَيْنِ فِي آخِرِهِ بِنَفَسٍ , وَيَظْهَر بِهَذَا التَّقْرِير تَرْجِيح قَوْل مَنْ قَالَ بِتَرْبِيعِ التَّكْبِير فِي أَوَّله عَلَى مَنْ قَالَ بِتَثْنِيَتِهِ , مَعَ أَنَّ لَفْظ \" الشَّفْع \" يَتَنَاوَل التَّثْنِيَة وَالتَّرْبِيع , فَلَيْسَ فِي لَفْظ حَدِيث الْبَاب مَا يُخَالِف ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا يُوهِمُهُ كَلَامُ اِبْن بَطَّالٍ. وَأَمَّا التَّرْجِيح فِي التَّشَهُّدَيْنِ فَالْأَصَحّ فِي صُورَته أَنْ يَشْهَدَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ ثِنْتَيْنِ ثُمَّ بِالرِّسَالَةِ ثِنْتَيْنِ ثُمَّ يَرْجِع فَيَشْهَد كَذَلِكَ , فَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِي الْعَدَد مُرَبِّعًا فَهُوَ فِي الصُّورَة مَثْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "571",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ قَالَ ذَكَرُوا أَنْ يَعْلَمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ فَذَكَرُوا أَنْ ‏ ‏يُورُوا ‏ ‏نَارًا أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا ‏ ‏فَأُمِرَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏أَنْ ‏ ‏يَشْفَعَ ‏ ‏الْأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد وَهُوَ اِبْن سَلَّامٍ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ وَأَهْمَلَهُ الْبَاقُونَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَةَ أَخْبَرَنَا , وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ حَدَّثَنَا وَلَيْسَ فِي رِوَايَة كَرِيمَةَ \" الثَّقَفِيّ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا خَالِد ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَالْأَصِيلِيِّ , وَلِغَيْرِهِمَا أَخْبَرَنَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَمَّا كَثُرَ النَّاس , قَالَ ذَكَرُوا ) ‏ ‏\" قَالَ \" الثَّانِيَة زَائِدَة , ذُكِرَتْ تَأْكِيدًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يُعْلَمُوا ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله مِنْ الْإِعْلَام , وَفِي رِوَايَة كَرِيمَةَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ الْعِلْمِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يُورُوا نَارًا ) ‏ ‏أَيْ يُوقِدُوهَا , يُقَال وَرَّى الزَّنْد إِذَا خَرَجَتْ نَاره , وَأَوْرَيْتُهُ إِذَا أَخْرَجْته. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَنْ يُنَوِّرُوا نَارًا \" أَيْ يُظْهِرُوا نُورهَا , وَالنَّاقُوس خَشَبَة تُضْرَبُ بِخَشَبَةٍ أَصْغَر مِنْهَا فَيَخْرُج مِنْهَا صَوْت وَهُوَ مِنْ شِعَار النَّصَارَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْ يُوتِر الْإِقَامَة ) ‏ ‏اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِإِفْرَادِ قَوْله \" قَدْ قَامَتْ الصَّلَاة \" وَالْحَدِيث الَّذِي قَبْله حُجَّة عَلَيْهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ , فَإِنَّ اِحْتَجَّ بِعَمَلِ أَهْل الْمَدِينَة عُورِضَ بِعَمَلِ أَهْل مَكَّة وَمَعَهُمْ الْحَدِيث الصَّحِيح. ‏"
    },
    {
        "id": "572",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُمِرَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏أَنْ ‏ ‏يَشْفَعَ ‏ ‏الْأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏فَذَكَرْتُ ‏ ‏لِأَيُّوبَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِلَّا الْإِقَامَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا خَالِد ) ‏ ‏هُوَ الْحَذَّاءُ كَمَا تَقَدَّمَ , وَالْإِسْنَاد كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور فِي أَوَّل الْإِسْنَاد وَهُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّةَ , وَلَيْسَ هُوَ مُعَلَّقًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرْت ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمَفْعُول , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ وَالْأَصِيلِيِّ \" فَذَكَرْته \" أَيْ حَدِيث خَالِد , وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِقَامَة مَثْنَى مِثْلُ الْأَذَان. وَأَجَابَ بَعْض الْحَنَفِيَّة بِدَعْوَى النَّسْخ , وَأَنَّ إِفْرَاد الْإِقَامَة كَانَ أَوَّلًا ثُمَّ نُسِخَ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ , يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ أَصْحَاب السُّنَن وَفِيهِ تَثْنِيَة الْإِقَامَة , وَهُوَ مُتَأَخِّر عَنْ حَدِيث أَنَس فَيَكُون نَاسِخًا. وَعُورِضَ بِأَنَّ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث أَبِي مَحْذُورَةَ الْمُحَسَّنَةِ التَّرْبِيع وَالتَّرْجِيع فَكَانَ يَلْزَمُهُمْ الْقَوْل بِهِ , وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَد عَلَى مَنْ اِدَّعَى النَّسْخ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ بَعْدَ الْفَتْح إِلَى الْمَدِينَة وَأَقَرَّ بِلَالًا عَلَى إِفْرَاد الْإِقَامَة وَعَلِمَهُ سَعْدٌ الْقَرَظُ فَأَذَّنَ بِهِ بَعْدَهُ كَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِم , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ : ذَهَبَ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَدَاوُدُ وَابْن جَرِير إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الِاخْتِلَاف الْمُبَاح , فَإِنْ رَبَّعَ التَّكْبِير الْأَوَّل فِي الْأَذَان , أَوْ ثَنَّاهُ , أَوْ رَجَّعَ فِي التَّشَهُّد أَوْ لَمْ يُرَجِّعْ , أَوْ ثَنَّى الْإِقَامَة أَوْ أَفْرَدَهَا كُلّهَا أَوْ إِلَّا \" قَدْ قَامَتْ الصَّلَاة \" فَالْجَمِيع جَائِز. وَعَنْ اِبْن خُزَيْمَةَ إِنْ رَبَّعَ الْأَذَان وَرَجَّعَ فِيهِ ثَنَّى الْإِقَامَة وَإِلَّا أَفْرَدَهَا , وَقِيلَ لَمْ يَقُلْ بِهَذَا التَّفْصِيل أَحَدٌ قَبْلَهُ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏قِيلَ الْحِكْمَةُ فِي تَثْنِيَة الْأَذَان وَإِفْرَاد الْإِقَامَة أَنَّ الْأَذَان لِإِعْلَامِ الْغَائِبِينَ فَيُكَرَّرُ لِيَكُونَ أَوْصَلَ إِلَيْهِمْ , بِخِلَافِ الْإِقَامَة فَإِنَّهَا لِلْحَاضِرِينِ , وَمِنْ ثَمَّ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ الْأَذَان فِي مَكَان عَالٍ بِخِلَافِ الْإِقَامَة , وَأَنْ يَكُون الصَّوْت فِي الْأَذَان أَرْفَعَ مِنْهُ فِي الْإِقَامَة , وَأَنْ يَكُون الْأَذَان مُرَتَّلًا وَالْإِقَامَة مُسَرَّعَةً , وَكُرِّرَ \" قَدْ قَامَتْ الصَّلَاة \" لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَة مِنْ الْإِقَامَة بِالذَّاتِ. ‏ ‏قُلْت : تَوْجِيهه ظَاهِر , وَأَمَّا قَوْل الْخَطَّابِيِّ : لَوْ سَوَّى بَيْنَهُمَا لَاشْتَبَهَ الْأَمْر عِنْد ذَلِكَ وَصَارَ لِأَنْ يَفُوت كَثِيرًا مِنْ النَّاس صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ , فَفِيهِ نَظَرٌ , لِأَنَّ الْأَذَان يُسْتَحَبّ أَنْ يَكُون عَلَى مَكَان عَالٍ لِتَشْتَرِكَ الْأَسْمَاع كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى تَثْنِيَة التَّكْبِير , وَتُؤْخَذ حِكْمَة التَّرْجِيع مِمَّا تَقَدَّمَ , وَإِنَّمَا اُخْتُصَّ بِالتَّشَهُّدِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَلْفَاظ الْأَذَان , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "573",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا ‏ ‏ثُوِّبَ ‏ ‏بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قَضَى ‏ ‏التَّثْوِيبَ ‏ ‏أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ ) ‏ ‏وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِك \" بِالصَّلَاةِ \" وَهِيَ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا , وَيُمْكِنُ حَمْلُهُمَا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ. ‏ ‏قَوْله : ( لَهُ ضُرَاطٌ ) ‏ ‏جُمْلَة اِسْمِيَّة وَقَعَتْ حَالًا بِدُونِ وَاوٍ لِحُصُولِ الِارْتِبَاط بِالضَّمِيرِ , وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ \" وَلَهُ ضُرَاط \" وَهِيَ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي بَدْء الْخَلْق , قَالَ عِيَاض : يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِره لِأَنَّهُ جِسْمٌ مُتَغَذٍّ يَصِحّ مِنْهُ خُرُوج الرِّيح , وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا عِبَارَة عَنْ شِدَّة نِفَارِهِ , وَيُقَوِّيهِ رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" لَهُ حُصَاصٌ \" بِمُهْمَلَاتٍ مَضْمُوم الْأَوَّل فَقَدْ فَسَّرَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ بِشِدَّةِ الْعَدْوِ. قَالَ الطِّيبِيُّ : شَبَّهَ شُغْلَ الشَّيْطَان نَفْسه عَنْ سَمَاع الْأَذَان بِالصَّوْتِ الَّذِي يَمْلَأ السَّمْع وَيَمْنَعهُ عَنْ سَمَاع غَيْره , ثُمَّ سَمَّاهُ ضُرَاطًا تَقْبِيحًا لَهُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏الظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِالشَّيْطَانِ إِبْلِيس , وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَام كَثِير مِنْ الشُّرَّاحِ كَمَا سَيَأْتِي , وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَاد جِنْس الشَّيْطَان وَهُوَ كُلّ مُتَمَرِّد مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْسِ , لَكِنَّ الْمُرَاد هُنَا شَيْطَانُ الْجِنّ خَاصَّةً. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِين ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ يَتَعَمَّد إِخْرَاجَ ذَلِكَ إِمَّا لِيَشْتَغِلَ بِسَمَاعِ الصَّوْت الَّذِي يُخْرِجُهُ عَنْ سَمَاع الْمُؤَذِّن , أَوْ يَصْنَع ذَلِكَ اِسْتِخْفَافًا كَمَا يَفْعَلهُ السُّفَهَاءُ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ بَلْ يَحْصُلُ لَهُ عِنْدَ سَمَاع الْأَذَان شِدَّةُ خَوْفٍ يُحْدِثُ لَهُ ذَلِكَ الصَّوْت بِسَبَبِهَا , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ لِيُقَابِل مَا يُنَاسِب الصَّلَاة مِنْ الطَّهَارَة بِالْحَدَثِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِسْتِحْبَاب رَفْعِ الصَّوْت بِالْأَذَانِ لِأَنَّ قَوْلَهُ \" حَتَّى لَا يَسْمَعَ \" ظَاهِر فِي أَنَّهُ يَبْعُدُ إِلَى غَايَةٍ يَنْتَفِي فِيهَا سَمَاعُهُ لِلصَّوْتِ , وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ الْغَايَة فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث جَابِر فَقَالَ \" حَتَّى يَكُون مَكَانَ الرَّوْحَاء \" وَحَكَى الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان رَاوِيه عَنْ جَابِر أَنَّ بَيْن الْمَدِينَة وَالرَّوْحَاء سِتَّةً وَثَلَاثِينَ مِيلًا , هَذِهِ رِوَايَة قُتَيْبَةَ عَنْ جَرِير عِنْدَ مُسْلِمٍ , وَأَخْرَجَهُ عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ جَرِير وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه , وَلَفْظ إِسْحَاق فِي مُسْنَدِهِ \" حَتَّى يَكُونَ بِالرَّوْحَاءِ , وَهِيَ ثَلَاثُونَ مِيلًا مِنْ الْمَدِينَة \" فَأَدْرَجَهُ فِي الْخَبَرِ , وَالْمُعْتَمَد رِوَايَة قُتَيْبَةَ , وَسَيَأْتِي حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي \" فَضْل رَفْعِ الصَّوْت بِالْأَذَانِ \" بَعْدَهُ. ‏ ‏قَوْله ( قُضِيَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ , وَالْمُرَاد بِالْقَضَاءِ الْفَرَاغ أَوْ الِانْتِهَاء , وَيُرْوَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى حَذْفِ الْفَاعِل , وَالْمُرَاد الْمُنَادَى , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْأَذَان وَالْإِقَامَة فَصْلٌ , خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَ فِي إِدْرَاك فَضِيلَة أَوَّل الْوَقْت أَنْ يَنْطَبِقَ أَوَّلُ التَّكْبِير عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا ثُوِّبَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة وَتَشْدِيد الْوَاو الْمَكْسُورَة قِيلَ هُوَ مِنْ ثَابَ إِذَا رَجَعَ , وَقِيلَ مِنْ ثَوَّبَ إِذَا أَشَارَ بِثَوْبِهِ عِنْدَ الْفَرَاغ لِإِعْلَامِ غَيْره , قَالَ الْجُمْهُور : الْمُرَاد بِالتَّثْوِيبِ هُنَا الْإِقَامَة , وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحه وَالْخَطَّابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ إِذَا أُقِيمَتْ , وَأَصْلُهُ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى مَا يُشْبِه الْأَذَان , وَكُلّ مَنْ رَدَّدَ صَوْتًا فَهُوَ مُثَوِّبٌ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة مُسْلِم فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ \" فَإِذَا سَمِعَ الْإِقَامَة ذَهَبَ \" وَزَعَمَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْمُرَاد بِالتَّثْوِيبِ قَوْل الْمُؤَذِّن بَيْنَ الْأَذَان وَالْإِقَامَة \" حَيَّ عَلَى الصَّلَاة , حَيَّ عَلَى الْفَلَاح , قَدْ قَامَتْ الصَّلَاة \" وَحَكَى ذَلِكَ اِبْن الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَزَعَمَ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ , لَكِنْ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ عَنْ اِبْن عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ التَّثْوِيب بَيْنَ الْأَذَان وَالْإِقَامَة , فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ سَلَفًا فِي الْجُمْلَة , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ الْقَوْل الْخَاصّ , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا يَعْرِفُ الْعَامَّةُ التَّثْوِيبَ إِلَّا قَوْل الْمُؤَذِّن فِي الْأَذَان \" الصَّلَاة خَيْرٌ مِنْ النَّوْم \" لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث الْإِقَامَةُ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( أَقْبَلَ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ \" فَوَسْوَسَ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الطَّاء , قَالَ عِيَاض : كَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ أَكْثَرِ الرُّوَاة , وَضَبَطْنَاهُ عَنْ الْمُتْقِنِينَ بِالْكَسْرِ , وَهُوَ الْوَجْهُ , وَمَعْنَاهُ يُوَسْوِسُ , وَأَصْلُهُ مِنْ خَطَرَ الْبَعِير بِذَنَبِهِ إِذَا حَرَّكَهُ فَضَرَبَ بِهِ فَخِذَيْهِ , وَأَمَّا بِالضَّمِّ فَمِنْ الْمُرُور أَيْ يَدْنُو مِنْهُ فَيَمُرُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ فَيَشْغَلَهُ , وَضَعَّفَ الْحَجَرِيُّ فِي نَوَادِره الضَّمَّ مُطْلَقًا وَقَالَ : هُوَ يَخْطِرُ بِالْكَسْرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَ الْمَرْء وَنَفْسه ) ‏ ‏أَيْ قَلْبه , وَكَذَا هُوَ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْه آخَرَ فِي بَدْء الْخَلْق , قَالَ الْبَاجِيُّ : الْمَعْنَى أَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْء وَبَيْنَ مَا يُرِيدُهُ مِنْ إِقْبَاله عَلَى صَلَاته وَإِخْلَاصه فِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( يَقُول : اُذْكُرْ كَذَا اُذْكُرْ كَذَا ) ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَةَ بِوَاوِ الْعَطْف \" وَاذْكُرْ كَذَا \" وَهِيَ لِمُسْلِمٍ , وَلِلْمُصَنِّفِ فِي صَلَاة السَّهْو \" اُذْكُرْ كَذَا وَكَذَا \" زَادَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَبْدِ رَبّه عَنْ الْأَعْرَج \" فَهَنَّاهُ وَمَنَّاهُ وَذَكَّرَهُ مِنْ حَاجَاته مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ \". ‏ ‏قَوْله : ( لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُر ) ‏ ‏أَيْ لِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ عَلَى ذِكْرِهِ قَبْلَ دُخُوله فِي الصَّلَاة , وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ \" , وَمِنْ ثَمَّ اِسْتَنْبَطَ أَبُو حَنِيفَة لِلَّذِي شَكَا إِلَيْهِ أَنَّهُ دَفَنَ مَالًا ثُمَّ لَمْ يَهْتَدِ لِمَكَانِهِ أَنْ يُصَلِّي وَيَحْرِصَ أَنْ لَا يُحَدِّث نَفْسه بِشَيْءٍ مِنْ أَمْر الدُّنْيَا , فَفَعَلَ , فَذَكَرَ مَكَانَ الْمَال فِي الْحَال. قِيلَ : خَصَّهُ بِمَا يُعْلَمُ دُونَ مَا لَا يُعْلَمُ لِأَنَّهُ يَمِيل لِمَا يُعْلَمُ أَكْثَرَ لِتَحَقُّقِ وُجُودِهِ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ لَأَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَيُذَكِّره بِمَا سَبَقَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ لِيَشْتَغِلَ بَالُهُ بِهِ وَبِمَا لَمْ يَكُنْ سَبَقَ لَهُ لِيُوقِعهُ فِي الْفِكْرَةِ فِيهِ , وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُون فِي أُمُور الدُّنْيَا أَوْ فِي أُمُور الدِّين كَالْعِلْمِ , لَكِنْ هَلْ يَشْمَل ذَلِكَ التَّفَكُّر فِي مَعَانِي الْآيَات الَّتِي يَتْلُوهَا ؟ لَا يَبْعُد ذَلِكَ , لِأَنَّ غَرَضَهُ نَقْصُ خُشُوعه وَإِخْلَاصه بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَظَلّ الرَّجُل ) ‏ ‏كَذَا لِلْجُمْهُورِ بِالظَّاءِ الْمُشَالَة الْمَفْتُوحَة , وَمَعْنَى يَظَلُّ فِي الْأَصْل اِتِّصَاف الْمُخْبَرِ عَنْهُ بِالْخَبَرِ نَهَارًا لَكِنَّهَا هُنَا بِمَعْنَى يَصِيرُ أَوْ يَبْقَى , وَوَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ \" يَضِلُّ \" بِكَسْرِ السَّاقِطَة أَيْ يَنْسَى , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا ) أَوْ بِفَتْحِهَا , أَيْ يُخْطِئ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ) وَالْمَشْهُور الْأَوَّلُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُدْرَى ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة فِي صَلَاة السَّهْو \" إِنْ يَدْرِي \" بِكَسْرِ هَمْزَة إِنْ وَهِيَ نَافِيَة بِمَعْنَى لَا , وَحَكَى اِبْن عَبْد الْبَرِّ عَنْ الْأَكْثَر فِي الْمُوَطَّأ فَتْحُ الْهَمْزَةِ وَوَجْهه بِمَا تَعَقَّبَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَة , وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَيْسَتْ رِوَايَة الْفَتْح لِشَيْءٍ إِلَّا مَعَ رِوَايَة الضَّاد السَّاقِطَة فَتَكُون أَنْ مَعَ الْفِعْل بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَر وَمَفْعُول ضَلَّ أَنْ بِإِسْقَاطِ حَرْف الْجَرّ أَيْ يَضِلَّ عَنْ دِرَايَته. ‏ ‏قَوْله : ( كَمْ صَلَّى ) ‏ ‏وَلِلْمُصَنِّفِ فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" حَتَّى لَا يَدْرِي أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَبْوَاب السَّهْو إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْحِكْمَة فِي هُرُوب الشَّيْطَان عِنْدَ سَمَاع الْأَذَان وَالْإِقَامَة دُونَ سَمَاع الْقُرْآن وَالذِّكْرِ فِي الصَّلَاة , فَقِيلَ يَهْرُب حَتَّى لَا يَشْهَد لِلْمُؤَذِّنِ يَوْمَ الْقِيَامَة , فَإِنَّهُ لَا يَسْمَع مَدَى صَوْت الْمُؤَذِّن جِنّ وَلَا إِنْس إِلَّا شَهِدَ لَهُ كَمَا يَأْتِي بَعْدُ , وَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِإِيرَادِهِ الْحَدِيث الْمَذْكُور عَقِبَ هَذَا الْحَدِيث. وَنَقَلَ عِيَاض عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّ اللَّفْظ عَامٌّ وَالْمُرَاد بِهِ خَاصٌّ , وَأَنَّ الَّذِي يَشْهَد مَنْ تَصِحّ مِنْهُ الشَّهَادَة كَمَا سَيَأْتِي الْقَوْل فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ. وَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ فَأَمَّا الْكُفَّار فَلَا تُقْبَل لَهُمْ شَهَادَة , وَرَدّهُ لِمَا جَاءَ مِنْ الْآثَار بِخِلَافِهِ , وَبَالَغَ الزَّيْنُ بْن الْمُنِير فِي تَقْرِير الْأَوَّل وَهُوَ مَقَامُ اِحْتِمَالٍ , وَقِيلَ يَهْرُبُ نُفُورًا عَنْ سَمَاع الْأَذَان ثُمَّ يَرْجِع مُوَسْوِسًا لِيُفْسِدَ عَلَى الْمُصَلِّي صَلَاتَهُ , فَصَارَ رُجُوعه مِنْ جِنْس فِرَاره , وَالْجَامِع بَيْنَهُمَا الِاسْتِخْفَاف. وَقِيلَ لِأَنَّ الْأَذَان دُعَاء إِلَى الصَّلَاة الْمُشْتَمِلَة عَلَى السُّجُود الَّذِي أَبَاهُ وَعَصَى بِسَبَبِهِ , وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ يَعُود قَبْلَ السُّجُود , فَلَوْ كَانَ هَرَبُهُ لِأَجْلِهِ لَمْ يَعُدْ إِلَّا عِنْدَ فَرَاغِهِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَهْرُبُ عِنْدَ سَمَاع الدُّعَاء بِذَلِكَ لِيُغَالِط نَفْسه بِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِف أَمْرًا ثُمَّ يَرْجِع لِيُفْسِدَ عَلَى الْمُصَلِّي سَجْدَهُ الَّذِي أَبَاهُ , وَقِيلَ إِنَّمَا يَهْرُب لِاتِّفَاقِ الْجَمِيع عَلَى الْإِعْلَان بِشَهَادَةِ الْحَقّ وَإِقَامَة الشَّرِيعَة , وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الِاتِّفَاق عَلَى ذَلِكَ حَاصِل قَبْلَ الْأَذَان وَبَعْدَهُ مِنْ جَمِيع مَنْ يُصَلِّي , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِعْلَان أَخَصُّ مِنْ الِاتِّفَاق فَإِنَّ الْإِعْلَان الْمُخْتَصّ بِالْأَذَانِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ الْجَهْر بِالتَّكْبِيرِ وَالتِّلَاوَة مَثَلًا , وَلِهَذَا قَالَ لِعَبْدِ اللَّه بْنِ زَيْد \" أَلْقِهِ عَلَى بِلَال فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْك \" أَيْ أَقْعَدُ فِي الْمَدّ وَالْإِطَالَة وَالْإِسْمَاع لِيَعُمَّ الصَّوْتُ وَيَطُولَ أَمَدُ التَّأْذِين فَيَكْثُرَ الْجَمْعُ وَيَفُوتُ عَلَى الشَّيْطَان مَقْصُوده مِنْ إِلْهَاءِ الْآدَمِيِّ عَنْ إِقَامَة الصَّلَاة فِي جَمَاعَة أَوْ إِخْرَاجهَا عَنْ وَقْتهَا أَوْ وَقْت فَضِيلَتهَا فَيَفِرَّ حِينَئِذٍ , وَقَدْ يَيْأَس عَنْ أَنْ يَرُدَّهُمْ عَمَّا أَعْلَنُوا بِهِ ثُمَّ يَرْجِع لِمَا طُبِعَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَذَى وَالْوَسْوَسَة. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : عَلَى الْأَذَان هَيْبَةٌ يَشْتَدّ اِنْزِعَاجُ الشَّيْطَان بِسَبَبِهَا , لِأَنَّهُ لَا يَكَاد يَقَعُ فِي الْأَذَان رِيَاء وَلَا غَفْلَةٌ عِنْدَ النُّطْق بِهِ , بِخِلَافِ الصَّلَاة فَإِنَّ النَّفْس تَحْضُرُ فِيهَا فَيَفْتَحُ لَهَا الشَّيْطَان أَبْوَاب الْوَسْوَسَة. وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ أَبُو عَوَانَةَ \" الدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْمُؤَذِّن فِي أَذَانه وَإِقَامَته مَنْفِيٌّ عَنْهُ الْوَسْوَسَة وَالرِّيَاء لِتَبَاعُدِ الشَّيْطَان مِنْهُ \" وَقِيلَ لِأَنَّ الْأَذَان إِعْلَام بِالصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَفْضَل الْأَعْمَال بِأَلْفَاظٍ هِيَ مِنْ أَفْضَلِ الذِّكْرِ لَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا , بَلْ تَقَع عَلَى وَفْقِ الْأَمْر , فَيَفِرَّ مِنْ سَمَاعهَا. وَأَمَّا الصَّلَاة فَلِمَا يَقَعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ النَّاس فِيهَا مِنْ التَّفْرِيطِ فَيَتَمَكَّنُ الْخَبِيثُ مِنْ الْمُفَرِّطِ , فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ وَفَّى بِجَمِيعِ مَا أُمِرَ بِهِ فِيهَا لَمْ يُقَرَّ بِهِ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ وَهُوَ نَادِر , وَكَذَا إِذَا اِنْضَمَّ إِلَيْهِ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فَإِنَّهُ يَكُون أَنْدَرَ , أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْن أَبِي جَمْرَة نَفَعَ اللَّه بِبَرَكَتِهِ. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّالٍ يُشْبِه أَنْ يَكُونَ الزَّجْرُ عَنْ خُرُوجِ الْمَرْءِ مِنْ الْمَسْجِد بَعْدَ أَنْ يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى , لِئَلَّا يَكُونَ مُتَشَبِّهًا بِالشَّيْطَانِ الَّذِي يَفِرُّ عِنْدَ سَمَاع الْأَذَان وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏( الْأَوَّل ) فَهِمَ بَعْض السَّلَف مِنْ الْأَذَان فِي هَذَا الْحَدِيث الْإِتْيَان بِصُورَةِ الْأَذَان وَإِنْ لَمْ تُوجَد فِيهِ شَرَائِط الْأَذَان مِنْ وُقُوعه فِي الْوَقْت وَغَيْر ذَلِكَ , فَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ رِوَايَة سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ \" إِذَا سَمِعْت صَوْتًا فَنَادِ بِالصَّلَاةِ \" وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث , وَرَوَى مَالِك عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ نَحْوَهُ. ‏ ‏( الثَّانِي ) وَرَدَتْ فِي فَضْل الْأَذَان أَحَادِيث كَثِيرَة ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَعْضَهَا فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى , وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا هُنَا , لِأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ تَضَمَّنَ فَضْلًا لَا يُنَالُ بِغَيْرِ الْأَذَان , بِخِلَافِ غَيْره مِنْ الْأَخْبَار فَإِنَّ الثَّوَاب الْمَذْكُور فِيهَا يُدْرَكُ بِأَنْوَاعٍ أُخْرَى مِنْ الْعِبَادَات , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "574",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْمَازِنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏قَالَ لَهُ ‏ ‏إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ ‏ ‏مَدَى صَوْتِ ‏ ‏الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن عُيَيْنَةَ \" وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي سَعِيدٍ وَكَانَتْ أُمّه عِنْدَ أَبِي سَعِيد \" أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقه , لَكِنْ قَلَبَهُ اِبْنُ عُيَيْنَةَ فَقَالَ : عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه وَالصَّحِيح قَوْل مَالِك وَوَافَقَهُ عَبْد الْعَزِيز الْمَاجِشُونِ. وَزَعَمَ أَبُو مَسْعُود فِي الْأَطْرَاف أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ رِوَايَته , لَكِنْ لَمْ نَجِد ذَلِكَ وَلَا ذَكَرَهَا خَلَفٌ قَالَهُ اِبْنُ عَسَاكِرَ. وَاسْم أَبِي صَعْصَعَة عَمْرو بْن زَيْد بْن عَوْف بْن مَبْدُول بْن عَمْرو بْن غُنْمِ بْن مَازِن اِبْن النَّجَّار , مَاتَ أَبُو صَعْصَعَة فِي الْجَاهِلِيَّة , وَابْنه عَبْد الرَّحْمَن صَحَابِيّ , رَوَى اِبْن شَاهِينَ فِي الصَّحَابَة مِنْ طَرِيق قَيْسِ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ حَدِيثًا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي سِيَاقه أَنَّ جَدّه كَانَ بَدْرِيًّا , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ أَصْحَاب الْمَغَازِي لَمْ يَذْكُرُوهُ فِيهِمْ وَإِنَّمَا ذَكَرُوا أَخَاهُ قَيْسَ بْن أَبِي صَعْصَعَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ ) ‏ ‏أَيْ لِعَبْدِ اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله : ( تُحِبّ الْغَنَم وَالْبَادِيَة ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِ الْغَنَم لِأَنَّ مُحِبَّهَا يَحْتَاج إِلَى إِصْلَاحهَا بِالْمَرْعَى , وَهُوَ فِي الْغَالِب يَكُون فِي الْبَادِيَة وَهِيَ الصَّحْرَاء الَّتِي لَا عِمَارَةَ فِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فِي غَنَمِك أَوْ بَادِيَتِك ) ) ‏ ‏يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ \" أَوْ \" شَكًّا مِنْ الرَّاوِي , وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُون لِلتَّنْوِيعِ لِأَنَّ الْغَنَم قَدْ لَا تَكُون فِي الْبَادِيَة , وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُون فِي الْبَادِيَة حَيْثُ لَا غَنَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَذَّنْت لِلصَّلَاةِ ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِ الصَّلَاة , وَلِلْمُصَنَّفِ فِي بَدْء الْخَلْق \" بِالصَّلَاةِ \" أَيْ أَعْلَمْت بِوَقْتِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَارْفَعْ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ أَذَانَ مَنْ أَرَادَ الصَّلَاة كَانَ مُقَرَّرًا عِنْدَهُمْ لِاقْتِصَارِهِ عَلَى الْأَمْر بِالرَّفْعِ دُونَ أَصْلِ التَّأْذِين , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الرَّافِعِيّ لِلْقَوْلِ الصَّائِر إِلَى اِسْتِحْبَاب أَذَان الْمُنْفَرِدِ , وَهُوَ الرَّاجِح عِنْدَ الشَّافِعِيَّة بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَذَان حَقُّ الْوَقْت , وَقِيلَ لَا يُسْتَحَبّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَذَان لِاسْتِدْعَاءِ الْجَمَاعَة لِلصَّلَاةِ , وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ مَنْ يَرْجُو جَمَاعَةً أَوْ لَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِالنِّدَاءِ ) ‏ ‏أَيْ بِالْأَذَانِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا يَسْمَع مَدَى صَوْت الْمُؤَذِّن ) ‏ ‏أَيْ غَايَة صَوْته , قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : غَايَةُ الصَّوْت تَكُونُ أَخْفَى مِنْ اِبْتِدَائِهِ , فَإِذَا شَهِدَ لَهُ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ وَوَصَلَ إِلَيْهِ مُنْتَهَى صَوْتِهِ فَلَأَنْ يَشْهَدَ لَهُ مَنْ دَنَا مِنْهُ وَسَمِعَ مُبَادِي صَوْتِهِ أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله ( جِنّ وَلَا إِنْس وَلَا شَيْء ) ‏ ‏ظَاهِره يَشْمَل الْحَيَوَانَات وَالْجَمَادَات , فَهُوَ مِنْ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ , وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ \" لَا يَسْمَع صَوْته شَجَرٌ وَلَا مَدَرٌ وَلَا حَجَرٌ وَلَا جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ \" , وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي يَحْيَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" الْمُؤَذِّن يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْته , وَيَشْهَدُ لَهُ كُلّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ \" وَنَحْوُهُ لِلنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاء وَصَحَّحَهُ اِبْن السَّكَن , فَهَذِهِ الْأَحَادِيث تُبَيِّنُ الْمُرَاد مِنْ قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب \" وَلَا شَيْء \" وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْض مَنْ لَمْ يَطَّلِع عَلَيْهَا فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى غَيْر مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِره , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَوْله \" وَلَا شَيْء \" الْمُرَاد بِهِ الْمَلَائِكَة. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي قَوْله جِنٌّ لِأَنَّهُمْ يَسْتَخْفُونَ عَنْ الْأَبْصَار , وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمُرَاد كُلُّ مَا يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ مِنْ الْحَيَوَان حَتَّى مَا لَا يَعْقِلُ دُونَ الْجَمَادَاتِ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِره , وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِع عَقْلًا وَلَا شَرْعًا. قَالَ اِبْن بَزِيزَةَ , تَقَرَّرَ فِي الْعَادَة أَنَّ السَّمَاع وَالشَّهَادَة وَالتَّسْبِيح لَا يَكُون إِلَّا مِنْ حَيٍّ , فَهَلْ ذَلِكَ حِكَايَةٌ عَنْ لِسَان الْحَال لِأَنَّ الْمَوْجُودَات نَاطِقَة بِلِسَانِ حَالِهَا بِجَلَالِ بَارِيهَا , أَوْ هُوَ عَلَى ظَاهِره ؟ وَغَيْرُ مُمْتَنِع عَقْلًا أَنَّ اللَّه يَخْلُق فِيهَا الْحَيَاة وَالْكَلَام. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي قَوْل النَّار \" أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا \" وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيث الَّذِي فِيهِ \" أَنَّ الْبَقَرَة قَالَتْ إِنَّمَا خُلِقْت لِلْحَرْثِ \" وَفِي مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر اِبْن سَمُرَةَ مَرْفُوعًا \" إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ \" ا ه. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ : إِنَّ قَوْلَهُ هُنَا \" وَلَا شَيْء \" نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى ( وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الْآيَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا , وَمَا عَرَفْت وَجْهَ هَذَا التَّعَقُّبِ فَإِنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الِاحْتِمَال وَنَقْلِ الِاخْتِلَاف , إِلَّا أَنْ يَقُول إِنَّ الْآيَة لَمْ يُخْتَلَفْ فِي كَوْنِهَا عَلَى عُمُومِهَا , وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي تَسْبِيح بَعْض الْأَشْيَاء هَلْ هُوَ عَلَى الْحَقِيقَة أَوْ الْمَجَاز بِخِلَافِ الْحَدِيث. وَاَللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏السِّرُّ فِي هَذِهِ الشَّهَادَة مَعَ أَنَّهَا تَقَعُ عِنْدَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنَّ أَحْكَامَ الْآخِرَةِ جَرَتْ عَلَى نَعْتِ أَحْكَامِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا مِنْ تَوْجِيهِ الدَّعْوَى وَالْجَوَابِ وَالشَّهَادَةِ , قَالَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِير. وَقَالَ التوربشتي : الْمُرَاد مِنْ هَذِهِ الشَّهَادَة اِشْتِهَارُ الْمَشْهُود لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَة بِالْفَضْلِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ , وَكَمَا أَنَّ اللَّه يَفْضَحُ بِالشَّهَادَةِ قَوْمًا فَكَذَلِكَ يُكْرِمُ بِالشَّهَادَةِ آخَرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا شَهِدَ لَهُ ) ‏ ‏لِلْكُشْمِيهَنِيِّ إِلَّا يَشْهَدُ لَهُ , وَتَوْجِيهُهُمَا وَاضِحٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو سَعِيد سَمِعْته ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : أَيْ هَذَا الْكَلَام الْأَخِير وَهُوَ قَوْله إِنَّهُ لَا يَسْمَع إِلَخْ. قُلْت : وَقَدْ أَوْرَدَ الرَّافِعِيّ هَذَا الْحَدِيث فِي الشَّرْح بِلَفْظِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي سَعِيد إِنَّك رَجُلٌ تُحِبُّ الْغَنَمَ \" وَسَاقَهُ إِلَى آخِرِهِ , وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الْغَزَالِيّ وَإِمَامه وَالْقَاضِي حُسَيْن وَابْن دَاوُدَ شَارِحُ الْمُخْتَصَر وَغَيْرهمْ , وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ , وَأَجَابَ اِبْن الرِّفْعَة عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ قَوْل أَبِي سَعِيد \" سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" عَائِد عَلَى كُلّ مَا ذُكِرَ ا ه. وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ. وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ وَلَفْظه \" قَالَ أَبُو سَعِيد : إِذَا كُنْت فِي الْبَوَادِي فَارْفَعْ صَوْتك بِالنِّدَاءِ , فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : لَا يَسْمَع \" فَذَكَرَهُ , وَرَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ أَيْضًا عَنْ مَالِك بِلَفْظِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا أَذَّنْت فَارْفَعْ صَوْتك , فَإِنَّهُ لَا يَسْمَع \" فَذَكَرَهُ. فَالظَّاهِر أَنَّ ذِكْرَ الْغَنَم وَالْبَادِيَة مَوْقُوف , وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب رَفْعِ الصَّوْت بِالْأَذَانِ لِيَكْثُرَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ مَا لَمْ يُجْهِدْهُ أَوْ يَتَأَذَّى بِهِ , وَفِيهِ أَنَّ حُبَّ الْغَنَمِ وَالْبَادِيَةِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ نُزُول الْفِتْنَة مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ , وَفِيهِ جَوَازُ التَّبَدِّي وَمُسَاكَنَةِ الْأَعْرَاب وَمُشَارَكَتهمْ فِي الْأَسْبَاب بِشَرْطِ حَظٍّ مِنْ الْعِلْم وَأَمْنٍ مِنْ غَلَبَةِ الْجَفَاءِ. وَفِيهِ أَنَّ أَذَانَ الْفَذِّ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَلَوْ كَانَ فِي قَفْرٍ وَلَوْ لَمْ يُرْتَجَ حُضُور مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ , لِأَنَّهُ إِنْ فَاتَهُ دُعَاء الْمُصَلِّينَ فَلَمْ يَفُتْهُ اِسْتِشْهَاد مَنْ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرهمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "575",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ قَالَ فَخَرَجْنَا إِلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلًا فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فَخَرَجُوا إِلَيْنَا ‏ ‏بِمَكَاتِلِهِمْ ‏ ‏وَمَسَاحِيهِمْ ‏ ‏فَلَمَّا رَأَوْا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالُوا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَاللَّهِ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَالْخَمِيسُ ‏ ‏قَالَ فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ ‏ ‏خَيْبَرُ ‏ ‏إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ‏ { ‏فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ‏}",
        "sharh": "الْحَدِيثُ قَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْجِهَادِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ أَتَمُّ مِمَّا هُنَا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى فَوَائِدِهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ رَوَى مُسْلِم طَرَفَهُ الْمُتَعَلِّقَ بِالْأَذَانِ وَسِيَاقُهُ أَوْضَحُ , أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلِمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُغَيِّر إِذَا طَلَعَ الْفَجْرَ , وَكَانَ يَسْتَمِع الْأَذَان , فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ \". قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ أَنَّ الْأَذَان شِعَار الْإِسْلَام , وَأَنَّهُ لَا يَجُوز تَرْكُهُ , وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ بَلَد اِجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِهِ كَانَ لِلسُّلْطَانِ قِتَالُهُمْ عَلَيْهِ ا ه. وَهَذَا أَحَدُ أَقْوَال الْعُلَمَاء كَمَا تَقَدَّمَ , وَهُوَ أَحَدُ الْأَوْجُهِ فِي الْمَذْهَب. وَأَغْرَبَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ فَقَالَ : لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا , وَأَنَّ قَوْلَ أَصْحَابِنَا مَنْ نَطَقَ بِالتَّشَهُّدِ فِي الْأَذَان حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ عِيسَوِيًّا فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مُطْلَقُ حَدِيث الْبَاب , لِأَنَّ الْعِيسَوِيَّةَ طَائِفَة مِنْ الْيَهُود حَدَثَتْ فِي آخِرِ دَوْلَة بَنِي أُمَيَّةَ فَاعْتَرَفُوا بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنْ إِلَى الْعَرَب فَقَطْ , وَهُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَى رَجُل يُقَال لَهُ أَبُو عِيسَى أَحْدَثَ لَهُمْ ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي سِيَاق حَدِيث الْبَاب \" لَمْ يَكُنْ يُغِرْ بِنَا \" وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطه , فَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" يُغِرْ \" مِنْ الْإِغَارَة مَجْزُومٌ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْله يَكُنْ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يَغْدُ \" بِإِسْكَانِ الْغَيْن وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَة مِنْ الْغُدُوِّ , وَفِي رِوَايَة كَرِيمَةَ \" يَغْزُو \" بِزَايٍ بَعْدَهَا وَاوٌ مِنْ الْغَزْوِ , وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ \" يُغِيرُ \" كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِإِثْبَاتِ الْيَاء , وَفِي رِوَايَة غَيْرِهِمْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ مِنْ الْإِغْرَاء , وَرِوَايَة مُسْلِم تَشْهَد لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَاهُ مِنْ الْإِغَارَة , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "576",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَطَاء بْن زَيْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْبٍ عَنْ مَالِك وَيُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَطَاء بْن يَزِيدَ أَخْبَرَهُ , أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏اُخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث , وَعَلَى مَالِك أَيْضًا , لَكِنَّهُ اِخْتِلَافٌ لَا يَقْدَح فِي صِحَّتِهِ , فَرَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ , وَقَالَ أَحْمَد بْن صَالِح وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ : حَدِيث مَالِك وَمَنْ تَابَعَهُ أَصَحُّ , وَرَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ السَّائِب بْن يَزِيدَ أَخْرَجَهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ , وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : إِنَّهُ خَطَأ وَالصَّوَاب الرِّوَايَة الْأُولَى , وَفِيهِ اِخْتِلَاف آخَرُ دُونَ مَا ذُكِرَ لَا نُطِيلُ بِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا سَمِعْتُمْ ) ‏ ‏ظَاهِره اِخْتِصَاص الْإِجَابَة بِمَنْ يَسْمَع حَتَّى لَوْ رَأَى الْمُؤَذِّن عَلَى الْمَنَارَة مَثَلًا فِي الْوَقْت وَعَلِمَ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ لَكِنْ لَمْ يَسْمَع أَذَانَهُ لِبُعْدٍ أَوْ صَمَمٍ لَا تُشْرَعُ لَهُ الْمُتَابَعَةُ , قَالَهُ النَّوَوِيّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُول الْمُؤَذِّنُ ) ‏ ‏اِدَّعَى اِبْنُ وَضَّاحٍ أَنَّ قَوْلَ \" الْمُؤَذِّنِ \" مَدْرَجٌ , وَأَنَّ الْحَدِيثَ اِنْتَهَى عِنْدَ قَوْله \" مِثْلَ مَا يَقُول \". وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْإِدْرَاجَ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى , وَقَدْ اِتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْمُوَطَّأ عَلَى إِثْبَاتِهَا , وَلَمْ يُصِبْ صَاحِبُ الْعُمْدَة فِي حَذْفِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( مَا يَقُول ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَالَ \" مَا يَقُول \" وَلَمْ يَقُلْ مِثْلَ مَا قَالَ لِيُشْعِرَ بِأَنَّهُ يُجِيبُهُ بَعْدَ كُلِّ كَلِمَةٍ مِثْلَ كَلِمَتِهَا. ‏ ‏قُلْت : وَالصَّرِيح فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث أُمّ حَبِيبَةَ \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول كَمَا يَقُول الْمُؤَذِّنُ حَتَّى يَسْكُتَ \" وَأَمَّا أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمُرِيُّ فَقَالَ : ظَاهِرُ الْحَدِيث أَنَّهُ يَقُول مِثْلَ مَا يَقُولُ عَقِبَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ , لَكِنَّ الْأَحَادِيث الَّتِي تَضَمَّنَتْ إِجَابَةَ كُلِّ كَلِمَةٍ عَقِبَهَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُسَاوَقَةُ , يُشِير إِلَى حَدِيث عُمَر بْن الْخَطَّاب الَّذِي عِنْدَ مُسْلِم وَغَيْره , فَلَوْ لَمْ يُجَاوِبهُ حَتَّى فَرَغَ اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّدَارُكُ إِنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْل. قَالَهُ النَّوَوِيّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بَحْثًا. وَقَدْ قَالُوهُ فِيمَا إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ كَالصَّلَاةِ , وَظَاهِرُ قَوْله مِثْلَ أَنَّهُ يَقُول مِثْلَ قَوْله فِي جَمِيع الْكَلِمَات , لَكِنَّ حَدِيث عُمَر أَيْضًا وَحَدِيث مُعَاوِيَةَ الْآتِي يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ \" حَيَّ عَلَى الصَّلَاة وَحَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ \" فَيَقُول بَدَلَهُمَا \" لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاَللَّهِ \" كَذَلِكَ اِسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن خُزَيْمَةَ وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْدَ الْجُمْهُور , وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ الِاخْتِلَاف الْمُبَاح فَيَقُول تَارَةً كَذَا وَتَارَةً كَذَا , وَحَكَى بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ بَعْض أَهْل الْأُصُول أَنَّ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ إِذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَجَبَ إِعْمَالُهُمَا , قَالَ : فَلِمَ لَا يُقَالُ يُسْتَحَبُّ لِلسَّامِعِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحَيْعَلَةِ وَالْحَوْقَلَةِ , وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. أُجِيبَ عَنْ الْمَشْهُور مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّ الْأَذْكَار الزَّائِدَة عَلَى الْحَيْعَلَةِ يَشْتَرِكُ السَّامِع وَالْمُؤَذِّن فِي ثَوَابهَا , وَأَمَّا الْحَيْعَلَةُ فَمَقْصُودُهَا الدُّعَاءُ إِلَى الصَّلَاةِ , وَذَلِكَ يَحْصُلُ مِنْ الْمُؤَذِّن , فَعُوِّضَ السَّامِع عَمَّا يَفُوتُهُ مِنْ ثَوَابِ الْحَيْعَلَةِ بِثَوَابِ الْحَوْقَلَةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُول : يَحْصُلُ لِلْمُجِيبِ الثَّوَابُ لِامْتِثَالِهِ الْأَمْرَ , وَيُمْكِنُ أَنْ يَزْدَادَ اِسْتِيقَاظًا وَإِسْرَاعًا إِلَى الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا تَكَرَّرَ عَلَى سَمْعِهِ الدُّعَاء إِلَيْهَا مِنْ الْمُؤَذِّنِ وَمِنْ نَفْسِهِ. وَيَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْخِلَافِ فِي قَوْلِ الْمَأْمُوم \" سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ \" كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَى الْحَيْعَلَتَيْنِ هَلُمَّ بِوَجْهِك وَسَرِيرَتِك إِلَى الْهُدَى عَاجِلًا وَالْفَوْز بِالنَّعِيمِ آجِلًا , فَنَاسَبَ أَنْ يَقُول : هَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا أَسْتَطِيعُ مَعَ ضَعْفِي الْقِيَام بِهِ إِلَّا إِذَا وَفَّقَنِي اللَّه بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ. وَمِمَّا لُوحِظَتْ فِيهِ الْمُنَاسَبَةُ مَا نَقَلَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثْت أَنَّ النَّاس كَانُوا يُنْصِتُونَ لِلْمُؤَذِّنِ إِنْصَاتهمْ لِلْقِرَاءَةِ فَلَا يَقُول شَيْئًا إِلَّا قَالُوا مِثْلَهُ , حَتَّى إِذَا قَالَ \" حَيَّ عَلَى الصَّلَاة \" قَالُوا \" لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاَللَّهِ \" وَإِذَا قَالَ \" حَيَّ عَلَى الْفَلَاح \" قَالُوا \" مَا شَاءَ اللَّه \". اِنْتَهَى. وَإِلَى هَذَا صَارَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ. وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَةَ مِثْلَهُ عَنْ عُثْمَانَ , وَرَوَى عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْرٍ قَالَ : يَقُول فِي جَوَاب الْحَيْعَلَة : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. وَوَرَاءَ ذَلِكَ وُجُوه مِنْ الِاخْتِلَاف أُخْرَى , قِيلَ لَا يُجِيبُهُ إِلَّا فِي التَّشَهُّدَيْنِ فَقَطْ , وَقِيلَ هُمَا وَالتَّكْبِير , وَقِيلَ يُضِيف إِلَى ذَلِكَ الْحَوْقَلَةَ دُونَ مَا فِي آخِرِهِ , وَقِيلَ مَهْمَا أَتَى بِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ كَفَاهُ وَهُوَ اِخْتِيَار الطَّحَاوِيِّ , وَحَكَوْا أَيْضًا خِلَافًا : هَلْ يُجِيبُ فِي التَّرْجِيعِ أَوْ لَا , وَفِيمَا إِذَا أَذَّنَ مُؤَذِّن آخَرُ هَلْ يُجِيبُهُ بَعْدَ إِجَابَتِهِ لِلْأَوَّلِ أَوْ لَا. قَالَ النَّوَوِيّ : لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا لِأَصْحَابِنَا. وَقَالَ اِبْن عَبْد السَّلَام : يُجِيب كُلَّ وَاحِدٍ بِإِجَابَةٍ لِتَعَدُّدِ السَّبَب , وَإِجَابَة الْأَوَّل أَفْضَلُ , إِلَّا فِي الصُّبْح وَالْجُمُعَة فَإِنَّهُمَا سَوَاء لِأَنَّهُمَا مَشْرُوعَانِ. وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ لَفْظ الْمِثْل لَا يَقْتَضِي الْمُسَاوَاة مِنْ كُلّ جِهَة , لِأَنَّ قَوْله مِثْلَ مَا يَقُول لَا يُقْصَدُ بِهِ رَفْعُ الصَّوْت الْمَطْلُوب مِنْ الْمُؤَذِّن , كَذَا قِيلَ وَفِيهِ بَحْثٌ , لِأَنَّ الْمُمَاثَلَة وَقَعَتْ فِي الْقَوْل لَا فِي صِفَته , وَالْفَرْق بَيْنَ الْمُؤَذِّنِ وَالْمُجِيبِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ مَقْصُودُهُ الْإِعْلَام فَاحْتَاجَ إِلَى رَفْعِ الصَّوْتِ , وَالسَّامِع مَقْصُودُهُ ذِكْرُ اللَّهِ فَيَكْتَفِي بِالسِّرِّ أَوْ الْجَهْر لَا مَعَ الرَّفْع. نَعَمْ لَا يَكْفِيهِ أَنْ يُجْرِيَهُ عَلَى خَاطِرِهِ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ بِالْقَوْلِ. وَأَغْرَبَ اِبْن الْمُنِير فَقَالَ : حَقِيقَة الْأَذَان جَمِيع مَا يَصْدُرُ عَنْ الْمُؤَذِّن مِنْ قَوْل وَفِعْلٍ وَهَيْئَة. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَذَان مَعْنَاهُ الْإِعْلَام لُغَةً , وَخَصَّهُ الشَّرْع بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَة فَإِذَا وُجِدَتْ الْأَذَان , وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْل أَوْ فِعْلٍ أَوْ هَيْئَة يَكُون مِنْ مُكَمِّلَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُوجَد الْأَذَان مِنْ دُونِهَا. وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا أَطْلَقَ لَكَانَ مَا أَحْدَثَ مِنْ التَّسْبِيح قَبْلَ الصُّبْح وَقَبْلَ الْجُمُعَة وَمِنْ الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جُمْلَة الْأَذَان , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز إِجَابَة الْمُؤَذِّن فِي الصَّلَاة عَمَلًا بِظَاهِرِ الْأَمْر , وَلِأَنَّ الْمُجِيبَ لَا يَقْصِد الْمُخَاطَبَة , وَقِيلَ يُؤَخِّرُ الْإِجَابَة حَتَّى يَفْرُغَ لِأَنَّ فِي الصَّلَاة شُغْلًا , وَقِيلَ يُجِيبُ إِلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا كَالْخِطَابِ لِلْآدَمِيِّينَ وَالْبَاقِي مِنْ ذِكْرِ اللَّه فَلَا يَمْنَعُ. لَكِنْ قَدْ يُقَالُ : مَنْ يُبَدِّلُ الْحَيْعَلَةَ بِالْحَوْقَلَةِ لَا يَمْنَعُ , لِأَنَّهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّه , قَالَهُ اِبْنُ دَقِيق الْعِيد. وَفَرَّقَ اِبْن عَبْد السَّلَام فِي فَتَاوِيه بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ يَقْرَأ الْفَاتِحَة فَلَا يُجِيب بِنَاءً عَلَى وُجُوب مُوَالَاتهَا وَإِلَّا فَيُجِيبُ , وَعَلَى هَذَا إِنْ أَجَابَ فِي الْفَاتِحَة اِسْتَأْنَفَ , وَهَذَا قَالَهُ بَحْثًا , وَالْمَشْهُور فِي الْمَذْهَب كَرَاهَة الْإِجَابَة فِي الصَّلَاة بَلْ يُؤَخِّرهَا حَتَّى يَفْرُغ , وَكَذَا فِي حَال الْجِمَاع وَالْخَلَاء , لَكِنْ إِنْ أَجَابَ بِالْحَيْعَلَةِ بَطَلَتْ كَذَا أَطْلَقَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ , وَنَصَّ الشَّافِعِيّ فِي الْأُمِّ عَلَى عَدَمِ فَسَادِ الصَّلَاة بِذَلِكَ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّة إِجَابَة الْمُؤَذِّن فِي الْإِقَامَة , قَالُوا : إِلَّا فِي كَلِمَتَيْ الْإِقَامَة فَيَقُول \" أَقَامَهَا اللَّه وَأَدَامَهَا \" وَقِيَاس إِبْدَال الْحَيْعَلَة بِالْحَوْقَلَةِ فِي الْأَذَان أَنْ يَجِيءَ هُنَا , لَكِنْ قَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْأَذَان إِعْلَام عَامٌّ فَيَعْسُرُ عَلَى الْجَمِيع أَنْ يَكُونُوا دُعَاة إِلَى الصَّلَاة , وَالْإِقَامَة إِعْلَام خَاصٌّ وَعَدَدُ مَنْ يَسْمَعُهَا مَحْصُور فَلَا يَعْسُرُ أَنْ يَدْعُوَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوب إِجَابَة الْمُؤَذِّن , حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ قَوْم مِنْ السَّلَف وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّة وَأَهْل الظَّاهِر وَابْن وَهْبٍ , وَاسْتُدِلَّ لِلْجُمْهُورِ بِحَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَغَيْره \" إِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ مُؤَذِّنًا فَلَمَّا كَبَّرَ قَالَ : عَلَى الْفِطْرَةِ , فَلَمَّا تَشَهَّدَ قَالَ : خَرَجَ مِنْ النَّار \" قَالَ : فَلَمَّا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام غَيْر مَا قَالَ الْمُؤَذِّن عَلِمْنَا أَنَّ الْأَمْر بِذَلِكَ لِلِاسْتِحْبَابِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ مِثْلَ مَا قَالَ , فَيَجُوز أَنْ يَكُون قَالَهُ وَلَمْ يَنْقُلهُ الرَّاوِي اِكْتِفَاءً بِالْعَادَةِ وَنَقَلَ الْقَوْل الزَّائِد , وَبِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ صُدُورِ الْأَمْرِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُل لَمَّا أَمَرَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُدْخِلَ نَفْسَهُ فِي عُمُومِ مَنْ خُوطِبَ بِذَلِكَ , قِيلَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الرَّجُل لَمْ يَقْصِد الْأَذَان لَكِنْ يَرُدُّ هَذَا الْأَخِيرَ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ حَضَرَتْهُ الصَّلَاةُ ‏"
    },
    {
        "id": "577",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏يَوْمًا ‏ ‏فَقَالَ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِشَامٌ ) ‏ ‏هُوَ الدَّسّْتُوَائِيُّ وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِيرٍ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَوْمًا فَقَالَ مِثْلَهُ - إِلَى قَوْله - وَأَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَ الْمَتْنَ هُنَا مُخْتَصَرًا , وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَده عَنْ هِشَامٍ وَلَفْظه \" كُنَّا عِنْدَ مُعَاوِيَة فَنَادَى الْمُنَادِي بِالصَّلَاةِ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ , ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا سَمِعْت نَبِيَّكُمْ \" ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيّ : حَدَّثَنَا إِسْحَاق أَنْبَأَنَا وَهْبُ بْن جَرِير حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى نَحْوَهُ. قَالَ يَحْيَى : وَحَدَّثَنِي بَعْض إِخْوَاننَا \" أَنَّهُ لَمَّا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاة قَالَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ , وَقَالَ : هَكَذَا سَمِعْت نَبِيَّكُمْ يَقُول \". اِنْتَهَى. فَأَحَالَ بِقَوْلِهِ نَحْوَهُ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ , وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ كُلَّهُ , وَقَدْ وَقَعَ لَنَا هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ هِشَامٍ الْمَذْكُورِ تَامًّا , مِنْهَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق مُعَاذِ اِبْن هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا عِيسَى بْن طَلْحَة قَالَ \" دَخَلْنَا عَلَى مُعَاوِيَةَ , فَنَادَى مُنَادٍ بِالصَّلَاةِ , فَقَالَ : اللَّه أَكْبَر اللَّه أَكْبَر , فَقَالَ مُعَاوِيَةُ اللَّه أَكْبَر اللَّه أَكْبَر. فَقَالَ : أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه. فَقَالَ مُعَاوِيَة : وَأَنَا أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه. فَقَالَ : أَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه , فَقَالَ مُعَاوِيَة : وَأَنَا أَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه \". ‏"
    },
    {
        "id": "578",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏نَحْوَهُ قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَحَدَّثَنِي ‏ ‏بَعْضُ إِخْوَانِنَا ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ ‏ ‏لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَقَالَ هَكَذَا سَمِعْنَا نَبِيَّكُمْ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَالَ يَحْيَى فَحَدَّثَنِي صَاحِبٌ لَنَا \" أَنَّهُ لَمَّا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاة قَالَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاَللَّهِ. ثُمَّ قَالَ هَكَذَا سَمِعْنَا نَبِيَّكُمْ \" ) ‏ ‏. اِنْتَهَى. فَاشْتَمَلَ هَذَا السِّيَاق عَلَى فَوَائِدَ : أَحَدهَا تَصْرِيح يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير بِالسَّمَاعِ لَهُ مِنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم فَأُمِنَ مَا يُخْشَى مِنْ تَدْلِيسِهِ , ثَانِيهَا بَيَان مَا اِخْتُصِرَ مِنْ رِوَايَتَيْ الْبُخَارِيّ , ثَالِثهَا أَنَّ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُولَى \" أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَة يَوْمًا فَقَالَ مِثْلَهُ \" فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَسْمَع الْمُؤَذِّنَ يَوْمًا فَقَالَ مِثْلَهُ , رَابِعُهَا أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي رِوَايَة وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا لِمُتَابَعَةِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ لَهُ , خَامِسُهَا أَنَّ قَوْله \" قَالَ يَحْيَى \" لَيْسَ تَعْلِيقًا مِنْ الْبُخَارِيِّ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ , بَلْ هُوَ عِنْدَهُ بِإِسْنَادِ إِسْحَاقَ. وَأَبْدَى الْحَافِظُ قُطْب الدِّين اِحْتِمَالًا أَنَّهُ عِنْدَهُ بِإِسْنَادَيْنِ , ثُمَّ إِنَّ إِسْحَاقَ هَذَا لَمْ يُنْسَبْ وَهُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , كَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجه , وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شِيرَوَيْهِ عَنْهُ. وَأَمَّا الْمُبْهَمُ الَّذِي حَدَّثَ يَحْيَى بِهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ فَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ الطُّرُقِ عَلَى تَعْيِينِهِ , وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ عَنْ غَيْره أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَوْزَاعِيُّ , وَفِيهِ نَظَرٌ , لِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّ قَائِل ذَلِكَ لِيَحْيَى حَدَّثَهُ بِهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ , وَأَيْنَ عَصْر الْأَوْزَاعِيِّ مِنْ عَصْر مُعَاوِيَةَ ؟ وَقَدْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّي أَنَّهُ عَلْقَمَةُ اِبْن وَقَّاصٍ إِنْ كَانَ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير أَدْرَكَهُ , وَإِلَّا فَأَحَد اِبْنَيْهِ عَبْد اللَّه بْن عَلْقَمَة أَوْ عَمْرو بْن عَلْقَمَة , وَإِنَّمَا قُلْت ذَلِكَ لِأَنَّنِي جَمَعْت طُرُقَهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ فَلَمْ أَجِدْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي ذِكْرِ الْحَوْقَلَةِ إِلَّا مِنْ طَرِيقَيْنِ : أَحَدُهُمَا عَنْ نَهْشَلَ التَّمِيمِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ فِي الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ وَاهٍ , وَالْآخَرُ عَنْ عَلْقَمَة بْن وَقَّاصٍ عَنْهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَاللَّفْظ لَهُ , وَابْن خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن يَحْيَى أَنَّ عِيسَى بْن عَمْرو أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَلْقَمَة بْن وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" إِنِّي لَعِنْدَ مُعَاوِيَةَ إِذْ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ , فَقَالَ مُعَاوِيَةُ كَمَا قَالَ , حَتَّى إِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاة قَالَ : لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ , فَلَمَّا قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاح قَالَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاَللَّهِ , وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّن , ثُمَّ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول ذَلِكَ \" وَرَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَلْقَمَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ : كُنْت عِنْدَ مُعَاوِيَة فَذَكَرَ مِثْلَهُ , وَأَوْضَحَ سِيَاقًا مِنْهُ , وَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ ذِكْرَ الْحَوْقَلَةِ فِي جَوَابِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاح اُخْتُصِرَ فِي حَدِيث الْبَاب , بِخِلَافِ مَا تَمَسَّكَ بِهِ بَعْض مَنْ وَقَفَ مَعَ ظَاهِره , وَأَنَّ \" إِلَى \" فِي قَوْله فِي الطَّرِيق الْأُولَى \" فَقَالَ مِثْلَ قَوْله إِلَى أَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه \" بِمَعْنَى \" مَعَ \" كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ). ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث عُمَر بْن الْخَطَّاب نَحْوَ حَدِيث مُعَاوِيَة , وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيّ لِاخْتِلَافٍ وَقَعَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَاله كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَلَمْ يُخَرِّجْ مُسْلِمٌ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ لِأَنَّ الزِّيَادَة الْمَقْصُودَة مِنْهُ لَيْسَتْ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيح لِلْمُبْهَمِ الَّذِي فِيهَا , لَكِنْ إِذَا اِنْضَمَّ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ إِلَى الْآخَرِ قَوِيَ جِدًّا. وَفِي الْبَاب أَيْضًا عَنْ الْحَارِث بْن نَوْفَل الْهَاشِمِيّ وَأَبِي رَافِع - وَهُمَا فِي الطَّبَرَانِيّ وَغَيْره - وَعَنْ أَنَس فِي الْبَزَّار وَغَيْره , وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "579",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏الْوَسِيلَةَ ‏ ‏وَالْفَضِيلَةَ ‏ ‏وَابْعَثْهُ ‏ ‏مَقَامًا مَحْمُودًا ‏ ‏الَّذِي وَعَدْتَهُ ‏ ‏حَلَّتْ ‏ ‏لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْن عَيَّاشٍ ) ‏ ‏بِالْيَاءِ الْأَخِيرَة وَالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْحِمْصِيُّ مِنْ كِبَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَلَمْ يَلْقَهُ مِنْ الْأَئِمَّة السِّتَّة غَيْرُهُ , وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ الْقُدَمَاء بِهَذَا الْحَدِيث , أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْهُ , وَرَوَاهُ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَى أَحْمَد عَنْهُ , أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِرِ ) ‏ ‏ذَكَرَ التِّرْمِذِيّ أَنَّ شُعَيْبًا تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِرِ فَهُوَ غَرِيب مَعَ صِحَّتِهِ , وَقَدْ تُوبِعَ اِبْن الْمُنْكَدِرِ عَلَيْهِ عَنْ جَابِر أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر نَحْوَهُ , وَوَقَعَ فِي زَوَائِد الْإِسْمَاعِيلِيّ : أَخْبَرَنِي اِبْن الْمُنْكَدِرِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَع النِّدَاء ) ‏ ‏أَيْ الْأَذَان , وَاللَّام لِلْعَهْدِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون التَّقْدِير : مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَع نِدَاء الْمُؤَذِّن. وَظَاهِره أَنَّهُ يَقُول الذِّكْرَ الْمَذْكُورَ حَالَ سَمَاع الْأَذَان وَلَا يَتَقَيَّدُ بِفَرَاغِهِ , لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْمُرَاد مِنْ النِّدَاء تَمَامَهُ , إِذْ الْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْكَامِل , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ عِنْدَ مُسْلِم بِلَفْظِ \" قُولُوا مِثْلَ مَا يَقُول , ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ , ثُمَّ سَلُوا اللَّه لِي الْوَسِيلَة \" فَفِي هَذَا أَنَّ ذَلِكَ يُقَال عِنْدَ فَرَاغ الْأَذَان. وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ بِظَاهِرِ حَدِيث جَابِر عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّن إِجَابَة الْمُؤَذِّن بِمِثْلِ مَا يَقُول , بَلْ لَوْ اِقْتَصَرَ عَلَى الذِّكْر الْمَذْكُور كَفَاهُ. وَقَدْ بَيَّنَ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو الْمُرَاد , وَأَنَّ الْحِينَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا بَعْدَ الْفَرَاغ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن بَزِيزَةَ عَلَى عَدَم وُجُوب ذَلِكَ لِظَاهِرِ إِيرَاده , لَكِنَّ لَفْظَ الْأَمْر فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ قَدْ يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ يَدَّعِي الْوُجُوب , وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَابْنُ وَهْبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّة وَخَالَفَ الطَّحَاوِيُّ أَصْحَابه فَوَافَقَ الْجُمْهُور. ‏ ‏قَوْله : ( رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الدَّال , زَادَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَوْن عَنْ عَلِيّ بْن عَيَّاشٍ \" اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك بِحَقِّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ \" وَالْمُرَادُ بِهَا دَعْوَةُ التَّوْحِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَهُ دَعْوَة الْحَقّ ) وَقِيلَ لِدَعْوَةِ التَّوْحِيد \" تَامَّةً \" لِأَنَّ الشَّرِكَةَ نَقْصٌ. أَوْ التَّامَّةُ الَّتِي لَا يَدْخُلُهَا تَغْيِيرٌ وَلَا تَبْدِيلٌ , بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ النُّشُورِ , أَوْ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَسْتَحِقُّ صِفَةَ التَّمَامِ وَمَا سِوَاهَا فَمُعَرَّضٌ لِلْفَسَادِ. وَقَالَ اِبْن التِّين : وُصِفَتْ بِالتَّامَّةِ لِأَنَّ فِيهَا أَتَمَّ الْقَوْل وَهُوَ \" لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه \". وَقَالَ الطِّيبِيُّ : مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى قَوْله \" مُحَمَّد رَسُول اللَّه \" هِيَ الدَّعْوَة التَّامَّة , وَالْحَيْعَلَةُ هِيَ الصَّلَاة الْقَائِمَة فِي قَوْله يُقِيمُونَ الصَّلَاة , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالصَّلَاةِ الدُّعَاء وَبِالْقَائِمَةِ الدَّائِمَة مِنْ قَامَ عَلَى الشَّيْء إِذَا دَاوَمَ عَلَيْهِ , وَعَلَى هَذَا فَقَوْله \" وَالصَّلَاة الْقَائِمَة \" بَيَانٌ لِلدَّعْوَةِ التَّامَّة , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالصَّلَاةِ الْمَعْهُودَة الْمَدْعُوّ إِلَيْهَا حِينَئِذٍ وَهُوَ أَظْهَرُ. ‏ ‏قَوْله : ( الْوَسِيلَة ) ‏ ‏هِيَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى الْكَبِير , يُقَال تَوَسَّلْت أَيْ تَقَرَّبْت , وَتُطْلَقُ عَلَى الْمَنْزِلَة الْعَلِيَّة , وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عِنْدَ مُسْلِم بِلَفْظِ \" فَإِنَّهَا مَنْزِلَة فِي الْجَنَّة لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَاد اللَّه \" الْحَدِيثَ , وَنَحْوُهُ لِلْبَزَّارِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَيُمْكِنُ رَدُّهَا إِلَى الْأَوَّل بِأَنَّ الْوَاصِلَ إِلَى تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ قَرِيبٌ مِنْ اللَّه فَتَكُونُ كَالْقُرْبَةِ الَّتِي يُتَوَسَّلُ بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْفَضِيلَة ) ‏ ‏أَيْ الْمَرْتَبَة الزَّائِدَة عَلَى سَائِر الْخَلَائِق , وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُون مَنْزِلَةً أُخْرَى أَوْ تَفْسِيرًا لِلْوَسِيلَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَقَامًا مَحْمُودًا ) ‏ ‏أَيْ يُحْمَدُ الْقَائِم فِيهِ , وَهُوَ مُطْلَقٌ فِي كُلّ مَا يَجْلِبُ الْحَمْد مِنْ أَنْوَاع الْكَرَامَات , وَنُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّة , أَيْ اِبْعَثْهُ يَوْمَ الْقِيَامَة فَأَقِمْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا , أَوْ ضَمَّنَ اِبْعَثْهُ مَعْنَى أَقِمْهُ , أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول بِهِ وَمَعْنَى اِبْعَثْهُ أَعْطِهِ , وَيَجُوز أَنْ يَكُون حَالًا أَيْ اِبْعَثْهُ ذَا مَقَام مَحْمُود. قَالَ النَّوَوِيّ : ثَبَتَتْ الرِّوَايَة بِالتَّنْكِيرِ وَكَأَنَّهُ حِكَايَة لِلَفْظِ الْقُرْآن , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : إِنَّمَا نَكَّرَهُ لِأَنَّهُ أَفْخَمُ وَأَجْزَلُ , كَأَنَّهُ قِيلَ مَقَامًا أَيْ مَقَامًا مَحْمُودًا بِكُلِّ لِسَان. ‏ ‏قُلْت : وَقَدْ جَاءَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِعَيْنِهَا مِنْ رِوَايَة عَلِيِّ بْن عَيَّاش شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِالتَّعْرِيفِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ , وَهِيَ فِي صَحِيح اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّانَ أَيْضًا , وَفِي الطَّحَاوِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الدُّعَاء وَالْبَيْهَقِيِّ , وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كَالنَّوَوِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( الَّذِي وَعَدْته ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ \" إِنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَاد \" وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْمُرَاد بِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَك رَبُّك مَقَامًا مَحْمُودًا ) وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ الْوَعْد لِأَنَّ عَسَى مِنْ اللَّه وَاقِعٌ كَمَا صَحَّ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ وَغَيْره , وَالْمَوْصُول إِمَّا بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأ مَحْذُوف وَلَيْسَ صِفَة لِلنَّكِرَةِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِمَا \" الْمَقَام الْمَحْمُود \" بِالْأَلِفِ وَاللَّام فَيَصِحُّ وَصْفُهُ بِالْمَوْصُولِ وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : وَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْمَقَامِ الْمَحْمُود الشَّفَاعَة , وَقِيلَ إِجْلَاسه عَلَى الْعَرْش , وَقِيلَ عَلَى الْكُرْسِيّ , وَحَكَى كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ عَنْ جَمَاعَة , وَعَلَى تَقْدِير الصِّحَّة لَا يُنَافِي الْأَوَّل لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْإِجْلَاس عَلَامَة الْإِذْن فِي الشَّفَاعَة , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْمَقَامِ الْمَحْمُود الشَّفَاعَة كَمَا هُوَ مَشْهُور وَأَنْ يَكُون الْإِجْلَاس هِيَ الْمَنْزِلَة الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْوَسِيلَةِ أَوْ الْفَضِيلَة. وَوَقَعَ فِي صَحِيح اِبْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث كَعْب بْن مَالِك مَرْفُوعًا \" يَبْعَث اللَّه النَّاس , فَيَكْسُونِي رَبِّي حُلَّةً خَضْرَاءَ , فَأَقُول مَا شَاءَ اللَّه أَنْ أَقُول \" فَذَلِكَ الْمَقَام الْمَحْمُود , وَيَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِالْقَوْلِ الْمَذْكُور هُوَ الثَّنَاء الَّذِي يُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيْ الشَّفَاعَة. وَيَظْهَر أَنَّ الْمَقَام الْمَحْمُود هُوَ مَجْمُوع مَا يَحْصُل لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة , وَيُشْعِرُ قَوْله فِي آخِرِ الْحَدِيثِ \" حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي \" بِأَنَّ الْأَمْر الْمَطْلُوب لَهُ الشَّفَاعَة , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( حَلَّتْ لَهُ ) ‏ ‏أَيْ اِسْتَحَقَّتْ وَوَجَبَتْ أَوْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ , يُقَال حَلَّ يَحُلُّ بِالضَّمِّ إِذَا نَزَلَ , وَاللَّام بِمَعْنَى عَلَى , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مُسْلِم \" حَلَّتْ عَلَيْهِ \". وَوَقَعَ فِي الطَّحَاوِيُّ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" وَجَبَتْ لَهُ \" وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون حَلَّتْ مِنْ الْحِلّ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحَرَّمَةً. ‏ ‏قَوْله ( شَفَاعَتِي ) ‏ ‏اِسْتَشْكَلَ بَعْضهمْ جَعْلَ ذَلِكَ ثَوَابًا لِقَائِلِ ذَلِكَ مَعَ مَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّ الشَّفَاعَة لِلْمُذْنِبِينَ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَفَاعَات أُخْرَى : كَإِدْخَالِ الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب , وَكَرَفْعِ الدَّرَجَات فَيُعْطَى كُلُّ أَحَدٍ مَا يُنَاسِبُهُ. وَنَقَلَ عِيَاض عَنْ بَعْض شُيُوخه أَنَّهُ كَانَ يَرَى اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِمَنْ قَالَهُ مُخْلِصًا مُسْتَحْضِرًا إِجْلَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَا مَنْ قَصَدَ بِذَلِكَ مُجَرَّدَ الثَّوَاب وَنَحْوَ ذَلِكَ , وَهُوَ تَحَكُّمٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ , وَلَوْ كَانَ أَخْرَجَ الْغَافِل اللَّاهِي لَكَانَ أَشْبَهَ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : فِي الْحَدِيث الْحَضّ عَلَى الدُّعَاء فِي أَوْقَات الصَّلَوَات لِأَنَّهُ حَالُ رَجَاءِ الْإِجَابَة , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "580",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ ‏ ‏يَسْتَهِمُوا ‏ ‏عَلَيْهِ ‏ ‏لَاسْتَهَمُوا ‏ ‏وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي ‏ ‏التَّهْجِيرِ ‏ ‏لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي ‏ ‏الْعَتَمَةِ ‏ ‏وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُمَيٍّ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَامٍ. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ يَعْلَم النَّاس ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : وَضَعَ الْمُضَارِع مَوْضِعَ الْمَاضِي لِيُفِيدَ اِسْتِمْرَار الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله : ( مَا فِي النِّدَاء ) ‏ ‏أَيْ الْأَذَان , وَهِيَ رِوَايَة بِشْر بْن عُمَر عَنْ مَالِك عِنْدَ السَّرَّاجِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالصَّفّ الْأَوَّل ) ‏ ‏زَادَ أَبُو الشَّيْخ فِي رِوَايَة لَهُ مِنْ طَرِيق الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" مِنْ الْخَيْر وَالْبَرَكَة \" وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَطْلَقَ مَفْعُولَ يَعْلَمُ وَهُوَ مَا وَلَمْ يُبَيِّنْ الْفَضِيلَةَ مَا هِيَ لِيُفِيدَ ضَرْبًا مِنْ الْمُبَالَغَة وَأَنَّهُ مِمَّا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَصْفِ , وَالْإِطْلَاق إِنَّمَا هُوَ فِي قَدْرِ الْفَضِيلَةِ وَإِلَّا فَقَدْ بَيَّنْت فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالْحَمَوِيِّ \" ثُمَّ لَا يَجِدُونَ \" وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" ثُمَّ لَا يَجِدُوا \" وَوَجْهه بِجَوَازِ حَذْفِ النُّون تَخْفِيفًا , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يَجِدُوا شَيْئًا مِنْ وُجُوه الْأَوْلَوِيَّة , أَمَّا فِي الْأَذَان فَبِأَنْ يَسْتَوُوا فِي مَعْرِفَة الْوَقْت وَحُسْنِ الصَّوْت وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِط الْمُؤَذِّنِ وَتَكْمِلَاتِهِ , وَأَمَّا فِي الصَّفّ الْأَوَّل فَبِأَنْ يُصَلُّوا دَفْعَةً وَاحِدَةً , وَيَسْتَوُوا فِي الْفَضْل فَيُقْرَعَ بَيْنَهُمْ , إِذَا لَمْ يَتَرَاضَوْا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْحَالَيْنِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ لِمَنْ قَالَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مُؤَذِّن وَاحِد , وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ لِصِحَّةِ اِسْتِهَام أَكْثَرَ مِنْ وَاحِد فِي مُقَابَلَة أَكْثَرَ مِنْ وَاحِد , وَلِأَنَّ الِاسْتِهَام عَلَى الْأَذَان يَتَوَجَّه مِنْ جِهَة التَّوْلِيَة مِنْ الْإِمَام لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَزِيَّة , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ الْمُرَاد بِالِاسْتِهَامِ هُنَا التَّرَامِي بِالسِّهَامِ , وَأَنَّهُ أُخْرِجَ مَخْرَجَ الْمُبَالَغَة. وَاسْتَأْنَسَ بِحَدِيثٍ لَفْظُهُ \" لَتَجَالَدُوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ \" لَكِنْ الَّذِي فَهِمَهُ الْبُخَارِيّ مِنْهُ أَوْلَى , وَلِذَلِكَ اِسْتَشْهَدَ لَهُ بِقِصَّةِ سَعْد , وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" لَكَانَتْ قُرْعَةً \". ‏ ‏قَوْله : ( عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى مَا ذُكِرَ لِيَشْمَلَ الْأَمْرَيْنِ الْأَذَان وَالصَّفّ الْأَوَّل , وَبِذَلِكَ يَصِحّ تَبْوِيب الْمُصَنِّفِ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ : الْهَاء عَائِدَةٌ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّل لَا عَلَى النِّدَاء , وَهُوَ حَقّ الْكَلَام , لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُود لِأَقْرَبِ مَذْكُورٍ. وَنَازَعَهُ الْقُرْطُبِيّ وَقَالَ : إِنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَبْقَى النِّدَاء ضَائِعًا لَا فَائِدَةَ لَهُ , قَالَ : وَالضَّمِير يَعُود عَلَى مَعْنَى الْكَلَام الْمُتَقَدِّمِ , وَمِثْله قَوْله تَعَالَى ( وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ) أَيْ جَمِيع ذَلِكَ. ‏ ‏قُلْت : وَقَدْ رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَالِك بِلَفْظِ \" لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِمَا \" فَهَذَا مُفْصِح بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْر تَكَلُّفٍ. ‏ ‏قَوْله : ( التَّهْجِير ) ‏ ‏أَيْ التَّبْكِير إِلَى الصَّلَاة , قَالَ الْهَرَوِيُّ : وَحَمَلَهُ الْخَلِيل وَغَيْرُهُ عَلَى ظَاهِره فَقَالُوا : الْمُرَاد الْإِتْيَان إِلَى صَلَاة الظُّهْر فِي أَوَّل الْوَقْت , لِأَنَّ التَّهْجِير مُشْتَقٌّ مِنْ الْهَاجِرَة وَهِيَ شِدَّة الْحَرِّ نِصْفَ النَّهَار وَهُوَ أَوَّلُ وَقْت الظُّهْر , وَإِلَى ذَلِكَ مَالَ الْمُصَنِّفُ كَمَأ سَيَأْتِي , وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّة الْإِبْرَاد لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الرِّفْقَ , وَأَمَّا مَنْ تَرَكَ قَائِلَتَهُ وَقَصَدَ إِلَى الْمَسْجِد لِيَنْتَظِرَ الصَّلَاة فَلَا يَخْفَى مَا لَهُ مِنْ الْفَضْل. ‏ ‏قَوْله : ( لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة الْمُرَاد بِالِاسْتِبَاقِ مَعْنًى لَا حِسًّا , لِأَنَّ الْمُسَابَقَة عَلَى الْأَقْدَام حِسًّا تَقْتَضِي السُّرْعَة فِي الْمَشْيِ وَهُوَ مَمْنُوع مِنْهُ. اِنْتَهَى. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة الْحَدِيث فِي \" بَاب فَضْل صَلَاة الْعِشَاء فِي الْجَمَاعَة \" قَرِيبًا , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْمُرَاد بِالصَّفِّ الْأَوَّل فِي أَوَاخِرِ أَبْوَاب الْإِمَامَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "581",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏وَعَبْدِ الْحَمِيدِ ‏ ‏صَاحِبِ ‏ ‏الزِّيَادِيِّ ‏ ‏وَعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ خَطَبَنَا ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فِي ‏ ‏يَوْمٍ رَدْغٍ ‏ ‏فَلَمَّا بَلَغَ الْمُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ ‏ ‏الصَّلَاةُ فِي ‏ ‏الرِّحَالِ ‏ ‏فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَإِنَّهَا ‏ ‏عَزْمَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَمَّاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد , وَعَبْد الْحَمِيد هُوَ اِبْن دِينَار , وَعَبْد اللَّه بْن الْحَارِث هُوَ الْبَصْرِيّ اِبْن عَمّ اِبْن سِيرِينَ وَزَوْج اِبْنَته وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير , وَرِوَايَة الثَّلَاثَة عَنْهُ مِنْ بَاب رِوَايَة الْأَقْرَان لِأَنَّ الثَّلَاثَة مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , وَرِجَالُ الْإِسْنَاد كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ , وَقَدْ جَمَعَهُمْ حَمَّاد كَمُسَدَّدٍ كَمَا هُنَا , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْن حَرْب عَنْهُ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج , وَكَانَ حَمَّاد رُبَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى بَعْضهمْ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي \" بَاب هَلْ يُصَلِّي الْإِمَام بِمَنْ حَضَرَ \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْوَهَّاب الْحَجْبِيِّ عَنْ حَمَّاد عَنْ عَبْد الْحَمِيد وَعَنْ عَاصِم فَرَّقَهُمَا , وَرَوَاهُ مُسْلِم عَنْ الرَّبِيع عَنْ حَمَّاد عَنْ أَيُّوب وَعَاصِم مِنْ طُرُق أُخْرَى مِنْهَا وُهَيْب عَنْ أَيُّوب , وَحُكِيَ عَنْ وُهَيْب أَنَّ أَيُّوب لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث وَفِيهِ نَظَرٌ , لِأَنَّ فِي رِوَايَة سُلَيْمَانَ بْن حَرْب عَنْ حَمَّاد عَنْ أَيُّوب وَعَبْد الْحَمِيد قَالَا : سَمِعْنَا عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْرُهُ , وَلِمُسَدَّدٍ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ وَهُوَ اِبْنُ عُلَيَّةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب الْجُمُعَة إِنْ شَاءَ اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( خَطَبَنَا ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن الْجَوْزِيّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاة الْمَذْكُورَة كَانَتْ الْجُمُعَة , وَفِيهِ نَظَرٌ. نَعَمْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ فِي رِوَايَة اِبْن عُلَيَّةَ وَلَفْظه \" أَنَّ الْجُمُعَة عَزْمَةٌ \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي يَوْمِ رَزْغٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَسُكُون الزَّاي بَعْدَهَا غَيْنٌ مُعْجَمَةٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ هُنَا , وَلِابْنِ السَّكَن وَالْكُشْمِيهَنِيّ وَأَبِي الْوَقْت بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة بَدَلَ الزَّاي , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ , إِنَّهَا أَشْهَرُ , وَقَالَ : وَالصَّوَاب الْفَتْح فَإِنَّهُ الِاسْم , وَبِالسُّكُونِ الْمَصْدَر. اِنْتَهَى. وَبِالْفَتْحِ رِوَايَة الْقَابِسِيّ , قَالَ صَاحِب الْمُحْكَمِ : الرَّزْغُ الْمَاء الْقَلِيل فِي الثِّمَاد , وَقِيلَ إِنَّهُ طِين وَحْلٍ , وَفِي الْعَيْن : الرَّدْغَةُ الْوَحْل وَالرَّزْغَة أَشَدُّ مِنْهَا. وَفِي الْجَمْهَرَة وَالرَّدْغَة وَالرَّزْغَة الطِّين الْقَلِيل مِنْ مَطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ هُنَا يَوْمَ رَزْغٍ بِالْإِضَافَةِ , وَفِي رِوَايَة الْحَجْبِيِّ الْآتِيَة فِي يَوْمٍ ذِي رَزْغٍ وَهِيَ أَوْضَحُ , وَفِي رِوَايَة اِبْن عُلَيَّةَ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا بَلَغَ الْمُؤَذِّن حَيَّ عَلَى الصَّلَاة فَأَمَرَهُ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَكَأَنَّ هُنَا حَذْفًا تَقْدِيرُهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَهَا فَأَمَرَهُ , وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة اِبْن عُلَيَّةَ \" إِذَا قُلْت أَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاة \" وَبَوَّبَ عَلَيْهِ اِبْن خُزَيْمَةَ وَتَبِعَهُ اِبْن حِبَّانَ ثُمَّ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ حَذَفَ \" حَيَّ عَلَى الصَّلَاة فِي يَوْمِ الْمَطَر \" وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى الْمَعْنَى لِأَنَّ حَيَّ عَلَى الصَّلَاة وَالصَّلَاة فِي الرِّحَالِ وَصَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ يُنَاقِضُ ذَلِكَ , وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّة وَجْهٌ أَنَّهُ يَقُول ذَلِكَ بَعْدَ الْأَذَان , وَآخَرُ أَنَّهُ يَقُولهُ بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ , وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَدِيث مَا تَقَدَّمَ. وَقَوْله \" الصَّلَاة فِي الرِّحَالِ \" بِنَصْبِ الصَّلَاةِ وَالتَّقْدِير صَلُّوا الصَّلَاةَ , وَالرِّحَالُ جَمْعُ رَحْلٍ وَهُوَ مَسْكَنُ الرَّجُلِ وَمَا فِيهِ مِنْ أَثَاثِهِ. قَالَ النَّوَوِيّ : فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَة تُقَال فِي نَفْس الْأَذَان. وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر يَعْنِي الْآتِي فِي \" بَاب الْأَذَان لِلْمُسَافِرِ \" أَنَّهَا تُقَال بَعْدَهُ , قَالَ : وَالْأَمْرَانِ جَائِزَانِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ , لَكِنْ بَعْدَهُ أَحْسَنُ لِيَتِمَّ نَظْمُ الْأَذَان. قَالَ : وَمِنْ أَصْحَابنَا مَنْ يَقُول لَا يَقُولهُ إِلَّا بَعْدَ الْفَرَاغ , وَهُوَ ضَعِيفٌ مُخَالِف لِصَرِيحِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس. اِنْتَهَى. وَكَلَامه يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تُزَادُ مُطْلَقًا إِمَّا فِي أَثْنَائِهِ وَإِمَّا بَعْدَهُ , لَا أَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاة , وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن خُزَيْمَةَ مَا يُخَالِفُهُ , وَقَدْ وَرَدَ الْجَمْع بَيْنَهُمَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَغَيْره بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ نُعَيْمِ بْنِ النَّحَّامِ قَالَ \" أَذَّنَ مُؤَذِّن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصُّبْحِ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ , فَتَمَنَّيْت لَوْ قَالَ : وَمَنْ قَعَدَ فَلَا حَرَجَ. فَلَمَّا قَالَ الصَّلَاة خَيْرٌ مِنْ النَّوْم قَالَهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ فَعَلَ هَذَا ) ‏ ‏كَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ نَظَرِهِمْ الْإِنْكَار. وَفِي رِوَايَة الْحَجْبِيِّ \" كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن عُلَيَّةَ \" فَكَأَنَّ النَّاسَ اِسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ هُوَ خَيْر مِنْهُ ) ‏ ‏وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْهُمْ \" وَلِلْحَجْبِيِّ \" مِنِّي \" يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَذَا فِي أَصْلِ الرِّوَايَة , وَمَعْنَى رِوَايَةِ الْبَاب مَنْ هُوَ خَيْر مِنْ الْمُؤَذِّن , يَعْنِي فَعَلَهُ مُؤَذِّنُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ هَذَا الْمُؤَذِّن , وَأَمَّا رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ فَفِيهَا نَظَرٌ , وَلَعَلَّ مَنْ أَذَّنَ كَانُوا جَمَاعَة إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً , أَوْ أَرَادَ جِنْسَ الْمُؤَذِّنِينَ , أَوْ أَرَادَ خَيْرٌ مِنْ الْمُنْكِرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّهَا ) ‏ ‏أَيْ الْجُمُعَة كَمَا تَقَدَّمَ ‏ ‏( عَزْمَة ) ‏ ‏بِسُكُونِ الزَّاي ضِدّ الرُّخْصَة , زَادَ اِبْن عُلَيَّةَ \" وَإِنِّي كَرِهْت أَنْ أُخْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّين \" وَفِي رِوَايَة الْحَجْبِيِّ مِنْ طَرِيق عَاصِم \" إِلَى أُؤَثِّمَكُمْ \" وَهِيَ تُرَجِّحُ رِوَايَة مَنْ رَوَى \" أُحْرِجُكُمْ \" بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة , وَفِي رِوَايَة جَرِير عَنْ عَاصِم عِنْدَ اِبْن خُزَيْمَةَ \" أَنْ أُخْرِجَ النَّاس وَأُكَلِّفَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا الْخَبَثَ مِنْ طُرُقِهِمْ إِلَى مَسْجِدِكُمْ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِسُقُوطِ الْجُمُعَة بِعُذْرِ الْمَطَرِ فِي كِتَاب الْجُمُعَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ أَنْكَرَهَا الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى جَوَاز الْكَلَام فِي الْأَذَان , بَلْ الْقَوْل الْمَذْكُور مِنْ جُمْلَة الْأَذَان فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ وَإِنْ سَاغَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظ الْأَذَان الْمَعْهُود , وَطَرِيق بَيَان الْمُطَابَقَة أَنَّ هَذَا الْكَلَام لَمَّا جَازَتْ زِيَادَته فِي الْأَذَان لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ دَلَّ عَلَى جَوَاز الْكَلَام فِي الْأَذَان لِمَنْ يَحْتَاج إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "582",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ‏ ‏ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَةَ ) ‏ ‏هُوَ الْقَعْنَبِيُّ , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ الْقَعْنَبِيُّ بِرِوَايَتِهِ إِيَّاهُ فِي الْمُوَطَّأ مَوْصُولًا عَنْ مَالِك , وَلَمْ يَذْكُر غَيْرُهُ مِنْ رُوَاة الْمُوَطَّأ فِيهِ اِبْنَ عُمَرَ , وَوَافَقَهُ عَلَى وَصْلِهِ عَنْ مَالِكٍ - خَارِجَ الْمُوَطَّأ - عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَعَبْد الرَّزَّاق وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ وَأَبُو قُرَّةَ وَكَامِل بْن طَلْحَة وَآخَرُونَ , وَوَصَلَهُ عَنْ الزُّهْرِيّ جَمَاعَة مِنْ حُفَّاظ أَصْحَابِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ الْمُسْتَمِرَّةِ , وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ اِبْتِدَاءَ ذَلِكَ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ , وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَقَدْ أَقَرَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ فَصَارَ فِي حُكْمِ الْمَأْمُور بِهِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى تَعْيِينِ الْوَقْت الَّذِي كَانَ يُؤَذِّن فِيهِ مِنْ اللَّيْل بَعْدَ بَابٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكُلُوا ) ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْأَذَان كَانَ عَلَامَة عِنْدَهُمْ عَلَى دُخُول الْوَقْت فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ أَذَانَ بِلَال بِخِلَافِ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن أُمّ مَكْتُوم ) ) ‏ ‏اِسْمه عَمْرو كَمَا سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي الصِّيَام وَفَضَائِلِ الْقُرْآن , وَقِيلَ : كَانَ اِسْمُهُ الْحُصَيْنُ فَسَمَّاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ , وَلَا يَمْتَنِعُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ اِسْمَانِ , وَهُوَ قُرَشِيٌّ عَامِرِيٌّ , أَسْلَمَ قَدِيمًا , وَالْأَشْهَرُ فِي اِسْم أَبِيهِ قَيْسُ بْنُ زَائِدَةَ. وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْرِمُهُ وَيَسْتَخْلِفهُ عَلَى الْمَدِينَة , وَشَهِدَ الْقَادِسِيَّة فِي خِلَافَة عُمَر فَاسْتُشْهِدَ بِهَا , وَقِيلَ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة فَمَاتَ , وَهُوَ الْأَعْمَى الْمَذْكُور فِي سُورَةِ عَبَسَ , وَاسْم أُمّه عَاتِكَة بِنْت عَبْد اللَّه الْمَخْزُومِيَّة. وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى فَكُنِّيَتْ أُمُّهُ أُمَّ مَكْتُومٍ لِانْكِتَامِ نُورِ بَصَرِهِ , وَالْمَعْرُوف أَنَّهُ عَمِيَ بَعْدَ بَدْر بِسَنَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ فَاعِل قَالَ هُوَ اِبْن عُمَر , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الشَّيْخ الْمُوَفَّقُ فِي \" الْمُغْنِي \" لَكِنْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ وَالطَّحَاوِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْن سِنَانٍ كِلَاهُمَا عَنْ الْقَعْنَبِيِّ فَعَيَّنَا أَنَّهُ اِبْن شِهَاب , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق وَمُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى وَأَبُو مُسْلِم الْكَجِّيِّ الثَّلَاثَة عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ , وَالْخُزَاعِيُّ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخ , وَتَمَّامٌ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ , وَعُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ , كُلُّهُمْ عَنْ الْقَعْنَبِيِّ. وَعَلَى هَذَا فَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ إِدْرَاجٌ. وَيُجَاب عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ كَوْنُ اِبْن شِهَاب قَالَهُ أَنْ يَكُون شَيْخُهُ قَالَهُ , وَكَذَا شَيْخ شَيْخه , وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَة الرَّبِيع بْن سُلَيْمَانَ عَنْ اِبْن وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ وَاللَّيْثِ جَمِيعًا عَنْ اِبْن شِهَاب وَفِيهِ \" قَالَ سَالِمٌ : وَكَانَ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَر \" فَفِي هَذَا أَنَّ شَيْخ اِبْن شِهَاب قَالَهُ أَيْضًا , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الصِّيَام عَنْ الْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْن عُمَر مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ , وَسَنَذْكُرُ لَفْظه قَرِيبًا , فَثَبَتَتْ صِحَّةُ وَصْلِهِ. وَلِابْنِ شِهَاب فِيهِ شَيْخ آخَر أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَفِيهِ الزِّيَادَة , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ : هُوَ حَدِيث آخَرُ لِابْنِ شِهَاب , وَقَدْ وَافَقَ اِبْن إِسْحَاق مَعْمَرًا فِيهِ عَنْ اِبْن شِهَاب. ‏ ‏قَوْله : ( أَصْبَحْت أَصْبَحْت ) ‏ ‏أَيْ دَخَلْت فِي الصَّبَاح , هَذَا ظَاهِره , وَاسْتُشْكِلَ لِأَنَّهُ جَعَلَ أَذَانَهُ غَايَةً لِلْأَكْلِ , فَلَوْ لَمْ يُؤَذِّنْ حَتَّى يَدْخُلَ فِي الصَّبَاحِ لَلَزِمَ مِنْهُ جَوَازُ الْأَكْلِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ , وَالْإِجْمَاع عَلَى خِلَافه إِلَّا مَنْ شَذَّ كَالْأَعْمَشِ. وَأَجَابَ اِبْن حَبِيب وَابْن عَبْد الْبَرِّ وَالْأَصِيلِيُّ وَجَمَاعَة مِنْ الشُّرَّاح بِأَنَّ الْمُرَاد قَارَبْت الصَّبَاح وَيُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْجَوَاب أَنَّ فِي رِوَايَة الرَّبِيع الَّتِي قَدَّمْنَاهَا \" وَلَمْ يَكُنْ يُؤَذِّن حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاس حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغ الْفَجْر : أَذِّنْ \" وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ رِوَايَة الْمُصَنِّفِ الَّتِي فِي الصِّيَام \" حَتَّى يُؤَذِّنَ اِبْنُ أُمّ مَكْتُوم , فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ \" وَإِنَّمَا قُلْت إِنَّهُ أَبْلَغُ لِكَوْنِ جَمِيعه مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَيْضًا فَقَوْله \" إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ \" يُشْعِرُ أَنَّ اِبْن أُمّ مَكْتُوم بِخِلَافِهِ , وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَبْلَ الصُّبْح لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بِلَال فَرْقٌ لِصِدْقِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَذَّنَ قَبْلَ الْوَقْت , وَهَذَا الْمَوْضِع عِنْدِي فِي غَايَة الْإِشْكَال , وَأَقْرَبُ مَا يُقَال فِيهِ إِنَّ أَذَانَهُ جُعِلَ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الْأَكْل وَالشُّرْب , وَكَأَنَّهُ كَانَ لَهُ مَنْ يُرَاعِي الْوَقْتَ بِحَيْثُ يَكُون أَذَانه مُقَارِنًا لِابْتِدَاءِ طُلُوع الْفَجْر وَهُوَ الْمُرَاد بِالْبُزُوغِ , وَعِنْدَ أَخْذِهِ فِي الْأَذَان يَعْتَرِضُ الْفَجْرُ فِي الْأُفُق , ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنِ الْمُرَاد بِقَوْلِهِمْ \" أَصْبَحْت \" أَيْ قَارَبْت الصَّبَاح وُقُوعُ أَذَانِهِ قَبْلَ الْفَجْرِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَوْلهمْ ذَلِكَ يَقَع فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْل وَأَذَانُهُ يَقَع فِي أَوَّل جُزْء مِنْ طُلُوع الْفَجْر , وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُسْتَبْعَدًا فِي الْعَادَة فَلَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ مِنْ مُؤَذِّنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤَيَّدِ بِالْمَلَائِكَةِ , فَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ الصِّفَة , وَقَدْ رَوَى أَبُو قُرَّةَ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ اِبْن عُمَر حَدِيثًا فِيهِ \" وَكَانَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم يَتَوَخَّى الْفَجْر فَلَا يُخْطِئُهُ \". وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَازُ الْأَذَان قَبْلَ طُلُوع الْفَجْر , وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ , وَاسْتِحْبَاب أَذَان وَاحِد بَعْدَ وَاحِد. وَأَمَّا أَذَان اِثْنَيْنِ مَعًا فَمَنَعَ مِنْهُ قَوْمٌ , وَيُقَال إِنَّ أَوَّل مَنْ أَحْدَثَهُ بَنُو أُمَيَّةَ , وَقَالَ الشَّافِعِيَّة : لَا يُكْرَهُ إِلَّا إِنْ حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ تَهْوِيشٌ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ اِتِّخَاذ مُؤَذِّنَيْنِ فِي الْمَسْجِد الْوَاحِد , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَأَمَّا الزِّيَادَة عَلَى الِاثْنَيْنِ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيث تَعَرُّضٌ لَهُ. اِنْتَهَى. وَنَصَّ الشَّافِعِيّ عَلَى جَوَازه وَلَفْظه : وَلَا يَتَضَيَّقُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ أَذَّنَ أَكْثَرُ مِنْ اِثْنَيْنِ , وَعَلَى جَوَاز تَقْلِيد الْأَعْمَى لِلْبَصِيرِ فِي دُخُول الْوَقْت وَفِيهِ أَوْجُهٌ , وَاخْتُلِفَ فِيهِ التَّرْجِيح , وَصَحَّحَ النَّوَوِيّ فِي كُتُبِهِ أَنَّ لِلْأَعْمَى وَالْبَصِير اِعْتِمَادَ الْمُؤَذِّنِ الثِّقَةِ , وَعَلَى جَوَاز شَهَادَة الْأَعْمَى , وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي كِتَاب الشَّهَادَات. وَعَلَى جَوَاز الْعَمَل بِخَبَرِ الْوَاحِد , وَعَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ الْفَجْر مِنْ حُكْم النَّهَار , وَعَلَى جَوَاز الْأَكْل مَعَ الشَّكّ فِي طُلُوع الْفَجْر لِأَنَّ الْأَصْل بَقَاءُ اللَّيْل , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مَالِك فَقَالَ : يَجِبُ الْقَضَاء. وَعَلَى جَوَاز الِاعْتِمَاد عَلَى الصَّوْت فِي الرِّوَايَة إِذَا كَانَ عَارِفًا بِهِ وَإِنْ لَمْ يُشَاهِد الرَّاوِي , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ شُعْبَة لِاحْتِمَالِ الِاشْتِبَاه. وَعَلَى جَوَاز ذِكْرِ الرَّجُل بِمَا فِيهِ مِنْ الْعَاهَة إِذَا كَانَ يَقْصِد التَّعْرِيف وَنَحْوَهُ , وَجَوَاز نِسْبَة الرَّجُل إِلَى أُمّه إِذَا اُشْتُهِرَ بِذَلِكَ وَاحْتِيجَ إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "583",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَتْنِي ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا اعْتَكَفَ الْمُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ وَبَدَا الصُّبْحُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ إِذَا اِعْتَكَفَ الْمُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ جُمْهُور رُوَاة الْبُخَارِيّ وَفِيهِ نَظَرٌ , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاء , وَوَجَّهَهُ بَعْضهمْ كَمَا سَيَأْتِي , وَالْحَدِيث فِي الْمُوَطَّأ عِنْدَ جَمِيع رُوَاته بِلَفْظِ \" كَانَ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّن مِنْ الْأَذَان لِصَلَاةِ الصُّبْح \" وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم وَغَيْره وَهُوَ الصَّوَاب , وَقَدْ أَصْلَحَ فِي رِوَايَة اِبْن شَبُّوَيْهِ عَنْ الْفَرَبْرِيِّ كَذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة الْهَمْدَانِيِّ \" كَانَ إِذَا أَذَّنَ \" بَدَلَ اِعْتَكَفَ , وَهِيَ أَشْبَهُ بِالرِّوَايَةِ الْمُصَوَّبَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ عَنْ الْبُخَارِيّ بِلَفْظِ كَانَ إِذَا اِعْتَكَفَ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّن وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ صَنِيعَهُ ذَلِكَ كَانَ مُخْتَصًّا بِحَالِ اِعْتِكَافه , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَالظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ إِصْلَاحه. وَقَدْ أَطْلَقَ جَمَاعَة مِنْ الْحُفَّاظ الْقَوْل بِأَنَّ الْوَهْمَ فِيهِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن يُوسُف شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَوَجْه اِبْن بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ مَعْنَى \" اِعْتَكَفَ الْمُؤَذِّن \" أَيْ لَازَمَ اِرْتِقَابه وَنَظَرَهُ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ لِيُؤَذِّنَ عِنْدَ أَوَّل إِدْرَاكه. قَالُوا : وَأَصْلُ الْعُكُوف لُزُوم الْإِقَامَة بِمَكَانٍ وَاحِدٍ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّيهِمَا إِلَّا إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ الْمُؤَذِّنِ لِمَا يَقْتَضِيهِ مَفْهُومُ الشَّرْط , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِمَا مُطْلَقًا , وَالْحَقّ أَنَّ لَفْظ \" اِعْتَكَفَ \" مُحَرَّفٌ مِنْ لَفْظ \" سَكَتَ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي بَاب الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْر مِنْ طَرِيق أَيُّوبَ عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" كَانَ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّن وَطَلَعَ الْفَجْر \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَبَدَا الصُّبْح ) ‏ ‏بِغَيْرِ هَمْزٍ أَيْ ظَهَرَ , وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَصَحَّحَ أَنَّهُ بِالنُّونِ الْمَكْسُورَة وَالْهَمْزَة بَعْدَ الْمَدِّ , وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ مَعْطُوف عَلَى قَوْله \" لِلصُّبْحِ \" فَيَكُون التَّقْدِير وَاعْتَكَفَ لِنِدَاءِ الصُّبْح , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْحَدِيث فِي جَمِيع النُّسَخِ مِنْ الْمُوَطَّأ وَالْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَغَيْرِهَا بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَة وَبَعْدَ الدَّال أَلِفٌ مَقْصُورَةٌ وَالْوَاوُ فِيهِ وَاوُ الْحَالِ لَا وَاوُ الْعَطْفِ , وَبِذَلِكَ تَتِمُّ مُطَابَقَةُ الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَبْوَاب التَّطَوُّع إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "584",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِيرٍ. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْن النِّدَاء وَالْإِقَامَة ) ‏ ‏قَالَ الزَّيْنُ بْن الْمُنِير : حَدِيث عَائِشَة أَبْعَدُ فِي الِاسْتِدْلَال بِهِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ حَدِيث حَفْصَةَ , لِأَنَّ قَوْلَهَا \" بَيْنَ النِّدَاء وَالْإِقَامَة \" لَا يَسْتَلْزِم كَوْنَ الْأَذَان بَعْدَ الْفَجْر. ثُمَّ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِمَا مُحَصِّلُهُ : إِنَّهَا بِالرَّكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْ الْفَجْر , وَهُمَا لَا يُصَلَّيَانِ إِلَّا بَعْدَ الْفَجْر , فَإِذَا صَلَّاهُمَا بَعْدَ الْأَذَان اِسْتَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ الْأَذَان وَقَعَ بَعْدَ الْفَجْر. اِنْتَهَى. وَهُوَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّف غَيْرُ سَالِمٍ مِنْ الِانْتِقَاد. وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي الْإِيمَاء إِلَى بَعْض مَا وَرَدَ فِي طُرُق الْحَدِيث الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ , وَبَيَان ذَلِكَ فِيمَا أَوْرَدَهُ بَعْدَ بَابَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ وَلَفْظُهُ \" كَانَ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاة الصُّبْح بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الْفَجْرُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "585",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ‏ ‏ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار ) ‏ ‏هَذَا إِسْنَادٌ آخَرُ لِمَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيث , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ : لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِيهِ , وَاعْتَرَضَ اِبْن التَّيْمِيِّ فَقَالَ : هَذَا الْحَدِيث لَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْجَمَة , لِجَعْلِهِ غَايَةَ الْأَكْل اِبْتِدَاءَ أَذَانِ اِبْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَذَانَهُ كَانَ يَقَع قَبْلَ الْفَجْر بِقَلِيلٍ. وَجَوَابه مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَالَ الزَّيْنُ بْن الْمُنِير : الِاسْتِدْلَال بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر أَوْجَهُ مِنْ غَيْره , فَإِنَّ قَوْله \" حَتَّى يُنَادِيَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم \" يَقْتَضِي أَنَّهُ يُنَادِي حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْر , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُنَادِي قَبْلَهُ لَكَانَ كَبِلَالٍ يُنَادِي بِلَيْلٍ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَالَ اِبْن مَنْدَهْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن دِينَار مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ , رَوَاهُ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابه عَنْهُ , وَرَوَاهُ عَنْهُ شُعْبَةُ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ : رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْهُ عَلَى الشَّكّ أَنَّ بِلَالًا كَمَا هُوَ الْمَشْهُور , أَوْ \" أَنَّ اِبْن أُمّ مَكْتُوم يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ بِلَالٌ \". قَالَ : وَلِشُعْبَةَ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ , فَإِنَّهُ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ خُبَيْبِ بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَمَّتِهِ أُنَيْسَةَ فَذَكَرَهُ عَلَى الشَّكّ أَيْضًا , أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ غُنْدَرٍ عَنْهُ , وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْهُ جَازِمًا بِالْأَوَّلِ , وَرَوَاهُ أَبُو الْوَلِيد عَنْهُ جَازِمًا بِالثَّانِي , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن الْمُنْذِرِ وَابْن حِبَّانَ مِنْ طُرُق عَنْ شُعْبَةَ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق مَنْصُور بْن زَاذَانَ عَنْ خُبَيْبِ بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَادَّعَى اِبْن عَبْد الْبَرِّ وَجَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة بِأَنَّهُ مَقْلُوب وَأَنَّ الصَّوَاب حَدِيث الْبَاب , وَقَدْ كُنْت أَمِيلُ إِلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ رَأَيْت الْحَدِيث فِي صَحِيح اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ عَائِشَة , وَفِي بَعْض أَلْفَاظه مَا يُبْعِدُ وُقُوع الْوَهْم فِيهِ وَهُوَ قَوْله \" إِذَا أَذَّنَ عَمْرو فَإِنَّهُ ضَرِير الْبَصَر فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ , وَإِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فَلَا يَطْعَمَنَّ أَحَدٌ \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَجَاءَ عَنْ عَائِشَة أَيْضًا أَنَّهَا كَانَتْ تُنْكِرُ حَدِيث اِبْن عُمَر وَتَقُول إِنَّهُ غَلَطٌ , أَخْرَجَ ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا فَذَكَرَ الْحَدِيث وَزَادَ \" قَالَتْ عَائِشَة : وَكَانَ بِلَال يُبْصِر الْفَجْر \" قَالَ : وَكَانَتْ عَائِشَة تَقُول : غَلِطَ اِبْن عُمَر. اِنْتَهَى. وَقَدْ جَمَعَ خُزَيْمَةُ وَالضُّبَعِيُّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِمَا حَاصِلُهُ : أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْأَذَان كَانَ نُوَبًا بَيْنَ بِلَال وَابْن أُمّ مَكْتُوم , فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْلِمُ النَّاس أَنَّ أَذَان الْأَوَّل مِنْهُمَا لَا يُحَرِّمُ عَلَى الصَّائِم شَيْئًا وَلَا يَدُلّ عَلَى دُخُول وَقْت الصَّلَاة بِخِلَافِ الثَّانِي. وَجَزَمَ اِبْن حِبَّانَ بِذَلِكَ وَلَمْ يُبْدِهِ اِحْتِمَالًا , وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الضِّيَاء وَغَيْرُهُ , وَقِيلَ : لَمْ يَكُنْ نُوَبًا , وَإِنَّمَا كَانَتْ لَهُمَا حَالَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ : فَإِنَّ بِلَالًا كَانَ فِي أَوَّل مَا شُرِعَ الْأَذَان يُؤَذِّنُ وَحْدَهُ وَلَا يُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْر , وَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَلُ رِوَايَة عُرْوَةَ عَنْ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي النَّجَّار قَالَتْ \" كَانَ بِلَال يَجْلِس عَلَى بَيْتِي وَهُوَ أَعْلَى بَيْت فِي الْمَدِينَة , فَإِذَا رَأَى الْفَجْر تَمَطَّأَ ثُمَّ أَذَّنَ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَإِسْنَاده حَسَن , وَرِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ عَنْ وَقْت الصَّلَاة , فَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا فَأَذَّنَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْر \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَإِسْنَاده صَحِيح , ثُمَّ أَرْدَفَ بِابْنِ أُمّ مَكْتُوم وَكَانَ يُؤَذِّن بِلَيْلٍ وَاسْتَمَرَّ بِلَال عَلَى حَالَته الْأُولَى , وَعَلَى ذَلِكَ تَنْزِل رِوَايَة أُنَيْسَةَ وَغَيْرهَا , ثُمَّ فِي آخِرِ الْأَمْر أَخَّرَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم لِضَعْفِهِ وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يُرَاعِي لَهُ الْفَجْر , وَاسْتَقَرَّ أَذَانُ بِلَال بِلَيْلٍ , وَكَانَ سَبَب ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ أَخْطَأَ الْفَجْر فَأَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعه , وَأَنَّهُ أَخْطَأَ مَرَّةً فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْجِع فَيَقُول \" أَلَا إِنَّ الْعَبْد نَامَ \" يَعْنِي أَنَّ غَلَبَةَ النَّوْم عَلَى عَيْنَيْهِ مَنَعَتْهُ مِنْ تَبَيُّنِ الْفَجْر , وَهُوَ حَدِيث أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر مَوْصُولًا مَرْفُوعًا وَرِجَاله ثِقَات حُفَّاظ , لَكِنْ اِتَّفَقَ أَئِمَّة الْحَدِيث عَلَى اِبْن الْمَدِينِيّ وَأَحْمَد اِبْن حَنْبَل وَالْبُخَارِيّ وَالذُّهْلِيُّ وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْأَثْرَمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَلَى أَنَّ حَمَّادًا أَخْطَأَ فِي رَفْعِهِ , وَأَنَّ الصَّوَاب وَقْفُهُ عَلَى عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ مُؤَذِّنِهِ وَأَنَّ حَمَّادًا اِنْفَرَدَ بِرَفْعِهِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ وُجِدَ لَهُ مُتَابِعٌ , أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن زَرْبِيٍّ وَهُوَ بِفَتْحِ الزَّاي وَسُكُون الرَّاء بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ يَاءٌ كَيَاءِ النَّسَب فَرَوَاهُ عَنْ أَيُّوبَ مَوْصُولًا لَكِنْ سَعِيدٌ ضَعِيفٌ. وَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوب أَيْضًا , لَكِنَّهُ أَعْضَلَهُ فَلَمْ يَذْكُر نَافِعًا وَلَا اِبْن عُمَر. وَلَهُ طَرِيق أُخْرَى عَنْ نَافِع عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْره اُخْتُلِفَ فِي رَفْعِهَا وَوَقْفِهَا أَيْضًا , وَأُخْرَى مُرْسَلَة مِنْ طَرِيق يُونُس بْن عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ وَأُخْرَى مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلَة وَوَصَلَهَا يُونُسُ عَنْ سَعِيد بِذِكْرِ أَنَسٍ , وَهَذِهِ طُرُق يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا قُوَّةً ظَاهِرَةً , فَلِهَذَا وَاَللَّه أَعْلَم اِسْتَقَرَّ أَنَّ بِلَالًا يُؤَذِّن الْأَذَان الْأَوَّل , وَسَنَذْكُرُ اِخْتِلَافَهُمْ فِي تَعْيِينِ الْوَقْت الْمُرَاد مِنْ قَوْله \" يُؤَذِّن بِلَيْلٍ \" فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَ هَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "586",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ ‏ ‏بِلَالٍ ‏ ‏مِنْ سَحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الْفَجْرُ أَوْ الصُّبْحُ وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْقُ ‏ ‏وَطَأْطَأَ ‏ ‏إِلَى أَسْفَلُ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى ثُمَّ مَدَّهَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ \" حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَان \" وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق إِلَّا مِنْ رِوَايَة أَبِي عُثْمَان عَنْهُ , وَلَا مِنْ رِوَايَة أَبِي عُثْمَان إِلَّا مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْهُ. وَاشْتُهِرَ عَنْ سُلَيْمَانَ , وَلَهُ شَاهِدٌ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث سَمُرَةَ بْن جُنْدُبٍ. ‏ ‏قَوْله : ( أَحَدكُمْ أَوْ أُحُد مِنْكُمْ ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وَكِلَاهُمَا يُفِيدُ الْعُمُوم وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ الْحَيْثِيَّةُ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ سَحُورِهِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّلِهِ اِسْمٌ لِمَا يُؤْكَلُ فِي السَّحَرِ , وَيَجُوزُ الضَّمُّ وَهُوَ اِسْمُ الْفِعْلِ. ‏ ‏قَوْله : ( لِيَرْجِعَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْر الْجِيمِ الْمُخَفَّفَةِ يُسْتَعْمَلُ هَذَا لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا , يُقَال رَجَعَ زَيْدٌ وَرَجَعَتْ زَيْدًا وَلَا يُقَال فِي الْمُتَعَدِّي بِالتَّثْقِيلِ. فَعَلَى هَذَا مَنْ رَوَاهُ بِالضَّمِّ وَالتَّثْقِيل أَخْطَأَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مِنْ التَّرْجِيع وَهُوَ التَّرْدِيدُ , وَلَيْسَ مُرَادَنَا هُنَا , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ يَرِدُ الْقَائِمُ - أَيْ الْمُتَهَجِّدُ - إِلَى رَاحَتِهِ لِيَقُومَ إِلَى صَلَاة الصُّبْح نَشِيطًا , أَوْ يَكُون لَهُ حَاجَة إِلَى الصِّيَام فَيَتَسَحَّرُ , وَيُوقِظ النَّائِم لِيَتَأَهَّب لَهَا بِالْغُسْلِ وَنَحْوه , وَتَمَسّك الطَّحَاوِيُّ بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود هَذَا لِمَذْهَبِهِ فَقَالَ : فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ النِّدَاء كَانَ لِمَا ذُكِرَ لَا لِلصَّلَاةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْله \" لَا لِلصَّلَاةِ \" زِيَادَة فِي الْخَبَر , وَلَيْسَ فِيهِ حَصْرٌ فِيمَا ذُكِرَ , فَإِنْ قِيلَ تَقَدَّمَ فِي تَعْرِيف الْأَذَان الشَّرْعِيّ أَنَّهُ إِعْلَامٌ بِدُخُولِ وَقْت الصَّلَاة بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ وَالْأَذَان قَبْلَ الْوَقْت , لَيْسَ إِعْلَامًا بِالْوَقْتِ , فَالْجَوَاب أَنَّ الْإِعْلَام بِالْوَقْتِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إِعْلَامًا بِأَنَّهُ دَخَلَ أَوْ قَارَبَ أَنْ يَدْخُلَ , وَإِنَّمَا اِخْتَصَّتْ الصُّبْح بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ الصَّلَوَات لِأَنَّ الصَّلَاة فِي أَوَّلِ وَقْتهَا مُرَغَّبٌ فِيهِ , وَالصُّبْح يَأْتِي غَالِبًا عَقِبَ نَوْمٍ فَنَاسَبَ أَنْ يُنَصَّبَ مَنْ يُوقِظُ النَّاسَ قَبْلَ دُخُول وَقْتهَا لِيَتَأَهَّبُوا وَيُدْرِكُوا فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْت , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الْفَجْر ) ‏ ‏فِيهِ إِطْلَاقُ الْقَوْل عَلَى الْفِعْل أَيْ يَظْهَرُ , وَكَذَا ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا ) ‏ ‏أَيْ أَشَارَ. وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ. \" بِإِصْبَعَيْهِ وَرَفَعَهُمَا \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى فَوْقُ ) ‏ ‏بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ , وَكَذَا ‏ ‏( أَسْفَلُ ) ‏ ‏لِنِيَّةِ الْمُضَاف إِلَيْهِ دُونَ لَفْظه نَحْوُ ( لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ). ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ زُهَيْرٌ ) ‏ ‏أَيْ الرَّاوِي , وَهِيَ أَيْضًا بِمَعْنَى أَشَارَ , وَكَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ ثُمَّ فَرَّقَهُمَا لِيَحْكِيَ صِفَةَ الْفَجْر الصَّادِق لِأَنَّهُ يَطْلُعُ مُعْتَرِضًا ثُمَّ يَعُمُّ الْأُفُقَ ذَاهِبًا يَمِينًا وَشِمَالًا , بِخِلَافِ الْفَجْر الْكَاذِب وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ \" ذَنَبُ السِّرْحَانِ \" فَإِنَّهُ يَظْهَرُ فِي أَعْلَى السَّمَاء ثُمَّ يَنْخَفِضُ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ رَفَعَ وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عِيسَى بْن يُونُس عَنْ سُلَيْمَانَ \" فَإِنَّ الْفَجْر لَيْسَ هَكَذَا وَلَا هَكَذَا , وَلَكِنَّ الْفَجْرَ هَكَذَا \" فَكَأَنَّ أَصْلَ الْحَدِيث كَانَ بِهَذَا اللَّفْظ مَقْرُونًا بِالْإِشَارَةِ الدَّالَّة عَلَى الْمُرَاد , وَبِهَذَا اِخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ الرُّوَاة , وَأَخْصَرُ مَا وَقَعَ فِيهَا رِوَايَة جَرِير عَنْ سُلَيْمَانَ عِنْدَ مُسْلِم \" وَلَيْسَ الْفَجْر الْمُعْتَرِضَ وَلَكِنْ الْمُسْتَطِيلَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "587",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ عِيسَى الْمَرْوَزِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ‏ ‏ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا , وَتَرَدَّدَ فِيهِ الْجَيَّانِيُّ , وَهُوَ عِنْدِي اِبْن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِيُّ الْمَعْرُوف بِابْنِ رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْبِيره بِقَوْلِهِ \" أَخْبَرَنَا \" فَإِنَّهُ لَا يَقُول قَطُّ حَدَّثَنَا بِخِلَافِ إِسْحَاق اِبْن مَنْصُور وَإِسْحَاق بْن نَصْرٍ , وَأَمَّا مَا وَقَعَ بِخَطِّ الدِّمْيَاطِيِّ أَنَّهُ الْوَاسِطِيُّ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنَّهُ اِبْن شَاهِينَ فَلَيْسَ بِصَوَابٍ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ شَيْء , لِأَنَّ أَبَا أُسَامَة كُوفِيٌّ وَلَيْسَ فِي شُيُوخ اِبْن شَاهِينَ أَحَدٌ مِنْ أَهْل الْكُوفَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُبَيْدُ اللَّه حَدَّثَنَا ) ‏ ‏فَاعِلُ قَالَ أَبُو أُسَامَة , وَعُبَيْدُ اللَّهِ قَائِلُ حَدَّثَنَا , فَالتَّقْدِير حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ نَافِع ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى \" عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد \". وَالْحَاصِل أَنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيث عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْن عُمَر مِنْ وَجْهَيْنِ : الْأَوَّل ذَكَرَ لَهُ فِيهِ إِسْنَاد بْن نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر وَالْقَاسِم عَنْ عَائِشَة , وَأَمَّا الثَّانِي فَاقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى الْإِسْنَاد الثَّانِي. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يُؤَذِّن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" حَتَّى يُنَادِيَ \" , وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الصِّيَام بِلَفْظِ \" يُؤَذِّن \" وَزَادَ فِي آخِرِهِ \" فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّن حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْر \" قَالَ الْقَاسِم : لَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانَيْهِمَا إِلَّا أَنْ يَرْقَى ذَا وَيَنْزِلَ ذَا , وَفِي هَذَا تَقْيِيدٌ لِمَا أُطْلِقَ فِي الرِّوَايَات الْأُخْرَى مِنْ قَوْله \" إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ \" , وَلَا يُقَالُ إِنَّهُ مُرْسَلٌ لِأَنَّ الْقَاسِمَ تَابِعِيٌّ فَلَمْ يُدْرِكْ الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ , لِأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ , وَعِنْدَ الطَّحَاوِيِّ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّانِ كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْن عُمَر عَنْ الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَتْ \" وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَصْعَدَ هَذَا \" وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْله فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ \" قَالَ الْقَاسِم \" أَيْ فِي رِوَايَته عَنْ عَائِشَة. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَة اِبْنِ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر مِثْلَ هَذِهِ الزِّيَادَة , وَفِيهَا نَظَرٌ أَوْضَحْته فِي كِتَاب \" الْمُدْرَجِ \" وَثَبَتَتْ الزِّيَادَة أَيْضًا فِي حَدِيث أُنَيْسَةَ الَّذِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ , وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ هُوَ وَقْتُ السُّحُورِ , وَهُوَ أَحَدُ الْأَوْجُه فِي الْمَذْهَب وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاج وَحَكَى تَصْحِيحه عَنْ الْقَاضِي حُسَيْن وَالْمُتَوَلِّي وَقَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيُّ , وَكَلَام اِبْن دَقِيق الْعِيد يُشْعِرُ بِهِ , فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ حَكَاهُ : يُرَجَّحُ هَذَا بِأَنَّ قَوْلَهُ \" إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ \" خَبَر يَتَعَلَّق بِهِ فَائِدَة لِلسَّامِعِينَ قَطْعًا , وَذَلِكَ إِذَا كَانَ وَقْت الْأَذَان مُشْتَبَهًا مُحْتَمَلًا لِأَنْ يَكُون عِنْدَ طُلُوع الْفَجْر فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَع الْأَكْل وَالشُّرْب بَلْ الَّذِي يَمْنَعهُ طُلُوع الْفَجْر الصَّادِق , قَالَ : وَهَذَا يَدُلّ عَلَى تَقَارُبِ وَقْت أَذَان بِلَال مِنْ الْفَجْر. اِنْتَهَى. وَيُقَوِّيهِ أَيْضًا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي مَشْرُوعِيَّته التَّأَهُّبُ لِإِدْرَاكِ الصُّبْح فِي أَوَّل وَقْتهَا , وَصَحَّحَ النَّوَوِيّ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ أَنَّ مَبْدَأَهُ مِنْ نِصْف اللَّيْل الثَّانِي , وَأَجَابَ عَنْ الْحَدِيث فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَقَالَ : قَالَ الْعُلَمَاء مَعْنَاهُ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّن وَيَتَرَبَّصُ بَعْدَ أَذَانه لِلدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ , فَإِذَا قَارَبَ طُلُوع الْفَجْر نَزَلَ فَأَخْبَرَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم فَيَتَأَهَّب بِالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا ثُمَّ يَرْقَى وَيَشْرَع فِي الْأَذَان مَعَ أَوَّل طُلُوع الْفَجْر. وَهَذَا - مَعَ وُضُوحِ مُخَالَفَتِهِ لِسِيَاقِ الْحَدِيث - يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ لِمَا صَحَّحَهُ حَتَّى يَسُوغَ لَهُ التَّأْوِيلُ. وَوَرَاءَ ذَلِكَ أَقْوَالٌ أُخْرَى مَعْرُوفَةٌ فِي الْفِقْهِيَّاتِ. وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّة الْأَذَان قَبْلَ الْفَجْر بِقَوْلِهِ : لَمَّا كَانَ بَيْنَ أَذَانَيْهِمَا مِنْ الْقُرْب مَا ذُكِرَ فِي حَدِيث عَائِشَة ثَبَتَ أَنَّهُمَا كَانَا يَقْصِدَانِ وَقْتًا وَاحِدًا وَهُوَ طُلُوع الْفَجْر فَيُخْطِئُهُ بِلَال وَيُصِيبُهُ اِبْن أُمّ مَكْتُوم. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا أَقَرَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَذِّنًا وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ , وَلَوْ كَانَ كَمَا اِدَّعَى لَكَانَ وُقُوعُ ذَلِكَ مِنْهُ نَادِرًا. وَظَاهِر حَدِيث اِبْن عُمَر يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ شَأْنُهُ وَعَادَتُهُ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "588",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجُرَيْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ بُرَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ ثَلَاثًا لِمَنْ شَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق الْوَاسِطِيُّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شَاهِينَ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون هُوَ الَّذِي عَنَاهُ الدِّمْيَاطِيّ وَنَقَلْنَاهُ عَنْهُ فِي الَّذِي مَضَى , لَكِنِّي رَأَيْته كَمَا نَقَلْته أَوَّلًا بِخَطِّ الْقُطْب الْحَلَبِيّ , وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ إِسْحَاق بْن وَهْبٍ الْعَلَّافِ وَهُوَ وَاسِطِيٌّ أَيْضًا لَكِنْ لَيْسَتْ لَهُ رِوَايَة عَنْ خَالِد وَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الطَّحَّان , وَالْجُرَيْرِيُّ سَعِيد بْن إِيَاس وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيم كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ , وَوَقَعَ مُسَمًّى فِي رِوَايَة وَهْبِ بْن بَقِيَّة عَنْ خَالِد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَهِيَ إِحْدَى فَوَائِد الْمُسْتَخْرَجَات , وَهُوَ مَعْدُود فِيمَنْ اِخْتَلَطَ , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ سَمَاع الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُ كَانَ بَعْدَ اِخْتِلَاطه وَخَالِد مِنْهُمْ , لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة يَزِيدَ بْن زُرَيْعٍ وَعَبْد الْأَعْلَى وَابْن عُلَيَّةَ وَهُمْ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ اِخْتِلَاطه , وَهِيَ إِحْدَى فَوَائِد الْمُسْتَخْرَجَات أَيْضًا , وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الْأَعْلَى أَيْضًا , وَقَدْ قَالَ الْعِجْلِيُّ إِنَّهُ مِنْ أَصَحِّهِمْ سَمَاعًا مِنْ الْجُرَيْرِيِّ , فَإِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ اِخْتِلَاطه بِثَمَانِ سِنِينَ , وَلَمْ يَنْفَرِد بِهِ مَعَ ذَلِكَ الْجُرَيْرِيُّ بَلْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ كَهَمْسِ بْن الْحَسَن عَنْ اِبْن بُرَيْدَةَ , وَسَيَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّف بَعْدَ بَاب , وَفِي رِوَايَة يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا تَسْمِيَة اِبْن بُرَيْدَةَ عَبْد اللَّه وَالتَّصْرِيح بِتَحْدِيثِهِ لِلْجُرَيْرِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَ كُلّ أَذَانَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ أَذَان وَإِقَامَة , وَلَا يَصِحّ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِره لِأَنَّ الصَّلَاة بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ مَفْرُوضَة , وَالْخَيْر نَاطِق بِالتَّخْيِيرِ لِقَوْلِهِ \" لِمَنْ شَاءَ \" , وَأَجْرَى الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَة مَجْرَى الْبَيَان لِلْخَبَرِ لِجَزْمِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْمُرَاد , وَتَوَارَدَ الشُّرَّاح عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ بَاب التَّغْلِيب كَقَوْلِهِمْ الْقَمَرَيْنِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَر , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون أُطْلِقَ عَلَى الْإِقَامَة أَذَانٌ لِأَنَّهَا إِعْلَام بِحُضُورِ فِعْلِ الصَّلَاة , كَمَا أَنَّ الْأَذَان إِعْلَام بِدُخُولِ الْوَقْت , وَلَا مَانِع مِنْ حَمْلِ قَوْله \" أَذَانَيْنِ \" عَلَى ظَاهِره لِأَنَّهُ يَكُون التَّقْدِير بَيْنَ كُلّ أَذَانَيْنِ صَلَاة نَافِلَة غَيْرُ الْمَفْرُوضَة. ‏ ‏قَوْله : ( صَلَاة ) ‏ ‏أَيْ وَقْت صَلَاة , أَوْ الْمُرَاد صَلَاة نَافِلَة , أَوْ نُكِّرَتْ لِكَوْنِهَا تَتَنَاوَلُ كُلَّ عَدَدٍ نَوَاهُ الْمُصَلِّي مِنْ النَّافِلَة كَرَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَع أَوْ أَكْثَر. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ الْحَثّ عَلَى الْمُبَادَرَة إِلَى الْمَسْجِد عِنْدَ سَمَاع الْأَذَان لِانْتِظَارِ الْإِقَامَة , لِأَنَّ مُنْتَظِر الصَّلَاة فِي صَلَاة , قَالَهُ الزَّيْنُ بْن الْمُنِير. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاثًا ) ‏ ‏أَيْ قَالَهَا ثَلَاثًا , وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَاب بِلَفْظِ \" بَيْنَ كُلّ أَذَانَيْنِ صَلَاة , بَيْنَ كُلّ أَذَانَيْنِ صَلَاة \" ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَة \" لِمَنْ شَاءَ \" وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لِمَنْ شَاءَ إِلَّا فِي الْمَرَّة الثَّالِثَة , بِخِلَافِ مَا يُشْعِرُ بِهِ ظَاهِر الرِّوَايَة الْأُولَى مِنْ أَنَّهُ قَيَّدَ كُلَّ مَرَّةٍ بِقَوْلِهِ \" لِمَنْ شَاءَ \". وَلِمُسْلِمٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالَ فِي الرَّابِعَة لِمَنْ شَاءَ \" وَكَأَنَّ الْمُرَاد بِالرَّابِعَةِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة الْمَرَّة الرَّابِعَة , أَيْ أَنَّهُ اِقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى قَوْله \" لِمَنْ شَاءَ \" فَأَطْلَقَ عَلَيْهَا بَعْضُهُمْ رَابِعَةً بِاعْتِبَارِ مُطْلَقِ الْقَوْل , وَبِهَذَا تُوَافِقُ رِوَايَةَ الْبُخَارِيّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم حَدِيث أَنَس أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا وَكَأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ الثَّلَاث \" لِمَنْ شَاءَ \" لِيَدُلّ عَلَى أَنَّ التَّكْرَار لِتَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَاب. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : فَائِدَة هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْأَذَان لِلصَّلَاةِ يَمْنَع أَنْ يُفْعَلَ سِوَى الصَّلَاةِ الَّتِي أُذِّنَ لَهَا , فَبَيَّنَ أَنَّ التَّطَوُّع بَيْنَ الْأَذَان وَالْإِقَامَة جَائِز فِي حَدِيث أَنَس , وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ فِي الْإِقَامَة كَمَا سَيَأْتِي. وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَد \" إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الَّتِي أُقِيمَتْ \" وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة \" إِلَّا الْمَكْتُوبَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "589",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَبْتَدِرُونَ ‏ ‏السَّوَارِيَ ‏ ‏حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُمْ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ شَيْءٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ ‏ ‏وَأَبُو دَاوُدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا قَلِيلٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث أَنَس ( كَانَ الْمُؤَذِّن إِذَا أَذَّنَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" إِذَا أَخَذَ الْمُؤَذِّن فِي أَذَان الْمَغْرِب \". ‏ ‏قَوْله : ( قَامَ نَاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" قَامَ كِبَار أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَكَذَا تَقَدَّمَ لِلْمُؤَلِّفِ فِي أَبْوَاب سَتْرِ الْعَوْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( يَبْتَدِرُونَ ) ‏ ‏أَيْ يَسْتَبِقُونَ. ‏ ‏وَ ‏ ‏( السَّوَارِي ) ‏ ‏جَمْعُ سَارِيَةٍ , وَكَأَنَّ غَرَضَهُمْ بِالِاسْتِبَاقِ إِلَيْهَا الِاسْتِتَار بِهَا مِمَّنْ يَمُرُّ بَيْنَ أَيْدِيهمْ لِكَوْنِهِمْ يُصَلُّونَ فُرَادَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُمْ كَذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ فِي تِلْكَ الْحَال. وَزَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْبٍ عَنْ أَنَس : \" فَيَجِيء الْغَرِيب فَيَحْسِب أَنَّ الصَّلَاة قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَة مَنْ يُصَلِّيهِمَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا ) ‏ ‏أَيْ الْأَذَان وَالْإِقَامَة. ‏ ‏قَوْله : ( شَيْء ) ‏ ‏التَّنْوِين فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ , أَيْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَيْء كَثِير , وَبِهَذَا يَنْدَفِع قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة مُعَارِضَة لِلرِّوَايَةِ الْمَوْصُولَة , بَلْ هِيَ مُبَيِّنَةٌ لَهَا , وَنَفْيُ الْكَثِير يَقْتَضِي إِثْبَات الْقَلِيل , وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مَوْصُولَة مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن عُمَر عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" وَكَانَ بَيْنَ الْأَذَان وَالْإِقَامَة قَرِيب \" وَلِمُحَمَّدِ بْن نَصْر مِنْ طَرِيق أَبِي عَامِر عَنْ شُعْبَة نَحْوُهُ , وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : يُجْمَع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِحَمْلِ النَّفْي الْمُطْلَق عَلَى الْمُبَالَغَة مَجَازًا , وَالْإِثْبَات لِلْقَلِيلِ عَلَى الْحَقِيقَة. وَحَمَلَ بَعْض الْعُلَمَاء حَدِيث الْبَاب عَلَى ظَاهِره فَقَالَ : دَلَّ قَوْله \" وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَيْء \" عَلَى أَنَّ عُمُوم قَوْله \" بَيْنَ كُلّ أَذَانَيْنِ صَلَاة \" مَخْصُوص بِغَيْرِ الْمَغْرِب , فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ بَيْنَهُمَا بَلْ كَانُوا يَشْرَعُونَ فِي الصَّلَاة فِي أَثْنَاء الْأَذَان وَيَفْرُغُونَ مَعَ فَرَاغه. قَالَ : وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبَزَّار مِنْ طَرِيق حَيَّانَ بْن عُبَيْدِ اللَّه عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ الْحَدِيث الْأَوَّل , وَزَادَ فِي آخِره \" إِلَّا الْمَغْرِب \" ا ه. وَفِي قَوْله \" وَيَفْرُغُونَ مَعَ فَرَاغه \" نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَقْتَضِيه , وَلَا يَلْزَم مِنْ شُرُوعهمْ فِي أَثْنَاء الْأَذَان ذَلِكَ , وَأَمَّا رِوَايَة حَيَّانَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالتَّحْتَانِيَّة فَشَاذَّةٌ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ صَدُوقًا عِنْدَ الْبَزَّار وَغَيْره لَكِنَّهُ خَالَفَ الْحُفَّاظ مِنْ أَصْحَاب عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ فِي إِسْنَاد الْحَدِيث وَمَتْنِهِ , وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَكَانَ بُرَيْدَةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاة الْمَغْرِب فَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاء مَحْفُوظًا لَمْ يُخَالِف بُرَيْدَةُ رِوَايَته. وَقَدْ نَقَلَ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي الْمَوْضُوعَات عَنْ الْفَلَّاسِ أَنَّهُ كَذَّبَ حَيَّانًا الْمَذْكُور , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْرُهُ : ظَاهِر حَدِيث أَنَس أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِب وَقَبْلَ صَلَاة الْمَغْرِب كَانَ أَمْرًا أَقَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ عَلَيْهِ وَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى كَانُوا يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى الِاسْتِحْبَاب , وَكَأَنَّ أَصْلَهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" بَيْنَ كُلّ أَذَانَيْنِ صَلَاة \". وَأَمَّا كَوْنُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّهِمَا فَلَا يَنْفِي الِاسْتِحْبَاب , بَلْ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ الرَّوَاتِب. وَإِلَى اِسْتِحْبَابهمَا ذَهَبَ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَصْحَاب الْحَدِيث , وَرَوَى عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : مَا رَأَيْت أَحَدًا يُصَلِّيهِمَا عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَنْ الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَجَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُصَلُّونَهُمَا. وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ , وَادَّعَى بَعْض الْمَالِكِيَّة نَسْخَهُمَا فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّل الْأَمْر حَيْثُ نَهَى عَنْ الصَّلَاة بَعْدَ الْعَصْر حَتَّى تَغْرُب الشَّمْس , فَبَيَّنَ لَهُمْ بِذَلِكَ وَقْتَ الْجَوَاز , ثُمَّ نَدَبَ إِلَى الْمُبَادَرَة إِلَى الْمَغْرِب فِي أَوَّل وَقْتهَا , قَلْو اِسْتَمَرَّتْ الْمُوَاظَبَة عَلَى الِاشْتِغَال بِغَيْرِهَا لَكَانَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى مُخَالَفَة إِدْرَاك أَوَّل وَقْتهَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ دَعْوَى النَّسْخ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا , وَالْمَنْقُول عَنْ اِبْن عُمَر رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ عَنْهُ , وَرِوَايَة أَنَس الْمُثْبِتَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى نَفْيِهِ , وَالْمَنْقُول عَنْ الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة رَوَاهُ مُحَمَّد بْن نَصْر وَغَيْره مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ عَنْهُمْ , وَهُوَ مُنْقَطِع , وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيل عَلَى النَّسْخ وَلَا الْكَرَاهَة. وَسَيَأْتِي فِي أَبْوَاب التَّطَوُّع أَنَّ عُقْبَةَ بْن عَامِر سُئِلَ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِب فَقَالَ : كُنَّا نَفْعَلُهُمَا عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قِيلَ لَهُ : فَمَا يَمْنَعك الْآنَ ؟ قَالَ : الشُّغْلُ. فَلَعَلَّ غَيْره أَيْضًا مَنَعَهُ الشُّغْلُ. وَقَدْ رَوَى مُحَمَّد بْن نَصْر وَغَيْره مِنْ طُرُق قَوِيَّة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَسَعْد اِبْن أَبِي وَقَّاصٍ وَأُبَيِّ بْن كَعْب وَأَبِي الدَّرْدَاء وَأَبِي مُوسَى وَغَيْرهمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوَاظِبُونَ عَلَيْهِمَا. وَأَمَّا قَوْل أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيّ : اِخْتَلَفَ فِيهَا الصَّحَابَة وَلَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ بَعْدَهُمْ , فَمَرْدُود بِقَوْلِ مُحَمَّد بْن نَصْر , وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِب , ثُمَّ أَخْرَجَ ذَلِكَ بِأَسَانِيدَ مُتَعَدِّدَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن اِبْن أَبِي لَيْلَى وَعَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ وَيَحْيَى بْن عَقِيلٍ وَالْأَعْرَج وَعَامِر بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَعِرَاكِ بْن مَالِك , وَمِنْ طَرِيق الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْهُمَا فَقَالَ : حَسَنَتَيْنِ وَاللَّهِ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهَ بِهِمَا. وَعَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّهُ كَانَ يَقُول : حَقّ عَلَى كُلّ مُؤْمِن إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّن أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ. وَعَنْ مَالِك قَوْل آخَر بِاسْتِحْبَابِهِمَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّة وَجْه رَجَّحَهُ النَّوَوِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ , وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِم : قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّ فِعْلَهُمَا يُؤَدِّي إِلَى تَأْخِير الْمَغْرِب عَنْ أَوَّل وَقْتهَا خَيَالٌ فَاسِد مُنَابِذٌ لِلسُّنَّةِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَزَمَنُهُمَا زَمَنٌ يَسِيرٌ لَا تَتَأَخَّر بِهِ الصَّلَاة عَنْ أَوَّل وَقْتهَا. ‏ ‏قُلْت : وَمَجْمُوع الْأَدِلَّة يُرْشِد إِلَى اِسْتِحْبَاب تَخْفِيفهمَا كَمَا فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْر , قِيلَ وَالْحِكْمَة فِي النَّدْب إِلَيْهِمَا رَجَاء إِجَابَة الدُّعَاء , لِأَنَّ الدُّعَاء بَيْنَ الْأَذَان وَالْإِقَامَة لَا يُرَدُّ , وَكُلَّمَا كَانَ الْوَقْت أَشْرَفَ كَانَ ثَوَاب الْعِبَادَة فِيهِ أَكْثَر , وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ أَنَس عَلَى اِمْتِدَاد وَقْت الْمَغْرِب , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاضِحٍ. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏( أَحَدهمَا ) مُطَابَقَةُ حَدِيث أَنَس لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الصَّحَابَة إِذَا كَانُوا يَبْتَدِرُونَ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاة الْمَغْرِب مَعَ قِصَرِ وَقْتهَا فَالْمُبَادَرَة إِلَى التَّنَفُّل قَبْلَ غَيْرهَا مِنْ الصَّلَوَات تَقَع مِنْ بَاب الْأَوْلَى , وَلَا يَتَقَيَّد بِرَكْعَتَيْنِ إِلَّا مَا ضَاهَى الْمَغْرِب فِي قِصَرِ الْوَقْت كَالصُّبْحِ. ‏ ‏( الثَّانِي ) : لَمْ تَتَّصِل لَنَا رِوَايَة عُثْمَان بْن جَبَلَةَ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَالْمُوَحَّدَةِ - إِلَى الْآنَ. وَزَعَمَ مُغَلْطَايْ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَصَلَهَا فِي مُسْتَخْرَجه , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ إِنَّمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن عُمَر , وَكَذَلِكَ لَمْ تَتَّصِل لَنَا رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ وَهُوَ الطَّيَالِسِيُّ فِيمَا يَظْهَر لِي , وَقِيلَ هُوَ الْحَفَرِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْفَاء. وَقَدْ وَقَعَ لَنَا مَقْصُود رِوَايَتِهِمَا مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن عُمَر وَأَبِي عَامِر وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏"
    },
    {
        "id": "590",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الْفَجْرُ ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْدَةُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَانَ , وَبَقِيَّة الْإِسْنَاد وَالْمَتْن تَقَدَّمَ بِأَتَمّ سِيَاق فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "591",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "592",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ‏ ‏أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏نَفَرٍ ‏ ‏مِنْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا قَالَ ‏ ‏ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَابُ الْأَذَان لِلْمُسَافِرِينَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَلِلْبَاقِينَ \" لِلْمُسَافِرِ \" بِالْإِفْرَادِ , وَهُوَ لِلْجِنْسِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا كَانُوا جَمَاعَة ) ) ‏ ‏هُوَ مُقْتَضَى الْأَحَادِيث الَّتِي أَوْرَدَهَا , لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا مَا يَمْنَع أَذَان الْمُنْفَرِد , وَقَدْ رَوَى عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَقُول : إِنَّمَا التَّأْذِين لِجَيْشٍ أَوْ رَكْبٍ عَلَيْهِمْ أَمِير فَيُنَادَى بِالصَّلَاةِ لِيَجْتَمِعُوا لَهَا , فَأَمَّا غَيْرهمْ فَإِنَّمَا هِيَ الْإِقَامَة. وَحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مَالِك. وَذَهَبَ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرهمْ إِلَى مَشْرُوعِيَّة الْأَذَان لِكُلِّ أَحَدٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي \" بَاب رَفْعِ الصَّوْت بِالنِّدَاءِ \" وَهُوَ يَقْتَضِي اِسْتِحْبَاب الْأَذَان لِلْمُنْفَرِدِ , وَبَالَغَ عَطَاء فَقَالَ : إِذَا كُنْت فِي سَفَر فَلَمْ تُؤَذِّن وَلَمْ تُقِمْ فَأَعِدْ الصَّلَاة , وَلَعَلَّهُ كَانَ يَرَى ذَلِكَ شَرْطًا فِي صِحَّة الصَّلَاة أَوْ يَرَى اِسْتِحْبَاب الْإِعَادَة لَا وُجُوبَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْإِقَامَةِ ) ‏ ‏بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْأَذَان , وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي مَشْرُوعِيَّة الْإِقَامَة فِي كُلّ حَالٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ ) ‏ ‏لَعَلَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيث جَابِر الطَّوِيل فِي صِفَة الْحَجّ , وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِم , وَفِيهِ أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ وَأَقَامَ لَمَّا جَمَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الظُّهْر وَالْعَصْر يَوْمَ عَرَفَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَمْعٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْمِيم هِيَ مُزْدَلِفَةُ , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيث اِبْن مَسْعُود الَّذِي ذَكَرَهُ فِي كِتَاب الْحَجّ وَفِيهِ : أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِب بِأَذَانٍ وَإِقَامَة. , وَالْعِشَاء بِأَذَانٍ وَإِقَامَة , ثُمَّ قَالَ : رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَوْلِ الْمُؤَذِّن ) هُوَ بِالْخَفْضِ أَيْضًا , ‏"
    },
    {
        "id": "593",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِ أَبِي الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَبْرِدْ ‏ ‏ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَبْرِدْ ‏ ‏ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَبْرِدْ ‏ ‏حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ ‏ ‏التُّلُولَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ ‏ ‏فَيْحِ ‏ ‏جَهَنَّمَ ‏",
        "sharh": "وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي ذَرٍّ مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب الْإِبْرَاد بِالظُّهْرِ \" فِي الْمَوَاقِيت , وَفِيهِ الْبَيَان أَنَّ الْمُؤَذِّنَ هُوَ بِلَال وَأَنَّهُ أَذَّنَ وَأَقَامَ , فَيُطَابِق هَذِهِ التَّرْجَمَةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "594",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى رَجُلَانِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُرِيدَانِ السَّفَرَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا فَأَذِّنَا ثُمَّ أَقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب بَيْنَ كُلّ أَذَانَيْنِ صَلَاة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى فَوَائِده قَبْلَ بَابٍ , وَتَرْجَمَ هُنَا بِلَفْظِ الْحَدِيث , وَهُنَاكَ بِبَعْضِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "595",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَحِيمًا رَفِيقًا فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدْ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا أَوْ قَدْ اشْتَقْنَا سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ ‏ ‏ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ ‏",
        "sharh": "( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة أُبَيٍّ الْوَقْت \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب عَنْ أَيُّوب \" فَذَكَرَ حَدِيث مَالِك بْن الْحُوَيْرِثِ مُطَوَّلًا نَحْوَ مَا مَضَى فِي الْبَاب قَبْلَهُ , وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي \" بَاب خَبَر الْوَاحِد \" , وَعَلَى ذِكْرِهِ هُنَاكَ اِقْتَصَرَ بَاقِي الرُّوَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "596",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَذَّنَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ ‏ ‏بِضَجْنَانَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ صَلُّوا فِي ‏ ‏رِحَالِكُمْ ‏ ‏فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ ‏ ‏أَلَا صَلُّوا فِي ‏ ‏الرِّحَالِ ‏ ‏فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوْ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّانُ. ‏ ‏قَوْله : ( بِضَجْنَانَ ) ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَبِالْجِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ عَلَى وَزْنِ فَعْلَانَ غَيْر مَصْرُوف , قَالَ صَاحِب الصِّحَاح وَغَيْره : هُوَ جَبَلٌ بِنَاحِيَةِ مَكَّةَ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى فِي ذَيْل الْغَرِيبِينَ : هُوَ مَوْضِعٌ أَوْ جَبَل بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَة. وَقَالَ صَاحِب الْمَشَارِق وَمَنْ تَبِعَهُ : هُوَ جَبَل عَلَى بَرِيدٍ مِنْ مَكَّةَ. وَقَالَ صَاحِب الْفَائِق : بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّة خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِيلًا , وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ وَادِي مُرَيْسِعَة أَمْيَال. اِنْتَهَى. وَهَذَا الْقَدْر أَكْثَر مِنْ بَرِيدَيْنِ. وَضَبْطُهُ بِالْأَمْيَالِ يَدُلُّ عَلَى مَزِيدِ اِعْتِنَاءٍ , وَصَاحِب الْفَائِق مِمَّنْ شَاهَدَ تِلْكَ الْأَمَاكِن وَاعْتَنَى بِهَا , خِلَافَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ لَمْ يَرَهَا أَصْلًا. وَيُؤَيِّدهُ مَا حَكَاهُ أَبُو عَبِيد الْبَكْرِيُّ قَالَ : وَبَيْنَ قُدَيْدٍ وَضَجْنَانَ يَوْمٌ. قَالَ مَعْبَدٌ الْخُزَاعِيُّ : ‏ ‏قَدْ جَعَلْت مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي ‏ ‏وَمَاء ضَجْنَانَ لَهَا ضُحَى الْغَد ‏ ‏قَوْله : ( وَأَخْبَرَنَا ) أَيْ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يَأْمُر مُؤَذِّنًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم كَانَ يَأْمُر الْمُؤَذِّنَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَقُول عَلَى أَثَرِهِ ) ‏ ‏صَرِيح فِي أَنَّ الْقَوْل الْمَذْكُور كَانَ بَعْدَ فَرَاغ الْأَذَان , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَمَّا ذَكَر رِوَايَة مُسْلِم بِلَفْظِ \" يَقُول فِي آخِرِ نِدَائِهِ \" يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْمُرَاد فِي آخِره قُبَيْلَ الْفَرَاغ مِنْهُ , جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس. اِنْتَهَى. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي \" بَاب الْكَلَام فِي الْأَذَان \" عَنْ اِبْن خُزَيْمَةَ أَنَّهُ حَمَلَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَلَى ظَاهِره , وَأَنَّ ذَلِكَ يُقَال بَدَلًا مِنْ الْحَيْعَلَةِ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى لِأَنَّ مَعْنَى \" حَيَّ عَلَى الصَّلَاة \" هَلُمُّوا إِلَيْهَا , وَمَعْنَى \" الصَّلَاة فِي الرِّحَالِ \" تَأَخَّرُوا عَنْ الْمَجِيء وَلَا يُنَاسِبُ إِيرَاد اللَّفْظَيْنِ مَعًا لِأَنَّ أَحَدهمَا نَقِيض الْآخَر ا ه. وَيُمْكِنُ الْجَمْع بَيْنَهُمَا , وَلَا يَلْزَم مِنْهُ مَا ذُكِرَ بِأَنْ يَكُون مَعْنَى الصَّلَاة فِي الرِّحَالِ رُخْصَة لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَرَخَّصَ , وَمَعْنَى هَلُمُّوا إِلَى الصَّلَاة نَدْبٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَكْمِل الْفَضِيلَة وَلَوْ تَحَمَّلَ الْمَشَقَّة. وَيُؤَيِّد ذَلِكَ حَدِيث جَابِر عِنْدَ مُسْلِم قَالَ : \" خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ , فَمُطِرْنَا , فَقَالَ : لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي اللَّيْلَة الْبَارِدَة أَوْ الْمَطِيرَةِ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ , وَإِسْنَاد الْمَطَر إِلَيْهَا مَجَازٌ , وَلَا يُقَال إِنَّهَا بِمَعْنَى مَفْعُولَة - أَيْ مَمْطُور فِيهَا - لِوُجُودِ الْهَاء فِي قَوْله مَطِيرَة إِذْ لَا يَصِحّ مَمْطُورَة فِيهَا ا ه. مُلَخَّصًا. وَقَوْله : ( أَوْ ) لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ , وَفِي صَحِيح أَبِي عَوَانَةَ \" لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ أَوْ ذَاتُ رِيحٍ \" وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الثَّلَاثَة عُذْرٌ فِي التَّأَخُّر عَنْ الْجَمَاعَة , وَنَقَلَ اِبْن بَطَّالٍ فِيهِ الْإِجْمَاع , لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّة أَنَّ الرِّيح عُذْرٌ فِي اللَّيْل فَقَطْ , وَظَاهِر الْحَدِيث اِخْتِصَاص الثَّلَاثَة بِاللَّيْلِ , لَكِنْ فِي السُّنَن مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاقَ عَنْ نَافِع فِي هَذَا الْحَدِيث \" فِي اللَّيْلَة الْمَطِيرَة وَالْغَدَاة الْقَرَّة \" , وَفِيهَا بِإِسْنَادٍ صَحِيح مِنْ حَدِيث أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّهُمْ مُطِرُوا يَوْمًا فَرَخَّصَ لَهُمْ \" وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الْأَحَادِيث التَّرَخُّص بِعُذْرِ الرِّيح فِي النَّهَار صَرِيحًا , لَكِنَّ الْقِيَامَ يَقْتَضِي إِلْحَاقَهُ , وَقَدْ نَقَلَهُ اِبْن الرِّفْعَة وَجْهًا. ‏ ‏قَوْله : ( فِي السَّفَر ) ‏ ‏ظَاهِره اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِالسَّفَرِ , وَرِوَايَة مَالِك عَنْ نَافِع الْآتِيَة فِي أَبْوَاب صَلَاة الْجَمَاعَة مُطْلَقَةٌ , وَبِهَا أَخَذَ الْجُمْهُور , لَكِنَّ قَاعِدَةَ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ تَقْتَضِي أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمُسَافِرِ مُطْلَقًا , وَيُلْحَق بِهِ مَنْ تَلْحَقُهُ بِذَلِكَ مَشَقَّة فِي الْحَضَر دُونَ مَنْ لَا تَلْحَقهُ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "597",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْعُمَيْسِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْأَبْطَحِ ‏ ‏فَجَاءَهُ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏فَآذَنَهُ ‏ ‏بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَرَجَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏بِالْعَنَزَةِ ‏ ‏حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْأَبْطَحِ ‏ ‏وَأَقَامَ الصَّلَاةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْت أَنَّهُ اِبْن مَنْصُور , وَبِذَلِكَ جَزَمَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَاف , وَقَدْ تَرَدَّدَ الْكِلَابَاذِيُّ هَلْ هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم أَوْ اِبْن مَنْصُور , وَرَجَّحَ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ اِبْن مَنْصُور وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد عَنْ إِسْحَاق بْن مَنْصُور. ‏ ‏قَوْله : ( فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَرَجَ بِلَال ) ‏ ‏اِخْتَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طُرُق عَنْ جَعْفَر بْنِ عَوْنٍ فَقَالَ بَعْدَ قَوْله بِالصَّلَاةِ \" فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ \" فَذَكَرَ الْقِصَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَقَامَ الصَّلَاة ) ‏ ‏اِخْتَصَرَ بَقِيَّتَهُ , وَهِيَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا وَهِيَ \" وَرَكَزَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَالظُّعُن يَمُرُّونَ \" الْحَدِيثَ , وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب سُتْرَة الْإِمَام سُتْرَة لِمَنْ خَلْفَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( بِالْأَبْطَحِ ) ) ‏ ‏هُوَ مَوْضِع مَعْرُوف خَارِجَ مَكَّةَ , وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي ذَلِكَ الْبَاب , وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَبْطَحِ مَوْضِع جَمْعٍ لِذِكْرِهِ لَهَا فِي التَّرْجَمَة , وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادَهُ , بَلْ بَيْنَ جَمْعٍ وَالْأَبْطَحِ مَسَافَةٌ طَوِيلَةٌ , وَإِنَّمَا أَوْرَدَ حَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ لِأَنَّهُ يَدْخُل فِي أَصْلِ التَّرْجَمَة وَهِيَ مَشْرُوعِيَّة الْأَذَان وَالْإِقَامَة لِلْمُسَافِرِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "598",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ رَأَى ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ ‏ ‏أَتَتَبَّعُ فَاهُ ‏ ‏هَهُنَا وَهَهُنَا بِالْأَذَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الْفِرْيَابِيُّ , وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( هَاهُنَا وَهَاهُنَا بِالْأَذَانِ ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَرِوَايَة وَكِيع عَنْ سُفْيَان عِنْدَ مُسْلِم أَتَمُّ حَيْثُ قَالَ \" فَجَعَلْت أَتَتَبَّع فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا يَمِينًا وَشِمَالًا يَقُول : حَيَّ عَلَى الصَّلَاة , حَيَّ عَلَى الْفَلَاح \" وَهَذَا فِيهِ تَقْيِيدٌ لِلِالْتِفَاتِ فِي الْأَذَان وَأَنَّ مَحَلَّهُ عِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ , وَبَوَّبَ عَلَيْهِ اِبْن خُزَيْمَةَ \" اِنْحِرَاف الْمُؤَذِّن عِنْدَ قَوْله حَيَّ عَلَى الصَّلَاة حَيَّ عَلَى الْفَلَاح بِفَمِهِ لَا بِبَدَنِهِ كُلِّهِ \" قَالَ : وَإِنَّمَا يُمْكِنُ الِانْحِرَاف بِالْفَمِ بِانْحِرَافِ الْوَجْه , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق وَكِيع أَيْضًا بِلَفْظِ \" فَجَعَلَ يَقُولُ فِي أَذَانه هَكَذَا , وَيُحْرِفُ رَأْسَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ الثَّوْرِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث زِيَادَتَانِ : إِحْدَاهُمَا الِاسْتِدَارَة , وَالْأُخْرَى وَضْعُ الْإِصْبَع فِي الْأُذُنِ , وَلَفْظُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيّ \" رَأَيْت بِلَالًا يُؤَذِّن وَيَدُورُ وَيُتْبِعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا وَإِصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ \" فَأَمَّا قَوْله \" وَيَدُورُ \" فَهُوَ مُدْرَجٌ فِي رِوَايَة سُفْيَانَ عَنْ عَوْنٍ , بَيَّنَ ذَلِكَ يَحْيَى بْن آدَمَ عَنْ سُفْيَان عَنْ عَوْنٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" رَأَيْت بِلَالًا أَذَّنَ فَأَتْبَعَ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا وَالْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا \" قَالَ سُفْيَان : كَانَ حَجَّاجٌ - يَعْنِي اِبْن أَرْطَأَةَ - يَذْكُر لَنَا عَنْ عَوْنٍ أَنَّهُ قَالَ \" فَاسْتَدَارَ فِي أَذَانِهِ \" فَلَمَّا لَقِينَا عَوْنًا لَمْ يَذْكُر فِيهِ الِاسْتِدَارَة , أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن آدَمَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْوَلِيد الْعَدَنِيِّ عَنْ سُفْيَان , لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ حَجَّاجًا , وَهُوَ مَشْهُور عَنْ حَجَّاجٍ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَسَعِيد بْن مَنْصُور وَابْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْرهمْ مِنْ طَرِيقه وَلَمْ يَنْفَرِد بِهِ بَلْ وَافَقَهُ إِدْرِيس الْأَوْدِيُّ وَمُحَمَّد الْعَرْزَمِيُّ عَنْ عَوْنٍ , لَكِنَّ الثَّلَاثَةَ ضُعَفَاءُ , وَقَدْ خَالَفَهُمْ مَنْ هُوَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَمْثَلُ وَهُوَ قَيْسُ بْن الرَّبِيع فَرَوَاهُ عَنْ عَوْن فَقَالَ فِي حَدِيثه \" وَلَمْ يَسْتَدِرْ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَيُمْكِنُ الْجَمْع بِأَنَّ مَنْ أَثْبَتَ الِاسْتِدَارَة عَنَى اِسْتِدَارَةَ الرَّأْس , وَمَنْ نَفَاهَا عَنَى اِسْتِدَارَة الْجَسَد كُلِّهِ. وَمَشَى اِبْن بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى ظَاهِره فَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الِاسْتِدَارَة بِالْبَدَنِ كُلِّهِ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِيهِ دَلِيل عَلَى اِسْتِدَارَة الْمُؤَذِّنِينَ لِلْإِسْمَاعِ عِنْدَ التَّلَفُّظ بِالْحَيْعَلَتَيْنِ , وَاخْتُلِفَ هَلْ يَسْتَدِير بِبَدَنِهِ كُلِّهِ أَوْ بِوَجْهِهِ فَقَطْ وَقَدَمَاهُ قَارَّتَانِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ؟ وَاخْتُلِفَ أَيْضًا هَلْ يَسْتَدِير فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مَرَّةً وَفِي الثَّانِيَتَيْنِ مَرَّةً , أَوْ يَقُول حَيَّ عَلَى الصَّلَاة عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ حَيَّ عَلَى الصَّلَاة عَنْ شِمَاله وَكَذَا فِي الْأُخْرَى ؟ قَالَ : وَرَجَّحَ الثَّانِي لِأَنَّهُ يَكُون لِكُلِّ جِهَةٍ نَصِيبٌ مِنْهُمَا , قَالَ : وَالْأَوَّل أَقْرَبُ إِلَى لَفْظ الْحَدِيث. وَفِي الْمُغْنِي عَنْ أَحْمَدَ : لَا يَدُورُ إِلَّا إِنْ كَانَ عَلَى مَنَارَةٍ يَقْصِدُ إِسْمَاعَ أَهْل الْجِهَتَيْنِ. وَأَمَّا وَضْعُ الْإِصْبَعَيْنِ فِي الْأُذُنَيْنِ فَقَدْ رَوَاهُ مُؤَمِّلٌ أَيْضًا عَنْ سُفْيَان أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ , وَلَهُ شَوَاهِدُ ذَكَرْتهَا فِي \" تَعْلِيق التَّعْلِيق \" مِنْ أَصَحِّهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَّامٍ الدِّمَشْقِيِّ أَنَّ عَبْد اللَّه الْهَوْزَنِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ : قُلْت لِبِلَالٍ كَيْف كَانَتْ نَفَقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" قَالَ بِلَال : فَجَعَلْت إِصْبَعِي فِي أُذُنِي فَأَذَّنْت \" وَلِابْنِ مَاجَهْ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث سَعْدِ الْقَرَظِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَجْعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ \" وَفِي إِسْنَاده ضَعْفٌ , قَالَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ فَائِدَتَانِ : إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ قَدْ يَكُون أَرْفَعَ لِصَوْتِهِ , وَفِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخ مِنْ طَرِيق سَعْدِ الْقَرَظِ عَنْ بِلَالٍ , ثَانِيهمَا أَنَّهُ عَلَامَة لِلْمُؤَذِّنِ لِيَعْرِفَ مَنْ رَآهُ عَلَى بُعْدٍ أَوْ كَانَ بِهِ صَمَمٌ أَنَّهُ يُؤَذِّن , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضهمْ : يَجْعَل يَدَهُ فَوْقَ أُذُنه حَسْبُ , قَالَ التِّرْمِذِيّ : اِسْتَحَبَّ أَهْل الْعِلْم أَنْ يُدْخِلَ الْمُؤَذِّن إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فِي الْأَذَان , قَالَ : وَاسْتَحَبَّهُ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الْإِقَامَة أَيْضًا. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏لَمْ يَرِدْ تَعْيِين الْإِصْبَع الَّتِي يُسْتَحَبُّ وَضْعُهَا , وَجَزَمَ النَّوَوِيّ أَنَّهَا الْمُسَبِّحَةُ , وَإِطْلَاق الْإِصْبَع مَجَازٌ عَنْ الْأُنْمُلَةِ. ‏ ‏( تَنْبِيه آخَرُ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي الْمُغْنِي لِلْمُوَفَّقِ نِسْبَةُ حَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ بِلَفْظِ \" أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ وَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ \" إِلَى تَخْرِيج الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم , وَهُوَ وَهْمٌ , وَسَاقَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج حَدِيث الْبَاب مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيٍّ وَعَبْد الرَّزَّاق عَنْ سُفْيَان بِلَفْظِ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ غَيْر بَيَان فَمَا أَجَادَ , لِإِيهَامِهِ أَنَّهُمَا مُتَوَافِقَتَانِ , وَقَدْ عَرَفْت مَا فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق مِنْ الْإِدْرَاج , وَسَلَامَةَ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن مِنْ ذَلِكَ , وَاَللَّه الْمُسْتَعَانُ. ‏"
    },
    {
        "id": "599",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ سَمِعَ ‏ ‏جَلَبَةَ ‏ ‏رِجَالٍ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ ‏ ‏مَا شَأْنُكُمْ قَالُوا اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ فَلَا تَفْعَلُوا إِذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ ‏ ‏بِالسَّكِينَةِ ‏ ‏فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( شَيْبَانُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُعَاوِيَة بْن سَلَّامٍ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير التَّصْرِيح بِإِخْبَارِ عَبْد اللَّه لَهُ بِهِ وَبِإِخْبَارِ أَبِي قَتَادَةَ لِعَبْدِ اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( جَلَبَةَ الرِّجَالِ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ \" جَلَبَة رِجَال \" بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ وَهُمَا لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ , وَقَدْ سُمِّيَ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرَةَ فِيمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَة يُونُس عَنْ الْحَسَن عَنْهُ نَحْوُهُ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّة. وَ \" جَلَبَة \" بِجِيمٍ وَلَامٍ وَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَاتٍ , أَيْ أَصْوَاتَهُمْ حَالَ حَرَكَتِهِمْ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ اِلْتِفَات خَاطِرِ الْمُصَلِّي إِلَى الْأَمْر الْحَادِث لَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ , وَسَنَذْكُرُ الْكَلَام عَلَى الْمَتْنِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "600",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ ‏ ‏بِالسَّكِينَةِ ‏ ‏وَالْوَقَارِ ‏ ‏وَلَا تُسْرِعُوا فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏أَيْ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ , وَهُوَ آدَم عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْهُ , أَيْ أَنَّ اِبْن أَبِي ذِئْب حَدَّثَ بِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ شَيْخَيْنِ حَدَّثَاهُ بِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَقَدْ جَمَعَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي \" بَاب الْمَشْيِ إِلَى الْجُمُعَة \" عَنْ آدَم فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ سَعِيد وَأَبِي سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْهُمَا , وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيّ وَجَزَمَ بِأَنَّهُ عِنْدَهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا قَالَ : وَكَانَ رُبَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا. وَأَمَّا التِّرْمِذِيُّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَحْدَهُ , وَمِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَحْدَهُ , قَالَ : وَقَوْل عَبْد الرَّزَّاق أَصَحُّ , ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ كَمَا قَالَ عَبْد الرَّزَّاق , وَهَذَا عَمَلٌ صَحِيحٌ لَوْ لَمْ يَثْبُت أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَ بِهِ عَنْهُمَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي \" بَاب الْمَشْي إِلَى الْجُمُعَة \" مِنْ طَرِيق شُعَيْبٍ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيق يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَحْدَهُ فَتَرَجَّحَ مَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَة ) ‏ ‏هُوَ أَخَصُّ مِنْ قَوْله فِي حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ \" إِذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاة \" لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِنْ مَفْهُوم الْمُوَافَقَة , لِأَنَّ الْمُسْرِعَ إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاة يَتَرَجَّى إِدْرَاك فَضِيلَةِ التَّكْبِيرَة الْأُولَى وَنَحْوَ ذَلِكَ , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نَهَى عَنْ الْإِسْرَاعِ , فَغَيْرُهُ مِمَّنْ جَاءَ قَبْلَ الْإِقَامَة لَا يَحْتَاج إِلَى الْإِسْرَاع لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ إِدْرَاكُ الصَّلَاة كُلِّهَا فَيَنْهَى عَنْ الْإِسْرَاع مِنْ بَاب الْأَوْلَى. وَقَدْ لَحَظَ فِيهِ بَعْضُهُمْ مَعْنًى غَيْر هَذَا فَقَالَ : الْحِكْمَة فِي التَّقْيِيد بِالْإِقَامَةِ أَنَّ الْمُسْرِعَ إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاة يَصِلُ إِلَيْهَا وَقَدْ اِنْبَهَرَ فَيَقْرَأ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالَة فَلَا يَحْصُل لَهُ تَمَام الْخُشُوع فِي التَّرْتِيل وَغَيْره , بِخِلَافِ مَنْ جَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّ الصَّلَاة قَدْ لَا تُقَامُ فِيهِ حَتَّى يَسْتَرِيح. اِنْتَهَى. وَقَضِيَّة هَذَا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْإِسْرَاع لِمَنْ جَاءَ قَبْلَ الْإِقَامَة , وَهُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ قَوْله \" إِذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاة \" لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا قَبْلَ الْإِقَامَة , وَإِنَّمَا قَيَّدَ فِي الْحَدِيث الثَّانِي بِالْإِقَامَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْحَامِلُ فِي الْغَالِبِ عَلَى الْإِسْرَاعِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ , وَلِغَيْرِهِ \" وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ \" بِغَيْرِ بَاءٍ , وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق يُونُس , وَضَبَطَهَا الْقُرْطُبِيّ شَارِحُهُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ , وَضَبَطَهَا النَّوَوِيّ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا جُمْلَةٌ فِي مَوْضِع الْحَال , وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ دُخُولَ الْبَاءِ قَالَ : لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) وَفِيهِ نَظَرٌ لِثُبُوتِ زِيَادَة الْبَاء فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة كَحَدِيثِ \" عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّه \" وَحَدِيث \" فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ \" وَحَدِيث \" فَعَلَيْك بِالْمَرْأَةِ \" قَالَهُ لِأَبِي طَلْحَةَ فِي قِصَّة صَفِيَّةَ , وَحَدِيث \" عَلَيْك بِعَيْبَتِك \" قَالَتْهُ عَائِشَة لِعُمَر , وَحَدِيث \" عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْل \" وَحَدِيث \" عَلَيْك بِخُوَيْصَّةِ نَفْسِك \" وَغَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ الَّذِي عَلَّلَ بِهِ هَذَا الْمُعْتَرِضُ غَيْرُ مُوَفٍّ بِمَقْصُودِهِ , إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنِهِ يَجُوز أَنْ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ اِمْتِنَاع تَعَدِّيهِ بِالْبَاءِ , وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَيَدُلّ عَلَى أَنَّ فِيهِ لُغَتَيْنِ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏الْحِكْمَة فِي هَذَا الْأَمْر تُسْتَفَاد مِنْ زِيَادَة وَقَعَتْ فِي مُسْلِم مِنْ طَرِيق الْعَلَاء عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيث الْبَاب وَقَالَ فِي آخِرِهِ \" فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِد إِلَى الصَّلَاة فَهُوَ فِي صَلَاة \" أَيْ أَنَّهُ فِي حُكْم الْمُصَلِّي , فَيَنْبَغِي لَهُ اِعْتِمَاد مَا يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي اِعْتِمَاده وَاجْتِنَاب مَا يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي اِجْتِنَابه. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْوَقَار ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض وَالْقُرْطُبِيّ : هُوَ بِمَعْنَى السَّكِينَةِ , وَذُكِرَ عَلَى سَبِيل التَّأْكِيد. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الظَّاهِر أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا , وَأَنَّ السَّكِينَة التَّأَنِّي فِي الْحَرَكَات وَاجْتِنَاب الْعَبَث , وَالْوَقَار فِي الْهَيْئَة كَغَضِّ الْبَصَر وَخَفْضِ الصَّوْت وَعَدَمِ الِالْتِفَات. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تُسْرِعُوا ) ‏ ‏فِيهِ زِيَادَة تَأْكِيد , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ الرَّدّ عَلَى مَنْ أَوَّلَ قَوْله فِي حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ \" لَا تَفْعَلُوا \" أَيْ الِاسْتِعْجَال الْمُفْضِي إِلَى عَدَمِ الْوَقَار , وَأَمَّا الْإِسْرَاع الَّذِي لَا يُنَافِي الْوَقَارَ كَمَنْ خَافَ فَوْتَ التَّكْبِيرَة فَلَا , وَهَذَا مَحْكِيٌّ عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَة الْعَلَاء الَّتِي فِيهَا \" فَهُوَ فِي صَلَاة \" قَالَ النَّوَوِيّ : نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ الصَّلَاة شَيْئًا لَكَانَ مُحَصِّلًا لِمَقْصُودِهِ لِكَوْنِهِ فِي صَلَاة , وَعَدَم الْإِسْرَاع أَيْضًا يَسْتَلْزِم كَثْرَةَ الْخُطَا وَهُوَ مَعْنًى مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ وَرَدَتْ فِيهِ أَحَادِيث كَحَدِيثِ جَابِر عِنْدَ مُسْلِم \" أَنَّ بِكُلِّ خُطْوَة دَرَجَةً \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار مَرْفُوعًا \" إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ الْوُضُوء , ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِد , لَمْ يَرْفَع قَدَمَهُ الْيُمْنَى إِلَّا كَتَبَ اللَّه لَهُ حَسَنَةً وَلَمْ يَضَع قَدَمَهُ الْيُسْرَى إِلَّا حَطَّ اللَّه عَنْهُ سَيِّئَةً , فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِد فَصَلَّى فِي جَمَاعَة غُفِرَ لَهُ , فَإِنْ أَتَى وَقَدْ صَلَّوْا بَعْضًا وَبَقِيَ بَعْضٌ فَصَلَّى مَا أَدْرَكَ وَأَتَمَّ مَا بَقِيَ كَانَ كَذَلِكَ , وَإِنْ أَتَى الْمَسْجِد وَقَدْ صَلَّوْا فَأَتَمَّ الصَّلَاة كَانَ كَذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْفَاء جَوَابُ شَرْط مَحْذُوف , أَيْ إِذَا بَيَّنْتُ لَكُمْ مَا هُوَ أَوْلَى بِكُمْ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا. ‏ ‏قُلْت : أَوْ التَّقْدِير إِذَا فَعَلْتُمْ مَا أَدْرَكْتُمْ أَيْ فَعَلْتُمْ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ السَّكِينَة وَتَرْكِ الْإِسْرَاعِ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى حُصُول فَضِيلَة الْجَمَاعَة بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ الصَّلَاة لِقَوْلِهِ \" فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا \" وَلَمْ يَفْصِل بَيْنَ الْقَلِيل وَالْكَثِير , وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور , وَقِيلَ : لَا تُدْرَكُ الْجَمَاعَة بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَة لِلْحَدِيثِ السَّابِق \" مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاة فَقَدْ أَدْرَكَ \" وَقِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَة , وَقَدْ قَدَّمْنَا الْجَوَاب عَنْهُ فِي مَوْضِعه وَأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْأَوْقَات , وَأَنَّ فِي الْجُمُعَة حَدِيثًا خَاصًّا بِهَا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى اِسْتِحْبَاب الدُّخُول مَعَ الْإِمَام فِي أَيِّ حَالَةٍ وُجِدَ عَلَيْهَا , وَفِيهِ حَدِيث أَصْرَحُ مِنْهُ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْعٍ عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار مَرْفُوعًا \" مَنْ وَجَدَنِي رَاكِعًا أَوْ قَائِمًا أَوْ سَاجِدًا فَلْيَكُنْ مَعِي عَلَى حَالَتِي الَّتِي أَنَا عَلَيْهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ) ‏ ‏أَيْ أَكْمِلُوا , هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ , وَرَوَاهُ عَنْهُ اِبْن عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ \" فَاقْضُوا \" وَحَكَمَ مُسْلِم فِي التَّمْيِيز عَلَيْهِ بِالْوَهْمِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة , مَعَ أَنَّهُ أَخْرَجَ إِسْنَاده فِي صَحِيحه لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ , وَكَذَا رَوَى أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ \" فَاقْضُوا \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن رَافِع عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِلَفْظِ \" فَأَتِمُّوا \". وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ , فَرِوَايَة الْجُمْهُور \" فَأَتِمُّوا \" وَوَقَعَ لِمُعَاوِيَةَ بْن هِشَامٍ عَنْ سُفْيَان \" فَاقْضُوا \" كَذَا ذَكَرَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ , وَأَخْرَجَ مُسْلِم إِسْنَاده فِي صَحِيحه عَنْ اِبْن أَبِي شَيْبَة فَلَمْ يَسُقْ لَفْظه أَيْضًا , وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِثْلَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : وَوَقَعَتْ فِي رِوَايَة أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَاخْتُلِفَ فِي حَدِيث أَبِي ذَرٍّ قَالَ : وَكَذَا قَالَ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَلْيَقْضِ \". ‏ ‏قُلْت : وَرِوَايَة اِبْن سِيرِينَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ \" صَلِّ مَا أَدْرَكْت , وَاقْضِ مَا سَبَقَك \" وَالْحَاصِل أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ وَرَدَ بِلَفْظِ \" فَأَتِمُّوا \" وَأَقَلُّهَا بِلَفْظِ \" فَاقْضُوا \" وَإِنَّمَا تَظْهَر فَائِدَة ذَلِكَ إِذَا جَعَلْنَا بَيْنَ الْإِمَام وَالْقَضَاء مُغَايَرَةً , لَكِنْ إِذَا كَانَ مَخْرَج الْحَدِيث وَاحِدًا وَاخْتُلِفَ فِي لَفْظه مِنْهُ وَأَمْكَنَ رَدُّ الِاخْتِلَاف إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ كَانَ أَوْلَى , وَهُنَا كَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَضَاء وَإِنْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَى الْفَائِت غَالِبًا لَكِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْأَدَاء أَيْضًا , وَيَرِدُ بِمَعْنَى الْفَرَاغ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاة فَانْتَشِرُوا ) , وَيَرِدُ بِمَعَانٍ أُخَرَ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ فَاقْضُوا عَلَى مَعْنَى الْأَدَاءِ أَوْ الْفَرَاغِ فَلَا يُغَايِرُ قَوْلَهُ فَأَتِمُّوا , فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِرِوَايَةِ فَاقْضُوا عَلَى أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ الْمَأْمُوم هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ حَتَّى اُسْتُحِبَّ لَهُ الْجَهْر فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ وَقِرَاءَة السُّورَة وَتَرْكُ الْقُنُوت , بَلْ هُوَ أَوَّلُهَا وَإِنْ كَانَ آخِرَ صَلَاة إِمَامِهِ لِأَنَّ الْآخِر لَا يَكُون إِلَّا عَنْ شَيْء تَقَدَّمَهُ , وَأَوْضَحُ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَشَهَّدَ فِي آخِرِ صَلَاته عَلَى كُلّ حَالٍ , فَلَوْ كَانَ مَا يُدْرِكُهُ مَعَ الْإِمَام آخِرًا لَهُ لَمَا اِحْتَاجَ إِلَى إِعَادَة التَّشَهُّد. وَقَوْل اِبْن بَطَّالٍ إِنَّهُ مَا تَشَهَّدَ إِلَّا لِأَجْلِ السَّلَام لِأَنَّ السَّلَامَ يَحْتَاج إِلَى سَبْقِ تَشَهُّدٍ لَيْسَ بِالْجَوَابِ النَّاهِضِ عَلَى دَفْعِ الْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ , وَاسْتَدَلَّ اِبْن الْمُنْذِرِ لِذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى , وَقَدْ عَمِلَ بِمُقْتَضَى اللَّفْظَيْنِ الْجُمْهُور فَإِنَّهُمْ قَالُوا. إِنَّ مَا أَدْرَكَ الْمَأْمُوم هُوَ أَوَّل صَلَاته إِلَّا أَنَّهُ يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي فَاتَهُ مِنْ قِرَاءَة السُّورَة مَعَ أُمِّ الْقُرْآن فِي الرُّبَاعِيَّةِ , لَكِنْ لَمْ يَسْتَحِبُّوا لَهُ إِعَادَة الْجَهْر فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ , وَكَأَنَّ الْحُجَّةَ فِيهِ قَوْله \" مَا أَدْرَكْت مَعَ الْإِمَام فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِك وَاقْضِ مَا سَبَقَك بِهِ مِنْ الْقُرْآن \" أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ , وَعَنْ إِسْحَاق وَالْمُزَنِيِّ لَا يَقْرَأ إِلَّا أُمَّ الْقُرْآن فَقَطْ وَهُوَ الْقِيَاس , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَام رَاكِعًا لَمْ تُحْسَبْ لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَة لِلْأَمْرِ بِإِتْمَامِ مَا فَاتَهُ , لِأَنَّهُ فَاتَهُ الْوُقُوف وَالْقِرَاءَة فِيهِ , وَهُوَ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة وَجَمَاعَةٍ , بَلْ حَكَاهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْقِرَاءَة خَلْفَ الْإِمَام \" عَنْ كُلّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوب الْقِرَاءَة خَلْفَ الْإِمَام , وَاخْتَارَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَالضُّبَعِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّة , وَقَوَّاهُ الشَّيْخ تَقِيُّ الدِّين السُّبْكِيُّ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُور حَدِيث أَبِي بَكْرَةَ حَيْثُ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" زَادَك اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ \" وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ تِلْكَ الرَّكْعَة , وَسَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ صِفَةِ الصَّلَاة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "601",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسّْتُوَائِيُّ , وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ هُنَا عَنْ أَبَان الْعَطَّارِ عَنْ يَحْيَى , فَلَعَلَّهُ لَهُ فِيهِ شَيْخَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( كَتَبَ إِلَى يَحْيَى ) ‏ ‏ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ , وَقَدْ رَوَاهُ إِسْمَاعِيل مِنْ طَرِيق هُشَيْمٍ عَنْ هِشَامٍ وَحَجَّاجٍ الصَّوَافِّ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى , وَهُوَ مِنْ تَدْلِيسِ الصِّيَغِ وَصَرَّحَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَامٍ أَنَّ يَحْيَى كَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَةَ حَدَّثَهُ , فَأُمِنَ بِذَلِكَ تَدْلِيسُ يَحْيَى. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا أُقِيمَتْ ) ‏ ‏أَيْ إِذَا ذُكِرَتْ أَلْفَاظُ الْإِقَامَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَرَوْنِي ) ‏ ‏أَيْ خَرَجْت وَصَرَّحَ بِهِ عَبْد الرَّزَّاق وَغَيْرُهُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق وَحْدَهُ \" حَتَّى تَرَوْنِي خَرَجْت إِلَيْكُمْ \" ; وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَقُومُوا , وَقَالَ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ : لَمْ أَسْمَعْ فِي قِيَام النَّاس حِينَ تُقَامُ الصَّلَاة بِحَدٍّ مَحْدُودٍ , إِلَّا أَنِّي أَرَى ذَلِكَ عَلَى طَاقَة النَّاس , فَإِنَّ مِنْهُمْ الثَّقِيلَ وَالْخَفِيفَ. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُمْ إِذَا كَانَ الْإِمَام مَعَهُمْ فِي الْمَسْجِد لَمْ يَقُومُوا حَتَّى تَفْرُغَ الْإِقَامَةُ , وَعَنْ أَنَس أَنَّهُ كَانَ يَقُوم إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّن \" قَدْ قَامَتْ الصَّلَاة \" رَوَاهُ اِبْن الْمُنْذِرِ وَغَيْره , وَكَذَا رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَصْحَاب عَبْد اللَّه , وَعَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ \" إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّن اللَّه أَكْبَر وَجَبَ الْقِيَام , وَإِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاة عُدِّلَتْ الصُّفُوفُ , وَإِذَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَبَّرَ الْإِمَام \" وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَقُومُونَ إِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاح , فَإِذَا قَالَ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاة كَبَّرَ الْإِمَام , وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ الْإِمَام فِي الْمَسْجِد فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُمْ لَا يَقُومُونَ حَتَّى يَرَوْهُ , وَخَالَفَ مَنْ ذَكَرْنَا عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي شَرَحْنَا , وَحَدِيث الْبَاب حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَفِيهِ جَوَاز الْإِقَامَة وَالْإِمَام فِي مَنْزِله إِذَا كَانَ يَسْمَعُهَا وَتَقَدَّمَ إِذْنُهُ فِي ذَلِكَ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ الصَّلَاة كَانَتْ تُقَام قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْتِهِ , وَهُوَ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ جَابِر بْن سَمُرَةَ \" أَنَّ بِلَالًا كَانَ لَا يُقِيم حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُرَاقِبُ خُرُوج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَوَّلَ مَا يَرَاهُ يَشْرَع فِي الْإِقَامَة قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ غَالِبُ النَّاس , ثُمَّ إِذَا رَأَوْهُ قَامُوا فَلَا يَقُوم فِي مَقَامِهِ حَتَّى تَعْتَدِلَ صُفُوفُهُمْ. ‏ ‏قُلْت : وَيَشْهَد لَهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن شِهَاب \" أَنَّ النَّاس كَانُوا سَاعَةَ يَقُول الْمُؤَذِّن اللَّه أَكْبَر يَقُومُونَ إِلَى الصَّلَاة , فَلَا يَأْتِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامَهُ حَتَّى تَعْتَدِل الصُّفُوف \" ; وَأَمَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْآتِي قَرِيبًا بِلَفْظِ \" أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَسَوَّى النَّاس صُفُوفَهُمْ , فَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَفْظُهُ فِي مُسْتَخْرَج أَبِي نُعَيْمٍ \" فَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا \" وَلَفْظه عِنْدَ مُسْلِم \" أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَقُمْنَا فَعَدَّلْنَا الصُّفُوفَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَتَى فَقَامَ مَقَامَهُ \" الْحَدِيثَ. وَعَنْهُ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" إِنَّ الصَّلَاة كَانَتْ تُقَام لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْخُذ النَّاس مَقَامَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ بِأَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا وَقَعَ لِبَيَانِ الْجَوَاز وَبِأَنَّ صَنِيعَهُمْ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة كَانَ سَبَبَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ , وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ سَاعَةَ تُقَام الصَّلَاة وَلَوْ لَمْ يَخْرُج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقَع لَهُ شُغْلٌ يُبْطِئ فِيهِ عَنْ الْخُرُوج فَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ اِنْتِظَاره وَلَا يَرِدُ هَذَا حَدِيث أَنَس الْآتِي أَنَّهُ قَامَ فِي مَقَامِهِ طَوِيلًا فِي حَاجَة بَعْض الْقَوْم , لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ نَادِرًا , أَوْ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَاز. ‏"
    },
    {
        "id": "602",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي وَعَلَيْكُمْ ‏ ‏بِالسَّكِينَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ , وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ وَأَبِي الْوَقْتِ \" وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَة \" بِحَذْفِ الْبَاء , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طُرُق عَنْ شَيْبَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَلِيّ بْن الْمُبَارَك ) أَيْ عَنْ يَحْيَى , وَمُتَابَعَته وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَاب الْجُمُعَة , وَلَفْظُهُ \" عَلَيْكُمْ السَّكِينَة \" بِغَيْرِ بَاءٍ أَيْضًا. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الطَّرْقِيُّ : تَفَرَّدَ شَيْبَانُ وَعَلِيّ بْن الْمُبَارَك عَنْ يَحْيَى بِهَذِهِ الزِّيَادَة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مُعَاوِيَة بْن سَلَّامٍ تَابَعَهُمَا عَنْ يَحْيَى , ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ عَقِبَ رِوَايَة أَبَان عَنْ يَحْيَى فَقَالَ : رَوَاهُ مُعَاوِيَة بْن سَلَّامٍ وَعَلِيّ بْن الْمُبَارَك عَنْ يَحْيَى وَقَالَا فِيهِ \" حَتَّى تَرَوْنِي وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَة \". ‏ ‏قُلْت : وَهَذِهِ الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَةُ وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ مُعَاوِيَةَ بْن سَلَّامٍ وَشَيْبَانَ جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ. ‏"
    },
    {
        "id": "603",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتْ الصُّفُوفُ حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ انْصَرَفَ قَالَ ‏ ‏عَلَى مَكَانِكُمْ فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا ‏ ‏يَنْطِفُ ‏ ‏رَأْسُهُ مَاءً وَقَدْ اغْتَسَلَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاة ) ‏ ‏يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْمَعْنَى خَرَجَ فِي حَالِ الْإِقَامَة , وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُون الْإِقَامَة تَقَدَّمَتْ خُرُوجَهُ , وَهُوَ ظَاهِر الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ , لِتَعْقِيبِ الْإِقَامَة بِالتَّسْوِيَةِ , وَتَعْقِيبِ التَّسْوِيَة بِخُرُوجِهِ جَمِيعًا بِالْفَاءِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ الْجُمْلَتَيْنِ وَقَعَتَا حَالًا أَيْ خَرَجَ وَالْحَالُ أَنَّ الصَّلَاة أُقِيمَتْ وَالصُّفُوف عُدِّلَتْ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَفْظ \" قَدْ \" تُقَرِّبُ الْمَاضِي مِنْ الْحَالِ , وَكَأَنَّهُ خَرَجَ فِي حَال الْإِقَامَة وَفِي حَال التَّعْدِيل , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا إِنَّمَا شَرَعُوا فِي ذَلِكَ بِإِذْنٍ مِنْهُ أَوْ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ. ‏ ‏قُلْت : وَتَقَدَّمَ اِحْتِمَال أَنْ يَكُون ذَلِكَ سَبَبًا لِلنَّهْيِ فَلَا يَلْزَم مِنْهُ مُخَالَفَتُهُمْ لَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ \" لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَرِيبًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَعُدِّلَتْ الصُّفُوف ) ‏ ‏أَيْ سُوِّيَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ \" قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ فَانْصَرَفَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب إِذَا ذَكَرَ فِي الْمَسْجِد أَنَّهُ جُنُبٌ \" مِنْ أَبْوَاب الْغُسْل مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يُونُس بِلَفْظِ \" فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ \" فَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ اِنْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاة , وَهُوَ مُعَارِضٌ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن حِبَّانَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ فِي صَلَاة الْفَجْر فَكَبَّرَ ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَيْهِمْ , وَلِمَالِكٍ مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن يَسَارٍ مُرْسَلًا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ فِي صَلَاة مِنْ الصَّلَوَات ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ اُمْكُثُوا , وَيُمْكِنُ الْجَمْع بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ قَوْله \" كَبَّرَ \" عَلَى أَرَادَ أَنْ يُكَبِّرَ , أَوْ بِأَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ , أَبْدَاهُ عِيَاضٌ وَالْقُرْطُبِيُّ اِحْتِمَالًا وَقَالَ النَّوَوِيّ إِنَّهُ الْأَظْهَر , وَجَزَمَ بِهِ اِبْن حِبَّانَ كَعَادَتِهِ , فَإِنْ ثَبَتَ وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيح أَصَحُّ , وَدَعْوَى اِبْن بَطَّالٍ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اِحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَطَاء عَلَى جَوَاز تَكْبِير الْمَأْمُوم قَبْلَ تَكْبِير الْإِمَام قَالَ فَنَاقَضَ أَصْلَهُ فَاحْتَجَّ بِالْمُرْسَلِ , مُتَعَقَّبُهُ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَرُدُّ الْمَرَاسِيلَ مُطْلَقًا , بَلْ يَحْتَجُّ مِنْهَا بِمَا يَعْتَضِدُ , وَالْأَمْر هُنَا كَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( اِنْتَظَرْنَا ) ‏ ‏جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ , ‏ ‏وَقَوْله : ( اِنْصَرَفَ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى حُجْرَته وَهُوَ جَوَاب إِذَا , ‏ ‏وَقَوْله : ( قَالَ ) ‏ ‏اِسْتِئْنَافٌ أَوْ حَالٌ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى مَكَانِكُمْ ) ‏ ‏أَيْ كُونُوا عَلَى مَكَانِكُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى هَيْئَتِنَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَاء بَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ , وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ اِمْتَثَلُوا أَمْرَهُ فِي قَوْله \" عَلَى مَكَانِكُمْ \" فَاسْتَمَرُّوا عَلَى الْهَيْئَة - أَيْ الْكَيْفِيَّة - الَّتِي تَرَكَهُمْ عَلَيْهَا , وَهِيَ قِيَامُهُمْ فِي صُفُوفِهِمْ الْمُعْتَدِلَةِ. وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" عَلَى هِينَتِنَا \" بِكَسْرِ الْهَاء وَبَعْدَ الْيَاءِ نُونٌ مَفْتُوحَةٌ , وَالْهِينَةُ الرِّفْقُ , وَرِوَايَة الْجَمَاعَة أَوْجَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( يَنْطِفُ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الطَّاء وَضَمِّهَا أَيْ يَقْطُرُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ اِغْتَسَلَ ) ‏ ‏زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ \" إِنِّي كُنْت جُنُبًا فَنَسِيت أَنْ أَغْتَسِلَ \" وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْرُ مَا مَضَى فِي كِتَاب الْغُسْل جَوَازُ النِّسْيَان عَلَى الْأَنْبِيَاء فِي أَمْرِ الْعِبَادَة لِأَجْلِ التَّشْرِيع , وَفِيهِ طَهَارَةُ الْمَاء الْمُسْتَعْمَلِ وَجَوَازُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْإِقَامَة وَالصَّلَاة , لِأَنَّ قَوْلَهُ \" فَصَلَّى \" ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْإِقَامَةَ لَمْ تُعَدْ , وَالظَّاهِر أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالضَّرُورَةِ وَبِأَمْنِ خُرُوج الْوَقْت. وَعَنْ مَالِكٍ إِذَا بَعُدَتْ الْإِقَامَة مِنْ الْإِحْرَامِ تُعَادُ , وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا حَيَاءَ فِي أَمْرِ الدِّين , وَسَبِيلُ مَنْ غَلَبَ أَنْ يَأْتِيَ بِعُذْرٍ مُوهِمٍ كَأَنْ يُمْسِكَ بِأَنْفِهِ لِيُوهِمَ أَنَّهُ رُعِفَ. وَفِيهِ جَوَاز اِنْتِظَار الْمَأْمُومِينَ مَجِيءَ الْإِمَام قِيَامًا عِنْدَ الضَّرُورَة , وَهُوَ غَيْر الْقِيَام الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ. وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ اِحْتَلَمَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَرَادَ الْخُرُوج مِنْهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغُسْل. وَجَوَاز الْكَلَام بَيْنَ الْإِقَامَة وَالصَّلَاة وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ. وَجَوَاز تَأْخِير الْجُنُبِ الْغُسْلَ عَنْ وَقْتِ الْحَدَثِ. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخِ هُنَا : قِيلَ لِأَبِي عَبْد اللَّه - أَيْ الْبُخَارِيّ - إِذَا وَقَعَ هَذَا لِأَحَدِنَا يَفْعَل مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ. قِيلَ : فَيَنْتَظِرُونَ الْإِمَام قِيَامًا أَوْ قُعُودًا ؟ قَالَ : إِنْ كَانَ قَبْلَ التَّكْبِير فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْعُدُوا , وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّكْبِير اِنْتَظَرُوهُ قِيَامًا. وَوَقَعَ فِي بَعْضهَا فِي آخِرِ الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "604",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَقَدَّمَ وَهُوَ جُنُبٌ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏عَلَى مَكَانِكُمْ فَرَجَعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَصَلَّى بِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَات غَيْر مَنْسُوب , وَجَوَّزَ اِبْن طَاهِر وَالْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ إِسْحَاقُ بْن مَنْصُور , وَبِهِ جَزَمَ الْمِزِّيُّ , وَكُنْت أُجَوِّزُ أَنَّهُ اِبْن رَاهْوَيْهِ لِثُبُوتِهِ فِي مُسْنَده عَنْ الْفِرْيَابِيِّ إِلَى أَنْ رَأَيْت فِي سِيَاقه لَهُ مُغَايِرَةً. وَمُحَمَّد بْن يُوسُفَ هُوَ الْفِرْيَابِيُّ وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيّ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) ‏ ‏صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي رِوَايَته لَهُ عَنْ الْفِرْيَابِيِّ , وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَقَدَّمَ وَهُوَ جُنُبٌ ) ‏ ‏أَيْ فِي نَفْس الْأَمْر , لَا أَنَّهُمْ اِطَّلَعُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُمْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْغُسْل فِي رِوَايَة يُونُس \" فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ \" , وَفِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْمٍ \" ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِل \" , وَمَضَتْ فَوَائِده فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "605",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏يَقُولُ أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَاءَهُ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ تَغْرُبُ وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا فَنَزَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏بُطْحَانَ ‏ ‏وَأَنَا مَعَهُ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى ‏ ‏يَعْنِي الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَا كِدْت أَنْ أُصَلِّيَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْس تَغْرُب ) ‏ ‏وَذَلِكَ بَعْدَمَا أَفْطَرَ الصَّائِم , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ مُسْتَشْكِلًا : كَيْف يَكُون الْمَجِيء بَعْدَ الْغُرُوب ؟ لِأَنَّ الصَّائِم إِنَّمَا يُفْطِر حِينَئِذٍ مَعَ تَصْرِيحه بِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْيَوْم , ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ يَوْمَ الْخَنْدَق زَمَانَ الْخَنْدَق , وَالْمُرَاد بِهِ بَيَان التَّارِيخ لَا خُصُوص الْوَقْت ا ه. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ \" وَذَلِكَ بَعْدَمَا أَفْطَرَ الصَّائِم \" إِشَارَةً إِلَى الْوَقْت الَّذِي خَاطَبَ بِهِ عُمَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا إِلَى الْوَقْت الَّذِي صَلَّى فِيهِ عُمَر الْعَصْر , فَإِنَّهُ كَانَ قُرْبَ الْغُرُوب كَمَا تَدُلّ عَلَيْهِ \" كَادَ \". وَأَمَّا إِطْلَاق الْيَوْم وَإِرَادَة زَمَان الْوَقْعَة لَا خُصُوص النَّهَار فَهُوَ كَثِيرٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "606",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُنَاجِي ‏ ‏رَجُلًا فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" سَمِعَ أَنَسًا \" وَالْإِسْنَاد كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( أُقِيمَتْ الصَّلَاة ) ‏ ‏أَيْ صَلَاة الْعِشَاء , بَيَّنَهُ حَمَّاد عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس عِنْدَ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( يُنَاجِي رَجُلًا ) ‏ ‏أَيْ يُحَادِثُهُ , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْم هَذَا الرَّجُل , وَذَكَرَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّهُ كَانَ كَبِيرًا فِي قَوْمه فَأَرَادَ أَنْ يَتَأَلَّفَهُ عَلَى الْإِسْلَام , وَلَمْ أَقِف عَلَى مُسْتَنَدِ ذَلِكَ. قِيلَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَة جَاءَ بِوَحْيٍ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الِاحْتِمَال. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى نَامَ بَعْض الْقَوْم ) ‏ ‏زَادَ شُعْبَةُ عَنْ عَبْد الْعَزِيز \" ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الِاسْتِئْذَان. وَوَقَعَ عِنْدَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ اِبْن عُلَيَّةَ عَنْ عَبْد الْعَزِيز فِي هَذَا الْحَدِيث \" حَتَّى نَعَسَ بَعْض الْقَوْم \" وَكَذَا هُوَ عِنْدَ اِبْن حِبَّانَ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ أَنَس , وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّوْمَ الْمَذْكُور لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي \" بَاب الْوُضُوء مِنْ النَّوْم \" مِنْ كِتَاب الطَّهَارَة , وَفِي الْحَدِيث جَوَاز مُنَاجَاة الْوَاحِد غَيْرَهُ بِحُضُورِ الْجَمَاعَة , وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فِي الِاسْتِئْذَان \" طُول النَّجْوَى \" , وَفِيهِ جَوَاز الْفَصْل بَيْنَ الْإِقَامَة وَالْإِحْرَام إِذَا كَانَ لِحَاجَةٍ , أَمَّا إِذَا كَانَ لِغَيْرِ حَاجَة فَهُوَ مَكْرُوهٌ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ أَطْلَقَ مِنْ الْحَنَفِيَّة أَنَّ الْمُؤَذِّنَ إِذَا قَالَ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاة وَجَبَ عَلَى الْإِمَام التَّكْبِير , قَالَ الزَّيْنُ اِبْن الْمُنِير : خَصَّ الْمُصَنِّفُ الْإِمَام بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ لِأَنَّ لَفْظ الْخَيْر يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُنَاجَاة كَانَتْ لِحَاجَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ \" وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَاجِي رَجُلًا \" وَلَوْ كَانَ لِحَاجَةِ الرَّجُلِ لَقَالَ أَنَس : وَرَجُل يُنَاجِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. اِنْتَهَى. وَهَذَا لَيْسَ بِلَازِمٍ , وَفِيهِ غَفْلَةٌ مِنْهُ عَمَّا فِي صَحِيح مُسْلِم بِلَفْظِ : أُقِيمَتْ الصَّلَاة , فَقَالَ رَجُل : لِي حَاجَة. فَقَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَاجِيه \" وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِمَامِ , لِأَنَّ الْمَأْمُوم إِذَا عَرَضَتْ لَهُ الْحَاجَة لَا يَتَقَيَّد بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الْمَأْمُومِينَ بِخِلَافِ الْإِمَام. وَلَمَّا أَنْ كَانَتْ مَسْأَلَة الْكَلَام بَيْنَ الْإِحْرَام وَالْإِقَامَة تَشْمَل الْمَأْمُوم وَالْإِمَام أَطْلَقَ الْمُؤَلِّفُ التَّرْجَمَة وَلَمْ يُقَيِّدهَا بِالْإِمَامِ فَقَالَ. ‏"
    },
    {
        "id": "607",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ ‏ ‏عَنْ الرَّجُلِ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ مَا تُقَامُ الصَّلَاةُ ‏ ‏فَحَدَّثَنِي عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَعَرَضَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلٌ فَحَبَسَهُ بَعْدَ مَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْن الْوَلِيد ) ‏ ‏هُوَ الرَّقَّامُ وَعَبْد الْأَعْلَى هُوَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى السَّامِيُّ بِالْمُهْمَلَةِ , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ أَيْضًا. وَقَوْل حُمَيْدٍ \" سَأَلْت ثَابِتًا \" يُشْعِرُ بِأَنَّ الِاخْتِلَاف فِي حُكْم الْمَسْأَلَة كَانَ قَدِيمًا , ثُمَّ إِنَّهُ ظَاهِر فِي كَوْنه أَخَذَهُ عَنْ أَنَس بِوَاسِطَةٍ , وَقَدْ قَالَ الْبَزَّار : إِنَّ عَبْد الْأَعْلَى بْن عَبْد الْأَعْلَى تَفَرَّدَ عَنْ حُمَيْدٍ بِذَلِكَ , وَرَوَاهُ عَامَّة أَصْحَاب حُمَيْدٍ عَنْهُ عَنْ أَنَس بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. ‏ ‏قُلْت كَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ وَجَمَاعَة عَنْ حُمَيْدٍ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق هُشَيْمٍ عَنْ حُمَيْدٍ , لَكِنْ لَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ طُرُقه عَلَى تَصْرِيحٍ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَنَس وَهُوَ مُدَلِّسٌ , فَالظَّاهِر أَنَّ رِوَايَة عَبْد الْأَعْلَى هِيَ الْمُتَّصِلَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَبَسَهُ ) ‏ ‏أَيْ مَنَعَهُ مِنْ الدُّخُول فِي الصَّلَاة , وَزَادَ هُشَيْمٌ فِي رِوَايَته \" حَتَّى نَعَسَ بَعْض الْقَوْم \" وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَاب مَا سَيَأْتِي فِي الْإِمَامَة مِنْ طَرِيق زَائِدَة عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ \" حَدَّثَنَا أَنَس قَالَ : أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَجْهِهِ \" زَادَ اِبْن حِبَّانَ \" قَبْل أَنْ يُكَبِّرَ فَقَالَ : أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا \" , لَكِنْ لَمَّا كَانَ هَذَا يَتَعَلَّق بِمَصْلَحَةِ الصَّلَاة كَانَ الِاسْتِدْلَال بِالْأَوَّلِ أَظْهَرُ فِي جَوَاز الْكَلَام مُطْلَقًا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْأَذَان وَمَا مَعَهُ مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا : الْمُعَلَّق مِنْهَا سِتَّةُ أَحَادِيثَ , الْمُكَرَّر فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ وَالْخَالِصُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ , وَوَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ : حَدِيث أَبِي سَعِيد \" لَا يَسْمَع مَدَى صَوْت الْمُؤَذِّن \" وَحَدِيث مُعَاوِيَةَ وَجَابِر فِي الْقَوْل عِنْدَ سَمَاع الْأَذَان , وَحَدِيث بِلَال فِي جَعْلِ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ. وَفِيهِ مِنْ الْآثَارِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ثَمَانِيَةُ آثَارٍ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "608",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ ‏ ‏أُخَالِفَ ‏ ‏إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ ‏ ‏مِرْمَاتَيْنِ ‏ ‏حَسَنَتَيْنِ ‏ ‏لَشَهِدَ ‏ ‏الْعِشَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَعْرَج ) ‏ ‏فِي رِوَايَة السَّرَّاجِ مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ أَبِي الزِّنَاد سَمِعَ الْأَعْرَجَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) ‏ ‏هُوَ قَسَمٌ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا مَا يُقْسِمُ بِهِ , وَالْمَعْنَى أَنَّ أَمْرَ نُفُوس الْعِبَاد بِيَدِ اللَّه , أَيْ بِتَقْدِيرِهِ وَتَدْبِيره. ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز الْقَسَمِ عَلَى الْأَمْر الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى عِظَمِ شَأْنِهِ , وَفِيهِ الرَّدّ عَلَى مَنْ كَرِهَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مُطْلَقًا. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ هَمَمْت ) ‏ ‏اللَّام جَوَاب الْقَسَمِ , وَالْهَمُّ الْعَزْم وَقِيلَ دُونَهُ , وَزَادَ مُسْلِم فِي أَوَّله \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ نَاسًا فِي بَعْض الصَّلَوَات فَقَالَ : لَقَدْ هَمَمْت \" فَأَفَادَ ذِكْرَ سَبَب الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( بِحَطَبٍ لِيُحْطَبَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْحَمَوِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ بِلَامِ التَّعْلِيل , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ وَالْبَاقِينَ \" فَيُحْطَبَ \" بِالْفَاءِ , وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ وَمَعْنَى يُحْطَبُ يُكْسَرُ لِيَسْهُلَ اِشْتِعَال النَّار بِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ تَجَوُّزًا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَّصِف بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أُخَالِفُ إِلَى رِجَالٍ ) ‏ ‏أَيْ آتِيهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ , وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : خَالَفَ إِلَى فُلَان أَيْ أَتَاهُ إِذَا غَابَ عَنْهُ , أَوْ الْمَعْنَى أُخَالِفُ الْفِعْلَ الَّذِي أَظْهَرْت مِنْ إِقَامَة الصَّلَاة وَأَتْرُكُهُ وَأَسِيرُ إِلَيْهِمْ , أَوْ أُخَالِفُ ظَنَّهُمْ فِي أَنِّي مَشْغُول بِالصَّلَاةِ عَنْ قَصْدِي إِلَيْهِمْ , أَوْ مَعْنَى أُخَالِفُ أَتَخَلَّفُ - أَيْ عَنْ الصَّلَاة - إِلَى قَصْدِي الْمَذْكُورِينَ , وَالتَّقْيِيدُ بِالرِّجَالِ يُخْرِجُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُحَرِّقَ ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ , وَالْمُرَادُ بِهِ التَّكْثِير , يُقَال حَرَّقَهُ إِذَا بَالَغَ فِي تَحْرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏يُشْعِرُ بِأَنَّ الْعُقُوبَة لَيْسَتْ قَاصِرَة عَلَى الْمَال , بَلْ الْمُرَاد تَحْرِيق الْمَقْصُودِينَ , وَالْبُيُوت تَبَعًا لِلْقَاطِنِينَ بِهَا. وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح \" فَأُحَرِّقَ بُيُوتًا عَلَى مَنْ فِيهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) ‏ ‏فِيهِ إِعَادَةُ الْيَمِين لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّأْكِيد. ‏ ‏قَوْله : ( عَرْقًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدَهَا قَافٌ قَالَ الْخَلِيل : الْعُرَاق الْعَظْم بِلَا لَحْم , وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ لَحْم فَهُوَ عَرْقٌ , وَفِي الْحُكْم عَنْ الْأَصْمَعِيِّ : الْعَرْقُ بِسُكُونِ الرَّاء قِطْعَة لَحْم. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الْعَرْقُ وَاحِد الْعِرَاقِ وَهِيَ الْعِظَام الَّتِي يُؤْخَذ مِنْهَا هُبَرُ اللَّحْم , وَيَبْقَى عَلَيْهَا لَحْم رَقِيق فَيُكْسَرُ وَيُطْبَخُ وَيُؤْكَل مَا عَلَى الْعِظَام مِنْ لَحْم دَقِيق وَيَتَشَمَّسُ الْعِظَام , يُقَال عَرِقْت اللَّحْم وَاعْتَرَقْتُهُ وَتَعَرَّقْتُهُ إِذَا أَخَذْت اللَّحْم مِنْهُ نَهْشًا , وَفِي الْمُحْكَمِ : جَمْعُ الْعَرْقِ عَلَى عُرَاقٍ بِالضَّمِّ عَزِيزٌ , وَقَوْلُ الْأَصْمَعِيّ هُوَ اللَّائِق هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ مِرْمَاتَيْنِ ) ) ‏ ‏تَثْنِيَة مِرْمَاة بِكَسْرِ الْمِيم وَحُكِيَ الْفَتْح , قَالَ الْخَلِيل : هِيَ مَا بَيْنَ ظِلْفَيْ الشَّاة , وَحَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ : لَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ. وَنَقَلَهُ الْمُسْتَمْلِيّ فِي رِوَايَته فِي كِتَاب الْأَحْكَام عَنْ الْفَرَبْرِيِّ قَالَ : قَالَ يُونُس عَنْ مُحَمَّد بْن سُلَيْمَانَ عَنْ الْبُخَارِيّ : الْمِرْمَاةُ بِكَسْرِ الْمِيم مِثْلُ مِسْنَاةٍ وَمِيضَاةٍ مَا بَيْنَ ظِلْفَيْ الشَّاة مِنْ اللَّحْم , قَالَ عِيَاض فَالْمِيم عَلَى هَذَا أَصْلِيَّة , وَقَالَ الْأَخْفَشُ : الْمِرْمَاة لُعْبَةٌ كَانُوا يَلْعَبُونَهَا بِنِصَالٍ مَحْدُودَة يَرْمُونَهَا فِي كَوْمٍ مِنْ تُرَاب , فَأَيُّهُمْ أَثْبَتَهَا فِي الْكَوْم غَلَبَ , وَهِيَ الْمِرْمَاة وَالْمِدْحَاة. ‏ ‏قُلْت : وَيَبْعُدُ أَنْ تَكُون هَذِهِ مُرَاد الْحَدِيث لِأَجْلِ التَّثْنِيَة , وَحَكَى الْحَرْبِيُّ عَنْ الْأَصْمَعِيّ أَنَّ الْمِرْمَاة سَهْم الْهَدَف , قَالَ : وَيُؤَيِّدهُ مَا حَدَّثَنِي.. ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيق أَبِي رَافِع عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْوَ الْحَدِيث بِلَفْظِ \" لَوْ أَنَّ أَحَدهمْ إِذَا شَهِدَ الصَّلَاة مَعِي كَانَ لَهُ عَظْمٌ مِنْ شَاة سَمِينَة أَوْ سَهْمَانِ لَفَعَلَ \" وَقِيلَ الْمِرْمَاة سَهْم يُتَعَلَّمُ عَلَيْهِ الرَّمْي , وَهُوَ سَهْم دَقِيق مُسْتَوٍ غَيْر مُحَدَّدٍ , قَالَ الزَّيْنُ اِبْن الْمُنِير : وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ التَّثْنِيَة , فَإِنَّهَا مُشْعِرَةٌ بِتَكْرَارِ الرَّمْي بِخِلَافِ السِّهَام الْمُحَدَّدَةِ الْحَرْبِيَّة فَإِنَّهَا لَا يَتَكَرَّر رَمْيُهَا وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : تَفْسِير الْمِرْمَاة بِالسَّهْمِ لَيْسَ بِوَجِيهٍ , وَيَدْفَعهُ ذِكْر الْعَرْق مَعَهُ. وَوَجَّهَهُ اِبْن الْأَثِير بِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْعَظْم السَّمِينَ وَكَانَ مِمَّا يُؤْكَل أَتْبَعَهُ بِالسَّهْمَيْنِ لِأَنَّهُمَا مِمَّا يُلْهَى بِهِ. اِنْتَهَى. وَإِنَّمَا وَصَفَ الْعَرْقَ بِالسِّمَنِ وَالْمِرْمَاة بِالْحُسْنِ لِيَكُونَ ثَمَّ بَاعِثٌ نَفْسَانِيٌّ عَلَى تَحْصِيلِهِمَا. وَفِيهِ الْإِشَارَة إِلَى ذَمِّ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الصَّلَاة بِوَصْفِهِمْ بِالْحِرْصِ عَلَى الشَّيْء الْحَقِير مِنْ مَطْعُوم أَوْ مَلْعُوب بِهِ , مَعَ التَّفْرِيط فِيمَا يَحْصُل رَفِيع الدَّرَجَات وَمَنَازِل الْكَرَامَة. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا تَقْدِيم الْوَعِيد وَالتَّهْدِيد عَلَى الْعُقُوبَة , وَسِرُّهُ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ إِذَا اِرْتَفَعَتْ بِالْأَهْوَنِ مِنْ الزَّجْر اُكْتُفِيَ بِهِ عَنْ الْأَعْلَى مِنْ الْعُقُوبَة , نَبَّهَ عَلَيْهِ اِبْن دَقِيق الْعِيد , وَفِيهِ جَوَاز الْعُقُوبَة بِالْمَالِ. كَذَا اِسْتَدَلَّ بِهِ كَثِير مِنْ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ مِنْ الْمَالِكِيَّة وَغَيْرهمْ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا أَسْلَفْنَاهُ , وَلِاحْتِمَالِ أَنَّ التَّحْرِيق مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِب إِلَّا بِهِ , إِذْ الظَّاهِر أَنَّ الْبَاعِث عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْتَفُونَ فِي بُيُوتهمْ فَلَا يُتَوَصَّلُ إِلَى عُقُوبَتهمْ إِلَّا بِتَحْرِيقِهَا عَلَيْهِمْ. وَفِيهِ جَوَاز أَخْذِ أَهْل الْجَرَائِم عَلَى غِرَّةٍ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَمَّ بِذَلِكَ فِي الْوَقْت الَّذِي عُهِدَ مِنْهُ فِيهِ الِاشْتِغَال بِالصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ , فَأَرَادَ أَنْ يَبْغَتَهُمْ فِي الْوَقْت الَّذِي يَتَحَقَّقُونَ أَنَّهُ لَا يَطْرُقُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ. وَفِي السِّيَاق إِشْعَار بِأَنَّهُ تَقَدَّمَ مِنْهُ زَجْرُهُمْ عَنْ التَّخَلُّف بِالْقَوْلِ حَتَّى اِسْتَحَقُّوا التَّهْدِيد بِالْفِعْلِ , وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْأَشْخَاص وَفِي كِتَاب الْأَحْكَام \" بَاب إِخْرَاج أَهْل الْمَعَاصِي وَالرِّيَبِ مِنْ الْبُيُوت بَعْدَ الْمَعْرِفَة \" يُرِيد أَنَّ مَنْ طُلِبَ مِنْهُمْ بِحَقِّ فَاخْتَفَى أَوْ اِمْتَنَعَ فِي بَيْتِهِ لَدَدًا وَمَطْلًا أُخْرِجَ مِنْهُ بِكُلِّ طَرِيق يُتَوَصَّل إِلَيْهِ بِهَا , كَمَا أَرَادَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِخْرَاج الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الصَّلَاة بِإِلْقَاءِ النَّار عَلَيْهِمْ فِي بُيُوتهمْ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن الْعَرَبِيّ وَغَيْره عَلَى مَشْرُوعِيَّة قَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاة مُتَهَاوِنًا بِهَا , وَنُوزِعَ فِي ذَلِكَ. وَرِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتهمْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ تُعَكِّرُ عَلَيْهِ. نَعَمْ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال مِنْهُ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُمْ إِذَا اِسْتَحَقُّوا التَّحْرِيق بِتَرْكِ صِفَةٍ مِنْ صِفَات الصَّلَاة خَارِجَةٍ عَنْهَا سَوَاء قُلْنَا وَاجِبَة أَوْ مَنْدُوبَة كَانَ مَنْ تَرَكَهَا أَصْلًا رَأْسًا أَحَقُّ بِذَلِكَ , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ التَّهْدِيد بِالتَّحْرِيقِ حُصُولُ الْقَتْل لَا دَائِمًا وَلَا غَالِبًا , لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْفِرَار مِنْهُ أَوْ الْإِخْمَاد لَهُ بَعْدَ حُصُول الْمَقْصُود مِنْهُ مِنْ الزَّجْر وَالْإِرْهَاب. وَفِي قَوْله فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" لَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّة \" دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْأَعْذَار تُبِيح التَّخَلُّف عَنْ الْجَمَاعَة وَلَوْ قُلْنَا إِنَّهَا فَرْضٌ , وَكَذَا الْجُمُعَة. وَفِيهِ الرُّخْصَة لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبه فِي تَرْكِ الْجَمَاعَة لِأَجْلِ إِخْرَاج مَنْ يُسْتَخْفَى فِي بَيْتِهِ وَيَتْرُكُهَا , وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ تَلْحَقَ بِذَلِكَ الْجُمُعَة , فَقَدْ ذَكَرُوا مِنْ الْأَعْذَار فِي التَّخَلُّف عَنْهَا خَوْف فَوَات الْغَرِيم وَأَصْحَاب الْجَرَائِم فِي حَقّ الْإِمَام كَالْغُرَمَاءِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز إِمَامَة الْمَفْضُول مَعَ وُجُودِ الْفَاضِل إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَة , قَالَ اِبْن بَزِيزَةَ : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْفَاضِل فِي هَذِهِ الصُّورَة يَكُون غَائِبًا , وَهَذَا لَا يُخْتَلَفُ فِي جَوَازه , وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن الْعَرَبِيّ عَلَى جَوَاز إِعْدَام مَحَلِّ الْمَعْصِيَة كَمَا هُوَ مَذْهَب مَالِك , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ كَمَا قِيلَ فِي الْعُقُوبَة بِالْمَالِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "609",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ ‏ ‏الْفَذِّ ‏ ‏بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( صَلَاة الْجَمَاعَة تَفْضُل صَلَاة الْفَذّ ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ الْمُنْفَرِد , يُقَال فَذَّ الرَّجُل مِنْ أَصْحَابه إِذَا بَقِيَ مُنْفَرِدًا وَحْدَهُ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عُبَيْدِ اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع وَسِيَاقه أَوْضَحُ وَلَفْظه \" صَلَاة الرَّجُل فِي الْجَمَاعَة تَزِيد عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ) ‏ ‏قَالَ التِّرْمِذِيّ عَامَّة مَنْ رَوَاهُ قَالُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَّا اِبْن عُمَر فَإِنَّهُ قَالَ سَبْعًا وَعِشْرِينَ. ‏ ‏قُلْت : لَمْ يُخْتَلَف عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ عَبْد اللَّه الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِع فَقَالَ فِيهِ خَمْس وَعِشْرُونَ لَكِنَّ الْعُمَرِيَّ ضَعِيفٌ , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجه مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّه اِبْن عُمَر عَنْ نَافِع فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَهِيَ شَاذَّة مُخَالِفَة لِرِوَايَةِ الْحُفَّاظ مِنْ أَصْحَاب عُبَيْدِ اللَّه وَأَصْحَاب نَافِع وَإِنْ كَانَ رَاوِيهَا ثِقَةً. وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة الضَّحَّاك بْن عُثْمَان عَنْ نَافِع بِلَفْظِ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ فَلَيْسَتْ مُغَايِرَة لِرِوَايَةِ الْحُفَّاظ لِصِدْقِ الْبِضْع عَلَى السَّبْع , وَأَمَّا غَيْر اِبْن عُمَر فَصَحَّ عَنْ أَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة كَمَا فِي هَذَا الْبَاب , وَعَنْ اِبْن مَسْعُود عِنْدَ أَحْمَد وَابْن خُزَيْمَةَ , وَعَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ وَالْحَاكِم , وَعَنْ عَائِشَة وَأَنَس عِنْدَ السَّرَّاج , وَوَرَدَ أَيْضًا مِنْ طُرُق ضَعِيفَة عَنْ مُعَاذٍ وَصُهَيْبٍ وَعَبْد اللَّه بْن زَيْد وَزَيْد بْن ثَابِت وَكُلُّهَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ , وَاتَّفَقَ الْجَمِيع عَلَى سَبْع وَعِشْرِينَ سِوَى رِوَايَة أُبَيّ فَقَالَ أَرْبَع أَوْ خَمْس عَلَى الشَّكّ , وَسِوَى رِوَايَة لِأَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ أَحْمَد قَالَ فِيهَا سَبْع وَعِشْرُونَ وَفِي إِسْنَادهَا شَرِيكٌ الْقَاضِي وَفِي حِفْظه ضَعْفٌ , وَفِي رِوَايَة لِأَبِي عَوَانَةَ بِضْعًا وَعِشْرِينَ وَلَيْسَتْ مُغَايِرَة أَيْضًا لِصِدْقِ الْبِضْع عَلَى الْخَمْس , فَرَجَعَتْ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا إِلَى الْخَمْس وَالسَّبْع إِذْ لَا أَثَرَ لِلشَّكِّ , وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّهِمَا أَرْجَحُ فَقِيلَ رِوَايَة الْخَمْس لِكَثْرَةِ رُوَاتهَا , وَقِيلَ رِوَايَة السَّبْع لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَة مِنْ عَدْلٍ حَافِظٍ , وَوَقَعَ الِاخْتِلَاف فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْحَدِيث وَهُوَ مُمَيِّزُ الْعَدَد الْمَذْكُور , فَفِي الرِّوَايَات كُلِّهَا التَّعْبِير بِقَوْلِهِ \" دَرَجَةً \" أَوْ حَذْفُ الْمُمَيِّزِ , إِلَّا طُرُق حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَفِي بَعْضهَا \" ضِعْفًا \" وَفِي بَعْضهَا \" جُزْءًا \" وَفِي بَعْضهَا \" دَرَجَةً \" وَفِي بَعْضهَا \" صَلَاةً \" وَوَقَعَ هَذَا الْأَخِير فِي بَعْض طُرُق حَدِيث أَنَس , وَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاة , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ التَّفَنُّن فِي الْعِبَارَة. وَأَمَّا قَوْل اِبْن الْأَثِير : إِنَّمَا قَالَ دَرَجَةً وَلَمْ يَقُلْ جُزْءًا وَلَا نَصِيبًا وَلَا حَظًّا وَلَا نَحْوَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَاب مِنْ جِهَة الْعُلُوّ وَالِارْتِفَاع فَإِنَّ ذَلِكَ فَوْقَ هَذِهِ بِكَذَا وَكَذَا دَرَجَةً لِأَنَّ الدَّرَجَات إِلَى جِهَة فَوْقُ , فَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْأَصْل لَفْظ دَرَجَةٍ وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاة , لَكِنَّ نَفْيَهُ وُرُودَ \" الْجُزْءِ \" مَرْدُودٌ , فَإِنَّهُ ثَابِت , وَكَذَلِكَ الضِّعْف , وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَ رِوَايَتَيْ الْخَمْس وَالسَّبْع بِوُجُوهٍ : مِنْهَا أَنَّ ذِكْرَ الْقَلِيل لَا يَنْفِي الْكَثِيرَ , وَهَذَا قَوْل مَنْ لَا يَعْتَبِر مَفْهُوم الْعَدَد , لَكِنْ قَدْ قَالَ بِهِ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ وَحُكِيَ عَنْ نَصِّهِ , وَعَلَى هَذَا فَقِيلَ وَهُوَ الْوَجْه الثَّانِي : لَعَلَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِالْخَمْسِ , ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّه بِزِيَادَةِ الْفَضْل فَأَخْبَرَ بِالسَّبْعِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَحْتَاج إِلَى التَّارِيخ , وَبِأَنَّ دُخُول النَّسْخ فِي الْفَضَائِل مُخْتَلَفٌ فِيهِ , لَكِنْ إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْمَنْع تَعَيَّنَ تَقَدُّمُ الْخَمْس عَلَى السَّبْع مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْفَضْلَ مِنْ اللَّه يَقْبَلُ الزِّيَادَة لَا النَّقْص. ‏ ‏ثَالِثُهَا أَنَّ اِخْتِلَاف الْعَدَدَيْنِ بِاخْتِلَافِ مُمَيِّزِهِمَا , وَعَلَى هَذَا فَقِيلَ : الدَّرَجَة أَصْغَر مِنْ الْجُزْء , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ الْجُزْءُ رُوِيَ عَنْهُ الدَّرَجَةُ. وَقَالَ بَعْضهمْ : الْجُزْء فِي الدُّنْيَا وَالدَّرَجَة فِي الْآخِرَة , وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغَايُر. ‏ ‏رَابِعهَا الْفَرْق بِقُرْبِ الْمَسْجِد وَبُعْدِهِ. ‏ ‏خَامِسهَا الْفَرْق بِحَالِ الْمُصَلِّي كَأَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ أَوْ أَخْشَعَ. ‏ ‏سَادِسُهَا الْفَرْق بِإِيقَاعِهَا فِي الْمَسْجِد أَوْ فِي غَيْرِهِ. ‏ ‏سَابِعهَا الْفَرْق بِالْمُنْتَظِرِ لِلصَّلَاةِ وَغَيْره. ‏ ‏ثَامِنهَا الْفَرْق بِإِدْرَاكِ كُلّهَا أَوْ بَعْضهَا. ‏ ‏تَاسِعهَا الْفَرْق بِكَثْرَةِ الْجَمَاعَة وَقِلَّتِهِمْ. ‏ ‏عَاشِرهَا السَّبْع مُخْتَصَّةٌ بِالْفَجْرِ وَالْعِشَاء وَقِيلَ بِالْفَجْرِ وَالْعَصْر وَالْخَمْس بِمَا عَدَا ذَلِكَ. ‏ ‏حَادِي عَشْرهَا السَّبْعُ مُخْتَصَّةٌ بِالْجَهْرِيَّةِ وَالْخَمْس بِالسِّرِّيَّةِ , وَهَذَا الْوَجْه عِنْدِي أَوْجَهُهَا لِمَا سَأُبَيِّنُهُ. ثُمَّ إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي هَذَا الْعَدَد الْخَاصّ غَيْر مُحَقَّقَةِ الْمَعْنَى. وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنْ التوربشتي مَا حَاصِلُهُ : إِنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ , بَلْ مَرْجِعُهُ إِلَى عِلْم النُّبُوَّة الَّتِي قَصَرَتْ عُلُوم الْأَلِبَّاء عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَتهَا كُلِّهَا , ثُمَّ قَالَ : وَلَعَلَّ الْفَائِدَة هِيَ اِجْتِمَاع الْمُسْلِمِينَ مُصْطَفِّينَ كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَة , وَالِاقْتِدَاء بِالْإِمَامِ , وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا قَدَّمْته عَنْ غَيْره وَغَفَلَ عَنْ مُرَادِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يُفِيدُ الْمَطْلُوب , لَكِنْ أَشَارَ الْكَرْمَانِيُّ إِلَى اِحْتِمَال أَنْ يَكُون أَصْلُهُ كَوْنَ الْمَكْتُوبَات خَمْسًا فَأُرِيدَ الْمُبَالَغَة فِي تَكْثِيرهَا فَضُرِبَتْ فِي مِثْلهَا فَصَارَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ لِلسَّبْعِ مُنَاسَبَةً أَيْضًا مِنْ جِهَة عَدَد رَكَعَات الْفَرَائِض وَرَوَاتِبهَا , وَقَالَ غَيْرُهُ : الْحَسَنَة بِعَشْرٍ لِلْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا فَإِذَا اِنْضَمَّ إِلَيْهِ آخَرُ بَلَغَتْ عِشْرِينَ ثُمَّ زِيدَ بِقَدْرِ عَدَد الصَّلَوَات الْخَمْس , أَوْ يُزَادُ عَدَد أَيَّام الْأُسْبُوع , وَلَا يَخْفَى فَسَادُ هَذَا. وَقِيلَ : الْأَعْدَادُ عَشَرَات وَمِئُونَ وَأُلُوفٌ وَخَيْرُ الْأُمُور الْوَسَط فَاعْتُبِرَتْ الْمِائَة وَالْعَدَدُ الْمَذْكُور رُبْعُهَا , وَهَذَا أَشَدُّ فَسَادًا مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَرَأْت بِخَطِّ شَيْخِنَا الْبُلْقِينِيِّ فِيمَا كَتَبَ عَلَى الْعُمْدَةِ : ظَهَرَ لِي فِي هَذَيْنِ الْعَدَدَيْنِ شَيْء لَمْ أُسْبَقْ إِلَيْهِ , لِأَنَّ لَفْظ اِبْن عُمَر \" صَلَاة الْجَمَاعَة أَفْضَل مِنْ صَلَاة الْفَذّ \" وَمَعْنَاهُ الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" صَلَاة الرَّجُل فِي الْجَمَاعَة \" وَعَلَى هَذَا فَكُلّ وَاحِد مِنْ الْمَحْكُوم لَهُ بِذَلِكَ صَلَّى فِي جَمَاعَة , وَأَدْنَى الْأَعْدَاد الَّتِي يَتَحَقَّقُ فِيهَا ذَلِكَ ثَلَاثَة حَتَّى يَكُون كُلّ وَاحِد صَلَّى فِي جَمَاعَة وَكُلّ وَاحِد مِنْهُمْ أَتَى بِحَسَنَةٍ وَهِيَ بِعَشَرَةٍ فَيَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعه ثَلَاثُونَ فَاقْتَصَرَ فِي الْحَدِيث عَلَى الْفَضْل الزَّائِد وَهُوَ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ دُونَ الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ أَصْلُ ذَلِكَ. اِنْتَهَى. وَظَهَرَ لِي فِي الْجَمْع بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمَاعَة إِمَامٌ وَمَأْمُومٌ , فَلَوْلَا الْإِمَام مَا سُمِّيَ الْمَأْمُوم وَكَذَا عَكْسُهُ , فَإِذَا تَفَضَّلَ اللَّه عَلَى مَنْ صَلَّى جَمَاعَةً بِزِيَادَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَة حُمِلَ الْخَبَر الْوَارِد بِلَفْظِهَا عَلَى الْفَضْل الزَّائِد , وَالْخَبَر الْوَارِد بِلَفْظِ سَبْع وَعِشْرِينَ عَلَى الْأَصْل وَالْفَضْل. وَقَدْ خَاضَ قَوْمٌ فِي تَعْيِين الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة لِلدَّرَجَاتِ الْمَذْكُورَة , قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : وَمَا جَاءُوا بِطَائِلٍ. وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ : ذَكَرَ بَعْضهمْ أَنَّ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة - يَعْنِي ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب - إِشَارَةٌ إِلَى بَعْض ذَلِكَ , وَيُضَاف إِلَيْهِ أُمُور أُخْرَى وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ , وَقَدْ فَصَّلَهَا اِبْن بَطَّالٍ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّارِحِينَ , وَتَعَقَّبَ الزَّيْنُ اِبْن الْمُنِير بَعْض مَا ذَكَرَهُ وَاخْتَارَ تَفْصِيلًا آخَرَ أَوْرَدَهُ , وَقَدْ نَقَّحْت مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَحَذَفْت مَا لَا يَخْتَصّ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَة : فَأَوَّلُهَا إِجَابَة الْمُؤَذِّن بِنِيَّةِ الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة , وَالتَّبْكِير إِلَيْهَا فِي أَوَّلَ الْوَقْت , وَالْمَشْي إِلَى الْمَسْجِد بِالسَّكِينَةِ , وَدُخُول الْمَسْجِد دَاعِيًا , وَصَلَاة التَّحِيَّة عِنْدَ دُخُوله كُلّ ذَلِكَ بِنِيَّةِ الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة , سَادِسهَا اِنْتِظَار الْجَمَاعَة , سَابِعهَا صَلَاة الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ وَاسْتِغْفَارهمْ لَهُ , ثَامِنهَا شَهَادَتهمْ لَهُ , تَاسِعهَا إِجَابَة الْإِقَامَة , عَاشِرهَا السَّلَامَة مِنْ الشَّيْطَان حِينَ يَفِرُّ عِنْدَ الْإِقَامَة , حَادِي عَاشِرهَا الْوُقُوفُ مُنْتَظِرًا إِحْرَامَ الْإِمَام أَوْ الدُّخُول مَعَهُ فِي أَيِّ هَيْئَة وَحْدَهُ عَلَيْهَا , ثَانِي عَشْرهَا إِدْرَاكُ تَكْبِيرَة الْإِحْرَام كَذَلِكَ , ثَالِث عَشْرهَا تَسْوِيَة الصُّفُوف وَسَدُّ فُرَجِهَا , رَابِع عَشْرهَا جَوَاب الْإِمَام عِنْدَ قَوْله سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ , خَامِس عَشْرهَا الْأَمْنُ مِنْ السَّهْو غَالِبًا وَتَنْبِيهُ الْإِمَام إِذَا سَهَا بِالتَّسْبِيحِ أَوْ الْفَتْح عَلَيْهِ , سَادِس عَشْرهَا حُصُولُ الْخُشُوع وَالسَّلَامَة عَمَّا يُلْهِي غَالِبًا , سَابِع عَشْرهَا تَحْسِينُ الْهَيْئَة غَالِبًا , ثَامِن عَشْرهَا اِحْتِفَافُ الْمَلَائِكَة بِهِ , تَاسِع عَشْرهَا التَّدَرُّبُ عَلَى تَجْوِيدِ الْقِرَاءَةِ وَتَعَلُّمِ الْأَرْكَان وَالْأَبْعَاض , الْعِشْرُونَ إِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام , الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ إِرْغَام الشَّيْطَان بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى الْعِبَادَة وَالتَّعَاوُن عَلَى الطَّاعَة وَنَشَاط الْمُتَكَاسِل , الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ السَّلَامَة مِنْ صِفَة النِّفَاق وَمِنْ إِسَاءَة غَيْره الظَّنّ بِأَنَّهُ تَرَكَ الصَّلَاة رَأْسًا , الثَّالِث وَالْعِشْرُونَ رَدُّ السَّلَام عَلَى الْإِمَام , الرَّابِع وَالْعِشْرُونَ الِانْتِفَاع بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الدُّعَاء وَالذِّكْر وَعَوْدُ بَرَكَة الْكَامِل عَلَى النَّاقِص , الْخَامِس وَالْعِشْرُونَ قِيَام نِظَام الْأُلْفَة بَيْنَ الْجِيرَان وَحُصُول تَعَاهُدِهِمْ فِي أَوْقَات الصَّلَوَات. فَهَذِهِ خَمْس وَعِشْرُونَ خَصْلَةً وَرَدَ فِي كُلّ مِنْهَا أَمْرٌ أَوْ تَرْغِيب يَخُصُّهُ , وَبَقِيَ مِنْهَا أَمْرَانِ يَخْتَصَّانِ بِالْجَهْرِيَّةِ وَهُمَا الْإِنْصَات عِنْدَ قِرَاءَة الْإِمَام وَالِاسْتِمَاع لَهَا وَالتَّأْمِين عِنْدَ تَأْمِينه لِيُوَافِقَ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَة , وَبِهَذَا يَتَرَجَّحُ أَنَّ السَّبْع تَخْتَصّ بِالْجَهْرِيَّةِ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيهَات ) : ‏ ‏( الْأَوَّل ) مُقْتَضَى الْخِصَال الَّتِي ذَكَرْتهَا اِخْتِصَاص التَّضْعِيف بِالتَّجَمُّعِ فِي الْمَسْجِد وَهُوَ الرَّاجِح فِي نَظَرِي كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِالْمَسْجِدِ فَإِنَّمَا ذَكَرْته ثَلَاثَة أَشْيَاء وَهِيَ الْمَشْي وَالدُّخُول وَالتَّحِيَّة , فَيُمْكِنُ أَنْ تُعَوَّضَ مِنْ بَعْض مَا ذُكِرَ مِمَّا يَشْتَمِل عَلَى خَصْلَتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْنِ أُقِيمَتَا مَقَامَ خَصْلَة وَاحِدَة كَالْأَخِيرَتَيْنِ لِأَنَّ مَنْفَعَة الِاجْتِمَاع عَلَى الدُّعَاء وَالذِّكْر غَيْر مَنْفَعَة عَوْد بَرَكَة الْكَامِل عَلَى النَّاقِص , وَكَذَا فَائِدَة قِيَام نِظَام الْأُلْفَة غَيْرُ فَائِدَة حُصُول التَّعَاهُد , وَكَذَا فَائِدَة أَمْنِ الْمَأْمُومِينَ مِنْ السَّهْو غَالِبًا غَيْرُ تَنْبِيه الْإِمَام إِذَا سَهَا. فَهَذِهِ ثَلَاثَة يُمْكِن أَنْ يُعَوَّضَ بِهَا الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة فَيَحْصُلُ الْمَطْلُوب. ‏ ‏( الثَّانِي ) لَا يَرِدُ عَلَى الْخِصَال الَّتِي ذَكَرْتهَا كَوْنُ بَعْض الْخِصَال يَخْتَصّ بِبَعْضِ مَنْ صَلَّى جَمَاعَةً دُونَ بَعْضٍ كَالتَّبْكِيرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ وَانْتِظَارِ إِحْرَامِ الْإِمَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ , لِأَنَّ أَجْرَ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِقَاصِدِهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّة وَلَوْ لَمْ يَقَع كَمَا سَبَقَ , وَاَللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏( الثَّالِث ) مَعْنَى الدَّرَجَة أَوْ الْجُزْء حُصُول مِقْدَارُ صَلَاة الْمُنْفَرِد بِالْعَدَدِ الْمَذْكُور لِلْمُجْمِعِ , وَقَدْ أَشَارَ اِبْن دَقِيق الْعِيد إِلَى أَنَّ بَعْضهمْ زَعَمَ خِلَاف ذَلِكَ قَالَ : وَالْأَوَّل أَظْهَرُ , لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مُبَيَّنًا فِي بَعْض الرِّوَايَات. اِنْتَهَى. وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى مَا عِنْدَ مُسْلِم فِي بَعْض طُرُقه بِلَفْظِ \" صَلَاة الْجَمَاعَة تَعْدِل خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ صَلَاة الْفَذّ \" وَفِي أُخْرَى \" صَلَاة مَعَ الْإِمَام أَفْضَل مِنْ خَمْس وَعِشْرِينَ صَلَاة يُصَلِّيهَا وَحْدَهُ \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود بِإِسْنَادٍ رِجَاله ثِقَات نَحْوُهُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ \" كُلُّهَا مِثْلُ صَلَاتِهِ \" وَهُوَ مُقْتَضَى لَفْظ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة الْآتِيَة حَيْثُ قَالَ \" تُضَعَّفُ \" لِأَنَّ الضِّعْفُ كَمَا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ الْمِثْل إِلَى مَا زَادَ لَيْسَ بِمَقْصُورٍ عَلَى الْمِثْلَيْنِ تَقُول هَذَا ضِعْفُ الشَّيْء أَيْ مِثْلُهُ أَوْ مِثْلَاهُ فَصَاعِدًا لَكِنْ لَا يُزَاد عَلَى الْعَشَرَةِ. وَظَاهِرُ قَوْله \" تُضَعَّفُ \" وَكَذَا قَوْله فِي رِوَايَتَيْ اِبْن عُمَر وَأَبِي سَعِيد \" تَفْضُل \" أَيْ تَزِيد , وَقَوْله فِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة السَّابِقَة فِي \" بَاب مَسَاجِد السُّوق \" يُرِيدُ أَنَّ صَلَاة الْجَمَاعَة تُسَاوِي صَلَاة الْمُنْفَرِد وَتَزِيدُ عَلَيْهَا الْعَدَد الْمَذْكُور فَيَكُون لِمُصَلِّي الْجَمَاعَة ثَوَابُ سِتٍّ أَوْ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ مِنْ صَلَاة الْمُنْفَرِد. ‏"
    },
    {
        "id": "610",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ الْهَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ ‏ ‏الْفَذِّ ‏ ‏بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن خَبَّابٍ ) ‏ ‏بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مُثَقَّلَةٌ , وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ مَدَنِيٌّ , وَيُوَافِقهُ فِي اِسْمه وَاسْم أَبِيهِ عَبْد اللَّه بْنُ خَبَّابِ بْن الْأَرَتِّ , لَكِنْ لَيْسَتْ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ رِوَايَة. ‏ ‏قَوْله : ( بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ \" خَمْسًا وَعِشْرِينَ \" زَادَ اِبْن حِبَّانَ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيد \" فَإِنْ صَلَّاهَا فِي فَلَاة فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةً \" وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْجَمَاعَة لَا تَتَأَكَّدُ فِي حَقّ الْمُسَافِر لِوُجُودِ الْمَشَقَّة , بَلْ حَكَى النَّوَوِيّ أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي وُجُوبِهَا لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ خِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيّ , وَحَكَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْد الْوَاحِد قَالَ : فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ صَلَاة الرَّجُل فِي الْفَلَاة تَضَاعَفُ عَلَى صَلَاته فِي الْجَمَاعَة. اِنْتَهَى. وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ إِطْلَاق قَوْله \" فَإِنْ صَلَّاهَا \" لِتَنَاوُلِهِ الْجَمَاعَة وَالِانْفِرَاد , لَكِنْ حَمْلُهُ عَلَى الْجَمَاعَة أَوْلَى , وَهُوَ الَّذِي يَظْهَر مِنْ السِّيَاق , وَيَلْزَم عَلَى مَا قَالَ النَّوَوِيّ أَنَّ ثَوَاب الْمَنْدُوب يَزِيد عَلَى ثَوَاب الْوَاجِب عِنْدَ مَنْ يَقُول بِوُجُوبِ الْجَمَاعَة , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَهُ الْقَرَافِيُّ عَلَى أَصْلِ الْحَدِيث بِنَاءً عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهَا سُنَّةٌ , ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الثَّوَاب الْمَذْكُور مُرَتَّب عَلَى صَلَاة الْفَرْض وَصِفَته مِنْ صَلَاة الْجَمَاعَة , فَلَا يَلْزَم مِنْهُ زِيَادَة ثَوَاب الْمَنْدُوب عَلَى الْوَاجِب. وَأَجَابَ بِأَنَّهُ تُفْرَض الْمَسْأَلَة فِيمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ ثُمَّ أَعَادَ فِي جَمَاعَة فَإِنَّ ثَوَاب الْفَرْض يَحْصُلُ لَهُ بِصَلَاتِهِ وَحْدَهُ , وَالتَّضْعِيف يَحْصُلُ بِصَلَاتِهِ فِي الْجَمَاعَة , فَبَقِيَ الْإِشْكَال عَلَى حَاله , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّضْعِيف لَمْ يَحْصُل بِسَبَبِ الْإِعَادَة وَإِنَّمَا حَصَلَ بِسَبَبِ الْجَمَاعَة , إِذْ لَوْ أَعَادَ مُنْفَرِدًا لَمْ يَحْصُل لَهُ إِلَّا صَلَاة وَاحِدَةٌ فَلَا يَلْزَم مِنْهُ زِيَادَة ثَوَاب الْمَنْدُوب عَلَى الْوَاجِب. وَمِمَّا وَرَدَ مِنْ الزِّيَادَة عَلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عِكْرِمَةَ عَنْ اِبْن عَبَّاس مَوْقُوفًا عَلَيْهِ قَالَ \" فَضْل صَلَاة الْجَمَاعَة عَلَى صَلَاة الْمُنْفَرِد خَمْس وَعِشْرُونَ دَرَجَةً. قَالَ : فَإِنْ كَانُوا أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى عَدَد مَنْ فِي الْمَسْجِد. فَقَالَ رَجُل : وَإِنْ كَانُوا عَشَرَةَ آلَافٍ ؟ قَالَ نَعَمْ \" وَهَذَا لَهُ حُكْمُ الرَّفْع لِأَنَّهُ لَا يُقَال بِالرَّأْيِ , لَكِنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏سَقَطَ حَدِيث أَبِي سَعِيد مِنْ هَذَا الْبَاب فِي رِوَايَة كَرِيمَةَ وَثَبَتَ لِلْبَاقِينَ , وَأَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ قَبْلَ حَدِيث عُمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "611",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا صَالِحٍ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ ‏ ‏تُضَعَّفُ ‏ ‏عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏( صَلَاة الرَّجُل فِي الْجَمَاعَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَمَوِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ \" فِي جَمَاعَة \" بِالتَّنْكِيرِ. ‏ ‏قَوْله : ( خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ضِعْفًا ) ‏ ‏كَذَا فِي الرِّوَايَات الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا , وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ فِيهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَة , بِتَأْوِيلِ الضِّعْف بِالدَّرَجَةِ أَوْ الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( فِي بَيْته وَفِي سُوقه ) ‏ ‏مُقْتَضَاهُ أَنَّ الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد جَمَاعَة تَزِيدُ عَلَى الصَّلَاة فِي الْبَيْت وَفِي السُّوق جَمَاعَة وَفُرَادَى قَالَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد , قَالَ : وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِمُقَابِلِ الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد الصَّلَاة فِي غَيْره مُنْفَرِدًا , لَكِنَّهُ خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِب فِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد صَلَّى مُنْفَرِدًا , قَالَ : وَبِهَذَا يَرْتَفِع الْإِشْكَال عَمَّنْ اِسْتَشْكَلَ تَسْوِيَة الصَّلَاة فِي الْبَيْت وَالسُّوق. اِنْتَهَى. وَلَا يَلْزَم مِنْ حَمْلِ الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره التَّسْوِيَة الْمَذْكُورَة , إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ اِسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَفْضُولِيَّة عَنْ الْمَسْجِد أَنْ لَا يَكُون أَحَدهمَا أَفْضَل مِنْ الْآخَر , وَكَذَا لَا يَلْزَم مِنْهُ أَنَّ كَوْنَ الصَّلَاة جَمَاعَةً فِي الْبَيْت أَوْ السُّوق لَا فَضْلَ فِيهَا عَلَى الصَّلَاة مُنْفَرِدًا , بَلْ الظَّاهِر أَنَّ التَّضْعِيف الْمَذْكُور مُخْتَصٌّ بِالْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِد , وَالصَّلَاة فِي الْبَيْت مُطْلَقًا أَوْلَى مِنْهَا فِي السُّوق لِمَا وَرَدَ مِنْ كَوْن الْأَسْوَاق مَوْضِع الشَّيَاطِينِ , وَالصَّلَاة جَمَاعَةً فِي الْبَيْت وَفِي السُّوق أَوْلَى مِنْ الِانْفِرَاد. وَقَدْ جَاءَ عَنْ بَعْض الصَّحَابَة قَصْر التَّضْعِيف إِلَى خَمْس وَعِشْرِينَ عَلَى التَّجْمِيع , وَفِي الْمَسْجِد الْعَامِّ مَعَ تَقْرِير الْفَضْل فِي غَيْره. وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ أَوْس الْمَعَافِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ : أَرَأَيْت مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوء ثُمَّ صَلَّى فِي بَيْتِهِ ؟ قَالَ : حَسَنٌ جَمِيلٌ. قَالَ : فَإِنْ صَلَّى فِي مَسْجِد عَشِيرَته ؟ قَالَ : خَمْسَ عَشْرَةَ صَلَاةً. قَالَ : فَإِنْ مَشَى إِلَى مَسْجِد جَمَاعَة فَصَلَّى فِيهِ ؟ قَالَ : خَمْس وَعِشْرُونَ. اِنْتَهَى. وَأَخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ فِي \" كِتَاب التَّرْغِيب \" نَحْوَهُ مِنْ حَدِيث وَاثِلَةَ , وَخُصَّ الْخَمْسُ وَالْعِشْرُونَ بِمَسْجِدِ الْقَبَائِل. قَالَ : وَصَلَاته فِي الْمَسْجِد الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ - أَيْ الْجُمُعَة - بِخَمْسِمِائَةٍ , وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. ‏ ‏قَوْله : ( وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ ) ‏ ‏ظَاهِر فِي أَنَّ الْأُمُور الْمَذْكُورَة عِلَّةٌ لِلتَّضْعِيفِ الْمَذْكُور , إِذْ التَّقْدِير : وَذَلِكَ لِأَنَّهُ , فَكَأَنَّهُ يَقُول : التَّضْعِيف الْمَذْكُور سَبَبه كَيْتُ وَكَيْتُ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا رُتِّبَ عَلَى مَوْضُوعَات مُتَعَدِّدَةٍ لَا يُوجَد بِوُجُودِ بَعْضهَا إِلَّا إِذَا دَلَّ الدَّلِيل عَلَى إِلْغَاء مَا لَيْسَ مُعْتَبَرًا أَوْ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ. وَهَذِهِ الزِّيَادَة الَّتِي فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَعْقُولَة الْمَعْنَى , فَالْأَخْذ بِهَا مُتَوَجَّهٌ , وَالرِّوَايَات الْمُطْلَقَةُ لَا تُنَافِيهَا بَلْ يُحْمَلُ مُطْلَقُهَا عَلَى هَذِهِ الْمُقَيَّدَة , وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِوُجُوبِ الْجَمَاعَة عَلَى الْكِفَايَة ذَهَبَ كَثِير مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الْحَرَج لَا يَسْقُط بِإِقَامَةِ الْجَمَاعَة فِي الْبُيُوت , وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَد فِي فَرْضِ الْعَيْن , وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ أَصْلَ الْمَشْرُوعِيَّة إِنَّمَا كَانَ فِي جَمَاعَة الْمَسَاجِد , وَهُوَ وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ لَا يَنْبَغِي إِلْغَاؤُهُ فَيَخْتَصّ بِهِ الْمَسْجِد , وَيَلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ إِظْهَارُ الشِّعَارِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاة ) ‏ ‏أَيْ قَصْدُ الصَّلَاة فِي جَمَاعَة , وَاللَّام فِيهَا لِلْعَهْدِ لِمَا بَيَّنَّاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَخْطُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمِّ الطَّاءِ. ‏ ‏وَقَوْله : ( خُطْوَةً ) ‏ ‏ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ أَوَّله وَيَجُوز الْفَتْح , قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْخُطْوَةُ بِالضَّمِّ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ , وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ وَجَزَمَ الْيَعْمُرِيُّ أَنَّهَا هُنَا بِالْفَتْحِ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّهَا فِي رِوَايَات مُسْلِم بِالضَّمِّ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا صَلَّى ) ‏ ‏قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : أَيْ صَلَّى صَلَاة تَامَّةً , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ \" اِرْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي مُصَلَّاهُ ) ‏ ‏أَيْ فِي الْمَكَان الَّذِي أَوْقَعَ فِيهِ الصَّلَاة مِنْ الْمَسْجِد , وَكَأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِب , وَإِلَّا فَلَوْ قَامَ إِلَى بُقْعَة أُخْرَى مِنْ الْمَسْجِدِ مُسْتَمِرًّا عَلَى نِيَّة اِنْتِظَار الصَّلَاة كَانَ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ اِرْحَمْهُ ) ) ‏ ‏أَيْ قَائِلِينَ ذَلِكَ , زَادَ اِبْن مَاجَهْ \" اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ \" وَفِي الطَّرِيق الْمَاضِيَة فِي بَاب مَسْجِد السُّوق \" اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لَهُ \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَفْضَلِيَّة الصَّلَاة عَلَى غَيْرهَا مِنْ الْأَعْمَال لِمَا ذُكِرَ مِنْ صَلَاة الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ وَدُعَائِهِمْ لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَة وَالتَّوْبَة , وَعَلَى تَفْضِيل صَالِحِي النَّاس عَلَى الْمَلَائِكَة لِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي تَحْصِيل الدَّرَجَات بِعِبَادَتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ مَشْغُولُونَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاء لَهُمْ. وَاسْتُدِلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَاب عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَة لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاة لِأَنَّ قَوْله \" عَلَى صَلَاته وَحْدَهُ \" يَقْتَضِي صِحَّة صَلَاته مُنْفَرِدًا لِاقْتِضَاءِ صِيغَةِ أَفْعَلَ الِاشْتِرَاك فِي أَصْلِ التَّفَاضُل , فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُودَ فَضِيلَة فِي صَلَاة الْمُنْفَرِد , وَمَا لَا يَصِحّ لَا فَضِيلَةَ فِيهِ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْرُهُ : وَلَا يُقَال إِنَّ لَفْظَةَ أَفْعَلَ قَدْ تَرِدُ لِإِثْبَاتِ صِفَة الْفَضْل فِي إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَحْسَنُ مَقِيلًا ) لِأَنَّا نَقُول إِنَّمَا يَقَع ذَلِكَ عَلَى قِلَّةٍ حَيْثُ تَرِدُ صِيغَة أَفْعَلَ مُطْلَقَةً غَيْر مُقَيَّدَة بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ , فَإِذَا قُلْنَا هَذَا الْعَدَد أَزْيَدَ مِنْ هَذَا بِكَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ أَصْل الْعَدَد , وَلَا يُقَال يُحْمَلُ الْمُنْفَرِد عَلَى الْمَعْذُور لِأَنَّ قَوْله \" صَلَاة الْفَذّ \" صِيغَة عُمُوم فَيَشْمَل مَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا بِعُذْرٍ وَبِغَيْرِ عُذْر , فَحَمْلُهُ عَلَى الْمَعْذُور يَحْتَاج إِلَى دَلِيل. وَأَيْضًا فَفَضْل الْجَمَاعَة حَاصِل لِلْمَعْذُورِ لِمَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَاب مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا \" إِذَا مَرِضَ الْعَبْد أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَل صَحِيحًا مُقِيمًا \". وَأَشَارَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ إِلَى أَنَّ بَعْضهمْ حَمَلَهُ عَلَى صَلَاة النَّافِلَة , ثُمَّ رَدَّهُ بِحَدِيثِ \" أَفْضَل صَلَاة الْمَرْء فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ \" وَاسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى تَسَاوِي الْجَمَاعَات فِي الْفَضْل سَوَاء كَثُرَتْ الْجَمَاعَة أَمْ قَلَّتْ , لِأَنَّ الْحَدِيث دَلَّ عَلَى فَضِيلَة الْجَمَاعَة عَلَى الْمُنْفَرِد بِغَيْرِ وَاسِطَة فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلّ جَمَاعَة , كَذَا قَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة , وَقَوَّاهُ بِمَا رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح إِبْرَاهِيم النَّخَعِيُّ قَالَ : إِذَا صَلَّى الرَّجُل مَعَ الرَّجُل فَهُمَا جَمَاعَة لَهُمْ التَّضْعِيف خَمْسًا وَعِشْرِينَ. اِنْتَهَى. وَهُوَ مُسَلَّمٌ فِي أَصْلِ الْحُصُول , لَكِنَّهُ لَا يَنْفِي مَزِيدَ الْفَضْلِ لِمَا كَانَ أَكْثَرَ , لَا سِيَّمَا مَعَ وُجُودِ النَّصّ الْمُصَرِّحِ بِهِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمَد وَأَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيث أُبَيِّ بْن كَعْب مَرْفُوعًا \" صَلَاة الرَّجُل مَعَ الرَّجُل أَزْكَى مِنْ صَلَاته وَحْدَهُ , وَصَلَاته مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاته مَعَ الرَّجُل , وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّه \" , وَلَهُ شَاهِد قَوِيٌّ فِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث قَبَاثَ بْن أَشْيَمَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَالْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُثَلَّثَةٌ , وَأَبُوهُ بِالْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّة بِوَزْنِ أَحْمَرَ , وَيَتَرَتَّب عَلَى الْخِلَاف الْمَذْكُور أَنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّفَاوُتِ اِسْتَحَبَّ إِعَادَة الْجَمَاعَة مُطْلَقًا لِتَحْصِيلِ الْأَكْثَرِيَّة , وَلَمْ يَسْتَحِبَّ ذَلِكَ الْآخَرُونَ , وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ فَقَالَ : تُعَاد مَعَ الْأَعْلَمِ أَوْ الْأَوْرَعِ أَوْ فِي الْبُقْعَة الْفَاضِلَة , وَوَافَقَ مَالِك عَلَى الْأَخِير لَكِنْ قَصَرَهُ عَلَى الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة , وَالْمَشْهُور عَنْهُ بِالْمَسْجِدَيْنِ الْمَكِّيّ وَالْمَدَنِيّ. وَكَمَا أَنَّ الْجَمَاعَة تَتَفَاوَت فِي الْفَضْل بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَة وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ كَذَلِكَ يَفُوقُ بَعْضهَا بَعْضًا , وَلِذَلِكَ عَقَّبَ الْمُصَنِّف التَّرْجَمَة الْمُطْلَقَة فِي فَضْل الْجَمَاعَة بِالتَّرْجَمَةِ الْمُقَيَّدَة بِصَلَاةِ الْفَجْر , وَاسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمَاعَة إِمَامٌ وَمَأْمُومٌ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب مُفْرَد قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "612",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمِيعِ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ ‏ ‏جُزْءًا ‏ ‏وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ‏ { ‏إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ‏} ‏قَالَ ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَفْضُلُهَا بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا ) ‏ ‏كَذَا فِي النُّسَخ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا , وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ فِي نُكَتِهِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ \" خَمْسٍ \" بِحَذْفِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ أَوَّله وَالْهَاء مِنْ آخِرِهِ , قَالَ : وَخَفْضُ خَمْسٍ عَلَى تَقْدِير الْبَاء كَقَوْلِ الشَّاعِر ‏ ‏أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالْأَكُفِّ الْأَصَابِعُ ‏ ‏أَيْ إِلَى كُلَيْبٍ. وَأَمَّا حَذْف الْهَاء فَعَلَى تَأْوِيل الْجُزْء بِالدَّرَجَةِ. اِنْتَهَى. وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" فَضْل صَلَاة الْجَمِيع عَلَى صَلَاة الْوَاحِد خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ شُعَيْب وَحَدَّثَنِي نَافِع ) ‏ ‏أَيْ بِالْحَدِيثِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ \" بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً , وَهُوَ مُوَافِق لِرِوَايَةِ مَالِك وَغَيْرِهِ عَنْ نَافِع كَمَا تَقَدَّمَ , وَطَرِيق شُعَيْب هَذِهِ مَوْصُولَة , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ تَكُون مُعَلَّقَةً وَهُوَ بَعِيدٌ , بَلْ هِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْإِسْنَاد الْأَوَّل , وَالتَّقْدِير حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ شُعَيْب : وَنَظَائِر هَذَا فِي الْكِتَاب كَثِيرَة , وَلَكِنْ لَمْ أَرَ طَرِيق شُعَيْب هَذِهِ إِلَّا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ , وَلَمْ يَسْتَخْرِجْهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَا أَبُو نُعَيْمٍ وَلَا أَوْرَدَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَد الشَّامِيِّينَ فِي تَرْجَمَة شُعَيْب. ‏"
    },
    {
        "id": "613",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَالِمًا ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أُمَّ الدَّرْدَاءِ ‏ ‏تَقُولُ دَخَلَ عَلَيَّ ‏ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏ ‏وَهُوَ مُغْضَبٌ فَقُلْتُ مَا أَغْضَبَكَ فَقَالَ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت سَالِمًا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي الْجَعْد , وَأُمّ الدَّرْدَاء هِيَ الصُّغْرَى التَّابِعِيَّة لَا الْكُبْرَى الصَّحَابِيَّة لِأَنَّ الْكُبْرَى مَاتَتْ فِي حَيَاة أَبِي الدَّرْدَاء وَعَاشَتْ الصُّغْرَى بَعْدَهُ زَمَانًا طَوِيلًا. وَقَدْ جَزَمَ أَبُو حَاتِم بِأَنَّ سَالِمَ بْن أَبِي الْجَعْد لَمْ يُدْرِكْ أَبَا الدَّرْدَاء , فَعَلَى هَذَا لَمْ يُدْرِكْ أُمّ الدَّرْدَاء الْكُبْرَى. وَفَسَّرَهَا الْكَرْمَانِيُّ هُنَا بِصِفَاتِ الْكُبْرَى وَهُوَ خَطَأ لِقَوْلِ سَالِمٍ \" سَمِعْت أُمَّ الدَّرْدَاء \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ اِسْم الصُّغْرَى هَجِيمَةُ وَالْكُبْرَى خَيِّرَةُ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ , وَلِلْبَاقِينَ \" مِنْ مُحَمَّد \" بِحَذْفِ الْمُضَاف , وَعَلَيْهِ شَرَحَ اِبْن بِطَالٍ وَمَنْ تَبِعَهُ فَقَالَ : يُرِيد مِنْ شَرِيعَة مُحَمَّد شَيْئًا لَمْ يَتَغَيَّر عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ إِلَّا الصَّلَاة فِي جَمَاعَة , فَحُذِفَ الْمُضَاف لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ. اِنْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْت \" مِنْ أَمْر مُحَمَّد \" بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمِيم بَعْدَهَا رَاءٌ , وَكَذَا سَاقَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ , وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَد أَحْمَد وَمُسْتَخْرَجَيْ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْ الْأَعْمَش , وَعِنْدَهُمْ \" مَا أَعْرِفُ فِيهِمْ \" أَيْ فِي أَهْل الْبَلَد الَّذِي كَانَ فِيهِ , وَكَأَنَّ لَفْظ \" فِيهِمْ \" لَمَّا حُذِفَ مِنْ رِوَايَة الْبُخَارِيّ صَحَّفَ بَعْض النَّقَلَةِ \" أَمْر \" بِأُمَّةٍ لِيَعُودَ الضَّمِير فِي أَنَّهُمْ عَلَى الْأُمَّة. ‏ ‏قَوْله : ( يُصَلُّونَ جَمِيعًا ) ‏ ‏أَيْ مُجْتَمِعِينَ , وَحُذِفَ الْمَفْعُول وَتَقْدِيره الصَّلَاة أَوْ الصَّلَوَات , وَمُرَاد أَبِي الدَّرْدَاء أَنَّ أَعْمَال الْمَذْكُورِينَ حَصَلَ فِي جَمِيعهَا النَّقْص وَالتَّغْيِير إِلَّا التَّجْمِيع فِي الصَّلَاة , وَهُوَ أَمْر نِسْبِيّ لِأَنَّ حَال النَّاس فِي زَمَن النُّبُوَّة كَانَ أَتَمَّ مِمَّا صَارَ إِلَيْهِ بَعْدَهَا , ثُمَّ كَانَ فِي زَمَن الشَّيْخَيْنِ أَتَمَّ مِمَّا صَارَ إِلَيْهِ بَعْدَهُمَا وَكَأَنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْ أَبِي الدَّرْدَاء فِي أَوَاخِر عُمُره وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَة عُثْمَانَ , فَيَا لَيْتَ شِعْرِي إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْعَصْر الْفَاضِل بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَة عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاء فَكَيْفَ بِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِنْ الطَّبَقَات إِلَى هَذَا الزَّمَان ؟ وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز الْغَضَب عِنْدَ تَغَيُّرِ شَيْء مِنْ أُمُور الدِّين , وَإِنْكَار الْمُنْكَرِ بِإِظْهَارِ الْغَضَب إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَكْثَرَ مِنْهُ , وَالْقَسَم عَلَى الْخَبَر لِتَأْكِيدِهِ فِي نَفْس السَّامِع. ‏"
    },
    {
        "id": "614",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الَّذِي ‏ ‏يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَبْعَدهمْ فَأَبْعَدهمْ مَمْشًى ) ‏ ‏أَيْ إِلَى الْمَسْجِد , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ بَاب وَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( مَعَ الْإِمَام ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" فِي جَمَاعَة \" وَبَيَّنَ أَنَّهَا رِوَايَة أَبِي كُرَيْبٍ - وَهُوَ مُحَمَّد بْن الْعَلَاء - الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَام ) ‏ ‏أَيْ سَوَاء صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ فِي جَمَاعَة , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْجَمَاعَة تَتَفَاوَت كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏( تَكْمِيلٌ ) : ‏ ‏اُسْتُشْكِلَ إِيرَادُ حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي هَذَا الْبَاب , لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لِصَلَاةِ الْفَجْر ذِكْرٌ , بَلْ آخِرُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ فِي الْعِشَاء. وَوَجَّهَهُ اِبْن الْمُنِير وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ السَّبَب فِي زِيَادَة الْأَجْر وُجُودُ الْمَشَقَّة بِالْمَشْيِ إِلَى الصَّلَاة , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمَشْي إِلَى صَلَاة الْفَجْر فِي جَمَاعَة أَشَقُّ مِنْ غَيْرهَا , لِأَنَّهَا وَإِنْ شَارَكَتْهَا الْعِشَاء فِي الْمَشْي فِي الظُّلْمَة فَإِنَّهَا تَزِيد عَلَيْهَا بِمُفَارَقَةِ النَّوْم الْمُشْتَهَى طَبْعًا , وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ الشُّرَّاح نَبَّهَ عَلَى مُنَاسَبَة حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء لِلتَّرْجَمَةِ إِلَّا الزَّيْن بْن الْمُنِير فَإِنَّهُ قَالَ : تَدْخُل صَلَاة الْفَجْر فِي قَوْله \" يُصَلُّونَ جَمِيعًا \" وَهِيَ أَخَصُّ بِذَلِكَ مِنْ بَاقِي الصَّلَوَات. وَذَكَرَ اِبْن رَشِيد نَحْوَهُ وَزَادَ أَنَّ اِسْتِشْهَاد أَبِي هُرَيْرَة فِي الْحَدِيث الْأَوَّل بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) يُشِير إِلَى أَنَّ الِاهْتِمَام بِهَا آكَدُ. وَأَقُول : تَفَنَّنَ الْمُصَنِّف بِإِيرَادِ الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة فِي الْبَاب إِذْ تُؤْخَذ الْمُنَاسَبَة مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِطَرِيقِ الْخُصُوص , وَمِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء بِطَرِيقِ الْعُمُوم , وَمِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاط. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : لَفْظ التَّرْجَمَة يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَاد بِهِ فَضْل الْفَجْر عَلَى غَيْرهَا مِنْ الصَّلَوَات , وَأَنْ يُرَاد بِهِ ثُبُوت الْفَضْل لَهَا فِي الْجُمْلَة , فَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة شَاهِد لِلْأَوَّلِ , وَحَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء شَاهِد لِلثَّانِي , وَحَدِيث أَبِي مُوسَى شَاهِد لَهُمَا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "615",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ ‏ ‏فَأَخَّرَهُ ‏ ‏فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ثُمَّ قَالَ الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ ‏ ‏الْمَطْعُونُ ‏ ‏وَالْمَبْطُونُ ‏ ‏وَالْغَرِيقُ ‏ ‏وَصَاحِبُ الْهَدْمِ ‏ ‏وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ ‏ ‏يَسْتَهِمُوا ‏ ‏لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي ‏ ‏التَّهْجِيرِ ‏ ‏لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي ‏ ‏الْعَتَمَةِ ‏ ‏وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَمَا رَجُل ) ‏ ‏فِي هَذَا الْمَتْن ثَلَاثَة أَحَادِيث : قِصَّة الَّذِي نَحَّى غُصْن الشَّوْك , وَالشُّهَدَاء , وَالتَّرْغِيب فِي النِّدَاء وَغَيْره مِمَّا ذُكِرَ. وَالْمَقْصُود مِنْهُ ذِكْرُ التَّهْجِير , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث الثَّالِث مُفْرَدًا فِي \" بَاب الِاسْتِهَام \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُفَ عَنْ مَالِك , وَيَأْتِي الثَّانِي فِي الْجِهَاد عَنْهُ أَيْضًا , وَالْأَوَّل فِي الْمَظَالِم كَذَلِكَ وَتَكَلَّمْنَا عَلَى شَرْحِهِ هُنَاكَ , وَكَانَ قُتَيْبَة حَدَّثَ بِهِ عَنْ مَالِك هَكَذَا مَجْمُوعًا فَلَمْ يَتَصَرَّف فِيهِ الْمُصَنِّف كَعَادَتِهِ فِي الِاخْتِصَار , وَتَكَلَّفَ الزَّيْنُ بْن الْمُنِير إِبْدَاء مُنَاسَبَة لِلْأَوَّلِ مِنْ جِهَة أَنَّهُ دَالّ عَلَى أَنَّ الطَّاعَة وَإِنْ قَلَّتْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُتْرَكَ , وَاعْتَرَفَ بِعَدَمِ مُنَاسَبَة الثَّانِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَأَخَّرَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَشَكَرَ اللَّه لَهُ ) ‏ ‏أَيْ رَضِيَ بِفِعْلِهِ وَقَبِلَ مِنْهُ , وَفِيهِ فَضْلُ إِمَاطَة الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْإِيمَان أَنَّهَا أَدْنَى شُعَب الْإِيمَان. ‏ ‏قَوْله : ( الشُّهَدَاء خَمْس ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ الْحَمَوِيِّ , وَلِلْبَاقِينَ \" خَمْسَة \" وَهُوَ الْأَصْل فِي الْمُذَكَّر , وَجَازَ الْأَوَّل لِأَنَّ الْمُمَيِّز غَيْر مَذْكُور , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَبَاحِثه فِي كِتَاب الْجِهَاد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "616",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏بَنِي سَلِمَةَ ‏ ‏أَلَا ‏ ‏تَحْتَسِبُونَ ‏ ‏آثَارَكُمْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ ‏فِي قَوْلِهِ ‏ { ‏وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ‏} ‏قَالَ خُطَاهُمْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏بَنِي سَلِمَةَ ‏ ‏أَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ فَيَنْزِلُوا قَرِيبًا مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ ‏ ‏يُعْرُوا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَقَالَ أَلَا تَحْتَسِبُونَ ‏ ‏آثَارَكُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ ‏خُطَاهُمْ آثَارُهُمْ ‏ ‏أَنْ يُمْشَى فِي الْأَرْضِ بِأَرْجُلِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ الثَّقَفِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( يَا بَنِي سَلِمَةَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام وَهُمْ بَطْن كَبِير مِنْ الْأَنْصَار ثُمَّ مِنْ الْخَزْرَج , وَقَدْ غَفَلَ الْقَزَّاز وَتَبِعَهُ الْجَوْهَرِيّ حَيْثُ قَالَ : لَيْسَ فِي الْعَرَب سَلِمَة بِكَسْرِ اللَّام غَيْر هَذَا الْقَبِيل , فَإِنَّ الْأَئِمَّة الَّذِينَ صَنَّفُوا فِي الْمُؤْتَلِف وَالْمُخْتَلِف ذَكَرُوا عَدَدًا مِنْ الْأَسْمَاء كَذَلِكَ , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ بِقَيْدِ الْقَبِيلَة أَوْ الْبَطْن فَلَهُ بَعْض اِتِّجَاه. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا تَحْتَسِبُونَ ) ‏ ‏كَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا بِإِثْبَاتِ النُّون , وَشَرَحَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِحَذْفِهَا , وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ النُّحَاة أَجَازُوا ذَلِكَ - يَعْنِي تَخْفِيفًا - قَالَ : وَالْمَعْنَى أَلَا تَعُدُّونَ خُطَاكُمْ عِنْدَ مَشْيِكُمْ إِلَى الْمَسْجِد ؟ فَإِنَّ لِكُلِّ خُطْوَة ثَوَابًا ا ه. وَالِاحْتِسَاب وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الْعَدّ لَكِنَّهُ يُسْتَعْمَل غَالِبًا فِي مَعْنَى طَلَب تَحْصِيل الثَّوَاب بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا اِبْن أَبِي مَرْيَمَ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ , وَفِي رِوَايَة الْبَاقِينَ \" وَقَالَ اِبْن أَبِي مَرْيَمَ \" وَذَكَرَهُ صَاحِب الْأَطْرَاف بِلَفْظِ \" وَزَادَ اِبْن أَبِي مَرْيَم \" وَقَالَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ بِلَا رِوَايَة يَعْنِي مُعَلَّقًا , وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب , وَلَهُ نَظَائِر فِي الْكِتَاب فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن أَيُّوبَ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطه فِي الْأُصُول. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ أَيْضًا وَلِلْبَاقِينَ \" حَدَّثَنَا أَنَس \" وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ أَيْضًا , وَكَذَا سَمِعْنَاهُ فِي الْأَوَّل مِنْ فَوَائِد الْمُخْلِص مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن مَنْصُور عَنْ اِبْن أَبِي مَرْيَم وَلَفْظه \" سَمِعْت أَنَسًا \" , وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِيرَاد طَرِيق يَحْيَى بْن أَيُّوب عَقِبَ طَرِيق عَبْد الْوَهَّاب لِيُبَيِّنَ الْأَمْن مِنْ تَدْلِيس حُمَيْدٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي \" بَاب وَقْت الْعِشَاء \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي الْحَجّ مِنْ طَرِيق مَرْوَانَ الْفَزَّارِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ وَسَاقَ الْمَتْن كَامِلًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَنْزِلُوا قَرِيبًا ) ‏ ‏يَعْنِي لِأَنَّ دِيَارهمْ كَانَتْ بَعِيدَة مِنْ الْمَسْجِد , وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر قَالَ \" سَمِعْت جَابِر بْن عَبْد اللَّه يَقُول : كَانَتْ دِيَارنَا بَعِيدَةً مِنْ الْمَسْجِد , فَأَرَدْنَا أَنْ نَبْتَاع بُيُوتًا فَنَقْرُبَ مِنْ الْمَسْجِد , فَنَهَانَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خُطْوَة دَرَجَةً \" وَلِلسَّرَّاجِ مِنْ طَرِيق أَبِي نَضْرَةَ عَنْ جَابِر : أَرَادُوا أَنْ يَقْرُبُوا مِنْ أَجْل الصَّلَاة. وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي نَضْرَة عَنْهُ قَالَ \" كَانَتْ مَنَازِلنَا بِسَلْعٍ \" وَلَا يُعَارِض هَذَا مَا سَيَأْتِي فِي الِاسْتِسْقَاء مِنْ حَدِيث أَنَس \" وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ دَار \" لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون دِيَارهمْ كَانَتْ مِنْ وَرَاءِ سَلْع , وَبَيْنَ سَلْع وَالْمَسْجِد قَدْرُ مِيلٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "617",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ ثُمَّ آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ أَثْقَلَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الِاسْم , وَبَيَّنَهُ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ عَنْهُ فَقَالَ \" لَيْسَ صَلَاة أَثْقَل \" وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الصَّلَاة كُلَّهَا ثَقِيلَة عَلَى الْمُنَافِقِينَ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاة إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى ) وَإِنَّمَا كَانَتْ الْعِشَاء وَالْفَجْر أَثْقَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرهمَا لِقُوَّةِ الدَّاعِي إِلَى تَرْكِهِمَا , لِأَنَّ الْعِشَاء وَقْت السُّكُون وَالرَّاحَة وَالصُّبْح وَقْت لَذَّة النَّوْم. وَقِيلَ وَجْهُهُ كَوْنُ الْمُؤْمِنِينَ يَفُوزُونَ بِمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا مِنْ الْفَضْل لِقِيَامِهِمْ بِحَقِّهِمَا دُونَ الْمُنَافِقِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ مَزِيد الْفَضْل ‏ ‏( لَأَتَوْهُمَا ) ‏ ‏أَيْ الصَّلَاتَيْنِ , وَالْمُرَاد لَأَتَوْا إِلَى الْمَحَلِّ الَّذِي يُصَلَّيَانِ فِيهِ جَمَاعَةً وَهُوَ الْمَسْجِد. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَوْ حَبْوًا ) ‏ ‏أَيْ يَزْحَفُونَ إِذَا مَنَعَهُمْ مَانِعٌ مِنْ الْمَشْي كَمَا يَزْحَفُ الصَّغِير , وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء \" وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الْمَرَافِق وَالرُّكَب \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى بَاقِي الْحَدِيث فِي \" بَاب وُجُوب صَلَاة الْجَمَاعَة \". ‏ ‏قَوْله فِي آخِره ( عَلَى مَنْ لَا يَخْرُج إِلَى الصَّلَاة بَعْدُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَفْظِ \" بَعْدُ \" ضِدُّ قَبْلُ , وَهِيَ مَبْنِيَّة عَلَى الضَّمّ , وَمَعْنَاهُ بَعْدَ أَنْ يَسْمَع النِّدَاء إِلَيْهَا أَوْ بَعْدَ أَنْ يَبْلُغَهُ التَّهْدِيد الْمَذْكُور , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ بَدَلَهَا \" يَقْدِرُ \" أَيْ لَا يَخْرُج وَهُوَ يَقْدِر عَلَى الْمَجِيء , وَيُؤَيِّدهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ \" وَلَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ \" وَوَقَعَ عِنْدَ الدَّاوُدِيِّ لِلشَّارِحِ هُنَا \" لَا لِعُذْرٍ \" وَهِيَ أَوْضَحُ مِنْ غَيْرهَا لَكِنْ لَمْ نَقِف عَلَيْهَا فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات عِنْدَ غَيْرِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "618",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْوَجْه فِي \" بَاب الْأَذَان لِلْمُسَافِرِ \" وَأَوَّلُهُ \" أَتَى رَجُلَانِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدَانِ السَّفَر فَقَالَ لَهُمَا \" فَذَكَرَهُ. وَقَدْ اُعْتُرِضَ عَلَى التَّرْجَمَة بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيث مَالِك اِبْن الْحُوَيْرِثِ تَسْمِيَة صَلَاة الِاثْنَيْنِ جَمَاعَة , وَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ مَأْخُوذ بِالِاسْتِنْبَاطِ مِنْ لَازِم الْأَمْر بِالْإِمَامَةِ , لِأَنَّهُ لَوْ اِسْتَوَتْ صَلَاتُهُمَا مَعًا مَعَ صَلَاتهمَا مُنْفَرِدَيْنِ لَاكْتَفَى بِأَمْرِهِمَا بِالصَّلَاةِ كَأَنْ يَقُول : أَذِّنَا وَأَقِيمَا وَصَلِّيَا. وَاعْتُرِضَ أَيْضًا عَلَى أَصْل الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيث بِأَنَّ مَالِك بْن الْحُوَيْرِثِ كَانَ مَعَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابه , فَلَعَلَّ الِاقْتِصَار عَلَى التَّثْنِيَة مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة. وَالْجَوَاب أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمَاعَة إِمَام وَمَأْمُوم أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُون الْمَأْمُوم رَجُلًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ اِمْرَأَةً. وَتَكَلَّمَ اِبْن بَطَّال هُنَا عَلَى مَسْأَلَة أَقَلِّ الْجَمْع وَالِاخْتِلَاف فِيهَا , وَرَدَّهُ الزَّيْن بْن الْمُنِير بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ قَوْله \" الِاثْنَانِ جَمَاعَة \" أَنْ يَكُون أَقَلُّ الْجَمْع اِثْنَيْنِ وَهُوَ وَاضِحٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "619",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمَلَائِكَةُ ‏ ‏تُصَلِّي ‏ ‏عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ مَا لَمْ ‏ ‏يُحْدِثْ ‏ ‏اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تُصَلِّي عَلَى أَحَدكُمْ ) ‏ ‏أَيْ تَسْتَغْفِرُ لَهُ , قِيلَ عَبَّرَ بِتُصَلِّي لِيَتَنَاسَبَ الْجَزَاء وَالْعَمَل. ‏ ‏قَوْله : ( مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ ) ‏ ‏أَيْ يَنْتَظِر الصَّلَاة كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الطَّهَارَة مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَزَال أَحَدكُمْ إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا الْقَدْر أَفْرَدَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَمَّا قَبْلَهُ , وَأَكْثَرُ الرُّوَاة ضَمُّوهُ إِلَى الْأَوَّل فَجَعَلُوهُ حَدِيثًا وَاحِدًا , وَلَا حَجْرَ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي صَلَاة ) ‏ ‏أَيْ فِي ثَوَاب صَلَاة لَا فِي حُكْمهَا , لِأَنَّهُ يَحِلّ لَهُ الْكَلَام وَغَيْره مِمَّا مُنِعَ فِي الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( مَا دَامَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَا كَانَتْ \" وَهُوَ عَكْسُ مَا مَضَى فِي الطَّهَارَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَمْنَعهُ ) ) ‏ ‏يَقْتَضِي أَنَّهُ إِذَا صَرَفَ نِيَّتَهُ عَنْ ذَلِكَ صَارِفٌ آخَرُ اِنْقَطَعَ عَنْهُ الثَّوَاب الْمَذْكُور , وَكَذَلِكَ إِذَا شَارَكَ نِيَّة الِانْتِظَار أَمْر آخَر , وَهَلْ يَحْصُل ذَلِكَ لِمَنْ نِيَّته إِيقَاع الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ؟ الظَّاهِر خِلَافُهُ , لِأَنَّهُ رَتَّبَ الثَّوَاب الْمَذْكُور عَلَى الْمَجْمُوع مِنْ النِّيَّة وَشَغْل الْبُقْعَة بِالْعِبَادَةِ , لَكِنْ لِلْمَذْكُورِ ثَوَاب يَخُصّهُ , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِيرَاد الْمُصَنِّفِ الْحَدِيث الَّذِي يَلِيهِ وَفِيهِ \" وَرَجُل قَلْبه مُعَلَّق فِي الْمَسَاجِد \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام فِي الطَّهَارَة عَلَى مَعْنَى قَوْله \" مَا لَمْ يُحْدِث \" وَفِيهِ زِيَادَة عَلَى مَا هُنَا , وَأَنَّ الْمُرَاد بِالْحَدَثِ حَدَثُ الْفَرْج , لَكِنْ يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ اِجْتِنَاب حَدَثِ الْيَد وَاللِّسَان مِنْ بَاب الْأَوْلَى , لِأَنَّ الْأَذَى مِنْهُمَا يَكُون أَشَدَّ , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن بَطَّالٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى بَاقِي فَوَائِده فِي \" بَاب فَضْل صَلَاة الْجَمَاعَة \" وَيُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ \" أَنَّ ذَلِكَ مُقَيَّد بِمَنْ صَلَّى ثُمَّ اِنْتَظَرَ صَلَاة أُخْرَى , وَبِتَقْيِيدِ الصَّلَاة الْأُولَى بِكَوْنِهَا مُجْزِئَة , أَمَّا لَوْ كَانَ فِيهَا نَقْصٌ فَإِنَّهَا تُجْبَرُ بِالنَّافِلَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْخَبَر الْآخَر. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لَهُ , اللَّهُمَّ اِرْحَمْهُ ) ) ‏ ‏هُوَ مُطَابِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ) , قِيلَ : السِّرّ فِيهِ أَنَّهُمْ يَطَّلِعُونَ عَلَى أَفْعَال بَنِي آدَمَ وَمَا فِيهَا مِنْ الْمَعْصِيَة وَالْخَلَل فِي الطَّاعَة فَيَقْتَصِرُونَ عَلَى الِاسْتِغْفَار لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ , لِأَنَّ دَفْعَ الْمَفْسَدَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْب الْمَصْلَحَة , وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ تَحَفَّظَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعَوَّض مِنْ الْمَغْفِرَة بِمَا يُقَابِلُهَا مِنْ الثَّوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "620",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ ‏ ‏طَلَبَتْهُ ‏ ‏امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا ‏ ‏فَفَاضَتْ ‏ ‏عَيْنَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّانُ , وَعُبَيْدُ اللَّه هُوَ اِبْن عُمَرَ الْعُمَرِيُّ , وَخُبَيْبٌ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَهُوَ خَال عُبَيْد اللَّه الرَّاوِي عَنْهُ , وَحَفْص بْن عَاصِم هُوَ اِبْن عُمَر بْن الْخَطَّابِ وَهُوَ جَدُّ عُبَيْدِ اللَّه الْمَذْكُور لِأَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏لَمْ تَخْتَلِف الرُّوَاة عَنْ عُبَيْدِ اللَّه فِي ذَلِكَ , وَرَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ خُبَيْبٍ فَقَالَ \" عَنْ أَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة \" عَلَى الشَّكِّ , وَرَوَاهُ أَبُو قُرَّةَ عَنْ مَالِك بِوَاوِ الْعَطْف فَجَعَلَهُ عَنْهُمَا , وَتَابَعَهُ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ , وَشَذَّا فِي ذَلِكَ عَنْ أَصْحَاب مَالِك , وَالظَّاهِر أَنَّ عُبَيْدَ اللَّه حَفِظَهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَشُكَّ فِيهِ وَلِكَوْنِهِ مِنْ رِوَايَة خَاله وَجَدِّهِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( سَبْعَة ) ‏ ‏ظَاهِره اِخْتِصَاص الْمَذْكُورِينَ بِالثَّوَابِ الْمَذْكُور , وَوَجَّهَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِمَا مُحَصِّلُه أَنَّ الطَّاعَة إِمَّا أَنْ تَكُون بَيْنَ الْعَبْد وَبَيْنَ الرَّبّ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْق , فَالْأَوَّل بِاللِّسَانِ وَهُوَ الذِّكْرُ , أَوْ بِالْقَلْبِ وَهُوَ الْمُعَلَّق بِالْمَسْجِدِ , أَوْ بِالْبَدَنِ وَهُوَ النَّاشِئ فِي الْعِبَادَة. وَالثَّانِي عَامٌّ وَهُوَ الْعَادِل , أَوْ خَاصّ بِالْقَلْبِ وَهُوَ التَّحَابّ , أَوْ بِالْمَالِ وَهُوَ الصَّدَقَة , أَوْ بِالْبَدَنِ وَهُوَ الْعِفَّة. وَقَدْ نَظَمَ السَّبْعَة الْعَلَّامَة أَبُو شَامَةَ عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْمَاعِيل فِيمَا أَنَشَدَنَاهُ أَبُو إِسْحَاق التَّنُوخِيُّ إِذْنًا عَنْ أَبِي الْهُدَى أَحْمَد بْن أَبِي شَامَة عَنْ أَبِيهِ سَمَاعًا مِنْ لَفْظه قَالَ : ‏ ‏وَقَالَ النَّبِيّ الْمُصْطَفَى إِنَّ سَبْعَة ‏ ‏يُظِلُّهُمْ اللَّه الْكَرِيم بِظِلِّهِ ‏ ‏مُحِبّ عَفِيف نَاشِئ مُتَصَدِّق ‏ ‏وَبَاكٍ مُصَلٍّ وَالْإِمَام بِعَدْلِهِ ‏ ‏وَوَقَعَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي الْيُسْر مَرْفُوعًا \" مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّه فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ \" وَهَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ غَيْر السَّبْعَة الْمَاضِيَة فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَدْل الْمَذْكُور لَا مَفْهُوم لَهُ. وَقَدْ أَلْقَيْت هَذِهِ الْمَسْأَلَة عَلَى الْعَالِمِ شَمْسِ الدِّين بْن عَطَاء الرَّازِيِّ الْمَعْرُوف بِالْهَرَوِيِّ لَمَّا قَدِمَ الْقَاهِرَةَ وَادَّعَى أَنَّهُ يَحْفَظ صَحِيح مُسْلِم , فَسَأَلْته بِحَضْرَةِ الْمَلِك الْمُؤَيَّدِ عَنْ هَذَا وَعَنْ غَيْره فَمَا اِسْتَحْضَرَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا , ثُمَّ تَتَبَّعْتُ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي مِثْل ذَلِكَ فَزَادَتْ عَلَى عَشْر خِصَال , وَقَدْ اِنْتَقَيْت مِنْهَا سَبْعَة وَرَدَتْ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ وَنَظَمْتهَا فِي بَيْتَيْنِ تَذْيِيلًا عَلَى بَيْتَيْ أَبِي شَامَة وَهُمَا : ‏ ‏وَزِدْ سَبْعَةً : إِظْلَال غَازٍ وَعَوْنه ‏ ‏وَإِنْظَار ذِي عُسْر وَتَخْفِيف حِمْلِهِ ‏ ‏وَإِرْفَادَ ذِي غُرْم وَعَوْن مُكَاتَب ‏ ‏وَتَاجِر صِدْقٍ فِي الْمَقَال وَفِعْله ‏ ‏فَأَمَّا إِظْلَال الْغَازِي فَرَوَاهُ اِبْن حِبَّانَ وَغَيْره مِنْ حَدِيث عُمَرَ , وَأَمَّا عَوْن الْمُجَاهِد فَرَوَاهُ أَحْمَد وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث سَهْم بْن حُنَيْفٍ , وَأَمَّا إِنْظَار الْمُعْسِر وَالْوَضِيعَة عَنْهُ فَفِي صَحِيح مُسْلِم كَمَا ذَكَرْنَا , وَأَمَّا إِرْفَادُ الْغَارِم وَعَوْن الْمَكَاتِب فَرَوَاهُمَا أَحْمَد وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث سَهْل بْن حُنَيْفٍ الْمَذْكُور , وَأَمَّا التَّاجِر الصَّدُوق فَرَوَاهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْح السُّنَّة مِنْ حَدِيث سَلْمَانَ وَأَبُو الْقَاسِم التَّيْمِيُّ مِنْ حَدِيث أَنَس , وَاَللَّه أَعْلَم. وَنَظَمْته مَرَّةً أُخْرَى فَقُلْت فِي السَّبْعَة الثَّانِيَة : ‏ ‏وَتَحْسِينُ خُلْق مَعَ إِعَانَة غَارِم ‏ ‏خَفِيف يَد حَتَّى مُكَاتَب أَهْله ‏ ‏وَحَدِيث تَحْسِين الْخُلُق أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِإِسْنَادٍ ضَعِيف , ثُمَّ تَتَبَّعْت ذَلِكَ فَجَمَعْت سَبْعَة أُخْرَى وَنَظَمْتهَا فِي بَيْتَيْنِ آخَرَيْنِ وَهُمَا : ‏ ‏وَزِدْ سَبْعَة : حُزْن وَمَشْيٌ لِمَسْجِدٍ ‏ ‏وَكُرْهُ وُضُوء ثُمَّ مَطْعَم فَضْله ‏ ‏وَآخِذ حَقّ بَاذِل ثُمَّ كَافِل ‏ ‏وَتَاجِر صِدْق فِي الْمَقَال وَفِعْله ‏ ‏ثُمَّ تَتَبَّعْت ذَلِكَ فَجَمَعْت سَبْعَة أُخْرَى , وَلَكِنَّ أَحَادِيثَهَا ضَعِيفَةٌ وَقُلْت فِي آخِرِ الْبَيْت : \" تُرَبَّعُ بِهِ السَّبْعَات مِنْ فَيْض فَضْله \". وَقَدْ أَوْرَدْت الْجَمِيع فِي \" الْأَمَالِي \" , وَقَدْ أَفْرَدْته فِي جُزْءٍ سَمَّيْته \" مَعْرِفَة الْخِصَال الْمُوَصِّلَة إِلَى الظِّلَال \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي ظِلّه ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : إِضَافَة الظِّلّ إِلَى اللَّه إِضَافَة مِلْكٍ , وَكُلّ ظِلّ فَهُوَ مِلْكُهُ. كَذَا قَالَ , وَكَانَ حَقّه أَنْ يَقُول إِضَافَة تَشْرِيف , لِيَحْصُلَ اِمْتِيَاز هَذَا عَلَى غَيْره , كَمَا قِيلَ لِلْكَعْبَةِ بَيْت اللَّه مَعَ أَنَّ الْمَسَاجِد كُلّهَا مِلْكُهُ. وَقِيلَ الْمُرَاد بِظِلِّهِ كَرَامَته وَحِمَايَته كَمَا يُقَال فُلَانٌ فِي ظِلّ الْمَلِكِ , وَهُوَ قَوْل عِيسَى بْن دِينَار وَقَوَّاهُ عِيَاض , وَقِيلَ الْمُرَاد ظِلّ عَرْشه , وَيَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث سَلْمَانَ عِنْدَ سَعِيد بْن مَنْصُور بِإِسْنَادٍ حَسَن \" سَبْعَة يُظِلُّهُمْ اللَّه فِي ظِلِّ عَرْشِهِ \" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ , وَإِذَا كَانَ الْمُرَاد ظِلّ الْعَرْش اِسْتَلْزَمَ مَا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِهِمْ فِي كَنَفِ اللَّه وَكَرَامَته مِنْ غَيْر عَكْسٍ فَهُوَ أَرْجَحُ , وَبِهِ جَزَمَ الْقُرْطُبِيّ , وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا تَقْيِيد ذَلِكَ بِيَوْمِ الْقِيَامَة كَمَا صَرَّحَ بِهِ. اِبْن الْمُبَارَك فِي رِوَايَته عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْن عُمَر وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَاب الْحُدُود , وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْل مَنْ قَالَ : الْمُرَاد ظِلّ طُوبَى أَوْ ظِلّ الْجَنَّة لِأَنَّ ظِلَّهُمَا إِنَّمَا يَحْصُلُ ثَمَّ بَعْدَ الِاسْتِقْرَار فِي الْجَنَّة. ثُمَّ إِنْ ذَلِكَ مُشْتَرَك لِجَمِيعِ مَنْ يَدْخُلُهَا , وَالسِّيَاق يَدُلّ عَلَى اِمْتِيَاز أَصْحَاب الْخِصَال الْمَذْكُورَة , فَيُرَجَّح أَنَّ الْمُرَاد ظِلّ الْعَرْش , وَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد مَرْفُوعًا \" أَحَبُّ النَّاس إِلَى اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَة وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَام عَادِل \". ‏ ‏قَوْله : ( الْإِمَام الْعَادِل ) ‏ ‏اِسْم فَاعِل مِنْ الْعَدْل , وَذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ أَنَّ بَعْض الرُّوَاة عَنْ مَالِك رَوَاهُ بِلَفْظِ \" الْعَدْل \" قَالَ وَهُوَ أَبْلَغُ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمُسَمَّى نَفْسَهُ عَدْلًا , وَالْمُرَاد بِهِ صَاحِب الْوِلَايَة الْعُظْمَى , وَيَلْتَحِقُ بِهِ كُلُّ مَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمُور الْمُسْلِمِينَ فَعَدَلَ فِيهِ , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَفَعَهُ \" أَنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّه عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُور عَنْ يَمِين الرَّحْمَن , الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمهمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا \" وَأَحْسَن مَا فُسِّرَ بِهِ الْعَادِل أَنَّهُ الَّذِي يَتَّبِعُ أَمْر اللَّه بِوَضْعِ كُلّ شَيْء فِي مَوْضِعه مِنْ غَيْر إِفْرَاط وَلَا تَفْرِيط , وَقَدَّمَهُ فِي الذِّكْرِ لِعُمُومِ النَّفْع بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَشَابّ ) ‏ ‏خَصَّ الشَّابّ لِكَوْنِهِ مَظِنَّة غَلَبَة الشَّهْوَة لِمَا فِيهِ مِنْ قُوَّة الْبَاعِث عَلَى مُتَابَعَة الْهَوَى ; فَإِنَّ مُلَازَمَة الْعِبَادَة مَعَ ذَلِكَ أَشَدُّ وَأَدَلّ عَلَى غَلَبَة التَّقْوَى. ‏ ‏قَوْله : ( فِي عِبَادَة رَبّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِمَام أَحْمَد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ \" بِعِبَادَةِ اللَّه \" وَهِيَ رِوَايَة مُسْلِم , وَهُمَا بِمَعْنًى , زَادَ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر \" حَتَّى تُوُفِّيَ عَلَى ذَلِكَ \" أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ. وَفِي حَدِيث سَلْمَانَ \" أَفْنَى شَبَابه وَنَشَاطه فِي عِبَادَة اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( مُعَلَّق فِي الْمَسَاجِد ) ‏ ‏هَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَظَاهِره أَنَّهُ مِنْ التَّعْلِيق كَأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِالشَّيْءِ الْمُعَلَّق فِي الْمَسْجِد كَالْقِنْدِيلِ مَثَلًا إِشَارَةً إِلَى طُول الْمُلَازَمَة بِقَلْبِهِ وَإِنْ كَانَ جَسَده خَارِجًا عَنْهُ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة الْجَوْزَقِيِّ \" كَأَنَّمَا قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسْجِد \" وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون مِنْ الْعَلَاقَة وَهِيَ شِدَّة الْحُبّ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة أَحْمَد \" مُعَلَّق بِالْمَسَاجِدِ \" وَكَذَا رِوَايَة سَلْمَانَ \" مِنْ حُبّهَا \" وَزَادَ الْحَمَوِيُّ وَالْمُسْتَمْلِيّ \" مُتَعَلِّق \" بِزِيَادَةِ مُثَنَّاة بَعْدَ الْمِيم وَكَسْر اللَّام , زَادَ سَلْمَان \" مِنْ حُبّهَا \" وَزَادَ مَالِك \" إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُود إِلَيْهِ \". وَهَذِهِ الْخَصْلَةُ هِيَ الْمَقْصُودَة مِنْ هَذَا الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ , وَمُنَاسَبَتهَا لِلرُّكْنِ الثَّانِي مِنْ التَّرْجَمَة وَهُوَ فَضْلُ الْمَسَاجِد ظَاهِرَةٌ , وَلِلْأَوَّلِ مِنْ جِهَة مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمُلَازَمَة لِلْمَسْجِدِ وَاسْتِمْرَار الْكَوْن فِيهِ بِالْقَلْبِ وَإِنْ عَرَضَ لِلْجَسَدِ عَارِضٌ. ‏ ‏قَوْله : ( تَحَابَّا ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْبَاء وَأَصْلُهُ تَحَابَبَا أَيْ اِشْتَرَكَا فِي جِنْس الْمَحَبَّة وَأَحَبَّ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرُ حَقِيقَةً لَا إِظْهَارًا فَقَطْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد \" وَرَجُلَانِ قَالَ كُلّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ إِنِّي أُحِبُّك فِي اللَّه فَصَدَرَا عَلَى ذَلِكَ \" وَنَحْوه فِي حَدِيث سَلْمَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( اِجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" اِجْتَمَعَا عَلَيْهِ \" وَهِيَ رِوَايَة مُسْلِم أَيْ عَلَى الْحُبّ الْمَذْكُور , وَالْمُرَاد أَنَّهُمَا دَامَا عَلَى الْمَحَبَّة الدِّينِيَّة وَلَمْ يَقْطَعَاهَا بِعَارِضٍ دُنْيَوِيٍّ سَوَاء اِجْتَمَعَا حَقِيقَةً أَمْ لَا حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمَوْت. وَوَقَعَ فِي الْجَمْع لِلْحُمَيْدِيِّ \" اِجْتَمَعَا عَلَى خَيْرٍ \" وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ نُسَخِ الصَّحِيحَيْنِ وَلَا غَيْرِهِمَا مِنْ الْمُسْتَخْرَجَات وَهِيَ عِنْدِي تَحْرِيفٌ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏عُدَّتْ هَذِهِ الْخَصْلَة وَاحِدَةً مَعَ أَنَّ مُتَعَاطِيهَا اِثْنَانِ لِأَنَّ الْمَحَبَّة لَا تَتِمُّ إِلَّا بِاثْنَيْنِ , أَوْ لَمَّا كَانَ الْمُتَحَابَّانِ بِمَعْنًى وَاحِد كَانَ عَدُّ أَحَدِهِمَا مُغْنِيًا عَنْ عَدِّ الْآخَرِ , لِأَنَّ الْغَرَض عَدُّ الْخِصَال لَا عَدُّ جَمِيع مَنْ اِتَّصَفَ بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَجُل طَلَبَتْهُ ذَاتُ مَنْصِب ) ‏ ‏بَيَّنَ الْمَحْذُوفَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَته عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ فَقَالَ \" دَعَتْهُ اِمْرَأَة \" وَكَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَةَ , وَلِمُسْلِمٍ وَهُوَ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْحُدُود عَنْ اِبْن الْمُبَارَك , وَالْمُرَاد بِالْمَنْصِبِ الْأَصْل أَوْ الشَّرَف , وَفِي رِوَايَة مَالِكٍ \" دَعَتْهُ ذَات حَسَبٍ \" وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَصْل وَعَلَى الْمَال أَيْضًا , وَقَدْ وَصَفَهَا بِأَكْمَلِ الْأَوْصَاف الَّتِي جَرَتْ الْعَادَة بِمَزِيدِ الرَّغْبَة لِمَنْ تَحْصُلُ فِيهِ وَهُوَ الْمَنْصِب الَّذِي يَسْتَلْزِمُهُ الْجَاه وَالْمَال مَعَ الْجَمَال وَقَلَّ مَنْ يَجْتَمِع ذَلِكَ فِيهَا مِنْ النِّسَاء , زَادَ اِبْن الْمُبَارَك \" إِلَى نَفْسهَا \" وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَب مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَعَرَضَتْ نَفْسهَا عَلَيْهِ \" وَالظَّاهِر أَنَّهَا دَعَتْهُ إِلَى الْفَاحِشَة وَبِهِ جَزَمَ الْقُرْطُبِيّ وَلَمْ يَحْكِ غَيْره , وَقَالَ بَعْضهمْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُون دَعَتْهُ إِلَى التَّزَوُّج بِهَا فَخَافَ أَنْ يَشْتَغِلَ عَنْ الْعِبَادَة بِالِافْتِتَانِ بِهَا , أَوْ خَافَ أَنْ لَا يَقُوم بِحَقِّهَا لِشُغْلِهِ بِالْعِبَادَةِ عَنْ التَّكَسُّب بِمَا يَلِيقُ بِهَا , وَالْأَوَّل أَظْهَرُ , وَيُؤَيِّدهُ وُجُودُ الْكِنَايَة فِي قَوْله \" إِلَى نَفْسهَا \" وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد التَّزْوِيج لَصَرَّحَ بِهِ , وَالصَّبْر عَنْ الْمَوْصُوفَة بِمَا ذُكِرَ مِنْ أَكْمَلِ الْمَرَاتِب لِكَثْرَةِ الرَّغْبَة فِي مِثْلهَا وَعُسْرِ تَحْصِيلهَا لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَغْنَتْ مِنْ مَشَاقِّ التَّوَصُّل إِلَيْهَا بِمُرَاوَدَةٍ وَنَحْوِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ إِنِّي أَخَاف اللَّه ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة كَرِيمَةَ \" رَبّ الْعَالَمِينَ \" وَالظَّاهِر أَنَّهُ يَقُول ذَلِكَ بِلِسَانِهِ إِمَّا لِيَزْجُرَهَا عَنْ الْفَاحِشَة أَوْ لِيَعْتَذِرَ إِلَيْهَا , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقُولَهُ بِقَلْبِهِ , قَالَ عِيَاض قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّمَا يَصْدُرُ ذَلِكَ عَنْ شِدَّة خَوْف مِنْ اللَّه تَعَالَى وَمَتِينِ تَقْوَى وَحَيَاءٍ. ‏ ‏قَوْله : ( تَصَدَّقَ أَخْفَى ) ‏ ‏بِلَفْظِ الْمَاضِي , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ هُوَ جُمْلَة حَالِيَّة بِتَقْدِيرِ قَدْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد \" تَصَدَّقَ فَأَخْفَى \" وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ فِي الزَّكَاة عَنْ مُسَدَّد عَنْ يَحْيَى \" تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا \" وَمِثْلُهُ لِمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأ , فَالظَّاهِر أَنَّ رَاوِي الْأُولَى حَذَفَ الْعَاطِفَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ \" تَصَدَّقَ إِخْفَاءً \" بِكَسْرِ الْهَمْزَة مَمْدُودًا عَلَى أَنَّهُ مَصْدَر أَوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون حَالًا مِنْ الْفَاعِل أَيْ مُخْفِيًا , وَقَوْله \" بِصَدَقَةٍ \" نَكَّرَهَا لِيَشْمَلَ كُلَّ مَا يُتَصَدَّقُ بِهِ مِنْ قَلِيل وَكَثِير , وَظَاهِره أَيْضًا يَشْمَل الْمَنْدُوبَةَ وَالْمَفْرُوضَةَ , لَكِنْ نَقَلَ النَّوَوِيّ عَنْ الْعُلَمَاء أَنَّ إِظْهَار الْمَفْرُوضَة أَوْلَى مِنْ إِخْفَائِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى لَا تَعْلَمَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْحِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( شِمَالُهُ مَا تُنْفِق يَمِينُهُ ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي مُعْظَم الرِّوَايَات فِي هَذَا الْحَدِيث فِي الْبُخَارِيّ وَغَيْره , وَوَقَعَ فِي صَحِيح مُسْلِم مَقْلُوبًا \" حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِق شِمَالُهُ \" وَهُوَ نَوْع مِنْ أَنْوَاع عُلُوم الْحَدِيث أَغْفَلَهُ اِبْن الصَّلَاح وَإِنْ كَانَ أَفْرَدَ نَوْعَ الْمَقْلُوب لَكِنَّهُ قَصَرَهُ عَلَى مَا يَقَع فِي الْإِسْنَاد , وَنَبَّهَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا فِي مَحَاسِن الِاصْطِلَاح وَمَثَّلَ لَهُ بِحَدِيثِ \" إِنَّ اِبْن أُمّ مَكْتُوم يُؤَذِّن بِلَيْلٍ \" وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْأَذَان , وَقَالَ شَيْخنَا : يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى هَذَا النَّوْع الْمَعْكُوس. اِنْتَهَى. وَالْأَوْلَى تَسْمِيَته مَقْلُوبًا فَيَكُون الْمَقْلُوب تَارَةً فِي الْإِسْنَاد وَتَارَةً فِي الْمَتْن كَمَا قَالُوهُ فِي الْمُدْرَج سَوَاءً , وَقَدْ سَمَّاهُ بَعْض مَنْ تَقَدَّمَ مَقْلُوبًا , قَالَ عِيَاض : هَكَذَا فِي جَمِيع النُّسَخ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَيْنَا مِنْ صَحِيح مُسْلِم وَهُوَ مَقْلُوب أَوْ الصَّوَاب الْأَوَّل وَهُوَ وَجْه الْكَلَام لِأَنَّ السُّنَّةَ الْمَعْهُودَة فِي الصَّدَقَة إِعْطَاؤُهَا بِالْيَمِينِ , وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيّ فِي الزَّكَاة \" بَاب الصَّدَقَة بِالْيَمِينِ \" قَالَ : وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُون الْوَهْم فِيهِ مِمَّنْ دُونَ مُسْلِم بِدَلِيلِ قَوْله فِي رِوَايَة مَالِكٍ لَمَّا أَوْرَدَهَا عَقِبَ رِوَايَة عُبَيْدِ اللَّه بْن عُمَرَ فَقَالَ بِمِثْلِ حَدِيث عُبَيْدِ اللَّه فَلَوْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَفَةٌ لَبَيَّنَهَا كَمَا نَبَّهَ عَلَى الزِّيَادَة فِي قَوْله \" وَرَجُل قَلْبه مُعَلَّق بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ \". اِنْتَهَى. وَلَيْسَ الْوَهْم فِيهِ مِمَّنْ دُونَ مُسْلِم وَلَا مِنْهُ بَلْ هُوَ مِنْ شَيْخه أَوْ مِنْ شَيْخ شَيْخه يَحْيَى الْقَطَّانِ , فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ عَنْ زُهَيْر بْن حَرْب وَابْن نُمَيْر كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى وَأَشْعَرَ سِيَاقُهُ بِأَنَّ اللَّفْظ لِزُهَيْرٍ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَده عَنْ زُهَيْر , وَأَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ فِي مُسْتَخْرَجه عَنْ أَبِي حَامِد بْن الشَّرْقِيِّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن اِبْن بِشْرِ بْن الْحَكَم عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ كَذَلِكَ , وَعَقَّبَهُ بِأَنْ قَالَ : سَمِعْت أَبَا حَامِد بْن الشَّرْقِيِّ يَقُول يَحْيَى الْقَطَّانُ عِنْدَنَا وَاهِم فِي هَذَا , إِنَّمَا هُوَ \" حَتَّى لَا تَعْلَم شِمَاله مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ \" قُلْت : وَالْجَزْم بِكَوْنِ يَحْيَى هُوَ الْوَاهِم فِيهِ نَظَرٌ , لِأَنَّ الْإِمَام أَحْمَد قَدْ رَوَاهُ عَنْهُ عَلَى الصَّوَاب , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ هُنَا عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّارٍ وَفِي الزَّكَاة عَنْ مُسَدَّدٍ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَعْقُوبَ الدَّوْرَقِيِّ وَحَفْص بْن عُمَر وَكُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى , وَكَأَنَّ أَبَا حَامِد لَمَّا رَأَى عَبْد الرَّحْمَن قَدْ تَابَعَ زُهَيْرًا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ أَنَّ الْوَهْم مِنْ يَحْيَى , وَهُوَ مُحْتَمَلٌ بِأَنْ يَكُون مِنْهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ هَذَيْنِ خَاصَّةً , مَعَ اِحْتِمَال أَنْ يَكُون الْوَهْم مِنْهُمَا تَوَارَدَا عَلَيْهِ. وَقَدْ تَكَلَّفَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ تَوْجِيه هَذِهِ الرِّوَايَة الْمَقْلُوبَة , وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ الْمَخْرَج مُتَحَدٍّ وَلَمْ يُخْتَلَف فِيهِ عَلَى عُبَيْدِ اللَّه بْن عُمَر شَيْخ يَحْيَى فِيهِ وَلَا عَلَى شَيْخه خُبَيْبٍ وَلَا عَلَى مَالِك رَفِيق عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر فِيهِ. وَأَمَّا اِسْتِدْلَال عِيَاض عَلَى أَنَّ الْوَهْم فِيهِ مِمَّنْ دُونَ مُسْلِم بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة مَالِك مِثْلَ عُبَيْد اللَّه فَقَدْ عَكَسَهُ غَيْره فَوَاخَذَ مُسْلِمًا بِقَوْلِهِ مِثْلَ عُبَيْد اللَّه لِكَوْنِهِمَا لَيْسَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ مُسْلِمًا لَا يَقْصُرُ لَفْظ الْمِثْل عَلَى الْمُسَاوِي فِي جَمِيع اللَّفْظ وَالتَّرْتِيب , بَلْ هُوَ فِي الْمُعْظَم إِذَا تَسَاوَيَا فِي الْمَعْنَى , وَالْمَعْنَى الْمَقْصُود مِنْ هَذَا الْمَوْضِع إِنَّمَا هُوَ إِخْفَاء الصَّدَقَة وَاَللَّه أَعْلَم , وَلَمْ نَجِد هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه مِنْ الْوُجُوه إِلَّا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , إِلَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ مَالِك مِنْ التَّرَدُّد هَلْ هُوَ عَنْهُ أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيد كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلُ , وَلَمْ نَجِدهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة إِلَّا مِنْ رِوَايَة حَفْص , وَلَا عَنْ حَفْص إِلَّا مِنْ رِوَايَة خُبَيْبٍ. نَعَمْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَب مِنْ طَرِيق سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَالرَّاوِي لَهُ عَنْ سُهَيْل عَبْد اللَّه بْن عَامِر الْأَسْلَمِيِّ وَهُوَ ضَعِيف لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَتْرُوكٍ , وَحَدِيثه حَسَن فِي الْمُتَابَعَات , وَوَافَقَ فِي قَوْله \" تَصَدَّقَ بِيَمِينِهِ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ حَدِيث سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَن مَوْقُوفًا عَلَيْهِ لَكِنْ حُكْمُهُ الرَّفْعُ. وَفِي مُسْنَد أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَنَس بِإِسْنَادٍ حَسَن مَرْفُوعًا \" إِنَّ الْمَلَائِكَة قَالَتْ : يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقك شَيْء أَشَدّ مِنْ الْجِبَال ؟ قَالَ : نَعَمْ الْحَدِيد. قَالَتْ : فَهَلْ أَشَدّ مِنْ الْحَدِيد ؟ قَالَ : نَعَمْ النَّار. قَالَتْ : فَهَلْ أَشَدّ مِنْ النَّار ؟ قَالَ : نَعَمْ الْمَاء. قَالَتْ : فَهَلْ أَشَدّ مِنْ الْمَاء ؟ قَالَ : نَعَمْ الرِّيح. قَالَتْ : فَهَلْ أَشَدّ مِنْ الرِّيح ؟ قَالَ. نَعَمْ اِبْن آدَم يَتَصَدَّق بِيَمِينِهِ فَيُخْفِيهَا عَنْ شِمَاله \" ثُمَّ إِنَّ الْمَقْصُود مِنْهُ الْمُبَالَغَة فِي إِخْفَاء الصَّدَقَة بِحَيْثُ إنَّ شِمَاله مَعَ قُرْبِهَا مِنْ يَمِينه وَتَلَازُمِهِمَا لَوْ تَصَوَّرَ أَنَّهَا تَعْلَم لَمَا عَلِمَتْ مَا فَعَلَتْ الْيَمِين لِشِدَّةِ إِخْفَائِهَا , فَهُوَ عَلَى هَذَا مِنْ مَجَاز التَّشْبِيه. وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عِنْدَ الْجَوْزَقِيِّ \" تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ كَأَنَّمَا أَخْفَى يَمِينه مِنْ شِمَاله \" وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون مِنْ مَجَاز الْحَذْف وَالتَّقْدِير حَتَّى لَا يَعْلَم مَلَكُ شِمَاله. وَأَبْعَدَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَاد بِشِمَالِهِ نَفْسه وَأَنَّهُ مِنْ تَسْمِيَة الْكُلّ بِاسْمِ الْجُزْء فَإِنَّهُ يَنْحَلُّ إِلَى أَنَّ نَفْسَهُ لَا تَعْلَمُ مَا تُنْفِقُ نَفْسُهُ , وَقِيلَ هُوَ مِنْ مَجَاز الْحَذْف وَالْمُرَاد بِشِمَالِهِ مَنْ عَلَى شِمَاله مِنْ النَّاس كَأَنَّهُ قَالَ مُجَاوِرُ شِمَاله , وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يُرَائِي بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَكْتُبُهَا كَاتِب الشِّمَال , وَحَكَى الْقُرْطُبِيّ عَنْ بَعْض مَشَايِخه أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الضَّعِيف الْمُكْتَسِب فِي صُورَة الشِّرَاء لِتَرْوِيجِ سِلْعَتِهِ أَوْ رَفْعِ قِيمَتِهَا وَاسْتَحْسَنَهُ , وَفِيهِ نَظَرٌ إِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَة مُرَاد الْحَدِيث خَاصَّةً , وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ هَذَا مِنْ صُوَر الصَّدَقَة الْمَخْفِيَّةِ فَسُلِّمَ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( ذَكَرَ اللَّه ) ‏ ‏أَيْ بِقَلْبِهِ مِنْ التَّذَكُّر أَوْ بِلِسَانِهِ مِنْ الذِّكْرِ , وَ ( خَالِيًا ) أَيْ مِنْ الْخُلُوّ لِأَنَّهُ يَكُون حِينَئِذٍ أَبْعَدَ مِنْ الرِّيَاء وَالْمُرَاد خَالِيًا مِنْ الِالْتِفَات إِلَى غَيْر اللَّه وَلَوْ كَانَ فِي مَلَأٍ , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ \" ذُكِرَ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ \" وَيُؤَيِّد الْأَوَّل رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك وَحَمَّاد بْن زَيْد \" ذَكَرَ اللَّه فِي خَلَاء \" أَيْ فِي مَوْضِع خَالٍ وَهِيَ أَصَحُّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) ‏ ‏أَيْ فَاضَتْ الدُّمُوع مِنْ عَيْنَيْهِ , وَأُسْنِدَ الْفَيْضُ إِلَى الْعَيْن مُبَالَغَةً كَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي فَاضَتْ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَفَيْض الْعَيْن بِحَسَبِ حَالِ الذَّاكِر وَبِحَسَبِ مَا يُكْشَفُ لَهُ , فَفِي حَال أَوْصَاف الْجَلَال يَكُون الْبُكَاء مِنْ خَشْيَة اللَّه , وَفِي حَال أَوْصَاف الْجَمَال يَكُون الْبُكَاء مِنْ الشَّوْق إِلَيْهِ. ‏ ‏قُلْت : قَدْ خُصّ فِي بَعْض الرِّوَايَات بِالْأَوَّلِ , فَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عِنْدَ الْجَوْزَقِيِّ \" فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَة اللَّه \" وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ , وَيَشْهَد لَهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَنَس مَرْفُوعًا \" مَنْ ذَكَرَ اللَّه فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَة اللَّه حَتَّى يُصِيبَ الْأَرْض مِنْ دُمُوعه لَمْ يُعَذَّب يَوْمَ الْقِيَامَة \". ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏( الْأَوَّل ) ذِكْر الرِّجَال فِي هَذَا الْحَدِيث لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ يَشْتَرِك النِّسَاء مَعَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ , إِلَّا إِنْ كَانَ الْمُرَاد بِالْإِمَامِ الْعَادِل الْإِمَامَة الْعُظْمَى , وَإِلَّا فَيُمْكِنُ دُخُول الْمَرْأَة حَيْثُ تَكُون ذَاتَ عِيَالٍ فَتَعْدِلُ فِيهِمْ. وَتَخْرُج خَصْلَة مُلَازَمَة الْمَسْجِد لِأَنَّ صَلَاة الْمَرْأَة فِي بَيْتِهَا أَفْضَل مِنْ الْمَسْجِد , وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَالْمُشَارَكَة حَاصِلَةٌ لَهُنَّ , حَتَّى الرَّجُل الَّذِي دَعَتْهُ الْمَرْأَة فَإِنَّهُ يُتَصَوَّر فِي اِمْرَأَة دَعَاهَا مَلِكٌ جَمِيل مَثَلًا فَامْتَنَعَتْ خَوْفًا مِنْ اللَّه تَعَالَى مَعَ حَاجَتهَا , أَوْ شَابّ جَمِيل دَعَاهُ مَلِكٌ إِلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ اِبْنَتَهُ مَثَلًا فَخَشِيَ أَنْ يَرْتَكِبَ مِنْهُ الْفَاحِشَة فَامْتَنَعَ مَعَ حَاجَته إِلَيْهِ. ‏ ‏( الثَّانِي ) اِسْتَوْعَبْت شَرْحَ هَذَا الْحَدِيث هُنَا وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَا شَرَطْت لِأَنَّ أَلْيَقَ الْمَوَاضِع بِهِ كِتَابُ الرِّقَاق , وَقَدْ اِخْتَصَرَهَا الْمُصَنِّفُ حَيْثُ أَوْرَدَهُ فِيهِ , وَسَاقَهُ تَامًّا فِي الزَّكَاة وَالْحُدُود , فَاسْتَوْفَيْته هُنَا لِأَنَّ لِلْأَوَّلِيَّةِ وَجْهًا مِنْ الْأَوْلَوِيَّةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "621",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سُئِلَ ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏هَلْ اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَاتَمًا فَقَالَ نَعَمْ أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى ‏ ‏شَطْرِ ‏ ‏اللَّيْلِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَ مَا صَلَّى فَقَالَ ‏ ‏صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا قَالَ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ‏ ‏وَبِيصِ ‏ ‏خَاتَمِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُئِلَ أَنَس ) ‏ ‏تَقَدَّمَ التَّصْرِيح بِسَمَاعِ حُمَيْدٍ لَهُ مِنْهُ فِي \" بَاب وَقْت الْعِشَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( صَلَّى النَّاس ) ‏ ‏أَيْ غَيْر الْمُخَاطَبِينَ مِمَّنْ صَلَّى فِي دَارِهِ أَوْ مَسْجِد قَبِيلَتِهِ , وَيُسْتَأْنَسُ بِهِ لِمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْجَمَاعَة غَيْرُ وَاجِبَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاة ) ‏ ‏أَيْ فِي ثَوَاب صَلَاةٍ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَبِيص ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ أَيْ بَرِيقه وَلَمَعَانه , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب وَقْتِ الْعِشَاء \" وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْخَاتَم فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "622",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ ‏ ‏غَدَا ‏ ‏إِلَى الْمَسْجِدِ ‏ ‏وَرَاحَ ‏ ‏أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ ‏ ‏نُزُلَهُ ‏ ‏مِنْ الْجَنَّةِ كُلَّمَا ‏ ‏غَدَا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏رَاحَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَعَدَّ ) ‏ ‏أَيْ هَيَّأَ. ‏ ‏قَوْله : ( نُزُله ) ‏ ‏لِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" نُزُلًا \" بِالتَّنْكِيرِ , وَالنُّزُل بِضَمِّ النُّون وَالزَّايِ الْمَكَانُ الَّذِي يُهَيَّأُ لِلنُّزُولِ فِيهِ , وَبِسُكُونِ الزَّاي مَا يُهَيَّأُ لِلْقَادِمِ مِنْ الضِّيَافَة وَنَحْوِهَا , فَعَلَى هَذَا \" مِنْ \" فِي قَوْله مِنْ الْجَنَّة لِلتَّبْعِيضِ عَلَى الْأَوَّل وَلِلتَّبْيِينِ عَلَى الثَّانِي , وَرَوَاهُ مُسْلِم وَابْن خُزَيْمَةَ وَأَحْمَد بِلَفْظِ \" نُزُلًا فِي الْجَنَّة \" وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ ) ‏ ‏أَيْ بِكُلِّ غَدْوَة وَرَوْحَة. وَظَاهِر الْحَدِيث حُصُول الْفَضْل لِمَنْ أَتَى الْمَسْجِد مُطْلَقًا , لَكِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ اِخْتِصَاصه بِمَنْ يَأْتِيه لِلْعِبَادَةِ , وَالصَّلَاةُ رَأْسُهَا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "623",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ ‏ ‏قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِرَجُلٍ قَالَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ بِشْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏الْأَزْدِ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ ‏ ‏مَالِكُ ابْنُ بُحَيْنَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى رَجُلًا وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ‏ ‏يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَاثَ ‏ ‏بِهِ النَّاسُ وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الصُّبْحَ أَرْبَعًا الصُّبْحَ أَرْبَعًا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏وَمُعَاذٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏فِي ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ ) ‏ ‏لَمْ يَسُقْ الْبُخَارِيّ لَفْظَ رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْدٍ , بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى رِوَايَة شُعْبَةَ فَأَوْهَمَ أَنَّهُمَا مُتَوَافِقَتَانِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ سَاقَ مُسْلِمٌ رِوَايَةَ إِبْرَاهِيمَ بْن سَعْد بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور وَلَفْظه \" مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّي وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاة الصُّبْح , فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ , فَلَمَّا اِنْصَرَفْنَا أَحَطْنَا بِهِ نَقُول : مَاذَا قَالَ لَك رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ قَالَ لِي : يُوشِكُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْح أَرْبَعًا \" فَفِي هَذَا السِّيَاق مُخَالَفَةٌ لِسِيَاقِ شُعْبَة فِي كَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَّمَ الرَّجُل وَهُوَ يُصَلِّي , وَرِوَايَة شُعْبَة تَقْتَضِي أَنَّهُ كَلَّمَهُ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ , وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ كَلَّمَهُ أَوَّلًا سِرًّا فَلِهَذَا اِحْتَاجُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ , ثُمَّ كَلَّمَهُ ثَانِيًا جَهْرًا فَسَمِعُوهُ , وَفَائِدَة التَّكْرَار تَأْكِيد الْإِنْكَار. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِشْرِ بْن الْحَكَم كَمَا جَزَمَ بِهِ اِبْن عَسَاكِرَ وَأَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ \" مِنْ الْأَسْدِ \" بِالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَة بَدَلَ الزَّاي السَّاكِنَة وَهِيَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ. ‏ ‏قَوْله : ( يُقَال لَهُ مَالِك بْن بُحَيْنَةَ ) ‏ ‏هَكَذَا يَقُول شُعْبَة فِي هَذَا الصَّحَابِيّ , وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو عَوَانَةَ وَحَمَّاد اِبْن سَلَمَةَ , وَحَكَمَ الْحُفَّاظُ يَحْيَى بْن مُعِين وَأَحْمَد وَالْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْن الشَّرَفِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو مَسْعُود وَآخَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْوَهْمِ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ : ‏ ‏أَحَدُهُمَا أَنَّ بُحَيْنَةَ وَالِدَة عَبْد اللَّه لَا مَالِكٍ , ‏ ‏وَثَانِيهمَا أَنَّ الصُّحْبَة وَالرِّوَايَة لِعَبْدِ اللَّه لَا لِمَالِكٍ , وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن مَالِكِ بْنُ الْقِشْبِ بِكَسْرِ الْقَاف وَسُكُون الْمُعْجَمَة بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَهُوَ لَقَب وَاسْمه جُنْدُبُ بْن نَضْلَةَ بْن عَبْد اللَّه , قَالَ اِبْن سَعْد : قَدِمَ مَالِكُ بْن الْقِشْبِ مَكَّةَ يَعْنِي فِي الْجَاهِلِيَّة فَحَالَفَ بَنِي الْمُطَّلِبِ بْن عَبْد مَنَافٍ وَتَزَوَّجَ بُحَيْنَةَ بِنْتَ الْحَارِث بْنِ الْمُطَّلِب وَاسْمهَا عَبْدَةُ , وَبُحَيْنَةُ لَقَبٌ , وَأَدْرَكَتْ بُحَيْنَةُ الْإِسْلَام فَأَسْلَمَتْ وَصَحِبَتْ , وَأَسْلَمَ اِبْنهَا عَبْد اللَّه قَدِيمًا , وَلَمْ يَذْكُر أَحَدٌ مَالِكًا فِي الصَّحَابَة إِلَّا بَعْض مِمَّنْ تَلَقَّاهُ مِنْ هَذَا الْإِسْنَاد مِمَّنْ لَا تَمْيِيزَ لَهُ , وَكَذَا أَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِح فَقَالَ : هَذَا الِاخْتِلَاف لَا يَضُرّ فَأَيّ الرَّجُلَيْنِ كَانَ فَهُوَ صَاحِبٌ , وَحَكَى اِبْن عَبْد الْبَرِّ اِخْتِلَافًا فِي بُحَيْنَةَ هَلْ هِيَ أُمُّ عَبْد اللَّه أَوْ أُمّ مَالِك ؟ وَالصَّوَاب أَنَّهَا أُمّ عَبْد اللَّه كَمَا تَقَدَّمَ , فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ اِبْن بُحَيْنَةَ بِزِيَادَةِ أَلِف وَيُعْرَب إِعْرَاب عَبْد اللَّه كَمَا فِي عَبْد اللَّه بْن أُبَيِّ بْن سَلُولٍ وَمُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحَنَفِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَى رَجُلًا ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه الرَّاوِي كَمَا رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن ثَوْبَانَ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ وَهُوَ يُصَلِّي , وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ \" خَرَجَ وَابْن الْقِشْبِ يُصَلِّي \" وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاة هُنَا \" اِبْن أَبِي الْقِشْبِ \" وَهُوَ خَطَأ كَمَا بَيَّنْته فِي كِتَاب الصَّحَابَة. وَوَقَعَ نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة أَيْضًا لِابْنِ عَبَّاس قَالَ \" كُنْت أُصَلِّي وَأَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَة , فَجَذَبَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : أَتُصَلِّي الصُّبْح أَرْبَعًا ؟ \" أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّانَ وَالْبَزَّار وَالْحَاكِم وَغَيْرُهُمْ , فَيَحْتَمِلُ تَعَدُّدَ الْقِصَّة. ‏ ‏قَوْله : ( لَاثَ ) ‏ ‏بِمُثَلَّثَةٍ خَفِيفَة , أَيْ أَدَارَ وَأَحَاطَ. قَالَ اِبْن قُتَيْبَةَ : أَصْلُ اللَّوْثِ الطَّيّ , يُقَال لَاثَ عِمَامَتَهُ إِذَا أَدَارَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( بِهِ النَّاس ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ الضَّمِير لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنَّ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْنِ سَعْد الْمُتَقَدِّمَة تَقْتَضِي أَنَّهُ لِلرَّجُلِ. ‏ ‏قَوْله : ( آلصُّبْحَ أَرْبَعًا ؟ ) ‏ ‏بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَة فِي أَوَّله , وَيَجُوز قَصْرهَا , وَهُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار , وَأَعَادَهُ تَأْكِيدًا لِلْإِنْكَارِ. وَالصُّبْح بِالنَّصْبِ بِإِضْمَارِ فِعْل تَقْدِيرُهُ أَتُصَلِّي الصُّبْحَ ؟ وَأَرْبَعًا مَنْصُوب عَلَى الْحَال , قَالَهُ اِبْن مَالِك. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ عَلَى الْبَدَلِيَّة قَالَ : وَيَجُوز رَفْعُ الصُّبْح أَيْ الصُّبْح تُصَلِّي أَرْبَعًا ؟. وَاخْتُلِفَ فِي حِكْمَة هَذَا الْإِنْكَار فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره : لِئَلَّا يَتَطَاوَل الزَّمَان فَيُظَنَّ وُجُوبُهَا. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم اِبْن سَعْد \" يُوشِك أَحَدُكُمْ \" وَعَلَى هَذَا إِذَا حَصَلَ الْأَمْنُ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ , وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِعُمُومِ حَدِيث التَّرْجَمَة. ‏ ‏وَقِيلَ لِئَلَّا تَلْتَبِس صَلَاة الْفَرْض بِالنَّفْلِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنْ يَتَفَرَّغَ لِلْفَرِيضَةِ مِنْ أَوَّلِهَا فَيَشْرَعَ فِيهَا عَقِبَ شُرُوع الْإِمَام , وَالْمُحَافَظَة عَلَى مُكَمِّلَات الْفَرِيضَة أَوْلَى مِنْ التَّشَاغُل بِالنَّافِلَةِ ا ه. وَهَذَا يَلِيق بِقَوْلِ مَنْ يَرَى بِقَضَاءِ النَّافِلَة وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُور , وَمِنْ ثُمَّ قَالَ مَنْ لَا يَرَى بِذَلِكَ : إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُدْرِكُ الرَّكْعَة الْأُولَى مَعَ الْإِمَام. ‏ ‏وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنْ كَانَ فِي الْأَخِيرَة لَمْ يُكْرَهْ لَهُ التَّشَاغُل بِالنَّافِلَةِ , بِشَرْطِ الْأَمْن مِنْ الِالْتِبَاس كَمَا تَقَدَّمَ , وَالْأَوَّل عَنْ الْمَالِكِيَّة , وَالثَّانِي عَنْ الْحَنَفِيَّة وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ سَلَفٌ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَغَيْره , وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا تَعَارَضَ عِنْدَهُمْ الْأَمْر بِتَحْصِيلِ النَّافِلَة وَالنَّهْي عَنْ إِيقَاعهَا فِي تِلْكَ الْحَالَة جَمَعُوا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ بِذَلِكَ , وَذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّ سَبَب الْإِنْكَار عَدَم الْفَصْل بَيْنَ الْفَرْض وَالنَّفْل لِئَلَّا يَلْتَبِسَا , وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الطَّحَاوِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَة بِالْأَمْرِ بِذَلِكَ , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي زَاوِيَة الْمَسْجِد لَمْ يُكْرَهْ , وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِمَا ذُكِرَ , إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَاد مُجَرَّدَ الْفَصْل بَيْنَ الْفَرْض وَالنَّفْل لَمْ يَحْصُل إِنْكَارٌ أَصْلًا , لِأَنَّ اِبْن بُحَيْنَةَ سَلَّمَ مِنْ صَلَاته قَطْعًا ثُمَّ دَخَلَ فِي الْفَرْض , وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا حَدِيث قَيْسِ بْن عَمْرو الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ \" أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْر بَعْدَ الْفَرَاغ مِنْ صَلَاة الصُّبْح \" , فَلَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَأَلَهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ قَضَاءَهُمَا بَعْدَ الْفَرَاغ مِنْ صَلَاة الصُّبْح مُتَّصِلًا بِهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِنْكَار عَلَى اِبْن بُحَيْنَةَ إِنَّمَا كَانَ لِلتَّنَفُّلِ حَالَ صَلَاة الْفَرْض , وَهُوَ مُوَافِق لِعُمُومِ حَدِيث التَّرْجَمَة. وَقَدْ فَهِمَ اِبْن عُمَر اِخْتِصَاص الْمَنْع بِمَنْ يَكُون فِي الْمَسْجِد لَا خَارِجًا عَنْهُ , فَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَحْصِبُ مَنْ يَتَنَفَّل فِي الْمَسْجِد بَعْدَ الشُّرُوع فِي الْإِقَامَة , وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَصَدَ الْمَسْجِد فَسَمِعَ الْإِقَامَة فَصَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْر فِي بَيْت حَفْصَة ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِد فَصَلَّى مَعَ الْإِمَام , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ وَغَيْره : الْحُجَّةُ عِنْدَ التَّنَازُع السُّنَّةُ , فَمَنْ أَدْلَى بِهَا فَقَدْ أَفْلَحَ , وَتَرْكُ التَّنَفُّل عِنْدَ إِقَامَة الصَّلَاة وَتَدَارُكُهَا بَعْدَ قَضَاء الْفَرْض أَقْرَبُ إِلَى اِتِّبَاع السُّنَّةِ , وَيَتَأَيَّد ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّ قَوْله فِي الْإِقَامَة \" حَيَّ عَلَى الصَّلَاة \" مَعْنَاهُ هَلُمُّوا إِلَى الصَّلَاة أَيْ الَّتِي يُقَام لَهَا , فَأَسْعَدُ النَّاس بِامْتِثَالِ هَذَا الْأَمْر مَنْ لَمْ يَتَشَاغَلْ عَنْهُ بِغَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَاسْتُدِلَّ بِعُمُومِ قَوْله \" فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة \" لِمَنْ قَالَ يَقْطَع النَّافِلَةَ إِذَا أُقِيمَتْ الْفَرِيضَة , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَامِد وَغَيْرُهُ مِنْ الشَّافِعِيَّة , وَخَصَّ آخَرُونَ النَّهْيَ بِمَنْ يُنْشِئ النَّافِلَة عَمَلًا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ( وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) , وَقِيلَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَنْ يَخْشَى فَوْتَ الْفَرِيضَة فِي الْجَمَاعَة فَيَقْطَعُ وَإِلَّا فَلَا , وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" الَّتِي أُقِيمَتْ \" بِأَنَّ الْمَأْمُوم لَا يُصَلِّي فَرْضًا وَلَا نَفْلًا خَلْف مَنْ يُصَلِّي فَرْضًا آخَرَ , كَالظُّهْرِ مَثَلًا خَلْف مَنْ يُصَلِّي الْعَصْر , وَإِنْ جَازَتْ إِعَادَة الْفَرْض خَلْف مَنْ يُصَلِّي ذَلِكَ الْفَرْض. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ غُنْدَرٌ وَمُعَاذٌ عَنْ شُعْبَة عَنْ مَالِكٍ ) ‏ ‏أَيْ تَابَعَا بَهْزَ بْنَ أَسَدٍ فِي رِوَايَته عَنْ شُعْبَة بِهَذَا الْإِسْنَاد فَقَالَا عَنْ مَالِك بْن بُحَيْنَةَ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَالِك أَيْ بِإِسْنَادِهِ , وَالْأَوَّل يَقْتَضِي اِخْتِصَاص الْمُتَابَعَة بِقَوْلِهِ عَنْ مَالِك بْن بُحَيْنَةَ فَقَطْ , وَالثَّانِي يَشْمَل جَمِيع الْإِسْنَاد وَالْمَتْن , وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُ الْوَاقِع فِي نَفْس الْأَمْر. وَطَرِيق غُنْدَرٍ وَصَلَهَا أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْهُ كَذَلِكَ , وَطَرِيق مُعَاذٍ - وَهُوَ اِبْن مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ الْبَصْرِيُّ - وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عُبَيْدِ اللَّه بْن مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ , وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ وَحَجَّاجٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة وَهْبِ بْن جَرِير وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة يَزِيد اِبْن هَارُون كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَة كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن إِسْحَاقَ ) ‏ ‏أَيْ صَاحِب الْمَغَازِي عَنْ سَعْد أَيْ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَهَذِهِ الرِّوَايَة مُوَافِقَة لِرِوَايَةِ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ وَهِيَ الرَّاجِحَةُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ حَمَّاد ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن سَلَمَةَ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ وَآخَرُونَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَابْن مَنْدَهْ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقه , وَوَهِمَ الْكَرْمَانِيُّ فِي زَعْمِهِ أَنَّهُ حَمَّاد بْن زَيْد , وَالْمُرَاد أَنَّ حَمَّادًا وَافَقَ شُعْبَة فِي قَوْله عَنْ مَالِك بْن بُحَيْنَةَ , وَقَدْ وَافَقَهُمَا أَبُو عَوَانَةَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ جَعْفَر الْفِرْيَابِيِّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْهُ , لَكِنْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ فَوَقَعَ فِي رِوَايَتهمَا عَنْ اِبْن بُحَيْنَةَ مُبْهَمًا , وَكَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ قُتَيْبَة فِي وَقْت عَمْدًا لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الصَّوَاب , قَالَ أَبُو مَسْعُود : أَهْل الْمَدِينَة يَقُولُونَ عَبْد اللَّه بْن بُحَيْنَةَ وَأَهْل الْعِرَاق يَقُولُونَ مَالِك بْن بُحَيْنَةَ , وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب. اِنْتَهَى. فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون السَّهْو فِيهِ مِنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم لَمَّا حَدَّثَ بِهِ بِالْعِرَاقِ. ‏ ‏وَقَدْ رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَلَى وَجْهٍ آخَرَ مِنْ الْوَهْم قَالَ \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَالِكِ بْنِ بُحَيْنَةَ عَنْ أَبِيهِ \" قَالَ مُسْلِم فِي صَحِيحه : قَوْله عَنْ أَبِيهِ خَطَأ. اِنْتَهَى. وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَهْل الْعِرَاق يَقُولُونَ عَنْ مَالِك بْن بُحَيْنَةَ ظَنَّ أَنَّ رِوَايَة أَهْل الْمَدِينَة مُرْسَلَة فَوَهِمَ فِي ذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "624",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا عِنْدَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَذَكَرْنَا الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالتَّعْظِيمَ لَهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَأُذِّنَ فَقَالَ ‏ ‏مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏أَسِيفٌ ‏ ‏إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ وَأَعَادَ فَأَعَادُوا لَهُ فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ إِنَّكُنَّ ‏ ‏صَوَاحِبُ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَخَرَجَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَصَلَّى فَوَجَدَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ ‏ ‏يُهَادَى ‏ ‏بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ مِنْ الْوَجَعِ فَأَرَادَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَنْ يَتَأَخَّرَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ مَكَانَكَ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ قِيلَ ‏ ‏لِلْأَعْمَشِ ‏ ‏وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ بِرَأْسِهِ نَعَمْ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏أَبُو دَاوُدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏بَعْضَهُ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏جَلَسَ عَنْ يَسَارِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يُصَلِّي قَائِمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَرَضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُبَيَّنًا فِي آخِرِ الْمَغَازِي فِي سَبَبه وَوَقْتِ اِبْتِدَائِهِ وَقَدْره , وَقَدْ بَيَّنَ الزُّهْرِيُّ فِي رِوَايَته كَمَا فِي الْحَدِيث الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَاب أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ أَنْ اِشْتَدَّ بِهِ الْمَرَض وَاسْتَقَرَّ فِي بَيْت عَائِشَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَضَرَتْ الصَّلَاة ) ‏ ‏هِيَ الْعِشَاء كَمَا فِي رِوَايَة مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَةَ الْآتِيَة قَرِيبًا فِي \" بَاب إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَام لِيُؤْتَمَّ بِهِ \" وَسَنَذْكُرُ هُنَاكَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُذِّنَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ. وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ \" وَأُذِّنَ بِالْوَاوِ \" وَهُوَ أَوْجَهُ , وَالْمُرَاد بِهِ أَذَان الصَّلَاة. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ أُعْلِمَ , وَيُقَوِّيهِ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش الْآتِيَة فِي \" بَاب الرَّجُل يَأْتَمُّ بِالْإِمَامِ \" وَلَفْظه \" جَاءَ بِلَال يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ \" وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ تَسْمِيَة الْمُبْهَم , وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة مُوسَى اِبْن أَبِي عَائِشَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِالسُّؤَالِ عَنْ حُضُور وَقْت الصَّلَاة وَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ إِلَيْهَا فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ.. الْحَدِيثَ. ‏ ‏قَوْله : ( مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْآمِر بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ يَكُون آمِرًا بِهِ , وَهِيَ مَسْأَلَة مَعْرُوفَة فِي أُصُول الْفِقْه , وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ بِأَنَّ الْمَعْنَى بَلِّغُوا أَبَا بَكْر أَنِّي أَمَرْته. وَفَصْل النِّزَاع أَنَّ النَّافِيَ إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا حَقِيقَةً فَمُسَلَّمٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ صِيغَة أَمْر لِلثَّانِي , وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمهُ فَمَرْدُودٌ وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ لَهُ ) ‏ ‏قَائِلُ ذَلِكَ عَائِشَةُ كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( أَسِيفٌ ) ‏ ‏بِوَزْنِ فَعِيل وَهُوَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ مِنْ الْأَسَفِ وَهُوَ شِدَّة الْحُزْن , وَالْمُرَاد أَنَّهُ رَقِيق الْقَلْب. وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَة عَاصِم عَنْ شَقِيق عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة فِي هَذَا الْحَدِيث : قَالَ عَاصِم وَالْأَسِيفُ الرَّقِيق الرَّحِيم , وَسَيَأْتِي بَعْدَ سِتَّة أَبْوَاب مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَة : إِنَّهُ رَجُل رَقِيق , إِذَا قَرَأَ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ \" وَمِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى نَحْوُهُ , وَمِنْ رِوَايَة مَالِك عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا بِلَفْظِ \" قَالَتْ عَائِشَة : قُلْت إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِك لَمْ يُسْمِعْ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ فَمُرْ عُمَرَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَعَادُوا لَهُ ) ‏ ‏أَيْ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْت , وَالْمُخَاطَب بِذَلِكَ عَائِشَة كَمَا تَرَى , لَكِنْ جَمْعٌ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَقَام الْمُوَافِقِينَ لَهَا عَلَى ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى بِالْإِفْرَادِ وَلَفْظه \" فَعَادَتْ \" وَلِابْنِ عُمَرَ \" فَعَاوَدَتْهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَعَادَ الثَّالِثَة فَقَالَ : إِنَّكُنَّ صَوَاحِب يُوسُفَ ) ‏ ‏فِيهِ حَذْفٌ بَيَّنَهُ مَالِك فِي رِوَايَته الْمُذَكَّرَة , وَأَنَّ الْمُخَاطَب لَهُ حِينَئِذٍ حَفْصَة بِنْت عُمَر بِأَمْرِ عَائِشَة , وَفِيهِ أَيْضًا \" فَمُرْ عُمَرَ , فَقَالَ : مَهْ إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُف \" وَصَوَاحِب جَمْع صَاحِبَة , وَالْمُرَاد أَنَّهُنَّ مِثْلُ صَوَاحِب يُوسُف فِي إِظْهَار خِلَاف مَا فِي الْبَاطِن. ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْخَطَّاب وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْجَمْع فَالْمُرَاد بِهِ وَاحِد وَهِيَ عَائِشَة فَقَطْ , كَمَا أَنَّ \" صَوَاحِب \" صِيغَة جَمْع وَالْمُرَاد زُلَيْخَا فَقَطْ , وَوَجْه الْمُشَابَهَة بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ أَنَّ زُلَيْخَا اِسْتَدْعَتْ النِّسْوَة وَأَظْهَرَتْ لَهُنَّ الْإِكْرَام بِالضِّيَافَةِ وَمُرَادُهَا زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَنْظُرْنَ إِلَى حُسْن يُوسُف وَيَعْذُرْنَهَا فِي مَحَبَّته , وَأَنَّ عَائِشَة أَظْهَرَتْ أَنَّ سَبَب إِرَادَتهَا صَرْف الْإِمَامَة عَنْ أَبِيهَا كَوْنه لَا يُسْمِعُ الْمَأْمُومِينَ الْقِرَاءَة لِبُكَائِهِ , وَمُرَادهَا زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ لَا يَتَشَاءَم النَّاس بِهِ. وَقَدْ صَرَّحَتْ هِيَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَتْ \" لَقَدْ رَاجَعْته وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَة مُرَاجَعَته إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاس بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا \" الْحَدِيث. وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي \" بَاب وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا. وَبِهَذَا التَّقْرِير يَنْدَفِع إِشْكَال مَنْ قَالَ إِنَّ صَوَاحِب يُوسُف لَمْ يَقَع مِنْهُنَّ إِظْهَار يُخَالِف مَا فِي الْبَاطِن. وَوَقَعَ فِي مُرْسَل الْجِنْس عِنْدَ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تُكَلِّمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَصْرِفَ ذَلِكَ عَنْهُ , فَأَرَادَتْ التَّوَصُّلَ إِلَى ذَلِكَ بِكُلِّ طَرِيق فَلَمْ يَتِمَّ. وَوَقَعَ فِي أَمَالِي اِبْن عَبْد السَّلَام أَنَّ النِّسْوَة أَتَيْنَ اِمْرَأَة الْعَزِيز يُظْهِرْنَ تَعْنِيفَهَا , وَمَقْصُودُهُنَّ فِي الْبَاطِن أَنْ يَدْعُونَ يُوسُفَ إِلَى أَنْفُسِهِنَّ , كَذَا قَالَ وَلَيْسَ فِي سِيَاق الْآيَة مَا يُسَاعِدُ مَا قَالَ. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏زَادَ حَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيم فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الَّذِي أَمَرَ عَائِشَة أَنْ تُشِير عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَأْمُرَ عُمَر بِالصَّلَاةِ , أَخْرَجَهُ الدَّوْرَقِيُّ فِي مُسْنَدِهِ , وَزَادَ مَالِك فِي رِوَايَته الَّتِي ذَكَرْنَاهَا \" فَقَالَتْ حَفْصَة لِعَائِشَةَ : مَا كُنْت لِأُصِيبَ مِنْك خَيْرًا \". وَمِثْلُهُ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي حَدِيث الْبَاب , وَإِنَّمَا قَالَتْ حَفْصَة ذَلِكَ لِأَنَّ كَلَامهَا صَادَفَ الْمَرَّة الثَّالِثَة فِي الْمُعَاوَدَة , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُرَاجِع بَعْدَ ثَلَاث , فَلَمَّا أَشَارَ إِلَى الْإِنْكَار عَلَيْهَا بِمَا ذَكَرَ مِنْ كَوْنِهِنَّ صَوَاحِبَ يُوسُف وَجَدَتْ حَفْصَة فِي نَفْسهَا مِنْ ذَلِكَ لِكَوْنِ عَائِشَة هِيَ الَّتِي أَمَرَتْهَا بِذَلِكَ , وَلَعَلَّهَا تَذَكَّرَتْ مَا وَقَعَ لَهَا مَعَهَا أَيْضًا فِي قِصَّة الْمَغَافِيرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لِلنَّاسِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ ) ‏ ‏فِيهِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاق الْكَلَام , وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي رِوَايَة مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة الْمَذْكُورَة وَلَفْظه \" فَأَتَاهُ الرَّسُول \" أَيْ بِلَال لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَعْلَم بِحُضُورِ الصَّلَاة فَأُجِيبَ بِذَلِكَ , وَفِي رِوَايَته أَيْضًا \" فَقَالَ لَهُ إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُك أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. فَقَالَ أَبُو بَكْر - وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا - يَا عُمَر صَلِّ بِالنَّاسِ فَقَالَ لَهُ عُمَر : أَنْتَ أَحَقّ بِذَلِكَ \" اِنْتَهَى. وَقَوْل أَبِي بَكْر هَذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ مَا أَرَادَتْ عَائِشَة. قَالَ النَّوَوِيّ : تَأَوَّلَهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ تَوَاضُعًا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ قَالَهُ لِلْعُذْرِ الْمَذْكُور وَهُوَ كَوْنُهُ رَقِيق الْقَلْب كَثِيرَ الْبُكَاء , فَخَشِيَ أَنْ لَا يُسْمِعَ النَّاس. اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَهِمَ مِنْ الْإِمَامَة الصُّغْرَى الْإِمَامَة الْعُظْمَى وَعَلِمَ مَا فِي تَحَمُّلهَا مِنْ الْخَطَر , وَعَلِمَ قُوَّة عُمَر عَلَى ذَلِكَ , فَاخْتَارَهُ. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ عِنْدَ الْبَيْعَة أَشَارَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبَايِعُوهُ أَوْ يُبَايِعُوا أَبَا عُبَيْدَةَ بْن الْجَرَّاحِ. وَالظَّاهِر أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْمُرَاجَعَة الْمُتَقَدِّمَةِ , وَفَهِمَ مِنْ الْأَمْر لَهُ بِذَلِكَ تَفْوِيض الْأَمْر لَهُ فِي ذَلِكَ سَوَاء بَاشَرَ بِنَفْسِهِ أَوْ اِسْتَخْلَفَ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ لِلْمُسْتَخْلِفِ فِي الصَّلَاة أَنْ يَسْتَحْلِفَ لَا يَتَوَقَّف عَلَى إِذْنٍ خَاصٍّ لَهُ بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالسَّرَخْسِيِّ \" يُصَلِّي \" وَظَاهِره أَنَّهُ شَرَعَ فِي الصَّلَاة , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد أَنَّهُ تَهَيَّأَ لَهَا , وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَش بِلَفْظِ \" فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاة \" وَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا بِأَنْ يَكُون الْمُرَاد دَخَلَ فِي مَكَان الصَّلَاة , وَيَأْتِي الْبَحْث مَعَ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِره إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَجَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَفْسه خِفَّةً ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الصَّلَاة بِعَيْنِهَا , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَنْ يَكُون فِيهِ حَذْفٌ كَمَا تَقَدَّمَ مِثْله فِي قَوْله \" فَخَرَجَ أَبُو بَكْر \" وَأَوْضَحُ مِنْهُ رِوَايَة مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة الْمَذْكُور \" فَصَلَّى أَبُو بَكْر تِلْكَ الْأَيَّامَ. ثُمَّ إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ مِنْ نَفْسه خِفَّة \" وَعَلَى هَذَا لَا يَتَعَيَّن أَنْ تَكُون الصَّلَاة الْمَذْكُورَة هِيَ الْعِشَاء. ‏ ‏قَوْله : ( يُهَادَى ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الدَّال أَيْ يَعْتَمِد عَلَى الرَّجُلَيْنِ مُتَمَايِلًا فِي مَشْيه مِنْ شِدَّة الضَّعْف , وَالتَّهَادِي التَّمَايُل فِي الْمَشْي الْبَطِيء , وَقَوْله \" يَخُطَّانِ الْأَرْض \" أَيْ لَمْ يَكُنْ يَقْدِر عَلَى تَمْكِينهمَا مِنْ الْأَرْض , وَسَقَطَ لَفْظ \" الْأَرْض \" مِنْ رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ , وَفِي رِوَايَة عَاصِم الْمَذْكُورَة عِنْدَ اِبْن حِبَّانَ \" إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى بُطُون قَدَمَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( بَيْن رَجُلَيْنِ ) ‏ ‏فِي الْحَدِيث الثَّانِي مِنْ حَدِيثَيْ الْبَاب أَنَّهُمَا الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَمِثْله فِي رِوَايَة مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَاصِم الْمَذْكُورَة \" وَجَدَ خِفَّة مِنْ نَفْسه فَخَرَجَ بَيْنَ بَرِيرَةَ وَنُوبَةَ \" وَيُجْمَع كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ بِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْبَيْت إِلَى الْمَسْجِد بَيْنَ هَذَيْنِ , وَمِنْ ثَمَّ إِلَى مَقَام الصَّلَاة بَيْنَ الْعَبَّاس وَعَلِيّ , أَوْ يُحْمَلُ عَلَى التَّعَدُّد , وَيَدُلّ عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّهُ خَرَجَ بَيْنَ أُسَامَة بْن زَيْد وَالْفَضْل بْن الْعَبَّاس. وَأَمَّا مَا فِي مُسْلِم أَنَّهُ خَرَجَ بَيْنَ الْفَضْل بْن الْعَبَّاس وَعَلِيّ فَذَاكَ فِي حَال مَجِيئِهِ إِلَى بَيْت عَائِشَة. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏نُوبَةُ بِضَمِّ النُّون وَبِالْمُوَحَّدَةِ ذَكَرَهُ بَعْضهمْ فِي النِّسَاء الصَّحَابِيَّات فَوَهِمَ , وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدٌ أَسْوَدُ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ سَيْف فِي كِتَاب الرِّدَّة , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ فِي صَحِيح اِبْن خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ \" خَرَجَ بَيْنَ بَرِيرَةَ وَرَجُل آخَرَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَرَادَ أَبُو بَكْر ) ‏ ‏زَادَ أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش \" فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْر حِسَّهُ \" وَفِي رِوَايَة أَرْقَمَ بْن شُرَحْبِيلَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَلَمَّا أَحَسَّ النَّاس بِهِ سَبَّحُوا \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَغَيْره بِإِسْنَادٍ حَسَن. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ مَكَانَك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَاصِم الْمَذْكُورَة \" أَنْ اُثْبُتْ مَكَانَك \" وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِأَنْ لَا يَتَأَخَّر. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أُتِيَ بِهِ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِضَمِّ الْهَمْزَة. وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِأَمْرِهِ وَلَفْظه \" فَقَالَ أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ , فَأَجْلَسَاهُ \" وَعَيَّنَ أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش فِي إِسْنَاد حَدِيث الْبَاب - كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَاب - مَكَانَ الْجُلُوس فَقَالَ فِي رِوَايَته \" حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَار أَبِي بَكْر \" وَهَذَا هُوَ مَقَام الْإِمَام , وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِيهِ. وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ شَارِحُ مُسْلِمٍ لَمَّا حَكَى الْخِلَاف هَلْ كَانَ أَبُو بَكْر إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا ؟ فَقَالَ : لَمْ يَقَع فِي الصَّحِيح بَيَان جُلُوسه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كَانَ عَنْ يَمِين أَبِي بَكْر أَوْ عَنْ يَسَاره. اِنْتَهَى. وَرِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَةَ هَذِهِ عِنْدَ مُسْلِم أَيْضًا , فَالْعَجَب مِنْهُ كَيْفَ يَغْفُلُ عَنْ ذَلِكَ فِي حَال شَرْحِهِ لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ لِلْأَعْمَشِ إِلَخْ ) ‏ ‏ظَاهِرُهَا الِانْقِطَاع , لِأَنَّ الْأَعْمَشَ لَمْ يُسْنِدْهُ , لَكِنْ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْهُ ذِكْرُ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِالْحَدِيثِ , وَكَذَا فِي رِوَايَة مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة وَغَيْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ) ‏ ‏هُوَ الطَّيَالِسِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( بَعْضَهُ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ الضَّمِير , وَرِوَايَته هَذِهِ وَصَلَهَا الْبَزَّار قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ بِهِ وَلَفْظه \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُقَدَّم بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْر , كَذَا رَوَاهُ مُخْتَصَرًا , وَهُوَ مُوَافِق لِقَضِيَّةِ حَدِيث الْبَاب , لَكِنْ رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار عَنْ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدِهِ هَذَا عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" مِنْ النَّاس مَنْ يَقُول : كَانَ أَبُو بَكْر الْمُقَدَّم بَيْنَ يَدَيْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّفّ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُقَدَّم \" وَرَوَاهُ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْر \" أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُنْذِرِ , وَهَذَا عَكْسُ رِوَايَة أَبِي مُوسَى , وَهُوَ اِخْتِلَافٌ شَدِيدٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَسْرُوق عَنْهَا أَيْضًا اِخْتِلَاف فَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ رِوَايَة عَاصِم عَنْ شَقِيق عَنْهُ بِلَفْظِ \" كَانَ أَبُو بَكْر يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ , وَالنَّاس يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ \" وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَة شُعْبَةَ عَنْ نُعَيْم بْن أَبِي هِنْد عَنْ شَقِيق بِلَفْظِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْر \" وَظَاهِر رِوَايَة مُحَمَّد بْن بَشَّار أَنَّ عَائِشَة لَمْ تُشَاهِد الْهَيْئَةَ الْمَذْكُورَةَ , وَلَكِنْ تَضَافَرَتْ الرِّوَايَات عَنْهَا بِالْجَزْمِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ هُوَ الْإِمَام فِي تِلْكَ الصَّلَاة , مِنْهَا رِوَايَة مُوسَى اِبْن أَبِي عَائِشَة الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا فَفِيهَا \" فَجَعَلَ أَبُو بَكْر يُصَلِّي بِصَلَاةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاس بِصَلَاةِ أَبِي بَكْر \" وَهَذِهِ رِوَايَةُ زَائِدَةَ بْن قُدَامَةَ عَنْ مُوسَى , وَخَالَفَهُ شُعْبَة أَيْضًا فَرَوَاهُ عَنْ مُوسَى بِلَفْظِ \" أَنَّ أَبَا بَكْر صَلَّى بِالنَّاسِ وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّفّ خَلْفَهُ \" فَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ سَلَكَ التَّرْجِيح فَقَدَّمَ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ مَأْمُومًا لِلْجَزْمِ بِهَا , وَلِأَنَّ أَبَا مُعَاوِيَة أَحْفَظُ فِي حَدِيث الْأَعْمَش مِنْ غَيْره , وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَكَ عَكْسَ ذَلِكَ وَرَجَّحَ أَنَّهُ كَانَ إِمَامًا , وَتَمَسَّكَ بِقَوْلِ أَبِي بَكْر فِي \" بَاب مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاس \" حَيْثُ قَالَ \" مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَتَقَدَّم بَيْنَ يَدَيْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَكَ الْجَمْعَ فَحَمَلَ الْقِصَّة عَلَى التَّعَدُّد. ‏ ‏وَأَجَابَ عَنْ قَوْل أَبِي بَكْر كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابه. وَيُؤَيِّدهُ اِخْتِلَاف النَّقْل عَنْ الصَّحَابَة غَيْرَ عَائِشَة , فَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ مَأْمُومًا كَمَا سَيَأْتِي فِي رِوَايَة مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة , وَكَذَا فِي رِوَايَة أَرْقَمَ بْن شُرَحْبِيلَ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَحَدِيث أَنَس فِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ إِمَامًا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره مِنْ رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ ثَابِت عَنْهُ بِلَفْظِ \" آخِر صَلَاة صَلَّاهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَ أَبِي بَكْر فِي ثَوْبٍ \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس فَلَمْ يَذْكُر ثَابِتًا , وَسَيَأْتِي بَيَان مَا تَرَتَّبَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَاف مِنْ الْحُكْمِ فِي \" بَاب إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَام لِيُؤْتَمَّ بِهِ \" قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش : جَلَسَ عَنْ يَسَار أَبِي بَكْر فَكَانَ أَبُو بَكْر يُصَلِّي قَائِمًا ) ‏ ‏يَعْنِي رَوَى الْحَدِيث الْمَذْكُور أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش كَمَا رَوَاهُ حَفْص بْن غِيَاث مُطَوَّلًا وَشُعْبَة مُخْتَصَرًا كُلّهمْ عَنْ الْأَعْمَش بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور , فَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَة مَا ذُكِرَ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى الْمَكَان الَّذِي وَصَلَهُ الْمُصَنِّف فِيهِ. وَغَفَلَ مُغَلْطَايْ وَمَنْ تَبِعَهُ فَنَسَبُوا وَصْلَهُ إِلَى رِوَايَة اِبْن نُمَيْرٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة فِي صَحِيح اِبْن حِبَّانَ , وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ مِنْ وَجْهَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا أَنَّ رِوَايَةَ اِبْن نُمَيْر لَيْسَ فِيهَا عَنْ يَسَار أَبِي بَكْر , ‏ ‏وَالثَّانِي أَنَّ نِسْبَتَهُ إِلَى تَخْرِيج صَاحِب الْكِتَاب أَوْلَى مِنْ نِسْبَتِهِ لِغَيْرِهِ فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "625",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ الْأَرْضَ وَكَانَ بَيْنَ ‏ ‏الْعَبَّاسِ ‏ ‏وَرَجُلٍ آخَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَذَكَرْتُ ذَلِكَ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏مَا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقَالَ لِي وَهَلْ تَدْرِي مَنْ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏قُلْتُ لَا قَالَ هُوَ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( لَمَّا ثَقُلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ) ‏ ‏أَيْ اِشْتَدَّ بِهِ مَرَضه , يُقَال ثَقُلَ فِي مَرَضه إِذَا رَكَدَتْ أَعْضَاؤُهُ عَنْ خِفَّةِ الْحَرَكَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَذِنَّ لَهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد النُّون أَيْ الْأَزْوَاج , وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الذَّال وَتَخْفِيف النُّون عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث الزُّهْرِيِّ هَذَا فِي \" بَاب الْغُسْل وَالْوُضُوء مِنْ الْمُخَضَّب \" وَفِيهِ زِيَادَة عَلَى الَّذِي هُنَا , وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عَائِشَة عَنْ عُبَيْد اللَّه شَيْخ الزُّهْرِيِّ وَسِيَاقه أَتَمُّ مِنْ سِيَاق الزُّهْرِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ هُوَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ \" وَلَكِنَّ عَائِشَة لَا تَطِيبُ نَفْسًا لَهُ بِخَيْرٍ \" وَلِابْنِ إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَنْ الزُّهْرِيّ \" وَلَكِنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَذْكُرَهُ بِخَيْرٍ \" وَلَمْ يَقِف الْكَرْمَانِيُّ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَة فَعَبَّرَ عَنْهَا بِعِبَارَةٍ شَنِيعَةٍ , وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ تَنَطَّعَ فَقَالَ لَا يَجُوز أَنْ يُظَنَّ ذَلِكَ بِعَائِشَةَ , وَرَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا أَبْهَمَتْ الثَّانِي لِكَوْنِهِ لَمْ يَتَعَيَّن فِي جَمِيع الْمَسَافَة إِذْ كَانَ تَارَةً يَتَوَكَّأ عَلَى الْفَضْل وَتَارَةً عَلَى أُسَامَة وَتَارَةً عَلَى عَلِيّ , وَفِي جَمِيع ذَلِكَ الرَّجُلُ الْآخَرُ هُوَ الْعَبَّاس , وَاخْتُصَّ بِذَلِكَ إِكْرَامًا لَهُ , وَهَذَا تَوَهُّمٌ مِمَّنْ قَالَهُ وَالْوَاقِع خِلَافه , لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس فِي جَمِيع الرِّوَايَات الصَّحِيحَة جَازِم بِأَنَّ الْمُبْهَم عَلِيٌّ فَهُوَ الْمُعْتَمَد وَاللَّهُ أَعْلَم. وَدَعْوَى وُجُودِ الْعَبَّاس فِي كُلّ مَرَّة وَاَلَّذِي يَتَبَدَّل غَيْرُهُ مَرْدُودَةٌ بِدَلِيلِ رِوَايَة عَاصِم الَّتِي قَدَّمْت الْإِشَارَةَ إِلَيْهَا وَغَيْرهَا صَرِيح فِي أَنَّ الْعَبَّاس لَمْ يَكُنْ فِي مَرَّة وَلَا فِي مَرَّتَيْنِ مِنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَم. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا مَضَى تَقْدِيم أَبِي بَكْر , وَتَرْجِيحه عَلَى جَمِيع الصَّحَابَة , وَفَضِيلَة عُمَر بَعْدَهُ , وَجَوَاز الثَّنَاء فِي الْوَجْه لِمَنْ أُمِنَ عَلَيْهِ الْإِعْجَاب , وَمُلَاطَفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَزْوَاجِهِ وَخُصُوصًا لِعَائِشَةَ , وَجَوَاز مُرَاجَعَة الصَّغِير الْكَبِير , وَالْمُشَاوَرَة فِي الْأَمْر الْعَامِّ , وَالْأَدَب مَعَ الْكَبِير لِهَمِّ أَبِي بَكْر بِالتَّأَخُّرِ عَنْ الصَّفّ , وَإِكْرَام الْفَاضِل لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَأَخَّر حَتَّى يَسْتَوِيَ مَعَ الصَّفّ فَلَمْ يَتْرُكهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَزَحْزَح عَنْ مَقَامِهِ. فِيهِ أَنَّ الْبُكَاء وَلَوْ كَثُرَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاة لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ حَالَ أَبِي بَكْر فِي رِقَّة الْقَلْب وَكَثْرَة الْبُكَاء لَمْ يَعْدِل عَنْهُ , وَلَا نَهَاهُ عَنْ الْبُكَاء , وَأَنَّ الْإِيمَاء يَقُوم مَقَامَ النُّطْق , وَاقْتِصَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِشَارَة يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون لِضَعْفِ صَوْته , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّ مُخَاطَبَة مَنْ يَكُون فِي الصَّلَاة بِالْإِيمَاءِ أَوْلَى مِنْ النُّطْق , وَفِيهِ تَأْكِيدُ أَمْر الْجَمَاعَة وَالْأَخْذ فِيهَا بِالْأَشَدِّ وَإِنْ كَانَ الْمَرَض يُرَخِّص فِي تَرْكهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ جَوَاز الْأَخْذ بِالْأَشَدِّ وَإِنْ كَانَتْ الرُّخْصَة أَوْلَى , وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَعْذُرَ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّة بَعْدَهُ نَفْسَهُ بِأَدْنَى عُذْر فَيَتَخَلَّفَ عَنْ الْإِمَامَة , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون قَصَدَ إِفْهَام النَّاس أَنَّ تَقْدِيمه لِأَبِي بَكْر كَانَ لِأَهْلِيَّتِهِ لِذَلِكَ حَتَّى إِنَّهُ صَلَّى خَلْفَهُ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز اِسْتِخْلَاف الْإِمَام لِغَيْرِ ضَرُورَة لِصَنِيعِ أَبِي بَكْر , وَعَلَى جَوَاز مُخَالَفَة مَوْقِف الْمَأْمُوم لِلضَّرُورَةِ كَمَنْ قَصَدَ أَنْ يُبَلِّغَ عَنْهُ , وَيَلْتَحِق بِهِ مَنْ زَحَمَ عَنْ الصَّفّ , وَعَلَى جَوَاز اِئْتِمَام بَعْض الْمَأْمُومِينَ بِبَعْضٍ وَهُوَ قَوْل الشَّعْبِيِّ وَاخْتِيَار الطَّبَرِيِّ وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ كَمَا سَيَأْتِي , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ أَبَا بَكْر إِنَّمَا كَانَ مُبَلِّغًا كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب مَنْ أَسْمَعَ النَّاس التَّكْبِير \" مِنْ رِوَايَة أُخْرَى عَنْ الْأَعْمَش , وَكَذَا ذَكَرَهُ مُسْلِم عَلَى هَذَا , فَمَعْنَى الِاقْتِدَاء اِقْتِدَاؤُهُمْ بِصَوْتِهِ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِسًا وَكَانَ أَبُو بَكْر قَائِمًا فَكَانَ بَعْض أَفْعَاله يَخْفَى عَلَى بَعْض الْمَأْمُومِينَ فَمِنْ ثَمَّ كَانَ أَبُو بَكْر كَالْإِمَامِ فِي حَقِّهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَفِيهِ اِتِّبَاع صَوْت الْمُكَبِّر , وَصِحَّة صَلَاة الْمُسْتَمِع وَالسَّامِع , وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ فِي صِحَّته تَقَدُّمَ إِذْن الْإِمَام , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الطَّبَرِيُّ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ الِاقْتِدَاء بِهِ وَيَقْتَدِيَ هُوَ بِغَيْرِهِ مِنْ غَيْر أَنْ يَقْطَعَ الصَّلَاة. وَعَلَى جَوَاز إِنْشَاء الْقُدْوَة فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاة , وَعَلَى جَوَاز تَقَدُّمِ إِحْرَام الْمَأْمُوم عَلَى الْإِمَام بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ دَخَلَ فِي الصَّلَاة ثُمَّ قَطَعَ الْقُدْوَة وَائْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ ظَاهِر الرِّوَايَة. وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا أَنَّ فِي رِوَايَة أَرْقَمَ بْن شُرَحْبِيلَ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" فَابْتَدَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِرَاءَة مِنْ حَيْثُ اِنْتَهَى أَبُو بَكْر , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّة صَلَاة الْقَادِر عَلَى الْقِيَام قَائِمًا خَلْفَ الْقَاعِد خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ مُطْلَقًا وَلِأَحْمَدَ حَيْثُ أَوْجَبَ الْقُعُودَ عَلَى مَنْ يُصَلِّي خَلْفَ الْقَاعِد كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَام لِيُؤْتَمَّ بِهِ \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "626",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ ثُمَّ قَالَ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ يَقُولُ ‏ ‏أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "627",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلَّى فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنْ الْبَيْتِ فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "628",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْحَمِيدِ ‏ ‏صَاحِبُ ‏ ‏الزِّيَادِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ خَطَبَنَا ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فِي يَوْمٍ ‏ ‏ذِي رَدْغٍ ‏ ‏فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ قُلْ ‏ ‏الصَّلَاةُ فِي ‏ ‏الرِّحَالِ ‏ ‏فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَكَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا فَقَالَ كَأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ هَذَا إِنَّ هَذَا فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي ‏ ‏يَعْنِي النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّهَا عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏حَمَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏نَحْوَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ كَرِهْتُ أَنْ أُؤَثِّمَكُمْ فَتَجِيئُونَ تَدُوسُونَ الطِّينَ إِلَى رُكَبِكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب الرُّخْصَة فِي الْمَطَر وَالْعِلَّة أَنْ يُصَلِّيَ فِي رَحْله ) ‏ ‏ذِكْر الْعِلَّة مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصّ لِأَنَّهَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُون بِالْمَطَرِ أَوْ غَيْره , وَالصَّلَاة فِي الرَّحْل أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُون بِجَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا لَكِنَّهَا مَظِنَّة الِانْفِرَاد , وَالْمَقْصُود الْأَصْلِيّ فِي الْجَمَاعَة إِيقَاعهَا فِي الْمَسْجِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث اِبْن عُمَر فِي كِتَاب الْأَذَان , وَعَلَى حَدِيث عِتْبَانَ فِي \" بَاب الْمَسَاجِد فِي الْبُيُوت \" وَسِيَاقه هُنَاكَ أَتَمُّ , وَإِسْمَاعِيل شَيْخه هُنَا هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْسٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "629",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏جَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ السَّقْفُ وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ ‏",
        "sharh": "قَوْله \" سَأَلْت أَبَا سَعِيد \" أَيْ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْر. ‏"
    },
    {
        "id": "630",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا فَصَنَعَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَعَامًا فَدَعَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ فَبَسَطَ لَهُ حَصِيرًا ‏ ‏وَنَضَحَ ‏ ‏طَرَفَ الْحَصِيرِ ‏ ‏فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ آلِ ‏ ‏الْجَارُودِ ‏ ‏لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي الضُّحَى قَالَ مَا رَأَيْتُهُ صَلَّاهَا إِلَّا يَوْمَئِذٍ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي حَدِيث أَنَس ‏ ‏( قَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏قِيلَ إِنَّهُ عِتْبَانُ بْن مَالِك , وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لِتَقَارُبِ الْقِصَّتَيْنِ , لَكِنْ لَمْ أَرَ ذَلِكَ صَرِيحًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ الْآتِيَة أَنَّهُ بَعْض عُمُومَة أَنَس وَلَيْسَ عِتْبَانُ عَمًّا لِأَنَسٍ إِلَّا عَلَى سَبِيل الْمَجَاز لِأَنَّهُمَا مِنْ قَبِيلَةٍ وَاحِدَة وَهِيَ الْخَزْرَج لَكِنْ كُلّ مِنْهُمَا مِنْ بَطْن. ‏ ‏قَوْله : ( مَعَك ) ‏ ‏أَيْ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِد. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا ) ‏ ‏أَيْ سَمِينًا , وَفِي هَذَا الْوَصْف إِشَارَة إِلَى عِلَّة تَخَلُّفِهِ , وَقَدْ عَدَّهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ الْأَعْذَار الْمُرَخِّصَةِ فِي التَّأَخُّر عَنْ الْجَمَاعَة , وَزَادَ عَبْد الْحَمِيد عَنْ أَنَس \" وَإِنِّي أُحِبّ أَنْ تَأْكُل فِي بَيْتِي وَتُصَلِّيَ فِيهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَبَسَطَ لَهُ حَصِيرًا ) ‏ ‏سَبَقَ الْكَلَام فِيهِ فِي حَدِيث أَنَس فِي أَوَائِل الصَّلَاة فِي \" بَاب الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِير \". ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏زَادَ عَبْدُ الْحَمِيدِ \" فَصَلَّى وَصَلَّيْنَا مَعَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل مِنْ آلِ الْجَارُودِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ عَنْ شُعْبَةَ الْآتِيَة لِلْمُصَنِّفِ فِي صَلَاة الضُّحَى \" فَقَالَ فُلَان اِبْن فُلَان بْنُ الْجَارُود \" وَكَأَنَّهُ عَبْد الْحَمِيد بْن الْمُنْذِرِ بْن الْجَارُود الْبَصْرِيّ , وَذَلِكَ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة شُعْبَةَ , وَأَخْرَجَهُ فِي مَوْضِع آخَر مِنْ رِوَايَة خَالِد الْحَذَّاءِ كِلَاهُمَا عَنْ أَنَس اِبْن سِيرِينَ عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن الْمُنْذِر بْن الْجَارُود عَنْ أَنَس , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَابْن حِبَّانَ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه اِبْن عَوْن عَنْ أَنَس بْن سِيرِينَ عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن الْمُنْذِرِ بْن الْجَارُود عَنْ أَنَس , فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ اِنْقِطَاعًا , وَهُوَ مُنْدَفِع بِتَصْرِيحِ أَنَس بْن سِيرِينَ عِنْدَهُ بِسَمَاعِهِ مِنْ أَنَس , فَحِينَئِذٍ رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ إِمَّا مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد , وَإِمَّا أَنْ يَكُون فِيهَا وَهْمٌ لِكَوْنِ اِبْن الْجَارُود كَانَ حَاضِرًا عِنْدَ أَنَس لَمَّا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيث وَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلَهُ مِنْ ذَلِكَ , فَظَنَّ بَعْض الرُّوَاة أَنَّ لَهُ فِيهِ رِوَايَة. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى فَوَائِده فِي \" بَاب صَلَاة الضُّحَى \" وَمُطَابَقَته لِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِمَّا مِنْ جِهَة مَا يَلْزَم مِنْ الرُّخْصَة لِمَنْ لَهُ عُذْر أَنْ يَتَخَلَّف عَنْ الْحُضُور فَإِنَّ ضَرُورَة مُوَاظَبَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّلَاة بِالْجَمَاعَةِ أَنْ يُصَلِّيَ بِمَنْ بَقِيَ , وَإِمَّا مِنْ جِهَة مَا وَرَدَ فِي طَرِيق عَبْد الْحَمِيد الْمَذْكُورَة حَيْثُ قَالَ أَنَس \" فَصَلَّى وَصَلَّيْنَا مَعَهُ \" فَإِنَّهُ مُطَابِق لِقَوْلِهِ \" وَهَلْ يُصَلِّي بِمَنْ حَضَرَ \" وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "631",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان , وَقَدْ أَخْرَجَهُ السَّرَّاج مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد الْأُمَوِيّ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة أَيْضًا لَكِنَّ لَفْظه \" إِذَا حَضَرَ \" وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الْأَطْعِمَة مِنْ طَرِيق سُفْيَان عَنْ هِشَام بِلَفْظِ \" إِذَا حَضَرَ \" وَقَالَ بَعْدَهُ \" قَالَ يَحْيَى بْن سَعِيد وَوُهَيْبٌ عَنْ هُشَيْمٍ إِذَا وَضَعَ \" اِنْتَهَى. وَرِوَايَة وُهَيْب وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اِبْن نُمَيْر وَحَفْص وَوَكِيع بِلَفْظِ \" إِذَا حَضَرَ \" وَوَافَقَ كُلًّا جَمَاعَةٌ مِنْ الرُّوَاة عَنْ هِشَام , لَكِنَّ الَّذِينَ رَوَوْهُ بِلَفْظِ \" إِذَا وَضَعَ \" كَمَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَكْثَرُ , وَالْفَرْق بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أَنَّ الْحُضُور أَعَمُّ مِنْ الْوَضْع , فَيُحْمَلُ قَوْله \" حَضَرَ \" أَيْ بَيْنَ يَدَيْهِ لِتَأْتَلِفَ الرِّوَايَات لِاتِّحَادِ الْمَخْرَج , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أَنَس الْآتِي بَعْدَهُ بِلَفْظِ \" إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاء \" وَلِمُسْلِمٍ \" إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاء \" وَعَلَى هَذَا فَلَا يُنَاط الْحُكْم بِمَا إِذَا حَضَرَ الْعِشَاء لَكِنَّهُ لَمْ يُقَرَّبْ لِلْأَكْلِ كَمَا لَوْ لَمْ يُقَرَّبْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأُقِيمَتْ الصَّلَاة ) ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الْأَلِف وَاللَّام فِي \" الصَّلَاة \" لَا يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الِاسْتِغْرَاق وَلَا عَلَى تَعْرِيف الْمَاهِيَّة , بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْمَغْرِب , لِقَوْلِهِ \" فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ \" وَيَتَرَجَّح حَمْلُهُ عَلَى الْمَغْرِب لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا الْمَغْرِبَ \" وَالْحَدِيث يُفَسِّر بَعْضُهُ بَعْضًا , وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة \" إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأَحَدُكُمْ صَائِم \" اِنْتَهَى. وَسَنَذْكُرُ مَنْ أَخْرَجَ هَذِهِ الرِّوَايَة فِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث الثَّانِي. وَقَالَ الْفَاكِهَانِيّ : يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُوم نَظَرًا إِلَى الْعِلَّة وَهِيَ التَّشْوِيش الْمُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْخُشُوع , وَذِكْرُ الْمَغْرِب لَا يَقْتَضِي حَصْرًا فِيهَا لِأَنَّ الْجَائِع غَيْرُ الصَّائِم قَدْ يَكُون أَشْوَقَ إِلَى الْأَكْل مِنْ الصَّائِم. اِنْتَهَى. وَحَمْلُهُ عَلَى الْعُمُوم إِنَّمَا هُوَ بِالنَّطْرِ إِلَى الْمَعْنَى إِلْحَاقًا لِلْجَائِعِ بِالصَّائِمِ وَلِلْغَدَاءِ بِالْعَشَاءِ لَا بِالنَّظَرِ إِلَى اللَّفْظ الْوَارِد. ‏ ‏قَوْله : ( فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ ) ‏ ‏حَمَلَ الْجُمْهُور هَذَا الْأَمْر عَلَى النَّدْب , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا : فَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِمَنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى الْأَكْل وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْدَ الشَّافِعِيَّة , وَزَادَ الْغَزَالِيّ مَا إِذَا خَشِيَ فَسَاد الْمَأْكُول , وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُقَيِّدهُ وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَعَلَيْهِ يَدُلّ فِعْلُ اِبْن عُمَر الْآتِي , وَأَفْرَطَ اِبْن حَزْمٍ فَقَالَ : تَبْطُلُ الصَّلَاة. ‏ ‏وَمِنْهُمْ مَنْ اِخْتَارَ الْبُدَاءَة بِالصَّلَاةِ إِلَّا إِنْ كَانَ الطَّعَام خَفِيفًا نَقَلَهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ مَالِك , وَعِنْدَ أَصْحَابه تَفْصِيل ‏ ‏قَالُوا : يُبْدَأ بِالصَّلَاةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقَ النَّفْسِ بِالْأَكْلِ , أَوْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ لَكِنْ لَا يُعَجِّلُهُ عَنْ صَلَاته , فَإِنْ كَانَ يُعَجِّلهُ عَنْ صَلَاته بَدَأَ بِالطَّعَامِ وَاسْتُحِبَّتْ لَهُ الْإِعَادَةُ. ‏"
    },
    {
        "id": "632",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُقَيْلٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَدَّثَنِي عُقَيْل \" وَعِنْدَهُ أَيْضًا عَنْ اِبْن شِهَاب \" أَخْبَرَنِي أَنَس \". ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاء ) ‏ ‏زَادَ اِبْن حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط مِنْ رِوَايَة مُوسَى بْن أَعْيَنَ عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ اِبْن شِهَاب \" وَأَحَدُكُمْ صَائِمٌ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْبٍ عَنْ عَمْرو بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة , وَذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ مُوسَى بْن أَعْيَنَ تَفَرَّدَ بِهَا. اِنْتَهَى. وَمُوسَى ثِقَة مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَعَجَّلُوا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاة وَبِفَتْحِهَا وَالْجِيم مَفْتُوحَة فِيهِمَا , وَيُرْوَى بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْر الْجِيم. ‏"
    },
    {
        "id": "633",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ وَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏وَوَهْبُ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ وَإِنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَهْبِ بْنِ عُثْمَانَ ‏ ‏وَوَهْبٌ ‏ ‏مَدِينِيٌّ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي حَدِيث اِبْن عُمَر ‏ ‏( إِذَا وُضِعَ عَشَاء أَحَدكُمْ ) ‏ ‏هَذَا أَخَصُّ مِنْ الرِّوَايَة الْمَاضِيَة حَيْثُ قَالَ \" إِذَا وُضِعَ الْعَشَاء \" فَيُحْمَل الْعَشَاء فِي تِلْكَ الرِّوَايَة عَلَى عَشَاء مَنْ يُرِيد الصَّلَاة , فَلَوْ وُضِعَ عَشَاء غَيْره لَمْ يَدْخُل فِي ذَلِكَ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَال بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى : لَوْ كَانَ جَائِعًا وَاشْتَغَلَ خَاطِره بِطَعَامِ غَيْرِهِ كَانَ كَذَلِكَ , وَسَبِيلُهُ أَنْ يَنْتَقِل عَنْ ذَلِكَ الْمَكَان أَوْ يَتَنَاوَلَ مَأْكُولًا يُزِيل شُغْلَ بَاله لِيَدْخُلَ فِي الصَّلَاة وَقَلْبُهُ فَارِغٌ , وَيُؤَيِّد هَذَا الِاحْتِمَال عُمُومُ قَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عَائِشَة \" لَا صَلَاة بِحَضْرَةِ طَعَامٍ \" الْحَدِيثَ , وَقَوْل أَبِي الدَّرْدَاء الْمَاضِي إِقْبَاله عَلَى حَاجَته. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَعْجَلْ ) ‏ ‏أَيْ أَحَدكُمْ الْمَذْكُور أَوَّلًا , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَفْرَدَ قَوْله \" يَعْجَلْ \" نَظَرًا إِلَى لَفْظ أَحَدٍ , وَجَمَعَ قَوْله \" فَابْدَءُوا \" نَظَرًا إِلَى لَفْظ كُمْ , وَقَالَ : وَالْمَعْنَى إِذَا وُضِعَ عَشَاء أَحَدكُمْ فَابْدَءُوا أَنْتُمْ بِالْعَشَاءِ وَلَا يَعْجَلْ هُوَ حَتَّى يَفْرُغَ مَعَكُمْ مِنْهُ. اِنْتَهَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول عَطْفًا عَلَى الْمَرْفُوع , وَقَدْ رَوَاهُ السَّرَّاج مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع فَذَكَرَ الْمَرْفُوع ثُمَّ قَالَ \" قَالَ نَافِع : وَكَانَ اِبْن عُمَر إِذَا حَضَرَ عَشَاؤُهُ وَسَمِعَ الْإِقَامَة وَقِرَاءَة الْإِمَام لَمْ يَقُمْ حَتَّى يَفْرُغَ \" وَرَوَاهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ نَافِع \" أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِب إِذَا غَابَتْ الشَّمْس. وَكَانَ أَحْيَانًا يَلْقَاهُ وَهُوَ صَائِم فَيُقَدَّمُ لَهُ عَشَاؤُهُ وَقَدْ نُودِيَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ تُقَام وَهُوَ يَسْمَع فَلَا يَتْرُكُ عَشَاءَهُ , وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ عَشَاءَهُ , ثُمَّ يَخْرُجَ فَيُصَلِّيَ \" اِنْتَهَى , وَهَذَا أَصْرَحُ مَا وَرَدَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّهُ يَسْمَع ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَإِنَّهُ لَيَسْمَع \" بِزِيَادَةِ لَام التَّأْكِيد فِي أَوَّله. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة الْجُعْفِيُّ , وَطَرِيقه هَذِهِ مَوْصُولَة عِنْد أَبِي عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجه , وَأَمَّا رِوَايَة وَهْب بْن عُثْمَان فَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّف أَنَّ إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر رَوَاهَا عَنْهُ , وَإِبْرَاهِيم مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ وَافَقَ زُهَيْرًا وَوَهْبًا أَبُو ضَمْرَة عِنْدَ مُسْلِم وَأَبُو بَدْر عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ وَالدَّرَاوَرْدِيّ عِنْدَ السَّرَّاج كُلُّهُمْ عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة , قَالَ النَّوَوِيّ : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث كَرَاهَة الصَّلَاة بِحَضْرَةِ الطَّعَام الَّذِي يُرِيد أَكْلَهُ , لِمَا فِيهِ مِنْ ذَهَاب كَمَالِ الْخُشُوع , وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يَشْغَلُ الْقَلْبَ , وَهَذَا إِذَا كَانَ فِي الْوَقْت سَعَةٌ , فَإِنْ ضَاقَ صَلَّى عَلَى حَاله مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَة الْوَقْت وَلَا يَجُوز التَّأْخِير , وَحَكَى الْمُتَوَلِّي وَجْهًا أَنَّهُ يَبْدَأ بِالْأَكْلِ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْت , لِأَنَّ مَقْصُود الصَّلَاة الْخُشُوع فَلَا يَفُوتُهُ. اِنْتَهَى. وَهَذَا إِنَّمَا يَجِيء عَلَى قَوْل مَنْ يُوجِب الْخُشُوعَ , ثُمَّ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمَفْسَدَتَيْنِ إِذَا تَعَارَضَتَا اِقْتَصَرَ عَلَى أَخَفِّهِمَا , وَخُرُوج الْوَقْت أَشَدُّ مِنْ تَرْكِ الْخُشُوع بِدَلِيلِ صَلَاة الْخَوْف وَالْغَرِيق وَغَيْرِ ذَلِكَ , وَإِذَا صَلَّى لِمُحَافَظَةِ الْوَقْت صَحَّتْ مَعَ الْكَرَاهَة وَتُسْتَحَبُّ الْإِعَادَة عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَادَّعَى اِبْن حَزْمٍ أَنَّ فِي الْحَدِيث دَلَالَةً عَلَى اِمْتِدَاد الْوَقْت فِي حَقّ مَنْ وُضِعَ لَهُ الطَّعَام وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْت الْمَحْدُود , وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي حَقّ النَّائِم وَالنَّاسِي , وَاسْتَدَلَّ النَّوَوِيّ وَغَيْرُهُ بِحَدِيثِ أَنَس عَلَى اِمْتِدَاد وَقْت الْمَغْرِب , وَاعْتَرَضَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد بِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ التَّوْسِعَةُ إِلَى غُرُوب الشَّفَق فَفِيهِ نَظَرٌ , وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ التَّوْسِعَة فَمُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لَيْسَ مَحَلَّ الْخِلَاف الْمَشْهُور , فَإِنَّ بَعْض مَنْ ذَهَبَ إِلَى ضِيقِ وَقْتهَا جَعَلَهُ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ يَدْخُلُ فِيهِ مِقْدَارُ مَا يَتَنَاوَلُ لُقَيْمَاتٍ يَكْسِرُ بِهَا سُورَةَ الْجُوع. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيّ عَلَى أَنَّ شُهُود صَلَاة الْجَمَاعَة لَيْسَ بِوَاجِبٍ , لِأَنَّ ظَاهِره أَنَّهُ يَشْتَغِل بِالْأَكْلِ وَإِنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ بَعْض مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْوُجُوب كَابْنِ حِبَّانَ جَعَلَ حُضُور الطَّعَام عُذْرًا فِي تَرْكِ الْجَمَاعَة فَلَا دَلِيلَ فِيهِ حِينَئِذٍ عَلَى إِسْقَاط الْوُجُوب مُطْلَقًا , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى تَقْدِيم فَضِيلَة الْخُشُوع فِي الصَّلَاة عَلَى فَضِيلَة أَوَّل الْوَقْت , وَاسْتَدَلَّ بَعْض الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَابِلَة بِقَوْلِهِ \" فَابْدَءُوا \" عَلَى تَخْصِيص ذَلِكَ بِمَنْ لَمْ يَشْرَع فِي الْأَكْل , وَأَمَّا مَنْ شَرَعَ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَلَا يَتَمَادَى بَلْ يَقُوم إِلَى الصَّلَاة , قَالَ النَّوَوِيّ : وَصَنِيع اِبْن عُمَر يُبْطِلُ ذَلِكَ , وَهُوَ الصَّوَاب. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ صَنِيع اِبْن عُمَر اِخْتِيَار لَهُ وَإِلَّا فَالنَّظَر إِلَى الْمَعْنَى يَقْتَضِي مَا ذَكَرُوهُ , لِأَنَّهُ يَكُون قَدْ أَخَذَ مِنْ الطَّعَام مَا دَفَعَ شُغْلَ الْبَال بِهِ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ حَدِيث عَمْرو بْن أُمَيَّةَ الْمَذْكُور فِي الْبَاب بَعْدَهُ , وَلَعَلَّ ذَلِكَ هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَاد الْمُصَنِّفِ لَهُ عَقِبَهُ , وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور وَابْن أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس \" أَنَّهُمَا كَانَا يَأْكُلَانِ طَعَامًا وَفِي التَّنُّور شِوَاءٌ , فَأَرَادَ الْمُؤَذِّن أَنْ يُقِيمَ فَقَالَ لَهُ اِبْن عَبَّاس : لَا تَعْجَلْ لِئَلَّا نَقُومَ وَفِي أَنْفُسِنَا مِنْهُ شَيْءٌ \". وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَةَ \" لِئَلَّا يَعْرِضَ لَنَا فِي صَلَاتِنَا \" , وَلَهُ عَنْ الْحَسَن اِبْن عَلِيّ قَالَ \" الْعَشَاء قَبْلَ الصَّلَاة يُذْهِبُ النَّفْسَ اللَّوَّامَةَ \" وَفِي هَذَا كُلّه إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْعِلَّة فِي ذَلِكَ تَشَوُّفُ النَّفْس إِلَى الطَّعَام , فَيَنْبَغِي أَنْ يُدَارَ الْحُكْم مَعَ عِلَّتِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا وَلَا يَتَقَيَّدُ بِكُلٍّ وَلَا بَعْضٍ , وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الصَّائِم فَلَا تُكْرَهُ صَلَاته بِحَضْرَةِ الطَّعَام , إِذْ الْمُمْتَنِعُ بِالشَّرْعِ لَا يَشْغَل الْعَاقِل نَفْسَهُ بِهِ , لَكِنْ إِذَا غَلَبَ اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّحَوُّل مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ. ‏ ‏( فَائِدَتَانِ ) : ‏ ‏( الْأُولَى ) قَالَ اِبْن الْجَوْزِيِّ : ظَنَّ قَوْم أَنَّ هَذَا مِنْ بَاب تَقْدِيم حَقّ الْعَبْد عَلَى حَقّ اللَّه , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا هُوَ صِيَانَةً لِحَقِّ الْحَقّ لِيَدْخُل الْخَلْق فِي عِبَادَته بِقُلُوبٍ مُقْبِلَةٍ. ثُمَّ إِنَّ طَعَام الْقَوْم كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا لَا يَقْطَع عَنْ لِحَاقِ الْجَمَاعَة غَالِبًا. ‏ ‏( الثَّانِيَة ) مَا يَقَع فِي بَعْض كُتُب الْفِقْه إِذَا حَضَرَ الْعَشَاء وَالْعِشَاء فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي كُتُبِ الْحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ , كَذَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيّ لِشَيْخِنَا أَبِي الْفَضْل , لَكِنْ رَأَيْت بِخَطِّ الْحَافِظ قُطْبِ الدِّين أَنَّ اِبْن أَبِي شَيْبَةَ أَخْرَجَ عَنْ إِسْمَاعِيل وَهُوَ اِبْن عُلَيَّةَ عَنْ اِبْن إِسْحَاق قَالَ حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه اِبْن رَافِع عَنْ أُمّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا \" إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَحَضَرَتْ الْعِشَاء فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ \" فَإِنْ كَانَ ضَبَطَهُ فَذَاكَ , وَإِلَّا فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْ إِسْمَاعِيل بِلَفْظِ \" وَحَضَرَتْ الصَّلَاة \" ثُمَّ رَاجَعْت مُصَنَّف اِبْن أَبِي شَيْبَة فَرَأَيْت الْحَدِيث فِيهِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "634",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْكُلُ ذِرَاعًا ‏ ‏يَحْتَزُّ ‏ ‏مِنْهَا فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "635",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏مَا كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ كَانَ ‏ ‏يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ ‏ ‏تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ ‏ ‏فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فِي مَهْنَةِ أَهْله ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَكَسْرِهَا وَسُكُون الْهَاء فِيهِمَا , وَقَدْ فَسَّرَهَا فِي الْحَدِيث بِالْخِدْمَةِ , وَهِيَ مِنْ تَفْسِير آدَم بْن أَبِي إِيَاس شَيْخ الْمُصَنِّف لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي الْأَدَب عَنْ حَفْص بْن عُمَر , وَفِي النَّفَقَات عَنْ مُحَمَّد بْن عَرْعَرَةَ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان وَغُنْدَر وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن مَهْدِيّ , وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ كُلّهمْ عَنْ شُعْبَة بِدُونِهَا. وَفِي الصِّحَاح الْمَهْنَة بِالْفَتْحِ الْخِدْمَة , وَهَذَا مُوَافِق لِمَا قَالَهُ , لَكِنْ فَسَّرَهَا صَاحِب الْمُحْكَم بِأَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ : الْمَهْنَة الْحِذْق بِالْخِدْمَةِ وَالْعَمَل. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَحْدَهُ \" فِي مَهْنَة بَيْت أَهْله \" وَهِيَ مُوَجَّهَة مَعَ شُذُوذِهَا , وَالْمُرَاد بِالْأَهْلِ نَفْسه أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي الشَّمَائِل لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ \" مَا كَانَ إِلَّا بَشَرًا مِنْ الْبَشَر : يُفَلِّي ثَوْبه , وَيَحْلُبُ شَاتَه , وَيَخْدُم نَفْسه \" وَلِأَحْمَدَ وَابْن حِبَّانَ مِنْ رِوَايَة عُرْوَةَ عَنْهَا \" يَخِيطُ ثَوْبَهُ , وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ \" وَزَادَ اِبْن حِبَّانَ \" وَيَرْقَعُ دَلْوَهُ \" زَادَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيل \" وَلَا رَأَيْته ضَرَبَ بِيَدِهِ اِمْرَأَةً وَلَا خَادِمًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عَرْعَرَةَ \" فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَان \" وَهُوَ أَخَصُّ. وَوَقَعَ فِي التَّرْجَمَة \" فَأُقِيمَتْ الصَّلَاة \" وَهِيَ أَخَصُّ , وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ حَدِيثهَا الْمُتَقَدِّم فِي \" بَاب مَنْ اِنْتَظَرَ الْإِقَامَة \" فَإِنَّ فِيهِ \" حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ \". وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَاب عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَه التَّشْمِير فِي الصَّلَاة , وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْ كَفِّ الشَّعْرِ وَالثِّيَابِ لِلتَّنْزِيهِ , لِكَوْنِهَا لَمْ تَذْكُرْ أَنَّهُ أَزَاحَ عَنْ نَفْسِهِ هَيْئَةَ الْمَهْنَةِ , كَذَا ذَكَرَهُ اِبْن بَطَّال وَمَنْ تَبِعَهُ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَحْتَاج إِلَى ثُبُوت أَنَّهُ كَانَ لَهُ هَيْئَتَانِ , ثُمَّ لَا يَلْزَم مِنْ تَرْكِ ذِكْر التَّهْيِئَة لِلصَّلَاةِ عَدَم وُقُوعه. وَفِيهِ التَّرْغِيب فِي التَّوَاضُع وَتَرْك التَّكَبُّر وَخِدْمَة الرَّجُل أَهْله وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّف فِي الْأَدَب \" كَيْفَ يَكُون الرَّجُل فِي أَهْله \". ‏"
    },
    {
        "id": "636",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏قَالَ جَاءَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ ‏ ‏فِي مَسْجِدِنَا هَذَا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي لَأُصَلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي فَقُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏كَيْفَ كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي قَالَ مِثْلَ شَيْخِنَا هَذَا قَالَ وَكَانَ شَيْخًا يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا وُهَيْب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن خَالِد , وَالْإِسْنَاد كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي لَأُصَلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدَ الصَّلَاة ) ) ‏ ‏اُسْتُشْكِلَ نَفْيُ هَذِهِ الْإِرَادَة لِمَا يَلْزَم عَلَيْهَا مِنْ وُجُودِ صَلَاة غَيْرِ قُرْبَةٍ وَمِثْلهَا لَا يَصِحّ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الْقُرْبَة وَإِنَّمَا أَرَادَ بَيَان السَّبَب الْبَاعِث لَهُ عَلَى الصَّلَاة فِي غَيْر وَقْت صَلَاة مُعَيَّنَة جَمَاعَةً , وَكَأَنَّهُ قَالَ لَيْسَ الْبَاعِث لِي عَلَى هَذَا الْفِعْل حُضُور صَلَاة مُعَيَّنَةٍ مِنْ أَدَاء أَوْ إِعَادَة أَوْ غَيْر ذَلِكَ , وَإِنَّمَا الْبَاعِث لِي عَلَيْهِ قَصْد التَّعْلِيم , وَكَأَنَّهُ كَانَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ أَحَدُ مَنْ خُوطِبَ بِقَوْلِهِ \" صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي \" كَمَا سَيَأْتِي , وَرَأَى أَنَّ التَّعْلِيم بِالْفِعْلِ أَوْضَحُ مِنْ الْقَوْل , فَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز مِثْل ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَاب التَّشْرِيك فِي الْعِبَادَة. ‏ ‏قَوْله : ( أُصَلِّي ) ‏ ‏زَادَ فِي \" بَاب كَيْفَ يَعْتَمِدُ عَلَى الْأَرْض \" عَنْ مُعَلَّى عَنْ وُهَيْب \" وَلَكِنِّي أُرِيدَ أَنْ أُرِيَكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( مِثْل شَيْخنَا ) ‏ ‏هُوَ عَمْرو بْن سَلَمَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب اللُّبْث بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ \" وَسِيَاقه هُنَاكَ أَتَمُّ , وَنَذْكُرُ فَوَائِده هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏أَخْرَجَ صَاحِب الْعُمْدَة هَذَا الْحَدِيث , وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث مَالِك بْن الْحُوَيْرِثِ. ‏"
    },
    {
        "id": "637",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرِضَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ فَقَالَ ‏ ‏مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ قَالَ مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَعَادَتْ فَقَالَ مُرِي ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَإِنَّكُنَّ ‏ ‏صَوَاحِبُ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَلِيّ الْجُعْفِيُّ , وَالْإِسْنَاد سِوَى الرَّاوِي عَنْهُ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ , وَأَبُو بُرْدَةَ هُوَ اِبْن أَبِي مُوسَى , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ هُنَا أَخُوهُ. ‏ ‏قَوْله : ( رَقِيق ) ‏ ‏أَيْ رَقِيقُ الْقَلْبِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَسْتَطِعْ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْبُكَاءِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَتَاهُ الرَّسُول ) ‏ ‏هُوَ بِلَال. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى أَنْ مَاتَ , وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ مُوسَى اِبْن عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي. ‏"
    },
    {
        "id": "638",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فِي مَرَضِهِ ‏ ‏مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏قُلْتُ إِنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعْ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ فَمُرْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِحَفْصَةَ ‏ ‏قُولِي لَهُ إِنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعْ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ فَمُرْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ فَفَعَلَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَهْ ‏ ‏إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ ‏ ‏صَوَاحِبُ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ فَقَالَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ جَمَاعَة عَنْ مَالِك مَوْصُولًا , وَهُوَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمُوَطَّأ مُرْسَلًا لَيْسَ فِيهِ عَائِشَةُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَهْ ) ‏ ‏هِيَ كَلِمَة زَجْرٍ بُنِيَتْ عَلَى السُّكُونِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لِلنَّاسِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى فَوَائِد هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي \" بَاب حَدِّ الْمَرِيض أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَة \" وَالظَّاهِر أَنَّ حَدِيث أَبِي مُوسَى مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَة , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَلَقَّاهُ عَنْ عَائِشَةَ أَوْ بِلَالٍ , ‏"
    },
    {
        "id": "639",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ ‏ ‏الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ فَكَشَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سِتْرَ الْحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنْ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَكَصَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ ‏ ‏فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ وَأَرْخَى السِّتْرَ فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ سَيَأْتِي فِي الْوَفَاة مِنْ آخِرِ الْمَغَازِي. ‏"
    },
    {
        "id": "640",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمْ يَخْرُجْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثًا فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَذَهَبَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَتَقَدَّمُ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْحِجَابِ فَرَفَعَهُ فَلَمَّا وَضَحَ وَجْهُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا نَظَرْنَا مَنْظَرًا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ وَضَحَ لَنَا ‏ ‏فَأَوْمَأَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِهِ إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَنْ يَتَقَدَّمَ وَأَرْخَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْحِجَابَ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , لَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم , وَعَبْد الْعَزِيز هُوَ اِبْن صُهَيْبٍ. وَالْإِسْنَاد كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاثًا ) ‏ ‏كَانَ اِبْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِهِمْ قَاعِدًا كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ نَبِيُّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحِجَابِ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ إِجْرَاءِ قَالَ مَجْرَى فَعَلَ وَهُوَ كَثِيرٌ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا رَأَيْنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَا نَظَرْنَا \" وَقَوْله \" فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ \" لَيْسَ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِهِ \" فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ \" بَلْ فِي السِّيَاقِ حَذْفٌ يَظْهَرُ مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ حَيْثُ قَالَ فِيهَا \" فَنَكَصَ أَبُو بَكْر \" وَالْحَاصِل أَنَّهُ تَقَدَّمَ ثُمَّ ظَنَّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ فَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَكَانِهِ. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ \" أَلَا وَإِنِّي نُهِيت أَنْ أَقْرَأ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا \" الْحَدِيثَ , أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مَعْبَدٍ عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "641",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَجَعُهُ قِيلَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ ‏ ‏مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَجُلٌ رَقِيقٌ إِذَا قَرَأَ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ قَالَ مُرُوهُ فَيُصَلِّي فَعَاوَدَتْهُ قَالَ مُرُوهُ فَيُصَلِّي إِنَّكُنَّ ‏ ‏صَوَاحِبُ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏الزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى الْكَلْبِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏وَمَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حَمْزَةَ بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَفِي كَلَام اِبْن بَطَّالٍ مَا يُوهِمُ أَنَّهُ حَمْزَة اِبْن عَمْرو الْأَسْلَمِيُّ وَهُوَ خَطَأ. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَاوَدَتْهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الدَّال وَسُكُون الْمُثَنَّاة أَيْ عَائِشَةُ , وَبِسُكُونِ الدَّالِ وَفَتْحِ النُّونِ , أَيْ هِيَ وَمَنْ مَعَهَا مِنْ النِّسَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ ) ‏ ‏أَيْ تَابَعَ يُونُسَ بْن يَزِيد , وَمُتَابَعَتُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَد الشَّامِيِّينَ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن سَالِمٍ الْحِمْصِيِّ عَنْهُ مَوْصُولًا مَرْفُوعًا وَزَادَ فِيهِ قَوْلهَا \" فَمَرَّ عُمَر \" وَقَالَ فِيهِ \" فَرَاجَعَتْهُ عَائِشَة \". وَمُتَابَعَة اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ وَصَلَهَا اِبْن عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْهُ , وَمُتَابَعَةُ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى وَصَلَهَا أَبُو بَكْر بْن شَاذَانَ الْبَغْدَادِيّ فِي نُسْخَة إِسْحَاق بْن يَحْيَى فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن صَالِح عَنْهُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْله \" عَنْ الزُّهْرِيّ \" أَيْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ , وَهُوَ فَاسِد لِمَا بَيَّنَّاهُ. ‏ ‏قَوْله : ‏ ‏( وَقَالَ عُقَيْلٌ وَمَعْمَرٌ إِلَخْ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْفَرْق بَيْنَ رِوَايَة الزُّبَيْدِيّ وَابْن أَخِي الزُّهْرِيّ وَإِسْحَاق بْن يَحْيَى وَبَيْنَ رِوَايَة عُقَيْل وَمَعْمَر أَنَّ الْأُولَى مُتَابَعَة وَالثَّانِيَة مُقَاوَلَة ا ه وَمُرَاده بِالْمَقَاوَلَةِ الْإِتْيَان فِيهَا بِصِيغَةِ قَالَ , وَلَيْسَ فِي اِصْطِلَاح الْمُحَدِّثِينَ صِيغَة مُقَاوَلَة وَإِنَّمَا السِّرّ فِي تَرْكه عَطْفَ رِوَايَة عُقَيْل وَمَعْمَر عَلَى رِوَايَة يُونُس مَنْ تَابَعَهُ أَنَّهُمَا أَرْسَلَا الْحَدِيث وَأُولَئِكَ وَصَلُوهُ , أَيْ أَنَّهُمَا خَالَفَا يُونُس وَمَنْ تَابَعَهُ فَأَرْسَلَا الْحَدِيث , فَأَمَّا رِوَايَة عُقَيْل فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّات , وَأَمَّا مَعْمَر فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فَرَوَاهُ اِبْن الْمُبَارَك عَنْهُ مُرْسَلًا كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد وَأَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقه , وَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر مَوْصُولًا لَكِنْ قَالَ \" عَنْ عَائِشَة \" بَدَلَ قَوْله \" عَنْ أَبِيهِ \" كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَكَأَنَّهُ رُجِّحَ عِنْدَهُ لِكَوْنِ عَائِشَة صَاحِبَة الْقِصَّة وَلِقَاء حَمْزَة لَهَا مُمْكِن , وَرُجِّحَ الْأَوَّل عِنْدَ الْبُخَارِيّ لِأَنَّ الْمَحْفُوظ فِي هَذَا عَنْ الزُّهْرِيّ مِنْ حَدِيث عَائِشَة رِوَايَته لِذَلِكَ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ عَنْهَا , وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر مُتَّصِلًا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور أَنَّ عَائِشَة قَالَتْ \" وَقَدْ عَاوَدْته , وَمَا حَمَلَنِي عَلَى مُعَاوَدَتِهِ إِلَّا أَنِّي خَشِيت أَنْ يَتَشَاءَمَ النَّاس بِأَبِي بَكْر \" الْحَدِيث. وَهَذِهِ الزِّيَادَة إِنَّمَا تُحْفَظ مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْهَا لَا مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ حَمْزَة , وَقَدْ رَوَى الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الْحَدِيث عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَانَ عَنْ يَحْيَى بْن سُلَيْمَانَ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ مُفَصَّلًا , فَجَعَلَ أَوَّلَهُ مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ حَمْزَة عَنْ أَبِيهِ بِالْقَدْرِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ , وَآخِرَهُ مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْهَا , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "642",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ فَكَانَ ‏ ‏يُصَلِّي بِهِمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ فَإِذَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَؤُمُّ النَّاسَ فَلَمَّا رَآهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏اسْتَأْخَرَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ كَمَا أَنْتَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِذَاءَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏إِلَى جَنْبِهِ فَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُرْوَةُ فَوَجَدَ ) ‏ ‏هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَوَهِمَ مَنْ جَعَلَهُ مُعَلَّقًا. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِره الْإِرْسَال مِنْ ‏ ‏قَوْلِهِ \" فَوَجَدَ إِلَخْ \" لَكِنْ رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ اِبْن نُمَيْر بِهَذَا الْإِسْنَاد مُتَّصِلًا بِمَا قَبْلَهُ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْهُ , وَكَذَا وَصَلَهُ الشَّافِعِيّ عَنْ يَحْيَى بْن حِبَّانَ عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَةَ عَنْ هِشَام , وَكَذَا وَصَلَهُ عَنْ عُرْوَة عَنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون عُرْوَةُ أَخَذَهُ عَنْ عَائِشَة وَعَنْ غَيْرهَا , فَلِذَلِكَ قَطَعَهُ عَنْ الْقَدْر الْأَوَّل الَّذِي أَخَذَهُ عَنْهَا وَحْدَهَا , وَالْأَصْل فِي الْإِمَام أَنْ يَكُون مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمَأْمُومِينَ إِلَّا إِنْ ضَاقَ الْمَكَان أَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَأْمُومٌ وَاحِد , وَكَذَا لَوْ كَانُوا عُرَاةً , وَمَا عَدَا ذَلِكَ يَجُوز وَلَكِنْ تَفُوت الْفَضِيلَةُ. ‏"
    },
    {
        "id": "643",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَهَبَ إِلَى ‏ ‏بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ ‏ ‏فَحَانَتْ ‏ ‏الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ قَالَ نَعَمْ فَصَلَّى ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ ‏ ‏فَتَخَلَّصَ ‏ ‏حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ امْكُثْ مَكَانَكَ فَرَفَعَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مَا كَانَ ‏ ‏لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ ‏ ‏أَنْ يُصَلِّيَ ‏ ‏بَيْنَ يَدَيْ ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ التَّصْفِيقَ مَنْ ‏ ‏رَابَهُ ‏ ‏شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق سُفْيَانَ عَنْ أَبِي حَازِم \" سَمِعْت سَهْلًا \". ‏ ‏قَوْله : ( ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرو بْن عَوْف ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَالِك بْن الْأَوْس , وَالْأَوْس أَحَدُ قَبِيلَتَيْ الْأَنْصَار وَهُمَا الْأَوْس وَالْخَزْرَج , وَبَنُو عَمْرو بْن عَوْف بَطْن كَبِير مِنْ الْأَوْس فِيهِ عِدَّة أَحْيَاء كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ بِقُبَاءَ , مِنْهُمْ بَنُو أُمَيَّةَ بْن زَيْد بْن مَالِك بْن عَوْف بْن عَمْرو بْن عَوْف وَبَنُو ضُبَيْعَةَ بْن زَيْد وَبَنُو ثَعْلَبَةَ بْن عَمْرو بْن عَوْف , وَالسَّبَب فِي ذَهَابه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ مَا فِي رِوَايَة سُفْيَان الْمَذْكُورَة قَالَ \" وَقَعَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنْ الْأَنْصَار كَلَام \" وَلِلْمُؤَلِّفِ فِي الصُّلْح مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ أَبِي حَازِم \" أَنَّ أَهْل قُبَاءَ اِقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ , فَأُخْبِرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ , فَقَالَ : اِذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ \" وَلَهُ فِيهِ مِنْ رِوَايَة أَبِي غَسَّانَ عَنْ أَبِي حَازِم \" فَخَرَجَ فِي أُنَاس مِنْ أَصْحَابه \" وَسَمَّى الطَّبَرَانِيُّ مِنْهُمْ مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِي حَازِم أُبَيَّ بْنَ كَعْب وَسُهَيْلَ بْن بَيْضَاء , وَلِلْمُؤَلِّفِ فِي الْأَحْكَام مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَبِي حَازِم أَنَّ تَوَجُّهَهُ كَانَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْر , وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق عُمَر بْن عَلِيّ عَنْ أَبِي حَازِم أَنَّ الْخَبَر جَاءَ بِذَلِكَ وَقَدْ أَذَّنَ بِلَال لِصَلَاةِ الظُّهْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَانَتْ الصَّلَاة ) ‏ ‏أَيْ صَلَاة الْعَصْر , وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْأَحْكَام وَلَفْظه \" فَلَمَّا حَضَرَتْ صَلَاة الْعَصْر أَذَّنَ وَأَقَامَ وَأَمَرَ أَبَا بَكْر فَتَقَدَّمَ \" وَلَمْ يُسَمَّ فَاعِلُ ذَلِكَ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَابْن حِبَّانَ مِنْ رِوَايَة حَمَّاد الْمَذْكُورَة فَبَيَّنَ الْفَاعِل وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَفْظه \" فَقَالَ لِبِلَالٍ إِنْ حَضَرَتْ الْعَصْر وَلَمْ آتِك فَمُرْ أَبَا بَكْر فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ , فَلَمَّا حَضَرَتْ الْعَصْر أَذَّنَ بِلَال ثُمَّ أَقَامَ ثُمَّ أَمَرَ أَبَا بَكْر فَتَقَدَّمَ \" وَنَحْوه لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَة مُوسَى بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِي حَازِم , وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْمُؤَذِّن بِلَال. وَأَمَّا قَوْله لِأَبِي بَكْر \" أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ \" فَلَا يُخَالِف مَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اِسْتَفْهَمَهُ هَلْ يُبَادِر أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ يَنْتَظِرُ قَلِيلًا لِيَأْتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَرُجِّحَ عِنْدَ أَبِي بَكْر الْمُبَادَرَة لِأَنَّهَا فَضِيلَةٌ مُتَحَقِّقَةٌ فَلَا تُتْرَك لِفَضِيلَةٍ مُتَوَهَّمَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( أُقِيمَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ الرَّفْع. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ نَعَمْ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم عَنْ أَبِيهِ \" إِنْ شِئْت \" وَهُوَ فِي \" بَاب رَفْع الْأَيْدِي \" عِنْدَ الْمُؤَلِّف , وَإِنَّمَا فُوِّضَ ذَلِكَ لَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون عِنْدَهُ زِيَادَة عِلْم مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّى أَبُو بَكْر ) ‏ ‏أَيْ دَخَلَ فِي الصَّلَاة , وَلَفْظ عَبْد الْعَزِيز الْمَذْكُور \" وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْر فَكَبَّرَ \" وَفِي رِوَايَة الْمَسْعُودِيّ عَنْ أَبِي حَازِم \" فَاسْتَفْتَحَ أَبُو بَكْر الصَّلَاة \" وَهِيَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ , وَبِهَذَا يُجَاب عَنْ الْفَرْق بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ حَيْثُ اِمْتَنَعَ أَبُو بَكْر هُنَا أَنْ يَسْتَمِرّ إِمَامًا وَحَيْثُ اِسْتَمَرَّ فِي مَرَض مَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ صَلَّى خَلْفَهُ الرَّكْعَة الثَّانِيَة مِنْ الصُّبْح كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُوسَى بْن عُقْبَة فِي الْمَغَازِي , فَكَأَنَّهُ لَمَّا أَنْ مَضَى مُعْظَم الصَّلَاة حَسُنَ الِاسْتِمْرَار وَلَمَّا أَنْ لَمْ يَمْضِ مِنْهَا إِلَّا الْيَسِيرُ لَمْ يَسْتَمِرَّ. وَكَذَا وَقَعَ لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف حَيْثُ صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ الرَّكْعَة الثَّانِيَة مِنْ الصُّبْح فَإِنَّهُ اِسْتَمَرَّ فِي صَلَاته إِمَامًا لِهَذَا الْمَعْنَى , وَقِصَّة عَبْد الرَّحْمَن عِنْدَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَخَلَّصَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز \" فَجَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي فِي الصُّفُوف يَشُقّهَا شَقًّا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفّ الْأَوَّل \" وَلِمُسْلِمٍ \" فَخَرَقَ الصُّفُوفَ حَتَّى قَامَ عِنْدَ الصَّفِّ الْمُتَقَدِّمِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَصَفَّقَ النَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز \" فَأَخَذَ النَّاس فِي التَّصْفِيحِ. قَالَ سَهْل : أَتَدْرُونَ مَا التَّصْفِيحُ ؟ هُوَ التَّصْفِيقُ \". اِنْتَهَى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَرَادُفِهِمَا عِنْدَهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي بَاب مُفْرَد. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ أَبُو بَكْر لَا يَلْتَفِت ) ‏ ‏قِيلَ كَانَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ , وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ اِخْتِلَاس يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَان مِنْ صَلَاة الْعَبْد كَمَا سَيَأْتِي فِي بَاب مُفْرَد فِي صِفَة الصَّلَاة \" فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاس التَّصْفِيق \" فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد \" فَلَمَّا رَأَى التَّصْفِيح لَا يُمْسَكُ عَنْهُ اِلْتَفَتَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ اُمْكُثْ مَكَانَك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز \" فَأَشَارَ إِلَيْهِ يَأْمُرهُ أَنْ يُصَلِّيَ \" وَفِي رِوَايَة عُمَر بْن عَلِيّ \" فَدَفَعَ فِي صَدْره لِيَتَقَدَّمَ فَأَبَى \". ‏ ‏قَوْله : ( فَرَفَعَ أَبُو بَكْر يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّه ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَلَفَّظَ بِالْحَمْدِ , لَكِنْ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ \" فَرَفَعَ أَبُو بَكْر رَأْسه إِلَى السَّمَاء شُكْرًا لِلَّهِ وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى \" وَادَّعَى اِبْن الْجَوْزِيّ أَنَّهُ أَشَارَ بِالشُّكْرِ وَالْحَمْدِ بِيَدِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّم , وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ مَا يَمْنَع أَنْ يَكُون تَلَفَّظَ , وَيُقَوِّي ذَلِكَ مَا عِنْدَ أَحْمَد مِنْ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز الْمَاجِشُونِ عَنْ أَبِي حَازِم \" يَا أَبَا بَكْر لِمَ رَفَعْت يَدَيْك وَمَا مَنَعَك أَنْ تَثْبُتَ حِينَ أَشَرْت إِلَيْك ؟ قَالَ : رَفَعْت يَدَيَّ لِأَنِّي حَمِدْت اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْت مِنْك \" زَادَ الْمَسْعُودِيّ \" فَلَمَّا تَنَحَّى تَقَدَّمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَمَّادَيْنِ وَالْمَاجِشُون \" أَنْ يَؤُمَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَكْثَرْتُمْ التَّصْفِيق ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ الْإِنْكَار إِنَّمَا حَصَلَ عَلَيْهِمْ لِكَثْرَتِهِ لَا لِمُطْلَقِهِ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ نَابَهُ ) ‏ ‏أَيْ أَصَابَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيُسَبِّحْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَعْقُوبَ بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي حَازِم \" فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّه \" وَسَيَأْتِي فِي بَاب الْإِشَارَة فِي الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( اُلْتُفِتَ إِلَيْهِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاة عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب الْمَذْكُورَة \" فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُول سُبْحَان اللَّه إِلَّا اِلْتَفَتَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّمَا التَّصْفِيق لِلنِّسَاءِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز \" وَإِنَّمَا التَّصْفِيح لِلنِّسَاءِ \" زَادَ الْحُمَيْدِيُّ \" وَالتَّسْبِيح لِلرِّجَالِ \" وَقَدْ رَوَى الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْجُمْلَة الْأَخِيرَة مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا مِنْ رِوَايَة الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي حَازِم كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب التَّصْفِيق لِلنِّسَاءِ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد بِصِيغَةِ الْأَمْر وَلَفْظه \" إِذَا نَابَكُمْ أَمْر فَلْيُسَبِّحْ الرِّجَال وَلْيُصَفِّحْ النِّسَاء \". وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَضْل الْإِصْلَاح بَيْنَ النَّاس وَجَمْعِ كَلِمَة الْقَبِيلَة وَحَسْم مَادَّة الْقَطِيعَة , وَتَوَجُّه الْإِمَام بِنَفْسِهِ إِلَى بَعْض رَعِيَّته لِذَلِكَ , وَتَقْدِيم مِثْل ذَلِكَ عَلَى مَصْلَحَة الْإِمَامَة بِنَفْسِهِ. وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ تَوَجُّهُ الْحَاكِم لِسَمَاعِ دَعْوَى بَعْض الْخُصُوم إِذَا رَجَحَ ذَلِكَ عَلَى اِسْتِحْضَارهمْ. وَفِيهِ جَوَاز الصَّلَاة الْوَاحِدَة بِإِمَامَيْنِ أَحَدهمَا بَعْدَ الْآخَرِ , وَأَنَّ الْإِمَام الرَّاتِب إِذَا غَابَ يَسْتَخْلِف غَيْرَهُ , وَأَنَّهُ إِذَا حَضَرَ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ نَائِبه فِي الصَّلَاة يَتَخَيَّر بَيْنَ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ أَوْ يَؤُمَّ هُوَ وَيَصِير النَّائِب مَأْمُومًا مِنْ غَيْر أَنْ يَقْطَع الصَّلَاة , وَلَا يُبْطِلُ شَيْء مِنْ ذَلِكَ صَلَاة أَحَدٍ مِنْ الْمَأْمُومِينَ. وَادَّعَى اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَادَّعَى الْإِجْمَاع عَلَى عَدَم جَوَاز ذَلِكَ لِغَيْرِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَنُوقِضَ بِأَنَّ الْخِلَافَ ثَابِت , فَالصَّحِيح الْمَشْهُور عِنْدَ الشَّافِعِيَّة الْجَوَاز , وَعَنْ اِبْن الْقَاسِم فِي الْإِمَام يُحَدِّثُ فَيَسْتَخْلِفُ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَخْرُجُ الْمُسْتَخْلِف وَيُتِمّ الْأَوَّل أَنَّ الصَّلَاة صَحِيحَة , وَفِيهِ جَوَاز إِحْرَام الْمَأْمُوم قَبْلَ الْإِمَام , وَأَنَّ الْمَرْء قَدْ يَكُون فِي بَعْض صَلَاته إِمَامًا وَفِي بَعْضهَا مَأْمُومًا , وَأَنَّ مَنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاة جَازَ لَهُ الدُّخُول مَعَ الْجَمَاعَة مِنْ غَيْر قَطْعٍ لِصَلَاتِهِ , كَذَا اِسْتَنْبَطَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة , وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ لَازِم جَوَاز إِحْرَام الْإِمَام بَعْدَ الْمَأْمُوم كَمَا ذَكَرْنَا , وَفِيهِ فَضْل أَبِي بَكْر عَلَى جَمِيع الصَّحَابَة. وَاسْتَدَلَّ بِهِ جَمْعٌ مِنْ الشُّرَّاح وَمِنْ الْفُقَهَاء كَالرُّويَانِيِّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ عِنْدَ الصَّحَابَة أَفْضَلَهُمْ لِكَوْنِهِمْ اِخْتَارُوهُ دُونَ غَيْره , وَعَلَى جَوَاز تَقْدِيم النَّاس لِأَنْفُسِهِمْ إِذَا غَابَ إِمَامُهُمْ , قَالُوا : وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا أُمِنَتْ الْفِتْنَة وَالْإِنْكَار مِنْ الْإِمَام , وَأَنَّ الَّذِي يَتَقَدَّم نِيَابَة عَنْ الْإِمَام يَكُون أَصْلَحَهُمْ لِذَلِكَ الْأَمْر وَأَقْوَمَهُمْ بِهِ , وَأَنَّ الْمُؤَذِّن وَغَيْرَهُ يَعْرِض التَّقَدُّم عَلَى الْفَاضِل وَأَنَّ الْفَاضِل يُوَافِقهُ بَعْدَ أَنْ يَعْلَم أَنَّ ذَلِكَ بِرِضَا الْجَمَاعَة ا ه. وَكُلّ ذَلِكَ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَة فَعَلُوا ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ , وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُمْ إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِيهِ أَنَّ الْإِقَامَة وَاسْتِدْعَاء الْإِمَام مِنْ وَظِيفَة الْمُؤَذِّن , وَأَنَّهُ لَا يُقِيم إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَام , وَأَنَّ فِعْل الصَّلَاة - لَا سِيَّمَا الْعَصْر - فِي أَوَّل الْوَقْت مُقَدَّم عَلَى اِنْتِظَار الْإِمَام الْأَفْضَل , وَفِيهِ جَوَاز التَّسْبِيح وَالْحَمْد فِي الصَّلَاة لِأَنَّهُ مِنْ ذِكْر اللَّه وَلَوْ كَانَ مُرَاد الْمُسَبِّح إِعْلَامَ غَيْره بِمَا صَدَرَ مِنْهُ , وَسَيَأْتِي فِي بَاب مُفْرَد , وَفِيهِ رَفْع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة عِنْدَ الدُّعَاء وَالثَّنَاء وَسَيَأْتِي كَذَلِكَ , وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب حَمْدِ اللَّه لِمَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ وَلَوْ كَانَ فِي الصَّلَاة , وَفِيهِ جَوَاز الِالْتِفَات لِلْحَاجَةِ وَأَنَّ مُخَاطَبَةَ الْمُصَلِّي بِالْإِشَارَةِ أَوْلَى مِنْ مُخَاطَبَته بِالْعِبَارَةِ. وَأَنَّهَا تَقُوم مَقَامَ النُّطْقِ لِمُعَاتَبَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْر عَلَى مُخَالَفَة إِشَارَته. وَفِيهِ جَوَاز شَقِّ الصُّفُوف وَالْمَشْي بَيْنَ الْمُصَلِّينَ لِقَصْدِ الْوُصُول إِلَى الصَّفّ الْأَوَّل لَكِنَّهُ مَقْصُور عَلَى مَنْ يَلِيق ذَلِكَ بِهِ كَالْإِمَامِ أَوْ مَنْ كَانَ بِصَدَدِ أَنْ يَحْتَاجَ الْإِمَام إِلَى اِسْتِخْلَافه أَوْ مَنْ أَرَادَ سَدَّ فُرْجَةٍ فِي الصَّفّ الْأَوَّل أَوْ مَا يَلِيهِ مَعَ تَرْكِ مَنْ يَلِيهِ سَدّهَا وَلَا يَكُون ذَلِكَ مَعْدُودًا مِنْ الْأَذَى. قَالَ الْمُهَلَّبُ : لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنْ التَّخَطِّي , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ كَغَيْرِهِ فِي أَمْر الصَّلَاة وَلَا غَيْرهَا , لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَقَدَّم بِسَبَبِ مَا يَنْزِل عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَام , وَأَطَالَ فِي تَقْرِير ذَلِكَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْخَصَائِص , وَقَدْ أَشَارَ هُوَ إِلَى الْمُعْتَمَد فِي ذَلِكَ فَقَالَ : لَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْء مِنْ الْأَذَى وَالْجَفَاء الَّذِي يَحْصُلُ مِنْ التَّخَطِّي , وَلَيْسَ كَمَنْ شَقَّ الصُّفُوف وَالنَّاس جُلُوس لِمَا فِيهِ مِنْ تَخَطِّي رِقَابهمْ. وَفِيهِ كَرَاهِيَة التَّصْفِيق فِي الصَّلَاة وَسَيَأْتِي فِي بَاب مُفْرَد , وَفِيهِ الْحَمْد وَالشُّكْر عَلَى الْوَجَاهَة فِي الدِّين وَأَنَّ مَنْ أُكْرِمَ بِكَرَامَةٍ يَتَخَيَّر بَيْنَ الْقَبُول وَالتَّرْك إِذَا فَهِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْر عَلَى غَيْر جِهَة اللُّزُوم وَكَأَنَّ الْقَرِينَة الَّتِي بَيَّنَتْ لِأَبِي بَكْر ذَلِكَ هِيَ كَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَقَّ الصُّفُوف إِلَى أَنْ اِنْتَهَى إِلَيْهِ فَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مُرَاده أَنْ يَؤُمَّ النَّاس , وَأَنَّ أَمْره إِيَّاهُ بِالِاسْتِمْرَارِ فِي الْإِمَامَة مِنْ بَاب الْإِكْرَام لَهُ وَالتَّنْوِيه بِقَدْرِهِ , فَسَلَكَ هُوَ طَرِيق الْأَدَب وَالتَّوَاضُع. وَرَجَّحَ ذَلِكَ عِنْدَهُ اِحْتِمَال نُزُول الْوَحْي فِي حَال الصَّلَاة لِتَغْيِيرِ حُكْم مِنْ أَحْكَامهَا , وَكَأَنَّهُ لِأَجْلِ هَذَا لَمْ يَتَعَقَّبْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِعْتِذَاره بِرَدٍّ عَلَيْهِ. وَفِيهِ جَوَاز إِمَامَة الْمَفْضُول لِلْفَاضِلِ , وَفِيهِ سُؤَال الرَّئِيس عَنْ سَبَب مُخَالَفَة أَمْرِهِ قَبْلَ الزَّجْر عَنْ ذَلِكَ , وَفِيهِ إِكْرَام الْكَبِير بِمُخَاطَبَتِهِ بِالْكُنْيَةِ , وَاعْتِمَاد ذِكْر الرَّجُل لِنَفْسِهِ بِمَا يُشْعِر بِالتَّوَاضُعِ مِنْ جِهَة اِسْتِعْمَال أَبِي بَكْر خِطَاب الْغَيْبَة مَكَانَ الْحُضُور. إِذْ كَانَ حَدُّ الْكَلَام أَنْ يَقُول أَبُو بَكْر : مَا كَانَ لِي , فَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى قَوْله : مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَة , لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى التَّوَاضُع مِنْ الْأَوَّل , وَفِيهِ جَوَاز الْعَمَل الْقَلِيل فِي الصَّلَاة لِتَأَخُّرِ أَبِي بَكْر عَنْ مَقَامِهِ إِلَى الصَّفّ الَّذِي يَلِيهِ , وَأَنَّ مَنْ اِحْتَاجَ إِلَى مِثْل ذَلِكَ يَرْجِع الْقَهْقَرَى وَلَا يَسْتَدْبِر الْقِبْلَةَ وَلَا يَنْحَرِف عَنْهَا. وَاسْتَنْبَطَ اِبْن عَبْد الْبَرّ مِنْهُ جَوَاز الْفَتْح عَلَى الْإِمَام , لِأَنَّ التَّسْبِيح إِذَا جَازَ جَازَتْ التِّلَاوَة مِنْ بَاب الْأَوْلَى , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "644",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ شَبَبَةٌ فَلَبِثْنَا عِنْدَهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَحِيمًا فَقَالَ ‏ ‏لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى بِلَادِكُمْ فَعَلَّمْتُمُوهُمْ مُرُوهُمْ فَلْيُصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا وَصَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا وَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَنَحْنُ شَبَبَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَتَيْنِ جَمْعُ شَابٍّ , زَادَ فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق اِبْن عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوب \" شَبَبَة مُتَقَارِبُونَ \" وَالْمُرَاد تَقَارُبُهُمْ فِي السِّنّ , لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَال قُدُومِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عُلَيَّةَ الْمَذْكُورَة الْجَزْم بِهِ وَلَفْظه \" فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً \" وَالْمُرَاد بِأَيَّامِهَا , وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ فِي رِوَايَته فِي خَبَر الْوَاحِد مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَهَّاب عَنْ أَيُّوب. ‏ ‏قَوْله : ( رَحِيمًا فَقَالَ لَوْ رَجَعْتُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عُلَيَّةَ وَعَبْد الْوَهَّاب \" رَحِيمًا رَقِيقًا \" فَظَنَّ أَنَّا اِشْتَقْنَا إِلَى أَهْلنَا , وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ : اِرْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ \" , وَيُمْكِنُ الْجَمْع بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُون عَرَضَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَلَى طَرِيق الْإِينَاس بِقَوْلِهِ \" لَوْ رَجَعْتُمْ \" إِذْ لَوْ بَدَأَهُمْ بِالْأَمْرِ بِالرُّجُوعِ لَأَمْكَنَ أَنْ يَكُون فِيهِ تَنْفِير فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا أَجَابُوهُ بِنَعَمْ فَأَمَرَهُمْ حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ \" اِرْجِعُوا \" , وَاقْتِصَار الصَّحَابِيّ عَلَى ذِكْر سَبَب الْأَمْر بِرُجُوعِهِمْ بِأَنَّهُ الشَّوْق إِلَى أَهْلِيهِمْ دُونَ قَصْد التَّعْلِيم هُوَ لِمَا قَامَ عِنْدَهُ مِنْ الْقَرِينَة الدَّالَّة عَلَى ذَلِكَ , وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُون عُرِفَ ذَلِكَ بِتَصْرِيحِ الْقَوْل مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ سَبَب تَعْلِيمهمْ قَوْمهمْ أَشْرَفَ فِي حَقّهمْ , لَكِنَّهُ أَخْبَرَ بِالْوَاقِعِ وَلَمْ يَتَزَيَّن بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ , وَلَمَّا كَانَتْ نِيَّتهمْ صَادِقَة صَادَفَ شَوْقهمْ إِلَى أَهْلهمْ الْحَظّ الْكَامِل فِي الدِّين وَهُوَ أَهْلِيَّة التَّعْلِيم كَمَا قَالَ الْإِمَام أَحْمَد فِي الْحِرْص عَلَى طَلَب الْحَدِيث : حَظٌّ وَافَقَ حَقًّا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَركُمْ ) ‏ ‏ظَاهِره تَقْدِيم الْأَكْبَر بِكَثِيرِ السِّنّ وَقَلِيله , وَأَمَّا مَنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُون مُرَاده بِالْكِبَرِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ السِّنّ أَوْ الْقَدْر كَالتَّقَدُّمِ فِي الْفِقْه وَالْقِرَاءَة وَالدِّين فَبَعِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فَهْمِ رَاوِي الْخَبَر حَيْثُ قَالَ لِلتَّابِعِيِّ \" فَأَيْنَ الْقِرَاءَة \" فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ كِبَرَ السِّنّ , وَكَذَا دَعْوَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْله \" وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَركُمْ \" مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ \" يَؤُمّ الْقَوْم أَقْرَؤُهُمْ \" لِأَنَّ الْأَوَّل يَقْتَضِي تَقْدِيم الْأَكْبَر عَلَى الْأَقْرَأ وَالثَّانِي عَكْسُهُ , ثُمَّ اِنْفَصَلَ عَنْهُ بِأَنَّ قِصَّة مَالِكِ بْن الْحُوَيْرِثِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ قَابِلَة لِلِاحْتِمَالِ بِخِلَافِ الْحَدِيث الْآخَر فَإِنَّهُ تَقْرِير قَاعِدَة تُفِيد التَّعْمِيم , قَالَ : فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْأَكْبَر مِنْهُمْ كَانَ يَوْمَئِذٍ هُوَ الْأَفْقَهُ. اِنْتَهَى. وَالتَّنْصِيص عَلَى تَقَارُبِهِمْ فِي الْعِلْم يَرِدُ عَلَيْهِ , فَالْجَمْع الَّذِي قَدَّمْنَاهُ أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا فَضْل الْهِجْرَة وَالرِّحْلَة فِي طَلَب الْعِلْم وَفَضْل التَّعْلِيم , وَمَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الشَّفَقَة وَالِاهْتِمَام بِأَحْوَالِ الصَّلَاة وَغَيْرهَا مِنْ أُمُور الدِّين , وَإِجَازَة خَبَر الْوَاحِد وَقِيَام الْحُجَّة بِهِ , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة فَوَائِده فِي \" بَاب مَنْ قَالَ يُؤَذِّنُ فِي السَّفَر مُؤَذِّن وَاحِد \". وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى قَوْله صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فِي \" بَاب إِجَازَة خَبَر الْوَاحِد \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "645",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَذِنْتُ لَهُ فَقَالَ ‏ ‏أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ فَقَامَ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُعَاذ بْن أَسَد ) ‏ ‏هُوَ مَرْوَزِيٌّ سَكَنَ الْبَصْرَة وَلَيْسَ هُوَ أَخًا لِمُعَلَّى بْن أَسَد أَحَد شُيُوخ الْبُخَارِيّ أَيْضًا , كَانَ مُعَاذ الْمَذْكُور كَاتِبًا لِعَبْدِ اللَّه بْن الْمُبَارَك وَهُوَ شَيْخه فِي هَذَا الْإِسْنَاد , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث عِتْبَانَ مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب الْمَسَاجِد الَّتِي فِي الْبُيُوت \". ‏"
    },
    {
        "id": "646",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏قَالَ دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ بَلَى ‏ ‏ثَقُلَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَصَلَّى النَّاسُ قُلْنَا لَا هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ قَالَ ضَعُوا لِي مَاءً فِي ‏ ‏الْمِخْضَبِ ‏ ‏قَالَتْ فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ فَذَهَبَ ‏ ‏لِيَنُوءَ ‏ ‏فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَصَلَّى النَّاسُ قُلْنَا لَا هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ضَعُوا لِي مَاءً فِي ‏ ‏الْمِخْضَبِ ‏ ‏قَالَتْ فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَ ‏ ‏لِيَنُوءَ ‏ ‏فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ أَصَلَّى النَّاسُ قُلْنَا لَا هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ضَعُوا لِي مَاءً فِي ‏ ‏الْمِخْضَبِ ‏ ‏فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَ ‏ ‏لِيَنُوءَ ‏ ‏فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ أَصَلَّى النَّاسُ فَقُلْنَا لَا هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالنَّاسُ ‏ ‏عُكُوفٌ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا يَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏صَلِّ بِالنَّاسِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ فَصَلَّى ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏تِلْكَ الْأَيَّامَ ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏لِصَلَاةِ الظُّهْرِ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَلَمَّا رَآهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ ‏ ‏فَأَوْمَأَ ‏ ‏إِلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ قَالَ أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏قَالَ فَجَعَلَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يُصَلِّي وَهُوَ يَأْتَمُّ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنَّاسُ بِصَلَاةِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَاعِدٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَدَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏عَنْ مَرَضِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ هَاتِ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ ‏ ‏الْعَبَّاسِ ‏ ‏قُلْتُ لَا قَالَ هُوَ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ذَهَبَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" ثُمَّ ذَهَبَ \". ‏ ‏( لِيَنُوءَ ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون بَعْدَهَا مَدَّةٌ , أَيْ لِيَنْهَضَ بِجُهْدٍ ‏ ‏قَوْله : ( فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ الْإِغْمَاء جَائِز عَلَى الْأَنْبِيَاء لِأَنَّهُ شَبِيه بِالنَّوْمِ , قَالَ النَّوَوِيّ : جَازَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ مَرَض مِنْ الْأَمْرَاض بِخِلَافِ الْجُنُون فَلَمْ يَجُزْ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ نَقْص. ‏ ‏قَوْله : ( يَنْتَظِرُونَ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام لِصَلَاةِ الْعِشَاء ) ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَامِ التَّعْلِيل , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالسَّرَخْسِيّ \" لِصَلَاةِ الْعِشَاء الْآخِرَة \" , وَتَوْجِيهه أَنَّ الرَّاوِيَ كَأَنَّهُ فَسَّرَ الصَّلَاة الْمَسْئُول عَنْهَا فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَصَلَّى النَّاس \" فَذَكَرَهُ , أَيْ الصَّلَاة الْمَسْئُول عَنْهَا هِيَ الْعِشَاء الْآخِرَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَلِلْبَاقِينَ \" وَخَرَجَ \" بِالْوَاوِ. ‏ ‏قَوْله : ( لِصَلَاةِ الظُّهْر ) ‏ ‏هُوَ صَرِيح فِي أَنَّ الصَّلَاة الْمَذْكُورَة كَانَتْ الظُّهْرَ , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهَا الصُّبْح , وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة أَرْقَمَ بْن شُرَحْبِيلَ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" وَأَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِرَاءَة مِنْ حَيْثُ بَلَغَ أَبُو بَكْر \" هَذَا لَفْظ اِبْن مَاجَهْ وَإِسْنَاده حَسَن , لَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَال بِهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ لَمَّا قَرُبَ مِنْ أَبِي بَكْر الْآيَةَ الَّتِي كَانَ اِنْتَهَى إِلَيْهَا خَاصَّةً , وَقَدْ كَانَ هُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا فِي الصَّلَاة السَّرِيَّة كَمَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ , ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهَا الصُّبْح بَلْ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْمَغْرِب , فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمّ الْفَضْل بِنْت الْحَارِث قَالَتْ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأ فِي الْمَغْرِب بِالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا , ثُمَّ مَا صَلَّى لَنَا بَعْدَهَا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّه \" وَهَذَا لَفْظ الْبُخَارِيّ , وَسَيَأْتِي فِي بَاب الْوَفَاة مِنْ آخِر الْمَغَازِي , لَكِنْ وَجَدْت بَعْدُ فِي النَّسَائِيِّ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاة الَّتِي ذَكَرَتْهَا أُمّ الْفَضْل كَانَتْ فِي بَيْته , وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيّ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ بِالنَّاسِ فِي مَرَض مَوْته فِي الْمَسْجِد إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً , وَهِيَ هَذِهِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا قَاعِدًا , وَكَانَ أَبُو بَكْر فِيهَا أَوَّلًا إِمَامًا ثُمَّ صَارَ مَأْمُومًا يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلَ أَبُو بَكْر يُصَلِّي وَهُوَ قَائِم ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْمُسْتَمْلِيّ وَالسَّرَخْسِيّ \" وَهُوَ يَأْتَمُّ \" مِنْ الِائْتِمَام , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ اِسْتِخْلَاف الْإِمَام الرَّاتِب إِذَا اِشْتَكَى أَوْلَى مِنْ صَلَاته بِهِمْ قَاعِدًا , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْر وَلَمْ يُصَلِّ بِهِمْ قَاعِدًا غَيْر مَرَّة وَاحِدَة , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّة إِمَامَة الْقَاعِد الْمَعْذُور بِمِثْلِهِ وَبِالْقَائِمِ أَيْضًا , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مَالِك فِي الْمَشْهُور عَنْهُ وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن فِيمَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ , وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ جَابِر عَنْ الشَّعْبِيّ مَرْفُوعًا \" لَا يَؤُمَّنَّ أَحَد بَعْدِي جَالِسًا \" وَاعْتَرَضَهُ الشَّافِعِيّ فَقَالَ : قَدْ عَلِمَ مَنْ اِحْتَجَّ بِهَذَا أَنْ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مُرْسَل , وَمِنْ رِوَايَة رَجُل يَرْغَب أَهْل الْعِلْم عَنْ الرِّوَايَة عَنْهُ يَعْنِي جَابِرًا الْجُعْفِيَّ , وَقَالَ اِبْن بَزِيزَةَ : لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّة لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَنْع الصَّلَاة بِالْجَالِسِ , أَيْ يُعْرَبُ قَوْله جَالِسًا مَفْعُولًا لَا حَالًا. وَحَكَى عِيَاض عَنْ بَعْض مَشَايِخهمْ أَنَّ الْحَدِيث الْمَذْكُور يَدُلّ عَلَى نَسْخ أَمْره الْمُتَقَدِّم لَهُمْ بِالْجُلُوسِ لَمَّا صَلَّوْا خَلْفَهُ قِيَامًا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَاج لَوْ صَحَّ إِلَى تَارِيخ , وَهُوَ لَا يَصِحّ. لَكِنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ تَقَوَّى بِأَنَّ الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ لَمْ يَفْعَلهُ أَحَد مِنْهُمْ , قَالَ : وَالنَّسْخ لَا يَثْبُت بَعْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنْ مُوَاظَبَتهمْ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ تَشْهَدُ لِصِحَّةِ الْحَدِيث الْمَذْكُور. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عَدَم النَّقْل لَا يَدُلّ عَلَى عَدَم الْوُقُوع , ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ لَا يَلْزَم مِنْهُ عَدَم الْجَوَاز لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا اِكْتَفَوْا بِاسْتِخْلَافِ الْقَادِر عَلَى الْقِيَام لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ صَلَاة الْقَاعِد بِالْقَائِمِ مَرْجُوحَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَلَاة الْقَائِم بِمِثْلِهِ , وَهَذَا كَافٍ فِي بَيَان سَبَب تَرْكِهِمْ الْإِمَامَةَ مِنْ قُعُود , وَاحْتُجَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا صَلَّى بِهِمْ قَاعِدًا لِأَنَّهُ لَا يَصِحّ التَّقَدُّم بَيْنَ يَدَيْهِ لِنَهْيِ اللَّه عَنْ ذَلِكَ وَلِأَنَّ الْأَئِمَّة شُفَعَاء وَلَا يَكُون أَحَد شَافِعًا لَهُ , وَتُعُقِّبَ بِصَلَاتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَهُوَ ثَابِت بِلَا خِلَاف. وَصَحَّ أَيْضًا أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْر كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَالْعَجَب أَنَّ عُمْدَة مَالِكٍ فِي مَنْع إِمَامَة الْقَاعِد قَوْل رَبِيعَة : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي تِلْكَ الصَّلَاة مَأْمُومًا خَلْفَ أَبِي بَكْر , وَإِنْكَاره أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّ فِي مَرَض مَوْته قَاعِدًا كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ الشَّافِعِيّ فِي الْأُمّ , فَكَيْفَ يَدَّعِي أَصْحَابه عَدَمَ تَصْوِير أَنَّهُ صَلَّى مَأْمُومًا ؟ وَكَأَنَّ حَدِيث إِمَامَته الْمَذْكُور لَمَّا كَانَ فِي غَايَة الصِّحَّة وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ رَدُّهُ سَلَكُوا فِي الِانْتِصَار وُجُوهًا مُخْتَلِفَة , وَقَدْ تَبَيَّنَ بِصَلَاتِهِ خَلْفَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف أَنَّ الْمُرَاد بِمَنْعِ التَّقَدُّم بَيْنَ يَدَيْهِ فِي غَيْر الْإِمَامَة , وَأَنَّ الْمُرَاد بِكَوْنِ الْأَئِمَّة شُفَعَاء أَيْ فِي حَقّ مَنْ يَحْتَاج إِلَى الشَّفَاعَة. ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يَؤُمَّهُ أَحَد لَمْ يَدُلّ ذَلِكَ عَلَى مَنْع إِمَامَة الْقَاعِد , وَقَدْ أَمَّ قَاعِدًا جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة بَعْدَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أُسَيْدُ بْن حُضَيْرٍ وَجَابِر وَقَيْس بْن قَهْد وَأَنَس بْن مَالِك , وَالْأَسَانِيد عَنْهُمْ بِذَلِكَ صَحِيحَة أَخْرَجَهَا عَبْد الرَّزَّاق وَسَعِيد بْن مَنْصُور وَابْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْرهمْ , بَلْ اِدَّعَى اِبْن حِبَّانَ وَغَيْره إِجْمَاع الصَّحَابَة عَلَى صِحَّة إِمَامَة الْقَاعِد كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : لَا جَوَاب لِأَصْحَابِنَا عَنْ حَدِيث مَرَض النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْلُص عِنْدَ السَّبْك , وَاتِّبَاع السُّنَّة أَوْلَى , وَالتَّخْصِيص لَا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ. قَالَ : إِلَّا أَنِّي سَمِعْت بَعْض الْأَشْيَاخ يَقُول : الْحَال أَحَد وُجُوه التَّخْصِيص , وَحَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّبَرُّك بِهِ وَعَدَم الْعِوَض عَنْهُ يَقْتَضِي الصَّلَاة مَعَهُ عَلَى أَيِّ حَال كَانَ عَلَيْهَا , وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ. وَأَيْضًا فَنَقْصُ صَلَاة الْقَاعِد عَنْ الْقَائِم لَا يُتَصَوَّر فِي حَقّه , وَيُتَصَوَّر فِي حَقّ غَيْره. وَالْجَوَاب عَنْ الْأَوَّل رَدُّهُ بِعُمُومِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي \" , وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ النَّقْص إِنَّمَا هُوَ فِي حَقّ الْقَادِر فِي النَّافِلَة , وَأَمَّا الْمَعْذُور فِي الْفَرِيضَة فَلَا نَقْصَ فِي صَلَاته عَنْ الْقَائِم , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى نَسْخ الْأَمْر بِصَلَاةِ الْمَأْمُوم قَاعِدًا إِذَا صَلَّى الْإِمَام قَاعِدًا لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ الصَّحَابَة عَلَى الْقِيَام خَلْفَهُ وَهُوَ قَاعِد , هَكَذَا قَرَّرَهُ الشَّافِعِيّ , وَكَذَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّف فِي آخِرِ الْبَاب عَنْ شَيْخه الْحُمَيْدِيِّ وَهُوَ تِلْمِيذ الشَّافِعِيّ , وَبِذَلِكَ يَقُول أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف وَالْأَوْزَاعِيُّ , وَحَكَاهُ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ مَالِك , وَأَنْكَرَ أَحْمَد نَسْخَ الْأَمْر الْمَذْكُور بِذَلِكَ وَجَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِتَنْزِيلِهِمَا عَلَى حَالَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا إِذَا اِبْتَدَأَ الْإِمَام الرَّاتِب الصَّلَاة قَاعِدًا لِمَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ فَحِينَئِذٍ يُصَلُّونَ خَلْفَهُ قُعُودًا , ثَانِيَتُهُمَا إِذَا اِبْتَدَأَ الْإِمَام الرَّاتِب قَائِمًا لَزِمَ الْمَأْمُومِينَ أَنْ يُصَلُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا سَوَاء طَرَأَ مَا يَقْتَضِي صَلَاة إِمَامهمْ قَاعِدًا أَمْ لَا كَمَا فِي الْأَحَادِيث الَّتِي فِي مَرَضِ مَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّ تَقْرِيره لَهُمْ عَلَى الْقِيَام دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمهُمْ الْجُلُوس فِي تِلْكَ الْحَالَة لِأَنَّ أَبَا بَكْر اِبْتَدَأَ الصَّلَاة بِهِمْ قَائِمًا وَصَلَّوْا مَعَهُ قِيَامًا , بِخِلَافِ الْحَالَة الْأُولَى فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْتَدَأَ الصَّلَاة جَالِسًا فَلَمَّا صَلَّوْا خَلْفَهُ قِيَامًا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ. وَيُقَوِّي هَذَا الْجَمْع أَنَّ الْأَصْل عَدَم النَّسْخ , لَا سِيَّمَا وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَة يَسْتَلْزِم دَعْوَى النَّسْخ مَرَّتَيْنِ , لِأَنَّ الْأَصْل فِي حُكْم الْقَادِر عَلَى الْقِيَام أَنْ لَا يُصَلِّيَ قَاعِدًا , وَقَدْ نُسِخَ إِلَى الْقُعُود فِي حَقّ مَنْ صَلَّى إِمَامه قَاعِدًا , فَدَعْوَى نَسْخ الْقُعُود بَعْدَ ذَلِكَ تَقْتَضِي وُقُوع النَّسْخ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ بَعِيدٌ , وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ نَقْل عِيَاض فَإِنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوع النَّسْخ ثَلَاث مَرَّات , وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ أَحْمَد جَمَاعَة مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّة كَابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْن الْمُنْذِر وَابْن حِبَّانَ , وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيث الْبَاب بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى مِنْهَا قَوْل اِبْن خُزَيْمَةَ : إِنَّ الْأَحَادِيث الَّتِي وَرَدَتْ بِأَمْرِ الْمَأْمُوم أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا تَبَعًا لِإِمَامِهِ لَمْ يُخْتَلَف فِي صِحَّتِهَا وَلَا فِي سِيَاقهَا , وَأَمَّا صَلَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا فَاخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ كَانَ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا. ‏ ‏قَالَ : وَمَا لَمْ يُخْتَلَف فِيهِ لَا يَنْبَغِي تَرْكه لِمُخْتَلَفٍ فِيهِ. وَأُجِيبَ بِدَفْعِ الِاخْتِلَاف وَالْحَمْل عَلَى أَنَّهُ كَانَ إِمَامًا مَرَّة وَمَأْمُومًا أُخْرَى. وَمِنْهَا أَنَّ بَعْضهمْ جَمَعَ بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ بِأَنَّ الْأَمْر بِالْجُلُوسِ كَانَ لِلنَّدْبِ , وَتَقْرِيره قِيَامهمْ خَلْفَهُ كَانَ لِبَيَانِ الْجَوَاز , فَعَلَى هَذَا الْأَمْر مَنْ أَمَّ قَاعِدًا لِعُذْرٍ تَخَيَّرَ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ بَيْنَ الْقُعُود وَالْقِيَام , وَالْقُعُود أَوْلَى لِثُبُوتِ الْأَمْر بِالِائْتِمَامِ وَالِاتِّبَاع وَكَثْرَة الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ. وَأَجَابَ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ اِسْتِبْعَاد مَنْ اِسْتَبْعَدَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَمْر قَدْ صَدَرَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَل الصَّحَابَة فِي حَيَاته وَبَعْدَهُ , فَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ قَيْس بْن قَهْد بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون الْهَاء الْأَنْصَارِيّ \" أَنَّ إِمَامًا لَهُمْ اِشْتَكَى لَهُمْ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَكَانَ يَؤُمُّنَا وَهُوَ جَالِس وَنَحْنُ جُلُوس \". وَرَوَى اِبْن الْمُنْذِر بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أُسَيْدِ بْن حُضَيْرٍ \" أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمه , فَاشْتَكَى , فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ شَكْوَاهُ , فَأَمَرُوهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ فَقَالَ : إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أَنْ أُصَلِّيَ قَائِمًا فَاقْعُدُوا , فَصَلَّى بِهِمْ قَاعِدًا وَهُمْ قُعُود \". وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أُسَيْدِ بْن حُضَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ \" يَا رَسُول اللَّه إِنَّ إِمَامَنَا مَرِيض , قَالَ : إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا \" وَفِي إِسْنَاده اِنْقِطَاع. وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ جَابِر \" أَنَّهُ اِشْتَكَى , فَحَضَرَتْ الصَّلَاة فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا وَصَلَّوْا مَعَهُ جُلُوسًا \" وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ وَإِسْنَاده صَحِيح أَيْضًا , وَقَدْ أَلْزَمَ اِبْن الْمُنْذِر مَنْ قَالَ بِأَنَّ الصَّحَابِيّ أَعْلَم بِتَأْوِيلِ مَا رُوِيَ بِأَنْ يَقُول بِذَلِكَ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة وَجَابِرًا رَوَيَا الْأَمْر الْمَذْكُور , وَاسْتَمَرَّا عَلَى الْعَمَل بِهِ وَالْفُتْيَا بَعْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَلْزَم ذَلِكَ مَنْ قَالَ إِنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا رَوَى وَعَمِلَ بِخِلَافِهِ أَنَّ الْعِبْرَة بِمَا عَمِلَ مِنْ بَاب الْأَوْلَى لِأَنَّهُ هُنَا عَمِلَ بِوَفْقِ مَا رَوَى. وَقَدْ اِدَّعَى اِبْن حِبَّانَ الْإِجْمَاع عَلَى الْعَمَل بِهِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ السُّكُوت , لِأَنَّهُ حَكَاهُ عَنْ أَرْبَعَة مِنْ الصَّحَابَة الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ وَقَالَ : إِنَّهُ لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة غَيْرِهِمْ الْقَوْل بِخِلَافِهِ لَا مِنْ طَرِيق صَحِيح وَلَا ضَعِيفٍ. وَكَذَا قَالَ اِبْن حَزْمٍ إِنَّهُ لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَة خِلَافُ ذَلِكَ , ثُمَّ نَازَعَ فِي ثُبُوت كَوْنِ الصَّحَابَة صَلَّوْا خَلْفَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَاعِدٌ قِيَامًا غَيْر أَبِي بَكْر , قَالَ : لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَرِدْ صَرِيحًا , وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ بِمَا لَا طَائِل فِيهِ. وَاَلَّذِي اِدَّعَى نَفْيَهُ قَدْ أَثْبَتَهُ الشَّافِعِيّ وَقَالَ : إِنَّهُ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة , ثُمَّ وَجَدْته مُصَرَّحًا بِهِ أَيْضًا فِي مُصَنَّف عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاء فَذَكَرَ الْحَدِيث وَلَفْظه \" فَصَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا وَجَعَلَ أَبُو بَكْر وَرَاءَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاس وَصَلَّى النَّاس وَرَاءَهُ قِيَامًا \" وَهَذَا مُرْسَل يَعْتَضِدُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي عَلَّقَهَا الشَّافِعِيّ عَنْ النَّخَعِيِّ , وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه النَّظَر , فَإِنَّهُمْ اِبْتَدَءُوا الصَّلَاة مَعَ أَبِي بَكْر قِيَامًا بِلَا نِزَاع , فَمَنْ اِدَّعَى أَنَّهُمْ قَعَدُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْبَيَان. ثُمَّ رَأَيْت اِبْن حِبَّانَ اِسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ قَعَدُوا بَعْدَ أَنْ كَانُوا قِيَامًا بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر قَالَ \" اِشْتَكَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِد وَأَبُو بَكْر يُسْمِعُ النَّاس تَكْبِيره , قَالَ فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا فَرَآنَا قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْنَا فَقَعَدْنَا. فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : إِنْ كِدْتُمْ لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ , فَلَا تَفْعَلُوا \" الْحَدِيثَ. وَهُوَ حَدِيث صَحِيح أَخْرَجَهُ مُسْلِم , لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي مَرَض مَوْته , وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ حَيْثُ سَقَطَ عَنْ الْفَرَس كَمَا فِي رِوَايَة أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر أَيْضًا قَالَ \" رَكِبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا بِالْمَدِينَةِ فَصَرَعَهُ عَلَى جِذْع نَخْلَة فَانْفَكَّتْ قَدَمُهُ \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح , فَلَا حُجَّة عَلَى هَذَا لِمَا اِدَّعَاهُ , إِلَّا أَنَّهُ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر \" وَأَبُو بَكْر يُسْمِعُ النَّاس التَّكْبِير \" وَقَالَ إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا فِي مَرَض مَوْته لِأَنَّ صَلَاته فِي مَرَضه الْأَوَّل كَانَتْ فِي مَشْرَبَة عَائِشَة وَمَعَهُ نَفَر مِنْ أَصْحَابه لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى مَنْ يُسْمِعُهُمْ تَكْبِيره بِخِلَافِ صَلَاته فِي مَرَض مَوْته فَإِنَّهَا كَانَتْ فِي الْمَسْجِد بِجَمْعٍ كَثِير مِنْ الصَّحَابَة فَاحْتَاجَ أَبُو بَكْر أَنْ يُسْمِعهُمْ التَّكْبِير. اِنْتَهَى. وَلَا رَاحَة لَهُ فِيمَا تَمَسَّكَ بِهِ لِأَنَّ إِسْمَاع التَّكْبِير فِي هَذَا لَمْ يُتَابِع أَبَا الزُّبَيْر عَلَيْهِ أَحَدٌ , وَعَلَى تَقْدِير أَنَّهُ حَفِظَهُ فَلَا مَانِع أَنْ يُسْمِعَهُمْ أَبُو بَكْر التَّكْبِير فِي تِلْكَ الْحَالَة لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ صَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ خَفِيًّا مِنْ الْوَجَع , وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَجْهَر بِالتَّكْبِيرِ فَكَانَ أَبُو بَكْر يَجْهَر عَنْهُ بِالتَّكْبِيرِ لِذَلِكَ. وَوَرَاءَ ذَلِكَ كُلّه أَنَّهُ أَمْر مُحْتَمَلٌ لَا يُتْرَكُ لِأَجْلِهِ الْخَبَر الصَّرِيح بِأَنَّهُمْ صَلَّوْا قِيَامًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي مُرْسَل عَطَاء وَغَيْره , بَلْ فِي مُرْسَل عَطَاء أَنَّهُمْ اِسْتَمَرُّوا قِيَامًا إِلَى أَنْ اِنْقَضَتْ الصَّلَاة. نَعَمْ وَقَعَ فِي مُرْسَل عَطَاء الْمَذْكُور مُتَّصِلًا بِهِ بَعْدَ قَوْله : وَصَلَّى النَّاس وَرَاءَهُ قِيَامًا \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ اِسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اِسْتَدْبَرْت مَا صَلَّيْتُمْ إِلَّا قُعُودًا , فَصَلُّوا صَلَاةَ إِمَامِكُمْ مَا كَانَ , إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة تُقَوِّي مَا قَالَ اِبْن حِبَّانَ إِنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ فِي مَرَض مَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُسْتَفَاد مِنْهَا نَسْخ الْأَمْر بِوُجُوبِ صَلَاة الْمَأْمُومِينَ قُعُودًا إِذَا صَلَّى إِمَامهمْ قَاعِدًا لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرهُمْ فِي هَذِهِ الْمَرَّة الْأَخِيرَة بِالْإِعَادَةِ , لَكِنْ إِذَا نُسِخَ الْوُجُوب يَبْقَى الْجَوَاز , وَالْجَوَاز لَا يُنَافِي الِاسْتِحْبَاب فَيُحْمَلُ أَمْرُهُ الْأَخِير بِأَنْ يُصَلُّوا قُعُودًا عَلَى الِاسْتِحْبَاب لِأَنَّ الْوُجُوب قَدْ رُفِعَ بِتَقْرِيرِهِ لَهُمْ وَتَرْك أَمْرهمْ بِالْإِعَادَةِ. هَذَا مُقْتَضَى الْجَمْع بَيْنَ الْأَدِلَّة وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق وَاللَّهُ أَعْلَم. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى بَاقِي فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب حَدّ الْمَرِيض أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "647",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فِي بَيْته ) ) ‏ ‏أَيْ فِي الْمَشْرَبَة الَّتِي فِي حُجْرَة عَائِشَة كَمَا بَيَّنَهُ أَبُو سُفْيَان عَنْ جَابِر , وَهُوَ دَالّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الصَّلَاة لَمْ تَكُنْ فِي الْمَسْجِد , وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَجَزَ عَنْ الصَّلَاة بِالنَّاسِ فِي الْمَسْجِد فَكَانَ يُصَلِّي فِي بَيْته بِمَنْ حَضَرَ , لَكِنَّهُ لَمْ يُنْقَل أَنَّهُ اِسْتَخْلَفَ , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ عِيَاض : إِنَّ الظَّاهِر أَنَّهُ صَلَّى فِي حُجْرَة عَائِشَة وَائْتَمَّ بِهِ مَنْ حَضَرَ عِنْده وَمَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِد , وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحْتَمَل , وَيَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يَكُون اِسْتَخْلَفَ وَإِنْ لَمْ يُنْقَل , وَيَلْزَم عَلَى الْأَوَّل صَلَاة الْإِمَام أَعْلَى مِنْ الْمَأْمُومِينَ وَمَذْهَب عِيَاض خِلَافُهُ , لَكِنْ لَهُ أَنْ يَقُول مَحَلّ الْمَنْع مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْإِمَام فِي مَكَانه الْعَالِي أَحَد وَهُنَا كَانَ مَعَهُ بَعْض أَصْحَابه. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ شَاكٍ ) ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ الْكَاف بِوَزْنِ قَاضٍ مِنْ الشِّكَايَة وَهِيَ الْمَرَض , وَكَانَ سَبَب ذَلِكَ مَا فِي حَدِيث أَنَس الْمَذْكُور بَعْدَهُ أَنْ سَقَطَ عَنْ فَرَس. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّى جَالِسًا ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَصَابَهُ مِنْ السَّقْطَة رَضٌّ فِي الْأَعْضَاء مَنَعَهُ مِنْ الْقِيَام. قَالَ : وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا كَانَتْ قَدَمُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْفَكَّتْ كَمَا فِي رِوَايَة بَشِير بْن الْمُفَضَّل عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَكَذَا لِأَبِي دَاوُدَ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَة أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَأَمَّا قَوْله فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس بْن مَالِك \" جُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَن \" وَفِي رِوَايَة يَزِيدَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" جُحِشَ سَاقُهُ \" أَوْ \" كَتِفُهُ \" كَمَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الصَّلَاة عَلَى السُّطُوح \" فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْنُ قَدَمِهِ اِنْفَكَّتْ لِاحْتِمَالِ وُقُوع الْأَمْرَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِير الْجَحْش بِأَنَّهُ الْخَدْش وَالْخَدْش قَشْرُ الْجِلْد , وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّف فِي \" بَاب يَهْوِي بِالتَّكْبِيرِ \" مِنْ رِوَايَة سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس قَالَ سُفْيَان : حَفِظْت مِنْ الزُّهْرِيّ شِقَّهُ الْأَيْمَن , فَلَمَّا خَرَجْنَا قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ : سَاقَهُ الْأَيْمَن. ‏ ‏قُلْت : وَرِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ أَخْرَجَهَا عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ , وَلَيْسَتْ مُصَحَّفَةً كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ لِمُوَافَقَةِ رِوَايَة حُمَيْدٍ الْمَذْكُورَة لَهَا , وَإِنَّمَا هِيَ مُفَسِّرَةٌ لِمَحَلِّ الْخَدْش مِنْ الشِّقّ الْأَيْمَن لِأَنَّ الْخَدْشَ لَمْ يَسْتَوْعِبْهُ. وَحَاصِلُ مَا فِي الْقِصَّةِ أَنَّ عَائِشَةَ أَبْهَمَتْ الشَّكْوَى , وَبَيَّنَ جَابِر وَأَنَس السَّبَب وَهُوَ السُّقُوط عَنْ الْفَرَس , وَعَيَّنَ جَابِر الْعِلَّةَ فِي الصَّلَاة قَاعِدًا وَهِيَ اِنْفِكَاك الْقَدَم , وَأَفَادَ اِبْن حِبَّانَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنْ الْهِجْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة عَبْدَةَ عَنْ هِشَام \" فَدَخَلَ عَلَيْهِ نَاس مِنْ أَصْحَابه يَعُودُونَهُ \" الْحَدِيثَ , وَقَدْ سُمِّيَ مِنْهُمْ فِي الْأَحَادِيث أَنَس كَمَا فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْدَهُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَجَابِر كَمَا تَقَدَّمَ , وَأَبُو بَكْر كَمَا فِي حَدِيث جَابِر , وَعُمَر كَمَا فِي رِوَايَة الْحَسَن مُرْسَلًا عِنْدَ عَبْد الرَّزَّاق. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ هُنَا مِنْ الْإِشَارَة , وَكَذَا لِجَمِيعِهِمْ فِي الطِّبّ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ هِشَام , وَوَقَعَ هُنَا لِلْحَمَوِيِّ \" فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ \" مِنْ الْمَشُورَة , وَالْأَوَّل أَصَحّ فَقَدْ رَوَاهُ أَيُّوب عَنْ هِشَام بِلَفْظِ \" فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ \" وَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ هِشَام بِلَفْظِ \" فَأَخْلَفَ بِيَدِهِ يُومِئ بِهَا إِلَيْهِمْ \" وَفِي مُرْسَل الْحَسَن \" وَلَمْ يَبْلُغ بِهَا الْغَايَة \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَام لِيُؤْتَمَّ بِهِ ) ‏ ‏قَالَ الْبَيْضَاوِيّ وَغَيْرُهُ : الِائْتِمَامُ الِاقْتِدَاء وَالِاتِّبَاع أَيْ جُعِلَ الْإِمَام إِمَامًا لِيُقْتَدَى بِهِ وَيُتَّبَعَ , وَمِنْ شَأْن التَّابِع أَنْ لَا يَسْبِق مَتْبُوعه وَلَا يُسَاوِيه وَلَا يَتَقَدَّم عَلَيْهِ فِي مَوْقِفه , بَلْ يُرَاقِب أَحْوَاله وَيَأْتِي عَلَى أَثَره بِنَحْوِ فِعْله , وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ فِي شَيْء مِنْ الْأَحْوَال. وَقَالَ النَّوَوِيّ وَغَيْره : مُتَابَعَةُ الْإِمَام وَاجِبه فِي الْأَفْعَال الظَّاهِرَة , وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهَا فِي الْحَدِيث فَذَكَرَ الرُّكُوع وَغَيْرَهُ بِخِلَافِ النِّيَّة فَإِنَّهَا لَمْ تُذْكَرْ وَقَدْ خَرَجَتْ بِدَلِيلٍ آخَرَ , وَكَأَنَّهُ يَعْنِي قِصَّةَ مُعَاذٍ الْآتِيَة. وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ مِنْ هَذَا الْحَدِيث عَلَى عَدَم دُخُولهَا لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْحَصْرَ فِي الِاقْتِدَاء بِهِ فِي أَفْعَاله لَا فِي جَمِيع أَحْوَاله كَمَا لَوْ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ حَامِل نَجَاسَة فَإِنَّ الصَّلَاة خَلْفَهُ تَصِحّ لَمْ يَعْلَم حَالَهُ عَلَى الصَّحِيح عِنْدَ الْعُلَمَاء , ثُمَّ مَعَ وُجُوب الْمُتَابَعَة لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْهَا شَرْطًا فِي صِحَّة الْقُدْوَة إِلَّا تَكْبِيرَة الْإِحْرَام , وَاخْتُلِفَ فِي الِائْتِمَام وَالْمَشْهُور عِنْدَ الْمَالِكِيَّة اِشْتِرَاطه مَعَ الْإِحْرَام وَالْقِيَام مِنْ التَّشَهُّد الْأَوَّل , وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّة فَقَالُوا : تَكْفِي الْمُقَارَنَة , قَالُوا لِأَنَّ مَعْنَى الِائْتِمَام الِامْتِثَال وَمَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِ إِمَامه عُدَّ مُمْتَثِلًا , وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَاب الدَّلِيل عَلَى تَحْرِيم التَّقَدُّم عَلَى الْإِمَام فِي الْأَرْكَان. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن الْمُنِير : مُقْتَضَاهُ أَنَّ رُكُوع الْمَأْمُوم يَكُون بَعْدَ رُكُوع الْإِمَام إِمَّا بَعْدَ تَمَام اِنْحِنَائِهِ وَإِمَّا أَنْ يَسْبِقهُ الْإِمَام بِأَوَّلِهِ فَيَشْرَع فِيهِ بَعْدَ أَنْ يَشْرَع , قَالَ : وَحَدِيث أَنَس أَتَمُّ مِنْ حَدِيث عَائِشَة لِأَنَّهُ زَادَ فِيهِ الْمُتَابَعَة فِي الْقَوْل أَيْضًا. ‏ ‏قُلْت : قَدْ وَقَعَتْ الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة وَهِيَ قَوْله : \" وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ \" فِي حَدِيث عَائِشَة أَيْضًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس زِيَادَة أُخْرَى فِي الْأَقْوَال وَهِيَ قَوْله فِي أَوَّله \" فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا \" وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب إِيجَاب التَّكْبِير \" وَكَذَا فِيهِ مِنْ رِوَايَة الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَزَادَ فِي رِوَايَة عَبْدَةَ عَنْ هِشَام فِي الطِّبّ \" وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا , وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا \" وَهُوَ يَتَنَاوَل الرَّفْع مِنْ الرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْ السُّجُود وَجَمِيع السَّجَدَات , وَكَذَا وَرَدَتْ زِيَادَة ذَلِكَ فِي حَدِيث أَنَس الَّذِي فِي الْبَاب , وَقَدْ وَافَقَ عَائِشَة وَأَنَسًا وَجَابِرًا عَلَى رِوَايَة هَذَا الْحَدِيث دُونَ الْقِصَّة الَّتِي فِي أَوَّله أَبُو هُرَيْرَة , وَلَهُ طُرُق عَنْهُ عِنْدَ مُسْلِم مِنْهَا مَا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَة هَمَّام عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب إِقَامَة الصَّفّ \" وَفِيهِ جَمِيع مَا ذُكِرَ فِي حَدِيث عَائِشَة وَحَدِيث أَنَس بِالزِّيَادَةِ , وَزَادَ أَيْضًا بَعْدَ قَوْله لِيُؤْتَمَّ بِهِ : \" لَا فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ \" وَلَمْ يَذْكُرهَا الْمُصَنِّف فِي رِوَايَة أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْهُ مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ أَبِي الزِّنَاد فِي \" بَاب إِيجَاب التَّكْبِير \" لَكِنْ ذَكَرَهَا السَّرَّاج وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط وَأَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج عَنْهُ مِنْ طَرِيق أَبِي الْيَمَانِ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ رِوَايَة بِشْرِ بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ شَيْخ أَبِي الْيَمَانِ وَمُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُغِيرَةَ بْن عَبْد الرَّحْمَن وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مَالِك وَوَرْقَاء كُلّهمْ عَنْ أَبِي الزِّنَاد شَيْخ شُعَيْب. وَأَفَادَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة أَنَّ الْأَمْر بِالِاتِّبَاعِ يَعُمُّ جَمِيعَ الْمَأْمُومِينَ وَلَا يَكْفِي فِي تَحْصِيل الِائْتِمَام اِتِّبَاع بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ \" لَا تُبَادِرُوا الْإِمَام , إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا \" الْحَدِيثَ , زَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة مُصْعَب بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِي صَالِح \" وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَع وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُد \" وَهِيَ زِيَادَة حَسَنَة تَنْفِي اِحْتِمَال إِرَادَة الْمُقَارَنَة مِنْ قَوْله إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا. ( فَائِدَة ) : جَزَمَ اِبْن بَطَّال وَمَنْ تَبِعَهُ حَتَّى اِبْن دَقِيق الْعِيد أَنَّ الْفَاء فِي قَوْله : \" فَكَبِّرُوا \" لِلتَّعْقِيبِ , قَالُوا وَمُقْتَضَاهُ الْأَمْر بِأَنَّ أَفْعَال الْمَأْمُوم تَقَع عَقِبَ فِعْل الْإِمَام , لَكِنْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ الْفَاء الَّتِي لِلتَّعْقِيبِ هِيَ الْعَاطِفَة , وَأَمَّا الَّتِي هُنَا فَهِيَ لِلرَّبْطِ فَقَطْ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ جَوَابًا لِلشَّرْطِ , فَعَلَى هَذَا لَا تَقْتَضِي تَأَخُّرَ أَفْعَال الْمَأْمُوم عَنْ الْإِمَام إِلَّا عَلَى الْقَوْل بِتَقَدُّمِ الشَّرْط عَلَى الْجَزَاء , وَقَدْ قَالَ قَوْم إِنَّ الْجَزَاء يَكُون مَعَ الشَّرْط , فَعَلَى هَذَا لَا تَنْفِي الْمُقَارَنَة , لَكِنَّ رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ هَذِهِ صَرِيحَة فِي اِنْتِقَاء التَّقَدُّم وَالْمُقَارَنَة وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "648",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَكِبَ فَرَسًا ‏ ‏فَصُرِعَ ‏ ‏عَنْهُ ‏ ‏فَجُحِشَ ‏ ‏شِقُّهُ الْأَيْمَنُ فَصَلَّى صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏قَوْلُهُ ‏ ‏إِذَا صَلَّى جَالِسًا ‏ ‏فَصَلُّوا جُلُوسًا هُوَ فِي مَرَضِهِ الْقَدِيمِ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَك الْحَمْد ) ‏ ‏كَذَا لِجَمِيعِ الرُّوَاة فِي حَدِيث عَائِشَة بِإِثْبَاتِ الْوَاو , وَكَذَا لَهُمْ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَأَنَس إِلَّا فِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ الزُّهْرِيّ فِي \" بَاب إِيجَاب التَّكْبِير \" فَلِلْكُشْمِيهَنِيّ بِحَذْفِ الْوَاو وَرُجِّحَ إِثْبَات الْوَاو بِأَنَّ فِيهَا مَعْنًى زَائِدًا لِكَوْنِهَا عَاطِفَة عَلَى مَحْذُوف تَقْدِيره رَبَّنَا اِسْتَجِبْ أَوْ رَبَّنَا أَطَعْنَاك وَلَك الْحَمْد فَيَشْتَمِل عَلَى الدُّعَاء وَالثَّنَاء مَعًا , وَرَجَّحَ قَوْم حَذْفَهَا لِأَنَّ الْأَصْل عَدَم التَّقْدِير فَتَكُون عَاطِفَة عَلَى كَلَام غَيْر تَامّ , وَالْأَوَّل أَوْجَهُ كَمَا قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد. وَقَالَ النَّوَوِيّ : ثَبَتَتْ الرِّوَايَة بِإِثْبَاتِ الْوَاو وَحَذْفهَا , وَالْوَجْهَانِ جَائِزَانِ بِغَيْرِ تَرْجِيح , وَسَيَأْتِي فِي أَبْوَاب صِفَة الصَّلَاة الْكَلَام عَلَى زِيَادَة \" اللَّهُمَّ \" قَبْلَهَا , وَنَقَلَ عِيَاض عَنْ الْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب أَنَّهُ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِمَام يَقْتَصِر عَلَى قَوْله \" سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ \" وَأَنَّ الْمَأْمُوم يَقْتَصِر عَلَى قَوْله \" رَبَّنَا وَلَك الْحَمْد \" وَلَيْسَ فِي السِّيَاق مَا يَقْتَضِي الْمَنْع مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ السُّكُوت عَنْ الشَّيْء لَا يَقْتَضِي تَرْك فِعْلِهِ , نَعَمْ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمَأْمُوم يَقُول \" رَبَّنَا لَك الْحَمْد \" عَقِبَ قَوْل الْإِمَام \" سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ \" فَأَمَّا مَنْع الْإِمَام مِنْ قَوْل رَبَّنَا وَلَك الْحَمْد فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْمَع بَيْنَهُمَا كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب مَا يَقُول عِنْدَ رَفْع رَأْسه مِنْ الرُّكُوع \" وَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ \" أَخْبَرَنِي أَنَس \". ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّى صَلَاة مِنْ الصَّلَوَات ) ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ \" فَحَضَرَتْ الصَّلَاة \" وَكَذَا فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : اللَّام لِلْعَهْدِ ظَاهِرًا , وَالْمُرَاد الْفَرْض , لِأَنَّهَا الَّتِي عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ لَهَا بِخِلَافِ النَّافِلَة. وَحَكَى عِيَاض عَنْ اِبْن الْقَاسِم أَنَّهَا كَانَتْ نَفْلًا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي رِوَايَة جَابِر عِنْدَ اِبْن خُزَيْمَةَ وَأَبِي دَاوُدَ الْجَزْم بِأَنَّهَا فَرْض كَمَا سَيَأْتِي , لَكِنْ لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِينِهَا , إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيث أَنَس \" فَصَلَّى بِنَا يَوْمَئِذٍ \" فَكَأَنَّهَا نَهَارِيَّةٌ , الظُّهْر أَوْ الْعَصْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا ) ‏ ‏ظَاهِره يُخَالِفُ حَدِيث عَائِشَة , وَالْجَمْع بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي رِوَايَة أَنَس هَذِهِ اِخْتِصَارًا , وَكَأَنَّهُ اِقْتَصَرَ عَلَى مَا آلَ إِلَيْهِ الْحَال بَعْدَ أَمْره لَهُمْ الْجُلُوس , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الصَّلَاة فِي السُّطُوح \" مِنْ رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس بِلَفْظِ \" فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا وَهُمْ قِيَام , فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَام \" وَفِيهَا أَيْضًا اِخْتِصَار لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِيهِ قَوْله لَهُمْ \" اِجْلِسُوا \" , وَالْجَمْع بَيْنَهُمَا أَنَّهُمْ اِبْتَدَءُوا الصَّلَاة قِيَامًا فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ بِأَنْ يَقْعُدُوا فَقَعَدُوا , فَنَقَلَ كُلٌّ مِنْ الزُّهْرِيّ وَحُمَيْدٍ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ , وَجَمَعَتْهُمَا عَائِشَة , وَكَذَا جَمَعَهُمَا جَابِر عِنْدَ مُسْلِم , وَجَمَعَ الْقُرْطُبِيّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون بَعْضهمْ قَعَدَ مِنْ أَوَّل الْحَال وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ أَنَس , وَبَعْضهمْ قَامَ حَتَّى أَشَارَ إِلَيْهِ بِالْجُلُوسِ وَهَذَا الَّذِي حَكَتْهُ عَائِشَة. وَتُعُقِّبَ بِاسْتِبْعَادِ قُعُود بَعْضهمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم النَّسْخَ بِالِاجْتِهَادِ لِأَنَّ فَرْضَ الْقَادِر فِي الْأَصْل الْقِيَام. وَجَمَعَ آخَرُونَ بَيْنَهُمَا بِاحْتِمَالِ تَعَدُّدِ الْوَاقِعَة وَفِيهِ بُعْدٌ , لِأَنَّ حَدِيث أَنَس إِنْ كَانَتْ الْقِصَّة فِيهِ سَابِقَة لَزِمَ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ النَّسْخ بِالِاجْتِهَادِ , وَإِنْ كَانَتْ مُتَأَخِّرَة لَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِعَادَة قَوْل \" إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَام لِيُؤْتَمَّ بِهِ إِلَخْ \" لِأَنَّهُمْ قَدْ اِمْتَثَلُوا أَمْرَهُ السَّابِق وَصَلَّوْا قُعُودًا لِكَوْنِهِ قَاعِدًا. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة جَابِر عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُمْ دَخَلُوا يَعُودُونَهُ مَرَّتَيْنِ فَصَلَّى بِهِمْ فِيهِمَا , لَكِنْ بَيَّنَ أَنَّ الْأُولَى كَانَتْ نَافِلَةً وَأَقَرَّهُمْ عَلَى الْقِيَام وَهُوَ جَالِس , وَالثَّانِيَة كَانَتْ فَرِيضَة وَابْتَدَءُوا قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِالْجُلُوسِ. وَفِي رِوَايَة بِشْر عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ نَحْوُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّة إِمَامَة الْجَالِس كَمَا تَقَدَّمَ. وَادَّعَى بَعْضهمْ أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَمْرِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فِي جُلُوسه فِي التَّشَهُّد وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ , لِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَقِبَ ذِكْر الرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْهُ وَالسُّجُود , قَالَ : فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامُوا تَعْظِيمًا لَهُ فَأَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ تَوَاضُعًا , وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث جَابِر \" إِنْ كِدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْل فَارِسَ وَالرُّومِ , يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُود , فَلَا تَفْعَلُوا \" وَتَعَقَّبَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد وَغَيْره بِالِاسْتِبْعَادِ , وَبِأَنَّ سِيَاق طُرُق الْحَدِيث تَأْبَاهُ , وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَاد الْأَمْر بِالْجُلُوسِ فِي الرُّكْن لَقَالَ وَإِذَا جَلَسَ فَاجْلِسُوا لِيُنَاسِبَ قَوْله وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا , فَلَمَّا عَدَلَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى قَوْله \" وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا \" كَانَ كَقَوْلِهِ وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا , فَالْمُرَاد بِذَلِكَ جَمِيع الصَّلَاة. وَيُؤَيِّد ذَلِكَ قَوْل أَنَس \" فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا \". ‏ ‏قَوْله : ( أَجْمَعُونَ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الطُّرُق فِي الصَّحِيحَيْنِ بِالْوَاوِ , إِلَّا أَنَّ الرُّوَاة اِخْتَلَفُوا فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب إِقَامَة الصَّفّ \" فَقَالَ بَعْضهمْ \" أَجْمَعِينَ \" بِالْيَاءِ وَالْأَوَّل تَأْكِيدٌ لِضَمِيرِ الْفَاعِل فِي قَوْله \" صَلُّوا \" , وَأَخْطَأَ مَنْ ضَعَّفَهُ فَإِنَّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ , وَالثَّانِي نُصِبَ عَلَى الْحَال أَيْ جُلُوسًا مُجْتَمِعِينَ , أَوْ عَلَى التَّأْكِيد لِضَمِيرٍ مُقَدَّر مَنْصُوب كَأَنَّهُ قَالَ : أَعْنِيكُمْ أَجْمَعِينَ. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ مَشْرُوعِيَّة رُكُوب الْخَيْل وَالتَّدَرُّب عَلَى أَخْلَاقهَا وَالتَّأَسِّي لِمَنْ يَحْصُل لَهُ سُقُوط وَنَحْوُهُ بِمَا اِتَّفَقَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَة وَبِهِ الْأُسْوَة الْحَسَنَة. وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوز عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَجُوز عَلَى الْبَشَر مِنْ الْأَسْقَام وَنَحْوهَا مِنْ غَيْر نَقْصٍ فِي مِقْدَاره بِذَلِكَ , بَلْ لِيَزْدَادَ قَدْره رِفْعَةً وَمَنْصِبُهُ جَلَالَةً. ‏"
    },
    {
        "id": "649",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْبَرَاءُ ‏ ‏وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَاجِدًا ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏نَحْوَهُ بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السَّبِيعِيُّ , وَعَبْد اللَّه بْن يَزِيد هُوَ الْخَطْمِيُّ , كَذَا وَقَعَ مَنْسُوبًا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة لِشُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق , وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى خَطْمَةَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الطَّاء بَطْن مِنْ الْأَوْس , وَكَانَ عَبْد اللَّه الْمَذْكُور أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَة فِي زَمَن اِبْن الزُّبَيْر , وَوَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ فِي \" بَاب رَفْع الْبَصَر فِي الصَّلَاة \" أَنَّ أَبَا إِسْحَاق قَالَ \" سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن يَزِيد يَخْطُب \" , وَأَبُو إِسْحَاق مَعْرُوف بِالرِّوَايَةِ عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب لَكِنَّهُ سَمِعَ هَذَا عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ. وَفِيهِ لَطِيفَة وَهِيَ رِوَايَة صَحَابِيّ اِبْن صَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ اِبْن صَحَابِيّ مِنْ الْأَنْصَار ثُمَّ مِنْ الْأَوْس وَكِلَاهُمَا سَكَنَ الْكُوفَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ غَيْر كَذُوب ) ‏ ‏الظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ كَلَام عَبْد اللَّه بْن يَزِيد وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ وَصَاحِب الْعُمْدَة , لَكِنْ رَوَى عَبَّاس الدُّورِيُّ فِي تَارِيخه عَنْ يَحْيَى بْن مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ : قَوْله \" هُوَ غَيْر كَذُوب \" إِنَّمَا يُرِيد عَبْد اللَّه بْن يَزِيد الرَّاوِيَ عَنْ الْبَرَاء لَا الْبَرَاء. وَلَا يُقَال لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْر كَذُوب , يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَة إِنَّمَا تَحْسُنُ فِي مَشْكُوك فِي عَدَالَته وَالصَّحَابَة كُلُّهُمْ عُدُولٌ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَزْكِيَة. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ : هَذَا الْقَوْل لَا يُوجِب تُهْمَةً فِي الرَّاوِي إِنَّمَا يُوجِب حَقِيقَةَ الصِّدْق لَهُ , قَالَ : وَهَذِهِ عَادَتُهُمْ إِذَا أَرَادُوا تَأْكِيد الْعِلْم بِالرَّاوِي وَالْعَمَل بِمَا رَوَى , كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول \" سَمِعْت خَلِيلِي الصَّادِق الْمَصْدُوق \". وَقَالَ اِبْن مَسْعُود \" حَدَّثَنِي الصَّادِق الْمَصْدُوق \" وَقَالَ عِيَاض وَتَبِعَهُ النَّوَوِيّ : لَا وَصْمَ فِي هَذَا عَلَى الصَّحَابَة لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّعْدِيل , وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ تَقْوِيَةَ الْحَدِيث إِذْ حَدَّثَ بِهِ الْبَرَاء وَهُوَ غَيْر مُتَّهَم , وَمِثْل هَذَا قَوْل أَبِي مُسْلِم الْخَوْلَانِيّ : حَدَّثَنِي الْحَبِيب الْأَمِين. وَقَدْ قَالَ اِبْن مَسْعُود وَأَبُو هُرَيْرَة فَذَكَرَهُمَا. ‏ ‏قَالَ : وَهَذَا قَالُوهُ تَنْبِيهًا عَلَى صِحَّة الْحَدِيث لَا أَنَّ قَائِله قَصَدَ بِهِ تَعْدِيل رَاوِيه. وَأَيْضًا فَتَنْزِيه اِبْن مَعِين لِلْبَرَاءِ عَنْ التَّعْدِيل لِأَجْلِ صُحْبَته وَلَمْ يُنَزِّه عَنْ ذَلِكَ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد لَا وَجْهَ لَهُ , فَإِنَّ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد مَعْدُود فِي الصَّحَابَة. اِنْتَهَى كَلَامه. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ أَخَذَ كَلَام الْخَطَّابِيِّ فَبَسَطَهُ وَاسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ الْإِلْزَام الْأَخِير , وَلَيْسَ بِوَارِدٍ لِأَنَّ يَحْيَى بْن مَعِين لَا يُثْبِتُ صُحْبَةَ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد , وَقَدْ نَفَاهَا أَيْضًا مُصْعَب الزَّبِيرِي وَتَوَقَّفَ فِيهَا أَحْمَد بْن حَنْبَل وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو دَاوُدَ وَأَثْبَتَهَا اِبْن الْبَرْقِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَآخَرُونَ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى الْكَلَام حَدَّثَنِي الْبَرَاء وَهُوَ غَيْر مُتَّهَم كَمَا عَلِمْتُمْ فَثِقُوا بِمَا أُخْبِرُكُمْ بِهِ عَنْهُ , وَقَدْ اِعْتَرَضَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى التَّنْظِير الْمَذْكُور فَقَالَ : كَأَنَّهُ لَمْ يُلِمَّ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْم الْبَيَان , لِلْفَرْقِ الْوَاضِح بَيْنَ قَوْلنَا فُلَان صَدُوق وَفُلَان غَيْر كَذُوب لِأَنَّ فِي الْأَوَّل إِثْبَات الصِّفَة لِلْمَوْصُوفِ , وَفِي الثَّانِي نَفْيُ ضِدِّهَا عَنْهُ فَهُمَا مُفْتَرِقَانِ. قَالَ : وَالسِّرّ فِيهِ أَنَّ نَفْيَ الضِّدّ كَأَنَّهُ يَقَع جَوَابًا لِمَنْ أَثْبَتَهُ يُخَالِف إِثْبَات الصِّفَة. اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يَقَع فِي الْإِثْبَات بِالْمُطَابَقَةِ وَفِي النَّفْي بِالِالْتِزَامِ , لَكِنَّ التَّنْظِيرَ صَحِيح بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنَى الْمُرَاد بِاللَّفْظَيْنِ , لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَزْكِيَة فِي حَقّ مَقْطُوع بِتَزْكِيَتِهِ فَيَكُون مِنْ تَحْصِيل الْحَاصِل , وَيَحْصُلُ الِانْفِصَال عَنْ ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُرَاد بِكُلٍّ مِنْهُمَا تَفْخِيم الْأَمْر وَتَقْوِيَته فِي نَفْس السَّامِع. وَذَكَرَ اِبْن دَقِيق الْعِيد أَنَّ بَعْضهمْ اِسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَلَام عَبْد اللَّه بْن يَزِيد بِقَوْلِ أَبِي إِسْحَاق فِي بَعْض طُرُقه : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن يَزِيد وَهُوَ يَخْطُب يَقُول \" حَدَّثَنَا الْبَرَاء وَكَانَ غَيْر كَذُوب \" قَالَ وَهُوَ مُحْتَمَل أَيْضًا. ‏ ‏قُلْت : لَكِنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الْأَوَّل. وَقَدْ وَجَدْت الْحَدِيث مِنْ غَيْر طَرِيق أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد وَفِيهِ قَوْله أَيْضًا \" حَدَّثَنَا الْبَرَاء وَهُوَ غَيْر كَذُوب \" أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق مُحَارِبِ بْن دِثَارٍ قَالَ : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن يَزِيد عَلَى الْمِنْبَر يَقُول... فَذَكَرَهُ. وَأَصْله فِي مُسْلِم , لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ قَوْله \" وَكَانَ غَيْر كَذُوب \" وَهَذَا يُقَوِّي أَنَّ الْكَلَام لِعَبْدِ اللَّه اِبْن يَزِيد , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَد عَبْد اللَّه بْن يَزِيد هَذَا شَيْئًا يَدُلّ عَلَى سَبَب رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث , فَإِنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقه أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِالْكُوفَةِ فَكَانَ النَّاس يَضَعُونَ رُءُوسَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَضَعَ رَأْسه وَيَرْفَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَرْفَع رَأْسه , فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي إِنْكَاره عَلَيْهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ ) ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" إِذَا رَفَعَ رَأْسه مِنْ الرُّكُوع \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ \" فَإِذَا رَفَعَ رَأْسه مِنْ الرُّكُوع فَقَالَ سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ نَزَلْ قِيَامًا \". ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَحْنِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَسُكُون الْمُهْمَلَة أَيْ لَمْ يَثْنِ , يُقَال حَنَيْت الْعُودَ إِذَا ثَنَيْته. وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" لَا يَحْنُو \" وَهِيَ لُغَة صَحِيحَة يُقَال حَنَيْت وَحَنَوْت بِمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَقَع سَاجِدًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" حَتَّى يَضَع جَبْهَته عَلَى الْأَرْض \" وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب سُجُود السَّهْو \" , وَنَحْوه لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة زُهَيْر عَنْ أَبِي إِسْحَق , وَلِأَحْمَدَ عَنْ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة \" حَتَّى يَسْجُد ثُمَّ يَسْجُدُونَ \" وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن الْجَوْزِيّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُوم لَا يَشْرَع فِي الرُّكْن حَتَّى يُتِمَّهُ الْإِمَام , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا التَّأَخُّر حَتَّى يَتَلَبَّس الْإِمَام بِالرُّكْنِ الَّذِي يَنْتَقِل إِلَيْهِ بِحَيْثُ يَشْرَع الْمَأْمُوم بَعْدَ شُرُوعه وَقَبْلَ الْفَرَاغ مِنْهُ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَمْرو بْن حُرَيْثٍ عِنْدَ مُسْلِم \" فَكَانَ لَا يَحْنِي أَحَد مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَسْتَتِمَّ سَاجِدًا \" وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَنَس \" حَتَّى يَتَمَكَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ السُّجُود \" وَهُوَ أَوْضَحُ فِي اِنْتِفَاء الْمُقَارَنَة. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الطُّمَأْنِينَة وَفِيهِ نَظَرٌ , وَعَلَى جَوَاز النَّظَر إِلَى الْإِمَام لِاتِّبَاعِهِ فِي اِنْتِقَالَاته. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَان. نَحْوه ) ‏ ‏هَكَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَكَرِيمَةَ , وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ. ‏ ‏وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ الصَّغَانِيِّ وَغَيْره عَنْ أَبِي نُعَيْم وَلَفْظه \" كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْنِ أَحَد مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَبْهَتَهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "650",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ أَوْ لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد ) ‏ ‏هُوَ الْجُمَحِيُّ مَدَنِيٌّ سَكَنَ الْبَصْرَة وَلَهُ فِي الْبُخَارِيّ أَحَادِيث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَفِي التَّابِعِينَ أَيْضًا مُحَمَّد بْن زِيَاد الْأَلْهَانِيُّ الْحِمْصِيُّ وَلَهُ عِنْدَهُ حَدِيث وَاحِد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ فِي الْمُزَارَعَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَوَلَا يَخْشَى \" وَلِأَبِي دَاوُدَ عَنْ حَفْص بْن عُمَر عَنْ شُعْبَة \" أَمَا يَخْشَى أَوْ أَلَا يَخْشَى \" بِالشَّكِّ. وَ \" أَمَا \" بِتَخْفِيفِ الْمِيم حَرْف اِسْتِفْتَاح مِثْلُ أَلَا , وَأَصْلُهَا النَّافِيَة دَخَلَتْ عَلَيْهَا هَمْزَة الِاسْتِفْهَام وَهُوَ هُنَا اِسْتِفْهَام تَوْبِيخٍ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا رَفَعَ رَأْسه قَبْلَ الْإِمَام ) ‏ ‏زَادَ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد \" فِي صَلَاته \" , وَفِي رِوَايَة حَفْص بْن عُمَر الْمَذْكُورَة \" الَّذِي يَرْفَع رَأْسه وَالْإِمَام سَاجِد \" فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَاد الرَّفْع مِنْ السُّجُود فَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ الْحَدِيث نَصٌّ فِي الْمَنْع مِنْ تَقَدُّمِ الْمَأْمُوم عَلَى الْإِمَام فِي الرَّفْع مِنْ الرُّكُوع وَالسُّجُود مَعًا , وَإِنَّمَا هُوَ نَصٌّ فِي السُّجُود , وَيَلْتَحِقُ بِهِ الرُّكُوع لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَاهُ , وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ السُّجُود لَهُ مَزِيد مَزِيَّة لِأَنَّ الْعَبْد أَقْرَبُ مَا يَكُون فِيهِ مِنْ رَبّه لِأَنَّهُ غَايَةُ الْخُضُوع الْمَطْلُوب مِنْهُ , فَلِذَلِكَ خُصَّ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون مِنْ بَاب الِاكْتِفَاء , وَهُوَ ذِكْر أَحَد الشَّيْئَيْنِ الْمُشْتَرَكَيْنِ فِي الْحُكْم إِذَا كَانَ لِلْمَذْكُورِ مَزِيَّة , وَأَمَّا التَّقَدُّم عَلَى الْإِمَام فِي الْخَفْض فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود فَقِيلَ يَلْتَحِق بِهِ مِنْ بَاب الْأَوْلَى , لِأَنَّ الِاعْتِدَال وَالْجُلُوس بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مِنْ الْوَسَائِل , وَالرُّكُوع وَالسُّجُود مِنْ الْمَقَاصِد , وَإِذَا دَلَّ الدَّلِيل عَلَى وُجُوب الْمُوَافَقَة فِيمَا هُوَ وَسِيلَة فَأَوْلَى أَنْ يَجِبَ فِيمَا هُوَ مَقْصِد , وَيُمْكِن أَنْ يُقَال لَيْسَ هَذَا بِوَاضِحٍ لِأَنَّ الرَّفْع مِنْ الرُّكُوع وَالسُّجُود يَسْتَلْزِم قَطْعه عَنْ غَايَة كَمَالِهِ , وَدُخُول النَّقْص فِي الْمَقَاصِد أَشَدُّ مِنْ دُخُوله فِي الْوَسَائِل , وَقَدْ وَرَدَ الزَّجْر عَنْ الْخَفْض وَالرَّفْع قَبْلَ الْإِمَام فِي حَدِيث آخَرَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ رِوَايَة مُلَيْح بْن عَبْد اللَّه السَّعْدِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" الَّذِي يَخْفِض وَيَرْفَع قَبْلَ الْإِمَام إِنَّمَا نَاصِيَته بِيَدِ شَيْطَان \". وَأَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ هَذَا الْوَجْه مَوْقُوفًا وَهُوَ الْمَحْفُوظ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ يَجْعَل اللَّه صُورَته صُورَةَ حِمَار ) ‏ ‏الشَّكّ مِنْ شُعْبَة , فَقَدْ رَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَةَ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد وَمُسْلِم مِنْ رِوَايَة يُونُس بْن عُبَيْدٍ وَالرَّبِيعُ بْن مُسْلِم كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد بِغَيْرِ تَرَدُّد , فَأَمَّا الْحَمَّادَانِ فَقَالَا \" رَأْس \" وَأَمَّا. يُونُس فَقَالَ \" صُورَة \" وَأَمَّا الرَّبِيع فَقَالَ \" وَجْه \" , وَالظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة. قَالَ عِيَاض : هَذِهِ الرِّوَايَات مُتَّفِقَة لِأَنَّ الْوَجْه فِي الرَّأْس وَمُعْظَم الصُّورَة فِيهِ. ‏ ‏قُلْت : لَفْظ الصُّورَة يُطْلَقُ عَلَى الْوَجْه أَيْضًا , وَأَمَّا الرَّأْس فَرُوَاتُهَا أَكْثَرُ وَهِيَ أَشْمَلُ فَهِيَ الْمُعْتَمَدَة , وَخُصَّ وُقُوع الْوَعِيد عَلَيْهَا لِأَنَّ بِهَا وَقَعَتْ الْجِنَايَة وَهِيَ أَشْمَلُ , وَظَاهِر الْحَدِيث يَقْتَضِي تَحْرِيم الرَّفْع قَبْلَ الْإِمَام لِكَوْنِهِ تَوَعَّدَ عَلَيْهِ بِالْمَسْخِ وَهُوَ أَشَدُّ الْعُقُوبَات , وَبِذَلِكَ جَزَمَ النَّوَوِيّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ , وَمَعَ الْقَوْل بِالتَّحْرِيمِ فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ فَاعِلَهُ يَأْثَم وَتُجْزِئُ صَلَاته , وَعَنْ اِبْن عُمَرَ تَبْطُلُ وَبِهِ قَالَ أَحْمَد فِي رِوَايَة وَأَهْلُ الظَّاهِر بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ , وَفِي الْمُغْنِي عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ فِي رِسَالَته : لَيْسَ لِمَنْ سَبَقَ الْإِمَام صَلَاة لِهَذَا الْحَدِيث , قَالَ : وَلَوْ كَانَتْ لَهُ صَلَاة لَرُجِيَ لَهُ الثَّوَاب وَلَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ الْعِقَاب. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْوَعِيد الْمَذْكُور فَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنْ يَرْجِع ذَلِكَ إِلَى أَمْر مَعْنَوِيّ , فَإِنَّ الْحِمَار مَوْصُوف بِالْبَلَادَةِ فَاسْتُعِيرَ هَذَا الْمَعْنَى لِلْجَاهِلِ بِمَا يَجِب عَلَيْهِ مِنْ فَرْض الصَّلَاة وَمُتَابَعَة الْإِمَام , وَيُرَجِّحُ هَذَا الْمَجَازِيّ أَنَّ التَّحْوِيل لَمْ يَقَع مَعَ كَثْرَة الْفَاعِلِينَ , لَكِنْ لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ أَنَّ ذَلِكَ يَقَع وَلَا بُدَّ , وَإِنَّمَا يَدُلّ عَلَى كَوْن فَاعِله مُتَعَرِّضًا لِذَلِكَ وَكَوْن فِعْله مُمْكِنًا لِأَنْ يَقَع عَنْهُ ذَلِكَ الْوَعِيد , وَلَا يَلْزَم مِنْ التَّعَرُّض لِلشَّيْءِ وُقُوع ذَلِكَ الشَّيْء , قَالَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد. وَقَالَ اِبْن بَزِيزَةَ : يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالتَّحْوِيلِ الْمَسْخ أَوْ تَحْوِيل الْهَيْئَة الْحِسِّيَّة أَوْ الْمَعْنَوِيَّة أَوْ هُمَا مَعًا. وَحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلَى ظَاهِره إِذْ لَا مَانِعَ مِنْ جَوَاز وُقُوع ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة الدَّلِيل عَلَى جَوَاز وُقُوع الْمَسْخ فِي هَذِهِ الْأُمَّة , وَهُوَ حَدِيث أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ فِي الْمَغَازِي فَإِنَّ فِيهِ ذِكْر الْخَسْف وَفِي آخِرِهِ \" وَيَمْسَخ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة \" وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَيُقَوِّي حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِره أَنَّ فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد \" أَنَّ يُحَوِّلَ اللَّه رَأْسَهُ رَأْسَ كَلْبٍ \" فَهَذَا يُبْعِد الْمَجَاز لِانْتِقَاءِ الْمُنَاسَبَة الَّتِي ذَكَرُوهَا مِنْ بَلَادَة الْحِمَار. وَمِمَّا يُبْعِدُهُ أَيْضًا إِيرَاد الْوَعِيد بِالْأَمْرِ الْمُسْتَقْبَل وَبِاللَّفْظِ الدَّالّ عَلَى تَغْيِير الْهَيْئَة الْحَاصِلَة , وَلَوْ أُرِيدَ تَشْبِيهه بِالْحِمَارِ لِأَجْلِ الْبَلَادَة لَقَالَ مَثَلًا فَرَأْسه رَأْس حِمَار , وَإِنَّمَا قُلْت ذَلِكَ لِأَنَّ الصِّفَة الْمَذْكُورَة وَهِيَ الْبَلَادَة حَاصِلَة فِي فَاعِل ذَلِكَ عِنْدَ فِعْله الْمَذْكُور فَلَا يَحْسُن أَنْ يُقَال لَهُ يُخْشَى إِذَا فَعَلْت ذَلِكَ أَنْ تَصِير بَلِيدًا , مَعَ أَنَّ فِعْله الْمَذْكُور إِنَّمَا نَشَأَ عَنْ الْبَلَادَة. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي الرِّوَايَة الَّتِي عَبَّرَ فِيهَا بِالصُّورَةِ : هَذِهِ اللَّفْظَة تَمْنَع تَأْوِيل مَنْ قَالَ الْمُرَاد رَأْس حِمَار فِي الْبَلَادَة , وَلَمْ يُبَيِّن وَجْهَ الْمَنْع. ‏ ‏وَفِي الْحَدِيث كَمَالُ شَفَقَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَّتِهِ وَبَيَانه لَهُمْ الْأَحْكَام وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ الثَّوَاب وَالْعِقَاب , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الْمُقَارَنَة , وَلَا دَلَالَة فِيهِ لِأَنَّهُ دَلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى مَنْع الْمُسَابَقَة , وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى طَلَب الْمُتَابَعَة , وَأَمَّا الْمُقَارَنَة فَمَسْكُوت عَنْهَا. وَقَالَ اِبْن بَزِيزَةَ : اِسْتَدَلَّ بِظَاهِرِهِ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ عَلَى جَوَاز التَّنَاسُخ. ‏ ‏قُلْت : وَهُوَ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ مَبْنِيّ عَلَى دَعَاوَى بِغَيْرِ بُرْهَانٍ , وَاَلَّذِي اِسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مِنْهُمْ إِنَّمَا اِسْتَدَلَّ بِأَصْلِ النَّسْخ لَا بِخُصُوصِ هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏( لَطِيفَةٌ ) : ‏ ‏قَالَ صَاحِب \" الْقَبَس \" : لَيْسَ لِلتَّقَدُّمِ قَبْلَ الْإِمَام سَبَب إِلَّا طَلَب الِاسْتِعْجَال , وَدَوَاؤُهُ أَنْ يَسْتَحْضِر أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ قَبْلَ الْإِمَام فَلَا يَسْتَعْجِل فِي هَذِهِ الْأَفْعَال , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "651",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ ‏ ‏الْعُصْبَةَ ‏ ‏مَوْضِعٌ ‏ ‏بِقُبَاءٍ ‏ ‏قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَؤُمُّهُمْ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي حُذَيْفَةَ ‏ ‏وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْعُمَرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة وَبِهِ صَرَّحَ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( الْعُصْبَةَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّة لِقَوْلِهِ \" قَدِمَ \" كَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات , وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" نَزَلُوا الْعُصْبَةَ \" أَيْ الْمَكَان الْمُسَمَّى بِذَلِكَ وَهُوَ بِإِسْكَانِ الصَّاد الْمُهْمَلَة بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ , وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّله فَقِيلَ بِالْفَتْحِ وَقِيلَ بِالضَّمِّ , ثُمَّ رَأَيْت فِي النِّهَايَة ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الْعَيْن وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ , قَالَ أَبُو عُبَيْد الْبَكْرِيُّ : لَمْ يَضْبِطهُ الْأَصِيلِيُّ فِي رِوَايَته , وَالْمَعْرُوف \" الْمُعَصَّب \" بِوَزْنِ مُحَمَّد بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ مَوْضِع بِقُبَاءَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ يَؤُمّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة ) ‏ ‏زَادَ فِي الْأَحْكَام مِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ نَافِع \" وَفِيهِمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَأَبُو سَلَمَةَ - أَيْ اِبْن عَبْد الْأَسَد - وَزَيْد أَيْ اِبْن حَارِثَة وَعَامِر بْن رَبِيعَة \" وَاسْتُشْكِلَ ذِكْر أَبِي بَكْر فِيهِمْ إِذْ فِي الْحَدِيث أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ مَقْدِم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر كَانَ رَفِيقَهُ , وَوَجَّهَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون سَالِمٌ الْمَذْكُور اِسْتَمَرَّ عَلَى الصَّلَاة بِهِمْ فَيَصِحّ ذِكْر أَبِي بَكْر , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ إِجْمَاع كِبَار الصَّحَابَة الْقُرَشِيِّينَ عَلَى تَقْدِيم سَالِم عَلَيْهِمْ , وَكَانَ سَالِم الْمَذْكُور مَوْلَى اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار فَأَعْتَقَتْهُ , وَكَأَنَّ إِمَامَته بِهِمْ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَ , وَبِذَلِكَ تَظْهَر مُنَاسَبَة قَوْل الْمُصَنِّف \" وَلَا يُمْنَع الْعَبْد \". وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة لِأَنَّهُ لَازَمَ أَبَا حُذَيْفَة بْن عُتْبَةَ بْن رَبِيعَة بَعْدَ أَنْ عَتَقَ فَتَبَنَّاهُ , فَلَمَّا نُهُوا عَنْ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ مَوْلَاهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه. وَاسْتُشْهِدَ سَالِم بِالْيَمَامَةِ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ أَكْثَرهمْ قُرْآنًا ) ‏ ‏إِشَارَةٌ إِلَى سَبَب تَقْدِيمهمْ لَهُ مَعَ كَوْنهمْ أَشْرَفَ مِنْهُ , وَفِي رِوَايَة لِلطَّبَرَانِيِّ \" لِأَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "652",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو التَّيَّاحِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّانُ. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ) ) ‏ ‏أَيْ فِيمَا فِيهِ طَاعَةٌ لِلَّهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ ) ‏ ‏أَيْ جُعِلَ عَامِلًا , وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَحْكَام عَنْ مُسَدَّد عَنْ يَحْيَى \" وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْد حَبَشِيّ \" وَهُوَ أَصْرَحُ فِي مَقْصُود التَّرْجَمَة , وَذَكَرَهُ بَعْدَ بَاب مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي ذَرٍّ : اِسْمَعْ وَأَطِعْ \" الْحَدِيثَ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق غُنْدَر أَيْضًا لَكِنْ بِإِسْنَادٍ لَهُ آخَرَ عَنْ شُعْبَة عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجُونِيِّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ \" إِنَّ خَلِيلِي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَانِي أَنْ اِسْمَعْ وَأَطِعْ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّع الْأَطْرَاف \". وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَفِيهِ قِصَّة أَنَّ أَبَا ذَرٍّ اِنْتَهَى إِلَى الرَّبَذَة وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَإِذَا عَبْدٌ يَؤُمُّهُمْ , قَالَ فَقِيلَ : هَذَا أَبُو ذَرٍّ , فَذَهَبَ يَتَأَخَّر , فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : \" أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَأَخْرَجَ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق غُنْدَر أَيْضًا عَنْ شُعْبَة عَنْ يَحْيَى بْن الْحُصَيْن سَمِعْت جَدَّتِي تُحَدِّث أَنَّهَا سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب فِي حَجَّة الْوَدَاع يَقُول \" وَلَوْ اُسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْد يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّه \" وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَة فَائِدَتَانِ : تَعْيِين جِهَة الطَّاعَة , وَتَارِيخ الْحَدِيث وَأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَاخِر عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ) ‏ ‏قِيلَ شَبَّهَهُ بِذَلِكَ لِصِغَرِ رَأْسه , وَذَلِكَ مَعْرُوف فِي الْحَبَشَة , وَقِيلَ لِسَوَادِهِ , وَقِيلَ لِقِصَرِ شَعْر رَأْسه وَتَفَلْفُلِهِ. وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ عَلَى صِحَّة إِمَامَة الْعَبْد أَنَّهُ إِذَا أَمَرَ بِطَاعَتِهِ فَقَدْ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ قَالَهُ اِبْن بَطَّال. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَأْخُوذًا مِنْ جِهَة مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ أَنَّ الْأَمِير هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الْإِمَامَة بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْمَنْع مِنْ الْقِيَام عَلَى السَّلَاطِينِ وَإِنْ جَارُوا لِأَنَّ الْقِيَام عَلَيْهِمْ يُفْضَى غَالِبًا إِلَى أَشَدَّ مِمَّا يُنْكَر عَلَيْهِمْ , وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِطَاعَةِ الْعَبْد الْحَبَشِيّ وَالْإِمَامَة الْعُظْمَى إِنَّمَا تَكُون بِالِاسْتِحْقَاقِ فِي قُرَيْشٍ فَيَكُون غَيْرهمْ مُتَغَلِّبًا , فَإِذَا أَمَرَ بِطَاعَتِهِ اِسْتَلْزَمَ النَّهْي عَنْ مُخَالَفَتِهِ وَالْقِيَام عَلَيْهِ. وَرَدَّهُ اِبْن الْجَوْزِيّ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْعَامِلِ هُنَا مَنْ يَسْتَعْمِلهُ الْإِمَام لَا مَنْ يَلِي الْإِمَامَة الْعُظْمَى , وَبِأَنَّ الْمُرَاد بِالطَّاعَةِ الطَّاعَة فِيمَا وَافَقَ الْحَقّ. اِنْتَهَى. وَلَا مَانِع مِنْ حَمْلِهِ عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ , فَقَدْ وُجِدَ مَنْ وَلِيَ الْإِمَامَة الْعُظْمَى مِنْ غَيْر قُرَيْش مِنْ ذَوَى الشَّوْكَة مُتَغَلِّبًا , وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَحْكَام. وَقَدْ عَكَسَهُ بَعْضهمْ فَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الْإِمَامَة فِي غَيْر قُرَيْش , وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ , إِذْ لَا تَلَازُم بَيْنَ الْإِجْزَاء وَالْجَوَاز , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "653",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْفَضْل بْن سَهْل ) ‏ ‏هُوَ الْبَغْدَادِيّ الْمَعْرُوف بِالْأَعْرَجِ مِنْ صِغَار شُيُوخِ الْبُخَارِيّ وَمَاتَ قَبْلَهُ بِسَنَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( يُصَلُّونَ ) ‏ ‏أَيْ الْأَئِمَّة , وَاللَّام فِي قَوْله \" لَكُمْ \" لِلتَّعْلِيلِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ ) ‏ ‏أَيْ ثَوَاب صَلَاتكُمْ , زَادَ أَحْمَد عَنْ الْحَسَن بْن مُوسَى بِهَذَا السَّنَد \" وَلَهُمْ \" أَيْ ثَوَاب صَلَاتهمْ , وَهُوَ يُغْنِي عَنْ تَكَلُّفِ تَوْجِيه حَذْفِهَا , وَتَمَسَّكَ اِبْن بَطَّالٍ بِظَاهِرِ الرِّوَايَة الْمَحْذُوفَة فَزَعَمَ أَنَّ الْمُرَاد بِالْإِصَابَةِ هُنَا إِصَابَة الْوَقْت , وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود مَرْفُوعًا \" لَعَلَّكُمْ تُدْرِكُونَ أَقْوَامًا يُصَلُّونَ الصَّلَاة لِغَيْرِ وَقْتهَا , فَإِذَا أَدْرَكْتُمُوهُمْ فَصَلُّوا فِي بُيُوتكُمْ فِي الْوَقْت ثُمَّ صَلُّوا مَعَهُمْ وَاجْعَلُوهَا سُبْحَةً \" وَهُوَ حَدِيث حَسَنٌ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ , فَالتَّقْدِير عَلَى هَذَا : فَإِنْ أَصَابُوا الْوَقْت وَإِنْ أَخْطَئُوا الْوَقْت فَلَكُمْ يَعْنِي الصَّلَاة الَّتِي فِي الْوَقْت. اِنْتَهَى. وَغَفَلَ عَنْ الزِّيَادَة الَّتِي فِي رِوَايَة أَحْمَد فَإِنَّهَا تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد صَلَاتهمْ مَعَهُمْ لَا عِنْدَ الِانْفِرَاد , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا مِنْ طُرُق عَنْ الْحَسَن بْن مُوسَى , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن حِبَّانَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ وَجْه آخَرَ أَصْرَحَ فِي مَقْصُود التَّرْجَمَة وَلَفْظُهُ \" يَكُون أَقْوَام يُصَلُّونَ الصَّلَاة , فَإِنْ أَتَمُّوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ \" وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عُقْبَةَ بْن عَامِر مَرْفُوعًا \" مَنْ أَمَّ النَّاس فَأَصَابَ الْوَقْت فَلَهُ وَلَهُمْ \". وَفِي رِوَايَة أَحْمَد فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَإِنْ صَلَّوْا الصَّلَاة لِوَقْتِهَا وَأَتَمُّوا الرُّكُوع وَالسُّجُود فَهِيَ لَكُمْ وَلَهُمْ \" فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَاد مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ تَرْكِ إِصَابَة الْوَقْت , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : هَذَا الْحَدِيث يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ صَلَاة الْإِمَام إِذَا فَسَدَتْ فَسَدَتْ صَلَاة مَنْ خَلْفَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ أَخْطَئُوا ) ‏ ‏أَيْ اِرْتَكَبُوا الْخَطِيئَة , وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْخَطَأَ الْمُقَابِلَ لِلْعَمْدِ لِأَنَّهُ لَا إِثْمَ فِيهِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ : فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة خَلْفَ الْبَرِّ وَالْفَاجِر إِذَا خِيفَ مِنْهُ. وَوَجَّهَ غَيْرُهُ قَوْلَهُ إِذَا خِيفَ مِنْهُ بِأَنَّ الْفَاجِر إِنَّمَا يَؤُمُّ إِذَا كَانَ صَاحِبَ شَوْكَةٍ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ إِذَا صَلَّى بِقَوْمٍ مُحْدِثًا أَنَّهُ تَصِحّ صَلَاة الْمَأْمُومِينَ وَعَلَيْهِ الْإِعَادَة. وَاسْتَدَلَّ بِهِ غَيْره عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ صِحَّة الِائْتِمَام بِمَنْ يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَاة رُكْنًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ إِذَا أَتَمَّ الْمَأْمُوم , وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّة بِشَرْطِ أَنْ يَكُون الْإِمَام هُوَ الْخَلِيفَة أَوْ نَائِبَهُ , وَالْأَصَحّ عِنْدَهُمْ صِحَّة الِاقْتِدَاء بِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا. وَمِنْهُمْ مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْجَوَاز مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْخَطَأِ مَا يُقَابِلُ الْعَمْد , قَالَ : وَمَحَلُّ الْخِلَاف فِي الْأُمُور الِاجْتِهَادِيَّة كَمَنْ يُصَلِّي خَلْفَ مَنْ لَا يَرَى قِرَاءَة الْبَسْمَلَة وَلَا أَنَّهَا مِنْ أَرْكَان الْقِرَاءَة وَلَا أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ الْفَاتِحَة بَلْ يَرَى أَنَّ الْفَاتِحَة تُجْزِئُ بِدُونِهَا قَالَ : فَإِنَّ صَلَاة الْمَأْمُوم تَصِحّ إِذَا قَرَأَ هُوَ الْبَسْمَلَة لِأَنَّ غَايَة حَال الْإِمَام فِي هَذِهِ الْحَالَة أَنْ يَكُون أَخْطَأَ. وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيث عَلَى أَنَّ خَطَأ الْإِمَام لَا يُؤَثِّرُ فِي صِحَّة صَلَاةِ الْمَأْمُوم إِذَا أَصَابَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏حَدِيث الْبَاب مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن دِينَار وَفِيهِ مَقَال , وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُ شَاهِدًا عِنْدَ اِبْن حِبَّانَ , وَرَوَى الشَّافِعِيّ مَعْنَاهُ مِنْ طَرِيق صَفْوَان بْن سُلَيْمٍ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا بِلَفْظِ \" يَأْتِي قَوْم فَيُصَلُّونَ لَكُمْ , فَإِنْ أَتَمُّوا كَانَ لَهُمْ وَلَكُمْ , وَإِنْ نَقَصُوا كَانَ عَلَيْهِمْ وَلَكُمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "654",
        "content": "‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ لَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ خِيَارٍ ‏ ‏أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏مَحْصُورٌ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنَتَحَرَّجُ فَقَالَ ‏ ‏الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏لَا نَرَى أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ ‏ ‏الْمُخَنَّثِ ‏ ‏إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الْفِرْيَابِيُّ , قِيلَ عَبَّرَ بِهَذِهِ الصِّيغَة لِأَنَّهُ مِمَّا أَخَذَهُ مِنْ شَيْخه فِي الْمُذَاكَرَة فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ حَدَّثَنَا , وَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَحَمَّلَهُ بِالْإِجَازَةِ أَوْ الْمُنَاوَلَة أَوْ الْعَرْضِ , وَقِيلَ : هُوَ مُتَّصِلٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظ مُنْقَطِعٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي بِالِاسْتِقْرَاءِ خِلَاف ذَلِكَ , وَهُوَ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ لَكِنَّهُ لَا يُعَبِّرُ بِهَذِهِ الصِّيغَة إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَتْنُ مَوْقُوفًا أَوْ كَانَ فِيهِ رَاوٍ لَيْسَ عَلَى شَرْطه , وَاَلَّذِي هُنَا مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّل , وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَوْف , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ \". وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ , وَخَالَفَهُ يُونُس بْن يَزِيدَ فَقَالَ : عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيّ أَخْرَجَهُ عُمَر بْن شَبَّةَ فِي \" كِتَاب مَقْتَل عُثْمَان \" عَنْ غُنْدَر عَنْهُ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون لِلزُّهْرِيِّ فِيهِ شَيْخَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَدِيٍّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم \" حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن عَدِيِّ بْن الْخِيَارِ مِنْ بَنِي نَوْفَل بْن عَبْد مَنَافٍ \" وَعُبَيْد اللَّه الْمَذْكُور تَابِعِيّ كَبِير مَعْدُود فِي الصَّحَابَة لِكَوْنِهِ وُلِدَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ عُثْمَان مِنْ أَقَارِبِ أُمِّهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّك إِمَامُ عَامَّةٍ ) ‏ ‏أَيْ جَمَاعَةٍ , وَفِي رِوَايَة يُونُس \" وَأَنْتَ الْإِمَام \" أَيْ الْأَعْظَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَزَلَ بِك مَا نَرَى ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْحِصَارِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُصَلِّي لَنَا ) ‏ ‏أَيْ يَؤُمُّنَا. ‏ ‏قَوْله : ( إِمَام فِتْنَة ) ‏ ‏أَيْ رَئِيسُ فِتْنَة , وَاخْتُلِفَ فِي الْمُشَار إِلَيْهِ بِذَلِكَ فَقِيلَ : هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عُدَيْسٍ الْبَلْوِيُّ أَحَد رُءُوس الْمِصْرِيِّينَ الَّذِينَ حَصَرُوا عُثْمَانَ , قَالَهُ اِبْن وَضَّاح فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره , وَقَالَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ وَزَادَ : إِنَّ كِنَانَةَ بْن بِشْر أَحَد رُءُوسِهِمْ صَلَّى بِالنَّاسِ أَيْضًا. ‏ ‏قُلْت : وَهُوَ الْمُرَاد هُنَا , فَإِنَّ سَيْفَ بْن عُمَر رَوَى حَدِيث الْبَاب فِي \" كِتَاب الْفُتُوح \" مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الزُّهْرِيّ بِسَنَدِهِ فَقَالَ فِيهِ \" دَخَلْت عَلَى عُثْمَان وَهُوَ مَحْصُور وَكِنَانَةُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَقُلْت كَيْفَ تَرَى \" الْحَدِيثَ. وَقَدْ صَلَّى بِالنَّاسِ يَوْمَ حُصِرَ عُثْمَان أَبُو أُمَامَةَ بْن سَهْل بْن حَنِيف الْأَنْصَارِيّ لَكِنْ بِإِذْنِ عُثْمَان , وَرَوَاهُ عُمَر بْن شَبَّةَ بِسَنَدٍ صَحِيح , وَرَوَاهُ اِبْن الْمَدِينِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي هُرَيْرَة. وَكَذَلِكَ صَلَّى بِهِمْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب فِيمَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل الْخَطِّيُّ فِي \" تَارِيخ بَغْدَاد \" مِنْ رِوَايَة ثَعْلَبَةَ بْنِ يَزِيد الْحَمَّانِيِّ قَالَ : فَلَمَّا كَانَ يَوْم عِيد الْأَضْحَى جَاءَ عَلِيّ فَصَلَّى بِالنَّاسِ. ‏ ‏وَقَالَ اِبْن الْمُبَارَك فِيمَا رَوَاهُ الْحَسَن الْحَلْوَانِيّ : لَمْ يُصَلِّ بِهِمْ غَيْرَهَا. وَقَالَ غَيْره : صَلَّى بِهِمْ عِدَّة صَلَوَات وَصَلَّى بِهِمْ أَيْضًا سَهْل بْن حُنَيْفٍ , رَوَاهُ عُمَر بْن شَبَّةَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ. وَقِيلَ صَلَّى بِهِمْ أَيْضًا أَبُو أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ وَطَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه , وَلَيْسَ وَاحِد مِنْ هَؤُلَاءِ مُرَادًا بِقَوْلِهِ إِمَام فِتْنَة. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَى قَوْله \" إِمَام فِتْنَة \" أَيْ إِمَامُ وَقْتِ فِتْنَة , وَعَلَى هَذَا لَا اِخْتِصَاص لَهُ بِالْخَارِجِيِّ. قَالَ : وَيَدُلّ عَلَى صِحَّة ذَلِكَ أَنَّ عُثْمَان لَمْ يَذْكُر الَّذِي أَمَّهُمْ بِمَكْرُوهٍ بَلْ ذَكَرَ أَنَّ فِعْلَهُ أَحْسَنُ الْأَعْمَال. اِنْتَهَى. وَهَذَا مُغَايِر لِمُرَادِ الْمُصَنِّف مِنْ تَرْجَمَته , وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَمْ يَكُنْ قَوْله \" وَنَتَحَرَّج \" مُنَاسِبًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَتَحَرَّج ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك \" وَإِنَّا لَنَتَحَرَّجُ مِنْ الصَّلَاة مَعَهُ \" وَالتَّحَرُّج التَّأَثُّمُ , أَيْ نَخَاف الْوُقُوع فِي الْإِثْم , وَأَصْلُ الْحَرَج الضِّيقُ , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ لِلْإِثْمِ. لِأَنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَى صَاحِبه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ الصَّلَاة أَحْسَن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك \" أَنَّ الصَّلَاة أَحْسَنُ \" وَفِي رِوَايَة مَعْقِلِ بْن زِيَاد عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" مِنْ أَحْسَنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا أَحْسَن النَّاس فَأَحْسِنْ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُ فِي الصَّلَاة مَعَهُمْ كَأَنَّهُ يَقُول لَا يَضُرُّك كَوْنُهُ مَفْتُونًا , بَلْ إِذَا أَحْسَنَ فَوَافِقْهُ عَلَى إِحْسَانه وَاتْرُكْ مَا اِفْتَتَنَ بِهِ , وَهُوَ الْمُطَابِق لِسِيَاقِ الْبَاب , وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الدَّاوُدِيُّ حَتَّى اِحْتَاجَ إِلَى تَقْدِير حَذْف فِي قَوْله إِمَام فِتْنَة , وَخَالَفَ اِبْن الْمُنِير فَقَالَ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَأَى أَنَّ الصَّلَاة خَلْفَهُ لَا تَصِحّ فَحَادَ عَنْ الْجَوَاب بِقَوْلِهِ إِنَّ الصَّلَاة أَحْسَنُ , لِأَنَّ الصَّلَاة الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ هِيَ الصَّلَاة الصَّحِيحَةُ , وَصَلَاة الْخَارِجِيّ غَيْرُ صَحِيحَة لِأَنَّهُ إِمَّا كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ. اِنْتَهَى. وَهَذَا قَالَهُ نُصْرَةً لِمَذْهَبِهِ فِي عَدَم صِحَّة الصَّلَاة خَلْفَ الْفَاسِق , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ سَيْفًا رَوَى فِي الْفُتُوح عَنْ سَهْل بْن يُوسُفَ الْأَنْصَارِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَرِهَ النَّاس الصَّلَاة خَلْفَ الَّذِينَ حَصَرُوا عُثْمَان إِلَّا عُثْمَان فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ دَعَا إِلَى الصَّلَاة فَأَجِيبُوهُ. اِنْتَهَى. ‏ ‏فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَقْصُوده بِقَوْلِهِ \" الصَّلَاة أَحْسَن \" الْإِشَارَة إِلَى الْإِذْن بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ , وَفِيهِ تَأْيِيد لِمَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّف مِنْ قَوْله إِمَام فِتْنَة , وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق مَكْحُول قَالَ : قَالُوا لِعُثْمَانَ إِنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نُصَلِّيَ خَلْفَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَصَرُوك , فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيث الزُّهْرِيّ. وَهَذَا مُنْقَطِعٌ إِلَّا أَنَّهُ اِعْتَضَدَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ ) ‏ ‏فِيهِ تَحْذِير مِنْ الْفِتْنَة وَالدُّخُول فِيهَا وَمِنْ جَمِيع مَا يُنْكَرُ مِنْ قَوْل أَوْ فِعْلٍ أَوْ اِعْتِقَاد , وَفِي هَذَا الْأَثَر الْحَضّ عَلَى شُهُود الْجَمَاعَة وَلَا سِيَّمَا فِي زَمَن الْفِتْنَة لِئَلَّا يَزْدَادَ تَفَرُّقُ الْكَلِمَة , وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَاة خَلْفَ مَنْ تُكْرَهُ الصَّلَاة خَلْفَهُ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيل الْجَمَاعَة , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى زَعْمِ أَنَّ الْجُمُعَة لَا يُجْزِئُ أَنْ تُقَامَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الزَّاي هُوَ مُحَمَّد بْن الْوَلِيد. ‏ ‏قَوْله : ( الْمُخَنَّث ) ‏ ‏رَوَيْنَاهُ بِكَسْرِ النُّون وَفَتْحِهَا , فَالْأَوَّل الْمُرَاد بِهِ مَنْ فِيهِ تَكَسُّرٌ وَتَثَنٍّ وَتَشَبُّهٌ بِالنِّسَاءِ. وَالثَّانِي الْمُرَاد بِهِ مَنْ يُؤْتَى , وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَبْد الْمَلِك فِيمَا حَكَاهُ اِبْن التِّين مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْأَوَّل لَا مَانِع مِنْ الصَّلَاة خَلْفَهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَصْلُ خِلْقَتِهِ. وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُرَاد مَنْ يَتَعَمَّد ذَلِكَ فَيَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ , وَلِهَذَا جَوَّزَ الدَّاوُدِيُّ أَنْ يَكُون كُلّ مِنْهُمَا مُرَادًا. قَالَ اِبْن بَطَّال : ذَكَرَ الْبُخَارِيّ هَذِهِ الْمَسْأَلَة هُنَا لِأَنَّ الْمُخَنَّث مُفْتَتَنٌ فِي طَرِيقَتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا مِنْ ضَرُورَة ) ‏ ‏أَيْ بِأَنْ يَكُونَ ذَا شَوْكَةٍ أَوْ مِنْ جِهَته فَلَا تُعَطَّلُ الْجَمَاعَة بِسَبَبِهِ , وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ بِغَيْرِ قَيْدٍ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ وَلَفْظه \" قُلْت : فَالْمُخَنَّث ؟ قَالَ : لَا وَلَا كَرَامَةَ , لَا يُؤْتَمُّ بِهِ \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى حَالَة الِاخْتِيَار. ‏"
    },
    {
        "id": "655",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَبِي ذَرٍّ ‏ ‏اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ ) ‏ ‏هُوَ الْبَلْخِيُّ مُسْتَمْلِي وَكِيعٍ وَقِيلَ : الْوَاسِطِيُّ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لَكِنْ لَمْ نَجِدْ لِلْوَاسِطِيِّ رِوَايَةً عَنْ غُنْدَرٍ بِخِلَاف الْبَلْخِيِّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ بِمَوْضِعٍ آخَرَ فِي الْمَوَاقِيتِ وَهَذَا جَمِيعُ مَا أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اِسْمَعْ وَأَطِعْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَبْلُ بِبَابٍ. قَالَ اِبْنُ الْمُنِيرِ : وَجْهُ دُخُولِهِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ إِنَّمَا تُوجَدُ غَالِبًا فِي عَجَمِيٍّ حَدِيثِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ لَا يَخْلُو مِنْ جَهْلٍ بِدِينِهِ وَمَا يَخْلُو مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ مِنْ اِرْتِكَابِ الْبِدْعَةِ , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا اِفْتِتَانُهُ بِنَفْسِهِ حَتَّى تَقَدَّمَ لِلْإِمَامَةِ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "656",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعِشَاءَ ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ فَجِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ ‏ ‏غَطِيطَهُ ‏ ‏أَوْ قَالَ ‏ ‏خَطِيطَهُ ‏ ‏ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "657",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نِمْتُ عِنْدَ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ ‏ ‏يُصَلِّي فَقُمْتُ عَلَى يَسَارِهِ فَأَخَذَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ ثُمَّ أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏فَحَدَّثْتُ بِهِ ‏ ‏بُكَيْرًا ‏ ‏فَقَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏كُرَيْبٌ ‏ ‏بِذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ) ‏ ‏لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ , لَكِنْ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِأَنَّهُ اِبْنُ صَالِحٍ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَمْرٌو ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْحَارِثِ الْمِصْرِيُّ , وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ أَخُو يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ , وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ مَدَنِيُّونَ عَلَى نَسَقٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( نِمْتُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِتُّ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَخَذَنِي فَجَعَلَنِي ) ‏ ‏قَدّ تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَدَارَهُ مِنْ خَلْفِهِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ الْعَمَلِ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ عَمْرٌو ) ‏ ‏أَيْ : اِبْنُ الْحَارِثِ الْمَذْكُورُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ تَعْلِيق الْبُخَارِيِّ , فَقَدْ سَاقَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِثْلَ سِيَاقِهِ , وَبُكَيْرٌ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا هُوَ اِبْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ , وَاسْتَفَادَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ الْعُلُوَّ بِرَجُلٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "658",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بِتُّ عِنْدَ ‏ ‏خَالَتِي ‏ ‏فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ أَقْرَانِ أَيُّوبَ الرَّاوِي عَنْهُ , وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ تَامًّا فِي كِتَابِ الْوِتْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. ‏"
    },
    {
        "id": "659",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَالظَّاهِر أَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْ شُعْبَة مُخْتَصَرَة كَمَا هُنَا وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن أَيُّوب الرَّازِيّ عَنْهُ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ \" فَصَلَّى الْعِشَاءَ إِلَخْ \" دَاخِل تَحْت اَلطَّرِيقِ الْأُولَى , وَكَانَ الْحَامِل لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا لَوْ خَلَتْ عَنْ ذَلِكَ لَمْ تُطَابِقْ التَّرْجَمَة ظَاهِرًا. لَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : إِنَّ مُرَاد الْبُخَارِيّ بِذَلِكَ الْإِشَارَة إِلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ عَلَى عَادَتِهِ , وَاسْتَفَادَ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى عُلُوّ الْإِسْنَاد , كَمَا أَنَّ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ فَائِدَة التَّصْرِيح بِسَمَاعِ عَمْرو مِنْ جَابِر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يُصَلِّي مَعَ اَلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَة مَنْصُور عَنْ عَمْرو \" عِشَاء الْآخِرَة \" فَكَأَنَّ الْعِشَاءَ هِيَ الَّتِي كَانَ يُوَاظِبُ فِيهَا عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَنْصُور الْمَذْكُورَةِ \" فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاة \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ \" فَيُصَلِّي بِهِمْ الصَّلَاة \" أَيْ : الْمَذْكُورَةَ , وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الصَّلَاةَ اَلَّتِي كَانَ يُصَلِّيهَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْر اَلصَّلَاةِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّيهَا بِقَوْمِهِ , وَفِي رِوَايَةِ اِبْن عُيَيْنَة \" فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ ثُمَّ أَتَى قَوْمه فَأَمَّهُمْ \" وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ اِبْن عُيَيْنَة \" ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَنِي سَلِمَةَ فَيُصَلِّيهَا بِهِمْ \" وَلَا مُخَالَفَةَ فِيهِ ; لِأَنَّ قَوْمَهُ هُمْ بَنُو سَلِمَة , وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ عَنْهُ \" ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّيهَا بِقَوْمِهِ فِي بَنِي سَلِمَة \" وَلِأَحْمَدَ \" ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّنَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "660",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ‏ ‏يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ فَصَلَّى الْعِشَاءَ فَقَرَأَ ‏ ‏بِالْبَقَرَةِ ‏ ‏فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ فَكَأَنَّ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏تَنَاوَلَ مِنْهُ ‏ ‏فَبَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ فَتَّانٌ فَتَّانٌ فَتَّانٌ ثَلَاثَ مِرَارٍ ‏ ‏أَوْ قَالَ فَاتِنًا فَاتِنًا فَاتِنًا ‏ ‏وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ ‏ ‏الْمُفَصَّلِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏لَا أَحْفَظُهُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏( فَصَلَّى الْعِشَاءَ ) ‏ ‏كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي عَوَانَةَ وَالطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيقِ مُحَارِب \" صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْمَغْرِب \" وَكَذَا لِعَبْد الرَّزَّاق مِنْ رِوَايَةِ أَبِي اَلزُّبَيْر , فَإِنْ حُمِلَ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ كَمَا سَيَأْتِي أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَغْرِبِ الْعِشَاء مَجَازًا تَمَّ , وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الْبَقَرَةَ بَلْ سُورَة الْبَقَرَةِ , لَكِنْ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ \" وَلِمُسْلِمٍ عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَة نَحْوُهُ , وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ \" فَقَرَأَ بِهِمْ الْبَقَرَة \" فَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الرُّوَاةِ , وَالْمُرَادُ أَنَّهُ اِبْتَدَأَ فِي قِرَاءَتِهَا , وَبِهِ صَرَّحَ مُسْلِم وَلَفْظُهُ \" فَافْتَتَحَ سُورَة الْبَقَرَةِ \" وَفِي رِوَايَةِ مُحَارِب \" فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوْ النِّسَاءِ \" عَلَى الشَّكِّ , وَلِلسَّرَّاجِ مِنْ رِوَايَة مِسْعَر عَنْ مُحَارِب \" فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ \" كَذَا رَأَيْته بِخَطّ الزَّكِيّ الْبَرْزَالِيّ بِالْوَاو , فَإِنْ كَانَ ضَبَطَهُ اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَرَأَ فِي الْأُولَى بِالْبَقَرَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِالنِّسَاءِ , وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ \" فَقَرَأَ اِقْتَرَبَتْ اَلسَّاعَة \" وَهِيَ شَاذَّةٌ إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى التَّعَدُّدِ , وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ الطُّرُقِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَسْمِيَة هَذَا اَلرَّجُلِ , لَكِنْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ اَلطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَزَّار مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ طَالِب بْن حَبِيب عَنْ عَبْد اَلرَّحْمَن بْن جَابِر عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" مَرَّ حَزْم بْن أُبَيِّ بْن كَعْب بِمُعَاذ بْن جَبَل وَهُوَ يُصَلِّي بِقَوْمِهِ صَلَاة الْعَتَمَة فَافْتَتَحَ بِسُورَةٍ طَوِيلَةٍ وَمَعَ حَزْمٍ نَاضِح لَهُ \" الْحَدِيث. قَالَ الْبَزَّار : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا سَمَّاهُ عَنْ جَابِر إِلَّا اِبْن جَابِر ا ه. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ طَالِبٍ فَجَعَلَهُ عَنْ اِبْنِ جَابِر عَنْ حَزْم صَاحِب الْقِصَّةِ , وَابْن جَابِر لَمْ يُدْرِكْ حَزْمًا. وَوَقَعَ عِنْدَهُ \" صَلَاة الْمَغْرِبِ \" وَهُوَ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي رِوَايَةِ مُحَارِب , وَرَوَاهُ اِبْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي اَلزُّبَيْر عَنْ جَابِر فَسَمَّاهُ حَازِمًا وَكَأَنَّهُ صَحَّفَهُ , أَخْرَجَهُ اِبْن شَاهِين مِنْ طَرِيقِهِ , وَرَوَاهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو يَعْلَى وَابْن السَّكَنِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب عَنْ أَنَس قَالَ \" كَانَ مُعَاذ يَؤُمُّ قَوْمَهُ فَدَخَلَ حَرَامٌ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَ نَخْلَهُ \" الْحَدِيث كَذَا فِيهِ بِرَاءٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ , وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ حَرَام بْن مِلْحَانَ خَال أَنَس وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْخَطِيبُ فِي الْمُبْهَمَاتِ , لَكِنْ لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي الرِّوَايَةِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَصْحِيفًا مِنْ حَزْمٍ فَتَجْتَمِعُ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ , وَإِلَى ذَلِكَ يُومِئُ صَنِيع اِبْن عَبْد الْبَرّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الصَّحَابَةِ حَرَام بْن أُبَيِّ بْن كَعْب وَذَكَرَ لَهُ هَذِهِ الْقِصَّة , وَعَزَا تَسْمِيَتَهُ لِرِوَايَةِ عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب عَنْ أَنَس , وَلَمْ أَقِفْ فِي رِوَايَةِ عَبْد الْعَزِيز عَلَى تَسْمِيَةِ أَبِيهِ وَكَأَنَّهُ بَنَى عَلَى أَنَّ اِسْمَهُ تَصَحَّفَ وَالْأَبُ وَاحِد , سَمَّاهُ جَابِر وَلَمْ يُسَمِّهِ أَنَس , وَجَاءَ فِي تَسْمِيَتِهِ قَوْل آخَر أَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذ بْن رِفَاعَة عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلِمَة يُقَالُ لَهُ سُلَيْم أَنَّهُ \" أَتَى النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّهِ إِنَّا نَظَلُّ فِي أَعْمَالِنَا فَنَأْتِي حِينَ نُمْسِي فَنُصَلِّي , فَيَأْتِي مُعَاذ بْن جَبَل فَيُنَادِي بِالصَّلَاةِ فَنَأْتِيه فَيُطَوِّلُ عَلَيْنَا \" الْحَدِيث , وَفِيهِ أَنَّهُ اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ , وَهَذَا مُرْسَل ; لِأَنَّ مُعَاذ بْن رِفَاعَة لَمْ يُدْرِكْهُ , وَقَدْ رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ مُعَاذ بْن رِفَاعَة أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَلِمَة فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا , وَرَوَاهُ الْبَزَّار مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِر وَسَمَّاهُ سُلَيْمًا أَيْضًا , لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ اِبْنِ حَزْمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ اِسْمَهُ سَلْمٌ بِفَتْح أَوَّله وَسُكُون اَللَّامِ وَكَأَنَّهُ تَصْحِيف - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ هَذَا اَلِاخْتِلَافِ بِأَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ , وَأَيَّدَ ذَلِكَ بِالِاخْتِلَافِ فِي الصَّلَاةِ هَلْ هِيَ الْعِشَاءُ أَوْ الْمَغْرِبُ وَبِالِاخْتِلَافِ فِي السُّورَةِ هَلْ هِيَ الْبَقَرَةُ أَوْ اِقْتَرَبَتْ , وَبِالِاخْتِلَافِ فِي عُذْرِ الرَّجُلِ هَلْ هُوَ لِأَجْلِ التَّطْوِيلِ فَقَطْ لِكَوْنِهِ جَاءَ مِنْ الْعَمَلِ وَهُوَ تَعْبَان أَوْ لِكَوْنِهِ أَرَادَ أَنْ يَسْقِيَ نَخْلَهُ إِذْ ذَاكَ أَوْ لِكَوْنِهِ خَافَ عَلَى الْمَاءِ فِي النَّخْلِ كَمَا فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ. وَاسْتُشْكِلَ هَذَا الْجَمْع ; لِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِمُعَاذ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُهُ بِالتَّخْفِيفِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى اَلتَّطْوِيلِ , وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَرَأَ أَوَّلًا بِالْبَقَرَةِ فَلَمَّا نَهَاهُ قَرَأَ اِقْتَرَبَتْ وَهِيَ طَوِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اَلسُّوَرِ الَّتِي أَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ بِهَا كَمَا سَيَأْتِي , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْي أَوَّلًا وَقَعَ لِمَا يُخْشَى مِنْ تَنْفِيرِ بَعْض مَنْ يَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ , ثُمَّ لَمَّا اِطْمَأَنَّتْ نُفُوسُهُمْ بِالْإِسْلَامِ ظَنَّ أَنَّ الْمَانِعَ زَالَ فَقَرَأَ بِاقْتَرَبَتْ ; لِأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَصَادَفَ صَاحِب اَلشُّغْلِ , وَجَمَعَ النَّوَوِيّ بِاحْتِمَال أَنْ يَكُونَ قَرَأَ فِي الْأُولَى بِالْبَقَرَةِ فَانْصَرَفَ رَجُل , ثُمَّ قَرَأَ اِقْتَرَبَتْ فِي اَلثَّانِيَةِ فَانْصَرَفَ آخَر. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْر عِنْدَ مُسْلِم \" فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَّا \" وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ بَنِي سَلِمَة , وَيُقَوِّي رِوَايَة مَنْ سَمَّاهُ سُلَيْمًا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَانْصَرَفَ اَلرَّجُلُ ) ‏ ‏اللَّام فِيهِ لِلْعَهْدِ اَلذِّهْنِيِّ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِنْس , فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَاحِد مِنْ اَلرِّجَالِ ; لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ تَعْرِيف الْجِنْس كَالنَّكِرَةِ فِي مُؤَدَّاهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَقَامَ رَجُلٌ فَانْصَرَفَ \" وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْم بْن حَيَّانَ \" فَتَجَوَّزَ رَجُل فَصَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً \" وَلِابْن عُيَيْنَة عِنْد مُسْلِم \" فَانْحَرَفَ رَجُل فَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ \" وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ قَطَعَ الصَّلَاة , لَكِنْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ أَنَّ مُحَمَّد بْن عَبَّاد شَيْخ مُسْلِم تَفَرَّدَ عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَة بِقَوْلِهِ \" ثُمَّ سَلَّمَ \" , وَأَنَّ الْحُفَّاظَ مِنْ أَصْحَابِ اِبْن عُيَيْنَة وَكَذَا مِنْ أَصْحَابِ شَيْخِهِ عَمْرو بْن دِينَار وَكَذَا مِنْ أَصْحَابِ جَابِر لَمْ يَذْكُرُوا السَّلَامَ , وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ قَطَعَ الصَّلَاةَ ; لِأَنَّ السَّلَامَ يُتَحَلَّلُ بِهِ مِنْ اَلصَّلَاةِ , وَسَائِر الرِّوَايَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَطَعَ الْقُدْوَة فَقَطْ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الصَّلَاةِ بَلْ اِسْتَمَرَّ فِيهَا مُنْفَرِدًا. قَالَ الرَّافِعِيّ فِي \" شَرْح الْمُسْنَد \" فِي الْكَلَامِ عَلَى رِوَايَةِ اَلشَّافِعِيِّ عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَة فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" فَتَنَحَّى رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ فَصَلَّى وَحْدَهُ \". هَذَا يَحْتَمِلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنَّهُ قَطَعَ الصَّلَاةَ وَتَنَحَّى عَنْ مَوْضِعِ صَلَاتِهِ وَاسْتَأْنَفَهَا لِنَفْسِهِ , لَكِنَّهُ غَيْرُ مَحْمُولٍ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يُقْطَعُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ اِنْتَهَى. وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيَّة عَلَى أَنَّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقْطَعَ الْقُدْوَة وَيُتِمَّ صَلَاتَهُ مُنْفَرِدًا. وَنَازَعَ اَلنَّوَوِيّ فِيهِ فَقَالَ : لَا دَلَالَةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ فَارَقَهُ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ , بَلْ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُ سَلَّمَ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ قَطَعَ الصَّلَاةَ مِنْ أَصْلِهَا ثُمَّ اِسْتَأْنَفَهَا , فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَطْعِ اَلصَّلَاةِ وَإِبْطَالِهَا لِعُذْر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَكَأَنَّ مُعَاذًا يَنَالُ مِنْهُ ) ‏ ‏وَلِلْمُسْتَمْلِي \" تَنَاوَلَ مِنْهُ \" وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَكَأَنَّ - بِهَمْزَةٍ وَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ - مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ \" وَالْأُولَى تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ ذَلِكَ مِنْهُ بِخِلَاف الثَّانِيَة , وَمَعْنَى يَنَالُ مِنْهُ أَوْ تَنَاوَلَهُ : ذَكَرَهُ بِسُوء , وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي رِوَايَةِ سُلَيْم بْنِ حَيَّانَ وَلَفْظُهُ \" فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا فَقَالَ إِنَّهُ مُنَافِق \" وَكَذَا لِأَبِي الزُّبَيْر , وَلِابْن عُيَيْنَة \" فَقَالُوا لَهُ : أَنَافَقْت يَا فُلَان ؟ قَالَ : لَا , وَاَللَّه لَآتِيَنَّ رَسُول اَللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَأُخْبِرَنَّهُ \" وَكَأَنَّ مُعَاذًا قَالَ ذَلِكَ أَوَّلًا ثُمَّ قَالَهُ أَصْحَابُ مُعَاذ لِلرَّجُلِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ‏ ‏بَيَّنَ اِبْن عُيَيْنَة فِي رِوَايَتِهِ وَكَذَا مُحَارِب وَأَبُو اَلزُّبَيْر أَنَّهُ الَّذِي جَاءَ فَاشْتَكَى مِنْ مُعَاذ , وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ \" فَقَالَ مُعَاذ : لَئِنْ أَصْبَحْت لَأَذْكُرَنَّ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - , فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ , فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ : مَا حَمَلَكَ عَلَى اَلَّذِي صَنَعْت ؟ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّهِ عَمِلْت عَلَى نَاضِحٍ لِي \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَكَأَنَّ مُعَاذًا سَبَقَهُ بِالشَّكْوَى , فَلَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِ جَاءَ فَاشْتَكَى مِنْ مُعَاذ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَ فَتَّان ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن عُيَيْنَة \" أَفَتَّان أَنْتَ \" زَادَ مُحَارِب \" ثَلَاثًا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَوْ قَالَ فَاتِنًا ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ الْمُقَدَّرَة , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْر \" أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ فَاتِنًا \" وَلِأَحْمَدَ فِي حَدِيثِ مُعَاذ بْن رِفَاعَة الْمُتَقَدِّمِ \" يَا مُعَاذ لَا تَكُنْ فَاتِنًا \" وَزَادَ فِي حَدِيثِ أَنَس \" لَا تُطَوِّلْ بِهِمْ \" وَمَعْنَى الْفِتْنَة هَاهُنَا أَنَّ التَّطْوِيلَ يَكُونُ سَبَبًا لِخُرُوجِهِمْ مِنْ الصَّلَاةِ وَلِلتَّكَرُّهِ لِلصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ , وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي الشُّعَبِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ \" لَا تُبَغِّضُوا إِلَى اَللَّهِ عِبَادَهُ يَكُونُ أَحَدكُمْ إِمَامًا فَيُطَوِّلُ عَلَى الْقَوْمِ الصَّلَاة حَتَّى يُبَغِّضَ إِلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ \". وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ \" فَتَّان \" أَيْ : مُعَذِّب ; لِأَنَّهُ عَذَّبَهُمْ بِالتَّطْوِيلِ , وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ ) قِيلَ مَعْنَاهُ عَذَّبُوهُمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّل , قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن دِينَار ( ‏ ‏لَا أَحْفَظُهُمَا ) ‏ ‏وَكَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي حَال تَحْدِيثه لِشُعْبَة , وَإِلَّا فَفِي رِوَايَةِ سُلَيْم بْن حَيَّانَ عَنْ عَمْرو \" اِقْرَأْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَسَبِّحْ اِسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَنَحْوَهَا \". وَقَالَ فِي رِوَايَةِ اِبْن عُيَيْنَة عِنْدَ مُسْلِم \" اِقْرَأْ بِكَذَا وَاقْرَأْ بِكَذَا \" قَالَ اِبْن عُيَيْنَة : فَقُلْتُ لِعَمْرو إِنَّ أَبَا الزُّبَيْر حَدَّثَنَا عَنْ جَابِر أَنَّهُ قَالَ : اِقْرَأْ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْل إِذَا يَغْشَى وَبِسَبِّحْ اِسْم رَبِّك الْأَعْلَى. فَقَالَ عَمْرو نَحْوَ هَذَا , وَجَزَمَ بِذَلِكَ مُحَارِب فِي حَدِيثِهِ عَنْ جَابِر , وَفِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ أَبِي اَلزُّبَيْر عِنْدَ مُسْلِم مَعَ الثَّلَاثَةِ \" اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك \" زَادَ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر \" وَالضُّحَى \" أَخْرَجَهُ عَبْد اَلرَّزَّاق , وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ اِبْن عُيَيْنَة مَعَ الثَّلَاثَةِ الْأُوَل \" وَالسَّمَاء ذَات الْبُرُوجِ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ \" وَفِي الْمُرَادِ بِالْمُفَصَّلِ أَقْوَال سَتَأْتِي فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ أَصَحّهَا أَنَّهُ مِنْ أَوَّل ق إِلَى آخِرِ الْقُرْآن. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَوْسَط ) ‏ ‏يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمُتَوَسِّط وَالسُّوَر الَّتِي مَثَّلَ بِهَا مِنْ قِصَار الْمُتَوَسِّط , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمُعْتَدِل أَيْ : الْمُنَاسِبِ لِلْحَالِ مِنْ الْمُفَصَّلِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى صِحَّةِ اِقْتِدَاء الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ ; بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يَنْوِي بِالْأُولَى الْفَرْضَ وَبِالثَّانِيَةِ النَّفْل , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق وَالشَّافِعِيّ وَالطَّحَاوِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ جَابِر فِي حَدِيثِ الْبَابِ زَادَ \" هِيَ لَهُ تَطَوُّع وَلَهُمْ فَرِيضَة \" وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رِجَاله رِجَال الصَّحِيحِ , وَقَدْ صَرَّحَ اِبْن جُرَيْجٍ فِي رِوَايَةِ عَبْد اَلرَّزَّاق بِسَمَاعِهِ فِيهِ فَانْتَفَتْ تُهْمَة تَدْلِيسه , فَقَوْل اِبْنِ الْجَوْزِيِّ : إِنَّهُ لَا يَصِحُّ مَرْدُود , وَتَعْلِيل الطَّحَاوِيّ لَهُ بِأَنَّ اِبْن عُيَيْنَة سَاقَهُ عَنْ عَمْرو أَتَمّ مِنْ سِيَاق اِبْن جُرَيْجٍ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَة لَيْسَ بِقَادِحٍ فِي صِحَّتِهِ ; لِأَنَّ اِبْن جُرَيْجٍ أَسَنُّ وَأَجَلُّ مِنْ اِبْن عُيَيْنَة وَأَقْدَم أَخْذًا عَنْ عَمْرو مِنْهُ , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهِيَ زِيَادَةٌ مِنْ ثِقَةٍ حَافِظٍ لَيْسَتْ مُنَافِيَة لِرِوَايَة مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ وَلَا أَكْثَرُ عَدَدًا فَلَا مَعْنَى لِلتَّوَقُّفِ فِي الْحُكْمِ بِصِحَّتِهَا. وَأَمَّا رَدُّ اَلطَّحَاوِيّ لَهَا بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مُدْرَجَة فَجَوَابه أَنَّ الْأَصْلَ عَدَم الْإِدْرَاجِ حَتَّى يَثْبُتَ التَّفْصِيلُ , فَمَهْمَا كَانَ مَضْمُومًا إِلَى الْحَدِيثِ فَهُوَ مِنْهُ وَلَا سِيَّمَا إِذَا رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ , وَالْأَمْر هُنَا كَذَلِكَ , فَإِنَّ اَلشَّافِعِيَّ أَخْرَجَهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِر مُتَابِعًا لِعَمْرو بْن دِينَار عَنْهُ , وَقَوْل الطَّحَاوِيّ هُوَ ظَنٌّ مِنْ جَابِر مَرْدُود ; لِأَنَّ جَابِرًا كَانَ مِمَّنْ يُصَلِّي مَعَ مُعَاذ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا يُظَنُّ بِجَابِر أَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ شَخْصٍ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُشَاهَدٍ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّخْصُ أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا اِحْتِجَاجُ أَصْحَابِنَا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - \" إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَة \" فَلَيْسَ بِجَيِّد ; لِأَنَّ حَاصِلَهُ النَّهْي عَنْ التَّلَبُّسِ بِصَلَاةٍ غَيْر الَّتِي أُقِيمَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنِيَّة فَرْض أَوْ نَفْل , وَلَوْ تَعَيَّنَتْ نِيَّة الْفَرِيضَة لَامْتَنَعَ عَلَى مُعَاذ أَنْ يُصَلِّيَ الثَّانِيَة بِقَوْمِهِ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حِينَئِذٍ فَرْضًا لَهُ , وَكَذَلِكَ قَوْل بَعْضِ أَصْحَابِنَا لَا يُظَنُّ بِمُعَاذ أَنْ يَتْرُكَ فَضِيلَة الْفَرْض خَلْفَ أَفْضَلِ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْمَسَاجِدِ , فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْع تَرْجِيح لَكِنْ لِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ : إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الْفَضْلُ بِالِاتِّبَاعِ , وَكَذَلِكَ قَوْل الْخَطَّابِيّ : إِنَّ الْعِشَاءَ فِي قَوْلِهِ \" كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ \" حَقِيقَة فِي الْمَفْرُوضَةِ , فَلَا يُقَالُ كَانَ يَنْوِي بِهَا التَّطَوُّع ; لِأَنَّ لِمُخَالِفِهِ أَنْ يَقُولَ : هَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَنْوِيَ بِهَا اَلتَّنَفُّل. وَأَمَّا قَوْل اِبْن حَزْم : إِنَّ الْمُخَالِفِينَ لَا يُجِيزُونَ لِمَنْ عَلَيْهِ فَرْض إِذَا أُقِيمَ أَنْ يُصَلِّيَهُ مُتَطَوِّعًا فَكَيْفَ يَنْسُبُونَ إِلَى مُعَاذ مَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ ؟ فَهَذَا إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ نَقْضٌ قَوِيٌّ , وَأَسْلَمُ الْأَجْوِبَة التَّمَسُّك بِالزِّيَادَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيّ : لَا حُجَّةَ فِيهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا تَقْرِيره. فَجَوَابه أَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ رَأْيَ الصَّحَابِيِّ إِذَا لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ حُجَّة , وَالْوَاقِعُ هُنَا كَذَلِكَ , فَإِنَّ الَّذِينَ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ مُعَاذ كُلّهمْ صَحَابَةٌ وَفِيهِمْ ثَلَاثُونَ عَقَبِيًّا وَأَرْبَعُونَ بَدْرِيًّا , قَالَهُ اِبْن حَزْم , قَالَ : وَلَا يُحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ اِمْتِنَاع ذَلِكَ , بَلْ قَالَ مَعَهُمْ بِالْجَوَازِ عُمَر , وَابْن عُمَر , وَأَبُو اَلدَّرْدَاء وَأَنَس وَغَيْرُهُمْ. وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيّ : لَوْ سَلَّمْنَا جَمِيع ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّة لِاحْتِمَال أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَتْ الْفَرِيضَة فِيهِ تُصَلَّى مَرَّتَيْنِ أَيْ : فَيَكُونُ مَنْسُوخًا , فَقَدْ تَعَقَّبَهُ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِثْبَات النَّسْخِ بِالِاحْتِمَالِ وَهُوَ لَا يَسُوغُ , وَبِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِقَامَة اَلدَّلِيلِ عَلَى مَا اِدَّعَاهُ مِنْ إِعَادَةِ الْفَرِيضَةِ ا ه. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كِتَابِهِ فَإِنَّهُ قَدْ سَاقَ فِيهِ دَلِيل ذَلِكَ وَهُوَ حَدِيثُ اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" لَا تُصَلُّوا الصَّلَاةَ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ \" وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَل \" إِنَّ أَهْل الْعَالِيَة كَانُوا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَنَهَاهُمْ \" فَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ نَظَرٌ , لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اَلنَّهْي عَنْ أَنْ يُصَلُّوهَا مَرَّتَيْنِ عَلَى أَنَّهَا فَرِيضَة , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيّ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ , بَلْ لَوْ قَالَ قَائِل : هَذَا النَّهْيُ مَنْسُوخ بِحَدِيثِ مُعَاذ , لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا , وَلَا يُقَالُ الْقِصَّة قَدِيمَة ; لِأَنَّ صَاحِبَهَا اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ ; لِأَنَّا نَقُولُ : كَانَتْ أُحُد فِي أَوَاخِرِ الثَّالِثَة فَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ النَّهْي فِي الْأُولَى وَالْإِذْن فِي الثَّالِثَةِ مَثَلًا , وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ \" إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِد جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا نَافِلَة \" أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ يَزِيد بْن الْأَسْوَدِ الْعَامِرِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ , وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي أَوَاخِرِ حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - , وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ أَيْضًا أَمْره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ أَدْرَكَ الْأَئِمَّة اَلَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَهُ وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاة عَنْ مِيقَاتِهَا أَنْ \" صَلُّوهَا فِي بُيُوتِكُمْ فِي الْوَقْتِ ثُمَّ اِجْعَلُوهَا مَعَهُمْ نَافِلَة \". وَأَمَّا اِسْتِدْلَالُ اَلطَّحَاوِيّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى مُعَاذًا عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ سُلَيْمِ بْن الْحَارِث \" إِمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ بِقَوْمِك \" وَدَعْوَاهُ أَنَّ مَعْنَاهُ إِمَّا أَنْ تُصَلِّي مَعِي وَلَا تُصَلِّ بِقَوْمِك وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ بِقَوْمِك وَلَا تُصَلِّ مَعِي , فَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ لِمُخَالِفِهِ أَنْ يَقُولَ : بَلْ اَلتَّقْدِير إِمَّا أَنْ تُصَلِّي مَعِي فَقَطْ إِذَا لَمْ تُخَفِّفْ وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ بِقَوْمِك فَتُصَلِّي مَعِي , وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِهِ ; لِمَا فِيهِ مِنْ مُقَابَلَةِ اَلتَّخْفِيفِ بِتَرْكِ التَّخْفِيفِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ الْمُتَنَازَع فِيهِ , وَأَمَّا تَقْوِيَةُ بَعْضِهِمْ بِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا بِأَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَقَعَتْ مِرَارًا عَلَى صِفَةٍ فِيهَا مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ بِالْأَفْعَالِ الْمُنَافِيَةِ فِي حَالِ الْأَمْن , فَلَوْ جَازَتْ صَلَاة الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ لَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِمْ مَرَّتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا تَقَعُ فِيهِ مُنَافَاة , فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْعِ , فَجَوَابه أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ مَرَّتَيْنِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ صَرِيحًا , وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِر نَحْوُهُ , وَأَمَّا صَلَاتُهُ بِهِمْ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْمُخَالَفَةِ فَلِبَيَان الْجَوَاز. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ : كَانَ فِعْل مُعَاذ لِلضَّرُورَةِ لِقِلَّة الْقُرَّاء فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. فَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ ; لِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُجْزِئَ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ حَافِظُوهُ كَثِيرًا , وَمَا زَادَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِارْتِكَابِ أَمْرٍ مَمْنُوعٍ مِنْهُ شَرْعًا فِي الصَّلَاةِ. وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ الْفَوَائِدِ أَيْضًا اِسْتِحْبَاب تَخْفِيفِ اَلصَّلَاةِ مُرَاعَاة لِحَالِ الْمَأْمُومِينَ , وَأَمَّا مَنْ قَالَ لَا يُكْرَهُ التَّطْوِيل إِذَا عَلِمَ رِضَاء الْمَأْمُومِينَ فَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ لَا يَعْلَمُ حَالَ مَنْ يَأْتِي فَيَأْتَمُّ بِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ , فَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ التَّطْوِيل مُطْلَقًا إِلَّا إِذَا فُرِضَ فِي مُصَلٍ بِقَوْمٍ مَحْصُورِينَ رَاضِينَ بِالتَّطْوِيلِ فِي مَكَانٍ لَا يَدْخُلُهُ غَيْرُهُمْ. وَفِيهِ أَنَّ الْحَاجَةَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا عُذْر فِي تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ , وَجَوَاز إِعَادَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ وَجَوَاز خُرُوجِ الْمَأْمُومِ مِنْ الصَّلَاةِ لِعُذْر , وَأَمَّا بِغَيْرِ عُذْرٍ فَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ وَتُعُقِّبَ , وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَمْرِ الْأَئِمَّة بِالتَّخْفِيفِ فَائِدَة , وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ فَائِدَة الْأَمْر بِالتَّخْفِيفِ الْمُحَافَظَة عَلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ , وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ جَوَاز اَلصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا , وَهَذَا كَمَا اِسْتَدَلَّ بَعْضهمْ بِالْقِصَّةِ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَفِيهِ نَحْوُ هَذَا اَلنَّظَرِ. وَفِيهِ جَوَازُ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ بِالْجَمَاعَةِ إِذَا كَانَ بِعُذْر. وَفِيهِ الْإِنْكَارُ بِلُطْفٍ لِوُقُوعِهِ بِصُورَة الِاسْتِفْهَام , وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَعْزِيز كُلّ أَحَدٍ بِحَسْبِهِ , وَالِاكْتِفَاءِ فِي التَّعْزِيزِ بِالْقَوْلِ , وَالْإِنْكَار فِي الْمَكْرُوهَاتِ , وَأَمَّا تَكْرَارُهُ ثَلَاثًا فَلِلتَّأْكِيدِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلَاثًا لِتُفْهَمَ عَنْهُ. ‏ ‏وَفِيهِ اِعْتِذَارُ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ خَطَأٌ فِي الظَّاهِرِ , وَجَوَاز الْوُقُوع فِي حَقِّ مَنْ وَقَعَ فِي مَحْذُور ظَاهِرٍ وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْر بَاطِن لِلتَّنْفِيرِ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ , وَأَنَّهُ لَا لَوْمَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا , وَأَنَّ التَّخَلُّفَ عَنْ الْجَمَاعَةِ مِنْ صِفَةِ الْمُنَافِقِ. ‏"
    },
    {
        "id": "661",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏قَيْسًا ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا قَالَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ ‏ ‏صَلَاةِ الْغَدَاةِ ‏ ‏مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ ‏ ‏فَلْيَتَجَوَّزْ ‏ ‏فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة الْجُعْفِيُّ , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَأَبُو مَسْعُود هُوَ الْأَنْصَارِيّ الْبَدْرِيّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَّ رَجُلًا ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ حَزْمُ بْن أُبَيِّ بْن كَعْب ; لِأَنَّ قِصَّتَهُ كَانَتْ مَعَ مُعَاذ لَا مَعَ أُبَيّ بْن كَعْب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنِّي لَأَتَأَخَّر عَنْ صَلَاة الْغَدَاة ) ‏ ‏أَيْ : فَلَا أَحْضُرُهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ لِأَجْلِ اَلتَّطْوِيلِ , وَفِي رِوَايَةِ اِبْنِ الْمُبَارَك فِي الْأَحْكَامِ \" وَاَللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ \" بِزِيَادَةِ الْقَسَمِ , وَفِيهِ جَوَازُ مِثْلِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ , وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ فِي \" بَابِ الْغَضَبِ فِي الْعِلْمِ \" بِلَفْظ \" إِنِّي لَا أَكَادُ أُدْرِكُ اَلصَّلَاةَ \" وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهه. وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد أَنَّ الَّذِي أَلِفَهُ مِنْ تَطْوِيلِهِ اِقْتَضَى لَهُ أَنْ يَتَشَاغَلَ عَنْ الْمَجِيءِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وُثُوقًا بِتَطْوِيلِهِ , بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ يُطَوِّلُ فَإِنَّهُ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهِ أَوَّل الْوَقْتِ , وَكَأَنَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَى تَطْوِيلِهِ فَيَتَشَاغَلُ بِبَعْضِ شُغْلِهِ ثُمَّ يَتَوَجَّهُ فَيُصَادِفُ أَنَّهُ تَارَةً يُدْرِكُهُ وَتَارَةً لَا يُدْرِكُهُ فَلِذَلِكَ قَالَ \" لَا أَكَادُ أُدْرِكُ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا \" أَيْ : بِسَبَبِ تَطْوِيلِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَسْمِيَةِ الصُّبْحِ بِذَلِكَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَان الْآتِيَةِ قَرِيبًا \" عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْفَجْرِ \" وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّهَا تُطَوَّلُ فِيهَا الْقِرَاءَة غَالِبًا ; وَلِأَنَّ الِانْصِرَافَ مِنْهَا وَقْتَ اَلتَّوَجُّهِ لِمَنْ لَهُ حِرْفَة إِلَيْهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَشَدّ ‏ ‏بِالنَّصْبِ وَهُوَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ : غَضَبًا أَشَدّ , وَسَبَبُهُ إِمَّا لِمُخَالَفَةِ الْمَوْعِظَة أَوْ لِلتَّقْصِيرِ فِي تَعَلُّمِ مَا يَنْبَغِي تَعَلُّمُهُ , كَذَا قَالَهُ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ , وَتَعَقَّبَهُ تِلْمِيذُهُ أَبُو الْفَتْح الْيَعْمُرِيّ بِأَنَّهُ يُتَوَقَّفُ عَلَى تَقَدُّمِ الْإِعْلَامِ بِذَلِكَ , قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا ظَهَرَ مِنْ الْغَضَبِ لِإِرَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِمَا يُلْقِيهِ لِأَصْحَابِهِ لِيَكُونُوا مِنْ سَمَاعِهِ عَلَى بَال لِئَلَّا يَعُودَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَى مِثْلِهِ. وَأَقُولُ : هَذَا أَحْسَنُ فِي الْبَاعِثِ عَلَى أَصْل إِظْهَار الْغَضَب , أَمَّا كَوْنُهُ أَشَدَّ فَالِاحْتِمَال الثَّانِي أَوْجَهُ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ التَّعَقُّب الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ ) ‏ ‏فِيهِ تَفْسِير لِلْمُرَادِ بِالْفِتْنَةِ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مُعَاذ \" أَفَتَّان أَنْتَ \" وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ قِصَّة أُبَيٍّ هَذِهِ بَعْدَ قِصَّةِ مُعَاذ , فَلِهَذَا أَتَى بِصِيغَةِ الْجَمْعِ. وَفِي قِصَّةِ مُعَاذٍ وَاجَهَهُ وَحْدَهُ بِالْخِطَابِ , وَكَذَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْغَضَبَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي قِصَّةِ مُعَاذ , وَبِهَذَا يَتَوَجَّهُ الِاحْتِمَال الْأَوَّل لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَيّكُمْ مَا صَلَّى ) ‏ ‏مَا زَائِدَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَان \" فَمَنْ أَمَّ اَلنَّاسَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلْيُخَفِّفْ قَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : التَّطْوِيلُ وَالتَّخْفِيفُ مِنْ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ خَفِيفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَادَة قَوْم طَوِيلًا بِالنِّسْبَةِ لِعَادَة آخَرِينَ. قَالَ : وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ لَا يَزِيدُ الْإِمَامُ فِي اَلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ لَا يُخَالِفُ مَا وَرَدَ عَنْ اَلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ رَغْبَةَ الصَّحَابَةِ فِي الْخَيْرِ تَقْتَضِي أَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا قُلْتُ : وَأَوْلَى مَا أُخِذَ حَدّ التَّخْفِيفِ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ \" أَنْتَ إِمَامُ قَوْمِك , وَاقْدِرْ الْقَوْمَ بِأَضْعَفِهِمْ \" إِسْنَاده حَسَنٌ وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ فِيهِمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سُفْيَان \" فَإِنَّ خَلْفَهُ \" وَهُوَ تَعْلِيلُ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُتَّصِفٌ بِصِفَةٍ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ لَمْ يَضُرَّ التَّطْوِيلُ , وَقَدْ قَدَّمْت مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ إِمْكَانِ مَجِيءِ مَنْ يَتَّصِفُ بِإِحْدَاهَا , وَقَالَ الْيَعْمُرِيّ : الْأَحْكَامُ إِنَّمَا تُنَاطُ بِالْغَالِبِ لَا بِالصُّورَةِ النَّادِرَةِ , فَيَنْبَغِي لِلْأَئِمَّةِ التَّخْفِيفُ مُطْلَقًا. قَالَ : وَهَذَا كَمَا شُرِعَ الْقَصْرُ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ وَعُلِّلَ بِالْمَشَقَّةِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُشْرَعُ وَلَوْ لَمْ يَشُقَّ عَمَلًا بِالْغَالِبِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ , وَهُنَا كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الضَّعِيف وَالْكَبِير ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَان فِي الْعِلْمِ \" فَإِنَّ فِيهِمْ الْمَرِيض وَالضَّعِيف \" وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالضَّعِيفِ هُنَا الْمَرِيضُ وَهُنَاكَ مَنْ يَكُونُ ضَعِيفًا فِي خِلْقَتِهِ كَالنَّحِيفِ وَالْمُسِنِّ , وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مَزِيد قَوْل فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "662",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ مِنْهُمْ الضَّعِيفَ ‏ ‏وَالسَّقِيمَ ‏ ‏وَالْكَبِيرَ وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ فِيهِمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَإِنَّ مِنْهُمْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الضَّعِيف وَالسَّقِيم ‏ ‏الْمُرَادُ بِالضَّعِيفِ هُنَا ضَعِيف الْخِلْقَة وَبِالسَّقِيمِ مَنْ بِهِ مَرَضٌ , زَادَ مُسْلِم مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ \" وَالصَّغِير وَالْكَبِير \" وَزَادَ الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاصِ \" وَالْحَامِل وَالْمُرْضِع \" وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَدِيّ بْن حَاتِم \" وَالْعَابِر السَّبِيل \" وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُود الْمَاضِي \" وَذَا الْحَاجَةِ \" وَهِيَ أَشْمَلُ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ ) ‏ ‏وَلِمُسْلِم \" فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ \" أَيْ : مُخَفِّفًا أَوْ مُطَوِّلًا وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ إِطَالَة الْقِرَاءَة وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْت , وَهُوَ الْمُصَحَّحُ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ يُعَارِضُهُ عُمُوم قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ \" إِنَّمَا اَلتَّفْرِيطُ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَإِذَا تَعَارَضَتْ مَصْلَحَةُ الْمُبَالَغَةِ فِي الْكَمَالِ بِالتَّطْوِيلِ وَمَفْسَدَة إِيقَاع الصَّلَاة فِي غَيْرِ وَقْتِهَا كَانَتْ مُرَاعَاة تَرْكِ الْمَفْسَدَة أَوْلَى , وَاسْتُدِلَّ بِعُمُومِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَاز تَطْوِيل الِاعْتِدَال وَالْجُلُوس بَيْنَ اَلسَّجْدَتَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "663",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلَانٌ فِيهَا فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ‏ ‏إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ ‏ ‏فَلْيَتَجَوَّزْ ‏ ‏فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "664",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقْبَلَ رَجُلٌ ‏ ‏بِنَاضِحَيْنِ ‏ ‏وَقَدْ ‏ ‏جَنَحَ اللَّيْلُ ‏ ‏فَوَافَقَ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏يُصَلِّي فَتَرَكَ ‏ ‏نَاضِحَهُ ‏ ‏وَأَقْبَلَ إِلَى ‏ ‏مُعَاذٍ ‏ ‏فَقَرَأَ بِسُورَةِ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏النِّسَاءِ ‏ ‏فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَبَلَغَهُ أَنَّ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏نَالَ مِنْهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَشَكَا إِلَيْهِ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏مُعَاذُ ‏ ‏أَفَتَّانٌ ‏ ‏أَنْتَ ‏ ‏أَوْ أَفَاتِنٌ ‏ ‏ثَلَاثَ مِرَارٍ فَلَوْلَا صَلَّيْتَ ‏ ‏بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ‏ ‏وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ‏ ‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ‏ ‏فَإِنَّهُ ‏ ‏يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ ‏ ‏أَحْسِبُ ‏ ‏هَذَا فِي الْحَدِيثِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ ‏ ‏وَمِسْعَرٌ ‏ ‏وَالشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ ‏ ‏وَأَبُو الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏قَرَأَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏فِي الْعِشَاءِ ‏ ‏بِالْبَقَرَةِ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَارِبٍ ‏",
        "sharh": "قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مُحَارِبٍ عَنْ جَابِر ‏ ‏( أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ ) ‏ ‏النَّاضِح بِالنُّونِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَا اسْتُعْمِلَ مِنْ الْإِبِلِ فِي سَقْيِ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْل ‏ ‏أَيْ : أَقْبَلَ بِظُلْمَتِهِ , وَهُوَ يُؤَيِّدُ أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ الْعِشَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوْ النِّسَاءِ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ عَنْ شُعْبَة شَكَّ مُحَارِب , وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ جَابِر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَوْلَا صَلَّيْت ) ‏ ‏أَيْ : فَهَلَّا صَلَّيْت. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَك ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فَكَانَ هَذَا هُوَ الْحَامِلُ لِمَنْ وَحَّدَ بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ , لَكِنْ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ نَظَرٌ ; لِقَوْلِهِ بَعْدَهَا ( أَحْسَبُ هَذَا فِي الْحَدِيثِ يَعْنِي هَذِهِ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ \" فَإِنَّهُ يُصَلِّي إِلَخْ \" وَقَائِل ذَلِكَ هُوَ شُعْبَة الرَّاوِي عَنْ مُحَارِب , وَقَدْ رَوَاهُ غَيْر شُعْبَةَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَارِبٍ عَنْهُ بِدُونِهَا , وَكَذَا أَصْحَاب جَابِر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ سَعِيد بْن مَسْرُوق ) ‏ ‏هُوَ وَالِدُ سُفْيَان اَلثَّوْرِيّ , وَرِوَايَتُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْهُ , وَمُتَابَعَة مِسْعَرٍ وَصَلَهَا اَلسَّرَّاجُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْهُ , وَمُتَابَعَة الشَّيْبَانِيّ وَهُوَ أَبُو إِسْحَاق وَصَلَهَا الْبَزَّار مِنْ طَرِيقِهِ كُلّهمْ عَنْ مُحَارِب , وَالْمُرَاد أَنَّهُمْ تَابَعُوا شُعْبَةَ عَنْ مُحَارِبٍ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ لَا فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَته قَبْلُ بِبَابَيْنِ , وَرِوَايَة عُبَيْدِ اللَّهِ بْن مِقْسَمٍ وَصَلَهَا اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّد بْن عَجْلَانَ عَنْهُ وَهِيَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد بِاخْتِصَار , وَرِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر وَصَلَهَا عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ وَهِيَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْهُ لَكِنْ لَمْ يُعَيِّنْ أَنَّ السُّورَةَ الْبَقَرَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَتَابَعَهُ الْأَعْمَش عَنْ مُحَارِب ) ‏ ‏أَيْ تَابَعَ شُعْبَة , وَرِوَايَته عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُحَارِبٍ وَأَبِي صَالِح كِلَاهُمَا عَنْ جَابِر بِطُولِهِ وَقَالَ فِيهِ \" فَيُطَوِّل بِهِمْ مُعَاذ \" وَلَمْ يُعَيِّنْ السُّورَةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "665",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُوجِزُ الصَّلَاةَ وَيُكْمِلُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏هُوَ اِبْن صُهَيْب , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. وَالْمُرَادُ بِالْإِيجَازِ مَعَ الْإِكْمَالِ الْإِتْيَان بِأَقَلِّ مَا يُمْكِنُ مِنْ الْأَرْكَانِ وَالْأَبْعَاض. ‏"
    },
    {
        "id": "666",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ ‏ ‏فَأَتَجَوَّزُ ‏ ‏فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ‏ ‏وَابْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏وَبَقِيَّةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَوْزَاعِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ بِشْر بْن بَكْر الْآتِيَةِ عَنْ الْأَوْزَاعِيّ \" حَدَّثَنِي يَحْيَى \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْد اَللَّه بْن أَبِي قَتَادَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْنِ سَمَاعَةَ عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَةَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ بِشْر بْن بَكْر \" لَأَقُومُ إِلَى اَلصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ بِشْر بْن بَكْر ) ‏ ‏هِيَ مَوْصُولَةٌ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي \" بَابِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ \" قُبَيْلَ كِتَاب الْجُمُعَة , وَمُتَابَعَة اِبْن الْمُبَارَك وَصَلَهَا النَّسَائِيّ , وَمُتَابَعَة بَقِيَّة وَهُوَ اِبْنُ الْوَلِيدِ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ إِدْخَالِ الصِّبْيَانِ الْمَسَاجِد , وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيّ كَانَ مُخَلَّفًا فِي بَيْتٍ يَقْرُبُ مِنْ الْمَسْجِدِ بِحَيْثُ يُسْمَعُ بُكَاؤُهُ \". وَعَلَى جَوَازِ صَلَاةِ النِّسَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ مَعَ الرِّجَالِ , وَفِيهِ شَفَقَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَصْحَابِهِ , وَمُرَاعَاة أَحْوَالِ الْكَبِيرِ مِنْهُمْ وَالصَّغِير. ‏"
    },
    {
        "id": "667",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً وَلَا أَتَمَّ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ ‏ ‏تُفْتَنَ ‏ ‏أُمُّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي شَرِيك بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي نَمِرٍ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ غَيْر خَالِدٍ فَهُوَ كُوفِيّ سَكَنَ الْمَدِينَةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخَفَّ صَلَاة وَلَا أَتَمَّ ) ‏ ‏إِلَى هُنَا أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ , مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ شَرِيك , وَوَافَقَ سُلَيْمَان بْن بِلَال عَلَى تَكْمِلَتِهِ أَبُو ضَمْرَة عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَيُخَفِّفُ ‏ ‏بَيَّنَ مُسْلِم فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ مَحَلّ التَّخْفِيف وَلَفْظه \" فَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ الْقَصِيرَةِ \" وَبَيَّنَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيقِ عَبْد اَلرَّحْمَن بْن سَابِط مِقْدَارهَا وَلَفْظه \" أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَوْلَى بِسُورَةٍ طَوِيلَةٍ فَسَمِعَ بُكَاء صَبِيٍّ فَقَرَأَ بِالثَّانِيَةِ بِثَلَاثِ آيَات \" وَهَذَا مُرْسَل. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنْ تُفْتَنَ أُمّه ) ‏ ‏أَيْ : تَلْتَهِي عَنْ صَلَاتِهَا لِاشْتِغَال قَلْبهَا بِبُكَائِهِ , زَادَ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءٍ \" أَوْ تَتْرُكهُ فَيَضِيع \". ‏"
    },
    {
        "id": "668",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ ‏ ‏فَأَتَجَوَّزُ ‏ ‏فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ ‏ ‏وَجْدِ ‏ ‏أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَكَذَا مَا بَعْدَهُ مَوْصُولًا وَمُعَلَّقًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ مَنْ قَصَدَ فِي الصَّلَاةِ الْإِتْيَانَ بِشَيْءٍ مُسْتَحَبٍّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاء بِهِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ حَيْثُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَنْ نَوَى التَّطَوُّع قَائِمًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتِمَّهُ جَالِسًا. ‏ ‏قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ اِبْن أَبِي عَدِيّ ‏ ‏( مِمَّا أَعْلَمُ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" لِمَا أَعْلَمُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَجْدِ أُمِّهِ ) ‏ ‏أَيْ : حُزْنِهَا. قَالَ صَاحِب \" الْمُحْكَمِ \" وَجَدَ يَجِدُ وَجْدًا - بِالسُّكُونِ وَالتَّحْرِيكِ - حَزِنَ , وَكَأَنَّ ذِكْرَ الْأُمِّ هَنَا خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِبِ , وَإِلَّا فَمَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهَا مُلْتَحِق بِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "669",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ فَأُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ ‏ ‏فَأَتَجَوَّزُ ‏ ‏مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ ‏ ‏وَجْدِ ‏ ‏أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُوسَى ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن إِسْمَاعِيل وَهُوَ أَبُو سَلَمَةَ التَّبُوذَكِيّ , وَأَبَانُ هَذَا اِبْن يَزِيدَ الْعَطَّار , وَالْمُرَاد بِهَذَا بَيَان سَمَاع قَتَادَةَ لَهُ مِنْ أَنَسٍ , وَرِوَايَتُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا السَّرَّاجُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن جَرِير وَابْن الْمُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَلَمَة. وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ أَيْضًا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ خَالِد بْن الْحَارِث عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بْن مَالِكٍ حَدَّثَهُ. قَالَ اِبْن بَطَّال : اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ إِطَالَة الرُّكُوع إِذَا سَمِعَ بِحِسِّ دَاخِلٍ لِيُدْرِكهُ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّ التَّخْفِيفَ نَقِيض التَّطْوِيلِ فَكَيْفَ يُقَاسُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : ثُمَّ إِنَّ فِيهِ مُغَايَرَة لِلْمَطْلُوبِ ; لِأَنَّ فِيهِ إِدْخَال مَشَقَّة عَلَى جَمَاعَةٍ لِأَجْلِ وَاحِد اِنْتَهَى. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : مَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى الْجَمَاعَةِ , وَبِذَلِكَ قَيَّدَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر , وَمَا ذَكَرَهُ اِبْن بَطَّال سَبَقَهُ إِلَيْهِ الْخَطَّابِيّ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ إِذَا جَازَ التَّخْفِيف لِحَاجَةٍ مِنْ حَاجَاتِ الدُّنْيَا كَانَ اَلتَّطْوِيل لِحَاجَةٍ مِنْ حَاجَاتِ الدِّينِ أَجْوَزَ , وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ فِي التَّطْوِيلِ هُنَا زِيَادَةَ عَمَلٍ فِي اَلصَّلَاةِ غَيْر مَطْلُوب , بِخِلَاف اَلتَّخْفِيف فَإِنَّهُ مَطْلُوب , اِنْتَهَى. وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَاف عِنْدَ اَلشَّافِعِيَّةِ وَتَفْصِيل , وَأَطْلَقَ اَلنَّوَوِيّ عَنْ الْمَذْهَبِ اِسْتِحْبَاب ذَلِكَ , وَفِي التَّجْرِيدِ لِلْمَحَامِلِيّ نَقَلَ كَرَاهِيَته عَنْ الْجَدِيدِ , وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَمَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف , وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : أَخْشَى أَنْ يَكُونَ شِرْكًا. ‏"
    },
    {
        "id": "670",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏وَأَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ ‏",
        "sharh": "وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرو. ‏"
    },
    {
        "id": "671",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَتَاهُ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏يُوذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ ‏ ‏مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ قُلْتُ إِنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏أَسِيفٌ ‏ ‏إِنْ يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِي فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ فَقَالَ مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ فَقُلْتُ مِثْلَهُ فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ إِنَّكُنَّ ‏ ‏صَوَاحِبُ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ فَصَلَّى وَخَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُهَادَى ‏ ‏بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ ‏ ‏يَخُطُّ ‏ ‏بِرِجْلَيْهِ الْأَرْضَ فَلَمَّا رَآهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ صَلِّ فَتَأَخَّرَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَقَعَدَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى جَنْبِهِ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مُحَاضِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "672",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا ‏ ‏ثَقُلَ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏يُوذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ ‏ ‏مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏أَسِيفٌ ‏ ‏وَإِنَّهُ مَتَى مَا يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ فَلَوْ أَمَرْتَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَقَالَ مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَقُلْتُ ‏ ‏لِحَفْصَةَ ‏ ‏قُولِي لَهُ إِنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏أَسِيفٌ ‏ ‏وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ فَلَوْ أَمَرْتَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏قَالَ إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ ‏ ‏صَوَاحِبُ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي نَفْسِهِ خِفَّةً فَقَامَ ‏ ‏يُهَادَى ‏ ‏بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجْلَاهُ ‏ ‏يَخُطَّانِ ‏ ‏فِي الْأَرْضِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمَّا سَمِعَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏حِسَّهُ ذَهَبَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَتَأَخَّرُ ‏ ‏فَأَوْمَأَ ‏ ‏إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يُصَلِّي قَائِمًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي قَاعِدًا يَقْتَدِي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنَّاسُ مُقْتَدُونَ بِصَلَاةِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( مُرُوا أَبَا بَكْر يُصَلِّي ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِإِثْبَات الْيَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ اِبْن مَالِك لَهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَنْ يُصَلِّيَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَتَى يَقُومُ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِإِثْبَات الْوَاو , وَوَجَّهَهُ اِبْن مَالِك بِأَنَّهُ شَبَّهَ مَتَى بِإِذَا فَلَمْ تَجْزِمْ , كَمَا شَبَّهَ إِذَا بِمَتَى فِي قَوْلِهِ \" إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ \" فَحَذَفَ النُّونَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" مَتَى مَا يَقُمْ \" وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَخُطَّانِ الْأَرْض ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" يَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ \". وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّة مَبَاحِث الْحَدِيث فِي \" بَابِ حَدِّ الْمَرِيضِ \" وَقَوْلُهُ فِي اَلسَّنَدِ \" الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ \" كَذَا لِلْجَمِيعِ وَهُوَ اَلصَّوَابُ , وَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ بَيْنَ الْأَعْمَشِ وَالْأَسْوَدِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْمَرْوَزِيّ وَهُوَ وَهْمٌ قَالَهُ الْجَيَّانِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "673",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْصَرَفَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏ذُو الْيَدَيْنِ ‏ ‏أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَصَدَقَ ‏ ‏ذُو الْيَدَيْنِ ‏ ‏فَقَالَ النَّاسُ نَعَمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "674",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ فَقِيلَ صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "675",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فِي مَرَضِهِ ‏ ‏مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏قُلْتُ إِنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعْ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ فَمُرْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ فَقَالَ مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏لِحَفْصَةَ ‏ ‏قُولِي لَهُ إِنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعْ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ فَمُرْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ فَفَعَلَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَهْ ‏ ‏إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ ‏ ‏صَوَاحِبُ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ قَالَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "676",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَتُسَوُّنَّ ) ‏ ‏بِضَمِّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ اَلسِّينِ وَضَمِّ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ , وَلِلْمُسْتَمْلِي \" لَتُسَوُّونَ \" بِوَاوَيْنِ. قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : هَذِهِ اللَّامُ هِيَ الَّتِي يُتَلَقَّى بِهَا الْقَسَمُ , وَالْقَسَمُ هُنَا مُقَدَّر وَلِهَذَا أَكَّدَهُ بِالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ. اِنْتَهَى. وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد قَرِيبًا إِبْرَاز الْقَسَمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ ) ‏ ‏أَيْ : إِنْ لَمْ تُسَوُّوا , وَالْمُرَاد بِتَسْوِيَة الصُّفُوف اِعْتِدَال الْقَائِمِينَ بِهَا عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ , أَوْ يُرَادُ بِهَا سَدّ الْخَلَلِ الَّذِي فِي اَلصَّفِّ كَمَا سَيَأْتِي. وَاخْتُلِفَ فِي الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فَقِيلَ : هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَالْمُرَادُ تَسْوِيَة الْوَجْهِ بِتَحْوِيلِ خَلْقِهِ عَنْ وَضْعِهِ بِجَعْلِهِ مَوْضِع الْقَفَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ , فَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوَعِيدِ فِيمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ رَأْسَهُ رَأْس حِمَار , وَفِيهِ مِنْ اَللَّطَائِفِ وُقُوع الْوَعِيد مِنْ جِنْسِ الْجِنَايَة وَهِيَ الْمُخَالَفَةُ , وَعَلَى هَذَا فَهُوَ وَاجِب , وَالتَّفْرِيطُ فِيهِ حَرَامٌ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي \" بَابِ إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ \" قَرِيبًا , وَيُؤَيِّدُ حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ \" لَتُسَوُّنَّ الصُّفُوف أَوْ لَتُطْمَسَنَّ الْوُجُوهَ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ , وَلِهَذَا قَالَ اِبْن الْجَوْزِيِّ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِثْلُ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ) وَحَدِيث أَبِي أُمَامَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ , وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَجَازِ , قَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَاهُ يُوقِعُ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء وَاخْتِلَاف الْقُلُوبِ , كَمَا تَقُولُ : تَغَيَّرَ وَجْه فُلَانٍ عَلَيَّ , أَيْ : ظَهَرَ لِي مِنْ وَجْهِهِ كَرَاهِيَة ; لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ فِي الصُّفُوفِ مُخَالَفَة فِي ظَوَاهِرِهِمْ , وَاخْتِلَاف الظَّوَاهِرِ سَبَب لِاخْتِلَاف الْبَوَاطِن. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ \" أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اَللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ \" كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَاهُ تَفْتَرِقُونَ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ وَجْهًا غَيْرَ الَّذِي أَخَذَ صَاحِبُهُ ; لِأَنَّ تَقَدُّمَ الشَّخْصِ عَلَى غَيْرِهِ مَظِنَّةُ الْكِبْر الْمُفْسِد لِلْقَلْبِ الدَّاعِي إِلَى الْقَطِيعَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ إِنْ حُمِلَ عَلَى الْعُضْوِ الْمَخْصُوصِ فَالْمُخَالَفَة إِمَّا بِحَسَبِ اَلصُّورَة الْإِنْسَانِيَّة أَوْ الصِّفَة أَوْ جَعْلِ الْقُدَّام وَرَاء , وَإِنْ حُمِلَ عَلَى ذَاتِ الشَّخْصِ فَالْمُخَالَفَة بِحَسَبِ الْمَقَاصِد. أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْكَرْمَانِيّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمُخَالَفَةِ فِي الْجَزَاءِ فَيُجَازِي الْمُسَوِّيَ بِخَيْرٍ وَمَنْ لَا يُسَوِّي بِشَرٍّ. ‏"
    },
    {
        "id": "677",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقِيمُوا الصُّفُوفَ فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي ‏",
        "sharh": "قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَس ‏ ‏( أَقِيمُوا ) ‏ ‏أَيْ : عَدِّلُوا , يُقَالُ أَقَامَ الْعُودَ إِذَا عَدَلَهُ وَسَوَّاهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنِّي أَرَاكُمْ ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى سَبَبِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ أَيْ : إِنَّمَا أُمِرْت بِذَلِكَ ; لِأَنِّي تَحَقَّقْت مِنْكُمْ خِلَافه. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي \" بَاب عِظَة الْإِمَامِ النَّاس فِي إِتْمَامِ اَلصَّلَاةِ \" وَأَنَّ الْمُخْتَارَ حَمْلُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا خَلْقُ عِلْمٍ ضَرُورِيّ لَهُ بِذَلِكَ وَنَحْوُ ذَلِكَ. قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِيرِ : لَا حَاجَةَ إِلَى تَأْوِيلِهَا ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى تَعْطِيل لَفْظِ الشَّارِعِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : بَلْ حَمْلُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا أَوْلَى ; لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً فِي كَرَامَةِ اَلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ‏"
    },
    {
        "id": "678",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِوَجْهِهِ فَقَالَ ‏ ‏أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ‏ ‏وَتَرَاصُّوا ‏ ‏فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة بْن عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ مِنْ قُدَمَاءِ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَرَوَى لَهُ هُنَا بِوَاسِطَة , فَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ وَإِنَّمَا نَزَلَ فِيهِ لِمَا وَقَعَ فِي الْإِسْنَادِ مِنْ تَصْرِيحِ حُمَيْدٍ بِتَحْدِيث أَنَسٍ لَهُ فَأَمِنَ بِذَلِكَ تَدْلِيسَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَتَرَاصُّوا ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ : تَلَاصَقُوا بِغَيْرِ خَلَلٍ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ \" أَقِيمُوا \" وَالْمُرَاد \" بِأَقِيمُوا \" سَوُّوا كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بَدَلَ أَقِيمُوا وَاعْتَدِلُوا , وَفِيهِ جَوَازُ الْكَلَامِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابٍ مُفْرَد , وَفِيهِ مُرَاعَاةُ الْإِمَامِ لِرَعِيَّتِهِ وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ وَتَحْذِيرُهُمْ مِنْ الْمُخَالَفَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "679",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الشُّهَدَاءُ ‏ ‏الْغَرِقُ ‏ ‏وَالْمَطْعُونُ ‏ ‏وَالْمَبْطُونُ ‏ ‏وَالْهَدِمُ ‏ ‏وَقَالَ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي ‏ ‏التَّهْجِيرِ ‏ ‏لَاسْتَبَقُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي ‏ ‏الْعَتَمَةِ ‏ ‏وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ ‏ ‏لَاسْتَهَمُوا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "680",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ حُسْن الصَّلَاة ) ‏ ‏قَالَ اِبْن رَشِيد : إِنَّمَا قَالَ الْبُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَةِ \" مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ \" وَلَفْظ الْحَدِيثِ \" مِنْ حُسْن الصَّلَاة \" لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِالْحُسْنِ هُنَا , وَأَنَّهُ لَا يَعْنِي بِهِ الظَّاهِر الْمَرْئِيّ مِنْ اَلتَّرْتِيبِ , بَلْ الْمَقْصُود مِنْهُ الْحُسْن الْحُكْمِيّ بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَنَس وَهُوَ الثَّانِي مِنْ حَدِيثَيْ الْبَاب حَيْثُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ \" مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "681",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": "قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَس ‏ ‏( فَإِنَّ تَسْوِيَة الصُّفُوف ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ \" الصَّفّ \" بِالْإِفْرَادِ , وَالْمُرَاد بِهِ الْجِنْس. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ ) ‏ ‏هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ , وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ عَنْهُ بِلَفْظ \" مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ \" كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ اِبْنِ حُذَيْفَةَ والْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَان الدَّارِمِيّ كِلَاهُمَا عَنْهُ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ وَغَيْره , وَكَذَا مُسْلِم وَغَيْره مِنْ طَرِيقِ جَمَاعَةٍ عَنْ شُعْبَة , وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد اَلطَّيَالِسِيّ قَالَ \" سَمِعْت شُعْبَة يَقُولُ : دَاهَنْت فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ أَسْأَلْ قَتَادَة أَسَمِعْته مِنْ أَنَس أَمْ لَا ؟ اِنْتَهَى. وَلَمْ أَرَهُ عَنْ قَتَادَة إِلَّا مُعَنْعَنًا , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَاد الْبُخَارِيّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة مَعَهُ فِي الْبَابِ تَقْوِيَةً لَهُ. وَاسْتَدَلَّ اِبْن حَزْمٍ بِقَوْلِهِ \" إِقَامَة اَلصَّلَاةِ \" عَلَى وُجُوبِ تَسْوِيَة الصُّفُوف قَالَ : لِأَنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَاجِبَة. وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبِ وَاجِب , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الرُّوَاةَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ. وَتَمَسَّكَ اِبْن بَطَّال بِظَاهِرِ لَفْظِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة فَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّسْوِيَةَ سُنَّةٌ , قَالَ : لِأَنَّ حُسْنَ الشَّيْءِ زِيَادَة عَلَى تَمَامِهِ , وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ رِوَايَة \" مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ \". وَأَجَابَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ : قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ \" تَمَام الصَّلَاةِ \" الِاسْتِحْبَاب ; لِأَنَّ تَمَامَ الشَّيْءِ فِي الْعُرْفِ أَمْر زَائِد عَلَى حَقِيقَتِهِ الَّتِي لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِهَا , وَإِنْ كَانَ يُطْلَقُ بِحَسَبِ الْوَضْع عَلَى بَعْضِ مَا لَا تَتِمُّ الْحَقِيقَةُ إِلَّا بِهِ , كَذَا قَالَ , وَهَذَا الْأَخْذ بَعِيد ; لِأَنَّ لَفْظَ الشَّارِعِ لَا يُحْمَلُ إِلَّا عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْوَضْع فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ , وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ عُرْفُ الشَّارِعِ لَا الْعُرْفُ الْحَادِثُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏لَفْظ التَّرْجَمَة أَوْرَدَهُ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ حَدِيثِ جَابِر. ‏"
    },
    {
        "id": "682",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَدِمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَقِيلَ لَهُ مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلَّا أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُقْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏قَدِمَ عَلَيْنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( بُشَيْر ) ‏ ‏هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَا أَنْكَرْت مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والْكُشْمِيهَنِيّ \" مَا أَنْكَرْت مِنَّا مُنْذُ عَهِدْت \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُقْبَة بْن عُبَيْد ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الرَّحَّالِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ أَخُو سَعِيد بْن عَبَيْد رَاوِي الْإِسْنَاد الَّذِي قَبْلَهُ , وَلَيْسَ لِعُقْبَةَ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع الْمُعَلَّق , وَأَرَادَ بِهِ بَيَان سَمَاع بُشَيْر بْن يَسَار لَهُ مِنْ أَنَس وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ عُقْبَة بْن عُبَيْد اَلطَّائِيّ \" حَدَّثَنِي بُشَيْر بْن يَسَار قَالَ : جَاءَ أَنَس إِلَى الْمَدِينَةِ فَقُلْنَا مَا أَنْكَرْت مِنَّا مِنْ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : مَا أَنْكَرْت مِنْكُمْ شَيْئًا غَيْر أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوف \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏هَذِهِ الْقَدْمَة لِأَنَسٍ غَيْر الْقَدْمَةِ اَلَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي \" بَاب وَقْتِ الْعَصْرِ \" , فَإِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ فِيهَا أَنَّهُ أَنْكَرَ تَأْخِير الظُّهْر إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ كَمَا مَضَى , وَهَذَا الْإِنْكَار أَيْضًا غَيْر الْإِنْكَارِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْره فِي \" بَاب تَضْيِيع الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا \" حَيْثُ قَالَ \" لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا اَلصَّلَاةَ وَقَدْ ضُيِّعَتْ \" فَإِنَّ ذَاكَ كَانَ بِالشَّامِ وَهَذَا بِالْمَدِينَةِ , وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كَانُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَمْثَلَ مِنْ غَيْرِهِمْ فِي التَّمَسُّكِ بِالسُّنَنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "683",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي ‏ ‏وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَس ‏ ‏رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ هُشَيْمٍ فَصَرَّحَ فِيهِ بِتَحْدِيث أَنَس لِحُمَيْدٍ وَفِيهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي آخِرِهِ وَهِيَ قَوْلُهُ \" وَكَانَ أَحَدنَا إِلَخْ \" وَصَرَّحَ بِأَنَّهَا مِنْ قَوْلِ أَنَس. وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظ \" قَالَ أَنَس : فَلَقَدْ رَأَيْت أَحَدنَا إِلَخْ \" وَأَفَادَ هَذَا التَّصْرِيحُ أَنَّ الْفِعْلَ الْمَذْكُورَ كَانَ فِي زَمَنِ اَلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - , وَبِهَذَا يَتِمُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى بَيَان الْمُرَاد بِإِقَامَةِ الصَّفِّ وَتَسْوِيَتِهِ , وَزَادَ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَتِهِ \" وَلَوْ فَعَلْت ذَلِكَ بِأَحَدِهِمْ الْيَوْمَ لَنَفَرَ كَأَنَّهُ بَغْل شُمُوس \". ‏"
    },
    {
        "id": "684",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏دَاوُدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى وَرَقَدَ فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "685",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأُمِّي ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏خَلْفَنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْد اَللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيّ , وَإِنْ كَانَ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَبِي شَيْبَة قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا عَنْ سُفْيَان وَهُوَ اِبْن عُيَيْنَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ إِسْحَاق عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ وَعَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة أَنَّهُ سَمِعَ أَنَس بْن مَالِكٍ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( صَلَّيْت أَنَا وَيَتِيم ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , وَكَذَا وَقَعَ فِي خَبَرِ يَحْيَى بْن يَحْيَى الْمَشْهُورِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَة. وَوَقَعَ عِنْدَ اِبْنِ فَتْحُونٍ فِيمَا رَوَاهُ عَنْ اِبْنِ السَّكَنِ بِسَنَدِهِ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ \" صَلَّيْت أَنَا وَسُلَيْم \" بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ وَلَام مُصَغَّرًا فَتَصَحَّفَتْ عَلَى اَلرَّاوِي مِنْ لَفْظِ \" يَتِيم \" وَمَشَى عَلَى ذَلِكَ اِبْنُ فَتْحُونٍ فَقَالَ فِي ذَيْلِهِ عَلَى الِاسْتِيعَابِ : سُلَيْمٌ غَيْرُ مَنْسُوبٍ وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيث. ثُمَّ إِنَّ هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ اِخْتَصَرَهُ سُفْيَان وَطَوَّلَهُ مَالِكٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب اَلصَّلَاة عَلَى الْحَصِيرِ \" وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ \" فَصَفَفْت أَنَا وَالْيَتِيم وَرَاءَهُ \" عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي مَوْقِف اَلِاثْنَيْنِ أَنْ يَصُفَّا خَلْفَ الْإِمَامِ , خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ الْكُوفِيِّينَ : إنَّ أَحَدَهُمَا يَقِفُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ , وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيث اِبْن مَسْعُود الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَقَامَ عَلْقَمَة عَنْ يَمِينِهِ وَالْأَسْودَ عَنْ شِمَالِهِ , وَأَجَابَ عَنْهُ اِبْنُ سِيرِينَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِضِيقِ الْمَكَانِ , رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأُمِّي أُمُّ سُلَيْم خَلْفَنَا ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَصُفُّ مَعَ الرِّجَالِ , وَأَصْلُهُ مَا يُخْشَى مِنْ الِافْتِتَانِ بِهَا فَلَوْ خَالَفَتْ أَجْزَأَتْ صَلَاتهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ , وَعَنْ الْحَنَفِيَّةِ تَفْسُدُ صَلَاةُ الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ , وَهُوَ عَجِيبٌ وَفِي تَوْجِيهِهِ تَعَسُّف حَيْثُ قَالَ قَائِلهمْ : دَلِيلُهُ قَوْل اِبْن مَسْعُود \" أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّه \" وَالْأَمْر لِلْوُجُوبِ , وَحَيْثُ ظَرْف مَكَان وَلَا مَكَان يَجِبُ تَأَخُّرهنَّ فِيهِ إِلَّا مَكَان الصَّلَاةِ فَإِذَا حَاذَتْ الرَّجُلَ فَسَدَتْ صَلَاةُ الرَّجُلِ ; لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ تَأْخِيرِهَا , وَحِكَايَة هَذَا تُغْنِي عَنْ تَكَلُّفِ جَوَابِهِ , - وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَان -. فَقَدْ ثَبَتَ اَلنَّهْي عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ وَأُمِرَ لَابِسُهُ أَنْ يَنْزِعَهُ , فَلَوْ خَالَفَ فَصَلَّى فِيهِ وَلَمْ يَنْزِعْهُ أَثِمَ وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاته , فَلِمَ لَا يُقَالُ فِي الرَّجُلِ الَّذِي حَاذَتْهُ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ ؟ وَأَوْضَحُ مِنْهُ لَوْ كَانَ لِبَابِ الْمَسْجِدِ صُفَّةٌ مَمْلُوكَةٌ فَصَلَّى فِيهَا شَخْصٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مَعَ اِقْتِدَارِهِ عَلَى أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهَا إِلَى أَرْضِ الْمَسْجِدِ بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَأَثِمَ , وَكَذَلِكَ الرَّجُل مَعَ الْمَرْأَةِ الَّتِي حَاذَتْهُ وَلَا سِيَّمَا إِنْ جَاءَتْ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَصَلَّتْ بِجَنْبِهِ. وَقَالَ اِبْن رَشِيد : الْأَقْرَبُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَصَدَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ عُمُومِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ \" لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ \" يَعْنِي أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالرِّجَالِ , وَالْحَدِيث الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ اِبْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ بْن شَيْبَانَ , وَفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي \" بَابِ إِذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ \" وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن بَطَّال عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ اَلصَّفِّ خِلَافًا لِأَحْمَدَ , قَالَ : لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ كَانَ لِلرَّجُلِ أَوْلَى , لَكِنْ لِمُخَالِفِهِ أَنْ يَقُولَ : إِنَّمَا سَاغَ ذَلِكَ لِامْتِنَاعِ أَنْ تَصُفَّ مَعَ الرِّجَالِ , بِخِلَافِ الرَّجُلِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَصُفَّ مَعَهُمْ وَأَنْ يُزَاحِمَهُمْ وَأَنْ يَجْذِبَ رَجُلًا مِنْ حَاشِيَة الصَّفِّ فَيَقُومَ مَعَهُ فَافْتَرَقَا. وَبَاقِي مَبَاحِثِهِ تَقَدَّمَتْ فِي \" بَاب الصَّلَاة عَلَى الْحَصِيرِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "686",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُمْتُ لَيْلَةً أُصَلِّي عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخَذَ بِيَدِي أَوْ بِعَضُدِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ وَقَالَ بِيَدِهِ مِنْ وَرَائِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيّ , وَعَاصِم هُوَ اِبْن سُلَيْمَان. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بِيَدِهِ ) ‏ ‏أَيْ : تَنَاوَلَ , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَأَخَذَ بِيَدِي \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ وَرَائِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ وَرَائِهِ \" وَهُوَ أَوْجَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "687",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ فَأَصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ فَقَامَ اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ يَخْرُجْ فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ إِنِّي ‏ ‏خَشِيتُ أَنْ ‏ ‏تُكْتَبَ ‏ ‏عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ سَلَّام , قَالَهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَبِهِ جَزَمَ اِبْن عَسَاكِر فِي رِوَايَتِهِ , وَعَبْدَة هُوَ اِبْن سُلَيْمَان. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي حُجْرَتِهِ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ الْمُرَادَ حُجْرَة بَيْتِهِ , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ جِدَارِ الْحُجْرَةِ , وَأَوْضَحُ مِنْهُ رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ يَحْيَى عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ بِلَفْظ \" كَانَ يُصَلِّي فِي حُجْرَةٍ مِنْ حُجَرِ أَزْوَاجِهِ \" وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَاد الْحُجْرَة الَّتِي كَانَ اِحْتَجَرَهَا فِي الْمَسْجِدِ بِالْحَصِيرِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ اَلَّتِي بَعْدَ هَذِهِ , وَكَذَا حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت الَّذِي بَعْدَهُ , وَلِأَبِي دَاوُد وَمُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا هِيَ اَلَّتِي نَصَبَتْ لَهُ الْحَصِير عَلَى بَابِ بَيْتِهَا , فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اَلتَّعَدُّدِ , أَوْ عَلَى الْمَجَازِ فِي الْجِدَارِ وَفِي نِسْبَةِ الْحُجْرَةِ إِلَيْهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَامَ نَاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَقَامَ أُنَاس \" وَهَذَا مَوْضِع التَّرْجَمَة ; لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ وَهُوَ دَاخِلُ الْحُجْرَةِ وَهُمْ خَارِجهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَامَ لَيْلَة اَلثَّانِيَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : لَيْلَة الْغَدَاة اَلثَّانِيَة. وَفِي رِوَايَةِ الْأُصَيْلِيّ \" فَقَامَ اللَّيْلَة الثَّانِيَة \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ اَلنَّاس ) ‏ ‏أَيْ : لَهُ , وَأَفَادَ عَبْد اَلرَّزَّاق أَنَّ الَّذِي خَاطَبَهُ بِذَلِكَ عُمَر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - , أَخْرَجَهُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ ) ‏ ‏أَيْ : تُفْرَضَ , وَهِيَ رِوَايَةُ حَمَّاد بْن زَيْد عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ , وَكَذَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ عَنْ اَلزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا , وَسَتَأْتِي بَقِيَّةُ مَبَاحِثِهِ فِي كِتَاب التَّهَجُّد إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "688",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ لَهُ حَصِيرٌ يَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ ‏ ‏وَيَحْتَجِرُهُ ‏ ‏بِاللَّيْلِ ‏ ‏فَثَابَ ‏ ‏إِلَيْهِ نَاسٌ فَصَلَّوْا وَرَاءَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ الْمَقْبُرِيّ ) ‏ ‏هُوَ سَعِيد , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَيَحْتَجِزُهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالرَّاءِ أَيْ : يَتَّخِذُهُ مِثْلَ الْحُجْرَةِ , وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ بِالزَّاي بَدَلَ الرَّاء أَيْ : يَجْعَلُهُ حَاجِزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَثَابَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة أَيْ : اِجْتَمَعُوا , وَوَقَعَ عِنْدَ الْخَطَّابِيِّ \" آبُوا \" أَيْ : رَجَعُوا وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ وَاَلسَّرَخْسِيّ \" فَثَارَ \" بِالْمُثَلَّثَةِ وَالرَّاء أَيْ : قَامُوا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَصَلَّوْا وَرَاءَهُ ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَغَرَضه بَيَان أَنَّ الْحُجْرَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ كَانَتْ حَصِيرًا. وَقَدْ سَاقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب تَامًّا , وَسَنَذْكُرُ الْكَلَامَ عَلَى فَوَائِدِهِ فِي كِتَاب التَّهَجُّد إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "689",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اتَّخَذَ حُجْرَةً ‏ ‏قَالَ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ حَصِيرٍ ‏ ‏فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى فِيهَا ‏ ‏لَيَالِيَ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ قَدْ ‏ ‏عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَفَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا النَّضْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُسْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ ) ‏ ‏كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة , وَخَالَفَهُمْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى فَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا النَّضْرِ فِي الْإِسْنَادِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ , وَرِوَايَة الْجَمَاعَةِ أَوْلَى. وَقَدْ وَافَقَهُمْ مَالِك فِي الْإِسْنَادِ لَكِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ فِي الْمُوَطَّأِ , وَرُوِيَ عَنْهُ خَارِجَ الْمُوَطَّأ مَرْفُوعًا , وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ مَدَنِيُّونَ عَلَى نَسَقٍ أَوَّلُهُمْ مُوسَى الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حُجْرَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالرَّاءِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أَيْضًا بِالزَّاي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ صَنِيعِكُمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِضَمِّ الصَّادِ وَسُكُون النُّونِ , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِهِ صَلَاتهمْ فَقَطْ , بَلْ كَوْنهمْ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَسَبَّحُوا بِهِ لِيَخْرُج إِلَيْهِمْ , وَحَصَبَ بَعْضهمْ الْبَاب لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ نَائِمٌ كَمَا ذَكَرَ الْمُؤَلِّف ذَلِكَ فِي الْأَدَبِ وَفِي اَلِاعْتِصَامِ , وَزَادَ فِيهِ \" حَتَّى خَشِيت أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ , وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ \" وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ الْخَطَّابِيّ هَذِهِ الْخَشْيَة كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي كِتَاب التَّهَجُّد إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَفْضَل الصَّلَاة صَلَاة الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَة ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ يَشْمَلُ جَمِيع النَّوَافِلِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَكْتُوبَةِ الْمَفْرُوضَة , لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا يُشْرَعُ فِيهِ اَلتَّجْمِيع , وَكَذَا مَا لَا يَخُصُّ الْمَسْجِد كَرَكْعَتَيْ التَّحِيَّة , كَذَا قَالَ بَعْض أَئِمَّتِنَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد بِالصَّلَاةِ مَا يُشْرَعُ فِي الْبَيْتِ وَفِي الْمَسْجِدِ مَعًا فَلَا تَدْخُلُ تَحِيَّة الْمَسْجِد ; لِأَنَّهَا لَا تُشْرَعُ فِي الْبَيْتِ , وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَاد بِالْمَكْتُوبَةِ مَا تُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَة , وَهَلْ يَدْخُلُ مَا وَجَبَ بِعَارِضٍ كَالْمَنْذُورَةِ ؟ فِيهِ نَظَرٌ , وَالْمُرَاد بِالْمَكْتُوبَةِ الصَّلَوَات الْخَمْس لَا مَا وَجَبَ بِعَارِضٍ كَالْمَنْذُورَةِ , وَالْمُرَادُ بِالْمَرْءِ جِنْس الرِّجَالِ فَلَا يَرِدُ اِسْتِثْنَاءُ النِّسَاءِ لِثُبُوتِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - \" لَا تَمْنَعُوهُنَّ الْمَسَاجِد وَبُيُوتهنَّ خَيْر لَهُنَّ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم ; قَالَ النَّوَوِيّ : إِنَّمَا حَثَّ عَلَى النَّافِلَةِ فِي الْبَيْتِ لِكَوْنِهِ أَخْفَى وَأَبْعَدَ مِنْ الرِّيَاءِ , وَلِيَتَبَرَّك الْبَيْت بِذَلِكَ فَتَنْزِلَ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَيَنْفِرَ مِنْهُ الشَّيْطَان , وَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ بِقَوْلِهِ \" فِي بَيْتِهِ \" بَيْت غَيْرِهِ وَلَوْ أَمِنَ فِيهِ مِنْ الرِّيَاءِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ عَفَّانُ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَحْدَهَا , وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَا أَبُو نُعَيْمٍ , وَذَكَرَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ فِي رِوَايَةِ حَمَّاد بْن شَاكِر \" حَدَّثَنَا عَفَّانُ \" وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي كِتَاب الِاعْتِصَام بِوَاسِطَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَفَّانَ. ثُمَّ فَائِدَة هَذِهِ اَلطَّرِيقِ بَيَان سَمَاع مُوسَى بْن عُقْبَة لَهُ مِنْ أَبِي النَّضْرِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَتْ أَبْوَاب الْجَمَاعَةِ وَالْإِمَامَة مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَة وَاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا , الْمَوْصُول مِنْهَا سِتَّة وَتِسْعُونَ , وَالْمُعَلَّق سِتَّة وَعِشْرُونَ , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى تِسْعُونَ حَدِيثًا , الْخَالِص اِثْنَانِ وَثَلَاثُونَ , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى تِسْعَةِ أَحَادِيثَ وَهِيَ : حَدِيثُ أَبِي سَعِيد فِي فَضْلِ الْجَمَاعَةِ , وَحَدِيث أَبِي الدَّرْدَاءِ \" مَا أَعْرِفُ شَيْئًا \" , وَحَدِيث أَنَس \" كَانَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَارِ ضَخْمًا \" , وَحَدِيث مَالِك بْن الْحُوَيْرِثِ فِي صِفَة الصَّلَاة , وَحَدِيث اِبْن عُمَر \" لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ \". وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" يُصَلُّونَ فَإِنْ أَصَابُوا \" , وَحَدِيث النُّعْمَان الْمُعَلَّق فِي الصُّفُوفِ , وَحَدِيث أَنَس \" كَانَ أَحَدُنَا يَلْزَقُ مَنْكِبه \" , وَحَدِيثه فِي إِنْكَارِهِ إِقَامَة الصُّفُوفِ. وَفِيهِ مِنْ الْآثَارِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ سَبْعَة عَشَرَ أَثَرًا كُلّهَا مُعَلَّقَة إِلَّا أَثَر اِبْن عُمَر أَنَّهُ \" كَانَ يَأْكُلُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ \" , وَأَثَر عُثْمَان \" الصَّلَاة أَحْسَن مَا يَعْمَلُ النَّاسُ \" فَإِنَّهُمَا مَوْصُولَانِ - وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ -. ‏"
    },
    {
        "id": "690",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَكِبَ فَرَسًا ‏ ‏فَجُحِشَ شِقُّهُ ‏ ‏الْأَيْمَنُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَصَلَّى لَنَا يَوْمَئِذٍ صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا ثُمَّ قَالَ لَمَّا سَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "691",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏خَرَّ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ فَرَسٍ ‏ ‏فَجُحِشَ ‏ ‏فَصَلَّى لَنَا قَاعِدًا فَصَلَّيْنَا مَعَهُ قُعُودًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا الْإِمَامُ أَوْ ‏ ‏إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "692",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "693",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ ‏ ‏حَذْوَ ‏ ‏مَنْكِبَيْهِ ‏ ‏إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا وَقَالَ ‏ ‏سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْد اَللَّه بْن مَسْلَمَة ) ‏ ‏هُوَ الْقَعْنَبِيّ , وَفِي رِوَايَتِهِ هَذِهِ عَنْ مَالِكٍ خِلَافُ مَا فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ فِي الْمُوَطَّأِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَتِهِ بِلَفْظ الْمُوَطَّأ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : رَوَاهُ اَلشَّافِعِيّ وَالْقَعْنَبِيّ , وَسَرَدَ جَمَاعَة مِنْ رُوَاة الْمُوَطَّأ فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ اَلرَّفْعَ عِنْدَ الرُّكُوعِ. قَالَ : وَحَدَّثَ بِهِ عَنْ مَالِكٍ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ اِبْن الْمُبَارَك وَابْن مَهْدِيّ وَالْقَطَّان وَغَيْرهمْ بِإِثْبَاتِهِ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ كُلّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ اِبْنِ شِهَاب أَثْبَتَهُ غَيْر مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ خَاصَّة , قَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرْحِ مُسْلِم : أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى اِسْتِحْبَاب رَفْع الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَة الْإِحْرَام , ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَسْطُر : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِب شَيْء مِنْ الرَّفْعِ , إِلَّا أَنَّهُ حُكِيَ وُجُوبه عِنْدَ تَكْبِيرَة الْإِحْرَام عَنْ دَاوُد , وَبِهِ قَالَ أَحْمَد بْن سَيَّار مِنْ أَصْحَابِنَا ا ه. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ تَنَاقُضٌ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْمُعْتَرِض , فَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِجْمَاعَ مَنْ قَبْلَ الْمَذْكُورِينَ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ عَنْهُمَا أَوْ ; لِأَنَّ الِاسْتِحْبَابَ لَا يُنَافِي الْوُجُوب , وَبِالِاعْتِذَارِ الْأَوَّل يَنْدَفِعُ اِعْتِرَاض مَنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ إِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ , نَقَلَهُ صَاحِب التَّبْصِرَةِ مِنْهُمْ , وَحَكَاهُ الْبَاجِيّ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ مُتَقَدِّمِيهِمْ. وَأَسْلَمُ الْعِبَارَاتِ قَوْل اِبْن الْمُنْذِرِ : لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا اِفْتَتَحَ الصَّلَاة. وَقَوْلُ اِبْن عَبْد الْبَرّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ اِفْتِتَاح الصَّلَاة. وَمِمَّنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ أَيْضًا الْأَوْزَاعِيّ وَالْحُمَيْدِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْحَاكِم فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّد بْن عَلِيّ الْعَلَوِيِّ , وَحَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْن عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : كُلُّ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ الْإِيجَاب لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِتَرْكِهِ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيّ وَالْحُمَيْدِيّ. قُلْتُ : وَنَقَلَ بَعْض الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَة يَأْثَمُ تَارِكُهُ , وَأَمَّا قَوْل اَلنَّوَوِيّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَجْمَعُوا عَلَى اِسْتِحْبَابِهِ وَنَقَلَهُ اِبْن الْمُنْذِرِ وَنَقَلَ الْعَبْدَرِيّ عَنْ الزَّيْدِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ , وَنَقَلَ الْقَفَّال عَنْ أَحْمَد بْن سَيَّار أَنَّهُ أَوْجَبَهُ , وَإِذَا لَمْ يَرْفَعْ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ , وَهُوَ مَرْدُودٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ , وَفِي نَقْل الْإِجْمَاع نَظَرٌ فَقَدْ نُقِلَ الْقَوْل بِالْوُجُوبِ عَنْ بَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَهُ وَنَقَلَهُ الْقَفَّال فِي فَتَاوِيهِ عَنْ أَحْمَد بْن سَيَّار الَّذِي مَضَى وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيّ فِي أَوَائِل تَفْسِيرِهِ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ اِبْن خُزَيْمَةَ : إِنَّهُ رُكْنٌ , وَاحْتَجَّ اِبْن حَزْمٍ بِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ \" صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي \" وَسَيَأْتِي مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى نِهَايَةِ الرَّفْعِ بَعْدُ بِبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "694",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا ‏ ‏حَذْوَ ‏ ‏مَنْكِبَيْهِ ‏ ‏وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَيَقُولُ ‏ ‏سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عَبْد اَللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْمُبَارَك , وَيُونُسُ هُوَ اِبْن يَزِيدَ. وَأَفَادَتْ هَذِهِ اَلطَّرِيقُ تَصْرِيح الزُّهْرِيّ بِإِخْبَارِ سَالِمٍ لَهُ بِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏سَمَّاهُ غَيْر أَبِي ذَرٍّ فَقَالُوا \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حِينَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ ) ‏ ‏أَيْ : عِنْدِ اِبْتِدَاءِ الرُّكُوعِ , وَهُوَ مُقْتَضَى رِوَايَة مَالِك بْن الْحُوَيْرِث الْمَذْكُورَة فِي الْبَابِ حَيْثُ قَالَ \" وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ \" وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب اَلتَّكْبِير إِذَا قَامَ مِنْ السُّجُودِ \" مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة \" ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَيَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا رَفَعَ رَأْسه مِنْ الرُّكُوعِ ) ‏ ‏أَيْ : إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة أَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظ \" ثُمَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ صُلْبه رَفَعَهُمَا حَتَّى يَكُونَا حَذْو مَنْكِبَيْهِ \" وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ رَفْع يَدَيْهِ عِنْدَ اِبْتِدَاء الْقِيَام مِنْ الرُّكُوعِ , وَأَمَّا رِوَايَةُ اِبْن عُيَيْنَة عَنْ الزُّهْرِيِّ الَّتِي أَخْرَجَهَا عَنْهُ أَحْمَدُ وَأَخْرَجَهَا عَنْ أَحْمَد أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظ \" وَبَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ \" فَمَعْنَاهُ بَعْدَ مَا يَشْرَعُ فِي الرَّفْعِ لِتَتَّفِقَ اَلرِّوَايَاتُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ ‏ ‏أَيْ : لَا فِي الْهُوِيِّ إِلَيْهِ وَلَا فِي الرَّفْعِ مِنْهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْب فِي الْبَابِ اَلَّذِي بَعْدَهُ حَيْثُ قَالَ \" حِينَ يَسْجُدُ وَلَا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ \" وَهَذَا يَشْمَلُ مَا إِذَا نَهَضَ مِنْ السُّجُودِ إِلَى اَلثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ وَالتَّشَهُّدَيْنِ , وَيَشْمَلُ مَا إِذَا قَامَ إِلَى الثَّالِثَةِ أَيْضًا لَكِنْ بِدُونِ تَشَهُّدٍ لِكَوْنِهِ غَيْرَ وَاجِبٍ وَإِذَا قُلْنَا بِاسْتِحْبَاب جَلْسَة الِاسْتِرَاحَة لَمْ يَدُلَّ هَذَا اَللَّفْظ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْهَا إِلَى الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ , لَكِنْ قَدْ رَوَى يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْنِ عُمَر مَرْفُوعًا هَذَا الْحَدِيثَ وَفِيهِ \" وَلَا يَرْفَعُ بَعْدَ ذَلِكَ \" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْغَرَائِبِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وَظَاهِرُهُ يَشْمَلُ النَّفْي عَمَّا عَدَا الْمَوَاطِن اَلثَّلَاثَة , وَسَيَأْتِي إِثْبَات ذَلِكَ فِي مَوْطِن رَابِع بَعْدُ بِبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "695",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏أَنَّهُ رَأَى ‏ ‏مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ ‏ ‏إِذَا صَلَّى كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَنَعَ هَكَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ خَالِدٍ ) ‏ ‏هُوَ الْحَذَّاءُ , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَاَلسَّرَخْسِيّ \" حَدَّثَنَا خَالِد \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا صَلَّى كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" ثُمَّ رَفَعَ \" وَزَادَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَةِ نَصْر بْن عَاصِم عَنْ مَالِك بْن الْحُوَيْرِث \" حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ \" وَوَهِمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيّ فَعَزَاهُ لِلْمُتَّفِقِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَحَدَّثَ ) ‏ ‏أَيْ : مَالِك بْن الْحُوَيْرِث , وَلَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ \" رَأَى \" فَيَبْقَى فَاعِلُهُ أَبُو قِلَابَة فَيَصِيرُ مُرْسَلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "696",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ حَتَّى يَجْعَلَهُمَا ‏ ‏حَذْوَ ‏ ‏مَنْكِبَيْهِ ‏ ‏وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَهُ وَإِذَا قَالَ ‏ ‏سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَعَلَ مِثْلَهُ وَقَالَ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَسْجُدُ وَلَا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اَللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَعَلَ مِثْلَهُ ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ يَقُولُ التَّسْمِيعَ فِي اِبْتِدَاء اِرْتِفَاعه مِنْ الرُّكُوعِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَبْوَابٍ قَلِيلَة. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏لَمْ يَرِدْ مَا يَدُلُّ عَلَى اَلتَّفْرِقَةِ فِي الرَّفْعِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ , وَعَنْ الْحَنَفِيَّةِ يَرْفَعُ الرَّجُل إِلَى الْأُذُنَيْنِ وَالْمَرْأَةُ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ ; لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "697",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا قَالَ ‏ ‏سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَرَفَعَ ذَلِكَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏ابْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏مُخْتَصَرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَيَّاش ) ‏ ‏هُوَ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ وَبِالْمُعْجَمَةِ وَهُوَ اِبْنُ الْوَلِيدِ الرَّقَّامُ , وَعَبْد الْأَعْلَى هُوَ اِبْنُ عَبْد الْأَعْلَى , وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ اِبْن عُمَر بْن حَفْص. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَرَفَعَ ذَلِكَ اِبْن عُمَر إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ اَلثَّقَفِيّ يَعْنِي عَبْد الْوَهَّاب عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ فَلَمْ يَرْفَعْهُ وَهُوَ اَلصَّحِيحُ , وَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْث بْن سَعْد وَابْن جُرَيْجٍ وَمَالِك يَعْنِي عَنْ نَافِع مَوْقُوفًا , وَحَكَى الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَلِ اَلِاخْتِلَافَ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ وَقَالَ : الْأَشْبَهُ بِالصَّوَابِ قَوْل عَبْد الْأَعْلَى. وَحَكَى الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّهُ أَوْمَأَ إِلَى أَنَّ عَبْد الْأَعْلَى أَخْطَأَ فِي رَفْعِهِ , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَخَالَفَهُ عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس وَعَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ وَالْمُعْتَمِر يَعْنِي عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ فَرَوَوْهُ مَوْقُوفًا عَنْ اِبْنِ عُمَر. قُلْتُ : وَقَفَهُ مُعْتَمِر وَعَبْدالْوَهَّاب عَنْ عُبَيْدِ اَللَّهِ عَنْ نَافِعٍ كَمَا قَالَ , لَكِنْ رَفَعَاهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ اَلزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ اِبْنِ عُمَر أَخْرَجَهُمَا الْبُخَارِيّ فِي \" جُزْءِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ \" وَفِيهِ الزِّيَادَةُ , وَقَدْ تُوبِعَ نَافِعٌ عَلَى ذَلِكَ عَنْ اِبْنِ عُمَر , وَهُوَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْجُزْءِ الْمَذْكُورِ مِنْ طَرِيقِ مُحَارِب بْن دِثَارٍ عَنْ اِبْنِ عُمَر قَالَ \" كَانَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ \" وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْهَا حَدِيث أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيّ وَحَدِيث عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُمَا اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ , وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي الْجُزْءِ الْمَذْكُورِ : مَا زَادَهُ اِبْن عُمَر وَعَلِيّ وَأَبُو حُمَيْد فِي عَشَرَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ الرَّفْعِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ اَلرَّكْعَتَيْنِ صَحِيحٌ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْكُوا صَلَاة وَاحِدَة فَاخْتَلَفُوا فِيهَا وَإِنَّمَا زَادَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , وَالزِّيَادَة مَقْبُولَة مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : هَذِهِ زِيَادَة يَجِبُ قَبُولُهَا لِمَنْ يَقُولُ بِالرَّفْعِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : لَمْ يَقُلْ بِهِ الشَّافِعِيّ , وَهُوَ لَازِمٌ عَلَى أَصْلِهِ فِي قَبُولِ اَلزِّيَادَةِ. وَقَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ : هُوَ سُنَّةٌ , وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيّ فَالْإِسْنَاد صَحِيح , وَقَدْ قَالَ : قُولُوا بِالسُّنَّةِ وَدَعُوا قَوْلِي. وَقَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : قِيَاسُ نَظَرِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الرَّفْع فِيهِ ; لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الرَّفْع عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ لِكَوْنِهِ زَائِدًا عَلَى مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ , وَالْحُجَّةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدَة , وَأَوَّلُ رَاضٍ سِيرَةً مَنْ يَسِيرُهَا. قَالَ : وَالصَّوَابُ إِثْبَاته , وَأَمَّا كَوْنُهُ مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ لِكَوْنِهِ قَالَ : إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي فَفِيهِ نَظَرٌ. اِنْتَهَى. وَوَجْهُ النَّظَر أَنَّ مَحَلَّ الْعَمَلِ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ مَا إِذَا عُرِفَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ اَلشَّافِعِيّ , أَمَّا إِذَا عُرِفَ أَنَّهُ اِطَّلَعَ عَلَيْهِ وَرَدَّهُ أَوْ تَأَوَّلَهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَلَا , وَالْأَمْرُ هُنَا مُحْتَمَل. وَاسْتَنْبَطَ الْبَيْهَقِيّ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَقُولُ بِهِ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْد الْمُشْتَمِلِ عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهَا : وَبِهَذَا نَقُولُ. وَأَطْلَقَ اَلنَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ اَلشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ ; لَكِنَّ الَّذِي رَأَيْت فِي الْأُمِّ خِلَافَ ذَلِكَ فَقَالَ فِي \" بَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرِ فِي اَلصَّلَاةِ \" بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ حَدِيثَ اِبْن عُمَر مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ : وَلَا نَأْمُرُهُ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الذِّكْرِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي لَهَا رُكُوع وَسُجُود إِلَّا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي أَوَاخِرِ الْبُوَيْطِيّ : يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ خَفْض وَرَفْع , فَيُحْمَلُ الْخَفْض عَلَى اَلرُّكُوعِ وَالرَّفْعُ عَلَى الِاعْتِدَالِ , وَإِلَّا فَحَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ يَقْتَضِي اِسْتِحْبَابه فِي السُّجُودِ أَيْضًا وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور , وَقَدْ نَفَاهُ اِبْن عُمَر. وَأَغْرَبَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِد فِي تَعْلِيقِهِ فَنَقَلَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الرَّفْع فِي غَيْرِ الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ , وَتُعُقِّبَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ عَنْ اِبْنِ عُمَر وَابْن عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَنَافِع وَعَطَاء كَمَا أَخْرَجَهُ عَبْد اَلرَّزَّاق وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ بِأَسَانِيدَ قَوِيَّةٍ , وَقَدْ قَالَ بِهِ مِنْ اَلشَّافِعِيَّةِ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن الْمُنْذِرِ وَأَبُو عَلِيّ الطَّبَرِيّ والْبَيْهَقِيّ وَالْبَغَوِيُّ وَحَكَاهُ اِبْن خُوَيْز مِنْدَاد عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ شَاذّ. وَأَصَحُّ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي الرَّفْعِ فِي اَلسُّجُودِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ نَصْرِ بْن عَاصِم عَنْ مَالِك بْن الْحُوَيْرِثِ \" أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي صَلَاتِهِ إِذَا رَكَعَ , وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِهِ , وَإِذَا سَجَدَ , وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ \" وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم بِهَذَا الْإِسْنَادِ طَرَفه الْأَخِير كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا , وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ سَعِيد فَقَدْ تَابَعَهُ هَمَّام عَنْ قَتَادَة عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ. وَفِي الْبَابِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهَا عَنْ مَقَال , وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ فِي \" جُزْءِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ \" فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْمَرْفُوعِ \" وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَاعِد \" وَأَشَارَ إِلَى تَضْعِيفِ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏رَوَى الطَّحَاوِيّ حَدِيث الْبَابِ فِي مُشْكِلِهِ مِنْ طَرِيقِ نَصْر بْن عَلِيّ عَنْ عَبْد الْأَعْلَى بِلَفْظ \" كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ وَبَيْنَ اَلسَّجْدَتَيْنِ وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ \" وَهَذِهِ رِوَايَة شَاذَّة , فَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ مَشَايِخِهِ الْحُفَّاظِ عَنْ نَصْر بْن عَلِيّ الْمَذْكُورِ بِلَفْظ عَيَّاش شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَكَذَا رَوَاهُ هُوَ وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَبْد الْأَعْلَى كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رَوَاهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَيُّوبَ إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْجُزْءِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ حَمَّاد مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ \" كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ , وَإِذَا رَكَعَ , وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَرَوَاهُ اِبْن طَهْمَانَ ) ‏ ‏يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوب وَمُوسَى بْن عُقْبَة , وَهَذَا وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ عُمَر بْن عَبْد اللَّه بْن رَزِين عَنْ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان بِهَذَا السَّنَدِ مَوْقُوفًا نَحْو حَدِيث حَمَّاد وَقَالَ فِي آخِرِهِ \" وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ذَلِكَ \". وَاعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ حَمَّاد وَلَا اِبْن طَهْمَان الرَّفْع مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ الْمَعْقُود لِأَجْلِهِ الْبَاب , قَالَ : فَلَعَلَّ الْمُحَدَّثَ عَنْهُ دَخَلَ لَهُ بَابٌ فِي بَاب , يَعْنِي أَنَّ هَذَا اَلتَّعْلِيقَ يَلِيقُ بِحَدِيثِ سَالِمٍ الَّذِي فِي الْبَابِ الْمَاضِي. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ قَصَدَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ جَزَمَ بِأَنَّ رِوَايَةَ نَافِعٍ لِأَصْلِ الْحَدِيثِ مَوْقُوفَةٌ وَأَنَّهُ خَالَفَ فِي ذَلِكَ سَالِمًا كَمَا نَقَلَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره , وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ عَلَى نَافِعٍ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعه لَا خُصُوص هَذِهِ الزِّيَادَةِ , وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي هَذَا اَلِاخْتِلَافِ أَنَّ نَافِعًا كَانَ يَرْوِيه مَوْقُوفًا ثُمَّ يُعْقِبُهُ بِالرَّفْعِ , فَكَأَنَّهُ كَانَ أَحْيَانًا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَوْقُوفِ أَوْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ بَعْض اَلرُّوَاةِ عَنْهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. ‏"
    },
    {
        "id": "698",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ ‏ ‏أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ قَالَ ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏يُنْمَى ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ يَنْمِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَانَ النَّاس يُؤْمَرُونَ ) ‏ ‏هَذَا حُكْمُهُ الرَّفْع ; لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْآمِرَ لَهُمْ بِذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَلَى ذِرَاعِهِ ) ‏ ‏أَبْهَمَ مَوْضِعه مِنْ الذِّرَاعِ , وَفِي حَدِيثِ وَائِل عِنْد أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ \" ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفّه الْيُسْرَى وَالرُّسْغ وَالسَّاعِد \" وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ , وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِدُونِ الزِّيَادَةِ , وَالرُّسْغُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُون السِّينِ الْمُهْمَلَة بَعْدَهَا مُعْجَمَة هُوَ الْمَفْصِلُ بَيْنَ السَّاعِدِ وَالْكَفِّ , وَسَيَأْتِي أَثَرُ عَلِيٍّ نَحْوُهُ فِي أَوَاخِرِ اَلصَّلَاةِ , وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا مَحَلَّهُمَا مِنْ الْجَسَدِ. وَقَدْ رَوَى اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ وَائِل أَنَّهُ وَضَعَهُمَا عَلَى صَدْرِهِ , وَالْبَزَّار عِنْدَ صَدْرِهِ , وَعِنْدَ أَحْمَدَ فِي حَدِيث هُلْب الطَّائِيّ نَحْوُهُ. وَهُلْب بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُون اَللَّامِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَة , وَفِي زِيَادَات الْمُسْنَد مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ وَضَعَهُمَا تَحْتَ السُّرَّةِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيف. وَاعْتَرَضَ الدَّانِيُّ فِي أَطْرَاف الْمُوَطَّأ فَقَالَ : هَذَا مَعْلُول ; لِأَنَّهُ ظَنٌّ مِنْ أَبِي حَازِم , وَرُدَّ بِأَنَّ أَبَا حَازِم لَوْ لَمْ يَقُلْ لَا أَعْلَمُهُ إِلَخْ لَكَانَ فِي حُكْم الْمَرْفُوع ; لِأَنَّ قَوْلَ اَلصَّحَابِيِّ كُنَّا نُؤْمَرُ بِكَذَا يُصْرَفُ بِظَاهِرِهِ إِلَى مَنْ لَهُ الْأَمْر وَهُوَ اَلنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ فِي مَقَام تَعْرِيف اَلشَّرْعِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَنْ صَدَرَ عَنْهُ اَلشَّرْع , وَمِثْلُهُ قَوْلُ عَائِشَة كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاء الصَّوْم فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْآمِرَ بِذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَطْلَقَ الْبَيْهَقِيّ أَنَّهُ خِلَافٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. وَقَدْ وَرَدَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَصَحِيح اِبْنِ السَّكَنِ شَيْء يُسْتَأْنَسُ بِهِ عَلَى تَعْيِينِ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ , فَرَوَى عَنْ اِبْنِ مَسْعُود قَالَ \" رَآنِي اَلنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاضِعًا يَدِي الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى فَنَزَعَهَا وَوَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى \" إِسْنَاده حَسَن , قِيلَ : لَوْ كَانَ مَرْفُوعًا مَا اِحْتَاجَ أَبُو حَازِم إِلَى قَوْلِهِ لَا أَعْلَمُهُ إِلَخْ , وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَرَادَ الِانْتِقَالَ إِلَى اَلتَّصْرِيحِ , فَالْأَوَّل لَا يُقَالُ لَهُ مَرْفُوع وَإِنَّمَا يُقَالُ : لَهُ حُكْمُ اَلرَّفْع , قَالَ الْعُلَمَاء : الْحِكْمَةُ فِي هَذِهِ الْهَيْئَةِ أَنَّهُ صِفَة السَّائِل اَلذَّلِيل , وَهُوَ أَمْنَعُ مِنْ الْعَبَثِ وَأَقْرَبُ إِلَى الْخُشُوعِ , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَحَظَ ذَلِكَ فَعَقَّبَهُ بِبَاب الْخُشُوع. وَمِنْ اللَّطَائِفِ قَوْل بَعْضِهِمْ : الْقَلْبُ مَوْضِع النِّيَّة , وَالْعَادَةُ أَنَّ مَنْ اِحْتَرَزَ عَلَى حِفْظِ شَيْءٍ جَعَلَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَمْ يَأْتِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ خِلَاف , وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ , وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأِ , وَلَمْ يَحْكِ اِبْن الْمُنْذِرِ وَغَيْره عَنْ مَالِكٍ غَيْرَهُ. وَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك الْإِرْسَال , وَصَارَ إِلَيْهِ أَكْثَر أَصْحَابِهِ , وَعَنْهُ اَلتَّفْرِقَة بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ الْإِمْسَاك. وَنَقَلَ اِبْن الْحَاجِبِ أَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ يُمْسِكُ مُعْتَمِدًا لِقَصْدِ الرَّاحَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو حَازِم ) ‏ ‏يَعْنِي رَاوِيَهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ ‏ ‏( لَا أَعْلَمُهُ ) ‏ ‏أَيْ : سَهْل بْن سَعْد ‏ ‏( إِلَّا يَنْمِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون النُّونِ وَكَسْر الْمِيمِ , قَالَ أَهْل اللُّغَةِ : نَمَيْتُ الْحَدِيثَ إِلَى غَيْرِي رَفَعْتُهُ وَأَسْنَدْتُهُ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ مَعْن بْن عِيسَى وَابْن يُوسُف الْإِسْمَاعِيلِيّ والدَّارَقُطْنِيّ , وَزَادَ اِبْن وَهْب : ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظ \" يَرْفَعُ ذَلِكَ \" , وَمِنْ اِصْطِلَاحِ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِذَا قَالَ الرَّاوِي يُنْمِيهِ فَمُرَاده يَرْفَعُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ لَمْ يُقَيِّدْهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِسْمَاعِيل يُنْمَى ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ يُنْمِي ) ‏ ‏الْأَوَّل بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمِيمِ بِلَفْظ الْمَجْهُول , وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَنْفِيُّ كَرِوَايَةِ الْقَعْنَبِيّ , فَعَلَى الْأَوَّلِ الْهَاء ضَمِير الشَّأْنِ فَيَكُونُ مُرْسَلًا ; لِأَنَّ أَبَا حَازِم لَمْ يُعَيِّنْ مَنْ نَمَّاهُ لَهُ , وَعَلَى رِوَايَة الْقَعْنَبِيّ الضَّمِير لِسَهْلٍ شَيْخه فَهُوَ مُتَّصِل. وَإِسْمَاعِيلُ هَذَا هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس شَيْخ الْبُخَارِيّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْحُمَيْدِيّ فِي الْجَمْعِ. وَقَرَأْت بِخَطّ مُغَلْطَاي هُوَ إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق الْقَاضِي , وَكَأَنَّهُ رَأَى الْحَدِيث عِنْدَ الْجَوْزَقِيّ والْبَيْهَقِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ الْقَعْنَبِيّ فَظَنَّ أَنَّهُ الْمُرَادُ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ رِوَايَةَ إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَة الْبُخَارِيّ , وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَد أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى عَنْهُ وَهُوَ أَصْغَرُ سِنًّا مِنْ الْبُخَارِيِّ وَأَحْدَثُ سَمَاعًا , وَقَدْ شَارَكَهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَشَايِخِهِ الْبَصْرِيِّينَ الْقُدَمَاءِ , وَوَافَقَ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس عَلَى هَذِهِ اَلرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكِ اِبْنُ سُوَيْد بْن سَعِيد فِيمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْغَرَائِبِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏حَكَى فِي الْمَطَالِعِ أَنَّ رِوَايَة الْقَعْنَبِي بِضَمِّ أَوَّله مِنْ أَنَمَى , قَالَ : وَهُوَ غَلَط , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الزَّجَّاجَ ذَكَرَ فِي \" كِتَابِ فَعَلْت وَأَفْعَلْت \" : نَمَيْتُ الْحَدِيثَ وَأَنْمَيْته , وَكَذَا حَكَاهُ اِبْن دُرَيْد وَغَيْرُهُ. وَمَعَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي ضَبَطْنَاهُ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ الْقَعْنَبِيِّ بِفَتْح أَوَّله مِنْ اَلثُّلَاثِيِّ , فَلَعَلَّ الضَّمَّ رِوَايَة الْقَعْنَبِيّ فِي الْمُوَطَّأِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. ‏"
    },
    {
        "id": "699",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا وَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا خُشُوعُكُمْ وَإِنِّي لأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ هَذَا الْوَجْهِ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي \" بَاب عِظَةِ الْإِمَامِ النَّاسَ فِي إِتْمَامِ اَلصَّلَاةِ \" مِنْ أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ. وَأَوْرَدَ فِيهِ أَيْضًا حَدِيثَ أَنَس مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِبَعْضِ مُغَايَرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "700",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي وَرُبَّمَا قَالَ مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى عَنْ غُنْدَر التَّصْرِيح بِقَوْلِ قَتَادَة \" سَمِعْت أَنَس بْن مَالِك \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَقِيمُوا الرُّكُوع وَالسُّجُود ) ‏ ‏أَيْ : أَكْمِلُوهُمَا , وَفِي رِوَايَة مُعَاذ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" أَتِمُّوا \" بَدَلَ أَقِيمُوا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَوَاَللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِح فَحَمَلَ الْبَعْدِيَّة هُنَا عَلَى مَا بَعْدَ الْوَفَاةِ , يَعْنِي أَنَّ أَعْمَالَ الْأُمَّةِ تُعْرَضُ عَلَيْهِ , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَأَمَّلْ سِيَاق حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة حَيْثُ بَيَّنَ فِيهِ سَبَبَ هَذِهِ الْمَقَالَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَحَدِيث أَنَس فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ , وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيع الْبُخَارِيّ فِي إِيرَادِهِ الْحَدِيثَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ , وَكَذَا أَوْرَدَهُمَا مُسْلِم مَعًا. وَاسْتَشْكَلَ إِيرَاد الْبُخَارِيّ لِحَدِيثِ أَنَس هَذَا لِكَوْنِهِ لَا ذِكْرَ فِيهِ لِلْخُشُوعِ الَّذِي تَرْجَمَ لَهُ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْخُشُوعَ يُدْرَكُ بِسُكُونِ الْجَوَارِحِ إِذْ اَلظَّاهِرُ عُنْوَان الْبَاطِن. وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ \" كَانَ اِبْن الزُّبَيْر إِذَا قَامَ فِي اَلصَّلَاةِ كَأَنَّهُ عُودٌ \" وَحَدَّثَ أَنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق كَانَ كَذَلِكَ. قَالَ وَكَانَ يُقَالُ : ذَاكَ الْخُشُوعُ فِي اَلصَّلَاةِ. وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِذْ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ , وَفِيهِ نَظَرٌ. نَعَمْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْد مُسْلِم \" صَلَّى رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا ثُمَّ اِنْصَرَفَ فَقَالَ : يَا فُلَان أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتك \" وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى \" أَتِمُّوا اَلرُّكُوع وَالسُّجُود \" وَفِي أُخْرَى \" أَقِيمُوا الصُّفُوف \" وَفِي أُخْرَى \" لَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ \" وَعِنْدَ أَحْمَدَ \" صَلَّى بِنَا الظُّهْر وَفِي مُؤَخَّرِ الصُّفُوفِ رَجُل فَأَسَاءَ الصَّلَاة \" وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ تَعَمَّدَ الْمُسَابَقَةَ لِيَنْظُر هَلْ يَعْلَمُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لَا ؟ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ. وَاخْتِلَافُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْ جَمَاعَةٍ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي صَلَوَات , وَقَدْ حَكَى النَّوَوِيّ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْخُشُوعَ لَيْسَ بِوَاجِب , وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُ الْقَاضِي حُسَيْن : إِنَّ مُدَافَعَة الْأَخْبَثَيْنِ إِذَا اِنْتَهَتْ إِلَى حَدٍّ يَذْهَبُ مَعَهُ الْخُشُوعُ أَبْطَلَتْ الصَّلَاةَ , وَقَالَهُ أَيْضًا أَبُو زَيْد الْمَرْوَزِيّ , لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ السَّابِقِ أَوْ الْمُرَادُ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ أَحَد بِوُجُوبِهِ , وَكِلَاهُمَا فِي أَمْرٍ يَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِ الْمُدَافَعَةِ وَتَرْكِ الْخُشُوعِ , وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ نَسَبَ إِلَى الْقَاضِي وَأَبِي زَيْد أَنَّهُمَا قَالَا : إِنَّ الْخُشُوعَ شَرْط فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ , وَقَدْ حَكَاهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيّ وَقَالَ : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنْ يَحْصُلَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ لَا فِي جَمِيعِهَا , وَالْخِلَاف فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا , وَأَمَّا قَوْلُ اِبْنِ بَطَّالٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِل فَإِنَّ الْخُشُوعَ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ , قِيلَ لَهُ بِحَسْبِ الْإِنْسَان أَنْ يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ بِقَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلَا طَاقَةَ لَهُ بِمَا اِعْتَرَضَهُ مِنْ الْخَوَاطِرِ. فَحَاصِل كَلَامه أَنَّ الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ هُوَ اَلَّذِي يَجِبُ مِنْ الْخُشُوعِ , وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا. وَأَنْكَرَ اِبْن الْمُنِير إِطْلَاق الْفَرْضِيَّة وَقَالَ : الصَّوَابُ أَنَّ عَدَمَ الْخُشُوعِ تَابِعٌ لِمَا يَظْهَرُ عَنْهُ مِنْ الْآثَارِ وَهُوَ أَمْرٌ مُتَفَاوِتٌ , فَإِنْ أَثَّرَ نَقْصًا فِي الْوَاجِبَاتِ كَانَ حَرَامًا وَكَانَ الْخُشُوعُ وَاجِبًا وَإِلَّا فَلَا. وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْحِكْمَةِ فِي تَحْذِيرِهِمْ مِنْ النَّقْصِ فِي الصَّلَاةِ بِرُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمْ دُونَ تَحْذِيرِهِمْ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ , وَهُوَ مَقَام الْإِحْسَان الْمُبَيَّن فِي سُؤَالِ جِبْرِيلَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْإِيمَان \" اُعْبُدْ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ , فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك \" فَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي التَّعْلِيلِ بِرُؤْيَتِهِ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنْبِيهًا عَلَى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ , فَإِنَّهُمْ إِذَا أَحْسَنُوا الصَّلَاة لِكَوْن النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرَاهُمْ أَيْقَظَهُمْ ذَلِكَ إِلَى مُرَاقَبَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ مِنْ الْمُعْجِزَةِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ , وَلِكَوْنِهِ يُبْعَثُ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِذَا عَلِمُوا أَنَّهُ يَرَاهُمْ تَحَفَّظُوا فِي عِبَادَتِهِمْ لِيَشْهَدَ لَهُمْ بِحُسْنِ عِبَادَتِهِمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "701",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبَا بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِ ‏ { ‏الْحَمْدُ لِلَّهِ ‏ ‏رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏ }",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَانُوا يَفْتَتِحُونَ اَلصَّلَاة ) ‏ ‏أَيْ : الْقِرَاءَةَ فِي اَلصَّلَاةِ , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ اِبْن الْمُنْذِرِ وَالْجَوْزَقِيّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُمَر الدَّوْرِيّ وَهُوَ حَفْص بْن عُمَر شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظ \" كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَة بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ \" وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي \" جُزْء الْقِرَاءَة خَلْفَ الْإِمَامِ \" عَنْ عَمْرو بْن مَرْزُوق عَنْ شُعْبَةَ وَذَكَرَ أَنَّهَا أَبْيَنُ مِنْ رِوَايَة حَفْص بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الدَّالِ عَلَى الْحِكَايَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ فَقِيلَ : الْمَعْنَى كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِالْفَاتِحَةِ , وَهَذَا قَوْل مَنْ أَثْبَتَ الْبَسْمَلَة فِي أَوَّلِهَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا إِنَّمَا تُسَمَّى الْحَمْد فَقَطْ , وَأُجِيبَ بِمَنْع الْحَصْر , وَمُسْتَنَده ثُبُوت تَسْمِيَتِهَا بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهِيَ \" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ \" فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ أَخْرَجَهُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيد بْن الْمُعَلَّى \" أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : أَلَا أُعَلِّمُك أَعْظَمَ سُورَة فِي الْقُرْآنِ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ قَالَ \" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْع الْمَثَانِي \" وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ الْمَعْنَى كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ , وَهَذَا قَوْل مَنْ نَفَى قِرَاءَة الْبَسْمَلَة , لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ \" كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِالْحَمْدُ \" أَنَّهُمْ لَمْ يَقْرَءُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن اَلرَّحِيم سِرًّا , وَقَدْ أَطْلَقَ أَبُو هُرَيْرَة السُّكُوت عَلَى الْقِرَاءَةِ سِرًّا كَمَا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنْ الْبَابِ , وَقَدْ اِخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ شُعْبَةَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ : فَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ بِلَفْظ \" كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ \" وَرَوَاهُ آخَرُونَ عَنْهُ بِلَفْظ \" فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِبِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم \" كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُمَر الدَّوْرِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بِاللَّفْظَيْنِ , وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَثْبَتِ أَصْحَابِ شُعْبَةَ , وَلَا يُقَالُ هَذَا اِضْطِرَاب مِنْ شُعْبَةَ ; لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَاب قَتَادَة عَنْهُ بِاللَّفْظَيْنِ , فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" جُزْء الْقِرَاءَة \" وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوب وَهَؤُلَاءِ وَاَلتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَة وَالْبُخَارِيّ فِي \" جُزْء الْقِرَاءَة \" وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ هِشَام الدَّسْتُوَائِيّ وَالْبُخَارِيّ فِيهِ وَابْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّاد بْن سَلَمَة وَالْبُخَارِيّ فِيهِ وَالسَّرَّاج مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ كُلّهمْ عَنْ قَتَادَة بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ قَتَادَة بِلَفْظ \" لَمْ يَكُونُوا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اَللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم \" , وَقَدْ قَدَحَ بَعْضهمْ فِي صِحَّتِهِ بِكَوْن الْأَوْزَاعِيّ رَوَاهُ عَنْ قَتَادَة مُكَاتَبَة , وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْأَوْزَاعِيّ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى عَنْ أَحْمَدَ اَلدَّوْرَقِيّ وَالسَّرَّاج عَنْ يَعْقُوب اَلدَّوْرَقِيّ وَعَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه السُّلَمِيِّ ثَلَاثَتهمْ عَنْ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظ \" فَلَمْ يَكُونُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَة بِبِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن اَلرَّحِيم \". قَالَ شُعْبَةُ قُلْتُ لِقَتَادَة : سَمِعْتُهُ مِنْ أَنَس ؟ قَالَ : نَحْنُ سَأَلْنَاهُ ; لَكِنَّ هَذَا النَّفْيَ مَحْمُول عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُمْ الْبَسْمَلَة , فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا يَقْرَءُونَهَا سِرًّا , وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِلَفْظ \" فَلَمْ يَكُونُوا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اَللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم \" كَذَا رَوَاهُ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَابْن حِبَّانَ وَهَمَّام عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ وَشَيْبَان عِنْدَ الطَّحَاوِيّ وَابْن حِبَّانَ وَشُعْبَة أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْهُ عِنْدَ أَحْمَدَ أَرْبَعَتهمْ عَنْ قَتَادَة. وَلَا يُقَالُ هَذَا اِضْطِرَاب مِنْ قَتَادَة لِأَنَّا نَقُولُ : قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَنَسٍ عَنْهُ كَذَلِكَ : فَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي \" جُزْء الْقِرَاءَة \" وَالسَّرَّاج وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة وَالسَّرَّاج مِنْ طَرِيق ثَابِت الْبُنَانِيّ وَالْبُخَارِيّ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِك بْن دِينَار كُلّهمْ عَنْ أَنَس بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ , وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاق أَيْضًا وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق ثَابِت أَيْضًا وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُور بْن زَاذَانَ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَة والطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَعَامَةَ كُلّهُمْ عَنْ أَنَس بِاللَّفْظِ النَّافِي لِلْجَهْرِ , فَطَرِيق الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ حَمَلَ نَفْيَ الْقِرَاءَةِ عَلَى نَفْيِ السَّمَاعِ وَنَفْيَ السَّمَاعِ عَلَى نَفْي الْجَهْر , وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ مَنْصُور بْن زَاذَانَ \" فَلَمْ يُسْمِعْنَا قِرَاءَة بِسْمِ اَللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم \" , وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَة الْحَسَنِ عَنْ أَنَس عِنْدَ اِبْن خُزَيْمَةَ بِلَفْظ \" كَانُوا يُسِرُّونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم \" فَانْدَفَعَ بِهَذَا تَعْلِيل مَنْ أَعَلَّهُ بِالِاضْطِرَابِ كَابْن عَبْد الْبَرّ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ إِذَا أَمْكَنَ تَعَيَّنَ الْمَصِير إِلَيْهِ. وَأَمَّا مَنْ قَدَحَ فِي صِحَّتِهِ بِأَنَّ أَبَا سَلَمَة سَعِيد بْن يَزِيد سَأَلَ أَنَسًا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ \" إِنَّك لَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ وَلَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَد قَبْلَك \" وَدَعْوَى أَبِي شَامَةَ أَنَّ أَنَسًا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ سُؤَالَيْنِ فَسُؤَال أَبِي سَلَمَة \" هَلْ كَانَ الِافْتِتَاح بِالْبَسْمَلَةِ أَوْ الْحَمْدَلَةِ \" وَسُؤَال قَتَادَة \" هَلْ كَانَ يَبْدَأُ بِالْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرهَا \" قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْل قَتَادَة فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ \" نَحْنُ سَأَلْنَاهُ \" اِنْتَهَى. فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ; لِأَنَّ أَحْمَدَ رَوَى فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ سُؤَال قَتَادَة نَظِير سُؤَالِ أَبِي سَلَمَة , وَاَلَّذِي فِي مُسْلِمٍ إِنَّمَا قَالَهُ عَقِبَ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَنْ شُعْبَة , وَلَمْ يُبَيِّنْ مُسْلِم صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ , وَقَدْ بَيَّنَهَا أَبُو يَعْلَى وَالسَّرَّاجُ وَعَبْد اَللَّه بْن أَحْمَد فِي رِوَايَاتِهِمْ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ أَبِي دَاوُد أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَنْ اِفْتِتَاح الْقِرَاءَة بِالْبَسْمَلَةِ , وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَة اِبْن الْمُنْذِرِ عَنْ طَرِيقِ أَبِي جَابِر عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَة قَالَ \" سَأَلْت أَنَسًا : أَيَقْرَأُ الرَّجُل فِي الصَّلَاةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم ؟ فَقَالَ : صَلَّيْت وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْر وَعُمَر فَلَمْ أَسْمَعَ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِبِسْمِ اَللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم \" فَظَهَرَ اِتِّحَادُ سُؤَالِ أَبِي سَلَمَةَ وَقَتَادَة وَغَايَتُهُ أَنَّ أَنَسًا أَجَابَ قَتَادَة بِالْحُكْمِ دُون أَبِي سَلَمَة , فَلَعَلَّهُ تَذَكَّرَهُ لَمَّا سَأَلَهُ قَتَادَة بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَة \" مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَد قَبْلَك \" أَوْ قَالَهُ لَهُمَا مَعًا فَحَفِظَهُ قَتَادَة دُون أَبِي سَلَمَةَ فَإِنَّ قَتَادَة أَحْفَظُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَا نِزَاع , وَإِذَا اِنْتَهَى الْبَحْث إِلَى أَنَّ مُحَصَّل حَدِيث أَنَس نَفْيُ الْجَهْر بِالْبَسْمَلَةِ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلَفِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ فَمَتَى وُجِدَتْ رِوَايَة فِيهَا إِثْبَات الْجَهْر قُدِّمَتْ عَلَى نَفْيِهِ , لِمُجَرَّد تَقْدِيم رِوَايَة الْمُثْبِت عَلَى النَّافِي ; لِأَنَّ أَنَسًا يَبْعُدُ جِدًّا أَنْ يَصْحَبَ اَلنَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُدَّةَ عَشْرِ سِنِينَ ثُمَّ يَصْحَبُ أَبَا بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ الْجَهْر بِهَا فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ , بَلْ لِكَوْنِ أَنَسٍ اِعْتَرَفَ بِأَنَّهُ لَا يَحْفَظُ هَذَا الْحُكْمَ كَأَنَّهُ لِبُعْدِ عَهْدِهِ بِهِ , ثُمَّ تَذَكَّرَ مِنْهُ الْجَزْم بِالِافْتِتَاحِ بِالْحَمْدُ جَهْرًا وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ الْجَهْر بِالْبَسْمَلَةِ , فَيَتَعَيَّنُ الْأَخْذ بِحَدِيث مَنْ أَثْبَتَ الْجَهْر. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي \" بَاب جَهْر الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ \" إِنْ شَاءَ اَللَّهُ قَرِيبًا. ‏ ‏وَتَرْجَمَ لَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ \" إِبَاحَة الْإِسْرَار بِالْبَسْمَلَةِ فِي الْجَهْرِيَّةِ \" وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِبَاحَتِهِ بَلْ فِي اِسْتِحْبَابِهِ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمَالِكِيَّة عَلَى تَرْك دُعَاء الِافْتِتَاح , وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي بَعْدَهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ , وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِهِ , وَقَدْ تَحَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ أَنَس بَيَان مَا يَفْتَتِحُ بِهِ الْقِرَاءَة , فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِنَفْيِ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ ذِكْر عُثْمَان فِي حَدِيثِ أَنَس فِي رِوَايَةِ عَمْرو بْن مَرْزُوق عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي \" جُزْء الْقِرَاءَة \" وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ شُعْبَة عِنْدَ أَبِي عَوَانَة , وَهُوَ فِي رِوَايَة شَيْبَان وَهِشَام والْأَوْزَاعِيّ. وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى رِوَايَتِهِمْ فِيمَا تَقَدَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "702",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو زُرْعَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً ‏ ‏قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ ‏ ‏هُنَيَّةً ‏ ‏فَقُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ أَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ ‏ ‏الدَّنَسِ ‏ ‏اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ‏ ‏هُوَ اِبْن عَمْرو بْن جَرِير الْبَجَلِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْكُتُ ) ‏ ‏ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ السُّكُوتِ , وَحَكَى الْكَرْمَانِيّ عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِضَمّ أَوَّله مِنْ الْإِسْكَاتِ , قَالَ الْجَوْهَرِيّ : يُقَالُ تَكَلَّمَ الرَّجُلُ ثُمَّ سَكَتَ بِغَيْرِ أَلِفٍ , فَإِذَا اِنْقَطَعَ كَلَامه فَلَمْ يَتَكَلَّمْ قُلْتُ أَسْكَتَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِسْكَاتَةً ) ‏ ‏بِكَسْر أَوَّله بِوَزْن إِفْعَالَة مِنْ السُّكُوتِ , وَهُوَ مِنْ الْمَصَادِرِ الشَّاذَّةِ نَحْو أُثْبِتُهُ إِثْبَاتَة , قَالَ الْخَطَّابِيّ : مَعْنَاهُ سُكُوت يَقْتَضِي بَعْدَهُ كَلَامًا مَعَ قِصَرِ الْمُدَّةِ فِيهِ , وَسِيَاق الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ السُّكُوت عَنْ الْجَهْرِ لَا عَنْ مُطْلَقِ الْقَوْلِ , أَوْ السُّكُوتَ عَنْ الْقِرَاءَةِ لَا عَنْ الذِّكْرِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّة ) ‏ ‏هَذِهِ رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد بِالظَّنِّ , وَرَوَاهُ جَرِير عِنْدَ مُسْلِم وَغَيْره وَابْن فُضَيْل عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ وَغَيْرِهِ بِلَفْظ \" سَكَتَ هُنَيَّة \" بِغَيْرِ تَرَدُّد , وَإِنَّمَا اِخْتَارَ الْبُخَارِيّ رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد لِوُقُوعِ التَّصْرِيحِ بِالتَّحْدِيثِ فِيهَا فِي جَمِيعِ الْإِسْنَادِ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : الْمُرَادُ أَنَّهُ قَالَ - بَدَل إِسْكَاتَة - هُنَيَّة. قُلْتُ : وَلَيْسَ بِوَاضِح , بَلْ الظَّاهِر أَنَّهُ شَكَّ هَلْ وَصَفَ الْإِسْكَاتَةَ بِكَوْنِهَا هُنَيَّةً أَمْ لَا , وَهُنَيَّة بِالنُّونِ بِلَفْظ التَّصْغِير , وَهُوَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ , وَذَكَرَ عِيَاض وَالْقُرْطُبِيّ أَنَّ أَكْثَرَ رُوَاة مُسْلِم قَالُوهُ بِالْهَمْزَةِ , وَأَمَّا اَلنَّوَوِيّ فَقَالَ : الْهَمْزُ خَطَأ. قَالَ : وَأَصْلُهُ هَنْوَة فَلَمَّا صُغِّرَ صَارَ هُنَيْوَة فَاجْتَمَعَتْ وَاو وَيَاء وَسُبِقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتْ الْوَاو يَاء ثُمَّ أُدْغِمَتْ. قَالَ غَيْره : لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ إِجَازَة الْهَمْز , فَقَدْ تُقْلَبُ الْيَاء هَمْزَة. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ هُنَيْهَةً بِقَلْبِهَا هَاء , وَهِيَ رِوَايَةُ إِسْحَاق وَالْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ جَرِير. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِأَبِي وَأُمِّي ) ‏ ‏الْبَاء مُتَعَلِّقَة بِمَحْذُوفٍ اِسْم أَوْ فِعْل وَالتَّقْدِير أَنْتَ مَفْدِيٌّ أَوْ أَفْدِيك , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ ذَلِكَ , وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِسْكَاتُك ) ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَهُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ , وَقَالَ الْمُظَهَّرِيّ شَارِح الْمَصَابِيح : هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أَيْ أَسْأَلُك إسْكَاتَك , أَوْ عَلَى نَزْع الْخَافِض. اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَاَلسَّرَخْسِيّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ السِّينِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ , وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ \" مَا تَقُولُ فِي سَكْتَتِك بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ \" وَلِمُسْلِم \" أَرَأَيْت سُكُوتَك \" وَكُلّه مُشْعِرٌ بِأَنَّ هُنَاكَ قَوْلًا لِكَوْنِهِ قَالَ \" مَا تَقُولُ \" وَلَمْ يَقُلْ هَلْ تَقُولُ ؟ نَبَّهَ عَلَيْهِ اِبْنَ دَقِيقِ الْعِيدِ قَالَ : وَلَعَلَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى أَصْلِ الْقَوْلِ بِحَرَكَةِ الْفَمِ كَمَا اِسْتَدَلَّ غَيْره عَلَى الْقِرَاءَةِ بِاضْطِرَاب اللِّحْيَة. قُلْتُ : وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيث خَبَّاب بَعْدَ بَاب , وَنَقَلَ اِبْنُ بَطَّالٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ سَبَبَ هَذِهِ السَّكْتَةِ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْرَأَ الْمَأْمُوم فِيهَا الْفَاتِحَة , ثُمَّ اِعْتَرَضَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ فِي الْجَوَابِ : أَسْكُتُ لِكَيْ يَقْرَأَ مَنْ خَلْفِي. وَرَدَّهُ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ أَخْبَرَهُ بِصِفَةِ مَا يَقُولُ أَنْ لَا يَكُونَ سَبَبُ السُّكُوتِ مَا ذَكَرَ. اِنْتَهَى. وَهَذَا النَّقْلُ مِنْ أَصْلِهِ غَيْر مَعْرُوفٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ , إِلَّا أَنَّ الْغَزَالِيَّ قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ : إِنَّ الْمَأْمُومَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَة إِذَا اِشْتَغَلَ الْإِمَام بِدُعَاء اَلِافْتِتَاح. وَخُولِفَ فِي ذَلِكَ , بَلْ أَطْلَقَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْره كَرَاهَةَ تَقْدِيمِ الْمَأْمُومِ قِرَاءَة الْفَاتِحَةِ عَلَى الْإِمَامِ. وَفِي وَجْهٍ إِنْ فَرَغَهَا قَبْلَهُ بَطَلَتْ صَلَاته , وَالْمَعْرُوف أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقْرَؤُهَا إِذَا سَكَتَ الْإِمَامُ بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ , وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ عِيَاض وَغَيْره عَنْ اَلشَّافِعِيِّ , وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقُولُ دُعَاءَ اَلِافْتِتَاحِ كَمَا يَقُولُهُ الْإِمَامُ , وَالسَّكْتَةُ الَّتِي بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ ثَبَتَ فِيهَا حَدِيث سَمُرَة عِنْد أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَاعِدْ ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْمُبَاعَدَةِ مَحْو مَا حَصَلَ مِنْهَا وَالْعِصْمَة عَمَّا سَيَأْتِي مِنْهَا , وَهُوَ مَجَازٌ ; لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمُبَاعَدَةِ إِنَّمَا هِيَ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ , وَمَوْقِع التَّشْبِيهِ أَنَّ اِلْتِقَاء الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب مُسْتَحِيل فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهَا مِنْهُ اِقْتِرَاب بِالْكُلِّيَّةِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : كَرَّرَ لَفْظ \" بَيْنَ \" لِأَنَّ الْعَطْفَ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ يُعَادُ فِيهِ الْخَافِض. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( نَقِّنِي ) ‏ ‏مَجَاز عَنْ زَوَالِ الذُّنُوبِ وَمَحْوِ أَثَرِهَا , وَلَمَّا كَانَ الدَّنَس فِي اَلثَّوْبِ الْأَبْيَضِ أَظْهَرَ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَلْوَانِ وَقَعَ التَّشْبِيهُ بِهِ , قَالَهُ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيّ : ذِكْرُ الثَّلْج وَالْبَرَد تَأْكِيدٌ , أَوْ لِأَنَّهُمَا مَاءَانِ لَمْ تَمَسَّهُمَا الْأَيْدِي وَلَمْ يَمْتَهِنْهُمَا الِاسْتِعْمَال. وَقَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : عَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْ غَايَة الْمَحْوِ , فَإِنَّ الثَّوْبَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مُنَقِّيَة يَكُونُ فِي غَايَةِ النَّقَاءِ , قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد أَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَجَاز عَنْ صِفَةٍ يَقَعُ بِهَا الْمَحْو وَكَأَنَّهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَشَارَ الطِّيبِيّ إِلَى هَذَا بَحْثًا فَقَالَ : يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوب مِنْ ذِكْرِ اَلثَّلْج وَالْبَرَد بَعْدَ الْمَاءِ شُمُول أَنْوَاعِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ بَعْدَ الْعَفْوِ لِإِطْفَاء حَرَارَة عَذَابِ النَّارِ اَلَّتِي هِيَ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ , وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : بَرَّدَ اللَّهُ مَضْجَعه. أَيْ : رَحِمَهُ وَوَقَاهُ عَذَاب النَّارِ. اِنْتَهَى. ‏ ‏وَيُؤَيِّدُهُ وُرُود وَصْفِ الْمَاء بِالْبُرُودَةِ فِي حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى عِنْدَ مُسْلِم , وَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْخَطَايَا بِمَنْزِلَةِ جَهَنَّمَ لِكَوْنِهَا مُسَبَّبَةً عَنْهَا , فَعَبَّرَ عَنْ إِطْفَاء حَرَارَتهَا بِالْغَسْلِ وَبَالَغَ فِيهِ بِاسْتِعْمَالِ الْمُبَرِّدَاتِ تَرَقِّيًا عَنْ الْمَاءِ إِلَى أَبْرَدِ مِنْهُ. وَقَالَ التُّورْبَشْتِيّ : خَصَّ هَذِهِ الثَّلَاثَة بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مِنْ السَّمَاءِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّعَوَاتِ الثَّلَاثِ إِشَارَة إِلَى الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ \" فَالْمُبَاعَدَة لِلْمُسْتَقْبَلِ , وَالتَّنْقِيَة لِلْحَالِ , وَالْغَسْل لِلْمَاضِي \" اِنْتَهَى. وَكَأَنَّ تَقْدِيم الْمُسْتَقْبَل لِلِاهْتِمَامِ بِدَفْعِ مَا سَيَأْتِي قَبْلَ رَفْع مَا حَصَلَ. وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ اَلدُّعَاءِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عَنْ مَالِكٍ , وَوَرَدَ فِيهِ أَيْضًا حَدِيث \" وَجَّهْت وَجْهِي إِلَخْ \" وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ , لَكِنْ قَيَّدَهُ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ. وَأَخْرَجَهُ اَلشَّافِعِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَغَيْرهمَا بِلَفْظ \" إِذَا صَلَّى الْمَكْتُوبَة \" وَاعْتَمَدَهُ الشَّافِعِيّ فِي الْأُمِّ , وَفِي اَلتِّرْمِذِيّ وَصَحِيح اِبْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيد الِافْتِتَاح بِسُبْحَانَك اَللَّهُمَّ , وَنَقَلَ السَّاجِيّ عَنْ اَلشَّافِعِيِّ اِسْتِحْبَاب الْجَمْعِ بَيْنَ اَلتَّوْجِيهِ وَالتَّسْبِيحِ وَهُوَ اِخْتِيَارُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَجَمَاعَة مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَصَحّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ اَلدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ بِمَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. ثُمَّ هَذَا الدُّعَاء صَدَرَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ فِي إِظْهَار الْعُبُودِيَّة , وَقِيلَ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ لِأُمَّتِهِ , وَاعْتُرِضَ بِكَوْنِهِ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَجَهَرَ بِهِ , وَأُجِيبَ بِوُرُودِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ فِي حَدِيث سَمُرَة عِنْدَ الْبَزَّارِ , وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَة عَلَيْهِ مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى تَتَبُّع أَحْوَال اَلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وإِسْرَارِهِ وَإِعْلَانِهِ حَتَّى حَفِظَ اللَّهُ بِهِمْ الدِّينَ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ مُطَهِّرَانِ , وَاسْتَبْعَدَهُ اِبْن عَبْد السَّلَام , وَأَبْعَدُ مِنْهُ اِسْتِدْلَال بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ بِهِ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "703",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ قَدْ ‏ ‏دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ حَتَّى لَوْ ‏ ‏اجْتَرَأْتُ ‏ ‏عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ ‏ ‏بِقِطَافٍ ‏ ‏مِنْ قِطَافِهَا وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ فَإِذَا امْرَأَةٌ ‏ ‏حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ ‏ ‏قُلْتُ مَا شَأْنُ هَذِهِ قَالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا لَا أَطْعَمَتْهَا وَلَا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ ‏ ‏خَشِيشِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏خَشَاشِ ‏ ‏الْأَرْضِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَاب ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَة بِلَا تَرْجَمَة , وَكَذَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" بَاب \" بِلَا تَرْجَمَة , وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي الْوَقْتِ , وَكَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو نُعَيْمٍ. وَعَلَى هَذَا فَمُنَاسَبَة الْحَدِيثِ غَيْر ظَاهِرِهِ لِلتَّرْجَمَةِ , وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ لَفْظ بَاب فَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ كَمَا قَرَّرْنَاهُ غَيْر مَرَّةٍ فَلَهُ بِهِ تَعَلُّق أَيْضًا. قَالَ الْكَرْمَانِيّ : وَجْه الْمُنَاسَبَة أَنَّ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَطْوِيل الْقِيَام , وَحَدِيث الْكُسُوفِ فِيهِ تَطْوِيل الْقِيَام فَتَنَاسَبَا. وَأَحْسَنُ مِنْهُ مَا قَالَ اِبْن رَشِيد : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْمُنَاسَبَة فِي قَوْلِهِ \" حَتَّى قُلْت أَيْ رَبِّ أَوْ أَنَا مَعَهُمْ \" لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دُعَاءٌ فَفِيهِ مُنَاجَاة وَاسْتِعْطَاف , فَيَجْمَعُهُ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ جَوَازُ دُعَاءِ اللَّهِ وَمُنَاجَاتِهِ بِكُلِّ مَا فِيهِ خُضُوع , وَلَا يَخْتَصُّ بِمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَوَأَنَا مَعَهُمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ بَعْدَهَا وَاو عَاطِفَة وَهِيَ عَلَى مُقَدَّر , وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ مُقَدَّرَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ تَخْدِشُهَا ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ نَافِع بْن عُمَر رَاوِي الْحَدِيثِ , بَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , فَالضَّمِير فِي \" أَنَّهُ \" لِابْن أَبِي مُلَيْكَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا ) ‏ ‏سَقَطَ لَفْظ \" هِيَ \" مِنْ رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ وَالْحَمَوِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَأْكُلُ مِنْ خَشِيش - أَوْ خَشَاش - الْأَرْض ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى الشَّكِّ , وَكُلّ مِنْ اللَّفْظَيْنِ بِمُعَجَّمَات مَفْتُوح الْأَوَّل وَالْمُرَاد حَشَرَات الْأَرْضِ , وَأَنْكَرَ الْخَطَّابِيّ رِوَايَة خَشِيش , وَضَبَطَهَا بَعْضُهُمْ بِضَمّ أَوَّله عَلَى التَّصْغِيرِ مِنْ لَفْظِ خَشَاشٍ , فَعَلَى هَذَا لَا إِنْكَارَ , وَرَوَاهَا بَعْضهمْ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ , وَقَالَ عِيَاض هُوَ تَصْحِيفٌ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ فِي كِتَاب الْكُسُوف , وَعَلَى قِصَّةِ الْمَرْأَةِ صَاحِبَة الْهِرَّةِ فِي كِتَاب بَدْء الْخَلْقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "704",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ قُلْنَا ‏ ‏لِخَبَّابٍ ‏ ‏أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ قَالَ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيلَ , وَعَبْد الْوَاحِد هُوَ اِبْن زِيَاد. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عُمَارَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاثٍ عَنْ الْأَعْمَشِ \" حَدَّثَنَا عُمَارَة \" وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَاب , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْمَتْنِ قَرِيبًا , وَمَوْضِع التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْلُهُ \" بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "705",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَنْبَأَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏يَخْطُبُ قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْبَرَاءُ ‏ ‏وَكَانَ غَيْرَ كَذُوبٍ ‏ ‏أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَامُوا قِيَامًا حَتَّى يَرَوْنَهُ قَدْ سَجَدَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حَجَّاج ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ مِنْهَالٍ , وَلَمْ يَسْمَعْ الْبُخَارِيّ مِنْ حَجَّاج بْن مُحَمَّد. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيث الْبَرَاء فِي \" بَاب مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ \" وَوَقَعَ فِيهِ هُنَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَأَبِي الْوَقْتِ وَغَيْرهمَا \" حَتَّى يَرَوْنَهُ قَدْ سَجَدَ \" بِإِثْبَات النُّون , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَالْأَصِيلِيّ بِحَذْفِهَا وَهُوَ أَوْجَهُ , وَجَازَ الْأَوَّل عَلَى إِرَادَةِ الْحَالِ. ‏"
    },
    {
        "id": "706",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ ‏ ‏تَكَعْكَعْتَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنِّي أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ يَأْتِي فِي الْكُسُوفِ , وَهُوَ ظَاهِر الْمُنَاسَبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "707",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏رَقِيَ ‏ ‏الْمِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدَيْهِ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لَقَدْ رَأَيْتُ الْآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمْ الصَّلَاةَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قِبْلَةِ هَذَا الْجِدَارِ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس يَأْتِي فِي الرِّقَاقِ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِسَمَاع هِلَال لَهُ مِنْ أَنَس. وَاعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَلَى إِيرَادِهِ لَهُ هُنَا فَقَالَ : لَيْسَ فِيهِ نَظَر الْمَأْمُومِينَ إِلَى الْإِمَامِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ يَرْفَعُ بَصَره إِلَى مَا أَمَامَهُ , وَإِذَا سَاغَ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ سَاغَ لِلْمَأْمُومِ. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ حَدِيثَ أَنَس مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاسٍ , وَأَنَّ الْقِصَّةَ فِيهِمَا وَاحِدَة , فَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ اِبْن عَبَّاسٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ \" رَأَيْت الْجَنَّةَ وَالنَّارَ \" كَمَا قَالَ فِي حَدِيثِ أَنَس , وَقَدْ قَالُوا لَهُ فِي حَدِيثِ اِبْن عَبَّاسٍ \" رَأَيْنَاك تَكَعْكَعْت \" فَهَذَا مَوْضِع اَلتَّرْجَمَة , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ قَوْلِهِ \" فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ \" فَإِنَّ رُؤْيَتَهُمْ الْإِشَارَة تَقْتَضِي أَنَّهُمْ كَانُوا يُرَاقِبُونَ أَفْعَالَهُ. قُلْتُ : لَكِنْ يَطْرُقُ هُنَا اِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ سَبَبُ رَفْع بَصَرِهِمْ إِلَيْهِ وُقُوع الْإِشَارَةِ مِنْهُ , لَا أَنَّ الرَّفْع كَانَ مُسْتَمِرًّا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد بِالتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْأَصْلَ نَظَرُ الْمَأْمُومِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ ; لِأَنَّهُ الْمَطْلُوبُ فِي الْخُشُوعِ إِلَّا إِذَا اِحْتَاجَ إِلَى رُؤْيَةِ مَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ لِيَقْتَدِيَ بِهِ مَثَلًا , - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. ‏"
    },
    {
        "id": "708",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏حَدَّثَهُمْ قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا قَتَادَة ) ‏ ‏فِيهِ دَفْعٌ لِتَعْلِيلِ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ فِي الْكَامِلِ فَأَدْخَلَ بَيْنَ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة وقَتَادَة رَجُلًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْد الْأَعْلَى بْن عَبْد الْأَعْلَى عَنْ سَعِيد - وَهُوَ مِنْ أَثْبَتِ أَصْحَابِهِ - وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ بَيَان سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظه \" صَلَّى رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا بِأَصْحَابِهِ , فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ \" فَذَكَرَهُ , وَقَدْ رَوَاهُ عَبْد اَلرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَة مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرْ أَنَسًا , وَهِيَ عِلَّةٌ غَيْرُ قَادِحَةٍ ; لِأَنَّ سَعِيدًا أَعْلَمُ بِحَدِيث قَتَادَة مِنْ مَعْمَر , وَقَدْ تَابَعَهُ هَمَّام عَلَى وَصْلِهِ عَنْ قَتَادَة أَخْرَجَهُ السَّرَّاج. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي صَلَاتِهِمْ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة \" عِنْدَ الدُّعَاءِ \" فَإِنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى هَذَا الْمُقَيَّدِ اِقْتَضَى اِخْتِصَاص الْكَرَاهَة بِالدُّعَاءِ الْوَاقِعِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عُمَر بِغَيْرِ تَقْيِيد وَلَفْظُهُ ( لَا تَرْفَعُوا أَبْصَاركُمْ إِلَى السَّمَاءِ يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ , وَأَخْرَجَهُ بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ أَيْضًا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِر بْن سَمُرَة والطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ وَكَعْب بْن مَالِك , وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ رِوَايَةِ هِشَام بْن حَسَّان عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ \" كَانُوا يَلْتَفِتُونَ فِي صَلَاتِهِمْ حَتَّى نَزَلَتْ ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) فَأَقْبَلُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ وَنَظَرُوا أَمَامَهُمْ , وَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ لَا يُجَاوِزَ بَصَرُ أَحَدِهِمْ مَوْضِعَ سُجُودِهِ \". وَوَصَلَهُ الْحَاكِمُ بِذِكْرِ أَبِي هُرَيْرَة فِيهِ , وَرَفَعَهُ إِلَى اَلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ فِي آخِرِهِ \" فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَيُنْتَهَيَنَّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُون النُّونِ وَفَتْح الْمُثَنَّاة وَالْهَاءِ وَالْيَاءِ وَتَشْدِيد النُّون عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَالنُّونُ لِلتَّأْكِيدِ , وَلِلْبَاقِينَ \" لَيَنْتَهُنَّ \" بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْهَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارهُمْ ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِر بْن سَمُرَة \" أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ \" يَعْنِي أَبْصَارَهُمْ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ : فَقِيلَ هُوَ وَعِيد , وَعَلَى هَذَا فَالْفِعْل الْمَذْكُور حَرَام , وَأَفْرَطَ اِبْن حَزْمٍ فَقَالَ : يُبْطِلُ اَلصَّلَاةَ. وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنَّهُ يُخْشَى عَلَى الْأَبْصَارِ مِنْ الْأَنْوَارِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهَا الْمَلَائِكَةُ عَلَى الْمُصَلِّينَ كَمَا فِي حَدِيث أُسَيْد بْن حُضَيْر الْآتِي فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الدَّاوُدِيُّ , وَنَحْوُهُ فِي جَامِع حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ أَحَد التَّابِعِينَ. و \" أَوْ \" هُنَا لِلتَّخْيِيرِ نَظِير قَوْلِهِ تَعَالَى ( تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ أَيْ : يَكُونُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا الْمُقَاتَلَة وَإِمَّا الْإِسْلَام , وَهُوَ خَبَرٌ فِي مَعْنَى الْأَمْر. صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَام فَقَالَ : شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ , اِذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْم وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّة \". ‏"
    },
    {
        "id": "709",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ ‏ ‏هُوَ ‏ ‏اخْتِلَاسٌ ‏ ‏يَخْتَلِسُهُ ‏ ‏الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ الْمُحَارِبِيّ , وَوَافَقَ أَبَا الْأَحْوَصِ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ شَيْبَانُ عِنْدَ اِبْن خُزَيْمَةَ وَزَائِدَةُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَمِسْعَر عِنْدَ اِبْنِ حِبَّانَ , وَخَالَفَهُمْ إِسْرَائِيل فَرَوَاهُ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ عَنْ مَسْرُوق. وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ مِنْ رِوَايَة مِسْعَر عَنْ أَشْعَثَ عَنْ أَبِي وَائِل , فَهَذَا اِخْتِلَاف عَلَى أَشْعَثَ , وَالرَّاجِح رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَصِ. وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ عُمَارَة بْن عُمَيْر عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ عَنْ عَائِشَة لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَسْرُوقٌ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْأَشْعَثِ فِيهِ شَيْخَانِ , أَبُوهُ وَأَبُو عَطِيَّة بِنَاءً عَلَى أَنْ يَكُونَ أَبُو عَطِيَّةَ حَمَلَهُ عَنْ مَسْرُوقٍ ثُمَّ لَقِيَ عَائِشَة فَحَمَلَهُ عَنْهَا. وَأَمَّا اَلرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي وَائِل فَشَاذَّة ; لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ حَدِيثِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( هُوَ اِخْتِلَاسٌ ) ‏ ‏أَيْ : اِخْتِطَافٌ بِسُرْعَة , وَوَقَعَ فِي النِّهَايَةِ : وَالِاخْتِلَاسُ اِفْتِعَال مِنْ الْخِلْسَةِ وَهِيَ مَا يُؤْخَذُ سَلْبًا مُكَابَرَة , وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ غَيْره : الْمُخْتَلِسُ الَّذِي يَخْطِفُ مِنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ وَيَهْرُبُ وَلَوْ مَعَ مُعَايَنَةِ الْمَالِكِ لَهُ , وَالنَّاهِبُ يَأْخُذُ بِقُوَّة , وَالسَّارِقُ يَأْخُذُ فِي خُفْيَة. فَلَمَّا كَانَ الشَّيْطَانُ قَدْ يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلَاتِهِ بِالِالْتِفَاتِ إِلَى شَيْءٍ مَا بِغَيْرِ حُجَّةٍ يُقِيمُهَا أَشْبَهَ الْمُخْتَلِس. وَقَالَ اِبْن بَزِيزَةَ : أُضِيفَ إِلَى الشَّيْطَانِ ; لِأَنَّ فِيهِ اِنْقِطَاعًا. ‏ ‏مِنْ مُلَاحَظَةِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْحَقِّ سُبْحَانَهُ. وَقَالَ الطِّيبِيّ : سُمِّيَ اِخْتِلَاسًا تَصْوِيرًا لِقُبْحِ تِلْكَ الْفَعْلَةِ بِالْمُخْتَلِسِ ; لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقْبِلُ عَلَيْهِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى , وَالشَّيْطَانُ مُرْتَصِد لَهُ يَنْتَظِرُ فَوَات ذَلِكَ عَلَيْهِ , فَإِذَا اِلْتَفَتَ اِغْتَنَمَ الشَّيْطَانُ الْفُرْصَةَ فَسَلَبَهُ تِلْكَ الْحَالَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَخْتَلِسُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْف الْمَفْعُول , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" يَخْتَلِسُهُ \" وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد عَنْ مُسَدَّد شَيْخِ الْبُخَارِيّ. قِيلَ : الْحِكْمَةُ فِي جَعْل سُجُود السَّهْوِ جَابِرًا لِلْمَشْكُوكِ فِيهِ دُونَ الِالْتِفَاتِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُنْقِصُ الْخُشُوع ; لِأَنَّ السَّهْوَ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ الْمُكَلَّف , فَشُرِعَ لَهُ الْجَبْر دُونَ الْعَمْدِ لِيَتَيَقَّظ الْعَبْدُ لَهُ فَيَجْتَنِبَهُ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَة فِي قِصَّةِ أَنْبِجَانِيَّة أَبِي جَهْم , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي \" بَابِ إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَام \" فِي أَوَائِل الصَّلَاةِ. وَوَجْهُ دُخُوله فِي التَّرْجَمَةِ أَنَّ أَعْلَام الْخَمِيصَة إِذَا لَحَظَهَا الْمُصَلِّي وَهِيَ عَلَى عَاتِقِهِ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الِالْتِفَاتِ وَلِذَلِكَ خَلَعَهَا مُعَلِّلًا بِوُقُوعِ بَصَرِهِ عَلَى أَعْلَامِهَا وَسَمَّاهُ شَغْلًا عَنْ صَلَاتِهِ , وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ كَرَاهَةِ الِالْتِفَاتِ كَوْنه يُؤَثِّرُ فِي الْخُشُوعِ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّة الْخَمِيصَة. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ مَعْفُوّ عَنْهُ ; لِأَنَّ لَمْحَ الْعَيْنِ يَغْلِبُ الْإِنْسَان وَلِهَذَا لَمْ يُعِدْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ الصَّلَاةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "710",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى فِي ‏ ‏خَمِيصَةٍ ‏ ‏لَهَا ‏ ‏أَعْلَامٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏شَغَلَتْنِي ‏ ‏أَعْلَامُ ‏ ‏هَذِهِ اذْهَبُوا بِهَا إِلَى ‏ ‏أَبِي جَهْمٍ ‏ ‏وَأْتُونِي ‏ ‏بِأَنْبِجَانِيَّةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( شَغَلَنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" شَغَلَتْنِي \" وَهُوَ أَوْجَهُ , وَكَذَا اِخْتَلَفُوا فِي \" اِذْهَبُوا بِهَا \" أَوْ \" بِهِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِلَى أَبِي جَهْم ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ جُهَيْم بِالتَّصْغِيرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "711",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ رَأَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ وَهُوَ ‏ ‏يُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْ النَّاسِ فَحَتَّهَا ثُمَّ قَالَ حِينَ انْصَرَفَ ‏ ‏إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏وَجْهِهِ فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ أَحَدٌ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏وَجْهِهِ فِي الصَّلَاةِ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏وَابْنُ أَبِي رَوَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏",
        "sharh": "قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ اِبْن عُمَر ‏ ‏( بَيْنَ يَدَيْ النَّاس ) ‏ ‏يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ \" وَهُوَ يُصَلِّي \" أَوْ بِقَوْلِهِ \" رَأَى نُخَامَة \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَحَتَّهَا ثُمَّ قَالَ حِينَ اِنْصَرَفَ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ الْحَتَّ وَقَعَ مِنْهُ دَاخِلَ اَلصَّلَاةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِك عَنْ نَافِعٍ غَيْر مُقَيَّدٍ بِحَال اَلصَّلَاة , وَسَبَقَ الْكَلَام عَلَى فَوَائِدِهِ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ , وَأَوْرَدَهُ هُنَاكَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعِيد وَعَائِشَة وَأَنَس مِنْ طُرُقٍ كُلّهَا غَيْر مُقَيَّدَةٍ بِحَال اَلصَّلَاة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رَوَاهُ مُوسَى بْن عُقْبَة ) ‏ ‏وَصَلَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَابْن أَبِي رَوَّاد ) ‏ ‏اِسْمُ أَبِي رَوَّادٍ مَيْمُونٌ , وَوَصَلَهُ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ عَبْد الْعَزِيز اِبْن أَبِي رَوَّاد الْمَذْكُور وَفِيهِ أَنَّ الْحَكَّ كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ اَلصَّلَاةِ , فَالْغَرَض مِنْهُ عَلَى هَذَا الْمُتَابَعَة فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ. ‏"
    },
    {
        "id": "712",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا الْمُسْلِمُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ ‏ ‏وَنَكَصَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ لَهُ الصَّفَّ فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ الْخُرُوجَ وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ ‏ ‏يَفْتَتِنُوا ‏ ‏فِي صَلَاتِهِمْ فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَأَرْخَى السِّتْرَ وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّم فِي \" بَابِ أَهْل الْعِلْمِ وَالْفَضْل أَحَقّ بِالْإِمَامَةِ \" قَالَ اِبْن بَطَّال : وَجْه مُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا كَشَفَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السِّتْرَ اِلْتَفَتُوا إِلَيْهِ , وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْل أَنَس \" فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ \" وَلَوْلَا اِلْتِفَاتُهُمْ لَمَا رَأَوْا إِشَارَتَهُ ا ه. وَيُوَضِّحُهُ كَوْن الْحُجْرَةِ عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ فَالنَّاظِر إِلَى إِشَارَةِ مَنْ هُوَ فِيهَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَلْتَفِتَ , وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْإِعَادَةِ , بَلْ أَقَرَّهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ بِالْإِشَارَةِ الْمَذْكُورَةِ , - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. ‏"
    },
    {
        "id": "713",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَكَا ‏ ‏أَهْلُ ‏ ‏الْكُوفَةِ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏عَمَّارًا ‏ ‏فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ ‏ ‏يُصَلِّي فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا إِسْحَاقَ ‏ ‏إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي قَالَ ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ ‏ ‏فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا ‏ ‏أَخْرِمُ ‏ ‏عَنْهَا أُصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ ‏ ‏فَأَرْكُدُ ‏ ‏فِي الْأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَالَ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا ‏ ‏أَبَا إِسْحَاقَ ‏ ‏فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلَى ‏ ‏الْكُوفَةِ ‏ ‏فَسَأَلَ عَنْهُ ‏ ‏أَهْلَ ‏ ‏الْكُوفَةِ ‏ ‏وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا ‏ ‏لِبَنِي عَبْسٍ ‏ ‏فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ ‏ ‏يُكْنَى ‏ ‏أَبَا سَعْدَةَ ‏ ‏قَالَ أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏كَانَ لَا يَسِيرُ ‏ ‏بِالسَّرِيَّةِ ‏ ‏وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ قَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ وَأَطِلْ فَقْرَهُ وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ ‏ ‏فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنْ الْكِبَرِ وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ جَابِر بْن سَمُرَة ) ‏ ‏هُوَ الصَّحَابِيُّ , وَلِأَبِيهِ سَمُرَة بْن جُنَادَةَ صُحْبَة أَيْضًا. وَقَدْ صَرَّحَ اِبْن عُيَيْنَة بِسَمَاعِ عَبْد الْمَلِك لَهُ مِنْ جَابِر أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( شَكَا أَهْل الْكُوفَةِ سَعْدًا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي وَقَّاص , وَهُوَ خَالُ اِبْن سَمُرَة الرَّاوِي عَنْهُ , وَفِي رِوَايَةِ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْد الْمَلِك عَنْ جَابِر بْن سَمُرَة قَالَ \" كُنْت جَالِسًا عِنْدَ عُمَر إِذْ جَاءَ أَهْل الْكُوفَةِ يَشْكُونَ إِلَيْهِ سَعْدَ بْن أَبِي وَقَّاص حَتَّى قَالُوا إِنَّهُ لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ \" اِنْتَهَى. وَفِي قَوْلِهِ \" أَهْل الْكُوفَةِ \" مَجَازٌ , وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ ; لِأَنَّ الَّذِينَ شَكَوْهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ لَا كُلُّهُمْ , فَفِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ عَنْ عَبْد الْمَلِك فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَة \" جَعَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ \" , وَنَحْوه لِإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ جَرِير عَنْ عَبْد الْمَلِك وَسُمِّيَ مِنْهُمْ عِنْدَ سَيْفٍ والطَّبَرَانِيِّ الْجَرَّاحُ بْن سِنَان وَقَبِيصَة وَأَرْبَد الْأَسَدِيُّونَ , وَذَكَرَ الْعَسْكَرِيُّ فِي الْأَوَائِل أَنَّ مِنْهُمْ الْأَشْعَثَ بْن قَيْس. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَعَزَلَهُ ) ‏ ‏كَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب أَمَّرَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عَلَى قِتَالِ الْفُرْسِ فِي سَنَة أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَفَتَحَ اللَّهُ الْعِرَاقَ عَلَى يَدَيْهِ , ثُمَّ اِخْتَطَّ الْكُوفَة سَنَة سَبْعَ عَشْرَةَ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهَا أَمِيرًا إِلَى سَنَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ فِي قَوْلِ خَلِيفَة بْن خَيَّاط , وَعِنْدَ الطَّبَرِيّ سَنَة عِشْرِينَ , فَوَقَعَ لَهُ مَعَ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَا ذُكِرَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَاسِر , قَالَ خَلِيفَة : اِسْتَعْمَلَ عَمَّارًا عَلَى الصَّلَاةِ وَابْن مَسْعُود عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَعُثْمَان بْن حُنَيْف عَلَى مِسَاحَةِ الْأَرْضِ. اِنْتَهَى. وَكَأَنَّ تَخْصِيصَ عَمَّار بِالذِّكْرِ لِوُقُوعِ اَلتَّصْرِيحِ بِالصَّلَاةِ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّا وَقَعَتْ فِيهِ الشَّكْوَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَشَكَوْا ) ‏ ‏لَيْسَتْ هَذِهِ الْفَاءُ عَاطِفَةً عَلَى قَوْلِهِ \" فَعَزَلَهُ \" بَلْ هِيَ تَفْسِيرِيَّة عَاطِفَةٌ عَلَى قَوْلِهِ \" شَكَا \" عَطْف تَفْسِير , وَقَوْلُهُ \" فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ \" اِعْتِرَاض إِذْ الشَّكْوَى كَانَتْ سَابِقَةً عَلَى الْعَزْلِ , وَبَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ مَعْمَر الْمَاضِيَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ جِهَات الشَّكْوَى كَانَتْ مُتَعَدِّدَة , وَمِنْهَا قِصَّة الصَّلَاة. وَصُرِّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوْن الْآتِيَة قَرِيبًا , فَقَالَ عُمَر : لَقَدْ شَكَوْك فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ. وَذَكَرَ اِبْن سَعْد وَسَيْف أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ حَابَى فِي بَيْعِ خُمُسٍ بَاعَهُ. وَأَنَّهُ صَنَعَ عَلَى دَارِهِ بَابًا مُبَوَّبًا مِنْ خَشَبٍ , وَكَانَ السُّوق مُجَاوِرًا لَهُ فَكَانَ يَتَأَذَّى بِأَصْوَاتِهِمْ , فَزَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ : اِنْقَطَعَ التَّصْوِيت. وَذَكَرَ سَيْف أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ يُلْهِيه الصَّيْدُ عَنْ الْخُرُوجِ فِي السَّرَايَا. وَقَالَ الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ فِي \" كِتَاب النَّسَب \" : رَفَعَ أَهْل الْكُوفَةِ عَلَيْهِ أَشْيَاء كَشَفَهَا عُمَر فَوَجَدَهَا بَاطِلَةً. ا ه.. وَيُقَوِّيهِ قَوْلُ عُمَرَ فِي وَصِيَّتِهِ \" فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ مِنْ عَجْز وَلَا خِيَانَة \" وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَان. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ ) ‏ ‏فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَوَصَلَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ فَجَاءَ إِلَى عُمَر , وَسَيَأْتِي تَسْمِيَة الرَّسُولِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَا أَبَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هِيَ كُنْيَةُ سَعْدٍ , كُنِّيَ بِذَلِكَ بِأَكْبَرِ أَوْلَادِهِ , وَهَذَا تَعْظِيم مِنْ عُمَر لَهُ , وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَقْدَحْ فِيهِ الشَّكْوَى عِنْدَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَمَّا أَنَا وَاَللَّه ) ‏ ‏أَمَّا بِالتَّشْدِيدِ وَهِيَ لِلتَّقْسِيمِ , وَالْقَسِيمُ هُنَا مَحْذُوف تَقْدِيرُهُ : وَأَمَّا هُمْ فَقَالُوا مَا قَالُوا. وَفِيهِ الْقَسَمُ فِي الْخَبَرِ لِتَأْكِيدِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ , وَجَوَاب الْقَسَم يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ \" فَإِنِّي كُنْت أُصَلِّي بِهِمْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( صَلَاةَ رَسُولِ اَللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ : مِثْلَ صَلَاة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَا أَخْرِمُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ اَلرَّاءِ أَيْ : لَا أُنْقِصُ , وَحَكَى اِبْن التِّينِ عَنْ بَعْضِ الرُّوَاهُ أَنَّهُ بِضَمّ أَوَّله فَفِعْلُهُ مِنْ الرُّبَاعِيِّ وَاسْتَضْعَفَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أُصَلِّي صَلَاة الْعِشَاءِ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ لِلْجَمِيعِ , غَيْر الْجُرْجَانِيّ فَقَالَ \" الْعَشِيِّ \" , وَفِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ \" صَلَاتَيْ الْعِشِيِّ \" بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيدِ لَهُمْ إِلَّا الْكُشْمِيهَنِيّ , وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِلَفْظ \" صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ \" وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر وَكَذَا لِزَائِدَةَ فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ وَهُوَ الْأَرْجَحُ , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ التَّثْنِيَة , وَالْمُرَاد بِهِمَا الظُّهْر وَالْعَصْر وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَقَعَ التَّثْنِيَة فِي الْمَمْدُودِ وَيُرَادُ بِهِمَا الْمَغْرِب وَالْعِشَاء , لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْأُخْرَيَيْنِ ; لِأَنَّ الْمَغْرِبَ إِنَّمَا لَهَا أُخْرَى وَاحِدَة - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. وَأَبْدَى الْكَرْمَانِيّ لِتَخْصِيصِ الْعِشَاءِ بِالذِّكْرِ حِكْمَةً , وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا أَتْقَنَ فِعْلَ هَذِهِ اَلصَّلَاةِ الَّتِي وَقْتُهَا وَقْتُ الِاسْتِرَاحَة كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا بِطَرِيق الْأَوْلَى وَهُوَ حَسَنٌ , وَيُقَالُ مِثَلُهُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ; لِأَنَّهُمَا وَقْتُ الِاشْتِغَالِ بِالْقَائِلَةِ وَالْمَعَاشِ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : لَعَلَّ شَكْوَاهُمْ كَانَتْ فِي هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ خَاصَّةً فَلِذَلِكَ خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَرْكُدُ فِي الْأُولَيَيْنِ ) ‏ ‏قَالَ الْقَزَّازُ : أَرْكُدُ أَيْ : أُقِيمُ طَوِيلًا , أَيْ : أُطَوِّلُ فِيهِمَا الْقِرَاءَة. قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّطْوِيل بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْقِرَاءَةِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ; لَكِنَّ الْمَعْهُودَ فِي اَلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْقِرَاءَةِ , وَسَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوْنٍ عَنْ جَابِر بْن سَمُرَة \" أَمُدُّ فِي الْأُولَيَيْنِ \" وَالْأُولَيَيْنِ بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ تَثْنِيَة الْأُولَى وَكَذَا الْأُخْرَيَيْنِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأُخِفُّ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْر الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ , وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَأَحْذِفُ \" بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ , وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ عُثْمَان بْن سَعِيد الدَّارِمِيّ عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ , وَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا , إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّد بْن كَثِير عَنْ شُعْبَة عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِالْمِيم بَدَلَ الْفَاء , وَالْمُرَاد بِالْحَذْفِ حَذْف التَّطْوِيل لَا حَذْفُ أَصْلِ الْقِرَاءَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَحْذِفُ الرُّكُود. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ذَلِكَ الظَّنّ بِك ) ‏ ‏أَيْ : هَذَا اَلَّذِي تَقُولُ هُوَ الَّذِي كُنَّا نَظُنُّهُ , زَادَ مِسْعَرٌ عَنْ عَبْد الْمَلِك وَابْنِ عَوْنٍ مَعًا \" فَقَالَ سَعْد أَتُعَلِّمُنِي الْأَعْرَابُ اَلصَّلَاةَ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ شَكَوْهُ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , وَكَأَنَّهُمْ ظَنُّوا مَشْرُوعِيَّةَ التَّسْوِيَة بَيْنَ اَلرَّكَعَاتِ فَأَنْكَرُوا عَلَى سَعْد اَلتَّفْرِقَةَ , فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ ذَمُّ الْقَوْل بِالرَّأْي الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ إِلَى أَصْل , وَفِيهِ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَار , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَجْه دُخُول حَدِيث سَعْد فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ \" أَرْكُدُ وَأُخِفُّ \" عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ , وَقَدْ قَالَ : إِنَّهَا مِثْلُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - , وَاخْتَصَرَهُ الْكَرْمَانِيّ فَقَالَ : رُكُود الْإِمَام يَدُلُّ عَلَى قِرَاءَتِهِ عَادَة. ‏ ‏قَالَ اِبْن رَشِيد : وَلِهَذَا أَتْبَعَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ حَدِيثَ سَعْدٍ بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَة كَالْمُفَسِّرِ لَهُ. قُلْتُ : وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَة هُنَا ذِكْر الْقِرَاءَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ. نَعَمْ هُوَ مَذْكُور مِنْ حَدِيثِهِ بَعْدَ عَشَرَةِ أَبْوَاب , وَإِنَّمَا تَتِمُّ الدَّلَالَةُ عَلَى الْوُجُوبِ إِذَا ضَمَّ إِلَى مَا ذَكَرَ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - \" صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي \" فَيَحْصُلُ التَّطَابُقُ بِهَذَا لِقَوْلِهِ \" الْقِرَاءَة لِلْإِمَامِ \" وَمَا ذَكَرَ مِنْ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ , وَأَمَّا الْحَضَرُ وَالسَّفَرُ وَقِرَاءَة الْمَأْمُومِ فَمِنْ غَيْرِ حَدِيثِ سَعْدٍ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْبَابِ , وَقَدْ يُؤْخَذُ السَّفَرُ وَالْحَضَرُ مِنْ إِطْلَاقِ قَوْلِهِ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ , وَأَمَّا وُجُوبُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْإِمَامِ فَمِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ فِي الْبَابِ , وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ اِكْتَفَى بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسِيءِ صَلَاته وَهُوَ ثَالِثُ أَحَادِيثِ الْبَاب \" وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلّهَا \" , وَبِهَذَا اَلتَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ اِعْتِرَاض الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره حَيْثُ قَالَ : لَا دَلَالَةَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ , وَإِنَّمَا فِيهِ تَخْفِيفهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ عَنْ الْأُولَيَيْنِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ بِالشَّكِّ , وَفِي رِوَايَةِ اِبْن عُيَيْنَة \" فَبَعَثَ عُمَر رَجُلَيْنِ \" وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَعَادَهُ إِلَى الْكُوفَةِ لِيَحْصُل لَهُ الْكَشْفُ عَنْهُ بِحَضْرَتِهِ لِيَكُونَ أَبْعَد مِنْ التُّهْمَةِ , لَكِنَّ كَلَام سَيْف يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَمَا عَادَ بِهِ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة مِنْ الْكُوفَةِ. وَذَكَرَ سَيْف وَالطَّبَرِيّ أَنَّ رَسُولَ عُمَرَ بِذَلِكَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة قَالَ : وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَقْتَصُّ آثَار مَنْ شُكِيَ مِنْ الْعُمَّالِ فِي زَمَنِ عُمَر. وَحَكَى اِبْنُ التِّينِ أَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ فِي ذَلِكَ عَبْدَ اللَّه بْن أَرْقَم , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَقَدْ عُرِفَ الرَّجُلَانِ. ‏ ‏وَرَوَى اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيقِ مَلِيح بْن عَوْف السُّلَمِيّ قَالَ : بَعَثَ عُمَرُ مُحَمَّدَ بْن مَسْلَمَة وَأَمَرَنِي بِالْمَسِيرِ مَعَهُ وَكُنْت دَلِيلًا بِالْبِلَادِ , فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا \" وَأَقَامَ سَعْدًا فِي مَسَاجِدِ الْكُوفَةِ يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ \" وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاق عَنْ جَرِير \" فَطِيفَ بِهِ فِي مَسَاجِدِ الْكُوفَةِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَيُثْنُونَ عَلَيْهِ مَعْرُوفًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن عُيَيْنَة \" فَكُلّهمْ يُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لِبَنِي عَبْس ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَة قَبِيلَة كَبِيرَة مِنْ قَيْس. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَبَا سَعْدَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَة سَاكِنَة , زَادَ سَيْف فِي رِوَايَتِهِ \" فَقَالَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة : أُنْشِدُ اَللَّهَ رَجُلًا يَعْلَمُ حَقًّا إِلَّا قَالَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَمَّا ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ , وَقَسِيمُهَا مَحْذُوف أَيْضًا , قَوْلُهُ \" نَشَدْتَنَا \" أَيْ : طَلَبْت مِنَّا الْقَوْلَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ ) ‏ ‏الْبَاء لِلْمُصَاحَبَةِ وَالسَّرِيَّةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُخَفَّفَة قِطْعَة مِنْ الْجَيْشِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ أَيْ : لَا يَسِيرُ بِالطَّرِيقَةِ السَّرِيَّةِ أَيْ : الْعَادِلَةِ , وَالْأَوَّل أَوْلَى لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ \" وَلَا يَعْدِلُ \". وَالْأَصْلُ عَدَمُ اَلتَّكْرَارِ , وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنْ اَلتَّأْكِيدِ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة جَرِير وَسُفْيَان بِلَفْظ \" وَلَا يَنْفِرُ فِي اَلسَّرِيَّةِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي الْقَضِيَّةِ ) ‏ ‏أَيْ : الْحُكُومَةِ , وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَان وَسَيْف \" فِي الرَّعِيَّةِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ سَعْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" فَغَضِبَ سَعْدٌ \". وَحَكَى اِبْنُ التِّينِ أَنَّهُ قَالَ \" أَعَلَيَّ تَسْجَعُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَمَا وَاَللَّهِ ) ‏ ‏بِتَخْفِيف الْمِيم حَرْف اِسْتِفْتَاح. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ ) ‏ ‏أَيْ : عَلَيْك , وَالْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّهُ نَفَى عَنْهُ الْفَضَائِلَ الثَّلَاثَ وَهِيَ الشَّجَاعَةُ حَيْثُ قَالَ \" لَا يَنْفِرُ \" وَالْعِفَّة حَيْثُ قَالَ \" لَا يَقْسِمُ \" وَالْحِكْمَة حَيْثُ قَالَ \" لَا يَعْدِلُ \" فَهَذِهِ الثَّلَاثَة تَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَالدِّينِ , فَقَابَلَهَا بِمِثْلِهَا : فَطُولُ الْعُمْرِ يَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ , وَطُولُ الْفَقْرِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ , وَالْوُقُوعُ فِي الْفِتَنِ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ , وَلَمَّا كَانَ فِي الثِّنْتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مَا يُمْكِنُ الِاعْتِذَارُ عَنْهُ دُونَ اَلثَّالِثَةِ قَابَلَهُمَا بِأَمْرَيْنِ دُنْيَوِيَّيْنِ وَالثَّالِثَة بِأَمْر دِينِيٍّ , وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ \" لَا يَنْفِرُ بِالسَّرِيَّةِ \" يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا لَكِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي إِقَامَتِهِ لِيُرَتِّبَ مَصَالِحَ مَنْ يَغْزُو وَمَنْ يُقِيمُ , أَوْ كَانَ لَهُ عُذْر كَمَا وَقَعَ وَهُوَ فِي الْقَادِسِيَّةِ وَقَوْلُهُ \" لَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ \" يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا فَإِنَّ لِلْإِمَامِ تَفْضِيلَ أَهْلِ الْغَنَاءِ فِي الْحَرْبِ وَالْقِيَامِ بِالْمَصَالِحِ , وَقَوْلُهُ \" لَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ \" هُوَ أَشَدُّهَا ; لِأَنَّهُ سَلَبَ عَنْهُ الْعَدْلَ مُطْلَقًا وَذَلِكَ قَدْح فِي الدِّينِ , وَمِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ أَنَّ سَعْدًا مَعَ كَوْنِ هَذَا الرَّجُل وَاجَهَهُ بِهَذَا وَأَغْضَبَهُ حَتَّى دَعَا عَلَيْهِ فِي حَال غَضَبِهِ رَاعَى الْعَدْل وَالْإِنْصَاف فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِ , إِذْ عَلَّقَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا وَأَنْ يَكُونَ الْحَامِل لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْغَرَض الدُّنْيَوِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رِيَاء وَسُمْعَة ) ‏ ‏أَيْ : لِيَرَاهُ النَّاسُ وَيَسْمَعُوهُ فَيُشْهِرُوا ذَلِكَ عَنْهُ فَيَكُونَ لَهُ بِذَلِكَ ذِكْر , وَسَيَأْتِي مَزِيد فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَطِلْ فَقْرَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" وَشَدِّدْ فَقْره \" وَفِي رِوَايَة سَيْف \" وَأَكْثِرْ عِيَاله \" قَالَ الزَّيْنُ بْن الْمُنِير : فِي الدَّعَوَاتِ الثَّلَاثِ مُنَاسَبَة لِلْحَالِ , أَمَّا طُولُ عُمْرِهِ فَلِيَرَاهُ مَنْ سَمِعَ بِأَمْرِهِ فَيَعْلَمَ كَرَامَة سَعْد , وَأَمَّا طُولُ فَقْرِهِ فَلِنَقِيض مَطْلُوبِهِ ; لِأَنَّ حَالَهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ طَلَبَ أَمْرًا دُنْيَوِيًّا , وَأَمَّا تَعَرُّضُهُ لِلْفِتَنِ فَلِكَوْنِهِ قَامَ فِيهَا وَرَضِيَهَا دُونَ أَهْلِ بَلَدِهِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَكَانَ بَعْدُ ) ‏ ‏أَيْ : أَبُو سَعْدَة , وَقَائِل ذَلِكَ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر بَيَّنَهُ جَرِير فِي رِوَايَتِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا سُئِلَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن عُيَيْنَة \" إِذْ قِيلَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( شَيْخ كَبِير مَفْتُون ) ‏ ‏قِيلَ : لَمْ يَذْكُرْ الدَّعْوَةَ الْأُخْرَى وَهِيَ الْفَقْرُ لَكِنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ \" أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْد \" يَدُلُّ عَلَيْهِ. قُلْتُ : قَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيقِ أَسَد بْن مُوسَى , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى عَنْ إِبْرَاهِيم بْن الْحَجَّاج كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَة وَلَفْظُهُ \" قَالَ عَبْد الْمَلِك : فَأَنَا رَأَيْته يَتَعَرَّضُ لِلْإِمَاءِ فِي السِّكَكِ , فَإِذَا سَأَلُوهُ قَالَ : كَبِيرٌ فَقِيرٌ مَفْتُونٌ \" وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاق عَنْ جَرِير \" فَافْتَقَرَ وَافْتُتِنَ \" وَفِي رِوَايَة سَيْف \" فَعَمِيَ وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ عَشْر بَنَات , وَكَانَ إِذَا سَمِعَ بِحِسِّ الْمَرْأَةِ تَشَبَّثَ بِهَا , فَإِذَا أُنْكِرَ عَلَيْهِ قَالَ : دَعْوَة الْمُبَارَك سَعْد \" وَفِي رِوَايَةِ اِبْن عُيَيْنَة \" وَلَا تَكُونُ فِتْنَة إِلَّا وَهُوَ فِيهَا \" وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّد بْن جُحَادَةَ عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد نَحْوُ هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ \" وَأَدْرَكَ فِتْنَة الْمُخْتَار فَقُتِلَ فِيهَا \" رَوَاهُ الْمُخَلِّصُ فِي فَوَائِدِهِ. وَمِنْ طَرِيقِهِ اِبْن عَسَاكِرَ , وَفِي رِوَايَة سَيْف أَنَّهُ عَاشَ إِلَى فِتْنَة الْجَمَاجِم وَكَانَتْ سَنَة ثَلَاث وَثَمَانِينَ , وَكَانَتْ فِتْنَة الْمُخْتَار حِينَ غَلَبَ عَلَى الْكُوفَةِ مِنْ سَنَة خَمْس وَسِتِّينَ إِلَى أَنْ قُتِلَ سَنَة سَبْع وَسِتِّينَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( دَعْوَة سَعْدٍ ) ‏ ‏أَفْرَدَهَا لِإِرَادَةِ الْجِنْسِ وَإِنْ كَانَتْ ثَلَاث دَعَوَات , وَكَانَ سَعْد مَعْرُوفًا بِإِجَابَةِ اَلدَّعْوَةِ , رَوَى الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق اَلشَّعْبِيّ قَالَ \" قِيلَ لِسَعْد مَتَى أَصَبْت اَلدَّعْوَةَ ؟ قَالَ : يَوْمَ بَدْر , قَالَ اَلنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اَللَّهُمَّ اِسْتَجِبْ لِسَعْد \" وَرَوَى اَلتِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ قَيْس بْن أَبِي حَازِم عَنْ سَعْدٍ أَنَّ اَلنَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ \" اللَّهُمَّ اِسْتَجِبْ لِسَعْدٍ إِذَا دَعَاك \". وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ سِوَى مَا تَقَدَّمَ جَوَازُ عَزْلِ الْإِمَامِ بَعْضَ عُمَّالِهِ إِذَا شُكِيَ إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِذَا اِقْتَضَتْ ذَلِكَ الْمَصْلَحَة , قَالَ مَالِك : قَدْ عَزَلَ عُمَر سَعْدًا وَهُوَ أَعْدَلُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ عُمَرَ عَزَلَهُ حَسْمًا لِمَادَّة الْفِتْنَة , فَفِي رِوَايَة سَيْف \" قَالَ عُمَر : لَوْلَا الِاحْتِيَاطُ وَأَنْ لَا يُتَّقَى مِنْ أَمِيرٍ مِثْلِ سَعْدٍ لَمَا عَزَلْتُهُ \". وَقِيلَ عَزَلَهُ إِيثَارًا لِقُرْبِهِ مِنْهُ لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى , وَقِيلَ : لِأَنَّ مَذْهَبَ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ بِالْعَامِلِ أَكْثَر مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ , وَقَالَ الْمَازِرِيّ : اِخْتَلَفُوا هَلْ يُعْزَلُ الْقَاضِي بِشَكْوَى الْوَاحِدِ أَوْ الِاثْنَيْنِ أَوْ لَا يُعْزَلُ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْأَكْثَر عَلَى الشَّكْوَى مِنْهُ ؟ وَفِيهِ اِسْتِفْسَارُ الْعَامِلِ عَمَّا قِيلَ فِيهِ , وَالسُّؤَالُ عَمَّنْ شُكِيَ فِي مَوْضِعِ عَمَلِهِ , وَالِاقْتِصَار فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَنْ يُظَنُّ بِهِ الْفَضْلُ. وَفِيهِ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ عَدَالَة الشَّاهِدِ وَنَحْوِهِ يَكُونُ مِمَّنْ يُجَاوِرُهُ , وَأَنَّ تَعْرِيضَ الْعَدْلِ لِلْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ لَا يُنَافِي قَبُول شَهَادَتِهِ فِي الْحَالِ. وَفِيهِ خِطَابُ الرَّجُلِ الْجَلِيلِ بِكُنْيَتِهِ , وَالِاعْتِذَار لِمَنْ سُمِعَ فِي حَقِّهِ كَلَام يَسُوءُهُ. وَفِيهِ الْفَرْقُ بَيْنَ اَلِافْتِرَاءِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ السَّبّ , وَالِافْتِرَاء الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ دَفْعُ اَلضَّرَر , فَيُعَزَّرُ قَائِل الْأَوَّل دُونَ اَلثَّانِي. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَعْد لَمْ يَطْلُبْ حَقَّهُ مِنْهُمْ أَوْ عَفَا عَنْهُمْ وَاكْتَفَى بِالدُّعَاءِ عَلَى الَّذِي كَشَفَ قِنَاعه فِي الِافْتِرَاءِ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ صَارَ كَالْمُنْفَرِدِ بِأَذِيَّتِهِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ \" مَنْ دَعَا عَلَى ظَالِمِهِ فَقَدْ اِنْتَصَرَ \" فَلَعَلَّهُ أَرَادَ الشَّفَقَةَ عَلَيْهِ بِأَنْ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَة فِي الدُّنْيَا , فَانْتَصَرَ لِنَفْسِهِ وَرَاعَى حَال مَنْ ظَلَمَهُ لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ وُفُورِ اَلدِّيَانَة. وَيُقَالُ إِنَّهُ إِنَّمَا دَعَا عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ اِنْتَهَكَ حُرْمَةَ مَنْ صَحِبَ صَاحِبَ الشَّرِيعَةِ , وَكَأَنَّهُ قَدْ اِنْتَصَرَ لِصَاحِبِ الشَّرِيعَةِ. وَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِ الْمُعَيَّنِ بِمَا يَسْتَلْزِمُ النَّقْص فِي دِينِهِ , وَلَيْسَ هُوَ مِنْ طَلَبِ وُقُوع الْمَعْصِيَةِ , وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى نِكَايَةِ الظَّالِمِ وَعُقُوبَتِهِ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَشْرُوعِيَّة طَلَبِ الشَّهَادَةِ وَإِنْ كَانَتْ تَسْتَلْزِمُ ظُهُور الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ , وَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْل مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : ( رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ الْآيَة. وَفِيهِ سُلُوكُ الْوَرَعِ فِي اَلدُّعَاءِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ مُتَسَاوِيَتَانِ فِي الطُّولِ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ مَحْمُود بْن اَلرَّبِيع , فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ سَمِعْت مَحْمُود بْن الرَّبِيع \" وَلِابْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان بِالْإِسْنَادِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" سَمِعْت عُبَادَة بْن اَلصَّامِت \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ صَالِح بْن كَيْسَانَ \" عَنْ اِبْنِ شِهَاب أَنَّ مَحْمُود بْن الرَّبِيع أَخْبَرَهُ أَنَّ عُبَادَة بْن اَلصَّامِت أَخْبَرَهُ \" , وَبِهَذَا التَّصْرِيحِ بِالْإِخْبَارِ يَنْدَفِعُ تَعْلِيل مَنْ أَعَلَّهُ بِالِانْقِطَاعِ لِكَوْن بَعْض الرُّوَاةِ أَدْخَلَ بَيْنَ مَحْمُود وَعُبَادَة رَجُلًا وَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "714",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ ‏ ‏بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ) ‏ ‏زَادَ الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" فِيهَا \" كَذَا فِي مُسْنَدِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ يَعْقُوب بْن سُفْيَان عَنْ الْحُمَيْدِيِّ , أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ. وَكَذَا لِابْن أَبِي عُمَر عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ , وَلِقُتَيْبَةَ وَعُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ , وَهَذَا يُعَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ الْقِرَاءَة فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ , قَالَ عِيَاض : قِيلَ يُحْمَلُ عَلَى نَفْي اَلذَّات وَصِفَاتهَا , لَكِنَّ الذَّاتَ غَيْر مُنْتَفِيَةٍ فَيُخَصُّ بِدَلِيلٍ خَارِج , وَنُوزِعَ فِي تَسْلِيم عَدَم نَفْي الذَّات عَلَى الْإِطْلَاقِ ; لِأَنَّهُ إِنْ اِدَّعَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيّ فَغَيْر مُسَلَّمٍ ; لِأَنَّ أَلْفَاظَ الشَّارِعِ مَحْمُولَة عَلَى عُرْفِهِ ; لِأَنَّهُ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهِ لِكَوْنِهِ بُعِثَ لِبَيَان الشَّرْعِيَّاتِ لَا لِبَيَانِ مَوْضُوعَاتِ اللُّغَةِ , وَإِذَا كَانَ الْمَنْفِيّ الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة اِسْتَقَامَ دَعْوَى نَفْي الذَّات , فَعَلَى هَذَا لَا يُحْتَاجُ إِلَى إِضْمَار الْإِجْزَاء وَلَا الْكَمَال ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْإِجْمَالِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْر وَغَيْره حَتَّى مَالَ إِلَى التَّوَقُّفِ ; لِأَنَّ نَفْي الْكَمَال يُشْعِرُ بِحُصُول الْإِجْزَاء فَلَوْ قُدِّرَ الْإِجْزَاء مُنْتَفِيًا لِأَجْلِ الْعُمُومِ قُدِّرَ ثَابِتًا لِأَجْلِ إِشْعَارِ نَفْيِ الْكَمَال بِثُبُوتِهِ فَيَتَنَاقَضُ , وَلَا سَبِيلَ إِلَى إِضْمَارِهِمَا مَعًا ; لِأَنَّ الْإِضْمَارَ إِنَّمَا اُحْتِيجَ إِلَيْهِ لِلضَّرُورَةِ , وَهِيَ مُنْدَفِعَةٌ بِإِضْمَارِ فَرْدٍ فَلَا حَاجَةَ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهُ , وَدَعْوَى إِضْمَار أَحَدِهِمَا لَيْسَتْ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ , قَالَهُ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ , وَفِي هَذَا الْأَخِيرِ نَظَرٌ ; لِأَنَّا إِنْ سَلَّمْنَا تَعَذُّرَ الْحَمْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَالْحَمْل عَلَى أَقْرَبِ الْمَجَازَيْنِ إِلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى أَبْعَدِهِمَا , وَنَفْي الْإِجْزَاء أَقْرَب إِلَى نَفْيِ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ السَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ ; وَلِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ نَفْي الْكَمَال مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ فَيَكُونُ أَوْلَى , وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد النَّرْسِيّ أَحَد شُيُوخ الْبُخَارِيّ عَنْ سُفْيَان بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظ \" لَا تُجْزِئُ صَلَاة لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ \" وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ زِيَاد بْن أَيُّوب أَحَد الْأَثْبَات أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ , وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا بِهَذَا اللَّفْظِ , أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا , وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اَللَّهِ بْن سَوَادَة الْقُشَيْرِيّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا \" لَا تُقْبَلُ صَلَاة لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ \" وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ مُحَمَّد بْن الْوَلِيد الْقُرَشِيّ عَنْ سُفْيَان حَدِيثَ الْبَابِ بِلَفْظ \" لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ \" فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ قَوْلَهُ \" لَا صَلَاةَ \" نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَيْ : لَا تُصَلُّوا إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ , وَنَظِيرُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا \" لَا صَلَاةَ بِحَضْرَة اَلطَّعَام \" فَإِنَّهُ فِي صَحِيحِ اِبْنِ حِبَّانَ بِلَفْظ \" لَا يُصَلِّي أَحَدكُمْ بِحَضْرَة اَلطَّعَام \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل وَغَيْره عَنْ يَعْقُوب بْن مُجَاهِد عَنْ الْقَاسِمِ , وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْن بْن عَلِيّ وَغَيْره عَنْ يَعْقُوبَ بِهِ , وَأَخْرَجَ لَهُ اِبْن حِبَّانَ أَيْضًا شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة بِهَذَا اللَّفْظِ , وَقَدْ قَالَ بِوُجُوب قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ الْحَنَفِيَّةُ لَكِنْ بَنَوْا عَلَى قَاعِدَتِهِمْ أَنَّهَا مَعَ الْوُجُوبِ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ اَلصَّلَاةِ ; لِأَنَّ وُجُوبَهَا إِنَّمَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ , وَاَلَّذِي لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهِ فَرْضٌ , وَالْفَرْض عِنْدَهُمْ لَا يَثْبُتُ بِمَا يَزِيدُ عَلَى الْقُرْآنِ , وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ ) فَالْفَرْض قِرَاءَة مَا تَيَسَّرَ , وَتَعْيِين الْفَاتِحَةِ إِنَّمَا ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ فَيَكُونُ وَاجِبًا يَأْثَمُ مَنْ يَتْرُكُهُ وَتُجْزِئُ الصَّلَاة بِدُونِهِ , وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ لَا يَنْقَضِي عَجَبِي مِمَّنْ يَتَعَمَّدُ تَرْك قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مِنْهُمْ وَتَرْكَ الطُّمَأْنِينَةِ فَيُصَلِّي صَلَاة يُرِيدُ أَنْ يَتَقَرَّبَ بِهَا إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ يَتَعَمَّدُ اِرْتِكَابَ الْإِثْمِ فِيهَا مُبَالَغَة فِي تَحْقِيقِ مُخَالَفَتِهِ لِمَذْهَبِ غَيْرِهِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَة بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرَّكْعَةَ الْوَاحِدَةَ تُسَمَّى صَلَاةً لَوْ تَجَرَّدَتْ , وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ قِرَاءَتَهَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ مَثَلًا يَقْتَضِي حُصُول اِسْم قِرَاءَتهَا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ , وَالْأَصْلُ عَدَم وُجُوبِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ , وَالْأَصْلُ أَيْضًا عَدَم إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ ; لِأَنَّ الظُّهْرَ مَثَلًا كُلّهَا صَلَاة وَاحِدَة حَقِيقَة كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيث الْإِسْرَاء حَيْثُ سَمَّى الْمَكْتُوبَاتِ خَمْسًا , وَكَذَا حَدِيث عُبَادَة \" خَمْس صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ \" وَغَيْر ذَلِكَ , فَإِطْلَاق الصَّلَاة عَلَى رَكْعَةٍ مِنْهَا يَكُونُ مَجَازًا , قَالَ الشَّيْخُ تَقِيّ الدِّين : وَغَايَةُ مَا فِي هَذَا الْبَحْثِ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةَ مَفْهُومٍ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا , فَإِنْ دَلَّ دَلِيل خَارِج مَنْطُوق عَلَى وُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَانَ مُقَدَّمًا. اِنْتَهَى. وَقَالَ بِمُقْتَضَى هَذَا الْبَحْثِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَوَاهُ عَنْهُ اِبْن الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ , وَدَلِيل الْجُمْهُورِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - \" وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلّهَا \" بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُ بِالْقِرَاءَةِ , وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ \" ثُمَّ اِفْعَلْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَة \" وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَاد الْبُخَارِيّ لَهُ عَقِبَ حَدِيث عُبَادَة \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ سَوَاء أَسَرَّ الْإِمَام أَمْ جَهَرَ ; لِأَنَّ صَلَاتَهُ صَلَاة حَقِيقَة فَتَنْتَفِي عِنْدَ اِنْتِفَاء الْقِرَاءَة إِلَّا إِنْ جَاءَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي تَخْصِيص صَلَاة الْمَأْمُومِ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ فَيُقَدَّم , قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيّ الدِّين , وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَسْقَطَهَا عَنْ الْمَأْمُومِ مُطْلَقًا كَالْحَنَفِيَّةِ بِحَدِيث \" مَنْ صَلَّى خَلْفَ إِمَام فَقِرَاءَة الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَة \" لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْحُفَّاظِ , وَقَدْ اِسْتَوْعَبَ طُرُقَهُ وَعَلَّلَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْره , وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَسْقَطَهَا عَنْهُ فِي الْجَهْرِيَّةِ كَالْمَالِكِيَّةِ بِحَدِيث \" وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا \" وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ , وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ : فَيُنْصِتُ فِيمَا عَدَا الْفَاتِحَة , أَوْ يُنْصِتُ إِذَا قَرَأَ الْإِمَام وَيَقْرَأُ إِذَا سَكَتَ , وَعَلَى هَذَا فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ السُّكُوت فِي الْجَهْرِيَّةِ لِيَقْرَأ الْمَأْمُوم لِئَلَّا يُوقِعَهُ فِي اِرْتِكَابِ النَّهْيِ حَيْثُ لَا يُنْصِتُ إِذَا قَرَأَ الْإِمَام , وَقَدْ ثَبَتَ الْإِذْنُ بِقِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ الْفَاتِحَةَ فِي الْجَهْرِيَّةِ بِغَيْرِ قَيْد , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" جُزْء الْقِرَاءَة \" وَاَلتِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ رِوَايَة مَكْحُول عَنْ مَحْمُود بْن الرَّبِيع عَنْ عُبَادَة \" أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فِي الْفَجْرِ , فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ. قَالَ : فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ , فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا \" وَالظَّاهِر أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ مُخْتَصَر مِنْ هَذَا وَكَانَ هَذَا سَبَبَهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَة عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ , وَمِنْ حَدِيثِ أَنَس عِنْدَ اِبْنِ حِبَّانَ , وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : لَا بُدَّ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ , وَلَكِنَّ مَنْ مَضَى كَانَ الْإِمَامُ يَسْكُتُ سَاعَة قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الْمَأْمُوم بِأُمِّ الْقُرْآنِ. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏زَادَ مَعْمَر عَنْ اَلزُّهْرِيِّ فِي آخِر حَدِيثِ الْبَاب \" فَصَاعِدًا \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوب قَدْر زَائِد عَلَى الْفَاتِحَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ وَرَدَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ قَصْرِ الْحُكْمِ عَلَى الْفَاتِحَةِ , قَالَ الْبُخَارِيّ فِي \" جُزْء الْقِرَاءَة \" : هُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ \" تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَار فَصَاعِدًا \" وَادَّعَى اِبْن حِبَّانَ وَالْقُرْطُبِيّ وَغَيْرُهُمَا الْإِجْمَاع عَلَى عَدَمِ وُجُوب قَدْر زَائِد عَلَيْهَا , وَفِيهِ نَظَرٌ لِثُبُوتِهِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِيمَا رَوَاهُ اِبْن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ , وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ الْأَمْرَ اِسْتَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَبْوَاب حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة \" وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ \" وَلِابْن خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاسٍ \" أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "715",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَدَّ وَقَالَ ‏ ‏ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ ‏ ‏يُصَلِّي كَمَا صَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلَاثًا فَقَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي فَقَالَ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاته وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَرْبَعَة وَعِشْرِينَ بَابًا , وَمَوْضِع الْحَاجَةِ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ ‏ ‏\" ثُمَّ اِقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ \" ‏ ‏وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِإِبْرَادِهِ عَقِبَ حَدِيث عُبَادَةَ أَنَّ الْفَاتِحَةَ إِنَّمَا تَتَحَتَّمُ عَلَى مَنْ يُحْسِنُهَا , وَأَنَّ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا يَقْرَأُ بِمَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ , وَأَنَّ إِطْلَاق الْقِرَاءَة فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة مُقَيَّد بِالْفَاتِحَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ عُبَادَة - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. قَالَ الْخَطَّابِيّ : قَوْلُهُ \" ثُمَّ اِقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ \" ظَاهِر الْإِطْلَاقِ اَلتَّخْيِير ; لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ فَاتِحَة الْكِتَابِ لِمَنْ أَحْسَنَهَا بِدَلِيلِ حَدِيثِ عُبَادَة , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ ) ثُمَّ عَيَّنَتْ اَلسُّنَّةُ الْمُرَاد. وَقَالَ النَّوَوِيّ : قَوْلُهُ \" مَا تَيَسَّرَ \" مَحْمُول عَلَى الْفَاتِحَةِ فَإِنَّهَا مُتَيَسِّرَة , أَوْ عَلَى مَا زَادَ مِنْ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ أَنْ يَقْرَأَهَا , أَوْ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ الْفَاتِحَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ \" مَا تَيَسَّرَ \" لَا إِجْمَالَ فِيهِ حَتَّى يُبَيَّنَ بِالْفَاتِحَةِ , وَالتَّقْيِيد بِالْفَاتِحَةِ يُنَافِي التَّيْسِير الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْإِطْلَاق فَلَا يَصِحُ حَمْله عَلَيْهِ. وَأَيْضًا فَسُورَة الْإِخْلَاصِ مُتَيَسِّرَة وَهِيَ أَقْصَرُ مِنْ الْفَاتِحَةِ فَلَمْ يَنْحَصِرْ التَّيْسِيرُ فِي الْفَاتِحَةِ , وَأَمَّا الْحَمْلُ عَلَى مَا زَادَ فَمَبْنِيّ عَلَى تَسْلِيمِ تَعَيُّنِ الْفَاتِحَة وَهِيَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى مَنْ عَجَزَ فَبَعِيد , وَالْجَوَابُ الْقَوِيُّ عَنْ هَذَا أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاته تَفْسِيرُ مَا تَيَسَّرَ بِالْفَاتِحَةِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَة بْن رَافِع رَفَعَهُ \" وَإِذَا قُمْت فَتَوَجَّهْت فَكَبِّرْ ثُمَّ اِقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ , وَإِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْك عَلَى رُكْبَتَيْك \" الْحَدِيث. وَوَقَعَ فِيهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ \" ثُمَّ اِقْرَأْ إِنْ كَانَ مَعَك قُرْآن , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاحْمَدْ اللَّه وَكَبِّرْ وَهَلِّلْ \" فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ كَانَ تَعَيُّنُ الْفَاتِحَة هُوَ الْأَصْلُ لِمَنْ مَعَهُ قُرْآن , فَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَعَلُّمِهَا وَكَانَ مَعَهُ شَيْء مِنْ الْقُرْآنِ قَرَأَ مَا تَيَسَّرَ , وَإِلَّا اِنْتَقَلَ إِلَى الذِّكْرِ. وَيَحْتَمِلُ الْجَمْعُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ \" فَاقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ \" أَيْ : بَعْدَ الْفَاتِحَةِ , وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيد عِنْدَ أَبِي دَاوُد بِسَنَدٍ قَوِيٍّ \" أَمَرَنَا رَسُولُ اَللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا تَيَسَّرَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "716",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ لَا ‏ ‏أَخْرِمُ ‏ ‏عَنْهَا ‏ ‏أَرْكُدُ ‏ ‏فِي الْأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "717",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ وَيُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا شَيْبَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْد اَللَّه بْن أَبِي قَتَادَة عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةٍ الْجَوْزَقِيّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن مُوسَى عَنْ شَيْبَان التَّصْرِيحُ بِالْإِخْبَارِ لِيَحْيَى مِنْ عَبْد اللَّه وَلِعَبْد اللَّه مِنْ أَبِيهِ , وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ يَحْيَى لَكِنْ بِلَفْظِ التَّحْدِيث فِيهِمَا , وَكَذَا عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي إِبْرَاهِيم الْقَنَّاد عَنْ يَحْيَى حَدَّثَنِي عَبْد اَللَّه فَأُمِنَ بِذَلِكَ تَدْلِيسُ يَحْيَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الْأُولَيَيْنِ ) ‏ ‏بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ تَثْنِيَة الْأُولَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( صَلَاة اَلظُّهْرِ ) ‏ ‏فِيهِ جَوَاز تَسْمِيَة الصَّلَاة بِوَقْتِهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَسُورَتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ : فِي كُلِّ رَكْعَة سُورَة كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ سُورَةٍ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَة قَدْرهَا مِنْ طَوِيلَةٍ قَالَهُ النَّوَوِيّ , وَزَادَ الْبَغَوِيّ : وَلَوْ قَصُرَتْ السُّورَة عَنْ الْمَقْرُوءِ , كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ كَانَ يَفْعَلُ ; لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ أَوْ الْغَالِب ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ ) ‏ ‏قَالَ الشَّيْخُ تَقِيّ الدِّين : كَانَ اَلسَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّشَاطَ فِي الْأُولَى يَكُونُ أَكْثَر فَنَاسَبَ التَّخْفِيفُ فِي الثَّانِيَةِ حَذَرًا مِنْ الْمَلَلِ. اِنْتَهَى. وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ \" فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يُدْرِكَ النَّاس الرَّكْعَة \" , وَلِأَبِي دَاوُد وَابْن خُزَيْمَةَ نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي خَالِد عَنْ سُفْيَان عَنْ مَعْمَرٍ , وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : إِنِّي لَأُحِبّ أَنْ يُطَوِّلَ الْإِمَام الرَّكْعَة الْأُولَى مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَكْثُرَ النَّاسُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِسْتِحْبَاب تَطْوِيل الْأُولَى عَلَى اَلثَّانِيَةِ وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَد , وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيث سَعْدٍ الْمَاضِي حَيْثُ قَالَ \" أَمُدُّ فِي الْأُولَيَيْنِ \" أَنَّ الْمُرَادَ تَطْوِيلُهُمَا عَلَى الْأُخْرَيَيْنِ لَا اَلتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الطُّولِ. وَقَالَ مَنْ اِسْتَحَبَّ اِسْتِوَاءَهُمَا : إِنَّمَا طَالَتْ الْأُولَى بِدُعَاءِ اَلِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ , وَأَمَّا فِي الْقِرَاءَةِ فَهُمَا سَوَاء , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيد عِنْدَ مُسْلِم \" كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَة قَدْر ثَلَاثِينَ آيَة \" وَفِي رِوَايَةٍ لِابْن مَاجَهْ أَنَّ الَّذِينَ حَزَرُوا ذَلِكَ كَانُوا ثَلَاثِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ , وَادَّعَى اِبْن حِبَّانَ أَنَّ الْأُولَى إِنَّمَا طَالَتْ عَلَى الثَّانِيَةِ بِالزِّيَادَةِ فِي التَّرْتِيلِ فِيهَا مَعَ اِسْتِوَاء الْمَقْرُوء فِيهِمَا , وَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث حَفْصَة \" أَنَّهُ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُرَتِّلُ اَلسُّورَةَ حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا \" , وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض اَلشَّافِعِيَّةِ عَلَى جَوَاز تَطْوِيل الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ لِأَجْلِ الدَّاخِلِ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْحِكْمَةَ لَا يُعَلَّلُ بِهَا لِخَفَائِهَا أَوْ لِعَدَمِ اِنْضِبَاطِهَا ; وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ يُرِيدُ تَقْصِير تِلْكَ الرَّكْعَة ثُمَّ يُطِيلُهَا لِأَجْلِ الْآتِي , وَإِنَّمَا كَانَ يَدْخُلُ فِيهَا لِيَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ عَلَى سُنَّتِهَا مِنْ تَطْوِيل الْأُولَى , فَافْتَرَقَ الْأَصْل وَالْفَرْع فَامْتَنَعَ الْإِلْحَاقُ. اِنْتَهَى. وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي \" جُزْء الْقِرَاءَة \" كَلَامًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ فِي انْتِظَارِ الدَّاخِل فِي الرُّكُوعِ شَيْء - وَاَللَّه أَعْلَمُ -. وَلَمْ يَقَعْ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَة هَذَا هُنَا ذِكْرُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ , فَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى إِسْقَاطِهَا فِيهِمَا ; لَكِنَّهُ ثَبَتَ فِي حَدِيثِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِهِ بَعْدَ عَشَرَة أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَيُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ \" وَيُسْمِعُنَا \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَةِ شَيْبَان , وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث الْبَرَاء \" كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ فَنَسْمَعُ مِنْهُ الْآيَةَ بَعْدَ الْآيَةِ مِنْ سُورَةِ لُقْمَانَ وَالذَّارِيَاتِ \" وَلِابْن خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَنَس نَحْوُهُ لَكِنْ قَالَ \" بِسَبِّحْ اِسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَهَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الْجَهْر فِي السِّرِّيَّةِ وَأَنَّهُ لَا سُجُودَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرهمْ سَوَاء قُلْنَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَمْدًا لِبَيَانِ الْجَوَاز أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ لِلِاسْتِغْرَاقِ فِي التَّدَبُّرِ , وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِسْرَارَ شَرْط لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ \" أَحْيَانًا \" يَدُلُّ عَلَى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنْهُ. وَقَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : فِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز الِاكْتِفَاء بِظَاهِرِ الْحَالِ فِي الْإِخْبَارِ دُونَ التَّوَقُّفِ عَلَى الْيَقِينِ ; لِأَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الْعِلْمِ بِقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي اَلسِّرِّيَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِسَمَاعِ كُلِّهَا , وَإِنَّمَا يُفِيدُ يَقِين ذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي الْجَهْرِيَّةِ , وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ سَمَاعِ بَعْضِهَا مَعَ قِيَامِ الْقَرِينَةِ عَلَى قِرَاءَة بَاقِيهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اَلرَّسُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُخْبِرُهُمْ عَقِبَ الصَّلَاةِ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا بِقِرَاءَةِ السُّورَتَيْنِ , وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. ‏"
    },
    {
        "id": "718",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَارَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْنَا ‏ ‏خَبَّابًا ‏ ‏أَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ قَالَ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عُمَر ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ حَفْص بْن غِيَاث. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي عُمَارَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَيْر كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي مَعْمَر ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن سَخْبَرَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة بَيْنَهُمَا خَاء مُعْجَمَة سَاكِنَة الْأَزْدِيّ , وَأَفَادَ الدِّمْيَاطِيّ أَنَّ لِأَبِيهِ صُحْبَة , وَوَهَّمَهُ بَعْضهمْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ اَلصَّحَابِيَّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ فِي سِيَاقِهِ \" عَنْ سَخْبَرَةَ وَلَيْسَ بِالْأَزْدِيّ \". قُلْتُ : لَكِنْ جَزَمَ الْبُخَارِيّ وَابْن أَبِي خَيْثَمَةَ وَابْن حِبَّانَ بِأَنَّهُ الْأَزْدِيّ , وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِاضْطِرَاب لِحْيَته ) ‏ ‏فِيهِ الْحُكْم بِالدَّلِيلِ ; لِأَنَّهُمْ حَكَمُوا بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ عَلَى قِرَاءَتِهِ , لَكِنْ لَا بُدّ مِنْ قَرِينَةٍ تُعَيِّنُ الْقِرَاءَة دُونَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ مَثَلًا ; لِأَنَّ اِضْطِرَاب اللِّحْيَة يَحْصُلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا , وَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوهُ بِالصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَحَلَّ مِنْهَا هُوَ مَحَلّ الْقِرَاءَة لَا اَلذِّكْر وَالدُّعَاء , وَإِذَا اِنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ قَوْل أَبِي قَتَادَة \" كَانَ يُسْمِعُنَا الْآيَة أَحْيَانًا \" قَوِيَ الِاسْتِدْلَال , - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَقَالَ بَعْضهمْ : اِحْتِمَالُ الذِّكْرِ مُمْكِن لَكِنَّ جَزْمَ اَلصَّحَابِيِّ بِالْقِرَاءَةِ مَقْبُولٌ ; لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِأَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ فَيُقْبَلُ تَفْسِيره , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّف عَلَى مُخَافَتَتِهِ الْقِرَاءَة فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ كَمَا سَيَأْتِي , وَعَلَى رَفْع بَصَرِ الْمَأْمُومِ إِلَى الْإِمَامِ كَمَا مَضَى , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبَيْهَقِيّ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَارَ بِالْقِرَاءَةِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إِسْمَاعِ الْمَرْءِ نَفْسه , وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَحْرِيكِ اللِّسَانِ وَالشَّفَتَيْنِ , بِخِلَافِ مَا لَوْ أَطْبَقَ شَفَتَيْهِ وَحَرَّكَ لِسَانَهُ بِالْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ لَا تَضْطَرِبُ بِذَلِكَ لِحْيَتُهُ فَلَا يُسْمِعُ نَفْسه. اِنْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى. ‏"
    },
    {
        "id": "719",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ‏ ‏أَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قِرَاءَتَهُ قَالَ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( قُلْنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَمَوِيِّ وَالْمُسْتَمْلِي \" قُلْتُ لِخَبَّاب \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اِبْن الْأَرَتّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ اَلرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "720",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ‏ ‏بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ‏ ‏وَسُورَةٍ سُورَةٍ وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "721",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ إِنَّ ‏ ‏أُمَّ الْفَضْلِ ‏ ‏سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ ‏ ‏وَالْمُرْسَلَاتِ ‏ ‏عُرْفًا ‏ ‏فَقَالَتْ يَا بُنَيَّ وَاللَّهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ ‏ ‏إِنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَّ أُمّ الْفَضْل ) ‏ ‏هِيَ وَالِدَةُ اِبْن عَبَّاسٍ الرَّاوِي عَنْهَا , وَبِذَلِكَ صَرَّحَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ \" عَنْ أُمِّهِ أُمّ الْفَضْلِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ اِسْمَهَا لُبَابَة بِنْت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة , وَيُقَالُ إِنَّهَا أَوَّلُ اِمْرَأَةٍ أَسْلَمَتْ بَعْدَ خَدِيجَة , وَالصَّحِيح أُخْت عُمَرَ زَوْج سَعِيد بْن زَيْد لِمَا سَيَأْتِي فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ حَدِيثِهِ \" لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَعُمَر مُوثِقِي وَأُخْته عَلَى الْإِسْلَامِ \" وَاسْمهَا فَاطِمَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( سَمِعَتْه ) ‏ ‏أَيْ : سَمِعَتْ اِبْن عَبَّاسٍ , وَفِيهِ اِلْتِفَاتٌ ; لِأَنَّ السِّيَاقَ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ سَمِعَتْنِي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي ) ‏ ‏أَيْ : شَيْئًا نَسِيتُهُ , وَصَرَّحَ عَقِيلٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّهَا آخِرُ صَلَوَات النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَفْظُهُ \" ثُمَّ مَا صَلَّى لَنَا بَعْدَهَا حَتَّى قَبَضَهُ اَللَّهُ \" أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي \" بَاب الْوَفَاة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَابِ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ \" مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا اَلنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَصْحَابِهِ فِي مَرَضِ مَوْته كَانَتْ الظُّهْرَ , وَأَشَرْنَا إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيث أُمِّ الْفَضْلِ هَذَا بِأَنَّ الصَّلَاةَ اَلَّتِي حَكَتْهَا عَائِشَة كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ , وَاَلَّتِي حَكَتْهَا أُمُّ الْفَضْل كَانَتْ فِي بَيْتِهِ كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ , لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ اِبْنِ شِهَاب فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظ \" خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَاصِب رَأْسه فِي مَرَضِهِ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ \" الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ , وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهَا \" خَرَجَ إِلَيْنَا \" أَيْ : مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ رَاقِدًا فِيهِ إِلَى مَنْ فِي الْبَيْتِ فَصَلَّى بِهِمْ , فَتَلْتَئِمُ الرِّوَايَات. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَقْرَأُ بِهَا ) ‏ ‏هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ : سَمِعْتُهُ فِي حَال قِرَاءَته. ‏"
    },
    {
        "id": "722",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارٍ وَقَدْ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ ‏ ‏بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ اِبْنِ أَبِي مُلَيْكَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ \" حَدَّثَنِي اِبْن أَبِي مُلَيْكَة \" وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عُرْوَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ \" سَمِعْت اِبْن أَبِي مُلَيْكَة أَخْبَرَنِي عُرْوَة أَنَّ مَرْوَانَ أَخْبَرَهُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ لِي زَيْد بْن ثَابِت مَا لَك تَقْرَأُ ) ‏ ‏كَانَ مَرْوَان حِينَئِذٍ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِقِصَارٍ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّنْوِينِ وَهُوَ عِوَضٌ عَنْ الْمُضَافِ إِلَيْهِ , وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ \" وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي مُسْلِم الْكَجِّيّ , وَلِلْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ الصَّغَانِيّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَاصِم شَيْخِ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَكَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَغَيْرِهِمَا , لَكِنْ فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ \" بِقِصَارِ السُّوَرِ \" وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْأُسُودِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْد بْن ثَابِت أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ \" أَبَا عَبْد الْمَلِك أَتَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَإِنَّا أَعْطَيْنَاك الْكَوْثَرَ \" , وَصَرَّحَ الطَّحَاوِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِالْإِخْبَارِ بَيْنَ عُرْوَة وَزَيْد , فَكَأَنَّ عُرْوَة سَمِعَهُ مِنْ مَرْوَانَ عَنْ زَيْد ثُمَّ لَقِيَ زَيْدًا فَأَخْبَرَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَدْ سَمِعْت ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن الْمُنِير عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَادِرًا , قَالَ : لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَقَالَ كَانَ يَفْعَلُ , يُشْعِرُ بِأَنَّ عَادَتَهُ كَانَتْ كَذَلِكَ. اِنْتَهَى. وَغَفَلَ عَمَّا فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِم شَيْخِ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظ \" لَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ \" , وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ حَجَّاج عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ : بِأَطْوَلِ اَلسُّورَتَيْنِ الطَّوِيلَتَيْنِ وَطُولَى تَأْنِيث أَطْوَل , وَالطُّولَيَيْنِ بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ تَثْنِيَة طُولَى , وَهَذِهِ رِوَايَة الْأَكْثَر. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة \" بِطُول \" بِضَمِّ الطَّاءِ وَسُكُون الْوَاوِ , وَوَجَّهَهُ الْكَرْمَانِيّ بِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْمَصْدَر وَأَرَادَ الْوَصْفَ أَيْ : كَانَ يَقْرَأُ بِمِقْدَارِ طُول اَلطُّولَيَيْنِ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَرَأَ بِقَدْرِ اَلسُّورَتَيْنِ , وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَاد كَمَا سَنُوَضِّحُهُ. وَحَكَى الْخَطَّابِيّ أَنَّهُ ضَبَطَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ. قَالَ : وَلَيْسَ بِشَيْء ; لِأَنَّ الطِّوَلَ الْحَبْل وَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا. اِنْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" بِأَطْوَلِ الطُّولَيَيْنِ \" بِالتَّذْكِيرِ , وَلَمْ يَقَعْ تَفْسِيرُهُمَا فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ الْمَذْكُورَةِ \" بِأَطْوَلِ الطُّولَيَيْنِ المص \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد \" قَالَ : قُلْتُ وَمَا طُولَى الطُّولَيَيْنِ ؟ قَالَ : الْأَعْرَافُ \" وَبَيَّنَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ وَلَفْظُهُ \" قَالَ قُلْتُ يَا أَبَا عَبْد اللَّه \" وَهِيَ كُنْيَة عُرْوَة. ‏ ‏وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ \" قَالَ فَقُلْتُ لِعُرْوَة \". وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالَ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ وَمَا طُولَى الطُّولَيَيْنِ \" زَادَ أَبُو دَاوُدَ \" قَالَ - يَعْنِي اِبْن جُرَيْجٍ - وَسَأَلْت أَنَا اِبْن أَبِي مُلَيْكَة فَقَالَ لِي مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ الْمَائِدَةُ وَالْأَعْرَافُ \" كَذَا رَوَاهُ عَنْ الْحَسَن بْن عَلِيّ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق. وَلِلْجَوْزَقِيّ مِنْ طَرِيقِ عَبْد اَلرَّحْمَن بْن بِشْر عَنْ عَبْد الرَّزَّاق مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ \" الْأَنْعَام \" بَدَلَ الْمَائِدَة وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَجَّاج بْن مُحَمَّد وَالصَّغَانِيّ الْمَذْكُورَتَيْنِ , وَعِنْدَ أَبِي مُسْلِم الْكَجِّيِّ عَنْ أَبِي عَاصِم بَدَلَ الْأَنْعَام يُونُس أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ , فَحَصَلَ اَلِاتِّفَاقُ عَلَى تَفْسِير الطُّولَى بِالْأَعْرَافِ , وَفِي تَفْسِيرِ الْأُخْرَى ثَلَاثَة أَقْوَال , الْمَحْفُوظ مِنْهَا الْأَنْعَام , قَالَ اِبْن بَطَّال : الْبَقَرَةُ أَطْوَلُ السَّبْع الطِّوَال فَلَوْ أَرَادَهَا لَقَالَ طُولَى الطِّوَال , فَلَمَّا لَمْ يُرِدْهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْأَعْرَافَ ; لِأَنَّهَا أَطْوَلُ السُّوَرِ بَعْدَ الْبَقَرَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اَلنِّسَاءَ أَطْوَلُ مِنْ الْأَعْرَافِ , وَلَيْسَ هَذَا التَّعْقِيب بِمَرْضِيٍّ ; لِأَنَّهُ اِعْتَبَرَ عَدَدَ الْآيَاتِ وَعَدَدُ آيَات الْأَعْرَافِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ آيَاتِ النِّسَاء وَغَيْرِهَا مِنْ السَّبْعِ بَعْدَ الْبَقَرَةِ , وَالْمُتَعَقِّب اِعْتَبَرَ عَدَدَ الْكَلِمَاتِ ; لِأَنَّ كَلِمَاتِ النِّسَاءِ تَزِيدُ عَلَى كَلِمَاتِ الْأَعْرَافِ بِمِائَتَيْ كَلِمَةٍ. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : تَسْمِيَةُ الْأَعْرَافِ وَالْأَنْعَامِ بِالطُّولَيَيْنِ إِنَّمَا هُوَ لِعُرْفٍ فِيهِمَا لَا أَنَّهُمَا أَطْوَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى اِمْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ , وَعَلَى اِسْتِحْبَابِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا بِغَيْرِ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "723",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ ‏ ‏بِالطُّورِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ مُحَمَّد بْن جُبَيْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيِّ \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن جُبَيْر \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن عَسَاكِر \" يَقْرَأُ \" وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ وَعِنْدَ مُسْلِم , زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ الزُّهْرِيِّ \" وَكَانَ جَاءَ فِي أُسَارَى بَدْر \" وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ الزُّهْرِيّ \" فِي فِدَاءِ أَهْلِ بَدْر \" وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَر \" وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِك \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مَعْمَر أَيْضًا فِي آخِرِهِ قَالَ \" وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا وَقَرَ الْإِيمَان فِي قَلْبِي \" وَلِلطَّبَرَانِيّ مِنْ رِوَايَةِ أُسَامَة بْن زَيْد عَنْ اَلزُّهْرِيِّ نَحْوُهُ وَزَادَ \" فَأَخَذَنِي مِنْ قِرَاءَتِهِ الْكَرْب \" وَلِسَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" فَكَأَنَّمَا صُدِعَ قَلْبِي حِينَ سَمِعْت الْقُرْآن \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ أَدَاءِ مَا تَحَمَّلَهُ الرَّاوِي فِي حَالِ الْكُفْرِ , وَكَذَا الْفِسْق إِذَا أَدَّاهُ فِي حَال الْعَدَالَة. وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَى زَوَائِدَ أُخْرَى فِيهِ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ قَوْلُهُ : ( بِالطُّورِ ) أَيْ بِسُورَةِ الطُّورِ , وَقَالَ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى مِنْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ ) وَسَنَذْكُرُ مَا فِيهِ قَرِيبًا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ : ذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقْرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالسُّوَرِ الطِّوَالِ نَحْوِ الطُّورِ وَالْمُرْسَلَاتِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أَكْرَهُ ذَلِكَ بَلْ أَسْتَحِبُّهُ. وَكَذَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْ الشَّافِعِيِّ , وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا كَرَاهِيَةَ فِي ذَلِكَ وَلَا اِسْتِحْبَابَ. وَأَمَّا مَالِكٌ فَاعْتَمَدَ الْعَمَلَ بِالْمَدِينَةِ بَلْ وَبِغَيْرِهَا. قَالَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : اِسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَى تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ وَتَقْصِيرِهَا فِي الْمَغْرِبِ , وَالْحَقُّ عِنْدَنَا أَنَّ مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ وَثَبَتَتْ مُوَاظَبَتُهُ عَلَيْهِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ , وَمَا لَمْ تَثْبُتْ مُوَاظَبَتُهُ عَلَيْهِ فَلَا كَرَاهَةَ قِيهِ. قُلْتُ : الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ فِي الْقِرَاءَةِ هُنَا ثَلَاثَةٌ مُخْتَلِفَةُ الْمَقَادِيرِ لِأَنَّ الْأَعْرَافَ مِنْ السَّبْعِ الطِّوَالِ , وَالطُّورَ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ , وَالْمُرْسَلَاتِ مِنْ أَوْسَاطِهِ. وَفِي اِبْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَرَأَ بِهِمْ فِي الْمَغْرِبِ بِاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ , وَلَمْ أَرَ حَدِيثًا مَرْفُوعًا فِيهِ التَّنْصِيصُ عَلَى الْقِرَاءَةِ فِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ إِلَّا حَدِيثًا فِي اِبْنِ مَاجَهْ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ نَصَّ فِيهِ عَلَى الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ , وَمِثْلُهُ لِابْنِ حِبَّانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ. فَأَمَّا حَدِيثُ اِبْنِ عُمَرَ فَظَاهِرُ إِسْنَادِهِ الصِّحَّةُ إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : أَخْطَأَ فِيهِ بَعْضُ رُوَاتِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فَفِيهِ سَعِيدُ بْنُ سِمَاكٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ , وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ قَرَأَ بِهِمَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَاعْتَمَدَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ حَدِيثَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ \" مَا رَأَيْت أَحَدًا أَشْبَه صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فُلَانٍ , قَالَ سُلَيْمَانُ : فَكَانَ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ \" الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ. وَهَذَا يُشْعِرُ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ , لَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ يَأْتِي مِثْلُهُ فِي \" بَابِ جَهْرِ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ \" بَعْدَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَابًا. نَعَمْ حَدِيثُ رَافِعٍ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْمَوَاقِيتِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَضِلُونَ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ يَدُلُّ عَلَى تَخْفِيفِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا , وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَحْيَانًا يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَغْرِبِ إِمَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَإِمَّا لِعِلْمِهِ بِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ , وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ , وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ أَنْكَرَ عَلَى مَرْوَانَ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ , وَلَوْ كَانَ مَرْوَانُ يَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ لَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى زَيْدٍ , لَكِنْ لَمْ يُرِدْ زَيْدٌ مِنْهُ فِيمَا يَظْهَرُ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالطِّوَالِ , وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَتَعَاهَدَ ذَلِكَ كَمَا رَآهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي حَدِيثِ أُمِّ الْفَضْلِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الصِّحَّةِ بِأَطْوَلَ مِنْ الْمُرْسَلَاتِ لِكَوْنِهِ كَانَ فِي حَالِ شِدَّةِ مَرَضِهِ وَهُوَ مَظِنَّةُ التَّخْفِيفِ , وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى أَبِي دَاوُدَ اِدِّعَاءَ نَسْخِ التَّطْوِيلِ لِأَنَّهُ رَوَى عَقِبَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالْقِصَارِ , قَالَ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ حَدِيثِ زَيْدٍ , وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الدَّلَالَةِ , وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى عُرْوَةَ رَاوِيَ الْخَبَرِ عَمِلَ بِخِلَافِهِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ اِطَّلَعَ عَلَى نَاسِخِهِ , وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الْحَمْلِ , وَكَيْفَ تَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ وَأُمُّ الْفَضْلِ تَقُولُ : إِنَّ آخِرَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِهِمْ قَرَأَ بِالْمُرْسَلَاتِ. قَالَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ : هَذَا مِنْ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ , فَجَائِزٌ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقْرَأَ فِي الْمَغْرِبِ وَفِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا بِمَا أَحَبَّ , إِلَّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ إِمَامًا اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُخَفِّفَ فِي الْقِرَاءَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ا ه. وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْقُرْطُبِيِّ : مَا وَرَدَ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِيمَا اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ التَّقْصِيرُ أَوْ عَكْسُهُ فَهُوَ مَتْرُوكٌ , وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ عَلَى تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ , لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ قَرَأَ بَعْضَ السُّورَةِ. ثُمَّ اِسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بِلَفْظِ : فَسَمِعْته يَقُولُ ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّك لَوَاقِعٌ ) قَالَ فَأَخْبَرَ أَنَّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ هِيَ هَذِهِ الْآيَةُ خَاصَّةً ا ه. وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَقْتَضِي قَوْلَهُ \" خَاصَّةً \" مَعَ كَوْنِ رِوَايَةِ هُشَيْمٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِخُصُوصِهَا مُضَعَّفَةً , بَلْ جَاءَ فِي رِوَايَاتِ أُخْرَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَرَأَ السُّورَةَ كُلَّهَا , فَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ \" سَمِعْته يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ , فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ ) الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ : ( الْمُسَيْطِرُونَ ) كَادَ قَلْبِي يَطِيرُ \" وَنَحْوُهُ لِقَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ , وَفِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ \" سَمِعْته يَقْرَأُ وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ \" وَمِثْلُهُ لِابْنِ سَعْدٍ , وَزَادَ فِي أُخْرَى فَاسْتَمَعْت قِرَاءَتَهُ حَتَّى خَرَجْت مِنْ الْمَسْجِدِ. ثُمَّ اِدَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ يَأْتِي فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , وَكَذَا أَبْدَاهُ الْخَطَّابِيُّ اِحْتِمَالًا , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَرَأَ بِشَيْءٍ مِنْهَا يَكُونُ قَدْرَ سُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ لَمَا كَانَ لِإِنْكَارِ زَيْدٍ مَعْنًى. وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ زَيْدٍ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ \" إِنَّك لَتُخِفُّ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ فَوَاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِيهَا بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَمِيعًا \" أَخْرَجَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ. وَاخْتُلِفَ عَلَى هِشَام فِي صَحَابِيِّهِ وَالْمَحْفُوظُ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ , وَقَالَ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ : عَنْ هِشَام عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَوْ أَبِي أَيُّوبَ , وَقِيلَ عَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَى الْمَتْنِ دُونَ الْقِصَّةِ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى اِمْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إِلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَنْ قَالَ إِنَّ لَهَا وَقْتًا وَاحِدًا لَمْ يَحُدَّهُ بِقِرَاءَةٍ مُعَيَّنَةٍ بَلْ قَالُوا : لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ أَوَّلِ غُرُوبِ الشَّمْسِ , وَلَهُ أَنْ يَمُدَّ الْقِرَاءَةَ فِيهَا وَلَوْ غَابَ الشَّفَقُ. وَاسْتَشْكَلَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ إِطْلَاقَ هَذَا , وَحَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ قَبْلَهُ عَلَى أَنَّهُ يُوقِعُ رَكْعَةً فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَيُدِيمُ الْبَاقِيَ وَلَوْ غَابَ الشَّفَقُ , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ , لِأَنَّ تَعَمُّدَ إِخْرَاجِ بَعْضِ الصَّلَاةِ عَنْ الْوَقْتِ مَمْنُوعٌ , وَلَوْ أَجْزَأَتْ فَلَا يُحْمَلُ مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْمُفَصَّلِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مُنْتَهَاهُ آخِرُ الْقُرْآنِ هَلْ هُوَ مِنْ أَوَّلِ الصَّافَّاتِ أَوْ الْجَاثِيَةِ أَوْ الْقِتَالِ أَوْ الْفَتْحِ أَوْ الْحُجُرَاتِ أَوْ ق أَوْ الصَّفِّ أَوْ تَبَارَكَ أَوْ سَبِّحْ أَوْ الضُّحَى إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ أَقْوَالٌ أَكْثَرُهَا مُسْتَغْرَبٌ اِقْتَصَرَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنْ الْأَوَائِلِ سِوَى الْأَوَّلِ وَالرَّابِعِ , وَحَكَى الْأَوَّلَ وَالسَّابِعَ وَالثَّامِنَ اِبْنُ أَبِي الصَّيْفِ الْيَمَنِيُّ , وَحَكَى الرَّابِعَ وَالثَّامِنَ الدِّزَّمَارِيُّ فِي \" شَرْحِ التَّنْبِيهِ \" وَحَكَى التَّاسِعَ الْمَرْزُوقِيُّ فِي شَرْحِهِ , وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ الْعَاشِرَ , وَالرَّاجِحُ الْحُجُرَاتُ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ. وَنَقَلَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ قَوْلًا شَاذًّا أَنَّ الْمُفَصَّلَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى قَالَ : أَقْرَأَنِي أَبُو مُوسَى كِتَابَ عُمَرَ إِلَيْهِ : اِقْرَأْ فِي الْمَغْرِبِ آخِرَ الْمُفَصَّلِ. وَآخِرُ الْمُفَصَّلِ مِنْ ( لَمْ يَكُنْ ) إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ فَلَيْسَ تَفْسِيرًا لِلْمُفَصَّلِ بَلْ لِآخِرِهِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "724",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ مَعَ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏الْعَتَمَةَ ‏ ‏فَقَرَأَ ‏ ‏إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ‏ ‏فَسَجَدَ فَقُلْتُ لَهُ قَالَ ‏ ‏سَجَدْتُ خَلْفَ ‏ ‏أَبِي الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ , وَبَكْرٌ هُوَ اِبْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ , وَأَبُو رَافِعٍ هُوَ الصَّائِغُ , وَهُوَ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ رِجَالِ الْإِسْنَادِ بَصْرِيُّونَ , وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَبَكْرٌ مِنْ أَوْسَاطِهِمْ وَسُلَيْمَانُ مِنْ صِغَارِهِمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ لَهُ ) ‏ ‏أَيْ فِي شَأْنِ السَّجْدَةِ يَعْنِي سَأَلْته عَنْ حُكْمِهَا , وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا \" فَقُلْتُ مَا هَذِهِ ؟ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( سَجَدْت ) ‏ ‏زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ \" بِهَا \" أَيْ بِالسَّجْدَةِ , أَوْ الْبَاءُ لِلظَّرْفِ أَيْ فِيهَا يَعْنِي السُّورَةَ , وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ لِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" سَجَدْت فِيهَا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ فِي الصَّلَاةِ , وَبِهِ يَتِمُّ اِسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ لِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا , وَنُوزِعَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ سُجُودَهُ فِي السُّورَةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا فَلَا يَنْهَضُ الدَّلِيلُ , وَقَالَ اِبْنُ الْمُنِيرِ : لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى مَالِكٍ حَيْثُ كَرِهَ السَّجْدَةَ فِي الْفَرِيضَةِ يَعْنِي فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ , لِأَنَّهُ لَيْسَ مَرْفُوعًا , وَغَفَلَ عَنْ رِوَايَةِ أَبِي الْأَشْعَثِ عَنْ مُعْتَمِرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ \" صَلَّيْت خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ فَسَجَدَ بِهَا \" أَخْرَجَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِلَفْظِ \" صَلَّيْت مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ فَسَجَدَ فِيهَا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى أَلْقَاهُ ) ‏ ‏كِنَايَةٌ عَنْ الْمَوْتِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ فِي أَبْوَابِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "725",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيٍّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ فِي سَفَرٍ ‏ ‏فَقَرَأَ فِي الْعِشَاءِ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ ‏ ‏بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَدِيٍّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ ثَابِتٍ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي سَفَرٍ ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ \" فَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ \" فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِالتِّينِ ) ‏ ‏أَيْ بِسُورَةِ التِّينِ , وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ \" وَالتِّينِ \" عَلَى الْحِكَايَةِ , وَإِنَّمَا قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ لِكَوْنِهِ كَانَ مُسَافِرًا وَالسَّفَرُ يُطْلَبُ فِيهِ التَّخْفِيفُ , وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَضَرِ فَلِذَلِكَ قَرَأَ فِيهَا بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "726",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏التَّيْمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ مَعَ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏الْعَتَمَةَ ‏ ‏فَقَرَأَ ‏ ‏إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ‏ ‏فَسَجَدَ فَقُلْتُ مَا هَذِهِ قَالَ ‏ ‏سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ ‏ ‏أَبِي الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( التَّيْمِيُّ ) ‏ ‏هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ طَرْخَانَ وَالِدُ الْمُعْتَمِرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "727",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ ‏ ‏وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ‏ ‏فِي الْعِشَاءِ وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ أَوْ قِرَاءَةً ‏",
        "sharh": "قَوْلُهُ فِيهِ ‏ ‏( وَمَا سَمِعْت أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ ) ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "728",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لِسَعْدٍ ‏ ‏لَقَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الصَّلَاةِ قَالَ ‏ ‏أَمَّا أَنَا ‏ ‏فَأَمُدُّ ‏ ‏فِي الْأُولَيَيْنِ ‏ ‏وَأَحْذِفُ ‏ ‏فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَلَا ‏ ‏آلُو ‏ ‏مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ صَدَقْتَ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ أَوْ ظَنِّي بِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "729",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى ‏ ‏أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ‏ ‏فَسَأَلْنَاهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ ‏ ‏تَزُولُ ‏ ‏الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ وَيَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَالشَّمْسُ ‏ ‏حَيَّةٌ ‏ ‏وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا وَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ جَلِيسَهُ وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ \" الصَّلَوَاتِ \" وَالْمُرَادُ الْمَكْتُوبَاتُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْمَوَاقِيتِ , وَقَوْلُهُ هُنَا ‏ ‏( وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْآيَاتِ , وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَفَرَّدَ بِهَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ وَالشَّكُّ فِيهِ مِنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ تَقْدِيرُهَا بِالْحَاقَّةِ وَنَحْوِهَا , فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي كُلِّ الرَّكْعَتَيْنِ فَهُوَ مُنْطَبِقٌ عَلَى حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ فِي قِرَاءَاتِهِ فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ تَنْزِيلُ السَّجْدَةَ وَهَلْ أَتَى , وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَهُوَ مُنْطَبِقٌ عَلَى حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فِي قِرَاءَاتِهِ فِي الصُّبْحِ ب \" ق \" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ , وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ بِالصَّافَّاتِ , وَفِي أُخْرَى عِنْدَ الْحَاكِمِ بِالْوَاقِعَةِ. وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَصَدَ بِإِيرَادِ حَدِيثَيْ أُمِّ سَلَمَةَ وَأَبِي بَرْزَةَ فِي هَذَا الْبَابِ بَيَانَ حَالَتَيْ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ , ثُمَّ ثَلَّثَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّالِّ عَلَى عَدَمِ اِشْتِرَاطِ قَدْرٍ مُعَيَّنٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "730",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏فِي كُلِّ صَلَاةٍ يُقْرَأُ فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَسْمَعْنَاكُمْ وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى ‏ ‏أُمِّ الْقُرْآنِ ‏ ‏أَجْزَأَتْ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ , وَقَدْ تَكَلَّمَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ خَاصَّةً لَكِنْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي الْحَجَّاجِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ وَغُنْدَرٌ عِنْدَ أَحْمَدَ وَخَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَابْنُ وَهْبٍ عِنْدَ اِبْنِ خُزَيْمَةَ سِتَّتُهُمْ عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ , مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ الْكَلَامَ الْأَخِيرَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ. وَتَابَعَ اِبْنَ جُرَيْجٍ حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ , وَحَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَحْمَدَ , وَرَقَبَةُ بْنُ مَصْقَلَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ , وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ وَعُمَارَةُ بْنُ مَيْمُونٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ , وَحُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ سِتَّتُهُمْ عَنْ عَطَاءٍ , مِنْهُمْ مَنْ طَوَّلَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ اِخْتَصَرَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي كُلِّ صَلَاةٍ يُقْرَأُ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ \" نَقْرَأُ \" بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ فِي أَوَّلِهِ كَذَا هُوَ مَوْقُوفٌ , وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مَنْ ذَكَرْنَا رِوَايَتَهُ إِلَّا حَبِيبَ بْنَ الشَّهِيدِ فَرَوَاهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ \" لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ \" هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْهُ , وَقَدْ أَنْكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ وَقَالَ : إِنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ وَقْفُهُ كَمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ اِبْنِ جُرَيْجٍ , وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ الْحَدَّادِ كِلَاهُمَا عَنْ حَبِيبٍ الْمَذْكُورِ مَوْقُوفًا , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ لَكِنْ زَادَ فِي آخِرِهِ \" وَسَمِعْته يَقُولُ : لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ \" وَظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّ ضَمِيرَ \" سَمِعْته \" لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا , بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. نَعَمْ قَوْلُهُ \" مَا أَسْمَعَنَا وَمَا أَخْفَى عَنَّا \" يُشْعِرُ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ مُتَلَقًّى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُونُ لِلْجَمِيعِ حُكْمُ الرَّفْعِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَإِنْ لَمْ تَزِدْ ) ‏ ‏بِلَفْظِ الْخِطَابِ , وَبَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ وَعَمْرٍو النَّاقِدِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ \" فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ إِنْ لَمْ أَزِدْ \" , وَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُسَدَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ , وَزَادَ أَبُو يَعْلَى فِي أَوَّلِهِ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ بِهَذَا السَّنَدِ \" إِذَا كُنْت إِمَامًا فَخَفِّفْ , وَإِذَا كُنْت وَحْدَك فَطَوِّلْ مَا بَدَا لَك , وَفِي كُلِّ صَلَاةٍ قِرَاءَةٌ \" الْحَدِيثَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَجْزَأَتْ ) ‏ ‏أَيْ كَفَتْ , وَحَكَى اِبْنُ التِّينِ رِوَايَةً أُخْرَى \" جَزَتْ \" بِغَيْرِ أَلِفٍ وَهِيَ رِوَايَةُ الْقَابِسِيِّ وَاسْتَشْكَلَهُ , ثُمَّ حَكَى عَنْ الْخَطَّابِيِّ قَالَ : يُقَالُ جَزَى وَأَجْزَى مِثْلَ وَفَى وَأَوْفَى قَالَ : فَزَالَ الْإِشْكَالُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَهُوَ خَيْرٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ \" فَهُوَ أَفْضَلُ \" وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْرَأْ الْفَاتِحَةَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ , وَهُوَ شَاهِدٌ لِحَدِيثِ عُبَادَةَ الْمُتَقَدِّمِ. وَفِيهِ اِسْتِحْبَابُ السُّورَةِ أَوْ الْآيَاتِ مَعَ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ فِي الصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ وَالْأُولَيَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمَا , وَصَحَّ إِيجَابُ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ , وَقَالَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنُ كِنَانَةَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ , وَحَكَاهُ الْقَاضِي الْفَرَّاءُ الْحَنْبَلِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ , وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "731",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْطَلَقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ‏ ‏عَامِدِينَ ‏ ‏إِلَى سُوقِ ‏ ‏عُكَاظٍ ‏ ‏وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا مَا لَكُمْ فَقَالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ قَالُوا مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ ‏ ‏تِهَامَةَ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏بِنَخْلَةَ ‏ ‏عَامِدِينَ ‏ ‏إِلَى سُوقِ ‏ ‏عُكَاظٍ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا يَا قَوْمَنَا ‏ { ‏إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ‏} ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ ‏} ‏وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ اِبْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ سَمَاعِ الْجِنِّ الْقُرْآنَ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ التَّفْسِيرِ , وَيَأْتِي بَيَانُ عُكَاظٍ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا \" كَانَتْ عُكَاظٌ مِنْ أَسْوَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ \" الْحَدِيثَ. وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ ‏ ‏\" وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اِسْتَمَعُوا لَهُ \" ‏ ‏وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْجَهْرِ , ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ اِبْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ \" قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أُمِرَ وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ , ( وَمَا كَانَ رَبُّك نَسِيًا ) , ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) \" وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِطْلَاقِ \" قَرَأَ \" عَلَى جَهَرَ , لَكِنْ كَانَ يَبْقَى خُصُوصُ تَنَاوُلِ ذَلِكَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَيُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ , فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : هَذَا الْإِجْمَالُ هُنَا مُفَسَّرٌ بِالْبَيَانِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ , لِأَنَّ الْمُحَدِّثَ بِهِمَا وَاحِدٌ , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْنُ رَشِيدٍ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِهَذَا خَتْمَ تَرَاجِمِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ هُوَ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِمَّا صَنَعَهُ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : إِيرَادُ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ هُنَا يُغَايِرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِثْبَاتِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ , لِأَنَّ مَذْهَبَ اِبْنِ عَبَّاسٍ كَانَ تَرْكَ الْقِرَاءَةِ فِي السِّرِّيَّةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّرْكِ , وَأَمَّا اِبْنُ عَبَّاسٍ فَكَانَ يَشُكُّ فِي ذَلِكَ تَارَةً وَيَنْفِي الْقِرَاءَةَ أُخْرَى وَرُبَّمَا أَثْبَتَهَا , أَمَّا نَفْيُهُ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَمِّهِ \" أَنَّهُمْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ؟ قَالَ : لَا. قِيلَ : لَعَلَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي نَفْسِهِ ؟ قَالَ : هَذِهِ شَرٌّ مِنْ الْأُولَى , كَانَ عَبْدًا مَأْمُورًا بَلَّغَ مَا أُمِرَ بِهِ \" وَأَمَّا شَكُّهُ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَالطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ \" مَا أَدْرِي أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَمْ لَا \" اِنْتَهَى. وَقَدْ أَثْبَتَ قِرَاءَتَهُ فِيهِمَا خَبَّابٌ وَأَبُو قَتَادَةَ وَغَيْرُهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ , فَرِوَايَتُهُمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَنْ نَفَى , فَضْلًا عَلَى مَنْ شَكَّ. وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ بِإِيرَادِ هَذَا إِقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ اِحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) فَيُقَالُ لَهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَرَأَ فَيَلْزَمُك أَنْ تَقْرَأَ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ إِثْبَاتُ ذَلِكَ أَيْضًا رَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَاءِ قَالَ ( سَأَلْت اِبْنَ عَبَّاسٍ : أَقَرَأَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ؟ قَالَ هُوَ أَمَامَك اِقْرَأْ مِنْهُ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ \". أَخْرَجَهُ اِبْنُ الْمُنْذِرِ وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "732",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَرَأَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيمَا أُمِرَ وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ ‏ { ‏وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ‏} { ‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَمَا كَانَ رَبُّك نَسِيًا - وَ - لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مُرَادُهُ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُنَزِّلَ بَيَانَ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَكُونَ قُرْآنًا يُتْلَى لَفَعَلَ وَلَمْ يَتْرُكْهُ عَنْ نِسْيَانٍ , وَلَكِنَّهُ وَكَّلَ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إِلَى بَيَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ شَرَعَ الِاقْتِدَاءَ بِهِ. قَالَ : وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ أَفْعَالِهِ الَّتِي هِيَ لِبَيَانِ مُجْمَلِ الْكِتَابِ. وَ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أُسْوَةٌ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا أَيْ قُدْوَةٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "733",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏فَقَالَ قَرَأْتُ ‏ ‏الْمُفَصَّلَ ‏ ‏اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ فَقَالَ هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ ‏ ‏لَقَدْ عَرَفْتُ ‏ ‏النَّظَائِرَ ‏ ‏الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ ‏ ‏الْمُفَصَّلِ ‏ ‏سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اِبْنِ مَسْعُودٍ ) ‏ ‏هُوَ نَهِيك بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَاءِ اِبْنُ سِنَانٍ الْبَجْلِيُّ , سَمَّاهُ مَنْصُورٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ , وَسَيَأْتِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَرَأْت الْمُفَصَّلَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ ق إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ عَلَى الصَّحِيحِ , وَسُمِّيَ مُفَصَّلًا لِكَثْرَةِ الْفَصْلِ بَيْنَ سُوَرِهِ بِالْبَسْمَلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلِقَوْلِ هَذَا الرَّجُلِ قَرَأْت الْمُفَصَّلَ سَبَبٌ بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِ حَدِيثِهِ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ نَهِيك بْنُ سِنَانٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَيْفَ تَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ ( مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) أَوْ غَيْرِ يَاسِنٍ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : كُلُّ الْقُرْآنِ أَحْصَيْت غَيْرَ هَذَا , قَالَ : إِنِّي لَأَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( هَذًّا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ , أَيْ سَرْدًا وَإِفْرَاطًا فِي السُّرْعَةِ , وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ , وَهُوَ اِسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ بِحَذْفِ أَدَاةِ الِاسْتِفْهَامِ , وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَقَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ كَانَتْ عَادَتَهُمْ فِي إِنْشَادِ الشِّعْرِ. وَزَادَ فِيهِ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ أَيْضًا أَنَّ أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ , وَزَادَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَإِسْحَاقُ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ فِيهِ \" وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ \" وَهُوَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ دُونَ قَوْلِهِ نَفَعَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَقَدْ عَرَفْت النَّظَائِرَ ) ‏ ‏أَيْ السُّوَرَ الْمُمَاثِلَةَ فِي الْمَعَانِي كَالْمَوْعِظَةِ أَوْ الْحُكْمِ أَوْ الْقَصَصِ , لَا الْمُتَمَاثِلَةَ فِي عَدَدِ الْآيِ , لِمَا سَيَظْهَرُ عِنْدَ تَعْيِينِهَا. قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : كُنْت أَظُنُّ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْعَدِّ , حَتَّى اِعْتَبَرْتهَا فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا شَيْئًا مُتَسَاوِيًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَقْرُنُ ) ) ‏ ‏بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ وَسُورَتَيْنِ مِنْ آل حم فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ رِوَايَةِ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ \" ثَمَانِي عَشْرَةَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ وَسُورَتَيْنِ مِنْ ال حم \" وَبَيَّنَ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ أَنَّ قَوْلَهُ عِشْرِينَ سُورَةً إِنَّمَا سَمِعَهُ أَبُو وَائِلٍ مِنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَلَفْظُهُ \" فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ وَدَخَلَ عَلْقَمَةُ مَعَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَلْقَمَةُ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ : عِشْرُونَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ عَلَى تَأْلِيفِ اِبْنِ مَسْعُودٍ آخِرُهُنَّ حم الدُّخَانُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ \" وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ عَنْ الْأَعْمَشِ مِثْلُهُ وَزَادَ فِيهِ \" فَقَالَ الْأَعْمَشُ : أَوَّلُهُنَّ الرَّحْمَنُ وَآخِرُهُنَّ الدُّخَانُ \" ثُمَّ سَرَدَهَا , وَكَذَلِكَ سَرَدَهَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُتَّصِلًا بِالْحَدِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ \" كَانَ يَقْرَأُ النَّظَائِرَ السُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ : الرَّحْمَن وَالنَّجْم فِي رَكْعَةٍ وَاقْتَرَبَتْ وَالْحَاقَّة فِي رَكْعَةٍ وَالذَّارِيَاتِ وَالطُّور فِي رَكْعَةٍ وَالْوَاقِعَة وَنُون فِي رَكْعَةٍ وَسَأَلَ وَالنَّازِعَاتِ فِي رَكْعَةٍ وَوَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ وَعَبَسَ فِي رَكْعَةٍ وَالْمُدَّثِّر وَالْمُزَّمِّل فِي رَكْعَةٍ وَهَلْ أَتَى وَلَا أُقْسِمُ فِي رَكْعَةٍ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَالْمُرْسَلَاتِ فِي رَكْعَةٍ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَالدُّخَانَ فِي رَكْعَةٍ \" هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ وَالْآخَرُ مِثْلُهُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ \" فِي رَكْعَةٍ \" فِي شَيْءٍ مِنْهَا , وَذَكَرَ السُّورَةَ الرَّابِعَةَ قَبْلَ الثَّالِثَةِ وَالْعَاشِرَةَ قَبْلَ التَّاسِعَةِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِي الِاقْتِرَانِ , وَقَدْ سَرَدَهَا أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ لَكِنْ قَدَّمَ وَأَخَّرَ فِي بَعْضٍ وَحَذَفَ بَعْضَهَا , وَمُحَمَّدٌ ضَعِيفٌ. وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ وَاصِلٍ \" وَسُورَتَيْنِ مِنْ ال حم \" مُشْكِلٌ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ لَمْ تَخْتَلِفْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ الْحَوَامِيمِ غَيْرُ الدُّخَانِ فَيُحْمَلُ عَلَى التَّغْلِيبِ. أَوْ فِيهِ حَذْفٌ كَأَنَّهُ قَالَ وَسُورَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا مِنْ ال حم , وَكَذَا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ \" آخِرُهُنَّ حم الدُّخَانُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ \" مُشْكِلٌ لِأَنَّ حم الدُّخَانَ آخِرُهُنَّ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ. وَأَمَّا عَمَّ فَهِيَ فِي رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ فَكَأَنَّ فِيهِ تَجَوُّزًا , لِأَنَّ عَمَّ وَقَعَتْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ , وَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا أَنَّ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ \" عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ \" تَجَوُّزًا لِأَنَّ الدُّخَانَ لَيْسَتْ مِنْهُ , وَلِذَلِكَ فَصَلَهَا مِنْ الْمُفَصَّلِ فِي رِوَايَةِ وَاصِلٍ. نَعَمْ يَصِحُّ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْآرَاءِ فِي حَدِّ الْمُفَصَّلِ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ أَيْضًا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ كَرَاهَةُ الْإِفْرَاطِ فِي سُرْعَةِ التِّلَاوَةِ لِأَنَّهُ يُنَافِي الْمَطْلُوبَ مِنْ التَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ , وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ السَّرْدِ بِدُونِ تَدَبُّرٍ لَكِنَّ الْقِرَاءَةَ بِالتَّدَبُّرِ أَعْظَمُ أَجْرًا , وَفِيهِ جَوَازُ تَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا , وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوَّلُ حَدِيثٍ مَوْصُولٍ أَوْرَدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ , فَلِهَذَا صَدَّرَ التَّرْجَمَةَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ , وَفِيهِ مَا تَرْجَمَ لَهُ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ السُّوَرِ لِأَنَّهُ إِذَا جُمِعَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ سَاغَ الْجَمْعُ بَيْنَ ثَلَاثٍ فَصَاعِدًا لِعَدَمِ الْفَرْقِ , وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ \" سَأَلْت عَائِشَةَ : أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ السُّوَرِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ مِنْ الْمُفَصَّلِ \" وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا سَيَأْتِي فِي التَّهَجُّدِ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْبَقَرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الطِّوَالِ , لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى النَّادِرِ. وَقَالَ عِيَاضٌ فِي حَدِيثِ اِبْنِ مَسْعُودٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ كَانَ قَدْرَ قِرَاءَتِهِ غَالِبًا , وَأَمَّا تَطْوِيلُهُ فَإِنَّمَا كَانَ فِي التَّدَبُّرِ وَالتَّرْتِيلِ , وَمَا وَرَدَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ قِرَاءَةِ الْبَقَرَةِ وَغَيْرِهَا فِي رَكْعَةٍ فَكَانَ نَادِرًا. قُلْتُ : لَكِنْ لَيْسَ فِي حَدِيثِ اِبْنِ مَسْعُودٍ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ , بَلْ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرُنُ بَيْنَ هَذِهِ السُّوَرِ الْمُعَيَّنَاتِ إِذَا قَرَأَ مِنْ الْمُفَصَّلِ , وَفِيهِ مُوَافَقَةٌ لِقَوْلِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ صَلَاتَهُ بِاللَّيْلِ كَانَتْ عَشْرَ رَكَعَاتٍ غَيْرَ الْوِتْرِ , وَفِيهِ مَا يُقَوِّي قَوْلَ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْمُتَقَدِّمَ : إِنَّ تَأْلِيفَ السُّوَرِ كَانَ عَنْ اِجْتِهَادٍ مِنْ الصَّحَابَةِ , لِأَنَّ تَأْلِيفَ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورَ مُغَايِرٌ لِتَأْلِيفِ مُصْحَفِ عُثْمَانَ , وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "734",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ ‏ ‏بِأُمِّ الْكِتَابِ ‏ ‏وَسُورَتَيْنِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ ‏ ‏بِأُمِّ الْكِتَابِ ‏ ‏وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَا لَا يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ خَافَتَ الْقِرَاءَةَ ) ‏ ‏أَيْ أَسَرَّ. وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" خَافَتَ بِالْقِرَاءَةِ \" وَهُوَ أَوْجَهُ. وَدَلَالَةُ حَدِيثِ خَبَّابٍ لِلتَّرْجَمَةِ وَاضِحَةٌ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "735",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِخَبَّابٍ ‏ ‏أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ قَالَ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "736",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَقْرَأُ ‏ ‏بِأُمِّ الْكِتَابِ ‏ ‏وَسُورَةٍ مَعَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا وَكَانَ يُطِيلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ‏",
        "sharh": "وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ وَاضِحٌ فِي التَّرْجَمَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "737",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "738",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ آمِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ ) ‏ ‏فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ عَنْ مَالِكٍ \" أَخْبَرَنَا اِبْنُ شِهَابٍ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ أَنَّ لَفْظَهُمَا وَاحِدٌ , لَكِنْ سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُغَايَرَةٌ يَسِيرَةٌ لِلَفْظِ الزُّهْرِيِّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا ) ‏ ‏ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ , وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِذَا دَعَا , وَالْمُرَادُ دُعَاءُ الْفَاتِحَةِ مِنْ قَوْلِهِ : ( اِهْدِنَا ) إِلَى آخِرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّأْمِينَ دُعَاءٌ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِذَا بَلَغَ إِلَى مَوْضِعٍ اِسْتَدْعَى التَّأْمِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ : ( وَلَا الضَّالِّينَ ) وَيَرِدُ ذَلِكَ التَّصْرِيحُ بِالْمُرَادِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّأْمِينِ لِلْإِمَامِ , قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِكَوْنِهَا قَضِيَّةً شَرْطِيَّةً , وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِإِذَا يُشْعِرُ بِتَحْقِيقِ الْوُقُوعِ , وَخَالَفَ مَالِكٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَهِيَ رِوَايَةُ اِبْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ : لَا يُؤَمِّنُ الْإِمَامُ فِي الْجَهْرِيَّةِ , وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لَا يُؤَمِّنُ مُطْلَقًا. وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ اِبْنِ شِهَابٍ هَذَا بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ , وَهِيَ عِلَّةٌ غَيْرُ قَادِحَةٍ فَإِنَّ اِبْنَ شِهَابٍ إِمَامٌ لَا يَضُرُّهُ التَّفَرُّدُ , مَعَ مَا سَيُذْكَرُ قَرِيبًا أَنَّ ذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ , وَرَجَّحَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ كَوْنَ الْإِمَامِ لَا يُؤَمِّنُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّهُ دَاعٍ فَنَاسَبَ أَنْ يَخْتَصَّ الْمَأْمُومُ بِالتَّأْمِينِ , وَهَذَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِمْ إِنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ , وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ : كَمَا اِشْتَرَكَا فِي الْقِرَاءَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِكَا فِي التَّأْمِينِ , وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ قَوْلَهُ \" إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ \" فَقَالَ : مَعْنَاهُ دَعَا , قَالَ وَتَسْمِيَةُ الدَّاعِي مُؤَمِّنًا سَائِغَةٌ لِأَنَّ الْمُؤَمِّنَ يُسَمَّى دَاعِيًا كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا ) وَكَانَ مُوسَى دَاعِيًا وَهَارُونُ مُؤَمِّنًا كَمَا رَوَاهُ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ , وَتُعُقِّبَ بِعَدَمِ الْمُلَازَمَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمُؤَمِّنِ دَاعِيًا عَكْسُهُ قَالَهُ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ , عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْأَصْلِ لَمْ يَصِحَّ , وَلَوْ صَحَّ فَإِطْلَاقُ كَوْنِ هَارُونَ دَاعِيًا إِنَّمَا هُوَ لِلتَّغْلِيبِ , وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى قَوْلِهِ \" إِذَا أَمَّنَ \" بَلَغَ مَوْضِعَ التَّأْمِينِ كَمَا يُقَالُ أَنْجَدَ إِذَا بَلَغَ نَجْدًا وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا , قَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذَا بَعِيدٌ لُغَةً وَشَرْعًا. وَقَالَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَهَذَا مَجَازٌ , فَإِنْ وُجِدَ دَلِيلٌ يُرَجِّحُهُ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. قُلْتُ : اِسْتَدَلُّوا لَهُ بِرِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابٍ بِلَفْظِ \" إِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ \" قَالُوا فَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ يَقْتَضِي حَمْلَ قَوْلِهِ \" إِذَا أَمَّنَ \" عَلَى الْمَجَازِ. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ - عَلَى تَسْلِيمِ الْمَجَازِ الْمَذْكُورِ - بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ أَيْ أَرَادَ التَّأْمِينَ لِيَتَوَافَقَ تَأْمِينُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ مَعًا , وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقُولَهَا الْإِمَامُ , وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا وَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ , وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ تَأْوِيلِهِمْ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ \" إِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقَالُوا آمِينَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ آمِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ \" الْحَدِيثُ , أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالسَّرَّاجُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي كَوْنِ الْإِمَامِ يُؤَمِّنُ. وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ \" إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ \" أَيْ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ الْإِمَامُ آمِينَ , وَقِيلَ يُؤْخَذُ مِنْ الْخَبَرَيْنِ تَخْيِيرُ الْمَأْمُومِ فِي قَوْلِهَا مَعَ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ , وَقِيلَ الْأَوَّلُ لِمَنْ قَرُبَ مِنْ الْإِمَامِ وَالثَّانِي لِمَنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ , لِأَنَّ جَهْرَ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ أَخْفَضُ مِنْ جَهْرِهِ بِالْقِرَاءَةِ , فَقَدْ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ مَنْ لَا يَسْمَعُ تَأْمِينَهُ , فَمَنْ سَمِعَ تَأْمِينَهُ أَمَّنَ مَعَهُ , وَإِلَّا يُؤَمِّنْ إِذَا سَمِعَهُ يَقُولُ وَلَا الضَّالِّينَ لِأَنَّهُ وَقْتُ تَأْمِينِهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ وَلَيْسَتْ بِدُونِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ , وَقَدْ رَدَّهُ اِبْنُ شِهَابٍ بِقَوْلِهِ \" وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ آمِينَ \" كَأَنَّهُ اِسْتَشْعَرَ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ \" إِذَا أَمَّنَ \" حَقِيقَةُ التَّأْمِينِ , وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَقَدْ اُعْتُضِدَ بِصَنِيعِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَاوِيهِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ , وَإِذَا تَرَجَّحَ أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ فَيَجْهَرُ بِهِ فِي الْجَهْرِيَّةِ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ , خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ وَرِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ : يُسِرُّ بِهِ مُطْلَقًا. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ التَّأْمِينُ مَسْمُوعًا لِلْمَأْمُومِ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَقَدْ عُلِّقَ تَأْمِينُهُ بِتَأْمِينِهِ , وَأَجَابُوا بِأَنَّ مَوْضِعَهُ مَعْلُومٌ فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْجَهْرَ بِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخِلَّ بِهِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ الْمَأْمُومِ بِهِ , وَقَدْ رَوَى رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ اِبْنُ شِهَابٍ \" وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ جَهَرَ بِآمِينَ \" أَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ , وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ \" كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ آمِينَ \" وَلِلْحُمَيْدِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ بِلَفْظِ \" إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ اِبْنِ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَزَادَ \" حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ نَحْوُ رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَوْمَأَ إِلَى النَّسْخِ فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْهَرُ بِالتَّأْمِينِ فِي اِبْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لِيُعَلِّمَهُمْ فَإِنَّ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ إِنَّمَا أَسْلَمَ فِي أَوَاخِرِ الْأَمْرِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَمِّنُوا ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَأْخِيرِ تَأْمِينِ الْمَأْمُومِ عَنْ تَأْمِينِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ رَتَّبَ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ , لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُقَارَنَةُ وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ , وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ : لَا تُسْتَحَبُّ مُقَارَنَةُ الْإِمَامِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ غَيْرَهُ , قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ بِأَنَّ التَّأْمِينَ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَا لِتَأْمِينِهِ , فَلِذَلِكَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ وَهُوَ وَاضِحٌ. ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِلنَّدْبِ , وَحَكَى اِبْنُ بَزِيزَةَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وُجُوبَهُ عَلَى الْمَأْمُومِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ , قَالَ : وَأَوْجَبَهُ الظَّاهِرِيَّةُ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ ثُمَّ فِي مُطْلَقِ أَمْرِ الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ أَنَّهُ يُؤَمِّنُ وَلَوْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ , وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ. ثُمَّ اِخْتَلَفُوا هَلْ تَنْقَطِعُ بِذَلِكَ الْمُوَالَاةُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَصَحُّهُمَا لَا تَنْقَطِعُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ , بِخِلَافِ الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَالْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ ) ‏ ‏زَادَ يُونُسُ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ \" فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ \" قَبْلَ قَوْلِهِ \" فَمَنْ وَافَقَ \" وَكَذَا لِابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ , وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُوَافَقَةُ فِي الْقَوْلِ وَالزَّمَانِ , خِلَافًا لِمَنْ قَالَ الْمُرَادُ الْمُوَافَقَةُ فِي الْإِخْلَاصِ وَالْخُشُوعِ كَابْنِ حِبَّانَ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ : يُرِيدُ مُوَافَقَةَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْإِخْلَاصِ بِغَيْرِ إِعْجَابٍ , وَكَذَا جَنَحَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ فَقَالَ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ , أَوْ فِي إِجَابَةِ الدُّعَاءِ , أَوْ فِي الدُّعَاءِ بِالطَّاعَةِ خَاصَّةً , أَوْ الْمُرَادُ بِتَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ اِسْتِغْفَارُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ اِبْنُ الْمُنِيرِ : الْحِكْمَةُ فِي إِيثَارِ الْمُوَافَقَةِ فِي الْقَوْلِ وَالزَّمَانِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ عَلَى يَقَظَةٍ لِلْإِتْيَانِ بِالْوَظِيفَةِ فِي مَحَلِّهَا , لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا غَفْلَةَ عِنْدَهُمْ , فَمَنْ وَافَقَهُمْ كَانَ مُتَيَقِّظًا. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَلَائِكَةُ جَمِيعُهُمْ , وَاخْتَارَهُ اِبْنُ بَزِيزَةَ. وَقِيلَ : الْحَفَظَةُ مِنْهُمْ , وَقِيلَ الَّذِينَ يَتَعَاقَبُونَ مِنْهُمْ إِذَا قُلْنَا إِنَّهُمْ غَيْرُ الْحَفَظَةِ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ يَشْهَدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ. وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ بَعْدَ بَابٍ \" وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ \" وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْآتِيَةِ أَيْضًا \" فَوَافَقَ ذَلِكَ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ \" وَنَحْوِهَا لِسُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ , وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ \" صُفُوفُ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى صُفُوفِ أَهْلِ السَّمَاءِ , فَإِذَا وَافَقَ آمِينَ فِي الْأَرْضِ آمِينَ فِي السَّمَاءِ غُفِرَ لِلْعَبْدِ \" اِنْتَهَى. وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ فَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ غُفْرَانُ جَمِيعِ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ , وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الصَّغَائِرِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ فِيمَنْ تَوَضَّأَ كَوُضُوئِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي أَمَالِي الْجُرْجَانِيِّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسٍِ الْأَصَمِّ عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ عَنْ اِبْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ \" وَمَا تَأَخَّرَ \" وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ فَقَدْ رَوَاهُ اِبْنُ الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ بِدُونِهَا , وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَرْمَلَةَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى كِلَاهُمَا عَنْ اِبْنِ وَهْبٍ وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنِّي وَجَدْته فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ اِبْنِ مَاجَهْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَةَ بِإِثْبَاتِهَا , وَلَا يَصِحُّ , لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ رَوَاهُ فِي مُسْنَدِهِ وَمُصَنَّفِهِ بِدُونِهَا , وَكَذَلِكَ حُفَّاظُ أَصْحَابِ اِبْنِ عُيَيْنَةَ الْحُمَيْدِيِّ وَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُمَا. وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى ضَعِيفَةٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُثْمَانَ وَالْوَلِيدِ اِبْنَيْ سَاجٍ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ اِبْنُ شِهَابٍ ) ‏ ‏هُوَ مُتَّصِلٌ إِلَيْهِ بِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ , وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ. ثُمَّ هُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ اِبْنِ شِهَابٍ , وَقَدْ قَدَّمْنَا وَجْهَ اِعْتِضَادِهِ. وَرُوِيَ عَنْهُ مَوْصُولًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ وَالْعِلَلِ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الْعَدَنِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْهُ , وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ , وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى الْإِمَامِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ التَّأْمِينَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ , لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَفْظِ قُرْآنٍ وَلَا ذِكْرٍ , وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُمْ مَا نُقِلَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّ مَعْنَى آمِينَ أَيْ قَاصِدِينَ إِلَيْك , وَبِهِ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ , وَصَرَّحَ الْمُتَوَلِّي مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ مَنْ قَالَهُ هَكَذَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْإِمَامِ لِأَنَّ تَأْمِينَ الْإِمَامِ يُوَافِقُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ , وَلِهَذَا شُرِعَتْ لِلْمَأْمُومِ مُوَافَقَتُهُ. وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْأَمْرِ أَنَّ الْمَأْمُومَ إِنَّمَا يُؤَمِّنُ إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ لَا إِذَا تَرَكَ , وَقَالَ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ \" الذَّخَائِرِ \" وَهُوَ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ الرَّافِعِيِّ الْخِلَافَ. وَادَّعَى النَّوَوِيُّ فِي \" شَرْحِ الْمُهَذَّبِ \" الِاتِّفَاقَ عَلَى خِلَافِهِ , وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي \" الْأُمِّ \" عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يُؤَمِّنُ وَلَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى تَعْيِينِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لِلْإِمَامِ , وَعَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ فِيمَا جَهَرَ بِهِ إِمَامُهُ , فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ أَنَّ التَّأْمِينَ مُخْتَصٌّ بِالْفَاتِحَةِ فَظَاهِرُ السِّيَاقِ يَقْتَضِي أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ كَانَ أَمْرًا مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ , وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ حَالَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَهَا لَا أَنَّهُ لَا يَقْرَؤُهَا أَصْلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "739",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "740",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا قَالَ الْإِمَامُ ‏ { ‏غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ‏} ‏فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ) ‏ ‏أَيْ اِبْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا قَالَ الْإِمَامُ إِلَخْ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُؤَمِّنُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَبْلُ , قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْأَمْرَ بِقَوْلِ آمِينَ , وَالْقَوْلُ إِذَا وَقَعَ بِهِ الْخِطَابُ مُطْلَقًا حُمِلَ عَلَى الْجَهْرِ , وَمَتَى أُرِيدَ بِهِ الْإِسْرَارُ أَوْ حَدِيثُ النَّفْسِ قُيِّدَ بِذَلِكَ. وَقَالَ اِبْنُ رَشِيدٍ : تُؤْخَذُ الْمُنَاسَبَةُ مِنْهُ مِنْ جِهَاتٍ : مِنْهَا أَنَّهُ قَالَ \" إِذَا قَالَ الْإِمَامُ فَقُولُوا \" فَقَابَلَ الْقَوْلَ بِالْقَوْلِ , وَالْإِمَامُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ جَهْرًا فَكَانَ الظَّاهِرُ الِاتِّفَاقَ فِي الصِّفَةِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ \" فَقُولُوا \" وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِجَهْرٍ وَلَا غَيْرِهِ , وَهُوَ مُطْلَقٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ , وَقَدْ عُمِلَ بِهِ فِي الْجَهْرِ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ يَعْنِي فِي مَسْأَلَةِ الْإِمَامِ , وَالْمُطْلَقُ إِذَا عُمِلَ بِهِ فِي صُورَةٍ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي غَيْرِهَا بِاتِّفَاقٍ. وَمِنْهَا أَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَأْمُومَ مَأْمُورٌ بِالِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ فَلَزِمَ جَهْرُهُ بِجَهْرِهِ ا ه. وَهَذَا الْأَخِيرُ سَبَقَ إِلَيْهِ اِبْنُ بَطَّالٍ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَجْهَرَ الْمَأْمُومُ بِالْقِرَاءَةِ لِأَنَّ الْإِمَامَ جَهَرَ بِهَا , لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ بِأَنَّ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ قَدْ نُهِيَ عَنْهُ , فَبَقِيَ التَّأْمِينُ دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْإِمَامِ , وَيَتَقَوَّى ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ مَنْ خَلْفَ اِبْنِ الزُّبَيْرِ كَانُوا يُؤَمِّنُونَ جَهْرًا , وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ \" أَدْرَكْت مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ إِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ سَمِعْت لَهُمْ رَجَّةً بِآمِينَ \". وَالْجَهْرُ لِلْمَأْمُومِ ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى , وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : قَالَ الْأَكْثَرُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَجْهَرُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ) ‏ ‏أَيْ عَلْقَمَةُ اللَّيْثِيُّ , وَمُتَابَعَتُهُ وَصَلَهَا أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو نَحْوَ رِوَايَةِ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ , وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ \" فَوَافَقَ ذَلِكَ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَنُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو , وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : حَاصِلُهُ أَنَّ سُمَيًّا وَمُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو وَنُعَيْمًا ثَلَاثَتُهُمْ رَوَى عَنْهُمْ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ , لَكِنَّ الْأَوَّل وَالثَّانِي رَوَيَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْوَاسِطَةِ وَنُعَيْمٌ بِدُونِهَا , وَهَذَا جَزْمٌ مِنْهُ بِشَيْءٍ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ , وَلَمْ يَرْوِ مَالِكٌ طَرِيقَ نُعَيْمٍ وَلَا طَرِيقَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو أَصْلًا , وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ وَصَلَ طَرِيقَ مُحَمَّدٍ , وَأَمَّا طَرِيقُ نُعَيْمٍ فَرَوَاهَا النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالسَّرَّاجُ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ قَالَ \" صَلَّيْت وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ حَتَّى بَلَغَ وَلَا الضَّالِّينَ فَقَالَ آمِينَ وَقَالَ النَّاسُ آمِينَ , وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ اللَّهُ أَكْبَرُ , وَإِذَا قَامَ مِنْ الْجُلُوسِ فِي الِاثْنَتَيْنِ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ , وَيَقُولُ إِذَا سَلَّمَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" بَوَّبَ النَّسَائِيُّ عَلَيْهِ \" الْجَهْرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ \" وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ وَرَدَ فِي ذَلِكَ , وَقَدْ تُعُقِّبَ اِسْتِدْلَالُهُ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ \" أَشْبَهُكُمْ \" أَيْ فِي مُعْظَمِ الصَّلَاةِ لَا فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهَا , وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ غَيْرُ نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِدُونِ ذِكْرِ الْبَسْمَلَةِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا , وَالْجَوَابُ أَنَّ نُعَيْمًا ثِقَةٌ فَتُقْبَلُ زِيَادَتُهُ , وَالْخَبَرُ ظَاهِرٌ فِي جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يَثْبُتَ دَلِيلٌ يُخَصِّصُهُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏عُرِفَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ مُتَابَعَةَ نُعَيْمٍ فِي أَصْلِ إِثْبَاتِ التَّأْمِينِ فَقَطْ , بِخِلَافِ مُتَابَعَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "741",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْلَمِ وَهُوَ زِيَادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ الْأَعْلَمِ هُوَ زِيَادٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةٍ عَنْ عَفَّانَ عَنْ هَمَّامٍ حَدَّثَنَا زِيَادٌ الْأَعْلَمُ أَخْرَجَهُ اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ , وَزِيَادٌ هُوَ اِبْنُ حَسَّانَ بْنُ قُرَّةَ الْبَاهِلِيُّ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ , قِيلَ لَهُ الْأَعْلَمُ لِأَنَّهُ كَانَ مَشْقُوقَ الشَّفَةِ , وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ الْحَسَنِ ) ) ‏ ‏هُوَ الْبَصْرِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ) ‏ ‏هُوَ الثَّقَفِيُّ , وَقَدْ أَعَلَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْحَسَنَ عَنْعَنَهُ , وَقِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ وَإِنَّمَا يُرْوَى عَنْ الْأَحْنَفِ عَنْهُ , وَرُدَّ هَذَا الْإِعْلَالُ بِرِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ الْأَعْلَمِ قَالَ \" حَدَّثَنِي الْحَسَنُ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ حَدَّثَهُ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ اِنْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورَةِ \" أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ \" زَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ \" وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَانْطَلَقَ يَسْعَى \" وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْأَعْلَمِ \" وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَذَكَرَ ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ \" فَلَمَّا اِنْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّكُمْ دَخَلَ الصَّفَّ وَهُوَ رَاكِعٌ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( زَادَك اللَّهُ حِرْصًا ) ‏ ‏أَيْ عَلَى الْخَيْرِ , قَالَ اِبْنُ الْمُنِيرِ صَوَّبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلَ أَبِي بَكْرَةَ مِنْ الْجِهَةِ الْعَامَّةِ وَهِيَ الْحِرْصُ عَلَى إِدْرَاكِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ , وَخَطَّأَهُ مِنْ الْجِهَةِ الْخَاصَّةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَا تَعُدْ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى مَا صَنَعْت مِنْ السَّعْيِ الشَّدِيدِ ثُمَّ الرُّكُوعِ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مِنْ الْمَشْيِ إِلَى الصَّفِّ , وَقَدْ وَرَدَ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ صَرِيحًا فِي طُرُقِ حَدِيثِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَعْضُهَا , وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَذْكُورَةِ \" فَقَالَ مَنْ السَّاعِي \" وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ الطَّبَرَانِيِّ \" فَقَالَ أَيُّكُمْ صَاحِبُ هَذَا النَّفَسِ ؟ قَالَ : خَشِيت أَنْ تَفُوتَنِي الرَّكْعَةُ مَعَك \" وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ \" صَلِّ مَا أَدْرَكْت وَاقْضِ مَا سَبَقَك \" وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ \" أَيُّكُمْ الرَّاكِعُ دُونَ الصَّفِّ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَتِهِ قَرِيبًا \" أَيُّكُمْ دَخَلَ الصَّفَّ وَهُوَ رَاكِعٌ \" وَتَمَسَّكَ الْمُهَلَّبُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَالَ : إِنَّمَا قَالَ لَهُ \" لَا تَعُدْ \" لِأَنَّهُ مَثَّلَ بِنَفْسِهِ فِي مَشْيِهِ رَاكِعًا لِأَنَّهَا كَمِشْيَةِ الْبَهَائِمِ ا ه. وَلَمْ يَنْحَصِرْ النَّهْيُ فِي ذَلِكَ كَمَا حَرَّرْته , وَلَوْ كَانَ مُنْحَصِرًا لَاقْتَضَى ذَلِكَ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ فِي إِحْرَامِ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الِاتِّفَاقِ عَلَى كَرَاهِيَتِهِ , وَذَهَبَ إِلَى تَحْرِيمِهِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّةِ كَابْنِ خُزَيْمَةَ , وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ \" أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا. وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ نَحْوُهُ وَزَادَ \" لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ \" وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ لِلِاسْتِحْبَابِ لِكَوْنِ أَبِي بَكْرَةَ أَتَى بِجُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ الصَّفِّ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالْإِعَادَةِ , لَكِنْ نُهِيَ عَنْ الْعَوْدِ إِلَى ذَلِكَ , فَكَأَنَّهُ أُرْشِدَ إِلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِيمَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَقَالَ : صَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَلَيْسَ لَهُ تَضْعِيفٌ , وَجَمَعَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِوَجْهٍ آخَرَ , وَهُوَ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ حَدِيثِ وَابِصَةَ , فَمَنْ اِبْتَدَأَ الصَّلَاةَ مُنْفَرِدًا خَلْفَ الصَّفِّ ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ قَبْلَ الْقِيَامِ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ , وَإِلَّا فَتَجِب عَلَى عُمُومِ حَدِيثِ وَابِصَةَ وَعَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ. وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْلِهِ \" لَا تَعُدْ \" أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ كَانَ جَائِزًا ثُمَّ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ لَا تَعُدْ , فَلَا يَجُوزُ الْعَوْدُ إِلَى مَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْبُخَارِيِّ فِي \" جُزْءِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ \" وَيُؤْخَذُ مِمَّا حَرَّرْته جَوَابُ مَنْ قَالَ : لِمَ لَا دَعَا لَهُ بِعَدَمِ الْعَوْدِ إِلَى ذَلِكَ كَمَا دَعَا لَهُ بِزِيَادَةِ الْحِرْصِ ؟ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ جُوِّزَ أَنَّهُ رُبَّمَا تَأَخَّرَ فِي أَمْرٍ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ إِدْرَاكِ أَوَّلِ الصَّلَاةِ ا ه. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ التَّأْخِيرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَوْلُهُ \" وَلَا تَعُدْ \" ضَبَطْنَاهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْعَيْنِ مِنْ الْعَوْدِ , وَحَكَى بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ أَنَّهُ رُوِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ مِنْ الْإِعَادَةِ , وَيُرَجِّحُ الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي آخِرِهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ \" صَلِّ مَا أَدْرَكْت وَاقْضِ مَا سَبَقَك \" وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا \" إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ فَلَا يَرْكَعْ دُونَ الصَّفِّ حَتَّى يَأْخُذَ مَكَانَهُ مِنْ الصَّفِّ \" وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى اِسْتِحْبَابِ مُوَافَقَةِ الدَّاخِلِ لِلْإِمَامِ عَلَى أَيِّ حَالٍ وَجَدَهُ عَلَيْهَا , وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ صَرِيحًا فِي سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" مَنْ وَجَدَنِي قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَلْيَكُنْ مَعِي عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنَا عَلَيْهَا \" وَفِي التِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَرْفُوعًا وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ , لَكِنَّهُ يَنْجَبِرُ بِطَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْمَذْكُورَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "742",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجُرَيْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَلَاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُطَرِّفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى مَعَ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بِالْبَصْرَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ذَكَّرَنَا هَذَا الرَّجُلُ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ وَكُلَّمَا وَضَعَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا خَالِدٌ ) ‏ ‏هُوَ الطَّحَّانُ , وَالْجَرِيرِيُّ هُوَ سَعِيدٌ , وَأَبُو الْعَلَاءِ هُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ أَخُو مُطَرِّفٍ الَّذِي رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْهُ , وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ وَفِيهِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ وَالْإِخْوَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( صَلَّى ) ‏ ‏أَيْ عِمْرَانُ ‏ ‏( مَعَ عَلِيٍّ ) ‏ ‏أَيْ اِبْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏( بِالْبَصْرَةِ ) ) ‏ ‏يَعْنِي بَعْدَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ذَكَّرَنَا ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ , وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ الَّذِي ذَكَرَهُ كَانَ قَدْ تُرِكَ , وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَالطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ \" ذَكَّرَنَا عَلِيٌّ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَّا نَسِينَاهَا وَإِمَّا تَرَكْنَاهَا عَمْدًا \" وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ : قُلْنَا - يَعْنِي لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - يَا أَبَا نُجَيْدٍ , هُوَ بِالنُّونِ وَالْجِيمِ مُصَغَّرٌ , مَنْ أَوَّلُ مَنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ ؟ قَالَ : عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ حِينَ كَبَّرَ وَضَعُفَ صَوْتُهُ. وَهَذَا يَحْتَمِلُ إِرَادَةَ تَرْكِ الْجَهْرِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ مُعَاوِيَةُ. وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَرَكَهُ زِيَادٌ. وَهَذَا لَا يُنَافِي الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ زِيَادًا تَرَكَهُ بِتَرْكِ مُعَاوِيَةَ , وَكَأَنَّ مُعَاوِيَةَ تَرَكَهُ بِتَرْكِ عُثْمَانَ. وَقَدْ حَمَلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْإِخْفَاءِ , وَيُرَشِّحُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي فِي \" بَابِ يُكَبِّرُ وَهُوَ يَنْهَضُ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ \" , لَكِنْ حَكَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا يَتْرُكُونَ التَّكْبِيرَ فِي الْخَفْضِ دُونَ الرَّفْعِ , قَالَ : وَكَذَلِكَ كَانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ تَفْعَلُ , وَرَوَى اِبْنُ الْمُنْذِرِ نَحْوَهُ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ لَا يُكَبِّرُ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ , وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْمُنْفَرِدِ وَغَيْرِهِ , وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ التَّكْبِيرَ شُرِعَ لِلْإِيذَانِ بِحَرَكَةِ الْإِمَامِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُنْفَرِدُ , لَكِنْ اِسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ لِكُلِّ مُصَلٍّ , فَالْجُمْهُورُ عَلَى نَدْبِيَّةِ مَا عَدَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ. وَعَنْ أَحْمَدَ وَبَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالظَّاهِرِ يَجِبُ كُلُّهُ قَالَ نَاصِرُ الدِّينِ اِبْنُ الْمُنِيرِ : الْحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ أُمِرَ بِالنِّيَّةِ أَوَّلَ الصَّلَاةِ مَقْرُونَةً بِالتَّكْبِيرِ , وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ النِّيَّةَ إِلَى آخِرِ الصَّلَاةِ , فَأُمِرَ أَنْ يُجَدِّدَ الْعَهْدَ فِي أَثْنَائِهَا بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي هُوَ شِعَارُ النِّيَّةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كُلَّمَا رَفَعَ وَكُلَّمَا وَضَعَ ) ‏ ‏هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الِانْتِقَالَاتِ فِي الصَّلَاةِ , لَكِنْ خُصَّ مِنْهُ الرَّفْعُ مِنْ الرُّكُوعِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُ شُرِعَ فِيهِ التَّحْمِيدُ , وَقَدْ جَاءَ بِهَذَا اللَّفْظِ الْعَامِّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَابِ , وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ , وَمِنْ حَدِيثِ اِبْنِ مَسْعُودٍ عَنْ الدَّارِمِيِّ وَالطَّحَاوِيِّ , وَمِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ , وَمِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ , وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ , وَمِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عِنْدَ اِبْنِ حِبَّانَ , وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ , وَسَيَأْتِي مُفَسَّرًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "743",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي بِهِمْ فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏( يُصَلِّي بِهِمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يُصَلِّي لَهُمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "744",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ خَلْفَ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ‏ ‏فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ وَإِذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَخَذَ بِيَدِي ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ‏ ‏فَقَالَ قَدْ ‏ ‏ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ قَالَ لَقَدْ صَلَّى بِنَا صَلَاةَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ زَيْدٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( صَلَّيْت خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَا وَعِمْرَانُ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَوْقِفَ الِاثْنَيْنِ يَكُونُ خَلْفَ الْإِمَامِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَجْعَلُ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْبَصْرَةِ وَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ عِمْرَانَ , وَوَقَعَ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ غَيْلَانَ بِالْكُوفَةِ , وَكَذَا لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ مُطَرِّفٍ , فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ بِالْبَلَدَيْنِ , وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ وَهُنَا بِذِكْرِ السُّجُودِ وَالرَّفْعِ وَالنُّهُوضِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ فَقَطْ فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ الثَّلَاثَةَ هِيَ الَّتِي كَانَ تُرِكَ التَّكْبِيرُ فِيهَا حَتَّى تَذَكَّرَهَا عِمْرَانُ بِصَلَاةِ عَلِيٍّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَدْ ذَكَّرَنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَقَدْ ذَكَّرَنِي \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَوْ قَالَ ) ‏ ‏هُوَ شَكٌّ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَمَّادٍ فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ بِلَفْظِ \" صَلَّى بِنَا هَذَا مِثْلَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَمْ يَشُكَّ , وَفِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ عِمْرَانُ \" مَا صَلَّيْت مُنْذُ حِينٍ أَوْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا أَشْبَهَ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ \" قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : تَرْكُ النَّكِيرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَتَلَقَّوْهُ عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ الصَّلَاةِ , وَأَشَارَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ اِسْتَقَرَّ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَهُ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَحْمَدَ , وَالْخِلَافُ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهِ ثَابِتٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ إِجْمَاعًا سَابِقًا. ‏"
    },
    {
        "id": "745",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏عِنْدَ الْمَقَامِ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَإِذَا قَامَ وَإِذَا وَضَعَ فَأَخْبَرْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَوَلَيْسَ تِلْكَ صَلَاةَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا أُمَّ لَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي بِشْرٍ ) ‏ ‏صَرَّحَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ هُشَيْمٍ بِأَنَّ أَبَا بِشْرٍ حَدَّثَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رَأَيْت رَجُلًا عِنْدَ الْمَقَامِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" صَلَّيْت خَلْفَ شَيْخٍ بِالْأَبْطَحِ \" وَالْأُولَى أَصَحُّ , إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَبْطَحِ الْبَطْحَاءَ الَّتِي تُفْرَشُ فِي الْمَسْجِدِ , وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ بِلَفْظِ \" صَلَّيْت خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ \" وَأَنَّهُ سَمَّاهُ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ أَبَا هُرَيْرَةَ , وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّهُ رَآهُ بِمَكَّةَ , وَلِلسَّرَّاجِ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عِكْرِمَةَ \" رَأَيْت رَجُلًا يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى التَّجَوُّزِ وَإِلَّا فَهِيَ شَاذَّةٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَوَ لَيْسَ تِلْكَ صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هُوَ اِسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ لِلْإِنْكَارِ الْمَذْكُورِ , وَمُقْتَضَاهُ الْإِثْبَاتُ لِأَنَّهُ نَفْيُ النَّفْيِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا أُمَّ لَك ) ‏ ‏هِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ الزَّجْرِ , وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا \" ثَكِلَتْك أُمُّك \" فَكَأَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ أَنْ يَفْقِد أُمَّهُ أَوْ أَنْ تَفْقِدَهُ أُمُّهُ , لَكِنَّهُمْ قَدْ يُطْلِقُونَ ذَلِكَ وَلَا يُرِيدُونَ حَقِيقَتَهُ. وَاسْتَحَقَّ عِكْرِمَةُ ذَلِكَ عِنْدَ اِبْنِ عَبَّاسٍ لِكَوْنِهِ نَسَبَ ذَلِكَ الرَّجُلَ الْجَلِيلَ إِلَى الْحُمْقِ الَّذِي هُوَ غَايَةُ الْجَهْلِ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "746",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً فَقُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏إِنَّهُ أَحْمَقُ فَقَالَ ‏ ‏ثَكِلَتْكَ ‏ ‏أُمُّكَ سُنَّةُ ‏ ‏أَبِي الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( صَلَّيْت خَلْفَ شَيْخٍ ) ‏ ‏زَادَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" الظُّهْرَ \" وَبِذَلِكَ يَصِحُّ عَدَدُ التَّكْبِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ , لِأَنَّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ فَيَقَعُ فِي الرُّبَاعِيَّةِ عِشْرُونَ تَكْبِيرَةً مَعَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَتَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ , وَلِأَحْمَدَ وَالطَّحَاوِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ وَهُوَ بِالنُّونِ وَالْجِيمِ الْخَفِيفَتَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ \" صَلَّى بِنَا أَبُو هُرَيْرَةَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ إِسْمَاعِيلَ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ هَمَّامٍ , وَهُوَ عِنْدَهُ مُتَّصِلٌ عَنْ هَمَّامٍ وَأَبَان كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ , وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُمَا لِكَوْنِهِ عَلَى شَرْطِهِ فِي الْأُصُولِ , بِخِلَافِ أَبَان فَإِنَّهُ عَلَى شَرْطِهِ فِي الْمُتَابَعَاتِ. وَأَفَادَتْ رِوَايَةُ أَبَان تَصْرِيحَ قَتَادَةَ بِالتَّحْدِيثِ عَنْ عِكْرِمَةَ , وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُهُ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ : ( سُنَّةٌ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ تِلْكَ سُنَّةٌ , وَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنْ هَمَّامٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "747",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ ‏ ‏صُلْبَهُ ‏ ‏مِنْ الرَّكْعَةِ ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اللَّيْثِ ‏ ‏وَلَكَ الْحَمْدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) ‏ ‏كَذَا قَالَ عَقِيلٌ , وَتَابَعَهُ اِبْنُ جُرَيْجٍ عَنْ شِهَابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ , وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ بِبَابٍ مُخْتَصَرًا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مُطَوَّلًا مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ , وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ عِنْدَ السَّرَّاجِ , وَلَيْسَ هَذَا الِاخْتِلَافُ قَادِحًا بَلْ الْحَدِيثُ عِنْدَ اِبْنِ شِهَابٍ عَنْهُمَا مَعًا كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَابِ يَهْوِي بِالتَّكْبِيرِ \" مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنْهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ) ‏ ‏فِيهِ التَّكْبِيرُ قَائِمًا , وَهُوَ بِالِاتِّفَاقِ فِي حَقِّ الْقَادِرِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مُقَارَنَةِ التَّكْبِيرِ لِلْحَرَكَةِ وَبَسْطِهِ عَلَيْهَا , فَيَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَشْرَعُ فِي الِانْتِقَالِ إِلَى الرُّكُوعِ , وَيَمُدُّهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى حَدِّ الرَّاكِعِ. اِنْتَهَى. وَدَلَالَةُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى الْبَسْطِ الَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حِينَ يَرْفَعُ إِلَخْ ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ التَّسْمِيعَ ذِكْرُ النُّهُوضِ , وَأَنَّ التَّحْمِيدَ ذِكْرُ الِاعْتِدَالِ , وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا خِلَافًا لِمَالِكٍ , لِأَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَوْصُوفَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَالِ الْإِمَامَةِ لِكَوْنِ ذَلِكَ هُوَ الْأَكْثَرُ الْأَغْلَبُ مِنْ أَحْوَالِهِ , وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ اللَّيْثِ : وَلَك الْحَمْدُ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ اِبْنَ صَالِحٍ زَادَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ اللَّيْثِ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ \" وَلَك الْحَمْدُ \" , وَأَمَّا بَاقِي الْحَدِيثِ فَاتَّفَقَا فِيهِ , وَإِنَّمَا لَمْ يَسُقْهُ عَنْهُمَا مَعًا وَهُمَا شَيْخَاهُ لِأَنَّ يَحْيَى مِنْ شَرْطِهِ فِي الْأُصُولِ , وَابْنُ صَالِحٍ إِنَّمَا يُورِدُهُ فِي الْمُتَابَعَاتِ وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ أَيْضًا عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ , وَكَذَا فِي رِوَايَةِ اِبْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَيُونُسَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ , قَالَ الْعُلَمَاءُ : الرِّوَايَةُ بِثُبُوتِ الْوَاوِ أَرْجَحُ , وَهِيَ زَائِدَةٌ وَقِيلَ عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ وَقِيلَ هِيَ وَاوُ الْحَالِ قَالَهُ اِبْنُ الْأَثِيرِ وَضَعَّفَ مَا عَدَاهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي ) ‏ ‏يَعْنِي سَاجِدًا , وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ , وَ \" يَهْوِي \" ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ , أَيْ يَسْقُطُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ الثِّنْتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ , وَقَوْلُهُ : ‏ ‏( بَعْدَ الْجُلُوسِ ) ‏ ‏أَيْ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مُفَسِّرٌ لِلْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا \" كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ \". ‏"
    },
    {
        "id": "748",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي يَعْفُورٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ فَنَهَانِي أَبِي وَقَالَ كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ ‏ ‏وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِينَا عَلَى الرُّكَبِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَبِالْفَاءِ وَآخِرُهُ رَاءٌ وَهُوَ الْأَكْبَرُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ اِبْنِ عَبْدِ الْبَرِّ , وَصَرَّحَ الدَّارِمِيُّ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ بِأَنَّهُ الْعَبْدِيُّ وَالْعَبْدِيُّ هُوَ الْأَكْبَرُ بِلَا نِزَاعٍ , وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ الْأَصْغَرُ , وَتُعُقِّبَ , وَقَدْ ذَكَرْنَا اِسْمَهُمَا فِي الْمُقَدِّمَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ ) ‏ ‏أَيْ اِبْنَ أَبِي وَقَّاصٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَطَبَّقْت ) ‏ ‏أَيْ أَلْصَقْت بَيْنَ بَاطِنَيْ كَفِّي فِي حَالِ الرُّكُوعِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ وَأُمِرْنَا ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى نَسْخِ التَّطْبِيقِ الْمَذْكُورِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآمِرِ وَالنَّاهِي فِي ذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَذِهِ الصِّيغَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا , وَالرَّاجِحُ أَنَّ حُكْمَهَا الرَّفْعُ , وَهُوَ مُقْتَضَى تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ , وَكَذَا مُسْلِمٌ إِذْ أَخْرَجَهُ فِي صَحِيحِهِ. وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ \" كَانَ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ إِذَا رَكَعُوا جَعَلُوا أَيْدِيَهُمْ بَيْنَ أَفْخَاذِهِمْ , فَصَلَّيْت إِلَى جَنْبِ أَبِي فَضَرَبَ يَدِي \" الْحَدِيثَ , فَأَفَادَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مُسْتَنَدَ مُصْعَبٍ فِي فِعْلِ ذَلِكَ , وَأَوْلَادُ اِبْنِ مَسْعُودٍ أَخَذُوهُ عَنْ أَبِيهِمْ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ : التَّطْبِيقُ مَنْسُوخٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُطَبِّقُونَ. اِنْتَهَى. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ مُتَّصِلًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ \" فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا , فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ , فَلَمَّا صَلَّى قَالَ : هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". وَحُمِلَ هَذَا عَلَى أَنَّ اِبْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ , وَقَدْ رَوَى اِبْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ قَالَ \" إِنَّمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً \" يَعْنِي التَّطْبِيقَ , وَرَوَى اِبْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ \" عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ طَبَّقَ يَدَيْهِ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ فَرَكَعَ , فَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدًا فَقَالَ : صَدَقَ أَخِي , كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا ثُمَّ أُمِرْنَا بِهَذَا \" يَعْنِي الْإِمْسَاكَ بِالرُّكَبِ. فَهَذَا شَاهِدٌ قَوِيٌّ لِطَرِيقِ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ مَا يُوَافِقُ قَوْلَ سَعْدٍ , أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ قَالَ \" صَلَّيْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ فَطَبَّقَ , ثُمَّ لَقِينَا عُمَرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ فَطَبَّقْنَا , فَلَمَّا اِنْصَرَفَ قَالَ : ذَلِكَ شَيْءٌ كُنَّا نَفْعَلُهُ ثُمَّ تُرِكَ \" وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ \" قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : إِنَّ الرُّكَبَ سُنَّتْ لَكُمْ فَخُذُوا بِالرُّكَبِ \" وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ \" كُنَّا إِذَا رَكَعْنَا جَعَلْنَا أَيْدِيَنَا بَيْنَ أَفْخَاذِنَا , فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّ مِنْ السُّنَّةِ الْأَخْذَ بِالرُّكَبِ \" وَهَذَا أَيْضًا حُكْمُهُ حُكْمُ الرَّفْعِ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا قَالَ السُّنَّةُ كَذَا أَوْ سُنَّ كَذَا كَانَ الظَّاهِرُ اِنْصِرَافَ ذَلِكَ إِلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا قَالَهُ مِثْلُ عُمَرَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَنُهِينَا عَنْهُ ) اِسْتَدَلَّ بِهِ اِبْنُ خُزَيْمَةَ عَلَى أَنَّ التَّطْبِيقَ غَيْرُ جَائِزٍ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ حَمْلِ النَّهْيِ عَلَى الْكَرَاهَةِ , فَقَدْ رَوَى اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيّ قَالَ \" إِذَا رَكَعْت فَإِنْ شِئْت قُلْت هَكَذَا - يَعْنِي وَضَعْت يَدَيْك عَلَى رُكْبَتَيْك - وَإِنْ شِئْت طَبَّقْت \" وَإِسْنَاده حَسَنٌ , وَهُوَ ظَاهِر فِي أَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّخْيِير , فَإِمَّا أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ النَّهْي وَإِمَّا حَمَلَهُ عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه. وَيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحِرَامٍ كَوْن عُمَر وَغَيْره مِمَّنْ أَنْكَرَهُ لَمْ يَأْمُر مَنْ فَعَلَهُ بِالْإِعَادَةِ. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏حَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ الطَّحَاوِيّ وَأَقَرَّهُ أَنَّ طَرِيق النَّظَر يَقْتَضِي أَنَّ تَفْرِيق الْيَدَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَطْبِيقهمَا , لِأَنَّ السُّنَّة جَاءَتْ بِالتَّجَافِي فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود , وَبِالْمُرَاوَحَةِ بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ , قَالَ : فَلَمَّا اِتَّفَقُوا عَلَى أَوْلَوِيَّة تَفْرِيقهمَا فِي هَذَا وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَوَّل اِقْتَضَى النَّظَرُ أَنْ يُلْحَق مَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ بِمَا اِتَّفَقُوا عَلَيْهِ , قَالَ : فَثَبَتَ اِنْتِفَاء التَّطْبِيق وَوُجُوب وَضْع الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ. اِنْتَهَى كَلَامه. وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْن بْن الْمُنِير بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مُعَارَض بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي سُنَّ فِيهَا الضَّمّ كَوَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي حَال الْقِيَام , قَالَ : وَإِذَا ثَبَتَ مَشْرُوعِيَّة الضَّمّ فِي بَعْض مَقَاصِد الصَّلَاة بَطَلَ مَا اِعْتَمَدَهُ مِنْ الْقِيَاس الْمَذْكُور. نَعَمْ لَوْ قَالَ إِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَا يَقْتَضِي مَزِيَّة التَّفْرِيج عَلَى التَّطْبِيق لَكَانَ لَهُ وَجْه. قُلْتُ : وَقَدْ وَرَدَتْ الْحِكْمَة فِي إِثْبَات التَّفْرِيج عَلَى التَّطْبِيق عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا , أَوْرَدَ سَيْف فِي الْفُتُوح مِنْ رِوَايَة مَسْرُوق أَنَّهُ سَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَتْ بِمَا مُحَصَّله : أَنَّ التَّطْبِيق مِنْ صَنِيع الْيَهُود , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ لِذَلِكَ , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبهُ مُوَافَقَة أَهْل الْكِتَاب فِيمَا لَمْ يَنْزِل عَلَيْهِ , ثُمَّ أَمَرَ فِي آخِر الْأَمْر بِمُخَالَفَتِهِمْ , وَاَللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنْ نَضَع أَيْدِينَا ) ‏ ‏أَيْ أَكُفّنَا مِنْ إِطْلَاق الْكُلّ وَإِرَادَة الْجُزْء , وَرَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي عَوَانَة عَنْ أَبِي يَعْفُور بِلَفْظِ \" وَأَمَرَنَا أَنْ نَضْرِب بِالْأَكُفِّ عَلَى الرُّكَب \" وَهُوَ مُنَاسِب لِلَفْظِ التَّرْجَمَة. ‏"
    },
    {
        "id": "749",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ رَأَى ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ قَالَ ‏ ‏مَا صَلَّيْتَ وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَيْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رَأَى حُذَيْفَة رَجُلًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه لَكِنْ عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش أَنَّهُ كَانَ عِنْد أَبْوَاب كِنْدَة , وَمِثْله لِعَبْدِ الرَّزَّاق عَنْ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا يُتِمّ الرُّكُوع وَالسُّجُود ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق \" فَجَعَلَ يَنْقُر وَلَا يُتِمّ رُكُوعه \" زَادَ أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة \" فَقَالَ : مُنْذُ كَمْ صَلَّيْت ؟ فَقَالَ : مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَة \" وَمِثْله فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ , وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق طَلْحَة بْن مُصَرِّف عَنْ زَيْد بْن وَهْب مِثْله , وَفِي حَمْله عَلَى ظَاهِره نَظَر , وَأَظُنّ ذَلِكَ هُوَ السَّبَب فِي كَوْن الْبُخَارِيّ لَمْ يَذْكُر ذَلِكَ , وَذَلِكَ لِأَنَّ حُذَيْفَة مَاتَ سَنَة سِتّ وَثَلَاثِينَ فَعَلَى هَذَا يَكُون اِبْتِدَاء صَلَاة الْمَذْكُور قَبْل الْهِجْرَة بِأَرْبَعٍ أَوْ أَكْثَر وَلَعَلَّ الصَّلَاة لَمْ تَكُنْ فُرِضَتْ بَعْد , فَلَعَلَّهُ أَطْلَقَ وَأَرَادَ الْمُبَالَغَة , أَوْ لَعَلَّهُ مِمَّنْ كَادَ يُصَلِّي قَبْل إِسْلَامه ثُمَّ أَسْلَمَ فَحَصَلَتْ الْمُدَّة الْمَذْكُورَة مِنْ الْأَمْرَيْنِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَا صَلَّيْت ) ‏ ‏هُوَ نَظِير قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسِيءِ صَلَاته \" فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ \" وَسَيَأْتِي بَعْد بَاب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَطَرَ اللَّه مُحَمَّدًا ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَلَيْهَا \" وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى وُجُوب الطُّمَأْنِينَة فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود وَعَلَى أَنَّ الْإِخْلَال بِهَا مُبْطِل لِلصَّلَاةِ , وَعَلَى تَكْفِير تَارِك الصَّلَاة لِأَنَّ ظَاهِره أَنَّ حُذَيْفَة نَفَى الْإِسْلَام عَمَّنْ أَخَلَّ بِبَعْضِ أَرْكَانهَا فَيَكُون نَفْيه عَمَّنْ أَخَلَّ بِهَا كُلّهَا أَوْلَى , وَهَذَا بِنَاء عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْفِطْرَةِ الدِّين , وَقَدْ أَطْلَقَ الْكُفْر عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم وَهُوَ إِمَّا عَلَى حَقِيقَته عِنْد قَوْم وَإِمَّا عَلَى الْمُبَالَغَة فِي الزَّجْر عِنْد آخَرِينَ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْفِطْرَة الْمِلَّة أَوْ الدِّين , قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهَا هُنَا السُّنَّة كَمَا جَاءَ \" خَمْس مِنْ الْفِطْرَة \" الْحَدِيث , وَيَكُون حُذَيْفَة قَدْ أَرَادَ تَوْبِيخ الرَّجُل لِيَرْتَدِع فِي الْمُسْتَقْبَل , وَيُرَجِّحهُ وُرُوده مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظِ \" سُنَّة مُحَمَّد \" كَمَا سَيَأْتِي بَعْد عَشْرَة أَبْوَاب , وَهُوَ مَصِير مِنْ الْبُخَارِيّ إِلَى أَنَّ الصَّحَابِيّ إِذَا قَالَ سُنَّة مُحَمَّد أَوْ فِطْرَته كَانَ حَدِيثًا مَرْفُوعًا , وَقَدْ خَالَفَ فِيهِ قَوْم وَالرَّاجِح الْأَوَّل. ‏"
    },
    {
        "id": "750",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا الْحَكَم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُتَيْبَة ‏ ‏( عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن , وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِتَحْدِيثِهِ لَهُ عِنْد مُسْلِم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَا خَلَا الْقِيَام وَالْقُعُود ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ فِيهِمَا , قِيلَ الْمُرَاد بِالْقِيَامِ الِاعْتِدَال وَبِالْقُعُودِ الْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ , وَجَزَمَ بِهِ بَعْضهمْ , وَتَمَسَّكَ بِهِ فِي أَنَّ الِاعْتِدَال وَالْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ لَا يُطَوَّلَانِ , وَرَدَّهُ اِبْن الْقَيِّم فِي كَلَامه عَلَى حَاشِيَة السُّنَن فَقَالَ : هَذَا سُوء فَهْم مِنْ قَائِله , لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَهُمَا بِعَيْنِهِمَا فَكَيْف يَسْتَثْنِيهِمَا ؟ وَهَلْ يَحْسُن قَوْل الْقَائِل جَاءَ زَيْد وَعَمْرو وَبَكْر وَخَالِد إِلَّا زَيْدًا وَعَمْرًا , فَإِنَّهُ مَتَى أَرَادَ نَفْي الْمَجِيء عَنْهُمَا كَانَ تَنَاقُضًا ا ه. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِذِكْرِهَا إِدْخَالهَا فِي الطُّمَأْنِينَة وَبِاسْتِثْنَاءِ بَعْضهَا إِخْرَاج الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْمُسَاوَاة , وَقَالَ بَعْض شُيُوخ شُيُوخنَا : مَعْنَى قَوْلُهُ ‏ ‏\" قَرِيبًا مِنْ السَّوَاء \" ‏ ‏أَنَّ كُلّ رُكْن قَرِيب مِنْ مِثْله , فَالْقِيَام الْأَوَّل قَرِيب مِنْ الثَّانِي وَالرُّكُوع فِي الْأُولَى قَرِيب مِنْ الثَّانِيَة , وَالْمُرَاد بِالْقِيَامِ وَالْقُعُود اللَّذَيْنِ اُسْتُثْنِيَا الِاعْتِدَال وَالْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه. وَاسْتُدِلَّ بِظَاهِرِهِ عَلَى أَنَّ الِاعْتِدَال رُكْن طَوِيل وَلَا سِيَّمَا قَوْلُهُ فِي حَدِيث أَنَس \" حَتَّى يَقُول الْقَائِل قَدْ نَسِيَ \" وَفِي الْجَوَاب عَنْهُ تَعَسُّف وَاَللَّهُ أَعْلَم. وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيث بَعْد أَبْوَاب بِغَيْرِ اِسْتِثْنَاء , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طُرُق , وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْقِيَامِ وَالْقُعُود الْقِيَام لِلْقِرَاءَةِ وَالْجُلُوس لِلتَّشَهُّدِ لِأَنَّ الْقِيَام لِلْقِرَاءَةِ أَطْوَل مِنْ جَمِيع الْأَرْكَان فِي الْغَالِب , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَطْوِيل الِاعْتِدَال وَالْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب الطُّمَأْنِينَة حِين يَرْفَع رَأْسه مِنْ الرُّكُوع \" مَعَ بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏\" 1279 \" ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَاب أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَا يُتِمّ الرُّكُوع بِالْإِعَادَةِ ) ‏ ‏قَالَ الزَّيْن ابْن الْمُنِير : هَذِهِ مِنْ التَّرَاجِم الْخَفِيَّة , وَذَلِكَ أَنَّ الْخَبَر لَمْ يَقَع فِيهِ بَيَان مَا نَقَصَهُ الْمُصَلِّي الْمَذْكُور , لَكِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَ لَهُ \" ثُمَّ اِرْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنّ رَاكِعًا \" إِلَى آخِر مَا ذَكَرَ لَهُ مِنْ الْأَرْكَان اِقْتَضَى ذَلِكَ تَسَاوِيهَا فِي الْحُكْم لِتَنَاوُلِ الْأَمْر كُلّ فَرْد مِنْهَا , فَكُلّ مَنْ لَمْ يُتِمّ رُكُوعه أَوْ سُجُوده أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ مَأْمُور بِالْإِعَادَةِ. قُلْتُ : وَوَقَعَ فِي حَدِيث رِفَاعَة بْن رَافِع عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" دَخَلَ رَجُل فَصَلَّى صَلَاة خَفِيفَة لَمْ يُتِمّ رُكُوعهَا وَلَا سُجُودهَا \" فَالظَّاهِر أَنَّ الْمُصَنِّف أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "751",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَدَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَامَ فَقَالَ ‏ ‏ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلَاثًا فَقَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي قَالَ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : خَالَفَ يَحْيَى الْقَطَّان أَصْحَاب عُبَيْد اللَّه كُلّهمْ فِي هَذَا الْإِسْنَاد , فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا عَنْ أَبِيهِ ; وَيَحْيَى حَافِظٌ قَالَ : فَيُشْبِه أَنْ يَكُون عُبَيْد اللَّه حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ الْبَزَّار : لَمْ يُتَابَع يَحْيَى عَلَيْهِ , وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيّ رِوَايَة يَحْيَى. قُلْتُ : لِكُلٍّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ وَجْه مُرَجَّح , أَمَّا رِوَايَة يَحْيَى فَلِلزِّيَادَةِ مِنْ الْحَافِظ , وَأَمَّا الرِّوَايَة الْأُخْرَى فَلِلْكَثْرَةِ , وَلِأَنَّ سَعِيدًا لَمْ يُوصَف بِالتَّدْلِيسِ وَقَدْ ثَبَتَ سَمَاعه مِنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَمِنْ ثَمَّ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ الطَّرِيقَيْنِ. فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ طَرِيق يَحْيَى هُنَا وَفِي \" بَاب وُجُوب الْقِرَاءَة \" وَأَخْرَجَ فِي الِاسْتِئْذَان طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن النُّمَيْر , وَفِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور طَرِيق أُسَامَة كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْد اللَّه لَيْسَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة الثَّلَاثَة. وَلِلْحَدِيثِ طَرِيق أُخْرَى مِنْ غَيْر رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة وَمُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَمُحَمَّد بْن عَمْرو وَمُحَمَّد بْن عَجْلَان وَدَاوُد بْن قَيْس كُلّهمْ عَنْ عَلِيّ بْن يَحْيَى بْن خَلَّاد بْن رَافِع الزُّرَقِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمّه رِفَاعَة بْن رَافِع , فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسَمِّ رِفَاعَة قَالَ \" عَنْ عَمّ لَهُ بَدْرِيّ \" وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ , وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن عَلِيّ بْن يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَنْ رِفَاعَة لَكِنْ لَمْ يَقُلْ التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِيهِ , وَفِيهِ اِخْتِلَاف آخَر نَذْكُرهُ قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَدَخَلَ رَجُل ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن نُمَيْر \" وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِس فِي نَاحِيَة الْمَسْجِد \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة \" بَيْنَمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِس وَنَحْنُ حَوْله \" وَهَذَا الرَّجُل هُوَ خَلَّاد بْن رَافِع جَدّ عَلِيّ بْن يَحْيَى رَاوِي الْخَبَر , بَيَّنَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عَبَّاد بْن الْعَوَّام عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ عَلِيّ بْن يَحْيَى عَنْ رِفَاعَة أَنَّ خَلَّادًا دَخَلَ الْمَسْجِد. وَرَوَى أَبُو مُوسَى فِي الذَّيْل مِنْ جِهَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْنِ عَجْلَان عَنْ عَلِيّ بْن يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن خَلَّاد عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِد ا ه. وَفِيهِ أَمْرَانِ : زِيَادَة عَبْد اللَّه فِي نَسَب عَلِيّ بْن يَحْيَى , وَجَعَلَ الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة خَلَّاد جَدّ عَلِيّ. فَأَمَّا الْأَوَّل فَوَهْمٌ مِنْ الرَّاوِي عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَةَ , وَأَمَّا الثَّانِي فَمِنْ اِبْن عُيَيْنَةَ لِأَنَّ سَعِيد بْن مَنْصُور قَدْ رَوَاهُ عَنْهُ كَذَلِكَ لَكِنْ بِإِسْقَاطِ عَبْد اللَّه , وَالْمَحْفُوظ أَنَّهُ مِنْ حَدِيث رِفَاعَة , كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان وَابْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي خَالِد. الْأَحْمَر كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّد بْن عَجْلَان. وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْد التِّرْمِذِيّ \" إِذْ جَاءَ رَجُل كَالْبَدْوِيِّ فَصَلَّى فَأَخَفَّ صَلَاته \" فَهَذَا لَا يَمْنَع تَفْسِيره بِخَلَّاد لِأَنَّ رِفَاعَة شَبَّهَهُ بِالْبَدْوِيِّ لِكَوْنِهِ أَخَفَّ الصَّلَاة أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَصَلَّى ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة دَاوُدَ بْن قَيْس \" رَكْعَتَيْنِ \" وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ صَلَّى نَفْلًا. وَالْأَقْرَب أَنَّهَا تَحِيَّة الْمَسْجِد , وَفِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة \" وَقَدْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمُقهُ فِي صَلَاته \" زَادَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة \" وَلَا نَدْرِي مَا يَعِيبُ مِنْهَا \" وَعِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ رِوَايَة أَبِي خَالِد \" يَرْمُقهُ وَنَحْنُ لَا نَشْعُر \" وَهَذَا مَحْمُول عَلَى حَالهمْ فِي الْمَرَّة الْأُولَى , وَهُوَ مُخْتَصَر مِنْ الَّذِي قَبْله كَأَنَّهُ قَالَ : وَلَا نَشْعُر بِمَا يَعِيب مِنْهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" فَجَاءَ فَسَلَّمَ \" وَهِيَ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْن صَلَاته وَمَجِيئِهِ تَرَاخٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَرَدَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم وَكَذَا فِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر فِي الِاسْتِئْذَان \" فَقَالَ وَعَلَيْك السَّلَام \" وَفِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَلَى اِبْن الْمُنِير حَيْثُ قَالَ فِيهِ : إِنَّ الْمَوْعِظَة فِي وَقْت الْحَاجَة أَهَمّ مِنْ رَدّ السَّلَام , وَلِأَنَّهُ لَعَلَّهُ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَام تَأْدِيبًا عَلَى جَهْله فَيُؤْخَذ مِنْهُ التَّأْدِيب بِالْهَجْرِ وَتَرْك السَّلَام ا ه. وَاَلَّذِي وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ نُسَخ الصَّحِيحَيْنِ ثُبُوت الرَّدّ فِي هَذَا الْمَوْضِع وَغَيْره , إِلَّا الَّذِي فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور وَقَدْ سَاقَ الْحَدِيث صَاحِب \" الْعُمْدَة \" بِلَفْظِ الْبَاب إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ مِنْهُ \" فَرَدَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَلَعَلَّ اِبْن الْمُنِير اِعْتَمَدَ عَلَى النُّسْخَة الَّتِي اِعْتَمَدَ عَلَيْهَا صَاحِب الْعُمْدَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اِرْجِعْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عَجْلَان فَقَالَ \" أَعِدْ صَلَاتك \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : فِيهِ أَنَّ أَفْعَال الْجَاهِل فِي الْعِبَادَة عَلَى غَيْر عِلْم لَا تُجْزِئ , وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالنَّفْيِ نَفْي الْإِجْزَاء وَهُوَ الظَّاهِر , وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى نَفْي الْكَمَال تَمَسَّكَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرهُ بَعْد التَّعْلِيم بِالْإِعَادَةِ فَدَلَّ عَلَى إِجْزَائِهَا وَإِلَّا لَزِمَ تَأْخِير الْبَيَان , كَذَا قَالَهُ بَعْض الْمَالِكِيَّة وَهُوَ الْمُهَلَّب وَمَنْ تَبِعَهُ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَهُ فِي الْمَرَّة الْأَخِيرَة بِالْإِعَادَةِ , فَسَأَلَهُ التَّعْلِيم فَعَلَّمَهُ , فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ أَعِدْ صَلَاتك عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّة , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن الْمُنِير , وَسَيَأْتِي فِي آخِر الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث مَزِيد بَحْث فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثَلَاثًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر \" فَقَالَ فِي الثَّالِثَة أَوْ فِي الَّتِي بَعْدهَا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" فَقَالَ فِي الثَّانِيَة أَوْ الثَّالِثَة \" وَتَتَرَجَّح الْأُولَى لِعَدَمِ وُقُوع الشَّكّ فِيهَا وَلِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ عَادَته اِسْتِعْمَال الثَّلَاث فِي تَعْلِيمه غَالِبًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَعَلِّمْنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن عَلِيّ \" فَقَالَ الرَّجُل فَأَرِنِي وَعَلِّمْنِي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَر أُصِيب وَأُخْطِئ فَقَالَ : أَجَلْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَكَبِّرْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر \" إِذَا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَأَسْبِغْ الْوُضُوء ثُمَّ اِسْتَقْبِلْ الْقِبْلَة فَكَبِّرْ \" وَفِي رِوَايَة يَحْيَى بْن عَلِيّ \" فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ ثُمَّ تَشَهَّدْ وَأَقِمْ \". وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عِنْد النَّسَائِيِّ إِنَّهَا لَمْ تَتِمّ صَلَاة أَحَدكُمْ حَتَّى يُسْبِغ الْوُضُوء كَمَا أَمَرَهُ اللَّه فَيَغْسِل وَجْهه وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيَمْسَح رَأْسه وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُكَبِّر اللَّه وَيَحْمَدهُ وَيُمَجِّدهُ \" وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ \" وَيُثْنِي عَلَيْهِ \" بَدَلَ وَيُمَجِّدهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ اِقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآن ) ‏ ‏لَمْ تَخْتَلِف الرِّوَايَات فِي هَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَأَمَّا رِفَاعَة فَفِي رِوَايَة إِسْحَاق الْمَذْكُورَة \" وَيَقْرَأ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآن مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّه \" وَفِي رِوَايَة يَحْيَى بْن عَلِيّ \" فَإِنْ كَانَ مَعَك قُرْآن فَاقْرَأْ وَإِلَّا فَاحْمَدْ اللَّه وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ \". وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" ثُمَّ اِقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآن أَوْ بِمَا شَاءَ اللَّه \". وَلِأَحْمَد وَابْن حِبَّان مِنْ هَذَا الْوَجْه \" ثُمَّ اِقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآن ثُمَّ اِقْرَأْ بِمَا شِئْت \" تَرْجَمَ لَهُ اِبْن حِبَّان بِبَابِ فَرْض الْمُصَلِّي قِرَاءَة فَاتِحَة الْكِتَاب فِي كُلّ رَكْعَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَطْمَئِنّ رَاكِعًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد هَذِهِ الْقَرِيبَة \" فَإِذَا رَكَعْت فَاجْعَلْ رَاحَتَيْك عَلَى رُكْبَتَيْك وَامْدُدْ ظَهْرك وَتَمَكَّنْ لِرُكُوعِك \". وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة \" ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِله وَيَسْتَرْخِي \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَعْتَدِل قَائِمًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر عِنْد اِبْن مَاجَهْ \" حَتَّى تَطْمَئِنّ قَائِمًا \" أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم إِسْنَاده بِعَيْنِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظه فَهُوَ عَلَى شَرْطه , وَكَذَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاق اِبْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْ أَبِي أُسَامَة , وَهُوَ فِي مُسْتَخْرَج أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقه , وَكَذَا أَخْرَجَهُ السَّرَّاج عَنْ يُوسُف بْن مُوسَى أَحَد شُيُوخ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي أُسَامَة , فَثَبَتَ ذِكْر الطُّمَأْنِينَة فِي الِاعْتِدَال عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ , وَمِثْله فِي حَدِيث رِفَاعَة عِنْد أَحْمَد وَابْن حِبَّان , وَفِي لَفْظ لِأَحْمَد \" فَأَقِمْ صُلْبك حَتَّى تَرْجِع الْعِظَام إِلَى مَفَاصِلهَا \" وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ قَوْل إِمَام الْحَرَمَيْنِ : فِي الْقَلْب مِنْ إِيجَابهَا - أَيْ الطُّمَأْنِينَة فِي الرَّفْع مِنْ الرُّكُوع - شَيْء لِأَنَّهَا لَمْ تُذْكَر فِي حَدِيث الْمُسِيء صَلَاته , دَالّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَى هَذِهِ الطُّرُق الصَّحِيحَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ اُسْجُدْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة ( ثُمَّ يُكَبِّر فَيَسْجُد حَتَّى يُمَكِّن وَجْهه أَوْ جَبْهَته حَتَّى تَطْمَئِنّ مَفَاصِله وَتَسْتَرْخِي \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ اِرْفَعْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْحَاق الْمَذْكُورَة \" ثُمَّ يُكَبِّر فَيَرْكَع حَتَّى يَسْتَوِي قَاعِدًا عَلَى مَقْعَدَته وَيُقِيم صُلْبه \". وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو \" فَإِذَا رَفَعْت رَأْسك فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذك الْيُسْرَى \". وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق \" فَإِذَا جَلَسْت فِي وَسَط الصَّلَاة فَاطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ اِفْتَرِشْ فَخِذك الْيُسْرَى ثُمَّ تَشَهَّدْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ اِفْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتك كُلّهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو \" ثُمَّ اِصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلّ رَكْعَة وَسَجْدَة \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْنِ نُمَيْر فِي الِاسْتِئْذَان بَعْد ذِكْر السُّجُود الثَّانِي \" ثُمَّ اِرْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنّ جَالِسًا \". وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ : هَذَا يَدُلّ عَلَى إِيجَاب جِلْسَة الِاسْتِرَاحَة وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَد , وَأَشَارَ الْبُخَارِيّ إِلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة وَهْم , فَإِنَّهُ عَقَّبَهُ بِأَنْ قَالَ \" قَالَ أَبُو أُسَامَة فِي الْأَخِير حَتَّى تَسْتَوِي قَائِمًا \" وَيُمْكِن أَنْ يُحْمَل إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا عَلَى الْجُلُوس لِلتَّشَهُّدِ , وَيُقَوِّيه رِوَايَة إِسْحَاق الْمَذْكُورَة قَرِيبًا , وَكَلَامِ الْبُخَارِيّ ظَاهِرِ فِي أَنَّ أَبَا أُسَامَة خَالَفَ اِبْنَ نُمَيْر , لَكِنْ رَوَاهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْ أَبِي أُسَامَة كَمَا قَالَ اِبْنُ نُمَيْر بِلَفْظِ : \" ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنّ سَاجِدًا , ثُمَّ اقْعُدْ حَتَّى تَطْمَئِنّ قَاعِدًا , ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنّ سَاجِدًا , ثُمَّ اقْعُدْ حَتَّى تَطْمَئِنّ قَاعِدًا , ثُمَّ اِفْعَلْ ذَلِكَ فِي كُلّ رَكْعَة \". وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقه وَقَالَ : كَذَا قَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ أَبِي أُسَامَة , وَالصَّحِيح رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن أَبِي قُدَامَةَ وَيُوسُف بْن مُوسَى عَنْ أَبِي أُسَامَة بِلَفْظِ \" ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنّ سَاجِدًا , ثُمَّ اِرْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِي قَائِمًا \" ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق يُوسُف بْن مُوسَى كَذَلِكَ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى وُجُوب الطُّمَأْنِينَة فِي أَرْكَان الصَّلَاة , وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور , وَاشْتُهِرَ عَنْ الْحَنَفِيَّة أَنَّ الطُّمَأْنِينَة سُنَّة , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ كَثِير مِنْ مُصَنِّفِيهِمْ , لَكِنَّ كَلَامَ الطَّحَاوِيّ كَالصَّرِيحِ فِي الْوُجُوب عِنْدهمْ , فَإِنَّهُ تَرْجَمَ مِقْدَار الرُّكُوع وَالسُّجُود , ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره فِي قَوْلُهُ \" سُبْحَان رَبِّي الْعَظِيم ثَلَاثًا فِي الرُّكُوع وَذَلِكَ أَدْنَاهُ \". قَالَ : فَذَهَبَ قَوْم إِلَى أَنَّ هَذَا مِقْدَار الرُّكُوع وَالسُّجُود لَا يُجْزِئ أَدْنَى مِنْهُ , قَالَ : وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا : إِذَا اِسْتَوَى رَاكِعًا وَاطْمَأَنَّ سَاجِدًا أَجْزَأَ , ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَبِي يُوسُف وَمُحَمَّد. قَالَ اِبْنُ دَقِيق الْعِيد : تَكَرَّرَ مِنْ الْفُقَهَاء الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى وُجُوب مَا ذُكِرَ فِيهِ وَعَلَى عَدَم وُجُوب مَا لَمْ يُذْكَر , أَمَّا الْوُجُوب فَلِتَعَلُّقِ الْأَمْر بِهِ , وَأَمَّا عَدَمه فَلَيْسَ لِمُجَرَّدِ كَوْن الْأَصْل عَدَم الْوُجُوب , بَلْ لِكَوْنِ الْمَوْضِع مَوْضِع تَعْلِيم وَبَيَان لِلْجَاهِلِ , وَذَلِكَ يَقْتَضِي اِنْحِصَار الْوَاجِبَات فِيمَا ذُكِرَ وَيَتَقَوَّى ذَلِكَ بِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْإِسَاءَة مِنْ هَذَا الْمُصَلِّي وَمَا لَمْ تَتَعَلَّق بِهِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُقْصِر الْمَقْصُود عَلَى مَا وَقَعَتْ بِهِ الْإِسَاءَة. قَالَ : فَكُلّ مَوْضِع اِخْتَلَفَ الْفُقَهَاء فِي وُجُوبه وَكَانَ مَذْكُورًا فِي هَذَا الْحَدِيث فَلَنَا أَنْ نَتَمَسَّك بِهِ فِي وُجُوبه , وَبِالْعَكْسِ. لَكِنْ يَحْتَاج أَوَّلًا إِلَى جَمْع طُرُق هَذَا الْحَدِيث وَإِحْصَاء الْأُمُور الْمَذْكُورَة فِيهِ وَالْأَخْذ بِالزَّائِدِ فَالزَّائِد , ثُمَّ إِنْ عَارَضَ الْوُجُوب أَوْ عَدَمه دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ عُمِلَ بِهِ , وَإِنْ جَاءَتْ صِيغَة الْأَمْر فِي حَدِيث آخَر بِشَيْءٍ لَمْ يُذْكَر فِي هَذَا الْحَدِيث قُدِّمَتْ. قُلْتُ : قَدْ اِمْتَثَلْت مَا أَشَارَ إِلَيْهِ وَجَمَعْت طُرُقه الْقَوِيَّة مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة وَرِفَاعَة , وَقَدْ أَمْلَيْت الزِّيَادَات الَّتِي اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا. فَمِمَّا لَمْ يُذْكَر فِيهِ تَصْرِيحًا مِنْ الْوَاجِبَات الْمُتَّفَق عَلَيْهَا : النِّيَّة , وَالْقُعُود الْأَخِير وَمِنْ الْمُخْتَلَف فِيهِ التَّشَهُّد الْأَخِير وَالصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ , وَالسَّلَام فِي آخِر الصَّلَاة. قَالَ النَّوَوِيّ : وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَعْلُومًا عِنْد الرَّجُل ا ه. وَهَذَا يَحْتَاج إِلَى تَكْمِلَة , وَهُوَ ثُبُوت الدَّلِيل عَلَى إِيجَاب مَا ذُكِرَ كَمَا تَقَدَّمَ , وَفِيهِ بَعْد ذَلِكَ نَظَر. قَالَ : وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْإِقَامَة وَالتَّعَوُّذ وَدُعَاء الِافْتِتَاح وَرَفْع الْيَدَيْنِ فِي الْإِحْرَام وَغَيْره وَوَضْع الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَتَكْبِيرَات الِانْتِقَالَات وَتَسْبِيحَات الرُّكُوع وَالسُّجُود وَهَيْئَات الْجُلُوس وَوَضْع الْيَد عَلَى الْفَخِذ وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُذْكَر فِي الْحَدِيث لَيْسَ بِوَاجِبٍ ا ه. وَهُوَ فِي مَعْرِض الْمَنْع لِثُبُوتِ بَعْض مَا ذُكِرَ فِي بَعْض الطُّرُق كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه , فَيَحْتَاج مَنْ لَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِهِ إِلَى دَلِيل عَلَى عَدَم وُجُوبه كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَعَيُّن لَفْظ التَّكْبِير , خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُجْزِئ بِكُلِّ لَفْظ يَدُلّ عَلَى التَّعْظِيم , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي أَوَّلِ صِفَة الصَّلَاة. قَالَ اِبْنُ دَقِيق الْعِيد : وَيَتَأَيَّد ذَلِكَ بِأَنَّ الْعِبَادَات مَحَلّ التَّعَبُّدَات , وَلِأَنَّ رُتَب هَذِهِ الْأَذْكَار مُخْتَلِفَة , فَقَدْ لَا يَتَأَدَّى بِرُتْبَةٍ مِنْهَا مَا يُقْصَد بِرُتْبَةٍ أُخْرَى. وَنَظِيره الرُّكُوع , فَإِنَّ الْمَقْصُود بِهِ التَّعْظِيم بِالْخُضُوعِ , فَلَوْ أَبْدَلَهُ بِالسُّجُودِ لَمْ يُجْزِئ , مَعَ أَنَّهُ غَايَة الْخُضُوع. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ قِرَاءَة الْفَاتِحَة لَا تَتَعَيَّنُ , قَالَ اِبْنُ دَقِيق الْعِيد : وَوَجْهه أَنَّهُ إِذَا تَيَسَّرَ فِيهِ غَيْر الْفَاتِحَة فَقَرَأَهُ يَكُونُ مُمْتَثِلًا فَيَخْرُج عَنْ الْعُهْدَة , قَالَ : وَاَلَّذِينَ عَيَّنُوهَا أَجَابُوا بِأَنَّ الدَّلِيل عَلَى تَعَيُّنهَا تَقْيِيد لِلْمُطْلَقِ فِي هَذَا الْحَدِيث , وَهُوَ مُتَعَقَّب , لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ مِنْ كُلّ وَجْه بَلْ هُوَ مُقَيَّد بِقَيْدِ التَّيْسِير الَّذِي يَقْتَضِي التَّخْيِير , وَإِنَّمَا يَكُونُ مُطْلَقًا لَوْ قَالَ : اِقْرَأْ قُرْآنًا , ثُمَّ قَالَ : اِقْرَأْ فَاتِحَة الْكِتَاب. وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ بَيَان لِلْمُجْمَلِ , وَهُوَ مُتَعَقَّب أَيْضًا , لِأَنَّ الْمُجْمَل مَا لَمْ تَتَّضِح دَلَالَته , وَقَوْلُهُ \" مَا تَيَسَّرَ \" مُتَّضِح لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّخْيِير , قَالَ : وَإِنَّمَا يَقْرَب ذَلِكَ إِنْ جُعِلَتْ \" مَا \" مَوْصُولَة , وَأُرِيدَ بِهَا شَيْء مُعَيَّن وَهُوَ الْفَاتِحَة لِكَثْرَةِ حِفْظ الْمُسْلِمِينَ لَهَا , فَهِيَ الْمُتَيَسِّرَة. وَقِيلَ هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ عَرِفَ مِنْ حَالِ الرَّجُل أَنَّهُ لَا يَحْفَظ الْفَاتِحَة وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْوَاجِب عَلَيْهِ قِرَاءَة مَا تَيَسَّرَ. وَقِيلَ : مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخ بِالدَّلِيلِ عَلَى تَعْيِين الْفَاتِحَة , وَلَا يَخْفَى ضَعْفهمَا. لَكِنَّهُ مُحْتَمَل , وَمَعَ الِاحْتِمَال لَا يُتْرَك الصَّرِيح وَهُوَ قَوْلُهُ \" لَا تُجْزِئ صَلَاة لَا يُقْرَأ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب \" وَقِيلَ : إِنَّ قَوْلُهُ \" مَا تَيَسَّرَ \" مَحْمُول عَلَى مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَة جَمْعًا بَيْنه وَبَيْن دَلِيل إِيجَاب الْفَاتِحَة. وَيُؤَيِّدهُ الرِّوَايَة الَّتِي تَقَدَّمَتْ لِأَحْمَد وَابْنِ حِبَّان حَيْثُ قَالَ فِيهَا \" اِقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآن , ثُمَّ اِقْرَأْ بِمَا شِئْت \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوب الطُّمَأْنِينَة فِي الْأَرْكَان. وَاعْتَذَرَ بَعْض مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ بِأَنَّهُ زِيَادَة عَلَى النَّصّ , لِأَنَّ الْمَأْمُور بِهِ فِي الْقُرْآن مُطْلَق السُّجُود فَيَصْدُق بِغَيْرِ طُمَأْنِينَة , فَالطُّمَأْنِينَة زِيَادَة وَالزِّيَادَة عَلَى الْمُتَوَاتِر بِالْآحَادِ لَا تُعْتَبَر. وَعُورِضَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ زِيَادَة لَكِنْ بَيَان لِلْمُرَادِ بِالسُّجُودِ , وَأَنَّهُ خَالَفَ السُّجُود اللُّغَوِيّ لِأَنَّهُ مُجَرَّد وَضْع الْجَبْهَة فَبَيَّنَتْ السُّنَّة أَنَّ السُّجُود الشَّرْعِيّ مَا كَانَ بِالطُّمَأْنِينَةِ. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ تَأْكِيدًا لِوُجُوبِ السُّجُود , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ يُصَلُّونَ قَبْل ذَلِكَ , وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِغَيْرِ طُمَأْنِينَة. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ : وُجُوب الْإِعَادَة عَلَى مَنْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ وَاجِبَات الصَّلَاة. وَفِيهِ أَنَّ الشُّرُوع فِي النَّافِلَة مُلْزِمٌ , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ تَكُونُ تِلْكَ الصَّلَاة كَانَتْ فَرِيضَة فَيَقِف الِاسْتِدْلَال. وَفِيهِ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , وَحُسْن التَّعْلِيم بِغَيْرِ تَعْنِيف , وَإِيضَاح الْمَسْأَلَة , وَتَخْلِيص , الْمَقَاصِد , وَطَلَب الْمُتَعَلِّم مِنْ الْعَالِم أَنْ يُعَلِّمهُ. وَفِيهِ تَكْرَار السَّلَام وَرَدّه وَإِنْ لَمْ يَخْرُج مِنْ الْمَوْضِع إِذَا وَقَعَتْ صُورَة اِنْفِصَال. وَفِيهِ أَنَّ الْقِيَام فِي الصَّلَاة لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ , وَإِنَّمَا يُقْصَد لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ. وَفِيهِ جُلُوس الْإِمَام فِي الْمَسْجِد وَجُلُوس أَصْحَابه مَعَهُ. وَفِيهِ التَّسْلِيم لِلْعَالِمِ وَالِانْقِيَاد لَهُ وَالِاعْتِرَاف بِالتَّقْصِيرِ وَالتَّصْرِيح بِحُكْمِ الْبَشَرِيَّة فِي جَوَاز الْخَطَأ وَفِيهِ أَنَّ فَرَائِض الْوُضُوء مَقْصُورَة عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآن لَا مَا زَادَتْهُ السُّنَّة فَيُنْدَب. وَفِيهِ حُسْن خُلُقه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلُطْف مُعَاشَرَته , وَفِيهِ تَأْخِير الْبَيَان فِي الْمَجْلِس لِلْمَصْلَحَةِ. وَقَدْ اِسْتُشْكِلَ تَقْرِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ عَلَى صَلَاته وَهِيَ فَاسِدَة عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ أَخَلَّ بِبَعْضِ الْوَاجِبَات , وَأَجَابَ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّهُ أَرَادَ اِسْتِدْرَاجه بِفِعْلِ مَا يَجْهَلهُ مَرَّات لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ غَافِلًا فَيَتَذَكَّرهُ فَيَفْعَلهُ مِنْ غَيْر تَعْلِيم , وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّقْرِير الْخَطَأ , بَلْ مِنْ بَابِ تَحَقُّق الْخَطَأ. وَقَالَ النَّوَوِيّ نَحْوه , قَالَ : وَإِنَّمَا لَمْ يُعَلِّمهُ أَوَّلًا لِيَكُونَ أَبْلَغ فِي تَعْرِيفه وَتَعْرِيف غَيْره بِصِفَةِ الصَّلَاة الْمُجْزِئَة. وَقَالَ اِبْنُ الْجَوْزِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ تَرْدِيده لِتَفْخِيمِ الْأَمْر وَتَعْظِيمه عَلَيْهِ , وَرَأَى أَنَّ الْوَقْت لَمْ يَفُتْهُ , فَرَأَى إِيقَاظ الْفِطْنَة لِلْمَتْرُوكِ. وَقَالَ اِبْنُ دَقِيق الْعِيد : لَيْسَ التَّقْرِير بِدَلِيلٍ عَلَى الْجَوَاز مُطْلَقًا , بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اِنْتِفَاء الْمَوَانِع. وَلَا شَكّ أَنَّ فِي زِيَادَة قَبُول الْمُتَعَلِّم لِمَا يُلْقَى إِلَيْهِ بَعْد تَكْرَار فِعْله وَاسْتِجْمَاع نَفْسه وَتَوَجُّه سُؤَاله مَصْلَحَة مَانِعَة مِنْ وُجُوب الْمُبَادَرَة إِلَى التَّعْلِيم , لَا سِيَّمَا مَعَ عَدَم خَوْف الْفَوَات , إِمَّا بِنَاءٍ عَلَى ظَاهِرِ الْحَال , أَوْ بِوَحْيٍ خَاصّ. وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : إِنَّمَا سَكَتَ عَنْ تَعْلِيمه أَوَّلًا لِأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ لَمْ يَسْتَكْشِف الْحَال مِنْ مَوْرِد الْوَحْي , وَكَأَنَّهُ اِغْتَرَّ بِمَا عِنْده مِنْ الْعِلْم فَسَكَتَ عَنْ تَعْلِيمه زَجْرًا لَهُ وَتَأْدِيبًا وَإِرْشَادًا إِلَى اِسْتِكْشَاف مَا اِسْتَبْهَمَ عَلَيْهِ , فَلَمَّا طَلَبَ كَشْف الْحَال مِنْ مَوْرِده أُرْشِدَ إِلَيْهِ. اِنْتَهَى. لَكِنْ فِيهِ مُنَاقَشَة , لِأَنَّهُ إِنْ تَمَّ لَهُ فِي الصَّلَاة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة لَمْ يَتِمّ لَهُ فِي الْأُولَى , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَهُ لَمَّا جَاءَ أَوَّلَ مَرَّة بِقَوْلِهِ \" اِرْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ \" فَالسُّؤَال وَارِدٌ عَلَى تَقْرِيره لَهُ عَلَى الصَّلَاة الْأُولَى كَيْف لَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ فِي أَثْنَائِهَا ؟ لَكِنَّ الْجَوَاب يَصْلُح بَيَانًا لِلْحِكْمَةِ فِي تَأْخِير الْبَيَان بَعْد ذَلِكَ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ حُجَّة عَلَى مَنْ أَجَازَ الْقِرَاءَة بِالْفَارِسِيَّةِ لِكَوْنِ مَا لَيْسَ بِلِسَانِ الْعَرَب لَا يُسَمَّى قُرْآنًا , قَالَهُ عِيَاض. وَقَالَ النَّوَوِيّ : وَفِيهِ وُجُوب الْقِرَاءَة فِي الرَّكَعَات كُلّهَا , وَأَنَّ الْمُفْتِي إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْء وَكَانَ هُنَاكَ شَيْء آخَرُ يَحْتَاج إِلَيْهِ السَّائِل يُسْتَحَبّ لَهُ أَنْ يَذْكُرهُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلهُ عَنْهُ وَيَكُونُ مِنْ بَابِ النَّصِيحَة لَا مِنْ الْكَلَام فِيمَا لَا مَعْنَى لَهُ. وَمَوْضِع الدَّلَالَة مِنْهُ كَوْنه قَالَ \" عَلِّمْنِي \" أَيْ الصَّلَاة فَعَلَّمَهُ الصَّلَاة وَمُقَدِّمَاتهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "752",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ ‏ ‏سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "753",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ وَإِذَا قَامَ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ اِبْنِ أَبِي ذِئْب \" كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسه مِنْ الرُّكُوع قَالَ اللَّهُمَّ رَبّنَا لَك الْحَمْد \" وَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا لِأَنَّ أَحَدهمَا ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرهُ الْآخَر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اللَّهُمَّ رَبّنَا ) ‏ ‏ثَبَتَ فِي أَكْثَر الطُّرُق هَكَذَا , وَفِي بَعْضهَا بِحَذْفِ \" اللَّهُمَّ \" وَثُبُوتهَا أَرْجَح , وَكِلَاهُمَا جَائِز , وَفِي ثُبُوتهَا تَكْرِير النِّدَاء كَأَنَّهُ قَالَ يَا اللَّه يَا رَبّنَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَك الْحَمْد ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ زِيَادَة الْوَاو فِي طُرُق كَثِيرَة , وَفِي بَعْضهَا كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه بِحَذْفِهَا , قَالَ النَّوَوِيّ : الْمُخْتَار لَا تَرْجِيح لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَر. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : كَأَنَّ إِثْبَات الْوَاو دَالّ عَلَى مَعْنَى زَائِد , لِأَنَّهُ يَكُون التَّقْدِير مَثَلًا رَبّنَا اِسْتَجِبْ وَلَك الْحَمْد , فَيَشْتَمِل عَلَى مَعْنَى الدُّعَاء وَمَعْنَى الْخَبَر. اِنْتَهَى. وَهَذَا بِنَاء عَلَى أَنَّ الْوَاو عَاطِفَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب التَّكْبِير إِذَا قَامَ مِنْ السُّجُود \" قَوْل مَنْ جَعَلَهَا حَالِيَّة , وَأَنَّ الْأَكْثَر رَجَّحُوا ثُبُوتهَا. وَقَالَ الْأَثْرَم : سَمِعْت أَحْمَد يُثْبِت الْوَاو فِي \" رَبّنَا وَلَك الْحَمْد \" وَيَقُول : ثَبَتَ فِيهِ عِدَّة أَحَادِيث. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسه ) ‏ ‏أَيْ مِنْ السُّجُود , وَقَدْ سَاقَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْمَتْن مُخْتَصَرًا , وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيق شَبَابَة وَأَوَّله عِنْده عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَقَالَ \" أَنَا أَشْبَهكُمْ صَلَاة بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَانَ يُكَبِّر إِذَا رَكَعَ , وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ : اللَّهُمَّ رَبّنَا لَك الْحَمْد , وَكَانَ يُكَبِّر إِذَا سَجَدَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسه وَإِذَا قَامَ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ \" وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْنِ أَبِي ذِئْب بِلَفْظِ \" وَإِذَا قَامَ مِنْ الثِّنْتَيْنِ كَبَّرَ \" وَرَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ بِلَفْظِ \" وَكَانَ يُكَبِّر بَيْن السَّجْدَتَيْنِ \" وَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِالثِّنْتَيْنِ الرَّكْعَتَانِ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّر إِذَا قَامَ إِلَى الثَّالِثَة , وَيُؤَيِّدهُ الرِّوَايَة الْمَاضِيَة فِي \" بَاب التَّكْبِير إِذَا قَامَ مِنْ السُّجُود \" بِلَفْظِ \" وَيُكَبِّر حِين يَقُوم مِنْ الثِّنْتَيْنِ بَعْد الْجُلُوس \" وَأَمَّا رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ فَالْمُرَاد بِهَا التَّكْبِير لِلسَّجْدَةِ الثَّانِيَة , وَكَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُر الْآخَر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ اللَّه أَكْبَر ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ مُغَيَّر الْأُسْلُوب إِذْ عَبَّرَ أَوَّلًا بِلَفْظِ \" يُكَبِّر \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هُوَ لِلتَّفَنُّنِ أَوْ لِإِرَادَةِ التَّعْمِيم , لِأَنَّ التَّكْبِير يَتَنَاوَل التَّعْرِيف وَنَحْوه. اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة , فَإِنَّ الرِّوَايَات الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا جَاءَتْ كُلّهَا عَلَى أُسْلُوب وَاحِد , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ تَعْيِين هَذَا اللَّفْظ دُونَ غَيْره مِنْ أَلْفَاظ التَّعْظِيم , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة فَوَائِده فِي \" بَاب التَّكْبِير إِذَا قَامَ مِنْ السُّجُود \" وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَحَلّ التَّكْبِير عِنْد الْقِيَام مِنْ التَّشَهُّد الْأَوَّل بَعْد بِضْعَة عَشَر بَابًا. ‏"
    },
    {
        "id": "754",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا قَالَ الْإِمَام إِلَخْ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِمَام لَا يَقُول \" رَبّنَا لَك الْحَمْد \" وَعَلَى أَنَّ الْمَأْمُوم لَا يَقُول \" سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ \" لِكَوْنِ ذَلِكَ لَمْ يُذْكَر فِي هَذِهِ الرِّوَايَة كَمَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلّ عَلَى النَّفْي , بَلْ فِيهِ أَنَّ قَوْل الْمَأْمُوم رَبّنَا لَك الْحَمْد يَكُون عَقِبَ قَوْل الْإِمَام سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ , وَالْوَاقِع فِي التَّصْوِير ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِمَام يَقُول التَّسْمِيع فِي حَال اِنْتِقَاله وَالْمَأْمُوم يَقُول التَّحْمِيد فِي حَال اِعْتِدَاله , فَقَوْلُهُ يَقَع عَقِب قَوْل الْإِمَام كَمَا فِي الْخَبَر , وَهَذَا الْمَوْضِع يَقْرُب مِنْ مَسْأَلَة التَّأْمِين كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ قَوْلُهُ \" إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ \" أَنَّ الْإِمَام لَا يُؤَمِّن بَعْد قَوْلُهُ وَلَا الضَّالِّينَ , وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْإِمَام يُؤَمِّن كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا أَنَّهُ يَقُول رَبّنَا لَك الْحَمْد , لَكِنَّهُمَا مُسْتَفَادَانِ مِنْ أَدِلَّة أُخْرَى صَحِيحَة صَرِيحَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّأْمِين وَكَمَا مَضَى فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله وَفِي غَيْره وَيَأْتِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْمَع بَيْن التَّسْمِيع وَالتَّحْمِيد. وَأَمَّا مَا اِحْتَجُّوا بِهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مِنْ أَنَّ مَعْنَى سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ طَلَب التَّحْمِيد فَيُنَاسِب حَال الْإِمَام , وَأَمَّا الْمَأْمُوم فَتُنَاسِبهُ الْإِجَابَة بِقَوْلِهِ رَبّنَا لَك الْحَمْد وَيُقَوِّيه حَدِيث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عِنْد مُسْلِم وَغَيْره , فَفِيهِ \" وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبّنَا وَلَك الْحَمْد يَسْمَع اللَّه لَكُمْ. فَجَوَابه أَنْ يُقَال لَا يَدُلّ مَا ذَكَرْتُمْ عَلَى أَنَّ الْإِمَام لَا يَقُول رَبّنَا وَلَك الْحَمْد , إِذْ لَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُون طَالِبًا وَمُجِيبًا , وَهُوَ نَظِير مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَة التَّأْمِين مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الْإِمَام دَاعِيًا وَالْمَأْمُوم مُؤَمِّنًا أَنْ لَا يَكُون الْإِمَام مُؤَمِّنًا , وَيَقْرُب مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي الْجَمْع بَيْن الْحَيْعَلَة وَالْحَوْقَلَة لِسَامِعِ الْمُؤَذِّن , وَقَضِيَّة ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَام يَجْمَعهُمَا وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَأَبِي يُوسُف وَمُحَمَّد وَالْجُمْهُور , وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة تَشْهَد لَهُ , وَزَادَ الشَّافِعِيّ أَنَّ الْمَأْمُوم يَجْمَع بَيْنهمَا أَيْضًا لَكِنْ لَمْ يَصِحّ فِي ذَلِكَ شَيْء وَلَمْ يَثْبُت عَنْ اِبْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الشَّافِعِيّ اِنْفَرَدَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ نُقِلَ فِي الْإِشْرَاف عَنْ عَطَاء وَابْن سِيرِينَ وَغَيْرهمَا الْقَوْل بِالْجَمْعِ بَيْنهمَا لِلْمَأْمُومِ , وَأَمَّا الْمُنْفَرِد فَحَكَى الطَّحَاوِيُّ وَابْن عَبْد الْبَرّ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهُ يَجْمَع بَيْنهمَا , وَجَعَلَهُ الطَّحَاوِيُّ حُجَّة لِكَوْنِ الْإِمَام يَجْمَع بَيْنهمَا لِلِاتِّفَاقِ عَلَى اِتِّحَاد حُكْم الْإِمَام وَالْمُنْفَرِد , لَكِنْ أَشَارَ صَاحِب الْهِدَايَة إِلَى خِلَاف عِنْدهمْ فِي الْمُنْفَرِد. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ الْمَلَائِكَة تَقُول مَا يَقُول الْمَأْمُومُونَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي الْبَحْث فِيهِ فِي \" بَاب التَّأْمِين \". ‏"
    },
    {
        "id": "755",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَأُقَرِّبَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقْنُتُ ‏ ‏فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ مَا يَقُولُ ‏ ‏سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَة إِلَّا لِلْأَصِيلِيِّ فَحَذَفَهُ , وَعَلَيْهِ شَرْح اِبْن بَطَّال وَمَنْ تَبِعَهُ , وَالرَّاجِح إِثْبَاته كَمَا أَنَّ الرَّاجِح حَذْف بَاب مِنْ الَّذِي قَبْله , وَذَلِكَ أَنَّ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِيهِ لَا دَلَالَة فِيهَا عَلَى فَضْل اللَّهُمَّ رَبّنَا لَك الْحَمْد إِلَّا بِتَكَلُّفٍ , فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُون بِمَنْزِلَةِ الْفَصْل مِنْ الْبَاب الَّذِي قَبْله كَمَا تَقَدَّمَ فِي عِدَّة مَوَاضِع , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ أَوَّلًا \" بَاب مَا يَقُول الْإِمَام وَمَنْ خَلْفه إِذَا رَفَعَ رَأْسه مِنْ الرُّكُوع \" وَذَكَرَ فِيهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" اللَّهُمَّ رَبّنَا وَلَك الْحَمْد \" اِسْتَطْرَدَ إِلَى ذِكْر فَضْل هَذَا الْقَوْل بِخُصُوصِهِ , ثُمَّ فَصَلَ بِلَفْظِ \" بَاب \" لِتَكْمِيلِ التَّرْجَمَة الْأُولَى فَأَوْرَدَ بَقِيَّة مَا ثَبَتَ عَلَى شَرْطه مِمَّا يُقَال فِي الِاعْتِدَال كَالْقُنُوتِ وَغَيْره. وَقَدْ وَجَّهَ الزَّيْن ابْن الْمُنِير دُخُول الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة تَحْت تَرْجَمَة فَضْل \" اللَّهُمَّ رَبّنَا لَك الْحَمْد \" فَقَالَ : وَجْه دُخُول حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ الْقُنُوت لَمَّا كَانَ مَشْرُوعًا فِي الصَّلَاة كَاَلَّتِي هِيَ مِفْتَاحه وَمُقَدِّمَته , وَلَعَلَّ ذَلِكَ سَبَب تَخْصِيص الْقُنُوت بِمَا بَعْد ذِكْرهَا. اِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّف , وَقَدْ تُعُقِّبَ مِنْ وَجْه آخَر وَهُوَ أَنَّ الْخَبَر الْمَذْكُور فِي الْبَاب لَمْ يَقَع فِيهِ قَوْل \" رَبّنَا لَك الْحَمْد \" لَكِنْ لَهُ أَنْ يَقُول وَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيق اِخْتِصَار وَهِيَ مَذْكُورَة فِي الْأَصْل , وَلَمْ يَتَعَرَّض لِحَدِيثِ أَنَس , لَكِنْ لَهُ أَنْ يَقُول إِنَّمَا أَوْرَدَهُ اِسْتِطْرَادًا لِأَجْلِ ذِكْر الْمَغْرِب. قَالَ : وَأَمَّا حَدِيث رِفَاعَة فَظَاهِر فِي أَنَّ الِابْتِدَار الَّذِي تَنْشَأ عَنْهُ الْفَضِيلَة إِنَّمَا كَانَ لِزِيَادَةِ قَوْل الرَّجُل , لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة صِفَة فِي التَّحْمِيد جَارِيَة مَجْرَى التَّأْكِيد لَهُ تَعَيَّنَ جَعْل الْأَصْل سَبَبًا أَوْ سَبَبًا لِلسَّبَبِ فَثَبَتَتْ بِذَلِكَ الْفَضِيلَة , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَرْجَمَ بَعْضهمْ لَهُ بِبَابِ الْقُنُوت وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْء مِنْ رِوَايَتنَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُعَاذ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى \" حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَة \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَأُقَرِّبَنَّ صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم الْمَذْكُورَة \" لَأُقَرِّبَنَّ لَكُمْ \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" إِنِّي لَأَقْرَبُكُمْ صَلَاة بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة إِلَى آخِره ) ‏ ‏قِيلَ الْمَرْفُوع مِنْ هَذَا الْحَدِيث وُجُود الْقُنُوت لَا وُقُوعه فِي الصَّلَوَات الْمَذْكُورَة فَإِنَّهُ مَوْقُوف عَلَى أَبِي هُرَيْرَة , وَيُوَضِّحهُ مَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِير النِّسَاء مِنْ رِوَايَة شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى مِنْ تَخْصِيص الْمَرْفُوع بِصَلَاةِ الْعِشَاء , وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى \" قَنَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاة الْعَتَمَة شَهْرًا \" وَنَحْوه لِمُسْلِمٍ , لَكِنْ لَا يُنَافِي هَذَا كَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ فِي غَيْر الْعِشَاء , وَالظَّاهِر سِيَاق حَدِيث الْبَاب أَنَّ جَمِيعه مَرْفُوع وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي تَعَقُّب الْمُصَنِّف لَهُ بِحَدِيثِ أَنَس إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْقُنُوت فِي النَّازِلَة لَا يَخْتَصّ بِصَلَاةٍ مُعَيَّنَة , وَاسْتَشْكَلَ التَّقْيِيد فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ بِشَهْرٍ لِأَنَّ الْمَحْفُوظ أَنَّهُ كَانَ فِي قِصَّة الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَاب بِئْر مَعُونَة كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِر أَبْوَاب الْوِتْر , وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير آل عِمْرَان مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ مَأْسُورًا بِمَكَّة , وَبِالْكَافِرِينَ قُرَيْش , وَأَنَّ مُدَّته كَانَتْ طَوِيلَة فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّقْيِيد بِشَهْرٍ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة يَتَعَلَّق بِصِفَةٍ مِنْ الدُّعَاء مَخْصُوصَة وَهِيَ قَوْلُهُ \" اُشْدُدْ وَطْأَتك عَلَى مُضَر \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي الرَّكْعَة الْأُخْرَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" الْآخِرَة \" وَسَيَأْتِي بَعْد بَاب مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد الرُّكُوع , وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير آل عِمْرَان بَيَان الْخِلَاف فِي مُدَّة الدُّعَاء عَلَيْهِمْ وَالتَّنْبِيه عَلَى أَحْوَال مَنْ سَمَّى مِنْهُمْ. وَقَدْ اِخْتَصَرَ يَحْيَى سِيَاق هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي سَلَمَة وَطَوَّلَهُ الزُّهْرِيُّ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد بَاب , وَسَيَأْتِي فِي الدَّعَوَات بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف أَتَمّ مِمَّا سَاقَهُ هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "756",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّة , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي الْأَسْوَد نُسِبَ إِلَى جَدّ أَبِيهِ , وَاسْم أَبِيهِ مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَانَ الْقُنُوت ) ‏ ‏أَيْ فِي أَوَّل الْأَمْر , وَاحْتُجَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ قَوْل الصَّحَابِيّ كُنَّا نَفْعَل كَذَا لَهُ حُكْم الرَّفْع وَإِنْ لَمْ يُقَيِّدهُ بِزَمَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا هُوَ قَوْل الْحَاكِم , وَقَدْ اِتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاج هَذَا الْحَدِيث فِي الْمُسْنَد الصَّحِيح وَلَيْسَ فِيهِ تَقْيِيد , وَسَنَذْكُرُ اِخْتِلَاف النَّقْل عَنْ أَنَس فِي الْقُنُوت فِي مَحَلّه مِنْ الصَّلَاة وَفِي أَيّ الصَّلَوَات شُرِعَ , وَهَلْ اِسْتَمَرَّ مُطْلَقًا أَوْ مُدَّة مُعَيَّنَة أَوْ فِي حَالَة دُون حَالَة حَيْثُ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف بَعْض ذَلِكَ فِي آخِر أَبْوَاب الْوِتْر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "757",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ الزُّرَقِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ قَالَ ‏ ‏سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ مَنْ الْمُتَكَلِّمُ قَالَ أَنَا قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏بِضْعَةً ‏ ‏وَثَلَاثِينَ مَلَكًا ‏ ‏يَبْتَدِرُونَهَا ‏ ‏أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( الْمُجْمِر ) ‏ ‏بِالْخَفْضِ وَهُوَ صِفَة لِنُعَيْمٍ وَلِأَبِيهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَلِيّ بْن يَحْيَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ أَنَّ عَلِيّ بْن يَحْيَى حَدَّثَهُ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَفِيهِ رِوَايَة الْأَكَابِر عَنْ الْأَصَاغِر لِأَنَّ نُعَيْمًا أَكْبَر سِنًّا مِنْ عَلِيّ بْن يَحْيَى وَأَقْدَم سَمَاعًا , وَفِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ وَهُمْ مِنْ بَيْن مَالِك وَالصَّحَابِيّ , هَذَا مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَة وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ شَرَف الصُّحْبَة فَيَحْيَى بْن خَلَّاد وَالِد عَلِيّ مَذْكُور فِي الصَّحَابَة لِأَنَّهُ قِيلَ إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّكَهُ لَمَّا وُلِدَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسه مِنْ الرَّكْعَة قَالَ : سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ قَوْل التَّسْمِيع وَقَعَ بَعْد رَفْع الرَّأْس مِنْ الرُّكُوع فَيَكُون مِنْ أَذْكَار الِاعْتِدَال , وَقَدْ مَضَى فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْره مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ الِانْتِقَال وَهُوَ الْمَعْرُوف , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْنهمَا بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلُهُ \" فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسه \" أَيْ فَلَمَّا شَرَعَ فِي رَفْع رَأْسه اِبْتَدَأَ الْقَوْل الْمَذْكُور وَأَتَمَّهُ بَعْد أَنْ اِعْتَدَلَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ رَجُل ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَرَاءَهُ \" قَالَ اِبْن بَشْكُوَال : هَذَا الرَّجُل هُوَ رِفَاعَة بْن رَافِع رَاوِي الْخَبَر , ثُمَّ اِسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْره عَنْ قُتَيْبَة عَنْ رِفَاعَة بْن يَحْيَى الزُّرَقِيّ عَنْ عَمّ أَبِيهِ مُعَاذ بْن رِفَاعَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" صَلَّيْت خَلْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَطَسْت فَقُلْتُ : الْحَمْد لِلَّهِ \" الْحَدِيث , وَنُوزِعَ تَفْسِيره بِهِ لِاخْتِلَافِ سِيَاق السَّبَب وَالْقِصَّة , وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَا تَعَارُض بَيْنهمَا بَلْ يُحْمَل عَلَى أَنَّ عُطَاسه وَقَعَ عِنْد رَفْع رَأْس رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا مَانِع أَنْ يَكُنِّي عَنْ نَفْسه لِقَصْدِ إِخْفَاء عَمَله , أَوْ كَنَّى عَنْهُ لِنِسْيَانِ بَعْض الرُّوَاة لِاسْمِهِ , وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الِاخْتِلَاف فَلَا يَتَضَمَّن إِلَّا زِيَادَة لَعَلَّ الرَّاوِي اِخْتَصَرَهَا كَمَا سَنُبَيِّنُهُ , وَأَفَادَ بِشْر بْن عُمَر الزُّهْرَانِيّ فِي رِوَايَته عَنْ رِفَاعَة بْن يَحْيَى أَنَّ تِلْكَ الصَّلَاة كَانَتْ الْمَغْرِب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مُبَارَكًا فِيهِ ) ‏ ‏زَادَ رِفَاعَة بْن يَحْيَى \" مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبّ رَبّنَا وَيَرْضَى \" فَأَمَّا قَوْلُهُ \" مُبَارَكًا عَلَيْهِ \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَأْكِيدًا وَهُوَ الظَّاهِر , وَقِيلَ الْأَوَّل بِمَعْنَى الزِّيَادَة وَالثَّانِي بِمَعْنَى الْبَقَاء , قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) فَهَذَا يُنَاسِب الْأَرْض لِأَنَّ الْمَقْصُود بِهِ النَّمَاء وَالزِّيَادَة لَا الْبَقَاء لِأَنَّهُ بِصَدَدِ التَّغَيُّر. وَقَالَ تَعَالَى ( وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ ) فَهَذَا يُنَاسِب الْأَنْبِيَاء لِأَنَّ الْبَرَكَة بَاقِيَة لَهُمْ , وَلَمَّا كَانَ الْحَمْد يُنَاسِبهُ الْمَعْنَيَانِ جَمَعَهُمَا , كَذَا قَرَّرَهُ بَعْض الشُّرَّاح وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ كَمَا يُحِبّ رَبّنَا وَيَرْضَى فَفِيهِ مِنْ حُسْنِ التَّفْوِيض إِلَى اللَّه تَعَالَى مَا هُوَ الْغَايَة فِي الْقَصْد. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَنْ الْمُتَكَلِّم ) ‏ ‏زَادَ رِفَاعَة بْن يَحْيَى فِي الصَّلَاة \" فَلَمْ يَتَكَلَّم أَحَد , ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَة فَلَمْ يَتَكَلَّم أَحَد , ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَة فَقَالَ رِفَاعَة بْن رَافِع : أَنَا. قَالَ : كَيْف قُلْتُ ؟ فَذَكَرَهُ. فَقَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِضْعَة وَثَلَاثِينَ ) ‏ ‏فِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ كَالْجَوْهَرِيِّ أَنَّ الْبِضْع يَخْتَصّ بِمَا دُون الْعِشْرِينَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَيّهمْ يَكْتُبهَا أَوَّل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة رِفَاعَة بْن يَحْيَى الْمَذْكُورَة \" أَيّهمْ يَصْعَد بِهَا أَوَّل \" ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب \" أَيّهمْ يَرْفَعهَا \" قَالَ السُّهَيْلِيُّ رُوِيَ أَوَّل بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاء لِأَنَّهُ ظَرْف قُطِعَ مِنْ الْإِضَافَة , وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْحَال. اِنْتَهَى. وَأَمَّا \" أَيّهمْ \" فَرَوَيْنَاهُ بِالرَّفْعِ وَهُوَ مُبْتَدَأ وَخَبَره يَكْتُبهَا , قَالَهُ الطِّيبِيُّ وَغَيْره تَبَعًا لِأَبِي الْبَقَاء فِي إِعْرَاب قَوْلُهُ تَعَالَى ( يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ) قَالَ : وَهُوَ فِي مَوْضِع نَصْبٍ , وَالْعَامِل فِيهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ( يُلْقُونَ ) وَأَيّ اِسْتِفْهَامِيَّة , وَالتَّقْدِير مَقُول فِيهِمْ أَيّهمْ يَكْتُبهَا , وَيَجُوز فِي أَيّهمْ النَّصْبُ بِأَنْ يُقَدَّر الْمَحْذُوف فَيَنْظُرُونَ أَيّهمْ , وَعِنْد سِيبَوَيْهِ أَيّ مَوْصُولَة , وَالتَّقْدِير يَبْتَدِرُونَ الَّذِي هُوَ يَكْتُبهَا أَوَّل , وَأَنْكَرَ جَمَاعَة مِنْ الْبَصْرِيِّينَ ذَلِكَ , وَلَا تَعَارُض بَيْن رِوَايَتَيْ يَكْتُبهَا وَيَصْعَد بِهَا لِأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَهَا ثُمَّ يَصْعَدُونَ بِهَا , وَالظَّاهِر أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة غَيْر الْحَفَظَة , وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَة يَطُوفُونَ فِي الطُّرُق يَلْتَمِسُونَ أَهْل الذِّكْر \" الْحَدِيث. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ بَعْض الطَّاعَات قَدْ يَكْتُبهَا غَيْر الْحَفَظَة , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ تَأْخِير رِفَاعَة إِجَابَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين كَرَّرَ سُؤَاله ثَلَاثًا مَعَ أَنَّ إِجَابَته وَاجِبَة عَلَيْهِ , بَلْ وَعَلَى كُلّ مَنْ سَمِعَ رِفَاعَة , فَإِنَّهُ لَمْ يَسْأَل الْمُتَكَلِّم وَحْده. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُعَيِّن وَاحِدًا بِعَيْنِهِ لَمْ تَتَعَيَّن الْمُبَادَرَة بِالْجَوَابِ مِنْ الْمُتَكَلِّم وَلَا مِنْ وَاحِد بِعَيْنِهِ , فَكَأَنَّهُمْ اِنْتَظَرُوا بَعْضهمْ لِيُجِيبَ , وَحَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ خَشْيَة أَنْ يَبْدُو فِي حَقّه شَيْء ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِيمَا فَعَلَ , وَرَجَوْا أَنْ يَقَع الْعَفْو عَنْهُ. وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى سُكُوتهمْ فَهِمَ ذَلِكَ فَعَرَّفَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن عَبْد الْجَبَّار عَنْ رِفَاعَة بْن يَحْيَى عِنْد اِبْن قَانِع قَالَ رِفَاعَة \" فَوَدِدْت أَنِّي خَرَجْت مِنْ مَالِي وَأَنِّي لَمْ أَشْهَد مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الصَّلَاة \". وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَامِر بْن رَبِيعَة قَالَ \" مَنْ الْقَائِل الْكَلِمَة ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا. فَقَالَ : أَنَا قُلْتُهَا , لَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا خَيْرًا \" ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب \" فَسَكَتَ الرَّجُل وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ هَجَمَ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْء كَرِهَهُ. فَقَالَ : مَنْ هُوَ ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِلَّا صَوَابًا. فَقَالَ الرَّجُل : أَنَا يَا رَسُول اللَّه قُلْتُهَا , أَرْجُو بِهَا الْخَيْر \" وَيَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يَكُون الْمُصَلُّونَ لَمْ يَعْرِفُوهُ بِعَيْنِهِ إِمَّا لِإِقْبَالِهِمْ عَلَى صَلَاتهمْ وَإِمَّا لِكَوْنِهِ فِي آخِر الصُّفُوف فَلَا يَرِد السُّؤَال فِي حَقّهمْ , وَالْعُذْر عَنْهُ هُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ , وَالْحِكْمَة فِي سُؤَاله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ عَمَّنْ قَالَ أَنْ يَتَعَلَّم السَّامِعُونَ كَلَامه فَيَقُولُوا مِثْله. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز إِحْدَاث ذِكْر فِي الصَّلَاة غَيْر مَأْثُور إِذَا كَانَ غَيْر مُخَالِف لِلْمَأْثُورِ , وَعَلَى جَوَاز رَفْع الصَّوْت بِالذِّكْرِ مَا لَمْ يُشَوِّش عَلَى مَنْ مَعَهُ , وَعَلَى أَنَّ الْعَاطِس فِي الصَّلَاة يَحْمَد اللَّه بِغَيْرِ كَرَاهَة , وَأَنَّ الْمُتَلَبِّس بِالصَّلَاةِ لَا يَتَعَيَّن عَلَيْهِ تَشْمِيت الْعَاطِس وَعَلَى تَطْوِيل الِاعْتِدَال بِالذِّكْرِ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ اِبْن بَطَّال جَوَاز رَفْع الصَّوْت بِالتَّبْلِيغِ خَلْف الْإِمَام , وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْن بْن الْمُنِير بِأَنَّ سَمَاعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَوْتِ الرَّجُل لَا يَسْتَلْزِم رَفْعه لِصَوْتِهِ كَرَفْعِ صَوْت الْمُبَلِّغ , وَفِي هَذَا التَّعَقُّب نَظَر , لِأَنَّ غَرَض اِبْن بَطَّال إِثْبَات جَوَاز الرَّفْع فِي الْجُمْلَة , وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَاسْتُدِلَّ لَهُ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْكَلَام الْأَجْنَبِيّ يُبْطِل عَمْده الصَّلَاة وَلَوْ كَانَ سِرًّا , قَالَ : وَكَذَلِكَ الْكَلَام الْمَشْرُوع فِي الصَّلَاة لَا يُبْطِلهَا وَلَوْ كَانَ جَهْرًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَسْأَلَة الْمُبَلِّغ فِي \" بَاب مَنْ أَسْمَعَ النَّاس تَكْبِير الْإِمَام \". ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏قِيلَ الْحِكْمَة فِي اِخْتِصَاص الْعَدَد الْمَذْكُور مِنْ الْمَلَائِكَة بِهَذَا الذِّكْر أَنَّ عَدَد حُرُوفه مُطَابِق لِلْعَدَدِ الْمَذْكُور , فَإِنَّ الْبِضْع مَعَ الثَّلَاث إِلَى التِّسْع وَعَدَد الذِّكْر الْمَذْكُور ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ حَرْفًا , وَيُعَكِّر عَلَى هَذَا الزِّيَادَة الْمُتَقَدِّمَة فِي رِوَايَة رِفَاعَة بْن يَحْيَى وَهِيَ قَوْلُهُ \" مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبّ رَبّنَا وَيَرْضَى \" بِنَاء عَلَى أَنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة. وَيُمْكِن أَنْ يُقَال : الْمُتَبَادَر إِلَيْهِ هُوَ الثَّنَاء الزَّائِد عَلَى الْمُعْتَاد وَهُوَ مِنْ قَوْلُهُ \" حَمْدًا كَثِيرًا إِلَخْ \" دُون قَوْلُهُ \" مُبَارَكًا عَلَيْهِ \" فَإِنَّهُ كَمَا تَقَدَّمَ لِلتَّأْكِيدِ وَعَدَد ذَلِكَ سَبْعَة وَثَلَاثُونَ حَرْفًا , وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس \" لَقَدْ رَأَيْت اِثْنَيْ عَشَر مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا \" وَفِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" ثَلَاثَة عَشَر \" فَهُوَ مُطَابِق لِعَدَدِ الْكَلِمَات الْمَذْكُورَة فِي سِيَاق رِفَاعَة بْن يَحْيَى وَلِعَدَدِهَا أَيْضًا فِي سِيَاق حَدِيث الْبَاب لَكِنْ عَلَى اِصْطِلَاح النُّحَاة , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "758",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏يَنْعَتُ ‏ ‏لَنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏يُصَلِّي وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى نَقُولَ قَدْ نَسِيَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَنْعَت ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة , أَيْ يَصِف. وَهَذَا الْحَدِيث سَاقَهُ شُعْبَة عَنْ ثَابِت مُخْتَصَرًا , وَرَوَاهُ عَنْهُ حَمَّاد بْن زَيْد مُطَوَّلًا كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب الْمُكْث بَيْن السَّجْدَتَيْنِ \" فَقَالَ فِي أَوَّله \" عَنْ أَنَس قَالَ : إِنِّي لَا آلُو أَنْ أُصَلِّي بِكُمْ كَمَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِنَا \" فَصَرَّحَ بِوَصْفِ أَنَس لِصَلَاةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفِعْلِ , وَقَوْلُهُ \" لَا آلُو \" بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَة بَعْد حَرْف النَّفْي وَلَام مَضْمُومَة بَعْدهَا وَاو خَفِيفَة أَيْ لَا أُقَصِّر. وَزَادَ حَمَّاد بْن زَيْد أَيْضًا \" قَالَ ثَابِت : فَكَانَ أَنَس يَصْنَع شَيْئًا لَا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ \" وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُخِلُّونَ بِتَطْوِيلِ الِاعْتِدَال , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث أَنَس وَإِنْكَاره عَلَيْهِمْ فِي أَمْر الصَّلَاة فِي أَبْوَاب الْمَوَاقِيت ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" حَتَّى نَقُول \" ‏ ‏بِالنَّصْبِ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" قَدْ نَسِيَ \" ‏ ‏أَيْ نَسِيَ وُجُوب الْهُوِيِّ إِلَى السُّجُود قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ نَسِيَ أَنَّهُ فِي صَلَاة , أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ وَقْت الْقُنُوت حَيْثُ كَانَ مُعْتَدِلًا أَوْ وَقْت التَّشَهُّد حَيْثُ كَانَ جَالِسًا. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة \" قُلْنَا قَدْ نَسِيَ مِنْ طُول الْقِيَام \" أَيْ لِأَجْلِ طُول قِيَامه. ‏"
    },
    {
        "id": "759",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَسُجُودُهُ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ ‏",
        "sharh": "وَحَدِيث الْبَرَاء تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي \" بَاب اِسْتِوَاء الظَّهْر \". وَقَوْلُهُ \" قَرِيبًا مِنْ السَّوَاء \" فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ فِيهَا تَفَاوُتًا لَكِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنهُ , وَهُوَ دَالّ عَلَى الطُّمَأْنِينَة فِي الِاعْتِدَال وَبَيْن السَّجْدَتَيْنِ لِمَا عُلِمَ مِنْ عَادَته مِنْ تَطْوِيل الرُّكُوع وَالسُّجُود. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَإِذَا رَفَعَ ) ‏ ‏أَيْ وَرَفْعه إِذَا رَفَعَ , وَكَذَا قَوْلُهُ \" وَبَيْن السَّجْدَتَيْنِ \" أَيْ وَجُلُوسه بَيْن السَّجْدَتَيْنِ , وَالْمُرَاد أَنَّ زَمَان رُكُوعه وَسُجُوده وَاعْتِدَاله وَجُلُوسه مُتَقَارِب , وَلَمْ يَقَع فِي هَذِهِ الطَّرِيق الِاسْتِثْنَاء الَّذِي مَرَّ فِي \" بَاب اِسْتِوَاء الظَّهْر \" وَهُوَ قَوْلُهُ \" مَا خَلَا الْقِيَام وَالْقُعُود \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" فَوَجَدْت قِيَامه فَرَكْعَته فَاعْتِدَاله \" الْحَدِيث , وَحَكَى اِبْن دَقِيق الْعِيد عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّهُ نَسَبَ هَذِهِ الرِّوَايَة إِلَى الْوَهْمِ ثُمَّ اِسْتَبْعَدَهُ لِأَنَّ تَوْهِيم الرَّاوِي الثِّقَة عَلَى خِلَاف الْأَصْل , ثُمَّ قَالَ فِي آخِر كَلَامه : فَلْيَنْظُرْ ذَلِكَ مِنْ الرِّوَايَات وَيُحَقِّقْ الِاتِّحَاد أَوْ الِاخْتِلَاف مِنْ مَخَارِج الْحَدِيث ا ه. وَقَدْ جَمَعْت طُرُقه فَوَجَدْت مَدَاره عَلَى اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ الْبَرَاء , لَكِنْ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا زِيَادَة ذِكْر الْقِيَام مِنْ طَرِيق هِلَال بْن أَبِي حُمَيْدٍ عَنْهُ , وَلَمْ يَذْكُرهُ الْحَكَم عَنْهُ وَلَيْسَ بَيْنهمَا اِخْتِلَاف فِي سِوَى ذَلِكَ , إِلَّا مَا زَادَهُ بَعْض الرُّوَاة عَنْ شُعْبَة عَنْ الْحَكَم مِنْ قَوْلُهُ \" مَا خَلَا الْقِيَام وَالْقُعُود \" وَإِذَا جُمِعَ بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ ظَهَرَ مِنْ الْأَخْذ بِالزِّيَادَةِ فِيهِمَا أَنَّ الْمُرَاد بِالْقِيَامِ الْمُسْتَثْنَى الْقِيَام لِلْقِرَاءَةِ , وَكَذَا الْقُعُود وَالْمُرَاد بِهِ الْقُعُود لِلتَّشَهُّدِ كَمَا تَقَدَّمَ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : هَذَا الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِدَال رُكْن طَوِيل , وَحَدِيث أَنَس يَعْنِي الَّذِي قَبْله أَصْرَح فِي الدَّلَالَة عَلَى ذَلِكَ , بَلْ هُوَ نَصّ فِيهِ فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُول عَنْهُ لِدَلِيلٍ ضَعِيف وَهُوَ قَوْلُهُمْ : لَمْ يُسَنّ فِيهِ تَكْرِير التَّسْبِيحَات كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُود. وَوَجْه ضَعْفه أَنَّهُ قِيَاس فِي مُقَابَلَة النَّصّ وَهُوَ فَاسِد , وَأَيْضًا فَالذِّكْر الْمَشْرُوع فِي الِاعْتِدَال أَطْوَل مِنْ الذِّكْر الْمَشْرُوع فِي الرُّكُوع , فَتَكْرِير سُبْحَان رَبِّي الْعَظِيم ثَلَاثًا يَجِيء قَدْرَ قَوْلُهُ اللَّهُمَّ رَبّنَا وَلَك الْحَمْد حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ , وَقَدْ شُرِعَ فِي الِاعْتِدَال ذِكْر أَطْوَل كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى وَأَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ وَعَبْد اللَّه بْن عَبَّاسٍ بَعْد قَوْلُهُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا \" مِلْء السَّمَوَات وَمِلْء الْأَرْض وَمِلْء مَا شِئْت مِنْ شَيْء بَعْد \" زَادَ فِي حَدِيث اِبْن أَبِي أَوْفَى \" اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ إِلَخْ \" وَزَادَ فِي حَدِيثٍ الْآخَرَيْنِ \" أَهْل الثَّنَاء وَالْمَجْد إِلَخْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله تَرْك إِنْكَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ زَادَ فِي الِاعْتِدَال ذِكْرًا غَيْر مَأْثُور , وَمِنْ ثَمَّ اِخْتَارَ النَّوَوِيّ جَوَاز تَطْوِيل الرُّكْن الْقَصِير بِالذِّكْرِ خِلَافًا لِلْمُرَجَّحِ فِي الْمَذْهَب , وَاسْتُدِلَّ لِذَلِكَ أَيْضًا بِحَدِيثِ حُذَيْفَة فِي مُسْلِم أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي رَكْعَة بِالْبَقَرَةِ أَوْ غَيْرهَا ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَرَأَ ثُمَّ قَامَ بَعْد أَنْ قَالَ \" رَبّنَا لَك الْحَمْد \" قِيَامًا طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ. قَالَ النَّوَوِيّ : الْجَوَاب عَنْ هَذَا الْحَدِيث صَعْب , وَالْأَقْوَى جَوَاز الْإِطَالَة بِالذِّكْرِ ا ه. وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيّ فِي الْأُمّ إِلَى عَدَم الْبُطْلَان فَقَالَ فِي تَرْجَمَة \" كَيْف الْقِيَام مِنْ الرُّكُوع \" : وَلَوْ أَطَالَ الْقِيَام بِذِكْرِ اللَّه أَوْ يَدْعُو أَوْ سَاهِيًا وَهُوَ لَا يَنْوِي بِهِ الْقُنُوت كَرِهْت لَهُ ذَلِكَ وَلَا إِعَادَة , إِلَى آخِر كَلَامه فِي ذَلِكَ. فَالْعَجَب مِمَّنْ يُصَحِّح مَعَ هَذَا بُطْلَان الصَّلَاة بِتَطْوِيلِ الِاعْتِدَال , وَتَوْجِيههمْ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أُطِيلَ اِنْتَفَتْ الْمُوَالَاة مُعْتَرَض بِأَنَّ مَعْنَى الْمُوَالَاة أَنْ لَا يَتَخَلَّلَ فَصْل طَوِيل بَيْن الْأَرْكَان بِمَا لَيْسَ مِنْهَا , وَمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْع لَا يَصِحّ نَفْي كَوْنه مِنْهَا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَجَابَ بَعْضهمْ عَنْ حَدِيث الْبَرَاء أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" قَرِيبًا مِنْ السَّوَاء \" لَيْسَ أَنَّهُ كَانَ يَرْكَع بِقَدْرِ قِيَامه وَكَذَا السُّجُود وَالِاعْتِدَال بَلْ الْمُرَاد أَنَّ صَلَاته كَانَتْ قَرِيبًا مُعْتَدِلَة فَكَانَ إِذَا أَطَالَ الْقِرَاءَة أَطَالَ بَقِيَّة الْأَرْكَان وَإِذَا أَخَفَّهَا أَخَفَّ بَقِيَّة الْأَرْكَان , فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الصُّبْح بِالصَّافَّاتِ وَثَبَتَ فِي السُّنَن عَنْ أَنَس أَنَّهُمْ حَزَرُوا فِي السُّجُود قَدْر عَشْر تَسْبِيحَات فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ قَرَأَ بِدُونِ الصَّافَّات اِقْتَصَرَ عَلَى دُون الْعَشْر , وَأَقَلّه كَمَا وَرَدَ فِي السُّنَن أَيْضًا ثَلَاث تَسْبِيحَات. ‏"
    },
    {
        "id": "760",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ ‏ ‏يُرِينَا كَيْفَ كَانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَذَاكَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ فَقَامَ فَأَمْكَنَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَمْكَنَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ‏ ‏فَأَنْصَبَ ‏ ‏هُنَيَّةً ‏ ‏قَالَ فَصَلَّى بِنَا صَلَاةَ شَيْخِنَا هَذَا ‏ ‏أَبِي بُرَيْدٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏أَبُو بُرَيْدٍ ‏ ‏إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الْآخِرَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا ثُمَّ نَهَضَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَانَ مَالِك بْن الْحُوَيْرِثِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" قَامَ \" وَالْأَوَّل يُشْعِر بِتَكْرِيرِ ذَلِكَ مِنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ لَا يُرِيد إِلَّا أَنْ يُعَلِّمهُمْ \" وَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب الْمُكْث بَيْن السَّجْدَتَيْنِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَنْصَبَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِهَمْزَةٍ مَقْطُوعَة وَآخِره مُثَنَّاة خَفِيفَة. وَلِلْبَاقِينَ بِأَلِفٍ مَوْصُولَة وَآخِره مُوَحَّدَة مُشَدَّدَة , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّ بَعْضهمْ ضَبَطَهُ بِالْمُثَنَّاةِ الْمُشَدَّدَة بَدَلَ الْمُوَحَّدَة , وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ أَصْله انْصَوَتَ فَأَبْدَلَ مِنْ الْوَاوِ تَاء ثُمَّ أُدْغِمَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الْأُخْرَى , وَقِيَاس إِعْلَاله اِنْصَاتَ تَحَرَّكَتْ الْوَاو وَانْفَتَحَ مَا قَبْلهَا فَانْقَلَبَتْ أَلِفًا , قَالَ : وَمَعْنَى اِنْصَاتَ اِسْتَوَتْ قَامَته بَعْد الِانْحِنَاء كَأَنَّهُ أَقْبَلَ شَبَابه , قَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏وَعَمْرو بْن دَهْمَان الْهُنَيْدَة عَاشَهَا ‏ ‏وَتِسْعِينَ عَامًا ثُمَّ قَوَّمَ فَانْصَاتَا ‏ ‏وَعَادَ سَوَاد الرَّأْس بَعْد اِبْيِضَاضه ‏ ‏وَعَاوَدَهُ شَرْخ الشَّبَاب الَّذِي فَاتَا ‏ ‏ا ه. وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ مَنْ نَقَلَ عَنْ اِبْنِ التِّين - وَهُوَ السَّفَاقُسِيّ - أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَة فَقَدْ صَحَّفَ , وَمَعْنَى رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْصَتَ أَيْ سَكَتَ فَلَمْ يُكَبِّر لِلْهُوِيِّ فِي الْحَال , قَالَ بَعْضهمْ : وَفِيهِ نَظَر , وَالْأَوْجَه أَنْ يُقَال هُوَ كِنَايَة عَنْ سُكُون أَعْضَائِهِ , عَبَّرَ عَنْ عَدَم حَرَكَتهَا بِالْإِنْصَاتِ وَذَلِكَ دَالّ عَلَى الطُّمَأْنِينَة. وَأَمَّا الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة بِالْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَة اِنْفَعَلَ مِنْ الصَّبّ كَأَنَّهُ كَنَّى عَنْ رُجُوع أَعْضَائِهِ عَنْ الِانْحِنَاء إِلَى الْقِيَام بِالِانْصِبَابِ , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَانْتَصَبَ قَائِمًا \" وَهِيَ أَوْضَح مِنْ الْجَمِيع. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( هُنَيَّة ) ‏ ‏أَيْ قَلِيلًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطهَا فِي \" بَاب مَا يَقُول بَعْد التَّكْبِير \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( صَلَاة شَيْخنَا هَذَا أَبِي يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ عَمْرو بْن سَلَمَة الْجَرْمِيُّ , وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْط كُنْيَته , وَوَقَعَ هُنَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالزَّاي , وَعِنْد الْحَمَوِيّ وَكَرِيمَة بِالْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاء مُصَغَّرًا وَكَذَا ضَبَطَهُ مُسْلِم فِي الْكُنَى , وَقَالَ عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد لَمْ أَسْمَعهُ مِنْ أَحَد إِلَّا بِالزَّايِ لَكِنْ مُسْلِم أَعْلَم , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "761",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ‏ ‏وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ الْجُلُوسِ فِي ‏ ‏الِاثْنَتَيْنِ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلَاتَهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يُكَبِّر ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ \" حِين اِسْتَخْلَفَهُ مَرْوَان عَلَى الْمَدِينَة \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَقُول : اللَّه أَكْبَر حِين يَهْوِي سَاجِدًا ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ التَّكْبِير ذِكْر الْهُوِيّ , فَيَبْتَدِئ بِهِ مِنْ حِين يَشْرَع فِي الْهُوِيّ بَعْد الِاعْتِدَال إِلَى حِين يَتَمَكَّن سَاجِدًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يُكَبِّر حِين يَقُوم مِنْ الْجُلُوس فِي الِاثْنَتَيْنِ ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّهُ يَشْرَع فِي التَّكْبِير مِنْ حِين اِبْتِدَاء الْقِيَام إِلَى الثَّالِثَة بَعْد التَّشَهُّد الْأَوَّل , خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ لَا يُكَبِّر حَتَّى يَسْتَوِي قَائِمًا , وَسَيَأْتِي فِي بَاب مُفْرَد بَعْد بِضْعَة عَشَر بَابًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلَاته ) ‏ ‏قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا الْكَلَام يُؤَيِّد رِوَايَة مَالِك وَغَيْره عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيّ بْن حُسَيْن , يَعْنِي مُرْسَلًا. قُلْتُ : وَكَذَا أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُون الزُّهْرِيُّ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث وَغَيْره عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب التَّكْبِير إِذَا قَامَ مِنْ السُّجُود \" مِنْ طَرِيق عَقِيل عَنْ الزُّهْرِيِّ فَإِنَّهُ صَرِيح فِي أَنَّ الصِّفَة الْمَذْكُورَة مَرْفُوعَة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "762",
        "content": "‏ ‏قَالَا وَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ ‏ ‏سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ يَدْعُو لِرِجَالٍ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ أَنْجِ ‏ ‏الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ ‏ ‏وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ‏ ‏وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ ‏ ‏وَطْأَتَكَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ ‏ ‏سِنِينَ كَسِنِي ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏وَأَهْلُ الْمَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏مُخَالِفُونَ لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَا ) ‏ ‏يَعْنِي أَبَا بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن وَأَبَا سَلَمَة الْمَذْكُورَيْنِ , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِمَا , وَالْكَلَام عَلَى الْمَتْن الْمَذْكُور يَأْتِي فِي تَفْسِير آل عِمْرَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَا اِسْتِطْرَادًا. ‏ ‏وَقَدْ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا فِي الْبَاب الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ مَا يَقُول فِي الِاعْتِدَال , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَحَلّ الْقُنُوت بَعْد الرَّفْع مِنْ الرُّكُوع , وَعَلَى أَنَّ تَسْمِيَة الرِّجَال بِأَسْمَائِهِمْ فِيمَا يُدْعَى لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ لَا تُفْسِد الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "763",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏غَيْرَ مَرَّةٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ فَرَسٍ ‏ ‏وَرُبَّمَا قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مِنْ فَرَسٍ ‏ ‏فَجُحِشَ ‏ ‏شِقُّهُ الْأَيْمَنُ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا وَقَعَدْنَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مَرَّةً صَلَّيْنَا قُعُودًا فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏كَذَا جَاءَ بِهِ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏قُلْتُ نَعَمْ قَالَ لَقَدْ حَفِظَ كَذَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏وَلَكَ الْحَمْدُ حَفِظْتُ مِنْ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ‏ ‏فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏وَأَنَا عِنْدَهُ ‏ ‏فَجُحِشَ ‏ ‏سَاقُهُ الْأَيْمَنُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ فَرَس وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَان - وَهُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ - مِنْ فَرَس ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِتَثَبُّتِ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه وَمُحَافَظَته عَلَى الْإِتْيَان بِأَلْفَاظِ الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَام لِيُؤْتَمّ بِهِ \" وَأَنَّ قَوْلُهُ \" جُحِشَ \" أَيْ خُدِشَ , وَوَقَعَ فِي قَصْر الصَّلَاة عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ \" فَجُحِشَ أَوْ خُدِشَ \" عَلَى الشَّكّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَذَا جَاءَ بِهِ مَعْمَر ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ سُفْيَان , وَالْمَقُول لَهُ عَلِيّ , وَهَمْزَة الِاسْتِفْهَام قَبْل كَذَا مُقَدَّرَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قُلْتُ نَعَمْ ) ‏ ‏كَأَنَّ مُسْتَنَد عَلِيّ فِي ذَلِكَ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر فَإِنَّهُ مِنْ مَشَايِخه , بِخِلَافِ مَعْمَر فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِكهُ , وَإِنَّمَا يَرْوِي عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ , وَكَلَام الْكَرْمَانِيّ يُوهِم خِلَاف ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ لَقَدْ حَفِظَ ) ‏ ‏أَيْ حِفْظًا جَيِّدًا , وَفِيهِ إِشْعَار بِقُوَّةِ حِفْظ سُفْيَان بِحَيْثُ يَسْتَجِيد حِفْظ مَعْمَر إِذَا وَافَقَهُ , وَقَوْلُهُ \" كَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ وَلَك الْحَمْد \" فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ بَعْض أَصْحَاب الزُّهْرِيِّ لَمْ يَذْكُر الْوَاو فِي \" وَلَك الْحَمْد \" وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة اللَّيْث وَغَيْره عَنْ الزُّهْرِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب إِيجَاب التَّكْبِير \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَفِظْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر \" وَحَفِظْت \" بِزِيَادَةِ وَاو وَهِيَ أَوْضَح , وَقَوْلُهُ \" مِنْ شِقّه الْأَيْمَن إِلَخْ \" فِيهِ إِشَارَة إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَوْدَة ضَبْط سُفْيَان , لِأَنَّ اِبْن جُرَيْجٍ سَمِعَهُ مَعَهُمْ مِنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" شِقّه \" فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" سَاقه \" وَهِيَ أَخَصّ مِنْ شِقّه , لَكِنَّ هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ اِبْن جُرَيْجٍ عَرَفَ مِنْ الزُّهْرِيِّ فِي وَقْت آخَر أَنَّ الَّذِي خُدِشَ هُوَ سَاقُهُ لِبُعْدِ أَنْ يَكُون نَسِيَ هَذِهِ الْكَلِمَة فِي هَذِهِ الْمُدَّة الْيَسِيرَة , وَقَدْ قَدَّمْنَا الدَّلَالَة عَلَى ذَلِكَ فِي \" بَاب إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَام لِيُؤْتَمّ بِهِ \" وَقَوْلُهُ \" وَأَنَا عِنْده \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هُوَ مَعْطُوف عَلَى مُقَدَّر أَوْ جُمْلَة حَالِيَّة مِنْ فَاعِل قَالَ مُقَدَّرًا , إِذْ تَقْدِيره قَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَنَا عِنْده ; وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ مَقُول سُفْيَان , وَالضَّمِير لِابْنِ جُرَيْجٍ. قُلْتُ : وَهَذَا أَقْرَب إِلَى الصَّوَاب , وَمَقُول اِبْن جُرَيْجٍ هُوَ \" فَجُحِشَ إِلَخْ \" وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "764",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّاسَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ هَلْ ‏ ‏تُمَارُونَ ‏ ‏فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَهَلْ ‏ ‏تُمَارُونَ ‏ ‏فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ قَالُوا لَا قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ ‏ ‏الطَّوَاغِيتَ ‏ ‏وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا ‏ ‏فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ ‏ ‏فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فَيَقُولُ ‏ ‏أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنْ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَفِي جَهَنَّمَ ‏ ‏كَلَالِيبُ ‏ ‏مِثْلُ ‏ ‏شَوْكِ السَّعْدَانِ ‏ ‏هَلْ رَأَيْتُمْ ‏ ‏شَوْكَ السَّعْدَانِ ‏ ‏قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَإِنَّهَا مِثْلُ ‏ ‏شَوْكِ السَّعْدَانِ ‏ ‏غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ ‏ ‏يُوبَقُ ‏ ‏بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ ‏ ‏يُخَرْدَلُ ‏ ‏ثُمَّ يَنْجُو حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ فَكُلُّ ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ قَدْ ‏ ‏امْتَحَشُوا ‏ ‏فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي ‏ ‏حَمِيلِ السَّيْلِ ‏ ‏ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنْ النَّارِ قَدْ ‏ ‏قَشَبَنِي ‏ ‏رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ‏ ‏ذَكَاؤُهَا ‏ ‏فَيَقُولُ هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَقُولُ لَا وَعِزَّتِكَ فَيُعْطِي اللَّهَ مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى ‏ ‏بَهْجَتَهَا ‏ ‏سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ ثُمَّ قَالَ يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ فَيَقُولُ فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَهُ فَيَقُولُ لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ فَيَقُولُ اللَّهُ ‏ ‏وَيْحَكَ ‏ ‏يَا ابْنَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏مَا أَغْدَرَكَ أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ فَيَضْحَكُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَ أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ‏ ‏لِأَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا قَوْلَهُ لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ قَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ ‏",
        "sharh": "وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ ‏ ‏\" آثَار السُّجُود \" ‏ ‏فَقِيلَ هِيَ الْأَعْضَاء السَّبْعَة الْآتِي ذِكْرُهَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ قَرِيبًا وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر , وَقَالَ عِيَاض : الْمُرَاد الْجَبْهَة خَاصَّة , وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر \" أَنَّ قَوْمًا يُخْرَجُونَ مِنْ النَّار يَحْتَرِقُونَ فِيهَا إِلَّا دَارَات وُجُوههمْ \" فَإِنَّ ظَاهِر هَذِهِ الرِّوَايَة يَخُصّ الْعُمُوم الَّذِي فِي الْأُولَى. ‏"
    },
    {
        "id": "765",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ هُرْمُزَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ إِذَا صَلَّى ‏ ‏فَرَجَ ‏ ‏بَيْنَ يَدَيْهِ ‏ ‏حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ جَعْفَر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَبِيعَة , وَابْن هُرْمُز هُوَ عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَرَّجَ بَيْن يَدَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ نَحَّى كُلّ يَد عَنْ الْجَنْب الَّذِي يَلِيهَا , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْحِكْمَة فِي اِسْتِحْبَاب هَذِهِ الْهَيْئَة فِي السُّجُود أَنَّهُ يَخِفّ بِهَا اِعْتِمَاده عَنْ وَجْهه وَلَا يَتَأَثَّر أَنْفه وَلَا جَبْهَته , وَلَا يَتَأَذَّى بِمُلَاقَاةِ الْأَرْض , وَقَالَ غَيْره : هُوَ أَشْبَه بِالتَّوَاضُعِ وَأَبْلَغ فِي تَمْكِين الْجَبْهَة وَالْأَنْف مِنْ الْأَرْض مَعَ مُغَايَرَته لِهَيْئَةِ الْكَسْلَان , وَقَالَ نَاصِر الدِّين ابْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة : الْحِكْمَة فِيهِ أَنْ يَظْهَر كُلّ عُضْو بِنَفْسِهِ وَيَتَمَيَّز حَتَّى يَكُون الْإِنْسَان الْوَاحِد فِي سُجُوده كَأَنَّهُ عَدَد , وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَسْتَقِلّ كُلّ عُضْو بِنَفْسِهِ وَلَا يَعْتَمِد بَعْض الْأَعْضَاء عَلَى بَعْض فِي سُجُوده , وَهَذَا ضِدّ مَا وَرَدَ فِي الصُّفُوف مِنْ اِلْتِصَاق بَعْضهمْ بِبَعْضٍ لِأَنَّ الْمَقْصُود هُنَاكَ إِظْهَار الِاتِّحَاد بَيْن الْمُصَلِّينَ حَتَّى كَأَنَّهُمْ جَسَد وَاحِد , وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْره مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر بِإِسْنَادٍ صَحِيح أَنَّهُ قَالَ : \" لَا تَفْتَرِش اِفْتِرَاش السَّبُع , وَادْعَمْ عَلَى رَاحَتَيْك وَأَبْدِ ضَبْعَيْك , فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ سَجَدَ كُلّ عُضْو مِنْك \" , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَفْتَرِش الرَّجُل ذِرَاعَيْهِ اِفْتِرَاش السَّبُع \" وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَرْقَم \" صَلَّيْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنْت أَنْظُر إِلَى عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ إِذَا سَجَدَ \" , وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" إِذَا سَجَدَ أَحَدكُمْ فَلَا يَفْتَرِش ذِرَاعَيْهِ اِفْتِرَاش الْكَلْب , وَلْيَضُمَّ فَخِذَيْهِ \" , وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ نَحْو حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَرْقَم , وَعَنْهُ عِنْد الْحَاكِم \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَجَدَ يُرَى وَضَح إِبْطَيْهِ \" وَلَهُ مِنْ حَدِيثه وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث الْبَرَاء رَفَعَهُ \" إِذَا سَجَدْت فَضَعْ كَفَّيْك وَارْفَعْ مِرْفَقَيْك \" وَهَذِهِ الْأَحَادِيث - مَعَ حَدِيث مَيْمُونَة عِنْد مُسْلِم \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَافِي يَدَيْهِ , فَلَوْ أَنَّ بَهِيمَة أَرَادَتْ أَنْ تَمُرّ لَمَرَّتْ \" مَعَ حَدِيث اِبْن بُحَيْنَة الْمُعَلَّق هُنَا - ظَاهِرهَا وُجُوب التَّفْرِيج الْمَذْكُور , لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" شَكَا أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ مَشَقَّة السُّجُود عَلَيْهِمْ إِذَا اِنْفَرَجُوا , فَقَالَ : اِسْتَعِينُوا بِالرُّكَبِ \" وَتُرْجِمَ لَهُ \" الرُّخْصَة فِي ذَلِكَ \" أَيْ فِي تَرْك التَّفْرِيج , قَالَ اِبْن عَجْلَان أَحَد رُوَاته : وَذَلِكَ أَنْ يَضَع مِرْفَقَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ إِذَا طَالَ السُّجُود وَأَعْيَا , وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ الْحَدِيث الْمَذْكُور وَلَمْ يَقَع فِي رِوَايَته \" إِذَا اِنْفَرَجُوا \" فَتُرْجِمَ لَهُ \" مَا جَاءَ فِي الِاعْتِمَاد إِذَا قَامَ مِنْ السُّجُود \" فَجُعِلَ مَحَلّ الِاسْتِعَانَة بِالرُّكَبِ لِمَنْ يَرْفَع مِنْ السُّجُود طَالِبًا لِلْقِيَامِ , وَاللَّفْظ مُحْتَمِل مَا قَالَ , لَكِنَّ الزِّيَادَة الَّتِي أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ تُعَيِّن الْمُرَاد , وَقَالَ اِبْن التِّين : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَمِيص لِانْكِشَافِ إِبْطَيْهِ , وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْقَمِيص وَاسِع الْأَكْمَام , وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيّ فِي \" الشَّمَائِل \" عَنْ أُمّ سَلَمَة قَالَتْ \" كَانَ أَحَبّ الثِّيَاب إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَمِيص \" أَوْ أَرَادَ الرَّاوِي أَنَّ مَوْضِع بَيَاضهمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْب لَرُئِيَ قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ إِبْطَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا شَعْر , وَفِيهِ نَظَر فَقَدْ حَكَى الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ فِي الِاسْتِسْقَاء مِنْ الْأَحْكَام لَهُ أَنَّ مِنْ خَصَائِصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْإِبْط مِنْ جَمِيع النَّاس مُتَغَيِّر اللَّوْن غَيْره , وَاسْتَدَلَّ بِإِطْلَاقِهِ عَلَى اِسْتِحْبَاب التَّفْرِيج فِي الرُّكُوع أَيْضًا , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ فِي رِوَايَة قُتَيْبَة عَنْ بَكْر بْن مُضَر التَّقْيِيد بِالسُّجُودِ , وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الْمَنَاقِب , وَالْمُطْلَق إِذَا اُسْتُعْمِلَ فِي صُورَة اُكْتُفِيَ بِهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي جَعْفَر بْن رَبِيعَة نَحْوه ) ‏ ‏وَصَلَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقه بِلَفْظِ \" كَانَ إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ يَدَيْهِ عَنْ إِبْطَيْهِ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى بَيَاض إِبْطَيْهِ \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏تَقَدَّمَ قُبَيْل أَبْوَاب الْقِبْلَة أَنَّهُ وَقَعَ فِي كَثِير مِنْ النُّسَخ وُقُوع هَاتَيْنِ التَّرْجَمَتَيْنِ هَذِهِ وَاَلَّتِي بَعْدهَا هُنَاكَ وَأُعِيدَا هُنَا وَأَنَّ الصَّوَاب إِثْبَاتهمَا هُنَا , وَذَكَرْنَا تَوْجِيه ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته. ‏"
    },
    {
        "id": "766",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَاصِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏مَا صَلَّيْتَ قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "767",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أُمِرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ ‏ ‏وَلَا يَكُفَّ ‏ ‏شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا الْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أُمِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة فِي جَمِيع الرِّوَايَات بِالْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَالْمُرَاد بِهِ اللَّه جَلَّ جَلَاله , قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : عُرِفَ ذَلِكَ بِالْعُرْفِ , وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْوُجُوب , قِيلَ : وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ صِيغَة أَفْعَل. وَلَمَّا كَانَ هَذَا السِّيَاق يَحْتَمِل الْخُصُوصِيَّة عَقَّبَهُ الْمُصَنِّف بِلَفْظٍ آخَر دَالّ عَلَى أَنَّهُ لِعُمُومِ الْأُمَّة , وَهُوَ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ عَمْرو بْن دِينَار أَيْضًا بِلَفْظِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أُمِرْنَا \" وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ اِبْن عَبَّاسٍ تَلَقَّاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَّا سَمَاعًا مِنْهُ وَإِمَّا بَلَاغًا عَنْهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب بِلَفْظِ \" إِذَا سَجَدَ الْعَبْد سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَة آرَاب \" الْحَدِيث , وَهَذَا يُرَجِّح أَنَّ النُّون فِي أُمِرْنَا نُون الْجَمْع , وَالْآرَاب بِالْمَدِّ جَمْع إِرْب بِكَسْرِ أَوَّله وَإِسْكَان ثَانِيه وَهُوَ الْعُضْو , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن عَبَّاسٍ تَلَقَّاهُ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَا يَكُفّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا ) ‏ ‏جُمْلَة مُعْتَرِضَة بَيْن الْمُجْمَل وَهُوَ قَوْلُهُ \" سَبْعَة أَعْضَاء \" وَالْمُفَسَّر وَهُوَ قَوْلُهُ \" الْجَبْهَة إِلَخْ \" وَذَكَرَهُ بَعْد بَاب مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظِ \" وَلَا نَكْفِت الثِّيَاب وَالشَّعْر , وَالْكَفْت بِمُثَنَّاةٍ فِي آخِره هُوَ الضَّمّ وَهُوَ بِمَعْنَى الْكَفّ. وَالْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَجْمَع ثِيَابه وَلَا شَعْره , وَظَاهِره يَقْتَضِي أَنَّ النَّهْي عَنْهُ فِي حَال الصَّلَاة , وَإِلَيْهِ جَنَحَ الدَّاوُدِيّ , وَتَرْجَمَ الْمُصَنِّف بَعْد قَلِيل \" بَاب لَا يَكُفّ ثَوْبه فِي الصَّلَاة \" وَهِيَ تُؤَيِّد ذَلِكَ , وَرَدَّهُ عِيَاض بِأَنَّهُ خِلَاف مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور , فَإِنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ لِلْمُصَلِّي سَوَاء فَعَلَهُ فِي الصَّلَاة أَوْ قَبْل أَنْ يَدْخُل فِيهَا , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْسِد الصَّلَاة , لَكِنْ حَكَى اِبْن الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَن وُجُوب الْإِعَادَة , قِيلَ : وَالْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا رَفَعَ ثَوْبه وَشَعْره عَنْ مُبَاشَرَة الْأَرْض أَشْبَهَ الْمُتَكَبِّر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الْجَبْهَة ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة اِبْن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفه \" كَأَنَّهُ ضَمَّنَ \" أَشَارَ \" مَعْنَى أَمَرَّ بِتَشْدِيدِ الرَّاء فَلِذَلِكَ عَدَّاهُ بِعَلَى دُون إِلَى , وَوَقَعَ فِي الْعُمْدَة بِلَفْظِ \" إِلَى \" وَهِيَ فِي بَعْض النُّسَخ مِنْ رِوَايَة كَرِيمَة وَعِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْنِ طَاوُسٍ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ اِبْن طَاوُسٍ : وَوَضَعَ يَده عَلَى جَبْهَته وَأَمَرَّهَا عَلَى أَنْفه وَقَالَ : هَذَا وَاحِد \" فَهَذِهِ رِوَايَة مُفَسِّرَة , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْجَبْهَة الْأَصْل فِي السُّجُود وَالْأَنْف تَبَع , وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا جُعِلَا كَعُضْوٍ وَاحِد وَإِلَّا لَكَانَتْ الْأَعْضَاء ثَمَانِيَة , قَالَ : وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يُكْتَفَى بِالسُّجُودِ عَلَى الْأَنْف كَمَا يُكْتَفَى بِالسُّجُودِ عَلَى بَعْض الْجَبْهَة , وَقَدْ اُحْتُجَّ بِهَذَا لِأَبِي حَنِيفَة فِي الِاكْتِفَاء بِالسُّجُودِ عَلَى الْأَنْف , قَالَ : وَالْحَقّ أَنَّ مِثْل هَذَا لَا يُعَارِض التَّصْرِيح بِذِكْرِ الْجَبْهَة وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُعْتَقَد أَنَّهُمَا كَعُضْوٍ وَاحِد , فَذَاكَ فِي التَّسْمِيَة وَالْعِبَارَة لَا فِي الْحُكْم الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْأَمْر , وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِشَارَة قَدْ لَا تُعَيِّن الْمُشَار إِلَيْهِ فَإِنَّهَا إِنَّمَا تَتَعَلَّق بِالْجَبْهَةِ لِأَجْلِ الْعِبَادَة , فَإِذَا تَقَارَبَ مَا فِي الْجَبْهَة أَمْكَنَ أَنْ لَا يُعَيَّن الْمُشَار إِلَيْهِ يَقِينًا , وَأَمَّا الْعِبَارَة فَإِنَّهَا مُعَيَّنَة لِمَا وُضِعَتْ لَهُ فَتَقْدِيمه أَوْلَى. اِنْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ جَوَاز الِاقْتِصَار عَلَى بَعْض الْجَبْهَة قَالَ بِهِ كَثِير مِنْ الشَّافِعِيَّة , وَكَأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ قَوْل الشَّافِعِيّ فِي \" الْأُمّ \" أَنَّ الِاقْتِصَار عَلَى بَعْض الْجَبْهَة يُكْرَه , وَقَدْ أَلْزَمَهُمْ بَعْض الْحَنَفِيَّة بِمَا تَقَدَّمَ , وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِرِ إِجْمَاع الصَّحَابَة عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئ السُّجُود عَلَى الْأَنْف وَحْده , وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ عَلَى الْجَبْهَة وَحْدهَا , وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَابْن حَبِيب مِنْ الْمَالِكِيَّة وَغَيْرهمْ يَجِب أَنْ يَجْمَعهُمَا وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَالْيَدَيْنِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الْمُرَاد بِهِمَا الْكَفَّانِ لِئَلَّا يَدْخُل تَحْت الْمَنْهِيّ عَنْهُ مِنْ اِفْتِرَاش السَّبُع وَالْكَلْب. اِنْتَهَى. وَوَقَعَ بِلَفْظِ \" الْكَفَّيْنِ \" فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عِنْد مُسْلِم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَالرِّجْلَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن طَاوُسٍ الْمَذْكُورَة \" وَأَطْرَاف الْقَدَمَيْنِ \" وَهُوَ مُبَيِّن لِلْمُرَادِ مِنْ الرِّجْلَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ كَيْفِيَّة السُّجُود عَلَيْهِمَا قَبْل بِبَابٍ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : ظَاهِره يَدُلّ عَلَى وُجُوب السُّجُود عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاء. وَاحْتَجَّ بَعْض الشَّافِعِيَّة عَلَى أَنَّ الْوَاجِب الْجَبْهَة دُون غَيْرهَا بِحَدِيثِ الْمُسِيء صَلَاته حَيْثُ قَالَ فِيهِ \" وَيُمَكِّن جَبْهَته \" قَالَ : وَهَذَا غَايَته أَنَّهُ مَفْهُوم لَقَب , وَالْمَنْطُوق مُقَدَّم عَلَيْهِ , وَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَاب تَخْصِيص الْعُمُوم. قَالَ : وَأَضْعَف مِنْ هَذَا اِسْتِدْلَالهمْ بِحَدِيثِ \" سَجَدَ وَجْهِي \" فَإِنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ إِضَافَة السُّجُود إِلَى الْوَجْه اِنْحِصَار السُّجُود فِيهِ , وَأَضْعَف مِنْهُ قَوْلُهُمْ إِنَّ مُسَمَّى السُّجُود يَحْصُل بِوَضْعِ الْجَبْهَة لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى إِثْبَات زِيَادَة عَلَى الْمُسَمَّى وَأَضْعَف مِنْهُ الْمُعَارَضَة بِقِيَاسٍ شَبَهِيّ كَأَنْ يُقَال : أَعْضَاء لَا يَجِب كَشْفهَا فَلَا يَجِب وَضْعهَا. قَالَ : وَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُ لَا يَجِب كَشْف شَيْء مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاء لِأَنَّ مُسَمَّى السُّجُود يَحْصُل بِوَضْعِهَا دُون كَشْفهَا , وَلَمْ يُخْتَلَف فِي أَنَّ كَشْف الرُّكْبَتَيْنِ غَيْر وَاجِب لِمَا يُحْذَر فِيهِ مِنْ كَشْف الْعَوْرَة , وَأَمَّا عَدَم وُجُوب كَشْف الْقَدَمَيْنِ فَلِدَلِيلٍ لَطِيف وَهُوَ أَنَّ الشَّارِع وَقَّتَ الْمَسْح عَلَى الْخُفّ بِمُدَّةٍ تَقَع فِيهَا الصَّلَاة بِالْخُفِّ , فَلَوْ وَجَبَ كَشْف الْقَدَمَيْنِ لَوَجَبَ نَزْع الْخُفّ الْمُقْتَضِي لِنَقْضِ الطَّهَارَة فَتَبْطُل الصَّلَاة. اِنْتَهَى. وَفِيهِ نَظَر فَلِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُول : يُخَصّ لَابِس الْخُفّ لِأَجْلِ الرُّخْصَة. وَأَمَّا كَشْف الْيَدَيْنِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي \" بَاب السُّجُود عَلَى الثَّوْب فِي شِدَّة الْحَرّ \" قُبَيْل أَبْوَاب اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة , وَفِيهِ أَثَر الْحَسَن فِي نَقْله عَنْ الصَّحَابَة تَرْك الْكَشْف , ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف حَدِيث الْبَرَاء فِي الرُّكُوع , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب مَتَى يَسْجُد مَنْ خَلْف الْإِمَام \" وَمُرَاده مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ فِي آخِره \" حَتَّى يَضَع جَبْهَته عَلَى الْأَرْض \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَمُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْعَادَة أَنَّ وَضْع الْجَبْهَة إِنَّمَا هُوَ بِاسْتِعَانَةِ الْأَعْظُم السِّتَّة غَالِبًا. اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَر فِي مُرَاده أَنَّ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْجَبْهَة كَهَذَا الْحَدِيث لَا تُعَارِض الْحَدِيث الْمَنْصُوص فِيهِ عَلَى الْأَعْضَاء السَّبْعَة , بَلْ الِاقْتِصَار عَلَى ذِكْر الْجَبْهَة إِمَّا لِكَوْنِهَا أَشْرَف الْأَعْضَاء الْمَذْكُورَة أَوْ أَشْهَرهَا فِي تَحْصِيل هَذَا الرُّكْن , فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي الزِّيَادَة الَّتِي فِي غَيْره. وَقِيلَ : أَرَادَ أَنْ يُبَيِّن أَنَّ الْأَمْر بِالْجَبْهَةِ لِلْوُجُوبِ وَغَيْرهَا لِلنَّدْبِ , وَلِهَذَا اِقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرهَا فِي كَثِير مِنْ الْأَحَادِيث , وَالْأَوَّل أَلْيَق بِتَصَرُّفِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "768",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ ‏ ‏وَلَا نَكُفَّ ‏ ‏ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "769",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ‏ ‏وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِذَا قَالَ ‏ ‏سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ ‏ ‏يَحْنِ ‏ ‏أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "770",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ ‏ ‏وَلَا نَكْفِتَ ‏ ‏الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( عَنْ عَبْد اللَّه بْن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏وَقَدْ أَسْلَفْنَا الْكَلَام عَلَيْهِ قَبْلُ. ‏ ‏قَوْلُهُ فِيهِ ( عَلَى سَبْعَة أَعْظُم , عَلَى الْجَبْهَة ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : \" عَلَى \" الثَّانِيَة بَدَل مِنْ الْأُولَى الَّتِي فِي حُكْم الطَّرْح , أَوْ الْأُولَى مُتَعَلِّقَة بِنَحْوِ حَاصِلًا أَيْ اُسْجُدْ عَلَى الْجَبْهَة حَال كَوْن السُّجُود عَلَى سَبْعَة أَعْضَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "771",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْطَلَقْتُ إِلَى ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏فَقُلْتُ أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نَتَحَدَّثُ فَخَرَجَ فَقَالَ قُلْتُ حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَالَ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَشْرَ الْأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ فَأَتَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ فَأَتَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلْيَرْجِعْ فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَإِنِّي نُسِّيتُهَا وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي ‏ ‏وِتْرٍ ‏ ‏وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا فَجَاءَتْ ‏ ‏قَزْعَةٌ ‏ ‏فَأُمْطِرْنَا فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالْمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَرْنَبَتِهِ ‏ ‏تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "772",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُمْ عَاقِدُوا أُزْرِهِمْ مِنْ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ ‏ ‏لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب إِذَا كَانَ الثَّوْب ضَيِّقًا \" فِي أَوَائِل الصَّلَاة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سُفْيَان قَالَ \" حَدَّثَنِي أَبُو حَازِم \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى فَوَائِد الْمَتْن هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "773",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُمِرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ ‏ ‏وَلَا يَكُفَّ ‏ ‏ثَوْبَهُ وَلَا شَعَرَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "774",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ لَا أَكُفُّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "775",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُسْلِمٍ هُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ ‏ ‏سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يُكْثِر أَنْ يَقُول ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة مَنْصُور وَقَدْ بَيَّنَ الْأَعْمَش فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي الضُّحَى كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِير اِبْتِدَاء هَذَا الْفِعْل وَأَنَّهُ وَاظَبَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَفْظه \" مَا صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة بَعْد أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) إِلَّا يَقُول فِيهَا \" الْحَدِيث. قِيلَ اِخْتَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاة لِهَذَا الْقَوْل لِأَنَّ حَالهَا أَفْضَل مِنْ غَيْرهَا. اِنْتَهَى. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقُول ذَلِكَ خَارِج الصَّلَاة أَيْضًا , بَلْ فِي بَعْض طُرُقه عِنْد مُسْلِم مَا يُشْعِر بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوَاظِب عَلَى ذَلِكَ دَاخِل الصَّلَاة وَخَارِجهَا , وَفِي رِوَايَة مَنْصُور بَيَان الْمَحَلّ الَّذِي كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِيهِ مِنْ الصَّلَاة وَهُوَ الرُّكُوع وَالسُّجُود. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَتَأَوَّل الْقُرْآن ) ‏ ‏أَيْ يَفْعَل مَا أُمِرَ بِهِ فِيهِ , وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَة الْأَعْمَش أَنَّ الْمُرَاد بِالْقُرْآنِ بَعْضه وَهُوَ السُّورَة الْمَذْكُورَة وَالذِّكْر الْمَذْكُور. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن عَنْ الْفَرَبْرِيّ : قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه يَعْنِي قَوْلُهُ تَعَالَى ( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك ) الْآيَة. وَفِي هَذَا تَعْيِين أَحَد الِاحْتِمَالَيْنِ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى ( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِسَبِّحْ نَفْس الْحَمْد لِمَا تَضَمَّنَهُ الْحَمْد مِنْ مَعْنَى التَّسْبِيح الَّذِي هُوَ التَّنْزِيه لِاقْتِضَاءِ الْحَمْد نِسْبَة الْأَفْعَال الْمَحْمُود عَلَيْهَا إِلَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى , فَعَلَى هَذَا يَكْفِي فِي اِمْتِثَال الْأَمْر الِاقْتِصَار عَلَى الْحَمْد وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد فَسَبِّحْ مُتَلَبِّسًا بِالْحَمْدِ فَلَا يَمْتَثِل حَتَّى يَجْمَعهُمَا وَهُوَ الظَّاهِر , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْحَدِيث إِبَاحَة الدُّعَاء فِي الرُّكُوع وَإِبَاحَة التَّسْبِيح فِي السُّجُود , وَلَا يُعَارِضهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَمَّا الرُّكُوع فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبّ وَأَمَّا السُّجُود فَاجْتَهِدُوا فِيهِ مِنْ الدُّعَاء \" قَالَ : وَيُمْكِن أَنْ يُحْمَل حَدِيث الْبَاب عَلَى الْجَوَاز , وَذَلِكَ عَلَى الْأَوْلَوِيَّة وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَمَرَ فِي السُّجُود بِتَكْثِيرِ الدُّعَاء لِإِشَارَةِ قَوْلُهُ \" فَاجْتَهِدُوا \" وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي الرُّكُوع مِنْ قَوْلُهُ \" اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي \" لَيْسَ كَثِيرًا فَلَا يُعَارِض مَا أَمَرَ بِهِ فِي السُّجُود , اِنْتَهَى. وَاعْتَرَضَهُ الْفَاكِهَانِيّ بِأَنَّ قَوْل عَائِشَة \" كَانَ يُكْثِر أَنْ يَقُول \" صَرِيح فِي كَوْن ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ كَثِيرًا فَلَا يُعَارِض مَا أَمَرَ بِهِ فِي السُّجُود , هَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن فِي شَرْح الْعُمْدَة , وَقَالَ : فَلْيُتَأَمَّلْ. وَهُوَ عَجِيب , فَإِنَّ اِبْن دَقِيق الْعِيد أَرَادَ بِنَفْيِ الْكَثْرَة عَدَم الزِّيَادَة عَلَى قَوْلُهُ \" اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي \" فِي الرُّكُوع الْوَاحِد , فَهُوَ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى السُّجُود الْمَأْمُور فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ فِي الدُّعَاء الْمُشْعِر بِتَكْثِيرِ الدُّعَاء , وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ كَانَ يَقُول ذَلِكَ فِي بَعْض الصَّلَوَات دُون بَعْض حَتَّى يُعْتَرَض عَلَيْهِ بِقَوْلِ عَائِشَة \" كَانَ يُكْثِر \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏الْحَدِيث الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد \" أَمَّا الرُّكُوع إِلَخْ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ , وَفِيهِ بَعْد قَوْلُهُ \" فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاء : فَقَمَن أَنْ يُسْتَجَاب لَكُمْ \" وَقَمَن بِفَتْحِ الْقَاف وَالْمِيم وَقَدْ تُكْسَر مَعْنَاهُ حَقِيق. وَجَاءَ الْأَمْر بِالْإِكْثَارِ مِنْ الدُّعَاء فِي السُّجُود , وَهُوَ أَيْضًا عِنْد مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" أَقْرَب مَا يَكُون الْعَبْد مِنْ رَبّه وَهُوَ سَاجِد , فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ الدُّعَاء \" وَالْأَمْر بِإِكْثَارِ الدُّعَاء فِي السُّجُود يَشْمَل الْحَثّ عَلَى تَكْثِير الطَّلَب لِكُلِّ حَاجَة كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث أَنَس \" لِيَسْأَلْ أَحَدكُمْ رَبّه حَاجَته كُلّهَا حَتَّى شِسْع نَعْله \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ , وَيَشْمَل التَّكْرَار لِلسُّؤَالِ الْوَاحِد وَالِاسْتِجَابَة تَشْمَل اِسْتِجَابَة الدَّاعِي بِإِعْطَاءِ سُؤْله وَاسْتِجَابَة الْمُثْنِي بِتَعْظِيمِ ثَوَابه. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى تَفْسِير سُورَة النَّصْر وَتَعْيِين الْوَقْت الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ وَالْبَحْث فِي السُّؤَال الَّذِي أَوْرَدَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد عَلَى ظَاهِر الشَّرْط فِي قَوْلُهُ \" إِذَا جَاءَ \" وَعَلَى قَوْل عَائِشَة \" مَا صَلَّى صَلَاة بَعْد أَنْ نَزَلَتْ إِلَّا قَالَ إِلَخْ \" وَالتَّوْفِيق بَيْن مَا ظَاهِره التَّعَارُض مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَاب التَّفْسِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "776",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ ‏ ‏قَالَ لِأَصْحَابِهِ ‏ ‏أَلَا أُنَبِّئُكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَذَاكَ فِي غَيْرِ حِينِ صَلَاةٍ ‏ ‏فَقَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَكَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَامَ ‏ ‏هُنَيَّةً ‏ ‏ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ‏ ‏هُنَيَّةً ‏ ‏فَصَلَّى صَلَاةَ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ ‏ ‏شَيْخِنَا هَذَا قَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏كَانَ يَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ أَرَهُمْ يَفْعَلُونَهُ كَانَ يَقْعُدُ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ ‏ ‏قَالَ فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ فَقَالَ لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَلَا أُنَبِّئكُمْ صَلَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏الْإِنْبَاء يُعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِالْبَاءِ , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( مَنْ أَنْبَأَك هَذَا ) وَقَالَ ( قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ). ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ ) ‏ ‏أَيْ أَبُو قِلَابَةَ ‏ ‏( وَذَلِكَ فِي غَيْر حِين صَلَاة ) ‏ ‏أَيْ غَيْر وَقْت صَلَاة مِنْ الْمَفْرُوضَة , وَيَتَعَيَّن حَمْله عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يَدْخُل فِيهِ أَوْقَات الْمَنْع مِنْ النَّافِلَة لِتَنْزِيهِ الصَّحَابِيّ عَنْ التَّنَفُّل حِينَئِذٍ , وَلَيْسَ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَقْت أُجْمِعَ عَلَى أَنَّهُ غَيْر وَقْت لِصَلَاةٍ مِنْ الْخَمْس إِلَّا مِنْ طُلُوع الشَّمْس إِلَى زَوَالهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب الطُّمَأْنِينَة فِي الرُّكُوع \" وَفِي غَيْره. وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ \" ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه هُنَيَّة \" بَعْد قَوْلُهُ \" ثُمَّ سَجَدَ \" لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ قَدْر الِاعْتِدَال. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ أَيُّوب ) ‏ ‏أَيْ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَانَ يَقْعُد فِي الثَّالِثَة أَوْ الرَّابِعَة ) ‏ ‏هُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَالْمُرَاد مِنْهُ بَيَان جِلْسَة الِاسْتِرَاحَة , وَهِيَ تَقَع بَيْن الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة كَمَا تَقَع بَيْن الْأُولَى وَالثَّانِيَة , فَكَأَنَّهُ قَالَ : كَانَ يَقْعُد فِي آخِر الثَّالِثَة أَوْ فِي أَوَّل الرَّابِعَة , وَالْمَعْنَى وَاحِد فَشَكَّ الرَّاوِي أَيّهمَا قَالَ , وَسَيَأْتِي الْحَدِيث بَعْد بَاب وَاحِد بِلَفْظِ \" فَإِذَا كَانَ فِي وِتْر مِنْ صَلَاته لَمْ يَنْهَض حَتَّى يَسْتَوِي قَاعِدًا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَتَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هُوَ مَقُول مَالِك بْن الْحُوَيْرِث وَالْفَاء عَاطِفَة عَلَى شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره أَسْلَمْنَا فَأَتَيْنَا , أَوْ أَرْسَلْنَا قَوْمنَا فَأَتَيْنَا وَنَحْو ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة وَفِي الْأَذَان , ‏"
    },
    {
        "id": "777",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ سُجُودُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرُكُوعُهُ وَقُعُودُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب اِسْتِوَاء الظَّهْر فِي الرُّكُوع \". ‏"
    },
    {
        "id": "778",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنِّي لَا ‏ ‏آلُو ‏ ‏أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي بِنَا قَالَ ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏يَصْنَعُ شَيْئًا لَمْ أَرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ كَانَ ‏ ‏إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِيَ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِيَ ‏",
        "sharh": "وَحَدِيث أَنَس تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب الطُّمَأْنِينَة حِين يَرْفَع رَأْسه مِنْ الرُّكُوع \" وَفِي قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الطَّرِيق \" قَالَ ثَابِت : كَانَ أَنَس يَصْنَع شَيْئًا لَمْ أَرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ إِلَخْ \" إِشْعَار بِأَنَّ مَنْ خَاطَبَهُمْ كَانُوا لَا يُطِيلُونَ الْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ , وَلَكِنَّ السُّنَّةَ إِذَا ثَبَتَتْ لَا يُبَالِي مَنْ تَمَسَّكَ بِهَا بِمُخَالَفَةِ مَنْ خَالَفَهَا , وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. ‏"
    },
    {
        "id": "779",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَفِي رِوَايَة مُعَاذ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَة التَّصْرِيح بِسَمَاعِ قَتَادَةَ لَهُ مِنْ أَنَس. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اِعْتَدِلُوا ) ‏ ‏أَيْ كُونُوا مُتَوَسِّطِينَ بَيْن الِافْتِرَاش وَالْقَبْض , وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : لَعَلَّ الْمُرَاد بِالِاعْتِدَالِ هُنَا وَضْع هَيْئَة السُّجُود عَلَى وَفْق الْأَمْر , لِأَنَّ الِاعْتِدَال الْحِسِّيّ الْمَطْلُوب فِي الرُّكُوع لَا يَتَأَتَّى هُنَا , فَإِنَّهُ هُنَاكَ اِسْتِوَاء الظَّهْر وَالْعُنُق , وَالْمَطْلُوب هُنَا اِرْتِقَاع الْأَسَافِل عَلَى الْأَعَالِي , قَالَ : وَقَدْ ذُكِرَ الْحُكْم هُنَا مَقْرُونًا بِعِلَّتِهِ , فَإِنَّ التَّشْبِيه بِالْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَة يُنَاسِب تَرْكه فِي الصَّلَاة. اِنْتَهَى. وَالْهَيْئَة الْمَنْهِيّ عَنْهَا أَيْضًا مُشْعِرَة بِالتَّهَاوُنِ وَقِلَّة الِاعْتِنَاء بِالصَّلَاةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَا يَنْبَسِط ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنُونٍ سَاكِنَة قَبْل الْمُوَحَّدَة وَلِلْحَمَوِيّ \" يَبْتَسِط \" بِمُثَنَّاةٍ بَعْد مُوَحَّدَة , وَفِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر بِمُوَحَّدَةِ سَاكِنَة فَقَطْ وَعَلَيْهَا اِقْتَصَرَ الْعُمْدَة , وَقَوْلُهُ \" اِنْبِسَاط \" بِالنُّونِ فِي الْأُولَى وَالثَّالِثَة وَبِالْمُثَنَّاةِ وَهِيَ ظَاهِرَة وَالثَّالِثَة تَقْدِيرهَا وَلَا يَبْسُط ذِرَاعَيْهِ فَيَنْبَسِط اِنْبِسَاط الْكَلْب. ‏"
    },
    {
        "id": "780",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ اللَّيْثِيُّ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏رَأَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي فَإِذَا كَانَ فِي ‏ ‏وِتْرٍ ‏ ‏مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "781",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏قَالَ جَاءَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ ‏ ‏فَصَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِنَا هَذَا فَقَالَ إِنِّي لَأُصَلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ ‏ ‏كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي قَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏وَكَيْفَ كَانَتْ صَلَاتُهُ قَالَ مِثْلَ صَلَاةِ شَيْخِنَا هَذَا ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏وَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ يُتِمُّ التَّكْبِيرَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ قَامَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ السَّجْدَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمَذْكُورِينَ \" فِي السَّجْدَة \" وَفِي بَعْض نُسَخ أَبِي ذَرّ \" مِنْ السَّجْدَة \" وَهِيَ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث مَالِك بْن الْحُوَيْرِثِ , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا ذِكْر الِاعْتِمَاد عَلَى الْأَرْض عِنْد الْقِيَام مِنْ السُّجُود أَوْ الْجُلُوس , وَالْإِشَارَة إِلَى رَدّ مَا رُوِيَ بِخِلَافِ ذَلِكَ , فَعِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور بِإِسْنَادٍ ضَعِيف عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْهَض عَلَى صُدُور قَدَمَيْهِ , وَعَنْ اِبْنِ مَسْعُود مِثْله بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ , وَعَنْ إِبْرَاهِيم أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَعْتَمِد عَلَى يَدَيْهِ إِذَا نَهَضَ. فَإِنْ قِيلَ تُرْجِمَ عَلَى كَيْفِيَّة الِاعْتِمَاد , وَاَلَّذِي فِي الْحَدِيث إِثْبَات الِاعْتِمَاد فَقَطْ , أَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ بَيَان الْكَيْفِيَّة مُسْتَفَاد مِنْ قَوْلُهُ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الْأَرْض ثُمَّ قَامَ , فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْكَيْفِيَّةِ أَنْ يَقُوم مُعْتَمِدًا عَنْ جُلُوسٍ لَا عَنْ سُجُود. وَقَالَ اِبْن رَشِيد : أَفَادَ فِي التَّرْجَمَة الَّتِي قَبْل هَذِهِ إِثْبَات الْجُلُوس فِي الْأُولَى وَالثَّالِثَة , وَفِي هَذِهِ أَنَّ ذَلِكَ الْجُلُوس جُلُوس اِعْتِمَاد عَلَى الْأَرْض بِتَمَكُّنٍ , بِدَلِيلِ الْإِتْيَان بِحَرْفِ \" ثُمَّ \" الدَّالّ عَلَى الْمُهْلَة وَأَنَّهُ لَيْسَ جُلُوس اِسْتِيفَاز , فَأَفَادَ فِي الْأُولَى مَشْرُوعِيَّة الْحُكْم وَفِي الثَّانِيَة صِفَته ا ه مُلَخَّصًا. وَفِيهِ شَيْء إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمُرَاد لَقَالَ كَيْف يَجْلِس مَثَلًا. وَقِيلَ يُسْتَفَاد مِنْ الِاعْتِمَاد أَنَّهُ يَكُون بِالْيَدِ لِأَنَّهُ اِفْتِعَال مِنْ الْعِمَاد وَالْمُرَاد بِهِ الِاتِّكَاء وَهُوَ بِالْيَدِ , وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْنِ عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَقُوم إِذَا رَفَعَ رَأْسه مِنْ السَّجْدَة مُعْتَمِدًا عَلَى يَدَيْهِ قَبْل أَنْ يَرْفَعهُمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "782",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى لَنَا ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ وَحِينَ سَجَدَ وَحِينَ رَفَعَ وَحِينَ قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيد ) ‏ ‏أَيْ الْخُدْرِيُّ بِالْمَدِينَةِ , وَبَيَّنَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق يُونُس بْن مُحَمَّد عَنْ فُلَيْح سَبَبَ ذَلِكَ وَلَفْظه \" اِشْتَكَى أَبُو هُرَيْرَة - أَوْ غَابَ - فَصَلَّى أَبُو سَعِيد , فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِين اِفْتَتَحَ وَحِين رَكَعَ \" الْحَدِيث , وَزَادَ فِي آخِره أَيْضًا \" فَلَمَّا اِنْصَرَفَ قِيلَ لَهُ : قَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس عَلَى صَلَاتك , فَقَامَ عِنْد الْمِنْبَر فَقَالَ : إِنِّي وَاَللَّه مَا أُبَالِي اِخْتَلَفَتْ صَلَاتكُمْ أَمْ لَمْ تَخْتَلِف , إِنِّي رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا يُصَلِّي \" وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الِاخْتِلَاف بَيْنهمْ كَانَ فِي الْجَهْر بِالتَّكْبِيرِ وَالْإِسْرَار بِهِ , وَكَانَ مَرْوَان وَغَيْره مِنْ بَنِي أُمَيَّة يُسِرُّونَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب إِتْمَام التَّكْبِير فِي الرُّكُوع \" وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي إِمَارَة مَرْوَان عَلَى الْمَدِينَة. وَأَمَّا مَقْصُود الْبَاب فَالْمَشْهُور عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّر حِين يَقُوم وَلَا يُؤَخِّرهُ حَتَّى يَسْتَوِي قَائِمًا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُوَطَّأ , وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَا يَقُول الْإِمَام وَمَنْ خَلْفه \" مِنْ حَدِيثه بِلَفْظِ \" وَإِذَا قَامَ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ اللَّه أَكْبَر \" فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى إِذَا شَرَعَ فِي الْقِيَام , قَالَ الزَّيْن ابْن الْمُنِير : أَجْرَى الْبُخَارِيّ التَّرْجَمَة وَأَثَرَ اِبْنِ الزُّبَيْر مَجْرَى التَّبْيِين لِحَدِيثَيْ الْبَاب , لِأَنَّهُمَا لَيْسَا صَرِيحَيْنِ فِي أَنَّ اِبْتِدَاء التَّكْبِير يَكُون مَعَ أَوَّل النُّهُوض. وَقَالَ اِبْن رَشِيد : فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة إِشْكَال , لِأَنَّهُ تَرْجَمَ فِيمَا مَضَى \" بَاب التَّكْبِير إِذَا قَامَ مِنْ السُّجُود \" وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَة وَفِيهِمَا التَّنْصِيص عَلَى أَنَّهُ يُكَبِّر فِي حَالَة النُّهُوض , وَهُوَ الَّذِي اِقْتَضَتْهُ هَذِهِ التَّرْجَمَة , فَكَانَ ظَاهِرهَا التَّكْرَار وَيُحْمَل قَوْلُهُ \" مِنْ السَّجْدَتَيْنِ \" عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ , لِأَنَّ الرَّكْعَة تُسَمَّى سَجْدَة مَجَازًا , ثُمَّ اِسْتَبْعَدَهُ , ثُمَّ رَجَّحَ أَنَّ الْمُرَاد بِهَذِهِ التَّرْجَمَة بَيَان مَحَلّ التَّكْبِير حِين يَنْهَض مِنْ السَّجْدَة الثَّانِيَة بِأَنَّهُ إِذَا قَعَدَ عَلَى الْوِتْر يَكُون تَكْبِيره فِي الرَّفْع إِلَى الْقُعُود وَلَا يُؤَخِّرهُ إِلَى مَا بَعْد الْقُعُود , وَيَتَوَجَّه ذَلِكَ بِأَنَّ التَّرْجَمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْله فِيهِمَا بَيَان الْجُلُوس , ثُمَّ بَيَان الِاعْتِمَاد , فَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الثَّالِثَة مَحَلّ التَّكْبِير ا ه مُلَخَّصًا. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاده بِقَوْلِهِ \" مِنْ السَّجْدَتَيْنِ \" مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ فَيَشْمَل مَا قِيلَ أَوَّلًا وَثَانِيًا , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ اِشْتِمَال حَدِيثَيْ الْبَاب عَلَى ذَلِكَ , فَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" حِين رَفَعَ رَأْسه مِنْ السُّجُود وَحِين قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ \" وَفِي حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ \" وَإِذَا رَفَعَ كَبَّرَ وَاذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ \" وَأَمَّا أَثَر اِبْن الزُّبَيْر فَيُمْكِن شُمُوله الْأَمْرَيْنِ لِأَنَّ النَّهْضَة تَحْتَمِلهُمَا , لَكِنَّ اِسْتِعْمَالهَا فِي الْقِيَام أَكْثَر , وَهَذَا يُرَجِّح الْحَمْل الْأَوَّل الَّذِي اِسْتَبْعَدَهُ اِبْن رَشِيد , وَلَا بُعْد فِيهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ خِلَاف مَالِك إِنَّمَا هُوَ فِي النُّهُوض مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْد التَّشَهُّد الْأَوَّل. ‏"
    },
    {
        "id": "783",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُطَرِّفٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ أَنَا ‏ ‏وَعِمْرَانُ ‏ ‏صَلَاةً خَلْفَ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ وَإِذَا رَفَعَ كَبَّرَ وَإِذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ ‏ ‏عِمْرَانُ ‏ ‏بِيَدِي فَقَالَ لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلَاةَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ قَالَ لَقَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "وَالْكَلَام عَلَى حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ قَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب إِتْمَام التَّكْبِير فِي الرُّكُوع \". ‏"
    },
    {
        "id": "784",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَرَى ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَتَرَبَّعُ فِي الصَّلَاةِ إِذَا جَلَسَ فَفَعَلْتُهُ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ فَنَهَانِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏وَقَالَ إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى وَتَثْنِيَ الْيُسْرَى فَقُلْتُ إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّ رِجْلَيَّ لَا تَحْمِلَانِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر , وَهُوَ تَابِعِيّ ثِقَة سُمِّيَ بِاسْمِ أَبِيهِ وَكُنِّيَ بِكُنْيَتِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ) ‏ ‏صَرِيح فِي أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم حَمَلَهُ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَة , وَقَدْ اِخْتَلَفَ فِيهِ الرُّوَاة عَنْ مَالِك فَأَدْخَلَ مَعْن بْن عِيسَى وَغَيْره عَنْهُ فِيهِ - بَيْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم وَعَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه - الْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَالِد عَبْد الرَّحْمَن , بَيَّنَ ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره , فَكَأَنَّ عَبْد الرَّحْمَن سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ عَنْهُ , ثُمَّ لَقِيَهُ أَوْ سَمِعَهُ مِنْهُ مَعَهُ وَثَبَّتَهُ فِيهِ أَبُوهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَتَثْنِي الْيُسْرَى ) ‏ ‏لَمْ يُبَيِّن فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مَا يَصْنَع بَعْد ثَنْيهَا هَلْ يَجْلِس فَوْقهَا أَوْ يَتَوَرَّك , وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد أَنَّ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد أَرَاهُمْ الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد فَنَصَبَ رِجْله الْيُمْنَى وَثَنَى الْيُسْرَى وَجَلَسَ عَلَى وَرِكه الْيُسْرَى وَلَمْ يَجْلِس عَلَى قَدَمه ثُمَّ قَالَ : أَرَانِي هَذَا عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَحَدَّثَنِي أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ. فَتَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَة الْقَاسِم مَا أُجْمِلَ فِي رِوَايَة اِبْنه , وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ الْبُخَارِيّ عَلَى رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن لِتَصْرِيحِهِ فِيهَا بِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّة لِاقْتِضَاءِ ذَلِكَ الرَّفْع , بِخِلَافِ رِوَايَة الْقَاسِم , وَرَجَّحَ ذَلِكَ عِنْده حَدِيث أَبِي حُمَيْدٍ الْمُفَصَّل بَيْن الْجُلُوس الْأَوَّل وَالثَّانِي , عَلَى أَنَّ الصِّفَة الْمَذْكُورَة قَدْ يُقَال إِنَّهَا لَا تُخَالِف حَدِيث أَبِي حُمَيْدٍ لِأَنَّ فِي الْمُوَطَّأ أَيْضًا عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار التَّصْرِيح بِأَنَّ جُلُوس اِبْن عُمَر الْمَذْكُور كَانَ فِي التَّشَهُّد الْأَخِير , وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد أَنَّ الْقَاسِم حَدَّثَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" مِنْ سُنَّة الصَّلَاة أَنْ يَنْصِب الْيُمْنَى وَيَجْلِس عَلَى الْيُسْرَى \" فَإِذَا حُمِلَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى التَّشَهُّد الْأَوَّل وَرِوَايَة مَالِك عَلَى التَّشَهُّد الْأَخِير اِنْتَفَى عَنْهُمَا التَّعَارُض وَوَافَقَ ذَلِكَ التَّفْصِيل الْمَذْكُور فِي حَدِيث أَبِي حُمَيْدٍ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ إِنَّك تَفْعَل ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ التَّرَبُّع قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : اِخْتَلَفُوا فِي التَّرَبُّع فِي النَّافِلَة وَفِي الْفَرِيضَة لِلْمَرِيضِ , وَأَمَّا الصَّحِيح فَلَا يَجُوز لَهُ التَّرَبُّع فِي الْفَرِيضَة بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء , كَذَا قَالَ , وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" لَأَنْ أَقْعُد عَلَى رَضَفَتَيْنِ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْعُد مُتَرَبِّعًا فِي الصَّلَاة \" وَهَذَا يُشْعِر بِتَحْرِيمِهِ عِنْده , وَلَكِنَّ الْمَشْهُور عَنْ أَكْثَر الْعُلَمَاء أَنَّ هَيْئَة الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد سُنَّة , فَلَعَلَّ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَرَادَ بِنَفْيِ الْجَوَاز إِثْبَات الْكَرَاهَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّ رِجْلِي ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة حَكَاهَا اِبْن التِّين \" إِنَّ رِجْلَايَ \" وَوَجَّهَهَا عَلَى أَنَّ \" إِنَّ \" بِمَعْنَى نَعَمْ , ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ فَقَالَ \" رِجْلَايَ لَا تَحْمِلَانِي \" أَوْ عَلَى اللُّغَة الْمَشْهُورَة لُغَة بَنِي الْحَارِث , وَلَهَا وَجْه آخَر لَمْ يَذْكُرهُ , وَقَدْ ذَكَرْت الْأَوْجُه فِي قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ( إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ). ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا تَحْمِلَانِي ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَيَجُوز التَّخْفِيف. ‏"
    },
    {
        "id": "785",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ‏ ‏وَحَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏وَيَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرْنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ‏ ‏أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ ‏ ‏حِذَاءَ ‏ ‏مَنْكِبَيْهِ ‏ ‏وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ ‏ ‏هَصَرَ ‏ ‏ظَهْرَهُ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ ‏ ‏فَقَارٍ ‏ ‏مَكَانَهُ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ ‏ ‏وَسَمِعَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏وَيَزِيدُ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ حَلْحَلَةَ ‏ ‏وَابْنُ حَلْحَلَةَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏ابْنِ عَطَاءٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اللَّيْثِ ‏ ‏كُلُّ فَقَارٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏كُلُّ فَقَارٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ خَالِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد الْجُمَحِيُّ الْمِصْرِيّ , وَهُوَ مِنْ أَقْرَان سَعِيد بْن أَبِي هِلَال شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْث ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ يَحْيَى بْن بُكَيْر الْمَذْكُور. وَالْحَاصِل أَنَّ بَيْن اللَّيْث وَبَيْن مُحَمَّد بْنِ عَمْرو بْن حَلْحَلَة فِي الرِّوَايَة الْأُولَى اِثْنَيْنِ , وَبَيْنهمَا فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَاسِطَة وَاحِدَة , وَيَزِيد بْن أَبِي حَبِيب مِصْرِيّ مَعْرُوف مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , وَيَزِيد بْن مُحَمَّد رَفِيقه فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ بَنِي قَيْس بْن مَخْرَمَة بْن الْمُطَّلِب مَدَنِيٌّ سَكَنَ مِصْر , وَكُلّ مَنْ فَوْقهمْ مَدَنِيٌّ أَيْضًا , فَالْإِسْنَاد دَائِر بَيْن مَدَنِيّ وَمِصْرِيّ. وَأَرْدَفَ الرِّوَايَة النَّازِلَة بِالرِّوَايَةِ الْعَالِيَة عَلَى عَادَة أَهْل الْحَدِيث , وَرُبَّمَا وَقَعَ لَهَا ضِدّ ذَلِكَ لِمَعْنًى مُنَاسِب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي نَفَر مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة \" مَعَ نَفَر \" وَكَذَا اُخْتُلِفَ عَلَى عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء , فَفِي رِوَايَة عَاصِم عَنْهُ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره \" سَمِعْت أَبَا حُمَيْدٍ فِي عَشَرَة \" , وَفِي رِوَايَة هُشَيْمٍ عَنْهُ عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور \" رَأَيْت أَبَا حُمَيْدٍ مَعَ عَشَرَة \" وَلَفْظ \" مَعَ \" يُرَجِّح أَحَد الِاحْتِمَالَيْنِ فِي لَفْظ \" فِي \" لِأَنَّهَا مُحْتَمِلَة لِأَنْ يَكُون أَبُو حُمَيْدٍ مِنْ الْعَشَرَة أَوْ زَائِدًا عَلَيْهِمْ , ثُمَّ إِنَّ رِوَايَة اللَّيْث ظَاهِرَة فِي اِتِّصَاله بَيْن مُحَمَّد بْن عَمْرو وَأَبِي حُمَيْدٍ , وَرِوَايَة عَبْد الْحَمِيد صَرِيحَة فِي ذَلِكَ. وَزَعَمَ اِبْن الْقَطَّان تَبَعًا لِلطَّحَاوِيّ أَنَّهُ غَيْر مُتَّصِل لِأَمْرَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ عِيسَى بْن عَبْد اللَّه بْن مَالِك رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء فَأَدْخَلَ بَيْنه وَبَيْن الصَّحَابَة عَبَّاس بْن سَهْل أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره , ثَانِيهمَا أَنَّ فِي بَعْض طُرُقه تَسْمِيَة أَبِي قَتَادَةَ فِي الصَّحَابَة الْمَذْكُورِينَ وَأَبُو قَتَادَةَ قَدِيم الْمَوْت يَصْغُر سِنّ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء عَنْ إِدْرَاكه. وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ : أَمَّا الْأَوَّل فَلَا يَضُرّ الثِّقَة الْمُصَرَّح بِسَمَاعِهِ أَنْ يَدْخُل بَيْنه وَبَيْن شَيْخه وَاسِطَة , إِمَّا لِزِيَادَةٍ فِي الْحَدِيث , وَإِمَّا لِيَثْبُت فِيهِ , وَقَدْ صَرَّحَ مُحَمَّد بْن عَمْرو الْمَذْكُور بِسَمَاعِهِ فَتَكُون رِوَايَة عِيسَى عَنْهُ مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد , وَأَمَّا الثَّانِي فَالْمُعْتَمَد فِيهِ قَوْل بَعْض أَهْل التَّارِيخ إِنَّ أَبَا قَتَادَةَ مَاتَ فِي خِلَافَة عَلِيّ وَصَلَّى عَلَيْهِ عَلِيّ وَكَانَ قَتْل عَلِيٍّ سَنَة أَرْبَعِينَ وَأَنَّ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء مَاتَ بَعْد سَنَة عِشْرِينَ وَمِائَة وَلَهُ نَيِّف وَثَمَانُونَ سَنَة فَعَلَى هَذَا لَمْ يُدْرِك أَبَا قَتَادَةَ , وَالْجَوَاب أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ اُخْتُلِفَ فِي وَقْت مَوْته , فَقِيلَ مَاتَ سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ وَعَلَى هَذَا فَلِقَاء مُحَمَّد لَهُ مُمْكِن , وَعَلَى الْأَوَّل فَلَعَلَّ مَنْ ذَكَرَ مِقْدَار عُمْره أَوْ وَقْت وَفَاته وَهِمَ , أَوْ الَّذِي سَمَّى أَبَا قَتَادَةَ فِي الصَّحَابَة الْمَذْكُورِينَ وَهِمَ فِي تَسْمِيَته , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ غَلَطًا لِأَنَّ غَيْره مِمَّنْ رَوَاهُ مَعَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء أَوْ عَنْ عَبَّاس بْن سَهْل قَدْ وَافَقَهُ. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏سُمِّيَ مِنْ النَّفَر الْمَذْكُورِينَ فِي رِوَايَة فُلَيْح عَنْ عَبَّاسٍ بْن سَهْل مَعَ أَبِي حُمَيْدٍ أَبُو الْعَبَّاسٍ سَهْل بْن سَعْد وَأَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيّ وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَة أَخْرَجَهَا أَحْمَد وَغَيْره , وَسُمِّيَ مِنْهُمْ فِي رِوَايَة عِيسَى بْن عَبْد اللَّه عَنْ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُونَ سِوَى مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة فَذُكِرَ بَدَله أَبُو هُرَيْرَة أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره , وَسُمِّيَ مِنْهُمْ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ عَبَّاسٍ عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ , وَفِي رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ أَبُو قَتَادَةَ , وَفِي رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد الْمَذْكُورَة أَنَّهُمْ كَانُوا عَشَرَة كَمَا تَقَدَّمَ , وَلَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة الْبَاقِينَ. وَقَدْ اِشْتَمَلَ حَدِيث أَبِي حُمَيْدٍ هَذَا عَلَى جُمْلَة كَثِيرَة مِنْ صِفَة الصَّلَاة , وَسَأُبَيِّنُ مَا فِي رِوَايَة غَيْر اللَّيْث مِنْ الزِّيَادَة نَاسِبًا كُلّ زِيَادَة إِلَى مُخَرِّجهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ أَشَرْت قَبْل إِلَى مَخَارِج الْحَدِيث , لَكِنَّ سِيَاق اللَّيْث فِيهِ حِكَايَة أَبِي حُمَيْدٍ لِصِفَةِ الصَّلَاة بِالْقَوْلِ , وَكَذَا فِي رِوَايَة كُلّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَلْحَلَة , وَنَحْوه رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء , وَوَافَقَهُمَا فُلَيْح عَنْ عَبَّاس بْن سَهْل , وَخَالَفَ الْجَمِيع عِيسَى بْن عَبْد اللَّه عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء عَنْ عَبَّاسٍ فَحَكَى أَنَّ أَبَا حُمَيْدٍ وَصَفَهَا بِالْفِعْلِ وَلَفْظه عِنْد الطَّحَاوِيّ وَابْن حِبَّان \" قَالُوا فَأَرِنَا , فَقَامَ يُصَلِّي وَهُمْ يَنْظُرُونَ , فَبَدَأَ فَكَبَّرَ \" الْحَدِيث. وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ يَكُون وَصَفَهَا مَرَّة بِالْقَوْلِ وَمَرَّة بِالْفِعْلِ , وَهَذَا يُؤَيِّد مَا جَمَعْنَا بِهِ أَوَّلًا , فَإِنَّ عِيسَى الْمَذْكُور هُوَ الَّذِي زَادَ عَبَّاس بْن سَهْل بَيْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء وَأَبِي حُمَيْدٍ , فَكَأَنَّ مُحَمَّدًا شَهِدَ هُوَ وَعَبَّاسٍ حِكَايَة أَبِي حُمَيْدٍ بِالْقَوْلِ فَحَمَلَهَا عَنْهُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْره , وَكَأَنَّ عَبَّاسًا شَهِدَهَا وَحْده بِالْفِعْلِ فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ مُحَمَّد بْن عَطَاء فَحَدَّثَ بِهَا كَذَلِكَ , وَقَدْ وَافَقَ عِيسَى أَيْضًا عَنْهُ عَطَّاف بْن خَالِد لَكِنَّهُ أَبْهَمَ عَبَّاس بْن سَهْل أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا , وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّ اِبْن خُزَيْمَةَ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق أَنَّ عَبَّاس بْن سَهْل حَدَّثَهُ فَسَاقَ الْحَدِيث بِصِفَةِ الْفِعْل أَيْضًا , وَاَللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَا كُنْت أَحْفَظكُمْ ) ‏ ‏زَادَ عَبْد الْحَمِيد \" قَالُوا فَلِمَ ؟ فَوَاَللَّهِ مَا كُنْت بِأَكْثَرِنَا لَهُ اِتِّبَاعًا - وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ إِتْيَانًا - وَلَا أَقْدَمنَا لَهُ صُحْبَة \" , وَفِي رِوَايَة عِيسَى بْن عَبْد اللَّه \" قَالُوا فَكَيْف ؟ قَالَ : اِتَّبَعْت ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى حَفِظْته \" زَادَ عَبْد الْحَمِيد \" قَالُوا فَأَعْرَضَ \" وَفِي رِوَايَته عِنْد اِبْن حِبَّان \" اِسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة ثُمَّ قَالَ : اللَّه أَكْبَر \" , وَزَادَ فُلَيْح عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ فِيهِ ذِكْر الْوُضُوء. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْهِ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن إِسْحَاق \" ثُمَّ قَرَأَ بَعْض الْقُرْآن \" وَنَحْوه لِعَبْدِ الْحَمِيد. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ هَصَرَ ظَهْره ) ‏ ‏بِالْهَاءِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة الْمَفْتُوحَتَيْنِ , أَيْ ثَنَاهُ فِي اِسْتِوَاء مِنْ غَيْر تَقْوِيس ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ , وَفِي رِوَايَة عِيسَى \" غَيْر مُقْنِع رَأْسه وَلَا مُصَوِّبه \" وَنَحْوه لِعَبْدِ الْحَمِيد , وَفِي رِوَايَة فُلَيْح عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَانَهُ قَابِض عَلَيْهِمَا \" وَوَتَّرَ يَدَيْهِ فَتَجَافَى عَنْ جَنْبَيْهِ \" وَلَهُ فِي رِوَايَة اِبْن لَهِيعَة عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب \" وَفَرَّجَ بَيْن أَصَابِعه \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِذَا رَفَعَ رَأْسه اِسْتَوَى ) ‏ ‏زَادَ عِيسَى عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" فَقَالَ سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبّنَا لَك الْحَمْد , وَرَفَعَ يَدَيْهِ \" , وَنَحْوه لِعَبْدِ الْحَمِيد وَزَادَ \" حَتَّى يُحَاذِي بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ مُعْتَدِلًا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَعُود كُلّ فَقَار ) ‏ ‏الْفَقَار بِفَتْحِ الْفَاء وَالْقَاف جَمْع فَقَارَة وَهِيَ عِظَام الظَّهْر , وَهِيَ الْعِظَام الَّتِي يُقَال لَهَا خَرَز الظَّهْر قَالَهُ الْقَزَّاز. وَقَالَ اِبْن سِيدَهْ : هِيَ مِنْ الْكَاهِل إِلَى الْعَجْب , وَحَكَى ثَعْلَب عَنْ نَوَادِر ابْن الْأَعْرَابِيّ أَنَّ عِدَّتهَا سَبْعَة عَشَر. وَفِي أَمَالِي الزَّجَّاج : أُصُولهَا سَبْع غَيْر التَّوَابِع وَعَنْ الْأَصْمَعِيّ : هِيَ خَمْس وَعِشْرُونَ , سَبْع فِي الْعُنُق وَخَمْس فِي الصُّلْب وَبَقِيَّتهَا فِي أَطْرَاف الْأَضْلَاع , وَحَكَى فِي الْمَطَالِع أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ بِفَتْحِ الْفَاء وَلِابْنِ السَّكَن بِكَسْرِهَا , وَالصَّوَاب بِفَتْحِهَا , وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي آخِر الْحَدِيث وَالْمُرَاد بِذَلِكَ كَمَال الِاعْتِدَال. وَفِي رِوَايَة هُشَيْمٍ عَنْ عَبْد الْحَمِيد \" ثُمَّ يَمْكُث قَائِمًا حَتَّى يَقَع كُلّ عَظْم مَوْقِعه \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْر مُفْتَرِش ) ‏ ‏أَيْ لَهُمَا , وَلِابْنِ حِبَّان مِنْ رِوَايَة عُتْبَة بْن أَبِي حَكِيم عَنْ عَبَّاسٍ بْن سَهْل \" غَيْر مُفْتَرِش ذِرَاعَيْهِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَا قَابِضهمَا ) ‏ ‏أَيْ بِأَنْ يَضُمّهُمَا إِلَيْهِ , وَفِي رِوَايَة عِيسَى \" فَإِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْن فَخِذَيْهِ غَيْر حَامِل بَطْنه عَلَى شَيْء مِنْهُمَا \" وَفِي رِوَايَة عُتْبَة الْمَذْكُورَة \" وَلَا حَامِل بَطْنه عَلَى شَيْء مِنْ فَخِذَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد \" جَافَى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة فُلَيْح \" وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ وَوَضَعَ يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" فَاعْلَوْلَى عَلَى جَنْبَيْهِ وَرَاحَتَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَصُدُور قَدَمَيْهِ حَتَّى رَأَيْت بَيَاض إِبْطَيْهِ مَا تَحْت مَنْكِبَيْهِ , ثُمَّ ثَبَتَ حَتَّى اِطْمَأَنَّ كُلّ عَظْم مِنْهُ , ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه فَاعْتَدَلَ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد \" ثُمَّ يَقُول اللَّه أَكْبَر وَيَرْفَع رَأْسه وَيُثْنِي رِجْله الْيُسْرَى فَيَقْعُد عَلَيْهَا حَتَّى يَرْجِع كُلّ عَظْم إِلَى مَوْضِعه \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة عِيسَى بِلَفْظِ \" ثُمَّ كَبَّرَ فَجَلَسَ فَتَوَرَّكَ وَنَصَبَ قَدَمه الْأُخْرَى ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ \" وَهَذَا يُخَالِف رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد فِي صِفَة الْجُلُوس , وَيُقَوِّي رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد وَرِوَايَة فُلَيْح عِنْد اِبْن حِبَّان بِلَفْظِ \" كَانَ إِذَا جَلَسَ بَيْن السَّجْدَتَيْنِ اِفْتَرَشَ رِجْله الْيُسْرَى وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَته \" أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا هَكَذَا فِي كِتَاب الصَّلَاة لَهُ , وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق خِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ وَلَفْظه \" فَاعْتَدَلَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَصُدُور قَدَمَيْهِ \" فَإِنْ لَمْ يُحْمَل عَلَى التَّعَدُّد وَإِلَّا فَرِوَايَة عَبْد الْحَمِيد أَرْجَح. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ الْأُولَيَيْنِ لِيَتَشَهَّد , وَفِي رِوَايَة فُلَيْح \" ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْله الْيُسْرَى وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَته وَوَضَعَ كَفّه عَلَى رُكْبَته الْيُمْنَى وَكَفّه الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَته الْيُسْرَى وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ \" وَفِي رِوَايَة عِيسَى بْن عَبْد اللَّه \" ثُمَّ جَلَسَ بَعْد الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَنْهَض إِلَى الْقِيَام قَامَ بِتَكْبِيرَةٍ \" وَهَذَا يُخَالِف فِي الظَّاهِر رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد حَيْثُ قَالَ \" إِذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ كَمَا كَبَّرَ عِنْد اِفْتِتَاح الصَّلَاة \" وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْنهمَا بِأَنَّ التَّشْبِيه وَاقِع عَلَى صِفَة التَّكْبِير لَا عَلَى مَحَلّه , وَيَكُون مَعْنَى قَوْلُهُ \" إِذَا قَامَ \" أَيْ أَرَادَ الْقِيَام أَوْ شَرَعَ فِيهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَة الْآخِرَة إِلَخْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد \" حَتَّى إِذَا كَانَتْ السَّجْدَة الَّتِي يَكُون فِيهَا التَّسْلِيم \" وَفِي رِوَايَته عِنْد اِبْن حِبَّان \" الَّتِي تَكُون خَاتِمَة الصَّلَاة أَخْرَجَ رِجْله الْيُسْرَى وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقّه الْأَيْسَر \" زَادَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته \" ثُمَّ سَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة عِيسَى عِنْد الطَّحَاوِيّ \" فَلَمَّا سَلَّمَ سَلَّمَ عَنْ يَمِينه سَلَام عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّه وَعَنْ شِمَاله كَذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي عَاصِم عَنْ عَبْد الْحَمِيد عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره \" قَالُوا - أَيْ الصَّحَابَة الْمَذْكُورُونَ - صَدَقْت , هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي \" وَفِي هَذَا الْحَدِيث حُجَّة قَوِيَّة لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي أَنَّ هَيْئَة الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد الْأَوَّل مُغَايِرَة لِهَيْئَةِ الْجُلُوس فِي الْأَخِير , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة فَقَالُوا : يُسَوِّي بَيْنهمَا , لَكِنْ قَالَ الْمَالِكِيَّة : يَتَوَرَّك فِيهِمَا كَمَا جَاءَ فِي التَّشَهُّد الْأَخِير , وَعَكَسَهُ الْآخَرُونَ. وَقَدْ قِيلَ فِي حِكْمَة الْمُغَايَرَة بَيْنهمَا أَنَّهُ أَقْرَب إِلَى عَدَم اِشْتِبَاه عَدَد الرَّكَعَات , وَلِأَنَّ الْأَوَّل تَعْقُبهُ حَرَكَة بِخِلَافِ الثَّانِي , وَلِأَنَّ الْمَسْبُوق إِذَا رَآهُ عَلِمَ قَدْر مَا سُبِقَ بِهِ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ تَشَهُّد الصُّبْح كَالتَّشَهُّدِ الْأَخِير مِنْ غَيْره لِعُمُومِ قَوْلُهُ \" فِي الرَّكْعَة الْأَخِيرَة \" , وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْل أَحْمَد , وَالْمَشْهُور عَنْهُ اِخْتِصَاص التَّوَرُّك بِالصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا تَشَهُّدَانِ. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا جَوَاز وَصْف الرَّجُل نَفْسه بِكَوْنِهِ أَعْلَم مِنْ غَيْره إِذَا أَمِنَ الْإِعْجَاب وَأَرَادَ تَأْكِيد ذَلِكَ عِنْد مَنْ سَمِعَهُ لِمَا فِي التَّعْلِيم وَالْأَخْذ عَنْ الْأَعْلَم مِنْ الْفَضْل. وَفِيهِ أَنَّ \" كَانَ \" تُسْتَعْمَل فِيمَا مَضَى وَفِيمَا يَأْتِي لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ كُنْت أَحْفَظكُمْ وَأَرَادَ اِسْتِمْرَاره عَلَى ذَلِكَ أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْن التِّين. وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَخْفَى عَلَى الْكَثِير مِنْ الصَّحَابَة بَعْض الْأَحْكَام الْمُتَلَقَّاة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُبَّمَا تَذَكَّرَهُ بَعْضهمْ إِذَا ذُكِرَ. وَفِي الطُّرُق الَّتِي أَشَرْت إِلَى زِيَادَتهَا جُمْلَة مِنْ صِفَة الصَّلَاة ظَاهِرَة لِمَنْ تَدَبَّرَ ذَلِكَ وَتَفَهَّمَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَسَمِعَ اللَّيْث إِلَخْ ) ‏ ‏إِعْلَام مِنْهُ بِأَنَّ الْعَنْعَنَة الْوَاقِعَة فِي إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث بِمَنْزِلَةِ السَّمَاع , وَهُوَ كَلَام الْمُصَنِّف , وَوَهِمَ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ كَلَام يَحْيَى بْن بُكَيْر , وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِتَحْدِيثِ اِبْن حَلْحَلَة لِيَزِيدَ فِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو صَالِح عَنْ اللَّيْث ) ‏ ‏يَعْنِي بِإِسْنَادِهِ الثَّانِي عَنْ الْيَزِيدَيْنِ , كَذَلِكَ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُطَّلِب بْن شُعَيْب وَابْن عَبْد الْبَرّ مِنْ طَرِيق قَاسِم بْن أَصْبَغَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي صَالِح عَبْد اللَّه بْن صَالِح كَاتِب اللَّيْث , وَوَهِمَ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّ أَبَا صَالِح هُنَا هُوَ اِبْن عَبْد الْغَفَّار الْحَرَّانِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كُلّ قَفَار ) ‏ ‏ضُبِطَ فِي رِوَايَتنَا بِتَقْدِيمِ الْقَاف عَلَى الْفَاءِ , وَكَذَا لِلْأَصِيلِيِّ , وَعِنْد الْبَاقِينَ بِتَقْدِيمِ الْفَاء كَرِوَايَةِ يَحْيَى بْن بُكَيْر , لَكِنْ ذَكَرَ صَاحِب الْمَطَالِع أَنَّهُمْ كَسَرُوا الْفَاء , وَجَزَمَ جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة بِأَنَّ تَقْدِيم الْقَاف تَصْحِيف , وَقَالَ اِبْن التِّين : لَمْ يَتَبَيَّن لِي وَجْهه. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اِبْن الْمُبَارَك إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْجَوْزَقِيُّ فِي جَمْعه وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي غَرِيبه وَجَعْفَر الْفِرْيَابِيُّ فِي صِفَة الصَّلَاة كُلّهمْ مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُبَارَك بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَوَقَعَ عِنْدهمْ بِلَفْظِ \" حَتَّى يَعُود كُلّ فَقَار مَكَانه \" وَهِيَ نَحْو رِوَايَة يَحْيَى بْن بُكَيْر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْده \" كُلّ فَقَاره \" وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطه فَقِيلَ بِهَاءِ الضَّمِير وَقِيلَ بِهَاءِ التَّأْنِيث أَيْ حَتَّى تَعُود كُلّ عَظْمَة مِنْ عِظَام الظَّهْر مَكَانهَا , وَالْأَوَّل مَعْنَاهُ حَتَّى يَعُود جَمِيع عِظَام ظَهْره. وَأَمَّا رِوَايَة يَحْيَى بْن بُكَيْر فَفِيهَا إِشْكَال , وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ الضَّمِير لِأَنَّهُ أَعَادَهُ عَلَى لَفْظ الْفَقَار , وَالْمَعْنَى حَتَّى يَعُود كُلّ عِظَام مَكَانهَا , أَوْ اِسْتَعْمَلَ الْفَقَار لِلْوَاحِدِ تَجَوُّزًا. ‏"
    },
    {
        "id": "786",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مَرَّةً مَوْلَى ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ ‏ ‏وَهُوَ مِنْ ‏ ‏أَزْدِ شَنُوءَةَ ‏ ‏وَهُوَ حَلِيفٌ ‏ ‏لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى بِهِمْ الظَّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن هُرْمُز ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْرَج الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَوْلَى بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب وَقَالَ مَرَّة ) ‏ ‏أَيْ الزُّهْرِيُّ ‏ ‏( مَوْلَى رَبِيعَة بْن الْحَارِث ) ‏ ‏وَلَا تَنَافِي بَيْنهمَا لِأَنَّهُ مَوْلَى رَبِيعَة بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب , فَذَكَرَهُ أَوَّلًا بِجَدِّ مَوَالِيه الْأَعْلَى وَثَانِيًا بِمَوْلَاهُ الْحَقِيقِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَزْد شَنُوءَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُون الزَّاي بَعْدهَا مُهْمَلَة ثُمَّ مُعْجَمَة مَفْتُوحَة ثُمَّ نُون مَضْمُومَة وَهَمْزَة مَفْتُوحَة وَزْن فَعُولَة قَبِيلَة مَشْهُورَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَلِيف لِبَنِي عَبْد مَنَافٍ ) ‏ ‏صَوَاب لِأَنَّ جَدّه حَالَفَ الْمُطَّلِب بْن عَبْد مَنَافٍ , قَالَهُ اِبْن سَعْد وَغَيْره , وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي أَبْوَاب سُجُود السَّهْو إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِس ) ‏ ‏أَيْ لِلتَّشَهُّدِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر \" وَلَمْ يَجْلِس \" بِزِيَادَةِ وَاو , وَفِي صَحِيح مُسْلِم \" فَلَمْ يَجْلِس \" بِالْفَاءِ , وَسَيَأْتِي فِي السَّهْو كَذَلِكَ , قَالَ اِبْن رَشِيد : إِذَا أُطْلِقَ فِي الْأَحَادِيث الْجُلُوس فِي الصَّلَاة مِنْ غَيْر تَقْيِيد فَالْمُرَاد بِهِ جُلُوس التَّشَهُّد , وَبِهَذَا يَظْهَر وَجْه مُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "787",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏بَكْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الظُّهْرَ فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَكْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُضَر , وَعَبْد اللَّه بْن مَالِك ابْن بُحَيْنَة هُوَ عَبْد اللَّه ابْن بُحَيْنَة الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الَّذِي قَبْله , وَبُحَيْنَة وَالِدَة عَبْد اللَّه عَلَى الْمَشْهُور فَيَنْبَغِي أَنْ تُثْبَت الْأَلِف فِي اِبْن بُحَيْنَة إِذَا ذُكِرَ مَالِك وَيُعْرَب إِعْرَاب عَبْد اللَّه. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏لَا خِلَاف فِي أَنَّ أَلْفَاظ التَّشَهُّد فِي الْأُولَى كَاَلَّتِي فِي الْأَخِيرَة , إِلَّا مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِم قَالَ : وَكَانَ اِبْن عُمَر لَا يُسَلِّم فِي التَّشَهُّد الْأَوَّل , كَانَ يَرَى ذَلِكَ نَسْخًا لِصَلَاتِهِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَأَمَّا أَنَا فَأُسَلِّم , يَعْنِي قَوْلَهُ \" السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ - إِلَى - الصَّالِحِينَ \" هَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق. ‏"
    },
    {
        "id": "788",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْنَا السَّلَامُ عَلَى ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏وَمِيكَائِيلَ ‏ ‏السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ شَقِيق ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى الْآتِيَة بَعْد بَاب \" عَنْ الْأَعْمَش حَدَّثَنِي شَقِيق \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى الْمَذْكُورَة \" كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاة \" وَلِأَبِي دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" إِذَا جَلَسْنَا \" وَمِثْله لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن خَلَّاد عَنْ يَحْيَى , وَلَهُ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر , وَلِابْنِ إِسْحَاق فِي مُسْنَده عَنْ عِيسَى بْن يُونُس كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَش نَحْوه. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قُلْنَا السَّلَام عَلَى جِبْرِيل ) ‏ ‏وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة اِخْتِصَار ثَبَتَ فِي رِوَايَة يَحْيَى الْمَذْكُورَة وَهُوَ \" قُلْنَا السَّلَام عَلَى اللَّه مِنْ عِبَاده \" كَذَا وَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ فِيهَا , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ \" قَبْل عِبَاده \" وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ فِي الِاسْتِئْذَان مِنْ طَرِيق حَفْص بْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش وَهُوَ الْمَشْهُور فِي أَكْثَر الرِّوَايَات وَبِهَذِهِ الزِّيَادَة يَتَبَيَّن مَوْقِع قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّ اللَّه هُوَ السَّلَام \" وَلَفْظه فِي رِوَايَة يَحْيَى الْمَذْكُورَة \" لَا تَقُولُوا السَّلَام عَلَى اللَّه , فَإِنَّ اللَّه هُوَ السَّلَام \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( السَّلَام عَلَى فُلَان وَفُلَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ الْأَعْمَش عِنْد اِبْن مَاجَهْ يَعْنُونَ الْمَلَائِكَة , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر \" فَنَعُدّ الْمَلَائِكَة \" وَمِثْله لِلسَّرَّاجِ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ الْأَعْمَش بِلَفْظِ \" فَنَعُدّ مِنْ الْمَلَائِكَة مَا شَاءَ اللَّه \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَالْتَفَتَ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ كَلَّمَهُمْ بِذَلِكَ فِي أَثْنَاء الصَّلَاة , وَنَحْوه فِي رِوَايَة حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي وَائِل وَهُوَ شَقِيق عِنْد الْمُصَنِّف , فِي أَوَاخِر الصَّلَاة بِلَفْظِ \" فَسَمِعَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قُولُوا \" لَكِنْ بَيَّنَ حَفْص بْن غِيَاث فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة الْمَحَلّ الَّذِي خَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ فِيهِ وَأَنَّهُ بَعْد الْفَرَاغ مِنْ الصَّلَاة وَلَفْظه \" فَلَمَّا اِنْصَرَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ \" وَفِي رِوَايَة عِيسَى بْن يُونُس أَيْضًا \" فَلَمَّا اِنْصَرَفَ مِنْ الصَّلَاة قَالَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّه هُوَ السَّلَام ) ‏ ‏قَالَ الْبَيْضَاوِيّ مَا حَاصِله : أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْكَرَ التَّسْلِيم عَلَى اللَّه وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ عَكْس مَا يَجِب أَنْ يُقَال , فَإِنَّ كُلّ سَلَام وَرَحْمَة لَهُ وَمِنْهُ وَهُوَ مَالِكهَا وَمُعْطِيهَا. وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : وَجْه النَّهْي عَنْ السَّلَام عَلَى اللَّه لِأَنَّهُ الْمَرْجُوع إِلَيْهِ بِالْمَسَائِلِ الْمُتَعَالِي عَنْ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَة فَكَيْف يُدْعَى لَهُ وَهُوَ الْمَدْعُوّ عَلَى الْحَالَات. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُرَاد أَنَّ اللَّه هُوَ ذُو السَّلَام فَلَا تَقُولُوا السَّلَام عَلَى اللَّه فَإِنَّ السَّلَام مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُود , وَمَرْجِع الْأَمْر فِي إِضَافَته إِلَيْهِ أَنَّهُ ذُو السَّلَام مِنْ كُلّ آفَة وَعَيْب. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَرْجِعهَا إِلَى حَظّ الْعَبْد فِيمَا يَطْلُبهُ مِنْ السَّلَامَة مِنْ الْآفَات وَالْمَهَالِك. وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّ السَّلَام اِسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى , يَعْنِي السَّالِم مِنْ النَّقَائِص , وَيُقَال : الْمُسَلِّم أَوْلِيَاءَهُ وَقِيلَ الْمُسَلِّم عَلَيْهِمْ , قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَصْرِفُوهُ إِلَى الْخَلْق لِحَاجَتِهِمْ إِلَى السَّلَامَة وَغِنَاهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى عَنْهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِذَا صَلَّى أَحَدكُمْ فَلْيَقُلْ ) ‏ ‏بَيَّنَ حَفْص فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة مَحَلّ الْقَوْل وَلَفْظه \" فَإِذَا جَلَسَ أَحَدكُمْ فِي الصَّلَاة \" وَفِي رِوَايَة حُصَيْنٍ الْمَذْكُورَة \" إِذَا قَعَدَ أَحَدكُمْ فِي الصَّلَاة \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَحْوَص عَنْ عَبْد اللَّه \" كُنَّا لَا نَدْرِي مَا نَقُول فِي كُلّ رَكْعَتَيْنِ , وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَلَّمَ فَوَاتِح الْخَيْر وَخَوَاتِمه فَقَالَ : إِذَا قَعَدْتُمْ فِي كُلّ رَكْعَتَيْنِ فَقُولُوا \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد عَنْ عَبْد اللَّه \" فَقُولُوا فِي كُلّ جَلْسَة \" وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَبْد اللَّه \" عَلَّمَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّشَهُّد فِي وَسَط الصَّلَاة وَفِي آخِرهَا \" وَزَادَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه فِي أَوَّله \" وَأَخَذْت التَّشَهُّد مِنْ فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَقَّنَنِيهِ كَلِمَة كَلِمَة \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الِاسْتِئْذَان مِنْ طَرِيق أَبِي مَعْمَر عَنْ اِبْنِ مَسْعُود \" عَلَّمَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّشَهُّد وَكَفِّي بَيْن كَفَّيْهِ كَمَا يُعَلِّمنِي السُّورَة مِنْ الْقُرْآن \" وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" فَلْيَقُلْ \" عَلَى الْوُجُوب خِلَافًا لِمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ كَمَالِكٍ , وَأَجَابَ بَعْض الْمَالِكِيَّة بِأَنَّ التَّسْبِيح فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود مَنْدُوب , وَقَدْ وَقَعَ الْأَمْر بِهِ فِي قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَتْ ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّك الْعَظِيمِ ) \" اِجْعَلُوهَا فِي رُكُوعكُمْ \" الْحَدِيث فَكَذَلِكَ التَّشَهُّد , وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْأَمْر حَقِيقَته الْوُجُوب فَيُحْمَل عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا دَلَّ دَلِيل عَلَى خِلَافه , وَلَوْلَا الْإِجْمَاع عَلَى عَدَم وُجُوب التَّسْبِيح فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود لَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْوُجُوب. اِنْتَهَى. وَفِي دَعْوَى هَذَا الْإِجْمَاع نَظَر , فَإِنَّ أَحْمَد يَقُول بِوُجُوبِهِ وَيَقُول بِوُجُوبِ التَّشَهُّد الْأَوَّل أَيْضًا , وَرِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص الْمُتَقَدِّمَة وَغَيْرهَا تُقَوِّيه , وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا فِيهِ قَبْلُ بِبَابٍ , وَقَدْ جَاءَ عَنْ اِبْن مَسْعُود التَّصْرِيح بِفَرْضِيَّةِ التَّشَهُّد , وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْره بِإِسْنَادٍ صَحِيح مِنْ طَرِيق عَلْقَمَة عَنْ اِبْنِ مَسْعُود \" كُنَّا لَا نَدْرِي مَا نَقُول قَبْل أَنْ يُفْرَض عَلَيْنَا التَّشَهُّد \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( التَّحِيَّات ) ‏ ‏جَمْع تَحِيَّة وَمَعْنَاهَا السَّلَام وَقِيلَ الْبَقَاء وَقِيلَ الْعَظَمَة وَقِيلَ السَّلَامَة مِنْ الْآفَات وَالنَّقْص وَقِيلَ الْمَلِك. وَقَالَ أَبُو سَعِيد الضَّرِير : لَيْسَتْ التَّحِيَّة الْمَلِك نَفْسه لَكِنَّهَا الْكَلَام الَّذِي يُحَيَّا بِهِ الْمَلِك. وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : لَمْ يَكُنْ يُحَيَّا إِلَّا الْمَلِك خَاصَّة , وَكَانَ لِكُلِّ مَلِك تَحِيَّة تَخُصّهُ فَلِهَذَا جُمِعَتْ , فَكَانَ الْمَعْنَى التَّحِيَّات الَّتِي كَانُوا يُسَلِّمُونَ بِهَا عَلَى الْمُلُوك كُلّهَا مُسْتَحَقَّة لِلَّهِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ ثُمَّ الْبَغَوِيُّ : وَلَمْ يَكُنْ فِي تَحِيَّاتهمْ شَيْء يَصْلُح لِلثَّنَاءِ عَلَى اللَّه , فَلِهَذَا أُبْهِمَتْ أَلْفَاظهَا وَاسْتُعْمِلَ مِنْهَا مَعْنَى التَّعْظِيم فَقَالَ : قُولُوا التَّحِيَّات لِلَّهِ , أَيْ أَنْوَاع التَّعْظِيم لَهُ. وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَفْظ التَّحِيَّة مُشْتَرَكًا بَيْن الْمَعَانِي الْمُقَدَّم ذِكْرهَا , وَكَوْنهَا بِمَعْنَى السَّلَام أَنْسَب هُنَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَالصَّلَوَات ) ‏ ‏قِيلَ الْمُرَاد الْخَمْس , أَوْ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْفَرَائِض وَالنَّوَافِل فِي كُلّ شَرِيعَة وَقِيلَ الْمُرَاد الْعِبَادَات كُلّهَا , وَقِيلَ الدَّعَوَات , وَقِيلَ الْمُرَاد الرَّحْمَة , وَقِيلَ التَّحِيَّات الْعِبَادَات الْقَوْلِيَّة وَالصَّلَوَات الْعِبَادَات الْفِعْلِيَّة وَالطَّيِّبَات الصَّدَقَات. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَالطَّيِّبَات ) ‏ ‏أَيْ مَا طَابَ مِنْ الْكَلَام وَحَسُنَ أَنْ يُثْنَى بِهِ عَلَى اللَّه دُون مَا لَا يَلِيق بِصِفَاتِهِ مِمَّا كَانَ الْمُلُوك يُحَيُّونَ بِهِ , وَقِيلَ الطَّيِّبَات ذِكْر اللَّه , وَقِيلَ الْأَقْوَال الصَّالِحَة كَالدُّعَاءِ وَالثَّنَاء , وَقِيلَ الْأَعْمَال الصَّالِحَة وَهُوَ أَعَمّ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : إِذَا حُمِلَ التَّحِيَّة عَلَى السَّلَام فَيَكُون التَّقْدِير التَّحِيَّات الَّتِي تُعَظَّم بِهَا الْمُلُوك مُسْتَمِرَّة لِلَّهِ , وَإِذَا حُمِلَ عَلَى الْبَقَاء فَلَا شَكَّ فِي اِخْتِصَاص اللَّه بِهِ , وَكَذَلِكَ الْمُلْك الْحَقِيقِيّ وَالْعَظَمَة التَّامَّة , وَإِذَا حُمِلَتْ الصَّلَاة عَلَى الْعَهْد أَوْ الْجِنْس كَانَ التَّقْدِير أَنَّهَا لِلَّهِ وَاجِبَة لَا يَجُوز أَنْ يُقْصَد بِهَا غَيْره , وَإِذَا حُمِلَتْ عَلَى الرَّحْمَة فَيَكُون مَعْنَى قَوْلُهُ \" لِلَّهِ \" أَنَّهُ الْمُتَفَضِّل بِهَا لِأَنَّ الرَّحْمَة التَّامَّة لِلَّهِ يُؤْتِيهَا مَنْ يَشَاء. وَإِذَا حُمِلَتْ عَلَى الدُّعَاء فَظَاهِر , وَأَمَّا الطَّيِّبَات فَقَدْ فُسِّرَتْ بِالْأَقْوَالِ , وَلَعَلَّ تَفْسِيرهَا بِمَا هُوَ أَعَمّ أَوْلَى فَتَشْمَل الْأَفْعَال وَالْأَقْوَال وَالْأَوْصَاف , وَطِيبهَا كَوْنهَا كَامِلَة خَالِصَة عَنْ الشَّوَائِب. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَوْلُهُ \" لِلَّهِ \" فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْإِخْلَاص فِي الْعِبَادَة , أَيْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُفْعَل إِلَّا لِلَّهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ الِاعْتِرَاف بِأَنَّ مَلِك الْمُلُوك وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ كُلّه فِي الْحَقِيقَة لِلَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَالصَّلَوَات وَالطَّيِّبَات عَطْفًا عَلَى التَّحِيَّات , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الصَّلَوَات مُبْتَدَأ وَخَبَره مَحْذُوف وَالطَّيِّبَات مَعْطُوفَة عَلَيْهَا وَالْوَاو الْأُولَى لِعَطْفِ الْجُمْلَة عَلَى الْجُمْلَة , وَالثَّانِيَة لِعَطْفِ الْمُفْرَد عَلَى الْجُمْلَة. وَقَالَ اِبْن مَالِك : إِنْ جُعِلَتْ التَّحِيَّات مُبْتَدَأ وَلَمْ تَكُنْ صِفَة لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوف كَانَ قَوْلك وَالصَّلَوَات مُبْتَدَأ لِئَلَّا يُعْطَف نَعْت عَلَى مَنْعُوته فَيَكُون مِنْ بَاب عَطْف الْجُمَل بَعْضهَا عَلَى بَعْض , وَكُلّ جُمْلَة مُسْتَقِلَّة بِفَائِدَتِهَا , وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَد عِنْد إِسْقَاط الْوَاو. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ : يَجُوز فِيهِ وَفِيمَا بَعْده أَيْ السَّلَام حَذْف اللَّام وَإِثْبَاتهَا وَالْإِثْبَات أَفْضَل وَهُوَ الْمَوْجُود فِي رِوَايَات الصَّحِيحَيْنِ. قُلْتُ : لَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ طُرُق حَدِيث اِبْن مَسْعُود بِحَذْفِ اللَّام , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفَ ذَلِكَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ وَهُوَ مِنْ أَفْرَاد مُسْلِم , قَالَ الطِّيبِيُّ : أَصْل سَلَام عَلَيْك سَلَّمْت سَلَامًا عَلَيْك , ثُمَّ حُذِفَ الْفِعْل وَأُقِيمَ الْمَصْدَر مَقَامه , وَعُدِلَ عَنْ النَّصْب إِلَى الرَّفْع عَلَى الِابْتِدَاء لِلدَّلَالَةِ عَلَى ثُبُوت الْمَعْنَى وَاسْتِقْرَاره , ثُمَّ التَّعْرِيف إِمَّا لِلْعَهْدِ التَّقْدِيرِيّ , أَيْ ذَلِكَ السَّلَام الَّذِي وُجِّهَ إِلَى الرُّسُل وَالْأَنْبِيَاء عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ , وَكَذَلِكَ السَّلَام الَّذِي وُجِّهَ إِلَى الْأُمَم السَّالِفَة عَلَيْنَا وَعَلَى إِخْوَاننَا , وَإِمَّا لِلْجِنْسِ وَالْمَعْنَى أَنَّ حَقِيقَة السَّلَام الَّذِي يَعْرِفهُ كُلّ وَاحِد وَعَمَّنْ يَصْدُر وَعَلَى مَنْ يَنْزِل عَلَيْك وَعَلَيْنَا , وَيَجُوز أَنْ يَكُون لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيّ إِشَارَة إِلَى قَوْلُهُ تَعَالَى ( وَسَلَام عَلَى عِبَاده الَّذِينَ اِصْطَفَى ) قَالَ : وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ التَّقَادِير أَوْلَى مِنْ تَقْدِير النَّكِرَة. اِنْتَهَى. وَحَكَى صَاحِب الْإِقْلِيد عَنْ أَبِي حَامِد أَنَّ التَّنْكِير فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ , وَهُوَ وَجْه مِنْ وُجُوه التَّرْجِيح لَا يَقْصُر عَنْ الْوُجُوه الْمُتَقَدِّمَة. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : عَلَّمَهُمْ أَنْ يُفْرِدُوهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِ وَمَزِيد حَقّه عَلَيْهِمْ , ثُمَّ عَلَّمَهُمْ أَنْ يُخَصِّصُوا أَنْفُسهمْ أَوَّلًا لِأَنَّ الِاهْتِمَام بِهَا أَهَمّ , ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِتَعْمِيمِ السَّلَام عَلَى الصَّالِحِينَ إِعْلَامًا مِنْهُ بِأَنَّ الدُّعَاء لِلْمُؤْمِنِينَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون شَامِلًا لَهُمْ. وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : السَّلَام بِمَعْنَى السَّلَامَة كَالْمَقَامِ وَالْمَقَامَة , وَالسَّلَام مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى وُضِعَ الْمَصْدَر مَوْضِع الِاسْم مُبَالَغَة , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ سَالِم مِنْ كُلّ عَيْب وَآفَة وَنَقْص وَفَسَاد , وَمَعْنَى قَوْلنَا السَّلَام عَلَيْك الدُّعَاء أَيْ سَلِمْت مِنْ الْمَكَارِه , وَقِيلَ مَعْنَاهُ اِسْم السَّلَام عَلَيْك كَأَنَّهُ تَبَرَّكَ عَلَيْهِ بِاسْمِ اللَّه تَعَالَى. فَإِنْ قِيلَ كَيْف شُرِعَ هَذَا اللَّفْظ وَهُوَ خِطَاب بَشَر مَعَ كَوْنه مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي الصَّلَاة ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ قِيلَ مَا الْحِكْمَة فِي الْعُدُول عَنْ الْغَيْبَة إِلَى الْخِطَاب فِي قَوْلُهُ عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ مَعَ أَنَّ لَفْظ الْغَيْبَة هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه السِّيَاق كَأَنْ يَقُول السَّلَام عَلَى النَّبِيّ فَيَنْتَقِل مِنْ تَحِيَّة اللَّه إِلَى تَحِيَّة النَّبِيّ ثُمَّ إِلَى تَحِيَّة النَّفْس ثُمَّ إِلَى الصَّالِحِينَ , أَجَابَ الطِّيبِيُّ بِمَا مُحَصَّله : نَحْنُ نَتَّبِع لَفْظ الرَّسُول بِعَيْنِهِ الَّذِي كَانَ عَلَّمَهُ الصَّحَابَة. وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال عَلَى طَرِيق أَهْل الْعِرْفَان : إِنَّ الْمُصَلِّينَ لَمَّا اِسْتَفْتَحُوا بَاب الْمَلَكُوت بِالتَّحِيَّاتِ أُذِنَ لَهُمْ بِالدُّخُولِ فِي حَرِيم الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت فَقَرَّتْ أَعْيُنهمْ بِالْمُنَاجَاةِ فَنُبِّهُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ نَبِيّ الرَّحْمَة وَبَرَكَة مُتَابَعَته فَالْتَفَتُوا فَإِذَا الْحَبِيب فِي حَرَم الْحَبِيب حَاضِر فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ قَائِلِينَ : السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته ا ه. وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث اِبْن مَسْعُود هَذَا مَا يَقْتَضِي الْمُغَايَرَة بَيْن زَمَانه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُقَال بِلَفْظِ الْخِطَاب , وَأَمَّا بَعْده فَيُقَال بِلَفْظِ الْغَيْبَة , وَهُوَ مِمَّا يُخْدَش فِي وَجْه الِاحْتِمَال الْمَذْكُور , فَفِي الِاسْتِئْذَان مِنْ صَحِيح الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي مَعْمَر عَنْ اِبْنِ مَسْعُود بَعْد أَنْ سَاقَ حَدِيث التَّشَهُّد قَالَ \" وَهُوَ بَيْن ظَهْرَانِينَا , فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا السَّلَام \" يَعْنِي عَلَى النَّبِيّ , كَذَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه وَالسَّرَّاج وَالْجَوْزَقِيّ وَأَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُق مُتَعَدِّدَة إِلَى أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا السَّلَام عَلَى النَّبِيّ \" بِحَذْفِ لَفْظ يَعْنِي , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ , قَالَ السُّبْكِيُّ فِي شَرْح الْمِنْهَاج بَعْد أَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ عِنْد أَبِي عَوَانَة وَحْده : إِنْ صَحَّ هَذَا عَنْ الصَّحَابَة دَلَّ عَلَى أَنَّ الْخِطَاب فِي السَّلَام بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْر وَاجِب فَيُقَال السَّلَام عَلَى النَّبِيّ. قُلْتُ : قَدْ صَحَّ بِلَا رَيْب وَقَدْ وَجَدْت لَهُ مُتَابِعًا قَوِيًّا. قَالَ عَبْد الرَّزَّاق : \" أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاء أَنَّ الصَّحَابَة كَانُوا يَقُولُونَ وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيّ : السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ , فَلَمَّا مَاتَ قَالُوا : السَّلَام عَلَى النَّبِيّ \" وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح. وَأَمَّا مَا رَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق أَبِي عُبَيْدَة بْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُمْ التَّشَهُّد فَذَكَرَهُ قَالَ فَقَالَ اِبْن عَبَّاسٍ : إِنَّمَا كُنَّا نَقُول السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ إِذْ كَانَ حَيًّا , فَقَالَ اِبْن مَسْعُود : هَكَذَا عَلَّمَنَا وَهَكَذَا نُعَلِّمُ , فَظَاهِر أَنَّ اِبْن عَبَّاسٍ قَالَهُ بَحْثًا وَأَنَّ اِبْن مَسْعُود لَمْ يَرْجِع إِلَيْهِ , لَكِنَّ رِوَايَة أَبِي مَعْمَر أَصَحّ لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَة لَمْ يَسْمَع مِنْ أَبِيهِ وَالْإِسْنَاد إِلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ ضَعِيف , فَإِنْ قِيلَ لِمَ عَدَلَ عَنْ الْوَصْف بِالرِّسَالَةِ إِلَى الْوَصْف بِالنُّبُوَّةِ مَعَ أَنَّ الْوَصْف بِالرِّسَالَةِ أَعَمّ فِي حَقّ الْبَشَر ؟ أَجَابَ بَعْضهمْ بِأَنَّ الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنْ يَجْمَع لَهُ الْوَصْفَيْنِ لِكَوْنِهِ وَصَفَهُ بِالرِّسَالَةِ فِي آخِر التَّشَهُّد وَإِنْ كَانَ الرَّسُول الْبَشَرِيّ يَسْتَلْزِم النُّبُوَّة , لَكِنَّ التَّصْرِيح بِهِمَا أَبْلَغ. قِيلَ وَالْحِكْمَة فِي تَقْدِيم الْوَصْف بِالنُّبُوَّةِ أَنَّهَا كَذَا وُجِدَتْ فِي الْخَارِج لِنُزُولِ قَوْلُهُ تَعَالَى ( اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك ) قَبْل قَوْلُهُ ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَرَحْمَة اللَّه ) ‏ ‏أَيْ إِحْسَانه , ‏ ‏( وَبَرَكَاته ) ‏ ‏أَيْ زِيَادَته مِنْ كُلّ خَيْر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( السَّلَام عَلَيْنَا ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِسْتِحْبَاب الْبُدَاءَة بِالنَّفْسِ فِي الدُّعَاء وَفِي التِّرْمِذِيّ مُصَحَّحًا مِنْ حَدِيث أُبَيِّ بْن كَعْب \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ \" وَأَصْله فِي مُسْلِم , وَمِنْهُ قَوْل نُوح وَإِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا السَّلَام كَمَا فِي التَّنْزِيل. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ ) ‏ ‏الْأَشْهَر فِي تَفْسِير الصَّالِح أَنَّهُ الْقَائِم بِمَا يَجِب عَلَيْهِ مِنْ حُقُوق اللَّه وَحُقُوق عِبَاده وَتَتَفَاوَت دَرَجَاته , قَالَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْظَى بِهَذَا السَّلَام الَّذِي يُسَلِّمهُ الْخَلْق فِي الصَّلَاة فَلْيَكُنْ عَبْدًا صَالِحًا وَإِلَّا حُرِمَ هَذَا الْفَضْل الْعَظِيم. وَقَالَ الْفَاكِهَانِيّ : يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَسْتَحْضِر فِي هَذَا الْمَحَلّ جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة وَالْمُؤْمِنِينَ , يَعْنِي لِيَتَوَافَق لَفْظه مَعَ قَصْده. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا ) ‏ ‏أَيْ \" وَعَلَى عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ \" وَهُوَ كَلَام مُعْتَرِض بَيْن قَوْلُهُ الصَّالِحِينَ وَبَيْن قَوْلُهُ أَشْهَد إِلَخْ , وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ لِلِاهْتِمَامِ بِهَا لِكَوْنِهِ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدّ الْمَلَائِكَة وَاحِدًا وَاحِدًا وَلَا يُمْكِن اِسْتِيعَابهمْ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ , فَعَلَّمَهُمْ لَفْظًا يَشْمَل الْجَمِيع مَعَ غَيْر الْمَلَائِكَة مِنْ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَغَيْرهمْ بِغَيْرِ مَشَقَّة , وَهَذَا مِنْ جَوَامِع الْكَلِم الَّتِي أُوتِيَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِ اِبْن مَسْعُود \" وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَلَّمَ فَوَاتِح الْخَيْر وَخَوَاتِمه \" كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه سِيَاق التَّشَهُّد مُتَوَالِيًا وَتَأْخِير الْكَلَام الْمَذْكُور بَعْد , وَهُوَ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة , وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كُلّ عَبْد لِلَّهِ صَالِح ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْجَمْع الْمُضَاف وَالْجَمْع الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّام يَعُمّ , لِقَوْلِهِ أَوَّلًا عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ ثُمَّ قَالَ أَصَابَتْ كُلّ عَبْد صَالِح. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ جَمْع التَّكْسِير لِلْعُمُومِ , وَفِي هَذِهِ الْعِبَارَة نَظَر وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْعُمُومِ صِيغَة , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَهُوَ مَقْطُوع بِهِ عِنْدنَا فِي لِسَان الْعَرَب وَتَصَرُّفَات أَلْفَاظ الْكِتَاب وَالسُّنَّة , قَالَ : وَالِاسْتِدْلَال بِهَذَا فَرْد مِنْ أَفْرَاد لَا تُحْصَى , لَا لِلِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي السَّمَاء وَالْأَرْض ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسَدَّد عَنْ يَحْيَى \" أَوْ بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض \" وَالشَّكّ فِيهِ مِنْ مُسَدَّد , وَإِلَّا فَقَدْ رَوَاهُ غَيْره عَنْ يَحْيَى بِلَفْظِ \" مِنْ أَهْل السَّمَاء وَالْأَرْض \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) ‏ ‏زَادَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ رِوَايَة أَبِي عُبَيْدَة عَنْ أَبِيهِ \" وَحْده لَا شَرِيك لَهُ \" وَسَنَده ضَعِيف , لَكِنْ ثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى عِنْد مُسْلِم وَفِي حَدِيث عَائِشَة الْمَوْقُوف فِي الْمُوَطَّأ. وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ , إِلَّا أَنَّ سَنَده ضَعِيف. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر صَحِيح عَنْ اِبْنِ عُمَر فِي التَّشَهُّد \" أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" قَالَ اِبْن عُمَر : زِدْت فِيهَا \" وَحْده لَا شَرِيك لَهُ \" وَهَذَا ظَاهِره الْوَقْف. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله ) ‏ ‏لَمْ تَخْتَلِف الطُّرُق عَنْ اِبْنِ مَسْعُود فِي ذَلِكَ , وَكَذَا هُوَ فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى وَابْن عُمَر وَعَائِشَة الْمَذْكُور وَجَابِر وَابْن الزُّبَيْر عِنْد الطَّحَاوِيّ وَغَيْره \" وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء قَالَ \" بَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّم التَّشَهُّد إِذْ قَالَ رَجُل : وَأَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوله وَعَبْده , فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : لَقَدْ كُنْت عَبْدًا قَبْل أَنْ أَكُون رَسُولًا. قُلْ : عَبْده وَرَسُوله \" وَرِجَاله ثِقَات إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَل , وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ عِنْد مُسْلِم وَأَصْحَاب السُّنَن \" وَأَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه \" وَمِنْهُمْ مَنْ حَذَفَ \" وَأَشْهَد \" وَرَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ بِلَفْظِ اِبْن مَسْعُود , قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث اِبْن مَسْعُود رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْر وَجْه , وَهُوَ أَصَحّ حَدِيث رُوِيَ فِي التَّشَهُّد وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أَكْثَر أَهْل الْعِلْم مِنْ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدهمْ. قَالَ : وَذَهَبَ الشَّافِعِيّ إِلَى حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ فِي التَّشَهُّد , وَقَالَ الْبَزَّار لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَصَحّ حَدِيث فِي التَّشَهُّد قَالَ : هُوَ عِنْدِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود , وَرُوِيَ مِنْ نَيِّف وَعِشْرِينَ طَرِيقًا , ثُمَّ سَرَدَ أَكْثَرهَا وَقَالَ : لَا أَعْلَم فِي التَّشَهُّد أَثْبَت مِنْهُ وَلَا أَصَحّ أَسَانِيد وَلَا أَشْهَر رِجَالًا ا ه. وَلَا اِخْتِلَاف بَيْن أَهْل الْحَدِيث فِي ذَلِكَ , وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْح السُّنَّة , وَمِنْ رُجْحَانه أَنَّهُ مُتَّفَق عَلَيْهِ دُون غَيْره , وَأَنَّ الرُّوَاة عَنْهُ مِنْ الثِّقَات لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَلْفَاظه بِخِلَافِ غَيْره , وَأَنَّهُ تَلَقَّاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلْقِينًا فَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد بْن يَزِيد عَنْهُ قَالَ \" أَخَذْت التَّشَهُّد مِنْ فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَقَّنَنِيهِ كَلِمَة كَلِمَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَة أَبِي مَعْمَر عَنْهُ \" عَلَّمَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّشَهُّد وَكَفِّي بَيْن كَفَّيْهِ \" وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَة وَغَيْره مِنْ رِوَايَة جَامِع بْن أَبِي رَاشِد عَنْ أَبِي وَائِل عَنْهُ قَالَ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمنَا التَّشَهُّد كَمَا يُعَلِّمنَا السُّورَة مِنْ الْقُرْآن \" وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى هَذَا اللَّفْظ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيُّ وَسَاقَهُ بِلَفْظِ اِبْن مَسْعُود أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ , لَكِنْ هَذَا الْأَخِير ثَبَتَ مِثْله فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ عِنْد مُسْلِم وَرُجِّحَ أَيْضًا بِثُبُوتِ الْوَاو فِي الصَّلَوَات وَالطَّيِّبَات , وَهِيَ تَقْتَضِي الْمُغَايَرَة بَيْن الْمَعْطُوف وَالْمَعْطُوف عَلَيْهِ فَتَكُون كُلّ جُمْلَة ثَنَاء مُسْتَقِلًّا , بِخِلَافِ مَا إِذَا حُذِفَتْ فَإِنَّهَا تَكُون صِفَة لِمَا قَبْلهَا , وَتَعَدُّد الثَّنَاء فِي الْأَوَّل صَرِيح فَيَكُون أَوْلَى , وَلَوْ قِيلَ إِنَّ الْوَاو مُقَدَّرَة فِي الثَّانِي , وَرُجِّحَ بِأَنَّهُ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْر بِخِلَافِ غَيْره فَإِنَّهُ مُجَرَّد حِكَايَة. وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُ التَّشَهُّد وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمهُ النَّاس , وَلَمْ يُنْقَل ذَلِكَ لِغَيْرِهِ , فَفِيهِ دَلِيل عَلَى مَزِيَّته. وَقَالَ الشَّافِعِيّ بَعْد أَنْ أَخْرَجَ حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ : رَوَيْت أَحَادِيث فِي التَّشَهُّد مُخْتَلِفَة , وَكَانَ هَذَا أَحَبّ إِلَيَّ لِأَنَّهُ أَكْمَلهَا. وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر , وَقَدْ سُئِلَ عَنْ اِخْتِيَاره تَشَهُّد اِبْن عَبَّاسٍ : لَمَّا رَأَيْته وَاسِعًا وَسَمِعْته عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحًا كَانَ عِنْدِي أَجْمَع وَأَكْثَر لَفْظًا مِنْ غَيْره , وَأَخَذْت بِهِ غَيْر مُعَنِّف لِمَنْ يَأْخُذ بِغَيْرِهِ مِمَّا صَحَّ. وَرَجَّحَهُ بَعْضهمْ بِكَوْنِهِ مُنَاسِبًا لِلَفْظِ الْقُرْآن فِي قَوْلُهُ تَعَالَى ( تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ) وَأَمَّا مَنْ رَجَّحَهُ بِكَوْنِ اِبْن عَبَّاسٍ مِنْ أَحْدَاث الصَّحَابَة فَيَكُون أَضْبَط لِمَا رَوَى , أَوْ بِأَنَّهُ أَفْقَه مَنْ رَوَاهُ , أَوْ بِكَوْنِ إِسْنَاد حَدِيثه حِجَازِيًّا وَإِسْنَاد اِبْن مَسْعُود كُوفِيًّا وَهُوَ مِمَّا يُرَجَّح بِهِ فَلَا طَائِل فِيهِ لِمَنْ أَنْصَفَ , نَعَمْ يُمْكِن أَنْ يُقَال إِنَّ الزِّيَادَة الَّتِي فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ وَهِيَ \" الْمُبَارَكَات \" لَا تُنَافِي رِوَايَة اِبْن مَسْعُود , وَرُجِّحَ الْأَخْذ بِهَا لِكَوْنِ أَخْذه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي الْأَخِير , وَقَدْ اِخْتَارَ مَالِك وَأَصْحَابه تَشَهُّد عُمَر لِكَوْنِهِ عَلَّمَهُ لِلنَّاسِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر وَلَمْ يُنْكِرُوهُ فَيَكُون إِجْمَاعًا , وَلَفْظه نَحْو حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ \" الزَّاكِيَات \" بَدَل الْمُبَارَكَات وَكَأَنَّهُ بِالْمَعْنَى , لَكِنْ أَوْرَدَ عَلَى الشَّافِعِيّ زِيَادَة \" بِسْمِ اللَّه \" فِي أَوَّل التَّشَهُّد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُمَر الْمَذْكُورَة لَكِنْ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ لَا مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة الَّتِي أَخْرَجَهَا مَالِك أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَسَعِيد بْن مَنْصُور وَغَيْرهمَا وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مَعَ كَوْنه مَوْقُوفًا , وَثَبَتَ فِي الْمُوَطَّأ أَيْضًا عَنْ اِبْنِ عُمَر مَوْقُوفًا وَوَقَعَ أَيْضًا فِي حَدِيث جَابِر الْمَرْفُوع تَفَرَّدَ بِهِ أَيْمَن بْن نَابِل بِالنُّونِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَة عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْهُ , وَحَكَمَ الْحُفَّاظ - الْبُخَارِيّ وَغَيْره - عَلَى أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي إِسْنَاده وَأَنَّ الصَّوَاب رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر عَنْ طَاوُسٍ وَغَيْره عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي الْجُمْلَة لَمْ تَصِحّ هَذِهِ الزِّيَادَة. وَقَدْ تَرْجَمَ الْبَيْهَقِيُّ عَلَيْهَا \" مَنْ اِسْتَحَبَّ أَوْ أَبَاحَ التَّسْمِيَة قَبْل التَّحِيَّة \" وَهُوَ وَجْه لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّة وَضُعِّفَ , وَيَدُلّ عَلَى عَدَم اِعْتِبَارهَا أَنَّهُ ثَبَتَ فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى الْمَرْفُوع فِي التَّشَهُّد وَغَيْره \" فَإِذَا قَعَدَ أَحَدكُمْ فَلْيَكُنْ أَوَّل قَوْلُهُ التَّحِيَّات لِلَّهِ \" الْحَدِيث. كَذَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ بِسَنَدِهِ , وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق هَذِهِ , وَقَدْ أَنْكَرَ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاسٍ وَغَيْرهمَا عَلَى مَنْ زَادَهَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْره. ثُمَّ إِنَّ هَذَا الِاخْتِلَاف إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَفْضَل وَكَلَام الشَّافِعِيّ الْمُتَقَدِّم يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ , وَنَقَلَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء الِاتِّفَاق عَلَى جَوَاز التَّشَهُّد بِكُلِّ مَا ثَبَتَ , لَكِنَّ كَلَام الطَّحَاوِيّ يُشْعِر بِأَنَّ بَعْض الْعُلَمَاء يَقُول بِوُجُوبِ التَّشَهُّد الْمَرْوِيّ عَنْ عُمَر , وَذَهَبَ جَمَاعَة مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّة كَابْنِ الْمُنْذِرِ إِلَى اِخْتِيَار تَشَهُّد اِبْن مَسْعُود , وَذَهَبَ بَعْضهمْ كَابْنِ خُزَيْمَةَ إِلَى عَدَم التَّرْجِيح , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَنْ الْمَالِكِيَّة أَنَّ التَّشَهُّد مُطْلَقًا غَيْر وَاجِب , وَالْمَعْرُوف عِنْد الْحَنَفِيَّة أَنَّهُ وَاجِب لَا فَرْض , بِخِلَافِ مَا يُوجَد عَنْهُمْ فِي كُتُب مُخَالِفِيهِمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : هُوَ فَرْض , لَكِنْ قَالَ : لَوْ لَمْ يَزِدْ رَجُل عَلَى قَوْلُهُ \" التَّحِيَّات لِلَّهِ سَلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ إِلَخْ \" كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَمْ أَرَ عَلَيْهِ إِعَادَة , هَذَا لَفْظه فِي الْأُمّ. وَقَالَ صَاحِب الرَّوْضَة تَبَعًا لِأَصْلِهِ : وَأَمَّا أَقَلّ التَّشَهُّد فَنَصَّ الشَّافِعِيّ وَأَكْثَر الْأَصْحَاب إِلَى أَنَّهُ.. فَذَكَرَهُ , لَكِنَّهُ قَالَ \" وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه \" قَالَ : وَنَقَلَهُ اِبْن كَجّ وَالصَّيْدَلَانِيّ فَقَالَا \" وَأَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه \" لَكِنْ أَسْقَطَا \" وَبَرَكَاته \" ا ه. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ جَوَاز حَذْف \" الصَّلَوَات \" مَعَ ثُبُوتهَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات الصَّحِيحَة وَكَذَلِكَ \" الطَّيِّبَات \" مَعَ جَزْم جَمَاعَة مِنْ الشَّافِعِيَّة بِأَنَّ الْمُقْتَصَر عَلَيْهِ هُوَ الثَّابِت فِي جَمِيع الرِّوَايَات , وَمِنْهُمْ مَنْ وَجَّهَ الْحَذْف بِكَوْنِهِمَا صِفَتَيْنِ كَمَا هُوَ الظَّاهِر مِنْ سِيَاق اِبْن عَبَّاسٍ , لَكِنْ يُعَكِّر عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْبَحْث فِي ثُبُوت الْعَطْف فِيهِمَا فِي سِيَاق غَيْره وَهُوَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَة. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏قَالَ الْقَفَّال فِي فَتَاوِيه : تَرْك الصَّلَاة يَضُرّ بِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْمُصَلِّي يَقُول : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات , وَلَا بُدّ أَنْ يَقُول فِي التَّشَهُّد \" السَّلَام عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ \" فَيَكُون مُقَصِّرًا بِخِدْمَةِ اللَّه وَفِي حَقّ رَسُوله وَفِي حَقّ نَفْسه وَفِي حَقّ كَافَّة الْمُسْلِمِينَ , وَلِذَلِكَ عُظِّمَتْ الْمَعْصِيَة بِتَرْكِهَا. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ السُّبْكِيُّ أَنَّ فِي الصَّلَاة حَقًّا لِلْعِبَادِ مَعَ حَقّ اللَّه , وَأَنَّ مَنْ تَرَكَهَا أَخَلَّ بِحَقِّ جَمِيع الْمُؤْمِنِينَ مَنْ مَضَى وَمَنْ يَجِيء إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لِوُجُوبِ قَوْله فِيهَا \" السَّلَام عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏ذَكَرَ خَلَف فِي الْأَطْرَاف أَنَّ فِي بَعْض النُّسَخ مِنْ صَحِيح الْبُخَارِيّ عَقِبَ حَدِيث الْبَاب فِي التَّشَهُّد عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ \" حَدَّثَنَا قَبِيصَة حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش وَمَنْصُور وَحَمَّاد عَنْ أَبِي وَائِل \" وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجه فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ الْأَعْمَش بِهِ. وَمِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ سُفْيَان بِهِ , ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ يُوسُف بْن سُلَيْمَان وَقَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ فِيمَا أَرَى ا ه. وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَاف , وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات الَّتِي اِتَّصَلَتْ لَنَا هُنَا لَا عَنْ قَبِيصَة وَلَا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ سَيْف , نَعَمْ هُوَ فِي الِاسْتِئْذَان عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ. بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "789",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ ‏ ‏الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ‏ ‏وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ ‏ ‏وَالْمَغْرَمِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنْ ‏ ‏الْمَغْرَمِ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا ‏ ‏غَرِمَ ‏ ‏حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ ‏ ‏الدَّجَّالِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ عَذَاب الْقَبْر ) ‏ ‏فِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الْجَنَائِز إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ فِتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال ) ‏ ‏قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْفِتْنَة الِامْتِحَان وَالِاخْتِبَار , قَالَ عِيَاض : وَاسْتِعْمَالهَا فِي الْعُرْف لِكَشْفِ مَا يُكْرَه ا ه. وَتُطْلَق عَلَى الْقَتْل وَالْإِحْرَاق وَالنَّمِيمَة وَغَيْر ذَلِكَ. وَالْمَسِيح بِفَتْحِ الْمِيم وَتَخْفِيف الْمُهْمَلَة الْمَكْسُورَة وَآخِره حَاء مُهْمَلَة يُطْلَق عَلَى الدَّجَّال وَعَلَى عِيسَى ابْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام , لَكِنْ إِذَا أُرِيدَ الدَّجَّال قُيِّدَ بِهِ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَن : الْمَسِيح مُثَقَّل الدَّجَّال وَمُخَفَّف عِيسَى , وَالْمَشْهُور الْأَوَّل. وَأَمَّا مَا نَقَلَ الْفَرَبْرِيّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحْده عَنْهُ عَنْ خَلَف بْن عَامِر وَهُوَ الْهَمْدَانِيُّ أَحَد الْحُفَّاظ أَنَّ الْمَسِيح بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف وَاحِد يُقَال لِلدَّجَّالِ وَيُقَال لِعِيسَى وَأَنَّهُ لَا فَرْق بَيْنهمَا بِمَعْنَى لَا اِخْتِصَاص لِأَحَدِهِمَا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَهُوَ رَأْي ثَالِث. وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : مَنْ قَالَهُ بِالتَّخْفِيفِ فَلِمَسْحِهِ الْأَرْض , وَمَنْ قَالَهُ بِالتَّشْدِيدِ فَلِكَوْنِهِ مَمْسُوح الْعَيْن. وَحَكَى بَعْضهمْ أَنَّهُ قَالَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة فِي الدَّجَّال وَنُسِبَ قَائِله إِلَى التَّصْحِيف. وَاخْتُلِفَ فِي تَلْقِيب الدَّجَّال بِذَلِكَ , فَقِيلَ : لِأَنَّهُ مَمْسُوح الْعَيْن , وَقِيلَ لِأَنَّ أَحَد شِقَّيْ وَجْهه خُلِقَ مَمْسُوحًا لَا عَيْن فِيهِ وَلَا حَاجِب , وَقِيلَ لِأَنَّهُ يَمْسَح الْأَرْض إِذَا خَرَجَ. وَأَمَّا عِيسَى فَقِيلَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْن أُمّه مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ , وَقِيلَ لِأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ , وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَح ذَا عَاهَة إِلَّا بَرِئَ , وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ يَمْسَح الْأَرْض بِسِيَاحَتِهِ , وَقِيلَ لِأَنَّ رِجْله كَانَتْ لَا أَخَمْص لَهَا , وَقِيلَ لِلُبْسِهِ الْمُسُوح , وَقِيلَ هُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ ماشيخا فَعُرِّبَ الْمَسِيح , وَقِيلَ الْمَسِيح الصِّدِّيق كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِير ذِكْر قَائِله إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَذَكَرَ شَيْخنَا الشَّيْخ مَجْد الدِّين الشِّيرَازِيّ صَاحِب الْقَامُوس أَنَّهُ جَمَعَ فِي سَبَب تَسْمِيَة عِيسَى بِذَلِكَ خَمْسِينَ قَوْلًا أَوْرَدَهَا فِي شَرْح الْمَشَارِق. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِتْنَة الْمَحْيَا وَفِتْنَة الْمَمَات ) ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِتْنَة الْمَحْيَا مَا يَعْرِض لِلْإِنْسَانِ مُدَّة حَيَاته مِنْ الِافْتِتَان بِالدُّنْيَا وَالشَّهَوَات وَالْجَهَالَات , وَأَعْظَمهَا وَالْعِيَاذ بِاَللَّهِ أَمْر الْخَاتِمَة عِنْد الْمَوْت. وَفِتْنَة الْمَمَات يَجُوز أَنْ يُرَاد بِهَا الْفِتْنَة عِنْد الْمَوْت أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ , وَيَكُون الْمُرَاد بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا عَلَى هَذَا مَا قَبْل ذَلِكَ , وَيَجُوز أَنْ يُرَاد بِهَا فِتْنَة الْقَبْر , وَقَدْ صَحَّ يَعْنِي فِي حَدِيث أَسْمَاء الْآتِي فِي الْجَنَائِز \" إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُوركُمْ مِثْل أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَة الدَّجَّال \" وَلَا يَكُون مَعَ هَذَا الْوَجْه مُتَكَرِّرًا مَعَ قَوْلُهُ \" عَذَاب الْقَبْر \" لِأَنَّ الْعَذَاب مُرَتَّب عَنْ الْفِتْنَة وَالسَّبَب غَيْر الْمُسَبَّب. وَقِيلَ أَرَادَ بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا الِابْتِلَاء مَعَ زَوَال الصَّبْر , وَبِفِتْنَةِ الْمَمَات السُّؤَال فِي الْقَبْر مَعَ الْحِيرَة , وَهَذَا مِنْ الْعَامّ بَعْد الْخَاصّ , لِأَنَّ عَذَاب الْقَبْر دَاخِل تَحْت فِتْنَة الْمَمَات , وَفِتْنَة الدَّجَّال دَاخِلَة تَحْت فِتْنَة الْمَحْيَا. وَأَخْرَجَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِر الْأُصُول عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ أَنَّ الْمَيِّت إِذَا سُئِلَ \" مَنْ رَبّك \" تَرَاءَى لَهُ الشَّيْطَان فَيُشِير إِلَى نَفْسه إِنِّي أَنَا رَبّك , فَلِهَذَا وَرَدَ سُؤَال التَّثَبُّت لَهُ حِين يُسْأَل. ثُمَّ أَخْرَجَ بِسَنَدٍ جَيِّد إِلَى عَمْرو بْن مُرَّة \" كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِذَا وُضِعَ الْمَيِّت فِي الْقَبْر أَنْ يَقُولُوا : اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ الشَّيْطَان \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَالْمَغْرَم ) ‏ ‏أَيْ الدَّيْن , يُقَال غَرِمَ بِكَسْرِ الرَّاء أَيْ اِدَّانَ. قِيلَ وَالْمُرَاد بِهِ مَا يُسْتَدَان فِيمَا لَا يَجُوز وَفِيمَا يَجُوز ثُمَّ يَعْجِز عَنْ أَدَائِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ اِسْتَعَاذَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَلَبَة الدَّيْن. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْمَغْرَم الْغُرْم , وَقَدْ نَبَّهَ فِي الْحَدِيث عَلَى الضَّرَر اللَّاحِق مِنْ الْمَغْرَم , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَ لَهُ قَائِل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , ثُمَّ وَجَدْت فِي رِوَايَة لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ السَّائِل عَنْ ذَلِكَ عَائِشَة وَلَفْظهَا \" فَقُلْتُ : يَا رَسُول اللَّه مَا أَكْثَر مَا تَسْتَعِيذ إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَا أَكْثَر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء عَلَى التَّعَجُّب. و ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا غَرِمَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ \" وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ \" وَالْمُرَاد أَنَّ ذَلِكَ شَأْن مِنْ يَسْتَدِين غَالِبًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَعَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏الظَّاهِر أَنَّهُ مَعْطُوف عَلَى الْإِسْنَاد الْمَذْكُور , فَكَأَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَ بِهِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا , لَكِنْ لَمْ أَرَهُ فِي شَيْء مِنْ الْمَسَانِيد وَالْمُسْتَخْرَجَات مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْهُ إِلَّا مُطَوَّلًا وَرَأَيْته بِاللَّفْظِ الْمُخْتَصَر الْمَذْكُور سَنَدًا وَمَتْنًا عِنْد الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الْفِتَن مِنْ طَرِيق صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق صَالِح. وَقَدْ اِسْتُشْكِلَ دُعَاؤُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا ذُكِرَ مَعَ أَنَّهُ مَعْصُوم مَغْفُور لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ , وَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ , ‏ ‏أَحَدهَا : أَنَّهُ قَصَدَ التَّعْلِيم لِأُمَّتِهِ. ‏ ‏ثَانِيهَا : أَنَّ الْمُرَاد السُّؤَال مِنْهُ لِأُمَّتِهِ فَيَكُون الْمَعْنَى هُنَا أَعُوذ بِك لِأُمَّتِي. ‏ ‏ثَالِثهَا : سُلُوك طَرِيق التَّوَاضُع وَإِظْهَار الْعُبُودِيَّة وَإِلْزَام خَوْف اللَّه وَإِعْظَامه وَالِافْتِقَار إِلَيْهِ وَامْتِثَال أَمْره فِي الرَّغْبَة إِلَيْهِ , وَلَا يَمْتَنِع تَكْرَار الطَّلَب مَعَ تَحَقُّق الْإِجَابَة لِأَنَّ ذَلِكَ يُحَصِّل الْحَسَنَات وَيَرْفَع الدَّرَجَات , وَفِيهِ تَحْرِيض لِأُمَّتِهِ عَلَى مُلَازَمَة ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَ تَحَقُّق الْمَغْفِرَة لَا يَتْرُك التَّضَرُّع فَمَنْ لَمْ يَتَحَقَّق ذَلِكَ أَحْرَى بِالْمُلَازَمَةِ. وَأَمَّا الِاسْتِعَاذَة مِنْ فِتْنَة الدَّجَّال مَعَ تَحَقُّقه أَنَّهُ لَا يُدْرِكهُ فَلَا إِشْكَال فِيهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ , وَقِيلَ عَلَى الثَّالِث : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَبْل تَحَقُّق عَدَم إِدْرَاكه , وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيث الْآخَر عِنْد مُسْلِم \" إِنْ يَخْرُج وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجه \" الْحَدِيث , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "790",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي قَالَ قُلْ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي الْخَيْر ) ‏ ‏هُوَ الْيَزَنِيّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالزَّاي الْمَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ نُون , وَالْإِسْنَاد كُلّه سِوَى طَرَفَيْهِ مِصْرِيُّونَ , وَفِيهِ تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ وَهُوَ يَزِيد عَنْ أَبِي الْخَيْر , وَصَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , هَذِهِ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ يَزِيد وَمُقْتَضَاهَا أَنَّ الْحَدِيث مِنْ مُسْنَد الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَأَوْضَح مِنْ ذَلِكَ رِوَايَة أَبِي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيِّ عَنْ اللَّيْث فَإِنَّ لَفْظه عَنْ أَبِي بَكْر قَالَ \" قُلْتُ يَا رَسُول اللَّه \" أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ طَرِيقه. وَخَالَفَ عَمْرُو بْن الْحَارِث اللَّيْثَ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَد عَبْد اللَّه اِبْن عَمْرو وَلَفْظه \" عَنْ أَبِي الْخَيْر أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو يَقُول : إِنَّ أَبَا بَكْر قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" هَكَذَا رَوَاهُ اِبْن وَهْب عَنْ عَمْرو , وَلَا يَقْدَح هَذَا الِاخْتِلَاف فِي صِحَّة الْحَدِيث. وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّف طَرِيق عَمْرو مُعَلَّقَة فِي الدَّعَوَات وَمَوْصُولَة فِي التَّوْحِيد , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ مُسْلِم الطَّرِيقَيْنِ طَرِيق اللَّيْث وَطَرِيق اِبْن وَهْب وَزَادَ مَعَ عَمْرو بْن الْحَارِث رَجُلًا مُبْهَمًا , وَبَيَّنَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَته أَنَّهُ اِبْن لَهِيعَةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ظَلَمْت نَفْسِي ) ‏ ‏أَيْ بِمُلَابَسَةِ مَا يَسْتَوْجِب الْعُقُوبَة أَوْ يُنْقِص الْحَظّ. وَفِيهِ أَنَّ الْإِنْسَان لَا يَعْرَى عَنْ تَقْصِير وَلَوْ كَانَ صِدِّيقًا : ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَا يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا أَنْتَ ) ‏ ‏فِيهِ إِقْرَار بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَاسْتِجْلَاب لِلْمَغْفِرَةِ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) الْآيَة , فَأَثْنَى عَلَى الْمُسْتَغْفِرِينَ وَفِي ضِمْن ثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفَارِ لَوَّحَ بِالْأَمْرِ بِهِ كَمَا قِيلَ : إِنَّ كُلّ شَيْء أَثْنَى اللَّه عَلَى فَاعِله فَهُوَ آمِر بِهِ , وَكُلّ شَيْء ذَمّ فَاعِله فَهُوَ نَاهٍ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَغْفِرَة مِنْ عِنْدك ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : دَلَّ التَّنْكِير عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوب غُفْرَان عَظِيم لَا يُدْرَك كُنْهُهُ , وَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مِنْ عِنْده سُبْحَانه وَتَعَالَى مُرِيدًا لِذَلِكَ الْعِظَم لِأَنَّ الَّذِي يَكُون مِنْ عِنْد اللَّه لَا يُحِيط بِهِ وَصْف. ‏ ‏وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ , أَحَدهمَا الْإِشَارَة إِلَى التَّوْحِيد الْمَذْكُور كَأَنَّهُ قَالَ لَا يَفْعَل هَذَا إِلَّا أَنْتَ فَافْعَلْهُ لِي أَنْتَ , وَالثَّانِي - وَهُوَ أَحْسَن - أَنَّهُ إِشَارَة إِلَى طَلَب مَغْفِرَة مُتَفَضَّل بِهَا لَا يَقْتَضِيهَا سَبَب مِنْ الْعَبْد مِنْ عَمَل حَسَن وَلَا غَيْره. اِنْتَهَى. وَبِهَذَا الثَّانِي جَزَمَ اِبْن الْجَوْزِيّ فَقَالَ : الْمَعْنَى هَبْ لِي الْمَغْفِرَة تَفَضُّلًا وَإِنْ لَمْ أَكُنْ لَهَا أَهْلًا بِعَمَلِي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّك أَنْتَ الْغَفُور الرَّحِيم ) ‏ ‏هُمَا صِفَتَانِ ذُكِرَتَا خَتْمًا لِلْكَلَامِ عَلَى جِهَة الْمُقَابَلَة لِمَا تَقَدَّمَ , فَالْغَفُور مُقَابِل لِقَوْلِهِ اِغْفِرْ لِي , وَالرَّحِيم مُقَابِل لِقَوْلِهِ اِرْحَمْنِي , وَهِيَ مُقَابَلَة مُرَتَّبَة. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا اِسْتِحْبَاب طَلَب التَّعْلِيم مِنْ الْعَالِم , خُصُوصًا فِي الدَّعَوَات الْمَطْلُوب فَهَا جَوَامِع الْكَلِم. وَلَمْ يُصَرِّح فِي الْحَدِيث بِتَعْيِينِ مَحَلّه. وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَام اِبْن دَقِيق الْعِيد فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِل الْبَاب الَّذِي قَبْله , قَالَ : وَلَعَلَّهُ تَرَجَّحَ كَوْنه فِيمَا بَعْد التَّشَهُّد لِظُهُورِ الْعِنَايَة بِتَعْلِيمِ دُعَاء مَخْصُوص فِي هَذَا الْمَحَلّ. وَنَازَعَهُ الْفَاكِهَانِيّ فَقَالَ : الْأَوْلَى الْجَمْع بَيْنهمَا فِي الْمَحَلَّيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ , أَيْ السُّجُود وَالتَّشَهُّد. وَقَالَ النَّوَوِيّ : اِسْتِدْلَال الْبُخَارِيّ صَحِيح , لِأَنَّ قَوْلُهُ \" فِي صَلَاتِي \" يَعُمّ جَمِيعهَا , وَمِنْ مَظَانّه هَذَا الْمَوْطِن. قُلْتُ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سُؤَال أَبِي بَكْر عَنْ ذَلِكَ كَانَ عِنْد قَوْلُهُ لَمَّا عَلَّمَهُمْ التَّشَهُّد \" ثُمَّ لْيَتَخَيَّر مِنْ الدُّعَاء مَا شَاءَ \" وَمِنْ ثَمَّ أَعْقَبَ الْمُصَنِّف التَّرْجَمَة بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "791",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاء أَعْجَبهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" فَيَدْعُو بِهِ \" وَنَحْوه النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظِ \" فَلْيَدْعُ بِهِ \" وَلِإِسْحَاقَ عَنْ عِيسَى عَنْ الْأَعْمَش \" ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاء مَا أَحَبَّ \" وَفِي رِوَايَة مَنْصُور عَنْ أَبِي وَائِل عِنْد الْمُصَنِّف فِي الدَّعَوَات \" ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنْ الثَّنَاء مَا شَاءَ \" وَنَحْوه لِمُسْلِمٍ بِلَفْظِ \" مِنْ الْمَسْأَلَة \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الدُّعَاء فِي الصَّلَاة بِمَا اِخْتَارَ الْمُصَلِّي مِنْ أَمْر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , قَالَ اِبْن بَطَّال : خَالَفَ فِي ذَلِكَ النَّخَعِيُّ وَطَاوُسٌ وَأَبُو حَنِيفَة فَقَالُوا : لَا يَدْعُو فِي الصَّلَاة إِلَّا بِمَا يُوجَد فِي الْقُرْآن , كَذَا أَطْلَقَ هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَة , وَالْمَعْرُوف فِي كُتُب الْحَنَفِيَّة أَنَّهُ لَا يَدْعُو فِي الصَّلَاة إِلَّا بِمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن أَوْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيث , وَعِبَارَة بَعْضهمْ : مَا كَانَ مَأْثُورًا , قَالَ قَائِلهمْ : وَالْمَأْثُور أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون مَرْفُوعًا أَوْ غَيْر مَرْفُوع , لَكِنَّ ظَاهِر حَدِيث الْبَاب يَرُدّ عَلَيْهِمْ , وَكُلًّا يَرُدّ عَلَى قَوْل اِبْن سِيرِينَ : لَا يَدْعُو فِي الصَّلَاة إِلَّا بِأَمْرِ الْآخِرَة , وَاسْتَثْنَى بَعْض الشَّافِعِيَّة مَا يُقَبَّح فِي أَمْر الدُّنْيَا , فَإِنْ أَرَادَ الْفَاحِش مِنْ اللَّفْظ فَمُحْتَمَل , وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّ الدُّعَاء بِالْأُمُورِ الْمُحَرَّمَة مُطْلَقًا لَا يَجُوز , وَقَدْ وَرَدَ فِيمَا يُقَال بَعْد التَّشَهُّد أَخْبَار مِنْ أَحْسَنهَا مَا رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور وَأَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عُمَيْر بْن سَعْد قَالَ \" كَانَ عَبْد اللَّه - يَعْنِي اِبْن مَسْعُود - يُعَلِّمنَا التَّشَهُّد فِي الصَّلَاة ثُمَّ يَقُول : إِذَا فَرَغَ أَحَدكُمْ مِنْ التَّشَهُّد فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك مِنْ الْخَيْر كُلّه مَا عَلِمْت مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَم , وَأَعُوذ بِك مِنْ الشَّرّ كُلّه مَا عَلِمْت مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَم. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك مِنْ خَيْر مَا سَأَلَك مِنْهُ عِبَادك الصَّالِحُونَ , وَأَعُوذ بِك مِنْ شَرّ مَا اِسْتَعَاذَك مِنْهُ عِبَادُك الصَّالِحُونَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً \" الْآيَة. قَالَ وَيَقُول : لَمْ يَدْعُ نَبِيّ وَلَا صَالِح بِشَيْءٍ إِلَّا دَخَلَ فِي هَذَا الدُّعَاء. وَهَذَا مِنْ الْمَأْثُور غَيْر مَرْفُوع , وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا وَرَدَ فِي الْقُرْآن. وَقَدْ اِسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيُّ بِالْحَدِيثِ الْمُتَّفَق عَلَيْهِ \" ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاء أَعْجَبهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو بِهِ \" وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" إِذَا فَرَغَ أَحَدكُمْ مِنْ التَّشَهُّد فَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ \" الْحَدِيث. وَفِي آخِره \" ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا بَدَا لَهُ \" هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ , وَأَصْل الْحَدِيث فِي مُسْلِم , وَهَذِهِ الزِّيَادَة صَحِيحَة لِأَنَّهَا مِنْ الطَّرِيق الَّتِي أَخْرَجَهَا مُسْلِم. ‏"
    },
    {
        "id": "792",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى رَأَيْت أَثَر الطِّين ) ‏ ‏هُوَ مَحْمُول عَلَى أَثَر خَفِيف لَا يَمْنَع مُبَاشَرَة الْجَبْهَة لِلسُّجُودِ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى فَوَائِده فِي كِتَاب الصِّيَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "793",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَأُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ ‏ ‏يَنْفُذَ ‏ ‏النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنْ انْصَرَفَ مِنْ الْقَوْمِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "794",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ ‏",
        "sharh": "قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث عِتْبَان مُطَوَّلًا فِي أَوَائِل الصَّلَاة , وَأَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا جِدًّا. وَفِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه أَتَمّ مِنْهُ , وَكِلَاهُمَا مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏"
    },
    {
        "id": "795",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏وَزَعَمَ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَقَلَ ‏ ‏مَجَّةً ‏ ‏مَجَّهَا مِنْ دَلْوٍ كَانَ فِي دَارِهِمْ قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏أَحَدَ ‏ ‏بَنِي سَالِمٍ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي ‏ ‏بَنِي سَالِمٍ ‏ ‏فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ إِنِّي ‏ ‏أَنْكَرْتُ ‏ ‏بَصَرِي وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي فَلَوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا حَتَّى أَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا فَقَالَ ‏ ‏أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مَعَهُ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَزَعَمَ ) ‏ ‏الزَّعْم يُطْلَق عَلَى الْقَوْل الْمُحَقَّق وَعَلَى الْقَوْل الْمَشْكُوك فِيهِ وَعَلَى الْكَذِب , وَيَنْزِل فِي كُلّ مَوْضِع عَلَى مَا يَلِيق بِهِ , وَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِهِ هُنَا الْأَوَّل , لِأَنَّ مَحْمُود بْن الرَّبِيع مُوَثَّق عِنْد الزُّهْرِيِّ , فَقَوْلُهُ عِنْده مَقْبُول. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ دَلْو كَانَتْ فِي دَارهمْ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : كَانَتْ صِفَة لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أَيْ مِنْ بِئْر كَانَتْ فِي دَارهمْ , وَلَفْظ الدَّلْو يَدُلّ عَلَيْهِ. وَقَالَ غَيْره : بَلْ الدَّلْو يُذَكَّر وَيُؤَنَّث فَلَا يَحْتَاج إِلَى تَقْدِير. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( سَمِعْت عِتْبَان بْن مَالِك الْأَنْصَارِيّ ثُمَّ أَحَد بَنِي سَالِم ) ‏ ‏بِنَصْبِ أَحَد عَطْفًا عَلَى قَوْلُهُ الْأَنْصَارِيّ , وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلُهُ الْأَنْصَارِيّ ثُمَّ السَّالِمِيّ , هَذَا الَّذِي يَكَاد مَنْ لَهُ أَدْنَى مُمَارَسَة بِمَعْرِفَةِ الرِّجَال أَنْ يَقْطَع بِهِ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَطْفًا عَلَى عِتْبَان يَعْنِي سَمِعْت عِتْبَان ثُمَّ سَمِعْت أَحَد بَنِي سَالِم أَيْضًا , قَالَ : وَالْمُرَاد بِهِ فِيمَا يَظْهَر الْحُصَيْن بْن مُحَمَّد , فَكَأَنَّ مَحْمُودًا سَمِعَ مِنْ عِتْبَان , وَمِنْ الْحُصَيْنِ. قَالَ : وَهُوَ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْمَسَاجِد فِي الْبُيُوت \" أَنَّ الزُّهْرِيَّ هُوَ الَّذِي سَمِعَ مَحْمُودًا وَالْحُصَيْن , قَالَ : وَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا لِاحْتِمَالِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ وَمَحْمُودًا سَمِعَا جَمِيعًا مِنْ الْحُصَيْن , قَالَ : وَلَوْ رُوِيَ بِرَفْعِ أَحَد بِأَنْ يَكُون عَطْفًا عَلَى مَحْمُود لَسَاغَ وَوَافَقَ الرِّوَايَة الْأُولَى , يَعْنِي فَيَصِير التَّقْدِير : قَالَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي مَحْمُود بْن الرَّبِيع ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَحَد بَنِي سَالِم أَيْ الْحُصَيْن. اِنْتَهَى. وَكَأَنَّ الْحَامِل لَهُ عَلَى ذَلِكَ كُلّه قَوْل الزُّهْرِيِّ فِي الرِّوَايَة السَّابِقَة \" ثُمَّ سَأَلْت الْحُصَيْن بْن مُحَمَّد الْأَنْصَارِيّ وَهُوَ أَحَد بَنِي سَالِم \" فَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ ثُمَّ أَحَد بَنِي سَالِم هُنَا هُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ أَحَد بَنِي سَالِم هُنَاكَ , وَلَا حَاجَة لِذَلِكَ , فَإِنَّ عِتْبَان مِنْ بَنِي سَالِم أَيْضًا , وَهُوَ عِتْبَان بْن مَالِك بْنِ عَمْرو بْن الْعَجْلَان بْن زِيَاد بْن غُنْم بْن سَالِم بْن عَوْف , وَقِيلَ فِي نَسَبه غَيْر ذَلِكَ مَعَ الِاتِّفَاق عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَنِي سَالِم , وَالْأَصْل عَدَم التَّقْدِير فِي إِدْخَال أَخْبَرَنِي بَيْن ثُمَّ وَأَحَد , وَعَلَى الِاحْتِمَال الَّذِي ذَكَرَهُ إِشْكَال آخَر لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُون الْحُصَيْن بْن مُحَمَّد هُوَ صَاحِب الْقِصَّة الْمَذْكُورَة , أَوْ أَنَّهَا تَعَدَّدَتْ لَهُ وَلِعِتْبَانَ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْحُصَيْن الْمَذْكُور لَا صُحْبَة لَهُ , بَلْ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ أَبَاهُ فِي الصَّحَابَة. وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن أَبِي حَاتِم الْحُصَيْن بْنَ مُحَمَّد فِي الْجَرْح وَالتَّعْدِيل وَلَمْ يَذْكُر لَهُ شَيْخًا غَيْر عِتْبَان بْن مَالِك , وَنُقِلَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رِوَايَته عَنْهُ مُرْسَلَة , وَلَمْ يَذْكُر أَحَد مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الرِّجَال لِمَحْمُودِ بْن الرَّبِيع رِوَايَة عَنْ الْحُصَيْن , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَوَدِدْت ) ‏ ‏أَيْ فَوَاَللَّهِ لَوَدِدْت. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اِشْتَدَّ النَّهَار ) ‏ ‏أَيْ اِرْتَفَعَتْ الشَّمْس. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ الْمَكَان الَّذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّي فِيهِ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ فَاعِل أَشَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ , قَالَ : وَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَالَ فَأَشَرْت لَهُ إِلَى الْمَكَان , لَا مَكَان وُقُوع الْإِشَارَتَيْنِ مِنْهُ وَمِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَّا مَعًا وَإِمَّا سَابِقًا وَلَاحِقًا. قُلْتُ : وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ فَاعِل أَشَارَ هُوَ عِتْبَان , لَكِنَّ فِيهِ اِلْتِفَات , إِذْ ظَاهِر السِّيَاق أَنْ يَقُول : فَأَشَرْت إِلَخْ , وَبِهَذَا تَتَوَافَق الرِّوَايَات , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "796",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا مَعْبَدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار الْمَكِّيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَانَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ مِثْل هَذَا عِنْد الْبُخَارِيّ يُحْكَم لَهُ بِالرَّفْعِ خِلَافًا لِمَنْ شَذَّ وَمَنَعَ ذَلِكَ , وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِم وَالْجُمْهُور عَلَى ذَلِكَ , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز الْجَهْر بِالذِّكْرِ عَقِب الصَّلَاة قَالَ الطَّبَرِيُّ : فِيهِ الْإِبَانَة عَنْ صِحَّة مَا كَانَ يَفْعَلهُ بَعْض الْأُمَرَاء مِنْ التَّكْبِير عَقِبَ الصَّلَاة , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن بَطَّال بِأَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَى ذَلِكَ عَنْ أَحَد مِنْ السَّلَف إِلَّا مَا حَكَاهُ اِبْن حَبِيب فِي \" الْوَاضِحَة \" أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّكْبِير فِي الْعَسَاكِر عَقِبَ الصُّبْح وَالْعِشَاء تَكْبِيرًا عَالِيًا ثَلَاثًا , قَالَ : وَهُوَ قَدِيم مِنْ شَأْن النَّاس. ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : وَفِي \" الْعُتْبِيَّة \" عَنْ مَالِك أَنَّ ذَلِكَ مُحْدَث. قَالَ : وَفِي السِّيَاق إِشْعَار بِأَنَّ الصَّحَابَة لَمْ يَكُونُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتهمْ بِالذِّكْرِ فِي الْوَقْت الَّذِي قَالَ فِيهِ اِبْن عَبَّاسٍ مَا قَالَ. قُلْتُ : فِي التَّقْيِيد بِالصَّحَابَةِ نَظَر , بَلْ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مِنْ الصَّحَابَة إِلَّا الْقَلِيل , وَقَالَ النَّوَوِيّ : حَمَلَ الشَّافِعِيّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُمْ جَهَرُوا بِهِ وَقْتًا يَسِيرًا لِأَجْلِ تَعْلِيم صِفَة الذِّكْر , لَا أَنَّهُمْ دَاوَمُوا عَلَى الْجَهْر بِهِ , وَالْمُخْتَار أَنَّ الْإِمَام وَالْمَأْمُوم يُخْفِيَانِ الذِّكْر إِلَّا إِنْ احْتِيجَ إِلَى التَّعْلِيم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اِبْن عَبَّاسٍ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمُبْدَأ بِهِ كَمَا فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ إِسْحَاق بْن مَنْصُور عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كُنْت أَعْلَم ) ‏ ‏فِيهِ إِطْلَاق الْعِلْم عَلَى الْأَمْر الْمُسْتَنِد إِلَى الظَّنّ الْغَالِب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا اِنْصَرَفُوا ) ‏ ‏أَيْ أَعْلَم اِنْصِرَافهمْ بِذَلِكَ أَيْ بِرَفْعِ الصَّوْت إِذَا سَمِعْته أَيْ الذِّكْر , وَالْمَعْنَى كُنْت أَعْلَم بِسَمَاعِ الذِّكْر اِنْصِرَافَهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "797",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو مَعْبَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالتَّكْبِيرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏أَبُو مَعْبَدٍ ‏ ‏أَصْدَقَ مَوَالِي ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏وَاسْمُهُ ‏ ‏نَافِذٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ وَعَمْرو هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كُنْت أَعْرِف اِنْقِضَاء صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّكْبِيرِ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَان بِصِيغَةِ الْحَصْرِ , وَلَفْظه \" مَا كُنَّا نَعْرِف اِنْقِضَاء صَلَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ اِبْنِ أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان , وَاخْتُلِفَ فِي كَوْن اِبْن عَبَّاسٍ قَالَ ذَلِكَ , فَقَالَ عِيَاض : الظَّاهِر أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْضُر الْجَمَاعَة لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا مِمَّنْ لَا يُوَاظِب عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُلْزَمُ بِهِ , فَكَانَ يَعْرِف اِنْقِضَاء الصَّلَاة بِمَا ذَكَرَ. وَقَالَ غَيْره : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون حَاضِرًا فِي أَوَاخِر الصُّفُوف فَكَانَ لَا يَعْرِف اِنْقِضَاءَهَا بِالتَّسْلِيمِ , وَإِنَّمَا كَانَ يَعْرِفهُ بِالتَّكْبِيرِ. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُبَلِّغ جَهِير الصَّوْت يُسْمِع مَنْ بَعُدَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِالتَّكْبِيرِ ) ‏ ‏هُوَ أَخَصّ مِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ الَّتِي قَبْلهَا , لِأَنَّ الذِّكْر أَعَمّ مِنْ التَّكْبِير , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون هَذِهِ مُفَسِّرَة لِذَلِكَ فَكَانَ الْمُرَاد أَنَّ رَفْع الصَّوْت بِالذِّكْرِ أَيْ بِالتَّكْبِيرِ , وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَبْدَءُونَ بِالتَّكْبِيرِ بَعْد الصَّلَاة قَبْل التَّسْبِيح وَالتَّحْمِيد , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ الْمَذْكُور وَثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والْكُشْمِيهَنِيّ , وَزَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة \" قَالَ عَمْرو - يَعْنِي اِبْن دِينَار - وَذَكَرْت ذَلِكَ لِأَبِي مَعْبَد بَعْدُ فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ لَمْ أُحَدِّثك بِهَذَا. قَالَ عَمْرو : قَدْ أَخْبَرْتنِيهِ قَبْل ذَلِكَ \" قَالَ الشَّافِعِيّ بَعْد أَنْ رَوَاهُ عَنْ سُفْيَان كَأَنَّهُ نَسِيَهُ بَعْد أَنْ حَدَّثَهُ بِهِ. اِنْتَهَى. وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ مُسْلِمًا كَانَ يَرَى صِحَّة الْحَدِيث وَلَوْ أَنْكَرَهُ رَاوِيهِ إِذَا كَانَ النَّاقِل عَنْهُ عَدْلًا , وَلِأَهْلِ الْحَدِيث فِيهِ تَفْصِيل : قَالُوا إِمَّا أَنْ يَجْزِم بِرَدِّهِ أَوْ لَا , وَإِذَا جَزَمَ فَإِمَّا أَنْ يُصَرِّح بِتَكْذِيبِ الرَّاوِي عَنْهُ أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يَجْزِم بِالرَّدِّ كَأَنْ قَالَ لَا أَذْكُرهُ فَهُوَ مُتَّفَق عِنْدهمْ عَلَى قَبُوله لِأَنَّ الْفَرْع ثِقَة وَالْأَصْل لَمْ يَطْعَن فِيهِ , وَإِنْ جَزَمَ وَصَرَّحَ بِالتَّكْذِيبِ فَهُوَ مُتَّفَق عِنْدهمْ عَلَى رَدّه لِأَنَّ جَزْم الْفَرْع بِكَوْنِ الْأَصْل حَدَّثَهُ يَسْتَلْزِم تَكْذِيب الْأَصْل فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ كَذَبَ عَلَيْهِ , وَلَيْسَ قَبُول قَوْل أَحَدهمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَر , وَإِنْ جَزَمَ بِالرَّدِّ وَلَمْ يُصَرِّح بِالتَّكْذِيبِ فَالرَّاجِح عِنْدهمْ قَبُوله. وَأَمَّا الْفُقَهَاء فَاخْتَلَفُوا : فَذَهَبَ الْجُمْهُور فِي هَذِهِ الصُّورَة إِلَى الْقَبُول , وَعَنْ بَعْض الْحَنَفِيَّة وَرِوَايَة عَنْ أَحْمَد لَا يُقْبَل قِيَاسًا عَلَى الشَّاهِد , وَلِلْإِمَامِ فَخْر الدِّين فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة تَفْصِيل نَحْو مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ. فَإِنْ كَانَ الْفَرْع مُتَرَدِّدًا فِي سَمَاعه وَالْأَصْل جَازِمًا بِعَدَمِهِ سَقَطَ لِوُجُودِ التَّعَارُض , وَمُحَصَّل كَلَامه آنِفًا أَنَّهُمَا إِنْ تَسَاوَيَا فَالرَّدّ , وَإِنْ رُجِّحَ أَحَدهمَا عُمِلَ بِهِ , وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ أَمْثِلَته , وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ إِنَّمَا نَفَى أَبُو مَعْبَد التَّحْدِيث وَلَا يَلْزَم مِنْهُ نَفْي الْإِخْبَار , وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ مِنْ عَمْرو وَلَا مُخَالَفَة , وَتَرُدّهُ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا \" فَأَنْكَرَهُ \" وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِنْكَار , وَلِأَنَّ الْفَرْق بَيْن التَّحْدِيث وَالْإِخْبَار إِنَّمَا حَدَثَ بَعْد ذَلِكَ , وَفِي كُتُب الْأُصُول حِكَايَة الْخِلَاف فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة عَنْ الْحَنَفِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "798",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ الْفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا ذَهَبَ أَهْلُ ‏ ‏الدُّثُورِ ‏ ‏مِنْ الْأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا وَيَعْتَمِرُونَ وَيُجَاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ قَالَ ‏ ‏أَلَا أُحَدِّثُكُمْ إِنْ أَخَذْتُمْ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ‏ ‏ظَهْرَانَيْهِ ‏ ‏إِلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا فَقَالَ بَعْضُنَا نُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَنَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ تَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ , وَسُمَيّ هُوَ مَوْلَى أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن وَهُمَا مَدَنِيَّانِ , وَعُبَيْد اللَّه تَابِعِيّ صَغِير , وَلَمْ أَقِف لِسُمَيٍّ عَلَى رِوَايَة عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة فَهُوَ مِنْ رِوَايَة الْكَبِير عَنْ الصَّغِير , وَهُمَا مَدَنِيَّانِ وَكَذَا أَبُو صَالِح. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( جَاءَ الْفُقَرَاء ) ‏ ‏سُمِّيَ مِنْهُمْ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن أَبِي عَائِشَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَبُو ذَرّ الْغِفَارِيُّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَخْرَجَهُ جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ فِي كِتَاب الذِّكْر لَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ نَفْسه , وَسُمِّيَ مِنْهُمْ أَبُو الدَّرْدَاء عِنْد النَّسَائِيِّ وَغَيْره مِنْ طُرُق عَنْهُ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُمْ قَالُوا : \" يَا رَسُول اللَّه \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَالظَّاهِر أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة مِنْهُمْ. وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ عَنْ زَيْد بْن ثَابِت قَالَ \" أُمِرْنَا أَنْ نُسَبِّح \" الْحَدِيث كَمَا سَيَأْتِي لَفْظه , وَهَذَا يُمْكِن أَنْ يُقَال فِيهِ إِنَّ زَيْد بْن ثَابِت كَانَ مِنْهُمْ , وَلَا يُعَارِضهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَة اِبْن عَجْلَان عَنْ سُمَيٍّ عِنْد مُسْلِم : \" جَاءَ فُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ \" لِكَوْنِ زَيْد بْن ثَابِت مِنْ الْأَنْصَار لِاحْتِمَالِ التَّغْلِيب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الدُّثُور ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَالْمُثَلَّثَة جَمْع دَثْر بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُون هُوَ الْمَال الْكَثِير , و \" مِنْ \" فِي قَوْلُهُ \" مِنْ الْأَمْوَال \" لِلْبَيَانِ , وَوَقَعَ عِنْد الْخَطَّابِيِّ \" ذَهَبَ أَهْل الدُّور مِنْ الْأَمْوَال \" وَقَالَ : كَذَا وَقَعَ الدُّور جَمْع دَار وَالصَّوَاب الدُّثُور. اِنْتَهَى. وَذَكَرَ صَاحِب الْمَطَالِع عَنْ رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ أَيْضًا الدُّور. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى ) ‏ ‏بِضَمِّ الْعَيْن جَمْع الْعَلْيَاء وَهِيَ تَأْنِيث الْأَعْلَى , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون حِسِّيَّة , وَالْمُرَاد دَرَجَات الْجَنَّات , أَوْ مَعْنَوِيَّة وَالْمُرَاد عُلُوّ الْقَدْر عِنْد اللَّه. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَالنَّعِيم الْمُقِيم ) ‏ ‏وَصَفَهُ بِالْإِقَامَةِ إِشَارَة إِلَى ضِدّه وَهُوَ النَّعِيم الْعَاجِل , فَإِنَّهُ قَلَّ مَا يَصْفُو , وَإِنْ صَفَا فَهُوَ بِصَدَدِ الزَّوَال. وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن أَبِي عَائِشَة الْمَذْكُورَة \" ذَهَبَ أَصْحَاب الدُّثُور بِالْأُجُورِ \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ , زَادَ الْمُصَنِّف فِي الدَّعَوَات مِنْ رِوَايَة وَرْقَاء عَنْ سُمَيٍّ \" قَالَ كَيْف ذَلِكَ \" وَنَحْوه لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة اِبْن عَجْلَان عَنْ سُمَيٍّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُوم ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء الْمَذْكُور \" وَيَذْكُرُونَ كَمَا نَذْكُر \" وَلِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" صَدَّقُوا تَصْدِيقنَا , وَآمَنُوا إِيمَاننَا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَهُمْ فَضْل أَمْوَال ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْإِضَافَةِ , وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ \" فَضْل الْأَمْوَال \" ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَضْل مِنْ أَمْوَال \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَحُجُّونَ بِهَا ) ‏ ‏أَيْ وَلَا نَحُجّ , يُشْكِل عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء \" وَيَحُجُّونَ كَمَا نَحُجّ \" وَنَظِيره مَا وَقَعَ هُنَا \" وَيُجَاهِدُونَ \" وَوَقَعَ فِي الدَّعَوَات مِنْ رِوَايَة وَرْقَاء عَنْ سُمَيٍّ : \" وَجَاهَدُوا كَمَا جَاهَدْنَا \" لَكِنَّ الْجَوَاب عَنْ هَذَا الثَّانِي ظَاهِر وَهُوَ التَّفْرِقَة بَيْن الْجِهَاد الْمَاضِي فَهُوَ الَّذِي اِشْتَرَكُوا فِيهِ وَبَيْن الْجِهَاد الْمُتَوَقَّع فَهُوَ الَّذِي تَقْدِر عَلَيْهِ أَصْحَاب الْأَمْوَال غَالِبًا. وَيُمْكِن أَنْ يُقَال مِثْله فِي الْحَجّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُقْرَأ \" يُحِجُّونَ بِهَا \" بِضَمِّ أَوَّله مِنْ الرُّبَاعِيّ أَيْ يُعِينُونَ غَيْرَهُمْ عَلَى الْحَجّ بِالْمَالِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَيَتَصَدَّقُونَ ) ‏ ‏عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اِبْن عَجْلَان عَنْ سُمَيٍّ \" وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّق , وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِق \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَ أَلَا أُحَدِّثكُمْ بِمَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ \" بِأَمْرٍ إِنْ أَخَذْتُمْ \" وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ , وَسَقَطَ قَوْلُهُ \" بِمَا \" مِنْ أَكْثَر الرِّوَايَات , وَكَذَا قَوْلُهُ \" بِهِ \" وَقَدْ فُسِّرَ السَّاقِط فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" فَقَالَ يَا أَبَا ذَرّ أَلَا أُعَلِّمك كَلِمَات تَقُولهُنَّ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ أَهْل الْأَمْوَال الَّذِينَ اِمْتَازُوا عَلَيْكُمْ بِالصَّدَقَةِ , وَالسَّبْقِيَّة هُنَا يَحْتَمِل أَنْ تَكُون مَعْنَوِيَّة وَأَنْ تَكُون حِسِّيَّة , قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين : وَالْأَوَّل أَقْرَب وَسَقَطَ قَوْلُهُ \" مَنْ سَبَقَكُمْ \" مِنْ رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَكُنْتُمْ خَيْر مَنْ أَنْتُمْ بَيْن ظَهْرَانَيْهِمْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة , وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَأَبِي الْوَقْت ظَهْرَانَيْهِ بِالْإِفْرَادِ , وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ. وَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اِبْن عَجْلَان \" وَلَا يَكُون أَحَد أَفْضَل مِنْكُمْ \" قِيلَ ظَاهِره يُخَالِف مَا سَبَقَ لِإِنَّ الْإِدْرَاك ظَاهِره الْمُسَاوَاة , وَهَذَا ظَاهِره الْأَفْضَلِيَّة. وَأَجَابَ بَعْضهمْ بِأَنَّ الْإِدْرَاك لَا يَلْزَم مِنْهُ الْمُسَاوَاة فَقَدْ يُدْرِك ثُمَّ يَفُوق , وَعَلَى هَذَا فَالتَّقَرُّب بِهَذَا الذِّكْر رَاجِح عَلَى التَّقَرُّب بِالْمَالِ. ‏ ‏وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : الضَّمِير فِي كُنْتُمْ لِلْمَجْمُوعِ مِنْ السَّابِق وَالْمُدْرِك , وَكَذَا قَوْلُهُ \" إِلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْل عَمَلكُمْ \" أَيْ مِنْ الْفُقَرَاء فَقَالَ الذِّكْر , أَوْ مِنْ الْأَغْنِيَاء فَتَصَدَّقَ , أَوْ أَنَّ الْخِطَاب لِلْفُقَرَاءِ خَاصَّة لَكِنْ يُشَارِكهُمْ الْأَغْنِيَاء فِي الْخَيْرِيَّة الْمَذْكُورَة فَيَكُون كُلّ مِنْ الصِّنْفَيْنِ خَيْرًا مِمَّنْ لَا يَتَقَرَّب بِذِكْرٍ وَلَا صَدَقَة , وَيَشْهَد لَهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد الْبَزَّار \" أَدْرَكْتُمْ مِثْل فَضْلهمْ \" وَلِمُسْلِمٍ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ \" أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ لَكُمْ مَا تَتَصَدَّقُونَ ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَة صَدَقَة , وَبِكُلِّ تَكْبِيرَة صَدَقَة \" الْحَدِيث. وَاسْتُشْكِلَ تَسَاوِي فَضْل هَذَا الذِّكْر بِفَضْلِ التَّقَرُّب بِالْمَالِ مَعَ شِدَّة الْمَشَقَّة فِيهِ , وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم أَنْ يَكُون الثَّوَاب عَلَى قَدْر الْمَشَقَّة فِي كُلّ حَالَة , وَاسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِفَضْلِ كَلِمَة الشَّهَادَة مَعَ سُهُولَتهَا عَلَى كَثِير مِنْ الْعِبَادَات الشَّاقَّة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَتُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَر الْأَحَادِيث تَقْدِيم التَّسْبِيح عَلَى التَّحْمِيد وَتَأْخِير التَّكْبِير , وَفِي رِوَايَة اِبْن عَجْلَان تَقْدِيم التَّكْبِير عَلَى التَّحْمِيد خَاصَّة , وَفِيهِ أَيْضًا قَوْل أَبِي صَالِح \" يَقُول اللَّه أَكْبَر وَسُبْحَان اللَّه وَالْحَمْد لِلَّهِ \" وَمِثْله لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أُمّ الْحَكَم , وَلَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" تُكَبِّر وَتَحْمَد وَتُسَبِّح \" وَكَذَا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر. وَهَذَا الِاخْتِلَاف دَالّ عَلَى أَنْ لَا تَرْتِيب فِيهَا , وَيُسْتَأْنَس لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث الْبَاقِيَات الصَّالِحَات \" لَا يَضُرّك بِأَيِّهِنَّ بَدَأْت \" لَكِنْ يُمْكِن أَنْ يُقَال : الْأَوْلَى الْبُدَاءَة بِالتَّسْبِيحِ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّن نَفْي النَّقَائِض عَنْ الْبَارِي سُبْحَانه وَتَعَالَى , ثُمَّ التَّحْمِيد لِأَنَّهُ يَتَضَمَّن إِثْبَات الْكَمَال لَهُ , إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ نَفْي النَّقَائِض إِثْبَات الْكَمَال. ثُمَّ التَّكْبِير إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ نَفْي النَّقَائِض وَإِثْبَات الْكَمَال أَنْ يَكُون هُنَا كَبِير آخَر , ثُمَّ يَخْتِم بِالتَّهْلِيلِ الدَّالّ عَلَى اِنْفِرَاده سُبْحَانه وَتَعَالَى بِجَمِيعِ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( خَلْف كُلّ صَلَاة ) ‏ ‏هَذِهِ الرِّوَايَة مُفَسِّرَة لِلرِّوَايَةِ الَّتِي عِنْد الْمُصَنِّف فِي الدَّعَوَات وَهِيَ قَوْلُهُ \" دُبُر كُلّ صَلَاة \" وَلِجَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيّ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ \" أَثَر كُلّ صَلَاة \" وَأَمَّا رِوَايَة \" دُبُر \" فَهِيَ بِضَمَّتَيْنِ , قَالَ الْأَزْهَرِيّ : دُبُر الْأَمْر يَعْنِي بِضَمَّتَيْنِ وَدَبْره يَعْنِي بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُون : آخِره. وَادَّعَى أَبُو عَمْرو الزَّاهِد أَنَّهُ لَا يُقَال بِالضَّمِّ إِلَّا لِلْجَارِحَةِ , وَرَدَ بِمِثْلِ قَوْلُهُمْ أَعْتَقَ غُلَامه عَنْ دُبُر , وَمُقْتَضَى الْحَدِيث أَنَّ الذِّكْر الْمَذْكُور يُقَال عِنْد الْفَرَاغ مِنْ الصَّلَاة , فَلَوْ تَأَخَّرَ ذَلِكَ عَنْ الْفِرَاع فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا بِحَيْثُ لَا يُعَدّ مُعْرِضًا أَوْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ مُتَشَاغِلًا بِمَا وَرَدَ أَيْضًا بَعْد الصَّلَاة كَآيَةِ الْكُرْسِيّ فَلَا يَضُرّ , وَظَاهِر قَوْلُهُ \" كُلّ صَلَاة \" يَشْمَلُ الْفَرْض وَالنَّفْل , لَكِنْ حَمَلَهُ أَكْثَر الْعُلَمَاء عَلَى الْفَرْض , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث كَعْب بْن عُجْرَة عِنْد مُسْلِم التَّقْيِيد بِالْمَكْتُوبَةِ , وَكَأَنَّهُمْ حَمَلُوا الْمُطْلَقَات عَلَيْهَا , وَعَلَى هَذَا هَلْ يَكُون التَّشَاغُل بَعْد الْمَكْتُوبَة بِالرَّاتِبَةِ بَعْدهَا فَاصِلًا بَيْن الْمَكْتُوبَة وَالذِّكْر أَوْ لَا ؟ مَحَلّ النَّظَر , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَجْمُوع لِلْجَمِيعِ فَإِذَا وُزِّعَ كَانَ لِكُلِّ وَاحِد إِحْدَى عَشْرَة , وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق رَوْح بْن الْقَاسِم عَنْهُ , لَكِنْ لَمْ يُتَابَع سُهَيْل عَلَى ذَلِكَ , بَلْ لَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ طُرُق الْحَدِيث كُلّهَا التَّصْرِيح بِإِحْدَى عَشْرَة إِلَّا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد الْبَزَّار وَإِسْنَاده ضَعِيف , وَالْأَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الْمَجْمُوع لِكُلِّ فَرْد فَرْد , فَعَلَى هَذَا فَفِيهِ تَنَازُع أَفْعَال فِي ظَرْف وَمَصْدَر وَالتَّقْدِير تُسَبِّحُونَ خَلْف كُلّ صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَاخْتَلَفْنَا بَيْننَا ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة هُوَ الْقَائِل , وَكَذَا قَوْلُهُ \" فَرَجَعْت إِلَيْهِ \" وَأَنَّ الَّذِي رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَة إِلَيْهِ هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَلَى هَذَا فَالْخِلَاف فِي ذَلِكَ وَقَعَ بَيْن الصَّحَابَة , لَكِنْ بَيَّنَ مُسْلِم فِي رِوَايَة اِبْن عَجْلَان عَنْ سُمَيٍّ أَنَّ الْقَائِل \" فَاخْتَلَفْنَا \" هُوَ سُمَيّ , وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي رَجَعَ إِلَى أَبِي صَالِح , وَأَنَّ الَّذِي خَالَفَهُ بَعْض أَهْله وَلَفْظه \" قَالَ سُمَيّ : فَحَدَّثْت بَعْض أَهْل هَذَا الْحَدِيث , قَالَ : وَهِمْت , فَذَكَرَ كَلَامه. قَالَ : فَرَجَعْت إِلَى أَبِي صَالِح \" وَعَلَى رِوَايَة مُسْلِم اِقْتَصَرَ صَاحِب الْعُمْدَة , لَكِنْ لَمْ يُوصِل مُسْلِم هَذِهِ الزِّيَادَة , فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيث عَنْ قُتَيْبَة عَنْ اللَّيْث عَنْ اِبْنِ عَجْلَان ثُمَّ قَالَ : زَادَ غَيْر قُتَيْبَة فِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ اللَّيْث , فَذَكَرَهَا. وَالْغَيْر الْمَذْكُور يَحْتَمِل أَنْ يَكُون شُعَيْب بْن اللَّيْث أَوْ سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي مُسْتَخْرَجه عَنْ الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان عَنْ شُعَيْب , وَأَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد , وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ سُمَيٍّ فِي حَدِيث الْبَاب إِدْرَاجًا , وَقَدْ رَوَى اِبْن حِبَّان هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فَلَمْ يَذْكُر قَوْلُهُ \" فَاخْتَلَفْنَا إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَنُكَبِّر أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ ) ‏ ‏هُوَ قَوْل بَعْض أَهْل سُمَيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَة مُسْلِم , وَقَدْ تَقَدَّمَ اِحْتِمَال كَوْنه مِنْ كَلَام بَعْض الصَّحَابَة , وَقَدْ جَاءَ مِثْله فِي حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء عِنْد النَّسَائِيِّ , وَكَذَا عِنْده مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر بِسَنَدٍ قَوِيٍّ , وَمِثْله لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث كَعْب بْن عُجْرَةَ , وَنَحْوه لِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ لَكِنْ شَكَّ بَعْض رُوَاته فِي أَنَّهُنَّ أَرْبَع وَثَلَاثُونَ , وَيُخَالِف ذَلِكَ مَا فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن أَبِي عَائِشَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَبِي دَاوُدَ فَفِيهِ \" وَيَخْتِم الْمِائَة بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ إِلَخْ \" , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَة عَطَاء بْن يَزِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَمِثْله لِأَبِي دَاوُدَ فِي حَدِيث أُمّ الْحَكَم , وَلِجَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيّ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ , قَالَ النَّوَوِيّ : يَنْبَغِي أَنْ يُجْمَع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ يُكَبِّر أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَيَقُول مَعَهَا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده إِلَخْ. وَقَالَ غَيْره : بَلْ يُجْمَع بِأَنْ يَخْتِم مَرَّة بِزِيَادَةِ تَكْبِيرَة وَمَرَّة بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه عَلَى وَفْق مَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيث. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَكُون مِنْهُنَّ كُلّهنَّ ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الْمَجْرُور. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثَلَاث وَثَلَاثُونَ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ وَهُوَ اِسْم كَانَ , وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَالْأَصِيلِيّ وَأَبِي الْوَقْت \" ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ \" وَتَوَجَّهَ بِأَنَّ اِسْم كَانَ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير حَتَّى يَكُون الْعَدَد مِنْهُنَّ كُلّهنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ , وَفِي قَوْلُهُ \" مِنْهُنَّ كُلّهنَّ \" الِاحْتِمَال الْمُتَقَدِّم : هَلْ الْعَدَد لِلْجَمِيعِ أَوْ الْمَجْمُوع , وَفِي رِوَايَة اِبْن عَجْلَان ظَاهِرهَا أَنَّ الْعَدَد لِلْجَمِيعِ لَكِنْ يَقُول ذَلِكَ مَجْمُوعًا , وَهَذَا اِخْتِيَار أَبِي صَالِح. لَكِنَّ الرِّوَايَة الثَّابِتَة عَنْ غَيْره الْإِفْرَاد , قَالَ عِيَاض : وَهُوَ أَوْلَى. وَرَجَّحَ بَعْضهمْ الْجَمْع لِلْإِتْيَانِ فِيهِ بِوَاوِ الْعَطْف وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ حَسَنٌ , إِلَّا أَنَّ الْإِفْرَاد يَتَمَيَّز بِأَمْرٍ آخَر وَهُوَ أَنَّ الذَّاكِر يَحْتَاج إِلَى الْعَدَد , وَلَهُ عَلَى كُلّ حَرَكَة لِذَلِكَ - سَوَاء كَانَ بِأَصَابِعِهِ أَوْ بِغَيْرِهَا - ثَوَاب لَا يَحْصُل لِصَاحِبِ الْجَمْع مِنْهُ إِلَّا الثُّلُث. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏الْأَوَّل وَقَعَ فِي رِوَايَة وَرْقَاء عَنْ سُمَيٍّ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الدَّعَوَات فِي هَذَا الْحَدِيث \" تُسَبِّحُونَ عَشْرًا وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا , وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ طُرُق حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَلَى مَنْ تَابَعَ وَرْقَاء عَلَى ذَلِكَ لَا عَنْ سُمَيٍّ وَلَا عَنْ غَيْره , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَأَوَّلَ مَا تَأَوَّلَ سُهَيْل مِنْ التَّوْزِيع , ثُمَّ أَلْغَى الْكَسْر. وَيُعَكِّر عَلَيْهِ أَنَّ السِّيَاق صَرِيح فِي كَوْنه كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ وَجَدْت لِرِوَايَةِ الْعَشْر شَوَاهِد : مِنْهَا عَنْ عَلِيّ عِنْد أَحْمَد , وَعَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عِنْد النَّسَائِيِّ , وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عِنْده , وَعَنْ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ , وَعَنْ أُمّ سَلَمَة عِنْد الْبَزَّار , وَعَنْ أُمّ مَالِك الْأَنْصَارِيَّة عِنْد الطَّبَرَانِيِّ. وَجَمَعَ الْبَغَوِيُّ فِي \" شَرْح السُّنَّة \" بَيْن هَذَا الِاخْتِلَاف بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ صَدَرَ فِي أَوْقَات مُتَعَدِّدَة أَوَّلهَا عَشْرًا عَشْرًا ثُمَّ إِحْدَى عَشْرَة إِحْدَى عَشْرَة ثُمَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّخْيِير , أَوْ يَفْتَرِق بِافْتِرَاقِ الْأَحْوَال. وَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت وَابْن عُمَر \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا كُلّ ذِكْر مِنْهَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَيَزِيدُوا فِيهَا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه خَمْسًا وَعِشْرِينَ \" وَلَفْظ زَيْد بْن ثَابِت \" أُمِرْنَا أَنْ نُسَبِّح فِي دُبُر كُلّ صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَنَحْمَد ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَنُكَبِّر أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ , فَأُتِيَ رَجُل فِي مَنَامه فَقِيلَ لَهُ : أَمَرَكُمْ مُحَمَّد أَنْ تُسَبِّحُوا - فَذَكَرَهُ - قَالَ : نَعَمْ قَالَ : اِجْعَلُوهَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ , وَاجْعَلُوا فِيهَا التَّهْلِيل. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : فَافْعَلُوهُ \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان , وَلَفْظ اِبْن عُمَر \" رَأَى رَجُل مِنْ الْأَنْصَار فِيمَا يَرَى النَّائِم - فَذَكَرَ نَحْوه وَفِيهِ - فَقِيلَ لَهُ سَبِّحْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَاحْمَدْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَكَبِّرْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَهَلِّلْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَتِلْكَ مِائَة. فَأَمَرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَفْعَلُوا كَمَا قَالَ \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَجَعْفَر الْفِرْيَابِيّ. وَاسْتُنْبِطَ مِنْ هَذَا أَنَّ مُرَاعَاة الْعَدَد الْمَخْصُوص فِي الْأَذْكَار مُعْتَبَرَة وَإِلَّا لَكَانَ يُمْكِن أَنْ يُقَال لَهُمْ : أَضِيفُوا لَهَا التَّهْلِيل ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ. وَقَدْ كَانَ بَعْض الْعُلَمَاء يَقُول : إِنَّ الْأَعْدَاد الْوَارِدَة كَالذِّكْرِ عَقِبَ الصَّلَوَات إِذَا رُتِّبَ عَلَيْهَا ثَوَاب مَخْصُوص فَزَادَ الْآتِي بِهَا عَلَى الْعَدَد الْمَذْكُور لَا يَحْصُل لَهُ ذَلِكَ الثَّوَاب الْمَخْصُوص لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون لِتِلْكَ الْأَعْدَاد حِكْمَة وَخَاصِّيَّة تَفُوت بِمُجَاوَزَةِ ذَلِكَ الْعَدَد , قَالَ شَيْخنَا الْحَافِظ أَبُو الْفَضْل فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ : وَفِيهِ نَظَر , لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمِقْدَارِ الَّذِي رُتِّبَ الثَّوَاب عَلَى الْإِتْيَان بِهِ فَحَصَلَ لَهُ الثَّوَاب بِذَلِكَ , فَإِذَا زَادَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسه كَيْف تَكُون الزِّيَادَة مُزِيلَة لِذَلِكَ الثَّوَاب بَعْد حُصُوله ؟ ا ه. وَيُمْكِن أَنْ يَفْتَرِق الْحَال فِيهِ بِالنِّيَّةِ , فَإِنْ نَوَى عِنْد الِانْتِهَاء إِلَيْهِ اِمْتِثَال الْأَمْر الْوَارِد ثُمَّ أَتَى بِالزِّيَادَةِ فَالْأَمْر كَمَا قَالَ شَيْخنَا لَا مَحَالَة , وَإِنْ زَادَ بِغَيْرِ نِيَّة بِأَنْ يَكُون الثَّوَاب رُتِّبَ عَلَى عَشَرَة مَثَلًا فَرَتَّبَهُ هُوَ عَلَى مِائَة فَيَتَّجِه الْقَوْل الْمَاضِي. وَقَدْ بَالَغَ الْقَرَافِيّ فِي الْقَوَاعِد فَقَالَ : مِنْ الْبِدَع الْمَكْرُوهَة الزِّيَادَة فِي الْمَنْدُوبَات الْمَحْدُودَة شَرْعًا , لِأَنَّ شَأْن الْعُظَمَاء إِذَا حَدُّوا شَيْئًا أَنْ يُوقَف عِنْده وَيُعَدّ الْخَارِج عَنْهُ مُسِيئًا لِلْأَدَبِ ا ه. وَقَدْ مَثَّلَهُ بَعْض الْعُلَمَاء بِالدَّوَاءِ يَكُون مَثَلًا فِيهِ أُوقِيَّة سُكَّر فَلَوْ زِيدَ فِيهِ أُوقِيَّة أُخْرَى لَتَخَلَّفَ الِانْتِفَاع بِهِ , فَلَوْ اِقْتَصَرَ عَلَى الْأُوقِيَّة فِي الدَّوَاء ثُمَّ اِسْتَعْمَلَ مِنْ السُّكَّر بَعْد ذَلِكَ مَا شَاءَ لَمْ يَتَخَلَّف الِانْتِفَاع. وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ الْأَذْكَار الْمُتَغَايِرَة إِذَا وَرَدَ لِكُلٍّ مِنْهَا عَدَد مَخْصُوص مَعَ طَلَب الْإِتْيَان بِجَمِيعِهَا مُتَوَالِيَة لَمْ تَحْسُن الزِّيَادَة عَلَى الْعَدَد الْمَخْصُوص لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قَطْع الْمُوَالَاة لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون لِلْمُوَالَاةِ فِي ذَلِكَ حِكْمَة خَاصَّة تَفُوت بِفَوَاتِهَا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( التَّنْبِيه الثَّانِي ) : ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة اِبْن عَجْلَان عَنْ سُمَيٍّ \" قَالَ أَبُو صَالِح فَرَجَعَ فُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : سَمِعَ إِخْوَاننَا أَهْل الْأَمْوَال بِمَا فَعَلْنَاهُ فَفَعَلُوا مِثْله , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَلِكَ فَضْل اللَّه يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء \" ثُمَّ سَاقَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة رَوْح بْن الْقَاسِم عَنْ سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَذَكَر طَرَفًا مِنْهُ ثُمَّ قَالَ بِمِثْلِ حَدِيث قُتَيْبَة , قَالَ : إِلَّا أَنَّهُ أَدْرَجَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَوْل أَبِي صَالِح : فَرَجَعَ فُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ. قُلْتُ : وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ سُهَيْل مُدْرَجًا أَخْرَجَهُ جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ , وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة مُرْسَلَة , وَقَدْ رَوَى الْحَدِيث الْبَزَّار مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر وَفِيهِ \" فَرَجَعَ الْفُقَرَاء \" فَذَكَرَهُ مَوْصُولًا لَكِنْ قَدْ قَدَّمْت أَنَّ إِسْنَاده ضَعِيف. وَرَوَاهُ جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ مِنْ رِوَايَة حَرَام بْن حَكِيم وَهُوَ بِحَاءٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَتَيْنِ عَنْ أَبِي ذَرّ وَقَالَ فِيهِ \" فَقَالَ أَبُو ذَرّ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّهُمْ قَدْ قَالُوا مِثْل مَا نَقُول. فَقَالَ : ذَلِكَ فَضْل اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء \" وَنَقَلَ الْخَطِيب أَنَّ حَرَام بْن حَكِيم يُرْسِل الرِّوَايَة عَنْ أَبِي ذَرّ , فَعَلَى هَذَا لَمْ يَصِحّ بِهَذِهِ الزِّيَادَة إِسْنَاد , إِلَّا أَنَّ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ يَقْوَى بِهِمَا مُرْسَل أَبِي صَالِح. قَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب : فِي هَذَا الْحَدِيث فَضْل الْغَنِيّ نَصًّا لَا تَأْوِيلًا , إِذَا اِسْتَوَتْ أَعْمَال الْغَنِيّ وَالْفَقِير فِيمَا اِفْتَرَضَ اللَّه عَلَيْهِمَا , فَلِلْغَنِيِّ حِينَئِذٍ فَضْل عَمَل الْبِرّ مِنْ الصَّدَقَة وَنَحْوهَا مِمَّا لَا سَبِيل لِلْفَقِيرِ إِلَيْهِ. قَالَ : وَرَأَيْت بَعْض الْمُتَكَلِّمِينَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْفَضْل يَخُصّ الْفُقَرَاء دُون غَيْرهمْ , أَيْ الْفَضْل الْمُتَرَتِّب عَلَى الذِّكْر الْمَذْكُور , وَغَفَلَ عَنْ قَوْلُهُ فِي نَفْس الْحَدِيث \" إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْل مَا صَنَعْتُمْ \" فَجَعَلَ الْفَضْل لِقَائِلِهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : تَأَوَّلَ بَعْضهمْ قَوْلُهُ \" ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ \" بِأَنْ قَالَ : الْإِشَارَة رَاجِعَة إِلَى الثَّوَاب الْمُتَرَتِّب عَلَى الْعَمَل الَّذِي يَحْصُل بِهِ التَّفْضِيل عِنْد اللَّه , فَكَأَنَّهُ قَالَ : ذَاكَ الثَّوَاب الَّذِي أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ لَا يَسْتَحِقّهُ أَحَد بِحَسَبِ الذِّكْر وَلَا بِحَسَبِ الصَّدَقَة , وَإِنَّمَا هُوَ بِفَضْلِ اللَّه. قَالَ : وَهَذَا التَّأْوِيل فِيهِ بُعْدٌ , وَلَكِنْ اِضْطَرَّهُ إِلَيْهِ مَا يُعَارِضهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْجَمْع بَيْنه وَبَيْن مَا يُعَارِضهُ مُمْكِن مِنْ غَيْر اِحْتِيَاج إِلَى التَّعَسُّف. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : ظَاهِر الْحَدِيث الْقَرِيب مِنْ النَّصّ أَنَّهُ فَضَّلَ الْغَنِيّ , وَبَعْض النَّاس تَأَوَّلَهُ بِتَأْوِيلٍ مُسْتَكْرَه كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى مَا تَقَدَّمَ. قَالَ : وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه النَّظَر أَنَّهُمَا إِنْ تَسَاوَيَا وَفُضِّلَتْ الْعِبَادَة الْمَالِيَّة أَنَّهُ يَكُون الْغَنِيّ أَفْضَلَ , وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ , وَإِنَّمَا النَّظَر إِذَا تَسَاوَيَا وَانْفَرَدَ كُلّ مِنْهُمَا بِمَصْلَحَةٍ مَا هُوَ فِيهِ أَيّهمَا أَفْضَل ؟ إِنْ فُسِّرَ الْفَضْل بِزِيَادَةِ الثَّوَاب فَالْقِيَاس يَقْتَضِي أَنَّ الْمَصَالِح الْمُتَعَدِّيَة أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرَة فَيَتَرَجَّح الْغَنِيّ , وَإِنْ فُسِّرَ بِالْأَشْرَفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِفَات النَّفْس فَاَلَّذِي يَحْصُل لَهَا مِنْ التَّطْهِير بِسَبَبِ الْفَقْر أَشْرَف فَيَتَرَجَّح الْفَقْر , وَمِنْ ثَمَّ ذَهَبَ جُمْهُور الصُّوفِيَّة إِلَى تَرْجِيح الْفَقِير الصَّابِر. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة خَمْسَةُ أَقْوَال , ثَالِثهَا الْأَفْضَل الْكَفَاف , رَابِعهَا يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاص , خَامِسهَا التَّوَقُّف. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَضِيَّة الْحَدِيث أَنَّ شَكْوَى الْفَقْر تَبْقَى بِحَالِهَا. وَأَجَابَ بِأَنَّ مَقْصُودهمْ كَانَ تَحْصِيلَ الدَّرَجَات الْعُلَا وَالنَّعِيم الْمُقِيم لَهُمْ أَيْضًا لَا نَفْي الزِّيَادَة عَنْ أَهْل الدُّثُور مُطْلَقًا ا ه. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ مَقْصُودهمْ إِنَّمَا كَانَ طَلَبَ الْمُسَاوَاة. وَيَظْهَر أَنَّ الْجَوَاب وَقَعَ قَبْل أَنْ يَعْلَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مُتَمَنِّي الشَّيْء يَكُون شَرِيكًا لِفَاعِلِهِ فِي الْأَجْر كَمَا سَبَقَ فِي كِتَاب الْعِلْم فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث اِبْن مَسْعُود الَّذِي أَوَّله \" لَا حَسَد إِلَّا فِي اِثْنَتَيْنِ \" فَإِنَّ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر التَّصْرِيح بِأَنَّ الْمُنْفِق وَالْمُتَمَنِّي إِذَا كَانَ صَادِق النِّيَّة فِي الْأَجْر سَوَاء , وَكَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مَنْ سَنَّ سُنَّة حَسَنَة فَلَهُ أَجْرهَا وَأَجْر مَنْ يَعْمَل بِهَا مِنْ غَيْر أَنْ يَنْقُص مِنْ أَجْره شَيْء \" فَإِنَّ الْفُقَرَاء فِي هَذِهِ الْقِصَّة كَانُوا السَّبَب فِي تَعَلُّم الْأَغْنِيَاء الذِّكْر الْمَذْكُور , فَإِذَا اِسْتَوَوْا مَعَهُمْ فِي قَوْلُهُ اِمْتَازَ الْفُقَرَاء بِأَجْرِ السَّبَب مُضَافًا إِلَى التَّمَنِّي , فَلَعَلَّ ذَلِكَ يُقَاوِم التَّقَرُّب بِالْمَالِ , وَتَبْقَى الْمُقَايَسَة بَيْن صَبْر الْفَقِير عَلَى شَظَف الْعَيْش وَشُكْر الْغَنِيّ عَلَى التَّنَعُّم بِالْمَالِ , وَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ التَّرَدُّد فِي تَفْضِيل أَحَدهمَا عَلَى الْآخَر , وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَة إِلَى ذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث \" الطَّاعِم الشَّاكِر مِثْل الصَّائِم الصَّابِر \" فِي كِتَاب الْأَطْعِمَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْعَالِم إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَة يَقَع فِيهَا الْخِلَاف أَنْ يُجِيب بِمَا يَلْحَق بِهِ الْمَفْضُول دَرَجَة الْفَاضِل , وَلَا يُجِيب بِنَفْسِ , الْفَاضِل لِئَلَّا يَقَع الْخِلَاف , كَذَا قَالَ اِبْن بَطَّال , وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَابَ بِقَوْلِهِ \" أَلَا أَدُلّكُمْ عَلَى أَمْر تُسَاوُونَهُمْ فِيهِ \" وَعَدَلَ عَنْ قَوْلُهُ نَعَمْ هُمْ أَفْضَل مِنْكُمْ بِذَلِكَ. وَفِيهِ التَّوْسِعَة فِي الْغِبْطَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرهَا فِي كِتَاب الْعِلْم , وَالْفَرْق بَيْنهَا وَبَيْن الْحَسَد الْمَذْمُوم. وَفِيهِ الْمُسَابَقَة إِلَى الْأَعْمَال الْمُحَصِّلَة لِلدَّرَجَاتِ الْعَالِيَة لِمُبَادَرَةِ الْأَغْنِيَاء إِلَى الْعَمَل بِمَا بَلَغَهُمْ , وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ قَوْلُهُ \" إِلَّا مَنْ عَمِلَ \" عَامّ لِلْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاء خِلَافًا لِمَنْ أَوَّلَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّ الْعَمَل السَّهْل قَدْ يُدْرِك بِهِ صَاحِبه فَضْل الْعَمَل الشَّاقّ. وَفِيهِ فَضْل الذِّكْر عَقِب الصَّلَوَات , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيّ عَلَى فَضْل الدُّعَاء عَقِيب الصَّلَاة كَمَا سَيَأْتِي فِي الدَّعَوَات لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهَا , وَلِأَنَّهَا أَوْقَات فَاضِلَة يُرْتَجَى فِيهَا إِجَابَة الدُّعَاء. وَفِيهِ أَنَّ الْعَمَل الْقَاصِر قَدْ يُسَاوِي الْمُتَعَدِّي خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّ الْمُتَعَدِّي أَفْضَل مُطْلَقًا , نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْخ عِزّ الدِّين بْن عَبْد السَّلَام. ‏"
    },
    {
        "id": "799",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَرَّادٍ ‏ ‏كَاتِبِ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ أَمْلَى عَلَيَّ ‏ ‏الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ‏ ‏فِي كِتَابٍ إِلَى ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَقُولُ فِي ‏ ‏دُبُرِ ‏ ‏كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَرَّادٍ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏الْجَدُّ غِنًى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , وَرِجَال الْإِسْنَاد كُلّهمْ كُوفِيُّونَ إِلَّا مُحَمَّد بْن يُوسُف وَهُوَ الْفِرْيَابِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ وَرَّاد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ سُفْيَان عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَدَّثَنِي وَرَّاد \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن شُعْبَة ‏ ‏( فِي كِتَاب إِلَى مُعَاوِيَة ) ‏ ‏كَانَ الْمُغِيرَة إِذْ ذَاكَ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَة مِنْ قِبَل مُعَاوِيَة وَسَيَأْتِي فِي الدَّعَوَات مِنْ وَجْه آخَر عَنْ وَرَّاد بَيَان السَّبَب فِي ذَلِكَ , وَهُوَ أَنَّ مُعَاوِيَة كَتَبَ إِلَيْهِ : اُكْتُبْ لِي بِحَدِيثٍ سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي الْقَدَر مِنْ رِوَايَة عَبْدَة بْن أَبِي لُبَابَة عَنْ وَرَّاد قَالَ \" كَتَبَ مُعَاوِيَة إِلَى الْمُغِيرَة : اُكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول خَلْف الصَّلَاة \". قَدْ قَيَّدَهَا فِي رِوَايَة الْبَاب بِالْمَكْتُوبَةِ فَكَأَنَّ الْمُغِيرَة فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَرِينَة فِي السُّؤَال وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْعَمَل بِالْمُكَاتَبَةِ وَإِجْرَائِهَا مَجْرَى السَّمَاع فِي الرِّوَايَة وَلَوْ لَمْ تَقْتَرِن بِالْإِجَازَةِ. وَعَلَى الِاعْتِمَاد عَلَى خَبَر الشَّخْص الْوَاحِد. وَسَيَأْتِي فِي الْقَدَر فِي آخِره أَنَّ وَرَّادًا قَالَ \" ثُمَّ وَفَدْت بَعْد عَلَى مُعَاوِيَة فَسَمِعْته يَأْمُر النَّاس بِذَلِكَ \" وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ مُعَاوِيَة كَانَ قَدْ سَمِعَ الْحَدِيث الْمَذْكُور , وَإِنَّمَا أَرَادَ اِسْتِثْبَات الْمُغِيرَة وَاحْتَجَّ بِمَا فِي الْمُوَطَّأ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُعَاوِيَة أَنَّهُ كَانَ يَقُول عَلَى الْمِنْبَر \" أَيّهَا النَّاس , إِنَّهُ لَا مَانِع لِمَا أَعْطَى اللَّه , وَلَا مُعْطِي لِمَا مَنَعَ اللَّه , وَلَا يَنْفَع ذَا الْجَدّ مِنْهُ الْجَدّ. مِنْ يُرِدْ اللَّه بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّين. ثُمَّ يَقُول : سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْأَعْوَاد \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد ) ‏ ‏زَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الْمُغِيرَة \" يُحْيِي وَيُمِيت وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوت , بِيَدِهِ الْخَيْر - إِلَى - قَدِير \" وَرُوَاته مُوَثَّقُونَ. وَثَبَتَ مِثْله عِنْد الْبَزَّار مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْنِ عَوْف بِسَنَدٍ ضَعِيف , لَكِنْ فِي الْقَوْل إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَا يَنْفَع ذَا الْجَدّ مِنْك الْجَدّ ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْجَدّ الْغِنَى وَيُقَال الْحَظّ , قَالَ : وَ \" مِنْ \" فِي قَوْلُهُ \" مِنْك \" بِمَعْنَى الْبَدَل , قَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاء زَمْزَم شَرْبَة ‏ ‏مُبَرَّدَة بَاتَتْ عَلَى الطَّهَيَان ‏ ‏يُرِيد لَيْتَ لَنَا بَدَل مَاء زَمْزَم ا ه. وَفِي الصِّحَاح : مَعْنَى \" مِنْك \" هُنَا عِنْدك , أَيْ لَا يَنْفَع ذَا الْغِنَى عِنْدك غِنَاهُ , إِنَّمَا يَنْفَعهُ الْعَمَل الصَّالِح. وَقَالَ اِبْن التِّين : الصَّحِيح عِنْدِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَعْنَى الْبَدَل وَلَا عِنْد , بَلْ هُوَ كَمَا تَقُول : وَلَا يَنْفَعك مِنِّي شَيْء إِنْ أَنَا أَرَدْتُك بِسُوءٍ. وَلَمْ يَظْهَر مِنْ كَلَامه مَعْنًى , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا بِمَعْنَى عِنْد أَوْ فِيهِ حَذْف تَقْدِيره مِنْ قَضَائِي أَوْ سَطْوَتِي أَوْ عَذَابِي. وَاخْتَارَ الشَّيْخ جَمَال الدِّين فِي الْمُغْنِي الْأَوَّلَ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : قَوْلُهُ مِنْك يَجِب أَنْ يَتَعَلَّق بِيَنْفَعُ , وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون يَنْفَع قَدْ ضُمِّنَ مَعْنَى يَمْنَع وَمَا قَارَبَهُ , وَلَا يَجُوز أَنْ يَتَعَلَّق مِنْك بِالْجَدِّ كَمَا يُقَال حَظِّي مِنْك كَثِير لِأَنَّ ذَلِكَ نَافِع ا ه. وَالْجَدّ مَضْبُوط فِي جَمِيع الرِّوَايَات بِفَتْحِ الْجِيم وَمَعْنَاهُ الْغِنَى كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّف عَنْ الْحَسَن , أَوْ الْحَظّ. وَحَكَى الرَّاغِب أَنَّ الْمُرَاد بِهِ هُنَا أَبُو الْأَب , أَيْ لَا يَنْفَع أَحَدًا نَسَبه. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : حُكِيَ عَنْ أَبِي عَمْرو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّهُ رَوَاهُ بِالْكَسْرِ وَقَالَ : مَعْنَاهُ لَا يَنْفَع ذَا الِاجْتِهَاد اِجْتِهَاده. وَأَنْكَرَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ الْقَزَّاز فِي تَوْجِيه إِنْكَاره : الِاجْتِهَاد فِي الْعَمَل نَافِع لِأَنَّ اللَّه قَدْ دَعَا الْخَلْق إِلَى ذَلِكَ , فَكَيْف لَا يَنْفَع عِنْده ؟ قَالَ : فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَنْفَع الِاجْتِهَاد فِي طَلَب الدُّنْيَا وَتَضْيِيع أَمْر الْآخِرَة. وَقَالَ غَيْره : لَعَلَّ الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَنْفَع بِمُجَرَّدِهِ مَا لَمْ يُقَارِنهُ الْقَبُول , وَذَلِكَ لَا يَكُون إِلَّا بِفَضْلِ اللَّه وَرَحْمَته , كَمَا تَقَدَّمَ فِي شَرْح قَوْلُهُ \" لَا يُدْخِل أَحَدًا مِنْكُمْ الْجَنَّةَ عَمَلُهُ \" وَقِيلَ الْمُرَاد عَلَى رِوَايَة الْكَسْر السَّعْي التَّامّ فِي الْحِرْص أَوْ الْإِسْرَاع فِي الْهَرَب. قَالَ النَّوَوِيّ : الصَّحِيح الْمَشْهُور الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّهُ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الْحَظّ فِي الدُّنْيَا بِالْمَالِ أَوْ الْوَلَد أَوْ الْعَظَمَة أَوْ السُّلْطَان , وَالْمَعْنَى لَا يُنَجِّيه حَظّه مِنْك , وَإِنَّمَا يُنَجِّيه فَضْلك وَرَحْمَتك. وَفِي الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب هَذَا الذِّكْر عَقِب الصَّلَوَات لِمَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَلْفَاظ التَّوْحِيد وَنِسْبَة الْأَفْعَال إِلَى اللَّه وَالْمَنْع وَالْإِعْطَاء وَتَمَام الْقُدْرَة , وَفِيهِ الْمُبَادَرَة إِلَى اِمْتِثَال السُّنَن وَإِشَاعَتهَا. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏اُشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَة فِي الذِّكْر الْمَذْكُور زِيَادَة \" وَلَا رَادّ لِمَا قَضَيْت \" وَهِيَ فِي مُسْنَد عَبْد بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ رِوَايَة مَعْمَر عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر بِهَذَا الْإِسْنَاد , لَكِنْ حَذَفَ قَوْلُهُ \" وَلَا مُعْطِي لِمَا مَنَعْت \" وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ تَامًّا مِنْ وَجْه آخَر كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَاب الْقَدَر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق هُشَيْمٍ عَنْ عَبْد الْمَلِك بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَنَّهُ كَانَ يَقُول الذِّكْر الْمَذْكُور أَوَّلًا ثَلَاث مَرَّات. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ شُعْبَة عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر بِهَذَا ) ‏ ‏وَصَلَهُ السَّرَّاج فِي مُسْنَده , وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاء , وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق مُعَاذ بْن مُعَاذ عَنْ شُعْبَة وَلَفْظه عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر \" سَمِعْت وَرَّادًا كَاتِب الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة أَنَّ الْمُغِيرَة كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَة \" فَذَكَرَهُ. وَفِي قَوْلُهُ \" كَتَبَ \" تَجَوُّز لِمَا تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان وَغَيْره أَنَّ الْكَاتِب هُوَ وَرَّاد , لَكِنَّهُ كَتَبَ بِأَمْرِ الْمُغِيرَة وَإِمْلَائِهِ عَلَيْهِ. وَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَبْدَة عَنْ وَرَّاد قَالَ \" كَتَبَ الْمُغِيرَة إِلَى مُعَاوِيَة , كَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَاب لَهُ وَرَّاد \" فَجَمَعَ بَيْن الْحَقِيقَة وَالْمَجَاز. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَن جَدّ غِنَى ) ‏ ‏الْأَوْلَى فِي قِرَاءَة هَذَا الْحَرْف أَنْ يُقْرَأ بِالرَّفْعِ بِغَيْرِ تَنْوِين عَلَى الْحِكَايَة , وَيَظْهَر ذَلِكَ مِنْ لَفْظ الْحَسَن , فَقَدْ وَصَلَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق أَبِي رَجَاء وَعَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ الْحَسَن فِي قَوْلُهُ تَعَالَى ( وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا ) قَالَ : غِنَى رَبّنَا. وَعَادَة الْبُخَارِيّ إِذَا وَقَعَ فِي الْحَدِيث لَفْظَة غَرِيبَة وَقَعَ مِثْلهَا فِي الْقُرْآن يَحْكِي قَوْل أَهْل التَّفْسِير فِيهَا وَهَذَا مِنْهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة \" قَالَ الْحَسَنُ : الْجَدّ غِنَى \" وَسَقَطَ هَذَا الْأَثَر مِنْ أَكْثَر الرِّوَايَات. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَعَنْ الْحَكَم ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ التَّعْلِيق عَنْ الْحَكَم مُؤَخَّرًا عَنْ أَثَر الْحَسَن , وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة بِالْعَكْسِ وَهُوَ الْأَصْوَب , لِأَنَّ قَوْلُهُ وَعَنْ الْحَكَم مَعْطُوف عَلَى قَوْلُهُ عَنْ عَبْد الْمَلِك , فَهُوَ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ الْحَكَم أَيْضًا , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ السَّرَّاج وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْن حِبَّان بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَى شُعْبَة وَلَفْظه كَلَفْظِ عَبْد الْمَلِك إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ \" كَانَ إِذَا قَضَى صَلَاته وَسَلَّمَ قَالَ \" فَذَكَرَهُ , وَوَقَعَ نَحْو هَذَا التَّصْرِيح لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق الْمُسَيِّب بْن رَافِع عَنْ وَرَّاد بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "800",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "801",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَاةَ الصُّبْحِ ‏ ‏بِالْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏إِثْرِ سَمَاءٍ ‏ ‏كَانَتْ مِنْ اللَّيْلَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ ‏ ‏أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ ‏ ‏بِنَوْءِ ‏ ‏كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "802",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى ‏ ‏شَطْرِ ‏ ‏اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمْ الصَّلَاةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "803",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَنُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِكَيْ يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنْ النِّسَاءِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ شِهَابٍ ‏ ‏كَتَبَ إِلَيْهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَتْنِي ‏ ‏هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْفِرَاسِيَّةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَتْ مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ يُسَلِّمُ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ فَيَدْخُلْنَ بُيُوتَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَتْنِي ‏ ‏هِنْدُ الْفِرَاسِيَّةُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَتْنِي ‏ ‏هِنْدُ الْفِرَاسِيَّةُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏هِنْدَ بِنْتَ الْحَارِثِ الْقُرَشِيَّةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏وَكَانَتْ تَحْتَ ‏ ‏مَعْبَدِ بْنِ الْمِقْدَادِ ‏ ‏وَهُوَ حَلِيفُ ‏ ‏بَنِي زُهْرَةَ ‏ ‏وَكَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَتْنِي ‏ ‏هِنْدُ الْقُرَشِيَّةُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِنْدٍ الْفِرَاسِيَّةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏امْرَأَةٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏حَدَّثَتْهُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ هِنْد بِنْت الْحَارِث ) ‏ ‏هِيَ تَابِعِيَّة وَلَا أَعْرِف عَنْهَا رَاوِيًا غَيْر الزُّهْرِيِّ , وَهِيَ مِنْ أَفْرَاد الْبُخَارِيّ عَنْ مُسْلِم , وَسَيَأْتِي الْخِلَاف فِي نِسْبَتهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ الزُّهْرِيُّ , وَهُوَ مَوْصُولًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. وَ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَنُرَى ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون أَيْ نُظَنّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ النِّسَاء ) ‏ ‏زَادَ فِي \" بَاب التَّسْلِيم \" مِنْ هَذَا الْوَجْه \" قَبْل أَنْ يُدْرِكهُنَّ مَنْ اِنْصَرَفَ مِنْ الْقَوْم \" أَيْ الرِّجَال , وَهُوَ لَفْظه فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن قَزَعَة الْآتِيَة بَعْد أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اِبْن أَبِي مَرْيَم ) ‏ ‏رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي \" الزُّهْرِيَّات \" لِمُحَمَّدِ بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ قَالَ \" حَدَّثَنَا سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ صَوَاحِبَاتهَا ) ‏ ‏جَمْع صَاحِبَة وَهِيَ لُغَة , وَالْمَشْهُور صَوَاحِب كَضَوَارِب وَضَارِبَة , وَقِيلَ هُوَ جَمْع صَوَاحِب وَهُوَ جَمْع صَاحِبَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَانَ يُسَلِّم ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة الْإِشَارَة إِلَى أَقَلّ مِقْدَار كَانَ يَمْكُثهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اِبْن وَهْب إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّد بْن سَلَمَة عَنْهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَلَفْظه \" أَنَّ النِّسَاء كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ قُمْنَ وَثَبَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ صَلَّى مِنْ الرِّجَال مَا شَاءَ اللَّه , فَإِذَا قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ الرِّجَال. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُثْمَان بْن عُمَر ) ‏ ‏سَيَأْتِي مَوْصُولًا بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الزُّبَيْدِيّ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَد الشَّامِيِّينَ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن سَالِم عَنْهُ بِتَمَامِهِ , وَفِيهِ \" أَنَّ النِّسَاء كُنَّ يَشْهَدْنَ الصَّلَاة مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاء فَانْصَرَفْنَ إِلَى بُيُوتهنَّ قَبْل أَنْ يَقُوم الرِّجَال \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ شُعَيْب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَمْزَة , وَابْن أَبِي عَتِيق هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه , وَرِوَايَتهمَا مَوْصُولَة فِي \" الزُّهْرِيَّات \" أَيْضًا. وَمُرَاد الْبُخَارِيّ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي نَسَب هِنْد وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْفِرَاسِيَّة نِسْبَة إِلَى بَنِي فِرَاس بِكَسْرِ الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء آخِره مُهْمَلَة وَهُمْ بَطْن مِنْ كِنَانَة , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْقُرَشِيَّة , فَمَنْ قَالَ مِنْ أَهْل النَّسَب إِنَّ كِنَانَة جِمَاع قُرَيْش فَلَا مُغَايَرَة بَيْن النِّسْبَتَيْنِ , وَمَنْ قَالَ إِنَّ جِمَاع قُرَيْش فِهْر بْن مَالِك فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِجْتِمَاع النِّسْبَتَيْنِ لِهِنْدٍ عَلَى أَنَّ إِحْدَاهُمَا بِالْأَصَالَةِ وَالْأُخْرَى بِالْمُخَالَفَةِ. وَأَشَارَ الْبُخَارِيّ بِرِوَايَةِ اللَّيْث الْأَخِيرَة إِلَى الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْل مَنْ قَالَ \" الْقُرَشِيَّة \" تَصْحِيف مِنْ الْفِرَاسِيَّة , لِقَوْلِهِ فِيهِ \" عَنْ اِمْرَأَة مِنْ قُرَيْش \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَنَّ اِمْرَأَة \" وَقَوْلُهُ فِيهِ \" عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" غَيْر مَوْصُولَة لِأَنَّهَا تَابِعِيَّة كَمَا تَقَدَّمَ , وَكَأَنَّ التَّقْصِير فِيهِ مِنْ يَحْيَى بْن سَعِيد وَهُوَ الْأَنْصَارِيّ , وَرِوَايَته عَنْ اِبْنِ شِهَاب مِنْ رِوَايَة الْأَقْرَان : وَفِي الْحَدِيث مُرَاعَاة الْإِمَام أَحْوَالَ الْمَأْمُومِينَ , وَالِاحْتِيَاط فِي اِجْتِنَاب مَا قَدْ يُفْضِي إِلَى الْمَحْذُور. وَفِيهِ اِجْتِنَاب مَوَاضِع التُّهَم , وَكَرَاهَة مُخَالَطَة الرِّجَال لِلنِّسَاءِ فِي الطُّرُقَات فَضْلًا عَنْ الْبُيُوت. وَمُقْتَضَى التَّعْلِيل الْمَذْكُور أَنَّ الْمَأْمُومِينَ إِذَا كَانُوا رِجَالًا فَقَطْ أَنْ لَا يُسْتَحَبّ هَذَا الْمُكْث , وَعَلَيْهِ حَمَلَ اِبْن قُدَامَةَ حَدِيث عَائِشَة \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُد إِلَّا مِقْدَار مَا يَقُول : اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَام وَمِنْك السَّلَام تَبَارَكْت يَا ذَا الْجَلَال وَالْإِكْرَام \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم : وَفِيهِ أَنَّ النِّسَاء كُنَّ يَحْضُرْنَ الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد , وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَة قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "804",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏الْعَصْرَ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا ‏ ‏فَتَخَطَّى رِقَابَ ‏ ‏النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ فَقَالَ ‏ ‏ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ ‏ ‏تِبْرٍ ‏ ‏عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَيْمُون الْعَلَّاف , وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عُمَر بْن سَعِيد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي حُسَيْن الْمَكِّيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عُقْبَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث النَّوْفَلِيّ , وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الزَّكَاة مِنْ رِوَايَة أَبِي عَاصِم عَنْ عُمَر بْن سَعِيد أَنَّ عُقْبَة بْن الْحَارِث حَدَّثَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَسَلَّمَ فَقَامَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" ثُمَّ قَامَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَفَزِعَ النَّاس ) ‏ ‏أَيْ خَافُوا , وَكَانَتْ تِلْكَ عَادَتهمْ إِذَا رَأَوْا مِنْهُ غَيْر مَا يَعْهَدُونَهُ خَشْيَة أَنْ يَنْزِل فِيهِمْ شَيْء يَسُوءهُمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَرَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَجِبُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَاصِم \" فَقُلْتُ أَوْ فَقِيلَ لَهُ \" وَهُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي , فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ فَقُلْتُ مَحْفُوظًا فَقَدْ تَعَيَّنَ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّحَابَة عَنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ذَكَرْت شَيْئًا مِنْ تِبْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة رَوْح عَنْ عُمَر بْن سَعِيد فِي أَوَاخِر الصَّلَاة \" ذَكَرْت وَأَنَا فِي الصَّلَاة \" وَفِي رِوَايَة أَبِي عَاصِم \" تِبْرًا مِنْ الصَّدَقَة \" وَالتِّبْر بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُون الْمُوَحَّدَة الذَّهَب الَّذِي لَمْ يُصَفّ وَلَمْ يُضْرَب , قَالَ الْجَوْهَرِيّ : لَا يُقَال إِلَّا لِلذَّهَبِ. وَقَدْ قَالَهُ بَعْضهمْ فِي الْفِضَّة. اِنْتَهَى. وَأَطْلَقَهُ بَعْضهمْ عَلَى جَمِيع جَوَاهِر الْأَرْض قَبْل أَنْ تُصَاغ أَوْ تُضْرَب حَكَاهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ عَنْ الْكِسَائِيّ , وَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْن دُرَيْد. وَقِيلَ هُوَ الذَّهَب الْمَكْسُور , حَكَاهُ اِبْن سِيدَهْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَحْبِسنِي ) ‏ ‏أَيْ يَشْغَلنِي التَّفَكُّر فِيهِ عَنْ التَّوَجُّه وَالْإِقْبَال عَلَى اللَّه تَعَالَى. وَفَهِمَ مِنْهُ اِبْن بَطَّال مَعْنَى آخَر فَقَالَ : فِيهِ أَنَّ تَأْخِير الصَّدَقَة تَحْبِس صَاحِبهَا يَوْم الْقِيَامَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَمَرْت بِقِسْمَتِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَاصِم \" فَقَسَمْته \" وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الْمُكْث بَعْد الصَّلَاة لَيْسَ بِوَاجِبٍ , وَأَنَّ التَّخَطِّي لِلْحَاجَةِ مُبَاحٌ , وَأَنَّ التَّفَكُّر فِي الصَّلَاة فِي أَمْرٍ لَا يَتَعَلَّق بِالصَّلَاةِ لَا يُفْسِدهَا وَلَا يُنْقِص مِنْ كَمَالِهَا , وَأَنَّ إِنْشَاء الْعَزْم فِي أَثْنَاء الصَّلَاة عَلَى الْأُمُور الْجَائِزَة لَا يَضُرّ , وَفِيهِ إِطْلَاق الْفِعْل عَلَى مَا يَأْمُر بِهِ الْإِنْسَان , وَجَوَاز الِاسْتِنَابَة مَعَ الْقُدْرَة عَلَى الْمُبَاشَرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "805",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ ‏ ‏لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عُمَارَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش \" سَمِعْت عُمَارَة بْن عُمَيْر \" وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ كُوفِيُّونَ فِي نَسَق آخِرُهُمْ الْأَسْوَد وَهُوَ اِبْن يَزِيد النَّخَعِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا يَجْعَل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَا يَجْعَلَنَّ \" بِزِيَادَةِ نُون التَّأْكِيد. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( شَيْئًا مِنْ صَلَاته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وَكِيع وَغَيْره عَنْ الْأَعْمَش عِنْد مُسْلِم \" جُزْءًا مِنْ صَلَاته \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَرَى ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله أَيْ يَعْتَقِد , وَيَجُوز الضَّمّ أَيْ يُظَنّ. وَ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ ) ‏ ‏هُوَ بَيَان لِلْجَعْلِ فِي قَوْلُهُ \" لَا يَجْعَل \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنْ لَا يَنْصَرِف ) ‏ ‏أَيْ يَرَى أَنَّ عَدَم الِانْصِرَاف حَقّ عَلَيْهِ , فَهُوَ مِنْ بَاب الْقَلْب قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ فِي الْجَوَاب عَنْ اِبْتِدَائِهِ بِالنَّكِرَةِ قَالَ : أَوْ لِأَنَّ النَّكِرَة الْمَخْصُوصَة كَالْمَعْرُوفَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَثِيرًا يَنْصَرِف عَنْ يَسَاره ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَكْثَر مَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْصَرِف عَنْ شِمَاله \" فَأَمَّا رِوَايَة الْبُخَارِيّ فَلَا تُعَارِض حَدِيث أَنَس الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ عِنْد مُسْلِم , وَأَمَّا رِوَايَة مُسْلِم فَظَاهِرَة التَّعَارُض لِأَنَّهُ عَبَّرَ فِي كُلّ مِنْهُمَا بِصِيغَةِ أَفْعَل , قَالَ النَّوَوِيّ : يُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَل تَارَة هَذَا وَتَارَة هَذَا , فَأَخْبَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا اِعْتَقَدَ أَنَّهُ الْأَكْثَر , وَإِنَّمَا كَرِهَ اِبْن مَسْعُود أَنْ يُعْتَقَد وُجُوب الِانْصِرَاف عَنْ الْيَمِين. قُلْتُ : وَهُوَ مُوَافِق لِلْأَثَرِ الْمَذْكُور أَوَّلًا عَنْ أَنَس , وَيُمْكِن أَنْ يُجْمَع بَيْنهمَا بِوَجْهٍ آخَر , وَهُوَ أَنْ يُحْمَل حَدِيث اِبْن مَسْعُود عَلَى حَالَة الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد , لِأَنَّ حُجْرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ مِنْ جِهَة يَسَاره , وَيُحْمَل حَدِيث أَنَس عَلَى مَا سِوَى ذَلِكَ كَحَالِ السَّفَر , ثُمَّ إِذَا تَعَارَضَ اِعْتِقَاد اِبْن مَسْعُود وَأَنَس رُجِّحَ اِبْن مَسْعُود لِأَنَّهُ أَعْلَم وَأَسَنّ وَأَجَلّ وَأَكْثَر مُلَازَمَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقْرَب إِلَى مَوْقِفه فِي الصَّلَاة مِنْ أَنَس , وَبَانَ فِي إِسْنَاد حَدِيث أَنَس مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ وَهُوَ السُّدِّيّ , وَبِأَنَّهُ مُتَّفَق عَلَيْهِ بِخِلَافِ حَدِيث أَنَس فِي الْأَمْرَيْنِ , وَبِأَنَّ رِوَايَة اِبْن مَسْعُود تُوَافِق ظَاهِر الْحَال لِأَنَّ حُجْرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ عَلَى جِهَة يَسَاره كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ يُمْكِن الْجَمْع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ بِوَجْهٍ آخَر , وَهُوَ أَنَّ مَنْ قَالَ كَانَ أَكْثَر اِنْصِرَافه عَنْ يَسَاره نَظَرَ إِلَى هَيْئَته فِي حَال الصَّلَاة , وَمَنْ قَالَ كَانَ أَكْثَر اِنْصِرَافه عَنْ يَمِينه نَظَرَ إِلَى هَيْئَته فِي حَالَة اِسْتِقْبَاله الْقَوْم بَعْد سَلَامه مِنْ الصَّلَاة , فَعَلَى هَذَا لَا يَخْتَصّ الِانْصِرَاف بِجِهَةٍ مُعَيَّنَة , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْعُلَمَاء. يُسْتَحَبّ الِانْصِرَاف إِلَى جِهَة حَاجَته. لَكِنْ قَالُوا : إِذَا اِسْتَوَتْ الْجِهَتَانِ فِي حَقّه فَالْيَمِينُ أَفْضَلُ لِعُمُومِ الْأَحَادِيث الْمُصَرِّحَة بِفَضْلِ التَّيَامُن كَحَدِيثِ عَائِشَة الْمُتَقَدِّم فِي كِتَاب الطَّهَارَة. قَالَ اِبْن الْمُنِير : فِيهِ أَنَّ الْمَنْدُوبَات قَدْ تَنْقَلِب مَكْرُوهَات إِذَا رُفِعَتْ عَنْ رُتْبَتهَا , لِأَنَّ التَّيَامُن مُسْتَحَبّ فِي كُلّ شَيْء أَيْ مِنْ أُمُور الْعِبَادَة , لَكِنْ لَمَّا خَشِيَ اِبْن مَسْعُود أَنْ يَعْتَقِدُوا وُجُوبه أَشَارَ إِلَى كَرَاهَته , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "806",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فِي ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ‏ ‏يَعْنِي الثُّومَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان وَعُبَيْد اللَّه هُوَ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ فِي غَزْوَة خَيْبَر ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيّ أَيْ حِين أَرَادَ الْخُرُوج أَوْ حِين قَدِمَ. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ الصَّوَاب أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي الْغُزَاة نَفْسهَا , قَالَ وَلَا ضَرُورَة تَمْنَع أَنْ يُخْبِرهُمْ بِذَلِكَ فِي السَّفَر. اِنْتَهَى. فَكَأَنَّ الَّذِي حَمَلَ الدَّاوُدِيّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيث \" فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدنَا \" لِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِهِ مَسْجِد الْمَدِينَة فَلِهَذَا حُمِلَ الْخَبَر عَلَى اِبْتِدَاء التَّوَجُّه إِلَى خَيْبَر أَوْ الرُّجُوع إِلَى الْمَدِينَة , لَكِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد مُسْلِم دَالّ عَلَى أَنَّ الْقَوْل الْمَذْكُور صَدَرَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقِب فَتْح خَيْبَر فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ مَسْجِدنَا يُرِيد بِهِ الْمَكَان الَّذِي أُعِدَّ لِيُصَلِّيَ فِيهِ مُدَّة إِقَامَته هُنَاكَ أَوْ الْمُرَاد بِالْمَسْجِدِ الْجِنْس وَالْإِضَافَة إِلَى الْمُسْلِمِينَ أَيْ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِد الْمُسْلِمِينَ. وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة أَحْمَد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان فِيهِ بِلَفْظِ \" فَلَا يَقْرَبَنَّ الْمَسَاجِد \" وَنَحْوه لِمُسْلِمٍ وَهَذَا يَدْفَع قَوْل مَنْ خَصَّ النَّهْي بِمَسْجِدِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي , وَقَدْ حَكَاهُ اِبْن بَطَّال عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم وَوَهَّاهُ. وَفِي مُصَنَّف عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ هَلْ النَّهْي لِلْمَسْجِدِ الْحَرَام خَاصَّة أَوْ فِي الْمَسَاجِد ؟ قَالَ : لَا بَلْ فِي الْمَسَاجِد. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَة يَعْنِي الثُّوم ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِف الْقَائِل يَعْنِي وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر , فَقَدْ رَوَاهُ السَّرَّاج مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن الْهَادِي عَنْ نَافِع بِدُونِهَا وَلَفْظه \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْل الثُّوم يَوْم خَيْبَر \" وَزَادَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اِبْن نُمَيْر عَنْ عُبَيْد اللَّه \" حَتَّى يَذْهَب رِيحهَا \". وَفِي قَوْلُهُ شَجَرَة مَجَاز لِأَنَّ الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة أَنَّ الشَّجَرَة مَا كَانَ لَهَا سَاقٌ وَمَا لَا سَاقَ لَهُ يُقَال لَهُ نَجْم , وَبِهَذَا فَسَّرَ اِبْن عَبَّاسٍ وَغَيْره قَوْلُهُ تَعَالَى ( وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ) ; وَمِنْ أَهْل اللُّغَة مَنْ قَالَ : كُلّ مَا ثَبَتَتْ لَهُ أَرُومَة , أَيْ أَصْل فِي الْأَرْض يَخْلُف مَا قُطِعَ مِنْهُ فَهُوَ شَجَرٌ , وَإِلَّا فَنَجْمٌ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيث إِطْلَاق الشَّجَر عَلَى الثُّوم وَالْعَامَّة لَا تَعْرِف الشَّجَرَ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ سَاق ا ه. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : بَيْن الشَّجَر وَالنَّجْم عُمُومٌ وَخُصُوصٌ , فَكُلّ نَجْمٍ شَجَرٌ مِنْ غَيْر عَكْس كَالشَّجَرِ وَالنَّخْل , فَكُلّ نَخْلٍ شَجَر مِنْ غَيْر عَكْس. ‏"
    },
    {
        "id": "807",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يُرِيدُ الثُّومَ فَلَا ‏ ‏يَغْشَانَا ‏ ‏فِي مَسَاجِدِنَا ‏ ‏قُلْتُ مَا ‏ ‏يَعْنِي بِهِ قَالَ مَا أُرَاهُ ‏ ‏يَعْنِي إِلَّا نِيئَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏إِلَّا نَتْنَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْمُسْنَدِيّ وَأَبُو عَاصِم هُوَ النَّبِيلِيّ وَهُوَ شَيْخ الْبُخَارِيّ وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا هُنَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يُرِيد الثُّوم ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِف الَّذِي فَسَّرَهُ أَيْضًا وَأَظُنّهُ اِبْن جُرَيْجٍ فَإِنَّ فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِي هَذِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاء الْجَزْم بِذِكْرِ الثُّوم. عَلَى أَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي سِيَاقه عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ \" مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَة الثُّوم \" وَقَالَ مَرَّة \" مَنْ أَكَلَ الْبَصَل وَالثُّوم وَالْكُرَّاث \" وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق رَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ مِثْله وَعَيَّنَ الَّذِي قَالَ , وَقَالَ مَرَّة وَلَفْظه : قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاء فِي وَقْت آخَر \" الثُّوم وَالْبَصَل وَالْكُرَّاث \" وَرَوَاهُ أَبُو الزُّبَيْر عَنْ جَابِر بِلَفْظِ \" نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْل الْبَصَل وَالْكُرَّاث \" قَالَ \" وَلَمْ يَكُنْ بِبَلَدِنَا يَوْمَئِذٍ الثُّوم \" هَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن إِبْرَاهِيم وَعَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْر. قُلْتُ : هَذَا لَا يُنَافِي التَّفْسِير الْمُتَقَدِّم إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِهِمْ أَنْ لَا يُجْلَب إِلَيْهِمْ , حَتَّى لَوْ اِمْتَنَعَ هَذَا الْحَمْل لَكَانَتْ رِوَايَة الْمُثْبِت مُقَدَّمَة عَلَى رِوَايَة النَّافِي , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَا يَغْشَانَا ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِصِيغَةِ النَّفْي الَّتِي يُرَاد بِهَا النَّهْي , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : أَوْ عَلَى لُغَة مَنْ يُجْرِي الْمُعْتَلّ مَجْرَى الصَّحِيح , أَوْ أَشْبَعَ الرَّاوِي الْفَتْحَة فَظَنَّ أَنَّهَا أَلِف. وَالْمُرَاد بِالْغَشَيَانِ الْإِتْيَان , أَيْ فَلَا يَأْتِينَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي مَسْجِدنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ وَأَبِي الْوَقْت \" مَسَاجِدنَا \" بِصِيغَةِ الْجَمْع. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قُلْتُ مَا يَعْنِي بِهِ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين الْقَائِل وَالْمَقُول لَهُ وَأَظُنّ السَّائِل اِبْن جُرَيْجٍ وَالْمَسْئُول عَطَاء , فِي مُصَنَّف عَبْد الرَّزَّاق مَا يُرْشِد إِلَى ذَلِكَ , وَجَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْقَائِل عَطَاء وَالْمَسْئُول جَابِر , وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِير فِي \" أُرَاهُ \" لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة أَيْ أَظُنّهُ , و \" نِيئَهُ \" تَقَدَّمَ ضَبْطه. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مَخْلَد بْن يَزِيد عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ إِلَّا نَتْنه ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق بَعْدهَا نُون أُخْرَى , وَلَمْ أَجِد طَرِيق مَخْلَد هَذِهِ مَوْصُولَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَخْرَجَ السَّرَّاج عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ مَخْلَد هَذَا الْحَدِيث لَكِنْ قَالَ \" عَنْ أَبِي الزُّبَيْر \" بَدَل عَطَاء عَنْ جَابِر , وَلَمْ يَذْكُر الْمَقْصُود مِنْ التَّعْلِيق الْمَذْكُور , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ \" أَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنْ هَذِهِ الْبَقْلَة الْخَبِيثَة أَوْ الْمُنْتِنَة \" فَإِنْ كَانَ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَمَا أَظُنّهُ إِلَّا تَصْحِيفًا , فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق رَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ كَمَا قَالَ أَبُو عَاصِم , وَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِلَفْظِ \" أُرَاهُ يَعْنِي النِّيئَة الَّتِي لَمْ تُطْبَخ \" وَكَذَا لِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي عَدِيّ عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظٍ \" يُرِيد النِّيء الَّذِي لَمْ يُطْبَخ \" وَهُوَ تَفْسِير لِلنِّيءِ بِأَنَّهُ الَّذِي لَمْ يُطْبَخ وَهُوَ حَقِيقَته كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ يُطْلَق عَلَى أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مَا لَمْ يَنْضَج فَيَدْخُل فِيهِ مَا طُبِخَ قَلِيلًا وَلَمْ يَبْلُغ النُّضْج. ‏"
    },
    {
        "id": "808",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏زَعَمَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ قَالَ فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ وَأَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا فَسَأَلَ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنْ الْبُقُولِ فَقَالَ قَرِّبُوهَا إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا قَالَ كُلْ فَإِنِّي ‏ ‏أُنَاجِي ‏ ‏مَنْ لَا ‏ ‏تُنَاجِي ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ وَهْبٍ ‏ ‏أُتِيَ ‏ ‏بِبَدْرٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏يَعْنِي طَبَقًا فِيهِ خَضِرَاتٌ ‏ ‏وَلَمْ يَذْكُرِ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏وَأَبُو صَفْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏قِصَّةَ الْقِدْرِ ‏ ‏فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَوْ فِي الْحَدِيثِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( زَعَمَ عَطَاء ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاح وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ \" عَنْ عَطَاء \" , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْنِ وَهْب \" حَدَّثَنِي عَطَاء \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَّ جَابِر بْن عَبْد اللَّه زَعَمَ ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمْ يَقُلْ زَعَمَ عَلَى وَجْه التُّهْمَة , لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ أَمْرًا مُخْتَلَفًا فِيهِ أَتَى بِلَفْظِ الزَّعْم لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظ لَا يَكَاد يُسْتَعْمَل إِلَّا فِي أَمْر يُرْتَاب بِهِ أَوْ يُخْتَلَف فِيهِ. قُلْتُ : وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الْقَوْل الْمُحَقَّق أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ , وَكَلَام الْخَطَّابِيِّ لَا يَنْفِي ذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة أَحْمَد بْن صَالِح الْآتِيَة عَنْ جَابِر وَلَمْ يَقُلْ \" زَعَمَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدنَا ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي وَهُوَ الزُّهْرِيُّ , وَلَمْ تَخْتَلِف الرُّوَاة عَنْهُ فِي ذَلِكَ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَوْ لِيَقْعُدْ فِي بَيْته ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ بِالشَّكِّ أَيْضًا , وَلِغَيْرِهِ \" وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْته \" بِوَاوِ الْعَطْف , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ , وَهِيَ أَخَصّ مِنْ الِاعْتِزَال لِأَنَّهُ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون فِي الْبَيْت أَوْ غَيْره. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذَا حَدِيث آخَر , وَهُوَ مَعْطُوف عَلَى الْإِسْنَاد الْمَذْكُور , وَالتَّقْدِير وَحَدَّثَنَا سَعِيد بْن عُفَيْر بِإِسْنَادِهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ , وَقَدْ تَرَدَّدَ الْبُخَارِيّ فِيهِ هَلْ هُوَ مَوْصُول أَوْ مُرْسَل كَمَا سَيَأْتِي وَهَذَا الْحَدِيث الثَّانِي كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْحَدِيث الْأَوَّل بِسِتِّ سِنِينَ , لِأَنَّ الْأَوَّل تَقَدَّمَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر وَغَيْره أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة خَيْبَر وَكَانَتْ سَنَة سَبْع , وَهَذَا وَقَعَ فِي السَّنَة الْأُولَى عِنْد قُدُومه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة وَنُزُوله فِي بَيْت أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أُتِيَ بِقِدْرٍ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَهُوَ مَا يُطْبَخ فِيهِ , وَيَجُوز فِيهِ التَّأْنِيث وَالتَّذْكِير , وَالتَّأْنِيث أَشْهَر , لَكِنَّ الضَّمِير فِي قَوْلُهُ \" فِيهِ خَضِرَات \" يَعُود عَلَى الطَّعَام الَّذِي فِي الْقِدْر , فَالتَّقْدِير أُتِيَ بِقِدْرٍ مِنْ طَعَام فِيهِ خَضِرَات , وَلِهَذَا لَمَّا أَعَادَ الضَّمِير عَلَى الْقِدْر أَعَادَهُ بِالتَّأْنِيثِ حَيْثُ قَالَ \" فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا \" وَحَيْثُ قَالَ \" قَرِّبُوهَا \" وَقَوْلُهُ \" خُضَرَات \" بِضَمِّ الْخَاء وَفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَتَيْنِ كَذَا ضُبِطَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه وَهُوَ جَمْع خَضِرَة , وَيَجُوز مَعَ ضَمّ أَوَّله ضَمُّ الضَّاد وَتَسْكِينهَا أَيْضًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِلَى بَعْض أَصْحَابه ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ فِيهِ النَّقْل بِالْمَعْنَى , إِذْ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْهُ بِهَذَا اللَّفْظ بَلْ قَالَ قَرِّبُوهَا إِلَى فُلَان مَثَلًا , أَوْ فِيهِ حَذْف أَيْ قَالَ قَرِّبُوهَا مُشِيرًا أَوْ أَشَارَ إِلَى بَعْض أَصْحَابه. ‏ ‏قُلْتُ وَالْمُرَاد بِالْبَعْضِ أَبُو أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ , فَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب فِي قِصَّة نُزُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ قَالَ فَكَانَ يَصْنَع لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ - أَيْ بَعْد أَنْ يَأْكُل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ - سَأَلَ عَنْ مَوْضِع أَصَابِع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَصَنَعَ ذَلِكَ مَرَّة فَقِيلَ لَهُ : لَمْ يَأْكُل , وَكَانَ الطَّعَام فِيهِ ثُوم , فَقَالَ : أَحَرَام هُوَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : لَا وَلَكِنْ أَكْرَههُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي ) ‏ ‏أَيْ الْمَلَائِكَة , وَفِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان مِنْ وَجْه آخَر \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرْسِلَ إِلَيْهِ بِطَعَامٍ مِنْ خَضِرَة فِيهِ بَصَل أَوْ كُرَّاث فَلَمْ يَرَ فِيهِ أَثَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبِي أَنْ يَأْكُل , فَقَالَ لَهُ : مَا مَنَعَك ؟ قَالَ : لَمْ أَرَ أَثَر يَدك قَالَ : أَسْتَحِي مِنْ مَلَائِكَة اللَّه وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ \" وَلَهُمَا مِنْ حَدِيث أُمّ أَيُّوب قَالَتْ : نَزَلَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَكَلَّفْنَا لَهُ طَعَامًا فِيهِ بَعْض الْبُقُول , فَذَكَرَ الْحَدِيث نَحْوه وَقَالَ فِيهِ \" كُلُوا , فَإِنِّي لَسْت كَأَحَدٍ مِنْكُمْ , إِنِّي أَخَاف أُوذِيَ صَاحِبِي \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَحْمَد بْن صَالِح عَنْ اِبْنِ وَهْب أُتِيَ بِبَدْرٍ ) مُرَاده أَنَّ أَحْمَد بْن صَالِح خَالَفَ سَعِيد بْن عُفَيْر فِي هَذِهِ اللَّفْظَة فَقَطْ وَشَارَكَهُ فِي سَائِر الْحَدِيث عَنْ اِبْن وَهْب بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الِاعْتِصَام قَالَ \" حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن صَالِح \" فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ \" أُتِيَ بِبَدْرٍ \" وَفِيهِ قَوْل اِبْن وَهْب \" يَعْنِي طَبَقًا فِيهِ خَضِرَات \" , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَد بْن صَالِح , لَكِنْ أَخَّرَ تَفْسِير اِبْن وَهْب فَذَكَرَهُ بَعْد فَرَاغ الْحَدِيث. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي الطَّاهِر وَحَرْمَلَة كِلَاهُمَا عَنْ اِبْنِ وَهْب فَقَالَ \" بِقِدْرٍ \" بِالْقَافِ وَرَجَّحَ جَمَاعَة مِنْ الشُّرَّاح رِوَايَة أَحْمَد بْن صَالِح لِكَوْنِ اِبْن وَهْب فَسَّرَ \" الْبَدْر \" بِالطَّبَقِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ كَذَلِكَ , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ لَفْظَة \" بِقِدْرٍ \" تَصْحِيف لِأَنَّهَا تُشْعِر بِالطَّبْخِ وَقَدْ وَرَدَ الْإِذْن بِأَكْلِ الْبُقُول مَطْبُوخَة , بِخِلَافِ الطَّبَق فَظَاهِره أَنَّ الْبُقُول كَانَتْ فِيهِ نِيئَة. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ رِوَايَة \" الْقِدْر \" أَصَحّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب وَأُمّ أَيُّوب جَمِيعًا , فَإِنَّ فِيهِ التَّصْرِيح بِالطَّعَامِ , وَلَا تَعَارُض بَيْن اِمْتِنَاعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَكْل الثُّوم وَغَيْره مَطْبُوخًا وَبَيْن إِذْنه لَهُمْ فِي أَكْل ذَلِكَ مَطْبُوخًا , فَقَدْ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ \" إِنِّي لَسْت كَأَحَدٍ مِنْكُمْ \" وَتَرْجَمَ اِبْن خُزَيْمَةَ عَلَى حَدِيث أَبِي أَيُّوب ذَكَرَ مَا خَصَّ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِهِ مِنْ تَرْك أَكْل الثُّوم وَنَحْوه مَطْبُوخًا , وَقَدْ جَمَعَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ الَّذِي فِي الْقِدْر لَمْ يَنْضَج حَتَّى تَضْمَحِلّ رَائِحَته فَبَقِيَ فِي حُكْم النِّيء. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِبَدْرٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَهُوَ الطَّبَق , سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِدَارَتِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالْقَمَرِ عِنْد كَمَالِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَذْكُر اللَّيْث وَأَبُو صَفْوَان عَنْ يُونُس قِصَّة الْقِدْر ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة اللَّيْث فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي صَفْوَان وَهُوَ الْأُمَوِيّ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْأَطْعِمَة عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْحَدِيث الْأَوَّل وَكَذَا اِقْتَصَرَ عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيِّ كَمَا أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَا أَدْرِي إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ كَلَام الْبُخَارِيّ , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَلَام أَحْمَد بْن صَالِح أَوْ مَنْ فَوْقه , وَقَدْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الْأَصْل أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْحَدِيث مُتَّصِلًا بِهِ فَهُوَ مِنْهُ حَتَّى يَجِيء الْبَيَان الْوَاضِح بِأَنَّهُ مُدْرَج فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "809",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏مَا سَمِعْتَ نَبِيَّ اللَّه ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ فِي الثُّومِ فَقَالَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا أَوْ لَا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏هُوَ اِبْن صهيب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( سَأَلَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَته , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى إِطْلَاق الشَّجَرَة عَلَى الثُّوم , وَقَوْلُهُ \" فَلَا يَقْرَبَنَّ \" بِفَتْحِ الرَّاء وَالْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد النُّون , وَلَيْسَ فِي هَذَا تَقْيِيد النَّهْي بِالْمَسْجِدِ فَيُسْتَدَلّ بِعُمُومِهِ عَلَى إِلْحَاق الْمَجَامِع بِالْمَسَاجِدِ كَمُصَلَّى الْعِيد وَالْجِنَازَة وَمَكَان الْوَلِيمَة , وَقَدْ أَلْحَقَهَا بَعْضهمْ بِالْقِيَاسِ وَالتَّمَسُّك بِهَذَا الْعُمُوم أَوْلَى , وَنَظِيره قَوْلُهُ \" وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْته \" كَمَا تَقَدَّمَ , لَكِنْ قَدْ عُلِّلَ الْمَنْع فِي الْحَدِيث بِتَرْكِ أَذَى الْمَلَائِكَة وَتَرْك أَذَى الْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ كَانَ كُلّ مِنْهُمَا جُزْء عِلَّة اِخْتَصَّ النَّهْي بِالْمَسَاجِدِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا , وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَر , وَإِلَّا لَعَمَّ النَّهْي كُلّ مَجْمَع كَالْأَسْوَاقِ , وَيُؤَيِّد هَذَا الْبَحْث قَوْلُهُ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد مُسْلِم \" مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَة شَيْئًا فَلَا يَقْرَبنَا فِي الْمَسْجِد \" قَالَ الْقَاضِي اِبْن الْعَرَبِيّ : ذِكْر الصِّفَة فِي الْحُكْم يَدُلّ عَلَى التَّعْلِيل بِهَا , وَمِنْ ثَمَّ رَدَّ عَلَى الْمَازِرِيّ حَيْثُ قَالَ : لَوْ أَنَّ جَمَاعَة مَسْجِد أَكَلُوا كُلّهمْ مَا لَهُ رَائِحَة كَرِيهَة لَمْ يُمْنَعُوا مِنْهُ , بِخِلَافِ مَا إِذَا أَكَلَ بَعْضهمْ , لِأَنَّ الْمَنْع لَمْ يَخْتَصّ بِهِمْ بَلْ بِهِمْ وَبِالْمَلَائِكَةِ , وَعَلَى هَذَا يَتَنَاوَل الْمَنْع مَنْ تَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَدَخَلَ الْمَسْجِد مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ وَحْده. وَاسْتُدِلَّ بِأَحَادِيث الْبَاب عَلَى أَنَّ صَلَاة الْجَمَاعَة لَيْسَتْ فَرْض عَيْن. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد لِأَنَّ اللَّازِم مِنْ مَنْعه أَحَد أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُون أَكْل هَذِهِ الْأُمُور مُبَاحًا فَتَكُون صَلَاة الْجَمَاعَة لَيْسَتْ فَرْض عَيْن , أَوْ حَرَامًا فَتَكُون صَلَاة الْجَمَاعَة فَرْضًا. وَجُمْهُور الْأُمَّة عَلَى إِبَاحَة أَكْلهَا فَيَلْزَم أَنْ لَا تَكُون الْجَمَاعَة فَرْض عَيْن. وَتَقْرِيره أَنْ يُقَال : أَكْل هَذِهِ الْأُمُور جَائِز , وَمِنْ لَوَازِمه تَرْك صَلَاة الْجَمَاعَة , وَتَرْك الْجَمَاعَة فِي حَقّ آكِلهَا جَائِز , وَلَازِم الْجَائِز جَائِز وَذَلِكَ يُنَافِي الْوُجُوب. وَنُقِلَ عَنْ أَهْل الظَّاهِر أَوْ بَعْضهمْ تَحْرِيمُهَا بِنَاء عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَة فَرْض عَيْن , وَتَقْرِيره أَنْ يُقَال : صَلَاة الْجَمَاعَة فَرْض عَيْن , وَلَا تَتِمّ إِلَّا بِتَرْكِ أَكْلهَا , وَمَا لَا يَتِمّ الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب , فَتَرْك أَكْل هَذَا وَاجِب فَيَكُون حَرَامًا ا ه. وَكَذَا نَقَلَهُ غَيْره عَنْ أَهْل الظَّاهِر , لَكِنْ صَرَّحَ اِبْن حَزْم مِنْهُمْ بِأَنَّ أَكْلهَا حَلَال مَعَ قَوْلُهُ بِأَنَّ الْجَمَاعَة فَرْض عَيْن , وَانْفَصَلَ عَنْ اللُّزُوم الْمَذْكُور بِأَنَّ الْمَنْع مِنْ أَكْلهَا مُخْتَصّ بِمَنْ عَلِمَ بِخُرُوجِ الْوَقْت قَبْل زَوَال الرَّائِحَة. وَنَظِيره أَنَّ صَلَاة الْجُمُعَة فَرْض عَيْن بِشُرُوطِهَا , وَمَعَ ذَلِكَ تَسْقُط بِالسَّفَرِ. وَهُوَ فِي أَصْله مُبَاح , لَكِنْ يَحْرُم عَلَى مَنْ أَنْشَأَهُ بَعْد سَمَاع النِّدَاء. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد أَيْضًا : قَدْ يُسْتَدَلّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ أَكْل هَذِهِ الْأُمُور مِنْ الْأَعْذَار الْمُرَخِّصَة فِي تَرْك حُضُور الْجَمَاعَة , وَقَدْ يُقَال : إِنَّ هَذَا الْكَلَام خَرَجَ مَخْرَج الزَّجْر عَنْهَا فَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَكُون عُذْرًا فِي تَرْكهَا إِلَّا أَنْ تَدْعُو إِلَى أَكْلهَا ضَرُورَة. قَالَ : وَيَبْعُد هَذَا مِنْ وَجْه تَقْرِيبه إِلَى بَعْض أَصْحَابه , فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفِي الزَّجْر ا ه. وَيُمْكِن حَمْله عَلَى حَالَتَيْنِ , وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ الزَّجْر وَقَعَ فِي حَقّ مَنْ أَرَادَ إِتْيَان الْمَسْجِد , وَالْإِذْن فِي التَّقْرِيب وَقَعَ فِي حَالَة لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذَلِكَ , بَلْ لَمْ يَكُنْ الْمَسْجِد النَّبَوِيّ إِذْ ذَاكَ بُنِيَ , فَقَدْ قَدَّمْت أَنَّ الزَّجْر مُتَأَخِّر عَنْ قِصَّة التَّقْرِيب بِسِتِّ سِنِينَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَوَهَّمَ بَعْضهمْ أَنَّ أَكْل الثُّوم عُذْر فِي التَّخَلُّف عَنْ الْجَمَاعَة , وَإِنَّمَا هُوَ عُقُوبَة لِآكِلِهِ عَلَى فِعْله إِذْ حُرِمَ فَضْل الْجَمَاعَة ا ه. وَكَأَنَّهُ يَخُصّ الرُّخْصَة بِمَا لَا سَبَب لِلْمَرْءِ فِيهِ كَالْمَطَرِ مَثَلًا , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون أَكْلهَا حَرَامًا , وَلَا أَنَّ الْجَمَاعَة فَرْض عَيْن. وَاسْتَدَلَّ الْمُهَلَّب بِقَوْلِهِ \" فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي \" عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَة أَفْضَل مِنْ الْآدَمِيِّينَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ تَفْضِيل بَعْض الْأَفْرَاد عَلَى بَعْض تَفْضِيلُ الْجِنْس عَلَى الْجِنْس , وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ أَكْل ذَلِكَ حَرَامًا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ لَا ؟ وَالرَّاجِح الْحِلّ لِعُمُومِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ \" كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ مَالِكٍ قَالَ : الْفُجْل إِنْ كَانَ يَظْهَر رِيحُهُ فَهُوَ كَالثُّومِ. وَقَيَّدَهُ عِيَاضٌ بِالْجُشَاءِ. قُلْتُ : وَفِي الطَّبَرَانِيِّ الصَّغِير مِنْ حَدِيث أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر التَّنْصِيص عَلَى ذِكْر الْفُجْل فِي الْحَدِيث , لَكِنْ فِي إِسْنَاده يَحْيَى بْن رَاشِد وَهُوَ ضَعِيف. وَأَلْحَقَ بَعْضهمْ بِذَلِكَ مَنْ بِفِيهِ بَخْرٌ أَوْ بِهِ جُرْح لَهُ رَائِحَة. وَزَادَ بَعْضهمْ فَأَلْحَقَ أَصْحَاب الصَّنَائِع كَالسَّمَّاكِ , وَالْعَاهَات كَالْمَجْذُومِ , وَمَنْ يُؤْذِي النَّاس بِلِسَانِهِ , وَأَشَارَ اِبْن دَقِيق الْعِيد إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلّه تَوَسُّع غَيْر مَرْضِيّ. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏حُكْم رَحْبَة الْمَسْجِد وَمَا قَرُبَ مِنْهَا حُكْمه , وَلِذَلِكَ كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا وَجَدَ رِيحهَا فِي الْمَسْجِد أَمَرَ بِإِخْرَاجِ مَنْ وُجِدَتْ مِنْهُ إِلَى الْبَقِيع كَمَا ثَبَتَ فِي مُسْلِم عَنْ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ \" مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَة الْخَبِيثَة فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدنَا , ثَلَاثًا \". وَبَوَّبَ عَلَيْهِ \" تَوْقِيت النَّهْي عَنْ إِتْيَان الْجَمَاعَة لِآكِلِ الثُّوم \" وَفِيهِ نَظَر , لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون قَوْلُهُ \" ثَلَاثًا \" يَتَعَلَّق بِالْقَوْلِ , أَيْ قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا , بَلْ هَذَا هُوَ الظَّاهِر , لِأَنَّ عِلَّة الْمَنْع وُجُود الرَّائِحَة وَهِيَ لَا تَسْتَمِرّ هَذِهِ الْمُدَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "810",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيَّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الشَّعْبِيَّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَنْ مَرَّ ‏ ‏مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى قَبْرٍ ‏ ‏مَنْبُوذٍ ‏ ‏فَأَمَّهُمْ وَصَفُّوا عَلَيْهِ فَقُلْتُ يَا ‏ ‏أَبَا عَمْرٍو ‏ ‏مَنْ حَدَّثَكَ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "811",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ ‏ ‏مُحْتَلِمٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "812",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏كُرَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏لَيْلَةً فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ مِنْ ‏ ‏شَنٍّ ‏ ‏مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا ‏ ‏يُخَفِّفُهُ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏وَيُقَلِّلُهُ جِدًّا ‏ ‏ثُمَّ قَامَ ‏ ‏يُصَلِّي فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ فَأَتَاهُ الْمُنَادِي يَأْذَنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏ ‏قُلْنَا ‏ ‏لِعَمْرٍو ‏ ‏إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "813",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ جَدَّتَهُ ‏ ‏مُلَيْكَةَ ‏ ‏دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ فَأَكَلَ مِنْهُ فَقَالَ ‏ ‏قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لَبِثَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْيَتِيمُ مَعِي وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "814",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ ‏ ‏أَتَانٍ ‏ ‏وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ ‏ ‏نَاهَزْتُ ‏ ‏الِاحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي بِالنَّاسِ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ ‏ ‏الْأَتَانَ ‏ ‏تَرْتَعُ ‏ ‏وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "815",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَعْتَمَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَيَّاشٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَعْتَمَ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏قَدْ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ ‏ ‏يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ ‏ ‏يُصَلِّي غَيْرَ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "816",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ لَهُ رَجُلٌ شَهِدْتَ الْخُرُوجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ ‏ ‏يَعْنِي مِنْ صِغَرِهِ ‏ ‏أَتَى الْعَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ ‏ ‏كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ ‏ ‏ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُهْوِي بِيَدِهَا إِلَى حَلْقِهَا تُلْقِي فِي ثَوْبِ ‏ ‏بِلَالٍ ‏ ‏ثُمَّ أَتَى هُوَ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "817",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَعْتَمَ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْعَتَمَةِ ‏ ‏حَتَّى نَادَاهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ غَيْرُكُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَا يُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إِلَّا ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏وَكَانُوا يُصَلُّونَ ‏ ‏الْعَتَمَةَ ‏ ‏فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ ‏ ‏الشَّفَقُ ‏ ‏إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "818",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَنْظَلَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ حَنْظَلَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي سُفْيَان الْجُمَحِيُّ , وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه أَيْ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا اِسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِد ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر أَكْثَر الرُّوَاة عَنْ حَنْظَلَة قَوْلُهُ \" بِاللَّيْلِ \" كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَغَيْره , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم أَيْضًا , فَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف بَعْد بَابَيْنِ مِنْ رِوَايَة مَعْمَر وَمُسْلِم مِنْ رِوَايَة يُونُس بْن يَزِيد وَأَحْمَد مِنْ رِوَايَة عَقِيل وَالسَّرَّاج مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ كُلّهمْ مِنْ الزُّهْرِيِّ بِغَيْرِ تَقْيِيد , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي النِّكَاح عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِغَيْرِ قَيْد , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحه عَنْ يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَةَ مِثْله لَكِنْ قَالَ فِي آخِره \" يَعْنِي بِاللَّيْلِ \" وَبَيَّنَ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ عَبْد الْجَبَّار بْن الْعَلَاء أَنَّ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ هُوَ الْقَائِل \" يَعْنِي \" , وَلَهُ عَنْ سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ \" قَالَ نَافِع بِاللَّيْلِ \" , وَلَهُ عَنْ يَحْيَى بْن حَكِيم عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ \" جَاءَنَا رَجُل فَحَدَّثَنَا عَنْ نَافِع قَالَ : إِنَّمَا هُوَ بِاللَّيْلِ \" وَسَمَّى عَبْدُ الرَّزَّاق عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَةَ الرَّجُل الْمُبْهَم فَقَالَ بَعْد رِوَايَته عَنْ الزُّهْرِيِّ \" قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ وَحَدَّثَنَا عَبْد الْغَفَّار - يَعْنِي اِبْن الْقَاسِم - أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا جَعْفَر يَعْنِي الْبَاقِر يُخْبِر بِمِثْلِ هَذَا عَنْ اِبْنِ عُمَر , قَالَ فَقَالَ لَهُ نَافِع مَوْلَى اِبْن عُمَر : إِنَّمَا ذَلِكَ بِاللَّيْلِ \" وَكَأَنَّ اِخْتِصَاص اللَّيْل بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ أَسْتَر , وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ إِذَا أُمِنَتْ الْمَفْسَدَة مِنْهُنَّ وَعَلَيْهِنَّ , قَالَ النَّوَوِيّ : اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة لَا تَخْرُج مِنْ بَيْت زَوْجهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ لِتَوَجُّهِ الْأَمْر إِلَى الْأَزْوَاج بِالْإِذْنِ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد بِأَنَّهُ إِنْ أُخِذَ مِنْ الْمَفْهُوم فَهُوَ مَفْهُوم لَقَب وَهُوَ ضَعِيف , لَكِنْ يَتَقَوَّى بِأَنْ يُقَال : إِنَّ مَنْع الرِّجَالِ نِسَاءَهُمْ أَمْر مُقَرَّر , وَإِنَّمَا عُلِّقَ الْحُكْم بِالْمَسَاجِدِ لِبَيَانِ مَحَلّ الْجَوَاز فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْمَنْع , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْإِذْن الْمَذْكُور لِغَيْرِ الْوُجُوب , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَانْتَفَى مَعْنَى الِاسْتِئْذَان , لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّق إِذَا كَانَ الْمُسْتَأْذَن مُخَيَّرًا فِي الْإِجَابَة أَوْ الرَّدّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏ذَكَرَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَاف تَبَعًا لِخَلَفٍ وَأَبِي مَسْعُود أَنَّ هَذِهِ الْمُتَابَعَة وَقَعَتْ بَعْد رِوَايَة وَرْقَاء عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر بِهَذَا الْحَدِيث , وَلَمْ أَقِف عَلَى ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات الَّتِي اِتَّصَلَتْ لَنَا مِنْ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْمُتَابَعَة الْمَذْكُورَة عَقِب رِوَايَة حَنْظَلَة عَنْ سَالِم , وَقَدْ وَصَلَهَا أَحْمَد قَالَ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث بِزِيَادَةٍ سَيَأْتِي ذِكْرهَا قَرِيبًا. نَعَمْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ رِوَايَة وَرْقَاء فِي أَوَائِل كِتَاب الْجُمُعَة بِلَفْظِ \" اِئْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِد \" وَلَمْ يَذْكُر بَعْده مُتَابَعَة وَلَا غَيْرهَا , وَوَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى إِخْرَاجه مِنْ هَذَا الْوَجْه أَيْضًا وَزَادَ فِيهِ \" فَقَالَ لَهُ اِبْن لَهُ يُقَال لَهُ وَاقِد : إِذًا يَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا , قَالَ : فَضَرَبَ فِي صَدْره وَقَالَ : أُحَدِّثك عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُول لَا \" وَلَمْ أَرَ لِهَذِهِ الْقِصَّة ذِكْرًا فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ لِهَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ أَوْهَمَ صَنِيع صَاحِب الْعُمْدَة خِلَافَ ذَلِكَ , وَلَمْ يَتَعَرَّض لِبَيَانِ ذَلِكَ أَحَد مِنْ شُرَّاحه , وَأَظُنّ الْبُخَارِيَّ اِخْتَصَرَهَا لِلِاخْتِلَافِ فِي تَسْمِيَة اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر , فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْنِ عُمَر وَسَمَّى الِابْن بِلَالًا فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق كَعْب بْن عَلْقَمَة عَنْ بِلَال بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ \" لَا تَمْنَعُوا النِّسَاء حُظُوظهنَّ الْمَسَاجِد إِذَا اِسْتَأْذَنَّكُمْ , فَقَالَ بِلَال : وَاَللَّه لَنَمْنَعُهُنَّ \" الْحَدِيث. ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن هُبَيْرَة عَنْ بِلَال بْن عَبْد اللَّه نَحْوه وَفِيهِ \" فَقُلْتُ أَمَّا أَنَا فَسَأَمْنَعُ أَهْلِي , فَمَنْ شَاءَ فَلْيُسَرِّحْ أَهْله \" وَفِي رِوَايَة يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم فِي هَذَا الْحَدِيث \" قَالَ فَقَالَ بِلَال بْن عَبْد اللَّه : وَاَللَّه لَنَمْنَعهُنَّ \" وَمِثْله فِي رِوَايَة عَقِيل عِنْد أَحْمَد , وَعِنْده فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش الْمَذْكُورَة \" فَقَالَ سَالِم أَوْ بَعْض بَنِيهِ : وَاَللَّه لَا نَدَعهُنَّ يَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا \" الْحَدِيث. وَالرَّاجِح مِنْ هَذَا أَنَّ صَاحِب الْقِصَّة بِلَال لِوُرُودِ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَته نَفْسه وَمِنْ رِوَايَة أَخِيهِ سَالِم , وَلَمْ يُخْتَلَف عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا هَذِهِ الرِّوَايَة الْأَخِيرَة فَمَرْجُوحَة لِوُقُوعِ الشَّكّ فِيهَا , وَلَمْ أَرَهُ مَعَ ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات عَنْ الْأَعْمَش مُسَمًّى وَلَا عَنْ شَيْخه مُجَاهِد , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن مُهَاجِر وَابْن أَبِي نَجِيح وَلَيْث بْن أَبِي سُلَيْمٍ كُلّهمْ عَنْ مُجَاهِد وَلَمْ يُسَمِّهِ أَحَد مِنْهُمْ , فَإِنْ كَانَتْ رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار عَنْ مُجَاهِد مَحْفُوظَة فِي تَسْمِيَته وَاقِدًا فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كُلّ مِنْ بِلَال وَوَاقِد وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ إِمَّا فِي مَجْلِس أَوْ فِي مَجْلِسَيْنِ , وَأَجَابَ اِبْن عُمَر كُلًّا مِنْهُمَا بِجَوَابٍ يَلِيق بِهِ , وَيُقَوِّيه اِخْتِلَاف النَّقْلَة فِي جَوَاب اِبْن عُمَر , فَفِي رِوَايَة بِلَال عِنْد مُسْلِم \" فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْد اللَّه فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْته يَسُبّهُ مِثْله قَطُّ \" وَفَسَّرَ عَبْد اللَّه بْن هُبَيْرَة فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ السَّبّ الْمَذْكُور بِاللَّعْنِ ثَلَاث مَرَّات , وَفِي رِوَايَة زَائِدَة عَنْ الْأَعْمَش \" فَانْتَهَرَهُ وَقَالَ : أُفٍّ لَك \" وَلَهُ عَنْ اِبْنِ نُمَيْر عَنْ الْأَعْمَش \" فَعَلَ اللَّه بِك وَفَعَلَ \" وَمِثْله لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَة عِيسَى بْن يُونُس , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" فَزَبَرَهُ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة جَرِير \" فَسَبَّهُ وَغَضِبَ \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِلَال الْبَادِئ فَلِذَلِكَ أَجَابَهُ بِالسَّبِّ الْمُفَسَّر بِاللَّعْنِ , وَأَنْ يَكُون وَاقِد بَدَأَهُ فَلِذَلِكَ أَجَابَهُ بِالسَّبِّ الْمُفَسَّر بِالتَّأْفِيفِ مَعَ الدَّفْع فِي صَدْره , وَكَأَنَّ السِّرّ فِي ذَلِكَ أَنَّ بِلَالًا عَارَضَ الْخَبَر بِرَأْيِهِ وَلَمْ يَذْكُر عِلَّة الْمُخَالَفَة , وَوَافَقَهُ وَاقِد لَكِنْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ \" يَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة ثُمَّ الْمُعْجَمَة وَأَصْله الشَّجَر الْمُلْتَفّ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الْمُخَادَعَة لِكَوْنِ الْمُخَادِع يَلُفّ فِي ضَمِيره أَمْرًا وَيُظْهِر غَيْره , وَكَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا رَأَى مِنْ فَسَاد بَعْض النِّسَاء فِي ذَلِكَ الْوَقْت وَحَمَلَتْهُ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرَة , وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ اِبْن عُمَر لِتَصْرِيحِهِ بِمُخَالَفَةِ الْحَدِيث , وَإِلَّا فَلَوْ قَالَ مَثَلًا إِنَّ الزَّمَان قَدْ تَغَيَّرَ وَإِنَّ بَعْضهنَّ رُبَّمَا ظَهَرَ مِنْهُ قَصْد الْمَسْجِد وَإِضْمَار غَيْره لَكَانَ يَظْهَر أَنْ لَا يُنْكِر عَلَيْهِ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَتْ عَائِشَة بِمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيث الْأَخِير. وَأُخِذَ مِنْ إِنْكَار عَبْد اللَّه عَلَى وَلَده تَأْدِيب الْمُعْتَرِض عَلَى السُّنَن بِرَأْيِهِ , وَعَلَى الْعَالِم بِهَوَاهُ , وَتَأْدِيب الرَّجُلِ وَلَدَهُ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا إِذَا تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَنْبَغِي لَهُ , وَجَوَاز التَّأْدِيب بِالْهِجْرَانِ , فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد عِنْد أَحْمَد \" فَمَا كَلَّمَهُ عَبْد اللَّه حَتَّى مَاتَ \" وَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَحَدهمَا مَاتَ عَقِب هَذِهِ الْقِصَّة بِيَسِيرٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "819",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَتْنِي ‏ ‏هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهَا ‏ ‏أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَنْ صَلَّى مِنْ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَامَ الرِّجَالُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُمّ سَلَمَة \" أَنَّ النِّسَاء كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنْ الصَّلَاة قُمْنَ وَثَبَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قَدْ مَضَى الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَاخِر صِفَة الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "820",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ ‏ ‏مُتَلَفِّعَاتٍ ‏ ‏بِمُرُوطِهِنَّ ‏ ‏مَا يُعْرَفْنَ مِنْ ‏ ‏الْغَلَسِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة ‏ ‏\" إِنْ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصَلِّي الصُّبْح فَيَنْصَرِف النِّسَاء مُتَلَفِّعَات \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْمَوَاقِيت. ‏"
    },
    {
        "id": "821",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي لَأَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ ‏ ‏فَأَتَجَوَّزُ ‏ ‏فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ رَفَعَهُ ‏ ‏\" إِنِّي لَأَقُوم فِي الصَّلَاة \" ‏ ‏الْحَدِيث وَفِيهِ ‏ ‏\" فَأَتَجَوَّز فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَة أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمّه \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : هَذَا الْحَدِيث عَامّ فِي النِّسَاء , إِلَّا أَنَّ الْفُقَهَاء خَصُّوهُ بِشُرُوطٍ : مِنْهَا أَنْ لَا تَتَطَيَّب , وَهُوَ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَات \" قُلْتُ : هُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَكَسْر الْفَاء أَيْ غَيْر مُتَطَيِّبَات , وَيُقَال اِمْرَأَة تَفِلَة إِذَا كَانَتْ مُتَغَيِّرَة الرِّيح , وَهُوَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَعِنْد اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث زَيْد بْن خَالِد وَأَوَّله \" لَا تَمْنَعُوا إِمَاء اللَّه مَسَاجِدَ اللَّه \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث زَيْنَب اِمْرَأَة اِبْن مَسْعُود \" إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِد فَلَا تَمَسَّنَّ طِيبًا \" اِنْتَهَى. قَالَ : وَيَلْحَق بِالطِّيبِ مَا فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّ سَبَب الْمَنْع مِنْهُ مَا فِيهِ مِنْ تَحْرِيك دَاعِيَة الشَّهْوَة كَحُسْنِ الْمَلْبَس وَالْحُلِيّ الَّذِي يَظْهَر وَالزِّينَة الْفَاخِرَة وَكَذَا الِاخْتِلَاط بِالرِّجَالِ , وَفَرَّقَ كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء الْمَالِكِيَّة وَغَيْرهمْ بَيْن الشَّابَّة وَغَيْرهَا وَفِيهِ نَظَر , إِلَّا إِنْ أُخِذَ الْخَوْف عَلَيْهَا مِنْ جِهَتهَا لِأَنَّهَا إِذَا عَرِيَتْ مِمَّا ذُكِرَ وَكَانَتْ مُسْتَتِرَة حَصَلَ الْأَمْن عَلَيْهَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِاللَّيْلِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ صَلَاة الْمَرْأَة فِي بَيْتهَا أَفْضَل مِنْ صَلَاتهَا فِي الْمَسْجِد , وَذَلِكَ فِي رِوَايَة حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِد , وَبُيُوتهنَّ خَيْر لَهُنَّ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ. وَلِأَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أُمّ حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّة \" أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُول اللَّه , إِنِّي أُحِبّ الصَّلَاة مَعَك. قَالَ : قَدْ عَلِمْت , وَصَلَاتك فِي بَيْتك خَيْر لَك مِنْ صَلَاتك فِي حُجْرَتك , وَصَلَاتك فِي حُجْرَتك خَيْر مِنْ صَلَاتك فِي دَارك , وَصَلَاتك فِي دَارك خَيْر مِنْ صَلَاتك فِي مَسْجِد قَوْمك , وَصَلَاتك فِي مَسْجِد قَوْمك خَيْر مِنْ صَلَاتك فِي مَسْجِد الْجَمَاعَة \" وَإِسْنَاد أَحْمَد حَسَنٌ , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد أَبِي دَاوُدَ. وَوَجْه كَوْن صَلَاتهَا فِي الْإِخْفَاء أَفْضَل تَحَقُّق الْأَمْن فِيهِ مِنْ الْفِتْنَة , وَيَتَأَكَّد ذَلِكَ بَعْد وُجُود مَا أَحْدَثَ النِّسَاء مِنْ التَّبَرُّج وَالزِّينَة , وَمِنْ ثَمَّ قَالَتْ عَائِشَة مَا قَالَتْ , وَتَمَسَّكَ بَعْضهمْ بِقَوْلِ عَائِشَة فِي مَنْع النِّسَاء مُطْلَقًا وَفِيهِ نَظَر , إِذْ لَا يَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ تَغَيُّر الْحُكْم لِأَنَّهَا عَلَّقَتْهُ عَلَى شَرْط لَمْ يُوجَد بِنَاء عَلَى ظَنٍّ ظَنَّتْهُ فَقَالَتْ \" لَوْ رَأَى لَمَنَعَ \" فَيُقَال عَلَيْهِ : لَمْ يَرَ وَلَمْ يَمْنَع , فَاسْتَمَرَّ الْحُكْم حَتَّى أَنَّ عَائِشَة لَمْ تُصَرِّح بِالْمَنْعِ وَإِنْ كَانَ كَلَامهَا يُشْعِر بِأَنَّهَا كَانَتْ تَرَى الْمَنْع. وَأَيْضًا فَقَدْ عَلِمَ اللَّه سُبْحَانه مَا سَيُحْدِثْنَ فَمَا أَوْحَى إِلَى نَبِيّه بِمَنْعِهِنَّ , وَلَوْ كَانَ مَا أَحْدَثْنَ يَسْتَلْزِم مَنْعهنَّ مِنْ الْمَسَاجِد لَكَانَ مَنْعهنَّ مِنْ غَيْرهَا كَالْأَسْوَاقِ أَوْلَى. وَأَيْضًا فَالْإِحْدَاث إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ بَعْض النِّسَاء لَا مِنْ جَمِيعهنَّ , فَإِنْ تَعَيَّنَ الْمَنْع فَلْيَكُنْ لِمَنْ أَحْدَثَتْ , وَالْأَوْلَى أَنْ يُنْظَر إِلَى مَا يُخْشَى مِنْهُ الْفَسَاد فَيُجْتَنَب لِإِشَارَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَلِكَ بِمَنْعِ التَّطَيُّب وَالزِّينَة , وَكَذَلِكَ التَّقَيُّد بِاللَّيْلِ كَمَا سَبَقَ. ‏"
    },
    {
        "id": "822",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِعَمْرَةَ ‏ ‏أَوَمُنِعْنَ قَالَتْ نَعَمْ ‏",
        "sharh": "قَوْلُهُ فِي حَدِيث عَائِشَة آخِر أَحَادِيث الْبَاب ( كَمَا مُنِعَتْ نِسَاء بَنِي إِسْرَائِيل ) وَقَوْل عَمْرَة ‏ ‏( نَعَمْ ) ‏ ‏فِي جَوَاب سُؤَال يَحْيَى بْن سَعِيد لَهَا يَظْهَر أَنَّهَا تَلَقَّتْهُ عَنْ عَائِشَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَنْ غَيْرهَا , وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيث عُرْوَة عَنْ عَائِشَة مَوْقُوفًا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَادٍ صَحِيح وَلَفْظه \" قَالَتْ : كُنَّ نِسَاء بَنِي إِسْرَائِيل يَتَّخِذْنَ أَرْجُلًا مِنْ خَشَب يَتَشَرَّفْنَ لِلرِّجَالِ فِي الْمَسَاجِد , فَحَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِنَّ الْمَسَاجِد , وَسُلِّطَتْ عَلَيْهِنَّ الْحَيْضَة \" وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا فَحُكْمه حُكْم الرَّفْع لِأَنَّهُ لَا يُقَال بِالرَّأْيِ , وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق أَيْضًا نَحْوه بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَّل كِتَابه الْحَيْض. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة عَقِب الْحَدِيث الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَاب \" بَاب اِنْتِظَار النَّاس قِيَام الْإِمَام الْعَالِم \" وَكَذَا فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُعْتَمَدٍ إِذْ لَا تَعَلُّق لِذَلِكَ بِهَذَا الْمَوْضِع , بَلْ قَدْ تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعه مِنْ الْإِمَامَة بِمَعْنَاهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "823",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ وَيَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الرِّجَالِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "824",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَيْتِ ‏ ‏أُمِّ سُلَيْمٍ ‏ ‏فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ ‏ ‏وَأُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏خَلْفَنَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "825",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي الصُّبْحَ ‏ ‏بِغَلَسٍ ‏ ‏فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُعْرَفْنَ مِنْ ‏ ‏الْغَلَسِ ‏ ‏أَوْ لَا يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( سَعِيد بْن مَنْصُور ) ‏ ‏هُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا هُنَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَيَنْصَرِفْنَ ) ‏ ‏هُوَ عَلَى لُغَة بَنِي الْحَارِث , وَكَذَا قَوْلُهُ \" لَا يَعْرِفْنَ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا \" وَهَذَا فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ والْكُشْمِيهَنِيّ وَلِغَيْرِهِمَا \" لَا يَعْرِف \" بِالْإِفْرَادِ عَلَى الْجَادَّة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( نِسَاء الْمُؤْمِنِينَ ) ‏ ‏ذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْض النُّسَخ \" نِسَاء الْمُؤْمِنَات \" وَذَكَرَ تَوْجِيهه , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي أَبْوَاب الْمَوَاقِيت. ‏"
    },
    {
        "id": "826",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا اسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْنَعْهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "827",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الْأَعْرَجَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمْ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏غَدًا ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏بَعْدَ غَدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد عِنْد مُسْلِم \" نَحْنُ الْآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ \" أَيْ الْآخِرُونَ زَمَانًا الْأَوَّلُونَ مَنْزِلَة , وَالْمُرَاد أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّة وَإِنْ تَأَخَّرَ وُجُودهَا فِي الدُّنْيَا عَنْ الْأُمَم الْمَاضِيَة فَهِيَ سَابِقَة لَهُمْ فِي الْآخِرَة بِأَنَّهُمْ أَوَّل مَنْ يُحْشَر وَأَوَّل مَنْ يُحَاسَب وَأَوَّل مَنْ يُقْضَى بَيْنهمْ وَأَوَّل مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة. وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة عِنْد مُسْلِم \" نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْل الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُونَ يَوْم الْقِيَامَة الْمَقْضِيّ لَهُمْ قَبْل الْخَلَائِق \". وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالسَّبْقِ هُنَا إِحْرَاز فَضِيلَة الْيَوْم السَّابِق بِالْفَضْلِ , وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة , وَيَوْم الْجُمُعَة وَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِسَبْتٍ قَبْله أَوْ أَحَدٍ لَكِنْ لَا يُتَصَوَّر اِجْتِمَاع الْأَيَّام الثَّلَاثَة مُتَوَالِيَة إِلَّا وَيَكُون يَوْم الْجُمُعَة سَابِقًا. وَقِيلَ الْمُرَاد بِالسَّبْقِ أَيْ إِلَى الْقَبُول وَالطَّاعَة الَّتِي حُرِمَهَا أَهْل الْكِتَاب فَقَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا , وَالْأَوَّل أَقْوَى , ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَيْد ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة مِثْل غَيْر وَزْنًا وَمَعْنًى , وَبِهِ جَزَمَ الْخَلِيل وَالْكِسَائِيّ وَرَجَّحَهُ اِبْن سِيدَهْ , وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم فِي مَنَاقِب الشَّافِعِيّ عَنْ الرَّبِيع عَنْهُ أَنَّ مَعْنَى \" بَيْد \" مِنْ أَجْل , وَكَذَا ذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان وَالْبَغَوِيُّ عَنْ الْمُزَنِيِّ عَنْ الشَّافِعِيّ. وَقَدْ اِسْتَبْعَدَهُ عِيَاض وَلَا بُعْد فِيهِ , بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّا سَبَقْنَا بِالْفَضْلِ هُدِينَا لِلْجُمُعَةِ مَعَ تَأَخُّرنَا فِي الزَّمَان , بِسَبَبِ أَنَّهُمْ ضَلُّوا عَنْهَا مَعَ تَقَدُّمهمْ , وَيَشْهَد لَهُ مَا وَقَعَ فِي فَوَائِد اِبْن الْمُقْرِي مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" نَحْنُ الْآخِرُونَ فِي الدُّنْيَا وَنَحْنُ السَّابِقُونَ أَوَّل مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة لِأَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلنَا \" وَفِي مُوَطَّأ سَعِيد بْن عُفَيْر عَنْ مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَاد بِلَفْظِ \" ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَاب \" وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : هِيَ بِمَعْنَى عَلَى أَوْ مَعَ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى غَيْر فَنُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاء , وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى مَعَ فَنُصِبَ عَلَى الظَّرْف. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : هِيَ لِلِاسْتِثْنَاءِ , وَهُوَ مِنْ بَاب تَأْكِيد الْمَدْح بِمَا يُشْبِه الذَّمّ , وَالْمَعْنَى نَحْنُ السَّابِقُونَ لِلْفَضْلِ غَيْر أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلنَا , وَوَجْه التَّأْكِيد فِيهِ مَا أُدْمِجَ فِيهِ مِنْ مَعْنَى النَّسْخ , لِأَنَّ النَّاسِخ هُوَ السَّابِق فِي الْفَضْل وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا فِي الْوُجُود , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَظْهَر مَوْقِع قَوْلُهُ \" نَحْنُ الْآخِرُونَ \" مَعَ كَوْنه أَمْرًا وَاضِحًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أُوتُوا الْكِتَاب ) ‏ ‏اللَّام لِلْجِنْسِ , وَالْمُرَاد التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل , وَالضَّمِير فِي \" أُوتِينَاهُ \" لِلْقُرْآنِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْمُرَاد بِالْكِتَابِ التَّوْرَاة , وَفِيهِ نَظَر لِقَوْلِهِ \" وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدهمْ \" فَأَعَادَ الضَّمِير عَلَى الْكِتَاب , فَلَوْ كَانَ الْمُرَاد التَّوْرَاة لَمَا صَحَّ الْإِخْبَار , لِأَنَّا إِنَّمَا أُوتِينَا الْقُرْآن. وَسَقَطَ مِنْ الْأَصْل قَوْلُهُ \" وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدهمْ \" وَهِيَ ثَابِتَة فِي رِوَايَة أَبِي زُرْعَة الدِّمَشْقِيّ عَنْ أَبِي الْيَمَان شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَد الشَّامِيِّينَ عَنْهُ , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد , وَسَيَأْتِي تَامًّا عِنْد الْمُصَنِّف بَعْد أَبْوَاب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ هَذَا يَوْمهمْ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْحَمَوِيّ \" الَّذِي فَرَضَ اللَّه عَلَيْهِمْ \" وَالْمُرَاد بِالْيَوْمِ يَوْم الْجُمُعَة , وَالْمُرَاد بِالْيَوْمِ بِفَرْضِهِ فَرْض تَعْظِيمه , وَأُشِيرَ إِلَيْهِ بِهَذَا لِكَوْنِهِ ذُكِرَ فِي أَوَّل الْكَلَام كَمَا عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَمِنْ حَدِيث حُذَيْفَة قَالَا : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَضَلَّ اللَّه عَنْ الْجُمُعَة مَنْ كَانَ قَبْلنَا \" الْحَدِيث. قَالَ اِبْن بَطَّال : لَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ يَوْم الْجُمُعَة فَرْض عَلَيْهِمْ بِعَيْنِهِ فَتَرَكُوهُ , لِأَنَّهُ لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُك مَا فَرَضَ اللَّه عَلَيْهِ وَهُوَ مُؤْمِن , وَإِنَّمَا يَدُلّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِمْ يَوْم مِنْ الْجُمُعَة وُكِّلَ إِلَى اِخْتِيَارهمْ لِيُقِيمُوا فِيهِ شَرِيعَتهمْ , فَاخْتَلَفُوا فِي أَيّ الْأَيَّام هُوَ وَلَمْ يَهْتَدُوا لِيَوْمِ الْجُمُعَة , وَمَالَ عِيَاض إِلَى هَذَا وَرَشَّحَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ بِعَيْنِهِ لَقِيلَ فَخَالَفُوا بَدَل فَاخْتَلَفُوا. وَقَالَ النَّوَوِيّ : يُمْكِن أَنْ يَكُونُوا أُمِرُوا بِهِ صَرِيحًا فَاخْتَلَفُوا هَلْ يَلْزَم تَعَيُّنه أَمْ يَسُوغ إِبْدَاله بِيَوْمٍ آخَر فَاجْتَهَدُوا فِي ذَلِكَ فَأَخْطَئُوا. اِنْتَهَى. وَيَشْهَد لَهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْلُهُ تَعَالَى ( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ ) قَالَ : أَرَادُوا الْجُمُعَة فَأَخْطَئُوا وَأَخَذُوا السَّبْت مَكَانه. وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالِاخْتِلَافِ اِخْتِلَاف الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي ذَلِكَ , وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق أَسْبَاط بْن نَصْر عَنْ السُّدِّيّ التَّصْرِيح بِأَنَّهُمْ فُرِضَ عَلَيْهِمْ يَوْم الْجُمُعَة بِعَيْنِهِ فَأَبَوْا , وَلَفْظه \" إِنَّ اللَّه فَرَضَ عَلَى الْيَهُود الْجُمُعَة فَأَبَوْا وَقَالُوا : يَا مُوسَى إِنَّ اللَّه لَمْ يَخْلُق يَوْم السَّبْت شَيْئًا فَاجْعَلْهُ لَنَا , فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ \" وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَجِيبٍ مِنْ مُخَالَفَتهمْ كَمَا وَقَعَ لَهُمْ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى ( اُدْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ ) وَغَيْر ذَلِكَ , وَكَيْف لَا وَهُمْ الْقَائِلُونَ ( سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ). ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَهَدَانَا اللَّه لَهُ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِأَنْ نَصَّ لَنَا عَلَيْهِ , وَأَنْ يُرَاد الْهِدَايَة إِلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ , وَيَشْهَد لِلثَّانِي مَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِبنَ قَالَ \" جَمَعَ أَهْل الْمَدِينَة قَبْل أَنْ يَقْدَمهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَبْل أَنْ تَنْزِل الْجُمُعَة , فَقَالَتْ الْأَنْصَار : إِنَّ لِلْيَهُودِ يَوْمًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ كُلّ سَبْعَة أَيَّام , وَلِلنَّصَارَى كَذَلِكَ , فَهَلُمَّ فَلْنَجْعَلْ يَوْمًا نَجْتَمِع فِيهِ فَنَذْكُر اللَّه تَعَالَى وَنُصَلِّي وَنَشْكُرهُ. فَجَعَلُوهُ يَوْم الْعَرُوبَة , وَاجْتَمَعُوا إِلَى أَسْعَد بْن زُرَارَةَ فَصَلَّى بِهِمْ يَوْمَئِذٍ , وَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى بَعْد ذَلِكَ ( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) الْآيَة , وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَلَهُ شَاهِد بِإِسْنَادٍ حَسَن أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْر وَاحِد مِنْ حَدِيث كَعْب بْن مَالِك قَالَ \" كَانَ أَوَّل مَنْ صَلَّى بِنَا الْجُمُعَة قَبْل مَقْدَم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة أَسْعَد بْن زُرَارَةَ \" الْحَدِيث. فَمُرْسَل اِبْن سِيرِينَ يَدُلّ عَلَى أَنَّ أُولَئِكَ الصَّحَابَة اِخْتَارُوا يَوْم الْجُمُعَة بِالِاجْتِهَادِ , وَلَا يَمْنَع ذَلِكَ أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَهُ بِالْوَحْيِ وَهُوَ بِمَكَّة فَلَمْ يَتَمَكَّن مِنْ إِقَامَتهَا , ثُمَّ فَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيث عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ , وَلِذَلِكَ جَمَعَ بِهِمْ أَوَّل مَا قَدِمَ الْمَدِينَة كَمَا حَكَاهُ اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره , وَعَلَى هَذَا فَقَدْ حَصَلَتْ الْهِدَايَة لِلْجُمُعَةِ بِجِهَتَيْ الْبَيَان وَالتَّوْفِيق. وَقِيلَ فِي الْحِكْمَة فِي اِخْتِيَارهمْ الْجُمُعَة وُقُوع خَلْق آدَم فِيهِ , وَالْإِنْسَان إِنَّمَا خُلِقَ لِلْعِبَادَةِ فَنَاسَبَ أَنْ يَشْتَغِل بِالْعِبَادَةِ فِيهِ , وَلِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَكْمَلَ فِيهِ الْمَوْجُودَات وَأَوْجَدَ فِيهِ الْإِنْسَان الَّذِي يَنْتَفِع بِهَا فَنَاسَبَ أَنْ يَشْكُر عَلَى ذَلِكَ بِالْعِبَادَةِ فِيهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الْيَهُود غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْد غَد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ \" فَهُوَ لَنَا , وَلِلْيَهُودِ يَوْم السَّبْت وَالنَّصَارَى يَوْم الْأَحَد \" وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَنَا بِهِدَايَةِ اللَّه تَعَالَى وَلَهُمْ بِاعْتِبَارِ اِخْتِيَارهمْ وَخَطَئِهِمْ فِي اِجْتِهَادهمْ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : غَدًا هُنَا مَنْصُوب عَلَى الظَّرْف , وَهُوَ مُتَعَلِّق بِمَحْذُوفٍ وَتَقْدِيره الْيَهُود يُعَظِّمُونَ غَدًا , وَكَذَا قَوْلُهُ \" بَعْد غَد \" وَلَا بُدّ مِنْ هَذَا التَّقْدِير لِأَنَّ ظَرْف الزَّمَان لَا يَكُون خَبَرًا عَنْ الْجُثَّة. اِنْتَهَى. وَقَالَ اِبْن مَالِك : الْأَصْل أَنْ يَكُون الْمُخْبَر عَنْهُ بِظَرْفِ الزَّمَان مِنْ أَسْمَاء الْمَعَانِي كَقَوْلِك غَدًا لِلتَّأَهُّبِ وَبَعْد غَد لِلرَّحِيلِ فَيُقَدَّر هُنَا مُضَافَانِ يَكُون ظَرْفَا الزَّمَان خَبَرَيْنِ عَنْهُمَا , أَيْ تَعْيِيد الْيَهُود غَدًا وَتَعْيِيد النَّصَارَى بَعْد غَد ا ه. وَسَبَقَهُ إِلَى نَحْو ذَلِكَ عِيَاض , وَهُوَ أَوْجَه مِنْ كَلَام الْقُرْطُبِيّ. وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى فَرْضِيَّة الْجُمُعَة كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ , لِقَوْلِهِ \" فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَهَدَانَا اللَّه لَهُ \" فَإِنَّ التَّقْدِير فُرِضَ عَلَيْهِمْ وَعَلَيْنَا فَضَلُّوا وَهُدِينَا , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ أَبِي الزِّنَاد عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" كُتِبَ عَلَيْنَا \". وَفِيهِ أَنَّ الْهِدَايَة وَالْإِضْلَال مِنْ اللَّه تَعَالَى كَمَا هُوَ قَوْل أَهْل السُّنَّة , وَأَنَّ سَلَامَة الْإِجْمَاع مِنْ الْخَطَأ مَخْصُوص بِهَذِهِ الْأُمَّة , وَأَنَّ اِسْتِنْبَاط مَعْنًى مِنْ الْأَصْل يَعُود عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ بَاطِلٌ , وَأَنَّ الْقِيَاس مَعَ وُجُود النَّصّ فَاسِد , وَأَنَّ الِاجْتِهَاد فِي زَمَن نُزُول الْوَحْي جَائِز , وَأَنَّ الْجُمُعَة أَوَّل الْأُسْبُوع شَرْعًا , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ تَسْمِيَة الْأُسْبُوع كُلّه جُمُعَة وَكَانُوا يُسَمُّونَ الْأُسْبُوع سَبْتًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاسْتِسْقَاء فِي حَدِيث أَنَس , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُجَاوِرِينَ لِلْيَهُودِ فَتَبِعُوهُمْ فِي ذَلِكَ , وَفِيهِ بَيَان وَاضِح لِمَزِيدِ فَضْل هَذِهِ الْأُمَّة عَلَى الْأُمَم السَّابِقَة زَادَهَا اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "828",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيث مَالِك عَنْهُ بِلَفْظِ ‏ ‏\" إِذَا جَاءَ أَحَدكُمْ الْجُمُعَة فَلْيَغْتَسِلْ \" ‏ ‏وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُمْ فَذَكَرَهُ , أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ , وَالْفَاء لِلتَّعْقِيبِ , وَظَاهِره أَنَّ الْغُسْل يَعْقُب الْمَجِيء , وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَاد وَإِنَّمَا التَّقْدِير إِذَا أَرَادَ أَحَدكُمْ , وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ نَافِع عِنْد مُسْلِم وَلَفْظه \" إِذَا أَرَادَ أَحَدكُمْ أَنْ يَأْتِي الْجُمُعَة فَلْيَغْتَسِلْ \" وَنَظِير ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ( إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ) فَإِنَّ الْمَعْنَى إِذَا أَرَدْتُمْ الْمُنَاجَاة بِلَا خِلَاف. وَيُقَوِّي رِوَايَة اللَّيْث حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة الْآتِي قَرِيبًا بِلَفْظِ \" مَنْ اِغْتَسَلَ يَوْم الْجُمُعَة ثُمَّ رَاحَ \" فَهُوَ صَرِيح فِي تَأْخِير الرَّوَاح عَنْ الْغُسْل , وَعُرِفَ بِهَذَا فَسَاد قَوْل مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِره وَاحْتُجَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْغُسْل لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ , لِأَنَّ الْحَدِيث وَاحِد وَمُخَرِّجه وَاحِد , وَقَدْ بَيَّنَ اللَّيْث فِي رِوَايَته الْمُرَاد , وَقَوَّاهُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَرِوَايَة نَافِع عَنْ اِبْنِ عُمَر لِهَذَا الْحَدِيث مَشْهُورَة جِدًّا فَقَدْ اِعْتَنَى بِتَخْرِيجِ طُرُقه أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه فَسَاقَهُ مِنْ طَرِيق سَبْعِينَ نَفْسًا رَوَوْهُ عَنْ نَافِع , وَقَدْ تَتَبَّعْت مَا فَاتَهُ وَجَمَعْت مَا وَقَعَ لِي مِنْ طُرُقه فِي جُزْء مُفْرَد لِغَرَضٍ اِقْتَضَى ذَلِكَ فَبَلَغَتْ أَسْمَاء مَنْ رَوَاهُ عَنْ نَافِع مِائَةً وَعِشْرِينَ نَفْسًا , فَمَا يُسْتَفَاد مِنْهُ هُنَا ذِكْر سَبَب الْحَدِيث , فَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة عَنْ نَافِع عِنْد أَبِي عَوَانَة وَقَاسِم بْن أَصْبَغَ \" كَانَ النَّاس يَغْدُونَ فِي أَعْمَالهمْ , فَإِذَا كَانَتْ الْجُمُعَة جَاءُوا وَعَلَيْهِمْ ثِيَاب مُتَغَيِّرَة , فَشَكَوْا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَة فَلْيَغْتَسِلْ \" وَمِنْهَا ذِكْر مَحَلّ الْقَوْل , فَفِي رِوَايَة الْحَكَم بْن عُتَيْبَة عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَعْوَاد هَذَا الْمِنْبَر بِالْمَدِينَةِ يَقُول \" أَخْرَجَهُ يَعْقُوب الْجَصَّاص فِي فَوَائِده مِنْ رِوَايَة الْيَسَع بْن قَيْس عَنْ الْحَكَم , وَطَرِيق الْحَكَم عِنْد النَّسَائِيِّ وَغَيْره مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْهُ بِدُونِ هَذَا السِّيَاق بِلَفْظِ حَدِيث الْبَاب إِلَّا قَوْلَهُ \" جَاءَ \" فَعِنْده \" رَاحَ \" وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوب وَمَنْصُور وَمَالِك ثَلَاثَتهمْ عَنْ نَافِع , وَمِنْهَا مَا يَدُلّ عَلَى تَكْرَار ذَلِكَ فَفِي رِوَايَة صَخْر بْن جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِع عِنْد أَبِي مُسْلِم الْكَجِّيّ بِلَفْظِ \" كَانَ إِذَا خَطَبَ يَوْم الْجُمُعَة قَالَ \" الْحَدِيث. وَمِنْهَا زِيَادَة فِي الْمَتْن , فَفِي رِوَايَة عُثْمَان بْن وَاقِد عَنْ نَافِع عِنْد أَبِي عَوَانَة وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان فِي صِحَاحهمْ بِلَفْظِ \" مَنْ أَتَى الْجُمُعَة مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء فَلْيَغْتَسِلْ , وَمَنْ لَمْ يَأْتِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُسْل \" وَرِجَاله ثِقَات , لَكِنْ قَالَ الْبَزَّار : أَخْشَى أَنْ يَكُون عُثْمَان بْن وَاقِد وَهِمَ فِيهِ. وَمِنْهَا زِيَادَة فِي الْمَتْن وَالْإِسْنَاد أَيْضًا , أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان وَغَيْرهمْ مِنْ طُرُق عَنْ مُفَضَّل بْن فَضَالَة عَنْ عَيَّاش بْن عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيّ عَنْ بُكَيْر بْن عَبْد اللَّه بْن الْأَشَجّ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْنِ عُمَر عَنْ حَفْصَة قَالَتْ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْجُمُعَة وَاجِبَة عَلَى كُلّ مُحْتَلِم , وَعَلَى مَنْ رَاحَ إِلَى الْجُمُعَة الْغُسْل \" قَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ نَافِع بِزِيَادَةِ حَفْصَة إِلَّا بُكَيْر , وَلَا عَنْهُ إِلَّا عَيَّاش تَفَرَّدَ بِهِ مُفَضَّل. قُلْتُ : رُوَاته ثِقَات , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ حَدِيث آخَر وَلَا مَانِع أَنْ يَسْمَعهُ اِبْن عُمَر مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ غَيْره مِنْ الصَّحَابَة , فَسَيَأْتِي فِي ثَانِي أَحَادِيث الْبَاب مِنْ رِوَايَة اِبْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا سِيَّمَا مَعَ اِخْتِلَاف الْمُتُون , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى تَعْلِيق الْأَمْر بِالْغُسْلِ بِالْمَجِيءِ إِلَى الْجُمُعَة , وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَالِكٍ فِي أَنَّهُ يُعْتَبَر أَنْ يَكُون الْغُسْل مُتَّصِلًا بِالذَّهَابِ , وَوَافَقَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْث وَالْجُمْهُور قَالُوا : يُجْزِئ مِنْ بَعْد الْفَجْر , وَيَشْهَد لَهُمْ حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ الْآتِي قَرِيبًا. وَقَالَ الْأَثْرَم : سَمِعْت أَحْمَد سُئِلَ عَمَّنْ اِغْتَسَلَ ثُمَّ أَحْدَثَ هَلْ يَكْفِيه الْوُضُوء ؟ فَقَالَ : نَعَمْ. وَلَمْ أَسْمَع فِيهِ أَعْلَى مِنْ حَدِيث اِبْن أَبْزَى , يُشِير إِلَى مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ وَلَهُ صُحْبَة \" أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِل يَوْم الْجُمُعَة ثُمَّ يُحْدِث فَيَتَوَضَّأ وَلَا يُعِيد الْغُسْل \" وَمُقْتَضَى النَّظَر أَنْ يُقَال : إِذَا عُرِفَ أَنَّ الْحِكْمَة فِي الْأَمْر بِالْغُسْلِ يَوْم الْجُمُعَة وَالتَّنْظِيف رِعَايَة الْحَاضِرِينَ مِنْ التَّأَذِّي بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَة , فَمَنْ خَشِيَ أَنْ يُصِيبهُ فِي أَثْنَاء النَّهَار مَا يُزِيل تَنْظِيفه اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُؤَخِّر الْغُسْل لِوَقْتِ ذَهَابه , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي لَحَظَهُ مَالِك فَشَرَطَ اِتِّصَال الذَّهَاب بِالْغُسْلِ لِيَحْصُل الْأَمْن مِمَّا يُغَايِر التَّنْظِيف وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَلَقَدْ أَبْعَدَ الظَّاهِرِيّ إِبْعَادًا يَكَاد أَنْ يَكُون مَجْزُومًا بِبُطْلَانِهِ حَيْثُ لَمْ يَشْتَرِط تَقَدُّم الْغُسْل عَلَى إِقَامَة صَلَاة الْجُمُعَة حَتَّى لَوْ اِغْتَسَلَ قَبْل الْغُرُوب كَفَى عِنْده تَعَلُّقًا بِإِضَافَةِ الْغُسْل إِلَى الْيَوْم , يَعْنِي كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث الْبَاب الثَّالِث , وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ بَعْض الرِّوَايَات أَنَّ الْغُسْل لِإِزَالَةِ الرَّوَائِح الْكَرِيهَة يَعْنِي كَمَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيث عَائِشَة بَعْد أَبْوَاب , قَالَ : وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمَقْصُود عَدَم تَأَذِّي الْحَاضِرِينَ وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى بَعْد إِقَامَة الْجُمُعَة , وَكَذَلِكَ أَقُول لَوْ قَدَّمَهُ بِحَيْثُ لَا يَتَحَصَّل هَذَا الْمَقْصُود لَمْ يُعْتَدّ بِهِ. وَالْمَعْنَى إِذَا كَانَ مَعْلُومًا كَالنَّصِّ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا مُقَارِنًا لِلْقَطْعِ فَاتِّبَاعه وَتَعْلِيق الْحُكْم بِهِ أَوْلَى مِنْ اِتِّبَاع مُجَرَّد اللَّفْظ. قُلْتُ : وَقَدْ حَكَى اِبْن عَبْد الْبَرّ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ مَنْ اِغْتَسَلَ بَعْد الصَّلَاة لَمْ يَغْتَسِل لِلْجُمُعَةِ وَلَا فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ. وَادَّعَى اِبْن حَزْم أَنَّهُ قَوْل جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَأَطَالَ فِي تَقْرِير ذَلِكَ بِمَا هُوَ بِصَدَدِ الْمَنْع , وَالرَّدّ يُفْضِي إِلَى التَّطْوِيل بِمَا لَا طَائِل تَحْته , وَلَمْ يُورِد عَنْ أَحَد مِمَّنْ ذَكَرَ التَّصْرِيح بِإِجْزَاءِ الِاغْتِسَال بَعْد صَلَاة الْجُمُعَة , وَإِنَّمَا أَوْرَدَ عَنْهُمْ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط اِتِّصَال الْغُسْل بِالذَّهَابِ إِلَى الْجُمُعَة , فَأَخَذَ هُوَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن مَا قَبْل الزَّوَال أَوْ بَعْده وَالْفَرْق بَيْنهمَا ظَاهِر كَالشَّمْسِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ مِنْ مَفْهُوم الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْغُسْل لَا يُشْرَع لِمَنْ لَمْ يَحْضُر الْجُمُعَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيح بِمُقْتَضَاهُ فِي آخِر رِوَايَة عُثْمَان بْن وَاقِد عَنْ نَافِع , وَهَذَا هُوَ الْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة , وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور خِلَافًا لِأَكْثَر الْحَنَفِيَّة , وَقَوْلُهُ فِيهِ \" الْجُمُعَة \" الْمُرَاد بِهِ الصَّلَاة أَوْ الْمَكَان الَّذِي تُقَام فِيهِ , وَذَكَرَ الْمَجِيء لِكَوْنِهِ الْغَالِب وَإِلَّا فَالْحُكْم شَامِل لِمَنْ كَانَ مُجَاوِرًا لِلْجَامِعِ أَوْ مُقِيمًا بِهِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَمْر لَا يُحْمَل عَلَى الْوُجُوب إِلَّا بِقَرِينَةٍ لِقَوْلِهِ كَانَ يَأْمُرنَا مَعَ أَنَّ الْجُمْهُور حَمَلُوهُ عَلَى النَّدْب كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث الثَّالِث , وَهَذَا بِخِلَافِ صِيغَة افْعَلْ فَإِنَّهَا عَلَى الْوُجُوب حَتَّى تَظْهَر قَرِينَة عَلَى النَّدْب. ‏"
    },
    {
        "id": "829",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏الْأَوَّلِينَ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَادَاهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ قَالَ إِنِّي شُغِلْتُ فَلَمْ ‏ ‏أَنْقَلِبْ ‏ ‏إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ فَقَالَ وَالْوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث مَالِك عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه عَنْ عُمَر عَنْ اِبْنِ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا \" أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب بَيْنَا هُوَ قَائِم فِي الْخُطْبَة يَوْم الْجُمُعَة \" ‏ ‏الْحَدِيث أَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ اِبْن أَسْمَاء عَنْ مَالِك وَهُوَ عِنْد رُوَاة الْمُوَطَّأ عَنْ مَالِك لَيْسَ فِيهِ ذِكْر اِبْن عُمَر , فَحَكَى الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْبَغَوِيِّ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق رَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِي هَذَا الْحَدِيث أَحَد عَنْ مَالِك عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر غَيْر رَوْح بْن عُبَادَةَ وَجُوَيْرِيَةَ ا ه. وَقَدْ تَابَعَهُمَا أَيْضًا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , أَخْرَجَهُ أَحْمَد بن حَنْبَل عَنْهُ بِذِكْرِ اِبْن عُمَر. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّأ رَوَاهُ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب مَالِك الثِّقَات عَنْهُ خَارِج الْمُوَطَّأ مَوْصُولًا عَنْهُمْ فَذَكَرَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة ثُمَّ قَالَ : وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل وَإِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ وَالْوَلِيد بْن مُسْلِم وَعَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء , وَذَكَرَ جَمَاعَة غَيْرهمْ فِي بَعْضهمْ مَقَال , ثُمَّ سَاقَ أَسَانِيدهمْ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ , وَزَادَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِيمَنْ وَصَلَهُ عَنْ مَالِك الْقَعْنَبِيّ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق الْقَاضِي عَنْهُ , وَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ مَوْصُولًا يُونُس بْن يَزِيد عِنْد مُسْلِم وَمَعْمَر عِنْد أَحْمَد وَأَبُو أُوَيْس عِنْد قَاسِم بْن أَصْبَغَ , وَلِجُوَيْرِيَةَ بْن أَسْمَاء فِيهِ إِسْنَاد آخَر أَعْلَى مِنْ رِوَايَته عَنْ مَالِك أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْره مِنْ رِوَايَة أَبِي غَسَّان عَنْهُ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْنِ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَيْنَا ) أَصْله \" بَيْن \" وَأُشْبِعَتْ الْفَتْحَة , وَقَدْ تَبْقَى بِلَا إِشْبَاع وَيُزَاد فِيهَا \" مَا \" فَتَصِير \" بَيْنَمَا \" وَهِيَ رِوَايَة يُونُس , وَهِيَ ظَرْف زَمَان فِيهِ مَعْنَى الْمُفَاجَأَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذْ جَاءَ رَجُل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَة \" إِذْ دَخَلَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ) ‏ ‏قِيلَ فِي تَعْرِيفهمْ مَنْ صَلَّى إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ , وَقِيلَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا , وَقِيلَ مَنْ شَهِدَ بَيْعَة الرِّضْوَان. وَلَا شَكّ أَنَّهَا مَرَاتِب نِسْبِيَّة وَالْأَوَّل أَوْلَى فِي التَّعْرِيف لِسَبْقِهِ , فَمَنْ هَاجَرَ بَعْد تَحْوِيل الْقِبْلَة وَقَبْل وَقْعَة بَدْر هُوَ آخِر بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ هَاجَرَ قَبْل التَّحْوِيل , وَقَدْ سَمَّى اِبْن وَهْب وَابْن الْقَاسِم فِي رِوَايَتهمَا عَنْ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ الرَّجُل الْمَذْكُور عُثْمَان بْن عَفَّانَ , وَكَذَا سَمَّاهُ مَعْمَر فِي رِوَايَته عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد الشَّافِعِيّ وَغَيْره , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ أُسَامَة بْن زَيْد عَنْ نَافِع عَنْ اِبْنِ عُمَر , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَا أَعْلَم خِلَافًا فِي ذَلِكَ , وَقَدْ سَمَّاهُ أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَة فِي رِوَايَته لِهَذِهِ الْقِصَّة عِنْد مُسْلِم كَمَا سَيَأْتِي بَعْد بَابَيْنِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَنَادَاهُ ) ‏ ‏أَيْ قَالَ لَهُ يَا فُلَان. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَيَّة سَاعَة هَذِهِ ) ‏ ‏أَيَّة بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّة تَأْنِيث أَيّ يُسْتَفْهَم بِهَا , وَالسَّاعَة اِسْم لِجُزْءٍ مِنْ النَّهَار مُقَدَّر وَتُطْلَق عَلَى الْوَقْت الْحَاضِر وَهُوَ الْمُرَاد هُنَا , وَهَذَا الِاسْتِفْهَام اِسْتِفْهَام تَوْبِيخ وَإِنْكَار , وَكَأَنَّهُ يَقُول لِمَ تَأَخَّرْت إِلَى هَذِهِ السَّاعَة ؟ وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيح بِالْإِنْكَارِ فِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ عُمَر : لِمَ تَحْتَبِسُونَ عَنْ الصَّلَاة , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَعَرَضَ عَنْهُ عُمَر فَقَالَ مَا بَال رِجَال يَتَأَخَّرُونَ بَعْد النِّدَاء \" وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ عُمَر قَالَ ذَلِكَ كُلّه فَحَفِظَ بَعْض الرُّوَاة مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَر , وَمُرَاد عُمَر التَّلْمِيح إِلَى سَاعَات التَّبْكِير الَّتِي وَقَعَ التَّرْغِيب فِيهَا وَأَنَّهَا إِذَا اِنْقَضَتْ طَوَتْ الْمَلَائِكَة الصُّحُف كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا , وَهَذَا مِنْ أَحْسَن التَّعْوِيضَات وَأَرْشَق الْكِنَايَات , وَفَهِمَ عُثْمَان ذَلِكَ فَبَادَرَ إِلَى الِاعْتِذَار عَنْ التَّأَخُّر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنِّي شُغِلْت ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله , وَقَدْ بَيَّنَ جِهَة شَغْله فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ حَيْثُ قَالَ \" اِنْقَلَبْت مِنْ السُّوق فَسَمِعْت النِّدَاء \" وَالْمُرَاد بِهِ الْأَذَان بَيْن يَدَيْ الْخَطِيب كَمَا سَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْت ) ‏ ‏لَمْ أَشْتَغِل بِشَيْءٍ بَعْد أَنْ سَمِعْت النِّدَاء إِلَّا بِالْوُضُوءِ , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِد فِي اِبْتِدَاء شُرُوع عُمَر فِي الْخُطْبَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَالْوُضُوء أَيْضًا ؟ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ قِبَل عُذْره فِي تَرْك التَّبْكِير لَكِنَّهُ اُسْتُنْبِطَ مِنْهُ مَعْنًى آخَر اُتُّجِهَ لَهُ عَلَيْهِ فِيهِ إِنْكَار ثَانٍ مُضَاف إِلَى الْأَوَّل , وَقَوْلُهُ \" وَالْوُضُوء \" فِي رِوَايَتنَا بِالنَّصْبِ , وَعَلَيْهِ اِقْتَصَرَ النَّوَوِيّ فِي شَرْح مُسْلِم , أَيْ وَالْوُضُوء أَيْضًا اِقْتَصَرْت عَلَيْهِ أَوْ اِخْتَرْته دُون الْغُسْل ؟ وَالْمَعْنَى مَا اِكْتَفَيْت بِتَأْخِيرِ الْوَقْت وَتَفْوِيت الْفَضِيلَة حَتَّى تَرَكْت الْغُسْل وَاقْتَصَرْت عَلَى الْوُضُوء ؟ وَجَوَّزَ الْقُرْطُبِيّ الرَّفْع عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأ وَخَبَره مَحْذُوف أَيْ وَالْوُضُوء أَيْضًا يُقْتَصَر عَلَيْهِ , وَأَغْرَبَ السُّهَيْلِيُّ فَقَالَ : اِتَّفَقَ الرُّوَاة عَلَى الرَّفْع لِأَنَّ النَّصْب يُخْرِجهُ إِلَى مَعْنَى الْإِنْكَار , يَعْنِي وَالْوُضُوء لَا يُنْكَر , وَجَوَابه مَا تَقَدَّمَ. وَالظَّاهِر أَنَّ الْوَاو عَاطِفَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : هِيَ عِوَض عَنْ هَمْزَة اِسْتِفْهَام كَقِرَاءَةِ اِبْن كَثِير \" قَالَ فِرْعَوْنُ وَآمَنْتُمْ بِهِ \" وَقَوْلُهُ \" أَيْضًا \" أَيْ أَلَمْ يَكْفِك أَنْ فَاتَك فَضْل التَّبْكِير إِلَى الْجُمُعَة حَتَّى أَضَفْت إِلَيْهِ تَرْك الْغُسْل الْمُرَغَّب فِيهِ ؟ وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات عَلَى جَوَاب عُثْمَان عَنْ ذَلِكَ , وَالظَّاهِر أَنَّهُ سَكَتَ عَنْهُ اِكْتِفَاء بِالِاعْتِذَارِ الْأَوَّل لِأَنَّهُ قَدْ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ ذَاهِلًا عَنْ الْوَقْت , وَأَنَّهُ بَادَرَ عِنْد سَمَاع النِّدَاء , وَإِنَّمَا تَرَكَ الْغُسْل لِأَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْده إِدْرَاك سَمَاع الْخُطْبَة وَالِاشْتِغَال بِالْغُسْلِ وَكُلّ مِنْهُمَا مُرَغَّب فِيهِ فَآثَرَ سَمَاع الْخُطْبَة , وَلَعَلَّهُ كَانَ يَرَى فَرْضِيَّته فَلِذَلِكَ آثَرَهُ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَانَ يَأْمُر بِالْغُسْلِ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات لَمْ يَذْكُر الْمَأْمُور , إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" كُنَّا نُؤْمَر \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ عِنْد الطَّحَاوِيّ فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" أَنَّ عُمَر قَالَ لَهُ : لَقَدْ عَلِمَ أَنَّا أُمِرْنَا بِالْغُسْلِ. قُلْتُ : أَنْتُمْ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ أَمْ النَّاس جَمِيعًا ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي \" رُوَاته ثِقَات , إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُول. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" أَنَّ عُمَر قَالَ : أَلَمْ تَسْمَعُوا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا رَاحَ أَحَدكُمْ إِلَى الْجُمُعَة فَلْيَغْتَسِلْ \" كَذَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا , وَهُوَ ظَاهِر فِي عَدَم التَّخْصِيص بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد الْقِيَام فِي الْخُطْبَة وَعَلَى الْمِنْبَر , وَتَفَقُّد الْإِمَام رَعِيَّته , وَأَمْره لَهُمْ بِمَصَالِح دِينِهِمْ , وَإِنْكَاره عَلَى مَنْ أَخَلَّ بِالْفَضْلِ وَإِنْ كَانَ عَظِيم الْمَحَلّ , وَمُوَاجَهَته بِالْإِنْكَارِ لِيَرْتَدِع مَنْ هُوَ دُونَهُ بِذَلِكَ , وَأَنَّ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر فِي أَثْنَاء الْخُطْبَة لَا يُفْسِدهَا , وَسُقُوط مَنْع الْكَلَام عَنْ الْمُخَاطَب بِذَلِكَ. وَفِيهِ الِاعْتِذَار إِلَى وُلَاة الْأَمْر , وَإِبَاحَة الشَّغْل وَالتَّصَرُّف يَوْم الْجُمُعَة قَبْل النِّدَاء وَلَوْ أَفْضَى إِلَى تَرْك فَضِيلَة الْبُكُور إِلَى الْجُمُعَة , لِأَنَّ عُمَر لَمْ يَأْمُر بِرَفْعِ السُّوق بَعْد هَذِهِ الْقِصَّة. وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَالِك عَلَى أَنَّ السُّوق لَا تُمْنَع يَوْم الْجُمُعَة قَبْل النِّدَاء لِكَوْنِهَا كَانَتْ فِي زَمَن عُمَر , وَلِكَوْنِ الذَّاهِب إِلَيْهَا مِثْل عُثْمَان. وَفِيهِ شُهُود الْفُضَلَاء السُّوق , وَمُعَانَاة الْمَتْجَر فِيهَا. وَفِيهِ أَنَّ فَضِيلَة التَّوَجُّه إِلَى الْجُمُعَة إِنَّمَا تَحْصُل قَبْل التَّأْذِين. وَقَالَ عِيَاض : فِيهِ حُجَّة لِأَنَّ السَّعْي إِنَّمَا يَجِب بِسَمَاعِ الْأَذَان , وَأَنَّ شُهُود الْخُطْبَة لَا يَجِب , وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْل أَكْثَر الْمَالِكِيَّة. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ التَّأْخِير إِلَى سَمَاع النِّدَاء فَوَات الْخُطْبَة , بَلْ تَقَدَّمَ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفُتْ عُثْمَان مِنْ الْخُطْبَة شَيْء. وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون فَاتَهُ مِنْهَا بِشَيْءٍ فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِب شُهُودهَا عَلَى مَنْ تَنْعَقِد بِهِ الْجُمُعَة. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ غُسْل الْجُمُعَة وَاجِب لِقَطْعِ عُمَر الْخُطْبَة وَإِنْكَاره عَلَى عُثْمَان تَرْكه , وَهُوَ مُتَعَقَّب لِأَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ تَرْك السُّنَّة الْمَذْكُورَة وَهِيَ التَّبْكِير إِلَى الْجُمُعَة فَيَكُون الْغُسْل كَذَلِكَ , وَعَلَى أَنَّ الْغُسْل لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْجُمُعَة. وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الْحَدِيث بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "830",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث مَالِك أَيْضًا عَنْ صَفْوَان بْن سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ ‏ ‏, لَمْ تَخْتَلِف رُوَاة الْمُوَطَّأ عَلَى مَالِك فِي إِسْنَاده , وَرِجَاله مَدَنِيُّونَ كَالْأَوَّلِ , وَفِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ صَفْوَان عَنْ عَطَاء , وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا عَلَى رِوَايَته الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ صَفْوَان عِنْد اِبْن حِبَّان , وَخَالَفَهُمَا عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق فَرَوَاهُ عَنْ صَفْوَان بْن سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْر الْمَرُّوِذِيّ فِي كِتَاب الْجُمُعَة لَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( غُسْل يَوْم الْجُمُعَة ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ الْغُسْل لِلْيَوْمِ لِلْإِضَافَةِ إِلَيْهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ , وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ لِيَوْمِ الْجُمُعَة غُسْلًا مَخْصُوصًا حَتَّى لَوْ وُجِدَتْ صُورَة الْغُسْل فِيهِ لَمْ يَجُزْ عَنْ غُسْل الْجُمُعَة إِلَّا بِالنِّيَّةِ , وَقَدْ أَخَذَ بِذَلِكَ أَبُو قَتَادَةَ فَقَالَ لِابْنِهِ وَقَدْ رَآهُ يَغْتَسِل يَوْم الْجُمُعَة \" إِنْ كَانَ غُسْلك عَنْ جَنَابَة فَأَعِدْ غُسْلًا آخَر لِلْجُمُعَةِ \" أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَابْن الْمُنْذِرِ وَغَيْرهمَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم فِي حَدِيث الْبَاب الْغُسْل يَوْم الْجُمُعَة وَكَذَا هُوَ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْد هَذَا , وَظَاهِره أَنَّ الْغُسْل حَيْثُ وُجِدَ فِيهِ كَفَى لِكَوْنِ الْيَوْم جُعِلَ ظَرْفًا لِلْغُسْلِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اللَّام لِلْعَهْدِ فَتَتَّفِق الرِّوَايَتَانِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَاجِب عَلَى كُلّ مُحْتَلِم ) ‏ ‏أَيْ بَالِغٍ , وَإِنَّمَا ذَكَرَ الِاحْتِلَام لِكَوْنِهِ الْغَالِب , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى دُخُول النِّسَاء فِي ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد ثَمَانِيَة أَبْوَاب , وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ وَاجِب عَلَى فَرْضِيَّة غُسْل الْجُمُعَة , وَقَدْ حَكَاهُ اِبْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَعَمَّار بْن يَاسِرٍ وَغَيْرهمَا , وَهُوَ قَوْل أَهْل الظَّاهِر وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ , وَحَكَاهُ اِبْنُ حَزْم عَنْ عُمَر وَجَمْع جَمّ مِنْ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدهمْ , ثُمَّ سَاقَ الرِّوَايَة عَنْهُمْ لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا عَنْ أَحَد مِنْهُمْ التَّصْرِيح بِذَلِكَ إِلَّا نَادِرًا , وَإِنَّمَا اِعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَشْيَاء مُحْتَمَلَة كَقَوْلِ سَعْد \" مَا كُنْت أَظُنُّ مُسْلِمًا يَدَع غُسْل يَوْم الْجُمُعَة \" , وَحَكَاهُ اِبْنُ الْمُنْذِرِ وَالْخَطَّابِيّ عَنْ مَالِك , وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره لَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْرُوفٍ فِي مَذْهَبه , قَالَ اِبْنُ دَقِيق الْعِيد : قَدْ نَصَّ مَالِك عَلَى وُجُوبه فَحَمَلَهُ مَنْ لَمْ يُمَارِس مَذْهَبه عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَبَى ذَلِكَ أَصْحَابه ا ه. وَالرِّوَايَة عَنْ مَالِك بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيد. وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَشْهَبِ عَنْ مَالِك أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ : حَسَن وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَحَكَاهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ اِبْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ أَصْحَابنَا , وَهُوَ غَلَط عَلَيْهِ فَقَدْ صَرَّحَ فِي صَحِيحه بِأَنَّهُ عَلَى الِاخْتِيَار , وَاحْتَجَّ لِكَوْنِهِ مَنْدُوبًا بِعِدَّةِ أَحَادِيث فِي عِدَّة تَرَاجِم. وَحَكَاهُ شَارِح الْغُنْيَة لِابْنِ سُرَيْج قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ وَاسْتُغْرِبَ , وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيّ فِي الرِّسَالَة بَعْد أَنْ أَوْرَدَ حَدِيثَيْ اِبْنِ عُمَر وَأَبِي سَعِيد : اِحْتَمَلَ قَوْلُهُ وَاجِب مَعْنَيَيْنِ , الظَّاهِر مِنْهُمَا أَنَّهُ وَاجِبٌ فَلَا تَجْزِي الطَّهَارَة لِصَلَاةِ الْجُمُعَة إِلَّا بِالْغُسْلِ , وَاحْتَمَلَ أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الِاخْتِيَار وَكَرَم الْأَخْلَاق وَالنَّظَافَة. ثُمَّ اُسْتُدِلَّ لِلِاحْتِمَالِ الثَّانِي بِقِصَّةِ عُثْمَان مَعَ عُمَر الَّتِي تَقَدَّمَتْ قَالَ : فَلَمَّا لَمْ يَتْرُك عُثْمَان الصَّلَاة لِلْغُسْلِ وَلَمْ يَأْمُرهُ عُمَر بِالْخُرُوجِ لِلْغُسْلِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا قَدْ عَلِمَا أَنَّ الْأَمْر بِالْغُسْلِ لِلِاخْتِيَارِ ا ه. وَعَلَى هَذَا الْجَوَاب عَوَّلَ أَكْثَرُ الْمُصَنِّفِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة كَابْنِ خُزَيْمَةَ وَالطَّبَرِيِّ وَالطَّحَاوِيِّ وَابْنِ حِبَّان وَابْنِ عَبْد الْبَرّ وَهَلُمَّ جَرًّا , وَزَادَ بَعْضهمْ فِيهِ أَنَّ مَنْ حَضَرَ مِنْ الصَّحَابَة وَافَقُوهُمَا عَلَى ذَلِكَ فَكَانَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْغُسْل لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّة الصَّلَاة وَهُوَ اِسْتِدْلَال قَوِيّ , وَقَدْ نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ صَلَاة الْجُمُعَة بِدُونِ الْغُسْل مُجْزِئَة , لَكِنْ حَكَى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْم أَنَّهُمْ قَالُوا بِوُجُوبِهِ وَلَمْ يَقُولُوا إِنَّهُ شَرْط بَلْ هُوَ وَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ تَصِحّ الصَّلَاة بِدُونِهِ كَأَنَّ أَصْله قَصْدُ التَّنْظِيف وَإِزَالَة الرَّوَائِح الْكَرِيهَة الَّتِي يَتَأَذَّى بِهَا الْحَاضِرُونَ مِنْ الْمَلَائِكَة وَالنَّاس , وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : يَحْرُم أَكْل الثُّوم عَلَى مَنْ قَصَدَ الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة , وَيَرُدّ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ تَأْثِيم عُثْمَان , وَالْجَوَاب أَنَّهُ كَانَ مَعْذُورًا لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَهُ ذَاهِلًا عَنْ الْوَقْت , مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ قَدْ اِغْتَسَلَ فِي أَوَّلِ النَّهَار , لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ حُمْرَان أَنَّ عُثْمَان لَمْ يَكُنْ يَمْضِي عَلَيْهِ يَوْم حَتَّى يُفِيض عَلَيْهِ الْمَاء , وَإِنَّمَا لَمْ يَعْتَذِر بِذَلِكَ لِعُمَر كَمَا اِعْتَذَرَ عَنْ التَّأَخُّر لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّصِل غُسْله بِذَهَابِهِ إِلَى الْجُمُعَة كَمَا هُوَ الْأَفْضَل , وَعَنْ بَعْض الْحَنَابِلَة التَّفْصِيل بَيْن ذِي النَّظَافَة وَغَيْره , فَيَجِب عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّل نَظَرًا إِلَى الْعِلَّة , حَكَاهُ صَاحِبُ الْهَدْي , وَحَكَى اِبْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ أَنَّ قِصَّة عُمَر وَعُثْمَان تَدُلّ عَلَى وُجُوب الْغُسْل لَا عَلَى عَدَم وُجُوبه مِنْ جِهَة تَرْك عُمَر الْخُطْبَة وَاشْتِغَاله بِمُعَاتَبَةِ عُثْمَان وَتَوْبِيخ مِثْله عَلَى رُءُوس النَّاس , فَلَوْ كَانَ تَرْك الْغُسْل مُبَاحًا لَمَا فَعَلَ عُمَر ذَلِكَ , وَإِنَّمَا لَمْ يَرْجِع عُثْمَان لِلْغُسْلِ لِضِيقِ الْوَقْت إِذْ لَوْ فَعَلَ لَفَاتَتْهُ الْجُمُعَة أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ اِغْتَسَلَ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ اِبْنُ دَقِيق الْعِيد : ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى اِسْتِحْبَاب غُسْل الْجُمُعَة وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى الِاعْتِذَار عَنْ مُخَالَفَة هَذَا الظَّاهِر , وَقَدْ أَوَّلُوا صِيغَة الْأَمْر عَلَى النَّدْب وَصِيغَة الْوُجُوب عَلَى التَّأْكِيد كَمَا يُقَال : إِكْرَامك عَلَيَّ وَاجِبٌ , وَهُوَ تَأْوِيل ضَعِيف إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ إِذَا كَانَ الْمُعَارِض رَاجِحًا عَلَى هَذَا الظَّاهِر. وَأَقْوَى مَا عَارَضُوا بِهِ هَذَا الظَّاهِر حَدِيث \" مَنْ تَوَضَّأَ يَوْم الْجُمُعَة فَبِهَا وَنِعْمَتْ , وَمَنْ اِغْتَسَلَ فَالْغُسْل أَفْضَلُ \" وَلَا يُعَارِض سَنَده سَنَد هَذِهِ الْأَحَادِيث , قَالَ : وَرُبَّمَا تَأَوَّلُوهُ تَأْوِيلًا مُسْتَكْرَهًا كَمَنْ حَمَلَ لَفْظ الْوُجُوب عَلَى السُّقُوط. اِنْتَهَى. فَأَمَّا الْحَدِيث فَعَوَّلَ عَلَى الْمُعَارَضَة بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ , وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ قَوْلُهُ \" فَالْغُسْل أَفْضَلُ \" فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اِشْتَرَاك الْوُضُوء وَالْغُسْل فِي أَصْل الْفَضْل , فَيَسْتَلْزِم إِجْزَاء الْوُضُوء. وَلِهَذَا الْحَدِيث طُرُق أَشْهَرهَا وَأَقْوَاهَا رِوَايَة الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَة أَخْرَجَهَا أَصْحَاب السُّنَن الثَّلَاثَة وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّان , وَلَهُ عِلَّتَانِ : إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ مِنْ عَنْعَنَة الْحَسَنِ , وَالْأُخْرَى أَنَّهُ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ. وَأَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَنَس , وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْنِ سَمُرَة , وَالْبَزَّار مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد , وَابْنِ عَدِيّ مِنْ حَدِيث جَابِر وَكُلّهَا ضَعِيفَة. وَعَارَضُوا أَيْضًا بِأَحَادِيث , مِنْهَا الْحَدِيث الْآتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده فَإِنَّ فِيهِ \" وَأَنْ يَسْتَنّ , وَأَنْ يَمَسّ طِيبًا \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَاهِرُهُ وُجُوب الِاسْتِنَان وَالطِّيب لِذِكْرِهِمَا بِالْعَاطِفِ , فَالتَّقْدِير الْغُسْل وَاجِبٌ وَالِاسْتِنَان وَالطِّيب كَذَلِكَ , قَالَ : وَلَيْسَا بِوَاجِبَيْنِ اِتِّفَاقًا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْغُسْل لَيْسَ بِوَاجِبٍ , إِذْ لَا يَصِحّ تَشْرِيك مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ مَعَ الْوَاجِب بِلَفْظٍ وَاحِد. اِنْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَ إِلَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْنُ الْجَوْزِيّ بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِع عَطْف مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْوَاجِب , لَا سِيَّمَا وَلَمْ يَقَع التَّصْرِيح بِحُكْمِ الْمَعْطُوف. وَقَالَ اِبْنُ الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة : إِنْ سَلِمَ أَنَّ الْمُرَاد بِالْوَاجِبِ الْفَرْض لَمْ يَنْفَع دَفْعه بِعِطْفِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ لِأَنَّ لِلْقَائِلِ أَنْ يَقُول : أُخْرِجَ بِدَلِيلٍ فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْل , وَعَلَى أَنَّ دَعْوَى الْإِجْمَاع فِي الطِّيب مَرْدُودَة , فَقَدْ رَوَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ كَانَ يُوجِب الطِّيب يَوْم الْجُمُعَة وَإِسْنَاده صَحِيح , وَكَذَا قَالَ بِوُجُوبِهِ بَعْض أَهْل الظَّاهِر. وَمِنْهَا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوء ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَة فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : ذَكَرَ الْوُضُوء وَمَا مَعَهُ مُرَتِّبًا عَلَيْهِ الثَّوَاب الْمُقْتَضِي لِلصِّحَّةِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوُضُوء كَافٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَفْي الْغُسْل. وَقَدْ وَرَدَ مِنْ وَجْه آخَر فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظِ \" مَنْ اِغْتَسَلَ \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ الْوُضُوء لِمَنْ تَقَدَّمَ غُسْله عَلَى الذَّهَاب فَاحْتَاجَ إِلَى إِعَادَة الْوُضُوء. وَمِنْهَا حَدِيث اِبْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ \" سُئِلَ عَنْ غُسْل يَوْم الْجُمُعَة أَوَاجِبٌ هُوَ ؟ فَقَالَ : لَا , وَلَكِنَّهُ أَطْهَر لِمَنْ اِغْتَسَلَ , وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِل فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ. وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ بَدْء الْغُسْل : كَانَ النَّاس مَجْهُودِينَ يَلْبَسُونَ الصُّوف وَيَعْمَلُونَ , وَكَانَ مَسْجِدهمْ ضَيِّقًا , فَلَمَّا آذَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيِّهَا النَّاس , إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْم فَاغْتَسِلُوا \" قَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ \" ثُمَّ جَاءَ اللَّه بِالْخَيْرِ , وَلَبِسُوا غَيْر الصُّوف , وَكُفُوا الْعَمَل , وَوَسِعَ الْمَسْجِد \". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالطَّحَاوِيُّ وَإِسْنَاده حَسَنٌ , لَكِنَّ الثَّابِت عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ خِلَافه كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. وَعَلَى تَقْدِير الصِّحَّة فَالْمَرْفُوع مِنْهُ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْر الدَّالَّة عَلَى الْوُجُوب , وَأَمَّا نَفْي الْوُجُوب فَهُوَ مَوْقُوف لِأَنَّهُ مِنْ اِسْتِنْبَاط اِبْنِ عَبَّاسٍ , وَفِيهِ نَظَر إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ زَوَال السَّبَب زَوَال الْمُسَبَّب كَمَا فِي الرَّمَل وَالْجِمَار , عَلَى تَقْدِير تَسْلِيمه فَلِمَنْ قَصَرَ الْوُجُوب عَلَى مَنْ بِهِ رَائِحَة كَرِيهَة أَنْ يَتَمَسَّك بِهِ. وَمِنْهَا حَدِيث طَاوُسٍ \" قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : زَعَمُوا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اِغْتَسِلُوا يَوْم الْجُمُعَة وَاغْسِلُوا رُءُوسكُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا جُنُبًا \" الْحَدِيث. قَالَ اِبْنُ حِبَّان بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ : فِيهِ أَنَّ غُسْل الْجُمُعَة يُجْزِئ عَنْهُ غُسْل الْجَنَابَة , وَأَنَّ غُسْل الْجُمُعَة لَيْسَ بِفَرْضٍ , إِذْ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَمْ يُجْزِ عَنْهُ غَيْره. اِنْتَهَى. وَهَذِهِ الزِّيَادَة \" إِلَّا أَنْ تَكُونُوا جُنُبًا \" تَفَرَّدَ بِهَا اِبْنُ إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَقَدْ رَوَاهُ شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" وَأَنْ تَكُونُوا جُنُبًا \" وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ عَنْ الزُّهْرِيِّ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد بَابَيْنِ. وَمِنْهَا حَدِيث عَائِشَة الْآتِي بَعْد أَبْوَاب بِلَفْظِ \" لَوْ اِغْتَسَلْتُمْ \" فَفِيهِ عَرْض وَتَنْبِيهٌ لَا حَتْم وَوُجُوب , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَفْي الْوُجُوب , وَبِأَنَّهُ سَابِقٌ عَلَى الْأَمْر بِهِ وَالْإِعْلَام بِوُجُوبِهِ. وَنَقَلَ الزَّيْن ابْن الْمُنِير بَعْد قَوْل الطَّحَاوِيّ لَمَّا ذَكَرَ حَدِيث عَائِشَة : فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْر بِالْغُسْلِ لَمْ يَكُنْ لِلْوُجُوبِ , وَإِنَّمَا كَانَ لِعِلَّةٍ ثُمَّ ذَهَبَتْ تِلْكَ الْعِلَّة فَذَهَبَ الْغُسْل , وَهَذَا مِنْ الطَّحَاوِيّ يَقْتَضِي سُقُوط الْغُسْل أَصْلًا فَلَا يُعَدّ فَرْضًا وَلَا مَنْدُوبًا لِقَوْلِهِ زَالَتْ الْعِلَّة إِلَخْ , فَيَكُونُ مَذْهَبًا ثَالِثًا فِي الْمَسْأَلَة. اِنْتَهَى. وَلَا يَلْزَم مِنْ زَوَال الْعِلَّة سُقُوط النَّدْب تَعَبُّدًا , وَلَا سِيَّمَا مَعَ اِحْتِمَال وُجُود الْعِلَّة الْمَذْكُورَة. ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيث كُلّهَا لَوْ سَلِمَتْ لَمَا دَلَّتْ إِلَّا عَلَى نَفْي اِشْتِرَاط الْغُسْل لَا عَلَى الْوُجُوب الْمُجَرَّد كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيد مِنْ أَنَّ بَعْضهمْ أَوَّلَهُ بِتَأْوِيلٍ مُسْتَكْرَه فَقَدْ نَقَلَهُ اِبْنُ دِحْيَة عَنْ الْقَدُورِيّ مِنْ الْحَنَفِيَّة وَأَنَّهُ قَالَ : قَوْلُهُ وَاجِب أَيْ سَاقِط , وَقَوْلُهُ عَلَى بِمَعْنَى عَنْ , فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُ غَيْر لَازِمٍ , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّف. وَقَالَ الزَّيْن ابْن الْمُنِير : أَصْل الْوُجُوب فِي اللُّغَة السُّقُوط , فَلَمَّا كَانَ فِي الْخِطَاب عَلَى الْمُكَلَّف عِبْءٌ ثَقِيل كَانَ كُلّ مَا أُكِّدَ طَلَبُهُ مِنْهُ يُسَمَّى وَاجِبًا كَأَنَّهُ سَقَطَ عَلَيْهِ , وَهُوَ أَعَمّ مِنْ كَوْنه فَرْضًا أَوْ نَدْبًا. وَهَذَا سَبَقَهُ اِبْنِ بَزِيزَةَ إِلَيْهِ , ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِأَنَّ اللَّفْظ الشَّرْعِيّ خَاصّ بِمُقْتَضَاهُ شَرْعًا لَا وَضْعًا , وَكَأَنَّ الزَّيْن اِسْتَشْعَرَ هَذَا الْجَوَاب فَزَادَ أَنَّ تَخْصِيص الْوَاجِب بِالْفَرْضِ اِصْطِلَاح حَادِثٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ \" وَجَبَ \" فِي اللُّغَة لَمْ يَنْحَصِر فِي السُّقُوط , بَلْ وَرَدَ بِمَعْنَى مَاتَ , وَبِمَعْنَى اِضْطَرَبَ , وَبِمَعْنَى لَزِمَ وَغَيْر ذَلِكَ. وَاَلَّذِي يَتَبَادَر إِلَى الْفَهْم مِنْهَا فِي الْأَحَادِيث أَنَّهَا بِمَعْنَى لَزِمَ , لَا سِيَّمَا إِذَا سِيقَتْ لِبَيَانِ الْحُكْم. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث اِبْنِ عُمَر \" الْجُمُعَة وَاجِبَة عَلَى كُلّ مُحْتَلِم \" وَهُوَ بِمَعْنَى اللُّزُوم قَطْعًا وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث الْبَاب \" وَاجِب كَغُسْلِ الْجَنَابَة \" أَخْرَجَهُ اِبْنُ حِبَّان مِنْ طَرِيق الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ صَفْوَان بْن سُلَيْمٍ , وَظَاهِرُهُ اللُّزُوم , وَأَجَابَ عَنْهُ بَعْض الْقَائِلِينَ بِالنَّدْبِيَّة بِأَنَّ التَّشْبِيه فِي الْكَيْفِيَّة لَا فِي الْحُكْم , وَقَالَ اِبْنُ الْجَوْزِيّ : يَحْتَمِل أَنْ تَكُونَ لَفْظَة \" الْوُجُوب \" مُغَيَّرَة مِنْ بَعْض الرُّوَاة أَوْ ثَابِتَة وَنُسِخَ الْوُجُوب , وَرُدَّ بِأَنَّ الطَّعْن فِي الرِّوَايَات الثَّابِتَة بِالظَّنِّ الَّذِي لَا مُسْتَنَد لَهُ لَا يُقْبَل , وَالنَّسْخ لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ , وَمَجْمُوع الْأَحَادِيث يَدُلّ عَلَى اِسْتِمْرَار الْحُكْم , فَإِنَّ فِي حَدِيث عَائِشَة أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْحَال حَيْثُ كَانُوا مَجْهُودِينَ , وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّمَا صَحِبَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد أَنْ حَصَلَ التَّوَسُّع بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا كَانُوا فِيهِ أَوَّلًا , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ سَمِعَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمْر بِالْغُسْلِ وَالْحَثّ عَلَيْهِ وَالتَّرْغِيب فِيهِ فَكَيْف يُدَّعَى النَّسْخ بَعْد ذَلِكَ ؟. ‏ ‏( فَائِدَة ) ‏ ‏: حَكَى اِبْن الْعَرَبِيّ وَغَيْره أَنَّ بَعْض أَصْحَابهمْ قَالُوا : يُجْزِئ عَنْ الِاغْتِسَال لِلْجُمُعَةِ التَّطَيُّب لِأَنَّ الْمَقْصُود النَّظَافَة. وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا يُشْتَرَط لَهُ الْمَاء الْمُطْلَق بَلْ يُجْزِئ بِمَاءِ الْوَرْد وَنَحْوه , وَقَدْ عَابَ اِبْن الْعَرَبِيّ ذَلِكَ وَقَالَ : هَؤُلَاءِ وَقَفُوا مَعَ الْمَعْنَى وَأَغْفَلُوا الْمُحَافَظَة عَلَى التَّعَبُّد بِالْمُعَيَّنِ , وَالْجَمْع بَيْن التَّعَبُّد وَالْمَعْنَى أَوْلَى. اِنْتَهَى. وَعَكْس ذَلِكَ قَوْل بَعْض الشَّافِعِيَّة بِالتَّيَمُّمِ , فَإِنَّهُ تَعَبُّد دُون نَظَر إِلَى الْمَعْنَى , أَمَّا الِاكْتِفَاء بِغَيْرِ الْمَاء الْمُطْلَق فَمَرْدُود لِأَنَّهَا عِبَادَة لِثُبُوتِ التَّرْغِيب فِيهَا فَيَحْتَاج إِلَى النِّيَّة وَلَوْ كَانَ لِمَحْضِ النَّظَافَة لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "831",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكرِ بْنِ الْمُنكَدِرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ أَشْهَدُ عَلَى ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ وَأَنْ ‏ ‏يَسْتَنَّ ‏ ‏وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَمَّا الْغُسْلُ فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَأَمَّا ‏ ‏الِاسْتِنَانُ ‏ ‏وَالطِّيبُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لَا وَلَكِنْ هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏هُوَ أَخُو ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏وَلَمْ يُسَمَّ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏رَوَاهُ عَنْهُ ‏ ‏بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ ‏ ‏وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ ‏ ‏وَعِدَّةٌ وَكَانَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏يُكْنَى ‏ ‏بِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر , وَهُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , وَاقْتَصَرَ الْبَاقُونَ عَلَى \" حَدَّثَنَا عَلِيّ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ أَشْهَد عَلَى أَبِي سَعِيد ) ‏ ‏ظَاهِر فِي أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ , قَالَ اِبْن التِّين : أَرَادَ بِهَذَا اللَّفْظ التَّأْكِيد لِلرِّوَايَةِ. اِنْتَهَى. وَقَدْ أَدْخَلَ بَعْضهمْ بَيْن عَمْرو بْن سُلَيْمٍ الْقَائِل \" أَشْهَد \" وَبَيْن أَبِي سَعِيد رَجُلًا كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَنْ يَسْتَنّ ) ‏ ‏أَيْ يُدَلِّك أَسْنَانه بِالسِّوَاكِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَنْ يَمَسّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم فِي الْأَفْصَح. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنْ وَجَدَ ) ‏ ‏مُتَعَلِّق بِالطِّيبِ , أَيْ إِنْ وَجَدَ الطِّيب مَسَّهُ , وَيَحْتَمِل تَعَلُّقه بِمَا قَبْله أَيْضًا. وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَيَمَسّ مِنْ الطِّيب مَا يَقْدِر عَلَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة \" وَلَوْ مِنْ طِيب الْمَرْأَة \" قَالَ عِيَاض : يَحْتَمِل قَوْلُهُ : \" مَا يَقْدِر عَلَيْهِ \" إِرَادَة التَّأْكِيد لِيَفْعَل مَا أَمْكَنَهُ , وَيَحْتَمِل إِرَادَة الْكَثْرَة , وَالْأَوَّل أَظْهَر. وَيُؤَيِّدهُ قَوْلُهُ : \" وَلَوْ مِنْ طِيب الْمَرْأَة \" لِأَنَّهُ يُكْرَه اِسْتِعْمَاله لِلرَّجُلِ , وَهُوَ مَا ظَهَرَ لَوْنه وَخَفِيَ رِيحه , فَإِبَاحَته لِلرَّجُلِ لِأَجْلِ عَدَم غَيْره يَدُلّ عَلَى تَأَكُّد الْأَمْر فِي ذَلِكَ. وَيُؤْخَذ مِنْ اِقْتِصَاره عَلَى الْمَسّ الْأَخْذ بِالتَّخْفِيفِ فِي ذَلِكَ. قَالَ الزَّيْن اِبْن الْمُنِير : فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الرِّفْق , وَعَلَى تَيْسِير الْأَمْر فِي التَّطَيُّب بِأَنْ يَكُون بِأَقَلّ مَا يُمْكِن حَتَّى إِنَّهُ يُجْزِئ مَسّه مِنْ غَيْر تَنَاوُل قَدْر يُنْقِصهُ تَحْرِيضًا عَلَى اِمْتِثَال الْأَمْر فِيهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏أَيْ اِبْن سُلَيْمٍ رَاوِي الْخَبَر , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَمَّا الِاسْتِنَان وَالطِّيب فَاَللَّه أَعْلَم ) ‏ ‏هَذَا يُؤَيِّد مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَطْف لَا يَقْتَضِي التَّشْرِيك مِنْ جَمِيع الْوُجُوه , وَكَأَنَّ الْقَدْر الْمُشْتَرَك تَأْكِيد الطَّلَب لِلثَّلَاثَةِ , وَكَأَنَّهُ جَزَمَ بِوُجُوبِ الْغُسْل دُون غَيْره لِلتَّصْرِيحِ بِهِ فِي الْحَدِيث , وَتَوَقَّفَ فِيمَا عَدَاهُ لِوُقُوعِ الِاحْتِمَال فِيهِ. قَالَ الزَّيْن ابْن الْمُنِير : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْلُهُ \" وَأَنْ يَسْتَنّ \" مَعْطُوفًا عَلَى الْجُمْلَة الْمُصَرِّحَة بِوُجُوبِ الْغُسْل فَيَكُون وَاجِبًا أَيْضًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُسْتَأْنَفًا فَيَكُون التَّقْدِير وَأَنْ يَسْتَنّ وَيَتَطَيَّب اِسْتِحْبَابًا , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل مَا سَيَأْتِي فِي آخِر الْبَاب مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ خَالِد بْن يَزِيد حَيْثُ قَالَ فِيهَا \" إِنَّ الْغُسْل وَاجِب \" ثُمَّ قَالَ \" وَالسِّوَاك وَأَنْ يَمَسّ مِنْ الطِّيب \" وَيَأْتِي فِي شَرْح \" بَاب الدَّهْن يَوْم الْجُمُعَة \" حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ \" وَأَصِيبُوا مِنْ الطِّيب \" وَفِيهِ تَرَدُّدُ اِبْن عَبَّاسٍ فِي وُجُوب الطِّيب , وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْلُهُ \" وَأَنْ يَسْتَنّ إِلَخْ \" مِنْ كَلَام أَبِي سَعِيد خَلَطَهُ الرَّاوِي بِكَلَامِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. اِنْتَهَى. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ سَاقَهُ بِلَفْظِ \" قَالَ أَبُو سَعِيد وَأَنْ يَسْتَنّ \" وَهَذَا لَمْ أَرَهُ فِي شَيْء مِنْ نُسَخ الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ الَّذِي تَكَلَّمَ اِبْن الْجَوْزِيّ عَلَيْهِ. وَلَا فِي وَاحِد مِنْ الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي شَيْء مِنْ الْمَسَانِيد وَالْمُسْتَخْرَجَات , بَلْ لَيْسَ فِي جَمِيع طُرُق هَذَا الْحَدِيث \" قَالَ أَبُو سَعِيد \" فَدَعْوَى الْإِدْرَاج فِيهِ لَا حَقِيقَة لَهَا , وَيَلْتَحِق بِالِاسْتِنَانِ وَالتَّطَيُّب التَّزَيُّن بِاللِّبَاسِ , وَسَيَأْتِي اِسْتِعْمَال الْخَمْس الَّتِي عُدَّتْ مِنْ الْفِطْرَة , وَقَدْ صَرَّحَ اِبْن حَبِيب مِنْ الْمَالِكِيَّة بِهِ فَقَالَ : يَلْزَم الْآتِي الْجُمُعَة جَمِيعُ ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب الدَّهْن لِلْجُمُعَةِ \" \" وَيَدْهُن مِنْ دُهْنه وَيَمَسّ مِنْ طِيبه \" وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ الْبُخَارِيّ , وَمُرَاده بِمَا ذُكِرَ أَنَّ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر وَإِنْ كَانَ يُكَنَّى أَيْضًا أَبَا بَكْر لَكِنَّهُ مِمَّنْ كَانَ مَشْهُورًا بِاسْمِهِ دُون كُنْيَته , بِخِلَافِ أَخِيهِ أَبِي بَكْر رَاوِي هَذَا الْخَبَر فَإِنَّهُ لَا اِسْم لَهُ إِلَّا كُنْيَته , وَهُوَ مَدَنِيّ تَابِعِيّ كَشَيْخِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رَوَى عَنْهُ بُكَيْر بْن الْأَشَجّ وَسَعِيد بْن أَبِي هِلَال ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ \" رَوَاهُ عَنْهُ \" وَكَأَنَّ الْمُرَاد أَنَّ شُعْبَة لَمْ يَنْفَرِد بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيث عَنْهُ لَكِنْ بَيْن رِوَايَة بُكَيْر وَسَعِيد مُخَالَفَة فِي مَوْضِع مِنْ الْإِسْنَاد , فَرِوَايَة بُكَيْر مُوَافِقَة لِرِوَايَةِ شُعْبَة وَرِوَايَة سَعِيد أَدْخَلَ فِيهَا بَيْن عَمْرو بْن سُلَيْمٍ وَأَبِي سَعِيد وَاسِطَة كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الْحَارِث أَنَّ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال وَبُكَيْر بْن الْأَشَجّ حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِي بَكْر بْن الْمُنْكَدِر عَنْ عَمْرو بْن سُلَيْمٍ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَ الْحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره \" إِلَّا أَنَّ بُكَيْرًا لَمْ يَذْكُر عَبْد الرَّحْمَن \" وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق اِبْن لَهِيعَة عَنْ بُكَيْر لَيْسَ فِيهِ عَبْد الرَّحْمَن , وَغَفَلَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" عَنْ هَذَا الْكَلَام الْأَخِير فَجَزَمَ بِأَنَّ بُكَيْرًا وَسَعِيدًا خَالَفَا شُعْبَة فَزَادَا فِي الْإِسْنَاد عَبْد الرَّحْمَن وَقَالَ : إِنَّهُمَا ضَبَطَا إِسْنَاده وَجَوَّدَاهُ وَهُوَ الصَّحِيح , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ , بَلْ الْمُنْفَرِد بِزِيَادَةِ عَبْد الرَّحْمَن هُوَ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال , وَقَدْ وَافَقَ شُعْبَة وَبُكَيْرًا عَلَى إِسْقَاطه مُحَمَّدَ بْن الْمُنْكَدِر أَخُو أَبِي بَكْر أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقه , وَالْعَدَد الْكَثِير أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنْ وَاحِد. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ عَمْرو بْنَ سُلَيْمٍ سَمِعَهُ مِنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي سَعِيد عَنْ أَبِيهِ , ثُمَّ لَقِيَ أَبَا سَعِيد فَحَدَّثَهُ , وَسَمَاعه مِنْهُ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ لِأَنَّهُ قَدِيم وُلِدَ فِي خِلَافَة عُمَر بْن الْخَطَّاب وَلَمْ يُوصَف بِالتَّدْلِيسِ. وَحَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" فِيهِ اِخْتِلَافًا آخَر عَلَى عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , فَذَكَرَ أَنَّ الْبَاغَنْدِيّ حَدَّثَ بِهِ عَنْهُ بِزِيَادَةِ عَبْد الرَّحْمَن أَيْضًا , وَخَالَفَهُ تَمَّام عَنْهُ فَلَمْ يَذْكُر عَبْد الرَّحْمَن , وَفِيمَا قَالَ نَظَر , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْبَاغَنْدِيّ بِإِسْقَاطِ عَبْد الرَّحْمَن , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج عَنْ أَبِي إِسْحَاق بْن حَمْزَة وَأَبِي أَحْمَد الْغِطْرِيفِيّ كِلَاهُمَا عَنْ الْبَاغَنْدِيّ , فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة مِنْ الْحُفَّاظ حَدَّثُوا بِهِ عَنْ الْبَاغَنْدِيّ فَلَمْ يَذْكُرُوا عَبْد الرَّحْمَن فِي الْإِسْنَاد , فَلَعَلَّ الْوَهْم فِيهِ مِمَّنْ حَدَّثَ بِهِ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ الْبَاغَنْدِيّ , وَقَدْ وَافَقَ الْبُخَارِيّ عَلَى تَرْك ذِكْره مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيَّ عِنْد الْجَوْزَقِيّ وَمُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم صَاعِقَة عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَعَبْد الْعَزِيز بْن سَلَّامٍ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَإِسْمَاعِيل الْقَاضِي عِنْد اِبْن مَنْدَهْ فِي \" غَرَائِب شُعْبَة \" كُلّهمْ عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ , وَوَافَقَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَلَى تَرْك ذِكْره أَيْضًا إِبْرَاهِيم بْنُ مُحَمَّد وَإِسْمَاعِيل بْن عَرْعَرَةَ عَنْ حَرَمِيّ بْن عُمَارَة عِنْد أَبِي بَكْر الْمَرُّوِذِيّ فِي \" كِتَاب الْجُمُعَة \" لَهُ وَلَمْ أَقِف عَلَيْهِ مِنْ حَدِيث شُعْبَة إِلَّا مِنْ طَرِيق حَرَمِيّ وَأَشَارَ اِبْن مَنْدَهْ إِلَى أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏ذَكَرَ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" أَنَّ الْبُخَارِيّ قَالَ عَقِب رِوَايَة شُعْبَة هَذِهِ : وَقَالَ اللَّيْث عَنْ خَالِد بْن يَزِيد عَنْ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال عَنْ أَبِي بَكْر بْن الْمُنْكَدِر عَنْ عَمْرو بْن سُلَيْمٍ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي سَعِيد عَنْ أَبِيهِ , وَلَمْ أَقِف عَلَى هَذَا التَّعْلِيق فِي شَيْء مِنْ النُّسَخ الَّتِي وَقَعَتْ لَنَا مِنْ الصَّحِيح , وَلَا ذَكَرَهُ أَبُو مَسْعُود وَلَا خَلَف , وَقَدْ وَصَلَهُ مِنْ طَرِيق اللَّيْث كَذَلِكَ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ \" أَنَّ الْغُسْل يَوْم الْجُمُعَة وَاجِب عَلَى كُلّ مُحْتَلِم , وَالسِّوَاك , وَأَنْ يَمَسّ مِنْ الطِّيب مَا يَقْدِر عَلَيْهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "832",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا ‏ ‏قَرَّبَ ‏ ‏بَدَنَةً ‏ ‏وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا ‏ ‏قَرَّبَ ‏ ‏بَقَرَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا ‏ ‏قَرَّبَ ‏ ‏كَبْشًا أَقْرَنَ وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا ‏ ‏قَرَّبَ ‏ ‏دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا ‏ ‏قَرَّبَ ‏ ‏بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَنْ اِغْتَسَلَ ) ‏ ‏يَدْخُل فِيهِ كُلّ مَنْ يَصِحّ التَّقَرُّب مِنْهُ مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى حُرّ أَوْ عَبْد. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( غُسْل الْجَنَابَة ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ نَعْت لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف أَيْ غُسْلًا كَغُسْلِ الْجَنَابَة , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ) وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ سُمَيٍّ عِنْد عَبْد الرَّزَّاق \" فَاغْتَسَلَ أَحَدكُمْ كَمَا يَغْتَسِل مِنْ الْجَنَابَة \" وَظَاهِره أَنَّ التَّشْبِيه لِلْكَيْفِيَّةِ لَا لِلْحُكْمِ وَهُوَ قَوْل الْأَكْثَر , وَقِيلَ فِيهِ إِشَارَة إِلَى الْجِمَاع يَوْم الْجُمُعَة لِيَغْتَسِل فِيهِ مِنْ الْجَنَابَة , وَالْحِكْمَة فِيهِ أَنْ تَسْكُن نَفْسه فِي الرَّوَاح إِلَى الصَّلَاة وَلَا تَمْتَدّ عَيْنه إِلَى شَيْء يَرَاهُ , وَفِيهِ حَمْل الْمَرْأَة أَيْضًا عَلَى الِاغْتِسَال ذَلِكَ الْيَوْم , وَعَلَيْهِ حَمَلَ قَائِل ذَلِكَ حَدِيث \" مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ \" الْمُخَرَّج فِي السُّنَن عَلَى رِوَايَة مَنْ رَوَى غَسَّلَ بِالتَّشْدِيدِ , قَالَ النَّوَوِيّ : ذَهَبَ بَعْض أَصْحَابنَا إِلَى هَذَا وَهُوَ ضَعِيف أَوْ بَاطِل , وَالصَّوَاب الْأَوَّل. اِنْتَهَى. وَقَدْ حَكَاهُ اِبْن قُدَامَةَ عَنْ الْإِمَام أَحْمَد , وَثَبَتَ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّهُ أَنْسَب الْأَقْوَال فَلَا وَجْه لِادِّعَاءِ بُطْلَانه وَإِنْ كَانَ الْأَوَّل أَرْجَح وَلَعَلَّهُ عَنَى أَنَّهُ بَاطِلٌ فِي الْمَذْهَب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ رَاحَ ) ‏ ‏زَادَ أَصْحَاب الْمُوَطَّأ عَنْ مَالِك \" فِي السَّاعَة الْأُولَى \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَة ) ‏ ‏أَيْ تَصَدَّقَ بِهَا مُتَقَرِّبًا إِلَى اللَّه , وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّ لِلْمُبَادِرِ فِي أَوَّل سَاعَة نَظِيرَ مَا لِصَاحِبِ الْبَدَنَة مِنْ الثَّوَاب مِمَّنْ شُرِعَ لَهُ الْقُرْبَان , لِأَنَّ الْقُرْبَان لَمْ يُشْرَع لِهَذِهِ الْأُمَّة عَلَى الْكَيْفِيَّة الَّتِي كَانَتْ لِلْأُمَمِ السَّالِفَة. وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ الْمَذْكُورَة \" فَلَهُ مِنْ الْأَجْر مِثْل الْجَزُور \" وَظَاهِره أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الثَّوَاب لَوْ تَجَسَّدَ لَكَانَ قَدْر الْجَزُور. وَقِيلَ لَيْسَ الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ إِلَّا بَيَان تَفَاوُت الْمُبَادِرِينَ إِلَى الْجُمُعَةِ , وَأَنَّ نِسْبَة الثَّانِي مِنْ الْأَوَّل نِسْبَة الْبَقَرَة إِلَى الْبَدَنَة فِي الْقِيمَة مَثَلًا , وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي مُرْسَل طَاوُسٍ عِنْد عَبْد الرَّزَّاق \" كَفَضْلِ صَاحِب الْجَزُور عَلَى صَاحِب الْبَقَرَة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ الْآتِيَة فِي \" بَاب الِاسْتِمَاع إِلَى الْخُطْبَة \" بِلَفْظِ \" كَمِثْلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَة \" فَكَأَنَّ الْمُرَاد بِالْقُرْبَانِ فِي رِوَايَة الْبَاب الْإِهْدَاء إِلَى الْكَعْبَة. قَالَ الطِّيبِيُّ : فِي لَفْظ الْإِهْدَاء إِدْمَاج بِمَعْنَى التَّعْظِيم لِلْجُمُعَةِ , وَأَنَّ الْمُبَادِر إِلَيْهَا كَمَنْ سَاقَ الْهَدْي , وَالْمُرَاد بِالْبَدَنَةِ الْبَعِير ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى , وَالْهَاء فِيهَا لِلْوَحْدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ , وَكَذَا فِي بَاقِي مَا ذُكِرَ. وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ مَالِك أَنَّهُ كَانَ يَتَعَجَّب مِمَّنْ يَخُصّ الْبَدَنَة بِالْأُنْثَى , وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ فِي شَرْح أَلْفَاظ الْمُخْتَصَر : الْبَدَنَة لَا تَكُون إِلَّا مِنْ الْإِبِل , وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ عَطَاء , وَأَمَّا الْهَدْي فَمِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم , هَذَا لَفْظه. وَحَكَى النَّوَوِيّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الْبَدَنَة تَكُون مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم , وَكَأَنَّهُ خَطَأ نَشَأَ عَنْ سَقْط. وَفِي الصِّحَاح : الْبَدَنَة نَاقَة أَوْ بَقَرَة تُنْحَر بِمَكَّة , سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمِّنُونَهَا. اِنْتَهَى. وَالْمُرَاد بِالْبَدَنَةِ هُنَا النَّاقَة بِلَا خِلَاف , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْبَدَنَة تَخْتَصّ بِالْإِبِلِ لِأَنَّهَا قُوبِلَتْ بِالْبَقَرَةِ عِنْد الْإِطْلَاق , وَقَسْم الشَّيْء لَا يَكُون قَسِيمه , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن دَقِيق الْعِيد. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ : الْبَدَنَة مِنْ الْإِبِل , ثُمَّ الشَّرْع قَدْ يُقِيم مَقَامهَا الْبَقَرَة وَسَبْعًا مِنْ الْغَنَم. وَتَظْهَر ثَمَرَة هَذَا فِيمَا إِذَا قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ بَدَنَة , وَفِيهِ خِلَاف , الْأَصَحّ تَعَيُّن الْإِبِل إِنْ وُجِدَتْ , وَإِلَّا فَالْبَقَرَة أَوْ سَبْع مِنْ الْغَنَم. وَقِيلَ : تَتَعَيَّن الْإِبِل مُطْلَقًا , وَقِيلَ يَتَخَيَّر مُطْلَقًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( دَجَاجَة ) ‏ ‏بِالْفَتْحِ , وَيَجُوز الْكَسْر , وَحَكَى اللَّيْث الضَّمّ أَيْضًا. وَعَنْ مُحَمَّد بْن حَبِيب أَنَّهَا بِالْفَتْحِ مِنْ الْحَيَوَان وَبِالْكَسْرِ مِنْ النَّاس. وَاسْتُشْكِلَ التَّعْبِير فِي الدَّجَاجَة وَالْبَيْضَة بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ \" كَاَلَّذِي يُهْدِي \" لِأَنَّ الْهَدْي لَا يَكُون مِنْهُمَا , وَأَجَابَ الْقَاضِي عِيَاض تَبَعًا لِابْنِ بَطَّال بِأَنَّهُ لَمَّا عَطَفَهُ عَلَى مَا قَبْله أَعْطَاهُ حُكْمه فِي اللَّفْظ فَيَكُون مِنْ الِاتِّبَاع كَقَوْلِهِ \" مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا \". وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة بِأَنَّ شَرْط الِاتِّبَاع أَنْ لَا يُصَرِّح بِاللَّفْظِ فِي الثَّانِي فَلَا يَسُوغ أَنْ يُقَال مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَمُتَقَلِّدًا رُمْحًا. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ مِنْ بَاب الْمُشَاكَلَة , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ اِبْن الْعَرَبِيّ بِقَوْلِهِ : هُوَ مِنْ تَسْمِيَة الشَّيْء بِاسْمِ قَرِينه. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : قَوْلُهُ \" قَرَّبَ بَيْضَة \" وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" كَاَلَّذِي يُهْدِي \" يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالتَّقْرِيبِ الْهَدْي , وَيَنْشَأ مِنْهُ أَنَّ الْهَدْي يُطْلَق عَلَى مِثْل هَذَا حَتَّى لَوْ اِلْتَزَمَ هَدْيًا هَلْ يَكْفِيه ذَلِكَ أَوْ لَا ؟ اِنْتَهَى. وَالصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة الثَّانِي , وَكَذَا عِنْد الْحَنَفِيَّة وَالْحَنَابِلَة , وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ النَّذْر هَلْ يَسْلُك بِهِ مَسْلَك جَائِز الشَّرْع أَوْ وَاجِبه ؟ فَعَلَى الْأَوَّل يَكْفِي أَقَلّ مَا يُتَقَرَّب بِهِ , وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَل عَلَى أَقَلّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْس , وَيُقَوِّي الصَّحِيح أَيْضًا أَنَّ الْمُرَاد بِالْهَدْيِ هُنَا التَّصَدُّق كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظ التَّقَرُّب , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَام حَضَرَتْ الْمَلَائِكَة يَسْتَمِعُونَ الذِّكْر ) ‏ ‏اِسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ التَّبْكِير لَا يُسْتَحَبّ لِلْإِمَامِ , قَالَ : وَيَدْخُل لِلْمَسْجِدِ مِنْ أَقْرَبِ أَبْوَابه إِلَى الْمِنْبَر , وَمَا قَالَهُ غَيْر ظَاهِرٍ لِإِمْكَانِ أَنْ يَجْمَع الْأَمْرَيْنِ بِأَنْ يُبَكِّر وَلَا يَخْرُج مِنْ الْمَكَان الْمُعَدّ لَهُ فِي الْجَامِع إِلَّا إِذَا حَضَرَ الْوَقْت , أَوْ يُحْمَل عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ مَكَان مُعَدّ. وَزَادَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ الْآتِيَة \" طَوَوْا صُحُفهمْ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقه \" فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَام طَوَوْا الصُّحُف وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْر \" وَكَأَنَّ اِبْتِدَاء طَيّ الصُّحُف عِنْد اِبْتِدَاء خُرُوج الْإِمَام وَانْتِهَائِهِ بِجُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَر , وَهُوَ أَوَّلُ سَمَاعهمْ لِلذِّكْرِ , وَالْمُرَاد بِهِ مَا فِي الْخُطْبَة مِنْ الْمَوَاعِظ وَغَيْرهَا. وَأَوَّلُ حَدِيث الزُّهْرِيِّ \" إِذَا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة وَقَفَتْ الْمَلَائِكَة عَلَى بَابِ الْمَسْجِد يَكْتُبُونَ الْأَوَّل فَالْأَوَّل \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة اِبْنِ عَجْلَان عَنْ سُمَيٍّ عِنْد النَّسَائِيِّ , وَفِي رِوَايَة الْعَلَاء عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد اِبْنِ خُزَيْمَةَ \" عَلَى كُلّ بَابٍ مِنْ أَبْوَاب الْمَسْجِد مَلَكَانِ يَكْتُبَانِ الْأَوَّل فَالْأَوَّل \" فَكَأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ \" عَلَى بَابِ الْمَسْجِد \" جِنْس الْبَاب , وَيَكُونُ مِنْ مُقَابَلَة الْمَجْمُوع بِالْمَجْمُوعِ , فَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَنْ أَجَازَ التَّعْبِير عَنْ الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْع. وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْنِ عُمَر صِفَة الصُّحُف الْمَذْكُورَة , أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِليَة مَرْفُوعًا بِلَفْظِ \" إِذَا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة بَعَثَ اللَّه مَلَائِكَة بِصُحُفٍ مِنْ نُورٍ وَأَقْلَام مِنْ نُورٍ \" الْحَدِيث , وَهُوَ دَالّ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَة الْمَذْكُورِينَ غَيْر الْحَفَظَة , وَالْمُرَاد بِطَيِّ الصُّحُف طَيّ صُحُف الْفَضَائِل الْمُتَعَلِّقَة بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الْجُمُعَة دُونَ غَيْرهَا مِنْ سَمَاع الْخُطْبَة وَإِدْرَاك الصَّلَاة وَالذِّكْر وَالدُّعَاء وَالْخُشُوع وَنَحْو ذَلِكَ , فَإِنَّهُ يَكْتُبهُ الْحَافِظَانِ قَطْعًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي آخِر حَدِيثه الْمُشَار إِلَيْهِ عِنْد اِبْنِ مَاجَهْ \" فَمَنْ جَاءَ بَعْد ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَجِيء لِحَقِّ الصَّلَاة \" وَفِي رِوَايَة اِبْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُمَيٍّ مِنْ الزِّيَادَة فِي آخِره \" ثُمَّ إِذَا اِسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْن الْجُمُعَتَيْنِ وَزِيَادَة ثَلَاثَة أَيَّام \". وَفِي حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْد اِبْنِ خُزَيْمَةَ \" فَيَقُول بَعْض الْمَلَائِكَة لِبَعْضٍ : مَا حَبَسَ فُلَانًا ؟ فَتَقُول : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ ضَالًّا فَاهْدِهِ , وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنِهِ , وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَعَافِهِ \". وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ الْحَضّ عَلَى الِاغْتِسَال يَوْم الْجُمُعَة وَفَضْله , وَفَضْل التَّبْكِير إِلَيْهَا , وَأَنَّ الْفَضْل الْمَذْكُور إِنَّمَا يَحْصُل لِمَنْ جَمَعَهُمَا. وَعَلَيْهِ يُحْمَل مَا أُطْلِقَ فِي بَاقِي الرِّوَايَات مِنْ تَرَتُّب الْفَضْل عَلَى التَّبْكِير مِنْ غَيْر تَقْيِيد بِالْغُسْلِ. وَفِيهِ أَنَّ مَرَاتِب النَّاس فِي الْفَضْل بِحَسَبِ أَعْمَالهمْ , وَأَنَّ الْقَلِيل مِنْ الصَّدَقَة غَيْر مُحْتَقَر فِي الشَّرْع , وَأَنَّ التَّقَرُّب بِالْإِبِلِ أَفْضَلُ مِنْ التَّقَرُّب بِالْبَقَرِ وَهُوَ بِالِاتِّفَاقِ فِي الْهَدْي , وَاخْتُلِفَ فِي الضَّحَايَا , وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهَا كَذَلِكَ. وَقَالَ الزَّيْن ابْن الْمُنِير : فَرَّقَ مَالِك بَيْن التَّقَرُّبَيْنِ بِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودَيْنِ , لِأَنَّ أَصْل مَشْرُوعِيَّة الْأُضْحِيَّة التَّذْكِير بِقِصَّةِ الذَّبِيح , وَهُوَ قَدْ فُدِيَ بِالْغَنَمِ. وَالْمَقْصُود بِالْهَدْيِ التَّوْسِعَة عَلَى الْمَسَاكِين فَنَاسَبَ الْبُدْن. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَة تَصِحّ قَبْل الزَّوَال كَمَا سَيَأْتِي نُقِلَ الْخِلَاف فِيهِ بَعْد أَبْوَاب , وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ تَقْسِيم السَّاعَة إِلَى خَمْس. ثُمَّ عُقِّبَ بِخُرُوجِ الْإِمَام , وَخُرُوجه عِنْد أَوَّلِ وَقْت الْجُمُعَة , فَيَقْتَضِي أَنَّهُ يَخْرُج فِي أَوَّلِ السَّاعَة السَّادِسَة وَهِيَ قَبْل الزَّوَال. وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث ذِكْر الْإِتْيَان مِنْ أَوَّلِ النَّهَار , فَلَعَلَّ السَّاعَة الْأُولَى مِنْهُ جُعِلَتْ لِلتَّأَهُّبِ بِالِاغْتِسَالِ وَغَيْره , وَيَكُونُ مَبْدَأ الْمَجِيء مِنْ أَوَّلِ الثَّانِيَة فَهِيَ أُولَى بِالنِّسْبَةِ لِلْمَجِيءِ ثَانِيَة بِالنِّسْبَةِ لِلنَّهَارِ , وَعَلَى هَذَا فَآخِر الْخَامِسَة أَوَّلُ الزَّوَال فَيَرْتَفِع الْإِشْكَال , وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الصَّيْدَلَانِيّ شَارِح الْمُخْتَصَر حَيْثُ قَالَ : إِنَّ أَوَّلَ التَّبْكِير يَكُونُ مِنْ اِرْتِفَاع النَّهَار , وَهُوَ أَوَّلُ الضُّحَى , وَهُوَ أَوَّلُ الْهَاجِرَة. وَيُؤَيِّدهُ الْحَثّ عَلَى التَّهْجِير إِلَى الْجُمُعَة. وَلِغَيْرِهِ مِنْ الشَّافِعِيَّة فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ اِخْتَلَفَ فِيهِمَا التَّرْجِيح , فَقِيلَ : أَوَّلُ التَّبْكِير طُلُوع الشَّمْس , وَقِيلَ طُلُوع الْفَجْر , وَرَجَّحَهُ جَمْع , وَفِيهِ نَظَر إِذْ يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُونَ التَّأَهُّب قَبْل طُلُوع الْفَجْر , وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيّ : يُجْزِئ الْغُسْل إِذَا كَانَ بَعْد الْفَجْر فَأَشْعَرَ بِأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقَع بَعْد ذَلِكَ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ ذِكْر السَّاعَة السَّادِسَة لَمْ يَذْكُرهُ الرَّاوِي , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْنِ عَجْلَان عَنْ سُمَيٍّ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْهُ زِيَادَة مَرْتَبَة بَيْن الدَّجَاجَة وَالْبَيْضَة وَهِيَ الْعُصْفُور , وَتَابَعَهُ صَفْوَان بْن عِيسَى عَنْ اِبْنِ عَجْلَان , أَخْرَجَهُ مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام الْخُشَنِيُّ , وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد أَخْرَجَهُ حُمَيْدُ بْن زَنْجَوَيْهِ فِي التَّرْغِيب لَهُ بِلَفْظِ \" فَكَمُهْدِي الْبَدَنَة إِلَى الْبَقَرَة إِلَى الشَّاة إِلَى عِلْيَة الطَّيْر إِلَى الْعُصْفُور \" الْحَدِيث , وَنَحْوُهُ فِي مُرْسَل طَاوُسٍ عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور , وَوَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ أَيْضًا فِي حَدِيث الزُّهْرِيِّ مِنْ رِوَايَة عَبْد الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَر زِيَادَة الْبَطَّة بَيْن الْكَبْش وَالدَّجَاجَة , لَكِنْ خَالَفَهُ عَبْد الرَّزَّاق , وَهُوَ أَثْبَت مِنْهُ فِي مَعْمَر فَلَمْ يَذْكُرهَا , وَعَلَى هَذَا فَخُرُوج الْإِمَام يَكُونُ عِنْد اِنْتِهَاء السَّادِسَة , وَهَذَا كُلّه مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالسَّاعَاتِ مَا يَتَبَادَر الذِّهْن إِلَيْهِ مِنْ الْعُرْف فِيهَا , وَفِيهِ نَظَر إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمُرَاد لَاخْتَلَفَ الْأَمْر فِي الْيَوْم الشَّاتِي وَالصَّائِف , لِأَنَّ النَّهَار يَنْتَهِي فِي الْقِصَر إِلَى عَشْر سَاعَات وَفِي الطُّول إِلَى أَرْبَعَ عَشْرَة , وَهَذَا الْإِشْكَال لِلْقَفَّالِ , وَأَجَابَ عَنْهُ الْقَاضِي حُسَيْن بِأَنَّ الْمُرَاد بِالسَّاعَاتِ مَا لَا يُخْتَلَف عَدَده بِالطُّولِ وَالْقِصَر , فَالنَّهَار اِثْنَتَا عَشْرَة سَاعَة لَكِنْ يَزِيد كُلٌّ مِنْهَا وَيَنْقُص وَاللَّيْل كَذَلِكَ , وَهَذِهِ تُسَمَّى السَّاعَات الْآفَاقِيَّة عِنْد أَهْل الْمِيقَات وَتِلْكَ التَّعْدِيلِيَّة , وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث جَابِر مَرْفُوعًا \" يَوْم الْجُمُعَة اِثْنَتَا عَشْرَة سَاعَة \" وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَرِد فِي حَدِيث التَّبْكِير فَيُسْتَأْنَس بِهِ فِي الْمُرَاد بِالسَّاعَاتِ , وَقِيلَ الْمُرَاد بِالسَّاعَاتِ بَيَان مَرَاتِب الْمُبَكِّرِينَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَار إِلَى الزَّوَال وَأَنَّهَا تَنْقَسِم إِلَى خَمْس , وَتَجَاسَرَ الْغَزَالِيّ فَقَسَّمَهَا بِرَأْيِهِ فَقَالَ : الْأُولَى مِنْ طُلُوع الْفَجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس , وَالثَّانِيَة إِلَى اِرْتِفَاعهَا , وَالثَّالِثَة إِلَى اِنْبِسَاطهَا , وَالرَّابِعَة إِلَى أَنْ تَرْمَض الْأَقْدَام , وَالْخَامِسَة إِلَى الزَّوَال. وَاعْتَرَضَهُ اِبْنُ دَقِيق الْعِيد بِأَنَّ الرَّدّ إِلَى السَّاعَات الْمَعْرُوفَة أَوْلَى وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ هَذَا الْعَدَد بِالذِّكْرِ مَعْنًى لِأَنَّ الْمَرَاتِب مُتَفَاوِتَة جِدًّا , وَأَوْلَى الْأَجْوِبَة الْأَوَّل إِنْ لَمْ تَكُنْ زِيَادَة اِبْنِ عَجْلَان مَحْفُوظَة , وَإِلَّا فَهِيَ الْمُعْتَمَدَة. وَانْفَصَلَ الْمَالِكِيَّة إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَبَعْض الشَّافِعِيَّة عَنْ الْإِشْكَال بِأَنَّ الْمُرَاد بِالسَّاعَاتِ الْخَمْس لَحَظَات لَطِيفَة أَوَّلُهَا زَوَال الشَّمْس وَآخِرُهَا قُعُود الْخَطِيب عَلَى الْمِنْبَر , وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ السَّاعَة تُطْلَق عَلَى جُزْء مِنْ الزَّمَان غَيْر مَحْدُود , تَقُول جِئْت سَاعَة كَذَا , وَبِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيث \" ثُمَّ رَاحَ \" يَدُلّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ الذَّهَاب إِلَى الْجُمُعَة مِنْ الزَّوَال , لِأَنَّ حَقِيقَة الرَّوَاح مِنْ الزَّوَال إِلَى آخَرِ النَّهَار , وَالْغُدُوّ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى الزَّوَال. قَالَ الْمَازِرِيُّ : تَمَسَّكَ مَالِك بِحَقِيقَةِ الرَّوَاح وَتَجَوَّزَ فِي السَّاعَة وَعَكَسَ غَيْره. اِنْتَهَى. وَقَدْ أَنْكَرَ الْأَزْهَرِيّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّوَاح لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْد الزَّوَال , وَنَقَلَ أَنَّ الْعَرَب تَقُول \" رَاحَ \" فِي جَمِيع الْأَوْقَات بِمَعْنَى ذَهَبَ , قَالَ : وَهِيَ لُغَة أَهْل الْحِجَاز , وَنَقَلَ أَبُو عُبَيْد فِي \" الْغَرِيبَيْنِ \" نَحْوَهُ. قُلْتُ : وَفِيهِ رَدّ عَلَى الزَّيْن ابْن الْمُنِير حَيْثُ أَطْلَقَ أَنَّ الرَّوَاح لَا يُسْتَعْمَل فِي الْمُضِيّ فِي أَوَّلِ النَّهَار بِوَجْهٍ , وَحَيْثُ قَالَ إِنَّ اِسْتِعْمَال الرَّوَاح بِمَعْنَى الْغُدُوّ لَمْ يُسْمَع وَلَا ثَبَتَ مَا يَدُلّ عَلَيْهِ. ثُمَّ إِنِّي لَمْ أَرَ التَّعْبِير بِالرَّوَاحِ فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث إِلَّا فِي رِوَايَة مَالِك هَذِهِ عَنْ سُمَيٍّ , وَقَدْ رَوَاهُ اِبْنُ جُرَيْجٍ عَنْ سُمَيٍّ بِلَفْظِ \" غَدَا \" وَرَوَاهُ أَبُو سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" الْمُتَعَجِّل إِلَى الْجُمُعَة كَالْمُهْدِي بَدَنَة \" الْحَدِيث وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ , وَفِي حَدِيث سَمُرَة \" ضَرَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَل الْجُمُعَة فِي التَّبْكِير كَنَاحِرِ الْبَدَنَة \" الْحَدِيث , أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ , وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَلِيّ مَرْفُوعًا \" إِذَا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة غَدَتْ الشَّيَاطِين بِرَايَاتِهَا إِلَى الْأَسْوَاق , وَتَغْدُو الْمَلَائِكَة فَتَجْلِس عَلَى بَابِ الْمَسْجِد فَتَكْتُب الرَّجُل مِنْ سَاعَة وَالرَّجُل مِنْ سَاعَتَيْنِ \" الْحَدِيث , فَدَلَّ مَجْمُوع هَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالرَّوَاحِ الذَّهَاب , وَقِيلَ : النُّكْتَة فِي التَّعْبِير بِالرَّوَاحِ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الْفِعْل الْمَقْصُود إِنَّمَا يَكُونُ بَعْد الزَّوَال , فَيُسَمَّى الذَّاهِب إِلَى الْجُمُعَة رَائِحًا وَإِنْ لَمْ يَجِيء وَقْت الرَّوَاح , كَمَا سُمِّيَ الْقَاصِد إِلَى مَكَّة حَاجًّا. وَقَدْ اِشْتَدَّ إِنْكَار أَحْمَد وَابْنِ حَبِيب مِنْ الْمَالِكِيَّة مَا نُقِلَ عَنْ مَالِك مِنْ كَرَاهِيَةِ التَّبْكِير إِلَى الْجُمُعَة وَقَالَ أَحْمَد : هَذَا خِلَاف حَدِيث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاحْتَجَّ بَعْض الْمَالِكِيَّة أَيْضًا بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ \" مَثَل الْمُهَجِّر \" لِأَنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ التَّهْجِير وَهُوَ السَّيْر فِي وَقْت الْهَاجِرَة , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالتَّهْجِيرِ هُنَا التَّبْكِير كَمَا تَقَدَّمَ نَقْله عَنْ الْخَلِيل فِي الْمَوَاقِيت , وَقَالَ اِبْنُ الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة : يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنْ الْهِجِّير بِالْكَسْرِ وَتَشْدِيد الْجِيم وَهُوَ مُلَازَمَة ذِكْر الشَّيْء , وَقِيلَ : هُوَ مِنْ هَجَرَ الْمَنْزِل وَهُوَ ضَعِيف لِأَنَّ مَصْدَره الْهَجْر لَا التَّهْجِير. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْحَقّ أَنَّ التَّهْجِير هُنَا مِنْ الْهَاجِرَة وَهُوَ السَّيْر وَقْت الْحَرّ , وَهُوَ صَالِحِ لِمَا قَبْل الزَّوَال وَبَعْده , فَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَالِكٍ. وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : جُعِلَ الْوَقْت الَّذِي يَرْتَفِع فِيهِ النَّهَار وَيَأْخُذ الْحَرّ فِي الِازْدِيَاد مِنْ الْهَاجِرَة تَغْلِيبًا , بِخِلَافِ مَا بَعْد زَوَال الشَّمْس فَإِنَّ الْحَرّ يَأْخُذ فِي الِانْحِطَاط , وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى اِسْتِعْمَالهمْ التَّهْجِير فِي أَوَّلِ النَّهَار مَا أَنْشَدَ اِبْنُ الْأَعْرَابِيّ فِي نَوَادِره لِبَعْضِ الْعَرَب ‏ ‏تَهْجُرُونَ تَهْجِير الْفَجْر ‏ ‏وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ السَّاعَة لَوْ لَمْ تَطُلْ لَزِمَ تَسَاوِي الْآتِينَ فِيهَا , وَالْأَدِلَّة تَقْتَضِي رُجْحَان السَّابِق , بِخِلَافِ مَا إِذَا قُلْنَا إِنَّهَا لَحْظَة لَطِيفَة. وَالْجَوَاب مَا قَالَهُ النَّوَوِيّ فِي شَرْح الْمُهَذَّب تَبَعًا لِغَيْرِهِ. أَنَّ التَّسَاوِي وَقَعَ فِي مُسَمَّى الْبَدَنَة وَالتَّفَاوُت فِي صِفَاتهَا , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة اِبْنِ عَجْلَان تَكْرِير كُلّ مِنْ الْمُتَقَرَّب بِهِ مَرَّتَيْنِ حَيْثُ قَالَ \" كَرَجُلٍ قَدَّمَ بَدَنَة , وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ بَدَنَة \" الْحَدِيث وَلَا يَرِد عَلَى هَذَا أَنَّ فِي رِوَايَة اِبْنِ جُرَيْجٍ \" وَأَوَّلُ السَّاعَة وَآخِرُهَا سَوَاء \" لِأَنَّ هَذِهِ التَّسْوِيَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَدَنَة كَمَا تَقَرَّرَ. وَاحْتَجَّ مَنْ كَرِهَ التَّبْكِير أَيْضًا بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم تَخَطِّي الرِّقَاب فِي الرُّجُوع لِمَنْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَة فَخَرَجَ لَهَا ثُمَّ رَجَعَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَة لِأَنَّهُ قَاصِد لِلْوُصُولِ لِحَقِّهِ. وَإِنَّمَا الْحَرَج عَلَى مَنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْمَجِيء ثُمَّ جَاءَ فَتَخَطَّى , وَاَللَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "833",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لِمَ ‏ ‏تَحْتَبِسُونَ ‏ ‏عَنْ الصَّلَاةِ فَقَالَ الرَّجُلُ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ النِّدَاءَ تَوَضَّأْتُ فَقَالَ أَلَمْ تَسْمَعُوا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل بِغَيْرِ تَرْجَمَة , وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَوَجْه تَعَلُّقه بِهِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى الرَّدّ عَلَى مَنْ اِدَّعَى إِجْمَاع أَهْل الْمَدِينَة عَلَى تَرْك التَّبْكِير إِلَى الْجُمُعَة لِأَنَّ عُمَر أَنْكَرَ عَدَم التَّبْكِير بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَة وَكِبَار التَّابِعِينَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة. وَوَجْه دُخُوله فِي فَضْل الْجُمُعَة مَا يَلْزَم مِنْ إِنْكَار عُمَر عَلَى الدَّاخِل اِحْتِبَاسه مَعَ عِظَم شَأْنه , فَإِنَّهُ لَوْلَا عِظَم الْفَضْل فِي ذَلِكَ لَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ , وَإِذَا ثَبَتَ الْفَضْل فِي التَّبْكِير إِلَى الْجُمُعَة ثَبَتَ الْفَضْل لَهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذْ دَخَلَ رَجُل ) ‏ ‏سَمَّاهُ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى فِي رِوَايَته عَنْ شَيْبَانَ \" عُثْمَان بْن عَفَّانَ \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَمُحَمَّد بْن سَابِق عَنْ شَيْبَانَ عِنْد قَاسِم بْن أَصْبَغَ , وَكَذَا سَمَّاهُ الْأَوْزَاعِيُّ عِنْد مُسْلِم وَحَرْب بْن شَدَّاد عِنْد الطَّحَاوِيّ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير , وَصَرَّحَ مُسْلِم فِي رِوَايَته بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيع الْإِسْنَاد. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّة مَبَاحِثه فِي \" بَاب فَضْل الْغُسْل يَوْم الْجُمُعَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "834",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ وَدِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ثُمَّ ‏ ‏يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ اِبْنِ وَدِيعَة ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه , سَمَّاهُ أَبُو عَلِيّ الْحَنَفِيّ عَنْ اِبْنِ أَبِي ذِئْب بِهَذَا الْإِسْنَاد عِنْد الدَّارِمِيِّ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَهُوَ تَابِعِيّ جَلِيل , وَقَدْ ذَكَرَهُ اِبْن سَعْد فِي الصَّحَابَة , وَكَذَا اِبْن مَنْدَهْ , وَعَزَاهُ لِأَبِي حَاتِم. وَمُسْتَنَدهمْ أَنَّ بَعْض الرُّوَاة لَمْ يَذْكُر بَيْنه وَبَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيث أَحَدًا , لَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّح بِسَمَاعِهِ , فَالصَّوَاب إِثْبَات الْوَاسِطَة. وَهَذَا مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي تَتَبَّعَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى الْبُخَارِيّ وَذَكَرَ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ فَرَوَاهُ اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْهُ هَكَذَا , وَرَوَاهُ اِبْن عَجْلَان عَنْهُ فَقَالَ : عَنْ أَبِي ذَرّ بَدَل سَلْمَان , وَأَرْسَلَهُ أَبُو مَعْشَر عَنْهُ فَلَمْ يَذْكُر سَلْمَان وَلَا أَبَا ذَرّ , وَرَوَاهُ عُبَيْد اللَّه الْعُمَرِيّ عَنْهُ فَقَالَ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ا ه. وَرِوَايَة اِبْن عَجْلَان الْمَذْكُور عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَرِوَايَة أَبِي مَعْشَر عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور وَرِوَايَة الْعُمَرِيّ عِنْد أَبِي يَعْلَى , فَأَمَّا اِبْن عَجْلَان فَهُوَ دُون اِبْن أَبِي ذِئْب فِي الْحِفْظ فَرِوَايَته مَرْجُوحَة , مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن وَدِيعَة سَمِعَهُ مِنْ أَبِي ذَرّ وَسَلْمَان جَمِيعًا , وَيُرَجَّح كَوْنه عَنْ سَلْمَان وُرُوده مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ , أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق عَلْقَمَة بْن قَيْس عَنْ قَرْثَع الضَّبِّيّ , وَهُوَ بِقَافٍ مَفْتُوحَة وَرَاء سَاكِنَة ثُمَّ مُثَلَّثَة , قَالَ : وَكَانَ مِنْ الْقُرَّاء الْأَوَّلِينَ , وَعَنْ سَلْمَان نَحْوه وَرِجَاله ثِقَات , وَأَمَّا أَبُو مَعْشَر فَضَعِيف , وَقَدْ قَصَّرَ فِيهِ بِإِسْقَاطِ الصَّحَابِيّ , وَأَمَّا الْعُمَرِيّ فَحَافِظ وَقَدْ تَابَعَهُ صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ سَعِيد عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ عَنْ رَجُل عَنْ سَعِيد , وَأَخْرَجَهُ اِبْن السَّكَن مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد الرَّزَّاق وَزَادَ فِيهِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَة عُمَارَة بْن عَامِر الْأَنْصَارِيّ ا ه. وَقَوْلُهُ \" اِبْن عَامِر \" خَطَأٌ , فَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْث عَنْ اِبْن عَجْلَان عَنْ سَعِيد فَقَالَ \" عُمَارَة بْن عَمْرو بْن حَزْم \" أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ , وَبَيَّنَ الضَّحَّاك بْن عُثْمَان عَنْ سَعِيد أَنَّ عُمَارَة إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ سَلْمَان ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ. وَأَفَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ سَعِيدًا حَضَرَ أَبَاهُ لَمَّا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ اِبْن وَدِيعَة , وَسَاقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن مَسْعَدَةَ وَقَاسِم بْن يَزِيد الْجَرْمِيّ كِلَاهُمَا عَنْ اِبْنِ أَبِي ذِئْب عَنْ سَعِيد عَنْ اِبْنِ وَدِيعَة لَيْسَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ , فَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مَعَ أَبِيهِ مِنْ اِبْن وَدِيعَة , ثُمَّ اِسْتَثْبَتَ أَبَاهُ فِيهِ فَكَانَ يَرْوِيه عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ الطَّرِيق الَّتِي اِخْتَارَهَا الْبُخَارِيّ أَتْقَن الرِّوَايَات , وَبَقِيَّتهَا إِمَّا مُوَافِقَة لَهَا أَوْ قَاصِرَة عَنْهَا أَوْ يُمْكِن الْجَمْع بَيْنهمَا. وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق , فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ لِابْنِ وَدِيعَة صُحْبَة فَفِيهِ تَابِعِيَّانِ وَصَحَابِيَّانِ كُلّهمْ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَيَتَطَهَّر مَا اِسْتَطَاعَ مِنْ الطُّهْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ طُهْر \" وَالْمُرَاد بِهِ الْمُبَالَغَة فِي التَّنْظِيف , وَيُؤْخَذ مِنْ عَطْفه عَلَى الْغُسْل أَنَّ إِفَاضَة الْمَاء تَكْفِي فِي حُصُول الْغُسْل , أَوْ الْمُرَاد بِهِ التَّنْظِيف بِأَخْذِ الشَّارِب وَالظُّفْر وَالْعَانَة , أَوْ الْمُرَاد بِالْغُسْلِ غَسْل الْجَسَد , وَبِالتَّطْهِيرِ غَسْل الرَّأْس. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَيَدَّهِن ) ‏ ‏الْمُرَاد بِهِ إِزَالَة شَعَث الشَّعْر بِهِ وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى التَّزَيُّن يَوْم الْجُمُعَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَوْ يَمَسّ مِنْ طِيب بَيْته ) ‏ ‏أَيْ إِنْ لَمْ يَجِد دُهْنًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون \" أَوْ \" بِمَعْنَى الْوَاو , وَإِضَافَته إِلَى الْبَيْت تُؤْذِن بِأَنَّ السُّنَّة أَنْ يَتَّخِذ الْمَرْء لِنَفْسِهِ طِيبًا وَيَجْعَل اِسْتِعْمَاله لَهُ عَادَة فَيَدَّخِرهُ فِي الْبَيْت. كَذَا قَالَ بَعْضهمْ بِنَاء عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْبَيْتِ حَقِيقَته , لَكِنْ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" أَوْ يَمَسّ مِنْ طِيب اِمْرَأَته \" فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى إِنْ لَمْ يَتَّخِذ لِنَفْسِهِ طِيبًا فَلْيَسْتَعْمِلْ مِنْ طِيب اِمْرَأَته , وَهُوَ مُوَافِق لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيد الْمَاضِي ذِكْرُهُ عِنْد مُسْلِم حَيْثُ قَالَ فِيهِ \" وَلَوْ مِنْ طِيب الْمَرْأَة \". وَفِيهِ أَنَّ بَيْت الرَّجُل يُطْلَق وَيُرَاد بِهِ اِمْرَأَته. وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو الْمَذْكُور مِنْ الزِّيَادَة \" وَيَلْبَس مِنْ صَالِح ثِيَابه \". وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْد هَذَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَخْرُج ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ \" إِلَى الْمَسْجِد \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء \" ثُمَّ يَمْشِي وَعَلَيْهِ السَّكِينَة \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَا يُفَرِّق بَيْن اِثْنَيْنِ ) ‏ ‏فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو الْمَذْكُور \" ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَاب النَّاس \". وَفِي حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء \" وَلَمْ يَتَخَطَّ أَحَدًا وَلَمْ يُؤْذِهِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء \" ثُمَّ يَرْكَع مَا قُضِيَ لَهُ \" وَفِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب \" فَيَرْكَع إِنْ بَدَا لَهُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يُنْصِت إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَام ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة قَرْثَع الضَّبِّيّ \" حَتَّى يَقْضِي صَلَاته \" وَنَحْوه فِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنه وَبَيْن الْجُمُعَة الْأُخْرَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة قَاسِم بْن يَزِيد \" حُطَّ عَنْهُ ذُنُوب مَا بَيْنه وَبَيْن الْجُمُعَة الْأُخْرَى \" وَالْمُرَاد بِالْأُخْرَى الَّتِي مَضَتْ , بَيَّنَهُ اللَّيْث عَنْ اِبْنِ عَجْلَان فِي رِوَايَته عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَلَفْظه \" غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنه وَبَيْن الْجُمُعَة الَّتِي قَبْلهَا \" , وَلِابْنِ حِبَّان مِنْ طَرِيق سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنه وَبَيْن الْجُمُعَة الْأُخْرَى وَزِيَادَة ثَلَاثَة أَيَّام مِنْ الَّتِي بَعْدهَا \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة أَيْضًا فِي رِوَايَة سَعِيد عَنْ عُمَارَة عَنْ سَلْمَان , لَكِنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ الَّتِي بَعْدهَا , وَأَصْله عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِاخْتِصَارٍ وَزَادَ اِبْن مَاجَهْ فِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" مَا لَمْ يَغْشَ الْكَبَائِر \" وَنَحْوه لِمُسْلِمٍ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا كَرَاهَة التَّخَطِّي يَوْم الْجُمُعَة , قَالَ الشَّافِعِيّ : أَكْرَه التَّخَطِّيَ إِلَّا لِمَنْ لَا يَجِد السَّبِيل إِلَى الْمُصَلَّى إِلَّا بِذَلِكَ ا ه. وَهَذَا يَدْخُل فِيهِ الْإِمَام وَمَنْ يُرِيد وَصْل الصَّفّ الْمُنْقَطِع إِنْ أَبَى السَّابِقُ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ يُرِيد الرُّجُوع إِلَى مَوْضِعه الَّذِي قَامَ مِنْهُ لِضَرُورَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ , وَاسْتَثْنَى الْمُتَوَلِّي مِنْ الشَّافِعِيَّة مَنْ يَكُون مُعَظَّمًا لِدِينِهِ أَوْ عِلْمه أَوْ أَلِفَ مَكَانًا يَجْلِس فِيهِ أَنَّهُ لَا كَرَاهَة فِي حَقّه , وَفِيهِ نَظَرٌ , وَكَانَ مَالِك يَقُول : لَا يُكْرَه التَّخَطِّي إِلَّا إِذَا كَانَ الْإِمَام عَلَى الْمِنْبَر. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة النَّافِلَة قَبْل صَلَاة الْجُمُعَة لِقَوْلِهِ \" صَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ \" ثُمَّ قَالَ \" ثُمَّ يُنْصِت إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَام \" فَدَلَّ عَلَى تَقَدُّم ذَلِكَ عَلَى الْخُطْبَة , وَقَدْ بَيَّنَهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث نُبَيْشَة الْهُذَلِيّ بِلَفْظِ \" فَإِنْ لَمْ يَجِد الْإِمَام خَرَجَ صَلَّى مَا بَدَا لَهُ \" وَفِيهِ جَوَاز النَّافِلَة نِصْفَ النَّهَار يَوْم الْجُمُعَة , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّبْكِير لَيْسَ مِنْ اِبْتِدَاء الزَّوَال لِأَنَّ خُرُوج الْإِمَام يَعْقُب الزَّوَال فَلَا يَسَع وَقْتًا يَتَنَفَّل فِيهِ. وَتَبَيَّنَ بِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَكْفِير الذُّنُوب مِنْ الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة مَشْرُوط بِوُجُودِ جَمِيع مَا تَقَدَّمَ مِنْ غُسْل وَتَنْظِيف وَتَطَيُّب أَوْ دَهْن وَلُبْس أَحْسَن الثِّيَاب وَالْمَشْي بِالسَّكِينَةِ وَتَرْك التَّخَطِّي وَالتَّفْرِقَة بَيْن الِاثْنَيْنِ وَتَرْك الْأَذَى وَالتَّنَفُّل وَالْإِنْصَات وَتَرْك اللَّغْو. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" فَمَنْ تَخَطَّى أَوْ لَغَا كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا \" وَدَلَّ التَّقْيِيد بِعَدَمِ غِشْيَان الْكَبَائِر عَلَى أَنَّ الَّذِي يُكَفَّر مِنْ الذُّنُوب هُوَ الصَّغَائِر فَتُحْمَل الْمُطْلَقَات كُلّهَا عَلَى هَذَا الْمُقَيَّد , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلُهُ \" مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِر \" أَيْ فَإِنَّهَا إِذَا غُشِيَتْ لَا تُكَفَّر , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ تَكْفِير الصَّغَائِر شَرْطه اِجْتِنَاب الْكَبَائِر إِذْ اِجْتِنَاب الْكَبَائِر بِمُجَرَّدِهِ يُكَفِّرهَا كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآن , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُكَفِّرهَا إِلَّا اِجْتِنَاب الْكَبَائِر , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ صَغَائِر تُكَفَّر رُجِيَ لَهُ أَنْ يُكَفَّر عَنْهُ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِر , وَإِلَّا أُعْطِيَ مِنْ الثَّوَاب بِمِقْدَارِ ذَلِكَ , وَهُوَ جَارٍ فِي جَمِيع مَا وَرَدَ فِي نَظَائِر ذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "835",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏طَاوُسٌ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏ذَكَرُوا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا ‏ ‏وَأَصِيبُوا ‏ ‏مِنْ الطِّيبِ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَمَّا الْغُسْلُ فَنَعَمْ وَأَمَّا الطِّيبُ فَلَا أَدْرِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( ذَكَرُوا ) ‏ ‏لَمْ يُسَمِّ طَاوُسٌ مَنْ حَدَّثَهُ بِذَلِكَ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ أَبُو هُرَيْرَة فَقَدْ رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن دِينَار عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْوه , وَثَبَتَ ذِكْر الطِّيب أَيْضًا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد وَسَلْمَان وَأَبِي ذَرّ وَغَيْرهمْ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اِغْتَسِلُوا يَوْم الْجُمُعَة وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا ) ‏ ‏مَعْنَاهُ اِغْتَسِلُوا يَوْم الْجُمُعَة إِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا لِلْجَنَابَةِ , وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا لِلْجُمُعَةِ. وَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّ الِاغْتِسَال يَوْم الْجُمُعَة لِلْجَنَابَةِ يُجْزِئ عَنْ الْجُمُعَة سَوَاء نَوَاهُ لِلْجُمُعَةِ أَمْ لَا , وَفِي الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى ذَلِكَ بُعْدٌ. نَعَمْ رَوَى اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" اِغْتَسِلُوا يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا أَنْ تَكُونُوا جُنُبًا \" وَهَذَا أَوْضَح فِي الدَّلَالَة عَلَى الْمَطْلُوب , لَكِنَّ رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ أَصَحّ. قَالَ اِبْن الْمُنْذِرِ : حَفِظْنَا الْإِجْزَاء عَنْ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ا ه. وَالْخِلَاف فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة مُنْتَشِر فِي الْمَذَاهِب , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئ قَبْل طُلُوع الْفَجْر لِقَوْلِهِ \" يَوْم الْجُمُعَة \" وَطُلُوع الْفَجْر أَوَّل الْيَوْم شَرْعًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَاغْسِلُوا رُءُوسكُمْ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ عَطْف الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوب الْغُسْل التَّامّ لِئَلَّا يُظَنّ أَنَّ إِفَاضَة الْمَاء دُون حَلّ الشَّعْر مَثَلًا يُجْزِئ فِي غُسْل الْجُمُعَة , وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِهِ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" كَغُسْلِ الْجَنَابَة \" وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالثَّانِي الْمُبَالَغَة فِي التَّنْظِيف. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَصِيبُوا مِنْ الطِّيب ) ‏ ‏لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة ذِكْر الدُّهْن الْمُتَرْجَم بِهِ , لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْعَادَة تَقْتَضِي اِسْتِعْمَال الدُّهْن بَعْد غَسْل الرَّأْس أَشْعَرَ ذَلِكَ بِهِ , كَذَا وَجَّهَهُ الزَّيْن ابْن الْمُنِير جَوَابًا لِقَوْلِ الدَّاوُدِيّ : لَيْسَ فِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى التَّرْجَمَة , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْبُخَارِيّ أَرَادَ أَنَّ حَدِيث طَاوُسٍ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ وَاحِد ذَكَرَ فِيهِ إِبْرَاهِيم بْن مَيْسَرَة الدُّهْن وَلَمْ يَذْكُرهُ الزُّهْرِيُّ , وَزِيَادَة الثِّقَة الْحَافِظ مَقْبُولَة. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِإِيرَادِ حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ عَقِب حَدِيث سَلْمَان الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ مَا عَدَا الْغُسْل مِنْ الطِّيب وَالدُّهْن وَالسِّوَاك وَغَيْرهَا لَيْسَ هُوَ فِي التَّأَكُّد كَالْغُسْلِ , وَإِنْ كَانَ التَّرْغِيب وَرَدَ فِي الْجَمِيع , لَكِنَّ الْحُكْم يَخْتَلِف إِمَّا بِالْوُجُوبِ عِنْد مَنْ يَقُول بِهِ أَوْ بِتَأْكِيدِ بَعْض الْمَنْدُوبَات عَلَى بَعْض. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ اِبْن عَبَّاسٍ : أَمَّا الْغُسْل فَنَعَمْ , وَأَمَّا الطِّيب فَلَا أَدْرِي ) ‏ ‏هَذَا يُخَالِف مَا رَوَاهُ عُبَيْد بْن السَّبَّاق عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا \" مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَة فَلْيَغْتَسِلْ وَإِنْ كَانَ لَهُ طِيب فَلْيَمَسَّ مِنْهُ \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة صَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد , وَصَالِح ضَعِيف , وَقَدْ خَالَفَهُ مَالِك فَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد بْن السَّبَّاق بِمَعْنَاهُ مُرْسَلًا , فَإِنْ كَانَ صَالِح حَفِظَ فِيهِ اِبْن عَبَّاسٍ اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُون ذَكَرَهُ بَعْدَمَا نَسِيَهُ أَوْ عَكْس ذَلِكَ , وَهِشَام الْمَذْكُور فِي طَرِيق اِبْن عَبَّاسٍ الثَّانِيَة هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "836",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَيَمَسُّ طِيبًا أَوْ دُهْنًا إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ فَقَالَ لَا أَعْلَمُهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "837",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَأَى ‏ ‏حُلَّةً ‏ ‏سِيَرَاءَ ‏ ‏عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا ‏ ‏خَلَاقَ ‏ ‏لَهُ فِي الْآخِرَةِ ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْهَا ‏ ‏حُلَلٌ ‏ ‏فَأَعْطَى ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏مِنْهَا ‏ ‏حُلَّةً ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي ‏ ‏حُلَّةِ ‏ ‏عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا فَكَسَاهَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَخًا ‏ ‏لَهُ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏مُشْرِكًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "838",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَوْ لَوْلَا أَنْ أَشُقّ عَلَى النَّاس ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَلَمْ أَقِف عَلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظ فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات عَنْ مَالِك وَلَا عَنْ غَيْره , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآت مِنْ طَرِيق الْمُوَطَّأ لِعَبْدِ اللَّه بْن يُوسُف شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظِ \" أَوْ عَلَى النَّاس \" لَمْ يُعِدْ قَوْلُهُ \" لَوْلَا أَنْ أَشُقّ \" وَكَذَا رَوَاهُ كَثِير مِنْ رُوَاة الْمُوَطَّأ وَرَوَاهُ أَكْثَرهمْ بِلَفْظِ \" الْمُؤْمِنِينَ \" بَدَل \" أُمَّتِي \" وَرَوَاهُ يَحْيَى بْن يَحْيَى اللَّيْثَيُّ بِلَفْظِ \" عَلَى أُمَّتِي \" دُون الشَّكّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ ) ‏ ‏أَيْ بِاسْتِعْمَالِ السِّوَاك , لِأَنَّ السِّوَاك هُوَ الْآلَة , وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ يُطْلَق عَلَى الْفِعْل أَيْضًا فَعَلَى هَذَا لَا تَقْدِير , وَالسِّوَاك مُذَكَّر عَلَى الصَّحِيح , وَحَكَى فِي الْحِكَم تَأْنِيثه , وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْأَزْهَرِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَعَ كُلّ صَلَاة ) ‏ ‏لَمْ أَرَهَا أَيْضًا فِي شَيْء مِنْ رِوَايَات الْمُوَطَّأ إِلَّا عَنْ مَعْن بْن عِيسَى لَكِنْ بِلَفْظِ \" عِنْد كُلّ صَلَاة \" وَكَذَا النَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَة عَنْ مَالِك , وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد , وَخَالَفَهُ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال عَنْ الْأَعْرَج فَقَالَ \" مَعَ الْوُضُوء \" بَدَل الصَّلَاة أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيقه , قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيّ : \" لَوْلَا \" كَلِمَة تَدُلّ عَلَى اِنْتِفَاء الشَّيْء لِثُبُوتِ غَيْره , وَالْحَقّ أَنَّهَا مُرَكَّبَة مِنْ \" لَوْ \" الدَّالَّة عَلَى اِنْتِفَاء الشَّيْء لِانْتِفَاءِ غَيْره وَ \" لَا \" النَّافِيَة , فَدَلَّ الْحَدِيث عَلَى اِنْتِفَاء الْأَمْر لِثُبُوتِ الْمَشَقَّة لِأَنَّ اِنْتِفَاء النَّفْي ثُبُوت فَيَكُون الْأَمْر مَنْفِيًّا لِثُبُوتِ الْمَشَقَّة , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَمْر لِلْوُجُوبِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ نَفْي الْأَمْر مَعَ ثُبُوت النَّدْبِيَّة , وَلَوْ كَانَ لِلنَّدْبِ لَمَا جَازَ النَّفْي , ثَانِيهمَا أَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْر مَشَقَّة عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّق إِذَا كَانَ الْأَمْر لِلْوُجُوبِ , إِذْ النَّدْب لَا مَشَقَّة فِيهِ لِأَنَّهُ جَائِز التَّرْك. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي \" اللُّمَع \" فِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ الِاسْتِدْعَاء عَلَى جِهَة النَّدْب لَيْسَ بِأَمْرٍ حَقِيقَةً لِأَنَّ السِّوَاك عِنْد كُلّ صَلَاة مَنْدُوب إِلَيْهِ , وَقَدْ أَخْبَرَ الشَّارِع أَنَّهُ لَمْ يَأْمُر بِهِ ا ه. وَيُؤَكِّدهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَة سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ \" لَفَرَضْت عَلَيْهِمْ \" بَدَل لَأَمَرْتهمْ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ السِّوَاك لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ شَقَّ عَلَيْهِمْ بِهِ أَوْ لَمْ يَشُقّ ا ه. وَإِلَى الْقَوْل بِعَدَمِ وُجُوبه صَارَ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم , بَلْ اِدَّعَى بَعْضهمْ فِيهِ الْإِجْمَاع , لَكِنْ حَكَى الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَتَبِعَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ قَالَ : هُوَ وَاجِب لِكُلِّ صَلَاة , فَمَنْ تَرَكَهُ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاته. وَعَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ : وَهُوَ وَاجِب لَكِنْ لَيْسَ شَرْطًا. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ بِوُرُودِ الْأَمْر بِهِ , فَعِنْد اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا \" تَسَوَّكُوا \" وَلِأَحْمَد نَحْوه مِنْ حَدِيث الْعَبَّاسٍ , وَفِي الْمُوَطَّأ فِي أَثْنَاء حَدِيث \" عَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ \" وَلَا يَثْبُت شَيْء مِنْهَا , وَعَلَى تَقْدِير الصِّحَّة فَالْمَنْفِيّ فِي مَفْهُوم حَدِيث الْبَاب الْأَمْر بِهِ مُقَيَّدًا بِكُلِّ صَلَاة لَا مُطْلَق الْأَمْر , وَلَا يَلْزَم مِنْ نَفْي الْمُقَيَّد نَفْي الْمُطْلَق وَلَا مِنْ ثُبُوت الْمُطْلَق التَّكْرَار كَمَا سَيَأْتِي. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" كُلّ صَلَاة \" عَلَى اِسْتِحْبَابه لِلْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد الصَّلَوَات الْمَكْتُوبَة وَمَا ضَاهَاهَا مِنْ النَّوَافِل الَّتِي لَيْسَتْ تَبَعًا لِغَيْرِهَا كَصَلَاةِ الْعِيد , وَهَذَا اِخْتَارَهُ أَبُو شَامَة , وَيَتَأَيَّد بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث أُمّ حَبِيبَة عِنْد أَحْمَد بِلَفْظِ \" لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْد كُلّ صَلَاة كَمَا يَتَوَضَّئُونَ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" لَوْلَا أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ عِنْد كُلّ صَلَاة بِوُضُوءٍ , وَمَعَ كُلّ وُضُوء بِسِوَاكٍ \" فَسَوَّى بَيْنهمَا. وَكَمَا أَنَّ الْوُضُوء لَا يُنْدَب لِلرَّاتِبَةِ الَّتِي بَعْد الْفَرِيضَة إِلَّا إِنْ طَالَ الْفَصْل مَثَلًا , فَكَذَلِكَ السِّوَاك. وَيُمْكِن أَنْ يُفَرَّق بَيْنهمَا بِأَنَّ الْوُضُوء أَشَقّ مِنْ السِّوَاك , وَيَتَأَيَّد بِمَا رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ قَالَ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ , ثُمَّ يَنْصَرِف فَيَسْتَاك \" وَإِسْنَاده صَحِيح , لَكِنَّهُ مُخْتَصَر مِنْ حَدِيث طَوِيل أَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْن الِانْصِرَاف وَالسِّوَاك نَوْم. وَأَصْل الْحَدِيث فِي مُسْلِم مُبَيَّنًا أَيْضًا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَمْر يَقْتَضِي التَّكْرَار , لِأَنَّ الْحَدِيث دَلَّ عَلَى كَوْن الْمَشَقَّة هِيَ الْمَانِعَة مِنْ الْأَمْر بِالسِّوَاكِ , وَلَا مَشَقَّة فِي وُجُوبه مَرَّة , وَإِنَّمَا الْمَشَقَّة فِي وُجُوب التَّكْرَار. وَفِي هَذَا الْبَحْث نَظَرٌ , لِأَنَّ التَّكْرَار لَمْ يُؤْخَذ هُنَا مِنْ مُجَرَّد الْأَمْر , وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنْ تَقْيِيده بِكُلِّ صَلَاة. وَقَالَ الْمُهَلَّب : فِيهِ أَنَّ الْمَنْدُوبَات تَرْتَفِع إِذَا خُشِيَ مِنْهَا الْحَرَج. وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ الشَّفَقَة عَلَى أُمَّته. وَفِيهِ جَوَاز الِاجْتِهَاد مِنْهُ فِيمَا لَمْ يَنْزِل عَلَيْهِ فِيهِ نَصّ , لِكَوْنِهِ جَعَلَ الْمَشَقَّة سَبَبًا لِعَدَمِ أَمْره , فَلَوْ كَانَ الْحُكْم مُتَوَقِّفًا عَلَى النَّصّ لَكَانَ سَبَب اِنْتِفَاء الْوُجُوب عَدَمَ وُرُود النَّصّ لَا وُجُود الْمَشَقَّة. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَفِيهِ بَحْثٌ , وَهُوَ كَمَا قَالَ , وَوَجْهه أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُون إِخْبَارًا مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ سَبَب عَدَم وُرُود النَّصّ وُجُودُ الْمَشَقَّة , فَيَكُون مَعْنَى قَوْلُهُ \" لَأَمَرْتهمْ \" أَيْ عَنْ اللَّه بِأَنَّهُ وَاجِب. وَاسْتَدَلَّ بِهِ النَّسَائِيُّ عَلَى اِسْتِحْبَاب السِّوَاك لِلصَّائِمِ بَعْد الزَّوَال , لِعُمُومِ قَوْلُهُ \" كُلّ صَلَاة \" , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الصِّيَام. ‏ ‏( فَائِدَة ) ‏ ‏: قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الْحِكْمَة فِي اِسْتِحْبَاب السِّوَاك عِنْد الْقِيَام إِلَى الصَّلَاة كَوْنهَا حَال تَقَرُّب إِلَى اللَّه , فَاقْتَضَى أَنْ تَكُون حَال كَمَالٍ وَنَظَافَة إِظْهَارًا لِشَرَفِ الْعِبَادَة , وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيث عَلِيّ عِنْد الْبَزَّار مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّق بِالْمَلَكِ الَّذِي يَسْتَمِع الْقُرْآن مِنْ الْمُصَلِّي , فَلَا يَزَال يَدْنُو مِنْهُ حَتَّى يَضَع فَاهُ عَلَى فِيهِ , لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا حَدِيث أَنَس فَرِجَال إِسْنَاده بَصْرِيُّونَ , وَقَوْلُهُ \" أَكْثَرْت \" وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَقَدْ أَكْثَرْت إِلَخْ \" أَيْ بَالَغْت فِي تَكْرِير طَلَبه مِنْكُمْ , أَوْ فِي إِيرَاد الْإِخْبَار فِي التَّرْغِيب فِيهِ. وَقَالَ اِبْن التِّين : مَعْنَاهُ أَكْثَرْت عَلَيْكُمْ , وَحَقِيق أَنْ أَفْعَل , وَحَقِيق أَنْ تُطِيعُوا. وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ بِضَمِّ أَوَّله أَيْ بُلِّغْت مِنْ عِنْد اللَّه بِطَلَبِهِ مِنْكُمْ. وَلَمْ أَقِف عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة إِلَى الْآن صَرِيحَة. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏ذَكَرَهُ اِبْن الْمُنِير بِلَفْظِ \" عَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ \" وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ , وَقَدْ تَعَقَّبَهُ اِبْن رَشِيد. وَاللَّفْظ الْمَذْكُور وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد بْن السَّبَّاق مُرْسَلًا , وَهُوَ فِي أَثْنَاء حَدِيثٍ وَصَلَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق صَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر عَنْ الزُّهْرِيِّ يَذْكُر اِبْن عَبَّاسٍ فِيهِ , وَسَبَقَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي آخِر \" بَاب الدُّهْن لِلْجُمُعَةِ \" وَرَوَاهُ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ \" أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِم مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ يَقُول ذَلِكَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "839",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "840",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏وَحُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ ‏ ‏يَشُوصُ ‏ ‏فَاهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "841",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَمَعَهُ سِوَاكٌ ‏ ‏يَسْتَنُّ ‏ ‏بِهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَأَعْطَانِيهِ ‏ ‏فَقَصَمْتُهُ ‏ ‏ثُمَّ مَضَغْتُهُ ‏ ‏فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَنَّ ‏ ‏بِهِ وَهُوَ مُسْتَسْنِدٌ إِلَى صَدْرِي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "842",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ‏ ‏الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةَ ‏ ‏وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ) ‏ ‏فِي نُسْخَة مِنْ رِوَايَة كَرِيمَة \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف \" أَيْ الْفِرْيَابِيُّ , وَذُكِرَا فِي بَعْض النُّسَخ جَمِيعًا. وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ. وَسَعْد بْن إِبْرَاهِيم أَيْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف نَسَبَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَغَيْره عَنْ الثَّوْرِيّ. وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير , وَشَيْخه تَابِعِيّ كَبِير , وَهُمَا مَعًا مَدَنِيَّانِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي الْفَجْر يَوْم الْجُمُعَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَالْأَصِيلِيّ \" فِي الْجُمُعَة فِي صَلَاة الْفَجْر \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الم تَنْزِيل ) ‏ ‏بِضَمِّ اللَّام عَلَى الْحِكَايَة , زَادَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة \" السَّجْدَة \" وَهُوَ بِالنَّصْبِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ) ‏ ‏زَادَ الْأَصِيلِيّ فِي رِوَايَته \" حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ \" وَالْمُرَاد أَنْ يَقْرَأ فِي كُلّ رَكْعَة بِسُورَةٍ , وَكَذَا بَيَّنَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ \" الم تَنْزِيل , فِي الرَّكْعَة الْأُولَى , وَفِي الثَّانِيَة : هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ \" وَفِيهِ دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب قِرَاءَة هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فِي هَذِهِ الصَّلَاة مِنْ هَذَا الْيَوْم لِمَا تُشْعِر الصِّيغَة بِهِ مِنْ مُوَاظَبَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ إِكْثَاره مِنْهُ , بَلْ وَرَدَ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود التَّصْرِيح بِمُدَاوَمَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ , أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَلَفْظه \" يُدِيم ذَلِكَ \" وَأَصْله فِي اِبْن مَاجَهْ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة وَرِجَاله ثِقَات , لَكِنْ صَوَّبَ أَبُو حَاتِم إِرْسَاله. وَكَأَنَّ اِبْن دَقِيق الْعِيد لَمْ يَقِف عَلَيْهِ فَقَالَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْبَاب : لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَقْتَضِي فِعْل ذَلِكَ دَائِمًا اِقْتِضَاء قَوِيًّا , وَهُوَ كَمَا قَالَ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ الْبَاب , فَإِنَّ الصِّيغَة لَيْسَتْ نَصًّا فِي الْمُدَاوَمَة لَكِنَّ الزِّيَادَة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا نَصّ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ أَشَارَ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ فِي رِجَال الْبُخَارِيّ إِلَى الطَّعْن فِي سَعْد بْن إِبْرَاهِيم لِرِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيث , وَأَنَّ مَالِكًا اِمْتَنَعَ مِنْ الرِّوَايَة عَنْهُ لِأَجْلِهِ , وَأَنَّ النَّاس تَرَكُوا الْعَمَل بِهِ لَا سِيَّمَا أَهْل الْمَدِينَة ا ه. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ , فَإِنَّ سَعْدًا لَمْ يَنْفَرِد بِهِ مُطْلَقًا , فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ مِثْله , وَكَذَا اِبْن مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود , وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط مِنْ حَدِيث عَلِيّ. وَأَمَّا دَعْوَاهُ أَنَّ النَّاس تَرَكُوا الْعَمَل بِهِ فَبَاطِلَة , لِأَنَّ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ قَدْ قَالُوا بِهِ كَمَا نَقَلَهُ اِبْن الْمُنْذِرِ وَغَيْره , حَتَّى إِنَّهُ ثَابِتٌ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَالِد سَعْد وَهُوَ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة أَنَّهُ أَمَّ النَّاس بِالْمَدِينَةِ بِهِمَا فِي الْفَجْر يَوْم الْجُمُعَة , أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ , وَكَلَام اِبْن الْعَرَبِيّ يُشْعِر بِأَنَّ تَرْك ذَلِكَ أَمْر طَرَأَ عَلَى أَهْل الْمَدِينَة لِأَنَّهُ قَالَ : وَهُوَ أَمْر لَمْ يُعْلَم بِالْمَدِينَةِ , فَاَللَّه أَعْلَم بِمَنْ قَطَعَهُ كَمَا قَطَعَ غَيْره ا ه. وَأَمَّا اِمْتِنَاع مَالِك مِنْ الرِّوَايَة عَنْ سَعْد فَلَيْسَ لِأَجْلِ هَذَا الْحَدِيث , بَلْ لِكَوْنِهِ طَعَنَ فِي نَسَب مَالِك , كَذَا حَكَاهُ اِبْن الْبَرْقِيّ عَنْ يَحْيَى بْن مَعِين , وَحَكَى أَبُو حَاتِم عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ قَالَ : كَانَ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم لَا يُحَدِّث بِالْمَدِينَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكْتُب عَنْهُ أَهْلهَا. وَقَالَ السَّاجِيُّ : أَجْمَع أَهْل الْعِلْم عَلَى صِدْقه. وَقَدْ رَوَى مَالِك عَنْ عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس عَنْ شُعْبَة عَنْهُ , فَصَحَّ أَنَّهُ حُجَّة بِاتِّفَاقِهِمْ. قَالَ : وَمَالِك إِنَّمَا لَمْ يَرْوِ عَنْهُ لِمَعْنًى مَعْرُوف , فَأَمَّا أَنْ يَكُون تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا أَحْفَظ ذَلِكَ ا ه. وَقَدْ اِخْتَلَفَ تَعْلِيل الْمَالِكِيَّة بِكَرَاهَةِ قِرَاءَة السَّجْدَة فِي الصَّلَاة , فَقِيلَ لِكَوْنِهَا تَشْتَمِل عَلَى زِيَادَة سُجُود فِي الْفَرْض , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَهُوَ تَعْلِيل فَاسِد بِشَهَادَةِ هَذَا الْحَدِيث. وَقِيلَ لِخَشْيَةِ التَّخْلِيط عَلَى الْمُصَلِّينَ , وَمِنْ ثَمَّ فَرَّقَ بَعْضهمْ بَيْن الْجَهْرِيَّة وَالسَّرِيَّة لِأَنَّ الْجَهْرِيَّة يُؤْمَن مَعَهَا التَّخْلِيطُ , لَكِنْ صَحَّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ سُورَة فِيهَا سَجْدَة فِي صَلَاة الظُّهْر فَسَجَدَ بِهِمْ فِيهَا , أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم , فَبَطَلَتْ التَّفْرِقَة. وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَ الْكَرَاهَة بِخَشْيَةِ اِعْتِقَاد الْعَوَامّ أَنَّهَا فَرْض , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : أَمَّا الْقَوْل بِالْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا فَيَأْبَاهُ الْحَدِيث , لَكِنْ إِذَا اِنْتَهَى الْحَال إِلَى وُقُوع هَذِهِ الْمَفْسَدَة فَيَنْبَغِي أَنْ تُتْرَك أَحْيَانًا لِتَنْدَفِع , فَإِنَّ الْمُسْتَحَبّ قَدْ يُتْرَك لِدَفْعِ الْمَفْسَدَة الْمُتَوَقَّعَة , وَهُوَ يَحْصُل بِالتَّرْكِ فِي بَعْض الْأَوْقَات ا ه. وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ اِبْن الْعَرَبِيّ بِقَوْلِهِ : يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَل ذَلِكَ فِي الْأَغْلَب لِلْقُدْرَةِ , وَيُقْطَع أَحْيَانًا لِئَلَّا تَظُنّهُ الْعَامَّة سُنَّة ا ه. وَهَذَا عَلَى قَاعِدَتهمْ فِي التَّفْرِقَة بَيْن السُّنَّة وَالْمُسْتَحَبّ. وَقَالَ صَاحِب الْمُحِيط مِنْ الْحَنَفِيَّة : يُسْتَحَبّ قِرَاءَة هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فِي صُبْح يَوْم الْجُمُعَة بِشَرْطِ أَنْ يَقْرَأ غَيْر ذَلِكَ أَحْيَانًا لِئَلَّا يَظُنّ الْجَاهِل أَنَّهُ لَا يُجْزِئ غَيْره. وَأَمَّا صَاحِب الْهِدَايَة مِنْهُمْ فَذَكَرَ أَنَّ عِلَّة الْكَرَاهَة هِجْرَان الْبَاقِي وَإِيهَام التَّفْضِيل. وَقَوْل الطَّحَاوِيّ يُنَاسِب قَوْل صَاحِب الْمُحِيط , فَإِنَّهُ خَصَّ الْكَرَاهَة بِمَنْ يَرَاهُ حَتْمًا لَا يُجْزِئ غَيْره أَوْ يَرَى الْقِرَاءَة بِغَيْرِهِ مَكْرُوهَة. ‏ ‏( فَائِدَتَانِ ) ‏ ‏الْأُولَى : لَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق التَّصْرِيحَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ لَمَّا قَرَأَ سُورَة تَنْزِيل السَّجْدَة فِي هَذَا الْمَحَلّ إِلَّا فِي كِتَاب الشَّرِيعَة لِابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ \" غَدَوْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْجُمُعَة فِي صَلَاة الْفَجْر فَقَرَأَ سُورَة فِيهَا سَجْدَة فَسَجَدَ \" الْحَدِيث , وَفِي إِسْنَاده مَنْ يُنْظَر فِي حَاله. ولِلطَّبَرَانِيِّ فِي الصَّغِير مِنْ حَدِيث عَلِيّ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِي صَلَاة الصُّبْح فِي تَنْزِيل السَّجْدَة \" لَكِنْ فِي إِسْنَاده ضَعْف. ‏ ‏الثَّانِيَة : قِيلَ الْحِكْمَة فِي اِخْتِصَاص يَوْم الْجُمُعَة بِقِرَاءَةِ سُورَة السَّجْدَة قَصْد السُّجُود الزَّائِد حَتَّى أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ هَذِهِ السُّورَة بِعَيْنِهَا أَنْ يَقْرَأ سُورَة غَيْرهَا فِيهَا سَجْدَة , وَقَدْ عَابَ ذَلِكَ عَلَى فَاعِله غَيْرُ وَاحِد مِنْ الْعُلَمَاء , وَنَسَبَهُمْ صَاحِب الْهَدْي إِلَى قِلَّة الْعِلْم وَنَقْص الْمَعْرِفَة , لَكِنْ عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ قَوِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يُسْتَحَبّ أَنْ يَقْرَأ فِي الصُّبْح يَوْم الْجُمُعَة بِسُورَةٍ فِيهَا سَجْدَة. وَعِنْده مِنْ طَرِيقه أَيْضًا أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَرَأَ سُورَة مَرْيَم. وَمِنْ طَرِيق اِبْن عَوْن قَالَ : كَانُوا يَقْرَءُونَ فِي الصُّبْح يَوْم الْجُمُعَة بِسُورَةٍ فِيهَا سَجْدَة. وَعِنْده مِنْ طَرِيقه أَيْضًا قَالَ : وَسَأَلْت مُحَمَّدًا - يَعْنِي اِبْن سِيرِينَ - عَنْهُ فَقَالَ لَا أَعْلَم بِهِ بَأْسًا ا ه. فَهَذَا قَدْ ثَبَتَ عَنْ بَعْض عُلَمَاء الْكُوفَة وَالْبَصْرَة فَلَا يَنْبَغِي الْقَطْع بِتَزْيِيفِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَات الرَّوْضَة هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَقَالَ : لَمْ أَرَ فِيهَا كَلَامًا لِأَصْحَابِنَا , ثُمَّ قَالَ : وَقِيَاس مَذْهَبنَا أَنَّهُ يُكْرَه فِي الصَّلَاة إِذَا قَصَدَهُ ا ه. وَقَدْ أَفْتَى اِبْن عَبْد السَّلَام قَبْله بِالْمَنْعِ وَبِبُطْلَانِ الصَّلَاة بِقَصْدِ ذَلِكَ , قَالَ صَاحِب الْمُهِمَّات : مُقْتَضَى كَلَام الْقَاضِي حُسَيْن الْجَوَاز. وَقَالَ الْفَارِقِيّ فِي فَوَائِد الْمُهَذَّب : لَا تُسْتَحَبّ قِرَاءَة سَجْدَة غَيْر تَنْزِيل , فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْت عَنْ قِرَاءَتهَا قَرَأَ بِمَا أَمْكَنَ مِنْهَا وَلَوْ بِآيَةِ السَّجْدَة مِنْهَا , وَوَافَقَهُ اِبْن أَبِي عَصْرُون فِي كِتَاب الِانْتِصَار وَفِيهِ نَظَرٌ. ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : ‏ ‏قَالَ الزَّيْن ابْن الْمُنِير : مُنَاسَبَة تَرْجَمَة الْبَاب لِمَا قَبْلهَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَة مَا يَتَعَلَّق بِفَضْلِ يَوْم الْجُمُعَة لِاخْتِصَاصِ صُبْحهَا بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى قِرَاءَة هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ. وَقِيلَ : إِنَّ الْحِكْمَة فِي هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ الْإِشَارَة إِلَى مَا فِيهِمَا مِنْ ذِكْر خَلْق آدَم وَأَحْوَال يَوْم الْقِيَامَة , لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَسَيَقَعُ يَوْم الْجُمُعَة , ذَكَرَهُ اِبْن دِحْيَة فِي الْعَلَم الْمَشْهُور وَقَرَّرَهُ تَقْرِيرًا حَسَنًا. ‏"
    },
    {
        "id": "843",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي ‏ ‏مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَسْجِدِ ‏ ‏عَبْدِ الْقَيْسِ ‏ ‏بِجُوَاثَى ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظ مِنْ أَصْحَاب إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ عَنْهُ , وَخَالَفَهُمْ الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَان فَقَالَ : عَنْ اِبْن طَهْمَانَ عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَهُوَ خَطَأ مِنْ الْمُعَافَى , وَمِنْ ثَمَّ تَكَلَّمَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَمَّار فِي إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ وَلَا ذَنْب لَهُ فِيهِ كَمَا قَالَهُ صَالِح جَزَرَة , وَإِنَّمَا الْخَطَأ فِي إِسْنَاده مِنْ الْمُعَافَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِإِبْرَاهِيم فِيهِ إِسْنَادَانِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّ أَوَّل جُمُعَة جُمِّعَتْ ) ‏ ‏زَادَ وَكِيع عَنْ اِبْن طَهْمَانَ \" فِي الْإِسْلَام \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَعْد جُمُعَة ) ‏ ‏زَادَ الْمُصَنِّف فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي \" جُمِّعَتْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي مَسْجِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وَكِيع \" بِالْمَدِينَةِ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُعَافَى الْمَذْكُورَة \" بِمَكَّة \" وَهُوَ خَطَأ بِلَا مِرْيَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِجُوَاثَى ) ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيف الْوَاو وَقَدْ تُهْمَز ثُمَّ مُثَلَّثَة خَفِيفَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ الْبَحْرَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وَكِيع \" قَرْيَة مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ \" وَفِي أُخْرَى عَنْهُ \" مِنْ قُرَى عَبْد الْقَيْس \" وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن أَبِي حَفْصَة عَنْ اِبْن طَهْمَانَ , وَبِهِ يَتِمّ مُرَاد التَّرْجَمَة. وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ أَنَّ الظَّاهِر أَنَّ عَبْد الْقَيْس لَمْ يُجَمِّعُوا إِلَّا بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَة الصَّحَابَة مِنْ عَدَم الِاسْتِبْدَاد بِالْأُمُورِ الشَّرْعِيَّة فِي زَمَن نُزُول الْوَحْي , وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَجُوز لَنَزَلَ فِيهِ الْقُرْآن كَمَا اِسْتَدَلَّ جَابِر وَأَبُو سَعِيد عَلَى جَوَاز الْعَزْل بِأَنَّهُمْ فَعَلُوهُ وَالْقُرْآن يَنْزِل فَلَمْ يُنْهُوا عَنْهُ. وَحَكَى الْجَوْهَرِيّ والزَّمَخْشَرِيّ وَابْن الْأَثِير أَنَّ جُوَاثَى اِسْم حِصْن بِالْبَحْرَيْنِ , وَهَذَا لَا يُنَافِي كَوْنهَا قَرْيَة. وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ أَبِي الْحَسَن اللَّخْمِيّ أَنَّهَا مَدِينَة , وَمَا ثَبَتَ فِي نَفْس الْحَدِيث مِنْ كَوْنهَا قَرْيَة أَصَحّ مَعَ اِحْتِمَال أَنْ تَكُون فِي الْأَوَّل قَرْيَة ثُمَّ صَارَتْ مَدِينَة , وَفِيهِ إِشْعَار بِتَقَدُّمِ إِسْلَام عَبْد الْقَيْس عَلَى غَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْقُرَى , وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا قَرَّرْته فِي أَوَاخِر كِتَاب الْإِيمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "844",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُلُّكُمْ رَاعٍ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏كَتَبَ ‏ ‏رُزَيْقُ بْنُ حُكَيْمٍ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ ‏ ‏بِوَادِي الْقُرَى ‏ ‏هَلْ تَرَى أَنْ أُجَمِّعَ ‏ ‏وَرُزَيْقٌ ‏ ‏عَامِلٌ عَلَى أَرْضٍ يَعْمَلُهَا وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ ‏ ‏السُّودَانِ ‏ ‏وَغَيْرِهِمْ ‏ ‏وَرُزَيْقٌ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ عَلَى ‏ ‏أَيْلَةَ ‏ ‏فَكَتَبَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَأَنَا أَسْمَعُ يَأْمُرُهُ أَنْ يُجَمِّعَ يُخْبِرُهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَالِمًا ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَيُونُس هُوَ اِبْن يَزِيد الْأَيْلِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كُلّكُمْ رَاعٍ وَزَادَ اللَّيْث إِلَخْ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ رِوَايَة اللَّيْث مُتَّفِقَة مَعَ اِبْن الْمُبَارَك إِلَّا فِي الْقِصَّة فَإِنَّهَا مُخْتَصَّة بِرِوَايَةِ اللَّيْث , وَرِوَايَة اللَّيْث مُعَلَّقَة , وَقَدْ وَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ عَنْ أَبِي صَالِح كَاتِب اللَّيْث عَنْهُ , وَقَدْ سَاقَ الْمُصَنِّف رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي كِتَاب الْوَصَايَا فَلَمْ يُخَالِف رِوَايَة اللَّيْث إِلَّا فِي إِعَادَة قَوْلُهُ فِي آخِره \" وَكُلّكُمْ رَاعٍ إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَكَتَبَ رُزَيْق بْن حُكَيْم ) ‏ ‏هُوَ بِتَقْدِيمِ الرَّاء عَلَى الزَّايِ , وَالتَّصْغِير فِي اِسْمه وَاسْم أَبِيهِ فِي رِوَايَتنَا , وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي غَيْرهَا , وَقِيلَ بِتَقْدِيمِ الزَّاي وَبِالتَّصْغِيرِ فِيهِ دُون أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أُجَمِّع ) ‏ ‏أَيْ أُصَلِّي بِمَنْ مَعِي الْجُمُعَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَلَى أَرْض يَعْمَلهَا ) ‏ ‏أَيْ يَزْرَع فِيهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَرُزَيْق يَوْمَئِذٍ عَلَى أَيْلَةَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا لَام بَلْدَة مَعْرُوفَة فِي طَرِيق الشَّام بَيْن الْمَدِينَة وَمِصْر عَلَى سَاحِل الْقُلْزُم , وَكَانَ رُزَيْق أَمِيرًا عَلَيْهَا مِنْ قِبَل عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْأَرْض الَّتِي كَانَ يَزْرَعهَا مِنْ أَعْمَال أَيْلَةَ , وَلَمْ يَسْأَل عَنْ أَيْلَةَ نَفْسهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ مَدِينَة كَبِيرَة ذَات قَلْعَة وَهِيَ الْآن خَرَاب يَنْزِل بِهَا الْحَاجّ الْمِصْرِيّ وَالْغَزِّيّ وَبَعْض آثَارهَا ظَاهِر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَنَا أَسْمَع ) ‏ ‏هُوَ قَوْل يُونُس , وَالْجُمْلَة حَالِيَّة , وَقَوْلُهُ \" يَأْمُرهُ \" حَالَة أُخْرَى , وَقَوْلُهُ \" يُخْبِرهُ \" حَال مِنْ فَاعِل يَأْمُرهُ , وَالْمَكْتُوب هُوَ الْحَدِيث , وَالْمَسْمُوع الْمَأْمُور بِهِ قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمَكْتُوب هُوَ عَيْن الْمَسْمُوع , وَهُوَ الْأَمْر وَالْحَدِيث مَعًا , وَفِي قَوْلُهُ \" كَتَبَ \" تَجَوُّز كَأَنَّ اِبْن شِهَاب أَمْلَاهُ عَلَى كَاتِبه فَسَمِعَهُ يُونُس مِنْهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الزُّهْرِيُّ كَتَبَهُ بِخَطِّهِ وَقَرَأَهُ بِلَفْظِهِ فَيَكُون فِيهِ حَذْف تَقْدِيره فَكَتَبَ اِبْن شِهَاب وَقَرَأَهُ وَأَنَا أَسْمَع , وَوَجْه مَا اُحْتُجَّ بِهِ عَلَى التَّجْمِيع مِنْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كُلّكُمْ رَاعٍ \" أَنَّ عَلَى مَنْ كَانَ أَمِيرًا إِقَامَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة - وَالْجُمُعَة مِنْهَا - وَكَانَ رُزَيْق عَامِلًا عَلَى الطَّائِفَة الَّتِي ذَكَرَهَا , وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُرَاعِيَ حُقُوقهمْ وَمِنْ جُمْلَتهَا إِقَامَة الْجُمُعَة. قَالَ الزَّيْن ابْن الْمُنِير : فِي هَذِهِ الْقِصَّة إِيمَاء إِلَى أَنَّ الْجُمُعَة تَنْعَقِد بِغَيْرِ إِذْن مِنْ السُّلْطَان إِذَا كَانَ فِي الْقَوْم مَنْ يَقُوم بِمَصَالِحِهِمْ. وَفِيهِ إِقَامَة الْجُمُعَة فِي الْقُرَى خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَ لَهَا الْمُدُن , فَإِنْ قِيلَ ; قَوْلُهُ \" كُلّكُمْ رَاعٍ \" يَعُمّ جَمِيع النَّاس فَيَدْخُل فِيهِ الْمَرْعِيّ أَيْضًا , فَالْجَوَاب أَنَّهُ مَرْعِيّ بِاعْتِبَارٍ , رَاعٍ بِاعْتِبَارٍ , حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَد كَانَ رَاعِيًا لِجَوَارِحِهِ وَحَوَاسّه , لِأَنَّهُ يَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَقُوم بِحَقِّ اللَّه وَحَقّ عِبَاده , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ فِيهِ ( قَالَ وَحَسِبْت أَنْ قَدْ قَالَ ) ‏ ‏جَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ فَاعِل \" قَالَ \" هُنَا هُوَ يُونُس , وَفِيهِ نَظَرٌ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ سَالِم , ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ اِبْن عُمَر. وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الِاسْتِقْرَاض بَيَان ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْث أَيْضًا عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة , أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏"
    },
    {
        "id": "845",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "846",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "847",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ فَغَدًا ‏ ‏لِلْيَهُودِ ‏ ‏وَبَعْدَ غَدٍ ‏ ‏لِلنَّصَارَى ‏ ‏فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَقٌّ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا ‏",
        "sharh": "قَوْلُهُ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏( فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ : حَقّ عَلَى كُلّ مُسْلِم إِلَخْ ) ‏ ‏فَاعِل \" سَكَتَ \" هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ وَجْه آخَر عَنْ وُهَيْب بِهَذَا الْإِسْنَاد دُون قَوْلُهُ \" فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ \" وَيُؤَكِّد كَوْنه مَرْفُوعًا رِوَايَة مُجَاهِد عَنْ طَاوُسٍ الْمُقْتَصِرَة عَلَى الْحَدِيث الثَّانِي , وَلِهَذِهِ النُّكْتَة أَوْرَدَهُ بَعْده فَقَالَ \" رَوَاهُ أَبَان بْن صَالِح إِلَخْ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ وُهَيْب مُقْتَصَرًا , وَهَذَا التَّعْلِيق عَنْ مُجَاهِد قَدْ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي هِلَال عَنْ أَبَان الْمَذْكُور , وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ طَاوُسٍ وَصَرَّحَ فِيهِ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة , أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن دِينَار عَنْ طَاوُسٍ وَزَادَ فِيهِ \" وَيَمَسّ طِيبًا إِنْ كَانَ لِأَهْلِهِ \" وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" لِلَّهِ عَلَى كُلّ مُسْلِم حَقّ \" لِلْقَائِلِ بِالْوُجُوبِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي كُلّ سَبْعَة أَيَّام يَوْمًا ) ‏ ‏هَكَذَا أُبْهِمَ فِي هَذِهِ الطَّرِيق , وَقَدْ عَيَّنَهُ جَابِر فِي حَدِيثه عِنْد النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ \" الْغُسْل وَاجِب عَلَى كُلّ مُسْلِم فِي أُسْبُوع يَوْمًا وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة \" وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ. وَلِسَعِيدِ بْن مَنْصُور وَأَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب مَرْفُوعًا نَحْوه وَلَفْظه \" إِنَّ مِنْ الْحَقّ عَلَى الْمُسْلِم أَنْ يَغْتَسِل يَوْم الْجُمُعَة \" الْحَدِيث , وَنَحْوه لِلطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن ثَوْبَانَ عَنْ رَجُل مِنْ الصَّحَابَة أَنْصَارِيّ مَرْفُوعًا. ‏"
    },
    {
        "id": "848",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَبَابَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَرْقَاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "849",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏امْرَأَةٌ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏تَشْهَدُ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَقِيلَ لَهَا لِمَ تَخْرُجِينَ وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَغَارُ قَالَتْ وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي قَالَ يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "قَوْلُهُ فِي رِوَايَة نَافِع عَنْ اِبْنِ عُمَر ‏ ‏( قَالَ كَانَتْ اِمْرَأَة لِعُمَر ) ‏ ‏هِيَ عَاتِكَة بِنْت زَيْد بْن عَمْرو بْن نُفَيْل أُخْت سَعِيد بْن زَيْد أَحَد الْعَشَرَة مِمَّا سَمَّاهَا الزُّهْرِيُّ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْهُ قَالَ \" كَانَتْ عَاتِكَة بِنْت زَيْد بْن عَمْرو بْن نُفَيْل عِنْد عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَكَانَتْ تَشْهَد الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد , وَكَانَ عُمَر يَقُول لَهَا : وَاَللَّه إِنَّك لَتَعْلَمِينَ أَنِّي مَا أُحِبّ هَذَا. قَالَتْ : وَاَللَّه لَا أَنْتَهِي حَتَّى تَنْهَانِي , قَالَ : فَلَقَدْ طُعِنَ عُمَر وَإِنَّهَا لَفِي الْمَسْجِد \" كَذَا ذَكَرَهُ مُرْسَلًا , وَوَصَلَهُ عَبْد الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَر بِذِكْرِ سَالِم بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِيهِ , لَكِنْ أَبْهَمَ الْمَرْأَة. أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ , وَسَمَّاهَا أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَالِم قَالَ \" كَانَ عُمَر رَجُلًا غَيُورًا وَكَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى الصَّلَاة اِتَّبَعَتْهُ عَاتِكَة بِنْت زَيْد \" الْحَدِيث , وَهُوَ مُرْسَل أَيْضًا , وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلُهُ فِي حَدِيث الْبَاب \" فَقِيلَ لَهَا لِمَ تَخْرُجِينَ إِلَخْ \" أَنَّ قَائِل ذَلِكَ كُلّه هُوَ عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَلَا مَانِع أَنْ يُعَبِّر عَنْ نَفْسه بِقَوْلِهِ : \" إِنَّ عُمَر إِلَخْ \" فَيَكُون مِنْ بَاب التَّجْرِيد أَوْ الِالْتِفَات , وَعَلَى هَذَا فَالْحَدِيث مِنْ مُسْنَد عُمَر كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة سَالِم الْمُرْسَلَة , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْمُخَاطَبَة دَارَتْ بَيْنهَا وَبَيْن اِبْن عُمَر أَيْضًا لِأَنَّ الْحَدِيث مَشْهُور مِنْ رِوَايَته , وَلَا مَانِع أَنْ يُعَبِّر عَنْ نَفْسه بِقِيلِ لَهَا إِلَخْ , وَهَذَا مُقْتَضَى مَا صَنَعَ الْحُمَيْدِيّ وَأَصْحَاب الْأَطْرَاف , فَإِنَّهُمْ أَخْرَجُوا هَذَا الْحَدِيث مِنْ هَذَا الْوَجْه فِي مُسْنَد اِبْن عُمَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى فَوَائِده مُسْتَوْفًى قُبَيْل كِتَاب الْجُمُعَة. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏: قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ حَدِيث مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" اِئْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِد \" وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِذْن إِنَّمَا وَقَعَ لَهُنَّ بِاللَّيْلِ فَلَا تَدْخُل فِيهِ الْجُمُعَة. قَالَ : وَرِوَايَة أَبِي أُسَامَة الَّتِي أَوْرَدَهَا بَعْد ذَلِكَ تَدُلّ عَلَى خِلَاف ذَلِكَ , يَعْنِي قَوْلُهُ فِيهَا \" لَا تَمْنَعُوا إِمَاء اللَّه مَسَاجِد اللَّه \" اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ جَنَحَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْمُطْلَق يُحْمَل عَلَى ذَلِكَ الْمُقَيَّد. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "850",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْحَمِيدِ ‏ ‏صَاحِبُ ‏ ‏الزِّيَادِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏ابْنُ عَمِّ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ إِذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قُلْ ‏ ‏صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا قَالَ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي إِنَّ الْجُمْعَةَ عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ ‏ ‏وَالدَّحَضِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّ الْجُمُعَة عَزْمَة ) ‏ ‏اِسْتَشْكَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : لَا أَخَالهُ صَحِيحًا , فَإِنَّ أَكْثَر الرِّوَايَات بِلَفْظِ \" إِنَّمَا عَزْمَة \" أَيْ كَلِمَة الْمُؤَذِّن وَهِيَ \" حَيّ عَلَى الصَّلَاة \" لِأَنَّهَا دُعَاء إِلَى الصَّلَاة تَقْتَضِي لِسَامِعِهِ الْإِجَابَة , وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْجُمُعَة عَزْمَة لَكَانَتْ الْعَزِيمَة لَا تَزُول بِتَرْكِ بَقِيَّة الْأَذَان. اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ لَمْ يَتْرُك بَقِيَّة الْأَذَان , وَإِنَّمَا أَبْدَلَ قَوْلُهُ \" حَيّ عَلَى الصَّلَاة \" بِقَوْلِهِ \" صَلُّوا فِي بُيُوتكُمْ \" وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" إِنَّ الْجُمُعَة عَزْمَة \" أَيْ فَلَوْ تَرَكْت الْمُؤَذِّن يَقُول حَيّ عَلَى الصَّلَاة لَبَادَرَ مَنْ سَمِعَهُ إِلَى الْمَجِيء فِي الْمَطَر فَيَشُقّ عَلَيْهِمْ فَأَمَرْته أَنْ يَقُول صَلُّوا فِي بُيُوتكُمْ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الْمَطَر مِنْ الْأَعْذَار الَّتِي تَصِير الْعَزِيمَة رُخْصَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَالدَّحْض ) ‏ ‏بِفَتْحِ الدَّال الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْمَلَة - وَيَجُوز فَتْحهَا - وَآخِره ضَاد مُعْجَمَة هُوَ الزَّلِق , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ بِالرَّاءِ بَدَل الدَّال وَهُوَ الْغُسْل , قَالَ : وَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْأَرْض حِين أَصَابَهَا الْمَطَر كَالْمُغْتَسَلِ وَالْجَامِع بَيْنهمَا الزَّلِق. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّة مَبَاحِث الْحَدِيث فِي أَبْوَاب الْأَذَان. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏: وَقَعَ فِي السِّيَاق عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث اِبْن عَمّ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ , وَأَنْكَرَهُ الدِّمْيَاطِيّ فَقَالَ : كَانَ زَوْج بِنْت سِيرِينَ فَهُوَ صِهْر اِبْن سِيرِينَ لَا اِبْن عَمّه. قُلْتُ : مَا الْمَانِع أَنْ يَكُون بَيْن سِيرِينَ وَالْحَارِث أُخُوَّة مِنْ رَضَاع وَنَحْوه , فَلَا يَنْبَغِي تَغْلِيط الرِّوَايَة الصَّحِيحَة مَعَ وُجُود الِاحْتِمَال الْمَقْبُول. ‏"
    },
    {
        "id": "851",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّاسُ ‏ ‏يَنْتَابُونَ ‏ ‏يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ ‏ ‏وَالْعَوَالِيِّ ‏ ‏فَيَأْتُونَ فِي الْغُبَارِ يُصِيبُهُمْ الْغُبَارُ وَالْعَرَقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُمْ الْعَرَقُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ. ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن صَالِح ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَوَافَقَهُ اِبْن السَّكَن , وَعَنْ غَيْرهمَا \" حَدَّثَنَا أَحْمَد \" غَيْر مَنْسُوب , وَجَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج بِأَنَّهُ اِبْن عِيسَى , وَالْأَوَّل أَصْوَب وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد لَطِيفَة , وَهُوَ أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَة دُون عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر مِنْ أَهْل مِصْر وَثَلَاثَة فَوْقه مِنْ أَهْل الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَنْتَابُونَ الْجُمُعَة ) ‏ ‏أَيْ يَحْضُرُونَهَا نَوْبًا , وَالِانْتِيَاب اِفْتِعَال مِنْ النَّوْبَة , وَفِي رِوَايَة \" يَتَنَاوَبُونَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَالْعَوَالِي ) ‏ ‏تَقَدَّمَ تَفْسِيرهَا فِي الْمَوَاقِيت وَأَنَّهَا عَلَى أَرْبَعَة أَمْيَال فَصَاعِدًا مِنْ الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَيَأْتُونَ فِي الْغُبَار فَيُصِيبهُمْ الْغُبَار ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ , وَعِنْد الْقَابِسِيّ \" فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاء \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمَدّ وَهُوَ أَصْوَب , وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنْسَان مِنْهُمْ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" نَاس مِنْهُمْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا ) ‏ ‏لَوْ لِلتَّمَنِّي فَلَا تَحْتَاج إِلَى جَوَاب , أَوْ لِلشَّرْطِ وَالْجَوَاب مَحْذُوف تَقْدِيره لَكَانَ حَسَنًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ عِنْد أَبِي دَاوُدَ أَنَّ هَذَا كَانَ مَبْدَأ الْأَمْر بِالْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ , وَلِأَبِي عَوَانَة مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر نَحْوه , وَصَرَّحَ فِي آخِره بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِينَئِذٍ \" مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَة فَلْيَغْتَسِلْ \" وَقَدْ اِسْتَدَلَّتْ بِهِ عَمْرَة عَلَى أَنَّ غُسْل الْجُمُعَة شُرِعَ لِلتَّنْظِيفِ لِأَجْلِ الصَّلَاة كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلُهُ \" لِيَوْمِكُمْ هَذَا \" أَيْ فِي يَوْمكُمْ هَذَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا رِفْق الْعَالِم بِالْمُتَعَلِّمِ , وَاسْتِحْبَاب التَّنْظِيف لِمُجَالَسَةِ أَهْل الْخَيْر , وَاجْتِنَاب أَذَى الْمُسْلِم بِكُلِّ طَرِيق , وَحِرْص الصَّحَابَة عَلَى اِمْتِثَال الْأَمْر وَلَوْ شَقَّ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِيهِ رَدّ عَلَى الْكُوفِيِّينَ حَيْثُ لَمْ يُوجِبُوا الْجُمُعَة عَلَى مَنْ كَانَ خَارِج الْمِصْر , كَذَا قَالَ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى أَهْل الْعَوَالِي مَا تَنَاوَبُوا وَلَكَانُوا يَحْضُرُونَ جَمِيعًا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "852",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ‏ ‏فَقَالَتْ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الْجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ لَوْ اغْتَسَلْتُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَانَ النَّاس مَهَنَة ) ‏ ‏بِنُونٍ وَفَتَحَات جَمْع مَاهِن كَكَتَبَةٍ وَكَاتِب أَيْ خَدَم أَنْفُسهمْ , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ رُوِيَ بِكَسْرِ أَوَّله وَسُكُون الْهَاء وَمَعْنَاهُ بِإِسْقَاطِ مَحْذُوف أَيْ ذَوِي مِهْنَة. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد \" كَانَ النَّاس أَهْل عَمَل وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ \" أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنْ يَكْفِيهِمْ الْعَمَل مِنْ الْخَدَم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الْجُمُعَة رَاحُوا فِي هَيْئَتهمْ ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ \" رَاحُوا \" عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد الزَّوَال لِأَنَّهُ حَقِيقَة الرَّوَاح كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَكْثَر أَهْل اللُّغَة , وَلَا يُعَارِض هَذَا مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْأَزْهَرِيّ أَنَّ الْمُرَاد بِالرَّوَاحِ فِي قَوْلُهُ \" مَنْ اِغْتَسَلَ يَوْم الْجُمُعَة ثُمَّ رَاحَ \" الذَّهَاب مُطْلَقًا لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُون مَجَازًا أَوْ مُشْتَرَكًا , وَعَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ فَالْقَرِينَة مُخَصِّصَة وَهِيَ فِي قَوْلُهُ \" مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَة الْأُولَى \" قَائِمَة فِي إِرَادَة مُطْلَق الذَّهَاب , وَفِي هَذَا قَائِمَة فِي الذَّهَاب بَعْد الزَّوَال لِمَا جَاءَ فِي حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور فِي الطَّرِيق الَّتِي فِي آخِر الْبَاب الَّذِي قَبْل هَذَا حَيْثُ قَالَتْ \" يُصِيبهُمْ الْغُبَار وَالْعَرَق \" لِأَنَّ ذَلِكَ غَالِبًا إِنَّمَا يَكُون بَعْدَمَا يَشْتَدّ الْحَرّ , وَهَذَا فِي حَال مَجِيئِهِمْ مِنْ الْعَوَالِي , فَالظَّاهِر أَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَى الْمَسْجِد إِلَّا حِين الزَّوَال أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ , وَعُرِفَ بِهَذَا تَوْجِيه إِيرَاد حَدِيث عَائِشَة فِي هَذَا الْبَاب. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏أَوْرَدَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج طَرِيق عَمْرَة هَذِهِ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَال فِيهِ أَصْلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "853",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏صَرَّحَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق زَيْد بْن الْحُبَابِ عَنْ فُلَيْح بِسَمَاعِ عُثْمَان لَهُ مِنْ أَنَس. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَة حِين تَمِيل الشَّمْس ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِمُوَاظَبَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَلَاة الْجُمُعَة إِذَا زَالَتْ الشَّمْس , ‏"
    },
    {
        "id": "854",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نُبَكِّرُ بِالْجُمُعَةِ ‏ ‏وَنَقِيلُ ‏ ‏بَعْدَ الْجُمُعَةِ ‏",
        "sharh": "أَمَّا رِوَايَة حُمَيْدٍ الَّتِي بَعْد هَذَا عَنْ أَنَس ‏ ‏\" كُنَّا نُبَكِّر بِالْجُمُعَةِ وَنَقِيل بَعْد الْجُمُعَة \" ‏ ‏فَظَاهِره أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ الْجُمُعَة بَاكِر النَّهَار , لَكِنَّ طَرِيق الْجَمْع أَوْلَى مِنْ دَعْوَى التَّعَارُض , وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّبْكِير يُطْلَق عَلَى فِعْل الشَّيْء فِي أَوَّل وَقْته أَوْ تَقْدِيمه عَلَى غَيْره وَهُوَ الْمُرَاد هُنَا , وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْدَءُونَ بِالصَّلَاةِ قَبْل الْقَيْلُولَة , بِخِلَافِ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتهمْ فِي صَلَاة الظُّهْر فِي الْحَرّ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقِيلُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْإِيرَاد , وَلِهَذِهِ النُّكْتَة أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ طَرِيق حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس عَقِب طَرِيق عُثْمَان بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْهُ , وَسَيَأْتِي فِي التَّرْجَمَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ التَّعْبِير بِالتَّبْكِيرِ وَالْمُرَاد بِهِ الصَّلَاة فِي أَوَّل الْوَقْت وَهُوَ يُؤَيِّد مَا قُلْنَاهُ. قَالَ الزَّيْن ابْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة : فَسَّرَ الْبُخَارِيّ حَدِيث أَنَس الثَّانِي بِحَدِيثِ أَنَس الْأَوَّل إِشَارَة مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ لَا تَعَارُض بَيْنهمَا. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) ‏ ‏الْأَوَّل : حَكَى اِبْن التِّين عَنْ أَبِي عَبْد الْمَلِك أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة لِأَنَّهُ لَمْ يَجِد حَدِيثًا مَرْفُوعًا فِي ذَلِكَ , وَتَعَقَّبَهُ بِحَدِيثِ أَنَس هَذَا وَهُوَ كَمَا قَالَ الثَّانِي : لَمْ يَقَع التَّصْرِيح عِنْد الْمُصَنِّف بِرَفْعِ حَدِيث أَنَس الثَّانِي , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط مِنْ طَرِيق فُضَيْلِ بْن عِيَاض عَنْ حُمَيْدٍ فَزَادَ فِيهِ \" مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيل , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث سَهْل بْن سَعْد يَأْتِي فِي آخِر كِتَاب الْجُمُعَة , وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ السَّاعَات الْمَطْلُوبَة فِي الذَّهَاب إِلَى الْجُمُعَة مِنْ عِنْد الزَّوَال لِأَنَّهُمْ يَتَبَادَرُونَ إِلَى الْجُمُعَة قَبْل الْقَائِلَة. ‏"
    },
    {
        "id": "855",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو خَلْدَةَ هُوَ خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ ‏ ‏يَعْنِي الْجُمُعَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو خَلْدَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏بِالصَّلَاةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُمُعَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو خَلْدَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الْجُمُعَةَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لِأَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي الظُّهْرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ ) ‏ ‏أَيْ صَلَّاهَا فِي أَوَّل وَقْتهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَإِذَا اِشْتَدَّ الْحَرّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ يَعْنِي الْجُمُعَة ) ‏ ‏لَمْ يَجْزِم الْمُصَنِّف بِحُكْمِ التَّرْجَمَة لِلِاحْتِمَالِ الْوَاقِع فِي قَوْلُهُ \" يَعْنِي الْجُمُعَة \" لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون مِنْ كَلَام التَّابِعِيّ أَوْ مَنْ دُونَهُ , وَهُوَ ظَنّ مِمَّنْ قَالَهُ , وَالتَّصْرِيح عَنْ أَنَس فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ الْمَاضِيَة أَنَّهُ كَانَ يُبَكِّر بِهَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْر تَفْصِيل , وَيُؤَيِّدهُ الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة الثَّانِيَة فَإِنَّ فِيهَا الْبَيَان بِأَنَّ قَوْلُهُ \" يَعْنِي الْجُمُعَة \" إِنَّمَا أَخَذَهُ قَائِله مِمَّا فَهِمَهُ مِنْ التَّسْوِيَة بَيْن الْجُمُعَة وَالظُّهْر عِنْد أَنَس حَيْثُ اِسْتَدَلَّ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْجُمُعَة بِقَوْلِهِ \" كَانَ يُصَلِّي الظُّهْر \" , وَأَوْضَح مِنْ ذَلِكَ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ حَرَمِيّ وَلَفْظه \" سَمِعْت أَنَسًا - وَنَادَاهُ يَزِيد الضَّبِّيّ يَوْم جُمُعَة : يَا أَبَا حَمْزَة قَدْ شَهِدْت الصَّلَاة مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَيْف كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَة ؟ - \" فَذَكَرَهُ وَلَمْ يَقُلْ بَعْده يَعْنِي الْجُمُعَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ يُونُس بْن بُكَيْر ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَلَفْظه \" سَمِعْت أَنَس بْن مَالِك وَهُوَ مَعَ الْحَكَم أَمِير الْبَصْرَة عَلَى السَّرِير يَقُول : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ الْحَرّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ , وَإِذَا كَانَ الْبَرْد بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يُونُس وَزَادَ \" يَعْنِي الظُّهْر \". وَالْحَكَم الْمَذْكُور هُوَ اِبْن أَبِي عَقِيل الثَّقَفِيّ كَانَ نَائِبًا عَنْ اِبْنِ عَمّه الْحَجَّاج بْن يُوسُف , وَكَانَ عَلَى طَرِيقَة اِبْن عَمّه فِي تَطْوِيل الْخُطْبَة يَوْم الْجُمُعَة حَتَّى يَكَاد الْوَقْت أَنْ يَخْرُج. وَقَدْ أَوْرَدَ أَبُو يَعْلَى قِصَّة يَزِيد الضَّبِّيّ الْمَذْكُور وَإِنْكَاره عَلَى الْحَكَم هَذَا الصَّنِيع وَاسْتِشْهَاده بِأَنَسٍ وَاعْتِذَار أَنَس عَنْ الْحَكَم بِأَنَّهُ أَخَّرَ لِلْإِبْرَادِ , فَسَاقَهَا مُطَوَّلَة فِي نَحْو وَرَقَة. وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْإِبْرَاد بِالْجُمُعَةِ عِنْد أَنَس إِنَّمَا هُوَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الظُّهْر لَا بِالنَّصِّ , لَكِنَّ أَكْثَر الْأَحَادِيث تَدُلّ عَلَى التَّفْرِقَة بَيْنهمَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بِشْر بْن ثَابِت ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ \" كَانَ إِذَا كَانَ الشِّتَاء بَكَّرَ بِالظُّهْرِ , وَإِذَا كَانَ الصَّيْف أَبْرَدَ بِهَا \" وَعُرِفَ مِنْ طَرِيق \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" تَسْمِيَة الْأَمِير الْمُبْهَم فِي هَذِهِ الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة , وَمِنْ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره سَبَب تَحْدِيث أَنَس بْن مَالِك بِذَلِكَ حَتَّى سَمِعَهُ أَبُو خَلْدَة. وَقَالَ الزَّيْن ابْن الْمُنِير : نَحَا الْبُخَارِيّ إِلَى مَشْرُوعِيَّة الْإِبْرَاد بِالْجُمُعَةِ وَلَمْ يَبُتّ الْحُكْم بِذَلِكَ , لِأَنَّ قَوْلُهُ \" يَعْنِي الْجُمُعَة \" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْل التَّابِعِيّ مِمَّا فَهِمَهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ نَقْله , فَرَجَحَ عِنْده إِلْحَاقهَا بِالظُّهْرِ , لِأَنَّهَا إِمَّا ظُهْر وَزِيَادَة أَوْ بَدَل عَنْ الظُّهْر , وَأَيَّدَ ذَلِكَ قَوْل أَمِير الْبَصْرَة لِأَنَسٍ يَوْم الْجُمُعَة \" كَيْف كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْر \" وَجَوَاب أَنَس مِنْ غَيْر إِنْكَار ذَلِكَ , وَقَالَ أَيْضًا : إِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْإِبْرَاد يُشْرَع فِي الْجُمُعَة أُخِذَ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تُشْرَع قَبْل الزَّوَال , لِأَنَّهُ لَوْ شُرِعَ لَمَا كَانَ اِشْتِدَاد الْحَرّ سَبَبًا لِتَأْخِيرِهَا , بَلْ كَانَ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِتَعْجِيلِهَا قَبْل الزَّوَال. وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن بَطَّال عَلَى أَنَّ وَقْت الْجُمُعَة وَقْت الظُّهْر لِأَنَّ أَنَسًا سَوَّى بَيْنهمَا فِي جَوَابه , خِلَافًا لِمَنْ أَجَازَ الْجُمُعَة قَبْل الزَّوَال , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. وَفِيهِ إِزَالَة التَّشْوِيش عَنْ الْمُصَلِّي بِكُلِّ طَرِيق مُحَافَظَة عَلَى الْخُشُوع لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ السَّبَب فِي مُرَاعَاة الْإِبْرَاد فِي الْحَرّ دُون الْبَرْد. ‏"
    },
    {
        "id": "856",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ ‏ ‏قَالَ أَدْرَكَنِي ‏ ‏أَبُو عَبْسٍ ‏ ‏وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الْجُمُعَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَزِيد ) ‏ ‏بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالزَّاي , وَ ‏ ‏( عَبَايَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة وَهُوَ اِبْن رِفَاعَة بْن رَافِع بْنِ خَدِيج. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْس ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة , وَهُوَ اِبْن جَبْر بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَاسْمه عَبْد الرَّحْمَن عَلَى الصَّحِيح , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَنَا أَذْهَب ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ عِنْد الْبُخَارِيّ أَنَّ الْقِصَّة وَقَعَتْ لِعَبَايَة مَعَ أَبِي عَبْس , وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن بَحْر وَغَيْره عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم أَنَّ الْقِصَّة وَقَعَتْ لِيَزِيدَ بْن أَبِي مَرْيَم مَعَ عَبَايَة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ الْحُسَيْن بْن حُرَيْثٍ عَنْ الْوَلِيد وَلَفْظه \" حَدَّثَنِي يَزِيد قَالَ : لَحِقَنِي عَبَايَة بْن رِفَاعَة وَأَنَا مَاشٍ إِلَى الْجُمُعَة \" زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته \" وَهُوَ رَاكِب , فَقَالَ : اِحْتَسِبْ خُطَاك هَذِهِ \" وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" فَقَالَ أَبْشِرْ فَإِنَّ خُطَاك هَذِهِ فِي سَبِيل اللَّه , فَإِنِّي سَمِعْت أَبَا عَبْس بْن جَبْر \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ تَكُون الْقِصَّة وَقَعَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْمَتْن فِي كِتَاب الْجِهَاد , وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِعُمُومِ قَوْلُهُ \" فِي سَبِيل اللَّه \" فَدَخَلَتْ فِيهِ الْجُمُعَة , وَلِكَوْنِ رَاوِي الْحَدِيث اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة : وَجْه دُخُول حَدِيث أَبِي عَبْس فِي التَّرْجَمَة مِنْ قَوْلُهُ \" أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْس \" لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَعْدُو لَمَا اِحْتَمَلَ وَقْت الْمُحَادَثَة لِتَعَذُّرِهَا مَعَ الْجَرْي , وَلِأَنَّ أَبَا عَبْس جَعَلَ حُكْم السَّعْي إِلَى الْجُمُعَة حُكْم الْجِهَاد. ‏ ‏وَلَيْسَ الْعَدْو مِنْ مَطَالِب الْجِهَاد فَكَذَلِكَ الْجُمُعَة , اِنْتَهَى. وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الْأَذَان , وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّل هَذَا الْبَاب تَوْجِيه إِيرَاده هُنَا. ‏"
    },
    {
        "id": "857",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏وَأَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا ‏ ‏تَسْعَوْنَ ‏ ‏وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "858",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو قُتَيْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَةَ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : لَا أَعْلَمهُ إِلَّا عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏اِنْتَهَى. أَبُو عَبْد اللَّه هَذَا هُوَ الْمُصَنِّف. وَقَعَ قَوْلُهُ \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه \" فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحْده , وَكَأَنَّهُ وَقَعَ عِنْده تَوَقُّف فِي وَصْله لِكَوْنِهِ كَتَبَهُ مِنْ حِفْظه أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ , وَهُوَ فِي الْأَصْل مَوْصُول لَا رَيْب فِيهِ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ اِبْنِ نَاجِيَة عَنْ أَبِي حَفْص - وَهُوَ عَمْرو بْن عَلِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ - فَقَالَ \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ \" وَلَمْ يَشُكّ , وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : إِنَّ هَذَا الْإِسْنَاد مُنْقَطِع وَإِنْ حَكَمَ الْبُخَارِيّ بِكَوْنِهِ مَوْصُولًا لِأَنَّ شَيْخه لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا مُنْقَطِعًا , اِنْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْأَذَان أَنَّ الْبُخَارِيّ عَلَّقَ هَذِهِ الطَّرِيق مِنْ جِهَة عَلِيّ بْنِ الْمُبَارَك وَلَمْ يَتَعَرَّض لِلشَّكِّ الَّذِي هُنَا , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الْمَتْن أَيْضًا , وَمَوْضِع الْحَاجَة مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ \" وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَة \" قَالَ اِبْن رَشِيد : وَالنُّكْتَة فِي النَّهْي عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَكُون مَقَامهمْ سَبَبًا لِإِسْرَاعِهِ فِي الدُّخُول إِلَى الصَّلَاة فَيُنَافِي مَقْصُوده مِنْ هَيْئَة الْوَقَار , قَالَ : وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ اِسْتَشْعَرَ إِيرَاد الْفَرْق بَيْن السَّاعِي إِلَى الْجُمُعَة وَغَيْرهَا بِأَنَّ السَّعْي إِلَى الصَّلَاة غَيْر الْجُمُعَة مَنْهِيّ لِأَجْلِ مَا يَلْحَق السَّاعِي مِنْ التَّعَب وَضِيق النَّفْس فَيَدْخُل فِي الصَّلَاة وَهُوَ مُنْبَهِر فَيُنَافِي ذَلِكَ خُشُوعه , وَهَذَا بِخِلَافِ السَّاعِي إِلَى الْجُمُعَة فَإِنَّهُ فِي الْعَادَة يَحْضُر قَبْل إِقَامَة الصَّلَاة فَلَا تُقَام حَتَّى يَسْتَرِيح مِمَّا يَلْحَقهُ مِنْ الِانْبِهَار وَغَيْره , وَكَأَنَّهُ اِسْتَشْعَرَ هَذَا الْفَرْق فَأَخَذَ يَسْتَدِلّ عَلَى أَنَّ كُلّ مَا آلَ إِلَى إِذْهَاب الْوَقَار مُنِعَ مِنْهُ , فَاشْتَرَكَتْ الْجُمُعَة مَعَ غَيْرهَا فِي ذَلِكَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "859",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ وَدِيعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ ثُمَّ ‏ ‏ادَّهَنَ ‏ ‏أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ أَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "860",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏نَافِعًا ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِنَافِعٍ ‏ ‏الْجُمُعَةَ قَالَ الْجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "861",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى ‏ ‏الزَّوْرَاءِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏الزَّوْرَاءُ ‏ ‏مَوْضِعٌ بِالسُّوقِ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ السَّائِب بْن يَزِيد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَقِيل عَنْ اِبْنِ شِهَاب أَنَّ السَّائِب بْن يَزِيد أَخْبَرَهُ , وَفِي رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ سَمِعْت السَّائِب , وَسَيَأْتِيَانِ بَعْد هَذَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَانَ النِّدَاء يَوْم الْجُمُعَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَامِر عَنْ اِبْنِ أَبِي ذِئْب عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ كَانَ اِبْتِدَاء النِّدَاء الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي الْقُرْآن يَوْم الْجُمُعَة , وَلَهُ فِي رِوَايَة وَكِيع عَنْ اِبْنِ أَبِي ذِئْب \" كَانَ الْأَذَان عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَعُمَر أَذَانَيْنِ يَوْم الْجُمُعَة \" قَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ : قَوْلُهُ أَذَانَيْنِ يُرِيد الْأَذَان وَالْإِقَامَة , يَعْنِي تَغْلِيبًا أَوْ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِعْلَام كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب الْأَذَان. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا جَلَسَ الْإِمَام عَلَى الْمِنْبَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَامِر الْمَذْكُورَة \" إِذَا خَرَجَ الْإِمَام وَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاة \" وَكَذَا لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي فُدَيْك عَنْ اِبْنِ أَبِي ذِئْب , وَكَذَا فِي رِوَايَة الْمَاجِشُونِ الْآتِيَة عَنْ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظه \" وَكَانَ التَّأْذِين يَوْم الْجُمُعَة حِين يَجْلِس الْإِمَام , يَعْنِي عَلَى الْمِنْبَر \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْمَاجِشُونِ بِدُونِ قَوْلُهُ \" يَعْنِي \" وَلِلنَّسَائِيِّ رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" كَانَ بِلَال يُؤَذِّن إِذَا جَلَسَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَر. فَإِذَا نَزَلَ أَقَامَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوه فِي مُرْسَل مَكْحُول قَرِيبًا , قَالَ الْمُهَلَّب : الْحِكْمَة فِي جَعْل الْأَذَان فِي هَذَا الْمَحَلّ لِيَعْرِف النَّاس بِجُلُوسِ الْإِمَام عَلَى الْمِنْبَر فَيُنْصِتُونَ لَهُ إِذَا خَطَبَ , كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ , فَإِنَّ فِي سِيَاق اِبْن إِسْحَاق عِنْد الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْره عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّن عَلَى بَاب الْمَسْجِد \" فَالظَّاهِر أَنَّهُ كَانَ لِمُطْلَقِ الْإِعْلَام لَا لِخُصُوصِ الْإِنْصَات , نَعَمْ لَمَّا زِيدَ الْأَذَان الْأَوَّل كَانَ لِلْإِعْلَامِ , وَكَانَ الَّذِي بَيْن يَدَيْ الْخَطِيب لِلْإِنْصَاتِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا كَانَ عُثْمَان ) ‏ ‏أَيْ خَلِيفَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَكَثُرَ النَّاس ) ‏ ‏أَيْ بِالْمَدِينَةِ , وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة الْمَاجِشُونِ , وَظَاهِره أَنَّ عُثْمَان أَمَرَ بِذَلِكَ فِي اِبْتِدَاء خِلَافَته , لَكِنْ فِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة عَنْ يُونُس عِنْد أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد مُضِيّ مُدَّة مِنْ خِلَافَته. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( زَادَ النِّدَاء الثَّالِث ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وَكِيع عَنْ اِبْنِ أَبِي ذِئْب فَأَمَرَ عُثْمَان بِالْأَذَانِ الْأَوَّل , وَنَحْوه لِلشَّافِعِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنه مَزِيدًا يُسَمَّى ثَالِثًا , وَبِاعْتِبَارِ كَوْنه جُعِلَ مُقَدَّمًا عَلَى الْأَذَان وَالْإِقَامَة يُسَمَّى أَوَّلًا , وَلَفْظ رِوَايَة عَقِيل الْآتِيَة بَعْد بَابَيْنِ \" أَنَّ التَّأْذِين بِالثَّانِي أَمَرَ بِهِ عُثْمَان \" وَتَسْمِيَته ثَانِيًا أَيْضًا مُتَوَجِّه بِالنَّظَرِ إِلَى الْأَذَان الْحَقِيقِيّ لَا الْإِقَامَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَلَى الزَّوْرَاء ) ‏ ‏بِفَتْحِ الزَّاي وَسُكُون الْوَاو وَبَعْدهَا رَاء مَمْدُودَة , وَقَوْلُهُ \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه \" هُوَ الْمُصَنِّف , وَهَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَحْده , وَمَا فَسَّرَ بِهِ الزَّوْرَاء هُوَ الْمُعْتَمَد , وَجَزَمَ اِبْن بَطَّال بِأَنَّهُ حَجَر كَبِير عِنْد بَاب الْمَسْجِد , وَفِيهِ نَظَر لِمَا فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن مَاجَهْ بِلَفْظِ \" زَادَ النِّدَاء الثَّالِث عَلَى دَار فِي السُّوق يُقَال لَهَا الزَّوْرَاء \" وَفِي رِوَايَته عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" فَأَمَرَ بِالنِّدَاءِ الْأَوَّل عَلَى دَار لَهُ يُقَال لَهَا الزَّوْرَاء , فَكَانَ يُؤَذَّن لَهُ عَلَيْهَا , فَإِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَر أَذَّنَ مُؤَذِّنه الْأَوَّل , فَإِذَا نَزَلَ أَقَامَ الصَّلَاة \". وَفِي رِوَايَة لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَأَذَّنَ بِالزَّوْرَاءِ قَبْل خُرُوجه لِيَعْلَم النَّاس أَنَّ الْجُمُعَة قَدْ حَضَرَتْ \" وَنَحْوه فِي مُرْسَل مَكْحُول الْمُتَقَدِّم. وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس \" أَنَّ نَبِيّ اللَّه وَأَصْحَابه كَانُوا بِالزَّوْرَاءِ , وَالزَّوْرَاء بِالْمَدِينَةِ عِنْد السُّوق \" الْحَدِيث , زَادَ أَبُو عَامِر عَنْ اِبْنِ أَبِي ذِئْب \" فَثَبَتَ ذَلِكَ حَتَّى السَّاعَة \" وَسَيَأْتِي نَحْوه قَرِيبًا مِنْ رِوَايَة يُونُس بِلَفْظِ \" فَثَبَتَ الْأَمْر كَذَلِكَ \" وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ النَّاس أَخَذُوا بِفِعْلِ عُثْمَان فِي جَمِيع الْبِلَاد إِذْ ذَاكَ لِكَوْنِهِ خَلِيفَة مُطَاع الْأَمْر , لَكِنْ ذَكَرَ الْفَاكِهَانِيّ أَنَّ أَوَّل مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَان الْأَوَّل بِمَكَّة الْحَجَّاج وَبِالْبَصْرَةِ زِيَاد , وَبَلَغَنِي أَنَّ أَهْل الْمَغْرِب الْأَدْنَى الْآن لَا تَأْذِين عِنْدهمْ سِوَى مَرَّة , وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق اِبْن عُمَر قَالَ \" الْأَذَان الْأَوَّل يَوْم الْجُمُعَة بِدْعَة \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْإِنْكَار , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ يُرِيد أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُلّ مَا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنه يُسَمَّى بِدْعَة , لَكِنَّ مِنْهَا مَا يَكُون حَسَنًا وَمِنْهَا مَا يَكُون بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَتَبَيَّنَ بِمَا مَضَى أَنَّ عُثْمَان أَحْدَثَهُ لِإِعْلَامِ النَّاس بِدُخُولِ وَقْت الصَّلَاة قِيَاسًا عَلَى بَقِيَّة الصَّلَوَات فَأَلْحَقَ الْجُمُعَة بِهَا وَأَبْقَى خُصُوصِيَّتهَا بِالْأَذَانِ بَيْن يَدَيْ الْخَطِيب , وَفِيهِ اِسْتِنْبَاط مَعْنًى مِنْ الْأَصْل لَا يُبْطِلهُ , وَأَمَّا مَا أَحْدَثَ النَّاس قَبْل وَقْت الْجُمُعَة مِنْ الدُّعَاء إِلَيْهَا بِالذِّكْرِ وَالصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ فِي بَعْض الْبِلَاد دُون بَعْض , وَاتِّبَاع السَّلَف الصَّالِح أَوْلَى. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) ‏ ‏الْأَوَّل : وَرَدَ مَا يُخَالِف هَذَا الْخَبَر أَنَّ عُمَر الَّذِي زَادَ الْأَذَان , فَفِي تَفْسِير جُوَيْبِرٍ عَنْ الضَّحَّاك مِنْ زِيَادَة الرَّاوِي عَنْ بُرْد بْن سِنَان عَنْ مَكْحُول عَنْ مُعَاذ \" أَنَّ عُمَر أَمَرَ مُؤَذِّنَيْنِ أَنْ يُؤَذِّنَا لِلنَّاسِ الْجُمُعَة خَارِجًا مِنْ الْمَسْجِد حَتَّى يَسْمَع النَّاس , وَأَمَرَ أَنْ يُؤَذَّن بَيْن يَدَيْهِ كَمَا كَانَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر , ثُمَّ قَالَ عُمَر : نَحْنُ اِبْتَدَعْنَاهُ لِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ \" اِنْتَهَى. وَهَذَا مُنْقَطِع بَيْن مَكْحُول وَمُعَاذ , وَلَا يَثْبُت لِأَنَّ مُعَاذًا كَانَ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَة إِلَى الشَّام فِي أَوَّل مَا غَزَوْا الشَّام وَاسْتَمَرَّ إِلَى أَنْ مَاتَ بِالشَّامِ فِي طَاعُون عَمَوَاس , وَقَدْ تَوَارَدَتْ الرِّوَايَات أَنَّ عُثْمَان هُوَ الَّذِي زَادَهُ فَهُوَ الْمُعْتَمَد ثُمَّ وَجَدْت لِهَذَا الْأَثَر مَا يُقَوِّيه , فَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ سُلَيْمَان بْن مُوسَى \" أَوَّل مَنْ زَادَ الْأَذَان بِالْمَدِينَةِ عُثْمَان , فَقَالَ عَطَاء : كَلَّا , إِنَّمَا كَانَ يَدْعُو النَّاس دُعَاء وَلَا يُؤَذِّن غَيْر أَذَان وَاحِد \" اِنْتَهَى. وَعَطَاء لَمْ يُدْرِك عُثْمَان فَرِوَايَة مَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ مُقَدَّمَة عَلَى إِنْكَاره , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ عَطَاء هُوَ الَّذِي كَانَ فِي زَمَن عُمَر وَاسْتَمَرَّ عَلَى عَهْد عُثْمَان ثُمَّ رَأَى أَنْ يَجْعَلهُ أَذَانًا , وَأَنْ يَكُون عَلَى مَكَان عَالٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَنُسِبَ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ بِأَلْفَاظِ الْأَذَان , وَتَرَكَ مَا كَانَ فَعَلَهُ عُمَر لِكَوْنِهِ مُجَرَّد إِعْلَام. ‏ ‏الثَّانِي : تَوَارَدَتْ الشُّرَّاح عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلُهُ \" الْأَذَان الثَّالِث \" أَنَّ الْأَوَّلَيْنِ الْأَذَان وَالْإِقَامَة لَكِنْ نَقَلَ الدَّاوُدِيّ أَنَّ الْأَذَان أَوَّلًا كَانَ فِي سُفْل الْمَسْجِد , فَلَمَّا كَانَ عُثْمَان جَعَلَ مَنْ يُؤَذِّن عَلَى الزَّوْرَاء , فَلَمَّا كَانَ هِشَام - يَعْنِي اِبْن عَبْد الْمَلِك - جَعَلَ مَنْ يُؤَذِّن بَيْن يَدَيْهِ فَصَارُوا ثَلَاثَة , فَسُمِّيَ فِعْل عُثْمَان ثَالِثًا لِذَلِكَ , اِنْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ يُغْنِي ذِكْره عَنْ تَكَلُّف رَدّه , فَلَيْسَ لَهُ فِيمَا قَالَهُ سَلَف , ثُمَّ هُوَ خِلَاف الظَّاهِر فَتَسْمِيَة مَا أَمَرَ بِهِ عُثْمَان ثَالِثًا يَسْتَدْعِي سَبْق اِثْنَيْنِ قَبْله , وَهِشَام إِنَّمَا كَانَ بَعْد عُثْمَان بِثَمَانِينَ سَنَة. وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيّ بِهَذَا الْحَدِيث أَيْضًا عَلَى الْجُلُوس عَلَى الْمِنْبَر قَبْل الْخُطْبَة خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّة , وَاخْتَلَفَ مَنْ أَثْبَتَهُ هَلْ هُوَ لِلْأَذَانِ أَوْ لِرَاحَةِ الْخَطِيب ؟ فَعَلَى الْأَوَّل لَا يُسَنّ فِي الْعِيد إِذْ لَا أَذَان هُنَاكَ. ‏ ‏وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ التَّأْذِين قُبَيْل الْخُطْبَة , وَعَلَى تَرْك تَأْذِين اِثْنَيْنِ مَعًا , وَعَلَى أَنَّ الْخُطْبَة يَوْم الْجُمُعَة سَابِقَة عَلَى الصَّلَاة , وَوَجْهه أَنَّ الْأَذَان لَا يَكُون إِلَّا قَبْل الصَّلَاة , وَإِذَا كَانَ يَقَع حِين يَجْلِس الْإِمَام عَلَى الْمِنْبَر دَلَّ عَلَى سَبْق الْخُطْبَة عَلَى الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "862",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏أَنَّ الَّذِي زَادَ التَّأْذِينَ الثَّالِثَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حِينَ كَثُرَ ‏ ‏أَهْلُ الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُؤَذِّنٌ غَيْرَ وَاحِدٍ وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ ‏ ‏يَعْنِي عَلَى الْمِنْبَرِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "863",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ قَالَ ‏ ‏اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏وَأَنَا فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏وَأَنَا فَلَمَّا أَنْ قَضَى التَّأْذِينَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى هَذَا الْمَجْلِسِ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ مِنِّي مِنْ مَقَالَتِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حِبَّان وَعَبْدَان عَنْ عَبْد اللَّه - وَهُوَ اِبْن الْمُبَارَك - سَمِعْت أَبَا أُمَامَةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَنَا ) ‏ ‏أَيْ أَشْهَد , أَوْ أَنَا أَقُول مِثْله. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا أَنْ قَضَى ) ‏ ‏أَيْ فَرَغَ \" وَأَنْ \" زَائِدَة , وَسَقَطَتْ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ , ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَلَمَّا أَنْ اِنْقَضَى \" أَيْ اِنْتَهَى. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد تَعَلُّم الْعِلْم وَتَعْلِيمه مِنْ الْإِمَام وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر , وَأَنَّ الْخَطِيب يُجِيب الْمُؤَذِّن وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر , وَأَنَّ قَوْل الْمُجِيب \" وَأَنَا كَذَلِكَ \" وَنَحْوه يَكْفِي فِي إِجَابَة الْمُؤَذِّن , وَفِيهِ إِبَاحَة الْكَلَام قَبْل الشُّرُوع فِي الْخُطْبَة , وَأَنَّ التَّكْبِير فِي أَوَّل الْأَذَان غَيْر مُرَجَّع وَفِيهِمَا نَظَرٌ , وَفِيهِ الْجُلُوس قَبْل الْخُطْبَة , وَبَقِيَّة مَبَاحِثه تَقَدَّمَتْ فِي أَبْوَاب الْأَذَان. ‏"
    },
    {
        "id": "864",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ التَّأْذِينَ الثَّانِيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمَرَ بِهِ ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حِينَ كَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "865",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ الْأَذَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ أَوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَكَثُرُوا أَمَرَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْأَذَانِ الثَّالِثِ فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى ‏ ‏الزَّوْرَاءِ ‏ ‏فَثَبَتَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏عَبْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , ‏ ‏وَيُونُس ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد. ‏"
    },
    {
        "id": "866",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ الْقُرَشِيُّ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏أَنَّ رِجَالًا أَتَوْا ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ ‏ ‏وَقَدْ ‏ ‏امْتَرَوْا ‏ ‏فِي الْمِنْبَرِ مِمَّ عُودُهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى فُلَانَةَ امْرَأَةٍ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَدْ سَمَّاهَا ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ ‏ ‏طَرْفَاءِ ‏ ‏الْغَابَةِ ‏ ‏ثُمَّ جَاءَ بِهَا فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَا هُنَا ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى عَلَيْهَا وَكَبَّرَ وَهُوَ عَلَيْهَا ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا ثُمَّ نَزَلَ ‏ ‏الْقَهْقَرَى ‏ ‏فَسَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ ‏ ‏إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَّ رِجَالًا أَتَوْا سَهْل بْن سَعْد ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى أَسْمَائِهِمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اِمْتَرَوْا ) ‏ ‏مِنْ الْمُمَارَاة وَهِيَ الْمُجَادَلَة , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مِنْ الِامْتِرَاء وَهُوَ الشَّكّ , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل قَوْلُهُ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم عَنْ أَبِيهِ عِنْد مُسْلِم \" أَنْ تَمَارَوْا \" فَإِنَّ مَعْنَاهُ تَجَادَلُوا , قَالَ الرَّاغِب : الِامْتِرَاء وَالْمُمَارَاة الْمُجَادَلَة , وَمِنْهُ ( فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا ). وَقَالَ أَيْضًا : الْمِرْيَة التَّرَدُّد فِي الشَّيْء , وَمِنْهُ ( فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ ). ‏ ‏قَوْلِهِ : ( وَاَللَّه إِنِّي لَأَعْرِف مِمَّا هُوَ ) ‏ ‏فِيهِ الْقَسَم عَلَى الشَّيْء لِإِرَادَةِ تَأْكِيده لِلسَّامِعِ , وَفِي قَوْلُهُ \" وَلَقَدْ رَأَيْته أَوَّل يَوْم وُضِعَ , وَأَوَّل يَوْم جَلَسَ عَلَيْهِ \" زِيَادَة عَلَى السُّؤَال , لَكِنَّ فَائِدَته إِعْلَامهمْ بِقُوَّةِ مَعْرِفَته بِمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَاب الصَّلَاة عَلَى الْمِنْبَر أَنَّ سَهْلًا قَالَ \" مَا بَقِيَ أَحَد أَعْلَم بِهِ مِنِّي \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَرْسَلَ إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ شَرْح الْجَوَاب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِلَى فُلَانَة اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي غَسَّان عَنْ أَبِي حَازِم \" اِمْرَأَة مِنْ الْمُهَاجِرِينَ \" كَمَا سَيَأْتِي فِي الْهِبَة , وَهُوَ وَهْم مِنْ أَبِي غَسَّان لِإِطْبَاقِ أَصْحَاب أَبِي حَازِم عَلَى قَوْلُهُمْ \" مِنْ الْأَنْصَار \" , وَكَذَا قَالَ أَيْمَن عَنْ جَابِر كَمَا سَيَأْتِي فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى اِسْمهَا فِي \" بَاب الصَّلَاة عَلَى الْمِنْبَر \" فِي أَوَائِل الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مُرِي غُلَامك النَّجَّار ) ‏ ‏سَمَّاهُ عَبَّاسٍ بْن سَهْل عَنْ أَبِيهِ فِيمَا أَخْرَجَهُ قَاسِم بْن أَصْبَغَ وَأَبُو سَعْد فِي \" شَرَف الْمُصْطَفَى \" جَمِيعًا مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن بُكَيْر عَنْ اِبْنِ لَهِيعَة حَدَّثَنِي عُمَارَة بْن غَزِيَّة عَنْهُ وَلَفْظه \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب إِلَى خَشَبَة , فَلَمَّا كَثُرَ النَّاس قِيلَ لَهُ : لَوْ كُنْت جَعَلْت مِنْبَرًا. قَالَ وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ نَجَّار وَاحِد يُقَال لَهُ مَيْمُون \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَأَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن سَعْد الْأَنْصَارِيّ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ نَحْو هَذَا السِّيَاق وَلَكِنْ لَمْ يُسَمِّهِ , وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي عَبْد اللَّه الْغِفَارِيِّ \" سَمِعْت سَهْل بْن سَعْد يَقُول : كُنْت جَالِسًا مَعَ خَالٍ لِي مِنْ الْأَنْصَار. فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُخْرُجْ إِلَى الْغَابَة وَأْتِنِي مِنْ خَشَبهَا فَاعْمَلْ لِي مِنْبَرًا \" الْحَدِيث. وَجَاءَ فِي صَانِع الْمِنْبَر أَقْوَال أُخْرَى : أَحَدهَا اِسْمه إِبْرَاهِيم , أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط مِنْ طَرِيق أَبِي نَضْرَة عَنْ جَابِر. وَفِي إِسْنَاده الْعَلَاء بْن مَسْلَمَة الرَّوَّاس وَهُوَ مَتْرُوك , ثَانِيهَا بَاقُول بِمُوَحَّدَةٍ وَقَاف مَضْمُومَة , رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَادٍ ضَعِيف مُنْقَطِع , وَوَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَة لَكِنْ قَالَ بَاقُوم آخِره مِيم وَإِسْنَاده ضَعِيف أَيْضًا. ثَالِثهَا صُبَاح بِضَمِّ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة خَفِيفَة وَآخِره مُهْمَلَة أَيْضًا ذَكَرَهُ اِبْن بَشْكُوَال بِإِسْنَادٍ شَدِيد الِانْقِطَاع. رَابِعهَا قَبِيصَة أَوْ قَبِيصَة الْمَخْزُومِيّ مَوْلَاهُمْ , ذَكَرَهُ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" الصَّحَابَة \" بِإِسْنَادٍ مُرْسَل. خَامِسهَا كِلَاب مَوْلَى الْعَبَّاسٍ كَمَا سَيَأْتِي. سَادِسهَا تَمِيم الدَّارِيّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُخْتَصَرًا وَالْحَسَن بْن سُفْيَان وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي عَاصِم عَنْ عَبْد الْعَزِيز اِبْن أَبِي رَوَّادٍ \" عَنْ نَافِع عَنْ اِبْنِ عُمَر أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَثُرَ لَحْمه : أَلَا نَتَّخِذ لَك مِنْبَرًا يَحْمِل عِظَامك ؟ قَالَ : بَلَى , فَاِتَّخَذَ لَهُ مِنْبَرًا \" الْحَدِيث وَإِسْنَاده جَيِّد , وَسَيَأْتِي ذِكْره فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , فَإِنَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ إِلَيْهِ ثَمَّ , وَرَوَى اِبْن سَعْد فِي \" الطَّبَقَات \" مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُب وَهُوَ مُسْتَنِد إِلَى جِذْع فَقَالَ : إِنَّ الْقِيَام قَدْ شَقَّ عَلَيَّ. فَقَالَ لَهُ تَمِيم الدَّارِيّ : أَلَا أَعْمَل لَك مِنْبَرًا كَمَا رَأَيْت يُصْنَع بِالشَّامِ ؟ فَشَاوَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ فَرَأَوْا أَنْ يَتَّخِذهُ , فَقَالَ الْعَبَّاسٍ بْن عَبْد الْمُطَّلِب : إِنَّ لِي غُلَامًا يُقَال لَهُ كِلَاب أَعْمَل النَّاس , فَقَالَ : مُرْهُ أَنْ يَعْمَل \" الْحَدِيث رِجَاله ثِقَات إِلَّا الْوَاقِدِيّ. سَابِعهَا مِينَاء ذَكَرَهُ اِبْن بَشْكُوَال عَنْ الزُّبَيْر بْن بَكَّار \" حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيل - هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس - عَنْ أَبِيهِ قَالَ : عَمِلَ الْمِنْبَر غُلَام لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَار مِنْ بَنِي سَلِمَة - أَوْ مِنْ بَنِي سَاعِدَة أَوْ اِمْرَأَة لِرَجُلٍ مِنْهُمْ - يُقَال لَهُ مِينَاء \" اِنْتَهَى. وَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَعُود الضَّمِير فِيهِ عَلَى الْأَقْرَب فَيَكُون مِينَاء اِسْم زَوْج الْمَرْأَة , وَهُوَ بِخِلَافِ مَا حَكَيْنَاهُ فِي \" بَاب الصَّلَاة عَلَى الْمِنْبَر وَالسُّطُوح \" عَنْ اِبْنِ التِّين أَنَّ الْمِنْبَر عَمِلَهُ غُلَام سَعْد بْن عُبَادَةَ , وَجَوَّزْنَا أَنْ تَكُون الْمَرْأَة زَوْج سَعْد. وَلَيْسَ فِي جَمِيع هَذِهِ الرِّوَايَات الَّتِي سُمِّيَ فِيهَا النَّجَّار شَيْء قَوِيُّ السَّنَدِ إِلَّا حَدِيث اِبْن عُمَر , وَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّ الَّذِي اِتَّخَذَ الْمِنْبَر تَمِيم الدَّارِيّ , بَلْ قَدْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَة اِبْن سَعْد أَنَّ تَمِيمًا لَمْ يَعْمَلهُ. وَأَشْبَه الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ هُوَ مَيْمُون لِكَوْنِ الْإِسْنَاد مِنْ طَرِيق سَهْل بْن سَعْد أَيْضًا وَأَمَّا الْأَقْوَال الْأُخْرَى فَلَا اِعْتِدَاد بِهَا لِوَهَائِهَا. وَيَبْعُد جِدًّا أَنْ يُجْمَع بَيْنهَا بِأَنَّ النَّجَّار كَانَتْ لَهُ أَسْمَاء مُتَعَدِّدَة. وَأَمَّا اِحْتِمَال كَوْن الْجَمِيع اِشْتَرَكُوا فِي عَمَله فَيَمْنَع مِنْهُ قَوْلُهُ فِي كَثِير مِنْ الرِّوَايَات السَّابِقَة \" لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا نَجَّار وَاحِد \" إِلَّا إِنْ كَانَ يُحْمَل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْوَاحِدِ الْمَاهِر فِي صِنَاعَته وَالْبَقِيَّة أَعْوَانه فَيُمْكِن وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَقَعَ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَاهُ مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة بْن عَمَّار عَنْ إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُوم يَوْم الْجُمُعَة فَيُسْنِد ظَهْره إِلَى جِذْع مَنْصُوب فِي الْمَسْجِد يَخْطُب , فَجَاءَ إِلَيْهِ رُومِيّ فَقَالَ : أَلَا أَصْنَع لَك مِنْبَرًا \" الْحَدِيث , وَلَمْ يُسَمِّهِ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالرُّومِيِّ تَمِيم الدَّارِيّ لِأَنَّهُ كَانَ كَثِير السَّفَر إِلَى أَرْض الرُّوم. وَقَدْ عُرِفَ مِمَّا تَقَدَّمَ سَبَب عَمَل الْمِنْبَر , وَجَزَمَ اِبْن سَعْد بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي السَّنَة السَّابِعَة , وَفِيهِ نَظَرٌ لِذِكْرِ الْعَبَّاسٍ وَتَمِيم فِيهِ وَكَانَ قُدُوم الْعَبَّاسٍ بَعْد الْفَتْح فِي آخِر سَنَة ثَمَانٍ , وَقُدُوم تَمِيم سَنَة تِسْع. وَجَزَمَ اِبْن النَّجَّار بِأَنَّ عَمَله كَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ , وَفِيهِ نَظَر أَيْضًا لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيث الْإِفْك فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْس وَالْخَزْرَج حَتَّى كَادُوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَر , فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا \" فَإِنْ حُمِلَ عَلَى التَّجَوُّز فِي ذِكْر الْمِنْبَر وَإِلَّا فَهُوَ أَصَحّ مِمَّا مَضَى. وَحَكَى بَعْض أَهْل السِّيَر أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُب عَلَى مِنْبَر مِنْ طِين قَبْل أَنْ يَتَّخِذ الْمِنْبَر الَّذِي مِنْ خَشَب , وَيُعَكِّر عَلَيْهِ أَنَّ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة أَنَّهُ كَانَ يَسْتَنِد إِلَى الْجِذْع إِذَا خَطَبَ , وَلَمْ يَزَلْ الْمِنْبَر عَلَى حَاله ثَلَاث دَرَجَات حَتَّى زَادَهُ مَرْوَان فِي خِلَافَة مُعَاوِيَة سِتّ دَرَجَات مِنْ أَسْفَله , وَكَانَ سَبَب ذَلِكَ مَا حَكَاهُ الزُّبَيْر بْن بَكَّار فِي أَخْبَار الْمَدِينَة بِإِسْنَادِهِ إِلَى حُمَيْدِ بْنِ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف قَالَ \" بَعَثَ مُعَاوِيَة إِلَى مَرْوَان - وَهُوَ عَامِله عَلَى الْمَدِينَة - أَنْ يَحْمِل إِلَيْهِ الْمِنْبَر , فَأَمَرَ بِهِ فَقُلِعَ , فَأَظْلَمَتْ الْمَدِينَة , فَخَرَجَ مَرْوَان فَخَطَبَ وَقَالَ : إِنَّمَا أَمَرَنِي أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَنْ أَرْفَعهُ , فَدَعَا نَجَّارًا , وَكَانَ ثَلَاث دَرَجَات فَزَادَ فِيهِ الزِّيَادَة الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا الْيَوْم \" , وَرَوَاهُ مِنْ وَجْه آخَر قَالَ : فَكَسَفَتْ الشَّمْس حَتَّى رَأَيْنَا النُّجُوم وَقَالَ \" فَزَادَ فِيهِ سِتّ دَرَجَات وَقَالَ : إِنَّمَا زِدْت فِيهِ حِين كَثُرَ النَّاس \" قَالَ اِبْن النَّجَّار وَغَيْره : اِسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَا أُصْلِحَ مِنْهُ إِلَى أَنْ اِحْتَرَقَ مَسْجِد الْمَدِينَة سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فَاحْتَرَقَ , ثُمَّ جَدَّدَ الْمُظَفَّر صَاحِب الْيَمَن سَنَة سِتّ وَخَمْسِينَ مِنْبَرًا , ثُمَّ أَرْسَلَ الظَّاهِر بِيبَرْس بَعْد عَشْر سِنِينَ مِنْبَرًا فَأُزِيلَ مِنْبَر الْمُظَفَّر , فَلَمْ يَزَلْ إِلَى هَذَا الْعَصْر فَأَرْسَلَ الْمَلِك الْمُؤَيَّد سَنَة عِشْرِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ مِنْبَرًا جَدِيدًا , وَكَانَ أَرْسَلَ فِي سَنَة ثَمَانِي عَشْرَة مِنْبَرًا جَدِيدًا إِلَى مَكَّة أَيْضًا , شَكَرَ اللَّهُ لَهُ صَالِحَ عَمَلِهِ آمِينَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاء الْغَابَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ أَبِي حَازِم \" مِنْ أَثْلَة الْغَابَة \" كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الصَّلَاة , وَلَا مُغَايَرَة بَيْنهمَا فَإِنَّ الْأَثْل هُوَ الطَّرْفَاء وَقِيلَ يُشْبِه الطَّرْفَاء وَهُوَ أَعْظَم مِنْهُ , وَالْغَابَة بِالْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة مَوْضِع مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَة جِهَة الشَّام , وَهِيَ اِسْم قَرْيَة بِالْبَحْرَيْنِ أَيْضًا , وَأَصْلهَا كُلّ شَجَر مُلْتَفّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَرْسَلَتْ ) ‏ ‏أَيْ الْمَرْأَة تُعْلِم بِأَنَّهُ فَرَغَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ ) ‏ ‏أَنَّثَ لِإِرَادَةِ الْأَعْوَاد وَالدَّرَجَات , فَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْنِ أَبِي حَازِم \" فَعَمِلَ لَهُ هَذَا الدَّرَجَات الثَّلَاث \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهَا ) ‏ ‏أَيْ عَلَى الْأَعْوَاد , وَكَانَتْ صَلَاته عَلَى الدَّرَجَة الْعُلْيَا مِنْ الْمِنْبَر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ‏ ‏( وَكَبَّرَ وَهُوَ عَلَيْهَا ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر الْقِيَام بَعْد الرُّكُوع فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَكَذَا لَمْ يَذْكُر الْقِرَاءَة بَعْد التَّكْبِيرَة , وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ أَبِي حَازِم وَلَفْظه \" كَبَّرَ فَقَرَأَ وَرَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى \" وَالْقَهْقَرَى بِالْقَصْرِ الْمَشْي إِلَى خَلْف. وَالْحَامِل عَلَيْهِ الْمُحَافَظَة عَلَى اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة , وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن سَعْد عَنْ أَبِي حَازِم عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" فَخَطَبَ النَّاس عَلَيْهِ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَكَبَّرَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر \" فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة تَقَدُّم الْخُطْبَة عَلَى الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي أَصْل الْمِنْبَر ) ‏ ‏أَيْ عَلَى الْأَرْض إِلَى جَنْب الدَّرَجَة السُّفْلَى مِنْهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ عَادَ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاته ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلِتَعَلَّمُوا ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام وَفَتْح الْمُثَنَّاة وَتَشْدِيد اللَّام أَيْ لِتَتَعَلَّمُوا , وَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّ الْحِكْمَة فِي صَلَاته فِي أَعْلَى الْمِنْبَر لِيَرَاهُ مَنْ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ رُؤْيَته إِذَا صَلَّى عَلَى الْأَرْض وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا يُخَالِف الْعَادَة أَنْ يُبَيِّن حِكْمَته لِأَصْحَابِهِ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْخُطْبَة عَلَى الْمِنْبَر لِكُلِّ خَطِيب خَلِيفَةً كَانَ أَوْ غَيْره. وَفِيهِ جَوَاز قَصْد تَعْلِيم الْمَأْمُومِينَ أَفْعَال الصَّلَاة بِالْفِعْلِ , وَجَوَاز الْعَمَل الْيَسِير فِي الصَّلَاة , وَكَذَا الْكَثِير إِنْ تَفَرَّقَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ وَكَذَا فِي جَوَاز اِرْتِفَاع الْإِمَام فِي \" بَاب الصَّلَاة فِي السُّطُوح \" وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب اِتِّخَاذ الْمِنْبَر لِكَوْنِهِ أَبْلَغ فِي مُشَاهَدَة الْخَطِيب وَالسَّمَاع مِنْهُ , وَاسْتِحْبَاب الِافْتِتَاح بِالصَّلَاةِ فِي كُلّ شَيْء جَدِيد إِمَّا شُكْرًا وَإِمَّا تَبَرُّكًا. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : إِنْ كَانَ الْخَطِيب هُوَ الْخَلِيفَة فَسُنَّته أَنْ يَخْطُب عَلَى الْمِنْبَر , وَإِنْ كَانَ غَيْره يُخَيَّر بَيْن أَنْ يَقُوم عَلَى الْمِنْبَر أَوْ عَلَى الْأَرْض. وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْن ابْن الْمُنِير بِأَنَّ هَذَا خَارِج عَنْ مَقْصُود التَّرْجَمَة وَلِأَنَّهُ إِخْبَار عَنْ شَيْء أَحْدَثَهُ بَعْض الْخُلَفَاء , فَإِنْ كَانَ مِنْ الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ فَهُوَ سُنَّة مُتَّبَعَة , وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرهمْ فَهُوَ بِالْبِدْعَةِ أَشْبَه مِنْهُ بِالسُّنَّةِ. قُلْتُ : وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ حِكْمَة هَذِهِ التَّرْجَمَة , أَشَارَ بِهَا إِلَى أَنَّ هَذَا التَّفْصِيل غَيْر مُسْتَحَبّ , وَلَعَلَّ مُرَاد مَنْ اِسْتَحَبَّهُ أَنَّ الْأَصْل أَنْ لَا يَرْتَفِع الْإِمَام عَنْ الْمَأْمُومِينَ. وَلَا يَلْزَم مِنْ مَشْرُوعِيَّة ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لِمَنْ وَلِيَ الْخِلَافَة أَنْ يُشْرَع لِمَنْ جَاءَ بَعْدهمْ , وَحُجَّة الْجُمْهُور وُجُود الِاشْتِرَاك فِي وَعْظ السَّامِعِينَ وَتَعْلِيمهمْ بَعْض أُمُور الدِّين , وَاَللَّهُ الْمُوَفِّق. ‏"
    },
    {
        "id": "867",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا وُضِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ ‏ ‏سَمِعْنَا لِلْجِذْعِ مِثْلَ أَصْوَاتِ ‏ ‏الْعِشَارِ ‏ ‏حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ , وَابْن أَنَس هُوَ حَفْص بْن عُبَيْد اللَّه بْن أَنَس كَمَا سَيَأْتِي فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة , وَنُسِبَ فِي هَذِهِ إِلَى جَدّه , قَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" : إِنَّمَا أَبْهَمَ الْبُخَارِيّ حَفْصًا لِأَنَّ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن أَبِي كَثِير يَقُول \" عُبَيْد اللَّه بْن حَفْص \" فَيَقْلِبهُ. قُلْتُ : كَذَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن مِسْكِين عَنْ اِبْن أَبِي مَرْيَم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَحْوَص مُحَمَّد بْن الْهَيْثَم عَنْ اِبْن أَبِي مَرْيَم فَقَالَ \" عَنْ حَفْص بْن عُبَيْد اللَّه \" عَلَى الصَّوَاب , وَقَلَبَهُ أَيْضًا عَبْد اللَّه بْن يَعْقُوب بْن إِسْحَاق عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه وَقَالَ : الصَّوَاب فِيهِ حَفْص بْن عُبَيْد اللَّه. وَفِي تَارِيخ الْبُخَارِيّ \" حَفْص بْن عُبَيْد اللَّه بْن أَنَس , وَقَالَ بَعْضهمْ : عُبَيْد اللَّه بْن حَفْص , وَلَا يَصِحّ عُبَيْد اللَّه \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَصْوَات الْعِشَار ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُعْجَمَة قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْعِشَار جَمْع عُشَرَاء بِالضَّمِّ ثُمَّ الْفَتْح وَهِيَ النَّاقَة الْحَامِل الَّتِي مَضَتْ لَهَا عَشَرَة أَشْهُر وَلَا يَزَال ذَلِكَ اِسْمهَا إِلَى أَنْ تَلِد. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْعِشَار الْحَوَامِل مِنْ الْإِبِل الَّتِي قَارَبَتْ الْوِلَادَة. وَيُقَال : اللَّوَاتِي أَتَى عَلَى حَمْلهنَّ عَشَرَة أَشْهُر , يُقَال نَاقَة عُشَرَاء وَنُوق عِشَار عَلَى غَيْر قِيَاس. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْجِذْع فِي عَلَامَات النُّبُوَّة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سُلَيْمَان عَنْ يَحْيَى أَخْبَرَنِي حَفْص بْن عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏أَمَّا سُلَيْمَان فَهُوَ اِبْن بِلَال , وَأَمَّا يَحْيَى فَهُوَ اِبْن سَعِيد , وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّف فِي عَلَامَات النُّبُوَّة بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ سُلَيْمَان بْن كَثِير لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد , لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ سُلَيْمَان بْن كَثِير قَالَ فِيهِ عَنْ يَحْيَى عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ جَابِر كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير عَنْ أَخِيهِ سُلَيْمَان , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلِيَحْيَى بْن سَعِيد فِيهِ شَيْخَانِ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "868",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَخْطُب عَلَى الْمِنْبَر ) ‏ ‏هَذَا الْقَدْر هُوَ الْمَقْصُود إِيرَاده فِي هَذَا الْبَاب , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الْمَتْن فِي \" بَاب فَضْل الْغُسْل يَوْم الْجُمُعَة \" وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ لِلْخَطِيبِ تَعْلِيمَ الْأَحْكَام عَلَى الْمِنْبَر. ‏"
    },
    {
        "id": "869",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ كَمَا تَفْعَلُونَ الْآنَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "870",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "871",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْحَسَنَ ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ ‏ ‏سَبْيٍ ‏ ‏فَقَسَمَهُ فَأَعْطَى رِجَالًا وَتَرَكَ رِجَالًا فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَوَاللَّهِ ‏ ‏إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَأَدَعُ الرَّجُلَ وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الَّذِي أُعْطِي وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ ‏ ‏الْجَزَعِ ‏ ‏وَالْهَلَعِ ‏ ‏وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْغِنَى وَالْخَيْرِ فِيهِمْ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ ‏ ‏فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حُمْرَ النَّعَمِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏يُونُسُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "872",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّوْا مَعَهُ فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏يُونُسُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد ; وَقَدْ وَصَلَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقه بِتَمَامِهِ , وَكَلَام الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" يَدُلّ عَلَى أَنَّ يُونُس إِنَّمَا تَابَعَ شُعَيْبًا فِي \" أَمَّا بَعْد \" فَقَطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "873",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَامَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏وَأَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَّا بَعْدُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏الْعَدَنِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏فِي ‏ ‏أَمَّا بَعْدُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "874",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ ‏ ‏أَمَّا بَعْدُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏الزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيّ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَد الشَّامِيِّينَ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن سَالِم الْحِمْصِيّ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ الزُّهْرِيِّ ‏ ‏بِتَمَامِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "875",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ الْغَسِيلِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَعِدَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمِنْبَرَ وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ مُتَعَطِّفًا مِلْحَفَةً عَلَى مَنْكِبَيْهِ قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ ‏ ‏بِعِصَابَةٍ ‏ ‏دَسِمَةٍ ‏ ‏فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِلَيَّ ‏ ‏فَثَابُوا ‏ ‏إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ ‏ ‏فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏يَقِلُّونَ وَيَكْثُرُ النَّاسُ فَمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمَّةِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَضُرَّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعَ فِيهِ أَحَدًا فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ ‏ ‏مُسِيِّهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ قَالَ \" صَعِدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَر وَكَانَ - أَيْ صُعُوده - آخِر مَجْلِس جَلَسَهُ \" ‏ ‏الْحَدِيث وَفِيهِ ‏ ‏\" فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ \" ‏ ‏وَفِيهِ ‏ ‏\" ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْد \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي فِي فَضَائِل الْأَنْصَار بِتَمَامِهِ , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي الْبَاب مِمَّا لَمْ يَذْكُرهُ عَنْ عَائِشَة فِي قِصَّة الْإِفْك , وَعَنْ أَبِي سُفْيَان فِي الْكِتَاب إِلَى هِرَقْل مُتَّفَق عَلَيْهِمَا , وَعَنْ جَابِر قَالَ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ اِحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْته \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَيَقُول : أَمَّا بَعْد فَإِنَّ خَيْر الْحَدِيث كِتَاب اللَّه \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَفِي رِوَايَة لَهُ عَنْهُ \" كَانَ خُطْبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْجُمُعَة يَحْمَد اللَّه وَيُثْنِي عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُول عَلَى أَثَر ذَلِكَ وَقَدْ عَلَا صَوْته \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" يَقُول : أَمَّا بَعْد , فَإِنَّ خَيْر الْحَدِيث كِتَاب اللَّه \" وَهَذَا أَلْيَق بِمُرَادِ الْمُصَنِّف لِلتَّنْصِيصِ فِيهِ عَلَى الْجُمُعَة , لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطه كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّ \" أَمَّا بَعْد \" لَا تَخْتَصّ بِالْخُطَبِ , بَلْ تُقَال أَيْضًا فِي صُدُور الرَّسَائِل وَالْمُصَنَّفَات , وَلَا اِقْتِصَار عَلَيْهَا فِي إِرَادَة الْفَصْل بَيْن الْكَلَامَيْنِ , بَلْ وَرَدَ فِي الْقُرْآن فِي ذَلِكَ لَفْظ \" هَذَا وَإِنَّ \" وَقَدْ كَثُرَ اِسْتِعْمَال الْمُصَنِّفِينَ لَهَا بِلَفْظِ \" وَبَعْد \" وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّرَ بِهَا كَلَامه فَيَقُول فِي أَوَّل الْكِتَاب \" أَمَّا بَعْد حَمْد اللَّه فَإِنَّ الْأَمْر \" كَذَا وَلَا حَجْر فِي ذَلِكَ. وَقَدْ تَتَبَّعَ طُرُق الْأَحَادِيث الَّتِي وَقَعَ فِيهَا \" أَمَّا بَعْد \" الْحَافِظ عَبْد الْقَادِر الرَّهَاوِيّ فِي خُطْبَة الْأَرْبَعِينَ الْمُتَبَايِنَة لَهُ فَأَخْرَجَهُ عَنْ اِثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ صَحَابِيًّا. مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَة \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ خُطْبَة قَالَ : أَمَّا بَعْد \" وَرِجَاله ثِقَات , وَظَاهِره الْمُوَاظَبَة عَلَى ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "876",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَخْطُب خُطْبَتَيْنِ يَقْعُد بَيْنهمَا ) ‏ ‏مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبهُمَا قَائِمًا , وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة خَالِد بْن الْحَارِث الْمُتَقَدِّمَة قَبْلُ بِبَابَيْنِ وَلَفْظه \" كَانَ يَخْطُب قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُد ثُمَّ يَقُوم \" وَلِلنَّسَائِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" كَانَ يَخْطُب خُطْبَتَيْنِ قَائِمًا يَفْصِل بَيْنهمَا بِجُلُوسٍ \" وَغَفَلَ صَاحِب الْعُمْدَة فَعَزَا هَذَا اللَّفْظ لِلصَّحِيحَيْنِ , وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ \" كَانَ يَخْطُب خُطْبَتَيْنِ : كَانَ يَجْلِس إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَر حَتَّى يَفْرُغ الْمُؤَذِّن , ثُمَّ يَقُوم فَيَخْطُب , ثُمَّ يَجْلِس فَلَا يَتَكَلَّم , ثُمَّ يَقُوم فَيَخْطُب \" وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا أَنَّ حَال الْجُلُوس بَيْن الْخُطْبَتَيْنِ لَا كَلَام فِيهِ , لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ نَفْي أَنْ يَذْكُر اللَّه أَوْ يَدْعُوهُ سِرًّا. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيّ فِي إِيجَاب الْجُلُوس بَيْن الْخُطْبَتَيْنِ لِمُوَاظَبَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ قَوْلُهُ \" صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي \". قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يَتَوَقَّف ذَلِكَ عَلَى ثُبُوت أَنَّ إِقَامَة الْخُطْبَتَيْنِ دَاخِل تَحْت كَيْفِيَّة الصَّلَاة , وَإِلَّا فَهُوَ اِسْتِدْلَال بِمُجَرَّدِ الْفِعْل. وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيّ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَحْكِيّ عَنْ مَالِك أَيْضًا فِي رِوَايَة , وَهُوَ الْمَشْهُور عَنْ أَحْمَد نَقَلَهُ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ , وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِرِ أَنَّ بَعْض الْعُلَمَاء عَارَضَ الشَّافِعِيّ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاظَبَ عَلَى الْجُلُوس قَبْل الْخُطْبَة الْأُولَى , فَإِنْ كَانَتْ مُوَاظَبَته دَلِيلًا عَلَى شَرْطِيَّة الْجِلْسَة الْوُسْطَى فَلْتَكُنْ دَلِيلًا عَلَى شَرْطِيَّة الْجِلْسَة الْأُولَى , وَهَذَا مُتَعَقَّب بِأَنَّ جُلّ الرِّوَايَات عَنْ اِبْنِ عُمَر لَيْسَتْ فِيهَا هَذِهِ الْجِلْسَة الْأُولَى وَهِيَ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه الْعُمَرِيّ الْمُضَعَّف فَلَمْ تَثْبُت الْمُوَاظَبَة عَلَيْهَا , بِخِلَافِ الَّتِي بَيْن الْخُطْبَتَيْنِ. وَقَالَ صَاحِب \" الْمُغْنِي \" : لَمْ يُوجِبهَا أَكْثَر أَهْل الْعِلْم لِأَنَّهَا جِلْسَة لَيْسَ فِيهَا ذِكْر مَشْرُوع فَلَمْ تَجِب , وَقَدَّرَهَا مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهَا بِقَدْرِ جِلْسَة الِاسْتِرَاحَة وَبِقَدْرِ مَا يَقْرَأ سُورَة الْإِخْلَاص. وَاخْتُلِفَ فِي حِكْمَتهَا فَقِيلَ : لِلْفَصْلِ بَيْن الْخُطْبَتَيْنِ , وَقِيلَ لِلرَّاحَةِ وَعَلَى الْأَوَّل - وَهُوَ الْأَظْهَر - يَكْفِي السُّكُوت بِقَدْرِهَا , وَيَظْهَر أَثَر الْخِلَاف أَيْضًا فِيمَنْ خَطَبَ قَاعِدًا لِعَجْزِهِ عَنْ الْقِيَام. وَقَدْ أَلْزَمَ الطَّحَاوِيُّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْجُلُوس بَيْن الْخُطْبَتَيْنِ أَنْ يُوجِب الْقِيَام فِي الْخُطْبَتَيْنِ , لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اِقْتَصَرَ عَلَى فِعْل شَيْء وَاحِد. وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْن ابْن الْمُنِير. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏"
    },
    {
        "id": "877",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ وَمَثَلُ ‏ ‏الْمُهَجِّرِ ‏ ‏كَمَثَلِ الَّذِي ‏ ‏يُهْدِي ‏ ‏بَدَنَةً ‏ ‏ثُمَّ كَالَّذِي ‏ ‏يُهْدِي ‏ ‏بَقَرَةً ثُمَّ كَبْشًا ثُمَّ دَجَاجَةً ثُمَّ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ ‏ ‏طَوَوْا ‏ ‏صُحُفَهُمْ وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "878",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ قَالَ لَا قَالَ ‏ ‏قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏صَرَّحَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه بِسَمَاعِ عَمْرٍو لَهُ مِنْ جَابِر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( جَاءَ رَجُل ) ‏ ‏هُوَ سُلَيْك بِمُهْمَلَةٍ مُصَغَّرًا اِبْن هُدْبَة وَقِيلَ اِبْن عَمْرو الْغَطَفَانِيّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة ثُمَّ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا فَاء مِنْ غَطَفَان بْن سَعْد بْن قَيْس عَيْلَان , وَوَقَعَ مُسَمًّى فِي هَذِهِ الْقِصَّة عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اللَّيْث بْن سَعْد عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر بِلَفْظِ \" جَاءَ سُلَيْك الْغَطَفَانِيّ يَوْم الْجُمُعَة وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِم عَلَى الْمِنْبَر , فَقَعَدَ سُلَيْك قَبْل أَنْ يُصَلِّي , فَقَالَ لَهُ : أَصَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ ؟ فَقَالَ : لَا. فَقَالَ : قُمْ فَارْكَعْهُمَا \" وَمِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر نَحْوه وَفِيهِ \" فَقَالَ لَهُ : يَا سُلَيْك , قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا \" هَكَذَا رَوَاهُ حُفَّاظ أَصْحَاب الْأَعْمَش عَنْهُ , وَوَافَقَهُ الْوَلِيد أَبُو بِشْر عَنْ أَبِي سُفْيَان عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيّ , وَشَذَّ مَنْصُور بْن أَبِي الْأَسْوَد عَنْ الْأَعْمَش بِهَذَا الْإِسْنَاد فَقَالَ \" جَاءَ النُّعْمَان بْن نَوْفَل \" فَذَكَرَ الْحَدِيث أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ , قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيَُّ : وَهُمْ فِيهِ مَنْصُور يَعْنِي فِي تَسْمِيَة الْآتِي , وَقَدْ رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق حَفْص بْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش قَالَ : سَمِعْت أَبَا صَالِح يُحَدِّث بِحَدِيثِ سُلَيْك الْغَطَفَانِيّ , ثُمَّ سَمِعْت أَبَا سُفْيَان يُحَدِّث بِهِ عَنْ جَابِر , فَتَحَرَّرَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة لِسُلَيْك. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي ذَرّ \" أَنَّهُ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُب فَقَالَ لِأَبِي ذَرّ : صَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ ؟ قَالَ : لَا \" الْحَدِيث , وَفِي إِسْنَاده اِبْن لَهِيعَة , وَشَذَّ بِقَوْلِهِ \" وَهُوَ يَخْطُب \" فَإِنَّ الْحَدِيث مَشْهُور عَنْ أَبِي ذَرّ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِس فِي الْمَسْجِد , أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان وَغَيْره. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ \" دَخَلَ رَجُل مِنْ قَيْس الْمَسْجِد \" فَذَكَرَ نَحْو قِصَّة سُلَيْك , فَلَا يُخَالِف كَوْنه سُلَيْكًا فَإِنَّ غَطَفَان مِنْ قَيْس كَمَا تَقَدَّمَ , وَإِنْ كَانَ بَعْض شُيُوخنَا غَايَرَ بَيْنهمَا وَجَوَّزَ أَنْ تَكُون الْوَاقِعَة تَعَدَّدَتْ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّن لِي ذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْأَعْمَش اِخْتِلَافًا آخَر رَوَاهُ الثَّوْرِيّ عَنْهُ عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر عَنْ سُلَيْك فَجَعَلَ الْحَدِيث مِنْ مُسْنَد سُلَيْك , قَالَ اِبْن عَدِيّ : لَا أَعْلَم أَحَدًا قَالَهُ عَنْ الثَّوْرِيّ هَكَذَا غَيْر الْفِرْيَابِيّ وَإِبْرَاهِيم بْن خَالِد ا ه. وَقَدْ قَالَهُ عَنْهُ أَيْضًا عَبْد الرَّزَّاق , أَخْرَجَهُ هَكَذَا فِي مُصَنَّفه وَأَحْمَد عَنْهُ وَأَبُو عَوَانَة وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقه , وَنَقَلَ اِبْن عَدِيّ عَنْ النَّسَائِيِّ أَنَّهُ قَالَ : هَذَا خَطَأ ا ه. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ مَا عَنَى أَنَّ جَابِرًا حَمَلَ الْقِصَّة عَنْ سُلَيْك , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ جَابِرًا حَدَّثَهُمْ عَنْ قِصَّة سُلَيْك , وَلِهَذَا نَظِير سَأَذْكُرُهُ فِي حَدِيث أَبِي مَسْعُود فِي قِصَّة أَبِي شُعَيْب اللَّحَّام فِي كِتَاب الْبُيُوع إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَمِنْ الْمُسْتَغْرَبَات مَا حَكَاهُ اِبْن بَشْكُوَال فِي الْمُبْهَمَات أَنَّ الدَّاخِل الْمَذْكُور يُقَال لَهُ أَبُو هَدِيَّة , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهَا كُنْيَة سُلَيْك صَادَفَتْ اِسْم أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَ صَلَّيْت ؟ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ هَمْزَة الِاسْتِفْهَام وَثَبَتَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قُمْ فَارْكَعْ ) ‏ ‏زَادَ الْمُسْتَمْلِي وَالْأَصِيلِيّ \" رَكْعَتَيْنِ \" وَكَذَا فِي رِوَايَة سُفْيَان فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده \" فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ \" , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَة لَا تَمْنَع الدَّاخِل مِنْ صَلَاة تَحِيَّة الْمَسْجِد , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا وَاقِعَة عَيْن لَا عُمُوم لَهَا فَيَحْتَمِل اِخْتِصَاصهَا بِسُلَيْك , وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الَّذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن وَغَيْرهمْ \" جَاءَ رَجُل وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب وَالرَّجُل فِي هَيْئَة بَذَّة , فَقَالَ لَهُ : أَصَلَّيْت ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : صَلِّ رَكْعَتَيْنِ , وَحَضَّ النَّاس عَلَى الصَّدَقَة \" الْحَدِيث فَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّي لِيَرَاهُ بَعْض النَّاس وَهُوَ قَائِم فَيَتَصَدَّق عَلَيْهِ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيث عِنْد أَحْمَد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" إِنَّ هَذَا الرَّجُل دَخَلَ الْمَسْجِد فِي هَيْئَة بَذَّة فَأَمَرْته أَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَفْطِن لَهُ رَجُل فَيَتَصَدَّق عَلَيْهِ \" وَعُرِفَ بِهَذِهِ الرِّوَايَة الرَّدّ عَلَى مَنْ طَعَنَ فِي هَذَا التَّأْوِيل فَقَالَ : لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ لَهُمْ : إِذَا رَأَيْتُمْ ذَا بَذَّة فَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ , أَوْ إِذَا كَانَ أَحَد ذَا بَذَّة فَلْيَقُمْ فَلْيَرْكَعْ حَتَّى يَتَصَدَّق النَّاس عَلَيْهِ. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَنِي فِي مِثْل هَذَا بِالْإِجْمَالِ دُون التَّفْصِيل كَمَا كَانَ يَصْنَع عِنْد الْمُعَاتَبَة , وَمِمَّا يُضْعِف الِاسْتِدْلَال بِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَاز التَّحِيَّة فِي تِلْكَ الْحَال أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا أَنَّ التَّحِيَّة تَفُوت بِالْجُلُوسِ , وَوَرَدَ أَيْضًا مَا يُؤَكِّد الْخُصُوصِيَّة وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسُلَيْك فِي آخِر الْحَدِيث \" لَا تَعُودَنَّ لِمِثْلِ هَذَا \" أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان , اِنْتَهَى مَا اِعْتَلَّ بِهِ مَنْ طَعَنَ فِي الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْقِصَّة عَلَى جَوَاز التَّحِيَّة , وَكُلّه مَرْدُود , لِأَنَّ الْأَصْل عَدَم الْخُصُوصِيَّة. وَالتَّعْلِيل بِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَدَ التَّصَدُّق عَلَيْهِ لَا يَمْنَع الْقَوْل بِجَوَازِ التَّحِيَّة , فَإِنَّ الْمَانِعِينَ مِنْهَا لَا يُجِيزُونَ التَّطَوُّع لِعِلَّةِ التَّصَدُّق , قَالَ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة : لَوْ سَاغَ ذَلِكَ لَسَاغَ مِثْله فِي التَّطَوُّع عِنْد طُلُوع الشَّمْس وَسَائِر الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة وَلَا قَائِل بِهِ , وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ أَمْره بِالصَّلَاةِ لَمْ يَنْحَصِر فِي قَصْد التَّصَدُّق مُعَاوَدَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ أَيْضًا فِي الْجُمُعَة الثَّانِيَة بَعْد أَنْ حَصَلَ لَهُ فِي الْجُمُعَة الْأُولَى ثَوْبَيْنِ فَدَخَلَ بِهِمَا فِي الثَّانِيَة فَتَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا فَنَهَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد أَيْضًا , وَلِأَحْمَد وَابْن حِبَّان أَنَّهُ كَرَّرَ أَمْره بِالصَّلَاةِ ثَلَاث مَرَّات فِي ثَلَاث جُمَع , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَصْد التَّصَدُّق عَلَيْهِ جُزْء عِلَّة لَا عِلَّة كَامِلَة. وَأَمَّا إِطْلَاق مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ التَّحِيَّة تَفُوت بِالْجُلُوسِ فَقَدْ حَكَى النَّوَوِيّ فِي شَرْح مُسْلِم عَنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ ذَلِكَ فِي حَقّ الْعَامِد الْعَالِم , أَمَّا الْجَاهِل أَوْ النَّاسِي فَلَا , وَحَال هَذَا الدَّاخِل مَحْمُولَة فِي الْأُولَى عَلَى أَحَدهمَا وَفِي الْمَرَّتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ عَلَى النِّسْيَان , وَالْحَامِل لِلْمَانِعِينَ عَلَى التَّأْوِيل الْمَذْكُور أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ ظَاهِره مُعَارِض لِلْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ وَالِاسْتِمَاع لِلْخُطْبَةِ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : عَارَضَ قِصَّة سُلَيْك مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِذَا قُلْتُ لِصَاحِبِك أَنْصِتْ وَالْإِمَام يَخْطُب يَوْم الْجُمُعَة فَقَدْ لَغَوْت \" مُتَّفَق عَلَيْهِ , قَالَ : فَإِذَا اِمْتَنَعَ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ أَمْر اللَّاغِي بِالْإِنْصَاتِ مَعَ قِصَر زَمَنه فَمَنْع التَّشَاغُل بِالتَّحِيَّةِ مَعَ طُول زَمَنهَا أَوْلَى. وَعَارَضُوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُب لِلَّذِي دَخَلَ يَتَخَطَّى رِقَاب النَّاس \" اِجْلِسْ فَقَدْ آذَيْت \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بِشْر , قَالُوا : فَأَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ وَلَمْ يَأْمُرهُ بِالتَّحِيَّةِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" إِذَا دَخَلَ أَحَدكُمْ وَالْإِمَام عَلَى الْمِنْبَر فَلَا صَلَاة وَلَا كَلَام حَتَّى يَفْرُغ الْإِمَام \" وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ كُلّه أَنَّ الْمُعَارَضَة الَّتِي تَئُول إِلَى إِسْقَاط أَحَد الدَّلِيلَيْنِ إِنَّمَا يُعْمَل بِهَا عِنْد تَعَذُّر الْجَمْع , وَالْجَمْع هُنَا مُمْكِن أَمَّا الْآيَة فَلَيْسَتْ الْخُطْبَة كُلّهَا قُرْآنًا , وَأَمَّا مَا فِيهَا مِنْ الْقُرْآن فَالْجَوَاب عَنْهُ كَالْجَوَابِ عَنْ الْحَدِيث وَهُوَ تَخْصِيص عُمُومه بِالدَّاخِلِ , وَأَيْضًا فَمُصَلِّي التَّحِيَّة يَجُوز أَنْ يُطْلَق عَلَيْهِ أَنَّهُ مُنْصِت , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي اِفْتِتَاح الصَّلَاة مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ قَالَ \" يَا رَسُول اللَّه سُكُوتك بَيْن التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة مَا تَقُول فِيهِ ؟ \" فَأَطْلَقَ عَلَى الْقَوْل : سِرًّا السُّكُوت , وَأَمَّا حَدِيث اِبْن بِشْر فَهُوَ أَيْضًا وَاقِعَة عَيْن لَا عُمُوم فِيهَا , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَرْك أَمْره بِالتَّحِيَّةِ قَبْل مَشْرُوعِيَّتهَا , وَقَدْ عَارَضَ بَعْضهمْ فِي قِصَّة سُلَيْك بِمِثْلِ ذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنْ يَكُون قَوْلُهُ لَهُ \" اِجْلِسْ \" أَيْ بِشَرْطِهِ , وَقَدْ عُرِفَ قَوْلُهُ لِلدَّاخِلِ \" فَلَا تَجْلِس حَتَّى تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ \" فَمَعْنَى قَوْلُهُ اِجْلِسْ أَيْ لَا تَتَخَطَّ , أَوْ تَرَكَ أَمْره بِالتَّحِيَّةِ لِبَيَانِ الْجَوَاز فَإِنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَة , أَوْ لِكَوْنِ دُخُوله وَقَعَ فِي أَوَاخِر الْخُطْبَة بِحَيْثُ ضَاقَ الْوَقْت عَنْ التَّحِيَّة , وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى اِسْتِثْنَاء هَذِهِ الصُّورَة. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَلَّى التَّحِيَّة فِي مُؤَخَّر الْمَسْجِد ثُمَّ تَقَدَّمَ لِيَقْرَب مِنْ سَمَاع الْخُطْبَة فَوَقَعَ مِنْهُ التَّخَطِّي فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ. ‏ ‏وَالْجَوَاب عَنْ حَدِيث اِبْن عُمَر بِأَنَّهُ ضَعِيف فِيهِ أَيُّوب بْن نَهِيك وَهُوَ مُنْكَر الْحَدِيث , قَالَهُ أَبُو زُرْعَة وَأَبُو حَاتِم الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة لَا تُعَارَض بِمِثْلِهِ. وَأَمَّا قِصَّة سُلَيْك فَقَدْ ذَكَرَ التِّرْمِذِيّ أَنَّهَا أَصَحّ شَيْء رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب وَأَقْوَى , وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ أَيْضًا بِأَجْوِبَةٍ غَيْر مَا تَقَدَّمَ , اِجْتَمَعَ لَنَا مِنْهَا زِيَادَة عَلَى عَشَرَة أَوْرَدْتهَا مُلَخَّصَة مَعَ الْجَوَاب عَنْهَا لِتُسْتَفَادَ : ‏ ‏( الْأَوَّل ) قَالُوا : إِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَاطَبَ سُلَيْكًا سَكَتَ عَنْ خُطْبَته حَتَّى فَرَغَ سُلَيْك مِنْ صَلَاته , فَعَلَى هَذَا فَقَدْ جَمَعَ سُلَيْك بَيْن سَمَاع الْخُطْبَة وَصَلَاة التَّحِيَّة , فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّة لِمَنْ أَجَازَ التَّحِيَّة وَالْخَطِيب يَخْطُب , وَالْجَوَاب أَنَّ الدَّارَقُطْنِيّ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيث أَنَس قَدْ ضَعَّفَهُ وَقَالَ : إِنَّ الصَّوَاب أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ مُرْسَلًا أَوْ مُعْضَلًا , وَقَدْ تَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة بِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَمْ يَسُغْ عَلَى قَاعِدَتهمْ , لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم جَوَاز قَطْع الْخُطْبَة لِأَجْلِ الدَّاخِل , وَالْعَمَل عِنْدهمْ لَا يَجُوز قَطْعه بَعْد الشُّرُوع فِيهِ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ وَاجِبًا. ‏ ‏( الثَّانِي ) قِيلَ : لَمَّا تَشَاغَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُخَاطَبَةِ سُلَيْك سَقَطَ فَرْض الِاسْتِمَاع عَنْهُ , إِذْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ حِينَئِذٍ خُطْبَة لِأَجْلِ تِلْكَ الْمُخَاطَبَة , قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ وَادَّعَى أَنَّهُ أَقْوَى الْأَجْوِبَة. ‏ ‏وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مِنْ أَضْعَفهَا لِأَنَّ الْمُخَاطَبَة لَمَّا اِنْقَضَتْ رَجَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خُطْبَته , وَتَشَاغَلَ سُلَيْك بِامْتِثَالِ مَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ الصَّلَاة , فَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى فِي حَال الْخُطْبَة. ‏ ‏( الثَّالِث ) : قِيلَ كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّة قَبْل شُرُوعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخُطْبَة , وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَة اللَّيْث عِنْد مُسْلِم \" وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِد عَلَى الْمِنْبَر \" وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقُعُود عَلَى الْمِنْبَر لَا يَخْتَصّ بِالِابْتِدَاءِ , بَلْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون بَيْن الْخُطْبَتَيْنِ أَيْضًا , فَيَكُون كَلَّمَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ قَاعِد , فَلَمَّا قَامَ لِيُصَلِّيَ قَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْخُطْبَةِ لِأَنَّ زَمَن الْقُعُود بَيْن الْخُطْبَتَيْنِ لَا يَطُول. وَيَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يَكُون الرَّاوِي تَجَوَّزَ فِي قَوْلُهُ \" قَاعِد \" لِأَنَّ الرِّوَايَات الصَّحِيحَة كُلّهَا مُطْبِقَة عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب. ‏ ‏( الرَّابِع ) قِيلَ : كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّة قَبْل تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سُلَيْكًا مُتَأَخِّر الْإِسْلَام جِدًّا وَتَحْرِيم الْكَلَام مُتَقَدِّم جِدًّا كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه فِي أَوَاخِر الصَّلَاة , فَكَيْف يُدَّعَى نَسْخ الْمُتَأَخِّر بِالْمُتَقَدِّمِ مَعَ أَنَّ النَّسْخ لَا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ , وَقِيلَ : كَانَتْ قَبْل الْأَمْر بِالْإِنْصَاتِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَاب عَنْهُ , وَعُورِضَ هَذَا الِاحْتِمَال بِمِثْلِهِ فِي الْحَدِيث الَّذِي اِسْتَدَلُّوا بِهِ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ اِبْنِ عُمَر \" إِذَا خَرَجَ الْإِمَام فَلَا صَلَاة وَلَا كَلَام \" لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَبْل الْأَمْر بِصَلَاةِ التَّحِيَّة , وَالْأَوْلَى فِي هَذَا أَنْ يُقَال عَلَى تَقْدِير تَسْلِيم ثُبُوت رَفْعه : يُخَصّ عُمُومه بِحَدِيثِ الْأَمْر بِالتَّحِيَّةِ خَاصَّة كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏( الْخَامِس ) قِيلَ : اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْع الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة يَسْتَوِي فِيهِ مَنْ كَانَ دَاخِل الْمَسْجِد أَوْ خَارِجه , وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ دَاخِل الْمَسْجِد يَمْتَنِع عَلَيْهِ التَّنَفُّل حَال الْخُطْبَة فَلْيَكُنْ الْآتِي كَذَلِكَ قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قِيَاس فِي مُقَابَلَة النَّصّ فَهُوَ فَاسِد , وَمَا نَقَلَهُ مِنْ الِاتِّفَاق وَافَقَهُ عَلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْره , وَقَدْ شَذَّ بَعْض الشَّافِعِيَّة فَقَالَ : يَنْبَنِي عَلَى وُجُوب الْإِنْصَات , فَإِنْ قُلْنَا بِهِ اِمْتَنَعَ التَّنَفُّل وَإِلَّا فَلَا. ‏ ‏( السَّادِس ) قِيلَ : اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الدَّاخِل وَالْإِمَامُ فِي الصَّلَاة تَسْقُط عَنْهُ التَّحِيَّة , وَلَا شَكّ أَنَّ الْخُطْبَة صَلَاة فَتَسْقُط عَنْهُ فِيهَا أَيْضًا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْخُطْبَة لَيْسَتْ صَلَاة مِنْ كُلّ وَجْه وَالْفَرْق بَيْنهمَا ظَاهِر مِنْ وُجُوه كَثِيرَة , وَالدَّاخِل فِي حَال الْخُطْبَة مَأْمُور بِشَغْلِ الْبُقْعَة بِالصَّلَاةِ قَبْل جُلُوسه , بِخِلَافِ الدَّاخِل فِي حَال الصَّلَاة فَإِنَّ إِتْيَانه بِالصَّلَاةِ الَّتِي أُقِيمَتْ يُحَصِّل الْمَقْصُود , هَذَا مَعَ تَفْرِيق الشَّارِع بَيْنهمَا فَقَالَ \" إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة \" وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه \" فَلَا صَلَاة إِلَّا الَّتِي أُقِيمَتْ \" وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي حَال الْخُطْبَة بَلْ أَمَرَهُمْ فِيهَا بِالصَّلَاةِ. ‏ ‏( السَّابِع ) قِيلَ : اِتَّفَقُوا عَلَى سُقُوط التَّحِيَّة عَنْ الْإِمَام مَعَ كَوْنه يَجْلِس عَلَى الْمِنْبَر مَعَ أَنَّ لَهُ اِبْتِدَاء الْكَلَام فِي الْخُطْبَة دُون الْمَأْمُوم , فَيَكُون تَرْك الْمَأْمُوم التَّحِيَّة بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ أَيْضًا قِيَاس فِي مُقَابَلَة النَّصّ فَهُوَ فَاسِد , وَلِأَنَّ الْأَمْر وَقَعَ مُقَيَّدًا بِحَالِ الْخُطْبَة فَلَمْ يَتَنَاوَل الْخَطِيب. ‏ ‏وَقَالَ الزَّيْن ابْن الْمُنِير : مَنْع الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ شَهِدَ الْخُطْبَة لَا لِمَنْ خَطَبَ , فَكَذَلِكَ الْأَمْر بِالْإِنْصَاتِ وَاسْتِمَاع الْخُطْبَة. ‏ ‏( الثَّامِن ) قِيلَ : لَا نُسَلِّم أَنَّ الْمُرَاد بِالرَّكْعَتَيْنِ الْمَأْمُور بِهِمَا تَحِيَّة الْمَسْجِد , بَلْ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون صَلَاة فَائِتَة كَالصُّبْحِ مَثَلًا قَالَهُ بَعْض الْحَنَفِيَّة وَقَوَّاهُ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة وَقَالَ : لَعَلَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ كُشِفَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا اِسْتَفْهَمَهُ مُلَاطَفَة لَهُ فِي الْخِطَاب , قَالَ : وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد بِالصَّلَاةِ التَّحِيَّة لَمْ يَحْتَجْ إِلَى اِسْتِفْهَامه لِأَنَّهُ قَدْ رَآهُ لَمَّا دَخَلَ. وَقَدْ تَوَلَّى رَدّه اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه فَقَالَ : لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَكَرَّر أَمْره لَهُ بِذَلِكَ مَرَّة بَعْد أُخْرَى. وَمِنْ هَذِهِ الْمَادَّة قَوْلُهُمْ : إِنَّمَا أَمَرَهُ بِسُنَّةِ الْجُمُعَة الَّتِي قَبْلهَا , وَمُسْتَنَدهمْ قَوْلُهُ فِي قِصَّة سُلَيْك عِنْد اِبْن مَاجَهْ \" أَصَلَّيْت قَبْل أَنْ تَجِيء \" لِأَنَّ ظَاهِره قَبْل أَنْ تَجِيء مِنْ الْبَيْت , وَلِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ كَانَ صَلَّى فِي الْبَيْت قَبْل أَنْ يَجِيء فَلَا يُصَلِّي إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِد. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَانِع مِنْ صَلَاة التَّحِيَّة لَا يُجِيز التَّنَفُّل حَال الْخُطْبَة مُطْلَقًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَى قَبْل أَنْ تَجِيء أَيْ إِلَى الْمَوْضِع الَّذِي أَنْتَ بِهِ الْآن وَفَائِدَة الِاسْتِفْهَام اِحْتِمَال أَنْ يَكُون صَلَّاهَا فِي مُؤَخَّر الْمَسْجِد ثُمَّ تَقَدَّمَ لِيَقْرَب مِنْ سَمَاع الْخُطْبَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّة الَّذِي تَخَطَّى , وَيُؤَكِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" أَصَلَّيْت الرَّكْعَتَيْنِ \" بِالْأَلِفِ وَاللَّام وَهُوَ لِلْعَهْدِ وَلَا عَهْد هُنَاكَ أَقْرَب مِنْ تَحِيَّة الْمَسْجِد. وَأَمَّا سُنَّة الْجُمُعَة الَّتِي قَبْلهَا فَلَمْ يَثْبُت فِيهَا شَيْء كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابه. ‏ ‏( التَّاسِع ) قِيلَ : لَا نُسَلِّم أَنَّ الْخُطْبَة الْمَذْكُورَة كَانَتْ لِلْجُمُعَةِ , وَيَدُلّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ لِغَيْرِهَا قَوْلُهُ لِلدَّاخِلِ \" أَصَلَّيْت \" لِأَنَّ وَقْت الصَّلَاة لَمْ يَكُنْ دَخَلَ ا ه. وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الِاسْتِفْهَام وَقَعَ عَنْ صَلَاة الْفَرْض فَيَحْتَاج إِلَى ثُبُوت ذَلِكَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَاب وَفِي الَّذِي بَعْده أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم الْجُمُعَة فَهُوَ ظَاهِر فِي أَنَّ الْخُطْبَة كَانَتْ لِصَلَاةِ الْجُمُعَة. ‏ ‏( الْعَاشِر ) قَالَ جَمَاعَة مِنْهُمْ الْقُرْطُبِيّ : أَقْوَى مَا اِعْتَمَدَهُ الْمَالِكِيَّة فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة عَمَل أَهْل الْمَدِينَة خَلَفًا عَنْ سَلَف مِنْ لَدُنْ الصَّحَابَة إِلَى عَهْد مَالِك أَنَّ التَّنَفُّل فِي حَال الْخُطْبَة مَمْنُوع مُطْلَقًا , وَتُعُقِّبَ بِمَنْعِ اِتِّفَاق أَهْل الْمَدِينَة عَلَى ذَلِكَ , فَقَدْ ثَبَتَ فِعْل التَّحِيَّة عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ وَهُوَ مِنْ فُقَهَاء الصَّحَابَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة وَحَمَلَهُ عَنْهُ أَصْحَابه مِنْ أَهْل الْمَدِينَة أَيْضًا , فَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَاهُ عَنْ عِيَاض بْن أَبِي سَرْح \" أَنَّ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيَّ دَخَلَ وَمَرْوَان يَخْطُب فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ , فَأَرَادَ حَرَس مَرْوَان أَنْ يَمْنَعُوهُ فَأَبَى حَتَّى صَلَّاهُمَا ثُمَّ قَالَ : مَا كُنْت لِأَدَعهُمَا بَعْد أَنْ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُر بِهِمَا \" اِنْتَهَى. وَلَمْ يَثْبُت عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة صَرِيحًا مَا يُخَالِف ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ اِبْن بَطَّال عَنْ عُمَر وَعُثْمَان وَغَيْر وَاحِد مِنْ الصَّحَابَة مِنْ الْمَنْع مُطْلَقًا فَاعْتِمَاده فِي ذَلِكَ عَلَى رِوَايَات عَنْهُمْ فِيهَا اِحْتِمَال , كَقَوْلِ ثَعْلَبَة بْن أَبِي مَالِك \" أَدْرَكْت عُمَر وَعُثْمَان - وَكَانَ الْإِمَام - إِذَا خَرَجَ تَرَكْنَا الصَّلَاة \" وَوَجْه الِاحْتِمَال أَنْ يَكُون ثَعْلَبَة عَنَى بِذَلِكَ مَنْ كَانَ دَاخِل الْمَسْجِد خَاصَّة , قَالَ شَيْخنَا الْحَافِظ أَبُو الْفَضْل فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ : كُلّ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ - يَعْنِي مِنْ الصَّحَابَة - مَنَعَ الصَّلَاة وَالْإِمَام يَخْطُب مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَانَ دَاخِل الْمَسْجِد لِأَنَّهُ لَمْ يَقَع عَنْ أَحَد مِنْهُمْ التَّصْرِيح بِمَنْعِ التَّحِيَّة , وَقَدْ وَرَدَ فِيهَا حَدِيث يَخُصّهَا فَلَا تُتْرَك بِالِاحْتِمَالِ , اِنْتَهَى. وَلَمْ أَقِف عَلَى ذَلِكَ صَرِيحًا عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة. ‏ ‏وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن صَفْوَان أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِد وَابْن الزُّبَيْر يَخْطُب فَاسْتَلَمَ الرُّكْن ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ وَلَمْ يَرْكَع \" وَعَبْد اللَّه بْن صَفْوَان وَعَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر صَحَابِيَّانِ صَغِيرَانِ فَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ : لَمَّا لَمْ يُنْكِر اِبْن الزُّبَيْر عَلَى اِبْن صَفْوَان وَلَا مَنْ حَضَرَهُمَا مِنْ الصَّحَابَة تَرْك التَّحِيَّة دَلَّ عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَاهُ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ تَرْكهمْ النَّكِير لَا يَدُلّ عَلَى تَحْرِيمهَا بَلْ يَدُلّ عَلَى عَدَم وُجُوبهَا , وَلَمْ يَقُلْ بِهِ مُخَالِفُوهُمْ. وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث الْبَحْث فِي أَنَّ صَلَاة التَّحِيَّة هَلْ تَعُمّ كُلّ مَسْجِد , أَوْ يُسْتَثْنَى الْمَسْجِد الْحَرَام لِأَنَّ تَحِيَّته الطَّوَاف ؟ فَلَعَلَّ اِبْن صَفْوَان كَانَ يَرَى أَنَّ تَحِيَّته اِسْتِلَام الرُّكْن فَقَطْ. وَهَذِهِ الْأَجْوِبَة الَّتِي قَدْ قَدَّمْنَاهَا تَنْدَفِع مِنْ أَصْلهَا بِعُمُومِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ \" إِذَا دَخَلَ أَحَدكُمْ الْمَسْجِد فَلَا يَجْلِس حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ \" مُتَّفَق عَلَيْهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ. وَوَرَدَ أَخَصّ مِنْهُ فِي حَال الْخُطْبَة , فَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ عَمْرو بْن دِينَار قَالَ \" سَمِعْت جَابِر بْن عَبْد اللَّه يَقُول : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُب : إِذَا جَاءَ أَحَدكُمْ وَالْإِمَام يَخْطُب - أَوْ قَدْ خَرَجَ - فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ \" مُتَّفَق عَلَيْهِ أَيْضًا , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي قِصَّة سُلَيْك وَلَفْظه بَعْد قَوْلُهُ فَارْكَعْهُمَا وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا \" ثُمَّ قَالَ : إِذَا جَاءَ أَحَدكُمْ يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يَخْطُب فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا \" قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا نَصّ لَا يَتَطَرَّق إِلَيْهِ التَّأْوِيل وَلَا أَظُنّ عَالِمًا يَبْلُغهُ هَذَا اللَّفْظ وَيَعْتَقِدهُ صَحِيحًا فَيُخَالِفهُ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : هَذَا الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم نَصٌّ فِي الْبَاب لَا يَحْتَمِل التَّأْوِيل. وَحَكَى اِبْن دَقِيق الْعِيد أَنَّ بَعْضهمْ تَأَوَّلَ هَذَا الْعُمُوم بِتَأْوِيلٍ مُسْتَكْرَهٍ , وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى بَعْض مَا تَقَدَّمَ مِنْ اِدِّعَاء النَّسْخ أَوْ التَّخْصِيص. وَقَدْ عَارَضَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّة الشَّافِعِيَّةَ بِأَنَّهُمْ لَا حُجَّة لَهُمْ فِي قِصَّة سُلَيْك , لِأَنَّ التَّحِيَّة عِنْدهمْ تَسْقُط بِالْجُلُوسِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابه. وَعَارَضَ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيد رَفَعَهُ \" لَا تُصَلُّوا وَالْإِمَام يَخْطُب \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَثْبُت , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوته فَيُخَصّ عُمُومه بِالْأَمْرِ بِصَلَاةِ التَّحِيَّة. وَبَعْضُهُمْ بِأَنَّ عُمَر لَمْ يَأْمُر عُثْمَان بِصَلَاةِ التَّحِيَّة مَعَ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الِاقْتِصَار عَلَى الْوُضُوء , وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون صَلَّاهُمَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ جَوَاز صَلَاة التَّحِيَّة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة , لِأَنَّهَا إِذَا لَمْ تَسْقُط فِي الْخُطْبَة مَعَ الْأَمْر بِالْإِنْصَاتِ لَهَا فَغَيْرهَا أَوْلَى. وَفِيهِ أَنَّ التَّحِيَّة لَا تَفُوت بِالْقُعُودِ , لَكِنْ قَيَّدَهُ بَعْضهمْ بِالْجَاهِلِ أَوْ النَّاسِي كَمَا تَقَدَّمَ , وَأَنَّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَأْمُر فِي خُطْبَته وَيَنْهَى وَيُبَيِّن الْأَحْكَام الْمُحْتَاج إِلَيْهَا , وَلَا يَقْطَع ذَلِكَ التَّوَالِي الْمُشْتَرَط فِيهَا , بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُول كُلّ ذَلِكَ يُعَدّ مِنْ الْخُطْبَة. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِد شَرْط لِلْجُمُعَةِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَا تُشْرَع التَّحِيَّة لِغَيْرِ الْمَسْجِد وَفِيهِ نَظَر. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز رَدّ السَّلَام وَتَشْمِيت الْعَاطِس فِي حَال الْخُطْبَة لِأَنَّ أَمْرهمَا أَخَفّ وَزَمَنهمَا أَقْصَر وَلَا سِيَّمَا رَدّ السَّلَام فَإِنَّهُ وَاجِب , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏قِيلَ يُخَصّ عُمُوم حَدِيث الْبَاب بِالدَّاخِلِ فِي آخِر الْخُطْبَة كَمَا تَقَدَّمَ , قَالَ الشَّافِعِيّ : أَرَى لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُر الْآتِي بِالرَّكْعَتَيْنِ وَيَزِيد فِي كَلَامه مَا يُمْكِنهُ الْإِتْيَان بِهِمَا قَبْل إِقَامَة الصَّلَاة , فَإِنْ لَمْ يَفْعَل كَرِهْت ذَلِكَ. وَحَكَى النَّوَوِيّ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْمُخْتَار إِنْ لَمْ يَفْعَل أَنْ يَقِف حَتَّى تُقَام الصَّلَاة لِئَلَّا يَكُون جَالِسًا بِغَيْرِ تَحِيَّة أَوْ مُتَنَفِّلًا حَال إِقَامَة الصَّلَاة. وَاسْتَثْنَى الْمَحَامِلِيّ الْمَسْجِد الْحَرَام لِأَنَّ تَحِيَّته الطَّوَاف , وَفِيهِ نَظَر لِطُولِ زَمَن الطَّوَاف بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ. وَاَلَّذِي يَظْهَر مِنْ قَوْلُهُمْ إِنَّ تَحِيَّة الْمَسْجِد الْحَرَام الطَّوَاف إِنَّمَا هُوَ فِي حَقّ الْقَادِم لِيَكُونَ أَوَّل شَيْء يَفْعَلهُ الطَّوَاف , وَأَمَّا الْمُقِيم فَحُكْم الْمَسْجِد الْحَرَام وَغَيْره فِي ذَلِكَ سَوَاء , وَلَعَلَّ قَوْل مَنْ أَطْلَقَ أَنَّهُ يَبْدَأ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِالطَّوَافِ لِكَوْنِ الطَّوَاف يَعْقُبهُ صَلَاة الرَّكْعَتَيْنِ فَيَحْصُل شَغْل الْبُقْعَة بِالصَّلَاةِ غَالِبًا وَهُوَ الْمَقْصُود , وَيَخْتَصّ الْمَسْجِد الْحَرَام بِزِيَادَةِ الطَّوَاف , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "879",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ فَقَالَ أَصَلَّيْتَ قَالَ لَا قَالَ ‏ ‏قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِسَمَاعِ سُفْيَان مِنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيث فِي مُسْنَد الْحُمَيْدِيِّ , وَهُوَ عِنْد أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( صَلَّيْت ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ أَيْضًا بِحَذْفِ الْهَمْزَة , وَثَبَتَتْ لِكَرِيمَة وَلِلْمُسْتَمْلِي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ فَصَلِّ ) زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ ‏ ‏\" قَالَ قُمْ فَصَلِّ \" ‏ ‏. ‏"
    },
    {
        "id": "880",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ ‏ ‏الْكُرَاعُ ‏ ‏وَهَلَكَ الشَّاءُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَعَنْ يُونُس عَنْ ثَابِت ) ‏ ‏يُونُس هُوَ اِبْن عُبَيْد , وَهُوَ مَعْطُوف عَلَى الْإِسْنَاد الْمَذْكُور , وَالتَّقْدِير : وَحَدَّثَنَا مُسَدَّد أَيْضًا عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ يُونُس. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّد أَيْضًا بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا , وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّار أَيْضًا مِنْ طَرِيق مُسَدَّد وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ يُونُس بْن عُبَيْد. وَالرِّجَال مِنْ الطَّرِيقَيْنِ كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا ) ‏ ‏فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده \" فَرَفَعَ يَدَيْهِ \" كَلَفْظِ التَّرْجَمَة , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّن أَنَّ الْمُرَاد بِالرَّفْعِ هُنَا الْمَدّ , لَا كَالرَّفْعِ الَّذِي فِي الصَّلَاة. وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الدَّعَوَات صِفَة رَفْع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء , فَإِنَّ فِي رَفْعهمَا فِي دُعَاء الِاسْتِسْقَاء صِفَة زَائِدَة عَلَى رَفْعهمَا فِي غَيْره , وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَل حَدِيث أَنَس \" لَمْ يَكُنْ يَرْفَع يَدَيْهِ فِي شَيْء مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاء \" وَأَنَّهُ أَرَادَ الصِّفَة الْخَاصَّة بِالِاسْتِسْقَاءِ , وَيَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الِاسْتِسْقَاء أَيْضًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "881",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَصَابَتْ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ ‏ ‏قَزَعَةً ‏ ‏فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ ‏ ‏يَتَحَادَرُ ‏ ‏عَلَى لِحْيَتِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ وَمِنْ الْغَدِ وَبَعْدَ الْغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَقَامَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ ‏ ‏أَوْ قَالَ غَيْرُهُ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ ‏ ‏حَوَالَيْنَا ‏ ‏وَلَا عَلَيْنَا فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ وَصَارَتْ ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏مِثْلَ ‏ ‏الْجَوْبَةِ ‏ ‏وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ شَهْرًا وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ ‏ ‏بِالْجَوْدِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "882",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ ‏ ‏لَغَوْتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْن بُكَيْر عَنْ اللَّيْث , وَرَوَاهُ شُعَيْب بْن اللَّيْث عَنْ أَبِيهِ فَقَالَ \" عَنْ عَقِيل عَنْ اِبْنِ شِهَاب عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ عَبْد اللَّه بْن إِبْرَاهِيم بْن قَارِظ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ , وَالطَّرِيقَانِ مَعًا صَحِيحَانِ , وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو صَالِح عَنْ اللَّيْث بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ , وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن جُرَيْجٍ وَغَيْره عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهِمَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَغَيْره , وَرَوَاهُ مَالِك عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَابْن أَبِي ذِئْب عِنْد اِبْن مَاجَهْ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَوْم الْجُمُعَة ) ‏ ‏مَفْهُومه أَنَّ غَيْر يَوْم الْجُمُعَة بِخِلَافِ ذَلِكَ , وَفِيهِ بَحْثٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَدْ لَغَوْت ) ‏ ‏قَالَ الْأَخْفَش : اللَّغْو الْكَلَام الَّذِي لَا أَصْل لَهُ مِنْ الْبَاطِل وَشَبَهه , وَقَالَ اِبْن عَرَفَة : اللَّغْو السَّقْط مِنْ الْقَوْل , وَقِيلَ : الْمَيْل عَنْ الصَّوَاب , وَقِيلَ : اللَّغْو الْإِثْم كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ). وَقَالَ الزَّيْن ابْن الْمُنِير اِتَّفَقَتْ أَقْوَال الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ اللَّغْو مَا لَا يَحْسُن مِنْ الْكَلَام. وَأَغْرَبَ أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيُّ فِي \" الْغَرِيب \" فَقَالَ : مَعْنَى لَغَا تَكَلَّمَ , كَذَا أَطْلَقَ. وَالصَّوَاب التَّقْيِيد. وَقَالَ النَّضْر بْنُ شُمَيْلٍ : مَعْنَى لَغَوْت خِبْت مِنْ الْأَجْر , وَقِيلَ بَطَلَتْ فَضِيلَة جُمُعَتك , وَقِيلَ صَارَتْ جُمُعَتك ظُهْرًا. ‏ ‏قُلْتُ : أَقْوَال أَهْل اللُّغَة مُتَقَارِبَة الْمَعْنَى , وَيَشْهَد لِلْقَوْلِ الْأَخِير مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر مَرْفُوعًا \" وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَاب النَّاس كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا \" قَالَ اِبْن وَهْب أَحَد رُوَاته : مَعْنَاهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ الصَّلَاة وَحُرِمَ فَضِيلَة الْجُمُعَة. وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث عَلِيّ مَرْفُوعًا \" مَنْ قَالَ صَهٍ فَقَدْ تَكَلَّمَ , وَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا جُمُعَة لَهُ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ نَحْوه , وَلِأَحْمَد وَالْبَزَّار مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا \" مَنْ تَكَلَّمَ يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يَخْطُب فَهُوَ كَالْحِمَارِ يَحْمِل أَسْفَارًا , وَاَلَّذِي يَقُول لَهُ أَنْصِتْ لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَة \" وَلَهُ شَاهِد قَوِيّ فِي جَامِع حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ اِبْنِ عُمَر مَوْقُوفًا , قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ لَا جُمُعَة لَهُ كَامِلَة لِلْإِجْمَاعِ عَلَى إِسْقَاط فَرْض الْوَقْت عَنْهُ , وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ بَعْض مَنْ جَوَّزَ الْكَلَام فِي الْخُطْبَة أَنَّهُ تَأَوَّلَ قَوْلُهُ \" فَقَدْ لَغَوْت \" أَيْ أَمَرْت بِالْإِنْصَاتِ مَنْ لَا يَجِب عَلَيْهِ , وَهُوَ جُمُود شَدِيد , لِأَنَّ الْإِنْصَات لَمْ يَخْتَلِف فِي مَطْلُوبِيَّتِهِ فَكَيْف يَكُون مَنْ أَمَرَ بِمَا طَلَبَهُ الشَّرْع لَاغِيًا , بَلْ النَّهْي عَنْ الْكَلَام مَأْخُوذ مِنْ حَدِيث الْبَاب بِدَلَالَةِ الْمُوَافَقَة , لِأَنَّهُ إِذَا جَعَلَ قَوْلَهُ \" أَنْصِتْ \" مَعَ كَوْنه أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ لَغْوًا فَغَيْره مِنْ الْكَلَام أَوْلَى أَنْ يُسَمَّى لَغْوًا. وَقَدْ وَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ رِوَايَة الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث بَعْد قَوْلُهُ \" فَقَدْ لَغَوْت : عَلَيْك بِنَفْسِك \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَنْع جَمِيع أَنْوَاع الْكَلَام حَال الْخُطْبَة , وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور فِي حَقّ مَنْ سَمِعَهَا , وَكَذَا الْحُكْم فِي حَقّ مَنْ لَا يَسْمَعهَا عِنْد الْأَكْثَر. قَالُوا : وَإِذَا أَرَادَ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ فَلْيَجْعَلْهُ بِالْإِشَارَةِ. وَأَغْرَبَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فَنَقَلَ الْإِجْمَاع عَلَى وُجُوب الْإِنْصَات عَلَى مَنْ سَمِعَهَا إِلَّا عَنْ قَلِيل مِنْ التَّابِعِينَ وَلَفْظه : لَا خِلَاف عَلِمْته بَيْن فُقَهَاء الْأَمْصَار فِي وُجُوب الْإِنْصَات لِلْخُطْبَةِ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا فِي الْجُمُعَة. وَأَنَّهُ غَيْر جَائِز أَنْ يَقُول لِمَنْ سَمِعَهُ مِنْ الْجُهَّال يَتَكَلَّم وَالْإِمَام يَخْطُب : أَنْصِتْ , وَنَحْوهَا , أَخْذًا بِهَذَا الْحَدِيث. وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيّ وَنَاس قَلِيل أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا فِي حِين قِرَاءَة الْإِمَام فِي الْخُطْبَة خَاصَّة , قَالَ : وَفِعْلهمْ فِي ذَلِكَ مَرْدُود عِنْد أَهْل الْعِلْم , وَأَحْسَن أَحْوَالهمْ أَنْ يُقَال إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُمْ الْحَدِيث. قُلْتُ : لِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَة قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَبَنَاهُمَا بَعْض الْأَصْحَاب عَلَى الْخِلَاف فِي أَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ بَدَل عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ أَمْ لَا ؟ فَعَلَى الْأَوَّل يَحْرُم لَا عَلَى الثَّانِي , وَالثَّانِي هُوَ الْأَصَحّ عِنْدهمْ , فَمِنْ ثَمَّ أَطْلَقَ مَنْ أَطْلَقَ مِنْهُمْ إِبَاحَة الْكَلَام حَتَّى شَنَّعَ عَلَيْهِمْ مَنْ شَنَّعَ مِنْ الْمُخَالِفِينَ. وَعَنْ أَحْمَد أَيْضًا رِوَايَتَانِ , وَعَنْهُمَا أَيْضًا التَّفْرِقَة بَيْن مَنْ يَسْمَع الْخُطْبَة وَمَنْ لَا يَسْمَعهَا , وَلِبَعْضِ الشَّافِعِيَّة التَّفْرِقَة بَيْن مَنْ تَنْعَقِد بِهِمْ الْجُمُعَة فَيَجِب عَلَيْهِمْ الْإِنْصَات دُون مَنْ زَادَ فَجَعَلَهُ شَبِيهًا بِفُرُوضِ الْكِفَايَة. وَاخْتَلَفَ السَّلَف إِذَا خَطَبَ بِمَا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْقَوْل , وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَل مَا نُقِلَ عَنْ السَّلَف مِنْ الْكَلَام حَال الْخُطْبَة. ‏ ‏وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ مَنْ نَفَى وُجُوبه أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط فِي صِحَّة الْجُمُعَة , بِخِلَافِ غَيْره. وَيَدُلّ عَلَى الْوُجُوب فِي حَقّ السَّامِع أَنَّ فِي حَدِيث عَلِيٍّ الْمُشَار إِلَيْهِ آنِفًا \" وَمَنْ دَنَا فَلَمْ يُنْصِت كَانَ عَلَيْهِ كِفْلَانِ مِنْ الْوِزْر \" لِأَنَّ الْوِزْر لَا يَتَرَتَّب عَلَى مَنْ فَعَلَ مُبَاحًا. وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا كَرَاهَة تَنْزِيه , وَأَمَّا مَا اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَجَازَ مُطْلَقًا مِنْ قِصَّة السَّائِل فِي الِاسْتِسْقَاء وَنَحْوه فَفِيهِ نَظَر , لِأَنَّهُ اِسْتِدْلَال بِالْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمّ , فَيُمْكِن أَنْ يُخَصّ عُمُوم الْأَمْر بِالْإِنْصَاتِ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَأَمْرٍ عَارِض فِي مَصْلَحَة عَامَّة , كَمَا خَصَّ بَعْضهمْ مِنْهُ رَدّ السَّلَام لِوُجُوبِهِ. وَنَقَلَ صَاحِب \" الْمُغْنِي \" الِاتِّفَاق عَلَى أَنَّ الْكَلَام الَّذِي يَجُوز فِي الصَّلَاة يَجُوز فِي الْخُطْبَة كَتَحْذِيرِ الضَّرِير مِنْ الْبِئْر , وَعِبَارَة الشَّافِعِيّ : وَإِذَا خَافَ عَلَى أَحَد لَمْ أَرَ بَأْسًا إِذَا لَمْ يُفْهَم عَنْهُ بِالْإِيمَاءِ أَنْ يَتَكَلَّم. وَقَدْ اِسْتَثْنَى مِنْ الْإِنْصَات فِي الْخُطْبَة مَا إِذَا اِنْتَهَى الْخَطِيب إِلَى كُلّ مَا لَمْ يُشْرَع مِثْل الدُّعَاء لِلسُّلْطَانِ مَثَلًا , بَلْ جَزَمَ صَاحِب التَّهْذِيب بِأَنَّ الدُّعَاء لِلسُّلْطَانِ مَكْرُوه , وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَحَلّه مَا إِذَا جَازَفَ وَإِلَّا فَالدُّعَاء لِوُلَاةِ الْأُمُور مَطْلُوب ا ه. وَمَحَلّ التَّرْك إِذَا لَمْ يَخَفْ الضَّرَر , وَإِلَّا فَيُبَاح لِلْخَطِيبِ إِذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسه , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ‏"
    },
    {
        "id": "883",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ ‏ ‏فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ ‏ ‏يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي اَلزِّنَادِ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُ مَالِك فِي اَلْمُوَطَّأِ وَثَمَّ فِيهِ إِسْنَاد آخَر إِلَى أَبِي هُرَيْرَة وَفِيهِ قِصَّةٌ لَهُ مَعَ عَبْد اَللَّه بْن سَلَام. ‏ ‏قَوْله : ( فِيهِ سَاعَة ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ مُبْهَمَة وَعُيِّنَتْ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُوَافِقُهَا ) ‏ ‏أَيْ يُصَادِفُهَا وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَقْصِدَ لَهَا أَوْ يَتَّفِقَ لَهُ وُقُوعُ اَلدُّعَاءِ فِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اَللَّه ) ‏ ‏هِيَ صِفَاتٌ لِمُسْلِمٍ أُعْرِبَتْ حَالًا , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي حَالًا مِنْهُ لِاتِّصَافِهِ بِقَائِم وَيَسْأَلُ حَال مُتَرَادِفَة أَوْ مُتَدَاخِلَة , وَأَفَادَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ أَنَّ قَوْلَهُ \" وَهُوَ قَائِم \" سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَب وَابْن أَبِي أُوَيْس وَمُطَرِّف وَالتِّنِّيسِيِّ وَقُتَيْبَة وَأَثْبَتَهَا اَلْبَاقُونَ , قَالَ : وَهِيَ زِيَادَةٌ مَحْفُوظَةٌ عَنْ أَبِي اَلزِّنَادِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَوَرْقَاءَ وَغَيْرِهِمَا عَنْهُ , وَحَكَى أَبُو مُحَمَّد بْن اَلسَّيِّدِ عَنْ مُحَمَّد بْن وَضَّاح أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِحَذْفِهَا مِنْ اَلْحَدِيثِ , وَكَانَ اَلسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يُشْكِلُ عَلَى أَصَحِّ اَلْأَحَادِيثِ اَلْوَارِدَةِ فِي تَعْيِينِ هَذِهِ اَلسَّاعَةِ , وَهُمَا حَدِيثَانِ أَحَدهمَا أَنَّهَا مِنْ جُلُوسِ اَلْخَطِيبِ عَلَى اَلْمِنْبَرِ إِلَى اِنْصِرَافِهِ مِنْ اَلصَّلَاةِ , وَالثَّانِي أَنَّهَا مِنْ بَعْدِ اَلْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ اَلشَّمْسِ. وَقَدْ اِحْتَجَّ أَبُو هُرَيْرَة عَلَى عَبْد اَللَّه بْن سَلَام لَمَّا ذَكَرَ لَهُ اَلْقَوْل اَلثَّانِي بِأَنَّهَا لَيْسَتْ سَاعَة صَلَاةٍ وَقَدْ وَرَدَ اَلنَّصّ بِالصَّلَاةِ فَأَجَابَهُ بِالنَّصِّ اَلْآخَرِ أَنَّ مُنْتَظِرَ اَلصَّلَاةِ فِي حُكْمِ اَلْمُصَلِّي فَلَوْ كَانَ قَوْله \" وَهُوَ قَائِم \" عِنْد أَبِي هُرَيْرَة ثَابِتًا لَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِهَا لَكِنَّهُ سَلَّمَ لَهُ اَلْجَوَاب وَارْتَضَاهُ وَأَفْتَى بِهِ بَعْدَهُ. وَأَمَّا إِشْكَالُهُ عَلَى اَلْحَدِيثِ اَلْأَوَّلِ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ حَالَ اَلْخُطْبَةِ كُلّه وَلَيْسَتْ صَلَاة عَلَى اَلْحَقِيقَةِ , وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا اَلْإِشْكَالِ بِحَمْل اَلصَّلَاة عَلَى اَلدُّعَاءِ أَوْ الِانْتِظَارِ , وَيُحْمَلُ اَلْقِيَام عَلَى اَلْمُلَازَمَةِ وَالْمُوَاظَبَةِ , وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ حَال اَلْقِيَام فِي اَلصَّلَاةِ غَيْر حَال اَلسُّجُود وَالرُّكُوع وَالتَّشَهُّد مَعَ أَنَّ اَلسُّجُودَ مَظِنَّة إِجَابَة اَلدُّعَاءِ , فَلَوْ كَانَ اَلْمُرَاد بِالْقِيَامِ حَقِيقَته لَأَخْرَجَهُ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اَلْمُرَادَ مَجَاز اَلْقِيَام وَهُوَ اَلْمُوَاظَبَةُ وَنَحْوَهَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ( إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ اَلتَّعْبِير عَنْ اَلْمُصَلِّي بِالْقَائِمِ مِنْ بَابِ اَلتَّعْبِيرِ عَنْ اَلْكُلِّ بِالْجُزْءِ , وَالنُّكْتَةُ فِيهِ أَنَّهُ أَشْهَر أَحْوَال اَلصَّلَاةِ. ‏ ‏قَوْله : ( شَيْئًا ) ‏ ‏أَيْ مِمَّا يَلِيقُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ اَلْمُسْلِمُ وَيَسْأَلَ رَبّه تَعَالَى , وَفِي رِوَايَة سَلَمَة بْن عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّد بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ اَلْمُصَنِّفِ فِي اَلطَّلَاقِ \" يَسَأَلُ اَللَّهَ خَيْرًا \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّد بْن زِيَاد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْله , وَفِي حَدِيثِ أَبِي لُبَابَة عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ \" مَا لَمْ يَسْأَلْ حَرَامًا \" وَفِي حَدِيثِ سَعْد بْن عُبَادَة عِنْدَ أَحْمَدَ \" مَا لَمْ يَسْأَلْ إِثْمًا أَوْ قَطِيعَةَ رَحِمٍ \" وَهُوَ نَحْوُ اَلْأَوَّلِ , وَقَطِيعَة اَلرَّحِمِ مِنْ جُمْلَةِ اَلْإِثْمِ فَهُوَ مِنْ عَطْف اَلْخَاصّ عَلَى اَلْعَامِّ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَشَارَ بِيَدِهِ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِإِبْهَامِ اَلْفَاعِلِ , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَب عَنْ مَالِك \" وَأَشَارَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة سَلَمَة بْن عَلْقَمَة اَلَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا \" وَوَضَعَ أُنْمُلَته عَلَى بَطْن اَلْوُسْطَى أَوْ اَلْخِنْصَر قُلْنَا يُزَهِّدُهَا \" وَبَيَّنَ أَبُو مُسْلِم الْكَجِّيُّ أَنَّ اَلَّذِي وَضَعَ هُوَ بِشْر بْن اَلْمُفَضَّل رَاوِيه عَنْ سَلَمَة بْن عَلْقَمَة , وَكَأَنَّهُ فَسَّرَ اَلْإِشَارَةَ بِذَلِكَ , وَأَنَّهَا سَاعَة لَطِيفَة تَتَنَقَّلُ مَا بَيْن وَسَطِ اَلنَّهَارِ إِلَى قُرْبِ آخِرِهِ , وَبِهَذَا يَحْصُلُ اَلْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ \" يُزَهِّدُهَا \" أَيْ يُقَلِّلُهَا , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّد بْن زِيَاد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي اَلْأَوْسَطِ فِي حَدِيثِ أَنَس \" وَهِيَ قَدْرُ هَذَا , يَعْنِي قَبْضَة \" قَالَ اَلزَّيْن بْن اَلْمُنِيرِ : اَلْإِشَارَةُ لِتَقْلِيلِهَا هُوَ لِلتَّرْغِيبِ فِيهَا وَالْحَضِّ عَلَيْهَا لِيَسَارَة وَقْتِهَا وَغَزَارَة فَضْلهَا. وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل اَلْعِلْمِ مِنْ اَلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي هَذِهِ اَلسَّاعَةِ هَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ أَوْ رُفِعَتْ ؟ وَعَلَى اَلْبَقَاءِ هَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَة أَوْ فِي جُمُعَة وَاحِدَة مِنْ كُلِّ سَنَة ؟ وَعَلَى اَلْأَوَّلِ هَلْ هِيَ وَقْت مِنْ اَلْيَوْمِ مُعَيَّن أَوْ مُبْهَم ؟ وَعَلَى اَلتَّعْيِينِ هَلْ تَسْتَوْعِبُ اَلْوَقْت أَوْ تُبْهَمُ فِيهِ ؟ وَعَلَى اَلْإِبْهَامِ مَا اِبْتِدَاؤُهُ وَمَا اِنْتِهَاؤُهُ ؟ وَعَلَى كُلِّ ذَلِكَ هَلْ تَسْتَمِرُّ أَوْ تَنْتَقِلُ ؟ وَعَلَى اَلِانْتِقَالِ هَلْ تَسْتَغْرِقُ اَلْيَوْمَ أَوْ بَعْضه ؟ وَهَا أَنَا أَذْكُرُ تَلْخِيصَ مَا اِتَّصَلَ إِلَيَّ مِنْ اَلْأَقْوَالِ مَعَ أَدِلَّتِهَا , ثُمَّ أَعُودُ إِلَى اَلْجَمْعِ بَيْنَهَا وَالتَّرْجِيحِ. ‏ ‏فَالْأَوَّل : إنَّهَا رُفِعَتْ , حَكَاهُ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ عَنْ قَوْمٍ وَزَيَّفَهُ , وَقَالَ عِيَاض : رَدَّهُ اَلسَّلَف عَلَى قَائِلِهِ. وَرَوَى عَبْد اَلرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي دَاوُد بْن أَبِي عَاصِم عَنْ عَبْد اَللَّه بْن عَبْسٍ مَوْلَى مُعَاوِيَة قَالَ \" قُلْت لِأَبِي هُرَيْرَة : إِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ اَلسَّاعَةَ اَلَّتِي فِي يَوْم اَلْجُمُعَةِ يُسْتَجَابُ فِيهَا اَلدُّعَاءُ رُفِعَتْ , فَقَالَ : كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ. قُلْت : فَهِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ ؟ قَالَ نَعَمْ \" إِسْنَاده قَوِيّ. وَقَالَ صَاحِب اَلْهُدَى : إِنْ أَرَادَ قَائِله أَنَّهَا كَانَتْ مَعْلُومَة فَرُفِعَ عِلْمُهَا عَنْ اَلْأُمَّةِ فَصَارَتْ مُبْهَمَة اِحْتُمِلَ , وَإِنْ أَرَادَ حَقِيقَتَهَا فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ , ‏ ‏اَلْقَوْل اَلثَّانِي : إنَّهَا مَوْجُودَة لَكِنَْ فِي جُمُعَةٍ وَاحِدَة مِنْ كُلِّ سَنَة , قَالَهُ كَعْب اَلْأَحْبَار لِأَبِي هُرَيْرَة , فَرَدَّ عَلَيْهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ , رَوَاهُ مَالِك فِي اَلْمُوَطَّأِ وَأَصْحَاب اَلسُّنَنِ. ‏ ‏اَلثَّالِث : إنَّهَا مَخْفِيَّةٌ فِي جَمِيعِ اَلْيَوْمِ كَمَا أُخْفِيَتْ لَيْلَةُ اَلْقَدْر فِي اَلْعَشْرِ. رَوَى اِبْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن اَلْحَارِث عَنْ أَبِي سَلَمَة \" سَأَلْت أَبَا سَعِيد عَنْ سَاعَة اَلْجُمُعَة فَقَالَ : سَأَلْت اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا فَقَالَ : قَدْ أُعْلِمْتهَا ثُمَّ أُنْسِيتهَا كَمَا أُنْسِيت لَيْلَةَ اَلْقَدْرِ \". ‏ ‏وَرَوَى عَبْد اَلرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ سَأَلَ اَلزُّهْرِيَّ فَقَالَ : لَمْ أَسْمَعْ فِيهَا بِشَيْءٍ , إِلَّا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا قَسَمَ جُمُعَةً فِي جُمَعٍ لَأَتَى عَلَى تِلْكَ اَلسَّاعَةِ , قَالَ اِبْن اَلْمُنْذِر : مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَبْدَأُ فَيَدْعُو فِي جُمُعَة مِنْ اَلْجُمَعِ مِنْ أَوَّلِ اَلنَّهَارِ إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ , ثُمَّ فِي جُمُعَة أُخْرَى يَبْتَدِئُ مِنْ ذَلِكَ اَلْوَقْتِ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخِرِ اَلنَّهَار. قَالَهُ : وَكَعْبٌ هَذَا هُوَ كَعْب اَلْأَحْبَار , قَالَ : وَرُوِّينَا عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ طَلَبَ حَاجَةٍ فِي يَوْمٍ لَيَسِير , قَالَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي اَلْمُدَاوَمَة عَلَى اَلدُّعَاءِ يَوْم اَلْجُمُعَةِ كُلّه لِيَمُرّ بِالْوَقْتِ اَلَّذِي يُسْتَجَابُ فِيهِ اَلدُّعَاء اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي قَالَهُ اِبْن عُمَر يَصْلُحُ لِمَنْ يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ , وَإِلَّا فَاَلَّذِي قَالَهُ كَعْب سَهْل عَلَى كُلِّ أَحَد , وَقَضِيَّة ذَلِكَ أَنَّهُمَا كَانَا يَرَيَانِ أَنَّهَا غَيْرُ مُعَيَّنَة , وَهُوَ قَضِيَّة كَلَام جَمْعٍ مِنْ اَلْعُلَمَاءِ كَالرَّافِعِيِّ وَصَاحِب اَلْمُغْنِي وَغَيْرهمَا حَيْثُ قَالُوا : يُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ اَلدُّعَاءِ يَوْم اَلْجُمُعَةِ رَجَاء أَنْ يُصَادِفَ سَاعَة اَلْإِجَابَة , وَمِنْ حُجَّةِ هَذَا اَلْقَوْلِ تَشْبِيههَا بِلَيْلَةِ اَلْقَدْرِ وَالِاسْم اَلْأَعْظَم فِي اَلْأَسْمَاءِ اَلْحُسْنَى , وَالْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ حَثُّ اَلْعِبَادَ عَلَى اَلِاجْتِهَادِ فِي اَلطَّلَبِ وَاسْتِيعَاب اَلْوَقْت بِالْعِبَادَةِ , بِخِلَافٍ مَا لَوْ تَحَقَّقَ اَلْأَمْر فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ مُقْتَضِيًا لِلِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ وَإِهْمَال مَا عَدَاهُ. ‏ ‏اَلرَّابِع : إنَّهَا تَنْتَقِلُ فِي يَوْم اَلْجُمُعَةِ وَلَا تَلْزَمُ سَاعَة مُعَيَّنَة لَا ظَاهِرَة وَلَا مَخْفِيَّة , قَالَ اَلْغَزَالِيُّ : هَذَا أَشْبَهُ اَلْأَقْوَال , وَذَكَرَهُ اَلْأَثْرَم اِحْتِمَالًا , وَجَزَمَ بِهِ اِبْن عَسَاكِر وَغَيْره , وَقَالَ اَلْمُحِبُّ اَلطَّبَرِيُّ إِنَّهُ اَلْأَظْهَرُ , وَعَلَى هَذَا لَا يَتَأَتَّى مَا قَالَهُ كَعْب فِي اَلْجَزْمِ بِتَحْصِيلِهَا. ‏ ‏اَلْخَامِس : إِذَا أَذَّنَ اَلْمُؤَذِّنُ لِصَلَاة اَلْغَدَاة , ذَكَرَهُ شَيْخُنَا اَلْحَافِظُ أَبُو اَلْفَضْل فِي \" شَرْحِ اَلتِّرْمِذِيِّ \" وَشَيْخُنَا سِرَاج اَلدِّين بْن اَلْمُلَقِّنِ فِي \" شَرْحِهِ عَلَى اَلْبُخَارِيِّ \" وَنَسَبَاهُ لِتَخْرِيجِ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عَائِشَة , وَقَدْ رَوَاهُ الرُّويَانِيُّ فِي مَسْنَدِهِ عَنْهَا فَأَطْلَقَ اَلصَّلَاة وَلَمْ يُقَيِّدْهَا. رَوَاهُ اِبْن اَلْمُنْذِر فَقَيَّدَهَا بِصَلَاةِ اَلْجُمُعَةِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏اَلسَّادِس : مِنْ طُلُوعِ اَلْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ اَلشَّمْسِ , رَوَاهُ اِبْن عَسَاكِر مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَر اَلرَّازِيِّ عَنْ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَحَكَاهُ اَلْقَاضِي أَبُو اَلطَّيِّبِ اَلطَّبَرِيُّ وَأَبُو نَصْر بْن اَلصَّبَّاغ وَعِيَاض وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرهمْ وَعِبَارَة بَعْضهمْ : مَا بَيْنَ طُلُوعِ اَلْفَجْرِ وَطُلُوعِ اَلشَّمْسِ. ‏ ‏اَلسَّابِع مِثْله وَزَادَ : وَمِنْ اَلْعَصْرِ إِلَى اَلْغُرُوبِ. رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ خَلَف بْن خَلِيفَة عَنْ لَيْث اِبْن أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَتَابَعَهُ فُضَيْلُ بْن عِيَاضٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ اِبْن اَلْمُنْذِر , وَلَيْث ضَعِيف وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ كَمَا تَرَى. ‏ ‏اَلثَّامِن مِثْله وَزَادَ : وَمَا بَيْنَ أَنْ يَنْزِلَ اَلْإِمَامُ مِنْ اَلْمِنْبَرِ إِلَى أَنْ يُكَبِّر رَوَاهُ حُمَيْدُ بْن زَنْجَوَيْهِ فِي اَلتَّرْغِيبِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ عَطَاء بْن قُرَّةَ عَنْ عَبْد اَللَّه بْن ضَمْرَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" اِلْتَمِسُوا اَلسَّاعَة اَلَّتِي يُجَابُ فِيهَا اَلدُّعَاءُ يَوْم اَلْجُمُعَةِ فِي هَذِهِ اَلْأَوْقَاتِ اَلثَّلَاثَةِ \" فَذَكَرَهَا. ‏ ‏اَلتَّاسِع : إنَّهَا أَوَّل سَاعَةٍ بَعْدَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ حَكَاهُ اَلْجَبَلِيّ فِي \" شَرْحِ اَلتَّنْبِيهِ \" وَتَبِعَهُ اَلْمُحِبُّ اَلطَّبَرِيُّ فِي شَرْحِهِ. ‏ ‏اَلْعَاشِر : عِنْدَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ حَكَاهُ اَلْغَزَالِيُّ فِي اَلْإِحْيَاءِ وَعَبَّرَ عَنْهُ اَلزَّيْن بْن اَلْمُنِيرِ فِي شَرْحِهِ بِقَوْلِهِ : هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ تَرْتَفِعَ اَلشَّمْسُ شِبْرًا إِلَى ذِرَاع , وَعَزَاهُ لِأَبِي ذَرٍّ. ‏ ‏اَلْحَادِي عَشَر : إنَّهَا فِي آخِرِ اَلسَّاعَةِ اَلثَّالِثَةِ مِنْ اَلنَّهَارِ حَكَاهُ صَاحِبُ \" اَلْمُغْنِي \" وَهُوَ فِي مُسْنَدِ اَلْإِمَامِ أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْن أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" يَوْم اَلْجُمُعَةِ فِيهِ طُبِعَتْ طِينَة آدَم , وَفِي آخِر ثَلَاث سَاعَاتٍ مِنْهُ سَاعَة مَنْ دَعَا اَللَّه فِيهَا اُسْتُجِيبَ لَهُ \" وَفِي إِسْنَادِهِ فَرَج بْن فَضَالَة وَهُوَ ضَعِيف , وَعَلِيٌّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ اَلْمُحِبُّ اَلطَّبَرِيُّ : قَوْلُهُ \" فِي آخِر ثَلَاث سَاعَات \" يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ اَلْمُرَاد اَلسَّاعَة اَلْأَخِيرَة مِنْ اَلثَّلَاثِ اَلْأُوَلِ , ثَانِيهمَا أَنْ يَكُونَ اَلْمُرَاد أَنَّ فِي آخِر كُلّ سَاعَةٍ مِنْ اَلثَّلَاثِ سَاعَة إِجَابَة , فَيَكُونُ فِيهِ تَجَوُّزٌ لِإِطْلَاق اَلسَّاعَة عَلَى بَعْضِ اَلسَّاعَةِ. ‏ ‏اَلثَّانِي عَشَر : مِنْ اَلزَّوَالِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ اَلظِّلّ نِصْف ذِرَاعٍ حَكَاهُ اَلْمُحِبُّ اَلطَّبَرِيُّ فِي اَلْأَحْكَامِ وَقَبِلَهُ اَلزَّكِيُّ اَلْمُنْذِرِيُّ. ‏ ‏اَلثَّالِث عَشَر : مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ أَنْ يَصِيرَ اَلظِّلّ ذِرَاعًا حَكَاهُ عِيَاض وَالْقُرْطُبِيُّ وَالنَّوَوِيُّ. ‏ ‏اَلرَّابِع عَشَر : بَعْدَ زَوَالِ اَلشَّمْسِ بِشِبْرٍ إِلَى ذِرَاعٍ رَوَاهُ اِبْن اَلْمُنْذِر وَابْن عَبْد اَلْبَرّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ إِلَى اَلْحَارِث بْن يَزِيدَ اَلْحَضْرَمِيِّ عَنْ عَبْد اَلرَّحْمَن بْن حُجَيْرَة عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ اِمْرَأَتَهُ سَأَلَتْهُ عَنْهَا فَقَالَ ذَلِكَ , وَلَعَلَّهُ مَأْخَذ اَلْقَوْلَيْنِ اَللَّذَيْنِ قَبْلَهُ. ‏ ‏اَلْخَامِس عَشَر : إِذَا زَالَتْ اَلشَّمْسُ حَكَاهُ اِبْن اَلْمُنْذِر عَنْ أَبِي اَلْعَالِيَةِ , وَوَرَدَ نَحْوُهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ عَنْ عَلِيٍّ , وَرَوَى عَبْد اَلرَّزَّاق مِنْ طَرِيقِ اَلْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّاهَا عِنْدَ زَوَالِ اَلشَّمْسِ بِسَبَبِ قِصَّةٍ وَقَعَتْ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ , وَرَوَى اِبْن سَعْد فِي اَلطَّبَقَاتِ عَنْ عُبَيْدِ اَللَّهِ بْن نَوْفَل نَحْوَ اَلْقِصَّةِ , وَرَوَى اِبْن عَسَاكِر مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانُوا يَرَوْنَ اَلسَّاعَةَ اَلْمُسْتَجَاب فِيهَا اَلدُّعَاء إِذَا زَالَتْ اَلشَّمْسُ , وَكَأَنَّ مَأْخَذَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا وَقْتُ اِجْتِمَاع اَلْمَلَائِكَة وَابْتِدَاء دُخُول وَقْتِ اَلْجُمُعَة وَابْتِدَاء اَلْأَذَان وَنَحْوُ ذَلِكَ. ‏ ‏اَلسَّادِس عَشَر : إِذَا أَذَّنَ اَلْمُؤَذِّنُ لِصَلَاة اَلْجُمُعَةِ رَوَاهُ اِبْن اَلْمُنْذِر عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" يَوْم اَلْجُمُعَةِ مِثْلُ يَوْمِ عَرَفَةَ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَاب اَلسَّمَاءِ , وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَسْأَلُ اَللَّهَ فِيهَا اَلْعَبْدُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ. قِيلَ : أَيَّة سَاعَة ؟ قَالَتْ : إِذَا أَذَّنَ اَلْمُؤَذِّنُ لِصَلَاة اَلْجُمُعَةِ \" وَهَذَا يُغَايِرُ اَلَّذِي قَبْلَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ اَلْأَذَانَ قَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْ اَلزَّوَالِ , قَالَ اَلزَّيْن بْن اَلْمُنِيرِ : وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى اَلْأَذَانِ اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْ اَلْخَطِيبِ. ‏ ‏اَلسَّابِع عَشَر : مِنْ اَلزَّوَالِ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ اَلرَّجُلُ فِي اَلصَّلَاةِ ذَكَرَهُ اِبْن اَلْمُنْذِر عَنْ أَبِي اَلسَّوَّارِ اَلْعَدَوِيِّ , وَحَكَاهُ اِبْن اَلصَّبَّاغِ بِلَفْظ : إِلَى أَنْ يَدْخُلَ اَلْإِمَامُ ‏ ‏اَلثَّامِن عَشَر : مِنْ اَلزَّوَالِ إِلَى خُرُوجِ اَلْإِمَامِ حَكَاهُ اَلْقَاضِي أَبُو اَلطَّيِّبِ اَلطَّبَرِيُّ. ‏ ‏اَلتَّاسِع عَشَر : مِنْ اَلزَّوَالِ إِلَى غُرُوبِ اَلشَّمْسِ حَكَاهُ أَبُو اَلْعَبَّاس أَحْمَد بْن عَلِيِّ بْن كَشَاسِبَ الدِّزْمَارِيُّ وَهُوَ بِزَايٍ سَاكِنَةٍ وَقَبْلَ يَاء اَلنَّسَب رَاء مُهْمَلَة فِي نُكَتِهِ عَلَى اَلتَّنْبِيهِ عَنْ اَلْحَسَنِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ شَيْخُنَا سِرَاج اَلدِّين اِبْن اَلْمُلَقِّنِ فِي شَرْح اَلْبُخَارِيّ , وَكَانَ الدِّزْمَارِيُّ اَلْمَذْكُور فِي عَصْر اِبْن اَلصَّلَاحِ. ‏ ‏اَلْعِشْرُونَ : مَا بَيْنَ خُرُوجِ اَلْإِمَامِ إِلَى أَنْ تُقَامَ اَلصَّلَاةُ رَوَاهُ اِبْن اَلْمُنْذِر عَنْ اَلْحَسَنِ. وَرَوَى أَبُو بَكْر اَلْمَرْوَزِيّ فِي \" كِتَاب اَلْجُمُعَة \" بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى اَلشَّعْبِيِّ عَنْ عَوْف بْن حَصِيرَة رَجُل مِنْ أَهْلِ اَلشَّامِ مِثْلُهُ. ‏ ‏اَلْحَادِي وَالْعِشْرُونَ : عِنْدَ خُرُوجِ اَلْإِمَامِ رَوَاهُ حُمَيْد بْن زَنْجَوَيْهِ فِي \" كِتَاب اَلتَّرْغِيب \" عَنْ اَلْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا مَرَّتْ بِهِ وَهُوَ يَنْعَسُ فِي ذَلِكَ اَلْوَقْتِ. ‏ ‏اَلثَّانِي وَالْعِشْرُونَ : مَا بَيْنَ خُرُوجِ اَلْإِمَامِ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ اَلصَّلَاة رَوَاهُ اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيل بْن سَالِم عَنْ اَلشَّعْبِيِّ قَوْله وَمِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَوْلُهُ وَفِيهِ أَنَّ اِبْن عُمَر اِسْتَصْوَبَ ذَلِكَ. ‏ ‏اَلثَّالِث وَالْعِشْرُونَ : مَا بَيْنَ أَنْ يَحْرُمَ اَلْبَيْع إِلَى أَنْ يَحِلَّ رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور وَابْن اَلْمُنْذِر عَنْ اَلشَّعْبِيِّ قَوْله أَيْضًا , قَالَ اَلزَّيْن بْن اَلْمُنِيرِ : وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَخَصّ أَحْكَامِ اَلْجُمُعَة لِأَنَّ اَلْعَقْدَ بَاطِلٌ عِنْد الْأَكْثَرِ فَلَوْ اِتَّفَقَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذِهِ اَلسَّاعَةِ بِحَيْثُ ضَاقَ اَلْوَقْت فَتَشَاغَلَ اِثْنَانِ بِعَقْد اَلْبَيْع فَخَرَجَ وَفَاتَتْ تِلْكَ اَلصَّلَاةُ لَأَثِمَا وَلَمْ يَبْطُلْ اَلْبَيْعُ. ‏ ‏اَلرَّابِع وَالْعِشْرُونَ : مَا بَيْنَ اَلْأَذَانِ إِلَى اِنْقِضَاء اَلصَّلَاة رَوَاهُ حُمَيْدُ بْن زَنْجَوَيْهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَحَكَاهُ اَلْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ اَلسُّنَّةِ عَنْهُ اَلْخَامِس وَالْعِشْرُونَ : مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ اَلْإِمَام عَلَى اَلْمِنْبَرِ إِلَى أَنْ تُقْضَى اَلصَّلَاةُ رَوَاهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مَخْرَمَةَ بْن بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَة بْن أَبِي مُوسَى أَنَّ اِبْن عُمَر سَأَلَهُ عَمَّا سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ فِي سَاعَة اَلْجُمُعَة فَقَالَ : سَمِعْت أَبِي يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ , وَهَذَا اَلْقَوْل يُمْكِنُ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْ اَللَّذَيْنِ قَبْلَهُ. ‏ ‏اَلسَّادِس وَالْعِشْرُونَ : عِنْدَ اَلتَّأْذِينِ وَعِنْدَ تَذْكِيرِ اَلْإِمَامِ وَعِنْدَ اَلْإِقَامَةِ رَوَاهُ حُمَيْدُ بْن زَنْجَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمِ بْن عَامِر عَنْ عَوْف بْن مَالِك اَلْأَشْجَعِيّ اَلصَّحَابِيّ. ‏ ‏اَلسَّابِع وَالْعِشْرُونَ : مَثْلُهُ لَكِنْ قَالَ : إِذَا أُذِّنَ وَإِذَا رُقِيَ اَلْمِنْبَر وَإِذَا أُقِيمَتْ اَلصَّلَاةُ رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَابْن اَلْمُنْذِر عَنْ أَبِي أُمَامَةَ اَلصَّحَابِيّ قَوْله قَالَ اَلزَّيْن بْن اَلْمُنِيرِ : مَا وَرَدَ عِنْدَ اَلْأَذَانِ مِنْ إِجَابَةِ اَلدُّعَاءِ فَيَتَأَكَّدُ يَوْمَ اَلْجُمُعَةَ وَكَذَلِكَ اَلْإِقَامَة , وَأَمَّا زَمَانُ جُلُوسِ اَلْإِمَامِ عَلَى اَلْمِنْبَرِ فَلِأَنَّهُ وَقْتُ اِسْتِمَاع اَلذِّكْر , وَالِابْتِدَاء فِي اَلْمَقْصُودِ مِنْ اَلْجُمُعَة. ‏ ‏اَلثَّامِن وَالْعِشْرُونَ : مِنْ حِينِ يَفْتَتِحُ اَلْإِمَامُ اَلْخُطْبَةَ حَتَّى يَفْرَغَ رَوَاهُ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن عَبْد اَلرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا وَإِسْنَاده ضَعِيف. ‏ ‏اَلتَّاسِع وَالْعِشْرُونَ : إِذَا بَلَغَ اَلْخَطِيب اَلْمِنْبَر وَأَخَذَ فِي اَلْخُطْبَةِ حَكَاهُ اَلْغَزَالِيّ فِي اَلْإِحْيَاءِ. ‏ ‏اَلثَّلَاثُونَ : عِنْدَ اَلْجُلُوسِ بَيْنَ اَلْخُطْبَتَيْنِ حَكَاهُ اَلطِّيبِيُّ عَنْ بَعْضِ شُرَّاح اَلْمَصَابِيح. ‏ ‏اَلْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ : إنَّهَا عِنْدَ نُزُولِ اَلْإِمَامِ مِنْ اَلْمِنْبَرِ رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَحُمَيْدُ بْن زَنْجَوَيْهِ وَابْن جَرِير وَابْن اَلْمُنْذِر بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي بُرْدَة قَوْله وَحَكَاهُ اَلْغَزَالِيّ قَوْلًا بِلَفْظ : إِذَا قَامَ اَلنَّاس إِلَى اَلصَّلَاةِ. ‏ ‏اَلثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ : حِينَ تُقَامُ اَلصَّلَاةُ حَتَّى يَقُومَ اَلْإِمَامُ فِي مَقَامِهِ حَكَاهُ اِبْن اَلْمُنْذِر عَنْ اَلْحَسَنِ أَيْضًا , وَرَوَى اَلطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَة بِنْت سَعْد نَحْوَهُ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ , ‏ ‏اَلثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ : مِنْ إِقَامَةِ اَلصَّفِّ إِلَى تَمَامِ اَلصَّلَاةِ رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ كَثِير بْن عَبْد اَللَّه بْن عَمْرو بْن عَوْف عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا وَفِيهِ : قَالُوا أَيَّة سَاعَةٍ يَا رَسُول اَللَّهِ ؟ قَالَ : حِينَ تُقَامُ اَلصَّلَاةُ إِلَى اَلِانْصِرَافِ مِنْهَا , وَقَدْ ضَعَّفَ كَثِير رِوَايَةَ كَثِير وَرَوَاهُ اَلْبَيْهَقِيّ فِي اَلشُّعَبِ مِنْ هَذَا اَلْوَجْهِ بِلَفْظِ مَا بَيْنَ أَنْ يَنْزِلَ اَلْإِمَامُ مِنْ اَلْمِنْبَرِ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ اَلصَّلَاة وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ عَنْ وَاصِل اَلْأَحْدَب عَنْ أَبِي بُرْدَة قَوْله , وَإِسْنَاده قَوِي إِلَيْهِ , وَفِيهِ أَنَّ اِبْن عُمَر اِسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُ وَبَرك عَلَيْهِ وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ , وَرَوَى اِبْن جَرِير وَسَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ نَحْوَهُ. ‏ ‏اَلرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ : هِيَ اَلسَّاعَةُ اَلَّتِي كَانَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِيهَا اَلْجُمُعَة رَوَاهُ اِبْن عَسَاكِر بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ , وَهَذَا يُغَايِرُ اَلَّذِي قَبْلَهُ مِنْ جِهَةِ إِطْلَاقِ ذَاكَ وَتَقْيِيدِ هَذَا , وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ صَلَاةَ اَلْجُمُعَةِ أَفْضَل صَلَوَاتِ ذَلِكَ اَلْيَوْمِ وَأَنَّ اَلْوَقْتَ اَلَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلَ اَلْأَوْقَاتِ , وَأَنَّ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ اَلْأَذَانِ وَالْخُطْبَةِ وَغَيْرهمَا وَسَائِلٌ وَصَلَاة اَلْجُمُعَةِ هِيَ اَلْمَقْصُودَةُ بِالذَّات , وَيُؤَيِّدُهُ وُرُود اَلْأَمْرِ فِي اَلْقُرْآنِ بِتَكْثِير اَلذِّكْر حَال اَلصَّلَاة كَمَا وَرَدَ اَلْأَمْرُ بِتَكْثِير اَلذِّكْر حَالَ اَلْقِتَالِ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اَللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَفِي قَوْلِهِ : ( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْم اَلْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اَللَّهِ - إِلَى أَنْ خَتَمَ اَلْآيَةَ بِقَوْلِهِ - وَاذْكُرُوا اَللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَلَيْسَ اَلْمُرَاد إِيقَاع اَلذِّكْرِ بَعْدَ اَلِانْتِشَارِ وَإِنْ عُطِفَ عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا اَلْمُرَادُ تَكْثِير اَلْمُشَار إِلَيْهِ أَوَّل اَلْآيَةِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏اَلْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ : مِنْ صَلَاةِ اَلْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ اَلشَّمْسِ رَوَاهُ اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس مَوْقُوفًا , وَمِنْ طَرِيقِ صَفْوَان بْن سُلَيْم عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيد مَرْفُوعًا بِلَفْظ \" فَالْتَمِسُوهَا بَعْدَ اَلْعَصْرِ \" وَذَكَرَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ أَنَّ قَوْلَهُ \" فَالْتَمِسُوهَا إِلَخْ \" مُدْرَج فِي اَلْخَبَرِ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَلَمَة , وَرَوَاهُ اِبْنُ مَنْدَهْ مِنْ هَذَا اَلْوَجْهِ وَزَاد \" أَغْفَلُ مَا يَكُونُ اَلنَّاس \" وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْم فِي اَلْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ اَلشَّيْبَانِيّ عَنْ عَوْن بْن عَبْد اَللَّه بْن عُتْبَةَ عَنْ أَخِيهِ عُبَيْد اَللَّه كَقَوْلِ اِبْن عَبَّاس , وَرَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْن وَرْدَانَ عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا بِلَفْظ \" بَعْدَ اَلْعَصْرِ إِلَى غَيْبُوبَةِ اَلشَّمْسِ \" وَإِسْنَادُهُ ضَعِيف. ‏ ‏اَلسَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ : فِي صَلَاةِ اَلْعَصْرِ رَوَاهُ عَبْد اَلرَّزَّاق عَنْ عُمَر بْن ذَرٍّ عَنْ يَحْيَى بْن إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا وَفِيهِ قِصَّة. ‏ ‏اَلسَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ : بَعْدَ اَلْعَصْرِ إِلَى آخِرِ وَقْتِ اَلِاخْتِيَارِ حَكَاهُ اَلْغَزَالِيّ فِي اَلْإِحْيَاءِ. ‏ ‏اَلثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ : بَعْدَ اَلْعَصْرِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي سَعِيد مُطْلَقًا , وَرَوَاهُ اِبْن عَسَاكِر مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن سَلَمَة اَلْأَنْصَارِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعِيد مَرْفُوعًا بِلَفْظ \" وَهِيَ بَعْدَ اَلْعَصْرِ \" وَرَوَاهُ اِبْن اَلْمُنْذِر عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ , وَرَوَاهُ اِبْن جُرَيْجٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيم بْن مَيْسَرَة عَنْ رَجُلٍ أَرْسَلَهُ عَمْرو بْن أُوَيْس إِلَى أَبِي هُرَيْرَة فَذَكَر مِثْله قَالَ : وَسَمِعْته عَنْ اَلْحَكَمِ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله , وَرَوَاهُ أَبُو بَكْر الْمَرْوَذِيُّ مِنْ طَرِيق اَلثَّوْرِيّ وَشُعْبَة جَمِيعًا عَنْ يُونُس بْن خَبَّابٍ قَالَ اَلثَّوْرِيّ : عَنْ عَطَاء , وَقَالَ شُعْبَة : عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْلُهُ \" وَقَالَ عَبْد اَلرَّزَّاق : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ اِبْن طَاوُس عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّاهَا بَعْدَ اَلْعَصْرِ , وَعَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اَلْعِلْمِ قَالَ : لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا مِنْ اِبْن عَبَّاس مِثْلَهُ , فَقِيلَ لَهُ : لَا صَلَاةَ بَعْدَ اَلْعَصْرِ , فَقَالَ : بَلَى , لَكِنْ مَنْ كَانَ فِي مُصَلَّاهُ لَمْ يَقُمْ مِنْهُ فَهُوَ فِي صَلَاة \". ‏ ‏اَلتَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ : مِنْ وَسَطِ اَلنَّهَارِ إِلَى قُرْبِ آخِرِ اَلنَّهَار كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّل اَلْبَابِ عَنْ سَلَمَة بْن عَلْقَمَة. ‏ ‏اَلْأَرْبَعُونَ : مِنْ حِينِ تَصْفَرُّالشَّمْسُ إِلَى أَنْ تَغِيبَ رَوَاهُ عَبْد اَلرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن كِيسَانَ عَنْ طَاوُس قَوْله , وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ اَلَّذِي بَعْدَهُ. ‏ ‏اَلْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ : آخِرُ سَاعَة بَعْدَ اَلْعَصْرِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِر مَرْفُوعًا وَفِي أَوَّلِهِ \" أَنَّ اَلنَّهَارَ اِثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَة \" وَرَوَاهُ مَالِك وَأَصْحَاب اَلسُّنَنِ وَابْن خُزَيْمَة وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ عَبْد اَللَّه بْنِ سَلَامٍ , قَوْلُه وَفِيهِ مُنَاظَرَةُ أَبِي هُرَيْرَة لَهُ فِي ذَلِكَ وَاحْتِجَاج عَبْد اَللَّه بْن سَلَام بِأَنَّ مُنْتَظِرَ اَلصَّلَاةِ فِي صَلَاة , وَرَوَى اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيقِ اَلْعَلَاءِ بْن عَبْد اَلرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْد اَللَّه اِبْن سَلَامٍ قَوْلَهُ وَلَا اَلْقِصَّة , وَمِنْ طَرِيقِ اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ سَعِيد اَلْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ كَعْب اَلْأَحْبَار قَوْله , وَقَالَ عَبْد اَلرَّزَّاق أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْن عُقْبَة أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ : حَدَّثَنَا عَبْد اَللَّه بْن عَامِر فَذَكَر مِثْله , وَرَوَى اَلْبَزَّار وَابْن جَرِير مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ عَبْد اَللَّه بْن سَلَام مِثْله , وَرَوَى اِبْن أَبِي خَيْثَمَة مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعِيد فَذَكَرَ اَلْحَدِيث وَفِيهِ : قَالَ أَبُو سَلَمَةَ فَلَقِيت عَبْد اَللَّه بْن سَلَام فَذَكَرت لَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يُعَرِّضْ بِذِكْرِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ قَالَ : اَلنَّهَارُ اِثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَة , وَإِنَّهَا لَفِي آخِرِ سَاعَة مِنْ اَلنَّهَارِ. وَلِابْن خُزَيْمَة مِنْ طَرِيقِ أَبِي اَلنَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْد اَللَّه بْن سَلَام قَالَ : قَلَتْ - وَرَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِس - إِنَّا لَنَجِد فِي كِتَابِ اَللَّهِ أَنَّ فِي اَلْجُمُعَة سَاعَة , فَقَالَ رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْ بَعْض سَاعَة , قُلْت : نَعَمْ أَوْ بَعْض سَاعَة اَلْحَدِيثَ , وَفِيهِ : قُلْت أَيّ سَاعَة ؟ فَذَكَرَهُ. وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اَلْقَائِل \" قُلْت \" عَبْد اَللَّه بْن سَلَام فَيَكُونُ مَرْفُوعًا , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبَا سَلَمَةَ فَيَكُونُ مَوْقُوفًا وَهُوَ اَلْأَرْجَحُ لِتَصْرِيحِهِ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير بِأَنَّ عَبْد اَللَّه بْن سَلَام لَمْ يَذْكُرْ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اَلْجَوَابِ. ‏ ‏اَلثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ : مِنْ حِينِ يَغِيبُ نِصْف قُرْصِ اَلشَّمْسِ , أَوْ مِنْ حِينِ تُدْلِي اَلشَّمْس لِلْغُرُوبِ إِلَى أَنْ يَتَكَامَلَ غُرُوبهَا رَوَاهُ اَلطَّبَرَانِيّ فِي اَلْأَوْسَطِ والدَّارَقُطْنِيُّ فِي اَلْعِلَلِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي اَلشُّعَبِ وَفَضَائِل اَلْأَوْقَاتِ مِنْ طَرِيقِ زَيْد بْن عَلِيّ بْن اَلْحُسَيْن بْن عَلِيّ حَدَّثَتْنِي مُرْجَانَة مَوْلَاة فَاطِمَة بِنْت رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : حَدَّثَتْنِي فَاطِمَة عَلَيْهَا اَلسَّلَامُ عَنْ أَبِيهَا فَذَكَرَ اَلْحَدِيث , وَفِيهِ : قَلَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيّ سَاعَةٍ هِيَ ؟ قَالَ : إِذَا تَدَلَّى نِصْف اَلشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ. فَكَانَتْ فَاطِمَة إِذَا كَانَ يَوْم اَلْجُمُعَةِ أَرْسَلَتْ غُلَامًا لَهَا يُقَالُ لَهُ زَيْد يَنْظُرُ لَهَا اَلشَّمْس فَإِذَا أَخْبَرَهَا أَنَّهَا تَدَلَّتْ لِلْغُرُوبِ أَقْبَلَتْ عَلَى اَلدُّعَاءِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ , فِي إِسْنَادِهِ اِخْتِلَاف عَلَى زَيْد بْن عَلِيّ , وَفِي بَعْضِ رُوَاتِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْهِ فِي مَسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن رَاشِد عَنْ زَيْد بْن عَلِيٍّ عَنْ فَاطِمَة لَمْ يَذْكُرْ مُرْجَانَةَ وَقَالَ فِيهِ : إِذَا تَدَلَّتْ اَلشَّمْس لِلْغُرُوبِ وَقَالَ فِيهِ : تَقُولُ لِغُلَامٍ يُقَالُ لَهُ أَرْبَد : اِصْعَدْ عَلَى اَلظِّرَاب , فَإِذَا تَدَلَّتْ اَلشَّمْس لِلْغُرُوبِ فَأَخْبِرْنِي , وَالْبَاقِي نَحْوُهُ , وَفِي آخِرِهِ : ثُمَّ تُصَلِّي يَعْنِي اَلْمَغْرِب. فَهَذَا جَمِيع مَا اِتَّصَلَ إِلَيَّ مِنْ اَلْأَقْوَالِ فِي سَاعَة اَلْجُمُعَة مَعَ ذِكْرِ أَدِلَّتِهَا وَبَيَانِ حَالِهَا فِي اَلصِّحَّةِ وَالضَّعْفِ وَالرَّفْعِ وَالْوَقْفِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى مَأْخَذِ بَعْضِهَا , وَلَيْسَتْ كُلّهَا مُتَغَايِرَة مِنْ كُلِّ جِهَةٍ بَلْ كَثِير مِنْهَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّحِدَ مَعَ غَيْرِهِ. ثُمَّ ظَفَرْت بَعْدَ كِتَابَةِ هَذَا بِقَوْلٍ زَائِدٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ غَيْرُ مَنْقُول , اِسْتَنْبَطَهُ صَاحِبُنَا اَلْعَلَّامَةُ اَلْحَافِظُ شَمْس اَلدِّينِ اَلْجَزَرِيُّ وَأَذِنَ لِي فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ اَلْمُسَمَّى \" اَلْحِصْن اَلْحَصِين \" فِي اَلْأَدْعِيَةِ لَمَّا ذَكَرَ اَلِاخْتِلَافَ فِي سَاعَة اَلْجُمُعَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَقْوَالٍ مِمَّا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ مَا نَصُّهُ : وَاَلَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَّهَا وَقْتُ قِرَاءَةِ اَلْإِمَامِ اَلْفَاتِحَةَ فِي صَلَاة اَلْجُمُعَةِ إِلَى أَنْ يَقُولَ آمِينَ , جَمْعًا بَيْنَ اَلْأَحَادِيثِ اَلَّتِي صَحَّتْ. ‏ ‏كَذَا قَالَ , وَيَخْدِشُ فِيهِ أَنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَى اَلدَّاعِي حِينَئِذٍ اَلْإِنْصَات لِقِرَاءَةِ اَلْإِمَامِ , فَلْيُتَأَمَّلْ. قَالَ اَلزَّيْن بْن اَلْمُنِيرِ : يَحْسُنُ جَمْع اَلْأَقْوَالِ , وَكَانَ قَدْ ذَكَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ عَشْرَة أَقْوَالٍ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ. قَالَ : فَتَكُونُ سَاعَة اَلْإِجَابَة وَاحِدَة مِنْهَا لَا بِعَيْنِهَا , فَيُصَادِفُهَا مَنْ اِجْتَهَدَ فِي اَلدُّعَاءِ فِي جَمِيعِهَا وَاَللَّهُ اَلْمُسْتَعَانُ. وَلَيْسَ اَلْمُرَاد مِنْ أَكْثَرِهَا أَنَّهُ يَسْتَوْعِبُ جَمِيع اَلْوَقْتِ اَلَّذِي عُيِّنَ , بَلْ اَلْمَعْنَى أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَثْنَائِهِ لِقَوْلِهِ فِيمَا مَضَى \" يُقَلِّلُهَا \" وَقَوْلِهِ \" وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ \". وَفَائِدَةُ ذِكْرِ اَلْوَقْت أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فِيهِ فَيَكُونُ اِبْتِدَاء مَظِنَّتهَا اِبْتِدَاءُ اَلْخُطْبَةِ مَثَلًا وَانْتِهَاؤُهُ اِنْتِهَاء اَلصَّلَاةِ. وَكَأَنَّ كَثِيرًا مِنْ اَلْقَائِلِينَ عَيَّنَ مَا اِتَّفَقَ لَهُ وُقُوعهَا فِيهِ مِنْ سَاعَةٍ فِي أَثْنَاءِ وَقْتٍ مِنْ اَلْأَوْقَاتِ اَلْمَذْكُورَةِ , فَبِهَذَا اَلتَّقْرِيرِ يَقِلُّ اَلِانْتِشَار جِدًّا , وَلَا شَكَّ أَنَّ أَرْجَحَ اَلْأَقْوَالِ اَلْمَذْكُورَةِ حَدِيث أَبِي مُوسَى وَحَدِيث عَبْد اَللَّه بْن سَلَام كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ اَلْمُحِبُّ اَلطَّبَرِيُّ : أَصَحُّ اَلْأَحَادِيثِ فِيهَا حَدِيث أَبِي مُوسَى , وَأَشْهَر اَلْأَقْوَال فِيهَا قَوْل عَبْد اَللَّه بْن سَلَام ا ه. وَمَا عَدَاهُمَا إِمَّا مُوَافِق لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا أَوْ ضَعِيف اَلْإِسْنَادِ أَوْ مَوْقُوف اِسْتَنَدَ قَائِله إِلَى اِجْتِهَادٍ دُونَ تَوْقِيف , وَلَا يُعَارِضُهُمَا حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي كَوْنِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنْسِيهَا بَعْدَ أَنْ عَلِمَهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَا سَمِعَا ذَلِكَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ أُنْسِيَ , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اَلْبَيْهَقِيّ وَغَيْره. وَقَدْ اِخْتَلَفَ اَلسَّلَف فِي أَيِّهِمَا أَرْجَح , فَرَوَى اَلْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي اَلْفَضْلِ أَحْمَد بْن سَلَمَةَ اَلنَّيْسَابُورِيّ أَنَّ مُسْلِمًا قَالَ : حَدِيثُ أَبِي مُوسَى أَجْوَد شَيْءٍ فِي هَذَا اَلْبَابِ وَأَصَحّه , بِذَلِكَ قَالَ اَلْبَيْهَقِيّ وَابْن اَلْعَرَبِيِّ وَجَمَاعَة. وَقَالَ اَلْقُرْطُبِيّ : هُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ اَلْخِلَافِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ اَلنَّوَوِيّ : هُوَ اَلصَّحِيحُ , بَلْ اَلصَّوَاب. وَجَزَمَ فِي اَلرَّوْضَةِ بِأَنَّهُ اَلصَّوَابُ , وَرَجَّحَهُ أَيْضًا بِكَوْنِهِ مَرْفُوعًا صَرِيحًا وَفِي أَحَدِ اَلصَّحِيحَيْنِ , وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ عَبْد اَللَّه بْن سَلَام فَحَكَى اَلتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : أَكْثَرُ اَلْأَحَادِيثِ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ : إِنَّهُ أَثْبَتُ شَيْء فِي هَذَا اَلْبَابِ. وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد اَلرَّحْمَن أَنَّ نَاسًا مِنْ اَلصَّحَابَةِ اِجْتَمَعُوا فَتَذَاكَرُوا سَاعَة اَلْجُمُعَة ثُمَّ اِفْتَرَقُوا فَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهَا آخِرُ سَاعَة مِنْ يَوْم اَلْجُمُعَةِ. وَرَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِنْ اَلْأَئِمَّةِ أَيْضًا كَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَمِنْ اَلْمَالِكِيَّةِ اَلطُّرْطُوشِيّ , وَحَكَى اَلْعَلَائِيّ أَنَّ شَيْخَهُ اِبْن الزَّمْلَكَانِيِّ شَيْخ اَلشَّافِعِيَّةِ فِي وَقْتِهِ كَانَ يَخْتَارُهُ وَيَحْكِيه عَنْ نَصِّ اَلشَّافِعِيِّ. وَأَجَابُوا عَنْ كَوْنِهِ لَيْسَ فِي أَحَدِ اَلصَّحِيحَيْنِ بِأَنَّ اَلتَّرْجِيحَ بِمَا فِي اَلصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدهمَا إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ لَا يَكُونُ مِمَّا اِنْتَقَدَهُ اَلْحُفَّاظُ , كَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى هَذَا فَإِنَّهُ أُعِلَّ بِالِانْقِطَاعِ وَالِاضْطِرَابِ : أَمَّا اَلِانْقِطَاعُ فَلِأَنَّ مَخْرَمَة بْنَ بُكَيْرٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ , قَالَهُ أَحْمَد عَنْ حَمَّاد بْن خَالِد عَنْ مَخْرَمَة نَفْسه , وَكَذَا قَالَ سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم عَنْ مُوسَى بْن سَلَمَة عَنْ مَخْرَمَة وَزَاد : إِنَّمَا هِيَ كُتُبٌ كَانَتْ عِنْدَنَا. وَقَالَ عَلِيّ بْن اَلْمَدِينِيّ : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ اَلْمَدِينَةِ يَقُولُ عَنْ مَخْرَمَةَ إِنَّهُ قَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ حَدِيثِهِ سَمِعْت أَبِي , وَلَا يُقَالُ مُسْلِم يَكْتَفِي فِي الْمُعَنْعَنِ بِإِمْكَانِ اَللِّقَاءِ مَعَ اَلْمُعَاصَرَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ هُنَا لِأَنَّا نَقُولُ : وُجُودُ اَلتَّصْرِيحِ عَنْ مَخْرَمَةَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ كَافٍ فِي دَعْوَى اَلِانْقِطَاعِ. وَأَمَّا اَلِاضْطِرَابُ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق وَوَاصِل اَلْأَحْدَب وَمُعَاوِيَة بْن قُرَّة وَغَيْرهمْ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ مِنْ قَوْلِهِ , وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ اَلْكُوفَةِ وَأَبُو بُرْدَةَ كُوفِيٌّ فَهُمْ أَعْلَمُ بِحَدِيثِهِ مِنْ بُكَيْرٍ اَلْمَدَنِيّ , وَهُمْ عَدَدٌ وَهُوَ وَاحِد. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ عِنْد أَبِي بُرْدَة مَرْفُوعًا لَمْ يُفْتِ فِيهِ بِرَأْيهِ بِخِلَاف اَلْمَرْفُوع , وَلِهَذَا جَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَنَّ اَلْمَوْقُوفَ هُوَ اَلصَّوَابُ , وَسَلَكَ صَاحِبُ اَلْهُدَى مَسْلَكًا آخَرَ فَاخْتَارَ أَنَّ سَاعَة اَلْإِجَابَةِ مُنْحَصِرَة فِي أَحَدِ اَلْوَقْتَيْنِ اَلْمَذْكُورَيْنِ , وَأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُعَارِضُ اَلْآخَر لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلَّ عَلَى أَحَدِهِمَا فِي وَقْتٍ وَعَلَى اَلْآخَرِ فِي وَقْتٍ آخَرَ , وَهَذَا كَقَوْلِ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ : اَلَّذِي يَنْبَغِي اَلِاجْتِهَادُ فِي اَلدُّعَاءِ فِي اَلْوَقْتَيْنِ اَلْمَذْكُورَيْنِ. وَسَبَقَ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ اَلْإِمَامِ أَحْمَد , وَهُوَ أَوْلَى فِي طَرِيقِ اَلْجَمْعِ. وَقَالَ اِبْن اَلْمُنِير فِي اَلْحَاشِيَةِ : إِذَا عُلِمَ أَنَّ فَائِدَةَ اَلْإِبْهَامِ لِهَذِهِ اَلسَّاعَةِ وَلِلَيْلَةِ اَلْقَدْرِ بَعْث اَلدَّاعِي عَلَى اَلْإِكْثَارِ مِنْ اَلصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ , وَلَوْ بَيَّنَ لَاتَّكَلَ اَلنَّاس عَلَى ذَلِكَ وَتَرَكُوا مَا عَدَاهَا , فَالْعَجَب بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّنْ يَجْتَهِدُ فِي طَلَبِ تَحْدِيدِهَا. وَفِي اَلْحَدِيثِ مِنْ اَلْفَوَائِدِ غَيْر مَا تَقَدَّمَ فَضْل يَوْم اَلْجُمُعَةِ لِاخْتِصَاصِهِ بِسَاعَة اَلْإِجَابَة , وَفِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ خَيْر يَوْم طَلَعَتْ عَلَيْهِ اَلشَّمْسُ. وَفِيهِ فَضْلُ اَلدُّعَاءِ وَاسْتِحْبَابُ اَلْإِكْثَارِ مِنْهُ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى بَقَاءِ اَلْإِجْمَالِ بَعْدَ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُعُقِّبَ بِأَنْ لَا خِلَافَ فِي بَقَاءِ اَلْإِجْمَالِ فِي اَلْأَحْكَامِ اَلشَّرْعِيَّةِ لَا فِي اَلْأُمُورِ اَلْوُجُودِيَّةِ كَوَقْتِ اَلسَّاعَةِ , فَهَذَا اَلِاخْتِلَاف فِي إِجْمَالِهِ , وَالْحُكْم اَلشَّرْعِيّ اَلْمُتَعَلِّق بِسَاعَة اَلْجُمُعَة وَلَيْلَةِ اَلْقَدْرِ - وَهُوَ تَحْصِيل اَلْأَفْضَلِيَّة - يُمْكِنُ اَلْوُصُولُ إِلَيْهِ وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ بِاسْتِيعَاب اَلْيَوْمِ أَوْ اَللَّيْلَةِ , فَلَمْ يَبْقَ فِي اَلْحُكْمِ اَلشَّرْعِيِّ إِجْمَال وَاَللَّه أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ : ظَاهِرُ اَلْحَدِيث حُصُول اَلْإِجَابَةِ لِكُلّ دَاعٍ بِالشَّرْطِ اَلْمُتَقَدِّم مَعَ أَنَّ اَلزَّمَانَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اَلْبِلَادِ وَالْمُصَلِّي فَيَتَقَدَّمُ بَعْض عَلَى بَعْض , وَسَاعَة اَلْإِجَابَة مُتَعَلِّقَة بِالْوَقْتِ , فَكَيْفَ تَتَّفِقُ مَعَ اَلِاخْتِلَافِ ؟ أُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ سَاعَة اَلْإِجَابَة مُتَعَلِّقَة بِفِعْلِ كُلّ مُصَلٍّ , كَمَا قِيلَ نَظِيرُهُ فِي سَاعَة اَلْكَرَاهَة , وَلَعَلَّ هَذَا فَائِدَة جَعْلِ اَلْوَقْت اَلْمُمْتَدّ مَظِنَّة لَهَا وَإِنْ كَانَتْ هِيَ خَفِيفَة , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبَّرَ عَنْ اَلْوَقْتِ بِالْفِعْلِ فَيَكُونُ اَلتَّقْدِير وَقْت جَوَاز اَلْخُطْبَة أَوْ اَلصَّلَاة وَنَحْو ذَلِكَ , وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "884",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا ‏ ‏فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا ‏ ‏انْفَضُّوا ‏ ‏إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حُصَيْنٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اَلرَّحْمَن اَلْوَاسِطِيّ وَمَدَار هَذَا اَلْحَدِيثِ فِي اَلصَّحِيحَيْنِ عَلَيْهِ , وَقَدْ رَوَاهُ تَارَةً عَنْ سَالِم بْن أَبِي اَلْجَعْدِ وَحْدَهُ كَمَا هُنَا وَهِيَ رِوَايَةُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ , وَتَارَةً عَنْ أَبِي سُفْيَان طَلْحَة بْن نَافِع وَحْدَهُ وَهِيَ رِوَايَةُ قَيْس بْن اَلرَّبِيع وَإِسْرَائِيل عِنْدَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ , وَتَارَة جُمِعَ بَيْنَهُمَا عَنْ جَابِر وَهِيَ رِوَايَةُ خَالِد بْن عَبْد اَللَّه عِنْدَ اَلْمُصَنِّفِ فِي اَلتَّفْسِيرِ وَعِنْد مُسْلِم , وَكَذَا رِوَايَة هُشَيْم عِنْدَهُ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ خَالِد اَلْمَذْكُورَة عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي اَلْمُسْتَخْرَجِ \" بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اَلصَّلَاةِ \" وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّ اِنْفِضَاضَهُمْ وَقَعَ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِي اَلصَّلَاةِ , لَكِنْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَةِ عَبْد اَللَّه بْن إِدْرِيس عَنْ حُصَيْنٍ \" وَرَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ \" وَلَهُ فِي رِوَايَة هُشَيْمٍ \" بَيْنَا اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِم - زَادَ أَبُو عَوَانَةُ فِي صَحِيحِهِ وَاَلتِّرْمِذِيّ والدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ - يَخْطُبُ \" وَمِثْلُهُ لِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبَّاد بْن اَلْعَوَّام , وَلِعَبْد بْن حُمَيْد مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَان بْن كَثِير كِلَاهُمَا عَنْ حُصَيْنٍ , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ قَيْس بْن اَلرَّبِيع وَإِسْرَائِيل , وَمِثْله فِي حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس عِنْدَ اَلْبَزَّارِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد اَلطَّبَرَانِيّ فِي اَلْأَوْسَطِ وَفِي مُرْسَل قَتَادَةَ عِنْد اَلطَّبَرَانِيّ وَغَيْره. فَعَلَى هَذَا فَقَوْله \" نُصَلِّي \" أَيْ نَنْتَظِرُ اَلصَّلَاةَ. وَقَوْلُهُ \" فِي اَلصَّلَاةِ \" أَيْ فِي اَلْخُطْبَةِ مَثَلًا وَهُوَ مِنْ تَسْمِيَةِ اَلشَّيْءِ بِمَا قَارَبَهُ , فَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ اَلرِّوَايَتَيْنِ , وَيُؤَيِّدُهُ اِسْتِدْلَال اِبْن مَسْعُود عَلَى اَلْقِيَامِ فِي اَلْخُطْبَةِ بِالْآيَةِ اَلْمَذْكُورَةِ كَمَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ , وَكَذَا اِسْتَدَلَّ بِهِ كَعْبُ بْن عُجْرَةَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ , وَحَمَلَ اِبْن اَلْجَوْزِيِّ قَوْله \" يَخْطُبُ قَائِمًا \" عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ غَيْر خَبَر كَوْنهمْ كَانُوا مَعَهُ فِي اَلصَّلَاةِ فَقَالَ : اَلتَّقْدِيرُ صَلَّيْنَا مَعَ رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا اَلْحَدِيث , وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ ) ‏ ‏بِكَسْرِ اَلْمُهْمَلَةِ هِيَ اَلْإِبِلُ اَلَّتِي تَحْمِلُ اَلتِّجَارَةَ طَعَامًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ , وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا. وَنَقَلَ اِبْن عَبْد اَلْحَقّ فِي جَمْعِهِ أَنَّ اَلْبُخَارِيَّ لَمْ يُخَرِّجْ قَوْلَهُ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا وَهُوَ ذُهُولٌ مِنْهُ , نَعَمْ سَقَطَ ذَلِكَ فِي اَلتَّفْسِيرِ وَثَبَتَ هُنَا وَفِي أَوَائِل اَلْبُيُوعِ وَزَادَ فِيهِ أَنَّهَا أَقْبَلَتْ مِنْ اَلشَّامِ , وَمِثْله لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جَرِير عَنْ حُصَيْن , وَوَقَعَ عِنْدَ اَلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ اَلسُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِك وَمُرَّةَ فَرْقُهُمَا أَنَّ اَلَّذِي قَدِمَ بِهَا مِنْ اَلشَّامِ دِحْيَة بْن خَلِيفَة اَلْكَلْبِيّ , وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس عِنْدَ اَلْبَزَّارِ , وَلِابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق اَلضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس \" جَاءَتْ عِيرٌ لِعَبْد اَلرَّحْمَن بْن عَوْف \" وَجُمِعَ بَيْنَ هَاتَيْنِ اَلرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ اَلتِّجَارَةَ كَانَتْ لِعَبْد اَلرَّحْمَن بْن عَوْف وَكَانَ دِحْيَة اَلسَّفِير فِيهَا أَوْ كَانَ مُقَارِضًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ وَهْبٍ عَنْ اَللَّيْثِ أَنَّهَا كَانَتْ لِوَبَرَة اَلْكَلْبِيّ , وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ كَانَ رَفِيق دِحْيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْنِ فُضَيْلٍ فِي اَلْبُيُوعِ \" فَانْفَضَّ اَلنَّاس \" وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلَفْظِ اَلْقُرْآنِ وَدَالٌّ عَلَى أَنَّ اَلْمُرَادَ بِالِالْتِفَاتِ اَلِانْصِرَاف , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ حَمَلَ اَلِالْتِفَات عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ : لَا يُفْهَمُ مِنْ هَذَا اَلِانْصِرَافُ عَنْ اَلصَّلَاةِ وَقَطْعهَا , وَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ اِلْتِفَاتهمْ بِوُجُوهِهِمْ أَوْ بِقُلُوبِهِمْ , وَأَمَّا هَيْئَةُ اَلصَّلَاة اَلْمُجْزِئَةُ فَبَاقِيَة. ثُمَّ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اَلِانْفِضَاضَ وَقَعَ فِي اَلصَّلَاةِ , وَقَدْ تَرَجَّحَ فِيمَا مَضَى أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ فِي اَلْخُطْبَةِ , فَلَوْ كَانَ كَمَا قِيلَ لَمَا وَقَعَ هَذَا اَلْإِنْكَارُ اَلشَّدِيدُ , فَإِنَّ اَلِالْتِفَاتَ فِيهَا لَا يُنَافِي اَلِاسْتِمَاع , وَقَدْ غَفَلَ قَائِلُهُ عَنْ بَقِيَّةِ أَلْفَاظِ اَلْخَبَرِ. وَفِي قَوْلِهِ \" فَالْتَفَتُوا \" اَلْحَدِيث اِلْتِفَات لِأَنَّ اَلسِّيَاقَ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ فَالْتَفَتْنَا , وَكَأَنَّ اَلْحِكْمَةَ فِي عُدُولِ جَابِر عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ اِلْتَفَتْ كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا اِثْنَيْ عَشَر ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ لَيْسَ هَذَا اَلِاسْتِثْنَاء مُفَرَّغًا فَيَجِبُ رَفْعُهُ , بَلْ هُوَ مِنْ ضَمِير بَقِيَ اَلَّذِي يَعُودُ إِلَى اَلْمُصَلِّي فَيَجُوزُ فِيهِ اَلرَّفْعُ وَالنَّصْبُ , قَالَ : وَقَدْ ثَبَتَ اَلرَّفْعُ فِي بَعْضِ اَلرِّوَايَاتِ ا ه. وَوَقَعَ فِي تَفْسِير اَلطَّبَرِيّ وَابْن أَبِي حَاتِم بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى أَبِي قَتَادَةَ قَالَ \" قَالَ لَهُمْ رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمْ أَنْتُمْ ؟ فَعَدُّوا أَنْفُسهمْ , فَإِذَا هُمْ اِثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَاِمْرَأَة \" وَفِي تَفْسِيرِ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي زِيَاد اَلشَّامِيِّ \" وَاِمْرَأَتَانِ \" وَلِابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس \" وَسَبْع نِسْوَة \" لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيف. وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ اَلرِّوَايَات كُلّهَا عَلَى اِثْنَيْ عَشَر رَجُلًا إِلَّا مَا رَوَاهُ عَلِيّ بْن عَاصِم عَنْ حُصَيْنٍ بِالْإِسْنَادِ اَلْمَذْكُورِ فَقَالَ \" إِلَّا أَرْبَعِينَ رَجُلًا \" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ عَلِيُّ بْن عَاصِم وَهُوَ ضَعِيف اَلْحِفْظ , وَخَالَفَهُ أَصْحَاب حُصَيْنٍ كُلّهمْ. وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُمْ فَوَقَع فِي رِوَايَةِ خَالِد اَلطَّحَّان عِنْد مُسْلِم أَنَّ جَابِرًا قَالَ \" أَنَا فِيهِمْ \" وَلَهُ فِي رِوَايَة هُشَيْمٍ \" فِيهِمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر \" , وَفِي اَلتِّرْمِذِيِّ أَنَّ هَذِهِ اَلزِّيَادَةَ فِي رِوَايَة حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي سُفْيَان دُون سَالِم , وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ اَلْحَسَنِ مُرْسَلًا وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات , وَفِي تَفْسِيرِ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي زِيَاد اَلشَّامِيِّ \" أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْهُمْ \" وَرَوَى اَلْعُقَيْلِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ مِنْهُمْ اَلْخُلَفَاءَ اَلْأَرْبَعَةَ وَابْن مَسْعُود وَأُنَاسًا مِنْ اَلْأَنْصَارِ \" وَحَكَى اَلسُّهَيْلِيّ أَنَّ أَسَد بْن عَمْرو رَوَى بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ \" أَنَّ الْاِثْنَيْ عَشَر هُمْ اَلْعَشْرَة اَلْمُبَشَّرَة وَبِلَال وَابْن مَسْعُود \" قَالَ وَفِي رِوَايَةِ \" عَمَّار \" بَدَلَ اِبْن مَسْعُود ا ه. وَرِوَايَةُ اَلْعُقَيْلِيّ أَقْوَى وَأَشْبَهُ بِالصَّوَابِ , ثُمَّ وَجَدْت رِوَايَة أَسَد بْن عَمْرو عِنْد اَلْعُقَيْلِيّ بِسَنَدٍ مُتَّصِلٍ لَا كَمَا قَالَ اَلسُّهَيْلِيّ إنَّهُ مُنْقَطِعٌ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة أَسَد عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِم. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ ) ‏ ‏ظَاهِر فِي أَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ قُدُومِ اَلْعِيرِ اَلْمَذْكُورَةِ , وَالْمُرَادِ بِاللَّهْوِ عَلَى هَذَا مَا يَنْشَأُ مِنْ رُؤْيَةِ اَلْقَادِمِينَ وَمَا مَعَهُمْ. وَوَقَعَ عِنْدَ اَلشَّافِعِيِّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا \" كَانَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْم اَلْجُمُعَةِ , وَكَانَتْ لَهُمْ سُوق كَانَتْ بَنُو سَلِيمٍ يَجْلِبُونَ إِلَيْهَا اَلْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَاَلسَّمْن , فَقَدِمُوا فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ اَلنَّاسُ وَتَرَكُوهُ , وَكَانَ لَهُمْ لَهْوٌ يَضْرِبُونَهُ فَنَزَلَتْ \" وَوَصَلَه أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالطَّبَرِيّ بِذِكْرِ جَابِر فِيهِ \" أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا نَكَحُوا تَضْرِبُ اَلْجَوَارِي بِالْمَزَامِيرِ فَيَشْتَدُّ اَلنَّاس إِلَيْهِمْ وَيَدْعُونَ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ \" وَفِي مُرْسَلِ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْد بْن حُمَيْدٍ \" كَانَ رِجَال يَقُومُونَ إِلَى نَوَاضِحِهِمْ , وَإِلَى اَلسَّفَرِ يَقْدَمُونَ يَبْتَغُونَ اَلتِّجَارَة وَاللَّهْو , فَنَزَلَتْ \" وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ تَنْزِلَ فِي اَلْأَمْرَيْنِ مَعًا وَأَكْثَرَ , وَسَيَأْتِي اَلْكَلَام عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى مَعَ تَفْسِيرِ اَلْآيَةِ اَلْمَذْكُورَةِ فِي كِتَابِ اَلتَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. وَالنُّكْتَةُ فِي ‏ ‏قَوْله : ( اِنْفَضُّوا إِلَيْهَا ) ‏ ‏دُونَ قَوْلِهِ إِلَيْهِمَا أَوْ إِلَيْهِ أَنَّ اَللَّهْوَ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لِذَاته وَإِنَّمَا كَانَ تَبَعًا لِلتِّجَارَةِ , أَوْ حُذِفَ لِدَلَالَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى اَلْآخَرِ. وَقَالَ اَلزَّجَّاجُ : أُعِيدَ اَلضَّمِير إِلَى اَلْمَعْنَى , أَيْ اِنْفَضُّوا إِلَى اَلرُّؤْيَةِ أَيْ لِيَرَوْا مَا سَمِعُوهُ. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏ذَكَرَ اَلْحُمَيْدِيّ فِي اَلْجَمْعِ أَنَّ أَبَا مَسْعُود اَلدِّمَشْقِيّ ذَكَرَ فِي آخِرِ هَذَا اَلْحَدِيثِ أَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" لَوْ تَتَابَعْتُمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْكُمْ أَحَدٌ لَسَالَ بِكُمْ اَلْوَادِي نَارًا \" قَالَ : وَهَذَا لَمْ أَجِدْهُ فِي اَلْكِتَابَيْنِ وَلَا فِي مُسْتَخْرَجَيْ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبُرْقَانِيِّ , قَالَ : وَهِيَ فَائِدَةٌ مِنْ أَبِي مَسْعُود , وَلَعَلَّنَا نَجِدُهَا بِالْإِسْنَادِ فِيمَا بَعْدُ اِنْتَهَى. وَلَمْ أَرَ هَذِهِ اَلزِّيَادَةَ فِي اَلْأَطْرَافِ لِأَبِي مَسْعُود وَلَا هِيَ فِي شَيْءٍ مِنْ طَرُقِ حَدِيثِ جَابِر اَلْمَذْكُورَة , وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِي مُرْسَلَيْ اَلْحَسَنِ وَقَتَادَةَ اَلْمُتَقَدِّم ذِكْرُهُمَا , وَكَذَا فِي حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس عِنْدَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ وَفِي حَدِيثِ أَنَس عِنْدَ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي زِيَاد وَسَنَده سَاقِط. وَفِي هَذَا اَلْحَدِيثِ مِنْ اَلْفَوَائِدِ غَيْر مَا تَقَدَّمَ أَنَّ اَلْخُطْبَةَ تَكُونُ عَنْ قِيَامٍ كَمَا تَقَدَّمَ , وَأَنَّهَا مُشْتَرَطَة فِي اَلْجُمُعَة حَكَاهُ اَلْقُرْطُبِيّ وَاسْتَبْعَدَهُ , وَأَنَّ اَلْبَيْعَ وَقْتَ اَلْجُمُعَة يَنْعَقِدُ تَرْجَمَ عَلَيْهِ سَعِيد بْن مَنْصُور , وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَوْنِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِفَسْخٍ مَا تَبَايَعُوا فِيهِ مِنْ اَلْعِيرِ اَلْمَذْكُورَةِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ تَرْك سَمَاع اَلْخُطْبَةِ بَعْدَ اَلشُّرُوعِ فِيهَا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز اِنْعِقَاد اَلْجُمُعَة بِاثْنَيْ عَشَر نَفْسًا وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَة , وَيَجِيءُ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ , وَوَجْه اَلدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ اَلْعَدَدَ اَلْمُعْتَبَرَ فِي اَلِابْتِدَاءِ يُعْتَبَرُ فِي اَلدَّوَامِ فَلَمَّا لَمْ تَبْطُلْ اَلْجُمُعَة بِانْفِضَاض اَلزَّائِد عَلَى الِاثْنَيْ عَشَر دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَافٍ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَمَادَى حَتَّى عَادُوا أَوْ عَادَ مَنْ تُجْزِئُ بِهِمْ , إِذْ لَمْ يَرِدْ فِي اَلْخَبَرِ أَنَّهُ أَتَمَّ اَلصَّلَاةَ. وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ أَتَمّهَا ظُهْرًا. وَأَيْضًا فَقَدْ فَرَّقَ كَثِير مِنْ اَلْعُلَمَاءِ بَيْنَ اَلِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ فِي هَذَا فَقِيلَ : إِذَا اِنْعَقَدَتْ لَمْ يَضُرَّ مَا طَرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ بَقِيَ اَلْإِمَامُ وَحْدَهُ. وَقِيلَ : يُشْتَرَطُ بَقَاء وَاحِد مَعَهُ , وَقِيلَ اِثْنَيْنِ , وَقِيلَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إِذَا اِنْفَضُّوا بَعْد تَمَامِ اَلرَّكْعَةِ اَلْأُولَى فَلَا يَضُرُّ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ , وَإِلَى ظَاهِرِ هَذَا اَلْحَدِيثِ صَارَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فَقَالَ : إِذَا تَفَرَّقُوا بَعْدَ اَلِانْعِقَادِ فَيُشْتَرَطُ بَقَاء اِثْنَيْ عَشَر رَجُلًا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ظَاهِرَ تَرْجَمَةِ اَلْبُخَارِيّ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَتَقَيَّدَ اَلْجَمْع اَلَّذِي يَبْقَى مَعَ اَلْإِمَامِ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ , وَتَقَدَّمَ تَرْجِيح كَوْنِ اَلِانْفِضَاض وَقَعَ فِي اَلْخُطْبَةِ لَا فِي اَلصَّلَاةِ , وَهُوَ اَللَّائِقُ بِالصَّحَابَةِ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِمْ , وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ فِي اَلصَّلَاةِ حُمِلَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ اَلنَّهْي كَآيَة ( لَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ , وَقَبْلَ اَلنَّهْيِ عَنْ اَلْفِعْلِ اَلْكَثِير فِي اَلصَّلَاةِ. وَقَوْلُ اَلْمُصَنِّفِ فِي اَلتَّرْجَمَةِ \" فَصَلَاة اَلْإِمَامِ وَمَنْ بَقِيَ جَائِزَة \" يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ اَلْجَمِيعَ لَوْ اِنْفَضُّوا فِي اَلرَّكْعَةِ اَلْأُولَى وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا اَلْإِمَامُ وَحْدَهُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ لَهُ اَلْجُمُعَة , وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ اَلْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وَقِيلَ تَصِحُّ إِنْ بَقِيَ وَاحِد , وَقِيلَ إِنْ بَقِيَ اِثْنَانِ , وَقِيلَ ثَلَاثَة , وَقِيلَ إِنْ كَانَ صَلَّى بِهِمْ اَلرَّكْعَةَ اَلْأُولَى صَحَّتْ لِمَنْ بَقِيَ , وَقِيلَ يُتِمُّهَا ظُهْرًا مُطْلَقًا. وَهَذَا اَلْخِلَافُ كُلّه أَقْوَال مُخَرَّجَة فِي مَذْهَبِ اَلشَّافِعِيِّ إِلَّا اَلْأَخِير فَهُوَ قَوْلُهُ فِي اَلْجَدِيدِ , وَإِنْ ثَبَتَ قَوْلُ مُقَاتِلِ بْن حَيَّان اَلَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي اَلْمَرَاسِيل أَنَّ اَلصَّلَاةَ كَانَتْ حِينَئِذٍ قَبْلَ اَلْخُطْبَةِ زَالَ اَلْإِشْكَال , لَكِنَّهُ مَعَ شُذُوذِهِ مُعْضِل. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ اَلْأَصِيلِي حَدِيث اَلْبَابِ فَقَالَ : إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَصَفَ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُمْ ( لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللَّهِ ثُمَّ أَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا اَلْحَدِيث كَانَ قَبْلَ نُزُولِ اَلْآيَةِ. اِنْتَهَى. وَهَذَا اَلَّذِي يَتَعَيَّنُ اَلْمَصِير إِلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي آيَةِ اَلنُّورِ اَلتَّصْرِيحُ بِنُزُولِهَا فِي اَلصَّحَابَةِ , وَعَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ تَقَدَّم لَهُمْ نَهْي عَنْ ذَلِكَ , فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَة اَلْجُمُعَة. وَفَهِمُوا مِنْهَا ذَمّ ذَلِكَ اِجْتَنَبُوهُ فَوُصِفُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا فِي آيَةِ اَلنُّورِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "885",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ لَا ‏ ‏يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "886",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ تَجْعَلُ عَلَى أَرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا ‏ ‏سِلْقًا ‏ ‏فَكَانَتْ إِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ تَنْزِعُ أُصُولَ ‏ ‏السِّلْقِ ‏ ‏فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا فَتَكُونُ أُصُولُ ‏ ‏السِّلْقِ ‏ ‏عَرْقَهُ ‏ ‏وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا فَنَلْعَقُهُ وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّان ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن مُطَرِّف اَلْمَدَنِيُّ , وَأَبُو حَازِم هُوَ سَلَمَة بْن دِينَار , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَلْمَانُ مَوْلَى عَزَّةَ صَاحِب أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَتْ فِينَا اِمْرَأَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( تَجْعَلُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ تُحْقَلُ بِمُهْمَلَةٍ بَعْدَهَا قَاف أَيْ تُزْرَعُ , وَالْأَرْبِعَاءَ جَمْع رَبِيع كَأَنْصِبَاء وَنَصِيب , وَالرَّبِيع اَلْجَدْوَل وَقِيلَ اَلصَّغِيرُ وَقِيلَ اَلسَّاقِيَة اَلصَّغِيرَة وَقِيلَ حَافَات اَلْأَحْوَاض , وَالْمَزْرَعَة بِفَتْحِ اَلرَّاءِ وَحَكَى اِبْن مَالِك جَوَازَ تَثْلِيثِهَا , وَالسِّلْق بِكَسْرِ اَلْمُهْمَلَةِ مَعْرُوف وَحَكَم الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا سِلْق بِالرَّفْعِ وَتَكَلَّف فِي تَوْجِيهِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَطْحَنُهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اَلْمُسْتَمْلِيّ \" تَطْبُخُهَا \" بِتَقْدِيمِ اَلْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَة وَكِلَاهُمَا صَحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَكُونُ أُصُول اَلسِّلْقِ عَرَقَه ) ‏ ‏بِفَتْحِ اَلْمُهْمَلَةِ وَسُكُون اَلرَّاءِ بَعْدَهَا قَاف ثُمَّ هَاء ضَمِير أَيْ عَرَق اَلطَّعَام وَالْعَرَق اَللَّحْم اَلَّذِي عَلَى اَلْعَظْمِ , وَالْمُرَاد أَنَّ اَلسِّلْقَ يَقُومُ مَقَامه عِنْدَهُمْ. وَسَيَأْتِي فِي اَلْأَطْعِمَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي آخِرِ اَلْحَدِيثِ \" وَاَللَّهِ مَا فِيهِ شَحْم وَلَا وَدَك \" وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" غَرِقَة \" بِفَتْحِ اَلْمُعْجَمَة وَكَسْرِ اَلرَّاءِ وَبَعْدَ اَلْقَافِ هَاء اَلتَّأْنِيث , وَالْمُرَاد أَنَّ اَلسِّلْقَ يَغْرَقُ فِي اَلْمَرْقَةِ لِشِدَّة نُضْجه , وَفِي هَذَا اَلْحَدِيثِ جَوَاز اَلسَّلَامِ عَلَى اَلنِّسْوَةِ اَلْأَجَانِب , وَاسْتِحْبَاب اَلتَّقَرُّب بِالْخَيْرِ وَلَوْ بِالشَّيْءِ اَلْحَقِيرِ , وَبَيَان مَا كَانَ اَلصَّحَابَة عَلَيْهِ مِنْ اَلْقَنَاعَةِ وَشِدَّة اَلْعَيْشِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى اَلطَّاعَةِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( بِهَذَا أَيْ بِالْحَدِيثِ اَلَّذِي قَبْلَهُ , وَظَاهِرُهُ أَنَّ أَبَا غَسَّان وَعَبْد اَلْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم اِشْتَرَكَا فِي رِوَايَةِ هَذَا اَلْحَدِيثِ عَنْ أَبِي حَازِم , وَزَادَ عَبْد اَلْعَزِيز اَلزِّيَادَةَ اَلْمَذْكُورَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ \" مَا كُنَّا نَقِيلُ وَنَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ اَلْجُمُعَة \" وَقَدْ رَوَاهَا أَبُو غَسَّان مُفْرَدَة كَمَا فِي اَلْبَابِ اَلَّذِي بَعْدَهُ , لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْر اَلْغَدَاءِ , وَبَيْنَ رِوَايَةِ أَبِي غَسَّان وَعَبْد اَلْعَزِيز تَفَاوُت يَأْتِي بَيَانه فِي \" بَابِ تَسْلِيمِ اَلرِّجَالِ عَلَى اَلنِّسَاءِ \" مِنْ كِتَاب اَلِاسْتِئْذَان إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا اَلْحَدِيثِ لِأَحْمَدَ عَلَى جَوَازِ صَلَاة اَلْجُمُعَةِ قَبْلَ اَلزَّوَالِ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ اِبْن أَبِي شَيْبَة \" بَاب مَنْ كَانَ يَقُولُ اَلْجُمُعَة أَوَّل اَلنَّهَارِ \" وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث سَهْل هَذَا وَحَدِيث أَنَس اَلَّذِي بَعْدَهُ وَعَنْ اِبْن عُمَر مِثْله وَعَنْ عُمَر وَعُثْمَان وَسَعْد وَابْن مَسْعُود مِثْله مِنْ قَوْلِهِمْ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ اَلْجُمُعَة قَبْلَ اَلزَّوَالِ , بَلْ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَشَاغَلُونَ عَنْ اَلْغَدَاءِ وَالْقَائِلَة بِالتَّهَيُّؤِ لِلْجُمُعَةِ ثُمَّ بِالصَّلَاةِ , ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ فَيَتَدَارَكُونَ ذَلِكَ. بَلْ اِدَّعَى اَلزَّيْنُ بْن اَلْمُنِيرِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ اَلْجُمُعَة تَكُونُ بَعْدَ اَلزَّوَالِ لِأَنَّ اَلْعَادَةَ فِي اَلْقَائِلَةِ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ اَلزَّوَالِ فَأَخْبَرَ اَلصَّحَابِيّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَغِلُونَ بِالتَّهَيُّؤِ لِلْجُمُعَةِ عَنْ اَلْقَائِلَةِ وَيُؤَخِّرُونَ اَلْقَائِلَةَ حَتَّى تَكُونَ بَعْدَ صَلَاةِ اَلْجُمُعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "887",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏بِهَذَا وَقَالَ ‏ ‏مَا كُنَّا ‏ ‏نَقِيلُ ‏ ‏وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "888",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ الشَّيْبَانِيُّ الْكُوفِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُنَّا نُبَكِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ ثُمَّ ‏ ‏نَقِيلُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "889",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْجُمُعَةَ ثُمَّ تَكُونُ ‏ ‏الْقَائِلَةُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "890",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعْنِي صَلَاةَ الْخَوْفِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏فَوَازَيْنَا ‏ ‏الْعَدُوَّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي لَنَا فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ فَجَاءُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اَلزُّهْرِيِّ سَأَلْته ) ‏ ‏اَلْقَائِل هُوَ شُعَيْب وَالْمَسْئُولُ هُوَ اَلزُّهْرِيُّ وَهُوَ اَلْقَائِلُ \" أَخْبَرَنِي سَالِم \" أَيْ اِبْن عَبْد اَللَّه بْن عُمَر , وَوَقَعَ بِخَطّ بَعْض مَنْ نَسَخَ اَلْحَدِيثَ عَنْ اَلزُّهْرِيِّ قَالَ سَأَلْتُهُ فَأَثْبَتَ قَالَ ظَنًّا أَنَّهَا حُذِفَتْ خَطَأ عَلَى اَلْعَادَةِ , وَهُوَ مُحْتَمَل , وَيَكُونُ حَذْف فَاعِل قَالَ , لَا أَنَّ اَلزُّهْرِيَّ هُوَ اَلَّذِي قَالَ : وَالْمُتَّجَهُ حَذْفهَا وَتَكُونُ اَلْجُمْلَةُ حَالِيَّةً أَيْ أَخْبَرَنِي اَلزُّهْرِيُّ حَالَ سُؤَالِي إِيَّاهُ. وَقَدْ رَوَاهُ اَلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق بَقِيَّةَ عَنْ شُعَيْب حَدَّثَنِي اَلزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم بْن عَبْد اَللَّه عَنْ أَبِيهِ , وَأَخْرَجَهُ اَلسَّرَّاجُ عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى عَنْ أَبِي اَلْيَمَانِ شَيْخ اَلْبُخَارِيّ فِيهِ فَزَاد فِيهِ وَلَفْظه \" سَأَلْته هَلْ صَلَّى رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة اَلْخَوْفِ أَمْ لَا ؟ وَكَيْفَ صَلَّاهَا إِنْ كَانَ صَلَّاهَا ؟ وَفِي أَيِّ مَغَازِيهِ كَانَ ذَلِكَ ؟ \" فَأَفَادَ بَيَانُ اَلْمَسْئُولِ عَنْهُ وَهُوَ صَلَاةُ اَلْخَوْفِ. ‏ ‏قَوْله : ( غَزَوْت مَعَ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ نَجْدٍ ) ‏ ‏بِكَسْرِ اَلْقَافِ وَفَتْحِ اَلْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةَ نَجْدٍ , وَنَجْدٌ كُلُّ مَا اِرْتَفَعَ مِنْ بِلَادِ اَلْعَرَبِ , وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ اَلْغَزْوَة فِي اَلْكَلَامِ عَلَى غَزْوَةِ ذَاتِ اَلرِّقَاعِ مِنْ اَلْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَازَيْنَا ) ‏ ‏بِالزَّاي أَيْ قَابَلْنَا , قَالَ صَاحِب اَلصِّحَاحِ : يُقَالُ آزَيْت , يَعْنِي بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ لَا بِالْوَاو. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَصْلَهُ اَلْهَمْزَة فَقُلِبَتْ وَاوًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَافَفْنَاهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اَلْمُسْتَمْلِي وَاَلسَّرَخْسِيّ \" فَصَافَفْنَا لَهُمْ \" وَقَوْلِهِ \" فَصَلَّى لَنَا \" أَيْ لِأَجْلِنَا أَوْ بِنَا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ اِنْصَرَفُوا مَكَان اَلطَّائِفَةِ اَلَّتِي لَمْ تُصَلِّ ) ‏ ‏أَيْ فَقَامُوا فِي مَكَانِهِمْ , وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ بَقِيَّةَ اَلْمَذْكُورَةِ , وَلِمَالِكٍ فِي اَلْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر \" ثُمَّ اِسْتَأْخَرُوا مَكَان اَلَّذِينَ لَمْ يُصَّلُوا وَلَا يُسَلِّمُونَ \" وَسَيَأْتِي عِنْدَ اَلْمُصَنِّفِ فِي اَلتَّفْسِيرِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَكْعَة وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ) ‏ ‏زَاد عَبْد اَلرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اَلزُّهْرِيِّ \" مِثْلَ نِصْفِ صَلَاةِ اَلصُّبْحِ \" وَفِي قَوْلِهِ مِثْلَ نِصْفِ صَلَاةِ اَلصُّبْحِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ اَلصَّلَاةَ اَلْمَذْكُورَةَ كَانَتْ غَيْرَ اَلصُّبْحِ , فَعَلَى هَذَا فَهِيَ رُبَاعِيَّة , وَسَيَأْتِي فِي اَلْمَغَازِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ اَلْعَصْر , وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اَلرَّكْعَةَ اَلْمَقْضِيَّةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ اَلْقِرَاءَةِ لِكُلٍّ مِنْ اَلطَّائِفَتَيْنِ خِلَافًا لِمَنْ أَجَازَ لِلثَّانِيَةِ تَرْك اَلْقِرَاءَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَع لِنَفْسِهِ ) ‏ ‏لَمْ تَخْتَلِفْ اَلطُّرُق عَنْ اِبْن عُمَر فِي هَذَا , وَظَاهِره أَنَّهُمْ أَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ , وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَتَمُّوا عَلَى اَلتَّعَاقُبِ وَهُوَ اَلرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ اَلْمَعْنَى وَإِلَّا فَيَسْتَلْزِمُ تَضْيِيع اَلْحِرَاسَةِ اَلْمَطْلُوبَةِ , وَإِفْرَاد اَلْإِمَامِ وَحْدَهُ. وَيُرَجِّحُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود وَلَفْظه \" ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ هَؤُلَاءِ أَيْ اَلطَّائِفَةُ اَلثَّانِيَةُ فَقَضَوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَة ثُمَّ سَلَّمُوا , ثُمَّ ذَهَبُوا وَرَجَعَ أُولَئِكَ إِلَى مَقَامِهِمْ فَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا \" ا ه. وَظَاهِرُهُ أَنَّ اَلطَّائِفَةَ اَلثَّانِيَةَ وَالَّتِي بَيْنَ رَكْعَتَيْهَا ثُمَّ أَتَمَّتْ اَلطَّائِفَةُ اَلْأُولَى بَعْدَهَا , وَوَقَعَ فِي اَلرَّافِعِيِّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ اَلْفِقْهِ أَنَّ فِي حَدِيثِ اِبْن عُمَر هَذَا أَنَّ اَلطَّائِفَةَ اَلثَّانِيَةَ تَأَخَّرَتْ وَجَاءَتْ اَلطَّائِفَة اَلْأُولَى فَأَتَمُّوا رَكْعَة , ثُمَّ تَأَخَّرُوا وَعَادَتْ اَلطَّائِفَةُ اَلثَّانِيَةُ فَأَتَمُّوا , وَلَمْ نَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ اَلطُّرُقِ , وَبِهَذِهِ اَلْكَيْفِيَّةِ أَخَذَ اَلْحَنَفِيَّةُ , وَاخْتَارَ اَلْكَيْفِيَّة اَلَّتِي فِي حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود أَشْهَب وَالْأَوْزَاعِيُّ , وَهِيَ اَلْمُوَافِقَةُ لِحَدِيثِ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة مِنْ رِوَايَةِ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد , وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ طَائِفَة عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اِسْتِوَاء اَلْفَرِيقَيْنِ فِي اَلْعَدَدِ , لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ اَلَّتِي تَحْرُسُ يَحْصُلُ اَلثِّقَة بِهَا فِي ذَلِكَ , وَالطَّائِفَة تُطْلَقُ عَلَى اَلْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ حَتَّى عَلَى اَلْوَاحِدِ , فَلَوْ كَانُوا ثَلَاثَة وَوَقْع لَهُمْ اَلْخَوْف جَازَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يُصَلِّيَ بِوَاحِد. وَيَحْرُسُ وَاحِد ثُمَّ يُصَلِّي اَلْآخَر , وَهُوَ أَقَلُّ مَا يُتَصَوَّرُ فِي صَلَاةِ اَلْخَوْفِ جَمَاعَة عَلَى اَلْقَوْلِ بِأَقَلِّ اَلْجَمَاعَة مُطْلَقًا , لَكِنْ قَالَ اَلشَّافِعِيّ : أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ كُلّ طَائِفَةٍ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِأَنَّهُ أَعَادَ عَلَيْهِمْ ضَمِير اَلْجَمْعِ بِقَوْلِهِ : ( أَسْلِحَتهمْ ذَكَرَهُ اَلنَّوَوِيّ فِي شَرْحِ مُسْلِم وَغَيْره , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى عِظَمِ أَمْر اَلْجَمَاعَةِ , بَلْ عَلَى تَرْجِيحِ اَلْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا لِارْتِكَابِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ لَا تُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا , وَلَوْ صَلَّى كُلّ اِمْرِئ مُنْفَرِدًا لَمْ يَقَعْ اَلِاحْتِيَاج إِلَى مُعْظَمِ ذَلِكَ , وَقَدْ وَرَدَ فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاة اَلْخَوْف صِفَات كَثِيرَة , وَرَجَّحَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ هَذِهِ اَلْكَيْفِيَّة اَلْوَارِدَة فِي حَدِيثِ اِبْن عُمَر عَلَى غَيْرِهَا لِقُوَّة اَلْإِسْنَاد لِمُوَافَقَة اَلْأُصُول فِي أَنَّ اَلْمَأْمُومَ لَا يُتِمُّ صِلَاتَهُ قَبْلَ سَلَامِ إِمَامِهِ , وَعَنْ أَحْمَدَ قَالَ : ثَبَتَ فِي صَلَاةِ اَلْخَوْفِ سِتَّة أَحَادِيثَ أَوْ سَبْعَة أَيُّهَا فَعَلَ اَلْمَرْءُ جَاز , وَمَال إِلَى تَرْجِيحِ حَدِيثِ سَهْلِ اِبْن أَبِي حَثْمَة اَلْآتِي فِي اَلْمَغَازِي , وَكَذَا رَجَّحَهُ اَلشَّافِعِيّ , وَلَمْ يَخْتَرْ إِسْحَاق شَيْئًا عَلَى شَيْء , وَبِهِ قَالَ اَلطَّبَرِيّ وَغَيْر وَاحِدٍ مِنْهُمْ اِبْن اَلْمُنْذِر وَسَرَدَ ثَمَانِيَة أَوْجُهٍ , وَكَذَا اِبْن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَزَادَ تَاسِعًا. وَقَالَ اِبْن حَزْم : صَحَّ فِيهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَجْهًا , وَبَيَّنَهَا فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ. وَقَالَ اِبْن اَلْعَرَبِيِّ فِي \" اَلْقَبَسِ \" : جَاءَ فِيهَا رِوَايَات كَثِيرَة أَصَحّهَا سِتَّة عَشَر رِوَايَة مُخْتَلِفَة , وَلَمْ يُبَيِّنْهَا. وَقَالَ اَلنَّوَوِيّ نَحْوَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُبَيِّنْهَا أَيْضًا , وَقَدْ بَيَّنَهَا شَيْخُنَا اَلْحَافِظُ أَبُو اَلْفَضْل فِي شَرْحِ اَلتِّرْمِذِيِّ وَزَادَ وَجْهًا آخَرَ فَصَارَتْ سَبْعَةَ عَشَرَ وَجْهًا , لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ تَتَدَاخَلَ. قَالَ صَاحِب اَلْهُدَى : أُصُولُهَا سِتّ صِفَات , وَبَلَغَهَا بَعْضهمْ أَكْثَر , وَهَؤُلَاءِ كُلَّمَا رَأَوْا اِخْتِلَاف اَلرُّوَاةُ فِي قِصَّةٍ جَعَلُوا ذَلِكَ وَجْهًا مِنْ فِعْلِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ اِخْتِلَاف اَلرُّوَاةِ ا ه. وَهَذَا هُوَ اَلْمُعْتَمَدُ , وَإِلَيْهِ أَشَارَ شَيْخُنَا بِقَوْلِهِ : يُمْكِنُ تَدَاخُلُهَا. وَحَكَى اِبْنُ اَلْقَصَّارِ اَلْمَالِكِيُّ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهَا عَشْر مَرَّات , وَقَالَ اِبْن اَلْعَرَبِيِّ : صَلَّاهَا أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ مَرَّة , وَقَالَ اَلْخَطَّابِيّ : صَلَّاهَا اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَيَّامٍ مُخْتَلِفَةٍ بِأَشْكَالٍ مُتَبَايِنَةٍ يَتَحَرَّى فِيهَا مَا هُوَ اَلْأَحْوَطُ لِلصَّلَاةِ وَالْأَبْلَغُ لِلْحِرَاسَةِ , فَهِيَ عَلَى اِخْتِلَاف صُوَرِهَا مُتَّفِقَة اَلْمَعْنَى ا ه. وَفِي كُتُبِ اَلْفِقْهِ تَفَاصِيل لَهَا كَثِيرَة وَفُرُوع لَا يَتَحَمَّلُ هَذَا اَلشَّرْح بَسْطَهَا وَاَللَّه اَلْمُسْتَعَان. ‏"
    },
    {
        "id": "891",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏نَحْوًا مِنْ قَوْلِ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا وَزَادَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إِذَا اِخْتَلَطُوا قِيَامًا , وَزَاد اِبْن عُمَر عَنْ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا \" ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ اَلْبُخَارِيّ مُخْتَصَرًا وَأَحَالَ عَلَى قَوْلِ مُجَاهِد , وَلَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا وَلَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ , فَأَشْكَلَ اَلْأَمْرُ فِيهِ فَقَالَ اَلْكَرْمَانِيّ : مَعْنَاهُ أَنْ نَافِعًا رَوَى عَنْ اِبْن عُمَر نَحْوًا مِمَّا رَوَى مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر , اَلْمَرْوِيّ اَلْمُشْتَرَك بَيْنَهُمَا هُوَ مَا إِذَا اِخْتَلَطُوا قِيَامًا , وَزِيَادَة نَافِع عَلَى مُجَاهِد قَوْله \" وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِلَخْ \" قَالَ : وَمَفْهُومُ كَلَامِ اِبْنِ بَطَّالٍ أَنَّ اِبْن عُمَر قَالَ مِثْلَ قَوْلِ مُجَاهِد , وَأَنَّ قَوْلَهُمَا مَثَلًا فِي اَلصُّورَتَيْنِ , أَيْ فِي اَلِاخْتِلَاطِ وَفِي اَلْأَكْثَرِيَّةِ , وَأَنَّ اَلَّذِي زَادَ هُوَ اِبْن عُمَر لَا نَافِع ا ه. وَمَا نَسَبَهُ لِابْنِ بَطَّالٍ بَيَّنَ فِي كَلَامِهِ إِلَّا اَلْمِثْلِيَّة فِي اَلْأَكْثَرِيَّةِ فَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِابْن عُمَر وَكَلَام اِبْنِ بَطَّالٍ هُوَ اَلصَّوَابُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَذْكُرْ دَلِيلَهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ : مَرْفُوع وَمَوْقُوف , فَالْمَرْفُوع مِنْ رِوَايَةِ اِبْن عُمَر وَقَدْ يُرْوَى كُلّه أَوْ بَعْضه مَوْقُوفًا عَلَيْهِ أَيْضًا , وَالْمَوْقُوف مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ اِبْن عُمَر وَلَا غَيْره , وَلَمْ أَعْرِفْ مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لِلْكَرْمَانِيِّ أَنَّ مُجَاهِدًا رَوَى هَذَا اَلْحَدِيثَ عَنْ اِبْن عُمَر فَإِنَّهُ لَا وُجُودَ لِذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ اَلطُّرُقِ , وَقَدْ رَوَاهُ اَلطَّبَرِيّ عَنْ سَعِيد بْن يَحْيَى شَيْخ اَلْبُخَارِيّ فِيهِ بِإِسْنَادِهِ اَلْمَذْكُورِ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" إِذَا اِخْتَلَطُوا \" يَعْنِي فِي اَلْقِتَالِ \" فَإِنَّمَا هُوَ اَلذِّكْرُ وَإِشَارَة اَلرَّأْسِ \" قَالَ اِبْن عُمَر : قَالَ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَيُصَلُّونَ قِيَامًا وَرُكْبَانًا \" هَكَذَا اِقْتَصَرَ عَلَى حَدِيثِ اِبْن عُمَر , وَأَخْرَجَهُ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ اَلْهَيْثَم بْن خَلَف عَنْ سَعِيدٍ اَلْمَذْكُورِ مِثْلَ مَا سَاقَهُ اَلْبُخَارِيّ سَوَاء , وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ \" اِخْتَلَطُوا : فَإِنَّمَا هُوَ اَلذِّكْرُ وَإِشَارَة اَلرَّأْسِ \" ا ه. وَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي اَلْبُخَارِيِّ \" قِيَامًا \" اَلْأُولَى تَصْحِيف مِنْ قَوْلِهِ \" فَإِنَّمَا \" وَقَدْ سَاقَهُ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بَيْنَ لَفْظ مُجَاهِد وَبَيَّنَ فِيهَا اَلْوَاسِطَة بَيْنَ اِبْن جُرَيْجٍ وَبَيْنَهُ , فَأَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَبْد اَللَّه بْن كَثِير عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ \" إِذَا اِخْتَلَطُوا فَإِنَّمَا هُوَ اَلْإِشَارَة بِالرَّأْسِ \" قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ \" حَدَّثَنِي مُوسَى بْن عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر بِمِثْلِ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إِذَا اِخْتَلَطُوا فَإِنَّمَا هُوَ اَلذِّكْرُ وَإِشَارَة اَلرَّأْسِ \" وَزَادَ عَنْ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَإِنْ كَثُرُوا فَلْيُصَلُّوا رُكْبَانًا أَوْ قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ \" فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا سَبَبُ اَلتَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ \" نَحْو قَوْلِ مُجَاهِد \" لِأَنَّ بَيْنَ لَفْظِهِ وَبَيْنَ لَفْظِ اِبْن عُمَر مُغَايَرَة , وَتَبَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ مُجَاهِدًا إِنَّمَا قَالَهُ بِرَأْيهِ لَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ اِبْن عُمَر وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم حَدِيث اِبْن عُمَر مِنْ طَرِيقِ سُفْيَان اَلثَّوْرِيِّ عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَةَ فَذَكَرَ صَلَاةَ اَلْخَوْفِ نَحْوَ سِيَاق اَلزُّهْرِيّ عَنْ سَالِمٍ وَقَالَ فِي آخِرِهِ \" قَالَ اِبْن عُمَر : فَإِذَا كَانَ خَوْف أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّ رَاكِبًا أَوْ قَائِمًا يُومِئُ إِيمَاء \" وَرَوَاهُ اِبْن اَلْمُنْذِر مِنْ طَرِيقِ دَاوُد بْن عَبْد اَلرَّحْمَن عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَةَ مَوْقُوفًا لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ \" وَأَخْبَرَنَا نَافِع أَنَّ عَبْد اَللَّه بْن عُمَر كَانَ يُخْبِرُ بِهَذَا عَنْ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَاقْتَضَى ذَلِكَ رَفْعَهُ كُلّه. وَرَوَى مَالِك فِي اَلْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ كَذَلِكَ لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ \" قَالَ نَافِع : لَا أَرَى عَبْد اَللَّه بْن عُمَر ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَزَادَ فِي آخِرِهِ \" مُسْتَقْبِلِي اَلْقِبْلَة أَوْ غَيْر مُسْتَقْبِلِيهَا \". وَقَدْ أَخْرَجَهُ اَلْمُصَنِّفُ مِنْ هَذَا اَلْوَجْهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ اَلْبَقَرَةِ , وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اَللَّهِ بْن عُمَر عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا كُلّه بِغَيْرِ شَكٍّ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَلَفْظُهُ \" قَالَ رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ اَلْخَوْفِ : أَنْ يَكُونَ اَلْإِمَامُ يُصَلِّي بِطَائِفَةٍ \" فَذَكَرَ نَحْوَ سِيَاقِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ \" فَإِنْ كَانَ خَوْف أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ فَرِجَالًا وَرُكْبَانًا \" وَإِسْنَاده جَيِّد. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ \" فَإِنْ كَانَ خَوْف أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ \" هَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ أَوْ مَوْقُوفٌ عَلَى اِبْن عُمَر , وَالرَّاجِح رَفْعه , وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ إِنْ كَانَ اَلْعَدُوّ , وَالْمَعْنَى أَنَّ اَلْخَوْفَ إِذَا اِشْتَدَّ وَالْعَدْوّ إِذَا كَثُرَ فَخِيفَ مِنْ اَلِانْقِسَامِ لِذَلِكَ جَازَتْ اَلصَّلَاةُ حِينَئِذٍ بِحَسَبَ اَلْإِمْكَان , وَجَازَ تَرْكُ مُرَاعَاة مَا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِنْ اَلْأَرْكَانِ , فَيَنْتَقِلُ عَنْ اَلْقِيَامِ إِلَى اَلرُّكُوعِ , وَعَنْ اَلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إِلَى اَلْإِيمَاءِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ , وَبِهَذَا قَالَ اَلْجُمْهُور وَلَكِنْ قَالَ اَلْمَالِكِيَّةَ : لَا يَصْنَعُونَ ذَلِكَ حَتَّى يُخْشَى فَوَات اَلْوَقْتِ , وَسَيَأْتِي مَذْهَبُ اَلْأَوْزَاعِيّ فِي ذَلِكَ بَعْدَ بَاب. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اِبْن جُرَيْجٍ سَمِعَ اَلْكَثِير مِنْ نَافِع , وَقَدْ أَدْخَلَ فِي هَذَا اَلْحَدِيثِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَافِع مُوسَى بْن عُقْبَةَ , فَفِي هَذَا اَلتَّقْوِيَة لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ أَثْبَتُ اَلنَّاسِ فِي نَافِع , وَلِابْن جُرَيْجٍ فِيهِ إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ عَبْد اَلرَّزَّاق عَنْهُ عَنْ اَلزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "892",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّبَيْدِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ مَعَهُ ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ وَأَتَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلَاةٍ وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اَلزُّبَيْدِيِّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اَلْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَدَّثَنَا اَلزُّبَيْدِيّ \" وَلَمْ أَرَهُ مِنْ حَدِيثِهِ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّد اِبْن حَرْبٍ عَنْهُ , وَافَقَهُ عَلَيْهِ اَلنُّعْمَان بْن رَاشِد عَنْ اَلزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ اَلْبَزَّار وَقَالَ : لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ اَلزُّهْرِيِّ إِلَّا اَلنُّعْمَان , وَلَا عَنْهُ إِلَّا وُهَيْب يَعْنِي اِبْن خَالِد ا ه. وَرِوَايَة اَلزُّبَيْدِيّ تَرُدُّ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ ) ‏ ‏زَاد الْكُشْمِيهَنِيُّ \" مَعَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَقَامَ اَلَّذِينَ سَجَدُوا مَعَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اَلنَّسَائِيّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ \" ثُمَّ قَامَ إِلَى اَلرَّكْعَةِ اَلثَّانِيَةِ فَتَأَخَّرَ اَلَّذِينَ سَجَدُوا مَعَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَتِهِمَا أَيْضًا \" فَرَكَعُوا مَعَ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي صَلَاة ) ‏ ‏زَاد اَلْإِسْمَاعِيلِيّ \" يُكَبِّرُونَ \" وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَة اَلزُّهْرِيّ هَذِهِ هَلْ أَكْمَلُوا اَلرَّكْعَةَ اَلثَّانِيَةَ أَمْ لَا , وَقَدْ رَوَاهُ اَلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْر بْن أَبِي اَلْجَهْمِ مِنْ شَيْخِهِ عُبَيْدِ اَللَّه بْن عَبْد اَللَّه بْن عُتْبَةَ فَزَادَ فِي آخِرِهِ \" وَلَمْ يَقْضُوا \" وَهَذَا كَالصَّرِيحِ فِي اِقْتِصَارِهِمْ عَلَى رَكْعَة رَكْعَة. وَفِي اَلْبَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ وَعَنْ زَيْد اِبْن ثَابِت عِنْد أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْنِ حِبَّانَ , وَعَنْ جَابِر عِنْدَ اَلنَّسَائِيِّ , وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" فَرَضَ اَللَّهُ اَلصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي اَلْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي اَلسَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي اَلْخَوْفِ رَكْعَة \" وَبِالِاقْتِصَارِ فِي اَلْخَوْفِ عَلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُ إِسْحَاق وَالثَّوْرِيّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا , وَقَالَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَة وَأَبُو مُوسَى اَلْأَشْعَرِيّ وَغَيْر وَاحِدٍ مِنْ اَلتَّابِعِينَ , وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِشِدَّة اَلْخَوْف , وَسَيَأْتِي عَنْ بَعْضِهِمْ فِي شِدَّةِ اَلْخَوْفِ أَسْهَل مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ اَلْجُمْهُور : قَصْرُ اَلْخَوْف قَصْر هَيْئَةٍ لَا قَصْرُ عَدَدٍ , وَتَأَوَّلُوا رِوَايَة مُجَاهِدٍ هَذِهِ عَلَى أَنَّ اَلْمُرَادَ بِهِ رَكْعَة مَعَ اَلْإِمَامِ , وَلَيْسَ فِيهِ نَفْي اَلثَّانِيَة , وَقَالُوا : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْله فِي اَلْحَدِيثِ اَلسَّابِقِ \" لَمْ يَقْضُوا \" أَيْ لَمْ يُعِيدُوا اَلصَّلَاةَ بَعْدَ اَلْأَمْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ اَلْأَحَادِيثِ اَلْمَرْوِيَّةِ فِي صَلَاةِ اَلْخَوْفِ تَعَرُّض لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اَلْمَغْرِبِ , وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا قَصْر , وَاخْتَلَفُوا هَلْ اَلْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِالْأُولَى ثِنْتَيْنِ وَالثَّانِيَة وَاحِدَة أَوْ اَلْعَكْس. ‏"
    },
    {
        "id": "893",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ الْبُخَارِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ قَالَ فَنَزَلَ إِلَى ‏ ‏بُطْحَانَ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا وَكِيع ) ‏ ‏كَذَا فِي مُعْظَمِ اَلرِّوَايَاتِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فِي نُسْخَة \" يَحْيَى اِبْن مُوسَى \" وَفِي أُخْرَى \" يَحْيَى بْن جَعْفَر \" وَهَذَا اَلْمُعْتَمَد , وَهِيَ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ بِعَلَامَة اَلْمُسْتَمْلِيّ , وَفِي بَعْضِ اَلنُّسَخِ \" يَحْيَى بْن مُوسَى بْن جَعْفَر \" وَهُوَ غَلَطٌ وَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ يَحْيَى بْن مُوسَى وَفِي اَلْحَاشِيَةِ اِبْن جَعْفَر عَلَى أَنَّهَا نُسْخَةٌ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بَعْض مَنْ نُسَخَ اَلْكِتَابَ , وَاسْمُ جَدِّ يَحْيَى بْن مُوسَى عَبَدُ رَبِّهِ بْن سَالِم وَهُوَ اَلْمُلَقَّبُ خَتٌّ بِفَتْح اَلْمُعْجَمَة بَعْدَهَا مُثَنَّاة فَوْقَانِيَّة ثَقِيلَة , وَاسْم جَدِّ يَحْيَى بْن جَعْفَر أَعْيُنُ وَكِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخ اَلْبُخَارِيّ وَكِلَاهُمَا مِنْ أَصْحَاب وَكِيع. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَابِر ) ‏ ‏تَقَدَّم اَلْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِهِ فِي أَوَاخِرَ اَلْمَوَاقِيتِ , وَنُقِلَ اَلِاخْتِلَاف فِي سَبَبِ تَأْخِيرِ اَلصَّلَاةِ يَوْمَ اَلْخَنْدَقِ هَلْ كَانَ نِسْيَانًا أَوْ عَمْدًا , وَعَلَى اَلثَّانِي هَلْ كَانَ لِلشُّغْلِ بِالْقِتَالِ أَوْ لِتَعَذُّر اَلطَّهَارَة أَوْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ اَلْخَوْفِ ؟ وَإِلَى اَلْأَوَّلِ وَهُوَ اَلشُّغْلُ جَنَحَ اَلْبُخَارِيّ فِي هَذَا اَلْمَوْضِعِ وَنَزَلَ عَلَيْهِ اَلْآثَار اَلَّتِي تَرْجَمَ لَهَا بِالشُّرُوطِ اَلْمَذْكُورَةِ , وَلَا يَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرْجِيحِ كَوْنِ آيَةِ اَلْخَوْفِ نَزَلَتْ قَبْلَ اَلْخَنْدَقِ لِأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ , وَآيَة اَلْخَوْفِ اَلَّتِي فِي اَلْبَقَرَةِ لَا تُخَالِفُهُ لِأَنَّ اَلتَّأْخِيرَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ اَلْقُدْرَةِ عَلَى اَلصَّلَاةِ مُطْلَقًا , وَإِلَى اَلثَّانِي جَنَحَ اَلْمَالِكِيَّة وَالْحَنَابِلَة لِأَنَّ اَلصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ عِنْدَهُمْ بِالشُّغْلِ اَلْكَثِير فِي اَلْحَرْبِ إِذَا اُحْتِيجَ إِلَيْهِ , وَإِلَى اَلثَّالِثِ جَنَحَ اَلشَّافِعِيَّة كَمَا تَقَدَّمَ فِي اَلْمَوْضِعِ اَلْمَذْكُورِ , وَعَكَسَ بَعْضُهُمْ فَادَّعَى أَنَّ تَأْخِيرَهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ اَلْخَنْدَقِ دَالّ عَلَى نَسْخ صَلَاة اَلْخَوْفِ , قَالَ اِبْن اَلْقَصَّارِ : وَهُوَ قَوْلُ مَنْ لَا يَعْرِفُ اَلسُّنَنَ , لِأَنَّ صَلَاةَ اَلْخَوْفِ أُنْزِلَتْ بَعْدَ اَلْخَنْدَقِ فَكَيْفَ يَنْسَخُ اَلْأَوَّلُ اَلْآخِرَ ؟ فَاَللَّهُ اَلْمُسْتَعَانُ. ‏"
    },
    {
        "id": "894",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْأَحْزَابِ ‏ ‏لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي ‏ ‏بَنِي قُرَيْظَةَ ‏ ‏فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمْ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَة ) ‏ ‏هُوَ بِالْجِيمِ تَصْغِير جَارِيَة , وَهُوَ عَمُّ عَبْد اَللَّه اَلرَّاوِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَد اَلْعَصْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْد اَللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَسْمَاء شَيْخ اَلْبُخَارِيّ فِي هَذَا اَلْحَدِيثِ \" اَلظُّهْر \" وَسَيَأْتِي بَيَان اَلصَّوَابِ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَاب اَلْمَغَازِي مَعَ بَقِيَّةِ اَلْكَلَامِ عَلَى هَذَا اَلْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي صَلَاةِ اَلطَّالِبِ حَدِيث عُبَيْدِ اَللَّهِ بْن أُنَيْس إِذْ بَعَثَهُ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سُفْيَان اَلْهُذَلِيّ قَالَ \" فَرَأَيْته وَحَضَرَتْ اَلْعَصْرُ فَخَشِيت فَوْتهَا فَانْطَلَقْت أَمْشِي وَأَنَا أُصَلِّي أُومِئُ إِيمَاء \" وَإِسْنَاده حَسَن. ‏"
    },
    {
        "id": "895",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ‏ ‏وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى الصُّبْحَ ‏ ‏بِغَلَسٍ ‏ ‏ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ ‏ ‏خَيْبَرُ ‏ ‏إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ‏ { ‏فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ‏} ‏فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ وَيَقُولُونَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَالْخَمِيسُ ‏ ‏قَالَ وَالْخَمِيسُ الْجَيْشُ ‏ ‏فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذَّرَارِيَّ فَصَارَتْ ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏لِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ‏ ‏وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏لِثَابِتٍ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَنْتَ سَأَلْتَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏مَا أَمْهَرَهَا قَالَ أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا فَتَبَسَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَصَارَتْ صَفِيَّة لِدِحْيَة اَلْكَلْبِيّ , وَصَارَتْ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهَا صَارَتْ لَهُمَا مَعًا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ صَارَتْ لِدِحْيَة أَوَّلًا ثُمَّ صَارَتْ بَعْدَهُ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحه فِي اَلْبَابِ اَلْمَذْكُورِ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ اَلْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي اَلْمَغَازِي وَفِي اَلنِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. وَوَجْهُ دُخُولَ هَذِهِ اَلتَّرْجَمَةِ فِي أَبْوَاب صَلَاة اَلْخَوْفِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ صَلَاةَ اَلْخَوْفِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا اَلتَّأْخِيرُ إِلَى آخِرِ اَلْوَقْت كَمَا شَرَطَهُ مَنْ شَرَطَهُ فِي صَلَاة شِدَّة اَلْخَوْفِ عِنْدَ اِلْتِحَامِ اَلْمُقَاتِلَةِ , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اَلزَّيْنُ بْن اَلْمُنِيرِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى تَعَيُّنِ اَلْمُبَادَرَةِ إِلَى اَلصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا قَبْلَ اَلدُّخُولِ فِي اَلْحَرْبِ وَالِاشْتِغَالِ بِأَمْرِ اَلْعَدُوِّ. وَأَمَّا اَلتَّكْبِيرُ فَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَأْثُورٌ عِنْد كُلِّ أَمْرٍ مَهُولٍ , وَعِنْد كُلِّ حَادِث سَرُورٍ , شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى وَتَبْرِئَةً لَهُ مِنْ كُلِّ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ أَعْدَاؤُهُ وَلَا سِيَّمَا اَلْيَهُود قَبَّحَهُمْ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَتْ أَبْوَاب صَلَاة اَلْخَوْفِ عَلَى سِتَّةِ أَحَادِيثَ مَرْفُوعَةٍ مَوْصُولَةٍ , تَكَرَّرَ مِنْهَا فِيمَا مَضَى حَدِيثَانِ وَالْأَرْبَعَة خَالِصَة وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجِهَا إِلَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس. وَفِيهَا مِنْ اَلْآثَارِ عَنْ اَلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ سِتَّة آثَار , مِنْهَا وَاحِد مَوْصُول وَهُوَ أَثَرُ مُجَاهِد , وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "896",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَخَذَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏جُبَّةً ‏ ‏مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ فَأَخَذَهَا فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالْوُفُودِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا ‏ ‏خَلَاقَ ‏ ‏لَهُ فَلَبِثَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِجُبَّةِ ‏ ‏دِيبَاجٍ ‏ ‏فَأَقْبَلَ بِهَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قُلْتَ إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا ‏ ‏خَلَاقَ ‏ ‏لَهُ وَأَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ ‏ ‏الْجُبَّةِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخَذَ عُمَر جُبَّةً مِنْ إسْتَبْرَق تُبَاعُ فِي اَلسُّوقِ , فَأَخَذَهَا فَأَتَى رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ \" أَخَذَ \" بِهَمْزَة وَخَاء وَذَال مُعْجَمَتَيْنِ فِي اَلْمَوْضِعَيْنِ , وَفِي بَعْضِ اَلنُّسَخِ \" وَجَدَ \" بِوَاوٍ وَجِيمٍ فِي اَلْأَوَّلِ وَهُوَ أَوْجَهُ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ اَلشَّامِيِّينَ وَغَيْر وَاحِدٍ مِنْ طُرُقٍ إِلَى أَبِي اَلْيَمَانِ شَيْخ اَلْبُخَارِيّ فِيهِ. وَوَجَّهَ اَلْكَرْمَانِيّ اَلْأَوَّل بِأَنَّهُ أَرَادَ مَلْزُوم اَلْأَخْذ وَهُوَ اَلشِّرَاءُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ ذَلِكَ , فَلَعَلَّهُ أَرَادَ اَلسَّوْم. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ اَلْأَمْرِ مَجْزُومًا وَكَذَا جَوَابه. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ اَلْمُسْتَمْلِيّ وَاَلسَّرَخْسِيّ \" اِبْتَاعَ هَذِهِ تَجَمَّل \" وَضُبِطَ فِي نُسَخٍ مُعْتَمَدَةٍ بِهَمْزَةِ اِسْتِفْهَامٍ مَمْدُودَةٍ وَمَقْصُورَة وَضَمِّ لَامٍ تَجَمَّل عَلَى أَنْ أَصْلَهُ تَتَجَمَّلُ فَحُذِفَتْ إِحْدَى اَلتَّاءَيْنِ كَأَنَّ عُمَرَ اِسْتَأْذَنَ أَنْ يَبْتَاعَهَا لِيَتَجَمَّل بِهَا اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْض اَلرُّوَاةِ أَشْبَعَ فَتْحَةَ اَلتَّاءِ فَظُنَّتْ أَلِفًا. وَقَالَ اَلْكَرْمَانِيّ قَوْله \" هَذِهِ \" إِشَارَة إِلَى نَوْع اَلْجُبَّة , كَذَا قَالَ , وَاَلَّذِي يَظْهَرُ إِشَارَة إِلَى عَيْنِهَا وَيَلْتَحِقُ بِهَا جِنْسهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب اَلْجُمُعَة تَوْجِيه اَلتَّرْجَمَةِ وَأَنَّهَا مَأْخُوذَة مِنْ تَقْرِيرِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْل اَلتَّجَمُّلِ , وَإِنَّمَا زَجَرُهُ عَنْ اَلْجُبَّةِ لِكَوْنِهَا كَانَتْ حَرِيرًا. ‏ ‏قَوْله : ( لِلْعِيدِ وَالْوُفُودِ ) ‏ ‏تَقَدَّم فِي كِتَاب اَلْجُمُعَة بِلَفْظِ \" لِلْجُمُعَةِ \" بَدَلٌ لِلْعِيدِ وَهِيَ رِوَايَةُ نَافِع , وَهَذِهِ رِوَايَة سَالِم , وَكِلَاهُمَا صَحِيح. وَكَأَنَّ اِبْن عُمَر ذَكَرَهُمَا مَعًا فَاقْتَصَرَ كُلّ رَاوٍ عَلَى أَحَدِهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( تَبِيعُهَا وَتُصِيبُ بِهَا حَاجَتَك ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَوْ تُصِيبُ \" وَمَعْنَى اَلْأَوَّل وَتُصِيبُ بِثَمَنِهَا , وَالثَّانِي يُحْتَمَلُ أَنَّ \" أَوْ \" بِمَعْنَى اَلْوَاو فَهُوَ كَالْأَوَّلِ أَوْ اَلتَّقْسِيم , وَالْمُرَاد اَلْمُقَايَضَة أَوْ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي اَلْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا اَلْحَدِيثِ فِي كِتَاب اَللِّبَاس إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏رَوَى اِبْن أَبِي اَلدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ فِي اَلْعِيدَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "897",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَسَدِيَّ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعِنْدِي ‏ ‏جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ ‏ ‏بُعَاثَ ‏ ‏فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ وَدَخَلَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏دَعْهُمَا فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ ‏ ‏السُّودَانُ ‏ ‏بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَإِمَّا قَالَ تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ فَقُلْتُ نَعَمْ فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَهُوَ يَقُولُ دُونَكُمْ يَا ‏ ‏بَنِي أَرْفِدَةَ ‏ ‏حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ حَسْبُكِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَاذْهَبِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَابْن عَسَاكِر \" حَدَّثَنَا أَحْمَد بْنُ عِيسَى \" وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي اَلْمُسْتَخْرَجِ , وَوَقْع فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيّ بْن شَبُّويَةَ \" حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن صَالِح \" وَهُوَ مُقْتَضَى إِطْلَاق أَبِي عَلِيّ بْن اَلسَّكَنِ حَيْثُ قَالَ : كُلُّ مَا فِي اَلْبُخَارِيِّ \" حَدَّثَنَا أَحْمَد \" غَيْر مَنْسُوبٍ فَهُوَ اِبْن صَالِح. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن اَلْحَارِث اَلْمِصْرِيُّ , وَشَطْر هَذَا اَلْإِسْنَادِ اَلْأَوَّلِ مِصْرِيُّونَ وَالثَّانِي مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَاد فِي رِوَايَة اَلزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة \" فِي أَيَّامِ مِنًى \" وَسَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثَة وَعِشْرِينَ بَابًا. ‏ ‏قَوْله : ( جَارِيَتَانِ ) ‏ ‏زَاد فِي اَلْبَابِ اَلَّذِي بَعْدَهُ \" مِنْ جَوَارِي اَلْأَنْصَار \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ إِحْدَاهُمَا كَانَتْ لِحَسَّان بْن ثَابِت , وَفِي اَلْأَرْبَعِينَ لِلسُّلَمِيِّ أَنَّهُمَا كَانَتَا لِعَبْد اَللَّه بْن سَلَام , وَفِي اَلْعِيدَيْنِ لِابْن أَبِي اَلدُّنْيَا مِنْ طَرِيقِ فُلَيْحٍ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة \" وَحَمَامَة وَصَاحِبَتهَا تُغَنِّيَانِ \" وَإِسْنَاده صَحِيح , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ اَلْأُخْرَى , لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اِسْمُ اَلثَّانِيَةِ زَيْنَب وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي كِتَاب اَلنِّكَاح , وَلَمْ يَذْكُرْ حَمَامَة اَلَّذِينَ صَنَّفُوا فِي اَلصَّحَابَةِ وَهِيَ عَلَى شَرْطِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( تُغَنِّيَانِ ) ‏ ‏زَاد فِي رِوَايَة اَلزُّهْرِيّ \" تُدَفِّفَانِ \" بِفَاءَيْنِ أَيْ تَضْرِبَانِ بِالدُّفِّ , وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ هِشَام أَيْضًا \" تُغَنِّيَانِ بِدُفٍّ \" وَلِلنَّسَائِيِّ \" بِدُفَّيْنِ \" وَالدُّفُّ بِضَمِّ اَلدَّالِ عَلَى اَلْأَشْهَرِ وَقَدْ تُفْتَحُ , وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا اَلْكِرْبَال بِكَسْرِ اَلْكَافِ وَهُوَ اَلَّذِي لَا جَلَاجِلَ فِيهِ , فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ فَهُوَ اَلْمِزْهَرُ , وَفِي حَدِيثِ اَلْبَابِ اَلَّذِي بَعْدَهُ \" بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ اَلْأَنْصَار يَوْم بُعَاثٍ \" أَيْ قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ مِنْ فَخْرٍ أَوْ هِجَاء , وَلِلْمُصَنِّفِ فِي اَلْهِجْرَةِ \" بِمَا تَعَازَفَتْ \" بِمُهْمَلَة وَزَاي وَفَاء مِنْ اَلْعَزْفِ وَهُوَ اَلصَّوْتُ اَلَّذِي لَهُ دَوِيّ , وَفِي رِوَايَة \" تَقَاذَفَتْ \" بِقَافٍ بَدَل اَلْعَيْن وَذَال مُعْجَمَة بَدَل اَلزَّاي وَهُوَ مِنْ اَلْقَذْفِ وَهُوَ هِجَاءُ بَعْضِهِمْ لِبَعْض , وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّاد اِبْن سَلَمَةَ عَنْ هِشَام يَذْكُرُ أَنَّ يَوْم بُعَاث يَوْمَ قُتِلَ فِيهِ صَنَادِيد اَلْأَوْس وَالْخَزْرَج ا ه. وَبُعَاثٌ بِضَمِّ اَلْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَهَا مُهْمَلَة وَآخِره مُثَلَّثَة قَالَ عِيَاض وَمَنْ تَبِعَهُ : أَعْجَمَهَا أَبُو عُبَيْدَة وَحْدَهُ , وَقَالَ اِبْن اَلْأَثِيرِ فِي اَلْكَامِلِ : أَعْجَمَهَا صَاحِب اَلْعَيْنِ يَعْنِي اَلْخَلِيلَ وَحْدَهُ , وَكَذَا حَكَى أَبُو عُبَيْدٍ اَلْبَكْرِيّ فِي مُعْجَمِ اَلْبُلْدَانِ عَنْ اَلْخَلِيلِ , وَجَزَمَ أَبُو مُوسَى فِي ذَيْلِ اَلْغَرِيبِ بِأَنَّهُ تَصْحِيفٌ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ اَلنِّهَايَةِ , قَالَ اَلْبَكْرِيّ : هُوَ مَوْضِعٌ مِنْ اَلْمَدِينَةِ عَلَى لَيْلَتَيْنِ , وَقَالَ أَبُو مُوسَى وَصَاحِب اَلْهِدَايَةِ : هُوَ اِسْم حِصْن لِلْأَوْسِ , وَفِي كِتَابِ أَبِي اَلْفَرَج اَلْأَصْفَهَانِيّ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي قَيْس بْن اَلْأَسْلَتِ : هُوَ مَوْضِعٌ فِي دَار بَنِي قُرَيْظَة فِيهِ أَمْوَال لَهُمْ , وَكَانَ مَوْضِع اَلْوَقْعَةِ فِي مَزْرَعَةٍ لَهُمْ هُنَاكَ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ اَلْقَوْلَيْنِ. وَقَالَ صَاحِب اَلْمَطَالِعِ : اَلْأَشْهَرُ فِيهِ تَرْكُ اَلصَّرْف. قَالَ اَلْخَطَّابِيّ : يَوْم بُعَاثٍ يَوْم مَشْهُور مِنْ أَيَّامِ اَلْعَرَبِ كَانَتْ فِيهِ مَقْتَلَة عَظِيمَة لِلْأَوْسِ عَلَى اَلْخَزْرَج , وَبَقِيَتْ اَلْحَرْبُ قَائِمَة مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً إِلَى اَلْإِسْلَامِ عَلَى مَا ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره. قُلْت : تَبِعَهُ عَلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ شُرَّاح اَلصَّحِيحَيْنِ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ اَلْحَرْبَ اَلَّتِي وَقَعَتْ يَوْمَ بُعَاثٍ دَامَتْ هَذِهِ اَلْمُدَّة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَسَيَأْتِي فِي أَوَائِل اَلْهِجْرَةِ قَوْل عَائِشَة \" كَانَ يَوْم بُعَاث يَوْمًا قَدَّمَهُ اَللَّهُ لِرَسُولِهِ فَقَدِمَ اَلْمَدِينَةَ وَقَدْ اِفْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ وَقُتِلَتْ سُرَاتُهُمْ \" وَكَذَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق وَالْوَاقِدِيُّ وَغَيْرهمَا مِنْ أَصْحَابِ اَلْأَخْبَارِ , وَقَدْ رَوَى اِبْن سَعْد بِأَسَانِيدِهِ أَنَّ اَلنَّفَرَ اَلسِّتَّةَ أَوْ اَلثَّمَانِيَة اَلَّذِينَ لَقُوا اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى أَوَّل مَنْ لَقِيَهُ مِنْ اَلْأَنْصَارِ - وَكَانُوا قَدْ قَدِمُوا إِلَى مَكَّةَ لِيُحَالِفُوا قُرَيْشًا - كَانَ فِي جُمْلَةِ مَا قَالُوهُ لَهُ لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى اَلْإِسْلَامِ وَالنَّصْرُ لَهُ : وَاعْلَمْ أَنَّمَا كَانَتْ وَقْعَة بُعَاثٍ عَام اَلْأَوَّل , فَمَوْعِدك اَلْمَوْسِم اَلْقَابِل , فَقَدِمُوا فِي اَلسَّنَةِ اَلَّتِي تَلِيهَا فَبَايَعُوهُ , وَهِيَ اَلْبَيْعَةُ اَلْأُولَى , ثُمَّ قَدِمُوا اَلثَّانِيَة فَبَايَعُوهُ وَهُمْ سَبْعُونَ نَفْسًا , وَهَاجَرَ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَائِل اَلَّتِي تَلِيهَا. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ وَقْعَة بُعَاثٍ كَانَتْ قَبْلَ اَلْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ , وَهُوَ اَلْمُعْتَمَدُ , وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ فِي تَرْجَمَةِ زِيدِ اِبْن ثَابِت مِنْ اَلِاسْتِيعَابِ : إِنَّهُ كَانَ يَوْم بُعَاث اِبْن سِتِّ سِنِينَ , وَحِينَ قَدِمَ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اِبْنَ إِحْدَى عَشْرَة , فَيَكُونُ يَوْم بُعَاث قَبْلَ اَلْهِجْرَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ. نَعَمْ دَامَتْ اَلْحَرْبُ بَيْنَ اَلْحَيَّيْنِ اَلْأَوْس وَالْخَزْرَج اَلْمُدَّة اَلَّتِي ذَكَرَهَا فِي أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ شَهِيرَة , وَكَانَ أَوَّلهَا فِيمَا ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق وَهِشَام بْن اَلْكَلْبِيّ وَغَيْرهمَا أَنَّ اَلْأَوْس وَالْخَزْرَج لَمَّا نَزَلُوا اَلْمَدِينَةَ وَجَدُوا اَلْيَهُودَ مُسْتَوْطِنِينَ بِهَا فَحَالَفُوهُمْ وَكَانُوا تَحْتَ قَهْرِهِمْ , ثُمَّ غَلَبُوا عَلَى اَلْيَهُودِ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ بِمُسَاعَدَةِ أَبِي جَبَلَة مَلِك غَسَّان , فَلَمْ يَزَالُوا عَلَى اِتِّفَاقٍ بَيْنَهُمْ حَتَّى كَانَتْ أَوَّلَ حَرْبٍ وَقَعَتْ بَيْنَهُمْ حَرْب سُمَيْر - بِالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا - بِسَبَبِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ كَعْب مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ نَزَلَ عَلَى مَالِكِ اِبْنِ عَجْلَانَ اَلْخَزْرَجِيّ فَحَالَفَهُ , فَقَتَلَه رَجُل مِنْ اَلْأَوْس يُقَالُ لَهُ سُمَيْر فَكَانَ ذَلِكَ سَبَب اَلْحَرْبِ بَيْنَ اَلْحَيَّيْنِ , ثُمَّ كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَقَائِع مِنْ أَشْهَرِهَا يَوْم اَلسَّرَارَة بِمُهْمَلَاتٍ , وَيَوْم فَارِعٍ بِفَاء وَمُهْمَلَة , وَيَوْم اَلْفِجَار اَلْأَوَّل وَالثَّانِي , وَحَرْب حُصَيْن بْن اَلْأَسْلَتِ , وَحَرْب حَاطِب بْن قَيْس , إِلَى أَنْ كَانَ آخِرَ ذَلِكَ يَوْم بُعَاث وَكَانَ رَئِيس اَلْأَوْس فِيهِ حُضَيْر وَالِد أَسِيد وَكَانَ يُقَالُ لَهُ حُضَيْر اَلْكَتَائِب , وَجُرِحَ يَوْمئِذٍ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنْ جِرَاحَتِهِ , وَكَانَ رَئِيس اَلْخَزْرَج عَمْرو بْن اَلنُّعْمَان , وَجَاءَهُ سَهْم فِي اَلْقِتَالِ فَصَرَعَهُ فَهُزِمُوا بَعْدَ أَنْ كَانُوا قَدْ اِسْتَظْهَرُوا , وَلِحَسَّان وَغَيْرِهِ مِنْ اَلْخَزْرَج وَكَذَا لِقَيْس بْن اَلْحُطَيْم وَغَيْره مِنْ اَلْأَوْس فِي ذَلِكَ أَشْعَار كَثِيرَة مَشْهُورَة فِي دَوَاوِينِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاضْطَجَعَ عَلَى اَلْفِرَاشِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اَلزُّهْرِيّ اَلْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ \" تَغَشَّى بِثَوْبِهِ \" وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" تَسَجَّى \" أَيْ اِلْتَفَّ بِثَوْبِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَاءَ أَبُو بَكْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ هِشَام بْن عُرْوَة فِي اَلْبَابِ اَلَّذِي بَعْدَهُ \" دَخَلَ عَلَى أَبُو بَكْر وَكَأَنَّهُ جَاءَ زَائِرًا لَهَا بَعْدَ أَنْ دَخَلَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَانْتَهَرَنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اَلزُّهْرِيّ \" فَانْتَهَرَهُمَا \" أَيْ اَلْجَارِيَتَيْنِ , وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ شَرَكَ بَيْنَهُنَّ فِي اَلِانْتِهَارِ وَالزَّجْرِ , أَمَّا عَائِشَة فَلِتَقْرِيرِهَا , وَأَمَّا اَلْجَارِيَتَانِ فَلِفِعْلِهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( مِزْمَارَةُ اَلشَّيْطَان ) ‏ ‏بِكَسْرِ اَلْمِيمِ يَعْنِي اَلْغِنَاء أَوْ اَلدُّفّ , لِأَنَّ الْمِزْمَارَةَ أَوْ اَلْمِزْمَارَ مُشْتَقّ مِنْ اَلزَّمِيرِ وَهُوَ اَلصَّوْتُ اَلَّذِي لَهُ اَلصَّفِير , وَيُطْلَقُ عَلَى اَلصَّوْتِ اَلْحَسَنِ وَعَلَى اَلْغِنَاءِ , وَسُمِّيَت بِهِ اَلْآلَةُ اَلْمَعْرُوفَةُ اَلَّتِي يُزَمَّرُ بِهَا , وَإِضَافَتهَا إِلَى اَلشَّيْطَانِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تُلْهِي , فَقَدْ تَشْغَلُ اَلْقَلْبَ عَنْ اَلذِّكْرِ. وَفِي رِوَايَةِ حَمَّاد بْن سَلَمَة عِنْدَ أَحْمَدَ \" فَقَالَ : يَا عِبَاد اَللَّهِ أَبِمَزْمُور اَلشَّيْطَان عِنْدَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قَالَ اَلْقُرْطُبِيّ : اَلْمَزْمُورُ اَلصَّوْت , وَنِسْبَتُهُ إِلَى اَلشَّيْطَانِ ذَمّ عَلَى مَا ظَهَرَ لِأَبِي بَكْر , وَضَبَطَهُ عِيَاض بِضَمِّ اَلْمِيمِ وَحُكِيَ فَتْحهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اَلزُّهْرِيّ \" فَكَشَفَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَجْهِهِ \" وَفِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ \" فَكَشَفَ رَأْسَهُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ مُلْتَفًّا. ‏ ‏قَوْله : ( دَعْهُمَا ) ‏ ‏زَاد فِي رِوَايَةِ هِشَام \" يَا أَبَا بَكْر إِنَّ لِكُلِّ قَوْم عِيدًا وَهَذَا عِيدنَا \" فَفِيهِ تَعْلِيلُ اَلْأَمْرِ بِتَرْكِهِمَا , وَإِيضَاحُ خِلَافِ مَا ظَنَّهُ اَلصِّدِّيقُ مِنْ أَنَّهُمَا فَعَلَتَا ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِهِ دَخَلَ فَوَجَدَهُ مُغَطّى بِثَوْبِهِ فَظَنَّهُ نَائِمًا فَتَوَجَّهَ لَهُ اَلْإِنْكَار عَلَى اِبْنَتِهِ مِنْ هَذِهِ اَلْأَوْجُهِ مُسْتَصْحِبًا لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُ مِنْ مَنْع اَلْغِنَاء وَاللَّهْو , فَبَادَرَ إِلَى إِنْكَارِ ذَلِكَ قِيَامًا عَنْ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ مُسْتَنِدًا إِلَى مَا ظَهَرَ لَهُ , فَأَوْضَحَ لَهُ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اَلْحَالَ , وَعَرَّفَهُ اَلْحُكْمَ مَقْرُونًا بِبَيَانِ اَلْحِكْمَةِ بِأَنَّهُ يَوْمُ عِيد , أَيْ يَوْمُ سُرُورٍ شَرْعِيٍّ , فَلَا يُنْكَرُ فِيهِ مِثْلُ هَذَا كَمَا لَا يُنْكَرُ فِي اَلْأَعْرَاسِ , وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ اَلْإِشْكَال عَمَّنْ قَالَ : كَيْفَ سَاغَ لِلصِّدِّيقِ إِنْكَار شَيْءٍ أَقَرَّهُ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَتَكَلَّفَ جَوَابًا لَا يَخْفَى تَعَسُّفه. وَفِي قَوْلِهِ \" لِكُلِّ قَوْم \" أَيْ مِنْ اَلطَّوَائِفِ وَقَوْله \" عِيد \" أَيْ كَالنَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ , وَفِي اَلنَّسَائِيِّ وَابْن حِبَّانَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ \" قَدِمَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اَلْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا , فَقَالَ : قَدْ أَبْدَلَكُمْ اَللَّهُ تَعَالَى بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا : يَوْم اَلْفِطْرِ وَالْأَضْحَى \" وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ كَرَاهَةُ اَلْفَرَحِ فِي أَعْيَادِ اَلْمُشْرِكِينَ وَالتَّشَبُّهِ بِهِمْ , وَبَالَغَ اَلشَّيْخُ أَبُو حَفْص اَلْكَبِير اَلنَّسَفِيُّ مِنْ اَلْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ : مَنْ أَهْدَى فِيهِ بَيْضَة إِلَى مُشْرِكٍ تَعْظِيمًا لِلْيَوْمِ فَقَدْ كَفَرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى. اُسْتُنْبِطَ مِنْ تَسْمِيَةِ أَيَّامِ مِنًى بِأَنَّهَا أَيَّام عِيد مَشْرُوعِيَّة قَضَاء صَلَاة اَلْعِيدِ فِيهَا لِمَنْ فَاتَتْهُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد. وَاسْتَدَلَّ جَمَاعَة مِنْ اَلصُّوفِيَّةِ بِحَدِيثِ اَلْبَابِ عَلَى إِبَاحَةِ اَلْغِنَاء وَسَمَاعِهِ بِآلَةٍ وَبِغَيْرِ آلَة , وَيَكْفِي فِي رَدِّ ذَلِكَ تَصْرِيح عَائِشَة فِي اَلْحَدِيثِ اَلَّذِي فِي اَلْبَابِ بَعْدَهُ بِقَوْلِهَا \" وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ \" فَنَفَتْ عَنْهُمَا مِنْ طَرِيق اَلْمَعْنَى مَا أَثْبَتَهُ لَهُمَا بِاللَّفْظِ , لِأَنَّ اَلْغِنَاءَ يُطْلَقُ عَلَى رَفْعِ اَلصَّوْتِ وَعَلَى اَلتَّرَنُّمِ اَلَّذِي تُسَمِّيه اَلْعَرَبُ اَلنَّصْب بِفَتْحِ اَلنُّونِ وَسُكُونِ اَلْمُهْمَلَةِ عَلَى اَلْحِدَاءِ. وَلَا يُسَمَّى فَاعِله مُغَنِّيًا وَإِنَّمَا يُسَمَّى بِذَلِكَ مَنْ يَنْشُدُ بِتَمْطِيطٍ وَتَكْسِيرٍ وَتَهْيِيجٍ وَتَشْوِيقٍ بِمَا فِيهِ تَعْرِيض بِالْفَوَاحِشِ أَوْ تَصْرِيح , قَالَ اَلْقُرْطُبِيّ : قَوْلُهَا \" لَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ \" أَيْ لَيْسَتَا مِمَّنْ يَعْرِفُ اَلْغِنَاء كَمَا يَعْرِفُهُ اَلْمُغَنِّيَات اَلْمَعْرُوفَات بِذَلِكَ , وَهَذَا مِنْهَا تَحَرُّزٌ عَنْ اَلْغِنَاءِ اَلْمُعْتَادِ عِنْدَ اَلْمُشْتَهِرِينَ بِهِ , وَهُوَ اَلَّذِي يُحَرِّكُ اَلسَّاكِنَ وَيَبْعَثُ اَلْكَامِن , وَهَذَا اَلنَّوْع إِذَا كَانَ فِي شِعْرٍ فِيهِ وَصْف مَحَاسِنِ اَلنِّسَاءِ وَالْخَمْرِ وَغَيْرهمَا مِنْ اَلْأُمُورِ اَلْمُحَرَّمَةِ لَا يُخْتَلَفُ فِي تَحْرِيمِهِ , قَالَ : وَأَمَّا مَا اِبْتَدَعَهُ اَلصُّوفِيَّة فِي ذَلِكَ فَمِنْ قَبِيلِ مَا لَا يُخْتَلَفُ فِي تَحْرِيمِهِ , لَكِنَّ اَلنُّفُوسَ اَلشَّهْوَانِيَّةَ غَلَبَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى اَلْخَيْرِ , حَتَّى لَقَدْ ظَهَرَتْ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ فِعْلَاتُ اَلْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَان , حَتَّى رَقَصُوا بِحَرَكَاتٍ مُتَطَابِقَةٍ وَتَقْطِيعَاتٍ مُتَلَاحِقَة , وَانْتَهَى التَّوَاقُحُ بِقَوْمٍ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ جَعَلُوهَا مِنْ بَابِ اَلْقُرَبِ وَصَالِح اَلْأَعْمَالِ , وَأَنَّ ذَلِكَ يُثْمِرُ سِنِيِّ اَلْأَحْوَالِ وَهَذَا - عَلَى اَلتَّحْقِيقِ - مِنْ آثَارِ اَلزَّنْدَقَةِ , وَقَوْل أَهْلِ اَلْمُخَرِّفَةِ وَاَللَّه اَلْمُسْتَعَان ا ه. وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْكَسَ مُرَادهمْ وَيُقْرَأَ \" سَيِّئ \" عِوَض اَلنُّون اَلْخَفِيفَة اَلْمَكْسُورَة بِغَيْرِ هَمْزٍ بِمُثَنَّاة تَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة مَهْمُوزًا. وَأَمَّا اَلْآلَاتُ فَسَيَأْتِي اَلْكَلَام عَلَى اِخْتِلَافِ اَلْعُلَمَاءِ فِيهَا عِنْدَ اَلْكَلَامِ عَلَى حَدِيث اَلْمَعَازِف فِي كِتَاب اَلْأَشْرِبَة , وَقَدْ حَكَى قَوْم اَلْإِجْمَاع عَلَى تَحْرِيمِهَا , وَحَكَى بَعْضهمْ عَكْسه , وَسَنَذْكُرُ بَيَانَ شُبْهَةِ اَلْفَرِيقَيْنِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِبَاحَةِ اَلضَّرْبِ بِالدُّفِّ فِي اَلْعُرْسِ وَنَحْوِهِ إِبَاحَة غَيْرِهِ مِنْ اَلْآلَاتِ كَالْعُودِ وَنَحْوِهِ كَمَا سَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي وَلِيمَةِ اَلْعُرْسِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا اِلْتِفَافُهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَوْبِهِ فَفِيهِ إِعْرَاضٌ عَنْ ذَلِكَ لِكَوْنِ مَقَامِهِ يَقْتَضِي أَنْ يَرْتَفِعَ عَنْ اَلْإِصْغَاءِ إِلَى ذَلِكَ , لَكِنَّ عَدَمَ إِنْكَارِهِ دَالٌّ عَلَى تَسْوِيغِ مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى اَلْوَجْهِ اَلَّذِي أَقَرَّهُ إِذْ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِل , وَالْأَصْل اَلتَّنَزُّه عَنْ اَللَّعِبِ وَاللَّهْوِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ اَلنَّصُّ وَقْتًا وَكَيْفِيَّة تَقْلِيلًا لِمُخَالَفَةِ اَلْأَصْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي هَذَا اَلْحَدِيثِ مِنْ اَلْفَوَائِدِ مَشْرُوعِيَّة اَلتَّوْسِعَة عَلَى اَلْعِيَالِ فِي أَيَّامِ اَلْأَعْيَادِ بِأَنْوَاعِ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ بَسْط اَلنَّفْس وَتَرْوِيح اَلْبَدَن مِنْ كَلَف اَلْعِبَادَة , وَأَنَّ اَلْإِعْرَاضَ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى. وَفِيهِ أَنَّ إِظْهَار اَلسُّرُور فِي اَلْأَعْيَادِ مِنْ شِعَارِ اَلدِّينِ. وَفِيهِ جَوَازُ دُخُولِ اَلرَّجُلِ عَلَى اِبْنَتِهِ وَهِيَ عِنْدُ زَوْجِهَا إِذَا كَانَ لَهُ بِذَلِكَ عَادَة , وَتَأْدِيب اَلْأَبِ بِحَضْرَة اَلزَّوْج وَإِنْ تَرَكَهُ اَلزَّوْج , إِذْ اَلتَّأْدِيبُ وَظِيفَة اَلْآبَاءِ , وَالْعَطْفُ مَشْرُوع مِنْ اَلْأَزْوَاجِ لِلنِّسَاءِ. وَفِيهِ اَلرِّفْقُ بِالْمَرْأَةِ وَاسْتِجْلَاب مَوَدَّتِهَا , وَأَنَّ مَوَاضِعَ أَهْلِ اَلْخَيْرِ تُنَزَّهُ عَنْ اَللَّهْوِ وَاللَّغْوِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِثْم إِلَّا بِإِذْنِهِمْ. وَفِيهِ أَنَّ اَلتِّلْمِيذَ إِذَا رَأَى عِنْدَ شَيْخِهِ مَا يُسْتَكْرَهُ مِثْلهُ بَادَرَ إِلَى إِنْكَارِهِ , وَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ اِفْتِئَات عَلَى شَيْخِهِ , بَلْ هُوَ أَدَبٌ مِنْهُ وَرِعَايَةٌ لِحُرْمَتِهِ وَإِجْلَالٌ لِمَنْصِبِهِ , وَفِيهِ فَتْوَى اَلتِّلْمِيذ بِحَضْرَة شَيْخه بِمَا يَعْرِفُ مِنْ طَرِيقَتِهِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْر ظَنَّ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَامَ فَخَشِيَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ فَيَغْضَبَ عَلَى اِبْنَتِهِ فَبَادَرَ إِلَى سَدِّ هَذِهِ اَلذَّرِيعَةِ. وَفِي قَوْلِ عَائِشَة فِي آخِرِ هَذَا اَلْحَدِيثِ \" فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا \" دَلَالَة عَلَى أَنَّهَا مَعَ تَرْخِيصِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا فِي ذَلِكَ رَاعَتْ خَاطِر أَبِيهَا وَخَشِيَتْ غَضَبَهُ عَلَيْهَا فَأَخْرَجْتهُمَا , وَاقْتِنَاعَهَا فِي ذَلِكَ بِالْإِشَارَةِ فِيمَا يَظْهَرُ لِلْحَيَاءِ مِنْ اَلْكَلَامِ بِحَضْرَة مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ سَمَاع صَوْت اَلْجَارِيَةِ بِالْغِنَاءِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَة لِأَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى أَبِي بَكْر سَمَاعَهُ بَلْ أَنْكَرَ إِنْكَاره , وَاسْتَمَرَّتَا إِلَى أَنْ أَشَارَتْ إِلَيْهِمَا عَائِشَة بِالْخُرُوجِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ اَلْجَوَاز مَا إِذَا أُمِنَتْ اَلْفِتْنَةُ بِذَلِكَ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ يَوْمَ عِيدِ ) ‏ ‏هَذَا حَدِيثٌ آخَرُ وَقَدْ جَمَعَهُمَا بَعْضُ اَلرُّوَاةِ وَأَفْرَدَهُمَا بَعْضهمْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا اَلْحَدِيث اَلثَّانِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اَلزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ فِي أَبْوَابِ اَلْمَسَاجِدِ , وَوَقَعَ عِنْد الْجَوْزَقِيِّ فِي حَدِيثِ اَلْبَابِ هُنَا \" وَقَالَتْ - أَيْ عَائِشَة - كَانَ يَوْمَ عِيد \" فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ مَوْصُولٌ كَالْأَوَّلِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَلْعَبُ فِيهِ اَلسُّودَانُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اَلزُّهْرِيّ اَلْمَذْكُورَةِ \" وَالْحَبَشَة يَلْعَبُونَ فِي اَلْمَسْجِدِ \" وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ مُعَلَّقَةٍ وَوَصَلَهَا مُسْلِم \" بِحِرَابِهِمْ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ هِشَام عَنْ أَبِيهِ \" جَاءَ حَبَش يَلْعَبُونَ فِي اَلْمَسْجِدِ \" , قَالَ اَلْمُحِبّ اَلطَّبَرِيّ : هَذَا اَلسِّيَاقُ يُشْعِرُ بِأَنَّ عَادَتَهُمْ ذَلِكَ فِي كُلِّ عِيد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ حِبَّانَ \" لَمَّا قَدِمَ وَفْد اَلْحَبَشَةِ قَامُوا يَلْعَبُونَ فِي اَلْمَسْجِدِ \" وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ اَلتَّرْخِيصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَال اَلْقُدُوم , وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قُدُومهمْ صَادَفَ يَوْمَ عِيدٍ وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ اَللَّعِب فِي اَلْأَعْيَادِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ كَعَادَتِهِمْ ثُمَّ صَارُوا يَلْعَبُونَ يَوْمَ كُلِّ عِيد , وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَس قَالَ \" لَمَّا قَدِمَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اَلْمَدِينَةَ لَعِبَتْ اَلْحَبَشَة فَرَحًا بِذَلِكَ لَعِبُوا بِحِرَابِهِمْ \" , وَلَا شَكَّ أَنَّ يَوْمَ قُدُومِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَهُمْ أَعْظَم مِنْ يَوْمِ اَلْعِيدِ , قَالَ اَلزَّيْن بْن اَلْمُنِيرِ : سَمَّاهُ لَعِبًا وَإِنْ كَانَ أَصْله اَلتَّدْرِيب عَلَى اَلْحَرْبِ وَهُوَ مِنْ اَلْجِدِّ لِمَا فِيهِ مِنْ شَبَه اَللَّعِب , لِكَوْنِهِ يَقْصِدُ إِلَى اَلطَّعْنِ وَلَا يَفْعَلُهُ وَيُوهِمُ بِذَلِكَ قَرْنه وَلَوْ كَانَ أَبَاهُ أَوْ اِبْنَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِمَّا سَأَلْت رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِمَّا قَالَ : تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ ) ‏ ‏هَذَا تَرَدُّد مِنْهَا فِيمَا كَانَ وَقَع لَهُ هَلْ كَانَ أَذِنَ لَهَا فِي ذَلِكَ اِبْتِدَاء مِنْهُ أَوْ عَنْ سُؤَالٍ مِنْهَا , وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنْ سَأَلْت بِسُكُونِ اَللَّامِ عَلَى أَنَّهُ كَلَامُهَا , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِفَتْحِ اَللَّامِ فَيَكُونُ كَلَام اَلرَّاوِي فَلَا يُنَافِي مَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ \" وَإِمَّا قَالَ تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ \" وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ اَلرِّوَايَاتُ عَنْهَا فِي ذَلِكَ : فَفِي رِوَايَة اَلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيد بْن رُومَان عَنْهَا \" سَمِعْت لَغَطًا وَصَوْت صِبْيَان , فَقَامَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَبَشِيَّة تَزْفِنُ - أَيْ تَرْقُصُ - وَالصِّبْيَان حَوْلَهَا فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ , تَعَالَيْ فَانْظُرِي \" فَفِي هَذَا أَنَّهُ اِبْتَدَأَهَا , وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهَا قَالَتْ لِلَّاعِبِينَ \" وَدِدْت أَنِّي أَرَاهُمْ \" فَفِي هَذَا أَنَّهَا سَأَلَتْ , وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا اِلْتَمَسَتْ مِنْهُ ذَلِكَ فَأَذِنَ لَهَا , وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهَا \" دَخَلَ الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ , فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا حُمَيْرَاءُ أَتُحِبِّينَ أَنْ تَنْظُرِي إِلَيْهِمْ ؟ فَقُلْت : نَعَمْ \" إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَلَمْ أَرَ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ ذِكْرَ الْحُمَيْرَاءِ إِلَّا فِي هَذَا. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ هَذِهِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَنْهَا قَالَتْ \" وَمِنْ قَوْلِهِمْ يَوْمَئِذٍ : أَبَا الْقَاسِمِ طَيِّبًا \" كَذَا فِيهِ بِالنَّصْبِ , وَهُوَ حِكَايَةُ قَوْلِ الْحَبَشَةِ , وَلِأَحْمَدَ وَالسَّرَّاجِ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ \" أَنَّ الْحَبَشَةَ كَانَتْ تَزْفِنُ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ لَهُمْ , فَقَالَ : مَا يَقُولُونَ ؟ قَالَ يَقُولُونَ : مُحَمَّدٌ عَبْدٌ صَالِحٌ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ ) ‏ ‏أَيْ مُتَلَاصِقَيْنِ وَهِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ بِدُونِ وَاوٍ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ \" فَوَضَعْت رَأْسِي عَلَى مَنْكِبِهِ \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَذْكُورَةِ \" فَوَضَعْت ذَقْنِي عَلَى عَاتِقِهِ وَأَسْنَدْت وَجْهِي إِلَى خَدِّهِ \" وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْهَا \" أَنْظُرُ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ \" وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ , وَرِوَايَةُ أَبِي سَلَمَةَ أَبْيَنُهَا. وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ الْآتِيَةِ بَعْدُ عَنْ عُرْوَةَ \" فَيَسْتُرُنِي وَأَنَا أَنْظُرُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ بِلَفْظِ \" يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ \" وَيُتَعَقَّبُ بِهِ عَلَى الزَّيْنِ بْنِ الْمُنِيرِ فِي اِسْتِنْبَاطِهِ مِنْ لَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ جَوَازُ اِكْتِفَاءِ الْمَرْأَةِ بِالتَّسَتُّرِ بِالْقِيَامِ خَلْفَ مَنْ تُسْتَرُ بِهِ مِنْ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ إِذَا قَامَ ذَلِكَ مَقَامَ الرِّدَاءِ , لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ , وَقَدْ وَقَعَ فِيهَا التَّنْصِيصُ عَلَى وُجُودِ التَّسَتُّرِ بِالرِّدَاءِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَهُوَ يَقُولُ : دُونَكُمْ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ بِمَعْنَى الْإِغْرَاءِ وَالْمُغْرَى بِهِ مَحْذُوفٌ وَهُوَ لَعِبُهُمْ بِالْحِرَابِ , وَفِيهِ إِذْنٌ وَتَنْهِيضٌ لَهُمْ وَتَنْشِيطٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَا بَنِي أَرْفِدَةَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَقَدْ تُفْتَحُ , قِيلَ هُوَ لَقَبٌ لِلْحَبَشَةِ , وَقِيلَ هُوَ اِسْمُ جِنْسٍ لَهُمْ , وَقِيلَ اِسْمُ جَدِّهِمْ الْأَكْبَرِ وَقِيلَ الْمَعْنَى يَا بَنِي الْإِمَاءِ , زَادَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ \" فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّنَّا بَنِي أَرْفِدَةَ \" وَبَيَّنَ الزُّهْرِيُّ أَيْضًا عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجْهَ الزَّجْرِ حَيْثُ قَالَ \" فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاءِ فَحَصِبَهُمْ بِهَا , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهُمْ يَا عُمَرُ \" وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ , وَزَادَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ \" فَإِنَّهُمْ بَنُو أَرْفِدَةَ \" كَأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ هَذَا شَأْنُهُمْ وَطَرِيقَتُهُمْ وَهُوَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ فَلَا إِنْكَارَ عَلَيْهِمْ. قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ يُغْتَفَرُ لَهُمْ مَا لَا يُغْتَفَرُ لِغَيْرِهِمْ , لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَسَاجِدِ تَنْزِيهُهَا عَنْ اللَّعِبِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ , اِنْتَهَى. وَرَوَى السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَئِذٍ \" لِتَعْلَمَ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً , إِنِّي بُعِثْت بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ \" وَهَذَا يُشْعِرُ بِعَدَمِ التَّخْصِيصِ , وَكَأَنَّ عُمَرَ بَنَى عَلَى الْأَصْلِ فِي تَنْزِيهِ الْمَسَاجِدِ فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْهَ الْجَوَازِ فِيمَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ , أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرَاهُمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا مَلِلْت ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى - , وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ \" حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أَسْأَمُ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ \" ثُمَّ يَقُومُ مِنْ أَجْلِي حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أَنْصَرِفُ \" وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ \" أَمَا شَبِعْت ؟ أَمَا شَبِعْت ؟ قَالَتْ : فَجَعَلْت أَقُولُ : لَا , لِأَنْظُرَ مَنْزِلَتِي عِنْدَهُ \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهَا : \" قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ , فَقَامَ لِي ثُمَّ قَالَ : حَسْبُك ؟ قُلْت : لَا تَعْجَلْ. قَالَ : وَمَا بِي حُبُّ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ وَلَكِنْ أَحْبَبْت أَنْ يَبْلُغَ النِّسَاءَ مُقَامُهُ لِي وَمَكَانِي مِنْهُ \" وَزَادَ فِي النِّكَاحِ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ \" فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ \" وَقَوْلُهَا \" اُقْدُرُوا \" بِضَمِّ الدَّالِ مِنْ التَّقْدِيرِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا , وَأَشَارَتْ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ شَابَّةً , وَقَدْ تَمَسَّك بِهِ مَنْ اِدَّعَى نَسْخَ هَذَا الْحُكْمِ وَأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ كَمَا تَقَدَّمَتْ حِكَايَتُهُ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ , وَرُدَّ بِأَنَّ قَوْلَهَا : \" يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ \" دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْحِجَابِ , وَكَذَا قَوْلُهَا \" أَحْبَبْت أَنْ يَبْلُغَ النِّسَاءَ مُقَامُهُ لِي \" مُشْعِرٌ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ لَهَا ضَرَائِرُ , أَرَادَتْ الْفَخْرَ عَلَيْهِنَّ , فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَ بُلُوغِهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ اِبْنِ حِبَّانَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ الْحَبَشَةِ وَكَانَ قُدُومُهُمْ سَنَةَ سَبْعٍ فَيَكُونُ عُمْرُهَا حِينَئِذٍ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ شَيْءٌ نَحْوُ هَذَا وَالْجَوَابُ عَنْهُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ اللَّعِبِ بِالسِّلَاحِ عَلَى طَرِيقِ التَّوَاثُبِ لِلتَّدْرِيبِ عَلَى الْحَرْبِ وَالتَّنْشِيطِ عَلَيْهِ , وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ جَوَازُ الْمُثَاقَفَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ تَمْرِينِ الْأَيْدِي عَلَى آلَاتِ الْحَرْبِ , قَالَ عِيَاضٌ : وَفِيهِ جَوَازُ نَظَرِ النِّسَاءِ إِلَى فِعْلِ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُكْرَهُ لَهُنَّ النَّظَرُ إِلَى الْمَحَاسِنِ وَالِاسْتِلْذَاذِ بِذَلِكَ , وَمِنْ تَرَاجِمِ الْبُخَارِيِّ عَلَيْهِ \" بَابُ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الْحَبَشِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ \" وَقَالَ النَّوَوِيُّ : أَمَّا النَّظَرُ بِشَهْوَةٍ وَعِنْدَ خَشْيَةِ الْفِتْنَةِ فَحَرَامٌ اِتِّفَاقًا , وَأَمَّا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ. وَأَجَابَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ بُلُوغِ عَائِشَةَ , وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا فِيهِ , قَالَ : أَوْ كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ بِحِرَابِهِمْ لَا إِلَى وُجُوهِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ , وَإِنْ وَقَعَ بِلَا قَصْدٍ أَمْكَنَ أَنْ تَصْرِفَهُ فِي الْحَالِ. اِنْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ فَوَائِدِهِ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ. وَسَيَأْتِي بَعْدَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ هَذَا الْبَابَ وَالْبَابَ الْآتِي هُنَاكَ حَيْثُ قَالَ \" بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ فِي الْعِيدِ \" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "898",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏زُبَيْدٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الشَّعْبِيَّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "899",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعِنْدِي ‏ ‏جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بُعَاثَ ‏ ‏قَالَتْ وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "900",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُرَجَّأُ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ بِالتَّصْغِيرِ , وَفِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ \" حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَنَسٍ \" بِحَذْفِ أَبِي بَكْرٍ , هَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هُشَيْمٍ , وَتَابَعَهُ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ , وَجُبَارَةُ بْنُ الْمُغَلِّسِ عِنْدَ اِبْنِ مَاجَهْ , وَرَوَاهُ عَنْ هُشَيْمٍ قُتَيْبَةُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ , وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ عِنْدَ اِبْنِ خُزَيْمَةَ , وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عِنْدَ اِبْنِ حِبَّانَ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ , وَعَمْرُو بْنُ عَوْنٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَقَالُوا كُلُّهُمْ \" عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ \" قَالَ التِّرْمِذِيُّ صَحِيحٌ غَرِيبٌ , وَأَعَلَّهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ هُشَيْمًا مُدَلِّسٌ , وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ , وَابْنُ إِسْحَاقَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْبُخَارِيِّ. قُلْت : وَهِيَ عِلَّةٌ غَيْرُ قَادِحَةٍ لِأَنَّ هُشَيْمًا قَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِالْإِخْبَارِ فَأُمِنَ تَدْلِيسُهُ , وَلِهَذَا نَزَّلَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ دَرَجَةً لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ سُلَيْمَانَ مِنْ شُيُوخِهِ , وَقَدْ أُخْرِجَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ لِكَوْنِهِ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ وَلَمْ يَلْقَ مِنْ أَصْحَابِ هُشَيْمٍ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ لَقِيَهُ مِنْهُمْ مَنْ يُحَدِّثُ بِهِ مُصَرِّحًا عَنْهُ فِيهِ بِالْإِخْبَارِ , وَقَدْ جَزَمَ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ هُشَيْمٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ , وَأَنَّ أَصْحَابَ هُشَيْمٍ الْقُدَمَاءَ كَانُوا يَرْوُونَهُ عَنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَلَا تَضُرُّ طَرِيقُ اِبْنِ إِسْحَاقَ الْمَذْكُورَةُ , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ سُلَيْمَانَ قَدْ رَوَاهُ عَنْ هُشَيْمٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْهُ عَنْ هُشَيْمٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَرَجَحَ صَنِيعُ الْبُخَارِيِّ , وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مُتَابَعَةُ مُرَجَّى بْنِ رَجَاءٍ لِهُشَيْمٍ عَلَى رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ , وَقَدْ عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ هُنَا , وَأَفَادَتْ ثَلَاثَ فَوَائِدَ : الْأُولَى هَذِهِ , وَالثَّانِيَةُ تَصْرِيحُ عُبَيْدِ اللَّهِ فِيهِ بِالْإِخْبَارِ عَنْ أَنَسٍ , وَالثَّالِثَةُ تَقْيِيدُ الْأَكْلِ بِكَوْنِهِ وِتْرًا. وَقَدْ وَصَلَهَا اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي النَّضْرِ عَنْ مُرَجَّى بِلَفْظِ \" يَخْرُجُ \" بَدَلَ \" يَغْدُو \" وَالْبَاقِي مِثْل لَفْظِ هُشَيْمٍ وَفِيهِ الزِّيَادَةُ , وَكَذَا وَصَلَهُ أَبُو ذَرٍّ فِي زِيَادَاتِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي حَامِدِ بْنِ نُعَيْمٍ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّنْجِيِّ عَنْ أَبِي النَّضْرِ , وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَرَمِيِّ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ مُرَجَّى بِلَفْظِ \" وَيَأْكُلهُنَّ أَفْرَادًا \" وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ , وَلَهُ رَاوٍ ثَالِثٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ بِلَفْظِ \" مَا خَرَجَ يَوْمَ فِطْرٍ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ وِتْرًا , وَهِيَ أَصْرَحُ فِي الْمُدَاوَمَةِ عَلَى ذَلِكَ , قَالَ الْمُهَلَّبُ : الْحِكْمَةُ فِي الْأَكْلِ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ لَا يَظُنَّ ظَانٌّ لُزُومَ الصَّوْمِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعِيدَ , فَكَأَنَّهُ أَرَادَ سَدَّ هَذِهِ الذَّرِيعَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ : لَمَّا وَقَعَ وُجُوبُ الْفِطْرِ عَقِبَ وُجُوبِ الصَّوْمِ اُسْتُحِبَّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ مُبَادَرَةً إِلَى اِمْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى , وَيُشْعِرُ بِذَلِكَ اِقْتِصَارُهُ عَلَى الْقَلِيلِ مِنْ ذَلِكَ , وَلَوْ كَانَ لِغَيْرِ الِامْتِثَالِ لَأَكَلَ قَدْرَ الشِّبَعِ , وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْنُ أَبِي جَمْرَةَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ : لَمَّا كَانَ الْمُعْتَكِفُ لَا يَتِمُّ اِعْتِكَافُهُ حَتَّى يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى قَبْلَ اِنْصِرَافِهِ إِلَى بَيْتِهِ خُشِيَ أَنْ يُعْتَمَدَ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنْ النَّهَارِ بِاعْتِبَارِ اِسْتِصْحَابِ الصَّائِمِ مَا يُعْتَمَدُ مِنْ اِسْتِصْحَابِ الِاعْتِكَافِ , فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِمَشْرُوعِيَّةِ الْأَكْلِ قَبْلَ الْغُدُوِّ. وَقِيلَ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ الَّذِي يُحْبَسُ فِي رَمَضَانَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ , فَاسْتُحِبَّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ بِدَارًا إِلَى السَّلَامَةِ مِنْ وَسْوَسَتِهِ. وَسَيَأْتِي تَوْجِيهٌ آخَرُ لِابْنِ الْمُنِيرِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَقَالَ اِبْنُ قُدَامَةَ : لَا نَعْلَمُ فِي اِسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ اِخْتِلَافًا. اِنْتَهَى. وَقَدْ رَوَى اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ التَّخْيِيرَ فِيهِ , وَعَنْ النَّخَعِيِّ أَيْضًا مِثْلُهُ. وَالْحِكْمَةُ فِي اِسْتِحْبَابِ التَّمْرِ لِمَا فِي الْحُلْوِ مِنْ تَقْوِيَةِ الْبَصَرِ الَّذِي يُضْعِفُهُ الصَّوْمُ , وَلِأَنَّ الْحُلْوَ مِمَّا يُوَافِقُ الْإِيمَانَ وَيُعَبَّرُ بِهِ الْمَنَامُ وَيَرِقُّ بِهِ الْقَلْبُ وَهُوَ أَيْسَرُ مِنْ غَيْرِهِ , وَمِنْ ثَمَّ اِسْتَحَبَّ بَعْضُ التَّابِعِينَ أَنَّهُ يُفْطِرُ عَلَى الْحُلْوِ مُطْلَقًا كَالْعَسَلِ رَوَاهُ اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ وَابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمَا , وَرُوِيَ فِيهِ مَعْنًى آخَر عَنْ اِبْنِ عَوْنٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّهُ يَحْبِسُ الْبَوْلَ , هَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يُفْطِرَ وَلَوْ عَلَى الْمَاءِ لِيَحْصُلَ لَهُ شَبَهٌ مَا مِنْ الِاتِّبَاعِ أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْنُ أَبِي جَمْرَةَ. وَأَمَّا جَعْلُهُنَّ وِتْرًا فَقَالَ الْمُهَلَّبُ : فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى , وَكَذَلِكَ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ تَبَرُّكًا بِذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏مُرَجَّى بِوَزْنِ مُعَلَّى , وَأَبُوهُ بِلَفْظِ رَجَاءٍ ضِدُّ الْخَوْفِ بَصْرِيٌّ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ. ‏"
    },
    {
        "id": "901",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ وَذَكَرَ مِنْ جِيرَانِهِ فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَدَّقَهُ قَالَ وَعِنْدِي ‏ ‏جَذَعَةٌ ‏ ‏أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَا أَدْرِي أَبَلَغَتْ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "902",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَطَبَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ الْأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا ‏ ‏وَنَسَكَ ‏ ‏نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ وَمَنْ ‏ ‏نَسَكَ ‏ ‏قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا ‏ ‏نُسُكَ ‏ ‏لَهُ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ ‏ ‏خَالُ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلَاةِ وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي فَذَبَحْتُ شَاتِي وَتَغَدَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلَاةَ قَالَ شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ عِنْدَنَا ‏ ‏عَنَاقًا ‏ ‏لَنَا ‏ ‏جَذَعَةً ‏ ‏هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ أَفَتَجْزِي عَنِّي قَالَ نَعَمْ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ‏",
        "sharh": "قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ ‏ ‏\" وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا نُسُكَ لَهُ \" ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُولِ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ , وَحَذَفَهَا النَّسَائِيُّ وَهُوَ أَوْجَهُ , وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ إِثْبَاتِهَا بِتَقْدِيرِ لَا يُجْزِئُ وَلَا نُسُكَ لَهُ , وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ \" فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ هَذَا وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ بِلَفْظِهِ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَيْثَمَةَ وَيُوسُفَ بْنِ مُوسَى وَعُثْمَانَ هَذَا ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ جَرِيرٍ بِلَفْظِ \" وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَشَاتُه شَاةُ لَحْمٍ \" وَذَكَرَ أَنَّ مَعْنَاهُمْ وَاحِدٌ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ , وَأَظُنُّ التَّصَرُّفَ فِيهِ مِنْ عُثْمَانَ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي حَدِيثَيْ أَنَسٍ وَالْبَرَاءِ مِنْ الْفَوَائِدِ تَأْكِيدُ أَمْرِ الْأُضْحِيَّةِ , وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا طَيِّبُ اللَّحْمِ وَإِيثَارُ الْجَارِ عَلَى غَيْرِهِ , وَأَنَّ الْمُفْتِيَ إِذَا ظَهَرَتْ لَهُ مِنْ الْمُسْتَفْتِي أَمَارَةُ الصِّدْقِ كَانَ لَهُ أَنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِ , حَتَّى لَوْ اِسْتَفْتَاهُ اِثْنَانِ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ جَازَ أَنْ يُفْتِيَ كُلًّا مِنْهُمَا بِمَا يُنَاسِبُ حَالَهُ , وَجَوَازُ إِخْبَارِ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا يَسْتَحِقُّ الثَّنَاءَ بِهِ عَلَيْهِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "903",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏فَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ ‏ ‏مَرْوَانَ ‏ ‏وَهُوَ أَمِيرُ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمُصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ ‏ ‏كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ ‏ ‏فَإِذَا ‏ ‏مَرْوَانُ ‏ ‏يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ ‏ ‏فَجَبَذْتُ ‏ ‏بِثَوْبِهِ فَجَبَذَنِي فَارْتَفَعَ فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَقُلْتُ لَهُ غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ فَقُلْتُ مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لَا أَعْلَمُ فَقَالَ إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ) ‏ ‏أَيْ اِبْنُ أَبِي كَثِيرٍ الْمَدَنِيُّ , وَعِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَيْ اِبْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْقُرَشِيُّ الْمَدَنِيُّ , وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عِيَاضٍ قَالَ : سَمِعْت أَبَا سَعِيدٍ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ وَهْبٍ عَنْ دَاوُدَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِلَى الْمُصَلَّى ) ‏ ‏هُوَ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ مَعْرُوفٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَابِ الْمَسْجِدِ أَلْفُ ذِرَاعٍ قَالَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي \" أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ \" عَنْ أَبِي غَسَّانَ الْكِنَانِيِّ صَاحِبِ مَالِكٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عِيَاضٍ \" فَيَنْصَرِفُ إِلَى النَّاسِ قَائِمًا فِي مُصَلَّاهُ \" وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَةٍ مُخْتَصَرَةٍ \" خَطَبَ يَوْمَ عِيدٍ عَلَى رِجْلَيْهِ \" وَهَذَا مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمُصَلَّى فِي زَمَانِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْبَرٌ , وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ \" فَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْت مَعَ مَرْوَانَ \" وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ اِتَّخَذَهُ مَرْوَانُ , وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِمَالِكٍ وَرَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ عَنْ أَبِي غَسَّانَ عَنْهُ قَالَ \" أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ النَّاسَ فِي الْمُصَلَّى عَلَى الْمِنْبَرِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ كَلَّمَهُمْ عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ طِينٍ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ , وَهَذَا مُعْضِلٌ , وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَصَحُّ فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عِيَاضٍ نَحْوَ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى أَعَادَهُ مَرْوَانُ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ أَبُو سَعِيدٍ , وَإِنَّمَا اِخْتَصَّ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ بِبِنَاءِ الْمِنْبَرِ بِالْمُصَلَّى لِأَنَّ دَارَهُ كَانَتْ مُجَاوِرَةً لِلْمُصَلَّى , كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى فِي يَوْمِ الْعِيدِ إِلَى الْعَلَمِ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ , قَالَ اِبْنُ سَعْدٍ : كَانَتْ دَارُ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ قِبْلَةَ الْمُصَلَّى فِي الْعِيدَيْنِ وَهِيَ تُطِلُّ عَلَى بَطْنِ بَطَحَانِ الْوَادِي الَّذِي فِي وَسَطِ الْمَدِينَةِ , اِنْتَهَى. وَإِنَّمَا بَنَى كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ دَارَهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُدَّةٍ , لَكِنَّهَا لَمَّا صَارَتْ شَهِيرَةً فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ وُصِفَ الْمُصَلَّى بِمُجَاوَرَتِهَا. وَكَثِيرٌ الْمَذْكُورُ هُوَ اِبْنُ الصَّلْتِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْكِنْدِيُّ , تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ هُوَ وَأَخَوَيْهِ بَعْدَهُ فَسَكَنَهَا وَحَالَفَ بَنِي جُمَحٍ , وَرَوَى اِبْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى نَافِعٍ قَالَ : كَانَ اِسْمُ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ قَلِيلًا فَسَمَّاهُ عُمَرُ كَثِيرًا. وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فَوَصَلَهُ بِذِكْرِ اِبْنِ عُمَرَ وَرَفَعَهُ بِذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ , وَقَدْ صَحَّ سَمَاعُ كَثِيرٍ مِنْ عُمَرَ فَمَنْ بَعْدَهُ , وَكَانَ لَهُ شَرَفٌ وَذِكْرٌ , وَهُوَ اِبْنُ أَخِي جَمْدٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ أَوْ فَتْحِهَا أَحَدُ مُلُوكِ كِنْدَةَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي الرِّدَّةِ , وَقَدْ ذُكِرَ أَبُوهُ فِي الصَّحَابَةِ لِابْنِ مَنْدَهْ وَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ نَظَرٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُقْطِعَ بَعْثًا ) ‏ ‏أَيْ يُخْرِجَ طَائِفَةً مِنْ الْجَيْشِ إِلَى جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( خَرَجْت مَعَ مَرْوَانَ ) ‏ ‏زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ \" وَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي مَسْعُودٍ \" يَعْنِي عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَجَبَذْته بِثَوْبِهِ ) ‏ ‏أَيْ لِيَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ عَلَى الْعَادَةِ , وَقَوْلُهُ \" فَقُلْت لَهُ غَيَّرْتُمْ وَاَللَّهِ \" صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ هُوَ الَّذِي أَنْكَرَ , وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ \" أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ , فَقَالَ : قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ \" وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ غَيْرُ أَبِي سَعِيدٍ , وَكَذَا فِي رِوَايَةِ رَجَاءٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي أَوَّلِ الْبَابِ , فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَبَا مَسْعُودٍ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمَا , وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ تَعَدَّدَتْ \" وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمُغَايَرَةُ الْوَاقِعَةُ بَيْنَ رِوَايَتَيْ عِيَاضٍ وَرَجَاءٍ , فَفِي رِوَايَةِ عِيَاضٍ أَنَّ الْمِنْبَرَ بُنِيَ بِالْمُصَلَّى , وَفِي رِوَايَةِ رَجَاءٍ أَنَّ مَرْوَانَ أَخْرَجَ الْمِنْبَرَ مَعَهُ , فَلَعَلَّ مَرْوَانَ لَمَّا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ إِخْرَاجَ الْمِنْبَرِ تَرَكَ إِخْرَاجَهُ بَعْدُ وَأَمَرَ بِبِنَائِهِ مِنْ لَبِنٍ وَطِينٍ بِالْمُصَلَّى , وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُنْكَرَ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْخُطْبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى , وَيَدُلُّ عَلَى التَّغَايُرِ أَيْضًا أَنَّ إِنْكَارَ أَبِي سَعِيدٍ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ , وَإِنْكَارَ الْآخَرِ وَقَعَ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَجَعَلْتهَا ) ‏ ‏أَيْ الْخُطْبَةَ ( قَبْلَ الصَّلَاةِ ) وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ مَرْوَانَ فَعَلَ ذَلِكَ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ , وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ أَنَّ عُثْمَانَ فَعَلَ ذَلِكَ أَيْضًا لَكِنْ لِعِلَّةٍ أُخْرَى , وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ بُنْيَانُ الْمِنْبَرِ , قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : وَإِنَّمَا اِخْتَارُوا أَنْ يَكُونَ بِاللَّبِنِ لَا مِنْ الْخَشَبِ لِكَوْنِهِ يُتْرَكُ فِي الصَّحْرَاء فِي غَيْرِ حِرْزٍ فَيُؤْمَنُ عَلَيْهِ النَّقْلُ , بِخِلَافِ خَشَبِ مِنْبَرِ الْجَامِعِ. وَفِيهِ أَنَّ الْخُطْبَةَ عَلَى الْأَرْضِ عَنْ قِيَامٍ فِي الْمُصَلَّى أَوْلَى مِنْ الْقِيَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ , وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ أَنَّ الْمُصَلَّى يَكُونُ بِمَكَانٍ فِيهِ فَضَاءٌ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ رُؤْيَتِهِ كُلُّ مَنْ حَضَرَ , بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي مَكَانٍ مَحْصُورٍ فَقَدْ لَا يَرَاهُ بَعْضُهُمْ , وَفِيهِ الْخُرُوجُ إِلَى الْمُصَلَّى فِي الْعِيدِ , وَأَنَّ صَلَاتَهَا فِي الْمَسْجِدِ لَا تَكُونُ إِلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ , وَفِيهِ إِنْكَارُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْأُمَرَاءِ إِذَا صَنَعُوا مَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ , وَفِيهِ حَلِفُ الْعَالِمِ عَلَى صِدْقِ مَا يُخْبِرُ بِهِ , وَالْمُبَاحَثَةُ فِي الْأَحْكَامِ , وَجَوَازُ عَمَلِ الْعَالِمِ بِخِلَافِ الْأَوْلَى إِذَا لَمْ يُوَافِقْهُ الْحَاكِمُ عَلَى الْأَوْلَى لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَضَرَ الْخُطْبَةَ وَلَمْ يَنْصَرِفْ , فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُبَادَأَةَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اِبْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : حَمَلَ أَبُو سَعِيدٍ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ عَلَى التَّعْيِينِ , وَحَمَلَهُ مَرْوَانُ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ , وَاعْتَذَرَ عَنْ تَرْكِ الْأَوْلَى بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَغَيُّرِ حَالِ النَّاسِ , فَرَأَى أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى أَصْلِ السُّنَّةِ - وَهُوَ إِسْمَاعُ الْخُطْبَةِ - أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى هَيْئَةٍ فِيهَا لَيْسَتْ مِنْ شَرْطِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِسْتِحْبَابِ الْخُرُوجِ إِلَى الصَّحْرَاءِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ وَأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ , لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ فَضْلِ مَسْجِدِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْرُجُ فِي الْعِيدَيْنِ إِلَى الْمُصَلَّى بِالْمَدِينَةِ , وَكَذَا مَنْ بَعْدَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرِ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ , وَكَذَلِكَ عَامَّةُ أَهْلِ الْبُلْدَانِ إِلَّا أَهْلَ مَكَّةَ. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ سَعَةُ الْمَسْجِدِ وَضِيقُ أَطْرَافِ مَكَّةَ قَالَ : فَلَوْ عُمِّرَ بَلَدٌ فَكَانَ مَسْجِدُ أَهْلِهِ يَسَعُهُمْ فِي الْأَعْيَادِ لَمْ أَرَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهُ , فَإِنْ كَانَ لَا يَسَعُهُمْ كُرِهَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ وَلَا إِعَادَةَ. وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْعِلَّةَ تَدُورُ عَلَى الضِّيقِ وَالسَّعَةِ , لَا لِذَاتِ الْخُرُوجِ إِلَى الصَّحْرَاءِ , لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ حُصُولُ عُمُومِ الِاجْتِمَاعِ , فَإِذَا حَصَلَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَفْضَلِيَّتِهِ كَانَ أَوْلَى. ‏"
    },
    {
        "id": "904",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "905",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "906",
        "content": "‏ ‏قَالَ وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَرْسَلَ إِلَى ‏ ‏ابْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فِي أَوَّلِ مَا بُويِعَ لَهُ ‏ ‏إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ إِنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ) ‏ ‏الْقَائِلُ هُوَ اِبْنُ جُرَيْجٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ , وَكَذَا قَوْلُهُ \" وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ \" مَعْطُوفٌ أَيْضًا , وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ , أَيْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُصَيَّرٌ مِنْ الْبُخَارِيِّ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ حُكْمُ الرَّفْعِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَوَّلُ مَا بُويِعَ لَهُ ) ‏ ‏أَيْ لِابْنِ الزُّبَيْرِ بِالْخِلَافَةِ , وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ عَقِبَ مَوْتِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وَقَوْلُهُ \" وَإِنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ الصَّوَابُ , وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيّ \" وَأَمَّا \" بَدَلَ وَإِنَّمَا , وَهُوَ تَصْحِيفٌ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ حَدِيثِ جَابِرٍ بَعْدَ عَشْرَةِ أَبْوَابٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "907",
        "content": "‏ ‏و أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "908",
        "content": "‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَامَ ‏ ‏فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ بَعْدُ فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ ‏ ‏بِلَالٍ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ صَدَقَةً ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِعَطَاءٍ ‏ ‏أَتَرَى حَقًّا عَلَى الْإِمَامِ الْآنَ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ فَيُذَكِّرَهُنَّ حِينَ يَفْرُغُ قَالَ ‏ ‏إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ أَنْ لَا يَفْعَلُوا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "909",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏وَعُثْمَانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏فَكُلُّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ صَرِيحٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ , وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْعِيدَيْنِ أَتَمَّ مِمَّا هُنَا وَحَدِيثُ اِبْنِ عُمَرَ أَيْضًا صَرِيحٌ فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "910",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "911",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ تُلْقِي الْمَرْأَةُ ‏ ‏خُرْصَهَا ‏ ‏وَسِخَابَهَا ‏",
        "sharh": "أَمَّا حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ أَمْرَهُ لِلنِّسَاءِ بِالصَّدَقَةِ كَانَ مِنْ تَتِمَّةِ الْخُطْبَةِ كَمَا يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ الَّذِي فِي الْبَابِ قَبْلَهُ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَهُ لِتَعَلُّقِهِ بِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ فَهُوَ كَالتَّتِمَّةِ لِلْفَائِدَةِ. وَقَوْلُهُ فِيهِ \" خُرْصُهَا \" بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا صَادٌ مُهْمَلَةٌ هُوَ الْحَلْقَةُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ , وَقِيلَ هُوَ الْقُرْطُ إِذَا كَانَ بِحَبَّةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَوْلُهُ \" وَسِخَابُهَا \" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ هُوَ قِلَادَةٌ مِنْ عَنْبَرٍ أَوْ قَرَنْفُلٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يَكُونُ فِيهِ خَرَزٌ , وَقِيلَ هُوَ خَيْطٌ فِيهِ خَرَزٌ , وَسُمِّيَ سِخَابًا لِصَوْتِ خَرَزِهِ عِنْدَ الْحَرَكَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ السَّخَبِ وَهُوَ اِخْتِلَاطُ الْأَصْوَاتِ , يُقَالُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ بَعْدَ عَشْرَةِ أَبْوَابٍ , وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى التَّنَفُّلِ يَوْمَ الْعِيدِ بَعْدَ ذَلِكَ بِسِتَّةِ أَبْوَابٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "912",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زُبَيْدٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الشَّعْبِيَّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ ‏ ‏فَنَنْحَرَ ‏ ‏فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا وَمَنْ ‏ ‏نَحَرَ ‏ ‏قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنْ النُّسْكِ فِي شَيْءٍ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْتُ وَعِنْدِي ‏ ‏جَذَعَةٌ ‏ ‏خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏مُسِنَّةٍ ‏ ‏فَقَالَ اجْعَلْهُ مَكَانَهُ وَلَنْ تُوفِيَ أَوْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ‏",
        "sharh": "أَمَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ فَظَاهِرُهُ يُخَالِفُ التَّرْجَمَةَ , لِأَنَّ قَوْلَهُ ‏ ‏\" أَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ \" ‏ ‏مُشْعِرٌ بِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَقَعَ قَبْلَ إِيقَاعِ الصَّلَاةِ فَيَسْتَلْزِمُ تَقْدِيمَ الْخُطْبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ الْخُطْبَةِ , وَلِأَنَّهُ عَقَّبَ الصَّلَاةَ بِالنَّحْرِ , وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعِيدَ ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ هَذَا الْكَلَامَ , وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ \" إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ \" أَيْ فِي يَوْمِ الْعِيدِ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ فِي أَيِّ عِيدٍ كَانَ. وَالتَّعْقِيبُ بِثُمَّ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَخَلُّلِ أَمْرٍ آخَرَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : غَلِطَ النَّسَائِيُّ فَتَرْجَمَ بِحَدِيثِ الْبَرَاءِ فَقَالَ \" بَابُ الْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ \" قَالَ : وَخَفَى عَلَيْهِ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَضَعُ الْفِعْلَ الْمُسْتَقْبِلَ مَكَانَ الْمَاضِي , وَكَأَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : أَوَّلُ مَا يَكُونُ بِهِ الِابْتِدَاءُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الصَّلَاةُ الَّتِي قَدَّمْنَا فِعْلَهَا. قَالَ : وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا ) أَيْ الْإِيمَانُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمْ ا ه. وَالْمُعْتَمَدُ فِي صِحَّةِ مَا تَأَوَّلْنَاهُ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ زُبَيْدٍ الْآتِيَةُ بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ بِلَفْظِ \" خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أَضْحَى إِلَى الْبَقِيعِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ , ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَقَالَ : إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ \" الْحَدِيثَ , فَتَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْكَلَامَ وَقَعَ مِنْهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْمُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّ الْخُطْبَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الصَّلَاةِ , ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : فَإِنْ قُلْت فَمَا دَلَالَتُهُ عَلَى التَّرْجَمَةِ ؟ قُلْت : لَوْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ لَمْ تَكُنْ الصَّلَاةُ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بِهِ , وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ هَذَا الْكَلَامِ وَقَعَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ وَقَعَتْ قَبْلَهَا ا ه. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ سَابِقًا عَلَى الصَّلَاةِ , وَيَمْنَعُ كَوْنَهُ مِنْ الْخُطْبَةِ. لَكِنْ قَدْ بَيَّنَتْ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ زُبَيْدٍ الْمَذْكُورَةُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا شَيْءٌ , لِأَنَّهُ عَقَّبَ الْخُرُوجَ إِلَيْهَا بِالْفَاءِ. وَصَرَّحَ مَنْصُورٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ وَقَعَ فِي الْخُطْبَةِ , وَلَفْظُهُ \" عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ بَابَيْنِ وَيَأْتِي أَيْضًا فِي أَوَاخِرِ الْعِيدِ , فَيَتَعَيَّنُ التَّأْوِيلُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "913",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى أَبُو السُّكَيْنِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُحَارِبِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِي أَخْمَصِ قَدَمِهِ فَلَزِقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ فَنَزَلْتُ فَنَزَعْتُهَا وَذَلِكَ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏فَبَلَغَ ‏ ‏الْحَجَّاجَ ‏ ‏فَجَعَلَ يَعُودُهُ فَقَالَ ‏ ‏الْحَجَّاجُ ‏ ‏لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَنْتَ أَصَبْتَنِي قَالَ وَكَيْفَ قَالَ حَمَلْتَ السِّلَاحَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ وَأَدْخَلْتَ السِّلَاحَ ‏ ‏الْحَرَمَ ‏ ‏وَلَمْ يَكُنْ السِّلَاحُ يُدْخَلُ ‏ ‏الْحَرَمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَبُو السُّكَيْنِ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالْكَافِ مُصَغَّرًا , وَالْمُحَارِبِيُّ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ لَا اِبْنُهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ , وَمُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْقَافِ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ مِنْ أَجِلَّاءِ النَّاسِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْمَصِ قَدَمِهِ ) ‏ ‏الْأَخْمَصُ بِإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ : بَاطِنُ الْقَدَمِ وَمَا رَقَّ مِنْ أَسْفَلِهَا , وَقِيلَ هُوَ خَصْرُ بَاطِنِهَا الَّذِي لَا يُصِيبُ الْأَرْضَ عِنْدَ الْمَشْيِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِالرِّكَابِ ) ‏ ‏أَيْ وَهِيَ فِي رَاحِلَتِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَنَزَعْتهَا ) ‏ ‏ذَكَرَ الضَّمِيرَ مُؤَنَّثًا مَعَ أَنَّهُ أَعَادَهُ عَلَى السِّنَانِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ لِأَنَّهُ أَرَادَ الْحَدِيدَةَ , وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْقَدَمَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ وَكَانَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرًا عَلَى الْحِجَازِ وَذَلِكَ بَعْدَ قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَ يَعُودُهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيّ \" فَجَاءَ \" , وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" فَأَتَاهُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَك ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ الْحَمَوِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ \" مَا أَصَابَك \" وَحَذَفَ الْجَوَابَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ , أَوْ هِيَ لِلتَّمَنِّي فَلَا مَحْذُوفَ , وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ أَنَّ اِبْنَ سَعْدٍ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ فِيهِ \" لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَك عَاقَبْنَاهُ \" وَهُوَ يُرَجِّحُ رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ أَيْضًا , وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَالَ \" لَوْ أَعْلَمُ الَّذِي أَصَابَك لَضَرَبْت عُنُقَهُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنْتَ أَصَبْتنِي ) ‏ ‏فِيهِ نِسْبَةُ الْفِعْلِ إِلَى الْآمِرِ بِشَيْءٍ يَتَسَبَّبُ مِنْهُ ذَلِكَ الْفِعْلُ وَإِنْ لَمْ يَعْنِ الْآمِرَ ذَلِكَ , لَكِنْ حَكَى الزُّبَيْرُ فِي الْأَنْسَابِ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ لَمَّا كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنْ لَا يُخَالِفَ اِبْنَ عُمَرَ شَقَّ عَلَيْهِ فَأَمَرَ رَجُلًا مَعَهُ حَرْبَةٌ يُقَالُ إِنَّهَا كَانَتْ مَسْمُومَةً فَلَصِقَ ذَلِكَ الرَّجُلُ بِهِ فَأَمَرَّ الْحَرْبَةَ عَلَى قَدَمِهِ فَمَرِضَ مِنْهَا أَيَّامًا ثُمَّ مَاتَ , وَذَلِكَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ. فَعَلَى هَذَا فَفِيهِ نِسْبَةُ الْفِعْلِ إِلَى الْآمِرِ بِهِ فَقَطْ وَهُوَ كَثِيرٌ. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ تَعَقُّبٌ عَلَى الْمُهَلَّبِ حَيْثُ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَمَلْت السِّلَاحَ ) ‏ ‏أَيْ فَتَبِعَك أَصْحَابُك فِي حَمْلِهِ , أَوْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ حَمَلْت أَيْ أَمَرْت بِحَمْلِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ ) ‏ ‏هَذَا مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ , وَهُوَ مُصَيَّرٌ مِنْ الْبُخَارِيِّ إِلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ كَانَ يُفْعَلُ كَذَا عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ يُحْكَمُ بِرَفْعِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "914",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلَ ‏ ‏الْحَجَّاجُ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ كَيْفَ هُوَ فَقَالَ صَالِحٌ فَقَالَ مَنْ أَصَابَكَ قَالَ ‏ ‏أَصَابَنِي مَنْ أَمَرَ بِحَمْلِ السِّلَاحِ فِي يَوْمٍ لَا يَحِلُّ فِيهِ حَمْلُهُ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏الْحَجَّاجَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَصَابَنِي مَنْ أَمَرَ ) ‏ ‏هَذَا فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالْحَجَّاجِ , وَرِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ الَّتِي قَبْلَهَا مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّهُ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ , وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِتَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ أَوْ السُّؤَالِ , فَلَعَلَّهُ عَرَّضَ بِهِ أَوَّلًا , فَلَمَّا أَعَادَ عَلَيْهِ السُّؤَالَ صَرَّحَ. وَقَدْ رَوَى اِبْنُ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ رِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ أَنَّ الْحَجَّاجَ دَخَلَ عَلَى اِبْنِ عُمَرَ يَعُودُهُ لَمَّا أُصِيبَتْ رِجْلُهُ فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَلْ تَدْرِي مَنْ أَصَابَ رِجْلَك ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ عَلِمْت مَنْ أَصَابَك لَقَتَلْته. قَالَ فَأَطْرَقَ اِبْنُ عُمَرَ فَجَعَلَ لَا يُكَلِّمُهُ وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ , فَوَثَبَ كَالْمُغْضَبِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَمْرٍ ثَالِثٍ كَأَنَّهُ عَرَّضَ بِهِ , ثُمَّ عَاوَدَهُ فَصَرَّحَ , ثُمَّ عَاوَدَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَعْنِي الْحَجَّاجَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَفَاعِلُهُ الْقَائِلُ وَهُوَ اِبْنُ عُمَرَ , زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ \" قَالَ لَوْ عَرَفْنَاهُ لَعَاقَبْنَاهُ \" قَالَ : وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ نَفَرُوا عَشِيَّةً وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَجَّاجَ عَارِضٌ حَرْبَتَهُ فَضَرَبَ ظَهْرَ قَدَمِ اِبْنِ عُمَرَ فَأَصْبَحَ وَهِنًا مِنْهَا حَتَّى مَاتَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي الْأَطْرَافِ لِلْمِزِّيِّ فِي تَرْجَمَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ , وَعَنْ أَبِي السُّكَيْنِ عَنْ الْمُحَارِبِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ عَنْهُ بِهِ. وَوَهَمَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ إِسْحَاقَ بْنَ سَعِيدٍ إِذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ لَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ. وَقَدْ ذَكَرَهُ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ سَعِيدٍ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ عَلَى الصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "915",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَطَبَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ النَّحْرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ ‏ ‏فَنَنْحَرَ ‏ ‏فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ فَقَامَ خَالِي ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ وَعِنْدِي ‏ ‏جَذَعَةٌ ‏ ‏خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏مُسِنَّةٍ ‏ ‏قَالَ اجْعَلْهَا مَكَانَهَا ‏ ‏أَوْ قَالَ اذْبَحْهَا ‏ ‏وَلَنْ تَجْزِيَ ‏ ‏جَذَعَةٌ ‏ ‏عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "916",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ قَالُوا وَلَا الْجِهَادُ قَالَ وَلَا الْجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ سُلَيْمَانَ ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَشُ , وَمُسْلِمٌ هُوَ الْبَطِينُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ لُقِّبَ بِذَلِكَ لِعِظَمِ بَطْنِهِ , وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ فَصَرَّحَ بِسَمَاعِ الْأَعْمَشِ لَهُ مِنْهُ وَلَفْظُهُ \" عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ سَمِعْت مُسْلِمًا \" وَهَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْحُفَّاظِ عَنْ الْأَعْمَشِ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ عَنْ الْأَعْمَشِ فَقَالَ \" عَنْ مُسْلِمٍ وَمُجَاهِدٍ وَأَبِي صَالِحٍ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ \" فَأَمَّا طَرِيقُ مُجَاهِدٍ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ فَقَالَ \" عَنْ اِبْنِ عُمَرَ \" بَدَلَ اِبْنِ عَبَّاسٍ. وَأَمَّا طَرِيقُ أَبِي صَالِحٍ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ عَنْ الْأَعْمَشِ فَقَالَ \" عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ \" وَالْمَحْفُوظُ فِي هَذَا حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ , وَفِيهِ اِخْتِلَافٌ آخَرُ عَنْ الْأَعْمَشِ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنْ الْأَعْمَشِ فَقَالَ \" عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ , وَقَدْ وَافَقَ الْأَعْمَشُ عَلَى رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ أَيْضًا , وَرَوَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ وَأَبُو عَوَانَةَ وَأَبُو جَرِيرٍ السِّخْتِيَانِيُّ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ وَعَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ , وَسَنَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنْ الْفَوَائِدِ وَالزَّوَائِدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ ) ‏ ‏كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ بِالْإِبْهَامِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنْ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ \" وَهَذَا يَقْتَضِي نَفْيَ أَفْضَلِيَّةِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ عَلَى الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ إِنْ فُسِّرَتْ بِأَنَّهَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ , وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى بَعْضُ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ , وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ تَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورَةُ فَزَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ فَسَّرَ الْأَيَّامَ الْمُبْهَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ , وَفَسَّرَ الْعَمَلَ بِالتَّكْبِيرِ لِكَوْنِهِ أَوْرَدَ الْآثَارَ الْمَذْكُورَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالتَّكْبِيرِ فَقَطْ. وَقَالَ اِبْنُ أَبِي جَمْرَةَ : الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَفْضَلُ مِنْ الْعَمَلِ فِي غَيْرِهِ , قَالَ : وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُهَا أَيَّامَ عِيدٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ , وَلَا مَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ \" أَنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ \" كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ , لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ فِيهَا , بَلْ قَدْ شَرَعَ فِيهَا أَعْلَى الْعِبَادَاتِ وَهُوَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى , وَلَمْ يُمْنَعْ فِيهَا مِنْهَا إِلَّا الصِّيَامُ. قَالَ : وَسِرُّ كَوْنِ الْعِبَادَةِ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا أَنَّ الْعِبَادَةَ فِي أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ فَاضِلَةٌ عَلَى غَيْرِهَا , وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ غَفْلَةٍ فِي الْغَالِبِ فَصَارَ لِلْعَابِدِ فِيهَا مَزِيدُ فَضْلٍ عَلَى الْعَابِدِ فِي غَيْرِهَا كَمَنْ قَامَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَأَكْثَرُ النَّاسِ نِيَامٌ , وَفِي أَفْضَلِيَّةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ نُكْتَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِيهَا مِحْنَةُ الْخَلِيلِ بِوَلَدِهِ ثُمَّ مُنَّ عَلَيْهِ بِالْفِدَاءِ , فَثَبَتَ لَهَا الْفَضْلُ بِذَلِكَ ا ه. وَهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ الْمَنْقُولَ يُعَارِضُهُ , وَالسِّيَاقُ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ مِنْ الْحُفَّاظِ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ شَيْخِ كَرِيمَةَ بِلَفْظِ \" مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذَا الْعَشْرِ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ غُنْدُرٍ عَنْ شُعْبَةَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ \" فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ \" وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ شُعْبَةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا \" مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ \" يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ , وَكَذَا رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ , وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَقَالَ \" مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ \" بِدُونِ يَعْنِي , وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ قَوْلَهُ \" يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ \" تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ , لَكِنْ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ وَغَيْرِهِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مِنْ نَفْسِ الْخَبَرِ. وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ بِلَفْظِ \" مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى \" وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي صَحِيحَيْ أَبِي عَوَانَةَ وَابْنِ حِبَّانَ \" مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ \" فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَيَّامِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَيَّامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ , لَكِنَّهُ مُشْكِلٌ عَلَى تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ بِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيُجَابُ بِأَجْوِبَةٍ. أَحَدُهَا : أَنَّ الشَّيْءَ يُشْرِفُ بِمُجَاوَرَتِهِ لِلشَّيْءِ الشَّرِيفِ , وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ تَقَعُ تِلْوَ أَيَّامِ الْعَشْرِ , وَقَدْ ثَبَتَتْ الْفَضِيلَةُ لِأَيَّامِ الْعَشْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَثَبَتَتْ بِذَلِكَ الْفَضِيلَةُ لِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ. ثَانِيهَا : أَنَّ عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ إِنَّمَا شُرِّفَ لِوُقُوعِ أَعْمَالِ الْحَجِّ فِيهِ , وَبَقِيَّةُ أَعْمَالِ الْحَجِّ تَقَعُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَتِمَّاتِهِ فَصَارَتْ مُشْتَرِكَةً مَعَهَا فِي أَصْلِ الْفَضْلِ , وَلِذَلِكَ اِشْتَرَكَتْ مَعَهَا فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِي كُلٍّ مِنْهَا , وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ الْآثَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي صَدْرِ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا. ثَالِثُهَا : أَنَّ بَعْضَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ هُوَ بَعْضُ أَيَّامِ الْعَشْرِ وَهُوَ يَوْمُ الْعِيدِ , وَكَمَا أَنَّهُ خَاتِمَةُ أَيَّامِ الْعَشْرِ فَهُوَ مُفْتَتَحُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ , فَمَهْمَا ثَبَتَ لِأَيَّامِ الْعَشْرِ مِنْ الْفَضْلِ شَارَكَتْهَا فِيهِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ , لِأَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ بَعْضُ كُلٍّ مِنْهَا بَلْ هُوَ رَأْسُ كُلٍّ مِنْهَا وَشَرِيفُهُ وَعَظِيمُهُ , وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالُوا وَلَا الْجِهَادُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سَلَمَة بْنِ كُهَيْلٍ الْمَذْكُورَةِ \" فَقَالَ رَجُلٌ \" وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْيِينَ هَذَا السَّائِلِ , وَفِي رِوَايَةِ غُنْدُرٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ \" وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ \" وَفِي رِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ أَيْضًا \" حَتَّى أَعَادَهَا ثَلَاثًا \" وَدَلَّ سُؤَالُهُمْ هَذَا عَلَى تَقَرُّرِ أَفْضَلِيَّةِ الْجِهَادِ عِنْدَهُمْ , وَكَأَنَّهُمْ اِسْتَفَادُوهُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَوَابِ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ فَقَالَ \" لَا أَجِدُهُ \" الْحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَنَذْكُرُ هُنَاكَ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ ) ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَالتَّقْدِيرُ إِلَّا عَمَلُ رَجُلٍ , وَلِلْمُسْتَمْلِيّ \" إِلَّا مَنْ خَرَجَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يُخَاطِرُ ) ‏ ‏أَيْ يَقْصِدُ قَهْرَ عَدُوِّهِ وَلَوْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى قَتْلِ نَفْسِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ) ‏ ‏أَيْ فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الْعَامِلِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ , قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : هَذَا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ , أَنْ لَا يَرْجِعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ رَجَعَ هُوَ , وَأَنْ لَا يَرْجِعَ هُوَ وَلَا مَالُهُ بِأَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ الشَّهَادَةَ. وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ قَوْلَهُ \" فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ \" يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِنَفْسِهِ وَلَا بُدَّ ا ه. وَهُوَ تَعَقُّبٌ مَرْدُودٌ , فَإِنَّ قَوْلَهُ \" فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ \" نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ مَا ذَكَرَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ وَغُنْدُرٍ وَغَيْرِهِمَا عَنْ شُعْبَةَ وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا \" فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ \". وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَفْيَ الرُّجُوعِ بِالشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ الرُّجُوعِ بِغَيْرِ شَيْءٍ , بَلْ هُوَ عَلَى الِاحْتِمَالِ كَمَا قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ , وَيَدُلُّ عَلَى الثَّانِي وُرُودُهُ بِلَفْظٍ يَقْتَضِيهِ , فَعِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ \" إِلَّا مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَأُهْرِيقَ دَمُهُ \" وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ \" إِلَّا مَنْ لَا يَرْجِعُ بِنَفْسِهِ وَلَا مَالِهِ \" وَفِي طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ \" فَقَالَ , لَا إِلَّا أَنْ لَا يَرْجِعَ \" وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ \" إِلَّا مَنْ عُفِّرَ وَجْهُهُ فِي التُّرَابِ \" فَظَهَرَ بِهَذِهِ الطُّرُقِ تَرْجِيحُ مَا رَدَّهُ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ قَدْرِ الْجِهَادِ وَتَفَاوُتُ دَرَجَاتِهِ وَأَنَّ الْغَايَةَ الْقُصْوَى فِيهِ بَذْلُ النَّفْسِ لِلَّهِ , وَفِيهِ تَفْضِيلُ بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ عَلَى بَعْضٍ كَالْأَمْكِنَةِ , وَفَضْلُ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ , وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِيمَنْ نَذَرَ الصِّيَامَ أَوْ عَلَّقَ عَمَلًا مِنْ الْأَعْمَالِ بِأَفْضَلِ الْأَيَّامِ , فَلَوْ أَفْرَدَ يَوْمًا مِنْهَا تَعَيَّنَ يَوْمُ عَرَفَةَ , لِأَنَّهُ عَلَى الصَّحِيحِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَشْرِ الْمَذْكُورَةِ , فَإِنْ أَرَادَ أَفْضَلَ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ تَعَيَّنَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ , جَمْعًا بَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا \" خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ \" رَوَاهُ مُسْلِمٌ , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ , وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَمْ يُرِدْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ خَيْرٌ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ , لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ , يَعْنِي فَيَلْزَمُ تَفْضِيلُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ سَوَاءٌ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا , وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ الْجُمُعَةِ فِي غَيْرِهِ لِاجْتِمَاعِ الْفَضْلَيْنِ فِيهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ صِيَامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِانْدِرَاجِ الصَّوْمِ فِي الْعَمَلِ , وَاسْتَشْكَلَ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ يَوْمَ الْعِيدِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ , وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ \" مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا الْعَشْرَ قَطُّ \" لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ , كَمَا رَوَاهُ الصَّحِيحَانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي اِمْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمَكَانِ اِجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ , وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ , وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ. وَعَلَى هَذَا هَلْ يَخْتَصُّ الْفَضْلُ بِالْحَاجِّ أَوْ يَعُمُّ الْمُقِيمَ ؟ فِيهِ اِحْتِمَالٌ. وَقَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ : الْمُرَادُ بِالْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ التَّكْبِيرُ فَقَطْ , لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ , وَثَبَتَ تَحْرِيمُ صَوْمِهَا , وَوَرَدَ فِيهِ إِبَاحَةُ اللَّهْوِ بِالْحِرَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ , فَدَلَّ عَلَى تَفْرِيغِهَا لِذَلِكَ , مَعَ الْحَضِّ عَلَى الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ مِنْهُ فِيهَا التَّكْبِيرُ فَقَطْ , وَمِنْ ثَمَّ اِقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى إِيرَادِ الْآثَارِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّكْبِيرِ. وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْعَمَلَ إِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ الْعِبَادَة , وَهِيَ لَا تُنَافِي اِسْتِيفَاءَ حَظِّ النَّفْسِ مِنْ الْأَكْلِ وَسَائِرِ مَا ذُكِرَ , فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَغْرِقُ الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْحَثُّ عَلَى الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَا يَنْحَصِرُ فِي التَّكْبِيرِ , بَلْ الْمُتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْهُ أَنَّهُ الْمَنَاسِكُ مِنْ الرَّمْيِ وَغَيْرِهِ الَّذِي يَجْتَمِعُ مَعَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ , قَالَ : مَعَ أَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى التَّكْبِيرِ وَحْدَهُ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدَهُ \" بَابُ التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى \" مَعْنًى , وَيَكُونُ تَكْرَارًا مَحْضًا ا ه. وَاَلَّذِي يَجْتَمِعُ مَعَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ الْعِبَادَةِ هُوَ الذِّكْرُ الْمَأْمُورُ بِهِ , وَقَدْ فُسِّرَ بِالتَّكْبِيرِ كَمَا قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ , وَأَمَّا الْمَنَاسِكُ فَمُخْتَصَّةٌ بِالْحَاجِّ , وَجَزْمُهُ بِأَنَّهُ تَكْرَارٌ مُتَعَقَّبٌ , لِأَنَّ التَّرْجَمَةَ الْأُولَى لِفَضْلِ التَّكْبِيرِ وَالثَّانِيَةَ لِمَشْرُوعِيَّتِهِ وَصِفَتِهِ , أَوْ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْعَمَلِ الْمُجْمَلِ فِي الْأُولَى بِالتَّكْبِيرِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَلَا تَكْرَارَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ عُمَرَ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي آخِرِهِ \" فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ \" وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ فِي حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ \" فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ \" وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ اِبْنُ بَطَّالٍ , وَفِي رِوَايَةِ عَدِيٍّ مِنْ الزِّيَادَةِ \" وَأَنَّ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْهَا يَعْدِلُ صِيَامَ سَنَةٍ , وَالْعَمَل بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ \" يَعْدِلُ صِيَامَ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ , وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ \" لَكِنْ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ , وَكَذَا الْإِسْنَادُ إِلَى عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "917",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيُّ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏وَنَحْنُ غَادِيَانِ مِنْ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَرَفَاتٍ ‏ ‏عَنْ التَّلْبِيَةِ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏يُلَبِّي الْمُلَبِّي لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( سَأَلْت أَنَسًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ سَأَلْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ ) ‏ ‏هَذَا مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ , وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فِيهَا \" وَإِذَا غَدَا إِلَى عَرَفَةَ \" وَظَاهِرُهُ أَنَّ أَنَسًا اِحْتَجَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّكْبِيرِ فِي مَوْضِعِ التَّلْبِيَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ كَبَّرَ أَضَافَ التَّكْبِيرَ إِلَى التَّلْبِيَةِ , وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "918",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ) ‏ ‏كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَكَذَا لِكَرِيمَةَ وَأَبِي الْوَقْتِ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ \" غَيْرُ مَنْسُوبٍ , وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ اِبْنِ شَبُّويَةَ وَابْنِ السَّكَنِ وَأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ الْبُخَارِيُّ \" فَعَلَى هَذَا لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْبُخَارِيِّ وَبَيْنَ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ فِيهِ , وَقَدْ حَدَّثَ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ بِالْكَثِيرِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ , وَرُبَّمَا أَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ الْوَاسِطَةَ أَحْيَانًا , وَالرَّاجِحُ سُقُوطُ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْإِسْنَادِ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ. وَوَقَعَ فِي حَاشِيَةِ بَعْضِ النُّسَخِ لِأَبِي ذَرٍّ : مُحَمَّدٌ هَذَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الذُّهْلِيُّ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَاصِمٌ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ اِبْنُ سُلَيْمَانَ , وَحَفْصَةُ هِيَ بِنْتُ سِيرِينَ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ. وَسَبَقَ بَعْضُهُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ. وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ \" وَيُكَبِّرْنَ تَكْبِيرَهُمْ \" لِأَنَّ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْعِيدِ وَهُوَ مِنْ أَيَّامِ مِنًى , وَيَلْتَحِقُ بِهِ بَقِيَّةُ الْأَيَّامِ لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ كَوْنِهِنَّ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالذِّكْرِ فِيهِنَّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كُنَّا نُؤْمَرُ ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ , وَسَيَأْتِي قَرِيبًا بِلَفْظِ \" أَمَرَنَا نَبِيُّنَا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى نُخْرِجَ ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّونِ وَحَتَّى لِلْغَايَةِ , وَاَلَّتِي بَعْدَهَا لِلْمُبَالَغَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ خِدْرِهَا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ سِتْرِهَا , وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مِنْ خِدْرَتِهَا \" بِالتَّأْنِيثِ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ \" وَطُهْرَتَهُ \" بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ لُغَةٌ فِي الطَّهَارَةِ , وَالْمُرَادُ بِهَا التَّطَهُّرُ مِنْ الذُّنُوبِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ ) ‏ ‏ذِكْرُ التَّكْبِيرِ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ غَرَائِبِ الصَّحِيحِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "919",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ تُرْكَزُ الْحَرْبَةُ قُدَّامَهُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ ثُمَّ ‏ ‏يُصَلِّي ‏",
        "sharh": "‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ) ‏ ‏الْمَذْكُورُ هُنَا هُوَ اِبْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ ‏"
    },
    {
        "id": "920",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى ‏ ‏وَالْعَنَزَةُ ‏ ‏بَيْنَ يَدَيْهِ تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ بِالْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "921",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَمَرَنَا نَبِيُّنَا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِأَنْ نُخْرِجَ ‏ ‏الْعَوَاتِقَ ‏ ‏وَذَوَاتِ ‏ ‏الْخُدُورِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏بِنَحْوِهِ وَزَادَ فِي حَدِيثِ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَوْ قَالَتْ ‏ ‏الْعَوَاتِقَ ‏ ‏وَذَوَاتِ ‏ ‏الْخُدُورِ ‏ ‏وَيَعْتَزِلْنَ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ) ‏ ‏كَذَا لِكَرِيمَةَ , وَنَسَبَهُ الْبَاقُونَ \" اِبْنَ زَيْدٍ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَمَرَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ الْحَمَوِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ , وَلِلْبَاقِينَ \" أُمِرْنَا \" بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَحَذْفِ لَفْظِ نَبِيُّنَا , وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيِّ عَنْ حَمَّادٍ \" قَالَتْ أَمَرَنَا \" تَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" قَالَتْ أُمِرْنَا بِأَبَا \" بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ مُمَالَةٌ وَعَلَى هَذَا فَكَأَنَّهُ كَانَ فِي رِوَايَةِ الْحَجَبِيِّ كَذَلِكَ لَكِنْ بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ يَاءً تَحْتَانِيَّةً فَتَصِيرُ صُورَتُهَا \" بِيبًا \" فَكَأَنَّهَا تَصَحَّفَتْ فَصَارَتْ نَبِيُّنَا , وَأَضَافَ إِلَيْهَا بَعْضُ الْكُتَّابِ الصَّلَاةَ بَعْدَ التَّصْحِيفَ. وَأَمَّا رِوَايَةُ مُسْلِمٍ فَكَأَنَّهَا كَانَتْ أُمِرْنَا عَلَى الْبِنَاءِ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَغَيْرِهِ فَأَفْصَحَ بَعْضُ الرُّوَاةِ بِتَسْمِيَةِ الْآمِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنَّمَا قُلْت ذَلِكَ لِأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى قَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ \" بِأَبِي \" فِي كِتَابِ الْحَيْضِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَعَنْ أَيُّوبَ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَيُّوبَ حَدَّثَ بِهِ حَمَّادًا عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ , وَعَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَيْضًا , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ الْمَذْكُورَةِ , وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , وَأَبُو يَعْلَى عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ , وَعَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ اِمْرَأَةٍ تُحَدِّثُ عَنْ اِمْرَأَةٍ أُخْرَى , وَزَادَ أَبُو الرَّبِيعِ فِي رِوَايَةِ حَفْصَةَ ذِكْرَ الْجِلْبَابِ , وَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ سِيَاقَ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مُغَايِرٌ لِسِيَاقِ حَفْصَةَ إِسْنَادًا أَوْ مَتْنًا , وَلَمْ يُصِبْ مَنْ حَمَلَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْجِلْبَابِ وَعَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "922",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ فِطْرٍ ‏ ‏أَوْ أَضْحَى ‏ ‏فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبَّاسٍ ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ , وَصَرَّحَ يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ الثَّوْرِيِّ بِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورَ حَدَّثَهُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( خَرَجْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى ) ‏ ‏لَيْسَ فِي هَذَا السِّيَاقِ بَيَانُ كَوْنِهِ كَانَ صَبِيًّا حِينَئِذٍ لِيُطَابِقَ التَّرْجَمَةَ , لَكِنْ جَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى عَادَتِهِ فِي الْإِشَارَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ , فَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ بِلَفْظِ \" وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْ الصِّغَرِ مَا شَهِدْته \" وَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ \" يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى \" شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ , وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ يَوْمُ الْفِطْرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "923",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ أَضْحًى إِلَى ‏ ‏الْبَقِيعِ ‏ ‏فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَقَالَ ‏ ‏إِنَّ أَوَّلَ ‏ ‏نُسُكِنَا ‏ ‏فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ نَرْجِعَ ‏ ‏فَنَنْحَرَ ‏ ‏فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَافَقَ سُنَّتَنَا وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنْ ‏ ‏النُّسُكِ ‏ ‏فِي شَيْءٍ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي ذَبَحْتُ وَعِنْدِي ‏ ‏جَذَعَةٌ ‏ ‏خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏مُسِنَّةٍ ‏ ‏قَالَ اذْبَحْهَا وَلَا تَفِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ‏",
        "sharh": "قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ ‏ ‏( فَإِنَّهُ شَيْءٌ عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ ) ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيّ \" فَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ \" وَقَوْلُهُ فِيهِ : \" وَلَا تَفِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك \" كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيّ وَالْحَمَوِيِّ بِفَاءٍ , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ وَالْبَاقِينَ \" وَلَا تُغْنِي \" بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ وَضَمِّ أَوَّلِهِ , وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ \" ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "924",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏قِيلَ لَهُ أَشَهِدْتَ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَعَمْ وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ حَتَّى أَتَى الْعَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ ‏ ‏كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ ‏ ‏فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِينَ بِأَيْدِيهِنَّ يَقْذِفْنَهُ فِي ثَوْبِ ‏ ‏بِلَالٍ ‏ ‏ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏إِلَى بَيْتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْ الصِّغَرِ مَا شَهِدْته ) ‏ ‏أَيْ حَضَرْته , وَهَذَا مُفَسِّرٌ لِلْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ فِي \" بَابِ وُضُوءِ الصِّبْيَانِ \" : وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْته , فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ \" مِنْهُ \" يَعُودُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ وَهُوَ الصِّغَرُ , وَمَشَى بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِ ذَلِكَ السِّيَاقِ فَقَالَ : إِنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمَعْنَى وَلَوْلَا مَنْزِلَتِي مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَهِدْت مَعَهُ الْعِيدَ , وَهُوَ مُتَّجَهٌ لَكِنْ هَذَا السِّيَاقُ يُخَالِفُهُ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الصِّغَرَ فِي مِثْلِ هَذَا يَكُونُ مَانِعًا لَا مُقْتَضِيًا , فَلَعَلَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا , وَيَكُونُ قَوْلُهُ مِنْ الصِّغَرِ مُتَعَلِّقًا بِمَا بَعْدَهُ فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَوْلَا مَنْزِلَتِي مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا حَضَرْت لِأَجْلِ صِغَرِي , وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَرَادَ : بِشُهُودِ مَا وَقَعَ مِنْ وَعْظِهِ لِلنِّسَاءِ , لِأَنَّ الصِّغَرَ يَقْتَضِي أَنْ يُغْتَفَرَ لَهُ الْحُضُورُ مَعَهُنَّ بِخِلَافِ الْكِبَرِ , قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : خُرُوجُ الصِّبْيَانِ لِلْمُصَلَّى إِنَّمَا هُوَ إِذَا كَانَ الصَّبِيُّ مِمَّنْ يَضْبِطُ نَفْسَهُ عَنْ اللَّعِبِ وَيَعْقِلُ الصَّلَاةَ وَيَتَحَفَّظُ مِمَّا يُفْسِدُهَا , أَلَا تَرَى إِلَى ضَبْطِ اِبْنِ عَبَّاسٍ الْقِصَّةَ ا ه. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ إِخْرَاجِ الصِّبْيَانِ إِلَى الْمُصَلَّى إِنَّمَا هُوَ لِلتَّبَرُّكِ وَإِظْهَارِ شِعَارِ الْإِسْلَامِ بِكَثْرَةِ مَنْ يَحْضُرُ مِنْهُمْ , وَلِذَلِكَ شُرِعَ لِلْحُيَّضِ كَمَا سَيَأْتِي , فَهُوَ شَامِلٌ لِمَنْ تَقَعُ مِنْهُمْ الصَّلَاةُ أَوْ لَا. وَعَلَى هَذَا إِنَّمَا يُحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الصِّبْيَانِ مَنْ يَضْبِطُهُمْ عَمَّا ذُكِرَ مِنْ اللَّعِبِ وَنَحْوِهِ سَوَاءٌ صَلَّوْا أَمْ لَا. وَأَمَّا ضَبْطُ اِبْنِ عَبَّاسٍ الْقِصَّةَ فَلَعَلَّهُ كَانَ لِفَرْطِ ذَكَائِهِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى أَتَى الْعَلَمَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذِكْرُ الْغَايَةِ بِغَيْرِ اِبْتِدَاءٍ , وَالْمَعْنَى خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ شَهِدْت الْخُرُوجَ مَعَهُ حَتَّى أَتَى , وَكَأَنَّهُ حُذِفَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ ) ‏ ‏يُشْعِرُ بِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ عَلَى حِدَةٍ مِنْ الرِّجَالِ غَيْرَ مُخْتَلِطَاتٍ بِهِمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَمَعَهُ بِلَالٌ ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ الْأَدَبَ فِي مُخَاطَبَةِ النِّسَاءِ فِي الْمَوْعِظَةِ أَوْ الْحِكَمِ أَنْ لَا يَحْضُرَ مِنْ الرِّجَالِ إِلَّا مَنْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ شَاهِدٍ وَنَحْوِهِ , لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ خَادِمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُتَوَلِّيَ قَبْض الصَّدَقَةِ , وَأَمَّا اِبْنُ عَبَّاسٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ اُغْتُفِرَ لَهُ بِسَبَبِ صِغَرِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يُهْوِينَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ يُلْقِينَ , ‏ ‏وَقَوْلُهُ : ( يَقْذِفْنَهُ ) ‏ ‏أَيْ يُلْقِينَ الَّذِي يُهْوِينَ بِهِ , وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيٍّ الْكَشَانِيِّ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ : الْعَلَمُ. اِنْتَهَى. وَقَدْ وَصَلَ الْمُؤَلِّفُ طَرِيقَ اِبْنِ كَثِيرٍ هَذَا فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ فَقَالَ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ \" فَذَكَرَهُ. وَلَمَّا أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ طَرِيقَ اِبْنِ كَثِيرٍ هَذَا فِي الْعِيدَيْنِ قَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فَقَالَ : وَقَالَ اِبْنُ كَثِيرٍ , فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ الطَّرِيقَ الَّتِي فِي الِاعْتِصَامِ. ‏"
    },
    {
        "id": "925",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏قَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ الْفِطْرِ ‏ ‏فَصَلَّى فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَطَبَ فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ ‏ ‏بِلَالٍ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ الصَّدَقَةَ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِعَطَاءٍ ‏ ‏زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ قَالَ ‏ ‏لَا وَلَكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ حِينَئِذٍ تُلْقِي ‏ ‏فَتَخَهَا ‏ ‏وَيُلْقِينَ قُلْتُ أَتُرَى حَقًّا عَلَى الْإِمَامِ ذَلِكَ وَيُذَكِّرُهُنَّ قَالَ إِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ ) ‏ ‏نُسِبَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ إِلَى جَدِّهِ فَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ خَطَبَ , فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ عَلَى مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ لِمَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ \" نَزَلَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَابِ الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ فِي الْمُصَلَّى عَلَى الْأَرْضِ , فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ ضَمَّنَ النُّزُولَ مَعْنَى الِانْتِقَالِ. وَزَعَمَ عِيَاضٌ أَنَّ وَعْظَهُ لِلنِّسَاءِ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَأَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِهَذِهِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ \" فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ \" وَالْخَصَائِصُ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قُلْت لِعَطَاءٍ ) ‏ ‏الْقَائِلُ هُوَ اِبْنُ جُرَيْجٍ , وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ فِي \" بَابِ الْمَشْيِ \" بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ. وَدَلَّ هَذَا السُّؤَالُ عَلَى أَنَّ اِبْنَ جُرَيْجٍ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ \" الصَّدَقَةَ \" أَنَّهَا صَدَقَةُ الْفِطْرِ بِقَرِينَةِ كَوْنِهَا يَوْمَ الْفِطْرِ وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ \" وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ \" لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ الَّذِي يُلْقِي فِيهِ بِشَيْءٍ يَحْتَاجُ إِلَى ضَمٍّ فَهُوَ لَائِقٌ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ الْمُقَدَّرَةِ بِالْكَيْلِ , لَكِنْ بَيَّنَ لَهُ عَطَاءٌ أَنَّهَا كَانَتْ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ , وَأَنَّهَا كَانَتْ مِمَّا لَا يُجْزِئُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ مِنْ خَاتَمٍ وَنَحْوِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تُلْقِي ) ) ‏ ‏أَيْ الْمَرْأَةُ , وَالْمُرَادُ جِنْسُ النِّسَاءِ , وَلِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فَقَالَ \" وَيُلْقِينَ \" أَوْ الْمَعْنَى تُلْقِي الْوَاحِدَةُ , وَكَذَلِكَ الْبَاقِيَاتُ يُلْقِينَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَتَخَهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْق وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْمُسْتَمْلِيّ وَالْحَمَوِيِّ \" فَتْخَتَهَا \" بِالتَّأْنِيثِ , وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا , وَحُذِفَ مَفْعُولُ يُلْقِينَ اِكْتِفَاءً , وَكُرِّرَ الْفِعْلُ الْمَذْكُورُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ إِشَارَةً إِلَى التَّنْوِيعِ , وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ \" فَيُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِمَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قُلْت ) ‏ ‏الْقَائِلُ أَيْضًا اِبْنُ جُرَيْجٍ , وَالْمَسْئُولُ عَطَاءٌ. وَقَوْلُهُ \" أَنَّهُ لِحَقٍّ عَلَيْهِمْ \" ظَاهِرُهُ أَنَّ عَطَاءً كَانَ يَرَى وُجُوبَ ذَلِكَ , وَلِهَذَا قَالَ عِيَاضٌ : لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ غَيْرُهُ. وَأَمَّا النَّوَوِيُّ فَحَمَلَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. وَقَالَ : لَا مَانِعَ مِنْ الْقَوْلِ بِهِ , إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "926",
        "content": "‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهِدْتُ الْفِطْرَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏وَعُثْمَانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏يُصَلُّونَهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ يُخْطَبُ بَعْدُ خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ بِيَدِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ مَعَهُ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ‏} ‏الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْهَا ‏ ‏آنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ قَالَتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا نَعَمْ ‏ ‏لَا يَدْرِي حَسَنٌ مَنْ هِيَ ‏ ‏قَالَ فَتَصَدَّقْنَ فَبَسَطَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏ثَوْبَهُ ثُمَّ قَالَ هَلُمَّ لَكُنَّ فِدَاءٌ أَبِي وَأُمِّي فَيُلْقِينَ ‏ ‏الْفَتَخَ ‏ ‏وَالْخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ ‏ ‏بِلَالٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏الْفَتَخُ ‏ ‏الْخَوَاتِيمُ الْعِظَامُ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ اِبْنُ جُرَيْجٍ وَأَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ وَقَدْ أَفْرَدَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ , وَسَاقَ الثَّانِيَ قَبْلَ الْأَوَّلِ فَقَدَّمَ حَدِيثَ اِبْنِ عَبَّاسٍ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ مُخْتَصَرًا فِي \" بَابِ الْخُطْبَةِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِغَيْرِ أَدَاةِ عَطْفٍ , وَسَيَأْتِي فِي \" بَابِ تَفْسِيرِ الْمُمْتَحِنَةِ \" مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ \" فَنَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ هَذِهِ , وَقَوْلُهُ \" ثُمَّ يُخْطَبُ \" بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( حِينَ يُجَلِّسُ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ , وَحَذْفِ مَفْعُولِهِ , وَهُوَ ثَابِتٌ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ \" يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ \" , وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا اِنْتَقَلَ عَنْ مَكَانِ خُطْبَتِهِ أَرَادُوا الِانْصِرَافَ فَأَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَاجَتِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُوا جَمِيعًا , أَوْ لَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَتْبَعُوهُ فَمَنَعَهُمْ فَيَقْوَى الْبَحْثُ الْمَاضِي فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَتْ اِمْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا : نَعَمْ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِمٌ \" يَا نَبِيَّ اللَّهِ \" وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الِاكْتِفَاءِ فِي الْجَوَابِ بِنَعَمْ وَتَنْزِيلِهَا مَنْزِلَةَ الْإِقْرَارِ , وَأَنَّ جَوَابَ الْوَاحِدِ عَنْ الْجَمَاعَةِ كَافٍ إِذَا لَمْ يُنْكِرُوا وَلَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ مِنْ إِنْكَارِهِمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا يَدْرِي حَسَنٌ مَنْ هِيَ ) ‏ ‏حَسَنٌ هُوَ الرَّاوِي لَهُ عَنْ طَاوُسٍ وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ وَحْدَهُ \" لَا يَدْرِي حِينَئِذٍ \" وَجَزَمَ جَمْعٌ مِنْ الْحُفَّاظِ بِأَنَّهُ تَصْحِيفٌ , وَوَجَّهَهُ النَّوَوِيُّ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ لَكِنَّ اِتِّحَادَ الْمَخْرَجِ دَالٌّ عَلَى تَرْجِيحِ رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ وَلَا سِيَّمَا وُجُودُ هَذَا الْمَوْضِعِ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الَّذِي أَخْرَجْنَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَرِيقِهِ فِي الْبُخَارِيِّ مُوَافِقًا لِرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ تَعْيِينُ الَّذِي لَمْ يَدْرِ مَنْ الْمَرْأَةُ , بِخِلَافِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ , إِلَّا أَنَّهُ يَخْتَلِجُ فِي خَاطِرِي أَنَّهَا أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ اِبْنِ السَّكَنِ الَّتِي تُعْرَفُ بِخَطِيبَةِ النِّسَاءِ , فَإِنَّهَا رَوَتْ أَصْلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ \" أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى النِّسَاءِ وَأَنَا مَعَهُنَّ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ إِنَّكُنَّ أَكْثَرَ حَطَبِ جَهَنَّمَ. فَنَادَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْت عَلَيْهِ جَرِيئَةً : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ , وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ \" الْحَدِيثَ , فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الَّتِي أَجَابَتْهُ أَوَّلًا بِنَعَمْ , فَإِنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ , فَلَعَلَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ - وَهِيَ أَسْمَاءُ الْمَذْكُورَةُ - أَنَّهَا كَانَتْ فِي النِّسْوَةِ اللَّاتِي أَخَذَ عَلَيْهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخَذَ الْحَدِيثَ , وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِهَا \" أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا نَسْرِقَ... الْحَدِيثَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ فَتَصَدَّقْنَ ) ‏ ‏هُوَ فِعْلُ أَمْرٍ لَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ وَالْفَاءُ سَبَبِيَّةٌ أَوْ دَاخِلَةٌ عَلَى جَوَابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ إِنْ كُنْتُنَّ عَلَى ذَلِكَ فَتَصَدَّقْنَ , وَمُنَاسَبَتُهُ لِلْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ \" وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوفٍ \" فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي أُمِرْنَ بِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ هَلُمَّ ) ‏ ‏الْقَائِلُ هُوَ بِلَالٌ , وَهُوَ عَلَى اللُّغَةِ الْفُصْحَى فِي التَّعْبِيرِ بِهَا لِلْمُفْرَدِ وَالْجَمْعِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَكُنَّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ , وَقَوْلُهُ \" فِدَا \" بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْقَصْرِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : الْفَتَخُ الْخَوَاتِيمُ الْعِظَامُ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَتْ تُلْبَسُ , وَقَدْ ذَكَرَ ثَعْلَبٌ أَنَّهُنَّ يَلْبَسْنَهَا فِي أَصَابِعِ الْأَرْجُلِ ا ه. وَلِهَذَا عَطَفَ عَلَيْهَا الْخَوَاتِيمَ لِأَنَّهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ تَنْصَرِفُ إِلَى مَا يُلْبَسُ فِي الْأَيْدِي , وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ هُنَا ذِكْرُ الْخَلَاخِيلِ , وَحُكِيَ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّ الْفَتَخَ الْخَوَاتِيمُ الَّتِي لَا فُصُوصَ لَهَا , فَعَلَى هَذَا هُوَ مِنْ عَطْفِ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ أَيْضًا اِسْتِحْبَابُ وَعْظِ النِّسَاءِ وَتَعْلِيمِهِنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ وَتَذْكِيرِهِنَّ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ , وَيُسْتَحَبُّ حَثُّهُنَّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَتَخْصِيصُهُنَّ بِذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ مُنْفَرِدٍ , وَمَحَلُّ ذَلِكَ كُلِّهِ إِذَا أُمِنَ الْفِتْنَةُ وَالْمَفْسَدَةُ. وَفِيهِ خُرُوجُ النِّسَاءِ إِلَى الْمُصَلَّى كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَفِيهِ جَوَازُ التَّفْدِيَةِ بِالْأَبِ وَالْأُمِّ , وَمُلَاطَفَةُ الْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَةِ بِمَنْ يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ صَدَقَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَالِهَا مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى إِذْنِ زَوْجِهَا أَوْ عَلَى مِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهَا كَالثُّلُثِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ الْقِصَّةِ تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَلَا يُقَالُ فِي هَذَا إِنَّ أَزْوَاجَهُنَّ كَانُوا حُضُورًا لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ وَلَوْ نُقِلَ فَلَيْسَ فِيهِ تَسْلِيمُ أَزْوَاجِهِنَّ لَهُنَّ ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ حَتَّى يُصَرَّحَ بِإِسْقَاطِهِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ الْقَوْمَ صَرَّحُوا بِذَلِكَ ا ه : وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ الثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُنَّ لَا يَجُوزُ لَهُنَّ التَّصَرُّفُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ , وَفِيهِ أَنَّ الصَّدَقَةَ مِنْ دَوَافِعِ الْعَذَابِ لِأَنَّهُ أَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ ثُمَّ عَلَّلَ بِأَنَّهُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ لِمَا يَقَعُ مِنْهُنَّ مِنْ كُفْرَانِ النِّعَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ. وَوَقَعَ نَحْوُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ , وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ. وَفِيهِ بَذْلُ النَّصِيحَةِ وَالْإِغْلَاظُ بِهَا لِمَنْ اُحْتِيجَ فِي حَقِّهِ إِلَى ذَلِكَ , وَالْعِنَايَةُ بِذِكْرِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِتِلَاوَةِ آيَةِ الْمُمْتَحِنَةِ لِكَوْنِهَا خَاصَّةٌ بِالنِّسَاءِ. وَفِيهِ جَوَازُ طَلَبِ الصَّدَقَةِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ لِلْمُحْتَاجِينَ وَلَوْ كَانَ الطَّالِبُ غَيْرَ مُحْتَاجٍ , وَأَخَذَ مِنْهُ الصُّوفِيَّةُ جَوَازَ مَا اِصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنْ الطَّلَبِ , وَلَا يَخْفَى مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مِنْ أَنَّ الْمَطْلُوبَ لَهُ أَيَكُونُ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى التَّكَسُّبِ مُطْلَقًا أَوْ لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ. وَفِي مُبَادَرَةِ تِلْكَ النِّسْوَةِ إِلَى الصَّدَقَةِ بِمَا يَعِزُّ عَلَيْهِنَّ مِنْ حُلِيِّهِنَّ مَعَ ضِيقِ الْحَالِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ دَلَالَةٌ عَلَى رَفِيعِ مَقَامِهِنَّ فِي الدِّينِ وَحِرْصِهِنَّ عَلَى اِمْتِثَالِ أَمْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهُنَّ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ. ‏"
    },
    {
        "id": "927",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنَّا نَمْنَعُ جَوَارِيَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ يَوْمَ الْعِيدِ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ ‏ ‏بَنِي خَلَفٍ ‏ ‏فَأَتَيْتُهَا فَحَدَّثَتْ أَنَّ زَوْجَ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً فَكَانَتْ أُخْتُهَا مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ فَقَالَتْ فَكُنَّا نَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى وَنُدَاوِي الْكَلْمَى فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ فَقَالَ لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا فَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏فَلَمَّا قَدِمَتْ ‏ ‏أُمُّ عَطِيَّةَ ‏ ‏أَتَيْتُهَا فَسَأَلْتُهَا أَسَمِعْتِ فِي كَذَا وَكَذَا قَالَتْ نَعَمْ بِأَبِي وَقَلَّمَا ذَكَرَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا قَالَتْ بِأَبِي قَالَ ‏ ‏لِيَخْرُجْ ‏ ‏الْعَوَاتِقُ ‏ ‏ذَوَاتُ ‏ ‏الْخُدُورِ ‏ ‏أَوْ قَالَ ‏ ‏الْعَوَاتِقُ ‏ ‏وَذَوَاتُ ‏ ‏الْخُدُورِ ‏ ‏شَكَّ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏وَالْحُيَّضُ وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى وَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ فَقُلْتُ لَهَا الْحُيَّضُ قَالَتْ نَعَمْ أَلَيْسَ الْحَائِضُ تَشْهَدُ ‏ ‏عَرَفَاتٍ ‏ ‏وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَتْ نَعَمْ بِأَبَا ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَالثَّانِيَةُ خَفِيفَةٌ , وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَأَبِي الْوَقْتِ \" بِأَبِي \" بِكَسْرِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأَصْلِ , أَيْ أَفْدِيهِ بِأَبِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ \" بَيْبِي \" بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ يَاءً تَحْتَانِيَّةً , وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ \" أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي وَأُمِّي \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لِتَخْرُجْ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى أَنَّهُ صِفَتُهُ ولِلكُشْمِيهَنِيِّ ‏ ‏( أَوْ قَالَ : الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ , شَكَّ أَيُّوبُ ) ‏ ‏يَعْنِي هَلْ هُوَ بِوَاوِ الْعَطْفِ أَوْ لَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُهُ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقُلْت لَهَا ) ‏ ‏الْقَائِلَةُ الْمَرْأَةُ وَالْمَقُولُ لَهَا أُمُّ عَطِيَّةَ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْقَائِلَةُ حَفْصَةَ وَالْمَقُولُ لَهَا الْمَرْأَةَ وَهِيَ أُخْتُ أُمِّ عَطِيَّةَ , وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "928",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏أُمُّ عَطِيَّةَ ‏ ‏أُمِرْنَا أَنْ نَخْرُجَ ‏ ‏فَنُخْرِجَ الْحُيَّضَ ‏ ‏وَالْعَوَاتِقَ ‏ ‏وَذَوَاتِ ‏ ‏الْخُدُورِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏الْعَوَاتِقَ ‏ ‏ذَوَاتِ ‏ ‏الْخُدُورِ ‏ ‏فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلْنَ مُصَلَّاهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ اِبْنِ عَوْنٍ ) ‏ ‏هُوَ عَبْدُ اللَّهِ , وَمُحَمَّدٌ هُوَ اِبْنُ سِيرِينَ , وَقَدْ شَكَّ اِبْنُ عَوْنٍ فِي الْعَوَاتِقِ كَمَا شَكَّ أَيُّوبُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ \" تَخْرُجُ الْأَبْكَارُ وَالْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ \". وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ جَوَازُ مُدَاوَاةِ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَالِ الْأَجَانِبِ إِذَا كَانَتْ بِإِحْضَارِ الدَّوَاءِ مَثَلًا وَالْمُعَالَجَةُ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ , إِلَّا إِنْ اُحْتِيجَ إِلَيْهَا عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ. وَفِيهِ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَوَاتِقِ وَالْمُخَدَّرَاتِ عَدَمُ الْبُرُوزِ إِلَّا فِيمَا أُذِنَ لَهُنَّ فِيهِ. وَفِيهِ اِسْتِحْبَابُ إِعْدَادِ الْجِلْبَابِ لِلْمَرْأَةِ , وَمَشْرُوعِيَّةُ عَارِيَّةِ الثِّيَابِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْعِيدِ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أُمِرَ بِذَلِكَ مَنْ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ , فَظَهَرَ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ إِظْهَارُ شِعَارِ الْإِسْلَامِ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الِاجْتِمَاعِ وَلِتَعُمَّ الْجَمِيعَ الْبَرَكَةُ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ اِسْتِحْبَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى شُهُودِ الْعِيدَيْنِ سَوَاءٌ كُنَّ شَوَابَّ أَمْ لَا وَذَوَاتِ هَيْئَاتٍ أَمْ لَا , وَقَدْ اِخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ , وَنَقَلَ عِيَاضٌ وُجُوبَهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ , وَاَلَّذِي وَقَعَ لَنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ مَا أَخْرَجَهُ اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْهُمَا فَالْأَحَقُّ عَلَى كُلِّ ذَاتِ نِطَاقٍ الْخُرُوجُ إِلَى الْعِيدَيْنِ , وَقَدْ وَرَدَ هَذَا مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ اِمْرَأَةٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنْ أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ بِهِ وَالْمَرْأَةُ لَمْ تُسَمَّ , وَالْأُخْتُ اِسْمُهَا عَمْرَةُ صَحَابِيَّةٌ. وَقَوْلُهُ \" حَقٌّ \" يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ وَيَحْتَمِلُ تَأَكُّدَ الِاسْتِحْبَابِ , رَوَى اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ اِبْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ إِلَى الْعِيدَيْنِ مَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْ أَهْلِهِ , وَهَذَا لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْوُجُوبِ أَيْضًا , بَلْ قَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ الْمَنْعُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَالَيْنِ , وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى النَّدْبِ وَجَزَمَ بِذَلِكَ الْجُرْجَانِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ حَامِدٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ , وَلَكِنَّ نَصَّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ يَقْتَضِي اِسْتِثْنَاءَ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ قَالَ : وَأُحِبُّ شُهُودَ الْعَجَائِزِ وَغَيْرِ ذَوَاتِ الْهَيْئَةِ الصَّلَاةَ , وَإِنَّا لِشُهُودِهِنَّ الْأَعْيَادَ أَشَدُّ اِسْتِحْبَابًا. وَقَدْ سَقَطَتْ وَاوُ الْعَطْفِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ فَصَارَتْ غَيْرُ ذَوَاتِ الْهَيْئَةِ صِفَةً لِلْعَجَائِزِ فَمَشَى عَلَى ذَلِكَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَمَنْ تَبِعَهُ وَفِيهِ مَا فِيهِ , بَلْ قَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ الرَّبِيعِ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ فِيهِ أَنَّ النِّسَاءَ يُتْرَكْنَ إِلَى الْعِيدَيْنِ , فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا قُلْت بِهِ , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : قَدْ ثَبَتَ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ - يَعْنِي حَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ هَذَا - فَيَلْزَمُ الشَّافِعِيَّةَ الْقَوْلُ بِهِ , وَنَقَلَهُ اِبْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَقَالَ : إِنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ التَّنْبِيهِ , وَقَدْ اِدَّعَى بَعْضُهُمْ النَّسْخَ فِيهِ , قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَأَمْرُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِخُرُوجِ الْحُيَّضِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ إِلَى الْعِيدِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ فَأُرِيدَ التَّكْثِيرُ بِحُضُورِهِنَّ إِرْهَابًا لِلْعَدُوِّ , وَأَمَّا الْيَوْمُ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : تَارِيخُ الْوَقْتِ لَا يُعْرَفُ قُلْت : بَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِدَلَالَةِ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ شَهِدَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَلَمْ يَتِمَّ مُرَادُ الطَّحَاوِيِّ , وَقَدْ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ بِعِلَّةِ الْحُكْمِ وَهُوَ شُهُودُهُنَّ الْخَيْرَ وَدَعْوَةُ الْمُسْلِمِينَ وَرَجَاءُ بَرَكَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتِهِ , وَقَدْ أَفْتَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُدَّةٍ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالَفَتُهَا فِي ذَلِكَ , وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ \" لَوْ رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ \" فَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ لِنُدُورِهِ إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهَا أَفْتَتْ بِخِلَافِهِ , مَعَ أَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْهُ بِأَنَّ عَائِشَةَ أَفْتَتْ بِالْمَنْعِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً , وَفِي قَوْلِهِ \" إِرْهَابًا لِلْعَدُوِّ \" نَظَرٌ لِأَنَّ الِاسْتِنْصَارَ بِالنِّسَاءِ وَالتَّكَثُّرَ بِهِنَّ فِي الْحَرْبِ دَالٌّ عَلَى الضَّعْفِ , وَالْأَوْلَى أَنْ يُخَصَّ ذَلِكَ بِمَنْ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا وَبِهَا الْفِتْنَةُ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى حُضُورِهَا مَحْذُورٌ وَلَا تُزَاحِمُ الرِّجَالَ فِي الطُّرُقِ وَلَا فِي الْمَجَامِعِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابِ الْحَيْضِ. ‏"
    },
    {
        "id": "929",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَنْحَرُ أَوْ يَذْبَحُ بِالْمُصَلَّى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "930",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ النَّحْرِ ‏ ‏بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا ‏ ‏وَنَسَكَ ‏ ‏نُسْكَنَا ‏ ‏فَقَدْ أَصَابَ ‏ ‏النُّسُكَ ‏ ‏وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَتِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ فَقَامَ ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَقَدْ ‏ ‏نَسَكْتُ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ فَتَعَجَّلْتُ وَأَكَلْتُ وَأَطْعَمْتُ أَهْلِي وَجِيرَانِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ قَالَ فَإِنَّ عِنْدِي ‏ ‏عَنَاقَ ‏ ‏جَذَعَةٍ ‏ ‏هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ فَهَلْ تَجْزِي عَنِّي قَالَ نَعَمْ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "931",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَامِدُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ خَطَبَ فَأَمَرَ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ يُعِيدَ ذَبْحَهُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِيرَانٌ لِي إِمَّا قَالَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَإِمَّا قَالَ بِهِمْ فَقْرٌ وَإِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَعِنْدِي عَنَاقٌ لِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ فَرَخَّصَ لَهُ فِيهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "932",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُنْدَبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ ذَبَحَ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ الْأَسْوَدِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ قَيْسٍ لَا اِبْنُ يَزِيدَ , لِأَنَّ شُعْبَةَ لَمْ يَلْحَقْ اِبْنَ يَزِيدَ , وَجُنْدُبٌ هُوَ اِبْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجْلِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مَنْ ذَبَحَ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْخُطْبَةِ وَلَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ \" ثُمَّ ذَبَحَ \" لِئَلَّا يَلْزَمَ تَخَلُّلُ الذَّبْحِ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَهَذَا الْقَوْلُ , وَلَيْسَ الْوَاقِعُ ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَهُ حَدِيثُ الْبَرَاءِ الَّذِي قَبْلَهُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا فِي كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "933",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فُلَيْحٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فُلَيْحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَحَدِيثُ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏أَصَحُّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ , وَكَذَا لِلْحَفْصِيِّ وَجَزَمَ بِهِ الْكَلَابَاذِيُّ وَغَيْرُهُ , وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ أَطْرَافِ خَلَفٍ أَنَّهُ وَجَدَ فِي حَاشِيَةٍ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ. اِنْتَهَى. وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبُّويَةَ , وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ , وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي تُمَيْلَةَ أَيْضًا - مِمَّنْ اِسْمُهُ مُحَمَّدٌ - مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ لَكِنَّهُ خَالَفَ فِي اِسْمِ صَاحِبَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي , وَلَيْسَ هُوَ مِمَّنْ خَرَّجَ عَنْهُمْ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ , وَأَبُو تُمَيْلَةَ بِالْمُثَنَّاةِ مُصَغَّرًا مَرْوَزِيٌّ قِيلَ إِنَّ الْبُخَارِيَّ ذَكَرَهُ فِي الضُّعَفَاءِ لَكِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي التَّصْنِيفِ الْمَذْكُورِ قَالَهُ الذَّهَبِيُّ , ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ كَمَا سَيَأْتِي. نَعَمْ تَفَرَّدَ بِهِ شَيْخُهُ فُلَيْحٌ وَهُوَ مُضَعَّفٌ عِنْدَ اِبْنِ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ وَوَثَّقَهُ آخَرُونَ فَحَدِيثه مِنْ قَبِيل الْحَسَن , لَكِنْ لَهُ شَوَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر وَسَعْد الْقَرَظ وَأَبِي رَافِع وَعُثْمَان بْن عُبَيْد اللَّه التَّيْمِيُّ وَغَيْرهمْ يُعَضِّد بَعْضهَا بَعْضًا , فَعَلَى هَذَا هُوَ مِنْ الْقِسْم الثَّانِي مِنْ قِسْمَيْ الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعِيد بْن الْحَارِث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي سَعِيد بْن الْمُعَلَّى الْأَنْصَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيد خَالَفَ الطَّرِيق ) ‏ ‏كَانَ تَامَّة , أَيْ إِذَا وَقَعَ , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى الْعِيد رَجَعَ مِنْ غَيْر الطَّرِيق الَّذِي ذَهَبَ فِيهِ \" قَالَ التِّرْمِذِيّ : أَخَذَ بِهَذَا بَعْض أَهْل الْعِلْم فَاسْتَحَبَّهُ لِلْإِمَامِ , وَبِهِ يَقُول الشَّافِعِيّ. اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي فِي \" الْأُمّ \" أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُوم , وَبِهِ قَالَ أَكْثَر الشَّافِعِيَّة , وَقَالَ الرَّافِعِيّ : لَمْ يَتَعَرَّض فِي الْوَجِيز إِلَّا لِلْإِمَامِ ا ه. وَبِالتَّعْمِيمِ قَالَ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنْ عُلِمَ الْمَعْنَى وَبَقِيَتْ الْعِلَّة بَقِيَ الْحُكْم وَإِلَّا اِنْتَفَى بِانْتِفَائِهَا , وَإِنْ لَمْ يُعْلَم الْمَعْنَى بَقِيَ الِاقْتِدَاء. وَقَالَ الْأَكْثَر يَبْقَى الْحُكْم وَلَوْ اِنْتَفَتْ الْعِلَّة لِلِاقْتِدَاءِ كَمَا فِي الرَّمْلِيّ وَغَيْره , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى أَقْوَال كَثِيرَة اِجْتَمَعَ لِي مِنْهَا أَكْثَر مِنْ عِشْرِينَ , وَقَدْ لَخَّصْتهَا وَبَيَّنْت الْوَاهِي مِنْهَا , قَالَ الْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب الْمَالِكِيّ : ذُكِرَ فِي ذَلِكَ فَوَائِد بَعْضهَا قَرِيب وَأَكْثَرهَا دَعَاوَى فَارِغَة. اِنْتَهَى. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَشْهَد لَهُ الطَّرِيقَانِ وَقِيلَ سُكَّانهمَا مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس , وَقِيلَ لِيُسَوَّى بَيْنهمَا فِي مَزِيَّة الْفَضْل بِمُرُورِهِ أَوْ فِي التَّبَرُّك بِهِ أَوْ لِيَشُمّ رَائِحَة الْمِسْك مِنْ الطَّرِيق الَّتِي يَمُرّ بِهَا لِأَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ , وَقِيلَ لِأَنَّ طَرِيقه لِلْمُصَلَّى كَانَتْ عَلَى الْيَمِين فَلَوْ رَجَعَ مِنْهَا لَرَجَعَ عَلَى جِهَة الشِّمَال فَرَجَعَ مِنْ غَيْرهَا وَهَذَا يَحْتَاج إِلَى دَلِيل , وَقِيلَ لِإِظْهَارِ شِعَار الْإِسْلَام فِيهِمَا , وَقِيلَ لِإِظْهَارِ ذِكْر اللَّه , وَقِيلَ لِيَغِيظَ الْمُنَافِقِينَ أَوْ الْيَهُود , وَقِيلَ لِيُرْهِبهُمْ بِكَثْرَةِ مَنْ مَعَهُ وَرَجَّحَهُ اِبْن بَطَّال , وَقِيلَ حَذَرًا مِنْ كَيْد الطَّائِفَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُكَرِّرهُ قَالَهُ اِبْن التِّين , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ مُوَاظَبَته عَلَى مُخَالَفَة الطَّرِيق الْمُوَاظَبَة عَلَى طَرِيق مِنْهَا مُعَيَّن , لَكِنْ فِي رِوَايَة الشَّافِعِيّ مِنْ طَرِيق الْمُطَّلِب بْن عَبْد اللَّه بْن حَنْطَب مُرْسَلًا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كَانَ يَغْدُو يَوْم الْعِيد إِلَى الْمُصَلَّى مِنْ الطَّرِيق الْأَعْظَم وَيَرْجِع مِنْ الطَّرِيق الْأُخْرَى \" وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَقَوَّى بَحْث اِبْن التِّين , وَقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَعُمّهُمْ فِي السُّرُور بِهِ أَوْ التَّبَرُّك بِمُرُورِهِ وَبِرُؤْيَتِهِ وَالِانْتِفَاع بِهِ فِي قَضَاء حَوَائِجهمْ فِي الِاسْتِفْتَاء أَوْ التَّعَلُّم وَالِاقْتِدَاء وَالِاسْتِرْشَاد أَوْ الصَّدَقَة أَوْ السَّلَام عَلَيْهِمْ وَغَيْر ذَلِكَ , وَقِيلَ لِيَزُورَ أَقَارِبه الْأَحْيَاء وَالْأَمْوَات , وَقِيلَ لِيَصِل رَحِمه , وَقِيلَ لِيَتَفَاءَل بِتَغَيُّرِ الْحَال إِلَى الْمَغْفِرَة وَالرِّضَا , وَقِيلَ كَانَ فِي ذَهَابه يَتَصَدَّق فَإِذَا رَجَعَ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ شَيْء فَيَرْجِع فِي طَرِيق أُخْرَى لِئَلَّا يَرُدَّ مَنْ يَسْأَلهُ وَهَذَا ضَعِيف جِدًّا مَعَ اِحْتِيَاجه إِلَى الدَّلِيل , وَقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِتَخْفِيفِ الزِّحَام وَهَذَا رَجَّحَهُ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَأَيَّدَهُ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر فَقَالَ فِيهِ لِيَسَع النَّاس , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ ضَعِيف وَبِأَنَّ قَوْله لِيَسَع النَّاس يَحْتَمِل أَنْ يُفَسَّر بِبَرَكَتِهِ وَفَضْله وَهَذَا الَّذِي رَجَّحَهُ اِبْن التِّين , وَقِيلَ كَانَ طَرِيقه الَّتِي يَتَوَجَّه مِنْهَا أَبْعَد مِنْ الَّتِي فِيهَا فَأَرَادَ تَكْثِير الْأَجْر بِتَكْثِيرِ الْخَطَأ فِي الذَّهَاب وَأَمَّا فِي الرُّجُوع فَلْيُسْرِعْ إِلَى مَنْزِله وَهَذَا اِخْتِيَار الرَّافِعِيّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَحْتَاج إِلَى دَلِيل وَبِأَنَّ أَجْر الْخُطَا يُكْتَب فِي الرُّجُوع أَيْضًا كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيث أُبَيِّ بْن كَعْب عِنْد التِّرْمِذِيّ وَغَيْره , فَلَوْ عُكِسَ مَا قَالَ لَكَانَ لَهُ اِتِّجَاه وَيَكُون سُلُوك الطَّرِيق الْقَرِيب لِلْمُبَادَرَةِ إِلَى فِعْل الطَّاعَة وَإِدْرَاك فَضِيلَة أَوَّل الْوَقْت , وَقِيلَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَة تَقِف فِي الطُّرُقَات فَأَرَادَ أَنْ يَشْهَد لَهُ فَرِيقَانِ مِنْهُمْ , وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : هُوَ فِي مَعْنَى قَوْل يَعْقُوب لِبَنِيهِ ( لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَاب وَاحِد ) فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ حَذَر إِصَابَة الْعَيْن وَأَشَارَ صَاحِب الْهُدَى إِلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَشْيَاء الْمُحْتَمَلَة الْقَرِيبَة وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ يُونُس بْن مُحَمَّد عَنْ فُلَيْحٍ وَحَدِيث جَابِر أَصَحّ ) ‏ ‏كَذَا عِنْد جُمْهُور رُوَاة الْبُخَارِيّ عَنْ طَرِيق الْفَرْبَرِيِّ , وَهُوَ مُشْكِل لِأَنَّ قَوْله \" أَصَحّ \" يُبَايِن قَوْله \" تَابَعَهُ \" إِذْ لَوْ تَابَعَهُ لَسَاوَاهُ فَكَيْف تُتَّجَه الْأَصَحِّيَّة الدَّالَّة عَلَى عَدَم الْمُسَاوَاة. وَذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّهُ سَقَطَ قَوْله \" وَحَدِيث جَابِر أَصَحّ \" مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم اِبْن مَعْقِل النَّسَفِيِّ عَنْ الْبُخَارِيّ فَلَا إِشْكَال فِيهَا قَالَ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن \" تَابَعَهُ يُونُس بْن مُحَمَّد عَنْ فُلَيْحٍ عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَفِي هَذَا تَوْجِيه قَوْله أَصَحّ , وَيَبْقَى الْإِشْكَال فِي قَوْله تَابَعَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُتَابِعهُ بَلْ خَالَفَهُ , وَقَدْ أَزَالَ هَذَا الْأَشْكَال أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج فَقَالَ \" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ مُحَمَّد عَنْ أَبِي تُمَيْلَةَ وَقَالَ : تَابَعَهُ يُونُس بْن مُحَمَّد عَنْ فُلَيْحٍ , وَقَالَ مُحَمَّد بْن الصَّلْت : عَنْ فُلَيْحٍ عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَحَدِيث جَابِر أَصَحّ \". وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو مَسْعُود فِي الْأَطْرَاف , وَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبُرْقَانِيُّ , وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنَّهُ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي بَعْض النُّسَخ وَكَأَنَّهَا رِوَايَة حَمَّاد بْن شَاكِر عَنْ الْبُخَارِيّ. ثُمَّ رَاجَعْت رِوَايَة النَّسَفِيِّ فَلَمْ يَذْكُر ‏ ‏قَوْله \" وَحَدِيث جَابِر أَصَحّ \" فَسَلِمَ مِنْ الْإِشْكَال وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْل التِّرْمِذِيّ \" رَوَاهُ أَبُو تُمَيْلَةَ وَيُونُس بْن مُحَمَّد عَنْ فُلَيْحٍ عَنْ سَعِيد عَنْ جَابِر \" فَعَلَى هَذَا يَكُون سَقَطَ مِنْ رِوَايَة الْفَرْبَرِيِّ قَوْله \" وَقَالَ مُحَمَّد بْن الصَّلْت عَنْ فُلَيْحٍ \" فَقَطْ وَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ , هَذَا عَلَى رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن , وَقَدْ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي نُسْخَتِي مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ مَشَايِخه , وَأَمَّا عَلَى رِوَايَة الْبَاقِينَ فَيَكُون سَقَطَ إِسْنَاد مُحَمَّد بْن الصَّلْت كُلّه. وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الصَّدَفِيّ فِي حَاشِيَة نُسْخَته الَّتِي بِخَطِّهِ مِنْ الْبُخَارِيّ : لَا يَظْهَر مَعْنَاهُ مِنْ ظَاهِر كِتَاب , وَإِنَّمَا هِيَ إِشَارَة إِلَى أَنَّ أَبَا تُمَيْلَةَ وَيُونُس الْمُتَابِع لَهُ خُولِفَا فِي سَنَد الْحَدِيث وَرِوَايَتهمَا أَصَحّ , وَمُخَالِفهمَا - وَهُوَ مُحَمَّد بْن الصَّلْت - رَوَاهُ عَنْ فُلَيْحٍ شَيْخهمَا فَخَالَفَهُمَا فِي صَاحِبَيْهِ فَقَالَ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. قُلْت : فَيَكُون مَعْنَى قَوْله \" وَحَدِيث جَابِر أَصَحّ \" أَيْ مِنْ حَدِيث مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَقَدْ اِعْتَرَضَ أَبُو مَسْعُود فِي الْأَطْرَاف عَلَى قَوْله : تَابَعَهُ يُونُس اِعْتِرَاضًا آخَر فَقَالَ : إِنَّمَا رَوَاهُ يُونُس بْن مُحَمَّد عَنْ فُلَيْحٍ عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة لَا جَابِر , وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْحَصْر فَإِنَّهُ ثَابِت عَنْ يُونُس بْن مُحَمَّد كَمَا قَالَ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ يُونُس وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَده وَمُصَنَّفه , نَعَمْ رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ يُونُس بْن مُحَمَّد - كَمَا قَالَ أَبُو مَسْعُود - وَكَأَنَّهُ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ , وَكَذَا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي تُمَيْلَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ فَقَالَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَأَمَّا رِوَايَة مُحَمَّد بْن الصَّلْت الْمُشَار إِلَيْهَا فَوَصَلَهَا الدَّارِمِيُّ وَسِمَوَيْهِ كِلَاهُمَا عَنْهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن السَّكَن وَالْعُقَيْلِيّ كُلّهمْ مِنْ طَرِيقه بِلَفْظِ \" كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْم الْعِيد فِي طَرِيق رَجَعَ فِي غَيْره \" وَذَكَرَ أَبُو مَسْعُود أَنَّ الْهَيْثَم بْن جَمِيل رَوَاهُ عَنْ فُلَيْحٍ - كَمَا قَالَ اِبْن الصَّلْت - عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. وَاَلَّذِي يَغْلِب عَلَى الظَّنّ أَنَّ الِاخْتِلَاف فِيهِ مِنْ فُلَيْحٍ فَلَعَلَّ شَيْخه سَمِعَهُ مِنْ جَابِر وَمِنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَيُقَوِّي ذَلِكَ اِخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ , وَقَدْ رَجَّحَ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ عَنْ جَابِر وَخَالَفَهُ أَبُو مَسْعُود وَالْبَيْهَقِيُّ فَرَجَّحَا أَنَّهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَمْ يَظْهَر لِي فِي ذَلِكَ تَرْجِيح وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "934",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا ‏ ‏جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ ‏ ‏مِنَى ‏ ‏تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ ‏ ‏فَانْتَهَرَهُمَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَكَشَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ ‏ ‏دَعْهُمَا يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ أَيَّامُ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏وَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْتُرُنِي وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ فَزَجَرَهُمْ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعْهُمْ أَمْنًا ‏ ‏بَنِي أَرْفِدَةَ ‏ ‏يَعْنِي مِنْ الْأَمْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "935",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا وَمَعَهُ ‏ ‏بِلَالٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "936",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ فِي الْوِتْرِ حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَوَقَعَ فِي الْمُعْجَم الصَّغِير لِلطَبَرَانِيِّ أَنَّ السَّائِل هُوَ اِبْن عُمَر , لَكِنْ يُعَكِّر عَلَيْهِ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن شَقِيق عَنْ اِبْن عُمَر \" أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا بَيْنه وَبَيْن السَّائِل \" فَذَكَر الْحَدِيث , وَفِيهِ \" ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُل عَلَى رَأْس الْحَوْل وَأَنَا بِذَلِكَ الْمَكَان مِنْهُ \" قَالَ \" فَمَا أَدْرِي أَهُوَ ذَلِكَ الرَّجُل أَوْ غَيْره \" وَعِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه أَنَّ السَّائِل الْمَذْكُور مِنْ أَهْل الْبَادِيَة , وَعِنْد مُحَمَّد بْن نَصْر فِي \" كِتَاب أَحْكَام الْوِتْر \" وَهُوَ كِتَاب نَفِيس فِي مُجَلَّده مِنْ رِوَايَة عَطِيَّة عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ , فَيُحْتَمَل أَنْ يُجْمَع بِتَعَدُّدِ مَنْ سَأَلَ , وَقَدْ سَبَقَ فِي \" بَاب الْحَلَق فِي الْمَسْجِد \" أَنَّ السُّؤَال الْمَذْكُور وَقَعَ فِي الْمَسْجِد وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَلَاة اللَّيْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَيُّوب عَنْ نَافِع \" فِي بَاب الْحَلَق فِي الْمَسْجِد \" : \" أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُب فَقَالَ : كَيْف صَلَاة اللَّيْل \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة سَالِم عَنْ أَبِيهِ فِي أَبْوَاب التَّطَوُّع , وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ الْجَوَاب أَنَّ السُّؤَال وَقَعَ عَنْ عَدَدهَا أَوْ عَنْ الْفَصْل وَالْوَصْل , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" قَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه كَيْف تَأْمُرنَا أَنْ نُصَلِّي مِنْ اللَّيْل \" وَأَمَّا قَوْل اِبْن بَزِيزَةَ جَوَابه بِقَوْلِهِ مَثْنَى يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ فُهِمَ مِنْ السَّائِل طَلَب كَيْفِيَّة الْعَدَد لَا مُطْلَق الْكَيْفِيَّة فَفِيهِ نَظَر , وَأَوْلَى مَا فُسِّرَ بِهِ الْحَدِيث مِنْ الْحَدِيث , وَاسْتُدِلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَل فِي صَلَاة النَّهَار أَنْ تَكُون أَرْبَعًا وَهُوَ عَنْ الْحَنَفِيَّة وَإِسْحَاق , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَفْهُوم لَقَب وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الرَّاجِح , وَعَلَى تَقْدِير الْأَخْذ بِهِ فَلَيْسَ بِمُنْحَصِرٍ فِي أَرْبَع , وَبِأَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ عَنْ صَلَاة اللَّيْل فَقُيِّدَ الْجَوَاب بِذَلِكَ مُطَابَقَة لِلسُّؤَالِ , وَبِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ عَنْ رِوَايَة أُخْرَى أَنَّ حُكْم الْمَسْكُوت عَنْهُ حُكْم الْمَنْطُوق بِهِ , فَفِي السُّنَن وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره مِنْ طَرِيق عَلَى الْأَزْدِيّ عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا \" صَلَاة اللَّيْل وَالنَّهَار مَثْنَى مَثْنَى \" وَقَدْ تُعُقِّبَ هَذَا الْأَخِير بِأَنَّ أَكْثَر أَئِمَّة الْحَدِيث أَعَلُّوا هَذِهِ الزِّيَادَة وَهِيَ قَوْله \" وَالنَّهَار \" بِأَنَّ الْحُفَّاظ مِنْ أَصْحَاب اِبْن عُمَر لَمْ يَذْكُرُوهَا عَنْهُ وَحَكَمَ النَّسَائِيُّ عَلَى رَاوِيهَا بِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِيهَا , وَقَالَ يَحْيَى بْن مَعِين : عَنْ عَلِيّ الْأَزْدِيّ حَتَّى أَقْبَلَ مِنْهُ ؟ وَادَّعَى يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ عَنْ نَافِع أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يَتَطَوَّع بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا لَا يَفْصِل بَيْنهنَّ , وَلَوْ كَانَ حَدِيث الْأَزْدِيّ صَحِيحًا لَمَا خَالَفَهُ اِبْن عُمَر , يَعْنِي مَعَ شِدَّة اِتِّبَاعه رَوَاهُ عَنْهُ مُحَمَّد بْن نَصْر فِي سُؤَالَاته , لَكِنْ رَوَى اِبْن وَهْب بِإِسْنَادِ قَوِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" صَلَاة اللَّيْل وَالنَّهَار مَثْنَى مَثْنَى \" مَوْقُوف أَخْرَجَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ مِنْ طَرِيقه , فَلَعَلَّ الْأَزْدِيّ اِخْتَلَطَ عَلَيْهِ الْمَوْقُوف بِالْمَرْفُوعِ فَلَا تَكُون هَذِهِ الزِّيَادَة صَحِيحَة عَلَى طَرِيقَة مَنْ يَشْتَرِط فِي الصَّحِيح أَنْ لَا يَكُون شَاذًّا , وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا وَهَذَا مُوَافِق لِمَا نَقَلَهُ اِبْن مَعِين. ‏ ‏قَوْله : ( مَثْنَى مَثْنَى ) ‏ ‏أَيْ اِثْنَيْنِ اِثْنَيْنِ , وَهُوَ غَيْر مُنْصَرِف لِتَكْرَارِ الْعَدْل فِيهِ قَالَهُ صَاحِب الْكَشَّاف. وَقَالَ آخَرُونَ : لِلْعَدْلِ وَالْوَصْف , وَأَمَّا إِعَادَة مَثْنَى فَلِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّأْكِيد , وَقَدْ فَسَّرَهُ اِبْن عُمَر رَاوِي الْحَدِيث فَعِنْد مُسْلِم عَنْ طَرِيق عُقْبَة بْن حُرَيْث قَالَ قُلْت لِابْنِ عُمَر : مَا مَعْنَى مَثْنَى مَثْنَى ؟ قَالَ : تُسَلِّم مِنْ كُلّ رَكْعَتَيْنِ. وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنْ الْحَنَفِيَّة أَنَّ مَعْنَى مَثْنَى أَنْ يَتَشَهَّد بَيْن كُلّ رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّ رَاوِي الْحَدِيث أَعْلَم بِالْمُرَادِ بِهِ , وَمَا فَسَّرَهُ بِهِ هُوَ الْمُتَبَادَر إِلَى الْفَهْم لِأَنَّهُ لَا يُقَال فِي الرُّبَاعِيَّة مَثَلًا إِنَّهَا مَثْنَى , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى تَعَيُّن الْفَصْل بَيْن كُلّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاة اللَّيْل , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَهُوَ ظَاهِر السِّيَاق لِحَصْرِ الْمُبْتَدَأ فِي الْخَبَر , وَحَمَلَهُ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ لِبَيَانِ الْأَفْضَل لِمَا صَحَّ مِنْ فِعْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِهِ , وَلَمْ يَتَعَيَّن أَيْضًا كَوْنه لِذَلِكَ , بَلْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون لِلْإِرْشَادِ إِلَى الْأَخَفّ , إِذْ السَّلَام بَيْن كُلّ رَكْعَتَيْنِ أَخَفّ عَلَى الْمُصَلِّي مِنْ الْأَرْبَع فَمَا فَوْقهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الرَّاحَة غَالِبًا وَقَضَاء مَا يُعْرَض مِنْ أَمْر مُهِمّ , وَلَوْ كَانَ الْوَصْل لِبَيَانِ الْجَوَاز فَقَطْ لَمْ يُوَاظِب عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَنْ اِدَّعَى اِخْتِصَاصه بِهِ فَعَلَيْهِ الْبَيَان , وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَصْل كَمَا صَحَّ عَنْهُ الْوَصْل , فَعِنْد أَبِي دَاوُدَ وَمُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ طَرِيقَيْ الْأَوْزَاعِيِّ وَابْن أَبِي ذِئْب كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي مَا بَيْن أَنْ يَفْرُغ مِنْ الْعِشَاء إِلَى الْفَجْر إِحْدَى عَشْرَة رَكْعَة يُسَلِّم مِنْ كُلّ رَكْعَتَيْنِ \" وَإِسْنَادهمَا عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى عَدَم النُّقْصَان عَنْ رَكْعَتَيْنِ فِي النَّافِلَة مَا عَدَا الْوِتْر , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَالِاسْتِدْلَال بِهِ أَقْوَى مِنْ الِاسْتِدْلَال بِامْتِنَاعِ قَصْر الصُّبْح فِي السَّفَر إِلَى رَكْعَة , يُشِير بِذَلِكَ إِلَى الطَّحَاوِيِّ فَإِنَّهُ اِسْتَدَلَّ عَلَى مَنْع التَّنَفُّل بِرَكْعَةٍ بِذَلِكَ , وَاسْتَدَلَّ بَعْض الشَّافِعِيَّة لِلْجَوَازِ بِعُمُومِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الصَّلَاة خَيْر مَوْضُوع , فَمَنْ شَاءَ اِسْتَكْثَرَ وَمَنْ شَاءَ اِسْتَقَلَّ \" صَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان. وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي الْفَصْل وَالْوَصْل فِي صَلَاة اللَّيْل أَيّهمَا أَفْضَل , وَقَالَ الْأَثْرَم عَنْ أَحْمَد : الَّذِي اِخْتَارَهُ فِي صَلَاة اللَّيْل مَثْنَى مَثْنَى , فَإِنْ صَلَّى بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا فَلَا بَأْس. وَقَالَ مُحَمَّد بْن نَصْر نَحْوه فِي صَلَاة اللَّيْل قَالَ : وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ لَمْ يَجْلِس إِلَّا فِي آخِرهَا إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث الدَّالَّة عَلَى الْوَصْل , إِلَّا أَنَّا نَخْتَار أَنْ يُسَلِّم مِنْ كُلّ رَكْعَتَيْنِ لِكَوْنِهِ أَجَابَ بِهِ السَّائِل وَلِكَوْنِ أَحَادِيث الْفَصْل أَثْبَت وَأَكْثَر طُرُقًا , وَقَدْ تَضَمَّنَ كَلَامه الرَّدّ عَلَى الدَّاوُدِيِّ الشَّارِح وَمَنْ تَبِعَهُ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُت عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى النَّافِلَة أَكْثَر مِنْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا خَشِيَ أَحَدكُمْ الصُّبْح ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى خُرُوج وَقْت الْوِتْر بِطُلُوعِ الْفَجْر , وَأَصْرَح مِنْهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَة وَغَيْره مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن مُوسَى عَنْ نَافِع أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يَقُول \" مَنْ صَلَّى مِنْ اللَّيْل فَلْيَجْعَلْ آخِر صَلَاته وِتْرًا فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُر بِذَلِكَ , فَإِذَا كَانَ الْفَجْر فَقَدْ ذَهَبَ كُلّ صَلَاة اللَّيْل وَالْوِتْر \" وَفِي صَحِيح اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق قَتَادَة عَنْ أَبِي نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد مَرْفُوعًا \" مَنْ أَدْرَكَهُ الصُّبْح وَلَمْ يُوتِر فَلَا وِتْر لَهُ \" وَهَذَا مَحْمُول عَلَى التَّعَمُّد أَوْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَع أَدَاء , لِمَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد أَيْضًا مَرْفُوعًا \" مَنْ نَسِيَ الْوِتْر أَوْ نَامَ عَنْهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ \" وَقِيلَ مَعْنَى قَوْله \" إِذَا خَشِيَ أَحَدكُمْ الصُّبْح - أَيْ وَهُوَ فِي شَفْع - فَلْيَنْصَرِفْ عَلَى وِتْر \" وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْوِتْر لَا يَفْتَقِر إِلَى نِيَّة. وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِر عَنْ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف أَنَّ الَّذِي يَخْرُج بِالْفَجْرِ وَقْته الِاخْتِيَارِيّ وَيَبْقَى وَقْت الضَّرُورَة إِلَى قِيَام صَلَاة الصُّبْح , وَحَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ عَنْ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد , وَإِنَّمَا قَالَهُ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم. وَقَالَ اِبْن قُدَامَةَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَمَّد تَرْك الْوِتْر حَتَّى يُصْبِح , وَاخْتَلَفَ السَّلَف فِي مَشْرُوعِيَّة قَضَائِهِ فَنَفَاهُ الْأَكْثَر , وَفِي مُسْلِم وَغَيْره عَنْ عَائِشَة \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا نَامَ مِنْ اللَّيْل مِنْ وَجَع أَوْ غَيْره فَلَمْ يَقُمْ مِنْ اللَّيْل صَلَّى مِنْ النَّهَار ثِنْتَيْ عَشْرَة رَكْعَة \" وَقَالَ مُحَمَّد بْن نَصْر : لَمْ نَجِد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْء مِنْ الْأَخْبَار أَنَّهُ قَضَى الْوِتْر وَلَا أَمَرَ بِقَضَائِهِ , وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَة نَوْمهمْ عَنْ الصُّبْح فِي الْوَادِي قَضَى الْوِتْر فَلَمْ يُصِبْ. وَعَنْ عَطَاء وَالْأَوْزَاعِيِّ : يَقْضِي وَلَوْ طَلَعَتْ الشَّمْس , وَهُوَ وَجْه عِنْد الشَّافِعِيَّة حَكَاهُ النَّوَوِيّ فِي شَرْح مُسْلِم , وَعَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : يَقْضِي مِنْ الْقَابِلَة , وَعَنْ الشَّافِعِيَّة : يَقْضِي مُطْلَقًا , وَيُسْتَدَلّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيد الْمُتَقَدِّم وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏يُؤْخَذ مِنْ سِيَاق هَذَا الْحَدِيث أَنَّ مَا بَيْن طُلُوع الْفَجْر وَطُلُوع الشَّمْس مِنْ النَّهَار شَرْعًا , وَقَدْ رَوَى اِبْن دُرَيْد فِي أَمَالِيهِ بِسَنَدٍ جَيِّد أَنَّ الْخَلِيل بْن أَحْمَد سُئِلَ عَنْ حَدّ النَّهَار فَقَالَ : مِنْ الْفَجْر الْمُسْتَطِير إِلَى بُدَاءَة الشَّفَق. وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّهُ وَقْت مُنْفَرِد لَا مِنْ اللَّيْل وَلَا مِنْ النَّهَار. ‏ ‏قَوْله : ( صَلَّى رَكْعَة وَاحِدَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الشَّافِعِيّ وَعَبْد اللَّه بْن وَهْب وَمَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم ثَلَاثَتهمْ عَنْ مَالِك \" فَلْيُصَلِّ رَكْعَة \" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآت هَكَذَا بِصِيغَةِ الْأَمْر , وَسَيَأْتِي بِصِيغَةِ الْأَمْر أَيْضًا مِنْ طَرِيق اِبْن عُمَر الثَّانِيَة فِي هَذَا الْبَاب , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوه , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ لَا صَلَاة بَعْد الْوِتْر , وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدهمَا فِي مَشْرُوعِيَّة رَكْعَتَيْنِ بَعْد الْوِتْر عَنْ جُلُوس , وَالثَّانِي فِيمَنْ أَوْتَرَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتَنَفَّل فِي اللَّيْل هَلْ يَكْتَفِي بِوِتْرِهِ الْأَوَّل وَلْيَتَنَفَّلْ مَا شَاءَ أَوْ يَشْفَع وِتْره بِرَكْعَةٍ ثُمَّ يَتَنَفَّل ثُمَّ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ هَلْ يَحْتَاج إِلَى وِتْر آخَر أَوْ لَا ؟ فَأَمَّا الْأَوَّل فَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْد الْوِتْر وَهُوَ جَالِس \" وَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْض أَهْل الْعِلْم وَجَعَلُوا الْأَمْر فِي قَوْله \" اِجْعَلُوا آخِر صَلَاتكُمْ مِنْ اللَّيْل وِتْرًا \" مُخْتَصًّا بِمَنْ أَوْتَرَ آخِر اللَّيْل. وَأَجَابَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ بِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ هُمَا رَكْعَتَا الْفَجْر , وَحَمَلَهُ النَّوَوِيّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ لِبَيَانِ جَوَاز التَّنَفُّل بَعْد الْوِتْر وَجَوَاز التَّنَفُّل جَالِسًا. وَأَمَّا الثَّانِي فَذَهَبَ الْأَكْثَر إِلَى أَنَّهُ يُصَلِّي شَفْعًا مَا أَرَادَ وَلَا يَنْقُض وِتْره عَمَلًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَة \" , وَهُوَ حَدِيث حَسَن أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَغَيْرهمَا مِنْ حَدِيث طَلْق بْن عَلِيٍّ. وَإِنَّمَا يَصِحّ نَقْض الْوِتْر عِنْد مَنْ يَقُول بِمَشْرُوعِيَّةِ التَّنَفُّل بِرَكْعَةٍ وَاحِدَة غَيْر الْوِتْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ. وَرَوَى مُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْحَارِث أَنَّهُ سَأَلَ اِبْن عُمَر عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِذَا كُنْت لَا تَخَاف الصُّبْح وَلَا النَّوْم فَاشْفَعْ ثُمَّ صَلِّ مَا بَدَا لَك ثُمَّ أَوْتِرْ , وَإِلَّا فَصَلِّ وِتْرك عَلَى الَّذِي كُنْت أَوْتَرْت. وَمِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي مَثْنَى , فَإِذَا اِنْصَرَفْت رَكَعْت رَكْعَة وَاحِدَة. فَقِيلَ : أَرَأَيْت إِنْ أَوْتَرْت قَبْل أَنْ أَنَام ثُمَّ قُمْت مِنْ اللَّيْل فَشَفَعْت حَتَّى أُصْبِح ؟ قَالَ : لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْس. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" صَلِّ رَكْعَة وَاحِدَة \" عَلَى أَنَّ فَصْل الْوِتْر أَفْضَل مِنْ وَصْله , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْفَصْل , فَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد بِقَوْلِهِ \" صَلِّ رَكْعَة وَاحِدَة \" أَيْ مُضَافَة إِلَى رَكْعَتَيْنِ مِمَّا مَضَى. وَاحْتَجَّ بَعْض الْحَنَفِيَّة لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ تَعْيِين الْوَصْل وَالِاقْتِصَار عَلَى ثَلَاث بِأَنَّ الصَّحَابَة أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوِتْر بِثَلَاثٍ مَوْصُولَة حَسَن جَائِز , وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهُ , قَالَ : فَأَخَذْنَا بِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَتَرَكْنَا مَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ. وَتَعَقَّبَهُ مُحَمَّد بْن نَصْر الْمَرْوَزِيُّ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيق عِرَاك بْنِ مَالِك عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا \" لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ تُشْبِهُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِب \" وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْفَضْل عَنْ أَبِي سَلَمَة وَالْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا نَحْوه , وَإِسْنَاده عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ , وَقَدْ صَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم , وَمِنْ طَرِيق مُقْسِم عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة كَرَاهِيَة الْوِتْر بِثَلَاثٍ , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا. وَعَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار أَنَّهُ كَرِهَ الثَّلَاث فِي الْوِتْر وَقَالَ : لَا يُشْبِه التَّطَوُّع الْفَرِيضَة فَهَذِهِ الْآثَار تَقْدَح فِي الْإِجْمَاع الَّذِي نَقَلَهُ. وَأَمَّا قَوْل مُحَمَّد بْن نَصْر : لَمْ نَجِد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرًا ثَابِتًا صَرِيحًا أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ مَوْصُولَة , نَعَمْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ , لَكِنْ لَمْ يُبَيِّن الرَّاوِي هَلْ هِيَ مَوْصُولَة أَوْ مَفْصُولَة. اِنْتَهَى. فَيَرُدّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَائِشَة أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِر بِثَلَاثٍ لَا يَقْعُد إِلَّا فِي آخِرهنَّ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث أُبَيِّ بْن كَعْب نَحْوه وَلَفْظه \" يُوتِر بِسَبِّحْ اِسْم رَبّك الْأَعْلَى وَقُلْ يَا أَيّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّه أَحَد وَلَا يُسَلِّم إِلَّا فِي آخِرهنَّ \" وَبَيَّنَ فِي عِدَّة طُرُق أَنَّ السُّوَر الثَّلَاث بِثَلَاثِ رَكَعَات , وَيُجَاب عَنْهُ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُمَا لَمْ يَثْبُتَا عِنْده , وَالْجَمْع بَيْن هَذَا وَبَيْن مَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّهْي عَنْ التَّشَبُّه بِصَلَاةِ الْمَغْرِب أَنْ يُحْمَل النَّهْي عَلَى صَلَاة الثَّلَاث بِتَشَهُّدَيْنِ , وَقَدْ فَعَلَهُ السَّلَف أَيْضًا , فَرَوَى مُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ طَرِيق الْحَسَن أَنَّ عُمَر كَانَ يَنْهَض فِي الثَّالِثَة مِنْ الْوِتْر بِالتَّكْبِيرِ , وَمِنْ طَرِيق الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ أَنَّ عُمَر أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ لَمْ يُسَلِّم إِلَّا فِي آخِرهنَّ , وَمِنْ طَرِيق اِبْن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُوتِر بِثَلَاثٍ لَا يَقْعُد بَيْنهنَّ , وَمِنْ طَرِيق قَيْس بْن سَعْد عَنْ عَطَاء وَحَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب مِثْله , وَرَوَى مُحَمَّد بْن نَصْر عَنْ اِبْن مَسْعُود وَأَنَس وَأَبِي الْعَالِيَة أَنَّهُمْ أَوْتَرُوا بِثَلَاثٍ كَالْمَغْرِبِ , وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغهُمْ النَّهْي الْمَذْكُور. وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب قَوْل الْقَاسِم بْن مُحَمَّد فِي تَجْوِيز الثَّلَاث , وَلَكِنَّ النِّزَاع فِي تَعَيُّن ذَلِكَ فَإِنَّ الْأَخْبَار الصَّحِيحَة تَأْبَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( تُوتِر لَهُ مَا قَدْ صَلَّى ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الرَّكْعَة الْأَخِيرَة هِيَ الْوِتْر وَأَنَّ كُلّ مَا تَقَدَّمَهَا شَفْع , وَادَّعَى بَعْض الْحَنَفِيَّة أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يُشْرَع لِمَنْ طَرَقَهُ الْفَجْر قَبْل أَنْ يُوتِر فَيَكْتَفِي بِوَاحِدَةِ لِقَوْلِهِ \" فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْح \" فَيَحْتَاج إِلَى دَلِيل تَعَيُّن الثَّلَاث , وَسَنَذْكُرُ مَا فِيهِ مِنْ رِوَايَة الْقَاسِم الْآتِيَة. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَعَيُّن الشَّفْع قَبْل الْوِتْر وَهُوَ عَنْ الْمَالِكِيَّة بِنَاء عَلَى أَنَّ قَوْله \" مَا قَدْ صَلَّى \" أَيْ مِنْ النَّفْل. وَحَمَلَهُ مَنْ لَا يَشْتَرِط سَبْق الشَّفْع عَلَى مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ النَّفْل وَالْفَرْض وَقَالُوا : إِنَّ سَبْق الشَّفْع شَرْط فِي الْكَمَال لَا فِي الصِّحَّة , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أَبِي أَيُّوب مَرْفُوعًا \" الْوِتْر حَقّ , فَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ وَمَنْ شَاءَ بِثَلَاثٍ وَمَنْ شَاءَ بِوَاحِدَةٍ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم , وَصَحَّ عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة أَنَّهُمْ أَوْتَرُوا بِوَاحِدَةٍ مِنْ غَيْر تَقَدُّم نَفْل قَبْلهَا , فَفِي كِتَاب مُحَمَّد بْن نَصْر وَغَيْره بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ السَّائِب بْن يَزِيد أَنَّ عُثْمَان قَرَأَ الْقُرْآن لَيْلَة فِي رَكْعَة لَمْ يُصَلِّ غَيْرهَا , وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن ثَعْلَبَة أَنَّ سَعْدًا أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ , وَسَيَأْتِي فِي الْمَنَاقِب عَنْ مُعَاوِيَة أَنَّهُ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ وَأَنَّ اِبْن عَبَّاس اِسْتَصْوَبَهُ , وَفِي كُلّ ذَلِكَ رَدّ عَلَى اِبْن التِّين فِي قَوْله : إِنَّ الْفُقَهَاء لَمْ يَأْخُذُوا بِعَمَلِ مُعَاوِيَة فِي ذَلِكَ , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ فُقَهَاءَهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ نَافِع ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الْإِسْنَاد الْأَوَّل , وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مَقْرُونًا فِي سِيَاق وَاحِد بَلْ بَيْن الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف عِدَّة أَحَادِيث , وَلِهَذَا فَصَلَهُ الْبُخَارِيّ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر كَانَ يُسَلِّم بَيْن الرَّكْعَة وَالرَّكْعَتَيْنِ فِي الْوِتْر حَتَّى يَأْمُر بِبَعْضِ حَاجَته ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْوِتْر مَوْصُولًا فَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَة فَصَلَ ثُمَّ بَنَى عَلَى مَا مَضَى , وَفِي هَذَا دَفْع لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : لَا يَصِحّ الْوِتْر إِلَّا مَفْصُولًا. وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ بَكْر بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيِّ قَالَ : صَلَّى اِبْن عُمَر رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ يَا غُلَام أَرْحِلْ لَنَا , ثُمَّ قَامَ فَأَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ. وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْصِل بَيْن شَفْعه وَوِتْره بِتَسْلِيمَةٍ , وَأَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلهُ , وَإِسْنَاده قَوِيّ. وَلَمْ يَعْتَذِر الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ إِلَّا بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ بِتَسْلِيمَةٍ أَيْ التَّسْلِيمَة الَّتِي فِي التَّشَهُّد وَلَا يَخْفَى بَعْد هَذَا التَّأْوِيل وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي عِدَّة مَوَاضِع فِي الْعِلْم وَالطَّهَارَة وَالْمَسَاجِد وَالْإِمَامَة وَأَحَلْت بِشَرْحِهِ عَلَى مَا هُنَا. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس جَمَاعَة مِنْهُمْ كُرَيْب وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وَعَطَاء وَطَاوُسٌ وَالشَّعْبِيّ وَطَلْحَة بْن نَافِع وَيَحْيَى بْن الْجَزَّار وَأَبُو جَمْرَة وَغَيْرهمْ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا , وَسَأَذْكُرُ مَا فِي طُرُقه مِنْ الْفَوَائِد نَاسِبًا كُلّ رِوَايَة إِلَى مُخْرِجهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "937",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏وَهِيَ خَالَتُهُ فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ وِسَادَةٍ ‏ ‏وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ فَاسْتَيْقَظَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آلِ ‏ ‏عِمْرَانَ ‏ ‏ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏شَنٍّ ‏ ‏مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَامَ ‏ ‏يُصَلِّي فَصَنَعْتُ مِثْلَهُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبهِ فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي ‏ ‏يَفْتِلُهَا ‏ ‏ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ بَاتَ عِنْد مَيْمُونَة ) ‏ ‏زَادَ شَرِيك بْن أَبِي نَمِر عَنْ كُرَيْب عِنْد مُسْلِم \" فَرَقَبْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْف يُصَلِّي \" زَادَ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ هَذَا الْوَجْه \" بِاللَّيْلِ \" , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" بَعَثَنِي الْعَبَّاس إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت عَنْ كُرَيْب \" فِي إِبِل أَعْطَاهُ إِيَّاهَا مِنْ الصَّدَقَة \" وَلِأَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ الْعَبَّاس بَعَثَهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَة , قَالَ : فَوَجَدْته جَالِسًا فِي الْمَسْجِد فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمهُ , فَلَمَّا صَلَّى الْمَغْرِب قَامَ فَرَكَعَ حَتَّى أُذِنَ بِصَلَاةِ الْعِشَاء \" وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق طَلْحَة بْن نَافِع عَنْهُ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَ الْعَبَّاس ذَوْدًا مِنْ الْإِبِل , فَبَعَثَنِي إِلَيْهِ بَعْد الْعِشَاء وَكَانَ فِي بَيْت مَيْمُونَة \" وَهَذَا يُخَالِف مَا قَبْله , وَيُجْمَع بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُكَلِّمهُ فِي الْمَسْجِد أَعَادَهُ إِلَيْهِ بَعْد الْعِشَاء إِلَى بَيْت مَيْمُونَة , وَلِمُحَمَّدِ بْن نَصْر فِي كِتَاب قِيَام اللَّيْل مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْوَلِيد بْن نُوَيْفِع عَنْ كُرَيْب عَنْ الزِّيَادَة \" فَقَالَ لِي : يَا بُنَيّ بِتْ اللَّيْلَة عِنْدنَا \" وَفِي رِوَايَة حَبِيب الْمَذْكُورَة \" فَقُلْت : لَا أَنَام حَتَّى أَنْظُر مَا يَصْنَع فِي صَلَاة اللَّيْل \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق الضَّحَّاك بْن عُثْمَان عَنْ مَخْرَمَةَ \" فَقُلْت لِمَيْمُونَةَ : إِذَا قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَيْقِظِينِي \" وَكَانَ عَزَمَ فِي نَفْسه عَلَى السَّهَر لِيَطَّلِع عَلَى الْكَيْفِيَّة الَّتِي أَرَادَهَا , ثُمَّ خَشِيَ أَنْ يَغْلِب النَّوْم فَوَصَّى مَيْمُونَة أَنْ تُوقِظهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي عُرْض وِسَادَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن الْوَلِيد الْمَذْكُورَة \" وِسَادَة مِنْ أُدْم حَشْوهَا لِيف \" وَفِي رِوَايَة طَلْحَة بْن نَافِع الْمَذْكُورَة \" ثُمَّ دَخَلَ مَعَ اِمْرَأَته فِي فِرَاشهَا \" وَزَادَ أَنَّهَا \" كَانَتْ لَيْلَتئِذٍ حَائِضًا \" وَفِي رِوَايَة شَرِيك بْن أَبِي نَمِر عَنْ كُرَيْب فِي التَّفْسِير \" فَتَحَدَّثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْله سَاعَة \" وَقَدْ سَبَقَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي كِتَاب الْعِلْم , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الِاضْطِجَاع وَالْعَرْض وَمَسْح النَّوْم وَالْعَشْر الْآيَات فِي \" بَاب قِرَاءَة الْقُرْآن بَعْد الْحَدَث \" وَكَذَا عَلَى الشَّنّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى اِنْتَصَفَ اللَّيْل أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ ) ‏ ‏جَزَمَ شَرِيك بْن أَبِي نَمِر فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة \" بِثُلُثِ اللَّيْل الْأَخِير \" وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ الِاسْتِيقَاظ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ : فَفِي الْأُولَى نَظَرَ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ تَلَا الْآيَات ثُمَّ عَادَ لِمَضْجَعِهِ فَنَامَ , وَفِي الثَّانِيَة أَعَادَ ذَلِكَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ مُحَمَّد بْن الْوَلِيد فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة. وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ عَنْ كُرَيْب فِي الصَّحِيحَيْنِ \" فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اللَّيْل فَأَتَى حَاجَته ثُمَّ غَسَلَ وَجْهه وَيَدَيْهِ ثُمَّ نَامَ , ثُمَّ قَامَ فَأَتَى الْقَرْيَة \" الْحَدِيث. وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق عَنْ سَلَمَة عِنْد مُسْلِم \" ثُمَّ قَامَ قَوْمَة أُخْرَى \" وَعِنْده مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ سَلَمَة \" فَبَالَ \" بَدَل فَأَتَى حَاجَته. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنّ ) ‏ ‏زَادَ مُحَمَّد بْن الْوَلِيد \" ثُمَّ اِسْتَفْرَغَ مِنْ الشَّنّ فِي إِنَاء ثُمَّ تَوَضَّأَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَحْسَن الْوُضُوء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن الْوَلِيد وَطَلْحَة بْن نَافِع جَمِيعًا \" فَأَسْبَغَ الْوُضُوء \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار عَنْ كُرَيْب \" فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي \" بَاب تَخْفِيف الْوُضُوء \" وَيُجْمَع بَيْن هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ بِرِوَايَةِ الثَّوْرِيّ فَإِنَّ لَفْظه \" فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْن وُضُوءَيْنِ لَمْ يُكْثِر وَقَدْ أَبْلَغَ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عِيَاض عَنْ مَخْرَمَةَ \" فَأَسْبَغَ الْوُضُوء وَلَمْ يَمَسّ مِنْ الْمَاء إِلَّا قَلِيلًا \" وَزَادَ فِيهَا \" فَتَسَوَّكَ \" وَكَذَا لِشَرِيكٍ عَنْ كُرَيْب \" فَاسْتَنَّ \" كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ قُبَيْل كِتَاب الْغُسْل. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي ) ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن الْوَلِيد ثُمَّ أَخَذَ بُرْدًا لَهُ حَضْرَمِيًّا فَتَوَشَّحَهُ ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْت فَقَامَ يُصَلِّي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَصَنَعْت مِثْله ) ‏ ‏يَقْتَضِي أَنَّهُ صَنَعَ جَمِيع مَا ذُكِرَ مِنْ الْقَوْل وَالنَّظَر وَالْوُضُوء وَالسِّوَاك وَالتَّوَشُّح , وَيُحْتَمَل أَنْ يُحْمَل عَلَى الْأَغْلَب , وَزَادَ سَلَمَة عَنْ كُرَيْب فِي الدَّعَوَات فِي أَوَّله \" فَقُمْت فَتَمَطَّيْت كَرَاهِيَة أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْت أَرْقُبهُ \" وَكَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَتْرُك بَعْض عَمَله لِمَا جَرَى مِنْ عَادَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَتْرُك بَعْض الْعَمَل خَشْيَة أَنْ يُفْرَض عَلَى أُمَّته. ‏ ‏قَوْله : ( وَقُمْت إِلَى جَنْبه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة مُسْتَوْفًى. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَخَذَ بِأُذُنِي ) ‏ ‏زَادَ مُحَمَّد بْن الْوَلِيد فِي رِوَايَته \" فَعَرَفْت أَنَّهُ إِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ لِيُؤْنِسنِي بِيَدِهِ فِي ظُلْمَة اللَّيْل \" وَفِي رِوَايَة الضَّحَّاك عَنْ عُثْمَان \" فَجَعَلْت إِذَا أَغْفَيْت أَخَذَ بِشَحْمَةِ أُذُنِي \" وَفِي هَذَا رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَخْذ الْأُذُن إِنَّمَا كَانَ فِي حَالَة إِدَارَته لَهُ مِنْ الْيَسَار إِلَى الْيَمِين مُتَمَسِّكًا بِرِوَايَةِ سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ الْآتِيَة فِي التَّفْسِير حَيْثُ قَالَ \" فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينه \" لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ إِدَارَته عَلَى هَذِهِ الصِّفَة أَنْ لَا يَعُود إِلَى مَسْك أُذُنه لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَأْنِيسه وَإِيقَاظه لِأَنَّ حَاله كَانَتْ تَقْتَضِي ذَلِكَ لِصِغَرِ سِنّه. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ) ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَظَاهِره أَنَّهُ فَصَلَ بَيْن كُلّ رَكْعَتَيْنِ , وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ فِي رِوَايَة طَلْحَة بْن نَافِع حَيْثُ قَالَ فِيهَا \" يُسَلِّم مِنْ كُلّ رَكْعَتَيْنِ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس التَّصْرِيح بِالْفَصْلِ أَيْضًا وَأَنَّهُ اِسْتَاك بَيْن كُلّ رَكْعَتَيْنِ إِلَى غَيْر ذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ رِوَايَة الْبَاب فِيهَا التَّصْرِيح بِذِكْرِ الرَّكْعَتَيْنِ سِتّ مَرَّات ثُمَّ قَالَ \" ثُمَّ أَوْتَرَ \" , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ صَلَّى ثَلَاث عَشْرَة رَكْعَة , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة سَلَمَة الْآتِيَة فِي الدَّعَوَات حَيْثُ قَالَ \" فَتَتَامَّتْ \" وَلِمُسْلِمٍ \" فَتَكَامَلَتْ صَلَاته ثَلَاث عَشْرَة رَكْعَة \" , وَفِي رِوَايَة عَبْد رَبّه بْن سَعِيد الْمَاضِيَة فِي الْإِمَامَة عَنْ كُرَيْب فَصَلَّى ثَلَاث عَشْرَة رَكْعَة , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن الْوَلِيد الْمَذْكُورَة مِثْله وَزَادَ \" وَرَكْعَتَيْنِ بَعْد طُلُوع الْفَجْر قَبْل صَلَاة الصُّبْح \" وَهِيَ مُوَافِقَة لِرِوَايَةِ الْبَاب لِأَنَّهُ قَالَ بَعْد قَوْله \" ثُمَّ أَوْتَرَ : فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ \" فَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى الثَّلَاث عَشْرَة , وَصَرَّحَ بَعْضهمْ بِأَنَّ رَكْعَتِيْ الْفَجْر مِنْ غَيْرهَا , لَكِنْ رِوَايَة شَرِيك بْن أَبِي نَمِر الْآتِيَة فِي التَّفْسِير عَنْ كُرَيْب تُخَالِف ذَلِكَ وَلَفْظه \" فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَة رَكْعَة ثُمَّ أَذَّنَ بِلَال فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ \" فَهَذَا مَا فِي رِوَايَة كُرَيْب مِنْ الِاخْتِلَاف , وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْأَكْثَر خَالَفُوا شَرِيكًا فِيهَا , وَرِوَايَتهمْ مُقَدَّمَة عَلَى رِوَايَته لِمَا مَعَهُمْ مِنْ الزِّيَادَة وَلِكَوْنِهِمْ أَحْفَظ مِنْهُ , وَقَدْ حَمَلَ بَعْضهمْ هَذِهِ الزِّيَادَة عَلَى سُنَّة الْعِشَاء , وَلَا يَخْفَى بُعْده وَلَا سِيَّمَا فِي رِوَايَة مَخْرَمَةَ فِي حَدِيث الْبَاب , إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَخَّرَ سُنَّة الْعِشَاء حَتَّى اِسْتَيْقَظَ , لَكِنْ يُعَكِّر عَلَيْهِ رِوَايَة الْمِنْهَال الْآتِيَة قَرِيبًا , وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى سَعِيد جُبَيْر أَيْضًا : فَفِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ الْحَكَم عَنْهُ \" فَصَلَّى أَرْبَع رَكَعَات ثُمَّ نَامَ ثُمَّ صَلَّى خَمْس رَكَعَات \" وَقَدْ حَمَلَ مُحَمَّد بْن نَصْر هَذِهِ الْأَرْبَع عَلَى أَنَّهَا سُنَّة الْعِشَاء لِكَوْنِهَا وَقَعَتْ قَبْل النَّوْم , لَكِنْ يُعَكِّر عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ هُوَ مِنْ طَرِيق الْمِنْهَال بْن عَمْرو عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس فَإِنَّ فِيهِ \" فَصَلَّى الْعِشَاء ثُمَّ صَلَّى أَرْبَع رَكَعَات بَعْدهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِد غَيْره ثُمَّ اِنْصَرَفَ \" فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُون صَلَّى الْأَرْبَع فِي الْمَسْجِد لَا فِي الْبَيْت , وَرِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر أَيْضًا تَقْتَضِي الِاقْتِصَار عَلَى خَمْس رَكَعَات بَعْد النَّوْم وَفِيهِ نَظَر , وَقَدْ رَوَاهَا أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْحَكَم وَفِيهِ \" فَصَلَّى سَبْعًا أَوْ خَمْسًا أَوْتَرَ بِهِنَّ لَمْ يُسَلِّم إِلَّا فِي آخِرهنَّ \". وَقَدْ ظَهَرَ لِي مِنْ رِوَايَة أُخْرَى عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر مَا يَرْفَع هَذَا الْإِشْكَال وَيُوَضِّح أَنَّ رِوَايَة الْحَكَم وَقَعَ فِيهَا تَقْصِير , فَعِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن عَبَّاد بْن سَعِيد بْن جُبَيْر \" فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى صَلَّى ثَمَان رَكَعَات ثُمَّ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ لَمْ يَجْلِس بَيْنهنَّ \" , فَبِهَذَا يُجْمَع بَيْن رِوَايَة سَعِيد وَرِوَايَة كُرَيْب , وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة عِكْرِمَة بْن خَالِد عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" فَصَلَّى ثَلَاث عَشْرَة رَكْعَة مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْر \" فَهُوَ نَظِير مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاخْتِلَاف فِي رِوَايَة كُرَيْب , وَأَمَّا مَا فِي رِوَايَتهمَا مِنْ الْفَصْل وَالْوَصْل فَرِوَايَة سَعِيد صَرِيحَة فِي الْوَصْل , وَرِوَايَة كُرَيْب مُحْتَمَلَة فَتُحْمَل عَلَى رِوَايَة سَعِيد. وَأَمَّا قَوْله فِي رِوَايَة طَلْحَة بْن نَافِع \" يُسَلِّم مِنْ كُلّ رَكْعَتَيْنِ \" فَيُحْتَمَل تَخْصِيصه بِالثَّمَانِ فَيُوَافِق رِوَايَة سَعِيد , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة يَحْيَى بْن الْجَزَّار الْآتِيَة , وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء طُرُق حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَا يُخَالِف ذَلِكَ لِأَنَّ أَكْثَر الرُّوَاة عَنْهُ لَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا , وَمَنْ ذَكَرَ الْعَدَد مِنْهُمْ لَمْ يُزِدْ عَلَى ثَلَاث عَشْرَة وَلَمْ يُنْقِص عَنْ إِحْدَى عَشْرَة , إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عِنْد مُسْلِم مَا يُخَالِفهُمْ فَإِنَّ فِيهِ \" فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا ثُمَّ اِنْصَرَفَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ , فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاث مَرَّات بِسِتِّ رَكَعَات كُلّ ذَلِكَ يَسْتَاك وَيَتَوَضَّأ وَيَقْرَأ هَؤُلَاءِ الْآيَات - يَعْنِي آخِر آل عِمْرَان - ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّن فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاة \" اِنْتَهَى. فَزَادَ عَلَى الرُّوَاة تَكْرَار الْوُضُوء وَمَا مَعَهُ وَنَقَصَ عَنْهُمْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا وَلَمْ يَذْكُر رَكْعَتَيْ الْفَجْر أَيْضًا , وَأَظُنّ ذَلِكَ مِنْ الرَّاوِي عَنْهُ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت فَإِنَّ فِيهِ مَقَالًا , وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي إِسْنَاده وَمَتْنه اِخْتِلَافًا تَقَدَّمَ ذِكْر بَعْضه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لَمْ يَذْكُر الْأَرْبَع الْأُوَل كَمَا لَمْ يَذْكُر الْحِكَم الثَّمَان كَمَا تَقَدَّمَ , وَأَمَّا سُنَّة الْفَجْر فَقَدْ ثَبَتَ ذِكْرهَا فِي طَرِيق أُخْرَى عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه عِنْد أَبِي دَاوُدَ. وَالْحَاصِل أَنَّ قِصَّة مَبِيت اِبْن عَبَّاس يَغْلِب عَلَى الظَّنّ عَدَم تَعَدُّدهَا , فَلِهَذَا يَنْبَغِي الِاعْتِنَاء بِالْجَمْعِ بَيْن مُخْتَلَف الرِّوَايَات فِيهَا , وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَخْذ بِمَا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَكْثَر وَالْأَحْفَظ أَوْلَى مِمَّا خَالَفَهُمْ فِيهِ مَنْ هُوَ دُونهمْ وَلَا سِيَّمَا إِنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ , وَالْمُحَقَّق مِنْ عَدَد صَلَاته فِي تِلْكَ اللَّيْلَة إِحْدَى عَشْرَة , وَأَمَّا رِوَايَة ثَلَاث عَشْرَة فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْهَا سُنَّة الْعِشَاء , وَوَافَقَ ذَلِكَ رِوَايَة أَبِي جَمْرَة عَنْ اِبْن عَبَّاس الْآتِيَة فِي صَلَاة اللَّيْل بِلَفْظِ \" كَانَتْ صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاث عَشْرَة \" يَعْنِي بِاللَّيْلِ , وَلَمْ يُبَيِّن هَلْ سُنَّة الْفَجْر مِنْهَا أَوْ لَا , وَبَيَّنَهَا يَحْيَى بْن الْجَزَّار عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ \" كَانَ يُصَلِّي ثَمَان رَكَعَات وَيُوتِر بِثَلَاثٍ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْل صَلَاة الصُّبْح \" وَلَا يُعَكِّر عَلَى هَذَا الْجَمْع إِلَّا ظَاهِر سِيَاق الْبَاب فَيُمْكِن أَنْ يُجْمَل قَوْله \" صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ \" أَيْ قَبْل أَنْ يَنَام , وَيَكُون مِنْهَا سُنَّة الْعِشَاء. وَقَوْله \" ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ إِلَخْ \" أَيْ بَعْد أَنْ قَامَ. وَسَيَأْتِي نَحْو هَذَا الْجَمْع فِي حَدِيث عَائِشَة فِي أَبْوَاب صَلَاة اللَّيْل إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَجَمَعَ الْكَرْمَانِيُّ بَيْن مَا اِخْتَلَفَ مِنْ رِوَايَات قِصَّة اِبْن عَبَّاس هَذِهِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون بَعْض رُوَاته ذَكَرَ الْقَدْر الَّذِي اِقْتَدَى اِبْن عَبَّاس بِهِ فِيهِ وَفَصَلَهُ عَمَّا لَمْ يَقْتَدِ بِهِ فِيهِ , وَبَعْضهمْ ذَكَرَ الْجَمِيع مُجْمَلًا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ اِضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّن فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَتْ تَسْمِيَة الْمُؤَذِّن قَرِيبًا , وَسَيَأْتِي بَيَان الِاخْتِلَاف فِي الِاضْطِجَاع هَلْ كَانَ قَبْل رَكْعَتَيْ الْفَجْر أَوْ بَعْدهَا فِي أَوَائِل أَبْوَاب التَّطَوُّع. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ خَرَجَ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى الْمَسْجِد ‏ ‏( فَصَلَّى الصُّبْح ) ‏ ‏أَيْ بِالْجَمَاعَةِ , وَزَادَ سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ عَنْ كُرَيْب هُنَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الدَّعَوَات \" وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ : اللَّهُمَّ اِجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا \" الْحَدِيث. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَّل أَبْوَاب صَلَاة اللَّيْل إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ جَوَاز إِعْطَاء بَنِي هَاشِم مِنْ الصَّدَقَة , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى التَّطَوُّع , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون إِعْطَاؤُهُ الْعَبَّاس لِيَتَوَلَّى صَرْفه فِي مَصَالِح غَيْره مِمَّنْ يَحِلّ لَهُ أَخْذ ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَاز تَقَاضِي الْوَعْد وَإِنْ كَانَ مَنْ وَعَدَ بِهِ مَقْطُوعًا بِوَفَائِهِ. وَفِيهِ الْمُلَاطَفَة بِالصَّغِيرِ وَالْقَرِيب وَالضَّيْف , وَحُسْن الْمُعَاشَرَة لِلْأَهْلِ , وَالرَّدّ عَلَى مَنْ يُؤْثِر دَوَام الِانْقِبَاض. وَفِيهِ مَبِيت الصَّغِير عِنْد مَحْرَمه وَإِنْ كَانَ زَوْجهَا عِنْدهَا , وَجَوَاز الِاضْطِجَاع مَعَ الْمَرْأَة الْحَائِض , وَتَرْك الِاحْتِشَام فِي ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّغِير وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا بَلْ مُرَاهِقًا. وَفِيهِ صِحَّة صَلَاة الصَّبِيّ وَجَوَاز فَتْل أُذُنه لِتَأْنِيسِهِ وَإِيقَاظه , وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْمُتَعَلِّم إِذْ تُعُوهِدَ بِفَتْلِ أُذُنه كَانَ أَذْكَى لِفَهْمِهِ وَفِيهِ حَمْل أَفْعَاله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الِاقْتِدَاء بِهِ وَمَشْرُوعِيَّة التَّنَفُّل بَيْن الْمَغْرِب وَالْعِشَاء , وَفَضْل صَلَاة اللَّيْل وَلَا سِيَّمَا فِي النِّصْف الثَّانِي , وَالْبُدَاءَة بِالسِّوَاكِ وَاسْتِحْبَابه عِنْد كُلّ وُضُوء وَعِنْد كُلّ صَلَاة , وَتِلَاوَة آخِر آل عِمْرَان عِنْد الْقِيَام إِلَى صَلَاة اللَّيْل , وَاسْتِحْبَاب غَسْل الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ النَّوْم وَهُوَ مُحْدِث , وَلَعَلَّهُ الْمُرَاد بِالْوُضُوءِ لِلْجُنُبِ. وَفِيهِ جَوَاز الِاغْتِرَاف مِنْ الْمَاء الْقَلِيل لِأَنَّ الْإِنَاء الْمَذْكُور كَانَ قَصْعَة أَوْ صَحْفَة , وَاسْتِحْبَاب التَّقْلِيل مِنْ الْمَاء فِي التَّطْهِير مَعَ حُصُول الْإِسْبَاغ , وَجَوَاز التَّصْغِير وَالذِّكْر بِالصِّفَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَاب السَّمَر فِي الْعِلْم حَيْثُ قَالَ \" نَامَ الْغُلَيْم \" , وَبَيَان فَضْل اِبْن عَبَّاس وَقُوَّة فَهْمه وَحِرْصه عَلَى تَعَلُّم أَمْر الدِّين وَحُسْن تَأَتِّيه فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ اِتِّخَاذ مُؤَذِّن رَاتِب لِلْمَسْجِدِ , وَإِعْلَام الْمُؤَذِّن الْإِمَام بِحُضُورِ وَقْت الصَّلَاة , وَاسْتِدْعَاؤُهُ لَهَا , وَالِاسْتِعَانَة بِالْيَدِ فِي الصَّلَاة وَتَكْرَار ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي أَوَاخِر كِتَاب الصَّلَاة. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْجَمَاعَة فِي النَّافِلَة , وَالِاِئْتِمَامُ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَة , وَبَيَان مَوْقِف الْإِمَام وَالْمَأْمُوم , وَقَدْ تَقَدَّمَ كُلّ ذَلِكَ فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي كَرَاهِيَة الْقُرْآن عَلَى غَيْر وُضُوء لَيْسَتْ عَلَى الْعُمُوم فِي جَمِيع الْأَحْوَال , وَأُجِيبَ بِأَنَّ نَوْمه كَانَ لَا يَنْقُض وُضُوءَهُ فَلَا يَتِمّ الِاسْتِدْلَال بِهِ إِلَّا أَنْ يَثْبُت أَنَّهُ قَرَأَ الْآيَات بَيْن قَضَاء الْحَاجَة وَالْوُضُوء وَاَللَّه أَعْلَم. اِنْتَهَى الْكَلَام عَلَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس. وَأَمَّا طَرِيق اِبْن عُمَر الثَّانِيَة فَالْقَاسِم الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده هُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَقَوْله فِيهِ \" فَإِذَا أَرَدْت أَنْ تَنْصَرِف فَارْكَعْ رَكْعَة \" فِيهِ دَفْع لِقَوْلِ مَنْ اِدَّعَى أَنَّ الْوِتْر بِوَاحِدَةٍ مُخْتَصّ بِمَنْ خَشِيَ طُلُوع الْفَجْر لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِإِرَادَةِ الِانْصِرَاف وَهُوَ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون لِخَشْيَةِ طُلُوع الْفَجْر أَوْ غَيْر ذَلِكَ , وَقَوْله فِيهِ \" قَالَ الْقَاسِم \" هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّق. وَقَوْله فِيهِ \" مُنْذُ أَدْرَكْنَا \" أَيْ بَلَغْنَا الْحُلُم أَوْ عَقَلْنَا , وَقَوْله \" يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ وَأَنَّ كُلًّا لَوَاسِعٌ \" يَقْتَضِي أَنَّ الْقَاسِم فَهِمَ مِنْ قَوْله \" فَارْكَعْ رَكْعَة \" أَيْ مُنْفَرِدَة مُنْفَصِلَة , وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْق عِنْده بَيْن الْوَصْل وَالْفَصْل فِي الْوِتْر وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة فَقَدْ أَعَادَهُ الْمُصَنِّف إِسْنَادًا وَمَتْنًا فِي كِتَاب صَلَاة اللَّيْل , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِإِيرَادِهِ هُنَا أَنْ لَا مُعَارَضَة بَيْنه وَبَيْن حَدِيث اِبْن عَبَّاس , إِذْ ظَاهِر حَدِيث اِبْن عَبَّاس فَصْل الْوِتْر وَهَذَا مُحْتَمِل الْأَمْرَيْنِ , وَقَدْ بَيَّنَ الْقَاسِم أَنَّ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَاسِع فَشَمَلَ الْفَصْل وَالْوَصْل وَالِاقْتِصَار عَلَى وَاحِدَة وَأَكْثَر , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَوْله \" وَأَنَّ كُلًّا \" أَيْ وَأَنَّ كُلّ وَاحِدَة مِنْ الرَّكْعَة وَالثَّلَاث وَالْخَمْس وَالسَّبْع وَغَيْرهَا جَائِز , وَأَمَّا تَعْيِين الثَّلَاث مَوْصُولَة وَمَفْصُولَة فَلَمْ يَشْمَلهُ كَلَامه لِأَنَّ الْمُخَالِف مِنْ الْحَنَفِيَّة يَحْمِل كُلّ مَا وَرَدَ مِنْ الثَّلَاث عَلَى الْوَصْل , مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحَادِيث ظَاهِر فِي الْفَصْل كَحَدِيثِ عَائِشَة \" يُسَلِّم مِنْ كُلّ رَكْعَتَيْنِ \" فَإِنَّهُ يَدْخُل فِيهِ الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ قَبْل الْأَخِيرَة فَهُوَ كَالنَّصِّ فِي مَوْضِع النِّزَاع , وَحَمَلَ الطَّحَاوِيُّ هَذَا وَمِثْله عَلَى أَنَّ الرَّكْعَة مَضْمُومَة إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلهَا , وَلَمْ يَتَمَسَّك فِي دَعْوَى ذَلِكَ إِلَّا بِالنَّهْيِ عَنْ الْبُتَيْرَاء مَعَ اِحْتِمَال أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْبُتَيْرَاء أَنْ يُوتِر بِوَاحِدَةٍ فَرْدَة لَيْسَ قَبْلهَا شَيْء , وَهُوَ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون الْوَصْل أَوْ الْفَصْل , وَصَرَّحَ كَثِير مِنْهُمْ أَنَّ الْفَصْل يَقْطَعهُمَا عَنْ أَنْ يَكُونَا مِنْ جُمْلَة الْوِتْر , وَمَنْ خَالَفَهُمْ يَقُول إِنَّهُمَا مِنْهُ بِالنِّيَّةِ. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "938",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً تُوتِرُ لَكَ مَا صَلَّيْتَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْقَاسِمُ ‏ ‏وَرَأَيْنَا أُنَاسًا مُنْذُ أَدْرَكْنَا يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ وَإِنَّ كُلًّا لَوَاسِعٌ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَأْسٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "939",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ تَعْنِي بِاللَّيْلِ فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "940",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَرَأَيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ ‏ ‏الْغَدَاةِ ‏ ‏أُطِيلُ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ فَقَالَ كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ ‏ ‏الْغَدَاةِ ‏ ‏وَكَأَنَّ الْأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ قَالَ ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏أَيْ سُرْعَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَرَأَيْت ) ‏ ‏أَيْ أَخْبِرْنِي. ‏ ‏قَوْله : ( نُطِيل ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنُونِ الْجَمْع , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ أُطِيل بِالْإِفْرَادِ , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ فِي \" أُطِيل \" أَنْ يَكُون بِلَفْظِ مَجْهُول الْمَاضِي وَمَعْرُوف الْمُضَارِع , وَفِي الْأَوَّل بُعْد. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْل مَثْنَى مَثْنَى ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى فَضْل الْفَصْل لِكَوْنِهِ أَمَرَ بِذَلِكَ وَفَعَلَهُ , وَأَمَّا الْوَصْل فَوَرَدَ مِنْ فِعْله فَقَطْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُوتِر بِرَكْعَةٍ ) ‏ ‏لَمْ يُعَيِّن وَقْتهَا , وَبَيَّنَتْ عَائِشَة أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي جَمِيع أَجْزَاء اللَّيْل , وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ مَا سَيُذْكَرُ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَأَنَّ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ النُّون. ‏ ‏قَوْله : ( بِأُذُنَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ لِقُرْبِ صَلَاته مِنْ الْأَذَان , وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا الْإِقَامَة , فَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يُسْرِع بِرَكْعَتَيْ الْفَجْر إِسْرَاع مَنْ يَسْمَع إِقَامَة الصَّلَاة خَشْيَة فَوَات أَوَّل الْوَقْت , وَمُقْتَضَى ذَلِكَ تَخْفِيف الْقِرَاءَة فِيهِمَا , فَيَحْصُل بِهِ الْجَوَاب عَنْ سُؤَال أَنَس بْن سِيرِينَ عَنْ قَدْر الْقِرَاءَة فِيهِمَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَنَّ أَنَسًا قَالَ لِابْنِ عُمَر : إِنِّي لَسْت عَنْ هَذَا أَسْأَلك , قَالَ : إِنَّك لَضَخْم أَلَا تَدَعنِي أَسْتَقْرِئ لَك \" الْحَدِيث. وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا جَوَاب السَّائِل بِأَكْثَر مِمَّا سَأَلَ عَنْهُ إِذَا كَانَ مِمَّا يَحْتَاج إِلَيْهِ , وَمِنْ قَوْله \" إِنَّك لَضَخْم \" أَنَّ السَّمِين فِي الْغَالِب يَكُون قَلِيل الْفَهْم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ حَمَّاد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن زَيْد الرَّاوِي , وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( بِسُرْعَةٍ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَأَبِي الْوَقْت وَابْن شَبُّويَةَ , وَلِغَيْرِهِمْ \" سُرْعَة \" بِغَيْرِ مُوَحَّدَة , وَهُوَ تَفْسِير مِنْ الرَّاوِي لِقَوْلِهِ \" كَانَ الْأَذَان بِأُذُنَيْهِ \" وَهُوَ مُوَافِق لِمَا تَقَدَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "941",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُلَّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبِي ) ‏ ‏هُوَ حَفْص بْن غِيَاث , وَمُسْلِم هُوَ أَبُو الضُّحَى لَا اِبْن كَيْسَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( كُلّ اللَّيْل ) ‏ ‏بِنَصْبِ \" كُلّ \" عَلَى الظَّرْفِيَّة. وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأ وَالْجُمْلَة خَبَره , وَالتَّقْدِير أَوْتَرَ فِيهِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن وَثَّاب عَنْ مَسْرُوق \" مِنْ كُلّ اللَّيْل قَدْ أَوْتَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ أَوَّل اللَّيْل وَأَوْسَطه وَآخِره فَانْتَهَى وِتْره إِلَى السَّحَر \" وَالْمُرَاد بِأَوَّلِهِ بَعْد صَلَاة الْعِشَاء كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى السَّحَر ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ \" حِين مَاتَ \" وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون اِخْتِلَاف وَقْت الْوِتْر بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال , فَحَيْثُ أَوْتَرَ فِي أَوَّله لَعَلَّهُ كَانَ وَجَعًا , وَحَيْثُ أَوْتَرَ وَسَطه لَعَلَّهُ كَانَ مُسَافِرًا , وَأَمَّا وِتْره فِي آخِره فَكَأَنَّهُ كَانَ غَالِب أَحْوَاله , لِمَا عُرِفَ مِنْ مُوَاظَبَته عَلَى الصَّلَاة فِي أَكْثَر اللَّيْل وَاَللَّه أَعْلَم. وَالسَّحَر قُبَيْل الصُّبْح , وَحَكَى الّمَاوَرْدِيّ أَنَّهُ السُّدُس الْأَخِير , وَقِيلَ أَوَّله الْفَجْر الْأَوَّل , وَفِي رِوَايَة طَلْحَة بْن نَافِع عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ \" فَلَمَّا اِنْفَجَرَ الْفَجْر قَامَ فَأَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ \" قَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ الْمُرَاد بِهِ الْفَجْر الْأَوَّل , وَرَوَى أَحْمَد مِنْ حَدِيث مُعَاذ مَرْفُوعًا \" زَادَنِي رَبِّي صَلَاة وَهِيَ الْوِتْر , وَقْتهَا مِنْ الْعِشَاء إِلَى طُلُوع الْفَجْر \" وَفِي إِسْنَاده ضَعْف , وَكَذَا فِي حَدِيث خَارِجَة بْن حُذَافَة فِي السُّنَن , وَهُوَ الَّذِي اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْوِتْر , وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الْوُجُوب وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا حَدِيث بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ \" الْوِتْر حَقّ , فَمَنْ لَمْ يُوتِر فَلَيْسَ مِنَّا وَأَعَادَ ذَلِكَ ثَلَاثًا \" فَفِي سَنَده أَبُو الْمُنِيب وَفِيهِ ضَعْف , وَعَلَى تَقْدِير قَبُوله فَيَحْتَاج مَنْ اِحْتَجَّ بِهِ إِلَى أَنْ يُثْبِت أَنَّ لَفْظ \" حَقّ \" بِمَعْنَى وَاجِب فِي عُرْف الشَّارِع , وَأَنَّ لَفْظ وَاجِب بِمَعْنَى مَا ثَبَتَ مِنْ طَرِيق الْآحَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "942",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّانُ , وَهِشَام هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا رَاقِدَة مُعْتَرِضَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي سُتْرَة الْمُصَلِّي. ‏ ‏قَوْله : ( أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْت ) ‏ ‏أَيْ فَقُمْت فَتَوَضَّأْت فَأَوْتَرْت , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِسْتِحْبَاب جَعْل الْوِتْر آخِر اللَّيْل سَوَاء الْمُتَهَجِّد وَغَيْره , وَمَحَلّه إِذَا وَثِقَ أَنْ يَسْتَيْقِظ بِنَفْسِهِ أَوْ بِإِيقَاظِ غَيْره , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوب الْوِتْر لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَكَ بِهِ مَسْلَك الْوَاجِب حَيْثُ لَمْ يَدَعهَا نَائِمَة لِلْوِتْرِ وَأَبْقَاهَا لِلتَّهَجُّدِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ الْوُجُوب , نَعَمْ يَدُلّ عَلَى تَأَكُّد أَمْر الْوِتْر وَأَنَّهُ فَوْق غَيْره مِنْ النَّوَافِل اللَّيْلِيَّة , وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب إِيقَاظ النَّائِم لِإِدْرَاكِ الصَّلَاة , وَلَا يَخْتَصّ ذَلِكَ بِالْمَفْرُوضَةِ وَلَا بِخَشْيَةِ خُرُوج الْوَقْت بَلْ يُشْرَع ذَلِكَ لِإِدْرَاكِ الْجَمَاعَة وَإِدْرَاك أَوَّل الْوَقْت وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمَنْدُوبَات , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَلَا يَبْعُد أَنْ يُقَال إِنَّهُ وَاجِب فِي الْوَاجِب مَنْدُوب فِي الْمَنْدُوب , لِأَنَّ النَّائِم وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا لَكِنْ مَانِعه سَرِيع الزَّوَال , فَهُوَ كَالْغَافِلِ , وَتَنْبِيه الْغَافِل وَاجِب. ‏"
    },
    {
        "id": "943",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "944",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏بِطَرِيقِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ ثُمَّ لَحِقْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَيْنَ كُنْتَ فَقُلْتُ خَشِيتُ الصُّبْحَ فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَقُلْتُ بَلَى وَاللَّهِ قَالَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي بَكْر بْن عُمَر ) ) ‏ ‏لَا يُعْرَف اِسْمه , وَهُوَ ثِقَة لَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ غَيْر هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَا لَك فِي رَسُول اللَّه أُسْوَة ) ‏ ‏فِيهِ إِرْشَاد الْعَالِم لِرَفِيقِهِ مَا قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ السُّنَن. ‏ ‏قَوْله : ( بَلَى وَاَللَّه ) ‏ ‏فِيهِ الْحَلِف عَلَى الْأَمْر الَّذِي يُرَاد تَأْكِيده. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يُوتِر عَلَى الْبَعِير ) ‏ ‏قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : تُرْجِمَ بِالدَّابَّةِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنْ لَا فَرْق بَيْنهَا وَبَيْن الْبَعِير فِي الْحُكْم , وَالْجَامِع بَيْنهمَا أَنَّ الْفَرْض لَا يُجْزِئ عَلَى وَاحِدَة مِنْهُمَا. اِنْتَهَى. وَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه , فَسَيَأْتِي فِي أَبْوَاب تَقْصِير الصَّلَاة مِنْ طَرِيق سَالِم عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْل عَلَى دَابَّته وَهُوَ مُسَافِر \" وَرَوَى مُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ \" قَالَ حَدَّثَنَا نَافِع أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يُوتِر عَلَى دَابَّته \". قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ \" وَأَخْبَرَنِي مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يُخْبِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ \". ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏قَالَ الطَّحَاوِيُّ ذُكِرَ عَنْ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْوِتْر لَا يُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَة , وَهُوَ خِلَاف السُّنَّة الثَّابِتَة , وَاسْتَدَلَّ بَعْضهمْ بِرِوَايَةِ مُجَاهِد أَنَّهُ رَأَى اِبْن عُمَر نَزَلَ فَأَوْتَرَ , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُعَارِضٍ لِكَوْنِهِ أَوْتَرَ عَلَى الرَّاحِلَة لِأَنَّهُ لَا نِزَاع أَنَّ صَلَاته عَلَى الْأَرْض أَفْضَل , وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يُوتِر عَلَى رَاحِلَته , وَرُبَّمَا نَزَلَ فَأَوْتَرَ بِالْأَرْضِ. ‏"
    },
    {
        "id": "945",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ ‏ ‏يُومِئُ ‏ ‏إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَّا الْفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا الْفَرَائِض ) ‏ ‏أَيْ لَكِنْ الْفَرَائِض بِخِلَافِ ذَلِكَ , فَكَانَ لَا يُصَلِّيهَا عَلَى الرَّاحِلَة. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْوِتْر لَيْسَ بِفَرْضٍ , وَعَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوب الْوِتْر عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَوْقَعَهُ عَلَى الرَّاحِلَة , وَأَمَّا قَوْل بَعْضهمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ خَصَائِصه أَيْضًا أَنْ يُوقِعهُ عَلَى الرَّاحِلَة مَعَ كَوْنه وَاجِبًا عَلَيْهِ فَهِيَ دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت دَلِيل وُجُوبه عَلَيْهِ حَتَّى يَحْتَاج إِلَى تَكَلُّف هَذَا الْجَمْع , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفَرِيضَة لَا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَة , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَوِيٍّ , لِأَنَّ التَّرْك لَا يَدُلّ عَلَى الْمَنْع إِلَّا أَنْ يُقَال إِنَّ دُخُول وَقْت الْفَرِيضَة مِمَّا يَكْثُر عَلَى الْمُسَافِر فَتَرْك الصَّلَاة لَهَا عَلَى الرَّاحِلَة دَائِمًا يُشْعِر بِالْفَرْقِ بَيْنهَا وَبَيْن النَّافِلَة فِي الْجَوَاز وَعَدَمه. وَأَجَابَ مَنْ اِدَّعَى وُجُوب الْوِتْر مِنْ الْحَنَفِيَّة بِأَنَّ الْفَرْض عِنْدهمْ غَيْر الْوَاجِب , فَلَا يَلْزَم مِنْ نَفْي الْفَرْض نَفْي الْوَاجِب , وَهَذَا يَتَوَقَّف عَلَى أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يُفَرِّق بَيْن الْفَرْض وَالْوَاجِب , وَقَدْ بَالَغَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد فَادَّعَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَة اِنْفَرَدَ بِوُجُوبِ الْوِتْر وَلَمْ يُوَافِقهُ صَاحِبَاهُ , مَعَ أَنَّ اِبْن شَيْبَة أَخْرَجَ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَأَبِي عُبَيْدَة بْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَالضَّحَّاك مَا يَدُلّ عَلَى وُجُوبه عِنْدهمْ , وَعِنْده عَنْ مُجَاهِد الْوِتْر وَاجِب وَلَمْ يَثْبُت , وَنَقَلَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ عَنْ أَصْبَغَ مِنْ الْمَالِكِيَّة وَوَافَقَهُ سَحْنُون , وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْل مَالِك : مَنْ تَرَكَهُ أُدِّبَ , وَكَانَ جَرْحَة فِي شَهَادَته. ‏"
    },
    {
        "id": "946",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَ سُئِلَ ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَقَنَتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الصُّبْحِ قَالَ نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ أَوَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ قَالَ بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُئِلَ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل عَنْ أَيُّوب عِنْد مُسْلِم \" قُلْت لِأَنَسٍ \" فَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنَّهُ أَبْهَمَ نَفْسه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ أَوْ قَنَتَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِغَيْرِ وَاو , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" هَلْ قَنَتَ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَبْل الرُّكُوع ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَوْ بَعْد الرُّكُوع \". ‏ ‏قَوْله : ( بَعْد الرُّكُوع يَسِيرًا ) ‏ ‏قَدْ بَيَّنَ عَاصِم فِي رِوَايَته مِقْدَار هَذَا الْيَسِير حَيْثُ قَالَ فِيهَا \" إِنَّمَا قَنَتَ بَعْد الرُّكُوع شَهْرًا \" وَفِي صَحِيح اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَقْنُت إِلَّا إِذَا دَعَا لِقَوْمٍ أَوْ دَعَا عَلَى قَوْم \" وَكَأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَا بَعْد الرُّكُوع. بِنَاء عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَصْرِ فِي قَوْله \" إِنَّمَا قَنَتَ شَهْرًا \" أَيْ مُتَوَالِيًا. ‏"
    },
    {
        "id": "947",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ الْقُنُوتِ فَقَالَ قَدْ كَانَ الْقُنُوتُ قُلْتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَ قَبْلَهُ قَالَ فَإِنَّ فُلَانًا أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَقَالَ كَذَبَ ‏ ‏إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا أُرَاهُ كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمْ الْقُرَّاءُ ‏ ‏زُهَاءَ ‏ ‏سَبْعِينَ رَجُلًا إِلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ دُونَ أُولَئِكَ وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَهْدٌ فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد , وَعَاصِم هُوَ اِبْن سُلَيْمَان الْأَحْوَل. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ كَانَ الْقُنُوت ) ‏ ‏فِيهِ إِثْبَات مَشْرُوعِيَّته فِي الْجُمْلَة كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : فَإِنَّ فُلَانًا أَخْبَرَنِي عَنْك أَنَّك قُلْت بَعْد الرُّكُوع , فَقَالَ : كَذَبَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة هَذَا الرَّجُل صَرِيحًا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مُحَمَّد بْن سِيرِينَ بِدَلِيلِ رِوَايَته الْمُتَقَدِّمَة , فَإِنَّ مَفْهُوم قَوْله \" بَعْد الرُّكُوع يَسِيرًا \" يُحْتَمَل أَنْ يَكُون وَقَبْل الرُّكُوع كَثِيرًا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لَا قُنُوت قَبْله أَصْلًا , وَمَعْنَى قَوْله \" كَذَبَ \" أَيْ أَخْطَأَ , وَهُوَ لُغَة أَهْل الْحِجَاز , يُطْلِقُونَ الْكَذِب عَلَى مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ الْعَمْد وَالْخَطَأ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَرَادَ بِقَوْلِهِ \" كَذَبَ \" أَيْ إِنْ كَانَ حَكَى أَنَّ الْقُنُوت دَائِمًا بَعْد الرُّكُوع , وَهَذَا يُرَجِّح الِاحْتِمَال الْأَوَّل , وَيُبَيِّنهُ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْقُنُوت فَقَالَ \" قَبْل الرُّكُوع وَبَعْده \" إِسْنَاده قَوِيّ , وَرَوَى اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" أَنَّ بَعْض أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتُوا فِي صَلَاة الْفَجْر قَبْل الرُّكُوع وَبَعْضهمْ بَعْد الرُّكُوع \" وَرَوَى مُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" أَنَّ أَوَّل مَنْ جَعَلَ الْقُنُوت قَبْل الرُّكُوع - أَيْ دَائِمًا - عُثْمَان , لِكَيْ يُدْرِك النَّاس الرَّكْعَة \" وَقَدْ وَافَقَ عَاصِمًا عَلَى رِوَايَته هَذِهِ عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب عَنْ أَنَس كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ \" سَأَلَ رَجُل أَنَسًا عَنْ الْقُنُوت بَعْد الرُّكُوع أَوْ عِنْد الْفَرَاغ مِنْ الْقِرَاءَة ؟ قَالَ : لَا بَلْ عِنْد الْفَرَاغ مِنْ الْقِرَاءَة \" وَمَجْمُوع مَا جَاءَ عَنْ أَنَس مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقُنُوت لِلْحَاجَةِ بَعْد الرُّكُوع لَا خِلَاف عَنْهُ فِي ذَلِكَ , وَأَمَّا لِغَيْرِ الْحَاجَة فَالصَّحِيح عَنْهُ أَنَّهُ قَبْل الرُّكُوع , وَقَدْ اِخْتَلَفَ عَمَل الصَّحَابَة فِي ذَلِكَ وَالظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ الِاخْتِلَاف الْمُبَاح. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَال لَهُمْ الْقُرَّاء ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْمَغَازِي , وَكَذَا عَلَى رِوَايَة أَبِي مِجْلَز , وَالتَّيْمِيّ الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ سُلَيْمَان وَهُوَ يَرْوِي عَنْ أَنَس نَفْسه , وَيُرْوَى عَنْهُ أَيْضًا بِوَاسِطَةٍ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "948",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مِجْلَزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَنَتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَهْرًا يَدْعُو عَلَى ‏ ‏رِعْلٍ ‏ ‏وَذَكْوَانَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "949",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُلَيَّة , وَخَالِد هُوَ الْحَذَّاء. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ الْقُنُوت فِي الْمَغْرِب وَالْفَجْر ) ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيه إِيرَاد هَذِهِ الرِّوَايَة فِي أَوَّل هَذَا الْبَاب , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى بَعْضهَا فِي أَثْنَاء صِفَة الصَّلَاة. وَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث الْبَرَاء نَحْو حَدِيث أَنَس هَذَا , وَتَمَسَّكَ بِهِ الطَّحَاوِيُّ فِي تَرْك الْقُنُوت فِي الصُّبْح قَالَ : لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى نَسْخه فِي الْمَغْرِب , فَيَكُون فِي الصُّبْح كَذَلِكَ. اِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَقَدْ عَارَضَهُ بَعْضهمْ فَقَالَ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ فِي الصُّبْح , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا هَلْ تَرَكَ , فَيُتَمَسَّك بِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ حَتَّى يَثْبُت مَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ ؟ وَظَهَرَ لِي أَنَّ الْحِكْمَة فِي جَعْل الْقُنُوت النَّازِلَة فِي الِاعْتِدَال دُون السُّجُود مَعَ أَنَّ السُّجُود مَظِنَّة الْإِجَابَة كَمَا ثَبَتَ \" أَقْرَب مَا يَكُون الْعَبْد مِنْ رَبّه وَهُوَ سَاجِد \" وَثُبُوت الْأَمْر بِالدُّعَاءِ فِيهِ أَنَّ الْمَطْلُوب مِنْ قُنُوت النَّازِلَة أَنْ يُشَارِك الْمَأْمُوم الْإِمَام فِي الدُّعَاء وَلَوْ بِالتَّأْمِينِ , وَمِنْ ثَمَّ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُجْهَر بِهِ , بِخِلَافِ الْقُنُوت فِي الصُّبْح فَاخْتُلِفَ فِي مَحَلّه وَفِي الْجَهْر بِهِ. ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : ‏ ‏ذَكَرَ اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّ الْقُنُوت وَرَدَ لِعَشْرَةِ مَعَانٍ , فَنَظَمَهَا شَيْخنَا الْحَافِظ زَيْن الدِّين الْعِرَاقِيّ فِيمَا أَنْشَدَنَا لِنَفْسِهِ إِجَازَة غَيْر مَرَّة : ‏ ‏وَلَفْظ الْقُنُوت اُعْدُدْ مَعَانِيه تَجِد ‏ ‏مَزِيدًا عَلَى عَشْر مَعَانِي مَرْضِيّه ‏ ‏دُعَاء خُشُوع وَالْعِبَادَة طَاعَة ‏ ‏إِقَامَتهَا إِقْرَاره بِالْعُبُودِيَّه ‏ ‏سُكُوت صَلَاة وَالْقِيَام وَطُوله ‏ ‏كَذَاك دَوَام طَاعَة الرَّابِح الْقُنْيه ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَتْ أَبْوَاب الْوِتْر مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى خَمْسَة عَشَر حَدِيثًا , مِنْهَا وَاحِد مُعَلَّق , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَة أَحَادِيث , وَالْخَالِص سَبْعَة وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا , وَفِيهِ مِنْ الْآثَار ثَلَاثَة مَوْصُولَة , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "950",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْتَسْقِي وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم قَاضِي الْمَدِينَة , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب تَحْوِيل الرِّدَاء \" التَّصْرِيح بِسَمَاعِ عَبْد اللَّه لَهُ مِنْ عَبَّاد. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمّه ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن عَاصِم , كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْبَاب الْمَذْكُور وَسِيَاقه أَتَمّ. ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى الْمُصَلَّى كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيح بِهِ أَيْضًا فِيهِ , وَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ عَلَى كَيْفِيَّة تَحْوِيل الرِّدَاء وَزَادَ فِيهِ \" وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ \". وَقَدْ اِتَّفَقَ فُقَهَاء الْأَمْصَار عَلَى مَشْرُوعِيَّة صَلَاة الِاسْتِسْقَاء وَأَنَّهَا رَكْعَتَانِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة أَنَّهُ قَالَ : يَبْرُزُونَ لِلدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّع , وَإِنْ خَطَبَ لَهُمْ فَحَسَن. وَلَمْ يَعْرِف الصَّلَاة , هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَنْهُ. وَنَقَلَ أَبُو بَكْر الرَّازِيُّ عَنْهُ التَّخْيِير بَيْن الْفِعْل وَالتَّرْك , وَحَكَى اِبْن عَبْد الْبَرّ الْإِجْمَاع عَلَى اِسْتِحْبَاب الْخُرُوج إِلَى الِاسْتِسْقَاء , وَالْبُرُوز إِلَى ظَاهِر الْمِصْر , لَكِنْ حَكَى الْقُرْطُبِيّ عَنْ أَبِي حَنِيفَة أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبّ الْخُرُوج , وَكَأَنَّهُ اُشْتُبِهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ فِي الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "951",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ ‏ ‏عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ ‏ ‏الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ ‏ ‏كَسِنِي ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏وَأَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غِفَارُ ‏ ‏غَفَرَ اللَّهُ لَهَا ‏ ‏وَأَسْلَمُ ‏ ‏سَالَمَهَا اللَّهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏هَذَا كُلُّهُ فِي الصُّبْحِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ الْحِزَامِيّ بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي لَا الْمَخْزُومِيّ , وَهُمَا مَدَنِيَّانِ مِنْ طَبَقَة وَاحِدَة لَكِنْ الْحِزَامِيّ مَعْرُوف بِالرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي الزِّنَاد دُون الْمَخْزُومِيّ , وَقَدْ بَيَّنَهُ اِبْن مَعِين وَالنَّسَائِيُّ , لَكِنَّهُ لَمْ يَنْفَرِد بِهَذَا الْحَدِيث فَسَيَأْتِي فِي الْجِهَاد مِنْ رِوَايَة الثَّوْرِيّ , وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مِنْ رِوَايَة شُعَيْب , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة كُلّهمْ عَنْ أَبِي الزِّنَاد. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ اِجْعَلْهَا سِنِينَ ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة فِي \" بَاب يَهْوِي بِالتَّكْبِيرِ مِنْ صِفَة الصَّلَاة \" : \" اللَّهُمَّ اِجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ \" وَالضَّمِير فِي قَوْله \" اِجْعَلْهَا \" يَعُود عَلَى الْمُدَّة الَّتِي تَقَع فِيهَا الشِّدَّة الْمُعَبَّر عَنْهَا بِالْوَطْأَةِ , وَزَادَ بَعْد قَوْله فِيهَا كَسِنِي يُوسُف \" وَأَهْل الْمَشْرِق يَوْمئِذٍ مِنْ مُضَر مُخَالِفُونَ لَهُ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِير آل عِمْرَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : غِفَار غَفَرَ اللَّه لَهَا إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا حَدِيث آخَر , وَهُوَ عِنْد الْمُصَنِّف بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ هَكَذَا فَأَوْرَدَهُ كَمَا سَمِعَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ قُتَيْبَة كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لَهُ تَعَلُّق بِالتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّ الدُّعَاء عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِالْقَحْطِ يَنْبَغِي أَنْ يُخَصّ بِمَنْ كَانَ مُحَارِبًا دُون مَنْ كَانَ مُسَالِمًا. ‏ ‏قَوْله : ( غِفَار غَفَرَ اللَّه لَهَا ) ‏ ‏فِيهِ الدُّعَاء بِمَا يُشْتَقّ مِنْ الِاسْم كَأَنْ يَقُول لِأَحْمَد : أَحْمَد اللَّه عَاقِبَتك , وَلِعَلِيٍّ : أَعْلَاك اللَّه. وَهُوَ مِنْ جِنَاس الِاشْتِقَاق , وَلَا يَخْتَصّ بِالدُّعَاءِ بَلْ يَأْتِي مِثْله فِي الْخَبَر , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( وَأَسْلَمْت مَعَ سُلَيْمَان ) وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي حَدِيث \" عَصِيَّة عَصَتْ اللَّه وَرَسُوله \" وَإِنَّمَا اِخْتَصَّتْ الْقَبِيلَتَانِ بِهَذَا الدُّعَاء لِأَنَّ غِفَارًا أَسْلَمُوا قَدِيمًا , وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي أَوَائِل الْمَنَاقِب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ أَبِيهِ : هَذَا كُلّه فِي الصُّبْح ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الزِّنَاد رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَاد , فَبَيَّنَ أَنَّ الدُّعَاء الْمَذْكُور كَانَ فِي الصُّبْح , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض بَيَان الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ فِي أَثْنَاء صِفَة الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "952",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ كُنَّا عِنْدَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا رَأَى مِنْ النَّاسِ إِدْبَارًا قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَالْجِيَفَ وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنْ الْجُوعِ فَأَتَاهُ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ‏} ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ { ‏إِنَّكُمْ عَائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ‏} ‏فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَقَدْ مَضَتْ الدُّخَانُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَآيَةُ ‏ ‏الرُّومِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا عِنْد عَبْد اللَّه ) ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن مَسْعُود , وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير الدُّخَان سَبَب تَحْدِيث عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود بِهَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا رَأَى مِنْ النَّاس إِدْبَارًا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْإِسْلَام , وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير الدُّخَان أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَئُوا عَنْ الْإِسْلَام. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذَتْهُمْ سَنَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا نُون خَفِيفَة أَيْ أَصَابَهُمْ الْقَحْط , وَقَوْله \" حَصَتْ \" بِفَتْحِ الْحَاء وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ اِسْتَأْصَلَتْ النَّبَات حَتَّى خَلَتْ الْأَرْض مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَكَلْنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالْحَمَوِيِّ \" حَتَّى أَكَلُوا \" وَهُوَ الْوَجْه , وَكَذَا قَوْله \" يَنْظُر أَحَدكُمْ \" عِنْد الْأَكْثَر \" يَنْظُر أَحَدهمْ \" وَهُوَ الصَّوَاب. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ بَعْد تِسْعَة أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "953",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو قُتَيْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ ‏ ‏أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ‏ ‏ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْتَسْقِي فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى ‏ ‏يَجِيشَ ‏ ‏كُلُّ ‏ ‏مِيزَابٍ ‏ ‏وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ‏ ‏ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ ‏ ‏وَهُوَ قَوْلُ ‏ ‏أَبِي طَالِبٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَتَمَثَّل ) ‏ ‏أَيْ يَنْشُد شِعْر غَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبْيَض ) ‏ ‏بِفَتْحِ الضَّاد وَهُوَ مَجْرُور بِرَبِّ مُقَدَّرَة أَوْ مَنْصُوب بِإِضْمَارِ أَعْنِي أَوْ أَخُصّ , وَالرَّاجِح أَنَّهُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى قَوْله \" سَيِّدًا \" فِي الْبَيْت الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله : ( ثِمَال ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم هُوَ الْعِمَاد وَالْمَلْجَأ وَالْمُطْعِم وَالْمُغِيث وَالْمُعِين وَالْكَافِي , قَدْ أُطْلِقَ عَلَى كُلّ مِنْ ذَلِكَ. وَقَوْله \" عِصْمَة لِلْأَرَامِلِ \" أَيْ يَمْنَعهُمْ مِمَّا يَضُرّهُمْ , وَالْأَرَامِل جَمْع أَرْمَلَة وَهِيَ الْفَقِيرَة الَّتِي لَا زَوْج لَهَا , وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الرَّجُل أَيْضًا مَجَازًا , وَمِنْ ثُمَّ لَوْ أَوْصَى لِلْأَرَامِلِ خُصَّ النِّسَاء دُون الرِّجَال. وَهَذَا الْبَيْت مِنْ أَبْيَات فِي قَصِيدَة لِأَبِي طَالِب ذَكَرَهَا اِبْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة بِطُولِهَا , وَهِيَ أَكْثَر مِنْ ثَمَانِينَ بَيْتًا , قَالَهَا لَمَّا تَمَالَأَتْ قُرَيْش عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَفَّرُوا عَنْهُ مَنْ يُرِيد الْإِسْلَام , أَوَّلهَا : ‏ ‏وَلَمَّا رَأَيْت الْقَوْم لَا وُدّ فِيهِمُ ‏ ‏وَقَدْ قَطَعُوا كُلّ الْعُرَى وَالْوَسَائِل ‏ ‏وَقَدْ جَاهَرُونَا بِالْعَدَاوَةِ وَالْأَذَى ‏ ‏وَقَدْ طَاوَعُوا أَمْر الْعَدُوّ الْمُزَايِل ‏ ‏يَقُول فِيهَا : ‏ ‏أَعَبْد مَنَافٍ أَنْتُمُ خَيْر قَوْمكُم ‏ ‏فَلَا تُشْرِكُوا فِي أَمْركُمْ كُلّ وَاغِل ‏ ‏فَقَدْ خِفْت إِنْ لَمْ يُصْلِح اللَّه أَمْركُمْ ‏ ‏تَكُونُوا كَمَا كَانَتْ أَحَادِيث وَائِل ‏ ‏يَقُول فِيهَا : ‏ ‏أَعُوذ بِرَبِّ النَّاس مِنْ كُلّ طَاعِن ‏ ‏عَلَيْنَا بِسُوءٍ أَوْ مُلِحّ بِبَاطِلِ ‏ ‏وَثَوْر وَمَنْ أَرْسَى ثُبَيْرًا مَكَانه ‏ ‏وَرَاقٍ لِبِرٍّ فِي حِرَاء وَنَازِل ‏ ‏وَبِالْبَيْتِ حَقّ الْبَيْت مِنْ بَطْن مَكَّة ‏ ‏وَبِاَللَّهِ إِنَّ اللَّه لَيْسَ بِغَافِلِ ‏ ‏يَقُول فِيهَا : ‏ ‏كَذَبْتُمْ وَبَيْت اللَّه نَبْزِي مُحَمَّدًا ‏ ‏وَلَمَّا أُطَاعِن حَوْله وَنُنَاضِل ‏ ‏وَنُسْلِمهُ حَتَّى نُصَرَّع حَوْله ‏ ‏وَنُذْهَل عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِل ‏ ‏يَقُول فِيهَا : ‏ ‏وَمَا تَرْكُ قَوْم لَا أَبَا لِك سَيِّدًا ‏ ‏يَحُوط الذِّمَار بَيْن بَكْر بْن وَائِل ‏ ‏وَأَبْيَض يُسْتَسْقَى الْغَمَام بِوَجْهِهِ ‏ ‏ثِمَال الْيَتَامَى عِصْمَة لِلْأَرَامِلِ ‏ ‏يَلُوذ بِهِ الْهُلَّاك مِنْ آل هَاشِم ‏ ‏فَهُمْ عِنْده فِي نِعْمَة وَفَوَاضِل ‏ ‏قَالَ السُّهَيْلِيّ : فَإِنْ قِيلَ كَيْف قَالَ أَبُو طَالِب \" يُسْتَسْقَى الْغَمَام بِوَجْهِهِ \" وَلَمْ يَرَهُ قَطّ اِسْتَسْقَى , إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْد الْهِجْرَة ! وَأَجَابَ بِمَا حَاصِله : أَنَّ أَبَا طَالِب أَشَارَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي زَمَن عَبْد الْمُطَّلِب حَيْثُ اِسْتَسْقَى لِقُرَيْشٍ وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ غُلَام. اِنْتَهَى. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَبُو طَالِب مَدَحَهُ بِذَلِكَ لَمَّا رَأَى مِنْ مَخَايِل ذَلِكَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُشَاهِد وُقُوعه , وَسَيَأْتِي فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث اِبْن مَسْعُود مَا يُشْعِر بِأَنَّ سُؤَال أَبِي سُفْيَان لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاء وَقَعَ بِمَكَّة. وَذَكَرَ اِبْن التِّين أَنَّ فِي شِعْر أَبِي طَالِب هَذَا دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْرِف نُبُوَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يُبْعَث لَمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ بَحِيرًا أَوْ غَيْره مِنْ شَأْنه , وَفِيهِ نَظَر لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ إِنْشَاء أَبِي طَالِب لِهَذَا الشِّعْر كَانَ بَعْد الْمَبْعَث , وَمَعْرِفَة أَبِي طَالِب بِنُبُوَّةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَتْ فِي كَثِير مِنْ الْأَخْبَار , وَتَمَسَّكَ بِهَا الشِّيعَة فِي أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا. وَرَأَيْت لِعَلِيِّ بْن حَمْزَة الْبَصْرِيّ جُزْءًا جَمَعَ فِيهِ شِعْر أَبِي طَالِب وَزَعَمَ فِي أَوَّله أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا وَأَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَام وَأَنَّ الْحَشَوِيَّة تَزْعُم أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْكُفْر وَأَنَّهُمْ لِذَلِكَ يَسْتَجِيزُون لَعْنه , ثُمَّ بَالَغَ فِي سَبّهمْ وَالرَّدّ عَلَيْهِمْ , وَاسْتَدَلَّ لِدَعْوَاهُ بِمَا لَا دَلَالَة فِيهِ. وَقَدْ بَيَّنْت فَسَاد ذَلِكَ كُلّه فِي تَرْجَمَة أَبِي طَالِب مِنْ كِتَاب الْإِصَابَة , وَسَيَأْتِي بَعْضه فِي تَرْجَمَة أَبِي طَالِب مِنْ كِتَاب مَبْعَث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عُمَر بْن حَمْزَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَسَالِم شَيْخه هُوَ عَمّه , وَعُمْر مُخْتَلَف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ وَكَذَلِكَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن دِينَار الْمَذْكُور فِي الطَّرِيق الْمَوْصُولَة , فَاعْتَضَدَتْ إِحْدَى الطَّرِيقَيْنِ بِالْأُخْرَى , وَهُوَ مِنْ أَمْثِلَة أَحَد قِسْمَيْ الصَّحِيح كَمَا تَقَرَّرَ فِي عُلُوم الْحَدِيث , وَطَرِيق عُمَر الْمُعَلَّقَة وَصَلَهَا أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي عَقِيل عَبْد اللَّه بْن عَقِيل الثَّقَفِيّ عَنْهُ , وَعَقِيل فِيهِمَا بِفَتْحِ الْعَيْن. ‏ ‏قَوْله : ( يَسْتَسْقِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله زَادَ اِبْن مَاجَهْ فِي رِوَايَته \" عَلَى الْمِنْبَر \" وَفِي رِوَايَته أَيْضًا \" فِي الْمَدِينَة \". ‏ ‏قَوْله : ( يَجِيش ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الْجِيم وَآخِره مُعْجَمَة يُقَال : جَاشَ الْوَادِي إِذَا زَخَرَ بِالْمَاءِ , وَجَاشَتْ الْقِدْر إِذَا غَلَتْ , وَجَاشَ الشَّيْء إِذَا تَحَرَّكَ. وَهُوَ كِنَايَة عَنْ كَثْرَة الْمَطَر. ‏ ‏قَوْله : ( كُلّ مِيزَاب ) ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَبِالزَّايِ مَعْرُوف , وَهُوَ مَا يَسِيل مِنْهُ الْمَاء مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيِّ \" حَتَّى يَجِيش لَك \" بِتَقْدِيمِ اللَّام عَلَى الْكَاف وَهُوَ تَصْحِيف. ‏"
    },
    {
        "id": "954",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى ‏ ‏بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏فَقَالَ اللَّهُمَّ ‏ ‏إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا قَالَ فَيُسْقَوْنَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الزَّعْفَرَانِيّ وَالْأَنْصَارِيّ شَيْخه يَرْوِي عَنْهُ الْبُخَارِيّ كَثِيرًا وَرُبَّمَا أَدْخَلَ بَيْنهمَا وَاسِطَة كَهَذَا الْمَوْضِع , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ الْأَنْصَارِيّ نَفْسه. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب كَانَ إِذَا قُحِطُوا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَاف وَكَسْر الْمُهْمَلَة أَيْ أَصَابَهُمْ الْقَحْط , وَقَدْ بَيَّنَ الزُّبَيْر بْن بَكَّار فِي الْأَنْسَاب صِفَة مَا دَعَا بِهِ الْعَبَّاس فِي هَذِهِ الْوَاقِعَة وَالْوَقْت الَّذِي وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ , فَأَخْرَجَ بِإِسْنَادٍ لَهُ أَنَّ الْعَبَّاس لَمَّا اِسْتَسْقَى بِهِ عُمَر قَالَ \" اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَنْزِل بَلَاء إِلَّا بِذَنْبٍ , وَلَمْ يُكْشَف إِلَّا بِتَوْبَةٍ , وَقَدْ تَوَجَّهَ الْقَوْم بِي إِلَيْك لِمَكَانِي مِنْ نَبِيّك , وَهَذِهِ أَيْدِينَا إِلَيْك بِالذُّنُوبِ وَنَوَاصِينَا إِلَيْك بِالتَّوْبَةِ فَاسْقِنَا الْغَيْث. فَأَرْخَتْ السَّمَاء مِثْل الْجِبَال حَتَّى أَخْصَبَتْ الْأَرْض , وَعَاشَ النَّاس \" وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق دَاوُدَ عَنْ عَطَاء عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" اِسْتَسْقَى عُمَر بْن الْخَطَّاب عَام الرَّمَادَة بِالْعَبَّاسِ بْن عَبْد الْمُطَّلِب \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَخَطَبَ النَّاس عُمَر فَقَالَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرَى لِلْعَبَّاسِ مَا يَرَى الْوَلَد لِلْوَالِدِ , فَاقْتَدُوا أَيّهَا النَّاس بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَمّه الْعَبَّاس وَاتَّخِذُوهُ وَسِيلَة إِلَى اللَّه \" وَفِيهِ \" فَمَا بَرِحُوا حَتَّى سَقَاهُمْ اللَّه \" وَأَخْرَجَهُ الْبَلَاذُرِيّ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن سَعْد عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ فَقَالَ \" عَنْ أَبِيهِ \" بَدَل اِبْن عُمَر , فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لِزَيْدٍ فِيهِ شَيْخَانِ , وَذَكَرَ اِبْن سَعْد وَغَيْره أَنَّ عَام الرَّمَادَة كَانَ سَنَة ثَمَان عَشْرَة , وَكَانَ اِبْتِدَاؤُهُ مَصْدَر الْحَاجّ مِنْهَا وَدَامَ تِسْعَة أَشْهُر , وَالرَّمَادَة بِفَتْحِ الرَّاء وَتَخْفِيف الْمِيم , سُمِّيَ الْعَام بِهَا لِمَا حَصَلَ مِنْ شِدَّة الْجَدْب فَاغْبَرَّتْ الْأَرْض جِدًّا مِنْ عَدَم الْمَطَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ رَفْع حَدِيث أَنَس الْمَذْكُور فِي قِصَّة عُمَر وَالْعَبَّاس , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. وَيُسْتَفَاد مِنْ قِصَّة الْعَبَّاس اِسْتِحْبَاب الِاسْتِشْفَاع بِأَهْلِ الْخَيْر وَالصَّلَاح وَأَهْل بَيْت النُّبُوَّة , وَفِيهِ فَضْل الْعَبَّاس وَفَضْل عُمَر لِتَوَاضُعِهِ لِلْعَبَّاسِ وَمَعْرِفَته بِحَقِّهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "955",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَسْقَى فَقَلَبَ رِدَاءَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم , وَهُوَ أَخُو عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر الْمَذْكُور فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة مِنْ هَذَا الْبَاب , وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ عَبَّاد أَبُوهُمَا أَبُو بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو كَمَا سَيَأْتِي بَعْد خَمْسَة عَشَر بَابًا. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَسْقَى فَقَلَبَ رِدَاءَهُ ) ‏ ‏ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ طُول رِدَائِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ سِتَّة أَذْرُع فِي ثَلَاثَة أَذْرُع وَطُول إِزَاره أَرْبَعَة أَذْرُع وَشِبْرَيْنِ فِي ذِرَاعَيْنِ وَشِبْر , كَانَ يَلْبَسهُمَا فِي الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ. وَوَقَعَ فِي \" شَرْح الْأَحْكَام لِابْنِ بَزِيزَةَ \" ذَرْع الرِّدَاء كَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ فِي فَرْع الْإِزَار , وَالْأَوَّل أَوْلَى. قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : تُرْجِمَ بِلَفْظِ التَّحْوِيل , وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي الطَّرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ سَاقَهُمَا لَفْظ الْقَلْب , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِد. اِنْتَهَى. وَلَمْ تَتَّفِق الرُّوَاة فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة عَلَى لَفْظ الْقَلْب , فَإِنَّ رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" حَوَّلَ \" وَكَذَا هُوَ فِي أَوَّل حَدِيث فِي الِاسْتِسْقَاء , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر , وَقَدْ وَقَعَ بَيَان الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ فِي \" بَاب الِاسْتِسْقَاء بِالْمُصَلَّى \" فِي زِيَادَة سُفْيَان عَنْ الْمَسْعُودِيّ عَنْ أَبِي بَكْر اِبْن مُحَمَّد , وَلَفْظه \" قَلَبَ رِدَاءَهُ جَعَلَ الْيَمِين عَلَى الشِّمَال \" وَزَادَ فِيهِ اِبْن مَاجَهْ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَالشِّمَال عَلَى الْيَمِين \" وَالْمَسْعُودِيّ لَيْسَ مِنْ شَرْط الْكِتَاب وَإِنَّمَا ذَكَرَ زِيَادَته اِسْتِطْرَادًا , وَسَيَأْتِي بَيَان كَوْن زِيَادَته مَوْصُولَة أَوْ مُعَلَّقَة فِي الْبَاب الْمَذْكُور إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَلَهُ شَاهِد أَخَرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّاد بِلَفْظِ \" فَجَعَلَ عِطَافه الْأَيْمَن عَلَى عَاتِقه الْأَيْسَر , وَعِطَافه الْأَيْسَر عَلَى عَاتِقه الْأَيْمَن \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق عُمَارَة بْن غَزِيَّةَ عَنْ عَبَّاد \" اِسْتَسْقَى وَعَلَيْهِ خَمِيصَة سَوْدَاء , فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلهُ أَعْلَاهَا , فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقه \" وَقَدْ اِسْتَحَبَّ الشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد فِعْل مَا هَمَّ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَنْكِيس الرِّدَاء مَعَ التَّحْوِيل الْمَوْصُوف , وَزَعَمَ الْقُرْطُبِيّ كَغَيْرِهِ أَنَّ الشَّافِعِيّ اِخْتَارَ فِي الْجَدِيد تَنْكِيس الرِّدَاء لَا تَحْوِيله , وَاَلَّذِي فِي \" الْأُمّ \" مَا ذَكَرْته. وَالْجُمْهُور عَلَى اِسْتِحْبَاب التَّحْوِيل فَقَطْ , وَلَا رَيْب أَنَّ الَّذِي اِسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيّ أَحْوَط. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة وَبَعْض الْمَالِكِيَّة لَا يُسْتَحَبّ شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَاسْتَحَبَّ الْجُمْهُور أَيْضًا أَنْ يُحَوِّل النَّاس بِتَحْوِيلِ الْإِمَام , وَيَشْهَد لَهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عَبَّاد فِي هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ \" وَحَوَّلَ النَّاس مَعَهُ \" وَقَالَ اللَّيْث وَأَبُو يُوسُف : يُحَوِّل الْإِمَام وَحْده. وَاسْتَثْنَى اِبْن الْمَاجِشُونِ النِّسَاء فَقَالَ : لَا يُسْتَحَبّ فِي حَقّهنَّ. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِر قَوْله \" فَقَلَبَ رِدَاءَهُ \" أَنَّ التَّحْوِيل وَقَعَ بَعْد فَرَاغ الِاسْتِسْقَاء , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ الْمَعْنَى فَقَلَبَ رِدَاءَهُ فِي أَثْنَاء الِاسْتِسْقَاء. وَقَدْ بَيَّنَهُ مَالِك فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة وَلَفْظه \" حَوَّلَ رِدَاءَهُ حِين اِسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد \" وَإِنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُو اِسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ \" وَأَصْله لِلْمُصَنِّفِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب , وَلَهُ مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّاد \" فَقَامَ فَدَعَا اللَّه قَائِمًا , ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَل الْقِبْلَة وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ \" , فَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّحْوِيل وَقَعَ فِي أَثْنَاء الْخُطْبَة عِنْد إِرَادَة الدُّعَاء. وَاخْتُلِفَ فِي حِكْمَة هَذَا التَّحْوِيل : فَجَزَمَ الْمُهَلَّب بِأَنَّهُ لِلتَّفَاؤُلِ بِتَحْوِيلِ الْحَال عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ بِأَنَّ مِنْ شَرْط الْفَأْل أَنْ لَا يُقْصَد إِلَيْهِ. قَالَ : وَإِنَّمَا التَّحْوِيل أَمَارَة بَيْنه وَبَيْن رَبّه , قِيلَ لَهُ حَوِّلْ رِدَاءَك لِيَتَحَوَّل حَالك. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي جَزَمَ بِهِ يَحْتَاج إِلَى نَقْل , وَاَلَّذِي رَدَّهُ وَرَدَ فِيهِ حَدِيث رِجَاله ثِقَات أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِر , وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِرْسَاله. وَعَلَى كُلّ حَال فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْقَوْل بِالظَّنِّ. وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّمَا حَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَكُونَ أَثْبَتَ عَلَى عَاتِقه عِنْد رَفْع يَدَيْهِ فِي الدُّعَاء فَلَا يَكُون سُنَّة فِي كُلّ حَال. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّحْوِيل مِنْ جِهَة إِلَى جِهَة لَا يَقْتَضِي الثُّبُوت عَلَى الْعَاتِق , فَالْحَمْل عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّل أَوْلَى , فَإِنَّ الِاتِّبَاع أَوْلَى مِنْ تَرْكه لِمُجَرَّدِ اِحْتِمَال الْخُصُوص , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "956",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏أَبَاهُ عَنْ عَمِّهِ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏يَقُولُ هُوَ صَاحِبُ الْأَذَانِ وَلَكِنَّهُ وَهْمٌ لِأَنَّ هَذَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيُّ ‏ ‏مَازِنُ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏أَيْ قَالَ قَالَ , وَيَجُوز أَنْ يَكُون اِبْن عُيَيْنَةَ حَذَفَ الصِّيغَة مَرَّة , وَجَرَتْ عَادَتهمْ بِحَذْفِ إِحْدَاهُمَا مِنْ الْخَطّ , وَفِي حَذْفهَا مِنْ اللَّفْظ بَحْث. وَوَقَعَ عِنْد الْحَمَوِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ بِلَفْظِ \" عَنْ عَبْد اللَّه \" وَصَرَّحَ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَته بِتَحْدِيثِ عَبْد اللَّه بِهِ لِابْنِ عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّاد بْن تَمِيم يُحَدِّث أَبَاهُ ) ) ‏ ‏الضَّمِير فِي قَوْله \" أَبَاهُ \" يَعُود عَلَى عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر لَا عَلَى عَبَّاد , وَضَبَطَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَرَاء بَدَل الْمُوَحَّدَة , أَيْ أَظُنّهُ. وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات الَّتِي اِتَّصَلَتْ لَنَا. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الرَّاوِي لَمْ يَجْزِم بِأَنَّ رِوَايَة عَبَّاد لَهُ عَنْ عَمّه. وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ مِنْ اِبْن مَاجَهْ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر عَنْ عَبَّاد بْن تَمِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن زَيْد , وَقَوْله \" عَنْ أَبِيهِ \" زِيَادَة وَهِيَ وَهْم , وَالصَّوَاب مَا وَقَعَ فِي النُّسَخ الْمُعْتَمَدَة مِنْ اِبْن مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّد بْن الصَّبَاح , وَكَذَا لِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ عَبْد الْجَبَّار بْن الْعَلَاء كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَان قَالَ \" حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيّ وَيَحْيَى هُوَ اِبْن سَعِيد عَنْ أَبِي بَكْر أَيْ اِبْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم , قَالَ سُفْيَان فَقُلْت لِعَبْدِ اللَّه - أَيْ اِبْن أَبِي بَكْر - حَدِيث حَدَّثَنَاهُ يَحْيَى وَالْمَسْعُودِيّ عَنْ أَبِيك عَنْ عَبَّاد بْن تَمِيم , فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر : \" سَمِعْته أَنَا مِنْ عَبَّاد يُحَدِّث أَبِي عَنْ عَبْد اللَّه بْن زَيْد اِبْن أَبِي بَكْر \" فَذَكَرَ الْحَدِيث 0 ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ الْمَذْكُورَة \" فَخَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي \" , وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ طُرُق حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد عَلَى سَبَب ذَلِكَ وَلَا صِفَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَال الذَّهَاب إِلَى الْمُصَلَّى وَعَلَى وَقْت ذَهَابه , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَابْن حِبَّان قَالَتْ \" شَكَا النَّاس إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَحْط الْمَطَر , فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ بِالْمُصَلَّى , وَوَعَدَ النَّاس يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ , فَخَرَجَ حِين بَدَا حَاجِب الشَّمْس فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَر \" الْحَدِيث. وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد أَحْمَد وَأَصْحَاب السُّنَن \" خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى فَرَقَى الْمِنْبَر \" وَفِي حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء عِنْد الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيِّ \" قَحَطَ الْمَطَر , فَسَأَلْنَا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَسْقِي لَنَا , فَغَدَا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْحَدِيث. وَقَدْ حَكَى اِبْن الْمُنْذِر الِاخْتِلَاف فِي وَقْتهَا , وَالرَّاجِح أَنَّهُ لَا وَقْت لَهَا مُعَيَّن , وَإِنْ كَانَ أَكْثَر أَحْكَامهَا كَالْعِيدِ , لَكِنَّهَا تُخَالِفهُ بِأَنَّهَا لَا تَخْتَصّ بِيَوْمٍ مُعَيَّن , وَهَلْ تُصْنَع بِاللَّيْلِ ؟ اِسْتَنْبَطَ بَعْضهمْ مِنْ كَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا بِالنَّهَارِ أَنَّهَا نَهَارِيَّة كَالْعِيدِ , وَإِلَّا فَلَوْ كَانَتْ تُصَلَّى بِاللَّيْلِ لَأَسَرَّ فِيهَا بِالنَّهَارِ وَجَهَرَ بِاللَّيْلِ كَمُطْلَقِ النَّوَافِل. وَنَقَلَ اِبْن قُدَامَةَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهَا لَا تُصَلَّى فِي وَقْت الْكَرَاهَة , وَأَفَادَ اِبْن حِبَّان أَنَّ خُرُوجه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُصَلَّى لِلِاسْتِسْقَاءِ كَانَ فِي شَهْر رَمَضَان سَنَة سِتّ مِنْ الْهِجْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مَا فِيهِ قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ) ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد الْمَذْكُورَة عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ \" وَصَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ \" وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ الْآتِيَة فِي \" بَاب كَيْف حَوَّلَ ظَهْره \" : \" ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَة فِي الِاسْتِسْقَاء قَبْل الصَّلَاة , وَهُوَ مُقْتَضَى حَدِيث عَائِشَة وَابْن عَبَّاس الْمَذْكُورَيْنِ , لَكِنْ وَقَعَ عِنْد أَحْمَد فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد التَّصْرِيح بِأَنَّهُ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْل الْخُطْبَة , وَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد اِبْن مَاجَهْ حَيْثُ قَالَ \" فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَان وَلَا إِقَامَة صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَالْمُرَجَّح عِنْد الشَّافِعِيَّة وَالْمَالِكِيَّة الثَّانِي , وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَة كَذَلِكَ , وَرِوَايَة \" يُخَيَّر \" , وَلَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ طُرُق حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد صِفَة الصَّلَاة الْمَذْكُورَة وَلَا مَا يَقْرَأ فِيهَا , وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ يُكَبِّر فِيهِمَا سَبْعًا وَخَمْسًا كَالْعِيدِ , وَأَنَّهُ يَقْرَأ فِيهِمَا بِسَبِّحْ وَهَلْ أَتَاك , وَفِي إِسْنَاده مَقَال , لَكِنْ أَصْله فِي السُّنَن بِلَفْظِ \" ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيد \" فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ الشَّافِعِيّ فَقَالَ : يُكَبِّر فِيهِمَا. وَنَقَلَ الْفَاكِهِيّ شَيْخ شُيُوخنَا عَنْ الشَّافِعِيّ اِسْتِحْبَاب التَّكْبِير حَال الْخُرُوج إِلَيْهَا كَمَا فِي الْعِيد , وَهُوَ غَلَط مِنْهُ عَلَيْهِ , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن مَا اِخْتَلَفَ مِنْ الرِّوَايَات فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِالدُّعَاءِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَطَبَ , فَاقْتَصَرَ بَعْض الرُّوَاة عَلَى شَيْء وَبَعْضهمْ عَلَى شَيْء , وَعَبَّرَ بَعْضهمْ عَنْ الدُّعَاء بِالْخُطْبَةِ فَلِذَلِكَ وَقَعَ الِاخْتِلَاف. وَأَمَّا قَوْل اِبْن بَطَّال : إِنَّ رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد دَالَّة عَلَى تَقْدِيم الصَّلَاة عَلَى الْخُطْبَة وَهُوَ أَضْبَط مِنْ وَلَدَيْهِ عَبْد اللَّه وَمُحَمَّد فَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنِ مِنْ سِيَاق الْبُخَارِيّ وَلَا مُسْلِم وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يُعْتَضَد الْقَوْل بِتَقْدِيمِ الصَّلَاة عَلَى الْخُطْبَة لِمُشَابَهَتِهَا بِالْعِيدِ , وَكَذَا مَا تَقَرَّرَ مِنْ تَقْدِيم الصَّلَاة أَمَام الْحَاجَة. وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّف لِهَذَا الْحَدِيث أَيْضًا \" الدُّعَاء فِي الِاسْتِسْقَاء قَائِمًا وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَة فِيهِ \" وَحَمَلَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ عَلَى حَال الصَّلَاة ثُمَّ قَالَ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ خَاصًّا بِدُعَاءِ الِاسْتِسْقَاء , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ , وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّف فِي الدَّعَوَات بِالدُّعَاءِ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَة مِنْ غَيْر قَيْد بِالِاسْتِسْقَاءِ , وَكَأَنَّهُ أَلْحَقهُ بِهِ , لِأَنَّ الْأَصْل عَدَم الِاخْتِصَاص : وَتَرْجَمَ أَيْضًا لِكَوْنِهَا رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ إِجْمَاع عِنْد مَنْ قَالَ بِهَا , وَلِكَوْنِهَا فِي الْمُصَلَّى , وَقَدْ اِسْتَثْنَى الْخَفَّاف مِنْ الشَّافِعِيَّة مَسْجِد مَكَّة كَالْعِيدِ , وَبِالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الِاسْتِسْقَاء , وَبِتَحْوِيلِ الظَّهْر إِلَى النَّاس عِنْد الدُّعَاء وَهُوَ مِنْ لَازِم اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّف , ‏ ‏وَقَوْله : ( كَانَ اِبْن عُيَيْنَةَ إِلَخْ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَعْلِيقًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ شَيْخه عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه الْمَذْكُور , وَيُرَجِّح الثَّانِي أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَخْرَجَهُ عَنْ جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بِهَذَا الْإِسْنَاد فَقَالَ : عَنْ عَبْد اللَّه بْن زَيْد الَّذِي أَرَى النِّدَاء , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّد بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَان , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ اِبْن عُيَيْنَةَ غَلِطَ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لِأَنَّ هَذَا ) ‏ ‏يَعْنِي رَاوِي حَدِيث الِاسْتِسْقَاء ‏ ‏( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ هُوَ عَبْد اللَّه ‏ ‏( اِبْن زَيْد بْن عَاصِم ) ‏ ‏فَالتَّقْدِير لِأَنَّ هَذَا أَيْ عَبْد اللَّه بْن زَيْد هُوَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن عَاصِم. ‏ ‏قَوْله : ( مَازِن الْأَنْصَار ) ‏ ‏اِحْتِرَاز عَنْ مَازِن تَمِيم , وَهُوَ مَازِن بْن مَالِك بْن عَمْرو بْن تَمِيم , أَوْ مَازِن قَيْس وَهُوَ مَازِن بْن مَنْصُور بْن الْحَارِث بْن خَصْفَة بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة مَفْتُوحَتَيْنِ اِبْن قَيْس بْن عَيْلَان , وَمَازِن اِبْن صَعْصَعَة بْن مُعَاوِيَة بْن بَكْر بْن هَوَازِن , وَمَازِن ضَبَّة وَهُوَ مَازِن بْن كَعْب بْن رَبِيعَة بْن ثَعْلَبَة بْن سَعْد اِبْن ضَبَّة , وَمَازِن شَيْبَان وَهُوَ مَازِن بْن ذُهْل بْن ثَعْلَبَة بْن شَيْبَانَ وَغَيْرهمْ. قَالَ الرَّشَاطِيّ : مَازِن فِي الْقَبَائِل كَثِير , وَالْمَازِن فِي اللُّغَة بَيْض النَّمْل وَقَدْ حَذَفَ الْبُخَارِيّ مُقَابِله وَالتَّقْدِير : وَذَاكَ أَيْ عَبْد اللَّه بْن زَيْد رَائِي الْأَذَان عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن عَبْد رَبّه , وَقَدْ اِتَّفَقَا فِي الِاسْم وَاسْم الْأَب وَالنِّسْبَة إِلَى الْأَنْصَارِيّ ثُمَّ إِلَى الْخَزْرَج وَالصُّحْبَة وَالرِّوَايَة , وَافْتَرَقَا فِي الْجَدّ وَالْبَطْن الَّذِي مِنْ الْخَزْرَج لِأَنَّ حَفِيد عَاصِم مِنْ مَازِن وَحَفِيد عَبْد رَبّه مِنْ بِلْحَارِث اِبْن الْخَزْرَج , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "957",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وِجَاهَ الْمِنْبَرِ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَائِمًا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا قَالَ ‏ ‏أَنَسُ ‏ ‏وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا ‏ ‏قَزَعَةً ‏ ‏وَلَا شَيْئًا وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ ‏ ‏سَلْعٍ ‏ ‏مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ قَالَ فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ ‏ ‏التُّرْسِ ‏ ‏فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ قَالَ وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى ‏ ‏الْآكَامِ ‏ ‏وَالْجِبَالِ ‏ ‏وَالْآجَامِ ‏ ‏وَالظِّرَابِ وَالْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ قَالَ فَانْقَطَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَرِيكٌ ‏ ‏فَسَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ قَالَ لَا أَدْرِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَته فِي حَدِيث أَنَس , وَرَوَى الْإِمَام أَحْمَد مِنْ حَدِيث كَعْب بْن مُرَّة مَا يُمْكِن أَنْ يُفَسِّر هَذَا الْمُبْهَم بِأَنَّهُ كَعْب الْمَذْكُور وَسَأَذْكُرُ بَعْض سِيَاقه بَعْد قَلِيل , وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِل مِنْ طَرِيق مُرْسَلَة مَا يُمْكِن أَنْ يُفَسَّر بِأَنَّهُ خَارِجَة بْن حِصْن بْن حُذَيْفَة بْن بَدْر الْفَزَارِيُّ , وَلَكِنْ رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق شُرَحْبِيل بْن السَّمْط أَنَّهُ \" قَالَ لِكَعْبِ بْن مُرَّة : يَا كَعْب حَدِّثْنَا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحْذَرْ , قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه اِسْتَسْقِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ اِسْقِنَا \" الْحَدِيث. فَفِي هَذَا أَنَّهُ غَيْر كَعْب , وَسَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَان \" وَمِنْ ثَمَّ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب , وَهُوَ وَهْم لِأَنَّهُ جَاءَ فِي وَاقِعَة أُخْرَى كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي \" بَاب إِذَا اِسْتَشْفَعَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَة مِنْ رِوَايَة إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس \" أَصَابَ النَّاس سَنَة - أَيْ جَدْب - عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَبَيْنًا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب يَوْم الْجُمُعَة قَامَ أَعْرَابِيّ \" وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ أَنَس \" أَتَى رَجُل أَعْرَابِيّ مِنْ أَهْل الْبَدْو \" وَأَمَّا قَوْله فِي رِوَايَة ثَابِت الْآتِيَة فِي \" بَاب الدُّعَاء إِذَا كُثْر الْمَطَر \" عَنْ أَنَس \" فَقَامَ النَّاس فَصَاحُوا \" فَلَا يُعَارِض ذَلِكَ , لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا سَأَلُوهُ بَعْد أَنْ سَأَلَ , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ نَسَبَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ لِمُوَافَقَةِ سُؤَال السَّائِل مَا كَانُوا يُرِيدُونَهُ مِنْ طَلَب دُعَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة ثَابِت أَيْضًا عِنْد أَحْمَد \" إِذْ قَالَ بَعْض أَهْل الْمَسْجِد \" وَهِيَ تُرَجِّح الِاحْتِمَال الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ بَاب كَانَ وِجَاه الْمِنْبَر ) ) ‏ ‏بِكَسْرِ وَاو وِجَاه وَيَجُوز ضَمّهَا أَيْ مُوَاجِهَة , وَوَقَعَ فِي شَرْح اِبْن التِّين أَنَّ مَعْنَاهُ مُسْتَدْبِر الْقِبْلَة , وَهُوَ وَهْم , وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْبَاب الْمَذْكُور كَانَ مُقَابِل ظَهْر الْمِنْبَر , وَلَيْسَ الْأَمْر كَذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر \" مِنْ بَاب كَانَ نَحْو دَار الْقَضَاء \" وَفَسَّرَ بَعْضهمْ دَارَ الْقَضَاء بِأَنَّهَا دَار الْإِمَارَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هِيَ دَار عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَسُمِّيَتْ دَار الْقَضَاء لِأَنَّهَا بِيعَتْ فِي قَضَاء دَيْنه فَكَانَ يُقَال لَهَا دَار قَضَاء دَيْن عُمَر , ثُمَّ طَالَ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهَا دَار الْقَضَاء ذَكَرَهُ الزُّبَيْر بْن بَكَّار بِسَنَدِهِ إِلَى اِبْن عُمَر , وَذَكَرَ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة \" عَنْ أَبِي غَسَّان الْمَدَنِيّ : سَمِعْت اِبْن أَبِي فُدَيْك عَنْ عَمّه كَانَتْ دَار الْقَضَاء لِعُمَر , فَأَمَرَ عَبْد اللَّه وَحَفْصَة أَنْ يَبِيعَاهَا عِنْد وَفَاته فِي دَيْن كَانَ عَلَيْهِ , فَبَاعُوهَا مِنْ مُعَاوِيَة , وَكَانَتْ تُسَمَّى دَار الْقَضَاء. قَالَ اِبْن أَبِي فُدَيْك سَمِعْت عَمِّي يَقُول : إِنْ كَانَتْ لَتُسَمَّى دَار قَضَاء الدَّيْن. قَالَ وَأَخْبَرَنِي عَمِّي أَنَّ الْخَوْخَة الشَّارِعَة فِي دَار الْقَضَاء غَرْبِيّ الْمَسْجِد هِيَ خَوْخَة أَبُو بَكْر الصِّدِّيق الَّتِي قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا يَبْقَى فِي الْمَسْجِد خَوْخَة إِلَّا خَوْخَة أَبِي بَكْر \" وَقَدْ صَارَتْ بَعْد ذَلِكَ إِلَى مَرْوَان وَهُوَ أَمِير الْمَدِينَة , فَلَعَلَّهَا شُبْهَة مَنْ قَالَ إِنَّهَا دَار الْإِمَارَة فَلَا يَكُون غَلَطًا كَمَا قَالَ صَاحِب الْمَطَالِع وَغَيْره , وَجَاءَ فِي تَسْمِيَتهَا دَار الْقَضَاء قَوْل آخَر رَوَاهُ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة \" عَنْ أَبِي غَسَّان الْمَدَنِيّ أَيْضًا عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن عِمْرَان عَنْ رَاشِد بْن حَفْص عَنْ أُمّ الْحَكَم بِنْت عَبْد اللَّه عَنْ عَمَّتهَا سَهْلَة بِنْت عَاصِم قَالَتْ : كَانَتْ دَار الْقَضَاء لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ دَار الْقَضَاء لِأَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف اِعْتَزَلَ فِيهَا لَيَالِي الشُّورَى حَتَّى قُضِيَ الْأَمْر فِيهَا فَبَاعَهَا بَنُو عَبْد الرَّحْمَن مِنْ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان. قَالَ عَبْد الْعَزِيز : فَكَانَتْ فِيهَا الدَّوَاوِين وَبَيْت الْمَال , ثُمَّ صَيَّرَهَا السَّفَّاح رَحْبَة لِلْمَسْجِدِ. وَزَادَ أَحْمَد فِي رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس \" إِنِّي لَقَائِم عِنْد الْمِنْبَر \" فَأَفَادَ بِذَلِكَ قُوَّة ضَبْطه لِلْقِصَّةِ لِقُرْبِهِ , وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَرِدْ هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا السِّيَاق كُلّه إِلَّا مِنْ رِوَايَته. ‏ ‏قَوْله : ( قَائِم يَخْطُب ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة قَتَادَة فِي الْأَدَب \" بِالْمَدِينَةِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ السَّائِل كَانَ مُسْلِمًا فَانْتَفَى أَنْ يَكُون أَبَا سُفْيَان فَإِنَّهُ حِين سُؤَاله لِذَلِكَ كَانَ لَمْ يُسْلِم كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( هَلَكَتْ الْأَمْوَال ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَأَبِي ذَرّ جَمِيعًا عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" الْمَوَاشِي \" وَهُوَ الْمُرَاد بِالْأَمْوَالِ هُنَا لَا الصَّامِت , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْجُمُعَة بِلَفْظِ \" هَلَكَ الْكُرَاع \" وَهُوَ بِضَمِّ الْكَاف يُطْلَق عَلَى الْخَيْل وَغَيْرهَا , وَفِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد الْآتِيَة \" هَلَكَتْ الْمَاشِيَة , هَلَكَ الْعِيَال , هَلَكَ النَّاس \" وَهُوَ مِنْ ذِكْر الْعَامّ بَعْد الْخَاصّ , وَالْمُرَاد بِهَلَاكِهِمْ عَدَم وُجُود مَا يَعِيشُونَ بِهِ مِنْ الْأَقْوَات الْمَفْقُودَة بِحَبْسِ الْمَطَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَانْقَطَعَتْ السُّبُل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ \" وَتَقَطَّعَتْ \" بِمُثَنَّاةٍ وَتَشْدِيد الطَّاء , وَالْمُرَاد بِذَلِكَ أَنَّ الْإِبِل ضَعُفَتْ - لِقِلَّةِ الْقُوت - عَنْ السَّفَر , أَوْ لِكَوْنِهَا لَا تَجِد فِي طَرِيقهَا مِنْ الْكَلَأ مَا يُقِيم أَوَدَهَا , وَقِيلَ الْمُرَاد نَفَاد مَا عِنْد النَّاس مِنْ الطَّعَام أَوْ قِلَّته فَلَا يَجِدُونَ مَا يَحْمِلُونَهُ يَجْلِبُونَهُ إِلَى الْأَسْوَاق. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة قَتَادَة الْآتِيَة عَنْ أَنَس \" قَحَطَ الْمَطَر \" أَيْ قَلَّ , وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَالطَّاء وَحُكِيَ بِضَمٍّ ثُمَّ كَسْر , وَزَادَ فِي رِوَايَة ثَابِت الْآتِيَة عَنْ أَنَس \" وَاحْمَرَّتْ الشَّجَر \" وَاحْمِرَارهَا كِنَايَة عَنْ يُبْس وَرَقهَا لِعَدَمِ شُرْبهَا الْمَاء , أَوْ لِانْتِثَارِهِ فَتَصِير الشَّجَر أَعْوَادًا بِغَيْرِ وَرَق. وَوَقَعَ لِأَحْمَد فِي رِوَايَة قَتَادَة \" وَأَمْحَلَتْ الْأَرْض \" وَهَذِهِ الْأَلْفَاظ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الرَّجُل قَالَ كُلّهَا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون بَعْض الرُّوَاة رَوَى شَيْئًا مِمَّا قَالَهُ بِالْمَعْنَى لِأَنَّهَا مُتَقَارِبَة فَلَا تَكُون غَلَطًا كَمَا قَالَ صَاحِب الْمَطَالِع وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( فَادْعُ اللَّه يُغِيثنَا ) ‏ ‏أَيْ فَهُوَ يُغِيثنَا , وَهَذِهِ رِوَايَة الْأَكْثَر , وَلِأَبِي ذَرّ \" أَنْ يُغِيثنَا \" وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر الْآتِيَة لِلْكُشْمِيهَنِيّ \" يُغِثْنَا \" بِالْجَزْمِ , وَيَجُوز الضَّمّ فِي يُغِيثنَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْإِغَاثَة وَبِالْفَتْحِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْغَيْث , وَيُرَجِّح الْأَوَّل قَوْله فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر \" فَقَالَ اللَّهُمَّ أَغِثْنَا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة قَتَادَة \" فَادْعُ اللَّه أَنْ يَسْقِيَنَا \" وَلَهُ فِي الْأَدَب \" فَاسْتَسْقِ رَبّك \" قَالَ قَاسِم بْن ثَابِت رَوَاهُ لَنَا مُوسَى بْن هَارُون \" اللَّهُمَّ أَغِثْنَا \" وَجَائِز أَنْ يَكُون مِنْ الْغَوْث أَوْ مِنْ الْغَيْث , وَالْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب غِثْنَا لِأَنَّهُ مِنْ الْغَوْث , وَقَالَ اِبْن الْقَطَّاع : غَاثَ اللَّه عِبَاده غَيْثًا وَغِيَاثًا سَقَاهُمْ الْمَطَر , وَأَغَاثَهُمْ أَجَابَ دُعَاءَهُمْ , وَيُقَال غَاثَ وَأَغَاثَ بِمَعْنًى , وَالرُّبَاعِيّ أَعْلَى. وَقَالَ اِبْن دُرَيْد : الْأَصْل غَاثَهُ اللَّه يَغُوثهُ غَوْثًا فَأُغِيثَ , وَاسْتُعْمِلَ أَغَاثَهُ , وَمَنْ فَتَحَ أَوَّله فَمِنْ الْغَيْث وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَعْنَى أَغِثْنَا أَعْطِنَا غَوْثًا وَغَيْثًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَفَعَ يَدَيْهِ ) ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَة سَعِيد عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد \" وَرَفَعَ النَّاس أَيْدِيهمْ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُونَ \" وَزَادَ فِي رِوَايَة شَرِيك \" حِذَاء وَجْهه \" وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" حَتَّى رَأَيْت بَيَاض إِبْطَيْهِ \" وَتَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَة بِلَفْظِ \" فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا \" زَادَ فِي رِوَايَة قَتَادَة فِي الْأَدَب \" فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : اللَّهُمَّ اِسْقِنَا ) ‏ ‏أَعَادَهُ ثَلَاثًا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة ثَابِت الْآتِيَة عَنْ أَنَس \" اللَّهُمَّ اِسْقِنَا \" مَرَّتَيْنِ , وَالْأَخْذ بِالزِّيَادَةِ أَوْلَى , وَيُرَجِّحهَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا وَاَللَّه ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْوَاوِ , وَلِأَبِي ذَرّ بِالْفَاءِ , وَفِي رِوَايَة ثَابِت الْمَذْكُورَة \" وَأَيْم اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ سَحَاب ) ‏ ‏أَيْ مُجْتَمِع ‏ ‏( وَلَا قَزَعَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَالزَّاي بَعْدهَا مُهْمَلَة أَيْ سَحَاب مُتَفَرِّق , قَالَ اِبْن سِيده. الْقَزَع قِطَع مِنْ السَّحَاب رِقَاق , زَادَ أَبُو عُبَيْد : وَأَكْثَر مَا يَجِيء فِي الْخَرِيف. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا شَيْئًا ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَوْضِع الْجَارّ وَالْمَجْرُور أَيْ مَا نَرَى شَيْئًا , وَالْمُرَاد نَفْي عَلَامَات الْمَطَر مِنْ رِيح وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا بَيْننَا وَبَيْن سَلْع ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام جَبَل مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ , وَقَدْ حُكِيَ أَنَّهُ بِفَتْحِ اللَّام. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ بَيْت وَلَا دَار ) ‏ ‏أَيْ يَحْجُبنَا عَنْ رُؤْيَته , وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ السَّحَاب كَانَ مَفْقُودًا لَا مُسْتَتِرًا بِبَيْتٍ وَلَا غَيْره. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة ثَابِت فِي عَلَامَات النُّبُوَّة قَالَ \" قَالَ أَنَس : وَإِنَّ السَّمَاء لَفِي مِثْل الزُّجَاجَة \" أَيْ لِشِدَّةِ صَفَائِهَا , وَذَلِكَ مُشْعِر بِعَدَمِ السَّحَاب أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَطَلَعَتْ ) ‏ ‏أَيْ ظَهَرَتْ ) ‏ ‏( مِنْ وَرَائِهِ ) ‏ ‏أَيْ سَلْعٍ , وَكَأَنَّهَا نَشَأَتْ مِنْ جِهَة الْبَحْر لِأَنَّ وَضْع سَلْعٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِثْل التُّرْس ) ‏ ‏أَيْ مُسْتَدِيرَة , وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا مِثْله فِي الْقَدْر لِأَنَّ فِي رِوَايَة حَفْص بْن عُبَيْد اللَّه عِنْد أَبِي عَوَانَة \" فَنَشَأَتْ سَحَابَة مِثْل رِجْل الطَّائِر وَأَنَا أَنْظُر إِلَيْهَا \" فَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّهَا كَانَتْ صَغِيرَة , وَفِي رِوَايَة ثَابِت الْمَذْكُورَة \" فَهَاجَتْ رِيح أَنْشَأَتْ سَحَابًا ثُمَّ اِجْتَمَعَ \" وَفِي رِوَايَة قَتَادَة فِي الْأَدَب \" فَنَشَأَ السَّحَاب بَعْضه إِلَى بَعْض \" وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق الْآتِيَة \" حَتَّى ثَارَ السَّحَاب أَمْثَال الْجِبَال \" أَيْ لِكَثْرَتِهِ , وَفِيهِ \" ثُمَّ لَمْ يَنْزِل عَنْ مِنْبَره حَتَّى رَأَيْنَا الْمَطَر يَتَحَادَر عَلَى لِحْيَته \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ السَّقْف وُكِفَ لِكَوْنِهِ كَانَ مِنْ جَرِيد النَّخْل. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاء اِنْتَشَرَتْ ) ‏ ‏هَذَا يُشْعِر بِأَنَّهَا اِسْتَمَرَّتْ مُسْتَدِيرَة حَتَّى اِنْتَهَتْ إِلَى الْأُفُق فَانْبَسَطَتْ حِينَئِذٍ , وَكَأَنَّ فَائِدَته تَعْمِيم الْأَرْض بِالْمَطَرِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا رَأَيْنَا الشَّمْس سَبْتًا ) ‏ ‏كِنَايَة عَنْ اِسْتِمْرَار الْغَيْم الْمَاطِر , وَهَذَا فِي الْغَالِب , وَإِلَّا فَقَدْ يَسْتَمِرّ الْمَطَر وَالشَّمْس بَادِيَة , وَقَدْ تُحْجَب الشَّمْس بِغَيْرِ مَطَر. وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ رِوَايَة إِسْحَاق الْآتِيَة بِلَفْظِ \" فَمُطِرْنَا يَوْمنَا ذَلِكَ وَمِنْ الْغَد وَمِنْ بَعْد الْغَد وَاَلَّذِي يَلِيه حَتَّى الْجُمُعَة الْأُخْرَى \". وَأَمَّا قَوْله \" سَبْتًا \" فَوَقَعَ لِلْأَكْثَرِ بِلَفْظِ السَّبْت - يَعْنِي أَحَد الْأَيَّام - وَالْمُرَاد بِهِ الْأُسْبُوع , وَهُوَ مِنْ تَسْمِيَة الشَّيْء بِاسْمِ بَعْضه كَمَا يُقَال جُمْعَة قَالَهُ صَاحِب النِّهَايَة. قَالَ : وَيُقَال أَرَادَ قِطْعَة مِنْ الزَّمَان. وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : قَوْله \" سَبْتًا \" أَيْ مِنْ السَّبْت إِلَى السَّبْت , أَيْ جُمْعَة. وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ مِثْله وَزَادَ أَنَّ فِيهِ تَجَوُّزًا لِأَنَّ السَّبْت لَمْ يَكُنْ مَبْدَأ وَلَا الثَّانِي مُنْتَهَى , وَإِنَّمَا عَبَّرَ أَنَس بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ الْأَنْصَار وَكَانُوا قَدْ جَاوَرُوا الْيَهُود فَأَخَذُوا بِكَثِيرٍ مِنْ اِصْطِلَاحهمْ , وَإِنَّمَا سَمَّوْا الْأُسْبُوع سَبْتًا لِأَنَّهُ أَعْظَم الْأَيَّام عِنْد الْيَهُود , كَمَا أَنَّ الْجُمُعَة عِنْد الْمُسْلِمِينَ كَذَلِكَ. وَحَكَى النَّوَوِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ كَثَابِتٍ فِي الدَّلَائِل أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ سَبْتًا قِطْعَة مِنْ الزَّمَان , وَلَفْظ ثَابِت : النَّاس يَقُولُونَ مَعْنَاهُ مِنْ سَبْت إِلَى سَبْت وَإِنَّمَا السَّبْت قِطْعَة مِنْ الزَّمَان. وَأَنَّ الدَّاوُدِيّ رَوَاهُ بِلَفْظِ \" سِتًّا \" وَهُوَ تَصْحِيف. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الدَّاوُدِيّ لَمْ يَنْفَرِد بِذَلِكَ فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيِّ وَالْمُسْتَمْلِي هُنَا سِتًّا , وَكَذَا رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ الدَّرَاوَرْدِيّ عَنْ شَرِيك , وَوَافَقَهُ أَحْمَد مِنْ رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس , وَكَأَنَّ مَنْ اِدَّعَى أَنَّهُ تَصْحِيف اِسْتَبْعَدَ اِجْتِمَاع قَوْله سِتًّا مَعَ قَوْله فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر الْآتِيَة سَبْعًا , وَلَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ لِأَنَّ مَنْ قَالَ سِتًّا أَرَادَ سِتَّة أَيَّام تَامَّة , وَمَنْ قَالَ سَبْعًا أَضَافَ أَيْضًا يَوْمًا مُلَفَّقًا مِنْ الْجُمُعَتَيْنِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ شَرِيك \" فَمُطِرْنَا مِنْ جُمُعَة إِلَى جُمُعَة \" وَفِي رِوَايَة لِلنَّسَفِيّ \" فَدَامَتْ جُمْعَة \" وَفِي رِوَايَة عَبْدُوسٍ وَالْقَابِسِيّ فِيمَا حَكَاهُ عِيَاض \" سَبَّتْنَا \" كَمَا يُقَال جَمَّعَتْنَا , وَوَهَمَ مَنْ عَزَا هَذِهِ الرِّوَايَة لِأَبِي ذَرّ , وَفِي رِوَايَة قَتَادَة الْآتِيَة \" فَمُطِرْنَا فَمَا كِدْنَا نَصِل إِلَى مَنَازِلنَا \" أَيْ مِنْ كَثْرَة الْمَطَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْجُمُعَة مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظِ \" فَخَرَجْنَا نَخُوض الْمَاء حَتَّى أَتَيْنَا مَنَازِلنَا \" وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَة ثَابِت \" فَأُمْطِرْنَا حَتَّى رَأَيْت الرَّجُل تُهِمّهُ نَفْسه أَنْ يَأْتِي أَهْله \" وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ \" حَتَّى أَهَمَّ الشَّابّ الْقَرِيب الدَّار الرُّجُوع إِلَى أَهْله \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق قَتَادَة \" حَتَّى سَالَتْ مَثَاعِب الْمَدِينَة \" وَمَثَاعِب جَمْع مَثْعَب بِالْمُثَلَّثَةِ وَآخِره مُوَحَّدَة مَسِيل الْمَاء. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ دَخَلَ رَجُل مِنْ ذَلِكَ الْبَاب فِي الْجُمْلَة الْمُقْبِلَة ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ غَيْر الْأَوَّل , لِأَنَّ النَّكِرَة إِذَا تَكَرَّرَتْ دَلَّتْ عَلَى التَّعَدُّد , وَقَدْ قَالَ شَرِيك فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث هُنَا \" سَأَلْت أَنَسًا : أَهُوَ الرَّجُل الْأَوَّل ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي \" وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَجْزِم بِالتَّغَايُرِ , فَالظَّاهِر أَنَّ الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة مَحْمُولَة عَلَى الْغَالِب لِأَنَّ أَنَسًا مِنْ أَهْل اللِّسَان وَقَدْ تَعَدَّدَتْ. وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة إِسْحَاق عَنْ أَنَس \" فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُل أَوْ غَيْره \" وَكَذَا لِقَتَادَة فِي الْأَدَب , وَتَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَة مِنْ وَجْه آخَر كَذَلِكَ , وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يَشُكّ فِيهِ , وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد فَأَتَى الرَّجُل فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه \". وَمِثْله لِأَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق حَفْص عَنْ أَنَس بِلَفْظِ \" فَمَا زِلْنَا نُمْطِر حَتَّى جَاءَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيّ فِي الْجُمُعَة الْأُخْرَى \" وَأَصْله فِي مُسْلِم , وَهَذَا يَقْتَضِي الْجَزْم بِكَوْنِهِ وَاحِدًا , فَلَعَلَّ أَنَسًا تَذَكَّرَهُ بَعْد أَنْ نَسِيَهُ , أَوْ نَسِيَهُ بَعْد أَنْ كَانَ تَذَكَّرَهُ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق يَزِيد أَنَّ عُبَيْدًا السُّلَمِيّ قَالَ \" لَمَّا قَفَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَة تَبُوك أَتَاهُ وَفْد بَنِي فَزَارَة وَفِيهِ خَارِجَة بْن حِصْن أَخُو عُيَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى إِبِل عِجَاف فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه اُدْعُ لَنَا رَبّك أَنْ يُغِيثَنَا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَقَالَ : اللَّهُمَّ اِسْقِ بَلَدك وَبَهِيمك , وَانْشُرْ بَرَكَتك. اللَّهُمَّ اِسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مُرِيعًا طَبَقًا وَاسِعًا عَاجِلًا غَيْر آجِل نَافِعًا غَيْر ضَارٍ , اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَة لَا سُقْيَا عَذَاب , اللَّهُمَّ اِسْقِنَا الْغَيْث وَانْصُرْنَا عَلَى الْأَعْدَاء \" وَفِيهِ \" قَالَ فَلَا وَاَللَّه مَا نَرَى فِي السَّمَاء مِنْ قَزَعَة وَلَا سَحَاب , وَمَا بَيْن الْمَسْجِد وَسَلْعٍ مِنْ بِنَاء \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث أَنَس بِتَمَامِهِ وَفِيهِ \" قَالَ الرَّجُل - يَعْنِي الَّذِي سَأَلَهُ أَنْ يَسْتَسْقِي لَهُمْ - هَلَكَتْ الْأَمْوَال \" الْحَدِيث كَذَا فِي الْأَصْل , وَالظَّاهِر أَنَّ السَّائِل هُوَ خَارِجَة الْمَذْكُور لِكَوْنِهِ كَانَ كَبِير الْوَفْد وَلِذَلِكَ سُمِّيَ مِنْ بَيْنهمْ وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة صِفَة الدُّعَاء الْمَذْكُور , وَالْوَقْت الَّذِي وَقَعَ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( هَلَكَتْ الْأَمْوَال وَانْقَطَعَتْ السُّبُل ) ‏ ‏أَيْ بِسَبَبِ غَيْر السَّبَب الْأَوَّل , وَالْمُرَاد أَنَّ كَثْرَة الْمَاء اِنْقَطَعَ الْمَرْعَى بِسَبَبِهَا فَهَلَكَتْ الْمَوَاشِي مِنْ عَدَم الرَّعْي , أَوْ لِعَدَمِ مَا يُكِنُّهَا مِنْ الْمَطَر , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله فِي رِوَايَة سَعِيد عَنْ شَرِيك عِنْد النَّسَائِيِّ \" مِنْ كَثْرَة الْمَاء \" وَأَمَّا اِنْقِطَاع السُّبُل فَلِتَعَذُّرِ سُلُوك الطُّرُق مِنْ كَثْرَة الْمَاء. وَفِي رِوَايَة حُمَيْدٍ عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ \" وَاحْتَبَسَ الرَّكْبَانِ \" وَفِي رِوَايَة مَالِك عَنْ شَرِيك \" تَهَدَّمَتْ الْبُيُوت \" وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق الْآتِيَة \" هُدِمَ الْبِنَاء وَغَرِقَ الْمَال \". ‏ ‏قَوْله : ( فَادْعُ اللَّه يُمْسِكهَا ) ‏ ‏يَجُوز فِي يُمْسِكهَا الضَّمّ وَالسُّكُون , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا \" أَنْ يُمْسِكهَا \" وَالضَّمِير يَعُود عَلَى الْأَمْطَار أَوْ عَلَى السَّحَاب أَوْ عَلَى السَّمَاء , وَالْعَرَب تُطْلِق عَلَى الْمَطَر سَمَاء , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد عَنْ شَرِيك \" أَنْ يُمْسِك عَنَّا الْمَاء \" وَفِي رِوَايَة أَحْمَد مِنْ طَرِيق ثَابِت \" أَنْ يَرْفَعهَا عَنَّا \" وَفِي رِوَايَة قَتَادَة فِي الْأَدَب \" فَادْعُ رَبّك أَنْ يَحْبِسهَا عَنَّا. فَضَحِكَ \" وَفِي رِوَايَة ثَابِت \" فَتَبَسَّمَ \" زَادَ فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ \" لِسُرْعَةِ مَلَال اِبْن آدَم \". ‏ ‏قَوْله : ( فَرَفَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ ) ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَفِيهِ حَذْف تَقْدِيره اِجْعَلْ أَوْ أَمْطِرْ , وَالْمُرَاد بِهِ صَرْف الْمَطَر عَنْ الْأَبْنِيَة وَالدُّور. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا عَلَيْنَا ) ‏ ‏فِيهِ بَيَان لِلْمُرَادِ بِقَوْلِهِ \" حَوَالَيْنَا \" لِأَنَّهَا تَشْمَل الطُّرُق الَّتِي حَوْلهمْ فَأَرَادَ إِخْرَاجهَا بِقَوْلِهِ \" وَلَا عَلَيْنَا \". قَالَ الطِّيبِيُّ : فِي إِدْخَال الْوَاو هُنَا مَعْنًى لَطِيف , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَهَا لَكَانَ مُسْتَسْقِيًا لِلْآكَامِ وَمَا مَعَهَا فَقَطْ , وَدُخُول الْوَاو يَقْتَضِي أَنَّ طَلَب الْمَطَر عَلَى الْمَذْكُورَات لَيْسَ مَقْصُودًا لِعَيْنِهِ وَلَكِنْ لِيَكُونَ وِقَايَة مِنْ أَذَى الْمَطَر , فَلَيْسَتْ الْوَاو مُخَلَّصَة لِلْعَطْفِ وَلَكِنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ , وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ تَجُوع الْحُرَّة وَلَا تَأْكُل بِثَدْيَيْهَا , فَإِنَّ الْجُوع لَيْسَ مَقْصُودًا لِعَيْنِهِ وَلَكِنْ لِكَوْنِهِ مَانِعًا عَنْ الرَّضَاع بِأُجْرَةٍ إِذْ كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ أَنَفًا ا ه. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَام ) ‏ ‏فِيهِ بَيَان الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" حَوَالَيْنَا \" وَالْإِكَام بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَقَدْ تُفْتَح وَتُمَدّ : جَمْع أَكَمَة بِفَتَحَاتٍ , قَالَ اِبْن الْبَرْقِيّ : هُوَ التُّرَاب الْمُجْتَمِع , وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : هِيَ أَكْبَر مِنْ الْكُدْيَة. وَقَالَ الْقَزَّاز : هِيَ الَّتِي مِنْ حَجَر وَاحِد وَهُوَ قَوْل الْخَلِيل. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هِيَ الْهَضْبَة الضَّخْمَة , وَقِيلَ الْجَبَل الصَّغِير , وَقِيلَ مَا اِرْتَفَعَ مِنْ الْأَرْض , وَقَالَ الثَّعَالِبِيّ : الْأَكَمَة أَعْلَى مِنْ الرَّابِيَة وَقِيلَ دُونهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَالظِّرَاب ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَآخِره مُوَحَّدَة جَمْع ظَرِب بِكَسْرِ الرَّاء وَقَدْ تُسْكَن. وَقَالَ الْقَزَّاز : هُوَ الْجَبَل الْمُنْبَسِط لَيْسَ بِالْعَالِي , وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : الرَّابِيَة الصَّغِيرَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْأَوْدِيَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" بُطُون الْأَوْدِيَة \" وَالْمُرَاد بِهَا مَا يَتَحَصَّل فِيهِ الْمَاء لِيُنْتَفَع بِهِ , قَالُوا : وَلَمْ تُسْمَع أَفْعِلَة جَمْع فَاعِل إِلَّا الْأَوْدِيَة جَمْع وَادٍ وَفِيهِ نَظَر , وَزَادَ مَالِك فِي رِوَايَته وَرُءُوس الْجِبَال. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْقَطَعَتْ ) ‏ ‏أَيْ السَّمَاء أَوْ السَّحَابَة الْمَاطِرَة , وَالْمَعْنَى أَنَّهَا أَمْسَكَتْ عَنْ الْمَطَر عَلَى الْمَدِينَة , وَفِي رِوَايَة مَالِك \" فَانْجَابَتْ عَنْ الْمَدِينَة اِنْجِيَاب الثَّوْب \" أَيْ خَرَجَتْ عَنْهَا كَمَا يَخْرُج الثَّوْب عَنْ لَابِسه , وَفِي رِوَايَة سَعِيد عَنْ شَرِيك \" فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَكَلَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ تَمَزَّقَ السَّحَاب حَتَّى مَا نَرَى مِنْهُ شَيْئًا \" وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" مَا نَرَى مِنْهُ شَيْئًا \" أَيْ فِي الْمَدِينَة , وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَة حَفْص \" فَلَقَدْ رَأَيْت السَّحَاب يَتَمَزَّق كَأَنَّهُ الْمُلَاء حِين تُطْوَى \" وَالْمُلَاء بِضَمِّ الْمِيم وَالْقَصْر وَقَدْ يُمَدّ جَمْع مُلَاءَة وَهُوَ ثَوْب مَعْرُوف , وَفِي رِوَايَة قَتَادَة عِنْد الْمُصَنِّف \" فَلَقَدْ رَأَيْت السَّحَاب يَنْقَطِع يَمِينًا وَشِمَالًا يُمْطِرُونَ - أَيْ أَهْل النَّوَاحِي - وَلَا يُمْطِر أَهْل الْمَدِينَة \" وَلَهُ فِي الْأَدَب \" فَجَعَلَ السَّحَاب يَتَصَدَّع عَنْ الْمَدِينَة - وَزَادَ فِيهِ - يُرِيهِمْ اللَّه كَرَامَة نَبِيّه وَإِجَابَة دَعَوْته \" وَلَهُ فِي رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس \" فَتَكَشَّطَتْ - أَيْ تَكَشَّفَتْ - فَجَعَلَتْ تُمْطِر حَوْل الْمَدِينَة وَلَا تُمْطِر بِالْمَدِينَةِ قَطْرَة , فَنَظَرْت إِلَى الْمَدِينَة وَإِنَّهَا لَمِثْل الْإِكْلِيل \" وَلِأَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَتَقَوَّرَ مَا فَوْق رُءُوسنَا مِنْ السَّحَاب حَتَّى كَأَنَّا فِي إِكْلِيل \" وَالْإِكْلِيل بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْكَاف كُلّ شَيْء دَارَ مِنْ جَوَانِبه , وَاشْتُهِرَ لِمَا يُوضَع عَلَى الرَّأْس فَيُحِيط بِهِ , وَهُوَ مِنْ مَلَابِس الْمُلُوك كَالتَّاجِ , وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق عَنْ أَنَس \" فَمَا يُشِير بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَة مِنْ السَّحَاب إِلَّا تَفَرَّجَتْ حَتَّى صَارَتْ الْمَدِينَة فِي مِثْل الْجَوْبَة \" وَالْجَوْبَة بِفَتْحِ الْجِيم ثُمَّ الْمُوَحَّدَة وَهِيَ الْحُفْرَة الْمُسْتَدِيرَة الْوَاسِعَة , وَالْمُرَاد بِهَا هُنَا الْفُرْجَة فِي السَّحَاب. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُرَاد بِالْجَوْبَةِ هُنَا التُّرْس , وَضَبَطَهَا الزَّيْن بْن الْمُنِير تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِنُونٍ بَدَل الْمُوَحَّدَة , ثُمَّ فَسَّرَهُ بِالشَّمْسِ إِذْ ظَهَرَتْ فِي خِلَال السَّحَاب. لَكِنْ جَزَمَ عِيَاض بِأَنَّ مَنْ قَالَهُ بِالنُّونِ فَقَدْ صَحَّفَ. وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق مِنْ الزِّيَادَة أَيْضًا \" وَسَالَ الْوَادِي - وَادِي قَنَاة - شَهْرًا , وَقَنَاة بِفَتْحِ الْقَاف وَالنُّون الْخَفِيفَة عَلَم عَلَى أَرْض ذَات مَزَارِع بِنَاحِيَةِ أُحُد , وَوَادِيهَا أَحَد أَوْدِيَة الْمَدِينَة الْمَشْهُورَة قَالَهُ الْحَازِمِيّ. وَذَكَرَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن الْمَخْزُومِيّ فِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة \" بِإِسْنَادٍ لَهُ أَنَّ أَوَّل مَنْ سَمَّاهُ وَادِي قَنَاة تُبَّع الْيَمَانِيّ لَمَّا قَدِمَ يَثْرِب قَبْل الْإِسْلَام. وَفِي رِوَايَة لَهُ أَنَّ تُبَّعًا بَعَثَ رَائِدًا يَنْظُر إِلَى مَزَارِع الْمَدِينَة فَقَالَ : نَظَرْت فَإِذَا قَنَاة حَبّ وَلَا تِبْن , وَالْجُرُف حَبّ وَتِبْن , وَالْحِرَار - يَعْنِي جَمْع حِرَّة بِمُهْمَلَتَيْنِ - لَا حَبّ وَلَا تِبْن ا ه. وَتَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَة مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَسَالَ الْوَادِي قَنَاة \" وَأُعْرِبَ بِالضَّمِّ عَلَى الْبَدَل عَلَى أَنَّ قَنَاة اِسْم الْوَادِي وَلَعَلَّهُ مِنْ تَسْمِيَة الشَّيْء بِاسْمِ مَا جَاوَرَهُ. وَقَرَأْت بِخَطِّ الرَّضِيّ الشَّاطِبِيّ قَالَ : الْفُقَهَاء تَقُولهُ بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِين يَتَوَهَّمُونَهُ قَنَاة مِنْ الْقَنَوَات , وَلَيْسَ كَذَلِكَ ا ه. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ قَدْ جَزَمَ بِهِ بَعْض الشُّرَّاح وَقَالَ : هُوَ عَلَى التَّشْبِيه. أَيْ سَالَ مِثْل الْقَنَاة. وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة \" إِلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ \" هُوَ بِفَتْحِ الْجِيم الْمَطَر الْغَزِير , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمَطَر اِسْتَمَرَّ فِيمَا سِوَى الْمَدِينَة , فَقَدْ يُشْكِل بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم أَنَّ قَوْل السَّائِل \" هَلَكَتْ الْأَمْوَال وَانْقَطَعَتْ السُّبُل \" لَمْ يَرْتَفِع الْإِهْلَاك وَلَا الْقَطْع وَهُوَ خِلَاف مَطْلُوبه , وَيُمْكِن الْجَوَاب بِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الْمَطَر اِسْتَمَرَّ حَوْل الْمَدِينَة مِنْ الْإِكَام وَالظِّرَاب وَبُطُون الْأَوْدِيَة لَا فِي الطُّرُق الْمَسْلُوكَة , وَوُقُوع الْمَطَر فِي بُقْعَة دُون بُقْعَة كَثِير وَلَوْ كَانَتْ تُجَاوِرهَا , وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ جَازَ أَنْ يُوجَد لِلْمَاشِيَةِ أَمَاكِن تُكِنّهَا وَتَرْعَى فِيهَا بِحَيْثُ لَا يَضُرّهَا الْمَطَر فَيَزُول الْإِشْكَال. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ جَوَاز مُكَالَمَة الْإِمَام فِي الْخُطْبَة لِلْحَاجَةِ , وَفِيهِ الْقِيَام فِي الْخُطْبَة وَأَنَّهَا لَا تَنْقَطِع بِالْكَلَامِ وَلَا تَنْقَطِع بِالْمَطَرِ , وَفِيهِ قِيَام الْوَاحِد بِأَمْرِ الْجَمَاعَة , وَإِنَّمَا لَمْ يُبَاشِر ذَلِكَ بَعْض أَكَابِر الصَّحَابَة لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْلُكُونَ الْأَدَب بِالتَّسْلِيمِ وَتَرْك الِابْتِدَاء بِالسُّؤَالِ , وَمِنْهُ قَوْل أَنَس , \" كَانَ يُعْجِبنَا أَنْ يَجِيء الرَّجُل مِنْ الْبَادِيَة فَيَسْأَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَسُؤَال الدُّعَاء مِنْ أَهْل الْخَيْر وَمَنْ يُرْجَى مِنْهُ الْقَبُول وَإِجَابَتهمْ لِذَلِكَ , وَمِنْ أَدَبه بَثّ الْحَال لَهُمْ قَبْل الطَّلَب لِتَحْصِيلِ الرِّقَّة الْمُقْتَضِيَة لِصِحَّةِ التَّوَجُّه فَتُرْجَى الْإِجَابَة عِنْده , وَفِيهِ تَكْرَار الدُّعَاء ثَلَاثًا , وَإِدْخَال دُعَاء الِاسْتِسْقَاء فِي خُطْبَة الْجُمُعَة وَالدُّعَاء بِهِ عَلَى الْمِنْبَر وَلَا تَحْوِيل فِيهِ وَلَا اِسْتِقْبَال , وَالِاجْتِزَاء بِصَلَاةِ الْجُمُعَة عَنْ صَلَاة الِاسْتِسْقَاء , وَلَيْسَ فِي السِّيَاق مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ نَوَاهَا مَعَ الْجُمُعَة , وَفِيهِ عَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة فِي إِجَابَة اللَّه دُعَاء نَبِيّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَقِبه أَوْ مَعَهُ اِبْتِدَاء فِي الِاسْتِسْقَاء وَانْتِهَاء فِي الِاسْتِصْحَاء وَامْتِثَال السَّحَاب أَمْره بِمُجَرَّدِ الْإِشَارَة , وَفِيهِ الْأَدَب فِي الدُّعَاء حَيْثُ لَمْ يَدْعُ بِرَفْعِ الْمَطَر مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ الِاحْتِيَاج إِلَى اِسْتِمْرَاره فَاحْتَرَزَ فِيهِ بِمَا يَقْتَضِي رَفْع الضَّرَر وَبَقَاء النَّفْع , وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ أَنَّ مَنْ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَسَخَّطهَا لِعَارِضٍ يَعْرِض فِيهَا , بَلْ يَسْأَل اللَّه رَفْع ذَلِكَ الْعَارِض وَإِبْقَاء النِّعْمَة. وَفِيهِ أَنَّ الدُّعَاء بِرَفْعِ الضَّرَر لَا يُنَافِي التَّوَكُّل وَإِنْ كَانَ مَقَام الْأَفْضَل التَّفْوِيض لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَالِمًا بِمَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ الْجَدْب , وَأَخَّرَ السُّؤَال فِي ذَلِكَ تَفْوِيضًا لِرَبِّهِ , ثُمَّ أَجَابَهُمْ إِلَى الدُّعَاء لَمَّا سَأَلُوهُ فِي ذَلِكَ بَيَانًا لِلْجَوَازِ وَتَقْرِير السُّنَّة فِي هَذِهِ الْعِبَادَة الْخَاصَّة , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن أَبِي جَمْرَة نَفَعَ اللَّه بِهِ. وَفِيهِ جَوَاز تَبَسُّم الْخَطِيب عَلَى الْمِنْبَر تَعَجُّبًا مِنْ أَحْوَال النَّاس , وَجَوَاز الصِّيَاح فِي الْمَسْجِد بِسَبَبِ الْحَاجَة الْمُقْتَضِيَة لِذَلِكَ. وَفِيهِ الْيَمِين لِتَأْكِيدِ الْكَلَام , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ جَرَى عَلَى لِسَان أَنَس بِغَيْرِ قَصْد الْيَمِين , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الِاسْتِسْقَاء بِغَيْرِ صَلَاة مَخْصُوصَة , وَعَلَى أَنَّ الِاسْتِسْقَاء لَا تُشْرَع فِيهِ صَلَاة , فَأَمَّا الْأَوَّل فَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيّ وَكَرِهَهُ سُفْيَان الثَّوْرِيّ , وَأَمَّا الثَّانِي فَقَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَة كَمَا تَقَدَّمَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة مُجَرَّد دُعَاء لَا يُنَافِي مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة لَهَا , وَقَدْ بُيِّنَتْ فِي وَاقِعَة أُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الِاكْتِفَاء بِدُعَاءِ الْإِمَام فِي الِاسْتِسْقَاء قَالَهُ اِبْن بَطَّال , وَتُعُقِّبَ بِمَا سَيَأْتِي فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد \" وَرَفَعَ النَّاس أَيْدِيهمْ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُونَ \" وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّف فِي الدَّعَوَات عَلَى رَفْع الْيَدَيْنِ فِي كُلّ دُعَاء. وَفِي الْبَاب عِدَّة أَحَادِيث جَمَعَهَا الْمُنْذِرِيُّ فِي جُزْء مُفْرَد وَأَوْرَدَ مِنْهَا النَّوَوِيّ فِي صِفَة الصَّلَاة فِي شَرْح الْمُهَذَّب قَدْر ثَلَاثِينَ حَدِيثًا , وَسَنَذْكُرُ وَجْه الْجَمْع بَيْنهَا وَبَيْن قَوْل أَنَس \" كَانَ لَا يَرْفَع يَدَيْهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاء \" بَعْد أَرْبَعَة عَشْر بَابًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِيهِ جَوَاز الدُّعَاء بِالِاسْتِصْحَاء لِلْحَاجَةِ , وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْبُخَارِيّ بَعْد ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "958",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَرِيكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَائِمًا ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعْتِ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا ‏ ‏قَزَعَةً ‏ ‏وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ ‏ ‏سَلْعٍ ‏ ‏مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ قَالَ فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ ‏ ‏التُّرْسِ ‏ ‏فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى ‏ ‏الْآكَامِ ‏ ‏وَالظِّرَابِ ‏ ‏وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ قَالَ فَأَقْلَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَرِيكٌ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ فَقَالَ مَا أَدْرِي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "959",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَحَطَ الْمَطَرُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا فَدَعَا فَمُطِرْنَا فَمَا كِدْنَا أَنْ نَصِلَ إِلَى مَنَازِلِنَا فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ قَالَ فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنَّا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا قَالَ فَلَقَدْ رَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَقَطَّعُ يَمِينًا وَشِمَالًا يُمْطَرُونَ وَلَا يُمْطَرُ ‏ ‏أَهْلُ الْمَدِينَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "960",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ هَلَكَتْ الْمَوَاشِي وَتَقَطَّعَتْ السُّبُلُ فَدَعَا فَمُطِرْنَا مِنْ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ تَهَدَّمَتْ الْبُيُوتُ وَتَقَطَّعَتْ السُّبُلُ وَهَلَكَتْ الْمَوَاشِي فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا فَقَامَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ عَلَى ‏ ‏الْآكَامِ ‏ ‏وَالظِّرَابِ ‏ ‏وَالْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ ‏ ‏فَانْجَابَتْ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏انْجِيَابَ ‏ ‏الثَّوْبِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "961",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمُطِرُوا مِنْ جُمُعَةٍ إِلَى جُمُعَةٍ فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتْ الْبُيُوتُ وَتَقَطَّعَتْ السُّبُلُ وَهَلَكَتْ الْمَوَاشِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ ‏ ‏وَالْآكَامِ ‏ ‏وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ ‏ ‏فَانْجَابَتْ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏انْجِيَابَ ‏ ‏الثَّوْبِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "962",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَوْزَاعِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلَاكَ الْمَالِ وَجَهْدَ الْعِيَالِ ‏ ‏فَدَعَا اللَّهَ يَسْتَسْقِي ‏ ‏وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَوَّلَ رِدَاءَهُ وَلَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "963",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْمَوَاشِي وَتَقَطَّعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ فَدَعَا اللَّهَ فَمُطِرْنَا مِنْ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتْ الْبُيُوتُ وَتَقَطَّعَتْ السُّبُلُ وَهَلَكَتْ الْمَوَاشِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ عَلَى ظُهُورِ الْجِبَالِ ‏ ‏وَالْآكَامِ ‏ ‏وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ ‏ ‏فَانْجَابَتْ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏انْجِيَابَ ‏ ‏الثَّوْبِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "964",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏وَالْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ أَتَيْتُ ‏ ‏ابْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏أَبْطَئُوا عَنْ الْإِسْلَامِ ‏ ‏فَدَعَا عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ فَجَاءَهُ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏جِئْتَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ فَقَرَأَ ‏ { ‏فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ‏} ‏ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ‏ { ‏يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ‏} ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏أَسْبَاطٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسُقُوا الْغَيْثَ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا وَشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ الْمَطَرِ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا فَانْحَدَرَتْ السَّحَابَةُ عَنْ رَأْسِهِ فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَسْرُوق قَالَ : أَتَيْت اِبْن مَسْعُود ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي تَفْسِير الرُّوم بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فِي أَوَّله \" بَيْنَمَا رَجُل يُحَدِّث فِي كِنْدَة فَقَالَ يَجِيء دُخَان يَوْم الْقِيَامَة \" فَذَكَرَ الْقِصَّة وَفِيهَا \" فَفَزِعْنَا فَأَتَيْت اِبْن مَسْعُود \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : إِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَئُوا ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي الطَّرِيق الْمَذْكُورَة إِنْكَار اِبْن مَسْعُود لِمَا قَالَهُ الْقَاصّ الْمَذْكُور , وَسَنَذْكُرُ فِي تَفْسِير سُورَة الدُّخَان مَا وَقَعَ لَنَا فِي تَسْمِيَة الْقَاصّ الْمَذْكُور وَأَقْوَال الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَارْتَقِبْ يَوْم تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ) مَعَ بَقِيَّة شَرْح هَذَا الْحَدِيث , وَنَقْتَصِر فِي هَذَا الْبَاب عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِالِاسْتِسْقَاءِ اِبْتِدَاء وَانْتِهَاء. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَا عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الِاسْتِسْقَاء صِفَة مَا دَعَا بِهِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ قَوْله \" اللَّهُمَّ سَبْعًا كَسَبْعِ يُوسُف \" وَهُوَ مَنْصُوب بِفِعْلٍ تَقْدِيره أَسْأَلك , أَوْ سَلِّطْ عَلَيْهِمْ. وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير سُورَة يُوسُف بِلَفْظِ \" اللَّهُمَّ اِكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُف \" وَفِي سُورَة الدُّخَان \" اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ إِلَخْ \" وَأَفَادَ الدِّمْيَاطِيّ أَنَّ اِبْتِدَاء دُعَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قُرَيْش بِذَلِكَ كَانَ عَقِب طَرْحهمْ عَلَى ظَهْره سَلَى الْجَزُور الَّذِي تَقَدَّمَتْ قِصَّته فِي الطَّهَارَة وَكَانَ ذَلِكَ بِمَكَّة قَبْل الْهِجْرَة , وَقَدْ دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ بَعْدهَا بِالْمَدِينَةِ فِي الْقُنُوت كَمَا تَقَدَّمَ أَوَائِل الِاسْتِسْقَاء مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ اِتِّحَاد هَذِهِ الْقَصَص إِذْ لَا مَانِع أَنْ يَدْعُو بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ مِرَارًا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَان ) ‏ ‏يَعْنِي الْأُمَوِيّ وَالِد مُعَاوِيَة , وَالظَّاهِر أَنَّ مَجِيئَهُ كَانَ قَبْل الْهِجْرَة لِقَوْلِ اِبْن مَسْعُود \" ثُمَّ عَادُوا , فَذَلِكَ ‏ ‏قَوْله : ( يَوْم نَبْطِش الْبَطْشَة الْكُبْرَى ) ‏ ‏يَوْم بَدْر \" وَلَمْ يُنْقَل أَنَّ أَبَا سُفْيَان قَدِمَ الْمَدِينَة قَبْل بَدْر , وَعَلَى هَذَا فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَبُو طَالِب كَانَ حَاضِرًا ذَلِكَ فَلِذَلِكَ قَالَ \" وَأَبْيَض يُسْتَسْقَى الْغَمَام بِوَجْهِهِ \" الْبَيْت , لَكِنْ سَيَأْتِي بَعْد هَذَا بِقَلِيلِ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْقِصَّة الْمَذْكُورَة وَقَعَتْ بِالْمَدِينَةِ , فَإِنْ لَمْ يُحْمَل عَلَى التَّعَدُّد وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِل جِدًّا وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. ‏ ‏قَوْله : ( جِئْت تَأْمُر بِصِلَةِ الرَّحِم ) ‏ ‏يَعْنِي وَاَلَّذِينَ هَلَكُوا بِدُعَائِك مِنْ ذَوِي رَحِمك فَيَنْبَغِي أَنْ تَصِل رَحِمك بِالدُّعَاءِ لَهُمْ , وَلَمْ يَقَع فِي هَذَا السِّيَاق التَّصْرِيح بِأَنَّهُ دَعَا لَهُمْ , وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيث فِي تَفْسِير سُورَة \" ص \" بِلَفْظِ \" فَكَشَفَ عَنْهُمْ ثُمَّ عَادُوا \" وَفِي سُورَة الدُّخَان مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظِ \" فَاسْتَسْقَى لَهُمْ فَسُقُوا \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة أَسْبَاط الْمُعَلَّقَة. ‏ ‏قَوْله : ( بِدُخَانٍ مُبِين ) ‏ ‏الْآيَة سَقَطَ قَوْله الْآيَة لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ , وَسَيَأْتِي ذِكْر بَقِيَّة اِخْتِلَاف الرِّوَايَة فِي تَفْسِير سُورَة الدُّخَان. ‏ ‏قَوْله : ( يَوْم نَبْطِش الْبَطْشَة الْكُبْرَى ) ‏ ‏زَادَ الْأَصِيلِيُّ بَقِيَّة الْآيَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ أَسْبَاط ) ‏ ‏هُوَ اِبْن نَصْر , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَسْبَاط بْن مُحَمَّد. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَنْصُور ) ‏ ‏يَعْنِي بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور قَبْله إِلَى اِبْن مَسْعُود وَقَدْ وَصَلَهُ الْجَوْزَقِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن ثَابِت عَنْ أَسْبَاط بْن نَصْر عَنْ مَنْصُور وَهُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوق عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" لَمَّا رَأَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّاس إِدْبَارًا \" فَذَكَرَ نَحْو الَّذِي قَبْله وَزَادَ \" فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَان وَنَاس مِنْ أَهْل مَكَّة فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد إِنَّك تَزْعُم أَنَّك بُعِثْت رَحْمَة وَإِنَّ قَوْمك قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّه لَهُمْ , فَدَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسُقُوا الْغَيْث \" الْحَدِيث. وَقَدْ أَشَارُوا بِقَوْلِهِمْ \" بُعِثْت رَحْمَة \" إِلَى قَوْله تَعَالَى ( وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ ). ‏ ‏قَوْله : ( فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات فِي الصَّحِيح بِضَمِّ السِّين وَالْقَاف وَهُوَ عَلَى لُغَة بَنِي الْحَارِث , وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ الْمَذْكُورَة \" فَأُسْقِيَ النَّاس حَوْلهمْ \" وَزَادَ بَعْد هَذَا \" فَقَالَ - يَعْنِي اِبْن مَسْعُود - لَقَدْ مَرَّتْ آيَة الدُّخَان وَهُوَ الْجُوع إِلَخْ \" وَقَدْ تَعَقَّبَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْره هَذِهِ الزِّيَادَة وَنَسَبُوا أَسْبَاط بْن نَصْر إِلَى الْغَلَط فِي قَوْله \" وَشَكَا النَّاس كَثْرَة الْمَطَر إِلَخْ \" وَزَعَمُوا أَنَّهُ أَدْخَلَ حَدِيثًا فِي حَدِيث , وَأَنَّ الْحَدِيث الَّذِي فِيهِ شَكْوَى كَثْرَة الْمَطَر وَقَوْله \" اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا \" لَمْ يَكُنْ فِي قِصَّة قُرَيْش وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْقِصَّة الَّتِي رَوَاهَا أَنَس , وَلَيْسَ هَذَا التَّعَقُّب عِنْدِي بِجَيِّدٍ إِذْ لَا مَانِع أَنْ يَقَع ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ , وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ أَسْبَاط بْن نَصْر لَمْ يُغَلِّط مَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِير الدُّخَان مِنْ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي الضُّحَى فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَقِيلَ : يَا رَسُول اللَّه اِسْتَسْقِ اللَّه لِمُضَرَ , فَإِنَّهَا قَدْ هَلَكَتْ. قَالَ : لِمُضَرَ ؟ إِنَّك لَجَرِيء. فَاسْتَسْقَى فَسُقُوا \" ا ه. وَالْقَائِل \" فَقِيلَ \" يَظْهَر لِي أَنَّهُ أَبُو سُفْيَان لِمَا ثَبَتَ فِي كَثِير مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ \" فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَان \" ثُمَّ وَجَدْت فِي الدَّلَائِل لِلْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيق شَبَابَة عَنْ شُعْبَة عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ سَالِم عَنْ أَبِي الْجَعْد عَنْ شُرَحْبِيل بْن السَّمْط عَنْ كَعْب بْن مُرَّة - أَوْ مُرَّة بْن كَعْب - قَالَ \" دَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عَلَى مُضَر , فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَان فَقَالَ : اُدْعُ اللَّه لِقَوْمِك فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا \" وَرَوَاهُ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة بِهَذَا الْإِسْنَاد عَنْ كَعْب بْن مُرَّة وَلَمْ يَشُكّ , فَأَبْهَمَ أَبَا سُفْيَان قَالَ \" جَاءَهُ رَجُل فَقَالَ اِسْتَسْقِ اللَّه لِمُضَرَ , فَقَالَ : إِنَّك لَجَرِيء , أَلِمُضَرَ ؟ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه اِسْتَنْصَرْت اللَّه فَنَصَرَك , وَدَعَوْت اللَّه فَأَجَابَك , فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ اِسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مُرِيعًا مَرِيئًا طَبَقًا عَاجِلًا غَيْر رَائِث نَافِعًا غَيْر ضَارّ , قَالَ فَأُجِيبُوا , فَمَا لَبِثُوا أَنْ أَتَوْهُ فَشَكَوْا إِلَيْهِ كَثْرَة الْمَطَر فَقَالُوا : قَدْ تَهَدَّمَتْ الْبُيُوت , فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : \" اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا , فَجَعَلَ السَّحَاب يَتَقَطَّع يَمِينًا وَشِمَالًا \" فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا الرَّجُل الْمُبْهَم الْمَقُول لَهُ \" إِنَّك لَجَرِيء \" هُوَ أَبُو سُفْيَان , لَكِنْ يَظْهَر لِي أَنَّ فَاعِل \" قَالَ يَا رَسُول اللَّه اِسْتَنْصَرْت اللَّه إِلَخْ \" هُوَ كَعْب اِبْن مُرَّة رَاوِي هَذَا الْخَبَر لِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق شُعْبَة أَيْضًا عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَى كَعْب قَالَ \" دَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُضَر. فَأَتَيْته فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ اللَّه قَدْ نَصَرَك وَأَعْطَاك وَاسْتَجَابَ لَك , وَإِنَّ قَوْمك قَدْ هَلَكُوا \" الْحَدِيث , فَعَلَى هَذَا كَأَنَّ أَبَا سُفْيَان وَكَعْبًا حَضَرَا جَمِيعًا , فَكَلَّمَهُ أَبُو سُفْيَان بِشَيْءٍ وَكَعْب بِشَيْءٍ , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اِتِّحَاد قِصَّتهمَا , وَقَدْ ثَبَتَ فِي هَذِهِ مَا ثَبَتَ فِي تِلْكَ مِنْ قَوْله إِنَّك لَجَرِيء , وَمِنْ قَوْله \" فَقَالَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا \" وَغَيْر ذَلِكَ. وَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ أَسْبَاط بْن نَصْر لَمْ يَغْلَط فِي الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة وَلَمْ يَنْتَقِل مِنْ حَدِيث إِلَى حَدِيث , وَسِيَاق كَعْب بْن مُرَّة يُشْعِر بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْمَدِينَة بِقَوْلِهِ \" اِسْتَنْصَرْت اللَّه فَنَصَرَك \" لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ بَعْد الْهِجْرَة , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ اِتِّحَاد هَذِهِ الْقِصَّة مَعَ قِصَّة أَنَس , بَلْ قِصَّة أَنَس وَاقِعَة أُخْرَى لِأَنَّ فِي رِوَايَة أَنَس \" فَلَمْ يَزَلْ عَلَى الْمِنْبَر حَتَّى مُطِرُوا \" وَفِي هَذِهِ \" فَمَا كَانَ إِلَّا جُمْعَة أَوْ نَحْوهَا حَتَّى مُطِرُوا \" وَالسَّائِل فِي هَذِهِ الْقِصَّة غَيْر السَّائِل فِي تِلْكَ فَهُمَا قِصَّتَانِ وَقَعَ فِي كُلّ مِنْهُمَا طَلَب الدُّعَاء بِالِاسْتِسْقَاءِ ثُمَّ طَلَب الدُّعَاء بِالِاسْتِصْحَاء , وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ كَعْب بْن مُرَّة أَسْلَمَ قَبْل الْهِجْرَة حُمِلَ قَوْله \" اِسْتَنْصَرْت اللَّه فَنَصَرَك \" عَلَى النَّصْر بِإِجَابَةِ دُعَائِهِ عَلَيْهِمْ , وَزَالَ الْإِشْكَال الْمُتَقَدِّم وَاَللَّه أَعْلَم. وَإِنِّي لَيَكْثُر تَعَجُّبِي مِنْ كَثْرَة إِقْدَام الدِّمْيَاطِيّ عَلَى تَغْلِيط مَا فِي الصَّحِيح بِمُجَرَّدِ التَّوَهُّم , مَعَ إِمْكَان التَّصْوِيب بِمَزِيدِ التَّأَمُّل , وَالتَّنْقِيب عَنْ الطُّرُق , وَجَمْع مَا وَرَدَ فِي الْبَاب مِنْ اِخْتِلَاف الْأَلْفَاظ , فَلِلَّهِ الْحَمْد عَلَى مَا عَلَّمَ وَأَنْعَمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "965",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَقَامَ النَّاسُ فَصَاحُوا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَحَطَ الْمَطَرُ وَاحْمَرَّتْ الشَّجَرُ وَهَلَكَتْ الْبَهَائِمُ فَادْعُ اللَّهَ يَسْقِينَا فَقَالَ اللَّهُمَّ اسْقِنَا مَرَّتَيْنِ وَايْمُ اللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ ‏ ‏قَزَعَةً ‏ ‏مِنْ سَحَابٍ فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ وَأَمْطَرَتْ وَنَزَلَ عَنْ الْمِنْبَرِ فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ لَمْ تَزَلْ تُمْطِرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ صَاحُوا إِلَيْهِ تَهَدَّمَتْ الْبُيُوتُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يَحْبِسْهَا عَنَّا فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا فَكَشَطَتْ ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏فَجَعَلَتْ تَمْطُرُ حَوْلَهَا وَلَا تَمْطُرُ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏قَطْرَةٌ فَنَظَرْتُ إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ ‏ ‏الْإِكْلِيلِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "966",
        "content": "‏ ‏وَقَالَ لَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زُهَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏خَرَجَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏وَخَرَجَ مَعَهُ ‏ ‏الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏فَاسْتَسْقَى فَقَامَ بِهِمْ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مِنْبَرٍ فَاسْتَغْفَرَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ وَلَمْ يُؤَذِّنْ وَلَمْ يُقِمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏وَرَأَى ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْم ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ : الْفَرْق بَيْن \" قَالَ لَنَا \" و \" حَدَّثَنَا \" أَنَّ الْقَوْل يُسْتَعْمَل فِيمَا يُسْمَع مِنْ الشَّيْخ فِي مَقَام الْمُذَاكَرَة , وَالتَّحْدِيث فِيمَا يُسْمَع فِي مَقَام التَّحَمُّل ا ه. لَكِنْ لَيْسَ اِسْتِعْمَال الْبُخَارِيّ لِذَلِكَ مُنْحَصِرًا فِي الْمُذَاكَرَة فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلهُ فِيمَا يَكُون ظَاهِره الْوَقْف , وَفِيمَا يَصْلُح لِلْمُتَابَعَاتِ , لِتَخَلُّصِ صِيغَة التَّحْدِيث لِمَا وُضِعَ الْكِتَاب لِأَجْلِهِ مِنْ الْأُصُول الْمَرْفُوعَة. وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ وُجُود كَثِير مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي عَبَّرَ فِيهَا فِي الْجَامِع بِصِيغَةِ الْقَوْل مُعَبِّرًا فِيهَا بِصِيغَةِ التَّحْدِيث فِي تَصَانِيفه الْخَارِجَة عَنْ الْجَامِع. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيُّ , وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السَّبِيعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجَ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد الْأَنْصَارِيّ ) ‏ ‏يَعْنِي إِلَى الصَّحْرَاء يَسْتَسْقِي , وَذَلِكَ حَيْثُ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَة مِنْ جِهَة عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر فِي سَنَة أَرْبَع وَسِتِّينَ قَبْل غَلَبَة الْمُخْتَار بْن أَبِي عُبَيْد عَلَيْهَا , ذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن سَعْد وَغَيْره , وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث قَبِيصَة عَنْ الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق قَالَ \" بَعَثَ اِبْن الزُّبَيْر إِلَى عَبْد اللَّه بْن يَزِيد الْخَطْمِيّ أَنْ اِسْتَسْقِ بِالنَّاسِ , فَخَرَجَ وَخَرَجَ النَّاس مَعَهُ وَفِيهِمْ زَيْد بْن أَرْقَم وَالْبَرَاء بْن عَازِب \" أَخْرَجَهُ يَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي تَارِيخه وَخَالَفَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ الثَّوْرِيّ فَقَالَ فِيهِ \" إِنَّ اِبْن الزُّبَيْر خَرَجَ يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ \" الْحَدِيث , وَقَوْله إِنَّ اِبْن الزُّبَيْر هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ وَهْم , وَإِنَّمَا الَّذِي فَعَلَهُ هُوَ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد بِأَمْرِ اِبْن الزُّبَيْر , وَقَدْ وَافَقَ قَبِيصَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ الثَّوْرِيّ عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ بِهِمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْت وَأَبِي ذَرّ \" لَهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَسْقَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْت \" فَاسْتَغْفَرَ \". ‏ ‏( فَائِدَة ) ‏ ‏: أَوْرَدَ الْحُمَيْدِيُّ فِي \" الْجَمْع \" هَذَا الْحَدِيث فِيمَا اِنْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيّ وَوَهَمَ فِي ذَلِكَ , وَسَبَبه أَنَّ رِوَايَة مُسْلِم وَقَعَتْ فِي الْمَغَازِي ضِمْن حَدِيث لِزَيْدِ بْن أَرْقَم. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ أَخَّرَ الصَّلَاة عَنْ الْخُطْبَة , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الثَّوْرِيّ فِي رِوَايَة وَخَالَفَهُ شُعْبَة فَقَالَ فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" أَنَّ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد خَرَجَ يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ اِسْتَسْقَى \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الِاسْتِسْقَاء ذِكْر الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ وَأَنَّ الْجُمْهُور ذَهَبُوا إِلَى تَقْدِيم الصَّلَاة , وَمِمَّنْ اِخْتَارَ تَقْدِيم الْخُطْبَة اِبْن الْمُنْذِر , وَصَرَّحَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَغَيْره بِأَنَّ هَذَا الْخِلَاف فِي الِاسْتِحْبَاب لَا فِي الْجَوَاز. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يُؤَذِّن وَلَمْ يُقِمْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا أَذَان وَلَا إِقَامَة لِلِاسْتِسْقَاءِ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو إِسْحَاق وَرَأَى عَبْد اللَّه بْن يَزِيد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْحَمَوِيِّ وَحْده \" وَرَوَى عَبْد اللَّه بْن يَزِيد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ثُمَّ وَجَدْته كَذَلِكَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيِّ , فَإِنْ كَانَتْ رِوَايَته مَحْفُوظَة اِحْتُمِلَ أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ رَوَى هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ , وَالْأَظْهَر أَنَّ مُرَاده أَنَّهُ رَوَى فِي الْجُمْلَة فَيُوَافِق قَوْله رَأَى لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَثْبُت لَهُ الصُّحْبَة , أَمَّا سَمَاع هَذَا الْحَدِيث فَلَا. وَقَوْله \" قَالَ أَبُو إِسْحَاق \" هُوَ مَوْصُول , وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَحْمَد بْن يُونُس وَعَلِيّ بْن الْجَعْدِيّ عَنْ زُهَيْر وَصَرَّحَا بِاتِّصَالِهِ إِلَى أَبِي إِسْحَاق , وَكَأَنَّ السِّرّ فِي إِيرَاد هَذَا الْمَوْقُوف هُنَا كَوْنه يُفَسِّر الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْمَرْفُوعَة بَعْده \" فَدَعَا اللَّه قَائِمًا \" أَيْ كَانَ عَلَى رِجْلَيْهِ لَا عَلَى الْمِنْبَر , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "967",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَمَّهُ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي لَهُمْ فَقَامَ فَدَعَا اللَّهَ قَائِمًا ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ الْقِبْلَةِ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ فَأُسْقُوا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "968",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْتَسْقِي فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَجْهَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَالْأَصِيلِيّ \" جَهَرَ \" بِلَفْظِ الْمَاضِي. ‏"
    },
    {
        "id": "969",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ خَرَجَ ‏ ‏يَسْتَسْقِي قَالَ فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ الِاسْتِقْبَال وَقَعَ سَابِقًا لِتَحْوِيلِ الرِّدَاء , وَهُوَ ظَاهِر كَلَام الشَّافِعِيّ , وَوَقَعَ فِي كَلَام كَثِير مِنْ الشَّافِعِيَّة أَنَّهُ يُحَوِّلهُ حَالَ الِاسْتِقْبَال , وَالْفَرْق بَيْن تَحْوِيل الظَّهْر وَالِاسْتِقْبَال أَنَّهُ فِي اِبْتِدَاء التَّحْوِيل وَأَوْسَطه يَكُون مُنْحَرِفًا حَتَّى يَبْلُغ الِانْحِرَاف غَايَته فَيَصِير مُسْتَقْبِلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "970",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَسْقَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "971",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى الْمُصَلَّى ‏ ‏يَسْتَسْقِي وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏المَسْعُودِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَعَلَ الْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَهُوَ مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّل , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّق كَالْمِزِّيّ حَيْثُ عَلَّمَ عَلَى الْمَسْعُودِيّ فِي التَّهْذِيب عَلَامَة التَّعْلِيق , فَإِنَّهُ عِنْد اِبْن مَاجَهْ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سُفْيَان عَنْ الْمَسْعُودِيّ , وَكَذَا قَوْل اِبْن الْقَطَّانِ لَا نَدْرِي عَمَّنْ أَخَذَهُ الْبُخَارِيّ قَالَ : وَلِهَذَا لَا يَعُدّ أَحَد الْمَسْعُودِيّ فِي رِجَاله , وَقَدْ تَعَقَّبَهُ اِبْن الْمَوَّاقِ بِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد شَيْخه فِيهِ , وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنهمْ لَمْ يَعُدُّوا الْمَسْعُودِيّ فِي رِجَاله أَنْ لَا يَكُون وَصَلَ هَذَا الْمَوْضِع عَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِد الرِّوَايَة عَنْهُ , وَإِنَّمَا ذَكَرَ الزِّيَادَة الَّتِي زَادَهَا اِسْتِطْرَادًا , وَهُوَ كَمَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي بَكْر ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم بِإِسْنَادِهِ وَهُوَ عَنْ عَبَّاد بْن تَمِيم عَنْ عَمّه , وَزَعَمَ اِبْن الْقَطَّانِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَدْرِي عَمَّنْ أَخَذَ أَبُو بَكْر هَذِهِ الزِّيَادَة ا ه. وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَفِيهِ بَيَان كَوْن أَبِي بَكْر رَوَاهَا عَنْ عَبَّاد بْن تَمِيم عَنْ عَمّه , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ مُبَيِّنًا. قَالَ اِبْن بَطَّال : حَدِيث أَبِي بَكْر يَدُلّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاة قَبْل الْخُطْبَة لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى قَبْل قَلْب رِدَائِهِ , قَالَ : وَهُوَ أَضْبَط لِلْقِصَّةِ مِنْ وَلَده عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر حَيْثُ ذَكَرَ الْخُطْبَة قَبْل الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "972",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى ‏ ‏يُصَلِّي وَأَنَّهُ لَمَّا دَعَا ‏ ‏أَوْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ ‏ ‏اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏هَذَا مَازِنِيٌّ وَالْأَوَّلُ كُوفِيٌّ هُوَ ‏ ‏ابْنُ يَزِيدَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏بَيَّنَ أَبُو ذَرّ فِي رِوَايَته أَنَّهُ اِبْن سَلَّام. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يُصَلِّي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" يَدْعُو \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَّهُ لَمَّا دَعَا أَوْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُو ) ‏ ‏الشَّكّ مِنْ الرَّاوِي وَيُحْتَمَل أَنَّهُ يَحْيَى بْن سَعِيد فَقَدْ رَوَاهُ السَّرَّاج مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن أَيُّوب عَنْهُ بِالشَّكِّ أَيْضًا وَرَوَاهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْهُ فَلَمْ يَشُكّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب تَحْوِيل الرِّدَاء \" وَكَأَنَّهُ كَانَ يَشُكّ فِيهِ تَارَة وَيَجْزِم بِهِ أُخْرَى , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة فَوَائِده هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّف. ‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه بْن زَيْد هَذَا مَازِنِيّ ) ‏ ‏يَعْنِي رَاوِي حَدِيث الِاسْتِسْقَاء , وَالْأَوَّل كُوفِيّ وَهُوَ اِبْن يَزِيد , كَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْده هُنَا , وَأَلْيَق الْمَوَاضِع بِهَا \" بَاب الدُّعَاء فِي الِاسْتِسْقَاء قَائِمًا \" فَإِنَّ فِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد حَدِيثًا وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن زَيْد حَدِيثًا , فَيَحْسُن بَيَان تَغَايُرهمَا حَيْثُ ذُكِرَا جَمِيعًا , وَأَمَّا هَذَا الْبَاب فَلَيْسَ فِيهِ لِعَبْدِ اللَّه بْن يَزِيد ذِكْر , وَلَعَلَّ هَذَا مِنْ تَصَرُّف الْكُشْمِيهَنِيِّ وَكَأَنَّهُ رَآهُ فِي وَرَقَة مُفْرَدَة فَكَتَبَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِع اِحْتِيَاطًا , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون قَوْله \" وَالْأَوَّل \" أَيْ الَّذِي مَضَى فِي \" بَاب الدُّعَاء فِي الِاسْتِسْقَاء \" هُوَ اِبْن يَزِيد بِزِيَادَةِ الْيَاء فِي أَوَّل اِسْم أَبِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "973",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي ‏ ‏الِاسْتِسْقَاءِ وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْ سَعِيد \" عَنْ قَتَادَة أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ \" كَمَا سَيَأْتِي فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاء ) ‏ ‏ظَاهِره نَفْي الرَّفْع فِي كُلّ دُعَاء غَيْر الِاسْتِسْقَاء , وَهُوَ مُعَارَض بِالْأَحَادِيثِ الثَّابِتَة بِالرَّفْعِ فِي غَيْر الِاسْتِسْقَاء وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا كَثِيرَة , وَقَدْ أَفْرَدَهَا الْمُصَنِّف بِتَرْجَمَةٍ فِي كِتَاب الدَّعَوَات وَسَاقَ فِيهَا عِدَّة أَحَادِيث , فَذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّ الْعَمَل بِهَا أَوْلَى , وَحُمِلَ حَدِيث أَنَس عَلَى نَفْي رُؤْيَته , وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِم نَفْي رُؤْيَة غَيْره. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَأْوِيل حَدِيث أَنَس الْمَذْكُور لِأَجْلِ الْجَمْع بِأَنْ يُحْمَل النَّفْي عَلَى صِفَة مَخْصُوصَة إِمَّا الرَّفْع الْبَلِيغ فَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله \" حَتَّى يُرَى بَيَاض إِبْطَيْهِ \" وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ غَالِب الْأَحَادِيث الَّتِي وَرَدَتْ فِي رَفْع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء إِنَّمَا الْمُرَاد بِهِ مَدّ الْيَدَيْنِ وَبَسْطهمَا عِنْد الدُّعَاء , وَكَأَنَّهُ عِنْد الِاسْتِسْقَاء مَعَ ذَلِكَ زَادَ فَرَفَعَهُمَا إِلَى جِهَة وَجْهه حَتَّى حَاذَتَاهُ وَبِهِ حِينَئِذٍ يُرَى بَيَاض إِبْطَيْهِ , وَأَمَّا صِفَة الْيَدَيْنِ فِي ذَلِكَ فَلِمَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاء \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَنَس أَيْضًا \" كَانَ يَسْتَسْقِي هَكَذَا وَمَدَّ يَدَيْهِ - وَجَعَلَ بُطُونهمَا مِمَّا يَلِي الْأَرْض - حَتَّى رَأَيْت بَيَاض إِبْطَيْهِ \" قَالَ النَّوَوِيّ : قَالَ الْعُلَمَاء : السُّنَّة فِي كُلّ دُعَاء لِرَفْعِ الْبَلَاء أَنْ يَرْفَع يَدَيْهِ جَاعِلًا ظُهُور كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاء , وَإِذَا دَعَا بِسُؤَالِ شَيْء وَتَحْصِيله أَنْ يَجْعَل كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاء. اِنْتَهَى. وَقَالَ غَيْره : الْحِكْمَة فِي الْإِشَارَة بِظُهُورِ الْكَفَّيْنِ فِي الِاسْتِسْقَاء دُون غَيْره لِلتَّفَاؤُلِ بِتَقَلُّبِ الْحَال ظَهْرًا لِبَطْنٍ كَمَا قِيلَ فِي تَحْوِيل الرِّدَاء , أَوْ هُوَ إِشَارَة إِلَى صِفَة الْمَسْئُول وَهُوَ نُزُول السَّحَاب إِلَى الْأَرْض. ‏"
    },
    {
        "id": "974",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏وَعُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُقَاتِل , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَعُبَيْد اللَّه هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ , وَنَافِع مَوْلَى اِبْن عُمَر , وَالْقَاسِم بْن مُحَمَّد , أَيْ اِبْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَقَدْ سَمِعَ نَافِع مِنْ عَائِشَة وَنَزَلَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة عَنْهَا , وَكَذَا سَمِعَ عُبَيْد اللَّه مِنْ الْقَاسِم وَنَزَلَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة عَنْهُ , مَعَ أَنَّ مَعْمَرًا قَدْ رَوَاهُ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ الْقَاسِم نَفْسه بِإِسْقَاطِ نَافِع مِنْ السَّنَد أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَسَقَطَ اللَّهُمَّ لِغَيْرِهِمَا. وَصَيِّبًا مَنْصُوب بِفِعْلٍ مُقَدَّر أَيْ اِجْعَلْهُ , وَنَافِعًا صِفَة لِلصَّيِّبِ وَكَأَنَّهُ اُحْتُرِزَ بِهَا عَنْ الصَّيِّب الضَّارّ. وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ هَذَا الْوَجْه مُخْتَصَر , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَطَاء عَنْ عَائِشَة تَامًّا وَلَفْظه \" كَانَ إِذَا كَانَ يَوْم رِيح عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهه وَيَقُول إِذَا رَأَى الْمَطَر رَحْمَة \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق شُرَيْح بْن هَانِئ عَنْ عَائِشَة أَوْضَح مِنْهُ وَلَفْظه \" كَانَ إِذَا رَأَى نَاشِئًا فِي أُفُق السَّمَاء تَرَكَ الْعَمَل , فَإِنْ كَشَفَ حَمِدَ اللَّه فَإِنْ أَمْطَرَتْ قَالَ : اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا \" وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي أَوَائِل بَدْء الْخَلْق مِنْ رِوَايَة عَطَاء أَيْضًا عَنْ عَائِشَة مُقْتَصِرًا عَلَى مَعْنَى الشِّقّ الْأَوَّل وَفِيهِ \" أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ وَتَغَيَّرَ وَجْهه \" وَفِيهِ \" وَمَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْم عَادٍ ( هَذَا عَارِض ) الْآيَة \" وَعُرِفَ بِرِوَايَةِ شُرَيْحٍ أَنَّ الدُّعَاء الْمَذْكُور يُسْتَحَبّ بَعْد نُزُول الْمَطَر لِلِازْدِيَادِ مِنْ الْخَيْر وَالْبَرَكَة مُقَيَّدًا بِدَفْعِ مَا يُحْذَر مِنْ ضَرَر. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ الْقَاسِم بْن يَحْيَى ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَطَاء بْن مُقَدَّم الْمُقَدَّمِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر الْمَذْكُور بِإِسْنَادِهِ وَلَمْ أَقِف عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة مَوْصُولَة. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد عَنْ مُقَدَّم بْن مُحَمَّد عَنْ عَمّه الْقَاسِم اِبْن يَحْيَى بِهَذَا الْإِسْنَاد حَدِيثًا غَيْر هَذَا , وَزَعَمَ مُغَلْطَاي أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ وَصَلَ هَذِهِ الْمُتَابَعَة فِي غَرَائِب الْأَفْرَاد مِنْ رِوَايَة يَحْيَى عَنْ عُبَيْد اللَّه. قُلْت : لَيْسَ ذَلِكَ مُطَابِقًا إِلَّا إِنْ كَانَ نُسْخَته سَقَطَ مِنْهَا مِنْ مَتْن الْبُخَارِيّ لَفْظ الْقَاسِم بْن يَحْيَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَعُقَيْل عَنْ نَافِع ) ‏ ‏يَعْنِي كَذَلِكَ , فَأَمَّا رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ فَأَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ فِي \" عَمَل يَوْم وَلَيْلَة \" عَنْ مَحْمُود بْن خَالِد عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ بِهَذَا وَلَفْظه \" هَنِيئًا \" بَدَل نَافِعًا , وَرُوِّينَاهَا فِي \" الْغِيلَانِيَّات \" مِنْ طَرِيق دُحَيْم عَنْ الْوَلِيد وَشُعَيْب هُوَ اِبْن إِسْحَاق قَالَا حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي نَافِع فَذَكَرَهُ , وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي الْعِشْرِينَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي نَافِع أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ , وَزَالَ بِهَذَا مَا كَانَ يُخْشَى مِنْ تَدْلِيس الْوَلِيد وَتَسْوِيَته , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَل وَأَرْجَحهَا هَذِهِ الرِّوَايَة , وَيُسْتَفَاد مِنْ رِوَايَة دُحَيْم صِحَّة سَمَاع الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ نَافِع , خِلَافًا لِمَنْ نَفَاهُ. وَأَمَّا رِوَايَة عُقَيْل فَذَكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَالَ أَوَّلًا تَابَعَهُ الْقَاسِم ثُمَّ قَالَ وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ , فَكَانَ تَغَيُّر الْأُسْلُوب لِإِفَادَةِ الْعُمُوم فِي الثَّانِي , لِأَنَّ الرِّوَايَة أَعَمّ مِنْ أَنْ تَكُون عَلَى سَبِيل الْمُتَابَعَة أَمْ لَا , فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَا رَوَيَاهُ عَنْ نَافِع كَمَا رَوَاهُ عُبَيْد اللَّه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَا رَوَيَاهُ عَلَى صِفَة أُخْرَى , اِنْتَهَى. وَمَا أَدْرِي لِمَ تَرَكَ اِحْتِمَال أَنَّهُ صَنَعَ ذَلِكَ لِلتَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَة مَعَ أَنَّهُ الْوَاقِع فِي نَفْس الْأَمْر لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ رِوَايَة الْجَمِيع مُتَّفِقَة لِأَنَّ الْخِلَاف الَّذِي ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ إِنَّمَا يَرْجِع إِلَى إِدْخَال وَاسِطَة بَيْن الْأَوْزَاعِيِّ وَنَافِع أَوْ لَا , وَالْبُخَارِيّ قَدْ قَيَّدَ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ بِكَوْنِهَا عَنْ نَافِع , وَالرُّوَاة لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ نَافِعًا رَوَاهُ عَنْ الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة , فَظَهَرَ بِهَذَا كَوْنهَا مُتَابَعَة لَا مُخَالَفَة , وَكَذَلِكَ رِوَايَة عُقَيْل , لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ مُتَابَعَة الْقَاسِم أَقْرَب مِنْ مُتَابَعَتهمَا لِأَنَّهُ تَابَعَ فِي عُبَيْد اللَّه وَهُمَا تَابَعَا فِي شَيْخه حَسَن أَنْ يُفْرِدهَا مِنْهُمَا وَلَمَّا أَفْرَدَهَا تَفَنَّنَ فِي الْعِبَارَة. ‏"
    },
    {
        "id": "975",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَصَابَتْ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَيْهِ وَمَا فِي السَّمَاءِ ‏ ‏قَزَعَةٌ ‏ ‏قَالَ فَثَارَ سَحَابٌ أَمْثَالُ الْجِبَالِ ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ قَالَ فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ وَفِي الْغَدِ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَقَامَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ أَوْ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَيْهِ وَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا قَالَ فَمَا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ السَّمَاءِ إِلَّا تَفَرَّجَتْ حَتَّى صَارَتْ ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏فِي مِثْلِ ‏ ‏الْجَوْبَةِ ‏ ‏حَتَّى سَالَ الْوَادِي وَادِي قَنَاةَ شَهْرًا قَالَ فَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ ‏ ‏بِالْجَوْدِ ‏",
        "sharh": "قَدْ مَضَى الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَنَس مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب تَحْوِيل الرِّدَاء \". ‏"
    },
    {
        "id": "976",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَتْ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ إِذَا هَبَّتْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "977",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نُصِرْتُ ‏ ‏بِالصَّبَا ‏ ‏وَأُهْلِكَتْ ‏ ‏عَادٌ ‏ ‏بِالدَّبُورِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم. ‏ ‏قَوْله : ( بِالصَّبَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة مَقْصُورَة يُقَال لَهَا الْقَبُول بِفَتْحِ الْقَاف لِأَنَّهَا تُقَابِل بَاب الْكَعْبَة إِذْ مَهَبّهَا مِنْ مَشْرِق الشَّمْس , وَضِدّهَا الدَّبُّور وَهِيَ الَّتِي أُهْلِكَتْ بِهَا قَوْم عَادٍ , وَمِنْ لَطِيف الْمُنَاسَبَة كَوْن الْقَبُول نَصَرْت أَهْل الْقَبُول وَكَوْن الدَّبُّور أَهْلَكْت أَهْل الْإِدْبَار , وَأَنَّ الدَّبُّور أَشَدّ مِنْ الصَّبَا لِمَا سَنَذْكُرُهُ فِي قِصَّة عَادٍ أَنَّهَا لَمْ يَخْرُج مِنْهَا إِلَّا قَدْر يَسِير وَمَعَ ذَلِكَ اِسْتَأْصَلَتْهُمْ , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة ). وَلَمَّا عَلِمَ اللَّه رَأْفَة نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمِهِ رَجَاء أَنْ يُسْلِمُوا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ الصَّبَا فَكَانَتْ سَبَب رَحِيلهمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ لِمَا أَصَابَهُمْ بِسَبَبِهَا مِنْ الشِّدَّة , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ تُهْلِك مِنْهُمْ أَحَدًا وَلَمْ تَسْتَأْصِلهُمْ. وَمِنْ الرِّيَاح أَيْضًا الْجَنُوب وَالشَّمَال , فَهَذِهِ الْأَرْبَع تَهُبّ مِنْ الْجِهَات الْأَرْبَع , وَأَيّ رِيح هَبَّتْ مِنْ بَيْن جِهَتَيْنِ مِنْهَا يُقَال لَهَا النَّكْبَاء بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْكَاف بَعْدهَا مُوَحَّدَة وَمَدّ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث فِي بَدْء الْخَلْق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "978",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "979",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ‏ ‏شَامِنَا ‏ ‏وَفِي ‏ ‏يَمَنِنَا ‏ ‏قَالَ قَالُوا وَفِي ‏ ‏نَجْدِنَا ‏ ‏قَالَ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ‏ ‏شَامِنَا ‏ ‏وَفِي ‏ ‏يَمَنِنَا ‏ ‏قَالَ قَالُوا وَفِي ‏ ‏نَجْدِنَا ‏ ‏قَالَ قَالَ هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "980",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَاةَ الصُّبْحِ ‏ ‏بِالْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ ‏ ‏أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ ‏ ‏بِنَوْءِ ‏ ‏كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زَيْد بْن خَالِد الْجُهَنِيّ ) ‏ ‏هَكَذَا يَقُول صَالِح بْن كَيْسَانَ لَمْ يُخْتَلَف عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ , وَخَالَفَهُ الزُّهْرِيُّ فَرَوَاهُ عَنْ شَيْخهمَا عُبَيْد اللَّه فَقَالَ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَقِب رِوَايَة صَالِح فَصَحَّحَ الطَّرِيقَيْنِ , لِأَنَّ عُبَيْد اللَّه سَمِعَ مِنْ زَيْد بْن خَالِد وَأَبِي هُرَيْرَة جَمِيعًا عِدَّة أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث الْعَسِيف وَحَدِيث الْأَمَة إِذَا زَنَتْ , فَلَعَلَّهُ سَمِعَ هَذَا مِنْهُمَا فَحَدَّثَ بِهِ تَارَة عَنْ هَذَا وَتَارَة عَنْ هَذَا , وَإِنَّمَا لَمْ يَجْمَعهُمَا لِاخْتِلَافِ لَفْظهمَا كَمَا سَنُشِيرُ إِلَيْهِ. وَقَدْ صَرَّحَ صَالِح بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ أَبِي عَوَانَة , وَرَوَى صَالِح عَنْ عُبَيْد اللَّه بِوَاسِطَةِ الزُّهْرِيِّ عِدَّة أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي شَاة مَيْمُونَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَة , وَحَدِيثه عَنْهُ فِي قِصَّة هِرَقْل كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي. ‏ ‏قَوْله : ( صَلَّى لَنَا ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِنَا , أَوْ اللَّام بِمَعْنَى الْبَاء أَيْ صَلَّى بِنَا , وَفِيهِ جَوَاز إِطْلَاق ذَلِكَ مَجَازًا وَإِنَّمَا الصَّلَاة لِلَّهِ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْحُدَيْبِيَةِ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّصْغِير وَتُخَفَّف يَاؤُهَا وَتُثَقَّل , يُقَال سُمِّيَتْ بِشَجَرَةِ حَدْبَاء هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى إِثْر ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمُثَلَّثَة عَلَى الْمَشْهُور وَهُوَ مَا يَعْقُب الشَّيْء. ‏ ‏قَوْله : ( سَمَاء ) ‏ ‏أَيْ مَطَر وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ سَمَاء لِكَوْنِهِ يَنْزِل مِنْ جِهَة السَّمَاء وَكُلّ جِهَة عُلُوّ تُسَمَّى سَمَاء. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَتْ مِنْ اللَّيْل ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيِّ \" مِنْ اللَّيْلَة \" بِالْإِفْرَادِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا اِنْصَرَفَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ صَلَاته أَوْ مِنْ مَكَانه. ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ تَدْرُونَ ) ‏ ‏لَفْظ اِسْتِفْهَام مَعْنَاهُ التَّنْبِيه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ صَالِح عِنْد النَّسَائِيِّ \" أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ رَبّكُمْ اللَّيْلَة \" وَهَذَا مِنْ الْأَحَادِيث الْإِلَهِيَّة وَهِيَ تَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا عَنْ اللَّه بِلَا وَاسِطَة أَوْ بِوَاسِطَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي ) ‏ ‏هَذِهِ إِضَافَة عُمُوم بِدَلِيلِ التَّقْسِيم إِلَى مُؤْمِن وَكَافِر بِخِلَافٍ مِثْل قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان ) فَإِنَّهَا إِضَافَة تَشْرِيف. ‏ ‏قَوْله : ( مُؤْمِن بِي وَكَافِر ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْكُفْرِ هُنَا كُفْر الشِّرْك بِقَرِينَةِ مُقَابَلَته بِالْإِيمَانِ , وَلِأَحْمَد مِنْ رِوَايَة نَصْر بْن عَاصِم اللَّيْثِيّ عَنْ مُعَاوِيَة اللَّيْثِيّ مَرْفُوعًا \" يَكُون النَّاس مُجْدِبِينَ فَيُنْزِل اللَّه عَلَيْهِمْ رِزْقًا مِنْ السَّمَاء مِنْ رِزْقه فَيُصْبِحُونَ مُشْرِكِينَ يَقُولُونَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا \" وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ كُفْر النِّعْمَة , وَيُرْشِد إِلَيْهِ قَوْله فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ صَالِح عَنْ سُفْيَان \" فَأَمَّا مَنْ حَمِدَنِي عَلَى سُقْيَايَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَذَلِكَ آمَنَ بِي \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان عِنْد النَّسَائِيِّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ نَحْوه , وَقَالَ فِي آخِره \" وَكَفَرَ بِي \" أَوْ قَالَ \" كَفَرَ نِعْمَتِي \" وَفِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" قَالَ اللَّه : مَا أَنْعَمْت عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَة إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيق مِنْهُمْ كَافِرِينَ بِهَا \" وَلَهُ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَصْبَحَ مِنْ النَّاس شَاكِر وَمِنْهُمْ كَافِر \" وَعَلَى الْأَوَّل حَمَلَهُ كَثِير مِنْ أَهْل الْعِلْم , وَأَعْلَى مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كَلَام الشَّافِعِيّ , قَالَ فِي \" الْأُمّ \" : مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا عَلَى مَا كَانَ بَعْض أَهْل الشِّرْك يَعْنُونَ مِنْ إِضَافَة الْمَطَر إِلَى أَنَّهُ مَطَر نَوْء كَذَا فَذَلِكَ كُفْر كَمَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ النَّوْء وَقْت وَالْوَقْت مَخْلُوق لَا يَمْلِك لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ شَيْئًا , وَمَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا عَلَى مَعْنَى مُطِرْنَا فِي وَقْت كَذَا فَلَا يَكُون كُفْرًا , وَغَيْره مِنْ الْكَلَام أَحَبّ إِلَيَّ مِنْهُ , يَعْنِي حَسْمًا لِلْمَادَّةِ , وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَل إِطْلَاق الْحَدِيث , وَحَكَى اِبْن قُتَيْبَة فِي \" كِتَاب الْأَنْوَاء \" أَنَّ الْعَرَب كَانَتْ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبَيْنِ عَلَى نَحْو مَا ذَكَرَ الشَّافِعِيّ , قَالَ : وَمَعْنَى النَّوْء سُقُوط نَجْم فِي الْمَغْرِب مِنْ النُّجُوم الثَّمَانِيَة وَالْعِشْرِينَ الَّتِي هِيَ مَنَازِل الْقَمَر , قَالَ : وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ نَاءَ إِذَا سَقَطَ , وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ النَّوْء طُلُوع نَجْم مِنْهَا , وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ نَاءَ إِذَا نَهَضَ , وَلَا تَخَالُف بَيْن الْقَوْلَيْنِ فِي الْوَقْت لِأَنَّ كُلّ نَجْم مِنْهَا إِذَا طَلَعَ فِي الْمَشْرِق وَقَعَ حَال طُلُوعه آخَر فِي الْمَغْرِب لَا يَزَال ذَلِكَ مُسْتَمِرًّا إِلَى أَنْ تَنْتَهِي الثَّمَانِيَة وَالْعِشْرُونَ بِانْتِهَاءِ السَّنَة , فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهَا ثَلَاثَة عَشَر يَوْمًا تَقْرِيبًا , قَالَ : وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يَظُنُّونَ أَنَّ نُزُول الْغَيْث بِوَاسِطَةِ النَّوْء إِمَّا بِصُنْعِهِ عَلَى زَعْمهمْ وَإِمَّا بِعَلَامَتِهِ , فَأَبْطَلَ الشَّرْع قَوْلهمْ وَجَعَلَهُ كُفْرًا , فَإِنْ اِعْتَقَدَ قَائِل ذَلِكَ أَنَّ لِلنَّوْءِ صُنْعًا فِي ذَلِكَ فَكُفْره كُفْر تَشْرِيك , وَإِنْ اِعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيل التَّجْرِبَة فَلَيْسَ بِشِرْكٍ لَكِنْ يَجُوز إِطْلَاق الْكُفْر عَلَيْهِ وَإِرَادَة كُفْر النِّعْمَة لِأَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ طُرُق الْحَدِيث بَيْن الْكُفْر وَالشِّرْك وَاسِطَة , فَيُحْمَل الْكُفْر فِيهِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ لِتَنَاوُلِ الْأَمْرَيْنِ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَلَا يَرِد السَّاكِت , لِأَنَّ الْمُعْتَقِد قَدْ يَشْكُر بِقَلْبِهِ أَوْ يَكْفُر , وَعَلَى هَذَا فَالْقَوْل فِي قَوْله \" فَأَمَّا مَنْ قَالَ \" لِمَا هُوَ أَعَمّ مِنْ النُّطْق وَالِاعْتِقَاد , كَمَا أَنَّ الْكُفْر فِيهِ لِمَا هُوَ أَعَمّ مِنْ كُفْر الشِّرْك وَكُفْر النِّعْمَة , وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ. ‏ ‏قَوْله : ( مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد النَّسَائِيِّ \" مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْمِجْدَح \" بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفَتْح الدَّال بَعْدهَا مُهْمَلَة وَيُقَال بِضَمِّ أَوَّله هُوَ الدَّبَرَان بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة بَعْدهَا , وَقِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِدْبَارِهِ الثُّرَيَّا , وَهُوَ نَجْم أَحْمَر صَغِير مُنِير. قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : كُلّ النُّجُوم الْمَذْكُورَة لَهُ نَوْء غَيْر أَنَّ بَعْضهَا أَحْمَر وَأَغْزَر مِنْ بَعْض , وَنَوْء الدَّبَرَان غَيْر مَحْمُود عِنْدهمْ , اِنْتَهَى. وَكَأَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ فِي الْحَدِيث تَنْبِيهًا عَلَى مُبَالَغَتهمْ فِي نِسْبَة الْمَطَر إِلَى النَّوْء وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَحْمُودًا , أَوْ اِتَّفَقَ وُقُوع ذَلِكَ الْمَطَر فِي ذَلِكَ الْوَقْت إِنْ كَانَتْ الْقِصَّة وَاحِدَة. وَفِي مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ أَنَّ الَّذِي قَالَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت \" مُطِرْنَا بِنَوْءِ الشِّعْرَى \" هُوَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْمَعْرُوف بِابْنِ سَلُول أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي قَتَادَة. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ طَرَحَ الْإِمَام الْمَسْأَلَة عَلَى أَصْحَابه وَإِنْ كَانَتْ لَا تُدْرَك إِلَّا بِدِقَّةِ النَّظَر. وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ أَنَّ لِلْوَلِيِّ الْمُتَمَكِّن مِنْ النَّظَر فِي الْإِشَارَة أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا عِبَارَات يَنْسُبهَا إِلَى اللَّه تَعَالَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا قَرَأْت بِخَطِّ بَعْض شُيُوخنَا , وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ اِسْتِنْطَاق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابه عَمَّا قَالَ رَبّهمْ وَحَمْل الِاسْتِفْهَام فِيهِ عَلَى الْحَقِيقَة , لَكِنَّهُمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فَهِمُوا خِلَاف ذَلِكَ , وَلِهَذَا لَمْ يُجِيبُوا إِلَّا بِتَفْوِيضِ الْأَمْر إِلَى اللَّه وَرَسُوله. ‏"
    },
    {
        "id": "981",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِفْتَاحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الْأَرْحَامِ وَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الْفِرْيَابِيُّ , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( مِفْتَاح ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَفَاتِح \". ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا يَدْرِي أَحَد مَتَى يَجِيء الْمَطَر ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" إِلَّا اللَّه \" أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن اِبْن مَهْدِيّ عَنْ الثَّوْرِيّ , وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِنُزُولِ الْمَطَر وَقْتًا مُعَيَّنًا لَا يَتَخَلَّف عَنْهُ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث فِي تَفْسِير لُقْمَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( خَاتِمَة ) ‏ ‏: اِشْتَمَلَتْ أَبْوَاب الِاسْتِسْقَاء مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى أَرْبَعِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا تِسْعَة وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر فِيهَا وَفِيمَا مَضَى سَبْعَة وَعِشْرُونَ حَدِيثًا , وَالْخَالِص ثَلَاثَة عَشَر , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث اِبْن عُمَر الَّذِي فِيهِ شِعْر أَبِي طَالِب وَحَدِيث أَنَس عَنْ عُمَر فِي الِاسْتِسْقَاء بِالْعَبَّاسِ وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد فِي الِاسْتِسْقَاء عَلَى رِجْلَيْهِ وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد فِي صِفَة تَحْوِيل الرِّدَاء - وَإِنْ كَانَ أَخْرَجَ أَصْله - وَحَدِيث عَائِشَة فِي قَوْله صَيِّبًا نَافِعًا وَأَصْله أَيْضًا فِيهِ وَحَدِيث أَنَس \" كَانَ إِذَا هَبَّتْ الرِّيح الشَّدِيدَة \" وَسَيَأْتِي بَيَان مَا اِنْفَرَدَ بِهِ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة وَغَيْرهمْ أَثَرَانِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "982",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَانْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا خَالِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الطَّحَّان , وَيُونُس هُوَ اِبْن عُبَيْد , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَتَرْجَمَة الْحَسَن عَنْ أَبِي بَكْرَة مُتَّصِلَة عِنْد الْبُخَارِيّ مُنْقَطِعَة عِنْد أَبِي حَاتِم وَالدَّارَقُطْنِيّ , وَسَيَأْتِي التَّصْرِيح بِالْإِخْبَارِ فِيهِ بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب وَهُوَ يُؤَيِّد صَنِيع الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْكَسَفَتْ ) ‏ ‏يُقَال كَسَفَتْ الشَّمْس بِفَتْحِ الْكَاف وَانْكَسَفَتْ بِمَعْنًى , وَأَنْكَرَ الْقَزَّاز اِنْكَسَفَتْ وَكَذَا الْجَوْهَرِيّ حَيْثُ نَسَبَهُ لِلْعَامَّةِ وَالْحَدِيث يَرُدّ عَلَيْهِ , وَحُكِيَ كُسِفَتْ بِضَمِّ الْكَاف وَهُوَ نَادِر. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُرّ رِدَاءَهُ ) ‏ ‏زَادَ فِي اللِّبَاس مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يُونُس \" مُسْتَعْجِلًا \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْ يُونُس \" مِنْ الْعَجَلَة \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث أَسْمَاء \" كَسَفَتْ الشَّمْس عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَزِعَ فَأَخْطَأَ بِدِرْعٍ حَتَّى أَدْرَكَ بِرِدَائِهِ \" يَعْنِي أَنَّهُ أَرَادَ لُبْس رِدَائِهِ فَلَبِسَ الدِّرْع مِنْ شُغْل خَاطِره بِذَلِكَ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ جَرّ الثَّوْب لَا يُذَمّ إِلَّا مِمَّنْ قَصَدَ بِهِ الْخُيَلَاء وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى بَيَان السَّبَب فِي الْفَزَع كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ \" كَمَا تُصَلُّونَ \" وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ صَلَاة الْكُسُوف كَصَلَاةِ النَّافِلَة , وَحَمَلَهُ اِبْن حِبَّان وَالْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى كَمَا تُصَلُّونَ فِي الْكُسُوف , لِأَنَّ أَبَا بَكْرَة خَاطَبَ بِذَلِكَ أَهْل الْبَصْرَة , وَقَدْ كَانَ اِبْن عَبَّاس عَلَّمَهُمْ أَنَّهَا رَكْعَتَانِ فِي كُلّ رَكْعَة رُكُوعَانِ كَمَا رَوَى ذَلِكَ الشَّافِعِيّ وَابْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْرهمَا , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَارِث عَنْ يُونُس الْآتِيَة فِي أَوَاخِر الْكُسُوف أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ يَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم بْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم مِثْله وَقَالَ فِيهِ \" إِنَّ فِي كُلّ رَكْعَة رُكُوعَيْنِ \" فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اِتِّحَاد الْقِصَّة , وَظَهَرَ أَنَّ رِوَايَة أَبِي بَكْرَة مُطْلَقَة. وَفِي رِوَايَة جَابِر زِيَادَة بَيَان فِي صِفَة الرُّكُوع , وَالْأَخْذ بِهَا أَوْلَى. وَوَقَعَ فِي أَكْثَر الطُّرُق عَنْ عَائِشَة أَيْضًا أَنَّ فِي كُلّ رَكْعَة رُكُوعَيْنِ \" وَعِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثهَا أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى اِنْجَلَتْ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِطَالَة الصَّلَاة حَتَّى يَقَع الِانْجِلَاء , وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ \" فَصَلُّوا وَادْعُوا \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاة قَبْل الِانْجِلَاء يَتَشَاغَل بِالدُّعَاءِ حَتَّى تَنْجَلِي , وَقَرَّرَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد بِأَنَّهُ جَعَلَ الْغَايَة لِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون غَايَة لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى اِنْفِرَاده فَجَازَ أَنْ يَكُون الدُّعَاء مُمْتَدًّا إِلَى غَايَة الِانْجِلَاء بَعْد الصَّلَاة , فَيَصِير غَايَة لِلْمَجْمُوعِ , وَلَا يَلْزَم مِنْهُ تَطْوِيل الصَّلَاة وَلَا تَكْرِيرهَا. وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير قَالَ \" كَسَفَتْ الشَّمْس عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَيَسْأَل عَنْهَا حَتَّى اِنْجَلَتْ \" فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله رَكْعَتَيْنِ أَيْ رُكُوعَيْنِ , وَقَدْ وَقَعَ التَّعْبِير عَنْ الرُّكُوع بِالرَّكْعَةِ فِي حَدِيث الْحَسَن \" خَسَفَ الْقَمَر وَابْن عَبَّاس بِالْبَصْرَةِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي كُلّ رَكْعَة رَكْعَتَانِ \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ , وَأَنْ يَكُون السُّؤَال وَقَعَ بِالْإِشَارَةِ فَلَا يَلْزَم التَّكْرَار , وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَبِي قِلَابَةَ \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ كُلَّمَا رَكَعَ رَكْعَة أَرْسَلَ رَجُلًا يَنْظُر هَلْ اِنْجَلَتْ \" فَتَعَيَّنَ الِاحْتِمَال الْمَذْكُور , وَإِنْ ثَبَتَ تَعَدُّد الْقِصَّة زَالَ الْإِشْكَال أَصْلًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الشَّمْس ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ \" فَلَمَّا كَشَفَ عَنَّا خَطَبَنَا فَقَالَ \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الِانْجِلَاء لَا يُسْقِط الْخُطْبَة كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( لِمَوْتِ أَحَد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْوَارِث الْآتِيَة بَيَان سَبَب هَذَا الْقَوْل وَلَفْظه \" وَذَلِكَ أَنَّ اِبْنًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم مَاتَ فَقَالَ النَّاس فِي ذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة مُبَارَك بْن فَضَالَة عِنْد اِبْن حِبَّان \" فَقَالَ النَّاس : إِنَّمَا كَسَفَتْ الشَّمْس لِمَوْتِ إِبْرَاهِيم \" , وَلِأَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان مِنْ رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير قَالَ \" اِنْكَسَفَتْ الشَّمْس عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ فَزِعًا يَجُرّ ثَوْبه حَتَّى أَتَى الْمَسْجِد , فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي حَتَّى اِنْجَلَتْ , فَلَمَّا اِنْجَلَتْ قَالَ : إِنَّ النَّاس يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْس وَالْقَمَر لَا يَنْكَسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيم مِنْ الْعُظَمَاء , وَلَيْسَ كَذَلِكَ \" الْحَدِيث. وَفِي هَذَا الْحَدِيث إِبْطَال مَا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ تَأْثِير الْكَوَاكِب فِي الْأَرْض , وَهُوَ نَحْو قَوْله فِي الْحَدِيث الْمَاضِي فِي الِاسْتِسْقَاء \" يَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْكُسُوف يُوجِب حُدُوث تَغَيُّر فِي الْأَرْض مِنْ مَوْت أَوْ ضَرَر , فَأَعْلَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اِعْتِقَاد بَاطِل , وَأَنَّ الشَّمْس وَالْقَمَر خَلْقَانِ مُسَخَّرَانِ لِلَّهِ لَيْسَ لَهُمَا سُلْطَان فِي غَيْرهمَا وَلَا قُدْرَة عَلَى الدَّفْع عَنْ أَنْفُسهمَا. وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ الشَّفَقَة عَلَى أُمَّته وَشِدَّة الْخَوْف مِنْ رَبّه , وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيد بَيَان. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة \" رَأَيْتُمُوهُمَا \" بِالتَّثْنِيَةِ , وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "983",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا مَسْعُودٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَقُومُوا فَصَلُّوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا شِهَاب بْن عَبَّاد ) ‏ ‏هُوَ الْعَبْدِيّ الْكُوفِيّ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم , وَلَهُمْ شَيْخ آخَر يُقَال لَهُ شِهَاب بْن عَبَّاد الْعَبْدِيّ لَكِنَّهُ بَصْرِيّ وَهُوَ أَقْدَم مِنْ الْكُوفِيّ يَكُون فِي طَبَقَة شُيُوخ شُيُوخه أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيّ وَحْده فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَإِبْرَاهِيم بْن حُمَيْدٍ شَيْخه هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الرُّؤَاسِيّ بِضَمِّ الرَّاء بَعْدهَا هَمْزَة خَفِيفَة , وَفِي طَبَقَته إِبْرَاهِيم بْن حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف الزُّهْرِيُّ وَلَمْ يُخَرِّجُوا لَهُ. وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَهَذَا الْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( آيَتَانِ ) ‏ ‏أَيْ عَلَامَتَانِ ‏ ‏( مِنْ آيَات اللَّه ) ‏ ‏أَيْ الدَّالَّة عَلَى وَحْدَانِيَّة اللَّه وَعَظِيم قُدْرَته أَوْ عَلَى تَخْوِيف الْعِبَاد مِنْ بَأْس اللَّه وَسَطَوْته , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى ( وَمَا نُرْسِل بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ) وَسَيَأْتِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" يُخَوِّف اللَّه بِهِمَا عِبَاده \" فِي بَاب مُفْرَد. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا ) ‏ ‏أَيْ الْآيَة , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ \" رَأَيْتُمُوهُمَا \" بِالتَّثْنِيَةِ , وَكَذَا فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْمَعْنَى إِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوف كُلّ مِنْهُمَا لِاسْتِحَالَةِ وُقُوع ذَلِكَ فِيهِمَا مَعًا فِي حَالَة وَاحِدَة عَادَة وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي الْقُدْرَة الْإِلَهِيَّة. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة فِي كُسُوف الْقَمَر , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب مُفْرَد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن الْمُنْذِر \" حَتَّى يَنْجَلِي كُسُوف أَيّهمَا اِنْكَسَفَ \" وَهُوَ أَصْرَح فِي الْمُرَاد , وَأَفَادَ أَبُو عَوَانَة أَنَّ فِي بَعْض الطُّرُق أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم , وَهُوَ كَذَلِكَ فِي مُسْنَد الشَّافِعِيّ , وَهُوَ يُؤَيِّد مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ اِتِّحَاد الْقِصَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُومُوا فَصَلُّوا ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا وَقْت لِصَلَاةِ الْكُسُوف مُعَيَّن , لِأَنَّ الصَّلَاة عُلِّقَتْ بِرُؤْيَتِهِ , وَهِيَ مُمْكِنَة فِي كُلّ وَقْت مِنْ النَّهَار , وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ , وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّة أَوْقَات الْكَرَاهَة وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب أَحْمَد , وَعَنْ الْمَالِكِيَّة وَقْتهَا مِنْ وَقْت حِلّ النَّافِلَة إِلَى الزَّوَال , وَفِي رِوَايَة إِلَى صَلَاة الْعَصْر , وَرُجِّحَ الْأَوَّل بِأَنَّ الْمَقْصُود إِيقَاع هَذِهِ الْعِبَادَة قَبْل الِانْجِلَاء. وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تُقْضَى بَعْد الِانْجِلَاء , فَلَوْ اِنْحَصَرَتْ فِي وَقْت لَأَمْكَنَ الِانْجِلَاء قَبْله فَيَفُوت الْمَقْصُود , وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق مَعَ كَثْرَتهَا عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهَا الْأَضْحَى لَكِنَّ ذَلِكَ وَقَعَ اِتِّفَاقًا وَلَا يَدُلّ عَلَى مَنْع مَا عَدَاهُ وَاتَّفَقَتْ الطُّرُق عَلَى أَنَّهُ بَادَرَ إِلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "984",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث الْمِصْرِيّ , وَعَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم هُوَ اِبْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَنِصْف رِجَال هَذَا الْإِسْنَاد الْأَعْلَى مَدَنِيُّونَ وَنِصْفه الْأَدْنَى مِصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَخْسِفَانِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَيَجُوز الضَّمّ , وَحَكَى اِبْن الصَّلَاح مَنْعه , وَرَوَى اِبْن خُزَيْمَةَ وَالْبَزَّار مِنْ طَرِيق نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" خَسَفَتْ الشَّمْس يَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاة وَإِلَى ذِكْر اللَّه وَادْعُوا وَتَصَدَّقُوا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا لِحَيَاتِهِ ) ‏ ‏اِسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة لِأَنَّ السِّيَاق إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَقّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيم وَلَمْ يَذْكُرُوا الْحَيَاة. وَالْجَوَاب أَنَّ فَائِدَة ذِكْر الْحَيَاة دَفْع تَوَهُّم مَنْ يَقُول لَا يَلْزَم مِنْ نَفْي كَوْنه سَبَبًا لِلْفَقْدِ أَنْ لَا يَكُون سَبَبًا لِلْإِيجَادِ , فَعَمَّمَ الشَّارِع النَّفْي لِدَفْعِ هَذَا التَّوَهُّم. ‏"
    },
    {
        "id": "985",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ مَاتَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏فَقَالَ النَّاسُ كَسَفَتْ الشَّمْسُ لِمَوْتِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْمُسْنَدِيّ , وَهَاشِم هُوَ أَبُو النَّضْر وَشَيْبَانُ هُوَ النَّحْوِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( يَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ ذَكَرَ جُمْهُور أَهْل السِّيَر أَنَّهُ مَاتَ فِي السَّنَة الْعَاشِرَة مِنْ الْهِجْرَة , فَقِيلَ فِي رَبِيع الْأَوَّل وَقِيلَ فِي رَمَضَان وَقِيلَ فِي ذِي الْحِجَّة , وَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي عَاشِر الشَّهْر وَقِيلَ فِي رَابِع عَشَرَة , وَلَا يَصِحّ شَيْء مِنْهَا عَلَى قَوْل ذِي الْحِجَّة لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذْ ذَاكَ بِمَكَّة فِي الْحَجّ , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ شَهِدَ وَفَاته وَكَانَتْ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خِلَاف , نَعَمْ قِيلَ إِنَّهُ مَاتَ سَنَة تِسْع فَإِنْ ثَبَتَ يَصِحّ , وَجَزَمَ النَّوَوِيّ بِأَنَّهَا كَانَتْ سَنَة الْحُدَيْبِيَة , وَيُجَاب بِأَنَّهُ كَانَ يَوْمئِذٍ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَرَجَعَ مِنْهَا فِي آخِر الشَّهْر , وَفِيهِ رَدّ عَلَى أَهْل الْهَيْئَة لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا يَقَع فِي الْأَوْقَات الْمَذْكُورَة , وَقَدْ فَرَضَ الشَّافِعِيّ وُقُوع الْعِيد وَالْكُسُوف مَعًا. وَاعْتَرَضَهُ بَعْض مَنْ اِعْتَمَدَ عَلَى قَوْل أَهْل الْهَيْئَة , وَانْتَدَبَ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ لِدَفْعِ قَوْل الْمُعْتَرِض فَأَصَابُوا. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا رَأَيْتُمْ ) ‏ ‏أَيْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ \" وَسَيَأْتِي مِنْ وَجْه آخَر بَعْد أَبْوَاب \" فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اِبْتَدَأَ الْبُخَارِيّ أَبْوَاب الْكُسُوف بِالْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَة فِي الصَّلَاة بِغَيْرِ تَقْيِيد بِصِفَةِ إِشَارَة مِنْهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يُعْطِي أَصْل الِامْتِثَال , وَإِنْ كَانَ إِيقَاعهَا عَلَى الصِّفَة الْمَخْصُوصَة عِنْده أَفْضَل , وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاء. وَوَقَعَ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّة كالْبَنْدَنِيجِيّ أَنَّ صَلَاتهَا رَكْعَتَيْنِ كَالنَّافِلَةِ لَا يُجْزِئ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "986",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالنَّاسِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْأُولَى ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏يَا أُمَّةَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ يَا أُمَّةَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَسَفَتْ الشَّمْس فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحَافِظ عَلَى الْوُضُوء فَلِهَذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْوُضُوء فِي تِلْكَ الْحَال , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ فِي السِّيَاق حَذْفًا سَيَأْتِي فِي رِوَايَة اِبْن شِهَاب \" خَسَفَتْ الشَّمْس فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِد فَصَفّ النَّاس وَرَاءَهُ \" وَفِي رِوَايَة عَمْرَة \" فَخَسَفَتْ فَرَجَعَ ضُحًى فَمَرَّ بَيْن الْحَجَر ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي \" وَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَفْعَال جَازَ أَنْ يَكُون حُذِفَ أَيْضًا فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَلَا يَكُون نَصًّا فِي أَنَّهُ كَانَ عَلَى وُضُوء. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَطَالَ الْقِيَام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن شِهَاب \" فَاقْتَرَأَ قِرَاءَة طَوِيلَة \" وَفِي أَوَاخِر الصَّلَاة مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ \" فَقَرَأَ بِسُورَةٍ طَوِيلَة \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب \" فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ سُورَة الْبَقَرَة فِي الرَّكْعَة الْأُولَى \" وَنَحْوه لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ عُرْوَة وَزَادَ فِيهِ أَنَّهُ \" قَرَأَ فِي الْقِيَام الْأَوَّل مِنْ الرَّكْعَة الثَّانِيَة نَحْوًا مِنْ آل عِمْرَان \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن شِهَاب \" ثُمَّ قَالَ سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ \" وَزَادَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ فِي أَوَاخِر الْكُسُوف \" رَبّنَا وَلَك الْحَمْد \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِسْتِحْبَاب الذِّكْر الْمَشْرُوع فِي الِاعْتِدَال فِي أَوَّل الْقِيَام الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَة الْأُولَى , وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْض مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّة مِنْ جِهَة كَوْنه قِيَام قِرَاءَة لَا قِيَام اِعْتِدَال بِدَلِيلِ اِتِّفَاق الْعُلَمَاء مِمَّنْ قَالَ بِزِيَادَةِ الرُّكُوع فِي كُلّ رَكْعَة عَلَى قِرَاءَة الْفَاتِحَة فِيهِ وَإِنْ كَانَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ الْمَالِكِيّ خَالَفَ فِيهِ , وَالْجَوَاب أَنَّ صَلَاة الْكُسُوف جَاءَتْ عَلَى صِفَة مَخْصُوصَة فَلَا مَدْخَل لِلْقِيَاسِ فِيهَا , بَلْ كُلّ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ فِيهَا كَانَ مَشْرُوعًا لِأَنَّهَا أَصْل بِرَأْسِهِ , وَبِهَذَا الْمَعْنَى رَدَّ الْجُمْهُور عَلَى مَنْ قَاسَهَا عَلَى صَلَاة النَّافِلَة حَتَّى مَنَعَ مِنْ زِيَادَة الرُّكُوع فِيهَا. وَقَدْ أَشَارَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّ قَوْل أَصْحَابه جَرَى عَلَى الْقِيَاس فِي صَلَاة النَّوَافِل , لَكِنْ اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْقِيَاس مَعَ وُجُود النَّصّ يَضْمَحِلّ , وَبِأَنَّ صَلَاة الْكُسُوف أَشْبَهَ بِصَلَاةِ الْعِيد وَنَحْوهَا مِمَّا يُجْمَع فِيهِ مِنْ مُطْلَق النَّوَافِل , فَامْتَازَتْ صَلَاة الْجِنَازَة بِتَرْكِ الرُّكُوع وَالسُّجُود , وَصَلَاة الْعِيدَيْنِ بِزِيَادَةِ التَّكْبِيرَات , وَصَلَاة الْخَوْف بِزِيَادَةِ الْأَفْعَال الْكَثِيرَة وَاسْتِدْبَار الْقِبْلَة , فَكَذَلِكَ اُخْتُصَّتْ صَلَاة الْكُسُوف بِزِيَادَةِ الرُّكُوع , فَالْأَخْذ بِهِ جَامِع بَيْن الْعَمَل بِالنَّصِّ وَالْقِيَاس بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَعْمَل بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَطَالَ الرُّكُوع ) ‏ ‏لَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق بَيَان مَا قَالَ فِيهِ , إِلَّا أَنَّ الْعُلَمَاء اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا قِرَاءَة فِيهِ , وَإِنَّمَا فِيهِ الذِّكْر مِنْ تَسْبِيح وَتَكْبِير وَنَحْوهمَا , وَلَمْ يَقَع فِي هَذِهِ الرِّوَايَة ذِكْر تَطْوِيل الِاعْتِدَال الَّذِي يَقَع فِيهِ السُّجُود بَعْده , وَلَا تَطْوِيل الْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي \" بَاب طُول السُّجُود \" قَوْله : ( ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة مِثْل مَا فَعَلَهُ فِي الْأُولَى ) وَقَعَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي رِوَايَة عَمْرَة الْآتِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ اِنْصَرَفَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الصَّلَاة ‏ ‏( وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن شِهَاب \" اِنْجَلَتْ الشَّمْس قَبْل أَنْ يَنْصَرِف \" وَلِلنَّسَائِيِّ \" ثُمَّ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَخَطَبَ النَّاس ) ‏ ‏فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْخُطْبَة لِلْكُسُوفِ , وَالْعَجَب أَنَّ مَالِكًا رَوَى حَدِيث هِشَام هَذَا وَفِيهِ التَّصْرِيح بِالْخُطْبَةِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَصْحَابه , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْد بَاب. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الِانْجِلَاء لَا يُسْقِط الْخُطْبَة , بِخِلَافِ مَا لَوْ اِنْجَلَتْ قَبْل أَنْ يَشْرَع فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ يُسْقِط الصَّلَاة وَالْخُطْبَة , فَلَوْ اِنْجَلَتْ فِي أَثْنَاء الصَّلَاة أَتَمَّهَا عَلَى الْهَيْئَة الْمَذْكُورَة عِنْد مَنْ قَالَ بِهَا , وَسَيَأْتِي ذِكْر دَلِيله , وَعَنْ أَصْبَغ : يُتِمّهَا عَلَى هَيْئَة النَّوَافِل الْمُعْتَادَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ فِي حَدِيث سَمُرَة \" وَشَهِدَ أَنَّهُ عَبْد اللَّه وَرَسُوله \". ‏ ‏قَوْله : ( فَاذْكُرُوا اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَادْعُوا اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّه مَا مِنْ أَحَد ) ‏ ‏فِيهِ الْقَسَم لِتَأْكِيدِ الْخَبَر وَإِنْ كَانَ السَّامِع غَيْر شَاكّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا مِنْ أَحَد أَغْيَر ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ الْخَبَر وَعَلَى أَنَّ \" مِنْ \" زَائِدَة , وَيَجُوز فِيهِ الرَّفْع عَلَى لُغَة تَمِيم , أَوْ \" أَغْيَر \" مَخْفُوض صِفَة لِأَحَدٍ , وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره مَوْجُود. ‏ ‏قَوْله : ( أَغْيَر ) ‏ ‏أَفْعَل تَفْضِيل مِنْ الْغَيْرَة بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَهِيَ فِي اللُّغَة تَغَيُّر يَحْصُل مِنْ الْحَمِيَّة وَالْأَنَفَة , وَأَصْلهَا فِي الزَّوْجَيْنِ وَالْأَهْلَيْنِ وَكُلّ ذَلِكَ مُحَال عَلَى اللَّه تَعَالَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ مُنَزَّه عَنْ كُلّ تَغَيُّر وَنَقْص فَيَتَعَيَّن حَمْله عَلَى الْمَجَاز , فَقِيلَ : لَمَّا كَانَتْ ثَمَرَة الْغَيْرَة صَوْن الْحَرِيم وَمَنْعهمْ وَزَجْر مَنْ يَقْصِد إِلَيْهِمْ , أُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَنَعَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَزَجَرَ فَاعِله وَتَوَعَّدَهُ , فَهُوَ مِنْ بَاب تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ. وَقَالَ اِبْن فَوْرك : الْمَعْنَى مَا أَحَد أَكْثَر زَجْرًا عَنْ الْفَوَاحِش مِنْ اللَّه. وَقَالَ : غَيْرَة اللَّه مَا يَغِير مِنْ حَال الْعَاصِي بِانْتِقَامِهِ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أَوْ فِي إِحْدَاهُمَا , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ اللَّه لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : أَهْل التَّنْزِيه فِي مِثْل هَذَا عَلَى قَوْلَيْنِ , إِمَّا سَاكِت , وَإِمَّا مُؤَوِّل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْغَيْرَةِ شِدَّة الْمَنْع وَالْحِمَايَة , فَهُوَ مِنْ مَجَاز الْمُلَازَمَة. وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَغَيْره : وَجْه اِتِّصَال هَذَا الْمَعْنَى بِمَا قَبْله مِنْ قَوْله \" فَاذْكُرُوا اللَّه إِلَخْ \" مِنْ جِهَة أَنَّهُمْ لَمَّا أُمِرُوا بِاسْتِدْفَاعِ الْبَلَاء بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاء وَالصَّلَاة وَالصَّدَقَة نَاسَبَ رَدْعهمْ عَنْ الْمَعَاصِي الَّتِي هِيَ مِنْ أَسْبَاب جَلْب الْبَلَاء , وَخَصَّ مِنْهَا الزِّنَا لِأَنَّهُ أَعْظَمهَا فِي ذَلِكَ. وَقِيلَ : لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَعْصِيَة مِنْ أَقْبَح الْمَعَاصِي وَأَشَدّهَا تَأْثِيرًا فِي إِثَارَة النُّفُوس وَغَلَبَة الْغَضَب نَاسَبَ ذَلِكَ تَخْوِيفهمْ فِي هَذَا الْمَقَام مِنْ مُؤَاخَذَة رَبّ الْغَيْرَة وَخَالِقهَا سُبْحَانه وَتَعَالَى. وَقَوْله \" يَا أُمَّة مُحَمَّد \" فِيهِ مَعْنَى الْإِشْفَاق كَمَا يُخَاطِب الْوَالِد وَلَده إِذَا أَشْفَقَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ \" يَا بُنَيّ \" كَذَا قِيلَ , وَكَانَ قَضِيَّة ذَلِكَ أَنْ يَقُول يَا أُمَّتِي لَكِنْ لِعُدُولِهِ عَنْ الْمُضْمَر إِلَى الْمُظْهَر حِكْمَة , وَكَأَنَّهَا بِسَبَبِ كَوْن الْمَقَام مَقَام تَحْذِير وَتَخْوِيف لِمَا فِي الْإِضَافَة إِلَى الضَّمِير مِنْ الْإِشْعَار بِالتَّكْرِيمِ , وَمِثْله \" يَا فَاطِمَة بِنْت مُحَمَّد لَا أُغْنِي عَنْك مِنْ اللَّه شَيْئًا \" الْحَدِيث. وَصَدَّرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَامه بِالْيَمِينِ لِإِرَادَةِ التَّأْكِيد لِلْخَبَرِ وَإِنْ كَانَ لَا يُرْتَاب فِي صِدْقه , وَلَعَلَّ تَخْصِيص الْعِيد وَالْأُمَّة بِالذِّكْرِ رِعَايَة لِحُسْنِ الْأَدَب مَعَ اللَّه تَعَالَى لِتَنَزُّهِهِ عَنْ الزَّوْجَة وَالْأَهْل مِمَّنْ يَتَعَلَّق بِهِمْ الْغَيْرَة غَالِبًا. وَيُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" يَا أُمَّة مُحَمَّد \" أَنَّ الْوَاعِظ يَنْبَغِي لَهُ حَالَ وَعْظه أَنْ لَا يَأْتِي بِكَلَامٍ فِيهِ تَفْخِيم لِنَفْسِهِ , بَلْ يُبَالِغ فِي التَّوَاضُع لِأَنَّهُ أَقْرَب إِلَى اِنْتِفَاع مَنْ يَسْمَعهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَم ) ‏ ‏أَيْ مِنْ عَظِيم قُدْرَة اللَّه وَانْتِقَامه مِنْ أَهْل الْإِجْرَام , وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَوْ دَامَ عِلْمكُمْ كَمَا دَامَ عِلْمِي , لِأَنَّ عِلْمه مُتَوَاصِل بِخِلَافِ غَيْره , وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَوْ عَلِمْتُمْ مِنْ سَعَة رَحْمَة اللَّه وَحِلْمه وَغَيْر ذَلِكَ مَا أَعْلَم لَبَكَيْتُمْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ) ‏ ‏قِيلَ مَعْنَى الْقِلَّة هُنَا الْعَدَم , وَالتَّقْدِير لَتَرَكْتُمْ الضَّحِك وَلَمْ يَقَع مِنْكُمْ إِلَّا نَادِرًا لِغَلَبَةِ الْخَوْف وَاسْتِيلَاء الْحُزْن. وَحَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب أَنَّ سَبَب ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَنْصَار مِنْ مَحَبَّة اللَّهْو وَالْغِنَاء. وَأَطَالَ فِي تَقْرِير ذَلِكَ بِمَا لَا طَائِل فِيهِ وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ. وَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ الْمُخَاطَب بِذَلِكَ الْأَنْصَار دُون غَيْرهمْ ؟ وَالْقِصَّة كَانَتْ فِي أَوَاخِر زَمَنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ اِمْتَلَأَتْ الْمَدِينَة بِأَهْلِ مَكَّة وَوُفُود الْعَرَب وَقَدْ بَالَغَ الزَّيْن بْن الْمُنِير فِي الرَّدّ عَلَيْهِ وَالتَّشْنِيع بِمَا يُسْتَغْنَى عَنْ حِكَايَته. وَفِي الْحَدِيث تَرْجِيح التَّخْوِيف فِي الْخُطْبَة عَلَى التَّوَسُّع فِي التَّرْخِيص لِمَا فِي ذِكْر الرُّخَص مِنْ مُلَاءَمَة النُّفُوس لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الشَّهْوَة , وَالطَّبِيب الْحَاذِق يُقَابِل الْعِلَّة بِمَا يُضَادّهَا لَا بِمَا يَزِيدهَا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِصَلَاةِ الْكُسُوف هَيْئَة تَخُصّهَا مِنْ التَّطْوِيل الزَّائِد عَلَى الْعَادَة فِي الْقِيَام وَغَيْره , وَمِنْ زِيَادَة رُكُوع فِي كُلّ رَكْعَة. وَقَدْ وَافَقَ عَائِشَة عَلَى رِوَايَة ذَلِكَ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو مُتَّفَق عَلَيْهِمَا , وَمِثْله عَنْ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر كَمَا تَقَدَّمَ فِي صِفَة الصَّلَاة , وَعَنْ جَابِر عِنْد مُسْلِم , وَعَنْ عَلِيّ عِنْد أَحْمَد , وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد النَّسَائِيِّ , وَعَنْ اِبْن عُمَر عِنْد الْبَزَّار , وَعَنْ أُمّ سُفْيَان عِنْد الطَّبَرَانِيِّ وَفِي رِوَايَاتهمْ زِيَادَة رَوَاهَا الْحُفَّاظ الثِّقَات فَالْأَخْذ بِهَا أَوْلَى مِنْ إِلْغَائِهَا وَبِذَلِكَ قَالَ جُمْهُور أَهْل الْعِلْم مِنْ أَهْل الْفُتْيَا , وَقَدْ وَرَدَتْ الزِّيَادَة فِي ذَلِكَ مِنْ طُرُق أُخْرَى فَعِنْد مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة , وَآخَر عَنْ جَابِر أَنَّ فِي كُلّ رَكْعَة ثَلَاث رُكُوعَات , وَعِنْده مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ فِي كُلّ رَكْعَة أَرْبَع رُكُوعَات , وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أُبَيِّ بْن كَعْب , وَالْبَزَّار مِنْ حَدِيث عَلِيّ أَنَّ فِي كُلّ رَكْعَة خَمْس رُكُوعَات , وَلَا يَخْلُو إِسْنَاد مِنْهَا عَنْ عِلَّة وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ وَابْن عَبْد الْبَرّ , وَنَقَلَ صَاحِب الْهُدَى عَنْ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَالْبُخَارِيّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعُدُّونَ الزِّيَادَة عَلَى الرُّكُوعَيْنِ فِي كُلّ رَكْعَة غَلَطًا مِنْ بَعْض الرُّوَاة , فَإِنَّ أَكْثَر طُرُق الْحَدِيث يُمْكِن رَدّ بَعْضهَا إِلَى بَعْض , وَيَجْمَعهَا أَنَّ ذَلِكَ يَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام وَإِذَا اِتَّحَدَتْ تَعَيَّنَ الْأَخْذ بِالرَّاجِحِ , وَجَمَعَ بَعْضهمْ بَيْن هَذِهِ الْأَحَادِيث بِتَعَدُّدِ الْوَاقِعَة , وَأَنَّ الْكُسُوف وَقَعَ مِرَارًا , فَيَكُون كُلّ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُه جَائِزًا , وَإِلَى ذَلِكَ نَحَا إِسْحَاق لَكِنْ لَمْ تَثْبُت عِنْده الزِّيَادَة عَلَى أَرْبَع رُكُوعَات. وَقَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن الْمُنْذِر وَالْخَطَّابِيّ وَغَيْرهمْ مِنْ الشَّافِعِيَّة : يَجُوز الْعَمَل بِجَمِيعِ مَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ الِاخْتِلَاف الْمُبَاح , وَقَوَّاهُ النَّوَوِيّ فِي شَرْح مُسْلِم , وَأَبْدَى بَعْضهمْ أَنَّ حِكْمَة الزِّيَادَة فِي الرُّكُوع وَالنَّقْص كَانَ بِحَسَبِ سُرْعَة الِانْجِلَاء وَبُطْئِهِ , فَحِين وَقَعَ الِانْجِلَاء فِي أَوَّل رُكُوع اقْتَصَرَ عَلَى مِثْل النَّافِلَة , وَحِين أَبْطَأَ زَادَ رُكُوعًا , وَحِين زَادَ فِي الْإِبْطَاء زَادَ ثَالِثًا وَهَكَذَا إِلَى غَايَة مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ وَغَيْره بِأَنَّ إِبْطَاء الِانْجِلَاء وَعَدَمه لَا يُعْلَم فِي أَوَّل الْحَال وَلَا فِي الرَّكْعَة الْأُولَى , وَقَدْ اِتَّفَقَتْ الرِّوَايَات عَلَى أَنَّ عَدَد الرُّكُوع فِي الرَّكْعَتَيْنِ سَوَاء , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُود فِي نَفْسه مَنْوِيّ مِنْ أَوَّل الْحَال. وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الِاعْتِمَاد عَلَى الرَّكْعَة الْأُولَى , وَأَمَّا الثَّانِيَة فَهِيَ تَبَع لَهَا فَمَهْمَا اِتَّفَقَ وُقُوعه فِي الْأُولَى بِسَبَبِ بُطْء الِانْجِلَاء يَقَع مِثْله فِي الثَّانِيَة لِيُسَاوِي بَيْنهمَا , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَصْبَغ كَمَا تَقَدَّمَ : إِذَا وَقَعَ الِانْجِلَاء فِي أَثْنَائِهَا يُصَلِّي الثَّانِيَة كَالْعَادَةِ. وَعَلَى هَذَا فَيَدْخُل الْمُصَلِّي فِيهَا عَلَى نِيَّة مُطْلَق الصَّلَاة , وَيَزِيد فِي الرُّكُوع بِحَسَبِ الْكُسُوف , وَلَا مَانِع مِنْ ذَلِكَ. وَأَجَابَ بَعْض الْحَنَفِيَّة عَنْ زِيَادَة الرُّكُوع بِحَمْلِهِ عَلَى رَفْع الرَّأْس لِرُؤْيَةِ الشَّمْس هَلْ اِنْجَلَتْ أَمْ لَا ؟ فَإِذَا لَمْ يَرَهَا اِنْجَلَتْ رَجَعَ إِلَى رُكُوعه فَفَعَلَ ذَلِكَ مَرَّة أَوْ مِرَارًا فَظَنَّ بَعْض مَنْ رَآهُ يَفْعَل ذَلِكَ رُكُوعًا زَائِدًا. وَتُعُقِّبَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة فِي أَنَّهُ أَطَالَ الْقِيَام بَيْن الرُّكُوعَيْنِ وَلَوْ كَانَ الرَّفْع لِرُؤْيَةِ الشَّمْس فَقَطْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَطْوِيل , وَلَا سِيَّمَا الْأَخْبَار الصَّرِيحَة بِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ الِاعْتِدَال ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَة فَكُلّ ذَلِكَ يَرُدّ هَذَا الْحَمْل , وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ هَذَا الْقَائِل لَكَانَ فِيهِ إِخْرَاج لِفِعْلِ الرَّسُول عَنْ الْعِبَادَة الْمَشْرُوعَة أَوْ لَزِمَ مِنْهُ إِثْبَات هَيْئَة فِي الصَّلَاة لَا عَهْد بِهَا وَهُوَ مَا فَرَّ مِنْهُ. وَفِي حَدِيث عَائِشَة مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ الْمُبَادَرَة بِالصَّلَاةِ وَسَائِر مَا ذُكِرَ عِنْد الْكُسُوف , وَالزَّجْر عَنْ كَثْرَة الضَّحِك , وَالْحَثّ عَلَى كَثْرَة الْبُكَاء , وَالتَّحَقُّق بِمَا سَيَصِيرُ إِلَيْهِ الْمَرْء مِنْ الْمَوْت وَالْفَنَاء وَالِاعْتِبَار بِآيَاتِ اللَّه. وَفِيهِ الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِلْكَوَاكِبِ تَأْثِيرًا فِي الْأَرْض لِانْتِفَاءِ ذَلِكَ عَنْ الشَّمْس وَالْقَمَر فَكَيْف بِمَا دُونهمَا. وَفِيهِ تَقْدِيم الْإِمَام فِي الْمَوْقِف , وَتَعْدِيل الصُّفُوف , وَالتَّكْبِير بَعْد الْوُقُوف فِي مَوْضِع الصَّلَاة , وَبَيَان مَا يُخْشَى اِعْتِقَاده عَلَى غَيْر الصَّوَاب , وَاهْتِمَام الصَّحَابَة بِنَقْلِ أَفْعَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُقْتَدَى بِهِ فِيهَا. وَمِنْ حِكْمَة وُقُوع الْكُسُوف تَبْيِين أُنْمُوذَج مَا سَيَقَعُ فِي الْقِيَامَة , وَصُورَة عِقَاب مَنْ لَمْ يُذْنِب , وَالتَّنْبِيه عَلَى سُلُوك طَرِيق الْخَوْف مَعَ الرَّجَاء لِوُقُوعِ الْكُسُوف بِالْكَوْكَبِ ثُمَّ كَشْف ذَلِكَ عَنْهُ لِيَكُونَ الْمُؤْمِن مِنْ رَبّه عَلَى خَوْف وَرَجَاء. وَفِي الْكُسُوف إِشَارَة إِلَى تَقْبِيح رَأْي مَنْ يَعْبُد الشَّمْس أَوْ الْقَمَر , وَحَمَلَ بَعْضهمْ الْأَمْر فِي قَوْله تَعَالَى ( لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ ) عَلَى صَلَاة الْكُسُوف لِأَنَّهُ الْوَقْت الَّذِي يُنَاسِب الْإِعْرَاض عَنْ عِبَادَتهمَا لِمَا يَظْهَر فِيهِمَا مِنْ التَّغْيِير وَالنَّقْص الْمُنَزَّه عَنْهُ الْمَعْبُود جَلَّ وَعَلَا سُبْحَانه وَتَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "987",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ الْحَبَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نُودِيَ إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَنْصُور عَلَى رَأْي الْجَيَّانِيّ أَوْ اِبْن رَاهْوَيْهِ عَلَى رَأْي أَبِي نُعَيْم , وَيَحْيَى اِبْن صَالِح مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَرُبَّمَا أَخْرَجَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَهَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( الْحَبَشِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُعْجَمَة , وَوَهَمَ مَنْ ضَبَطَهُ بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَجَّاج الصَّوَاف عَنْ يَحْيَى \" حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَة حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه \" أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( نُودِيَ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِلَفْظِ الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ , وَصَرَّحَ الشَّيْخَانِ فِي حَدِيث عَائِشَة بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُنَادِيًا فَنَادَى بِذَلِكَ. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : هَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِمَنْ اِسْتَحَبَّ ذَلِكَ , وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَذَّن لَهَا وَلَا يُقَام. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ الصَّلَاة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَتَخْفِيف النُّون وَهِيَ الْمُفَسِّرَة , وَرُوِيَ بِتَشْدِيدِ النُّون وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره أَنَّ الصَّلَاة ذَات جَمَاعَة حَاضِرَة وَيُرْوَى بِرَفْعِ جَامِعَة عَلَى أَنَّهُ الْخَبَر , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" نُودِيَ بِالصَّلَاةِ جَامِعَة \" وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي لَفْظ التَّرْجَمَة. وَعَنْ بَعْض الْعُلَمَاء يَجُوز فِي الصَّلَاة جَامِعَة النَّصْب فِيهِمَا , وَالرَّفْع فِيهِمَا , وَيَجُوز رَفْع الْأَوَّل وَنَصْب الثَّانِي , وَبِالْعَكْسِ. ‏"
    },
    {
        "id": "988",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَنْبَسَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَكَبَّرَ فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِرَاءَةً طَوِيلَةً ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقَامَ وَلَمْ يَسْجُدْ وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ثُمَّ كَبَّرَ وَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ أَدْنَى مِنْ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ وَانْجَلَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ ثُمَّ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏هُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ ‏ ‏وَكَانَ يُحَدِّثُ ‏ ‏كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ بِمِثْلِ حَدِيثِ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِعُرْوَةَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أَخَاكَ ‏ ‏يَوْمَ خَسَفَتْ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ قَالَ أَجَلْ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَصَفَّ النَّاس ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ أَيْ اِصْطَفَوْا , يُقَال صَفَّ الْقَوْم إِذَا صَارُوا صَفًّا , وَيَجُوز النَّصْب وَالْفَاعِل مَحْذُوف وَالْمُرَاد بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَة الْآخِرَة مِثْل ذَلِكَ ) ‏ ‏فِيهِ إِطْلَاق الْقَوْل عَلَى الْفِعْل , فَقَدْ ذَكَرَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه بِلَفْظِ \" ثُمَّ فَعَلَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَفْزَعُوا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الزَّاي أَيْ اِلْتَجِئُوا وَتَوَجَّهُوا , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى الْمُبَادَرَة إِلَى الْمَأْمُور بِهِ , وَأَنَّ الِالْتِجَاء إِلَى اللَّه عِنْد الْمَخَاوِف بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَار سَبَب لِمَحْوِ مَا فُرِّطَ مِنْ الْعِصْيَان يُرْجَى بِهِ زَوَال الْمَخَاوِف وَأَنَّ الذُّنُوب سَبَب لِلْبَلَايَا وَالْعُقُوبَات الْعَاجِلَة وَالْآجِلَة , نَسْأَل اللَّه تَعَالَى رَحْمَته وَعَفْوه وَغُفْرَانه. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى الصَّلَاة ) ‏ ‏أَيْ الْمَعْهُودَة الْخَاصَّة , وَهِيَ الَّتِي تَقَدَّمَ فِعْلهَا مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل الْخُطْبَة. وَلَمْ يُصِبْ مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مُطْلَق الصَّلَاة. وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ أَنَّ الْجَمَاعَة لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّتهَا لِأَنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الصَّلَاة وَالْمُسَارَعَة إِلَيْهَا , وَانْتِظَار الْجَمَاعَة قَدْ يُؤَدِّي إِلَى فَوَاتهَا وَإِلَى إِخْلَاء بَعْض الْوَقْت مِنْ الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ يُحَدِّث كَثِير بْن عَبَّاس ) ‏ ‏هُوَ بِتَقْدِيمِ الْخَبَر عَلَى الِاسْم , وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْلِم مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" وَأَخْبَرَنِي كَثِير بْن الْعَبَّاس \" وَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن نَمِر عَنْ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ وَسَاقَ الْمَتْن بِلَفْظِ \" صَلَّى يَوْم كَسَفَتْ الشَّمْس أَرْبَع رَكَعَات فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَع سَجَدَات \" وَطَوَّلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لِعُرْوَةَ ) ‏ ‏هُوَ مَقُول الزُّهْرِيِّ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَخَاك ) ‏ ‏يَعْنِي عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّف مِنْ وَجْه آخَر كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الْكُسُوف , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" فَقُلْت لِعُرْوَةَ وَاَللَّه مَا فَعَلَ ذَاكَ أَخُوك عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , اِنْخَسَفَتْ الشَّمْس وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ زَمَن أَرَادَ أَنْ يَسِير إِلَى الشَّام فَمَا صَلَّى إِلَّا مِثْل الصُّبْح \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَجَل لِأَنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان \" فَقَالَ أَجَل , كَذَلِكَ صَنَعَ وَأَخْطَأَ السُّنَّة \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ السُّنَّة أَنْ يُصَلِّي صَلَاة الْكُسُوف فِي كُلّ رَكْعَة رُكُوعَانِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عُرْوَة تَابِعِيّ وَعَبْد اللَّه صَحَابِيّ فَالْأَخْذ بِفِعْلِهِ أَوْلَى , وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْل عُرْوَة وَهُوَ تَابِعِيّ \" السُّنَّة كَذَا \" وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ مُرْسَل عَلَى الصَّحِيح لَكِنْ قَدْ ذَكَرَ عُرْوَة مُسْتَنَده فِي ذَلِكَ وَهُوَ خَبَر عَائِشَة الْمَرْفُوع , فَانْتَفَى عَنْهُ اِحْتِمَال كَوْنه مَوْقُوفًا أَوْ مُنْقَطِعًا , فَيُرَجَّح الْمَرْفُوع عَلَى الْمَوْقُوف , فَلِذَلِكَ حُكِمَ عَلَى صَنِيع أَخِيهِ بِالْخَطَأِ , وَهُوَ أَمْر نِسْبِيّ وَإِلَّا فَمَا صَنَعَهُ عَبْد اللَّه يَتَأَدَّى بِهِ أَصْل السُّنَّة وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَقْصِير بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَمَالِ السُّنَّة. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَبْد اللَّه أَخْطَأَ السُّنَّة عَنْ غَيْر قَصْد لِأَنَّهَا لَمْ تَبْلُغهُ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "989",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى يَوْمَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ فَكَبَّرَ فَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَقَامَ كَمَا هُوَ ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً وَهِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهِيَ أَدْنَى مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ سَلَّمَ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ‏ ‏إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِيهِ ‏ ‏( ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا ) ‏ ‏فِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُسَنّ تَطْوِيل السُّجُود فِي الْكُسُوف , وَسَيَأْتِي ذِكْره فِي بَاب مُفْرَد. ‏"
    },
    {
        "id": "990",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ ‏ ‏وَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَلَمْ ‏ ‏يَذْكُرْ ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏وَشُعْبَةُ ‏ ‏وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏أَشْعَثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُبَارَكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَذْكُر عَبْد الْوَارِث وَشُعْبَة وَخَالِد بْن عَبْد اللَّه وَحَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ يُونُس : يُخَوِّف اللَّه بِهِمَا عِبَاده ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة عَبْد الْوَارِث فَأَوْرَدَهَا الْمُصَنِّف بَعْد عَشْرَة أَبْوَاب عَنْ أَبِي مَعْمَر عَنْهُ وَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ , لَكِنَّهُ ثَبَتَ مِنْ رِوَايَة عَبْد الْوَارِث مِنْ وَجْه آخَر أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عِمْرَان بْن مُوسَى عَنْ عَبْد الْوَارِث وَذَكَرَ فِيهِ يُخَوِّف اللَّه بِهِمَا عِبَاده , وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لَمْ يَذْكُرهُ أَبُو مَعْمَر , وَذَكَرَهُ غَيْره عَنْ عَبْد الْوَارِث. وَأَمَّا رِوَايَة شُعْبَة فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي الْبَاب الْمَذْكُور وَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ , وَأَمَّا رِوَايَة خَالِد بْن عَبْد اللَّه فَسَبَقَتْ فِي أَوَّل الْكُسُوف , وَأَمَّا رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة فَوَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَة حَجَّاج بْن مِنْهَال عَنْهُ بِلَفْظِ رِوَايَة خَالِد وَمَعْنَاهُ وَقَالَ فِيهِ \" فَإِذَا كَسَفَ وَاحِد مِنْهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَتَابَعَهُ أَشْعَث ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عَبْد الْمَلِك الْحُمْرَانِيّ ‏ ‏( عَنْ الْحَسَن ) ‏ ‏يَعْنِي فِي حَذْف قَوْله \" يُخَوِّف اللَّه بِهِمَا عِبَاده \" وَقَدْ وَصَلَ النَّسَائِيُّ هَذِهِ الطَّرِيق وَابْن حِبَّان وَغَيْرهمَا مِنْ طُرُق عَنْ أَشْعَث عَنْ الْحَسَن وَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَابَعَهُ مُوسَى عَنْ مُبَارَك عَنْ الْحَسَن قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَوِّف اللَّه بِهِمَا عِبَاده ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" إِنَّ اللَّه تَعَالَى \". وَمُوسَى هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيّ , وَقَالَ الدِّمْيَاطِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ : هُوَ اِبْن دَاوُدَ الضَّبِّيّ , وَالْأَوَّل أَرْجَح لِأَنَّ اِبْن إِسْمَاعِيل مَعْرُوف فِي رِجَال الْبُخَارِيّ دُون اِبْن دَاوُدَ , وَلَمْ تَقَع لِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِلَى الْآن مِنْ طَرِيق وَاحِد مِنْهُمَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَة أَبِي الْوَلِيد وَابْن حِبَّان مِنْ رِوَايَة هُدْبَة وَقَاسِم بْن أَصْبَغ مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن حَرْب كُلّهمْ عَنْ مُبَارَك , وَسَاقَ الْحَدِيث بِتَمَامِهِ , إِلَّا أَنَّ رِوَايَة هُدْبَة لَيْسَ فِيهَا \" يُخَوِّف اللَّه بِهِمَا عِبَاده \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ قَوْله \" تَابَعَهُ أَشْعَث \" فِي رِوَايَة كَرِيمَة عَقِب مُتَابَعَة مُوسَى , وَالصَّوَاب تَقْدِيمه لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ خُلُوّ رِوَايَة أَشْعَث مِنْ قَوْله \" يُخَوِّف اللَّه بِهِمَا عِبَاده \". ‏ ‏قَوْله : ( يُخَوِّف ) فِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ يَزْعُم مِنْ أَهْل الْهَيْئَة أَنَّ الْكُسُوف أَمْر عَادِيّ لَا يَتَأَخَّر وَلَا يَتَقَدَّم , إِذْ لَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُونَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَخْوِيف وَيَصِير بِمَنْزِلَةِ الْجَزْر وَالْمَدّ فِي الْبَحْر , وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ اِبْن الْعَرَبِيّ وَغَيْر وَاحِد مِنْ أَهْل الْعِلْم بِمَا فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى الْآتِي حَيْثُ قَالَ \" فَقَامَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُون السَّاعَة \" قَالُوا : فَلَوْ كَانَ الْكُسُوف بِالْحِسَابِ لَمْ يَقَع الْفَزَع , وَلَوْ كَانَ بِالْحِسَابِ لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِالْعِتْقِ وَالصَّدَقَة وَالصَّلَاة وَالذِّكْر مَعْنًى , فَإِنَّ ظَاهِر الْأَحَادِيث أَنَّ ذَلِكَ يُفِيد التَّخْوِيف , وَأَنَّ كُلّ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنْوَاع الطَّاعَة يُرْجَى أَنْ يُدْفَع بِهِ مَا يُخْشَى مِنْ أَثَر ذَلِكَ الْكُسُوف. وَمِمَّا نَقَصَ اِبْن الْعَرَبِيّ وَغَيْره أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْس لَا تَنْكَسِف عَلَى الْحَقِيقَة , وَإِنَّمَا يَحُول الْقَمَر بَيْنهَا وَبَيْن أَهْل الْأَرْض عِنْد اِجْتِمَاعهمَا فِي الْعُقْدَتَيْنِ فَقَالَ : هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْس أَضْعَاف الْقَمَر فِي الْجِرْم , فَكَيْف يَحْجُب الصَّغِير الْكَبِير إِذَا قَابَلَهُ , أَمْ كَيْف يُظْلِم الْكَثِير بِالْقَلِيلِ , وَلَا سِيَّمَا وَهُوَ مِنْ جِنْسه ؟ وَكَيْف تَحْجُب الْأَرْض نُور الشَّمْس وَهِيَ فِي زَاوِيَة مِنْهَا لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْس أَكْبَر مِنْ الْأَرْض بِتِسْعِينَ ضِعْفًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير وَغَيْره لِلْكُسُوفِ سَبَب آخَر غَيْر مَا يَزْعُمهُ أَهْل الْهَيْئَة وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِم بِلَفْظِ \" إِنَّ الشَّمْس وَالْقَمَر لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَد وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَات اللَّه , وَأَنَّ اللَّه إِذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقه خَشَعَ لَهُ \" وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ الْغَزَالِيّ هَذِهِ الزِّيَادَة وَقَالَ : إِنَّهَا لَمْ تَثْبُت فَيَجِب تَكْذِيب نَاقِلهَا. قَالَ : وَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَ تَأْوِيلهَا أَهْوَن مِنْ مُكَابَرَة أُمُور قَطْعِيَّة لَا تُصَادِم أَصْلًا مِنْ أُصُول الشَّرِيعَة. قَالَ اِبْن بَزِيزَةَ : هَذَا عَجَب مِنْهُ , كَيْف يُسَلِّم دَعْوَى الْفَلَاسِفَة وَيَزْعُم أَنَّهَا لَا تَصَادُم الشَّرِيعَة مَعَ أَنَّهَا مَبْنِيَّة عَلَى أَنَّ الْعَالَم كُرَوِيّ الشَّكْل وَظَاهِر الشَّرْع يُعْطِي خِلَاف ذَلِكَ وَالثَّابِت مِنْ قَوَاعِد الشَّرِيعَة أَنَّ الْكُسُوف أَثَر الْإِرَادَة الْقَدِيمَة وَفِعْل الْفَاعِل الْمُخْتَار , فَيَخْلُق فِي هَذَيْنِ الْجِرْمَيْنِ النُّور مَتَى شَاءَ وَالظُّلْمَة مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْر تَوَقُّف عَلَى سَبَب أَوْ رَبْط بِاقْتِرَابٍ. وَالْحَدِيث الَّذِي رَدَّهُ الْغَزَالِيّ قَدْ أَثْبَتَهُ غَيْر وَاحِد مِنْ أَهْل الْعِلْم , وَهُوَ ثَابِت مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا , لِأَنَّ النُّورِيَّة وَالْإِضَاءَة مِنْ عَالَم الْجَمَال الْحِسِّيّ , فَإِذَا تَجَلَّتْ صِفَة الْجَلَال اِنْطَمَسَتْ الْأَنْوَار لِهَيْبَتِهِ. وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ) ا ه. وَيُؤَيِّد هَذَا الْحَدِيث مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى الشَّمْس وَقَدْ اِنْكَسَفَتْ فَبَكَى حَتَّى كَادَ أَنْ يَمُوت وَقَالَ : هِيَ أَخْوَف لِلَّهِ مِنَّا. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : رُبَّمَا يَعْتَقِد بَعْضهمْ أَنَّ الَّذِي يَذْكُرهُ أَهْل الْحِسَاب يُنَافِي قَوْله \" يُخَوِّف اللَّه بِهِمَا عِبَاده \" وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ اللَّه أَفْعَالًا عَلَى حَسَب الْعَادَة , وَأَفْعَالًا خَارِجَة عَنْ ذَلِكَ , وَقُدْرَته حَاكِمَة عَلَى كُلّ سَبَب , فَلَهُ أَنْ يَقْتَطِع مَا يَشَاء مِنْ الْأَسْبَاب وَالْمُسَبِّبَات بَعْضهَا عَنْ بَعْض. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْعُلَمَاء بِاَللَّهِ لِقُوَّةِ اِعْتِقَادهمْ فِي عُمُوم قُدْرَته عَلَى خَرْق الْعَادَة وَأَنَّهُ يَفْعَل مَا يَشَاء إِذَا وَقَعَ شَيْء غَرِيب حَدَثَ عِنْدهمْ الْخَوْف لِقُوَّةِ ذَلِكَ الِاعْتِقَاد , وَذَلِكَ لَا يَمْنَع أَنْ يَكُون هُنَاكَ أَسْبَاب تَجْرِي عَلَيْهَا الْعَادَة إِلَى أَنْ يَشَاء اللَّه خَرْقهَا. وَحَاصِله أَنَّ الَّذِي يَذْكُرهُ أَهْل الْحِسَاب حَقًّا فِي نَفْس الْأَمْر لَا يُنَافِي كَوْن ذَلِكَ مُخَوِّفًا لِعِبَادِ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "991",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا فَقَالَتْ لَهَا أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَسَأَلَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا فَخَسَفَتْ الشَّمْسُ فَرَجَعَ ضُحًى فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏ظَهْرَانَيْ ‏ ‏الْحُجَرِ ثُمَّ قَامَ ‏ ‏يُصَلِّي وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ وَانْصَرَفَ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ ‏ ‏أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَائِذًا بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن السَّيِّد : هُوَ مَنْصُوب عَلَى الْمَصْدَر الَّذِي يَجِيء عَلَى مِثَال فَاعِل كَقَوْلِهِمْ عُوفِيَ عَافِيَة. أَوْ عَلَى الْحَال الْمُؤَكِّدَة النَّائِبَة مَنَاب الْمَصْدَر وَالْعَامِل فِيهِ مَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ : أَعُوذ بِاَللَّهِ عَائِذًا , وَلَمْ يَذْكُر الْفِعْل لِأَنَّ الْحَال نَائِبَة عَنْهُ , وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ أَيْ أَنَا عَائِذ وَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل أَنْ يَطَّلِع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَذَاب الْقَبْر كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الْجَنَائِز إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْن ظَهْرَانَيْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الظَّاء الْمُعْجَمَة وَالنُّون عَلَى التَّثْنِيَة و \" الْحُجَر \" بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْجِيم جَمْع حُجْرَة بِسُكُونِ الْجِيم قِيلَ الْمُرَاد بَيْن ظَهْر الْحُجَر وَالنُّون وَالْيَاء زَائِدَتَانِ , وَقِيلَ بَلْ الْكَلِمَة كُلّهَا زَائِدَة , وَالْمُرَاد بِالْحُجَرِ بُيُوت أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَانْصَرَفَ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَقُول ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه فِي رِوَايَة عُرْوَة , وَأَنَّهُ خَطَبَ وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَة وَالذِّكْر وَغَيْر ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "992",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نُودِيَ إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ فَرَكَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ جُلِّيَ عَنْ الشَّمْسِ قَالَ وَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏مَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَة ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالسَّجْدَةِ هُنَا الرَّكْعَة بِتَمَامِهَا , وَبِالرَّكْعَتَيْنِ الرُّكُوعَانِ , وَهُوَ مُوَافِق لِرِوَايَتَيْ عَائِشَة وَابْن عَبَّاس الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ فِي أَنَّ فِي كُلّ رَكْعَة رُكُوعَيْنِ وَسُجُودَيْنِ , وَلَوْ تُرِكَ عَلَى ظَاهِره لَاسْتَلْزَمَ تَثْنِيَة الرُّكُوع وَإِفْرَاد السُّجُود وَلَمْ يَصِرْ إِلَيْهِ أَحَد. فَتَعَيَّنَ تَأْوِيله. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ جُلِّيَ عَنْ الشَّمْس ) ‏ ‏أَيْ بَيْن جُلُوسه فِي التَّشَهُّد وَالسَّلَام , فَتَبَيَّنَ قَوْله فِي حَدِيث عَائِشَة \" ثُمَّ اِنْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْس \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَقَالَتْ عَائِشَة ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ اِبْن سَلَمَة فِي نَقْدِي , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فَيَكُون مِنْ رِوَايَة صَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيَّة , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّق فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَابْن خُزَيْمَةَ وَغَيْرهمَا مِنْ رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَفِيهِ قَوْل عَائِشَة هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( مَا سَجَدْت سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَل مِنْهَا ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَفِي رِوَايَة غَيْره \" مِنْهُ \" أَيْ مِنْ السُّجُود الْمَذْكُور , زَادَ مُسْلِم فِيهِ \" وَلَا رَكَعْت رُكُوعًا قَطُّ كَانَ أَطْوَل مِنْهُ \" , وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَة عُرْوَة عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ \" ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُود \" وَفِي أَوَائِل صِفَة الصَّلَاة مِنْ حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر مِثْله , وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بِلَفْظِ \" ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه فَسَجَدَ وَأَطَالَ السُّجُود \" وَنَحْوه عِنْده عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَلِلشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى \" بِأَطْوَل قِيَام وَرُكُوع وَسُجُود رَأَيْته قَطُّ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث سَمُرَة \" كَأَطْوَل مَا سَجَدَ بِنَا فِي صَلَاة قَطُّ \" وَكُلّ هَذِهِ الْأَحَادِيث ظَاهِرَة فِي أَنَّ السُّجُود فِي الْكُسُوف يَطُول كَمَا يَطُول الْقِيَام وَالرُّكُوع , وَأَبْدَى بَعْض الْمَالِكِيَّة فِيهِ بَحْثًا فَقَالَ : لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه أَطَالَ أَنْ يَكُون بَلَغَ بِهِ حَدّ الْإِطَالَة فِي الرُّكُوع , وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَمَّا رَوَاهُ مُسْلِم فِي حَدِيث جَابِر بِلَفْظِ \" وَسُجُوده نَحْو مِنْ رُكُوعه \" وَهَذَا مَذْهَب أَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ وَبِهِ جَزَمَ أَهْل الْعِلْم بِالْحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابه وَاخْتَارَهُ اِبْن سُرَيْج ثُمَّ النَّوَوِيّ , وَتَعَقَّبَهُ صَاحِب \" الْمُهَذَّب \" بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل فِي خَبَر وَلَمْ يَقُلْ بِهِ الشَّافِعِيّ ا ه. وَرَدَّ عَلَيْهِ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا فَإِنَّ الشَّافِعِيّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيّ وَلَفْظه \" ثُمَّ يَسْجُد سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ يُقِيم فِي كُلّ سَجْدَة نَحْوًا مِمَّا قَامَ فِي رُكُوعه \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ عِنْد مُسْلِم تَطْوِيل الِاعْتِدَال الَّذِي يَلِيه السُّجُود وَلَفْظه \" ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ , ثُمَّ سَجَدَ \" وَقَالَ النَّوَوِيّ : هِيَ رِوَايَة شَاذَّة مُخَالِفَة فَلَا يُعْمَل بِهَا أَوْ الْمُرَاد زِيَادَة الطُّمَأْنِينَة فِي الِاعْتِدَال لَا إِطَالَته نَحْو الرُّكُوع , وَتُعُقِّبَ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَغَيْرهمَا , مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَيْضًا فَفِيهِ \" ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ حَتَّى قِيلَ لَا يَرْفَع , ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ حَتَّى قِيلَ لَا يَسْجُد , ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ حَتَّى قِيلَ لَا يَرْفَع , ثُمَّ رَفَعَ فَجَلَسَ فَأَطَالَ الْجُلُوس حَتَّى قِيلَ لَا يَسْجُد , ثُمَّ سَجَدَ \" لَفْظ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ , وَالثَّوْرِيُّ سَمِعَ مِنْ عَطَاء قَبْل الِاخْتِلَاط فَالْحَدِيث صَحِيح , وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق عَلَى تَطْوِيل الْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ إِلَّا فِي هَذَا , وَقَدْ نَقَلَ الْغَزَالِيّ الِاتِّفَاق عَلَى تَرْك إِطَالَته , فَإِنْ أَرَادَ الِاتِّفَاق الْمَذْهَبِيّ فَلَا كَلَام , وَإِلَّا فَهُوَ مَحْجُوج بِهَذِهِ الرِّوَايَة. ‏"
    },
    {
        "id": "993",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ فَقَالَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ ‏ ‏كَعْكَعْتَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا وَلَوْ أَصَبْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا وَأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِكُفْرِهِنَّ قِيلَ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ يَكْفُرْنَ ‏ ‏الْعَشِيرَ ‏ ‏وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس ) ‏ ‏كَذَا فِي الْمُوَطَّأ وَفِي جَمِيع مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مَالِك , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اللُّؤْلُؤِيّ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" بَدَل اِبْن عَبَّاس وَهُوَ غَلَط ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ سَجَدَ ) ‏ ‏أَيْ سَجْدَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُون الْقِيَام الْأَوَّل ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ الرَّكْعَة الثَّانِيَة أَقْصَر مِنْ الْأُولَى , وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَاب مُفْرَد. ‏ ‏قَوْله : ( قَالُوا يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏فِي حَدِيث جَابِر عِنْد أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن \" فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاة قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْن كَعْب شَيْئًا صَنَعْته فِي الصَّلَاة لَمْ تَكُنْ تَصْنَعهُ \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث اِبْن عَبَّاس , إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيث جَابِر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الظُّهْر أَوْ الْعَصْر , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهِيَ قِصَّة أُخْرَى , وَلَعَلَّهَا الْقِصَّة الَّتِي حَكَاهَا أَنَس وَذَكَرَ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي صَلَاة الظُّهْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ سِيَاقه فِي \" بَاب وَقْت الظُّهْر إِذَا زَالَتْ الشَّمْس \" مِنْ كِتَاب الْمَوَاقِيت , لَكِنْ فِيهِ \" عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّة وَالنَّار فِي عُرْض هَذَا الْحَائِط حَسْب \" وَأَمَّا حَدِيث جَابِر فَهُوَ شَبِيه بِسِيَاقِ اِبْن عَبَّاس فِي ذِكْر الْعُنْقُود وَذِكْر النِّسَاء , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْنَاك تَنَاوَلْت ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" تَنَاوَلُ \" بِصِيغَةِ الْمُضَارِع بِضَمِّ اللَّام وَبِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَأَصْله تَتَنَاوَل. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ رَأَيْنَاك كَعْكَعْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ تَكَعْكَعْت بِزِيَادَةِ تَاء فِي أَوَّله وَمَعْنَاهُ تَأَخَّرْت , يُقَال كَعَّ الرَّجُل إِذَا نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَصْله تَكَعَّعْت فَاسْتَثْقَلُوا اِجْتِمَاع ثَلَاث عَيْنَات فَأَبْدَلُوا مِنْ إِحْدَاهَا حَرْفًا مُكَرَّرًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" ثُمَّ رَأَيْنَاك كَفَفْت \" بِفَاءَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي رَأَيْت الْجَنَّة فَتَنَاوَلْت مِنْهَا عُنْقُودًا ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهَا رُؤْيَة عَيْن فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ الْحُجُب كُشِفَتْ لَهُ دُونهَا فَرَآهَا عَلَى حَقِيقَتهَا وَطُوِيَتْ الْمَسَافَة بَيْنهمَا حَتَّى أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَنَاوَل مِنْهَا , وَهَذَا أَشْبَهَ بِظَاهِرِ هَذَا الْخَبَر , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أَسْمَاء الْمَاضِي فِي أَوَائِل صِفَة الصَّلَاة بِلَفْظِ \" دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّة حَتَّى لَوْ اِجْتَرَأْت عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافهَا \" وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهَا مُثِّلَتْ لَهُ فِي الْحَائِط كَمَا تَنْطَبِع الصُّورَة فِي الْمِرْآة فَرَأَى جَمِيع مَا فِيهَا , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أَنَس الْآتِي فِي التَّوْحِيد \" لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّة وَالنَّار آنِفًا فِي عُرْض هَذَا الْحَائِط وَأَنَا أُصَلِّي \" وَفِي رِوَايَة \" لَقَدْ مُثِّلَتْ \" وَلِمُسْلِمٍ \" لَقَدْ صُوِّرَتْ \" وَلَا يَرِد عَلَى هَذَا أَنَّ الِانْطِبَاع إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَجْسَام الثَّقِيلَة لِأَنَّا نَقُول هُوَ شَرْط عَادِيّ فَيَجُوز أَنْ تَنْخَرِق الْعَادَة خُصُوصًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنْ هَذِهِ قِصَّة أُخْرَى وَقَعَتْ فِي صَلَاة الظُّهْر وَلَا مَانِع أَنْ يَرَى الْجَنَّة وَالنَّار مَرَّتَيْنِ بَلْ مِرَارًا عَلَى صُوَر مُخْتَلِفَة. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُرَاد بِالرُّؤْيَةِ رُؤْيَة الْعِلْم. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَا إِحَالَة فِي إِبْقَاء هَذِهِ الْأُمُور عَلَى ظَوَاهِرهَا لَا سِيَّمَا عَلَى مَذْهَب أَهْل السُّنَّة فِي أَنَّ الْجَنَّة وَالنَّار قَدْ خُلِقَتَا وَوُجِدَتَا , فَيَرْجِع إِلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِدْرَاكًا خَاصًّا بِهِ أَدْرَكَ بِهِ الْجَنَّة وَالنَّار عَلَى حَقِيقَتهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَوْ أَصَبْته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم وَلَوْ أَخَذْته , وَاسْتُشْكِلَ مَعَ قَوْله \" تَنَاوَلْت \" وَأُجِيبَ بِحَمْلِ التَّنَاوُل عَلَى تَكَلُّف الْأَخْذ لَا حَقِيقَة الْأَخْذ , وَقِيلَ الْمُرَاد تَنَاوَلْت لِنَفْسِي وَلَوْ أَخَذْته لَكُمْ حَكَاهُ الْكَرْمَانِيُّ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ وَقِيلَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَنَاوَلْت أَيْ وَضَعْت يَدِي عَلَيْهِ بِحَيْثُ كُنْت قَادِرًا عَلَى تَحْوِيله لَكِنْ لَمْ يُقَدَّر لِي قَطْفه , وَلَوْ أَصَبْته أَيْ لَوْ تَمَكَّنْت مِنْ قَطْفه. وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله فِي حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ \" أَهْوَى بِيَدِهِ لِيَتَنَاوَل شَيْئًا \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي حَدِيث أَسْمَاء فِي أَوَائِل الصَّلَاة \" حَتَّى لَوْ اِجْتَرَأْت عَلَيْهَا \" وَكَأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَن لَهُ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَجْتَرِئ عَلَيْهِ , وَقِيلَ الْإِرَادَة مُقَدَّرَة , أَيْ أَرَدْت أَنْ أَتَنَاوَل ثُمَّ لَمْ أَفْعَل وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم \" وَلَقَدْ مَدَدْت يَدِي وَأَنَا أُرِيد أَنْ أَتَنَاوَل مِنْ ثَمَرهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ , ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ آخُذ لَا أَفْعَل \" وَمِثْله لِلْمُصَنِّفِ مِنْ حَدِيث عَائِشَة كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِر الصَّلَاة بِلَفْظِ \" حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتنِي أُرِيد أَنْ آخُذ قِطْفًا مِنْ الْجَنَّة حِين رَأَيْتُمُونِي جَعَلْت أَتَقَدَّم \" وَلِعَبْدِ الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق مُرْسَلَة \" أَرَدْت أَنْ آخُذ مِنْهَا قِطْفًا لِأُرِيَكُمُوهُ فَلَمْ يُقَدَّر \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث جَابِر \" فَحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنه \" قَالَ اِبْن بَطَّال : لَمْ يَأْخُذ الْعُنْقُود لِأَنَّهُ مِنْ طَعَام الْجَنَّة وَهُوَ لَا يَفْنَى , وَالدُّنْيَا فَانِيَة لَا يَجُوز أَنْ يُؤْكَل فِيهَا مَا لَا يَفْنَى. وَقِيلَ لِأَنَّهُ لَوْ رَآهُ النَّاس لَكَانَ مِنْ إِيمَانهمْ بِالشَّهَادَةِ لَا بِالْغَيْبِ فَيُخْشَى أَنْ يَقَع رَفْع التَّوْبَة فَلَا يَنْفَع نَفْسًا إِيمَانهَا. وَقِيلَ : لِأَنَّ الْجَنَّة جَزَاء الْأَعْمَال , وَالْجَزَاء بِهَا لَا يَقَع إِلَّا فِي الْآخِرَة. وَحَكَى اِبْن الْعَرَبِيّ فِي \" قَانُون التَّأْوِيل \" عَنْ بَعْض شُيُوخه أَنَّهُ قَالَ : مَعْنَى قَوْله \" لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ إِلَخْ \" أَنْ يَخْلُق فِي نَفْس الْآكِل مِثْل الَّذِي أَكَلَ دَائِمًا بِحَيْثُ لَا يَغِيب عَنْ ذَوْقه. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ رَأْي فَلْسَفِيّ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ دَارَ الْآخِرَة لَا حَقَائِق لَهَا وَإِنَّمَا هِيَ أَمْثَال , وَالْحَقّ أَنَّ ثِمَار الْجَنَّة لَا مَقْطُوعَة وَلَا مَمْنُوعَة , وَإِذَا قُطِعَتْ خُلِقَتْ فِي الْحَال , فَلَا مَانِع أَنْ يَخْلُق اللَّه مِثْل ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا إِذَا شَاءَ , وَالْفَرْق بَيْن الدَّارَيْنِ فِي وُجُوب الدَّوَام وَجَوَازه. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏بَيَّنَ سَعِيد بْن مَنْصُور فِي رِوَايَته مِنْ وَجْه آخَر عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ أَنَّ التَّنَاوُل الْمَذْكُور كَانَ حِين قِيَامه الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَة الثَّانِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأُرِيت النَّار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" وَرَأَيْت \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق الْمَذْكُورَة أَنَّ رُؤْيَته النَّار كَانَتْ قَبْل رُؤْيَته الْجَنَّة وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ \" عُرِضَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّار فَتَأَخَّرَ عَنْ مُصَلَّاهُ حَتَّى أَنَّ النَّاس لَيَرْكَب بَعْضهمْ بَعْضًا , وَإِذَا رَجَعَ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّة فَذَهَبَ يَمْشِي حَتَّى وَقَفَ فِي مُصَلَّاهُ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث جَابِر \" لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ حِين رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْت مَخَافَة أَنْ يُصِيبنِي مِنْ لَفْحهَا \" وَفِيهِ \" ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ وَذَلِكَ حِين رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْت حَتَّى قُمْت فِي مَقَامِي \" وَزَادَ فِيهِ \" مَا مِنْ شَيْء تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْته فِي صَلَاتِي هَذِهِ \" , وَفِي حَدِيث سَمُرَة عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ \" لَقَدْ رَأَيْت مُنْذُ قُمْت أُصَلِّي مَا أَنْتُمْ لَاقُونَ فِي دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَع ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْيَوْمِ الْوَقْت الَّذِي هُوَ فِيهِ , أَيْ لَمْ أَرَ مَنْظَرًا مِثْل مَنْظَر رَأَيْته الْيَوْم , فَحَذَفَ الْمَرْئِيّ وَأَدْخَلَ التَّشْبِيه عَلَى الْيَوْم لِبَشَاعَةِ مَا رَأَى فِيهِ وَبُعْده عَنْ الْمَنْظَر الْمَأْلُوف , وَقِيلَ : الْكَاف اِسْم وَالتَّقْدِير مَا رَأَيْت مِثْل مَنْظَر هَذَا الْيَوْم مَنْظَرًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالْحَمَوِيِّ \" فَلَمْ أَنْظُر كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَع \". ‏ ‏قَوْله : ( وَرَأَيْت أَكْثَر أَهْلهَا النِّسَاء ) ‏ ‏هَذَا يُفَسِّر وَقْت الرُّؤْيَة فِي قَوْله لَهُنَّ فِي خُطْبَة الْعِيد \" تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَر أَهْل النَّار \" وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي كِتَاب الْحَيْض , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِيد الْإِلْمَام بِتَسْمِيَةِ الْقَائِل \" أَيَكْفُرْنَ \". ‏ ‏قَوْله : ( يَكْفُرْنَ بِاَللَّهِ ؟ قَالَ يَكْفُرْنَ الْعَشِير ) ‏ ‏كَذَا لِلْجُمْهُورِ عَنْ مَالِك , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة حَفْص بْن مَيْسَرَة عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , وَوَقَعَ فِي مُوَطَّأ يَحْيَى بْن يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيّ قَالَ \" وَيَكْفُرْنَ الْعَشِير \" بِزِيَادَةِ وَاو , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ زِيَادَة الْوَاو غَلَط مِنْهُ , فَإِنْ كَانَ الْمُرَاد مِنْ تَغْلِيطه كَوْنه خَالَفَ غَيْره مِنْ الرُّوَاة فَهُوَ كَذَلِكَ , وَأَطَاقَ عَلَى الشُّذُوذ غَلَطًا , وَإِنْ كَانَ الْمُرَاد مِنْ تَغْلِيطه فَسَاد الْمَعْنَى فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَوَاب طَابَقَ السُّؤَال وَزَادَ , وَذَلِكَ أَنَّهُ أَطْلَقَ لَفْظ النِّسَاء فَعَمَّ الْمُؤْمِنَة مِنْهُنَّ وَالْكَافِرَة , فَلَمَّا قِيلَ \" يَكْفُرْنَ بِاَللَّهِ \" فَأَجَابَ \" وَيَكْفُرْنَ الْعَشِير إِلَخْ \" وَكَأَنَّهُ قَالَ : نَعَمْ يَقَع مِنْهُنَّ الْكُفْر بِاَللَّهِ وَغَيْره , لِأَنَّ مِنْهُنَّ مَنْ يَكْفُر بِاَللَّهِ وَمِنْهُنَّ مَنْ يَكْفُر الْإِحْسَان. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَجْه رِوَايَة يَحْيَى أَنْ يَكُون الْجَوَاب لَمْ يَقَع عَلَى وَفْق سُؤَال السَّائِل , لِإِحَاطَةِ الْعِلْم بِأَنَّ مِنْ النِّسَاء مَنْ يَكْفُر بِاَللَّهِ فَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى جَوَابه لِأَنَّ الْمَقْصُود فِي الْحَدِيث خِلَافه. ‏ ‏قَوْله : ( يَكْفُرْنَ الْعَشِير ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَمْ يُعَدّ كُفْر الْعَشِير بِالْبَاءِ كَمَا عُدِّيَ الْكُفْر بِاَللَّهِ لِأَنَّ كُفْر الْعَشِير لَا يَتَضَمَّن مَعْنَى الِاعْتِرَاف. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَان ) ‏ ‏كَأَنَّهُ بَيَان لِقَوْلِهِ \" يَكْفُرْنَ الْعَشِير \" لِأَنَّ الْمَقْصُود كُفْر إِحْسَان الْعَشِير لَا كُفْر ذَاته , وَتَقَدَّمَ تَفْسِير الْعَشِير فِي كِتَاب الْإِيمَان , وَالْمُرَاد بِكُفْرِ الْإِحْسَان تَغْطِيَته أَوْ جَحْده , وَيَدُلّ عَلَيْهِ آخِر الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ أَحْسَنْت إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْر كُلّه ) ‏ ‏بَيَان لِلتَّغْطِيَةِ الْمَذْكُورَة , و \" لَوْ \" هُنَا شَرْطِيَّة لَا امْتِنَاعِيَّة , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون امْتِنَاعِيَّة بِأَنْ يَكُون الْحُكْم ثَابِتًا عَلَى النَّقِيضَيْنِ وَالطَّرَف الْمَسْكُوت عَنْهُ أَوْلَى مِنْ الْمَذْكُور , وَالدَّهْر مَنْصُوب عَلَى الظَّرْفِيَّة , وَالْمُرَاد مِنْهُ مُدَّة عُمْر الرَّجُل أَوْ الزَّمَان كُلّه مُبَالَغَة فِي كُفْرَانهنَّ , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" أَحْسَنْت \" مُخَاطَبَة رَجُل بِعَيْنِهِ , بَلْ كُلّ مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ أَنْ يَكُون مُخَاطَبًا , فَهُوَ خَاصّ لَفْظًا عَامّ مَعْنًى. ‏ ‏قَوْله : ( شَيْئًا ) التَّنْوِين ‏ ‏فِيهِ لِلتَّقْلِيلِ أَيْ شَيْئًا قَلِيلًا لَا يُوَافِق غَرَضهَا مِنْ أَيّ نَوْع كَانَ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمَرْئِيّ فِي النَّار مِنْ النِّسَاء مَنْ اِتَّصَفَ بِصِفَاتٍ ذَمِيمَة ذُكِرَتْ وَلَفْظه \" وَأَكْثَر مَنْ رَأَيْت فِيهَا مِنْ النِّسَاء اللَّاتِي إِنْ اِؤْتَمِنَّ أَفْشَيْنَ , وَإِنْ سُئِلْنَ بَخِلْنَ , وَإِنْ سَأَلْنَ أَلْحَفْنَ , وَإِنْ أُعْطِينَ لَمْ يَشْكُرْنَ \" الْحَدِيث وَفِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ الْمُبَادَرَة إِلَى الطَّاعَة عِنْد رُؤْيَة مَا يُحْذَر مِنْهُ وَاسْتِدْفَاع الْبَلَاء بِذِكْرِ اللَّه وَأَنْوَاع طَاعَته , وَمُعْجِزَة ظَاهِرَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ نُصْح أُمَّته , وَتَعْلِيمهمْ مَا يَنْفَعهُمْ وَتَحْذِيرهمْ مِمَّا يَضُرّهُمْ , وَمُرَاجَعَة الْمُتَعَلِّم لِلْعَالِمِ فِيمَا لَا يُدْرِكهُ فَهْمه , وَجَوَاز الِاسْتِفْهَام عَنْ عِلَّة الْحُكْم , وَبَيَان الْعَالِم مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ تِلْمِيذه , وَتَحْرِيم كُفْرَان الْحُقُوق. وَوُجُوب شُكْر الْمُنْعِم. وَفِيهِ أَنَّ الْجَنَّة وَالنَّار مَخْلُوقَتَانِ مَوْجُودَتَانِ الْيَوْم , وَجَوَاز إِطْلَاق الْكُفْر عَلَى مَا لَا يُخْرِج مِنْ الْمِلَّة. وَتَعْذِيب أَهْل التَّوْحِيد عَلَى الْمَعَاصِي , وَجَوَاز الْعَمَل فِي الصَّلَاة إِذَا لَمْ يَكْثُر. ‏"
    },
    {
        "id": "994",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏امْرَأَتِهِ ‏ ‏فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏أَتَيْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي فَقُلْتُ مَا لِلنَّاسِ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ فَقُلْتُ آيَةٌ فَأَشَارَتْ أَيْ نَعَمْ قَالَتْ فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ فَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي الْمَاءَ فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ ‏ ‏أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ ‏ ‏الدَّجَّالِ ‏ ‏لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ ‏ ‏يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ ‏ ‏أَوْ الْمُوقِنُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ ‏ ‏فَيَقُولُ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا فَيُقَالُ لَهُ نَمْ صَالِحًا فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا وَأَمَّا الْمُنَافِقُ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏الْمُرْتَابُ ‏ ‏لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ ‏ ‏فَيَقُولُ لَا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر ) ‏ ‏هِيَ جَدَّة فَاطِمَة وَهِشَام لِأَبَوَيْهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَشَارَتْ أَيْ نَعَمْ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَنْ نَعَمْ \" بِنُونٍ بَدَل التَّحْتَانِيَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِده فِي \" بَاب مَنْ أَجَابَ الْفُتْيَا بِالْإِشَارَةِ \" مِنْ كِتَاب الْعِلْم وَفِي \" بَاب مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأ إِلَّا مِنْ الْغَشْي الْمُثْقِل \" مِنْ كِتَاب الطَّهَارَة , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِالْقَبْرِ فِي كِتَاب الْجَنَائِز إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : اِسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن بَطَّال عَلَى جَوَاز خُرُوج النِّسَاء إِلَى الْمَسْجِد لِصَلَاةِ الْكُسُوف , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ أَسْمَاء إِنَّمَا صَلَّتْ فِي حُجْرَة عَائِشَة , لَكِنْ يُمْكِنهُ أَنْ يَتَمَسَّك بِمَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّ نِسَاء غَيْر أَسْمَاء كُنَّ بَعِيدَات عَنْهَا , فَعَلَى هَذَا فَقَدْ كُنَّ فِي مُؤَخَّر الْمَسْجِد كَمَا جَرَتْ عَادَتهنَّ فِي سَائِر الصَّلَوَات. ‏"
    },
    {
        "id": "995",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَقَدْ ‏ ‏أَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْعَتَاقَةِ ‏ ‏فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ أَمَرَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُعَاوِيَة بْن عَمْرو عَنْ زَائِدَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرهُمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "996",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا فَقَالَتْ أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَسَأَلَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا فَكَسَفَتْ الشَّمْسُ فَرَجَعَ ضُحًى فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏ظَهْرَانَيْ ‏ ‏الْحُجَرِ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ وَهُوَ دُونَ السُّجُودِ الْأَوَّلِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ ‏ ‏أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "997",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "998",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ وَهِيَ دُونَ قِرَاءَتِهِ الْأُولَى ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ دُونَ رُكُوعِهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَامَ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُرِيهِمَا عِبَادَهُ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ ‏ ‏فَافْزَعُوا ‏ ‏إِلَى الصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ وَهِشَام ) ‏ ‏سَاقَهُ عَلَى لَفْظ الزُّهْرِيِّ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَة هِشَام مُفْرَدَة فِي الْبَاب الثَّانِي , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ. وَبَيَّنَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر أَنَّ فِي رِوَايَة هِشَام مِنْ الزِّيَادَة \" فَتَصَدَّقُوا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "999",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ وَقَالَ ‏ ‏هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنْ ‏ { ‏يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ‏} ‏فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ‏ ‏فَافْزَعُوا ‏ ‏إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزِعًا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الزَّاي صِفَة مُشَبَّهَة , وَيَجُوز الْفَتْح عَلَى أَنَّهُ مَصْدَر بِمَعْنَى الصِّفَة. ‏ ‏قَوْله : ( يُخْشَى أَنْ تَكُون السَّاعَة ) ‏ ‏بِالضَّمِّ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّة أَيْ يُخْشَى أَنْ تَحْضُر السَّاعَة , أَوْ نَاقِصَة وَالسَّاعَة اِسْمهَا وَالْخَبَر مَحْذُوف , أَوْ الْعَكْس. قِيلَ وَفِيهِ جَوَاز الْإِخْبَار بِمَا يُوجِبهُ الظَّنّ مِنْ شَاهِد الْحَال , لِأَنَّ سَبَب الْفَزَع يَخْفَى عَنْ الْمُشَاهِد لِصُورَةِ الْفَزَع فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْفَزَع لِغَيْرِ مَا ذُكِرَ , فَعَلَى هَذَا فَيُشْكِل هَذَا الْحَدِيث مِنْ حَيْثُ إِنَّ لِلسَّاعَةِ مُقَدِّمَات كَثِيرَة لَمْ تَكُنْ وَقَعَتْ كَفَتْحِ الْبِلَاد وَاسْتِخْلَاف الْخُلَفَاء وَخُرُوج الْخَوَارِج. ثُمَّ الْأَشْرَاط كَطُلُوعِ الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا وَالدَّابَّة وَالدَّجَّال وَالدُّخَان وَغَيْر ذَلِكَ. وَيُجَاب عَنْ هَذَا بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون قِصَّة الْكُسُوف وَقَعَتْ قَبْل إِعْلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْعَلَامَات , أَوْ لَعَلَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُون ذَلِكَ بَعْض الْمُقَدِّمَات , أَوْ أَنَّ الرَّاوِي ظَنَّ أَنَّ الْخَشْيَة لِذَلِكَ وَكَانَتْ لِغَيْرِهِ كَعُقُوبَةٍ تَحْدُث كَمَا كَانَ يَخْشَى عِنْد هُبُوب الرِّيح. هَذَا حَاصِل مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ , وَزَادَ بَعْضهمْ أَنَّ الْمُرَاد بِالسَّاعَةِ غَيْر يَوْم الْقِيَامَة , أَيْ السَّاعَة الَّتِي جُعِلَتْ عَلَامَة عَلَى أَمْر مِنْ الْأُمُور , كَمَوْتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَيْر ذَلِكَ , وَفِي الْأَوَّل نَظَر لِأَنَّ قِصَّة الْكُسُوف مُتَأَخِّرَة جِدًّا , فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَوْت إِبْرَاهِيم كَانَ فِي الْعَاشِرَة كَمَا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْل الْأَخْبَار , وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَثِيرٍ مِنْ الْأَشْرَاط وَالْحَوَادِث قَبْل ذَلِكَ. وَأَمَّا الثَّالِث فَتَحْسِين الظَّنّ بِالصَّحَابِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُجْزَم بِذَلِكَ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ. وَأَمَّا الرَّابِع فَلَا يَخْفَى بُعْده. وَأَقْرَبهَا الثَّانِي فَلَعَلَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُون الْكُسُوف مُقَدِّمَة لِبَعْضِ الْأَشْرَاط كَطُلُوعِ الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا , وَلَا يَسْتَحِيل أَنْ يَتَخَلَّل بَيْن الْكُسُوف وَالطُّلُوع الْمَذْكُور أَشْيَاء مِمَّا ذُكِرَ وَتَقَع مُتَتَالِيَة بَعْضهَا إِثْر بَعْض مَعَ اِسْتِحْضَار قَوْله تَعَالَى ( وَمَا أَمْر السَّاعَة إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَر أَوْ هُوَ أَقْرَب ) , ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَخْرُج عَلَى مَسْأَلَة دُخُول النَّسْخ فِي الْأَخْبَار فَإِذَا قِيلَ بِجَوَازِ ذَلِكَ زَالَ الْإِشْكَال. وَقِيلَ لَعَلَّهُ قَدَّرَ وُقُوع الْمُمْكِن لَوْلَا مَا أَعْلَمَهُ اللَّه تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا يَقَع قَبْل الْأَشْرَاط تَعْظِيمًا مِنْهُ لِأَمْرِ الْكُسُوف لِيَتَبَيَّن لِمَنْ يَقَع لَهُ مِنْ أُمَّته ذَلِكَ كَيْف يَخْشَى وَيَفْزَع لَا سِيَّمَا إِذَا وَقَعَ لَهُمْ ذَلِكَ بَعْد حُصُول الْأَشْرَاط أَوْ أَكْثَرهَا. وَقِيلَ لَعَلَّ حَالَة اِسْتِحْضَار إِمْكَان الْقُدْرَة غَلَبَتْ عَلَى اِسْتِحْضَار مَا تَقَدَّمَ مِنْ الشُّرُوط لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون تِلْكَ الْأَشْرَاط كَانَتْ مَشْرُوطَة بِشَرْطٍ لَمْ يَتَقَدَّم ذِكْره فَيَقَع الْمَخُوف بِغَيْرِ أَشْرَاط لِفَقْدِ الشَّرْط , وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( هَذِهِ الْآيَات الَّتِي يُرْسِل اللَّه ) ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏( وَلَكِنْ يُخَوِّف اللَّه بِهَا عِبَاده ) ‏ ‏مُوَافِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا نُرْسِل بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ) وَمُوَافِق لِمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي الْبَاب الْأَوَّل , وَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَمْر بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الذِّكْر وَالدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار وَغَيْر ذَلِكَ لَا يَخْتَصّ بِالْكُسُوفَيْنِ لِأَنَّ الْآيَات أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي أَوَاخِر الِاسْتِسْقَاء. وَلَمْ يَقَع فِي هَذِهِ الرِّوَايَة ذِكْر الصَّلَاة , فَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَنْ اِسْتَحَبَّهَا عِنْد كُلّ آيَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى ذِكْر اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" إِلَى ذِكْره \" وَالضَّمِير يَعُود عَلَى اللَّه فِي قَوْله \" يُخَوِّف اللَّه بِهَا عِبَاده \" , وَفِيهِ النَّدْب إِلَى الِاسْتِغْفَار عِنْد الْكُسُوف وَغَيْره لِأَنَّهُ مِمَّا يُدْفَع بِهِ الْبَلَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "1000",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏فَقَالَ النَّاسُ انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1001",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1002",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَسْجِدِ وَثَابَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ فَانْجَلَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَإِنَّهُمَا لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَإِذَا كَانَ ذَاكَ فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ ‏ ‏وَذَاكَ أَنَّ ابْنًا لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَاتَ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏فَقَالَ النَّاسُ فِي ذَاكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1003",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أَحْمَدَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى بِهِمْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي سَجْدَتَيْنِ الْأَوَّلُ الْأَوَّلُ أَطْوَلُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد ) ‏ ‏هُوَ الزُّبَيْرِيّ , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ , وَهَذَا الْمَتْن طَرَف مِنْ الْحَدِيث الطَّوِيل الْمَاضِي فِي \" بَاب صَلَاة الْكُسُوف فِي الْمَسْجِد \" وَكَأَنَّهُ مُخْتَصَر مِنْهُ بِالْمَعْنَى فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ \" ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُون الْقِيَام الْأَوَّل \" وَقَالَ فِي هَذَا \" أَرْبَع رَكَعَات فِي سَجْدَتَيْنِ الْأُولَى أَطْوَل \" وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ \" الْأُولَى فَالْأُولَى أَطْوَل \" وَفِيهِ دَلِيل لِمَنْ قَالَ : إِنَّ الْقِيَام الْأَوَّل مِنْ الرَّكْعَة الثَّانِيَة يَكُون دُون الْقِيَام الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَة الْأُولَى , وَقَدْ قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّهُ لَا خِلَاف أَنَّ الرَّكْعَة الْأُولَى بِقِيَامِهَا وَرُكُوعَيْهَا تَكُون أَطْوَل مِنْ الرَّكْعَة الثَّانِيَة بِقِيَامِهَا وَرُكُوعَيْهَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ : اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقِيَام الثَّانِي وَرُكُوعه فِيهِمَا أَقْصَر مِنْ الْقِيَام الْأَوَّل وَرُكُوعه فِيهِمَا , وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِيَام الْأَوَّل مِنْ الثَّانِيَة وَرُكُوعه هَلْ هُمَا أَقْصَر مِنْ الْقِيَام الثَّانِي مِنْ الْأُولَى وَرُكُوعه أَوْ يَكُونَانِ سَوَاء ؟ قِيلَ : وَسَبَب هَذَا الْخِلَاف فَهْم مَعْنَى قَوْله \" وَهُوَ دُون الْقِيَام الْأَوَّل \" هَلْ الْمُرَاد بِهِ الْأَوَّل مِنْ الثَّانِيَة أَوْ يَرْجِع إِلَى الْجَمِيع فَيَكُون كُلّ قِيَام دُون الَّذِي قَبْله. وَرِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ تُعَيِّن هَذَا الثَّانِي , وَيُرَجِّحهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَاد مِنْ قَوْله \" الْقِيَام الْأَوَّل \" أَوَّل قِيَام مِنْ الْأُولَى فَقَطْ لَكَانَ الْقِيَام الثَّانِي وَالثَّالِث مَسْكُوتًا عَنْ مِقْدَارهمَا , فَالْأَوَّل أَكْثَر فَائِدَة , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1004",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ نَمِرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏جَهَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ مِنْ الرَّكْعَةِ قَالَ ‏ ‏سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ثُمَّ يُعَاوِدُ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏وَغَيْرُهُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَعَثَ مُنَادِيًا بُ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ شِهَابٍ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏مَا صَنَعَ أَخُوكَ ذَلِكَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏مَا صَلَّى إِلَّا رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ إِذْ صَلَّى ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ أَجَلْ إِنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ‏ ‏وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏فِي الْجَهْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا اِبْن نَمِر ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْمِيم , اِسْمه عَبْد الرَّحْمَن , وَهُوَ دِمَشْقِيّ وَثَّقَهُ دُحَيْم وَالذُّهْلِيّ وَابْن الْبَرْقِيّ وَآخَرُونَ , وَضَعَّفَهُ اِبْن مَعِين لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْر الْوَلِيد وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( جَهَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاة الْخُسُوف بِقِرَاءَتِهِ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْجَهْر فِيهَا بِالنَّهَارِ , وَحَمَلَهُ جَمَاعَة مِمَّنْ لَمْ يَرَ بِذَلِكَ عَلَى كُسُوف الْقَمَر , وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ رَوَى هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْوَلِيد بِلَفْظِ \" كَسَفَتْ الشَّمْس فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَكَذَا رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ الَّتِي بَعْده صَرِيحَة فِي الشَّمْس. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْره سَمِعْت الزُّهْرِيَّ إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن مَهْرَان عَنْ الْوَلِيد اِبْن مُسْلِم حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْره فَذَكَرَهُ , وَأَعَادَ الْإِسْنَاد إِلَى الْوَلِيد قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن نَمِر فَذَكَرَهُ , وَزَادَ فِيهِ مُسْلِم طَرِيق كَثِير بْن عَبَّاس عَنْ أَخِيهِ وَلَمْ يَذْكُر قِصَّة عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , وَاسْتَدَلَّ بَعْضهمْ عَلَى ضَعْف رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن نَمِر فِي الْجَهْر بِأَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ لَمْ يَذْكُرهُ فِي رِوَايَته الْجَهْر , وَهَذَا ضَعِيف لِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ حُجَّة عَلَى مَنْ لَمْ يَذْكُر , لَا سِيَّمَا وَاَلَّذِي لَمْ يَذْكُرهُ لَمْ يَتَعَرَّض لِنَفْيِهِ , وَقَدْ ثَبَتَ الْجَهْر فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن مَزِيد عَنْهُ , وَوَافَقَهُ سُلَيْمَان بْن كَثِير وَغَيْره كَمَا تَرَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَجَلْ ) ‏ ‏أَيْ نَعَمْ وَزْنًا وَمَعْنًى , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مِنْ أَجْل \" بِسُكُونِ الْجِيم , وَعَلَى الْأَوَّل فَقَوْله \" إِنَّهُ أَخْطَأَ \" بِكَسْرِ هَمْزَة إِنَّهُ وَعَلَى الثَّانِي بِفَتْحِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ سُلَيْمَان بْن كَثِير وَسُفْيَان بْن حُسَيْن عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي الْجَهْر ) ‏ ‏يَعْنِي بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور , وَرِوَايَة سُلَيْمَان وَصَلَهَا أَحْمَد عَنْ عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث عَنْهُ بِلَفْظِ \" خَسَفَتْ الشَّمْس عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ النَّاس ثُمَّ قَرَأَ فَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ \" الْحَدِيث , وَرَوَيْنَاهُ فِي مُسْنَد أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ سُلَيْمَان بْن كَثِير بِهَذَا الْإِسْنَاد مُخْتَصَرًا \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاة الْكُسُوف \" وَأَمَّا رِوَايَة سُفْيَان بْن حُسَيْن فَوَصَلَهَا التِّرْمِذِيّ وَالطَّحَاوِيّ بِلَفْظِ \" صَلَّى صَلَاة الْكُسُوف وَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا \" وَقَدْ تَابَعَهُمْ عَلَى ذِكْر الْجَهْر عَنْ الزُّهْرِيِّ عُقَيْل عِنْد الطَّحَاوِيِّ وَإِسْحَاق بْنُ رَاشِد عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ , وَهَذِهِ طُرُق يُعَضِّد بَعْضهَا بَعْضًا يُفِيد مَجْمُوعهَا الْجَزْم بِذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِتَعْلِيلِ مَنْ أَعَلَّهُ بِتَضْعِيفِ سُفْيَان بْن حُسَيْن وَغَيْره , فَلَوْ لَمْ يَرِد فِي ذَلِكَ إِلَّا رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ لَكَانَتْ كَافِيَة , وَقَدْ وَرَدَ الْجَهْر فِيهَا عَنْ عَلَى مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره. وَقَالَ بِهِ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن الْمُنْذِر وَغَيْرهمَا مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّة وَابْن الْعَرَبِيّ مِنْ الْمَالِكِيَّة , وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : يُخَيَّر بَيْن الْجَهْر وَالْإِسْرَار , وَقَالَ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة : يُسِرّ فِي الشَّمْس وَيَجْهَر فِي الْقَمَر , وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ بِقَوْلِ اِبْن عَبَّاس \" قَرَأَ نَحْوًا مِنْ سُورَة الْبَقَرَة \" لِأَنَّهُ لَوْ جَهَرَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْدِير , وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون بَعِيدًا مِنْهُ , لَكِنْ ذَكَرَ الشَّافِعِيّ تَعْلِيقًا عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ صَلَّى بِجَنْبِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكُسُوف فَلَمْ يَسْمَع مِنْهُ حَرْفًا , وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ ثَلَاثَة طُرُق أَسَانِيدهَا وَاهِيَة , وَعَلَى تَقْدِير صِحَّتهَا فَمُثْبِت الْجَهْر مَعَهُ قَدْر زَائِدَة فَالْأَخْذ بِهِ أَوْلَى , وَإِنْ ثَبَتَ الْعَدَد فَيَكُون فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَاز , وَهَكَذَا الْجَوَاب عَنْ حَدِيث سَمُرَة عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَالتِّرْمِذِيّ \" لَمْ يَسْمَع لَهُ صَوْتًا \" وَأَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ لَا يَدُلّ عَلَى نَفْي الْجَهْر , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الْجَهْر عِنْدِي أَوْلَى لِأَنَّهَا صَلَاة جَامِعَة يُنَادَى لَهَا وَيُخْطَب فَأَشْبَهَتْ الْعِيد وَالِاسْتِسْقَاء , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَتْ أَبْوَاب الْكُسُوف عَلَى أَرْبَعِينَ حَدِيثًا نِصْفهَا مَوْصُول وَنِصْفهَا مُعَلَّق , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اِثْنَانِ وَثَلَاثُونَ , وَالْخَالِص ثَمَانِيَة. وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث أَبِي بَكْرَة , وَحَدِيث أَسْمَاء فِي الْعَتَاقَة , وَرِوَايَة عَمْرَة عَنْ عَائِشَة الْأُولَى أَطْوَل لَكِنَّهُ أَخْرَجَ أَصْله. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ خَمْسَة آثَار فِيهَا أَثَر عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , وَفِيهَا أَثَر عُرْوَة فِي تَخْطِئَته , وَهُمَا مَوْصُولَانِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1005",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْأَسْوَدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَرَأَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏النَّجْمَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَسَجَدَ فِيهَا وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ غَيْرَ ‏ ‏شَيْخٍ ‏ ‏أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ يَكْفِينِي هَذَا فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت الْأَسْوَد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ غَيْر شَيْخ ) ‏ ‏سَمَّاهُ فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق : أُمَيَّة بْن خَلَف , وَوَقَعَ فِي سِيرَة اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَمْ يُقْتَل , وَفِي تَفْسِير سُنَيْد : الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة أَوْ عُتْبَة بْن رَبِيعَة بِالشَّكِّ وَفِيهِ نَظَر لِمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث مَخْرَمَةَ بْن نَوْفَل قَالَ \" لَمَّا أَظْهَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِسْلَام أَسْلَمَ أَهْل مَكَّة حَتَّى إِنَّهُ كَانَ لَيَقْرَأ السَّجْدَة فَيَسْجُدُونَ فَلَا يَقْدِر بَعْضهمْ أَنْ يَسْجُد مِنْ الزِّحَام , حَتَّى قَدَّمَ رُؤَسَاء قُرَيْش الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة وَأَبُو جَهْل , وَغَيْرهمَا وَكَانُوا بِالطَّائِفِ فَرَجَعُوا وَقَالُوا : تَدْعُونَ دِين آبَائِكُمْ \" لَكِنْ فِي ثُبُوت هَذَا نَظَر , لِقَوْلِ أَبِي سُفْيَان فِي الْحَدِيث الطَّوِيل : \" إِنَّهُ لَمْ يَرْتَدّ أَحَد مِمَّنْ أَسْلَمَ \" وَيُمْكِن أَنْ يُجْمَع بِأَنَّ النَّفْي مُقَيَّد بِمَنْ اِرْتَدَّ سَخَطًا لَا بِسَبَبِ مُرَاعَاة خَاطِر رُؤَسَائِهِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي بِشْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّ الَّذِي رَفَعَ التُّرَاب فَسَجَدَ عَلَيْهِ هُوَ سَعِيد بْن الْعَاصِ اِبْن أُمَيَّة أَبُو أُحَيْحَة وَتَبِعَهُ النَّحَّاس , وَذَكَرَ أَبُو حَيَّان شَيْخ شُيُوخنَا فِي تَفْسِيره أَنَّهُ أَبُو لَهَب وَلَمْ يَذْكُر مُسْتَنَده , وَفِي مُصَنَّف اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" سَجَدُوا فِي النَّجْم إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْش أَرَادَا بِذَلِكَ الشُّهْرَة \". وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث الْمُطَّلِب بْن أَبِي وَدَاعَة قَالَ \" قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْم , فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ , فَرَفَعْت رَأْسِي وَأَبَيْت أَنْ أَسْجُد \" وَلَمْ يَكُنْ الْمُطَّلِب يَوْمئِذٍ أَسْلَمَ. وَمَهْمَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ فَلَعَلَّ اِبْن مَسْعُود لَمْ يَرَهُ أَوْ خَصَّ وَاحِدًا بِذِكْرِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِأَخْذِ الْكَفّ مِنْ التُّرَاب دُون غَيْره. وَأَفَادَ الْمُصَنِّف فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل أَنَّ النَّجْم أَوَّل سُورَة أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَة , وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي بُدَاءَة الْمُصَنِّف فِي هَذِهِ الْأَبْوَاب بِهَذَا الْحَدِيث , وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ ( اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) أَوَّل السُّوَر نُزُولًا وَفِيهَا أَيْضًا سَجْدَة فَهِيَ سَابِقَة عَلَى النَّجْم , وَأُجِيبَ بِأَنَّ السَّابِق مِنْ اِقْرَأْ أَوَائِلهَا , وَأَمَّا بَقِيَّتهَا فَنَزَلَ بَعْد ذَلِكَ. بِدَلِيلِ قِصَّة أَبِي جَهْل فِي نَهْيه لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاة , أَوْ الْأَوَّلِيَّة مُقَيَّدَة بِشَيْءٍ مَحْذُوف بَيَّنَتْهُ رِوَايَة زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق عِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ بِلَفْظِ \" أَنَّ أَوَّل سُورَة اِسْتَعْلَنَ بِهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّجْم \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة عَبْد الْكَبِير صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بْن دِينَار عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" أَوَّل سُورَة تَلَاهَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ \" فَذَكَرَهُ , فَيُجْمَع بَيْن الرِّوَايَات الثَّلَاث بِأَنَّ الْمُرَاد أَوَّل سُورَة فِيهَا سَجْدَة تَلَاهَا جَهْرًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1006",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ‏ ‏الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةُ ‏ ‏وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1007",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏وَأَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ص ‏ ‏لَيْسَ مِنْ ‏ ‏عَزَائِمِ ‏ ‏السُّجُودِ وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْجُدُ فِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُد فِيهَا ) ‏ ‏وَقَعَ فِي تَفْسِير ص عِنْد الْمُصَنِّف مِنْ طَرِيق مُجَاهِد قَالَ \" سَأَلْت اِبْن عَبَّاس مِنْ أَيْنَ سَجَدْت فِي ص ؟ \" وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" مِنْ أَيْنَ أَخَذْت سَجْدَة ص \" ثُمَّ اِتَّفَقَا فَقَالَ ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُد وَسُلَيْمَان ) إِلَى قَوْله : ( فَبِهُدَاهُمْ اِقْتَدِهْ ) فَفِي هَذَا أَنَّهُ اِسْتَنْبَطَ مَشْرُوعِيَّة السُّجُود فِيهَا مِنْ الْآيَة , وَفِي الْأَوَّل أَنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا تَعَارُض بَيْنهمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون اِسْتَفَادَهُ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مِنْ طَرِيق مُجَاهِد فِي آخِره \" فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : نَبِيّكُمْ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِي بِهِمْ \" فَاسْتُنْبِطَ وَجْه سُجُود النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا مِنْ الْآيَة , وَسَبَب ذَلِكَ كَوْن السَّجْدَة الَّتِي فِي ص إِنَّمَا وَرَدَتْ بِلَفْظِ الرُّكُوع فَلَوْلَا التَّوْقِيف مَا ظَهَرَ أَنَّ فِيهَا سَجْدَة. وَفِي النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا \" سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَة , وَنَحْنُ نَسْجُدهَا شُكْرًا \" فَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيّ بِقَوْلِهِ \" شُكْرًا \" عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْجُد فِيهَا فِي الصَّلَاة لِأَنَّ سُجُود الشَّاكِر لَا يُشْرَع دَاخِل الصَّلَاة. وَلِأَبِي دَاوُدَ وَابْن خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر ص , فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَة نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاس مَعَهُ , ثُمَّ قَرَأَهَا فِي يَوْم آخَر فَتَهَيَّأَ النَّاس لِلسُّجُودِ فَقَالَ : \" إِنَّمَا هِيَ تَوْبَة نَبِيّ , وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَهَيَّأْتُمْ فَنَزَلَ وَسَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ \" فَهَذَا السِّيَاق يُشْعِر بِأَنَّ السُّجُود فِيهَا لَمْ يُؤَكَّد كَمَا أُكِّدَ فِي غَيْرهَا , وَاسْتَدَلَّ بَعْض الْحَنَفِيَّة مِنْ مَشْرُوعِيَّة السُّجُود عِنْد قَوْله : ( وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ) بِأَنَّ الرُّكُوع عِنْدهَا يَنُوب عَنْ السُّجُود , فَإِنْ شَاءَ الْمُصَلِّي رَكَعَ بِهَا وَإِنْ شَاءَ سَجَدَ , ثُمَّ طَرَدَهُ فِي جَمِيع سَجَدَات التِّلَاوَة , وَبِهِ قَالَ اِبْن مَسْعُود. ‏"
    },
    {
        "id": "1008",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَرَأَ سُورَةَ ‏ ‏النَّجْمِ ‏ ‏فَسَجَدَ بِهَا فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ الْقَوْمِ إِلَّا سَجَدَ فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ وَقَالَ يَكْفِينِي هَذَا قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1009",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَجَدَ ‏ ‏بِالنَّجْمِ ‏ ‏وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَجَدَ بِالنَّجْمِ ) ‏ ‏زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط مِنْ هَذَا الْوَجْه \" بِمَكَّة \" فَأَفَادَ اِتِّحَاد قِصَّة اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْجِنّ ) ‏ ‏كَأَنَّ اِبْن عَبَّاس اِسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى إِخْبَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَّا مُشَافَهَة لَهُ وَإِمَّا بِوَاسِطَةٍ , لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُر الْقِصَّة لِصِغَرِهِ. وَأَيْضًا فَهُوَ مِنْ الْأُمُور الَّتِي لَا يَطَّلِع الْإِنْسَان عَلَيْهَا إِلَّا بِتَوْقِيفٍ وَتَجْوِيز أَنَّهُ كَشَفَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ بَعِيد لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرهَا قَطْعًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوب ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم. ‏"
    },
    {
        "id": "1010",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ قُسَيْطٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَزَعَمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنَّجْمِ ‏ ‏فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَزِيد بْن خُصَيْفَةَ ) ‏ ‏بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالصَّاد الْمُهْمَلَة مُصَغَّر , وَهُوَ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن خُصَيْفَةَ نُسِبَ إِلَى جَدّه , وَشَيْخه اِبْن قُسَيْطٍ هُوَ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن قُسَيْطٍ الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الثَّانِي , وَرِجَال الْإِسْنَادَيْنِ مَعًا مَدَنِيُّونَ غَيْر شَيْخَيْ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ سَأَلَ زَيْد بْن ثَابِت فَزَعَمَ ) ‏ ‏حَذَفَ الْمَسْئُول عَنْهُ , وَظَاهِر السِّيَاق يُوهِم أَنَّ الْمَسْئُول عَنْهُ السُّجُود فِي النَّجْم وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَقَدْ بَيَّنَهُ مُسْلِم عَنْ عَلِيّ بْن حُجْر وَغَيْره عَنْ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر بِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ \" سَأَلْت زَيْد بْن ثَابِت عَنْ الْقِرَاءَة مَعَ الْإِمَام , فَقَالَ : لَا قِرَاءَة مَعَ الْإِمَام فِي شَيْء , وَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأَ النَّجْم \" الْحَدِيث. فَحَذَفَ الْمُصَنِّف الْمَوْقُوف لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ غَرَضه فِي هَذَا الْمَكَان وَلِأَنَّهُ يُخَالِف زَيْد بْن ثَابِت فِي تَرْك الْقِرَاءَة خَلْف الْإِمَام وِفَاقًا لِمَنْ أَوْجَبَهَا مِنْ كِبَار الصَّحَابَة تَبَعًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيح الدَّالّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي صِفَة الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( فَزَعَمَ ) ‏ ‏أَرَادَ أَخْبَرَ , وَالزَّعْم يُطْلَق عَلَى الْمُحَقَّق قَلِيلًا كَهَذَا وَعَلَى الْمَشْكُوك كَثِيرًا , قَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ , وَمِنْ شَوَاهِده قَوْل الشَّاعِر : ‏ ‏عَلَى اللَّه أَرْزَاق الْعِبَاد كَمَا زَعَمْ ‏ ‏. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون زَعَمَ فِي هَذَا الشِّعْر بِمَعْنَى ضَمِنَ وَمِنْهُ الزَّعِيم غَارِم أَيْ الضَّامِن. وَاسْتَنْبَطَ بَعْضهمْ مِنْ حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت أَنَّ الْقَارِئ إِذَا تَلَا عَلَى الشَّيْخ لَا يُنْدَب لَهُ سُجُود التِّلَاوَة مَا لَمْ يَسْجُد الشَّيْخ أَدَبًا مَعَ الشَّيْخ وَفِيهِ نَظَر. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏اِتَّفَقَ اِبْن أَبِي ذِئْب وَيَزِيد بْن خُصَيْفَةَ عَلَى هَذَا الْإِسْنَاد عَلَى اِبْن قُسَيْطٍ , وَخَالَفَهُمَا أَبُو صَخْر فَرَوَاهُ عَنْ اِبْن قُسَيْطٍ عَنْ خَارِجَة بْن زَيْد عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيُّ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى أَنَّ لِابْنِ قُسَيْطٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ , وَزَادَ أَبُو صَخْر فِي رِوَايَته \" وَصَلَّيْت خَلْف عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَأَبِي بَكْر بْنِ حَزْم فَلَمْ يَسْجُدَا فِيهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "1011",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنَّجْمِ ‏ ‏فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1012",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَمُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏قَالَا أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَرَأَ ‏ ‏إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ‏ ‏فَسَجَدَ بِهَا فَقُلْتُ يَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَلَمْ أَرَكَ تَسْجُدُ قَالَ ‏ ‏لَوْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْجُدُ لَمْ أَسْجُدْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1013",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعَ جَبْهَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّانُ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْمَتْن فِي الْبَاب الْأَخِير. ‏"
    },
    {
        "id": "1014",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ آدَمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ فَنَزْدَحِمُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا بِشْر بْن آدَم ) ‏ ‏هُوَ الضَّرِير الْبَغْدَادِيّ , بَصْرِيّ الْأَصْل , لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع الْوَاحِد. وَفِي طَبَقَته بِشْر بْن آدَم بْن يَزِيد بَصْرِيّ أَيْضًا وَهُوَ اِبْن بِنْت أَزْهَر السَّمَّان , وَفِي كُلّ مِنْهُمَا مَقَال. وَرَجَّحَ اِبْن عَدِيّ أَنَّ شَيْخ الْبُخَارِيّ هُنَا هُوَ اِبْن بِنْت أَزْهَر , وَعَلَى كُلّ تَقْدِير فَلَمْ يُخَرِّج لَهُ إِلَّا فِي الْمُتَابَعَات , فَسَيَأْتِي مِنْ طَرِيق أُخْرَى بَعْد بَاب وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ. وَوَافَقَهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة عَنْ عَلِيّ بْن مُسْهِر سُوِيد بْن سَعِيد , أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1015",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ التَّيْمِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏رَبِيعَةُ ‏ ‏مِنْ خِيَارِ النَّاسِ عَمَّا حَضَرَ ‏ ‏رَبِيعَةُ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ ‏ ‏النَّحْلِ ‏ ‏حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ ‏ ‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْر بْن أَبِي مُلَيْكَة ) ‏ ‏هُوَ أَخُو مُحَمَّد , وَعُثْمَان بْن عَبْد الرَّحْمَن التَّيْمِيُّ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَلِأَبِيهِ صُحْبَة وَرِوَايَة , وَهُوَ اِبْن عُثْمَان بْن عُبَيْد اللَّه اِبْن أَخِي طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه أَحَد الْعَشَرَة , وَرَبِيعَة بْن عَبْد اللَّه بْن الْهُدَيْر هُوَ عَمّ أَبِي بَكْر بْن الْمُنْذِر بْن عَبْد اللَّه بْن الْهُدَيْر الرَّاوِي عَنْهُ , وَالْهُدَيْر بِلَفْظِ التَّصْغِير , ذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّ رَبِيعَة وُلِدَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَيْسَ لَهُ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَة مِنْ عُمَر ) ‏ ‏مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ \" أَخْبَرَنِي \" أَيْ أَخْبَرَنِي رَاوِيًا عَنْ عُثْمَان عَنْ رَبِيعَة عَنْ قِصَّة حُضُوره مَجْلِس عُمَر. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْر بْن أَبِي مُلَيْكَة أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن عُثْمَان التَّيْمِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ رَبِيعَة بْن عَبْد اللَّه أَنَّهُ حَضَرَ عُمَر \" فَذَكَرَهُ ا ه. ‏ ‏وَقَوْله \" عَبْد الرَّحْمَن بْن عُثْمَان \" مَقْلُوب وَالصَّوَاب مَا تَقَدَّمَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ. ‏ ‏قَوْله : ( قَرَأَ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُ قَرَأَ يَوْم الْجُمُعَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّا نَمُرّ بِالسُّجُودِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" إِنَّمَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ لَمْ يَسْجُد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ ) ‏ ‏ظَاهِر فِي عَدَم الْوُجُوب ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَسْجُد عُمَر ) ‏ ‏فِيهِ تَوْكِيد لِبَيَانِ جَوَاز تَرْك السُّجُود بِغَيْرِ ضَرُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ نَافِع ) ‏ ‏هُوَ مَقُول اِبْن جُرَيْجٍ , وَالْخَبَر مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّل , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفه عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْر بْن أَبِي مُلَيْكَة \" فَذَكَرَهُ وَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ : وَزَادَنِي نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يُفْرَض عَلَيْنَا السُّجُود إِلَّا أَنْ نَشَاء \" وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ فَذَكَرَ الْإِسْنَاد الْأَوَّل , قَالَ وَقَالَ حَجَّاج قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ وَزَادَ نَافِع فَذَكَرَهُ , وَفِي هَذَا رَدّ عَلَى الْحُمَيْدِيّ فِي زَعْمه أَنَّ هَذَا مُعَلَّق , وَكَذَا عَلَّمَ عَلَيْهِ الْمِزِّيّ عَلَامَة التَّعْلِيق , وَهُوَ وَهْم , وَلَهُ شَاهِد مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَر لَكِنَّهُ مُنْقَطِع بَيْن عُرْوَة وَعُمَر. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق \" أَنَّهُ قَالَ \" الضَّمِير يَعُود عَلَى عُمَر , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ التِّرْمِذِيّ فِي جَامِعه حَيْثُ نَسَبَ ذَلِكَ إِلَى عُمَر فِي هَذِهِ الْقِصَّة بِصِيغَةِ الْجَزْم , وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ \" لَمْ يُفْرَض \" عَلَى عَدَم وُجُوب سُجُود التِّلَاوَة , وَأَجَابَ بَعْض الْحَنَفِيَّة عَلَى قَاعِدَتهمْ فِي التَّفْرِقَة بَيْن الْفَرْض وَالْوَاجِب بِأَنَّ نَفْي الْفَرْض لَا يَسْتَلْزِم نَفْي الْوُجُوب. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ اِصْطِلَاح لَهُمْ حَادِث , وَمَا كَانَ الصَّحَابَة يُفَرِّقُونَ بَيْنهمَا , وَيُغْنِي عَنْ هَذَا قَوْل عُمَر \" وَمَنْ لَمْ يَسْجُد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ \" كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" إِلَّا أَنْ نَشَاء \" عَلَى أَنَّ الْمَرْء مُخَيَّر فِي السُّجُود فَيَكُون لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَأَجَابَ مَنْ أَوْجَبَهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى إِلَّا أَنْ نَشَاء قِرَاءَتهَا فَيَجِب وَلَا يَخْفَى بُعْده , وَيَرُدّهُ تَصْرِيح عُمَر بِقَوْلِهِ \" وَمَنْ لَمْ يَسْجُد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ \" فَإِنَّ اِنْتِفَاء الْإِثْم عَمَّنْ تَرَكَ الْفِعْل مُخْتَارًا يَدُلّ عَلَى عَدَم وُجُوبه , اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي السُّجُود وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامه , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع , وَالْمَعْنَى لَكِنَّ ذَلِكَ مَوْكُول إِلَى مَشِيئَة الْمَرْء بِدَلِيلِ إِطْلَاقه \" وَمَنْ لَمْ يَسْجُد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ \" وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَنَّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَقْرَأ الْقُرْآن فِي الْخُطْبَة , وَأَنَّهُ إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ يَنْزِل إِلَى الْأَرْض لِيَسْجُد بِهَا إِذَا لَمْ يَتَمَكَّن مِنْ السُّجُود فَوْق الْمِنْبَر , وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْطَع الْخُطْبَة. وَوَجْه ذَلِكَ فِعْل عُمَر مَعَ حُضُور الصَّحَابَة وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ أَحَد مِنْهُمْ , وَعَنْ مَالِك يَمُرّ فِي خُطْبَته وَلَا يَسْجُد , وَهَذَا الْأَثَر وَارِد عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1016",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏بَكْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ مَعَ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏الْعَتَمَةَ ‏ ‏فَقَرَأَ ‏ ‏إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ‏ ‏فَسَجَدَ فَقُلْتُ مَا هَذِهِ قَالَ ‏ ‏سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ ‏ ‏أَبِي الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي بَكْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1017",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ السُّورَةَ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأ السُّورَة الَّتِي فِيهَا السَّجْدَة ) ‏ ‏زَادَ عَلَى بْن مُسْهِر فِي رِوَايَته عَنْ عُبَيْد اللَّه \" وَنَحْنُ عِنْده \" وَقَدْ مَضَى قَبْل بِبَابٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَسْجُد فَنَسْجُد ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ \" مَعَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( لِمَوْضِعِ جَبْهَته ) ‏ ‏يَعْنِي مِنْ الزِّحَام , زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة لَهُ \" فِي غَيْر وَقْت صَلَاة \" وَلَمْ يَذْكُر اِبْن عُمَر مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ حِينَئِذٍ , وَلِذَلِكَ وَقَعَ الِاخْتِلَاف كَمَا مَضَى , وَوَقَعَ فِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق مُصْعَب اِبْن ثَابِت عَنْ نَافِع فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَكَّة لَمَّا قَرَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْم , وَزَادَ فِيهِ \" حَتَّى سَجَدَ الرَّجُل عَلَى ظَهْر الرَّجُل \" وَهُوَ يُؤَيِّد مَا فَهِمْنَاهُ عَنْ الْمُصَنِّف. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ هَذَا الْكَلَام وَقَعَ مِنْ اِبْن عُمَر عَلَى سَبِيل الْمُبَالَغَة فِي أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَد إِلَّا سَجَدَ , وَسِيَاق حَدِيث الْبَاب مُشْعِر بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِرَارًا , فَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ بَيَّنَتْ مَبْدَأ ذَلِكَ , وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" أَظْهَرَ أَهْل مَكَّة الْإِسْلَام يَعْنِي فِي أَوَّل الْأَمْر - حَتَّى إِنْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَقْرَأ السَّجْدَة فَيَسْجُد وَمَا يَسْتَطِيع بَعْضهمْ أَنْ يَسْجُد مِنْ الزِّحَام , حَتَّى قَدِمَ رُؤَسَاء أَهْل مَكَّة وَكَانُوا بِالطَّائِفِ فَرَجَعُوهُمْ الْإِسْلَام \" وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيّ عَلَى السُّجُود لِسُجُودِ الْقَارِئ كَمَا مَضَى وَعَلَى الِازْدِحَام عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏( خَاتِمَة ) ‏ ‏اِشْتَمَلَتْ أَبْوَاب السُّجُود عَلَى خَمْسَة عَشَر حَدِيثًا , اِثْنَانِ مِنْهَا مُعَلَّقَانِ , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى تِسْعَة أَحَادِيث , وَالْخَالِص سِتَّة وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيثَيْ اِبْن عَبَّاس فِي ص وَفِي النَّجْم , وَحَدِيث عُمَر فِي التَّخْيِير فِي السُّجُود. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة وَغَيْرهمْ سَبْعَة آثَار , وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1018",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏وَحُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَاصِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان , وَحُصَيْن بِالضَّمِّ هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله : ( تِسْعَة عَشَر ) ‏ ‏أَيْ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ , زَادَ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَاصِم وَحْده \" بِمَكَّة \" , وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَصْبَهَانِيّ عَنْ عِكْرِمَة , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" سَبْعَة عَشَر \" بِتَقْدِيمِ السِّين , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق حَفْص بْن غِيَاث عَنْ عَاصِم قَالَ وَقَالَ عَبَّاد اِبْن مَنْصُور عَنْ عِكْرِمَة \" تِسْع عَشْرَة \" كَذَا ذَكَرَهَا مُعَلَّقَة , وَقَدْ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ. وَلِأَبِي دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ \" غَزَوْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام الْفَتْح فَأَقَامَ بِمَكَّة ثَمَانِي عَشْرَة لَيْلَة لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة عَام الْفَتْح خَمْسَة عَشَر يَقْصُر الصَّلَاة \" وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بَيْن هَذَا الِاخْتِلَاف بِأَنَّ مَنْ قَالَ تِسْع عَشْرَة عَدَّ يَوْمَيْ الدُّخُول وَالْخُرُوج , وَمَنْ قَالَ سَبْع عَشْرَة حَذَفَهُمَا , وَمَنْ قَالَ ثَمَانِي عَشْرَة عَدَّ أَحَدهمَا. ‏ ‏وَأَمَّا رِوَايَة \" خَمْسَة عَشَر \" فَضَعَّفَهَا النَّوَوِيّ فِي الْخُلَاصَة , وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ رُوَاتهَا ثِقَات , وَلَمْ يَنْفَرِد بِهَا اِبْن إِسْحَاق فَقَدْ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة عِرَاك بْن مَالِك عَنْ عُبَيْد اللَّه كَذَلِكَ , وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا صَحِيحَة فَلْيُحْمَلْ عَلَى أَنَّ الرَّاوِي ظَنَّ أَنَّ الْأَصْل رِوَايَة سَبْعَة عَشَر فَحَذَفَ مِنْهَا يَوْمَيْ الدُّخُول وَالْخُرُوج فَذَكَرَ أَنَّهَا خَمْسَة عَشَر , وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ رِوَايَة تِسْعَة عَشَر أَرْجَح الرِّوَايَات , وَبِهَذَا أَخَذَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ , وَيُرَجِّحهَا أَيْضًا أَنَّهَا أَكْثَر مَا وَرَدَتْ بِهِ الرِّوَايَات الصَّحِيحَة , وَأَخَذَ الثَّوْرِيّ وَأَهْل الْكُوفَة بِرِوَايَةِ خَمْسَة عَشَر لِكَوْنِهَا أَقَلّ مَا وَرَدَ , فَيُحْمَل مَا زَادَ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ اِتِّفَاقًا. وَأَخَذَ الشَّافِعِيّ بِحَدِيثِ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ لَكِنْ مَحَلّه عِنْده فِيمَنْ لَمْ يُزْمِع الْإِقَامَة , فَإِنَّهُ إِذَا مَضَتْ عَلَيْهِ الْمُدَّة الْمَذْكُورَة وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْمَام , فَإِنْ أَزْمَعَ الْإِقَامَة فِي أَوَّل الْحَال عَلَى أَرْبَعَة أَيَّام أَتَمَّ , عَلَى خِلَاف بَيْن أَصْحَابه فِي دُخُول يَوْمَيْ الدُّخُول وَالْخُرُوج فِيهَا أَوْ لَا , وَحُجَّته حَدِيث أَنَس الَّذِي يَلِيه. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْع عَشَر قَصَرْنَا , وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ السَّفَر إِذَا زَادَ عَلَى تِسْعَة عَشَر لَزِمَ الْإِتْمَام وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَاد , وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو يَعْلَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ أَبِي عَوَانَة فِي هَذَا الْحَدِيث بِالْمُرَادِ وَلَفْظه \" إِذَا سَافَرْنَا فَأَقَمْنَا فِي مَوْضِع تِسْعَة عَشَر \" وَيُؤَيِّدهُ صَدْر الْحَدِيث وَهُوَ قَوْله \" أَقَامَ \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَاصِم \" فَإِذَا أَقَمْنَا أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا \". قَوْله فِي حَدِيث أَنَس \" خَرَجْنَا مِنْ الْمَدِينَة \" فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي إِسْحَاق عِنْد مُسْلِم \" إِلَى الْحَجّ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1019",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏قُلْتُ أَقَمْتُمْ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏شَيْئًا قَالَ أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن عَاصِم عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَنَس \" إِلَّا فِي الْمَغْرِب \". ‏ ‏قَوْله : ( أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا ) ‏ ‏لَا يُعَارِض ذَلِكَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور , لِأَنَّ حَدِيث اِبْن عَبَّاس كَانَ فِي فَتْح مَكَّة وَحَدِيث أَنَس فِي حَجَّة الْوَدَاع , وَسَيَأْتِي بَعْد بَاب مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه لِصُبْحِ رَابِعَة \" الْحَدِيث , وَلَا شَكَّ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّة صُبْح الرَّابِع عَشَر فَتَكُون مُدَّة الْإِقَامَة بِمَكَّة وَضَوَاحِيهَا عَشْرَة أَيَّام بِلَيَالِيِهَا كَمَا قَالَ أَنَس , وَتَكُون مُدَّة إِقَامَته بِمَكَّة أَرْبَعَة أَيَّام سَوَاء لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا فِي الْيَوْم الثَّامِن فَصَلَّى الظُّهْر بِمِنًى , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيّ : إِنَّ الْمُسَافِر إِذَا أَقَامَ بِبَلْدَةٍ قَصَرَ أَرْبَعَة أَيَّام , وَقَالَ أَحْمَد : إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاة. وَأَمَّا قَوْل اِبْن رَشِيد : أَرَادَ الْبُخَارِيّ أَنْ يُبَيِّن أَنَّ حَدِيث أَنَس دَاخِل فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس لِأَنَّ إِقَامَة عَشْر دَاخِل فِي إِقَامَة تِسْع عَشْرَة - فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْأَخْذ بِالزَّائِدِ مُتَعَيِّن - فَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَجِيء عَلَى اِتِّحَاد الْقِصَّتَيْنِ , وَالْحَقّ أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ , فَالْمُدَّة الَّتِي فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس يَسُوغ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى مَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَة بَلْ كَانَ مُتَرَدِّدًا مَتَى يَتَهَيَّأ لَهُ فَرَاغ حَاجَته يَرْحَل , وَالْمُدَّة الَّتِي فِي حَدِيث اِبْن أَنَس يُسْتَدَلّ بِهَا عَلَى مَنْ نَوَى الْإِقَامَة لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَيَّام الْحَجّ كَانَ جَازِمًا بِالْإِقَامَةِ تِلْكَ الْمُدَّة , وَوَجْه الدَّلَالَة. حَدِيث اِبْن عَبَّاس لَمَّا كَانَ الْأَصْل فِي الْمُقِيم الْإِتْمَام فَلَمَّا لَمْ يَجِئْ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَقَامَ فِي حَال السَّفَر أَكْثَر مِنْ تِلْكَ الْمُدَّة جَعَلَهَا غَايَة لِلْقَصْرِ , وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَال كَثِيرَة كَمَا سَيَأْتِي , وَفِيهِ أَنَّ الْإِقَامَة فِي أَثْنَاء السَّفَر تُسَمَّى إِقَامَة , وَإِطْلَاق اِسْم الْبَلَد عَلَى مَا جَاوَرَهَا وَقَرُبَ مِنْهَا لِأَنَّ مِنًى وَعَرَفَة لَيْسَا مِنْ مَكَّة , أَمَّا عَرَفَة فَلِأَنَّهَا خَارِج الْحَرَم فَلَيْسَتْ مِنْ مَكَّة قَطْعًا , وَأَمَّا مِنًى فَفِيهَا اِحْتِمَال , وَالظَّاهِر أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَكَّة إِلَّا إِنْ قُلْنَا إِنَّ اِسْم مَكَّة يَشْمَل جَمِيع الْحَرَم , قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل : لَيْسَ لِحَدِيثِ أَنَس وَجْه إِلَّا أَنَّهُ حَسَبَ أَيَّام إِقَامَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّته مُنْذُ دَخَلَ مَكَّة إِلَى أَنْ خَرَجَ مِنْهَا لَا وَجْه لَهُ إِلَّا هَذَا. وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ : أُطْلِقَ عَلَى ذَلِكَ إِقَامَة بِمَكَّة لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِع مَوَاضِع النُّسُك وَهِيَ فِي حُكْم التَّابِع لِمَكَّة لِأَنَّهَا الْمَقْصُود بِالْأَصَالَةِ لَا يَتَّجِه سِوَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْإِمَام أَحْمَد وَاَللَّه أَعْلَم. وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيّ لَمْ يَسْبِق إِلَى أَنَّ الْمُسَافِر يَصِير بِنِيَّةِ إِقَامَته أَرْبَعَة أَيَّام مُقِيمًا , وَقَدْ قَالَ أَحْمَد نَحْو مَا قَالَ الشَّافِعِيّ , وَهِيَ رِوَايَة عَنْ مَالِك. ‏"
    },
    {
        "id": "1020",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ ‏ ‏وَأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏وَمَعَ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بِمِنًى ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة سَالِم عَنْ أَبِيهِ \" بِمِنًى وَغَيْره \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَتَمَّهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ عُبَيْد اللَّه عِنْد مُسْلِم \" ثُمَّ إِنَّ عُثْمَان صَلَّى أَرْبَعًا فَكَانَ اِبْن عُمَر إِذَا صَلَّى مِنْ الْإِمَام صَلَّى أَرْبَعًا وَإِذَا صَلَّى وَحْده صَلَّى رَكْعَتَيْنِ \" وَسَيَأْتِي ذِكْر السَّبَب فِي إِتْمَام عُثْمَان بِمِنًى فِي \" بَاب يَقْصُر إِذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعه \". ‏"
    },
    {
        "id": "1021",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَنْبَأَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏آمَنَ مَا كَانَ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاق ) ‏ ‏كَذَا هُوَ بِلَفْظِ الْإِنْبَاء , وَهُوَ فِي عُرْف الْمُتَقَدِّمِينَ بِمَعْنَى الْإِخْبَار وَالتَّحْدِيث وَهَذَا مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت حَارِثَة بْن وَهْب ) ‏ ‏زَادَ الْبُرْقَانِيُّ فِي مُسْتَخْرَجه \" رَجُلًا مِنْ خُزَاعَة \" أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي الْوَلِيد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( آمَن ) ‏ ‏أَفْعَل تَفْضِيل مِنْ الْأَمْن. ‏ ‏قَوْله : ( مَا كَانَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْحَمَوِيِّ \" كَانَتْ \" أَيْ حَالَة كَوْنهَا آمَن أَوْقَاته. وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَالنَّاس أَكْثَر مَا كَانُوا \" قَوْله شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ , خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة لَا يَخَاف إِلَّا اللَّه , يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ \" قَالَ الطِّيبِيُّ : مَا مَصْدَرِيَّة , وَمَعْنَاهُ الْجَمْع , لِأَنَّ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ أَفْعَل يَكُون جَمْعًا , وَالْمَعْنَى صَلَّى بِنَا وَالْحَال أَنَّا أَكْثَر أَكْوَاننَا فِي سَائِر الْأَوْقَات أَمْنًا. وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب الصَّلَاة بِمِنًى \" مِنْ كِتَاب الْحَجّ عَنْ آدَم عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" وَقَالَ فِي رِوَايَته \" وَنَحْنُ أَكْثَر مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنه \" وَكَلِمَة قَطُّ مُتَعَلِّقَة بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيره وَنَحْنُ مَا كُنَّا أَكْثَر مِنَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْت وَلَا أَكْثَر أَمْنًا. وَهَذَا يَسْتَدِرْك بِهِ عَلِيّ بْن مَالِك حَيْثُ قَالَ : اِسْتِعْمَال قَطُّ غَيْر مَسْبُوقَة بِالنَّفْيِ مِمَّا يَخْفَى عَلَى كَثِير مِنْ النَّحْوِيِّينَ , وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيث بِدُونِ النَّفْي. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَوْله \" وَآمَنهُ \" بِالرَّفْعِ وَيَجُوز النَّصْب بِأَنْ يَكُون فِعْلًا مَاضِيًا وَفَاعِله اللَّه وَضَمِير الْمَفْعُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالتَّقْدِير وَآمَنَ اللَّه نَبِيّه حِينَئِذٍ. ‏ ‏وَلَا يَخْفَى بُعْد هَذَا الْإِعْرَاب. وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَصْر مُخْتَصّ بِالْخَوْفِ , وَاَلَّذِي قَالَ ذَلِكَ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاة إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا ) وَلَمْ يَأْخُذ الْجُمْهُور بِهَذَا الْمَفْهُوم , فَقِيلَ لِأَنَّ شَرْط مَفْهُوم الْمُخَالَفَة أَنْ لَا يَكُون خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِب , وَقِيلَ هُوَ مِنْ الْأَشْيَاء الَّتِي شُرِعَ الْحُكْم فِيهَا بِسَبَبٍ ثُمَّ زَالَ السَّبَب وَبَقِيَ الْحُكْم كَالرَّمْلِ , وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْقَصْرِ فِي الْآيَة قَصْر الصَّلَاة فِي الْخَوْف إِلَى رَكْعَة , وَفِيهِ نَظَر لِمَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق يَعْلَى بْن أُمَيَّة وَلَهُ صُحْبَة أَنَّهُ سَأَلَ عُمَر عَنْ قَصْر الصَّلَاة فِي السَّفَر فَقَالَ إِنَّهُ سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ \" صَدَقَة تَصَدَّقَ اللَّه بِهَا عَلَيْكُمْ \" فَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّ الصَّحَابَة فَهِمُوا مِنْ ذَلِكَ قَصْر الصَّلَاة فِي السَّفَر مُطْلَقًا لَا قَصْرهَا فِي الْخَوْف خَاصَّة. وَفِي جَوَاب عُمَر إِشَارَة إِلَى الْقَوْل الثَّانِي. وَرَوَى السَّرَّاج مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ أَبِي حَنْظَلَة وَهُوَ الْحَذَّاء لَا يُعْرَف اِسْمه. قَالَ : سَأَلْت اِبْن عُمَر عَنْ الصَّلَاة فِي السَّفَر فَقَالَ : رَكْعَتَانِ , فَقُلْت إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَالَ \" إِنْ خِفْتُمْ \" وَنَحْنُ آمِنُونَ , فَقَالَ : سُنَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهَذَا يُرَجِّح الْقَوْل الثَّانِي أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1022",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏صَلَّى بِنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقِيلَ ذَلِكَ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتُ مَعَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتُ مَعَ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ لَا التَّيْمِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( صَلَّى بِنَا عُثْمَان بِمِنًى أَرْبَع رَكَعَات ) ‏ ‏كَانَ ذَلِكَ بَعْد رُجُوعه مِنْ أَعْمَال الْحَجّ فِي حَال إِقَامَته بِمِنًى لِلرَّمْيِ كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي رِوَايَة عَبَّاد بْن عَبْد اللَّه الزُّبَيْر فِي قِصَّة مُعَاوِيَة بَعْد بَابَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُيَّل ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَالْأَصِيلِيّ \" فَقِيلَ فِي ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَرْجَعَ ) ‏ ‏أَيْ فَقَالَ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَعَ عُمَر رَكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏زَادَ الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمْ الطُّرُق , أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الْحَجّ مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( فُلِيَتْ حَظِّي مِنْ أَرْبَع رَكَعَات رَكْعَتَانِ ) ‏ ‏لَمْ يَقُلْ الْأَصِيلِيُّ رَكَعَات , وَمِنْ لِلْبَدَلِيَّةِ مِثْل قَوْله تَعَالَى ( أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَة ) وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْإِتْمَام جَائِزًا وَإِلَّا لَمَا كَانَ لَهُ حَظّ مِنْ الْأَرْبَع وَلَا مِنْ غَيْرهَا فَإِنَّهَا كَانَتْ تَكُون فَاسِدَة كُلّهَا , وَإِنَّمَا اِسْتَرْجَحَ اِبْن مَسْعُود لَمَّا وَقَعَ عِنْده مِنْ مُخَالَفَة الْأَوْلَى. وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ \" أَنَّ اِبْن مَسْعُود صَلَّى أَرْبَعًا , فَقِيلَ لَهُ : عِبْت عَلَى عُثْمَان ثُمَّ صَلَّيْت أَرْبَعًا. فَقَالَ : الْخِلَاف شَرّ \" وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ \" إِنِّي لِأَكْرَه الْخِلَاف \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ مِثْل الْأَوَّل , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِد أَنَّ الْقَصْر وَاجِب كَمَا قَالَ الْحَنَفِيَّة وَوَافَقَهُمْ الْقَاضِي إِسْمَاعِيل مِنْ الْمَالِكِيَّة وَهِيَ رِوَايَة عَنْ مَالِك وَعَنْ أَحْمَد. قَالَ اِبْن قُدَامَةَ : الْمَشْهُور عَنْ أَحْمَد أَنَّهُ عَلَى الِاخْتِيَار وَالْقَصْر عِنْده أَفْضَل , وَهُوَ قَوْل جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ عَلَى عَدَم الْوُجُوب بِأَنَّ الْمُسَافِر إِذَا دَخَلَ فِي صَلَاة الْمُقِيم صَلَّى أَرْبَعًا بِاتِّفَاقِهِمْ , وَلَوْ كَانَ فَرْضه الْقَصْر لَمْ يَأْتَمّ مُسَافِر بِمُقِيمٍ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَمَّا كَانَ الْفَرْض لَا بُدَّ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِي بِهِ وَلَا يَتَخَيَّر فِي الْإِتْيَان بِبَعْضِهِ وَكَانَ التَّخْيِير مُخْتَصًّا بِالتَّطَوُّعِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّي لَا يَتَخَيَّر فِي الِاثْنَتَيْنِ وَالْأَرْبَع. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن بَطَّال بِأَنَّا وَجَدْنَا وَاجِبًا يَتَخَيَّر بَيْن الْإِتْيَان بِجَمِيعِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ وَهُوَ الْإِقَامَة بِمِنًى ا ه. وَنَقَلَ الدَّاوُدِيُّ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْقَصْر فَرْضًا , وَفِيهِ نَظَر لِمَا ذَكَرْته , وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا تَعَمَّدَ تَرْك الْفَرْض حَيْثُ صَلَّى أَرْبَعًا وَقَالَ إِنَّ الْخِلَاف شَرّ , وَيَظْهَر أَثَر الْخِلَاف فِيمَا إِذَا قَامَ إِلَى الثَّالِثَة عَمْدًا فَصَلَاته عِنْد الْجُمْهُور صَحِيحَة , وَعِنْد الْحَنَفِيَّة فَاسِدَة مَا لَمْ يَكُنْ جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ , وَسَيَأْتِي ذِكْر السَّبَب فِي إِتْمَام عُثْمَان بَعْد بَابَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1023",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي الْعَالِيَة الْبَرَّاء ) ‏ ‏هُوَ بِتَشْدِيدِ الرَّاء , كَانَ يَبْرِي النَّبْل , وَاسْمه زِيَاد وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ , وَهُوَ غَيْر أَبِي الْعَالِيَة الرِّيَاحِيّ , وَقَدْ اِشْتَرَكَا فِي الرِّوَايَة عَنْ أَبِي عَبَّاس , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث وَعَلَى مُتَابَعَة عَطَاء عَنْ جَابِر فِي كِتَاب الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1024",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَكُمْ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مَعَ ذِي ‏ ‏مَحْرَمٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ حَيْثُ قَالَ الْبُخَارِيّ \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق \" فَهُوَ إِمَّا اِبْن رَاهْوَيْهِ , وَإِمَّا اِبْن نَصْر السَّعْدِيّ , وَإِمَّا اِبْن مَنْصُور الْكَوْسَج , لِأَنَّ الثَّلَاثَة أَخْرَجَ عَنْهُمْ عَنْ أَبِي أُسَامَة. قُلْت : لَكِنْ إِسْحَاق هُنَا هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , لِأَنَّهُ سَاقَ هَذَا الْحَدِيث فِي مُسْنَده بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ سَنَدًا وَمَتْنًا , وَمِنْ عَادَته الْإِتْيَان بِهَذِهِ الْعِبَارَة دُون الْأَخِيرَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَكُمْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط فِي صِحَّة التَّحَمُّل قَوْل الشَّيْخ \" نَعَمْ \" فِي جَوَاب مَنْ قَالَ لَهُ حَدَّثَكُمْ فُلَان بِكَذَا , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ فِي مُسْنَد إِسْحَاق فِي آخِره فَأَقَرَّ بِهِ أَبُو أُسَامَة وَقَالَ : نَعَمْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تُسَافِر الْمَرْأَة ثَلَاثَة أَيَّام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق الضَّحَّاك بْن عُثْمَان عَنْ نَافِع \" مَسِيرَة ثَلَاث لَيَالٍ \" وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ الْمُرَاد ثَلَاثَة أَيَّام بِلَيَالِيِهَا أَوْ ثَلَاث لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَالْأَصِيلِيّ \" إِلَّا مَعَهَا ذُو مَحْرَم \" وَالْمَحْرَم بِفَتْحِ الْمِيم الْحَرَام وَالْمُرَاد بِهِ مَنْ لَا يَحِلّ لَهُ نِكَاحهَا. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ \" إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ زَوْجهَا أَوْ اِبْنهَا أَوْ ذُو مَحْرَم مِنْهَا \" أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1025",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّا مَعَ ذِي ‏ ‏مَحْرَمٍ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ أَحْمَد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد الْمَرْوَزِيُّ أَحَد شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك , وَنَقَلَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ قَالَ : مَا أَنْكَرْت عَلَى عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر إِلَّا هَذَا الْحَدِيث. وَرَوَاهُ أَخُوهُ عَبْد اللَّه مَوْقُوفًا. قُلْت : وَعَبْد اللَّه ضَعِيف , وَقَدْ تَابَعَ عُبَيْد اللَّه الضَّحَّاك كَمَا تَقَدَّمَ فَاعْتَمَدَهُ الْبُخَارِيّ لِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1026",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏وَسُهَيْلٌ ‏ ‏وَمَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَا يَحِلّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر ) ‏ ‏مَفْهُومه أَنَّ النَّهْي الْمَذْكُور يَخْتَصّ بِالْمُؤْمِنَاتِ , فَتَخْرُج الْكَافِرَات كِتَابِيَّة كَانَتْ أَوْ حَرْبِيَّة , وَقَدْ قَالَ بِهِ بَعْض أَهْل الْعِلْم. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِيمَان هُوَ الَّذِي يَسْتَمِرّ لِلْمُتَّصِفِ بِهِ خِطَاب الشَّارِع فَيَنْتَفِع بِهِ وَيَنْقَاد لَهُ , فَلِذَلِكَ قُيِّدَ بِهِ , أَوْ أَنَّ الْوَصْف ذُكِرَ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيم وَلَمْ يُقْصَد بِهِ إِخْرَاج مِمَّا سِوَاهُ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( مَسِيرَة يَوْم وَلَيْلَة لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَة ) ‏ ‏أَيْ مَحْرَم , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَم جَوَاز السَّفَر لِلْمَرْأَةِ بِلَا مَحْرَم , وَهُوَ إِجْمَاع فِي غَيْر الْحَجّ وَالْعُمْرَة وَالْخُرُوج مِنْ دَار الشِّرْك , وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِط الْحَجّ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن تَبَعًا لِشَيْخِهِ مُغَلْطَاي : الْهَاء فِي قَوْله \" مَسِيرَة يَوْم وَلَيْلَة \" لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَة , وَالتَّقْدِير أَنْ تُسَافِر مَرَّة وَاحِدَة مَخْصُوصَة بِيَوْمٍ وَلَيْلَة , وَلَا سَلَفَ لَهُ فِي هَذَا الْإِعْرَاب , وَمَسِيرَة إِنَّمَا هِيَ مَصْدَر سَارَ كَقَوْلِهِ سَيْرًا مِثْل عَاشَ مَعِيشَة وَعَيْشًا. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَسُهَيْل وَمَالِك عَنْ الْمَقْبُرِيِّ ) ‏ ‏يَعْنِي سَعِيدًا ‏ ‏( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏يَعْنِي لَمْ يَقُولُوا \" عَنْ أَبِيهِ \" فَعَلَى هَذَا فَهِيَ مُتَابَعَة فِي الْمَتْن لَا فِي الْإِسْنَاد , عَلَى أَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى سُهَيْل وَعَلَى مَالِك فِيهِ , وَكَأَنَّ الرِّوَايَة الَّتِي جَزَمَ بِهَا الْمُصَنِّف أَرْجَح عِنْده عَنْهُمْ , وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة لَيْسَ فِيهِ \" عَنْ أَبِيهِ \" كَمَا رَوَاهُ مُعْظَم رُوَاة الْمُوَطَّأ , لَكِنْ الزِّيَادَة مِنْ الثِّقَة مَقْبُولَة وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَافِظًا , وَقَدْ وَافَقَ اِبْن أَبِي ذِئْب عَلَى قَوْله \" عَنْ أَبِيهِ \" اللَّيْث بْن سَعْد عِنْد أَبِي دَاوُدَ , وَاللَّيْث وَابْن أَبِي ذِئْب مِنْ أَثْبَت النَّاس فِي سَعِيد , فَأَمَّا رِوَايَة يَحْيَى فَأَخْرَجَهَا أَحْمَد عَنْ الْحَسَن بْن مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ النَّحْوِيّ عَنْهُ وَلَمْ أَجِد عَنْهُ فِيهِ اِخْتِلَافًا إِلَّا أَنَّ لَفْظَة \" أَنْ تُسَافِر يَوْمًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم \" وَيُحْمَل قَوْله يَوْمًا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْيَوْم بِلَيْلَتِهِ فَيُوَافِق رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب , وَأَمَّا رِوَايَة سُهَيْل فَذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّهُ اِضْطَرَبَ فِي إِسْنَادهَا وَمَتْنهَا , وَأَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق خَالِد الْوَاسِطِيِّ وَحَمَّاد بْن سَلَمَة , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق جَرِير كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة كَمَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيّ , إِلَّا أَنَّ جَرِيرًا قَالَ فِي رِوَايَته \" بَرِيدًا \" بَدَل يَوْمًا , وَقَالَ بِشْر بْن الْمُفَضَّل عَنْ سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَبْدَلَ سَعِيدًا بِأَبِي صَالِح , وَخَالَفَ فِي اللَّفْظ أَيْضًا فَقَالَ \" تُسَافِر ثَلَاثًا \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْحَدِيثَانِ مَعًا عِنْد سُهَيْل , وَمِنْ ثَمَّ صَحَّحَ اِبْن حِبَّان الطَّرِيقَيْنِ عَنْهُ , لَكِنْ الْمَحْفُوظ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي سَعِيد كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ. وَأَمَّا رِوَايَة مَالِك فَهِيَ فِي الْمُوَطَّأ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيّ , وَأَخْرَجَهَا مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرهمَا , وَهُوَ الْمَشْهُور عَنْهُ. وَرَوَاهَا بِشْر بْن عُمَر الزَّهْرَانِيُّ عَنْهُ فَقَالَ \" عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَأَبُو عَوَانَة وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقه , وَقَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ : إِنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ مَالِك , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ أَخْرَجَهُ فِي \" الْغَرَائِب \" مِنْ رِوَايَة إِسْحَاق بْن مُحَمَّد الْفَرْوِيّ عَنْ مَالِك كَذَلِكَ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ مَالِك , وَالْمَحْفُوظ عَنْ مَالِك لَيْسَ فِيهِ قَوْله \" عَنْ أَبِيهِ \" وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1027",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏أَرْبَعًا ‏ ‏وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( صَلَّيْت الظُّهْر مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَبِذِي الْحُلَيْفَة رَكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَالْعَصْر بِذِي الْحُلَيْفَة رَكْعَتَيْنِ \" وَهِيَ ثَابِتَة فِي رِوَايَة مُسْلِم , وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَس عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْحَجّ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِسْتِبَاحَة قَصْر الصَّلَاة فِي السَّفَر الْقَصِير لِأَنَّ بَيْن الْمَدِينَة وَذِي الْحُلَيْفَة سِتَّة أَمْيَال , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَا الْحُلَيْفَة لَمْ تَكُنْ مُنْتَهَى السَّفَر وَإِنَّمَا خَرَجَ إِلَيْهَا حَيْثُ كَانَ قَاصِدًا إِلَى مَكَّة فَاتَّفَقَ نُزُوله بِهَا وَكَانَتْ أَوَّل صَلَاة حَضَرَتْ بِهَا الْعَصْر فَقَصَرَهَا وَاسْتَمَرَّ يَقْصُر إِلَى أَنْ رَجَعَ , وَمُنَاسَبَة أَثَر عَلِيٍّ لِحَدِيثِ أَنَس ثُمَّ لِحَدِيثِ عَائِشَة أَنَّ حَدِيث عَلِيّ دَالّ عَلَى أَنَّ الْقَصْر يُشْرَع بِفِرَاقِ الْحَضَر , وَكَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْصُر حَتَّى رَأَى ذَا الْحُلَيْفَة إِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ أَوَّل مَنْزِل نَزَلَهُ وَلَمْ يَحْضُر قَبْله وَقْت صَلَاة , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث عَائِشَة فَفِيهِ تَعْلِيق الْحُكْم بِالسَّفَرِ وَالْحَضَر , فَحَيْثُ وُجِدَ السَّفَر شُرِعَ الْقَصْر , وَحَيْثُ وُجِدَ الْحَضَر شُرِعَ الْإِتْمَام. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ السَّفَر لَا يَقْصُر حَتَّى يَبْرُز مِنْ الْبَلَد خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ السَّلَف يَقْصُر وَلَوْ فِي بَيْته , وَفِيهِ حُجَّة عَلَى مُجَاهِد فِي قَوْله : لَا يَقْصُر حَتَّى يَدْخُل اللَّيْل. ‏"
    },
    {
        "id": "1028",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏الصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِعُرْوَةَ ‏ ‏مَا بَالُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏تُتِمُّ قَالَ ‏ ‏تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( الصَّلَاة أَوَّل مَا فُرِضَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" الصَّلَوَات \" بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَأَوَّل بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ بَدَل مِنْ الصَّلَاة أَوْ مُبْتَدَأ ثَانٍ , وَيَجُوز النَّصْب عَلَى أَنَّهُ ظَرْف أَيْ فِي أَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( رَكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة \" رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأُقِرَّتْ صَلَاة السَّفَر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَّل الصَّلَاة , وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ \" عَلَى أَنَّ صَلَاة الْمُسَافِر لَا تَجُوز إِلَّا مَقْصُورَة , وَرُدَّ بِأَنَّهُ مُعَارَض بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاة ) وَلِأَنَّهُ دَالّ عَلَى أَنَّ الْأَصْل الْإِتْمَام , وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ قَوْل عَائِشَة \" فُرِضَتْ \" أَيْ قُدِّرَتْ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُسَافِر إِذَا اِخْتَارَ الْقَصْر فَهُوَ فَرْضه , وَمِنْ أَدَلّ دَلِيل عَلَى تَعَيُّن تَأْوِيل حَدِيث عَائِشَة هَذَا كَوْنهَا كَانَتْ تُتِمّ فِي السَّفَر , وَلِذَلِكَ أَوْرَدَهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَان ) ‏ ‏هَذَا فِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ عُثْمَان إِنَّمَا أَتَمَّ لِكَوْنِهِ تَأَهَّلَ بِمَكَّة , أَوْ لِأَنَّهُ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ وَكُلّ مَوْضِع لَهُ دَار , أَوْ لِأَنَّهُ عَزَمَ عَلَى الْإِقَامَة بِمَكَّة , أَوْ لِأَنَّهُ اِسْتَجَدَّ لَهُ أَرْضًا بِمِنًى , أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ يَسْبِق النَّاس إِلَى مَكَّة , لِأَنَّ جَمِيع ذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي حَقّ عَائِشَة وَأَكْثَره لَا دَلِيل عَلَيْهِ بَلْ هِيَ ظُنُون مِمَّنْ قَالَهَا , وَيَرُدّ الْأَوَّل أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَافِر بِزَوْجَاتِهِ وَقَصَرَ , وَالثَّانِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوْلَى بِذَلِكَ , وَالثَّالِث أَنَّ الْإِقَامَة بِمَكَّة عَلَى الْمُهَاجِرِينَ حَرَام كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره فِي الْكَلَام حَدِيث عَلَى حَدِيث الْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ فِي كِتَاب الْمَغَازِي , وَالرَّابِع وَالْخَامِس لَمْ يُنْقَلَا فَلَا يَكْفِي التَّخَرُّص فِي ذَلِكَ , وَالْأَوَّل وَإِنْ كَانَ نُقِلَ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث عُثْمَان وَأَنَّهُ لَمَّا صَلَّى بِمِنًى أَرْبَع رَكَعَات أَنْكَرَ النَّاس عَلَيْهِ فَقَالَ : إِنِّي تَأَهَّلْت بِمَكَّة لَمَّا قَدِمْت وَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" مَنْ تَأَهَّلَ بِبَلْدَةٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي صَلَاة مُقِيم \" فَهَذَا الْحَدَث لَا يَصِحّ لِأَنَّهُ مُنْقَطِع , وَفِي رُوَاته مَنْ لَا يُحْتَجّ بِهِ , وَيَرُدّهُ قَوْل عُرْوَة : إِنَّ عَائِشَة تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَان , وَلَا جَائِز أَنْ تَتَأَهَّل عَائِشَة أَصْلًا. فَدَلَّ عَلَى وَهْن ذَلِكَ الْخَبَر. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ يُمْكِن أَنْ يَكُون مُرَاد عُرْوَة بِقَوْلِهِ \" كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَان \" التَّشْبِيه بِعُثْمَان فِي الْإِتْمَام بِتَأْوِيلٍ لَا اِتِّحَاد تَأْوِيلهمَا , وَيُقَوِّيه أَنَّ الْأَسْبَاب اِخْتَلَفَتْ فِي تَأْوِيل عُثْمَان فَتَكَاثَرَتْ , بِخِلَافِ تَأْوِيل عَائِشَة. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن جَرِير فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء \" أَنَّ عَائِشَة كَانَتْ تُصَلِّي فِي السَّفَر أَرْبَعًا , فَإِذَا اِحْتَجُّوا عَلَيْهَا تَقُول : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي حَرْب وَكَانَ يَخَاف , فَهَلْ تَخَافُونَ أَنْتُمْ \" ؟ وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيل عَائِشَة إِنَّمَا أَتَمَّتْ فِي سَفَرهَا إِلَى الْبَصْرَة إِلَى قِتَال عَلِيّ وَالْقَصْر عِنْدهَا إِنَّمَا يَكُون فِي سَفَر طَاعَة , وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ بَاطِلَانِ لَا سِيَّمَا الثَّانِي , وَلَعَلَّ قَوْل عَائِشَة هَذَا هُوَ السَّبَب فِي حَدِيث حَارِثَة بْن وَهْب الْمَاضِي قَبْل بِبَابَيْنِ وَالْمَنْقُول أَنَّ سَبَب إِتْمَام عُثْمَان أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْقَصْر مُخْتَصًّا بِمَنْ كَانَ شَاخِصًا سَائِرًا , وَأَمَّا مَنْ أَقَامَ فِي مَكَان فِي أَثْنَاء سَفَره فَلَهُ حُكْم الْمُقِيم فَيُتِمّ , وَالْحُجَّة فِيهِ مَا رَوَاهُ أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ عَبَّاد بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر قَالَ : لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَة حَاجًّا صَلَّى بِنَا الظُّهْر رَكْعَتَيْنِ بِمَكَّة , ثُمَّ اِنْصَرَفَ إِلَى دَار النَّدْوَة , فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَرْوَان وَعَمْرو بْن عُثْمَان فَقَالَا : لَقَدْ عِبْت أَمْر اِبْن عَمّك لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَتَمَّ الصَّلَاة. قَالَ : وَكَانَ عُثْمَان حَيْثُ أَتَمَّ الصَّلَاة إِذَا قَدِمَ مَكَّة صَلَّى بِهَا الظُّهْر وَالْعَصْر وَالْعِشَاء أَرْبَعًا أَرْبَعًا , ثُمَّ إِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى وَعَرَفَة قَصَرَ الصَّلَاة , فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْحَجّ وَأَقَامَ بِمِنًى أَتَمَّ الصَّلَاة. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : الْوَجْه الصَّحِيح فِي ذَلِكَ أَنَّ عُثْمَان وَعَائِشَة كَانَا يَرَيَانِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَصَرَ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِالْأَيْسَرِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أُمَّته , فَأَخَذَا لِأَنْفُسِهِمَا بِالشِّدَّةِ ا ه. وَهَذَا رَجَّحَهُ جَمَاعَة مِنْ آخِرهمْ الْقُرْطُبِيّ , لَكِنْ الْوَجْه الَّذِي قَبْله أَوْلَى لِتَصْرِيحِ الرَّاوِي بِالسَّبَبِ , وَأَمَّا مَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عُثْمَان إِنَّمَا أَتَمَّ الصَّلَاة لِأَنَّهُ نَوَى الْإِقَامَة بَعْد الْحَجّ فَهُوَ مُرْسَل , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ الْإِقَامَة بِمَكَّة عَلَى الْمُهَاجِرِينَ حَرَام كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ فِي الْمَغَازِي , وَصَحَّ عَنْ عُثْمَان أَنَّهُ كَانَ لَا يُوَدِّع النِّسَاء إِلَّا عَلَى ظَهْر رَاحِلَته , وَيُسْرِع الْخُرُوج خَشْيَة أَنْ يَرْجِع فِي هِجْرَته. وَثَبَتَ عَنْ عُثْمَان أَنَّهُ قَالَ لَمَّا حَاصَرُوهُ - وَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَة : اِرْكَبْ رَوَاحِلك إِلَى مَكَّة - قَالَ : لَنْ أُفَارِق دَار هِجْرَتِي. وَمَعَ هَذَا النَّظَر فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَدْ رَوَى أَيُّوب عَنْ الزُّهْرِيِّ مَا يُخَالِفهُ , فَرَوَى الطَّحَاوِيُّ وَغَيْره مِنْ هَذَا الْوَجْه عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : إِنَّمَا صَلَّى عُثْمَان بِمِنًى أَرْبَعًا لِأَنَّ الْأَعْرَاب كَانُوا كَثُرُوا فِي ذَلِكَ الْعَام فَأَحَبَّ أَنْ يُعْلِمهُمْ أَنَّ الصَّلَاة أَرْبَع , وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُثْمَان أَنَّهُ أَتَمَّ بِمِنًى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ : إِنَّ الْقَصْر سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ , وَلَكِنَّهُ حَدَّثَ طَغَام - يَعْنِي بِفَتْحِ الطَّاء وَالْمُعْجَمَة - فَخِفْت أَنْ يَسْتَنُّوا. وَعَنْ اِبْن جُرَيْجٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا نَادَاهُ فِي مِنًى : يَا أَمِير الْمُؤْمَنِينَ مَا زِلْت أُصَلِّيهَا مُنْذُ رَأَيْتُك عَام أَوَّل رَكْعَتَيْنِ. وَهَذِهِ طُرُق يُقَوِّي بَعْضهَا بَعْضًا , وَلَا مَانِع أَنْ يَكُون هَذَا أَصْل سَبَب الْإِتْمَام , وَلَيْسَ بِمُعَارِضٍ لِلْوَجْهِ الَّذِي اِخْتَرْته بَلْ يُقَوِّيه مِنْ حَيْثُ إنَّ حَالَة الْإِقَامَة فِي أَثْنَاء السَّفَر أَقْرَب إِلَى قِيَاس الْإِقَامَة الْمُطْلَقَة عَلَيْهَا بِخِلَافِ السَّائِر , وَهَذَا مَا أَدَّى إِلَيْهِ اِجْتِهَاد عُثْمَان. وَأَمَّا عَائِشَة فَقَدْ جَاءَ عَنْهَا سَبَب الْإِتْمَام صَرِيحًا , وَهُوَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي فِي السَّفَر أَرْبَعًا , فَقُلْت لَهَا : لَوْ صَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ , فَقَالَتْ : يَا اِبْن أُخْتِي إِنَّهُ لَا يَشُقّ عَلَيَّ \" إِسْنَاده صَحِيح , وَهُوَ دَالّ عَلَى أَنَّهَا تَأَوَّلَتْ أَنَّ الْقَصْر رُخْصَة , وَأَنَّ الْإِتْمَام لِمَنْ لَا يَشُقّ عَلَيْهِ أَفْضَل. وَيَدُلّ عَلَى اِخْتِيَار الْجُمْهُور مَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ سَافَرَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَعُمَر فَكُلّهمْ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مِنْ حِين يَخْرُج مِنْ الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة حَتَّى يَرْجِع إِلَى الْمَدِينَة فِي السَّيْر وَفِي الْمُقَام بِمَكَّة. ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ مَا مُلَخَّصه : تَمَسَّكَ الْحَنَفِيَّة بِحَدِيثِ عَائِشَة فِي أَنَّ الْفَرْض فِي السَّفَر أَنْ يُصَلِّي الرُّبَاعِيَّة رَكْعَتَيْنِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى ظَاهِره لَمَا أَتَمَّتْ عَائِشَة , وَعِنْدهمْ الْعِبْرَة بِمَا رَأَى الرَّاوِي إِذَا عَارَض مَا رَوَى. ثُمَّ ظَاهِر الْحَدِيث مُخَالِف لِظَاهِرِ الْقُرْآن لِأَنَّهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا فُرِضَتْ فِي الْأَصْل رَكْعَتَيْنِ وَاسْتَمَرَّتْ فِي السَّفَر , وَظَاهِر الْقُرْآن أَنَّهَا كَانَتْ أَرْبَعًا فَنَقَصَتْ ثُمَّ إِنَّ قَوْلهَا \" الصَّلَاة \" تَعُمّ الْخَمْس , وَهُوَ مَخْصُوص بِخُرُوجِ الْمَغْرِب مُطْلَقًا وَالصُّبْح بِعَدَمِ الزِّيَادَة فِيهَا فِي الْحَضَر قَالَ : وَالْعَامّ إِذَا خُصَّ ضَعُفَتْ دَلَالَته حَتَّى اُخْتُلِفَ فِي بَقَاء الِاحْتِجَاج بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1029",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَفْعَلُهُ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ‏ ‏بِالْمُزْدَلِفَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏وَأَخَّرَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏الْمَغْرِبَ ‏ ‏وَكَانَ اسْتُصْرِخَ عَلَى امْرَأَتِهِ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ الصَّلَاةَ فَقَالَ سِرْ فَقُلْتُ الصَّلَاةَ فَقَالَ سِرْ حَتَّى سَارَ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ‏ ‏ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا ثُمَّ يُسَلِّمُ ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ الْعِشَاءَ فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ الْعِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْر فِي السَّفَر ) ‏ ‏يَخْرُج مَا إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْر فِي الْحَضَر , كَأَنْ يَكُون خَارِج الْبَلَد فِي بُسْتَان مَثَلًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ اللَّيْث حَدَّثَنِي يُونُس ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِطُولِهِ عَنْ الْقَاسِم بْن زَكَرِيَّا عَنْ اِبْن زَنْجَوَيْهِ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن هَانِئ عَنْ الرَّمَادِيّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اللَّيْث بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَخَّرَ اِبْن عُمَر الْمَغْرِب وَكَانَ اِسْتَصْرَخَ عَلَى صَفِيَّة بِنْت أَبِي عُبَيْد ) ‏ ‏هِيَ أُخْت الْمُخْتَار الثَّقَفِيّ , وَقَوْله اُسْتُصْرِخَ بِالضَّمِّ أَيْ اُسْتُغِيثَ بِصَوْتٍ مُرْتَفِع , وَهُوَ مِنْ الصُّرَاخ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة , وَالْمُصْرَخ الْمُغِيث قَالَ اللَّه تَعَالَى ( مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ ). ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لَهُ الصَّلَاة ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاء. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لَهُ الصَّلَاة ) ‏ ‏فِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ مُرَاعَاة أَوْقَات الْعِبَادَة , وَفِي قَوْله \" سِرّ \" جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْخِطَاب. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ظَاهِر سِيَاق الْمُؤَلِّف أَنَّ جَمِيع مَا بَعْد قَوْله \" زَادَ اللَّيْث \" لَيْسَ دَاخِلًا فِي رِوَايَة شُعَيْب , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ رِوَايَة شُعَيْب بَعْد ثَمَانِيَة أَبْوَاب وَفِيهَا أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا الزِّيَادَة فِي قِصَّة صَفِيَّة وَصَنِيع اِبْن عُمَر خَاصَّة , وَفِي التَّصْرِيح بِقَوْلِهِ : ( قَالَ عَبْد اللَّه رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَطْ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى سَارَ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة ) ‏ ‏أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي \" بَاب السُّرْعَة فِي السَّيْر \" مِنْ كِتَاب الْجِهَاد مِنْ رِوَايَة أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَر قَالَ \" كُنْت مَعَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر بِطَرِيقِ مَكَّة فَبَلَغَهُ عَنْ صَفِيَّة بِنْت أَبِي عُبَيْد شِدَّة وَجَع , فَأَسْرَعَ السَّيْر حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْد غُرُوب الشَّفَق نَزَلَ فَصَلَّى الْمَغْرِب وَالْعَتَمَة جَمَعَ بَيْنهمَا \" فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة تَعْيِين السَّفَر الْمَذْكُور وَوَقْت اِنْتِهَاء السَّيْر وَالتَّصْرِيح بِالْجَمْعِ بَيْن الصَّلَاتَيْنِ , وَأَفَادَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَة أَنَّهَا كَتَبَتْ إِلَيْهِ تُعْلِمهُ بِذَلِكَ , وَلِمُسْلِمٍ نَحْوه مِنْ رِوَايَة نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر , وَفِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَسَارَ حَتَّى غَابَ الشَّفَق وَتَصَوَّبَتْ النُّجُوم نَزَلَ فَصَلَّى الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِر الشَّفَق نَزَلَ فَصَلَّى الْمَغْرِب ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاء وَقَدْ تَوَارَى الشَّفَق فَصَلَّى بِنَا \" فَهَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهَا قِصَّة أُخْرَى , وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي أَوَّله \" خَرَجْت مَعَ اِبْن عُمَر فِي سَفَر يُرِيد أَرْضًا لَهُ \" وَفِي الْأَوَّل أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد رُجُوعه مِنْ مَكَّة , فَدَلَّ عَلَى التَّعَدُّد. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر ‏ ‏( رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْر ) ‏ ‏يُؤْخَذ مِنْهُ تَقْيِيد جَوَاز التَّأْخِير بِمَنْ كَانَ عَلَى ظَهْر سَيْر , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ بَعْد سِتَّة أَبْوَاب ‏ ‏قَوْله : ( يُقِيم الْمَغْرِب ) ‏ ‏كَذَا لِلْحَمَوِيّ وَالْأَكْثَر بِالْقَافِ , وَهِيَ مُوَافِقَة لِلرِّوَايَةِ الْآتِيَة , وَلِلْمُسْتَمْلِي وَالْكُشْمِيهَنِيّ \" يُعْتِم \" بِعَيْنٍ مُهْمَلَة سَاكِنَة بَعْدهَا مُثَنَّاة فَوْقَانِيَّة مَكْسُورَة أَيْ يَدُلّ فِي الْعَتَمَة , وَلِكَرِيمَة \" يُؤَخِّر \" , وَفِي الْبَاب عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ قَالَ \" مَا سَافَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ , إِلَّا الْمَغْرِب صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ , وَعَنْ عَلِيّ \" صَلَّيْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة السَّفَر رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِب ثَلَاثًا \" أَخْرَجَهُ الْبَزَّار , وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ خُزَيْمَةَ بْن ثَابِت وَجَابِر وَغَيْرهمَا وَعَنْ عَائِشَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "1030",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْأَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَامِر بْن رَبِيعَة عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ الْعَنَزِيّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون بَعْدهَا زَاي حَلِيف آل الْخَطَّاب , كَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي الْجَنَائِز وَآخَر عَلَّقَهُ فِي الصِّيَام. وَفِي رِوَايَة عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب الْآتِيَة بَعْد بَاب أَنَّ عَامِر بْن رَبِيعَة أَخْبَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَته ) ‏ ‏بَيَّنَ فِي رِوَايَة عُقَيْل أَنَّ ذَلِكَ فِي غَيْر الْمَكْتُوبَة , وَسَيَأْتِي بَعْد بَاب , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب بِلَفْظِ \" السُّبْحَة \". ‏ ‏قَوْله : ( حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ ) ‏ ‏هُوَ أَعَمّ مِنْ قَوْل جَابِر \" فِي غَيْر الْقِبْلَة \" قَالَ اِبْن التِّين : قَوْله \" حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ \" مَفْهُومه أَنَّهُ يَجْلِس عَلَيْهَا عَلَى هَيْئَته الَّتِي يَرْكَبهَا عَلَيْهَا وَيَسْتَقْبِل بِوَجْهِهِ مَا اِسْتَقْبَلَتْهُ الرَّاحِلَة , فَتَقْدِيره يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَته الَّتِي لَهُ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ , فَعَلَى هَذَا يَتَعَلَّق قَوْله \" تَوَجَّهَتْ بِهِ \" بِقَوْلِهِ \" يُصَلِّي \" , وَيُحْتَمَل أَنْ يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ \" عَلَى رَاحِلَته \" , لَكِنْ يُؤَيِّد الْأَوَّل الرِّوَايَة الْآتِيَة يَعْنِي رِوَايَة عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب بِلَفْظِ \" وَهُوَ عَلَى الرَّاحِلَة يُسَبِّح قِبَل أَيّ وَجْه تَوَجَّهَتْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1031",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وَهُوَ رَاكِبٌ فِي غَيْرِ الْقِبْلَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا شَيْبَانَ ) ‏ ‏هُوَ النَّحْوِيّ , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير , وَمُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن هُوَ اِبْن ثَوْبَان كَمَا سَنُبَيِّنُهُ بَعْد بَاب. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ رَاكِب ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة \" عَلَى رَاحِلَته نَحْو الْمَشْرِق \" وَزَادَ \" وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَة نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة \". وَبَيَّنَ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن عَبْد اللَّه بْن سُرَاقَة عَنْ جَابِر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَة أَنْمَار , وَكَانَ أَرْضهمْ قِبَل الْمَشْرِق لِمَنْ يَخْرُج مِنْ الْمَدِينَة , فَتَكُون الْقِبْلَة عَلَى يَسَار الْقَاصِد إِلَيْهِمْ. ‏ ‏وَزَادَ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر بِلَفْظِ \" فَجِئْت وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَته نَحْو الْمَشْرِق السُّجُود أَخْفَض مِنْ الرُّكُوع \". ‏"
    },
    {
        "id": "1032",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَفْعَلُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ اِبْن عُمَر يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَته ) ‏ ‏يَعْنِي فِي السَّفَر , وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيث الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُوتِر عَلَيْهَا ) ‏ ‏لَا يُعَارِض مَا رَوَاهُ أَحْمَد بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر \" أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَة تَطَوُّعًا , فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِر نَزَلَ فَأَوْتَرَ عَلَى الْأَرْض \" لِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ , وَيُؤَيِّد رِوَايَة الْبَاب مَا تَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب الْوِتْر أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى سَعِيد بْن يَسَار نُزُوله الْأَرْض لِيُوتِر , وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ - مَعَ كَوْنه كَانَ يَفْعَلهُ - لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّن لَهُ أَنَّ النُّزُول بِحَتْمٍ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَتَنَزَّل فِعْل اِبْن عُمَر عَلَى حَالَيْنِ : فَحَيْثُ أَوْتَرَ عَلَى الرَّاحِلَة كَانَ مُجِدًّا فِي السَّيْر , وَحَيْثُ نَزَلَ فَأَوْتَرَ عَلَى الْأَرْض كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1033",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ ‏ ‏يُومِئُ ‏ ‏وَذَكَرَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَفْعَلُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي أَبْوَاب الْوِتْر \" بَاب الْوِتْر فِي السَّفَر \" عَنْ مُوسَى هَذَا عَنْ جُوَيْرِيَة بْن أَسْمَاء , فَكَأَنَّ لِمُوسَى فِيهِ شَيْخَيْنِ , فَإِنَّ الرَّاوِي عَنْ اِبْن عُمَر فِي ذَلِكَ مُغَايِر لِهَذَا , وَزَادَ فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَة \" يُومِئ إِيمَاء إِلَّا الْفَرَائِض \" قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى الْإِيمَاء مُطْلَقًا فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود مَعًا , وَالْفُقَهَاء قَالُوا : يَكُون الْإِيمَاء فِي السُّجُود أَخَفْض مِنْ الرُّكُوع لِيَكُونَ الْبَدَل عَلَى وَفْق الْأَصْل , وَلَيْسَ فِي لَفْظ الْحَدِيث مَا يُثْبِتهُ وَلَا يَنْفِيه. قُلْت : إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر عِنْد التِّرْمِذِيّ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1034",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ عَلَى الرَّاحِلَةِ ‏ ‏يُسَبِّحُ ‏ ‏يُومِئُ ‏ ‏بِرَأْسِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُسَافِرٌ مَا يُبَالِي حَيْثُ مَا كَانَ وَجْهُهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا ‏ ‏يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يُسَبِّح ) ‏ ‏أَيْ يُصَلِّي النَّافِلَة , وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيث كَثِيرًا , وَسَيَأْتِي قَرِيبًا حَدِيث عَائِشَة \" سُبْحَة الضُّحَى \" وَالتَّسْبِيح حَقِيقَة فِي قَوْل سُبْحَان اللَّه , فَإِذَا أُطْلِقَ عَلَى الصَّلَاة فَهُوَ مِنْ بَاب إِطْلَاق اِسْم الْبَعْض عَلَى الْكُلّ , أَوْ لِأَنَّ الْمُصَلِّي مُنَزِّه لِلَّهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَة , وَالتَّسْبِيح التَّنْزِيه فَيَكُون مِنْ بَاب الْمُلَازَمَة وَأَمَّا اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِالنَّافِلَةِ فَهُوَ عُرْف شَرْعِيّ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِالْإِسْنَادَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ قَبْل بَابَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1035",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. قَالَ الْمُهَلَّب : هَذِهِ الْأَحَادِيث تَخُصّ قَوْله تَعَالَى ( وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهكُمْ شَطْره ) وَتَبَيَّنَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه اللَّه ) فِي النَّافِلَة , وَقَدْ أَخَذَ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الْأَحَادِيث فُقَهَاء الْأَمْصَار , إِلَّا أَنَّ أَحْمَد وَأَبَا ثَوْر كَانَا يَسْتَحِبَّانِ أَنْ يَسْتَقْبِل الْقِبْلَة بِالتَّكْبِيرِ حَال اِبْتِدَاء الصَّلَاة , وَالْحُجَّة لِذَلِكَ حَدِيث الْجَارُود بْن أَبِي سَبْرَة عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّع فِي السَّيْر اِسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَة ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَتْ رِكَابه أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَد وَالدَّرَاقُطْنِيّ , وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاة عَلَى الدَّوَابّ فِي السَّفَر الَّذِي لَا تُقْصَر فِيهِ الصَّلَاة فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى جَوَاز ذَلِكَ فِي كُلّ سَفَر , غَيْر مَالِك فَخَصَّهُ بِالسَّفَرِ الَّذِي تُقْصَر فِيهِ الصَّلَاة , قَالَ الطَّبَرِيُّ : لَا أَعْلَم أَحَدًا وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ. قُلْت : وَلَمْ يَتَّفِق عَلَى ذَلِكَ عَنْهُ , وَحُجَّته أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيث إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي أَسْفَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ يُنْقَل عَنْهُ أَنَّهُ سَافَرَ سَفَرًا قَصِيرًا فَصَنَعَ ذَلِكَ , وَحُجَّة الْجُمْهُور مُطْلَق الْأَخْبَار فِي ذَلِكَ , وَاحْتَجَّ الطَّبَرِيُّ لِلْجُمْهُورِ مِنْ طَرِيق النَّظَر أَنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ التَّيَمُّم رُخْصَة لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِر , وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ خَارِج الْمِصْر عَلَى مِيل أَوْ أَقَلّ وَنِيَّته الْعَوْد إِلَى مَنْزِله لَا إِلَى سَفَر آخَر وَلَمْ يَجِد مَاء أَنَّهُ يَجُوز لَهُ التَّيَمُّم , وَقَالَ : فَكَمَا جَازَ لَهُ التَّيَمُّم فِي هَذَا الْقَدْر جَازَ لَهُ النَّفْل عَلَى الدَّابَّة لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الرُّخْصَة ا ه وَكَأَنَّ السِّرّ فِيمَا ذُكِرَ تَيْسِير تَحْصِيل النَّوَافِل عَلَى الْعِبَاد وَتَكْثِيرهَا تَعْظِيمًا لِأُجُورِهِمْ رَحْمَة مِنْ اللَّه بِهِمْ. وَقَدْ طَرَدَ أَبُو يُوسُف وَمَنْ وَافَقَهُ التَّوْسِعَة فِي ذَلِكَ فَجَوَّزَهُ فِي الْحَضَر أَيْضًا , وَقَالَ بِهِ مِنْ الشَّافِعِيَّة أَبُو سَعِيد الْإِصْطَخْرِيُّ , وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" حَيْثُ كَانَ وَجْهه \" عَلَى أَنَّ جِهَة الطَّرِيق تَكُون بَدَلًا عَنْ الْقِبْلَة حَتَّى لَا يَجُوز الِانْحِرَاف عَنْهَا عَامِدًا قَاصِدًا لِغَيْرِ حَاجَة الْمَسِير إِلَّا إِنْ كَانَ سَائِرًا فِي غَيْر جِهَة الْقِبْلَة فَانْحَرَفَ إِلَى جِهَة الْقِبْلَة فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرّهُ عَلَى الصَّحِيح , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْوِتْر غَيْر وَاجِب عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِيقَاعِهِ إِيَّاهُ عَلَى الرَّاحِلَة كَمَا تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي \" بَاب الْوِتْر فِي السَّفَر \" مِنْ أَبْوَاب الْوِتْر , وَاسْتُنْبِطَ مِنْ دَلِيل التَّنَفُّل لِلرَّاكِبِ جَوَاز التَّنَفُّل لِلْمَاشِي , وَمَنَعَهُ مَالِك مِنْ أَنَّهُ أَجَازَهُ لِرَاكِبِ السَّفِينَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1036",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَبَّانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَ اسْتَقْبَلْنَا ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏حِينَ قَدِمَ مِنْ ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏فَلَقِينَاهُ ‏ ‏بِعَيْنِ التَّمْرِ ‏ ‏فَرَأَيْتُهُ ‏ ‏يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَوَجْهُهُ مِنْ ذَا الْجَانِبِ ‏ ‏يَعْنِي عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ فَقُلْتُ رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ فَقَالَ لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَعَلَهُ لَمْ أَفْعَلْهُ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَجَّاجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَبَّان ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَبِالْمُوَحَّدَةِ هُوَ اِبْن هِلَال. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَقْبَلْنَا أَنَس بْن مَالِك ) ‏ ‏بِسُكُونِ اللَّام. ‏ ‏قَوْله : ( حِين قَدِمَ مِنْ الشَّام ) ‏ ‏كَانَ أَنَس قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى الشَّام يَشْكُو مِنْ الْحَجَّاج , وَقَدْ ذَكَرْت طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَائِل كِتَاب الصَّلَاة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" حِين قَدِمَ الشَّام \" وَغَلَّطُوهُ لِأَنَّ أَنَس بْن سِيرِينَ إِنَّمَا تَلَقَّاهُ لَمَّا رَجَعَ مِنْ الشَّام فَخَرَجَ اِبْن سِيرِينَ مِنْ الْبَصْرَة لِيَتَلَقَّاهُ , وَيُمْكِن تَوْجِيهه بِأَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ حِين قَدِمَ الشَّام مُجَرَّد ذِكْر الْوَقْت الَّذِي وَقَعَ لَهُ فِيهِ ذَلِكَ كَمَا تَقُول فَعَلْت كَذَا لَمَّا حَجَجْت , قَالَ النَّوَوِيّ : رِوَايَة مُسْلِم صَحِيحَة وَمَعْنَاهُ تَلَقَّيْنَاهُ فِي رُجُوعه حِين قَدِمَ الشَّام. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْر ) ‏ ‏هُوَ مَوْضِع بِطَرِيقِ الْعِرَاق مِمَّا يَلِي الشَّام وَكَانَتْ بِهِ وَقْعَة شَهِيرَة فِي آخِر خِلَافَة أَبِي بَكْر بَيْن خَالِد بْن الْوَلِيد وَالْأَعَاجِم , وَوَجَدَ بِهَا غِلْمَانًا مِنْ الْعَرَب كَانُوا رَهْنًا تَحْت يَد كِسْرَى مِنْهُمْ جَدّ الْكَلْبِيّ الْمُفَسِّر وَحُمْرَان مَوْلَى عُثْمَان وَسِيرِين مَوْلَى أَنَس. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْتُك تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَة ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ لَمْ يُنْكِر الصَّلَاة عَلَى الْحِمَار وَلَا غَيْر ذَلِكَ مِنْ هَيْئَة أَنَس فِي ذَلِكَ , وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَدَم اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة فَقَطْ , وَفِي قَوْل أَنَس \" لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلهُ \" يَعْنِي تَرْك اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة لِلْمُتَنَفِّلِ عَلَى الدَّابَّة , وَهَلْ يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى حِمَار ؟ فِيهِ اِحْتِمَال , وَقَدْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : خَبَر أَنَس إِنَّمَا هُوَ فِي صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِبًا تَطَوُّعًا لِغَيْرِ الْقِبْلَة , فَإِفْرَاد التَّرْجَمَة فِي الْحِمَار مِنْ جِهَة السُّنَّة لَا وَجْه لَهُ عِنْدِي ا ه. وَقَدْ رَوَى السَّرَّاج مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ أَنَس أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى حِمَار وَهُوَ ذَاهِب إِلَى خَيْبَر إِسْنَاده حَسَن , وَلَهُ شَاهِد عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن يَحْيَى الْمَازِنِيّ عَنْ سَعِيد بْن يَسَار عَنْ اِبْن عُمَر \" رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى حِمَار وَهُوَ مُتَوَجِّه إِلَى خَيْبَر \" فَهَذَا يُرَجِّح الِاحْتِمَال الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏لَمْ يُبَيِّن فِي هَذِهِ الرِّوَايَة كَيْفِيَّة صَلَاة أَنَس , وَذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّأ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد قَالَ \" رَأَيْت أَنَسًا وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى حِمَار وَهُوَ مُتَوَجِّه إِلَى غَيْر الْقِبْلَة يَرْكَع وَيَسْجُد إِيمَاء مِنْ غَيْر أَنْ يَضَع جَبْهَته عَلَى شَيْء \". ‏ ‏قَوْله : ( وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ عَنْ حَجَّاج ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن حَجَّاج الْبَاهِلِيّ , وَلَمْ يَسُقْ الْمُصَنِّف الْمَتْن وَلَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم , نَعَمْ وَقَعَ عِنْد السَّرَّاج مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن عَامِر عَنْ الْحَجَّاج بْن الْحَجَّاج بِلَفْظِ \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عَلَى نَاقَته حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ \" فَعَلَى هَذَا كَأَنَّ أَنَسًا قَاسَ الصَّلَاة عَلَى الرَّاحِلَة بِالصَّلَاةِ عَلَى الْحِمَار , وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا مَضَى أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى مَوْضِع فِيهِ نَجَاسَة لَا يُبَاشِرهَا بِشَيْءٍ مِنْهُ أَنَّ صَلَاته صَحِيحَة , لِأَنَّ الدَّابَّة لَا تَخْلُو مِنْ نَجَاسَة وَلَوْ عَلَى مَنْفَذهَا وَفِيهِ الرُّجُوع إِلَى أَفْعَاله كَالرُّجُوعِ إِلَى أَقْوَاله مِنْ غَيْر عُرْضَة لِلِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ. وَفِيهِ تَلَقِّي الْمُسَافِر , وَسُؤَال التِّلْمِيذ شَيْخه عَنْ مُسْتَنَد فِعْله وَالْجَوَاب بِالدَّلِيلِ , وَفِيهِ التَّلَطُّف فِي السُّؤَال , وَالْعَمَل بِالْإِشَارَةِ لِقَوْلِهِ \" مِنْ ذَا الْجَانِب \". ‏"
    },
    {
        "id": "1037",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ سَافَرَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏صَحِبْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ‏ { ‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏إِسْوَةٌ ‏ ‏حَسَنَةٌ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عُمَر بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَحَفْص هُوَ اِبْن عَاصِم أَيْ اِبْن عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَيَحْيَى شَيْخ مُسَدِّد هُوَ الْقَطَّانُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1038",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِيسَى بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ ‏ ‏وَأَبَا بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏وَعُثْمَانَ ‏ ‏كَذَلِكَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَأَبَا بَكْر ) ‏ ‏مَعْطُوف عَلَى قَوْله \" صَحِبْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَعُمَر وَعُثْمَان ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُ ‏ ‏( كَذَلِكَ ) ‏ ‏صَحِبَهُمْ , وَكَانُوا لَا يَزِيدُونَ فِي السَّفَر عَلَى رَكْعَتَيْنِ , وَفِي ذِكْر عُثْمَان إِشْكَال لِأَنَّهُ كَانَ فِي آخِر أَمْره يُتِمّ الصَّلَاة كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيبًا , فَيُحْمَل عَلَى الْغَالِب. أَوْ الْمُرَاد بِهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَتَنَفَّل فِي أَوَّل أَمْره وَلَا فِي آخِره , وَأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يُتِمّ إِذَا كَانَ نَازِلًا , وَأَمَّا إِذَا كَانَ سَائِرًا فَيَقْصُر , فَلِذَلِكَ قَيَّدَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِالسَّفَرِ , وَهَذَا أَوْلَى لِمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي الْكَلَام عَلَى تَأْوِيل عُثْمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "1039",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا أَخْبَرَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى الضُّحَى غَيْرُ ‏ ‏أُمِّ هَانِئٍ ‏ ‏ذَكَرَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ فَتْحِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا فَصَلَّى ‏ ‏ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى ‏ ‏السُّبْحَةَ ‏ ‏بِاللَّيْلِ فِي السَّفَرِ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَا أَخْبَرَنَا أَحَد أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الضُّحَى غَيْر أُمّ هَانِئ ) ‏ ‏هَذَا لَا يَدُلّ عَلَى نَفْي الْوُقُوع , لِأَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى إِنَّمَا نَفَى ذَلِكَ عَنْ نَفْسه , وَأَمَّا قَوْل اِبْن بَطَّال : لَا حُجَّة فِي قَوْل اِبْن أَبِي لَيْلَى , وَتَرِد عَلَيْهِ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي أَنَّهُ صَلَّى الضُّحَى وَأَمَرَ بِهَا , ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهَا جُمْلَة , فَلَا يَرِد عَلَى اِبْن أَبِي لَيْلَى شَيْء مِنْهَا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى صَلَاة الضُّحَى فِي بَاب مُفْرَد فِي أَبْوَاب التَّطَوُّع , وَالْمَقْصُود هُنَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهَا يَوْم فَتْح مَكَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ يَقْصُر الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة , وَكَانَ حُكْمه حُكْم الْمُسَافِر. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي يُونُس ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ قَبْل بِبَابَيْنِ مَوْصُولًا مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ عُقَيْل , وَلَكِنْ لَفْظ الرِّوَايَتَيْنِ مُخْتَلِف , وَرِوَايَة يُونُس هَذِهِ وَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّات عَنْ أَبِي صَالِح عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1040",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ ‏ ‏يُومِئُ ‏ ‏بِرَأْسِهِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏يَفْعَلُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يُومِئ بِرَأْسِهِ ) ‏ ‏هُوَ تَفْسِير لِقَوْلِهِ \" يُسَبِّح \" أَيْ يُصَلِّي إِيمَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْإِيمَاء عَلَى الدَّابَّة \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر , لَكِنْ هُنَاكَ ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالْمَرْفُوعِ , وَهَذَا ذُكِرَ مَرْفُوعًا ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالْمَوْقُوفِ , وَفَائِدَة ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْحُجَّة قَائِمَة بِالْمَرْفُوعِ أَنْ يُبَيِّن أَنَّ الْعَمَل اِسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَتَطَرَّق إِلَيْهِ نَسْخ وَلَا مُعَارِض وَلَا رَاجِح , وَقَدْ اِشْتَمَلَتْ أَحَادِيث الْبَاب عَلَى أَنْوَاع مَا يُتَطَوَّع بِهِ سِوَى الرَّاتِبَة الَّتِي بَعْد الْمَكْتُوبَة , فَالْأَوَّل لِمَا قَبْل الْمَكْتُوبَة , وَالثَّانِي لِمَا لَهُ وَقْت مَخْصُوص مِنْ النَّوَافِل كَالضُّحَى , وَالثَّالِث لِصَلَاةِ اللَّيْل , وَالرَّابِع لِمُطْلَقِ النَّوَافِل. وَقَدْ جَمَعَ اِبْن بَطَّال بَيْن مَا اُخْتُلِفَ عَنْ اِبْن عُمَر فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَ يَمْنَع التَّنَفُّل عَلَى الْأَرْض وَيَقُول بِهِ عَلَى الدَّابَّة. وَقَالَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ : لَعَلَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الرَّوَاتِب فِي رَحْله وَلَا يَرَاهُ اِبْن عُمَر , أَوْ لَعَلَّهُ تَرَكَهَا فِي بَعْض الْأَوْقَات لِبَيَانِ الْجَوَاز ا ه. وَمَا جَمَعْنَا بِهِ تَبَعًا لِلْبُخَارِيِّ فِيمَا يَظْهَر أَظْهَر , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1041",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏حُسَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي السَّفَرِ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏وَحَرْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏جَمَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي حَدِيث اِبْن عُمَر ‏ ‏( جَدَّ بِهِ السَّيْر ) ‏ ‏أَيْ اِشْتَدَّ. قَالَهُ صَاحِب الْمُحْكَم. وَقَالَ عِيَاض : جَدَّ بِهِ السَّيْر أَسْرَعَ , كَذَا قَالَ : وَكَأَنَّهُ نَسَبَ الْإِسْرَاع إِلَى السَّيْر تَوَسُّعًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْدُوسٍ عَنْ أَحْمَد بْن حَفْص النَّيْسَابُورِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى ظَهْر سَيْر ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْإِضَافَةِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" عَلَى ظَهْرٍ \" بِالتَّنْوِينِ \" يَسِير \" بِلَفْظِ الْمُضَارِع بِتَحْتَانِيَّةٍ مَفْتُوحَة فِي أَوَّله , قَالَ الطِّيبِيُّ : الظَّهْر فِي قَوْله \" ظَهْر سَيْر \" لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ الصَّدَقَة عَنْ ظَهْر غِنًى , وَلَفْظ الظَّهْر يَقَع فِي مِثْل هَذَا اِتِّسَاعًا لِلْكَلَامِ كَأَنَّ السَّيْر كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى ظَهْر قَوِيّ مِنْ الْمَطِيّ مَثَلًا. وَقَالَ غَيْره : حَصَلَ لِلسَّيْرِ ظَهْر لِأَنَّ الرَّاكِب مَا دَامَ سَائِرًا فَكَأَنَّهُ رَاكِب ظَهْر. قُلْت : وَفِيهِ جِنَاس التَّحْرِيف بَيْن الظُّهْر وَالظَّهْر , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز جَمْع التَّأْخِير , وَأَمَّا جَمْع التَّقْدِيم فَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ بَعْد بَاب. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ حُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الَّذِي قَبْله وَالتَّقْدِير : وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ عَنْ حُسَيْن عَنْ يَحْيَى عَنْ حَفْص , وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَلَّقَهُ عَنْ حُسَيْن لَا بِقَيْدٍ مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَلَى بْن الْمُبَارَك وَحَرْب ) ‏ ‏أَيْ اِبْن شَدَّاد ‏ ‏( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير ‏ ‏( عَنْ حَفْص ) ‏ ‏أَيْ تَابِعًا حُسَيْنًا فَأَمَّا مُتَابَعَة عَلِيّ بْن الْمُبَارَك فَوَصَلَهَا أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن عُمَر بْن فَارِس عَنْهُ , وَأَمَّا مُتَابَعَة حَرْب فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي آخِر الْبَاب الَّذِي بَعْده , وَقَدْ تَابَعَهُمْ مَعْمَر عِنْد أَحْمَد وَأَبَانَ بْن يَزِيدَ عِنْد الطَّحَاوِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير. ‏"
    },
    {
        "id": "1042",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَفْعَلُهُ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ وَيُقِيمُ الْمَغْرِبَ فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا ثُمَّ يُسَلِّمُ ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ الْعِشَاءَ فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَلَا يُسَبِّحُ بَيْنَهُمَا بِرَكْعَةٍ وَلَا بَعْدَ الْعِشَاءِ بِسَجْدَةٍ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يُؤَخِّر صَلَاة الْمَغْرِب ) ‏ ‏لَمْ يُعَيِّن غَايَة التَّأْخِير , وَبَيَّنَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر بِأَنَّهُ بَعْد أَنْ يَغِيب الشَّفَق , وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب وَمُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع \" فَأَخَّرَ الْمَغْرِب بَعْد ذَهَاب الشَّفَق حَتَّى ذَهَبَ هَوَى مِنْ اللَّيْل \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَاد مِنْ طَرِيق أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَر عَنْ اِبْن عُمَر فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" حَتَّى كَانَ بَعْد غُرُوب الشَّفَق نَزَلَ فَصَلَّى الْمَغْرِب وَالْعِشَاء جَمْعًا بَيْنهمَا \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق رَبِيعَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَصَارَ حَتَّى غَابَ الشَّفَق وَتَصَوَّبَتْ النُّجُوم نَزَلَ فَصَلَّى الصَّلَاتَيْنِ جَمْعًا \" وَجَاءَتْ عَنْ اِبْن عُمَر رِوَايَات أُخْرَى \" أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِب فِي آخِر الشَّفَق , ثُمَّ أَقَامَ الصَّلَاة وَقَدْ تَوَارَى الشَّفَق , فَصَلَّى الْعِشَاء \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن اِبْن يَزِيد بْن جَابِر عَنْ نَافِع , وَلَا تَعَارُض بَيْنه وَبَيْن مَا سَبَقَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي وَاقِعَة أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَث حَتَّى يُقِيم الْعِشَاء ) ‏ ‏فِيهِ إِثْبَات لِلُبْثِ قَلِيل , وَذَلِكَ نَحْو مَا وَقَعَ فِي الْجَمْع بِمُزْدَلِفَة مِنْ إِنَاخَة الرَّوَاحِل , وَيَدُلّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الطُّرُق الَّتِي فِيهَا جَمْع بَيْنهمَا وَصَلَّاهُمَا جَمِيعًا , وَفِيهِ حُجَّة عَلَى مَنْ حَمَلَ أَحَادِيث الْجَمْع عَلَى الْجَمْع الصُّورِيّ , قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ : ثَبَتَ فِي الْجَمْع أَحَادِيث نُصُوص لَا يَتَطَرَّق إِلَيْهَا تَأْوِيل , وَدَلِيله مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى الِاسْتِنْبَاط مِنْ الْجَمْع بِعَرَفَة وَمُزْدَلِفَة , فَإِنَّ سَبَبه اِحْتِيَاج الْحَاجّ إِلَيْهِ لِاشْتِغَالِهِمْ بِمَنَاسِكِهِمْ , وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُود فِي كُلّ الْأَسْفَار وَلَمْ تَتَقَيَّد الرُّخَص كَالْقَصْرِ وَالْفِطْر بِالنُّسُكِ , إِلَى أَنْ قَالَ : وَلَا يَخْفَى عَلَى مُنْصِف أَنَّ الْجَمْع أَرْفَق مِنْ الْقَصْر , فَإِنَّ الْقَائِم إِلَى الصَّلَاة لَا يَشُقّ عَلَيْهِ رَكْعَتَانِ يَضُمّهُمَا إِلَى رَكْعَتَيْهِ , وَرِفْق الْجَمْع وَاضِح لِمَشَقَّةِ النُّزُول عَلَى الْمُسَافِر , وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِاخْتِصَاصِ الْجَمْع لِمَنْ جَدَّ بِهِ السَّيْر , وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "1043",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَرْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ ‏ ‏يَعْنِي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج , وَمَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ إِلَى أَنَّهُ إِسْحَاق بْن مَنْصُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَنَس فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏"
    },
    {
        "id": "1044",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَسَّانُ الْوَاسِطِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ ‏ ‏تَزِيغَ الشَّمْسُ ‏ ‏أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَإِذَا ‏ ‏زَاغَتْ ‏ ‏صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَسَّان الْوَاسِطِيُّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن سَهْل الْكِنْدِيّ الْمِصْرِيّ , كَانَ أَبُوهُ وَاسِطِيًّا فَقَدِمَ مِصْر فَوَلَد بِهَا حَسَّان الْمَذْكُور وَاسْتَمَرَّ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْمُفَضَّل بْن فَضَالَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء بَعْدهَا مُعْجَمَة خَفِيفَة , مِنْ ثِقَات الْمِصْرِيِّينَ. وَفِي الرُّوَاة حَسَّان الْوَاسِطِيُّ آخَر لَكِنَّهُ حَسَّان بْن حَسَّان يَرْوِي عَنْ شُعْبَة وَغَيْره ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَوَهَمَ بَعْض النَّاس فَزَعَمَ أَنَّهُ شَيْخ الْبُخَارِيّ هُنَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ رِوَايَة عَنْ الْمِصْرِيِّينَ. ‏ ‏قَوْله : ( تَزِيغ ) ‏ ‏بِزَايٍ وَمُعْجَمَة أَيْ تَمِيل , وَزَاغَتْ مَالَتْ , وَذَلِكَ إِذَا قَامَ الْفَيْء. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَجْمَع بَيْنهمَا ) ‏ ‏أَيْ فِي وَقْت الْعَصْر , وَفِي رِوَايَة قُتَيْبَة عَنْ الْمُفَضَّل فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده \" ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنهمَا \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة جَابِر بْن إِسْمَاعِيل عَنْ عُقَيْل \" يُؤَخِّر الظُّهْر إِلَى وَقْت الْعَصْر فَيَجْمَع بَيْنهمَا , وَيُؤَخِّر الْمَغْرِب حَتَّى يَجْمَع بَيْنهَا وَبَيْن الْعِشَاء حِين يَغِيب الشَّفَق \" , وَلَهُ مِنْ رِوَايَة شَبَابَة عَنْ عُقَيْل : \" حَتَّى يَدْخُل أَوَّل وَقْت الْعَصْر , ثُمَّ يَجْمَع بَيْنهمَا \". ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا زَاغَتْ ) ‏ ‏أَيْ قَبْل أَنْ يَرْتَحِل كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "1045",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ ‏ ‏تَزِيغَ الشَّمْسُ ‏ ‏أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ ‏ ‏زَاغَتْ الشَّمْسُ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1046",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ ‏ ‏لِيُؤْتَمَّ ‏ ‏بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ شَاكٍ ) ‏ ‏بِالتَّنْوِينِ مُخَفَّفًا مِنْ الشِّكَايَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُوَضَّحًا فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة , وَكَذَا عَلَى حَدِيث أَنَس , وَفِيهِ بَيَان سَبَب الشِّكَايَة وَهُمَا فِي صَلَاة الْفَرْض بِلَا خِلَاف , وَأَمَّا حَدِيث عِمْرَان فَفِيهِ اِحْتِمَال سَنَذْكُرُهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1047",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ فَرَسٍ فَخُدِشَ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏فَجُحِشَ ‏ ‏شِقُّهُ الْأَيْمَنُ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى قَاعِدًا فَصَلَّيْنَا قُعُودًا وَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ ‏ ‏لِيُؤْتَمَّ ‏ ‏بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1048",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُسَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُسَيْنُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرَيْدَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏مَبْسُورًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا فَقَالَ ‏ ‏إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا حُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ الْمُعَلِّم كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَفَّانَ عَنْ عَبْد الْوَارِث حَدَّثَنَا عِمْرَان أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَفِيهِ غُنْيَة عَنْ تَكَلُّف اِبْن حِبَّان إِقَامَة الدَّلِيل عَلَى أَنَّ اِبْن بُرَيْدَةَ عَاصَرَ عِمْرَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَخْبَرَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَزَادَ إِسْحَاق \" وَالْمُرَاد بِهِ عَلَى الْحَالَيْنِ إِسْحَاق بْن مَنْصُور شَيْخه فِي الْإِسْنَاد الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت أَبِي ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الْوَارِث سَعِيد التَّنُّورِيّ , وَهَذِهِ الطَّرِيق أَنْزَل مِنْ الَّتِي قَبْلهَا , وَكَذَا مِنْ الَّتِي بَعْدهَا بِدَرَجَةٍ , لَكِنْ اُسْتُفِيدَ مِنْهَا تَصْرِيح اِبْن بُرَيْدَةَ بِقَوْلِهِ حَدَّثَنِي عِمْرَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ مَبْسُورًا ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُهْمَلَة أَيْ كَانَتْ بِهِ بَوَاسِير كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْد بَاب , وَالْبَوَاسِير جَمْع بَاسُور يُقَال بِالْمُوَحَّدَةِ وَبِالنُّونِ , أَوْ الَّذِي بِالْمُوَحَّدَةِ وَرَم فِي بَاطِن الْمُقْعَدَة وَاَلَّذِي بِالنُّونِ قُرْحَة فَاسِدَة لَا تَقْبَل الْبُرْء مَا دَامَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَسَاد. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَلَاة الرَّجُل قَاعِدًا ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كُنْت تَأَوَّلْت هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ صَلَاة التَّطَوُّع - يَعْنِي لِلْقَادِرِ - لَكِنْ قَوْله \" مَنْ صَلَّى نَائِمًا \" يُفْسِدهُ , لِأَنَّ الْمُضْطَجِع لَا يُصَلِّي التَّطَوُّع كَمَا يَفْعَل الْقَاعِد , لِأَنِّي لَا أَحْفَظ عَنْ أَحَد مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّهُ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ , قَالَ : فَإِنْ صِحْت هَذِهِ اللَّفْظَة وَلَمْ يَكُنْ بَعْض الرُّوَاة أَدْرَجَهَا قِيَاسًا مِنْهُ لِلْمُضْطَجِعِ عَلَى الْقَاعِد كَمَا يَتَطَوَّع الْمُسَافِر عَلَى رَاحِلَته فَالتَّطَوُّع لِلْقَادِرِ عَلَى الْقُعُود مُضْطَجِعًا جَائِز بِهَذَا الْحَدِيث. قَالَ : وَفِي الْقِيَاس الْمُتَقَدِّم نَظَر , لِأَنَّ الْقُعُود شَكْل مِنْ أَشْكَال الصَّلَاة بِخِلَافِ الِاضْطِجَاع. قَالَ : وَقَدْ رَأَيْت الْآن أَنَّ الْمُرَاد بِحَدِيثِ عِمْرَان الْمَرِيض الْمُفْتَرِض الَّذِي يُمْكِنهُ أَنْ يَتَحَامَل فَيَقُوم مَعَ مَشَقَّة , فَجَعَلَ أَجْر الْقَاعِد عَلَى النِّصْف مِنْ أَجْر الْقَائِم تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْقِيَام مَعَ جَوَاز قُعُوده. اِنْتَهَى. وَهُوَ حَمْل مُتَّجَه , وَيُؤَيِّدهُ صَنِيع الْبُخَارِيّ حَيْثُ أَدْخَلَ فِي الْبَاب حَدِيث عَائِشَة وَأَنَس وَهُمَا صَلَاة الْمُفْتَرِض قَطْعًا , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ تَكُون التَّرْجَمَة شَامِلَة لِأَحْكَامِ الْمُصَلِّي قَاعِدًا , وَيُتَلَقَّى ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي أَوْرَدَهَا فِي الْبَاب , فَمَنْ صَلَّى فَرْضًا قَاعِدًا وَكَانَ يَشُقّ عَلَيْهِ الْقِيَام أَجْزَأَهُ وَكَانَ هُوَ وَمَنْ صَلَّى قَائِمًا سَوَاء كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث أَنَس وَعَائِشَة , فَلَوْ تَحَامَلَ هَذَا الْمَعْذُور وَتَكَلَّفَ الْقِيَام وَلَوْ شَقَّ عَلَيْهِ كَانَ أَفْضَل لِمَزِيدِ أَجْر تَكَلُّف الْقِيَام , فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُون أَجْره عَلَى ذَلِكَ نَظِير أَجْره عَلَى أَصْل الصَّلَاة , فَيَصِحّ أَنَّ أَجْر الْقَاعِد عَلَى النِّصْف مِنْ أَجْر الْقَائِم , وَمَنْ صَلَّى النَّفْل قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَة عَلَى الْقِيَام أَجْزَأَهُ وَكَانَ أَجْره عَلَى النِّصْف مِنْ أَجْر الْقَائِم بِغَيْرِ إِشْكَال. وَأَمَّا قَوْل الْبَاجِيّ إِنَّ الْحَدِيث فِي الْمُفْتَرِض وَالْمُتَنَفِّل مَعًا فَإِنْ أَرَادَ بِالْمُفْتَرِضِ مَا قَرَّرْنَاهُ فَذَاكَ , وَإِلَّا فَقَدْ أَبَى ذَلِكَ أَكْثَر الْعُلَمَاء. وَحَكَى اِبْن التِّين وَغَيْره عَنْ أَبِي عُبَيْد وَابْن الْمَاجِشُونِ وَإِسْمَاعِيل الْقَاضِي وَابْن شَعْبَان وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَالدَّاوُدِيّ وَغَيْرهمْ أَنَّهُمْ حَمَلُوا حَدِيث عِمْرَان عَلَى الْمُتَنَفِّل , وَكَذَا نَقَلَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ الثَّوْرِيّ قَالَ : وَأَمَّا الْمَعْذُور إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَلَهُ مِثْل أَجْر الْقَائِم. ثُمَّ قَالَ : وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَا يَشْهَد لَهُ , يُشِير إِلَى مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْجِهَاد مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ \" إِذَا مَرِضَ الْعَبْد أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ صَالِح مَا كَانَ يَعْمَل وَهُوَ صَحِيح مُقِيم \" , وَلِهَذَا الْحَدِيث شَوَاهِد كَثِيرَة سَيَأْتِي ذِكْرهَا فِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَيُؤَيِّد ذَلِكَ قَاعِدَة تَغْلِيب فَضْل اللَّه تَعَالَى وَقَبُول عُذْر مَنْ لَهُ عُذْر , وَاَللَّه أَعْلَم. وَلَا يَلْزَم مِنْ اِقْتِصَار الْعُلَمَاء الْمَذْكُورِينَ فِي حَمْل الْحَدِيث الْمَذْكُور عَلَى صَلَاة النَّافِلَة أَنْ لَا تَرِد الصُّورَة الَّتِي ذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ , وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيث مَا يَشْهَد لَهَا , فَعِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَنَس قَالَ \" قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة وَهِيَ مُحَمَّة , فَحُمَّ النَّاس , فَدَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِد وَالنَّاس يُصَلُّونَ مِنْ قُعُود فَقَالَ : صَلَاة الْقَاعِد نِصْف صَلَاة الْقَائِم \" رِجَاله ثِقَات. وَعِنْد النَّسَائِيِّ مُتَابِع لَهُ مِنْ وَجْه آخَر وَهُوَ وَارِد فِي الْمَعْذُور فَيُحْمَل عَلَى مَنْ تَكَلَّفَ الْقِيَام مَعَ مَشَقَّته عَلَيْهِ كَمَا بَحَثَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَأَمَّا نَفْي الْخَطَّابِيّ جَوَاز التَّنَفُّل مُضْطَجِعًا فَقَدْ تَبِعَهُ اِبْن بَطَّال عَلَى ذَلِكَ وَزَادَ : لَكِنْ الْخِلَاف ثَابِت , فَقَدْ نَقَلَهُ التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْحَسَن الْبَصْرِيّ قَالَ : إِنْ شَاءَ الرَّجُل صَلَّى صَلَاة التَّطَوُّع قَائِمًا وَجَالِسًا وَمُضْطَجِعًا. وَقَالَ بِهِ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم , وَأَحَد الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ , وَصَحَّحَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ , وَحَكَاهُ عِيَاض وَجْهًا عِنْد الْمَالِكِيَّة أَيْضًا , وَهُوَ اِخْتِيَار الْأَبْهَرِيّ مِنْهُمْ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏سُؤَال عِمْرَان عَنْ الرَّجُل خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِب فَلَا مَفْهُوم لَهُ , بَلْ الرَّجُل وَالْمَرْأَة فِي ذَلِكَ سَوَاء. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا ) ‏ ‏يُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّ صَلَاته قَاعِدًا لَا يَنْقُص أَجْرهَا عَنْ صَلَاته قَائِمًا , لِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ \" بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : صَلَاة الرَّجُل قَاعِدًا عَلَى نِصْف الصَّلَاة , فَأَتَيْته فَوَجَدْته يُصَلِّي جَالِسًا فَوَضَعَ يَدِي عَلَى رَأْسِي , فَقَالَ : مَا لَك يَا عَبْد اللَّه ؟ فَأَخْبَرْته. فَقَالَ : أَجَلْ , وَلَكِنِّي لَسْت كَأَحَدٍ مِنْكُمْ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّم دَاخِل فِي عُمُوم خِطَابه وَهُوَ الصَّحِيح , وَقَدْ عَدَّ الشَّافِعِيَّة فِي خَصَائِصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَة. وَقَالَ عِيَاض فِي الْكَلَام عَلَى تَنَفُّله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا : قَدْ عَلَّلَهُ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بِقَوْلِهِ \" لَسْت كَأَحَدٍ مِنْكُمْ \" فَيَكُون هَذَا مِمَّا خُصَّ بِهِ. قَالَ : وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَنْ لَا عُذْر لَهُ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنِّي ذُو عُذْر. وَقَدْ رَدَّ النَّوَوِيّ هَذَا الِاحْتِمَال قَالَ : وَهُوَ ضَعِيف أَوْ بَاطِل. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏لَمْ يُبَيِّن كَيْفِيَّة الْقُعُود , فَيُؤْخَذ مِنْ إِطْلَاقه جَوَازه عَلَى أَيّ صِفَة شَاءَ الْمُصَلِّي , وَهُوَ قَضِيَّة كَلَام الشَّافِعِيّ فِي الْبُوَيْطِيّ , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَل فَعَنْ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا , وَقِيلَ يَجْلِس مُفْتَرِشًا وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِ الشَّافِعِيّ فِي مُخْتَصَر الْمُزَنِيِّ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ , وَقِيلَ مُتَوَرِّكًا وَفِي كُلّ مِنْهَا أَحَادِيث , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى قَوْله \" نَائِمًا \" فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. ‏"
    },
    {
        "id": "1049",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ‏ ‏وَكَانَ رَجُلًا ‏ ‏مَبْسُورًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏مَرَّةً عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏نَائِمًا عِنْدِي مُضْطَجِعًا هَا هُنَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1050",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْحُسَيْنُ الْمُكْتِبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ بُرَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الصَّلَاةِ فَقَالَ ‏ ‏صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَسَقَطَ ذِكْره مِنْ رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ وَلَا بُدَّ مِنْهُ فَإِنَّ عَبْدَان لَمْ يَسْمَع مِنْ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ , وَالْحُسَيْن الْمُكْتِب هُوَ اِبْن ذَكْوَانَ الْمُعَلِّم الَّذِي سَبَقَ فِي الْبَاب قَبْله , قَالَ التِّرْمِذِيّ : لَا نَعْلَم أَحَدًا رَوَى هَذَا عَنْ حُسَيْن إِلَّا إِبْرَاهِيم , وَرَوَى أَبُو أُسَامَة وَعِيسَى بْن يُونُس وَغَيْرهمَا عَنْ حُسَيْن عَلَى اللَّفْظ السَّابِق , ا ه. وَلَا يُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ تَضْعِيف رِوَايَة إِبْرَاهِيم كَمَا فَهِمَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّال وَرُدَّ عَلَى التِّرْمِذِيّ بِأَنَّ رِوَايَة إِبْرَاهِيم تُوَافِق الْأُصُول وَرِوَايَة غَيْرهمَا تُخَالِفهَا فَتَكُون رِوَايَة إِبْرَاهِيم أَرْجَح , لِأَنَّ ذَلِكَ رَاجِع إِلَى التَّرْجِيح مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَا مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَاد , وَإِلَّا فَاتِّفَاق الْأَكْثَر عَلَى شَيْء يَقْتَضِي أَنَّ رِوَايَة مَنْ خَالَفَهُمْ تَكُون شَاذَّة , وَالْحَقّ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَتَانِ كَمَا صَنَعَ الْبُخَارِيّ , وَكُلّ مِنْهُمَا مُشْتَمِلَة عَلَى حُكْم غَيْر الْحُكْم الَّذِي اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْأُخْرَى وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الصَّلَاة ) ‏ ‏الْمُرَاد عَنْ صَلَاة الْمَرِيض , بِدَلِيلِ قَوْله فِي أَوَّله \" كَانَتْ بِي بَوَاسِير \" وَفِي رِوَايَة وَكِيع عَنْ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ \" سَأَلْت عَنْ صَلَاة الْمَرِيض \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَعَلَّ هَذَا الْكَلَام كَانَ جَوَاب فُتْيَا اِسْتَفْتَاهَا عِمْرَان , وَإِلَّا فَلَيْسَتْ عِلَّة الْبَوَاسِير بِمَانِعَةٍ مِنْ الْقِيَام فِي الصَّلَاة عَلَى مَا فِيهَا مِنْ الْأَذَى ا ه. وَلَا مَانِع مِنْ أَنْ يَسْأَل عَنْ حُكْم مَا لَمْ يَعْلَمهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَحْتَاج إِلَيْهِ فِيمَا بَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ لَا يَنْتَقِل الْمَرِيض إِلَى الْقُعُود إِلَّا بَعْد عَدَم الْقُدْرَة عَلَى الْقِيَام , وَقَدْ حَكَاهُ عِيَاض عَنْ الشَّافِعِيّ , وَعَنْ مَالِك وَأَحْمَد وَإِسْحَاق لَا يُشْتَرَط الْعَدَم بَلْ وُجُود الْمَشَقَّة , وَالْمَعْرُوف عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنَّ الْمُرَاد بِنَفْيِ الِاسْتِطَاعَة وُجُود الْمَشَقَّة الشَّدِيدَة بِالْقِيَامِ , أَوْ خَوْف زِيَادَة الْمَرَض , أَوْ الْهَلَاك , وَلَا يُكْتَفَى بِأَدْنَى مَشَقَّة. وَمِنْ الْمَشَقَّة الشَّدِيدَة دَوَرَان الرَّأْس فِي حَقّ رَاكِب السَّفِينَة وَخَوْف الْغَرَق لَوْ صَلَّى قَائِمًا فِيهَا , وَهَلْ يُعَدّ فِي عَدَم الِاسْتِطَاعَة مَنْ كَانَ كَامِنًا فِي الْجِهَاد وَلَوْ صَلَّى قَائِمًا لَرَآهُ الْعَدُوّ فَتَجُوز لَهُ الصَّلَاة قَاعِدًا أَوْ لَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ الْأَصَحّ الْجَوَاز , لَكِنْ يَقْضِي لِكَوْنِهِ عُذْرًا نَادِرًا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَسَاوِي عَدَم الِاسْتِطَاعَة فِي الْقِيَام وَالْقُعُود فِي الِانْتِقَال خِلَافًا لِمَنْ فَرَّقَ بَيْنهمَا كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ , وَيَدُلّ لِلْجُمْهُورِ أَيْضًا حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ \" يُصَلِّي قَائِمًا , فَإِنْ نَالَتْهُ مَشَقَّة فَجَالِسًا , فَإِنْ نَالَتْهُ مَشَقَّة صَلَّى نَائِمًا \" الْحَدِيث , فَاعْتُبِرَ فِي الْحَالَيْنِ وُجُود الْمَشَقَّة وَلَمْ يُفَرَّق. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَلَى جَنْب ) ‏ ‏فِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ عَلَى جَنْبه الْأَيْمَن مُسْتَقْبِل الْقِبْلَة بِوَجْهِهِ \" وَهُوَ حُجَّة لِلْجُمْهُورِ فِي الِانْتِقَال مِنْ الْقُعُود إِلَى الصَّلَاة عَلَى الْجَنْب , وَعَنْ الْحَنَفِيَّة وَبَعْض الشَّافِعِيَّة يَسْتَلْقِي عَلَى ظَهْره وَيَجْعَل رِجْلَيْهِ إِلَى الْقِبْلَة. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَلِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ حَالَة الِاسْتِلْقَاء تَكُون عِنْد الْعَجْز عَنْ حَالَة الِاضْطِجَاع , وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ لَا يَنْتَقِل الْمَرِيض بَعْد عَجْزه عَنْ الِاسْتِلْقَاء إِلَى حَالَة أُخْرَى كَالْإِشَارَةِ بِالرَّأْسِ ثُمَّ الْإِيمَاء بِالطَّرْفِ ثُمَّ إِجْرَاء الْقُرْآن وَالذِّكْر عَلَى اللِّسَان ثُمَّ عَلَى الْقَلْب لِكَوْنِ جَمِيع ذَلِكَ لَمْ يُذْكَر فِي الْحَدِيث , وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّة وَالْمَالِكِيَّة وَبَعْض الشَّافِعِيَّة , وَقَالَ بَعْض الشَّافِعِيَّة بِالتَّرْتِيبِ الْمَذْكُور وَجَعَلُوا مَنَاط الصَّلَاة حُصُول الْعَقْل فَحَيْثُ كَانَ حَاضِر الْعَقْل لَا يَسْقُط عِنْد التَّكْلِيف بِهَا فَيَأْتِي بِمَا يَسْتَطِيعهُ بِدَلِيلِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اِسْتَطَعْتُمْ \" هَكَذَا اِسْتَدَلَّ بِهِ الْغَزَالِيّ , وَتَعَقَّبَهُ الرَّافِعِيّ بِأَنَّ الْخَبَر أَمْر بِالْإِتْيَانِ بِمَا يَشْتَمِل عَلَيْهِ الْمَأْمُور , وَالْقُعُود لَا يَشْتَمِل عَلَى الْقِيَام وَكَذَا مَا بَعْده إِلَى آخِر مَا ذُكِرَ , وَأَجَابَ عَنْهُ اِبْن الصَّلَاح بِأَنَّا لَا نَقُول إِنَّ الْآتِي بِالْقُعُودِ آتٍ بِمَا اِسْتَطَاعَهُ مِنْ الْقِيَام مَثَلًا , وَلَكِنَّا نَقُول : يَكُون آتِيًا بِمَا اِسْتَطَاعَهُ مِنْ الصَّلَاة , لِأَنَّ الْمَذْكُورَات أَنْوَاع لِجِنْسِ الصَّلَاة بَعْضهَا أَدْنَى مِنْ بَعْض , فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الْأَعْلَى وَأَتَى بِالْأَدْنَى كَانَ آتِيًا بِمَا اِسْتَطَاعَ مِنْ الصَّلَاة. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ كَوْن هَذِهِ الْمَذْكُورَات مِنْ الصَّلَاة فَرْع لِمَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاة بِهَا وَهُوَ مَحَلّ النِّزَاع. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏قَالَ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة : اِتَّفَقَ لِبَعْضِ شُيُوخنَا فَرْع غَرِيب فِي النَّقْل كَثِير فِي الْوُقُوع , وَهُوَ أَنْ يَعْجِز الْمَرِيض عَنْ التَّذَكُّر وَيَقْدِر عَلَى الْفِعْل فَأَلْهَمَهُ اللَّه أَنْ يَتَّخِذ مَنْ يُلَقِّنهُ فَكَانَ يَقُول : أَحْرِمْ بِالصَّلَاةِ , قُلْ اللَّه أَكْبَر , اِقْرَأْ الْفَاتِحَة , قُلْ اللَّه أَكْبَر لِلرُّكُوعِ إِلَى آخِر الصَّلَاة , يُلَقِّنهُ ذَلِكَ تَلْقِينًا وَهُوَ يَفْعَل جَمِيع مَا يَقُول لَهُ بِالنُّطْقِ أَوْ بِالْإِيمَاءِ رَحِمَهُ اللَّه. ‏"
    },
    {
        "id": "1051",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ رَكَعَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1052",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏وَأَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ سَجَدَ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ نَظَرَ فَإِنْ كُنْتُ يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَته ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَقْرَؤُهُ قَبْل أَنْ يَقُوم أَكْثَر , لِأَنَّ الْبَقِيَّة تُطْلَق فِي الْغَالِب عَلَى الْأَقَلّ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط لِمَنْ اِفْتَتَحَ النَّافِلَة قَاعِدًا أَنْ يَرْكَع قَاعِدًا , أَوْ قَائِمًا أَنْ يَرْكَع قَائِمًا وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي \" بَاب قِيَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ \" مِنْ أَبْوَاب التَّهَجُّد. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا قَضَى صَلَاته نَظَرَ إِلَخْ ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَبْوَاب التَّطَوُّع فِي الْكَلَام عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَتْ أَبْوَاب التَّقْصِير وَمَا مَعَهُ مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى اِثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا سِتَّة عَشَر حَدِيثًا وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اِثْنَانِ وَثَلَاثُونَ وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قَدْر الْإِقَامَة بِمَكَّة , وَحَدِيث جَابِر فِي التَّطَوُّع رَاكِبًا إِلَى غَيْر الْقِبْلَة , وَحَدِيث أَنَس فِي الْجَمْع بَيْن الْمَغْرِب وَالْعِشَاء , وَحَدِيث عِمْرَان فِي صَلَاة الْقَاعِد. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار الْمَوْقُوفَة عَلَى الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ سِتَّة آثَار وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1053",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ ‏ ‏قَيِّمُ ‏ ‏السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ وَقَوْلُكَ حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ ‏ ‏وَمُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ ‏ ‏وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ ‏ ‏سَمِعَهُ مِنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْل يَتَهَجَّد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ طَاوُسٍ : إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاة مِنْ جَوْف اللَّيْل , وَظَاهِر السِّيَاق أَنَّهُ كَانَ يَقُولهُ أَوَّل مَا يَقُوم إِلَى الصَّلَاة , وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ اِبْن خُزَيْمَةَ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول هَذَا التَّحْمِيد بَعْد أَنْ يُكَبِّر , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق قَيْس بْن سَعْد عَنْ طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ قَالَ بَعْد مَا يُكَبِّر : اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد \" وَسَيَأْتِي هَذَا فِي الدَّعَوَات مِنْ طَرِيق كُرَيْب عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي حَدِيث مَبِيته عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْت مَيْمُونَة وَفِي آخِره \" وَكَانَ فِي دُعَائِهِ : اللَّهُمَّ اِجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا \" الْحَدِيث. وَهَذَا قَالَهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُج إِلَى صَلَاة الصُّبْح كَمَا بَيَّنَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عَنْ أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَيِّم السَّمَوَات ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر الْمَذْكُورَة \" قَيَّام السَّمَوَات \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي التَّوْحِيد , قَالَ قَتَادَة : الْقَيَّام الْقَائِم بِنَفْسِهِ بِتَدْبِيرِ خَلْقه الْمُقِيم لِغَيْرِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْتَ نُور السَّمَوَات وَالْأَرْض ) ‏ ‏أَيْ مُنَوِّرهمَا وَبِك يَهْتَدِي مَنْ فِيهِمَا. وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنْتَ الْمُنَزَّه عَنْ كُلّ عَيْب , يُقَال فُلَان مُنَوَّر أَيْ مُبَرَّأ مِنْ كُلّ عَيْب , وَيُقَال هُوَ اِسْم مَدْح تَقُول : فُلَان نُور الْبَلَد أَيْ مُزَيِّنه. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْتَ مَلِك السَّمَوَات ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ \" لَك مُلْك السَّمَوَات \" وَالْأَوَّل أَشْبَه بِالسِّيَاقِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْتَ الْحَقّ ) ‏ ‏أَيْ الْمُتَحَقِّق الْوُجُود الثَّابِت بِلَا شَكّ فِيهِ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ. هَذَا الْوَصْف لَهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ خَاصّ بِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِهِ , إِذْ وُجُوده لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَسْبِقهُ عَدَم وَلَا يَلْحَقهُ عَدَم بِخِلَافِ غَيْره. وَقَالَ اِبْن التِّين : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ أَنْتَ الْحَقّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُدَّعَى فِيهِ أَنَّهُ إِلَه , أَوْ بِمَعْنَى أَنَّ مَنْ سَمَّاك إِلَهًا فَقَدْ قَالَ الْحَقّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَوَعْدك الْحَقّ ) ‏ ‏أَيْ الثَّابِت , وَعَرَّفَهُ وَنَكَّرَ مَا بَعْده لِأَنَّ وَعْده مُخْتَصّ بِالْإِنْجَازِ دُون وَعْد غَيْره , وَالتَّنْكِير فِي الْبَوَاقِي لِلتَّعْظِيمِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَاللِّقَاء وَمَا ذُكِرَ بَعْده دَاخِل تَحْت الْوَعْد , لَكِنْ الْوَعْد مَصْدَر وَمَا ذُكِرَ بَعْده هُوَ الْمَوْعُود بِهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ الْخَاصّ بَعْد الْعَامّ كَمَا أَنَّ ذِكْر الْقَوْل بَعْد الْوَعْد مِنْ الْعَامّ بَعْد الْخَاصّ قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلِقَاؤُك حَقّ ) ‏ ‏فِيهِ الْإِقْرَار بِالْبَعْثِ بَعْد الْمَوْت وَهُوَ عِبَارَة عَنْ مَآل الْخَلْق فِي الدَّار الْآخِرَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَزَاء عَلَى الْأَعْمَال. وَقِيلَ : مَعْنَى \" لِقَاؤُك حَقّ \" أَيْ الْمَوْت , وَأَبْطَلَهُ النَّوَوِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَوْلك حَقّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مَا فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْجَنَّة حَقّ وَالنَّار حَقّ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمَا مَوْجُودَتَانِ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي بَدْء الْخَلْق. ‏ ‏قَوْله : ( وَمُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقّ ) ‏ ‏خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لَهُ , وَعَطَفَهُ عَلَى النَّبِيِّينَ إِيذَانًا بِالتَّغَايُرِ بِأَنَّهُ فَائِق عَلَيْهِمْ بِأَوْصَافٍ مُخْتَصَّة وَجَرَّدَهُ عَنْ ذَاته كَأَنَّهُ غَيْره وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِيمَان بِهِ وَتَصْدِيقه مُبَالَغَة فِي إِثْبَات نُبُوَّته كَمَا فِي التَّشَهُّد. ‏ ‏قَوْله : ( وَالسَّاعَة حَقّ ) ‏ ‏أَيْ يَوْم الْقِيَامَة , وَأَصْل السَّاعَة الْقِطْعَة مِنْ الزَّمَان , وَإِطْلَاق اِسْم الْحَقّ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْأُمُور مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ كَوْنهَا وَأَنَّهَا مِمَّا يَجِب أَنْ يُصَدِّق بِهَا. وَتَكْرَار لَفْظ حَقّ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّأْكِيد. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ لَك أَسْلَمْت ) ‏ ‏أَيْ اِنْقَدْت وَخَضَعْت ‏ ‏( وَبِك آمَنْت ) ‏ ‏أَيْ صَدَّقْت ‏ ‏( وَعَلَيْك تَوَكَّلْت ) ‏ ‏أَيْ فَوَّضْت الْأَمْر إِلَيْك تَارِكًا لِلنَّظَرِ فِي الْأَسْبَاب الْعَادِيَّة ‏ ‏( وَإِلَيْك أَنَبْت ) ‏ ‏أَيْ رَجَعْت إِلَيْك فِي تَدْبِير أَمْرِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَبِك خَاصَمْت ) ‏ ‏أَيْ بِمَا أَعْطَيْتنِي مِنْ الْبُرْهَان , وَبِمَا لَقَّنْتنِي مِنْ الْحُجَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِلَيْك حَاكَمْت ) ‏ ‏أَيْ كُلّ مَنْ جَحَدَ الْحَقّ حَاكَمْته إِلَيْك وَجَعَلْتُك الْحَكَم بَيْننَا , لَا مَنْ كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَتَحَاكَم إِلَيْهِ مِنْ كَاهِن وَنَحْوه. وَقَدَّمَ مَجْمُوع صِلَات هَذِهِ الْأَفْعَال عَلَيْهَا إِشْعَارًا بِالتَّخْصِيصِ وَإِفَادَة لِلْحَصْرِ , وَكَذَا قَوْله : ( وَلَك الْحَمْد ) ‏ ‏وَقَوْله : ( فَاغْفِرْ لِي ) ‏ ‏قَالَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنه مَغْفُورًا لَهُ إِمَّا عَلَى سَبِيل التَّوَاضُع وَالْهَضْم لِنَفْسِهِ وَإِجْلَالًا وَتَعْظِيمًا لِرَبِّهِ أَوْ عَلَى سَبِيل التَّعْلِيم لِأُمَّتِهِ لِتَقْتَدِي بِهِ كَذَا قِيلَ , وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لِمَجْمُوعِ ذَلِكَ , وَإِلَّا لَوْ كَانَ لِلتَّعْلِيمِ فَقَطْ لَكَفَى فِيهِ أَمْرهمْ بِأَنْ يَقُولُوا. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا قَدَّمْت ) ‏ ‏أَيْ قَبَل هَذَا الْوَقْت ‏ ‏( وَمَا أَخَّرْت ) ‏ ‏عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت ) ‏ ‏أَيْ أَخْفَيْت وَأَظْهَرْت , أَوْ مَا حَدَّثْت بِهِ نَفْسِي وَمَا تَحَرَّكَ بِهِ لِسَانِي. زَادَ فِي التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَان \" وَمَا أَنْتَ أَعْلَم بِهِ مِنِّي \" وَهُوَ مِنْ الْعَامّ بَعْد الْخَاصّ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْتَ الْمُقَدِّم وَأَنْتَ الْمُؤَخِّر ) ‏ ‏قَالَ الْمُهَلَّب : أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى نَفْسه لِأَنَّهُ الْمُقَدِّم فِي الْبَعْث فِي الْآخِرَة وَالْمُؤَخِّر فِي الْبَعْث فِي الدُّنْيَا. زَادَ فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ أَيْضًا فِي الدَّعَوَات \" أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَه لِي غَيْرك \". قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا الْحَدِيث مِنْ جَوَامِع الْكَلِم , لِأَنَّ لَفْظ الْقَيِّم إِشَارَة إِلَى أَنَّ وُجُود الْجَوَاهِر وَقِوَامهَا مِنْهُ , وَالنُّور إِلَى أَنَّ الْأَعْرَاض أَيْضًا مِنْهُ , وَالْمَلِك إِلَى أَنَّهُ حَاكِم عَلَيْهَا إِيجَادًا وَإِعْدَامًا يَفْعَل مَا يَشَاء , وَكُلّ ذَلِكَ مِنْ نِعَم اللَّه عَلَى عِبَاده , فَلِهَذَا قَرَنَ كُلًّا مِنْهَا بِالْحَمْدِ وَخَصَّصَ الْحَمْد بِهِ. ثُمَّ قَوْله \" أَنْتَ الْحَقّ \" إِشَارَة إِلَى الْمَبْدَأ , وَالْقَوْل وَنَحْوه إِلَى الْمَعَاش , وَالسَّاعَة وَنَحْوهَا إِشَارَة إِلَى الْمَعَاد , وَفِيهِ الْإِشَارَة إِلَى النُّبُوَّة وَإِلَى الْجَزَاء ثَوَابًا وَعِقَابًا وَوُجُوب الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَالتَّوَكُّل وَالْإِنَابَة وَالتَّضَرُّع إِلَى اللَّه وَالْخُضُوع لَهُ اِنْتَهَى. وَفِيهِ زِيَادَة مَعْرِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَظَمَةِ رَبّه وَعَظِيم قُدْرَته وَمُوَاظَبَته عَلَى الذِّكْر وَالدُّعَاء وَالثَّنَاء عَلَى رَبّه وَالِاعْتِرَاف لَهُ بِحُقُوقِهِ وَالْإِقْرَار بِصِدْقِ وَعْده وَوَعِيده , وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب تَقْدِيم الثَّنَاء عَلَى الْمَسْأَلَة عِنْد كُلّ مَطْلُوب اِقْتِدَاء بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان , وَزَادَ عَبْد الْكَرِيم أَبُو أُمَيَّة ) هَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّل وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّق , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان قَالَ \" حَدَّثَنَا سُلَيْمَان الْأَحْوَل خَال اِبْن أَبِي نَجِيح سَمِعْت طَاوُسًا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ سُفْيَان : وَزَادَ فِيهِ عَبْد الْكَرِيم وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِك \" وَلَمْ يَقُلْهَا سُلَيْمَان. وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل الْقَاضِي عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن الْمَدِينِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ فِي آخِره : قَالَ سُفْيَان وَكُنْت إِذَا قُلْت لِعَبْدِ الْكَرِيم آخِر حَدِيث سُلَيْمَان \" وَلَا إِلَه غَيْرك \" قَالَ \" وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ \" قَالَ سُفْيَان : وَلَيْسَ هُوَ فِي حَدِيث سُلَيْمَان اِنْتَهَى. وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ عَبْد الْكَرِيم لَمْ يَذْكُر إِسْنَاده فِي هَذِهِ الزِّيَادَة لَكِنَّهُ عَلَى الِاحْتِمَال. وَلَا يَلْزَم مِنْ عَدَم سَمَاع سُفْيَان لَهَا مِنْ سُلَيْمَان أَنْ لَا يَكُون سُلَيْمَان حَدَّثَ بِهَا , وَقَدْ وَهَمَ بَعْض أَصْحَاب سُفْيَان فَأَدْرَجَهَا فِي حَدِيث سُلَيْمَان أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ سُفْيَان فَذَكَرَهَا فِي آخِر الْخَبَر بِغَيْرِ تَفْصِيل , وَلَيْسَ لِعَبْدِ الْكَرِيم أَبِي أُمَيَّة - وَهُوَ اِبْن أَبِي الْمُخَارِقِ - فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع , وَلَمْ يَقْصِد الْبُخَارِيّ التَّخْرِيج لَهُ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يَعُدُّونَهُ فِي رِجَاله , وَإِنَّمَا وَقَعَتْ عَنْهُ زِيَادَة فِي الْخَبَر غَيْر مَقْصُودَة لِذَاتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ مِثْله لِلْمَسْعُودِيِّ فِي الِاسْتِسْقَاء , وَسَيَأْتِي نَحْوه لِلْحَسَنِ بْن عُمَارَة فِي الْبُيُوع , وَعَلِمَ الْمِزِّيّ عَلَى هَؤُلَاءِ عَلَامَة التَّعْلِيق وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ , لِأَنَّ الرِّوَايَة عَنْهُمْ مَوْصُولَة , إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يَقْصِد التَّخْرِيج عَنْهُمْ , وَمِنْ هُنَا يُعْلَم أَنَّ قَوْل الْمُنْذِرِيِّ : قَدْ اِسْتَشْهَدَ الْبُخَارِيّ بِعَبْدِ الْكَرِيم أَبِي أُمَيَّة فِي كِتَاب التَّهَجُّد لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَشْهِد بِهِ إِلَّا إِنْ أَرَادَ بِالِاسْتِشْهَادِ مُقَابِل الِاحْتِجَاج فَلَهُ وَجْه , وَأَمَّا قَوْل اِبْن طَاهِر : إنَّ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِمًا أَخْرَجَا لِعَبْدِ الْكَرِيم هَذَا فِي الْحَجّ حَدِيثًا وَاحِدًا عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيّ فِي الْقِيَام عَلَى الْبَدَن مِنْ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْد الْكَرِيم فَهُوَ غَلَط مَنّهُ , فَإِنَّ عَبْد الْكَرِيم الْمَذْكُور هُوَ الْجَزَرِيُّ. وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول أَيْضًا , وَإِنَّمَا أَرَادَ سُفْيَان بِذَلِكَ بَيَان سَمَاع سُلَيْمَان لَهُ مِنْ طَاوُسٍ لِإِيرَادِهِ لَهُ أَوَّلًا بِالْعَنْعَنَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ التَّصْرِيح بِالسَّمَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلِأَبِي ذَرّ وَحْده هُنَا قَالَ عَلِيّ بْن خَشْرَم قَالَ سُفْيَان إِلَخْ. وَلَعَلَّ هَذِهِ الزِّيَادَة عَنْ الْفَرْبَرِيِّ فَإِنَّ عَلِيّ بْن خَشْرَم لَمْ يَذْكُرُوهُ فِي شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَأَمَّا الْفَرْبَرِيّ فَقَدْ سَمِعَ مِنْ عَلِيّ بْن خَشْرَم كَمَا سَيَأْتِي فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي قِصَّة مُوسَى وَالْخَضِر , فَكَأَنَّ هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا كَانَ عِنْده عَالِيًا عَنْ عَلِيّ بْن خَشْرَم عَنْ سُفْيَان فَذَكَرَهُ لِأَجْلِ الْعُلُوّ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1054",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ فَجَعَلْتُ أَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ قَالَ فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي لَمْ تُرَعْ فَقَصَصْتُهَا عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَقَصَّتْهَا ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏نِعْمَ الرَّجُلُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏لَوْ كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنْ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ , وَهِشَام هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ , وَمَحْمُود هُوَ اِبْن غَيْلَان. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ الرَّجُل ) ‏ ‏اللَّام لِلْجِنْسِ وَلَا مَفْهُوم لَهُ وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِلْغَالِبِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَمَنَّيْت أَنْ أَرَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَنِّي أَرَى \" وَزَادَ فِي التَّعْبِير مِنْ وَجْه آخَر \" فَقُلْت فِي نَفْسِي لَوْ كَانَ فِيك خَيْر لَرَأَيْت مِثْل مَا يَرَى هَؤُلَاءِ \" وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة تَدُلّ عَلَى خَيْر رَائِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنَّ مَلَكَيْنِ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَتهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّار فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَيُّوب عَنْ نَافِع الْآتِيَة قَرِيبًا \" كَأَنَّ اِثْنَيْنِ أَتَيَانِي أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّار فَتَلَقَّاهُمَا مَلَك فَقَالَ : لَنْ تُرَاعَ , خَلِّيَا عَنْهُ \" وَظَاهِر هَذَا أَنَّهُمَا لَمْ يَذْهَبَا بِهِ , وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِحَمْلِ الثَّانِي عَلَى إِدْخَاله فِيهَا فَالتَّقْدِير أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّار فَيُدْخِلَانِي فِيهَا , فَلَمَّا نَظَرْتهَا فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّة , وَرَأَيْت مَنْ فِيهَا وَاسْتَعَذْت , فَلَقِيَنَا مَلَك آخَر. قَوْله : ( فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّة ) أَيْ مَبْنِيَّة وَالْبِئْر قَبْل أَنْ تُبْنَى تُسَمَّى قَلِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ ) ‏ ‏هَكَذَا لِلْجُمْهُورِ , وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي نُسْخَة \" قَرْنَيْنِ \" فَأَعْرَبَهَا بِالْجَرِّ أَوْ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ فِيهِ شَيْئًا مُضَافًا حُذِفَ وَتُرِكَ الْمُضَاف إِلَيْهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَتَقْدِيره : فَإِذَا لَهَا مِثْل قَرْنَيْنِ , وَهُوَ كَقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ( تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاَللَّه يُرِيد الْآخِرَة ) بِالْجَرِّ أَيْ يُرِيد عَرَضَ الْآخِرَة , أَوْ ضَمَّنَ إِذَا الْمُفَاجَأَة مَعْنَى الْوِجْدَان أَيْ فَإِذَا بِي وَجَدْت لَهَا قَرْنَيْنِ اِنْتَهَى. وَالْمُرَاد بِالْقَرْنَيْنِ هُنَا خَشَبَتَانِ أَوْ بِنَاءَانِ تُمَدّ عَلَيْهِمَا الْخَشَبَة الْعَارِضَة الَّتِي تُعَلَّق فِيهَا الْحَدِيدَة الَّتِي فِيهَا الْبَكَرَة , فَإِنْ كَانَا مِنْ بِنَاء فَهُمَا الْقَرْنَانِ وَإِنْ كَانَا مِنْ خَشَب فَهُمَا الزَّرْنُوقَانِ بِزَايٍ مَنْقُوطَة قَبْل الْمُهْمَلَة ثُمَّ نُون ثُمَّ قَاف , وَقَدْ يُطْلَق عَلَى الْخَشَبَة أَيْضًا الْقَرْنَانِ. وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي شَرْح حَدِيث أَبِي أَيُّوب فِي غُسْل الْمُحْرِم فِي \" بَاب الِاغْتِسَال لِلْمُحْرِمِ \" مِنْ كِتَاب الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا فِيهَا أُنَاس قَدْ عَرَفْتهمْ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة أَحَد مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ تُرَع ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الرَّاء بَعْدهَا مُهْمَلَة سَاكِنَة أَيْ لَمْ تَخَفْ , وَالْمَعْنَى لَا خَوْف عَلَيْك بَعْد هَذَا , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي التَّعْبِير \" لَنْ تُرَاعَ \" وَهِيَ رِوَايَة الْجُمْهُور بِإِثْبَاتِ الْأَلِف , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ \" لَنْ تُرَع \" بِحَذْفِ الْأَلِف. قَالَ اِبْن التِّين : وَهِيَ لُغَة قَلِيلَة - أَيْ الْجَزْم بِلَنْ - حَتَّى قَالَ الْقَزَّاز : لَا أَعْلَم لَهُ شَاهِدًا. وَتُعُقِّبَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : ‏ ‏لَنْ يَخِبْ الْآن مِنْ رَجَائِك ‏ ‏مَنْ حَرَّكَ مِنْ دُون بَابك الْحَلْقَة ‏ ‏وَبِقَوْلِ الْآخَر : ‏ ‏وَلَنْ يَحْلُ لِلْعَيْنَيْنِ بَعْدك مَنْظَر ‏ ‏. وَزَادَ فِيهِ \" إِنَّك رَجُل صَالِح \" وَسَيَأْتِي بَعْد بِضْعَة عَشَر بَابًا بِزِيَادَةٍ فِيهِ وَنُقْصَان. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّمَا فَسَّرَ الشَّارِع مِنْ رُؤْيَا عَبْد اللَّه مَا هُوَ مَمْدُوح لِأَنَّهُ عُرِضَ عَلَى النَّار ثُمَّ عُوفِيَ مِنْهَا , وَقِيلَ لَهُ لَا رَوْع عَلَيْك وَذَلِكَ لِصَلَاحِهِ , غَيْر أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقُوم مِنْ اللَّيْل فَحَصَلَ لِعَبْدِ اللَّه مِنْ ذَلِكَ تَنْبِيه عَلَى أَنَّ قِيَام اللَّيْل بِمَا يَتَّقِي بِهِ النَّار وَالدُّنُوّ مِنْهَا فَلِذَلِكَ لَمْ يَتْرُك قِيَام اللَّيْل بَعْد ذَلِكَ. وَأَشَارَ الْمُهَلَّب إِلَى أَنَّ السِّرّ فِي ذَلِكَ كَوْن عَبْد اللَّه كَانَ يَنَام فِي الْمَسْجِد وَمِنْ حَقّ الْمَسْجِد أَنْ يُتَعَبَّد فِيهِ فَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّخْوِيفِ بِالنَّارِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ كَانَ ) ‏ ‏لَوْ لِلتَّمَنِّي لَا لِلشَّرْطِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُر الْجَوَاب , وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ قِيَام اللَّيْل يَدْفَع الْعَذَاب , وَفِيهِ تَمَنِّي الْخَيْر وَالْعِلْم , وَسَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب التَّعْبِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏سِيَاق هَذَا الْمَتْن عَلَى لَفْظ مَحْمُود , وَأَمَّا سِيَاق عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد فَسَيَأْتِي فِي التَّعْبِير , وَأَغْفَلَ الْمِزِّيّ فِي الْأَطْرَاف طَرِيق مَحْمُود هَذِهِ وَهِيَ وَارِدَة عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1055",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُنَادِي لِلصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَيَرْكَع رَكْعَتَيْنِ قَبْل صَلَاة الْفَجْر ثُمَّ يَضْطَجِع ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي آخِر أَبْوَاب التَّهَجُّد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1056",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جُنْدَبًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اشْتَكَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَسْوَد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن قَيْس , وَجُنْدُب هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْبَجْلِيُّ كَمَا فِي الْإِسْنَاد الَّذِي بَعْده , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ فِيهِمَا , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ اِبْن عُيَيْنَةَ. وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِسَمَاعِ الْأَسْوَد لَهُ مِنْ جُنْدُب فِي طَرِيق زُهَيْر عَنْهُ فِي التَّفْسِير. ‏ ‏قَوْله : ( اِشْتَكَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ مَرِضَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة قَيْس بْن الرَّبِيع الَّتِي سَيَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا بِلَفْظِ \" مَرِضَ \" وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث عَلَى تَفْسِير هَذِهِ الشِّكَايَة , لَكِنْ وَقَعَ فِي التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الْأَسْوَد فِي أَوَّل هَذَا الْحَدِيث عَنْ جُنْدُب قَالَ \" كُنْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَار , فَدَمِيَتْ إِصْبَعه فَقَالَ : هَلْ أَنْتَ إِلَّا إِصْبَع دَمِيت , وَفِي سَبِيل اللَّه مَا لَقِيت \" قَالَ : \" وَأَبْطَأَ عَلَيْهِ جِبْرِيل فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّد فَأَنْزَلَ اللَّه ( مَا وَدَّعَكَ رَبُّك ) \" اِنْتَهَى , فَظَنَّ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّ هَذَا بَيَان لِلشِّكَايَةِ الْمُجْمَلَة فِي الصَّحِيح , وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ , فَإِنَّ فِي طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد الَّتِي يَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا أَنَّ نُزُول هَذِهِ السُّورَة كَانَ فِي أَوَائِل الْبَعْثَة , وَجُنْدُب لَمْ يَصْحَب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مُتَأَخِّرًا , كَمَا حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ فِي \" مُعْجَم الصَّحَابَة \" عَنْ الْإِمَام أَحْمَد , فَعَلَى هَذَا هُمَا قَضِيَّتَانِ حَكَاهُمَا جُنْدُب إِحْدَاهُمَا مُرْسَلَة وَالْأُخْرَى مَوْصُولَة لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ يَحْضُرهَا فَرِوَايَته لَهَا مُرْسَلَة مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة , وَالثَّانِيَة شَهِدَهَا كَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَلْزَم مِنْ عَطْف إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي رِوَايَة سُفْيَان اِتِّحَادهمَا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَة أَوْ لَيْلَتَيْنِ ) ‏ ‏هَكَذَا اِخْتَصَرَهُ الْمُصَنِّف وَقَدْ سَاقَهُ فِي فَضَائِل الْقُرْآن تَامًّا ‏"
    },
    {
        "id": "1057",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏احْتَبَسَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏امْرَأَةٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ‏}",
        "sharh": "أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي نُعَيْم شَيْخه فِيهِ هُنَا بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور فَزَادَ \" فَأَتَتْهُ اِمْرَأَة فَقَالَتْ : يَا مُحَمَّد , مَا أَرَى شَيْطَانك إِلَّا قَدْ تَرَكَك , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( وَالضُّحَى ) إِلَى قَوْله : ( وَمَا قَلَى ) \" ثُمَّ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف هُنَا عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير عَنْ سُفْيَان بِلَفْظٍ آخَر وَهُوَ \" اِحْتَبَسَ جِبْرِيل عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ اِمْرَأَة مِنْ قُرَيْش \" الْحَدِيث - وَقَدْ وَافَقَ أَبَا نُعَيْم أَبُو أُسَامَة عِنْد أَبِي عَوَانَة , وَوَافَقَ مُحَمَّد بْن كَثِير وَكِيع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَرِوَايَة زُهَيْر الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا فِي التَّفْسِير كَرِوَايَةِ أَبِي نُعَيْم , لَكِنْ قَالَ فِيهَا \" فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَة أَوْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا \" وَرِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الْأَسْوَد عِنْد مُسْلِم كَرِوَايَةِ مُحَمَّد بْن كَثِير , فَالظَّاهِر أَنَّ الْأَسْوَد حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فَحَمَلَ عَنْهُ كُلّ وَاحِد مَا لَمْ يَحْمِلهُ الْآخَر , وَحَمَلَ عَنْهُ سُفْيَان الثَّوْرِيّ الْأَمْرَيْنِ فَحَدَّثَ بِهِ مَرَّة هَكَذَا وَمَرَّة هَكَذَا , وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَة عَنْ الْأَسْوَد عَلَى لَفْظ آخَر أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِير قَالَ \" قَالَتْ اِمْرَأَة يَا رَسُول اللَّه مَا أَرَى صَاحِبك إِلَّا أَبْطَأَ عَنْك \" وَزَادَ النَّسَائِيُّ فِي أَوَّله \" أَبْطَأَ جِبْرِيل عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ اِمْرَأَة \" الْحَدِيث. وَهَذِهِ الْمَرْأَة فِيمَا ظَهَرَ لِي غَيْر الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث سُفْيَان , لِأَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَة عَبَّرَتْ بِقَوْلِهَا \" صَاحِبك \" وَتِلْكَ عَبَّرَتْ بِقَوْلِهَا \" شَيْطَانك \". وَهَذِهِ عَبَّرَتْ بِقَوْلِهَا \" يَا رَسُول اللَّه \" وَتِلْكَ عَبَّرَتْ بِقَوْلِهَا \" يَا مُحَمَّد \". وَسِيَاق الْأُولَى يُشْعِر بِأَنَّهَا قَالَتْهُ تَأَسُّفًا وَتَوَجُّعًا - وَسِيَاق الثَّانِيَة يُشْعِر بِأَنَّهَا قَالَتْهُ تَهَكُّمًا وَشَمَاتَة. وَقَدْ حَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ تَفْسِير بَقِيِّ بْن مَخْلَد قَالَ \" قَالَتْ خَدِيجَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أَبْطَأَ عَنْهُ الْوَحَى : إِنَّ رَبّك قَدْ قَلَاك , فَنَزَلَتْ وَالضُّحَى \" وَقَدْ تَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير وَمَنْ تَبِعَهُ بِالْإِنْكَارِ , لِأَنَّ خَدِيجَة قَوِيَّة الْإِيمَان لَا يَلِيق نِسْبَة هَذَا الْقَوْل إِلَيْهَا , لَكِنْ إِسْنَاد ذَلِكَ قَوِيّ أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي أَحْكَامه وَالطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره وَأَبُو دَاوُدَ فِي أَعْلَام النُّبُوَّة لَهُ كُلّهمْ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد بْن الْهَادِ وَهُوَ مِنْ صِغَار الصَّحَابَة وَالْإِسْنَاد إِلَيْهِ صَحِيح , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة لَكِنْ لَيْسَ عِنْد أَحَد مِنْهُمْ أَنَّهَا عَبَّرَتْ بِقَوْلِهَا \" شَيْطَانك \" وَهَذِهِ هِيَ اللَّفْظَة الْمُسْتَنْكَرَة فِي الْخَبَر. وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل وَغَيْره \" مَا أَرَى صَاحِبك \" بَدَل \" رَبّك \" وَالظَّاهِر أَنَّهَا عَنَتْ بِذَلِكَ جِبْرِيل. وَأَغْرَبَ سُنَيْد بْن دَاوُدَ فِيمَا حَكَاهُ اِبْن بَشْكُوَال فَرَوَى فِي تَفْسِيره عَنْ وَكِيع عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَة قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ , وَغَلِطَ سُنَيْد فِي ذَلِكَ فَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ وَكِيع فَقَالَ فِيهِ \" قَالَتْ خَدِيجَة \" وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام , وَأَمَّا الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث سُفْيَان الَّتِي عَبَّرَتْ بِقَوْلِهَا \" شَيْطَانك \" فَهِيَ أُمّ جَمِيل الْعَوْرَاء بِنْت حَرْب بْن أُمَيَّة بْن عَبْد شَمْس بْن عَبْد مَنَافٍ , وَهِيَ أُخْت أَبِي سُفْيَان بْن حَرْب وَامْرَأَة أَبِي لَهَب كَمَا رَوَى الْحَاكِم مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم قَالَ \" قَالَتْ اِمْرَأَة أَبِي لَهَب لَمَّا مَكَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامًا لَمْ يَنْزِل عَلَيْهِ الْوَحْي : يَا مُحَمَّد مَا أَرَى شَيْطَانك إِلَّا قَدْ قَلَاك , فَنَزَلَتْ وَالضُّحَى \" رِجَاله ثِقَات وَفِي تَفْسِير الطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق الْمُفَضَّل بْن صَالِح عَنْ الْأَسْوَد فِي حَدِيث الْبَاب \" فَقَالَتْ اِمْرَأَة مِنْ أَهْله وَمِنْ قَوْمه \" وَلَا شَكَّ أَنَّ أُمّ جَمِيل مِنْ قَوْمه لِأَنَّهَا مِنْ بَنِي عَبْد مَنَافٍ. وَعِنْد اِبْن عَسَاكِر أَنَّهَا إِحْدَى عَمَّاته , وَقَدْ وَقَفْت عَلَى مُسْتَنَده فِي ذَلِكَ , وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ قَيْس بْن الرَّبِيع فِي مُسْنَده عَنْ الْأَسْوَد بْن قَيْس رَاوِيه , وَأَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِي تَفْسِيره عَنْهُ وَلَفْظه \" فَأَتَتْهُ إِحْدَى عَمَّاته أَوْ بَنَات عَمّه فَقَالَتْ : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُون شَيْطَانك قَدْ وَدَّعَك \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اِسْتَشْكَلَ أَبُو الْقَاسِم بْن الْوَرْد مُطَابَقَة حَدِيث جُنْدُب لِلتَّرْجَمَةِ , وَتَبِعَهُ اِبْن التِّين فَقَالَ : اِحْتِبَاس جِبْرِيل لَيْسَ ذِكْره فِي هَذَا الْبَاب فِي مَوْضِعه اِنْتَهَى. وَقَدْ ظَهَرَ بِسِيَاقِ تَكْمِلَة الْمَتْن وَجْه الْمُطَابَقَة , وَذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّه عَلَى أَنَّ الْحَدِيث وَاحِد لِاتِّحَادِ مَخْرَجه وَإِنْ كَانَ السَّبَب مُخْتَلِفًا لَكِنَّهُ فِي قِصَّة وَاحِدَة كَمَا أَوْضَحْنَاهُ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى حَدِيث جُنْدُب فِي التَّفْسِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة قَيْس بْن الرَّبِيع الَّتِي ذَكَرْتهَا \" فَلَمْ يُطِقْ الْقِيَام وَكَانَ يُحِبّ التَّهَجُّد \". ‏"
    },
    {
        "id": "1058",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ ‏ ‏سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْفِتْنَةِ مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِنِ مَنْ يُوقِظُ ‏ ‏صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ ‏ ‏يَا رُبَّ ‏ ‏كَاسِيَةٍ ‏ ‏فِي الدُّنْيَا ‏ ‏عَارِيَةٍ ‏ ‏فِي الْآخِرَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُمّ سَلَمَة تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْعِلْم. ‏"
    },
    {
        "id": "1059",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَرَقَهُ ‏ ‏وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏لَيْلَةً فَقَالَ ‏ ‏أَلَا تُصَلِّيَانِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ ‏ ‏مُوَلٍّ ‏ ‏يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهُوَ يَقُولُ ‏ { ‏وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( طَرَقَهُ وَفَاطِمَة ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الضَّمِير , وَالطُّرُوق الْإِتْيَان بِاللَّيْلِ , وَعَلَى هَذَا فَقَوْله لَيْلَة لِلتَّأْكِيدِ. وَحَكَى اِبْن فَارِس أَنَّ مَعْنَى \" طَرَقَ \" أَتَى , فَعَلَى هَذَا يَكُون قَوْله \" لَيْلَة \" لِبَيَانِ وَقْت الْمَجِيء. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ لَيْلَة أَيْ مَرَّة وَاحِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا تُصَلِّيَانِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ فَضِيلَة صَلَاة اللَّيْل وَإِيقَاظ النَّائِمِينَ مِنْ الْأَهْل وَالْقَرَابَة لِذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَكِيم بْن حَكِيم الْمَذْكُورَة \" وَدَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَلِيٍّ وَفَاطِمَة مِنْ اللَّيْل فَأَيْقَظَنَا لِلصَّلَاةِ , ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْته فَصَلَّى هَوِيًّا مِنْ اللَّيْل فَلَمْ يَسْمَع لَنَا حِسًّا , فَرَجَعَ إِلَيْنَا فَأَيْقَظَنَا \" الْحَدِيث. قَالَ الطَّبَرِيُّ : لَوْلَا مَا عَلِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِظَم فَضْل الصَّلَاة فِي اللَّيْل مَا كَانَ يُزْعِج اِبْنَته وَابْن عَمّه فِي وَقْت جَعَلَهُ اللَّه لِخَلْقِهِ سَكَنًا , لَكِنَّهُ اِخْتَارَ لَهُمَا إِحْرَاز تِلْكَ الْفَضِيلَة عَلَى الدَّعَة وَالسُّكُون اِمْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَأْمُرْ أَهْلك بِالصَّلَاةِ ) الْآيَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْفُسنَا بِيَدِ اللَّه ) ‏ ‏اِقْتَبَسَ عَلِيّ ذَلِكَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ( اللَّه يَتَوَفَّى الْأَنْفُس حِين مَوْتهَا ) الْآيَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَكِيم الْمَذْكُورَة \" قَالَ عَلِيّ : فَجَلَسْت وَأَنَا أَعْرُك عَيْنِي وَأَنَا أَقُول : وَاَللَّه مَا نُصَلِّي إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّه لَنَا , إِنَّمَا أَنْفُسنَا بِيَدِ اللَّه \" وَفِيهِ إِثْبَات الْمَشِيئَة لِلَّهِ , وَأَنَّ الْعَبْد لَا يَفْعَل شَيْئًا إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَنَا ) ‏ ‏بِالْمُثَلَّثَةِ أَيْ أَيْقَظَنَا , وَأَصْله إِثَارَة الشَّيْء مِنْ مَوْضِعه. ‏ ‏قَوْله : ( حِين قُلْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة \" حِين قُلْنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَرْجِع ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله أَيْ لَمْ يُجِبْنِي , وَفِيهِ أَنَّ السُّكُوت يَكُون جَوَابًا , وَالْإِعْرَاض عَنْ الْقَوْل الَّذِي لَا يُطَابِق الْمُرَاد وَإِنْ كَانَ حَقًّا فِي نَفْسه. ‏ ‏قَوْله : ( يَضْرِب فَخِذه ) ‏ ‏فِيهِ جَوَاز ضَرْب الْفَخِذ عِنْد التَّأَسُّف , وَقَالَ اِبْن التِّين : كَرِهَ اِحْتِجَاجه بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة , وَأَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَنْسُب التَّقْصِير إِلَى نَفْسه. وَفِيهِ جَوَاز الِانْتِزَاع مِنْ الْقُرْآن , وَتَرْجِيح قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّام فِي ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ الْإِنْسَان ) ‏ ‏لِلْعُمُومِ لَا لِخُصُوصِ الْكُفَّار. وَفِيهِ مَنْقَبَة لِعَلِيٍّ حَيْثُ لَمْ يَكْتُم مَا فِيهِ عَلَيْهِ أَدْنَى غَضَاضَة فَقَدَّمَ مَصْلَحَة نَشْر الْعِلْم وَتَبْلِيغه عَلَى كَتْمه. وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب قَالَ : فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُشَدِّد فِي النَّوَافِل حَيْثُ قَنَعَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ \" أَنْفُسنَا بِيَدِ اللَّه \" لِأَنَّهُ كَلَام صَحِيح فِي الْعُذْر عَنْ التَّنَفُّل , وَلَوْ كَانَ فَرْضًا مَا عَذَرَهُ. قَالَ : وَأَمَّا ضَرْبه فَخِذه وَقِرَاءَته الْآيَة فَدَالّ عَلَى أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْرَجَهُمْ فَنَدِمَ عَلَى إِنْبَاههمْ , كَذَا قَالَ , وَأَقَرَّهُ اِبْن بَطَّال , وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ , وَمَا تَقَدَّمَ أَوْلَى. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْمُخْتَار أَنَّهُ ضَرَبَ فَخِذه تَعَجُّبًا مِنْ سُرْعَة جَوَابه وَعَدَم مُوَافَقَته لَهُ عَلَى الِاعْتِذَار بِمَا اِعْتَذَرَ بِهِ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة الْأَوَّل فَيَشْتَمِل عَلَى حَدِيثَيْنِ : أَحَدهمَا تَرْك الْعَمَل خَشْيَة اِفْتِرَاضه. ثَانِيهمَا ذِكْر صَلَاة الضُّحَى. وَهَذَا الثَّانِي سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى \". وَقَوْله فِي الْأَوَّل ( إِنْ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَهِيَ الْمُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة , وَفِيهَا ضَمِير الشَّأْن. ‏"
    },
    {
        "id": "1060",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَيَدَع ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام أَيْ يَتْرُك , ‏ ‏وَقَوْله : ( خَشْيَة ) ‏ ‏النَّصْب مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ لَيَدَع , ‏ ‏وَقَوْله : ( فَيُفْرَض ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى يَعْمَل , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى فَوَائِده فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. وَزَادَ فِيهِ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ \" قَالَتْ وَكَانَ يُحِبّ مَا خَفَّ عَلَى النَّاس \". وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة الثَّانِي فَهُوَ بِإِسْنَادِ الَّذِي قَبْله. ‏"
    },
    {
        "id": "1061",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ قَدْ ‏ ‏رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ ‏ ‏وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله : ( صَلَّى ذَات لَيْلَة فِي الْمَسْجِد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ قَبِيل صِفَة الصَّلَاة مِنْ رِوَايَة عَمْرَة عَنْ عَائِشَة \" أَنَّهُ صَلَّى فِي حُجْرَته \" وَلَيْسَ الْمُرَاد بِهَا بَيْته وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْحَصِير الَّتِي كَانَ يَحْتَجِرهَا بِاللَّيْلِ فِي الْمَسْجِد فَيَجْعَلهَا عَلَى بَابِ بَيْت عَائِشَة فَيُصَلِّي فِيهِ وَيَجْلِس عَلَيْهِ بِالنَّهَارِ , وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا مِنْ طَرِيق سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة , وَهُوَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي كِتَاب اللِّبَاس وَلَفْظه \" كَانَ يَحْتَجِر حَصِيرًا بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَيَبْسُطهُ بِالنَّهَارِ فَيَجْلِس عَلَيْهِ \" وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة \" فَأَمَرَنِي أَنْ أَنْصِب لَهُ حَصِيرًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي فَفَعَلْت. فَخَرَجَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. قَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى يَحْتَجِر يُحَوِّط مَوْضِعًا مِنْ الْمَسْجِد بِحَصِيرٍ يَسْتُرهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ وَلَا يَمُرّ بَيْن يَدَيْهِ مَارّ لِيَتَوَفَّر خُشُوعه وَيَتَفَرَّغ قَلْبه. وَتَعَقَّبَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ لَفْظ الْحَدِيث لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ اِحْتِجَاره كَانَ فِي الْمَسْجِد قَالَ : وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ مِنْهُ أَنْ يَكُونُ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ الَّذِي أُمِرَ النَّاس بِهِ حَيْثُ قَالَ \" فَصَلُّوا فِي بُيُوتكُمْ فَإِنَّ أَفْضَل صَلَاة الْمَرْء فِي بَيْته إِلَّا الْمَكْتُوبَة \" ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ إِنْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِد فَهُوَ إِذَا اِحْتَجَرَ صَارَ كَأَنَّهُ بَيَّتَ بِخُصُوصِيَّتِهِ , أَوْ أَنَّ السَّبَب فِي كَوْن صَلَاة التَّطَوُّع فِي الْبَيْت أَفْضَل عَدَم شَوْبَة بِالرِّيَاءِ غَالِبًا , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَزَّه عَنْ الرِّيَاء فِي بَيْته وَفِي غَيْر بَيْته. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْقَابِلَة ) ‏ ‏أَيْ مِنْ اللَّيْلَة الْمُقْبِلَة , وَهُوَ لَفْظ مَعْمَر عَنْ اِبْنِ شِهَاب عِنْد أَحْمَد , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْقَابِل \" أَيْ الْوَقْت. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ اِجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَة الثَّالِثَة أَوْ الرَّابِعَة ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ مَالِك بِالشَّكِّ , وَفِي رِوَايَة عُقَيْل عَنْ اِبْنِ شِهَاب كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَة \" فَصَلَّى رِجَال بِصَلَاتِهِ , فَأَصْبَحَ النَّاس فَتَحَدَّثُوا \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة يُونُس عَنْ اِبْنِ شِهَاب \" يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة عَمْرَة عَنْ عَائِشَة الْمَاضِيَة قَبْل الصَّلَاة , وَلِأَحْمَد مِنْ رِوَايَة اِبْنِ جُرَيْجٍ عَنْ اِبْنِ شِهَاب \" فَلَمَّا أَصْبَحَ تُحَدَّثُوا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي الْمَسْجِد مِنْ جَوْف اللَّيْل , فَاجْتَمَعَ أَكْثَر مِنْهُمْ \" زَادَ يُونُس \" فَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة فَصَلَّوْا مَعَهُ , فَأَصْبَحَ النَّاس يَذْكُرُونَ ذَلِكَ , فَكَثُرَ أَهْل الْمَسْجِد مِنْ اللَّيْلَة الثَّالِثَة فَخَرَجَ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ , فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَة الرَّابِعَة عَجَزَ الْمَسْجِد عَنْ أَهْله \" وَلِابْنِ جُرَيْجٍ \" حَتَّى كَانَ الْمَسْجِد يَعْجِز عَنْ أَهْله \" وَلِأَحْمَد مِنْ رِوَايَة مَعْمَر عَنْ اِبْنِ شِهَاب \" اِمْتَلَأَ الْمَسْجِد حَتَّى اِغْتَصَّ بِأَهْلِهِ \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن حُسَيْن عَنْهُ \" فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَة الرَّابِعَة غَصَّ الْمَسْجِد بِأَهْلِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَخْرُج ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَدْ فِي رِوَايَة اِبْنِ جُرَيْجٍ \" حَتَّى سَمِعْت نَاسًا مِنْهُمْ يَقُولُونَ : الصَّلَاة \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان بْن حُسَيْن \" فَقَالُوا مَا شَأْنه \" وَفِي حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام \" فَفَقَدُوا صَوْته وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ , فَجَعَلَ بَعْضهمْ يَتَنَحْنَح لِيَخْرُج إِلَيْهِمْ \" وَفِي حَدِيثه فِي الْأَدَب \" فَرَفَعُوا أَصْوَاتهمْ وَحَصَبُوا الْبَاب \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ : قَدْ رَأَيْت الَّذِي صَنَعْتُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُقَيْل \" فَلَمَّا قَضَى صَلَاة الْفَجْر أَقْبَلَ عَلَى النَّاس فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْد فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانكُمْ \" وَفِي رِوَايَة يُونُس وَابْنِ جُرَيْجٍ \" لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنكُمْ \" وَزَادَ فِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة \" اِكْلَفُوا مِنْ الْعَمَل مَا تُطِيقُونَ \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر أَنَّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ بَعْد أَنْ أَصْبَحَ عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ طُرُقه بَيَان عَدَد صَلَاته فِي تِلْكَ اللَّيَالِي , لَكِنْ رَوَى اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّان مِنْ حَدِيث جَابِر قَالَ \" صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَان ثَمَان رَكَعَات ثُمَّ أَوْتَرَ , فَلَمَّا كَانَتْ الْقَابِلَة اِجْتَمَعْنَا فِي الْمَسْجِد وَرَجَوْنَا أَنْ يَخْرُج إِلَيْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا , ثُمَّ دَخَلْنَا فَقُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه \" الْحَدِيث , فَإِنْ كَانَتْ الْقِصَّة وَاحِدَة اِحْتُمِلَ أَنْ يَكُونُ جَابِر مِمَّنْ جَاءَ فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة فَلِذَلِكَ اِقْتَصَرَ عَلَى وَصْف لَيْلَتَيْنِ , وَكَذَا مَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي رَمَضَان , فَجِئْت فَقُمْت إِلَى جَنْبه. فَجَاءَ رَجُل فَقَامَ حَتَّى كُنَّا رَهْطًا , فَلَمَّا أَحَسَّ بِنَا تَجَوَّزَ ثُمَّ دَخَلَ رَحْله \" الْحَدِيث , وَالظَّاهِر أَنَّ هَذَا كَانَ فِي قِصَّة أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا أَنِّي خَشِيت أَنْ تُفْرَض عَلَيْكُمْ ) ‏ ‏ظَاهِر فِي أَنَّ عَدَم خُرُوجه إِلَيْهِمْ كَانَ لِهَذِهِ الْخَشْيَة , لَا لِكَوْنِ الْمَسْجِد اِمْتَلَأَ وَضَاقَ عَنْ الْمُصَلِّينَ. قَوْله : ( أَنْ تُفْرَض عَلَيْكُمْ ) فِي رِوَايَة عُقَيْل وَابْنِ جُرَيْجٍ \" فَتَعْجِزُوا عَنْهَا \" وَفِي رِوَايَة يُونُس \" وَلَكِنِّي خَشِيت أَنْ تُفْرَض عَلَيْكُمْ صَلَاة اللَّيْل فَتَعْجِزُوا عَنْهَا \" , وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة الْمَذْكُورَة قُبَيْل صِفَة الصَّلَاة \" خَشِيت أَنْ تُكْتَب عَلَيْكُمْ صَلَاة اللَّيْل \" وَقَوْله \" فَتَعْجِزُوا عَنْهَا \" أَيْ تَشُقّ عَلَيْكُمْ فَتَتْرُكُوهَا مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهَا , وَلَيْسَ الْمُرَاد الْعَجْز الْكُلِّيّ لِأَنَّهُ يُسْقِط التَّكْلِيف مِنْ أَصْله. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَقَّعَ تَرَتُّب اِفْتِرَاض الصَّلَاة بِدَلِيلِ جَمَاعَة عَلَى وُجُود الْمُوَاظَبَة عَلَيْهَا , وَفِي ذَلِكَ إِشْكَال , وَقَدْ بَنَاهُ بَعْض الْمَالِكِيَّة عَلَى قَاعِدَتهمْ فِي أَنَّ الشُّرُوع مُلْزِم وَفِيهِ نَظَر , وَأَجَابَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَكُونُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنَّك إِنْ وَاظَبْت عَلَى هَذِهِ الصَّلَاة مَعَهُمْ اِفْتَرَضَتْهَا عَلَيْهِمْ فَأَحَبَّ التَّخْفِيف عَنْهُمْ فَتَرَكَ الْمُوَاظَبَة , قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونُ ذَلِكَ وَقَعَ فِي نَفْسه كَمَا اِتَّفَقَ فِي بَعْض الْقُرَب الَّتِي دَاوَمَ عَلَيْهَا فَافْتُرِضَتْ , وَقِيلَ خَشِيَ أَنْ يَظُنّ أَحَد مِنْ الْأُمَّة مِنْ مُدَاوَمَته عَلَيْهَا الْوُجُوب , وَإِلَى هَذَا الْأَخِير نَحَا الْقُرْطُبِيّ فَقَالَ : قَوْله : \" فَتُفْرَض عَلَيْكُمْ \" أَيْ تَظُنُّونَهُ فَرْضًا فَيَجِب عَلَى مَنْ ظَنَّ ذَلِكَ , كَمَا إِذَا ظَنَّ الْمُجْتَهِد حِلّ شَيْء أَوْ تَحْرِيمه فَإِنَّهُ يَجِب عَلَيْهِ الْعَمَل بِهِ. قَالَ وَقِيلَ : كَانَ حُكْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ إِذَا وَاظَبَ عَلَى شَيْء مِنْ أَعْمَال الْبِرّ وَاقْتَدَى النَّاس بِهِ فِيهِ أَنَّهُ يُفْرَض عَلَيْهِمْ اِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى بُعْد هَذَا الْأَخِير , فَقَدْ وَاظَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَوَاتِب الْفَرَائِض وَتَابَعَهُ أَصْحَابه وَلَمْ تُفْرَض , وَقَالَ اِبْن بَطَّال يُحْتَمَل أَنْ يَكُونُ هَذَا الْقَوْل صَدَرَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ قِيَام اللَّيْل فَرْضًا عَلَيْهِ دُون أُمَّته فَخَشِيَ إِنْ خَرَجَ إِلَيْهِمْ وَالْتَزَمُوا مَعَهُ قِيَام اللَّيْل أَنْ يُسَوِّي اللَّه بَيْنه وَبَيْنهمْ فِي حُكْمه , لِأَنَّ الْأَصْل فِي الشَّرْع الْمُسَاوَاة بَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْن أُمَّته فِي الْعِبَادَة. قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونُ خَشِيَ مِنْ مُوَاظَبَتهمْ عَلَيْهَا أَنْ يَضْعُفُوا عَنْهَا فَيَعْصِي مَنْ تَرَكَهَا بِتَرْكِ اِتِّبَاعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ الْخَطَّابِيُّ أَصْل هَذِهِ الْخَشْيَة مَعَ مَا ثَبَتَ فِي حَدِيث الْإِسْرَاء مِنْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ \" هُنَّ خَمْس وَهُنَّ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّل الْقَوْل لَدَيَّ \" فَإِذَا أُمِنَ التَّبْدِيل فَكَيْف يَقَع الْخَوْف مِنْ الزِّيَادَة ؟ وَهَذَا يُدْفَع فِي صُدُور الْأَجْوِبَة الَّتِي تَقَدَّمَتْ , وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ صَلَاة اللَّيْل كَانَتْ وَاجِبَة عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَفْعَاله الشَّرْعِيَّة يَجِب عَلَى الْأُمَّة الِاقْتِدَاء بِهِ فِيهَا - يَعْنِي عِنْد الْمُوَاظَبَة - فَتَرَكَ الْخُرُوج إِلَيْهِمْ لِئَلَّا يَدْخُل ذَلِكَ فِي الْوَاجِب مِنْ طَرِيق الْأَمْر بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ لَا مِنْ طَرِيق إِنْشَاء فَرْض جَدِيد زَائِد عَلَى الْخَمْس , وَهَذَا كَمَا يُوجِب الْمَرْء عَلَى نَفْسه صَلَاة نَذْر فَتَجِب عَلَيْهِ , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ زِيَادَة فَرْض فِي أَصْل الشَّرْع. قَالَ : وَفِيهِ اِحْتِمَال آخَر , وَهُوَ أَنَّ اللَّه فَرَضَ الصَّلَاة خَمْسِينَ ثُمَّ حَطَّ مُعْظَمهَا بِشَفَاعَةِ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِذَا عَادَتْ الْأُمَّة فِيمَا اِسْتَوْهَبَ لَهَا وَالْتَزَمَتْ مَا اِسْتَعْفَى لَهُمْ نَبِيّهمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ لَمْ يُسْتَنْكَر أَنْ يَثْبُت ذَلِكَ فَرْضًا عَلَيْهِمْ , كَمَا اِلْتَزَمَ نَاس الرَّهْبَانِيَّة مِنْ قِبَل أَنْفُسهمْ ثُمَّ عَابَ اللَّه عَلَيْهِمْ التَّقْصِير فِيهَا فَقَالَ ( فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتهَا ) فَخَشِيَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونُ سَبِيلهمْ سَبِيل أُولَئِكَ , فَقَطَعَ الْعَمَل شَفَقَة عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ , وَقَدْ تَلَقَّى هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ مِنْ الْخَطَّابِيّ جَمَاعَة مِنْ الشُّرَّاح كَابْنِ الْجَوْزِيّ , وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ قِيَام اللَّيْل كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى وُجُوب الِاقْتِدَاء بِأَفْعَالِهِ. وَفِي كُلّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ نِزَاع. وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ حَدِيث الْإِسْرَاء يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَا يُبَدَّل الْقَوْل لَدَيَّ ) الْأَمْن مِنْ نَقْص شَيْء مِنْ الْخَمْس , وَلَمْ يَتَعَرَّض لِلزِّيَادَةِ اِنْتَهَى. لَكِنْ فِي ذِكْر التَّضْعِيف بِقَوْلِهِ \" هُنَّ خَمْس وَهُنَّ خَمْسُونَ \" إِشَارَة إِلَى عَدَم الزِّيَادَة أَيْضًا , لِأَنَّ التَّضْعِيف لَا يَنْقُص عَنْ الْعَشْر , وَدَفَعَ بَعْضهمْ فِي أَصْل السُّؤَال بِأَنَّ الزَّمَان كَانَ قَابِلًا لِلنَّسْخِ فَلَا مَانِع مِنْ خَشْيَة الِافْتِرَاض. وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ قَوْله : ( لَا يُبَدَّل الْقَوْل لَدَيَّ ) خَبَر وَالنَّسْخ لَا يَدْخُلهُ عَلَى الرَّاجِح , وَلَيْسَ هُوَ كَقَوْلِهِ مَثَلًا لَهُمْ صُومُوا الدَّهْر أَبَدًا فَإِنَّهُ يَجُوز فِيهِ النَّسْخ. وَقَدْ فَتَحَ الْبَارِي بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَة أُخْرَى : أَحَدهَا يُحْتَمَل أَنْ يَكُونُ الْمَخُوف اِفْتِرَاض قِيَام اللَّيْل , بِمَعْنَى جَعْل التَّهَجُّد فِي الْمَسْجِد جَمَاعَة شَرْطًا فِي صِحَّة التَّنَفُّل بِاللَّيْلِ , وَيُومِئ إِلَيْهِ فِي قَوْله فِي حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت \" حَتَّى خَشِيت أَنْ يُكْتَب عَلَيْكُمْ , وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ , فَصَلُّوا أَيّهَا النَّاس فِي بُيُوتكُمْ \" فَمَنَعَهُمْ مِنْ التَّجْمِيع فِي الْمَسْجِد إِشْفَاقًا عَلَيْهِمْ مِنْ اِشْتِرَاطه وَأُمِنَ مَعَ إِذْنه فِي الْمُوَاظَبَة عَلَى ذَلِكَ فِي بُيُوتهمْ مِنْ اِفْتِرَاضه عَلَيْهِمْ. ثَانِيهَا يُحْتَمَل أَنْ يَكُونُ الْمَخُوف اِفْتِرَاض قِيَام اللَّيْل عَلَى الْكِفَايَة لَا عَلَى الْأَعْيَان , فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ زَائِدًا عَلَى الْخَمْس , بَلْ هُوَ نَظِير مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ قَوْم فِي الْعِيد وَنَحْوهَا. ثَالِثهَا يُحْتَمَل أَنْ يَكُونُ الْمَخُوف اِفْتِرَاض قِيَام رَمَضَان خَاصَّة , فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَاب أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَمَضَان , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان بْن حُسَيْن خَشِيت أَنْ يُفْرَض عَلَيْكُمْ قِيَام هَذَا الشَّهْر , فَعَلَى هَذَا يَرْتَفِع الْإِشْكَال , لِأَنَّ قِيَام رَمَضَان لَا يَتَكَرَّر كُلّ يَوْم فِي السَّنَة فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْخَمْس. وَأَقْوَى هَذِهِ الْأَجْوِبَة الثَّلَاثَة فِي نَظَرِي الْأَوَّل , وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ. وَفِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ نَدْب قِيَام اللَّيْل وَلَا سِيَّمَا فِي رَمَضَان جَمَاعَة , لِأَنَّ الْخَشْيَة الْمَذْكُورَة أُمِنَتْ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِذَلِكَ جَمَعَهُمْ عُمَر بْن الْخَطَّاب عَلَى أُبَيِّ بْن كَعْب كَمَا سَيَأْتِي فِي الصِّيَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِيهِ جَوَاز الْفِرَار مِنْ قَدَر اللَّه إِلَى قَدَر اللَّه قَالَهُ الْمُهَلَّب , وَفِيهِ أَنَّ الْكَبِير إِذَا فَعَلَ شَيْئًا خِلَاف مَا اِعْتَادَهُ أَتْبَاعه أَنْ يَذْكُر لَهُمْ عُذْره وَحُكْمه وَالْحِكْمَة فِيهِ , وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّهَادَة فِي الدُّنْيَا وَالِاكْتِفَاء بِمَا قَلَّ مِنْهَا وَالشَّفَقَة عَلَى أُمَّته وَالرَّأْفَة بِهِمْ , وَفِيهِ تَرْك بَعْض الْمَصَالِح لِخَوْفِ الْمَفْسَدَة وَتَقْدِيم أَهَمّ الْمَصْلَحَتَيْنِ , وَفِيهِ جَوَاز الِاقْتِدَاء بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَة كَمَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ نَفْي النِّيَّة لَمْ يُنْقَل وَلَا يُطَّلَع عَلَيْهِ بِالظَّنِّ , وَفِيهِ تَرْك الْأَذَان وَالْإِقَامَة لِلنَّوَافِلِ إِذَا صُلِّيَتْ جَمَاعَة ‏"
    },
    {
        "id": "1062",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زِيَادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْمُغِيرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ ‏ ‏أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زِيَاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَلَاقَة , وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الرِّقَاق عَنْ خَلَّاد بْن يَحْيَى عَنْ مِسْعَر \" حَدَّثَنَا زِيَاد بْن عَلَاقَة \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظ مِنْ أَصْحَاب مِسْعَر عَنْهُ , وَخَالَفَهُمْ مُحَمَّد بْن بِشْر وَحْده فَرَوَاهُ عَنْ مِسْعَر عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَقَالَ : الصَّوَاب عَنْ مِسْعَر عَنْ زِيَاد , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِير مِنْ رِوَايَة أَبِي قَتَادَة الْحَرَّانِيّ عَنْ مِسْعَر عَنْ عَلِيّ بْن الْأَقْمَر عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ , وَأَخْطَأَ فِيهِ أَيْضًا , وَالصَّوَاب مِسْعَر عَنْ زِيَاد بْن عَلَاقَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ كَانَ لَيَقُوم أَوْ لِيُصَلِّيَ ) ‏ ‏إِنْ مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة و \" لَيَقُوم \" بِفَتْحِ اللَّام , وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة \" لَيَقُوم يُصَلِّي \" وَفِي حَدِيث عَائِشَة \" كَانَ يَقُوم مِنْ اللَّيْل \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَرِم ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْمِيم بِلَفْظِ الْمُضَارِع مِنْ الْوَرَم هَكَذَا سُمِعَ وَهُوَ نَادِر , وَفِي رِوَايَة خَلَّاد بْن يَحْيَى \" حَتَّى تَرِم أَوْ تَنْتَفِخ قَدَمَاهُ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة عَنْ زِيَاد عِنْد التِّرْمِذِيّ \" حَتَّى اِنْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة خَلَّاد \" قَدَمَاهُ \" وَلَمْ يَشُكّ , وَلِلْمُصَنِّفِ فِي تَفْسِير الْفَتْح \" حَتَّى تَوَرَّمَتْ \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" حَتَّى تَزْلَع قَدَمَاهُ \" بِزَايٍ وَعَيْن مُهْمَلَة , وَلَا اِخْتِلَاف بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات : فَإِنَّهُ إِذَا حَصَلَ الِانْتِفَاخ أَوْ الْوَرَم حَصَلَ الزَّلَع وَالتَّشَقُّق وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَيُقَال لَهُ ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر الْمَقُول وَلَمْ يُسَمِّ الْقَائِل , وَفِي تَفْسِير الْفَتْح \" فَقِيلَ لَهُ غَفَرَ اللَّه لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك وَمَا تَأَخَّرَ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة \" فَقِيلَ لَهُ أَتَتَكَلَّفُ هَذَا \" وَفِي حَدِيث عَائِشَة \" فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَة : لِمَ تَصْنَع هَذَا يَا رَسُول اللَّه وَقَدْ غَفَرَ اللَّه لَك \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الْبَزَّار \" فَقِيلَ لَهُ تَفْعَل هَذَا وَقَدْ جَاءَك مِنْ اللَّه أَنْ قَدْ غَفَرَ لَك \". ‏ ‏قَوْله : ( أَفَلَا أَكُون ) ‏ ‏فِي حَدِيث عَائِشَة \" أَفَلَا أُحِبّ أَنْ أَكُون \" ‏ ‏( عَبْدًا شَكُورًا ) ‏ ‏وَزَادَتْ فِيهِ \" فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمه صَلَّى جَالِسًا \" الْحَدِيث , وَالْفَاء فِي قَوْله \" أَفَلَا أَكُون \" لِلسَّبَبِيَّةِ , وَهِيَ عَنْ مَحْذُوف تَقْدِيره أَأَتْرُكُ تَهَجُّدِي فَلَا أَكُون عَبْدًا شَكُورًا , وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَغْفِرَة سَبَب لِكَوْنِ التَّهَجُّد شُكْرًا فَكَيْف أَتْرُكهُ قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذَا الْحَدِيث أَخَذَ الْإِنْسَان عَلَى نَفْسه بِالشِّدَّةِ فِي الْعِبَادَة وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمه بِمَا سَبَقَ لَهُ فَكَيْف بِمَنْ لَمْ يَعْلَم بِذَلِكَ فَضْلًا عَمَّنْ لَمْ يَأْمَن أَنَّهُ اِسْتَحَقَّ النَّار. اِنْتَهَى. وَمَحَلّ ذَلِكَ مَا إِذَا لَمْ يُفْضِ إِلَى الْمَلَال , لِأَنَّ حَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ أَكْمَلَ الْأَحْوَال , فَكَانَ لَا يَمَلّ مِنْ عِبَادَة رَبّه وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ , بَلْ صَحَّ أَنَّهُ قَالَ \" وَجُعِلَتْ قُرَّة عَيْنِي فِي الصَّلَاة \" كَمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث أَنَس , فَأَمَّا غَيْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا خَشِيَ الْمَلَل لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْرِه نَفْسه , وَعَلَيْهِ يُحْمَل قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" خُذُوا مِنْ الْأَعْمَال مَا تُطِيقُونَ , فَإِنَّ اللَّه لَا يَمَلّ حَتَّى تَمَلُّوا \". وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة لِلشُّكْرِ , وَفِيهِ أَنَّ الشُّكْر يَكُون بِالْعَمَلِ كَمَا يَكُون بِاللِّسَانِ كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ( اِعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا ) وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَنَّ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ سَبَب تَحَمُّله الْمَشَقَّة فِي الْعِبَادَة أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْبُد اللَّه خَوْفًا مِنْ الذُّنُوب وَطَلَبًا لِلْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَة فَمَنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ غُفِرَ لَهُ لَا يَحْتَاج إِلَى ذَلِكَ , فَأَفَادَهُمْ أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقًا آخَر لِلْعِبَادَةِ وَهُوَ الشُّكْر عَلَى الْمَغْفِرَة وَإِيصَال النِّعْمَة لِمَنْ لَا يَسْتَحِقّ عَلَيْهِ فِيهَا شَيْئًا فَيَتَعَيَّن كَثْرَة الشُّكْر عَلَى ذَلِكَ , وَالشُّكْر الِاعْتِرَاف بِالنِّعْمَةِ وَالْقِيَام بِالْخِدْمَةِ , فَمَنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ سُمِّيَ شَكُورًا , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ سُبْحَانه وَتَعَالَى ( وَقَلِيل مِنْ عِبَادِي الشَّكُور ). وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ الِاجْتِهَاد فِي الْعِبَادَة وَالْخَشْيَة مِنْ رَبّه , قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا أَلْزَم الْأَنْبِيَاء أَنْفُسهمْ بِشِدَّةِ الْخَوْف لِعِلْمِهِمْ بِعَظِيمِ نِعْمَة اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُ اِبْتَدَأَهُمْ بِهَا قَبْل اِسْتِحْقَاقهَا. فَبَذَلُوا مَجْهُودهمْ فِي عِبَادَته لِيُؤَدُّوا بَعْض شُكْره , مَعَ أَنَّ حُقُوق اللَّه أَعْظَم مِنْ أَنْ يَقُوم بِهَا الْعِبَاد. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : ‏ ‏قِيلَ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث لِيُنَبِّه عَلَى أَنَّ قِيَام جَمِيع اللَّيْل غَيْر مَكْرُوه وَلَا تُعَارِضهُ الْأَحَادِيث الْآتِيَة بِخِلَافِهِ , لِأَنَّهُ يُجْمَع بَيْنهَا بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُدَاوِم عَلَى قِيَام جَمِيع اللَّيْل , بَلْ كَانَ يَقُوم وَيَنَام كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسه وَأَخْبَرَتْ عَنْهُ عَائِشَة أَيْضًا , وَسَيَأْتِي نَقْل الْخِلَاف فِي إِيجَاب قِيَام اللَّيْل فِي \" بَاب عَقْد الشَّيْطَان \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1063",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَهُ ‏ ‏أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّ عَمْرو بْن أَوْس أَخْبَرَهُ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي أَوْس الثَّقَفِيّ الطَّائِفِيّ وَهُوَ تَابِعِيّ كَبِير , وَوَهَمَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَة وَإِنَّمَا الصُّحْبَة لِأَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَحَبّ الصَّلَاة إِلَى اللَّه صَلَاة دَاوُدَ ) ‏ ‏قَالَ الْمُهَلَّب : كَانَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام يُجِمّ نَفْسه بِنَوْمٍ أَوَّل اللَّيْل ثُمَّ يَقُوم فِي الْوَقْت الَّذِي يُنَادِي اللَّه فِيهِ : هَلْ مِنْ سَائِل فَأُعْطِيَهُ سُؤْله , ثُمَّ يَسْتَدِرْك بِالنَّوْمِ مَا يَسْتَرِيح بِهِ مِنْ نَصَب الْقِيَام فِي بَقِيَّة اللَّيْل , وَهَذَا هُوَ النَّوْم عِنْد السَّحَر كَمَا تَرْجَمَ بِهِ الْمُصَنِّف وَإِنَّمَا صَارَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَة أَحَبّ مِنْ أَجْل الْأَخْذ بِالرِّفْقِ لِلنَّفْسِ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا السَّآمَة , وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّ اللَّه لَا يَمَلّ حَتَّى تَمَلُّوا \" وَاَللَّه أَحَبَّ أَنْ يُدِيم فَضْله وَيُوَالِي إِحْسَانه , وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَرْفَق لِأَنَّ النَّوْم بَعْد الْقِيَام يُرِيح الْبَدَن وَيُذْهِب ضَرَر السَّهَر وَدُبُول الْجِسْم بِخِلَافِ السَّهَر إِلَى الصَّبَاح. وَفِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَة أَيْضًا اِسْتِقْبَال صَلَاة الصُّبْح وَأَذْكَار النَّهَار بِنَشَاطٍ وَإِقْبَال , وَأَنَّهُ أَقْرَب إِلَى عَدَم الرِّيَاء لِأَنَّ مَنْ نَامَ السُّدُس الْأَخِير أَصْبَحَ ظَاهِر اللَّوْن سَلِيم الْقُوَى فَهُوَ أَقْرَب إِلَى أَنْ يُخْفِي عَمَله الْمَاضِي عَلَى مَنْ يَرَاهُ , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن دَقِيق الْعِيد , وَحُكِيَ عَنْ قَوْم أَنَّ مَعْنَى قَوْله \" أَحَبّ الصَّلَاة \" هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ حَاله مِثْل حَال الْمُخَاطَب بِذَلِكَ وَهُوَ مَنْ يَشُقّ عَلَيْهِ قِيَام أَكْثَر اللَّيْل , قَالَ : وَعُمْدَة هَذَا الْقَائِل اِقْتِضَاء الْقَاعِدَة زِيَادَة الْأَجْر بِسَبَبِ زِيَادَة الْعَمَل لِكَيْ يُعَارِضهُ هُنَا اِقْتِضَاء الْعَادَة وَالْجِبِلَّة التَّقْصِير فِي حُقُوق يُعَارِضهَا طُول الْقِيَام , وَمِقْدَار ذَلِكَ الْفَائِت مَعَ مِقْدَار الْحَاصِل مِنْ الْقِيَام غَيْر مَعْلُوم لَنَا. فَالْأَوْلَى أَنْ يَجْرِي الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره وَعُمُومه , وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْمَصْلَحَة وَالْمَفْسَدَة فَمِقْدَار تَأْثِير كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا فِي الْحَثّ أَوْ الْمَنْع غَيْر مُحَقَّق لَنَا , فَالطَّرِيق أَنَّنَا نُفَوِّض الْأَمْر إِلَى صَاحِب الشَّرْع , وَنَجْرِي عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قُوَّة الظَّاهِر هُنَا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : هَذَا الْمَذْكُور إِذَا أَجْرَيْنَاهُ عَلَى ظَاهِره فَهُوَ فِي حَقّ الْأُمَّة , وَأَمَّا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ أَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى بِقِيَامِ أَكْثَر اللَّيْل فَقَالَ ( يَا أَيّهَا الْمُزَّمِّل قُمْ اللَّيْل إِلَّا قَلِيلًا ) اِنْتَهَى , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ هَذَا الْأَمْر قَدْ نُسِخَ كَمَا سَيَأْتِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" فَلَمَّا كَانَ نِصْف اللَّيْل أَوْ قَبْله بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْده بِقَلِيلٍ \" وَهُوَ نَحْو الْمَذْكُور هُنَا. نَعَمْ سَيَأْتِي بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُجْرِي الْأَمْر فِي ذَلِكَ عَلَى وَتِيرَة وَاحِدَة. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَحَبّ الصِّيَام إِلَى اللَّه صِيَام دَاوُدَ ) ‏ ‏يَأْتِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة , وَسَتَأْتِي بَقِيَّة مَبَاحِثه فِي كِتَاب الصِّيَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يَنَام نِصْف اللَّيْل إِلَخْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عِنْد مُسْلِم , \" كَانَ يَرْقُد شَطْر اللَّيْل , ثُمَّ يَقُوم ثُلُث اللَّيْل بَعْد شَطْره \" قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ : قُلْت لِعَمْرِو بْن دِينَار عَمْرو بْن أَوْس هُوَ الَّذِي يَقُول يَقُوم ثُلُث اللَّيْل ؟ قَالَ : نَعَمْ اِنْتَهَى. وَظَاهِره أَنَّ تَقْدِير الْقِيَام بِالثُّلُثِ مِنْ تَفْسِير الرَّاوِي فَيَكُون فِي الرِّوَايَة الْأُولَى إِدْرَاج , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَوْله \" عَمْرو بْن أَوْس ذَكَرَهُ \" أَيْ بِسَنَدِهِ فَلَا يَكُون مُدْرَجًا. وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ مِنْ الْفَائِدَة تَرْتِيب ذَلِكَ بِثُمَّ , فَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ أَجَازَ فِي حَدِيث الْبَاب أَنْ تَحْصُل السُّنَّة بِنَوْمِ السُّدُس الْأَوَّل مَثَلًا وَقِيَام الثُّلُث وَنَوْم النِّصْف الْأَخِير , وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَاو لَا تُرَتِّب. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ اِبْن رَشِيد : الظَّاهِر مِنْ سِيَاق حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مُطَابَقَة مَا تَرْجَمَ لَهُ , إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَصًّا فِيهِ , فَبَيَّنَهُ بِالْحَدِيثِ الثَّالِث وَهُوَ قَوْل عَائِشَة \" مَا أَلْفَاهُ السَّحَر عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "1064",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَشْعَثَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مَسْرُوقًا ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏الدَّائِمُ قُلْتُ مَتَى كَانَ يَقُومُ قَالَتْ كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ ‏ ‏الصَّارِخَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَشْعَثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا سَمِعَ ‏ ‏الصَّارِخَ ‏ ‏قَامَ فَصَلَّى ‏",
        "sharh": "وَالِد عَبْدَان اِسْمه عُثْمَان بْن جَبَلَة بِفَتْحِ الْجِيم وَالْمُوَحَّدَة , ‏ ‏وَقَوْله \" عَنْ أَشْعَث \" ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي الشَّعْثَاء الْمُحَارِبِيّ , ‏ ‏وَقَوْله \" الدَّائِم \" ‏ ‏أَيْ الْمُوَاظَبَة الْعُرْفِيَّة. ‏ ‏وَقَوْله \" الصَّارِخ \" ‏ ‏أَيْ الدِّيك. وَوَقَعَ فِي مُسْنَد الطَّيَالِسِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" الصَّارِخ الدِّيك \" وَالصَّرْخَة الصَّيْحَة الشَّدِيدَة , وَجَرَتْ الْعَادَة بِأَنَّ الدِّيك يَصِيح عِنْد نِصْف اللَّيْل غَالِبًا قَالَهُ مُحَمَّد بْن نَاصِر , قَالَ اِبْن التِّين : وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِ اِبْن عَبَّاس \" نِصْف اللَّيْل أَوْ قَبْله بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْده بِقَلِيلٍ \" وَقَالَ اِبْن بَطَّال. الصَّارِخ يَصْرُخ عِنْد ثُلُث اللَّيْل , وَكَانَ دَاوُدُ يَتَحَرَّى الْوَقْت الَّذِي يُنَادِي اللَّه فِيهِ \" هَلْ مِنْ سَائِل \" كَذَا قَالَ , وَالْمُرَاد بِالدَّوَامِ قِيَامه كُلّ لَيْلَة فِي ذَلِكَ الْوَقْت لَا الدَّوَام الْمُطْلَق. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏زَادَ أَبُو ذَرّ فِي رِوَايَة \" اِبْن سَلَام \" وَكَذَا نَسَبَهُ أَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن , وَذَكَرَ الْجَيَّانِيّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ أَبِي مُحَمَّد السَّرَخْسِيّ \" مُحَمَّد بْن سَالِم \" بِتَقْدِيمِ الْأَلِف عَلَى اللَّام , قَالَ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِس : سَأَلْت أَبَا ذَرّ فَقَالَ لِي : أَرَاهُ اِبْن سَلَام , وَسَهَا فِيهِ أَبُو مُحَمَّد. قُلْت : وَلَيْسَ فِي شُيُوخ الْبُخَارِيّ أَحَد يُقَال لَهُ مُحَمَّد بْن سَالِم. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَشْعَث ) ‏ ‏يَعْنِي بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور , وَظَنَّ بَعْضهمْ أَنَّهُ مَوْقُوف عَلَى أَشْعَث فَأَخْطَأَ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ هَنَّاد بْن السَّرِيّ , وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى الرَّازِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الْأَحْوَص بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظِ \" سَأَلْت عَائِشَة عَنْ صَلَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت لَهَا : أَيْ حِين كَانَ يُصَلِّي ؟ قَالَتْ : إِذَا سَمِعَ الصَّارِخ قَامَ فَصَلَّى \" لَفْظ إِبْرَاهِيم وَزَادَ مُسْلِم فِي أَوَّله \" كَانَ يُحِبّ الدَّائِم \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَة خَلَف بْن هِشَام عَنْ أَبِي الْأَحْوَص بِالْإِسْنَادِ \" سَأَلْت عَائِشَة : أَيّ الْعَمَل كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : أَدْوَمه \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ لَمْ يَذْكُر الْبُخَارِيّ فِي رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص بَعْد الْأَشْعَث أَحَدًا , وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة مَا كَانَ يَصْنَع إِذَا قَامَ وَهُوَ قَوْله \" قَامَ فَصَلَّى \" بِخِلَافِ رِوَايَة شُعْبَة فَإِنَّهَا مُجْمَلَة. وَفِي هَذَا الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى الْمُدَاوَمَة عَلَى الْعَمَل وَإِنْ قَلَّ , وَفِيهِ الِاقْتِصَاد فِي الْعِبَادَة وَتَرْك التَّعَمُّق فِيهَا لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْشَط وَالْقَلْب بِهِ أَشَدّ اِنْشِرَاحًا. وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة الثَّانِي فَوَالِد إِبْرَاهِيم بْن سَعْد هُوَ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَعَبَّرَ مُوسَى عَنْ إِبْرَاهِيم بِقَوْلِهِ \" ذَكَرَ أَبِي \" وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي تَوْبَة فَقَالَ \" حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ جُمْعَة بْن عَبْد اللَّه عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمّه أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1065",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ذَكَرَ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا تَعْنِي النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَا أَلْفَاهُ ) ‏ ‏بِالْفَاءِ أَيْ وَجَدَهُ , وَالسَّحَر مَرْفُوع بِأَنَّهُ فَاعِله. وَالْمُرَاد نَوْمه بَعْد الْقِيَام الَّذِي مَبْدَؤُهُ عِنْد سَمَاع الصَّارِخ جَمْعًا بَيْنه وَبَيْن رِوَايَة مَسْرُوق الَّتِي قَبْلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( تَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن بِشْر عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم عِنْد مُسْلِم \" مَا أَلْفَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّحَر عَلَى فِرَاشِي - أَوْ عِنْدِي - إِلَّا نَائِمًا \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ مَحْمُود الْوَاسِطِيّ عَنْ زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بِلَفْظِ \" مَا أَلْفَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدِي بِالْأَسْحَارِ إِلَّا وَهُوَ نَائِم \" وَفِي هَذَا التَّصْرِيح بِرَفْعِ الْحَدِيث. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : ‏ ‏قَوْلهَا \" إِلَّا نَائِمًا \" ‏ ‏تَعْنِي مُضْطَجِعًا عَلَى جَنْبه لِأَنَّهَا قَالَتْ فِي حَدِيث آخَر \" فَإِنْ كُنْت يَقْظَانَة حَدَّثَنِي وَإِلَّا اِضْطَجَعَ \" اِنْتَهَى. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن رَشِيد بِأَنَّهُ لَا ضَرُورَة لِحَمْلِ هَذَا التَّأْوِيل لِأَنَّ السِّيَاق ظَاهِر فِي النَّوْم حَقِيقَة وَظَاهِر فِي الْمُدَاوَمَة عَلَى ذَلِكَ , وَلَا يَلْزَم مِنْ أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا لَمْ يَنَمْ وَقْت السَّحَر هَذَا التَّأْوِيل , فَدَارَ الْأَمْر بَيْن حَمْل النَّوْم عَلَى مَجَاز التَّشْبِيه أَوْ حَمْل التَّعْمِيم عَلَى إِرَادَة التَّخْصِيص , وَالثَّانِي أَرْجَح وَإِلَيْهِ مَيْل الْبُخَارِيّ لِأَنَّهُ تَرْجَمَ بِقَوْلِهِ \" مَنْ نَامَ عِنْد السَّحَر \" ثُمَّ تَرْجَمَ عَقِبه بِقَوْلِهِ \" مَنْ تَسَحَّرَ فَلَمْ يَنَمْ \" فَأَوْمَأَ إِلَى تَخْصِيص رَمَضَان مِنْ غَيْره , فَكَأَنَّ الْعَادَة جَرَتْ فِي جَمِيع السَّنَة أَنَّهُ كَانَ يَنَام عِنْد السَّحَر , إِلَّا فِي رَمَضَان فَإِنَّهُ كَانَ يَتَشَاغَل بِالسُّحُورِ فِي آخِر اللَّيْل , ثُمَّ يَخْرُج إِلَى صَلَاة الصُّبْح عَقِبه. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : النَّوْم وَقْت السَّحَر كَانَ يَفْعَلهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللَّيَالِي الطِّوَال وَفِي غَيْر شَهْر رَمَضَان , كَذَا قَالَ , وَيُحْتَاج فِي إِخْرَاج اللَّيَالِي الْقِصَار إِلَى دَلِيل. ‏"
    },
    {
        "id": "1066",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏تَسَحَّرَا فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى فَقُلْنَا ‏ ‏لِأَنَسٍ ‏ ‏كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ قَالَ كَقَدْرِ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ الدَّوْرَقِيّ , وَرَوْح هُوَ اِبْن عُبَادَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا فَرِغَا مِنْ سُحُورهمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاة فَصَلَّى ) ‏ ‏هُوَ ظَاهِر لِمَا تَرْجَمَ لَهُ. وَالْمُرَاد بِالصَّلَاةِ صَلَاة الصُّبْح , وَقَبْلهَا صَلَاة الْفَجْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهه وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة فَوَائِد الْحَدِيث فِي كِتَاب الصِّيَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1067",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةً فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ قُلْنَا وَمَا هَمَمْتَ قَالَ هَمَمْتُ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( بِأَمْرِ سُوء ) ‏ ‏بِإِضَافَةِ أَمْر إِلَى سُوء , وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى اِخْتِيَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطْوِيل صَلَاة اللَّيْل , وَقَدْ كَانَ اِبْن مَسْعُود قَوِيًّا مُحَافِظًا عَلَى الِاقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا هَمَّ بِالْقُعُودِ إِلَّا بَعْد طُول كَثِير مَا اِعْتَادَهُ. وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر \" أَفْضَل الصَّلَاة طُول الْقُنُوت \" فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ. وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِالْقُنُوتِ فِي حَدِيث جَابِر الْخُشُوع , وَذَهَبَ كَثِير مِنْ الصَّحَابَة وَغَيْرهمْ إِلَى أَنَّ كَثْرَة الرُّكُوع وَالسُّجُود أَفْضَل , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث ثَوْبَان \" أَفْضَل الْأَعْمَال كَثْرَة السُّجُود \" وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاص وَالْأَحْوَال. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ مُخَالَفَة الْإِمَام فِي أَفْعَاله مَعْدُودَة فِي الْعَمَل السَّيِّئ. وَفِيهِ تَنْبِيه عَلَى فَائِدَة مَعْرِفَة مَا بَيْنهمْ مِنْ الْأَحْوَال وَغَيْرهَا , لِأَنَّ أَصْحَاب اِبْن مَسْعُود مَا عَرَفُوا مُرَاده مِنْ قَوْله \" هَمَمْت بِأَمْرِ سُوء \" حَتَّى اِسْتَفْهَمُوهُ عَنْهُ , وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِمْ اِسْتِفْهَامهمْ عَنْ ذَلِكَ. وَرَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة فَقَرَأَ الْبَقَرَة وَآل عِمْرَان وَالنِّسَاء فِي رَكْعَة , وَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيح سَبَّحَ أَوْ سُؤَال سَأَلَ أَوْ تَعَوُّذ تَعَوَّذَ , ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ , ثُمَّ قَامَ نَحْوًا مِمَّا رَكَعَ , ثُمَّ سَجَدَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ. وَهَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى فِي نَحْو مِنْ سَاعَتَيْنِ , فَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْيَا تِلْكَ اللَّيْلَة كُلّهَا. وَأَمَّا مَا يَقْتَضِيه حَاله فِي غَيْر هَذِهِ اللَّيْلَة فَإِنَّ فِي أَخْبَار عَائِشَة أَنَّهُ كَانَ يَقُوم قَدْر ثُلُث اللَّيْل , وَفِيهَا أَنَّهُ كَانَ لَا يَزِيد عَلَى إِحْدَى عَشْرَة رَكْعَة , فَيَقْتَضِي ذَلِكَ تَطْوِيل الصَّلَاة وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ سُلَيْمَان بْن حَرْب تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيث عَنْ شُعْبَة حَكَاهُ عَنْهُ الْبُرْقَانِيُّ , وَهُوَ مِنْ الْأَفْرَاد الْمُقَيَّدَة , فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الْأَعْمَش. ‏"
    },
    {
        "id": "1068",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنْ اللَّيْلِ ‏ ‏يَشُوصُ ‏ ‏فَاهُ بِالسِّوَاكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ خَالِد بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْوَاسِطِيُّ , وَحُصَيْن هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الْوَاسِطِيُّ أَيْضًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث حُذَيْفَة فِي الطَّهَارَة. وَاسْتَشْكَلَ اِبْن بَطَّال دُخُوله فِي هَذَا الْبَاب فَقَالَ : لَا مَدْخَل لَهُ هُنَا لِأَنَّ التَّسَوُّك فِي صَلَاة اللَّيْل لَا يَدُلّ عَلَى طُول الصَّلَاة. قَالَ : وَيُمْكِن أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ غَلَط النَّاسِخ فَكَتَبَهُ فِي غَيْر مَوْضِعه , أَوْ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَعْجَلَتْهُ الْمَنِيَّة قَبْل تَهْذِيب كِتَابه , فَإِنَّ فِيهِ مَوَاضِع مِثْل هَذَا تَدُلّ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَشَارَ إِلَى أَنَّ اِسْتِعْمَال السِّوَاك يَدُلّ عَلَى مَا يُنَاسِبهُ مِنْ إِكْمَال الْهَيْئَة وَالتَّأَهُّب , وَهُوَ دَلِيل طُول الْقِيَام إِذْ التَّخْفِيف لَا يَتَهَيَّأ لَهُ هَذَا التَّهَيُّؤ الْكَامِل. وَقَدْ قَالَ اِبْن رَشِيد : الَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْبُخَارِيّ إِنَّمَا أَدْخَلَهُ لِقَوْلِهِ \" إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ \" أَيْ إِذَا قَامَ لِعَادَتِهِ , وَقَدْ تَبَيَّنْت عَادَتْهُ فِي الْحَدِيث الْآخَر , وَلَفْظ التَّهَجُّد مَعَ ذَلِكَ مُشْعِر بِالسَّهَرِ , وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي التَّسَوُّك عَوْنًا عَلَى دَفْع النَّوْم فَهُوَ مُشْعِر بِالِاسْتِعْدَادِ لِلْإِطَالَةِ. وَقَالَ الْبَدْر بْن جَمَاعَة : يَظْهَر لِي أَنَّ الْبُخَارِيّ أَرَادَ بِهَذَا الْحَدِيث اِسْتِحْضَار حَدِيث حُذَيْفَة الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم , يَعْنِي الْمُشَار إِلَيْهِ قَرِيبًا , قَالَ : وَإِنَّمَا لَمْ يُخْرِجهُ لِكَوْنِهِ عَلَى غَيْر شَرْطه , فَأَمَّا أَنْ يَكُون أَشَارَ إِلَى أَنَّ اللَّيْلَة وَاحِدَة , أَوْ نَبَّهَ بِأَحَدِ حَدِيثَيْ حُذَيْفَة عَلَى الْآخَر. وَأَقَرَّ بِهَا تَوْجِيه اِبْن رَشِيد. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون بَيَّضَ التَّرْجَمَة لِحَدِيثِ حُذَيْفَة فَضَمَّ الْكَاتِب الْحَدِيث إِلَى الْحَدِيث الَّذِي قَبْله وَحَذَفَ الْبَيَاض. ‏"
    },
    {
        "id": "1069",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ قَالَ ‏ ‏مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر \" صَلَاة اللَّيْل مَثْنَى مَثْنَى \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَّل أَبْوَاب الْوِتْر , وَأَنَّهُ الْأَفْضَل فِي حَقّ الْأُمَّة لِكَوْنِهِ أَجَابَ بِهِ السَّائِل , وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحَّ عَنْهُ فَعَلَ الْفَصْل وَالْوَصْل. ‏"
    },
    {
        "id": "1070",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو جَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏صَلَاةُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ‏ ‏يَعْنِي بِاللَّيْلِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي جَمْرَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" كَانَتْ صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاث عَشْرَة \" يَعْنِي بِاللَّيْلِ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ بِلَفْظِ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْل ثَلَاث عَشْرَة رَكْعَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَّل أَبْوَاب الْوِتْر أَيْضًا , وَتَقَدَّمَ أَيْضًا بَيَان الْجَمْع بَيْن مُخْتَلَف الرِّوَايَات فِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1071",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِاللَّيْلِ فَقَالَتْ ‏ ‏سَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ سِوَى رَكْعَتِي الْفَجْرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة مِنْ رِوَايَة مَسْرُوق قَالَ \" سَأَلْت عَائِشَة عَنْ صَلَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : سَبْع وَتِسْع وَإِحْدَى عَشْرَة سِوَى رَكْعَتَيْ الْفَجْر \". ‏"
    },
    {
        "id": "1072",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَنْظَلَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثهَا مِنْ طَرِيق الْقَاسِم عَنْهَا \" كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْل ثَلَاث عَشْرَة مِنْهَا الْوِتْر وَرَكْعَتَا الْفَجْر \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" كَانَتْ صَلَاته عَشْر رَكَعَات وَيُوتِر بِسَجْدَةٍ وَيَرْكَع رَكْعَتَيْ الْفَجْر فَتِلْكَ ثَلَاث عَشْرَة \" فَأَمَّا مَا أَجَابَتْ بِهِ مَسْرُوقًا فَمُرَادهَا أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ فِي أَوْقَات مُخْتَلِفَة , فَتَارَة كَانَ يُصَلِّي سَبْعًا وَتَارَة تِسْعًا وَتَارَة إِحْدَى عَشْرَة. وَأَمَّا حَدِيث الْقَاسِم عَنْهَا فَمَحْمُول عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ غَالِب حَاله , وَسَيَأْتِي بَعْد خَمْسَة أَبْوَاب مِنْ رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عَنْهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَكْثَر مَا يُصَلِّيه فِي اللَّيْل , وَلَفْظه \" مَا كَانَ يَزِيد فِي رَمَضَان وَلَا فِي غَيْره عَلَى إِحْدَى عَشْرَة \" الْحَدِيث , وَفِيهِ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ رَكْعَتَيْ الْفَجْر مِنْ غَيْرهَا فَهُوَ مُطَابِق لِرِوَايَةِ الْقَاسِم. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَة عَنْهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب مَا يَقْرَأ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْر \" بِلَفْظِ \" كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاث عَشْرَة رَكْعَة , ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاء بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ \" فَظَاهِره يُخَالِف مَا تَقَدَّمَ , فَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون أَضَافَتْ إِلَى صَلَاة اللَّيْل سُنَّة الْعِشَاء لِكَوْنِهِ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي بَيْته , أَوْ مَا كَانَ يَفْتَتِح بِهِ صَلَاة اللَّيْل فَقَدْ ثَبَتَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق سَعْد بْن هِشَام عَنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَفْتَتِحهَا بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ , وَهَذَا أَرْجَح فِي نَظَرِي لِأَنَّ رِوَايَة أَبِي سَلَمَة الَّتِي دَلَّتْ عَلَى الْحَصْر فِي إِحْدَى عَشْرَة جَاءَ فِي صِفَتهَا عِنْد الْمُصَنِّف وَغَيْره \" يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ أَرْبَعًا ثُمَّ ثَلَاثًا \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَتَعَرَّض لِلرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ وَتَعَرَّضَتْ لَهُمَا فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ , وَالزِّيَادَة مِنْ الْحَافِظ مَقْبُولَة , وَبِهَذَا يُجْمَع بَيْن الرِّوَايَات. وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحْضِر هُنَا مَا تَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب الْوِتْر مِنْ ذِكْر الرَّكْعَتَيْنِ بَعْد الْوِتْر وَالِاخْتِلَاف هَلْ هُمَا الرَّكْعَتَانِ بَعْد الْفَجْر أَوْ صَلَاة مُفْرَدَة بَعْد الْوِتْر , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ عِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَيْس عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ \" كَانَ يُوتِر بِأَرْبَعٍ وَثَلَاث , وَسِتّ وَثَلَاث , وَثَمَان وَثَلَاث , وَعَشْر وَثَلَاث , وَلَمْ يَكُنْ يُوتِر بِأَكْثَر مِنْ ثَلَاث عَشْرَة وَلَا أَنْقَص مِنْ سَبْع \" وَهَذَا أَصَحّ مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ , وَبِهِ يُجْمَع بَيْن مَا اِخْتَلَفَ عَنْ عَائِشَة مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : أَشْكَلَتْ رِوَايَات عَائِشَة عَلَى كَثِير مِنْ أَهْل الْعِلْم حَتَّى نَسَبَ بَعْضهمْ حَدِيثهَا إِلَى الِاضْطِرَاب , وَهَذَا إِنَّمَا يَتِمّ لَوْ كَانَ الرَّاوِي عَنْهَا وَاحِدًا أَوْ أَخْبَرَتْ عَنْ وَقْت وَاحِد : وَالصَّوَاب أَنَّ كُلّ شَيْء ذَكَرْته مِنْ ذَلِكَ مَحْمُول عَلَى أَوْقَات مُتَعَدِّدَة وَأَحْوَال مُخْتَلِفَة بِحَسَبِ النَّشَاط وَبَيَان الْجَوَاز وَاَللَّه أَعْلَم. وَظَهَرَ لِي أَنَّ الْحِكْمَة فِي عَدَم الزِّيَادَة عَلَى إِحْدَى عَشْرَة أَنَّ التَّهَجُّد وَالْوِتْر مُخْتَصّ بِصَلَاةِ اللَّيْل , وَفَرَائِض النَّهَار - الظُّهْر وَهِيَ أَرْبَع وَالْعَصْر وَهِيَ أَرْبَع وَالْمَغْرِب وَهِيَ ثَلَاث وِتْر النَّهَار - فَنَاسَبَ أَنْ تَكُون صَلَاة اللَّيْل كَصَلَاةِ النَّهَار فِي الْعَدَد جُمْلَة وَتَفْصِيلًا. وَأَمَّا مُنَاسَبَة ثَلَاث عَشْرَة فَبِضَمِّ صَلَاة الصُّبْح لِكَوْنِهَا نَهَارِيَّة إِلَى مَا بَعْدهَا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏إِسْحَاق الْمَذْكُور فِي أَوَّل حَدِيثَيْ عَائِشَة هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج , وَعُبَيْد اللَّه الْمَذْكُور فِي ثَانِي حَدِيثَيْهَا هُوَ اِبْن مُوسَى , وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْهُ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الْمُتَوَالِيَيْنِ بِوَاسِطَةٍ وَبِغَيْرِ وَاسِطَة وَهُوَ مِنْ كِبَار شُيُوخه , وَكَأَنَّ أَوَّلهمَا لَمْ يَقَع لَهُ سَمَاعه مِنْهُ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1073",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُفْطِرُ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنْ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن جَعْفَر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي كَثِير الْمَدَنِيّ , وَحُمَيْدٌ هُوَ الطَّوِيل. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ لَا يَصُوم مِنْهُ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو ذَرّ وَالْأَصِيلِيّ \" شَيْئًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ لَا تَشَاء أَنْ تَرَاهُ مِنْ اللَّيْل مُصَلِّيًا إِلَخْ ) ‏ ‏أَيْ إِنَّ صَلَاته وَنَوْمه كَانَ يَخْتَلِف بِاللَّيْلِ وَلَا يُرَتِّب وَقْتًا مُعَيَّنًا بَلْ بِحَسَبِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ الْقِيَام. وَلَا يُعَارِضهُ قَوْل عَائِشَة \" كَانَ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخ قَامَ \" فَإِنَّ عَائِشَة تُخْبِر عَمَّا لَهَا عَلَيْهِ اِطِّلَاع , وَذَلِكَ أَنَّ صَلَاة اللَّيْل كَانَتْ تَقَع مِنْهُ غَالِبًا فِي الْبَيْت , فَخَبَر أَنَس مَحْمُول عَلَى مَا وَرَاء ذَلِكَ. وَقَدْ مَضَى فِي حَدِيثهَا فِي أَبْوَاب الْوِتْر \" مِنْ كُلّ اللَّيْل قَدْ أَوْتَرَ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخُصّ الْوِتْر بِوَقْتٍ بِعَيْنِهِ. قَوْله : ( تَابَعَهُ سُلَيْمَان وَأَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَنْ حُمَيْدٍ ) كَذَا ثَبَتَتْ الْوَاو فِي جَمِيع الرِّوَايَات الَّتِي اِتَّصَلَتْ لَنَا , فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَل أَنْ يَكُون سُلَيْمَان هُوَ اِبْن بِلَال كَمَا جَزَمَ بِهِ خَلَف , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْوَاو زَائِدَة مِنْ النَّاسِخ فَإِنَّ أَبَا خَالِد الْأَحْمَر اِسْمه سُلَيْمَان , وَحَدِيثه فِي هَذَا سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي كِتَاب الصِّيَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1074",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّه ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَعْقِدُ ‏ ‏الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الشَّيْطَان ) ‏ ‏كَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْجِنْس , وَفَاعِل ذَلِكَ هُوَ الْقَرِين أَوْ غَيْره , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِهِ رَأْس الشَّيَاطِين وَهُوَ إِبْلِيس , وَتَجُوز نِسْبَة ذَلِكَ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ الْآمِر بِهِ الدَّاعِي إِلَيْهِ , وَلِذَلِكَ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِي \" بَابِ صِفَة إِبْلِيس \" مِنْ بَدْء الْخَلْق. ‏ ‏قَوْله : ( قَافِيَة رَأْس أَحَدِكُمْ ) ‏ ‏أَيْ مُؤَخَّر عُنُقه. وَقَافِيَة كُلّ شَيْء مُؤَخَّره وَمِنْهُ قَافِيَة الْقَصِيدَة , وَفِي النِّهَايَة : الْقَافِيَة الْقَفَا وَقِيلَ مُؤَخَّر الرَّأْس وَقِيلَ وَسَطه. وَظَاهِر قَوْله \" أَحَدكُمْ \" التَّعْمِيم فِي الْمُخَاطَبِينَ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ , وَيُمْكِن أَنْ يَخُصّ مِنْهُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْره , وَمَنْ وَرَدَ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ يُحْفَظ مِنْ الشَّيْطَان كَالْأَنْبِيَاءِ , وَمَنْ تَنَاوَلَهُ قَوْله : ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان ) وَكَمَنْ قَرَأَ آيَة الْكُرْسِيّ عِنْد نَوْمه فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُحْفَظ مِنْ الشَّيْطَان حَتَّى يُصْبِح , وَفِيهِ بَحْث سَأَذْكُرُهُ فِي آخِر شَرْح هَذَا الْحَدِيث إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا هُوَ نَامَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْحَمَوِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ \" إِذَا هُوَ نَائِم \" بِوَزْنِ فَاعِل , وَالْأَوَّل أَصْوَب وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُوَطَّأ. ‏ ‏قَوْله : ( يَضْرِب عَلَى مَكَان كُلّ عُقْدَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيّ , وَلِبَعْضِهِمْ بِحَذْفِ \" عَلَى \" ولِلكُشْمِيهَنِيِّ بِلَفْظِ \" عِنْد مَكَان \". وَقَوْله \" يَضْرِب \" أَيْ بِيَدِهِ عَلَى الْعُقْدَة تَأْكِيدًا وَإِحْكَامًا لَهَا قَائِلًا ذَلِكَ , وَقِيلَ مَعْنَى يَضْرِب يَحْجُب الْحِسّ عَنْ النَّائِم حَتَّى لَا يَسْتَيْقِظ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانهمْ ) أَيْ حَجَبْنَا الْحِسّ أَنْ يَلِج فِي آذَانهمْ فَيَنْتَبِهُوا , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" مَا أَحَد يَنَام إِلَّا ضُرِبَ عَلَى سِمَاخِهِ بِجَرِيرٍ مَعْقُود \" أَخْرَجَهُ الْمُخْلِص فِي فَوَائِده , وَالسِّمَاخ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَآخِره مُعْجَمَة وَيُقَال بِالصَّادِ الْمُهْمَلَة بَدَل السِّين , وَعِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ اِبْنِ عُمَر \" مَا أَصْبَحَ رَجُل عَلَى غَيْر وِتْر إِلَّا أَصْبَحَ عَلَى رَأْسه جَرِير قَدْره سَبْعِينَ ذِرَاعًا \". ‏ ‏قَوْله : ( عَلَيْك لَيْل طَوِيل ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الطُّرُق عَنْ الْبُخَارِيّ بِالرَّفْعِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُصْعَب فِي الْمُوَطَّأ عَنْ مَالِك \" عَلَيْك لَيْلًا طَوِيلًا \" وَهِيَ رِوَايَة اِبْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد عِنْد مُسْلِم , قَالَ عِيَاض : رِوَايَة الْأَكْثَر عَنْ مُسْلِم بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاء , وَمَنْ رَفَعَ فَعَلَى الِابْتِدَاء , أَيْ بَاقٍ عَلَيْك , أَوْ بِإِضْمَارِ فِعْل أَيْ بَقِيَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الرَّفْع أَوْلَى مِنْ جِهَة الْمَعْنَى لِأَنَّهُ الْأَمْكَن فِي الْغُرُور مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُخْبِرهُ عَنْ طُولِ اللَّيْل ثُمَّ يَأْمُرهُ بِالرُّقَادِ بِقَوْلِهِ \" فَارْقُدْ \" وَإِذَا نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاء لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا الْأَمْر بِمُلَازَمَةِ طُولِ الرُّقَاد وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْله \" فَارْقُدْ \" ضَائِعًا , وَمَقْصُود الشَّيْطَان بِذَلِكَ تَسْوِيفه بِالْقِيَامِ وَالْإِلْبَاس عَلَيْهِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْعُقَد فَقِيلَ هُوَ عَلَى الْحَقِيقَة وَأَنَّهُ كَمَا يَعْقِد السَّاحِر مَنْ يَسْحَرهُ , وَأَكْثَر مَنْ يَفْعَلهُ النِّسَاء تَأْخُذ إِحْدَاهُنَّ الْخَيْط فَتَعْقِد مِنْهُ عُقْدَة وَتَتَكَلَّم عَلَيْهِ بِالسِّحْرِ فَيَتَأَثَّر الْمَسْحُور عِنْد ذَلِكَ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَات فِي الْعُقَد ) وَعَلَى هَذَا فَالْمَعْقُود شَيْء عِنْد قَافِيَة الرَّأْس لَا قَافِيَة الرَّأْس نَفْسهَا , وَهَلْ الْعُقَد فِي شَعْر الرَّأْس أَوْ فِي غَيْره ؟ الْأَقْرَب الثَّانِي إِذْ لَيْسَ لِكُلِّ أَحَد شَعْر , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّ عَلَى رَأْس كُلّ آدَمِيّ حَبْلًا , فَفِي رِوَايَة اِبْنِ مَاجَهْ وَمُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" عَلَى قَافِيَة رَأْس أَحَدِكُمْ حَبْل فِيهِ ثَلَاث عُقَد \" , وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" إِذَا نَامَ أَحَدكُمْ عُقِدَ عَلَى رَأْسه بِجَرِيرٍ \" وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّان مِنْ حَدِيث جَابِر مَرْفُوعًا \" مَا مِنْ ذَكَر وَلَا أُنْثَى إِلَّا عَلَى رَأْسه جَرِير مَعْقُود حِين يَرْقُد \" الْحَدِيث , وَفِي الثَّوَاب لِآدَم بْن أَبِي إِيَاس مِنْ مُرْسَل الْحَسَنِ نَحْوه. وَالْجَرِير بِفَتْحِ الْجِيم هُوَ الْحَبْل , وَفَهِمَ بَعْضهمْ مِنْ هَذَا أَنَّ الْعُقَد لَازِمَة , وَيَرُدّهُ التَّصْرِيح بِأَنَّهَا تَنْحَلّ بِالصَّلَاةِ فَيَلْزَم إِعَادَة عَقْدهَا فَأُبْهِمَ فَاعِله فِي حَدِيث جَابِر , وَفُسِّرَ فِي حَدِيث غَيْره. وَقِيلَ هُوَ عَلَى الْمَجَاز كَأَنَّهُ شَبَّهَ فِعْل الشَّيْطَان بِالنَّائِمِ بِفِعْلِ السَّاحِر بِالْمَسْحُورِ , فَلَمَّا كَانَ السَّاحِر يَمْنَع بِعَقْدِهِ ذَلِكَ تَصَرُّف مَنْ يُحَاوِل عَقْده كَانَ هَذَا مِثْله مِنْ الشَّيْطَان لِلنَّائِمِ. وَقِيلَ الْمُرَاد بِهِ عَقْد الْقَلْب وَتَصْمِيمه عَلَى الشَّيْء كَأَنَّهُ يُوَسْوِس لَهُ بِأَنَّهُ بَقِيَ مِنْ اللَّيْلَة قِطْعَة طَوِيلَة فَيَتَأَخَّر عَنْ الْقِيَام. وَانْحِلَال الْعُقَد كِنَايَة عَنْ عِلْمه بِكَذِبِهِ فِيمَا وَسْوَسَ بِهِ. وَقِيلَ الْعُقَد كِنَايَة عَنْ تَثْبِيط الشَّيْطَان لِلنَّائِمِ بِالْقَوْلِ الْمَذْكُور , وَمِنْهُ عَقَدْت فُلَانًا عَنْ اِمْرَأَته أَيْ مَنَعْته عَنْهَا , أَوْ عَنْ تَثْقِيله عَلَيْهِ النَّوْم كَأَنَّهُ قَدْ شَدَّ عَلَيْهِ شِدَادًا. وَقَالَ بَعْضهمْ. الْمُرَاد بِالْعُقَدِ الثَّلَاث الْأَكْل وَالشُّرْب وَالنَّوْم , لِأَنَّ مَنْ أَكْثَرَ الْأَكْل وَالشُّرْب كَثُرَ نَوْمه. وَاسْتَبْعَدَهُ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ لِأَنَّ الْحَدِيث يَقْتَضِي أَنَّ الْعُقَد تَقَع عِنْد النَّوْم فَهِيَ غَيْره , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْحِكْمَة فِي الِاقْتِصَار عَلَى الثَّلَاث أَنَّ أَغْلَب مَا يَكُونُ اِنْتِبَاه الْإِنْسَان فِي السَّحَر فَإِنْ اِتَّفَقَ لَهُ أَنْ يَرْجِع إِلَى النَّوْم ثَلَاث مَرَّات لَمْ تَنْقَضِ النَّوْمَة الثَّالِثَة إِلَّا وَقَدْ ذَهَبَ اللَّيْل. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ التَّقْيِيد بِالثَّلَاثِ إِمَّا لِلتَّأْكِيدِ , أَوْ لِأَنَّهُ يُرِيد أَنْ يَقْطَعهُ عَنْ ثَلَاثَة أَشْيَاء الذِّكْر وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة , فَكَأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهَا بِعُقْدَةٍ عَقَدَهَا عَلَى رَأْسه وَكَأَنَّ تَخْصِيص الْقَفَا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَحَلّ الْوَهْم وَمَجَال تَصَرُّفه وَهُوَ أَطَوْع الْقُوَى لِلشَّيْطَانِ وَأَسْرَعهَا إِجَابَة لِدَعْوَتِهِ. وَفِي كَلَامِ الشَّيْخ الْمَلَوِيّ أَنَّ الْعَقْد يَقَع عَلَى خِزَانَة الْإِلَهِيَّات مِنْ الْحَافِظَة وَهِيَ الْكَنْز الْمُحَصَّل مِنْ الْقُوَى , وَمِنْهَا يَتَنَاوَل الْقَلْب مَا يُرِيد التَّذَكُّر بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( اِنْحَلَّ عُقَده ) ‏ ‏بِلَفْظِ الْجَمْع بِغَيْرِ اِخْتِلَاف فِي الْبُخَارِيّ , وَوَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاة الْمُوَطَّأ بِالْإِفْرَادِ , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة أَحْمَد الْمُشَار إِلَيْهَا قِيلَ فَإِنَّ فِيهَا \" فَإِنْ ذَكَرَ اللَّه اِنْحَلَّتْ عُقْدَة وَاحِدَة , وَإِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ أُطْلِقَتْ الثَّانِيَة , فَإِنْ صَلَّى أُطْلِقَتْ الثَّالِثَة \" وَكَأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْغَالِب وَهُوَ مَنْ يَنَام مُضْطَجِعًا فَيَحْتَاج إِلَى الْوُضُوء إِذَا اِنْتَبَهَ فَيَكُونُ لِكُلِّ فِعْل عُقْدَة يَحِلّهَا , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل مَا سَيَأْتِي فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظِ \" عُقَده كُلّهَا \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة اِبْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد \" اِنْحَلَّتْ الْعُقَد \" وَظَاهِره أَنَّ الْعُقَد تَنْحَلّ كُلّهَا بِالصَّلَاةِ خَاصَّة , وَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الطَّهَارَة كَمَنْ نَامَ مُتَمَكِّنًا مَثَلًا ثُمَّ اِنْتَبَهَ فَصَلَّى مِنْ قَبْل أَنْ يَذْكُر أَوْ يَتَطَهَّر , فَإِنَّ الصَّلَاة تُجْزِئهُ فِي حَلّ الْعُقَد كُلّهَا لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِم الطَّهَارَة وَتَتَضَمَّن الذِّكْر , وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْله \" فَإِذَا صَلَّى اِنْحَلَّتْ عُقَده كُلّهَا \" إِنْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ مَنْ لَا يَحْتَاج إِلَى الْوُضُوء فَظَاهِر عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ , وَإِنْ كَانَ مَنْ يَحْتَاج إِلَيْهِ فَالْمَعْنَى اِنْحَلَّتْ بِكُلِّ عُقْدَة أَوْ اِنْحَلَّتْ عُقَده كُلّهَا بِانْحِلَالِ الْأَخِيرَة الَّتِي بِهَا يَتِمّ اِنْحِلَال الْعُقَد , وَفِي رِوَايَة أَحْمَد الْمَذْكُورَة قَبْل \" فَإِنْ قَامَ فَذَكَرَ اللَّه اِنْحَلَّتْ وَاحِدَة , فَإِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ أُطْلِقَتْ الثَّانِيَة , فَإِنْ صَلَّى أُطْلِقَتْ الثَّالِثَة \" وَهَذَا مَحْمُول عَلَى الْغَالِب وَهُوَ مَنْ يَنَام مُضْطَجِعًا فَيَحْتَاج إِلَى تَجْدِيد الطَّهَارَة عِنْد اِسْتِيقَاظه فَيَكُونُ لِكُلِّ فِعْل عُقْدَة يَحِلّهَا. ‏ ‏قَوْله : ( طَيِّب النَّفْس ) ‏ ‏أَيْ لِسُرُورِهِ بِمَا وَفَّقَهُ اللَّه لَهُ مِنْ الطَّاعَة , وَبِمَا وَعَدَهُ مِنْ الثَّوَاب , وَبِمَا زَالَ عَنْهُ مِنْ عُقَد الشَّيْطَان. كَذَا قِيلَ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ فِي صَلَاة اللَّيْل سِرًّا فِي طِيب النَّفْس وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِر الْمُصَلِّي شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ , وَكَذَا عَكْسه , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّ نَاشِئَة اللَّيْل هِيَ أَشَدّ وَطْئًا وَأَقْوَم قِيلَا ) وَقَدْ اِسْتَنْبَطَ بَعْضهمْ مِنْهُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّة ثُمَّ عَادَ إِلَى النَّوْم لَا يَعُود إِلَيْهِ الشَّيْطَان بِالْعُقَدِ الْمَذْكُور ثَانِيًا , وَاسْتَثْنَى بَعْضهمْ - مِمَّنْ يَقُوم وَيَذْكُر وَيَتَوَضَّأ وَيُصَلِّي - مَنْ لَمْ يَنْهَهُ ذَلِكَ عَنْ الْفَحْشَاء بَلْ يَفْعَل ذَلِكَ مِنْ غَيْر أَنْ يُقْلِع , وَاَلَّذِي يَظْهَر فِيهِ التَّفْصِيل بَيْن مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ مَعَ النَّدَم وَالتَّوْبَة وَالْعَزْم عَلَى الْإِقْلَاع وَبَيْن الْمُصِرّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيث النَّفْس ) ‏ ‏أَيْ بِتَرْكِهِ مَا كَانَ اِعْتَادَهُ أَوْ أَرَادَهُ مِنْ فِعْل الْخَيْر , كَذَا قِيلَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ. ‏ ‏وَقَوْله : ( كَسْلَان ) ‏ ‏غَيْر مَصْرُوف لِلْوَصْفِ وَلِزِيَادَةِ الْأَلِف وَالنُّون , وَمُقْتَضَى قَوْله \" وَإِلَّا أَصْبَحَ \" أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَجْمَع الْأُمُور الثَّلَاثَة دَخَلَ تَحْت مَنْ يُصْبِح خَبِيثًا كَسْلَان , وَإِنْ أَتَى بِبَعْضِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ , لَكِنْ يَخْتَلِف ذَلِكَ بِالْقُوَّةِ وَالْخِفَّة , فَمَنْ ذَكَرَ اللَّه مَثَلًا كَانَ فِي ذَلِكَ أَخَفّ مِمَّنْ لَمْ يَذْكُر أَصْلًا. وَرَوَيْنَا فِي الْجُزْء الثَّالِث مِنْ الْأَوَّل مِنْ حَدِيث الْمُخْلِص فِي حِدِّيث أَبِي سَعِيد الَّذِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ \" فَإِنْ قَامَ فَصَلَّى اِنْحَلَّتْ الْعُقَد كُلّهنَّ , وَإِنْ اِسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَتَوَضَّأ وَلَمْ يُصَلِّ أَصْبَحَتْ الْعُقَد كُلّهَا كَهَيْئَتِهَا \" وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هَذَا الذَّمّ يَخْتَصّ بِمَنْ لَمْ يَقُمْ إِلَى صَلَاته وَضَيَّعَهَا , أَمَّا مَنْ كَانَتْ عَادَته الْقِيَام إِلَى الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة أَوْ إِلَى النَّافِلَة بِاللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنه فَنَامَ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ اللَّه يَكْتُب لَهُ أَجْر صَلَاته وَنَوْمه عَلَيْهِ صَدَقَة. وَقَالَ أَيْضًا : زَعَمَ قَوْم أَنَّ هَذَا الْحَدِيث يُعَارِض قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا يَقُولَنَّ أَحَدكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي \" وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ النَّهْي إِنَّمَا وَرَدَ عَنْ إِضَافَة الْمَرْء ذَلِكَ إِلَى نَفْسه كَرَاهَة لِتِلْكَ الْكَلِمَة , وَهَذَا الْحَدِيث وَقَعَ ذَمًّا لِفِعْلِهِ , وَلِكُلٍّ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ وَجْه , وَقَالَ الْبَاجِيّ : لَيْسَ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ اِخْتِلَاف , لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ إِضَافَة ذَلِكَ إِلَى النَّفْس - لِكَوْنِ الْخُبْث بِمَعْنَى فَسَادِ الدِّين - وَوَصْف بَعْض الْأَفْعَال بِذَلِكَ تَحْذِيرًا مِنْهَا وَتَنْفِيرًا. قُلْت : تَقْرِير الْإِشْكَال أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ إِضَافَة ذَلِكَ إِلَى النَّفْس فَكُلّ مَا نُهِيَ الْمُؤْمِن أَنْ يُضِيفهُ إِلَى نَفْسه نُهِيَ أَنْ يُضِيفهُ إِلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِن , وَقَدْ وَصَفَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْمَرْء بِهَذِهِ الصِّفَة فَيَلْزَم جَوَاز وَصْفنَا لَهُ بِذَلِكَ لِمَحَلِّ التَّأَسِّي , وَيَحْصُل الِانْفِصَال فِيمَا يَظْهَر بِأَنَّ النَّهْي مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَامِل عَلَى الْوَصْف بِذَلِكَ كَالتَّنْفِيرِ وَالتَّحْذِير. ‏ ‏( تَنْبِيهَات ) : ‏ ‏الْأَوَّل ذِكْر اللَّيْل فِي قَوْله \" عَلَيْك لَيْل \" ظَاهِره اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِنَوْمِ اللَّيْل , وَهُوَ كَذَلِكَ , لَكِنْ لَا يَبْعُد أَنْ يَجِيء مِثْله فِي نَوْم النَّهَار كَالنَّوْمِ حَالَة الْإِبْرَاد مَثَلًا وَلَا سِيَّمَا عَلَى تَفْسِير الْبُخَارِيّ مِنْ أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة. ثَانِيهَا , اِدَّعَى اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَوْمَأَ هُنَا إِلَى وُجُوب صَلَاة اللَّيْل لِقَوْلِهِ \" يَعْقِد الشَّيْطَان \" وَفِيهِ نَظَر , فَقَدْ صَرَّحَ الْبُخَارِيّ فِي خَامِس تَرْجَمَة مِنْ أَبْوَاب التَّهَجُّد بِخِلَافِهِ حَيْثُ قَالَ \" مِنْ غَيْر إِيجَاب \" وَأَيْضًا فَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره مِنْ أَنَّهُ حَمْل الصَّلَاة هُنَا عَلَى الْمَكْتُوبَة يَدْفَع مَا قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ أَيْضًا , وَلَمْ أَرَ النَّقْل فِي الْقَوْل بِإِيجَابِهِ إِلَّا عَنْ بَعْض التَّابِعِينَ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : شَذَّ بَعْض التَّابِعِينَ فَأَوْجَبَ قِيَام اللَّيْل وَلَوْ قَدْر حَلْب شَاة , وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَة الْعُلَمَاء أَنَّهُ مَنْدُوب إِلَيْهِ , وَنَقَلَهُ غَيْره عَنْ الْحَسَن وَابْن سِيرِينَ , وَاَلَّذِي وَجَدْنَاهُ عَنْ الْحَسَن مَا أَخْرَجَهُ مُحَمَّد بْن نَصْر وَغَيْره عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : مَا تَقُول فِي رَجُل اِسْتَظْهَرَ الْقُرْآن كُلّه لَا يَقُوم بِهِ إِنَّمَا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَة ؟ فَقَالَ : أَمَّنَ اللَّه هَذَا , إِنَّمَا يَتَوَسَّد الْقُرْآن. فَقِيلَ لَهُ : قَالَ اللَّه تَعَالَى ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) قَالَ : نَعَمْ , وَلَوْ قَدْر خَمْسِينَ آيَة. وَكَانَ هَذَا هُوَ مُسْتَنَد مَنْ نَقَلَ عَنْ الْحَسَن الْوُجُوب. وَنَقَلَ التِّرْمِذِيّ عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا قِيَام اللَّيْل عَلَى أَصْحَاب الْقُرْآن , وَهَذَا يُخَصِّص مَا نُقِلَ عَنْ الْحَسَن , وَهُوَ أَقْرَب , وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِالْوُجُوبِ أَيْضًا. ثَالِثهَا : وَقَدْ يُظَنّ أَنَّ بَيْن هَذَا الْحَدِيث وَالْحَدِيث الْآتِي فِي الْوَكَالَة مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي فِيهِ \" أَنَّ قَارِئ آيَة الْكُرْسِيّ عِنْد نَوْمه لَا يَقْرَبهُ الشَّيْطَان \" مُعَارَضَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , لِأَنَّ الْعَقْد إِنَّمَا حُمِلَ عَلَى الْأَمْر الْمَعْنَوِيّ وَالْقُرْب عَلَى الْأَمْر الْحِسِّيّ وَكَذَا الْعَكْس فَلَا إِشْكَال , إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ سِحْره إِيَّاهُ مَثَلًا أَنْ يَمَاسَّهُ , كَمَا لَا يَلْزَم مِنْ مُمَاسَّته أَنْ يَقْرَبهُ بِسَرِقَةٍ أَوْ أَذًى فِي جَسَده وَنَحْو ذَلِكَ. وَإِنْ حُمِلَا عَلَى الْمَعْنَوِيَّيْنِ أَوْ الْعَكْس فَيُجَاب بِادِّعَاءِ الْخُصُوص فِي عُمُوم أَحَدهمَا. وَالْأَقْرَب أَنَّ الْمَخْصُوص حَدِيث الْبَاب كَمَا تَقَدَّمَ تَخْصِيصه عَنْ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْقِيَام , فَكَذَا يُمْكِن أَنْ يُقَال يَخْتَصّ بِمَنْ لَمْ يَقْرَأ آيَة الْكُرْسِيّ لِطَرْدِ الشَّيْطَان وَاَللَّه أَعْلَم. رَابِعهَا : ذَكَرَ شَيْخنَا الْحَافِظ أَبُو الْفَضْل بْن الْحُسَيْن فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" أَنَّ السِّرّ فِي اِسْتِفْتَاح صَلَاة اللَّيْل بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ الْمُبَادَرَة إِلَى حَلّ عُقَد الشَّيْطَان , وَبَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْحَلّ لَا يَتِمّ إِلَّا بِتَمَامِ الصَّلَاة , وَهُوَ وَاضِح , لِأَنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي صَلَاة ثُمَّ أَفْسَدَهَا لَمْ يُسَاوِ مَنْ أَتَمَّهَا , وَكَذَا الْوُضُوء. وَكَأَنَّ الشُّرُوع فِي حَلّ الْعُقَد يَحْصُل بِالشُّرُوعِ فِي الْعِبَادَة وَيَنْتَهِي بِانْتِهَائِهَا. وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْر بِصَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَانْدَفَعَ إِيرَاد مَنْ أَوْرَدَ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ إِنَّمَا وَرَدَتَا مِنْ فِعْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث عَائِشَة , وَهُوَ مُنَزَّه عَنْ عُقَد الشَّيْطَان , حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَرِد الْأَمْر بِذَلِكَ لَأَمْكَنَ أَنْ يُقَال : يُحْمَل فِعْله ذَلِكَ عَلَى تَعْلِيم أُمَّته وَإِرْشَادهمْ إِلَى مَا يَحْفَظهُمْ مِنْ الشَّيْطَان. وَقَدْ وَقَعَ عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي آخِر الْحَدِيث \" فَحُلُّوا عُقَد الشَّيْطَان وَلَوْ بِرَكْعَتَيْنِ \" خَامِسهَا : إِنَّمَا خَصَّ الْوُضُوء بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الْغَالِب , وَإِلَّا فَالْجُنُب لَا يَحُلّ عُقْدَته إِلَّا الِاغْتِسَال , وَهَلْ يَقُوم التَّيَمُّم مَقَام الْوُضُوء أَوْ الْغُسْل لِمَنْ سَاغَ لَهُ ذَلِكَ ؟ مَحَلّ بَحْث. وَاَلَّذِي يَظْهَر إِجْزَاؤُهُ , وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي مُعَانَاة الْوُضُوء عَوْنًا كَبِيرًا عَلَى طَرْد النَّوْم لَا يَظْهَر مِثْله فِي التَّيَمُّم. سَادِسهَا : لَا يَتَعَيَّن لِلذِّكْرِ شَيْء مَخْصُوص لَا يُجْزِئ غَيْره , بَلْ كُلّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ ذِكْر اللَّه أَجْزَأَ , وَيَدْخُل فِي تِلَاوَة الْقُرْآن وَقِرَاءَة الْحَدِيث النَّبَوِيّ وَالِاشْتِغَال بِالْعِلْمِ الشَّرْعِيّ , وَأَوْلَى مَا يُذْكَر بِهِ مَا سَيَأْتِي بَعْد ثَمَانِيَة أَبْوَاب فِي \" بَاب فَضْل مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْل \" وَيُؤَيِّدهُ مَا عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ الطَّرِيق الْمَذْكُورَة \" فَإِنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْل فَذَكَرَ اللَّه \". ‏"
    },
    {
        "id": "1075",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الرُّؤْيَا قَالَ ‏ ‏أَمَّا الَّذِي ‏ ‏يُثْلَغُ ‏ ‏رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ وَيَنَامُ عَنْ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَوْف ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْرَابِيّ ‏ ‏( وَأَبُو رَجَاء ) ‏ ‏هُوَ الْعُطَارِدِيّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَسَيَأْتِي حَدِيث سَمُرَة مُطَوَّلًا فِي أَوَاخِر كِتَاب الْجَنَائِز. وَقَوْله هُنَا ‏ ‏( عَنْ الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة ) ‏ ‏الظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِهَا الْعِشَاء الْآخِرَة وَهُوَ اللَّائِق بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مُنَاسَبَة الْحَدِيث الَّذِي قَبْله. ‏ ‏وَقَوْله : ( يَثْلَغ ) ‏ ‏مُثَلَّثَة سَاكِنَة وَلَام مَفْتُوحَة بَعْدهَا مُعْجَمَة أَيْ يَشُقّ أَوْ يَخْدِش. ‏ ‏وَقَوْله : ( فَيَرْفِضهُ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء وَضَمّهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1076",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلٌ فَقِيلَ مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ ‏ ‏بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ذُكِرَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه لَكِنْ أَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد النَّخَعِيِّ عَنْ اِبْن مَسْعُود مَا يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ هُوَ , وَلَفْظه بَعْد سِيَاق الْحَدِيث بِنَحْوِهِ \" وَأَيْم اللَّه لَقَدْ بَالَ فِي أُذُن صَاحِبكُمْ لَيْلَة \" يَعْنِي نَفْسه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير عَنْ مَنْصُور فِي بَدْء الْخَلْق \" رَجُل نَامَ لَيْلَة حَتَّى أَصْبَحَ \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاة ) ‏ ‏لِمُرَادِ الْجِنْس , وَيُحْتَمَل الْعَهْد , وَيُرَاد بِهِ صَلَاة اللَّيْل أَوْ الْمَكْتُوبَة. وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة سُفْيَان هَذَا عِنْدنَا \" نَامَ عَنْ الْفَرِيضَة \" أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه. وَبِهَذَا يَتَبَيَّن مُنَاسَبَة الْحَدِيث لِمَا قَبْله. وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الَّذِي قَدَّمْت ذِكْره مِنْ فَوَائِد الْمُخْلِص \" أَصْبَحَتْ الْعُقَد كُلّهَا كَهَيْئَتِهَا وَبَالَ الشَّيْطَان فِي أُذُنه \" فَيُسْتَفَاد مِنْهُ وَقْت بَوْل الشَّيْطَان , وَمُنَاسَبَة هَذَا الْحَدِيث لِلَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله : ( فِي أُذُنه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" فِي أُذُنَيْهِ \" بِالتَّثْنِيَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي بَوْل الشَّيْطَان , فَقِيلَ هُوَ عَلَى حَقِيقَته. قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره لَا مَانِع مِنْ ذَلِكَ إِذْ لَا إِحَالَة فِيهِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الشَّيْطَان يَأْكُل وَيَشْرَب وَيَنْكِح فَلَا مَانِع مِنْ أَنْ يَبُول. وَقِيلَ هُوَ كِنَايَة عَنْ سَدّ الشَّيْطَان أُذُن الَّذِي يَنَام عَنْ الصَّلَاة حَتَّى لَا يَسْمَع الذِّكْر. وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْطَان مَلَأَ سَمْعه بِالْأَبَاطِيلِ فَحَجَبَ سَمْعه عَنْ الذِّكْر. وَقِيلَ هُوَ كِنَايَة عَنْ اِزْدِرَاء الشَّيْطَان بِهِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْطَان اِسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَاسْتَخَفَّ بِهِ حَتَّى اِتَّخَذَهُ كَالْكَنِيفِ الْمُعَدّ لِلْبَوْلِ , إِذْ مِنْ عَادَة الْمُسْتَخِفّ بِالشَّيْءِ أَنْ يَبُول عَلَيْهِ. وَقِيلَ هُوَ مَثَل مَضْرُوب لِلْغَافِلِ عَنْ الْقِيَام بِثِقَلِ النَّوْم كَمَنْ وَقَعَ الْبَوْل فِي أُذُنه فَثَقَّلَ أُذُنه وَأَفْسَدَ حِسّه , وَالْعَرَب تُكَنِّي عَنْ الْفَسَاد بِالْبَوْلِ قَالَ الرَّاجِز : بَالَ سُهَيْل فِي الْفَضِيخ فَفَسَد. وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ طُلُوعه لِأَنَّهُ وَقْت إِفْسَاد الْفَضِيخ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْبَوْلِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْحَدِيث عِنْد أَحْمَد \" قَالَ الْحَسَن إِنَّ بَوْله وَاَللَّه لَثَقِيل \" وَرَوَى مُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ طَرِيق قَيْس بْن أَبِي حَازِم عَنْ اِبْن مَسْعُود \" حَسْب الرَّجُل مِنْ الْخَيْبَة وَالشَّرّ أَنْ يَنَام حَتَّى يُصْبِح وَقَدْ بَالَ الشَّيْطَان فِي أُذُنه \" وَهُوَ مَوْقُوف صَحِيح الْإِسْنَاد. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : خَصَّ الْأُذُن بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْن أَنْسَب بِالنَّوْمِ إِشَارَة إِلَى ثِقَل النَّوْم , فَإِنَّ الْمَسَامِع هِيَ مَوَارِد الِانْتِبَاه. وَخَصَّ الْبَوْل لِأَنَّهُ أَسْهَل مَدْخَلًا فِي التَّجَاوِيف وَأَسْرَع نُفُوذًا فِي الْعُرُوق فَيُورِث الْكَسَل فِي جَمِيع الْأَعْضَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "1077",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ ‏ ‏مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَلَمَة وَأَبِي عَبْد اللَّه الْأَغَرّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ \" أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن وَأَبُو عَبْد اللَّه الْأَغَرّ صَاحِب أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَخْبَرَهُمَا \". ‏ ‏قَوْله : ( يَنْزِل رَبّنَا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَثْبَتَ الْجِهَة وَقَالَ : هِيَ جِهَة الْعُلُوّ , وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْجُمْهُور لِأَنَّ الْقَوْل بِذَلِكَ يُفْضِي إِلَى التَّحَيُّز تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى النُّزُول عَلَى أَقْوَال : فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِره وَحَقِيقَته وَهُمْ الْمُشَبِّهَة تَعَالَى اللَّه عَنْ قَوْلهمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ صِحَّة الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ جُمْلَة وَهُمْ الْخَوَارِج وَالْمُعْتَزِلَة وَهُوَ مُكَابَرَة , وَالْعَجَب أَنَّهُمْ أَوَّلُوا مَا فِي الْقُرْآن مِنْ نَحْو ذَلِكَ وَأَنْكَرُوا مَا فِي الْحَدِيث إِمَّا جَهْلًا وَإِمَّا عِنَادًا , وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهُ عَلَى مَا وَرَدَ مُؤْمِنًا بِهِ عَلَى طَرِيق الْإِجْمَال مُنَزِّهًا اللَّه تَعَالَى عَنْ الْكَيْفِيَّة وَالتَّشْبِيه وَهُمْ جُمْهُور السَّلَف , وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْره عَنْ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَالسُّفْيَانَيْنِ وَالْحَمَّادَيْنِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْث وَغَيْرهمْ , وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّله عَلَى وَجْه يَلِيق مُسْتَعْمَل فِي كَلَام الْعَرَب , وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْرَطَ فِي التَّأْوِيل حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُج إِلَى نَوْع مِنْ التَّحْرِيف , وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْن مَا يَكُون تَأْوِيله قَرِيبًا مُسْتَعْمَلًا فِي كَلَام الْعَرَب وَبَيْن مَا يَكُون بَعِيدًا مَهْجُورًا فَأَوَّل فِي بَعْض وَفَوَّضَ فِي بَعْض , وَهُوَ مَنْقُول عَنْ مَالِك وَجَزَمَ بِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ اِبْن دَقِيق الْعِيد , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَأَسْلَمَهَا الْإِيمَان بِلَا كَيْف وَالسُّكُوت عَنْ الْمُرَاد إِلَّا أَنْ يَرِد ذَلِكَ عَنْ الصَّادِق فَيُصَار إِلَيْهِ , وَمِنْ الدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ اِتِّفَاقهمْ عَلَى أَنَّ التَّأْوِيل الْمُعَيَّن غَيْر وَاجِب فَحِينَئِذٍ التَّفْوِيض أَسْلَم. وَسَيَأْتِي مَزِيد بَسْط فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : حُكِيَ عَنْ الْمُبْتَدِعَة رَدّ هَذِهِ الْأَحَادِيث , وَعَنْ السَّلَف إِمْرَارهَا , وَعَنْ قَوْم تَأْوِيلهَا وَبِهِ أَقُول. فَأَمَّا قَوْله يَنْزِل فَهُوَ رَاجِع إِلَى أَفْعَاله لَا إِلَى ذَاته , بَلْ ذَلِكَ عِبَارَة عَنْ مُلْكه الَّذِي يَنْزِل بِأَمْرِهِ وَنَهْيه , وَالنُّزُول كَمَا يَكُون فِي الْأَجْسَام يَكُون فِي الْمَعَانِي , فَإِنْ حَمَلْته فِي الْحَدِيث عَلَى الْحِسِّيّ فَتِلْكَ صِفَة الْمَلَك الْمَبْعُوث بِذَلِكَ , وَإِنْ حَمَلْته عَلَى الْمَعْنَوِيّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَل ثُمَّ فَعَلَ فَيُسَمَّى ذَلِكَ نُزُولًا عَنْ مَرْتَبَة إِلَى مَرْتَبَة , فَهِيَ عَرَبِيَّة صَحِيحَة اِنْتَهَى. وَالْحَاصِل أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ بِوَجْهَيْنِ : إِمَّا بِأَنَّ الْمَعْنَى يَنْزِل أَمْره أَوْ الْمَلَك بِأَمْرِهِ , وَإِمَّا بِأَنَّهُ اِسْتِعَارَة بِمَعْنَى التَّلَطُّف بِالدَّاعِينَ وَالْإِجَابَة لَهُمْ وَنَحْوه. وَقَدْ حَكَى أَبُو بَكْر بْن فَوْرك أَنَّ بَعْض الْمَشَايِخ ضَبَطَهُ بِضَمِّ أَوَّله عَلَى حَذْف الْمَفْعُول أَيْ يُنْزِل مَلَكًا , وَيُقَوِّيه مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق الْأَغَرّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعِيد بِلَفْظِ \" إِنَّ اللَّه يُمْهِل حَتَّى يَمْضِي شَطْر اللَّيْل , ثُمَّ يَأْمُر مُنَادِيًا يَقُول : هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَاب لَهُ \" الْحَدِيث. وَفِي حَدِيث عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاصِ \" يُنَادِي مُنَادٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَاب لَهُ \" الْحَدِيث. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَبِهَذَا يَرْتَفِع الْإِشْكَال , وَلَا يُعَكِّر عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَة رِفَاعَة الْجُهَنِيّ \" يَنْزِل اللَّه إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول : لَا أَسْأَل عَنْ عِبَادِي غَيْرِي \" لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدْفَع التَّأْوِيل الْمَذْكُور. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : وَلَمَّا ثَبَتَ بِالْقَوَاطِعِ أَنَّهُ سُبْحَانه مُنَزَّه عَنْ الْجِسْمِيَّة وَالتَّحَيُّز اِمْتَنَعَ عَلَيْهِ النُّزُول عَلَى مَعْنَى الِانْتِقَال مِنْ مَوْضِع إِلَى مَوْضِع أَخْفَض مِنْهُ , فَالْمُرَاد نُور رَحْمَته , أَيْ يَنْتَقِل مِنْ مُقْتَضَى صِفَة الْجَلَال الَّتِي تَقْتَضِي الْغَضَب وَالِانْتِقَام إِلَى مُقْتَضَى صِفَة الْإِكْرَام الَّتِي تَقْتَضِي الرَّأْفَة وَالرَّحْمَة. ‏ ‏قَوْله : ( حِين يَبْقَى ثُلُث اللَّيْل الْآخِر ) ‏ ‏بِرَفْعِ الْآخِر لِأَنَّهُ صِفَة الثُّلُث , وَلَمْ تَخْتَلِف الرِّوَايَات عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي تَعْيِين الْوَقْت , وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَات عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْره , قَالَ التِّرْمِذِيّ : رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة أَصَحّ الرِّوَايَات فِي ذَلِكَ , وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَات الْمُخَالِفَة اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى رُوَاتهَا , وَسَلَكَ بَعْضهمْ طَرِيق الْجَمْع وَذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَات اِنْحَصَرَتْ فِي سِتَّة أَشْيَاء : أَوَّلهَا هَذِهِ , ثَانِيهَا إِذَا مَضَى الثُّلُث الْأَوَّل , ثَالِثهَا الثُّلُث الْأَوَّل أَوْ النِّصْف , رَابِعهَا النِّصْف , خَامِسهَا النِّصْف أَوْ الثُّلُث الْأَخِير , سَادِسهَا الْإِطْلَاق. فَأَمَّا الرِّوَايَات الْمُطْلَقَة فَهِيَ مَحْمُولَة عَلَى الْمُقَيَّدَة , وَأَمَّا الَّتِي بِأَوْ فَإِنْ كَانَتْ أَوْ لِلشَّكِّ فَالْمَجْزُوم بِهِ مُقَدَّم عَلَى الْمَشْكُوك فِيهِ , وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّرَدُّدِ بَيْن حَالَيْنِ فَيُجْمَع بِذَلِكَ بَيْن الرِّوَايَات بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَع بِحَسَبِ اِخْتِلَاف الْأَحْوَال لِكَوْنِ أَوْقَات اللَّيْل تَخْتَلِف فِي الزَّمَان وَفِي الْآفَاق بِاخْتِلَافِ تَقَدُّم دُخُول اللَّيْل عِنْد قَوْم وَتَأَخُّره عِنْد قَوْم. وَقَالَ بَعْضهمْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون النُّزُول يَقَع فِي الثُّلُث الْأَوَّل وَالْقَوْل يَقَع فِي النِّصْف وَفِي الثُّلُث الثَّانِي , وَقِيلَ يُحْمَل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَقَع فِي جَمِيع الْأَوْقَات الَّتِي وَرَدَتْ بِهَا الْأَخْبَار , وَيُحْمَل عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُعْلِمَ بِأَحَدِ الْأُمُور فِي وَقْت فَأَخْبَرَ بِهِ , ثُمَّ أُعْلِمَ بِهِ فِي وَقْت آخَر فَأَخْبَرَ بِهِ , فَنَقَلَ الصَّحَابَة ذَلِكَ عَنْهُ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ يَدْعُونِي إِلَخْ ) ‏ ‏لَمْ تَخْتَلِف الرِّوَايَات عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي الِاقْتِصَار عَلَى الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة وَهِيَ الدُّعَاء وَالسُّؤَال وَالِاسْتِغْفَار , وَالْفَرْق بَيْن الثَّلَاثَة أَنَّ الْمَطْلُوب إِمَّا لِدَفْعِ الْمَضَارّ أَوْ جَلْب الْمَسَارّ , وَذَلِكَ إِمَّا دِينِيّ وَإِمَّا دُنْيَوِيّ , فَفِي الِاسْتِغْفَار إِشَارَة إِلَى الْأَوَّل , وَالسُّؤَال إِشَارَة إِلَى الثَّانِي , وَفِي الدُّعَاء إِشَارَة إِلَى الثَّالِث. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يُحْتَمَل أَنْ يُقَال الدُّعَاء مَا لَا طَلَب فِيهِ نَحْو يَا اللَّه , وَالسُّؤَال الطَّلَب , وَأَنْ يُقَال الْمَقْصُود وَاحِد وَإِنْ اِخْتَلَفَ اللَّفْظ اِنْتَهَى. وَزَادَ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" هَلْ مِنْ تَائِب فَأَتُوب عَلَيْهِ \" وَزَادَ أَبُو جَعْفَر عَنْهُ \" مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَرْزِقنِي فَأَرْزُقهُ , مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِف الضُّرّ فَأَكْشِف عَنْهُ \" وَزَادَ عَطَاء مَوْلَى أُمّ صُبْيَة عَنْهُ \" أَلَا سَقِيم يَسْتَشْفِي فَيُشْفَى \" وَمَعَانِيهَا دَاخِلَة فِيمَا تَقَدَّمَ. وَزَادَ سَعِيد بْن مُرْجَانَة عَنْهُ \" مَنْ يُقْرِض غَيْر عَدِيم وَلَا ظَلُوم \" وَفِيهِ تَحْرِيض عَلَى عَمَل الطَّاعَة , وَإِشَارَة إِلَى جَزِيل الثَّوَاب عَلَيْهَا. وَزَادَ حَجَّاج بْن أَبِي مَنِيع عَنْ جَدّه عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ فِي آخِر الْحَدِيث \" حَتَّى الْفَجْر \" وَفِي رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة عِنْد مُسْلِم \" حَتَّى يَنْفَجِر الْفَجْر \" وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة \" حَتَّى يَطْلُع الْفَجْر \" وَكَذَا اِتَّفَقَ مُعْظَم الرُّوَاة عَلَى ذَلِكَ , إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَة نَافِع بْن جُبَيْر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد النَّسَائِيِّ \" حَتَّى تَرْحَل الشَّمْس \" وَهِيَ شَاذَّة. وَزَادَ يُونُس فِي رِوَايَته عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي آخِره أَيْضًا \" وَلِذَلِكَ كَانُوا يُفَضِّلُونَ صَلَاة آخِر اللَّيْل عَلَى أَوَّله \" أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا. وَلَهُ مِنْ رِوَايَة اِبْن سَمْعَان عَنْ الزُّهْرِيِّ مَا يُشِير إِلَى أَنَّ قَائِل ذَلِكَ هُوَ الزُّهْرِيُّ. وَبِهَذِهِ الزِّيَادَة تَظْهَر مُنَاسَبَة ذِكْر الصَّلَاة فِي التَّرْجَمَة وَمُنَاسَبَة التَّرْجَمَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ لِهَذِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَسْتَجِيب ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَاب الِاسْتِفْهَام وَبِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَاف , وَكَذَا قَوْله ‏ ‏( فَأُعْطِيه , وَأَغْفِر لَهُ ) ‏ ‏وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا فِي قَوْله تَعَالَى ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِض اللَّه قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفهُ لَهُ ) الْآيَة. وَلَيْسَتْ السِّين فِي قَوْله تَعَالَى \" فَأَسْتَجِيب \" لِلطَّلَبِ بَلْ أَسْتَجِيب بِمَعْنَى أُجِيب , وَفِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد تَفْضِيل صَلَاة آخِر اللَّيْل عَلَى أَوَّله , وَتَفْضِيل تَأْخِير الْوِتْر لَكِنْ ذَلِكَ فِي حَقّ مَنْ طَمِعَ أَنْ يَنْتَبِه , وَأَنَّ آخِر اللَّيْل أَفْضَل لِلدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَار , وَيَشْهَد لَهُ قَوْله تَعَالَى ( وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ) وَأَنَّ الدُّعَاء فِي ذَلِكَ الْوَقْت مُجَاب , وَلَا يُعْتَرَض عَلَى ذَلِكَ بِتَخَلُّفِهِ عَنْ بَعْض الدَّاعِينَ لِأَنَّ سَبَب التَّخَلُّف وُقُوع الْخَلَل فِي شَرْط مِنْ شُرُوط الدُّعَاء كَالِاحْتِرَازِ فِي الْمَطْعَم وَالْمَشْرَب وَالْمَلْبَس أَوْ لِاسْتِعْجَالِ الدَّاعِي أَوْ بِأَنْ يَكُون الدُّعَاء بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَة رَحِم , أَوْ تَحْصُل الْإِجَابَة وَيَتَأَخَّر وُجُود الْمَطْلُوب لِمَصْلَحَةِ الْعَبْد أَوْ لِأَمْرٍ يُرِيدهُ اللَّه. ‏"
    },
    {
        "id": "1078",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِاللَّيْلِ قَالَتْ كَانَ ‏ ‏يَنَامُ أَوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَثَبَ فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ وَإِلَّا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" قَالَ أَبُو الْوَلِيد \" وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي خَلِيفَة عَنْ أَبِي الْوَلِيد , وَتَبَيَّنَ مِنْ سِيَاقه أَنَّ الْبُخَارِيّ سَاقَ الْحَدِيث عَلَى لَفْظ سُلَيْمَان وَهُوَ اِبْن حَرْب , وَفِي رِوَايَة أَبِي خَلِيفَة \" فَإِذَا كَانَ مِنْ السَّحَر أَوْتَرَ \" وَزَادَ فِيهِ \" فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَة إِلَى أَهْله \" وَقَالَ فِيهِ \" فَإِنْ كَانَ جُنُبًا أَفَاضَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاء وَإِلَّا تَوَضَّأَ \" وَبِمَعْنَاهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق زُهَيْر عَنْ أَبِي إِسْحَاق , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هَذَا الْحَدِيث يَغْلَط فِي مَعْنَاهُ الْأَسْوَد , وَالْأَخْبَار الْجِيَاد فِيهَا \" كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَام وَهُوَ جُنُب تَوَضَّأَ \" قُلْت : لَمْ يُرِد الْإِسْمَاعِيلِيّ بِهَذَا أَنَّ حَدِيث الْبَاب غَلَط. وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى أَنَّ أَبَا إِسْحَاق حَدَّثَ بِهِ عَنْ الْأَسْوَد بِلَفْظٍ آخَر غَلِطَ فِيهِ , وَاَلَّذِي أَنْكَرَهُ الْحُفَّاظ عَلَى أَبِي إِسْحَاق فِي هَذَا الْحَدِيث هُوَ مَا رَوَاهُ الثَّوْرِيّ عَنْهُ بِلَفْظِ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَام وَهُوَ جُنُب مِنْ غَيْر أَنْ يَمَسّ مَاء \" قَالَ التِّرْمِذِيّ : يَرَوْنَ هَذَا غَلَطًا مِنْ أَبِي إِسْحَاق , وَكَذَا قَالَ مُسْلِم فِي التَّمْيِيز , وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَة أَبِي الْحَسَن بْن الْعَبْد عَنْهُ : لَيْسَ بِصَحِيحٍ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ يَزِيد بْن هَارُون أَنَّهُ قَالَ : هُوَ وَهْم. اِنْتَهَى. وَأَظُنّ أَبَا إِسْحَاق اِخْتَصَرَهُ مِنْ حَدِيث الْبَاب هَذَا الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ شُعْبَة وَزُهَيْر , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ قَوْلهَا \" فَإِذَا كَانَ جُنُبًا أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاء \" أَنْ لَا يَكُون تَوَضَّأَ قَبْل أَنْ يَنَام كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَار الْأُخَر فَمِنْ ثَمَّ غَلَّطُوهُ فِي ذَلِكَ , وَيُسْتَفَاد مِنْ الْحَدِيث أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا نَامَ جُنُبًا قَبْل أَنْ يَغْتَسِل وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث عَائِشَة قَرِيبًا. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" فَإِنْ كَانَتْ بِهِ حَاجَة اِغْتَسَلَ \" ‏ ‏يُعَكِّر عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاء \" وَمَا قَالَتْ اِغْتَسَلَ , وَيُجَاب بِأَنَّ بَعْض الرُّوَاة ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى , وَحَافَظَ بَعْضهمْ عَلَى اللَّفْظ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1079",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي رَمَضَانَ فَقَالَتْ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ‏ ‏يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ ‏ ‏يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ ‏ ‏يُصَلِّي ثَلَاثًا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ فَقَالَ يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَلَمَة أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَة : كَيْف كَانَتْ صَلَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي \" بَاب كَيْف كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ \" وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى أَنَّ صَلَاته كَانَتْ مُتَسَاوِيَة فِي جَمِيع السَّنَة , وَفِيهِ كَرَاهَة النَّوْم قَبْل الْوِتْر لِاسْتِفْهَامِ عَائِشَة عَنْ ذَلِكَ كَأَنَّهُ تَقَرَّرَ عِنْدهَا مَنْع ذَلِكَ فَأَجَابَهَا بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ , وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ هَذِهِ الطَّرِيق فِي أَوَاخِر الصِّيَام أَيْضًا , وَنَذْكُر فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مَا بَقِيَ مِنْ فَوَائِده. ‏"
    },
    {
        "id": "1080",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ جَالِسًا حَتَّى إِذَا كَبِرَ قَرَأَ جَالِسًا فَإِذَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ السُّورَةِ ثَلَاثُونَ أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهُنَّ ثُمَّ رَكَعَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى إِذَا كَبِرَ ) ‏ ‏بَيَّنَتْ حَفْصَة أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل مَوْته بِعَامٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ مَعَ كَثِير مِنْ فَوَائِده فِي آخِر بَاب مِنْ أَبْوَاب التَّقْصِير. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ السُّورَة ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعُونَ آيَة قَامَ فَقَرَأَهُنَّ ثُمَّ رَكَعَ ) ‏ ‏فِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ اِشْتَرَطَ عَلَى مَنْ اِفْتَتَحَ النَّافِلَة قَاعِدًا أَنْ يَرْكَع قَاعِدًا , أَوْ قَائِمًا أَنْ يَرْكَع قَائِمًا , وَهُوَ مَحْكِيّ عَنْ أَشْهَب وَبَعْض الْحَنَفِيَّة. وَالْحُجَّة فِيهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِم وَغَيْره مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَقِيق عَنْ عَائِشَة فِي سُؤَاله لَهَا عَنْ صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ \" كَانَ إِذَا قَرَأَ قَائِمًا رَكَعَ قَائِمًا , وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا \" وَهَذَا صَحِيح , وَلَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْهُ مَنْع مَا رَوَاهُ عُرْوَة عَنْهَا , فَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَل كُلًّا مِنْ ذَلِكَ بِحَسَب النَّشَاط وَعَدَمه. وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ أَنْكَرَ هِشَام بْن عُرْوَة عَلَى عَبْد اللَّه بْن شَقِيق هَذِهِ الرِّوَايَة وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ , أَخْرَجَ ذَلِكَ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه ثُمَّ قَالَ : وَلَا مُخَالَفَة عِنْدِي بَيْن الْخَبَرَيْنِ لِأَنَّ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن شَقِيق مَحْمُولَة عَلَى مَا إِذَا قَرَأَ جَمِيع الْقِرَاءَة قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا , وَرِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة مَحْمُولَة عَلَى مَا إِذَا قَرَأَ بَعْضهَا جَالِسًا وَبَعْضهَا قَائِمًا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1081",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَيَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِبِلَالٍ ‏ ‏عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَا ‏ ‏بِلَالُ ‏ ‏حَدِّثْنِي ‏ ‏بِأَرْجَى ‏ ‏عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ قَالَ مَا عَمِلْتُ عَمَلًا ‏ ‏أَرْجَى ‏ ‏عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏دَفَّ نَعْلَيْكَ ‏ ‏يَعْنِي تَحْرِيكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَيَّان ) ‏ ‏هُوَ يَحْيَى بْن سَعِيد التَّيْمِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه. وَأَبُو زُرْعَة هُوَ اِبْن عَمْرو بْن جَرِير بْن عَبْد اللَّه الْبَجْلِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لِبِلَالٍ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن رَبَاح الْمُؤَذِّن , وَقَوْله \" عِنْد صَلَاة الْفَجْر \" فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْمَنَام لِأَنَّ عَادَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُصّ مَا رَآهُ وَيُعَبِّر مَا رَآهُ أَصْحَابه كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب التَّعْبِير بَعْد صَلَاة الْفَجْر. ‏ ‏قَوْله : ( بِأَرْجَى عَمَل ) ‏ ‏بِلَفْظِ أَفْعَل التَّفْضِيل الْمَبْنِيّ مِنْ الْمَفْعُول , وَإِضَافَة الْعَمَل إِلَى الرَّجَاء لِأَنَّهُ السَّبَب الدَّاعِي إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْإِسْلَام ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته \" مَنْفَعَة عِنْدك \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنِّي ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَمِنْ مُقَدَّرَة قَبْلهَا صِلَة لِأَفْعَل التَّفْضِيل , وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَة مُسْلِم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَنْ \" بِنُونٍ خَفِيفَة بَدَل \" أَنِّي \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنِّي سَمِعْت ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" اللَّيْلَة \" وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْمَنَام. ‏ ‏قَوْله : ( دَفَّ نَعْلَيْك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة , وَضَبَطَهَا الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ بِالْإِعْجَامِ وَالْفَاء مُثَقَّلَة , وَقَدْ فَسَّرَهُ الْمُصَنِّف فِي رِوَايَة كَرِيمَة بِالتَّحْرِيكِ , وَقَالَ الْخَلِيل : دَفَّ الطَّائِر إِذَا حَرَّكَ جَنَاحَيْهِ وَهُوَ قَائِم عَلَى رِجْلَيْهِ , وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ : الدَّفّ الْحَرَكَة الْخَفِيفَة وَالسَّيْر اللَّيِّن. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" خَشْف \" بِفَتْحِ الْخَاء وَسُكُون الشِّين الْمُعْجَمَتَيْنِ وَتَخْفِيف الْفَاء , قَالَ أَبُو عُبَيْد وَغَيْره : الْخَشْف الْحَرَكَة الْخَفِيفَة. وَيُؤَيِّدهُ مَا سَيَأْتِي فِي أَوَّل مَنَاقِب عُمَر مِنْ حَدِيث جَابِر \" سَمِعْت خَشْفَة \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث بُرَيْدَةَ عِنْد أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا \" خَشْخَشَة \" بِمُعْجَمَتَيْنِ مُكَرَّرَتَيْنِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْحَرَكَة أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( طَهُورًا ) زَادَ ‏ ‏مُسْلِم تَامًّا , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ لَا مَفْهُوم لَهَا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَخْرُج بِذَلِكَ الْوُضُوء اللُّغَوِيّ , فَقَدْ يَفْعَل ذَلِكَ لِطَرْدِ النَّوْم مَثَلًا. ‏ ‏قَوْله : ( فِي سَاعَة لَيْل أَوْ نَهَار ) ‏ ‏بِتَنْوِينِ سَاعَة وَخَفْض لَيْل عَلَى الْبَدَل , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فِي سَاعَة مِنْ لَيْل أَوْ نَهَار \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا صَلَّيْت ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لِرَبِّي \" ‏ ‏قَوْله : ( مَا كُتِبَ لِي ) ‏ ‏أَيْ قُدِّرَ , وَهُوَ أَعَمّ مِنْ الْفَرِيضَة وَالنَّافِلَة. قَالَ اِبْن التِّين : إِنَّمَا اِعْتَقَدَ بِلَال ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الصَّلَاة أَفْضَل الْأَعْمَال , وَأَنَّ عَمَل السِّرّ أَفْضَل مِنْ عَمَل الْجَهْر , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَنْدَفِع إِيرَاد مَنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ غَيْر مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَعْمَال الصَّالِحَة. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَعْمَالِ الَّتِي سَأَلَهُ عَنْ إِرْجَائِهَا الْأَعْمَال الْمُتَطَوَّع بِهَا , وَإِلَّا فَالْمَفْرُوضَة أَفْضَل قَطْعًا. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي تَوْقِيت الْعِبَادَة , لِأَنَّ بِلَالًا تَوَصَّلَ إِلَى مَا ذَكَرْنَا بِالِاسْتِنْبَاطِ فَصَوَّبَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : فِيهِ الْحَثّ عَلَى الصَّلَاة عَقِب الْوُضُوء لِئَلَّا يَبْقَى الْوُضُوء خَالِيًا عَنْ مَقْصُوده. وَقَالَ الْمُهَلَّب : فِيهِ أَنَّ اللَّه يُعَظِّم الْمُجَازَاة عَلَى مَا يَسَّرَهُ الْعَبْد مِنْ عَمَله. وَفِيهِ سُؤَال الصَّالِحِينَ عَمَّا يَهْدِيهِمْ اللَّه لَهُ مِنْ الْأَعْمَال الصَّالِحَة لِيَقْتَدِيَ بِهَا غَيْرهمْ فِي ذَلِكَ وَفِيهِ أَيْضًا سُؤَال الشَّيْخ عَنْ عَمَل تِلْمِيذه لِيَحُضّهُ عَلَيْهِ وَيُرَغِّبهُ فِيهِ إِنْ كَانَ حَسَنًا , وَإِلَّا فَيَنْهَاهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز هَذِهِ الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة لِعُمُومِ قَوْله \" فِي كُلّ سَاعَة \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَخْذ بِعُمُومِهِ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْأَخْذ بِعُمُومِ النَّهْي وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْفَوْرِيَّة , فَيُحْمَل عَلَى تَأْخِير الصَّلَاة قَلِيلًا لِيَخْرُج وَقْت الْكَرَاهَة , أَوْ أَنَّهُ كَانَ يُؤَخِّر الطُّهُور إِلَى آخِر وَقْت الْكَرَاهَة لِتَقَع صَلَاته فِي غَيْر وَقْت الْكَرَاهَة. لَكِنْ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة \" مَا أَصَابَنِي حَدَث قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْت عِنْدهَا \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيثه \" مَا أَحْدَثْت إِلَّا تَوَضَّأْت وَصَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعْقِب الْحَدَث بِالْوُضُوءِ وَالْوُضُوء بِالصَّلَاةِ فِي أَيّ وَقْت كَانَ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ السَّمَاع الْمَذْكُور وَقَعَ فِي النَّوْم , لِأَنَّ الْجَنَّة لَا يَدْخُلهَا أَحَد إِلَّا بَعْد الْمَوْت. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فِي الْيَقِظَة لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَهَا لَيْلَة الْمِعْرَاج. وَأَمَّا بِلَال فَلَا يَلْزَم مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّهُ دَخَلَهَا لِأَنَّ قَوْله \" فِي الْجَنَّة \" ظَرْف لِلسَّمَاعِ وَيَكُون الدَّفّ بَيْن يَدَيْهِ خَارِجًا عَنْهَا اِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى بُعْد هَذَا الِاحْتِمَال لِأَنَّ السِّيَاق مُشْعِر بِإِثْبَاتِ فَضِيلَة بِلَال لِكَوْنِهِ جَعَلَ السَّبَب الَّذِي بَلَغَهُ إِلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ مُلَازَمَة التَّطَهُّر وَالصَّلَاة , وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ لَهُ الْفَضِيلَة بِأَنْ يَكُون رُئِيَ دَاخِل الْجَنَّة لَا خَارِجًا عَنْهَا. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث بُرَيْدَةَ الْمَذْكُور \" يَا بِلَال بِمَ سَبَقْتنِي إِلَى الْجَنَّة \" وَهَذَا ظَاهِر فِي كَوْنه رَآهُ دَاخِل الْجَنَّة. وَيُؤَيِّد كَوْنه وَقَعَ فِي الْمَنَام مَا سَيَأْتِي فِي أَوَّل مَنَاقِب عُمَر مِنْ حَدِيث جَابِر مَرْفُوعًا \" رَأَيْتنِي دَخَلْت الْجَنَّة فَسَمِعْت خَشْفَة فَقِيلَ هَذَا بِلَال , وَرَأَيْت قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَة فَقِيلَ هَذَا لِعُمَر \" الْحَدِيث , وَبَعْده مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" بَيْنَا أَنَا نَائِم رَأَيْتنِي فِي الْجَنَّة , فَإِذَا اِمْرَأَة تَتَوَضَّأ إِلَى جَانِب قَصْر فَقِيلَ : هَذَا لِعُمَر \" الْحَدِيث , فَعُرِفَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْمَنَام وَثَبَتَتْ الْفَضِيلَة بِذَلِكَ لِبِلَالٍ لِأَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء وَحْي , وَلِذَلِكَ جَزَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِذَلِكَ. وَمَشْيه بَيْن يَدَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ عَادَته فِي الْيَقِظَة فَاتَّفَقَ مِثْله فِي الْمَنَام , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ دُخُول بِلَال الْجَنَّة قَبْلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ فِي مَقَام التَّابِع , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَقَاء بِلَال عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَال حَيَاته وَاسْتِمْرَاره عَلَى قُرْب مَنْزِلَته , وَفِيهِ مَنْقَبَة عَظِيمَة لِبِلَالٍ. وَفِي الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب إِدَامَة الطَّهَارَة وَمُنَاسَبَة الْمُجَازَاة عَلَى ذَلِكَ بِدُخُولِ الْجَنَّة لِأَنَّ مَنْ لَازِم الدَّوَام عَلَى الطَّهَارَة أَنْ يَبِيت الْمَرْء طَاهِرًا وَمَنْ بَاتَ طَاهِرًا عَرَجَتْ رُوحه فَسَجَدَتْ تَحْت الْعَرْش كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَب مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ , وَالْعَرْش سَقْف الْجَنَّة كَمَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَاب. وَزَادَ بُرَيْدَةَ فِي آخِر حَدِيثه \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا \" وَظَاهِره أَنَّ هَذَا الثَّوَاب وَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعَمَل , وَلَا مُعَارَضَة بَيْنه وَبَيْن قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا يُدْخِل أَحَدكُمْ الْجَنَّة عَمَله \" لِأَنَّ أَحَد الْأَجْوِبَة الْمَشْهُورَة بِالْجَمْعِ بَيْنه وَبَيْن قَوْله تَعَالَى ( اُدْخُلُوا الْجَنَّة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أَنَّ أَصْل الدُّخُول إِنَّمَا يَقَع بِرَحْمَةِ اللَّه , وَاقْتِسَام الدَّرَجَات بِحَسَبِ الْأَعْمَال فَيَأْتِي مِثْله فِي هَذَا. وَفِيهِ أَنَّ الْجَنَّة مَوْجُودَة الْآن خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُعْتَزِلَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَوْل الْكَرْمَانِيُّ : لَا يَدْخُل أَحَد الْجَنَّة إِلَّا بَعْد مَوْته , مَعَ قَوْله إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَهَا لَيْلَة الْمِعْرَاج وَكَانَ الْمِعْرَاج فِي الْيَقِظَة عَلَى الصَّحِيح ظَاهِرهمَا التَّنَاقُض , وَيُمْكِن حَمْل النَّفْي إِنْ كَانَ ثَابِتًا عَلَى غَيْر الْأَنْبِيَاء , أَوْ يُخَصّ فِي الدُّنْيَا بِمَنْ خَرَجَ عَنْ عَالَم الدُّنْيَا وَدَخَلَ فِي عَالَم الْمَلَكُوت , وَهُوَ قَرِيب مِمَّا أَجَابَ بِهِ السُّهَيْلِيّ عَنْ اِسْتِعْمَال طَسْت الذَّهَب لَيْلَة الْمِعْرَاج. ‏"
    },
    {
        "id": "1082",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ فَقَالَ ‏ ‏مَا هَذَا الْحَبْلُ قَالُوا هَذَا حَبْلٌ ‏ ‏لِزَيْنَبَ ‏ ‏فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( دَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته \" الْمَسْجِد \". ‏ ‏قَوْله : ( بَيْن السَّارِيَتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ اللَّتَيْنِ فِي جَانِب الْمَسْجِد , وَكَأَنَّهُمَا كَانَتَا مَعْهُودَتَيْنِ لِلْمُخَاطَبِ , لَكِنْ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" بَيْن سَارِيَتَيْنِ \" بِالتَّنْكِيرِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالُوا هَذَا حَبْل لِزَيْنَب ) ‏ ‏جَزَمَ كَثِير مِنْ الشُّرَّاح تَبَعًا لِلْخَطِيبِ فِي مُبْهَمَاته بِأَنَّهَا بِنْت جَحْش أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق صَرِيحًا. وَوَقَعَ فِي شَرْح الشَّيْخ سِرَاج الدِّين بْن الْمُلَقِّن أَنَّ اِبْن أَبِي شَيْبَة رَوَاهُ كَذَلِكَ , لَكِنِّي لَمْ أَرَ فِي مُسْنَده وَمُصَنَّفه زِيَادَة عَلَى قَوْله \" قَالُوا لِزَيْنَب \" أَخْرَجَهُ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ عَبْد الْعَزِيز , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْهُ وَأَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيقه , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْ إِسْمَاعِيل , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ شَيْخَيْنِ لَهُ عَنْ إِسْمَاعِيل فَقَالَ عَنْ أَحَدهمَا \" زَيْنَب \" وَلَمْ يَنْسُبهَا , وَقَالَ عَنْ آخَر \" حَمْنَة بِنْت جَحْش \" فَهَذّه قَرِينَة فِي كَوْن زَيْنَب هِيَ بِنْت جَحْش. وَرَوَى أَحْمَد مِنْ طَرِيق حَمَّاد عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس أَنَّهَا حَمْنَة بِنْت جَحْش أَيْضًا , فَلَعَلَّ نِسْبَة الْحَبْل إِلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِلْك لِإِحْدَاهُمَا وَالْأُخْرَى الْمُتَعَلِّقَة بِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْحَيْض أَنَّ بَنَات جَحْش كَانَتْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ تُدْعَى زَيْنَب فِيمَا قِيلَ , فَعَلَى هَذَا فَالْحَبْل لِحَمْنَة وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا زَيْنَب بِاعْتِبَارِ اِسْمهَا الْآخَر. وَوَقَعَ فِي صَحِيح اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ عَبْد الْعَزِيز \" فَقَالُوا لِمَيْمُونَةَ بِنْت الْحَارِث \" وَهِيَ رِوَايَة شَاذَّة , وَقِيلَ يُحْتَمَل تَعَدُّد الْقِصَّة , وَوَهَمَ مَنْ فَسَّرَهَا بِجُوَيْرِيَة بِنْت الْحَارِث فَإِنَّ لِتِلْكَ قِصَّة أُخْرَى تَقَدَّمَتْ فِي أَوَائِل الْكِتَاب وَاَللَّه أَعْلَم. وَزَادَ مُسْلِم \" فَقَالُوا لِزَيْنَب تُصَلِّي \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا فَتَرَتْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة أَيْ كَسِلَتْ عَنْ الْقِيَام فِي الصَّلَاة , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم بِالشَّكِّ \" فَإِذَا فَتَرَتْ أَوْ كَسِلَتْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا ) ‏ ‏يَحْتَمِل النَّفْي أَيْ لَا يَكُون هَذَا الْحَبْل أَوْ لَا يُحْمَد , وَيَحْتَمِل النَّهْي أَيْ لَا تَفْعَلُوهُ , وَسَقَطَتْ هَذِهِ الْكَلِمَة فِي رِوَايَة مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( نَشَاطه ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون أَيْ مُدَّة نَشَاطه. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَقْعُدْ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَمَرَا بِالْقُعُودِ عَنْ الْقِيَام فَيُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى جَوَاز اِفْتِتَاح الصَّلَاة قَائِمًا وَالْقُعُود فِي أَثْنَائِهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْل الْخِلَاف فِيهِ. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَمْرًا بِالْقُعُودِ عَنْ الصَّلَاة أَيْ بِتَرْكِ مَا كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ التَّنَفُّل , وَيُمْكِن أَنْ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى جَوَاز قَطْع النَّافِلَة بَعْد الدُّخُول فِيهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْوُضُوء مِنْ النَّوْم \" فِي كِتَاب الطَّهَارَة حَدِيث \" إِذَا نَعَسَ أَحَدكُمْ فِي الصَّلَاة فَلْيَنَمْ حَتَّى يَعْلَم مَا يَقْرَأ \" وَهُوَ مِنْ حَدِيث أَنَس أَيْضًا , وَلَعَلَّهُ طَرَف مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة. وَفِيهِ حَدِيث عَائِشَة أَيْضًا \" إِذَا نَعَسَ أَحَدكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَب عَنْهُ النَّوْم \" وَفِيهِ \" لِئَلَّا يَسْتَغْفِر فَيَسُبّ نَفْسه وَهُوَ لَا يَشْعُر \" هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ , وَيَجِيء مِنْ الِاحْتِمَال مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث الْبَاب. وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى الِاقْتِصَاد فِي الْعِبَادَة , وَالنَّهْي عَنْ التَّعَمُّق فِيهَا , وَالْأَمْر بِالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا بِنَشَاطٍ. وَفِيهِ إِزَالَة الْمُنْكَر بِالْيَدِ وَاللِّسَان. وَجَوَاز تَنَفُّل النِّسَاء فِي الْمَسْجِد. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى كَرَاهَة التَّعَلُّق فِي الْحَبْل فِي الصَّلَاة , وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي \" بَاب اِسْتِعَانَة الْيَد فِي الصَّلَاة \" بَعْد الْفَرَاغ مِنْ أَبْوَاب التَّطَوُّع. ‏"
    },
    {
        "id": "1083",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي أَسَدٍ ‏ ‏فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ مَنْ هَذِهِ قُلْتُ ‏ ‏فُلَانَةُ ‏ ‏لَا تَنَامُ بِاللَّيْلِ فَذُكِرَ مِنْ صَلَاتِهَا فَقَالَ ‏ ‏مَهْ ‏ ‏عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنْ الْأَعْمَالِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَةَ ) ‏ ‏يَعْنِي الْقَعْنَبِيّ كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِيّ \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه \" وَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي الْمُوَطَّأ رِوَايَة الْقَعْنَبِيّ , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : تَفَرَّدَ الْقَعْنَبِيّ بِرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ دُون بَقِيَّة رُوَاته فَإِنَّهُمْ اِقْتَصَرُوا مِنْهُ عَلَى طَرَف مُخْتَصَر. ‏ ‏قَوْله : ( تَذْكُر ) ‏ ‏لِلْمُسْتَمْلِيّ بِفَتْحِ أَوَّله بِلَفْظِ الْمُضَارِع الْمُؤَنَّث , وَلِلْحَمَوِيِّ بِضَمِّهِ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ بِالتَّذْكِيرِ , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ \" فَذُكِرَ \" بِفَاءٍ وَضَمّ الْمُعْجَمَة وَكَسْر الْكَاف , وَلِكُلٍّ وَجْه. وَعَلَى الْأَوَّل يَكُون ذَلِكَ قَوْل عُرْوَة أَوْ مَنْ دُونه , وَعَلَى الثَّانِي وَالثَّالِث يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ كَلَام عَائِشَة , وَهُوَ عَلَى كُلّ حَال تَفْسِير لِقَوْلِهَا \" لَا تَنَام اللَّيْل \" وَوَصْفهَا بِذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِب , وَسُئِلَ الشَّافِعِيّ عَنْ قِيَام جَمِيع اللَّيْل فَقَالَ : لَا أَكْرَههُ إِلَّا لِمَنْ خَشِيَ أَنْ يَضُرّ بِصَلَاةِ الصُّبْح. وَفِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَوَاب ذَلِكَ \" مَهْ \" إِشَارَة إِلَى كَرَاهَة ذَلِكَ خَشْيَة الْفُتُور وَالْمَلَال عَلَى فَاعِله لِئَلَّا يَنْقَطِع عَنْ عِبَادَة اِلْتَزَمَهَا فَيَكُون رُجُوعًا عَمَّا بَذَلَ لِرَبِّهِ مِنْ نَفْسه. ‏ ‏وَقَوْله \" عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنْ الْأَعْمَال \" ‏ ‏هُوَ عَامّ فِي الصَّلَاة وَفِي غَيْرهَا. وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة فِي الْإِيمَان بِدُونِ قَوْله \" مِنْ الْأَعْمَال \" فَحَمَلَهُ الْبَاجِيّ وَغَيْره عَلَى الصَّلَاة خَاصَّة , لِأَنَّ الْحَدِيث وَرَدَ فِيهَا , وَحَمْله عَلَى جَمِيع الْعِبَادَات أَوْلَى. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّة فَوَائِد حَدِيث عَائِشَة وَالْكَلَام عَلَى قَوْله \" إِنَّ اللَّه لَا يَمَلّ حَتَّى تَمَلُّوا \" فِي بَاب \" أَحَبّ الدِّين إِلَى اللَّه أَدْوَمه \" مِنْ كِتَاب الْإِيمَان. وَمِمَّا يَلْحَق هُنَا أَنِّي وَجَدْت بَعْض مَا ذُكِرَ هُنَاكَ مِنْ تَأْوِيل الْحَدِيث اِحْتِمَالًا فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث وَهُوَ قَوْله \" إِنَّ اللَّه لَا يَمَلّ مِنْ الثَّوَاب حَتَّى تَمَلُّوا مِنْ الْعَمَل \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِير سُورَة الْمُزَّمِّل , وَفِي بَعْض طُرُقه مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُدْرَج مِنْ قَوْل بَعْض رُوَاة الْحَدِيث وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1084",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَوْزَاعِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي الْعِشْرِينَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَوْزَاعِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبَّاس بْن حُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ بِمُوَحَّدَةِ وَمُهْمَلَة بَغْدَادِيّ يُقَال لَهُ الْقَنْطَرِيّ أَخْرَجَهُ عَنْهُ الْبُخَارِيّ هُنَا وَفِي الْجِهَاد فَقَطْ. وَمُبَشِّر بِوَزْنِ مُؤَذِّن مِنْ الْبِشَارَة , وَعَبْد اللَّه الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الثَّانِي هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَقَدْ صَرَّحَ فِي سِيَاقه بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيع الْإِسْنَاد فَأُمِنَ تَدْلِيس الْأَوْزَاعِيِّ وَشَيْخه. ‏ ‏قَوْله : ( مِثْل فُلَان ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَته فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق , وَكَأَنَّ إِبْهَام مِثْل هَذَا لِقَصْدِ السُّتْرَة عَلَيْهِ كَاَلَّذِي تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي الَّذِي نَامَ حَتَّى أَصْبَحَ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْصِد شَخْصًا مُعَيَّنًا , وَإِنَّمَا أَرَادَ تَنْفِير عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مِنْ الصَّنِيع الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ اللَّيْل ) ‏ ‏أَيْ بَعْض اللَّيْل وَسَقَطَ لَفْظ \" مِنْ \" مِنْ رِوَايَة الْأَكْثَر وَهِيَ مُرَادَة. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ قِيَام اللَّيْل لَيْسَ بِوَاجِبٍ , إِذْ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يُكْتَفَ لِتَارِكِهِ بِهَذَا الْقَدْر بَلْ كَانَ يَذُمّهُ أَبْلَغ الذَّمّ , وَقَالَ اِبْن حَيَّان : فِيهِ جَوَاز ذِكْر الشَّخْص بِمَا فِيهِ مِنْ عَيْب إِذَا قَصَدَ بِذَلِكَ التَّحْذِير مِنْ صَنِيعه. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الدَّوَام عَلَى مَا اِعْتَادَهُ الْمَرْء مِنْ الْخَيْر مِنْ غَيْر تَفْرِيط , وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ كَرَاهَة قَطْع الْعِبَادَة وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَة , وَمَا أَحْسَن مَا عَقَّبَ الْمُصَنِّف هَذِهِ التَّرْجَمَة بِاَلَّتِي قَبْلهَا لِأَنَّ الْحَاصِل مِنْهُمَا التَّرْغِيب فِي مُلَازَمَة الْعِبَادَة وَالطَّرِيق الْمُوصِل إِلَى ذَلِكَ الِاقْتِصَاد فِيهَا , لِأَنَّ التَّشْدِيد فِيهَا قَدْ يُؤَدِّي إِلَى تَرْكهَا وَهُوَ مَذْمُوم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَمَّار , وَابْن أَبِي الْعِشْرِينَ بِلَفْظِ الْعَدَد وَهُوَ عَبْد الْحَمِيد بْن حَبِيب كَاتِب الْأَوْزَاعِيِّ , وَأَرَادَ الْمُصَنِّف بِإِيرَادِ هَذَا التَّعْلِيق التَّنْبِيه عَلَى أَنَّ عُمَر بْن الْحَكَم أَيْ اِبْن ثَوْبَان بَيْن يَحْيَى وَأَبِي سَلَمَة مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد , لِأَنَّ يَحْيَى قَدْ صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ مِنْ أَبِي سَلَمَة , وَلَوْ كَانَ بَيْنهمَا وَاسِطَة لَمْ يُصَرِّح بِالتَّحْدِيثِ , وَرِوَايَة هِشَام الْمَذْكُورَة وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( بِهَذَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَالْأَصِيلِيّ مِثْله. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَابَعَهُ عَمْرو بْن أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏أَيْ تَابَعَ اِبْن أَبِي الْعِشْرِينَ عَلَى زِيَادَة عُمَر بْن الْحَكَم , وَرِوَايَة عُمَر الْمَذْكُورَة وَصَلَهَا مُسْلِم عَنْ أَحْمَد بْن يُونُس عَنْهُ , وَظَاهِر صَنِيع الْبُخَارِيّ تَرْجِيح رِوَايَة يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَة بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَظَاهِر صَنِيع مُسْلِم يُخَالِفهُ لِأَنَّهُ اِقْتَصَرَ عَلَى الرِّوَايَة الزَّائِدَة , وَالرَّاجِح عِنْد أَبِي حَاتِم وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرهمَا صَنِيع الْبُخَارِيّ , وَقَدْ تَابَعَ كُلًّا مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب الْأَوْزَاعِيِّ فَالِاخْتِلَاف مِنْهُ , وَكَأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّث بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ يَحْيَى حَمَلَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَة بِوَاسِطَةٍ ثُمَّ لَقِيَهُ فَحَدَّثَهُ بِهِ فَكَانَ يَرْوِيه عَنْهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1085",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَبَّاسِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ لِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ قُلْتُ إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ قَالَ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ ‏ ‏هَجَمَتْ ‏ ‏عَيْنُكَ ‏ ‏وَنَفِهَتْ ‏ ‏نَفْسُكَ وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ حَقًّا فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل بِغَيْرِ تَرْجَمَة , وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنْ الَّذِي قَبْله وَتَعَلُّقه بِهِ ظَاهِر , وَكَأَنَّهُ أَوْمَأَ إِلَى أَنَّ الْمَتْن الَّذِي قَبْله طَرَف مِنْ قِصَّة عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فِي مُرَاجَعَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ فِي قِيَام اللَّيْل وَصِيَام النَّهَار. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو عَنْ أَبِي الْعَبَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا عَمْرو سَمِعْت أَبَا الْعَبَّاس \" وَعَمْرو هُوَ اِبْن دِينَار , وَأَبُو الْعَبَّاس هُوَ السَّائِب بْن فَرُّوخ وَيُعْرَف بِالشَّاعِرِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَمْ أُخْبِر ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ الْحُكْم لَا يَنْبَغِي إِلَّا بَعْد التَّثَبُّت , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكْتَفِ بِمَا نُقِلَ لَهُ عَنْ عَبْد اللَّه حَتَّى لَقِيَهُ وَاسْتَثْبَتَهُ فِيهِ , لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون قَالَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عَزْم. أَوْ عَقَلَهُ بِشَرْطٍ لَمْ يَطَّلِع عَلَيْهِ لِنَاقِلٍ وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( هَجَمَتْ عَيْنك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم أَيْ غَارَتْ أَوْ ضَعُفَتْ لِكَثْرَةِ السَّهَر. ‏ ‏قَوْله : ( نَفِهَتْ ) ‏ ‏بِنُونٍ ثُمَّ فَاء مَكْسُورَة أَيْ كَلَّتْ , وَحَكَى الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ أَبَا يَعْلَى رَوَاهُ لَهُ \" تَفِهَتْ \" بِالتَّاءِ بَدَل النُّون وَاسْتَضْعَفَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ لِنَفْسِك عَلَيْك حَقًّا ) ‏ ‏أَيْ تُعْطِيهَا مَا تَحْتَاج إِلَيْهِ ضَرُورَة الْبَشَرِيَّة مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّه لِلْإِنْسَانِ مِنْ الْأَكْل وَالشُّرْب وَالرَّاحَة الَّتِي يَقُوم بِهَا بَدَنه لِيَكُونَ أَعْوَن عَلَى عِبَادَة رَبّه , وَمِنْ حُقُوق النَّفْس قَطْعهَا عَمَّا سِوَى اللَّه تَعَالَى , لَكِنَّ ذَلِكَ يَخْتَصّ بِالتَّعَلُّقَاتِ الْقَلْبِيَّة ‏ ‏. قَوْله : ( وَلِأَهْلِك عَلَيْك حَقًّا ) ‏ ‏أَيْ تَنْظُر لَهُمْ فِيمَا لَا بُدّ لَهُمْ مِنْهُ مِنْ أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَالْمُرَاد بِالْأَهْلِ الزَّوْجَة أَوْ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ مِمَّنْ تَلْزَمهُ نَفَقَته. وَسَيَأْتِي بَيَان سَبَب ذِكْر ذَلِكَ لَهُ فِي الصِّيَام. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَوْله \" حَقًّا \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِلْأَكْثَرِ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ اِسْم إِنَّ وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى أَنَّهُ الْخَبَر وَالِاسْم ضَمِير الشَّأْن. ‏ ‏قَوْله : ( فَصُمْ ) ‏ ‏أَيْ فَإِذَا عَرَفْت ذَلِكَ فَصُمْ تَارَة ‏ ‏( وَأَفْطِرْ ) ‏ ‏تَارَة لِتَجْمَع بَيْن الْمَصْلَحَتَيْنِ. وَفِيهِ إِيمَاء إِلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل أَبْوَاب التَّهَجُّد أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ صَوْم دَاوُدَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى قَوْله \" قُمْ وَنَمْ \" وَسَيَأْتِي فِي الصِّيَام فِيهِ زِيَادَة مِنْ وَجْه آخَر نَحْو قَوْله \" وَإِنَّ لِعَيْنِك عَلَيْك حَقًّا \" وَفِي رِوَايَة \" فَإِنَّ لِزَوْرِك عَلَيْك حَقًّا \" أَيْ لِلضَّيْفِ. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز تَحَدُّث الْمَرْء بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ فِعْل الْخَيْر , وَتَفَقُّد الْإِمَام لِأُمُورِ رَعِيَّته كُلِّيَّاتهَا وَجُزْئِيَّاتهَا , وَتَعْلِيمهمْ مَا يُصْلِحهُمْ. وَفِيهِ تَعْلِيل الْحُكْم لِمَنْ فِيهِ أَهْلِيَّة ذَلِكَ , وَأَنَّ الْأَوْلَى فِي الْعِبَادَة تَقْدِيم الْوَاجِبَات عَلَى الْمَنْدُوبَات , وَأَنَّ مَنْ تَكَلَّفَ الزِّيَادَة عَلَى مَا طُبِعَ عَلَيْهِ يَقَع لَهُ الْخَلَل فِي الْغَالِب. وَفِيهِ الْحَضّ عَلَى مُلَازَمَة الْعِبَادَة لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ كَرَاهَته لَهُ التَّشْدِيد عَلَى نَفْسه حَضَّهُ عَلَى الِاقْتِصَاد كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ وَلَا يَمْنَعك اِشْتِغَالك بِحُقُوقِ مَنْ ذُكِرَ أَنْ تُضَيِّع حَقّ الْعِبَادَة وَتَتْرُك الْمَنْدُوب جُمْلَة , وَلَكِنْ اِجْمَعْ بَيْنهمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1086",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ ‏ ‏تَعَارَّ ‏ ‏مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا صَدَقَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْفَضْل الْمَرْوَزِيُّ , وَجَمِيع الْإِسْنَاد كُلّه شَامِيُّونَ , وَجُنَادَة بِضَمِّ الْجِيم وَتَخْفِيف النُّون مُخْتَلَف فِي صُحْبَته. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَيْر بْن هَانِئ ) ‏ ‏كَذَا لِمُعْظَمِ الرُّوَاة عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاء مِنْ رِوَايَة صَفْوَان بْن صَالِح عَنْ الْوَلِيد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن ثَابِت بْن ثَوْبَان عَنْ عُمَيْر بْن هَانِئ , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِيهِ أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن إِبْرَاهِيم الدِّمَشْقِيّ - وَهُوَ الْحَافِظ الَّذِي يُقَال لَهُ دُحَيْم - عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْوَلِيد مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ صَفْوَان بْن صَالِح , وَمَا أَظُنّهُ إِلَّا وَهْمًا فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي الْمُعْجَم الْكَبِير عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْوَلِيد عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ كَالْجَادَّةِ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ وَجَعْفَر الْفِرْيَابِيّ فِي الذِّكْر عَنْ دُحَيْم , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان عَنْ عَبْد اللَّه بْن سُلَيْمٍ عَنْ دُحَيْم , وَرِوَايَة صَفْوَان شَاذَّة فَإِنْ كَانَ حَفِظَهَا عَنْ الْوَلِيد اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُون عِنْد الْوَلِيد فِيهِ شَيْخَانِ , وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي آخِر الْحَدِيث مِنْ اِخْتِلَاف اللَّفْظ حَيْثُ جَاءَ فِي جَمِيع الرِّوَايَات عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ \" اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي إِلَخْ \" وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" كَانَ مِنْ خَطَايَاهُ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمّه \" وَلَمْ يَذْكُر رَبّ اِغْفِرْ لِي وَلَا دُعَاء , وَقَالَ فِي أَوَّله \" مَا مِنْ عَبْد يَتَعَارَض مِنْ اللَّيْل \" بَدَل قَوْله \" مَنْ تَعَارَّ \" لَكِنْ تَخَالُف اللَّفْظ فِي هَذِهِ أَخَفّ مِنْ الَّتِي قَبْلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد ) ‏ ‏زَادَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْ الْوَلِيد \" يُحْيِي وَيُمِيت \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي تَرْجَمَة عُمَيْر بْن هَانِئ مِنْ \" الْحِلْيَة \" مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( الْحَمْد لِلَّهِ وَسُبْحَان اللَّه ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة \" وَلَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" وَكَذَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالنَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ وَأَبِي نُعَيْم فِي الْحِلْيَة , وَلَمْ تَخْتَلِف الرِّوَايَات فِي الْبُخَارِيّ عَلَى تَقْدِيم الْحَمْد عَلَى التَّسْبِيح , لَكِنْ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ بِالْعَكْسِ , وَالظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة لِأَنَّ الْوَاو لَا تَسْتَلْزِم التَّرْتِيب. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَابْن السُّنِّيّ \" الْعَلِيّ الْعَظِيم \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي , أَوْ دَعَا ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون لِلتَّنْوِيعِ , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل مَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ \" ثُمَّ قَالَ : رَبّ اِغْفِرْ لِي , غُفِرَ لَهُ. أَوْ قَالَ : فَدَعَا اُسْتُجِيبَ لَهُ \" شَكَّ الْوَلِيد , وَكَذَا عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ بِلَفْظِ \" غُفِرَ لَهُ \" قَالَ الْوَلِيد \" أَوْ قَالَ دَعَا اُسْتُجِيبَ لَهُ \" وَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ \" ثُمَّ قَالَ : رَبّ اِغْفِرْ لِي , أَوْ قَالَ : ثُمَّ دَعَا \" وَاقْتَصَرَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ عَلَى الشِّقّ الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( اُسْتُجِيبَ ) ‏ ‏زَادَ الْأَصِيلِيُّ \" لَهُ \" وَكَذَا فِي الرِّوَايَات الْأُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ ) ‏ ‏أَيْ إِنْ صَلَّى. وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَأَبِي الْوَقْت \" فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى \" وَكَذَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَزَادَ فِي أَوَّله \" فَإِنْ هُوَ عَزَمَ فَقَامَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى \" وَكَذَا فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَعَدَ اللَّه عَلَى لِسَان نَبِيّه أَنَّ مَنْ اِسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمه لَهِجًا لِسَانه بِتَوْحِيدِ رَبّه وَالْإِذْعَان لَهُ بِالْمُلْكِ وَالِاعْتِرَاف بِنِعْمَةٍ يَحْمَدهُ عَلَيْهَا وَيُنَزِّههُ عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ تَسْبِيحه وَالْخُضُوع لَهُ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيم لَهُ بِالْعَجْزِ عَنْ الْقُدْرَة إِلَّا بِعَوْنِهِ أَنَّهُ إِذَا دَعَاهُ أَجَابَهُ , وَإِذَا صَلَّى قُبِلَتْ صَلَاته , فَيَنْبَغِي لِمَنْ بَلَغَهُ هَذَا الْحَدِيث أَنْ يَغْتَنِم الْعَمَل بِهِ وَيُخْلِص نِيَّته لِرَبِّهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى. قَوْله : ( قُبِلَتْ صَلَاته ) قَالَ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة : وَجْه تَرْجَمَة الْبُخَارِيّ بِفَضْلِ الصَّلَاة , وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث إِلَّا الْقَبُول , وَهُوَ مِنْ لَوَازِم الصِّحَّة سَوَاء كَانَتْ فَاضِلَة أَمْ مَفْضُولَة لِأَنَّ الْقَبُول فِي هَذَا الْمَوْطِن أَرْجَى مِنْهُ فِي غَيْره , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَام فَائِدَة , فَلِأَجْلِ قُرْب الرَّجَاء فِيهِ مِنْ الْيَقِين تَمَيَّزَ عَلَى غَيْره وَثَبَتَ لَهُ الْفَضْل اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِالْقَبُولِ هُنَا قَدْر زَائِد عَلَى الصِّحَّة , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الدَّاوُدِيُّ مَا مُحَصِّله : مَنْ قَبِلَ اللَّه لَهُ حَسَنَة لَمْ يُعَذِّبهُ لِأَنَّهُ يَعْلَم عَوَاقِب الْأُمُور فَلَا يَقْبَل شَيْئًا ثُمَّ يُحْبِطهُ , وَإِذَا أُمِنَ الْإِحْبَاط أُمِنَ التَّعْذِيب , وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَن : وَدِدْت أَنِّي أَعْلَم أَنَّ اللَّه قَبِلَ لِي سَجْدَة وَاحِدَة. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه الْفَرْبَرِيّ الرَّاوِي عَنْ الْبُخَارِيّ : أَجْرَيْت هَذَا الذِّكْر عَلَى لِسَانِي عِنْد اِنْتِبَاهِي ثُمَّ نِمْت فَأَتَانِي آتٍ فَقَرَأَ ( وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّب مِنْ الْقَوْل ) الْآيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1087",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏الْهَيْثَمُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَهُوَ يَقُصُّ فِي قَصَصِهِ وَهُوَ يَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ ‏ ‏الرَّفَثَ ‏ ‏يَعْنِي بِذَلِكَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ‏ ‏وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ ‏ ‏إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنْ الْفَجْرِ سَاطِعُ ‏ ‏أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا ‏ ‏بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ ‏ ‏يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ‏ ‏إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏وَالْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْهَيْثَم ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَاء وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُثَلَّثَة مَفْتُوحَة , وَسِنَان بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَنُونَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة وَهُوَ يَقُصّ فِي قَصَصه ) ‏ ‏أَيْ مَوَاعِظه الَّتِي كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُذَكِّر أَصْحَابه بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ يَذْكُر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَخًا لَكُمْ ) ‏ ‏مَعْنَاهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة ذَكَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَطْرَدَ إِلَى حِكَايَة مَا قِيلَ فِي وَصْفه فَذَكَرَ كَلَام عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة بِمَا وُصِفَ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَبْيَات. قَوْله : ( إِنَّ أَخًا لَكُمْ ) هُوَ الْمَسْمُوع لِلْهَيْثَمِ , وَالرَّفَث الْبَاطِل أَوْ الْفُحْش مِنْ الْقَوْل , وَالْقَائِل يَعْنِي هُوَ الْهَيْثَم , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الزُّهْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا اِنْشَقَّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْت \" كَمَا اِنْشَقَّ \" وَالْمَعْنَى مُخْتَلِف وَكِلَاهُمَا وَاضِح. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْفَجْر ) ‏ ‏بَيَان لِلْمَعْرُوفِ السَّاطِع , يُقَال السَّاطِع إِذَا اِرْتَفَعَ. ‏ ‏قَوْله : ( الْعَمَى ) ‏ ‏أَيْ الضَّلَالَة. ‏ ‏قَوْله : ( يُجَافِي جَنْبه ) ‏ ‏أَيْ يَرْفَعهُ عَنْ الْفِرَاش , وَهُوَ كِنَايَة عَنْ صَلَاته بِاللَّيْلِ , وَفِي هَذَا الْبَيْت الْأَخِير مَعْنَى التَّرْجَمَة لِأَنَّ التَّعَارّ هُوَ السَّهَر وَالتَّقَلُّب عَلَى الْفِرَاش كَمَا تَقَدَّمَ , وَكَأَنَّ الشَّاعِر أَشَارَ إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي صِفَة الْمُؤْمِنِينَ ( تَتَجَافَى جُنُوبهمْ عَنْ الْمَضَاجِع يَدْعُونَ رَبّهمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ) الْآيَة. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏وَقَعَتْ لِعَبْدِ اللَّه بْن رَوَاحَة فِي هَذِهِ الْأَبْيَات قِصَّة أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق سَلَمَة بْن وَهْرَان عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : كَانَ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة مُضْطَجِعًا إِلَى جَنْب اِمْرَأَته , فَقَامَ إِلَى جَارِيَته فَذَكَرَ الْقِصَّة فِي رُؤْيَتهَا إِيَّاهُ عَلَى الْجَارِيَة وَجَحْده ذَلِكَ وَالْتِمَاسهَا مِنْهُ الْقِرَاءَة لِأَنَّ الْجُنُب لَا يَقْرَأ , فَقَالَ هَذِهِ الْأَبْيَات , فَقَالَتْ : آمَنْت بِاَللَّهِ وَكَذَّبْت بَصَرِي , فَأُعْلِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذه. قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُول الرَّفَث \" فِيهِ أَنَّ حُسْن الشِّعْر مَحْمُود كَحُسْنِ الْكَلَام اِنْتَهَى. وَلَيْسَ فِي سِيَاق الْحَدِيث مَا يُفْصِح بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بَلْ هُوَ ظَاهِر فِي أَنَّهُ مِنْ كَلَام أَبِي هُرَيْرَة , وَبَيَان ذَلِكَ سَيَأْتِي فِي سِيَاق رِوَايَة الزُّبَيْدِيّ الْمُعَلَّقَة. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة مَا يَتَعَلَّق بِالشِّعْرِ فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عُقَيْل ) ‏ ‏أَيْ عَنْ اِبْن شِهَاب , فَالضَّمِير لِيُونُس , وَرِوَايَة عُقَيْل هَذِهِ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِير مِنْ طَرِيق سَلَامَة بْن رَوْح عَنْ عَمّه عُقَيْل بْن خَالِد عَنْ اِبْن شِهَاب فَذَكَرَ مِثْل رِوَايَة يُونُس. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ الزُّبَيْدِيّ إِلَخْ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ اِخْتُلِفَ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد , فَاتَّفَقَ يُونُس وَعُقَيْل عَلَى أَنَّ شَيْخه فِيهِ الْهَيْثَم , وَخَالَفَهُمَا الزُّبَيْدِيّ فَأَبْدَلَهُ بِسَعِيدٍ أَيْ اِبْن الْمُسَيِّب وَالْأَعْرَج أَيْ عَبْد الرَّحْمَن بْن هُرْمُز , وَلَا يَبْعُد أَنْ يَكُون الطَّرِيقَانِ صَحِيحَيْنِ فَإِنَّهُمْ حُفَّاظ أَثَبَات , وَالزُّهْرِيّ صَاحِب حَدِيث مُكْثِر , وَلَكِنْ ظَاهِر صَنِيع الْبُخَارِيّ تَرْجِيح رِوَايَة يُونُس لِمُتَابَعَةِ عُقَيْل لَهُ , بِخِلَافِ الزُّبَيْدِيّ وَرِوَايَة الزُّبَيْدِيّ هَذِهِ الْمُعَلَّقَة وَصَلَهَا الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ الصَّغِير وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِير أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن سَالِم الْحِمَّصِيّ عَنْهُ وَلَفْظه \" أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَقُول فِي قَصَصه \" : إِنَّ أَخًا لَكُمْ كَانَ يَقُول شِعْرًا لَيْسَ بِالرَّفَثِ \" وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة فَذَكَرَ الْأَبْيَات , وَهُوَ يُبَيِّن أَنَّ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُولَى مِنْ كَلَام أَبِي هُرَيْرَة مَوْقُوفًا بِخِلَافِ مَا جَزَمَ بِهِ اِبْن بَطَّال وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1088",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ ‏ ‏إِسْتَبْرَقٍ ‏ ‏فَكَأَنِّي لَا أُرِيدُ مَكَانًا مِنْ الْجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ إِلَيْهِ وَرَأَيْتُ كَأَنَّ اثْنَيْنِ أَتَيَانِي أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ فَقَالَ لَمْ ‏ ‏تُرَعْ ‏ ‏خَلِّيَا عَنْهُ فَقَصَّتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِحْدَى رُؤْيَايَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نِعْمَ الرَّجُلُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏لَوْ كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ وَكَانُوا لَا يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الرُّؤْيَا أَنَّهَا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ ‏ ‏تَوَاطَأَتْ ‏ ‏فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَان ) ‏ ‏هُوَ السُّدُوسِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا طَارَتْ إِلَيْهِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي التَّعْبِير بِلَفْظِ إِلَّا طَارَتْ بِي إِلَيْهِ وَيَأْتِي بَقِيَّة فَوَائِده هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل أَبْوَاب التَّهَجُّد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر دُون الْقِصَّة الْأُولَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر ( ‏ ‏يُصَلِّي مِنْ اللَّيْل ) ‏ ‏هُوَ كَلَام نَافِع , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوه عَنْ سَالِم. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانُوا ) ‏ ‏أَيْ الصَّحَابَة. ‏ ‏وَقَوْله : ( أَنَّهَا ) ‏ ‏أَيْ لَيْلَة الْقَدْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَتَحَرَّهَا فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ , وَلِغَيْرِهِ \" مِنْ الْعَشْر الْأَوَاخِر \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر الصِّيَام. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَغْفَلَ الْمِزِّيّ فِي الْأَطْرَاف هَذَا الْحَدِيث الْمُتَعَلِّق بِلَيْلَةِ الْقَدْر فَلَمْ يَذْكُرهُ فِي تَرْجَمَة أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر , وَهُوَ وَارِد عَلَيْهِ. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏"
    },
    {
        "id": "1089",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعِشَاءَ ثُمَّ صَلَّى ‏ ‏ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ وَرَكْعَتَيْنِ جَالِسًا وَرَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ يَدَعْهُمَا أَبَدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ الْمُقْرِي ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عِرَاك بْن مَالِك عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏خَالَفَهُ اللَّيْث عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب فَرَوَاهُ عَنْ جَعْفَر بْن رَبِيعَة عَنْ أَبِي سَلَمَة لَمْ يَذْكُر بَيْنهمَا أَحَدًا. أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ , وَكَأَنَّ جَعْفَرًا أَخَذَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَة بِوَاسِطَةٍ ثُمَّ حَمَلَهُ عَنْهُ. وَلِيَزِيدَ فِيهِ إِسْنَاد آخَر رَوَاهُ عَنْ عِرَاك بْن مَالِك عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَكَأَنَّ لِعِرَاكٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَصَلَّى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" ثُمَّ صَلَّى \" وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر الْوِتْر , وَهُوَ فِي رِوَايَة اللَّيْث وَلَفْظه \" كَانَ يُصَلِّي بِثَلَاث عَشْرَة رَكْعَة تِسْعًا قَائِمًا وَرَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِس \". ‏ ‏قَوْله : ( وَرَكْعَتَيْنِ بَيْن النِّدَاءَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ بَيْن الْأَذَان وَالْإِقَامَة , وَفِي رِوَايَة اللَّيْث \" ثُمَّ يُمْهِل حَتَّى يُؤَذَّن بِالْأُولَى مِنْ الصُّبْح فَيَرْكَع رَكْعَتَيْنِ \" , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة \" يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْن النِّدَاء وَالْإِقَامَة مِنْ صَلَاة الصُّبْح \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَكُنْ يَدَعهُمَا أَبَدًا ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ , وَهُوَ مَنْقُول عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ بِلَفْظِ \" كَانَ الْحَسَن يَرَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْل الْفَجْر وَاجِبَتَيْنِ \" وَالْمُرَاد بِالْفَجْرِ هُنَا صَلَاة الصُّبْح. وَنَقَلَ الْمِرْغِينَانِيّ مِثْله عَنْ أَبِي حَنِيفَة. وَفِي جَامِع الْمَحْبُوبِيّ عَنْ الْحَسَن اِبْن زِيَاد عَنْ أَبِي حَنِيفَة \" لَوْ صَلَّاهُمَا قَاعِدًا مِنْ غَيْر عُذْر لَمْ يَجُزْ \" وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الشَّافِعِيَّة لِلْقَدِيمِ فِي أَنَّ رَكْعَتَيْ الْفَجْر أَفْضَل التَّطَوُّعَات. وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد : أَفْضَلهَا الْوِتْر. وَقَالَ بَعْض أَصْحَابه : أَفْضَلهَا صَلَاة اللَّيْل لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْره فِي أَوَّل أَبْوَاب التَّهَجُّد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَوْله \" أَبَدًا \" ‏ ‏تَقَرَّرَ فِي كُتُب الْعَرَبِيَّة أَنَّهَا تُسْتَعْمَل لِلْمُسْتَقْبَلِ. وَأَمَّا الْمَاضِي فَيُؤَكَّد بِقَطُّ. وَيُجَاب عَنْ الْحَدِيث الْمَذْكُور بِأَنَّهَا ذُكِرَتْ عَلَى سَبِيل الْمُبَالَغَة إِجْرَاء لِلْمَاضِي مَجْرَى الْمُسْتَقْبَل كَأَنَّ ذَلِكَ دَأْبه لَا يَتْرُكهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1090",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَبُو الْأَسْوَد ) ‏ ‏هُوَ النَّوْفَلِيّ يَتِيم عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى شِقّه الْأَيْمَن ) ‏ ‏قِيلَ الْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ الْقَلْب فِي جِهَة الْيَسَار فَلَوْ اِضْطَجَعَ عَلَيْهِ لَاسْتَغْرَقَ نَوْمًا لِكَوْنِهِ أَبْلَغ فِي الرَّاحَة , بِخِلَافِ الْيَمِين فَيَكُون الْقَلْب مُعَلَّقًا فَلَا يَسْتَغْرِق. وَفِيهِ أَنَّ الِاضْطِجَاع إِنَّمَا يَتِمّ إِذَا كَانَ عَلَى الشِّقّ الْأَيْمَن , وَأَمَّا إِنْكَار اِبْن مَسْعُود الِاضْطِجَاع , وَقَوْل إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ هِيَ ضِجْعَة الشَّيْطَان كَمَا أَخْرَجَهُمَا اِبْن أَبِي شَيْبَة , فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُمَا الْأَمْر بِفِعْلِهِ , وَكَلَام اِبْن مَسْعُود يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَنْكَرَ تَحَتُّمه فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِر كَلَامه : إِذَا سَلَّمَ فَقَدْ فَصَلَ , وَكَذَا مَا حُكِيَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ بِدْعَة فَإِنَّهُ شَذَّ بِذَلِكَ حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِحَصْبِ مَنْ اِضْطَجَعَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ كَانَ لَا يُعْجِبهُ الِاضْطِجَاع , وَأَرْجَح الْأَقْوَال مَشْرُوعِيَّته لِلْفَصْلِ لَكِنْ لَا بِعَيْنِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1091",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا صَلَّى فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْر ) ‏ ‏وَسَنَذْكُرُ مُسْتَنَد ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي وَإِلَّا اِضْطَجَعَ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ كَانَ يَضْطَجِع إِذَا لَمْ يُحَدِّثهَا , وَإِذَا حَدَّثَهَا لَمْ يَضْطَجِع , وَإِلَى هَذَا جَنَح الْمُصَنِّف فِي التَّرْجَمَة , وَكَذَا تَرْجَمَ لَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ \" الرُّخْصَة فِي تَرْك الِاضْطِجَاع بَعْد رَكْعَتَيْ الْفَجْر \" وَيُعَكِّر عَلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْد أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ مَالِك عَنْ أَبِي النَّضْر فِي هَذَا الْحَدِيث \" كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْل , فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاته اِضْطَجَعَ , فَإِنْ كُنْت يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي , وَإِنْ كُنْت نَائِمَة نَامَ حَتَّى يَأْتِيه الْمُؤَذِّن \" فَقَدْ يُقَال إِنَّهُ كَانَ يَضْطَجِع عَلَى كُلّ حَال , فَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثهَا وَإِمَّا أَنْ يَنَام , لَكِنْ الْمُرَاد بِقَوْلِهَا نَامَ أَيْ اِضْطَجَعَ , وَبَيَّنَهُ مَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف قَبْل أَبْوَاب التَّهَجُّد مِنْ رِوَايَة مَالِك عَنْ أَبِي النَّضْر وَعَبْد اللَّه بْن يَزِيد جَمِيعًا عَنْ أَبِي سَلَمَة بِلَفْظِ \" فَإِنْ كُنْت يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي , وَإِنْ كُنْت نَائِمَة اِضْطَجَعَ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يُؤَذَّن ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُعْجَمَة الثَّقِيلَة , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" حَتَّى نُودِيَ \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَم اِسْتِحْبَاب الضِّجْعَة , وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه رُبَّمَا تَرَكَهَا عَدَم الِاسْتِحْبَاب , بَلْ يَدُلّ تَرْكه لَهَا أَحْيَانًا عَلَى عَدَم الْوُجُوب كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّل الْبَاب. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَّل أَبْوَاب الْوِتْر فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ اِضْطِجَاعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَعَ بَعْد الْوِتْر قَبْل صَلَاة الْفَجْر , وَلَا يُعَارِض ذَلِكَ حَدِيث عَائِشَة لِأَنَّ الْمُرَاد بِهِ نَوْمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن صَلَاة اللَّيْل وَصَلَاة الْفَجْر , وَغَايَته أَنَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَة لَمْ يَضْطَجِع بَيْن رَكْعَتَيْ الْفَجْر وَصَلَاة الصُّبْح فَيُسْتَفَاد مِنْهُ عَدَم الْوُجُوب أَيْضًا , وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِضْطَجَعَ بَعْد الْوِتْر فَقَدْ خَالَفَهُ أَصْحَاب الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة فَذَكَرُوا الِاضْطِجَاع بَعْد الْفَجْر وَهُوَ الْمَحْفُوظ , وَلَمْ يُصِبْ مَنْ اِحْتَجَّ بِهِ عَلَى تَرْك اِسْتِحْبَاب الِاضْطِجَاع. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1092",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو النَّضْرِ ‏ ‏حَدَّثَنِي عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَرْوِيهِ ‏ ‏رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏هُوَ ذَاكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1093",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَيَان ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَالتَّحْتَانِيَّة الْخَفِيفَة. وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْقَطَّانُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَطَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ زُهَيْر بْن حَرْب عَنْ يَحْيَى عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" حَدَّثَنِي عَطَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ يَحْيَى بْن حَكِيم عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بِسَنَدِهِ \" أَخْبَرَنِي عُبَيْد بْن عُمَيْر \". ‏ ‏قَوْله : ( أَشَدّ تَعَاهُدًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ \" أَشَدّ مُعَاهَدَة \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق حَفْص عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" مَا رَأَيْته إِلَى شَيْء مِنْ الْخَيْر أَسْرَعَ مِنْهُ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْل الْفَجْر \" زَادَ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَلَا إِلَى غَنِيمَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "1094",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ ‏ ‏يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاث عَشْرَة رَكْعَة ) ‏ ‏مُخَالِف لِمَا مَضَى قَرِيبًا مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة \" لَمْ يَكُنْ يَزِيد عَلَى إِحْدَى عَشْرَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرِيق الْجَمْع بَيْنهمَا هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( خَفِيفَتَيْنِ ) ‏ ‏قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : كَانَ حَقّ هَذِهِ التَّرْجَمَة أَنْ تَكُون تَخْفِيف رَكْعَتَيْ الْفَجْر. قُلْت : وَلِمَا تَرْجَمَ بِهِ الْمُصَنِّف وَجْه وَجِيه وَهُوَ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى خِلَاف مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَقْرَأ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْر أَصْلًا , وَهُوَ قَوْل مَحْكِيّ عَنْ أَبِي بَكْر الْأَصَمّ وَإِبْرَاهِيم بْن عُلَيَّة , فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ الْقِرَاءَة , وَلَوْ وُصِفَتْ الصَّلَاة بِكَوْنِهَا خَفِيفَة فَكَأَنَّهَا أَرَادَتْ قِرَاءَة الْفَاتِحَة فَقَطْ مُسْرِعًا , أَوْ قَرَأَهَا مَعَ شَيْء يَسِير غَيْرهَا , وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت عِنْده عَلَى شَرْطه تَعْيِين مَا يَقْرَأ بِهِ فِيهِمَا , وَسَنَذْكُرُ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدُ. وَاخْتُلِفَ فِي حِكْمَة تَخْفِيفهمَا فَقِيلَ : لِيُبَادِر إِلَى صَلَاة الصُّبْح فِي أَوَّل الْوَقْت وَبِهِ جَزَمَ الْقُرْطُبِيّ , وَقِيلَ : لِيَسْتَفْتِح صَلَاة النَّهَار بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ كَمَا كَانَ يَصْنَع فِي صَلَاة اللَّيْل لِيَدْخُل فِي الْفَرْض أَوْ مَا شَابَهَهُ فِي الْفَضْل بِنَشَاطٍ وَاسْتِعْدَاد تَامّ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1095",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمَّتِهِ ‏ ‏عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ هَلْ قَرَأَ ‏ ‏بِأُمِّ الْكِتَابِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعْد بْن زُرَارَةَ , وَيُقَال اِسْم جَدّه عَبْد اللَّه. وَقَوْله \" عَنْ عَمَّته عَمْرَة \" هِيَ بِنْت عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعْد بْن زُرَارَةَ , وَعَلَى هَذَا فَهِيَ عَمَّة أَبِيهِ. وَزَعَمَ أَبُو مَسْعُود وَتَبِعَهُ الْحُمَيْدِيُّ أَنَّهُ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن حَارِثَة بْن النُّعْمَان الْأَنْصَارِيّ أَبُو الرِّجَال , وَوَهَّمَهُ الْخَطِيب فِي ذَلِكَ وَقَالَ : إِنَّ شُعْبَة لَمْ يَرْوِ عَنْ أَبِي الرِّجَال شَيْئًا , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ عَمْرَة أُمّ أَبِي الرِّجَال لَا عَمَّته , وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ شُعْبَة فَقَالَ : عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم عَنْ عَمْرَة , وَوَهَّمُوهُ فِيهِ أَيْضًا. وَيُحْتَمَل إِنْ كَانَ حَفِظَهُ أَنْ يَكُون لِشُعْبَة فِيهِ شَيْخَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يُونُس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" قَالَ وَحَدَّثَنَا \" وَفَاعِل قَالَ هُوَ الْمُصَنِّف أَبُو عَبْد اللَّه الْبُخَارِيّ , وَزُهَيْر هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة الْجُعْفِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد كَذَا فِي الْأَصْل وَهُوَ الْأَنْصَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل غَيْر مَنْسُوب وَالظَّاهِر أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَبْله وَهُوَ اِبْن أَخِي عَمْرَة. وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو الْأَحْوَص عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَتَابَعَهُ آخَرُونَ عَنْ يَحْيَى. وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَل أَنَّ سُلَيْمَان بْن بِلَال رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الرِّجَال , وَكَذَا رَوَاهُ عَبْد الْعَزِيز بْن مُسْلِم وَمُعَاوِيَة بْن صَالِح عَنْ يَحْيَى بْن مُحَمَّد بْن عَمْرَة وَهُوَ أَبُو الرِّجَال , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لِيَحْيَى فِيهِ شَيْخَانِ , لَكِنْ رَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ الْأَوَّل , وَحَكَى فِيهِ اِخْتِلَافَات أُخْرَى عَنْ يَحْيَى مُوهِمَة , وَقَدْ رَوَاهُ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَائِشَة فَأُسْقِطَ مِنْ الْإِسْنَاد اِثْنَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ \" بِأُمِّ الْقُرْآن \" زَادَ مَالِك فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة : أَمْ لَا ؟ ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏سَاقَ الْبُخَارِيّ الْمَتْن عَلَى لَفْظ يَحْيَى بْن سَعِيد , وَأَمَّا لَفْظ شُعْبَة فَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" إِذَا طَلَعَ الْفَجْر صَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ , أَقُول : لَمْ يَقْرَأ فِيهِمَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب \" وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُعَاذ عَنْ شُعْبَة لَكِنْ لَمْ يَقُلْ : أَوْ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ. وَرَوَاهُ أَحْمَد أَيْضًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" كَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْر لَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ فَأَقُول : هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب \" وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا قِرَاءَة فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْر أَصْلًا , وَتُعُقِّبَ بِمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيث الْآتِيَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّهَا شَكَّتْ فِي قِرَاءَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَاتِحَة وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يُطِيل فِي النَّوَافِل , فَلَمَّا خَفَّفَ فِي قِرَاءَة رَكْعَتَيْ الْفَجْر صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرهَا مِنْ الصَّلَوَات. قُلْت : وَفِي تَخْصِيصهَا أُمّ الْقُرْآن بِالذِّكْرِ إِشَارَة إِلَى مُوَاظَبَته لِقِرَاءَتِهَا فِي غَيْرهَا مِنْ صَلَاته. وَقَدْ رَوَى اِبْن مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ قَوِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَقِيق عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْل الْفَجْر وَكَانَ يَقُول : نِعْمَ السُّورَتَانِ يُقْرَأ بِهِمَا فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْر : قُلْ يَا أَيّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّه أَحَد \" وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ عَائِشَة \" كَانَ يَقْرَأ فِيهِمَا بِهِمَا \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قَرَأَ فِيهِمَا بِهِمَا \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" رَمَقْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا فَكَانَ يَقْرَأ فِيهِمَا بِهِمَا \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود مِثْله بِغَيْرِ تَقْيِيد , وَكَذَا لِلْبَزَّارِ عَنْ أَنَس , وَلِابْنِ حِبَّان عَنْ جَابِر مَا يَدُلّ عَلَى التَّرْغِيب فِي قِرَاءَتهمَا فِيهِمَا. وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَاب عَلَى أَنَّهُ لَا يَزِيد فِيهِمَا عَلَى أُمّ الْقُرْآن وَهُوَ قَوْل مَالِك , وَفِي الْبُوَيْطِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ اِسْتِحْبَاب قِرَاءَة السُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِيهِمَا مَعَ الْفَاتِحَة عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور , وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُور , وَقَالُوا : مَعْنَى قَوْل عَائِشَة \" هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآن \" أَيْ مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا أَوْ ضَمَّ إِلَيْهَا غَيْرهَا , وَذَلِكَ لِإِسْرَاعِهِ بِقِرَاءَتِهَا , وَكَانَ مِنْ عَادَته أَنْ يُرَتِّل السُّورَة حَتَّى تَكُون أَطْوَل مِنْ أَطْوَل مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ. وَذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى إِطَالَة الْقِرَاءَة فِيهِمَا وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الْحَنَفِيَّة , وَنُقِلَ عَنْ النَّخَعِيِّ , وَأَوْرَدَ الْبَيْهَقِيُّ فِيهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا مِنْ مُرْسَل سَعِيد بْن جُبَيْر وَفِي سَنَده رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ , وَخَصَّ بَعْضهمْ ذَلِكَ بِمَنْ فَاتَهُ شَيْء مِنْ قِرَاءَته فِي صَلَاة اللَّيْل فَيَسْتَدْرِكهَا فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْر , وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة. وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْر , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ عُرِفَ بِقِرَاءَتِهِ بَعْض السُّورَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي صِفَة الصَّلَاة مِنْ حَدِيث أَبَى قَتَادَة فِي صَلَاة الظُّهْر \" يُسْمِعنَا الْآيَة أَحْيَانًا \" وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ الْمَذْكُورَة \" يُسِرّ فِيهِمَا الْقِرَاءَة \" وَقَدْ صَحَّحَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَاسْتُدِلَّ بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَة عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّن قِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرهَا مَعَ سُورَتَيْ الْإِخْلَاص. وَرَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْر ( قُولُوا آمَنَّا بِاَللَّهِ ) الَّتِي فِي الْبَقَرَة , وَفِي الْأُخْرَى الَّتِي فِي آل عِمْرَان. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَرَكَ ذِكْر الْفَاتِحَة لِوُضُوحِ الْأَمْر فِيهَا. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ قَوْل عَائِشَة \" لَا أَدْرِي أَقْرَأ الْفَاتِحَة أَمْ لَا \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَة كَانَ مُقَرَّرًا عِنْدهمْ أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ قِرَاءَتهَا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏هَذِهِ الْأَبْوَاب السِّتَّة الْمُتَعَلِّقَة بِرَكْعَتَيْ الْفَجْر وَقَعَ فِي أَكْثَر الْأُصُول بَيَّنَهَا بِالْبَابِ الْآتِي بَعْدُ وَهُوَ \" بَاب : مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّع مَثْنَى مَثْنَى \" وَالصَّوَاب مَا وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول مِنْ تَأْخِيره عَنْهَا وَإِيرَادهَا يَتْلُو بَعْضهَا بَعْضًا , قَالَ اِبْن رَشِيد : الظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ بَعْض الرُّوَاة عِنْد ضَمّ الْأَبْوَاب إِلَى بَعْض. وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَتْبَعَ هَذَا الْبَاب بِقَوْلِهِ \" بَاب الْحَدِيث بَعْد رَكْعَتَيْ الْفَجْر \" كَالْمُبَيِّنِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي أُدْخِلَ تَحْت قَوْله \" بَاب مَنْ تَحَدَّثَ بَعْد الرَّكْعَتَيْنِ \" إِذْ الْمُرَاد بِهِمَا رَكْعَتَا الْفَجْر , وَبِهَذَا تَتَبَيَّن فَائِدَة إِعَادَة الْحَدِيث اِنْتَهَى. وَإِنَّمَا ضَمَّ الْمُصَنِّف رَكْعَتَيْ الْفَجْر إِلَى التَّهَجُّد لِقُرْبِهِمَا مِنْهُ كَمَا وَرَدَ أَنَّ الْمَغْرِب وِتْر النَّهَار , وَإِنَّمَا الْمَغْرِب فِي التَّحْقِيق مِنْ صَلَاة اللَّيْل كَمَا أَنَّ الْفَجْر فِي الشَّرْع , مِنْ صَلَاتهَا النَّهَار. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1096",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعَلِّمُنَا ‏ ‏الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ ‏ ‏إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي صَلَاة الِاسْتِخَارَة سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الدَّعَوَات. ‏"
    },
    {
        "id": "1097",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ الْأنْصَارِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي قَتَادَة فِي تَحِيَّة الْمَسْجِد وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَائِل الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "1098",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي صَلَاةِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْم وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي اَلصُّفُوفِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1099",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي رَوَاتِبِ اَلْفَرَائِض وَسَيَأْتِي اَلْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي اَلْبَابِ اَلَّذِي يَلِيه. ‏"
    },
    {
        "id": "1100",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يَخْطُبُ ‏ ‏إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَوْ قَدْ خَرَجَ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي صَلَاةِ اَلتَّحِيَّة وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَسَبَقَ اَلْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَاب اَلْجُمُعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1101",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أُتِيَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فِي مَنْزِلِهِ فَقِيلَ لَهُ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ دَخَلَ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏قَالَ فَأَقْبَلْتُ فَأَجِدُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ خَرَجَ وَأَجِدُ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏عِنْدَ الْبَابِ قَائِمًا فَقُلْتُ ‏ ‏يَا ‏ ‏بِلَالُ ‏ ‏أَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَأَيْنَ قَالَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَوْصَانِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِرَكْعَتَيْ الضُّحَى ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بَعْدَ مَا امْتَدَّ النَّهَارُ ‏ ‏وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر عَنْ بِلَال فِي صَلَاةِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اَلْكَعْبَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ اَلْقِبْلَةِ وَسَيَأْتِي اَلْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي اَلْحَجِّ , ‏ ‏قَوْله \" وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة أَوْصَانِي اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَكْعَتَيْ اَلضُّحَى \" ‏ ‏هَذَا طَرَف مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي فِي كِتَاب اَلصِّيَامِ بِتَمَامِهِ , ثَامِنهَا ) ‏ ‏قَوْله \" وَقَالَ عِتْبَان بْن مَالِك \" ‏ ‏هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ فِي مَوَاضِعَ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا : مِنْهَا فِي \" بَابِ اَلْمَسَاجِدِ فِي اَلْبُيُوتِ \" وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي \" بَاب صَلَاةِ اَلنَّوَافِلِ جَمَاعَة \". وَمُرَادُ اَلْمُصَنِّفِ بِهَذِهِ اَلْأَحَادِيثِ اَلرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ اَلتَّطَوُّعَ فِي اَلنَّهَارِ يَكُونُ أَرْبَعًا مَوْصُولَة , وَاخْتَارَ اَلْجُمْهُورُ اَلتَّسْلِيمَ مَنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فِي صَلَاةِ اَللَّيْلِ وَالنَّهَارِ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَصَاحِبَاهُ : يُخَيَّرُ فِي صَلَاةِ اَلنَّهَارِ بَيْنَ اَلثِّنْتَيْنِ وَالْأَرْبَع وَكَرِهُوا اَلزِّيَادَة عَلَى ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل أَبْوَابِ اَلْوِتْرِ حِكَايَة اِسْتِدْلَال مَنْ اِسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" صَلَاة اَللَّيْلِ مَثْنَى \" عَلَى أَنَّ صَلَاةَ اَلنَّهَارِ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن اَلْمُنِير فِي اَلْحَاشِيَةِ : إِنَّمَا خَصَّ اَللَّيْل بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ اَلْوِتْرَ فَلَا يُقَاسُ عَلَى اَلْوِتْرِ غَيْرُهُ فَيَتَنَفَّلُ اَلْمُصَلِّي بِاللَّيْلِ أَوْتَارًا , فَبَيَّنَ أَنَّ اَلْوِتْرَ لَا يُعَادُ وَأَنَّ بَقِيَّةَ صَلَاةِ اَللَّيْلِ مَثْنَى , وَإِذَا ظَهَرَتْ فَائِدَة تَخْصِيص اَللَّيْلِ صَارَ حَاصِلُ اَلْكَلَامِ صَلَاة اَلنَّافِلَةِ سِوَى اَلْوِتْرِ مَثْنَى فَيَعُمُّ اَللَّيْل وَالنَّهَار. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَتْ أَبْوَاب اَلتَّهَجُّدِ وَمَا اِنْضَمَّ إِلَيْهَا عَلَى سِتَّة وَسِتِّينَ حَدِيثًا , اَلْمُعَلَّق اِثْنَا عَشَرَ حَدِيثًا , وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَة , اَلْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا , وَالْخَالِص ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيث عَائِشَة فِي صَلَاةِ اَللَّيْلِ سَبْع وَتِسْع وَإِحْدَى عَشْرَةَ , وَحَدِيث أَنَس كَانَ يُفْطِرُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ وَحَدِيث سَمُرَة فِي اَلرُّؤْيَا , وَحَدِيث سَلْمَان وَأَبِي اَلدَّرْدَاء , وَحَدِيث عُبَادَة \" مَنْ تَعَارَّ مِنْ اَللَّيْلِ \" وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي شِعْرِ اِبْنِ رَوَاحَة , وَحَدِيثِ جَابِر فِي اَلِاسْتِخَارَةِ. وَفِيهِ مِنْ اَلْآثَارِ عَنْ اَلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَشَرَة آثَار. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1102",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ ‏ ‏وَحَدَّثَتْنِي ‏ ‏أُخْتِي ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَ مَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ وَكَانَتْ سَاعَةً لَا أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي أَهْلِهِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ ‏ ‏وَأَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( صَلَّيْت مَعَ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجْدَتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ رَكْعَتَيْنِ , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" مَعَ \" اَلتَّبَعِيَّةُ أَيْ أَنَّهُمَا اِشْتَرَكَا فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا صَلَاة إِلَّا اَلتَّجْمِيع فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ يَجْمَعُ فِي رَوَاتِبِ اَلْفَرَائِضِ , وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" حَفِظْتُ مِنْ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْر رَكَعَات \" فَذَكَرَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَبْلَ اَلظُّهْرِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي اَلْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَّا اَلْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ فِعْل اَلنَّوَافِل اَللَّيْلِيَّة فِي اَلْبُيُوتِ أَفْضَلُ مِنْ اَلْمَسْجِدِ بِخِلَاف رَوَاتِب اَلنَّهَار , وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِك وَالثَّوْرِيّ , وَفِي اَلِاسْتِدْلَالِ بِهِ لِذَلِكَ نَظَر , وَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ عَنْ عَمْدٍ وَإِنَّمَا كَانَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَشَاغَلُ بِالنَّاسِ فِي اَلنَّهَارِ غَالِبًا وَبِاللَّيْلِ يَكُونُ فِي بَيْتِهِ غَالِبًا , وَتَقَدَّمَ فِي اَلْجُمُعَة مِنْ طَرِيقِ مَالِك عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظ \" وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ اَلْجُمُعَة حَتَّى يَنْصَرِفَ \" وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُبَادِرُ إِلَى اَلْجُمْعَة ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى اَلْقَائِلَةِ , بِخِلَاف اَلظُّهْر فَإِنَّهُ كَانَ يُبْرِدُ بِهَا وَكَانَ يَقِيلُ قَبْلَهَا , وَأَغْرَبَ اِبْن أَبِي لَيْلَى فَقَالَ : لَا تُجْزِئُ سُنَّةُ اَلْمَغْرِبِ فِي اَلْمَسْجِدِ حَكَاهُ عَبْد اَللَّه بْن أَحْمَد عَنْهُ عَقِبَ رِوَايَتِهِ لِحَدِيثِ مَحْمُود بْن لَبِيد رَفَعَهُ \" إِنَّ اَلرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ اَلْمَغْرِبِ مِنْ صَلَاةِ اَلْبُيُوتِ \" وَقَالَ إِنَّهُ حَكَى ذَلِكَ لِأَبِيهِ عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى فَاسْتَحْسَنَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَتْنِي أُخْتِي حَفْصَة ) ‏ ‏أَيْ بِنْت عُمَر , وَقَائِل ذَلِكَ هُوَ عَبْد اَللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( سَجْدَتَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" رَكْعَتَيْنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ سَاعَة ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ اِبْن عُمَر , وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ بِلَفْظ \" رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ اَلصُّبْحِ وَكَانَتْ سَاعَة لَا أَدْخُلُ عَلَى اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا , وَحَدَّثَتْنِي حَفْصَة أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَذَّنَ اَلْمُؤَذِّنُ وَطَلَعَ اَلْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ \" وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ عَنْ حَفْصَة وَقْتَ إِيقَاع اَلرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ اَلصُّبْحِ لَا أَصْلَ مَشْرُوعِيَّتهمَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ اَلْجُمُعَة مِنْ رِوَايَة مَالِك عَنْ نَافِعٍ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر اَلرَّكْعَتَيْنِ اَللَّتَيْنِ قَبْلَ اَلصُّبْح أَصْلًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن أَبِي اَلزِّنَاد عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع ) ‏ ‏أَيْ عَنْ اِبْن عُمَر ( بَعْدَ اَلْعِشَاءِ فِي أَهْلِهِ أَيْ بَدَلَ قَوْلِهِ فِي \" بَيْتِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ كَثِير بْن فَرْقَد وَأَيُّوب عَنْ نَافِع ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة كَثِير فَلَمْ تَقَعْ لِي مَوْصُولَة , وَأَمَّا رِوَايَةُ أَيُّوبَ فَتَقَدَّمَتْ اَلْإِشَارَة إِلَيْهَا قَرِيبًا , وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ لِلْفَرَائِضِ رَوَاتِبَ تُسْتَحَبُّ اَلْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُ اَلْجُمْهُورِ , وَذَهَبَ مَالِك فِي اَلْمَشْهُورِ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ حِمَايَة لِلْفَرَائِضِ , لَكِنْ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَطَوُّعٍ بِمَا شَاءَ إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ , وَذَهَبَ اَلْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى مُوَافَقَةِ اَلْجُمْهُورِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1103",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أبَا الشَّعْثَاءِ جَابِرًا ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَمَانِيًا جَمِيعًا وَسَبْعًا جَمِيعًا قُلْتُ يَا ‏ ‏أَبَا الشَّعْثَاءِ ‏ ‏أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ قَالَ وَأَنَا أَظُنُّهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1104",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏تَوْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوَرِّقٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَتُصَلِّي الضُّحَى قَالَ لَا قُلْتُ ‏ ‏فَعُمَرُ ‏ ‏قَالَ لَا قُلْتُ ‏ ‏فَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏قَالَ لَا قُلْتُ فَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَا ‏ ‏إِخَالُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ تَوْبَةَ ) ‏ ‏بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَة وَوَاو سَاكِنَة ثُمَّ مُوَحَّدَة مَفْتُوحَة. هُوَ اِبْن كَيْسَانَ اَلْعَنْبَرِيّ اَلْبَصْرِيّ , تَابِعِيّ صَغِير مَا لَهُ عِنْدَ اَلْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا اَلْحَدِيثِ وَحَدِيث آخَر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُوَرِّقٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ اَلْوَاوِ وَكَسْرِ اَلرَّاءِ اَلثَّقِيلَةِ , وَفِي رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة عِنْدَ اَلْإِسْمَاعِيلِيِّ سَمِعْتُ مُوَرِّقًا اَلْعِجْلِيّ وَهُوَ بَصْرِيّ ثِقَة , وَكَذَا مَنْ دُونَهُ فِي اَلْإِسْنَادِ , وَلَيْسَ لِمُوَرِّقٍ فِي اَلْبُخَارِيِّ عَنْ اِبْن عُمَر سِوَى هَذَا اَلْحَدِيثِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا إِخَاله ) ‏ ‏بِكَسْرِ اَلْهَمْزَةِ وَتُفْتَحُ أَيْضًا وَالْخَاءُ مُعْجَمَة أَيْ لَا أَظُنُّهُ. وَكَأَنَّ سَبَبَ تَوَقُّفِ اِبْن عُمَر فِي ذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ صَلَّاهَا وَلَمْ يَثِقْ بِذَلِكَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ , وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ اَلْجَزْم بِكَوْنِهَا مُحْدَثَةً فَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ : إِنَّهَا مُحْدَثَةٌ وَإِنَّهَا لَمِنْ أَحْسِنِ مَا أَحْدَثُوا , وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ أَبْوَابِ اَلْعُمْرَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ \" دَخَلْت أَنَا وَعُرْوَة بْن اَلزُّبَيْر اَلْمَسْجِدَ فَإِذَا عَبْد اَللَّه بْن عُمَر جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَة وَإِذَا نَاس يُصَلُّونَ اَلضُّحَى , فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ فَقَالَ : بِدْعَة \". وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ اَلْحَكَمِ بْن اَلْأَعْرَجِ عَنْ اَلْأَعْرَجِ قَالَ : سَأَلْتُ اِبْن عُمَر عَنْ صَلَاةِ اَلضُّحَى فَقَالَ : بِدْعَةٌ وَنِعْمَتْ اَلْبِدْعَة. وَرَوَى عَبْد اَلرَّزَّاق بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَقَدْ قُتِلَ عُثْمَان وَمَا أَحَدٌ يُسَبِّحُهَا , وَمَا أَحْدَثَ اَلنَّاس شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهَا. وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ اَلشَّعْبِيِّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : مَا صَلَّيْت اَلضُّحَى مُنْذُ أَسْلَمْتُ ; إِلَّا أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ. أَيْ فَأُصَلِّي فِي ذَلِكَ اَلْوَقْتِ لَا عَلَى نِيَّة صَلَاة اَلضُّحَى , بَلْ عَلَى نِيَّةِ اَلطَّوَافِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَنْوِيهِمَا مَعًا. وَقَدْ جَاءَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ خَاصٍّ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيق نَافِع أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ لَا يُصَلِّي اَلضُّحَى إِلَّا يَوْم يَقْدَمُ مَكَّة , فَإِنَّهُ كَانَ يَقْدَمُهَا ضُحًى فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. وَيَوْم يَأْتِي مَسْجِد قُبَاء. وَرَوَى اِبْن خُزَيْمَة مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر \" كَانَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّي اَلضُّحَى إِلَّا أَنْ يَقْدَمَ مِنْ غَيْبَة \" فَأَمَّا مَسْجِد قُبَاء فَقَالَ سَعِيد بْن مَنْصُور : حَدَّثَنَا اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْد اَللَّه بْن دِينَار أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ لَا يُصَلِّي اَلضُّحَى إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ قُبَاء. وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يُرِيدَ بِهِ صَلَاة تَحِيَّة اَلْمَسْجِد فِي وَقْتِ اَلضُّحَى لَا صَلَاةَ اَلضُّحَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ يَنْوِيهِمَا مَعًا كَمَا قُلْنَاهُ فِي اَلطَّوَافِ. وَفِي اَلْجُمْلَةِ لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ اِبْن عُمَر هَذِهِ مَا يَدْفَعُ مَشْرُوعِيَّة صَلَاة اَلضُّحَى , لِأَنَّ نَفْيَهُ مَحْمُول عَلَى عَدَمِ رُؤْيَتِهِ لَا عَلَى عَدَمِ اَلْوُقُوعِ فِي نَفْسِ اَلْأَمْرِ , أَوْ اَلَّذِي نَفَاهُ صِفَة مَخْصُوصَة كَمَا سَيَأْتِي نَحْوُهُ فِي اَلْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَة. قَالَ عِيَاض وَغَيْره : إِنَّمَا أَنْكَرَ اِبْن عُمَر مُلَازَمَتهَا وَإِظْهَارهَا فِي اَلْمَسَاجِدِ وَصَلَاتهَا جَمَاعَة , لَا أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَهَا فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ : إِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَفِي بُيُوتِكُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "1105",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَا حَدَّثَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرُ ‏ ‏أُمِّ هَانِئٍ ‏ ‏فَإِنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ‏ ‏ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَا حَدَّثَنَا أَحَد ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى \" أَدْرَكْتُ اَلنَّاس وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ فَلَمْ يُخْبِرْنِي أَحَد أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى اَلضُّحَى , إِلَّا أُمّ هَانِئ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْد اَللَّه بْن اَلْحَارِث اَلْهَاشِمِيِّ قَالَ \" سَأَلْتُ وَحَرَصْتُ عَلَى أَنْ أَجِدَ أَحَدًا مِنْ اَلنَّاسِ يُخْبِرُنِي أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّحَ سُبْحَة اَلضُّحَى فَلَمْ أَجِدْ غَيْر أُمّ هَانِئ بِنْت أَبِي طَالِب حَدَّثَتْنِي \" فَذَكَرَ اَلْحَدِيث. وَعَبْد اَللَّه بْن اَلْحَارِث هَذَا هُوَ اِبْن نَوْفَل بْن اَلْحَارِث بْن عَبْد اَلْمُطَّلِب مَذْكُور فِي اَلصَّحَابَةِ لِكَوْنِهِ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَبَيَّنَ اِبْن مَاجَهْ فِي رِوَايَتِهِ وَقْتَ سُؤَالِ عَبْد اَللَّه بْن اَلْحَارِث عَنْ ذَلِكَ وَلَفْظه \" سَأَلْتُ فِي زَمَنِ عُثْمَان وَالنَّاسُ مُتَوَافِرُونَ \". ) ‏ ‏قَوْله : ( غَيْرُ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ أَحَد. ‏ ‏قَوْله : ( أُمّ هَانِئ ) ‏ ‏هِيَ بِنْت أَبِي طَالِب أُخْتُ عَلِيّ شَقِيقَته , وَلَيْسَ لَهَا فِي اَلْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا وَحَدِيث آخَر تَقَدَّمَ فِي اَلطَّهَارَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( دَخَلَ بَيْتهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ اَلِاغْتِسَالَ وَقَعَ فِي بَيْتِهَا , وَوَقَعَ فِي اَلْمُوَطَّإِ وَمُسْلِم مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُرَّةَ عَنْ أُمّ هَانِئ أَنَّهَا ذَهَبَتْ إِلَى اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ فَوَجَدَتْهُ يَغْتَسِلُ , وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَة مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ أُمّ هَانِئ وَفِيهِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَتَرَهُ لَمَّا اِغْتَسَلَ , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُرَّةَ عَنْهَا أَنَّ فَاطِمَة بِنْتَهُ هِيَ اَلَّتِي سَتَرَتْهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِي بَيْتِهَا بِأَعْلَى مَكَّةَ وَكَانَتْ هِيَ فِي بَيْتٍ آخَرَ بِمَكَّةَ فَجَاءَتْ إِلَيْهِ فَوَجَدَتْهُ يَغْتَسِلُ فَيَصِحُّ اَلْقَوْلَانِ. وَأَمَّا اَلسَّتْرُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدهمَا سَتَرَهُ فِي اِبْتِدَاء اَلْغُسْل وَالْآخَر فِي أَثْنَائِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثَمَان رَكَعَات ) ‏ ‏زَاد كُرَيْب عَنْ أُمّ هَانِئ \" فَسَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ \" أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَة. وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ فِي صَلَاتِهَا مَوْصُولَة سَوَاء صَلَّى ثَمَان رَكَعَات أَوْ أَقَلَّ. وَفِي اَلطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيثِ اِبْن أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ صَلَّى اَلضُّحَى رَكْعَتَيْنِ , فَسَأَلَتْهُ اِمْرَأَتُهُ فَقَالَ إِنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ اَلْفَتْحِ رَكْعَتَيْنِ , وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ رَأَى مِنْ صَلَاةِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ , وَرَأَتْ أُمّ هَانِئ بَقِيَّة اَلثَّمَانِ , وَهَذَا يُقَوِّي أَنَّهُ صَلَّاهَا مَفْصُولَة وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا ) ‏ ‏يَعْنِي مِنْ صَلَاةِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ اَلتَّقْصِيرِ بِلَفْظِ \" فَمَا رَأَيْته صَلَّى صَلَاة قَطُّ أَخَفّ مِنْهَا \". وَفِي رِوَايَةِ عَبْد اَللَّه بْن اَلْحَارِث اَلْمَذْكُورَةِ \" لَا أَدْرِي أَقِيَامه فِيهَا أَطْوَل أَمْ رُكُوعه أَمْ سُجُوده كُلّ ذَلِكَ مُتَقَارِب \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِسْتِحْبَابِ تَخْفِيفِ صَلَاةِ اَلضُّحَى , وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اَلسَّبَب فِيهِ اَلتَّفَرُّغ لِمُهِمَّاتِ اَلْفَتْحِ لِكَثْرَةِ شُغْلِهِ بِهِ , وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اَلضُّحَى فَطَوَّلَ فِيهَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة. وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا اَلْحَدِيثِ عَلَى إِثْبَاتِ سُنَّة اَلضُّحَى , وَحَكَى عِيَاض عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيث أُمّ هَانِئ دَلَالَة عَلَى ذَلِكَ , قَالُوا : وَإِنَّمَا هِيَ سُنَّةُ اَلْفَتْحِ , وَقَدْ صَلَّاهَا خَالِد بْن اَلْوَلِيد فِي بَعْضِ فُتُوحِهِ كَذَلِكَ. وَقَالَ عِيَاض أَيْضًا : لَيْسَ حَدِيث أُمّ هَانِئَ بِظَاهِرٍ فِي أَنَّهُ قَصَدَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا سُنَّة اَلضُّحَى وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْ عَنْ وَقْتِ صَلَاتِهِ فَقَطْ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا كَانَتْ قَضَاء عَمَّا شُغِلَ عَنْهُ تِلْكَ اَللَّيْلَةَ مِنْ حِزْبِهِ فِيهِ. وَتَعَقَّبَهُ اَلنَّوَوِيُّ بِأَنَّ اَلصَّوَابَ صِحَّة اَلِاسْتِدْلَالِ بِهِ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ كُرَيْب عَنْ أُمّ هَانِئ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى سُبْحَة اَلضُّحَى , وَلِمُسْلِمٍ فِي كِتَاب اَلطَّهَارَة مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُرَّةَ عَنْ أُمّ هَانِئ فِي قِصَّة اِغْتِسَاله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ اَلْفَتْحِ \" ثُمَّ صَلَّى ثَمَان رَكَعَات سُبْحَة اَلضُّحَى \" وَرَوَى اِبْن عَبْد اَلْبَرّ فِي اَلتَّمْهِيدِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَة بْن خَالِد عَنْ أُمّ هَانِئ قَالَتْ \" قَدِمَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ فَصَلَّى ثَمَان رَكَعَات , فَقُلْت مَا هَذِهِ ؟ قَالَ : هَذِهِ صَلَاة اَلضُّحَى \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ صَلَاة اَلضُّحَى ثَمَان رَكَعَات. وَاسْتَبْعَدَهُ اَلسُّبْكِيّ وَوُجِّهَ بِأَنَّ اَلْأَصْلَ فِي اَلْعِبَادَةِ اَلتَّوَقُّف , وَهَذَا أَكْثَرُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ وَرَدَ مِنْ فِعْلِهِ دُونَ ذَلِكَ كَحَدِيثِ اِبْن أَبِي أَوْفَى أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى اَلضُّحَى رَكْعَتَيْنِ أَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ , وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيث عِتْبَان قَرِيبًا مِثْلَهُ , وَحَدِيث عَائِشَة عِنْد مُسْلِم \" كَانَ يُصَلِّي اَلضُّحَى أَرْبَعًا \" وَحَدِيث جَابِر عِنْد اَلطَّبَرَانِيّ فِي اَلْأَوْسَطِ أَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى اَلضُّحَى سِتّ رَكَعَات , وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ص2َلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ كَحَدِيثِ أَنَس مَرْفُوعًا \" مَنْ صَلَّى اَلضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اَللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي اَلْجَنَّةِ \" أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ. وَلَيْسَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اَلضَّعْف. وَعِنْد اَلطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي اَلدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا \" مَنْ صَلَّى اَلضُّحَى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ اَلْغَافِلِينَ , وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا كُتِبَ مِنْ اَلتَّائِبِينَ , وَمَنْ صَلَّى سِتًّا كُفِيَ ذَلِكَ اَلْيَوْمَ , وَمَنْ صَلَّى ثَمَانِيًا كُتِبَ مِنْ اَلْعَابِدِينَ , وَمَنْ صَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَة بَنَى اَللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي اَلْجَنَّةِ \" وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا , وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَوَاهُ اَلْبَزَّار وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الرُّويَانِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ : أَكْثَرُهَا ثِنْتَا عَشْرَةَ. وَقَالَ اَلنَّوَوِيّ فِي شَرْحِ اَلْمُهَذَّبِ : فِيهِ حَدِيث ضَعِيف , كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَنَس , لَكِنْ إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ حَدِيث أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي اَلدَّرْدَاءِ قَوِيَ وَصَلُحَ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ. وَنَقَلَ اَلتِّرْمِذِيّ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ أَصَحَّ شَيْءٍ وَرَدَ فِي اَلْبَابِ حَدِيث أُمّ هَانِئ. وَهُوَ كَمَا قَالَ , وَلِهَذَا قَالَ اَلنَّوَوِيّ فِي اَلرَّوْضَةِ : أَفْضَلُهَا ثَمَان وَأَكْثَرُهَا ثِنْتَا عَشْرَةَ , فَفَرَّقَ بَيْنَ اَلْأَكْثَرِ وَالْأَفْضَلِ. وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَنْ صَلَّى اَلِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَة فَإِنَّهَا تَقَعُ نَفْلًا مُطْلَقًا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ أَكْثَرَ سُنَّة اَلضُّحَى ثَمَان رَكَعَات فَأَمَّا مَنْ فَصَّلَ فَإِنَّهُ يَكُونُ صَلَّى اَلضُّحَى , وَمَا زَادَ عَلَى اَلثَّمَانِ يَكُونُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا فَتَكُونُ صَلَاته اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِي حَقِّهِ أَفْضَل مِنْ ثَمَانٍ لِكَوْنِهِ أَتَى بِالْأَفْضَلِ وَزَادَ , وَقَدْ ذَهَبَ قَوْم مِنْهُمْ أَبُو جَعْفَر اَلطَّبَرِيّ وَبِهِ جَزَمَ اَلْحَلِيمِيُّ وَالرُّويَانِيّ مِنْ اَلشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهَا. وَرَوَى مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ اَلنَّخَعِيّ قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ اَلْأَسْوَدَ بْن يَزِيد كَمْ أُصَلِّي اَلضُّحَى ؟ قَالَ : كَمْ شِئْت. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَة عِنْد مُسْلِم \" كَانَ يُصَلِّي اَلضُّحَى أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اَللَّهُ \" وَهَذَا اَلْإِطْلَاق قَدْ يُحْمَلُ عَلَى اَلتَّقْيِيدِ فَيُؤَكِّدُ أَنَّ أَكْثَرَهَا اِثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَة وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ أَفْضَلَهَا أَرْبَع رَكَعَاتٍ فَحَكَى اَلْحَاكِمُ فِي كِتَابِهِ اَلْمُفْرَدِ فِي صَلَاةِ اَلضُّحَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ اَلْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْتَارُونَ أَنْ تُصَلَّى اَلضُّحَى أَرْبَعًا لِكَثْرَةِ اَلْأَحَادِيثِ اَلْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ كَحَدِيثِ أَبِي اَلدَّرْدَاءِ وَأَبِي ذَرٍّ عِنْدَ اَلتِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا عَنْ اَللَّهِ تَعَالَى \" اِبْن آدَمَ اِرْكَعْ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ اَلنَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ \" وَحَدِيث نُعَيْم بْن حَمَّاد عِنْدَ اَلنَّسَائِيِّ , وَحَدِيث أَبِي أُمَامَةَ وَعَبْد اَللَّه بْن عَمْرو وَالنَّوَّاس بْن سَمْعَان كُلّهمْ بِنَحْوِهِ عِنْد اَلطَّبَرَانِيّ , وَحَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر وَأَبِي مُرَّةَ اَلطَّائِفِيّ كِلَاهُمَا عِنْدَ أَحْمَدَ بِنَحْوِهِ , وَحَدِيث عَائِشَة عِنْد مُسْلِم كَمَا تَقَدَّمَ , وَحَدِيث أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ \" مَنْ صَلَّى اَلضُّحَى أَرْبَعًا بَنَى اَللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي اَلْجَنَّةِ \" أَخْرَجَهُ اَلطَّبَرَانِيّ فِي اَلْأَوْسَطِ , وَحَدِيث أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا \" أَتَدْرُونَ قَوْله تَعَالَى ( وَإِبْرَاهِيمَ اَلَّذِي وَفَّى ) قَالَ : وَفِي عَمَلِ يَوْمِهِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتِ اَلضُّحَى \" أَخْرَجَهُ اَلْحَاكِمُ , وَجَمَعَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ فِي اَلْهَدْي اَلْأَقْوَالَ فِي صَلَاةِ اَلضُّحَى فَبَلَغَتْ سِتَّةً : اَلْأَوَّلُ مُسْتَحَبَّة , وَاخْتُلِفَ فِي عَدَدِهَا فَقِيلَ أَقَلّهَا رَكْعَتَانِ وَأَكْثَرهَا اِثْنَتَا عَشْرَة , وَقِيلَ أَكْثَرهَا ثَمَان , وَقِيلَ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ لَا تُشْرَعُ سِتًّا وَلَا عَشَرَة , وَقِيل كَالثَّانِي لَكِنْ لَا تُشْرَعُ سِتًّا , وَقِيلَ رَكْعَتَانِ فَقَطْ , وَقِيلَ أَرْبَعًا فَقَطْ , وَقِيل لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهَا. اَلْقَوْلُ اَلثَّانِي لَا تُشْرَعُ إِلَّا لِسَبَبٍ , وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْهَا إِلَّا بِسَبَبٍ , وَاتَّفَقَ وُقُوعُهَا وَقْتَ اَلضُّحَى , وَتَعَدَّدَتْ اَلْأَسْبَابُ : فَحَدِيث أُمّ هَانِئٍ فِي صَلَاتِهِ يَوْمَ اَلْفَتْحِ كَانَ بِسَبَبِ اَلْفَتْحِ وَأَنَّ سُنَّةَ اَلْفَتْحِ أَنْ يُصَلِّيَ ثَمَان رَكَعَات , وَنَقَلَهُ اَلطَّبَرِيّ مِنْ فِعْلِ خَالِد بْن اَلْوَلِيد لَمَّا فَتَحَ اَلْحِيرَة , وَفِي حَدِيثِ عَبْد اَللَّه بْن أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى اَلضُّحَى حِينَ بُشِّرَ بِرَأْسِ أَبِي جَهْل , وَهَذِهِ صَلَاة شُكْرٍ كَصَلَاتِهِ يَوْمَ اَلْفَتْحِ وَصَلَاتِهِ فِي بَيْت عِتْبَان إِجَابَة لِسُؤَالِهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ مَكَانًا يَتَّخِذُهُ مُصَلًّى فَاتَّفَقَ أَنَّهُ جَاءَهُ وَقْتَ اَلضُّحَى فَاخْتَصَرَهُ اَلرَّاوِي فَقَالَ \" صَلَّى فِي بَيْتِهِ اَلضُّحَى \" وَكَذَلِكَ حَدِيث بِنَحْوِ قِصَّة عِتْبَان مُخْتَصَرًا قَالَ أَنَس \" مَا رَأَيْته صَلَّى اَلضُّحَى إِلَّا يَوْمئِذٍ \" وَحَدِيث عَائِشَة لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي اَلضُّحَى إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ اَلطُّرُوقِ لَيْلًا فَيَقْدَمُ فِي أَوَّلِ اَلنَّهَارِ فَيَبْدَأُ بِالْمَسْجِدِ فَيُصَلِّي وَقْتَ اَلضُّحَى. اَلْقَوْلُ اَلثَّالِثُ لَا تُسْتَحَبُّ أَصْلًا , وَصَحَّ عَنْ عَبْد اَلرَّحْمَن بْن عَوْف أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا وَكَذَلِكَ اِبْن مَسْعُود. اَلْقَوْلُ اَلرَّابِعُ يُسْتَحَبُّ فِعْلُهَا تَارَة وَتَرْكُهَا تَارَةً بِحَيْثُ لَا يُوَاظِبُ عَلَيْهَا , وَهَذِهِ إِحْدَى اَلرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ. وَالْحُجَّةُ فِيهِ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" كَانَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي اَلضُّحَى حَتَّى نَقُولَ لَا يَدَعُهَا , وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ لَا يُصَلِّيهَا \" أَخْرَجَهُ اَلْحَاكِمُ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ \" كَانَ اِبْن عَبَّاس يُصَلِّيهَا عَشْرًا وَيَدَعُهَا عَشْرًا \" وَقَالَ اَلثَّوْرِيّ عَنْ مَنْصُور \" كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُحَافِظُوا عَلَيْهَا كَالْمَكْتُوبَةِ \" وَعَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر إِنِّي لَأَدَعُهَا وَأَنَا أُحِبُّهَا مَخَافَة أَنْ أَرَاهَا حَتْمًا عَلَيَّ. اَلْخَامِسُ تُسْتَحَبُّ صَلَاتهَا وَالْمُوَاظَبَة عَلَيْهَا فِي اَلْبُيُوتِ , أَيْ لِلْأَمْنِ مِنْ اَلْخَشْيَةِ اَلْمَذْكُورَةِ. اَلسَّادِسُ أَنَّهَا بِدْعَةٌ صَحَّ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَة عُرْوَة عَنْ اِبْن عُمَر , وَسُئِلَ أَنَس عَنْ صَلَاةِ اَلضُّحَى فَقَالَ \" اَلصَّلَوَات خَمْس \" وَعَنْ أَبِي بَكْرَة أَنَّهُ رَأَى نَاسًا يُصَلُّونَ اَلضُّحَى فَقَالَ \" مَا صَلَّاهَا رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَامَّةُ أَصْحَابِهِ \" وَقَدْ جَمَعَ اَلْحَاكِمُ اَلْأَحَادِيثَ اَلْوَارِدَةَ فِي صَلَاةِ اَلضُّحَى فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ وَذَكَرَ لِغَالِبِ هَذِهِ اَلْأَقْوَال مُسْتَنَدًا وَبَلغَ عَدَد رُوَاةِ اَلْحَدِيثِ فِي إِثْبَاتِهَا نَحْو اَلْعِشْرِينَ نَفْسًا مِنْ اَلصَّحَابَةِ. ( لَطِيفَة : رَوَى اَلْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي اَلْخَيْرِ عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر قَالَ \" أَمَرَنَا رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُصَلِّيَ اَلضُّحَى بِسُورٍ مِنْهَا : وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا , وَاَلضُّحَى \" اِنْتَهَى. وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ ظَاهِرَة جِدًّا. ‏"
    },
    {
        "id": "1106",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَا رَأَيْت رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّحَ سُبْحَة اَلضُّحَى ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّ اَلْمُرَادَ بِقَوْلِهِ اَلسُّبْحَة ـ اَلنَّافِلَة , وَأَصْلهَا مِنْ اَلتَّسْبِيحِ , وَخُصَّتْ اَلنَّافِلَة بِذَلِكَ لِأَنَّ اَلتَّسْبِيحَ اَلَّذِي فِي اَلْفَرِيضَةِ نَافِلَة فَقِيلَ لِصَلَاةِ اَلنَّافِلَةِ سُبْحَة لِأَنَّهَا كَالتَّسْبِيحِ فِي اَلْفَرِيضَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنِّي لِأُسَبِّحهَا ) ‏ ‏كَذَا هُنَا مِنْ اَلسُّبْحَةِ , وَتَقَدَّمَ فِي \" بَابِ اَلتَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اَللَّيْلِ \" بِلَفْظ \" وَإِنِّي لَأَسْتَحِبّهَا \" مِنْ اَلِاسْتِحْبَابِ , وَهُوَ مِنْ رِوَايَة مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا وَجْه , لَكِنَّ اَلْأَوَّلَ يَقْتَضِي اَلْفِعْل وَالثَّانِي لَا يَسْتَلْزِمُهُ , وَجَاءَ عَنْ عَائِشَة فِي ذَلِكَ أَشْيَاء مُخْتَلِفَة أَوْرَدَهَا مُسْلِم ; فَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْد اَللَّه بْن شَقِيق \" قُلْت لِعَائِشَة : أَكَانَ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي اَلضُّحَى ؟ قَالَتْ : لَا , إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ \" , وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذَةَ عَنْهَا \" كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي اَلضُّحَى أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اَللَّهُ \" فَفِي اَلْأَوَّلِ نَفْيُ رُؤْيَتِهَا لِذَلِكَ مُطْلَقًا , وَفِي اَلثَّانِي تَقْيِيد اَلنَّفْي بِغَيْرِ اَلْمَجِيءِ مِنْ مَغِيبِهِ , وَفِي اَلثَّالِثِ اَلْإِثْبَات مُطْلَقًا. وَقَدْ اِخْتَلَفَ اَلْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ : فَذَهَبَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ وَجَمَاعَة إِلَى تَرْجِيحِ مَا اِتَّفَقَ اَلشَّيْخَانِ عَلَيْهِ دُونَ مَا اِنْفَرَدَ بِهِ مُسْلِم وَقَالُوا : إِنَّ عَدَمَ رُؤْيَتِهَا لِذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَم اَلْوُقُوعِ , فَيُقَدَّمُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ اَلصَّحَابَةِ اَلْإِثْبَاتُ , وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى اَلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. قَالَ اَلْبَيْهَقِيّ : عِنْدِي أَنَّ اَلْمُرَادَ بِقَوْلِهَا \" مَا رَأَيْته سَبَّحَهَا \" أَيْ دَاوَمَ عَلَيْهَا. وَقَوْلُهَا \" وَإِنِّي لَأُسَبِّحهَا \" أَيْ أُدَاوِمُ عَلَيْهَا , وَكَذَا قَوْلهَا \" وَمَا أَحْدَثَ اَلنَّاس شَيْئًا \" تَعْنِي اَلْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا. قَالَ : وَفِي بَقِيَّةِ اَلْحَدِيثِ - أَيْ اَلَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِك - إِشَارَة إِلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَتْ \" وَإِنْ كَانَ لَيَدَعُ اَلْعَمَل وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَة أَنْ يَعْمَلَ بِهِ اَلنَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ \" اِنْتَهَى. وَحَكَى اَلْمُحِبّ اَلطَّبَرِيّ أَنَّهُ جُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهَا \" مَا كَانَ يُصَلِّي إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ \" وَقَوْلهَا \" كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اَللَّهُ \" بِأَنَّ اَلْأَوَّل مَحْمُول عَلَى صَلَاتِهِ إِيَّاهَا فِي اَلْمَسْجِدِ , وَالثَّانِي عَلَى اَلْبَيْتِ. قَالَ : وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثهَا اَلثَّالِث - يَعْنِي حَدِيث اَلْبَابِ - وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ اَلْمَنْفِيَّ صِفَة مَخْصُوصَة , وَأُخِذَ اَلْجَمْع اَلْمَذْكُور مِنْ كَلَامِ ابْن حِبَّانَ. وَقَالَ عِيَاض وَغَيْره : قَوْلُهُ \" مَا صَلَّاهَا \" مَعْنَاهَا مَا رَأَيْته يُصَلِّيهَا , وَالْجَمْع بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهَا \" كَانَ يُصَلِّيهَا \" أَنَّهَا أَخْبَرَتْ فِي اَلْإِنْكَارِ عَنْ مُشَاهَدَتِهَا وَفِي اَلْإِثْبَاتِ عَنْ غَيْرِهَا. وَقِيلَ فِي اَلْجَمْعِ أَيْضًا : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَفَتْ صَلَاةَ اَلضُّحَى اَلْمَعْهُودَةَ حِينَئِذٍ مِنْ هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ , وَأَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ يُصَلِّيهَا إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ لَا بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ وَلَا بِغَيْرِهِ كَمَا قَالَتْ \" يُصَلِّي أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اَللَّهُ \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏حَدِيث عَائِشَة يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا رُوِيَ عَنْ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ صَلَاةَ اَلضُّحَى كَانَتْ وَاجِبَة عَلَيْهِ , وَعَدَّهَا لِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ اَلْعُلَمَاءِ مِنْ خَصَائِصِهِ , وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فِي خَبَرٍ صَحِيحٍ. وَقَوْل الْمَاوَرْدِيّ فِي اَلْحَاوِي إِنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاظَبَ عَلَيْهَا بَعْدَ يَوْمِ اَلْفَتْحِ إِلَى أَنْ مَاتَ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أُمّ هَانِئٍ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ. وَلَا يُقَالُ إِنَّ نَفْي أُمّ هَانِئ لِذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْهُ اَلْعَدَم لِأَنَّا نَقُولُ : يَحْتَاجُ مَنْ أَثْبَتَهُ إِلَى دَلِيل , وَلَوْ وُجِدَ لَمْ يَكُنْ حُجَّة , لِأَنَّ عَائِشَة ذَكَرَتْ أَنَّهُ كَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ , فَلَا تَسْتَلْزِمُ اَلْمُوَاظَبَة عَلَى هَذَا اَلْوُجُوبِ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1107",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبَّاسٌ الْجُرَيْرِيُّ هُوَ ابْنُ فَرُّوخَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبَّاس ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ , وَالْجُرَيْرِيُّ بِضَمِّ اَلْجِيمِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْصَانِي خَلِيلِي ) ‏ ‏اَلْخَلِيل اَلصَّدِيق اَلْخَالِص اَلَّذِي تَخَلَّلَتْ مَحَبَّتُهُ اَلْقَلْبَ فَصَارَتْ فِي خِلَالِهِ أَيْ فِي بَاطِنِهِ , وَاخْتُلِفَ هَلْ اَلْخُلَّةُ أَرْفَع مِنْ اَلْمَحَبَّةِ أَوْ اَلْعَكْس , وَقَوْل أَبَى هُرَيْرَة هَذَا لَا يُعَارِضُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْر \" لِأَنَّ اَلْمُمْتَنِعَ أَنْ يَتَّخِذَ هُوَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَهُ خَلِيلًا لَا اَلْعَكْسُ , وَلَا يُقَالُ إِنَّ الْمُخَالَلَةَ لَا تَتِمُّ حَتَّى تَكُونَ مِنْ اَلْجَانِبَيْنِ لِأَنَّا نَقُولُ : إِنَّمَا نَظَرَ اَلصَّحَابِيُّ إِلَى أَحَدِ اَلْجَانِبَيْنِ فَأَطْلَقَ ذَلِكَ , أَوْ لَعَلَّهُ أَرَادَ مُجَرَّدَ اَلصُّحْبَةِ أَوْ اَلْمَحَبَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ ) ‏ ‏يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْله \" لَا أَدَعُهُنَّ إِلَخْ \" مِنْ جُمْلَةِ اَلْوَصِيَّةِ , أَيْ أَوْصَانِي أَنْ لَا أَدْعَهُنَّ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِخْبَارِ اَلصَّحَابِيِّ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( صَوْم ثَلَاثَةِ أَيَّامِ ) ‏ ‏بِالْخَفْضِ بَدَل مِنْ قَوْلِهِ \" بِثَلَاث \" , وَيَجُوزُ اَلرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ كُلِّ شَهْرِ ) ‏ ‏اَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اَلْمُرَادَ بِهَا اَلْبَيْض , وَسَيَأْتِي تَفْسِيرهَا فِي كِتَاب اَلصَّوْم. ‏ ‏قَوْله : ( وَصَلَاة اَلضُّحَى ) ‏ ‏زَاد أَحْمَد فِي رِوَايَتِهِ \" كُلّ يَوْم \" وَسَيَأْتِي فِي اَلصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي التَّيَّاح عَنْ أَبِي عُثْمَان بِلَفْظ \" وَرَكْعَتَيْ اَلضُّحَى \" قَالَ اِبْن دَقِيقِ اَلْعِيدِ : لَعَلَّهُ ذَكَرَ اَلْأَقَلّ اَلَّذِي يُوجَدُ اَلتَّأْكِيد بِفِعْلِهِ , وَفِي هَذَا دَلَالَة عَلَى اِسْتِحْبَاب صَلَاة اَلضُّحَى وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ , وَعَدَم مُوَاظَبَةِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِعْلِهَا لَا يُنَافِي اِسْتِحْبَابهَا لِأَنَّهُ حَاصِلٌ بِدَلَالَةِ اَلْقَوْلِ , وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ اَلْحُكْمِ أَنْ تَتَضَافَرَ عَلَيْهِ أَدِلَّة اَلْقَوْلِ وَالْفِعْلِ , لَكِنْ مَا وَاظَبَ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِعْلِهِ مُرَجَّح عَلَى مَا لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَوْم عَلَى وِتْرِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي التَّيَّاح \" وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ \" وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب تَقْدِيم اَلْوِتْر عَلَى اَلنَّوْمِ وَذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَثِقْ بِالِاسْتِيقَاظِ , وَيَتَنَاوَلُ مَنْ يُصَلِّي بَيْنَ اَلنَّوْمَيْنِ. وَهَذِهِ اَلْوَصِيَّةُ لِأَبِي هُرَيْرَة وَرَدَ مَثَلُهَا لِأَبِي اَلدَّرْدَاءِ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِم , وَلِأَبِي ذَرٍّ فِيمَا رَوَاهُ اَلنَّسَائِيّ. وَالْحِكْمَةُ فِي اَلْوَصِيَّةِ عَلَى اَلْمُحَافَظَةِ عَلَى ذَلِكَ تَمْرِين اَلنَّفْسِ عَلَى جِنْس اَلصَّلَاة وَالصِّيَام لِيَدْخُل فِي اَلْوَاجِبِ مِنْهُمَا بِانْشِرَاحٍ , وَلِيَنْجَبِرَ مَا لَعَلَّهُ يَقَعُ فِيهِ مِنْ نَقْص. وَمِنْ فَوَائِدِ رَكْعَتَيْ اَلضُّحَى أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ اَلصَّدَقَةِ اَلَّتِي تُصْبِحُ عَلَى مَفَاصِلِ اَلْإِنْسَانِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَهِيَ ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ مِفْصَلًا كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ فِيهِ \" وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ رَكْعَتَا اَلضُّحَى \" وَحَكَى شَيْخُنَا اَلْحَافِظ أَبُو اَلْفَضْل بْن اَلْحُسَيْن فِي شَرْحِ اَلتِّرْمِذِيّ أَنَّهُ اشْتَهَرَ بَيْنَ اَلْعَوَامِّ أَنَّ مَنْ صَلَّى اَلضُّحَى ثُمَّ قَطَعَهَا يَعْمَى , فَصَارَ كَثِير مِنْ اَلنَّاسُ يَتْرُكُونَهَا أَصْلًا لِذَلِكَ , وَلَيْسَ لِمَا قَالُوهُ أَصْل , بَلْ اَلظَّاهِر أَنَّهُ مِمَّا أَلْقَاهُ اَلشَّيْطَانُ عَلَى أَلْسِنَةِ اَلْعَوَامِّ لِيَحْرِمهُمْ اَلْخَيْر اَلْكَثِير لَا سِيَّمَا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ. ( تَنْبِيهَانِ : اَلْأَوَّلُ اِقْتَصَرَ فِي اَلْوَصِيَّةِ لِلثَّلَاثَةِ اَلْمَذْكُورِينَ عَلَى اَلثَّلَاثَةِ اَلْمَذْكُورَةِ لِأَنَّ اَلصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ أَشْرَفُ اَلْعِبَادَات اَلْبَدَنِيَّة , وَلَمْ يَكُنْ اَلْمَذْكُورُونَ مِنْ أَصْحَابِ اَلْأَمْوَالِ. وَخُصَّتْ اَلصَّلَاةُ بِشَيْئَيْنِ لِأَنَّهَا تَقَعُ لَيْلًا وَنَهَارًا بِخِلَافِ اَلصِّيَامِ. ( اَلثَّانِي لَيْسَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة تَقْيِيد بِسَفَرٍ وَلَا حَضَر. وَالتَّرْجَمَةُ مُخْتَصَّة بِالْحَضَرِ , لَكِنَّ اَلْحَدِيثَ يَتَضَمَّنُ اَلْحَضَر لِأَنَّ إِرَادَة اَلْحَضَر فِيهِ ظَاهِرَة , وَحَمْله عَلَى اَلْحَضَرِ وَالسَّفَر مُمْكِن , وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى اَلسَّفَرِ دُونَ اَلْحَضَرِ فَبَعِيد لِأَنَّ اَلسَّفَرَ مَظِنَّة اَلتَّخْفِيف. ‏"
    },
    {
        "id": "1108",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَكَانَ ضَخْمًا ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ فَصَنَعَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَعَامًا فَدَعَاهُ إِلَى بَيْتِهِ وَنَضَحَ لَهُ طَرَفَ حَصِيرٍ بِمَاءٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ فُلَانُ بْنُ فُلَانِ ‏ ‏بْنِ جَارُودٍ ‏ ‏لِأَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي الضُّحَى فَقَالَ مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ رَجُل مِنْ اَلْأَنْصَارِ ) ‏ ‏قِيلَ هُوَ عِتْبَان بْن مَالِك , لِأَنَّ فِي قِصَّتِهِ شَبَهًا بِقِصَّتِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا اَلْحَدِيث عَنْ آدَم عَنْ شُعْبَة بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ فِي \" بَاب هَلْ يُصَلِّي اَلْإِمَام بِمَنْ حَضَرَ \" مِنْ أَبْوَابِ اَلْإِمَامَةِ مَعَ اَلْكَلَامِ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( يُصَلِّي اَلضُّحَى ) ‏ ‏قَالَ اِبْن رَشِيد : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ كَالْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُمْ وَإِلَّا فَصَلَاته صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ اَلْأَنْصَارِيّ وَإِنْ كَانَتْ فِي وَقْتِ صَلَاةِ اَلضُّحَى لَا يَلْزَمُ نِسْبَتُهَا لِصَلَاةِ اَلضُّحَى. قُلْت : إِلَّا أَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ اَلْقِصَّةَ لِعِتْبَانَ بْن مَالِك , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَدْر اَلْبَاب أَنَّ عِتْبَان سَمَّاهَا صَلَاة اَلضُّحَى فَاسْتَقَامَ مُرَاد اَلْمُصَنِّفِ , وَتَقْيِيده ذَلِكَ بِالْحَضَرِ ظَاهِر لِكَوْنِهِ صَلَّى فِي بَيْتِهِ. ) ‏ ‏قَوْله : ( مَا رَأَيْته صَلَّى ) ‏ ‏فِي اَلرِّوَايَةِ اَلْمَاضِيَةِ \" يُصَلِّي اَلضُّحَى \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا ذَلِكَ اَلْيَوْمَ ) ‏ ‏يَأْتِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْره فِي حَدِيث اِبْن عُمَر وَعَائِشَة مِنْ اَلْجَمْعِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1109",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَفِظْتُ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَشْرَ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَكَانَتْ سَاعَةً لَا يُدْخَلُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيهَا حَدَّثَتْنِي ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَطَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1110",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ ‏ ‏الْغَدَاةِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏وَعَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن اَلْمُنْتَشِرِ ) ‏ ‏بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَنُونٍ سَاكِنَةٍ وَمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا شِين مُعْجَمَة مَكْسُورَة ثُمَّ رَاء. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وَكِيع عَنْ شُعْبَة عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ \" سَمِعْتُ عَائِشَة \" أَخْرَجَهُ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ , وَحَكَى عَنْ شَيْخِهِ أَبِي اَلْقَاسِم اَلْبَغَوِيّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ بِهِ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَان بْن عُمَر عَنْ شُعْبَة فَأَدْخَلَ بَيْنَ مُحَمَّد بْن اَلْمُنْتَشِرِ وَعَائِشَة مَسْرُوقًا وَأَخْبَرَهُ أَنَّ حَدِيث وَكِيع وَهْم , وَرَدَّ ذَلِكَ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّ مُحَمَّد بْن جَعْفَر قَدْ وَافَقَ وَكِيعًا عَلَى اَلتَّصْرِيحِ بِسَمَاعِ مُحَمَّد مِنْ عَائِشَة ثُمَّ سَاقَهُ بِسَنَدِهِ إِلَى شُعْبَة عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَة , قَالَ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ : وَلَمْ يَكُنْ يَحْيَى بْن سَعِيد - يَعْنِي اَلْقَطَّان اَلَّذِي أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقِهِ لِيَحْمِلهُ مُدَلِّسًا , قَالَ : وَالْوَهْمُ عِنْدِي فِيهِ مِنْ عُثْمَان بْن عُمَر اِنْتَهَى. وَبِذَلِكَ جَزَمَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي \" اَلْعِلَلِ \" وَأَوْضَحَ أَنَّ رِوَايَةَ عُثْمَان بْن عُمَر مِنْ اَلْمَزِيدِ فِي مُتَّصِل اَلْأَسَانِيد , لَكِنْ أَخْرَجَهُ اَلدَّارِمِيّ عَنْ عُثْمَان بْن عُمَر بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَسْرُوقًا. فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سَقَطَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ , أَوْ يَكُونَ اَلْوَهْمُ فِي زِيَادَتِهِ مِمَّنْ دُونَ عُثْمَان بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ اِبْن أَبِي عَدِيّ ) ‏ ‏زَاد اَلْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْن اَلْمُبَارَك وَمُعَاذ بْن مُعَاذ وَوَهْب بْن جَرِير كُلّهمْ عَنْ شُعْبَة بِسَنَدِهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَسْرُوق. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَمْرو عَنْ شُعْبَةَ ) ‏ ‏يَعْنِي عَمْرو بْن مَرْزُوق , وَقَدْ وَصَلَ حَدِيثَهُ الْبُرْقَانِيّ فِي اَلْمُصَافَحَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1111",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحُسَيْنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اَلْحُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن ذَكْوَانَ اَلْمُعَلِّمُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد اَللَّه اَلْمُزَنِيُّ ) ‏ ‏هُوَ ابْن مُغَفَّل بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ اَلْمُشَدَّدَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ اَلْمَغْرِبِ ) ‏ ‏زَاد أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الْفَرَبْرِيّ عَنْ عَبْد اَلْوَارِث بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ \" صَلُّوا قَبْلَ اَلْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ \" ثُمَّ قَالَ \" صَلُّوا قَبْلَ اَلْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ \" وَأَعَادَهَا اَلْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا اَلْوَجْهِ ثَلَاث مَرَّات , وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ اَلْمُصَنِّفِ \" قَالَ فِي اَلثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي اَلْمُسْتَخْرَجِ \" صَلُّوا قَبْلَ اَلْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ قَالَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ : لِمَنْ شَاءَ \". ‏ ‏قَوْله : ( كَرَاهِيَة أَنْ يَتَّخِذَهَا اَلنَّاسُ سُنَّةً ) ‏ ‏قَالَ اَلْمُحِبّ اَلطَّبَرِيّ : لَمْ يُرِدْ نَفْي اِسْتِحْبَابهَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا لَا يُسْتَحَبُّ , بَلْ هَذَا اَلْحَدِيث مِنْ أَقْوَى اَلْأَدِلَّةِ عَلَى اِسْتِحْبَابِهَا , وَمَعْنَى قَوْلِهِ \" سُنَّة \" أَيْ شَرِيعَة وَطَرِيقَة لَازِمَة , وَكَأَنَّ اَلْمُرَادَ اِنْحِطَاط مَرْتَبَتهَا عَنْ رَوَاتِب اَلْفَرَائِض , وَلِهَذَا لَمْ يَعُدَّهَا أَكْثَر اَلشَّافِعِيَّةِ فِي اَلرَّوَاتِبِ وَاسْتَدْرَكَهَا بَعْضهمْ , وَتُعُقِّبُ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاظَبَ عَلَيْهَا , وَتَقَدَّمَ اَلْكَلَام عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي \" بَاب كَمْ بَيْنَ اَلْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ \" مِنْ أَبْوَابِ اَلْأَذَانِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1112",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ هُوَ الْمُقْرِئُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مَرْثَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيَّ ‏ ‏قَالَ أَتَيْتُ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏أَلَا أُعْجِبُكَ مِنْ ‏ ‏أَبِي تَمِيمٍ ‏ ‏يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقَالَ ‏ ‏عُقْبَةُ ‏ ‏إِنَّا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْتُ فَمَا يَمْنَعُكَ الْآنَ قَالَ الشُّغْلُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْيَزَنِيّ ) ‏ ‏بِفَتْح اَلتَّحْتَانِيَّة وَالزَّاي بَعْدَهَا نُون وَهُوَ مِصْرِيّ , وَكَذَا بَقِيَّة رِجَال اَلْإِسْنَاد سِوَى شَيْخ اَلْبُخَارِيّ وَقَدْ دَخَلَهَا. ‏ ‏قَوْلهَا : ( أَلَا أُعَجِّبك ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيدِ اَلْجِيمِ مِنْ اَلتَّعَجُّبِ. ) ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أَبِي تَمِيم ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اَللَّه بْن مَالِك الْجَيْشَانِيّ بِفَتْحِ اَلْجِيمِ وَسُكُون اَلتَّحْتَانِيَّة بَعْدَهَا مُعْجَمَة تَابِعِيّ كَبِير مُخَضْرَم أَسْلَمَ فِي عَهْدِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَرَأَ اَلْقُرْآنَ عَلَى مُعَاذ بْن جَبَل ثُمَّ قَدِمَ فِي زَمَنِ عُمَرَ فَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَسَكَنَهَا , قَالَ اِبْن يُونُس : وَقَدْ عَدَّهُ جَمَاعَة فِي اَلصَّحَابَةِ لِهَذَا اَلْإِدْرَاكِ , وَلَمْ يَذْكُرْ اَلْمِزِّيّ فِي \" اَلتَّهْذِيبِ \" أَنَّ اَلْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ لَهُ , وَهُوَ عَلَى شَرْطِهِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِهَذَا اَلْحَدِيثِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏زَاد اَلْإِسْمَاعِيلِيّ \" حِينَ يَسْمَعُ أَذَان اَلْمَغْرِب \" وَفِيهِ \" فَقُلْت لِعُقْبَةَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْمِصَهُ \" وَهُوَ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة أَيْ أَعِيبُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عُقْبَة إِلَخْ ) ‏ ‏اِسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِمْتِدَاد وَقْتِ اَلْمَغْرِبِ وَلَا حُجَّة فِيهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي اَلْبَابِ اَلسَّابِقِ , وَقَالَ قَوْم : إِنَّمَا تُسْتَحَبُّ اَلرَّكْعَتَانِ اَلْمَذْكُورَتَانِ لِمَنْ كَانَ مُتَأَهِّبًا بِالطُّهْرِ وَسَتْرِ اَلْعَوْرَةِ لِئَلَّا يُؤَخِّرُ اَلْمَغْرِب عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا , وَلَا شَكَّ أَنَّ إِيقَاعَهَا فِي أَوَّلِ اَلْوَقْتِ أَوْلَى , وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ اِسْتِحْبَابهمَا مَا لَمْ تُقَمْ اَلصَّلَاةُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ اَلْكَلَام عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ فِي اَلْبَابِ اَلسَّابِقِ , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى قَوْلِ اَلْقَاضِي أَبِي بَكْر بْن اَلْعَرَبِيِّ : لَمْ يَفْعَلْهُمَا أَحَد بَعْدَ اَلصَّحَابَةِ , لِأَنَّ أَبَا تَمِيم تَابِعِيّ وَقَدْ فَعَلَهُمَا. وَذَكَرَ اَلْأَثْرَم عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : مَا فَعَلْتُهُمَا إِلَّا مَرَّة وَاحِدَة حِينَ سَمِعْتُ اَلْحَدِيثَ. وَفِيهِ أَحَادِيثُ جِيَاد عَنْ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ \" لِمَنْ شَاءَ \" فَمَنْ شَاءَ صَلَّى. ‏"
    },
    {
        "id": "1113",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَقَلَ ‏ ‏مَجَّةً ‏ ‏مَجَّهَا فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ ‏ ‏فَزَعَمَ ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي ‏ ‏بِبَنِي سَالِمٍ ‏ ‏وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَادٍ إِذَا جَاءَتْ الْأَمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مَسْجِدِهِمْ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَإِنَّ الْوَادِيَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي يَسِيلُ إِذَا جَاءَتْ الْأَمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ فَوَدِدْتُ أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي مِنْ بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَأَفْعَلُ ‏ ‏فَغَدَا ‏ ‏عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَبَّرَ وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ فَحَبَسْتُهُ عَلَى خَزِيرٍ يُصْنَعُ لَهُ فَسَمِعَ أَهْلُ الدَّارِ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَيْتِي فَثَابَ رِجَالٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ فِي الْبَيْتِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مَا فَعَلَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏لَا أَرَاهُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ ذَاكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَقُلْ ذَاكَ أَلَا تَرَاهُ قَالَ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ أَمَّا نَحْنُ فَوَاللَّهِ لَا نَرَى وُدَّهُ وَلَا حَدِيثَهُ إِلَّا إِلَى الْمُنَافِقِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏فَحَدَّثْتُهَا قَوْمًا فِيهِمْ ‏ ‏أَبُو أَيُّوبَ ‏ ‏صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي غَزْوَتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا ‏ ‏وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَلَيْهِمْ بِأَرْضِ ‏ ‏الرُّومِ ‏ ‏فَأَنْكَرَهَا عَلَيَّ ‏ ‏أَبُو أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ مَا قُلْتَ قَطُّ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيَّ فَجَعَلْتُ لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ سَلَّمَنِي حَتَّى أَقْفُلَ مِنْ غَزْوَتِي أَنْ أَسْأَلَ عَنْهَا ‏ ‏عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏إِنْ وَجَدْتُهُ حَيًّا فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ فَقَفَلْتُ فَأَهْلَلْتُ بِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ سِرْتُ حَتَّى قَدِمْتُ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَأَتَيْتُ ‏ ‏بَنِي سَالِمٍ ‏ ‏فَإِذَا ‏ ‏عِتْبَانُ ‏ ‏شَيْخٌ أَعْمَى ‏ ‏يُصَلِّي لِقَوْمِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرْتُهُ مَنْ أَنَا ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏قِيلَ هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , فَإِنَّ هَذَا اَلْحَدِيثَ وَقَعَ فِي مُسْنَدِهِ بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ , لَكِنْ فِي لَفْظِهِ مُخَالَفَة يَسِيرَة فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِسْحَاق شَيْخ اَلْبُخَارِيّ فِيهِ هُوَ اِبْن مَنْصُور. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا يَعْقُوب ) ‏ ‏اَلتَّعْبِير بِالْإِخْبَارِ قَرِينَة فِي كَوْن إِسْحَاق هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , لِأَنَّهُ لَا يُعَبِّرُ عَنْ شُيُوخِهِ إِلَّا بِذَلِكَ , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَةَ وَأَبِي اَلْوَقْتِ وَغَيْرهمَا بِلَفْظِ اَلتَّحْدِيث , وَيَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم اَلْمَذْكُور هُوَ اِبْن سَعْد بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اَلرَّحْمَن بْن عَوْف اَلزُّهْرِيّ. ) ‏ ‏قَوْله : ( وَعَقَلَ مَجَّةً ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اَلْعِلْمِ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ فِي دَارِهِمْ ) ‏ ‏أَيْ اَلدَّلْوِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" كَانَتْ \" أَيْ اَلْبِئْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَزَعَمَ مَحْمُود ) ‏ ‏أَيْ أَخْبَرَ , وَهُوَ مِنْ إِطْلَاق اَلزَّعْم عَلَى اَلْقَوْلِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَشُقُّ عَلَيَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَشَقَّ \" بِصِيغَة اَلْمَاضِي. قَوْلُهُ : ( أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ نُصَلِّيَ بِصِيغَةِ اَلْجَمْعِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِالْإِفْرَادِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا فَعَلَ مَالِك ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الدَّخْشَنِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا أَرَاهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ اَلْهَمْزَةِ مِنْ اَلرُّؤْيَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مَحْمُود بْن اَلرَّبِيع ) ‏ ‏أَيْ بِالْإِسْنَادِ اَلْمَاضِي ‏ ‏( فَحَدَّثْتهَا قَوْمًا ) ‏ ‏أَيْ رِجَالًا ( ‏ ‏فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ ) ‏ ‏هُوَ خَالِد بْن زَيْد اَلْأَنْصَارِيّ اَلَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ اَلْمَدِينَةَ. ) ‏ ‏قَوْله : ( اَلَّتِي تُوَفِّيَ فِيهَا ) ‏ ‏ذَكَرَ اِبْن سَعْد وَغَيْرُهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوب أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ تَحْتَ أَقْدَامِ اَلْخَيْلِ وَيُغَيَّبَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ فَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ جِدَار اَلْقُسْطَنْطِينِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَزِيدُ بْن مُعَاوِيَة ) ‏ ‏اِبْن أَبِي سُفْيَان , ‏ ‏قَوْله : ( عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏أَيْ كَانَ أَمِيرًا , وَذَلِكَ فِي سَنَة خَمْسِينَ وَقِيلَ بَعْدَهَا فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَة , وَوَصَلُوا فِي تِلْكَ اَلْغَزْوَةِ حَتَّى حَاصَرُوا اَلْقُسْطَنْطِينِيَّةَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْكَرَهَا عَلَيَّ ) ‏ ‏قَدْ بَيَّنَ أَبُو أَيُّوب وَجْه اَلْإِنْكَار وَهُوَ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ نَفْيِ اَلْقَوْلِ اَلْمَذْكُورِ , وَمَا اَلْبَاعِثُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ فَقِيلَ إِنَّهُ اِسْتَشْكَلَ قَوْله \" إِنَّ اَللَّهَ قَدْ حَرَّمَ اَلنَّارَ عَلَى مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه \" لِأَنَّ ظَاهِرَهُ لَا يَدْخُلُ أَحَد مِنْ عُصَاةِ اَلْمُوَحِّدِينَ اَلنَّار , وَهُوَ مُخَالِفٌ لِآيَاتٍ كَثِيرَةٍ وَأَحَادِيثَ شَهِيرَةٍ مِنْهَا أَحَادِيث اَلشَّفَاعَة , لَكِنَّ اَلْجَمْعَ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُحْمَلَ اَلتَّحْرِيم عَلَى اَلْخُلُودِ , وَقَدْ وَافَقَ مَحْمُودًا عَلَى رِوَايَةِ هَذَا اَلْحَدِيثِ عَنْ عِتْبَان أَنَسُ بْن مَالِك كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِهِ وَهُوَ مُتَابِعٌ قَوِيٌّ جِدًّا , وَكَأَنَّ اَلْحَامِلَ لِمَحْمُودٍ عَلَى اَلرُّجُوعِ إِلَى عِتْبَانَ لِيَسْمَع اَلْحَدِيث مِنْهُ ثَانِي مَرَّةٍ أَنَّ أَبَا أَيُّوب لَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ اِتَّهَمَ نَفْسه بِأَنْ يَكُونَ مَا ضَبَطَ اَلْقَدْر اَلَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ , وَلِهَذَا قَنِعَ بِسَمَاعِهِ عَنْ عِتْبَان ثَانِي مَرَّة. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَقْفِلَ ) ‏ ‏بِقَافٍ وَفَاءٍ أَيْ أَرْجِعَ وَزْنًا وَمَعْنًى , وَفِي هَذَا اَلْحَدِيثِ فَوَائِد كَثِيرَة تَقَدَّمَتْ مَبْسُوطَة فِي \" بَابِ اَلْمَسَاجِدِ فِي اَلْبُيُوتِ \" وَفِيهِ مَا تَرْجَمَ لَهُ هُنَا وَهُوَ صَلَاةُ اَلنَّوَافِلِ جَمَاعَة , وَرَوَى اِبْن وَهْب عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَؤُمَّ اَلنَّفَر فِي اَلنَّافِلَةِ , فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ مُشْتَهِرًا وَيُجْمَعَ لَهُ اَلنَّاس فَلَا , وَهَذَا بَنَاهُ عَلَى قَاعِدَتِهِ فِي سَدِّ اَلذَّرَائِعِ لِمَا يَخْشَى مِنْ أَنْ يَظُنَّ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ فَرِيضَة , وَاسْتَثْنَى اِبْن حَبِيب مِنْ أَصْحَابِهِ قِيَام رَمَضَان لِاشْتِهَارِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ اَلصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمْ , وَفِي اَلْحَدِيثِ مِنْ اَلْفَوَائِدِ مَا تَقَدَّمَ بَعْضه مَبْسُوطًا , وَمُلَاطَفَة اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَطْفَالِ , وَذَكَرَ اَلْمَرْء مَا فِيهِ مِنْ اَلْعِلَّةِ مُعْتَذِرًا , وَطَلَب عَيْنَ اَلْقِبْلَة , وَأَنَّ اَلْمَكَانَ اَلْمُتَّخَذَ مَسْجِدًا مِنْ اَلْبَيْتِ لَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ صَاحِبِهِ , وَأَنَّ اَلنَّهْيَ عَنْ اسْتِيطَانِ اَلرَّجُل مَكَانًا إِنَّمَا هُوَ فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْعَامِّ , وَفِيهِ عَيْب مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ حُضُورِ مَجْلِسِ اَلْكَبِيرِ , وَأَنَّ مَنْ عِيبَ بِمَا يَظْهَرُ مِنْهُ لَا يُعَدُّ غِيبَة وَأَنَّ ذِكْرَ اَلْإِنْسَانِ بِمَا فِيهِ عَلَى جِهَةِ اَلتَّعْرِيفِ جَائِز , وَأَنَّ اَلتَّلَفُّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ كَافٍ فِي إِجْرَاءِ أَحْكَامِ اَلْمُسْلِمِينَ , وَفِيهِ اِسْتِثْبَات طَالِب اَلْحَدِيثِ شَيْخه عَمَّا حَدَّثَهُ بِهِ إِذَا خَشِيَ مِنْ نِسْيَانِهِ وَإِعَادَة اَلشَّيْخِ اَلْحَدِيثَ , وَالرِّحْلَة فِي طَلَبِ اَلْعِلْمِ وَغَيْر ذَلِكَ. وَقَدْ تَرْجَمَ اَلْمُصَنِّف بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّه اَلْمُسْتَعَان. ‏"
    },
    {
        "id": "1114",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏وَعُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَبْد اَلْوَهَّاب ) ‏ ‏يَعْنِي اَلثَّقَفِيّ عَنْ أَيُّوبَ , وَهَذِهِ اَلْمُتَابَعَة وَصَلَهَا مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن اَلْمُثَنَّى عَنْهُ بِلَفْظ \" صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "1115",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَزَعَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَرْبَعًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ‏ ‏الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ‏ ‏وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عَبْد اَلْمَلِك ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَيْر كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَالْأَصِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ قَزَعَةَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ اَلْقَافِ وَكَذَا اَلزَّاي , وَحَكَى اِبْن اَلْأَثِيرِ سُكُونهَا بَعْدَهَا مُهْمَلَة , وَهُوَ ابْن يَحْيَى وَيُقَالُ اِبْنُ اَلْأَسْوَدِ , وَسَيَأْتِي بعْدَ خَمْسَة أَبْوَابٍ فِي هَذَا اَلْإِسْنَادِ \" سَمِعْتُ قَزَعَة مَوْلَى زِيَاد \" وَهُوَ هَذَا وَزِيَاد مَوْلَاهُ هُوَ اِبْن أَبِي سُفْيَان اَلْأَمِير اَلْمَشْهُور , وَرِوَايَة عَبْد اَلْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ اَلْأَقْرَانِ لِأَنَّهُمَا مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْتُ أَبَا سَعِيد أَرْبَعًا ) ‏ ‏أَيْ يَذْكُرُ أَرْبَعًا أَوْ سَمِعْتُ مِنْهُ أَرْبَعًا أَيْ أَرْبَعَ كَلِمَات. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ غَزَا ) ‏ ‏اَلْقَائِل ذَلِكَ هُوَ قَزَعَة وَالْمَقُول عَنْهُ أَبُو سَعِيد اَلْخُدْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً ) ‏ ‏كَذَا اِقْتَصَرَ اَلْمُؤَلِّف عَلَى هَذَا اَلْقَدْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ اَلْمَتْنِ شَيْئًا , وَذَكَرَ بَعْدَهُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي شَدِّ اَلرِّحَالِ فَظَنَّ الدَّاوُدِيُّ اَلشَّارِح أَنَّ اَلْبُخَارِيَّ سَاقَ الْإِسْنَادَيْنِ لِهَذَا اَلْمَتْنِ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ حَدِيث أَبِي سَعِيد مُشْتَمِل عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ كَمَا ذَكَرَ اَلْمُصَنِّف , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مُقْتَصِر عَلَى شَدِّ اَلرِّحَالِ فَقَطْ , لَكِنْ لَا يُمْنَعُ اَلْجَمْع بَيْنَهُمَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَة اَلْبُخَارِيّ فِي إِجَازَةِ اِخْتِصَارِ اَلْحَدِيثِ , وَقَالَ اِبْن رَشِيد : لَمَّا كَانَ أَحَدُ اَلْأَرْبَع هُوَ قَوْلُهُ \" لَا تُشَدُّ اَلرِّحَال \" ذَكَرَ صَدْر اَلْحَدِيث إِلَى اَلْمَوْضِعِ اَلَّذِي يَتَلَاقَى فِيهِ اِفْتِتَاح أَبِي هُرَيْرَة لِحَدِيث أَبِي سَعِيد فَاقْتَطَفَ اَلْحَدِيث , وَكَأَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ اَلْإِغْمَاض لِيُنَبِّهَ غَيْر اَلْحَافِظِ عَلَى فَائِدَة اَلْحِفْظِ , عَلَى أَنَّهُ مَا أَخْلَاهُ عَنْ اَلْإِيضَاحِ عَنْ قُرْبٍ فَإِنَّهُ سَاقَهُ بِتَمَامِهِ خَامِس تَرْجَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ اَلْمَدِينِيّ , وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَسَعِيد هُوَ اِبْن اَلْمُسَيِّب , وَوَقَعَ عِنْد اَلْبَيْهَقِيّ وَجْه آخَر عَنْ عَلِيّ بْن اَلْمَدِينِيّ قَالَ \" حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَان مَرَّةً بِهَذَا اَللَّفْظِ وَكَانَ أَكْثَرَ مَا يُحَدِّثُ بِهِ بِلَفْظِ تُشَدُّ اَلرِّحَال \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا تُشَدّ اَلرِّحَال ) ‏ ‏بِضَمّ أَوَّله بِلَفْظ اَلنَّفْي , وَالْمُرَاد اَلنَّهْي عَنْ اَلسَّفَرِ إِلَى غَيْرِهَا , قَالَ اَلطِّيبِيّ : هُوَ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ اَلنَّهْيِ , كَأَنَّهُ قَالَ : لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقْصَدَ بِالزِّيَارَةِ إِلَّا هَذِهِ اَلْبِقَاع لِاخْتِصَاصِهَا بِمَا اِخْتَصَّتْ بِهِ , وَالرِّحَال بِالْمُهْمَلَةِ جَمْع رَحْلٍ وَهُوَ لِلْبَعِيرِ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ , وَكَنَّى بِشَدِّ اَلرِّحَالِ عَنْ اَلسَّفَرِ لِأَنَّهُ لَازِمُهُ وَخَرَجَ ذِكْرُهَا مَخْرَج اَلْغَالِبِ فِي رُكُوبِ اَلْمُسَافِرِ وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ رُكُوب اَلرَّوَاحِل وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير وَالْمَشْي فِي اَلْمَعْنَى اَلْمَذْكُورِ , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ \" إِنَّمَا يُسَافِرُ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ عِمْرَان بْن أَبِي أَنَس عَنْ سُلَيْمَانَ اَلْأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا ) ‏ ‏اَلِاسْتِثْنَاء مُفَرَّغ وَالتَّقْدِير لَا تُشَدُّ اَلرِّحَال إِلَى مَوْضِع , وَلَازَمَهُ مَنْع اَلسَّفَرِ إِلَى كُلِّ مَوْضِعٍ غَيْرَهَا , لِأَنَّ اَلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي اَلْمُفَرَّغِ مُقَدَّر بِأَعَمّ اَلْعَامّ , لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اَلْمُرَاد بِالْعُمُومِ هُنَا اَلْمَوْضِع اَلْمَخْصُوص وَهُوَ اَلْمَسْجِدُ كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( اَلْمَسْجِد اَلْحَرَام ) ‏ ‏أَيْ اَلْمُحَرَّم وَهُوَ كَقَوْلِهِمَا اَلْكِتَاب بِمَعْنَى اَلْمَكْتُوب , وَالْمَسْجِد بِالْخَفْضِ عَلَى الْبَدَلِيَّة , وَيَجُوزُ اَلرَّفْعُ عَلَى اَلِاسْتِئْنَافِ وَالْمُرَاد بِهِ جَمِيع اَلْحَرَمِ , وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِالْمَوْضِعِ اَلَّذِي يُصَلَّى فِيهِ دُونَ اَلْبُيُوتِ وَغَيْرهَا مِنْ أَجْزَاءِ اَلْحَرَمِ , قَالَ اَلطَّبَرِيّ : وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ \" مَسْجِدِي هَذَا \" لِأَنَّ اَلْإِشَارَةَ فِيهِ إِلَى مَسْجِدِ اَلْجَمَاعَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اَلْمُسْتَثْنَى كَذَلِكَ , وَقِيلَ اَلْمُرَاد بِهِ اَلْكَعْبَة حَكَاهُ اَلْمُحِبّ اَلطَّبَرِيّ وَذَكَرَ أَنَّهُ يَتَأَيَّدُ بِمَا رَوَاهُ اَلنَّسَائِيّ بِلَفْظ \" إِلَّا اَلْكَعْبَة \" وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ اَلَّذِي عِنْدَ اَلنَّسَائِيِّ \" إِلَّا مَسْجِد اَلْكَعْبَةِ \" حَتَّى وَلَوْ سَقَطَتْ لَفْظَة مَسْجِد لَكَانَتْ مُرَادَة , وَيُؤَيِّدُ اَلْأَوَّل مَا رَوَاهُ اَلطَّيَالِسِيّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : هَذَا اَلْفَضْلُ فِي اَلْمَسْجِدِ وَحْدَهُ أَوْ فِي اَلْحَرَمِ ؟ قَالَ : بَلْ فِي اَلْحَرَمِ لِأَنَّهُ كُلّه مَسْجِد. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَسْجِد اَلرَّسُولِ ) ‏ ‏أَيْ مُحَمَّد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي اَلْعُدُولِ عَنْ \" مَسْجِدِي \" إِشَارَة إِلَى اَلتَّعْظِيمِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ اَلرُّوَاةِ , وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد اَلْآتِي قَرِيبًا \" وَمَسْجِدِي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَمَسْجِد اَلْأَقْصَى ) ‏ ‏أَيْ بَيْتِ اَلْمَقْدِسِ وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ اَلْمَوْصُوفِ إِلَى اَلصِّفَةِ , وَقَدْ جَوَّزَهُ اَلْكُوفِيُّونَ وَاسْتَشْهَدُوا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا كُنْت بِجَانِبِ اَلْغَرْبِيِّ ) وَالْبَصْرِيُّونَ يُؤَوِّلُونَهُ بِإِضْمَارِ اَلْمَكَان , أَيْ اَلَّذِي بِجَانِبِ اَلْمَكَانِ اَلْغَرْبِيِّ وَمَسْجِد اَلْمَكَان اَلْأَقْصَى وَنَحْوِ ذَلِكَ , وَسُمِّيَ اَلْأَقْصَى لِبُعْدِهِ عَنْ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام فِي اَلْمَسَافَةِ , وَقِيلَ فِي اَلزَّمَانِ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي اَلصَّحِيحِ أَنَّ بَيْنَهُمَا أَرْبَعِينَ سَنَة , وَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ اَلْخَلِيلِ مِنْ أَحَادِيثِ اَلْأَنْبِيَاءِ وَبَيَان مَا فِيهِ مِنْ اَلْإِشْكَالِ وَالْجَوَاب عَنْهُ , وَقَالَ اَلزَّمَخْشَرِيّ : سُمِّيَ اَلْأَقْصَى لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ وَرَاءَهُ مَسْجِد , وَقِيلَ لِبُعْدِهِ عَنْ اَلْأَقْذَارِ وَالْخَبَثِ , وَقِيلَ هُوَ أَقْصَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَسْجِدِ اَلْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ مَكَّةَ وَبَيْت اَلْمَقْدِسِ أَبْعَد مِنْهُ. وَلِبَيْتِ اَلْمَقْدِسِ عِدَّة أَسْمَاء تَقْرُبُ مِنْ اَلْعِشْرِينَ مِنْهَا إِيلِيَاء بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ وَبِحَذْفِ اَلْيَاءِ اَلْأُولَى وَعَنْ اِبْن عَبَّاس إِدْخَال اَلْأَلِف وَاللَّام عَلَى هَذَا اَلثَّالِثِ , وَبَيْت اَلْمَقْدِسِ بِسُكُونِ اَلْقَافِ وَبِفَتْحِهَا مَعَ اَلتَّشْدِيدِ , وَالْقُدْسِ بِغَيْرِ مِيمٍ مَعَ ضَمِّ اَلْقَافِ وَسُكُون اَلدَّالِ وَبِضَمِّهَا أَيْضًا , وَشَلَّم بِالْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيد اَللَّامِ وَبِالْمُهْمَلَةِ وَشَلَام بِمُعْجَمَةٍ , وَسَلِم بِفَتْحِ اَلْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اَللَّامِ اَلْخَفِيفَةِ , وَأُورِي سَلِم بِسُكُونِ اَلْوَاوِ وَكَسْر اَلرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة قَالَ اَلْأَعْشَى : ‏ ‏وَقَدْ طُفْت لِلْمَالِ آفَاقه ‏ ‏دِمَشْق فَحِمْصَ فَأُورِي سَلِم ‏ ‏وَمِنْ أَسْمَائِهِ كُورَة وَبَيْت أَيْل وَصِهْيُون وَمِصْرُوث آخِره مُثَلَّثَة وَكُورْشِيلَا وَبَابُوس بِمُوَحَّدَتَيْنِ وَمُعْجَمَة , وَقَدْ تَتَبَّعَ أَكْثَر هَذِهِ اَلْأَسْمَاء اَلْحُسَيْن بْن خَالَوَيْهِ اَللُّغَوِيّ فِي كِتَاب \" لَيْسَ \" , وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَة فِي كِتَاب اَلْحَجّ. وَفِي هَذَا اَلْحَدِيثِ فَضِيلَة هَذِهِ اَلْمَسَاجِدِ وَمَزِيَّتهَا عَلَى غَيْرِهَا لِكَوْنِهَا مَسَاجِدَ اَلْأَنْبِيَاءِ , وَلِأَنَّ اَلْأَوَّل قِبْلَة اَلنَّاسِ وَإِلَيْهِ حَجُّهُمْ , وَالثَّانِي كَانَ قِبْلَةَ اَلْأُمَمِ اَلسَّالِفَةِ , وَالثَّالِث أُسِّسَ عَلَى اَلتَّقْوَى. وَاخْتُلِفَ فِي شَدِّ اَلرِّحَالِ إِلَى غَيْرِهَا كَالذَّهَابِ إِلَى زِيَارَةِ اَلصَّالِحِينَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا وَإِلَى اَلْمَوَاضِعِ اَلْفَاضِلَةِ لِقَصْد اَلتَّبَرُّك بِهَا وَالصَّلَاة فِيهَا فَقَالَ اَلشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّد اَلْجُوَيْنِيّ : يَحْرُمُ شَدّ اَلرِّحَال إِلَى غَيْرِهَا عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا اَلْحَدِيثِ , وَأَشَارَ اَلْقَاضِي حُسَيْن إِلَى اِخْتِيَارِهِ وَبِهِ قَالَ عِيَاض وَطَائِفَة , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ اَلسُّنَنِ مِنْ إِنْكَار بَصْرَة اَلْغِفَارِيّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَة خُرُوجه إِلَى اَلطُّورِ وَقَالَ لَهُ \" لَوْ أَدْرَكْتُك قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مَا خَرَجْت \" وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا اَلْحَدِيثِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى حَمْلَ اَلْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ , وَوَافَقَهُ أَبُو هُرَيْرَة. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ إِمَامِ اَلْحَرَمَيْنِ وَغَيْره مِنْ اَلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ , وَأَجَابُوا عَنْ اَلْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّ اَلْمُرَادَ أَنَّ اَلْفَضِيلَةَ اَلتَّامَّةَ إِنَّمَا هِيَ فِي شَدّ اَلرِّحَالُ إِلَى هَذِهِ اَلْمَسَاجِدِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ جَائِز , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ سَيَأْتِي ذِكْرهَا بِلَفْظ \" لَا يَنْبَغِي لِلْمَطِيِّ أَنْ تَعْمَلَ \" وَهُوَ لَفْظٌ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ اَلتَّحْرِيمِ وَمِنْهَا أَنَّ اَلنَّهْيَ مَخْصُوص بِمَنْ نَذَرَ عَلَى نَفْسِهِ اَلصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ مِنْ سَائِرِ اَلْمَسَاجِدِ غَيْر اَلثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ اَلْوَفَاء بِهِ قَالَهُ ابْن بَطَّال , وَقَالَ اَلْخَطَّابِيّ : اَللَّفْظُ لَفْظ اَلْخَبَرِ وَمَعْنَاهُ اَلْإِيجَاب فِيمَا يَنْذِرُهُ اَلْإِنْسَانُ مِنْ اَلصَّلَاةِ فِي اَلْبِقَاعِ اَلَّتِي يُتَبَرَّكُ بِهَا أَيْ لَا يَلْزَمُ اَلْوَفَاء بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ غَيْر هَذِهِ اَلْمَسَاجِدِ اَلثَّلَاثَةِ , وَمِنْهَا أَنَّ اَلْمُرَادَ حُكْم اَلْمَسَاجِدِ فَقَطْ وَأَنَّهُ لَا تُشَدُّ اَلرِّحَال إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ اَلْمَسَاجِدِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ غَيْر هَذِهِ اَلثَّلَاثَةِ ; وَأَمَّا قَصْدُ غَيْر اَلْمَسَاجِدِ لِزِيَارَةِ صَالِحٍ أَوْ قَرِيبٍ أَوْ صَاحِبٍ أَوْ طَلَب عِلْمٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ نُزْهَةٍ فَلَا يَدْخُلُ فِي اَلنَّهْيِ , وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى أَحْمَد مِنْ طَرِيق شَهْر بْن حَوْشَب قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَعِيد وَذُكِرَتْ عِنْدَهُ اَلصَّلَاةُ فِي اَلطُّورِ فَقَالَ : قَالَ رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَشُدَّ رِحَالَهُ إِلَى مَسْجِدٍ تُبْتَغَى فِيهِ اَلصَّلَاة غَيْر اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام وَالْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى وَمَسْجِدِي \" وَشَهْرٌ حَسَنُ اَلْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْض اَلضَّعْفِ. وَمِنْهَا أَنَّ اَلْمُرَادَ قَصْدهَا بِالِاعْتِكَافِ فِيمَا حَكَاهُ اَلْخَطَّابِيّ عَنْ بَعْضِ اَلسَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُعْتَكَفُ فِي غَيْرِهَا , وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ اَلَّذِي قَبْلَهُ , وَلَمْ أَرَ عَلَيْهِ دَلِيلًا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ إِتْيَانَ أَحَدِ هَذِهِ اَلْمَسَاجِد لَزِمَهُ ذَلِكَ , وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَحْمَد وَالشَّافِعِيّ وَالْبُوَيْطِيّ وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاق اَلْمَرْوَزِيّ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة لَا يَجِبُ مُطْلَقًا , وَقَالَ اَلشَّافِعِيّ فِي \" اَلْأُمِّ \" يَجِبُ فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام لِتَعَلُّق اَلنُّسُك بِهِ بِخِلَاف اَلْمَسْجِدَيْنِ اَلْأَخِيرَيْنِ , وَهَذَا هُوَ اَلْمَنْصُورُ لِأَصْحَابِ اَلشَّافِعِيِّ , وَقَالَ اِبْن اَلْمُنْذِر : يَجِبُ إِلَى اَلْحَرَمَيْنِ , وَأَمَّا اَلْأَقْصَى فَلَا , وَاسْتَأْنَسَ بِحَدِيثِ جَابِر \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْك مَكَّة أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ اَلْمَقْدِسِ , قَالَ : صَلِّ هَاهُنَا \" وَقَالَ اِبْن اَلتِّينِ : اَلْحُجَّةُ عَلَى اَلشَّافِعِيِّ أَنَّ إِعْمَال اَلْمَطِيّ إِلَى مَسْجِدِ اَلْمَدِينَةِ وَالْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى وَالصَّلَاةِ فِيهِمَا قُرْبَة فَوَجَبَ أَنْ يُلْزَمَ بِالنَّذْرِ كَالْمَسْجِدِ اَلْحَرَام اِنْتَهَى. وَفِيمَا يَلْزَمُ مَنْ نَذَرَ إِتْيَانَ هَذِهِ اَلْمَسَاجِدِ تَفْصِيل وَخِلَاف يَطُولُ ذِكْرُهُ مَحَلّه كُتُب اَلْفُرُوع , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ إِتْيَان غَيْر هَذِهِ اَلْمَسَاجِدِ اَلثَّلَاثَةِ لِصَلَاةٍ أَوْ غَيْرهَا لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهَا لِأَنَّهَا لَا فَضْلَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فَتَكْفِي صَلَاتُهُ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ كَانَ , قَالَ اَلنَّوَوِيّ : لَا اِخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ اَللَّيْثِ أَنَّهُ قَالَ يَجِبُ اَلْوَفَاءُ بِهِ , وَعَنْ اَلْحَنَابِلَةِ رِوَايَة يَلْزَمُهُ كَفَّارَة يَمِين وَلَا يَنْعَقِدُ نَذْره , وَعَنْ اَلْمَالِكِيَّةِ رِوَايَة إِنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ بِهِ كَرِبَاطٍ لَزِمَ وَإِلَّا فَلَا , وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ اَلْمَالِكِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُ فِي مَسْجِد قُبَاء لِأَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْتِيه كُلَّ سَبْت كَمَا سَيَأْتِي , قَالَ الْكَرْمَانِيّ : وَقَعَ فِي هَذِهِ اَلْمَسْأَلَةِ فِي عَصْرِنَا فِي اَلْبِلَادِ اَلشَّامِيَّةِ مُنَاظَرَات كَثِيرَة وَصُنِّفَ فِيهَا رَسَائِلُ مِنْ اَلطَّرَفَيْنِ , قُلْت : يُشِيرُ إِلَى مَا رَدَّ بِهِ اَلشَّيْخ تَقِيّ اَلدِّين اَلسُّبْكِيّ وَغَيْره عَلَى اَلشَّيْخِ تَقِيّ اَلدِّين ابْن تَيْمِيَةَ وَمَا اِنْتَصَرَ بِهِ اَلْحَافِظُ شَمْس اَلدِّين بْن عَبْد اَلْهَادِي وَغَيْره لِابْن تَيْمِيَةَ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ فِي بِلَادِنَا , وَالْحَاصِلِ أَنَّهُمْ أَلْزَمُوا اِبْن تَيْمِيَةَ بِتَحْرِيمِ شَدِّ اَلرَّحْلِ إِلَى زِيَارَةِ قَبْرِ سَيِّدِنَا رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْكَرْنَا صُورَة ذَلِكَ , وَفِي شَرْحِ ذَلِكَ مِنْ اَلطَّرَفَيْنِ طُول , وَهِيَ مِنْ أَبْشَعِ اَلْمَسَائِلِ اَلْمَنْقُولَةِ عَنْ اِبْن تَيْمِيَةَ , وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى دَفْعِ مَا اِدَّعَاهُ غَيْرُهُ مِنْ اَلْإِجْمَاعِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ زِيَارَةِ قَبْرِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ زُرْت قَبْرَ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ اَلْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِأَنَّهُ كَرِهَ اَللَّفْظَ أَدَبًا لَا أَصْلَ اَلزِّيَارَة فَإِنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ اَلْأَعْمَالِ وَأَجَلِّ اَلْقُرُبَات اَلْمُوَصِّلَة إِلَى ذِي اَلْجَلَالِ وَإِنَّ مَشْرُوعِيَّتَهَا مَحَلّ إِجْمَاع بِلَا نِزَاع وَاَللَّه اَلْهَادِي إِلَى اَلصَّوَابِ. قَالَ بَعْض اَلْمُحَقِّقِينَ : قَوْلُهُ \" إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ \" اَلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَحْذُوف , فَإِمَّا أَنْ يُقَدِّرَ عَامًّا فَيَصِيرَ : لَا تُشَدّ اَلرِّحَال إِلَى مَكَانٍ فِي أَيِّ أَمْرٍ كَانَ إِلَّا إِلَى اَلثَّلَاثَةِ , أَوْ أَخَصّ مِنْ ذَلِكَ. لَا سَبِيلَ إِلَى اَلْأَوَّلِ لِإِفْضَائِهِ إِلَى سَدِّ بَابِ اَلسَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ وَصِلَةِ اَلرَّحِمِ وَطَلَبِ اَلْعِلْمِ وَغَيْرهَا فَتَعَيَّنَ اَلثَّانِي , وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدَّرَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مُنَاسَبَة وَهُوَ : لَا تُشَدّ اَلرِّحَال إِلَى مَسْجِدٍ لِلصَّلَاةِ فِيهِ إِلَّا إِلَى اَلثَّلَاثَةِ , فَيَبْطُلُ بِذَلِكَ قَوْل مَنْ مَنَعَ شَدَّ اَلرِّحَال إِلَى زِيَارَةِ اَلْقَبْرِ اَلشَّرِيفِ وَغَيْره مِنْ قُبُورِ اَلصَّالِحِينَ وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَقَالَ اَلسُّبْكِيّ اَلْكَبِير : لَيْسَ فِي اَلْأَرْضِ بُقْعَةٌ لَهَا فَضْل لِذَاتهَا حَتَّى تُشَدَّ اَلرِّحَال إِلَيْهَا غَيْر اَلْبِلَادِ اَلثَّلَاثَةِ , وَمُرَادِي بِالْفَضْلِ مَا شَهِدَ اَلشَّرْع بِاعْتِبَارِهِ وَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا , وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ اَلْبِلَادِ فَلَا تُشَدُّ إِلَيْهَا لِذَاتهَا بَلْ لِزِيَارَةٍ أَوْ جِهَاد أَوْ عِلْم أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ اَلْمَنْدُوبَاتِ أَوْ اَلْمُبَاحَات , قَالَ : وَقَدْ اِلْتَبَسَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِمْ فَزَعَمَ أَنَّ شَدَّ اَلرِّحَالِ إِلَى اَلزِّيَارَةِ لِمَنْ فِي غَيْرِ اَلثَّلَاثَةِ دَاخِل فِي اَلْمَنْعِ , وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّ اَلِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ جِنْس اَلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ , فَمَعْنَى اَلْحَدِيثِ : لَا تُشَدّ اَلرِّحَال إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ اَلْمَسَاجِدِ أَوْ إِلَى مَكَانٍ مِنْ اَلْأَمْكِنَةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ اَلْمَكَانِ إِلَّا إِلَى اَلثَّلَاثَةِ اَلْمَذْكُورَةِ , وَشَدّ اَلرِّحَال إِلَى زِيَارَةٍ أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ لَيْسَ إِلَى اَلْمَكَانِ بَلْ إِلَى مَنْ فِي ذَلِكَ اَلْمَكَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1116",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ ‏ ‏وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَاةٌ فِي ‏ ‏مَسْجِدِي ‏ ‏هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا ‏ ‏الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( زَيْد بْن رَبَاح ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ , وَعُبَيْد اَللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ , وَالْأَغَرّ هُوَ سَلْمَانُ شَيْخ اَلزُّهْرِيّ اَلْمُتَقَدِّم. ‏ ‏قَوْله : ( صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا ) ‏ ‏قَالَ اَلنَّوَوِيّ : يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ اَلْمُصَلِّي عَلَى اَلصَّلَاةِ فِي اَلْمَوْضِعِ اَلَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ مَا زِيدَ فِيهِ بَعْدَهُ , لِأَنَّ اَلتَّضْعِيفَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي مَسْجِدِهِ , وَقَدْ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ هَذَا , بِخِلَاف مَسْجِد مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَكَّةَ , بَلْ صَحَّحَ اَلنَّوَوِيّ أَنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ اَلْحَرَمِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا اَلْمَسْجِد اَلْحَرَام ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : يَجُوزُ فِي هَذَا اَلِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ اَلْمُرَاد فَإِنَّهُ مُسَاوٍ لِمَسْجِدِ اَلْمَدِينَةِ وَفَاضِلًا أَوْ مَفْضُولًا. وَالْأَوَّلُ أَرْجَح لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَاضِلًا أَوْ مَفْضُولًا لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَار ذَلِكَ إِلَّا بِدَلِيلٍ , بِخِلَافِ اَلْمُسَاوَاةِ اِنْتَهَى. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى دَلِيل اَلثَّانِي , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اَلْإِمَامُ أَحْمَد وَصَحَّحَهُ ابْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنْ عَبْد اَللَّه بْن اَلزُّبَيْر قَالَ : قَالَ رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَل مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ اَلْمَسَاجِدِ إِلَّا اَلْمَسْجِد اَلْحَرَام , وَصَلَاة فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام أَفْضَل مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي هَذَا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن حِبَّانَ \" وَصَلَاةٌ فِي ذَلِكَ أَفْضَل مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِ اَلْمَدِينَةِ \" قَالَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ : اِخْتُلِفَ عَلَى اِبْن اَلزُّبَيْر فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ , وَمَنْ رَفَعَهُ أَحْفَظُ وَأَثْبَتُ , وَمَثَله لَا يُقَالُ بِالرَّأْي. وَفِي اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِر مَرْفُوعًا \" صَلَاة فِي مَسْجِدِي أَفْضَل مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا اَلْمَسْجِد اَلْحَرَام , وَصَلَاة فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام أَفْضَل مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ \" وَفِي بَعْضِ اَلنُّسَخِ \" مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ \" فَعَلَى اَلْأَوَّلِ مَعْنَاهُ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا مَسْجِد اَلْمَدِينَةِ , وَعَلَى اَلثَّانِي مَعْنَاهُ مِنْ مَائِهِ صَلَاة فِي مَسْجِدِ اَلْمَدِينَةِ وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات , لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَة عَطَاء فِي ذَلِكَ عَنْهُ , قَالَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ : جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عَطَاءٍ فِي ذَلِكَ عَنْهُمَا , وَعَلَى ذَلِكَ يَحْمِلُهُ أَهْلُ اَلْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ , وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عَطَاءً إِمَامٌ وَاسِعُ اَلرِّوَايَةِ مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْ جَابِر وَابْن اَلزُّبَيْر , وَرَوَى اَلْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي اَلدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ \" اَلصَّلَاة فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ , وَالصَّلَاة فِي مَسْجِدِي بِأَلْفِ صَلَاة , وَالصَّلَاة فِي بَيْتِ اَلْمَقْدِسِ بِخَمْسمِائَة صَلَاة \" قَالَ اَلْبَزَّار إِسْنَاده حَسَن. فَوَضَّحَ بِذَلِكَ أَنَّ اَلْمُرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ تَفْضِيل اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام , وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى تَأْوِيلِ عَبْد اَللَّه بْن نَافِع وَغَيْره , وَرَوَى اِبْن عَبْد اَلْبَرّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْن يَحْيَى اَللَّيْثِيّ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْد اَللَّه بْن نَافِع عَنْ تَأْوِيلِ هَذَا اَلْحَدِيثِ فَقَالَ : مَعْنَاهُ فَإِنَّ اَلصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِي أَفْضَل مِنْ اَلصَّلَاةِ فِيهِ بِدُونِ أَلْفِ صَلَاة , قَالَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ : لَفْظ دُون يَشْمَلُ اَلْوَاحِد فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ اَلصَّلَاة فِي مَسْجِدِ اَلْمَدِينَةِ أَفْضَل مِنْ اَلصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ بِتِسْعمِائَة وَتِسْع وَتِسْعِينَ صَلَاة , وَحَسْبُك بِقَوْلٍ يُؤَوَّلُ إِلَى هَذَا ضَعْفًا. قَالَ : وَزَعَمَ بَعْض أَصْحَابِنَا أَنَّ اَلصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ اَلْمَدِينَةِ أَفْضَل مِنْ اَلصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ بِمِائَةِ صَلَاة , وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ سُلَيْمَان بْن عَتِيق عَنْ اِبْن اَلزُّبَيْر عَنْ عُمَر قَالَ \" صَلَاة فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام خَيْر مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اَلْمَحْفُوظَ بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ بِلَفْظ \" صَلَاة فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام أَفْضَل مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا مَسْجِد اَلرَّسُولِ فَإِنَّمَا فَضَّلَهُ عَلَيْهِ بِمِائَةِ صَلَاة \" وَرَوَى عَبْد اَلرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْج قَالَ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَان بْن عَتِيق وَعَطَاء عَنْ اِبْن اَلزُّبَيْر أَنَّهُمَا سَمِعَاهُ يَقُولُ \" صَلَاة فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام خَيْر مِنْ مِائَةِ صَلَاة فِيهِ \" وَيُشِيرُ إِلَى مَسْجِدِ اَلْمَدِينَةِ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى اَلْجُهَنِيّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر مَا يُؤَيِّدُ هَذَا وَلَفْظه كَلَفْظِ أَبِي هُرَيْرَة وَفِي آخِرِهِ \" إِلَّا اَلْمَسْجِد اَلْحَرَام فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ بِمِائَةِ صَلَاة \" وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا اَلْحَدِيثِ عَلَى تَفْضِيلِ مَكَّةَ عَلَى اَلْمَدِينَةِ لِأَنَّ اَلْأَمْكِنَةَ تُشَرَّفُ بِفَضْلِ اَلْعِبَادَةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا مِمَّا تَكُونُ اَلْعِبَادَة فِيهِ مَرْجُوحَة وَهُوَ قَوْلُ اَلْجُمْهُورِ , وَحُكِيَ عَنْ مَالِك , وَبِهِ قَالَ ابْن وَهْب وَوَمُطَرِّف وَابْن حَبِيب مِنْ أَصْحَابِهِ , لَكِنَّ اَلْمَشْهُورَ عَنْ مَالِك وَأَكْثَر أَصْحَابِهِ تَفْضِيل اَلْمَدِينَةِ , وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَة مِنْ رِيَاضِ اَلْجَنَّةِ \" مَعَ قَوْلِهِ \" مَوْضِع سَوْط فِي اَلْجَنَّةِ خَيْر مِنْ اَلدُّنْيَا وَمَا فِيهَا \" قَالَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ : هَذَا اِسْتِدْلَالٌ بِالْخَبَرِ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ وَلَا يُقَاوِمُ اَلنَّصّ اَلْوَارِد فِي فَضْلِ مَكَّةَ , ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْد اَللَّه بْن عَدِيّ بْن اَلْحَمْرَاء قَالَ \" رَأَيْت رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا عَلَى اَلْحَزْوَرَةِ فَقَالَ : وَاَللَّهِ إِنَّك لَخَيْرُ أَرْضِ اَللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْض اَللَّهِ إِلَى اَللَّهِ , وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْت مِنْك مَا خَرَجْتُ \" وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ اَلسُّنَنِ وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ , قَالَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ : هَذَا نَصٌّ فِي مَحَلّ اَلْخِلَاف فَلَا يَنْبَغِي اَلْعُدُولُ عَنْهُ وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَقَدْ رَجَعَ عَنْ هَذَا اَلْقَوْلِ كَثِير مِنْ اَلْمُصَنِّفِينَ مِنْ اَلْمَالِكِيَّةِ , لَكِنْ اِسْتَثْنَى عِيَاض اَلْبُقْعَة اَلَّتِي دُفِنَ فِيهَا اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَكَى اَلِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهَا أَفْضَلُ اَلْبِقَاعِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَحْثِ اَلْمَذْكُورِ لِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اَلْفَضْلُ لِلْعَابِدِ. وَأَجَابَ اَلْقَرَافِيّ بِأَنَّ سَبَبَ اَلتَّفْضِيلِ لَا يَنْحَصِرُ فِي كَثْرَةِ اَلثَّوَابِ عَلَى اَلْعَمَلِ بَلْ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهَا كَتَفْضِيلِ جِلْد اَلْمُصْحَف عَلَى سَائِرِ اَلْجُلُودِ , وَقَالَ اَلنَّوَوِيّ فِي شَرْحِ اَلْمُهَذَّبِ : لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا نَقْلًا فِي ذَلِكَ , وَقَالَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ : إِنَّمَا يُحْتَجُّ بِقَبْرِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ فَضْلَهَا , أَمَّا مَنْ أَقَرَّ بِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ أَفْضَل بَعْدَ مَكَّةَ مِنْهَا فَقَدْ أَنْزَلَهَا مَنْزِلَتَهَا. وَقَالَ غَيْره : سَبَبُ تَفْضِيلِ اَلْبُقْعَةِ اَلَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ اَلشَّرِيفَة أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ اَلْمَرْءَ يُدْفَنُ فِي اَلْبُقْعَةِ اَلَّتِي أُخِذَ مِنْهَا تُرَابُهُ عِنْدَمَا يُخْلَقُ رَوَاهُ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ فِي أَوَاخِرِ تَمْهِيدِهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاء اَلْخُرَاسَانِيِّ مَوْقُوفًا , وَعَلَى هَذَا فَقَدَ رَوَى اَلزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ أَنَّ جِبْرِيلَ أَخَذَ اَلتُّرَابَ اَلَّذِي خُلِقَ مِنْهُ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تُرَاب اَلْكَعْبَة , فَعَلَى هَذَا فَالْبُقْعَة اَلَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ مِنْ تُرَاب اَلْكَعْبَة فَيَرْجِعُ اَلْفَضْلُ اَلْمَذْكُورُ إِلَى مَكَّةَ إِنْ صَحَّ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَضْعِيف اَلصَّلَاة مُطْلَقًا فِي اَلْمَسْجِدَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ اَلنَّقْلُ عَنْ اَلطَّحَاوِيّ وَغَيْره أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصّ بِالْفَرَائِضِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَفْضَل صَلَاة اَلْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا اَلْمَكْتُوبَة \" وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا مَانِعَ مِنْ إِبْقَاء اَلْحَدِيث عَلَى عُمُومِهِ فَتَكُونُ صَلَاة اَلنَّافِلَةِ فِي بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ تُضَاعَفُ عَلَى صَلَاتِهَا فِي اَلْبَيْتِ بِغَيْرِهِمَا وَكَذَا فِي اَلْمَسْجِدَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ فِي اَلْبُيُوتِ أَفْضَل مُطْلَقًا. ثُمَّ إِنَّ اَلتَّضْعِيفَ اَلْمَذْكُورَ يَرْجِعُ إِلَى اَلثَّوَابِ وَلَا يَتَعَدَّى إِلَى اَلْإِجْزَاءِ بِاتِّفَاقِ اَلْعُلَمَاءِ كَمَا نَقَلَهُ اَلنَّوَوِيّ وَغَيْره , فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاتَانِ فَصَلَّى فِي أَحَدِ اَلْمَسْجِدَيْنِ صَلَاةً لَمْ تُجْزِهِ إِلَّا عَنْ وَاحِدَة وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَقَدْ أَوْهَمَ كَلَام اَلْمُقْرِي أَبِي بَكْر اَلنَّقَّاش فِي تَفْسِيرِهِ خِلَاف ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : حَسَبْتُ اَلصَّلَاة بِالْمَسْجِدِ اَلْحَرَام فَبَلَغَتْ صَلَاةٌ وَاحِدَة بِالْمَسْجِدِ اَلْحَرَام عُمْر خَمْس وَخَمْسِينَ سَنَة وَسِتَّةَ أَشْهُر وَعِشْرِينَ لَيْلَةً اِنْتَهَى. وَهَذَا مَعَ قَطْعِ اَلنَّظَرِ عَنْ اَلتَّضْعِيفِ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّهَا تَزِيدُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ اَلْجَمَاعَةِ , لَكِنْ هَلْ يَجْتَمِعُ التَّضْعِيفَانِ أَوْ لَا ؟ مَحَلّ بَحْث. ‏"
    },
    {
        "id": "1117",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الدَّوْرَقِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ لَا ‏ ‏يُصَلِّي مِنْ الضُّحَى إِلَّا فِي يَوْمَيْنِ يَوْمَ يَقْدَمُ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَإِنَّهُ كَانَ يَقْدَمُهَا ضُحًى فَيَطُوفُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ وَيَوْمَ يَأْتِي ‏ ‏مَسْجِدَ قُبَاءٍ ‏ ‏فَإِنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَرِهَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ قَالَ وَكَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَزُورُهُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا قَالَ وَكَانَ يَقُولُ ‏ ‏إِنَّمَا أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يَصْنَعُونَ وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ غَيْرَ أَنْ لَا تَتَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ \" هُوَ اَلدَّوْرَقِيّ \". قَوْلُهُ : ( كَانَ لَا يُصَلِّي اَلضُّحَى تَقَدَّمَ اَلْكَلَام عَلَيْهِ قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( يَزُورُهُ ) ‏ ‏أَيْ يَزُورُ مَسْجِد قُبَاء. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ يَقُولُ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ اَلْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَاخِر اَلْمَوَاقِيتِ. وَفِي اَلْحَدِيثِ دَلَالَة عَلَى فَضْل قُبَاء وَفَضْل اَلْمَسْجِدِ اَلَّذِي بِهَا وَفَضْل اَلصَّلَاةِ فِيهِ , لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ تَضْعِيف بِخِلَاف اَلْمَسَاجِد اَلثَّلَاثَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1118",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْتِي ‏ ‏مَسْجِدَ قُبَاءٍ ‏ ‏كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا وَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَفْعَلُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَاشِيًا وَرَاكِبًا ) ‏ ‏أَيْ بِحَسَبِ مَا تَيَسَّرَ , وَالْوَاوُ بِمَعْنًى أَوْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ عَبْد اَللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر كَمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَالْأَصِيلِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1119",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْتِي ‏ ‏مَسْجِدَ قُبَاءٍ ‏ ‏رَاكِبًا وَمَاشِيًا ‏ ‏زَادَ ‏ ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏زَاد اَلْأَصِيلِيّ \" اِبْن سَعِيد \" وَهُوَ اَلْقَطَّان , وَعُبَيْد اَللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ هُوَ اِبْن عُمَر اَلْعُمَرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( زَادَ اِبْن نُمَيْرٍ ) ‏ ‏أَيْ عَبْد اَللَّه ‏ ‏( عَنْ عُبَيْد اَللَّهِ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر. وَطَرِيقُ اِبْنِ نُمَيْر وَصَلَهَا مُسْلِم وَأَبُو يَعْلَى قَالَا : \" أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اَللَّه بْن نُمَيْر أَخْبَرَنَا أَبِي بِهِ \" وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة فِي مُسْنَدِهِ \" حَدَّثَنَا عَبْد اَللَّه بْن نُمَيْر وَأَبُو أُسَامَة عَنْ عُبَيْد اَللَّهِ \" فَذَكَرَهُ بِالزِّيَادَةِ , وَادَّعَى اَلطَّحَاوِيّ أَنَّهَا مُدْرَجَة , وَأَنَّ أَحَدَ اَلرُّوَاة قَالَهُ مِنْ عِنْدِهِ لِعِلْمِهِ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ لَا يَجْلِسَ حَتَّى يُصَلِّيَ. وَفِي هَذَا اَلْحَدِيثِ عَلَى اِخْتِلَاف طُرُقِهِ دَلَالَة عَلَى جَوَاز تَخْصِيص بَعْضِ اَلْأَيَّامِ بِبَعْضِ اَلْأَعْمَالِ اَلصَّالِحَةِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى ذَلِكَ , وَفِيهِ أَنَّ اَلنَّهْيَ عَنْ شَدِّ اَلرِّحَالِ لِغَيْرِ اَلْمَسَاجِدِ اَلثَّلَاثَةِ لَيْسَ عَلَى اَلتَّحْرِيمِ لِكَوْن اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْتِي مَسْجِد قُبَاء رَاكِبًا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مَجِيئَهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قُبَاء إِنَّمَا كَانَ لِمُوَاصَلَةِ اَلْأَنْصَارِ وَتَفَقُّدِ حَالِهِمْ وَحَالِ مَنْ تَأَخَّرَ مِنْهُمْ عَنْ حُضُورِ اَلْجُمْعَة مَعَهُ , وَهَذَا هُوَ اَلسِّرُّ فِي تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِالسَّبْتِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1120",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اَللَّه بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم. ‏"
    },
    {
        "id": "1121",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اَللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر اَلْعُمَرِيُّ , وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَالْأَصِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي ) ‏ ‏سَقَطَتْ هَذِهِ اَلْجُمْلَةُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ , وَسَيَأْتِي هَذَا اَلْحَدِيثُ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ كَامِلًا فِي أَوَاخِرِ فَضْلِ اَلْمَدِينَةِ مِنْ أَوَاخِر كِتَاب اَلْحَجّ , وَيَأْتِي اَلْكَلَام عَلَى اَلْمَتْنِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى مُسْتَوْفًى. ‏"
    },
    {
        "id": "1122",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏قَزَعَةَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏زِيَادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يُحَدِّثُ بِأَرْبَعٍ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي قَالَ ‏ ‏لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إِلَّا مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو ‏ ‏مَحْرَمٍ ‏ ‏وَلَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ‏ ‏مَسْجِدِ الْحَرَامِ ‏ ‏وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى ‏ ‏وَمَسْجِدِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَآنَقْنَنِي ) ‏ ‏بِالْمَدِّ ثُمَّ نُون مَفْتُوحَة ثُمَّ قَاف سَاكِنَة بَعْدَهَا نُونَانِ , يُقَالُ آنَقَهُ كَذَا إِذَا أَعْجَبَهُ , وَشَيْء مُونِق أَي مُعْجِب , وَقَوْله وَأَعْجَبْنَنِي مِنْ اَلتَّأْكِيدِ بِغَيْرِ اَللَّفْظِيِّ , وَحَكَى اِبْن اَلْأَثِيرِ أَنَّهُ رَوَى \" أَيْنَقْنَنِي \" بِتَحْتَانِيَّةٍ بَدَل اَلْأَلِف قَالَ : وَلَيْسَ بِشَيْء , وَضَبَطَهُ اَلْأَصِيلِيّ \" أَتَقْنَنِي \" بِمُثَنَّاة فَوْقَانِيَّة مِنْ اَلتَّوْقِ , وَإِنَّمَا يُقَالُ مِنْهُ تَوِّقْنِي كَشَوِّقْنِي. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تُسَافِرُ اَلْمَرْأَةُ ) ‏ ‏سَيَأْتِي اَلْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي اَلْحَجِّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا صَوْمَ ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي اَلصَّوْمِ , وَقَوْله فِي اَلصَّلَاةِ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر اَلْمَوَاقِيتِ , ‏ ‏وَقَوْله ( وَلَا تُشَدُّ اَلرِّحَال ) ‏ ‏تَقَدَّمَ قَرِيبًا. ‏ ‏( خَاتِمَة ) ‏ ‏اِشْتَمَلَتْ أَبْوَاب اَلتَّطَوُّعِ وَمَا مَعَهَا مِنْ اَلْأَحَادِيثِ اَلْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَرْبَعَة وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا اَلْمُعَلَّق مِنْهَا عَشَرَة أَحَادِيثَ وَسَائِرهَا مَوْصُولَة , اَلْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهَا وَفِيمَا مَضَى اِثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا , وَالْخَالِص اِثْنَا عَشَر وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيث اِبْن عُمَر فِي صَلَاةِ اَلضُّحَى , وَحَدِيثِ عَبْد اَللَّه بْن مُغَفَّل فِي اَلرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ اَلْمَغْرِبِ , وَحَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر فِيهِ , وَفِيهَا مِنْ اَلْآثَارِ اَلْمَوْقُوفَةِ عَلَى اَلصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَحَدَ عَشَرَ أَثَرًا وَهِيَ اَلسِّتَّةُ اَلْمَذْكُورَةُ فِي اَلْبَابِ اَلْأَوَّلِ , وَأَثَر اِبْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي بَكْر وَنَفْسه فِي تَرْكِ صَلَاةِ اَلضُّحَى , وَأَثَر أَبِي تَمِيم فِي اَلرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ اَلْمَغْرِبِ , وَأَثَر مَحْمُود بْن اَلرَّبِيع عَنْ أَبِي أَيُّوب وَكُلّهَا مَوْصُولَة. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1123",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ ‏ ‏مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏وَهِيَ خَالَتُهُ قَالَ ‏ ‏فَاضْطَجَعْتُ عَلَى عَرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَلَسَ فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ آيَاتٍ خَوَاتِيمَ سُورَةِ آلِ ‏ ‏عِمْرَانَ ‏ ‏ثُمَّ قَامَ إِلَى ‏ ‏شَنٍّ ‏ ‏مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ ‏ ‏يُصَلِّي قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا بِيَدِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَأَخَذَ بِأُذُنِي اَلْيُمْنَى يَفْتِلُهَا ) ‏ ‏هُوَ شَاهِد اَلتَّرْجَمَة , لِأَنَّهُ أَخَذَ بِأُذُنِهِ أَوَّلًا لِإِدَارَتِهِ مِنْ اَلْجَانِبِ اَلْأَيْسَرِ إِلَى اَلْجَانِبِ اَلْأَيْمَنِ , وَذَلِكَ مِنْ مَصْلَحَة اَلصَّلَاة. ثُمَّ أَخَذَ بِهَا أَيْضًا لِتَأْنِيسِهِ لِكَوْنِ ذَلِكَ لَيْلًا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي أَبْوَابِ اَلصُّفُوفِ. قَالَ اِبْن بَطَّال : اِسْتَنْبَطَ اَلْبُخَارِيّ مِنْهُ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَسْتَعِينَ بِيَدِهِ فِي صَلَاتِهِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِغَيْرِهِ كَانَتْ اِسْتِعَانَته فِي أَمْرِ نَفْسِهِ لِيَتَقَوَّى بِذَلِكَ عَلَى صَلَاتِهِ وَيَنْشَطَ لَهَا إِذَا اِحْتَاجَ إِلَيْهِ أَوْلَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ اَلْكَلَام عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس فِي أَبْوَابِ اَلْوِتْرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1124",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ ‏ ‏النَّجَاشِيِّ ‏ ‏سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا وَقَالَ ‏ ‏إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْنُ نُمَيْر ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اَللَّه بْن نُمَيْر , نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ , وَلَمْ يُدْرِكْ اَلْبُخَارِيّ عَبْد اَللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي اَلصَّلَاةِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي وَائِل \" كُنَّا نُسَلِّمُ فِي اَلصَّلَاةِ وَنَأْمُرُ بِحَاجَتِنَا \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي اَلْأَحْوَصِ \" خَرَجْتُ فِي حَاجَةٍ وَنَحْنُ يُسَلِّمُ بَعْضنَا عَلَى بَعْضٍ فِي اَلصَّلَاةِ \" وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ بَعْدَ بَاب نَحْوَهُ فِي حَدِيث اَلتَّشَهُّد. ‏ ‏قَوْله : ( اَلنَّجَاشِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ اَلنُّونِ وَحُكِيَ كَسْرهَا , وَسَيَأْتِي تَسْمِيَته وَالْإِشَارَة إِلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ فِي كِتَاب اَلْجَنَائِز إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ مُرْسَلِ اِبْنِ سِيرِينَ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ عَلَى اِبْن مَسْعُود فِي هَذِهِ اَلْقِصَّةِ اَلسَّلَام بِالْإِشَارَةِ , وَقَدْ بَوَّبَ اَلْمُصَنِّف لِمَسْأَلَةِ اَلْإِشَارَةِ فِي اَلصَّلَاةِ بِتَرْجَمَةٍ مُفْرَدَةٍ وَسَتَأْتِي فِي أَوَاخِر سُجُود اَلسَّهْو قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا ) ‏ ‏زَاد مُسْلِم فِي رِوَايَةِ ابْن فُضَيْل \" قُلْنَا يَا رَسُول اَللَّهِ كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْك فِي اَلصَّلَاةِ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا \" وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَة اَلَّتِي فِي اَلْهِجْرَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ فِي اَلصَّلَاةِ شُغْلًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ ابْن فُضَيْل \" لَشُغْلًا \" بِزِيَادَة اَللَّام لِلتَّأْكِيدِ , وَالتَّنْكِيرِ فِيهِ لِلتَّنْوِيعِ , أَيْ بِقِرَاءَةِ اَلْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ , أَوْ لِلتَّعْظِيمِ أَيْ شُغْلًا وَأَيُّ شُغْلٍ لِأَنَّهَا مُنَاجَاةٌ مَعَ اَللَّهِ تَسْتَدْعِي اَلِاسْتِغْرَاقَ بِخِدْمَتِهِ فَلَا يَصْلُحُ فِيهَا اَلِاشْتِغَالُ بِغَيْرِهِ. وَقَالَ اَلنَّوَوِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّ وَظِيفَةَ اَلْمُصَلِّي اَلِاشْتِغَال بِصَلَاتِهِ وَتَدَبُّر مَا يَقُولُهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَرَّجَ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ رَدِّ اَلسَّلَامِ وَنَحْوِهِ , زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي وَائِل \" إِنَّ اَللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ , وَإِنَّ اَللَّهَ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي اَلصَّلَاةِ \" وَزَادَ فِي رِوَايَة كُلْثُوم اَلْخُزَاعِيّ \" إِلَّا بِذِكْرِ اَللَّهِ وَمَا يَنْبَغِي لَكُمْ فَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ \". ) ‏ ‏قَوْله : ( هُرَيْم ) ‏ ‏بِهَاءٍ وَرَاء مُصَغَّرًا , وَالسَّلُولِيّ بِفَتْحِ اَلْمُهْمَلَةِ وَلَامَيْنِ اَلْأُولَى خَفِيفَة مَضْمُومَة , وَرِجَال الْإِسْنَادَيْنِ مِنْ اَلطَّرِيقَيْنِ كُلّهمْ كُوفِيُّونَ , وَسُفْيَان هُوَ اَلثَّوْرِيُّ , وَرِوَايَة اَلْأَعْمَشِ بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ مِمَّا عُدَّ مِنْ أَصَحِّ اَلْأَسَانِيدِ. ‏ ‏قَوْله : ( نَحْوه ) ‏ ‏ظَاهِر فِي أَنَّ لَفْظَ رِوَايَة هُرَيْم غَيْر مُتَّحِدٍ مَعَ لَفْظِ رِوَايَةِ ابْن فُضَيْل وَأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِد , وَكَذَا أَخْرَجَ مُسْلِم اَلْحَدِيثَ مِنْ اَلطَّرِيقَيْنِ وَقَالَ فِي رِوَايَة هُرَيْم أَيْضًا \" نَحْوه \" وَلَمْ أَقِفْ عَلَى سِيَاقِ لَفْظ هُرَيْم إِلَّا عِنْد الْجَوْزَقِيّ فَإِنَّهُ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق اَلزُّهْرِيّ عَنْهُ وَلَمْ أَرَ بَيْنَهُمَا مُغَايَرَة , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ \" قَدِمْنَا \" بَدَل رَجَعْنَا , وَزَادَ \" فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُول اَللَّهِ \" وَالْبَاقِي سَوَاء وَسَيَأْتِي فِي اَلْهِجْرَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ اَلْأَعْمَشِ أَوْضَحَ مِنْ هَذَا , وَلِلْحَدِيثِ طُرُق أُخْرَى مِنْهَا عِنْد أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي لَيْلَى عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَعِنْدَ اَلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق كُلْثُوم اَلْخُزَاعِيّ عَنْهُ , وَعِنْدَ اِبْن مَاجَهْ وَالطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي اَلْأَحْوَصِ عَنْهُ , وَسَيَأْتِي اَلتَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي \" بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى \" كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْن \" مِنْ أَوَاخِر كِتَاب اَلتَّوْحِيد. ‏"
    },
    {
        "id": "1125",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عِيسَى هُوَ ابْنُ يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ‏ ‏إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ ‏ { ‏حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ‏} ‏فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِسْمَاعِيلَ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَالْحَارِث بْن شُبَيْل لَيْسَ لَهُ فِي اَلْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا اَلْحَدِيثِ , وَأَبُوهُ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَة وَآخِره لَام مُصَغَّر , وَلَيْسَ لِأَبِي عُمَر وَسَعْد بْن إِيَاس اَلشَّيْبَانِيّ شَيْخه عَنْ زَيْد بْن أَرْقَمَ غَيْرُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّم ) ‏ ‏بِتَخْفِيف اَلنُّون , وَهَذَا حُكْمه اَلرَّفْع , وَكَذَا قَوْله \" أُمِرْنَا \" لِقَوْلِهِ فِيهِ \" عَلَى عَهْدِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" حَتَّى وَلَوْ لَمْ يُقَيِّدْ بِذَلِكَ لَكَانَ ذِكْر نُزُول اَلْآيَةِ كَافِيًا فِي كَوْنِهِ مَرْفُوعًا. ‏ ‏قَوْله : ( يُكَلِّمُ أَحَدنَا صَاحِبه بِحَاجَتِهِ ) ‏ ‏تَفْسِير لِقَوْلِهِ \" نَتَكَلَّمُ \" وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَتَكَلَّمُونَ فِيهَا بِكُلِّ شَيْءٍ وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى اَلْحَاجَةِ مِنْ رَدِّ اَلسَّلَامِ وَنَحْوِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى نَزَلَتْ ) ‏ ‏ظَاهِر فِي أَنَّ نَسْخَ الْكَلَام فِي اَلصَّلَاةِ وَقَعَ بِهَذِهِ اَلْآيَةِ , فَيَقْتَضِي أَنَّ اَلنَّسْخَ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ لِأَنَّ اَلْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفَاقٍ , فَيُشْكِلُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ اِبْن مَسْعُود إِنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَمَّا رَجَعُوا مِنْ عِنْدِ اَلنَّجَاشِيِّ , وَكَانَ رُجُوعهمْ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى مَكَّةَ , وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ اَلْمُسْلِمِينَ هَاجَرَ إِلَى اَلْحَبَشَةِ ثُمَّ بَلَغَهُمْ أَنَّ اَلْمُشْرِكِينَ أَسْلَمُوا فَرَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ فَوَجَدُوا اَلْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَاشْتَدَّ اَلْأَذَى عَلَيْهِمْ فَخَرَجُوا إِلَيْهَا أَيْضًا فَكَانُوا فِي اَلْمَرَّةِ اَلثَّانِيَةِ أَضْعَاف اَلْأُولَى , وَكَانَ اِبْن مَسْعُود مَعَ اَلْفَرِيقَيْنِ , وَاخْتُلِفَ فِي مُرَادِهِ بِقَوْلِهِ \" فَلَمَّا رَجَعْنَا \" هَلْ أَرَادَ اَلرُّجُوعَ اَلْأَوَّلَ أَوْ اَلثَّانِي , فَجَنَحَ اَلْقَاضِي أَبُو اَلطَّيِّب اَلطَّبَرِيّ وَآخَرُونَ إِلَى اَلْأَوَّلِ وَقَالُوا كَانَ تَحْرِيم الْكَلَام بِمَكَّةَ , وَحَمَلُوا حَدِيث زَيْد عَلَى أَنَّهُ وَقَوْمَهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ اَلنَّسْخ وَقَالُوا لَا مَانِع أَنْ يَتَقَدَّمَ اَلْحُكْم ثُمَّ تَنْزِلَ اَلْآيَةُ بِوَفْقِهِ. وَجَنَحَ آخَرُونَ إِلَى اَلتَّرْجِيحِ فَقَالُوا : يَتَرَجَّحُ حَدِيث اِبْن مَسْعُود بِأَنَّهُ حَكَى لَفْظَ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِخِلَافِ زَيْد بْن أَرْقَمَ فَلَمْ يَحْكِهِ , وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أَرَادَ اِبْن مَسْعُود رُجُوعَهُ اَلثَّانِي , وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ قَدِمَ اَلْمَدِينَة وَالنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَجَهَّزُ إِلَى بَدْر , وَفِي مُسْتَدْرَك اَلْحَاكِم مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَبْد اَللَّه بْن عُتْبَة بْن مَسْعُود عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" بَعَثَنَا رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى اَلنَّجَاشِيِّ ثَمَانِينَ رَجُلًا \" فَذَكَرَ اَلْحَدِيث بِطُولِهِ وَفِي آخِرِهِ \" فَتَعَجَّلَ عَبْد اَللَّه بْن مَسْعُود فَشَهِدَ بَدْرًا \" وَفِي اَلسِّيَر لِابْن إِسْحَاق : أَنَّ اَلْمُسْلِمِينَ بِالْحَبَشَةِ لَمَّا بَلَغَهُمْ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاجَرَ إِلَى اَلْمَدِينَةِ رَجَعَ مِنْهُمْ إِلَى مَكَّةَ ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ رَجُلًا , فَمَاتَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ بِمَكَّةَ وَحُبِسَ مِنْهُمْ سَبْعَة وَتَوَجَّهَ إِلَى اَلْمَدِينَةِ أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ رَجُلًا فَشَهِدُوا بَدْرًا. فَعَلَى هَذَا كَانَ اِبْن مَسْعُود مِنْ هَؤُلَاءِ , فَظَهَرَ أَنَّ اِجْتِمَاعَهُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ رُجُوعِهِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ , وَإِلَى هَذَا اَلْجَمْعِ نَحَا اَلْخَطَّابِيّ وَلَمْ يَقِفْهُ مَنْ تَعَقَّبَ كَلَامَهُ عَلَى مُسْتَنَدِهِ , وَيُقَوِّي هَذَا اَلْجَمْعَ رِوَايَة كُلْثُوم اَلْمُتَقَدِّمَة فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْ اِبْن مَسْعُود وَزَيْد بْن أَرْقَمَ حَكَى أَنَّ اَلنَّاسِخَ قَوْله تَعَالَى ( وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) وَأَمَّا قَوْلُ ابْن حِبَّانَ : كَانَ نَسْخ الْكَلَام بِمَكَّةَ قَبْلَ اَلْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ , قَالَ : وَمَعْنَى قَوْلِ زَيْد بْن أَرْقَمَ \" كُنَّا نَتَكَلَّمُ \" أَيْ كَانَ قَوْمِي يَتَكَلَّمُونَ لِأَنَّ قَوْمَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ اَلْهِجْرَةِ مَعَ مُصْعَب بْن عُمَيْر اَلَّذِي كَانَ يُعَلِّمُهُمْ اَلْقُرْآنَ , فَلَمَّا نُسِخَ تَحْرِيم الْكَلَام بِمَكَّةَ بَلَغَ ذَلِكَ أَهْل اَلْمَدِينَةِ فَتَرَكُوهُ , فَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ اَلْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفَاقٍ , وَبِأَنَّ إِسْلَامَ اَلْأَنْصَارِ وَتَوَجُّهَ مُصْعَب بْن عُمَيْر إِلَيْهِمْ إِنَّمَا كَانَ قَبْلَ اَلْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ , وَبِأَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْد بْن أَرْقَمَ \" كُنَّا نَتَكَلَّمُ خَلْفَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كَذَا أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ فَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ اَلْمُرَاد اَلْأَنْصَار اَلَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ هِجْرَةِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ. وَأَجَابَ اِبْن حِبَّانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّ زَيْد بْن أَرْقَمَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ \" كُنَّا نَتَكَلَّمُ \" مَنْ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ مِنْ اَلْمُسْلِمِينَ , وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ أَيْضًا بِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا بِمَكَّةَ يَجْتَمِعُونَ إِلَّا نَادِرًا , وَبِمَا رَوَى اَلطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ \" كَانَ اَلرَّجُل إِذَا دَخَلَ اَلْمَسْجِد فَوَجَدَهُمْ يُصَلُّونَ سَأَلَ اَلَّذِي إِلَى جَنْبِهِ فَيُخْبِرُهُ بِمَا فَاتَهُ فَيَقْضِي ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَهُمْ , حَتَّى جَاءَ مُعَاذ يَوْمًا فَدَخَلَ فِي اَلصَّلَاةِ \" فَذَكَرَ اَلْحَدِيث , وَهَذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَطْعًا لِأَنَّ أَبَا أُمَامَةَ وَمُعَاذ بْن جَبَل إِنَّمَا أَسْلَمَا بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( حَافِظُوا عَلَى اَلصَّلَوَاتِ اَلْآيَة ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة , وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي اَلْوَقْتِ اَلْآيَة إِلَى آخِرِهَا , وَانْتَهَتْ رِوَايَةُ اَلْأَصِيلِيّ إِلَى قَوْلِهِ : ( اَلْوُسْطَى وَسَيَأْتِي اَلْكَلَام عَلَى اَلْمُرَادِ بِالْوُسْطَى وَبِالْقُنُوتِ فِي تَفْسِير اَلْبَقَرَة , وَحَدِيث زَيْد بْن أَرْقَمَ ظَاهِر فِي أَنَّ اَلْمُرَادَ بِالْقُنُوتِ اَلسُّكُوت. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ ) ‏ ‏أَيْ عَنْ الْكَلَام اَلْمُتَقَدِّمِ ذِكْره لَا مُطْلَقًا فَإِنَّ اَلصَّلَاةَ لَيْسَ فِيهَا حَال سُكُوت حَقِيقِيَّة. قَالَ اِبْن دَقِيقِ اَلْعِيدِ : وَيَتَرَجَّحُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظ \" حَتَّى \" اَلَّتِي لِلْغَايَةِ وَالْفَاء اَلَّتِي تُشْعِرُ بِتَعْلِيلِ مَا سَبَقَ عَلَيْهَا لِمَا يَأْتِي بَعْدَهَا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏زَاد مُسْلِم فِي رِوَايَتِهِ \" وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَام \" وَلَمْ يَقَعْ فِي اَلْبُخَارِيِّ , وَذَكَرَهَا صَاحِب اَلْعُمْدَةِ وَلَمْ يُنَبِّهْ أَحَد مِنْ شُرَّاحِهَا عَلَيْهَا , وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ اَلزِّيَادَةِ عَلَى أَنَّ اَلْأَمْرَ بِالشَّيْءِ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ , إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى قَوْلِهِ \" وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَام \" وَأُجِيبَ بِأَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى ضِدِّهِ دَلَالَة اِلْتِزَام , وَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ اَلْخِلَافُ فَلَعَلَّهُ ذُكِرَ لِكَوْنِهِ أَصْرَحَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اِبْن دَقِيقِ اَلْعِيدِ : هَذَا اَللَّفْظُ أَحَد مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى اَلنَّسْخِ وَهُوَ تَقَدُّم أَحَد اَلْحُكْمَيْنِ عَلَى اَلْآخَرِ , وَلَيْسَ كَقَوْلِ اَلرَّاوِي هَذَا مَنْسُوخ لِأَنَّهُ يَطْرُقُهُ اِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ قَالَهُ عَنْ اِجْتِهَاد , وَقِيلَ لَيْسَ فِي هَذِهِ اَلْقِصَّةِ نَسْخ لِأَنَّ إِبَاحَةَ الْكَلَام فِي اَلصَّلَاةِ كَانَ بِالْبَرَاءَةِ اَلْأَصْلِيَّةِ , وَالْحُكْم اَلْمُزِيل لَهَا لَيْسَ نَسْخًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ اَلَّذِي يَقَعُ فِي اَلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا مَا يُمْنَعُ أَوْ يُبَاحُ إِذَا قَرَّرَهُ اَلشَّارِعُ كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا , فَإِذَا وَرَدَ مَا يُخَالِفُهُ كَانَ نَاسِخًا وَهُوَ كَذَلِكَ هُنَا. قَالَ اِبْن دَقِيقِ اَلْعِيدِ : وَقَوْلُهُ \" وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَام \" يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَمَّى كَلَامًا فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلَى عُمُومِهِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ اَللَّام لِلْعَهْدِ اَلرَّاجِعِ إِلَى قَوْلِهِ \" يُكَلِّمُ اَلرَّجُلُ مِنَّا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ \" وَقَوْلِهِ \" فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ \" أَيْ عَمَّا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ اَلْكَلَام فِي اَلصَّلَاةِ - مِنْ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ عَامِد لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهَا أَوْ إِنْقَاذ مُسْلِم - مُبْطِل لَهَا , وَاخْتَلَفُوا فِي اَلسَّاهِي وَالْجَاهِلِ فَلَا يُبْطِلُهَا اَلْقَلِيل مِنْهُ عِنْدَ اَلْجُمْهُورِ , وَأَبْطَلَهَا اَلْحَنَفِيَّة مُطْلَقًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيثِ ذِي اَلْيَدَيْنِ فِي اَلسَّهْوِ , وَاخْتَلَفُوا فِي أَشْيَاءَ أَيْضًا كَمَنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ أَوْ تَعَمُّدِ إِصْلَاحِ اَلصَّلَاةِ لِسَهْوٍ دَخَلَ عَلَى إِمَامِهِ أَوْ لِإِنْقَاذِ مُسْلِم لِئَلَّا يَقَعَ فِي مَهْلَكَةٍ أَوْ فَتَحَ عَلَى إِمَامِهِ أَوْ سَبَّحَ لِمَنْ مَرَّ بِهِ أَوْ رَدَّ اَلسَّلَام أَوْ أَجَابَ دَعْوَةَ أَحَدِ وَالِدَيْهِ أَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكَلَام أَوْ تَقَرَّبَ بِقُرْبَةٍ كَأَعْتَقْت عَبْدِي لِلَّهِ , فَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ خِلَافٌ مَحَلُّ بَسْطِهِ كُتُبُ اَلْفِقْهِ , وَسَتَأْتِي اَلْإِشَارَةُ إِلَى بَعْضِهِ حَيْثُ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ. قَالَ اِبْن اَلْمُنِير فِي اَلْحَاشِيَةِ : اَلْفَرْقُ بَيْن قَلِيل اَلْفِعْل لِلْعَامِدِ فَلَا يُبْطِلُ وَبَيْن قَلِيل اَلْكَلَام أَنَّ اَلْفِعْلَ لَا تَخْلُو مِنْهُ اَلصَّلَاةُ غَالِبًا لِمَصْلَحَتِهَا وَتَخْلُو مِنْ الْكَلَام اَلْأَجْنَبِيِّ غَالِبًا مُطَّرِدًا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1126",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصْلِحُ بَيْنَ ‏ ‏بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏وَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَجَاءَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَقَالَ حُبِسَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَؤُمُّ النَّاسَ قَالَ نَعَمْ إِنْ شِئْتُمْ فَأَقَامَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏الصَّلَاةَ فَتَقَدَّمَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَصَلَّى فَجَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَأَخَذَ النَّاسُ بِالتَّصْفِيحِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏هَلْ تَدْرُونَ مَا التَّصْفِيحُ هُوَ التَّصْفِيقُ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا أَكْثَرُوا الْتَفَتَ فَإِذَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الصَّفِّ فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ فَرَفَعَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ رَجَعَ ‏ ‏الْقَهْقَرَى ‏ ‏وَرَاءَهُ وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ اَلْكَلَام عَلَى فَوَائِدِ هَذَا اَلْحَدِيثِ فِي اَلْبَابِ اَلْمَذْكُورِ. وَفِيهِ مِنْ اَلْفَوَائِدِ مِمَّا تَقَدَّمَ بَعْضهَا مَبْسُوطًا : جَوَاز تَأْخِير اَلصَّلَاةِ عَنْ أَوَّلِ اَلْوَقْتِ , وَأَنَّ اَلْمُبَادَرَةَ إِلَيْهَا أَوْلَى مِنْ اِنْتِظَارِ اَلْإِمَامِ اَلرَّاتِبِ , وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي اَلتَّقَدُّمُ عَلَى اَلْجَمَاعَةِ إِلَّا بِرِضًا مِنْهُمْ , يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْل أَبِي بَكْر ‏ ‏\" إِنْ شِئْتُمْ \" ‏ ‏مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ. وَأَنَّ اَلِالْتِفَاتَ فِي اَلصَّلَاةِ لَا يَقْطَعُهَا. وَأَنَّ مَنْ سَبَّحَ أَوْ حَمِدَ لِأَمْرٍ يَنُوبُهُ لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ وَلَوْ قَصَدَ بِذَلِكَ تَنْبِيهَ غَيْرِهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِالْبُطْلَانِ. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" فَقَالَ سَهْل \" ‏ ‏أَيْ اِبْن سَعْد رَاوِي اَلْحَدِيثِ \" هَلْ تَدْرُونَ مَا اَلتَّصْفِيحُ هُوَ اَلتَّصْفِيقُ \" وَهَذِهِ حُجَّة لِمَنْ قَالَ إِنَّهُمَا قَالَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ , وَبِهِ صَرَّحَ اَلْخَطَّابِيّ وَأَبُو عَلِيّ الْقَالِيّ وَالْجَوْهَرِيّ وَغَيْرُهُمْ , وَادَّعَى اِبْن حَزْم نَفْي اَلْخِلَافِ فِي ذَلِكَ , وَتُعُقِّبَ بِمَا حَكَاهُ عِيَاض فِي اَلْإِكْمَالِ أَنَّهُ بِالْحَاء اَلضَّرْبُ بِظَاهِر إِحْدَى اَلْيَدَيْنِ عَلَى اَلْأُخْرَى , وَبِالْقَاف بِبَاطِنِهَا عَلَى بَاطِنِ اَلْأُخْرَى , وَقِيلَ بِالْحَاء اَلضَّرْبُ بِأُصْبُعَيْنِ لِلْإِنْذَارِ وَالتَّنْبِيهِ وَبِالْقَاف بِجَمِيعِهَا لِلَّهْوِ وَاللَّعِبِ , وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَزَعَمَ أَنَّ اَلصَّحَابَةَ ضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ , قَالَ عِيَاض : كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَة بْن اَلْحَكَمِ اَلَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم فَفِيهِ \" فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1127",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عِيسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ كُنَّا نَقُولُ التَّحِيَّةُ فِي الصَّلَاةِ وَنُسَمِّي وَيُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ قُولُوا ‏ ‏التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1128",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1129",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏التَّسْبِيحُ للرِّجَالِ ‏ ‏وَالتَّصْفِيحُ ‏ ‏لِلنِّسَاءِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1130",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَا هُمْ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ ‏ ‏الِاثْنَيْنِ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يُصَلِّي بِهِمْ فَفَجِئَهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ ‏ ‏فَنَكَصَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَلَى عَقِبَيْهِ وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ فَرَحًا بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ رَأَوْهُ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ أَتِمُّوا ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ وَتُوُفِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اَلْمَرْوَزِيّ , وَعَبْد اَللَّه هُوَ اِبْنُ اَلْمُبَارَك , وَيُونُسُ هُوَ اِبْن زَيْد. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يُونُس قَالَ اَلزُّهْرِيّ ) ‏ ‏أَيْ قَالَ قَالَ يُونُس وَهِيَ تُحْذَفُ خَطًّا فِي اَلِاصْطِلَاحِ لَا نُطْقًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَفَجِأَهُمْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن اَلتِّينِ : كَذَا وَقَعَ فِي اَلْأَصْلِ بِالْأَلِفِ وَحَقّه أَنْ يُكْتَبَ بِالْيَاء لِأَنَّ عَيْنَهُ مَكْسُورَة كَوَطِئَهُمْ اِنْتَهَى , وَبَقِيَّة فَوَائِدِ اَلْمَتْنِ تَقَدَّمَتْ فِي \" بَابِ أَهْلِ اَلْعِلْمِ وَالْفَضْل أَحَقّ بِالْإِمَامَةِ \" مِنْ أَبْوَابِ اَلْإِمَامَةِ , وَيَأْتِي اَلْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر اَلْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1131",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُعَيْقِيبٌ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ ‏ ‏إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اَلرَّحْمَن , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَلَمَةِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اَلرَّحْمَن , وَفِي رِوَايَةِ اَلتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقِ اَلْأَوْزَاعِيّ عَنْ يَحْيَى \" حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَة \" وَمُعَيْقِيب بِالْمُهْمَلَةِ وَبِالْقَاف وَآخِره مُوَحَّدَة مُصَغَّر هُوَ اِبْن أَبِي فَاطِمَة الدَّوْسِيّ حَلِيف بَنِي عَبْد شَمْس , كَانَ مِنْ اَلسَّابِقِينَ اَلْأَوَّلِينَ , وَلَيْسَ لَهُ فِي اَلْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا اَلْحَدِيث اَلْوَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( فِي اَلرَّجُلِ ) ‏ ‏أَيْ حُكْم اَلرَّجُل , وَذُكِرَ لِلْغَالِبِ وَإِلَّا فَالْحُكْم جَارٍ فِي جَمِيعِ اَلْمُكَلَّفِينَ. وَحَكَى اَلنَّوَوِيّ اِتِّفَاق اَلْعُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهَةِ مَسْح اَلْحَصَى وَغَيْره فِي اَلصَّلَاةِ , وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ حَكَى اَلْخَطَّابِيّ فِي \" اَلْمَعَالِمِ \" عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا وَكَانَ يَفْعَلُهُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ اَلْخَبَرُ , وَأَفْرَطَ بَعْضُ أَهْل اَلظَّاهِر فَقَالَ : إِنَّهُ حَرَامٌ إِذَا زَادَ عَلَى وَاحِدَةٍ لِظَاهِرِ اَلنَّهْيِ , وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا إِذَا تَوَالَى أَوْ لَا , مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِ اَلْخُشُوعِ , وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ عِلَّة كَرَاهِيَته اَلْمُحَافَظَة عَلَى اَلْخُشُوعِ , أَوْ لِئَلَّا يَكْثُرَ اَلْعَمَلُ فِي اَلصَّلَاةِ , لَكِنَّ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ اَلْمُتَقَدِّمَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اَلْعِلَّةَ فِيهِ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اَلرَّحْمَةِ اَلَّتِي تُوَاجِهُهُ حَائِلًا. وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي صَالِح اَلسَّمَّان قَالَ \" إِذَا سَجَدْت فَلَا تَمْسَحِ اَلْحَصَى , فَإِنَّ كُلَّ حَصَاةٍ تُحِبُّ أَنْ يُسْجَدَ عَلَيْهَا \" فَهَذَا تَعْلِيل آخَر وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَيْثُ يَسْجُدُ ) ‏ ‏أَيْ مَكَانَ اَلسُّجُودِ , وَهَلْ يَتَنَاوَلُ اَلْعُضْو اَلسَّاجِد ؟ لَا يَبْعُدُ ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي اَلدَّرْدَاءِ قَالَ \" مَا أُحِبّ أَنَّ لِي حُمْر اَلنَّعَم وَأَنِّي مَسَحْت مَكَان جَبِينِي مِنْ اَلْحَصَى \" وَقَالَ عِيَاض : كَرِهَ اَلسَّلَف مَسْح اَلْجَبْهَةِ فِي اَلصَّلَاةِ قَبْلَ اَلِانْصِرَافِ. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر صِفَة اَلصَّلَاة حِكَايَة اِسْتِدْلَال اَلْحُمَيْدِيّ لِذَلِكَ بِحَدِيث أَبِي سَعِيد فِي رُؤْيَتِهِ اَلْمَاء وَالطِّين فِي جَبْهَةِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ اِنْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ اَلصُّبْحِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَاحِدَة ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ أَيْ فَامْسَحْ وَاحِدَة , أَوْ عَلَى اَلنَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ , وَيَجُوزُ اَلرَّفْعُ عَلَى إِضْمَارِ اَلْخَبَرِ أَيْ فَوَاحِدَة تَكْفِي , أَوْ إِضْمَار اَلْمُبْتَدَإِ أَيْ فَالْمَشْرُوع وَاحِدَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اَلتِّرْمِذِيّ \" إِنْ كُنْت فَاعِلًا فَمَرَّة وَاحِدَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "1132",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غَالِبٌ الْقَطَّانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنْ الْأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا بِشْرٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن اَلْمُفَضَّل , وَغَالِب هُوَ اَلْقَطَّان كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1133",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ أَمُدُّ رِجْلِي فِي قِبْلَةِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏يُصَلِّي فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَرَفَعْتُهَا فَإِذَا قَامَ مَدَدْتُهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1134",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَبَابَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً قَالَ ‏ ‏إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي فَشَدَّ عَلَيَّ لِيَقْطَعَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ ‏ ‏فَذَعَتُّهُ ‏ ‏وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوثِقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ فَذَكَرْتُ قَوْلَ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏رَبِّ ‏ { ‏هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ‏} ‏فَرَدَّهُ اللَّهُ ‏ ‏خَاسِيًا ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ‏ ‏فَذَعَتُّهُ ‏ ‏بِالذَّالِ ‏ ‏أَيْ خَنَقْتُهُ ‏ ‏وَفَدَعَّتُّهُ ‏ ‏مِنْ قَوْلِ اللَّهِ ‏ { ‏يَوْمَ يُدَعُّونَ ‏} ‏أَيْ يُدْفَعُونَ ‏ ‏وَالصَّوَابُ ‏ ‏فَدَعَتُّهُ ‏ ‏إِلَّا أَنَّهُ كَذَا قَالَ بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ وَالتَّاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَحْمُود ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ غَيْلَان , وَشَبَابَة بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ اَلْأُولَى خَفِيفَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اَلشَّيْطَانَ عَرَضَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي \" بَاب رَبْط اَلْغَرِيمِ فِي اَلْمَسْجِدِ \" مِنْ أَبْوَابِ اَلْمَسَاجِدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَة بِلَفْظ \" إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ اَلْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ \" وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ اَلْمُرَادَ بِالشَّيْطَانِ فِي هَذِهِ اَلرِّوَايَةِ غَيْر إِبْلِيسَ كَبِيرِ اَلشَّيَاطِينِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَشَدَّ عَلَيَّ ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ حَمَلَ. ‏ ‏قَوْله : ( لِيَقْطَع ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اَلْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي بِحَذْفِ اَللَّامِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَعَتُّهُ ) ‏ ‏يَأْتِي ضَبْطه بَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَنْظُرُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اَلْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي \" أَوْ تَنْظُرُوا إِلَيْهِ \" بِالشَّكِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض الْكَلَام عَلَى هَذَا اَلْحَدِيثِ فِي اَلْبَابِ اَلْمَذْكُورِ وَيَأْتِي اَلْكَلَام عَلَى بَقِيَّتِهِ فِي أَوَّلِ بَدْءِ اَلْخَلْقِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ النَّضْر بْن شُمَيْل فَذَعَتُّهُ بِالذَّالِ ) ‏ ‏يَعْنِي اَلْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف اَلْعَيْن اَلْمُهْمَلَة ( أَيْ خَنَقْته , وَأَمَّا فَدَعَّتُّهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيد اَلْعَيْنِ فَمِنْ قَوْله تَعَالَى ( يَوْم يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ ) أَيْ يُدْفَعُونَ وَالصَّوَاب اَلْأَوَّل , إِلَّا أَنَّهُ - يَعْنِي شُعْبَة - كَذَا قَالَهُ بِتَشْدِيدِ اَلْعَيْنِ اِنْتَهَى. وَهَذَا اَلْكَلَامُ وَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق النَّضْر بْن شُمَيْل بِدُونِ هَذِهِ اَلزِّيَادَةِ وَهِيَ فِي كِتَابِ \" غَرِيبِ اَلْحَدِيثِ لِلنَّضْرِ \" وَهُوَ فِي مَرْوِيَّاتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد اَلْمَصَاحِفِيّ عَنْ النَّضْرِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي تَعْلِيقِ اَلتَّعْلِيقِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1135",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏بِالْأَهْوَازِ ‏ ‏نُقَاتِلُ ‏ ‏الْحَرُورِيَّةَ ‏ ‏فَبَيْنَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهَرٍ إِذَا رَجُلٌ ‏ ‏يُصَلِّي وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ بِيَدِهِ فَجَعَلَتْ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏هُوَ ‏ ‏أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ ‏ ‏فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْخَوَارِجِ ‏ ‏يَقُولُ اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ قَالَ إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ ‏ ‏وَإِنِّي غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سِتَّ غَزَوَاتٍ أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ ‏ ‏وَثَمَانِيَ وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ وَإِنِّي إِنْ كُنْتُ أَنْ أُرَاجِعَ مَعَ دَابَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا تَرْجِعُ إِلَى ‏ ‏مَأْلَفِهَا ‏ ‏فَيَشُقُّ عَلَيَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا بِاَلْأَهْوَاز ) ‏ ‏بِفَتْحِ اَلْهَمْزَةِ وَسُكُون اَلْهَاءِ هِيَ بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَ اَلْبَصْرَةِ وَفَارِسَ فُتِحَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ , قَالَ فِي اَلْمُحْكَمِ : لَيْسَ لَهُ وَاحِد مِنْ لَفْظِهِ , قَالَ أَبُو عُبَيْد اَلْبَكْرِيّ : هِيَ بَلَدٌ يَجْمَعُهَا سَبْعٌ كُوَر فَذَكَرَهَا. قَالَ اِبْن خُرْدَاذْبُهْ : هِيَ بِلَادٌ وَاسِعَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِالْجَبَلِ وَأَصْبَهَان. ‏ ‏قَوْله : ( الْحَرُورِيَّة ) ‏ ‏بِمُهْمَلَاتٍ أَيْ اَلْخَوَارِج , وَكَانَ اَلَّذِي يُقَاتِلُهُمْ إِذْ ذَاكَ اَلْمُهَلَّب بْن أَبِي صُفْرَة كَمَا فِي رِوَايَةِ عَمْرو بْن مَرْزُوق عَنْ شُعْبَة عِنْدَ اَلْإِسْمَاعِيلِيِّ , وَذَكَرَ مُحَمَّد بْن قَدَامَة اَلْجَوْهَرِيّ فِي كِتَابِهِ \" أَخْبَار اَلْخَوَارِجِ \" أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَنَة خَمْس وَسِتِّينَ مِنْ اَلْهِجْرَةِ , وَكَانَ اَلْخَوَارِج قَدْ حَاصَرُوا أَهْلَ اَلْبَصْرَةِ مَعَ نَافِع بْن اَلْأَزْرَقِ حَتَّى قُتِلَ وَقُتِلَ مِنْ أُمَرَاءِ اَلْبَصْرَةِ جَمَاعَة إِلَى أَنْ وَلَّى عَبْدُ اَللَّه بْنُ اَلزُّبَيْرِ اَلْحَارِثَ بْنَ عَبْد اَللَّه بْن أَبِي رَبِيعَة اَلْمَخْزُومِيّ عَلَى اَلْبَصْرَةِ وَوَلَّى اَلْمُهَلَّبَ بْن أَبِي صُفْرَة عَلَى قِتَالِ اَلْخَوَارِجِ , وَكَذَا ذَكَرَ اَلْمُبَرِّدُ فِي اَلْكَامِلِ نَحْوه. وَهُوَ يُعَكِّرُ عَلَى مَنْ أَرَّخَ وَفَاة أَبِي بَرْزَة سَنَة أَرْبَع وَسِتِّينَ أَوْ قَبْلَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى جُرُفِ نَهْرِ ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ اَلْجِيمِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءَ وَقَدْ تَسْكُنُ اَلرَّاءُ , وَهُوَ اَلْمَكَانُ اَلَّذِي أَكَلَهُ اَلسَّيْل. وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ بِفَتْحِ اَلْمُهْمَلَةِ وَسُكُون اَلرَّاءِ أَيْ جَانِبِهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ اَلْأَزْرَقِ فِي اَلْأَدَبِ \" كُنَّا عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ قَدْ نَضَبَ عَنْهُ اَلْمَاءُ \" أَيْ زَالَ وَهُوَ يُقَوِّي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ , وَفِي رِوَايَةِ مَهْدِيّ بْن مَيْمُون عَنْ اَلْأَزْرَقِ عَنْ مُحَمَّد بْن قُدَامَة \" كُنْت فِي ظِلِّ قَصْرِ مِهْرَان بِاَلْأَهْوَاز عَلَى شَاطِئ دُجَيْل \" وَعُرِفَ بِهَذَا تَسْمِيَة اَلنَّهْرِ اَلْمَذْكُورِ وَهُوَ بِالْجِيمِ مُصَغَّر. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا رَجُل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اَلْحَمَوِيّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ \" إِذْ جَاءَ رَجُل \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ شُعْبَة هُوَ أَبُو بَرْزَة اَلْأَسْلَمِيّ ) ‏ ‏أَيْ اَلرَّجُلِ اَلْمُصَلِّي , وَظَاهِره أَنَّ اَلْأَزْرَقَ لَمْ يُسَمِّهِ لِشُعْبَة وَلَكِنْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد اَلطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَة فَقَالَ فِي آخِرِهِ \" فَإِذَا هُوَ أَبُو بَرْزَة اَلْأَسْلَمِيّ \" وَفِي رِوَايَةِ عَمْرو بْن مَرْزُوق عِنْدَ اَلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" فَجَاءَ أَبُو بَرْزَة \" وَفِي رِوَايَةِ حَمَّاد فِي اَلْأَدَبِ \" فَجَاءَ أَبُو بَرْزَة اَلْأَسْلَمِيّ عَلَى فَرَسٍ فَصَلَّى وَخَلَّاهَا فَانْطَلَقَتْ فَاتَّبَعَهَا \" وَرَوَاهُ عَبْد اَلرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ اَلْأَزْرَقِ بْن قَيْس \" أَنَّ أَبَا بَرْزَة اَلْأَسْلَمِيّ مَشَى إِلَى دَابَّتِهِ وَهُوَ فِي اَلصَّلَاةِ \" اَلْحَدِيث , وَبَيَّنَ مَهْدِيّ بْن مَيْمُون فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ تِلْكَ اَلصَّلَاةَ كَانَتْ صَلَاة اَلْعَصْرِ , وَفِي رِوَايَةِ عَمْرو بْن مَرْزُوق عِنْدَ اَلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" فَمَضَتْ اَلدَّابَّة فِي قِبْلَتِهِ فَانْطَلَقَ فَأَخَذَهَا ثُمَّ رَجَعَ اَلْقَهْقَرَى \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلَ رَجُل مِنْ اَلْخَوَارِجِ يَقُولُ : اَللَّهُمَّ اِفْعَلْ بِهَذَا اَلشَّيْخِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اَلطَّيَالِسِيّ \" فَإِذَا بِشَيْخٍ يُصَلِّي قَدْ عَمَدَ إِلَى عِنَانِ دَابَّتِهِ فَجَعَلَهُ فِي يَدِهِ فَنَكَصَتْ اَلدَّابَّة فَنَكَصَ مَعَهَا , وَمَعَنَا رَجُلٌ مِنْ اَلْخَوَارِجِ فَجَعَلَ يَسُبُّهُ \" وَفِي رِوَايَةِ مَهْدِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا اَلْحِمَارِ , وَفِي رِوَايَةِ حَمَّاد فَقَالَ : اُنْظُرُوا إِلَى هَذَا اَلشَّيْخِ تَرَكَ صَلَاتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَس. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ ثَمَانِيًا ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ , وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ \" أَوْ ثَمَانِي \" بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَا تَنْوِينٍ , وَقَالَ اِبْن مَالِك فِي شَرْح اَلتَّسْهِيل : اَلْأَصْلُ أَوْ ثَمَانِي غَزَوَاتٍ فَحَذَفَ اَلْمُضَاف وَأَبْقَى اَلْمُضَاف إِلَيْهِ عَلَى حَالِهِ , وَقَدْ رَوَاهُ عَمْرو بْن مَرْزُوق بِلَفْظ \" سَبْع غَزَوَات \" بِغَيْرِ شَكّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَشَهِدْت تَيْسِيره ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيعِ اَلْأُصُولِ وَفِي جَمِيعِ اَلطُّرُقِ \" مِنْ اَلتَّيْسِيرِ \" , وَحَكَى اِبْن اَلتِّينِ عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ \" وَشَهِدْتُ تُسْتَر \" بِضَمِّ اَلْمُثَنَّاة وَسُكُونِ اَلْمُهْمَلَةِ وَفَتْح اَلْمُثَنَّاة وَقَالَ : مَعْنَى شَهِدْت تُسْتَر أَيْ فَتْحَهَا , وَكَانَ فِي زَمَنِ عُمَر اِنْتَهَى , وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ اَلْأُصُولِ , وَمُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يَبْقَى فِي اَلْقِصَّةِ شَائِبَة رَفْع , بِخِلَافِ اَلرِّوَايَةِ اَلْمَحْفُوظَةِ فَإِنَّ فِيهَا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ شَأْنِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَجْوِيزٌ مِثْلُهُ , وَزَاد عَمْرو بْن مَرْزُوق فِي آخِرِهِ \" قَالَ فَقُلْت لِلرَّجُلِ مَا أَرَى اَللَّهَ إِلَّا مُخْزِيك , شَتَمْتَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَةِ مَهْدِيّ بْن مَيْمُون \" فَقُلْت اُسْكُتْ فَعَلَ اَللَّهُ بِك , هَلْ تَدْرِي مَنْ هَذَا ؟ هُوَ أَبُو بَرْزَة صَاحِب رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ اَلطَّرْقِ عَلَى تَسْمِيَةِ اَلرَّجُلِ اَلْمَذْكُورِ , وَفِي هَذَا اَلْحَدِيثِ مِنْ اَلْفَوَائِدِ جَوَاز حِكَايَةِ اَلرَّجُلِ مَنَاقِبه إِذَا اِحْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ فِي سِيَاق اَلْفَخْر , وَأَشَارَ أَبُو بَرْزَةَ بِقَوْلِهِ \" وَرَأَيْت تَيْسِيرَهُ \" إِلَى اَلرَّدِّ عَلَى مَنْ شَدَّدَ عَلَيْهِ فِي أَنْ يَتْرُكَ دَابَّته تَذْهَبُ وَلَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ , وَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْفُقَهَاءِ فِي قَوْلِهِمْ : أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُخْشَى إِتْلَافه مِنْ مَتَاع وَغَيْره يَجُوزُ قَطْعُ اَلصَّلَاةِ لِأَجْلِهِ. وَقَوْلُهُ \" مَأْلَفهَا \" يَعْنِي اَلْمَوْضِع اَلَّذِي أَلِفَتْهُ وَاعْتَادَتْهُ , وَهَذَا بِنَاءً عَلَى غَالِب أَمْرهَا , وَمِنْ اَلْجَائِزِ أَنْ لَا تَرْجِعَ إِلَى مَأْلَفِهَا بَلْ تَتَوَجَّهُ إِلَى حَيْثُ لَا يَدْرِي بِمَكَانِهَا فَيَكُونُ فِيهِ تَضْيِيع اَلْمَالِ اَلْمَنْهِيّ عَنْهُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ظَاهِر سِيَاقِ هَذِهِ اَلْقِصَّةِ أَنَّ أَبَا بَرْزَةَ لَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ , وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَمْرو بْن مَرْزُوق \" فَأَخَذَهَا ثُمَّ رَجَعَ اَلْقَهْقَرَى \" فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ قَطَعَهَا مَا بَالَى أَنْ يَرْجِعَ مُسْتَدْبِر اَلْقِبْلَة , وَفِي رُجُوعِهِ اَلْقَهْقَرَى مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ مَشْيَهُ إِلَى قَصْدِهَا مَا كَانَ كَثِيرًا , وَهُوَ مُطَابِقٌ لِثَانِي حَدِيثَيْ اَلْبَاب لِأَنَّهُ يَدُلُّ أَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأَخَّرَ فِي صَلَاتِهِ وَتَقَدَّمَ وَلَمْ يَقْطَعْهَا , فَهُوَ عَمَلٌ يَسِيرٌ وَمَشْيٌ قَلِيل فَلَيْسَ فِيهِ اِسْتِدْبَار اَلْقِبْلَة فَلَا يَضُرُّ. وَفِي مُصَنَّفِ اِبْن أَبِي شَيْبَة \" سُئِلَ اَلْحَسَنُ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى فَأَشْفَقَ أَنْ تَذْهَبَ دَابَّته , قَالَ : يَنْصَرِفُ. قِيلَ لَهُ أَفَيُتِمّ ؟ قَالَ : إِذَا وَلَّى ظَهْره اَلْقِبْلَة اِسْتَأْنَفَ \" وَقَدْ أَجْمَعَ اَلْفُقَهَاء عَلَى أَنَّ اَلْمَشْيَ اَلْكَثِيرَ فِي اَلصَّلَاةِ اَلْمَفْرُوضَةِ يُبْطِلُهَا فَيُحْمَلُ حَدِيث أَبِي بَرْزَةَ عَلَى اَلْقَلِيلِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ اَلصَّلَاةَ اَلْمَذْكُورَةَ كَانَتْ اَلْعَصْرَ. قَوْلُهُ : ( وَإِنِّي إِنْ كُنْت أَنْ أُرَاجِعَ مَعَ دَابَّتِي أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا قَالَ اَلسُّهَيْلِيّ : إِنِّي وَمَا بَعْدَهَا اِسْم مُبْتَدَأ وَأَنْ أُرَاجِعَ اِسْم مُبْدَل مِنْ اَلِاسْمِ اَلْأَوَّلِ وَأَحَبّ خَبَر عَنْ اَلثَّانِي وَخَبَر كَانَ مَحْذُوف , أَيْ إِنِّي إِنْ كُنْت رَاجِعًا أَحَبّ إِلَيَّ. وَقَالَ غَيْره أَنْ كُنْت بِفَتْحِ اَلْهَمْزَةِ وَحُذِفَتْ اَللَّامُ وَهِيَ مَعَ كُنْت بِتَقْدِيرِ كَوْنِي وَفِي مَوْضِعِ اَلْبَدَلِ مِنْ اَلضَّمِيرِ فِي إِنِّي , وَأَنَّ اَلثَّانِيَة بِالْفَتْحِ أَيْضًا مَصْدَرِيَّة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّاد \" فَقَالَ إِنَّ مَنْزِلِي مُتَرَاخٍ - أَيْ مُتَبَاعِد - فَلَوْ صَلَّيْت وَتَرَكْتهُ - أَيْ اَلْفَرَسَ - لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اَللَّيْلِ \" أَيْ لِبُعْدِ اَلْمَكَانِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1136",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ أُخْرَى ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى قَضَاهَا وَسَجَدَ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُ أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنْ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ وَرَأَيْتُ فِيهَا ‏ ‏عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ ‏ ‏وَهُوَ الَّذِي ‏ ‏سَيَّبَ ‏ ‏السَّوَائِبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَبْد اَللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ اَلْمُبَارَك , وَيُونُسُ هُوَ اِبْن يَزِيد , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكُسُوفِ مِنْ هَذَا اَلْحَدِيثِ مِنْ طَرِيق عُقِيل وَغَيْره عَنْ اَلزُّهْرِيِّ مُسْتَوْفًى. وَقَوْلُهُ \" فَلَمَّا قَضَى \" أَيْ فَرَغَ وَلَمْ يُرِدْ اَلْقَضَاءُ اَلَّذِي هُوَ ضِدُّ اَلْأَدَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ رَأَيْت فِي مَقَامِي هَذَا كُلّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ ابْن وَهْب عَنْ يُونُسَ عِنْد مُسْلِم \" وُعِدْتُمْ \" وَلَهُ فِي حَدِيثِ جَابِر \" عُرِضَ عَلَيَّ كُلُّ شَيْءٍ تُولِجُونَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ رَأَيْت ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي \" لَقَدْ رَأَيْته \" وَلِمُسْلِم \" حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتنِي \" وَهُوَ أَوْجَه. ‏ ‏قَوْله : ( أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا ) ‏ ‏فِي حَدِيثِ جَابِر \" حَتَّى تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ \" وَالْقِطْفَ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَذَكَرَ اِبْن اَلْأَثِيرِ أَنَّ كَثِيرًا يَرْوُونَهُ بِالْفَتْحِ , وَالْكَسْرُ هُوَ اَلصَّوَابُ. قَوْلُهُ : ( قِطْفًا مِنْ اَلْجَنَّةِ يَعْنِي عُنْقُود عِنَبٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي اَلْكُسُوفِ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْت أَتَقَدَّمُ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيّ : قَالَ فِي جَهَنَّمَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ لِأَنَّ اَلتَّقَدُّمَ كَادَ أَنْ يَقَعَ بِخِلَافِ اَلتَّأَخُّرِ فَإِنَّهُ قَدْ وَقَعَ كَذَا قَالَ , وَقَدْ وَقَعَ اَلتَّصْرِيحُ بِوُقُوعِ اَلتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ جَمِيعًا فِي حَدِيثِ جَابِر عِنْد مُسْلِم وَلَفْظُهُ \" لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ , وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَة أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا \" وَفِيهِ \" ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ , وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ حَتَّى قُمْت فِي مَقَامِي \" وَقَدْ تَقَدَّمَ اَلْكَلَام عَلَى فَوَائِدِ هَذَا اَلْحَدِيثِ فِي أَبْوَابِ اَلْكُسُوفِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَأَيْت فِيهَا عَمْرو بْن لُحَيّ ) ‏ ‏بِاللَّامِ وَالْمُهْمَلَة مُصَغَّر وَسَيَأْتِي شَرْح حَالِهِ فِي أَخْبَارِ اَلْجَاهِلِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ اَلَّذِي سَيَّبَ اَلسَّوَائِب ) ‏ ‏جَمْع سَائِبَة , وَسَيَأْتِي اَلْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ اَلْمَائِدَةِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. وَفِي هَذَا اَلْحَدِيثِ أَنَّ اَلْمَشْيَ اَلْقَلِيل لَا يُبْطِلُ اَلصَّلَاةَ , وَكَذَا اَلْعَمَل اَلْيَسِير , وَأَنَّ اَلنَّارَ وَالْجَنَّةَ مَخْلُوقَتَانِ مَوْجُودَتَانِ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ فَوَائِدِهِ اَلَّتِي تَقَدَّمَتْ مُسْتَقْصَاة فِي صَلَاةِ اَلْكُسُوفِ. وَوَجْهُ تَعَلُّق اَلْحَدِيثِ بِالتَّرْجَمَةِ ظَاهِر مِنْ جِهَةِ جَوَازِ اَلتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ اَلْيَسِيرِ , لِأَنَّ اَلَّذِي تَنْفَلِتُ دَابَّته يَحْتَاجُ فِي حَال إِمْسَاكهَا إِلَى اَلتَّقَدُّمِ أَوْ اَلتَّأَخُّرِ كَمَا وَقَعَ لِأَبِي بَرْزَة , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى ذَلِكَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ. وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيّ فَقَالَ : وَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِهَا أَنَّ فِيهِ مَذَمَّة تَسْيِيب اَلدَّوَابّ مُطْلَقًا سَوَاء كَانَ فِي اَلصَّلَاةِ أَمْ لَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1137",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ قِبَلَ أَحَدِكُمْ فَإِذَا كَانَ فِي صَلَاتِهِ فَلَا يَبْزُقَنَّ أَوْ قَالَ لَا يَتَنَخَّمَنَّ ثُمَّ نَزَلَ فَحَتَّهَا بِيَدِهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏إِذَا بَزَقَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْزُقْ عَلَى يَسَارِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَلَا يَبْزُقَنَّ أَوْ قَالَ لَا يَتَنَخَّمَنَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اَلْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَا يَبْزُقَنَّ أَحَدكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله فِيهِ ( وَقَالَ اِبْن عُمَر رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا : إِذَا بَزَقَ أَحَدكُمْ فَلْيَبْزُقْ عَلَى يَسَارِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَنْ يَسَارِهِ \" هَكَذَا ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا وَلَمْ تَتَقَدَّمْ هَذِهِ اَلزِّيَادَة مِنْ حَدِيثِ اِبْن عُمَر , لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ اَلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاق بْن أَبِي إِسْرَائِيل عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد بِلَفْظ \" لَا يَبْزُقَنَّ أَحَدكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ , وَلَكِنْ لِيَبْزُقْ خَلْفَهُ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ \" فَسَاقَهُ كُلَّهُ مَعْطُوفًا بَعْضه عَلَى بَعْض , وَقَدْ بَيَّنَتْ رِوَايَة اَلْبُخَارِيّ أَنَّ اَلْمَرْفُوعَ مِنْهُ اِنْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ \" فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ \" وَالْبَاقِي مَوْقُوف. وَقَدْ اِقْتَصَرَ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا عَلَى اَلْمَرْفُوعِ مِنْهُ مَعَ أَنَّ هَذَا اَلْمَوْقُوفَ عَنْ اِبْن عُمَر قَدْ ثَبَتَ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَس مَرْفُوعًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ اَلْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ اَلْحَدِيثِ فِي اَلْبَابِ اَلَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ قَبْلُ وَفِيمَا بَعْدَهُ , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةَ اَلنَّفْخِ فِي اَلصَّلَاةِ , وَلَا يَقْطَعُهَا كَمَا يَقْطَعُهَا اَلْكَلَامُ , هُوَ قَوْل أَبِي يُوسُف وَأَشْهَب وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَفِي اَلْمُدَوَّنَةِ : اَلنَّفْخُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَام يَقْطَعُ اَلصَّلَاةَ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة وَمُحَمَّد : إِنْ كَانَ يُسْمَعُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَام وَإِلَّا فَلَا , قَالَ وَالْقَوْل اَلْأَوَّل أَوْلَى , وَلَيْسَ فِي اَلنَّفْخِ مِنْ اَلنُّطْقِ بِالْهَمْزَةِ وَالْفَاءِ أَكْثَر مِمَّا فِي اَلْبُصَاقِ مِنْ اَلنُّطْقِ بِالتَّاء وَالْفَاءِ , قَالَ وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى جَوَاز اَلْبُصَاق فِي اَلصَّلَاةِ فَدَلَّ عَلَى جَوَاز اَلنَّفْخ فِيهَا إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا , وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ اَلْبُخَارِيّ مَعَهُ فِي اَلتَّرْجَمَةِ اِنْتَهَى كَلَامُهُ , وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ اَلشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَالْمُصَحَّحُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ إِنْ ظَهَرَ مِنْ اَلنَّفْخِ أَوْ اَلتَّنَخُّمِ أَوْ اَلْبُكَاءِ أَوْ اَلْأَنِينِ أَوْ اَلتَّأَوُّهِ أَوْ اَلتَّنَفُّسِ أَوْ اَلضَّحِكِ أَوْ اَلتَّنَحْنُحِ حَرْفَانِ بَطَلَتْ اَلصَّلَاةُ وَإِلَّا فَلَا , قَالَ اِبْن دَقِيقِ اَلْعِيدِ : وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْن اَلْحَرْفَيْنِ يَتَأَلَّفُ مِنْهُمَا اَلْكَلَامُ أَنْ يَكُونَ كُلّ حَرْفَيْنِ كَلَامًا , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَالْإِبْطَال بِهِ لَا يَكُونُ بِالنَّصِّ بَلْ بِالْقِيَاسِ فَلْيُرَاعَ شَرْطه فِي مُسَاوَاة اَلْفَرْع لِلْأَصْلِ , قَالَ : وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُنْظُرَ إِلَى مَوَاقِعِ اَلْإِجْمَاع وَالْخِلَاف حَيْثُ لَا يُسَمَّى اَلْمَلْفُوظ بِهِ كَلَامًا فَمَا أُجْمِعَ عَلَى إِلْحَاقِهِ بِالْكَلَامِ أُلْحِقَ بِهِ وَمَا لَا فَلَا. قَالَ : وَمِنْ ضَعِيف اَلتَّعْلِيل قَوْلهمْ إِبْطَال اَلصَّلَاةِ بِالنَّفْخِ بِأَنَّهُ يُشْبِهُ اَلْكَلَام فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ لِثُبُوتِ اَلسُّنَّةِ اَلصَّحِيحَةِ أَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَخَ فِي اَلْكُسُوفِ اِنْتَهَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّ نَفْخَهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْء مِنْ اَلْحُرُوفِ , وَرُدَّ بِمَا ثَبَتَ فِي أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَبْد اَللَّه بْن عَمْرو فَإِنَّ فِيهِ \" ثُمَّ نَفَخَ فِي آخِرِ سُجُودِهِ فَقَالَ أُفْ أُفْ \" فَصَرَّحَ بِظُهُور اَلْحَرْفَيْنِ. وَفِي اَلْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" وَعُرِضَتْ عَلَيَّ اَلنَّارُ فَجَعَلْت أَنْفُخُ خَشْيَة أَنْ يَغْشَاكُمْ حَرّهَا \" وَالنَّفْخ لِهَذَا اَلْغَرَضِ لَا يَقَعُ إِلَّا بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ فَانْتَفَى قَوْل مَنْ حَمَلَهُ عَلَى اَلْغَلَبَةِ , وَالزِّيَادَة اَلْمَذْكُورَة مِنْ رِوَايَةِ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَطَاءٍ وَقَدْ سُمِعَ مِنْهُ قَبْلَ اَلِاخْتِلَاطِ فِي قَوْلِ يَحْيَى بْن مَعِينٍ وَأَبِي دَاوُد وَالطَّحَاوِيّ وَغَيْرِهِمْ. وَأَجَابَ اَلْخَطَّابِيّ أَنَّ أُفْ لَا تَكُونُ كَلَامًا حَتَّى يُشَدَّدَ اَلْفَاءُ , قَالَ : وَالنَّافِخُ فِي نَفْخِهِ لَا يُخْرِجُ اَلْفَاء صَادِقَة مِنْ مَخْرَجِهَا , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن اَلصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ اَلشَّافِعِيَّةِ أَنَّ اَلْحَرْفَيْنِ كَلَام مُبْطِل أَفْهَمَا أَوْ لَمْ يُفْهِمَا , وَأَشَارَ اَلْبَيْهَقِيّ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَرُدَّ بِأَنَّ اَلْخَصَائِصَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيل. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏اَلْأَوَّل : نَقَلَ اِبْن اَلْمُنْذِر اَلْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ اَلضَّحِكَ يُبْطِلُ اَلصَّلَاةَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِحَرْفٍ وَلَا حَرْفَيْنِ , وَكَأَنَّ اَلْفَرْقَ بَيْنَ اَلضَّحِك وَالْبُكَاء أَنَّ اَلضَّحِكَ يَهْتِكُ حُرْمَة اَلصَّلَاة بِخِلَاف اَلْبُكَاء وَنَحْوِهِ , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ اَلْحَنَفِيَّة وَغَيْرهمْ إِنْ كَانَ اَلْبُكَاء مِنْ أَجْلِ اَلْخَوْفِ مِنْ اَللَّهِ تَعَالَى لَا تَبْطُلُ بِهِ اَلصَّلَاةُ مُطْلَقًا. ( اَلثَّانِي وَرَدَ فِي كَرَاهَةِ اَلنَّفْخِ فِي اَلصَّلَاةِ حَدِيث مَرْفُوع أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ \" رَأَى اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُلَامًا لَنَا يُقَالُ لَهُ أَفْلَح إِذَا سَجَدَ نَفَخَ , فَقَالَ : يَا أَفْلَحُ تَرِّبْ وَجْهَك \" رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : ضَعِيفُ اَلْإِسْنَادِ. قُلْت : وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى إِبْطَالِ اَلصَّلَاةِ بِالنَّفْخِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ اَلصَّلَاةِ , إِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَرِّبْ وَجْهَك اِسْتِحْبَاب اَلسُّجُودِ عَلَى اَلْأَرْضِ فَهُوَ نَحْوُ اَلنَّهْيِ عَنْ مَسْح اَلْحَصَى. وَفِي اَلْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي اَلْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ وَعَنْ زَيْد بْن ثَابِت عِنْد اَلْبَيْهَقِيّ وَعَنْ أَنَس وَبُرَيْدَة عِنْدَ اَلْبَزَّارِ وَأَسَانِيد اَلْجَمِيعِ ضَعِيفَة جِدًّا , وَثَبَتَ كَرَاهَةُ اَلنَّفْخِ عَنْ اِبْن عَبَّاس كَمَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة , وَالرُّخْصَةُ فِيهِ عَنْ قُدَامَة بْن عَبْد اَللَّه أَخْرَجَهُ اَلْبَيْهَقِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1138",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1139",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّاسُ ‏ ‏يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُمْ عَاقِدُو أُزْرِهِمْ مِنْ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كَثِير ) ‏ ‏هُوَ اَلْعَبْدِي اَلْبَصْرِيُّ , وَلَمْ يُخَرِّجْ اَلْبُخَارِيُّ لِلْكُوفِيِّ وَلَا لِلشَّامِيِّ وَلَا لِلصَّغَانِيّ شَيْئًا. وَسُفْيَان هُوَ اَلثَّوْرِيُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ اَلْكَلَام عَلَى اَلْمَتْنِ فِي أَوَائِل كِتَابِ اَلصَّلَاةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1140",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيَّ فَلَمَّا رَجَعْنَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ وَقَالَ ‏ ‏إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1141",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَاجَةٍ لَهُ فَانْطَلَقْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَقَدْ قَضَيْتُهَا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَجَدَ عَلَيَّ أَنِّي أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَشَدُّ مِنْ الْمَرَّةِ الْأُولَى ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي وَكَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( شِنْظِير ) ‏ ‏بِكَسْر اَلْمُعْجَمَة وَسُكُون اَلنُّونِ بَعْدَهَا ظَاء مُعْجَمَة مَكْسُورَة وَهُوَ عَلَمٌ عَلَى وَالِد كَثِير , وَهُوَ فِي اَللُّغَةِ اَلسَّيِّئُ اَلْخُلُق. ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَنِي اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَة ) ‏ ‏بَيَّنَ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ أَبِي اَلزُّبَيْر عَنْ جَابِر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَة بَنِي اَلْمُصْطَلِق. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِم اَلْمَذْكُورَةِ \" فَقَالَ لِي بِيَدِهِ هَكَذَا \" وَفِي رِوَايَة لَهُ أُخْرَى \" فَأَشَارَ إِلَيَّ \" فَيُحْمَلُ قَوْله فِي حَدِيثِ اَلْبَابِ \" فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ \" أَيْ بِاللَّفْظِ. وَكَأَنَّ جَابِرًا لَمْ يَعْرِفْ أَوَّلًا أَنَّ اَلْمُرَادَ بِالْإِشَارَةِ اَلرَّدّ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ قَالَ \" فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا اَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ \" أَيْ مِنْ اَلْحُزْنِ. وَكَأَنَّهُ أَبْهَمَ ذَلِكَ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مِنْ شِدَّتِهِ تَحْتَ اَلْعِبَارَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَدَ ) ‏ ‏بِفَتْح أَوَّله وَالْجِيم أَيْ غَضِبَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنِّي أَبْطَأْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَنْ أَبْطَأْت \" بِنُونٍ خَفِيفَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ سَلَّمْت عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ ) ‏ ‏أَيْ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ : مَا مَنَعَنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْك ) ‏ ‏أَيْ اَلسَّلَامَ ‏ ‏( إِلَّا أَنِّي كُنْت أُصَلِّي ) ‏ ‏وَلِمُسْلِم \" فَرَجَعْت وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَوَجْهُهُ عَلَى غَيْرِ اَلْقِبْلَةِ \" وَفِي هَذَا اَلْحَدِيثِ مِنْ اَلْفَوَائِدِ غَيْر مَا تَقَدَّمَ : كَرَاهَة اِبْتِدَاء اَلسَّلَام عَلَى اَلْمُصَلِّي لِكَوْنِهِ رُبَّمَا شُغِلَ بِذَلِكَ فَكُرِهَ وَاسْتَدْعَى مِنْهُ اَلرَّدّ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ , وَبِذَلِكَ قَالَ جَابِر رَاوِي اَلْحَدِيثِ , وَكَرِهَهُ عَطَاء وَالشَّعْبِيّ وَمَالِك فِي رِوَايَة ابْن وَهْب , وَقَالَ فِي اَلْمُدَوَّنَةِ : لَا يُكْرَهُ , وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَالْجُمْهُور وَقَالُوا : يَرُدُّ إِذَا فَرَغَ مِنْ اَلصَّلَاةِ - أَوْ وَهُوَ فِيهَا - بِالْإِشَارَةِ. وَسَيَأْتِي اِخْتِلَافُهُمْ فِي اَلْإِشَارَةِ فِي أَوَاخِر أَبْوَاب سُجُود اَلسَّهْوِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1142",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏بِقُبَاءٍ ‏ ‏كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ فَخَرَجَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَحُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَجَاءَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ حُبِسَ وَقَدْ حَانَتْ الصَّلَاةُ فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ قَالَ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ فَأَقَامَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏الصَّلَاةَ وَتَقَدَّمَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيحِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏التَّصْفِيحُ هُوَ التَّصْفِيقُ ‏ ‏قَالَ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ الْتَفَتَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَشَارَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فَرَفَعَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَدَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ رَجَعَ ‏ ‏الْقَهْقَرَى ‏ ‏وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى لِلنَّاسِ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ‏ ‏مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ أَخَذْتُمْ ‏ ‏بِالتَّصْفِيحِ ‏ ‏إِنَّمَا ‏ ‏التَّصْفِيحُ ‏ ‏لِلنِّسَاءِ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مَا كَانَ يَنْبَغِي ‏ ‏لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ ‏ ‏أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَحَانَتْ اَلصَّلَاةُ ) ‏ ‏اَلْوَاو فِيهِ حَالِيَّة. وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَقَدْ حَانَتْ اَلصَّلَاةُ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ شِئْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اَلْحَمَوِيّ \" إِنْ شِئْتُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ اَلصَّفِّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فِي اَلصَّفِّ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَرَفَعَ أَبُو بَكْر يَدَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" يَدَيْهِ \" بِالتَّثْنِيَةِ , وَهَذَا مَوْضِع اَلتَّرْجَمَة. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ رَفْعَ اَلْيَدَيْنِ لِلدُّعَاءِ وَنَحْوه فِي اَلصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا وَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ اَلرَّفْعِ لِأَنَّهَا هَيْئَة اِسْتِسْلَام وَخُضُوع , وَقَدْ أَقَرَّ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْر عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَيْثُ أَشَرْت عَلَيْك ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" حِينَ أَشَرْت إِلَيْك \" وَقَدْ تَقَدَّمَ اَلْكَلَام عَلَى فَوَائِدِهِ كَمَا أَشَرْت إِلَيْهِ قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1143",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نُهِيَ عَنْ ‏ ‏الْخَصْرِ ‏ ‏فِي الصَّلَاةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏وَأَبُو هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَمَّاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد وَمُحَمَّد هُوَ اِبْنُ سِيرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( نُهِيَ ) ‏ ‏بِضَمِّ اَلنُّونِ عَلَى اَلْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَفَاعِل ذَلِكَ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي رِوَايَة هِشَام. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ هِشَام ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن حَسَّان ‏ ‏( وَأَبُو هِلَال ) ‏ ‏يَعْنِي الرَّاسِبِيّ ‏ ‏( عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ إِلَخْ ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَةُ هِشَام وَهُوَ اِبْن حَسَّان فَوَصَلَهَا اَلْمُؤَلِّفُ فِي اَلْبَابِ , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ عَنْ اَلْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي \" نَهَى \" عَلَى اَلْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَلَمْ يُسَمِّهِ , وَسَمَّاهُ الْكُشْمِيهَنِيّ فِي رِوَايَتِهِ , وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم وَاَلتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام بِلَفْظ \" نَهَى اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ اَلرَّجُلُ مُخْتَصِرًا \" وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن سَلَمَة عَنْ هِشَام كَذَلِكَ , وَبِلَفْظ \" عَنْ اَلْخَصْرِ فِي اَلصَّلَاةِ \" وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي هِلَال فَوَصَلَهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي \" اَلْأَفْرَادِ \" مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْن مَرْزُوق عَنْهُ بِلَفْظ \" عَنْ اَلِاخْتِصَارِ فِي اَلصَّلَاةِ \". ‏ ‏قَوْله : ( نُهِيَ ) ‏ ‏بِالضَّمِّ عَلَى اَلْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" نَهَى اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ‏"
    },
    {
        "id": "1144",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مُتَخَصِّرًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مُخَصَّرًا \" بِتَشْدِيدِ اَلصَّادِ , وَلِلنَّسَائِيِّ \" مُخْتَصِرًا \" بِزِيَادَة اَلْمُثَنَّاة , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَان بْن حَرْب \" حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد قَالَ : قِيلَ لِأَيُّوبَ إِنَّ هِشَامًا رَوَى عَنْ مُحَمَّد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : نُهِيَ عَنْ اَلِاخْتِصَارِ فِي اَلصَّلَاةِ , فَقَالَ : إِنَّمَا قَالَ اَلتَّخَصُّر. وَكَأَنَّ سَبَبَ إِنْكَارِ أَيُّوبَ لَفْظ اَلِاخْتِصَار لِكَوْنِهِ يُفْهِمُ مَعْنًى آخَرَ غَيْر اَلتَّخَصُّرِ كَمَا سَيَأْتِي , وَقَدْ فَسَّرَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي أُسَامَة بِالسَّنَدِ اَلْمَذْكُورِ فَقَالَ فِيهِ : قَالَ اِبْنُ سِيرِينَ هُوَ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ وَهُوَ يُصَلِّي , وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو دَاوُد وَنَقَلَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اَلْعِلْمِ , وَهَذَا هُوَ اَلْمَشْهُورُ مِنْ تَفْسِيرِهِ. وَحَكَى الْهَرَوِيّ فِي اَلْغَرِيبَيْنِ أَنَّ اَلْمُرَادَ بِالِاخْتِصَارِ قِرَاءَة آيَةٍ أَوْ آيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ اَلسُّورَة , وَقِيلَ أَنْ يُحْذَفَ اَلطُّمَأْنِينَة. وَهَذَانِ اَلْقَوْلَانِ وَإِنْ كَانَ أَحَدهمَا مِنْ اَلِاخْتِصَارِ مُمْكِنًا لَكِنَّ رِوَايَة اَلتَّخَصُّر وَالْخَصْر تَأْبَاهُمَا , وَقِيلَ اَلِاخْتِصَارُ أَنْ يَحْذِفَ اَلْآيَةَ اَلَّتِي فِيهَا اَلسَّجْدَة إِذَا مَرَّ بِهَا فِي قِرَاءَتِهِ حَتَّى لَا يَسْجُدَ فِي اَلصَّلَاةِ لِتِلَاوَتِهَا حَكَاهُ اَلْغَزَالِيّ. وَحَكَى اَلْخَطَّابِيّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يُمْسِكَ بِيَدِهِ مِخْصَرَة أَيْ عَصًا يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا فِي اَلصَّلَاةِ , وَأَنْكَرَ هَذَا اِبْن اَلْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ اَلتِّرْمِذِيّ فَأَبْلَغَ , وَيُؤَيِّدُ اَلْأَوَّل مَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن زِيَاد قَالَ : صَلَّيْت إِلَى جَنْبِ اِبْن عُمَر فَوَضَعْت يَدِي عَلَى خَاصِرَتِي , فَلَمَّا صَلَّى قَالَ : هَذَا اَلصَّلْبُ فِي اَلصَّلَاةِ , وَكَانَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهُ. وَاخْتُلِفَ فِي حِكْمَة اَلنَّهْي عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ : لِأَنَّ إِبْلِيس أُهْبِطَ مُتَخَصِّرًا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيقِ حُمَيْد بْن هِلَال مَوْقُوفًا. وَقِيلَ : لِأَنَّ اَلْيَهُودَ تُكْثِرُ مِنْ فِعْلِهِ فَنُهِيَ عَنْهُ كَرَاهَةً لِلتَّشَبُّهِ بِهِمْ أَخْرَجَهُ اَلْمُصَنِّفُ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ عَائِشَة , زَادَ اِبْن أَبِي شَيْبَة فِيهِ \" فِي اَلصَّلَاةِ \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ \" وَقِيلَ : لِأَنَّهُ رَاحَةُ أَهْلِ اَلنَّارِ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ \" وَضْع اَلْيَدِ عَلَى اَلْحِقْوِ اِسْتِرَاحَة أَهْل اَلنَّارِ \" وَقِيلَ لِأَنَّهَا صِفَة اَلرَّاجِز حِينَ يُنْشِدُ رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيقِ قَيْس بْن عَبَّاد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ , وَقِيلَ لِأَنَّهُ فِعْلُ اَلْمُتَكَبِّرِينَ حَكَاهُ اَلْمُهَلَّب , وَقِيلَ لِأَنَّهُ فِعْلُ أَهْلِ اَلْمَصَائِب حَكَاهُ اَلْخَطَّابِيّ , وَقَوْلُ عَائِشَة أَعْلَى مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ اَلْجَمِيعِ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ فِي \" بَاب اَلْخَصْر فِي اَلصَّلَاةِ \" : وَرُوِيَ أَنَّهُ اِسْتِرَاحَة أَهْل اَلنَّارِ , وَمَا أَظُنُّ أَنَّ قَوْلَهُ رُوِيَ إِلَخْ إِلَّا مِنْ كَلَامِهِ لَا مِنْ كَلَام اَلْبُخَارِيّ , وَقَدْ ذَكَرْت مَنْ رَوَاهُ وَلِلَّهِ اَلْحَمْد , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1145",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعَصْرَ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ سَرِيعًا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ وَرَأَى مَا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ مِنْ تَعَجُّبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ فَقَالَ ‏ ‏ذَكَرْتُ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ تِبْرًا عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِيَ أَوْ يَبِيتَ عِنْدَنَا فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا رَوْحٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عُبَادَة , وَعُمَر بْن سَعِيد هُوَ اِبْن أَبِي حُسَيْن اَلْمَكِّيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا اَلْحَدِيث وَشَيْء مِنْ فَوَائِدِهِ فِي أَوَاخِر صِفَة اَلصَّلَاة , وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ لِأَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَكَّرَ فِي أَمْر اَلتِّبْر اَلْمَذْكُور ثُمَّ لَمْ يُعِدْ اَلصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "1146",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أُذِّنَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوِّبَ أَدْبَرَ فَإِذَا سَكَتَ أَقْبَلَ فَلَا يَزَالُ بِالْمَرْءِ يَقُولُ لَهُ اذْكُرْ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏إِذَا فَعَلَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ ‏ ‏سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ قَاعِدٌ ‏ ‏وَسَمِعَهُ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَعْفَر ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ رَبِيعَة اَلْمِصْرِيُّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ اَلْكَلَام عَلَى اَلْمَتْنِ فِي أَوَائِل أَبْوَابِ اَلْأَذَانِ مُسْتَوْفًى , وَشَاهِد اَلتَّرْجَمَة قَوْله \" حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى \" فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اَلتَّفَكُّرَ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ اَلصَّلَاةِ مَا لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنْ أَرْكَانِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد اَلرَّحْمَن : إِذَا فَعَلَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ قَاعِد , وَسَمِعَهُ أَبُو سَلَمَةَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏هَذَا اَلتَّعْلِيق طَرَف مِنْ اَلْحَدِيثِ اَلَّذِي قَبْلَهُ فِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي خَامِسِ تَرْجَمَةٍ مِنْ أَبْوَابِ اَلسَّهْوِ , لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة , وَرُبَّمَا تَبَادَرَ إِلَى اَلذِّهْنِ مِنْ سِيَاقِ اَلْمُصَنِّفِ أَنَّ هَذِهِ اَلزِّيَادَةَ مِنْ رِوَايَة جَعْفَر بْن رَبِيعَة عَنْ أَبِي سَلَمَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَسَيَأْتِي فِي سَادِسِ تَرْجَمَةٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق اَلزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ لَكِنْ بِاخْتِصَار ذِكْر اَلْأَذَانِ وَهُوَ مِنْ طَرِيق هُذَيْن عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا بِخِلَافِ مَا يُوهِمُهُ سِيَاقه هُنَا , وَسَيَأْتِي اَلْكَلَامُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1147",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ النَّاسُ أَكْثَرَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَلَقِيتُ رَجُلًا فَقُلْتُ بِمَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْبَارِحَةَ فِي ‏ ‏الْعَتَمَةِ ‏ ‏فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقُلْتُ لَمْ تَشْهَدْهَا قَالَ بَلَى قُلْتُ لَكِنْ أَنَا أَدْرِي قَرَأَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اَلْإِسْمَاعِيلِيّ \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" ‏ ‏قَوْله : ( يَقُولُ اَلنَّاس أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَة ) ‏ ‏أَخْرَجَهُ اَلْبَيْهَقِيّ فِي اَلْمَدْخَلِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُصْعَب عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن دِينَار عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب بِلَفْظ \" إِنَّ اَلنَّاسَ قَالُوا قَدْ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَة مِنْ اَلْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنِّي كُنْت أَلْزَمُهُ لِشِبَع بَطْنِي , فَلَقِيتُ رَجُلًا فَقُلْت لَهُ : بِأَيِّ سُورَة \" فَذَكَرَ اَلْحَدِيث وَقَالَ فِي آخِرِهِ : أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي مُصْعَب اِنْتَهَى. وَلَمْ أَرَ هَذِهِ اَلطَّرِيقَ فِي صَحِيح اَلْبُخَارِيّ , وَكَأَنَّ اَلْبَيْهَقِيّ تَبِعَ أَطْرَاف خَلَفٍ فَإِنَّهُ ذَكَرَهَا , وَقَدْ قَالَ اِبْن عَسَاكِر : لَمْ أَجِدْهَا وَلَا ذَكَرَهَا أَبُو مَسْعُود اِنْتَهَى. ثُمَّ وَجَدْت فِي مَنَاقِبِ جَعْفَر صَدْرَ هَذَا اَلْحَدِيث , لَكِنْ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ \" لِشِبَعِ بَطْنِي \" حِين لَا آكُلُ اَلْخَمِير وَلَا أَلْبَسُ اَلْحَرِيرَ ; فَذَكَرَ قِصَّةَ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب , فَلَعَلَّ اَلْبَيْهَقِيّ أَرَادَ هَذَا , وَكَأَنَّ اَلْمَقْبُرِيّ وَغَيْره مِنْ رُوَاتِهِ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَامًّا تَارَة وَمُخْتَصَرًا أُخْرَى. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ اَلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق بْن أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب فِي أَوَّلِ هَذَا اَلْحَدِيثِ \" حَفِظْت مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُعَاءَيْنِ \" اَلْحَدِيث وَفِيهِ \" إِنَّ اَلنَّاسَ قَالُوا : أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَة \" فَذَكَرَهُ , وَقَوْله \" حَفِظْت إِلَخْ \" تَقَدَّمَ فِي اَلْعِلْمِ مَعَ الْكَلَام عَلَيْهِ , وَتَقَدَّمَ فِي اَلْعِلْمِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ اَلْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" إِنَّ اَلنَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَة , وَاَللَّه لَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اَللَّهِ تَعَالَى مَا حَدَّثْت \" اَلْحَدِيث وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِل اَلْبُيُوعِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن اَلْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" إِنَّكُمْ تَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَكْثَرَ \" اَلْحَدِيث وَفِيهِ اَلْإِشَارَةُ إِلَى سَبَبِ إِكْثَارِهِ وَأَنَّ اَلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ كَانُوا يَشْغَلُهُمْ اَلْمَعَاشُ , وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ هَذِهِ اَلْمَقَالَةَ أَمَامَ مَا يُرِيدُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ إِكْثَارِهِ وَعَلَى اَلسَّبَبِ فِي ذَلِكَ وَعَلَى سَبَبِ اِسْتِمْرَارِهِ عَلَى اَلتَّحْدِيثِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَقِيَتْ رَجُلًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ وَلَا عَلَى تَسْمِيَةِ اَلسُّورَةِ , وَقَوْله \" بِمَ \" بِكَسْرِ اَلْمُوَحَّدَةِ بِغَيْرِ أَلِفٍ لِأَبِي ذَرٍّ وَهُوَ اَلْمَعْرُوفُ , وَلِلْأَكْثَرِ بِإِثْبَات اَلْأَلِف وَهُوَ قَلِيل , أَيْ بِأَيِّ شَيْء. ‏ ‏قَوْله : ( اَلْبَارِحَةَ ) ‏ ‏أَيْ أَقْرَب لَيْلَةٍ مَضَتْ. وَفِي هَذِهِ اَلْقِصَّةِ إِشَارَة إِلَى سَبَبِ إِكْثَارِ أَبِي هُرَيْرَة وَشِدَّة إِتْقَانه وَضَبْطه , بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَشَاهِد اَلتَّرْجَمَة دَلَالَة اَلْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ ضَبْطِ ذَلِكَ اَلرَّجُلِ كَأَنَّهُ اِشْتَغَلَ بِغَيْرِ أَمْرِ اَلصَّلَاةِ حَتَّى نَسِيَ اَلسُّورَةَ اَلَّتِي قُرِئَتْ , أَوْ دَلَالَته عَلَى ضَبْطِ أَبِي هُرَيْرَة كَأَنَّهُ شُغِلَ فِكْرُهُ بِأَفْعَالِ اَلصَّلَاةِ حَتَّى ضَبَطَهَا وَأَتْقَنَهَا , كَذَا ذَكَرَ الْكَرْمَانِيّ هَذَيْنِ اَلِاحْتِمَالَيْنِ , وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ غَيْره وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( خَاتِمَة ) ‏ ‏اِشْتَمَلَتْ أَبْوَاب اَلْعَمَلِ فِي اَلصَّلَاةِ مِنْ اَلْأَحَادِيثِ اَلْمَرْفُوعَةِ عَلَى اِثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا , اَلْمُعَلَّق مِنْ ذَلِكَ سِتَّة وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة. اَلْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهَا وَفِيمَا مَضَى ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ حَدِيثًا وَالْبَقِيَّة خَالِصَة , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيث أَبِي بَرْزَةَ فِي قِصَّة اِنْفِلَات دَابَّته , وَحَدِيث عَبْد اَللَّه بْن عَمْرو اَلْمُعَلَّقِ فِي اَلنَّفْخِ فِي اَلسُّجُودِ , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي اَلتَّخَصُّرِ , وَحَدِيثه فِي اَلْقِرَاءَةِ فِي اَلْعَتَمَةِ. وَفِيهِ مِنْ اَلْآثَارِ عَنْ اَلصَّحَابَةِ وَغَيْرهمْ سِتَّة آثَار. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1148",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ سَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اَلرَّحْمَن اَلْأَعْرَجِ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة , وَلَمْ يُسَمَّ فِي رِوَايَة اَلْبَاقِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اَللَّه اِبْن بُحَيْنَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي اَلتَّشَهُّدِ أَنَّ بُحَيْنَة اِسْم أُمِّهِ أَوْ أُمّ أَبِيهِ , وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ ابْن بُحَيْنَة بِأَلِفٍ. ‏ ‏قَوْله : ( صَلَّى لَنَا ) ‏ ‏أَيْ بِنَا أَوْ لِأَجْلِنَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ اَلتَّشَهُّدِ مِنْ رِوَايَة شُعَيْب عَنْ اِبْن شِهَاب بِلَفْظ \" صَلَّى بِهِمْ \" وَيَأْتِي فِي اَلْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ اِبْن شِهَاب بِلَفْظ \" صَلَّى بِنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ بَعْضِ اَلصَّلَوَاتِ ) ‏ ‏بَيَّنَ فِي اَلرِّوَايَةِ اَلَّتِي تَلِيهَا أَنَّهَا اَلظُّهْرُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَامَ ) ‏ ‏زَاد اَلضَّحَّاك بْن عُثْمَان عَنْ اَلْأَعْرَجِ \" فَسَبَّحُوا بِهِ فَمَضَى حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ \" أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَة. وَفِي حَدِيث مُعَاوِيَة عِنْدَ اَلنَّسَائِيِّ وَعُقْبَة بْن عَامِر عِنْدَ اَلْحَاكِمِ جَمِيعًا نَحْوَ هَذِهِ اَلْقِصَّةِ بِهَذِهِ اَلزِّيَادَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ ) ‏ ‏أَيْ فَرَغَ مِنْهَا كَذَا رَوَاهُ مَالِك عَنْ شَيْخِهِ , وَقَدْ اِسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ اَلسَّلَامَ لَيْسَ مِنْ اَلصَّلَاةِ حَتَّى لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ أَنْ جَلَسَ وَقَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ اَلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اَلسَّلَامَ لَمَّا كَانَ لِلتَّحْلِيلِ مِنْ اَلصَّلَاةِ كَانَ اَلْمُصَلِّي إِذَا اِنْتَهَى إِلَيْهِ كَمَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق جَمَاعَة مِنْ اَلثِّقَاتِ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ اَلْأَعْرَجِ \" حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ اَلصَّلَاةِ إِلَّا أَنْ يُسَلِّمَ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ اَلرُّوَاةِ حَذَفَ اَلِاسْتِثْنَاء لِوُضُوحِهِ , وَالزِّيَادَة مِنْ اَلْحَافِظِ مَقْبُولَة. ) ‏ ‏قَوْله : ( وَنَظَرْنَا تَسْلِيمه : ) ‏ ‏أَيْ اِنْتَظَرْنَا , وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَة شُعَيْب بِلَفْظ \" وَانْتَظَرَ اَلنَّاس تَسْلِيمه \" وَفِي هَذِهِ اَلْجُمْلَةِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِي قِصَّةِ ابْن بُحَيْنَة قَبْلَ اَلسَّلَامِ سَهْوًا , أَوْ أَنَّ اَلْمُرَادَ بِالسَّجْدَتَيْنِ سَجْدَتَا اَلصَّلَاةِ , أَوْ اَلْمُرَاد بِالتَّسْلِيمِ التَّسْلِيمَة اَلثَّانِيَة , وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ ذَلِكَ وَبُعْدُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( كَبَّرَ قَبْلَ اَلتَّسْلِيمِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ) ‏ ‏فِيهِ مَشْرُوعِيَّة سُجُود اَلسَّهْوِ وَأَنَّهُ سَجْدَتَانِ فَلَوْ اِقْتَصَرَ عَلَى سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ سَاهِيًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْء أَوْ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ اَلْإِتْيَان بِسَجْدَةٍ زَائِدَةٍ لَيْسَتْ مَشْرُوعَة , وَأَنَّهُ يُكَبِّرُ لَهُمَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي غَيْرهمَا مِنْ اَلسُّجُودِ. وَفِي رِوَايَة اَللَّيْث عَنْ اِبْن شِهَاب كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَاب \" يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَة \" وَفِي رِوَايَة اَلْأَوْزَاعِيّ \" فَكَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ سَلَّمَ \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ , وَنَحْوه فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْج كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ عَقِب حَدِيث اَللَّيْث. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّة اَلتَّكْبِير فِيهِمَا وَالْجَهْر بِهِ كَمَا فِي اَلصَّلَاةِ وَأَنَّ بَيْنَهُمَا جِلْسَةً فَاصِلَةً , وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض اَلشَّافِعِيَّةِ عَلَى اَلِاكْتِفَاءِ بِالسَّجْدَتَيْنِ لِلسَّهْوِ فِي اَلصَّلَاةِ , وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اَلَّذِي فَاتَ فِي هَذِهِ اَلْقِصَّةِ اَلْجُلُوس وَالتَّشَهُّد فِيهِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَوْ سَهَا اَلْمُصَلِّي عَنْهُ عَلَى اِنْفِرَادِهِ سَجَدَ لِأَجْلِهِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِي هَذِهِ اَلْحَالَةِ غَيْر سَجْدَتَيْنِ , وَتُعَقِّبَ بِأَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى ثُبُوتِ مَشْرُوعِيَّة اَلسُّجُود لِتَرْكِ مَا ذُكِرَ , وَلَمْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ بِغَيْرِ هَذَا اَلْحَدِيثِ فَيَسْتَلْزِمُ إِثْبَات اَلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَفِيهِ مَا فِيهِ , وَقَدْ صَرَّحَ فِي بَقِيَّةِ اَلْحَدِيثِ بِأَنَّ اَلسُّجُودَ مَكَان مَا نُسِيَ مِنْ اَلْجُلُوسِ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَة اَللَّيْث , نَعَمْ حَدِيث ذِي اَلْيَدَيْنِ دَالّ لِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ جَالِس ) ‏ ‏جُمْلَة حَالِيَّة مُتَعَلِّقَة بِقَوْلِهِ \" سَجَدَ \" أَيْ أَنْشَأَ اَلسُّجُود جَالِسًا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ سَلَّمَ ) ‏ ‏زَاد فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَزَادَ فِي رِوَايَة اَللَّيْث اَلْآتِيَةِ \" وَسَجَدَهُمَا اَلنَّاسُ مَعَهُ مَكَان مَا نَسِيَ مِنْ اَلْجُلُوسِ \" وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ سُجُودَ اَلسَّهْوِ قَبْلَ اَلسَّلَامِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ فِي كَوْن جَمِيعه كَذَلِكَ , نَعَمْ يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ جَمِيعَهُ بَعْدَ اَلسَّلَامِ كَالْحَنَفِيَّةِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مُسْتَنَدَهِمْ فِي اَلْبَابِ اَلَّذِي بَعْدَهُ , وَاسْتُدِلَّ بِزِيَادَة اَللَّيْث اَلْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّ اَلسُّجُودَ خَاصٌّ بِالسَّهْوِ فَلَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَ شَيْءٍ مِمَّا يُجْبَرُ بِسُجُودِ اَلسَّهْوِ لَا يَسْجُدُ وَهُوَ قَوْلُ اَلْجُمْهُورِ , وَرَجَّحَهُ اَلْغَزَالِيّ وَنَاس مِنْ اَلشَّافِعِيَّةِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ اَلْمَأْمُومَ يَسْجُدُ مَعَ اَلْإِمَامِ إِذَا سَهَا اَلْإِمَامُ وَإِنْ لَمْ يَسْهُ اَلْمَأْمُومُ , وَنَقَلَ اِبْن حَزْمٍ فِيهِ اَلْإِجْمَاع , لَكِنْ اِسْتَثْنَى غَيْره مَا إِذَا ظَنَّ اَلْإِمَامُ أَنَّهُ سَهَا فَسَجَدَ وَتَحَقَّقَ اَلْمَأْمُوم أَنَّ اَلْإِمَامَ لَمْ يَسْهُ فِيمَا سَجَدَ لَهُ وَفِي تَصْوِيرِهَا عُسْر , وَمَا إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ اَلْإِمَامَ مُحْدِث , وَنَقَلَ أَبُو اَلطَّيِّبِ اَلطَّبَرِيّ أَنَّ اِبْنَ سِيرِينَ اِسْتَثْنَى اَلْمَسْبُوق أَيْضًا , وَفِي هَذَا اَلْحَدِيثِ أَنَّ سُجُودَ اَلسَّهْوِ لَا تَشَهُّدَ بَعْدَهُ إِذَا كَانَ قَبْلَ اَلسَّلَامِ وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ اَلْمُصَنِّف قَرِيبًا وَأَنَّ اَلتَّشَهُّدَ اَلْأَوَّلَ غَيْر وَاجِبٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر صِفَة اَلصَّلَاة , وَأَنَّ مَنْ سَهَا عَنْ اَلتَّشَهُّدِ اَلْأَوَّلِ حَتَّى قَامَ إِلَى اَلرَّكْعَةِ ثُمَّ ذَكَرَ لَا يَرْجِعُ فَقَدْ سَبَّحُوا بِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرْجِعْ , فَلَوْ تَعَمَّدَ اَلْمُصَلِّي اَلرُّجُوعَ بَعْدَ تَلَبُّسِهِ بِالرُّكْنِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ اَلشَّافِعِيِّ خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ , وَأَنَّ اَلسَّهْوَ وَالنِّسْيَانَ جَائِزَانِ عَلَى اَلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ اَلصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيمَا طَرِيقه اَلتَّشْرِيع , وَأَنَّ مَحَلّ سُجُود اَلسَّهْوِ آخِر اَلصَّلَاةِ فَلَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ أَنْ يَتَشَهَّدَ سَاهِيًا أَعَادَ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُ اَلتَّشَهُّدَ اَلْأَخِيرَ وَهُمْ اَلْجُمْهُور. ‏"
    },
    {
        "id": "1149",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1150",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا فَقِيلَ لَهُ أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ صَلَّيْتَ خَمْسًا ‏ ‏فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اَلْحَكَمِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عُتَيْبَة اَلْفَقِيه اَلْكُوفِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِبْرَاهِيمَ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد اَلنَّخَعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( صَلَّى اَلظُّهْر خَمْسًا ) ‏ ‏كَذَا جَزَمَ بِهِ اَلْحَكَمُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ اَلْقِبْلَةِ مِنْ رِوَايَة مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَتَمّ مِنْ هَذَا اَلسِّيَاقِ وَفِيهِ قَالَ إِبْرَاهِيم : لَا أَدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ لَهُ أَزِيدَ فِي اَلصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ ) ‏ ‏أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيم بْن سُوَيْد اَلنَّخَعِيّ عَنْ اِبْن مَسْعُود بِلَفْظ \" فَلَمَّا اِنْفَتَلَ تَوَشْوَشَ اَلْقَوْم بَيْنَهُمْ فَقَالَ : مَا شَأْنُكُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُول اَللَّهِ هَلْ زِيدَ فِي اَلصَّلَاةِ ؟ قَالَ : لَا \" فَتَبَيَّنَ أَنَّ سُؤَالَهُمْ لِذَلِكَ كَانَ بَعْدَ اِسْتِفْسَارِهِ لَهُمْ عَنْ مُسَارَرَتِهِمْ , وَهُوَ دَالٌّ عَلَى عَظِيمِ أَدَبِهِمْ مَعَهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَوْلهمْ \" هَلْ زِيدَ فِي اَلصَّلَاةِ \" يُفَسِّرُ اَلرِّوَايَة اَلْمَاضِيَة فِي أَبْوَابِ اَلْقِبْلَةِ بِلَفْظ \" هَلْ حَدَثَ فِي اَلصَّلَاةِ شَيْء \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏رَوَى اَلْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ هَذَا اَلْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا وَلَفْظه \" إِنَّ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ سَجْدَتَيْ اَلسَّهْو بَعْدَ اَلسَّلَامِ وَالْكَلَام \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَمُسْلِم وَأَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة وَغَيْرُهُمْ , قَالَ اِبْن خُزَيْمَة : إِنْ كَانَ اَلْمُرَاد بِالْكَلَامِ قَوْله \" وَمَا ذَاكَ \" فِي جَوَاب قَوْلهمْ \" أَزِيدَ فِي اَلصَّلَاةِ \" فَهَذَا نَظِيرُ مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ ذِي اَلْيَدَيْنِ وَسَيَأْتِي اَلْبَحْث فِيهِ فِيهَا , وَإِنْ كَانَ اَلْمُرَاد بِهِ قَوْله \" إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ \" فَقَدْ اِخْتَلَفَ اَلرُّوَاةُ فِي اَلْمَوْضِعِ اَلَّذِي قَالَهَا فِيهِ , فَفِي رِوَايَة مَنْصُور أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ سَجْدَتَيْ اَلسَّهْو , وَفِي رِوَايَة غَيْره أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل , وَرِوَايَة مَنْصُور أَرْجَح. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ ) ‏ ‏يَأْتِي فِي خَبَرِ اَلْوَاحِدِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَة أَيْضًا بِلَفْظ \" فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ \" وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَة مَنْصُور \" وَاسْتَقْبَلَ اَلْقِبْلَةَ \" وَفِيهِ اَلزِّيَادَةُ اَلْمُشَار إِلَيْهَا وَهِيَ \" إِذَا شَكَّ أَحَدكُمْ فِي صَلَاةٍ فَلْيَتَحَرَّ اَلصَّوَاب فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق مِسْعَرٍ عَنْ مَنْصُور \" فَأَيّكُمْ شَكَّ فِي صَلَاةٍ فَلْيَنْتَظِرْ أَحْرَى ذَلِكَ إِلَى اَلصَّوَابِ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَة عَنْ مَنْصُور \" فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَب ذَلِكَ إِلَى اَلصَّوَابِ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق فُضَيْل بْن عِيَاضٍ عَنْ مَنْصُور \" فَلْيَتَحَرَّ اَلَّذِي يَرَى أَنَّهُ اَلصَّوَابُ \" زَادَ ابْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق مِسْعَرٍ \" فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ \" وَاخْتُلِفَ فِي اَلْمُرَاد بِالتَّحَرِّي فَقَالَ اَلشَّافِعِيَّة : هُوَ اَلْبِنَاءُ عَلَى اَلْيَقِينِ لَا عَلَى اَلْأَغْلَبِ , لِأَنَّ اَلصَّلَاةَ فِي اَلذِّمَّةِ بِيَقِينٍ فَلَا تَسْقُطُ إِلَّا بِيَقِين. وَقَالَ اِبْن حَزْم : اَلتَّحَرِّي فِي حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود يُفَسِّرُهُ حَدِيث أَبِي سَعِيد , يَعْنِي اَلَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِلَفْظ \" وَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ اَلشَّكّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اِسْتَيْقَنَ \" وَرَوَى سُفْيَان فِي جَامِعِهِ عَنْ عَبْد اَللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" إِذَا شَكَّ أَحَدكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَوَخَّ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ \" اِنْتَهَى. وَفِي كَلَامِ اَلشَّافِعِيِّ نَحْوه وَلَفْظه : قَوْلُهُ \" فَلْيَتَحَرَّ \" أَيْ فِي اَلَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ نَقَصَهُ فَلْيُتِمَّهُ , فَيَكُونُ اَلتَّحَرِّي أَنْ يُعِيدَ مَا شَكَّ فِيهِ وَيَبْنِيَ عَلَى مَا اِسْتَيْقَنَ , وَهُوَ كَلَامٌ عَرَبِيٌّ مُطَابِقٌ لِحَدِيث أَبِي سَعِيد , إِلَّا أَنَّ اَلْأَلْفَاظَ تَخْتَلِفُ. وَقِيلَ : اَلتَّحَرِّي اَلْأَخْذ بِغَالِبِ اَلظَّنِّ , وَهُوَ ظَاهِرُ اَلرِّوَايَاتِ اَلَّتِي عِنْد مُسْلِم. وَقَالَ ابْن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ : اَلْبِنَاءُ غَيْر اَلتَّحَرِّي , فَالْبِنَاء أَنْ يَشُكَّ فِي اَلثَّلَاثِ أَوْ اَلْأَرْبَع مَثَلًا فَعَلَيْهِ أَنْ يُلْغِيَ اَلشَّكّ , وَالتَّحَرِّي أَنْ يَشُكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَا يَدْرِي مَا صَلَّى فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى اَلْأَغْلَبِ عِنْدَهُ. وَقَالَ غَيْره : اَلتَّحَرِّي لِمَنْ اِعْتَرَاهُ اَلشَّكُّ مَرَّةً بَعْد أُخْرَى فَيَبْنِي عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ , وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَحْمَد , وَعَنْ أَحْمَدَ فِي اَلْمَشْهُورِ : اَلتَّحَرِّي يَتَعَلَّقُ بِالْإِمَامِ فَهُوَ اَلَّذِي يَبْنِي عَلَى مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ , وَأَمَّا اَلْمُنْفَرِدُ فَيَبْنِي عَلَى اَلْيَقِينِ دَائِمًا. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَة أُخْرَى كَالشَّافِعِيَّةِ , وَأُخْرَى كَالْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِنْ طَرَأَ اَلشَّكّ أَوَّلًا اِسْتَأْنَفَ , وَإِنْ كَثُرَ بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ , وَإِلَّا فَعَلَى اَلْيَقِينِ. وَنَقَلَ اَلنَّوَوِيّ أَنَّ اَلْجُمْهُورَ مَعَ اَلشَّافِعِيِّ , وَأَنَّ اَلتَّحَرِّي هُوَ اَلْقَصْدُ قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى ( فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَحَكَى اَلْأَثْرَم عَنْ أَحْمَدَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا غِرَارَ فِي صَلَاة \" قَالَا : أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا إِلَّا عَلَى يَقِين , فَهَذَا يُقَوِّي قَوْل اَلشَّافِعِيِّ. وَأَبْعَدَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظ اَلتَّحَرِّي فِي اَلْخَبَرِ مُدْرَج مِنْ كَلَامِ اِبْن مَسْعُود أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ لِتَفَرُّد مَنْصُور بِذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ دُونَ رُفْقَتِهِ , لِأَنَّ اَلْإِدْرَاجَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى خَمْسًا سَاهِيًا وَلَمْ يَجْلِسْ فِي اَلرَّابِعَةِ أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَفْسُدُ خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ , وَقَوْلُهُمْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَعَدَ فِي اَلرَّابِعَةِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ بَلْ اَلسِّيَاق يُرْشِدُ إِلَى خِلَافِهِ , وَعَلَى أَنَّ اَلزِّيَادَةَ فِي اَلصَّلَاةِ عَلَى سَبِيلِ اَلسَّهْوِ لَا تُبْطِلُهَا خِلَافًا لِبَعْضِ اَلْمَالِكِيَّةِ إِذَا كَثُرَتْ , وَقَيَّدَ بَعْضهمْ اَلزِّيَادَة بِمَا يَزِيدُ عَلَى نِصْفِ اَلصَّلَاةِ , وَعَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِسَهْوِهِ إِلَّا بَعْدَ اَلسَّلَامِ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ , فَإِنْ طَالَ اَلْفَصْل فَالْأَصَحّ عِنْدَ اَلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَفُوتُ مَحَلّه , وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضهمْ مِنْ هَذَا اَلْحَدِيثِ بِتَعْقِيبِ إِعْلَامِهِمْ لِذَلِكَ بِالْفَاء , وَتَعْقِيبِهِ اَلسُّجُود أَيْضًا بِالْفَاء , وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى. وَعَلَى أَنَّ اَلْكَلَام اَلْعَمْد فِيمَا يُصْلِحُ بِهِ اَلصَّلَاةَ لَا يُفْسِدُهَا , وَسَيَأْتِي اَلْبَحْث فِيهِ فِي اَلْبَابِ اَلَّذِي بَعْدَهُ , وَأَنَّ مَنْ تَحَوَّلَ عَنْ اَلْقِبْلَةِ سَاهِيًا لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ , وَفِيهِ إِقْبَالُ اَلْإِمَامِ عَلَى اَلْجَمَاعَةِ بَعْدَ اَلصَّلَاةِ. وَاسْتَدَلَّ اَلْبَيْهَقِيّ عَلَى أَنَّ عُزُوب اَلنِّيَّة بَعْدَ اَلْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ مَبَاحِثِهِ فِي أَبْوَابِ اَلْقِبْلَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1151",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الظُّهْرَ ‏ ‏أَوْ الْعَصْرَ ‏ ‏فَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏ذُو الْيَدَيْنِ ‏ ‏الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَقَصَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَصْحَابِهِ أَحَقٌّ مَا يَقُولُ قَالُوا نَعَمْ ‏ ‏فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏وَرَأَيْتُ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏صَلَّى مِنْ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فَسَلَّمَ وَتَكَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَقَالَ هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( صَلَّى بِنَا رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏ظَاهِر فِي أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة حَضَرَ اَلْقِصَّةَ , وَحَمَلَهُ اَلطَّحَاوِيّ عَلَى اَلْمَجَازِ فَقَالَ إِنَّ اَلْمُرَادَ بِهِ صَلَّى بِالْمُسْلِمينَ وَسَبَب ذَلِكَ قَوْل اَلزُّهْرِيِّ : إِنَّ صَاحِب اَلْقِصَّةِ اِسْتُشْهِدَ بِبَدْرٍ , فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ تَكُونَ اَلْقِصَّةُ وَقَعَتْ قَبْلَ بَدْرٍ وَهِيَ قَبْلُ إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ سِنِينَ لَكِنْ اِتَّفَقَ أَئِمَّةُ اَلْحَدِيثِ - كَمَا نَقَلَهُ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ وَغَيْره - عَلَى أَنَّ اَلزُّهْرِيّ وَهِمَ فِي ذَلِكَ , وَسَبَبه أَنَّهُ حَمَلَ اَلْقِصَّةَ لِذِي الشِّمَالَيْنِ , وَذُو الشِّمَالَيْنِ هُوَ اَلَّذِي قُتِلَ بِبَدْرٍ وَهُوَ خُزَاعِيّ وَاسْمُهُ عُمَيْر بْن عَبْد عَمْرو بْن نَضْلَةَ , وَأَمَّا ذُو اَلْيَدَيْنِ فَتَأَخَّرَ بَعْدَ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُدَّةٍ لِأَنَّهُ حَدَّثَ بِهَذَا اَلْحَدِيثِ بَعْدَ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَخْرَجَهُ اَلطَّبَرَانِيّ وَغَيْره , وَهُوَ سُلَمِيّ وَاسْمُهُ اَلْخِرْبَاقُ عَلَى مَا سَيَأْتِي اَلْبَحْث فِيهِ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْم \" فَلَمَّا وَقَعَ عِنْدَ اَلزُّهْرِيِّ بِلَفْظ \" فَقَامَ ذُو الشِّمَالَيْنِ \" وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ قُتِلَ بِبَدْرٍ قَالَ لِأَجْلِ ذَلِكَ أَنَّ اَلْقِصَّةَ وَقَعَتْ قَبْلَ بَدْر , وَقَدْ جَوَّزَ بَعْض اَلْأَئِمَّةِ أَنْ تَكُونَ اَلْقِصَّةُ وَقَعَتْ لِكُلٍّ مِنْ ذِي الشِّمَالَيْنِ وَذِي اَلْيَدَيْنِ وَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة رَوَى اَلْحَدِيثَيْنِ فَأَرْسَلَ أَحَدهمَا وَهُوَ قِصَّةُ ذِي الشِّمَالَيْنِ وَشَاهَدَ اَلْآخَر وَهِيَ قِصَّةُ ذِي اَلْيَدَيْنِ , وَهَذَا مُحْتَمَل مِنْ طَرِيقِ اَلْجَمْعِ , وَقِيلَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ كَانَ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا ذُو اَلْيَدَيْنِ وَبِالْعَكْسِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلِاشْتِبَاهِ. وَيَدْفَعُ اَلْمَجَاز اَلَّذِي اِرْتَكَبَهُ اَلطَّحَاوِيّ مَا رَوَاهُ مُسْلِم وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فِي هَذَا اَلْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظ \" بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَقَدْ اِتَّفَقَ مُعْظَمُ أَهْلِ اَلْحَدِيثِ مِنْ اَلْمُصَنِّفِينَ وَغَيْرهمْ عَلَى أَنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ غَيْر ذِي اَلْيَدَيْنِ وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ اَلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اَللَّهُ فِي \" اِخْتِلَافِ اَلْحَدِيثِ \". ‏ ‏قَوْله : ( اَلظُّهْر أَوْ اَلْعَصْر ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ اَلطَّرِيقِ عَنْ آدَم عَنْ شُعْبَة بِالشَّكِّ , وَتَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ اَلْإِمَامَةِ عَنْ أَبِي اَلْوَلِيدِ عَنْ شُعْبَة بِلَفْظ \" اَلظُّهْر \" بِغَيْرِ اَلشَّكِّ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَة اَلْمَذْكُور \" صَلَاة اَلظُّهْرِ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى اِبْن أَبِي أَحْمَد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" اَلْعَصْر \" بِغَيْرِ شَكّ , وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَاب لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ : وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهَا اَلْعَصْرُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب تَشْبِيك اَلْأَصَابِعِ فِي اَلْمَسْجِدِ \" مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظ \" إِحْدَى صَلَاتَيْ اَلْعَشِيّ \" قَالَ اِبْن سِيرِينَ : سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَة وَلَكِنْ نَسِيت أَنَا , وَلِمُسْلِم \" إِحْدَى صَلَاتَيْ اَلْعَشِيّ , إِمَّا اَلظُّهْر وَإِمَّا اَلْعَصْر \" وَالظَّاهِر أَنَّ اَلِاخْتِلَافَ فِيهِ مِنْ اَلرُّوَاةِ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ اَلْقِصَّةَ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ , بَلْ رَوَى اَلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ عَوْنٍ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ أَنَّ اَلشَّكَّ فِيهِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَفْظه \" صَلَّى ـ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِحْدَى صَلَاتَيْ اَلْعَشِيّ ـ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ـ وَلَكِنِّي نَسِيتهَا \" فَالظَّاهِر أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة رَوَاهُ كَثِيرًا عَلَى اَلشَّكِّ , وَكَانَ رُبَّمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا اَلظُّهْرُ فَجَزَمَ بِهَا , وَتَارَةً غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا اَلْعَصْرُ فَجَزَمَ بِهَا , وَطَرَأَ اَلشَّكّ فِي تَعْيِينِهَا أَيْضًا عَلَى اِبْنِ سِيرِينَ وَكَانَ اَلسَّبَب فِي ذَلِكَ اَلِاهْتِمَامِ بِمَا فِي اَلْقِصَّةِ مِنْ اَلْأَحْكَامِ اَلشَّرْعِيَّةِ , وَلَمْ تَخْتَلِفْ اَلرُّوَاة فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ فِي قِصَّة اَلْخِرْبَاق أَنَّهَا اَلْعَصْرُ , فَإِنْ قُلْنَا أَنَّهُمَا قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ فَيَتَرَجَّحُ رِوَايَة مَنْ عَيَّنَ اَلْعَصْر فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَاد أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيق مُعَاذ عَنْ شُعْبَة \" فِي اَلرَّكْعَتَيْنِ \" وَسَيَأْتِي فِي اَلْبَابِ اَلَّذِي بَعْدَهُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ وَفِي اَلَّذِي يَلِيه مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا اَلسِّيَاقِ وَنَسْتَوْفِي اَلْكَلَام عَلَيْهِ ثُمَّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سَعْدٌ ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن إِبْرَاهِيم رَاوِي اَلْحَدِيثِ , وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ اَلْمُصَدَّر بِهِ اَلْحَدِيث , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَة مُفْرَدًا. وَهَذَا اَلْأَثَرُ يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ اَلْكَلَام لِمَصْلَحَةِ اَلصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا , لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ تَكَلَّمَ سَاهِيًا أَوْ ظَانًّا أَنَّ اَلصَّلَاةَ تَمَّتْ , وَمُرْسَل عُرْوَة هَذَا مِمَّا يُقَوِّي طَرِيق أَبِي سَلَمَة اَلْمَوْصُولَة , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَة حَمَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة جَمَاعَة مِنْ رُفْقَة عُرْوَة مِنْ أَهْلِ اَلْمَدِينَةِ كَابْن اَلْمُسَيِّب وَعُبَيْد اَللَّهِ بْن عَبْد اَللَّه بْن عُتْبَة وَأَبِي بَكْر بْن عَبْد اَلرَّحْمَن بْن اَلْحَارِث وَغَيْرهمْ مِنْ اَلْفُقَهَاءِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1152",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْصَرَفَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏ذُو الْيَدَيْنِ ‏ ‏أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَصَدَقَ ‏ ‏ذُو الْيَدَيْنِ ‏ ‏فَقَالَ النَّاسُ نَعَمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِمُحَمَّدٍ ‏ ‏فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ تَشَهُّدٌ قَالَ لَيْسَ فِي حَدِيثِ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى اِثْنَتَيْنِ ) ‏ ‏لَمْ يَقَعْ فِي غَيْرِ هَذِهِ اَلرِّوَايَةِ لَفْظ اَلْقِيَام , وَقَدْ اِسْتُشْكِلَ لِأَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَائِمًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ اَلْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فَقَامَ أَيْ اِعْتَدَلَ , لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى اَلْخَشَبَةِ كَمَا سَيَأْتِي , أَوْ هُوَ كِنَايَة عَنْ اَلدُّخُولِ فِي اَلصَّلَاةِ. وَقَالَ اِبْن اَلْمُنِير فِي اَلْحَاشِيَةِ : فِيهِ إِيمَاء إِلَى أَنَّهُ أَحْرَمَ ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ قَامَ , كَذَا قَالَ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا. ‏ ‏قَوْله فِي آخِرِهِ ( ثُمَّ رَفَعَ ) ‏ ‏زَاد فِي \" بَابِ خَبَرِ اَلْوَاحِدِ \" مِنْ هَذَا اَلْوَجْهِ \" ثُمَّ كَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ ثُمَّ رَفَعَ \" وَسَيَأْتِي اَلْكَلَام عَلَى اَلتَّكْبِيرِ فِي اَلْبَابِ اَلَّذِي يَلِيه. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَمَّاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد , وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَة اَلْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَان بْن حَرْب. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَلَمَة بْن عَلْقَمَةَ ) ‏ ‏هُوَ اَلتَّمِيمِيّ أَبُو بِشْر , وَرُبَّمَا اِشْتَبَهَ بِمَسْلَمَة بْن عَلْقَمَة اَلْمُزَنِيّ وَكُنْيَته أَبُو مُحَمَّد لِكَوْنِهِمَا بَصْرِيَّيْنِ مُتَقَارِبَيْ اَلطَّبَقَة , لَكِنَّ اَلثَّانِيَ بِزِيَادَة مِيم فِي أَوَّلِهِ وَلَمْ يُخَرِّجْ لَهُ اَلْبُخَارِيّ شَيْئًا. ) ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِمُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ سِيرِينَ , وَفِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْمٍ فِي اَلْمُسْتَخْرَجِ \" سَأَلْتُ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَيْسَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْمٍ \" فَقَالَ لَمْ أَحْفَظْ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة شَيْئًا وَأَحَبّ إِلَيَّ أَنْ يَتَشَهَّدَ \" وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ \" لَيْسَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثِ غَيْره وَهُوَ كَذَلِكَ. فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاَلتِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيق أَشْعَثَ بْن عَبْد اَلْمَلِك \" عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ خَالِد اَلْحَذَّاء عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي اَلْمُهَلَّب عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْن أَنَّ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا , فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ \" قَالَ اَلتِّرْمِذِيّ : حَسَن غَرِيب , وَقَالَ اَلْحَاكِم : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ اَلشَّيْخَيْنِ , وَقَالَ ابْن حِبَّانَ : مَا رَوَى اِبْنُ سِيرِينَ عَنْ خَالِدٍ غَيْر هَذَا اَلْحَدِيثِ اِنْتَهَى. وَهُوَ مِنْ رِوَايَة اَلْأَكَابِرِ عَنْ اَلْأَصَاغِر. وَضَعَّفَهُ اَلْبَيْهَقِيّ وَابْن عَبْد اَلْبَرّ وَغَيْرهمَا وَوَهَّمُوا رِوَايَة أَشْعَث لِمُخَالَفَتِهِ غَيْره مِنْ اَلْحُفَّاظِ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ , فَإِنَّ اَلْمَحْفُوظَ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْر اَلتَّشَهُّد. وَرَوَى اَلسَّرَّاج مِنْ طَرِيق سَلَمَة بْن عَلْقَمَة أَيْضًا فِي هَذِهِ اَلْقِصَّةِ \" قُلْت لِابْنِ سِيرِينَ : فَالتَّشَهُّد ؟ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ فِي اَلتَّشَهُّدِ شَيْئًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب تَشْبِيك اَلْأَصَابِعِ \" مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ عَوْنٍ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ قَالَ : \" نُبِّئْت أَنَّ عِمْرَان بْن حُصَيْن قَالَ : ثُمَّ سَلَّمَ \" وَكَذَا اَلْمَحْفُوظ عَنْ خَالِدٍ بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْر اَلتَّشَهُّد كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم , فَصَارَتْ زِيَادَة أَشْعَث شَاذَّة , وَلِهَذَا قَالَ اِبْن اَلْمُنْذِر : لَا أَحْسَبُ اَلتَّشَهُّد فِي سُجُودِ اَلسَّهْوِ يَثْبُتُ. لَكِنْ قَدْ وَرَدَ فِي اَلتَّشَهُّدِ فِي سُجُودِ اَلسَّهْوِ عَنْ اِبْن مَسْعُود عِنْد أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ , وَعَنْ اَلْمُغِيرَةِ عِنْد اَلْبَيْهَقِيّ وَفِي إِسْنَادِهِمَا ضَعْف , فَقَدْ يُقَالُ إِنَّ اَلْأَحَادِيثَ اَلثَّلَاثَةَ فِي اَلتَّشَهُّدِ بِاجْتِمَاعِهَا تَرْتَقِي إِلَى دَرَجَةِ اَلْحَسَنِ , قَالَ اَلْعَلَائِيّ : وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ , وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ اِبْن مَسْعُود مِنْ قَوْلِهِ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1153",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَأَكْثَرُ ظَنِّي الْعَصْرَ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَفِيهِمْ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَقَالُوا أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذُو الْيَدَيْنِ ‏ ‏فَقَالَ أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ فَقَالَ لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ قَالَ ‏ ‏بَلَى قَدْ نَسِيتَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَزِيد بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ اَلتُّسْتَرِيّ , وَمُحَمَّد هُوَ اِبْنُ سِيرِينَ , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَكْثَر ظَنِّي أَنَّهَا اَلْعَصْرُ ) ‏ ‏هُوَ قَوْلُ اِبْنِ سِيرِينَ بِالْإِسْنَادِ اَلْمَذْكُورِ , وَإِنَّمَا رَجَّحَ ذَلِكَ عِنْدَهُ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ اَلْجَزْمَ بِأَنَّهَا اَلْعَصْرُ كَمَا تَقَدَّمَتْ اَلْإِشَارَة إِلَيْهِ قَبْل. ) ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ اَلْمَسْجِدِ ) ‏ ‏أَيْ فِي جِهَةِ اَلْقِبْلَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة اِبْنِ عَوْنٍ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ بِلَفْظ \" فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي اَلْمَسْجِدِ \" أَيْ مَوْضُوعَةٍ بِالْعَرْضِ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ \" ثُمَّ أَتَى جِذْعًا فِي قِبْلَةِ اَلْمَسْجِدِ فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا مُغْضَبًا \" وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذِهِ اَلرِّوَايَاتِ لِأَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى أَنَّ اَلْجِذْعَ قَبْلَ اِتِّخَاذِ اَلْمِنْبَرِ كَانَ مُمْتَدًّا بِالْعَرْضِ , وَكَأَنَّهُ اَلْجِذْعُ اَلَّذِي كَانَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ قَبْلَ اِتِّخَاذِ اَلْمِنْبَرِ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْضُ اَلشُّرَّاحِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْنِ عَوْن \" فَهَابَاهُ \" بِزِيَادَةِ اَلضَّمِيرِ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا غَلَبَ عَلَيْهِمَا اِحْتِرَامه وَتَعْظِيمه عَنْ اَلِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا ذُو اَلْيَدَيْنِ فَغَلَبَ عَلَيْهِ حِرْصُهُ عَلَى تَعَلُّمِ اَلْعِلْمِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَخَرَجَ سَرَعَانُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ اَلْمُهْمَلَاتِ , وَمِنْهُمْ مَنْ سَكَّنَ اَلرَّاء وَحَكَى عِيَاض أَنَّ اَلْأَصِيلِيّ ضَبَطَهُ بِضَمٍّ ثُمَّ إِسْكَان كَأَنَّهُ جَمْعُ سَرِيع كَكَثِيب وَكُثْبَان وَالْمُرَاد بِهِمْ أَوَائِل اَلنَّاسِ خُرُوجًا مِنْ اَلْمَسْجِدِ وَهُمْ أَصْحَابُ اَلْحَاجَاتِ غَالِبًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالُوا أَقُصِرَتْ اَلصَّلَاةُ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِهَمْزَةِ اَلِاسْتِفْهَامِ , وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَة اِبْنِ عَوْنٍ بِحَذْفِهَا فَتُحْمَلُ تِلْكَ عَلَى هَذِهِ , وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وَرَعِهِمْ إِذْ لَمْ يَجْزِمُوا بِوُقُوعِ شَيْءٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَهَابُوا اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْأَلُوهُ , وَإِنَّمَا اسْتَفْهَمُوهُ لِأَنَّ اَلزَّمَانَ زَمَان اَلنَّسْخ. وَقُصِرَتْ بِضَمِّ اَلْقَافِ وَكَسْرِ اَلْمُهْمَلَةِ عَلَى اَلْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ أَنَّ اَللَّهَ قَصَرَهَا , وَبِفَتْحٍ ثُمَّ ضَمٍّ عَلَى اَلْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيْ صَارَتْ قَصِيرَة. قَالَ اَلنَّوَوِيّ : هَذَا أَكْثَر وَأَرْجَح. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَجُل يَدْعُوهُ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ يُسَمِّيه ‏ ‏( ذَا اَلْيَدَيْنِ ) ‏ ‏وَالتَّقْدِيرُ وَهُنَاكَ رَجُل , وَفِي رِوَايَة اِبْنِ عَوْن \" وَفِي اَلْقَوْمِ رَجُل فِي يَدِهِ طُول يُقَالُ لَهُ ذُو اَلْيَدَيْنِ \" وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى اَلْحَقِيقَةِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْ طُولِهَا بِالْعَمَلِ أَوْ بِالْبَذْلِ قَالَهُ اَلْقُرْطُبِيّ , وَجَزَمَ اِبْن قُتَيْبَةَ بِأَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا , وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ شُرَّاح \" اَلتَّنْبِيه \" أَنَّهُ قَالَ : كَانَ قَصِيرَ اَلْيَدَيْنِ فَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ حُمَيْد اَلطَّوِيل فَهُوَ اَلَّذِي فِيهِ اَلْخِلَاف , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اَلصَّوَابَ اَلتَّفْرِقَة بَيْنَ ذِي اَلْيَدَيْنِ وَذِي الشِّمَالَيْنِ , وَذَهَبَ اَلْأَكْثَر إِلَى أَنَّ اِسْمَ ذِي اَلْيَدَيْنِ اَلْخِرْبَاق بِكَسْر اَلْمُعْجَمَة وَسُكُون اَلرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَة وَآخِره قَاف اِعْتِمَادًا عَلَى مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عِمْرَان بْن حُصَيْن عِنْد مُسْلِم وَلَفْظه \" فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ اَلْخِرْبَاق وَكَانَ فِي يَدِهِ طُول \" وَهَذَا صَنِيع مَنْ يُوَحِّدُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ وَهُوَ اَلرَّاجِحُ فِي نَظَرِي , وَإِنْ كَانَ اِبْن خُزَيْمَة وَمَنْ تَبِعَهُ جَنَحُوا إِلَى اَلتَّعَدُّدِ , وَالْحَامِل لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ اَلِاخْتِلَافِ اَلْوَاقِعِ فِي اَلسِّيَاقَيْنِ , فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ اَلسَّلَامَ وَقَعَ مِنْ اِثْنَتَيْنِ وَأَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي اَلْمَسْجِدِ , وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَأَنَّهُ دَخَلَ مَنْزِله لَمَّا فَرَغَ مِنْ اَلصَّلَاةِ , فَأَمَّا اَلْأَوَّلُ فَقَدْ حَكَى اَلْعَلَائِيّ أَنَّ بَعْضَ شُيُوخِهِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ اَلْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ سَلَّمَ فِي اِبْتِدَاءِ اَلرَّكْعَةِ اَلثَّالِثَةِ وَاسْتَبْعَدَهُ , وَلَكِنَّ طَرِيقَ اَلْجَمْعِ يُكْتَفَى فِيهَا بِأَدْنَى مُنَاسَبَة , وَلَيْسَ بِأَبْعَدَ مِنْ دَعْوَى تَعَدُّد اَلْقِصَّة فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْن ذِي اَلْيَدَيْنِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ اِسْتَفْهَمَ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَاسْتَفْهَمَ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اَلصَّحَابَة عَنْ صِحَّةِ قَوْلِهِ , وَأَمَّا اَلثَّانِي فَلَعَلَّ اَلرَّاوِيَ لَمَّا رَآهُ تَقَدَّمَ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى جِهَةِ اَلْخَشَبَةِ ظَنَّ أَنَّهُ دَخَلَ مَنْزِله لِكَوْن اَلْخَشَبَة كَانَتْ فِي جِهَةِ مَنْزِلِهِ , فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَرِوَايَة أَبِي هُرَيْرَةَ أَرْجَحُ لِمُوَافَقَةِ اِبْن عُمَر لَهُ عَلَى سِيَاقه كَمَا أَخْرَجَهُ اَلشَّافِعِيّ وَأَبُو دُوَاد وَابْن مَاجَهْ وَابْن خُزَيْمَة , وَلِمُوَافَقَةِ ذِي اَلْيَدَيْنِ نَفْسه لَهُ عَلَى سِيَاقِهِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْر اَلْأَثْرَمُ وَعَبْد اَللَّهَ بْن أَحْمَد فِي زِيَادَات اَلْمُسْنَد وَأَبُو بَكْر بْن أَبِي خَيْْثَمَةَ وَغَيْرهمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب تَشْبِيك اَلْأَصَابِعِ \" مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ رَاوِي اَلْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة كَانَ يَرَى اَلتَّوْحِيد بَيْنَهُمَا , وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِر حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" نُبِّئْت أَنَّ عِمْرَان بْن حُصَيْن قَالَ : ثُمَّ سَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ ) ‏ ‏كَذَا فِي أَكْثَرِ اَلطُّرُقِ , وَهُوَ صَرِيحٌ فِي نَفْيِ اَلنِّسْيَانِ وَنَفْيِ اَلْقَصْرِ , وَفِيهِ تَفْسِيرٌ لِلْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة أَبِي سُفْيَان عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" كُلّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ \" وَتَأْيِيد لِمَا قَالَهُ أَصْحَابُ اَلْمَعَانِي : إِنَّ لَفْظ كُلّ إِذَا تَقَدَّمَ وَعَقِبَهَا اَلنَّفْيُ كَانَ نَفْيًا لِكُلِّ فَرْدٍ لَا لِلْمَجْمُوعِ , بِخِلَافِ مَا إِذَا تَأَخَّرَتْ كَأَنْ يَقُولَ لَمْ يَكُنْ كُلُّ ذَلِكَ , وَلِهَذَا أَجَابَ ذُو اَلْيَدَيْنِ فِي رِوَايَة أَبِي سُفْيَان بِقَوْلِهِ \" قَدْ كَانَ بَعْض ذَلِكَ \" وَأَجَابَهُ فِي هَذِهِ اَلرِّوَايَةِ بِقَوْلِهِ \" بَلَى قَدْ نَسِيت \" لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى اَلْأَمْرَيْنِ وَكَانَ مُقَرَّرًا عِنْدَ اَلصَّحَابِيِّ أَنَّ اَلسَّهْوَ غَيْر جَائِزٍ عَلَيْهِ فِي اَلْأُمُورِ اَلْبَلَاغِيَّةِ جَزَمَ بِوُقُوع اَلنِّسْيَان لَا بِالْقَصْرِ , وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ : إِنْ اَلسَّهْوَ جَائِز عَلَى اَلْأَنْبِيَاءِ فِيمَا طَرِيقُهُ اَلتَّشْرِيع , وَإِنْ كَانَ عِيَاضٌ نَقَلَ اَلْإِجْمَاع عَلَى عَدَمِ جَوَازِ دُخُول اَلسَّهْو فِي اَلْأَقْوَالِ التَّبْلِيغِيَّة وَخَصَّ اَلْخِلَاف بِالْأَفْعَالِ , لَكِنَّهُمْ تَعَقَّبُوهُ. نَعَمْ اِتَّفَقَ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ بَلْ يَقَعُ لَهُ بَيَانُ ذَلِكَ إِمَّا مُتَّصِلًا بِالْفِعْلِ أَوْ بَعْدَهُ كَمَا وَقَعَ فِي هَذَا اَلْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ \" لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ \" ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَسِيَ , وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ أَنْسَ أَيْ فِي اِعْتِقَادِي لَا فِي نَفْسِ اَلْأَمْرِ , وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ اَلِاعْتِقَادَ عِنْدَ فَقْد اَلْيَقِين يَقُومُ مَقَام اَلْيَقِين , وَفَائِدَة جَوَاز اَلسَّهْو فِي مِثْلِ ذَلِكَ بَيَان اَلْحُكْمِ اَلشَّرْعِيِّ إِذَا وَقَعَ مِثْله لِغَيْره , وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ اَلسَّهْو مُطْلَقًا فَأَجَابُوا عَنْ هَذَا اَلْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ فَقِيلَ : قَوْلُهُ لَمْ أَنْسَ نَفْيٌ لِلنِّسْيَانِ , وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْي اَلسَّهْو. وَهَذَا قَوْل مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ رَدُّهُ. وَيَكْفِي فِيهِ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ اَلرِّوَايَةِ \" بَلَى قَدْ نَسِيت \" وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ : قَوْلُهُ لَمْ أَنْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَكَانَ يَتَعَمَّدُ مَا يَقَعُ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ لِيَقَع اَلتَّشْرِيعُ مِنْهُ بِالْفِعْلِ لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ مِنْ اَلْقَوْلِ , وَتُعُقِّبَ بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود اَلْمَاضِي فِي \" بَابِ اَلتَّوَجُّهِ نَحْوَ اَلْقِبْلَةِ \" فَفِيهِ \" إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ \" فَأَثْبَتَ اَلْعِلَّة قَبْلَ اَلْحُكْمِ وَقَيَّدَ اَلْحُكْمَ بِقَوْلِهِ \" إِنَّمَا أَنَا بَشَر \" وَلَمْ يَكْتَفِ بِإِثْبَاتِ وَصْف اَلنِّسْيَان حَتَّى دَفَعَ قَوْل مَنْ عَسَاهُ يَقُولُ لَيْسَ نِسْيَانه كَنِسْيَانِنَا فَقَالَ : \" كَمَا تَنْسَوْنَ \" وَبِهَذَا اَلْحَدِيثِ يُرَدُّ أَيْضًا قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ أَنْسَ إِنْكَار اَللَّفْظِ اَلَّذِي نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ حَيْثُ قَالَ إِنَّى لَا أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى , وَإِنْكَار اَللَّفْظِ اَلَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَى غَيْره حَيْثُ قَالَ \" بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيت آيَة كَذَا وَكَذَا \" وَقَدْ تَعَقَّبُوا هَذَا أَيْضًا بِأَنَّ حَدِيث إِنِّي لَا أَنْسَى لَا أَصْلَ لَهُ فَإِنَّهُ مِنْ بَلَاغَاتِ مَالِك اَلَّتِي لَمْ تُوجَدْ مَوْصُولَة بَعْدَ اَلْبَحْثِ اَلشَّدِيدِ , وَأَمَّا اَلْآخَر فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَمّ إِضَافَة نِسْيَان اَلْآيَةِ ذَمّ إِضَافَة نِسْيَان كُلِّ شَيْءٍ فَإِنَّ اَلْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَاضِح جِدًّا , وَقِيلَ إِنَّ قَوْلَهُ لَمْ أَنْسَ رَاجِع إِلَى اَلسَّلَامِ أَيْ سَلَّمْت قَصْدًا بَانِيًا عَلَى مَا فِي اِعْتِقَادِي أَنِّي صَلَّيْت أَرْبَعًا وَهَذَا جَيِّد , وَكَأَنَّ ذَا اَلْيَدَيْنِ فَهِمَ اَلْعُمُوم فَقَالَ \" بَلَى قَدْ نَسِيت \" وَكَأَنَّ هَذَا اَلْقَوْلَ أَوْقَعَ شَكًّا اِحْتَاجَ مَعَهُ إِلَى اِسْتِثْبَات اَلْحَاضِرِينَ. وَبِهَذَا اَلتَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ إِيرَاد مَنْ اِسْتَشْكَلَ كَوْنَ ذِي اَلْيَدَيْنِ عَدْلًا وَلَمْ يَقْبَلْ خَبَره بِمُفْرَدِهِ , فَسَبَب اَلتَّوَقُّفِ فِيهِ كَوْنه أَخْبَرَ عَنْ أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ اَلْمَسْئُولِ مُغَايِر لِمَا فِي اِعْتِقَادِهِ. وَبِهَذَا يُجَابُ مَنْ قَالَ إِنَّ مَنْ أَخْبَرَ بِأَمْرٍ حِسِّيٍّ بِحَضْرَة جَمْع لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ اَلتَّوَاطُؤ وَلَا حَامِلَ لَهُمْ عَلَى اَلسُّكُوتِ عَنْهُ ثُمَّ لَمْ يُكَذِّبُوهُ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ , فَإِنَّ سَبَبَ عَدَمِ اَلْقَطْعِ كَوْن خَبَرِهِ مُعَارَضًا بِاعْتِقَادِ اَلْمَسْئُولِ خِلَاف مَا أَخْبَرَ بِهِ. وَفِيهِ أَنَّ اَلثِّقَةَ إِذَا اِنْفَرَدَ بِزِيَادَة خَبَرٍ وَكَانَ اَلْمَجْلِس مُتَّحِدًا أَوْ مَنَعَتْ اَلْعَادَة غَفْلَتهمْ عَنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُقْبَلَ خَبَره. وَفِيهِ اَلْعَمَلُ بِالِاسْتِصْحَابِ لِأَنَّ ذَا اَلْيَدَيْنِ اِسْتَصْحَبَ حُكْم اَلْإِتْمَامِ فَسَأَلَ , مَعَ كَوْن أَفْعَال اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلتَّشْرِيعِ , وَالْأَصْلُ عَدَم اَلسَّهْوِ وَالْوَقْت قَابِل لِلنَّسْخِ , وَبَقِيَّة اَلصَّحَابَةِ تَرَدَّدُوا بَيْنَ اَلِاسْتِصْحَابِ وَتَجْوِيز اَلنَّسْخِ فَسَكَتُوا , وَالسَّرَعَانُ هُمْ اَلَّذِينَ بَنَوْا عَلَى اَلنَّسْخِ فَجَزَمُوا بِأَنَّ اَلصَّلَاةَ قُصِرَتْ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَاز اَلِاجْتِهَاد فِي اَلْأَحْكَامِ. وَفِيهِ جَوَازُ اَلْبِنَاءِ عَلَى اَلصَّلَاةِ لِمَنْ أَتَى بِالْمُنَافِي سَهْوًا , قَالَ سَحْنُون : إِنَّمَا يَبْنِي مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ كَمَا فِي قِصَّةِ ذِي اَلْيَدَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ اَلْقِيَاسِ فَيُقْتَصَرُ بِهِ عَلَى مَوْرِد اَلنَّصّ وَأُلْزِمَ بِقَصْرِ ذَلِكَ عَلَى إِحْدَى صَلَاتَيْ اَلْعَشِيّ فَيَمْنَعُهُ مَثَلًا فِي اَلصُّبْحِ , وَاَلَّذِينَ قَالُوا يَجُوزُ اَلْبِنَاءُ مُطْلَقًا قَيَّدُوهُ بِمَا إِذَا لَمْ يَطُلْ اَلْفَصْلُ , وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْر اَلطُّول فَحَدَّهُ اَلشَّافِعِيّ فِي \" اَلْأُمِّ \" بِالْعُرْفِ , وَفِي الْبُوَيْطِيّ بِقَدْر رَكْعَة , وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَدْر اَلصَّلَاةِ اَلَّتِي يَقَعُ اَلسَّهْو فِيهَا. وَفِيهِ أَنَّ اَلْبَانِيَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكْبِيرَة اَلْإِحْرَام , وَأَنَّ اَلسَّلَامَ وَنِيَّة اَلْخُرُوجِ مِنْ اَلصَّلَاةِ سَهْوًا لَا يَقْطَعُ اَلصَّلَاةَ , وَأَنَّ سُجُودَ اَلسَّهْوِ بَعْدَ اَلسَّلَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ اَلْبَحْثُ فِيهِ , وَأَنَّ اَلْكَلَام سَهْوًا لَا يَقْطَعُ اَلصَّلَاةَ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّ قِصَّةَ ذِي اَلْيَدَيْنِ كَانَتْ قَبْلَ نَسْخ اَلْكَلَام فِي اَلصَّلَاةِ فَضَعِيف لِأَنَّهُ اِعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِ اَلزُّهْرِيِّ إِنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ بَدْر , وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ إِمَّا وَهِمَ فِي ذَلِكَ أَوْ تَعَدَّدَتْ اَلْقِصَّةُ لِذِي الشِّمَالَيْنِ اَلْمَقْتُول بِبَدْر وَلِذِي اَلْيَدَيْنِ اَلَّذِي تَأَخَّرَتْ وَفَاته بَعْدَ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَدْ ثَبَتَ شُهُود أَبِي هُرَيْرَة لِلْقِصَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَشَهِدَهَا عِمْرَان بْن حُصَيْن وَإِسْلَامه مُتَأَخِّر أَيْضًا , وَرَوَى مُعَاوِيَة بْن حُدَيْج بِمُهْمَلَة وَجِيم مُصَغَّرًا قِصَّة أُخْرَى فِي اَلسَّهْوِ وَوَقَعَ فِيهَا اَلْكَلَامُ ثُمَّ اَلْبِنَاء أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة وَغَيْرُهُمَا وَكَانَ إِسْلَامه قَبْلَ مَوْتِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَهْرَيْنِ , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْل زَيْد بْن أَرْقَمَ \" وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَام \" أَيْ إِلَّا إِذَا وَقَعَ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا لِمَصْلَحَةِ اَلصَّلَاةِ , فَلَا يُعَارِضُ قِصَّةَ ذِي اَلْيَدَيْنِ اِنْتَهَى. وَسَيَأْتِي اَلْبَحْث فِي الْكَلَام اَلْعَمْد لِمَصْلَحَةِ اَلصَّلَاةِ بَعْدَ هَذَا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ اَلْمُقَدَّرَ فِي حَدِيثِ \" رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي اَلْخَطَأ وَالنِّسْيَان \" أَيْ إِثْمُهُمَا وَحُكْمُهُمَا خِلَافًا لِمَنْ قَصَرَهُ عَلَى اَلْإِثْمِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ تَعَمُّدَ الْكَلَام لِمَصْلَحَةِ اَلصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَّا نَاسِيًا , وَأَمَّا قَوْلُ ذِي اَلْيَدَيْنِ لَهُ \" بَلَى قَدْ نَسِيت \" وَقَوْل اَلصَّحَابَةِ لَهُ \" صَدَقَ ذُو اَلْيَدَيْنِ \" فَإِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا مُعْتَقِدِينَ اَلنَّسْخ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ فِيهِ فَتَكَلَّمُوا ظَنًّا أَنَّهُمْ لَيْسُوا فِي صَلَاة , كَذَا قِيلَ وَهُوَ فَاسِد , لِأَنَّهُمْ كَلَّمُوهُ بَعْدَ قَوْلِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَمْ تُقْصَرْ \" وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْطِقُوا وَإِنَّمَا أَوْمَئُوا كَمَا عِنْد أَبِي دَاوُد فِي رِوَايَة سَاقَ مُسْلِمٌ إِسْنَادهَا , وَهَذَا اِعْتَمَدَهُ اَلْخَطَّابِيّ وَقَالَ : حَمْلُ اَلْقَوْل عَلَى اَلْإِشَارَةِ مَجَاز سَائِغ بِخِلَاف عَكْسه فَيَنْبَنِي رَدُّ اَلرِّوَايَاتِ اَلَّتِي فِيهَا اَلتَّصْرِيح بِالْقَوْلِ إِلَى هَذِهِ , وَهُوَ قَوِيّ , وَهُوَ أَقْوَى مِنْ قَوْلِ غَيْره : يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ بَعْضهمْ قَالَ بِالنُّطْقِ وَبَعْضهمْ بِالْإِشَارَةِ , لَكِنْ يَبْقَى قَوْلُ ذِي اَلْيَدَيْنِ \" بَلَى قَدْ نَسِيت \" وَيُجَابُ عَنْهُ وَعَنْ اَلْبَقِيَّةِ عَلَى تَقْدِير تَرْجِيح أَنَّهُمْ نَطَقُوا بِأَنَّ كَلَامَهُمْ كَانَ جَوَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَوَابه لَا يَقْطَعُ اَلصَّلَاة كَمَا سَيَأْتِي اَلْبَحْث فِيهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ اَلْأَنْفَالِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ اَلْإِجَابَةِ عَدَم قَطْعِ اَلصَّلَاةِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ مُخَاطَبَته فِي اَلتَّشَهُّدِ وَهُوَ حَيٌّ بِقَوْلِهِمْ \" اَلسَّلَام عَلَيْك أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ \" وَلَمْ تَفْسُدْ اَلصَّلَاة , وَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ مَا دَامَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَاجِعُ اَلْمُصَلِّي فَجَائِز لَهُ جَوَابه حَتَّى تَنْقَضِيَ اَلْمُرَاجَعَة فَلَا يَخْتَصُّ اَلْجَوَاز بِالْجَوَابِ لِقَوْلِ ذِي اَلْيَدَيْنِ \" بَلَى قَدْ نَسِيت \" وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ أَنَّ سُجُودَ اَلسَّهْوِ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّر اَلسَّهْو - وَلَوْ اِخْتَلَفَ اَلْجِنْس - خِلَافًا لِلْأَوْزَاعِيّ , وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اَلنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيّ أَنَّ لِكُلِّ سَهْوِ سَجْدَتَيْنِ , وَوَرَدَ عَلَى وَفْقِهِ حَدِيث ثَوْبَانَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَإِسْنَاده مُنْقَطِع , وَحُمِلَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ سَهَا بِأَيِّ سَهْوٍ كَانَ شُرِعَ لَهُ اَلسُّجُود أَيْ لَا يَخْتَصُّ بِمَا سَجَدَ فِيهِ اَلشَّارِعُ , وَرَوَى اَلْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة \" سَجْدَتَا اَلسَّهْوِ تُجْزِئَانِ مِنْ كُلِّ زِيَادَة وَنُقْصَان \". وَفِيهِ أَنَّ اَلْيَقِينَ لَا يُتْرَكُ إِلَّا بِالْيَقِينِ , لِأَنَّ ذَا اَلْيَدَيْنِ كَانَ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ فَرْضَهُمْ اَلْأَرْبَع , فَلَمَّا اِقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى اِثْنَتَيْنِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ سُؤَالَهُ. وَفِيهِ أَنَّ اَلظَّنَّ قَدْ يَصِيرُ يَقِينًا بِخَبَرِ أَهْلِ اَلصِّدْقِ , وَهَذَا مَبْنِيّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ لِخَبَرِ اَلْجَمَاعَة , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ اَلْإِمَامَ يَرْجِعُ لِقَوْلِ اَلْمَأْمُومِينَ فِي أَفْعَالِ اَلصَّلَاةِ وَلَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَحْمَد وَغَيْرهمَا , وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِمَا إِذَا كَانَ اَلْإِمَام مُجَوِّزًا لِوُقُوع اَلسَّهْو مِنْهُ , بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ مُتَحَقِّقًا لِخِلَافِ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ تَرْك رُجُوعه صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذِي اَلْيَدَيْنِ وَرُجُوعه لِلصَّحَابَةِ , وَمِنْ حُجَّتِهِمْ قَوْله فِي حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود اَلْمَاضِي \" فَإِذَا نَسِيت فَذَكِّرُونِي \" وَقَالَ اَلشَّافِعِيّ : مَعْنَى قَوْلِهِ \" فَذَكِّرُونِي \" أَيْ لِأَتَذَكَّرَ , وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَرْجِعَ لِمُجَرَّدِ إِخْبَارِهِمْ , وَاحْتِمَال كَوْنِهِ تَذَكَّرَ عِنْدَ إِخْبَارِهِمْ لَا يُدْفَعُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب هَلْ يَأْخُذُ اَلْإِمَام بِقَوْلِ اَلنَّاسِ \" مِنْ أَبْوَابِ اَلْإِمَامَةِ مَا يُقَوِّي ذَلِكَ. وَفَرَّقَ بَعْض اَلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ اَلْمُخْبِرُونَ مِمَّنْ يَحْصُلُ اَلْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ فَيُقْبَلُ وَيُقَدَّمُ عَلَى ظَنِّ اَلْإِمَامِ أَنَّهُ قَدْ كَمَّلَ اَلصَّلَاةَ بِخِلَافِ غَيْرهمْ , وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ اَلْعُلَمَاءِ اَلْقَائِلِينَ بِالرُّجُوعِ اِشْتِرَاط اَلْعَدَد فِي مِثْلِ هَذَا وَأَلْحَقُوهُ بِالشَّهَادَةِ , وَفَرَّعُوا عَلَيْهِ أَنَّ اَلْحَاكِمَ إِذَا نَسِيَ حُكْمَهُ وَشَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ أَنَّهُ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِمَا , وَاسْتَدَلَّ بِهِ اَلْحَنَفِيَّة عَلَى أَنَّ اَلْهِلَالَ لَا يُقْبَلُ بِشَهَادَةِ اَلْآحَادِ إِذَا كَانَتْ اَلسَّمَاء مُصْحِيَة بَلْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عَدَدِ اَلِاسْتِفَاضَةِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سَبَب اَلِاسْتِثْبَات كَوْنه أَخْبَرَ عَنْ فِعْلِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ رُؤْيَةِ اَلْهِلَالِ فَإِنَّ اَلْأَبْصَارَ لَيْسَتْ مُتَسَاوِيَة فِي رُؤْيَتِهِ بَلْ مُتَفَاوِتَة قَطْعًا , وَعَلَى أَنَّ مَنْ سَلَّمَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ أَتَمَّ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ شَكٌّ هَلْ أَتَمَّ أَوْ نَقَصَ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِاعْتِقَادِهِ اَلْأَوَّلِ وَلَا يَجِب عَلَيْهِ اَلْأَخْذ بِالْيَقِينِ , وَوَجْهُهُ أَنَّ ذَا اَلْيَدَيْنِ لَمَّا أَخْبَرَ أَثَارَ خَبَرُهُ شَكًّا , وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اِسْتَثْبَتَ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ اَلْبُخَارِيّ عَلَى جَوَاز تَشْبِيك اَلْأَصَابِعِ فِي اَلْمَسْجِدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ اَلْمَسَاجِدِ , وَعَلَى أَنَّ اَلْإِمَامَ يَرْجِعُ لِقَوْلِ اَلْمَأْمُومِينَ إِذَا شَكَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي اَلْإِمَامَةِ , وَعَلَى جَوَاز اَلتَّعْرِيف بِاللَّقَبِ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ اَلْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى , وَعَلَى اَلتَّرْجِيحِ بِكَثْرَة اَلرُّوَاة وَتَعَقَّبَهُ اِبْنُ دَقِيقِ اَلْعِيدِ بِأَنَّ اَلْمَقْصُودَ كَانَ تَقْوِيَةَ اَلْأَمْرِ اَلْمَسْئُولِ عَنْهُ لَا تَرْجِيحَ خَبَرٍ عَلَى خَبَرٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "1154",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَسْدِيِّ ‏ ‏حَلِيفِ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ ‏ ‏سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فَكَبَّرَ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنْ الْجُلُوسِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏فِي التَّكْبِيرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏L قَوْله : ( الْأَسْدِيّ ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْمُهْمَلَة وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيثه فِي أَوَّل أَبْوَاب السَّهْو وَأَنَّهُ يُشْرَع التَّكْبِير لِسُجُودِ السَّهْو كَتَكْبِيرِ الصَّلَاة وَهُوَ مُطَابِق لِهَذِهِ التَّرْجَمَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَنْ لَمْ يَرَ التَّشَهُّد الْأَوَّل وَاجِبًا \" أَنَّ قَوْل مَنْ قَالَ فِيهِ \" حَلِيف بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب \" وَهْم وَأَنَّ الصَّوَاب حَلِيف بَنِي الْمُطَّلِب بِإِسْقَاطِ \" عَبْد \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن شِهَاب فِي التَّكْبِير ) ‏ ‏وَصَلَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ وَمِنْ طَرِيقه الطَّبَرَانِيّ وَلَفْظه \" يُكَبِّر فِي كُلّ سَجْدَة \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق وَمُحَمَّد بْن بَكْر كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِلَفْظِ \" فَكَبَّرَ فَسَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ ثُمَّ سَلَّمَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1155",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتَوَائِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْأَذَانَ فَإِذَا قُضِيَ الْأَذَانُ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ فَإِذَا قُضِيَ ‏ ‏التَّثْوِيبُ ‏ ‏أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَأَمَّا قَوْله \" حَتَّى يَظَلّ الرَّجُل إِنْ يَدْرِي \" ‏ ‏فَقَوْله \" إِنْ \" بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَهِيَ نَافِيَة , وَقَوْله \" فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدكُمْ كَمْ صَلَّى إِلَخْ \" مُسَاوٍ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ غَيْر مَزِيد وَظَاهِره أَنَّهُ لَا يَبْنِي عَلَى الْيَقِين لِأَنَّهُ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون دَاخِل الصَّلَاة أَوْ خَارِجهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى خَارِجهَا فِي أَوَاخِر الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَأَمَّا دَاخِلهَا فَهُوَ مُعَارَض بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيد الَّذِي عِنْد مُسْلِم فَإِنَّهُ صَرِيح فِي الْأَمْر بِطَرْحِ الشَّكّ وَالْبِنَاء عَلَى الْيَقِين , فَقِيلَ يُجْمَع بَيْنهمَا بِحَمْلِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَلَى مَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الشَّكّ وَقَدْ فَرَغَ قَبْل أَنْ يُسَلِّم فَإِنَّهُ لَا يَلْتَفِت إِلَى ذَلِكَ الشَّكّ وَيَسْجُد لِلسَّهْوِ كَمَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ بَعْد أَنْ سَلَّمَ , فَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ قَبْل ذَلِكَ بَنَى عَلَى الْيَقِين كَمَا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد. وَعَلَى هَذَا ‏ ‏فَقَوْله فِيهِ \" وَهُوَ جَالِس \" ‏ ‏يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ إِذَا شَكَّ لَا بِقَوْلِهِ سَجَدَ , وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْل مَنْ سَلَكَ طَرِيق التَّرْجِيح فَقَالَ حَدِيث أَبِي سَعِيد اُخْتُلِفَ فِي وَصْله وَإِرْسَاله بِخِلَافِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَقَدْ وَافَقَهُ حَدِيث اِبْن مَسْعُود فَهُوَ أَرْجَح , لِأَنَّ لِمُخَالِفِهِ أَنْ يَقُول : بَلْ حَدِيث أَبِي سَعِيد صَحَّحَهُ مُسْلِم وَاَلَّذِي وَصَلَهُ حَافِظ فَزِيَادَته مَقْبُولَة وَقَدْ وَافَقَهُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْآتِي قَرِيبًا فَيَتَعَارَض التَّرْجِيح , وَقِيلَ يُجْمَع بَيْنهمَا بِحَمْلِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَلَى حُكْم مَا يَجْبُر بِهِ السَّاهِي صَلَاته وَحَدِيث أَبِي سَعِيد عَلَى مَا يَصْنَعهُ مِنْ الْإِتْمَام وَعَدَمه. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لَمْ يَقَع فِي هَذِهِ الرِّوَايَة تَعْيِين مَحَلّ السُّجُود وَلَا فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ الَّتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة بْن عَمَّار عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير بِهَذَا الْإِسْنَاد مَرْفُوعًا \" إِذَا سَهَا أَحَدكُمْ فَلَمْ يَدْرِ أَزَادَ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِس ثُمَّ يُسَلِّم \" إِسْنَاده قَوِيّ , وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ عَنْ عَمّه نَحْوه بِلَفْظِ \" وَهُوَ جَالِس قَبْل التَّسْلِيم \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق قَالَ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيّ بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ فِيهِ \" فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْل أَنْ يُسَلِّم ثُمَّ يُسَلِّم \" قَالَ الْعَلَائِيّ : هَذِهِ الزِّيَادَة فِي هَذَا الْحَدِيث بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الطُّرُق لَا تَنْزِل عَنْ دَرَجَة الْحَسَن الْمُحْتَجّ بِهِ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1156",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ ‏ ‏يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1157",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُكَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏أَرْسَلُوهُ إِلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَقَالُوا اقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنَّا جَمِيعًا وَسَلْهَا عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُلْ لَهَا إِنَّا أُخْبِرْنَا عَنْكِ أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْهَا وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَكُنْتُ أَضْرِبُ النَّاسَ مَعَ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ‏ ‏عَنْهَا فَقَالَ ‏ ‏كُرَيْبٌ ‏ ‏فَدَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي فَقَالَتْ سَلْ ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا فَرَدُّونِي إِلَى ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إِلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْهَى عَنْهَا ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي حَرَامٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ ‏ ‏الْجَارِيَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ قُومِي بِجَنْبِهِ فَقُولِي لَهُ تَقُولُ لَكَ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ فَفَعَلَتْ ‏ ‏الْجَارِيَةُ ‏ ‏فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ يَا ‏ ‏بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ ‏ ‏سَأَلْتِ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَإِنَّهُ ‏ ‏أَتَانِي نَاسٌ مِنْ ‏ ‏عَبْدِ الْقَيْسِ ‏ ‏فَشَغَلُونِي عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث وَبُكَيْر بِالتَّصْغِيرِ هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن الْأَشَجّ , وَنِصْف هَذَا الْإِسْنَاد الْمُبْدَأ بِهِ مِصْرِيُّونَ وَالثَّانِي مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ بَلَغَنَا ) ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا ذَلِكَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا اِبْن عَبَّاس فَقَدْ سَمَّى الْوَاسِطَة وَهُوَ عُمَر كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَوَاقِيت مِنْ قَوْله \" شَهِدَ عِنْدِي رِجَال مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَر \" الْحَدِيث , وَأَمَّا الْمِسْوَر وَابْن أَزْهَر فَلَمْ أَقِف عَنْهُمَا عَلَى تَسْمِيَة الْوَاسِطَة , وَقَوْله قَبْل ذَلِكَ \" وَإِنَّا أُخْبِرْنَا \" بِضَمِّ الْهَمْزَة وَلَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة الْمُخْبِر وَكَأَنَّهُ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر فَسَيَأْتِي فِي الْحَجّ مِنْ رِوَايَته عَنْ عَائِشَة مَا يَشْهَد لِذَلِكَ , وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث قَالَ \" دَخَلْت مَعَ اِبْن عَبَّاس عَلَى مُعَاوِيَة فَأَجْلَسَهُ عَلَى السَّرِير ثُمَّ قَالَ : مَا رَكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا النَّاس بَعْد الْعَصْر ؟ قَالَ ذَلِكَ مَا يُفْتِي بِهِ النَّاسَ اِبْنُ الزُّبَيْر , فَأَرْسَلَ إِلَى اِبْن الزُّبَيْر فَسَأَلَهُ فَقَالَ : أَخْبَرَتْنِي بِذَلِكَ عَائِشَة , فَأَرْسَلَ إِلَى عَائِشَة فَقَالَتْ : أَخْبَرَتْنِي أُمّ سَلَمَة , فَأَرْسَلَ إِلَى أُمّ سَلَمَة فَانْطَلَقَتْ مَعَ الرَّسُول \" فَذَكَرَ الْقِصَّة , وَاسْم الرَّسُول الْمَذْكُور كَثِير بْن الصَّلْت سَمَّاهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح إِلَى أَبِي سَلَمَة \" أَنَّ مُعَاوِيَة قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر لِكَثِيرِ بْن الصَّلْت : اِذْهَبْ إِلَى عَائِشَة فَاسْأَلْهَا , فَقَالَ أَبُو سَلَمَة : فَقُمْت مَعَهُ , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس لِعَبْدِ اللَّه بْن الْحَارِث : اِذْهَبْ مَعَهُ , فَجِئْنَاهَا فَسَأَلْنَاهَا \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( تُصَلِّينَهُمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" تُصَلِّيهِمَا \" بِحَذْفِ النُّون وَهُوَ جَائِز. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن عَبَّاس كُنْت أَضْرِب النَّاس مَعَ عُمَر عَنْهَا ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِهَا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَنْهُ \" وَكَذَا فِي قَوْله \" نَهَى عَنْهَا \" وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ الضَّمِير عَلَى إِرَادَة الْفِعْل , وَهَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ عَنْ السَّائِب هُوَ اِبْن يَزِيد قَالَ \" رَأَيْت عُمَر يَضْرِب الْمُنْكَدِر عَلَى الصَّلَاة بَعْد الْعَصْر \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ كُرَيْب ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَتْ سَلْ أُمّ سَلَمَة ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَخَرَجْت إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرْتهمْ بِقَوْلِهَا فَرَدُّونِي إِلَى أُمّ سَلَمَة \" وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لِلطَّحَاوِيّ \" فَقَالَتْ عَائِشَة لَيْسَ عِنْدِي , وَلَكِنْ حَدَّثَتْنِي أُمّ سَلَمَة \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ رَأَيْته يُصَلِّيهِمَا حِين صَلَّى الْعَصْر ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ ) ‏ ‏أَيْ فَصَلَّاهُمَا حِينَئِذٍ بَعْد الدُّخُول , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" ثُمَّ رَأَيْته يُصَلِّيهِمَا , أَمَّا حِين صَلَّاهُمَا فَإِنَّهُ صَلَّى الْعَصْر ثُمَّ دَخَلَ عِنْدِي فَصَلَّاهُمَا \". ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ بَنِي حَرَام ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ الْجَارِيَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون بِنْتهَا زَيْنَب لَكِنْ فِي رِوَايَة الْمُصَنَّف فِي الْمَغَازِي \" فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ الْخَادِم \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ يَا اِبْنَة أَبِي أُمَيَّة ) ‏ ‏هُوَ وَالِد أُمّ سَلَمَة وَاسْمه حُذَيْفَة - وَقِيلَ سُهَيْل - اِبْن الْمُغِيرَة الْمَخْزُومِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ اللَّتَيْنِ صَلَّيْتهمَا الْآن. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاس مِنْ عَبْد الْقَيْس ) ‏ ‏زَادَ فِي الْمَغَازِي \" بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمهمْ فَشَغَلُونِي \" وَلِلطَّحَاوِيّ مِنْ وَجْه آخَر \" قَدِمَ عَلَيَّ قَلَائِص مِنْ الصَّدَقَة فَنَسِيتهمَا ثُمَّ ذَكَرْتهمَا فَكَرِهْت أَنْ أُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِد وَالنَّاس يَرَوْنَ فَصَلَّيْتهمَا عِنْدك \" وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر \" فَجَاءَنِي مَال فَشَغَلَنِي \" وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر \" قَدِمَ عَلَيَّ وَفْد مِنْ بَنِي تَمِيم , أَوْ جَاءَتْنِي صَدَقَة \" وَقَوْله \" مِنْ بَنِي تَمِيم \" وَهْم وَإِنَّمَا هُمْ مِنْ عَبْد الْقَيْس وَكَأَنَّهُمْ حَضَرُوا مَعَهُمْ بِمَالِ الْمُصَالَحَة مِنْ أَهْل الْبَحْرَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجِزْيَة مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن عَوْف \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ صَالَحَ أَهْل الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ الْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ وَأَرْسَلَ أَبَا عُبَيْدَة فَأَتَاهُ بِجِزْيَتِهِمْ \" وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث الْمُتَقَدِّم ذِكْرهَا أَنَّهُ كَانَ بَعَثَ سَاعِيًا وَكَانَ قَدْ أَهَمَّهُ شَأْن الْمُهَاجِرِينَ , وَفِيهِ \" فَقُلْت مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ ؟ فَقَالَ : شَغَلَنِي أَمْر السَّاعِي \". ‏ ‏قَوْله : ( فَهُمَا هَاتَانِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة عَنْ أُمّ سَلَمَة عِنْد الطَّحَاوِيّ مِنْ الزِّيَادَة \" فَقُلْت أُمِرْت بِهِمَا ؟ فَقَالَ : لَا , وَلَكِنْ كُنْت أُصَلِّيهِمَا بَعْد الظُّهْر فَشُغِلْت عَنْهُمَا فَصَلَّيْتهمَا الْآن \" وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْهَا \" لَمْ أَرَهُ صَلَّاهُمَا قَبْل وَلَا بَعْد \" لَكِنْ هَذَا لَا يَنْفِي الْوُقُوع فَقَدْ ثَبَتَ فِي مُسْلِم عَنْ أَبِي سَلَمَة أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَة عَنْهُمَا فَقَالَتْ \" كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْل الْعَصْر فَشُغِلَ عَنْهُمَا أَوْ نَسِيَهُمَا فَصَلَّاهُمَا بَعْد الْعَصْر ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا , وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاة أَثْبَتَهَا \" أَيْ دَاوَمَ عَلَيْهَا. وَمِنْ طَرِيق عُرْوَة عَنْهَا \" مَا تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ بَعْد الْعَصْر عِنْدِي قَطّ \" وَمِنْ ثَمَّ اِخْتَلَفَ نَظَر الْعُلَمَاء فَقِيلَ : تُقْضَى الْفَوَائِت فِي أَوْقَات الْكَرَاهَة لِهَذَا الْحَدِيث , وَقِيلَ هُوَ خَاصّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقِيلَ هُوَ خَاصّ بِمَنْ وَقَعَ لَهُ نَظِير مَا وَقَعَ لَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي أَوَاخِر الْمَوَاقِيت. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد سِوَى مَا مَضَى جَوَاز اِسْتِمَاع الْمُصَلِّي إِلَى كَلَام غَيْره وَفَهْمه لَهُ وَلَا يَقْدَح ذَلِكَ فِي صَلَاته. وَأَنَّ الْأَدَب فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُوم الْمُتَكَلِّم إِلَى جَنْبه لَا خَلْفه وَلَا أَمَامه لِئَلَّا يُشَوِّش عَلَيْهِ بِأَنْ لَا تُمْكِنهُ الْإِشَارَة إِلَيْهِ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ , وَجَوَاز الْإِشَارَة فِي الصَّلَاة وَسَيَأْتِي فِي بَاب مُفْرَد. وَفِيهِ الْبَحْث عَنْ عِلَّة الْحُكْم وَعَنْ دَلِيله , وَالتَّرْغِيب فِي عُلُوّ الْإِسْنَاد , وَالْفَحْص عَنْ الْجَمْع بَيْن الْمُتَعَارِضَيْنِ , وَأَنَّ الصَّحَابِيّ إِذَا عَمِلَ بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ لَا يَكُون كَافِيًا فِي الْحُكْم بِنَسْخِ مَرْوِيّه , وَأَنَّ الْحُكْم إِذَا ثَبَتَ لَا يُزِيلهُ إِلَّا شَيْء مَقْطُوع بِهِ , وَأَنَّ الْأَصْل اِتِّبَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَفْعَاله , وَأَنَّ الْجَلِيل مِنْ الصَّحَابَة قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا اِطَّلَعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ , وَأَنَّهُ لَا يُعْدَل إِلَى الْفَتْوَى بِالرَّأْيِ مَعَ وُجُود النَّصّ , وَأَنَّ الْعَالِم لَا نَقْص عَلَيْهِ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَدْرِي فَوَكَلَ الْأَمْرَ إِلَى غَيْره. وَفِيهِ قَبُول أَخْبَار الْآحَاد وَالِاعْتِمَاد عَلَيْهِ فِي الْأَحْكَام وَلَوْ كَانَ شَخْصًا وَاحِدًا رَجُلًا أَوْ اِمْرَأَة لِاكْتِفَاءِ أُمّ سَلَمَة بِإِخْبَارِ الْجَارِيَة. وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى فِطْنَة أُمّ سَلَمَة وَحُسْن تَأَتِّيهَا بِمُلَاطَفَةِ سُؤَالهَا وَاهْتِمَامهَا بِأَمْرِ الدِّين , وَكَأَنَّهَا لَمْ تُبَاشِر السُّؤَال لِحَالِ النِّسْوَة اللَّاتِي كُنَّ عِنْدهَا فَيُؤْخَذ مِنْهُ إِكْرَام الضَّيْف وَاحْتِرَامه , وَفِيهِ زِيَارَة النِّسَاء الْمَرْأَةَ وَلَوْ كَانَ زَوْجهَا عِنْدهَا , وَالتَّنَفُّل فِي الْبَيْت وَلَوْ كَانَ فِيهِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ , وَكَرَاهَة الْقُرْب مِنْ الْمُصَلِّي لِغَيْرِ ضَرُورَة , وَتَرْك تَفْوِيت طَلَب الْعِلْم وَإِنْ طَرَأَ مَا يَشْغَل عَنْهُ , وَجَوَاز الِاسْتِنَابَة فِي ذَلِكَ , وَأَنَّ الْوَكِيل لَا يُشْتَرِط أَنْ يَكُون مِثْل مُوَكِّله فِي الْفَضْل , وَتَعْلِيم الْوَكِيل التَّصَرُّف إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَجْهَل ذَلِكَ , وَفِيهِ الِاسْتِفْهَام بَعْد التَّحَقُّق لِقَوْلِهَا \" وَأَرَاك تُصَلِّيهِمَا \" وَالْمُبَادَرَة إِلَى مَعْرِفَة الْحُكْم الْمُشْكِل فِرَارًا مِنْ الْوَسْوَسَة , وَأَنَّ النِّسْيَان جَائِز عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ فَائِدَة اِسْتِفْسَار أُمّ سَلَمَة عَنْ ذَلِكَ تَجْوِيزهَا إِمَّا النِّسْيَان وَإِمَّا النَّسْخ وَإِمَّا التَّخْصِيص بِهِ , فَظَهَرَ وُقُوع الثَّالِث. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1158",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَلَغَهُ أَنَّ ‏ ‏بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مَعَهُ فَحُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَجَاءَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ حُبِسَ وَقَدْ حَانَتْ الصَّلَاةُ فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ قَالَ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ فَأَقَامَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏وَتَقَدَّمَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيقِ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ الْتَفَتَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فَرَفَعَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَرَجَعَ ‏ ‏الْقَهْقَرَى ‏ ‏وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى لِلنَّاسِ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ‏ ‏مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ أَخَذْتُمْ فِي التَّصْفِيقِ إِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَّا الْتَفَتَ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏مَا كَانَ يَنْبَغِي ‏ ‏لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ ‏ ‏أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي الْإِصْلَاح بَيْن بَنِي عَمْرو بْن عَوْف , وَفِيهِ إِرَادَة أَبِي بَكْر الصَّلَاة بِالنَّاسِ , وَشَاهِد التَّرْجَمَة قَوْله فِيهِ \" فَأَخَذَ النَّاس فِي التَّصْفِيق \" فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ لَكِنَّهُ لَمْ يَأْمُرهُمْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاة , وَحَرَكَة الْيَد بِالتَّصْفِيقِ كَحَرَكَتِهَا بِالْإِشَارَةِ , وَأَخَذَهُ مِنْ جِهَة الِالْتِفَات وَالْإِصْغَاء إِلَى كَلَام الْغَيْر لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْإِشَارَة , وَأَمَّا قَوْله \" يَا أَبَا بَكْر مَا مَنَعَك أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ حِين أَشَرْت إِلَيْك \" فَلَيْسَ بِمُطَابِقٍ لِلتَّرْجَمَةِ لِأَنَّ إِشَارَته صَدَرَتْ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يُحْرِم بِالصَّلَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث سَهْل مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فُهِمَ مِنْ قَوْله \" قَامَ فِي الصَّفّ \" الدُّخُول فِي الصَّلَاة لِعُدُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْكَلَام الَّذِي هُوَ أَدَلّ مِنْ الْإِشَارَة , وَلِمَا يُفْهِمهُ السِّيَاق مِنْ طُول مُقَامه فِي الصَّفّ قَبْل أَنْ تَقَع الْإِشَارَة الْمَذْكُورَة , وَلِأَنَّهُ دَخَلَ بِنِيَّةِ الِائْتِمَام بِأَبِي بَكْر , وَلِأَنَّ السُّنَّة الدُّخُول مَعَ الْإِمَام عَلَى أَيّ حَالَة وَجَدَهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا \". ‏"
    },
    {
        "id": "1159",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الثَّوْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏وَهِيَ تُصَلِّي قَائِمَةً وَالنَّاسُ قِيَامٌ فَقُلْتُ مَا شَأْنُ النَّاسِ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَقُلْتُ آيَةٌ فَقَالَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ نَعَمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَسْمَاء فِي الصَّلَاة فِي الْكُسُوف , أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا , وَشَاهِد التَّرْجَمَة قَوْلهَا فِيهِ \" فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْكُسُوف. ‏"
    },
    {
        "id": "1160",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْته جَالِسًا , وَشَاهِدهَا قَوْله فِيهِ \" فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ اِجْلِسُوا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة أَيْضًا , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ مَنَعَ الْإِشَارَة بِالسَّلَامِ وَجَوَّزَ مُطْلَق الْإِشَارَة لِأَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن أَنْ يُشِير آمِرًا بِالْجُلُوسِ أَوْ يُشِير مُخْبِرًا بِرَدِّ السَّلَام. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَتْ أَبْوَاب السَّهْو مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى تِسْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا , مِنْهَا اِثْنَانِ مُعَلَّقَانِ بِمُقْتَضَى حَدِيث كُرَيْب عَنْ أُمّ سَلَمَة وَابْن عَبَّاس وَعَبْد الرَّحْمَن بْن أَزْهَر وَالْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ أَرْبَعَة أَحَادِيث لِقَوْلِهِمْ فِيهِ - سِوَى أُمّ سَلَمَة - \" بَلَغَنَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا \" وَجَمِيعهَا مُكَرَّرَة فِيهِ وَفِيمَا مَضَى سِوَاهُ , إِلَّا أَنَّهُ تَكَرَّرَ مِنْهُ فِي الْمَوَاقِيت طَرَف مُخْتَصَر عَنْ أُمّ سَلَمَة , وَسِوَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِس \" وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا جَمِيعهَا , وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة وَغَيْرهمْ خَمْسَة آثَار : مِنْهَا أَثَر عُرْوَة الْمَوْصُول فِي آخِر الْبَاب , وَمِنْهَا أَثَر عُمَر فِي ضَرْبه عَلَى الصَّلَاة بَعْد الْعَصْر. وَاَللَّه الْهَادِي إِلَى الصَّوَاب , وَمِنْهُ الْمَبْدَأ وَإِلَيْهِ الْمَآب. ‏"
    },
    {
        "id": "1161",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَوْ قَالَ بَشَّرَنِي ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَتَانِي آتٍ ) ‏ ‏سَمَّاهُ فِي التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ وَاصِل \" جِبْرِيل \" وَجَزَمَ بِقَوْلِهِ \" فَبَشَّرَنِي \" وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مَهْدِيّ فِي أَوَّله قِصَّة قَالَ \" كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِير لَهُ , فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْض اللَّيْل تَنَحَّى فَلَبِثَ طَوِيلًا , ثُمَّ أَتَانَا فَقَالَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِي اللِّبَاس مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَسْوَد عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ \" أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ ثَوْب أَبْيَض وَهُوَ نَائِم , ثُمَّ أَتَيْته وَقَدْ اِسْتَيْقَظَ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا رُؤْيَا مَنَام. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أُمَّتِي ) ‏ ‏أَيْ مِنْ أُمَّة الْإِجَابَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ أَيْ أُمَّة الدَّعْوَة وَهُوَ مُتَّجِه. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا ) ‏ ‏أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِي اللِّبَاس بِلَفْظِ \" مَا مِنْ عَبْد قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ \" الْحَدِيث. إِنَّمَا لَمْ يُورِدهُ الْمُصَنِّف هُنَا جَرْيًا عَلَى عَادَته فِي إِيثَار الْخَفِيّ عَلَى الْجَلِيّ , وَذَلِكَ أَنَّ نَفْي الشِّرْك يَسْتَلْزِم إِثْبَات التَّوْحِيد , وَيَشْهَد لَهُ اِسْتِنْبَاط عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فِي ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب مِنْ مَفْهُوم قَوْله \" مَنْ مَاتَ يُشْرِك بِاَللَّهِ دَخَلَ النَّار \" وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَى نَفْي الشِّرْك أَنْ لَا يَتَّخِذ مَعَ اللَّه شَرِيكًا فِي الْإِلَهِيَّة , لَكِنَّ هَذَا الْقَوْل صَارَ بِحُكْمِ الْعُرْف عِبَارَة عَنْ الْإِيمَان الشَّرْعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت وَإِنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ ) ‏ ‏قَدْ يَتَبَادَر إِلَى الذِّهْن أَنَّ قَائِل ذَلِكَ هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَقُول لَهُ الْمَلَك الَّذِي بَشَّرَهُ بِهِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ الْقَائِل هُوَ أَبُو ذَرّ وَالْمَقُول لَهُ هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا بَيَّنَهُ الْمُؤَلِّف فِي اللِّبَاس. وَلِلتِّرْمِذِيِّ \" قَالَ أَبُو ذَرّ يَا رَسُول اللَّه \" وَيُمْكِن أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ مُسْتَوْضِحًا وَأَبُو ذَرّ قَالَهُ مُسْتَبْعِدًا , وَقَدْ جَمَعَ بَيْنهمَا فِي الرِّقَاق مِنْ طَرِيق زَيْد بْن وَهْب عَنْ أَبِي ذَرّ. قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : حَدِيث أَبِي ذَرّ مِنْ أَحَادِيث الرَّجَاء الَّتِي أَفْضَى الِاتِّكَال عَلَيْهَا بِبَعْضِ الْجَهَلَة إِلَى الْإِقْدَام عَلَى الْمُوبِقَات , وَلَيْسَ هُوَ عَلَى ظَاهِره فَإِنَّ الْقَوَاعِد اِسْتَقَرَّتْ عَلَى أَنَّ حُقُوق الْآدَمِيِّينَ لَا تَسْقُط بِمُجَرَّدِ الْمَوْت عَلَى الْإِيمَان , وَلَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ عَدَم سُقُوطهَا أَنْ لَا يَتَكَفَّل اللَّه بِهَا عَمَّنْ يُرِيد أَنْ يُدْخِلهُ الْجَنَّة , وَمِنْ ثَمَّ رَدَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي ذَرّ اِسْتِبْعَاده. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" دَخَلَ الْجَنَّة \" أَيْ صَارَ إِلَيْهَا إِمَّا اِبْتِدَاء مِنْ أَوَّل الْحَال وَإِمَّا بَعْد أَنْ يَقَع مَا يَقَع مِنْ الْعَذَاب , نَسْأَل اللَّه الْعَفْو وَالْعَافِيَة. وَفِي هَذَا الْحَدِيث \" مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه نَفَعَتْهُ يَوْمًا مِنْ الدَّهْر , أَصَابَهُ قَبْل ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ \" وَسَيَأْتِي بَيَان حَاله فِي كِتَاب الرِّقَاق. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ أَصْحَاب الْكَبَائِر لَا يُخَلَّدُونَ فِي النَّار , وَأَنَّ الْكَبَائِر لَا تَسْلُب اِسْم الْإِيمَان , وَأَنَّ غَيْر الْمُوَحِّدِينَ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة. وَالْحِكْمَة فِي الِاقْتِصَار عَلَى الزِّنَا وَالسَّرِقَة الْإِشَارَة إِلَى جِنْس حَقّ اللَّه تَعَالَى وَحَقّ الْعِبَاد , وَكَأَنَّ أَبَا ذَرّ اِسْتَحْضَرَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن \" لِأَنَّ ظَاهِره مُعَارِض لِظَاهِرِ هَذَا الْخَبَر , لَكِنَّ الْجَمْع بَيْنهمَا عَلَى قَوَاعِد أَهْل السُّنَّة بِحَمْلِ هَذَا عَلَى الْإِيمَان الْكَامِل وَبِحَمْلِ حَدِيث الْبَاب عَلَى عَدَم التَّخْلِيد فِي النَّار. قَوْله : ( عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي ذَرّ ) بِفَتْحِ الرَّاء وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَيُقَال بِضَمِّهَا وَكَسْرهَا , وَهُوَ مَصْدَر رَغَمَ بِفَتْحِ الْغَيْن وَكَسْرهَا مَأْخُوذ مِنْ الرَّغْم وَهُوَ التُّرَاب , وَكَأَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ بِأَنْ يُلْصَق أَنْفه بِالتُّرَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1162",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ ‏ ‏وَقُلْتُ أَنَا ‏ ‏مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُمَر بْن حَفْص ) ‏ ‏أَيْ اِبْن غِيَاث , وَشَقِيق هُوَ أَبُو وَائِل , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود , وَكُلّهمْ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ مَاتَ يُشْرِك بِاَللَّهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي حَمْزَة عَنْ الْأَعْمَش فِي تَفْسِير الْبَقَرَة \" مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُون اللَّه نِدًّا \" وَفِي أَوَّله \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَة وَقُلْت أَنَا أُخْرَى \" , وَلَمْ تَخْتَلِف الرِّوَايَات فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي أَنَّ الْمَرْفُوع الْوَعِيد وَالْمَوْقُوف الْوَعْد. وَزَعَمَ الْحُمَيْدِيّ فِي \" الْجَمْع \" وَتَبِعَهُ مُغَلْطَايْ فِي شَرْحه وَمَنْ أَخَذَ عَنْهُ أَنَّ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق وَكِيع وَابْن نُمَيْر بِالْعَكْسِ بِلَفْظِ \" مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة , وَقُلْت أَنَا مَنْ مَاتَ يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّار \" وَكَأَنَّ سَبَب الْوَهْم فِي ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْد أَبِي عَوَانَة وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق وَكِيع بِالْعَكْسِ , لَكِنْ بَيَّنَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ الْمَحْفُوظ عَنْ وَكِيع كَمَا فِي الْبُخَارِيّ , قَالَ : وَإِنَّمَا الْمَحْفُوظ أَنَّ الَّذِي قَلَبَهُ أَبُو عَوَانَة وَحْده وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه , وَالصَّوَاب رِوَايَة الْجَمَاعَة , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق عَاصِم وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق يَسَار وَابْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق الْمُغِيرَة كُلّهمْ عَنْ شَقِيق , وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه النَّظَر لِأَنَّ جَانِب الْوَعِيد ثَابِت بِالْقُرْآنِ وَجَاءَتْ السُّنَّة عَلَى وَفْقه فَلَا يَحْتَاج إِلَى اِسْتِنْبَاط , بِخِلَافِ جَانِب الْوَعْد فَإِنَّهُ فِي مَحَلّ الْبَحْث إِذْ لَا يَصِحّ حَمْله عَلَى ظَاهِره كَمَا تَقَدَّمَ. وَكَأَنَّ اِبْن مَسْعُود لَمْ يَبْلُغهُ حَدِيث جَابِر الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِلَفْظِ \" قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه مَا الْمُوجِبَتَانِ ؟ قَالَ : مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة , وَمَنْ مَاتَ يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّار \" وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْجَيِّد أَنْ يُقَال سَمِعَ اِبْن مَسْعُود اللَّفْظَتَيْنِ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّهُ فِي وَقْتٍ حَفِظَ إِحْدَاهُمَا وَتَيَقَّنَهَا وَلَمْ يَحْفَظ الْأُخْرَى فَرَفَعَ الْمَحْفُوظَة وَضَمَّ الْأُخْرَى إِلَيْهَا , وَفِي وَقْتٍ بِالْعَكْسِ , قَالَ : فَهَذَا جَمْع بَيْن رِوَايَتَيْ اِبْن مَسْعُود وَمُوَافَقَته لِرِوَايَةِ غَيْره فِي رَفْع اللَّفْظَتَيْنِ اِنْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي قَالَ مُحْتَمَل بِلَا شَكّ , لَكِنْ فِيهِ بُعْد مَعَ اِتِّحَاد مَخْرَج الْحَدِيث , فَلَوْ تَعَدَّدَ مَخْرَجه إِلَى اِبْن مَسْعُود لَكَانَ اِحْتِمَالًا قَرِيبًا مَعَ أَنَّهُ يُسْتَغْرَب مِنْ اِنْفِرَاد رَاوٍ مِنْ الرُّوَاة بِذَلِكَ دُون رُفْقَته وَشَيْخهمْ وَمَنْ فَوْقه , فَنِسْبَة السَّهْو إِلَى شَخْص لَيْسَ بِمَعْصُومٍ أَوْلَى مِنْ هَذَا التَّعَسُّف. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏حَكَى الْخَطِيب فِي \" الْمُدْرَج \" أَنَّ أَحْمَد بْن عَبْد الْجَبَّار رَوَاهُ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ عَاصِم مَرْفُوعًا كُلّه وَأَنَّهُ وَهِمَ فِي ذَلِكَ , وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَقُول بِدَلِيلِ الْخِطَاب , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَثَر اِبْن مَسْعُود أَخَذَهُ مِنْ ضَرُورَة اِنْحِصَار الْجَزَاء فِي الْجَنَّة وَالنَّار , وَفِيهِ إِطْلَاق الْكَلِمَة عَلَى الْكَلَام الْكَثِير وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور. ‏"
    },
    {
        "id": "1163",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَشْعَثِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَإِجَابَةِ الدَّاعِي وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ وَرَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَنَهَانَا عَنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَخَاتَمِ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ ‏ ‏وَالْقَسِّيِّ ‏ ‏وَالْإِسْتَبْرَقِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَشْعَث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي الشَّعْثَاء الْمُحَارِبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب ) ‏ ‏أَوْرَدَهُ فِي الْمَظَالِم عَنْ سَعِيد بْن الرَّبِيع عَنْ شُعْبَة عَنْ الْأَشْعَث فَقَالَ فِيهِ \" سَمِعْت الْبَرَاء بْن عَازِب \" , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة عَنْ الْأَشْعَث عَنْ مُعَاوِيَة بْن سُوَيْدٍ قَالَ \" دَخَلْت عَلَى الْبَرَاء بْن عَازِب فَسَمِعْته يَقُول \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْع ) ‏ ‏أَمَّا الْمَأْمُورَات فَسَنَذْكُرُ شَرْحهَا فِي كِتَابَيْ الْأَدَب وَاللِّبَاس , وَاَلَّذِي يَتَعَلَّق مِنْهَا بِهَذَا الْبَاب اِتِّبَاع الْجَنَائِز. وَأَمَّا الْمَنْهِيَّات فَمَحَلّ شَرْحهَا كِتَاب اللِّبَاس وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِيهِ , وَسَقَطَ مِنْ الْمَنْهِيَّات فِي هَذَا الْبَاب وَاحِدَة سَهْوًا إِمَّا مِنْ الْمُصَنِّف أَوْ مِنْ شَيْخه. ‏"
    },
    {
        "id": "1164",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَوْزَاعِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ رَدُّ السَّلَامِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏سَلَامَةُ بْنُ رَوْحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات غَيْر مَنْسُوب , وَقَالَ الْكَلَابَاذِيّ : هُوَ الذُّهْلِيُّ , وَعَمْرو بْن أَبِي سَلَمَة هُوَ التِّنِّيسِيُّ وَقَدْ ضَعَّفَهُ اِبْن مَعِين بِسَبَبِ أَنَّ فِي حَدِيثه عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ مُنَاوَلَة وَإِجَازَة , لَكِنْ بَيَّنَ أَحْمَد بْن صَالِح الْمِصْرِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِيمَا سَمِعَهُ \" حَدَّثَنَا \" وَلَا يَقُول ذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَسْمَعهُ , وَعَلَى هَذَا فَقَدْ عَنْعَنَ هَذَا الْحَدِيث فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعهُ , وَالْجَوَاب عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ يَعْتَمِد عَلَى الْمُنَاوَلَة وَيَحْتَجّ بِهَا , وَقُصَارَى هَذَا الْحَدِيث أَنْ يَكُون مِنْهَا , وَقَدْ قَوَّاهُ بِالْمُتَابَعَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا عُقْبَة , وَلَمْ يَنْفَرِد بِهِ عَمْرو , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن مُسْلِم وَغَيْره عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ اِخْتَارَ طَرِيق عَمْرو لِوُقُوعِ التَّصْرِيح فِيهَا بِالْإِخْبَارِ بَيْن الْأَوْزَاعِيِّ وَالزُّهْرِيّ , وَمُتَابَعَة عَبْد الرَّزَّاق الَّتِي ذَكَرَهَا وَوَصَلَهَا مُسْلِم وَقَالَ فِي آخِره : كَانَ مَعْمَر يُرْسِل هَذَا الْحَدِيث وَأَسْنَدَهُ مَرَّة عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. وَقَدْ وَقَعَ لِي مُعَلَّقًا فِي جُزْء الذُّهْلِيِّ \" قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَأَمَّا رِوَايَة سَلَامَة وَهُوَ بِتَخْفِيفِ اللَّام وَهُوَ اِبْن أَخِي عَقِيل فَأَظُنّهَا فِي الزُّهْرِيَّات لِلذُّهْلِيّ , وَلَهُ نُسْخَة عَنْ عَمّه عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَيُقَال إِنَّهُ كَانَ يَرْوِيهَا مِنْ كِتَاب. ‏ ‏قَوْله : ( حَقّ الْمُسْلِم عَلَى الْمُسْلِم خَمْس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق \" خَمْس تَجِب لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِم \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" حَقّ الْمُسْلِم عَلَى الْمُسْلِم سِتّ \" وَزَادَ \" وَإِذَا اِسْتَنْصَحَك فَانْصَحْ لَهُ \" وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى \" الْحَقّ \" هُنَا الْوُجُوب خِلَافًا لِقَوْلِ اِبْن بَطَّال : الْمُرَاد حَقّ الْحُرْمَة وَالصُّحْبَة , وَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِهِ هُنَا وُجُوب الْكِفَايَة. ‏ ‏قَوْله : ( رَدّ السَّلَام ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَى أَحْكَامه فِي الِاسْتِئْذَان , وَعِيَادَة الْمَرِيض يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِي الْمَرْضَى , وَإِجَابَة الدَّاعِي يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِي الْوَلِيمَة , وَتَشْمِيت الْعَاطِس يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْأَدَب. وَأَمَّا اِتِّبَاع الْجَنَائِز فَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب فَضْل اِتِّبَاع الْجَنَائِز \" فِي وَسَط كِتَاب الْجَنَائِز , وَالْمَقْصُود هُنَا إِثْبَات مَشْرُوعِيَّته فَلَا تَكْرَار. ‏"
    },
    {
        "id": "1165",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏وَيُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ ‏ ‏أَقْبَلَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ ‏ ‏بِالسُّنْحِ ‏ ‏حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمْ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَتَيَمَّمَ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُسَجًّى ‏ ‏بِبُرْدِ ‏ ‏حِبَرَةٍ ‏ ‏فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ ‏ ‏أَكَبَّ ‏ ‏عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ ‏ ‏بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏خَرَجَ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يُكَلِّمُ النَّاسَ فَقَالَ ‏ ‏اجْلِسْ فَأَبَى فَقَالَ اجْلِسْ فَأَبَى فَتَشَهَّدَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَتَرَكُوا ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏وَمَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الشَّاكِرِينَ ‏} ‏وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث عَائِشَة ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَمَعْمَر هُوَ اِبْن رَاشِد , وَيُونُس هُوَ اِبْن يَزِيد , وَالسُّنْح بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون النُّون بَعْدهَا حَاء مُهْمَلَة مَنَازِل بَنِي الْحَارِث بْن الْخَزْرَج وَكَانَ أَبُو بَكْر مُتَزَوِّجًا فِيهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَيَمَّمَ ) ‏ ‏أَيْ قَصَدَ. وَبُرْد حِبَرَة بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْمُوَحَّدَة بِوَزْنِ عِنَبَة , وَيَجُوز فِيهِ التَّنْوِين عَلَى الْوَصْف , وَعَدَمه عَلَى الْإِضَافَة , وَهِيَ نَوْع مِنْ بُرُود الْيَمَن مُخَطَّطَة غَالِيَة الثَّمَن. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَبَّلَهُ ) ‏ ‏أَيْ بَيْن عَيْنَيْهِ. وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ وَأَوْرَدَهُ صَرِيحًا. وَقَوْله : ( الَّتِي كَتَبَ اللَّه ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" الَّتِي كُتِبَ \" بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1166",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ الْعَلَاءِ ‏ ‏امْرَأَةً مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏بَايَعَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ‏ ‏فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ ‏ ‏أَبَا السَّائِبِ ‏ ‏فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ فَقَالَ أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي قَالَتْ فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏مَا يُفْعَلُ بِهِ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏وَمَعْمَرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ اُقْتُسِمَ ) ‏ ‏الْهَاء ضَمِير الشَّأْن وَاقْتُسِمَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاة , وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَنْصَار اِقْتَرَعُوا عَلَى سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ لَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِمْ الْمَدِينَة. وَقَوْلهَا ( فَطَارَ لَنَا ) أَيْ وَقَعَ فِي سَهْمنَا , وَذَكَرَهُ بَعْض الْمَغَارِبَة بِالصَّادِ \" فَصَارَ لَنَا \" وَهُوَ صَحِيح مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى إِنْ ثَبَتَتْ الرِّوَايَة. ‏ ‏وَقَوْلهَا ( أَبَا السَّائِب ) ‏ ‏تَعْنِي عُثْمَان الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( مَا يُفْعَل بِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِهِ \" وَهُوَ غَلَط مِنْهُ , فَإِنَّ الْمَحْفُوظ فِي رِوَايَة اللَّيْث هَذَا , وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ الْمُصَنِّف بِرِوَايَةِ نَافِع بْن يَزِيد عَنْ عَقِيل الَّتِي لَفْظهَا \" مَا يُفْعَل بِهِ \" وَعَلَّقَ مِنْهَا هَذَا الْقَدْر فَقَطْ إِشَارَة إِلَى أَنَّ بَاقِي الْحَدِيث لَمْ يُخْتَلَف فِيهِ , وَرِوَايَة نَافِع الْمَذْكُورَة وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَأَمَّا مُتَابَعَة شُعَيْب فَسَتَأْتِي فِي أَوَاخِر الشَّهَادَات مَوْصُولَة , وَأَمَّا مُتَابَعَة عَمْرو بْن دِينَار فَوَصَلَهَا اِبْن أَبِي عُمَر فِي مُسْنَده عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْهُ , وَأَمَّا مُتَابَعَة مَعْمَر فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي التَّعْبِير مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُبَارَك عَنْهُ , وَقَدْ وَصَلَهَا عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر أَيْضًا. وَرُوِّينَاهَا فِي مُسْنَد عَبْد بْن حُمَيْدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق وَلَفْظه \" فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُول اللَّه مَا يُفْعَل بِي وَلَا بِكُمْ \" وَإِنَّمَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ مُوَافَقَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَة الْأَحْقَاف ( قُلْ مَا كُنْت بِدْعًا مِنْ الرُّسُل , وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَل بِي وَلَا بِكُمْ ) وَكَانَ ذَلِكَ قَبْل نُزُول قَوْله تَعَالَى ( لِيَغْفِرَ لَك اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ ) لِأَنَّ الْأَحْقَاف مَكِّيَّة , وَسُورَة الْفَتْح مَدَنِيَّة بِلَا خِلَاف فِيهِمَا , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" أَنَا أَوَّل مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة \" وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَار الصَّرِيحَة فِي مَعْنَاهُ , فَيَحْتَمِل أَنْ يُحْمَل الْإِثْبَات فِي ذَلِكَ عَلَى الْعِلْم الْمُجْمَل , وَالنَّفْي عَلَى الْإِحَاطَة مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيل. ‏"
    },
    {
        "id": "1167",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَنْهَانِي فَجَعَلَتْ عَمَّتِي ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏تَبْكِي فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ مَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَيَنْهَوْنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَيَنْهَوْنَنِي \" وَهُوَ أَوْجَه , وَفَاطِمَة عَمَّة جَابِر وَهِيَ شَقِيقَة أَبِيهِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَ \" أَوْ \" فِي قَوْله \" تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ \" لِلتَّخْيِيرِ , وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ مُكَرَّم بِصَنِيعِ الْمَلَائِكَة وَتَزَاحُمهمْ عَلَيْهِ لِصُعُودِهِمْ بِرُوحِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون شَكًّا مِنْ الرَّاوِي , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الْجِهَاد. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ اِبْن جُرَيْجٍ إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ , وَأَوَّله \" جَاءَ قَوْمِي بِأَبِي قَتِيلًا يَوْم أُحُد \". ‏"
    },
    {
        "id": "1168",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَعَى ‏ ‏النَّجَاشِيَّ ‏ ‏فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1169",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخَذَ الرَّايَةَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا ‏ ‏جَعْفَرٌ ‏ ‏فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ‏ ‏فَأُصِيبَ وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَتَذْرِفَانِ ثُمَّ أَخَذَهَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ ‏ ‏فَفُتِحَ ‏ ‏لَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1170",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَاتَ ‏ ‏إِنْسَانٌ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعُودُهُ فَمَاتَ بِاللَّيْلِ فَدَفَنُوهُ لَيْلًا فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرُوهُ فَقَالَ مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي قَالُوا كَانَ اللَّيْلُ فَكَرِهْنَا وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ ‏ ‏فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَّام كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن فِي رِوَايَته عَنْ الْفِرَبْرِيّ , وَأَبُو مُعَاوِيَة هُوَ الضَّرِير. ‏ ‏قَوْله : ( مَاتَ إِنْسَان كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودهُ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي شَرْح الشَّيْخ سِرَاج الدِّين عُمَر بْن الْمُلَقِّن أَنَّهُ الْمَيِّت الْمَذْكُور فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي كَانَ يَقُمّ الْمَسْجِد , وَهُوَ وَهْم مِنْهُ لِتَغَايُرِ الْقِصَّتَيْنِ , فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحِيح فِي الْأَوَّل أَنَّهَا اِمْرَأَة وَأَنَّهَا أُمّ مِحْجَن , وَأَمَّا هَذَا فَهُوَ رَجُل وَاسْمه طَلْحَة بْن الْبَرَاء بْن عُمَيْر الْبَلْوِيّ حَلِيف الْأَنْصَار رَوَى حَدِيثه أَبُو دَاوُدَ مُخْتَصَرًا وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عُرْوَة بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُسَيْن بْن وَحْوَحٍ الْأَنْصَارِيّ وَهُوَ بِمُهْمَلَتَيْنِ بِوَزْنِ جَعْفَر \" أَنَّ طَلْحَة بْن الْبَرَاء مَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودهُ فَقَالَ. إِنِّي لَا أُرَى طَلْحَة إِلَّا قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْت فَآذِنُونِي بِهِ وَعَجِّلُوا \" فَلَمْ يَبْلُغ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي سَالِم بْن عَوْف حَتَّى تُوُفِّيَ , وَكَانَ قَالَ لِأَهْلِهِ لَمَّا دَخَلَ اللَّيْل : إِذَا مُتّ فَادْفِنُونِي وَلَا تَدْعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْهِ يَهُود أَنْ يُصَاب بِسَبَبِي , فَأُخْبِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَصْبَحَ فَجَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى قَبْره فَصَفَّ النَّاس مَعَهُ , ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ اِلْقَ طَلْحَة يَضْحَك إِلَيْك وَتَضْحَك إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ اللَّيْل ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ , وَكَذَا قَوْله \" وَكَانَتْ ظُلْمَة \" فَكَانَ فِيهِمَا تَامَّة , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حُكْم الصَّلَاة عَلَى الْقَبْر فِي \" بَاب صُفُوف الصِّبْيَان مَعَ الرِّجَال عَلَى الْجِنَازَة \" مَعَ بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "1171",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا مِنْ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثٌ لَمْ يَبْلُغُوا ‏ ‏الْحِنْثَ ‏ ‏إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏هُوَ اِبْن صُهَيْب وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا مِنْ النَّاس مِنْ مُسْلِم ) ‏ ‏قَيَّدَهُ بِهِ لِيَخْرُج الْكَافِر , وَمِنْ الْأُولَى بَيَانِيَّة وَالثَّانِيَة زَائِدَة , وَسَقَطَتْ مِنْ فِي رِوَايَة اِبْن عُلَيَّة عَنْ عَبْد الْعَزِيز كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز , و \" مُسْلِم \" اِسْم مَا وَالِاسْتِثْنَاء وَمَا مَعَهُ الْخَبَر , وَالْحَدِيث ظَاهِر فِي اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِ لَكِنْ هَلْ يَحْصُل ذَلِكَ لِمَنْ مَاتَ لَهُ أَوْلَاد فِي الْكُفْر ثُمَّ أَسْلَمَ ؟ فِيهِ نَظَر , وَيَدُلّ عَلَى عَدَم ذَلِكَ حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة الْأَشْجَعِي قَالَ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه مَاتَ لِي وَلَدَانِ , قَالَ : مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدَانِ فِي الْإِسْلَام أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ , وَعَنْ عَمْرو بْن عَبَسَة مَرْفُوعًا \" مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة أَوْلَاد فِي الْإِسْلَام فَمَاتُوا قَبْل أَنْ يَبْلُغُوا أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا , وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ رَجَاء الْأَسْلَمِيَّة قَالَتْ \" جَاءَتْ اِمْرَأَة إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه اُدْعُ اللَّه لِي فِي اِبْن لِي بِالْبَرَكَةِ فَإِنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ لَهُ ثَلَاثَة , فَقَالَ : أَمُنْذُ أَسْلَمْت ؟ قَالَتْ : نَعَمْ \". فَذَكَرَ الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( يُتَوَفَّى لَهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ الْمَذْكُورَة \" مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يُتَوَفَّى لَهُمَا \" وَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد مِنْ وَلَده الرَّجُل حَقِيقَة , وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة النَّسَائِيِّ الْمَذْكُورَة مِنْ طَرِيق حَفْص عَنْ أَنَس فَفِيهَا \" ثَلَاثَة مِنْ صُلْبه \" , وَكَذَا حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر , وَهَلْ يَدْخُل فِي الْأَوْلَاد أَوْلَاد الْأَوْلَاد ؟ مَحَلّ بَحْث , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ أَوْلَاد الصُّلْب يَدْخُلُونَ وَلَا سِيَّمَا عِنْد فَقْد الْوَسَائِط بَيْنهمْ وَبَيْن الْأَب , وَفِي التَّقَيُّد بِكَوْنِهِمْ مِنْ صُلْبه مَا يَدُلّ عَلَى إِخْرَاج أَوْلَاد الْبَنَات. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاثَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ الْمَوْجُود فِي غَيْر الْبُخَارِيّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَة \" ثَلَاث \" بِحَذْفِ الْهَاء وَهُوَ جَائِز لِكَوْنِ الْمُمَيَّز مَحْذُوفًا. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْث ) ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون النُّون بَعْدهَا مُثَلَّثَة , وَحَكَى اِبْن قُرْقُول عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة وَفَسَّرَهُ بِأَنَّ الْمُرَاد لَمْ يَبْلُغُوا أَنْ يَعْمَلُوا الْمَعَاصِي , قَالَ وَلَمْ يَذْكُرهُ كَذَلِكَ غَيْره , وَالْمَحْفُوظ الْأَوَّل , وَالْمَعْنَى لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُم فَتُكْتَب عَلَيْهِمْ الْآثَام. قَالَ الْخَلِيل : بَلَغَ الْغُلَام الْحِنْث إِذَا جَرَى عَلَيْهِ الْقَلَم , وَالْحِنْث الذَّنْب قَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْث الْعَظِيم ) وَقِيلَ الْمُرَاد بَلَغَ إِلَى زَمَان يُؤَاخَذ بِيَمِينِهِ إِذَا حَنِثَ , وَقَالَ الرَّاغِب : عَبَّرَ بِالْحِنْثِ عَنْ الْبُلُوغ لَمَّا كَانَ الْإِنْسَان يُؤَاخَذ بِمَا يَرْتَكِبهُ فِيهِ بِخِلَافِ مَا قَبْله , وَخُصَّ الْإِثْم بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَحْصُل بِالْبُلُوغِ لِأَنَّ الصَّبِيّ قَدْ يُثَاب , وَخَصَّ الصَّغِير بِذَلِكَ لِأَنَّ الشَّفَقَة عَلَيْهِ أَعْظَم وَالْحُبّ لَهُ أَشَدّ وَالرَّحْمَة لَهُ أَوْفَر , وَعَلَى هَذَا فَمَنْ بَلَعَ الْحِنْث لَا يَحْصُل لِمَنْ فَقَدَهُ مَا ذُكِرَ مِنْ هَذَا الثَّوَاب وَإِنْ كَانَ فِي فَقْد الْوَلَد أَجْر فِي الْجُمْلَة , وَبِهَذَا صَرَّحَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء , وَفَرَّقُوا بَيْن الْبَالِغ وَغَيْره بِأَنَّهُ يُتَصَوَّر مِنْهُ الْعُقُوق الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ الرَّحْمَة بِخِلَافِ الصَّغِير فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّر مِنْهُ ذَلِكَ إِذْ لَيْسَ بِمُخَاطَبٍ , وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : بَلْ يَدْخُل الْكَبِير فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيق الْفَحْوَى لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الطِّفْل الَّذِي هُوَ كَلّ عَلَى أَبَوَيْهِ فَكَيْفَ لَا يَثْبُت فِي الْكَبِير الَّذِي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْي وَوَصَلَ لَهُ مِنْهُ النَّفْع وَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْخِطَاب بِالْحُقُوقِ ؟ قَالَ : وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِلْغَاء الْبُخَارِيّ التَّقْيِيد بِذَلِكَ فِي التَّرْجَمَة. اِنْتَهَى. وَيُقَوِّي الْأَوَّل قَوْله فِي بَقِيَّة الْحَدِيث \" بِفَضْلِ رَحْمَته إِيَّاهُمْ \" لِأَنَّ الرَّحْمَة لِلصِّغَارِ أَكْثَر لِعَدَمِ حُصُول الْإِثْم مِنْهُمْ , وَهَلْ يَلْتَحِق بِالصِّغَارِ مَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا مَثَلًا وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ فَمَاتَ ؟ فِيهِ نَظَر لِأَنَّ كَوْنهمْ لَا إِثْم عَلَيْهِمْ يَقْتَضِي الْإِلْحَاق , وَكَوْن الِامْتِحَان بِهِمْ يَخِفّ بِمَوْتِهِمْ يَقْتَضِي عَدَمه , وَلَمْ يَقَع التَّقْيِيد فِي طُرُق الْحَدِيث بِشِدَّةِ الْحُبّ وَلَا عَدَمه , وَكَانَ الْقِيَاس يَقْتَضِي ذَلِكَ لِمَا يُوجَد مِنْ كَرَاهَة بَعْض النَّاس لِوَلَدِهِ وَتَبَرُّمه مِنْهُ وَلَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ ضَيِّق الْحَال , لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْوَلَد مَظِنَّة الْمَحَبَّة وَالشَّفَقَة نِيطَ بِهِ الْحُكْم وَإِنْ تَخَلَّفَ فِي بَعْض الْأَفْرَاد. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة ) ‏ ‏فِي حَدِيث عُتْبَة بْن عَبْد اللَّه السُّلَمِيّ عِنْد اِبْن مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَن نَحْو حَدِيث الْبَاب لَكِنْ فِيهِ \" إِلَّا تَلَقَّوْهُ مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة الثَّمَانِيَة مِنْ أَيّهَا شَاءَ دَخَلَ \" وَهَذَا زَائِد عَلَى مُطْلَق دُخُول الْجَنَّة , وَيَشْهَد لَهُ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح مِنْ حَدِيث مُعَاوِيَة بْن قُرَّة عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا فِي أَثْنَاء حَدِيث \" مَا يَسُرّك أَنْ لَا تَأْتِي بَابًا مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة إِلَّا وَجَدْته عِنْده يَسْعَى يُفْتَح لَك \". ‏ ‏قَوْله ( بِفَضْلِ رَحْمَته إِيَّاهُمْ ) ‏ ‏أَيْ بِفَضْلِ رَحْمَة اللَّه لِلْأَوْلَادِ. وَقَالَ اِبْن التِّين : قِيلَ إِنَّ الضَّمِير فِي رَحْمَته لِلْأَبِ لِكَوْنِهِ كَانَ يَرْحَمهُمْ فِي الدُّنْيَا فَيُجَازَى بِالرَّحْمَةِ فِي الْآخِرَة وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" بِفَضْلِ رَحْمَة اللَّه إِيَّاهُمْ \" وَلِلنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ \" إِلَّا غَفَرَ اللَّه لَهُمَا بِفَضْلِ رَحْمَته \" وَلِلطَّبَرَانِيّ وَابْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث الْحَارِث بْن أُقَيْش وَهُوَ بِقَافٍ وَمُعْجَمَة مُصَغَّر مَرْفُوعًا \" مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَمُوت لَهُمَا أَرْبَعَة أَوْلَاد إِلَّا أَدْخَلَهُمَا اللَّه الْجَنَّة بِفَضْلِ رَحْمَته \" وَكَذَا فِي حَدِيث عَمْرو بْن عَبَسَة كَمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" إِيَّاهُمْ \" جِنْس الْمُسْلِم الَّذِي مَاتَ أَوْلَاده لَا الْأَوْلَاد , أَيْ بِفَضْلِ رَحْمَة اللَّه لِمَنْ مَاتَ لَهُمْ , قَالَ وَسَاغَ الْجَمْع لِكَوْنِهِ نَكِرَة فِي سِيَاق النَّفْي فَتُعَمَّمَ اِنْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ ظَاهِر لَيْسَ بِظَاهِرٍ , بَلْ فِي غَيْر هَذَا الطَّرِيق مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الضَّمِير لِلْأَوْلَادِ , فَفِي حَدِيث عَمْرو بْن عَبَسَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ \" إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّه بِرَحْمَتِهِ هُوَ وَإِيَّاهُمْ الْجَنَّة \" وَفِي حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة الْأَشْجَعِيّ الْمُقَدَّم ذِكْره \" أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة بِفَضْلِ رَحْمَته إِيَّاهُمْ \" قَالَهُ بَعْد قَوْله \" مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدَانِ \" فَوَضَح بِذَلِكَ أَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله \" إِيَّاهُمْ \" لِلْأَوْلَادِ لَا لِلْآبَاءِ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1172",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ذَكْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا فَوَعَظَهُنَّ وَقَالَ ‏ ‏أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَ لَهَا ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ كَانُوا حِجَابًا مِنْ النَّارِ قَالَتْ ‏ ‏امْرَأَةٌ ‏ ‏وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شَرِيكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏وَأَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏لَمْ يَبْلُغُوا ‏ ‏الْحِنْثَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَصْبَهَانِيّ ) ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" أَخْبَرَنَا \" وَاسْم وَالِد عَبْد الرَّحْمَن الْمَذْكُور عَبْد اللَّه , قَالَ الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ : إِنَّ أَصْله مِنْ أَصْبَهَان لَمَّا فَتَحَهَا أَبُو مُوسَى , وَقَالَ غَيْره كَانَ عَبْد اللَّه يَتَّجِر إِلَى أَصْبَهَان فَقِيلَ لَهُ الْأَصْبَهَانِيّ , وَلَا مُنَافَاة بَيْن الْقَوْلَيْنِ فِيمَا يَظْهَر لِي. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ ذَكْوَانَ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو صَالِح السَّمَّان الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الْمُعَلَّق الَّذِي يَلِيه , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم مِنْ رِوَايَة اِبْن الْأَصْبَهَانِيّ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَتَحَصَّلَ لَهُ رِوَايَته عَنْ شَيْخَيْنِ , وَلِشَيْخِهِ أَبِي صَالِح رِوَايَته عَنْ شَيْخَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( اِجْعَلْ لَنَا يَوْمًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاق مَعَ الْكَلَام مِنْهُ عَلَى مَا لَا يَتَكَرَّر هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( أَيّمَا اِمْرَأَة ) ‏ ‏إِنَّمَا خَصَّ الْمَرْأَة بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْخِطَاب حِينَئِذٍ كَانَ لِلنِّسَاءِ وَلَيْسَ لَهُ مَفْهُوم لِمَا فِي بَقِيَّة الطُّرُق. ‏ ‏قَوْله ( ثَلَاثَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" ثَلَاث \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهه. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْوَلَد ) ‏ ‏بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ يَشْمَل الذِّكْر وَالْأُنْثَى وَالْمُفْرَد وَالْجَمْع. ‏ ‏قَوْله : ( كَانُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ \" كُنَّ \" بِضَمِّ الْكَاف وَتَشْدِيد النُّون , وَكَأَنَّهُ أَنَّثَ بِاعْتِبَارِ النَّفْس أَوْ النَّسَمَة , وَفِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْت \" إِلَّا كَانُوا لَهَا حِجَابًا \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ اِمْرَأَة ) ‏ ‏هِيَ أُمّ سُلَيْمٍ الْأَنْصَارِيَّة وَالِدَة أَنَس بْن مَالِك كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّد عَنْهَا قَالَتْ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات يَوْم وَأَنَا عِنْده : مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَمُوت لَهُمَا ثَلَاثَة لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُم إِلَّا أَدْخَلَهُ الْجَنَّة بِفَضْلِ رَحْمَته إِيَّاهُمْ , فَقُلْت : وَاثْنَانِ ؟ قَالَ : وَاثْنَانِ \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد لَكِنَّ الْحَدِيث دُون الْقِصَّة , وَوَقَعَ لِأُمِّ مُبَشِّر الْأَنْصَارِيَّة أَيْضًا السُّؤَال عَنْ ذَلِكَ , فَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمّ مُبَشِّر فَقَالَ : يَا أُمّ مُبَشِّر , مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة مِنْ الْوَلَد دَخَلَ الْجَنَّة. فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه وَاثْنَانِ ؟ فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ : نَعَمْ وَاثْنَانِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة أَنَّ أُمّ أَيْمَن مِمَّنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ وَمِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ عَائِشَة أَيْضًا مِنْهُنَّ , وَحَكَى اِبْن بَشْكُوَال أَنَّ أُمّ هَانِئ أَيْضًا سَأَلَتْ عَنْ ذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كُلّ مِنْهُنَّ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِس , وَأَمَّا تَعَدُّد الْقِصَّة فَفِيهِ بُعْد لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا سُئِلَ عَنْ الِاثْنَيْنِ بَعْد ذِكْر الثَّلَاثَة وَأَجَابَ بِأَنَّ الِاثْنَيْنِ كَذَلِكَ فَالظَّاهِر أَنَّهُ كَانَ أُوحِيَ إِلَيْهِ ذَلِكَ فِي الْحَال , وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الِاقْتِصَار عَلَى الثَّلَاثَة بَعْد ذَلِكَ مُسْتَبْعَدًا جِدًّا لِأَنَّ مَفْهُومه يُخْرِج الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ ثَبَتَ لَهُمَا ذَلِكَ الْحُكْم بِالْوَحْيِ بِنَاء عَلَى الْقَوْل بِمَفْهُومِ الْعَدَد وَهُوَ مُعْتَبَر هُنَا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ , نَعَمْ قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيث جَابِر بْن عَبْد اللَّه أَنَّهُ مِمَّنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ , وَرَوَى الْحَاكِم وَالْبَزَّار مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ أَنَّ عُمَر سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا وَلَفْظه \" مَا مِنْ اِمْرِئٍ وَلَا اِمْرَأَة يَمُوت لَهُ ثَلَاثَة أَوْلَاد إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة. فَقَالَ عُمَر : يَا رَسُول اللَّه وَاثْنَانِ ؟ قَالَ : وَاثْنَانِ \". قَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد , وَهَذَا لَا بُعْد فِي تَعَدُّده لِأَنَّ خِطَاب النِّسَاء بِذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِم عِلْم الرِّجَال بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاثْنَانِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين تَبَعًا لِعِيَاضٍ : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ مَفْهُوم الْعَدَد لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّة مِنْ أَهْل اللِّسَان وَلَمْ تَعْتَبِرهُ إِذْ لَوْ اِعْتَبَرَتْهُ لَانْتَفَى الْحُكْم عِنْدهَا عَمَّا عَدَا الثَّلَاثَة لَكِنَّهَا جَوَّزَتْ ذَلِكَ فَسَأَلَتْهُ , كَذَا قَالَ وَالظَّاهِر أَنَّهَا اِعْتَبَرَتْ مَفْهُوم الْعَدَد إِذْ لَوْ لَمْ تَعْتَبِرهُ لَمْ تَسْأَل , وَالتَّحْقِيق أَنَّ دَلَالَة مَفْهُوم الْعَدَد لَيْسَتْ يَقِينِيَّة إِنَّمَا هِيَ مُحْتَمَلَة وَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ السُّؤَال عَنْ ذَلِكَ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَإِنَّمَا خَصَّتْ الثَّلَاثَة بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَوَّل مَرَاتِب الْكَثْرَة فَبِعِظَمِ الْمُصِيبَة يَكْثُر الْأَجْر , فَأَمَّا إِذَا زَادَ عَلَيْهَا فَقَدْ يَخِفّ أَمْر الْمُصِيبَة لِأَنَّهَا تَصِير كَالْعَادَةِ كَمَا قِيلَ : رُوِّعْت بِالْبَيْنِ حَتَّى مَا أُرَاع لَهُ. اِنْتَهَى. وَهَذَا مَصِير مِنْهُ إِلَى اِنْحِصَار الْأَجْر الْمَذْكُور فِي الثَّلَاثَة ثُمَّ فِي الِاثْنَيْنِ بِخِلَافِ الْأَرْبَعَة وَالْخَمْسَة , وَهُوَ جُمُود شَدِيد , فَإِنَّ مَنْ مَاتَ لَهُ أَرْبَعَة فَقَدْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة ضَرُورَة لِأَنَّهُمْ إِنْ مَاتُوا دَفْعَة وَاحِدَة فَقَدْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة وَزِيَادَة , وَلَا خَفَاء بِأَنَّ الْمُصِيبَة بِذَلِكَ أَشَدّ , وَإِنْ مَاتُوا وَاحِدًا بَعْد وَاحِد فَإِنَّ الْأَجْر يَحْصُل لَهُ عِنْد مَوْت الثَّالِث بِمُقْتَضَى وَعْد الصَّادِق , فَيَلْزَم عَلَى قَوْل الْقُرْطُبِيّ أَنَّهُ إِنْ مَاتَ لَهُ الرَّابِع أَنْ يَرْتَفِع عَنْهُ ذَلِكَ الْأَجْر مَعَ تَجَدُّد الْمُصِيبَة وَكَفَى بِهَذَا فَسَادًا , وَالْحَقّ أَنَّ تَنَاوُل الْخَبَر الْأَرْبَعَةَ فَمَا فَوْقهَا مِنْ بَاب أَوْلَى وَأَحْرَى , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوا عَنْ الْأَرْبَعَة وَلَا مَا فَوْقهَا لِأَنَّهُ كَالْمَعْلُومِ عِنْدهمْ إِذْ الْمُصِيبَة إِذَا كَثُرَتْ كَانَ الْأَجْر أَعْظَم وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ أَيْضًا : يَحْتَمِل أَنْ يَفْتَرِق الْحَال فِي ذَلِكَ بِافْتِرَاقِ حَال الْمُصَاب مِنْ زِيَادَة رِقَّة الْقَلْب وَشِدَّة الْحُبّ وَنَحْو ذَلِكَ , وَقَدْ قَدَّمْنَا الْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَوْله \" وَاثْنَانِ \" أَيْ وَإِذَا مَاتَ اِثْنَانِ مَا الْحُكْم ؟ فَقَالَ \" وَاثْنَانِ \" أَيْ وَإِذَا مَاتَ اِثْنَانِ فَالْحُكْم كَذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَاثْنَيْنِ بِالنَّصْبِ \" أَيْ وَمَا حُكْم اِثْنَيْنِ , وَفِي رِوَايَة سَهْل الْمُتَقَدِّم ذِكْرهَا أَوْ اِثْنَانِ , وَهُوَ ظَاهِر فِي التَّسْوِيَة بَيْن حُكْم الثَّلَاثَة وَالِاثْنَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْل عَنْ اِبْن بَطَّال أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ فِي الْحَال , وَلَا بَعْد أَنْ يَنْزِل عَلَيْهِ الْوَحْي فِي أَسْرَع مِنْ طَرْفَة عَيْن , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كَانَ الْعِلْم عِنْده بِذَلِكَ حَاصِلًا لَكِنَّهُ أَشْفَقَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّكِلُوا لِأَنَّ مَوْت الِاثْنَيْنِ غَالِبًا أَكْثَر مِنْ مَوْت الثَّلَاثَة مَا وَقَعَ فِي حَدِيث مُعَاذ وَغَيْره فِي الشَّهَادَة بِالتَّوْحِيدِ , ثُمَّ لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بُدّ مِنْ الْجَوَاب وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ شَرِيك إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ بِلَفْظِ \" حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن اِبْن الْأَصْبَهَانِيّ قَالَ : أَتَانِي أَبُو صَالِح يُعَزِّينِي عَنْ اِبْن لِي فَأَخَذَ يُحَدِّث عَنْ أَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ اِمْرَأَة تَدْفِن ثَلَاثَة أَفْرَاط إِلَّا كَانُوا لَهَا حِجَابًا مِنْ النَّار. فَقَالَتْ اِمْرَأَة : يَا رَسُول اللَّه قَدَّمْت اِثْنَيْنِ , قَالَ : وَاثْنَيْنِ \" وَلَمْ تَسْأَلهُ عَنْ الْوَاحِد. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة \" مَنْ لَمْ يَبْلُغ الْحِنْث \" وَهَذَا السِّيَاق ظَاهِره أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَوْقُوفَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة وَأَبَا سَعِيد اِتَّفَقَا عَلَى السِّيَاق الْمَرْفُوع , وَزَادَ أَبُو هُرَيْرَة فِي حَدِيثه هَذَا الْقَيْد وَهُوَ مَرْفُوع أَيْضًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ شُعْبَة بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّل وَقَالَ فِي آخِره \" وَعَنْ اِبْن الْأَصْبَهَانِيّ سَمِعْت أَبَا حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَقَالَ : ثَلَاثَة لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْث \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد مِنْ رِوَايَة شَرِيك وَفِي حِفْظه نَظَر , لَكِنَّهَا ثَابِتَة عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ اِبْن الْأَصْبَهَانِيّ. وَقَوْله \" وَلَمْ تَسْأَلهُ عَنْ الْوَاحِد \" تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِهِ فِي أَوَّل الْبَاب وَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي \" بَاب ثَنَاء النَّاس عَلَى الْمَيِّت \" فِي أَوَاخِر كِتَاب الْجَنَائِز , وَيَأْتِي زِيَادَة عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَاب الرِّقَاق فِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث الَّذِي فِيهِ مَوْت الصَّبِيّ وَأَنَّ الصَّبِيّ يَتَنَاوَل الْوَلَد الْوَاحِد. ‏"
    },
    {
        "id": "1173",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إِلَّا ‏ ‏تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ { ‏وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَمُوت لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَة مِنْ الْوَلَد ) ) ‏ ‏وَقَعَ فِي \" الْأَطْرَاف \" لِلْمِزِّيّ هُنَا \" لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْث \" وَلَيْسَتْ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عِنْد الْبُخَارِيّ وَلَا مُسْلِم وَإِنَّمَا هِيَ فِي مَتْن الطَّرِيق الْآخَر , وَفَائِدَة إِيرَاد هَذِهِ الطَّرِيق الْأَخِيرَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا مَا فِي سِيَاقهَا مِنْ الْعُمُوم فِي قَوْله \" لَا يَمُوت لِمُسْلِمٍ إِلَخْ \" لِشُمُولِهِ النِّسَاء وَالرِّجَال , بِخِلَافِ رِوَايَته الْمَاضِيَة فَإِنَّهَا مُقَيَّدَة بِالنِّسَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَلِجَ النَّار ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ لِأَنَّ الْفِعْل الْمُضَارِع يُنْصَب بَعْد النَّفْي بِتَقْدِيرِ أَنْ , لَكِنْ حَكَى الطِّيبِيُّ أَنَّ شَرْطه أَنْ يَكُون بَيْن مَا قَبْل الْفَاء وَمَا بَعْدهَا سَبَبِيَّة وَلَا سَبَبِيَّة هُنَا إِذْ لَا يَجُوز أَنْ يَكُون مَوْت الْأَوْلَاد وَلَا عَدَمه سَبَبًا لِوُلُوجِ مَنْ وَلَدَهُمْ النَّار , قَالَ : وَإِنَّمَا الْفَاء بِمَعْنَى الْوَاو الَّتِي لِلْجَمْعِ وَتَقْرِيره لَا يَجْتَمِع لِمُسْلِمٍ مَوْت ثَلَاثَة مِنْ وَلَده وَوُلُوجه النَّار , لَا مَحِيد عَنْ ذَلِكَ إِنْ كَانَتْ الرِّوَايَة بِالنَّصْبِ , وَهَذَا قَدْ تَلَقَّاهُ جَمَاعَة عَنْ الطِّيبِيّ وَأَقَرُّوهُ عَلَيْهِ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ السَّبَبِيَّة حَاصِلَة بِالنَّظَرِ إِلَى الْإِسْنَاء لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاء بَعْد النَّفْي إِثْبَات , فَكَأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ تَخْفِيف الْوُلُوج مُسَبَّب عَنْ مَوْت الْأَوْلَاد , وَهُوَ ظَاهِر لِأَنَّ الْوُلُوج عَامّ وَتَخْفِيفه يَقَع بِأُمُورٍ مِنْهَا مَوْت الْأَوْلَاد بِشَرْطِهِ , وَمَا اِدَّعَاهُ مِنْ أَنَّ الْفَاء بِمَعْنَى الْوَاو الَّتِي لِلْجَمْعِ فِيهِ نَظَر , وَوَجَدْت فِي شَرْح الْمَشَارِق لِلشَّيْخِ أَكْمَل الدِّين الْمَعْنَى أَنَّ الْفِعْل الثَّانِي لَمْ يَحْصُل عَقِب الْأَوَّل فَكَأَنَّهُ نَفَى وُقُوعهمَا بِصِفَةِ أَنْ يَكُون الثَّانِي عَقِب الْأَوَّل لِأَنَّ الْمَقْصُود نَفْي الْوُلُوج عَقِب الْمَوْت , قَالَ الطِّيبِيّ : وَإِنْ كَانَتْ الرِّوَايَة بِالرَّفْعِ فَمَعْنَاهُ لَا يُوجَد وُلُوج النَّار عَقِب مَوْت الْأَوْلَاد إِلَّا مِقْدَارًا يَسِيرًا اِنْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ الزُّهْرِيّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور بِلَفْظِ \" لَا يَمُوت لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَة مِنْ الْوَلَد تَمَسّهُ النَّار إِلَّا تَحِلَّة الْقَسَم \" وَقَوْله تَمَسّهُ بِالرَّفْعِ جَزْمًا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا تَحِلَّة الْقَسَم ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَكَسْر الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد اللَّام أَيْ مَا يَنْحَلّ بِهِ الْقَسَم وَهُوَ الْيَمِين وَهُوَ مَصْدَر حَلَّلَ الْيَمِين أَيْ كَفَّرَهَا يُقَال حَلَّلَ تَحْلِيلًا وَتَحِلَّة وَتَحِلًّا بِغَيْرِ هَاء وَالثَّالِث شَاذّ , وَقَالَ أَهْل اللُّغَة يُقَال فَعَلْته تَحِلَّة الْقَسَم أَيْ قَدْر مَا حَلَلْت بِهِ يَمِينِي وَلَمْ أُبَالِغ , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : حَلَلْت الْقَسَم تَحِلَّة أَيْ أَبْرَرْتهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِهَذَا الْقَسَم فَقِيلَ هُوَ مُعَيَّن وَقِيلَ غَيْر مُعَيَّن. فَالْجُمْهُور عَلَى الْأَوَّل , وَقِيلَ لَمْ يُعْنِ بِهِ قَسَم بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّقْلِيل لِأَمْرِ وُرُودهَا وَهَذَا اللَّفْظ يُسْتَعْمَل فِي هَذَا تَقُول : لَا يَنَام هَذَا إِلَّا لِتَحْلِيلِ الْأَلْيَة , وَتَقُول مَا ضَرَبْته إِلَّا تَحْلِيلًا إِذَا لَمْ تُبَالِغ فِي الضَّرْب أَيْ قَدْرًا يُصِيبهُ مِنْهُ مَكْرُوه. وَقِيلَ : الِاسْتِثْنَاء بِمَعْنَى الْوَاو أَيْ لَا تَمَسّهُ النَّار قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا وَلَا تَحِلَّة الْقَسَم , وَقَدْ جَوَّزَ الْفَرَّاء وَالْأَخْفَش مَجِيء إِلَّا بِمَعْنَى الْوَاو وَجَعَلُوا مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ) وَالْأَوَّل قَوْل الْجُمْهُور وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عُبَيْد وَغَيْره , وَقَالُوا : الْمُرَاد بِهِ قَوْله تَعَالَى ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ لَا يَدْخُل النَّار لِيُعَاقَب بِهَا وَلَكِنَّهُ يَدْخُلهَا مُجْتَازًا وَلَا يَكُون ذَلِكَ الْجَوَاز إِلَّا قَدْر مَا يُحَلِّل بِهِ الرَّجُل يَمِينه , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْد عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث \" إِلَّا تَحِلَّة الْقَسَم \" يَعْنِي الْوُرُود. وَفِي سُنَن سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ فِي آخِره : ثُمَّ قَرَأَ سُفْيَان ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا ) وَمِنْ طَرِيق زَمْعَة بْن صَالِح عَنْ الزُّهْرِيّ فِي آخِره : قِيلَ وَمَا تَحِلَّة الْقَسَم ؟ قَالَ : قَوْله تَعَالَى : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة فِي الْأَصْل , قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) وَكَذَا حَكَاهُ عَبْد الْمَلِك بْن حَبِيب عَنْ مَالِك فِي تَفْسِير هَذَا الْحَدِيث , وَوَرَدَ نَحْوه مِنْ طَرِيق أُخْرَى فِي هَذَا الْحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن بِشْر الْأَنْصَارِيّ مَرْفُوعًا \" مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة مِنْ الْوَلَد لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْث لَمْ يَرِد النَّار إِلَّا عَابِر سَبِيل \" يَعْنِي الْجَوَاز عَلَى الصِّرَاط , وَجَاءَ مِثْله مِنْ حَدِيث آخَر أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث سَهْل بْن مُعَاذ بْن أَنَس الْجُهَنِيّ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا \" مَنْ حَرَسَ وَرَاء الْمُسْلِمِينَ فِي سَبِيل اللَّه مُتَطَوِّعًا لَمْ يَرَ النَّار بِعَيْنِهِ إِلَّا تَحِلَّة الْقَسَم فَإِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَالَ ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) \" وَاخْتُلِفَ فِي مَوْضِع الْقَسَم مِنْ الْآيَة فَقِيلَ هُوَ مُقَدَّر أَيْ وَاَللَّهِ إِنْ مِنْكُمْ , وَقِيلَ مَعْطُوف عَلَى الْقَسَم الْمَاضِي فِي قَوْله تَعَالَى ( فَوَرَبِّك لَنَحْشُرَنَّهُمْ ) أَيْ وَرَبّك إِنْ مِنْكُمْ , وَقِيلَ هُوَ مُسْتَفَاد مِنْ قَوْله تَعَالَى ( حَتْمًا مَقْضِيًّا ) أَيْ قَسَمًا وَاجِبًا كَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَغَيْره مِنْ طَرِيق مُرَّة عَنْ اِبْن مَسْعُود وَمِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد وَمِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَة فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة , وَقَالَ الطِّيبِيُّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْقَسَمِ مَا دَلَّ عَلَى الْقَطْع وَالْبَتّ مِنْ السِّيَاق , فَإِنَّ قَوْله ( كَانَ عَلَى رَبّك ) تَذْيِيل وَتَقْرِير لِقَوْلِهِ ( وَإِنْ مِنْكُمْ ) فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْقَسَم بَلْ أَبْلَغ لِمَجِيءِ الِاسْتِثْنَاء بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَات , وَاخْتَلَفَ السَّلَف فِي الْمُرَاد بِالْوُرُودِ فِي الْآيَة , فَقِيلَ هُوَ الدُّخُول رَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ مِنْ اِبْن عَبَّاس فَذَكَرَهُ , وَرَوَى أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث جَابِر مَرْفُوعًا \" الْوُرُود الدُّخُول لَا يَبْقَى بَرّ وَلَا فَاجِر إِلَّا دَخَلَهَا فَتَكُون عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَرْدًا وَسَلَامًا \" , وَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق السُّدِّيّ سَمِعْت مُرَّة يُحَدِّث عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ يَرِدُونَهَا أَوْ يَلِجُونَهَا ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ , قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْنُ مَهْدِيّ قُلْت لِشُعْبَةَ : إِنَّ إِسْرَائِيل يَرْفَعهُ , قَالَ : صَدَقَ وَعَمْدًا أَدَعهُ. ثُمَّ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيل مَرْفُوعًا , وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْوُرُودِ الْمَمَرّ عَلَيْهَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْره مِنْ طَرِيق بِشْر بْن سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَمِنْ طَرِيق أَبِي الْأَحْوَص عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , وَمِنْ طَرِيق مَعْمَر وَسَعِيد عَنْ قَتَادَة , وَمِنْ طَرِيق كَعْب الْأَحْبَار وَزَادَ \" يَسْتَوُونَ كُلّهمْ عَلَى مَتْنهَا , ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ أَمْسِكِي أَصْحَابك وَدَعِي أَصْحَابِي , فَيَخْرُج الْمُؤْمِنُونَ نَدِيَّة أَبْدَانهمْ \" , وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ أَصَحّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَلَا تَنَافِي بَيْنهمَا , لِأَنَّ مَنْ عَبَرَ بِالدُّخُولِ تَجُوز بِهِ عَنْ الْمُرُور , وَوَجْهه أَنَّ الْمَارّ عَلَيْهَا فَوْق الصِّرَاط فِي مَعْنَى مَنْ دَخَلَهَا , لَكِنْ تَخْتَلِف أَحْوَال الْمَارَّة بِاخْتِلَافِ أَعْمَالهمْ فَأَعْلَاهُمْ دَرَجَة مَنْ يَمُرّ كَلَمْعِ الْبَرْق كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ عِنْد شَرْح حَدِيث الشَّفَاعَة فِي الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَيُؤَيِّد صِحَّة هَذَا التَّأْوِيل مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أُمّ مُبَشِّر \" إِنَّ حَفْصَة قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَ : لَا يَدْخُل أَحَد شَهِدَ الْحُدَيْبِيَة النَّار : أَلَيْسَ اللَّه يَقُول ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) فَقَالَ لَهَا : أَلَيْسَ اللَّه تَعَالَى يَقُول ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقُوا ) الْآيَة \" وَفِي هَذَا بَيَان ضَعْف قَوْل مَنْ قَالَ الْوُرُود مُخْتَصّ بِالْكُفَّارِ وَمَنْ قَالَ مَعْنَى الْوُرُود الدُّنُوّ مِنْهَا وَمَنْ قَالَ مَعْنَاهُ الْإِشْرَاف عَلَيْهَا وَمَنْ قَالَ مَعْنَى وُرُودهَا مَا يُصِيب الْمُؤْمِن فِي الدُّنْيَا مِنْ الْحُمَّى , عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَخِير لَيْسَ بِبَعِيدٍ وَلَا يُنَافِيه بَقِيَّة الْأَحَادِيث وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ أَنَّ أَوْلَاد الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّة لِأَنَّهُ يَبْعُد أَنَّ اللَّه يَغْفِر لِلْآبَاءِ بِفَضْلِ رَحْمَته لِلْأَبْنَاءِ وَلَا يَرْحَم الْأَبْنَاء قَالَهُ الْمُهَلَّب. وَكَوْن أَوْلَاد الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّة قَالَهُ الْجُمْهُور وَوَقَفَتْ طَائِفَة قَلِيلَة وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي أَوَاخِر كِتَاب الْجَنَائِز إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَل كَذَا ثُمَّ فَعَلَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَوْ قَلَّ بَرَّتْ يَمِينه خِلَافًا لِمَالِك قَالَهُ عِيَاض وَغَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "1174",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ ‏ ‏اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا آدَم ) ‏ ‏سَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِهِ أَتَمّ مِنْ هَذَا فِي \" بَاب زِيَارَة الْقُبُور \" بَعْد زِيَاد عَلَى عِشْرِينَ بَابًا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَمُنَاسَبَة هَذِهِ التَّرْجَمَة لِمَا قَبْلهَا لِجَامِعِ مَا بَيْنهمَا مِنْ مُخَاطَبَة الرَّجُل الْمَرْأَة بِالْمَوْعِظَةِ , لِأَنَّ فِي الْأَوَّل جَوَاز مُخَاطَبَتهَا بِمَا يُرَغِّبهَا فِي الْأَجْر إِذَا اِحْتَسَبَتْ مُصِيبَتهَا , وَفِي هَذَا مُخَاطَبَتهَا بِمَا يُرَهِّبهَا مِنْ الْإِثْم لِمَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيث مِنْ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ عَدَم الصَّبْر يُنَافِي التَّقْوَى. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1175",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ تُوُفِّيَتْ ‏ ‏ابْنَتُهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ ‏ ‏وَسِدْرٍ ‏ ‏وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ ‏ ‏كَافُورًا ‏ ‏أَوْ شَيْئًا مِنْ ‏ ‏كَافُورٍ ‏ ‏فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَعْطَانَا ‏ ‏حِقْوَهُ ‏ ‏فَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ ‏ ‏تَعْنِي إِزَارَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ أَيُّوب سَمِعْت اِبْن سِيرِينَ , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب كَيْفَ الْإِشْعَار \" وَقَدْ رَوَاهُ أَيُّوب أَيْضًا عَنْ حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب , وَمَدَار حَدِيث أُمّ عَطِيَّة عَلَى مُحَمَّد وَحَفْصَة اِبْنَيْ سِيرِينَ , وَحَفِظَتْ مِنْهُ حَفْصَة مَا لَمْ يَحْفَظهُ مُحَمَّد كَمَا سَيَأْتِي مُبَيَّنًا. قَالَ اِبْن الْمُنْذِر لَيْسَ فِي أَحَادِيث الْغُسْل لِلْمَيِّتِ أَعْلَى مِنْ حَدِيث أُمّ عَطِيَّة وَعَلَيْهِ عَوَّلَ الْأَئِمَّة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أُمّ عَطِيَّة الْأَنْصَارِيَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ الْمَذْكُورَة \" جَاءَتْ أُمّ عَطِيَّة اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار اللَّاتِي بَايَعْنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَتْ الْبَصْرَة تُبَادِر اِبْنًا لَهَا فَلَمْ تُدْرِكهُ \" وَهَذَا الِابْن مَا عَرَفْت اِسْمه وَكَأَنَّهُ كَانَ غَازِيًا , فَقَدِمَ الْبَصْرَة فَبَلَعَ أُمّ عَطِيَّة وَهِيَ بِالْمَدِينَةِ قُدُومه وَهُوَ مَرِيض فَرَحَلَتْ إِلَيْهِ فَمَاتَ قَبْل أَنْ تَلْقَاهُ وَسَيَأْتِي فِي الْإِحْدَاد مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قُدُومهَا كَانَ بَعْد مَوْته بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَة أَنَّ اِسْمهَا نُسَيْبَة بِنُونٍ وَمُهْمَلَة وَمُوَحَّدَة. وَالْمَشْهُور فِيهَا التَّصْغِير. وَقِيلَ بِفَتْحِ أَوَّله وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيّ وَكَذَا ضَبَطَهُ الْأَصِيلِيّ عَنْ يَحْيَى بْن مَعِين وَطَاهِر بْن عَبْد الْعَزِيز فِي السِّيرَة الْهِشَامِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( حِين تُوُفِّيَتْ اِبْنَته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الثَّقَفِيّ عَنْ أَيُّوب وَهِيَ الَّتِي تَلِي هَذِهِ وَكَذَا فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" دَخَلَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُغَسِّل بِنْته \" وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ دَخَلَ حِين شَرَعَ النِّسْوَة فِي الْغُسْل , وَعِنْد النَّسَائِيِّ أَنَّ مَجِيئَهُنَّ إِلَيْهَا كَانَ بِأَمْرِهِ , وَلَفْظه مِنْ رِوَايَة هِشَام بْن حَسَّان عَنْ حَفْصَة \" مَاتَتْ إِحْدَى بَنَات رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا فَقَالَ اِغْسِلْنَهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( اِبْنَته ) ‏ ‏لَمْ تَقَع فِي شَيْء مِنْ رِوَايَة الْبُخَارِيّ مُسَمَّاة , وَالْمَشْهُور أَنَّهَا زَيْنَب زَوْج أَبِي الْعَاصِ بْن الرَّبِيع وَالِدَة أُمَامَةَ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرهَا فِي الصَّلَاة , وَهِيَ أَكْبَر بَنَات النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَتْ وَفَاتهَا فِيمَا حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ فِي الذَّيْل فِي أَوَّل سَنَة ثَمَان , وَقَدْ وَرَدَتْ مُسَمَّاة فِي هَذَا عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَاصِم الْأَحْوَل عَنْ حَفْصَة عَنْ أُمّ عَطِيَّة قَالَتْ \" لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَب بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَسُول اللَّه : اِغْسِلْنَهَا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَلَمْ أَرَهَا فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق عَنْ حَفْصَة وَلَا عَنْ مُحَمَّد مُسَمَّاة إِلَّا فِي رِوَايَة عَاصِم هَذِهِ , وَقَدْ خُولِفَ فِي ذَلِكَ فَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ الشَّارِح أَنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّ الْبِنْت الْمَذْكُورَة أُمّ كُلْثُوم زَوْج عُثْمَان وَلَمْ يَذْكُر مُسْتَنَده , وَتَعَقَّبَهُ الْمُنْذِرِيُّ بِأَنَّ أُمّ كُلْثُوم تُوُفِّيَتْ وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدهَا , وَهُوَ غَلَط مِنْهُ فَإِنَّ الَّتِي تُوُفِّيَتْ حِينَئِذٍ رُقَيَّة , وَعَزَاهُ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ لِبَعْضِ أَهْل السِّيَر , وَهُوَ قُصُور شَدِيد فَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ أَيُّوب وَلَفْظه \" دَخَلَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُغَسِّل اِبْنَته أُمّ كُلْثُوم \" وَهَذَا الْإِسْنَاد عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ , وَفِيهِ نَظَر سَيَأْتِي فِي \" بَاب كَيْفَ الْإِشْعَار \" وَكَذَا وَقَعَ فِي \" الْمُبْهَمَات \" لِابْنِ بَشْكُوَال مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أُمّ عَطِيَّة قَالَتْ \" كُنْت فِيمَنْ غَسَّلَ أُمّ كُلْثُوم \" الْحَدِيث , وَقَرَأْت بِخَطِّ مُغَلْطَايْ : زَعَمَ التِّرْمِذِيّ أَنَّهَا أُمّ كُلْثُوم وَفِيهِ نَظَر. كَذَا قَالَ , وَلَمْ أَرَ فِي التِّرْمِذِيّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى الدُّولَابَيَّ فِي الذُّرِّيَّة الطَّاهِرَة مِنْ طَرِيق أَبِي الرِّجَال عَنْ عَمْرَة أَنَّ أُمّ عَطِيَّة كَانَتْ مِمَّنْ غَسَّلَ أُمّ كُلْثُوم اِبْنَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيث فَيُمْكِن دَعْوَى تَرْجِيح ذَلِكَ لِمَجِيئِهِ مِنْ طُرُق مُتَعَدِّدَة , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ تَكُون حَضَرَتْهُمَا جَمِيعًا , فَقَدْ جَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ رَحِمَهُ اللَّه فِي تَرْجَمَتهَا بِأَنَّهَا كَانَتْ غَاسِلَة الْمَيِّتَات , وَوَقَعَ لِي مِنْ تَسْمِيَة النِّسْوَة اللَّاتِي حَضَرْنَ مَعَهَا ثَلَاث غَيْرهَا , فَفِي الذُّرِّيَّة الطَّاهِرَة أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَسْمَاء بِنْت عُمَيْس أَنَّهَا كَانَتْ مِمَّنْ غَسَّلَهَا قَالَتْ : وَمَعَنَا صَفِيَّة بِنْت عَبْد الْمُطَّلِب. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث لَيْلَى بِنْت قَانِف بِقَافٍ وَنُون وَفَاء الثَّقَفِيَّة قَالَتْ : كُنْت فِيمَنْ غَسَّلَهَا. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أُمّ سُلَيْمٍ شَيْئًا يُومِئ إِلَى أَنَّهَا حَضَرَتْ ذَلِكَ أَيْضًا , وَسَيَأْتِي بَعْد خَمْسَة أَبْوَاب قَوْل اِبْن سِيرِينَ : وَلَا أَدْرِي أَيّ بَنَاته. وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ تَسْمِيَتهَا فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ وَغَيْره مِمَّنْ دُون اِبْن سِيرِينَ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( اِغْسِلْنَهَا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَزِيزَة : اِسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوب غُسْل الْمَيِّت , وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ قَوْله فِيمَا بَعْد \" إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ \" هَلْ يَرْجِع إِلَى الْغُسْل أَوْ الْعَدَد , وَالثَّانِي أَرْجَح , فَثَبَتَ الْمُدَّعَى. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : لَكِنْ قَوْله ثَلَاثًا لَيْسَ لِلْوُجُوبِ عَلَى الْمَشْهُور مِنْ مَذَاهِب الْعُلَمَاء , فَيَتَوَقَّف الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى تَجْوِيز إِرَادَة الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِد لِأَنَّ قَوْله \" ثَلَاثًا \" غَيْر مُسْتَقِلّ بِنَفْسِهِ فَلَا بُدّ أَنْ يَكُون دَاخِلًا تَحْت صِيغَة الْأَمْر فَيُرَاد بِلَفْظِ الْأَمْر الْوُجُوب بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَصْل الْغُسْل , وَالنَّدْب بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِيتَار اِنْتَهَى. وَقَوَاعِد الشَّافِعِيَّة لَا تَأْبَى ذَلِكَ. وَمِنْ ثَمَّ ذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ وَأَهْل الظَّاهِر وَالْمُزَنِيّ إِلَى إِيجَاب الثَّلَاث وَقَالُوا : إِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْء بَعْد ذَلِكَ يُغْسَل مَوْضِعه وَلَا يُعَاد غُسْل الْمَيِّت , وَهُوَ مُخَالِف لِظَاهِرِ الْحَدِيث. وَجَاءَ عَنْ الْحَسَن مِثْله أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ هِشَام بْن حَسَّان عَنْ اِبْن سِيرِينَ قَالَ \" يُغَسَّل ثَلَاثًا فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْء بَعْد فَخَمْسًا , فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْء غُسِّلَ سَبْعًا \" قَالَ هِشَام وَقَالَ الْحَسَن \" يُغَسَّل ثَلَاثًا , فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْء غُسِلَ مَا خَرَجَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الثَّلَاث \". ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِشَام بْن حَسَّان عَنْ حَفْصَة \" اِغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا \" وَ \" أَوْ \" هُنَا لِلتَّرْتِيبِ لَا لِلتَّخْيِيرِ , قَالَ النَّوَوِيّ : الْمُرَاد اِغْسِلْنَهَا وِتْرًا وَلْيَكُنْ ثَلَاثًا فَإِنْ اِحْتَجْنَ إِلَى زِيَادَة فَخَمْسًا , وَحَاصِله أَنَّ الْإِيتَار مَطْلُوب وَالثَّلَاث مُسْتَحَبَّة , فَإِنْ حَصَلَ الْإِنْقَاء بِهَا لَمْ يُشْرَع مَا فَوْقهَا وَإِلَّا زِيدَ وِتْرًا حَتَّى يَحْصُل الْإِنْقَاء , وَالْوَاجِب مِنْ ذَلِكَ مَرَّة وَاحِدَة عَامَّة لِلْبَدَنِ اِنْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَ بَحْث اِبْن دَقِيق الْعِيد فِي ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِي قَوْله \" أَوْ خَمْسًا \" إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمَشْرُوع هُوَ الْإِيتَار لِأَنَّهُ نَقَلَهُنَّ مِنْ الثَّلَاث إِلَى الْخَمْس وَسَكَتَ عَنْ الْأَرْبَع. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْكَاف لِأَنَّهُ خِطَاب لِلْمُؤَنَّثِ , فِي رِوَايَة أَيُّوب عَنْ حَفْصَة كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا \" وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات بَعْد قَوْله سَبْعًا التَّعْبِير بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا فِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ , وَأَمَّا مَا سِوَاهَا فَإِمَّا \" أَوْ سَبْعًا \" وَإِمَّا \" أَوْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ \" فَيَحْتَمِل تَفْسِير قَوْله أَوْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ بِالسَّبْعِ , وَبِهِ قَالَ أَحْمَد , فَكَرِهَ الزِّيَادَة عَلَى السَّبْع. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَا أَعْلَم أَحَدًا قَالَ بِمُجَاوَزَةِ السَّبْع , وَسَاقَ مِنْ طَرِيق قَتَادَة أَنَّ اِبْن سِيرِينَ كَانَ يَأْخُذ الْغُسْل عَنْ أُمّ عَطِيَّة ثَلَاثًا وَإِلَّا فَخَمْسًا وَإِلَّا فَأَكْثَر , قَالَ : فَرَأَيْنَا أَنَّ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ سَبْع. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : الزِّيَادَة عَلَى السَّبْع سَرَف. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : بَلَغَنِي أَنَّ جَسَد الْمَيِّت يَسْتَرْخِي بِالْمَاءِ فَلَا أُحِبّ الزِّيَادَة عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ ) ‏ ‏مَعْنَاهُ التَّفْوِيض إِلَى اِجْتِهَادهنَّ بِحَسَبِ الْحَاجَة لَا التَّشَهِّي. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : إِنَّمَا فَوَّضَ الرَّأْي إِلَيْهِنَّ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُور وَهُوَ الْإِيتَار , وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ بَعْضهمْ قَالَ : يَحْتَمِل قَوْله \" إِنْ رَأَيْتُنَّ \" أَنْ يَرْجِع إِلَى الْأَعْدَاد الْمَذْكُورَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ إِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ تَفْعَلْنَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَالْإِنْقَاء يَكْفِي. ‏ ‏قَوْله. ( بِمَاءٍ وَسِدْر ) قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هَذَا أَصْل فِي جَوَاز التَّطَهُّر بِالْمَاءِ الْمُضَاف إِذَا لَمْ يُسْلَب الْمَاء الْإِطْلَاق اِنْتَهَى. وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى الصَّحِيح أَنَّ غُسْل الْمَيِّت لِلتَّطْهِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَة كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُور ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي أَيْ اللَّفْظَتَيْنِ قَالَ : وَالْأَوَّل مَحْمُول عَلَى الثَّانِي لِأَنَّهُ نَكِرَة فِي سِيَاق الْإِثْبَات فَيَصْدُق بِكُلِّ شَيْء مِنْهُ , وَجَزَمَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِي هَذِهِ بِالشِّقِّ الْأَوَّل , وَكَذَا فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ , وَظَاهِره جَعْل الْكَافُور فِي الْمَاء وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور , وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ : إِنَّمَا يُجْعَل فِي الْحَنُوط أَيْ بَعْد إِنْهَاء الْغُسْل وَالتَّجْفِيف , قِيلَ الْحِكْمَة فِي الْكَافُور مَعَ كَوْنه يُطَيِّب رَائِحَة الْمَوْضِع لِأَجْلِ مَنْ يَحْضُر مِنْ الْمَلَائِكَة وَغَيْرهمْ أَنَّ فِيهِ تَجْفِيفًا وَتَبْرِيدًا وَقُوَّة نُفُوذ وَخَاصِّيَّة فِي تَصْلِيب بَدَن الْمَيِّت وَطَرْد الْهَوَامّ عَنْهُ وَرَدْع مَا يَتَحَلَّل مِنْ الْفَضَلَات وَمَنْع إِسْرَاع الْفَسَاد إِلَيْهِ , وَهُوَ أَقْوَى الْأَرَايِيح الطَّيِّبَة فِي ذَلِكَ , وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي جَعْله فِي الْأَخِيرَة إِذْ لَوْ كَانَ فِي الْأُولَى مَثَلًا لَأَذْهَبَهُ الْمَاء , وَهَلْ يَقُوم الْمِسْك مَثَلًا مَقَام الْكَافُور ؟ إِنْ نُظِرَ إِلَى مُجَرَّد التَّطَيُّب فَنَعَمْ , وَإِلَّا فَلَا , وَقَدْ يُقَال إِذَا عُدِمَ الْكَافُور قَامَ غَيْره مَقَامه وَلَوْ بِخَاصِّيَّةٍ وَاحِدَة مَثَلًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي ) ‏ ‏أَيْ أَعْلِمْنَنِي. ‏ ‏قَوْله. ( فَلَمَّا فَرَغْنَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْخِطَاب مِنْ الْحَاضِر , وَلَلْأَصِيلِيّ \" فَلَمَّا فَرَغْنَ \" بِصِيغَةِ الْغَائِب. ‏ ‏قَوْله ( حَقْوه ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة - وَيَجُوز كَسْرهَا وَهِيَ لُغَة هُذَيْل - بَعْدهَا قَاف سَاكِنَة , وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا الْإِزَار كَمَا وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي آخِر هَذِهِ الرِّوَايَة , وَالْحَقْو فِي الْأَصْل مَعْقِد الْإِزَار , وَأُطْلِقَ عَلَى الْإِزَار مَجَازًا , وَسَيَأْتِي بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب مِنْ رِوَايَة اِبْن عَوْن عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ بِلَفْظِ \" فَنَزَعَ مِنْ حَقْوِهِ إِزَاره \" وَالْحَقْو فِي هَذَا عَلَى حَقِيقَته. ‏ ‏قَوْله : ( أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ ) ‏ ‏أَيْ اِجْعَلْنَهُ شِعَارهَا أَيْ الثَّوْب الَّذِي يَلِي جَسَدهَا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى صِفَته فِي بَاب مُفْرَد , قِيلَ الْحِكْمَة فِي تَأْخِير الْإِزَار مَعَهُ إِلَى أَنْ يَفْرُغْنَ مِنْ الْغُسْل وَلَمْ يُنَاوِلهُنَّ إِيَّاهُ أَوَّلًا لِيَكُونَ قَرِيب الْعَهْد مِنْ جَسَده الْكَرِيم حَتَّى لَا يَكُون بَيْن اِنْتِقَاله مِنْ جَسَده إِلَى جَسَدهَا فَاصِل , وَهُوَ أَصْل فِي التَّبَرُّك بِآثَارِ الصَّالِحِينَ وَفِيهِ جَوَاز تَكْفِين الْمَرْأَة فِي ثَوْب الرَّجُل , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب مُفْرَد. ‏"
    },
    {
        "id": "1176",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ ‏ ‏اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِمَاءٍ ‏ ‏وَسِدْرٍ ‏ ‏وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ ‏ ‏كَافُورًا ‏ ‏فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَلْقَى إِلَيْنَا ‏ ‏حِقْوَهُ ‏ ‏فَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏وَحَدَّثَتْنِي ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏بِمِثْلِ حَدِيثِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَكَانَ فِي حَدِيثِ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏اغْسِلْنَهَا وِتْرًا وَكَانَ فِيهِ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا وَكَانَ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ ابْدَءُوا بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا وَكَانَ فِيهِ أَنَّ ‏ ‏أُمَّ عَطِيَّةَ ‏ ‏قَالَتْ وَمَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَيُّوب ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْفَاءِ وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَوَقَعَ عِنْد الْأَصِيلِيّ وَقَالَ بِالْوَاوِ فَرُبَّمَا ظُنَّ مُعَلَّقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا مَوْصُولًا وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَا فِي رِوَايَة حَفْصَة مِنْ الزِّيَادَة فِيمَا بَعْد. وَقَوْله فِيهِ \" وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا \" اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَقَلّ الْوِتْر ثَلَاث , وَلَا دَلَالَة فِيهِ لِأَنَّهُ سِيقَ مَسَاق الْبَيَان لِلْمُرَادِ إِذْ لَوْ أُطْلِقَ لَتَنَاوَلَ الْوَاحِدَة فَمَا فَوْقهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1177",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي غَسْلِ ‏ ‏ابْنَتِهِ ‏ ‏ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا خَالِد ) ‏ ‏هُوَ الْحَذَّاء , وَحَفْصَة هِيَ بِنْت سِيرِينَ. ‏ ‏قَوْله. ( فِي غُسْل اِبْنَته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هُشَيْم عَنْ خَالِد عِنْد مُسْلِم أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ أَمَرَهَا أَنْ تُغَسِّل اِبْنَته قَالَ لَهَا.. فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِع الْوُضُوء مِنْهَا ) ‏ ‏لَيْسَ بَيْن الْأَمْرَيْنِ تَنَافٍ لِإِمْكَانِ الْبُدَاءَة بِمَوَاضِع الْوُضُوء وَبِالْمَيَامِنِ مَعًا , قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : ‏ ‏قَوْله : \" اِبْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا \" ‏ ‏أَيْ فِي الْغَسَلَات الَّتِي لَا وُضُوء فِيهَا ‏ ‏( وَمَوَاضِع الْوُضُوء مِنْهَا ) ‏ ‏أَيْ فِي الْغَسْلَة الْمُتَّصِلَة بِالْوُضُوءِ. وَكَأَنَّ الْمُصَنِّف أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مُخَالَفَة أَبِي قِلَابَةَ فِي قَوْله \" يَبْدَأ بِالرَّأْسِ ثُمَّ بِاللِّحْيَةِ \" قَالَ : وَالْحِكْمَة فِي الْأَمْر بِالْوُضُوءِ تَجْدِيد أَثَر سِمَة الْمُؤْمِنِينَ فِي ظُهُور أَثَر الْغُرَّة وَالتَّحْجِيل. ‏"
    },
    {
        "id": "1178",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا غَسَّلْنَا بِنْتَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَنَا وَنَحْنُ نَغْسِلُهَا ‏ ‏ابْدَءُوا بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْدَءُوا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْكُشْمِيهَنِي \" اِبْدَأْنَ \" وَهُوَ الْوَجْه لِأَنَّهُ خِطَاب لِلنِّسْوَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَوَاضِع الْوُضُوء ) ‏ ‏زَادَ أَبُو ذَرّ \" مِنْهَا \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِسْتِحْبَاب الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق فِي غُسْل الْمَيِّت خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ , بَلْ قَالُوا : لَا يُسْتَحَبّ وُضُوءُهُ أَصْلًا , وَإِذَا قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِهِ فَهَلْ يَكُون وُضُوءًا حَقِيقِيًّا بِحَيْثُ يُعَاد غَسْل تِلْكَ الْأَعْضَاء فِي الْغُسْل أَوْ جُزْءًا مِنْ الْغُسْل بُدِئَتْ بِهِ هَذِهِ الْأَعْضَاء تَشْرِيفًا ؟ الثَّانِي أَظْهَر مِنْ سِيَاق الْحَدِيث , وَالْبُدَاءَة بِالْمَيَامِنِ وَبِمَوَاضِع الْوُضُوء مِمَّا زَادَتْهُ حَفْصَة فِي رِوَايَتهَا عَنْ أُمّ عَطِيَّة عَلَى أَخِيهَا مُحَمَّد , وَكَذَا الْمَشْط وَالضَّفْر كَمَا سَيَأْتِي. ‏"
    },
    {
        "id": "1179",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏تُوُفِّيَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَنَا ‏ ‏اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَنَزَعَ مِنْ ‏ ‏حِقْوِهِ ‏ ‏إِزَارَهُ وَقَالَ ‏ ‏أَشْعِرْنَهَا ‏ ‏إِيَّاهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1180",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَامِدُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَخَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ بِمَاءٍ ‏ ‏وَسِدْرٍ ‏ ‏وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ ‏ ‏كَافُورًا ‏ ‏أَوْ شَيْئًا مِنْ ‏ ‏كَافُورٍ ‏ ‏فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي قَالَتْ فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَلْقَى إِلَيْنَا ‏ ‏حِقْوَهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَشْعِرْنَهَا ‏ ‏إِيَّاهُ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏بِنَحْوِهِ وَقَالَتْ إِنَّهُ قَالَ اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ قَالَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أُمُّ عَطِيَّةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلَاثَةَ ‏ ‏قُرُونٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ أَيُّوب ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الْإِسْنَاد الْأَوَّل , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِيمَا قَبْل. وَاخْتُلِفَ فِي هَيْئَة جَعْله فِي الْغَسْلَة الْأَخِيرَة فَقِيلَ : يُجْعَل فِي مَاء وَيُصَبّ عَلَيْهِ فِي آخِر غَسْلَة وَهُوَ ظَاهِر الْحَدِيث , وَقِيلَ : إِذَا كُمِّلَ غُسْله طُيِّبَ بِالْكَافُورِ قَبْل التَّكْفِين. وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ \" وَاجْعَلْنَ فِي آخِر ذَلِكَ كَافُورًا \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قِيلَ مَا مُنَاسَبَة إِدْخَال هَذِهِ التَّرْجَمَة - وَهِيَ مُتَعَلِّقَة بِالْغُسْلِ - بَيْن تَرْجَمَتَيْنِ مُتَعَلِّقَتَيْنِ بِالْكَفَنِ ؟ أَجَابَ الزَّيْن بْن الْمُنِير بِأَنَّ الْعُرْف تَقْدِيم مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ الْمَيِّت قَبْل الشُّرُوع فِي الْغُسْل أَوْ قَبْل الْفَرَاغ مِنْهُ لِيَتَيَسَّر غُسْله. وَمِنْ جُمْلَة ذَلِكَ الْحَنُوط اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى خِلَاف مَنْ قَالَ إِنَّ الْكَافُور يَخْتَصّ بِالْحَنُوطِ وَلَا يُجْعَل فِي الْمَاء وَهُوَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَبَعْض الْحَنَفِيَّة , أَوْ يُجْعَل فِي الْمَاء وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وَلَفْظَة \" الْأَخِيرَة \" صِفَة مَوْصُوف فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّقْدِير الْغَسْلَة وَهُوَ الظَّاهِر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْخِرْقَة الَّتِي تَلِي الْجَسَد. ‏"
    },
    {
        "id": "1181",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏وَسَمِعْتُ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتَ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَتْ حَدَّثَتْنَا ‏ ‏أُمُّ عَطِيَّةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأْسَ ‏ ‏بِنْتِ ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثَةَ ‏ ‏قُرُونٍ ‏ ‏نَقَضْنَهُ ثُمَّ غَسَلْنَهُ ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلَاثَةَ ‏ ‏قُرُونٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب , وَنَسَبَهُ أَبُو عَلِيّ بْن شَبُّويَة عَنْ الْفِرَبْرِيّ \" أَحْمَد بْن صَالِح \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَيُّوب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حَرْمَلَة عَنْ اِبْن وَهْب عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" أَنَّ أَيُّوب بْن أَبِي تَمِيمَة أَخْبَرَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( وَسَمِعْت ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى مَحْذُوف تَقْدِيره سَمِعْت كَذَا وَسَمِعْت حَفْصَة , وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأْس بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَة قُرُون نَقَضْنَهُ ثُمَّ غَسَلْنَهُ ) ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالَتْ نَقَضْته \" وَالظَّاهِر أَنَّ الْقَائِلَة أُمّ عَطِيَّة , وَلِعَبْدِ الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَقُلْت نَقَضَتْهُ فَغَسَلَتْهُ فَجَعَلَتْهُ ثَلَاثَة قُرُون قَالَتْ نَعَمْ \" وَالْمُرَاد بِالرَّأْسِ شَعْر الرَّأْس فَهُوَ مِنْ مَجَاز الْمُجَاوَرَة , وَفَائِدَة النَّقْض تَبْلِيغ الْمَاء الْبَشَرَة وَتَنْظِيف الشَّعْر مِنْ الْأَوْسَاخ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة أَيُّوب عَنْ حَفْصَة عَنْ أُمّ عَطِيَّة \" مَشَطْنَاهَا ثَلَاثَة قُرُون \" وَهُوَ بِتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَة أَيْ سَرَّحْنَاهَا بِالْمُشْطِ , وَفِيهِ حُجَّة لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى اِسْتِحْبَاب تَسْرِيح الشَّعْر , وَاعْتَلَّ مَنْ كَرِهَهُ بِتَقْطِيعِ الشَّعْر , وَالرِّفْق يُؤْمَن مَعَهُ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1182",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ سِيرِينَ ‏ ‏يَقُولُ جَاءَتْ ‏ ‏أُمُّ عَطِيَّةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏امْرَأَةٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏مِنْ اللَّاتِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدِمَتْ ‏ ‏الْبَصْرَةَ ‏ ‏تُبَادِرُ ابْنًا لَهَا فَلَمْ تُدْرِكْهُ فَحَدَّثَتْنَا قَالَتْ دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ ‏ ‏اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ ‏ ‏وَسِدْرٍ ‏ ‏وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ ‏ ‏كَافُورًا ‏ ‏فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي قَالَتْ فَلَمَّا فَرَغْنَا أَلْقَى إِلَيْنَا ‏ ‏حِقْوَهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَشْعِرْنَهَا ‏ ‏إِيَّاهُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ‏ ‏وَلَا أَدْرِي أَيُّ بَنَاتِهِ وَزَعَمَ أَنَّ الْإِشْعَارَ الْفُفْنَهَا فِيهِ وَكَذَلِكَ كَانَ ‏ ‏ابْنُ سِيرِينَ ‏ ‏يَأْمُرُ بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُشْعَرَ وَلَا تُؤْزَرَ",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَحْمَد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب , وَقَالَ أَبُو عَلِيّ بْن شَبُّويَة فِي رِوَايَته \" حَدَّثَنَا أَحْمَد يَعْنِي اِبْن صَالِح \". ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏قَوْله \" وَلَا أَدْرِي أَيّ بَنَاته \" ‏ ‏هُوَ مَقُول أَيُّوب , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع تَسْمِيَتهَا مِنْ حَفْصَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ أَنَّهَا أُمّ كُلْثُوم. ‏"
    },
    {
        "id": "1183",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ الْهُذَيْلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏ضَفَرْنَا شَعَرَ بِنْتِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَعْنِي ثَلَاثَةَ ‏ ‏قُرُونٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏نَاصِيَتَهَا وَقَرْنَيْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , وَهِشَام هُوَ اِبْن حَسَّان , وَأُمّ الْهُذَيْلِ هِيَ حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( ضَفَرْنَا ) ‏ ‏بِضَادٍ سَاقِطَة وَفَاء خَفِيفَة ‏ ‏( شَعْر بِنْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏تَعْنِي ثَلَاثَة قُرُون , وَقَالَ وَكِيع قَالَ سُفْيَان ) أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَاد ‏ ‏( نَاصِيَتهَا وَقَرْنَيْهَا ) ‏ ‏أَيْ جَانِبَيْ رَأْسهَا , وَرِوَايَة وَكِيع وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ بِهَذِهِ الزِّيَادَة وَزَادَ \" ثُمَّ أَلْقَيْنَاهُ خَلْفهَا \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى ضَفْر شَعْر الْمَيِّت خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَهُ , فَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : لَا أَعْرِف الضَّفْر بَلْ يُكَفّ وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَالْحَنَفِيَّة : يُرْسَل شَعْر الْمَرْأَة خَلْفهَا وَعَلَى وَجْههَا مُفَرَّقًا. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَكَأَنَّ سَبَب الْخِلَاف أَنَّ الَّذِي فَعَلَتْهُ أُمّ عَطِيَّة هَلْ اِسْتَنَدَتْ فِيهِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُون مَرْفُوعًا , أَوْ هُوَ شَيْء رَأَتْهُ فَفَعَلَتْهُ اِسْتِحْسَانًا ؟ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُحْتَمَل , لَكِنْ الْأَصْل أَنْ لَا يُفْعَل فِي الْمَيِّت شَيْء مِنْ جِنْس الْقُرَب إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْ الشَّرْع مُحَقَّق وَلَمْ يَرِد ذَلِكَ مَرْفُوعًا , كَذَا قَالَ. وَقَالَ النَّوَوِيّ الظَّاهِر اِطِّلَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقْرِيره لَهُ. قُلْت : وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور بِلَفْظِ الْأَمْر مِنْ رِوَايَة هِشَام عَنْ حَفْصَة عَنْ أُمّ عَطِيَّة قَالَتْ \" قَالَ لَنَا رَسُول اللَّه : اِغْسِلْنَهَا وِتْرًا وَاجْعَلْنَ شَعْرهَا ضَفَائِر \" وَقَالَ اِبْن حِبَّانَ فِي صَحِيحه : ذَكَرَ الْبَيَان بِأَنَّ أُمّ عَطِيَّة إِنَّمَا مَشَّطَتْ اِبْنَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِهِ لَا مِنْ تِلْقَاء نَفْسهَا ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق حَمَّاد عَنْ أَيُّوب قَالَ : قَالَتْ حَفْصَة عَنْ أُمّ عَطِيَّة اِغْسِلْنَهَا ثَلَاثَة أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا وَاجْعَلْنَ لَهَا ثَلَاثَة قُرُون. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَوْله : \" ثَلَاثَة قُرُونٍ \" ‏ ‏مَعَ قَوْله : \" نَاصِيَتهَا وَقَرْنَيْهَا \" لَا تَضَادَّ بَيْنهمَا , لِأَنَّ الْمُرَاد بِالثَّلَاثَةِ قُرُون الضَّفَائِر , وَالْمُرَاد بِالْقَرْنَيْنِ الْجَانِبَانِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1184",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَتْنَا ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَتَانَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اغْسِلْنَهَا ‏ ‏بِالسِّدْرِ ‏ ‏وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ ‏ ‏كَافُورًا ‏ ‏أَوْ شَيْئًا مِنْ ‏ ‏كَافُورٍ ‏ ‏فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَلْقَى إِلَيْنَا ‏ ‏حِقْوَهُ ‏ ‏فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلَاثَةَ ‏ ‏قُرُونٍ ‏ ‏وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا ‏",
        "sharh": "فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد - غَيْر مَا تَقَدَّمَ فِي هَذِهِ التَّرَاجِم الْعَشْر - تَعْلِيم الْإِمَام مَنْ لَا عِلْم لَهُ بِالْأَمْرِ الَّذِي يَقَع فِيهِ , وَتَفْوِيضه إِلَيْهِ إِذَا كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ بَعْد أَنْ يُنَبِّههُ عَلَى عِلَّة الْحُكْم. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْغُسْل مِنْ غُسْل الْمَيِّت لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّهُ مَوْضِع تَعْلِيم وَلَمْ يُأْمَر بِهِ , وَفِيهِ نَظَر لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون شُرِعَ بَعْد هَذِهِ الْوَاقِعَة. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا أَعْلَم أَحَدًا قَالَ بِوُجُوبِهِ. وَكَأَنَّهُ مَا دَرَى أَنَّ الشَّافِعِيّ عَلَّقَ الْقَوْل بِهِ عَلَى صِحَّة الْحَدِيث , وَالْخِلَاف فِيهِ ثَابِت عِنْد الْمَالِكِيَّة وَصَارَ إِلَيْهِ بَعْض الشَّافِعِيَّة أَيْضًا. وَقَالَ اِبْن بَزِيزَة : الظَّاهِر أَنَّهُ مُسْتَحَبّ , وَالْحِكْمَة فِيهِ تَتَعَلَّق بِالْمَيِّتِ , لِأَنَّ الْغَاسِل إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ سَيَغْتَسِلُ لَمْ يَتَحَفَّظ مِنْ شَيْء يُصِيبهُ مِنْ أَثَر الْغُسْل فَيُبَالِغ فِي تَنْظِيف الْمَيِّت وَهُوَ مُطْمَئِنّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَتَعَلَّق بِالْغَاسِلِ لِيَكُونَ عِنْد فَرَاغه عَلَى يَقِين مِنْ طَهَارَة جَسَده مِمَّا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُون أَصَابَهُ مِنْ رَشَاش وَنَحْوه اِنْتَهَى وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الْحَنَفِيَّة عَلَى أَنَّ الزَّوْج لَا يَتَوَلَّى غُسْل زَوْجَته , لِأَنَّ زَوْج اِبْنَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حَاضِرًا وَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّسْوَة بِغُسْلِ اِبْنَته دُون الزَّوْج , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَتَوَقَّف عَلَى صِحَّة دَعْوَى أَنَّهُ كَانَ حَاضِرًا , وَعَلَى تَقْدِير تَسْلِيمه فَيُحْتَاج إِلَى ثُبُوت أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ مَانِع مِنْ ذَلِكَ وَلَا آثَرَ النِّسْوَة عَلَى نَفْسه , وَعَلَى تَسْلِيمه فَغَايَة مَا فِيهِ أَنْ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى أَنَّ النِّسْوَة أَوْلَى مِنْهُ لَا عَلَى مَنْعه مِنْ ذَلِكَ لَوْ أَرَادَهُ. وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1185",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ ‏ ‏سَحُولِيَّةٍ مِنْ ‏ ‏كُرْسُفٍ ‏ ‏لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1186",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ ‏ ‏بِعَرَفَةَ ‏ ‏إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ ‏ ‏فَوَقَصَتْهُ ‏ ‏أَوْ قَالَ فَأَوْقَصَتْهُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ ‏ ‏وَسِدْرٍ ‏ ‏وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا ‏ ‏تُحَنِّطُوهُ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏تُخَمِّرُوا ‏ ‏رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَمَّاد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" اِبْن زَيْد \". ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَمَا رَجُلٌ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَته. ‏ ‏قَوْله : ( وَاقِف ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِطْلَاق لَفْظ الْوَاقِف عَلَى الرَّاكِب. ‏ ‏قَوْله : ( بِعَرَفَةَ ) ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَعْد بَاب مِنْ وَجْه آخَر \" وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَوَقَصَتْهُ , أَوْ قَالَ فَأَوْقَصَتْهُ ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَالْمَعْرُوف عِنْد أَهْل اللُّغَة الْأَوَّل وَاَلَّذِي بِالْهَمْزِ شَاذّ , وَالْوَقْص كَسْر الْعُنُق , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فَاعِل وَقَصَتْهُ الْوَقْعَة أَوْ الرَّاحِلَة بِأَنْ تَكُون أَصَابَتْهُ بَعْد أَنْ وَقَعَ وَالْأَوَّل أَظْهَر , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ فَوَقَصَتْهُ أَيْ رَاحِلَته فَإِنْ كَانَ الْكَسْر حَصَلَ بِسَبَبِ الْوُقُوع فَهُوَ مَجَاز , وَإِنْ حَصَلَ مِنْ الرَّاحِلَة بَعْد الْوُقُوع فَحَقِيقَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِبْدَال ثِيَاب الْمُحْرِم وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي الْحَجّ بِلَفْظِ \" فِي ثَوْبَيْهِ \" وَلِلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق يُونُس بْن نَافِع عَنْ عَمْرو بْن دِينَار \" فِي ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا \" وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيّ : إِنَّمَا لَمْ يَزِدْهُ ثَوْبًا ثَالِثًا تَكْرِمَة لَهُ كَمَا فِي الشَّهِيد حَيْثُ قَالَ \" زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَام لَا يَنْقَطِع بِالْمَوْتِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد بَاب , وَعَلَى تَرْك النِّيَابَة فِي الْحَجّ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُر أَحَدًا أَنْ يُكْمِل عَنْ هَذَا الْمُحْرِم أَفْعَال الْحَجّ وَفِيهِ نَظَر لَا يَخْفَى , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : وَفِيهِ أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي عَمَل طَاعَة ثُمَّ حَال بَيْنه وَبَيْن إِتْمَامه الْمَوْت رُجِيَ لَهُ أَنَّ اللَّه يَكْتُبهُ فِي الْآخِرَة مِنْ أَهْل ذَلِكَ الْعَمَل. ‏"
    },
    {
        "id": "1187",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعَرَفَةَ ‏ ‏إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ ‏ ‏فَأَقْصَعَتْهُ ‏ ‏أَوْ قَالَ ‏ ‏فَأَقْعَصَتْهُ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ ‏ ‏وَسِدْرٍ ‏ ‏وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا ‏ ‏تُحَنِّطُوهُ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏تُخَمِّرُوا ‏ ‏رَأْسَهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور فِي الْبَاب وَرَدَ عَنْ شَيْخ آخَر , وَشَاهِد التَّرْجَمَة قَوْله \" وَلَا تُحَنِّطُوهُ \" ثُمَّ عُلِّلَ بِأَنَّهُ يُبْعَث مُلَبِّيًا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ سَبَب النَّهْي أَنَّهُ كَانَ مُحْرِمًا , فَإِذَا اِنْتَفَتْ الْعِلَّة اِنْتَفَى النَّهْي , وَكَأَنَّ الْحَنُوط لِلْمَيِّتِ كَانَ مُقَرَّرًا عِنْدهمْ. وَكَذَا قَوْله \" لَا تُخَمِّرُوا رَأْسه \" أَيْ لَا تُغَطُّوهُ , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ غَيْر الْمُحْرِم يُحَنَّط كَمَا يُخَمَّر رَأْسه , وَأَنَّ النَّهْي إِنَّمَا وَقَعَ لِأَجْلِ الْإِحْرَام خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ الْمَالِكِيَّة غَيْرهمْ إِنَّ الْإِحْرَام يَنْقَطِع بِالْمَوْتِ فَيُصْنَع بِالْمَيِّتِ مَا يُصْنَع بِالْحَيِّ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَهُوَ مُقْتَضَى الْقِيَاس , لَكِنَّ الْحَدِيث بَعْد أَنْ ثَبَتَ يُقَدَّم عَلَى الْقِيَاس , وَقَدْ قَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة : إِثْبَات الْحَنُوط فِي هَذَا الْخَبَر بِطَرِيقِ الْمَفْهُوم مِنْ مَنْع الْحَنُوط لِلْمُحْرِمِ , وَلَكِنَّهَا وَاقِعَة حَال يَتَطَرَّق الِاحْتِمَال إِلَى مَنْطُوقهَا فَلَا يُسْتَدَلّ بِمَفْهُومِهَا. وَقَالَ بَعْض الْحَنَفِيَّة : هَذَا الْحَدِيث لَيْسَ عَامًّا بِلَفْظِهِ لِأَنَّهُ فِي شَخْص مُعَيَّن , وَلَا بِمَعْنَاهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ يُبْعَث مُلَبِّيًا لِأَنَّهُ مُحْرِم فَلَا يَتَعَدَّى حُكْمه إِلَى غَيْره إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِل. وَقَالَ اِبْن بَزِيزَة : وَأَجَابَ بَعْض أَصْحَابنَا عَنْ هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّ هَذَا مَخْصُوص بِذَلِكَ الرَّجُل لِأَنَّ إِخْبَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ يُبْعَث مُلَبِّيًا شَهَادَة بِأَنَّ حَجّه قُبِلَ , وَذَلِكَ غَيْر مُحَقَّق لِغَيْرِهِ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد بِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَّة إِنَّمَا ثَبَتَتْ لِأَجْلِ الْإِحْرَام فَتَعُمّ كُلّ مُحْرِم , وَأَمَّا الْقَبُول وَعَدَمه فَأَمْر مُغَيَّب. وَاعْتَلَّ بَعْضهمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ) وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِذَا مَاتَ الْإِنْسَان اِنْقَطَعَ عَمَله إِلَّا مِنْ ثَلَاث \" وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْقَطِع عَمَله بِالْمَوْتِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَكْفِينَهُ فِي ثَوْبَيْ إِحْرَامه وَتَبْقِيَته عَلَى هَيْئَة إِحْرَامه مِنْ عَمَل الْحَيّ بَعْده كَغُسْلِهِ وَالصَّلَاة عَلَيْهِ فَلَا مَعْنَى لِمَا ذَكَرُوهُ. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة : وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشُّهَدَاء \" زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ \" مَعَ قَوْله \" وَاَللَّه أَعْلَم بِمَنْ يُكْلَم فِي سَبِيله \" فَعَمَّمَ الْحُكْم فِي الظَّاهِر بِنَاء عَلَى ظَاهِر السَّبَب فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَمَّم الْحُكْم فِي كُلّ مُحْرِم , وَبَيْن الْمُجَاهِد وَالْمُحْرِم جَامِع لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِي سَبِيل اللَّه. وَقَدْ اِعْتَذَرَ الدَّاوُدِيّ عَنْ مَالِك فَقَالَ : لَمْ يَبْلُغهُ هَذَا الْحَدِيث , وَأَوْرَدَ بَعْضهمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِحْرَامه بَاقِيًا لَوَجَبَ أَنْ يُكْمِل بِهِ الْمَنَاسِك وَلَا قَائِل بِهِ. وَأُجِيب بِأَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ عَلَى خِلَافه الْأَصْل فَيُقْتَصَر بِهِ عَلَى مَوْرِد النَّصّ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَضَحَ , أَنَّ الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ اِسْتِبْقَاء شِعَار الْإِحْرَام كَاسْتِبْقَاءِ دَم الشَّهِيد. ‏"
    },
    {
        "id": "1188",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا ‏ ‏وَقَصَهُ ‏ ‏بَعِيرُهُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ ‏ ‏وَسِدْرٍ ‏ ‏وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا وَلَا ‏ ‏تُخَمِّرُوا ‏ ‏رَأْسَهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَلَا تُمِسُّوهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْمِيم مِنْ أَمَسَّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1189",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏وَأَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعَرَفَةَ ‏ ‏فَوَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ قَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏فَوَقَصَتْهُ وَقَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏فَأَقْصَعَتْهُ ‏ ‏فَمَاتَ فَقَالَ ‏ ‏اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ ‏ ‏وَسِدْرٍ ‏ ‏وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا ‏ ‏تُحَنِّطُوهُ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏تُخَمِّرُوا ‏ ‏رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏يُلَبِّي وَقَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏مُلَبِّيًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَأَقْصَعَتْهُ ) ‏ ‏أَيْ هَشَّمَتْهُ يُقَال أَقْصَعَ الْقَمْلَة إِذَا هَشَّمَهَا , وَقِيلَ هُوَ خَاصّ بِكَسْرِ الْعَظْم , وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا مَانِع أَنْ يُسْتَعَار لِكَسْرِ الرَّقَبَة. وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِتَقْدِيمِ الْعَيْن عَلَى الصَّاد , وَالْقَعْص الْقَتْل فِي الْحَال وَمِنْهُ قُعَاص الْغَنَم وَهُوَ مَوْتهَا. قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : تَضَمَّنَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَة الِاسْتِفْهَام عَنْ الْكَيْفِيَّة مَعَ أَنَّهَا مُبَيَّنَة , لَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تَحْتَمِل أَنْ تَكُون خَاصَّة بِذَلِكَ الرَّجُل , وَأَنْ تَكُون عَامَّة لِكُلِّ مُحْرِم , آثَرَ الْمُصَنِّف الِاسْتِفْهَام. قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" كَيْفَ يُكَفَّن \" أَيْ كَيْفِيَّة التَّكْفِين وَلَمْ يَرِد الِاسْتِفْهَام , وَكَيْفَ يُظَنّ بِهِ أَنَّهُ مُتَرَدِّد فِيهِ وَقَدْ جَزَمَ قَبْل ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَامّ فِي حَقّ كُلّ أَحَد حَيْثُ تَرْجَمَ بِجَوَازِ التَّكْفِين فِي ثَوْبَيْنِ. قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس إِبَاحَة غُسْل الْمُحْرِم الْحَيّ بِالسِّدْرِ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ لَهُ , وَأَنَّ الْوِتْر فِي الْكَفَن لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الصِّحَّة , وَأَنَّ الْكَفَن مِنْ رَأْس الْمَال لِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَكْفِينِهِ فِي ثَوْبَيْهِ وَلَمْ يَسْتَفْصِل هَلْ عَلَيْهِ دَيْن يَسْتَغْرِق أَمْ لَا. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب تَكْفِين الْمُحْرِم فِي ثِيَاب إِحْرَامه , وَأَنَّ إِحْرَامه بَاقٍ , وَأَنَّهُ لَا يُكَفَّن فِي الْمَخِيط. وَفِيهِ التَّعْلِيل بِالْفَاءِ لِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ , وَفِيهِ التَّكْفِين فِي الثِّيَاب الْمَلْبُوسَة , وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب دَوَام التَّلْبِيَة إِلَى أَنْ يَنْتَهِي الْإِحْرَام , وَأَنَّ الْإِحْرَام يَتَعَلَّق بِالرَّأْسِ لَا بِالْوَجْهِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَا وَقَعَ فِي مُسْلِم بِلَفْظِ \" وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهه \" فِي كِتَاب الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيّ فَحَكَى عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّ الْمُحْرِم لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْرُوفٍ عَنْهُ. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏يَحْتَمِل اِقْتِصَاره لَهُ عَلَى التَّكْفِين فِي ثَوْبَيْهِ لِكَوْنِهِ مَاتَ فِيهِمَا وَهُوَ مُتَلَبِّس بِتِلْكَ الْعِبَادَة الْفَاضِلَة , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ لَمْ يَجِد لَهُ غَيْرهمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1190",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ‏ ‏لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ‏ ‏ابْنُهُ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَمِيصَهُ فَقَالَ آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ فَآذَنَهُ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ أَلَيْسَ اللَّهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ ‏ ‏أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ قَالَ ‏ { ‏اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ‏} ‏فَصَلَّى عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1191",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ‏ ‏بَعْدَ مَا دُفِنَ فَأَخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1192",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُفِّنَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابِ ‏ ‏سُحُولٍ ‏ ‏كُرْسُفٍ ‏ ‏لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ. ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( سُحُول ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَآخِره لَام أَيْ بِيض , وَهُوَ جَمْع سَحْل , وَالثَّوْب الْأَبْيَض النَّقِيّ لَا يَكُون إِلَّا مِنْ قُطْن , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الثِّيَاب الْبِيض لِلْكَفَنِ \" بِلَفْظِ \" يَمَانِيَّة بِيض سُحُولِيَّة فِي كُرْسُف \" وَعَنْ اِبْن وَهْب : السُّحُول الْقُطْن , وَفِيهِ نَظَر , وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّله وَيُرْوَى بِفَتْحِهِ نِسْبَة إِلَى سَحُول قَرْيَة بِالْيَمَنِ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : بِالْفَتْحِ الْمَدِينَة , وَبِالضَّمِّ الثِّيَاب. وَقِيلَ النَّسَب إِلَى الْقَرْيَة بِالضَّمِّ , وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَنِسْبَة إِلَى الْقَصَّار لِأَنَّهُ يَسْحَل الثِّيَاب أَيْ يُنَقِّيهَا , وَالْكُرْسُف بِضَمِّ الْكَاف وَالْمُهْمَلَة بَيْنهمَا رَاء سَاكِنَة هُوَ الْقُطْن , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِلْبَيْهَقِيّ \" سُحُولِيَّة جُدُد \" ‏"
    },
    {
        "id": "1193",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1194",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ ‏ ‏سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاثَة أَثْوَاب ) ) ‏ ‏فِي طَبَقَات اِبْن سَعْد عَنْ الشَّعْبِيّ \" إِزَار وَرِدَاء وَلِفَافَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "1195",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ أُتِيَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَوْمًا بِطَعَامِهِ فَقَالَ ‏ ‏قُتِلَ ‏ ‏مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا ‏ ‏بُرْدَةٌ ‏ ‏وَقُتِلَ ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏أَوْ رَجُلٌ آخَرُ خَيْرٌ مِنِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا ‏ ‏بُرْدَةٌ ‏ ‏لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد الْمَكِّيّ ) ‏ ‏هُوَ الْأَزْرَقِيّ عَلَى الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعْد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَإِبْرَاهِيم بْن سَعْد فِي هَذَا الْإِسْنَاد رَاوٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَنْ جَدّ أَبِيهِ , وَسَيَأْتِي سِيَاقه فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه أَصْرَح اِتِّصَالًا مِنْ هَذَا. وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى فَوَائِده مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب غَزْوَة أُحُد \" مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي , وَشَاهِد التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْله فِي الْحَدِيث \" فَلَمْ يُوجَد لَهُ \" لِأَنَّ ظَاهِره أَنَّهُ لَمْ يُوجَد مَا يَمْلِكهُ إِلَّا الْبُرْد الْمَذْكُور , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَر \" إِلَّا بُرْده \" بِالضَّمِيرِ الْعَائِد عَلَيْهِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" إِلَّا بُرْدَة \" بِلَفْظِ وَاحِدَة الْبُرُود , وَسَيَأْتِي حَدِيث خَبَّاب فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده بِلَفْظِ \" وَلَمْ يَتْرُك إِلَّا نَمِرَة \" وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْن مُسْتَغْرِق هَلْ يَكُون كَفَنه سَاتِرًا لِجَمِيعِ بَدَنه أَوْ لِلْعَوْرَةِ فَقَطْ ؟ الْمُرَجَّح الْأَوَّل , وَنَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئ ثَوْب وَاحِد يَصِف مَا تَحْته مِنْ الْبَدَن. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ رَجُل آخَر ) ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَلَمْ يَقَع فِي أَكْثَر الرِّوَايَات إِلَّا بِذِكْرِ حَمْزَة وَمُصْعَب فَقَطْ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه مِنْ طَرِيق مَنْصُور بْن أَبِي مُزَاحِم عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد. قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : يُسْتَفَاد مِنْ قِصَّة عَبْد الرَّحْمَن إِيثَار الْفَقْر عَلَى الْغِنَى وَإِيثَار التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ عَلَى تَعَاطِي الِاكْتِسَاب , فَلِذَلِكَ اِمْتَنَعَ مِنْ تَنَاوُل ذَلِكَ الطَّعَام مَعَ أَنَّهُ كَانَ صَائِمًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1196",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ ‏ ‏قُتِلَ ‏ ‏مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي كُفِّنَ فِي ‏ ‏بُرْدَةٍ ‏ ‏إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ وَأُرَاهُ قَالَ وَقُتِلَ ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنْ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ أَوْ قَالَ أُعْطِينَا مِنْ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ ‏",
        "sharh": "قَوْل عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف ‏ ‏\" وَهُوَ خَيْر مِنِّي \" ‏ ‏دَلَالَة عَلَى تَوَاضُعه. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى تَعْظِيم فَضْل مَنْ قُتِلَ فِي الْمَشَاهِد الْفَاضِلَة مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَزَادَ فِي هَذَا الطَّرِيق \" إِنْ غَطَّى رَأْسه بَدَتْ رِجْلَاهُ \" وَهُوَ مُوَافِق لِمَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. وَرَوَى الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك مِنْ حَدِيث أَنَس أَنَّ حَمْزَة أَيْضًا كُفِّنَ كَذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1197",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَبَّابٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ ‏ ‏مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏وَمِنَّا مَنْ ‏ ‏أَيْنَعَتْ ‏ ‏لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ ‏ ‏يَهْدِبُهَا ‏ ‏قُتِلَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلَّا ‏ ‏بُرْدَةً ‏ ‏إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ ‏ ‏فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ ‏ ‏الْإِذْخِرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا شَقِيق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَمَة أَبُو وَائِل , وَخَبَّاب بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مُثَقَّلَة هُوَ اِبْن الْأَرَتّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَأْكُل مِنْ أَجْره شَيْئًا ) ‏ ‏كِنَايَة عَنْ الْغَنَائِم الَّتِي تَنَاوَلَهَا مَنْ أَدْرَكَ زَمَن الْفُتُوح , وَكَأَنَّ الْمُرَاد بِالْأَجْرِ ثَمَرَته , فَلَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى أَجْر الْآخِرَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَيْنَعَتْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَفَتْح النُّون أَيْ نَضِجَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَهُوَ يَهْدِبهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الْمُهْمَلَة أَيْ يَجْتَنِيهَا , وَضَبَطَهُ النَّوَوِيّ بِضَمِّ الدَّال , وَحَكَى اِبْن التِّين تَثْلِيثهَا. ‏ ‏قَوْله : ( مَا نُكَفِّنهُ بِهِ ) ‏ ‏سَقَطَ لَفْظ \" بِهِ \" مِنْ رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى فَوَائِده فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1198",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِبُرْدَةٍ ‏ ‏مَنْسُوجَةٍ فِيهَا ‏ ‏حَاشِيَتُهَا ‏ ‏أَتَدْرُونَ مَا ‏ ‏الْبُرْدَةُ ‏ ‏قَالُوا ‏ ‏الشَّمْلَةُ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ ‏ ‏قَالَتْ نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ فَقَالَ اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا قَالَ الْقَوْمُ مَا أَحْسَنْتَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ قَالَ إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهُ إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي قَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏فَكَانَتْ كَفَنَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَّ اِمْرَأَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا. ‏ ‏قَوْله ( فِيهَا حَاشِيَتهَا ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيّ يَعْنِي أَنَّهَا لَمْ تُقْطَع مِنْ ثَوْب فَتَكُون بِلَا حَاشِيَة , وَقَالَ غَيْره حَاشِيَة الثَّوْب هُدْبه فَكَأَنَّهُ قَالَ إِنَّهَا جَدِيدَة لَمْ يُقْطَع هُدْبهَا وَلَمْ تُلْبَس بَعْد , وَقَالَ الْقَزَّاز : حَاشِيَتَا الثَّوْب نَاحِيَتَاهُ اللَّتَانِ فِي طَرَفهمَا الْهُدْب. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَدْرُونَ ) ‏ ‏هُوَ مَقُول سَهْل بْن سَعْد بَيَّنَهُ أَبُو غَسَّان عَنْ أَبِي حَازِم كَمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الْأَدَب وَلَفْظه \" فَقَالَ سَهْل لِلْقَوْمِ أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَة ؟ قَالُوا : الشَّمْلَة \". اِنْتَهَى. وَفِي تَفْسِير الْبُرْدَة بِالشَّمْلَةِ تَجَوُّز لِأَنَّ الْبُرْدَة كِسَاء وَالشَّمْلَة مَا يُشْتَمَل بِهِ فَهِيَ أَعَمّ , لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَكْثَر اِشْتِمَالهمْ بِهَا أَطْلَقُوا عَلَيْهَا اِسْمهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَأَخَذَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ) ‏ ‏كَأَنَّهُمْ عَرَفُوا ذَلِكَ بِقَرِينَةِ حَال أَوْ تَقَدُّم قَوْل صَرِيح. ‏ ‏قَوْله ( فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَاره ) ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ عَنْ هِشَام بْن عَمَّار عَنْ عَبْد الْعَزِيز \" فَخَرَجَ إِلَيْنَا فِيهَا \" وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن سَعْد عَنْ أَبِي حَازِم عِنْد الطَّبَرَانِيّ \" فَاِتَّزَرَ بِهَا ثُمَّ خَرَجَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَحَسَّنَهَا فُلَان فَقَالَ اُكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنهَا ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات هُنَا بِالْمُهْمَلَتَيْنِ مِنْ التَّحْسِين. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاس مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي حَازِم \" فَجَسَّهَا \" بِالْجِيمِ بِغَيْرِ نُون وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي حَازِم , وَقَوْله \" فُلَان \" أَفَادَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيّ فِي الْأَحْكَام لَهُ أَنَّهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَعَزَاهُ لِلطَّبَرَانِيّ وَلَمْ أَرَهُ فِي الْمُعْجَم الْكَبِير لَا فِي مُسْنَد سَهْل وَلَا عَبْد الرَّحْمَن , وَنَقَلَهُ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن عَنْ الْمُحِبّ فِي شَرْح الْعُمْدَة , وَكَذَا قَالَ لَنَا شَيْخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحَسَن الْهَيْتَمِيّ إِنَّهُ وَقَفَ عَلَيْهِ , لَكِنْ لَمْ يَسْتَحْضِر مَكَانه , وَوَقَعَ لِشَيْخِنَا اِبْن الْمُلَقِّن فِي \" شَرْح التَّنْبِيه \" أَنَّهُ سَهْل بْن سَعْد وَهُوَ غَلَط فَكَأَنَّهُ اِلْتَبَسَ عَلَى شَيْخنَا اِسْم الْقَائِل بِاسْمِ الرَّاوِي , نَعَمْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيّ الْحَدِيث الْمَذْكُور عَنْ أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يَسَار عَنْ قُتَيْبَة بْن سَعِيد عَنْ يَعْقُوب بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ سَهْل وَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ قُتَيْبَة هُوَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص \" اِنْتَهَى , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي اللِّبَاس وَالنَّسَائِيُّ فِي الزِّينَة عَنْ قُتَيْبَة وَلَمْ يَذْكُرَا عَنْهُ ذَلِكَ , وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدِّم وَقَالَ فِيهِ \" فَجَاءَ فُلَان رَجُل سَمَّاهُ يَوْمئِذٍ \" وَهُوَ دَالّ عَلَى أَنَّ الرَّاوِي كَانَ رُبَّمَا سَمَّاهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أُخْرَى لِلطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق زَمْعَة بْن صَالِح عَنْ أَبِي حَازِم أَنَّ السَّائِل الْمَذْكُور أَعْرَابِيّ , فَلَوْ لَمْ يَكُنْ زَمْعَة ضَعِيفًا لَانْتَفَى أَنْ يَكُون هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف أَوْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , أَوْ يُقَال تَعَدَّدَتْ الْقِصَّة عَلَى مَا فِيهِ مِنْ بُعْد وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَحْسَنهَا ) ‏ ‏بِنَصْبِ النُّون وَمَا لِلتَّعَجُّبِ , وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه قَالَ نَعَمْ فَلَمَّا دَخَلَ طَوَاهَا وَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ , وَهُوَ لِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاس مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن عَبْد الرَّحْمَن بِلَفْظِ \" فَقَالَ نَعَمْ فَجَلَسَ مَا شَاءَ اللَّه فِي الْمَجْلِس ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الْقَوْم مَا أَحْسَنْت ) ‏ ‏مَا نَافِيَة , وَقَدْ وَقَعَتْ تَسْمِيَة الْمُعَاتَب لَهُ مِنْ الصَّحَابَة فِي طَرِيق هِشَام بْن سَعْد الْمَذْكُورَة وَلَفْظه قَالَ سَهْل فَقُلْت لِلرَّجُلِ لِمَ سَأَلْته وَقَدْ رَأَيْت حَاجَته إِلَيْهَا ؟ فَقَالَ : رَأَيْت مَا رَأَيْتُمْ , وَلَكِنْ أَرَدْت أَنْ أُخَبِّأَهَا حَتَّى أُكَفَّن فِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ لَا يَرُدّ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا بِحَذْفِ الْمَفْعُول , وَثَبَتَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ بِلَفْظِ \" لَا يَرُدّ سَائِلًا \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة يَعْقُوب فِي الْبُيُوع , وَفِي رِوَايَة أَبِي غَسَّان فِي الْأَدَب لَا يُسْأَل شَيْئًا فَيَمْنَعهُ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا سَأَلْته لِأَلْبَسهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي غَسَّان \" فَقَالَ رَجَوْت بَرَكَتهَا حِين لَبِسَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَفَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَة زَمْعَة بْن صَالِح أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَنْ يُصْنَع لَهُ غَيْرهَا فَمَاتَ قَبْل أَنْ تَفْرُغ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد حُسْن خُلُق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسِعَة جُوده وَقَبُوله الْهَدِيَّة , وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمُهَلَّب جَوَاز تَرْك مُكَافَأَة الْفَقِير عَلَى هَدِيَّته , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِظَاهِرٍ مِنْهُ فَإِنَّ الْمُكَافَأَة كَانَتْ عَادَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَمِرَّة فَلَا يَلْزَم مِنْ السُّكُوت عَنْهَا هُنَا أَنْ لَا يَكُون فَعَلَهَا , بَلْ لَيْسَ فِي سِيَاق هَذَا الْحَدِيث الْجَزْم بِكَوْنِ ذَلِكَ كَانَ هَدِيَّة فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون عَرَضَتْهَا عَلَيْهِ لِيَشْتَرِيَهَا مِنْهَا , قَالَ : وَفِيهِ جَوَاز الِاعْتِمَاد عَلَى الْقَرَائِن وَلَوْ تَجَرَّدَتْ لِقَوْلِهِمْ \" فَأَخَذَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا \" وَفِيهِ نَظَرَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون سَبَقَ لَهُمْ مِنْهُ قَوْل يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ : وَفِيهِ التَّرْغِيب فِي الْمَصْنُوع بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَانِعه إِذَا كَانَ مَاهِرًا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون أَرَادَتْ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهَا إِزَالَة مَا يُخْشَى مِنْ التَّدْلِيس. وَفِيهِ جَوَاز اِسْتِحْسَان الْإِنْسَان مَا يَرَاهُ عَلَى غَيْره مِنْ الْمَلَابِس وَغَيْرهَا إِمَّا لِيُعَرِّفهُ قَدْرهَا وَإِمَّا لِيُعَرِّض لَهُ بِطَلَبِهِ مِنْهُ حَيْثُ يَسُوغ لَهُ ذَلِكَ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْإِنْكَار عِنْد مُخَالَفَة الْأَدَب ظَاهِرًا وَإِنْ لَمْ يَبْلُغ الْمُنْكَر دَرَجَة التَّحْرِيم. وَفِيهِ التَّبَرُّك بِآثَارِ الصَّالِحِينَ وَقَالَ اِبْن بَطَّال. فِيهِ جَوَاز إِعْدَاد الشَّيْء قَبْل وَقْت الْحَاجَة إِلَيْهِ , قَالَ : وَقَدْ حَفَرَ جَمَاعَة مِنْ الصَّالِحِينَ قُبُورهمْ قَبْل الْمَوْت. وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْن بْن الْمُنِير بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَع مِنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة , قَالَ : وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَكَثُرَ فِيهِمْ. وَقَالَ بَعْض الشَّافِعِيَّة : يَنْبَغِي لِمَنْ اِسْتَعَدَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَجْتَهِد فِي تَحْصِيله مِنْ جِهَة يَثِق بِحِلِّهَا أَوْ مِنْ أَثَر مَنْ يَعْتَقِد فِيهِ الصَّلَاح وَالْبَرَكَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1199",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ الْهُذَيْلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ وَأُمّ الْهُذَيْلِ هِيَ حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( نُهِينَا ) ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْحَيْض مِنْ رِوَايَة هِشَام بْن حَسَّان عَنْ حَفْصَة عَنْهَا بِلَفْظِ \" كُنَّا نُهِينَا عَنْ اِتِّبَاع الْجَنَائِز \" وَرَوَاهُ يَزِيد بْن أَبِي حَكِيم عَنْ الثَّوْرِيّ بِإِسْنَادِ هَذَا الْبَاب بِلَفْظِ \" نَهَانَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ قَالَ : لَا حُجَّة فِي هَذَا الْحَدِيث لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ النَّاهِي فِيهِ , لِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرهمَا أَنَّ كُلّ مَا وَرَدَ بِهَذِهِ الصِّيغَة كَانَ مَرْفُوعًا وَهُوَ الْأَصَحّ عِنْد غَيْرهمَا مِنْ الْمُحَدِّثِينَ , وَيُؤَيِّد رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَطِيَّة عَنْ جَدَّته أُمّ عَطِيَّة قَالَتْ \" لَمَّا دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة جَمَعَ النِّسَاء فِي بَيْت ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْنَا عُمَر فَقَالَ : إِنِّي رَسُول رَسُول اللَّه إِلَيْكُنَّ , بَعَثَنِي إِلَيْكُنَّ لِأُبَايِعكُنَّ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا \" الْحَدِيث , وَفِي آخِره \" وَأَمَرَنَا أَنْ نُخْرِج فِي الْعِيد الْعَوَاتِق , وَنَهَانَا أَنْ نَخْرُج فِي جِنَازَة \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ رِوَايَة أُمّ عَطِيَّة الْأُولَى مِنْ مُرْسَل الصَّحَابَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَعْزِم عَلَيْنَا ) ‏ ‏أَيْ وَلَمْ يُؤَكِّد عَلَيْنَا فِي الْمَنْع كَمَا أَكَّدَ عَلَيْنَا فِي غَيْره مِنْ الْمَنْهِيَّات , فَكَأَنَّهَا قَالَتْ : كَرِهَ لَنَا اِتِّبَاع الْجَنَائِز مِنْ غَيْر تَحْرِيم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَاهِر سِيَاق أُمّ عَطِيَّة أَنَّ النَّهْي نَهْي تَنْزِيه , وَبِهِ قَالَ جُمْهُور أَهْل الْعِلْم , وَمَالَ مَالِك إِلَى الْجَوَاز وَهُوَ قَوْل أَهْل الْمَدِينَة. وَيَدُلّ عَلَى الْجَوَاز مَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي جِنَازَة فَرَأَى عُمَر اِمْرَأَة فَصَاحَ بِهَا فَقَالَ \" دَعْهَا يَا عُمَر \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَمِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء عَنْ سَلَمَة بْن الْأَزْرَق عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَرِجَاله ثِقَات , وَقَالَ الْمُهَلَّب : فِي حَدِيث أُمّ عَطِيَّة دَلَالَة عَلَى أَنَّ النَّهْي مِنْ الشَّارِع عَلَى دَرَجَات. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : قَوْلهَا \" نُهِينَا عَنْ اِتِّبَاع الْجَنَائِز \" أَيْ إِلَى أَنْ نَصِل إِلَى الْقُبُور , وَقَوْله \" وَلَمْ يَعْزِم عَلَيْنَا \" أَيْ أَنْ لَا نَأْتِي أَهْل الْمَيِّت فَنُعَزِّيهِمْ وَنَتَرَحَّم عَلَى مَيِّتهمْ مِنْ غَيْر أَنْ نَتَّبِع جِنَازَته اِنْتَهَى. وَفِي أَخْذ هَذَا التَّفْصِيل مِنْ هَذَا السِّيَاق نَظَر , نَعَمْ هُوَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فَاطِمَة مُقْبِلَة فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ جِئْت ؟ فَقَالَتْ : رَحَّمْت عَلَى أَهْل هَذَا الْمَيِّت مَيِّتهمْ. فَقَالَ : لَعَلَّك بَلَغْت مَعَهُمْ الْكُدَى ؟ قَالَتْ : لَا \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْحَاكِم وَغَيْرهمَا. فَأَنْكَرَ عَلَيْهَا بُلُوغ الْكُدَى , وَهُوَ بِالضَّمِّ وَتَخْفِيف الدَّال الْمَقْصُورَة وَهِيَ الْمَقَادِير , وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهَا التَّعْزِيَة. وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهَا \" وَلَمْ يَعْزِم عَلَيْنَا \" أَيْ كَمَا عَزَمَ عَلَى الرِّجَال بِتَرْغِيبِهِمْ فِي اِتِّبَاعهَا بِحُصُولِ الْقِيرَاط وَنَحْو ذَلِكَ , وَالْأَوَّل أَظْهَر. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1200",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تُوُفِّيَ ابْنٌ ‏ ‏لِأُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ فَتَمَسَّحَتْ بِهِ وَقَالَتْ ‏ ‏نُهِينَا أَنْ ‏ ‏نُحِدَّ ‏ ‏أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إِلَّا بِزَوْجٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا كَانَ يَوْم الثَّالِث ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ مِنْ إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصِّفَة , وَلِلْمُسْتَمْلِي \" الْيَوْم الثَّالِث \". ‏ ‏قَوْله ( دَعَتْ بِصُفْرَةٍ ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( نُهِينَا ) ‏ ‏رَوَاهُ أَيُّوب عَنْ اِبْن سِيرِينَ بِلَفْظِ \" أُمِرْنَا بِأَنْ لَا نُحِدّ عَلَى هَالِك فَوْق ثَلَاث \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق , وَلِلطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق قَتَادَة عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أُمّ عَطِيَّة قَالَتْ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" فَذَكَرَهُ مَعْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ نُحِدّ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله مِنْ الرُّبَاعِيّ , وَلَمْ يَعْرِف الْأَصْمَعِيّ غَيْره , وَحَكَى غَيْره فَتْح أَوَّله وَضَمّ ثَانِيه مِنْ الثُّلَاثِيّ يُقَال حَدَّتْ الْمَرْأَة وَأَحَدَّتْ بِمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا بِزَوْجٍ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" إِلَّا لِزَوْجٍ \" بِاللَّامِ , وَوَقَعَ فِي الْعِدَد مِنْ طَرِيقه بِلَفْظِ \" إِلَّا عَلَى زَوْج \" وَالْكُلّ بِمَعْنَى السَّبَبِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "1201",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا جَاءَ نَعْيُ ‏ ‏أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏دَعَتْ ‏ ‏أُمُّ حَبِيبَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏بِصُفْرَةٍ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وَقَالَتْ إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ ‏ ‏تُحِدَّ ‏ ‏عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا ‏ ‏تُحِدُّ ‏ ‏عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏هِيَ رَبِيبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَصَرَّحَ فِي الْعِدَد بِالْإِخْبَارِ بَيْنهَا وَبَيْن حَمَد بْن نَافِع. ‏ ‏قَوْله : ( نَعْي ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْيَاء - وَكَسْر الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْيَاء - هُوَ الْخَبَر بِمَوْتِ الشَّخْص , وَأَبُو سُفْيَان هُوَ اِبْن حَرْب بْن أُمَيَّة وَالِد مُعَاوِيَة. ‏ ‏قَوْله ( دَعَتْ أُمّ حَبِيبَة ) ‏ ‏هِيَ بِنْت أَبِي سُفْيَان الْمَذْكُور. وَفِي قَوْله \" مِنْ الشَّام \" نَظَر , لِأَنَّ أَبَا سُفْيَان مَاتَ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خِلَاف بَيْن أَهْل الْعِلْم بِالْأَخْبَارِ , وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ مَاتَ سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَقِيلَ سَنَة ثَلَاث , وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث تَقْيِيده بِذَلِكَ إِلَّا فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ هَذِهِ وَأَظُنّهَا وَهْمًا , وَكُنْت أَظُنّ أَنَّهُ حُذِفَ مِنْهُ لَفْظ \" اِبْن \" لِأَنَّ الَّذِي جَاءَ نَعْيه مِنْ الشَّام وَأُمّ حَبِيبَة فِي الْحَيَاة هُوَ أَخُوهَا يَزِيد بْن أَبِي سُفْيَان الَّذِي كَانَ أَمِيرًا عَلَى الشَّام , لَكِنْ رَوَاهُ الْمُصَنِّف فِي الْعِدَد مِنْ طَرِيق مَالِك وَمِنْ طَرِيق سُفْيَان الثَّوْرِيّ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد اللَّه بْن بَكْر بْن حَزْم عَنْ حُمَيْدِ بْن نَافِع بِلَفْظِ \" حِين تُوُفِّيَ عَنْهَا أَبُوهَا أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب \" فَظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْقُط مِنْهُ شَيْء , وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ وَاحِد مِنْهُمَا مِنْ الشَّام , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد فِي تَرْجَمَة أُمّ حَبِيبَة مِنْ طَرِيق صَفِيَّة بِنْت أَبِي عُبَيْد عَنْهَا. ثُمَّ وَجَدْت الْحَدِيث فِي مُسْنَد اِبْن أَبِي شَيْبَة قَالَ \" حَدَّثَنَا وَكِيع حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ حُمَيْدِ بْن نَافِع - وَلَفْظه - جَاءَ نَعْي أَخِي أُمِّ حَبِيبَة أَوْ حَمِيم لَهَا فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ فَلَطَّخَتْ بِهِ ذِرَاعَيْهَا \" وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ هَاشِم بْن الْقَاسِم عَنْ شُعْبَة لَكِنْ بِلَفْظِ \" إِنَّ أَخًا لِأُمِّ حَبِيبَة مَاتَ أَوْ حَمِيمًا لَهَا \" وَرَوَاهُ أَحْمَد عَنْ حَجَّاج وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر جَمِيعًا عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" أَنَّ حَمِيمًا لَهَا مَاتَ \" مِنْ غَيْر تَرَدُّد , وَإِطْلَاق الْحَمِيم عَلَى الْأَخ أَقْرَب مِنْ إِطْلَاقه عَلَى الْأَب , فَقَوِيَ الظَّنّ عِنْد هَذَا أَنْ تَكُون الْقِصَّة تَعَدَّدَتْ لِزَيْنَب مَعَ أُمّ حَبِيبَة عِنْد وَفَاة أَخِيهَا يَزِيد ثُمَّ عِنْد وَفَاة أَبِيهَا أَبِي سُفْيَان لَا مَانِع مِنْ ذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( بِصُفْرَةٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك الْمَذْكُورَة \" بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَة خَلُوق \" وَزَادَ فِيهِ \" فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَة ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا \" أَيْ بِعَارِضَيْ نَفْسهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1202",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ‏ ‏تُحِدُّ ‏ ‏عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ بِهِ ثُمَّ قَالَتْ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ‏ ‏تُحِدُّ ‏ ‏عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس اِبْن أُخْت مَالِك. وَسَاقَ الْحَدِيث هُنَا مِنْ طَرِيق مَالِك مُخْتَصَرًا , وَأَوْرَدَهُ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيقه فِي الْعِدَد كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ دَخَلْتُ ) ‏ ‏هُوَ مَقُول زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة , وَهُوَ مُصَرَّح بِهِ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْعِدَد وَظَاهِره أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة وَقَعَتْ بَعْد قِصَّة أُمّ حَبِيبَة , وَلَا يَصِحّ ذَلِكَ إِلَّا إِنْ قُلْنَا بِالتَّعَدُّدِ , وَيَكُون ذَلِكَ عَقِب وَفَاة يَزِيد بْن أَبِي سُفْيَان لِأَنَّ وَفَاته سَنَة ثَمَانِ عَشْرَةَ أَوْ تِسْعَ عَشْرَةَ , وَلَا يَصِحّ أَنْ يَكُون ذَلِكَ عِنْد وَفَاة أَبِيهِ لِأَنَّ زَيْنَب بِنْت جَحْش مَاتَتْ قَبْل أَبِي سُفْيَان بِأَكْثَر مِنْ عَشْر سِنِينَ عَلَى الصَّحِيح الْمَشْهُور عِنْد أَهْل الْعِلْم بِالْأَخْبَارِ , فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُرِدْ تَرْتِيب الْوَقَائِع وَإِنَّمَا أَرَادَتْ تَرْتِيب الْأَخْبَار. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ \" وَدَخَلْت \" وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي التَّرْتِيب وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( حِين تُوُفِّيَ أَخُوهَا ) ‏ ‏لَمْ أَتَحَقَّق مِنْ الْمُرَاد بِهِ , لِأَنَّ لِزَيْنَبَ ثَلَاثَة إِخْوَة : عَبْد اللَّه وَعَبْد بِغَيْرِ إِضَافَة وَعُبَيْد اللَّه بِالتَّصْغِيرِ , فَأَمَّا الْكَبِير فَاسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَكَانَتْ زَيْنَب إِذْ ذَاكَ صَغِيرَة جِدًّا لِأَنَّ أَبَاهَا أَبَا سَلَمَة مَاتَ بَعْد بَدْر وَتَزَوَّجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمّهَا أُمّ سَلَمَة وَهِيَ صَغِيرَة تَرْضَع كَمَا سَيَأْتِي فِي الرَّضَاع أَنَّ أُمّهَا حَلَّتْ مِنْ عِدَّتهَا مِنْ أَبِي سَلَمَة بِوَضْعِ زَيْنَب هَذِهِ , فَانْتَفَى أَنْ يَكُون هُوَ الْمُرَاد هُنَا , وَإِنْ كَانَ وَقَعَ فِي كَثِير مِنْ الْمُوَطَّآت بِلَفْظِ \" حِين تُوُفِّيَ أَخُوهَا عَبْد اللَّه \" كَمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب وَغَيْره عَنْ مَالِك , وَأَمَّا عَبْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَة فَيُعْرَف بِأَبِي حُمَيْدٍ وَكَانَ شَاعِرًا أَعْمَى وَعَاشَ إِلَى خِلَافَة عُمَر , وَقَدْ جَزَمَ إِسْحَاق وَغَيْره مِنْ أَهْل الْعِلْم بِالْأَخْبَارِ بِأَنَّهُ مَاتَ بَعْد أُخْته زَيْنَب بِسَنَةٍ , وَرَوَى اِبْن سَعْد فِي تَرْجَمَتهَا فِي الطَّبَقَات مِنْ وَجْهَيْنِ أَنَّ أَبَا حُمَيْدٍ الْمَذْكُور حَضَرَ جِنَازَة زَيْنَب مَعَ عُمَر وَحُكِيَ عَنْهُ مُرَاجَعَة لَهُ بِسَبَبِهَا , وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادهمَا الْوَاقِدِيّ لَكِنْ يُسْتَشْهَد بِهِ فِي مِثْل هَذَا , فَانْتَفَى أَنَّ كَوْن هَذَا الْأَخِير الْمُرَاد , وَأَمَّا عُبَيْد اللَّه الْمُصَغَّر فَأَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ بِزَوْجَتِهِ أُمّ حَبِيبَة بِنْت أَبِي سُفْيَان إِلَى الْحَبَشَة ثُمَّ تَنَصَّرَ هُنَاكَ وَمَاتَ فَتَزَوَّجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْده أُمّ حَبِيبَة , فَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ الْمُرَاد لِأَنَّ زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة عِنْدَمَا جَاءَ الْخَبَر بِوَفَاةِ عُبَيْد اللَّه كَانَتْ فِي سِنّ مَنْ يَضْبِط , وَلَا مَانِع أَنْ يَحْزَن الْمَرْء عَلَى قَرِيبه الْكَافِر وَلَا سِيَّمَا إِذَا تَذَكَّرَ سُوء مَصِيره. وَلَعَلَّ الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْمُوَطَّأ \" حِين تُوُفِّيَ أَخُوهَا عَبْد اللَّه \" كَانَتْ عُبَيْد اللَّه بِالتَّصْغِيرِ فَلَمْ يَضْبِطهَا الْكَاتِب وَاَللَّه أَعْلَم. وَيُعَكِّر عَلَى هَذَا قَوْل مَنْ قَالَ إِنْ عُبَيْد اللَّه مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَة فَتَزَوَّجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبِيبَة , فَإِنَّ ظَاهِرهَا أَنَّ تَزَوُّجهَا كَانَ بَعْد مَوْت عُبَيْد اللَّه , وَتَزْوِيجهَا وَقَعَ وَهِيَ بِأَرْضِ الْحَبَشَة وَقَبْل أَنْ تَسْمَع النَّهْي , وَأَيْضًا فَفِي السِّيَاق \" ثُمَّ دَخَلْت عَلَى زَيْنَب \" بَعْد قَوْلهَا دَخَلَتْ عَلَى أُمّ حَبِيبَة , وَهُوَ ظَاهِر فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد مَوْت قَرِيب زَيْنَب بِنْت جَحْش الْمَذْكُور وَهُوَ بَعْد مَجِيء أُمّ حَبِيبَة مِنْ الْحَبَشَة بِمُدَّةٍ طَوِيلَة , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الظَّنّ هُوَ الْوَاقِع اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون أَخًا لِزَيْنَب بِنْت جَحْش مِنْ أُمّهَا أَوْ مِنْ الرَّضَاعَة , أَوْ يُرَجَّح مَا حَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره مِنْ أَنَّ زَيْنَب بِنْت أَبَى سَلَمَة وُلِدَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَة فَإِنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُون لَهَا عِنْد وَفَاة عَبْد اللَّه بْن جَحْش أَرْبَع سِنِينَ , وَمَا مِثْلهَا يُضْبَط فِي مِثْلهَا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَسَّتْ بِهِ ) ‏ ‏أَيْ شَيْئًا مِنْ جَسَدهَا , وَسَيَأْتِي فِي الطَّرِيق الَّتِي فِي الْعَدَد بِلَفْظِ \" فَمَسَّتْ مِنْهُ \" وَسَيَأْتِي فِيهِ لِزَيْنَب حَدِيث آخَر عَنْ أُمّهَا أُمّ سَلَمَة فِي الْإِحْدَاد أَيْضًا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1203",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي قَالَتْ إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي وَلَمْ تَعْرِفْهُ فَقِيلَ لَهَا إِنَّهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ فَقَالَتْ لَمْ أَعْرِفْكَ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ ‏ ‏الصَّدْمَةِ ‏ ‏الْأُولَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بِامْرَأَةٍ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا وَلَا اِسْم صَاحِب الْقَبْر , وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ مَا يُشْعِر بِأَنَّهُ وَلَدهَا وَلَفْظه \" تَبْكِي عَلَى صَبِيّ لَهَا \" وَصُرِّحَ بِهِ فِي مُرْسَل يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عِنْد عَبْد الرَّزَّاق وَلَفْظه \" قَدْ أُصِيبَتْ بِوَلَدِهَا \" وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِل كِتَاب الْأَحْكَام مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ شُعْبَة عَنْ ثَابِت \" أَنَّ أَنَسًا قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْله : تَعْرِفِينَ فُلَانَةَ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ. قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهَا \" فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اِتَّقِي اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" فَقَالَ يَا أَمَة اللَّه اِتَّقِي اللَّه \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الظَّاهِر أَنَّهُ كَانَ فِي بُكَائِهَا قَدْر زَائِد مِنْ نَوْح أَوْ غَيْره , وَلِهَذَا أَمَرَهَا بِالتَّقْوَى. ‏ ‏قُلْت : يُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي مُرْسَل يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير الْمَذْكُور \" فَسَمِعَ مِنْهَا مَا يُكْرَه فَوَقَفَ عَلَيْهَا \" وَقَالَ الطِّيبِيّ : قَوْله \" اِتَّقِي اللَّه \" تَوْطِئَة لِقَوْلِهِ \" وَاصْبِرِي \" كَأَنَّهُ قِيلَ لَهَا خَافِي غَضَب اللَّه إِنْ لَمْ تَصْبِرِي وَلَا تَجْزَعِي لِيَحْصُل لَك الثَّوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَيْك عَنِّي ) ‏ ‏هُوَ مِنْ أَسْمَاء الْأَفْعَال , وَمَعْنَاهَا تَنَحَّ وَابْعُدْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَام مِنْ وَجْه آخَر عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" فَإِنَّك خِلْو مِنْ مُصِيبَتِي \" وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام , وَلِمُسْلِمٍ \" مَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي \" وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهَا قَالَتْ \" يَا عَبْد اللَّه إِنِّي أَنَا الْحَرَّى الثَّكْلَى , وَلَوْ كُنْت مُصَابًا عَذَرْتنِي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ تَعْرِفهُ ) ‏ ‏جُمْلَة حَالِيَّة أَيْ خَاطَبْته بِذَلِكَ وَلَمْ تَعْرِف أَنَّهُ رَسُول اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ لَهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَحْكَام \" فَمَرَّ بِهَا رَجُل فَقَالَ لَهَا : إِنَّهُ رَسُول اللَّه , فَقَالَتْ : مَا عَرَفْته \" وَفِي رِوَايَة أَبِي يَعْلَى الْمَذْكُورَة \" قَالَ فَهَلْ تَعْرِفِينَهُ ؟ قَالَتْ : لَا \" وَلِلطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط مِنْ طَرِيق عَطِيَّة عَنْ أَنَس أَنَّ الَّذِي سَأَلَهَا هُوَ الْفَضْل بْن الْعَبَّاس , وَزَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة لَهُ \" فَأَخَذَهَا مِثْل الْمَوْت \" أَيْ مِنْ شِدَّة الْكَرْب الَّذِي أَصَابَهَا لَمَّا عَرَفَتْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَجَلًا مِنْهُ وَمَهَابَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ تَجِد عِنْده بَوَّابِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَحْكَام \" بَوَّابًا \" بِالْإِفْرَادِ قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : فَائِده هَذِهِ الْجُمْلَة مِنْ هَذَا الْخَبَر بَيَان عُذْر هَذِهِ الْمَرْأَة فِي كَوْنهَا لَمْ تَعْرِفهُ , وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ شَأْنه أَنْ لَا يَتَّخِذ بَوَّابًا مَعَ قُدْرَته عَلَى ذَلِكَ تَوَاضُعًا , وَكَانَ مِنْ شَأْنه أَنَّهُ لَا يَسْتَتْبِع النَّاس وَرَاءَهُ إِذَا مَشَى كَمَا جَرَتْ عَادَة الْمُلُوك وَالْأَكَابِر , فَلِذَلِكَ اِشْتَبَهَ عَلَى الْمَرْأَة فَلَمْ تَعْرِفهُ مَعَ مَا كَانَتْ فِيهِ مِنْ شَاغِل الْوَجْد وَالْبُكَاء. وَقَالَ الطِّيبِيّ : فَائِدَة هَذِهِ الْجُمْلَة أَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهَا إِنَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَشْعَرَتْ خَوْفًا وَهَيْبَة فِي نَفْسهَا فَتَصَوَّرَتْ أَنَّهُ مِثْل الْمُلُوك لَهُ حَاجِب وَبَوَّاب يَمْنَع النَّاس مِنْ الْوُصُول إِلَيْهِ , فَوَجَدَتْ الْأَمْر بِخِلَافِ مَا تَصَوَّرَتْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَتْ : لَمْ أَعْرِفك ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَقَالَتْ وَاَللَّه مَا عَرَفْتُك \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا الصَّبْر عِنْد الصَّدْمَة الْأُولَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَحْكَام \" عِنْد أَوَّل صَدْمَة \" وَنَحْوه لِمُسْلِمٍ , وَالْمَعْنَى إِذَا وَقَعَ الثَّبَات أَوَّل شَيْء يَهْجُم عَلَى الْقَلْب مِنْ مُقْتَضَيَات الْجَزَع فَذَلِكَ هُوَ الصَّبْر الْكَامِل الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْأَجْر , وَأَصْل الصَّدْم ضَرْب الشَّيْء الصُّلْب بِمِثْلِهِ فَاسْتُعِيرَ لِلْمُصِيبَةِ الْوَارِدَة عَلَى الْقَلْب , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمَعْنَى أَنَّ الصَّبْر الَّذِي يُحْمَد عَلَيْهِ صَاحِبه مَا كَانَ عِنْد مُفَاجَأَة الْمُصِيبَة , بِخِلَافِ مَا بَعْد ذَلِكَ فَإِنَّهُ عَلَى الْأَيَّام يَسْلُو. وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ غَيْره أَنَّ الْمَرْء لَا يُؤْجَر عَلَى الْمُصِيبَة لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ صُنْعه , وَإِنَّمَا يُؤْجَر عَلَى حُسْن تَثَبُّته وَجَمِيل صَبْره. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : أَرَادَ أَنْ لَا يَجْتَمِع عَلَيْهَا مُصِيبَة الْهَلَاك وَفَقْد الْأَجْر. وَقَالَ الطِّيبِيّ : صَدَرَ هَذَا الْجَوَاب مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلهَا لَمْ أَعْرِفك عَلَى أُسْلُوب الْحَكِيم كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا : دَعِي الِاعْتِذَار فَإِنِّي لَا أَغْضَب لِغَيْرِ اللَّه وَانْظُرِي لِنَفْسِك. وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير :. فَائِدَة جَوَاب الْمَرْأَة بِذَلِكَ أَنَّهَا لَمَّا جَاءَتْ طَائِعَة لِمَا أَمَرَهَا بِهِ مِنْ التَّقْوَى وَالصَّبْر مُعْتَذِرَة عَنْ قَوْلهَا الصَّادِر عَنْ الْحُزْن بَيَّنَ لَهَا أَنَّ حَقّ هَذَا الصَّبْر أَنْ يَكُون فِي أَوَّل الْحَال , فَهُوَ الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الثَّوَاب اِنْتَهَى. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُورَة \" فَقَالَتْ أَنَا أَصْبِر , أَنَا أَصْبِر \" وَفِي مُرْسَل يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير الْمَذْكُور \" فَقَالَ اِذْهَبِي إِلَيْك , فَإِنَّ الصَّبْر عِنْد الصَّدْمَة الْأُولَى \" وَزَادَ عَبْد الرَّزَّاق فِيهِ مِنْ مُرْسَل الْحَسَن \" وَالْعِبْرَة لَا يَمْلِكهَا اِبْن آدَم \". وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث فِي زِيَارَة الْقُبُور مَعَ اِحْتِمَال أَنْ تَكُون الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة تَأَخَّرَتْ بَعْد الدَّفْن عِنْد الْقَبْر وَالزِّيَارَة إِنَّمَا تُطْلَق عَلَى مَنْ أَنْشَأَ إِلَى الْقَبْر قَصْدًا مِنْ جِهَة اِسْتِوَاء الْحُكْم فِي حَقّهَا حَيْثُ أَمَرَهَا بِالتَّقْوَى وَالصَّبْر لِمَا رَأَى مِنْ جَزَعهَا وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهَا الْخُرُوج مِنْ بَيْتهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ جَائِز , وَهُوَ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون خُرُوجهَا لِتَشْيِيعِ مَيِّتهَا فَأَقَامَتْ عِنْد الْقَبْر بَعْد الدَّفْن أَوْ أَنْشَأَتْ قَصْد زِيَارَته بِالْخُرُوجِ بِسَبَبِ الْمَيِّت. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ مَا كَانَ فِيهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّوَاضُع وَالرِّفْق بِالْجَاهِلِ , وَمُسَامَحَة الْمُصَاب وَقَبُول اِعْتِذَاره , وَمُلَازَمَة الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر. وَفِيهِ أَنَّ الْقَاضِي لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذ مَنْ يَحْجُبهُ عَنْ حَوَائِج النَّاس , وَأَنَّ مَنْ أُمِرَ بِمَعْرُوفٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَل وَلَوْ لَمْ يَعْرِف الْآمِرَ. وَفِيهِ أَنَّ الْجَزَع مِنْ الْمَنْهِيَّات لِأَمْرِهِ لَهَا بِالتَّقْوَى مَقْرُونًا بِالصَّبْرِ. وَفِيهِ التَّرْغِيب فِي اِحْتِمَال الْأَذَى عِنْد بَذْل النَّصِيحَة وَنَشْر الْمَوْعِظَة , وَأَنَّ الْمُوَاجَهَة بِالْخِطَابِ إِذَا لَمْ تُصَادِف الْمَنْوِيّ لَا أَثَر لَهَا. وَبَنَى عَلَيْهِ بَعْضهمْ مَا إِذَا قَالَ يَا هِنْد أَنْتِ طَالِق فَصَادَفَ عَمْرَة أَنَّ عَمْرَة لَا تَطْلُق. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز زِيَارَة الْقُبُور سَوَاء كَانَ الزَّائِر رَجُلًا أَوْ اِمْرَأَة كَمَا تَقَدَّمَ , وَسَوَاء كَانَ الْمَزُور مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا , لِعَدَمِ الِاسْتِفْصَال فِي ذَلِكَ. قَالَ النَّوَوِيّ : وَبِالْجَوَازِ قَطَعَ الْجُمْهُور , وَقَالَ صَاحِب الْحَاوِي : لَا تَجُوز زِيَارَة قَبْر الْكَافِر , وَهُوَ غَلَط اِنْتَهَى. وَحُجَّة الْمَاوَرْدِيّ قَوْله تَعَالَى ( وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ) , وَفِي الِاسْتِدْلَال بِهِ نَظَر لَا يَخْفَى. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : قَدَّمَ الْمُصَنِّف تَرْجَمَة زِيَارَة الْقُبُور عَلَى غَيْرهَا مِنْ أَحْكَام تَشْيِيع الْجِنَازَة وَمَا بَعْد ذَلِكَ مِمَّا يَتَقَدَّم الزِّيَارَة لِأَنَّ الزِّيَارَة يَتَكَرَّر وُقُوعهَا فَجَعَلَهَا أَصْلًا وَمِفْتَاحًا لِتِلْكَ الْأَحْكَام اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَأَشَارَ أَيْضًا إِلَى أَنَّ مُنَاسَبَة تَرْجَمَة زِيَارَة الْقُبُور تُنَاسِب اِتِّبَاع النِّسَاء الْجَنَائِز , فَكَأَنَّهُ أَرَادَ حَصْر الْأَحْكَام الْمُتَعَلِّقَة بِخُرُوجِ النِّسَاء مُتَوَالِيَة. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1204",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏وَمُحَمَّدٌ ‏ ‏قَالَا أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرْسَلَتْ ‏ ‏ابْنَةُ ‏ ‏النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَأْتِنَا فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ ‏ ‏إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا فَقَامَ وَمَعَهُ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ‏ ‏وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏وَرِجَالٌ فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ ‏ ‏تَتَقَعْقَعُ ‏ ‏قَالَ حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا ‏ ‏شَنٌّ ‏ ‏فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا فَقَالَ هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْدَان وَمُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُقَاتِل , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي عُثْمَان ) ‏ ‏هُوَ النَّهْدِيّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق حَمَّاد عَنْ عَاصِم , وَفِي رِوَايَة شُعْبَة فِي أَوَاخِر الطِّبّ عَنْ عَاصِم سَمِعْت أَبَا عُثْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْسَلَتْ بِنْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هِيَ زَيْنَبُ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ عَاصِم الْمَذْكُور فِي مُصَنَّف اِبْن أَبِي شَيْبَة. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اِبْنًا لِي ) ‏ ‏قِيلَ هُوَ عَلِيّ بْن أَبِي الْعَاصِ بْن الرَّبِيع , وَهُوَ مِنْ زَيْنَب كَذَا كَتَبَ الدِّمْيَاطِيّ بِخَطِّهِ فِي الْحَاشِيَة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَمْ يَقَع مُسَمًّى فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث. وَأَيْضًا فَقَدْ ذَكَرَ الزُّبَيْر بْن بَكَّار وَغَيْره مِنْ أَهْل الْعِلْم بِالْأَخْبَارِ أَنَّ عَلِيًّا الْمَذْكُور عَاشَ حَتَّى نَاهَزَ الْحُلُم , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْدَفَهُ عَلَى رَاحِلَته يَوْم فَتْح مَكَّة , وَمِثْل هَذَا لَا يُقَال فِي حَقّه صَبِيّ عُرْفًا , وَإِنْ جَازَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَة. وَوَجَدْت فِي الْأَنْسَاب لِلْبَلَاذُرِيّ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن عَفَّان مِنْ رُقَيَّة بِنْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَاتَ وَضَعَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِجْره وَقَالَ \" إِنَّمَا يَرْحَم اللَّه مِنْ عِبَاده الرُّحَمَاء \" وَفِي مُسْنَد الْبَزَّار مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ ثَقُلَ اِبْن لِفَاطِمَةَ فَبَعَثَتْ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث الْبَاب وَفِيهِ مُرَاجَعَة سَعْد بْن عُبَادَة فِي الْبُكَاء , فَعَلَى هَذَا فَالِابْن الْمَذْكُور مُحْسِن بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , وَقَدْ اِتَّفَقَ أَهْل الْعِلْم بِالْأَخْبَارِ أَنَّهُ مَاتَ صَغِيرًا فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَهَذَا أَوْلَى أَنْ يُفَسَّر بِهِ الِابْن إِنْ ثَبَتَ أَنَّ الْقِصَّة كَانَتْ لِصَبِيٍّ وَلَمْ يَثْبُت أَنَّ الْمُرْسِلَة زَيْنَب , لَكِنَّ الصَّوَاب فِي حَدِيث الْبَاب أَنَّ الْمُرْسِلَة زَيْنَب وَأَنَّ الْوَلَد صَبِيَّة كَمَا ثَبَتَ فِي مُسْنَد أَحْمَد عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور وَلَفْظه \" أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَامَةَ بِنْت زَيْنَب \" زَادَ سَعْدَان بْن نَصْر فِي الثَّانِي مِنْ حَدِيثه عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة بِهَذَا الْإِسْنَاد \" وَهِيَ لِأَبِي الْعَاصِ بْن الرَّبِيع وَنَفْسهَا تَقَعْقَع كَأَنَّهَا فِي شَنّ \" فَذَكَرَ حَدِيث الْبَاب , وَفِيهِ مُرَاجَعَة سَعْد بْن عُبَادَة. وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو سَعِيد بْن الْأَعْرَابِيّ فِي مُعْجَمه عَنْ سَعْدَان , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة بَعْضهمْ أُمَيْمَة بِالتَّصْغِيرِ , وَهِيَ أُمَامَةُ الْمَذْكُورَة , فَقَدْ اِتَّفَقَ أَهْل الْعِلْم بِالنَّسَبِ أَنَّ زَيْنَب لَمْ تَلِد لِأَبِي الْعَاصِ إِلَّا عَلِيًّا وَأُمَامَة فَقَطْ , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ أَهْل الْعِلْم بِالْأَخْبَارِ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أُمَامَةَ بِنْت أَبِي الْعَاصِ مِنْ زَيْنَب بِنْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشَتْ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَزَوَّجَهَا عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب بَعْد وَفَاة فَاطِمَة , ثُمَّ عَاشَتْ عِنْد عَلِيّ حَتَّى قُتِلَ عَنْهَا. وَيُجَاب بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث الْبَاب \" أَنَّ اِبْنًا لِي قُبِضَ \" أَيْ قَارَبَ أَنْ يُقْبَض , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَة حَمَّاد \" أَرْسَلَتْ تَدْعُوهُ إِلَى اِبْنهَا فِي الْمَوْت \" وَفِي رِوَايَة شُعْبَة \" أَنَّ اِبْنَتِي قَدْ حَضَرَتْ \" وَهُوَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقه أَنَّ اِبْنِي أَوْ اِبْنَتِي , وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الصَّوَاب قَوْل مَنْ قَالَ اِبْنَتِي لَا اِبْنِي , وَمُؤَيِّده مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي تَرْجَمَة عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فِي الْمُعْجَم الْكَبِير مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ \" اُسْتُعِزَّ بِأُمَامَةَ بِنْت أَبِي الْعَاصِ فَبَعَثَتْ زَيْنَب بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ تَقُول لَهُ \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث أُسَامَة وَفِيهِ مُرَاجَعَة سَعْد فِي الْبُكَاء وَغَيْر ذَلِكَ , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" اُسْتُعِزَّ \" بِضَمِّ الْمُثَنَّاة وَكَسْر الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الزَّاي أَيْ اِشْتَدَّ بِهَا الْمَرَض وَأَشْرَفَتْ عَلَى الْمَوْت , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَكْرَمَ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَلَّمَ لِأَمْرِ رَبّه وَصَبَّرَ اِبْنَته وَلَمْ يَمْلِك مَعَ ذَلِكَ عَيْنَيْهِ مِنْ الرَّحْمَة وَالشَّفَقَة بِأَنْ عَافَى اللَّه اِبْنَة اِبْنَته فِي ذَلِكَ الْوَقْت فَخَلَصَتْ مِنْ تِلْكَ الشِّدَّة وَعَاشَتْ تِلْكَ الْمُدَّة , وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَر فِي دَلَائِل النُّبُوَّة وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. ‏ ‏قَوْله : ( يُقْرِئ السَّلَامَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى ) ‏ ‏قَدَّمَ ذِكْر الْأَخْذ عَلَى الْإِعْطَاء - وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا فِي الْوَاقِع - لِمَا يَقْتَضِيه الْمَقَام , وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي أَرَادَ اللَّه أَنْ يَأْخُذهُ هُوَ الَّذِي كَانَ أَعْطَاهُ , فَإِنْ أَخَذَهُ أَخَذَ مَا هُوَ لَهُ , فَلَا يَنْبَغِي الْجَزَع لِأَنَّ مُسْتَوْدَع الْأَمَانَة لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْزَع إِذَا اُسْتُعِيدَتْ مِنْهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْإِعْطَاءِ إِعْطَاء الْحَيَاة لِمَنْ بَقِيَ بَعْد الْمَيِّت , أَوْ ثَوَابهمْ عَلَى الْمُصِيبَة , أَوْ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ. وَ \" مَا \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَصْدَرِيَّة , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مَوْصُولَة وَالْعَائِد مَحْذُوف , فَعَلَ الْأَوَّل التَّقْدِير لِلَّهِ الْأَخْذ وَالْإِعْطَاء , وَعَلَى الثَّانِي لِلَّهِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ الْأَوْلَاد وَلَهُ مَا أَعْطَى مِنْهُمْ , أَوْ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكُلّ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْأَخْذ وَالْإِعْطَاء - أَوْ مِنْ الْأَنْفُس - أَوْ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ , وَهِيَ جُمْلَة اِبْتِدَائِيَّة مَعْطُوفَة عَلَى الْجُمْلَة الْمُؤَكَّدَة , وَيَجُوز فِي كُلّ النَّصْب عَطْفًا عَلَى اِسْم إِنَّ فَيَنْسَحِب التَّأْكِيد أَيْضًا عَلَيْهِ , وَمَعْنَى الْعِنْدِيَّة الْعِلْم فَهُوَ مِنْ مَجَاز الْمُلَازَمَة , وَالْأَجَل يُطْلَق عَلَى الْحَدّ الْأَخِير وَعَلَى مَجْمُوع الْعُمْر , ‏ ‏وَقَوْله ( مُسَمًّى ) ‏ ‏أَيْ مَعْلُوم مُقَدَّر أَوْ نَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلْتَحْتَسِبْ ) ‏ ‏أَيْ تَنْوِي بِصَبْرِهَا طَلَب الثَّوَاب مِنْ رَبّهَا , لِيُحْسَب لَهَا ذَلِكَ مِنْ عَمَلهَا الصَّالِح ‏ ‏قَوْله ( فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِم ) ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف أَنَّهَا رَاجَعَتْهُ مَرَّتَيْنِ وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَامَ فِي ثَالِث مَرَّة , وَكَأَنَّهَا أَلَحَّتْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ دَفْعًا لِمَا يَظُنّهُ بَعْض أَهْل الْجَهْل أَنَّهَا نَاقِصَة الْمَكَانَة عِنْده , أَوْ أَلْهَمَهَا اللَّه تَعَالَى أَنَّ حُضُور نَبِيّه عِنْدهَا يَدْفَع عَنْهَا مَا هِيَ فِيهِ مِنْ الْأَلَم بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ وَحُضُوره , فَحَقَّقَ اللَّه ظَنّهَا. وَالظَّاهِر أَنَّهُ اِمْتَنَعَ أَوَّلًا مُبَالَغَة فِي إِظْهَار التَّسْلِيم لِرَبِّهِ , أَوْ لِيُبَيِّن الْجَوَاز فِي أَنَّ مَنْ دُعِيَ لِمِثْلِ ذَلِكَ لَمْ تَجِب عَلَيْهِ الْإِجَابَة بِخِلَافِ الْوَلِيمَة مَثَلًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ وَمَعَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَمَّاد \" فَقَامَ وَقَامَ مَعَهُ رِجَال \" وَقَدْ سُمِّيَ مِنْهُمْ غَيْر مَنْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة عُبَادَة بْن الصَّامِت وَهُوَ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد فِي أَوَائِل التَّوْحِيد , وَفِي رِوَايَة شُعْبَة أَنَّ أُسَامَة رَاوِي الْحَدِيث كَانَ مَعَهُمْ , وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعْبَة فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور وَأَبِي أَوْ أُبَيّ كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ هَلْ قَالَهَا بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة وَتَخْفِيف الْيَاء أَوْ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَفَتْح الْمُوَحَّدَة وَالتَّشْدِيد , فَعَلَى الْأَوَّل يَكُون مَعَهُمْ زَيْد بْن حَارِثَة أَيْضًا لَكِنَّ الثَّانِي أَرْجَح لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي رِوَايَة هَذَا الْبَاب بِلَفْظِ \" وَأُبَيّ بْن كَعْب \" وَالظَّاهِر أَنَّ الشَّكّ فِيهِ مِنْ شُعْبَة لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة غَيْره وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَفَعَ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِالرَّاءِ , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد \" فَدَفَعَ \" بِالدَّالِ وَبَيَّنَ فِي رِوَايَة شُعْبَة أَنَّهُ وُضِعَ فِي حِجْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي هَذَا السِّيَاق حَذْف وَالتَّقْدِير فَمَشَوْا إِلَى أَنْ وَصَلُوا إِلَى بَيْتهَا فَاسْتَأْذَنُوا فَأُذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا فَرُفِعَ , وَوَقَعَ بَعْض هَذَا الْمَحْذُوف فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد وَلَفْظه \" فَلَمَّا دَخَلْنَا نَاوَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّبِيّ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَنَفْسه تَقَعْقَع قَالَ. حَسِبْت أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنّ ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَجَزَمَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة حَمَّاد وَلَفْظه \" وَنَفْسه تَقَعْقَع كَأَنَّهَا فِي شَنّ \" وَالْقَعْقَعَة حِكَايَة صَوْت الشَّيْء الْيَابِس إِذَا حُرِّكَ , وَالشَّنّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد النُّون الْقِرْبَة الْخَلِقَة الْيَابِسَة , وَعَلَى الرِّوَايَة الثَّانِيَة شَبَّهَ الْبَدَن بِالْجِلْدِ الْيَابِس الْخَلَق وَحَرَكَة الرُّوح فِيهِ بِمَا يُطْرَح فِي الْجِلْد مِنْ حَصَاة وَنَحْوهَا. وَأَمَّا الرِّوَايَة الْأُولَى فَكَأَنَّهُ شَبَّهَ النَّفْس بِنَفْسِ الْجِلْد وَهُوَ أَبْلَغ فِي الْإِشَارَة إِلَى شِدَّة الضَّعْف وَذَلِكَ أَظْهَر فِي التَّشْبِيه. ‏ ‏قَوْله : ( فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة شُعْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ سَعْد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُبَادَة الْمَذْكُور , وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَاحِد \" فَقَالَ عُبَادَة بْن الصَّامِت \" وَالصَّوَاب مَا فِي الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله ( مَا هَذَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد \" فَقَالَ سَعْد بْن عُبَادَة أَتَبْكِي \" زَادَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" وَتَنْهَى عَنْ الْبُكَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ هَذِهِ ) ‏ ‏أَيْ الدَّمْعَة أَثَر رَحْمَة , أَيْ أَنَّ الَّذِي يَفِيض مِنْ الدَّمْع مِنْ حُزْن الْقَلْب بِغَيْرِ تَعَمُّد مِنْ صَاحِبه وَلَا اِسْتِدْعَاء لَا مُؤَاخَذَة عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا الْمَنْهِيّ عَنْهُ الْجَزَع وَعَدَم الصَّبْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّمَا يَرْحَم اللَّه مِنْ عِبَاده الرُّحَمَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة فِي أَوَاخِر الطِّبّ \" وَلَا يَرْحَم اللَّه مِنْ عِبَاده إِلَّا الرُّحَمَاء \" وَمِنْ فِي قَوْله مِنْ عِبَاده بَيَانِيَّة , وَهِيَ حَال مِنْ الْمَفْعُول قَدَّمَهُ فَيَكُون أَوْقَع , وَالرُّحَمَاء جَمْع رَحِيم وَهُوَ مِنْ صِيَغ الْمُبَالَغَة وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ رَحْمَة اللَّه تَخْتَصّ بِمَنْ اِتَّصَفَ بِالرَّحْمَةِ وَتَحَقَّقَ بِهَا بِخِلَافِ مَنْ فِيهِ أَدْنَى رَحْمَة , لَكِنْ ثَبَتَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره \" الرَّاحِمُونَ يَرْحَمهُمْ الرَّحْمَن \" وَالرَّاحِمُونَ جَمْع رَاحِم فَيَدْخُل كُلّ مَنْ فِيهِ أَدْنَى رَحْمَة , وَقَدْ ذَكَرَ الْحَرْبِيّ مُنَاسَبَة الْإِتْيَان بِلَفْظِ الرُّحَمَاء فِي حَدِيث الْبَاب بِمَا حَاصِله أَنَّ لَفْظ الْجَلَالَة دَالّ عَلَى الْعَظَمَة , وَقَدْ عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّهُ حَيْثُ وَرَدَ يَكُون الْكَلَام مَسُوقًا لِلتَّعْظِيمِ , فَلَمَّا ذُكِرَ هُنَا نَاسَبَ ذِكْر مَنْ كَثُرَتْ رَحْمَته وَعَظَمَته لِيَكُونَ الْكَلَام جَارِيًا عَلَى نَسَق التَّعْظِيم , بِخِلَافِ الْحَدِيث الْآخَر فَإِنَّ لَفْظ الرَّحْمَن دَالّ عَلَى الْعَفْو فَنَاسَبَ أَنْ يُذْكَر مَعَهُ كُلّ ذِي رَحْمَة وَإِنْ قَلَّتْ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ جَوَاز اِسْتِحْضَار ذَوِي الْفَضْل لِلْمُحْتَضَرِ لِرَجَاءِ بَرَكَتهمْ وَدُعَائِهِمْ وَجَوَاز الْقَسَم عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ , وَجَوَاز الْمَشْي إِلَى التَّعْزِيَة وَالْعِيَادَة بِغَيْرِ إِذْن بِخِلَافِ الْوَلِيمَة , وَجَوَاز إِطْلَاق اللَّفْظ الْمُوهِم لِمَا لَمْ يَقَع بِأَنَّهُ يَقَع مُبَالَغَة فِي ذَلِكَ لِيَنْبَعِث خَاطِر الْمَسْئُول فِي الْمَجِيء لِلْإِجَابَةِ إِلَى ذَلِكَ , وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب إِبْرَار الْقَسَم وَأَمْر صَاحِب الْمُصِيبَة بِالصَّبْرِ قَبْل وُقُوع الْمَوْت لِيَقَع وَهُوَ مُسْتَشْعِر بِالرِّضَا مُقَاوِمًا لِلْحُزْنِ بِالصَّبْرِ , وَإِخْبَار مَنْ يَسْتَدْعِي بِالْأَمْرِ الَّذِي يُسْتَدْعَى مِنْ أَجْله , وَتَقْدِيم السَّلَام عَلَى الْكَلَام , وَعِيَادَة الْمَرِيض وَلَوْ كَانَ مَفْضُولًا أَوْ صَبِيًّا صَغِيرًا. وَفِيهِ أَنَّ أَهْل الْفَضْل لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْطَعُوا النَّاس عَنْ فَضْلهمْ وَلَوْ رُدُّوا أَوَّل مَرَّة , وَاسْتِفْهَام التَّابِع مِنْ إِمَامه عَمَّا يُشْكِل عَلَيْهِ مِمَّا يَتَعَارَض ظَاهِره , وَحُسْن الْأَدَب فِي السُّؤَال لِتَقْدِيمِهِ قَوْله \" يَا رَسُول اللَّه \" عَلَى الِاسْتِفْهَام. وَفِيهِ التَّرْغِيب فِي الشَّفَقَة عَلَى خَلْق اللَّه وَالرَّحْمَة لَهُمْ وَالتَّرْهِيب مِنْ قَسَاوَة الْقَلْب وَجُمُود الْعَيْن , وَجَوَاز الْبُكَاء مِنْ غَيْر نَوْح وَنَحْوه. ‏"
    },
    {
        "id": "1205",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهِدْنَا ‏ ‏بِنْتًا ‏ ‏لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ قَالَ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ قَالَ فَقَالَ ‏ ‏هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفْ اللَّيْلَةَ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَا قَالَ فَانْزِلْ قَالَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْمُسْنَدِيّ , وَأَبُو عَامِر هُوَ الْعَقَدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِلَال ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِنَان الْآتِيَة بَعْد أَبْوَاب \" حَدَّثَنَا هِلَال \". ‏ ‏قَوْله : ( شَهِدْنَا بِنْتًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هِيَ أُمّ كُلْثُوم زَوْج عُثْمَان رَوَاهُ الْوَاقِدِيّ عَنْ فُلَيْح بْن سُلَيْمَان بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَأَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد فِي الطَّبَقَات فِي تَرْجَمَة أُمّ كُلْثُوم , وَكَذَا الدُّولَابِيّ فِي الذُّرِّيَّة الطَّاهِرَة , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الطَّبَرِيّ وَالطَّحَاوِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَرَوَاهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس فَسَمَّاهَا رُقَيَّة أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ الْأَوْسَط وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك , قَالَ الْبُخَارِيّ : مَا أَدْرِي مَا هَذَا , فَإِنَّ رُقَيَّة مَاتَتْ وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَدْرٍ لَمْ يَشْهَدهَا. قُلْت : وَهِمَ حَمَّاد فِي تَسْمِيَتهَا فَقَطْ , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل مَا رَوَاهُ اِبْن سَعْد أَيْضًا فِي تَرْجَمَة أُمّ كُلْثُوم مِنْ طَرِيق عَمْرَة بِنْت عَبْد الرَّحْمَن قَالَتْ : نَزَلَ فِي حُفْرَتهَا أَبُو طَلْحَة. وَأَغْرَبَ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ : هَذِهِ الْبِنْت كَانَتْ لِبَعْضِ بَنَات رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْمَيِّتَة فِي حَدِيث أَنَس هِيَ الْمُحْتَضَرَة فِي حَدِيث أُسَامَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا بَيَّنْته. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يُقَارِف ) ‏ ‏بِقَافٍ وَفَاء , زَادَ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ فُلَيْح \" أُرَاهُ يَعْنِي الذَّنْب \" ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي \" بَاب مَنْ يَدْخُل قَبْر الْمَرْأَة \" تَعْلِيقًا , وَوَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَكَذَا سُرَيْج بْن النُّعْمَان عَنْ فُلَيْح أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ , وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَمْ يُجَامِع تِلْكَ اللَّيْلَة وَبِهِ جَزَمَ اِبْن حَزْم وَقَالَ : مَعَاذ اللَّه أَنْ يَتَبَجَّح أَبُو طَلْحَة عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ لَمْ يُذْنِب تِلْكَ اللَّيْلَة اِنْتَهَى. وَيُقَوِّيه أَنَّ فِي رِوَايَة ثَابِت الْمَذْكُورَة بِلَفْظِ لَا يَدْخُل الْقَبْر أَحَد قَارَفَ أَهْله الْبَارِحَة , فَتَنَحَّى عُثْمَان. وَحُكِيَ عَنْ الطَّحَاوِيّ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يُقَارِف تَصْحِيف , وَالصَّوَاب لَمْ يُقَاوِل أَيْ لَمْ يُنَازِع غَيْره الْكَلَام , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْحَدِيث بَعْد الْعِشَاء وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ تَغْلِيط لِلثِّقَةِ بِغَيْرِ مُسْتَنَد , وَكَأَنَّهُ اسْتَبْعَدَ أَنْ يَقَع لِعُثْمَان ذَلِكَ لِحِرْصِهِ عَلَى مُرَاعَاة الْخَاطِر الشَّرِيف. وَيُجَاب عَنْهُ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون مَرَض الْمَرْأَة طَالَ وَاحْتَاجَ عُثْمَان إِلَى الْوِقَاع , وَلَمْ يَظُنّ عُثْمَان أَنَّهَا تَمُوت تِلْكَ اللَّيْلَة , وَلَيْسَ فِي الْخَبَر مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ وَاقَعَ بَعْد مَوْتهَا بَلْ وَلَا حِين اِحْتِضَارهَا وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز الْبُكَاء كَمَا تَرْجَمَ لَهُ , وَإِدْخَال الرِّجَال الْمَرْأَة قَبْرهَا لِكَوْنِهِمْ أَقْوَى عَلَى ذَلِكَ مِنْ النِّسَاء , وَإِيثَار الْبَعِيد الْعَهْد عَنْ الْمَلَاذ فِي مُوَارَاة الْمَيِّت - وَلَوْ كَانَ اِمْرَأَة - عَلَى الْأَب وَالزَّوْج , وَقِيلَ إِنَّمَا آثَرَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَتْ صَنَعَتْهُ , وَفِيهِ نَظَر فَإِنَّ ظَاهِر السِّيَاق أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِخْتَارَهُ لِذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمْ يَقَع مِنْهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة جِمَاع , وَعَلَّلَ ذَلِكَ بَعْضهمْ بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَأْمَن مِنْ أَنْ يُذَكِّرهُ الشَّيْطَان بِمَا كَانَ مِنْهُ تِلْكَ اللَّيْلَة , وَحُكِيَ عَنْ اِبْن حَبِيب أَنَّ السِّرّ فِي إِيثَار أَبِي طَلْحَة عَلَى عُثْمَان أَنَّ عُثْمَان كَانَ قَدْ جَامَعَ بَعْض جَوَارِيه فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَتَلَطَّفَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْعه مِنْ النُّزُول فِي قَبْر زَوْجَته بِغَيْرِ تَصْرِيح , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد الْمَذْكُورَة \" فَلَمْ يَدْخُل عُثْمَان الْقَبْر \" وَفِيهِ جَوَاز الْجُلُوس عَلَى شَفِير الْقَبْر عِنْد الدَّفْن , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الْبُكَاء بَعْد الْمَوْت , وَحَكَى اِبْن قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ يُكْرَه لِحَدِيثِ جَبْر بْن عَتِيك فِي الْمُوَطَّأ فَإِنَّ فِيهِ \" فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَة \" يَعْنِي إِذَا مَاتَ. وَهُوَ مَحْمُول عَلَى الْأَوْلَوِيَّة , وَالْمُرَاد لَا تَرْفَع صَوْتهَا بِالْبُكَاءِ , وَيُمْكِن أَنْ يُفَرَّق بَيْن الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي ذَلِكَ لِأَنَّ النِّسَاء قَدْ يُفْضِي بِهِنَّ الْبُكَاء إِلَى مَا يُحْذَر مِنْ النَّوْح لِقِلَّةِ صَبْرهنَّ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى جَوَاز الْجُلُوس عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَفِيهِ نَظَر , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي بَاب مُفْرَد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِيهِ فَضِيلَة لِعُثْمَان لِإِيثَارِهِ الصِّدْق وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1206",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تُوُفِّيَتْ ‏ ‏ابْنَةٌ ‏ ‏لِعُثْمَانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا وَحَضَرَهَا ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏وَابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا ‏ ‏أَوْ قَالَ جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ ‏ ‏فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ‏ ‏أَلَا تَنْهَى عَنْ الْبُكَاءِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَدْ كَانَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ صَدَرْتُ مَعَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏حَتَّى إِذَا كُنَّا ‏ ‏بِالْبَيْدَاءِ ‏ ‏إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ ‏ ‏سَمُرَةٍ ‏ ‏فَقَالَ اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ قَالَ فَنَظَرْتُ فَإِذَا ‏ ‏صُهَيْبٌ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ادْعُهُ لِي فَرَجَعْتُ إِلَى ‏ ‏صُهَيْبٍ ‏ ‏فَقُلْتُ ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا أُصِيبَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏دَخَلَ ‏ ‏صُهَيْبٌ ‏ ‏يَبْكِي يَقُولُ وَا أَخَاهُ وَا صَاحِبَاهُ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَا ‏ ‏صُهَيْبُ ‏ ‏أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَلَمَّا مَاتَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏ذَكَرْتُ ذَلِكَ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏رَحِمَ اللَّهُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَقَالَتْ حَسْبُكُمْ الْقُرْآنُ ‏ { ‏وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ‏} ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عِنْدَ ذَلِكَ وَاللَّهُ ‏ { ‏هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ‏} ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏شَيْئًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( بِنْت لِعُثْمَان ) ‏ ‏هِيَ أُمّ أَبَان كَمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَة أَيُّوب. ‏ ‏قَوْله. ( وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنهمَا , أَوْ قَالَ جَلَسْت إِلَى أَحَدهمَا ) ‏ ‏هَذَا شَكّ مِنْ اِبْن جُرَيْجٍ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة قَالَ \" كُنْت جَالِسًا إِلَى جَنْب اِبْن عُمَر وَنَحْنُ نَنْتَظِر جِنَازَة أُمّ أَبَان بِنْت عُثْمَان وَعِنْده عَمْرو بْن عُثْمَان , فَجَاءَ اِبْن عَبَّاس يَقُودهُ قَائِده فَأُرَاهُ أَخْبَرَهُ بِمَكَانِ اِبْن عُمَر فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِي فَكُنْت بَيْنهمَا , فَإِذَا صَوْت مِنْ الدَّار \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عِنْد الْحُمَيْدِيّ \" فَبَكَى النِّسَاء \" فَظَهَرَ السَّبَب فِي قَوْل اِبْن عُمَر لِعَمْرِو بْن عُثْمَان مَا قَالَ , وَالظَّاهِر أَنَّ الْمَكَان الَّذِي جَلَسَ فِيهِ اِبْن عَبَّاس كَانَ أَوْفَق لَهُ مِنْ الْجُلُوس بِجَنْبِ اِبْن عُمَر , أَوْ اِخْتَارَ أَنْ لَا يُقِيم اِبْن أَبِي مُلَيْكَة مِنْ مَكَانه وَيَجْلِس فِيهِ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَر ) ‏ ‏يَعْنِي بِالْقَتْلِ , وَأَفَادَ أَيُّوب فِي رِوَايَته أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَقِب الْحَجَّة الْمَذْكُورَة وَلَفْظه \" فَلَمَّا قَدِمْنَا لَمْ يَلْبَث عُمَر أَنْ أُصِيبَ \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار \" لَمْ يَلْبَث أَنْ طُعِنَ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَلَمَّا مَاتَ عُمَر ) ‏ ‏هَذَا صَرِيح فِي أَنَّ حَدِيث عَائِشَة مِنْ رِوَايَة اِبْن عَبَّاس عَنْهَا , وَرِوَايَة مُسْلِم تُوهِم أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْهَا , وَالْقِصَّة كَانَتْ بَعْد مَوْت عَائِشَة لِقَوْلِهِ فِيهَا \" فَجَاءَ اِبْن عَبَّاس يَقُودهُ قَائِده \" فَإِنَّهُ إِنَّمَا عَمِيَ فِي أَوَاخِر عُمْره , وَيُؤَيِّد كَوْن اِبْن أَبِي مُلَيْكَة لَمْ يَحْمِلهُ عَنْهَا أَنَّ عِنْد مُسْلِم فِي أَوَاخِر الْقِصَّة \" قَالَ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة : وَحَدَّثَنِي الْقَاسِم بْن مُحَمَّد قَالَ لَمَّا بَلَغَ عَائِشَة قَوْل اِبْن عُمَر قَالَتْ : إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونَنِي عَنْ غَيْر كَاذِبِينَ وَلَا مُكَذَّبِينَ , وَلَكِنَّ السَّمْع يُخْطِئ \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ قَدْ حَدَّثَ بِهِ مِرَارًا. وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده أَنَّهُ حَدَّثَ بِذَلِكَ أَيْضًا لَمَّا مَاتَ رَافِع بْن خَدِيج. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏بِسُكُونِ نُون لَكِنْ وَيَجُوز تَشْدِيدهَا. ‏ ‏قَوْله : ( حَسْبُكُمْ ) ‏ ‏بِسُكُونِ السِّين الْمُهْمَلَة أَيْ كَافِيكُمْ ( الْقُرْآن ) أَيْ فِي تَأْيِيد مَا ذَهَبْت إِلَيْهِ مِنْ رَدّ الْخَبَر. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن عَبَّاس عِنْد ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ عِنْد اِنْتِهَاء حَدِيثه عَنْ عَائِشَة ‏ ‏( وَاَللَّه هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ الْعَبْرَة لَا يَمْلِكهَا اِبْن آدَم وَلَا تَسَبُّب لَهُ فِيهَا فَكَيْفَ يُعَاقَب عَلَيْهَا فَضْلًا عَنْ الْمَيِّت. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَذِنَ فِي الْجَمِيل مِنْ الْبُكَاء فَلَا يُعَذِّب عَلَى مَا أَذِنَ فِيهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : غَرَضه تَقْرِير قَوْل عَائِشَة أَيْ أَنَّ بُكَاء الْإِنْسَان وَضَحِكَهُ مِنْ اللَّه يُظْهِرهُ فِيهِ فَلَا أَثَر لَهُ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا قَالَ اِبْن عُمَر شَيْئًا ) ‏ ‏قَالَ الطَّيِّب وَغَيْره : ظَهَرَتْ لِابْنِ عُمَر الْحُجَّة فَسَكَتَ مُذْعِنًا. وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : سُكُوته لَا يَدُلّ عَلَى الْإِذْعَان فَلَعَلَّهُ كَرِهَ الْمُجَادَلَة فِي ذَلِكَ الْمَقَام. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَيْسَ سُكُوته لِشَكٍّ طَرَأَ لَهُ بَعْدَمَا صَرَّحَ بِرَفْعِ الْحَدِيث , وَلَكِنْ اِحْتَمَلَ عِنْده أَنْ يَكُون الْحَدِيث قَابِلًا لِلتَّأْوِيلِ , وَلَمْ يَتَعَيَّن لَهُ مَحْمِل يَحْمِلهُ عَلَيْهِ إِذْ ذَاكَ أَوْ كَانَ الْمَجْلِس لَا يَقْبَل الْمُمَارَاة وَلَمْ تَتَعَيَّن الْحَاجَة إِلَى ذَلِكَ حِينَئِذٍ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن عُمَر فَهِمَ مِنْ اِسْتِشْهَاد اِبْن عَبَّاس بِالْآيَةِ قَبُول رِوَايَته لِأَنَّهَا يُمْكِن أَنْ يُتَمَسَّك بِهَا فِي أَنَّ لِلَّهِ أَنْ يُعَذِّب بِلَا ذَنْب فَيَكُون بُكَاء الْحَيّ عَلَامَة لِذَلِكَ , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْكَرْمَانِيُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1207",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا مَرَّ ) ‏ ‏كَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مَالِك مُخْتَصَرًا , وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأ بِلَفْظِ \" ذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر يَقُول : إِنَّ الْمَيِّت يُعَذَّب بِبُكَاءِ الْحَيّ عَلَيْهِ , فَقَالَتْ عَائِشَة : يَغْفِر اللَّه لِأَبِي عَبْد الرَّحْمَن , أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِب وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ , إِنَّمَا مَرَّ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ رِوَايَة سُفْيَان عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر كَذَلِكَ وَزَادَ \" أَنَّ اِبْن عُمَر لَمَّا مَاتَ رَافِع قَالَ لَهُمْ : لَا تَبْكُوا عَلَيْهِ فَإِنَّ بُكَاء الْحَيّ عَلَى الْمَيِّت عَذَاب عَلَى الْمَيِّت. قَالَتْ عَمْرَة : فَسَأَلْت عَائِشَة عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ : يَرْحَمهُ اللَّه إِنَّمَا مَرَّ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَرَافِع الْمَذْكُور هُوَ رَافِع بْن خَدِيج كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي الْحَدِيث الْأَوَّل. ‏"
    },
    {
        "id": "1208",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ وَهْوَ الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا أُصِيبَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏جَعَلَ ‏ ‏صُهَيْبٌ ‏ ‏يَقُولُ وَا أَخَاهُ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي بُرْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. قَوْله : ‏ ‏( لَمَّا أُصِيبَ عُمَر جَعَلَ صُهَيْب يَقُول وَا أَخَاهُ ) ‏ ‏أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْ أَبِي بُرْدَة أَتَمّ مِنْ هَذَا السِّيَاق وَفِيهِ قَوْل عُمَر \" عَلَامَ تَبْكِي \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ الْمَيِّت لَيُعَذَّب بِبُكَاءِ الْحَيّ ) ‏ ‏الظَّاهِر أَنَّ الْحَيّ مَنْ يُقَابِل الْمَيِّت , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ الْقَبِيلَة وَتَكُون اللَّام فِيهِ بَدَل الضَّمِير وَالتَّقْدِير يُعَذَّب بِبُكَاءِ حَيّه أَيْ قَبِيلَته. فَيُوَافِق قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" بِبُكَاءِ أَهْله \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم الْمَذْكُورَة \" مَنْ يَبْكِي عَلَيْهِ يُعَذَّب \" وَلَفْظهَا أَعَمّ. وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْحُكْم لَيْسَ خَاصًّا بِالْكَافِرِ , وَعَلَى أَنَّ صُهَيْبًا أَحَد مَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَأَنَّهُ نَسِيَهُ حَتَّى ذَكَّرَهُ بِهِ عُمَر , وَزَادَ فِيهِ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْ أَبِي بُرْدَة \" فَذَكَرْت ذَلِكَ لِمُوسَى بْن طَلْحه فَقَالَ : كَانَتْ عَائِشَة تَقُول إِنَّمَا كَانَ أُولَئِكَ الْيَهُود \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : أَنْكَرَ عُمَر عَلَى صُهَيْب بُكَاءَهُ لِرَفْعِ صَوْته بِقَوْلِهِ وَا أَخَاهُ , فَفَهِمَ مِنْهُ أَنَّ إِظْهَاره لِذَلِكَ قَبْل مَوْت عُمَر يُشْعِر بِاسْتِصْحَابِهِ ذَلِكَ بَعْد وَفَاته أَوْ زِيَادَته عَلَيْهِ فَابْتَدَرَهُ بِالْإِنْكَارِ لِذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : إِنْ قِيلَ كَيْفَ نَهَى صُهَيْبًا عَنْ الْبُكَاء وَأَقَرَّ نِسَاء بَنِي الْمُغِيرَة عَلَى الْبُكَاء عَلَى خَالِد كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُون رَفْعه لِصَوْتِهِ مِنْ بَاب مَا نُهِيَ عَنْهُ وَلِهَذَا قَالَ فِي قِصَّة خَالِد \" مَا لَمْ يَكُنْ نَقْع أَوْ لَقْلَقَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "1209",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ مَنْ ‏ ‏نِيحَ ‏ ‏عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا ‏ ‏نِيحَ ‏ ‏عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عُبَيْد ) ‏ ‏هُوَ الطَّائِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَلِيّ بْن رَبِيعَة ) ‏ ‏هُوَ الْأَسَدِيُّ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ , وَصَرَّحَ فِي رِوَايَة مُسْلِم بِسَمَاعِ سَعِيد مِنْ عَلِيّ وَلَفْظه \" حَدَّثَنَا \" , وَالْمُغِيرَة هُوَ اِبْن شُعْبَة وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد بْن عُبَيْد وَفِيهِ عَلِيّ بْن رَبِيعَة قَالَ \" أَتَيْت الْمَسْجِد وَالْمُغِيرَة أَمِير الْكُوفَة فَقَالَ : سَمِعْت \" فَذَكَرَهُ. وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ سَعِيد بْن عُبَيْد وَمُحَمَّد بْن قَيْس الْأَسَدِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ عَلِيّ بْن رَبِيعَة قَالَ \" أَوَّل مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ قَرَظَة بْن كَعْب \" وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ \" مَاتَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ قَرَظَة بْن كَعْب فَنِيحَ عَلَيْهِ , فَجَاءَ الْمُغِيرَة فَصَعِدَ الْمِنْبَر فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ : مَا بَال النَّوْح فِي الْإِسْلَام \" اِنْتَهَى. وَقَرَظَة الْمَذْكُور بِفَتْحِ الْقَاف وَالرَّاء وَالظَّاء الْمُشَالَة أَنْصَارِيّ خَزْرَجِيّ كَانَ أَحَد مِنْ وَجَّهَهُ عُمَر إِلَى الْكُوفَة لِيُفَقِّه النَّاس , وَكَانَ عَلَى يَده فَتْح الرَّيّ , وَاسْتَخْلَفَهُ عَلِيّ عَلَى الْكُوفَة , وَجَزَمَ اِبْن سَعْد وَغَيْره بِأَنَّهُ مَاتَ فِي خِلَافَته وَهُوَ قَوْل مَرْجُوح لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم أَنَّ وَفَاته حَيْثُ كَانَ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَة , وَكَانَتْ إِمَارَة الْمُغِيرَة عَلَى الْكُوفَة مِنْ قِبَل مُعَاوِيَة مِنْ سَنَة إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ إِلَى أَنْ مَاتَ وَهُوَ عَلَيْهَا سَنَة خَمْسِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَد ) ‏ ‏أَيْ \" غَيْرِي \" , وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْكَذِب عَلَى الْغَيْر قَدْ أُلِفَ وَاسْتُسْهِلَ خَطْبه , وَلَيْسَ الْكَذِب عَلَيَّ بَالِغًا مَبْلَغ ذَاكَ فِي السُّهُولَة وَإِنْ كَانَ دُونه فِي السُّهُولَة فَهُوَ أَشَدّ مِنْهُ فِي الْإِثْم , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَنْدَفِع اِعْتِرَاض مَنْ أَوْرَدَ أَنَّ الَّذِي تَدْخُل عَلَيْهِ الْكَاف أَعْلَى وَاَللَّه أَعْلَم. وَكَذَا لَا يَلْزَم مِنْ إِثْبَات الْوَعِيد الْمَذْكُور عَلَى الْكَذِب عَلَيْهِ أَنْ يَكُون الْكَذِب عَلَى غَيْره مُبَاحًا , بَلْ يُسْتَدَلّ عَلَى تَحْرِيم الْكَذِب عَلَى غَيْره بِدَلِيلٍ آخَر , وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ الْكَذِب عَلَيْهِ تُوُعِّدَ فَاعِله بِجَعْلِ النَّار لَهُ مَسْكَنًا بِخِلَافِ الْكَذِب عَلَى غَيْره , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّة مَبَاحِث الْحَدِيث فِي كِتَاب الْعِلْم , وَيَأْتِي كَثِير مِنْهَا فِي شَرْح حَدِيث وَاثِلَة فِي أَوَائِل مَنَاقِب قُرَيْش إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ يُنَحْ عَلَيْهِ يُعَذَّبْ ) ‏ ‏ضَبَطَهُ الْأَكْثَر بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح النُّون وَجَزْم الْمُهْمَلَة عَلَى أَنَّ مَنْ شَرْطِيَّة وَتَجْزِم الْجَوَاب , وَيَجُوز رَفْعه عَلَى تَقْدِير فَإِنَّهُ يُعَذَّب , وَرُوِيَ بِكَسْرِ النُّون وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَفَتْح الْمُهْمَلَة , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مَنْ يُنَاح \" عَلَى أَنَّ \" مَنْ \" مَوْصُولَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ أَبِي نُعَيْم بِلَفْظِ \" إِذَا نِيحَ عَلَى الْمَيِّت عُذِّبَ بِالنِّيَاحَةِ عَلَيْهِ \" وَهُوَ يُؤَيِّد الرِّوَايَة الثَّانِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِكَسْرِ النُّون , وَلِبَعْضِهِمْ مَا نِيحَ بِغَيْرِ مُوَحَّدَة عَلَى أَنَّ مَا ظَرْفِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "1210",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا ‏ ‏نِيحَ ‏ ‏عَلَيْهِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَدَّثَنَا سَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَبْد الْأَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَمَّاد , وَسَعِيد هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا قَتَادَة ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب إِلَخْ , وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَده عَنْ عَبْد الْأَعْلَى بْن حَمَّاد كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ آدَم عَنْ شُعْبَة ) ‏ ‏يَعْنِي بِإِسْنَادِ حَدِيث الْبَاب لَكِنْ بِغَيْرِ لَفْظ الْمَتْن وَهُوَ قَوْله \" يُعَذَّب بِبُكَاءِ الْحَيّ عَلَيْهِ \" تَفَرَّدَ آدَم بِهَذَا اللَّفْظ , وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر غُنْدَر وَيَحْيَى بْن سَعِيد الّقَطَّانُ وَحَجَّاج بْن مُحَمَّد كُلّهمْ عَنْ شُعْبَة كَالْأَوَّلِ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق أَبِي النَّضْر وَعَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث وَأَبِي زَيْد الْهَرَوِيِّ وَأَسْوَد بْن عَامِر كُلّهمْ عَنْ سَعِيد كَذَلِكَ , وَفِي الْحَدِيث تَقْدِيم مَنْ يُحَدِّث كَلَامًا يَقْتَضِي تَصْدِيقه فِيمَا يُحَدِّث بِهِ فَإِنَّ الْمُغِيرَة قَدَّمَ قَبْل تَحْدِيثه بِتَحْرِيمِ النَّوْح أَنَّ الْكَذِب عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدّ مِنْ الْكَذِب عَلَى غَيْره , وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْوَعِيد عَلَى ذَلِكَ يَمْنَعهُ أَنْ يُخْبِر عَنْهُ بِمَا لَمْ يَقُلْ. ‏"
    },
    {
        "id": "1211",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏قَدْ مُثِّلَ بِهِ حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ ‏ ‏سُجِّيَ ‏ ‏ثَوْبًا فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ فَنَهَانِي قَوْمِي ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ فَنَهَانِي قَوْمِي فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرُفِعَ فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقَالُوا ‏ ‏ابْنَةُ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏أَوْ أُخْتُ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَلِمَ تَبْكِي أَوْ لَا تَبْكِي فَمَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ, وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَكَرِيمَة , وَعَلَى ثُبُوته فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْل مِنْ الْبَاب الَّذِي قَبْله كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره غَيْر مَرَّة , وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا بُدّ لَهُ مِنْ تَعَلُّق بِاَلَّذِي قَبْله , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهه فِي أَوَّل التَّرْجَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ مُثِّلَ بِهِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَتَشْدِيد الْمُثَلَّثَة يُقَال مُثِّلَ بِالْقَتِيلِ إِذَا جُدِعَ أَنْفه أَوْ أُذُنه أَوْ مَذَاكِيره أَوْ شَيْء مِنْ أَجْزَائِهِ. وَالِاسْم الْمُثْلَة بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الْمُثَلَّثَة. ‏ ‏قَوْله : ( سُجِّيَ ثَوْبًا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْجِيم الثَّقِيلَة أَيْ غُطِّيَ بِثَوْبٍ ‏ ‏قَوْله : ( اِبْنَة عَمْرو أَوْ أُخْت عَمْرو ) ‏ ‏هَذَا شَكّ مِنْ سُفْيَان , وَالصَّوَاب بِنْت عَمْرو وَهِيَ فَاطِمَة بِنْت عَمْرو , وَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَى الصَّوَاب مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر فِي أَوَائِل الْجَنَائِز بِلَفْظِ \" فَذَهَبَتْ عَمَّتِي فَاطِمَة \" وَوَقَعَ فِي \" الْإِكْلِيل \" لِلْحَاكِمِ تَسْمِيَتهَا هِنْد بِنْت عَمْرو , فَلَعَلَّ لَهَا اِسْمَيْنِ أَوْ أَحَدهمَا اِسْمهَا وَالْآخَر لَقَبهَا أَوْ كَانَتَا جَمِيعًا حَاضِرَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ فَلِمَ تَبْكِي ؟ أَوْ لَا تَبْكِي ) ‏ ‏هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِكَسْرِ اللَّام وَفَتْح الْمِيم عَلَى أَنَّهُ اِسْتِفْهَام عَنْ غَائِبَة , وَأَمَّا قَوْله \" أَوْ لَا تَبْكِي \" فَالظَّاهِر أَنَّهُ شَكّ مِنْ الرَّاوِي هَلْ اِسْتَفْهَمَ أَوْ نَهَى , لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْجَنَائِز مِنْ رِوَايَة شُعْبَة \" تَبْكِي أَوْ لَا تَبْكِي \" وَتَقَدَّمَ شَرْحه عَلَى التَّخْيِير , وَمُحَصِّله أَنَّ هَذَا الْجَلِيل الْقَدْر الَّذِي تُظِلّهُ الْمَلَائِكَة بِأَجْنِحَتِهَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ بَلْ يُفْرَح لَهُ بِمَا صَارَ إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1212",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُبَيْدٌ الْيَامِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زُبَيْد ) ‏ ‏بِزَايٍ وَمُوَحَّدَة مُصَغَّر. ‏ ‏قَوْله : ( الْيَامِيُّ ) ‏ ‏بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمِيم الْخَفِيفَة وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" الْأَيَامِيّ \" بِزِيَادَةِ هَمْزَة فِي أَوَّله. وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ , وَلِسُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ فِيهِ إِسْنَاد آخَر سَيُذْكَرُ بَعْد بَابَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ مِنَّا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ أَهْل سُنِّتَتَا وَطَرِيقَتنَا , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِهِ إِخْرَاجه عَنْ الدِّين , وَلَكِنْ فَائِدَة إِيرَاده بِهَذَا اللَّفْظ الْمُبَالَغَة فِي الرَّدْع عَنْ الْوُقُوع فِي مِثْل ذَلِكَ كَمَا يَقُول الرَّجُل لِوَلَدِهِ عِنْد مُعَاتَبَته : لَسْت مِنْك وَلَسْت مِنِّي , أَيْ مَا أَنْتَ عَلَى طَرِيقَتِي. وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير مَا مُلَخَّصه : التَّأْوِيل الْأَوَّل يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون الْخَبَر إِنَّمَا وَرَدَ عَنْ أَمْر وُجُودِيّ , وَهَذَا يُصَان كَلَام الشَّارِع عَنْ الْحَمْل عَلَيْهِ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَال : الْمُرَاد أَنَّ الْوَاقِع فِي ذَلِكَ يَكُون قَدْ تَعَرَّضَ لِأَنْ يُهْجَر وَيُعْرَض عَنْهُ فَلَا يَخْتَلِط بِجَمَاعَةِ السُّنَّة تَأْدِيبًا لَهُ عَلَى اِسْتِصْحَابه حَاله الْجَاهِلِيَّة الَّتِي قَبَّحَهَا الْإِسْلَام , فَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْحَمْل عَلَى مَا لَا يُسْتَفَاد مِنْهُ قَدْر زَائِد عَلَى الْفِعْل الْمَوْجُود. وَحُكِيَ عَنْ سُفْيَان أَنَّهُ كَانَ يَكْرَه الْخَوْض فِي تَأْوِيله وَيَقُول : يَنْبَغِي أَنْ يُمْسَك عَنْ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَوْقَع فِي النُّفُوس وَأَبْلَغ فِي الزَّجْر. وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَيْسَ عَلَى دِيننَا الْكَامِل , أَيْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ فَرْع مِنْ فُرُوع الدِّين وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَصْله , حَكَاهُ اِبْن الْعَرَبِيّ. وَيَظْهَر لِي أَنَّ هَذَا النَّفْي يُفَسِّرهُ التَّبَرِّي الْآتِي فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى بَعْد بَاب حَيْثُ قَالَ \" بَرِئَ مِنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَصْل الْبَرَاءَة الِانْفِصَال مِنْ الشَّيْء , وَكَأَنَّهُ تَوَعَّدَهُ بِأَنْ لَا يُدْخِلهُ فِي شَفَاعَته مَثَلًا. وَقَالَ الْمُهَلَّب : قَوْله أَنَا بَرِيء أَيْ مِنْ فَاعِل مَا ذُكِرَ وَقْت ذَلِكَ الْفِعْل , وَلَمْ يُرِدْ نَفْيَهُ عَنْ الْإِسْلَام. قُلْت : بَيْنهمَا وَاسِطَة تُعْرَف مِمَّا تَقَدَّمَ أَوَّل الْكَلَام , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى تَحْرِيم مَا ذُكِرَ مِنْ شَقّ الْجَيْب وَغَيْره. وَكَأَنَّ السَّبَب فِي ذَلِكَ مَا تَضْمَنَّهُ ذَلِكَ مِنْ عَدَم الرِّضَا بِالْقَضَاءِ , فَإِنْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِالِاسْتِحْلَالِ مَعَ الْعِلْم بِالتَّحْرِيمِ أَوْ التَّسَخُّط مَثَلًا بِمَا وَقَعَ فَلَا مَانِع مِنْ حَمْل النَّفْي عَلَى الْإِخْرَاج مِنْ الدِّين. ‏ ‏قَوْله : ( لَطَمَ الْخُدُود ) ‏ ‏خَصَّ الْخَدّ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ الْغَالِب فِي ذَلِكَ , وَإِلَّا فَضَرْب بَقِيَّة الْوَجْه دَاخِل فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَشَقَّ الْجُيُوب ) ‏ ‏جَمْع جَيْب بِالْجِيمِ الْمُوَحَّدَة وَهُوَ مَا يُفْتَح مِنْ الثَّوْب لِيَدْخُل فِيهِ الرَّأْس , وَالْمُرَاد بِشَقِّهِ إِكْمَال فَتْحه إِلَى آخِره وَهُوَ مِنْ عَلَامَات التَّسَخُّط. ‏ ‏قَوْله : ( وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم بِدَعْوَى أَهْل الْجَاهِلِيَّة , أَيْ مِنْ النِّيَاحَة وَنَحْوهَا , وَكَذَا النُّدْبَة كَقَوْلِهِمْ : وَاجَبَلَاه , وَكَذَا الدُّعَاء بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور كَمَا سَيَأْتِي بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1213",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْتُ إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ لَا فَقُلْتُ بِالشَّطْرِ فَقَالَ لَا ثُمَّ قَالَ ‏ ‏الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ ‏ ‏أَوْ كَثِيرٌ ‏ ‏إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي ‏ ‏فِي امْرَأَتِكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏أُخَلَّفُ ‏ ‏بَعْدَ أَصْحَابِي قَالَ إِنَّكَ لَنْ ‏ ‏تُخَلَّفَ ‏ ‏فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ لَكِنْ ‏ ‏الْبَائِسُ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ‏ ‏يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ مَاتَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنْ مَاتَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَلَا يَصِحّ كَسْرهَا لِأَنَّهَا تَكُون شَرْطِيَّة وَالشَّرْط لِمَا يُسْتَقْبَل وَهُوَ قَدْ كَانَ مَاتَ , وَالْمَعْنَى أَنَّ سَعْد بْن خَوْلَة وَهُوَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة وَكَانُوا يَكْرَهُونَ الْإِقَامَة فِي الْأَرْض الَّتِي هَاجَرُوا مِنْهَا وَتَرَكُوهَا مَعَ حُبّهمْ فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى , فَمِنْ ثَمَّ خَشِيَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص أَنْ يَمُوت بِهَا , وَتَوَجَّعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدِ بْن خَوْلَة لِكَوْنِهِ مَاتَ بِهَا , وَأَفَادَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِي رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّ الْقَائِل يَرْثِي لَهُ إِلَخْ هُوَ الزُّهْرِيّ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ هَاشِم بْن هَاشِم وَسَعْد بْن إِبْرَاهِيم رَوَيَا هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَامِر بْن سَعْد فَلَمْ يَذْكُرَا ذَلِكَ فِيهِ , وَكَذَا فِي رِوَايَة عَائِشَة بِنْت سَعْد عَنْ أَبِيهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب الْوَصَايَا مَعَ بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ وَذِكْر الِاخْتِلَاف فِي تَسْمِيَة الْبِنْت الْمَذْكُورَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1214",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ‏",
        "sharh": "عَبْد الرَّحْمَن الْمَذْكُور فِي هَذَا الْإِسْنَاد هُوَ اِبْن مَهْدِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1215",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف مِنْ وَجْه آخَر وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر الْوَيْل الْمُتَرْجَم بِهِ , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه , فَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان \" إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ الْخَامِشَة وَجْههَا وَالشَّاقَّة جَيْبهَا وَالدَّاعِيَة بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور \" , وَالظَّاهِر أَنَّ ذِكْرَى دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة بَعْد ذِكْر الْوَيْل مِنْ الْعَامّ بَعْد الْخَاصّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1216",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَتْنِي ‏ ‏عَمْرَةُ ‏ ‏قَالَتْ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَتْلُ ‏ ‏ابْنِ حَارِثَةَ ‏ ‏وَجَعْفَرٍ ‏ ‏وَابْنِ رَوَاحَةَ ‏ ‏جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ ‏ ‏شَقِّ الْبَابِ ‏ ‏فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ نِسَاءَ ‏ ‏جَعْفَرٍ ‏ ‏وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ لَمْ يُطِعْنَهُ فَقَالَ انْهَهُنَّ فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏فَاحْثُ ‏ ‏فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ فَقُلْتُ ‏ ‏أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ ‏ ‏لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْعَنَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ وَيَحْيَى هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا جَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة وَالْفَاعِل ‏ ‏قَوْله : ( قُتِلَ اِبْن حَارِثَة ) ‏ ‏, وَهُوَ زَيْد , وَأَبُوهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَة , وَجَعْفَر هُوَ اِبْن أَبِي طَالِب , وَابْن رَوَاحَة هُوَ عَبْد اللَّه , وَكَانَ قَتْلهمْ فِي غَزْوَة مُؤْتَة كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْره فِي رَابِع بَاب مِنْ كِتَاب الْجَنَائِز , وَوَقَعَ تَسْمِيَة الثَّلَاثَة فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق مُعَاوِيَة بْن صَالِح عَنْ يَحْيَى بْن سَعْد , وَسَاقَ مُسْلِم إِسْنَاده دُون الْمَتْن. ‏ ‏قَوْله : ( جَلَسَ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن كَثِير عَنْ يَحْيَى \" فِي الْمَسْجِد \". ‏ ‏قَوْله : ( يُعْرَف فِيهِ الْحُزْن ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : كَأَنَّهُ كَظَمَ الْحُزْن كَظْمًا فَظَهَرَ مِنْهُ مَا لَا بُدّ لِلْجِبِلَّةِ الْبَشَرِيَّة مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( صَائِر الْبَاب ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّة وَقَعَ تَفْسِيره فِي نَفْس الْحَدِيث شَقّ الْبَاب وَهُوَ بِفَتْحِ الشِّين الْمُعْجَمَة أَيْ الْمَوْضِع الَّذِي يُنْظَر مِنْهُ , وَلَمْ يَرِد بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة أَيْ النَّاحِيَة إِذْ لَيْسَتْ مُرَادَة هُنَا قَالَهُ اِبْن التِّين. وَهَذَا التَّفْسِير الظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ قَوْل عَائِشَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِمَّنْ بَعْدهَا , قَالَ الْمَازِرِيّ : كَذَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ هُنَا \" صَائِر \" وَالصَّوَاب صِير أَيْ بِكَسْرِ أَوَّله وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَهُوَ الشَّقّ , قَالَ أَبُو عُبَيْد فِي غَرِيب الْحَدِيث فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث \" مَنْ نَظَرَ مِنْ صِير الْبَاب فَفُقِئَتْ عَيْنه فَهِيَ هَدَر \" الصِّير الشَّقّ وَلَمْ نَسْمَعهُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث , وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : صَائِر وَصِير بِمَعْنًى وَاحِد , وَفِي كَلَام الْخَطَّابِيّ نَحْوه. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَاهُ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه وَكَأَنَّهُ أُبْهِمَ عَمْدًا لِمَا وَقَعَ فِي حَقّه مِنْ غَضّ عَائِشَة مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ نِسَاء جَعْفَر ) ‏ ‏أَيْ اِمْرَأَته وَهِيَ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْس الْخَثْعَمِيَّة وَمَنْ حَضَرَ عِنْدهَا مِنْ أَقَارِبهَا وَأَقَارِب جَعْفَر وَمَنْ فِي مَعْنَاهُنَّ , وَلَمْ يَذْكُر أَهْل الْعِلْم بِالْأَخْبَارِ لِجَعْفَرٍ اِمْرَأَة غَيْر أَسْمَاء. ‏ ‏قَوْله : ( وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ ) ‏ ‏كَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ , قَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ حَال عَنْ الْمُسْتَتِر فِي قَوْله فَقَالَ وَحَذْف خَبَر إِنَّ مِنْ الْقَوْل الْمَحْكِيّ لِدَلَالَةِ الْحَال عَلَيْهِ , وَالْمَعْنَى قَالَ الرَّجُل إِنَّ نِسَاء جَعْفَر فَعَلْنَ كَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْبُكَاء الْمُشْتَمِل مَثَلًا عَلَى النَّوْح اِنْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ عِنْد أَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ يَحْيَى \" قَدْ كَثُرَ بُكَاؤُهُنَّ \" فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَصْحِيفًا فَلَا حَذْف وَلَا تَقْدِير , وَيُؤَيِّدهُ مَا عِنْد اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْ يَحْيَى بِلَفْظِ \" قَدْ أَكْثَرْنَ بُكَاءَهُنَّ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَذَهَبَ ) ‏ ‏أَيْ فَنَهَاهُنَّ فَلَمْ يُطِعْنَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَة لَمْ يُطِعْنَهُ ) ‏ ‏أَيْ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَرَّة الثَّانِيَة فَقَالَ إِنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة الْمَذْكُورَة \" فَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَاَللَّه غَلَبْنَنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَقَدْ غَلَبْنَنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَزَعَمَتْ ) ‏ ‏أَيْ عَائِشَة وَهُوَ مَقُول عَمْرَة , وَالزَّعْم قَدْ يُطْلَق عَلَى الْقَوْل الْمُحَقَّق وَهُوَ الْمُرَاد هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ قَالَ ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَاحْثُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة وَبِكَسْرِهَا يُقَال حَثَا يَحْثُو وَيَحْثِي. ‏ ‏قَوْله : ( التُّرَاب ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة \" مِنْ التُّرَاب \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُنَّ رَفَعْنَ أَصْوَاتهنَّ بِالْبُكَاءِ , فَلَمَّا لَمْ يَنْتَهِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَسُدّ أَفْوَاههنَّ بِذَلِكَ , وَخَصَّ الْأَفْوَاه بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مَحَلّ النَّوْح بِخِلَافِ الْأَعْيُن مَثَلًا اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كِنَايَة عَنْ الْمُبَالَغَة فِي الزَّجْر , أَوْ الْمَعْنَى أَعْلِمْهُنَّ أَنَّهُنَّ خَائِبَات مِنْ الْأَجْر الْمُتَرَتِّب عَلَى الصَّبْر لِمَا أَظْهَرْنَ مِنْ الْجَزَع كَمَا يُقَال لِلْخَائِبِ : لَمْ يُحَصِّل فِي يَده إِلَّا التُّرَاب , لَكِنْ يُبْعِد هَذَا الِاحْتِمَال قَوْل عَائِشَة الْآتِي. وَقِيلَ لَمْ يُرَدْ بِالْأَمْرِ حَقِيقَته , قَالَ عِيَاض : هُوَ بِمَعْنَى التَّعْجِيز , أَيْ أَنَّهُنَّ لَا يَسْكُتْنَ إِلَّا بِسَدِّ أَفْوَاههنَّ , وَلَا يَسُدّهَا إِلَّا أَنْ تُمْلَأ بِالتُّرَابِ , فَإِنْ أَمْكَنَك فَافْعَلْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يَحْتَمِل أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَ النَّاهِي لِكَوْنِهِ لَمْ يُصَرِّح لَهُنَّ بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاهُنَّ , فَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مُرْشِد لِلْمَصْلَحَةِ مِنْ قِبَل نَفْسه , أَوْ عَلِمْنَ ذَلِكَ لَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهِنَّ شِدَّة الْحُزْن لِحَرَارَةِ الْمُصِيبَة. ثُمَّ الظَّاهِر أَنَّهُ كَانَ فِي بُكَائِهِنَّ زِيَادَة عَلَى الْقَدْر الْمُبَاح فَيَكُون النَّهْي لِلتَّحْرِيمِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ كَرَّرَهُ وَبَالَغَ فِيهِ وَأَمَرَ بِعُقُوبَتِهِنَّ إِنْ لَمْ يَسْكُتْنَ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بُكَاء مُجَرَّدًا وَالنَّهْي لِلتَّنْزِيهِ وَلَوْ كَانَ لِلتَّحْرِيمِ لَأَرْسَلَ غَيْر الرَّجُل الْمَذْكُور لِمَنْعِهِنَّ لِأَنَّهُ لَا يُقِرّ عَلَى بَاطِل. وَيَبْعُد تَمَادِي الصَّحَابِيَّات بَعْد تَكْرَار النَّهْي عَلَى فِعْل الْأَمْر الْمُحَرَّم , وَفَائِدَة نَهْيهنَّ عَنْ الْأَمْر الْمُبَاح خَشْيَة أَنْ يَسْتَرْسِلْنَ فِيهِ فَيُفْضِي بِهِنَّ إِلَى الْأَمْر الْمُحَرَّم لِضَعْفِ صَبْرهنَّ , فَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز النَّهْي عَنْ الْمُبَاح عِنْد خَشْيَة إِفْضَائِهِ إِلَى مَا يَحْرُم. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت ) ‏ ‏هُوَ مَقُول عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْغَمَ اللَّه أَنْفك ) ‏ ‏بِالرَّاءِ وَالْمُعْجَمَة أَيْ أَلْصَقَهُ بِالرَّغَامِ بِفَتْحِ الرَّاء وَالْمُعْجَمَة وَهُوَ التُّرَاب إِهَانَة وَإِذْلَالًا , وَدَعَتْ عَلَيْهِ مِنْ جِنْس مَا أَمَرَ أَنْ يَفْعَلهُ بِالنِّسْوَةِ لِفَهْمِهَا مِنْ قَرَائِن الْحَال أَنَّهُ أَحْرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَثْرَةِ تَرَدُّده إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ تَفْعَل ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ أَيْ لَمْ تُبَلِّغْ النَّهْي , وَنَفَتْهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ نَهَى وَلَمْ يُطِعْنَهُ لِأَنَّ نَهْيه لَمْ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الِامْتِثَال فَكَأَنَّهُ لَمْ يَفْعَل , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون أَرَادَتْ لَمْ تَفْعَل أَيْ الْحَثْو بِالتُّرَابِ. قُلْت : لَفْظَة \" لَمْ \" يُعَبَّر بِهَا عَنْ الْمَاضِي , وَقَوْلهَا ذَلِكَ وَقَعَ قَبْل أَنْ يَتَوَجَّه فَمِنْ أَيْنَ عَلِمَتْ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَل ؟ فَالظَّاهِر أَنَّهَا قَامَتْ عِنْدهَا قَرِينَة بِأَنَّهُ لَا يَفْعَل فَعَبَّرَتْ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي مُبَالَغَة فِي نَفْي ذَلِكَ عَنْهُ , وَهُوَ مُشْعِر بِأَنَّ الرَّجُل الْمَذْكُور كَانَ مَنْ أَلْزَامِ النِّسْوَة الْمَذْكُورَات , وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب \" فَوَاَللَّهِ مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ ذَلِكَ \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ وَغَيْره , فَظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْعَنَاء ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون وَالْمَدّ أَيْ الْمَشَقَّة وَالتَّعَب , وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" مِنْ الْعِيّ \" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْعُذْرِيّ \" الْغَيّ \" بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة بِلَفْظِ ضِدّ الرُّشْد. قَالَ عِيَاض : وَلَا وَجْه لَهُ هُنَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ لَهُ وَجْهًا وَلَكِنَّ الْأَوَّل أَلْيَق لِمُوَافَقَتِهِ لِمَعْنَى الْعَنَاء الَّتِي هِيَ رِوَايَة الْأَكْثَر , قَالَ النَّوَوِيّ مُرَادهَا أَنَّ الرَّجُل قَاصِر عَنْ الْقِيَام بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الْإِنْكَار وَالتَّأْدِيب , وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُفْصِح بِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ لِيُرْسِل غَيْره فَيَسْتَرِيح مِنْ التَّعَب. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا جَوَاز الْجُلُوس لِلْعَزَاءِ بِسَكِينَةٍ وَوَقَار , وَجَوَاز نَظَر النِّسَاء الْمُحْتَجِبَات إِلَى الرِّجَال الْأَجَانِب , وَتَأْدِيب مَنْ نُهِيَ عَمَّا لَا يَنْبَغِي لَهُ فِعْله إِذَا لَمْ يَنْتَهِ , وَجَوَاز الْيَمِين لِتَأْكِيدِ الْخَبَر. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏هَذَا الْحَدِيث لَمْ يَرَوْهُ عَنْ عَمْرَة إِلَّا يَحْيَى بْن سَعِيد , وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عَائِشَة أَيْضًا الْقَاسِم بْن مُحَمَّد أَخْرَجَهُ بْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي قَالَ \" حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ أَبِيهِ \" فَذَكَرَ نَحْوه. وَفِيهِ مِنْ الزِّيَادَة فِي أَوَّله : قَالَتْ عَائِشَة وَقَدْ نَهَانَا خَيْر النَّاس عَنْ التَّكَلُّف. ‏"
    },
    {
        "id": "1217",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَهْرًا حِينَ قُتِلَ الْقُرَّاءُ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ الْفَلَّاس , وَالْكَلَام عَلَى الْمَتْن تَقَدَّمَ فِي آخِر أَبْوَاب الْوِتْر , وَشَاهِد التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْله مَا حَزِنَ حُزْنًا قَطّ أَشَدّ مِنْهُ , فَإِنَّ ذَلِكَ يَشْمَل حَالَة جُلُوسه وَغَيْرهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1218",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اشْتَكَى ‏ ‏ابْنٌ ‏ ‏لِأَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏قَالَ فَمَاتَ ‏ ‏وَأَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏خَارِجٌ فَلَمَّا رَأَتْ ‏ ‏امْرَأَتُهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ فَلَمَّا جَاءَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏قَالَ كَيْفَ الْغُلَامُ قَالَتْ قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَرَاحَ وَظَنَّ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّهَا صَادِقَةٌ قَالَ فَبَاتَ فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَا كَانَ مِنْهُمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا بِشْر بْن الْحَكَم ) ‏ ‏هُوَ النَّيْسَابُورِيّ , قَالَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج : يُقَال إِنَّ هَذَا الْحَدِيث مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيّ عَنْ بِشْر بْن الْحَكَم اِنْتَهَى , يَعْنِي مِنْ هَذَا الْوَجْه مِنْ حَدِيث سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَلَمْ يُخَرِّجهُ أَبُو نُعَيْم وَلَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق إِلَّا مِنْ جِهَة الْبُخَارِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة وَهُوَ أَخُو إِسْحَاق الْمَذْكُور عَنْ أَنَس , وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق أَنَس بْن سِيرِينَ وَمُحَمَّد بْن سَعْد مِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ الطَّوِيل كِلَاهُمَا عَنْ أَنَس , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَابْن سَعْد أَيْضًا وَابْن حِبَّان وَالطَّيَالِسِيّ مِنْ طُرُق عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس أَيْضًا , وَفِي رِوَايَة بَعْضهمْ مَا لَيْسَ فِي رِوَايَة بَعْض , وَسَأَذْكُرُ مَا فِي كُلّ مِنْ فَائِدَة زَائِدَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( اِشْتَكَى اِبْن لِأَبِي طَلْحَة ) ‏ ‏أَيْ مَرِضَ , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ صَدَرَتْ مِنْهُ شَكْوَى , لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْأَصْل أَنَّ الْمَرِيض يَحْصُل مِنْهُ ذَلِكَ اُسْتُعْمِلَ فِي كُلّ مَرَض لِكُلِّ مَرِيض. وَالِابْن الْمَذْكُور هُوَ أَبُو عُمَيْر الَّذِي كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمَازِحهُ وَيَقُول لَهُ \" يَا أَبَا عُمَيْر , مَا فَعَلَ النُّغَيْر \" كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَدَب , بَيَّنَ ذَلِكَ اِبْن حِبَّان فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق عُمَارَة بْن زَاذَانَ عَنْ ثَابِت , وَزَادَ مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن سُلَيْمَان عَنْ ثَابِت فِي أَوَّله قِصَّة تَزْوِيج أُمّ سُلَيْمٍ بِأَبِي طَلْحَة بِشَرْطِ أَنْ يُسْلِم وَقَالَ فِيهِ \" فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا صَبِيحًا فَكَانَ أَبُو طَلْحَة يُحِبّهُ حُبًّا شَدِيدًا , فَعَاشَ حَتَّى تَحَرَّكَ فَمَرِضَ , فَحَزِنَ أَبُو طَلْحَة عَلَيْهِ حُزْنًا شَدِيدًا حَتَّى تَضَعْضَعَ , وَأَبُو طَلْحَة يَغْدُو وَيَرُوح عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَرَاحَ رَوْحَة فَمَاتَ الصَّبِيّ \" فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة تَسْمِيَة اِمْرَأَة أَبِي طَلْحَة , وَمَعْنَى قَوْله : \" وَأَبُو طَلْحَة خَارِج \" أَيْ خَارِج الْبَيْت عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَاخِر النَّهَار , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" كَانَ لِأَبِي طَلْحَة وَلَد فَتُوُفِّيَ , فَأَرْسَلَتْ أُمّ سُلَيْمٍ أَنَسًا يَدْعُو أَبَا طَلْحَة , وَأَمَرَتْهُ أَنْ لَا يُخْبِرهُ بِوَفَاةِ اِبْنه , وَكَانَ أَبُو طَلْحَة صَائِمًا \". ‏ ‏قَوْله : ( هَيَّأَتْ شَيْئًا ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : أَيْ أَعَدَّتْ طَعَامًا لِأَبِي طَلْحَة وَأَصْلَحَتْهُ , وَقِيلَ هَيَّأَتْ حَالهَا وَتَزَيَّنَتْ. قُلْت : بَلْ الصَّوَاب أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهَا هَيَّأَتْ أَمْر الصَّبِيّ بِأَنْ غَسَّلَتْهُ وَكَفَّنَتْهُ كَمَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه صَرِيحًا , فَفِي رِوَايَة أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ عَنْ مَشَايِخه عَنْ ثَابِت \" فَهَيَّأَتْ الصَّبَى \" , وَفِي رِوَايَة حُمَيْدٍ عِنْد اِبْن سَعْد \" فَتُوُفِّيَ الْغُلَام فَهَيَّأَتْ أُمّ سُلَيْمٍ أَمْره \" , وَفِي رِوَايَة عُمَارَة بْن زَاذَانَ عَنْ ثَابِت \" فَهَلَكَ الصَّبِيّ فَقَامَتْ أُمّ سُلَيْمٍ فَغَسَّلَتْهُ وَكَفَّنَتْهُ وَحَنَّطَتْهُ وَسَجَّتْ عَلَيْهِ ثَوْبًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَنَحَّتْهُ فِي جَانِب الْبَيْت ) ‏ ‏أَيْ جَعَلَتْهُ فِي جَانِب الْبَيْت , وَفِي رِوَايَة جَعْفَر عَنْ ثَابِت \" فَجَعَلَتْهُ فِي مَخْدَعهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( هَدَأَتْ ) ‏ ‏بِالْهَمْزِ أَيْ سَكَنَتْ ‏ ‏وَ ( نَفْسه ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْفَاء كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّفْس كَانَتْ قَلِقَة مُنْزَعِجَة بِعَارِضِ الْمَرَض فَسَكَنَتْ بِالْمَوْتِ , وَظَنَّ أَبُو طَلْحَة أَنَّ مُرَادهَا أَنَّهَا سَكَنَتْ بِالنَّوْمِ لِوُجُودِ الْعَافِيَة , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" هَدَأَ نَفَسه \" بِفَتْحِ الْفَاء أَيْ سَكَنَ , لِأَنَّ الْمَرِيض يَكُون نَفَسُه عَالِيًا فَإِذَا زَالَ مَرَضه سَكَنَ , وَكَذَا إِذَا مَاتَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَنَس بْن سِيرِينَ \" هُوَ أَسْكَن مَا كَانَ \" , وَنَحْوه فِي رِوَايَة جَعْفَر عَنْ ثَابِت , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ ثَابِت \" أَمْسَى هَادِئًا \" وَفِي رِوَايَة حُمَيْدٍ \" بِخَيْرِ مَا كَانَ \" , وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَرْجُو أَنْ يَكُون قَدْ اِسْتَرَاحَ ) ‏ ‏لَمْ تَجْزِم بِذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْأَدَب , وَيَحْتَمِل أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَلِمَتْ أَنَّ الطِّفْل لَا عَذَاب عَلَيْهِ فَفَوَّضَتْ الْأَمْر إِلَى اللَّه تَعَالَى , مَعَ وُجُود رَجَائِهَا بِأَنَّهُ اِسْتَرَاحَ مِنْ نَكَد الدُّنْيَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَظَنَّ أَبُو طَلْحَة أَنَّهَا صَادِقَة ) ‏ ‏أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَهِمَهُ مِنْ كَلَامهَا , وَإِلَّا فَهِيَ صَادِقَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَرَادَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَاتَ ) ‏ ‏أَيْ مَعَهَا ‏ ‏( فَلَمَّا أَصْبَحَ اِغْتَسَلَ ) ‏ ‏فِيهِ كِنَايَة عَنْ الْجِمَاع , لِأَنَّ الْغُسْل إِنَّمَا يَكُون فِي الْغَالِب مِنْهُ , وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ فِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة : فَفِي رِوَايَة أَنَس بْن سِيرِينَ \" فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاء فَتَعَشَّى , ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا \" , وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه \" ثُمَّ تَعَرَّضَتْ لَهُ فَأَصَابَ مِنْهَا \" , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد عَنْ ثَابِت \" ثُمَّ تَطَيَّبَتْ \" , زَادَ جَعْفَر عَنْ ثَابِت \" فَتَعَرَّضَتْ لَهُ حَتَّى وَقَعَ بِهَا \" وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان عَنْ ثَابِت \" ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَن مَا كَانَتْ تَصَنَّع قَبْل ذَلِكَ فَوَقَعَ بِهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُج أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ ) ‏ ‏زَادَ سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ ثَابِت عِنْد مُسْلِم \" فَقَالَتْ : يَا أَبَا طَلْحَة , أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا أَهْل بَيْت عَارِيَة فَطَلَبُوا عَارِيَتهمْ أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ ؟ قَالَ : لَا. قَالَتْ : فَاحْتَسِبْ اِبْنك. فَغَضِبَ وَقَالَ تَرَكْتنِي حَتَّى تَلَطَّخْت , ثُمَّ أَخْبَرْتنِي بِابْنِي \" , وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه \" فَقَالَتْ : يَا أَبَا طَلْحَة , أَرَأَيْت قَوْمًا أَعَارُوا مَتَاعًا ثُمَّ بَدَا لَهُمْ فِيهِ فَأَخَذُوهُ فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي أَنْفُسهمْ \" زَادَ حَمَّاد فِي رِوَايَته عَنْ ثَابِت \" فَأَبَوْا أَنْ يَرُدُّوهَا , فَقَالَ أَبُو طَلْحه : لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ , إِنَّ الْعَارِيَة مُؤَدَّاة إِلَى أَهْلهَا. ثُمَّ اِتَّفَقَا , فَقَالَتْ : إِنَّ اللَّه أَعَارَنَا فُلَانًا ثُمَّ أَخَذَهُ مِنَّا \" زَادَ حَمَّاد \" فَاسْتَرْجَعَ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَعَلَّ اللَّه أَنْ يُبَارِك لَكُمَا فِي لَيْلَتكُمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" لَهُمَا فِي لَيْلَتهمَا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَنَس بْن سِيرِينَ \" اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا \" وَلَا تَعَارُض بَيْنهمَا فَيُجْمَع بِأَنَّهُ دَعَا بِذَلِكَ وَرَجَا إِجَابَة دُعَائِهِ , وَلَمْ تَخْتَلِف الرُّوَاة عَنْ ثَابِت وَكَذَا عَنْ حُمَيْدٍ فِي أَنَّهُ قَالَ \" بَارَكَ اللَّه لَكُمَا فِي لَيْلَتكُمَا \" وَعُرِفَ مِنْ رِوَايَة أَنَس بْن سِيرِينَ أَنَّ الْمُرَاد الدُّعَاء وَإِنْ كَانَ لَفْظه لَفْظ الْخَبَر. وَفِي رِوَايَة أَنَس بْن سِيرِينَ مِنْ الزِّيَادَة \" فَوَلَدَتْ غُلَامًا \" وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه \" فَجَاءَتْ بِعَبْدِ اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى قِصَّة تَحْنِيكه وَغَيْر ذَلِكَ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي الْعَقِيقَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ عَبَايَة بْن رِفَاعَة , لِمَا أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور وَمُسَدَّد وَابْن سَعْد وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" كُلّهمْ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن مَسْرُوق عَنْ عَبَايَة بْن رِفَاعَة قَالَ \" كَانَتْ أُمّ أَنَس تَحْت أَبِي طَلْحَة \" فَذَكَرَ الْقِصَّة شَبِيهَة بِسِيَاقِ ثَابِت عَنْ أَنَس , وَقَالَ فِي آخِره \" فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا , قَالَ عَبَايَة : فَلَقَدْ رَأَيْت لِذَلِكَ الْغُلَام سَبْع بَنِينَ كُلّهمْ قَدْ خَتَمَ الْقُرْآن \" وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ فِي رِوَايَة سُفْيَان تَجَوُّزًا فِي \" قَوْله \" لَهُمَا \" لِأَنَّ ظَاهِره أَنَّهُ مِنْ وَلَدهمَا بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَإِنَّمَا الْمُرَاد مِنْ أَوْلَاد وَلَدهمَا الْمَدْعُوّ لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان \" تِسْعَة \" وَفِي هَذِهِ \" سَبْعَة \" فَلَعَلَّ فِي أَحَدهمَا تَصْحِيفًا , أَوْ الْمُرَاد بِالسَّبْعَةِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآن كُلّه وَبِالتِّسْعَةِ مَنْ قَرَأَ مُعْظَمه , وَلَهُ مِنْ الْوَلَد فِيمَا ذَكَرَ اِبْن سَعْد وَغَيْره مِنْ أَهْل الْعِلْم بِالْأَنْسَابِ إِسْحَاق وَإِسْمَاعِيل وَعَبْد اللَّه وَيَعْقُوب وَعُمَر وَالْقَاسِم وَعُمَارَة وَإِبْرَاهِيم وَعُمَيْر وَزَيْد وَمُحَمَّد , وَأَرْبَع مِنْ الْبَنَات. وَفِي قِصَّة أُمّ سُلَيْمٍ هَذِهِ مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا جَوَاز الْأَخْذ بِالشِّدَّةِ وَتَرْك الرُّخْصَة مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهَا , وَالتَّسْلِيَة عَنْ الْمَصَائِب , وَتَزَيُّن الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا , وَتَعَرُّضهَا لِطَلَبِ الْجِمَاع مِنْهُ , وَاجْتِهَادهَا فِي عَمَل مَصَالِحه , وَمَشْرُوعِيَّة الْمَعَارِيض الْمُوهِمَة إِذَا دَعَتْ الضَّرُورَة إِلَيْهَا. وَشَرْط جَوَازهَا أَنْ لَا تُبْطِل حَقًّا لِمُسْلِمٍ. وَكَانَ الْحَامِل لِأُمِّ سُلَيْمٍ عَلَى ذَلِكَ الْمُبَالَغَة فِي الصَّبْر وَالتَّسْلِيم لِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى وَرَجَاء إِخْلَافه عَلَيْهَا مَا فَاتَ مِنْهَا , إِذْ لَوْ أَعْلَمَتْ أَبَا طَلْحَة بِالْأَمْرِ فِي أَوَّل الْحَال تَنَكَّدَ عَلَيْهِ وَقْته وَلَمْ تَبْلُغ الْغَرَض الَّذِي أَرَادَتْهُ , فَلَمَّا عَلِمَ اللَّه صِدْق نِيَّتهَا بَلَّغَهَا مُنَاهَا وَأَصْلَحَ لَهَا ذُرِّيَّتهَا. وَفِيهِ إِجَابَة دَعْوَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا عَوَّضَهُ اللَّه خَيْرًا مِنْهُ , وَبَيَان حَال أُمّ سُلَيْمٍ مِنْ التَّجَلُّد وَجَوْدَة الرَّأْي وَقُوَّة الْعَزْم , وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَاد وَالْمَغَازِي أَنَّهَا كَانَتْ تَشْهَد الْقِتَال وَتَقُوم بِخِدْمَةِ الْمُجَاهِدِينَ إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا اِنْفَرَدَتْ بِهِ عَنْ مُعْظَم النِّسْوَة , وَسَيَأْتِي شَرْح حَدِيث أَبِي عُمَيْر مَا فَعَلَ النُّغَيْر مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر كِتَاب الْأَدَب , وَفِيهِ بَيَان مَا كَانَ سُمِّيَ بِهِ غَيْر الْكُنْيَة الَّتِي اِشْتَهَرَ بِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1219",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1220",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُرَيْشٌ هُوَ ابْنُ حَيَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏ظِئْرًا ‏ ‏لِإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ ‏ ‏وَإِبْرَاهِيمُ ‏ ‏يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ يَا ‏ ‏ابْنَ عَوْفٍ ‏ ‏إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏لَمَحْزُونُونَ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏هُوَ الْجَرَوِيّ بِفَتْحِ الْجِيم وَالرَّاء مَنْسُوب إِلَى جَرْوَة بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الرَّاء قَرْيَة مِنْ قُرَى تِنِّيس , وَكَانَ أَبُوهُ أَمِيرهَا فَتَزَهَّدَ الْحَسَن وَلَمْ يَأْخُذ مِنْ تَرِكَة أَبِيهِ شَيْئًا , وَكَانَ يُقَال إِنَّهُ نَظِير قَارُون فِي الْمَال , وَالْحَسَن الْمَذْكُور مِنْ طَبَقَة الْبُخَارِيّ وَمَاتَ بَعْده بِسَنَةٍ وَلَيْسَ لَهُ عِنْده سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيثَيْنِ آخَرَيْنِ فِي التَّفْسِير. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن حَسَّان ) ‏ ‏هُوَ التِّنِّيسِيُّ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيّ وَلَمْ يَلْقَهُ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْل أَنْ يَدْخُل مِصْر , وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الشَّافِعِيّ مَعَ جَلَالَته وَمَاتَ قَبْله بِمُدَّةٍ , فَوَقَعَ لِلْحَسَنِ نَظِير مَا وَقَعَ لِشَيْخِهِ مِنْ رِوَايَة إِمَام عَظِيم الشَّأْن عَنْهُ ثُمَّ يَمُوت قَبْله. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا قُرَيْش هُوَ اِبْن حَيَّان ) ‏ ‏هُوَ بِالْقَافِ وَالْمُعْجَمَة وَأَبُوهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّة بَصْرِيّ يُكَنَّى أَبَا بَكْر. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى أَبِي سَيْف ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض هُوَ الْبَرَاء بْن أَوْس , وَأُمّ سَيْف زَوْجَته هِيَ أُمّ بُرْدَة وَاسْمهَا خَوْلَة بِنْت الْمُنْذِر. قُلْت : جُمِعَ بِذَلِكَ بَيْن مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح وَبَيْن قَوْل الْوَاقِدِيّ فِيمَا رَوَاهُ اِبْن سَعْد فِي الطَّبَقَات عَنْهُ عَنْ يَعْقُوب بْن أَبِي صَعْصَعَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي صَعْصَعَة قَالَ \" لَمَّا وُلِدَ لَهُ إِبْرَاهِيم تَنَافَسَتْ فِيهِ نِسَاء الْأَنْصَار أَيَّتهنَّ تُرْضِعهُ , فَدَفَعَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُمّ بُرْدَة بِنْت الْمُنْذِر بْن زَيْد بْن لَبِيدٍ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْن النَّجَّار وَزَوْجهَا الْبَرَاء بْن أَوْس بْن خَالِد بْن الْجَعْد مِنْ بَنِي عَدِيّ بْن النَّجَّار أَيْضًا , فَكَانَتْ تُرْضِعهُ , وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِيه فِي بَنِي النَّجَّار \" اِنْتَهَى. وَمَا جُمِعَ بِهِ غَيْر مُسْتَبْعَد , إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَد مِنْ الْأَئِمَّة التَّصْرِيح بِأَنَّ الْبَرَاء بْن أَوْس يُكَنَّى أَبَا سَيْف وَلَا أَنَّ أَبَا سَيْف يُسَمَّى الْبَرَاء بْن أَوْس. ‏ ‏قَوْله : ( الْقَيْن ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا نُون هُوَ الْحَدَّاد , وَيُطْلَق عَلَى كُلّ صَانِع , يُقَال قَانَ الشَّيْء إِذَا أَصْلَحَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( ظِئْرًا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة الْمَهْمُوزَة بَعْدهَا رَاء أَيْ مُرْضِعًا , وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ زَوْج الْمُرْضِعَة , وَأَصْل الظِّئْر مِنْ ظَأَرَتْ النَّاقَة إِذَا عَطَفَتْ عَلَى غَيْر وَلَدهَا فَقِيلَ ذَلِكَ لِلَّتِي تُرْضِع غَيْر وَلَدهَا , وَأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَى زَوْجهَا لِأَنَّهُ يُشَارِكهَا فِي تَرْبِيَته غَالِبًا. ‏ ‏قَوْله : ( لِإِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة الْمُعَلَّقَة بَعْد هَذَا وَلَفْظه عِنْد مُسْلِم فِي أَوَّله \" وُلِدَ لِي اللَّيْلَة غُلَام فَسَمَّيْته بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيم , ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أُمّ سَيْف اِمْرَأَة قَيْن بِالْمَدِينَةِ يُقَال لَهُ أَبُو سَيْف , فَانْطَلَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتَّبَعَتْهُ فَانْتَهَى إِلَى أَبِي سَيْف وَهُوَ يَنْفُخ بِكِيرِهِ وَقَدْ اِمْتَلَأَ الْبَيْت دُخَانًا , فَأَسْرَعْت الْمَشْي بَيْن يَدَيْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا أَبَا سَيْف أَمْسِكْ جَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. \" لِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن سَعِيد عَنْ أَنَس \" مَا رَأَيْت أَحَدًا كَانَ أَرْحَم بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَانَ إِبْرَاهِيم مُسْتَرْضَعًا فِي عَوَالِي الْمَدِينَة , وَكَانَ يَنْطَلِق وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُل الْبَيْت وَإِنَّهُ لَيُدَخِّن وَكَانَ ظِئْره قَيْنًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِبْرَاهِيم يَجُود بِنَفْسِهِ ) ‏ ‏أَيْ يُخْرِجهَا وَيَدْفَعهَا كَمَا يَدْفَع الْإِنْسَان مَاله , وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان \" يَكِيد \" قَالَ صَاحِب الْمَعِين أَيْ يَسُوق بِهَا , وَقِيلَ مَعْنَاهُ يُقَارِب بِهَا الْمَوْت , وَقَالَ أَبُو مَرْوَان بْن سِرَاج \" قَدْ يَكُون مِنْ الْكَيْد وَهُوَ الْقَيْء يُقَال مِنْهُ كَادَ يَكِيد شَبَّهَ تَقَلُّع نَفْسه عِنْد الْمَوْت بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( تَذْرِفَانِ ) ‏ ‏بِذَالٍ مُعْجَمَة وَفَاء أَيْ يَجْرِي دَمْعهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْتَ يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏؟ قَالَ الطِّيبِيُّ. فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّب , وَالْوَاو تَسْتَدْعِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ أَيْ النَّاس لَا يَصْبِرُونَ عَلَى الْمُصِيبَة وَأَنْتَ تَفْعَل كَفِعْلِهِمْ , كَأَنَّهُ تَعَجَّبَ لِذَلِكَ مِنْهُ مَعَ عَهْده مِنْهُ أَنَّهُ يَحُثّ عَلَى الصَّبْر وَيَنْهَى عَنْ الْجَزَع , فَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ \" إِنَّهَا رَحْمَة \" أَيْ الْحَالَة الَّتِي شَاهَدْتهَا مِنِّي هِيَ رِقَّة الْقَلْب عَلَى الْوَلَد لَا مَا تَوَهَّمْت مِنْ الْجَزَع اِنْتَهَى. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف نَفْسه \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه تَبْكِي , أَوَلَمْ تَنْهَ عَنْ الْبُكَاء \" وَزَادَ فِيهِ \" إِنَّمَا نَهَيْت عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ : صَوْت عِنْد نَغْمَة لَهْو وَلَعِب وَمَزَامِير الشَّيْطَان , وَصَوْت عِنْد مُصِيبَة خَمْش وُجُوه وَشَقّ جُيُوب وَرَنَّة شَيْطَان قَالَ. إِنَّمَا هَذَا رَحْمَة وَمَنْ لَا يَرْحَم لَا يُرْحَم \" , وَفِي رِوَايَة مَحْمُود بْن لَبِيدٍ فَقَالَ \" إِنَّمَا أَنَا بَشَر \" , وَعِنْد عَبْد الرَّزَّاق مِنْ مُرْسَل مَكْحُول \" إِنَّمَا أَنْهَى النَّاس عَنْ النِّيَاحَة أَنْ يُنْدَب الرَّجُل بِمَا لَيْسَ فِيهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" ثُمَّ أَتْبَعَهَا وَاَللَّه بِأُخْرَى \" بِزِيَادَةِ الْقَسَم , قِيلَ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ أَتْبَعَ الدَّمْعَة الْأُولَى بِدَمْعَةٍ أُخْرَى , وَقِيلَ أَتْبَعَ الْكَلِمَة الْأُولَى الْمُجْمَلَة وَهِيَ قَوْله \" إِنَّهَا رَحْمَة \" بِكَلِمَةٍ أُخْرَى مُفَصَّلَة وَهِيَ قَوْله \" إِنَّ الْعَيْن تَدْمَع \" وَيُؤَيِّد الثَّانِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن وَمُرْسَل مَكْحُول. قَوْله : ( إِنَّ الْعَيْن تَدْمَع إِلَخْ ) فِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَمَحْمُود بْن لَبِيدٍ \" وَلَا نَقُول مَا يُسْخِط الرَّبّ \" وَزَادَ فِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن فِي آخِره \" لَوْلَا أَنَّهُ أَمْر حَقّ وَوَعْد صِدْق وَسَبِيل نَأْتِيه , وَإِنَّ آخِرنَا سَيَلْحَقُ بِأَوَّلِنَا , لَحَزِنَّا عَلَيْك حُزْنًا هُوَ أَشَدّ مِنْ هَذَا \" وَنَحْوه فِي حَدِيث أَسْمَاء بِنْت يَزِيد وَمُرْسَل مَكْحُول وَزَادَ فِي آخِره \" وَفَصَّلَ رَضَاعه فِي الْجَنَّة \" وَفِي آخِر حَدِيث مَحْمُود بْن لَبِيدٍ \" وَقَالَ إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّة \" وَمَاتَ وَهُوَ اِبْن ثَمَانِيَة عَشَرَ شَهْرًا , وَذِكْر الرَّضَاع وَقَعَ فِي آخِر حَدِيث أَنَس عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن سَعِيد عَنْهُ , إِلَّا أَنَّ ظَاهِر سِيَاقه الْإِرْسَال , فَلَفْظه \" قَالَ عَمْرو فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيم قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. إِنَّ إِبْرَاهِيم اِبْنِي , وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْي , وَإِنَّ لَهُ لِظِئْرَيْنِ يُكْمِلَانِ رَضَاعه فِي الْجَنَّة \" وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز حَدِيث الْبَرَاء \" إِنَّ لِإِبْرَاهِيم لَمُرْضِعًا فِي الْجَنَّة \". ( فَائِدَة فِي وَقْت وَفَاة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام ) : جَزَمَ الْوَاقِدِيّ بِأَنَّهُ مَاتَ يَوْم الثُّلَاثَاء لِعَشْرِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْر رَبِيع الْأَوَّل سَنَة عَشْر , وَقَالَ اِبْن حَزْم : مَاتَ قَبْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُر , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ وُلِدَ فِي ذِي الْحِجَّة سَنَة ثَمَانٍ. قَالَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره : هَذَا الْحَدِيث يُفَسِّر الْبُكَاء الْمُبَاح وَالْحُزْن الْجَائِز , وَهُوَ مَا كَانَ بِدَمْعِ الْعَيْن وَرِقَّة الْقَلْب مِنْ غَيْر سُخْط لِأَمْرِ اللَّه , وَهُوَ أَبْيَن شَيْء وَقَعَ فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة تَقْبِيل الْوَلَد وَشَمّه , وَمَشْرُوعِيَّة الرَّضَاع , وَعِيَادَة الصَّغِير , وَالْحُضُور عِنْد الْمُحْتَضَر , وَرَحْمَة الْعِيَال , وَجَوَاز الْإِخْبَار عَنْ الْحُزْن وَإِنْ كَانَ الْكِتْمَان أَوْلَى , وَفِيهِ وُقُوع الْخِطَاب لِلْغَيْرِ وَإِرَادَة غَيْره بِذَلِكَ , وَكُلّ مِنْهُمَا مَأْخُوذ مِنْ مُخَاطَبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَده مَعَ أَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَفْهَم الْخِطَاب لِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا صِغَره , وَالثَّانِي نِزَاعه. وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْخِطَابِ غَيْره مِنْ الْحَاضِرِينَ إِشَارَة إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَدْخُل فِي نَهْيه السَّابِق. وَفِيهِ جَوَاز الِاعْتِرَاض عَلَى مَنْ خَالَفَ فِعْله ظَاهِر قَوْله لِيَظْهَر الْفَرْق , وَحَكَى اِبْن التِّين قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى تَقْبِيل الْمَيِّت وَشَمّه , وَرَدَّهُ بِأَنَّ الْقِصَّة إِنَّمَا وَقَعَتْ قَبْل الْمَوْت وَهُوَ كَمَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيُّ وَطَرِيقه هَذِهِ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق تِمْتَام وَهُوَ بِمُثَنَّاتَيْنِ لَقَب مُحَمَّد بْن غَالِب الْبَغْدَادِيّ الْحَافِظ عَنْهُ , وَفِي سِيَاقه مَا لَيْسَ فِي سِيَاق قُرَيْش بْن حَيَّان , وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيّ أَصْل الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "1221",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اشْتَكَى ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏شَكْوَى لَهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعُودُهُ مَعَ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ فَقَالَ قَدْ قَضَى قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبَكَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَكَوْا فَقَالَ ‏ ‏أَلَا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَضْرِبُ فِيهِ بِالْعَصَا وَيَرْمِي بِالْحِجَارَةِ وَيَحْثِي بِالتُّرَابِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث الْمِصْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعِيد بْن الْحَارِث الْأَنْصَارِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي سَعِيد بْن الْمُعَلَّى قَاضِي الْمَدِينَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عُمَارَة بْن غَزِيَّة عَنْ سَعِيد بْن الْحَارِث بْن الْمُعَلَّى فَكَأَنَّهُ نَسَبَ أَبَاهُ لِجَدِّهِ. ‏ ‏قَوْله : ( اِشْتَكَى ) ‏ ‏أَيْ ضَعُفَ وَ \" شَكْوَى \" بِغَيْرِ تَنْوِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة عُمَارَة بْن غَزِيَّة \" فَاسْتَأْخَرَ قَوْمه مَنْ حَوْله حَتَّى دَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه الَّذِينَ مَعَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي غَاشِيَة أَهْله ) ‏ ‏بِمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ الَّذِينَ يَغْشَوْنَهُ لِلْخِدْمَةِ وَغَيْرهَا , وَسَقَطَ لَفْظ \" أَهْله \" مِنْ أَكْثَر الرِّوَايَات , وَعَلَيْهِ شَرْح الْخَطَّابِيّ , فَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْغَاشِيَةِ الْغَشْيَة مِنْ الْكَرْب , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم فِي غَشْيَته. وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : الْغَاشِيَة هِيَ الدَّاهِيَة مِنْ شَرّ أَوْ مِنْ مَرَض أَوْ مِنْ مَكْرُوه , وَالْمُرَاد مَا يَتَغَشَّاهُ مِنْ كَرْب الْوَجَع الَّذِي هُوَ فِيهِ لَا الْمَوْت , لِأَنَّهُ أَفَاقَ مِنْ تِلْكَ الْمِرْضَة وَعَاشَ بَعْدهَا زَمَانًا. قَوْله : ( فَلَمَّا رَأَى الْقَوْم بُكَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَوْا ) فِي هَذَا إِشْعَار بِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ بَعْد قِصَّة إِبْرَاهِيم اِبْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِأَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف كَانَ مَعَهُمْ فِي هَذِهِ وَلَمْ يَعْتَرِضهُ بِمِثْلِ مَا اِعْتَرَضَ بِهِ هُنَاكَ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ تَقَرَّرَ عِنْده الْعِلْم بِأَنَّ مُجَرَّد الْبُكَاء بِدَمْعِ الْعَيْن مِنْ غَيْر زِيَادَة عَلَى ذَلِكَ لَا يَضُرّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَلَا تَسْمَعُونَ ) ‏ ‏لَا يَحْتَاج إِلَى مَفْعُول لِأَنَّهُ جُعِلَ كَالْفِعْلِ اللَّازِم , أَيْ أَلَا تُوجِدُونَ السَّمَاع , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ بَعْضهمْ الْإِنْكَار , فَبَيَّنَ لَهُمْ الْفَرْق بَيْن الْحَالَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّه ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة لِأَنَّهُ اِبْتِدَاء كَلَام. ‏ ‏قَوْله : ( يُعَذِّب بِهَذَا ) ‏ ‏أَيْ إِنْ قَالَ سُوءًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ يَرْحَم ) ‏ ‏إِنْ قَالَ خَيْرًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله \" أَوْ يَرْحَم \" أَيْ إِنْ لَمْ يُنْفِذ الْوَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ الْمَيِّت يُعَذَّب بِبُكَاءِ أَهْله عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ بِخِلَافِ غَيْره , وَنَظِيره قَوْله فِي قِصَّة عَبْد اللَّه بْن ثَابِت الَّتِي أَخْرَجَهَا مَالِك فِي الْمُوَطَّأ مِنْ حَدِيث جَابِر بْن عَتِيك , فَفِيهِ \" فَصَاحَ النِّسْوَة , فَجَعَلَ اِبْن عَتِيك يُسْكِتهُنَّ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهُنَّ فَإِذَا وَجَبَتْ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَة \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ عُمَر ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَى اِبْن عُمَر , وَسَقَطَتْ هَذِهِ الْجُمْلَة وَكَذَا الَّتِي قَبْلهَا مِنْ رِوَايَة مُسْلِم , وَلِهَذَا ظَنَّ بَعْض النَّاس أَنَّهُمَا مُعَلَّقَانِ. وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر مِنْ الْفَوَائِد اِسْتِحْبَاب عِيَادَة الْمَرِيض , وَعِيَادَة الْفَاضِل لِلْمَفْضُولِ , وَالْإِمَام أَتْبَاعه مَعَ أَصْحَابه , وَفِيهِ النَّهْي عَنْ الْمُنْكَر وَبَيَان الْوَعِيد عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1222",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَتْنِي ‏ ‏عَمْرَةُ ‏ ‏قَالَتْ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏لَمَّا جَاءَ قَتْلُ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ‏ ‏وَجَعْفَرٍ ‏ ‏وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ‏ ‏جَلَسَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ ‏ ‏شَقِّ ‏ ‏الْبَابِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نِسَاءَ ‏ ‏جَعْفَرٍ ‏ ‏وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ قَدْ نَهَيْتُهُنَّ وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنِي ‏ ‏أَوْ غَلَبْنَنَا الشَّكُّ مِنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ ‏ ‏فَزَعَمَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَاحْثُ ‏ ‏فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ فَقُلْتُ ‏ ‏أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ ‏ ‏فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْعَنَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن حَوْشَبٍ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَشِين مُعْجَمَة وَزْن جَعْفَر ثِقَة مِنْ أَهْل الطَّائِف نَزَلَ الْكُوفَة , ذَكَرَ الْأَصِيلِيّ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْر الْبُخَارِيّ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ رَوَى عَنْهُ أَيْضًا مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن وَارَة الرَّازِيّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمِزِّيّ فِي التَّهْذِيب , وَعَبْد الْوَهَّاب شَيْخه هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث عَائِشَة قَبْل أَرْبَعَة أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1223",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَ الْبَيْعَةِ ‏ ‏أَنْ لَا نَنُوحَ فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرَ خَمْسِ نِسْوَةٍ ‏ ‏أُمِّ سُلَيْمٍ ‏ ‏وَأُمِّ الْعَلَاءِ ‏ ‏وَابْنَةِ ‏ ‏أَبِي سَبْرَةَ ‏ ‏امْرَأَةِ ‏ ‏مُعَاذٍ ‏ ‏وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ ابْنَةِ ‏ ‏أَبِي سَبْرَةَ ‏ ‏وَامْرَأَةِ ‏ ‏مُعَاذٍ ‏ ‏وَامْرَأَةٍ أُخْرَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ الْحَجَبِيّ , وَحَمَّاد هُوَ اِبْن زَيْد , وَمُحَمَّد هُوَ اِبْن سِيرِينَ , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. وَقَدْ رَوَاهُ عَارِم عَنْ حَمَّاد فَقَالَ : \" عَنْ أَيُّوب عَنْ حَفْصَة \" بَدَل مُحَمَّد أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ , وَلَهُ أَصْل عَنْ حَفْصَة كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَام مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَارِث عَنْ أَيُّوب عَنْهَا , فَكَأَنَّ حَمَّادًا سَمِعَهُ مِنْ أَيُّوب عَنْ كُلّ مِنْهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( عِنْد الْبَيْعَة ) ‏ ‏أَيْ لَمَّا بَايَعَهُنَّ عَلَى الْإِسْلَام. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا وَفَتْ ) ‏ ‏أَيْ بِتَرْكِ النَّوْح. وَأُمّ سُلَيْمٍ هِيَ بِنْت مِلْحَان وَالِدَة أَنَس , وَأُمّ الْعَلَاء تَقَدَّمَ ذِكْرهَا فِي ثَالِث بَاب مِنْ كِتَاب الْجَنَائِز , وَابْنَة أَبِي سَبْرَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة , وَأَمَّا قَوْله أَوْ اِبْنَة أَبِي سَبْرَة وَامْرَأَة مُعَاذ فَهُوَ شَكّ مِنْ أَحَد رُوَاته هَلْ اِبْنَة أَبِي سَبْرَة هِيَ اِمْرَأَة مُعَاذ أَوْ غَيْرهَا , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَحْكَام مِنْ رِوَايَة حَفْصَة عَنْ أُمّ عَطِيَّة بِالشَّكِّ أَيْضًا , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الرِّوَايَة بِوَاوِ الْعَطْف أَصَحّ لِأَنَّ اِمْرَأَة مُعَاذ وَهُوَ اِبْن جَبَل هِيَ أُمّ عَمْرو بِنْت خَلَّاد بْن عَمْرو السُّلَمِيَّة ذَكَرَهَا اِبْن سَعْد , فَعَلَى هَذَا فَابْنَة أَبِي سَبْرَة غَيْرهَا. وَوَقَعَ فِي \" الدَّلَائِل \" لِأَبِي مُوسَى مِنْ طَرِيق حَفْصَة عَنْ أُمّ عَطِيَّة \" وَأُمّ مُعَاذ \" بَدَل قَوْله وَامْرَأَة مُعَاذ وَكَذَا فِي رِوَايَة عَارِم , لَكِنْ لَفْظه \" أَوْ أُمّ مُعَاذ بِنْت أَبِي سَبْرَة \" وَفِي الطَّبَرَانِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْن عَوْن عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أُمّ عَطِيَّة \" فَمَا وَفَتْ غَيْر أُمّ سُلَيْمٍ وَأُمّ كُلْثُوم وَامْرَأَة مُعَاذ بْن أَبِي سَبْرَة \" كَذَا فِيهِ وَالصَّوَاب مَا فِي الصَّحِيح اِمْرَأَة مُعَاذ وَبِنْت أَبِي سَبْرَة , وَلَعَلَّ بِنْت أَبِي سَبْرَة يُقَال لَهَا أُمّ كُلْثُوم , وَإِنْ كَانَتْ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا أُمّ مُعَاذ مَحْفُوظَة فَلَعَلَّهَا أُمّ مُعَاذ بْن جَبَل وَهِيَ هِنْد بِنْت سَهْل الْجُهَنِيَّة ذَكَرَهَا اِبْن سَعْد أَيْضًا , وَعُرِفَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ النِّسْوَة الْخَمْس وَهِيَ أُمّ سُلَيْمٍ وَأُمّ الْعَلَاء وَأُمّ كُلْثُوم وَأُمّ عَمْرو وَهِنْد - إِنْ كَانَتْ الرِّوَايَة مَحْفُوظَة - وَإِلَّا فَيَخْتَلِج فِي خَاطِرِي أَنَّ الْخَامِسَة هِيَ أُمّ عَطِيَّة رَاوِيَة الْحَدِيث. ثُمَّ وَجَدْت مَا يُؤَيِّدهُ مِنْ طَرِيق عَاصِم عَنْ حَفْصَة عَنْ أُمّ عَطِيَّة بِلَفْظِ \" فَمَا وَفَتْ غَيْرِي وَغَيْر أُمّ سُلَيْمٍ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضًا. ثُمَّ وَجَدْت مَا يَرُدّهُ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق هِشَام بْن حَسَّان عَنْ حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ عَنْ أُمّ عَطِيَّة قَالَتْ \" كَانَ فِيمَا أُخِذَ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَنُوح \" الْحَدِيث , فَزَادَ فِي آخِره \" وَكَانَتْ لَا تَعُدّ نَفْسهَا لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَ يَوْم الْحَرَّة لَمْ تَزَلْ النِّسَاء بِهَا حَتَّى قَامَتْ مَعَهُنَّ فَكَانَتْ لَا تَعُدّ نَفْسهَا لِذَلِكَ \" وَيُجْمَع بِأَنَّهَا تَرَكَتْ عَدَّ نَفْسهَا مِنْ يَوْم الْحَرَّة. قُلْت : يَوْم الْحَرَّة قُتِلَ فِيهِ مِنْ الْأَنْصَار مَنْ لَا يُحْصَى عَدَده وَنُهِبَتْ الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَبُذِلَ فِيهَا السَّيْف ثَلَاثَة أَيَّام وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَيَّام يَزِيد بْن مُعَاوِيَة , وَفِي حَدِيث أُمّ عَطِيَّة مِصْدَاق مَا وَصَفَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُنَّ نَاقِصَات عَقْل وَدِين. وَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِلنِّسْوَةِ الْمَذْكُورَات , قَالَ عِيَاض : مَعْنَى الْحَدِيث لَمْ يَفِ مِمَّنْ بَايَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أُمّ عَطِيَّة فِي الْوَقْت الَّذِي بَايَعَتْ فِيهِ النِّسْوَة إِلَّا الْمَذْكُورَات , لَا أَنَّهُ لَمْ يَتْرُك النِّيَاحَة مِنْ الْمُسْلِمَات غَيْر خَمْسَة. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة فَوَائِده فِي تَفْسِير سُورَة الْمُمْتَحَنَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1224",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تُخَلِّفكُمْ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد اللَّام الْمَكْسُورَة بَعْدهَا فَاءَ أَيْ تَتْرُككُمْ وَرَاءَهَا , وَنِسْبَة ذَلِكَ إِلَيْهَا عَلَى سَبِيل الْمَجَاز لِأَنَّ الْمُرَاد حَامِلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏هَذَا السِّيَاق لَفْظ الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه حَدَّثَ بِهِ عَلَى السِّيَاقَيْنِ فَقَالَ مَرَّة \" عَنْ سُفْيَان حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِم \" وَقَالَ مَرَّة \" قَالَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي سَالِم \" وَالْمُرَاد مِنْ السِّيَاقَيْنِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَمِعَهُ مِنْ شَيْخه. ‏ ‏قَوْله : ( زَادَ الْحُمَيْدِيّ ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ سُفْيَان بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَقَدْ رَوَيْنَاهُ مُوصَلًا فِي مُسْنَده , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه مِنْ طَرِيقه كَذَلِكَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَثَلَاثَة مَعَهُ أَرْبَعَتهمْ عَنْ سُفْيَان بِالزِّيَادَةِ إِلَّا أَنَّهُ فِي سِيَاقهمْ بِالْعَنْعَنَةِ , وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد رِوَايَة تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ وَصَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ فِي نَسَق وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1225",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ جِنَازَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى يُخَلِّفَهَا أَوْ تُخَلِّفَهُ أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يُخَلِّفهَا أَوْ تُخَلِّفهُ ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الْبُخَارِيّ , أَوْ مِنْ قُتَيْبَة حِين حَدَّثَهُ بِهِ , وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَة وَمُسْلِم عَنْ قُتَيْبَة وَمُحَمَّد بْن رُمْح كِلَاهُمَا عَنْ اللَّيْث فَقَالَا : \" حَتَّى تُخَلِّفهُ \" مِنْ غَيْر شَكّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ تُوضَع مِنْ قَبْل أَنْ تُخَلِّفهُ ) ‏ ‏فِيهِ بَيَان لِلْمُرَادِ مِنْ رِوَايَة سَالِم الْمَاضِيَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" إِذَا رَأَى أَحَدكُمْ الْجِنَازَة فَلْيَقُمْ حِين يَرَاهَا حَتَّى تُخَلِّفهُ إِذَا كَانَ غَيْر مُتَّبِعهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "1226",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فَأَخَذَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بِيَدِ ‏ ‏مَرْوَانَ ‏ ‏فَجَلَسَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ فَجَاءَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَأَخَذَ بِيَدِ ‏ ‏مَرْوَانَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏قُمْ فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏صَدَقَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1227",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَهِشَام هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير , وَحَدِيث أَبِي سَعِيد هَذَا أَبْيَن سِيَاقًا مِنْ حَدِيث عَامِر بْن رَبِيعَة , وَهُوَ يُوَضِّح أَنَّ الْمُرَاد بِالْغَايَةِ الْمَذْكُورَة مَنْ كَانَ مَعَهَا أَوْ مُشَاهِدًا لَهَا , وَأَمَّا مَنْ مَرَّتْ بِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ الْقِيَام إِلَّا قَدْر مَا تَمُرّ عَلَيْهِ أَوْ تُوضَع عِنْده بِأَنْ يَكُون بِالْمُصَلَّى مَثَلًا. وَرَوَى أَحْمَد مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن مَرْجَانَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَة وَلَمْ يَمْشِ مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى تَغِيب عَنْهُ , وَإِنْ مَشَى مَعَهَا فَلَا يَقْعُد حَتَّى تُوضَع \" وَفِي هَذَا السِّيَاق بَيَان لِغَايَةِ الْقِيَام , وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصّ بِمَنْ مَرَّتْ بِهِ , وَلَفْظ الْقِيَام يَتَنَاوَل مَنْ كَانَ قَاعِدًا , فَأَمَّا مَنْ كَانَ رَاكِبًا فَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقِف وَيَكُون الْوُقُوف فِي حَقّه كَالْقِيَامِ فِي حَقّ الْقَاعِد , وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا \" عَلَى أَنَّ شُهُود الْجِنَازَة لَا يَجِب عَلَى الْأَعْيَان. ‏"
    },
    {
        "id": "1228",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقُمْنَا بِهِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ قَالَ ‏ ‏إِذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ ‏ ‏وَ ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( مُرَّ بِنَا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مَرَّتْ \" بِفَتْحِ الْمِيم. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ ) ‏ ‏زَادَ غَيْر كَرِيمَة \" لَهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقُمْنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" وَقُمْنَا \" بِالْوَاوِ , وَزَادَ الْأَصِيلِيّوَكَرِيمَة \" لَهُ \" وَالضَّمِير لِلْقِيَامِ أَيْ لِأَجْلِ قِيَامه , وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى \" فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَحْمِل قِيلَ إِنَّهَا جِنَازَة يَهُودِيّ \" زَادَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي قِلَابَةَ الرَّقَاشِيّ عَنْ مُعَاذ بْن فَضَالَة شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" فَقَالَ إِنَّ الْمَوْت فَزَع \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ هِشَام. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَوْت يُفْزَع مِنْهُ , إِشَارَة إِلَى اِسْتِعْظَامه , وَمَقْصُود الْحَدِيث أَنْ لَا يَسْتَمِرّ الْإِنْسَان عَلَى الْغَفْلَة بَعْد رُؤْيَة الْمَوْت , لِمَا يُشْعِر ذَلِكَ مِنْ التَّسَاهُل بِأَمْرِ الْمَوْت , فَمِنْ ثَمَّ اِسْتَوَى فِيهِ كَوْن الْمَيِّت مُسْلِمًا أَوْ غَيْر مُسْلِم. وَقَالَ غَيْره : جَعْلَ نَفْس الْمَوْت فَزَعًا مُبَالَغَة كَمَا يُقَال رَجُل عَدْل , قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : هُوَ مَصْدَر جَرَى مَجْرَى الْوَصْف لِلْمُبَالَغَةِ , وَفِيهِ تَقْدِير أَيْ الْمَوْت ذُو فَزَع اِنْتَهَى. وَيُؤَيِّد الثَّانِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" إِنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله عِنْد الْبَزَّار قَالَ : وَفِيهِ تَنْبِيه عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْحَالَة يَنْبَغِي لِمَنْ رَآهَا أَنْ يَقْلَق مِنْ أَجْلهَا وَيَضْطَرِب , وَلَا يَظْهَر مِنْهُ عَدَم الِاحْتِفَال وَالْمُبَالَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "1229",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ‏ ‏وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏قَاعِدَيْنِ ‏ ‏بِالْقَادِسِيَّةِ ‏ ‏فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَامَا فَقِيلَ لَهُمَا إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَيْ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الذِّمَّةِ ‏ ‏فَقَالَا إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ فَقَالَ أَلَيْسَتْ نَفْسًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏قَالَ كُنْتُ مَعَ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏وَسَهْلٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَقَالَا ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَبُو مَسْعُودٍ ‏ ‏وَقَيْسٌ ‏ ‏يَقُومَانِ لِلْجَنَازَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ \" عَلَيْهِمْ \" أَيْ عَلَى قَيْس وَهُوَ اِبْن سَعْد بْن عُبَادَةَ وَسَهْل وَهُوَ اِبْن حُنَيْف وَمَنْ كَانَ حِينَئِذٍ مَعَهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أَهْل الْأَرْض أَيْ مِنْ أَهْل الذِّمَّة ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِلَفْظِ أَيْ الَّتِي يُفَسَّر بِهَا , وَهِيَ رِوَايَة الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا , وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ شَرَحَهُ بِلَفْظِ أَوْ الَّتِي لِلشَّكِّ , وَقَالَ : لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ , وَقِيلَ لِأَهْلِ الذِّمَّة أَهْل الْأَرْض لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا فَتَحُوا الْبِلَاد أَقَرُّوهُمْ عَلَى عَمَل الْأَرْض وَحَمْل الْخَرَاج. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَيْسَتْ نَفْسًا ) ‏ ‏هَذَا لَا يُعَارِض التَّعْلِيل الْمُتَقَدِّم حَيْثُ قَالَ \" إِنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا \" عَلَى مَا تَقَدَّمَ , وَكَذَا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق قَتَادَة عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا فَقَالَ \" إِنَّمَا قُمْنَا لِلْمَلَائِكَةِ \" , وَنَحْوه لِأَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى , وَلِأَحْمَد وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مَرْفُوعًا \" إِنَّمَا تَقُومُونَ إِعْظَامًا لِلَّذِي يَقْبِض النُّفُوس \" وَلَفْظ اِبْن حِبَّانَ \" إِعْظَامًا لِلَّهِ الَّذِي يَقْبِض الْأَرْوَاح \" فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يُنَافِي التَّعْلِيل السَّابِق , لِأَنَّ الْقِيَام لِلْفَزَعِ مِنْ الْمَوْت فِيهِ تَعْظِيم لِأَمْرِ اللَّه , وَتَعْظِيم لِلْقَائِمِينَ بِأَمْرِهِ فِي ذَلِكَ وَهُمْ الْمَلَائِكَة , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث الْحَسَن بْن عَلِيّ قَالَ \" إِنَّمَا قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأَذِّيًا بِرِيحِ الْيَهُودِيّ \" زَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَيَّاش بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُعْجَمَة \" فَأَذَاهُ رِيح بَخُورهَا \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْحَسَن \" كَرَاهِيَة أَنْ تَعْلُو رَأْسه \" فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُعَارِض الْأَخْبَار الْأُولَى الصَّحِيحَة , أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ أَسَانِيدهَا لَا تُقَاوِم تِلْكَ فِي الصِّحَّة , وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ التَّعْلِيل بِذَلِكَ رَاجِع إِلَى مَا فَهِمَهُ الرَّاوِي , وَالتَّعْلِيل الْمَاضِي صَرِيح مِنْ لَفْظ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَأَنَّ الرَّاوِي لَمْ يَسْمَع التَّصْرِيح بِالتَّعْلِيلِ مِنْهُ فَعَلَّلَ بِاجْتِهَادِهِ. وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق خَارِجَة بْن زَيْد بْن ثَابِت عَنْ عَمّه يَزِيد بْن ثَابِت قَالَ \" كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَلَعَتْ جِنَازَة , فَلَمَّا رَآهَا قَامَ وَقَامَ أَصْحَابه حَتَّى بَعُدَتْ , وَاَللَّه مَا أَدْرِي مِنْ شَأْنهَا أَوْ مِنْ تَضَايُق الْمَكَان , وَمَا سَأَلْنَاهُ عَنْ قِيَامه \" وَمُقْتَضَى التَّعْلِيل بِقَوْلِهِ \" أَلَيْسَتْ نَفْسًا \" أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبّ لِكُلِّ جِنَازَة , وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ فِي التَّرْجَمَة عَلَى الْيَهُودِيّ وُقُوفًا مَعَ لَفْظ الْحَدِيث , وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي أَصْل الْمَسْأَلَة فَذَهَبَ الشَّافِعِيّ إِلَى أَنَّهُ غَيْر وَاجِب فَقَالَ : هَذَا إِمَّا أَنْ يَكُون مَنْسُوخًا أَوْ يَكُون قَامَ لِعِلَّةٍ , وَأَيّهمَا كَانَ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَرَكَهُ بَعْد فِعْله , وَالْحُجَّة فِي الْآخِر مِنْ أَمْره , وَالْقُعُود أَحَبّ إِلَيَّ اِنْتَهَى. وَأَشَارَ بِالتَّرْكِ إِلَى حَدِيث عَلِيّ \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ لِلْجِنَازَةِ ثُمَّ قَعَدَ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : يَحْتَمِل قَوْل عَلِيّ \" ثُمَّ قَعَدَ \" أَيْ بَعْد أَنْ جَاوَزَتْهُ وَبَعُدَتْ عَنْهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد كَانَ يَقُوم فِي وَقْت ثُمَّ تَرَكَ الْقِيَام أَصْلًا , وَعَلَى هَذَا يَكُون فِعْله الْأَخِير قَرِينَة فِي أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَمْرِ الْوَارِد فِي ذَلِكَ النَّدْب , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون نَسْخًا لِلْوُجُوبِ الْمُسْتَفَاد مِنْ ظَاهِر الْأَمْر , وَالْأَوَّل أَرْجَح لِأَنَّ اِحْتِمَال الْمَجَاز - يَعْنِي فِي الْأَمْر - أَوْلَى مِنْ دَعْوَى النَّسْخ اِنْتَهَى. وَالِاحْتِمَال الْأَوَّل يَدْفَعهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث عَلِيّ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْم قَامُوا أَنْ يَجْلِسُوا ثُمَّ حَدَّثَهُمْ الْحَدِيث , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْقِيَام جَمَاعَة مِنْهُمْ سُلَيْم الرَّازِيّ وَغَيْره مِنْ الشَّافِعِيَّة , وَقَالَ اِبْن حَزْم : قُعُوده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد أَمْره بِالْقِيَامِ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْأَمْر لِلنَّدْبِ , وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون نَسْخًا لِأَنَّ النَّسْخ لَا يَكُون إِلَّا بِنَهْيٍ أَوْ بِتَرْكٍ مَعَهُ نَهْي اِنْتَهَى. وَقَدْ وَرَدَ مَعْنَى النَّهْي مِنْ حَدِيث عُبَادَةَ قَالَ \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُوم لِلْجِنَازَةِ , فَمَرَّ بِهِ حَبْر مِنْ الْيَهُود فَقَالَ : هَكَذَا نَفْعَل , فَقَالَ : اِجْلِسُوا وَخَالِفُوهُمْ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَصْحَاب السُّنَن إِلَّا النَّسَائِيَّ , فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِسْنَاده ضَعِيفًا لَكَانَ حُجَّة فِي النَّسْخ , وَقَالَ عِيَاض : ذَهَبَ جَمْع مِنْ السَّلَف إِلَى أَنَّ الْأَمْر بِالْقِيَامِ مَنْسُوخ بِحَدِيثِ عَلِيّ , وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّ النَّسْخ لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْع وَهُوَ هُنَا مُمْكِن قَالَ : وَالْمُخْتَار أَنَّهُ مُسْتَحَبّ , وَبِهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي اِنْتَهَى. وَقَوْل صَاحِب الْمُهَذَّب هُوَ عَلَى التَّخْيِير كَأَنَّهُ مَأْخُوذ مِنْ قَوْل الشَّافِعِيّ الْمُتَقَدِّم لِمَا تَقْضِيه صِيغَة أَفْعَل مِنْ الِاشْتِرَاك , وَلَكِنَّ الْقُعُود عِنْده أَوْلَى , وَعَكْسه قَوْل اِبْن حَبِيب وَابْن الْمَاجِشُونِ مِنْ الْمَالِكِيَّة : كَانَ قُعُوده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَيَانِ الْجَوَاز , فَمَنْ جَلَسَ فَهُوَ فِي سَعَة , وَمَنْ قَامَ فَلَهُ أَجْر. وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَاب عَلَى جَوَاز إِخْرَاج جَنَائِز أَهْل الذِّمَّة نَهَارًا غَيْر مُتَمَيِّزَة عَنْ جَنَائِز الْمُسْلِمِينَ , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الزَّيْن بْن الْمُنِير قَالَ : وَإِلْزَامهمْ بِمُخَالَفَةِ رُسُوم الْمُسْلِمِينَ وَقَعَ اِجْتِهَادًا مِنْ الْأَئِمَّة. وَيُمْكِن أَنْ يُقَال إِذَا ثَبَتَ النَّسْخ لِلْقِيَامِ تَبِعَهُ مَا عَدَاهُ , فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْد مَشْرُوعِيَّة الْقِيَام , فَلَمَّا تُرِكَ الْقِيَام مُنِعَ مِنْ الْإِظْهَار. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو حَمْزَة ) ‏ ‏هُوَ السُّكَّرِيّ , وَعَمْرو هُوَ اِبْن مُرَّة الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الَّذِي قَبْله , وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق عَبْدَان عَنْ أَبِي حَمْزَة وَلَفْظه نَحْو حَدِيث شُعْبَة , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَته : فَمَرَّتْ عَلَيْهِمَا جِنَازَة فَقَامَا , وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ بِالْقَادِسِيَّةِ. وَأَرَادَ الْمُصَنِّف بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان سَمَاع عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى لِهَذَا الْحَدِيث مِنْ سَهْل وَقَيْس. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ زَكَرِيَّاء ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي زَائِدَة , وَطَرِيقه هَذِهِ مَوْصُولَة عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْهُ , وَأَبُو مَسْعُود الْمَذْكُور فِيهَا هُوَ الْبَدْرِيّ , وَيُجْمَع بَيْن مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَاف بِأَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى ذَكَرَ قَيْسًا وَسَهْلًا مُفْرَدَيْنِ لِكَوْنِهِمَا رَفَعَا لَهُ الْحَدِيث , وَذَكَرَهُ مَرَّة أُخْرَى عَنْ قَيْس وَأَبِي مَسْعُود لِكَوْنِ أَبِي مَسْعُود لَمْ يَرْفَعهُ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1230",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِي وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيد ) ‏ ‏لِسَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ فِيهِ إِسْنَاد آخَر رَوَاهُ اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْهُ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مِهْرَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن حِبَّانَ وَقَالَ : الطَّرِيقَانِ جَمِيعًا مَحْفُوظَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب الْمَذْكُورَة \" إِذَا وُضِعَ الْمَيِّت عَلَى السَّرِير \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْجِنَازَةِ الْمَيِّت , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظ يُطْلَق عَلَى الْمَيِّت وَعَلَى السَّرِير الَّذِي يُحْمَل عَلَيْهِ أَيْضًا , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ بَعْد بَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1231",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَفِظْنَاهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" عَنْ \" بَدَل مِنْ , وَالْأَوَّل أَوْلَى لِأَنَّهُ يَقْتَضِي سَمَاعه مِنْهُ بِخِلَافِ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي , وَقَدْ صَرَّحَ الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده بِسَمَاعِ سُفْيَان لَهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ) ‏ ‏كَذَا قَالَ سُفْيَان وَتَابَعَهُ مَعْمَر وَابْن أَبِي حَفْصَة عِنْد مُسْلِم , وَخَالَفَهُمْ يُونُس فَقَالَ \" عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْن سَهْل عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ لِلزُّهْرِيِّ فِيهِ شَيْخَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَسْرِعُوا ) ‏ ‏نَقَلَ اِبْن قُدَامَةَ أَنَّ الْأَمْر فِيهِ لِلِاسْتِحْبَابِ بِلَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء , وَشَذَّ اِبْن حَزْم فَقَالَ بِوُجُوبِهِ , وَالْمُرَاد بِالْإِسْرَاعِ شِدَّة الْمَشْي وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ بَعْض السَّلَف وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّة. قَالَ صَاحِب الْهِدَايَة : وَيَمْشُونَ بِهَا مُسْرِعِينَ دُون الْخَبَب , وَفِي الْمَبْسُوط : لَيْسَ فِيهِ شَيْء مُؤَقَّت , غَيْر أَنَّ الْعَجَلَة أَحَبّ إِلَى أَبِي حَنِيفَة , وَعَنْ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور الْمُرَاد بِالْإِسْرَاعِ مَا فَوْق سَجِيَّة الْمَشْي الْمُعْتَاد , وَيُكْرَه الْإِسْرَاع الشَّدِيد. وَمَالَ عِيَاض إِلَى نَفْي الْخِلَاف فَقَالَ : مَنْ اِسْتَحَبَّهُ أَرَادَ الزِّيَادَة عَلَى الْمَشْي الْمُعْتَاد , وَمَنْ كَرِهَهُ أَرَادَ الْإِفْرَاط فِيهِ كَالرَّمَلِ. وَالْحَاصِل أَنَّهُ يُسْتَحَبّ الْإِسْرَاع لَكِنْ بِحَيْثُ لَا يَنْتَهِي إِلَى شِدَّة يُخَاف مَعَهَا حُدُوث مَفْسَدَة بِالْمَيِّتِ أَوْ مَشَقَّة عَلَى الْحَامِل أَوْ الْمُشَيِّع لِئَلَّا يُنَافِي الْمَقْصُود مِنْ النَّظَافَة وَإِدْخَال الْمَشَقَّة عَلَى الْمُسْلِم , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَقْصُود الْحَدِيث أَنْ لَا يُتَبَاطَأ بِالْمَيِّتِ عَنْ الدَّفْن , وَلِأَنَّ التَّبَاطُؤ رُبَّمَا أَدَّى إِلَى التَّبَاهِي وَالِاخْتِيَال. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْجِنَازَةِ ) ‏ ‏أَيْ بِحَمْلِهَا إِلَى قَبْرهَا , وَقِيلَ الْمَعْنَى بِتَجْهِيزِهَا , فَهُوَ أَعَمّ مِنْ الْأَوَّل , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَالْأَوَّل أَظْهَر , وَقَالَ النَّوَوِيّ : الثَّانِي بَاطِل مَرْدُود بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث \" تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابكُمْ \". وَتَعَقَّبَهُ الْفَاكِهِيّ بِأَنَّ الْحَمْل عَلَى الرِّقَاب قَدْ يُعَبَّر بِهِ عَنْ الْمَعَانِي كَمَا تَقُول حَمَلَ فُلَان عَلَى رَقَبَته ذُنُوبًا , فَيَكُون الْمَعْنَى اِسْتَرِيحُوا مِنْ نَظَر مَنْ لَا خَيْر فِيهِ , قَالَ : وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الْكُلّ لَا يَحْمِلُونَهُ اِنْتَهَى. وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث اِبْن عُمَر \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : إِذَا مَاتَ أَحَدكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْره \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَن , وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث حُصَيْن بْن وَحْوَح مَرْفُوعًا \" لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِم أَنْ تَبْقَى بَيْن ظَهْرَانَيْ أَهْله \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ تَكُ صَالِحَة ) ‏ ‏أَيْ الْجُثَّة الْمَحْمُولَة. قَالَ الطِّيبِيُّ : جُعِلَتْ الْجِنَازَة عَيْن الْمَيِّت , وَجُعِلْت الْجِنَازَة الَّتِي هِيَ مَكَان الْمَيِّت مُقَدَّمَة إِلَى الْخَيْر الَّذِي كُنِّيَ بِهِ عَنْ عَمَله الصَّالِح. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَيْر ) ‏ ‏هُوَ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف أَيْ فَهُوَ خَيْر , أَوْ مُبْتَدَأ خَبَره مَحْذُوف أَيْ فَلَهَا خَيْر , أَوْ فَهُنَاكَ خَيْر , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مُسْلِم بِلَفْظِ \" قَرَّبْتُمُوهَا إِلَى الْخَيْر \" وَيَأْتِي فِي قَوْله بَعْد ذَلِكَ \" فَشَرّ \" نَظِير ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ ) ‏ ‏الضَّمِير رَاجِع إِلَى الْخَيْر بِاعْتِبَارِ الثَّوَاب , قَالَ اِبْن مَالِك : رُوِيَ \" تُقَدِّمُونَهُ إِلَيْهَا \" فَأَنَّثَ الضَّمِير عَلَى تَأْوِيل الْخَيْر بِالرَّحْمَةِ أَوْ الْحُسْنَى. ‏ ‏قَوْله : ( تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابكُمْ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ حَمْل الْجِنَازَة يَخْتَصّ بِالرِّجَالِ لِلْإِتْيَانِ فِيهِ بِضَمِيرِ الْمُذَكَّر وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الْمُبَادَرَة إِلَى دَفْن الْمَيِّت , لَكِنْ بَعْد أَنْ يَتَحَقَّق أَنَّهُ مَاتَ , أَمَّا مَثَل الْمَطْعُون وَالْمَفْلُوج وَالْمَسْبُوت فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُسْرَع بِدَفْنِهِمْ حَتَّى يَمْضِي يَوْم وَلَيْلَة لِيَتَحَقَّق مَوْتهمْ , نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ اِبْن بَزِيزَة , وَيُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث تَرْك صُحْبَة أَهْل الْبَطَالَة وَغَيْر الصَّالِحِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1232",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِي وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ لِأَهْلِهَا يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَ الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَة ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالْجِنَازَةِ نَفْس الْمَيِّت وَبِوَضْعِهِ جَعْله فِي السَّرِير , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد السَّرِير وَالْمُرَاد وَضَعْهَا عَلَى الْكَتِف , وَالْأَوَّل أَوْلَى لِقَوْلِهِ بَعْد ذَلِكَ \" فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَة قَالَتْ \" فَإِنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمَيِّت. وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مِهْرَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور بِلَفْظِ \" إِذَا وُضِعَ الْمُؤْمِن عَلَى سَرِيره يَقُول قَدِّمُونِي \" الْحَدِيث. وَظَاهِره أَنَّ قَائِل ذَلِكَ هُوَ الْجَسَد الْمَحْمُول عَلَى الْأَعْنَاق. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا يَقُول ذَلِكَ الرُّوح , وَرَدَّهُ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّهُ لَا مَانِع أَنْ يَرُدّ اللَّه الرُّوح إِلَى الْجَسَد فِي تِلْكَ الْحَال لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيَادَة فِي بُشْرَى الْمُؤْمِن وَبُؤْس الْكَافِر , وَكَذَا قَالَ غَيْره وَزَادَ : وَيَكُون ذَلِكَ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُول إِلَيْهِ الْحَال بَعْد إِدْخَال الْقَبْر وَسُؤَال الْمَلَكَيْنِ. قُلْت : وَهُوَ بَعِيد وَلَا حَاجَة إِلَى دَعْوَى إِعَادَة الرُّوح إِلَى الْجَسَد قَبْل الدَّفْن لِأَنَّهُ يَحْتَاج إِلَى دَلِيل , فَمِنْ الْجَائِز أَنْ يُحْدِث اللَّه النُّطْق فِي الْمَيِّت إِذَا شَاءَ. وَكَلَام اِبْن بَطَّال فِيمَا يَظْهَر لِي أَصْوَب. وَقَالَ اِبْن بَزِيزَة. قَوْله فِي آخِر الْحَدِيث \" يَسْمَع صَوْتهَا كُلّ شَيْء \" دَالّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بِلِسَانِ الْمَقَال لَا بِلِسَانِ الْحَال. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ كَانَتْ غَيْر ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" غَيْر صَالِحَة \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ لِأَهْلِهَا ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ لِأَجْلِ أَهْلهَا إِظْهَارًا لِوُقُوعِهِ فِي الْهَلَكَة , وَكُلّ مَنْ وَقَعَ فِي الْهَلَكَة دَعَا بِالْوَيْلِ. وَمَعْنَى النِّدَاء يَا حُزْنِي. وَأَضَافَ الْوَيْل إِلَى ضَمِير الْغَائِب حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى كَرَاهِيَة أَنْ يُضِيف الْوَيْل إِلَى نَفْسه , أَوْ كَأَنَّهُ لَمَّا أَبْصَرَ نَفْسه غَيْر صَالِحَة نَفَرَ عَنْهَا وَجَعَلَهَا كَأَنَّهَا غَيْره. وَيُؤَيِّد الْأَوَّل أَنَّ فِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُورَة \" قَالَ يَا وَيْلَتَاهُ أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة. ‏ ‏قَوْله : ( لَصَعِقَ ) ‏ ‏أَيْ لَغُشِيَ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّة مَا يَسْمَعهُ , وَرُبَّمَا أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَى الْمَوْت , وَالضَّمِير فِي يَسْمَعهُ رَاجِع إِلَى دُعَائِهِ بِالْوَيْلِ أَيْ يَصِيح بِصَوْتٍ مُنْكَر لَوْ سَمِعَهُ الْإِنْسَان لَغُشِيَ عَلَيْهِ قَالَ اِبْن بَزِيزَة : هُوَ مُخْتَصّ بِالْمَيِّتِ الَّذِي هُوَ غَيْر صَالِح , وَأَمَّا الصَّالِح فَمِنْ شَأْنه اللُّطْف وَالرِّفْق فِي كَلَامه فَلَا يُنَاسِب الصَّعْق مِنْ سَمَاع كَلَامه اِنْتَهَى : وَيَحْتَمِل أَنْ يَحْصُل الصَّعْق مِنْ سَمَاع كَلَام الصَّالِح لِكَوْنِهِ غَيْر مَأْلُوف , وَقَدْ رَوَى أَبُو الْقَاسِم بْن مَنْدَهْ هَذَا الْحَدِيث فِي \" كِتَاب الْأَهْوَال \" بِلَفْظِ \" لَوْ سَمِعَهُ الْإِنْسَان لَصَعِقَ مِنْ الْمُحْسِن وَالْمُسِيء \" فَإِنْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ الْمَفْعُول دَلَّ عَلَى وُجُود الصَّعْق عِنْد سَمَاع كَلَام الصَّالِح أَيْضًا , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ هَذَا مَعَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيث السُّؤَال فِي الْقَبْر فَيَضْرِبهُ ضَرْبَة فَيُصْعَق صَعْقَة يَسْمَعهُ كُلّ شَيْء إِلَّا الثَّقَلَيْنِ , وَالْجَامِع بَيْنهمَا الْمَيِّت وَالصَّعْق , وَالْأَوَّل اُسْتُثْنِيَ فِيهِ الْإِنْس فَقَطْ , وَالثَّانِي اُسْتُثْنِيَ فِيهِ الْجِنّ وَالْإِنْس. وَالْجَوَاب أَنَّ كَلَام الْمَيِّت بِمَا ذُكِرَ لَا يَقْتَضِي وُجُود الصَّعْق - وَهُوَ الْفَزَع - إِلَّا مِنْ الْآدَمِيّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَأْلَف سَمَاع كَلَام الْمَيِّت , بِخِلَافِ الْجِنّ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا الصَّيْحَة الَّتِي يَصِيحهَا الْمَضْرُوب فَإِنَّهَا غَيْر مَأْلُوفَة لِلْإِنْسِ وَالْجِنّ جَمِيعًا , لِكَوْنِ سَبَبهَا عَذَاب اللَّه وَلَا شَيْء أَشَدّ مِنْهُ عَلَى كُلّ مُكَلَّف فَاشْتَرَكَ فِيهِ الْجِنّ وَالْإِنْس وَاَللَّه أَعْلَم. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ كَلَام الْمَيِّت يَسْمَعهُ كُلّ حَيَوَان نَاطِق وَغَيْر نَاطِق , لَكِنْ قَالَ اِبْن بَطَّال : هُوَ عَامّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوص , وَإِنَّ الْمَعْنَى يَسْمَعهُ مَنْ لَهُ عَقْل كَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنّ وَالْإِنْس , لِأَنَّ الْمُتَكَلِّم رُوح وَإِنَّمَا يَسْمَع الرُّوح مَنْ هُوَ رُوح مِثْله. وَتُعُقِّبَ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَة إِذْ لَا ضَرُورَة إِلَى التَّخْصِيص , بَلْ لَا يُسْتَثْنَى إِلَّا الْإِنْسَان كَمَا هُوَ ظَاهِر الْخَبَر , وَإِنَّمَا اُخْتُصَّ الْإِنْسَان بِذَلِكَ إِبْقَاء عَلَيْهِ , وَبِأَنَّهُ لَا مَانِع مِنْ إِنْطَاق اللَّه الْجَسَد بِغَيْرِ رُوح كَمَا تَقَدَّمَ. وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1233",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى عَلَى ‏ ‏النَّجَاشِيِّ ‏ ‏فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1234",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَعَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى أَصْحَابِهِ ‏ ‏النَّجَاشِيَّ ‏ ‏ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَفُّوا خَلْفَهُ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُسَيِّب كَذَا رَوَاهُ أَصْحَاب مَعْمَر الْبَصْرِيُّونَ عَنْهُ , وَكَذَا هُوَ فِي مُصَنَّف عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن رَافِع عَنْ عَبْد الرَّزَّاق فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ سَعِيد وَأَبِي سَلَمَة \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا , وَكَذَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" مِنْ طَرِيق خَالِد بْن مَخْلَد وَغَيْره عَنْ مَالِك , وَالْمَحْفُوظ عَنْ مَالِك لَيْسَ فِيهِ ذِكْر أَبِي سَلَمَة كَذَا هُوَ فِي \" الْمُوَطَّأ \" , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْجَنَائِز , وَالْمَحْفُوظ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ نَعْي النَّجَاشِيّ وَالْأَمْر بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُ عِنْده عَنْ سَعِيد وَأَبِي سَلَمَة جَمِيعًا. وَأَمَّا قِصَّة الصَّلَاة عَلَيْهِ وَالتَّكْبِير فَعِنْده عَنْ سَعِيد وَحْده , كَذَا فَصَّلَهُ عُقَيْل عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد خَمْسَة أَبْوَاب , وَكَذَا يَأْتِي فِي هِجْرَة الْحَبَشَة مِنْ طَرِيق صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْهُ , وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" الِاخْتِلَاف فِيهِ وَقَالَ : إِنَّ الصَّوَاب مَا ذَكَرْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( نَعَى النَّجَاشِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَتَخْفِيف الْجِيم وَبَعْد الْأَلِف شِين مُعْجَمَة ثُمَّ يَاء ثَقِيلَة كَيَاءِ النَّسَب , وَقِيلَ بِالتَّخْفِيفِ وَرَجَّحَهُ الصَّغَانِيّ , وَهُوَ لَقَب مَنْ مَلَكَ الْحَبَشَة , وَحَكَى الْمُطَرِّزِيّ تَشْدِيد الْجِيم عَنْ بَعْضهمْ وَخَطَّأَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ تَقَدَّمَ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عَبْد الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَر \" فَخَرَجَ وَأَصْحَابه إِلَى الْبَقِيع فَصَفَّنَا خَلْفه \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْجَنَائِز مِنْ رِوَايَة مَالِك بِلَفْظِ \" فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى \" وَالْمُرَاد بِالْبَقِيعِ بَقِيع بَطْحَان , أَوْ يَكُون الْمُرَاد بِالْمُصَلَّى مَوْضِعًا مُعَدًّا لِلْجَنَائِزِ بِبَقِيعِ الْغَرْقَد غَيْر مُصَلَّى الْعِيدَيْنِ وَالْأَوَّل أَظْهَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِيدَيْنِ أَنَّ الْمُصَلَّى كَانَ بِبَطْحَانَ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1235",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَنْ شَهِدَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَى عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَصَفَّهُمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا ‏ ‏قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ بَعْد اِثْنَيْ عَشَرَ بَابًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1236",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏تُوُفِّيَ الْيَوْمَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏صَالِحٌ مِنْ ‏ ‏الْحَبَشِ ‏ ‏فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ قَالَ فَصَفَفْنَا فَصَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَيْهِ وَنَحْنُ مَعَهُ صُفُوفٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَدْ تُوُفِّيَ الْيَوْم رَجُل صَالِح مِنْ الْحَبَش ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُعْجَمَة , فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" مَاتَ الْيَوْم عَبْد لِلَّهِ صَالِح أَصْحَمَة \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي هِجْرَة الْحَبَشَة مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَة \" وَسَيَأْتِي ضَبْط هَذَا الِاسْم بَعْد فِي \" بَاب التَّكْبِير عَلَى الْجِنَازَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ الْمُسْتَمْلِي فِي رِوَايَته \" وَنَحْنُ صُفُوف \" وَبِهِ يَصِحّ مَقْصُود التَّرْجَمَة. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يُؤْخَذ مَقْصُودهَا مِنْ قَوْله \" فَصَفَفْنَا \" لِأَنَّ الْغَالِب أَنَّ الْمُلَازِمِينَ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا كَثِيرًا , وَلَا سِيَّمَا مَعَ أَمْره لَهُمْ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو الزُّبَيْر عَنْ جَابِر كُنْت فِي الصَّفّ الثَّانِي ) ‏ ‏وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ أَبِي الزُّبَيْر بِلَفْظِ \" كُنْت فِي الصَّفّ الثَّانِي يَوْم صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّجَاشِيّ \" وَوَهِمَ مَنْ نَسَبَ وَصْل هَذَا التَّعْلِيق لِرِوَايَةِ مُسْلِم , فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ أَبِي الزُّبَيْر وَلَيْسَ فِيهِ مَقْصُود التَّعْلِيق. وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى أَنَّ لِلصُّفُوفِ عَلَى الْجِنَازَة تَأْثِيرًا وَلَوْ كَانَ الْجَمْع كَثِيرًا , لِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا عَدَدًا كَثِيرًا , وَكَانَ الْمُصَلَّى فَضَاء وَلَا يَضِيق بِهِمْ لَوْ صَفُّوا فِيهِ صَفًّا وَاحِدًا , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ صَفَّهُمْ , وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ مَالِك بْن هُبَيْرَة الصَّحَابِيّ الْمُقَدَّم ذِكْره فَكَانَ يَصُفّ مَنْ يَحْضُر الصَّلَاة عَلَى الْجِنَازَة ثَلَاثَة صُفُوف سَوَاء قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا , وَيَبْقَى النَّظَر فِيمَا إِذَا تَعَدَّدَتْ الصُّفُوف وَالْعَدَد قَلِيل , أَوْ كَانَ الصَّفّ وَاحِدًا وَالْعَدَد كَثِير أَيّهمَا أَفْضَل ؟ وَفِي قِصَّة النَّجَاشِيّ عَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُمْ بِمَوْتِهِ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ , مَعَ بُعْد مَا بَيْن أَرْض الْحَبَشَة وَالْمَدِينَة. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَنْع الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت فِي الْمَسْجِد وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّة وَالْمَالِكِيَّة , لَكِنْ قَالَ أَبُو يُوسُف : إِنْ أُعِدّ مَسْجِد لِلصَّلَاةِ عَلَى الْمَوْتَى لَمْ يَكُنْ فِي الصَّلَاة فِيهِ عَلَيْهِمْ بَأْس. قَالَ النَّوَوِيّ : وَلَا حُجَّة فِيهِ , لِأَنَّ الْمُمْتَنِع عِنْد الْحَنَفِيَّة إِدْخَال الْمَيِّت الْمَسْجِد لَا مُجَرَّد الصَّلَاة عَلَيْهِ , حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَيِّت خَارِج الْمَسْجِد جَازَتْ الصَّلَاة عَلَيْهِ لِمَنْ هُوَ دَاخِله. وَقَالَ اِبْن بَزِيزَة وَغَيْره : اِسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الْمَالِكِيَّة , وَهُوَ بَاطِل لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ صِيغَة نَهْي , وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون خَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى لِأَمْرٍ غَيْر الْمَعْنَى الْمَذْكُور , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى سُهَيْل بْن بَيْضَاء فِي الْمَسْجِد , فَكَيْفَ يُتْرَك هَذَا الصَّرِيح لِأَمْرٍ مُحْتَمَل ؟ بَلْ الظَّاهِر أَنَّهُ إِنَّمَا خَرَجَ بِالْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمُصَلَّى لِقَصْدِ تَكْثِير الْجَمْع الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ , وَلِإِشَاعَةِ كَوْنه مَاتَ عَلَى الْإِسْلَام , فَقَدْ كَانَ بَعْض النَّاس لَمْ يُدْرِكُونَهُ أَسْلَمَ , فَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق ثَابِت وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْأَفْرَاد \" وَالْبَزَّار مِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيّ قَالَ بَعْض أَصْحَابه : صَلَّى عَلَى عِلْج مِنْ الْحَبَشَة , فَنَزَلَتْ ( وَإِنَّ مِنْ أَهْل الْكِتَاب لَمَنْ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ) الْآيَة \" وَلَهُ شَاهِد فِي مُعْجَم الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير مِنْ حَدِيث وَحْشِيّ بْن حَرْب وَآخَر عِنْده فِي الْأَوْسَط مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد وَزَادَ فِيهِ أَنَّ الَّذِي طَعَنَ بِذَلِكَ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت الْغَائِب عَنْ الْبَلَد , وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَجُمْهُور السَّلَف , حَتَّى قَالَ اِبْن حَزْم : لَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة مَنْعه. قَالَ الشَّافِعِيّ : الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت دُعَاء لَهُ , وَهُوَ إِذَا كَانَ مُلَفَّفًا يُصَلِّي عَلَيْهِ فَكَيْفَ لَا يُدْعَى لَهُ وَهُوَ غَائِب أَوْ فِي الْقَبْر بِذَلِكَ الْوَجْه الَّذِي يُدْعَى لَهُ بِهِ وَهُوَ مُلَفَّف ؟ وَعَنْ الْحَنَفِيَّة وَالْمَالِكِيَّة لَا يُشْرَع ذَلِكَ , وَعَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم إِنَّمَا يَجُوز ذَلِكَ فِي الْيَوْم الَّذِي يَمُوت فِيهِ الْمَيِّت أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهُ لَا مَا إِذَا طَالَتْ الْمُدَّة حَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَقَالَ اِبْن حِبَّانَ : إِنَّمَا يَجُوز ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ فِي جِهَة الْقِبْلَة , فَلَوْ كَانَ بَلَد الْمَيِّت مُسْتَدْبِر الْقِبْلَة مَثَلًا لَمْ يَجُزْ , قَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ : لَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ وَحُجَّته حُجَّة الَّذِي قَبْله : الْجُمُود عَلَى قِصَّة النَّجَاشِيّ , وَسَتَأْتِي حِكَايَة مُشَارَكَة الْخَطَّابِيّ لَهُمْ فِي هَذَا الْجُمُود. وَقَدْ اِعْتَذَرَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِب عَنْ قِصَّة النَّجَاشِيّ بِأُمُورٍ : مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ بِأَرْضٍ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِهَا أَحَد , فَتَعَيَّنَتْ الصَّلَاة عَلَيْهِ لِذَلِكَ , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَا يُصَلَّى عَلَى الْغَائِب إِلَّا إِذَا وَقَعَ مَوْته بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ , وَاسْتَحْسَنَهُ الرُّويَانِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّة , وَبِهِ تَرْجَمَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَن \" الصَّلَاة عَلَى الْمُسْلِم يَلِيه أَهْل الشِّرْك بِبَلَدٍ آخَر \" وَهَذَا مُحْتَمَل إِلَّا أَنَّنِي لَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الْأَخْبَار عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ فِي بَلَده أَحَد , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل بَعْضهمْ : كُشِفَ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ حَتَّى رَآهُ , فَتَكُون صَلَاته عَلَيْهِ كَصَلَاةِ الْإِمَام عَلَى مَيِّت رَآهُ وَلَمْ يَرَهُ الْمَأْمُومُونَ وَلَا خِلَاف فِي جَوَازهَا. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : هَذَا يَحْتَاج إِلَى نَقْل , وَلَا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ. وَتَعَقَّبَهُ بَعْض الْحَنَفِيَّة بِأَنَّ الِاحْتِمَال كَافٍ فِي مِثْل هَذَا مِنْ جِهَة الْمَانِع , وَكَأَنَّ مُسْتَنَد قَائِل ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ فِي أَسْبَابه بِغَيْرِ إِسْنَاد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" كَشَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَرِير النَّجَاشِيّ حَتَّى رَآهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ \" وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْن \" فَقَامَ وَصَفُّوا خَلْفه وَهُمْ لَا يَظُنُّونَ إِلَّا أَنَّ جِنَازَته بَيْن يَدَيْهِ \" أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّب عَنْهُ , وَلِأَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق أَبَان وَغَيْره عَنْ يَحْيَى \" فَصَلَّيْنَا خَلْفه وَنَحْنُ لَا نَرَى إِلَّا أَنَّ الْجِنَازَة قُدَّامنَا \". وَمِنْ الِاعْتِذَارَات أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِالنَّجَاشِيِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى مَيِّت غَائِب غَيْره , قَالَ الْمُهَلَّب : وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت عِنْده قِصَّة مُعَاوِيَة اللَّيْثِيّ وَقَدْ ذَكَرْت فِي تَرْجَمَته فِي الصَّحَابَة أَنَّ خَبَره قَوِيّ بِالنَّظَرِ إِلَى مَجْمُوع طُرُقه , وَاسْتَنَدَ مَنْ قَالَ بِتَخْصِيصِ النَّجَاشِيّ لِذَلِكَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِرَادَة إِشَاعَة أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا أَوْ اِسْتِئْلَاف قُلُوب الْمُلُوك الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي حَيَاته , قَالَ النَّوَوِيّ : لَوْ فُتِحَ بَاب هَذَا الْخُصُوص لَانْسَدَّ كَثِير مِنْ ظَوَاهِر الشَّرْع , مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْء مِمَّا ذَكَرُوهُ لَتَوَفَّرَتْ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْله , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ الْمَالِكِيّ : قَالَ الْمَالِكِيَّة لَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِمُحَمَّدٍ , قُلْنَا : وَمَا عَمِلَ بِهِ مُحَمَّد تَعْمَل بِهِ أُمَّته , يَعْنِي لِأَنَّ الْأَصْل عَدَم الْخُصُوصِيَّة. قَالُوا : طُوِيَتْ لَهُ الْأَرْض وَأُحْضِرَتْ الْجِنَازَة بَيْن يَدَيْهِ , قُلْنَا : إِنَّ رَبّنَا عَلَيْهِ لَقَادِر وَإِنَّ نَبِيّنَا لَأَهْل لِذَلِكَ , وَلَكِنْ لَا تَقُولُوا إِلَّا مَا رُوِّيتُمْ , وَلَا تَخْتَرِعُوا حَدِيثًا مِنْ عِنْد أَنْفُسكُمْ , وَلَا تُحَدِّثُوا إِلَّا بِالثَّابِتَاتِ وَدَعُوا الضِّعَاف , فَإِنَّهَا سَبِيل تَلَافٍ , إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ تَلَافٍ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَوْلهمْ رُفِعَ الْحِجَاب عَنْهُ مَمْنُوع , وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَكَانَ غَائِبًا عَنْ الصَّحَابَة الَّذِينَ صَلَّوْا عَلَيْهِ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْت : وَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد فِي تَعْلِيقه , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث مُجَمِّع بْن جَارِيَة بِالْجِيمِ وَالتَّحْتَانِيَّة فِي قِصَّة الصَّلَاة عَلَى النَّجَاشِيّ قَالَ \" فَصَفَفْنَا خَلْفه صَفَّيْنِ وَمَا نَرَى شَيْئًا \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ , وَأَصْله فِي اِبْن مَاجَهْ , لَكِنْ أَجَابَ بَعْض الْحَنَفِيَّة عَنْ ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَصِير كَالْمَيِّتِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَام وَهُوَ يَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ الْمَأْمُومُونَ فَإِنَّهُ جَائِز اِتِّفَاقًا. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏أَجْمَعَ كُلّ مَنْ أَجَازَ الصَّلَاة عَلَى الْغَائِب أَنَّ ذَلِكَ يُسْقِط فَرْض الْكِفَايَة , إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ اِبْن الْقَطَّانِ أَحَد أَصْحَاب الْوُجُوه مِنْ الشَّافِعِيَّة أَنَّهُ قَالَ : يَجُوز ذَلِكَ وَلَا يُسْقِط الْفَرْض , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الِاخْتِلَاف فِي عَدَد التَّكْبِير عَلَى الْجِنَازَة فِي بَاب مُفْرَد. ‏"
    },
    {
        "id": "1237",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا فَقَالَ مَتَى دُفِنَ هَذَا قَالُوا الْبَارِحَةَ قَالَ ‏ ‏أَفَلَا آذَنْتُمُونِي قَالُوا دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَأَنَا فِيهِمْ ‏ ‏فَصَلَّى عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1238",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى قَبْرٍ ‏ ‏مَنْبُوذٍ ‏ ‏فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ فَقُلْنَا يَا ‏ ‏أَبَا عَمْرٍو ‏ ‏مَنْ حَدَّثَكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1239",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏نَافِعًا ‏ ‏يَقُولُ حُدِّثَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ ‏ ‏قِيرَاطٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَكْثَرَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَلَيْنَا ‏ ‏فَصَدَّقَتْ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ ‏ { ‏فَرَّطْتُ ‏} ‏ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حُدِّثَ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الطُّرُق \" حُدِّثَ \" بِضَمِّ الْمُهْمَلَة عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق عَنْ نَافِع عَلَى تَسْمِيَة مَنْ حَدَّثَ اِبْن عُمَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِذَلِكَ , وَقَدْ أَوْرَدَهُ أَصْحَاب الْأَطْرَاف وَالْحُمَيْدِيّ فِي جَمْعِهِ فِي تَرْجَمَة نَافِع عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْ طُرُقه مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا , وَوَقَفْت عَلَى تَسْمِيَة مَنْ حَدَّثَ اِبْن عُمَر بِذَلِكَ صَرِيحًا فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدهمَا فِي صَحِيح مُسْلِم وَهُوَ خَبَّاب بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مُشَدَّدَة وَهُوَ أَبُو السَّائِب الْمَدَنِيّ صَاحِب الْمَقْصُورَة قِيلَ إِنَّ لَهُ صُحْبَة , وَلَفْظه مِنْ طَرِيق دَاوُد بْن عَامِر بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْد عَبْد اللَّه بْن عُمَر إِذْ طَلَعَ خَبَّاب صَاحِب الْمَقْصُورَة فَقَالَ : يَا عَبْد اللَّه بْن عُمَر , أَلَا تَسْمَع مَا يَقُول أَبُو هُرَيْرَة \" ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَالثَّانِي فِي جَامِع التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَذَكَرَ الْحَدِيث , قَالَ أَبُو سَلَمَة فَذَكَرْت ذَلِكَ لِابْنِ عُمَر فَأَرْسَلَ إِلَى عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة يَقُول مَنْ تَبِعَ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع : الطُّرُق لَمْ يَذْكُر فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن رَاشِد عَنْ أَبِي النُّعْمَان شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه عَنْ مَهْدِيّ بْن الْحَارِث عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي أُمَيَّة عَنْ أَبِي النُّعْمَان , وَعَنْ التُّسْتَرِيّ عَنْ شَيْبَانَ ثَلَاثَتهمْ عَنْ جَرِير بْن حَازِم عَنْ نَافِع قَالَ \" قِيلَ لِابْنِ عُمَر إِنَّ أَبَا هُرَيْرَة يَقُول سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَنْ تَبِعَ جِنَازَة فَلَهُ قِيرَاط مِنْ الْأَجْر \" فَذَكَرَهُ وَلَمْ يُبَيِّن لِمَنْ السِّيَاق , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ شَيْبَانَ بْن فَرُّوخ كَذَلِكَ , فَالظَّاهِر أَنَّ السِّيَاق لَهُ. قَوْله : ( مَنْ تَبِعَ جِنَازَة فَلَهُ قِيرَاط ) زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته \" مِنْ الْأَجْر \". وَالْقِيرَاط بِكَسْرِ الْقَاف. قَالَ الْجَوْهَرِيّ : أَصْلُهُ قِرَّاط بِالتَّشْدِيدِ لِأَنَّ جَمْعَهُ قَرَارِيط فَأَبْدَلَ مِنْ أَحَد حَرْفَيْ تَضْعِيفه يَاء قَالَ : وَالْقِيرَاط نِصْف دَانِق. وَقَالَ قَبْل ذَلِكَ : الدَّانِق سُدُس الدِّرْهَم. فَعَلَى هَذَا يَكُون الْقِيرَاط جُزْءًا مِنْ اِثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ الدِّرْهَم. وَأَمَّا صَاحِب النِّهَايَة فَقَالَ : الْقِيرَاط جُزْء مِنْ أَجْزَاء الدِّينَار , وَهُوَ نِصْف عُشْرِهِ فِي أَكْثَر الْبِلَاد , وَفِي الشَّامِ جُزْء مِنْ أَرْبَعَة وَعِشْرِينَ جُزْءًا , وَنَقَلَ اِبْن الْجَوْزِيّ عَنْ اِبْن عُقَيْل أَنَّهُ كَانَ يَقُول : الْقِيرَاط نِصْف سُدُس دِرْهَم أَوْ نِصْف عُشْر دِينَار. وَالْإِشَارَة بِهَذَا الْمِقْدَار إِلَى الْأَجْر الْمُتَعَلِّق بِالْمَيِّتِ فِي تَجْهِيزه وَغُسْلِهِ وَجَمِيع مَا يَتَعَلَّق بِهِ , فَلِلْمُصَلِّي عَلَيْهِ قِيرَاط مِنْ ذَلِكَ , وَلِمَنْ شَهِدَ الدَّفْن قِيرَاط. وَذَكَرَ الْقِيرَاط تَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ لَمَّا كَانَ الْإِنْسَان يَعْرِف الْقِيرَاط وَيَعْمَل الْعَمَل فِي مُقَابَلَته وُعِدَ مِنْ جِنْس مَا يَعْرِف وَضَرَبَ لَهُ الْمَثَل بِمَا يَعْلَم اِنْتَهَى. وَلَيْسَ الَّذِي قَالَ بِبَعِيدٍ , وَقَدْ رَوَى بَزَّار مِنْ طَرِيق عَجْلَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ مَرْفُوعًا \" مَنْ أَتَى جِنَازَة فِي أَهْلهَا فَلَهُ قِيرَاط , فَإِنْ تَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاط , فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاط , فَإِنْ اِنْتَظَرَهَا حَتَّى تُدْفَن فَلَهُ قِيرَاط \" فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ عَمَل مِنْ أَعْمَال الْجِنَازَة قِيرَاطًا وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ مَقَادِير الْقَرَارِيط وَلَا سِيَّمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَشَقَّة ذَلِكَ الْعَمَل وَسُهُولَته , وَعَلَى هَذَا فَيُقَال : إِنَّمَا خَصَّ قِيرَاطَيْ الصَّلَاة وَالدَّفْن بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِمَا الْمَقْصُودَيْنِ , بِخِلَافِ بَاقِي أَحْوَال الْمَيِّت فَإِنَّهَا وَسَائِل , وَلَكِنَّ هَذَا يُخَالِف ظَاهِر سِيَاق الْحَدِيث الَّذِي فِي الصَّحِيح الْمُتَقَدِّم فِي كِتَاب الْإِيمَان فَإِنَّ فِيهِ \" إِنَّ لِمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغ مِنْ دَفْنهَا قِيرَاطَيْنِ \" فَقَطْ , وَيُجَاب عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِمَنْ شَهِدَ , وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ اِبْن عُقَيْل لِمَنْ بَاشَرَ الْأَعْمَال الَّتِي يَحْتَاج إِلَيْهَا الْمَيِّت فَافْتَرَقَا , وَقَدْ وَرَدَ لَفْظ الْقِيرَاط فِي عِدَّة أَحَادِيث : فَمِنْهَا مَا يُحْمَل عَلَى الْقِيرَاط الْمُتَعَارَف وَمِنْهَا مَا يُحْمَل عَلَى الْجُزْء فِي الْجُمْلَة وَإِنْ لَمْ تُعْرَف النِّسْبَة. فَمِنْ الْأَوَّل حَدِيث كَعْب بْن مَالِك مَرْفُوعًا \" إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ بَلَدًا يُذْكَر فِيهَا الْقِيرَاط \" وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" كُنْت أَرْعَى غَنَمًا لِأَهْلِ مَكَّة بِالْقَرَارِيطِ \" قَالَ اِبْن مَاجَهْ عَنْ بَعْض شُيُوخه : يَعْنِي كُلّ شَاة بِقِيرَاطٍ. وَقَالَ غَيْره : قَرَارِيط جَبَل بِمَكَّة. وَمِنْ الْمُحْتَمَل حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الَّذِينَ أُوتُوا التَّوْرَاة \" أُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا \" وَحَدِيث الْبَاب , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَنْ اِقْتَنَى كَلْبًا نَقَصَ مِنْ عَمَله كُلّ يَوْم قِيرَاط \" وَقَدْ جَاءَ تَعْيِين مِقْدَار الْقِيرَاط فِي حَدِيث الْبَاب بِأَنَّهُ مِثْل أُحُد كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَفِي رِوَايَة عِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه مِثْل قَرَارِيطنَا هَذِهِ ؟ قَالَ : لَا بَلْ مِثْل أُحُد \" قَالَ النَّوَوِيّ وَغَيْره : لَا يَلْزَم مِنْ ذِكْر الْقِيرَاط فِي الْحَدِيثَيْنِ تَسَاوِيهِمَا لِأَنَّ عَادَة الشَّارِع تَعْظِيم الْحَسَنَات وَتَخْفِيف مُقَابِلهَا وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ الْقَاضِي : الذَّرَّة جُزْء مِنْ أَلْف وَأَرْبَعَة وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ حَبَّة وَالْحَبَّة ثُلُث الْقِيرَاط , فَإِذَا كَانَتْ الذَّرَّة تَخْرُج مِنْ النَّار فَكَيْفَ بِالْقِيرَاطِ ؟ قَالَ وَهَذَا قَدْر قِيرَاط الْحَسَنَات , فَأَمَّا قِيرَاط السَّيِّئَات فَلَا. وَقَالَ غَيْره : الْقِيرَاط فِي اِقْتِنَاء الْكَلْب جُزْء مِنْ أَجْزَاء عَمَل الْمُقْتَنَى لَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْم , وَذَهَبَ الْأَكْثَر إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْقِيرَاطِ فِي حَدِيث الْبَاب جُزْء مِنْ أَجْزَاء مَعْلُومَة عِنْد اللَّه ; وَقَدْ قَرَّبَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْفَهْمِ بِتَمْثِيلِهِ الْقِيرَاط بِأُحُدٍ , قَالَ الطِّيبِيّ : قَوْله \" مِثْل أُحُد \" تَفْسِير لِلْمَقْصُودِ مِنْ الْكَلَام لَا لِلَفْظِ الْقِيرَاط , وَالْمُرَاد مِنْهُ أَنَّهُ يَرْجِع بِنَصِيبٍ كَبِير مِنْ الْأَجْر , وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظ الْقِيرَاط مُبْهَم مِنْ وَجْهَيْنِ , فَبَيَّنَ الْمَوْزُون بِقَوْلِهِ \" مِنْ الْأَجْر \" وَبَيَّنَ الْمِقْدَار الْمُرَاد مِنْهُ بِقَوْلِهِ \" مِثْل أُحُد \". وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : أَرَادَ تَعْظِيم الثَّوَاب فَمَثَّلَهُ لِلْعِيَانِ بِأَعْظَم الْجِبَال خَلْقًا وَأَكْثَرهَا إِلَى النُّفُوس الْمُؤْمِنَة حُبًّا , لِأَنَّهُ الَّذِي قَالَ فِي حَقّه \" إِنَّهُ جَبَل يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ \" اِنْتَهَى. وَلِأَنَّهُ أَيْضًا قَرِيب مِنْ الْمُخَاطَبِينَ يَشْتَرِك أَكْثَرهمْ فِي مَعْرِفَته , وَخُصَّ الْقِيرَاط بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ كَانَ أَقَلّ مَا تَقَع بِهِ الْإِجَارَة فِي ذَلِكَ الْوَقْت , أَوْ جَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْعَادَة مِنْ تَقْلِيل الْأَجْر بِتَقْلِيلِ الْعَمَل. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" مَنْ تَبِعَ \" عَلَى أَنَّ الْمَشْي خَلْف الْجِنَازَة أَفْضَل مِنْ الْمَشْي أَمَامهَا , لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ حَقِيقَة الِاتِّبَاع حِسًّا. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الَّذِينَ رَجَّحُوا الْمَشْي أَمَامهَا حَمَلُوا الِاتِّبَاع هُنَا عَلَى الِاتِّبَاع الْمَعْنَوِيّ أَيْ الْمُصَاحَبَة , وَهُوَ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون أَمَامهَا أَوْ خَلْفهَا أَوْ غَيْر ذَلِكَ , وَهَذَا مَجَاز يَحْتَاج إِلَى أَنْ يَكُون الدَّلِيل الدَّالّ عَلَى اِسْتِحْبَاب التَّقَدُّم رَاجِحًا اِنْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي \" بَاب السُّرْعَة بِالْجِنَازَةِ \" وَذَكَرْنَا اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته ‏ ‏قَوْله : ( أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَة ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : لَمْ يَتَّهِمهُ اِبْن عُمَر , بَلْ خَشِيَ عَلَيْهِ السَّهْو , أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمْ يُنْقَل لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ رَفَعَهُ , فَظَنَّ أَنَّهُ قَالَ بِرَأْيِهِ فَاسْتَنْكَرَهُ اِنْتَهَى. وَالثَّانِي جُمُود عَلَى سِيَاق رِوَايَة الْبُخَارِيّ , وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِي رِوَايَة مُسْلِم أَنَّهُ رَفَعَهُ , وَكَذَا فِي رِوَايَة خَبَّاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم أَيْضًا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : قَوْله \" أَكْثَرَ عَلَيْنَا \" أَيْ فِي ذِكْر الْأَجْر أَوْ فِي كَثْرَة الْحَدِيث , كَأَنَّهُ خَشِيَ لِكَثْرَةِ رِوَايَاته أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ بَعْض الْأَمْر اِنْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور \" فَبَلَغَ ذَلِكَ اِبْن عُمَر فَتَعَاظَمَهُ \" وَفِي رِوَايَة الْوَلِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن عِنْد سَعِيد أَيْضًا وَمُسَدَّد وَأَحْمَد بِإِسْنَادٍ صَحِيح \" فَقَالَ اِبْن عُمَر : يَا أَبَا هُرَيْرَة اُنْظُرْ مَا تُحَدِّث عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَصَدَّقَتْ يَعْنِي عَائِشَة أَبَا هُرَيْرَة ) ‏ ‏لَفْظ \" يَعْنِي \" لِلْبُخَارِيِّ , كَأَنَّهُ شَكَّ فَاسْتَعْمَلَهَا. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي النُّعْمَان شَيْخه فَلَمْ يَقُلْهَا. وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَبَعَثَ اِبْن عُمَر إِلَى عَائِشَة يَسْأَلهَا فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيْرَة \" وَفِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عِنْد التِّرْمِذِيّ \" فَذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عُمَر , فَأَرْسَلَ إِلَى عَائِشَة فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ : صَدَقَ \" وَفِي رِوَايَة خَبَّاب صَاحِب الْمَقْصُورَة عِنْد مُسْلِم \" فَأَرْسَلَ اِبْن عُمَر خَبَّابًا إِلَى عَائِشَة يَسْأَلهَا عَنْ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة ثُمَّ يَرْجِع إِلَيْهِ فَيُخْبِرهُ بِمَا قَالَتْ , حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُول فَقَالَ : قَالَتْ عَائِشَة صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْوَلِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور \" فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَة فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا عَائِشَة فَقَالَ لَهَا : يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , أَنْشُدك اللَّه أَسَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" فَذَكَرَهُ فَقَالَتْ \" اللَّهُمَّ نَعَمْ \". وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ الرَّسُول لَمَّا رَجَعَ إِلَى اِبْن عُمَر بِخَبَرِ عَائِشَة بَلَغَ ذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَة فَمَشَى إِلَى اِبْن عُمَر فَأَسْمَعَهُ ذَلِكَ مِنْ عَائِشَة مُشَافَهَة , وَزَادَ فِي رِوَايَة الْوَلِيد \" فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : لَمْ يَشْغَلنِي عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَرْس الْوَدِيّ وَلَا صَفْق بِالْأَسْوَاقِ , وَإِنَّمَا كُنْت أَطْلُب مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُكْلَة يُطْعِمنِيهَا أَوْ كَلِمَة يُعَلِّمنِيهَا \" قَالَ لَهُ اِبْن عُمَر \" كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْلَمنَا بِحَدِيثِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيط كَثِيرَة ) ‏ ‏أَيْ مِنْ عَدَم الْمُوَاظَبَة عَلَى حُضُور الدَّفْن , بَيَّنَ ذَلِكَ مُسْلِم فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ \" كَانَ اِبْن عُمَر يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَة ثُمَّ يَنْصَرِف , فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" قَالَ فَذَكَرَهُ. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة دَلَالَة عَلَى تَمَيُّز أَبِي هُرَيْرَة فِي الْحِفْظ , وَأَنَّ إِنْكَار الْعُلَمَاء بَعْضهمْ عَلَى بَعْض قَدِيم , وَفِيهِ اِسْتِغْرَاب الْعَالِم مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى عِلْمه وَعَدَم مُبَالَاة الْحَافِظ بِإِنْكَارِ مَنْ لَمْ يَحْفَظ , وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَة عَلَيْهِ مِنْ التَّثَبُّت فِي الْحَدِيث النَّبَوِيّ وَالتَّحَرُّز فِيهِ وَالتَّنْقِيب عَلَيْهِ , وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى فَضِيلَة اِبْن عُمَر مِنْ حِرْصه عَلَى الْعِلْم وَتَأَسُّفِهِ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ الْعَمَل الصَّالِح. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَّطْت : ضَيَّعْت مِنْ أَمْر اللَّه ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الطُّرُق , وَفِي بَعْض النُّسَخ \" فَرَّطْت مِنْ أَمْر اللَّه أَيْ ضَيَّعْت \" وَهُوَ أَشْبَه. وَهَذِهِ عَادَة الْمُصَنِّف إِذَا أَرَادَ تَفْسِير كَلِمَة غَرِيبَة مِنْ الْحَدِيث وَوَافَقَتْ كَلِمَة مِنْ الْقُرْآن فَسَّرَ الْكَلِمَة الَّتِي مِنْ الْقُرْآن , وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَة سَالِم الْمَذْكُورَة بِلَفْظِ \" لَقَدْ ضَيَّعْنَا قَرَارِيط كَثِيرَة \". ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : ‏ ‏وَقَعَ لِي حَدِيث الْبَاب مِنْ رِوَايَة عَشَرَة مِنْ الصَّحَابَة غَيْر أَبِي هُرَيْرَة وَعَائِشَة : مِنْ حَدِيث ثَوْبَان عِنْد مُسْلِم , وَالْبَرَاء , وَعَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل عِنْد النَّسَائِيِّ , وَأَبِي سَعِيد عِنْد أَحْمَد , وَابْن مَسْعُود عِنْد أَبِي عَوَانَة وَأَسَانِيد هَؤُلَاءِ الْخَمْسَة صِحَاح. وَمِنْ حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب عِنْد اِبْن مَاجَهْ , وَابْن عَبَّاس عِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَب , وَأَنَس عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط , وَوَاثِلَة بْن الْأَسْقَع عِنْد اِبْن عَدِيّ , وَحَفْصَة عِنْد حُمَيْد بْن زَنْجَوَيْهِ فِي فَضَائِل الْأَعْمَال وَفِي كُلّ مِنْ أَسَانِيد هَؤُلَاءِ الْخَمْسَة ضَعْف. وَسَأُشِيرُ إِلَى مَا فِيهَا مِنْ فَائِدَة زَائِدَة فِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1240",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏قَالَ قَرَأْتُ عَلَى ‏ ‏ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ ‏ ‏قِيرَاطٌ ‏ ‏وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ قِيلَ وَمَا الْقِيرَاطَانِ قَالَ مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَة ) ‏ ‏هُوَ الْقَعْنَبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏يَعْنِي أَبَا سَعِيد كَيْسَانَ الْمَقْبُرِيَّ وَهُوَ ثَابِت فِي جَمِيع الطُّرُق , وَحَكَى الْكَرْمَانِيّ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ بَعْض الطُّرُق. قُلْت : وَالصَّوَاب إِثْبَاته. وَكَذَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي ذِئْب , نَعَمْ سَقَطَ قَوْله \" عَنْ أَبِيهِ \" مِنْ رِوَايَة اِبْن عَجْلَان عِنْد أَبِي عَوَانَة وَعَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة وَأَبِي مَعْشَر عِنْد حُمَيْدِ بْن زَنْجَوَيْهِ ثَلَاثَتهمْ عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لَمْ يَسُقْ الْبُخَارِيّ لَفْظ رِوَايَة أَبِي سَعِيد , وَلَفْظه عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَة : مَا يَنْبَغِي فِي الْجِنَازَة ؟ فَقَالَ : سَأُخْبِرُك بِمَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : مَنْ تَبِعَهَا مِنْ أَهْلهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاط مِثْل أُحُد , وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُفْرَغ مِنْهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ \" : ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى مُقَدَّر أَيْ قَالَ اِبْن شِهَاب حَدَّثَنِي فُلَان بِكَذَا , وَحَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج بِكَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يُصَلَّى ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَلَيْهِ \" وَاللَّام لِلْأَكْثَرِ مَفْتُوحَة , وَفِي بَعْض الرِّوَايَات بِكَسْرِهَا , وَرِوَايَة الْفَتْح مَحْمُولَة عَلَيْهَا فَإِنَّ حُصُول الْقِيرَاط مُتَوَقِّف عَلَى وُجُود الصَّلَاة مِنْ الَّذِي يَحْصُل لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره , وَلِلْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَلِيّ الصَّائِغ عَنْ أَحْمَد بْن شَبِيب شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا \" وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس , وَلَمْ يُبَيِّن فِي هَذِهِ الرِّوَايَة اِبْتِدَاء الْحُضُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي رِوَايَة أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ حَيْثُ قَالَ \" مِنْ أَهْلهَا \" وَفِي رِوَايَة خَبَّاب عِنْد مُسْلِم \" مَنْ خَرَجَ مَعَ جِنَازَة مِنْ بَيْتهَا \" وَلِأَحْمَد فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ \" فَمَشَى مَعَهَا مِنْ أَهْلهَا \" وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْقِيرَاط يَخْتَصّ بِمَنْ حَضَرَ مِنْ أَوَّل الْأَمْر إِلَى اِنْقِضَاء الصَّلَاة , وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيّ وَغَيْره , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الْقِيرَاط يَحْصُل أَيْضًا لِمَنْ صَلَّى فَقَطْ لِأَنَّ كُلّ مَا قَبْل الصَّلَاة وَسِيلَة إِلَيْهَا , لَكِنْ يَكُون قِيرَاط مَنْ صَلَّى فَقَطْ دُون قِيرَاط مَنْ شَيَّعَ مَثَلًا وَصَلَّى , وَرِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" أَصْغَرهمَا مِثْل أُحُد \" يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْقَرَارِيط تَتَفَاوَت. وَوَقَعَ أَيْضًا فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح الْمَذْكُورَة عِنْد مُسْلِم \" مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَة وَلَمْ يَتْبَعهَا فَلَهُ قِيرَاط \" وَفِي رِوَايَة نَافِع بْن جُبَيْر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد \" وَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يَتْبَع فَلَهُ قِيرَاط \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاة تُحَصِّل الْقِيرَاط وَإِنْ لَمْ يَقَع اِتِّبَاع , وَيُمْكِن أَنْ يُحْمَل الِاتِّبَاع هُنَا عَلَى مَا بَعْد الصَّلَاة , وَهَلْ يَأْتِي نَظِير هَذَا فِي قِيرَاط الدَّفْن ؟ فِيهِ بَحْث. قَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرْح الْبُخَارِيّ عِنْد الْكَلَام عَلَى طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي كِتَاب الْإِيمَان بِلَفْظِ \" مَنْ اِتَّبَعَ جِنَازَة مُسْلِم إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلَّى وَيُفْرَغ مِنْ دَفْنهَا فَإِنَّهُ يَرْجِع مِنْ الْأَجْر بِقِيرَاطَيْنِ \". الْحَدِيث. وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ إِنَّمَا يَحْصُلَانِ لِمَنْ كَانَ مَعَهَا فِي جَمِيع الطَّرِيق حَتَّى تُدْفَن , فَإِنْ صَلَّى مَثَلًا وَذَهَبَ إِلَى الْقَبْر وَحْده فَحَضَرَ الدَّفْن لَمْ يَحْصُل لَهُ إِلَّا قِيرَاط وَاحِد اِنْتَهَى. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ إِلَّا مِنْ طَرِيق الْمَفْهُوم , فَإِنْ وَرَدَ مَنْطُوق بِحُصُولِ الْقِيرَاط لِشُهُودِ الدَّفْن وَحْده كَانَ مُقَدَّمًا. وَيُجْمَع حِينَئِذٍ بِتَفَاوُتِ الْقِيرَاط , وَاَلَّذِينَ أَبَوْا ذَلِكَ جَعَلُوهُ مِنْ بَاب الْمُطْلَق وَالْمُقَيَّد , نَعَمْ مُقْتَضَى جَمِيع الْأَحَادِيث أَنَّ مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى التَّشْيِيع فَلَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يَشْهَد الدَّفْن فَلَا قِيرَاط لَهُ إِلَّا عَلَى الطَّرِيقَة الَّتِي قَدَّمْنَاهَا عَنْ اِبْن عَقِيل , لَكِنْ الْحَدِيث الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ عَنْ الْبَرَاء فِي ذَلِكَ ضَعِيف. وَأَمَّا التَّقْيِيد بِالْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَاب فَلَا بُدّ مِنْهُ لِأَنَّ تَرَتُّب الثَّوَاب عَلَى الْعَمَل يَسْتَدْعِي سَبْق النِّيَّة فِيهِ فَيَخْرُج مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْمُكَافَأَة الْمُجَرَّدَة أَوْ عَلَى سَبِيل الْمُحَابَاة وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ شَهِدَ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الطُّرُق بِحَذْفِ الْمَفْعُول , وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا \" وَمَنْ شَهِدَهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَهُ قِيرَاطَانِ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُمَا غَيْر قِيرَاط الصَّلَاة , وَهُوَ ظَاهِر سِيَاق أَكْثَر الرِّوَايَات , وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ وَحَكَاهُ اِبْن التِّين عَنْ الْقَاضِي أَبِي الْوَلِيد , لَكِنْ سِيَاق رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ يَأْبَى ذَلِكَ وَهِيَ صَرِيحَة فِي أَنَّ الْحَاصِل مِنْ الصَّلَاة وَمِنْ الدَّفْن قِيرَاطَانِ فَقَطْ , وَكَذَلِكَ رِوَايَة خَبَّاب صَاحِب الْمَقْصُورَة عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" مَنْ خَرَجَ مَعَ جِنَازَة مِنْ بَيْتهَا ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْر , كُلّ قِيرَاط مِثْل أُحُد , وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ قِيرَاط \" وَكَذَلِكَ رِوَايَة الشَّعْبِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد النَّسَائِيِّ بِمَعْنَاهُ , وَنَحْوه رِوَايَة نَافِع بْن جُبَيْر. قَالَ النَّوَوِيّ : رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ صَرِيحَة فِي أَنَّ الْمَجْمُوع قِيرَاطَانِ , وَمَعْنَى رِوَايَة الْأَعْرَج عَلَى هَذَا كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ أَيْ بِالْأَوَّلِ , وَهَذَا مِثْل حَدِيث \" مَنْ صَلَّى الْعِشَاء فِي جَمَاعَة فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْف اللَّيْل , وَمَنْ صَلَّى الْفَجْر فِي جَمَاعَة فَكَأَنَّمَا قَامَ اللَّيْل كُلّه \" أَيْ بِانْضِمَامِ صَلَاة الْعِشَاء. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تُدْفَن ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ حُصُول الْقِيرَاط مُتَوَقِّف عَلَى فَرَاغ الدَّفْن , وَهُوَ أَصَحّ الْأَوْجُهِ عِنْد الشَّافِعِيَّة وَغَيْرهمْ , وَقِيلَ يَحْصُل بِمُجَرَّدِ الْوَضْع فِي اللَّحْد , وَقِيلَ عِنْد اِنْتِهَاء الدَّفْن قَبْل إِهَالَة التُّرَاب , وَقَدْ وَرَدَتْ الْأَخْبَار بِكُلِّ ذَلِكَ , وَيَتَرَجَّح الْأَوَّل لِلزِّيَادَةِ , فَعِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَعْمَر فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ \" حَتَّى يُفْرَغ مِنْهَا \" وَفِي الْأُخْرَى \" حَتَّى تُوضَع فِي اللَّحْد \" وَكَذَا عِنْده فِي رِوَايَة أَبِي حَازِم بِلَفْظِ \" حَتَّى تُوضَع فِي الْقَبْر \" وَفِي رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ وَالشَّعْبِيّ \" حَتَّى يُفْرَغ مِنْهَا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُزَاحِم عِنْد أَحْمَد \" حَتَّى يُقْضَى قَضَاؤُهَا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عِنْد التِّرْمِذِيّ \" حَتَّى يُقْضَى دَفْنهَا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن عِيَاض عِنْد أَبِي عَوَانَة \" حَتَّى يُسَوَّى عَلَيْهَا \" أَيْ التُّرَاب , وَهِيَ أَصْرَح الرِّوَايَات فِي ذَلِكَ. وَيَحْتَمِل حُصُول الْقِيرَاط بِكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ , لَكِنْ يَتَفَاوَت الْقِيرَاط كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( قِيلَ وَمَا الْقِيرَاطَانِ ) ‏ ‏لَمْ يُعَيَّن فِي هَذِهِ الرِّوَايَة الْقَائِل وَلَا الْمَقُول لَهُ , وَقَدْ بَيَّنَ الثَّانِي مُسْلِم فِي رِوَايَة الْأَعْرَج هَذِهِ فَقَالَ \" قِيلَ وَمَا الْقِيرَاطَانِ يَا رَسُول اللَّه \" وَعِنْده فِي حَدِيث ثَوْبَان \" سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْقِيرَاط \" وَبَيَّنَ الْقَائِل أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق أَبِي مُزَاحِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَفْظه \" قُلْت وَمَا الْقِيرَاط يَا رَسُول اللَّه \" , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم أَنَّ أَبَا حَازِم أَيْضًا سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَة عَنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِثْل الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ ) ‏ ‏سَبَقَ أَنَّ فِي رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ وَغَيْره \" مِثْل أُحُد \" وَفِي رِوَايَة الْوَلِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة \" الْقِيرَاط مِثْل جَبَل أُحُد \" وَكَذَا فِي حَدِيث ثَوْبَان عِنْد مُسْلِم وَالْبَرَاء عِنْد النَّسَائِيِّ وَأَبِي سَعِيد عِنْد أَحْمَد. وَوَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ \" فَلَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ الْأَجْر كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا أَعْظَم مِنْ أُحُد \" وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح عِنْد مُسْلِم \" أَصْغَرهمَا مِثْل أُحُد \" وَفِي رِوَايَة أُبَيّ بْن كَعْب عِنْد اِبْن مَاجَهْ \" الْقِيرَاط أَعْظَم مِنْ أُحُد هَذَا \" كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الْجَبَل عِنْد ذِكْر الْحَدِيث , وَفِي حَدِيث وَاثِلَة عِنْد اِبْن عَدِيّ \" كُتِبَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْر أَخَفّهمَا فِي مِيزَانه يَوْم الْقِيَامَة أَثْقَل مِنْ جَبَل أُحُد \" فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة بَيَان وَجْه التَّمْثِيل بِجَبَلِ أُحُد وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ زِنَة الثَّوَاب الْمُرَتَّب عَلَى ذَلِكَ الْعَمَل. وَفِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ التَّرْغِيب فِي شُهُود الْمَيِّت , وَالْقِيَام بِأَمْرِهِ , وَالْحَضّ عَلَى الِاجْتِمَاع لَهُ , وَالتَّنْبِيه عَلَى عَظِيم فَضْل اللَّه وَتَكْرِيمه لِلْمُسْلِمِ فِي تَكْثِير الثَّوَاب لِمَنْ يَتَوَلَّى أَمْره بَعْد مَوْته , وَفِيهِ تَقْدِير الْأَعْمَال بِنِسْبَةِ الْأَوْزَان إِمَّا تَقْرِيبًا لِلْأَفْهَامِ وَإِمَّا عَلَى حَقِيقَته. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1241",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَبْرًا فَقَالُوا هَذَا دُفِنَ ‏ ‏أَوْ دُفِنَتْ ‏ ‏الْبَارِحَةَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَصَفَّنَا خَلْفَهُ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1242",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏النَّجَاشِيَّ ‏ ‏صَاحِبَ ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ ‏ ‏اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَفَّ بِهِمْ بِالْمُصَلَّى فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله \" وَعَنْ اِبْن شِهَاب \" ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الْإِسْنَاد الْمُصَدَّر بِهِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى عَدَد التَّكْبِير بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1243",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا ‏ ‏فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي رَجْم الْيَهُودِيَّيْنِ , سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مَبْسُوطًا فِي كِتَاب الْحُدُود إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَحَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ اِبْن حَبِيب أَنَّ مُصَلَّى الْجَنَائِز بِالْمَدِينَةِ كَانَ لَاصِقًا بِمَسْجِدِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَاحِيَة جِهَة الْمَشْرِق اِنْتَهَى , فَإِنْ ثَبَتَ مَا قَالَ وَإِلَّا فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْمَسْجِدِ هُنَا الْمُصَلَّى الْمُتَّخَذ لِلْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاء لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْد الْمَسْجِد النَّبَوِيّ مَكَان يَتَهَيَّأ فِيهِ الرَّجْم , وَسَيَأْتِي فِي قِصَّة مَاعِز \" فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى \" وَدَلَّ حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَذْكُور عَلَى أَنَّهُ كَانَ لِلْجَنَائِزِ مَكَان مُعَدّ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا فَقَدْ يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ الصَّلَاة عَلَى بَعْض الْجَنَائِز فِي الْمَسْجِد كَانَ لِأَمْرٍ عَارِض أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَاز. وَاَللَّه أَعْلَم. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة عَلَى الْجَنَائِز فِي الْمَسْجِد , وَيُقَوِّيه حَدِيث عَائِشَة \" مَا صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سُهَيْل بْن بَيْضَاء إِلَّا فِي الْمَسْجِد \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور , وَقَالَ مَالِك : لَا يُعْجِبنِي , وَكَرِهَهُ اِبْن أَبِي ذِئْب وَأَبُو حَنِيفَة وَكُلّ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَةِ الْمَيِّت , وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهِ مِنْهُمْ فَلِخَشْيَةِ التَّلْوِيث , وَحَمَلُوا الصَّلَاة عَلَى سُهَيْل بِأَنَّهُ كَانَ خَارِج الْمَسْجِد وَالْمُصَلُّونَ دَاخِله وَذَلِكَ جَائِز اِتِّفَاقًا , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ عَائِشَة اِسْتَدَلَّتْ بِذَلِكَ لَمَّا أَنْكَرُوا عَلَيْهَا أَمْرَهَا بِالْمُرُورِ بِجِنَازَةِ سَعْد عَلَى حُجْرَتهَا لِتُصَلِّيَ عَلَيْهِ , وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ بِأَنَّ الْعَمَل اِسْتَقَرَّ عَلَى تَرْك ذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِينَ أَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَى عَائِشَة كَانُوا مِنْ الصَّحَابَة , وَرُدَّ بِأَنَّ عَائِشَة لَمَّا أَنْكَرَتْ ذَلِكَ الْإِنْكَار سَلَّمُوا لَهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا حَفِظَتْ مَا نَسُوهُ , وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره \" أَنَّ عُمَر صَلَّى عَلَى أَبِي بَكْر فِي الْمَسْجِد , وَأَنَّ صُهَيْبًا صَلَّى عَلَى عُمَر فِي الْمَسْجِد \" زَادَ فِي رِوَايَة \" وَوُضِعَتْ الْجِنَازَة فِي الْمَسْجِد تُجَاه الْمِنْبَر \" وَهَذَا يَقْتَضِي الْإِجْمَاع عَلَى جَوَاز ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1244",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَيْبَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالٍ هُوَ الْوَزَّانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ‏ ‏لَعَنَ اللَّهُ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا قَالَتْ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ شَيْبَانَ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ , وَهِلَال الْوَزَّان هُوَ اِبْن أَبِي حُمَيْدٍ عَلَى الْمَشْهُور , وَكَذَا وَقَعَ مَنْسُوبًا عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْرهمَا , وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه : قَالَ وَكِيع هِلَال بْن حُمَيْدٍ , وَقَالَ مَرَّة هِلَال بْن عَبْد اللَّه وَلَا يَصِحّ. ‏ ‏قَوْله : ( مَسْجِدًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ مَسَاجِد. ‏ ‏قَوْله : ( لَأُبْرِزَ قَبْره ) ‏ ‏أَيْ لَكُشِفَ قَبْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُتَّخَذ عَلَيْهِ الْحَائِل , وَالْمُرَاد الدَّفْن خَارِج بَيْته , وَهَذَا قَالَتْهُ عَائِشَة قَبْل أَنْ يُوَسَّع الْمَسْجِد النَّبَوِيّ , وَلِهَذَا لَمَّا وُسِّعَ الْمَسْجِد جُعِلَتْ حُجْرَتهَا مُثَلَّثَة الشَّكْل مُحَدَّدَة حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلَّى إِلَى جِهَة الْقَبْر مَعَ اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة. ‏ ‏قَوْله : ( غَيْر أَنِّي أَخْشَى ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَفِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة عَنْ هِلَال الْآتِيَة فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز \" غَيْر أَنَّهُ خَشِيَ أَوْ خُشِيَ \" عَلَى الشَّكّ هَلْ هُوَ بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة أَوْ ضَمّهَا , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" غَيْر أَنَّهُ خُشِيَ \" بِالضَّمِّ لَا غَيْر , فَرِوَايَة الْبَاب تَقْتَضِي أَنَّهَا هِيَ الَّتِي اِمْتَنَعَتْ مِنْ إِبْرَازه , وَرِوَايَة الضَّمّ مُبْهَمَة يُمْكِن أَنْ تُفَسَّر بِهَذِهِ , وَالْهَاء ضَمِير الشَّأْن وَكَأَنَّهَا أَرَادَتْ نَفْسهَا وَمَنْ وَافَقَهَا عَلَى ذَلِكَ , وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ بِاجْتِهَادٍ , بِخِلَافِ رِوَايَة الْفَتْح فَإِنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة فَوَائِد الْمَتْن فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد فِي \" بَاب هَلْ تُنْبَش قُبُور الْمُشْرِكِينَ \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مُفَاد الْحَدِيث مَنْع اِتِّخَاذ الْقَبْر مَسْجِدًا , وَمَدْلُول التَّرْجَمَة اِتِّخَاذ الْمَسْجِد عَلَى الْقَبْر , وَمَفْهُومهمَا مُتَغَايِر , وَيُجَاب بِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ وَإِنْ تَغَايَرَ الْمَفْهُوم. ‏"
    },
    {
        "id": "1245",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1246",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ بُرَيْدَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَمُرَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب وَرَدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حُسَيْن الْمُعَلِّم , وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة عَلَى الْمَرْأَة , فَإِنَّ كَوْنهَا نُفَسَاء وَصْف غَيْر مُعْتَبَر , وَأَمَّا كَوْنهَا اِمْرَأَة فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُعْتَبَرًا فَإِنَّ الْقِيَام عَلَيْهَا عِنْد وَسَطهَا لِسَتْرِهَا , وَذَلِكَ مَطْلُوب فِي حَقّهَا ; بِخِلَافِ الرَّجُل. وَيَحْتَمِل أَنْ لَا يَكُون مُعْتَبَرًا وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل اِتِّخَاذ النَّعْش لِلنِّسَاءِ , فَأَمَّا بَعْد اِتِّخَاذه فَقَدْ حَصَلَ السَّتْر الْمَطْلُوب , وَلِهَذَا أَوْرَدَ الْمُصَنِّف التَّرْجَمَة مَوْرِد السُّؤَال , وَأَرَادَ عَدَم التَّفْرِقَة بَيْن الرَّجُل وَالْمَرْأَة , وَأَشَارَ إِلَى تَضْعِيف مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي غَالِب عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّهُ صَلَّى عَلَى رَجُل فَقَامَ عِنْد رَأْسه , وَصَلَّى عَلَى اِمْرَأَة فَقَامَ عِنْد عَجِيزَتهَا , فَقَالَ لَهُ الْعَلَاء بْن زِيَاد : أَهَكَذَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَل ؟ قَالَ : نَعَمْ وَحَكَى اِبْن رَشِيد عَنْ اِبْن الْمُرَابِط أَنَّهُ أَبْدَى لِكَوْنِهَا نُفَسَاء عِلَّة مُنَاسَبَة وَهِيَ اِسْتِقْبَال جَنِينهَا لِيَنَالَهُ مِنْ بَرَكَة الدُّعَاء , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْجَنِين كَعُضْوٍ مِنْهَا , ثُمَّ هُوَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إِذَا اِنْفَرَدَ وَكَانَ سِقْطًا فَأَحْرَى إِذَا كَانَ بَاقِيًا فِي بَطْنهَا أَنْ لَا يُقْصَد. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏رَوَى حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب أَنَّ عَبْد اللَّه بْن مَعْقِل بْن مُقَرِّن أُتِيَ بِجِنَازَةِ رَجُل وَامْرَأَة فَصَلَّى عَلَى الرَّجُل ثُمَّ صَلَّى عَلَى الْمَرْأَة أَخْرَجَهُ اِبْن شَاهِين فِي الْجَنَائِز لَهُ , وَهُوَ مَقْطُوع فَإِنَّ عَبْد اللَّه تَابِعِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1247",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَعَى ‏ ‏النَّجَاشِيَّ ‏ ‏فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1248",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى عَلَى ‏ ‏أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ ‏ ‏فَكَبَّرَ أَرْبَعًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلِيمٍ ‏ ‏أَصْحَمَةَ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ يَزِيد بْن هَارُون وَعَبْد الصَّمَد عَنْ سُلَيْمٍ ) ‏ ‏يَعْنِي بِإِسْنَادِهِ إِلَى جَابِر ‏ ‏( أَصْحَمَة ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَقَالَ يَزِيد عَنْ سُلَيْمٍ أَصْحَمَة وَتَابَعَهُ عَبْد الصَّمَد , أَمَّا رِوَايَة يَزِيد فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي هِجْرَة الْحَبَشَة عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ , وَأَمَّا رِوَايَة عَبْد الصَّمَد فَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن سَعِيد عَنْهُ. ( تَنْبِيه ) وَقَعَ فِي جَمِيع الطُّرُق الَّتِي اِتَّصَلَتْ لَنَا مِنْ الْبُخَارِيّ أَصْحَمَة بِمُهْمَلَتَيْنِ بِوَزْنِ أَفْعَلَة مَفْتُوح الْعَيْن فِي الْمُسْنَد وَالْمُعَلَّق مَعًا , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ إِيرَاد الْمُصَنِّف يُشْعِر بِأَنْ يَزِيد خَالَفَ مُحَمَّد بْن سِنَان , وَأَنَّ عَبْد الصَّمَد تَابَعَ يَزِيد , وَوَقَعَ فِي مُصَنَّف اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ يَزِيد صَحْمَة بِفَتْحِ الصَّاد وَسُكُون الْحَاء فَهَذَا مُتَّجِه , وَيَتَحَصَّل مِنْهُ أَنَّ الرُّوَاة اِخْتَلَفُوا فِي إِثْبَات الْأَلِف وَحَذْفهَا. وَحَكَى الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ فِي رِوَايَة عَبْد الصَّمَد أَصْخَمَة بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَإِثْبَات الْأَلِف , قَالَ : وَهُوَ غَلَط فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا مَحَلّ الِاخْتِلَاف الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ. وَحَكَى كَثِير مِنْ الشُّرَّاح أَنَّ رِوَايَة يَزِيد وَرَفِيقه صَحْمَة بِالْمُهْمَلَةِ بِغَيْرِ أَلِف , وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْض النُّسَخ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِنَان أَصْحَبَة بِمُوَحَّدَةٍ بَدَل الْمِيم. ‏"
    },
    {
        "id": "1249",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَلْحَةَ ‏ ‏قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَلَى جَنَازَةٍ ‏ ‏فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَالَ لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعْد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف الزُّهْرِيّ , وَطَلْحَة هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عَوْف الْخُزَاعِيّ كَمَا نَسَبَهُمَا فِي الْإِسْنَاد الثَّانِي. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب بَيَان مَحَلّ قِرَاءَة الْفَاتِحَة , وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ فِي حَدِيث جَابِر أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ بِلَفْظِ \" وَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآن بَعْد التَّكْبِيرَة الْأُولَى \" أَفَادَهُ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ وَقَالَ إِنَّ سَنَده ضَعِيف. ‏ ‏قَوْله : ( لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّة ) ‏ ‏قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : جَمَعَ الْبُخَارِيّ بَيْن رِوَايَتَيْ شُعْبَة وَسُفْيَان , وَسِيَاقهمَا مُخْتَلِف ا ه. فَأَمَّا رِوَايَة شُعْبَة فَقَدْ أَخْرَجَهَا اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" فَأَخَذْت بِيَدِهِ فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : نَعَمْ يَا اِبْن أَخِي , إِنَّهُ حَقّ وَسُنَّة \" وَلِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيق آدَم عَنْ شُعْبَة \" فَسَأَلْته فَقُلْت : يَقْرَأ ؟ نَعَمْ , إِنَّهُ حَقّ وَسُنَّة \". وَأَمَّا رِوَايَة سُفْيَان فَأَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْهُ بِلَفْظِ \" فَقَالَ : إِنَّهُ مِنْ السُّنَّة , أَوْ مِنْ تَمَام السُّنَّة \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظِ \" فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب وَسُورَة وَجَهَرَ حَتَّى أَسْمَعَنَا , فَلَمَّا فَرَغَ أَخَذْت بِيَدِهِ فَسَأَلْته , فَقَالَ : سُنَّة وَحَقّ \" وَلِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيق اِبْن عَجْلَان أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد يَقُول : \" صَلَّى اِبْن عَبَّاس عَلَى جِنَازَة فَجَهَرَ بِالْحَمْدِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا جَهَرْت لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّة \" وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْل الصَّحَابِيّ \" سُنَّة \" حَدِيث مُسْنَد , كَذَا نُقِلَ الْإِجْمَاع , مَعَ أَنَّ الْخِلَاف عِنْد أَهْل الْحَدِيث وَعِنْد الْأُصُولِيِّينَ شَهِير , وَعَلَى الْحَاكِم فِيهِ مَأْخَذ آخَر وَهُوَ اِسْتِدْرَاكه لَهُ وَهُوَ فِي الْبُخَارِيّ , وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ عَلَى الْجِنَازَة بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب وَقَالَ : لَا يَصِحّ هَذَا , وَالصَّحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله \" مِنْ السُّنَّة \" وَهَذَا مَصِير مِنْهُ إِلَى الْفَرْق بَيْن الصِّيغَتَيْنِ , وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْفَرْق بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّرَاحَة وَالِاحْتِمَال , وَاَللَّه أَعْلَم. وَرَوَى الْحَاكِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق شُرَحْبِيل بْن سَعْد عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَة بِالْأَبْوَاءِ فَكَبَّرَ , ثُمَّ قَرَأَ الْفَاتِحَة رَافِعًا صَوْته , ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ عَبْدك وَابْن عَبْدك أَصْبَحَ فَقِيرًا إِلَى رَحْمَتك وَأَنْتَ غَنِيّ عَنْ عَذَابه , إِنْ كَانَ زَاكِيًا فَزَكِّهِ , وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فَاغْفِرْ لَهُ. اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أَجْره , وَلَا تُضِلَّنَا بَعْده. ثُمَّ كَبَّرَ ثَلَاث تَكْبِيرَات ثُمَّ اِنْصَرَفَ فَقَالَ يَا أَيّهَا النَّاس , إِنِّي لَمْ أَقْرَأ عَلَيْهَا - أَيْ جَهْرًا - إِلَّا لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّة \". قَالَ الْحَاكِم : شُرَحْبِيل لَمْ يَحْتَجّ بِهِ الشَّيْخَانِ , وَإِنَّمَا أَخْرَجْته لِأَنَّهُ مُفَسِّر لِلطُّرُقِ الْمُتَقَدِّمَة اِنْتَهَى. وَشُرَحْبِيل مُخْتَلَف فِي تَوْثِيقه , وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ عَلَى تَرْك الْقِرَاءَة فِي الْأُولَى بِتَرْكِهَا فِي بَاقِي التَّكْبِيرَات وَبِتَرْكِ التَّشَهُّد , قَالَ : وَلَعَلَّ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ الْفَاتِحَة مِنْ الصَّحَابَة كَانَ عَلَى وَجْه الدُّعَاء لَا عَلَى وَجْه التِّلَاوَة. وَقَوْله \" أَنَّهَا سُنَّة \" يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد أَنَّ الدُّعَاء سُنَّة اِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى مَا يَجِيء عَلَى كَلَامه مِنْ التَّعَقُّب , وَمَا يَتَضَمَّنهُ اِسْتِدْلَاله مِنْ التَّعَسُّف. ‏"
    },
    {
        "id": "1250",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الشَّعْبِيَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى قَبْرٍ ‏ ‏مَنْبُوذٍ ‏ ‏فَأَمَّهُمْ وَصَلَّوْا خَلْفَهُ قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ هَذَا يَا ‏ ‏أَبَا عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قُلْت مَنْ حَدَّثَك هَذَا يَا أَبَا عَمْرو ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ الشَّيْبَانِيُّ , وَالْمَقُول لَهُ هُوَ الشَّعْبِيّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْإِذْن بِالْجِنَازَةِ \" بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاق , وَفِيهِ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَتَكَلَّمَا هُنَاكَ عَلَى مَا وَرَدَ فِي تَسْمِيَة الْمَقْبُور الْمَذْكُور. وَوَقَعَ فِي الْأَوْسَط لِلطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الصَّبَّاح الدُّولَابِيّ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن زَكَرِيَّا عَنْ الشَّيْبَانِيِّ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ بَعْد دَفْنه بِلَيْلَتَيْنِ. وَقَالَ : إِنَّ إِسْمَاعِيل تَفَرَّدَ بِذَلِكَ. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق هُرَيْم بْن سُفْيَان عَنْ الشَّيْبَانِيِّ فَقَالَ \" بَعْد مَوْته بِثَلَاثٍ \" وَمِنْ طَرِيق بِشْر بْن آدَم عَنْ أَبِي عَاصِم عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ فَقَالَ \" بَعْد شَهْر \" وَهَذِهِ رِوَايَات شَاذَّة , وَسِيَاق الطُّرُق الصَّحِيحَة يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ فِي صَبِيحَة دَفْنه. ‏"
    },
    {
        "id": "1251",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ أَسْوَدَ رَجُلًا ‏ ‏أَوْ امْرَأَةً ‏ ‏كَانَ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ وَلَمْ يَعْلَمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَوْتِهِ فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ مَا فَعَلَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ قَالُوا مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلَا آذَنْتُمُونِي فَقَالُوا إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا قِصَّتُهُ قَالَ فَحَقَرُوا شَأْنَهُ قَالَ ‏ ‏فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ( فَأَتَى قَبْره فَصَلَّى عَلَيْهِ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن حِبَّان فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت \" ثُمَّ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الْقُبُور مَمْلُوءَة ظُلْمَة عَلَى أَهْلهَا , وَإِنَّ اللَّه يُنَوِّرهَا عَلَيْهِمْ بِصَلَاتِي \" وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ بَعْض الْمُخَالِفِينَ اِحْتَجَّ بِهَذِهِ الزِّيَادَة عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيق خَارِجَة بْن زَيْد بْن ثَابِت نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة وَفِيهَا \" ثُمَّ أَتَى الْقَبْر فَصَفَفْنَا خَلْفه وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا \" قَالَ اِبْن حِبَّانَ : فِي تَرْك إِنْكَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ صَلَّى مَعَهُ عَلَى الْقَبْر بَيَان جَوَاز ذَلِكَ لِغَيْرِهِ , وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصه. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي يَقَع بِالتَّبَعِيَّةِ لَا يَنْهَض دَلِيلًا لِلْأَصَالَةِ , وَاسْتَدَلَّ بِخَبَرِ الْبَاب عَلَى رَدّ التَّفْصِيل بَيْن مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بِأَنَّ الْقِصَّة وَرَدَتْ فِيمَنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخُصُوصِيَّة تَنْسَحِب عَلَى ذَلِكَ. وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِشَرْعِ الصَّلَاة لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ فَقِيلَ : يُؤَخِّر دَفْنه لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا مَنْ كَانَ لَمْ يُصَلِّ , وَقِيلَ : يُبَادِر بِدَفْنِهَا وَيُصَلِّي الَّذِي فَاتَتْهُ عَلَى الْقَبْر , وَكَذَا اُخْتُلِفَ فِي أَمَد ذَلِكَ : فَعِنْد بَعْضهمْ إِلَى شَهْر , وَقِيلَ مَا لَمْ يَبْلَ الْجَسَد , وَقِيلَ : يَخْتَصّ بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الصَّلَاة عَلَيْهِ حِين مَوْته وَهُوَ الرَّاجِح عِنْد الشَّافِعِيَّة , وَقِيلَ : يَجُوز أَبَدًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1252",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏قَالَ وَقَالَ لِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنْ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوْ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا ‏ ‏تَلَيْتَ ‏ ‏ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا ‏ ‏الثَّقَلَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَيَّاش ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْوَلِيد الرَّقَّام كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" وَهُوَ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُعْجَمَة , وَعَبْد الْأَعْلَى هُوَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى. وَسَاقَ حَدِيثه مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ خَلِيفَة عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْع عَلَى لَفْظ خَلِيفَة , وَسَيَأْتِي مُفْرَدًا فِي عَذَاب الْقَبْر عَنْ عَيَّاش بْن الْوَلِيد بِلَفْظِهِ وَمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَة , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه. وَقَوْله هُنَا \" إِذَا وُضِعَ فِي قَبْره وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابه \" كَذَا ثَبَتَ فِي جَمِيع الرِّوَايَات فَقَالَ اِبْن التِّين : إِنَّهُ كَرَّرَ اللَّفْظ وَالْمَعْنَى وَاحِد , وَرَأَيْته أَنَا مَضْبُوطًا بِخَطٍّ مُعْتَمَد \" وَتُوُلِّيَ \" بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر اللَّام عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , أَيْ تُوُلِّيَ أَمْره أَيْ الْمَيِّت , وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة عَيَّاش بِلَفْظِ \" وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابه \" وَهُوَ الْمَوْجُود فِي جَمِيع الرِّوَايَات عِنْد مُسْلِم وَغَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "1253",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَلَيْهِمَا السَّلَام ‏ ‏فَلَمَّا جَاءَهُ ‏ ‏صَكَّهُ ‏ ‏فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ ‏ ‏ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ قَالَ أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَاذَا قَالَ ثُمَّ الْمَوْتُ قَالَ فَالْآنَ فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ ‏ ‏الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ‏ ‏رَمْيَةً ‏ ‏بِحَجَرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ ‏ ‏الْكَثِيبِ ‏ ‏الْأَحْمَرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَرْسَلَ مَلَك الْمَوْت إِلَى مُوسَى \" الْحَدِيث أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف بِطُولِهِ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ اِبْن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ الرَّفْع , وَقَدْ سَاقَهُ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مِنْ هَذَا الْوَجْه ثُمَّ قَالَ : وَعَنْ مَعْمَر عَنْ هَمَّام بْن مُنَبِّه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوه , وَقَدْ سَاقَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَعْمَر بِالسَّنَدَيْنِ كَذَلِكَ. وَقَوْله فِيهِ \" رَمْيَة بِحَجَرٍ \" أَيْ قَدْر رَمْيَة حَجَر , أَيْ أَدْنِنِي مِنْ مَكَان إِلَى الْأَرْض الْمُقَدَّسَة هَذَا الْقَدْر , أَوْ أَدْنِنِي إِلَيْهَا حَتَّى يَكُون بَيْنِي وَبَيْنهَا هَذَا الْقَدْر , وَهَذَا الثَّانِي أَظْهَر , وَعَلَيْهِ شَرَحَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره. وَأَمَّا الْأَوَّل فَهُوَ وَإِنْ رَجَّحَهُ بَعْضهمْ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَطَلَبَ الدُّنُوّ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْقَدْر الَّذِي كَانَ بَيْنه وَبَيْن أَوَّل الْأَرْض الْمُقَدَّسَة كَانَ قَدْر رَمْيَة فَلِذَلِكَ طَلَبَهَا , لَكِنْ حَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ غَيْره أَنَّ الْحِكْمَة فِي أَنَّهُ لَمْ يَطْلُب دُخُولهَا لِيُعْمِيَ مَوْضِع قَبْره لِئَلَّا تَعْبُدهُ الْجُهَّال مِنْ مِلَّته اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سِرّ ذَلِكَ أَنَّ اللَّه لَمَّا مَنَعَ بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ دُخُول بَيْت الْمَقْدِس وَتَرَكَهُمْ فِي التِّيه أَرْبَعِينَ سَنَة إِلَى أَنْ أَفْنَاهُمْ الْمَوْت فَلَمْ يَدْخُل الْأَرْض الْمُقَدَّسَة مَعَ يُوشَع إِلَّا أَوْلَادهمْ , وَلَمْ يَدْخُلهَا مَعَهُ أَحَد مِمَّنْ اِمْتَنَعَ أَوَّلًا أَنْ يَدْخُلهَا كَمَا سَيَأْتِي شَرْح ذَلِكَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَمَاتَ هَارُون ثُمَّ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام قَبْل فَتْح الْأَرْض الْمُقَدَّسَة عَلَى الصَّحِيح كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا أَيْضًا , فَكَأَنَّ مُوسَى لَمَّا لَمْ يَتَهَيَّأ لَهُ دُخُولهَا لِغَلَبَةِ الْجَبَّارِينَ عَلَيْهَا وَلَا يُمْكِن نَبْشه بَعْد ذَلِكَ لِيُنْقَلَ إِلَيْهَا طَلَبَ الْقُرْب مِنْهَا لِأَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْء يُعْطَى حُكْمه , وَقِيلَ إِنَّمَا طَلَبَ مُوسَى الدُّنُوّ لِأَنَّ النَّبِيّ يُدْفَن حَيْثُ يَمُوت وَلَا يُنْقَل , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ مُوسَى قَدْ نَقَلَ يُوسُف عَلَيْهِمَا السَّلَام مَعَهُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ مِصْر كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي تَرْجَمَته إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَهَذَا كُلّه بِنَاء عَلَى الِاحْتِمَال الثَّانِي وَاَللَّه أَعْلَم. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَاز نَقْل الْمَيِّت مِنْ بَلَد إِلَى بَلَد , فَقِيلَ : يُكْرَه لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِير دَفْنه وَتَعْرِيضه لِهَتْكِ حُرْمَته , وَقِيلَ يُسْتَحَبّ , وَالْأَوْلَى تَنْزِيل ذَلِكَ عَلَى حَالَتَيْنِ : فَالْمَنْع حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَرَض رَاجِح كَالدَّفْنِ فِي الْبِقَاع الْفَاضِلَة , وَتَخْتَلِف الْكَرَاهَة فِي ذَلِكَ فَقَدْ تَبْلُغ التَّحْرِيم , وَالِاسْتِحْبَاب حَيْثُ يَكُون ذَلِكَ بِقُرْبِ مَكَان فَاضِل كَمَا نَصَّ الشَّافِعِيّ عَلَى اِسْتِحْبَاب نَقْل الْمَيِّت إِلَى الْأَرْض الْفَاضِلَة كَمَكَّة وَغَيْرهَا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1254",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى رَجُلٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ بِلَيْلَةٍ قَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَكَانَ سَأَلَ عَنْهُ فَقَالَ مَنْ هَذَا فَقَالُوا فُلَانٌ دُفِنَ الْبَارِحَةَ فَصَلَّوْا عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1255",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ وَكَانَتْ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏وَأُمُّ حَبِيبَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَتَتَا أَرْضَ ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ ‏ ‏أُولَئِكِ إِذَا مَاتَ مِنْهُمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1256",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهِدْنَا ‏ ‏بِنْتَ ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ فَقَالَ ‏ ‏هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفْ اللَّيْلَةَ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَا قَالَ فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ مُبَارَكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏أُرَاهُ ‏ ‏يَعْنِي الذَّنْبَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ { ‏لِيَقْتَرِفُوا ‏} ‏أَيْ لِيَكْتَسِبُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن الْمُبَارَك ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَصَلَهُ مِنْ طَرِيقه. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْحَسَن الْقَابِسِيّ هُنَا \" قَالَ أَبُو الْمُبَارَك \" بِلَفْظِ الْكُنْيَة , وَنَقَلَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَبُو الْمُبَارَك كُنْيَة مُحَمَّد بْن سِنَان يَعْنِي رَاوِي الطَّرِيق الْمَوْصُولَة , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ مُحَمَّد بْن سِنَان يُكَنَّى أَبَا بَكْر بِغَيْرِ خِلَاف عِنْد أَهْل الْعِلْم بِالْحَدِيثِ , وَالصَّوَاب اِبْن الْمُبَارَك كَمَا فِي بَقِيَّة الطُّرُق. ‏ ‏قَوْله : ( لِيَقْتَرِفُوا : لِيَكْتَسِبُوا ) ‏ ‏ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ , وَهَذَا تَفْسِير اِبْن عَبَّاس أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْهُ , قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ( وَلْيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ) : لِيَكْتَسِبُوا مَا هُمْ مُكْتَسِبُونَ. وَفِي هَذَا مَصِير مِنْ الْبُخَارِيّ إِلَى تَأْيِيد مَا قَالَهُ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ فُلَيْح , أَوْ أَرَادَ أَنْ يُوَجِّه الْكَلَام الْمَذْكُور , وَأَنَّ لَفْظ الْمُقَارَفَة فِي الْحَدِيث أُرِيدَ بِهِ مَا هُوَ أَخَصّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْجِمَاع. ‏"
    },
    {
        "id": "1257",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب بْن مَالِك عَنْ جَابِر ) ‏ ‏كَذَا يَقُول اللَّيْث عَنْ اِبْن شِهَاب , قَالَ النَّسَائِيُّ : لَا أَعْلَم أَحَدًا مِنْ ثِقَات أَصْحَاب اِبْن شِهَاب تَابَعَ اللَّيْث عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ مَعْمَر عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عَبْد اللَّه بْن ثَعْلَبَة فَذَكَرَ الْحَدِيث مُخْتَصَرًا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق وَعَمْرو بْن الْحَارِث كُلّهمْ عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عَبْد اللَّه بْن ثَعْلَبَة , وَعَبْد اللَّه لَهُ رُؤْيَة فَحَدِيثه مِنْ حَيْثُ السَّمَاع مُرْسَل , وَقَدْ رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر فَزَادَ فِيهِ جَابِرًا , وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي اِخْتِيَار الْبُخَارِيّ , فَإِنَّ اِبْن شِهَاب صَاحِب حَدِيث فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ الْحَدِيث عِنْده عَنْ شَيْخَيْنِ , وَلَا سِيَّمَا أَنَّ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب مَا لَيْسَ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن ثَعْلَبَة. وَعَلِيّ بْن شِهَاب فِيهِ اِخْتِلَاف آخَر رَوَاهُ أُسَامَة بْن زَيْد اللَّيْثِيّ عَنْهُ عَنْ أَنَس أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ , وَأُسَامَة سَيِّئ الْحِفْظ , وَقَدْ حَكَى التِّرْمِذِيّ فِي \" الْعِلَل \" عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّ أُسَامَة غَلِطَ فِي إِسْنَاده. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد الْعَزِيز الْأَنْصَارِيّ عَنْ اِبْن شِهَاب فَقَالَ : \" عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب عَنْ أَبِيهِ \" وَابْن عَبْد الْعَزِيز ضَعِيف , وَقَدْ أَخْطَأَ فِي قَوْله \" عَنْ أَبِيهِ \". وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِيهِ اِخْتِلَافًا آخَر كَمَا سَيَأْتِي بَعْد بَابَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَقُول أَيّهمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَيّهمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏هُوَ مَضْبُوط فِي رِوَايَتنَا بِفَتْحِ اللَّام , وَهُوَ اللَّائِق بِقَوْلِهِ بَعْد ذَلِكَ \" وَلَمْ يُغَسَّلُوا \" وَسَيَأْتِي بَعْد بَابَيْنِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اللَّيْث بِلَفْظِ \" وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلهُمْ \" وَهَذِهِ بِكَسْرِ اللَّام وَالْمَعْنَى وَلَمْ يَفْعَل ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَا بِأَمْرِهِ. وَفِي حَدِيث جَابِر هَذَا مَبَاحِث كَثِيرَة يَأْتِي اِسْتِيفَاؤُهَا فِي غَزْوَة أُحُد مِنْ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِيهِ جَوَاز تَكْفِين الرَّجُلَيْنِ فِي ثَوْب وَاحِد لِأَجْلِ الضَّرُورَة إِمَّا بِجَمْعِهِمَا فِيهِ وَإِمَّا بِقَطْعِهِ بَيْنهمَا , وَعَلَى جَوَاز دَفْن اِثْنَيْنِ فِي لَحْد , وَعَلَى اِسْتِحْبَاب تَقْدِيم أَفْضَلهمَا لِدَاخِلِ اللَّحْد , وَعَلَى أَنَّ شَهِيد الْمَعْرَكَة لَا يُغَسَّل , وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّف لِجَمِيعِ ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أُسَامَة الْمَذْكُورَة \" لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ \" كَمَا فِي حَدِيث جَابِر , وَفِي رِوَايَة عَنْهُ عِنْد الشَّافِعِيّ وَالْحَاكِم \" وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَد غَيْره \" يَعْنِي حَمْزَة , وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هَذِهِ اللَّفْظَة غَيْر مَحْفُوظَة - يَعْنِي عَنْ أُسَامَة - وَالصَّوَاب الرِّوَايَة الْمُوَافِقَة لِحَدِيثِ اللَّيْث وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1258",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي ‏ ‏فَرَطٌ ‏ ‏لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ‏ ‏أَوْ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ ‏ ‏وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي الْخَيْر ) ‏ ‏هُوَ الْيَزَنِيّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَهَذَا مَعْدُود مِنْ أَصَحّ الْأَسَانِيد. ‏ ‏قَوْله : ( صَلَاته ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ مِثْل صَلَاته. زَادَ فِي غَزْوَة أُحُد مِنْ طَرِيق حَيْوَة بْن شُرَيْح عَنْ يَزِيد \" بَعْد ثَمَان سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَات \" وَزَادَ فِيهِ \" فَكَانَتْ آخِر نَظْرَة نَظَرْتهَا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الزِّيَادَة هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَكَانَتْ أُحُد فِي شَوَّال سَنَة ثَلَاث , وَمَاتَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَبِيع الْأَوَّل سَنَة إِحْدَى عَشْرَةَ , فَعَلَى هَذَا فَفِي قَوْله \" بَعْد ثَمَان سِنِينَ \" تَجُوز عَلَى طَرِيق جَبْر الْكَسْر , إِلَّا فَهِيَ سَبْع سِنِينَ وَدُون النِّصْف. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة عَلَى الشُّهَدَاء وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَاب الشَّافِعِيّ عَنْهُ بِمَا لَا مَزِيد عَلَيْهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ : مَعْنَى صَلَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَة مَعَانٍ : إِمَّا أَنْ يَكُون نَاسِخًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرْك الصَّلَاة عَلَيْهِمْ , أَوْ يَكُون مِنْ سُنَّتهمْ أَنْ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِمْ إِلَّا بَعْد هَذِهِ الْمُدَّة الْمَذْكُورَة , أَوْ تَكُون الصَّلَاة عَلَيْهِمْ جَائِزَة بِخِلَافِ غَيْرهمْ فَإِنَّهَا وَاجِبَة. وَأَيّهَا كَانَ فَقَدْ ثَبَتَ بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاة عَلَى الشُّهَدَاء. ثُمَّ كَانَ الْكَلَام بَيْن الْمُخْتَلِفِينَ فِي عَصْرنَا إِنَّمَا هُوَ فِي الصَّلَاة عَلَيْهِمْ قَبْل دَفْنهمْ , وَإِذَا ثَبَتَتْ الصَّلَاة عَلَيْهِمْ بَعْد الدَّفْن كَانَتْ قَبْل الدَّفْن أَوْلَى اِنْتَهَى. وَغَالِب مَا ذَكَرَهُ بِصَدَدِ الْمَنْع - لَا سِيَّمَا فِي دَعْوَى الْحَصْر - فَإِنَّ صَلَاته عَلَيْهِمْ تَحْتَمِل أُمُورًا أُخَر : مِنْهَا أَنْ تَكُون مِنْ خَصَائِصه , وَمِنْهَا أَنْ تَكُون بِمَعْنَى الدُّعَاء كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ هِيَ وَاقِعَة عَيْن لَا عُمُوم فِيهَا , فَكَيْفَ يَنْتَهِض الِاحْتِجَاج بِهَا لِدَفْعِ حُكْم قَدْ تَقَرَّرَ ؟ وَلَمْ يَقُلْ أَحَد مِنْ الْعُلَمَاء بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ النَّوَوِيّ : الْمُرَاد بِالصَّلَاةِ هُنَا الدُّعَاء , وَأَمَّا كَوْنه مِثْل الَّذِي عَلَى الْمَيِّت فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ دَعَا لَهُمْ بِمِثْلِ الدُّعَاء الَّذِي كَانَتْ عَادَتْهُ أَنْ يَدْعُو بِهِ لِلْمَوْتَى. ‏ ‏وَقَوْله : ( إِنِّي فَرَط لَكُمْ ) ‏ ‏أَيْ سَابِقكُمْ , ‏ ‏وَقَوْله : ( وَإِنِّي وَاَللَّه ) ‏ ‏فِيهِ الْحَلِف لِتَأْكِيدِ الْخَبَر وَتَعْظِيمه , ‏ ‏وَقَوْله : ( لَأَنْظُر إِلَى حَوْضِي ) ‏ ‏هُوَ عَلَى ظَاهِره , وَكَأَنَّهُ كُشِفَ لَهُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْحَوْض مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَكَذَا عَلَى الْمُنَافَسَة فِي الدُّنْيَا. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَخَاف عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا ) ‏ ‏أَيْ عَلَى مَجْمُوعكُمْ , لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ مِنْ الْبَعْض أَعَاذَنَا اللَّه تَعَالَى. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مُعْجِزَات لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلِذَلِكَ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِي \" عَلَامَات النُّبُوَّة \" كَمَا سَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1259",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى ‏ ‏أُحُدٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1260",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ ‏ ‏يَعْنِي يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف قَبْل مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ \" وَلَمْ يُغَسِّلهُمْ \" وَاسْتَدَلَّ بِعُمُومِهِ عَلَى أَنَّ الشَّهِيد لَا يُغَسَّل حَتَّى وَلَا الْجُنُب وَالْحَائِض , وَهُوَ الْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة , وَقِيلَ يُغَسَّل لِلْجَنَابَةِ لَا بِنِيَّةِ غُسْل الْمَيِّت , لِمَا رُوِيَ فِي قِصَّة حَنْظَلَة بْن الرَّاهِب أَنَّ الْمَلَائِكَة غَسَّلَتْهُ يَوْم أُحُد لَمَّا اُسْتُشْهِدَ وَهُوَ جُنُب , وَقِصَّته مَشْهُورَة رَوَاهَا اِبْن إِسْحَق وَغَيْره , وَرَوَى الطَّبَرَانِيّ وَغَيْره مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِإِسْنَادٍ لَا بَأْس بِهِ عَنْهُ قَالَ \" أُصِيبَ حَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَحَنْظَلَة بْن الرَّاهِب وَهُمَا جُنُب , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَأَيْت الْمَلَائِكَة تُغَسِّلهُمَا \" غَرِيب فِي ذِكْر حَمْزَة , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا مَا اُكْتُفِيَ فِيهِ بِغُسْلِ الْمَلَائِكَة , فَدَلَّ عَلَى سُقُوطه عَمَّنْ يَتَوَلَّى أَمْر الشَّهِيد. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1261",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ ‏ ‏وَأَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لِقَتْلَى ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ وَقَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَنْ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ ( فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَة ) ‏ ‏هِيَ بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْمِيم : بُرْدَة مِنْ صُوف أَوْ غَيْره مُخَطَّطَة. وَقَالَ الْفَرَّاء : هِيَ دُرَّاعَة فِيهَا لَوْنَانِ سَوَاد وَبَيَاض , وَيُقَال لِلسَّحَابَةِ إِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ نَمِرَة , وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ فِي الْمَغَازِي وَابْن سَعْد أَنَّهُمَا كُفِّنَا فِي نَمِرَتَيْنِ , فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّ النَّمِرَة الْوَاحِدَة شُقَّتْ بَيْنهمَا نِصْفَيْنِ , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ بَعْد بَابَيْنِ. وَالرَّجُل الَّذِي كُفِّنَ مَعَهُ فِي النَّمِرَة كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي دُفِنَ مَعَهُ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى تَسْمِيَته بَعْد بَاب. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ سُلَيْمَان بْن كَثِير إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول فِي الزُّهْرِيَّات لِلذُّهْلِيّ , وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان الْمَذْكُور إِبْهَام شَيْخ الزُّهْرِيّ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ قَبْل بَابَيْنِ , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" التَّتَبُّع \" : اِضْطَرَبَ فِيهِ الزُّهْرِيُّ , وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الِاضْطِرَاب لِأَنَّ الْحَاصِل مِنْ الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى الثِّقَات أَنَّ الزُّهْرِيُّ حَمَلَهُ عَنْ شَيْخَيْنِ , وَأَمَّا إِبْهَام سُلَيْمَان لِشَيْخِ الزُّهْرِيُّ وَحَذْف الْأَوْزَاعِيِّ لَهُ فَلَا يُؤَثِّر ذَلِكَ فِي رِوَايَة مَنْ سَمَّاهُ , لِأَنَّ الْحُجَّة لِمَنْ ضَبَطَ وَزَادَ إِذَا كَانَ ثِقَة لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَافِظًا , وَأَمَّا رِوَايَة أُسَامَة وَابْن عَبْد الْعَزِيز فَلَا تَقْدَح فِي الرِّوَايَة الصَّحِيحَة لِضَعْفِهِمَا , وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْبُخَارِيّ صَرَّحَ بِغَلَطِ أُسَامَة فِيهِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة فَوَائِد حَيْثُ جَابِر فِي الْمَغَازِي , وَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِقَارِئِ الْقُرْآن , وَيَلْحَق بِهِ أَهْل الْفِقْه وَالزُّهْد وَسَائِر وُجُوه الْفَضْل. ‏"
    },
    {
        "id": "1262",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَرَّمَ اللَّهُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لَا ‏ ‏يُخْتَلَى ‏ ‏خَلَاهَا ‏ ‏وَلَا ‏ ‏يُعْضَدُ ‏ ‏شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا ‏ ‏لِمُعَرِّفٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث طَوِيل فِيهِ قِصَّة أَبِي شَاة وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي كِتَاب الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبَان بْن صَالِح إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقه وَفِيهِ \" فَقَالَ الْعَبَّاس إِلَّا الْإِذْخِر , فَإِنَّهُ لِلْبُيُوتِ وَالْقُبُور \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُجَاهِد إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ طَرَف مِنْ الْحَدِيث الْأَوَّل , وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي كِتَاب الْحَجّ , وَأَوْرَدَهُ لِقَوْلِهِ فِيهِ \" لِقَيْنِهِمْ \" بَدَّلَ لِقُبُورِهِمْ , وَالْقَيْنَ بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا نُون هُوَ الْحَدَّاد , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَرْجِيح الرِّوَايَة الْأُولَى لِمُوَافَقَةِ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة وَصْفِيَّة , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1263",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ‏ ‏بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ ‏ ‏فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ كَسَا ‏ ‏عَبَّاسًا ‏ ‏قَمِيصًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو هَارُونَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَمِيصَانِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلْبِسْ أَبِي قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏فَيُرَوْنَ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلْبَسَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان : وَقَالَ أَبُو هَارُون إِلَخْ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَغَيْرهَا , وَوَقَعَ فِي كَثِير مِنْ الرِّوَايَات \" وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة \" وَكَذَا فِي مُسْتَخْرَج أَبِي نُعَيْم وَهُوَ تَصْحِيف , وَأَبُو هَارُون الْمَذْكُور جَزَمَ الْمِزِّيّ بِأَنَّهُ مُوسَى بْن أَبِي عِيسَى الْحَنَّاط بِمُهْمَلَةٍ وَنُون الْمَدَنِيّ , وَقِيلَ هُوَ الْغَنَوِيّ وَاسْمه إِبْرَاهِيم بْن الْعَلَاء مِنْ شُيُوخ الْبَصْرَة , وَكِلَاهُمَا مِنْ أَتْبَاع التَّابِعِينَ , فَالْحَدِيث مُعْضَل. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان فَسَمَّاهُ عِيسَى وَلَفْظه \" حَدَّثَنَا عِيسَى بْن أَبِي مُوسَى \" فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان : فَيَرَوْنَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْبَسَ عَبْد اللَّه قَمِيصه مُكَافَأَة لِمَا صَنَعَ بِالْعَبَّاسِ ) ‏ ‏هَذَا الْقَدْر مُتَّصِل عِنْد سُفْيَان , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي أَوَاخِر الْجِهَاد فِي \" بَاب كُسْوَة الْأُسَارَى \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد عَنْ سُفْيَان بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور قَالَ \" لَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر أُتِيَ بِأُسَارَى وَأُتِيَ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْب فَوَجَدُوا قَمِيص عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ يُقْدَر عَلَيْهِ فَكَسَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ , فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصه الَّذِي أَلْبَسَهُ \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله \" فَلِذَلِكَ \" مِنْ كَلَام سُفْيَان أُدْرِجَ فِي الْخَبَر , بَيَّنَتْهُ رِوَايَة عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب , وَسَأَسْتَوْفِي الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1264",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا حَضَرَ ‏ ‏أُحُدٌ ‏ ‏دَعَانِي أَبِي مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ ‏ ‏مَا ‏ ‏أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ وَدُفِنَ مَعَهُ ‏ ‏آخَرُ ‏ ‏فِي قَبْرٍ ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الْآخَرِ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حُسَيْن الْمُعَلِّم عَنْ عَطَاء ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاح ‏ ‏( عَنْ جَابِر ) ‏ ‏هَكَذَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث عَنْ مُسَدَّد عَنْ بِشْر بْن الْمُفَضَّل عَنْ حُسَيْن , وَلَمْ أَرَهُ بَعْد التَّتَبُّع الْكَثِير فِي شَيْء مِنْ كُتُب الْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَى جَابِر إِلَّا فِي الْبُخَارِيّ , وَقَدْ عَزَّ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيّ مَخْرَجه فَأَخْرَجَهُ فِي مُسْتَخْرَجه مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ , وَأَمَّا أَبُو نُعَيْم فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَشْعَث عَنْ بِشْر بْن الْمُفَضَّل فَقَالَ \" عَنْ سَعِيد بْن يَزِيد عَنْ أَبِي نَضْرَة عَنْ جَابِر \" وَقَالَ بَعْده : لَيْسَ أَبُو نَضْرَة مِنْ شَرْط الْبُخَارِيّ. قَالَ : وَرِوَايَته عَنْ حُسَيْن عَنْ عَطَاء عَزِيزَة جِدًّا. قُلْت : وَطَرِيق سَعِيد مَشْهُورَة عَنْهُ , أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ وَابْن سَعْد وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقه عَنْ أَبِي نَضْرَة عَنْ جَابِر , وَاحْتَمَلَ عِنْدِي أَنْ يَكُون لِبِشْرِ بْن الْمُفَضَّل فِيهِ شَيْخَانِ , إِلَى أَنْ رَأَيْته فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" لِلْحَاكِمِ قَدْ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي بَكْر بْن إِسْحَاق عَنْ مُعَاذ بْن الْمُثَنَّى عَنْ مُسَدَّد عَنْ بِشْر كَمَا رَوَاهُ أَبُو الْأَشْعَث عَنْ بِشْر , وَكَذَا أَخْرَجَهُ فِي \" الْإِكْلِيل \" بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَى جَابِر وَلَفْظه لَفْظ الْبُخَارِيّ سَوَاء , فَغَلَبَ عَلَى الظَّنّ حِينَئِذٍ أَنَّ فِي هَذِهِ الطَّرِيق وَهْمًا , لَكِنْ لَمْ يَتَبَيَّن لِي مِمَّنْ هُوَ , وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ اِسْتَشْعَرَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَعَقَّبَ هَذِهِ الطَّرِيق بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ عَطَاء عَنْ جَابِر مُخْتَصَرًا لِيُوَضِّح أَنَّ لَهُ أَصْلًا مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ جَابِر. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أُرَانِي ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة بِمَعْنَى الظَّنّ , وَذَكَرَ الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" عَنْ الْوَاقِدِيّ أَنَّ سَبَب ظَنّه ذَلِكَ مَنَام رَآهُ أَنَّهُ رَأَى مُبَشِّر بْن عَبْد الْمُنْذِر - وَكَانَ مِمَّنْ اُسْتُشْهِدَ بِبَدْرٍ - يَقُول لَهُ : أَنْتَ قَادِم عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْأَيَّام , فَقَصَّهَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَذِهِ الشَّهَادَة. وَفِي رِوَايَة أَبِي نَضْرَة الْمَذْكُورَة عِنْد اِبْن السَّكَن عَنْ جَابِر أَنَّ أَبَاهُ قَالَ لَهُ : إِنِّي مُعَرِّض نَفْسِي لِلْقَتْلِ. الْحَدِيث. وَقَالَ اِبْن التِّين : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِنَاء عَلَى مَا كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا قَالَ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِشَارَة إِلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بَعْض أَصْحَابه سَيُقْتَلُ كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا فِي الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَّ عَلَيَّ دَيْنًا ) ‏ ‏سَيَأْتِي مِقْدَاره فِي عَلَامَات النُّبُوَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَاقْضِ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل بِحَذْفِ الْمَفْعُول , وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم \" فَاقْضِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( بِأَخَوَاتِك ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذِكْر عِدَّتهنَّ وَمَنْ عُرِفَ اِسْمهَا مِنْهُنَّ فِي كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَدُفِنَ مَعَهُ آخَر ) ‏ ‏هُوَ عَمْرو بْن الْجَمُوح بْن زَيْد بْن حَرَام الْأَنْصَارِيّ , وَكَانَ صَدِيق وَالِد جَابِر وَزَوْج أُخْته هِنْد بِنْت عَمْرو , وَكَأَنَّ جَابِرًا سَمَّاهُ عَمّه تَعْظِيمًا. قَالَ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي \" حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ رِجَال مِنْ بَنِي سَلِمَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِين أُصِيبَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَعَمْرو بْن الْجَمُوح : اِجْمَعُوا بَيْنهمَا فَإِنَّهُمَا كَانَا مُتَصَادِقَيْنِ فِي الدُّنْيَا \" وَفِي \" مَغَازِي الْوَاقِدِيّ \" عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا رَأَتْ هِنْد بِنْت عَمْرو تَسُوق بَعِيرًا لَهَا عَلَيْهِ زَوْجهَا عَمْرو بْن الْجَمُوح وَأَخُوهَا عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن حَرَام لِتَدْفِنهُمَا بِالْمَدِينَةِ , ثُمَّ أَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَدِّ الْقَتْلَى إِلَى مَضَاجِعهمْ. وَأَمَّا قَوْل الدِّمْيَاطِيّ إِنَّ قَوْله \" وَعَمِّي \" وَهْم فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ , لِأَنَّ لَهُ مَحْمَلًا سَائِغًا , وَالتَّجَوُّز فِي مِثْل هَذَا يَقَع كَثِيرًا. وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ عَنْ غَيْره أَنَّ قَوْله \" وَعَمِّي \" تَصْحِيف مِنْ \" عَمْرو \" وَقَدْ رَوَى أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث أَبِي قَتَادَة قَالَ \" قُتِلَ عَمْرو بْن الْجَمُوح وَابْن أَخِيهِ يَوْم أُحُد فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجُعِلَا فِي قَبْر وَاحِد \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي التَّمْهِيد : لَيْسَ هُوَ اِبْن أَخِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ اِبْن عَمّه , وَهُوَ كَمَا قَالَ فَلَعَلَّهُ كَانَ أَسَنّ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَخْرَجْته بَعْد سِتَّة أَشْهُر ) ‏ ‏أَيْ مِنْ يَوْم دَفْنه وَهَذَا يُخَالِف فِي الظَّاهِر مَا وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي صَعْصَعَة أَنَّهُ بَلَغَهُ عَمْرو بْن الْجَمُوح وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو الْأَنْصَارِيَّيْنِ كَانَا قَدْ حَفَرَ السَّيْل قَبْرهمَا , وَكَانَا فِي قَبْر وَاحِد , فَحُفِرَ عَنْهُمَا لِيُغَيَّرَا مِنْ مَكَانهمَا فَوُجِدَا لَمْ يَتَغَيَّرَا كَأَنَّهُمَا مَاتَا بِالْأَمْسِ , وَكَانَ بَيْن أُحُد وَيَوْم حُفِرَ عَنْهُمَا سِتّ وَأَرْبَعُونَ سَنَة , وَقَدْ جَمَعَ بَيْنهمَا اِبْن عَبْد الْبَرّ بِتَعَدُّدِ الْقِصَّة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ الَّذِي فِي حَدِيث جَابِر أَنَّهُ دَفَنَ أَبَاهُ فِي قَبْر وَحْده بَعْد سِتَّة أَشْهُر وَفِي حَدِيث الْمُوَطَّأ أَنَّهُمَا وُجِدَا فِي قَبْر وَاحِد بَعْد سِتّ وَأَرْبَعِينَ سَنَة , فَإِمَّا أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِكَوْنِهِمَا فِي قَبْر وَاحِد قُرْب الْمُجَاوَرَة , أَوْ أَنَّ السَّيْل خَرَقَ أَحَد الْقَبْرَيْنِ فَصَارَا كَقَبْرٍ وَاحِد , وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق الْقِصَّة فِي الْمَغَازِي فَقَالَ \" حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَشْيَاخ مِنْ الْأَنْصَار قَالُوا : لَمَّا ضَرَبَ مُعَاوِيَة عَيْنه الَّتِي مَرَّتْ عَلَى قُبُور الشُّهَدَاء اِنْفَجَرَتْ الْعَيْن عَلَيْهِمْ فَجِئْنَا فَأَخْرَجْنَاهُمَا - يَعْنِي عَمْرًا وَعَبْد اللَّه - وَعَلَيْهِمَا بُرْدَتَانِ قَدْ غُطِّيَ بِهِمَا وُجُوههمَا وَعَلَى أَقْدَامهمْ شَيْء مِنْ نَبَات الْأَرْض , فَأَخْرَجْنَاهُمَا يَتَثَنَّيَانِ تَثَنِّيًا كَأَنَّهُمَا دُفِنَا بِالْأَمْسِ \". وَلَهُ شَاهِد بِإِسْنَادٍ صَحِيح عِنْد اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْر أُذُنه ) ‏ ‏وَقَالَ عِيَاض فِي رِوَايَة أَبِي السَّكَن وَالنَّسَفِيّ \" غَيْر هُنَيَّة فِي أُذُنه \" وَهُوَ الصَّوَاب بِتَقْدِيمِ \" غَيْر \" وَزِيَادَة \" فِي \" وَفِي الْأَوَّل تَغْيِير , قَالَ وَمَعْنَى قَوْله \" هُنَيَّة \" أَيْ شَيْئًا يَسِيرًا , وَهُوَ بِنُونٍ بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة مُصَغَّرًا , وَهُوَ تَصْغِير \" هَنَة \" أَيْ شَيْء , فَصَغَّرَهُ لِكَوْنِهِ أَثَرًا يَسِيرًا اِنْتَهَى. وَقَدْ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَقِب سِيَاقه بِلَفْظِ الْأَكْثَر. إِنَّمَا هُوَ \" عِنْد \". قُلْت : وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ , لَكِنْ يَبْقَى فِي الْكَلَام نَقْص , وَيُبَيِّنهُ مَا فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق غَسَّان بْن مُضَر عَنْ أَبِي سَلَمَة بِلَفْظِ \" وَهُوَ كَيَوْمِ دَفَنْته , إِلَّا هُنَيَّة عِنْد أُذُنه \" وَهُوَ مُوَافِق مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِرِوَايَةِ اِبْن السَّكَن الَّتِي صَوَّبَهَا عِيَاض. وَجَمَعَ أَبُو نُعَيْم فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَشْعَث بَيْن لَفْظ \" غَيْر \" وَلَفْظ \" عِنْد \" فَقَالَ \" غَيْر هُنَيَّة عِنْد أُذُنه \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَاكِم الْمُشَار إِلَيْهَا \" فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ غَيْر أُذُنه \" سَقَطَ مِنْهَا لَفْظ \" هُنَيَّة \" وَهُوَ مُسْتَقِيم الْمَعْنَى. وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيّ فِي \" الْجَمْع \" فِي أَفْرَاد الْبُخَارِيّ , وَالْمُرَاد بِالْأُذُنِ بَعْضهَا. وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ فِي رِوَايَته بِفَتْحِ الْهَاء وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا هَمْزَة ثُمَّ مُثَنَّاة مَنْصُوبَة ثُمَّ هَاء الضَّمِير , أَيْ عَلَى حَالَته. وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن السَّكَن مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ أَبِي مَسْلَمَة بِلَفْظِ \" غَيْر أَنَّ طَرَف أُذُن أَحَدهمْ تَغَيَّرَ \" , وَلِابْنِ سَعْد مِنْ طَرِيق أَبِي هِلَال عَنْ أَبِي مَسْلَمَة \" إِلَّا قَلِيلًا مِنْ شَحْمَة أُذُنه \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَبِي مَسْلَمَة \" إِلَّا شَعَرَات كُنَّ مِنْ لَحَيَّته مِمَّا يَلِي الْأَرْض \" وَيُجْمَع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَة وَغَيْرهَا بِأَنَّ الْمُرَاد الشَّعَرَات الَّتِي تَتَّصِل بِشَحْمَةِ الْأُذُن , وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة سَبَب تَغَيُّر ذَلِكَ دُون غَيْره , وَلَا يُعَكِّر عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر \" أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْم أُحُد ثُمَّ مَثَّلُوا بِهِ فَجَدَعُوا أَنْفه وَأُذُنَيْهِ \" الْحَدِيث , وَأَصْله فِي مُسْلِم , لِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُمْ قَطَعُوا بَعْض أُذُنَيْهِ لَا جَمِيعهمَا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1265",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ عَطَاء ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَحَكَى أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْد أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن \" عَنْ مُجَاهِد \" بَدَل \" عَطَاء \" قَالَ : وَاَلَّذِي رَوَاهُ غَيْره أَصَحّ. قُلْت : وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد وَالنَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَآخَرُونَ كُلّهمْ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن عَامِر بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور فِيهِ وَهُوَ الصَّوَاب. وَفِي قِصَّة وَالِد جَابِر مِنْ الْفَوَائِد : الْإِرْشَاد إِلَى بِرّ الْأَوْلَاد بِالْآبَاءِ خُصُوصًا بَعْد الْوَفَاة , وَالِاسْتِعَانَة عَلَى ذَلِكَ بِإِخْبَارِهِمْ بِمَكَانَتِهِمْ مِنْ الْقَلْب. وَفِيهِ قُوَّة إِيمَان عَبْد اللَّه الْمَذْكُور لِاسْتِثْنَائِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ جَعَلَ وَلَده أَعَزّ عَلَيْهِ مِنْهُمْ. وَفِيهِ كَرَامَته بِوُقُوعِ الْأَمْر عَلَى مَا ظَنَّ , وَكَرَامَته بِكَوْنِ الْأَرْض لَمْ تُبْلِ جَسَده مَعَ لُبْثه فِيهَا , وَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ لِمَكَانِ الشَّهَادَة. وَفِيهِ فَضِيلَة لِجَابِرٍ لِعَمَلِهِ بِوَصِيَّةِ أَبِيهِ بَعْد مَوْته فِي قَضَاء دَيْنه كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي مَكَانه. ‏"
    },
    {
        "id": "1266",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَجْمَعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ فَقَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ ‏",
        "sharh": "قَالَ اِبْن رَشِيد : قَوْله فِي حَدِيث جَابِر ‏ ‏\" قَدَّمَهُ فِي اللَّحْد \" ‏ ‏ظَاهِر فِي أَنَّ الْمَيِّتَيْنَ جَمِيعًا فِي اللَّحْد , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُقَدَّم فِي اللَّحْد وَاَلَّذِي يَلِيه فِي الشَّقّ لِمَشَقَّةِ الْحَفْر فِي الْجَانِب لِمَكَانِ اِثْنَيْنِ , وَهَذَا يُؤَيِّد مَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهه أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَة وَاحِدَة \" أَيْ شُقَّتْ بَيْنهمَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَكَرَ الشَّقّ فِي التَّرْجَمَة لِيُنَبِّه عَلَى أَنَّ اللَّحْد أَفْضَل مِنْهُ , لِأَنَّهُ الَّذِي وَقَعَ دَفْن الشُّهَدَاء فِيهِ مَعَ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْجَهْد وَالْمَشَقَّة , فَلَوْلَا مَزِيد فَضِيلَة فِيهِ مَا عَانَوْهُ. وَفِي السُّنَن لِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْره مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا \" اللَّحْد لَنَا وَالشَّقّ لِغَيْرِنَا \" وَهُوَ يُؤَيِّد فَضِيلَة اللَّحْد عَلَى الشَّقّ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1267",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏رَهْطٍ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏ابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ ‏ ‏أُطُمِ ‏ ‏بَنِي مَغَالَةَ ‏ ‏وَقَدْ قَارَبَ ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏الْحُلُمَ ‏ ‏فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لِابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَرَفَضَهُ وَقَالَ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ فَقَالَ لَهُ مَاذَا تَرَى قَالَ ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خُلِّطَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏هُوَ الدُّخُّ فَقَالَ ‏ ‏اخْسَأْ ‏ ‏فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ ‏ ‏ابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏فَرَآهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُضْطَجِعٌ ‏ ‏يَعْنِي فِي ‏ ‏قَطِيفَةٍ ‏ ‏لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ ‏ ‏أَوْ زَمْرَةٌ ‏ ‏فَرَأَتْ ‏ ‏أمُّ ابْنِ صَيّادٍ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ فَقَالَتْ ‏ ‏لِابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏يَا صَافِ وَهُوَ اسْمُ ‏ ‏ابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَثَارَ ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏فِي حَدِيثِهِ فَرَفَصَهُ ‏ ‏رَمْرَمَةٌ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏زَمْزَمَةٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ ‏ ‏وَعُقَيْلٌ ‏ ‏رَمْرَمَةٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏رَمْزَةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصَّة اِبْن صَيَّاد وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْبَاب الْمُشَار إِلَيْهِ فِي الْجِهَاد , وَمَقْصُود الْبُخَارِيّ مِنْهُ الِاسْتِدْلَال هُنَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ صَيَّاد \" أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُول اللَّه \" ؟ وَكَانَ إِذْ ذَاكَ دُون الْبُلُوغ ‏ ‏قَوْله : \" أُطُم \" ‏ ‏بِضَمَّتَيْنِ بِنَاء كَالْحِصْنِ. ‏ ‏وَ \" مَغَالَة \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَالْمُعْجَمَة الْخَفِيفَة بَطْن مِنْ الْأَنْصَار , وَابْن صَيَّاد فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ صَائِد وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ كَانَ يُدْعَى بِهِ , وَقَوْله \" فَرَفَضَهُ \" لِلْأَكْثَرِ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة أَيْ تَرَكَهُ , قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : أَنْكَرَهَا الْقَاضِي. وَلِبَعْضِهِمْ بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ دَفَعَهُ بِرِجْلِهِ , قَالَ عِيَاض : كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ غَيْر الْمُسْتَمْلِي وَلَا وَجْه لَهَا. قَالَ الْمَازِرِيّ : لَعَلَّهُ رَفْسه بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة أَيْ ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ , قَالَ عِيَاض : لَمْ أَجِد هَذِهِ اللَّفْظَة فِي جَمَاهِير اللُّغَة يَعْنِي بِالصَّادِ , قَالَ : وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ بِالْقَافِ بَدَل الْفَاء , وَفِي رِوَايَة عَبْدُوس \" فَوَقَصَهُ \" بِالْوَاوِ وَالْقَاف , وَقَوْله \" وَهُوَ يَخْتِل \" بِمُعْجَمَةِ سَاكِنَة بَعْدهَا مُثَنَّاة مَكْسُورَة أَيْ يَخْدَعهُ , وَالْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ يُرِيد أَنْ يَسْتَغْفِلهُ لِيَسْمَع كَلَامه وَهُوَ لَا يَشْعُر. ‏ ‏قَوْله : ( لَهُ فِيهَا رُمْزَة أَوْ زُمْرَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الشَّكّ فِي تَقْدِيم الرَّاء عَلَى الزَّاي أَوْ تَأْخِيرهَا , وَلِبَعْضِهِمْ \" زَمْزَمَة أَوْ رَمْرَمَة \" عَلَى الشَّكّ هَلْ هُوَ بِزَايَيْنِ أَوْ بِرَاءَيْنِ مَعَ زِيَادَة مِيم فِيهِمَا , وَمَعَانِي هَذِهِ الْكَلِمَات الْمُخْتَلِفَة مُتَقَارِبَة , فَأَمَّا الَّتِي بِتَقْدِيمِ الرَّاء وَمِيم وَاحِدَة فَهِيَ فُعْلَة مِنْ الرَّمْز وَهُوَ الْإِشَارَة , وَأَمَّا الَّتِي بِتَقْدِيمِ الزَّاي كَذَلِكَ فَمِنْ الزُّمَر وَالْمُرَاد حِكَايَة صَوْته , وَأَمَّا الَّتِي بِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَمِيمَيْنِ فَأَصْله مِنْ الْحَرَكَة وَهِيَ هُنَا بِمَعْنَى الصَّوْت الْخَفِيّ , وَأَمَّا الَّتِي بِالْمُعْجَمَتَيْنِ كَذَلِكَ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ تَحْرِيك الشَّفَتَيْنِ بِالْكَلَامِ , وَقَالَ غَيْره : وَهُوَ كَلَام الْعُلُوج وَهُوَ صَوْت يُصَوَّت مِنْ الْخَيَاشِيم وَالْحَلْق. ‏ ‏قَوْله : ( فَثَارَ اِبْن صَيَّاد ) ‏ ‏أَيْ قَامَ كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْمِيهَنيّ \" فَثَابَ \" بِمُوَحَّدَةٍ أَيْ رَجَعَ عَنْ الْحَالَة الَّتِي كَانَ فِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ شُعَيْب زَمْزَمَهُ فَرَفَصَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ بِالزَّايَيْنِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَة , وَفِي رِوَايَة غَيْره \" وَقَالَ شُعَيْب فِي حَدِيثه فَرَفَصَهُ زَمْزَمَهُ أَوْ رَمْرَمَهُ \" بِالشَّكِّ. وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَب مَوْصُولًا مِنْ هَذَا الْوَجْه بِالشَّكِّ , لَكِنْ فِيهِ \" فَرَصَّهُ \" بِغَيْرِ فَاءَ وَبِالتَّشْدِيدِ , وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي غَرِيبه بِمُهْمَلَةٍ أَيْ ضَغَطَهُ وَضَمَّ بَعْضه إِلَى بَعْض. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ إِسْحَاق الْكَلْبِيّ وَعُقَيْل رَمْرَمَهُ ) ‏ ‏يَعْنِي بِمُهْمَلَتَيْنِ ‏ ‏( وَقَالَ مَعْمَر رُمْزَة ) ‏ ‏يَعْنِي بِرَاءٍ ثُمَّ زَاي , أَمَّا رِوَايَة إِسْحَاق فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّات وَسَقَطَتْ مِنْ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والْكُشْمِيهَنِيّ وَأَبِي الْوَقْت , وَأَمَّا رِوَايَة عُقَيْل فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي الْجِهَاد وَكَذَا رِوَايَة مَعْمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "1268",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يَقُولُ ‏ ‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( كَانَ غُلَام يَهُودِيّ يَخْدُم ) ‏ ‏لَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق الْمَوْصُولَة عَلَى تَسْمِيَته , إِلَّا أَنَّ اِبْن بَشْكُوَال ذَكَرَ أَنَّ صَاحِب \" الْعُتْبِيَّة \" حَكَى عَنْ زِيَاد شَيْطُون أَنَّ اِسْم هَذَا الْغُلَام عَبْد الْقُدُّوس , قَالَ : وَهُوَ غَرِيب مَا وَجَدْته عِنْد غَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ عِنْده ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" عِنْد رَأْسه \" أَخْرَجَهُ عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ أَبِي خَلِيفَة عَنْ سُلَيْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَسْلَمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ سُلَيْمَان الْمَذْكُور فَقَالَ \" أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْقَذَهُ مِنْ النَّار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ وَأَبِي خَلِيفَة \" أَنْقَذَهُ بِي مِنْ النَّار \" وَفِي الْحَدِيث جَوَاز اِسْتِخْدَام الْمُشْرِك , وَعِيَادَته إِذَا مَرِضَ , وَفِيهِ حُسْن الْعَهْد , وَاسْتِخْدَام الصَّغِير , وَعَرْض الْإِسْلَام عَلَى الصَّبِيّ وَلَوْلَا صِحَّته مِنْهُ مَا عَرَضَهُ عَلَيْهِ. وَفِي قَوْله \" أَنْقَذَهُ بِي مِنْ النَّار \" دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ صَحَّ إِسْلَامه , وَعَلَى أَنَّ الصَّبِيّ إِذَا عَقَلَ الْكُفْر وَمَاتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُعَذَّب. وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيث سَمُرَة الطَّوِيل فِي الرُّؤْيَا الْآتِي فِي \" بَاب أَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ \" فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز. ‏"
    },
    {
        "id": "1269",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنْ الْوِلْدَانِ وَأُمِّي مِنْ النِّسَاءِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كُنْت أَنَا وَأُمِّي مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي التَّرْجَمَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1270",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى وَإِنْ كَانَ ‏ ‏لِغَيَّةٍ ‏ ‏مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ يَدَّعِي أَبَوَاهُ الْإِسْلَامَ أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّيَ عَلَيْهِ وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ ‏ ‏فَإِنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً ‏ ‏جَمْعَاءَ ‏ ‏هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ ‏ ‏جَدْعَاءَ ‏ ‏ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ { ‏فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي أَنَّ كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة , أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن شِهَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مُنْقَطِعًا , وَمِنْ طَرِيق آخَر عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَالِاعْتِمَاد فِي الْمَرْفُوع عَلَى الطَّرِيق الْمَوْصُولَة , وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْمُنْقَطِعَة لِقَوْلِ اِبْن شِهَاب الَّذِي اِسْتَنْبَطَهُ مِنْ الْحَدِيث , وَقَوْل اِبْن شِهَاب ‏ ‏\" لِغِيَّةٍ \" ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام وَالْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة أَيْ مِنْ زِنًا , وَمُرَاده أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى وَلَد الزِّنَا وَلَا يَمْنَع ذَلِكَ مِنْ الصَّلَاة عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَحْكُوم بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأُمِّهِ , وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ أَبُوهُ مُسْلِمًا دُون أُمّه , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَمْ يَقُلْ أَحَد أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى وَلَد الزِّنَا إِلَّا قَتَادَة وَحْده , وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلَاة عَلَى الصَّبِيّ فَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغ , وَقِيلَ حَتَّى يُصَلِّي , وَقَالَ الْجُمْهُور : يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى السِّقْط إِذَا اِسْتَهَلَّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب قِرَاءَة فَاتِحَة الْكِتَاب \" مَا يُقَال فِي الصَّلَاة عَلَى جِنَازَة الصَّبِيّ , وَدَخَلَ فِي قَوْله \" كُلّ مَوْلُود \" السِّقْط فَلِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِالِاسْتِهْلَالِ , وَهَذَا مَصِير مِنْ الزُّهْرِيّ إِلَى تَسْمِيَة الزَّانِي أَبًا لِمَنْ زَنَى بِأُمِّهِ فَإِنَّهُ يَتْبَعهُ فِي الْإِسْلَام , وَهُوَ قَوْل مَالِك , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْمَتْن الْمَرْفُوع وَعَلَى ذِكْر الِاخْتِلَاف عَلَى الزُّهْرِيّ فِيهِ فِي \" بَاب أَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1271",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ ‏ ‏جَدْعَاءَ ‏ ‏ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ { ‏فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1272",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ ‏ ‏لَمَّا حَضَرَتْ ‏ ‏أَبَا طَالِبٍ ‏ ‏الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَجَدَ عِنْدَهُ ‏ ‏أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ ‏ ‏وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَبِي طَالِبٍ ‏ ‏يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا طَالِبٍ ‏ ‏أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ ‏ ‏عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعْرِضُهَا ‏ ‏عَلَيْهِ وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ ‏ ‏أَبُو طَالِبٍ ‏ ‏آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ ‏ ‏عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ ‏ { ‏مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِيهِ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِي قِصَّة أَبِي طَالِب عِنْد مَوْته , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِير بَرَاءَة. وَقَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيق \" مَا لَمْ أَنَّهُ عَنْهُ \" أَيْ الِاسْتِغْفَار , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَنْك \". وَقَوْله \" فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِ الْآيَة \" يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) الْآيَة كَمَا سَيَأْتِي. وَقَدْ ثَبَتَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ \" فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِ : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ \" الْآيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1273",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي ‏ ‏بِالنَّمِيمَةِ ‏ ‏ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا فَقَالَ لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا لِأَحَدٍ مِنْ الْمَشَايِخ. قُلْت : قَدْ نَسَبَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" يَحْيَى بْن جَعْفَر , وَجَزَمَ أَبُو مَسْعُود فِي \" الْأَطْرَاف \" وَتَبِعَهُ الْمِزِّيّ بِأَنَّهُ يَحْيَى بْن يَحْيَى , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن شَبُّويَةَ عَنْ الْفِرَبْرِيّ \" حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن مُوسَى \" وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي كِتَاب الْوُضُوء بِمَا فِيهِ مَقْنَع بِعَوْنِ اللَّه تَعَالَى. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1274",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي ‏ ‏بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ‏ ‏فَأَتَانَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ ‏ ‏مِخْصَرَةٌ ‏ ‏فَنَكَّسَ ‏ ‏فَجَعَلَ ‏ ‏يَنْكُتُ ‏ ‏بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ مَا مِنْ نَفْسٍ ‏ ‏مَنْفُوسَةٍ ‏ ‏إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِلَّا قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف مَرْفُوعًا \" مَا مِنْ نَفْس مَنْفُوسَة إِلَّا كُتِبَ مَكَانهَا مِنْ الْجَنَّة وَالنَّار \" الْحَدِيث. وَسَيَأْتِي مَبْسُوطًا فِي تَفْسِير ( وَاللَّيْل إِذَا يَغْشَى ) , وَهُوَ أَصْل عَظِيم فِي إِثْبَات الْقَدَر. وَقَوْله فِيهِ \" اِعْمَلُوا \" جَرَى مَجْرَى أُسْلُوب الْحَكِيم , أَيْ اِلْزَمُوا مَا يَجِب عَلَى الْعَبْد مِنْ الْعُبُودِيَّة , وَلَا تَتَصَرَّفُوا فِي أَمْر الرُّبُوبِيَّة. وَعُثْمَان شَيْخه هُوَ اِبْن أَبِي شَيْبَة , وَجَرِير هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد. وَمَوْضِع الْحَاجَة مِنْهُ \" فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْله \". وَقَوْله \" فَقَالَ رَجُل \" هُوَ عُمَر أَوْ غَيْره كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1275",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُنْدَبٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ ‏ ‏جُنْدَبٌ ‏ ‏عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ اللَّهُ بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث ثَابِت بْن الضَّحَّاك فِيمَنْ قَتَلَ نَفْسه بِحَدِيدَةٍ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَخَالِد الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده هُوَ الْحَذَّاء. ثَانِيهَا حَدِيث جُنْدُب , هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيّ قَالَ فِيهِ \" قَالَ حَجَّاج بْن مِنْهَال حَدَّثَنَا جَرِير بْن حَازِم \" وَقَدْ وَصَلَهُ فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل فَقَالَ : \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن مِنْهَال \" فَذَكَرَهُ. وَهُوَ أَحَد الْمَوَاضِع الَّتِي يُسْتَدَلّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ رُبَّمَا عَلَّقَ عَنْ بَعْض شُيُوخه مَا بَيْنه وَبَيْنه فِيهِ وَاسِطَة , لَكِنَّهُ أَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا وَأَوْرَدَهُ هُنَاكَ مَبْسُوطًا فَقَالَ فِي أَوَّله \" كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلكُمْ رَجُل \" وَقَالَ فِيهِ \" فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَده فَمَا رَقَأَ الدَّم حَتَّى مَاتَ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ , وَلَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة هَذَا الرَّجُل. ‏"
    },
    {
        "id": "1276",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" الَّذِي يَخْنُق نَفْسه يَخْنُقهَا فِي النَّار , وَاَلَّذِي يَطْعَنهَا يَطْعَنهَا فِي النَّار \" وَهُوَ مِنْ أَفْرَاد الْبُخَارِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا فِي الطِّبّ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مُطَوَّلًا , وَمِنْ ذَلِكَ الْوَجْه أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر الْخَنْق , وَفِيهِ مِنْ الزِّيَادَة ذِكْر السُّمّ وَغَيْره وَلَفْظه \" فَهُوَ فِي نَار جَهَنَّم خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا \" وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ الْمُعْتَزِلَة وَغَيْرهمْ مِمَّنْ قَالَ بِتَخْلِيدِ أَصْحَاب الْمَعَاصِي فِي النَّار , وَأَجَابَ أَهْل السُّنَّة عَنْ ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ : مِنْهَا تَوْهِيم هَذِهِ الزِّيَادَة , قَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ : رَوَاهُ مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَلَمْ يَذْكُر \" خَالِدًا مُخَلَّدًا \" وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة يُشِير إِلَى رِوَايَة الْبَاب قَالَ : وَهُوَ أَصَحّ لِأَنَّ الرِّوَايَات قَدْ صَحَّتْ أَنَّ أَهْل التَّوْحِيد يُعَذَّبُونَ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا يَخْلُدُونَ , وَأَجَابَ غَيْره بِحَمْلِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ اِسْتَحَلَّهُ , فَإِنَّهُ يَصِير بِاسْتِحْلَالِهِ كَافِرًا وَالْكَافِر مُخَلَّد بِلَا رَيْب. وَقِيلَ : وَرَدَ مَوْرِد الزَّجْر وَالتَّغْلِيظ , وَحَقِيقَته غَيْر مُرَادَة. وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ , لَكِنْ قَدْ تَكَرَّمَ اللَّه عَلَى الْمُوَحِّدِينَ فَأَخْرَجَهُمْ مِنْ النَّار بِتَوْحِيدِهِمْ. وَقِيلَ : التَّقْدِير مُخَلَّدًا فِيهَا إِلَى أَنْ يَشَاء اللَّه. وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْخُلُودِ طُول الْمُدَّة لَا حَقِيقَة الدَّوَام كَأَنَّهُ يَقُول يَخْلُد مُدَّة مُعَيَّنَة , وَهَذَأ أَبْعَدهَا. وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيد بَسْط عِنْد الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الشَّفَاعَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" الَّذِي يَطْعَن نَفْسه يَطْعَنهَا فِي النَّار \" عَلَى أَنَّ الْقِصَاص مِنْ الْقَاتِل يَكُون بِمَا قَتَلَ بِهِ اِقْتِدَاء بِعِقَابِ اللَّه تَعَالَى لِقَاتِلِ نَفْسه , وَهُوَ اِسْتِدْلَال ضَعِيف. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب ‏ ‏\" يَطْعُنُهَا \" ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة كَذَا ضَبْطُهُ فِي الْأُصُول. ‏"
    },
    {
        "id": "1277",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏لَمَّا مَاتَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ‏ ‏دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏أَتُصَلِّي عَلَى ‏ ‏ابْنِ أُبَيٍّ ‏ ‏وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ أَخِّرْ عَنِّي يَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ ‏ ‏إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَتَانِ مِنْ ‏ ‏بَرَاءَةٌ ‏ { ‏وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏وَهُمْ فَاسِقُونَ ‏} ‏قَالَ فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ ‏ ‏جُرْأَتِي ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1278",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَجَبَتْ ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ وَجَبَتْ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏مَا وَجَبَتْ قَالَ ‏ ‏هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة لِنَضْرِ بْن أَنَس عَنْ أَبِيهِ عِنْد الْحَاكِم \" كُنْت قَاعِدًا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمُرَّ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ : مَا هَذِهِ الْجِنَازَة ؟ قَالُوا : جِنَازَة فُلَان الْفُلَانِيّ , كَانَ يُحِبّ اللَّه وَرَسُوله , وَيَعْمَل بِطَاعَةِ اللَّه وَيَسْعَى فِيهَا \". وَقَالَ ضِدّ ذَلِكَ فِي الَّتِي أَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا. فَفِيهِ تَفْسِير مَا أُبْهِمَ مِنْ الْخَيْر وَالشَّرّ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز. وَلِلْحَاكِمِ أَيْضًا مِنْ حَدِيث جَابِر \" فَقَالَ بَعْضهمْ لَنِعْمَ الْمَرْء , لَقَدْ كَانَ عَفِيفًا مُسْلِمًا \" وَفِيهِ أَيْضًا \" فَقَالَ بَعْضهمْ بِئْسَ الْمَرْء كَانَ , إِنْ كَانَ لَفَظًّا غَلِيظًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَجَبَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ عَبْد الْعَزِيز عِنْد مُسْلِم \" وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ \" ثَلَاث مَرَّات. وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّضْر الْمَذْكُورَة , قَالَ النَّوَوِيّ : وَالتَّكْرَار فِيهِ لِتَأْكِيدِ الْكَلَام الْمُبْهَم لِيُحْفَظَ وَيَكُون أَبْلَغ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عُمَر ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" فِدَاء لَك أَبِي وَأُمِّي \" وَفِيهِ جَوَاز قَوْل مِثْل ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة ) ‏ ‏فِيهِ بَيَان لِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" وَجَبَتْ \" أَيْ الْجَنَّة لِذِي الْخَيْر , وَالنَّار لِذِي الشَّرّ , وَالْمُرَاد بِالْوُجُوبِ الثُّبُوت إِذْ هُوَ فِي صِحَّة الْوُقُوع كَالشَّيْءِ الْوَاجِب , وَالْأَصْل أَنَّهُ لَا يَجِب عَلَى اللَّه شَيْء , بَلْ الثَّوَاب فَضْله , وَالْعِقَاب عَدْله , لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل. وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة \" وَنَحْوه لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن مَرْزُوق عَنْ شُعْبَة , وَهُوَ أَبْيَن فِي الْعُمُوم مِنْ رِوَايَة آدَم , وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِالْمَيِّتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِغَيْبٍ أَطْلَعَ اللَّه نَبِيّه عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا هُوَ خَبَر عَنْ حُكْم أَعْلَمَهُ اللَّه بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْتُمْ شُهَدَاء اللَّه فِي الْأَرْض ) ‏ ‏أَيْ الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَة وَمَنْ كَانَ عَلَى صِفَتهمْ مِنْ الْإِيمَان. وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوص بِالصَّحَابَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِالْحِكْمَةِ بِخِلَافِ مَنْ بَعْدهمْ. قَالَ. وَالصَّوَاب أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصّ بِالثِّقَاتِ وَالْمُتَّقِينَ اِنْتَهَى. وَسَيَأْتِي فِي الشَّهَادَات بِلَفْظِ \" الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاء اللَّه فِي الْأَرْض \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة \" إِنَّ بَعْضكُمْ عَلَى بَعْض لَشَهِيدٌ \" وَسَيَأْتِي مَزِيد بَسْطٍ فِيهِ فِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. قَالَ النَّوَوِيّ : وَالظَّاهِر أَنَّ الَّذِي أَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا كَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ. قُلْت : يُرْشِد إِلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي قَتَادَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ عَلَى الَّذِي أَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا , وَصَلَّى عَلَى الْآخَر. ‏"
    },
    {
        "id": "1279",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ هُوَ الصَّفَّارُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمْتُ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ فَجَلَسْتُ إِلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا فَقَالَ وَجَبَتْ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو الْأَسْوَدِ ‏ ‏فَقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ فَقُلْنَا وَثَلَاثَةٌ قَالَ وَثَلَاثَةٌ فَقُلْنَا وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ الْوَاحِدِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مُرَّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَفَّان ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَذَكَرَ أَصْحَاب الْأَطْرَاف أَنَّهُ أَخْرَجَهُ قَائِلًا فِيهِ \" قَالَ عَفَّان \" وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ. وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة فِي مُسْنَده عَنْ عَفَّان بِهِ , وَمِنْ طَرِيقه أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا دَاوُدَ بْن أَبِي الْفُرَات ) ‏ ‏هُوَ بِلَفْظِ النَّهْر الْمَشْهُور , وَاسْمه عَمْرو , وَهُوَ كِنْدِيّ مِنْ أَهْل مَرْو. وَلَهُمْ شَيْخ آخَر يُقَال لَهُ دَاوُدَ بْن أَبِي الْفُرَات اِسْم أَبِيهِ بَكْر وَأَبُو الْفُرَات اِسْم جَدّه وَهُوَ أَشْجَعِيّ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة ; أَقْدَم مِنْ الْكِنْدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي الْأَسْوَد ) ‏ ‏هُوَ الدِّيلِيّ التَّابِعِيّ الْكَبِير الْمَشْهُور , وَلَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَة عَنْهُ إِلَّا مُعَنْعَنًا. وَقَدْ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" كِتَاب التَّتَبُّع \" عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ أَنَّ اِبْن بُرَيْدَة إِنَّمَا يَرْوِي عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمَر عَنْ أَبِي الْأَسْوَد , وَلَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْحَدِيث سَمِعْت أَبَا الْأَسْوَد. قُلْت : وَابْن بُرَيْدَة وُلِدَ فِي عَهْد عُمَر , فَقَدْ أَدْرَكَ أَبَا الْأَسْوَد بِلَا رَيْب , لَكِنَّ الْبُخَارِيّ لَا يَكْتَفِي بِالْمُعَاصَرَةِ فَلَعَلَّهُ أَخْرَجَهُ شَاهِدًا وَاكْتَفَى لِلْأَصْلِ بِحَدِيثِ أَنَس الَّذِي قَبْله وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( قَدِمْت الْمَدِينَة وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَض ) ‏ ‏زَادَ الْمُصَنِّف فِي الشَّهَادَات عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ دَاوُدَ \" وَهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتًا ذَرِيعًا \" وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَيْ سَرِيعًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبهَا خَيْرًا ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الْأُصُول \" خَيْرًا \" بِالنَّصْبِ , وَكَذَا \" شَرًّا \" وَقَدْ غَلِطَ مَنْ ضَبَطَ أَثْنَى بِفَتْحِ الْهَمْزَة عَلَى الْبِنَاء لِلْفَاعِلِ فَإِنَّهُ فِي جَمِيع الْأُصُول مَبْنِيّ لِلْمَفْعُولِ , قَالَ اِبْن التِّين : وَالصَّوَاب الرَّفْع وَفِي نَصْبه بُعْد فِي اللِّسَان. وَوَجَّهَهُ غَيْره بِأَنَّ الْجَارّ وَالْمَجْرُور أُقِيمَ مَقَام الْمَفْعُول الْأَوَّل وَخَيْرًا مَقَام الثَّانِي , وَهُوَ جَائِز وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُور عَكْسه. وَقَالَ النَّوَوِيّ : هُوَ مَنْصُوب بِنَزْعِ الْخَافِض , أَيْ أُثْنِيَ عَلَيْهِ بِخَيْرٍ. وَقَالَ اِبْن مَالِك : \" خَيْرًا \" صِفَة لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف فَأُقِيمَتْ مَقَامه فَنُصِبَتْ , لِأَنَّ \" أُثْنِيَ \" مُسْنَد إِلَى الْجَارّ وَالْمَجْرُور. قَالَ : وَالتَّفَاوُت بَيْن الْإِسْنَاد إِلَى الْمَصْدَر وَالْإِسْنَاد إِلَى الْجَارّ وَالْمَجْرُور قَلِيل. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَد ) ‏ ‏هُوَ الرَّاوِي , وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت : وَمَا وَجَبَتْ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى شَيْء مُقَدَّر , أَيْ قُلْت هَذَا شَيْء عَجِيب , وَمَا مَعْنَى قَوْله لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَجَبَتْ مَعَ اِخْتِلَاف الثَّنَاء بِالْخَيْرِ وَالشَّرّ. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت كَمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيّمَا مُسْلِم إِلَخْ ) ‏ ‏الظَّاهِر أَنَّ قَوْله \" أَيّمَا مُسْلِم \" هُوَ الْمَقُول فَحِينَئِذٍ يَكُون قَوْل عُمَر لِكُلٍّ مِنْهُمَا \" وَجَبَتْ \" قَالَهُ بِنَاء عَلَى اِعْتِقَاده صِدْق الْوَعْد الْمُسْتَفَاد مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة \" , وَأَمَّا اِقْتِصَار عُمَر عَلَى ذِكْر أَحَد الشِّقَّيْنِ فَهُوَ إِمَّا لِلِاخْتِصَارِ وَإِمَّا لِإِحَالَتِهِ السَّامِع عَلَى الْقِيَاس , وَالْأَوَّل أَظْهَر , وَعُرِفَ مِنْ الْقِصَّة أَنَّ الْمُثْنِي عَلَى كُلّ مِنْ الْجَنَائِز الْمَذْكُورَة كَانَ أَكْثَر مِنْ وَاحِد , وَكَذَا فِي قَوْل عُمَر \" قُلْنَا وَمَا وَجَبَتْ \" إِشَارَة إِلَى أَنَّ السَّائِل عَنْ ذَلِكَ هُوَ وَغَيْره. وَقَدْ وَقَعَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطًا ) فِي الْبَقَرَة عِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ أُبَيّ بْن كَعْب مِمَّنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْنَا وَثَلَاثَة ) ‏ ‏فِيهِ اِعْتِبَار مَفْهُوم الْمُوَافَقَة لِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ الثَّلَاثَة وَلَمْ يَسْأَل عَمَّا فَوْق الْأَرْبَعَة كَالْخَمْسَةِ مَثَلًا , وَفِيهِ أَنَّ مَفْهُوم الْعَدَد لَيْسَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا بَلْ هُوَ فِي مَقَام الِاحْتِمَال. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ لَمْ نَسْأَلهُ عَنْ الْوَاحِد ) ‏ ‏قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : إِنَّمَا لَمْ يَسْأَل عُمَر عَنْ الْوَاحِد اِسْتِبْعَادًا مِنْهُ أَنْ يُكْتَفَى فِي مِثْل هَذَا الْمَقَام الْعَظِيم بِأَقَلّ مِنْ النِّصَاب , وَقَالَ أَخُوهُ فِي الْحَاشِيَة : فِيهِ إِيمَاء إِلَى الِاكْتِفَاء بِالتَّزْكِيَةِ بِوَاحِدٍ. كَذَا قَالَ , وَفِيهِ غُمُوض. وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّف عَلَى أَنَّ أَقَلّ مَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الشَّهَادَة اِثْنَانِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب الشَّهَادَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ الدَّاوُدِيّ : الْمُعْتَبَر فِي ذَلِكَ شَهَادَة أَهْل الْفَضْل وَالصِّدْق , لَا الْفَسَقَة لِأَنَّهُمْ قَدْ يُثْنُونَ عَلَى مَنْ يَكُون مِثْلهمْ , وَلَا مَنْ بَيْنه وَبَيْن الْمَيِّت عَدَاوَة لِأَنَّ شَهَادَة الْعَدُوّ لَا تُقْبَل. وَفِي الْحَدِيث فَضِيلَة هَذِهِ الْأُمَّة , وَإِعْمَال الْحُكْم بِالظَّاهِرِ. وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنْ بَعْض شُرَّاح \" الْمَصَابِيح \" قَالَ : لَيْسَ مَعْنَى قَوْله \" أَنْتُمْ شُهَدَاء اللَّه فِي الْأَرْض \" أَنَّ الَّذِي يَقُولُونَهُ فِي حَقّ شَخْص يَكُون كَذَلِكَ حَتَّى يَصِير مَنْ يَسْتَحِقّ الْجَنَّة مِنْ أَهْل النَّار بِقَوْلِهِمْ , وَلَا الْعَكْس , بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي أَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا رَأَوْهُ مِنْهُ كَانَ ذَلِكَ عَلَامَة كَوْنه مِنْ أَهْل الْجَنَّة , وَبِالْعَكْسِ. وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ قَوْله \" وَجَبَتْ \" بَعْد الثَّنَاء حُكْم عَقَّبَ وَصْفًا مُنَاسِبًا فَأَشْعَرَ بِالْعِلِّيَّةِ. وَكَذَا قَوْله \" أَنْتُمْ شُهَدَاء اللَّه فِي الْأَرْض \" لِأَنَّ الْإِضَافَة فِيهِ لِلتَّشْرِيفِ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةٍ عَالِيَة عِنْد اللَّه , فَهُوَ كَالتَّزْكِيَةِ لِلْأُمَّةِ بَعْد أَدَاء شَهَادَتهمْ , فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون لَهَا أَثَر. قَالَ : وَإِلَى هَذَا يُومِئ قَوْله تَعَالَى ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطًا ) الْآيَة. قُلْت : وَقَدْ اِسْتَشْهَدَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقَرَظِيّ لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِر نَحْو حَدِيث أَنَس بِهَذِهِ الْآيَة , أَخْرَجَهُ الْحَاكِم. وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيث مَرْفُوع غَيْره عِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم فِي التَّفْسِير , وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مَا قَوْلك وَجَبَتْ \" هُوَ أُبَيّ بْن كَعْب. وَقَالَ النَّوَوِيّ : قَالَ بَعْضهمْ مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الثَّنَاء بِالْخَيْرِ لِمَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ أَهْل الْفَضْل - وَكَانَ ذَلِكَ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ - فَهُوَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة , فَإِنْ كَانَ غَيْر مُطَابِق فَلَا , وَكَذَا عَكْسه. قَالَ : وَالصَّحِيح أَنَّهُ عَلَى عُمُومه وَأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَأَلْهَمَ اللَّه تَعَالَى النَّاس الثَّنَاء عَلَيْهِ بِخَيْرٍ كَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْل الْجَنَّة سَوَاء كَانَتْ أَفْعَاله تَقْتَضِي ذَلِكَ أَمْ لَا , فَإِنَّ الْأَعْمَال دَاخِلَة تَحْت الْمَشِيئَة , وَهَذَا إِلْهَام يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى تَعْيِينهَا , وَبِهَذَا تَظْهَر فَائِدَة الثَّنَاء اِنْتَهَى. وَهَذَا فِي جَانِب الْخَيْر وَاضِح , وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَد وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا \" مَا مِنْ مُسْلِم يَمُوت فَيَشْهَد لَهُ أَرْبَعَة مِنْ جِيرَانه الْأَدْنَيْنَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مِنْهُ إِلَّا خَيْرًا إِلَّا قَالَ اللَّه تَعَالَى : قَدْ قَبِلْت قَوْلكُمْ وَغَفَرْت لَهُ مَا لَا تَعْلَمُونَ \" وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة نَحْوه وَقَالَ \" ثَلَاثَة \" بَدَل أَرْبَعَة وَفِي إِسْنَاده مَنْ لَمْ يُسَمَّ , وَلَهُ شَاهِد مِنْ مَرَاسِيل بَشِير بْن كَعْب أَخْرَجَهُ أَبُو مُسْلِم الْكَجِّيّ. وَأَمَّا جَانِب الشَّرّ فَظَاهِر الْأَحَادِيث أَنَّهُ كَذَلِكَ , لَكِنْ إِنَّمَا يَقَع ذَلِكَ فِي حَقّ مَنْ غَلَبَ شَرّه عَلَى خَيْره , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّضْر الْمُشَار إِلَيْهَا أَوَّلًا فِي آخِر حَدِيث أَنَس \" إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَة تَنْطِق عَلَى أَلْسِنَة بَنِي آدَم بِمَا فِي الْمَرْء مِنْ الْخَيْر وَالشَّرّ \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز ذِكْر الْمَرْء بِمَا فِيهِ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ لِلْحَاجَةِ وَلَا يَكُون ذَلِكَ مِنْ الْغِيبَة. وَسَيَأْتِي الْبَحْث عَنْ ذَلِكَ فِي \" بَاب النَّهْي عَنْ سَبّ الْأَمْوَات \" آخِر الْجَنَائِز , وَهُوَ أَصْل فِي قَبُول الشَّهَادَة بِالِاسْتِفَاضَةِ , وَأَنَّ أَقَلّ أَصْلهَا اِثْنَانِ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِيهِ جَوَاز الشَّهَادَة قَبْل الِاسْتِشْهَاد , وَقَبُولهَا قَبْل الِاسْتِفْصَال. وَفِيهِ اِسْتِعْمَال الثَّنَاء فِي الشَّرّ لِلْمُؤَاخَاةِ وَالْمُشَاكَلَة , وَحَقِيقَته إِنَّمَا هِيَ فِي الْخَيْر. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1280",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ ‏ { ‏يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ‏} ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏بِهَذَا وَزَادَ ‏ { ‏يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ‏} ‏نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء فِي قَوْله تَعَالَى ( يُثَبِّت اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ) وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِير عَنْ أَبِي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ عَنْ شُعْبَة , وَصَرَّحَ فِيهِ بِالْإِخْبَارِ بَيْن شُعْبَة وَعَلْقَمَة , وَبِالسَّمَاعِ بَيْن عَلْقَمَة وَسَعْد بْن عُبَيْدَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِن فِي قَبْره أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي \" ثُمَّ يَشْهَد \" هَكَذَا سَاقَهُ الْمُصَنِّف بِهَذَا اللَّفْظ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي خَلِيفَة عَنْ حَفْص بْن عُمَر شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ أَبَيْنَ مِنْ لَفْظه قَالَ \" إِنَّ الْمُؤْمِن إِذَا شَهِدَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَعَرَفَ مُحَمَّدًا فِي قَبْره فَذَلِكَ قَوْله إِلَخْ \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْه وَغَيْره بِلَفْظِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ عَذَاب الْقَبْر فَقَالَ : إِنَّ الْمُسْلِم إِذَا شَهِدَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَعَرَفَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة ( بِهَذَا وَزَادَ ( يُثَبِّت اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا ) نَزَلَتْ فِي عَذَاب الْقَبْر ) ‏ ‏يُوهِم أَنَّ لَفْظ غُنْدَر كَلَفْظِ حَفْص وَزِيَادَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا هُوَ بِالْمَعْنَى , فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَالْقَدْر الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ أَوَّل الْحَدِيث , وَبَقِيَّته عِنْدهمْ \" يُقَال لَهُ مَنْ رَبُّك ؟ فَيَقُول : رَبِّي اللَّه وَنَبِيِّي مُحَمَّد \" , وَالْقَدْر الْمَذْكُور أَيْضًا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق خَيْثَمَةَ عَنْ الْبَرَاء , وَقَدْ اِخْتَصَرَ سَعْد وَخَيْثَمَة هَذَا الْحَدِيث جِدًّا , لَكِنْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ خَيْثَمَةَ فَزَادَ فِيهِ \" إِنْ كَانَ صَالِحًا وُفِّقَ , وَإِنْ كَانَ لَا خَيْر فِيهِ وُجِدَ أَبْلَه \" وَفِيهِ اِخْتِصَار أَيْضًا وَقَدْ رَوَاهُ زَاذَانَ أَبُو عُمَر عَنْ الْبَرَاء مُطَوَّلًا مُبَيَّنًا أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَة وَغَيْره وَفِيهِ مِنْ الزِّيَادَة فِي أَوَّله \" اِسْتَعِيذُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَذَاب الْقَبْر \" وَفِيهِ \" فَتُرَدّ رُوحه فِي جَسَده \" وَفِيهِ \" فَيَأْتِيه مَلَكَانِ فَيَجْلِسَانِ فَيَقُولَانِ لَهُ : مَنْ رَبّك ؟ فَيَقُول : رَبِّيَ اللَّه. فَيَقُولَانِ لَهُ : مَا دِينك ؟ فَيَقُول : دِينِي الْإِسْلَام. فَيَقُولَانِ لَهُ. مَا هَذَا الرَّجُل الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ ؟ فَيَقُول : هُوَ رَسُول اللَّه. فَيَقُولَانِ لَهُ : وَمَا يُدْرِيك ؟ فَيَقُول : قَرَأْت الْقُرْآن كِتَاب اللَّه فَآمَنْت بِهِ وَصَدَّقْت. فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ( يُثَبِّت اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِت ) \" وَفِيهِ \" وَأَنَّ الْكَافِر تُعَاد رُوحه فِي جَسَده , فَيَأْتِيه مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ : مَنْ رَبّك ؟ فَيَقُول هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي \" الْحَدِيث. وَسَيَأْتِي نَحْو هَذَا فِي حَدِيث أَنَس سَادِس أَحَادِيث الْبَاب , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَيْسَ فِي الْآيَة ذِكْر عَذَاب الْقَبْر , فَلَعَلَّهُ سَمَّى أَحْوَال الْعَبْد فِي قَبْره عَذَاب الْقَبْر تَغْلِيبًا لِفِتْنَةِ الْكَافِر عَلَى فِتْنَة الْمُؤْمِن لِأَجْلِ التَّخْوِيف , وَلِأَنَّ الْقَبْر مَقَام الْهَوْل وَالْوَحْشَة , وَلِأَنَّ مُلَاقَاة الْمَلَائِكَة مِمَّا يَهَاب مِنْهُ اِبْن آدَم فِي الْعَادَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1281",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ قَالَ ‏ ‏اطَّلَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى أَهْلِ ‏ ‏الْقَلِيبِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فَقِيلَ لَهُ ‏ ‏تَدْعُو أَمْوَاتًا فَقَالَ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصَّة أَصْحَاب الْقَلِيب قَلِيب بَدْر وَفِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُول مِنْهُمْ \" أَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا , وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي الْمَغَازِي. وَصَالِح الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد هُوَ اِبْن كَيْسَانَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1282",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الْآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ‏}",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة قَالَتْ \" إِنَّمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الْآن مَا إِنْ كُنْت أَقُول لَهُمْ حَقّ \" وَهَذَا مَصِير مِنْ عَائِشَة إِلَى رَدِّ رِوَايَة بْن عُمَر الْمَذْكُورَة. وَقَدْ خَالَفَهَا الْجُمْهُور فِي ذَلِكَ وَقَبِلُوا حَدِيث اِبْن عُمَر لِمُوَافَقَةِ مَنْ رَوَاهُ غَيْره عَلَيْهِ. وَأَمَّا اِسْتِدْلَالهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ‏ ‏( إِنَّك لَا تُسْمِع الْمَوْتَى ) ‏ ‏فَقَالُوا مَعْنَاهَا لَا تُسْمِعهُمْ سَمَاعًا يَنْفَعهُمْ , أَوْ لَا تُسْمِعهُمْ إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه. وَقَالَ السُّهَيْلِيّ : عَائِشَة لَمْ تَحْضُر قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَيْرهَا مِمَّنْ حَضَرَ أَحْفَظ لِلَفْظِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ قَالُوا لَهُ \" يَا رَسُول اللَّه أَتُخَاطِبُ قَوْمًا قَدْ جَيَّفُوا ؟ فَقَالَ : مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَع لِمَا أَقُول مِنْهُمْ \" قَالَ : وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونُوا فِي تِلْكَ الْحَال عَالِمِينَ جَازَ أَنْ يَكُونُوا سَامِعِينَ إِمَّا بِآذَانِ رُءُوسهمْ كَمَا هُوَ قَوْل الْجُمْهُور , أَوْ بِآذَانِ الرُّوح عَلَى رَأْي مَنْ يُوَجِّه السُّؤَال إِلَى الرُّوح مِنْ غَيْر رُجُوع إِلَى الْجَسَد. قَالَ : وَأَمَّا الْآيَة فَإِنَّهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَفَأَنْتَ تُسْمِع الصُّمّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ ) أَيْ إِنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي يُسْمِع وَيَهْدِي اِنْتَهَى. وَقَوْله : إِنَّهَا لَمْ تَحْضُر صَحِيح , لَكِنْ لَا يَقْدَح ذَلِكَ فِي رِوَايَتهَا لِأَنَّهُ مُرْسَل صَحَابِيّ وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهَا سَمِعَتْ ذَلِكَ مِمَّنْ حَضَرَهُ أَوْ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي رِوَايَتهَا لَقَدَحَ فِي رِوَايَة اِبْن عُمَر فَإِنَّهُ لَمْ يَحْضُر أَيْضًا , وَلَا مَانِع أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّفْظَيْنِ مَعًا فَإِنَّهُ لَا تَعَارُض بَيْنهمَا. وَقَالَ اِبْن التِّين. لَا مُعَارَضَة بَيْن حَدِيث اِبْن عُمَر وَالْآيَة لِأَنَّ الْمَوْتَى لَا يَسْمَعُونَ بِلَا شَكّ , لَكِنْ إِذَا أَرَادَ اللَّه إِسْمَاع مَا لَيْسَ مِنْ شَأْنه السَّمَاع لَمْ يَمْتَنِع كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَة ) الْآيَة , وَقَوْله : ( فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ) الْآيَة. وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي قَوْل قَتَادَة : إِنَّ اللَّه أَحْيَاهُمْ حَتَّى سَمِعُوا كَلَام نَبِيّه تَوْبِيخًا وَنِقْمَة اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخَذَ اِبْن جَرِير وَجَمَاعَة مِنْ الْكَرَّامِيَّة مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّ السُّؤَال فِي الْقَبْر يَقَع عَلَى الْبَدَن فَقَطْ , وَأَنَّ اللَّه يَخْلُق فِيهِ إِدْرَاكًا بِحَيْثُ يَسْمَع وَيَعْلَم وَيَلَذّ وَيَأْلَم. وَذَهَبَ اِبْن حَزْم وَابْن هُبَيْرَة إِلَى أَنَّ السُّؤَال يَقَع عَلَى الرُّوح فَقَطْ مِنْ غَيْر عَوْد إِلَى الْجَسَد , وَخَالَفَهُمْ الْجُمْهُور فَقَالُوا : تُعَاد الرُّوح إِلَى الْجَسَد أَوْ بَعْضه كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيث , وَلَوْ كَانَ عَلَى الرُّوح فَقَطْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَدَنِ بِذَلِكَ اِخْتِصَاص , وَلَا يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ كَوْن الْمَيِّت قَدْ تَتَفَرَّق أَجْزَاؤُهُ , لِأَنَّ اللَّه قَادِر أَنْ يُعِيد الْحَيَاة إِلَى جُزْء مِنْ الْجَسَد وَيَقَع عَلَيْهِ السُّؤَال , كَمَا هُوَ قَادِر عَلَى أَنْ يَجْمَع أَجْزَاءَهُ. وَالْحَامِل لِلْقَائِلِينَ بِأَنَّ السُّؤَال يَقَع عَلَى الرُّوح فَقَطْ أَنَّ الْمَيِّت قَدْ يُشَاهَد فِي قَبْره حَال الْمَسْأَلَة لَا أَثَر فِيهِ مِنْ إِقْعَاد وَلَا غَيْره , وَلَا ضِيق فِي قَبْره وَلَا سَعَة , وَكَذَلِكَ غَيْر الْمَقْبُور كَالْمَصْلُوبِ. وَجَوَابهمْ أَنَّ ذَلِكَ غَيْر مُمْتَنِع فِي الْقُدْرَة , بَلْ لَهُ نَظِير فِي الْعَادَة وَهُوَ النَّائِم فَإِنَّهُ يَجِد لَذَّة وَأَلَمًا لَا يُدْرِكهُ جَلِيسه , بَلْ الْيَقْظَان قَدْ يُدْرِكُ أَلَمًا أَوْ لَذَّة لِمَا يَسْمَعهُ أَوْ يُفَكِّر فِيهِ وَلَا يُدْرِكُ ذَلِكَ جَلِيسه , وَإِنَّمَا أَتَى الْغَلَط مِنْ قِيَاس الْغَائِب عَلَى الشَّاهِد وَأَحْوَال مَا بَعْد الْمَوْت عَلَى مَا قَبْله , وَالظَّاهِر أَنَّ اللَّه تَعَالَى صَرَفَ أَبْصَار الْعِبَاد وَأَسْمَاعهمْ عَنْ مُشَاهَدَة ذَلِكَ وَسَتَرَهُ عَنْهُمْ إِبْقَاءً عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَتَدَافَنُوا , وَلَيْسَتْ لِلْجَوَارِحِ الدُّنْيَوِيَّة قُدْرَة عَلَى إِدْرَاك أُمُور الْمَلَكُوت إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّه. وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيث بِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُور كَقَوْلِهِ \" إِنَّهُ لَيَسْمَع خَفْق نِعَالهمْ \" وَقَوْله \" تَخْتَلِف أَضْلَاعه لِضَمَّةِ الْقَبْر \" وَقَوْله \" يَسْمَع صَوْته إِذَا ضَرَبَهُ بِالْمِطْرَاقِ \" وَقَوْله \" يُضْرَب بَيْن أُذُنَيْهِ \" وَقَوْله \" فَيُقْعِدَانِهِ \" وَكُلّ ذَلِكَ مِنْ صِفَات الْأَجْسَاد. وَذَهَبَ أَبُو الْهُذَيْلِ وَمَنْ تَبِعَهُ إِلَى أَنَّ الْمَيِّت لَا يَشْعُر بِالتَّعْذِيبِ وَلَا بِغَيْرِهِ إِلَّا بَيْن النَّفْخَتَيْنِ , قَالُوا وَحَاله كَحَالِ النَّائِم وَالْمَغْشِيّ عَلَيْهِ لَا يُحِسّ بِالضَّرْبِ وَلَا بِغَيْرِهِ إِلَّا بَعْد الْإِفَاقَة , وَالْأَحَادِيث الثَّابِتَة فِي السُّؤَال حَالَة تَوَلِّي أَصْحَاب الْمَيِّت عَنْهُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَجْه إِدْخَال حَدِيث اِبْن عُمَر وَمَا عَارَضَهُ مِنْ حَدِيث عَائِشَة فِي تَرْجَمَة عَذَاب الْقَبْر أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ مِنْ سَمَاع أَهْل الْقَلِيب وَتَوْبِيخه لَهُمْ دَلَّ إِدْرَاكهمْ الْكَلَام بِحَاسَّةِ السَّمْع عَلَى جَوَاز إِدْرَاكهمْ أَلَم الْعَذَاب بِبَقِيَّةِ الْحَوَاسّ بَلْ بِالذَّاتِ إِذْ الْجَامِع بَيْنهمَا وَبَيْن بَقِيَّة الْأَحَادِيث أَنَّ الْمُصَنِّف أَشَارَ إِلَى طَرِيق مِنْ طُرُق الْجَمْع بَيْن حَدِيثَيْ اِبْن عُمَر وَعَائِشَة بِحَمْلِ حَدِيث اِبْن عُمَر عَلَى أَنَّ مُخَاطَبَة أَهْل الْقَلِيب وَقَعَتْ وَقْت الْمَسْأَلَة وَحِينَئِذٍ كَانَتْ الرُّوح قَدْ أُعِيدَتْ إِلَى الْجَسَد , وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ الْأَحَادِيث الْأُخْرَى أَنَّ الْكَافِر الْمَسْئُول يُعَذَّب , وَأَمَّا إِنْكَار عَائِشَة فَمَحْمُول عَلَى غَيْر وَقْت الْمَسْأَلَة فَيَتَّفِق الْخَبَرَانِ. وَيَظْهَر مِنْ هَذَا التَّقْرِير وَجْه إِدْخَال حَدِيث اِبْن عُمَر فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1283",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْأَشْعَثَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ فَقَالَتْ لَهَا أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَسَأَلَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَقَالَ نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت الْأَشْعَث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي الشَّعْثَاء سَلِيم بْن الْأَسْوَد الْمُحَارِبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ يَهُودِيَّة دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَذَكَرَتْ عَذَاب الْقَبْر ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي وَائِل عَنْ مَسْرُوق عِنْد الْمُصَنِّف فِي الدَّعَوَات \" دَخَلَتْ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَة فَقَالَتَا : إِنَّ أَهْل الْقُبُور يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورهمْ \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ إِحْدَاهُمَا تَكَلَّمَتْ وَأَقَرَّتْهَا الْأُخْرَى عَلَى ذَلِكَ فَنَسَبَتْ الْقَوْل إِلَيْهِمَا مَجَازًا , وَالْإِفْرَاد يُحْمَل عَلَى الْمُتَكَلِّمَة. وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم وَاحِدَة مِنْهُمَا. وَزَادَ فِي رِوَايَة أَبِي وَائِل \" فَكَذَبْتُهُمَا \" وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" دَخَلَتْ عَلَيَّ اِمْرَأَة مِنْ الْيَهُود وَهِيَ تَقُول : هَلْ شَعَرْت أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُور. قَالَ : فَارْتَاعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : إِنَّمَا يُفْتَن يَهُود. قَالَتْ عَائِشَة : فَلَبِثْنَا لَيَالِي , ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ شَعَرْت أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُور. قَالَتْ عَائِشَة : فَسَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذ مِنْ عَذَاب الْقَبْر \" وَبَيْن هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ مُخَالَفَة , لِأَنَّ فِي هَذِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْكَرَ عَلَى الْيَهُودِيَّة , وَفِي الْأُولَى أَنَّهُ أَقَرَّهَا. قَالَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِلطَّحَاوِيّ وَغَيْره : هُمَا قِصَّتَانِ , فَأَنْكَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْل الْيَهُودِيَّة فِي الْقِصَّة الْأُولَى , ثُمَّ أُعْلِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ وَلَمْ يُعْلِم عَائِشَة , فَجَاءَتْ الْيَهُودِيَّة مَرَّة فَذَكَرَتْ لَهَا ذَلِكَ فَأَنْكَرَتْ عَلَيْهَا مُسْتَنِدَة إِلَى الْإِنْكَار الْأَوَّل , فَأَعْلَمَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ الْوَحْي نَزَلَ بِإِثْبَاتِهِ اِنْتَهَى. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِل أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَوَّذ سِرًّا فَلَمَّا رَأَى اِسْتِغْرَاب عَائِشَة حِين سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ الْيَهُودِيَّة أَعْلَنَ بِهِ اِنْتَهَى. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَى رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ صَحِيح مُسْلِم , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب التَّعَوُّذ مِنْ عَذَاب الْقَبْر \" فِي الْكُسُوف مِنْ طَرِيق عَمْرَة عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ يَهُودِيَّة جَاءَتْ تَسْأَلهَا فَقَالَتْ لَهَا : أَعَاذَك اللَّه مِنْ عَذَاب الْقَبْر , فَسَأَلَتْ عَائِشَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتُعَذَّبُ النَّاس فِي قُبُورهمْ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِذًا بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ رَكِبَ ذَات غَدَاة مَرْكَبًا فَخَسَفَتْ الشَّمْس \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَفِي آخِره \" ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَاب الْقَبْر \" وَفِي هَذِهِ مُوَافَقَة لِرِوَايَةِ الزُّهْرِيّ وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِذَلِكَ. وَأَصْرَح مِنْهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ عَنْ سَعِيد بْن عَمْرو بْن سَعِيد الْأُمَوِيّ عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ يَهُودِيَّة كَانَتْ تَخْدُمهَا , فَلَا تَصْنَع عَائِشَة إِلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الْمَعْرُوف إِلَّا قَالَتْ لَهَا الْيَهُودِيَّة : وَقَاك اللَّه عَذَاب الْقَبْر. قَالَتْ : فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه هَلْ لِلْقَبْرِ عَذَاب ؟ قَالَ : كَذَبَتْ يَهُود , لَا عَذَاب دُون يَوْم الْقِيَامَة. ثُمَّ مَكَثَ بَعْد ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَمْكُث , فَخَرَجَ ذَات يَوْم نِصْف النَّهَار وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْته : أَيّهَا النَّاس اِسْتَعِيذُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَذَاب الْقَبْر , فَإِنَّ عَذَاب الْقَبْر حَقّ \" وَفِي هَذَا كُلّه أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا عَلِمَ بِحُكْمِ عَذَاب الْقَبْر إِذْ هُوَ بِالْمَدِينَةِ فِي آخِر الْأَمْر كَمَا تَقَدَّمَ تَارِيخ صَلَاة الْكُسُوف فِي مَوْضِعه. وَقَدْ اِسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْآيَة الْمُتَقَدِّمَة مَكِّيَّة وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ( يُثَبِّت اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا ) وَكَذَلِكَ الْآيَة الْأُخْرَى الْمُتَقَدِّمَة وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ( النَّار يَعْرِضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) وَالْجَوَاب أَنَّ عَذَاب الْقَبْر إِنَّمَا يُؤْخَذ مِنْ الْأُولَى بِطَرِيقِ الْمَفْهُوم مِنْ حَقّ مَنْ لَمْ يَتَّصِف بِالْإِيمَانِ , وَكَذَلِكَ بِالْمَنْطُوقِ فِي الْأُخْرَى فِي حَقّ آل فِرْعَوْن وَإِنْ اِلْتَحَقَ بِهِمْ مَنْ كَانَ لَهُ حُكْمهمْ مِنْ الْكُفَّار , فَاَلَّذِي أَنْكَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هُوَ وُقُوع عَذَاب الْقَبْر عَلَى الْمُوَحِّدِينَ , ثُمَّ أُعْلِمَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَقَع عَلَى مَنْ يَشَاء اللَّه مِنْهُمْ فَجَزَمَ بِهِ وَحَذَّرَ مِنْهُ وَبَالَغَ فِي الِاسْتِعَاذَة مِنْهُ تَعْلِيمًا لِأُمَّتِهِ وَإِرْشَادًا , فَانْتَفَى التَّعَارُض بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى. وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ عَذَاب الْقَبْر لَيْسَ بِخَاصٍّ بِهَذِهِ الْأُمَّة بِخِلَافِ الْمَسْأَلَة فَفِيهَا اِخْتِلَاف سَيَأْتِي ذِكْره آخِر الْبَاب. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ نَعَمْ عَذَاب الْقَبْر ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , زَادَ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي \" حَقّ \" وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ الْمُصَنِّف قَالَ عَقِب هَذِهِ الطَّرِيق : زَادَ غُنْدَر \" عَذَاب الْقَبْر حَقّ \" فَتَبَيَّنَ أَنَّ لَفْظ \" حَقّ \" لَيْسَتْ فِي رِوَايَة عَبْدَان عَنْ أَبِيهِ عَنْ شُعْبَة , وَأَنَّهَا ثَابِتَة فِي رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة وَهُوَ كَذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ طَرِيق غُنْدَر النَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَده عَنْ شُعْبَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ قَوْله ‏ ‏\" زَادَ غُنْدَر إِلَخْ \" ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَحْده , وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي بَعْض النُّسَخ عَقِب حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر وَهُوَ غَلَط. ‏"
    },
    {
        "id": "1284",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَطِيبًا ‏ ‏فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا الْمَرْءُ فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا بِلَفْظِ \" قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَة الْقَبْر الَّتِي يُفْتَتَن فِيهَا الْمَرْء , فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّة \" وَهُوَ مُخْتَصَر , وَقَدْ سَاقَهُ النَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ الْبُخَارِيّ فَزَادَ بَعْد قَوْله ضَجَّة \" حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْن أَنْ أَفْهَمَ آخِر كَلَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا سَكَتَ ضَجِيجُهُمْ قُلْت لِرَجُلٍ قَرِيب مِنِّي : أَيْ بَارَكَ اللَّه فِيك , مَاذَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِر كَلَامه ؟ قَالَ قَالَ : قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُور قَرِيبًا مِنْ فِتْنَة الدَّجَّال \" اِنْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْعِلْم وَفِي الْكُسُوف مِنْ طَرِيق فَاطِمَة بِنْت الْمُنْذِر عَنْ أَسْمَاء بِتَمَامِهِ , وَفِيهِ مِنْ الزِّيَادَة \" يُؤْتَى أَحَدكُمْ فَيُقَال لَهُ : مَا عِلْمك بِهَذَا الرَّجُل \" الْحَدِيث , فَلَمْ يُبَيِّن فِيهِ مَا بَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ تَفْهِيم الرَّجُل الْمَذْكُور لِأَسْمَاءَ فِيهِ. وَأَخْرَجَهُ فِي كِتَاب الْجُمْعَة مِنْ طَرِيق فَاطِمَة أَيْضًا وَفِيهِ أَنَّهُ \" لَمَّا قَالَ أَمَّا بَعْد لَغَطَ نِسْوَة مِنْ الْأَنْصَار , وَأَنَّهَا ذَهَبَتْ لِتُسْكِتهُنَّ فَاسْتَفْهَمَتْ عَائِشَة عَمَّا قَالَ \" فَيُجْمَع بَيْن مُخْتَلِف هَذِهِ الرِّوَايَات أَنَّهَا اِحْتَاجَتْ إِلَى الِاسْتِفْهَام مَرَّتَيْنِ , وَأَنَّهُ لَمَّا حَدَّثَتْ فَاطِمَة لَمْ تُبَيِّن لَهَا الِاسْتِفْهَام الثَّانِي. وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الرَّجُل الَّذِي اِسْتَفْهَمَتْ مِنْهُ عَنْ ذَلِكَ إِلَى الْآنَ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ أَسْمَاء مَرْفُوعًا \" إِذَا دَخَلَ الْإِنْسَان قَبْره فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا اِحْتَفَّ بِهِ عَمَله فَيَأْتِيه الْمَلَك فَتَرُدّهُ الصَّلَاة وَالصِّيَام , فَيُنَادِيه الْمَلَك : اِجْلِسْ , فَيَجْلِس فَيَقُول : مَا تَقُول فِي هَذَا الرَّجُل مُحَمَّد ؟ قَالَ : أَشْهَد أَنَّهُ رَسُول اللَّه. قَالَ : عَلَى ذَلِكَ عِشْت وَعَلَيْهِ مُتّ وَعَلَيْهِ تُبْعَث \" الْحَدِيث. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِيه. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة فَوَائِد حَدِيث أَسْمَاء فِي كِتَاب الْعِلْم , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ هُنَا \" زَادَ غُنْدَر عَذَاب الْقَبْر \" وَهُوَ غَلَط لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي آخِر حَدِيث عَائِشَة الَّذِي قَبْله , وَأَمَّا حَدِيث أَسْمَاء فَلَا رِوَايَة لِغُنْدَرٍ فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1285",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ‏ ‏لِمُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنْ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ ‏ ‏ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا ‏ ‏تَلَيْتَ ‏ ‏وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ ‏ ‏الثَّقَلَيْنِ ‏",
        "sharh": "سَادِس أَحَادِيث الْبَاب حَدِيث أَنَس وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي \" بَاب خَفْق النِّعَال \" وَعَبْد الْأَعْلَى الْمَذْكُور فِيهِ هُوَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى السَّامِيّ بِالْمُهْمَلَةِ الْبَصْرِيّ , وَسَعِيد هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَْ الْعَبْد إِذَا وُضِعَ فِي قَبْره ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ عِنْده مُخْتَصَرًا , وَأَوَّله عِنْد أَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء عَنْ سَعِيد بِهَذَا السَّنَد \" أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ نَخْلًا لِبَنِي النَّجَّار , فَسَمِعَ صَوْتًا فَفَزِعَ فَقَالَ : مَنْ أَصْحَاب هَذِهِ الْقُبُور ؟ قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه نَاس مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّة. فَقَالَ : تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَذَاب الْقَبْر وَمِنْ فِتْنَة الدَّجَّال. قَالُوا : وَمَا ذَاكَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : إِنَّ الْعَبْد \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , فَأَفَادَ بَيَان سَبَب الْحَدِيث ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّهُ لَيَسْمَع قَرْع نِعَالهمْ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" إِذَا اِنْصَرَفُوا \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" يَأْتِيه مَلَكَانِ \" زَادَ اِبْن حِبَّانَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق سَعِيد الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَال لِأَحَدِهِمَا الْمُنْكَر وَلِلْآخَرِ النَّكِير \" وَفِي رِوَايَة اِبْن حِبَّانَ \" يُقَال لَهُمَا مُنْكَر وَنَكِير \" زَادَ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَعْيُنهمَا مِثْل قُدُور النُّحَاس , وَأَنْيَابهمَا مِثْل صَيَاصِي الْبَقَر , وَأَصْوَاتهمَا مِثْل الرَّعْد \" وَنَحْوه لِعَبْدِ الرَّزَّاق مِنْ مُرْسَل عَمْرو بْن دِينَار وَزَادَ \" يَحْفِرَانِ بِأَنْيَابِهِمَا وَيَطَآنِ فِي أَشْعَارهمَا , مَعَهُمَا مِرْزَبَّة لَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا أَهْل مِنًى لَمْ يُقِلُّوهَا \" وَأَوْرَدَ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي \" الْمَوْضُوعَات \" حَدِيثًا فِيهِ \" أَنَّ فِيهِمْ رُومَان وَهُوَ كَبِيرهمْ \" وَذَكَرَ بَعْض الْفُقَهَاء أَنَّ اِسْم اللَّذَيْنِ يَسْأَلَانِ الْمُذْنِب مُنْكَر وَنَكِير , وَأَنَّ اِسْم اللَّذَيْنِ يَسْأَلَانِ الْمُطِيع مُبَشِّر وَبَشِير. ‏ ‏قَوْله : ( فَيُقْعِدَانِهِ ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيث الْبَرَاء فَتُعَاد رُوحه فِي جَسَده كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل أَحَادِيث الْبَاب , وَزَادَ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَإِذَا كَانَ مُؤْمِنًا كَانَتْ الصَّلَاة عِنْد رَأْسه , وَالزَّكَاة عَنْ يَمِينه , وَالصَّوْم عَنْ شِمَاله , وَفِعْل الْمَعْرُوف مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ. فَيُقَال لَهُ : اِجْلِسْ , فَيَجْلِس وَقَدْ مَثَلَتْ لَهُ الشَّمْس عِنْد الْغُرُوب \" زَادَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث جَابِر \" فَيَجْلِس فَيَمْسَح عَيْنَيْهِ وَيَقُول : دَعُونِي أُصَلِّي \". ‏ ‏قَوْله : ( فَيَقُولَانِ : مَا كُنْت تَقُول فِي هَذَا الرَّجُل مُحَمَّد ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُد فِي أَوَّله \" مَا كُنْت تَعْبُد ؟ فَإِنْ هَدَاهُ اللَّه قَالَ : كُنْت أَعْبُد اللَّه. فَيُقَال لَهُ : مَا كُنْت تَقُول فِي هَذَا الرَّجُل \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" مَا هَذَا الرَّجُل الَّذِي كَانَ فِيكُمْ \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَالَ : أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله. فَيُقَال لَهُ : صَدَقْت \" زَادَ أَبُو دَاوُد \" فَلَا يُسْأَل عَنْ شَيْء غَيْرهمَا \" وَفِي حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر الْمُتَقَدِّم فِي الْعِلْم وَالطَّهَارَة وَغَيْرهمَا \" فَأَمَّا الْمُؤْمِن أَوْ الْمُوقِن فَيَقُول : مُحَمَّد رَسُول اللَّه , جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى , فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا. فَيُقَال لَهُ : نَمْ صَالِحًا \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور \" فَيُقَال لَهُ : نَمْ نَوْمَة الْعَرُوس , فَيَكُون فِي أَحْلَى نَوْمَة نَامَهَا أَحَد حَتَّى يُبْعَث \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" وَيُقَال لَهُ : نَمْ , فَيَنَام نَوْمَة الْعَرُوس الَّذِي لَا يُوقِظهُ إِلَّا أَحَبّ أَهْله إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثهُ اللَّه مِنْ مَضْجَعه ذَلِكَ \" وَلِابْنِ حِبَّانَ وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَأَحْمَد مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" وَيُقَال لَهُ : عَلَى الْيَقِين كُنْت وَعَلَيْهِ مِتّ وَعَلَيْهِ تُبْعَث إِنْ شَاءَ اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( فَيُقَال لَهُ : اُنْظُرْ إِلَى مَقْعَدك مِنْ النَّار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُد \" فَيُقَال لَهُ : هَذَا بَيْتك كَانَ فِي النَّار , وَلَكِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَصَمَك وَرَحِمَك فَأَبْدَلَك اللَّه بِهِ بَيْتًا فِي الْجَنَّة. فَيَقُول : دَعُونِي حَتَّى أَذْهَب فَأُبَشِّرَ أَهْلِي , فَيُقَال لَهُ : اُسْكُتْ \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد أَحْمَد \" كَانَ هَذَا مَنْزِلك لَوْ كَفَرْت بِرَبِّك \" وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح \" فَيُقَال لَهُ : هَلْ رَأَيْت اللَّه ؟ فَيَقُول مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَرَى اللَّه , فَتُفْرَج لَهُ فُرْجَة قِبَلَ النَّار فَيَنْظُر إِلَيْهَا يَحْطِم بَعْضهَا بَعْضًا فَيُقَال لَهُ : اُنْظُرْ إِلَى مَا وَقَاك اللَّه \" وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الرِّقَاق مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" لَا يَدْخُل أَحَد الْجَنَّة إِلَّا أُرِيَ مَقْعَده مِنْ النَّار لَوْ أَسَاءَ لِيَزْدَادَ شُكْرًا \" وَذَكَرَ عَكْسَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ قَتَادَةُ : وَذَكَرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَح لَهُ فِي قَبْره ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَة \" سَبْعُونَ ذِرَاعًا , وَيُمْلَأ خَضِرًا إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ \" وَلَمْ أَقِف عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَة مَوْصُولَة مِنْ حَدِيث قَتَادَة. وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد مِنْ وَجْه آخَر عِنْد أَحْمَد \" وَيُفْسَح لَهُ فِي قَبْره \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَابْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَيُفْسَح لَهُ فِي قَبْره سَبْعِينَ ذِرَاعًا \" زَادَ اِبْن حِبَّانَ \" فِي سَبْعِينَ ذِرَاعًا \". وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَيُرْحَب لَهُ فِي قَبْره سَبْعُونَ ذِرَاعًا , وَيُنَوَّر لَهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر \" وَفِي حَدِيث الْبَرَاء الطَّوِيل \" فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاء : إِنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّة وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا فِي الْجَنَّة وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّة. قَالَ فَيَأْتِيه مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبهَا , وَيُفْسَح لَهُ فِيهَا مَدّ بَصَره \" زَادَ اِبْن حِبَّانَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَيَزْدَاد غِبْطَة وَسُرُورًا , فَيُعَاد الْجِلْد إِلَى مَا بَدَأَ مِنْهُ وَتُجْعَل رُوحه فِي نَسَم طَائِر يُعَلَّق فِي شَجَر الْجَنَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَّا الْمُنَافِق وَالْكَافِر ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الطَّرِيق بِوَاوِ الْعَطْف , وَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب خَفْق النِّعَال \" بِهَا \" وَأَمَّا الْكَافِر أَوْ الْمُنَافِق \" بِالشَّكِّ , وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُد \" وَأَنَّ الْكَافِر إِذَا وُضِعَ \" وَكَذَا لِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَكَذَا فِي حَدِيث الْبَرَاء الطَّوِيل , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد أَحْمَد \" وَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ مُنَافِقًا \" بِالشَّكِّ , وَلَهُ فِي حَدِيث أَسْمَاء \" فَإِنْ كَانَ فَاجِرًا أَوْ كَافِرًا \" وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثهَا \" وَأَمَّا الْمُنَافِق أَوْ الْمُرْتَاب \" وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد عَبْد الرَّزَّاق وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد التِّرْمِذِيّ \" وَأَمَّا الْمُنَافِق \" وَفِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد أَحْمَد وَأَبِي هُرَيْرَة عِنْد اِبْن مَاجَهْ \" وَأَمَّا الرَّجُل السُّوء \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الشَّكّ \" فَاخْتَلَفَتْ هَذِهِ الرِّوَايَات لَفْظًا وَهِيَ مُجْتَمِعَة عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْكَافِر وَالْمُنَافِق يُسْأَل , فَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ السُّؤَال إِنَّمَا يَقَع عَلَى مَنْ يَدَّعِي الْإِيمَان إِنْ مُحِقًّا وَإِنْ مُبْطِلًا , وَمُسْتَنَدهمْ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن عُمَيْر أَحَد كِبَار التَّابِعِينَ قَالَ \" إِنَّمَا يُفْتَن رَجُلَانِ : مُؤْمِن وَمُنَافِق , وَأَمَّا الْكَافِر فَلَا يُسْأَل عَنْ مُحَمَّد وَلَا يَعْرِفهُ \" وَهَذَا مَوْقُوف. وَالْأَحَادِيث النَّاصَّة عَلَى أَنَّ الْكَافِر يُسْأَل مَرْفُوعَة مَعَ كَثْرَة طُرُقهَا الصَّحِيحَة فَهِيَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ , وَجَزَمَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم بِأَنَّ الْكَافِر يُسْأَل , وَاخْتُلِفَ فِي الطِّفْل غَيْر الْمُمَيِّز فَجَزَمَ الْقُرْطُبِيّ فِي التَّذْكِرَة بِأَنَّهُ يُسْأَل , وَهُوَ مَنْقُول عَنْ الْحَنَفِيَّة , وَجَزَمَ غَيْر وَاحِد مِنْ الشَّافِعِيَّة بِأَنَّهُ لَا يُسْأَل , وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا : لَا يُسْتَحَبّ أَنْ يُلَقَّن. وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي النَّبِيّ هَلْ يُسْأَل , وَأَمَّا الْمَلَك فَلَا أَعْرِف أَحَدًا ذَكَرَهُ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ لَا يُسْأَل لِأَنَّ السُّؤَال يَخْتَصّ بِمَنْ شَأْنه أَنْ يُفْتَنَ , وَقَدْ مَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ إِلَى الْأَوَّل وَقَالَ : الْآثَار تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْفِتْنَة لِمَنْ كَانَ مَنْسُوبًا إِلَى أَهْل الْقِبْلَة , وَأَمَّا الْكَافِر الْجَاحِد فَلَا يُسْأَل عَنْ دِينه. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْقَيِّم فِي \" كِتَاب الرُّوح \" وَقَالَ : فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة دَلِيل عَلَى أَنَّ السُّؤَال لِلْكَافِرِ وَالْمُسْلِم , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( يُثَبِّت اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة وَيُضِلّ اللَّه الظَّالِمِينَ ) وَفِي حَدِيث أَنَس فِي الْبُخَارِيّ \" وَأَمَّا الْمُنَافِق وَالْكَافِر \" بِوَاوِ الْعَطْف , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا - فَذَكَرَهُ وَفِيهِ - وَإِنْ كَانَ كَافِرًا \" وَفِي حَدِيث الْبَرَاء \" وَإِنَّ الْكَافِر إِذَا كَانَ فِي اِنْقِطَاع مِنْ الدُّنْيَا - فَذَكَرَهُ وَفِيهِ - فَيَأْتِيه مُنْكَر وَنَكِير \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد هَكَذَا , قَالَ : وَأَمَّا قَوْل أَبِي عُمَر : فَأَمَّا الْكَافِر الْجَاحِد فَلَيْسَ مِمَّنْ يُسْأَل عَنْ دِينه , فَجَوَابه أَنَّهُ نَفْي بِلَا دَلِيل. بَلْ فِي الْكِتَاب الْعَزِيز الدَّلَالَة عَلَى أَنَّ الْكَافِر يُسْأَل عَنْ دِينه , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) وَقَالَ تَعَالَى ( فَوَرَبِّك لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) لَكِنْ لِلنَّافِي أَنْ يَقُول إِنَّ هَذَا السُّؤَال يَكُون يَوْم الْقِيَامَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَقُول لَا أَدْرِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُد الْمَذْكُورَة \" وَإِنَّ الْكَافِر إِذَا وُضِعَ فِي قَبْره أَتَاهُ مَلَك فَيَنْتَهِرهُ فَيَقُول لَهُ : مَا كُنْت تَعْبُد \" وَفِي أَكْثَر الْأَحَادِيث \" فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كُنْت تَقُول فِي هَذَا الرَّجُل \" وَفِي حَدِيث الْبَرَاء \" فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبّك ؟ فَيَقُول : هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي , فَيَقُولَانِ لَهُ : مَا دِينك ؟ فَيَقُول : هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ لَهُ : مَا هَذَا الرَّجُل الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ ؟ فَيَقُول : هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي \" وَهُوَ أَتَمّ الْأَحَادِيث سِيَاقًا. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت أَقُول مَا يَقُول النَّاس ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَسْمَاء \" سَمِعْت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْته \" وَكَذَا فِي أَكْثَر الْأَحَادِيث. ‏ ‏قَوْله : ( لَا دَرَيْت وَلَا تَلَيْت ) ‏ ‏كَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَة بَعْدهَا لَام مَفْتُوحَة وَتَحْتَانِيَّة سَاكِنَة , قَالَ ثَعْلَب : قَوْله \" تَلَيْت \" أَصْلُهُ تَلَوْت , أَيْ لَا فَهِمْت وَلَا قَرَأْت الْقُرْآن , وَالْمَعْنَى لَا دَرَيْت وَلَا اِتَّبَعْت مَنْ يَدْرِي , وَإِنَّمَا قَالَهُ بِالْيَاءِ لِمُؤَاخَاةِ دَرَيْت. وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت : قَوْله \" تَلَيْت \" إِتْبَاع وَلَا مَعْنَى لَهَا , وَقِيلَ صَوَابه وَلَا اِئْتَلَيْت بِزِيَادَةِ هَمْزَتَيْنِ قِيلَ الْمُثَنَّاة بِوَزْنِ اِفْتَعَلْت مِنْ قَوْلهمْ مَا أَلَوْت أَيْ مَا اِسْتَطَعْت , حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْأَصْمَعِيّ , وَبِهِ جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ الْفَرَّاء : أَيْ قَصَّرْت كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ لَا دَرَيْت وَلَا قَصَّرْت فِي طَلَب الدِّرَايَة ثُمَّ أَنْتَ لَا تَدْرِي. وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ. الْأُلُوّ يَكُون بِمَعْنَى الْجَهْد وَبِمَعْنَى التَّقْصِير وَبِمَعْنَى الِاسْتِطَاعَة. وَحَكَى اِبْن قُتَيْبَة عَنْ يُونُس بْن حَبِيب أَنَّ صَوَاب الرِّوَايَة \" لَا دَرَيْت وَلَا أَتْلَيْتَ \" بِزِيَادَةِ أَلِف وَتَسْكِين الْمُثَنَّاة كَأَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يَكُون لَهُ مَنْ يَتَّبِعهُ , وَهُوَ مِنْ الِإْتِلَاء يُقَال مَا أْتْلَتْ إِبِله أَيْ لَمْ تَلِد أَوْلَادًا يَتْبَعُونَهَا. وَقَالَ : قَوْل الْأَصْمَعِيّ أَشْبَه بِالْمَعْنَى , أَيْ لَا دَرَيْت وَلَا اِسْتَطَعْت أَنْ تَدْرِي. وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" لَا دَرَيْت وَلَا اِهْتَدَيْت \" وَفِي مُرْسَل عُبَيْد بْن عُمَيْر عِنْد عَبْد الرَّزَّاق \" لَا دَرَيْت وَلَا أَفْلَحْت \". ‏ ‏قَوْله : ( بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيد ضَرْبَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي \" بَاب خَفْق النِّعَال \" بِلَفْظِ \" بِمِطْرَقَةٍ \" عَلَى الْإِفْرَاد , وَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم الْأَحَادِيث. قَالَ الْكَرْمَانِيّ : الْجَمْع مُؤْذِن بِأَنَّ كُلّ جُزْء مِنْ أَجْزَاء تِلْكَ الْمِطْرَقَة مِطْرَقَة بِرَأْسِهَا مُبَالَغَة ا ه. وَفِي حَدِيث الْبَرَاء \" لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَل لَصَارَ تُرَابًا \" وَفِي حَدِيث أَسْمَاء \" وَيُسَلَّط عَلَيْهِ دَابَّة فِي قَبْره مَعَهَا سَوْط ثَمَرَته جَمْرَة مِثْل غَرْب الْبَعِير تَضْرِبهُ مَا شَاءَ اللَّه صَمَّاء لَا تَسْمَع صَوْته فَتَرْحَمهُ \" وَزَادَ فِي أَحَادِيث أَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة وَعَائِشَة الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا \" ثُمَّ يُفْتَح لَهُ بَاب إِلَى الْجَنَّة فَيُقَال لَهُ : هَذَا مَنْزِلك لَوْ آمَنْت بِرَبِّك , فَأَمَّا إِذْ كَفَرْت فَإِنَّ اللَّه أَبْدَلَك هَذَا , وَيُفْتَح لَهُ بَاب إِلَى النَّار \" زَادَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَيَزْدَاد حَسْرَة وَثُبُورًا , وَيَضِيق عَلَيْهِ قَبْره حَتَّى تَخْتَلِف أَضْلَاعه \" , فِي حَدِيث الْبَرَاء \" فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاء : أَفْرِشُوهُ مِنْ النَّار , وَأَلْبِسُوهُ مِنْ النَّار , وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّار , فَيَأْتِيه مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ يَلِيه ) ‏ ‏قَالَ الْمُهَلَّب : الْمُرَاد الْمَلَائِكَة الَّذِينَ يَلُونَ فِتْنَته , كَذَا قَالَ , وَلَا وَجْه لِتَخْصِيصِهِ بِالْمَلَائِكَةِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْبَهَائِم تَسْمَعهُ. وَفِي حَدِيث الْبَرَاء \" يَسْمَعهُ مَنْ بَيْن الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد أَحْمَد \" يَسْمَعهُ خَلْق اللَّه كُلّهمْ غَيْر الثَّقَلَيْنِ \" وَهَذَا يَدْخُل فِيهِ الْحَيَوَان وَالْجَمَاد , لَكِنْ يُمْكِن أَنْ يَخُصّ مِنْهُ الْجَمَاد. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الْبَزَّار \" يَسْمَعهُ كُلّ دَابَّة إِلَّا الثَّقَلَيْنِ \" وَالْمُرَاد بِالثَّقَلَيْنِ الْإِنْس وَالْجِنّ , قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَالثِّقَلِ عَلَى وَجْه الْأَرْض. قَالَ الْمُهَلَّب : الْحِكْمَة فِي أَنَّ اللَّه يُسْمِع الْجِنَّ قَوْل الْمَيِّت قَدِّمُونِي وَلَا يُسْمِعهُمْ صَوْته إِذَا عُذِّبَ بِأَنَّ كَلَامه قَبْل الدَّفْن مُتَعَلِّق بِأَحْكَامِ الدُّنْيَا وَصَوْته إِذَا عُذِّبَ فِي الْقَبْر مُتَعَلِّق بِأَحْكَامِ الْآخِرَة , وَقَدْ أَخْفَى اللَّه عَلَى الْمُكَلَّفِينَ أَحْوَال الْآخِرَة إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّه إِبْقَاء عَلَيْهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ جَاءَ فِي عَذَاب الْقَبْر غَيْر هَذِهِ الْأَحَادِيث : مِنْهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَأَبِي أَيُّوب وَسَعْد وَزَيْد بْن أَرْقَم وَأُمّ خَالِد فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدهمَا , وَعَنْ جَابِر عِنْد اِبْن مَاجَهْ , وَأَبِي سَعِيد عِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ , وَعُمَر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن حَسَنَة وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو عِنْد أَبِي دَاوُد , وَابْن مَسْعُود عِنْد الطَّحَاوِيّ , وَأَبِي بَكْرَة وَأَسْمَاء بِنْت يَزِيد عِنْد النَّسَائِيّ , وَأُمّ مُبَشِّر عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة , وَعَنْ غَيْرهمْ. وَفِي أَحَادِيث الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد : إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر , وَأَنَّهُ وَاقِع عَلَى الْكُفَّار وَمَنْ شَاءَ اللَّه مِنْ الْمُوَحِّدِينَ. وَالْمَسْأَلَة وَهَلْ هِيَ وَاقِعَة عَلَى كُلّ وَاحِد ؟ تَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ , وَهَلْ تَخْتَصّ بِهَذِهِ الْأُمَّة أَمْ وَقَعَتْ عَلَى الْأُمَم قَبْلهَا ؟ ظَاهِر الْأَحَادِيث الْأَوَّل وَبِهِ جَزَمَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : كَانَتْ الْأُمَم قَبْل هَذِهِ الْأُمَّة تَأْتِيهِمْ الرُّسُل فَإِنْ أَطَاعُوا فَذَاكَ وَإِنْ أَبَوْا اِعْتَزَلُوهُمْ وَعُوجِلُوا بِالْعَذَابِ , فَلَمَّا أَرْسَلَ اللَّه مُحَمَّدًا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ أَمْسَكَ عَنْهُمْ الْعَذَاب , وَقَبِلَ الْإِسْلَام مِمَّنْ أَظْهَرَهُ سَوَاء أَسَرَّ الْكُفْر أَوْ لَا , فَلَمَّا مَاتُوا قَيَّضَ اللَّه لَهُمْ فَتَّانَيْ الْقَبْر لِيَسْتَخْرِج سِرّهمْ بِالسُّؤَالِ وَلِيَمِيزَ اللَّه الْخَبِيث مِنْ الطَّيِّب وَيُثَبِّت اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وَيُضِلّ اللَّه الظَّالِمِينَ اِنْتَهَى. وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت مَرْفُوعًا \" إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّة تُبْتَلَى فِي قُبُورهَا \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَمِثْله عِنْد أَحْمَد عَنْ أَبِي سَعِيد فِي أَثْنَاء حَدِيث , وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا قَوْل الْمَلَكَيْنِ \" مَا تَقُول فِي هَذَا الرَّجُل مُحَمَّد \" وَحَدِيث عَائِشَة عِنْد أَحْمَد أَيْضًا بِلَفْظِ \" وَأَمَّا فِتْنَة الْقَبْر فَبِي تُفْتَنُونَ وَعَنِّي تُسْأَلُونَ \" وَجَنَحَ اِبْن الْقَيِّم إِلَى الثَّانِي وَقَالَ : لَيْسَ فِي الْأَحَادِيث مَا يَنْفِي الْمَسْأَلَة عَمَّنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْأُمَم , وَإِنَّمَا أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّته بِكَيْفِيَّةِ اِمْتِحَانهمْ فِي الْقُبُور لَا أَنَّهُ نَفَى ذَلِكَ عَنْ غَيْرهمْ , قَالَ : وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ كُلّ نَبِيّ مَعَ أُمَّته كَذَلِكَ , فَتُعَذَّب كُفَّارهمْ فِي قُبُورهمْ بَعْد سُؤَالهمْ وَإِقَامَة الْحُجَّة عَلَيْهِمْ كَمَا يُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَة بَعْد السُّؤَال وَإِقَامَة الْحُجَّة. وَحَكَى فِي مَسْأَلَة الْأَطْفَال اِحْتِمَالًا , وَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْتَنِع فِي حَقّ الْمُمَيِّز دُون غَيْره. وَفِيهِ ذَمّ التَّقْلِيد فِي الِاعْتِقَادَات لِمُعَاقَبَةِ مَنْ قَالَ : كُنْت أَسْمَع النَّاس يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْته , وَفِيهِ أَنَّ الْمَيِّت يَحْيَا فِي قَبْره لِلْمَسْأَلَةِ خِلَافًا لِمَنْ رَدَّهُ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( قَالُوا رَبّنَا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اِثْنَتَيْنِ ) الْآيَة قَالَ : فَلَوْ كَانَ يَحْيَا فِي قَبْره لَلَزِمَ أَنْ يَحْيَا ثَلَاث مَرَّات وَيَمُوت ثَلَاثًا وَهُوَ خِلَاف النَّصّ , وَالْجَوَاب بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْحَيَاةِ فِي الْقَبْر لِلْمَسْأَلَةِ لَيْسَتْ الْحَيَاة الْمُسْتَقِرَّة الْمَعْهُودَة فِي الدُّنْيَا الَّتِي تَقُوم فِيهَا الرُّوح بِالْبَدَنِ وَتَدْبِيره وَتَصَرُّفه وَتَحْتَاج إِلَى مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ الْأَحْيَاء , بَلْ هِيَ مُجَرَّد إِعَادَة لِفَائِدَةِ الِامْتِحَان الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة , فَهِيَ إِعَادَة عَارِضَة , كَمَا حَيِيَ خَلْق لِكَثِيرٍ مِنْ الْأَنْبِيَاء لِمَسْأَلَتِهِمْ لَهُمْ عَنْ أَشْيَاء ثُمَّ عَادُوا مَوْتَى. وَفِي حَدِيث عَائِشَة جَوَاز التَّحْدِيث عَنْ أَهْل الْكِتَاب بِمَا وَافَقَ الْحَقّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1286",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ وَجَبَتْ الشَّمْسُ فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ ‏ ‏يَهُودُ ‏ ‏تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْنٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الّقَطَّانُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي أَيُّوب ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ. وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ الصَّحَابَة فِي نَسَق أَوَّلهمْ أَبُو جُحَيْفَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَبَتْ الشَّمْس ) ‏ ‏أَيْ سَقَطَتْ , وَالْمُرَاد غُرُوبهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَمِعَ صَوْتًا ) ‏ ‏قِيلَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَمِعَ صَوْت مَلَائِكَة الْعَذَاب أَوْ صَوْت الْيَهُود الْمُعَذَّبِينَ أَوْ صَوْت وَقْع الْعَذَاب. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْجَبَّار بْن الْعَبَّاس عَنْ عَوْن بِهَذَا السَّنَد مُفَسَّرًا وَلَفْظه \" خَرَجْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين غَرَبَتْ الشَّمْس وَمَعِي كُوز مِنْ مَاء , فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ حَتَّى جَاءَ فَوَضَّأْته فَقَالَ : أَتَسْمَعُ مَا أَسْمَع ؟ قُلْت : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم. قَالَ : أَسْمَع أَصْوَات الْيَهُود يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورهمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( يَهُود تُعَذَّبُ فِي قُبُورهَا ) ‏ ‏هُوَ خَبَر مُبْتَدَأ أَيْ هَذِهِ يَهُود , أَوْ هُوَ مُبْتَدَأ خَبَره مَحْذُوف. قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْيَهُود قَبِيلَة وَالْأَصْل الْيَهُودِيُّونَ فَحُذِفَتْ يَاء الْإِضَافَة مِثْل زَنْج وَزَنْجِيّ ثُمَّ عُرِفَ عَلَى هَذَا الْحَدّ فَجُمِعَ عَلَى قِيَاس شَعِير وَشَعِيرَة ثُمَّ عُرِفَ الْجَمْع بِالْأَلِفِ وَاللَّام وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ دُخُول الْأَلِف وَاللَّام لِأَنَّهُ مَعْرِفَة مُؤَنَّث فَجَرَى مَجْرَى الْقَبِيلَة وَهُوَ غَيْر مُنْصَرِف لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيث , وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" إِنَّمَا تُعَذَّب الْيَهُود \" وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْيَهُود تُعَذَّب بِيَهُودِيَّتِهِمْ ثَبَتَ تَعْذِيب غَيْرهمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ كُفْرهمْ بِالشِّرْكِ أَشَدّ مِنْ كُفْر الْيَهُود. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ النَّضْر إِلَخْ ) ‏ ‏سَاقَ هَذِهِ الطَّرِيق لِتَصْرِيحِ عَوْن فِيهَا بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَبِيهِ وَسَمَاع أَبِيهِ لَهُ مِنْ الْبَرَاء , وَقَدْ وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن مَنْصُور عَنْ النَّضْر وَلَمْ يَسُقْ الْمَتْن , وَسَاقَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْ النَّضْر بِلَفْظِ \" فَقَالَ : هَذِهِ يَهُود تُعَذَّب فِي قُبُورهَا \" قَالَ اِبْن رُشْد : لَمْ يَجْرِ لِلتَّعَوُّذِ مِنْ عَذَاب الْقَبْر فِي هَذَا الْحَدِيث ذِكْر , فَلِهَذَا قَالَ بَعْض الشَّارِحِينَ : إِنَّهُ مِنْ بَقِيَّة الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَإِنَّمَا أَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْبَاب بَعْض مَنْ نَسَخَ الْكِتَاب وَلَمْ يُمَيِّز , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُصَنِّف أَرَادَ أَنْ يُعْلِم بِأَنَّ حَدِيث أُمّ خَالِد ثَانِي أَحَادِيث هَذَا الْبَاب مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَاب الْقَبْر حِين سَمِعَ أَصْوَات يَهُود , لِمَا عُلِمَ مِنْ حَاله أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذ وَيَأْمُر بِالتَّعَوُّذِ مَعَ عَدَم سَمَاع الْعَذَاب فَكَيْفَ مَعَ سَمَاعه. قَالَ : وَهَذَا جَارٍ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ عَادَة الْمُصَنِّف فِي الْإِغْمَاض. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْعَادَة قَاضِيَة بِأَنَّ كُلّ مَنْ سَمِعَ مِثْل ذَلِكَ الصَّوْت يَتَعَوَّذ مِنْ مِثْله. ‏"
    },
    {
        "id": "1287",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلًّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَتْنِي ‏ ‏ابْنَةُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُعَلَّى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَسَد , وَبِنْت خَالِد اِسْمهَا أُمَّة وَتَكَنَّى أُمّ خَالِد , وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِي الدَّعَوَات مِنْ وَجْه آخَر \" عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة سَمِعْت أُمّ خَالِد بِنْت خَالِد وَلَمْ أَسْمَع أَحَدًا سَمِعَ مِنْ النَّبِيّ غَيْرهَا \" فَذَكَرَهُ. وَوَقَعَ فِي الطَّبَرَانِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُوسَى بِلَفْظِ \" اِسْتَجِيرُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَذَاب الْقَبْر فَإِنَّ عَذَاب الْقَبْر حَقّ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1288",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْعُو وَيَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ ‏ ‏الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَيَقُول \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث فِي آخِر صِفَة الصَّلَاة قُبَيْل كِتَاب الْجُمْعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1289",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏مَرَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ ثُمَّ قَالَ بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى ‏ ‏بِالنَّمِيمَةِ ‏ ‏وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ قَالَ ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِي قِصَّة الْقَبْرَيْنِ , وَلَيْسَ فِيهِ لِلْغِيبَةِ ذِكْر , وَإِنَّمَا وَرَدَ بِلَفْظِ النَّمِيمَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الطَّهَارَة. وَقِيلَ مُرَاد الْمُصَنِّف أَنَّ الْغِيبَة تُلَازِم النَّمِيمَة لِأَنَّ النَّمِيمَة مُشْتَمِلَة عَلَى ضَرْبَيْنِ : نَقْل كَلَام الْمُغْتَاب إِلَى الَّذِي اِغْتَابَهُ , وَالْحَدِيث عَنْ الْمَنْقُول عَنْهُ بِمَا لَا يُرِيدهُ. قَالَ بْن رَشِيد : لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ الْوَعِيد عَلَى النَّمِيمَة ثُبُوته عَلَى الْغِيبَة وَحْدهَا , لِأَنَّ مَفْسَدَة النَّمِيمَة أَعْظَم , وَإِذَا لَمْ تُسَاوِهَا لَمْ يَصِحّ الْإِلْحَاق إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ التَّعْذِيب عَلَى الْأَشَدّ التَّعْذِيب عَلَى الْأَخَفّ , لَكِنْ يَجُوز أَنْ يَكُون وَرَدَ عَلَى مَعْنَى التَّوَقُّع وَالْحَذَر فَيَكُون قَصْد التَّحْذِير مِنْ الْمُغْتَاب لِئَلَّا يَكُون لَهُ فِي ذَلِكَ نَصِيب اِنْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ الْغِيبَة كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الطَّهَارَة , فَالظَّاهِر أَنَّ الْبُخَارِيّ جَرَى عَلَى عَادَته فِي الْإِشَارَة إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1290",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ ‏ ‏بِالْغَدَاةِ ‏ ‏وَالْعَشِيِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة فَمِنْ أَهْل الْجَنَّة ) ‏ ‏اِتَّحَدَ فِيهِ الشَّرْط وَالْجَزَاء لَفْظًا وَلَا بُدّ فِيهِ مِنْ تَقْدِير , قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : التَّقْدِير إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة فَمَقْعَده مِنْ مَقَاعِد أَهْل الْجَنَّة يُعْرَض عَلَيْهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الشَّرْط وَالْجَزَاء إِذَا اِتَّحِدَا لَفْظًا دَلَّ عَلَى الْفَخَامَة , وَالْمُرَاد أَنَّهُ يَرَى بَعْد الْبَعْث مِنْ كَرَامَة اللَّه مَا يُنْسِيه هَذَا الْمَقْعَد اِنْتَهَى. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة فَالْجَنَّة \" أَيْ فَالْمَعْرُوض الْجَنَّة. وَفِي هَذَا الْحَدِيث إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر , وَأَنَّ الرُّوح لَا تَفْنَى بِفِنَاءِ الْجَسَد لِأَنَّ الْعَرْض لَا يَقَع إِلَّا عَلَى حَيّ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاح عَلَى أَفْنِيَة الْقُبُور. قَالَ : وَالْمَعْنَى عِنْدِي أَنَّهَا قَدْ تَكُون عَلَى أَفْنِيَة قُبُورهَا لَا أَنَّهَا لَا تُفَارِق الْأَفْنِيَة , بَلْ هِيَ كَمَا قَالَ مَالِك إِنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْأَرْوَاح تَسْرَح حَيْثُ شَاءَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَبْعَثك اللَّه يَوْم الْقِيَامَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ يَحْيَى بْن مَالِك \" حَتَّى يَبْعَثك اللَّه إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة \" وَحَكَى اِبْن عَبْد الْبَرّ فِيهِ الِاخْتِلَاف بَيْن أَصْحَاب مَالِك , وَأَنَّ الْأَكْثَر رَوَوْهُ كَرِوَايَةِ الْبُخَارِيّ وَأَنَّ اِبْن الْقَاسِم رَوَاهُ كَرِوَايَةِ مُسْلِم , قَالَ. وَالْمَعْنَى حَتَّى يَبْعَثك اللَّه إِلَى ذَلِكَ الْمَقْعَد. وَيَحْتَمِل أَنْ يَعُود الضَّمِير إِلَى اللَّه. فَإِلَى اللَّه تُرْجَع الْأُمُور , وَالْأَوَّل أَظْهَر ا ه. وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ \" ثُمَّ يُقَال : هَذَا مَقْعَدك الَّذِي تُبْعَث إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ رِوَايَة اِبْن الْقَاسِم لَكِنْ لَفْظه كَلَفْظِ الْبُخَارِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1291",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَهَا الْإِنْسَانُ ‏ ‏لَصَعِقَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1292",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا مِنْ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا ‏ ‏الْحِنْثَ ‏ ‏إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاثَة مِنْ الْوَلَد ) ‏ ‏سَقَطَ قَوْله \" مِنْ الْوَلَد \" فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَكَذَا سَبَقَ مِنْ رِوَايَة عَبْد الْوَارِث عَنْ عَبْد الْعَزِيز فِي \" بَاب فَضْل مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَد فَاحْتَسَبَ \" وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1293",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا تُوُفِّيَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن مَرْزُوق عَنْ شُعْبَة بِسَنَدِهِ \" اِبْن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق مُعَاذ عَنْ شُعْبَة بِسَنَدِهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" تُوُفِّيَ اِبْنه إِبْرَاهِيم \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّة ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : يُقَال اِمْرَأَة مُرْضِع بِلَا هَاء مِثْل حَائِض , وَقَدْ أَرْضَعَتْ فَهِيَ مُرْضِعَة إِذَا بُنِيَ مِنْ الْفِعْل , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( تَذْهَل كُلّ مُرْضِعَة عَمَّا أَرْضَعَتْ ) قَالَ : وَرُوِيَ \" مُرْضَعًا \" بِفَتْحِ الْمِيم أَيْ إِرْضَاعًا اِنْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَ إِلَى حِكَايَة هَذَا الْوَجْه الْخَطَّابِيُّ , وَالْأَوَّل رِوَايَة الْجُمْهُور , وَفِي رِوَايَة عَمْرو الْمَذْكُورَة \" مُرْضِعًا تَرْضِعهُ فِي الْجَنَّة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى قِصَّة مَوْت إِبْرَاهِيم مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا بِك لَمَحْزُونُونَ \" وَإِيرَاد الْبُخَارِيّ لَهُ فِي هَذَا الْبَاب يُشْعِر بِاخْتِيَارِ الْقَوْل الصَّائِر إِلَى أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّة , فَكَأَنَّهُ تَوَقَّفَ فِيهِ أَوَّلًا ثُمَّ جَزَمَ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1294",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ‏",
        "sharh": "( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لَمْ يَسْمَع اِبْن عَبَّاس هَذَا الْحَدِيث مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بَيَّنَ ذَلِكَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق عَمَّار بْن أَبِي عَمَّار عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كُنْت أَقُول فِي أَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ : هُمْ مِنْهُمْ , حَتَّى حَدَّثَنِي رَجُل عَنْ رَجُل مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَقِيته فَحَدَّثَنِي عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ \" رَبّهمْ أَعْلَم بِهِمْ , هُوَ خَلَقَهُمْ وَهُوَ أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ \" فَأَمْسَكْت عَنْ قَوْلِي اِنْتَهَى. وَهَذَا أَيْضًا يَدْفَع الْقَوْل الْأَوَّل الَّذِي حَكَيْنَاهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1295",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اللَّه أَعْلَم ) ‏ ‏قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : مَعْنَى قَوْله \" بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ \" أَيْ لَوْ أَبْقَاهُمْ , فَلَا تَحْكُمُوا عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ. وَقَالَ غَيْره : أَيْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ شَيْئًا وَلَا يَرْجِعُونَ فَيَعْمَلُونَ أَوْ أَخْبَرَ بِعِلْمِ شَيْء لَوْ وُجِدَ كَيْفَ يَكُون , مِثْل قَوْله : ( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا ) وَلَكِنْ لَمْ يَرِد أَنَّهُمْ يُجَازَوْنَ بِذَلِكَ فِي الْآخِرَة لِأَنَّ الْعَبْد لَا يُجَازَى بِمَا لَمْ يَعْمَل. ( تَنْبِيه ) وَأَمَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَهُوَ طَرَف مِنْ ثَانِي أَحَادِيث الْبَاب كَمَا سَيَأْتِي فِي الْقَدَر مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَفِي آخِره \" قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , أَفَرَأَيْت مَنْ يَمُوت وَهُوَ صَغِير ؟ قَالَ : اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت لَوْ مَاتَ قَبْل ذَلِكَ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْو رِوَايَة هَمَّام , وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَقِبَهُ عَنْ اِبْن وَهْب سَمِعْت مَالِكًا وَقِيلَ لَهُ إِنَّ أَهْل الْأَهْوَاء يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِهَذَا الْحَدِيث يَعْنِي قَوْله \" فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ \" فَقَالَ مَالِك : اِحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِآخِرِهِ \" اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ \". وَوَجْه ذَلِكَ أَنَّ أَهْل الْقَدَر اِسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ اللَّه فَطَرَ الْعِبَاد عَلَى الْإِسْلَام وَأَنَّهُ لَا يُضِلّ أَحَدًا وَإِنَّمَا يُضِلّ الْكَافِرَ أَبَوَاهُ , فَأَشَارَ مَالِك إِلَى الرَّدّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ \" اللَّه أَعْلَم \" فَهُوَ دَالّ عَلَى أَنَّهُ يَعْلَم بِمَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ بَعْد إِيجَادهمْ عَلَى الْفِطْرَة , فَهُوَ دَلِيل عَلَى تَقَدَّمَ الْعِلْم الَّذِي يُنْكِرهُ غُلَاتهمْ , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيّ : أَهْل الْقَدَر إِنْ أَثْبَتُوا الْعِلْم خُصِمُوا. ‏"
    },
    {
        "id": "1296",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا ‏ ‏جَدْعَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ الزُّهْرِيّ , وَتَابَعَهُ يُونُس كَمَا تَقَدَّمَ قَبْل أَبْوَاب مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس , وَخَالَفَهُمَا الزُّبَيْدِيّ وَمَعْمَر فَرَوَيَاهُ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب بَدَل أَبِي سَلَمَة , وَأَخْرَجَهُ الذُّهْلِيّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ غَيْر ذِكْر وَاسِطَة. وَصَنِيع الْبُخَارِيّ يَقْتَضِي تَرْجِيح طَرِيق أَبِي سَلَمَة , وَصَنِيع مُسْلِم يَقْتَضِي تَصْحِيح الْقَوْلَيْنِ عَنْ الزُّهْرِيّ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الذُّهْلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( كُلّ مَوْلُود ) ‏ ‏أَيْ مِنْ بَنِي آدَم , وَصَرَّحَ بِهِ جَعْفَر بْن رَبِيعَة عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" كُلّ بَنِي آدَم يُولَد عَلَى الْفِطْرَة \" وَكَذَا رَوَاهُ خَالِد الْوَاسِطِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج ذَكَرَهَا اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَاسْتَشْكَلَ هَذَا التَّرْكِيب بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلّ مَوْلُود يَقَع لَهُ التَّهْوِيد وَغَيْره مِمَّا ذُكِرَ , وَالْفَرْض أَنَّ بَعْضهمْ يَسْتَمِرّ مُسْلِمًا وَلَا يَقَع لَهُ شَيْء , وَالْجَوَاب أَنَّ الْمُرَاد مِنْ التَّرْكِيب أَنَّ الْكُفْر لَيْسَ مِنْ ذَات الْمَوْلُود وَمُقْتَضَى طَبْعِهِ , بَلْ إِنَّمَا حَصَلَ بِسَبَبٍ خَارِجِيّ , فَإِنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ السَّبَب اِسْتَمَرَّ عَلَى الْحَقّ. وَهَذَا يُقَوِّي الْمَذْهَب الصَّحِيح فِي تَأْوِيل الْفِطْرَة كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( يُولَد عَلَى الْفِطْرَة ) ‏ ‏ظَاهِره تَعْمِيم الْوَصْف الْمَذْكُور فِي جَمِيع الْمَوْلُودِينَ , وَأَصْرَح مِنْهُ رِوَايَة يُونُس الْمُتَقَدِّمَة بِلَفْظِ \" مَا مِنْ مَوْلُود إِلَّا يُولَد عَلَى الْفِطْرَة \" , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" لَيْسَ مِنْ مَوْلُود يُولَد إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَة حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانه \" , وَفِي رِوَايَة لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" مَا مِنْ مَوْلُود إِلَّا وَهُوَ عَلَى الْمِلَّة \". وَحَكَى اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ قَوْم أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْعُمُوم , وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنَّ كُلّ مَنْ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَة وَكَانَ لَهُ أَبَوَانِ عَلَى غَيْر الْإِسْلَام نَقَلَاهُ إِلَى دِينهمَا , فَتَقْدِير الْخَبَر عَلَى هَذَا : كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة وَأَبَوَاهُ يَهُودِيَّانِ مَثَلًا فَإِنَّهُمَا يُهَوِّدَانِهِ ثُمَّ يَصِير عِنْد بُلُوغه إِلَى مَا يُحْكَم بِهِ عَلَيْهِ. وَيَكْفِي فِي الرَّدّ عَلَيْهِمْ رِوَايَة أَبِي صَالِح الْمُتَقَدِّمَة. وَأَصْرَح مِنْهَا رِوَايَة جَعْفَر بْن رَبِيعَة بِلَفْظِ \" كُلّ بَنِي آدَم يُولَد عَلَى الْفِطْرَة \" وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي الْمُرَاد بِالْفِطْرَةِ فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَقْوَال كَثِيرَة , وَحَكَى أَبُو عُبَيْد أَنَّهُ سَأَلَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن صَاحِب أَبِي حَنِيفَة عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : كَانَ هَذَا فِي أَوَّل الْإِسْلَام قَبْل أَنْ تَنْزِل الْفَرَائِض , وَقَبْل الْأَمْر بِالْجِهَادِ. قَالَ أَبُو عُبَيْد : كَأَنَّهُ عَنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَد عَلَى الْإِسْلَام فَمَاتَ قَبْل أَنْ يُهَوِّدهُ أَبَوَاهُ مَثَلًا لَمْ يَرِثَاهُ. وَالْوَاقِع فِي الْحُكْم أَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ فَدَلَّ عَلَى تَغَيُّر الْحُكْم. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره. وَسَبَب الِاشْتِبَاه أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى أَحْكَام الدُّنْيَا , فَلِذَلِكَ اِدَّعَى فِيهِ النَّسْخ , وَالْحَقّ أَنَّهُ إِخْبَار مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا وَقَعَ فِي نَفْس الْأَمْر , وَلَمْ يُرِدْ بِهِ إِثْبَات أَحْكَام الدُّنْيَا. وَأَشْهَرُ الْأَقْوَال أَنَّ الْمُرَاد بِالْفِطْرَةِ الْإِسْلَام , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَهُوَ الْمَعْرُوف عِنْد عَامَّة السَّلَف. وَأَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم بِالتَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا ) الْإِسْلَام , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَة فِي آخِر حَدِيث الْبَاب : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا ) وَبِحَدِيثِ عِيَاض بْن حِمَار عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيه عَنْ رَبّه \" إِنِّي خَلَقْت عِبَادِي حُنَفَاء كُلّهمْ , فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِين عَنْ دِينهمْ \" الْحَدِيث. وَقَدْ رَوَاهُ غَيْره فَزَادَ فِيهِ \" حُنَفَاء مُسْلِمِينَ \" وَرَجَّحَهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فِطْرَة اللَّه ) لِأَنَّهَا إِضَافَة مَدْح , وَقَدْ أَمَرَ نَبِيّه بِلُزُومِهَا , فَعُلِمَ أَنَّهَا الْإِسْلَام. وَقَالَ اِبْن جَرِير : قَوْله : ( فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ ) أَيْ سَدِّدْ لِطَاعَتِهِ ( حَنِيفًا ) أَيْ مُسْتَقِيمًا ( فِطْرَة اللَّه ) أَيْ صِبْغَة اللَّه , وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى الْمَصْدَر الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْل الْأَوَّل , أَوْ مَنْصُوب بِفِعْلٍ مُقَدَّر , أَيْ اِلْزَمْ. وَقَدْ سَبَقَ قَبْل أَبْوَاب قَوْل الزُّهْرِيّ فِي الصَّلَاة عَلَى الْمَوْلُود : مِنْ أَجْل أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَة الْإِسْلَام , وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير سُورَة الرُّوم جَزَمَ الْمُصَنِّف بِأَنَّ الْفِطْرَة الْإِسْلَام , وَقَدْ قَالَ أَحْمَد : مَنْ مَاتَ أَبَوَاهُ وَهُمَا كَافِرَانِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَاب فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فَسَّرَ الْفِطْرَة بِالْإِسْلَامِ. وَتَعَقَّبَهُ بَعْضهمْ بِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَم أَنْ لَا يَصِحّ اِسْتِرْقَاقه , وَلَا يُحْكَم بِإِسْلَامِهِ إِذَا أَسْلَمَ أَحَد أَبَوَيْهِ. وَالْحَقّ أَنَّ الْحَدِيث سِيقَ لِبَيَانِ مَا هُوَ فِي نَفْس الْأَمْر , لَا لِبَيَانِ الْأَحْكَام فِي الدُّنْيَا. وَحَكَى مُحَمَّد بْن نَصْر أَنَّ آخِر قَوْلَيْ أَحْمَد أَنَّ الْمُرَاد بِالْفِطْرَةِ الْإِسْلَام. قَالَ اِبْن الْقَيِّم : وَقَدْ جَاءَ عَنْ أَحْمَد أَجْوِبَة كَثِيرَة يُحْتَجّ فِيهَا بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الطِّفْل إِنَّمَا يُحْكَم بِكُفْرِهِ بِأَبَوَيْهِ , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْن أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ فَهُوَ مُسْلِم. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة أَنَّهُ قَالَ : الْمُرَاد أَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ أَخَذَ اللَّه عَلَيْهِمْ الْعَهْد حَيْثُ قَالَ ( أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) وَنَقَلَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ الْأَوْزَاعِيّ وَعَنْ سَحْنُون , وَنَقَلَهُ أَبُو يَعْلَى بْن الْفَرَّاء عَنْ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد , وَهُوَ مَا حَكَاهُ الْمَيْمُونِيّ عَنْهُ وَذَكَرَهُ اِبْن بَطَّة , وَقَدْ سَبَقَ فِي \" بَاب إِسْلَام الصَّبِيّ \" فِي آخِر حَدِيث الْبَاب مِنْ طَرِيق يُونُس ثُمَّ يَقُول ( فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا - إِلَى قَوْله - الْقَيِّم ) وَظَاهِره أَنَّهُ مِنْ الْحَدِيث الْمَرْفُوع , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مِنْ كَلَام أَبِي هُرَيْرَة أُدْرِجَ فِي الْخَبَر , بَيَّنَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ وَلَفْظه \" ثُمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ \" قَالَ الطِّيْبِيّ : ذِكْر هَذِهِ الْآيَة عَقِب هَذَا الْحَدِيث يُقَوِّي مَا أَوَّلَهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة مِنْ أَوْجُه : أَحَدهَا أَنَّ التَّعْرِيف فِي قَوْله \" عَلَى الْفِطْرَة \" إِشَارَة إِلَى مَعْهُود وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ( فِطْرَة اللَّه ) وَمَعْنَى الْمَأْمُور فِي قَوْله : ( فَأَقِمْ وَجْهك ) أَيْ اُثْبُتْ عَلَى الْعَهْد الْقَدِيم. ثَانِيهَا وُرُود الرِّوَايَة بِلَفْظِ \" الْمِلَّة \" بَدَل الْفِطْرَة وَ \" الدِّين \" فِي قَوْله : ( لِلدِّينِ حَنِيفًا ) هُوَ عَيْن الْمِلَّة , قَالَ تَعَالَى ( دِينًا قِيَمًا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفًا ) وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث عِيَاض الْمُتَقَدِّم. ثَالِثهَا التَّشْبِيه بِالْمَحْسُوسِ الْمُعَايَن لِيُفِيدَ أَنَّ ظُهُوره يَقَع فِي الْبَيَان مَبْلَغ هَذَا الْمَحْسُوس , قَالَ. وَالْمُرَاد تَمَكُّن النَّاس مِنْ الْهُدَى فِي أَصْل الْجِبِلَّة , وَالتَّهَيُّؤ لِقَبُولِ الدِّين , فَلَوْ تُرِكَ الْمَرْء عَلَيْهَا لَاسْتَمَرَّ عَلَى لُزُومهَا وَلَمْ يُفَارِقهَا إِلَى غَيْرهَا , لِأَنَّ حُسْن هَذَا الدِّين ثَابِت فِي النُّفُوس , وَإِنَّمَا يُعْدَل عَنْهُ لِآفَةٍ مِنْ الْآفَات الْبَشَرِيَّة كَالتَّقْلِيدِ اِنْتَهَى. وَإِلَى هَذَا مَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" فَقَالَ : الْمَعْنَى أَنَّ اللَّه خَلَقَ قُلُوب بَنِي آدَم مُؤَهَّلَة لِقَبُولِ الْحَقّ , كَمَا خَلَقَ أَعْيُنهمْ وَأَسْمَاعهمْ قَابِلَة لِلْمَرْئِيَّاتِ وَالْمَسْمُوعَات , فَمَا دَامَتْ بَاقِيَة عَلَى ذَلِكَ الْقَبُول وَعَلَى تِلْكَ الْأَهْلِيَّة أَدْرَكَتْ الْحَقّ , وَدِين الْإِسْلَام هُوَ الدِّين الْحَقّ , وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بَقِيَّة الْحَدِيث حَيْثُ قَالَ \" كَمَا تُنْتَج الْبَهِيمَة \" يَعْنِي أَنَّ الْبَهِيمَة تَلِد الْوَلَد كَامِل الْخِلْقَة , فَلَوْ تُرِكَ كَذَلِكَ كَانَ بَرِيئًا مِنْ الْعَيْب , لَكِنَّهُمْ تَصَرَّفُوا فِيهِ بِقَطْعِ أُذُنه مَثَلًا فَخَرَجَ عَنْ الْأَصْل , وَهُوَ تَشْبِيه وَاقِع وَوَجْهه وَاضِح وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ اِبْن الْقَيِّم : لَيْسَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" يُولَد عَلَى الْفِطْرَة \" أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْن أُمّه يَعْلَم الدِّين , لِأَنَّ اللَّه يَقُول ( وَاَللَّه أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُون أُمَّهَاتكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ) وَلَكِنَّ الْمُرَاد أَنَّ فِطْرَته مُقْتَضِيَة لِمَعْرِفَةِ دِين الْإِسْلَام وَمَحَبَّته , فَنَفْس الْفِطْرَة تَسْتَلْزِم الْإِقْرَار وَالْمَحَبَّة , وَلَيْسَ الْمُرَاد مُجَرَّد قَبُول الْفِطْرَة لِذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَا يَتَغَيَّر بِتَهْوِيدِ الْأَبَوَيْنِ مَثَلًا بِحَيْثُ يُخْرِجَانِ الْفِطْرَة عَنْ الْقَبُول , وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنَّ كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى إِقْرَاره بِالرُّبُوبِيَّةِ , فَلَوْ خُلِّيَ وَعَدَم الْمُعَارِض لَمْ يَعْدِل عَنْ ذَلِكَ إِلَى غَيْره , كَمَا أَنَّهُ يُولَد عَلَى مَحَبَّة مَا يُلَائِم بَدَنه مِنْ اِرْتِضَاع اللَّبَن حَتَّى يَصْرِفهُ عَنْهُ الصَّارِف , وَمِنْ ثَمَّ شُبِّهَتْ الْفِطْرَة بِاللَّبَنِ بَلْ كَانَتْ إِيَّاهُ فِي تَأْوِيل الرُّؤْيَا. وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي الْمَسْأَلَة أَقْوَال أُخَر ذَكَرَهَا اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره : مِنْهَا قَوْل اِبْن الْمُبَارَك أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ يُولَد عَلَى مَا يَصِير إِلَيْهِ مِنْ شَقَاوَة أَوْ سَعَادَة , فَمَنْ عَلِمَ اللَّه أَنَّهُ يَصِير مُسْلِمًا وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَام , وَمَنْ عَلِمَ اللَّه أَنَّهُ يَصِير كَافِرًا وُلِدَ عَلَى الْكُفْر , فَكَأَنَّهُ أَوَّلَ الْفِطْرَة بِالْعِلْمِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ \" فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ إِلَخْ \" مَعْنًى لِأَنَّهُمَا فَعَلَا بِهِ مَا هُوَ الْفِطْرَة الَّتِي وُلِدَ عَلَيْهَا فَيُنَافِي فِي التَّمْثِيل بِحَالِ الْبَهِيمَة. وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ اللَّه خَلَقَ فِيهِمْ الْمَعْرِفَة وَالْإِنْكَار , فَلَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاق مِنْ الذُّرِّيَّة قَالُوا جَمِيعًا ( بَلَى ) أَمَّا أَهْل السَّعَادَة فَقَالُوهَا طَوْعًا , وَأَمَّا أَهْل الشَّقَاوَة فَقَالُوهَا كُرْهًا. وَقَالَ مُحَمَّد بْن نَصْر : سَمِعْت إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ يَذْهَب إِلَى هَذَا الْمَعْنَى وَيُرَجِّحُهُ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَحْتَاج إِلَى نَقْل صَحِيح , فَإِنَّهُ لَا يُعْرَف هَذَا التَّفْصِيل عِنْد أَخْذ الْمِيثَاق إِلَّا عَنْ السُّدِّيّ وَلَمْ يُسْنِدهُ , وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ الْإِسْرَائِيلِيَّات , حَكَاهُ اِبْن الْقَيِّم عَنْ شَيْخه. وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَاد بِالْفِطْرَةِ الْخِلْقَة أَيْ يُولَد سَالِمًا لَا يَعْرِف كُفْرًا وَلَا إِيمَانًا , ثُمَّ يَعْتَقِد إِذَا بَلَغَ التَّكْلِيف , وَرَجَّحَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَقَالَ : إِنَّهُ يُطَابِق التَّمْثِيل بِالْبَهِيمَةِ وَلَا يُخَالِف حَدِيث عِيَاض لِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( حَنِيفًا ) أَيْ عَلَى اِسْتِقَامَة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقْتَصِر فِي أَحْوَال التَّبْدِيل عَلَى مِلَل الْكُفْر دُون مِلَّة الْإِسْلَام , وَلَمْ يَكُنْ لِاسْتِشْهَادِ أَبِي هُرَيْرَة بِالْآيَةِ مَعْنًى. وَمِنْهَا قَوْل بَعْضهمْ : إِنَّ اللَّام فِي الْفِطْرَة لِلْعَهْدِ أَيْ فِطْرَة أَبَوَيْهِ , وَهُوَ مُتَعَقَّب بِمَا ذُكِرَ فِي الَّذِي قَبْله. وَيُؤَيِّد الْمَذْهَب الصَّحِيح أَنَّ قَوْله \" فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ إِلَخْ \" لَيْسَ فِيهِ لِوُجُودِ الْفِطْرَة شَرْط بَلْ ذُكِرَ مَا يَمْنَع مُوجِبهَا كَحُصُولِ الْيَهُودِيَّة مَثَلًا مُتَوَقِّف عَلَى أَشْيَاء خَارِجَة عَنْ الْفِطْرَة , بِخِلَافِ الْإِسْلَام. وَقَالَ اِبْن الْقَيِّم : سَبَب اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى الْفِطْرَة فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْقَدَرِيَّة كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى أَنَّ الْكُفْر وَالْمَعْصِيَة لَيْسَا بِقَضَاءِ اللَّه بَلْ مِمَّا اِبْتَدَأَ النَّاس إِحْدَاثه , فَحَاوَلَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء مُخَالَفَتهمْ بِتَأْوِيلِ الْفِطْرَة عَلَى غَيْر مَعْنَى الْإِسْلَام , وَلَا حَاجَة لِذَلِكَ , لِأَنَّ الْآثَار الْمَنْقُولَة عَنْ السَّلَف تَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ لَفْظ الْفِطْرَة إِلَّا الْإِسْلَام , وَلَا يَلْزَم مِنْ حَمْلِهَا عَلَى ذَلِكَ مُوَافَقَة مَذْهَب الْقَدَرِيَّة , لِأَنَّ قَوْله : \" فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ إِلَخْ \" مَحْمُول عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَقَع بِتَقْدِيرِ اللَّه تَعَالَى , وَمِنْ ثَمَّ اِحْتَجَّ عَلَيْهِمْ مَالِك بِقَوْلِهِ فِي آخِر الْحَدِيث \" اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَبَوَاهُ ) ‏ ‏أَيْ الْمَوْلُود , قَالَ الطِّيبِيّ : الْفَاء أَمَّا لِلتَّعْقِيبِ أَوْ السَّبَبِيَّة أَوْ جَزَاء شَرْط مُقَدَّر , أَيْ إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَنْ تَغَيَّرَ كَانَ بِسَبَبِ أَبَوَيْهِ إِمَّا بِتَعْلِيمِهِمَا إِيَّاهُ أَوْ بِتَرْغِيبِهِمَا فِيهِ , وَكَوْنُهُ تَبَعًا لَهُمَا فِي الدِّين يَقْتَضِي أَنْ يَكُون حُكْمه حُكْمهمَا. وَخُصَّ الْأَبَوَانِ بِالذِّكْرِ لِلْغَالِبِ , فَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَنْ حَكَمَ بِإِسْلَامِ الطِّفْل الَّذِي يَمُوت أَبَوَاهُ كَافِرَيْنِ كَمَا هُوَ قَوْل أَحْمَد , فَقَدْ اِسْتَمَرَّ عَمَل الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدهمْ عَلَى عَدَم التَّعَرُّض لِأَطْفَالِ أَهْل الذِّمَّة. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَثَلِ الْبَهِيمَة تُنْتَج الْبَهِيمَة ) ‏ ‏أَيْ تَلِدهَا فَالْبَهِيمَة الثَّانِيَة بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة وَقَدْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ \" كَمَا تُنْتَج الْبَهِيمَة بَهِيمَة \" , قَالَ الطِّيبِيّ : قَوْله \" كَمَا \" حَال مِنْ الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي \" يُهَوِّدَانِهِ \" أَيْ يُهَوِّدَانِ الْمَوْلُود بَعْد أَنْ خُلِقَ عَلَى الْفِطْرَة تَشْبِيهًا بِالْبَهِيمَةِ الَّتِي جُدِعَتْ بَعْد أَنْ خُلِقَتْ سَلِيمَة , أَوْ هُوَ صِفَة مَصْدَر مَحْذُوف أَيْ يُغَيِّرَانِهِ تَغْيِيرًا مِثْل تَغْيِيرهمْ الْبَهِيمَة السَّلِيمَة , قَالَ : وَقَدْ تَنَازَعَتْ الْأَفْعَال الثَّلَاثَة فِي \" كَمَا \" عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. قَوْله : ( تُنْتَج ) بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون النُّون وَفَتْح الْمُثَنَّاة بَعْدهَا جِيم , قَالَ أَهْل اللُّغَة : نُتِجَتْ النَّاقَة عَلَى صِيغَة مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله تُنْتَج بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَأَنْتَجَ الرَّجُل نَاقَته يُنْتِجهَا إِنْتَاجًا , زَادَ فِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة \" بَهِيمَة جَمْعَاء \" أَيْ لَمْ يَذْهَب مِنْ بَدَنهَا شَيْء , سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ أَعْضَائِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاء ) ‏ ‏؟ قَالَ الطِّيبِيّ : هُوَ فِي مَوْضِع الْحَال أَيْ سَلِيمَة مَقُولًا فِي حَقّهَا ذَلِكَ , وَفِيهِ نَوْع التَّأْكِيد أَيْ إِنَّ كُلّ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا قَالَ ذَلِكَ لِظُهُورِ سَلَامَتهَا. وَالْجَدْعَاء الْمَقْطُوعَة الْأُذُن , فَفِيهِ إِيمَاء إِلَى أَنَّ تَصْمِيمهمْ عَلَى الْكُفْر كَانَ بِسَبَبِ صَمَمهمْ عَنْ الْحَقّ. وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة بِلَفْظِ \" هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاء \" وَهُوَ مِنْ الْإِحْسَاس وَالْمُرَاد بِهِ الْعِلْم بِالشَّيْءِ , يُرِيد أَنَّهَا تُولَد لَا جَدْع فِيهَا وَإِنَّمَا يَجْدَعهَا أَهْلهَا بَعْد ذَلِكَ. وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير سُورَة الرُّوم أَنَّ مَعْنَى قَوْله : ( لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه ) أَيْ لِدِينِ اللَّه وَتَوْجِيه ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ذَكَرَ اِبْن هِشَام فِي \" الْمُغْنِي \" عَنْ اِبْن هِشَام الْخَضْرَاوِيّ أَنَّهُ جَعَلَ هَذَا الْحَدِيث شَاهِدًا لِوُرُودِ \" حَتَّى \" لِلِاسْتِثْنَاءِ , فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ \" كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة حَتَّى يَكُون أَبَوَاهُ هُمَا اللَّذَانِ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ \" وَقَالَ : وَلَك أَنْ تُخَرِّجهُ عَلَى أَنَّ فِيهِ حَذْفًا أَيْ يُولَد عَلَى الْفِطْرَة وَيَسْتَمِرّ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَكُون , يَعْنِي فَتَكُون لِلْغَايَةِ عَلَى بَابهَا اِنْتَهَى. وَمَالَ صَاحِب \" الْمُغْنِي \" فِي مَوْضِع آخَر إِلَى أَنَّهُ ضَمَّنَ \" يُولَد \" مَعْنَى يَنْشَأ مَثَلًا , وَقَدْ وَجَدْت الْحَدِيث فِي تَفْسِير اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد بْن سَرِيع بِلَفْظِ \" لَيْسَتْ نَسَمَة تُولَد إِلَّا وُلِدَتْ عَلَى الْفِطْرَة , فَمَا تَزَال عَلَيْهَا حَتَّى يَبِين عَنْهَا لِسَانهَا \" الْحَدِيث. وَهُوَ يُؤَيِّد الِاحْتِمَال الْمَذْكُور. وَاللَّفْظ الَّذِي سَاقَهُ الْخَضْرَاوِيّ لَمْ أَرَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا غَيْرهمَا , إِلَّا عِنْد مُسْلِم كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة \" حَتَّى يُعْرِب عَنْهُ لِسَانه \" ثُمَّ وَجَدْت أَبَا نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه عَلَى مُسْلِم أَوْرَدَ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق كَثِير بْن عُبَيْد عَنْ مُحَمَّد بْن حَرْب عَنْ الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ بِلَفْظِ \" مَا مِنْ مَوْلُود يُولَد فِي بَنِي آدَم إِلَّا يُولَد عَلَى الْفِطْرَة , حَتَّى يَكُون أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ \" الْحَدِيث. وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَهُوَ عِنْد مُسْلِم عَنْ حَاجِب بْن الْوَلِيد عَنْ مُحَمَّد بْن حَرْب بِلَفْظِ \" مَا مِنْ مَوْلُود إِلَّا يُولَد عَلَى الْفِطْرَة , أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ \" الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "1297",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ مَنْ رَأَى مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا قَالَ فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا قُلْنَا لَا قَالَ ‏ ‏لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى ‏ ‏الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ‏ ‏فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ ‏ ‏كَلُّوبٌ ‏ ‏مِنْ حَدِيدٍ ‏ ‏قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏إِنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ ‏ ‏الْكَلُّوبَ ‏ ‏فِي شِدْقِهِ ‏ ‏حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ ‏ ‏وَيَلْتَئِمُ ‏ ‏شِدْقُهُ هَذَا فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ قُلْتُ مَا هَذَا قَالَا انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ ‏ ‏بِفِهْرٍ ‏ ‏أَوْ صَخْرَةٍ ‏ ‏فَيَشْدَخُ ‏ ‏بِهِ رَأْسَهُ فَإِذَا ضَرَبَهُ ‏ ‏تَدَهْدَهَ ‏ ‏الْحَجَرُ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى ‏ ‏يَلْتَئِمَ ‏ ‏رَأْسُهُ وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَا انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ ‏ ‏التَّنُّورِ ‏ ‏أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَا انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ‏ ‏وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي ‏ ‏فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي ‏ ‏فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ فَقُلْتُ مَا هَذَا قَالَا انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنْ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ وَأَدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ قُلْتُ طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ قَالَا نَعَمْ أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالَّذِي رَأَيْتَهُ ‏ ‏يُشْدَخُ ‏ ‏رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمْ الزُّنَاةُ وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُوا الرِّبَا وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏خَازِنُ النَّارِ وَالدَّارُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ وَأَنَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏وَهَذَا ‏ ‏مِيكَائِيلُ ‏ ‏فَارْفَعْ رَأْسَكَ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ قَالَا ذَاكَ مَنْزِلُكَ قُلْتُ دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي قَالَا إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَوْ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصَّة اِبْن صَيَّاد وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْبَاب الْمُشَار إِلَيْهِ فِي الْجِهَاد , وَمَقْصُود الْبُخَارِيّ مِنْهُ الِاسْتِدْلَال هُنَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ صَيَّاد \" أَتَشَهَّد أَنِّي رَسُول اللَّه \" ؟ وَكَانَ إِذْ ذَاكَ دُون الْبُلُوغ ‏ ‏قَوْله : \" أُطُم \" ‏ ‏بِضَمَّتَيْنِ بِنَاء كَالْحِصْنِ. ‏ ‏وَ \" مَغَالَة \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَالْمُعْجَمَة الْخَفِيفَة بَطْن مِنْ الْأَنْصَار , وَابْن صَيَّاد فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ صَائِد وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ كَانَ يُدْعَى بِهِ , وَقَوْله \" فَرَفَضَهُ \" لِلْأَكْثَرِ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة أَيْ تَرَكَهُ , قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : أَنْكَرَهَا الْقَاضِي. وَلِبَعْضِهِمْ بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ دَفَعَهُ بِرِجْلِهِ , قَالَ عِيَاض : كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ غَيْر الْمُسْتَمْلِي وَلَا وَجْه لَهَا. قَالَ الْمَازِرِيّ : لَعَلَّهُ رَفَسَهُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة أَيْ ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ , قَالَ عِيَاض : لَمْ أَجِد هَذِهِ اللَّفْظَة فِي جَمَاهِير اللُّغَة يَعْنِي بِالصَّادِ , قَالَ : وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ بِالْقَافِ بَدَلَ الْفَاء , وَفِي رِوَايَة عَبْدُوس \" فَوَقَصَهُ \" بِالْوَاوِ وَالْقَاف , وَقَوْله \" وَهُوَ يَخْتِل \" بِمُعْجَمَةِ سَاكِنَة بَعْدهَا مُثَنَّاة مَكْسُورَة أَيْ يَخْدَعهُ , وَالْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ يُرِيد أَنْ يَسْتَغْفِلهُ لِيَسْمَع كَلَامه وَهُوَ لَا يَشْعُر. ‏ ‏قَوْله : ( لَهُ فِيهَا رَمْزَة أَوْ زُمْرَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الشَّكّ فِي تَقْدِيم الرَّاء عَلَى الزَّاي أَوْ تَأْخِيرهَا , وَلِبَعْضِهِمْ \" زَمْزَمَة أَوْ رَمْرَمَة \" عَلَى الشَّكّ هَلْ هُوَ بِزَايَيْنِ أَوْ بِرَاءَيْنِ مَعَ زِيَادَة مِيم فِيهِمَا , وَمَعَانِي هَذِهِ الْكَلِمَات الْمُخْتَلِفَة مُتَقَارِبَة , فَأَمَّا الَّتِي بِتَقْدِيمِ الرَّاء وَمِيم وَاحِدَة فَهِيَ فَعْلَة مِنْ الرَّمْز وَهُوَ الْإِشَارَة , وَأَمَّا الَّتِي بِتَقْدِيمِ الزَّاي كَذَلِكَ فَمِنْ الزَّمْر وَالْمُرَاد حِكَايَة صَوْته , وَأَمَّا الَّتِي بِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَمِيمَيْنِ فَأَصْله مِنْ الْحَرَكَة وَهِيَ هُنَا بِمَعْنَى الصَّوْت الْخَفِيّ , وَأَمَّا الَّتِي بِالْمُعْجَمَتَيْنِ كَذَلِكَ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ تَحْرِيك الشَّفَتَيْنِ بِالْكَلَامِ , وَقَالَ غَيْره : وَهُوَ كَلَام الْعُلُوج وَهُوَ صَوْت يُصَوَّت مِنْ الْخَيَاشِيم وَالْحَلْق. ‏ ‏قَوْله : ( فَثَارَ اِبْن صَيَّاد ) ‏ ‏أَيْ قَامَ كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وللْكُشْمِيهَنِيّ \" فَثَابَ \" بِمُوَحَّدَةٍ أَيْ رَجَعَ عَنْ الْحَالَة الَّتِي كَانَ فِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ شُعَيْب زَمْزَمَة فَرَفَصَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ بِالزَّايَيْنِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَة , وَفِي رِوَايَة غَيْره \" وَقَالَ شُعَيْب فِي حَدِيثه فَرَفَصَهُ زَمْزَمَة أَوْ رَمْرَمَة \" بِالشَّكِّ. وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَب مَوْصُولًا مِنْ هَذَا الْوَجْه بِالشَّكِّ , لَكِنْ فِيهِ \" فَرَصَّهُ \" بِغَيْرِ فَاءَ وَبِالتَّشْدِيدِ , وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي غَرِيبه بِمُهْمَلَةٍ أَيْ ضَغَطَهُ وَضَمَّ بَعْضه إِلَى بَعْض. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ إِسْحَاق الْكَلْبِيّ وَعُقَيْل رَمْرَمَة ) ‏ ‏يَعْنِي بِمُهْمَلَتَيْنِ ‏ ‏( وَقَالَ مَعْمَر رَمْزَة ) ‏ ‏يَعْنِي بِرَاءٍ ثُمَّ زَاي , أَمَّا رِوَايَة إِسْحَاق فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيّ فِي الزُّهْرِيَّات وَسَقَطَتْ مِنْ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والْكُشْمِيهَنِيّ وَأَبِي الْوَقْت , وَأَمَّا رِوَايَة عُقَيْل فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي الْجِهَاد وَكَذَا رِوَايَة مَعْمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "1298",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ فِي كَمْ كَفَّنْتُمْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ ‏ ‏سَحُولِيَّةٍ ‏ ‏لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ وَقَالَ لَهَا فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ يَوْمَ ‏ ‏الِاثْنَيْنِ قَالَ فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالَتْ يَوْمُ ‏ ‏الِاثْنَيْنِ قَالَ أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُونِي فِيهَا قُلْتُ إِنَّ هَذَا ‏ ‏خَلَقٌ ‏ ‏قَالَ إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ عَائِشَة : دَخَلْت عَلَى أَبِي بَكْر ) ‏ ‏تَعْنِي أَبَاهَا , زَادَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَرَأَيْت بِهِ الْمَوْت , فَقُلْت هَيِّجْ هَيِّجْ ‏ ‏مَنْ لَا يَزَال دَمْعه مُقَنَّعًا ‏ ‏فَإِنَّهُ فِي مَرَّة مَدْفُوق ‏ ‏فَقَالَ : لَا تَقُولِي هَذَا , وَلَكِنْ قَوْلِي ( وَجَاءَتْ سَكْرَة الْمَوْت بِالْحَقِّ ) الْآيَة - ثُمَّ قَالَ - فِي أَيّ يَوْم \" الْحَدِيث. وَهَذِهِ الزِّيَادَة أَخْرَجَهَا اِبْن سَعْد مُفْرَدَة عَنْ أَبِي سَامَة عَنْ هِشَام. وَقَوْلهَا \" هَيِّجْ \" بِالْجِيمِ حِكَايَة بُكَائِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فِي كَمْ كَفَّنْتُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ كَمْ ثَوْبًا كَفَّنْتُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ ؟ وَقَوْله \" فِي كَمْ \" مَعْمُول مُقَدَّم لِكَفَّنْتُمْ , قِيلَ : ذَكَرَ لَهَا أَبُو بَكْر ذَلِكَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَام تَوْطِئَة لَهَا لِلصَّبْرِ عَلَى فَقْده , وَاسْتِنْطَاقًا لَهَا بِمَا يُعْلَم أَنَّهُ يَعْظُم عَلَيْهَا ذِكْره , لِمَا فِي بُدَاءَته لَهَا بِذَلِكَ مِنْ إِدْخَال الْغَمّ الْعَظِيم عَلَيْهَا , لِأَنَّهُ يَبْعُد أَنْ يَكُون أَبُو بَكْر نَسِيَ مَا سَأَلَ عَنْهُ مَعَ قُرْب الْعَهْد , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون السُّؤَال عَنْ قَدْر الْكَفَن عَلَى حَقِيقَته , لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُر ذَلِكَ لِاشْتِغَالِهِ بِأَمْرِ الْبَيْعَة. وَأَمَّا تَعْيِين الْيَوْم فَنِسْيَانه أَيْضًا مُحْتَمَل لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُفِنَ لَيْلَة الْأَرْبِعَاء , فَيُمْكِن أَنْ يَحْصُل التَّرَدُّد هَلْ مَاتَ يَوْم الِاثْنَيْنِ أَوْ الثُّلَاثَاء. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الْكَفَن فِي مَوْضِعه. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت يَوْم الِاثْنَيْنِ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ , وَقَوْلهَا بَعْد ذَلِكَ \" قُلْت يَوْم الِاثْنَيْنِ \" بِالرَّفْعِ أَيْ هَذَا يَوْم الِاثْنَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْن اللَّيْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" اللَّيْلَة \" وَلِابْنِ سَعْد مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" أَوَّل بَدْء مَرَض أَبِي بَكْر أَنَّهُ اِغْتَسَلَ يَوْم الِاثْنَيْنِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَة , وَكَانَ يَوْمًا بَارِدًا , فَحُمَّ خَمْسَة عَشَر يَوْمًا , وَمَاتَ مَسَاء لَيْلَة الثُّلَاثَاء لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَة سَنَة ثَلَاثَ عَشْرَةَ \" وَأَشَارَ الزَّيْن بْن الْمُنِير إِلَى أَنَّ الْحِكْمَة فِي تَأَخُّر وَفَاته عَنْ يَوْم الِاثْنَيْنِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبّ ذَلِكَ وَيُرَغِّب فِيهِ لِكَوْنِهِ قَامَ فِي الْأَمْر بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَاسَبَ أَنْ تَكُون وَفَاته مُتَأَخِّرَة عَنْ الْوَقْت الَّذِي قُبِضَ فِيهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( بِهِ رَدْع ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا عَيْن مُهْمَلَة أَيْ لَطْخ لَمْ يَعُمّهُ كُلّه. ‏ ‏قَوْله : ( وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن سَعْد عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام \" جَدِيدَيْنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَكَفِّنُونِي فِيهِمَا ) ‏ ‏أَيْ الْمَزِيد وَالْمَزِيد عَلَيْهِ , وَفِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" فِيهَا \" أَيْ الثَّلَاثَة. ‏ ‏قَوْله : ( خَلَق ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَاللَّام أَيْ غَيْر جَدِيد , وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عِنْد اِبْن سَعْد \" أَلَا نَجْعَلهَا جُدُدًا كُلّهَا ؟ قَالَ : لَا , \" , وَظَاهِره أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ يَرَى عَدَم الْمُغَالَاة فِي الْأَكْفَان. وَيُؤَيِّدهُ قَوْله بَعْد ذَلِكَ \" إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ \" وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَلِيّ مَرْفُوعًا \" لَا تُغَالُوا فِي الْكَفَن فَإِنَّهُ يُسْلَب سَرِيعًا \" وَلَا يُعَارِضهُ حَدِيث جَابِر فِي الْأَمْر بِتَحْسِينِ الْكَفَن أَخْرَجَهُ مُسْلِم , فَإِنَّهُ يُجْمَع بَيْنهمَا بِحَمْلِ التَّحْسِين عَلَى الصِّفَة وَحَمْل الْمُغَالَاة عَلَى الثَّمَن. وَقِيلَ التَّحْسِين حَقّ الْمَيِّت , فَإِذَا أَوْصَى بِتَرْكِهِ اُتُّبِعَ كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيق , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِخْتَارَ ذَلِكَ الثَّوْب بِعَيْنِهِ لِمَعْنًى فِيهِ مِنْ التَّبَرُّك بِهِ لِكَوْنِهِ صَارَ إِلَيْهِ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ جَاهَدَ فِيهِ أَوْ تَعَبَّدَ فِيهِ. وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْر \" كَفِّنُونِي فِي ثَوْبَيَّ اللَّذَيْنِ كُنْت أُصَلِّي فِيهِمَا \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا هُوَ ) ‏ ‏أَيْ الْكَفَن. ‏ ‏قَوْله : ( لِلْمُهْلَةِ ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : رُوِيَ بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْحهَا وَكَسْرهَا. قُلْت : جَزَمَ بِهِ الْخَلِيل. وَقَالَ اِبْن حَبِيب : هُوَ بِالْكَسْرِ الصَّدِيد , وَبِالْفَتْحِ التَّمَهُّل , وَبِالضَّمِّ عَكَر الزَّيْت. وَالْمُرَاد هُنَا الصَّدِيد. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" إِنَّمَا هُوَ \" أَيْ الْجَدِيد , وَأَنْ يَكُون الْمُرَاد \" بِالْمُهْلَةِ \" عَلَى هَذَا التَّمَهُّل أَيْ إِنَّ الْجَدِيد لِمَنْ يُرِيد الْبَقَاء , وَالْأَوَّل أَظْهَر. وَيُؤَيِّدهُ قَوْل الْقَاسِم بْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر قَالَ \" كُفِّنَ أَبُو بَكْر فِي رَيْطَة بَيْضَاء وَرَيْطَة مُمَصَّرَة وَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ لِمَا يَخْرُج مِنْ أَنْفه وَفِيهِ \" أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد. وَلَهُ عَنْهُ مِنْ وَجْه آخَر \" إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلِ وَالتُّرَاب \" وَضَبَطَ الْأَصْمَعِيّ هَذِهِ بِالْفَتْحِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب التَّكْفِين فِي الثِّيَاب الْبِيض وَتَثْلِيث الْكَفَن وَطَلَب الْمُوَافَقَة فِيمَا وَقَعَ لِلْأَكَابِرِ تَبَرُّكًا بِذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَاز التَّكْفِين فِي الثِّيَاب الْمَغْسُولَة , وَإِيثَار الْحَيّ بِالْجَدِيدِ , وَالدَّفْن بِاللَّيْلِ , وَفَضْل أَبِي بَكْر وَصِحَّة فِرَاسَته وَثَبَاته عِنْد وَفَاته. وَفِيهِ أَخْذ الْمَرْء الْعِلْم عَمَّنْ دُونه. وَقَالَ أَبُو عُمَر : فِيهِ أَنَّ التَّكْفِين فِي الثَّوْب الْجَدِيد وَالْخَلَق سَوَاء. وَتُعُقِّبَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اِحْتِمَال أَنْ يَكُون أَبُو بَكْر اِخْتَارَهُ لِمَعْنًى فِيهِ , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ لَا يَكُون كَذَلِكَ فَلَا دَلِيل فِيهِ عَلَى الْمُسَاوَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "1299",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏قَالَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أُمِّي ‏ ‏افْتُلِتَتْ ‏ ‏نَفْسُهَا وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي كَثِير الْمَدَنِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏هُوَ سَعْد بْن عُبَادَة , وَاسْم أُمّه عَمْرَة , وَسَيَأْتِي حَدِيثه وَالْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْوَصَايَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( اُفْتُلِتَتْ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاة وَكَسْر اللَّام أَيْ سُلِبَتْ , عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , يُقَال اُفْتُلِتَ فُلَان أَيْ مَاتَ فَجْأَة وَافْتُلِتَتْ نَفْسه كَذَلِكَ , وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِفَتْحِ السِّين إِمَّا عَلَى التَّمْيِيز , وَإِمَّا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول ثَانٍ , وَالْفَلْتَة وَالِافْتِلَات مَا وَقَعَ بَغْتَة مِنْ غَيْر رَوِيَّة , وَذَكَرَهُ اِبْن قُتَيْبَة بِالْقَافِ وَتَقْدِيم الْمُثَنَّاة وَقَالَ : هِيَ كَلِمَة تُقَال لِمَنْ قَتَلَهُ الْحُبّ وَلِمَنْ مَاتَ فَجْأَة , وَالْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة بِالْفَاءِ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1300",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيَتَعَذَّرُ ‏ ‏فِي مَرَضِهِ أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ ‏ ‏أَيْنَ أَنَا غَدًا ‏ ‏اسْتِبْطَاءً ‏ ‏لِيَوْمِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ ‏ ‏سَحْرِي ‏ ‏وَنَحْرِي وَدُفِنَ فِي بَيْتِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله \" إِنْ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَتَعَذَّر فِي مَرَضه \" ‏ ‏وَقَدْ ضُبِطَ فِي رِوَايَتنَا بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَالذَّال الْمُعْجَمَة أَيْ يَتَمَنَّع , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ بِالْقَافِ وَالدَّال الْمُهْمَلَة أَيْ يَسْأَل عَنْ قَدْر مَا بَقِيَ إِلَى يَوْمهَا , لِأَنَّ الْمَرِيض يَجِد عِنْد بَعْض أَهْله مِنْ الْأُنْس مَا لَا يَجِد عِنْد بَعْض. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث وَاَلَّذِي بَعْده فِي \" بَاب الْوَفَاة النَّبَوِيَّة \" آخِر الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْمَقْصُود مِنْ إِيرَادهمَا هُنَا بَيَان أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُفِنَ فِي بَيْت عَائِشَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1301",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالٍ هُوَ الْوَزَّانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ ‏ ‏لَعَنَ اللَّهُ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ ‏ ‏أَوْ خُشِيَ ‏ ‏أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏هِلَالٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَنَّانِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَلَمْ يُولَدْ لِي ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَا يُكْرَه مِنْ اِتِّخَاذ الْقُبُور عَلَى الْمَسَاجِد \" مِنْ طَرِيق هِلَال الْمَذْكُور , وَفِي \" بَاب بِنَاء الْمَسْجِد عَلَى الْقَبْر \" مِنْ وَجْه آخَر , وَفِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ هِلَال ) ‏ ‏يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( كَنَّانِي عُرْوَة بْن الزُّبَيْر ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ذَلِكَ الْحَدِيث. وَاخْتُلِفَ فِي كُنْيَة هِلَال : فَالْمَشْهُور أَنَّهُ أَبُو عَمْرو , وَقِيلَ أَبُو أُمَيَّة , وَقِيلَ أَبُو الْجَهْم. ‏"
    },
    {
        "id": "1302",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ التَّمَّارِ ‏ ‏أَنَّهُ حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُسَنَّمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُفْيَان التَّمَّار ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار عَلَى الصَّحِيح , وَقِيلَ اِبْن زِيَاد , وَالصَّوَاب أَنَّهُ غَيْره , وَكُلّ مِنْهُمَا عُصْفُورِيّ كُوفِيّ. وَهُوَ مِنْ كِبَار أَتْبَاع التَّابِعِينَ , وَقَدْ لَحِقَ عَصْر الصَّحَابَة , وَلَمْ أَرَ لَهُ رِوَايَة عَنْ صَحَابِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( مُسَنَّمًا ) ‏ ‏أَيْ مُرْتَفِعًا , زَادَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" وَقَبْر أَبِي بَكْر وَعُمَر كَذَلِكَ \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبّ تَسْنِيم الْقُبُور , وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَمَالِك وَأَحْمَد وَالْمُزَنِيّ وَكَثِير مِنْ الشَّافِعِيَّة , وَادَّعَى الْقَاضِي حُسَيْن اِتِّفَاق الْأَصْحَاب عَلَيْهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ جَمَاعَة مِنْ قُدَمَاء الشَّافِعِيَّة اِسْتَحَبُّوا التَّسْطِيح كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيّ وَآخَرُونَ. وَقَوْل سُفْيَان التَّمَّار لَا حُجَّة فِيهِ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ لِاحْتِمَالِ أَنَّ قَبْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَوَّل مُسَنَّمًا , فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر قَالَ : \" دَخَلْت عَلَى عَائِشَة فَقُلْت : يَا أُمَّة اِكْشِفِي لِي عَنْ قَبْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ , فَكَشَفَتْ لَهُ عَنْ ثَلَاثَة قُبُور لَا مُشْرِفَة وَلَا لَاطِئَة , مَبْطُوحَة بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَة الْحَمْرَاء \" زَادَ الْحَاكِم \" فَرَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقَدَّمًا , وَأَبَا بَكْر رَأْسه بَيْن كَتِفَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعُمَر رَأْسه عِنْد رِجْلَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَهَذَا كَانَ فِي خِلَافَة مُعَاوِيَة , فَكَأَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَوَّل مُسَطَّحَة , ثُمَّ لَمَّا بُنِيَ جِدَار الْقَبْر فِي إِمَارَة عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز عَلَى الْمَدِينَة مِنْ قِبَل الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك صَيَّرُوهَا مُرْتَفِعَة. وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْر الْآجُرِّيّ فِي \" كِتَاب صِفَة قَبْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن عِيسَى اِبْن بِنْت دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ غُنَيْم بْن بِسْطَام الْمَدِينِيّ قَالَ : رَأَيْت قَبْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِمَارَة عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز فَرَأَيْته مُرْتَفِعًا نَحْوًا مِنْ أَرْبَع أَصَابِع , وَرَأَيْت قَبْر أَبِي بَكْر وَرَاء قَبْره , وَرَأَيْت قَبْر عُمَر وَرَاء قَبْر أَبِي بَكْر أَسْفَل مِنْهُ. ثُمَّ الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ فِي أَيّهمَا أَفْضَل لَا فِي أَصْل الْجَوَاز , وَرَجَّحَ الْمُزَنِيِّ التَّسْنِيم مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّ الْمُسَطَّح يُشْبِه مَا يُصْنَع لِلْجُلُوسِ بِخِلَافِ الْمُسَنَّم , وَرَجَّحَهُ اِبْن قُدَامَةَ بِأَنَّهُ يُشْبِه أَبْنِيَة أَهْل الدُّنْيَا وَهُوَ مِنْ شِعَار أَهْل الْبِدَع فَكَانَ التَّسْنِيم أَوْلَى. وَيُرَجِّح التَّسْطِيح مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث فَضَالَة بْن عُبَيْد أَنَّهُ أَمَرَ بِقَبْرٍ فَسُوِّيَ , ثُمَّ قَالَ : \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُر بِتَسْوِيَتِهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "1303",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فَرْوَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمْ الْحَائِطُ فِي زَمَانِ ‏ ‏الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ ‏ ‏فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ فَفَزِعُوا وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَهُمْ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏لَا وَاللَّهِ مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا هِيَ إِلَّا قَدَمُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا فَرْوَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي الْمَغْرَاء , وَعَلِيّ هُوَ اِبْن مُسْهِر , وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمْ الْحَائِط ) ‏ ‏أَيْ حَائِط حُجْرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ عَنْهُمْ : وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو بَكْر الْآجُرِّيّ مِنْ طَرِيق شُعَيْب بْن إِسْحَاق عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ \" كَانَ النَّاس يُصَلُّونَ إِلَى الْقَبْر فَأَمَرَ بِهِ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز فَرُفِعَ حَتَّى لَا يُصَلِّي إِلَيْهِ أَحَد , فَلَمَّا هُدِمَ بَدَتْ قَدَم بِسَاقٍ وَرُكْبَة فَفَزِعَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز , فَأَتَاهُ عُرْوَة فَقَالَ : هَذَا سَاقَ عُمَر وَرُكْبَته , فَسُرِّيَ عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز \" وَرَوَى الْآجُرِّيّ مِنْ طَرِيق مَالِك بْن مِغْوَل عَنْ رَجَاء بْن حَيْوَة قَالَ : كَتَبَ الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك إِلَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز - وَكَانَ قَدْ اِشْتَرَى حُجَر أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ اِهْدِمْهَا وَوَسِّعْ بِهَا الْمَسْجِد , فَقَعَدَ عُمَر فِي نَاحِيَة , ثُمَّ أَمَرَ بِهَدْمِهَا , فَمَا رَأَيْته بَاكِيًا أَكْثَر مِنْ يَوْمئِذٍ. ثُمَّ بَنَاهُ كَمَا أَرَادَ. فَلَمَّا أَنْ بَنَى الْبَيْت عَلَى الْقَبْر وَهَدَمَ الْبَيْت الْأَوَّل ظَهَرَتْ الْقُبُور الثَّلَاثَة وَكَانَ الرَّمْل الَّذِي عَلَيْهَا قَدْ اِنْهَارَ , فَفَزِعَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَأَرَادَ أَنْ يَقُوم فَيُسَوِّيهَا بِنَفْسِهِ , فَقُلْت لَهُ : أَصْلَحَك اللَّه , إِنَّك إِنْ قُمْت قَامَ النَّاس مَعَك , فَلَوْ أَمَرْت رَجُلًا أَنْ يُصْلِحهَا , وَرَجَوْت أَنَّهُ يَأْمُرنِي بِذَلِكَ , فَقَالَ : يَا مُزَاحِم - يَعْنِي مَوْلَاهُ - قُمْ فَأَصْلِحْهَا. قَالَ رَجَاء : وَكَانَ قَبْر أَبِي بَكْر عِنْد وَسَط النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعُمَر خَلْف أَبِي بَكْر رَأْسه عِنْد وَسَطه. وَهَذَا ظَاهِره يُخَالِف حَدِيث الْقَاسِم , فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْع وَإِلَّا فَحَدِيث الْقَاسِم أَصَحّ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة \" أَبُو بَكْر عَنْ يَمِينه وَعُمَر عَنْ يَسَاره \" فَسَنَده ضَعِيف , وَيُمْكِن تَأْوِيله. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1304",
        "content": "‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا أَوْصَتْ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏لَا تَدْفِنِّي مَعَهُمْ وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي ‏ ‏بِالْبَقِيعِ ‏ ‏لَا ‏ ‏أُزَكَّى ‏ ‏بِهِ أَبَدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الِاعْتِصَام مِنْ وَجْه آخَر عَنْ هِشَام وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْدَة عَنْ هِشَام وَزَادَ فِيهِ \" وَكَانَ فِي بَيْتهَا مَوْضِع قَبْر \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا أُزَكَّى ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْكَاف عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , أَيْ لَا يُثْنَى عَلَيَّ بِسَبَبِهِ وَيُجْعَل لِي بِذَلِكَ مَزِيَّة وَفَضْل وَأَنَا فِي نَفْس الْأَمْر يَحْتَمِل أَنْ لَا أَكُون كَذَلِكَ , وَهَذَا مِنْهَا عَلَى سَبِيل التَّوَاضُع وَهَضْم النَّفْس بِخِلَافِ قَوْلهَا لِعُمَرَ كُنْت أُرِيدهُ لِنَفْسِي فَكَأَنَّ اِجْتِهَادهَا فِي ذَلِكَ تَغَيَّرَ أَوْ لَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ لِعُمَرَ كَانَ قَبْل أَنْ يَقَع لَهَا مَا وَقَعَ فِي قِصَّة الْجَمَل فَاسْتَحْيَتْ بَعْد ذَلِكَ أَنْ تُدْفَن هُنَاكَ وَقَدْ قَالَ عَنْهَا عَمَّار بْن يَاسِر وَهُوَ أَحَد مَنْ حَارَبَهَا يَوْمئِذٍ : إِنَّهَا زَوْجَة نَبِيّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَسَيَأْتِي ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَهُوَ كَمَا قَالَ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1305",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَقُلْ يَقْرَأُ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏عَلَيْكِ السَّلَامَ ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ قَالَتْ كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي ‏ ‏فَلَأُوثِرَنَّهُ ‏ ‏الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ لَهُ مَا لَدَيْكَ قَالَ أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ ‏ ‏مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَضْجَعِ فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي ثُمَّ سَلِّمُوا ثُمَّ قُلْ يَسْتَأْذِنُ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَادْفِنُونِي وَإِلَّا فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ فَمَنْ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الْخَلِيفَةُ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا فَسَمَّى ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏وَعَلِيًّا ‏ ‏وَطَلْحَةَ ‏ ‏وَالزُّبَيْرَ ‏ ‏وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ‏ ‏وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏وَوَلَجَ ‏ ‏عَلَيْهِ شَابٌّ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَ أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ كَانَ لَكَ مِنْ الْقَدَمِ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَقَالَ لَيْتَنِي يَا ابْنَ أَخِي وَذَلِكَ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي ‏ ‏بِالْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏الْأَوَّلِينَ خَيْرًا أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ وَأُوصِيهِ ‏ ‏بِالْأَنْصَارِ ‏ ‏خَيْرًا ‏ { ‏الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ ‏} ‏أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْت عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ يَا عَبْد اللَّه بْن عُمَر ) ‏ ‏هَذَا طَرَف مِنْ حَدِيث طَوِيل سَيَأْتِي فِي مَنَاقِب عُثْمَان وَزَادَ فِيهِ \" وَقُلْ يَقْرَأ عَلَيْك عُمَر السَّلَام وَلَا تَقُلْ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ \" وَفِي أَوَّله قَدْر وَرَقَة فِي سِيَاق مَقْتَله وَفِي آخِره قَدْر صَفْحَة فِي قِصَّة بَيْعَة عُثْمَان. قَالَ اِبْن التِّين. قَوْل عَائِشَة فِي قِصَّة عُمَر \" كُنْت أُرِيدهُ لِنَفْسِي \" يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَا يَسَع إِلَّا مَوْضِع قَبْر وَاحِد , فَهُوَ يُغَايِر قَوْلهَا عِنْد وَفَاتهَا لَا تَدْفِنِّي عِنْدهمْ فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّهُ بَقِيَ مِنْ الْبَيْت مَوْضِع لِلدَّفْنِ. وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّهَا كَانَتْ أَوَّلًا تَظُنّ أَنَّهُ لَا يَسَع إِلَّا قَبْرًا وَاحِدًا فَلَمَّا دُفِنَ ظَهَرَ لَهَا أَنَّ هُنَاكَ وُسْعًا لِقَبْرٍ آخَر , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا اِسْتَأْذَنَهَا عُمَر لِأَنَّ الْمَوْضِع كَانَ بَيْتهَا وَكَانَ لَهَا فِيهِ حَقّ , وَكَانَ لَهَا أَنْ تُؤْثِر بِهِ عَلَى نَفْسهَا فَآثَرَتْ عُمَر. وَفِيهِ الْحِرْص عَلَى مُجَاوَرَة الصَّالِحِينَ فِي الْقُبُور طَمَعًا فِي إِصَابَة الرَّحْمَة إِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ وَفِي دُعَاء مَنْ يَزُورهُمْ مِنْ أَهْل الْخَيْر. وَفِي قَوْل عُمَر \" قُلْ يَسْتَأْذِن عُمَر فَإِنْ أَذِنَتْ \" أَنَّ مَنْ وَعَدَ عِدَة جَازَ لَهُ الرُّجُوع فِيهَا وَلَا يُلْزَم بِالْوَفَاءِ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ بَعَثَ رَسُولًا فِي حَاجَة مُهِمَّة أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْأَل الرَّسُول قَبْل وُصُوله إِلَيْهِ وَلَا يُعَدّ ذَلِكَ مِنْ قِلَّة الصَّبْر بَلْ مِنْ الْحِرْص عَلَى الْخَيْر. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1306",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏وَمُحَمَّدُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ‏ ‏وَابْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَفْضَوْا ) ‏ ‏أَيْ وَصَلُوا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَنْع سَبّ الْأَمْوَات مُطْلَقًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عُمُومه مَخْصُوص , وَأَصَحّ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَمْوَات الْكُفَّار وَالْفُسَّاق يَجُوز ذِكْر مَسَاوِيهِمْ لِلتَّحْذِيرِ مِنْهُمْ وَالتَّنْفِير عَنْهُمْ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز جَرْح الْمَجْرُوحِينَ مِنْ الرُّوَاة أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَوَاهُ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْقُدُّوس وَمُحَمَّد بْن أَنَس عَنْ الْأَعْمَش ) ‏ ‏أَيْ مُتَابِعَيْنِ لِشُعْبَةَ , وَأَنَس وَالِد مُحَمَّد كَالْجَادَّةِ , وَهُوَ كُوفِيّ سَكَنَ الدِّينَوَر , وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَة وَغَيْره , وَرَوَى عَنْهُ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى الرَّازِيّ. وَأَمَّا اِبْن عَبْد الْقُدُّوس فَذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ فَقَالَ : إِنَّهُ صَدُوق إِلَّا أَنَّهُ يَرْوِي عَنْ قَوْم ضُعَفَاء. وَاخْتَلَفَ كَلَام غَيْره فِيهِ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح غَيْر هَذَا الْمَوْضِع الْوَاحِد. وَوَقَعَ لَنَا أَيْضًا مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ الْأَعْمَش بِزِيَادَةٍ فِيهِ , أَخْرَجَهُ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" كِتَاب أَخْبَار الْبَصْرَة \" عَنْ مُحَمَّد بْن يَزِيد الرِّفَاعِيّ عَنْهُ بِهَذَا السَّنَد إِلَى مُجَاهِد \" إِنَّ عَائِشَة قَالَتْ : مَا فَعَلَ يَزِيد الْأَرْجِيّ لَعَنَهُ اللَّه ؟ قَالُوا : مَاتَ. قَالَتْ : أَسْتَغْفِر اللَّه. قَالُوا : مَا هَذَا ؟ فَذَكَرَتْ الْحَدِيث \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مَسْرُوق \" إِنَّ عَلِيًّا بَعَثَ يَزِيد بْن قَيْس الْأَرْجِيّ فِي أَيَّام الْجَمَل بِرِسَالَةٍ فَلَمْ تَرُدّ عَلَيْهِ جَوَابًا , فَبَلَغَهَا أَنَّهُ عَابَ عَلَيْهَا ذَلِكَ فَكَانَتْ تَلْعَنهُ , ثُمَّ لَمَّا بَلَغَهَا مَوْته نَهَتْ عَنْ لَعْنه وَقَالَتْ : إِنَّ رَسُول اللَّه نَهَانَا عَنْ سَبّ الْأَمْوَات \" وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَعْمَش عَنْ مُجَاهِد بِالْقِصَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَلِيّ بْن الْجَعْد ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْمُصَنِّف فِي الرِّقَاق عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمُحَمَّد بْن عَرْعَرَة وَابْن أَبِي عَدِيّ ) ‏ ‏لَمْ أَرَهُ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَرْعَرَة مَوْصُولًا , وَطَرِيق اِبْن أَبِي عَدِيّ ذَكَرَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ. وَوَصَلَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ شُعْبَة , وَهُوَ عِنْد أَحْمَد عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1307",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو لَهَبٍ ‏ ‏عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَبًّا ‏ ‏لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ ‏ ‏فَنَزَلَتْ ‏ { ‏تَبَّتْ ‏ ‏يَدَا ‏ ‏أَبِي لَهَبٍ ‏ ‏وَتَبَّ ‏ }",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1308",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْبَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي بَعْث مُعَاذ إِلَى الْيَمَن , وَدَلَالَته عَلَى وُجُوب الزَّكَاة أَوْضَح مِنْ الَّذِي قَبْله. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَاخِر كِتَاب الزَّكَاة قَبْل أَبْوَاب صَدَقَة الْفِطْر بِسِتَّةِ أَبْوَاب , وَقَوْله فِي أَوَّله \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَن فَقَالَ اُدْعُهُمْ \" هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي التَّوْحِيد مُخْتَصَرًا فِي أَوَّله وَاخْتَصَرَ أَيْضًا مِنْ آخِره , وَأَوْرَدَهُ فِي التَّوْحِيد عَنْ أَبِي عَاصِم مِثْله لَكِنَّهُ قَرَنَهُ بِرِوَايَةِ غَيْره , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَده عَنْ أَبِي عَاصِم وَلَفْظه فِي أَوَّله \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَن قَالَ : إِنَّك سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْل كِتَاب , فَادْعُهُمْ \" وَفِي آخِره بَعْد قَوْله فُقَرَائِهِمْ \" فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك فِي ذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِم أَمْوَالهمْ , وَإِيَّاكَ وَدَعْوَة الْمَظْلُوم فَإِنَّهَا لَيْسَ لَهَا مِنْ دُون اللَّه حِجَاب \" وَكَذَا قَالَ فِي الْمَوَاضِع كُلّهَا \" فَإِنْ أَطَاعُوا لَك فِي ذَلِكَ \" وَاَلَّذِي عِنْد الْبُخَارِيّ هُنَا \" فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ \" وَسَتَأْتِي هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ وَجْه آخَر مَعَ شَرْحهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1309",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ قَالَ مَا لَهُ مَا لَهُ وَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرَبٌ مَا لَهُ تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏بَهْزٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏وَأَبُوهُ ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُمَا سَمِعَا ‏ ‏مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏أَخْشَى أَنْ يَكُونَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏غَيْرَ مَحْفُوظٍ إِنَّمَا هُوَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي أَيُّوب فِي سُؤَال الرَّجُل عَنْ الْعَمَل الَّذِي يَدْخُل بِهِ الْجَنَّة , وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ \" تُقِيم الصَّلَاة وَتُؤْتِي الزَّكَاة وَتَصِل الرَّحِم \" , وَفِي دَلَالَته عَلَى الْوُجُوب غُمُوض. وَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدهَا أَنَّ سُؤَاله عَنْ الْعَمَل الَّذِي يُدْخِل الْجَنَّة يَقْتَضِي أَنْ لَا يُجَاب بِالنَّوَافِلِ قَبْل الْفَرَائِض فَتُحْمَل عَلَى الزَّكَاة الْوَاجِبَة. ثَانِي الْأَجْوِبَة أَنَّ الزَّكَاة قَرِينَة الصَّلَاة كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَاب مِنْ قَوْل أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَقَدْ قَرَنَ بَيْنهمَا فِي الذِّكْر هُنَا. ثَالِثهَا أَنَّهُ وَقَفَ دُخُول الْجَنَّة عَلَى أَعْمَال مِنْ جُمْلَتهَا أَدَاء الزَّكَاة , فَيَلْزَم أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْمَلهَا لَمْ يَدْخُل , وَمَنْ لَمْ يَدْخُل الْجَنَّة دَخَلَ النَّار , وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْوُجُوب. رَابِعهَا أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب وَالْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي يَعْقُبهُ وَاحِدَة , فَأَرَادَ أَنْ يُفَسِّر الْأَوَّل بِالثَّانِي لِقَوْلِهِ فِيهِ \" وَتُؤَدِّي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة \" وَهَذَا أَحْسَن الْأَجْوِبَة. وَقَدْ أَكْثَرَ الْمُصَنِّف مِنْ اِسْتِعْمَال هَذِهِ الطَّرِيقَة. وَأَمَّا حَدِيث أَبِي أَيُّوب ‏ ‏فَقَوْله فِيهِ \" عَنْ اِبْن عُثْمَان \" ‏ ‏الْإِبْهَام فِيهِ مِنْ الرَّاوِي عَنْ شُعْبَة , وَذَلِكَ أَنَّ اِسْم هَذَا الرَّجُل عَمْرو , وَكَانَ شُعْبَة يُسَمِّيه مُحَمَّدًا , وَكَانَ الْحُذَّاق مِنْ أَصْحَابه يَهِمُونَهُ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة حَفْص بْن عَمْرو كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَب عَنْ أَبِي الْوَلِيد عَنْ شُعْبَة , وَكَانَ بَعْضهمْ يَقُول مُحَمَّد كَمَا قَالَ شُعْبَة , وَبَيَان ذَلِكَ فِي طَرِيق بَهْز الَّتِي عَلَّقَهَا الْمُصَنِّف هُنَا وَوَصَلَهُ فِي كِتَاب الْأَدَب الْآتِي عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن بَشِير عَنْ بَهْز بْن أَسَد , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق بَهْز. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُوسَى بْن طَلْحَة عَنْ أَبِي أَيُّوب ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم الْآتِي ذِكْرهَا \" حَدَّثَنَا مُوسَى بْن طَلْحَة حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوب \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏هَذَا الرَّجُل حَكَى اِبْن قُتَيْبَة فِي \" غَرِيب الْحَدِيث \" لَهُ أَنَّهُ أَبُو أَيُّوب الرَّاوِي , وَغَلَّطَهُ بَعْضهمْ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ رَاوِي الْحَدِيث. وَفِي التَّغْلِيط نَظَر , إِذْ لَا مَانِع أَنْ يُبْهِم الرَّاوِي نَفْسه لِغَرَضٍ لَهُ , وَلَا يُقَال يُبْعِد , لِوَصْفِهِ فِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ بِكَوْنِهِ أَعْرَابِيًّا , لِأَنَّا نَقُول : لَا مَانِع مِنْ تَعَدُّد الْقِصَّة فَيَكُون السَّائِل فِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب هُوَ نَفْسه لِقَوْلِهِ إِنَّ رَجُلًا , وَالسَّائِل فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَعْرَابِيّ آخَر قَدْ سُمِّيَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ وَابْن السَّكَن وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِير أَبُو مُسْلِم الْكَجِّيّ فِي السُّنَن مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن جُحَادَة وَغَيْره عَنْ الْمُغِيرَة بْن عَبْد اللَّه الْيَشْكُرِيّ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ \" اِنْطَلَقْت إِلَى الْكُوفَة فَدَخَلْت الْمَسْجِد , فَإِذَا رَجُل مِنْ قَيْس يُقَال لَهُ اِبْن الْمُنْتَفِق وَهُوَ يَقُول : وُصِفَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَلَبْته فَلَقِيته بِعَرَفَاتٍ , فَزَاحَمْت عَلَيْهِ , فَقِيلَ لِي إِلَيْك عَنْهُ , فَقَالَ : دَعُوا الرَّجُل , أَرَب مَا لَهُ. قَالَ فَزَاحَمْت عَلَيْهِ حَتَّى خَلَصْت إِلَيْهِ فَأَخَذْت بِخِطَامِ رَاحِلَته فَمَا غَيَّرَ عَلَيَّ , قَالَ شَيْئَيْنِ أَسْأَلك عَنْهُمَا : مَا يُنْجِينِي مِنْ النَّار , وَمَا يُدْخِلنِي الْجَنَّة ؟ قَالَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ بِوَجْهِهِ الْكَرِيم فَقَالَ : لَئِنْ كُنْت أَوْجَزْت الْمَسْأَلَة لَقَدْ أَعْظَمْت وَطَوَّلْت فَاعْقِلْ عَلَيَّ , اُعْبُدْ اللَّه لَا تُشْرِك بِهِ شَيْئًا , وَأَقِمْ الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة , وَأَدِّ الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة , وَصُمْ رَمَضَان \". وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" التَّارِيخ \" مِنْ طَرِيق يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْمُغِيرَة بْن عَبْد اللَّه الْيَشْكُرِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" غَدَوْت فَإِذَا رَجُل يُحَدِّثهُمْ \". قَالَ وَقَالَ جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عَنْ عَمْرو بْن مَرَّة عَنْ الْمُغِيرَة بْن عَبْد اللَّه قَالَ \" سَأَلَ أَعْرَابِيّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ثُمَّ ذَكَرَ الِاخْتِلَاف فِيهِ عَنْ الْأَعْمَش وَأَنَّ بَعْضهمْ قَالَ فِيهِ عَنْ الْمُغِيرَة بْن سَعْد بْن الْأَخْرَم عَنْ أَبِيهِ وَالصَّوَاب الْمُغِيرَة بْن عَبْد اللَّه الْيَشْكُرِيّ. وَزَعَمَ الصَّيْرَفِيّ أَنَّ اِسْم اِبْن الْمُنْتَفِق هَذَا لَقِيط بْن صَبِرَة وَافِد بَنِي الْمُنْتَفِق , فَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ يُؤْخَذ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ السَّائِل فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هُوَ السَّائِل فِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب لِأَنَّ سِيَاقه شَبِيه بِالْقِصَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو هُرَيْرَة لَكِنْ قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" أَرَب مَا لَهُ \" فِي رِوَايَة أَبِي أَيُّوب دُون أَبِي هُرَيْرَة , وَكَذَا حَدِيث أَبِي أَيُّوب وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ عَمْرو بْن عُثْمَان بِلَفْظِ \" أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي سَفَر , فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَته ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه , أَخْبِرْنِي \" فَذَكَرَهُ. وَهَذَا شَبِيه بِقِصَّةِ سُؤَال اِبْن الْمُنْتَفِق. وَأَيْضًا فَأَبُو أَيُّوب لَا يَقُول عَنْ نَفْسه \" أَنَّ أَعْرَابِيًّا \" وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ وَقَعَ نَحْو هَذَا السُّؤَال لِصَخْرِ بْن الْقَعْقَاع الْبَاهِلِيّ , فَفِي حَدِيث الطَّبَرَانِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق قَزَعَة بْن سُوَيْدٍ الْبَاهِلِيّ \" حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي خَالِي وَاسْمه صَخْر بْن الْقَعْقَاع قَالَ : لَقِيت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن عَرَفَة وَمُزْدَلِفَة , فَأَخَذْت بِخِطَامِ نَاقَته فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه مَا يُقَرِّبنِي مِنْ الْجَنَّة وَيُبَاعِدنِي مِنْ النَّار \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَإِسْنَاده حَسَن. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مَا لَهُ مَا لَهُ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَب مَا لَهُ ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة لَمْ يَذْكُر فَاعِل قَالَ مَا لَهُ مَا لَهُ , وَفِي رِوَايَة بَهْز الْمُعَلَّقَة هُنَا الْمَوْصُولَة فِي كِتَاب الْأَدَب \" قَالَ الْقَوْم مَا لَهُ مَا لَهُ \" قَالَ اِبْن بَطَّال : هُوَ اِسْتِفْهَام وَالتَّكْرَار لِلتَّأْكِيدِ. وَقَوْله \" أَرَب \" بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالرَّاء مُنَوَّنًا أَيْ حَاجَة , وَهُوَ مُبْتَدَأ وَخَبَره مَحْذُوف , اِسْتَفْهَمَ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسه فَقَالَ \" لَهُ أَرَب \" اِنْتَهَى , وَهَذَا بِنَاء عَلَى أَنَّ فَاعِل قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّاهُ , بَلْ الْمُسْتَفْهِم الصَّحَابَة وَالْمُجِيب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَا زَائِدَة كَأَنَّهُ قَالَ : لَهُ حَاجَة مَا. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : الْمَعْنَى لَهُ حَاجَة مُهِمَّة مُفِيدَة جَاءَتْ بِهِ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِالسُّؤَالِ أَنَّ لَهُ حَاجَة. وَرُوِيَ بِكَسْرِ الرَّاء وَفَتْح الْمُوَحَّدَة بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي , وَظَاهِره الدُّعَاء وَالْمَعْنَى التَّعَجُّب مِنْ السَّائِل. وَقَالَ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ : يُقَال أَرِبَ الرَّجُل فِي الْأَمْر إِذَا بَلَغَ فِيهِ جَهْده. وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : أَرِبَ فِي الشَّيْء صَارَ مَاهِرًا فِيهِ فَهُوَ أَرِيب , وَكَأَنَّهُ تَعَجَّبَ مِنْ حُسْن فِطْنَته وَالتَّهَدِّي إِلَى مَوْضِع حَاجَته. وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِم الْمُشَار إِلَيْهَا \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ وُفِّقَ , وَلَقَدْ هُدِيَ \" وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : قَوْله \" أَرِبَ \" مِنْ الْآرَاب وَهِيَ الْأَعْضَاء , أَيْ سَقَطَتْ أَعْضَاؤُهُ وَأُصِيبَ بِهَا كَمَا يُقَال تَرِبَتْ يَمِينك وَهُوَ مِمَّا جَاءَ بِصِيغَةِ الدُّعَاء وَلَا يُرَاد حَقِيقَته. وَقِيلَ : لَمَّا رَأَى الرَّجُل يُزَاحِمهُ دَعَا عَلَيْهِ , لَكِنْ دُعَاءَهُ عَلَى الْمُؤْمِن طُهْر لَهُ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح. وَرُوِيَ بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الرَّاء وَالتَّنْوِين أَيْ هُوَ أَرِبٌ أَيْ حَاذِق فَطِن. وَلَمْ أَقِف عَلَى صِحَّة هَذِهِ الرِّوَايَة. وَجَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحْفُوظَة. وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة لِأَبِي ذَرّ أَرَب بِفَتْحِ الْجَمِيع وَقَالَ : لَا وَجْه لَهُ , قُلْت : وَقَعَتْ فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق الْكُشْمِيهَنِيّ وَحْده. ‏ ‏وَقَوْله \" يَدْخُلنِي الْجَنَّة \" ‏ ‏بِضَمِّ اللَّام وَالْجُمْلَة فِي مَوْضِع جَرّ صِفَة لِقَوْلِهِ \" بِعَمَلٍ \" وَيَجُوز الْجَزْم جَوَابًا لِلْأَمْرِ. وَرَدَّهُ بَعْض شُرَّاح \" الْمَصَابِيح \" لِأَنَّ قَوْله بِعَمَلٍ يَصِير غَيْر مَوْصُوف مَعَ أَنَّهُ نَكِرَة فَلَا يُفِيد. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَوْصُوف تَقْدِيرًا لِأَنَّ التَّنْكِير لِلتَّعْظِيمِ فَأَفَادَ وَلِأَنَّ جَزَاء الشَّرْط مَحْذُوف وَالتَّقْدِير إِنْ عَمِلْته يُدْخِلنُي. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَصِل الرَّحِم ) ‏ ‏أَيْ تُوَاسِي ذَوِي الْقَرَابَة فِي الْخَيْرَات. وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَاهُ أَنْ تُحْسِن إِلَى أَقَارِبك ذَوِي رَحِمك بِمَا تَيَسَّرَ عَلَى حَسَب حَالك وَحَالهمْ مِنْ إِنْفَاق أَوْ سَلَام أَوْ زِيَارَة أَوْ طَاعَة أَوْ غَيْر ذَلِكَ. وَخَصَّ هَذِهِ الْخَصْلَة مِنْ بَيْن خِلَال الْخَيْر نَظَرًا إِلَى حَال السَّائِل , كَأَنَّهُ كَانَ لَا يَصِل رَحِمه فَأَمَرَهُ بِهِ لِأَنَّهُ الْمُهِمّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ. وَيُؤْخَذ مِنْهُ تَخْصِيص بَعْض الْأَعْمَال بِالْحَضِّ عَلَيْهَا بِحَسَبِ حَال الْمُخَاطَب وَافْتِقَاره لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا أَكْثَر مِمَّا سِوَاهَا إِمَّا لِمَشَقَّتِهَا عَلَيْهِ وَإِمَّا لِتَسْهِيلِهِ فِي أَمْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّف. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْشَى أَنْ يَكُون مُحَمَّد غَيْر مَحْفُوظ , إِنَّمَا هُوَ عَمْرو ) ‏ ‏وَجَزَمَ فِي \" التَّارِيخ \" بِذَلِكَ , وَكَذَا قَالَ مُسْلِم فِي شُيُوخ شُعْبَة , وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي \" الْعِلَل \" وَآخَرُونَ : الْمَحْفُوظ عَمْرو بْن عُثْمَان. وَقَالَ النَّوَوِيّ : اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ وَهْم مِنْ شُعْبَة , وَأَنَّ الصَّوَاب عَمْرو وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1310",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَالَ ‏ ‏تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَيَّانَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كَوْن الْأَعْرَابِيّ السَّائِل فِيهِ هَلْ هُوَ السَّائِل فِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب أَوْ لَا , وَالْأَعْرَابِيّ بِفَتْحِ الْهَمْزَة مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَة كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بْن حَيَّان عَنْ أَبِي زُرْعَة ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عَلِيّ : وَقَعَ عِنْد الْأَصِيلِيّ عَنْ أَبِي أَحْمَد الْجُرْجَانِيّ هُنَا عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بْن أَبِي حَيَّان أَوْ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ أَبِي حَيَّان , وَهُوَ خَطَأ إِنَّمَا هُوَ يَحْيَى بْن سَعِيد بْن حَيَّان كَمَا لِغَيْرِهِ مِنْ الرُّوَاة. ‏ ‏قَوْله : ( وَتُقِيم الصَّلَاة الْمُكْتَوِيَة وَتُؤَدِّي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة ) ‏ ‏قِيلَ. فَرَّقَ بَيْن الْقَيْدَيْنِ كَرَاهِيَة لِتَكْرِيرِ اللَّفْظ الْوَاحِد , وَقِيلَ : عَبَّرَ فِي الزَّكَاة بِالْمَفْرُوضَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ صَدَقَة التَّطَوُّع فَإِنَّهَا زَكَاة لُغَوِيَّة , وَقِيلَ : اَحْتَرَزَ مِنْ الزَّكَاة الْمُعَجَّلَة قَبْل الْحَوْل فَإِنَّهَا زَكَاة وَلَيْسَتْ مَفْرُوضَة. ‏ ‏قَوْله فِيهِ ( وَتَصُوم رَمَضَان ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر الْحَجّ لِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ حَاجًّا وَلَعَلَّهُ ذَكَرَهُ لَهُ فَاخْتَصَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيد عَلَى هَذَا ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن إِسْحَاق عَنْ عَفَّان بِهَذَا السَّنَد \" شَيْئًا أَبَدًا , وَلَا أُنْقِص مِنْهُ \" وَبَاقِي الْحَدِيث مِثْله. وَظَاهِر ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُر إِلَى رَجُل مِنْ أَهْل الْجَنَّة فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا ) ‏ ‏إِمَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ فَأَخْبَرَ بِهِ , أَوْ فِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره إِنْ دَامَ عَلَى فِعْل ذَلِكَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ. وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب عِنْد مُسْلِم أَيْضًا \" إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّة \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِي هَذَا الْحَدِيث - وَكَذَا حَدِيث طَلْحَة فِي قِصَّة الْأَعْرَابِيّ وَغَيْرهمَا - دَلَالَة عَلَى جَوَاز تَرْك التَّطَوُّعَات , لَكِنْ مَنْ دَاوَمَ عَلَى تَرْك السُّنَن كَانَ نَقْصًا فِي دِينه , فَإِنْ كَانَ تَرْكُهَا تَهَاوُنًا بِهَا وَرَغْبَة عَنْهَا كَانَ ذَلِكَ فِسْقًا , يَعْنِي لِوُرُودِ الْوَعِيد عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي \" وَقَدْ كَانَ صَدْر الصَّحَابَة وَمَنْ تَبِعَهُمْ يُوَاظِبُونَ عَلَى السُّنَن مُوَاظَبَتهمْ عَلَى الْفَرَائِض , وَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنهمَا فِي اِغْتِنَام ثَوَابهمَا. وَإِنَّمَا اِحْتَاجَ الْفُقَهَاء إِلَى التَّفْرِقَة لِمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ وُجُوب الْإِعَادَة وَتَرْكهَا وَوُجُوب الْعِقَاب عَلَى التَّرْك وَنَفْيه , وَلَعَلَّ أَصْحَاب هَذِهِ الْقِصَص كَانُوا حَدِيثِي عَهْد بِالْإِسْلَامِ فَاكْتَفَى مِنْهُمْ بِفِعْلِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ فِي تِلْكَ الْحَال لِئَلَّا يَثْقُل ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَيَمَلُّوا , حَتَّى إِذَا اِنْشَرَحَتْ صُدُورهمْ لِلْفَهْمِ عَنْهُ وَالْحِرْص عَلَى تَحْصِيل ثَوَاب الْمَنْدُوبَات سَهُلَتْ عَلَيْهِمْ اِنْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى شَيْء مِنْ هَذَا فِي شَرْح حَدِيث طَلْحَة فِي كِتَاب الْإِيمَان. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسَدَّد عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الّقَطَّانُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَيَّان ) ‏ ‏هُوَ يَحْيَى بْن سَعِيد بْن حَيَّان الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الَّذِي قَبْله. وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة تَصْرِيح أَبِي حَيَّان بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَبِي زُرْعَة , وَبَطَلَ التَّرَدُّد وَقَعَ عِنْد الْجُرْجَانِيّ , لَكِنْ لَمْ يَذْكُر يَحْيَى الّقَطَّانُ فِي هَذَا الْإِسْنَاد أَبَا هُرَيْرَة كَمَا هُوَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَغَيْرهَا مِنْ الرِّوَايَات الْمُعْتَمَدَة , وَثَبَتَ ذِكْره فِي بَعْض الرِّوَايَات , وَهُوَ خَطَأ فَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" التَّتَبُّع \" أَنَّ رِوَايَة الْقَطَّانِ مُرْسَلَة كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1311",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو جَمْرَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ ‏ ‏عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ ‏ ‏قَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏وَلَسْنَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذُهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا قَالَ ‏ ‏آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَعَقَدَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ ‏ ‏الدُّبَّاءِ ‏ ‏وَالْحَنْتَمِ ‏ ‏وَالنَّقِيرِ ‏ ‏وَالْمُزَفَّتِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏وَأَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمَّادٍ ‏ ‏الْإِيمَانِ بِاللَّهِ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة وَفْد عَبْد الْقَيْس فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر كِتَاب الْإِيمَان. وَحَجَّاج شَيْخ الْبُخَارِيّ هُنَا هُوَ اِبْن مِنْهَال. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ سُلَيْمَان وَأَبُو النُّعْمَان عَنْ حَمَّاد ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن زَيْد بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فِي طَرِيق حَجَّاج ‏ ‏( الْإِيمَان بِاَللَّهِ شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) ‏ ‏أَيْ وَافَقَا حَجَّاجًا عَلَى سِيَاقه إِلَّا فِي إِثْبَات الْوَاو فِي قَوْله \" وَشَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" فَحَذَفَاهَا وَهُوَ أَصْوَب , فَأَمَّا سُلَيْمَان فَهُوَ اِبْن حَرْب , وَقَدْ وَصَلَ الْمُصَنِّف حَدِيثه هَذَا عَنْهُ فِي الْمَغَازِي. وَأَمَّا أَبُو النُّعْمَان فَهُوَ مُحَمَّد بْن الْفَضْل. وَقَدْ وَصَلَ الْمُصَنِّف حَدِيثه هَذَا عَنْهُ فِي الْخَمْس. ‏"
    },
    {
        "id": "1312",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي ‏ ‏عَنَاقًا ‏ ‏كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّة أَبِي بَكْر فِي قِتَال مَانِعِي الزَّكَاة , وَاحْتِجَاجه فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّ عِصْمَة النَّفْس وَالْمَال تَتَوَقَّف عَلَى أَدَاء الْحَقّ , وَحَقّ الْمَال الزَّكَاة \". حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة أَبِي بَكْر فِي قِتَال مَانِعِي الزَّكَاة فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي شَرْح حَدِيث اِبْن عُمَر فِي بَاب قَوْله : ( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة ) وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة مَا يَخْتَصّ بِهِ فِي كِتَاب أَحْكَام الْمُرْتَدِّينَ إِنْ شَاءَ اللَّه. قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة : ‏ ‏( لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُوله اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَبُو بَكْر ) ‏ ‏\" كَانَ \" تَامَّة بِمَعْنَى حَصَلَ وَالْمُرَاد بِهِ قَامَ مَقَامه. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏اُخْتُلِفَ فِي أَوَّل وَقْت فَرْض الزَّكَاة , فَذَهَبَ الْأَكْثَر إِلَى أَنَّهُ وَقَعَ بَعْد الْهِجْرَة , فَقِيلَ كَانَ فِي السَّنَة الثَّانِيَة قَبْل فَرْض رَمَضَان أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي بَاب السَّيْر مِنْ الرَّوْضَة , وَجَزَمَ اِبْن الْأَثِير فِي التَّارِيخ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي التَّاسِعَة , وَفِيهِ نَظَر فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيث ضِمَام بْن ثَعْلَبَة وَفِي حَدِيث وَفْد عَبْد الْقَيْس وَفِي عِدَّة أَحَادِيث ذِكْر الزَّكَاة , وَكَذَا مُخَاطَبَة أَبِي سُفْيَان مَعَ هِرَقْل وَكَانَتْ فِي أَوَّل السَّابِعَة وَقَالَ فِيهِمَا \" يَأْمُرنَا بِالزَّكَاةِ \" لَكِنْ يُمْكِن تَأْوِيل كُلّ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِر الْكَلَام. وَقَوَّى بَعْضهمْ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ اِبْن الْأَثِير بِمَا وَقَعَ فِي قِصَّة ثَعْلَبَة بْن حَاطِب الْمُطَوَّلَة فَفِيهَا \" لَمَّا أُنْزِلَتْ آيَة الصَّدَقَة بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامِلًا فَقَالَ مَا هَذِهِ إِلَّا جِزْيَة أَوْ أُخْت الْجِزْيَة \". وَالْجِزْيَة إِنَّمَا وَجَبَتْ فِي التَّاسِعَة فَتَكُون الزَّكَاة فِي التَّاسِعَة , لَكِنَّهُ حَدِيث ضَعِيف لَا يُحْتَجّ بِهِ. وَادَّعَى اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه أَنَّ فَرْضهَا كَانَ قَبْل الْهِجْرَة , وَاحْتَجَّ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة فِي قِصَّة هِجْرَتهمْ إِلَى الْحَبَشَة وَفِيهَا أَنَّ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب قَالَ لِلنَّجَاشِيِّ فِي جُمْلَة مَا أَخْبَرَهُ بِهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَيَأْمُرنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصِّيَام \" اِنْتَهَى , وَفِي اِسْتِدْلَاله بِذَلِكَ نَظَر , لِأَنَّ الصَّلَوَات الْخَمْس لَمْ تَكُنْ فُرِضَتْ بَعْد , وَلَا صِيَام رَمَضَان , فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مُرَاجَعَة جَعْفَر لَمْ تَكُنْ فِي أَوَّل مَا قَدِمَ عَلَى النَّجَاشِيّ , وَإِنَّمَا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ بَعْد مُدَّة قَدْ وَقَعَ فِيهَا مَا ذُكِرَ مِنْ قِصَّة الصَّلَاة وَالصِّيَام , وَبَلَغَ ذَلِكَ جَعْفَرًا فَقَالَ \" يَأْمُرنَا \" بِمَعْنَى يَأْمُر بِهِ أُمَّته , وَهُوَ بَعِيد جِدًّا , وَأَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ حَدِيث أُمّ سَلَمَة هَذَا - إِنْ سَلِمَ مِنْ قَدْح فِي إِسْنَاده - أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" يَأْمُرنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصِّيَام \" أَيْ فِي الْجُمْلَة , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالصَّلَاةِ الصَّلَوَات الْخَمْس وَلَا بِالصِّيَامِ صِيَام رَمَضَان وَلَا بِالزَّكَاةِ هَذِهِ الزَّكَاة الْمَخْصُوصَة ذَات النِّصَاب وَالْحَوْل وَاَللَّه أَعْلَم. وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ فَرْض الزَّكَاة كَانَ قَبْل التَّاسِعَة حَدِيث أَنَس الْمُتَقَدِّم فِي الْعِلْم فِي قِصَّة ضِمَام بْن ثَعْلَبَة وَقَوْله \" أَنْشُدك اللَّه. اللَّه أَمَرَك أَنْ تَأْخُذ هَذِهِ الصَّدَقَة مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمهَا عَلَى فُقَرَائِنَا \" وَكَانَ قُدُوم ضِمَام سَنَة خَمْس كَمَا تَقَدَّمَ. وَإِنَّمَا الَّذِي وَقَعَ فِي التَّاسِعَة بَعْث الْعُمَّال لِأَخْذِ الصَّدَقَات , وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي تَقَدُّم فَرِيضَة الزَّكَاة قَبْل ذَلِكَ. وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ فَرْض الزَّكَاة وَقَعَ بَعْد الْهِجْرَة اِتِّفَاقهمْ عَلَى أَنَّ صِيَام رَمَضَان إِنَّمَا فُرِضَ بَعْد الْهِجْرَة , لِأَنَّ الْآيَة الدَّالَّة عَلَى فَرْضِيَّته مَدَنِيَّة بِلَا خِلَاف , وَثَبَتَ عِنْد أَحْمَد وَابْن خُزَيْمَةَ أَيْضًا وَالنَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَهْ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث قَيْس بْن سَعْد بْن عُبَادَةَ قَالَ \" أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَدَقَةِ الْفِطْر قَبْل أَنْ تَنْزِل الزَّكَاة , ثُمَّ نَزَلَتْ فَرِيضَة الزَّكَاة فَلَمْ يَأْمُرنَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَنَحْنُ نَفْعَلهُ \" إِسْنَاده صَحِيح وَرِجَاله رِجَال الصَّحِيح إِلَّا أَبَا عَمَّار الرَّاوِي لَهُ عَنْ قَيْس بْن سَعْد وَهُوَ كُوفِيّ اِسْمه عَرِيب بِالْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَة اِبْن حُمَيْدٍ وَقَدْ وَثَّقَهُ أَحْمَد وَابْن مَعِين , وَهُوَ دَالّ عَلَى أَنْ فَرْض صَدَقَة الْفِطْر كَانَ قَبْل فَرْض الزَّكَاة فَيَقْتَضِي وُقُوعهَا بَعْد فَرْض رَمَضَان وَذَلِكَ بَعْد الْهِجْرَة وَهُوَ الْمَطْلُوب. وَوَقَعَ فِي \" تَارِيخ الْإِسْلَام \" : فِي السَّنَة الْأُولَى فُرِضَتْ الزَّكَاة , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِل حَدِيث أُمّ سَلَمَة الْمَذْكُور مِنْ طَرِيق \" الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاق \" مِنْ رِوَايَة يُونُس بْن بُكَيْر عَنْهُ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر الزَّكَاة , وَابْن خُزَيْمَةَ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيث اِبْن إِسْحَاق لَكِنْ مِنْ طَرِيق سَلَمَة بْن الْفَضْل عَنْهُ , وَفِي سَلَمَة مَقَال. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1313",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏بَايَعْتُ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث جَرِير مُسْتَوْفًى فِي آخِر كِتَاب الْإِيمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "1314",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الْأَعْرَجَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَأْتِي الْإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا ‏ ‏تَطَؤُهُ ‏ ‏بِأَخْفَافِهَا وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ ‏ ‏بِأَظْلَافِهَا ‏ ‏وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَقَالَ وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ قَالَ وَلَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا ‏ ‏يُعَارٌ ‏ ‏فَيَقُولُ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ وَلَا يَأْتِي بِبَعِيرٍ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ ‏ ‏رُغَاءٌ ‏ ‏فَيَقُولُ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تَأْتِي الْإِبِل عَلَى صَاحِبهَا ) ‏ ‏يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى خَيْر مَا كَانَتْ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْعِظَم وَالسِّمَن وَمِنْ الْكَثْرَة , لِأَنَّهَا تَكُون عِنْده عَلَى حَالَات مُخْتَلِفَة فَتَأْتِي عَلَى أَكْمَلهَا لِيَكُونَ ذَلِكَ أَنْكَى لَهُ لِشِدَّةِ ثِقَلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقّهَا ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتهَا. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ بِهَذَا اللَّفْظ. ‏ ‏قَوْله : ( تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي تَرْك الْحِيَل \" فَتَخْبِط وَجْهه بِأَخْفَافِهَا \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْهُ \" مَا مِنْ صَاحِب إِبِل لَا يُؤَدِّي حَقّهَا مِنْهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَر أَوْفَر مَا كَانَتْ لَا يَفْقِد مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضّهُ بِأَفْوَاهِهَا , كُلَّمَا مَرَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا , وَفِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة , حَتَّى يَقْضِي اللَّه بَيْن الْعِبَاد , وَيَرَى سَبِيله إِمَّا إِلَى الْجَنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار \" وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ \" إِلَّا أُتِيَ بِهَا يَوْم الْقِيَامَة أَعْظَم مَا كَانَتْ وَأَسْمَنه \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏كَذَا فِي أَصْل مُسْلِم \" كُلَّمَا مَرَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا \" قَالَ عِيَاض : قَالُوا هُوَ تَغْيِير وَتَصْحِيف , وَصَوَابه مَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْده مِنْ طَرِيق سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ \" كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا \" وَبِهَذَا يَنْتَظِم الْكَلَام , وَكَذَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ أَيْضًا وَأَقَرَّهُ النَّوَوِيّ عَلَى هَذَا وَحَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ وَأَوْضَحَ وَجْه الرَّدّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُرَدّ الْأَوَّل الَّذِي قَدْ مَرَّ قَبْل , وَأَمَّا الْآخِر فَلَمْ يَمُرّ بَعْد فَلَا يُقَال فِيهِ رُدَّ , ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ أَوَّل الْمَاشِيَة إِذَا وَصَلَتْ إِلَى آخِرهَا تَمْشِي عَلَيْهِ تَلَاحَقَتْ بِهَا أُخْرَاهَا , ثُمَّ إِذَا أَرَادَتْ الْأُولَى الرُّجُوع بَدَأَتْ الْأُخْرَى بِالرُّجُوعِ فَجَاءَتْ الْأُخْرَى أَوَّل حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى آخِر الْأُولَى. وَكَذَا وَجَّهَهُ الطِّيبِيّ فَقَالَ : إِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ أُولَاهَا إِذَا مَرَّتْ عَلَى التَّتَابُع إِلَى أَنْ تَنْتَهِي إِلَى الْأُخْرَى ثُمَّ رُدَّتْ الْأُخْرَى مِنْ هَذِهِ الْغَايَة وَتَبِعَهَا مَا يَلِيهَا إِلَى أَنْ تَنْتَهِي أَيْضًا إِلَى الْأُولَى. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْغَنَم تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا وَتَنْطِحهُ بِقُرُونِهَا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الطَّاء مَنْ تَنْطِحهُ وَيَجُوز الْفَتْح. زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح الْمَذْكُورَة \" لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاء وَلَا جَلْحَاء وَلَا عَضْبَاء , تَنْطِحهُ بِقُرُونِهَا \" وَزَادَ فِيهِ ذِكْر الْبَقَر أَيْضًا وَذُكِرَ فِي الْبَقَر وَالْغَنَم مَا ذُكِرَ فِي الْإِبِل , وَسَيَأْتِي ذِكْر الْبَقَر فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ أَيْضًا فِي بَاب مُفْرَد. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَمِنْ حَقّهَا أَنْ تُحْلَب عَلَى الْمَاء ) ‏ ‏بِحَاءٍ مُهْمَلَة أَيْ لِمَنْ يَحْضُرهَا مِنْ الْمَسَاكِين , وَإِنَّمَا خَصَّ الْحَلْب بِمَوْضِعِ الْمَاء لِيَكُونَ أَسْهَلَ عَلَى الْمُحْتَاج مِنْ قَصْد الْمَنَازِل وَأَرْفَق بِالْمَاشِيَةِ. وَذَكَرَهُ الدَّاوُدِيّ بِالْجِيمِ وَفَسَّرَهُ بِالْإِحْضَارِ إِلَى الْمُصَدِّق. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن دِحْيَة وَجَزَمَ بِأَنَّهُ تَصْحِيف , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أَبِي عُمَر الْغُدَانِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَا يُوهِم أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَة مَرْفُوعَة وَلَفْظه \" قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه مَا حَقّهَا ؟ قَالَ : إِطْرَاق فَحْلهَا وَإِعَارَة دَلْوهَا وَمِنْحَتهَا وَحَلَبُهَا عَلَى الْمَاء وَحَمْل عَلَيْهَا فِي سَبِيل اللَّه \" وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الشِّرْب هَذِهِ الْقِطْعَة وَحْدهَا مَرْفُوعَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَأْتِي أَحَدكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن عَيَّاش عَنْ شُعَيْب \" أَلَا لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدكُمْ \" وَهَذَا حَدِيث آخَر مُتَعَلِّق بِالْغُلُولِ مِنْ الْغَنَائِم , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف مُفْرَدًا مِنْ طَرِيق أَبِي زُرْعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَاخِر الْجِهَاد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" لَهَا يُعَار \" بِتَحْتَانِيَّةٍ مَضْمُومَة ثُمَّ مُهْمَلَة : صَوْت الْمَعْز , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والْكُشْمِيهَنِيّ هُنَا \" ثُغَاء \" بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة ثُمَّ مُعْجَمَة بِغَيْرِ رَاء , وَرَجَّحَهُ اِبْن التِّين , وَهُوَ صِيَاح الْغَنَم. وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الْقَزَّاز أَنَّهُ رَوَاهُ \" تُعَار \" بِمُثَنَّاةٍ وَمُهْمَلَة لَيْسَ بِشَيْءٍ , وَقَوْله \" رُغَاء \" بِضَمِّ الرَّاء وَمُعْجَمَة : صَوْت الْإِبِل , وَفِي الْحَدِيث \" إِنَّ اللَّه يُحْيِي الْبَهَائِم لِيُعَاقِب بِهَا مَانِع الزَّكَاة \" وَفِي ذَلِكَ مُعَامَلَة لَهُ بِنَقِيضِ قَصْده , لِأَنَّهُ قَصَدَ مَنْع حَقّ اللَّه مِنْهَا وَهُوَ الِارْتِفَاق وَالِانْتِفَاع بِمَا يَمْنَعهُ مِنْهَا , فَكَانَ مَا قَصَدَ الِانْتِفَاع بِهِ أَضَرّ الْأَشْيَاء عَلَيْهِ. وَالْحِكْمَة فِي كَوْنهَا تُعَاد كُلّهَا مَعَ أَنَّ حَقّ اللَّه فِيهَا إِنَّمَا هُوَ فِي بَعْضهَا لِأَنَّ الْحَقّ فِي جَمِيع الْمَال غَيْر مُتَمَيِّز , وَلِأَنَّ الْمَال لِمَا لَمْ تَخْرُج زَكَاته غَيْر مُطَهَّر , وَفِيهِ أَنَّ فِي الْمَال حَقًّا سِوَى الزَّكَاة , وَأَجَابَ الْعُلَمَاء عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّ هَذَا الْوَعِيد كَانَ قَبْل فَرْض الزَّكَاة , وَيُؤَيِّدهُ مَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْكَنْز , لَكِنْ يُعَكِّر عَلَيْهِ أَنَّ فَرْض الزَّكَاة مُتَقَدِّم عَلَى إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره. ثَانِي الْأَجْوِبَة أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَقِّ الْقَدْر الزَّائِد عَلَى الْوَاجِب وَلَا عِقَاب بِتَرْكِهِ , وَإِنَّمَا ذُكِرَ اِسْتِطْرَادًا , لَمَّا ذُكِرَ حَقّهَا بَيْن الْكَمَال فِيهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَصْل يَزُول الذَّمّ بِفِعْلِهِ وَهُوَ الزَّكَاة , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد مَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ مُضْطَرّ إِلَى شُرْب لَبَنهَا فَيُحْمَل الْحَدِيث عَلَى هَذِهِ الصُّورَة. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : فِي الْمَال حَقَّانِ فَرْض عَيْن وَغَيْره , فَالْحَلْب مِنْ الْحُقُوق الَّتِي هِيَ مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث قَالَ \" وَيَكُون كَنْز أَحَدكُمْ يَوْم الْقِيَامَة شُجَاعًا أَقْرَع يَفِرّ مِنْهُ صَاحِبه وَيَطْلُبهُ : أَنَا كَنْزك , فَلَا يَزَال حَتَّى يُلْقِمهُ إِصْبَعه \". وَهَذِهِ الزِّيَادَة قَدْ أَفْرَدَ الْبُخَارِيّ بَعْضهَا كَمَا قَدَّمْنَا إِلَى قَوْله \" أَقْرَع \" وَلَمْ يَذْكُر بَقِيَّته , وَكَأَنَّهُ اِسْتَغْنَى عَنْهُ بِطَرِيقِ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَهُوَ ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1315",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ ‏ ‏زَبِيبَتَانِ ‏ ‏يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ ‏ ‏يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ ثُمَّ تَلَا ‏ { ‏لَا ‏ ‏يَحْسِبَنَّ ‏ ‏الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي صَالِح ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَن وَتَابَعَهُ زَيْد بْن أَسْلَم عَنْ أَبِي صَالِح عِنْد مُسْلِم وَسَاقَهُ مُطَوَّلًا , وَكَذَا رَوَاهُ مَالِك عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار , وَرَوَاهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق اِبْن عَجْلَان عَنْ الْقَعْقَاع بْن حَكِيم عَنْ أَبِي صَالِح , وَلَكِنَّهُ وَقَفَهُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَة , وَخَالَفَهُمْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة فَرَوَاهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَرَجَّحَهُ , لَكِنْ قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز خَطَأ بَيِّن , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْد عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر مَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي صَالِح أَصْلًا اِنْتَهَى. وَفِي هَذَا التَّعْلِيل نَظَر , وَمَا الْمَانِع أَنْ يَكُون لَهُ فِيهِ شَيْخَانِ ؟ نَعَمْ الَّذِي يَجْرِي عَلَى طَرِيقَة أَهْل الْحَدِيث أَنَّ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز شَاذَّة لِأَنَّهُ سَلَكَ الْجَادَّة , وَمَنْ عَدَلَ عَنْهَا دَلَّ عَلَى مَزِيد حِفْظه. ‏ ‏قَوْله : ( مَثَّلَ لَهُ ) ‏ ‏أَيْ صَوَّرَ , أَوْ ضَمَّنَ مِثْل مَعْنَى التَّصْيِير أَيْ صَيَّرَ مَاله عَلَى صُورَة شُجَاع , وَالْمُرَاد بِالْمَالِ النَّاضّ كَمَا أَشَرْت إِلَيْهِ فِي تَفْسِير بَرَاءَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة زَيْد بْن أَسْلَمَ \" مَا مِنْ صَاحِب ذَهَب وَلَا فِضَّة لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِح مِنْ نَار فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فَيُكْوَى بِهَا جَنْبه وَجَبِينه وَظَهْره \" وَلَا تَنَافِي بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ لِاحْتِمَالِ اِجْتِمَاع الْأَمْرَيْنِ مَعًا , فَرِوَايَة اِبْن دِينَار تُوَافِق الْآيَة الَّتِي ذَكَرَهَا وَهِيَ \" سَيُطَوَّقُونَ \" وَرِوَايَة زَيْد بْن أَسْلَمَ تُوَافِق قَوْله تَعَالَى ( يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ) الْآيَة قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : خَصَّ الْجَنْب وَالْجَبِين وَالظَّهْر لِأَنَّهُ جَمَعَ الْمَال , وَلَمْ يَصْرِفهُ فِي حَقّه , لِتَحْصِيلِ الْجَاه وَالتَّنَعُّم بِالْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِس , أَوْ لِأَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ الْفَقِير وَوَلَّاهُ ظَهْره , أَوْ لِأَنَّهَا أَشْرَف الْأَعْضَاء الظَّاهِرَة لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْأَعْضَاء الرَّئِيسَة. وَقِيلَ : الْمُرَاد بِهَا الْجِهَات الْأَرْبَع الَّتِي هِيَ مُقَدَّم الْبَدَن وَمُؤَخَّره وَجَنْبَاهُ , نَسْأَل اللَّه السَّلَامَة. وَالْمُرَاد بِالشُّجَاعِ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة ثُمَّ جِيم - الْحَيَّة الذَّكَر , وَقِيلَ الَّذِي يَقُوم عَلَى ذَنَبه وَيُوَاثِب الْفَارِس , وَالْأَقْرَع الَّذِي تُقْرَع رَأْسه أَيْ تُمْعَط لِكَثْرَةِ سُمّه. وَفِي \" كِتَاب أَبِي عَبِيد \". سُمِّيَ أَقْرَع لِأَنَّ شَعْر رَأْسه يَتَمَعَّط لِجَمْعِهِ السُّمّ فِيهِ. وَتَعَقَّبَهُ الْقَزَّاز بِأَنَّ الْحَيَّة لَا شَعْر بِرَأْسِهَا , فَلَعَلَّهُ يَذْهَب جِلْد رَأْسه. وَفِي \" تَهْذِيب الْأَزْهَرِيّ \" : سُمِّيَ أَقْرَع لِأَنَّهُ يَقْرِي السُّمّ وَيَجْمَعهُ فِي رَأْسه حَتَّى تَتَمَعَّط فَرْوَة رَأْسه , قَالَ ذُو الرُّمَّة : ‏ ‏قَرَى السُّمّ حَتَّى اِنْمَازَ فَرْوَة رَأْسه ‏ ‏عَنْ الْعَظْم صِلٌّ قَاتِل اللَّسْع مَارِدُهُ ‏ ‏وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْأَقْرَع مِنْ الْحَيَّات الَّذِي اِبْيَضَّ رَأْسه مِنْ السُّمّ , وَمِنْ النَّاس الَّذِي لَا شَعْر بِرَأْسِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَهُ زَبِيبَتَانِ ) ‏ ‏تَثْنِيَة زَبِيبَة بِفَتْحِ الزَّاي وَمُوَحَّدَتَيْنِ , وَهُمَا الزُّبْدَتَانِ اللَّتَانِ فِي الشِّدْقَيْنِ يُقَال تَكَلَّمَ حَتَّى زَبَدَ شِدْقَاهُ أَيْ خَرَجَ الزَّبَد مِنْهُمَا , وَقِيلَ هُمَا النُّكْتَتَانِ السَّوْدَاوَانِ فَوْق عَيْنَيْهِ , وَقِيلَ نُقْطَتَانِ يَكْتَنِفَانِ فَاهُ , وَقِيلَ هُمَا فِي حَلْقه بِمَنْزِلَةِ زَنَمَتَيْ الْعَنْز , وَقِيلَ لَحْمَتَانِ عَلَى رَأْسه مِثْل الْقَرْنَيْنِ , وَقِيلَ نَابَانِ يَخْرُجَانِ مِنْ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( يُطَوَّقهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْوَاو الثَّقِيلَة , أَيْ يَصِير لَهُ ذَلِكَ الثُّعْبَان طَوْقًا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَأْخُذ بِلِهْزِمَتَيْهِ ) ‏ ‏فَاعِل يَأْخُذ هُوَ الشُّجَاع , وَالْمَأْخُوذ يَد صَاحِب الْمَال كَمَا وَقَعَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة الْآتِيَة فِي \" تَرْك الْحِيَل \" بِلَفْظِ \" لَا يَزَال يَطْلُبهُ حَتَّى يَبْسُط يَده فَيُلْقِمهَا فَاهُ \". قَوْله : ( بِلِهْزِمَتَيْهِ ) بِكَسْرِ اللَّام وَسُكُون الْهَاء بَعْدهَا زَاي مَكْسُورَة , وَقَدْ فُسِّرَ فِي الْحَدِيث بِالشِّدْقَيْنِ , وَفِي الصِّحَاح : هُمَا الْعَظْمَانِ الْفَائِتَانِ فِي اللَّحْيَيْنِ تَحْت الْأُذُنَيْنِ. وَفِي الْجَامِع : هُمَا لَحْم الْخَدَّيْنِ الَّذِي يَتَحَرَّك إِذَا أَكَلَ الْإِنْسَان. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَقُول : أَنَا مَالك , أَنَا كَنْزك ) ‏ ‏وَفَائِدَة هَذَا الْقَوْل الْحَسْرَة وَالزِّيَادَة فِي التَّعْذِيب حَيْثُ لَا يَنْفَعهُ النَّدَم , وَفِيهِ نَوْع مِنْ التَّهَكُّم. وَزَادَ فِي \" تَرْك الْحِيَل \" مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" يَفِرّ مِنْهُ صَاحِبه وَيَطْلُبهُ \" وَفِي حَدِيث ثَوْبَان عِنْد اِبْن حِبَّانَ \" يَتْبَعهُ فَيَقُول أَنَا كَنْزك الَّذِي تَرَكْته بَعْدك , فَلَا يَزَال يَتْبَعهُ حَتَّى يُلْقِمهُ يَده فَيَمْضُغهَا ثُمَّ يَتْبَعهُ سَائِر جَسَده \". وَلِمُسْلِمٍ فِي حَدِيث جَابِر \" يَتْبَع صَاحِبه حَيْثُ ذَهَبَ وَهُوَ يَفِرّ مِنْهُ , فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْهُ أَدْخَلَ يَده فِي فِيهِ فَجَعَلَ يَقْضِمهَا كَمَا يَقْضِم الْفَحْل \" , وَلِلطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" يَنْقُر رَأْسه \" وَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ اللَّه يُصَيِّر نَفْس الْمَال بِهَذِهِ الصِّفَة. وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم \" إِلَّا مُثِّلَ لَهُ \" كَمَا هُنَا , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : أَيْ صُوِّرَ أَوْ نُصِبَ وَأُقِيمَ , مِنْ قَوْلهمْ مَثَلَ قَائِمًا أَيْ مُنْتَصِبًا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ تَلَا ( وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) الْآيَة ) ‏ ‏فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد الشَّافِعِيّ وَالْحُمَيْدِيّ \" ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْآيَة , وَنَحْوه فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ \" قَرَأَ مِصْدَاقه : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة \" وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ تَقْوِيَة لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : الْمُرَاد بِالتَّطْوِيقِ فِي الْآيَة الْحَقِيقَة , خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّ مَعْنَاهُ سَيُطَوَّقُونَ الْإِثْم. وَفِي تِلَاوَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَة دَلَالَة عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَانِعِي الزَّكَاة , وَهُوَ قَوْل أَكْثَر أَهْل الْعِلْم بِالتَّفْسِيرِ , وَقِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُود الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِيمَنْ لَهُ قَرَابَة لَا يَصِلهُمْ قَالَهُ مَسْرُوق. ‏"
    },
    {
        "id": "1316",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏قَالَ خَرَجْنَا مَعَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ‏ { ‏وَالَّذِينَ ‏ ‏يَكْنِزُونَ ‏ ‏الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلْأَمْوَالِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَحْمَد بْن شَبِيب ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنَا أَحْمَد \" وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي \" كِتَاب النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ \" عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى وَهُوَ الذُّهْلِيُّ , عَنْ أَحْمَد بْن شَبِيب بِإِسْنَادِهِ. وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي جُزْء الذُّهْلِيِّ وَسِيَاقه أَتَمّ مِمَّا فِي الْبُخَارِيّ وَزَادَ فِيهِ سُؤَال الْأَعْرَابِيّ \" أَتَرِثُ الْعَمَّة ؟ قَالَ اِبْن عُمَر : لَا أَدْرِي. فَلَمَّا أَدْبَرَ قَبَّلَ اِبْن عُمَر يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ : نِعْمَ مَا قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن - يَعْنِي نَفْسه - سُئِلَ عَمَّا لَا يَدْرِي فَقَالَ : لَا أَدْرِي. وَزَادَ فِي آخِره - بَعْد قَوْله : طُهْرَة لِلْأَمْوَالِ - ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ : مَا أُبَالِي لَوْ كَانَ لِي مِثْل أُحُد ذَهَبًا أَعْلَم عَدَده أُزَكِّيه وَأَعْمَل فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّه تَعَالَى \" وَهُوَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتهَا ) ‏ ‏أَفْرَدَ الضَّمِير إِمَّا عَلَى سَبِيل تَأْوِيل الْأَمْوَال , أَوْ عَوْدًا إِلَى الْفِضَّة لِأَنَّ الِانْتِفَاع بِهَا أَكْثَر أَوْ كَانَ وُجُودهَا فِي زَمَنهمْ أَكْثَر مِنْ الذَّهَب , أَوْ عَلَى الِاكْتِفَاء بِبَيَانِ حَالهَا عَنْ بَيَان حَال الذَّهَب , وَالْحَامِل عَلَى ذَلِكَ رِعَايَة لَفْظ الْقُرْآن حَيْثُ قَالَ ( يُنْفِقُونَهَا ) قَالَ صَاحِب الْكَشَّاف : أَفْرَدَ ذَهَابًا إِلَى الْمَعْنَى دُون اللَّفْظ , لِأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا جُمْلَة وَافِيَة. وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَلَا يُنْفِقُونَهَا , وَالذَّهَب كَذَلِكَ , وَهُوَ كَقَوْلِ الشَّاعِر ‏ ‏وَإِنِّي وَقَيَّار بِهَا لَغَرِيب ‏ ‏أَيْ وَقَيَّار كَذَلِكَ. قَوْله : \" إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْل أَنْ تَنْزِل الزَّكَاة ) هَذَا مُشْعِر بِأَنَّ الْوَعِيد عَلَى الِاكْتِنَاز - وَهُوَ حَبْس مَا فَضَلَ عَنْ الْحَاجَة عَنْ الْمُوَاسَاة بِهِ - كَانَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِفَرْضِ الزَّكَاة لَمَّا فَتَحَ اللَّه الْفُتُوح وَقُدِّرَتْ نُصُب الزَّكَاة , فَعَلَى هَذَا الْمُرَاد بِنُزُولِ الزَّكَاة بَيَان نُصُبهَا وَمَقَادِيرهَا لَا إِنْزَال أَصْلهَا. وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ اِبْن عُمَر \" لَا أُبَالِي لَوْ كَانَ لِي مِثْل أُحُد ذَهَبًا \" كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى قَوْل أَبِي ذَرّ الْآتِي آخِر الْبَاب. وَالْجَمْع بَيْن كَلَام اِبْن عُمَر وَحَدِيث أَبِي ذَرّ أَنْ يُحْمَل حَدِيث أَبِي ذَرّ عَلَى مَال تَحْت يَد الشَّخْص لِغَيْرِهِ فَلَا يَجِب أَنْ يَحْبِسهُ عَنْهُ , أَوْ يَكُون لَهُ لَكِنَّهُ مِمَّنْ يُرْجَى فَضْله وَتُطْلَب عَائِدَته كَالْإِمَامِ الْأَعْظَم فَلَا يَجِب أَنْ يَدَّخِر عَنْ الْمُحْتَاجِينَ مِنْ رَعِيَّته شَيْئًا , وَيُحْمَل حَدِيث اِبْن عُمَر عَلَى مَال يَمْلِكهُ قَدْ أَدَّى زَكَاته فَهُوَ يُحِبّ أَنْ يَكُون عِنْده لِيَصِلَ بِهِ قَرَابَته وَيَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ مَسْأَلَة النَّاس , وَكَانَ أَبُو ذَرّ يَحْمِل الْحَدِيث عَلَى إِطْلَاقه فَلَا يَرَى بِادِّخَارِ شَيْء أَصْلًا. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَرَدَتْ عَنْ أَبِي ذَرّ آثَار كَثِيرَة تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَذْهَب إِلَى أَنَّ كُلّ مَال مَجْمُوع يَفْضُل عَنْ الْقُوت وَسَدَاد الْعَيْش فَهُوَ كَنْز يُذَمّ فَاعِله , وَأَنَّ آيَة الْوَعِيد نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ , وَخَالَفَهُ جُمْهُور الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدهمْ وَحَمَلُوا الْوَعِيد عَلَى مَانِعِي الزَّكَاة , وَأَصَحّ مَا تَمَسَّكُوا بِهِ حَدِيث طَلْحَة وَغَيْره فِي قِصَّة الْأَعْرَابِيّ حَيْثُ قَالَ \" هَلْ عَلَيَّ غَيْرهَا ؟ قَالَ : لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّع \" اِنْتَهَى. وَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّل الْأَمْر كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن عُمَر , وَقَدْ اِسْتَدَلَّ لَهُ اِبْن بَطَّال بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَيَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ الْعَفْو ) أَيْ مَا فَضَلَ عَنْ الْكِفَايَة , فَكَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا فِي أَوَّل الْأَمْر ثُمَّ نُسِخَ. وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي الْمُسْنَد مِنْ طَرِيق يَعْلَى بْن شَدَّاد بْن أَوْس عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" كَانَ أَبُو ذَرّ يَسْمَع الْحَدِيث مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ الشِّدَّة ثُمَّ يَخْرُج إِلَى قَوْمه , ثُمَّ يُرَخِّص فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَسْمَع الرُّخْصَة وَيَتَعَلَّق بِالْأَمْرِ الْأَوَّل \" ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب ثَلَاثَة أَحَادِيث : أَحَدهَا حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي تَقْدِير نُصُب زَكَاة الْوَرِق وَغَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "1317",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ‏ ‏أَوَاقٍ ‏ ‏صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ‏ ‏ذَوْدٍ ‏ ‏صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ‏ ‏أَوْسُقٍ ‏ ‏صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير ) ‏ ‏تَعَقَّبَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو مَسْعُود بِأَنَّ عَبْد الْوَهَّاب بْن نَجْدَة خَالَفَ إِسْحَاق بْن يَزِيد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ \" عَنْ شُعَيْب عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن سَعِيد وَحَمَّاد \" وَرَوَاهُ دَاوُدَ بْن رَشِيد وَهِشَام بْن خَالِد جَمِيعًا عَنْ شُعَيْب بْن إِسْحَاق عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى غَيْر مَنْسُوب وَقَالَ : \" الْوَلِيد بْن مُسْلِم رَوَاهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْيَمَان عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد , وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هَذَا الْحَدِيث مَشْهُور عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد رَوَاهُ عَنْهُ الْخَلْق , وَقَدْ رَوَاهُ دَاوُدَ بْن رَشِيد عَنْ شُعَيْب فَقَالَ \" عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد \" اِنْتَهَى. وَقَدْ تَابَعَ إِسْحَاق بْن يَزِيد سُلَيْمَان بْن عَبْد الرَّحْمَن الدِّمَشْقِيّ عَنْ شُعَيْب بْن إِسْحَاق أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه , وَذَلِكَ دَالّ عَلَى أَنَّهُ عِنْد شُعَيْب عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ , لَكِنْ دَلَّتْ رِوَايَة الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَلَى أَنَّ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بِغَيْرِ وَاسِطَة مَوْهُومَة أَوْ مُدَلَّسَة , وَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهَا الْبُخَارِيّ وَاقْتَصَرَ عَلَى طَرِيق يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْن عُمَارَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَمْرو أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى بَعْد بِضْعَة وَعِشْرِينَ بَابًا. ثَانِيهَا حَدِيث أَبِي ذَرّ مَعَ مُعَاوِيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1318",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏هُشَيْمًا ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُصَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرَرْتُ ‏ ‏بِالرَّبَذَةِ ‏ ‏فَإِذَا أَنَا ‏ ‏بِأَبِي ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ ‏ ‏مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلكَ هَذَا قَالَ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏ ‏فَاخْتَلَفْتُ أَنَا ‏ ‏وَمُعَاوِيَةُ ‏ ‏فِي ‏ { ‏الَّذِينَ ‏ ‏يَكْنِزُونَ ‏ ‏الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏نَزَلَتْ فِي ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏فَقُلْتُ نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ وَكَتَبَ إِلَى ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَشْكُونِي فَكَتَبَ إِلَيَّ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏أَنْ اقْدَمْ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَقَدِمْتُهَا فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ فَذَكَرْتُ ذَاكَ ‏ ‏لِعُثْمَانَ ‏ ‏فَقَالَ لِي إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ سَمِعَ هُشَيْمًا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ مَشَايِخه \" حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن أَبِي هَاشِم \" وَهُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ طِبْرَاخ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَآخِره مُعْجَمَة , وَوَقَعَ فِي \" أَطْرَاف الْمِزِّيّ \" عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه الْمَدِينِيّ وَهُوَ خَطَأ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زَيْد بْن وَهْب ) ‏ ‏هُوَ التَّابِعِيّ الْكَبِير الْكُوفِيّ أَحَد الْمُخَضْرَمِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( بِالرَّبَذَةِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَالْمُوَحَّدَة وَالْمُعْجَمَة مَكَان مَعْرُوف بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة , نَزَلَ بِهِ أَبُو ذَرّ فِي عَهْد عُثْمَان وَمَاتَ بِهِ , وَقَدْ ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيث سَبَب نُزُوله , وَإِنَّمَا سَأَلَهُ زَيْد بْن وَهْب عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مُبْغِضِي عُثْمَان كَانُوا يُشَنِّعُونَ عَلَيْهِ أَنَّهُ نَفَى أَبَا ذَرّ , وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو ذَرّ أَنَّ نُزُوله فِي ذَلِكَ الْمَكَان كَانَ بِاخْتِيَارِهِ. نَعَمْ أَمَرَهُ عُثْمَان بِالتَّنَحِّي عَنْ الْمَدِينَة لِدَفْعِ الْمَفْسَدَة الَّتِي خَافَهَا عَلَى غَيْره مِنْ مَذْهَبه الْمَذْكُور فَاخْتَارَ الرَّبَذَة , وَقَدْ كَانَ يَغْدُو إِلَيْهَا فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَاهُ أَصْحَاب السُّنَن مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ , وَفِيهِ قِصَّة لَهُ فِي التَّيَمُّم. وَرَوَيْنَا فِي فَوَائِد أَبِي الْحَسَن بْن جَذْلَم بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت قَالَ \" دَخَلْت مَعَ أَبِي ذَرّ عَلَى عُثْمَان , فَحَسَرَ عَنْ رَأْسه فَقَالَ : وَاَللَّه مَا أَنَا مِنْهُمْ يَعْنِي الْخَوَارِج. فَقَالَ. إِنَّمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْك لِتُجَاوِرَنَا بِالْمَدِينَةِ. فَقَالَ : لَا حَاجَة لِي فِي ذَلِكَ , اِئْذَنْ لِي بِالرَّبَذَةِ. قَالَ : نَعَمْ \". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه دُون آخِره وَقَالَ بَعْد قَوْله مَا أَنَا مِنْهُمْ \" وَلَا أُدْرِكهُمْ , سِيمَاهُمْ التَّحْلِيق , يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّين كَمَا يَمْرُق السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة , وَاَللَّه لَوْ أَمَرْتنِي أَنْ أَقُوم مَا قَعَدْت \" وَفِي \" طَبَقَات اِبْن سَعْد \" مِنْ وَجْه آخَر \" أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْل الْكُوفَة قَالُوا لِأَبِي ذَرّ وَهُوَ بِالرَّبَذَةِ : إِنَّ هَذَا الرَّجُل فَعَلَ بِك وَفَعَلَ , هَلْ أَنْتَ نَاصِب لَنَا رَايَة - يَعْنِي فَنُقَاتِلهُ - فَقَالَ : لَا , لَوْ أَنَّ عُثْمَان سَيَّرَنِي مِنْ الْمَشْرِق إِلَى الْمَغْرِب لَسَمِعْت وَأَطَعْت \". ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت بِالشَّامِ ) ‏ ‏يَعْنِي بِدِمَشْق , وَمُعَاوِيَة إِذْ ذَاكَ عَامِل عُثْمَان عَلَيْهَا. وَقَدْ بَيَّنَ السَّبَب فِي سُكْنَاهُ الشَّام مَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ زَيْد بْن وَهْب \" حَدَّثَنِي أَبُو ذَرّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا بَلَغَ الْبِنَاء - أَيْ بِالْمَدِينَةِ سَلْعًا تَرْتَحِل إِلَى الشَّام. فَلَمَّا بَلَغَ الْبِنَاء سَلْعًا قَدِمْت الشَّام فَسَكَنْت بِهَا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث نَحْوه. وَعِنْده أَيْضًا بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْف عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" اِسْتَأْذَنَ أَبُو ذَرّ عَلَى عُثْمَان فَقَالَ. إِنَّهُ يُؤْذِينَا , فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ لَهُ عُثْمَان : أَنْتَ الَّذِي تَزْعُم أَنَّك خَيْر مِنْ أَبِي بَكْر وَعُمَر ؟ قَالَ. لَا , وَلَكِنْ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبكُمْ مِنِّي مَنْ بَقِيَ عَلَى الْعَهْد الَّذِي عَاهَدْته عَلَيْهِ , وَأَنَا بَاقٍ عَلَى عَهْده \". قَالَ فَأَمَرَ أَنْ يَلْحَق بِالشَّامِ. وَكَانَ يُحَدِّثهُمْ وَيَقُول : لَا يَبِيتَن عِنْد أَحَدكُمْ دِينَار وَلَا دِرْهَم إِلَّا مَا يُنْفِقهُ فِي سَبِيل اللَّه أَوْ يَعُدّهُ لِغَرِيمٍ , فَكَتَبَ مُعَاوِيَة إِلَى عُثْمَان : إِنْ كَانَ لَك بِالشَّامِ حَاجَة فَابْعَثْ إِلَيَّ أَبِي ذَرّ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَان أَنْ اِقْدَمْ عَلَيَّ , فَقَدِمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَب وَالْفِضَّة ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي تَفْسِير بَرَاءَة مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ حُصَيْن بِلَفْظِ \" فَقَرَأْت وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَب وَالْفِضَّة \" إِلَى آخِر الْآيَة. ‏ ‏قَوْله : ( نَزَلَتْ فِي أَهْل الْكِتَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" مَا هَذِهِ فِينَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاس حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ. أَنَّهُمْ كَثُرُوا عَلَيْهِ يَسْأَلُونَهُ عَنْ سَبَب خُرُوجه مِنْ الشَّام , قَالَ فَخَشِيَ عُثْمَان عَلَى أَهْل الْمَدِينَة مَا خَشِيَهُ مُعَاوِيَة عَلَى أَهْل الشَّام. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ شِئْت تَنَحَّيْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ \" فَقَالَ لَهُ تَنَحَّ قَرِيبًا. وَقَالَ : وَاَللَّه لَنْ أَدَع مَا كُنْت أَقُولهُ \" وَكَذَا لِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق وَرْقَاء عَنْ حُصَيْن بِلَفْظِ \" وَاَللَّه لَا أَدَع مَا قُلْت \". ‏ ‏قَوْله : ( حَبَشِيًّا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وَرْقَاء \" عَبْدًا حَبَشِيًّا \" وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي يَعْلَى مِنْ طَرِيق أَبِي حَرْب بْن أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عَمّه عَنْ أَبِي ذَرّ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : كَيْفَ تَصْنَع إِذَا أُخْرِجْت مِنْهُ ؟ أَيْ الْمَسْجِد النَّبَوِيّ , قَالَ : آتِي الشَّام. قَالَ : كَيْف تَصْنَع إِذَا أُخْرِجْت مِنْهَا ؟ قَالَ. أَعُود إِلَيْهِ. أَيْ الْمَسْجِد. قَالَ : كَيْفَ تَصْنَع إِذَا أُخْرِجْت مِنْهُ ؟ قَالَ : أَضْرِب بِسَيْفِي. قَالَ : أَدُلّك عَلَى مَا هُوَ خَيْر لَك مِنْ ذَلِكَ وَأَقْرَب رُشْدًا , قَالَ : تَسْمَع وَتُطِيع وَتَنْسَاق لَهُمْ حَيْثُ سَاقُوك \". وَعِنْد أَحْمَد أَيْضًا مِنْ طَرِيق شَهْر بْن حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاء بِنْت يَزِيد عَنْ أَبِي ذَرّ نَحْوه , وَالصَّحِيح أَنَّ إِنْكَار أَبِي ذَرّ كَانَ عَلَى السَّلَاطِين الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الْمَال لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا يُنْفِقُونَهُ فِي وَجْهه. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ بِالْإِبْطَالِ. لِأَنَّ السَّلَاطِين حِينَئِذٍ كَانُوا مِثْل أَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان , وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَخُونُوا. قُلْت. لِقَوْلِهِ مَحْمَل. وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُوجَد حِينَئِذٍ مَنْ يَفْعَلهُ. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْكُفَّار مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَة لِاتِّفَاقِ أَبِي ذَرّ وَمُعَاوِيَة عَلَى أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي أَهْل الْكِتَاب. وَفِيهِ مُلَاطَفَة الْأَئِمَّة لِلْعُلَمَاءِ , فَإِنَّ مُعَاوِيَة لَمْ يَجْسُر عَلَى الْإِنْكَار عَلَيْهِ حَتَّى كَاتَبَ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ فِي أَمْره , وَعُثْمَان لَمْ يَحْنَق عَلَى أَبِي ذَرّ مَعَ كَوْنه كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فِي تَأْوِيله. وَفِيهِ التَّحْذِير مِنْ الشِّقَاق وَالْخُرُوج عَلَى الْأَئِمَّة , وَالتَّرْغِيب فِي الطَّاعَة لِأُولِي الْأَمْر وَأَمْر الْأَفْضَل بِطَاعَةِ الْمَفْضُول خَشْيَة الْمَفْسَدَة , وَجَوَاز الِاخْتِلَاف فِي الِاجْتِهَاد , وَالْأَخْذ بِالشِّدَّةِ فِي الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى فِرَاق الْوَطَن , وَتَقْدِيم دَفْع الْمَفْسَدَة عَلَى جَلْب الْمَصْلَحَة لِأَنَّ فِي بَقَاء أَبِي ذَرّ بِالْمَدِينَةِ مَصْلَحَة كَبِيرَة مِنْ بَثّ عِلْمه فِي طَالِب الْعِلْم , وَمَعَ ذَلِكَ فَرَجَحَ عِنْد عُثْمَان دَفْع مَا يُتَوَقَّع مِنْ الْمَفْسَدَة مِنْ الْأَخْذ بِمَذْهَبِهِ الشَّدِيد فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة , وَلَمْ يَأْمُرهُ بَعْد ذَلِكَ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ مُجْتَهِدًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1319",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْجُرَيْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَلَاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ جَلَسْتُ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْجُرَيْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْعَلَاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ ‏ ‏حَدَّثَهُمْ قَالَ ‏ ‏جَلَسْتُ إِلَى مَلَإٍ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَجَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالْهَيْئَةِ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ بَشِّرْ الْكَانِزِينَ ‏ ‏بِرَضْفٍ ‏ ‏يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى ‏ ‏حَلَمَةِ ‏ ‏ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ‏ ‏نُغْضِ ‏ ‏كَتِفِهِ وَيُوضَعُ عَلَى ‏ ‏نُغْضِ ‏ ‏كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ‏ ‏حَلَمَةِ ‏ ‏ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَأَنَا لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ فَقُلْتُ لَهُ لَا أُرَى الْقَوْمَ إِلَّا قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ قَالَ إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا قَالَ لِي خَلِيلِي قَالَ قُلْتُ مَنْ خَلِيلُكَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏أَتُبْصِرُ ‏ ‏أُحُدًا ‏ ‏قَالَ فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ وَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا لَا وَاللَّهِ لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَيَّاش ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْوَلِيد الرَّقَّام , وَعَبْد الْأَعْلَى هُوَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , وَالْجُرَيْرِيّ بِضَمِّ الْجِيم هُوَ سَعِيد , وَأَبُو الْعَلَاء هُوَ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن الشِّخِّير. وَأَرْدَفَ الْمُصَنِّف هَذَا الْإِسْنَاد بِالْإِسْنَادِ الَّذِي بَعْده وَإِنْ كَانَ أَنْزَل مِنْهُ لِتَصْرِيحِ عَبْد الصَّمَد وَهُوَ اِبْن عَبْد الْوَارِث فِيهِ بِتَحْدِيثِ أَبِي الْعَلَاء لِلْجُرَيْرِيّ , وَالْأَحْنَف لِأَبِي الْعَلَاء. وَقَدْ رَوَى الْأَسْوَد بْن شَيْبَانَ عَنْ أَبِي الْعَلَاء يَزِيد الْمَذْكُور عَنْ أَخِيهِ مُطَرِّف عَنْ أَبِي ذَرّ طَرَفًا مِنْ آخِر هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ لِحَدِيثِ الْأَحْنَف لِأَنَّ حَدِيث الْأَحْنَف أَتَمّ سِيَاقًا وَأَكْثَر فَوَائِد , وَلَا مَانِع أَنْ يَكُون لِيَزِيدَ فِيهِ شَيْخَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( جَلَسْت إِلَى مَلَإٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ الْجُرَيْرِيّ \" قَدِمْت الْمَدِينَة , فَبَيْنَمَا أَنَا فِي حَلْقَة مِنْ قُرَيْش \". ‏ ‏قَوْله : ( خَشِن الشَّعْر إِلَخْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُعْجَمَتَيْنِ مِنْ الْخُشُونَة , وَلِلْقَابِسِيّ بِمُهْمَلَتَيْنِ مِنْ الْحُسْن , وَالْأَوَّل أَصَحّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَخْشَن الثِّيَاب أَخْشَن الْجَسَد أَخْشَن الْوَجْه فَقَامَ عَلَيْهِمْ \" وَلِيَعْقُوب بْن سُفْيَان مِنْ طَرِيق حُمَيْدِ بْن هِلَال عَنْ الْأَحْنَف \" قَدِمْت الْمَدِينَة فَدَخَلْت مَسْجِدهَا إِذْ دَخَلَ رَجُل آدَم طِوَال أَبْيَض الرَّأْس وَاللِّحْيَة يُشْبِه بَعْضه بَعْضًا فَقَالُوا. هَذَا أَبُو ذَرّ \". ‏ ‏قَوْله : ( بَشِّرْ الْكَانِزِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" بَشِّرْ الْكَنَّازِينَ \". ‏ ‏قَوْله : ( بِرَضْفٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَسُكُون الْمُعْجَمَة بَعْدهَا فَاء هِيَ الْحِجَارَة الْمُحْمَاة وَاحِدهَا رَضْفَة. ‏ ‏قَوْله : ( نُغْض ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون وَسُكُون الْمُعْجَمَة بَعْدهَا ضَاد مُعْجَمَة : الْعَظْم الدَّقِيق الَّذِي عَلَى طَرَف الْكَتِف أَوْ عَلَى أَعْلَى الْكَتِف , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ الشَّاخِص مِنْهُ , وَأَصْل النُّغْض الْحَرَكَة فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَوْضِع نُغْضًا لِأَنَّهُ يَتَحَرَّك بِحَرَكَةِ الْإِنْسَان. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَزَلْزَل ) ‏ ‏أَيْ يَضْطَرِب وَيَتَحَرَّك , فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَيَتَجَلْجَل \" بِجِيمَيْنِ , وَزَادَ إِسْمَاعِيل فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَوَضَعَ الْقَوْم رُءُوسهمْ , فَمَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا. قَالَ : فَأَدْبَرَ , فَاتَّبَعْته حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق خُلَيْد الْعَصَرِيّ عَنْ الْأَحْنَف \" فَقُلْت : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : هَذَا أَبُو ذَرّ , فَقُمْت إِلَيْهِ فَقُلْت : مَا شَيْء سَمِعْتُك تَقُولهُ ؟ قَالَ : مَا قُلْت إِلَّا شَيْئًا سَمِعْته مِنْ نَبِيّهمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَة رَدّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مَوْقُوف عَلَى أَبِي ذَرّ فَلَا يَكُون حُجَّة عَلَى غَيْره. وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق يَزِيد الْبَاهِلِيّ عَنْ الْأَحْنَف \" كُنْت بِالْمَدِينَةِ , فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يَفِرّ مِنْهُ النَّاس حِين يَرَوْنَهُ , قُلْت : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَبُو ذَرّ. قُلْت : مَا نَفَّرَ النَّاس عَنْك ؟ قَالَ : إِنِّي أَنْهَاهُمْ عَنْ الْكُنُوز الَّتِي كَانَ يَنْهَاهُمْ عَنْهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ) ‏ ‏بَيَّنَ وَجْه ذَلِكَ فِي آخِر الْحَدِيث حَيْثُ قَالَ \" إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا \". ‏ ‏وَقَوْله \" لَا أَسْأَلهُمْ دُنْيَا \" ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل الْمَذْكُورَة \" فَقُلْت : مَا لَك وَلِإِخْوَانِك مِنْ قُرَيْش , لَا تَعْتَرِيهِمْ وَلَا تُصِيب مِنْهُمْ ؟ قَالَ : وَرَبّك لَا أَسْأَلهُمْ دُنْيَا إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت : وَمَنْ خَلِيلك ؟ قَالَ : النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فَاعِل قَالَ هُوَ أَبُو ذَرّ وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَر الْمُبْتَدَأ كَأَنَّهُ قَالَ : خَلِيلِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَقَطَ بَعْد ذَلِكَ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ فَقَطْ , وَكَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة ظَنَّهَا مُكَرَّرَة فَحَذَفَهَا وَلَا بُدّ مِنْ إِثْبَاتهَا. ‏ ‏قَوْله : ( يَا أَبَا ذَرّ أَتُبْصِرُ أَحَدًا ) ‏ ‏وَهُوَ حَدِيث مُسْتَقِلّ سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الرِّقَاق. وَعَلَى مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ قَوْله \" إِلَّا ثَلَاثَة دَنَانِير \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ أَبُو ذَرّ لِلْأَحْنَفِ لِتَقْوِيَةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ ذَمّ اِكْتِنَاز الْمَال , وَهُوَ ظَاهِر فِي ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوب , وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ الْمُصَنِّف بِالتَّرْجَمَةِ الَّتِي تَلِيه. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ كَلَام أَبِي ذَرّ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِكَلَامِهِ وَلِرَبْطِ مَا بَعْده عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1320",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1321",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا النَّضْرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ تَصَدَّقَ ‏ ‏بِعَدْلِ ‏ ‏تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ ‏ ‏فَلُوَّهُ ‏ ‏حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ دِينَارٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏وَرْقَاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ‏ ‏وَسُهَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بِعَدْل تَمْرَة ) ‏ ‏أَيْ بِقِيمَتِهَا لِأَنَّهُ بِالْفَتْحِ الْمِثْلُ وَبِالْكَسْرِ الْحِمْل بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ , هَذَا قَوْل الْجُمْهُورِ , وَقَالَ الْفَرَّاء : بِالْفَتْحِ الْمِثْلُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَبِالْكَسْرِ مِنْ جِنْسِهِ , وَقِيلَ بِالْفَتْحِ مِثْلُهُ فِي الْقِيمَةِ وَبِالْكَسْرِ فِي النَّظَرِ. وَأَنْكَرَ الْبَصْرِيُّونَ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ , وَقَالَ الْكِسَائِيّ : هُمَا بِمَعْنًى كَمَا أَنَّ لَفْظَ الْمِثْلِ لَا يَخْتَلِفُ. وَضُبِطَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِلْأَكْثَرِ بِالْفَتْحِ. ) ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ ) ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَان بْن بِلَال الْآتِي ذِكْرُهَا \" وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا الطَّيِّبُ \" وَهَذِهِ جُمْلَة مُعْتَرِضَة بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاء لِتَقْرِيرِ مَا قَبْلَهُ , زَادَ سُهَيْل فِي رِوَايَتِهِ الْآتِي ذِكْرُهَا \" فَيَضَعُهَا فِي حَقِّهَا \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَإِنَّمَا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّدَقَةَ بِالْحَرَامِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِلْمُتَصَدِّقِ , وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ , وَالْمُتَصَدَّق بِهِ مُتَصَرَّف فِيهِ , فَلَوْ قُبِلَ مِنْهُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْء مَأْمُورًا مَنْهِيًّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مُحَال. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سُهَيْل \" إِلَّا أَخَذَهَا بِيَمِينِهِ \" وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِم بْن أَبِي مَرْيَم الْآتِي ذِكْرُهَا \" فَيَقْبِضُهَا \" وَفِي حَدِيثِ عَائِشَة عِنْدَ الْبَزَّارِ \" فَيَتَلَقَّاهَا الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلُوَّهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَهُوَ الْمُهْرُ لِأَنَّهُ يُفْلَى أَيْ : مُفْطَم , وَقِيلَ : هُوَ كُلّ فَطِيم مِنْ ذَاتِ حَافِر , وَالْجَمْع أَفْلَاء كَعَدُوّ وَأَعْدَاء. وَقَالَ أَبُو زَيْد : إِذَا فَتَحْت الْفَاءَ شَدَّدْت الْوَاوَ , وَإِذَا كَسَرْتهَا سَكَّنْت اللَّام كَجَرْو. وَضَرَبَ بِهِ الْمَثَل لِأَنَّهُ يَزِيدُ زِيَادَةً بَيِّنَةً , وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ نِتَاج الْعَمَلِ وَأَحْوَج مَا يَكُونُ النِّتَاج إِلَى التَّرْبِيَةِ إِذَا كَانَ فَطِيمًا فَإِذَا أَحْسَنَ الْعِنَايَة بِهِ اِنْتَهَى إِلَى حَدِّ الْكَمَالِ , وَكَذَلِكَ عَمَل اِبْن آدَمَ - لَا سِيَّمَا الصَّدَقَة - فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَصَدَّقَ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لَا يَزَالُ نَظَر اللَّه إِلَيْهَا يُكْسِبُهَا نَعْت الْكَمَال حَتَّى تَنْتَهِيَ بِالتَّضْعِيفِ إِلَى نِصَابٍ تَقَعُ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَدَّمَ نِسْبَةَ مَا بَيْنَ التَّمْرَةِ إِلَى الْجَبَلِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَاسِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ التِّرْمِذِيّ \" فَلُوَّهُ أَوْ مُهْرَهُ \" , وَلِعَبْد الرَّزَّاق مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ الْقَاسِمِ \" مُهْره أَوْ فَصِيله \" , وَفِي رِوَايَة لَهُ عِنْدَ الْبَزَّارِ \" مُهْره أَوْ رَضِيعه أَوْ فَصِيله \" , وَلِابْن خُزَيْمَة مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن يَسَار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَلُوَّهُ أَوْ قَالَ فَصِيله \" وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ \" أَوْ \" لِلشَّكِّ. قَالَ الْمَازِرِيّ : هَذَا الْحَدِيثُ وَشِبْهُهُ إِنَّمَا عَبَّرَ بِهِ عَلَى مَا اِعْتَادُوا فِي خِطَابِهِمْ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ فَكَنَّى عَنْ قَبُولِ الصَّدَقَةِ بِالْيَمِينِ وَعَنْ تَضْعِيفِ أَجْرِهَا بِالتَّرْبِيَةِ. وَقَالَ عِيَاض : لَمَّا كَانَ الشَّيْء الَّذِي يُرْتَضَى يُتَلَقَّى بِالْيَمِينِ وَيُؤْخَذُ بِهَا اُسْتُعْمِلَ فِي مِثْلِ هَذَا وَاسْتُعِيرَ لِلْقَبُولِ لِقَوْلِ الْقَائِلِ \" تَلَقَّاهَا عَرَابَة بِالْيَمِينِ \" أَيْ هُوَ مُؤَهَّلٌ لِلْمَجْدِ وَالشَّرَفِ وَلَيْسَ الْمُرَاد بِهَا الْجَارِحَة. وَقِيلَ : عَبَّرَ بِالْيَمِينِ عَنْ جِهَةِ الْقَبُولِ , إِذْ الشِّمَالُ بِضِدِّهِ. وَقِيلَ : الْمُرَادُ يَمِين الَّذِي تُدْفَعُ إِلَيْهِ الصَّدَقَةُ وَأَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِضَافَة مِلْك وَاخْتِصَاص لِوَضْعِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ فِي يَمِينِ الْآخِذِ لِلَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ : الْمُرَادُ سُرْعَة الْقَبُولِ , وَقِيلَ حُسْنُهُ. وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنَيِّرِ : الْكِنَايَةُ عَنْ الرِّضَا وَالْقَبُولِ بِالتَّلَقِّي بِالْيَمِينِ لِتَثْبِيتِ الْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ مِنْ الْأَذْهَانِ وَتَحْقِيقِهَا فِي النُّفُوسِ تَحْقِيق الْمَحْسُوسَاتِ , أَيْ لَا يَتَشَكَّكُ فِي الْقَبُولِ كَمَا لَا يَتَشَكَّكُ مَنْ عَايَنَ التَّلَقِّيَ لِلشَّيْءِ بِيَمِينِهِ , لَا أَنَّ التَّنَاوُل كَالتَّنَاوُلِ الْمَعْهُودِ وَلَا أَنَّ الْمُتَنَاوَل بِهِ جَارِحَة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي جَامِعِهِ : قَالَ أَهْل الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة نُؤْمِنُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَلَا نَتَوَهَّمُ فِيهَا تَشْبِيهًا وَلَا نَقُولُ كَيْفَ , هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَالِك وَابْن عُيَيْنَةَ وَابْنِ الْمُبَارَك وَغَيْرِهِمْ , وَأَنْكَرَتْ الْجَهْمِيَّة هَذِهِ الرِّوَايَات اِنْتَهَى. وَسَيَأْتِي الرَّدُّ عَلَيْهِمْ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن يَسَار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنْ الْجَبَلِ \" وَلِابْن جَرِير مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ الْقَاسِمِ \" حَتَّى يُوَافِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أُحُد \" يَعْنِي التَّمْرَة. وَهِيَ فِي رِوَايَة الْقَاسِم عِنْدَ التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ \" حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُد \" قَالَ : وَتَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ) وَفِي رِوَايَةِ اِبْن جَرِير التَّصْرِيح بِأَنَّ تِلَاوَةَ الْآيَةِ مِنْ كَلَام أَبِي هُرَيْرَة. وَزَادَ عَبْد الرَّزَّاق فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيق الْقَاسِم أَيْضًا \" فَتَصَدَّقُوا \" وَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَادَ بِعِظَمِهَا أَنَّ عَيْنَهَا تَعْظُمُ لِتَثْقُل فِي الْمِيزَانِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُعَبَّرًا بِهِ عَنْ ثَوَابِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال ‏ ‏( عَنْ اِبْن دِينَار ‏ ‏أَيْ : عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَهَذِهِ الْمُتَابَعَة ذَكَرَهَا الْمُصَنِّف فِي التَّوْحِيدِ فَقَالَ : وَقَالَ خَالِد بْن مَخْلَد عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال فَسَاقَ مِثْله , إِلَّا أَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةً فِي اللَّفْظِ يَسِيرَة , وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو عَوَانَة وَالْجَوْزَقِيّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن مُعَاذ بْن يُوسُف عَنْ خَالِد بْن مَخْلَد بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عُثْمَان حَدَّثَنَا خَالِد بْن مَخْلَد عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ سُهَيْل عَنْ أَبِي صَالِح وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ كُلّه , وَهَذَا إِنْ كَانَ أَحْمَد بْن عُثْمَان حَفِظَهُ فَلِسُلَيْمَان فِيهِ شَيْخَانِ عَبْد اللَّه بْن دِينَار وَسُهَيْل عَنْ أَبِي صَالِح , وَقَدْ غَفَلَ صَاحِبُ الْأَطْرَافِ فَسَوَّى بَيْنَ رِوَايَتَيْ الصَّحِيحَيْنِ فِي هَذَا وَلَيْسَ بِجَيِّد. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ وَرْقَاء ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر ‏ ‏( عَنْ اِبْن دِينَار عَنْ سَعِيد بْن يَسَار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ وَرْقَاءَ خَالَفَ عَبْد الرَّحْمَن وَسُلَيْمَان فَجَعَلَ شَيْخ اِبْن دِينَار فِيهِ سَعِيد بْن يَسَار بَدَلَ أَبِي صَالِح , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى رِوَايَةِ وَرْقَاءَ هَذِهِ مَوْصُولَة , وَقَدْ أَشَارَ الدَّاوُدِيّ إِلَى أَنَّهَا وَهْم لِتَوَارُدِ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي صَالِح دُونَ سَعِيد بْن يَسَار , وَلَيْسَ مَا قَالَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ عَنْ سَعِيد بْن يَسَار مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرُهُمَا. نَعَمْ رِوَايَة وَرْقَاء شَاذَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُخَالَفَةِ سُلَيْمَان وَعَبْد الرَّحْمَن وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَفْت عَلَى رِوَايَةِ وَرْقَاءَ مَوْصُولَة وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي كِتَاب التَّوْحِيد. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَوَاهُ مُسْلِم بْن أَبِي مَرْيَم , وَزَيْد بْن أَسْلَم وَسُهَيْل عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة مُسْلِمٍ فَرُوِّينَاهَا مَوْصُولَة فِي كِتَاب الزَّكَاة لِيُوسُف بْن يَعْقُوب الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْمُقَدَّمِيّ حَدَّثَنَا سَعِيد بْن سَلَمَة هُوَ اِبْن أَبِي الْحُسَام عَنْهُ بِهِ , وَأَمَّا رِوَايَةُ زَيْد بْن أَسْلَم وَسُهَيْل فَوَصَلَهُمَا مُسْلِم , وَقَدْ قَدَّمْت مَا فِي سِيَاق الثَّلَاثَة مِنْ فَائِدَة وَزِيَادَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1322",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏تَصَدَّقُوا فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا يَقُولُ الرَّجُلُ لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالْأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏( حَارِثَة بْن وَهْب ) ‏ ‏هُوَ الْخُزَاعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَان ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَاب - مِنْ وَجْهٍ آخَرَ - بِلَفْظ \" فَسَيَأْتِي \". ‏ ‏قَوْله : ( يَقُولُ الرَّجُل ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي يُرِيدُ الْمُتَصَدِّقُ أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهَا. ) ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَّا الْيَوْمُ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" فِيهَا \" , وَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِي زَمَنِ كَثْرَةِ الْمَالِ وَفَيْضِهِ قُرْبَ السَّاعَةِ كَمَا قَالَ اِبْن بَطَّال , وَمِنْ ثَمَّ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَاب الْفِتَن كَمَا سَيَأْتِي. ‏"
    },
    {
        "id": "1323",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ لَا ‏ ‏أَرَبَ ‏ ‏لِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب , وَقَدْ سَاقَهُ فِي الْفِتَنِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ هُنَا مُطَوَّلًا , وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْله : ( حَتَّى يَهُمَّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمِّ الْهَاء , وَ ‏ ‏( رَبَّ الْمَالِ ) ‏ ‏مَنْصُوب عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَفَاعِله ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ يَقْبَلُهُ ) ) ‏ ‏يُقَالُ : هَمَّهُ الشَّيْء أَحْزَنَهُ. وَيُرْوَى بِضَمِّ أَوَّله يُقَالُ : أَهَمَّهُ الْأَمْر أَقْلَقَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرْحِ مُسْلِم : ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَشْهَرُهُمَا بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْهَاء وَرَبُّ الْمَالِ مَفْعُول وَالْفَاعِل مَنْ يَقْبَلُ أَيْ : يُحْزِنُهُ , وَالثَّانِي بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمِّ الْهَاء وَرَبُّ الْمَالِ فَاعِل , وَمَنْ مَفْعُول أَيْ يَقْصُدُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا أَرَبَ لِي ) ‏ ‏زَادَ فِي الْفِتَنِ \" بِهِ \" أَيْ : لَا حَاجَةَ لِي بِهِ لِاسْتِغْنَائِي عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1324",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَعْدَانُ بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُجَاهِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ الطَّائِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَاءَهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَشْكُو ‏ ‏الْعَيْلَةَ ‏ ‏وَالْآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى تَخْرُجَ الْعِيرُ إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏بِغَيْرِ ‏ ‏خَفِيرٍ ‏ ‏وَأَمَّا ‏ ‏الْعَيْلَةُ ‏ ‏فَإِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ ‏ ‏أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا فَلَيَقُولَنَّ بَلَى ثُمَّ لَيَقُولَنَّ أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَلَيَقُولَنَّ بَلَى فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمْ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم , وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ , وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى. وَشَاهِدُهُ هُنَا ‏ ‏قَوْله فِيهِ ( فَإِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدكُمْ بِصَدَقَتِهِ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ ) ‏ ‏وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي قَبْلَهُ وَمُشْعِر بِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْآتِي بَعْدَهُ مُشْعِر بِذَلِكَ أَيْضًا , وَقَدْ أَشَارَ عَدِيّ بْن حَاتِم - كَمَا سَيَأْتِي فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ - إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي زَمَانِهِ وَكَانَتْ وَفَاته فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَة بَعْدَ اِسْتِقْرَارِ أَمْرِ الْفُتُوحِ , فَانْتَفَى قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. قَالَ اِبْن التِّينِ : إِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى حِينَ تُخْرِجُ الْأَرْض بَرَكَاتهَا حَتَّى تُشْبِعَ الرُّمَّانَةُ أَهْلَ الْبَيْتِ وَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ كَافِر. وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى اِتِّقَاءِ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه. ‏"
    },
    {
        "id": "1325",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنْ الذَّهَبِ ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً ‏ ‏يَلُذْنَ ‏ ‏بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الذَّهَبِ ) ‏ ‏خَصَّهُ بِالذِّكْرِ مُبَالَغَة فِي عَدَمِ مَنْ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ , وَكَذَا قَوْله يَطُوفُ ثُمَّ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا ‏ ‏وَقَوْله : ( وَيَرَى الرَّجُل إِلَخْ ) ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب رَفْعِ الْعِلْمِ \" مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1326",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ ‏آيَةُ الصَّدَقَةِ ‏ ‏كُنَّا نُحَامِلُ فَجَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ فَقَالُوا مُرَائِي وَجَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ فَقَالُوا إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا فَنَزَلَتْ ‏ { ‏الَّذِينَ ‏ ‏يَلْمِزُونَ ‏ ‏الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مَسْعُود وَرَدَ مِنْ وَجْهَيْنِ تَامًّا وَمُخْتَصَرًا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَشُ , وَأَبُو مَسْعُود هُوَ الْأَنْصَارِيّ الْبَدْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ ) ‏ ‏كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ) الْآيَة. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا نُحَامِلُ ) ‏ ‏أَيْ : نَحْمِلُ عَلَى ظُهُورِنَا بِالْأُجْرَةِ , يُقَالُ : حَامَلْت بِمَعْنَى حَمَلْت كَسَافَرْت. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : يُرِيدُ نَتَكَلَّفُ الْحَمْل بِالْأُجْرَةِ لِنَكْتَسِب مَا نَتَصَدَّقُ بِهِ , وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ حَيْثُ قَالَ \" اِنْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ \" أَيْ : يَطْلُبُ الْحَمْلَ بِالْأُجْرَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ , وَالشَّيْء الْمَذْكُور كَانَ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ أَوْ أَرْبَعَة آلَاف. ) ‏ ‏قَوْله : ( وَجَاءَ رَجُل ) ‏ ‏هُوَ أَبُو عَقِيل بِفَتْحِ الْعَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ , وَنَذْكُرُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الِاخْتِلَاف فِي اِسْمِهِ وَاسْم أَبِيهِ وَمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ الصَّحَابَةِ كَأَبِي خَيْثَمَةَ , وَأَنَّ الصَّاعَ إِنَّمَا حَصَلَ لِأَبِي عَقِيل لِكَوْنِهِ أَجَّرَ نَفْسَهُ عَلَى النَّزْحِ مِنْ الْبِئْرِ بِالْحَبْلِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالُوا ) ‏ ‏سُمِّيَ مِنْ اللَّامِزِينَ فِي \" مَغَازِي الْوَاقِدِيّ \" مُعَتِّب بْن قُشَيْر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن نَبْتَل بِنُون وَمُثَنَّاة مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَة سَاكِنَة ثُمَّ لَام. ‏ ‏قَوْله : ( يَلْمِزُونَ ) ‏ ‏أَيْ يَعِيبُونَ , وَشَاهِد التَّرْجَمَة ‏ ‏قَوْله : ( وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ) ‏ ‏. ‏"
    },
    {
        "id": "1327",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ ‏ ‏فَيُحَامِلُ ‏ ‏فَيُصِيبُ الْمُدَّ ‏ ‏وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَعِيد بْن يَحْيَى ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن سَعِيد الْأُمَوِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَيُحَامِلُ ) ‏ ‏بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّة وَاللَّام مَضْمُومَة بِلَفْظ الْمُضَارِع مِنْ الْمُفَاعَلَةِ. وَيُرْوَى بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَفَتْح اللَّامِ أَيْضًا , وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَة زَائِدَة الْآتِيَة فِي التَّفْسِيرِ \" فَيَحْتَالُ أَحَدُنَا حَتَّى يَجِيءَ بِالْمُدِّ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَيُصِيبُ الْمُدّ ) ‏ ‏أَيْ : فِي مُقَابَلَة أُجْرَته فَيَتَصَدَّقُ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ الْيَوْمَ لَمِائَة أَلْف ) ‏ ‏زَادَ فِي التَّفْسِيرِ \" كَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ \" وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِلَّة الشَّيْء , وَإِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ بَعْدَهُ مِنْ التَّوَسُّعِ لِكَثْرَةِ الْفُتُوحِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانُوا فِي الْعَهْدِ الْأَوَّلِ يَتَصَدَّقُونَ بِمَا يَجِدُونَ وَلَوْ جَهِدُوا , وَالَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ آخِرًا بِخِلَاف ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ بِخَطِّ مُغَلْطَايَ فِي شَرْحِهِ \" وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ الْيَوْمَ ثَمَانِيَةَ آلَاف \" وَهُوَ تَصْحِيف. ‏"
    },
    {
        "id": "1328",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ‏",
        "sharh": "ثَانِيهَا حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم وَهُوَ بِلَفْظ التَّرْجَمَة , وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ , وَ ‏ ‏\" بِشِقِّ \" ) ‏ ‏بِكَسْر الْمُعْجَمَة نِصْفهَا أَوْ جَانِبهَا , أَيْ : وَلَوْ كَانَ الِاتِّقَاء بِالتَّصَدُّقِ بِشِقِّ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ يُفِيدُ. وَفِي الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث فَضَالَة بْن عُبَيْد مَرْفُوعًا \" اِجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ النَّارِ حِجَابًا وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَة \" وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ \" لِيَتَّقِ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ النَّار وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَة \" وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ \" يَا عَائِشَة , اِسْتَتِرِي مِنْ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَة , فَإِنَّهَا تَسُدُّ مِنْ الْجَائِعِ مَسَدَّهَا مِنْ الشَّبْعَانِ \" , وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْر الصِّدِّيق نَحْوُهُ وَأَتَمَُّ مِنْهُ بِلَفْظ \" تَقَعُ مِنْ الْجَائِعِ مَوْقِعهَا مِنْ الشَّبْعَانِ \" وَكَأَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ حَلَاوَتهَا. وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثّ عَلَى الصَّدَقَةِ بِمَا قَلَّ وَمَا جَلَّ , وَأَنْ لَا يَحْتَقِرُ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ , وَأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الصَّدَقَةِ يَسْتُرُ الْمُتَصَدِّق مِنْ النَّارِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1329",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَيْنَا فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة , وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ , وَفِيهِ التَّقْيِيدُ بِالْإِحْسَانِ وَلَفْظُهُ \" مَنْ اُبْتُلِيَ مِنْ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأُمَّ الْمَذْكُورَةَ لَمَّا قَسَمَتْ التَّمْرَةَ بَيْنَ اِبْنَتَيْهَا صَارَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا شِقُّ تَمْرَة , وَقَدْ دَخَلَتْ فِي عُمُومِ خَبَرِ الصَّادِقِ أَنَّهَا مِمَّنْ سُتِرَ مِنْ النَّارِ لِأَنَّهَا مِمَّنْ اُبْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ الْبَنَاتِ فَأَحْسَنَ. وَمُنَاسَبَةُ فِعْلِ عَائِشَة لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ \" وَالْقَلِيل مِنْ الصَّدَقَةِ \" وَلِلْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ : ( وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ) لِقَوْلِهَا فِي الْحَدِيثِ \" فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْر تَمْرَة \" وَفِيهِ شِدَّةُ حِرْصِ عَائِشَة عَلَى الصَّدَقَةِ اِمْتِثَالًا لِوَصِيَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا حَيْثُ قَالَ \" لَا يَرْجِعُ مِنْ عِنْدَك سَائِل وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَة \" رَوَاهُ الْبَزَّار مِنْ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1330",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو زُرْعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا قَالَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبَا ذَرٍّ , فَفِي مُسْنَد أَحْمَد عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَل , لَكِنَّ فِي الْجَوَابِ \" جُهْد مِنْ مُقِلٍّ أَوْسَر إِلَى فَقِير \" وَكَذَا رَوَى الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ فَأُجِيبُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَم أَجْرًا ) ‏ ‏فِي الْوَصَايَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع \" أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَل \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تَصَّدَّقَ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَأَصْلُهُ تَتَصَدَّق فَأُدْغِمَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ ) ‏ ‏فِي الْوَصَايَا \" وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ \" قَالَ صَاحِب الْمُنْتَهَى : الشُّحُّ بُخْلٌ مَعَ حِرْص. وَقَالَ صَاحِب الْمُحْكَمِ : الشُّحُّ مُثَلَّث الشِّين وَالضَّمُّ أَعْلَى. وَقَالَ صَاحِب الْجَامِعِ : كَأَنَّ الْفَتْحَ فِي الْمَصْدَرِ وَالضَّمَّ فِي الِاسْمِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : فِيهِ أَنَّ الْمَرَضَ يُقَصِّرُ يَدَ الْمَالِكِ عَنْ بَعْضِ مِلْكِهِ , وَأَنَّ سَخَاوَتَهُ بِالْمَالِ فِي مَرَضِهِ لَا تَمْحُو عَنْهُ سِيمَة الْبُخْل , فَلِذَلِكَ شَرَطَ صِحَّة الْبَدَنِ فِي الشُّحِّ بِالْمَالِ لِأَنَّهُ فِي الْحَالَتَيْنِ يَجِدُ لِلْمَالِ وَقْعًا فِي قَلْبِهِ لِمَا يَأْمُلُهُ مِنْ الْبَقَاءِ فَيَحْذَرُ مَعَهُ الْفَقْرَ , وَأَحَد الْأَمْرَيْنِ لِلْمُوصِي وَالثَّالِث لِلْوَارِثِ لِأَنَّهُ إِذَا شَاءَ أَبْطَلَهُ. قَالَ الْكَرْمَانِيّ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الثَّالِث لِلْمُوصِي أَيْضًا لِخُرُوجِهِ عَنْ الِاسْتِقْلَالِ بِالتَّصَرُّفِ فِيمَا يَشَاءُ فَلِذَلِكَ نَقَصَ ثَوَابه عَنْ حَال الصِّحَّة. قَالَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره : لَمَّا كَانَ الشُّحُّ غَالِبًا فِي الصِّحَّةِ فَالسَّمَاح فِيهِ بِالصَّدَقَةِ أَصْدَقُ فِي النِّيَّةِ وَأَعْظَمُ لِلْأَجْرِ , بِخِلَافِ مَنْ يَئِسَ مِنْ الْحَيَاةِ , وَرَأَى مَصِيرَ الْمَالِ لِغَيْرِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَأْمُل ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ : تَطْمَعُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا بَلَغَتْ ) ‏ ‏أَيْ : الرُّوح , وَالْمُرَاد قَارَبَتْ بُلُوغه إِذْ لَوْ بَلَغَتْهُ حَقِيقَة لَمْ يَصِحَّ شَيْء مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ. وَلَمْ يَجْرِ لِلرُّوحِ ذِكْرٌ اِغْتِنَاءً بِدَلَالَةِ السِّيَاقِ. وَالْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَس قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر كِتَابِ الْعِلْمِ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1331",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فِرَاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا قَالَ ‏ ‏أَطْوَلُكُنَّ يَدًا فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا فَكَانَتْ ‏ ‏سَوْدَةُ ‏ ‏أَطْوَلَهُنَّ يَدًا فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ , فَعَلَى رِوَايَتِهِ هُوَ مِنْ تَرْجَمَة فَضْل صَدَقَة الصَّحِيح , وَعَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْلِ مِنْهُ وَأَوْرَدَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ قِصَّة سُؤَال أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ أَيَّتُهُنَّ أَسْرَع لُحُوقًا بِهِ , وَفِيهِ قَوْلُهُ لَهُنَّ \" أَطْوَلُكُنَّ يَدًا \" الْحَدِيث. وَوَجْهُ تَعَلُّقه بِمَا قَبْلَهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ تَضَمَّنَ أَنَّ الْإِيثَارَ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنْ الصَّدَقَةِ فِي زَمَنِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَلِ سَبَب لِلَّحَاقِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَلِكَ الْغَايَة فِي الْفَضِيلَةِ , أَشَارَ إِلَى هَذَا الزَّيْن بْن الْمُنَيِّرِ قَالَ اِبْن رَشِيد : وَجْه الْمُنَاسَبَة أَنَّهُ تَبَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِطُولِ الْيَدِ الْمُقْتَضِي لِلَّحَاقِ بِهِ الطُّول , وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى لِلصَّحِيحِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْمُدَاوَمَةِ فِي حَال الصِّحَّة وَبِذَلِكَ يَتِمُّ الْمُرَاد. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ السَّائِلَةِ مِنْهُنَّ عَنْ ذَلِكَ , إِلَّا عِنْدَ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْن حَمَّاد عَنْ أَبِي عَوَانَة بِهَذَا الْإِسْنَادِ \" قَالَتْ فَقُلْت \" بِالْمُثَنَّاةِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظ \" فَقُلْنَ \" بِالنُّونِ فَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَسْرَع بِك لُحُوقًا ) ‏ ‏مَنْصُوب عَلَى التَّمْيِيزِ , وَكَذَا قَوْله يَدًا , وَأَطُولُكُنَّ مَرْفُوع عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا ) ‏ ‏أَيْ : يُقَدِّرُونَهَا بِذِرَاعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ , وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِلَفْظِ جَمْعِ الْمُذَكَّر بِالنَّظَرِ إِلَى لَفْظِ الْجَمْعِ لَا بِلَفْظِ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ , وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ ‏ ‏وَإِنْ شِئْت حَرَّمْت النِّسَاءَ سِوَاكُمْ ‏ ‏أَنَّهُ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ جَمْع الْمُذَكَّر تَعْظِيمًا. وَقَوْلُهُ \" أَطُولُكُنَّ \" يُنَاسِبُ ذَلِكَ , وَإِلَّا لَقَالَ طُولَاكُنَّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَتْ سَوْدَةُ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن سَعْد عَنْ عَفَّانَ عَنْ أَبِي عَوَانَة بِهَذَا الْإِسْنَادِ \" بِنْت زَمْعَة بْن قَيْس \". ‏ ‏قَوْله : ( أَطْوَلهنَّ يَدًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَفَّانَ \" ذِرَاعًا \" وَهِيَ تُعِينُ أَنَّهُنَّ فَهِمْنَ مِنْ لَفْظ الْيَد الْجَارِحَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَلِمْنَا بَعْدُ ) ‏ ‏أَيْ : لَمَّا مَاتَتْ أَوَّلُ نِسَائِهِ بِهِ لُحُوقًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا ) ‏ ‏بِالْفَتْحِ , وَالصَّدَقَة بِالرَّفْعِ , وَطُوله يَدهَا بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ الْخَبَرُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ أَسْرَعنَا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ بِغَيْرِ تَعْيِين , وَوَقَعَ فِي \" التَّارِيخِ الصَّغِيرِ \" لِلْمُصَنِّفِ عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل بِهَذَا الْإِسْنَادِ \" فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَسْرَعَنَا إِلَخْ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي \" الدَّلَائِلِ \" وَابْن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاس الدَّوْرِيّ عَنْ مُوسَى , وَكَذَا فِي رِوَايَة عَفَّانَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْن سَعْد عَنْهُ \" قَالَ اِبْن سَعْد : قَالَ لَنَا مُحَمَّد بْن عُمَر - يَعْنِي الْوَاقِدِيّ - هَذَا الْحَدِيث وُهِلَ فِي سَوْدَة , وَإِنَّمَا هُوَ فِي زَيْنَب بِنْت جَحْش , فَهِيَ أَوَّلُ نِسَائِهِ بِهِ لُحُوقًا وَتُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَبَقِيَتْ سَوْدَة إِلَى أَنْ تُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَة فِي شَوَّال سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ \" قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا الْحَدِيثُ سَقَطَ مِنْهُ ذِكْرُ زَيْنَب لِاتِّفَاقِ أَهْل السِّيَر عَلَى أَنَّ زَيْنَب أَوَّل مَنْ مَاتَ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَعْنِي أَنَّ الصَّوَابَ : وَكَانَتْ زَيْنَب أَسْرَعَنَا إِلَخْ , وَلَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تِلْكَ الرِّوَايَات الْمُتَقَدِّمَة الْمُصَرَّح فِيهَا بِأَنَّ الضَّمِيرَ لِسَوْدَة. وَقَرَأْت بِخَطِّ الْحَافِظِ أَبِي عَلِيّ الصَّدَفِيّ : ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظ أَنَّ سَوْدَة كَانْت أَسْرَعَ وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ زَيْنَب أَوَّل مَنْ مَاتَ مِنْ الْأَزْوَاجِ , ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ الْوَاقِدِيّ , قَالَ : وَيُقَوِّيه رِوَايَة عَائِشَة بِنْت طَلْحَة. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيِّ. هَذَا الْحَدِيثُ غَلَطٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ , وَالْعَجَب مِنْ الْبُخَارِيِّ كَيْفَ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ وَلَا أَصْحَاب التَّعَالِيق وَلَا عَلِمَ بِفَسَادِ ذَلِكَ الْخَطَّابِيّ فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ وَقَالَ : لُحُوق سَوْدَة بِهِ مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة. وَكُلُّ ذَلِكَ وَهْمٌ , وَإِنَّمَا هِيَ زَيْنَب , فَإِنَّهَا كَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا بِالْعَطَاءِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ عَائِشَة بِنْت طَلْحَة عَنْ عَائِشَة بِلَفْظ \" فَكَانَتْ أَطْوَلنَا يَدًا زَيْنَب لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ وَتَتَصَدَّقُ \" اِنْتَهَى. وَتَلَقَّى مُغَلْطَايُ كَلَام اِبْنِ الْجَوْزِيِّ فَجَزَمَ بِهِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ لَهُ. وَقَدْ جَمَعَ بَعْضهمْ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَقَالَ الطِّيبِيّ : يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ الْمُرَاد الْحَاضِرَات مِنْ أَزْوَاجِهِ دُونَ زَيْنَب , وَكَانَتْ سَوْدَة أَوَّلهنَّ مَوْتًا. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ نَحْوُهُ فِي كَلَام مُغَلْطَايَ , لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْن حَمَّاد عِنْدَ اِبْن حِبَّانَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِجْتَمَعْنَ عِنْدَهُ لَمْ تُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَة , ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي وَفَاة سَوْدَة , فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى سَعِيد بْن هِلَال أَنَّهُ قَالَ : مَاتَتْ سَوْدَة فِي خِلَافَةِ عُمَرَ , وَجَزَمَ الذَّهَبِيّ فِي \" التَّارِيخِ الْكَبِيرِ \" بِأَنَّهَا مَاتَتْ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ , وَقَالَ اِبْن سَيِّد النَّاسِ : أَنَّهُ الْمَشْهُورُ. وَهَذَا يُخَالِفُ مَا أَطْلَقَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّين حَيْثُ قَالَ : أَجْمَعَ أَهْل السِّيَر عَلَى أَنَّ زَيْنَب أَوَّل مَنْ مَاتَ مِنْ أَزْوَاجِهِ. وَسَبَقَهُ إِلَى نَقْلِ الِاتِّفَاقِ اِبْن بَطَّال كَمَا تَقَدَّمَ. وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ النَّقْلَ مُقَيَّد بِأَهْل السِّيَر , فَلَا يَرِدُ نَقْل قَوْل مَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ أَهْل النَّقْل مِمَّنْ لَا يَدْخُلُ فِي زُمْرَةِ أَهْل السِّيَر. وَأَمَّا عَلَى قَوْل الْوَاقِدِيّ الَّذِي تَقَدَّمَ فَلَا يَصِحُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ اِبْنِ بَطَّالٍ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ \" فَكَانَتْ \" لِزَيْنَب وَذَكَرْت مَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ , لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيره بِسَوْدَة مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ لِكَوْنِ غَيْرِهَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْر , فَلَمَّا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى قِصَّةِ زَيْنَب وَكَوْنهَا أَوَّلَ الْأَزْوَاجِ لُحُوقًا بِهِ جَعَلَ الضَّمَائِر كُلّهَا لِسَوْدَة , وَهَذَا عِنْدِي مِنْ أَبِي عَوَانَة , فَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ فِرَاسٍ كَمَا قَرَأْت بِخَطِّ اِبْن رَشِيد أَنَّهُ قَرَأَهُ بِخَطِّ أَبِي الْقَاسِم بْن الْوَرْد , وَلَمْ أَقِفْ إِلَى الْآنَ عَلَى رِوَايَةِ اِبْن عُيَيْنَةَ هَذِهِ , لَكِنْ رَوَى يُونُس بْن بُكَيْرٍ فِي \" زِيَادَات الْمَغَازِي \" وَالْبَيْهَقِيّ فِي \" الدَّلَائِلِ \" بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ عَنْ زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ الشَّعْبِيِّ التَّصْرِيح بِأَنَّ ذَلِكَ لِزَيْنَب , لَكِنْ قَصَّرَ زَكَرِيَّا فِي إِسْنَادِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ مَسْرُوقًا وَلَا عَائِشَة , وَلَفْظه \" قُلْنَ النِّسْوَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّنَا أَسْرَع بِك لُحُوقًا ؟ قَالَ : أَطْوَلُكُنَّ يَدًا , فَأَخَذْنَ يَتَذَارَعْنَ أَيَّتهنَّ أَطْوَل يَدًا , فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ زَيْنَب عَلِمْنَ أَنَّهَا كَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا فِي الْخَيْرِ وَالصَّدَقَةِ \" وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَزْوَاجِهِ : أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلكُنَّ يَدًا قَالَتْ عَائِشَة : فَكُنَّا إِذَا اِجْتَمَعْنَا فِي بَيْت إِحْدَانَا بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَمُدُّ أَيْدِيَنَا فِي الْجِدَارِ نَتَطَاوَلُ , فَلَمْ نَزَلْ نَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَتْ زَيْنَب بِنْت جَحْش - وَكَانَتْ اِمْرَأَةً قَصِيرَةً وَلَمْ تَكُنْ أَطْوَلنَا - فَعَرَفْنَا حِينَئِذٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَرَادَ بِطُولِ الْيَدِ الصَّدَقَة , وَكَانَتْ زَيْنَب اِمْرَأَة صِنَاعَة بِالْيَدِ , وَكَانَتْ تَدْبُغُ وَتَخْرُزُ وَتَصَدَّقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ \" قَالَ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْط مُسْلِم اِنْتَهَى. وَهِيَ رِوَايَةٌ مُفَسِّرَةٌ مُبَيِّنَةٌ مُرَجِّحَةٌ لِرِوَايَةِ عَائِشَة بِنْت طَلْحَة فِي أَمْرِ زَيْنَب , قَالَ اِبْن رَشِيد : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عَائِشَة لَا تَعْنِي سَوْدَة قَوْلهَا \" فَعَلِمْنَا بَعْدُ \" إِذْ قَدْ أَخْبَرَتْ عَنْ سَوْدَة بِالطُّولِ الْحَقِيقِيِّ وَلَمْ تَذْكُرْ سَبَبَ الرُّجُوعِ عَنْ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ إِلَّا الْمَوْت , فَإِذَا طَلَبَ السَّامِع سَبَب الْعُدُولِ لَمْ يَجِدْ إِلَّا الْإِضْمَار مَعَ أَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهَا إِنَّمَا هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِالصَّدَقَةِ لِمَوْتِهَا قَبْلَ الْبَاقِيَاتِ , فَيَنْظُرُ السَّامِع وَيَبْحَثُ فَلَا يَجِدُ إِلَّا زَيْنَب , فَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ , وَهُوَ مِنْ بَابِ إِضْمَارِ مَا لَا يَصْلُحُ غَيْرُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنَيِّرِ : وَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ قَوْلَهَا \" فَعَلِمْنَا بَعْدُ \" يُشْعِرُ إِشْعَارًا قَوِيًّا أَنَّهُنَّ حَمَلْنَ طُولَ الْيَدِ عَلَى ظَاهِرِهِ , ثُمَّ عَلِمْنَ بَعْدَ ذَلِكَ خِلَافَهُ وَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الصَّدَقَةِ , وَالَّذِي عَلِمْنَهُ آخِرًا خِلَافَ مَا اِعْتَقَدْنَهُ أَوَّلًا , وَقَدْ اِنْحَصَرَ الثَّانِي فِي زَيْنَب لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا أَوَّلُهُنَّ مَوْتًا فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُرَادَة. وَكَذَلِكَ بَقِيَّة الضَّمَائِرِ بَعْدَ قَوْلِهِ \" فَكَانَتْ \" وَاسْتَغْنَى عَنْ تَسْمِيَتِهَا لِشُهْرَتِهَا بِذَلِكَ اِنْتَهَى. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ فِي الْحَدِيثِ اِخْتِصَارًا أَوْ اِكْتِفَاء بِشُهْرَةِ الْقِصَّةِ لِزَيْنَب , وَيُؤَوَّلُ الْكَلَامُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ رَجَعَ إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي عَلِمَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا أَوَّلُ مَنْ يَلْحَقُ بِهِ , وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الصَّدَقَةِ. قُلْت : الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ , وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي كَوْن الْبُخَارِيّ حَذَفَ لَفْظ سَوْدَة مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ لَمَّا أَخْرَجَهُ فِي الصَّحِيحِ لِعِلْمِهِ بِالْوَهْمِ فِيهِ , وَأَنَّهُ لَمَّا سَاقَهُ فِي التَّارِيخِ بِإِثْبَاتِ ذِكْرِهَا ذَكَرَ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ أَيْضًا عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى قَالَ \" صَلَّيْت مَعَ عُمَرَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَب بِنْت جَحْش , وَكَانَتْ أَوَّل نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُحُوقًا بِهِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَارِيخِ وَفَاتِهَا فِي كِتَاب الْجَنَائِز , وَأَنَّهُ سَنَة عِشْرِينَ. وَرَوَى اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيقِ بَرْزَة بِنْت رَافِع قَالَتْ \" لَمَّا خَرَجَ الْعَطَاء أَرْسَلَ عُمَر إِلَى زَيْنَب بِنْت جَحْش بِالَّذِي لَهَا , فَتَعَجَّبَتْ وَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ وَأَمَرَتْ بِتَفْرِقَتِهِ , إِلَى أَنْ كُشِفَ الثَّوْب فَوَجَدَتْ تَحْتَهُ خَمْسَة وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ قَالَتْ : اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكُنِي عَطَاء لِعُمَرَ بَعْدَ عَامِي هَذَا , فَمَاتَتْ فَكَانَتْ أَوَّل أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُحُوقًا بِهِ \" وَرَوَى اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِم بْن مَعْن قَالَ : كَانَتْ زَيْنَب أَوَّل نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُحُوقًا بِهِ فَهَذِهِ رِوَايَات يُعَضِّدُ بَعْضهَا بَعْضًا وَيَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَة وَهْمًا. وَقَدْ سَاقَهُ يَحْيَى بْن حَمَّاد عَنْهُ مُخْتَصَرًا وَلَفْظه \" فَأَخَذْنَ قَصَبَةً يَتَذَارَعْنَهَا , فَمَاتَتْ سَوْدَة بِنْت زَمْعَة وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الصَّدَقَةِ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ قَالَ أَطْوَلكُنَّ يَدًا بِالصَّدَقَةِ \" هَذَا لَفَظَهُ عِنْدَ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَن بْن مُدْرِك عَنْهُ , وَلَفْظه عِنْدَ النَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي دَاوُد وَهُوَ الْحَرَّانِيّ عَنْهُ \" فَأَخَذْنَ قَصَبَةً فَجَعَلْنَ يَذْرَعْنَهَا فَكَانَتْ سَوْدَة أَسْرَعَهُنَّ بِهِ لُحُوقًا , وَكَانَتْ أَطْوَلهنَّ يَدًا , وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ الصَّدَقَةِ \". وَهَذَا السِّيَاقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيل إِلَّا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ دُخُولِ الْوَهْمِ عَلَى الرَّاوِي فِي التَّسْمِيَةِ خَاصَّة وَاللَّه أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ عَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة ظَاهِر , وَفِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ وَهُوَ لَفْظ \" أَطُولُكُنَّ \" إِذَا لَمْ يَكُنْ مَحْذُور. قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنَيِّرِ : لَمَّا كَانَ السُّؤَال عَنْ آجَال مُقَدَّرَة لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِالْوَحْيِ أَجَابَهُنَّ بِلَفْظٍ غَيْرِ صَرِيحٍ وَأَحَالَهُنَّ عَلَى مَا لَا يَتَبَيَّنُ إِلَّا بِآخَرَ. وَسَاغَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَمَلَ الْكَلَام عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ لَمْ يُلَمْ وَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ مَجَازه , لِأَنَّ نِسْوَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَلْنَ طُولَ الْيَدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِنَّ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيد بْن الْأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُنَّ : لَيْسَ ذَلِكَ أَعْنِي إِنَّمَا أَعْنِي أَصْنَعكُنَّ يَدًا , فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا , وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَمْ يَحْتَجْنَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَرْع أَيْدِيهنَّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة عَمْرَة عَنْ عَائِشَة. وَقَالَ الْمُهَلَّب : فِي الْحَدِيثِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لِلْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ لِأَنَّ النِّسْوَةَ فَهِمْنَ مِنْ طُولِ الْيَدِ الْجَارِحَة , وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالطُّولِ كَثْرَة الصَّدَقَةِ , وَمَا قَالَهُ لَا يُمْكِنُ اِطِّرَادُهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1332",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَجُلٌ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ زَانِيَةٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مَالِك فِي \" الْغَرَائِبِ لِلدَّارَقُطْنِيّ \" عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن هُرْمُز أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ , وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ لَهِيعَة عَنْ الْأَعْرَجِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَة عَنْ أَبِي أُمَيَّة عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ \" لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ \" وَكَرَّرَ كَذَلِكَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْن عَقَبَة وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي \" غَرَائِب مَالِكٍ \" كُلّهمْ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ. وَقَوْلُهُ \" لَأَتَصَدَّقَنَّ \" مِنْ بَابِ الِالْتِزَامِ كَالنَّذْرِ مَثَلًا , وَالْقَسْم فِيهِ مُقَدَّر كَأَنَّهُ قَالَ : وَاللَّهِ لَأَتَصَدَّقَنَّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ ) ‏ ‏أَيْ : وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ سَارِق. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ : تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي أُمَيَّة \" تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارِق \" وَفِي رِوَايَةِ اِبْنِ لَهِيعَة \" تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى فُلَان السَّارِق \" وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ الطُّرُقِ تَسْمِيَةَ أَحَدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمُتَصَدَّق عَلَيْهِمْ. وَقَوْلُهُ \" تُصُدِّقَ \" بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد ) ‏ ‏أَيْ : لَا لِي لِأَنَّ صَدَقَتِي وَقَعَتْ بِيَدِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا فَلَك الْحَمْدُ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ بِإِرَادَتِك لَا بِإِرَادَتِي , فَإِنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ كُلّهَا جَمِيلَة. قَالَ الطِّيبِيّ : لَمَّا عَزَمَ عَلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى مُسْتَحِقٍّ فَوَضَعَهَا بِيَدِ زَانِيَةٍ حَمِدَ اللَّه عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى مَنْ هُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهَا , أَوْ أَجْرَى الْحَمْد مُجْرَى التَّسْبِيح فِي اِسْتِعْمَالِهِ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ مَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ , فَلَمَّا تَعَجَّبُوا مِنْ فِعْلِهِ تَعَجَّبَ هُوَ أَيْضًا فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد , عَلَى زَانِيَة , أَيْ : الَّتِي تَصَدَّقْت عَلَيْهَا فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ اِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الْوَجْهِ , وَأَمَّا الَّذِي قَبْلَهُ فَأَبْعَدُ مِنْهُ. وَالَّذِي يَظْهَرُ الْأَوَّل وَأَنَّهُ سَلَّمَ وَفَوَّضَ وَرَضِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ , لِأَنَّهُ الْمَحْمُودُ عَلَى جَمِيعِ الْحَالِ , لَا يُحْمَدُ عَلَى الْمَكْرُوهِ سِوَاهُ , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى مَا لَا يُعْجِبُهُ قَالَ \" اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد عَلَى كُلِّ حَال \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيّ فِي \" مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ \" عَنْ أَحْمَد بْن عَبْد الْوَهَّاب عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ \" فَسَاءَهُ ذَلِكَ فَأَتَى فِي مَنَامِهِ \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَنْهُ , وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيّ بْن عَيَّاش عَنْ شُعَيْب وَفِيهِ تَعْيِين أَحَد الِاحْتِمَالَات الَّتِي ذَكَرَهَا اِبْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ قَالَ الْكَرْمَانِيّ : قَوْلُهُ \" أُتِيَ \" أَيْ : أُرِيَ فِي الْمَنَامِ أَوْ سَمِعَ هَاتِفًا مَلِكًا أَوْ غَيْرَهُ أَوْ أَخْبَرَهُ نَبِيٌّ أَوْ أَفْتَاهُ عَالِم. وَقَالَ غَيْره : أَوْ أَتَاهُ مَلِكٌ فَكَلَّمَهُ , فَقَدْ كَانَتْ الْمَلَائِكَة تُكَلِّمُ بَعْضَهُمْ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ. وَقَدْ ظَهَرَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ أَنَّهَا كُلّهَا لَمْ تَقَعْ إِلَّا النَّقْل الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَّا صَدَقَتُك عَلَى سَارِق ) ‏ ‏زَادَ أَبُو أُمَيَّة \" فَقَدْ قُبِلَتْ \" وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْن عُقْبَة وَابْن لَهِيعَة \" أَمَّا صَدَقَتُك فَقَدْ قُبِلَتْ \" وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيّ \" إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَ صَدَقَتك \" وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مُخْتَصَّة بِأَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ , وَلِهَذَا تَعَجَّبُوا مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ. وَفِيهِ أَنَّ نِيَّةَ الْمُتَصَدِّقِ إِذَا كَانَتْ صَالِحَة قُبِلَتْ صَدَقَتُهُ وَلَوْ لَمْ تَقَعْ الْمَوْقِع. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاء فِي الْإِجْزَاءِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي زَكَاةِ الْفَرْضِ , وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْإِجْزَاءِ وَلَا عَلَى الْمَنْعِ , وَمِنْ ثَمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ بِلَفْظ الِاسْتِفْهَام وَلَمْ يَجْزِمْ بِالْحُكْمِ. فَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْخَبَرَ إِنَّمَا تَضَمَّنَ قِصَّة خَاصَّةً وَقَعَ الِاطِّلَاع فِيهَا عَلَى قَبُولِ الصَّدَقَةِ بِرُؤْيَا صَادِقَةٍ اِتِّفَاقِيَّة فَمِنْ أَيْنَ يَقَعُ تَعْمِيم الْحُكْمِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّنْصِيصَ فِي هَذَا الْخَيْرِ عَلَى رَجَاء الِاسْتِعْفَاف هُوَ الدَّالُّ عَلَى تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ , فَيَقْتَضِي اِرْتِبَاط الْقَبُولِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ. وَفِيهِ فَضْل صَدَقَة السِّرِّ , وَفَضْل الْإِخْلَاص , وَاسْتِحْبَاب إِعَادَة الصَّدَقَة إِذَا لَمْ تَقَعْ الْمَوْقِع , وَأَنَّ الْحُكْمَ لِلظَّاهِرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ سِوَاهُ , وَبَرَكَة التَّسْلِيم وَالرِّضَا , وَذَمَّ التَّضَجُّرِ بِالْقَضَاءِ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ. لَا تَقْطَعُ الْخِدْمَةَ وَلَوْ ظَهَرَ لَك عَدَم الْقَبُولِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1333",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَا وَأَبِي ‏ ‏وَجَدِّي ‏ ‏وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ وَكَانَ أَبِي ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا ‏ ‏مَعْنُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الْفِرْيَابِيّ , وَأَبُو الْجُوَيْرِيَةِ بِالْجِيمِ مُصَغَّرًا اِسْمه حِطَّان بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَكَانَ سَمَاعه عَنْ مَعْن وَمَعْن أَمِير عَلَى غَزَاة بِالرُّومِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَة كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي ) ‏ ‏اِسْم جَدِّهِ الْأَخْنَس بْن حَبِيب السُّلَمِيّ كَمَا جَزَمَ بِهِ اِبْن حِبَّانَ وَغَيْر وَاحِد , وَوَقَعَ فِي الصَّحَابَةِ لِمُطَيَّنٍ وَتَبِعَهُ الْبَارُودِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مَنْدَهْ وَأَبُو نُعَيْم أَنَّ اِسْمَ جَدِّ مَعْن بْن يَزِيد ثَوْر فَتَرْجَمُوا فِي كُتُبِهِمْ بِثَوْرٍ وَسَاقُوا حَدِيث الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ الْجَرَّاحِ وَالِد وَكِيع عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ عَنْ مَعْن بْن يَزِيد بْن ثَوْر السُّلَمِيّ أَخْرَجَهُ مُطَيَّن عَنْ سُفْيَان بْن وَكِيع عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ , وَرَوَاهُ الْبَارُودِيّ وَالطَّبَرَانِيّ عَنْ مُطَيَّن , وَرَوَاهُ اِبْن مَنْدَهْ عَنْ الْبَارُودِيّ , وَأَبُو نُعَيْم عَنْ الطَّبَرَانِيّ , وَجُمْهُور الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ لَمْ يُسَمُّوا جَدَّ مَعْن بَلْ تَفَرَّدَ سُفْيَان بْن وَكِيع بِذَلِكَ وَهُوَ ضَعِيف , وَأَظُنُّهُ كَانَ فِيهِ عَنْ مَعْن بْن يَزِيد أَبِي ثَوْر السُّلَمِيّ فَتَصَحَّفْت أَدَاة الْكُنْيَة بِابْن , فَإِنَّ مَعْنًا كَانَ يُكَنَّى أَبَا ثَوْر , فَقَدْ ذَكَرَ خَلِيفَة بْن خَيَّاط فِي تَارِيخِهِ أَنَّ مَعْن بْن يَزِيد وَابْنه ثَوْرًا قُتِلَا يَوْم مَرْج رَاهِط مَعَ الضَّحَّاكِ بْن قَيْس. وَجَمَعَ اِبْن حِبَّانَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِوَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ فِي \" الصَّحَابَةِ \" : ثَوْر السُّلَمِيّ جَدُّ مَعْن بْن يَزِيد بْن الْأَخْنَس السُّلَمِيّ لِأُمِّهِ. فَإِنْ كَانَ ضَبَطَهُ فَقَدْ زَالَ الْإِشْكَالُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرُوِيَ عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب أَنَّ مَعْن بْن يَزِيد شَهِدَ بَدْرًا هُوَ وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَى ذَلِكَ. فَقَدْ رَوَى أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيقِ صَفْوَان بْن عَمْرو عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن جُبَيْر بْن نُفَيْر عَنْ يَزِيد بْن الْأَخْنَس السُّلَمِيّ أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَسْلَمَ مَعَهُ جَمِيعُ أَهْلِهِ إِلَّا اِمْرَأَة وَاحِدَة أَبَتْ أَنْ تُسْلِمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ) فَهَذَا دَالّ عَلَى أَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ مُتَأَخِّرًا لِأَنَّ الْآيَةَ مُتَأَخِّرَة الْإِنْزَال عَنْ بَدْرٍ قَطْعًا. وَقَدْ فَرَّقَ الْبَغَوِيّ وَغَيْره فِي الصَّحَابَةِ بَيْنَ يَزِيد بْن الْأَخْنَس وَبَيْنَ يَزِيدُ وَالِد مَعْن , وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ هُوَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَخَطْب عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي ) ‏ ‏أَيْ : طَلَبَ لِيَ النِّكَاح فَأُجِيبَ , يُقَالُ خَطَبَ الْمَرْأَةَ إِلَى وَلِيِّهَا إِذَا أَرَادَهَا الْخَاطِبُ لِنَفْسِهِ , وَعَلَى فُلَانٍ إِذَا أَرَادَهَا لِغَيْرِهِ , وَالْفَاعِل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّاوِي بَيَان أَنْوَاعِ عَلَاقَاتِهِ بِهِ مِنْ الْمُبَايَعَةِ وَغَيْرِهَا. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِ الْمَخْطُوبَةِ , وَلَوْ وَرَدَ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ لَضَاهَى بَيْت الصَّدِيقِ فِي الصُّحْبَةِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِمْ أَرْبَعَةً فِي نَسَق , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِأُسَامَة بْن زَيْد بْن حَارِثَة فَرَوَى الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَكِ \" أَنَّ حَارِثَة قَدِمَ فَأَسْلَمَ , وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ فِي الْمَغَازِي أَنَّ أُسَامَةَ وُلِدَ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ تَتَبَّعْت نَظَائِر لِذَلِكَ أَكْثَرُهَا فِيهِ مَقَالٌ ذَكَرْتهَا فِي \" النُّكَتِ عَلَى عُلُومِ الْحَدِيثِ لِابْنِ الصَّلَاحِ \". ) ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ , وَفِي السِّيَاقِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا إِذْنًا مُطْلَقًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَجِئْت فَأَخَذْتهَا ) ‏ ‏أَيْ : مِنْ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التَّصَدُّقِ بِهَا بِإِذْنِهِ لَا بِطَرِيقِ الِاعْتِدَاء , وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَة السُّكَّرِيّ عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" قُلْت مَا كَانَتْ خُصُومَتك ؟ قَالَ : كَانَ رَجُل يَغْشَى الْمَسْجِد فَيَتَصَدَّقُ عَلَى رِجَالٍ يَعْرِفُهُمْ , فَظَنَّ أَنِّي بَعْضُ مَنْ يَعْرِفُ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَيْته ) ‏ ‏الضَّمِير لِأَبِيهِ أَيْ : فَأَتَيْت أَبِي بِالدَّنَانِيرِ الْمَذْكُورَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاللَّه مَا إِيَّاكَ أَرَدْت ) ‏ ‏يَعْنِي لَوْ أَرَدْت أَنَّك تَأْخُذُهَا لَنَاوَلْتُهَا لَك وَلَمْ أُوَكِّلْ فِيهَا , أَوْ كَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْوَلَدِ لَا تُجْزِئُ , أَوْ يَرَى أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ أَفْضَل. ) ‏ ‏قَوْله : ( فَخَاصَمْتُهُ ) ‏ ‏تَفْسِير لِقَوْلِهِ أَوَّلًا \" وَخَاصَمْت إِلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَك مَا نَوَيْت ) ‏ ‏أَيْ : إِنَّك نَوَيْت أَنْ 9 تَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا وَابْنك يَحْتَاجُ إِلَيْهَا فَوَقَعَتْ الْمَوْقِع , وَإِنْ كَانَ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِك أَنَّهُ يَأْخُذُهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَك مَا أَخَذْت يَا مَعْن ‏ ‏أَيْ : لِأَنَّك أَخَذْتهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا. قَالَ اِبْن رَشِيد : الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ \" وَاللَّه مَا إِيَّاكَ أَرَدْت \" أَيْ : إِنِّي أَخْرَجْتُك بِنِيَّتِي , وَإِنَّمَا أَطْلَقْت لِمَنْ تُجْزِئُ عَنِّي الصَّدَقَة عَلَيْهِ وَلَمْ تَخْطُرْ أَنْتَ بِبَالِي , فَأَمْضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِطْلَاق لِأَنَّهُ فَوَّضَ لِلْوَكِيلِ بِلَفْظٍ مُطْلَقٍ فَنَفَّذَ فِعْلَهُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالْمُطْلَقَاتِ عَلَى إِطْلَاقِهَا وَإِنْ اِحْتَمَلَ أَنَّ الْمُطْلَقَ لَوْ خَطَرَ بِبَالِهِ فَرْدٌ مِنْ الْأَفْرَادِ لَقَيَّدَ اللَّفْظَ بِهِ وَاللَّهَ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ دَفْعِ الصَّدَقَة إِلَى كُلِّ أَصْل وَفَرْعٍ وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَته , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَعْن كَانَ مُسْتَقِلًّا لَا يَلْزَمُ أَبَاهُ يَزِيدَ نَفَقَتُهُ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْسُوطًا فِي \" بَاب الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ \" بَعْدَ ثَلَاثِينَ بَابًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهِ جَوَازُ الِافْتِخَارِ بِالْمَوَاهِبِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالتَّحَدُّثِ بِنِعَمِ اللَّهِ. وَفِيهِ جَوَاز التَّحَاكُم بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ وَأَنَّ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَكُونُ عُقُوقًا. وَجَوَاز الِاسْتِخْلَاف فِي الصَّدَقَةِ وَلَا سِيَّمَا صَدَقَة التَّطَوُّعِ لِأَنَّ فِيهِ نَوْع إِسْرَار. وَفِيهِ أَنَّ لِلتَّصَدُّقِ أَجْرَ مَا نَوَاهُ سَوَاء صَادَفَ الْمُسْتَحِقَّ أَوْ لَا. وَأَنَّ الْأَبَ لَا رُجُوعَ لَهُ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى وَلَدِهِ بِخِلَاف الْهِبَة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1334",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَدْلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" سَبْعَة يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ \" وَفِي قَوْلِهِ \" حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينه \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى كَمَا بَيَّنْته قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1335",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الْخُزَاعِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏تَصَدَّقُوا فَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالْأَمْسِ لقَبِلْتُهَا مِنْكَ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث حَارِثَة بْن وَهْب تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدِّ \" وَفِيهِ \" يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَيَقُولُ الرَّجُل : لَوْ جِئْت بِهَا أَمْسِ لِقَبِلْتُهَا مِنْك \" قَالَ اِبْن رَشِيد : مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ اِشْتَرَكَ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا حَامِلًا لِصَدَقَتِهِ , لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ حَامِلًا لَهَا بِنَفْسِهِ كَانَ أَخْفَى لَهَا , فَكَانَ فِي مَعْنَى \" لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينه \". وَيُحْمَلُ الْمُطْلَق فِي هَذَا عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي هَذَا أَيْ : الْمُنَاوَلَة بِالْيَمِينِ , قَالَ : وَيُقَوِّي أَنَّ ذَلِكَ مَقْصِده إِتْبَاعه بِالتَّرْجَمَةِ الَّتِي بَعْدَهَا حَيْثُ قَالَ \" مَنْ أَمَرَ خَادِمَهُ بِالصَّدَقَةِ وَلَمْ يُنَاوِلْ بِنَفْسِهِ \" وَكَأَنَّهُ قَصَدَ فِي هَذَا مَنْ حَمَلَهَا بِنَفْسِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1336",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ ‏ ‏وَلِلْخَازِنِ ‏ ‏مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1337",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ ‏ ‏تَعُولُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" خَيْر الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْر غِنًى \" فَعَبْد اللَّه الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَادِ هُوَ اِبْنُ الْمُبَارَك , وَيُونُسُ هُوَ اِبْن يَزِيد. وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَفْضَل الصَّدَقَة مَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إِلَى مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. قَالَ الْخَطَّابِيّ : لَفْظ الظَّهْر يَرِدُ فِي مِثْلِ هَذَا إِشْبَاعًا لِلْكَلَامِ , وَالْمَعْنَى أَفْضَل الصَّدَقَة مَا أَخْرَجَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبْقِيَ مِنْهُ قَدْرَ الْكِفَايَة , وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدَهُ : وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ. وَقَالَ الْبَغَوِيّ : الْمُرَادُ غِنًى يَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى النَّوَائِبِ الَّتِي تَنُوبُهُ. وَنَحْوُهُ قَوْلهمْ رَكِبَ مَتْن السَّلَامَة. وَالتَّنْكِيرُ فِي قَوْلِهِ \" غِنًى \" لِلتَّعْظِيمِ , هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ. وَقِيلَ : الْمُرَادُ خَيْر الصَّدَقَةِ مَا أَغْنَيْت بِهِ مَنْ أَعْطَيْتَهُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ , وَقِيلَ \" عَنْ \" لِلسَّبَبِيَّةِ وَالظَّهْر زَائِد , أَيْ : خَيْر الصَّدَقَةِ مَا كَانَ سَبَبهَا غِنًى فِي الْمُتَصَدِّقِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَذْهَبُنَا أَنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ الْمَالِ مُسْتَحَبّ لِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ عِيَال لَا يَصْبِرُونَ , وَيَكُونُ هُوَ مِمَّنْ يَصْبِرُ عَلَى الْإِضَاقَةِ وَالْفَقْرِ , فَإِنْ لَمْ يَجْمَعْ هَذِهِ الشُّرُوطَ فَهُوَ مَكْرُوه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِمِ \" : يُرَدُّ عَلَى تَأْوِيل الْخَطَّابِيّ بِالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْل الْمُؤْثِرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ , وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ \" فَضْلُ الصَّدَقَة جُهْد مِنْ مُقِلّ \" وَالْمُخْتَار أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَفْضَلُ الصَّدَقَة مَا وَقَعَ بَعْدَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ النَّفْسِ وَالْعِيَال بِحَيْثُ لَا يَصِيرُ الْمُتَصَدِّق مُحْتَاجًا بَعْدَ صَدَقَتِهِ إِلَى أَحَد , فَمَعْنَى الْغِنَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُصُول مَا تُدْفَعُ بِهِ الْحَاجَة الضَّرُورِيَّة كَالْأَكْلِ عِنْدَ الْجُوعِ الْمُشَوِّشِ الَّذِي لَا صَبْرَ عَلَيْهِ , وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ , وَالْحَاجَة إِلَى مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ الْأَذَى , وَمَا هَذَا سَبِيله فَلَا يَجُوزُ الْإِيثَارُ بِهِ بَلْ يَحْرُمُ , وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا آثَرَ غَيْرَهُ بِهِ أَدَّى إِلَى إِهْلَاكِ نَفْسِهِ أَوْ الْإِضْرَارِ بِهَا أَوْ كَشْف عَوْرَتِهِ , فَمُرَاعَاة حَقِّهِ أَوْلَى عَلَى كُلِّ حَال , فَإِذَا سَقَطَتْ هَذِهِ الْوَاجِبَاتُ صَحَّ الْإِيثَارُ وَكَانَتْ صَدَقَتُهُ هِيَ الْأَفْضَل لِأَجْلِ مَا يَتَحَمَّلُ مِنْ مَضَضِ الْفَقْر وَشِدَّةِ مَشَقَّتِهِ , فَبِهَذَا يَنْدَفِعُ التَّعَارُض بَيْنَ الْأَدِلَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ) ‏ ‏فِيهِ تَقْدِيم نَفَقَة نَفْسه وَعِيَاله لِأَنَّهَا مُنْحَصِرَة فِيهِ بِخِلَاف نَفَقَة غَيْرِهِمْ , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي النَّفَقَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1338",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْيَدُ الْعُلْيَا ‏ ‏خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏الْيَدِ السُّفْلَى ‏ ‏وَابْدَأْ بِمَنْ ‏ ‏تَعُولُ ‏ ‏وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏وُهَيْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "ثَانِيهَا حَدِيث حَكِيم بْن حِزَام \" الْيَد الْعُلْيَا خَيْر مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى \" الْحَدِيث , وَشَاهِد التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" وَخَيْر الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْر غِنًى \" وَهِشَام الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَادِ هُوَ اِبْن عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , وَقَوْله فِيهِ ‏ ‏\" وَمَنْ يَسْتَعِفُّ يُعِفَّهُ اللَّه \" ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيد بَعْدَ أَبْوَاب. ثَالِثُهَا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" بِهَذَا \" أَيْ : بِحَدِيثِ حَكِيمٍ , أَوْرَدَهُ مَعْطُوفًا عَلَى إِسْنَادِ حَدِيثِ حَكِيمٍ بِلَفْظ \" وَعَنْ وُهَيْبٍ \" وَالظَّاهِر أَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْهُ بِالطَّرِيقَيْنِ مَعًا , وَكَأَنَّ هِشَامًا حَدَّثَ بِهِ وُهَيْبًا تَارَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَكِيمٍ وَتَارَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , أَوْ حَدَّثَهُ بِهِ عَنْهُمَا مَجْمُوعًا فَفَرَّقَهُ وُهَيْبٍ أَوْ الرَّاوِي عَنْهُ. وَقَدْ وَصَلَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبٍ الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ \" أَخْبَرَنِي اِبْن يَاسِين حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا حِبَّان - هُوَ اِبْن هِلَال - حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" مِثْلَ حَدِيثِ حَكِيمٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "1339",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ ‏ ‏الْيَدُ الْعُلْيَا ‏ ‏خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏الْيَدِ السُّفْلَى ‏ ‏فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر مِنْ وَجْهَيْنِ فِي ذِكْرِ الْيَدِ الْعُلْيَا , وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ لِيُفَسِّر بِهِ مَا أُجْمِلَ فِي حَدِيثِ حَكِيمٍ , قَالَ اِبْن رَشِيد : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ حَدِيثَ حَكِيم بْن حِزَام لَمَّا اِشْتَمَلَ عَلَى شَيْئَيْنِ : حَدِيثُ \" الْيَدِ الْعُلْيَا \" وَحَدِيث \" لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْر غِنًى \" ذَكَرَ مَعَهُ حَدِيث اِبْن عُمَر الْمُشْتَمِل عَلَى الشَّيْءِ الْأَوَّلِ تَكْثِيرًا لِطُرُقِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُنَاسَبَة حَدِيث \" الْيَد الْعُلْيَا \" لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ إِطْلَاق كَوْن الْيَد الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ , مَحِلُّهُ مَا إِذَا كَانَ الْإِنْفَاق لَا يُمْنَعُ مِنْهُ بِالشَّرْعِ كَالْمِدْيَانِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ , فَعُمُومه مَخْصُوص بِقَوْلِهِ \" لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى \" وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لَمْ يَسُقْ الْبُخَارِيّ مَتْنَ طَرِيق حَمَّاد عَنْ أَيُّوبَ , وَعَطَفَ عَلَيْهِ طَرِيق مَالِك , فَرُبَّمَا أَوْهَمَ أَنَّهُمَا سَوَاء , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَنَذْكُرُهُ عَنْ أَبِي دَاوُد. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي \" التَّمْهِيدِ \" : لَمْ تَخْتَلِفْ الرُّوَاة عَنْ مَالِكٍ أَيْ : فِي سِيَاقِهِ , كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَقَعَ تَفْسِير الْيَد الْعُلْيَا وَالسُّفْلَى فِي حَدِيثِ اِبْن عُمَر هَذَا , وَهُوَ نَصٌّ يَرْفَعُ الْخِلَاف وَيَدْفَعُ تَعَسُّف مَنْ تَعَسَّفَ فِي تَأْوِيلِهِ ذَلِكَ اِنْتَهَى. لَكِنْ اِدَّعَى أَبُو الْعَبَّاس الدَّانِيّ فِي \" أَطْرَاف الْمُوَطَّأ \" أَنَّ التَّفْسِيرَ الْمَذْكُورَ مُدْرَجٌ فِي الْحَدِيثِ , وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدًا لِذَلِكَ. ثُمَّ وَجَدْت فِي \" كِتَابِ الْعَسْكَرِيِّ فِي الصَّحَابَةِ \" بِإِسْنَاد لَهُ فِيهِ اِنْقِطَاع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى بِشْر بْن مَرْوَان \" إِنِّي سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْر مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى , وَلَا أَحْسَبُ الْيَدَ السُّفْلَى إِلَّا السَّائِلَة , وَلَا الْعُلْيَا إِلَّا الْمُعْطِيَة \" فَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ كَلَامِ اِبْن عُمَر , وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَذَكَرَ الصَّدَقَة وَالتَّعَفُّف وَالْمَسْأَلَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْبُخَارِيِّ بِالْوَاو قَبْلَ الْمَسْأَلَةِ , وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ قُتَيْبَة عَنْ مَالِك \" وَالتَّعَفُّف عَنْ الْمَسْأَلَةِ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ \" وَالتَّعَفُّف مِنْهَا \" أَيْ : مِنْ أَخْذِ الصَّدَقَةِ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَحُضُّ الْغَنِيَّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْفَقِيرَ عَلَى التَّعَفُّفِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ أَوْ يَحُضُّهُ عَلَى التَّعَفُّفِ وَيَذُمُّ الْمَسْأَلَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَالْيَد الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ ) ‏ ‏قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ الْأَكْثَر عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد : الْمُنْفِقَةُ , وَقَالَ وَاحِد عَنْهُ : الْمُتَعَفِّفَةُ , وَكَذَا قَالَ عَبْد الْوَارِث عَنْ أَيُّوبَ اِنْتَهَى. فَأَمَّا الَّذِي قَالَ عَنْ حَمَّاد الْمُتَعَفِّفَة بِالْعَيْنِ وَفَاءَيْنِ فَهُوَ مُسَدَّدٌ , كَذَلِكَ رُوِّينَاهُ عَنْهُ فِي مُسْنَدِهِ رِوَايَة مُعَاذ بْن الْمُثَنَّى عَنْهُ , وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي \" التَّمْهِيدِ \" وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيُّ كَمَا رُوِّينَاهُ فِي \" كِتَاب الزَّكَاة لِيُوسُف بْن يَعْقُوب الْقَاضِي \" حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع. وَأَمَّا رِوَايَةُ عَبْد الْوَارِث فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا مَوْصُولَة. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ حَمَّاد بِلَفْظِ \" وَالْيَدِ الْعُلْيَا يَد الْمُعْطِي \" وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظ \" الْمُتَعَفِّفَة \" فَقَدْ صَحَّفَ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَرَوَاهُ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِعٍ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ أَيْضًا , فَقَالَ حَفْص بْن مَيْسَرَة عَنْهُ \" الْمُنْفِقَة \" كَمَا قَالَ مَالِك. قُلْت : وَكَذَلِكَ قَالَ فُضَيْل بْن سُلَيْمَان عَنْهُ أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ : وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ عَنْ مُوسَى فَقَالَ \" الْمُنْفِقَة \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : رِوَايَةُ مَالِك أَوْلَى وَأَشْبَه بِالْأُصُولِ. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيث طَارِق الْمُحَارِبِيّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ قَالَ \" قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِم عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاس وَهُوَ يَقُولُ : يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا \" اِنْتَهَى. وَلِابْن أَبِي شَيْبَة وَالْبَزَّار مِنْ طَرِيق ثَعْلَبَة بْن زَهْدَم مِثْلُهُ , وَلِلطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ حَكِيم بْن حِزَام مَرْفُوعًا \" يَد اللَّهِ فَوْقَ يَد الْمُعْطِي , وَيَد الْمُعْطِي فَوْقَ يَد الْمُعْطَى , وَيَد الْمُعْطَى أَسْفَل الْأَيْدِي \" وَلِلطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيثِ عَدِيّ الْجُذَامِيّ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ , وَلِأَبِي دَاوُدَ وَابْن خُزَيْمَة مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْف بْن مَالِك عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا \" الْأَيْدِي ثَلَاثَة : فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا , وَيَد الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا , وَيَد السَّائِلِ السُّفْلَى \" وَلِأَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ عَطِيَّة السَّعْدِيّ \" الْيَد الْمُعْطِيَة هِيَ الْعُلْيَا , وَالسَّائِلَة هِيَ السُّفْلَى \" فَهَذِهِ الْأَحَادِيث مُتَضَافِرَة عَلَى أَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ الْمُعْطِيَةُ وَأَنَّ السُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ , وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقِيلَ الْيَد السُّفْلَى الْآخِذَة سَوَاء كَانَ بِسُؤَالٍ أَمْ بِغَيْرِ سُؤَال , وَهَذَا أَبَاهُ قَوْم وَاسْتَنَدُوا إِلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ فِي يَدِ اللَّهِ قَبْلَ يَدِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : التَّحْقِيقُ أَنَّ السُّفْلَى يَد السَّائِلِ , وَأَمَّا يَدُ الْآخِذِ فَلَا , لِأَنَّ يَدَ اللَّهِ هِيَ الْمُعْطِيَةُ وَيَدَ اللَّهِ هِيَ الْآخِذَةُ وَكِلْتَاهُمَا عُلْيَا وَكِلْتَاهُمَا يَمِينٌ اِنْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْبَحْثَ إِنَّمَا هُوَ فِي أَيْدِي الْآدَمِيِّينَ , وَأَمَّا يَدُ اللَّهِ تَعَالَى فَبِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَالِك كُلّ شَيْءٍ نُسِبَتْ يَدُهُ إِلَى الْإِعْطَاءِ , وَبِاعْتِبَارِ قَبُولِهِ لِلصَّدَقَةِ وَرِضَاهُ بِهَا نُسِبَتْ يَدُهُ إِلَى الْأَخْذِ وَيَدُهُ الْعُلْيَا عَلَى كُلِّ حَال , وَأَمَّا يَدُ الْآدَمِيِّ فَهِيَ أَرْبَعَة : يَد الْمُعْطِي , وَقَدْ تَضَافَرَتْ الْأَخْبَارُ بِأَنَّهَا عُلْيَا. ثَانِيهَا يَد السَّائِلِ , وَقَدْ تَضَافَرَتْ بِأَنَّهَا سُفْلَى سَوَاء أَخَذَتْ أَمْ لَا , وَهَذَا مُوَافِق لِكَيْفِيَّةِ الْإِعْطَاءِ وَالْأَخْذِ غَالِبًا وَلِلْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ الْمُشْتَقّ مِنْهُمَا. ثَالِثُهَا يَد الْمُتَعَفِّف عَنْ الْأَخْذِ وَلَوْ بَعْدَ أَنْ تُمَدَّ إِلَيْهِ يَد الْمُعْطِي مَثَلًا , وَهَذِهِ تُوصَفُ بِكَوْنِهَا عُلْيَا عُلُوًّا مَعْنَوِيًّا. رَابِعُهَا يَد الْآخِذِ بِغَيْرِ سُؤَال , وَهَذِهِ قَدْ اِخْتُلِفَ فِيهَا فَذَهَبَ جَمْع إِلَى أَنَّهَا سُفْلَى , وَهَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى الْأَمْرِ الْمَحْسُوسِ , وَأَمَّا الْمَعْنَوِيّ فَلَا يَطَّرِدُ فَقَدْ تَكُونُ عُلْيَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ , وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَام مَنْ أَطْلَقَ كَوْنهَا عُلْيَا. قَالَ اِبْن حِبَّانَ : الْيَدُ الْمُتَصَدِّقَةُ أَفْضَل مِنْ السَّائِلَةِ لَا الْآخِذَةُ بِغَيْرِ سُؤَال , إِذْ مُحَال أَنْ تَكُونَ الْيَد الَّتِي أُبِيحُ لَهَا اِسْتِعْمَال فِعْلٍ بِاسْتِعْمَالِهِ , دُون مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ إِتْيَان شَيْءٍ فَأَتَى بِهِ أَوْ تَقَرَّبَ إِلَى رَبِّهِ مُتَنَفِّلًا , فَرُبَّمَا كَانَ الْآخِذُ لِمَا أُبِيحُ لَهُ أَفْضَل وَأَوْرَع مِنْ الَّذِي يُعْطِي اِنْتَهَى. وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُعْطِيَةُ وَالسُّفْلَى الْمَانِعَة وَلَمْ يُوَافَقْ عَلَيْهِ. وَأَطْلَقَ آخَرُونَ مِنْ الْمُتَصَوِّفَةِ أَنَّ الْيَدَ الْآخِذَةَ أَفْضَل مِنْ الْمُعْطِيَةِ مُطْلَقًا , وَقَدْ حَكَى اِبْن قُتَيْبَة فِي \" غَرِيبِ الْحَدِيثِ \" ذَلِكَ عَنْ قَوْمٍ ثُمَّ قَالَ : وَمَا أَرَى هَؤُلَاءِ إِلَّا قَوْمًا اِسْتَطَابُوا السُّؤَال فَهُمْ يَحْتَجُّونَ لِلدَّنَاءَةِ , وَلَوْ جَازَ هَذَا لَكَانَ الْمَوْلَى مِنْ فَوْقُ هُوَ الَّذِي كَانَ رَقِيقًا فَأُعْتِقَ وَالْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلَ هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي أَعْتَقَهُ اِنْتَهَى. وَقَرَأْت فِي \" مَطْلَع الْفَوَائِد \" لِلْعَلَّامَةِ جَمَال الدِّين بْن نُبَاتَةَ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مَعْنًى آخَر فَقَالَ : الْيَدُ هُنَا هِيَ النِّعْمَةُ , وَكَأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْعَطِيَّةَ الْجَزِيلَةَ خَيْر مِنْ الْعَطِيَّةِ الْقَلِيلَةِ. قَالَ : وَهَذَا حَثٌّ عَلَى الْمَكَارِمِ بِأَوْجَزِ لَفْظ , وَيَشْهَدُ لَهُ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ فِي قَوْلِهِ \" مَا أَبْقَتْ غِنًى \" أَيْ : مَا حَصَلَ بِهِ لِلسَّائِلِ غِنًى عَنْ سُؤَالِهِ كَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِأَلْفٍ فَلَوْ أَعْطَاهَا لِمِائَةِ إِنْسَانٍ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ الْغِنَى , بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعْطَاهَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ. قَالَ : وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْل الْيَد عَلَى الْجَارِحَةِ , لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَمِرُّ إِذْ فِيمَنْ يَأْخُذُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ يُعْطِي. قُلْت : التَّفَاضُلُ هُنَا يَرْجِعُ إِلَى الْإِعْطَاءِ وَالْأَخْذِ , وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْطِي أَفْضَلَ مِنْ الْآخِذِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَقَدْ رَوَى إِسْحَاق فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ عُمَر بْن عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة بْن الزُّبَيْر \" أَنَّ حَكِيم بْن حِزَام قَالَ : يَا رَسُول اللَّهِ , مَا الْيَدُ الْعُلْيَا ؟ قَالَ : الَّتِي تُعْطِي وَلَا تَأْخُذُ \" فَقَوْله \" وَلَا تَأْخُذُ \" صَرِيح فِي أَنَّ الْآخِذَةَ لَيْسَتْ بِعُلْيَا وَاللَّه أَعْلَمُ. وَكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ الْمُتَعَسَّفَةِ تَضْمَحِلُّ عِنْدَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْمُرَادِ , فَأَوْلَى مَا فُسِّرَ الْحَدِيثُ بِالْحَدِيثِ , وَمُحَصَّل مَا فِي الْآثَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنْ أَعْلَى الْأَيْدِي الْمُنْفِقَة , ثُمَّ الْمُتَعَفِّفَة عَنْ الْآخِذِ , ثُمَّ الْآخِذَة بِغَيْرِ سُؤَال. وَأَسْفَل الْأَيْدِي السَّائِلَة وَالْمَانِعَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَفِي الْحَدِيثِ إِبَاحَة الْكَلَامِ لِلْخَطِيبِ بِكُلِّ مَا يَصْلُحُ مِنْ مَوْعِظَة وَعِلْم وَقُرْبَة. وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوه الطَّاعَة. وَفِيهِ تَفْضِيل الْغِنَى مَعَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ عَلَى الْفَقْرِ , لِأَنَّ الْعَطَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْغِنَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَاف فِي ذَلِكَ فِي حَدِيثِ \" ذَهَبَ أَهْل الدُّثُور \" فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاة. وَفِيهِ كَرَاهَةُ السُّؤَالِ وَالتَّنْفِير عَنْهُ , وَمَحِلّه إِذَا لَمْ تَدْعُ إِلَيْهِ ضَرُورَة مِنْ خَوْف هَلَاك وَنَحْوِهِ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عُمَر بِإِسْنَاد فِيهِ مَقَال مَرْفُوعًا \" مَا الْمُعْطِي مِنْ سَعَة بِأَفْضَلَ مِنْ الْآخِذِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا \" وَسَيَأْتِي حَدِيث حَكِيم مُطَوَّلًا فِي \" بَاب الِاسْتِعْفَاف عَنْ الْمَسْأَلَةِ \" وَفِيهِ بَيَانُ سَبَبِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1340",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعَصْرَ فَأَسْرَعَ ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فَقُلْتُ ‏ ‏أَوْ قِيلَ لَهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي الْبَيْتِ ‏ ‏تِبْرًا ‏ ‏مِنْ الصَّدَقَةِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ فَقَسَمْتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنْ أُبَيِّتَهُ ) ‏ ‏أَيْ : أَتْرُكُهُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ اللَّيْل , يُقَالُ بَاتَ الرَّجُل دَخَلَ فِي اللَّيْلِ , وَبَيَّتَهُ تَرَكَهُ حَتَّى دَخَلَ اللَّيْل. ‏"
    },
    {
        "id": "1341",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَدِيٌّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ عِيدٍ ‏ ‏فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ ثُمَّ مَالَ عَلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي ‏ ‏الْقُلْبَ ‏ ‏وَالْخُرْصَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي تَحْرِيضِ النِّسَاءِ عَلَى الصَّدَقَةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَبْسُوطًا فِي الْعِيدَيْنِ. ‏ ‏وَقَوْله : \" عَنْ عَدِيّ \" ) ‏ ‏هُوَ اِبْن ثَابِت , وَقَوْله ‏ ‏\" الْقُلْب \" ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُون اللَّامِ آخِرهَا مُوَحَّدَة هُوَ السُّوَارُ وَقِيلَ هُوَ مَخْصُوص بِمَا كَانَ مِنْ عَظْم. ) ‏ ‏وَ \" الْخُرْص \" ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَة هِيَ الْحَلْقَةُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1342",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ ‏ ‏اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا شَاءَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى \" اِشْفَعُوا تُؤْجَرُوا \" قَدْ أُورِدَ فِي \" بَابِ الشَّفَاعَةِ \" مِنْ كِتَابِ الْأَدَبِ , وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏وَعَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏فِي الْإِسْنَادِ هُوَ اِبْن زِيَاد , قَالَ اِبْن بَطَّال : الْمَعْنَى اِشْفَعُوا يَحْصُلْ لَكُمْ الْأَجْر مُطْلَقًا , سَوَاءٌ قُضِيَتْ الْحَاجَة أَوْ لَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1343",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ لِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تُوكِي ‏ ‏فَيُوكَى عَلَيْكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏لَا ‏ ‏تُحْصِي ‏ ‏فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَسْمَاء وَهِيَ بِنْت أَبِي بَكْر الصِّدِّيق \" لَا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْك \" كَذَا عِنْدَهُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْفَاعِلَ , وَفِي رِوَايَةِ لَهُ \" لَا تُحْصِي فَيُحْصِي اللَّهُ عَلَيْك \" فَأَبْرَزَ الْفَاعِل , وَكِلَاهُمَا بِالنَّصْبِ لِكَوْنِهِ جَوَاب النَّهْي وَبِالْفَاء. ‏ ‏قَوْله : ( عَبْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان , وَهِشَام هُوَ اِبْن عُرْوَة , وَفَاطِمَة هِيَ بِنْت الْمُنْذِر بْن الزُّبَيْر وَهِيَ زَوْجُ هِشَام , وَأَسْمَاء جَدَّتُهُمَا لِأَبَوَيْهِمَا. وَقَوْله ( حَدَّثَنَا عُثْمَان عَنْ عَبْدَة ) أَيْ : بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيث كَانَ عِنْدَ عَبْدَة عَنْ هِشَام بِاللَّفْظَيْنِ فَحَدَّثَ بِهِ تَارَةً هَكَذَا وَتَارَةً هَكَذَا , وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام بِاللَّفْظَيْنِ مَعًا , وَسَيَأْتِي فِي الْهِبَةِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَام بِاللَّفْظَيْنِ , لَكِنْ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ بَدَلَ الْكَاف , وَهُوَ بِمَعْنَاهُ , يُقَالُ أَوْعَيْت الْمَتَاع فِي الْوِعَاءِ أُوعِيهِ إِذَا جَعَلْته فِيهِ , وَوَعَيْت الشَّيْءَ حَفِظْته , وَإِسْنَاد الْوَعْي إِلَى اللَّهِ مَجَازٌ عَنْ الْإِمْسَاكِ. وَالْإِيكَاءُ شَدُّ رَأْس الْوِعَاء بِالْوِكَاءِ وَهُوَ الرِّبَاطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ , وَالْإِحْصَاءُ مَعْرِفَة قَدْر الشَّيْء وَزْنًا أَوْ عَدَدًا , وَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ , وَالْمَعْنَى النَّهْي عَنْ مَنْع الصَّدَقَة خَشْيَة النَّفَادِ , فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْظَم الْأَسْبَاب لِقَطْعِ مَادَّة الْبَرَكَة , لِأَنَّ اللَّهَ يُثِيبُ عَلَى الْعَطَاءِ بِغَيْرِ حِسَاب , وَمَنْ لَا يُحَاسَبُ عِنْدَ الْجَزَاءِ لَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَطَاءِ , وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ فَحَقُّهُ أَنْ يُعْطِيَ وَلَا يَحْسِبَ. وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْإِحْصَاءِ عَدُّ الشَّيْءِ لِأَنْ يُدَّخَرَ وَلَا يُنْفَقَ مِنْهُ , وَأَحْصَاهُ اللَّهُ قَطَعَ الْبَرَكَةَ عَنْهُ أَوْ حَبَسَ مَادَّة الرِّزْق أَوْ الْمُحَاسَبَة عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ. وَسَيَأْتِي ذِكْر سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَاب الْهِبَة مَعَ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ اِبْن رَشِيد : قَدْ تَخْفَى مُنَاسَبَة حَدِيثِ أَسْمَاء لِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ , وَلَيْسَ بِخَافٍ عَلَى الْفَطِنِ مَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّحْرِيض وَالشَّفَاعَة مَعًا فَإِنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا , وَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ فِي خَتْمِ الْبَابِ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1344",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَا ‏ ‏تُوعِي ‏ ‏فَيُوعِيَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَيْكِ ‏ ‏ارْضَخِي ‏ ‏مَا اسْتَطَعْتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله \" اِرْضَخِي \" ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنْ الرَّضْخِ بِمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ الْعَطَاءُ الْيَسِيرُ , فَالْمَعْنَى أَنْفِقِي بِغَيْرِ إِجْحَافٍ مَا دُمْت قَادِرَة مُسْتَطِيعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1345",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْفِتْنَةِ قَالَ قُلْتُ أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَالَ قَالَ إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ فَكَيْفَ قَالَ قُلْتُ ‏ ‏فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْمَعْرُوفُ قَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏قَدْ كَانَ يَقُولُ الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ لَيْسَ هَذِهِ أُرِيدُ وَلَكِنِّي أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ قَالَ قُلْتُ لَيْسَ عَلَيْكَ بِهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَأْسٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ قَالَ فَيُكْسَرُ الْبَابُ أَوْ يُفْتَحُ قَالَ قُلْتُ لَا بَلْ يُكْسَرُ قَالَ فَإِنَّهُ إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ أَبَدًا قَالَ قُلْتُ أَجَلْ فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنْ الْبَابُ فَقُلْنَا ‏ ‏لِمَسْرُوقٍ ‏ ‏سَلْهُ قَالَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ قُلْنَا فَعَلِمَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏مَنْ تَعْنِي قَالَ نَعَمْ كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1346",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ ‏ ‏أَتَحَنَّثُ ‏ ‏بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ ‏ ‏عَتَاقَةٍ ‏ ‏وَصِلَةِ رَحِمٍ فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَتَحَنَّثُ ) ‏ ‏بِالْمُثَلَّثَةِ أَيْ : أَتَقَرَّبُ , وَالْحِنْث فِي الْأَصْلِ الْإِثْم , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أُلْقِي عَنِّي الْإِثْم. وَلَمَّا أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث فِي الْأَدَبِ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ فِي آخِرِهِ : وَيُقَالُ أَيْضًا عَنْ أَبِي الْيَمَانِ أَتَحَنَّتُ يَعْنِي بِالْمُثَنَّاةِ. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق أَنْ التَّحَنُّتَ التَّبَرُّرُ , قَالَ : وَتَابَعَهُ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ. وَحَدِيثُ هِشَام أَوْرَدَهُ فِي الْعِتْقِ بِلَفْظ \" كُنْت أَتَحَنَّتُ بِهَا \" يَعْنِي أَتَبَرَّرُ بِهَا. قَالَ عِيَاض : رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الرُّوَاةِ فِي الْبُخَارِيِّ بِالْمُثَلَّثَةِ وَبِالْمُثَنَّاةِ , وَبِالْمُثَلَّثَةِ أَصَحُّ رِوَايَةً وَمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَة أَوْ صِلَة ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِلَفْظ \" أَوْ \" وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْب الْمَذْكُورَةِ بِالْوَاو فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَسَقَطَ لَفْظ \" الصَّدَقَة \" مِنْ رِوَايَةِ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر , وَفِي رِوَايَةِ هِشَام الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَتَيْ رَقَبَةٍ , وَحَمَلَ عَلَى مِائَتَيْ بَعِير. وَزَادَ فِي آخِرِهِ \" فَوَاللَّهِ لَا أَدَعُ شَيْئًا صَنَعْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَّا فَعَلْت فِي الْإِسْلَامِ مِثْله \". ‏ ‏قَوْله : ( أَسْلَمْتُ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ ) ‏ ‏قَالَ الْمَازِرِيّ : ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخَيْرَ الَّذِي أَسْلَفَهُ كُتِبَ لَهُ , وَالتَّقْدِير أَسْلَمْتُ عَلَى قَبُولِ مَا سَلَفَ لَك مِنْ خَيْرٍ. وَقَالَ الْحَرْبِيّ : مَعْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ لَك مِنْ الْخَيْرِ الَّذِي عَمِلْتُهُ هُوَ لَك , كَمَا تَقُولُ أَسْلَمْتُ عَلَى أَنْ أَحُوزَ لِنَفْسِي أَلْفَ دِرْهَم , وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إِنَّ الْكَافِرَ لَا يُثَابُ فَحُمِلَ مَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوهٍ أُخْرَى مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّك بِفِعْلِك ذَلِكَ اِكْتَسَبْت طِبَاعًا جَمِيلَةً فَانْتَفَعْت بِتِلْكَ الطِّبَاعِ فِي الْإِسْلَامِ , وَتَكُونُ تِلْكَ الْعَادَة قَدْ مَهَّدَتْ لَك مَعُونَة عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ , أَوْ أَنَّك اِكْتَسَبْت بِذَلِكَ ثَنَاءً جَمِيلًا فَهُوَ بَاقٍ لَك فِي الْإِسْلَامِ , أَوْ أَنَّك بِبَرَكَةِ فِعْلِ الْخَيْرِ هُدِيتَ إِلَى الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْمَبَادِئَ عُنْوَان الْغَايَات , أَوْ أَنَّك بِتِلْكَ الْأَفْعَالِ رُزِقْت الرِّزْق الْوَاسِع. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيِّ : قِيلَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَّى عَنْ جَوَابِهِ , فَإِنَّهُ سَأَلَ : هَلْ لِي فِيهَا مِنْ أَجْرٍ ؟ فَقَالَ : أَسْلَمْت عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْر. وَالْعِتْقُ فِعْل خَيْر , كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّك فَعَلْت الْخَيْرَ وَالْخَيْرُ يُمْدَحُ فَاعِله وَيُجَازَى عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا , فَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ أَنَس مَرْفُوعًا \" أَنَّ الْكَافِرَ يُثَابُ فِي الدُّنْيَا بِالرِّزْقِ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ مِنْ حَسَنَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "1347",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا تَصَدَّقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ ‏ ‏وَلِلْخَازِنِ ‏ ‏مِثْلُ ذَلِك ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1348",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْخَازِنُ ‏ ‏الْمُسْلِمُ الْأَمِينُ الَّذِي يُنْفِذُ ‏ ‏وَرُبَّمَا قَالَ يُعْطِي ‏ ‏مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبًا بِهِ نَفْسُهُ فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى , وَقَدْ قُيِّدَ الْخَازِن فِيهِ بِكَوْنِهِ مُسْلِمًا فَأَخْرَجَ الْكَافِر لِأَنَّهُ لَا نِيَّةَ لَهُ , وَبِكَوْنِهِ أَمِينًا فَأَخْرَجَ الْخَائِن لِأَنَّهُ مَأْزُور. وَرُتِّبَ الْأَجْر عَلَى إِعْطَائِهِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ غَيْر نَاقِصٍ لِكَوْنِهِ خَائِنًا أَيْضًا , وَبِكَوْنِ نَفْسه بِذَلِكَ طَيِّبَة لِئَلَّا يَعْدَمَ النِّيَّة فَيَفْقِدَ الْأَجْرُ وَهِيَ قُيُودٌ لَا بُدَّ مِنْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( الَّذِي يُنَفِّذُ ) ‏ ‏بِفَاءٍ مَكْسُورَةٍ مُثَقَّلَة وَمُخَفَّفَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1349",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏وَالْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَعْنِي ‏ ‏إِذَا تَصَدَّقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَطْعَمَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا وَلَهُ مِثْلُهُ ‏ ‏وَلِلْخَازِنِ ‏ ‏مِثْلُ ذَلِكَ لَهُ بِمَا اكْتَسَبَ وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَلَهُ مِثْلُهُ ) ‏ ‏أَيْ : مِثْل أَجْرِهَا ‏ ‏( وَلِلْخَازِنِ مِثْلَ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى , وَظَاهِره يَقْتَضِي تَسَاوِيهِمْ فِي الْأَجْرِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد بِالْمِثْلِ حُصُول الْأَجْر فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ أَجْر الْكَاسِب أَوْفَر , لَكِنَّ التَّعْبِيرَ فِي حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي ذَكَرْتُهُ بِقَوْلِهِ \" فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ \" يُشْعِرُ بِالتَّسَاوِي , وَقَدْ سَبَقَ قَبْلُ بِسِتَّةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيق جَرِير أَيْضًا وَزَادَ فِي آخِرِهِ \" لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْر بَعْض \" وَالْمُرَاد عَدَم الْمُسَاهَمَةِ وَالْمُزَاحَمَةِ فِي الْأَجْرِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ مُسَاوَاة بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَاللَّه أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ فَضْل الْأَمَانَةِ , وَسَخَاوَة النَّفْس , وَطِيبُ النَّفْسِ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ , وَالْإِعَانَة عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1350",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ فَلَهَا أَجْرُهَا وَلِلزَّوْجِ بِمَا اكْتَسَبَ ‏ ‏وَلِلْخَازِنِ ‏ ‏مِثْلُ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1351",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْحُبَابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي أَخِي ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي أُوَيْس , وَسُلَيْمَان هُوَ اِبْن بِلَال , وَأَبُو الْحُبَابِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَة وَسَمَّاهُ مُسْلِم فِي رِوَايَتِهِ سَعِيد بْن يَسَار وَهُوَ عَمُّ مُعَاوِيَة الرَّاوِي عَنْهُ , وَمُزَرِّدٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ وَاسْم أَبِي مُزَرِّدٍ عَبْد الرَّحْمَن , وَهَذَا الْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا مِنْ يَوْمِ ) ‏ ‏فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ \" مَا مِنْ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلّهمْ \" إِلَّا الثَّقَلَيْنِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ , هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ , إِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْر مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى , وَلَا غَرَبَتْ شَمْسُهُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ \" فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا مَلَكًا ) ‏ ‏فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ \" إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ \" وَالْجَنْبَة بِسُكُونِ النُّونِ النَّاحِيَة , وَقَوْلِهِ ‏ ‏\" خَلَفًا \" ) ‏ ‏أَيْ : عِوَضًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ) ‏ ‏التَّعْبِير بِالْعَطِيَّةِ فِي هَذِهِ لِلْمُشَاكَلَةِ , لِأَنَّ التَّلَفَ لَيْسَ بِعَطِيَّة. وَأَفَادَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ مُوَزَّع بَيْنَهُمَا , فَنُسِبَ إِلَيْهِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ نِسْبَةَ الْمَجْمُوعِ إِلَى الْمَجْمُوعِ , وَتَضَمَّنَتْ الْآيَة الْوَعْد بِالتَّيْسِيرِ لِمَنْ يُنْفِقُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ , وَالْوَعِيدِ بِالتَّعْسِيرِ لِعَكْسِهِ. وَالتَّيْسِيرُ الْمَذْكُورُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِأَحْوَالِ الدُّنْيَا أَوْ لِأَحْوَالِ الْآخِرَةِ , وَكَذَا دُعَاء الْمَلَكِ بِالْخَلَفِ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ , وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالتَّلَفِ فَيَحْتَمِلُ تَلَفَ ذَلِكَ الْمَالِ بِعَيْنِهِ أَوْ تَلَفَ نَفْسِ صَاحِبِ الْمَالِ , وَالْمُرَاد بِهِ فَوَات أَعْمَالِ الْبِرِّ بِالتَّشَاغُلِ بِغَيْرِهَا. قَالَ النَّوَوِيّ : الْإِنْفَاقُ الْمَمْدُوحُ مَا كَانَ فِي الطَّاعَاتِ وَعَلَى الْعِيَالِ وَالضِّيفَانِ وَالتَّطَوُّعَاتِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَهُوَ يَعُمُّ الْوَاجِبَات وَالْمَنْدُوبَات , لَكِنَّ الْمُمْسِكَ عَنْ الْمَنْدُوبَاتِ لَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الدُّعَاءَ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْبُخْل الْمَذْمُوم بِحَيْثُ لَا تَطِيبُ نَفْسه بِإِخْرَاج الْحَقّ الَّذِي عَلَيْهِ وَلَوْ أَخْرَجَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى \" طَيِّبَة بِهَا نَفْسه \" وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1352",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ‏ ‏جُبَّتَانِ ‏ ‏مِنْ حَدِيدٍ ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ‏ ‏جُبَّتَانِ ‏ ‏مِنْ حَدِيدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى ‏ ‏تَرَاقِيهِمَا ‏ ‏فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إِلَّا ‏ ‏سَبَغَتْ ‏ ‏أَوْ وَفَرَتْ ‏ ‏عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ ‏ ‏بَنَانَهُ ‏ ‏وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏فِي الْجُبَّتَيْنِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَنْظَلَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏جُنَّتَانِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏جَعْفَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ هُرْمُزَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جُنَّتَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيُّ , وَابْن طَاوُس اِسْمه عَبْد اللَّه. وَلَمْ يَسُقْ الْمَتْن مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ الْأُولَى هُنَا , وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْجِهَادِ عَنْ مُوسَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن هُرْمُز الْأَعْرَجُ. ‏ ‏قَوْله : ( مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ سُفْيَان عَنْ أَبِي الزِّنَادِ \" مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ \" قَالَ عِيَاض : وَهُوَ وَهْمٌ , وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَذَفَ مُقَابِله لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ. قُلْت قَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيّ وَأَحْمَد وَابْن أَبِي عُمَر وَغَيْرهمْ فِي مَسَانِيدِهِمْ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ فَقَالُوا فِي رِوَايَتِهِمْ \" مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْبَخِيلِ \" كَمَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْب عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَهُوَ الصَّوَابُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَن بْن مُسْلِم عَنْ طَاوُس \" ضَرَبَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ \" أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَة , وَمَنْ رَوَاهُ فِيهَا بِالنُّونِ فَقَدْ صَحَّفَ , وَكَذَا رِوَايَة الْحَسَن بْن مُسْلِم , وَرَوَاهُ حَنْظَلَة بْن أَبِي سُفْيَان الْجُمَحِيّ عَنْ طَاوُس بِالنُّونِ وَرُجِّحَتْ لِقَوْلِهِ \" مِنْ حَدِيدٍ \" وَالْجُنَّةِ فِي الْأَصْلِ الْحِصْن , وَسُمِّيَتْ بِهَا الدِّرْع لِأَنَّهَا تُجِنُّ صَاحِبهَا أَيْ : تُحَصِّنُهُ , وَالْجُبَّة بِالْمُوَحَّدَةِ ثَوْب مَخْصُوص , وَلَا مَانِعَ مِنْ إِطْلَاقِهِ عَلَى الدِّرْعِ. وَاخْتُلِفَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا بِالْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ ثُدَيِّهِمَا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة جَمْعُ ثَدْي , وَ ‏ ‏( تَرَاقِيهِمَا ) ‏ ‏بِمُثَنَّاة وَقَاف جَمْع تَرْقُوَة. ‏ ‏قَوْله : ( سَبَغَتْ ) ‏ ‏أَيْ : اِمْتَدَّتْ وَغَطَّتْ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ وَفَرَتْ ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَهُوَ بِتَخْفِيف الْفَاء مِنْ الْوُفُورِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَن بْن مُسْلِم \" اِنْبَسَطَتْ \" وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ \" اِتَّسَعَتْ عَلَيْهِ \" وَكُلّهَا مُتَقَارِبَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ ) ‏ ‏أَيْ : تَسْتُرُ أَصَابِعه , وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ \" حَتَّى تُجِنَّ \" بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهِيَ بِمَعْنَى تُخْفِي , وَذَكَرَهَا الْخَطَّابِيّ فِي شَرْحِهِ لِلْبُخَارِيِّ كَرِوَايَة الْحُمَيْدِيّ , وَبَنَانه بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَنُونَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَة : الْإِصْبَعُ , وَرَوَاهُ بَعْضهمْ \" ثِيَابه \" بِمُثَلَّثَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَة وَهُوَ تَصْحِيف. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَن بْن مُسْلِم \" حَتَّى تُغَشِّي - بِمُعْجَمَتَيْنِ - أَنَامِله \". ‏ ‏قَوْله : ( وَتَعْفُو أَثَره ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ : تَسْتُرُ أَثَره , يُقَالُ : عَفَا الشَّيْءُ وَعَفَوْتُهُ أَنَا لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ , وَيُقَالُ : عَفَتْ الدَّار إِذَا غَطَّاهَا التُّرَاب , وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَسْتُرُ خَطَايَاهُ كَمَا يُغَطِّي الثَّوْب الَّذِي يَجُرُّ عَلَى الْأَرْضِ أَثَر صَاحِبِهِ إِذَا مَشَى بِمُرُورِ الذَّيْل عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَزِقَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" اِنْقَبَضَتْ \" وَفِي رِوَايَةِ هَمَّام \" غَاصَتْ كُلّ حَلْقَة مَكَانهَا \" وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَان عِنْد مُسْلِم \" قَلَصَتْ \" وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْحَسَن بْن مُسْلِم عِنْدَ الْمُصَنِّفِ , وَالْمُفَاد وَاحِد لَكِنَّ الْأُولَى نَظَرَ فِيهَا إِلَى صُورَة الضِّيق وَالْأَخِيرَة نَظَرَ فِيهَا إِلَى سَبَبِ الضِّيقِ. وَزَعَمَ اِبْن التِّينِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْبَخِيلَ يُكْوَى بِالنَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , قَالَ الْخَطَّابِيّ وَغَيْره : وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ , فَشَبَّهَهُمَا بِرَجُلَيْنِ أَرَادَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا أَنْ يَلْبَسَ دِرْعًا يَسْتَتِرُ بِهِ مِنْ سِلَاحِ عَدُّوِهِ , فَصَبَّهَا عَلَى رَأْسِهِ لِيَلْبَسهَا , وَالدُّرُوعِ أَوَّل مَا تَقَعُ عَلَى الصَّدْرِ وَالثَّدْيَيْنِ إِلَى أَنْ يُدْخِلَ الْإِنْسَان يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهَا , فَجَعَلَ الْمُنْفِقَ كَمَنْ لَبِسَ دِرْعًا سَابِغَة فَاسْتَرْسَلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى سَتَرَتْ جَمِيعَ بَدَنِهِ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ \" حَتَّى تَعْفُوَ أَثَره \" أَيْ : تَسْتُرُ جَمِيع بَدَنِهِ. وَجُعِلَ الْبَخِيل كَمَثَلِ رَجُلٍ غُلَّتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ , كُلَّمَا أَرَادَ لُبْسهَا اِجْتَمَعَتْ فِي عُنُقِهِ فَلَزِمَتْ تَرْقُوَته , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ \" قَلَصَتْ \" أَيْ : تَضَامَنَتْ وَاجْتَمَعَتْ , وَالْمُرَاد أَنَّ الْجَوَادَ إِذَا هَمَّ بِالصَّدَقَةِ اِنْفَسَحَ لَهَا صَدْرُهُ وَطَابَتْ نَفْسه فَتَوَسَّعَتْ فِي الْإِنْفَاقِ , وَالْبَخِيل إِذَا حَدَّثَ نَفْسه بِالصَّدَقَةِ شَحَّتْ نَفْسه فَضَاقَ صَدْرُهُ وَانْقَبَضَتْ يَدَاهُ ( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسَهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ). وَقَالَ الْمُهَلَّب : الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ يَسْتُرُ الْمُنْفِقَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , بِخِلَافِ الْبَخِيلِ فَإِنَّهُ يَفْضَحُهُ. وَمَعْنَى تَعْفُو أَثَره تَمْحُو خَطَايَاهُ. وَتَعَقَّبَهُ عِيَاض بِأَنَّ الْخَبَرَ جَاءَ عَلَى التَّمْثِيلِ لَا عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ كَائِن. قَالَ : وَقِيلَ هُوَ تَمْثِيلٌ لِنَمَاءِ الْمَالِ بِالصَّدَقَةِ , وَالْبُخْلِ بِضِدِّهِ. وَقِيلَ تَمْثِيلٌ لِكَثْرَةِ الْجُودِ وَالْبُخْلِ , وَأَنَّ الْمُعْطِيَ إِذَا أَعْطَى اِنْبَسَطَتْ يَدَاهُ بِالْعَطَاءِ وَتَعَوَّدَ ذَلِكَ , وَإِذَا أَمْسَكَ صَارَ ذَلِكَ عَادَة. وَقَالَ الطِّيبِيّ : قَيَّدَ الْمُشَبَّهَ بِهِ بِالْحَدِيدِ إِعْلَامًا بِأَنَّ الْقَبْضَ وَالشِّدَّةَ مِنْ جِبِلَّة الْإِنْسَان , وَأَوْقَعَ الْمُتَصَدِّق مَوْقِع السَّخِيِّ لِكَوْنِهِ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبَخِيلِ إِشْعَارًا بِأَنَّ السَّخَاءَ هُوَ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِع وَنَدَبَ إِلَيْهِ مِنْ الْإِنْفَاقِ لَا مَا يَتَعَانَاهُ الْمُسْرِفُونَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ ) ‏ ‏, وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَان عِنْدَ مُسْلِم \" قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ \" وَهَذَا يُوهِمُ أَنْ يَكُونَ مُدْرَجًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِرَفْعِ هَذِهِ الْجُمْلَة فِي طَرِيقِ طَاوُس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : فَفِي رِوَايَةِ اِبْن طَاوُس عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ \" فَسَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا وَلَا تَتَّسِعَ \" وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" فَسَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَهُ , وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَن بْن مُسْلِم عِنْدَهُمَا \" فَأَنَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بِأُصْبُعِهِ هَكَذَا فِي جَيْبِهِ فَلَوْ رَأَيْته يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ \" وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ اِبْن إِسْحَاق عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِي الْحَدِيثِ \" وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَإِنَّهَا لَا تَزْدَادُ عَلَيْهِ إِلَّا اِسْتِحْكَامًا \" وَهَذَا بِالْمَعْنَى. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ الْحَسَن بْن مُسْلِم عَنْ طَاوُس ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْمُصَنِّف فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ حَنْظَلَة عَنْ طَاوُس ) ‏ ‏ذَكَرَهُ فِي اللِّبَاسِ أَيْضًا تَعْلِيقًا بِلَفْظ \" وَقَالَ حَنْظَلَة سَمِعْت طَاوُسًا سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة \" وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاق الْأَزْرَقِ عَنْ حَنْظَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْثَ حَدَّثَنِي جَعْفَر ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ رَبِيعَة , وَابْن هُرْمُز هُوَ عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَجُ , وَلَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَة اللَّيْث مَوْصُولَة إِلَى الْآنَ , وَقَدْ رَأَيْته عَنْهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْن حَمَّاد عَنْ اللَّيْثِ عَنْ اِبْن عَجْلَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِسَنَدِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1353",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيُمْسِكْ عَنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى كُلّ مُسْلِم صَدَقَة ) ‏ ‏أَيْ : عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ الْمُتَأَكِّدِ أَوْ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ , وَالْعِبَارَة صَالِحَة لِلْإِيجَابِ وَالِاسْتِحْبَابِ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ \" عَلَى الْمُسْلِمِ سِتُّ خِصَال \" فَذَكَرَ. مِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَحَبّ اِتِّفَاقًا , وَزَادَ أَبُو هُرَيْرَة فِي حَدِيثِهِ تَقْيِيد ذَلِكَ بِكُلِّ يَوْمٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصُّلْحِ مِنْ طَرِيقٍ هَمَّامٍ عَنْهُ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا \" يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَة \" وَالسُّلَامَى بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيف اللَّام : الْمَفْصِلُ , وَلَهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَة \" خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَثمِائَة مَفْصِل \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالُوا يَا نَبِيّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ) ‏ ‏كَأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ لَفْظِ الصَّدَقَة الْعَطِيَّة فَسَأَلُوا عَمَّنْ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْء , فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّدَقَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ بِإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ , وَهَلْ تَلْتَحِقُ هَذِهِ الصَّدَقَة بِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ الَّتِي تُحْسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْفَرْضِ الَّذِي أَخَلَّ بِهِ ؟ فِيهِ نَظَرٌ , الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا غَيْرُهَا لِمَا تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة الْمَذْكُورِ أَنَّهَا شُرِعَتْ بِسَبَبِ عِتْق الْمَفَاصِل حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ \" فَإِنَّهُ يُمْسِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسه عَنْ النَّارِ \". ‏ ‏قَوْله : ( الْمَلْهُوف ) ‏ ‏أَيْ : الْمُسْتَغِيث وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا أَوْ عَاجِزًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَة \" فَلْيَأْمُرْ بِالْخَيْرِ أَوْ بِالْمَعْرُوفِ \" زَادَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَة \" وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلْيُمْسِكْ ‏ ‏فِي رِوَايَتِهِ فِي الْأَدَبِ \" قَالُوا : فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ؟ قَالَ : فَلْيُمْسِكْ عَنْ الشَّرِّ \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَة عَنْ شُعْبَةَ وَهُوَ أَصَحُّ سِيَاقًا , فَظَاهِر سِيَاقِ الْبَاب أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِمْسَاكَ عَنْ الشَّرِّ رُتْبَة وَاحِدَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْإِمْسَاك هُوَ الرُّتْبَة الْأَخِيرَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّهَا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا بِضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ , وَهُوَ بِاعْتِبَار الْخَصْلَة مِنْ الْخَيْرِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَدَبِ : فَإِنَّهُ أَيْ : الْإِمْسَاكَ لَهُ أَيْ : لِلْمُمْسِكِ , وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنَيِّرِ : إِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ لِلْمُمْسِكِ عَنْ الشَّرِّ إِذَا نَوَى بِالْإِمْسَاكِ الْقُرْبَة , بِخِلَافِ مَحْضِ التَّرْكِ , وَالْإِمْسَاكُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِهِ فَكَأَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِالسَّلَامَةِ مِنْهُ , فَإِنْ كَانَ شَرُّهُ لَا يَتَعَدَّى نَفْسه فَقَدْ تَصَدَّقَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ مَنَعَهَا مِنْ الْإِثْمِ , قَالَ : وَلَيْسَ مَا تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ مِنْ قَوْلِهِ \" فَإِنْ لَمْ يَجِدْ \" تَرْتِيبًا , وَإِنَّمَا هُوَ لِلْإِيضَاحِ لِمَا يَفْعَلُهُ مَنْ عَجَزَ عَنْ خَصْلَةٍ مِنْ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ خَصْلَة أُخْرَى , فَمَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِيَدِهِ فَيَتَصَدَّقُ وَأَنْ يُغِيثَ الْمَلْهُوفَ وَأَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُمْسِكَ عَنْ الشَّرِّ فَلْيَفْعَلْ الْجَمِيع , وَمَقْصُود هَذَا الْبَاب أَنَّ أَعْمَالَ الْخَيْرِ تُنَزَّلُ مَنْزِلَة الصَّدَقَاتِ فِي الْأَجْرِ وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا. وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ فِي حَقِّ الْقَادِرِ عَلَيْهَا أَفْضَل مِنْ الْأَعْمَالِ الْقَاصِرَةِ , وَمُحَصَّلُ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ , وَهِيَ إِمَّا بِالْمَالِ أَوْ غَيْره , وَالْمَال إِمَّا حَاصِل أَوْ مُكْتَسَب , وَغَيْر الْمَالِ إِمَّا فِعْل وَهُوَ الْإِغَاثَةُ وَإِمَّا تَرْك وَهُوَ الْإِمْسَاكُ اِنْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة نَفَعَ اللَّه بِهِ : تَرْتِيبُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَدَبَ إِلَى الصَّدَقَةِ , وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا نَدَبَ إِلَى مَا يَقْرُبُ مِنْهَا أَوْ يَقُومُ مَقَامهَا وَهُوَ الْعَمَلُ وَالِانْتِفَاعُ , وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ نَدَبَ إِلَى مَا يَقُومُ مَقَامه وَهُوَ الْإِغَاثَةُ , وَعِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ نَدَبَ إِلَى فِعْلِ الْمَعْرُوفِ أَيْ : مِنْ سِوَى مَا تَقَدَّمَ كَإِمَاطَةِ الْأَذَى , وَعِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ نَدَبَ إِلَى الصَّلَاةِ , فَإِنْ لَمْ يُطِقْ فَتَرْكُ الشَّرِّ وَذَلِكَ آخِر الْمَرَاتِبِ. قَالَ : وَمَعْنَى الشَّرِّ هُنَا مَا مَنَعَهُ الشَّرْعُ , فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلْعَاجِزِ عَنْ فِعْلِ الْمَنْدُوبَاتِ إِذَا كَانَ عَجْزه عَنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ اِخْتِيَار. قُلْت : وَأَشَارَ بِالصَّلَاةِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي آخِر حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلِم \" وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ كُلّه رَكْعَتَا الضُّحَى \" وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ لَا يُكَمِّلُ مِنْهَا مَا يَخْتَلُّ مِنْ الْفَرْضِ , لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُكَمِّلُ الصَّلَاةَ وَلَا الْعَكْسُ فَدَلَّ عَلَى اِفْتِرَاق الصَّدَقَتَيْنِ. وَاسْتُشْكِلَ الْحَدِيث مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ مِنْ فُرُوض الْكِفَايَة فَكَيْفَ تُجْزِئُ عَنْهُ صَلَاة الضُّحَى وَهِيَ مِنْ التَّطَوُّعَاتِ ؟ وَأُجِيبَ بِحَمْلِ الْأَمْرِ هُنَا عَلَى مَا إِذَا حَصَلَ مِنْ غَيْرِهِ فَسَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ , وَكَأَنَّ فِي كَلَامِهِ هُوَ زِيَادَة فِي تَأْكِيدِ ذَلِكَ فَلَوْ تَرَكَهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ صَلَاة الضُّحَى , كَذَا قِيلَ : وَفِيهِ نَظَرٌ , وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى تَقُومُ مَقَام الثَّلَثمِائَة وَسِتِّينَ حَسَنَة الَّتِي يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أَنْ يَسْعَى فِي تَحْصِيلِهَا كُلَّ يَوْمٍ لِيُعْتِقَ مَفَاصِله الَّتِي هِيَ بِعَدَدِهَا , لَا أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى تُغْنِي عَنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ , وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَمَلٌ بِجَمِيعِ الْجَسَدِ فَتَتَحَرَّكُ الْمَفَاصِلُ كُلّهَا فِيهَا بِالْعِبَادَةِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِ الرَّكْعَتَيْنِ تَشْتَمِلَانِ عَلَى ثَلَثمِائَة وَسِتِّينَ مَا بَيْنَ قَوْلٍ وَفِعْلٍ إِذَا جَعَلْت كُلَّ حَرْفٍ مِنْ الْقِرَاءَةِ مَثَلًا صَدَقَة , وَكَأَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهَا أَوَّلَ تَطَوُّعَاتِ النَّهَار بَعْدَ الْفَرْضِ وَرَاتِبَته , وَقَدْ أَشَارَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ إِلَى أَنَّ صَدَقَة السُّلَامَى نَهَارِيَّة لِقَوْلِهِ \" يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ \" وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة \" كُلّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْس \" وَفِي حَدِيثِ عَائِشَة \" فَيُمْسِي وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسه عَنْ النَّارِ \" وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَحْكَامَ تَجْرِي عَلَى الْغَالِبِ , لِأَنَّ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ الْمَأْمُور بِصَرْفِهَا , وَقَدْ قَالَ \" عَلَى كُلّ مُسْلِم صَدَقَة \" وَفِيهِ مُرَاجَعَةُ الْعَالِمِ فِي تَفْسِيرِ الْمُجْمَلِ وَتَخْصِيصِ الْعَامِّ. وَفِيهِ فَضْل التَّكَسُّب لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ , وَتَقْدِيم النَّفْسِ عَلَى الْغَيْرِ وَالْمُرَاد بِالنَّفْسِ ذَات الشَّخْصِ وَمَا يَلْزَمُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1354",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏بُعِثَ إِلَى ‏ ‏نُسَيْبَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ‏ ‏بِشَاةٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏مِنْهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَكُمْ شَيْءٌ فَقُلْتُ لَا إِلَّا مَا أَرْسَلَتْ بِهِ ‏ ‏نُسَيْبَةُ ‏ ‏مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ فَقَالَ ‏ ‏هَاتِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الْأَنْصَارِيَّة ) ‏ ‏هِيَ أُمُّ عَطِيَّة كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ السَّكَنِ عَنْ الْفَرَبْرِيِّ عَنْ الْبُخَارِيِّ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ , وَكَأَنَّ السِّيَاقَ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ \" بَعَثَ إِلَيَّ \" بِلَفْظِ ضَمِير الْمُتَكَلِّم الْمَجْرُور كَمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ اِبْن عُلَيَّةَ عَنْ خَالِد , لَكِنَّهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ وَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَر إِمَّا تَجْرِيدًا وَإِمَّا اِلْتِفَاتًا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي \" بَاب إِذَا حُوِّلَتْ الصَّدَقَة \" فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الزَّكَاة إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1355",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ‏ ‏ذَوْدٍ ‏ ‏صَدَقَةٌ مِنْ الْإِبِلِ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ‏ ‏أَوَاقٍ ‏ ‏صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ ‏ ‏أَوْسُقٍ ‏ ‏صَدَقَةٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى الْمَازِنِيّ ) ‏ ‏فِي مُوَطَّأ اِبْن وَهْب \" عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عَمْرو بْن يَحْيَى حَدَّثَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏فِي مُسْنَد الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" سَأَلْت عَمْرو بْن يَحْيَى بْن عُمَارَة بْن أَبِي الْحَسَن الْمَازِنِيّ فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ \" وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْن سَعِيد وَهُوَ الْأَنْصَارِيُّ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ عَقِبَ هَذَا الْإِسْنَادِ التَّصْرِيح بِسَمَاعِ عَمْرو وَهُوَ اِبْن يَحْيَى الْمَذْكُورُ لَهُ مِنْ أَبِيهِ , وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِهِ لِلْإِسْنَادِ خَاصَّة , وَقَدْ حَكَى اِبْن عَبْد الْبَرِّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ لَمْ يَأْتِ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , قَالَ : وَهَذَا هُوَ الْأَغْلَبُ , إِلَّا أَنَّنِي وَجَدْته مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن مُسْلِم عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ جَابِر اِنْتَهَى. وَرِوَايَةُ سُهَيْل فِي \" الْأَمْوَالِ لِأَبِي عُبَيْد \" وَرِوَايَة مُسْلِمٍ فِي \" الْمُسْتَدْرَكِ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِر , وَجَاءَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ وَعَائِشَة وَأَبِي رَافِع وَمُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن جَحْش أَخْرَجَ أَحَادِيثَ الْأَرْبَعَة الدَّارَقُطْنِيّ , وَمِنْ حَدِيثِ اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَأَبُو عُبَيْد أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( خَمْس ذَوْدٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاوِ بَعْدَهَا مُهْمَلَة وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابٍ مُفْرَد. ‏ ‏قَوْله : ( خَمْس أَوَاقٍ ) ‏ ‏زَادَ مَالِك عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي صَعْصَعَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيد \" خَمْس أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَة \" وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلَفْظِ التَّرْجَمَة , وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ بِالتَّرْجَمَةِ مَا أُبْهِمَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ اِعْتِمَادًا عَلَى الطَّرِيقِ الْأُخْرَى. وَ \" أَوَاقٍ \" بِالتَّنْوِينِ وَبِإِثْبَات التَّحْتَانِيَّة مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا جَمْعُ أُوقِيَّةٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة , وَحَكَى اللِّحْيَانِيّ \" وُقِيَّة \" بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَفَتْحِ الْوَاوِ. وَمِقْدَارُ الْأُوقِيَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا بِالِاتِّفَاقِ , وَالْمُرَاد بِالدِّرْهَمِ الْخَالِصُ مِنْ الْفِضَّةِ سَوَاء كَانَ مَضْرُوبًا أَوْ غَيْرَ مَضْرُوب , قَالَ عِيَاض قَالَ أَبُو عُبَيْد : إِنَّ الدِّرْهَمَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومَ الْقَدْرِ حَتَّى جَاءَ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان فَجَمَعَ الْعُلَمَاء فَجَعَلُوا كُلَّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَة مَثَاقِيل , قَالَ : وَهَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَالَ بِنِصَابِ الزَّكَاةِ عَلَى أَمْرٍ مَجْهُولٍ وَهُوَ مُشْكِل , وَالصَّوَاب أَنَّ مَعْنَى مَا نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهَا مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ وَكَانَتْ مُخْتَلِفَة فِي الْوَزْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَدَدِ , فَعَشَرَة مَثَلًا وَزْن عَشَرَة وَعَشَرَة وَزْن ثَمَانِيَة , فَاتَّفَقَ الرَّأْي عَلَى أَنْ تُنْقَشَ بِكِتَابَةٍ عَرَبِيَّةٍ وَيَصِيرُ وَزْنهَا وَزْنًا وَاحِدًا. وَقَالَ غَيْره : لَمْ يَتَغَيَّرْ الْمِثْقَال فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام , وَأَمَّا الدِّرْهَمُ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كُلّ سَبْعَة مَثَاقِيل عَشَرَة دَرَاهِمَ , وَلَمْ يُخَالِفْ فِي أَنَّ نِصَابَ الزَّكَاةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ يَبْلُغُ مِائَة وَأَرْبَعِينَ مِثْقَالًا مِنْ الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ إِلَّا اِبْن حَبِيب الْأَنْدَلُسِيّ فَإِنَّهُ اِنْفَرَدَ بِقَوْلِهِ : إِنَّ كُلَّ أَهْلِ بَلَدٍ يَتَعَامَلُونَ بِدَرَاهِمِهِمْ. وَذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ اِخْتِلَافًا فِي الْوَزْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى دَرَاهِمِ الْأَنْدَلُس وَغَيْرِهَا مِنْ دَرَاهِمِ الْبِلَادِ , وَكَذَا خَرَقَ الْمَرِّيسِيّ الْإِجْمَاع فَاعْتَبَرَ النِّصَاب بِالْعَدَدِ لَا الْوَزْن , وَانْفَرَدَ السَّرْخَسِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِحِكَايَة وَجْه فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الدَّرَاهِمَ الْمَغْشُوشَةَ إِذَا بَلَغَتْ قَدْرًا لَوْ ضُمَّ إِلَيْهِ قِيمَة الْغِشِّ مِنْ نُحَاسٍ مَثَلًا لَبَلَغَ نِصَابًا فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهِ كَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِيمَا إِذَا نَقَصَ مِنْ النِّصَابِ وَلَوْ حَبَّة وَاحِدَة , خِلَافًا لِمَنْ سَامَحَ بِنَقْصٍ يَسِيرٍ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْسُقٍ ) ‏ ‏جَمْع وَسْقٍ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا كَمَا حَكَاهُ صَاحِبُ \" الْمُحْكَمِ \" وَجَمْعُهُ حِينَئِذٍ أَوْسَاقٌ كَحِمْلٍ وَأَحْمَالٍ , وَقَدْ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم , وَهُوَ سِتُّونَ صَاعًا بِالِاتِّفَاقِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْبَخْتَرِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد نَحْوُ هَذَا الْحَدِيثِ وَفِيهِ \" وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا \" , وَأَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا لَكِنْ قَالَ \" سِتُّونَ مَخْتُومًا \" وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة أَيْضًا وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا , وَلَمْ يَقَعْ فِي الْحَدِيثِ بَيَان الْمَكِيل بِالْأَوْسُقِ لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَة أَوْسُق مِنْ تَمْر وَلَا حَبٍّ صَدَقَة \" وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ \" لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْر صَدَقَة حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَة أَوْسُق \" وَلَفَظُ \" دُونَ \" فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ بِمَعْنَى أَقَلَّ لَا أَنَّهُ نَفَى عَنْ غَيْرِ الْخَمْسِ الصَّدَقَة كَمَا زَعَمَ بَعْض مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوب الزَّكَاة فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الزُّرُوعَ لَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَة أَوْسُق , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة تَجِبُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فِيمَا سَقَتْ السَّمَاء الْعُشْر \" وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْحَدِيثُ لِلْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى الْمَحْدُودِ , وَقَدْ أَجْمَعُوا فِي الْأَوْسَاق عَلَى أَنَّهُ لَا وَقَصَ فِيهَا , وَأَمَّا الْفِضَّةُ فَقَالَ الْجُمْهُورُ هُوَ كَذَلِكَ , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة لَا شَيْءَ فِيمَا زَادَ عَلَى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ حَتَّى يَبْلُغَ النِّصَاب وَهُوَ أَرْبَعُونَ فَجَعَلَ لَهَا وَقَصًا كَالْمَاشِيَةِ , وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ الطَّبَرَانِيّ بِالْقِيَاسِ عَلَى الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ , وَالْجَامِعُ كَوْنُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مُسْتَخْرَجَيْنِ مِنْ الْأَرْضِ بِكُلْفَةٍ وَمَئُونَةٍ , وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ فِي خَمْسَة أَوْسُق فَمَا زَادَ. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى اِشْتِرَاطِ الْحَوْلِ فِي الْمَاشِيَةِ وَالنَّقْدِ دُونَ الْمُعَشَّرَاتِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1356",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ثُمَامَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَتَبَ لَهُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ ‏ ‏بِنْتَ مَخَاضٍ ‏ ‏وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ ‏ ‏بِنْتُ لَبُونٍ ‏ ‏فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ‏ ‏بِنْتُ مَخَاضٍ ‏ ‏عَلَى وَجْهِهَا وَعِنْدَهُ ‏ ‏ابْنُ لَبُونٍ ‏ ‏فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيثَ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْر كَتَبَ لَهُ , وَسَيَأْتِي مُعْظَمه فِي \" بَابِ زَكَاةِ الْغَنَمِ \" وَمَوْضِع الدَّلَالَة مِنْهُ قَبُول مَا هُوَ أَنْفَسُ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ وَإِعْطَاؤُهُ التَّفَاوُتَ مِنْ جِنْسٍ غَيْر الْجِنْسِ الْوَاجِبِ , وَكَذَا الْعَكْس , لَكِنْ أَجَابَ الْجُمْهُور عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى مَا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِي الْقِيمَةِ , فَكَانَ الْعَرْضُ يَزِيدُ تَارَةً وَيَنْقُصُ أُخْرَى لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ فِي الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ , فَلَمَّا قَدَّرَ الشَّارِعُ التَّفَاوُت بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبَ فِي الْأَصْلِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ , وَلَوْلَا تَقْدِيرُ الشَّارِعِ بِذَلِكَ لَتَعَيَّنَتْ بِنْت الْمَخَاض مَثَلًا وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُبَدَّلَ بِنْتُ لَبُون مَعَ التَّفَاوُتِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ ‏"
    },
    {
        "id": "1357",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُؤَمَّلٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ النِّسَاءَ فَأَتَاهُنَّ وَمَعَهُ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏نَاشِرَ ثَوْبِهِ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي ‏ ‏وَأَشَارَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏إِلَى أُذُنِهِ وَإِلَى حَلْقِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1358",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ثُمَامَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1359",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ثُمَامَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1360",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْهِجْرَةِ فَقَالَ ‏ ‏وَيْحَكَ إِنَّ شَأْنَهَا شَدِيدٌ فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ ‏ ‏يَتِرَكَ ‏ ‏مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1361",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ثُمَامَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ ‏ ‏الصَّدَقَةِ ‏ ‏الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْإِبِلِ ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏الْجَذَعَةِ ‏ ‏وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ ‏ ‏جَذَعَةٌ ‏ ‏وَعِنْدَهُ ‏ ‏حِقَّةٌ ‏ ‏فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ ‏ ‏الْحِقَّةُ ‏ ‏وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنْ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏الْحِقَّةِ ‏ ‏وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ ‏ ‏الْحِقَّةُ ‏ ‏وَعِنْدَهُ ‏ ‏الْجَذَعَةُ ‏ ‏فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ ‏ ‏الْجَذَعَةُ ‏ ‏وَيُعْطِيهِ ‏ ‏الْمُصَدِّقُ ‏ ‏عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏الْحِقَّةِ ‏ ‏وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّا ‏ ‏بِنْتُ لَبُونٍ ‏ ‏فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ ‏ ‏بِنْتُ لَبُونٍ ‏ ‏وَيُعْطِي شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ ‏ ‏بِنْتَ لَبُونٍ ‏ ‏وَعِنْدَهُ ‏ ‏حِقَّةٌ ‏ ‏فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ ‏ ‏الْحِقَّةُ ‏ ‏وَيُعْطِيهِ ‏ ‏الْمُصَدِّقُ ‏ ‏عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ ‏ ‏بِنْتَ لَبُونٍ ‏ ‏وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ ‏ ‏بِنْتُ مَخَاضٍ ‏ ‏فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ ‏ ‏بِنْتُ مَخَاضٍ ‏ ‏وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1362",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏ ‏هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ فَمَنْ سُئِلَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنْ الْغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا ‏ ‏بِنْتُ مَخَاضٍ ‏ ‏أُنْثَى فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا ‏ ‏بِنْتُ لَبُونٍ ‏ ‏أُنْثَى فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا ‏ ‏حِقَّةٌ ‏ ‏طَرُوقَةُ الْجَمَلِ ‏ ‏فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا ‏ ‏جَذَعَةٌ ‏ ‏فَإِذَا بَلَغَتْ ‏ ‏يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا ‏ ‏بِنْتَا لَبُونٍ ‏ ‏فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا ‏ ‏حِقَّتَانِ ‏ ‏طَرُوقَتَا الْجَمَلِ ‏ ‏فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ‏ ‏بِنْتُ لَبُونٍ ‏ ‏وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ ‏ ‏حِقَّةٌ ‏ ‏وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ ‏ ‏رَبُّهَا ‏ ‏فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي ‏ ‏سَائِمَتِهَا ‏ ‏إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ فَإِذَا كَانَتْ ‏ ‏سَائِمَةُ ‏ ‏الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ ‏ ‏رَبُّهَا ‏ ‏وَفِي ‏ ‏الرِّقَّةِ ‏ ‏رُبْعُ الْعُشْرِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ ‏ ‏رَبُّهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي ثُمَامَة ) ‏ ‏هُوَ عَمُّ الرَّاوِي عَنْهُ لِأَنَّهُ عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى بْن عَبْد اللَّه بْن أَنَس بْن مَالِك , وَهَذَا الْإِسْنَاد مُسَلْسَل بِالْبَصْرِيِّينَ مِنْ آل أَنَس بْن مَالِك. وَعَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى اِخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ اِبْنِ مَعِينٍ فَقَالَ مَرَّة : صَالِح , وَمَرَّة : لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَوَّاهُ أَبُو زُرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَالْعِجْلِيّ. وَأَمَّا النَّسَائِيّ فَقَالَ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَقَالَ الْعُقَيْلِيّ : لَا يُتَابَعُ فِي أَكْثَرِ حَدِيثه اِنْتَهَى. وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى حَدِيثِهِ هَذَا حَمَّاد بْن سَلَمَة فَرَوَاهُ عَنْ ثُمَامَةَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ كِتَابًا زَعَمَ أَنَّ أَبَا بَكْر كَتَبَهُ لِأَنَسٍ وَعَلَيْهِ خَاتَمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا فَذَكَرَ الْحَدِيث , هَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ , وَرَوَاهُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ قَالَ \" حَدَّثَنَا أَبُو كَامِل حَدَّثَنَا حَمَّاد قَالَ أَخَذْت هَذَا الْكِتَابَ مِنْ ثُمَامَة بْن عَبْد اللَّه بْن أَنَس عَنْ أَنَس أَنَّ أَبَا بَكْر \" فَذَكَرَهُ. وَقَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ \" أَخْبَرَنَا النَّضْر بْن شُمَيْل حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة أَخَذْنَا هَذَا الْكِتَابَ مِنْ ثُمَامَةَ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَهُ. فَوَضَحَ أَنَّ حَمَّادًا سَمِعَهُ مِنْ ثُمَامَةَ وَأَقْرَأَهُ الْكِتَاب فَانْتَفَى تَعْلِيل مَنْ أَعَلَّهُ بِكَوْنِهِ مُكَاتَبَة , وَانْتَفَى تَعْلِيل مَنْ أَعَلَّهُ بِكَوْن عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَا بَكْر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرِينِ ) ‏ ‏أَيْ : عَامِلًا عَلَيْهَا , وَهِيَ اِسْمٌ لِإِقْلِيمٍ مَشْهُورٍ يَشْتَمِلُ عَلَى مُدُنٍ مَعْرُوفَةٍ قَاعِدَتهَا هَجَر , وَهَكَذَا يَنْطِقُ بِهِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَة وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ بَحْرَانِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذِهِ ) ‏ ‏قَالَ الْمَاوَرْدِيّ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى إِثْبَات الْبَسْمَلَة فِي اِبْتِدَاءِ الْكُتُبِ وَعَلَى أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْحَمْدِ لَيْسَ بِشَرْط. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( هَذِهِ فَرِيضَة الصَّدَقَة ) ‏ ‏أَيْ : نُسْخَة فَرِيضَة فَحَذَفَ الْمُضَاف لِلْعِلْمِ بِهِ , وَفِيهِ أَنَّ اِسْم الصَّدَقَة يَقَعُ عَلَى الزَّكَاةِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( الَّتِي فَرَضَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ) ‏ ‏ظَاهِر فِي رَفْعِ الْخَبَرِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي بَكْر , وَقَدْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاق الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا. وَمَعْنَى \" فَرَضَ \" هُنَا أَوْجَبَ أَوْ شَرَعَ يَعْنِي يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى , وَقِيلَ مَعْنَاهُ قُدِّرَ لِأَنَّ إِيجَابَهَا ثَابِت فِي الْكِتَابِ فَفَرْضُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا بَيَانُهُ لِلْمُجْمَلِ مِنْ الْكِتَابِ بِتَقْدِيرِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَجْنَاسِ. وَأَصْلُ الْفَرْضِ قَطْع الشَّيْءِ الصُّلْبِ ثُمَّ اِسْتُعْمِلَ فِي التَّقْدِيرِ لِكَوْنِهِ مُقْتَطَعًا مِنْ الشَّيْءِ الَّذِي يُقَدَّرُ مِنْهُ , وَيَرِدُ بِمَعْنَى الْبَيَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ) وَبِمَعْنَى الْإِنْزَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ) وَبِمَعْنَى الْحِلِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ) وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْرُجُ مِنْ مَعْنَى التَّقْدِير. وَوَقَعَ اِسْتِعْمَالُ الْفَرْضِ بِمَعْنَى اللُّزُومِ حَتَّى كَادَ يَغْلِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يَخْرُجُ أَيْضًا عَنْ مَعْنَى التَّقْدِير , وَقَدْ قَالَ الرَّاغِب : كُلُّ شَيْءٍ وَرَدَ فِي الْفَرَآنِ فَرَضَ عَلَى فُلَانٍ فَهُوَ بِمَعْنَى الْإِلْزَامِ , وَكُلُّ شَيْء فَرَضَ لَهُ فَهُوَ بِمَعْنَى لَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْك الْقُرْآنَ ) أَيْ : أَوْجَبَ عَلَيْك الْعَمَلَ بِهِ , وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ إِنَّ الْفَرْضَ مُرَادِف لِلْوُجُوبِ. وَتَفْرِيقُ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ بِاعْتِبَارِ مَا يَثْبُتَانِ بِهِ لَا مُشَاحَةَ فِيهِ , وَإِنَّمَا النَّزْعُ فِي حَمْلِ مَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّفْظَ السَّابِقَ لَا يُحْمَلُ عَلَى الِاصْطِلَاحِ الْحَادِثِ وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَلَى الْمُسْلِمِينَ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِذَلِكَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ كَوْنهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ , لَا أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهَا وَهُوَ مَحِلُّ النِّزَاعِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ ) ‏ ‏كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخ الْبُخَارِيّ , وَوَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا بِحَذْف \" بِهَا \" وَأَنْكَرَهَا النَّوَوِيّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا \" الَّتِي أَمَرَ \" بِغَيْرِ وَاوٍ عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ الْأُولَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَمَنْ سَأَلَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطَهَا ) ‏ ‏أَيْ : عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ الْمُبَيَّنَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى دَفْعِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ إِلَى الْإِمَامِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ ) ‏ ‏أَيْ : مَنْ سُئِلَ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ فِي سِنٍّ أَوْ عَدَد فَلَهُ الْمَنْعُ. وَنَقَلَ الرَّافِعِيّ الِاتِّفَاق عَلَى تَرْجِيحِهِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ فَلْيُمْنَعْ السَّاعِي وَلْيَتَوَلَّ هُوَ إِخْرَاجَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِسَاعٍ آخَرَ فَإِنَّ السَّاعِيَ الَّذِي طَلَبَ الزِّيَادَة يَكُونُ بِذَلِكَ مُتَعَدِّيًا وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا , لَكِنَّ مَحِلّ هَذَا إِذَا طَلَبَ الزِّيَادَةَ بِغَيْرِ تَأْوِيل. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي كُلِّ أَرْبَع وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا ) ‏ ‏أَيْ : إِلَى خَمْس. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْغَنَمِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَةِ اِبْنِ السَّكَنِ بِإِسْقَاط \" مِنْ \" وَصَوَّبَهَا بَعْضُهُمْ , وَقَالَ عِيَاض : مَنْ أَثْبَتَهَا فَمَعْنَاهُ زَكَاتهَا أَيْ : الْإِبِلِ مِنْ الْغَنَمِ , وَ \" مِنْ \" لِلْبَيَانِ لَا لِلتَّبْعِيضِ. وَمَنْ حَذَفَهَا فَالْغَنَم مُبْتَدَأ وَالْخَبَر مُضْمَر فِي قَوْلِهِ \" فِي كُلِّ أَرْبَع وَعِشْرِينَ \" وَمَا بَعْدَهُ , وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْخَبَرَ لِأَنَّ الْغَرَضَ بَيَان الْمَقَادِير الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاة , وَالزَّكَاة إِنَّمَا تَجِبُ بَعْدَ وُجُودِ النِّصَابِ فَحَسُنَ التَّقْدِيمُ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَعَيُّنِ إِخْرَاج الْغَنَمِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِك وَأَحْمَد , فَلَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا عَنْ الْأَرْبَع وَالْعِشْرِينَ لَمْ يُجْزِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور : يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ , فَمَا دُونَهَا أَوْلَى. وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَجِبَ مِنْ جِنْس الْمَال , وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ رِفْقًا بِالْمَالِكِ , فَإِذَا رَجَعَ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى الْأَصْلِ أَجْزَأَهُ , فَإِنْ كَانَتْ قِيمَة الْبَعِير مَثَلًا دُونَ قِيمَة أَرْبَع شِيَاهٍ فَفِيهِ خِلَافٌ عِنْدِ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرهمْ , وَالْأَقْيَس أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ , وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" فِي كُلِّ أَرْبَع وَعِشْرِينَ \" عَلَى أَنَّ الْأَرْبَعَ مَأْخُوذَة عَنْ الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْبَع الزَّائِدَة عَلَى الْعِشْرِينَ وَقَصًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيّ , وَقَالَ فِي غَيْرِهِ : إِنَّهُ عَفْو. وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِيمَنْ لَهُ مَثَلًا تِسْع مِنْ الْإِبِلِ فَتَلِفَ مِنْهَا أَرْبَعَة بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ حَيْثُ قُلْنَا إِنَّهُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ شَاة بِلَا خِلَاف , وَكَذَا إِنْ قُلْنَا التَّمَكُّنَ شَرْط فِي الضَّمَانِ وَقُلْنَا الْوَقَص عَفْو , وَإِنْ قُلْنَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْفَرْض وَجَبَ خَمْسَة أَتْسَاع شَاة , وَالْأَوَّل قَوْل الْجُمْهُورِ كَمَا نَقَلَهُ اِبْن الْمُنْذِر , وَعَنْ مَالِكِ رِوَايَة كَالْأَوَّلِ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏الْوَقَص بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْقَافِ وَيَجُوزُ إِسْكَانهَا وَبِالسِّين الْمُهْمَلَةِ بَدَل الصَّاد : هُوَ مَا بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ , وَاسْتَعْمَلَهُ الشَّافِعِيّ فِيمَا دُونَ النِّصَاب الْأَوَّل أَيْضًا وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ فِي هَذَا الْقَدْرِ بِنْت مَخَاض , وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ إِلَّا مَا جَاءَ عَنْ عَلَيَّ أَنَّ فِي خَمْس وَعِشْرِينَ خَمْسَ شِيَاهٍ فَإِذَا صَارَتْ سِتًّا وَعِشْرِينَ كَانَ فِيهَا بِنْت مَخَاض أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْرُهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا وَإِسْنَاد الْمَرْفُوع ضَعِيف. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى خَمْس وَثَلَاثِينَ ) ‏ ‏اِسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيمَا بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ شَيْء غَيْر بِنْت مَخَاض , خِلَافًا لِمَنْ قَالَ كَالْحَنَفِيَّةِ تَسْتَأْنِفُ الْفَرِيضَة فَيَجِبُ فِي كُلِّ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاة مُضَافَة إِلَى بِنْت الْمَخَاض. ) ‏ ‏قَوْله : ( فَفِيهَا بِنْت مَخَاض أُنْثَى ) ‏ ‏زَادَ حَمَّاد بْن سَلَمَة فِي رِوَايَتِهِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْت مَخَاض فَابْن لَبُون ذَكَر , وَقَوْله أُنْثَى وَكَذَا قَوْله ذَكَر لِلتَّأْكِيدِ أَوْ لِتَنْبِيهِ رَبِّ الْمَالِ لِيَطِيبَ نَفْسًا بِالزِّيَادَةِ , وَقِيلَ اِحْتُرِزَ بِذَلِكَ مِنْ الْخُنْثَى وَفِيهِ بُعْدٌ. وَبِنْت الْمَخَاض بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ الْخَفِيفَةِ وَآخِره مُعْجَمَة هِيَ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا حَوْل وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِي وَحَمَلَتْ أُمّهَا , وَالْمَاخِض الْحَامِل , أَيْ : دَخْل وَقْتُ حَمْلِهَا وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ. وَابْن اللَّبُون الَّذِي دَخَلَ فِي ثَالِثِ سَنَةٍ فَصَارَتْ أُمُّهُ لَبُونًا بِوَضْعِ الْحَمْلِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى خَمْس وَأَرْبَعِينَ ) ‏ ‏إِلَى الْغَايَةِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ مَا قَبْلَ الْغَايَةِ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ الْمَقْصُودُ بَيَانه بِخِلَافِ مَا بَعْدَهَا فَلَا يَدْخُلُ إِلَّا بِدَلِيل , وَقَدْ دَخَلَتْ هُنَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ \" فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ \" فَعُلِمَ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْم مَا قَبْلَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( حِقَّة طَرُوقَة الْجَمَل ) ‏ ‏حِقَّة بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ وَالْجَمْعِ حِقَاق بِالْكَسْرِ وَالتَّخْفِيفِ , وَطَرُوقَة بِفَتْح أَوَّله أَيْ : مَطْرُوقَة وَهِيَ فَعُولَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ كَحَلُوبَةٍ بِمَعْنَى مَحْلُوبَة , وَالْمُرَاد أَنَّهَا بَلَغَتْ أَنْ يَطْرُقَهَا الْفَحْلُ , وَهِيَ الَّتِي أَتَتْ عَلَيْهَا ثَلَاث سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( جَذَعَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُعْجَمَة وَهِيَ الَّتِي أَتَتْ عَلَيْهَا أَرْبَع وَدَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْلِ بِزِيَادَةِ يَعْنِي , وَكَأَنَّ الْعَدَدَ حُذِفَ مِنْ الْأَصْلِ اِكْتِفَاء بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فَذَكَرَهُ بَعْضُ رُوَاتِهِ وَأَتَى بِلَفْظِ يَعْنِي لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ مَزِيد , أَوْ شَكَّ أَحَد رُوَاته فِيهِ. وَقَدْ ثَبَتَ بِغَيْرِ لَفْظ \" يَعْنِي \" فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ الْأَنْصَارِيِّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ فِيهِ مِنْ الْبُخَارِيِّ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّاد بْن سَلَمَة بِإِثْبَاتِهِ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ) ‏ ‏أَيْ : وَاحِدَة فَصَاعِدًا , وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُورِ. وَعَنْ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ تَجِبُ ثَلَاث بَنَاتِ لَبُون لِزِيَادَةِ بَعْضِ وَاحِدَةٍ لِصِدْق الزِّيَادَة , وَتُتَصَوَّرُ الْمَسْأَلَة فِي الشَّرِكَةِ , وَيَرُدُّهُ مَا فِي كِتَابِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ \" إِذَا كَانَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَة فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَات لَبُون حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمِائَة \" وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَزَكَاته بِالْإِبِلِ خَاصَّة , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة إِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَة رَجَعَتْ إِلَى فَرِيضَة الْغَنَم فَيَكُونُ فِي خَمْس وَعِشْرِينَ وَمِائَة ثَلَاث بَنَات لَبُون وَشَاة. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ وَفِي صَدَقَة الْغَنَم إِلَخْ ) ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اِقْتَطَعَ الْبُخَارِيّ مِنْ بَيْنِ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ قَوْله \" وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَة الْجَذَعَة. إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَقَدْ ذُكِرَ آخِره فِي \" بَاب الْعَرْض فِي الزَّكَاةِ \" وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِيهِ : يُقْبَلُ مِنْهُ بِنْت مَخَاض وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ \" فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْت مَخَاض عَلَى وَجْهِهَا وَعِنْدَهُ اِبْنُ لَبُون فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْء \" وَهَذَا الْحُكْم مُتَّفَق عَلَيْهِ , فَلَوْ لَمْ يَجِدْ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَيّهمَا شَاءَ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ شِرَاءُ بِنْت مَخَاض وَهُوَ قَوْلُ مَالِك وَأَحْمَد , وَقَوْلُهُ \" وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ \" هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَأَصْحَاب الْحَدِيثِ. وَعَنْ الثَّوْرِيِّ \" عَشْرَة \" وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ إِسْحَاق , وَعَنْ مَالِكٍ يُلْزَمُ رَبُّ الْمَالِ بِشِرَاءِ ذَلِكَ السِّنِّ بِغَيْرِ جُبْرَان , قَالَ الْخَطَّابِيّ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الشَّارِع جَعَلَ الشَّاتَيْنِ أَوْ الْعِشْرِينَ دِرْهَمًا تَقْدِيرًا فِي الْجُبْرَانِ لِئَلَّا يَكِلَ الْأَمْر إِلَى اِجْتِهَادِ السَّاعِي لِأَنَّهُ يَأْخُذُهَا عَلَى الْمِيَاهِ حَيْثُ لَا حَاكِمَ وَلَا مُقَوِّمَ غَالِبًا , فَضَبَطَهُ بِشَيْءٍ يَرْفَعُ التَّنَازُع كَالصَّاعِ فِي الْمُصَرَّاةِ وَالْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَبَيْنَ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ ‏ ‏قَوْله ( وَفِي صَدَقَة الْغَنَم ) ‏ ‏وَسَيَأْتِي التَّنْبِيه عَلَى مَا حَذَفَهُ مِنْهُ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا كَانَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةٍ الْكُشْمِيهَنِيّ \" إِذَا بَلَغَتْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةَ ) ‏ ‏فِي كِتَابِ عُمْر \" فَإِذَا كَانَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل الْإِصْطَخْرِيّ فِي ذَلِكَ وَالتَّعْقِيب عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَثمِائَة فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ ) ‏ ‏مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الشَّاة الرَّابِعَة حَتَّى تُوَفَّى أَرْبَعمِائَة وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ , قَالُوا فَائِدَة ذِكْر الثَّلَثمِائَة لِبَيَانِ النِّصَابِ الَّذِي بَعْدَهُ لِكَوْنِ مَا قَبْلَهُ مُخْتَلِفًا , وَعَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ كَالْحَسَنِ بْن صَالِح وَرِوَايَة عَنْ أَحْمَدَ إِذَا زَادَتْ عَلَى الثَّلَثمِائَة وَاحِدَة وَجَبَ الْأَرْبَع. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَفِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَة الرَّجُل. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اِقْتَطَعَ الْبُخَارِيّ أَيْضًا مِنْ بَيْنِ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ قَوْله \" وَلَا يُخْرِجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَة \" إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه , وَاقْتَطَعَ مِنْهُ أَيْضًا قَوْله \" وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّق \" إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِهِ , وَكَذَا قَوْله \" وَمَنْ كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ \" إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِهِ , وَيَلِي هَذَا قَوْله هُنَا \" فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَة الرَّجُل \" إِلَخْ. وَهَذَا حَدِيث وَاحِد يَشْتَمِلُ عَلَى هَذِهِ الْأَحْكَامِ الَّتِي فَرَّقَهَا الْمُصَنِّفُ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ غَيْر مُرَاعٍ لِلتَّرْتِيبِ فِيهَا بَلْ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ مُنَاسَبَة إِيرَادِ التَّرَاجِمِ الْمَذْكُورَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَفِي الرِّقَةِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيف الْقَاف الْفِضَّة الْخَالِصَة سَوَاء كَانَتْ مَضْرُوبَة أَوْ غَيْر مَضْرُوبَة , قِيلَ أَصْلُهَا الْوَرِق فَحُذِفَتْ الْوَاوُ وَعُوِّضَتْ الْهَاء , وَقِيلَ يُطْلَقُ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِخِلَاف الْوَرِق فَعَلَى هَذَا فَقِيلَ إِنَّ الْأَصْلَ فِي زَكَاة النَّقْدَيْنِ نِصَاب الْفِضَّة , فَإِذَا بَلَغَ الذَّهَب مَا قِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَم فِضَّة خَالِصَة وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاة وَهُوَ رُبْعُ الْعُشْرِ , وَهَذَا قَوْل الزُّهْرِيِّ وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ لَمْ تَكُنْ ) ‏ ‏أَيْ : الْفِضَّةُ ‏ ‏( إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَة ) ‏ ‏يُوهِمُ أَنَّهَا إِذَا زَادَتْ عَلَى التِّسْعِينَ وَمِائَةٍ قَبْلَ بُلُوغ الْمِائَتَيْنِ أَنَّ فِيهَا صَدَقَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا ذَكَرَ التِّسْعِينَ لِأَنَّهُ آخِرُ عَقْدٍ قَبْلَ الْمِائَةِ , وَالْحِسَابُ إِذَا جَاوَزَ الْآحَاد كَانَ تَرْكِيبه بِالْعُقُودِ كَالْعَشَرَاتِ وَالْمِئِينَ وَالْأُلُوفِ , فَذَكَرَ التِّسْعِينَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنْ لَا صَدَقَةَ فِيمَا نَقَصَ عَنْ الْمِائَتَيْنِ , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله الْمَاضِي \" لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْس أَوَاقٍ صَدَقَة \" ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبّهَا فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ ) ‏ ‏أَيْ : إِلَّا أَنْ يَتَبَرَّعَ مُتَطَوِّعًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1363",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ثُمَامَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَتَبَ لَهُ الصَّدَقَةَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ ‏ ‏هَرِمَةٌ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏ذَاتُ عَوَارٍ ‏ ‏وَلَا تَيْسٌ إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هَرِمَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ : الْكَبِيرَةُ الَّتِي سَقَطَتْ أَسْنَانُهَا. ‏ ‏قَوْله : ( ذَات عَوَارٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِضَمِّهَا أَيْ : مَعِيبَة , وَقِيلَ بِالْفَتْحِ الْعَيْبُ وَبِالضَّمِّ الْعَوَر , وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهَا فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّدُّ فِي الْبَيْعِ , وَقِيلَ مَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاء فِي الْأُضْحِيَّةِ , وَيَدْخُلُ فِي الْمَعِيبِ الْمَرِيضُ وَالذُّكُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُنُوثَةِ وَالصَّغِير سِنًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى سِنٍّ أَكْبَرَ مِنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1364",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي ‏ ‏عَنَاقًا ‏ ‏كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللَّهَ شَرَحَ صَدْرَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بِالْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي أَثْنَاءِ الْإِسْنَادِ ‏ ‏( وَقَالَهُ اللَّيْث حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الذُّهَلِيُّ فِي \" الزَّهْرِيَّاتِ \" عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اللَّيْثِ , وَلِلَّيْثِ فِيهِ إِسْنَاد مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى سَتَأْتِي فِي كِتَابِ الْمُرْتَدِّينَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ اِبْن شِهَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1365",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْبَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا بَعَثَ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1366",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ ‏ ‏أَوْسُقٍ ‏ ‏مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ‏ ‏أَوَاقٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْوَرِقِ ‏ ‏صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ‏ ‏ذَوْدٍ ‏ ‏مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي صَعْصَعَة الْمَازِنِيّ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِك , وَالْمَعْرُوف أَنَّهُ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي صَعْصَعَة نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ وَنُسِبَ جَدُّهُ إِلَى جَدِّهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ مَالِك. وَرَوَى إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي أُسَامَة عَنْ الْوَلِيدِ بْن كَثِير عَنْ مُحَمَّد هَذَا عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى وَعَبَّاد بْن تَمِيم كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيد. وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهَلِيّ أَنَّ مُحَمَّدًا سَمِعَهُ مِنْ ثَلَاثَة أَنْفُسٍ وَأَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَحْفُوظَانِ. وَقَدْ سَبَقَ بَاقِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ فِي \" بَابِ زَكَاة الْوَرِق \". ‏"
    },
    {
        "id": "1367",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏أَوْ وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ أَوْ كَمَا حَلَفَ ‏ ‏مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا أُتِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ ‏ ‏تَطَؤُهُ ‏ ‏بِأَخْفَافِهَا ‏ ‏وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏بُكَيْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْمَعْرُورِ بْن سُوَيْد ) ‏ ‏هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ اِنْتَهَيْت إِلَيْهِ) ‏ ‏هُوَ مَقُول الْمَعْرُور وَالضَّمِير يَعُودُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ الْحَالِفُ , وَ ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ كَمَا حَلَفَ ) ‏ ‏يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَضْبُطْ اللَّفْظَ الَّذِي حَلَفَ بِهِ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" أَعْظَمَ \" ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ ‏ ‏( وَأَسْمَنَهُ ) ‏ ‏عَطَفَهُ عَلَيْهِ. وَ ‏ ‏قَوْله : ( جَازَتْ ) ‏ ‏أَيْ : مَرَّتْ , ‏ ‏وَ ( رُدَّتْ ) ‏ ‏أَيْ : أُعِيدَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ وَأَبِي مُعَاوِيَة كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا , وَهُوَ أَصْرَحُ فِي مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ الْمَتْنِ فِي أَوَائِل الزَّكَاةِ , وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ \" يَكُونُ لَهُ إِبِل أَوْ بَقَر \" فَفِي مُسْتَوَاهُ زَكَاة الْبَقَرِ وَالْإِبِلِ فِي النِّصَابِ , وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ قَرَنَ مَعَهُ الْغَنَم وَلَيْسَ نِصَابهَا مِثْلَ نِصَاب الْإِبِل اِتِّفَاقًا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَخْرَجَ مُسْلِم فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ قِصَّةً فِيهَا \" هُمْ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا \" وَقَدْ أَفْرَدَ الْبُخَارِيّ هَذِهِ الْقِطْعَة فَأَخْرَجَهَا فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَاكَ الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ بُكَيْر ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عَبْد اللَّه بْن الْأَشَجِّ , وَمُرَاد الْبُخَارِيّ بِذَلِكَ مُوَافَقَة هَذِهِ الرِّوَايَة لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي ذِكْرِ الْبَقَرِ لِأَنَّ الْحَدِيثَيْنِ مُسْتَوَيَانِ فِي جَمِيعِ مَا وَرَدَا فِيهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُطَوَّلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1368",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏أَكْثَرَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏مَالًا مِنْ نَخْلٍ وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ ‏ ‏بَيْرُحَاءَ ‏ ‏وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ‏} ‏قَامَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ ‏ { ‏لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ‏} ‏وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ ‏ ‏بَيْرُحَاءَ ‏ ‏وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَخٍ ‏ ‏ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ‏ ‏وَإِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏رَايِحٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله \" بَيْرَحَاءَ \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّة وَفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ , وَجَاءَ فِي ضَبْطِهِ أَوْجُه كَثِيرَة جَمَعَهَا اِبْن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ فَقَالَ : يُرْوَى بِفَتْحِ الْبَاءِ وَبِكَسْرِهَا وَبِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا وَبِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ فَهَذِهِ ثَمَان لُغَات. وَفِي رِوَايَةِ حَمَّاد بْن سَلَمَة \" بَرِيحَا \" بِفَتْحٍ أَوَّلَهُ وَكَسَرَ الرَّاءَ وَتَقْدِيمِهَا عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ , وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ \" بَارِيحَا \" مِثْلُهُ لَكِنْ بِزِيَادَة أَلِف , وَقَالَ الْبَاجِيّ : أَفْصَحُهَا بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُون الْيَاءِ وَفَتْح الرَّاءِ مَقْصُور , وَكَذَا جَزَمَ بِهِ الصَّغَانِيُّ وَقَالَ : إِنَّهُ فَيْعَلَى مِنْ الْبَرَاحِ , قَالَ : وَمَنْ ذَكَرَهُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَظَنَّ أَنَّهَا بِئْرٌ مِنْ آبَارِ الْمَدِينَةِ فَقَدْ صَحَّفَ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ رَوْحٌ ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ \" رَابِح \" بِالْمُوَحَّدَةِ وَسَيَأْتِي مِنْ طَرِيقِهِ مَوْصُولًا فِي الْبُيُوعِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ يَحْيَى بْن يَحْيَى وَإِسْمَاعِيل عَنْ مَالِك رَايِح ) ‏ ‏يَعْنِي بِالتَّحْتَانِيَّةِ , أَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى فَسَتَأْتِي مَوْصُولَة فِي الْوَكَالَةِ وَعَزَاهَا مُغَلْطَايُ لِتَخْرِيجِ الدَّارَقُطْنِيّ فَأَبْعَدَ , وَأَمَّا رِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ وَهُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِيرِ , وَقَدْ وَهَمَ صَاحِب \" الْمَطَالِعِ \" فَقَالَ : رِوَايَةُ يَحْيَى بْن يَحْيَى بِالْمُوَحَّدَةِ , وَكَأَنَّهُ اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْأَنْدَلُسِيَّ بِالنَّيْسَابُورِيِّ , فَالَّذِي عَنَاهُ هُوَ الْأَنْدَلُسِيُّ وَالَّذِي عَنَاهُ الْبُخَارِيّ النَّيْسَابُورِيّ , قَالَ الدَّانِيّ فِي أَطْرَافِهِ : رَوَاهُ يَحْيَى بْن يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيُّ بِالْمُوَحَّدَةِ وَتَابَعَهُ جَمَاعَة , وَرَوَاهُ يَحْيَى بْن يَحْيَى النَّيْسَابُورِيّ بِالْمُثَنَّاةِ وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيل وَابْن وَهْب , وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيّ بِالشَّكِّ ا ه. وَرِوَايَة الْقَعْنَبِيّ وَصَلَهَا الْبُخَارِيّ فِي الْأَشْرِبَة بِالشَّكِّ كَمَا قَالَ وَالرِّوَايَةِ الْأُولَى وَاضِحَة مِنْ الرِّبْحِ أَيْ : ذُو رِبْح , وَقِيلَ هُوَ فَاعِل بِمَعْنَى مَفْعُول أَيْ : هُوَ مَال مَرْبُوحٌ فِيهِ , وَأَمَّا الثَّانِيَة فَمَعْنَاهَا رَائِح عَلَيْهِ أَجْره , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَالْمَعْنَى أَنَّ مَسَافَتُهُ قَرِيبَة وَذَلِكَ أَنْفَسُ الْأَمْوَال , وَقِيلَ مَعْنَاهُ يَرُوحُ بِالْأَجْرِ وَيَغْدُو بِهِ وَاكْتَفَى بِالرَّوَاحِ عَنْ الْغُدُوِّ. وَادَّعَى الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ مَنْ رَوَاهَا بِالتَّحْتَانِيَّةِ فَقَدْ صَحَّفَ وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1369",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي أَضْحًى ‏ ‏أَوْ فِطْرٍ ‏ ‏إِلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ‏ ‏تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ ‏ ‏وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ ‏ ‏لِلُبِّ ‏ ‏الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَتْ ‏ ‏زَيْنَبُ ‏ ‏امْرَأَةُ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ ‏ ‏زَيْنَبُ ‏ ‏فَقَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ فَقِيلَ امْرَأَةُ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ ‏ ‏ائْذَنُوا لَهَا فَأُذِنَ لَهَا قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ فَزَعَمَ ‏ ‏ابْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَدَقَ ‏ ‏ابْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى صَدْرِهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحَيْض , وَبَقِيَّة مَا فِيهِ مِنْ قِصَّةِ اِمْرَأَةِ اِبْن مَسْعُود يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ بَابَيْنِ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ فِيهِ ‏ ‏\" فَقِيلَ يَا رَسُول اللَّهِ هَذِهِ زَيْنَب \" ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ بِلَال كَمَا سَيَأْتِي , وَقَوْله ‏ ‏\" اِئْذَنُوا لَهَا فَأَذِنَ لَهَا فَقَالَتْ يَا رَسُول اللَّهِ إِلَخْ \" ) ‏ ‏لَمْ يُبَيِّنْ أَبُو سَعِيد مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ , فَإِنْ يَكُنْ حَاضِرًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالَ الْمُرَاجَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فَهُوَ مِنْ مُسْنَدِهِ وَإِلَّا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَمْلُهُ عَنْ زَيْنَب صَاحِبَةِ الْقِصَّة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1370",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلَامِهِ صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1371",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خُثَيْمُ بْنُ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1372",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقِيلَ لَهُ مَا شَأْنُكَ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا يُكَلِّمُكَ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ قَالَ فَمَسَحَ عَنْهُ ‏ ‏الرُّحَضَاءَ ‏ ‏فَقَالَ أَيْنَ السَّائِلُ وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ فَقَالَ إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ إِلَّا ‏ ‏آكِلَةَ الْخَضْرَاءِ ‏ ‏أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا ‏ ‏امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا ‏ ‏اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ ‏ ‏فَثَلَطَتْ ‏ ‏وَبَالَتْ وَرَتَعَتْ وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ ‏ ‏أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ ‏ ‏( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ مُسْتَوْفًى فِي الرِّقَاقِ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ : ‏ ‏( أَنَّ مِمَّا أَخَافُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ \" إِنِّي مِمَّا أَخَافُ \" وَ ‏ ‏قَوْله : ( فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَأُرِينَا \" بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ. ‏ ‏وَقَوْله : ( إِلَّا آكِلَة الْخَضِر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" الْخَضْرَاء \" بِزِيَادَة أَلِف , ‏ ‏وَقَوْله : ( أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ يَحْيَى. وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ فُلَيْح عَنْ هِلَالٍ بِلَفْظٍ \" فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَابْنِ السَّبِيلِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1373",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ ‏ ‏امْرَأَةِ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ فَذَكَرْتُهُ ‏ ‏لِإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏ح ‏ ‏فَحَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ ‏ ‏امْرَأَةِ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏بِمِثْلِهِ سَوَاءً ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ وَكَانَتْ ‏ ‏زَيْنَبُ ‏ ‏تُنْفِقُ عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَأَيْتَامٍ فِي ‏ ‏حَجْرِهَا ‏ ‏قَالَ فَقَالَتْ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏سَلْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي ‏ ‏حَجْرِي ‏ ‏مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏عَلَى الْبَابِ حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي فَمَرَّ عَلَيْنَا ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏فَقُلْنَا سَلْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي ‏ ‏حَجْرِي ‏ ‏وَقُلْنَا لَا تُخْبِرْ بِنَا فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَنْ هُمَا قَالَ ‏ ‏زَيْنَبُ ‏ ‏قَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ قَالَ امْرَأَةُ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ لَهَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي ضِرَار بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة الْخُزَاعِيّ ثُمَّ الْمُصْطَلِقِيّ أَخُو جُوَيْرِيَة بِنْت الْحَارِث زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ صُحْبَة , وَرَوَى هُنَا عَنْ صَحَابِيَّة , فَفِي الْإِسْنَادِ تَابِعِيٌّ عَنْ تَابِعِيّ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ , وَصَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيّ عَمْرو عَنْ زَيْنَب وَهِيَ بِنْت مُعَاوِيَة - وَيُقَالُ بِنْت عَبْد اللَّه بْن مُعَاوِيَة - اِبْن عَتَّاب الثَّقَفِيَّة وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا رَائِطَة , وَقَعَ ذَلِكَ فِي \" صَحِيحِ اِبْنِ حِبَّانَ \" فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّة , وَيُقَالُ هُمَا ثِنْتَانِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهِ اِبْن سَعْد , وَقَالَ الْكَلَابَاذِيّ رَائِطَة هِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِزَيْنَب , وَبِهَذَا جَزَمَ الطَّحَاوِيّ فَقَالَ رَائِطَة هِيَ زَيْنَب لَا يُعْلَمُ أَنَّ لِعَبْد اللَّه اِمْرَأَةً فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرهَا , وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيّ عَنْ هَنَّادٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث بْن الْمُصْطَلِقِ عَنْ اِبْنِ أَخِي زَيْنَب اِمْرَأَة عَبْد اللَّه عَنْ اِمْرَأَةِ عَبْد اللَّه فَزَادَ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلًا , وَالْمَوْصُوف بِكَوْنِهِ اِبْنَ أَخِي زَيْنَب هُوَ عَمْرو بْن الْحَارِث نَفْسه , وَكَانَ أَبَاهُ كَانَ أَخَا زَيْنَب لِأُمِّهَا لِأَنَّهَا ثَقَفِيَّةٌ وَهُوَ خُزَاعِيّ. وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْحَارِث اِبْن أَخِي زَيْنَب اِمْرَأَة عَبْد اللَّه عَنْ زَيْنَب , فَجَعَلَهُ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , هَكَذَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيّ وَعَقَدَ لِعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو فِي \" الْأَطْرَافِ \" تَرْجَمَة لَمْ يَزِدْ فِيهَا عَلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي التِّرْمِذِيِّ بَلْ وَقَفْت عَلَى عِدَّةِ نُسَخٍ مِنْهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا عَمْرو بْن الْحَارِث , وَقَدْ حَكَى اِبْن الْقَطَّان الْخِلَاف فِيهِ عَلَى أَبِي مُعَاوِيَة وَشُعْبَة , وَخَالَفَ التِّرْمِذِيّ فِي تَرْجِيحِ رِوَايَةِ شُعْبَةَ فِي قَوْلِهِ \" عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ اِبْنِ أَخِي زَيْنَب \" لِانْفِرَادِ أَبِي مُعَاوِيَة بِذَلِكَ. قَالَ اِبْن الْقَطَّان : لَا يَضُرُّهُ الِانْفِرَاد لِأَنَّهُ حَافِظ , وَقَدْ وَافَقَهُ حَفْص بْن غِيَاثٍ فِي رِوَايَةِ عَنْهُ وَقَدْ زَادَ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلًا , لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُتَوَقَّفَ فِي صِحَّةِ الْإِسْنَادِ لِأَنَّ اِبْنَ أَخِي زَيْنَب حِينَئِذٍ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ. وَقَدْ حَكَى التِّرْمِذِيّ فِي \" الْعِلَلِ الْمُفْرَدَات \" أَنَّهُ سَأَلَ الْبُخَارِيّ عَنْهُ فَحَكَمَ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَة بِالْوَهْمِ وَأَنَّ الصَّوَابَ رِوَايَة الْجَمَاعَةِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث اِبْن أَخِي زَيْنَب. قُلْت : وَوَافَقَهُ مَنْصُور عَنْ شَقِيقٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَد , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ أَبَا وَائِل حَمَلَهُ عَنْ الْأَبِ وَالِابْنِ , وَإِلَّا فَالْمَحْفُوظ عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَلَى الصَّوَابِ فَقَالَ \" عَمْرو بْن الْحَارِث \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ فَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيم ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ الْأَعْمَشُ , وَإِبْرَاهِيم هُوَ اِبْن يَزِيد النَّخَعِيّ , وَأَبُو عُبَيْدَة هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , فَفِي هَذِهِ الطَّرِيقِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ , وَرِجَال الطَّرِيقَيْنِ كُلّهمْ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَيْت إِلَخْ ) ‏ ‏فِي هَذَا زِيَادَة عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيد الْمُتَقَدِّمِ , وَبَيَان السَّبَب فِي سُؤَالِهَا ذَلِكَ. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ الْأَيْتَامِ الَّذِينَ كَانُوا فِي حِجْرِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَجَدْت اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَارِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيّ الْمَذْكُورَةِ \" فَإِذَا اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا زَيْنَب \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَشِ , وَزَاد مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ \" اِنْطَلَقَتْ اِمْرَأَةُ عَبْد اللَّه يَعْنِي اِبْن مَسْعُود وَاِمْرَأَة أَبِي مَسْعُود يَعْنِي عُقْبَةَ بْن عَمْرو الْأَنْصَارِيّ \". قُلْت : لَمْ يَذْكُرْ اِبْن سَعْد لِأَبِي مَسْعُود اِمْرَأَة أَنْصَارِيَّة سِوَى هُزَيْلَة بِنْت ثَابِت بْن ثَعْلَبَة الْخَزْرَجِيَّة فَلَعَلَّ لَهَا اِسْمَيْنِ , أَوْ وَهِمَ مَنْ سَمَّاهَا زَيْنَب اِنْتِقَالًا مِنْ اِسْمِ اِمْرَأَةِ عَبْد اللَّه إِلَى اِسْمِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَيْتَام لِي فِي حِجْرِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ الْمَذْكُورَة \" عَلَى أَزْوَاجِنَا وَأَيْتَام فِي حُجُورِنَا \" وَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيّ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُمْ بَنُو أَخِيهَا وَبَنُو أُخْتِهَا. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَلْقَمَة \" لِإِحْدَاهُمَا فَضْل مَالٍ وَفِي حِجْرِهَا بَنُو أَخ لَهَا أَيْتَام , وَلِلْأُخْرَى فَضْل مَال وَزَوْج خَفِيف ذَات الْيَدِ \" وَهَذَا الْقَوْل كِنَايَة عَنْ الْفَقْرِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَهَا أَجْرَانِ : أَجْر الْقَرَابَة وَأَجْر الصَّدَقَة ) ‏ ‏أَيْ : أَجْر صِلَة الرَّحِمِ وَأَجْر مَنْفَعَة الصَّدَقَة , وَهَذَا ظَاهِره أَنَّهَا لَمْ تُشَافِهْهُ بِالسُّؤَالِ وَلَا شَافَهَهَا بِالْجَوَابِ , وَحَدِيث أَبِي سَعِيد السَّابِقِ بِبَابَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا شَافَهَتْهُ وَشَافَهَهَا لِقَوْلِهَا فِيهِ \" يَا نَبِيّ اللَّهِ إِنَّك أَمَرْت \" وَقَوْله فِيهِ \" صَدَقَ زَوْجك \" فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا قِصَّتَيْنِ , وَيَحْتَمِلُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنْ يُقَالَ تُحْمَلُ هَذِهِ الْمُرَاجَعَة عَلَى الْمَجَازِ , وَإِنَّمَا كَانَتْ عَلَى لِسَانِ بِلَال وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ دَفْعِ الْمَرْأَةِ زَكَاتهَا إِلَى زَوْجِهَا , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَة وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ أَحْمَدَ كَذَا أَطْلَقَ بَعْضهمْ وَرِوَايَة الْمَنْع عَنْهُ مُقَيَّدَة بِالْوَارِثِ وَعِبَارَة الْجَوْزَقِيّ : وَلَا لِمَنْ تَلْزَمُهُ مَئُونَتُهُ , فَشَرَحَهُ اِبْنُ قُدَامَةَ بِمَا قَيَّدْته قَالَ : وَالْأَظْهَرُ الْجَوَاز مُطْلَقًا إِلَّا لِلْأَبَوَيْنِ وَالْوَلَد , وَحَمَلُوا الصَّدَقَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْوَاجِبَةِ لِقَوْلِهَا \" أَتُجْزِئُ عَنِّي \" وَبِهِ جَزَمَ الْمَازِرِيّ , وَتَعَقَّبَهُ عِيَاض بِأَنَّ قَوْلَهُ \" وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ \" وَكَوْن صَدَقَتِهَا كَانَتْ مِنْ صِنَاعَتِهَا يَدُلَّانِ عَلَى التَّطَوُّعِ , وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيّ وَتَأَوَّلُوا لِقَوْلِهِ \" أَتُجْزِئُ عَنِّي \" أَيْ : فِي الْوِقَايَةِ مِنْ النَّارِ كَأَنَّهَا خَافَتْ أَنَّ صَدَقَتَهَا عَلَى زَوْجِهَا لَا تُحَصِّلُ لَهَا الْمَقْصُود. وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ الصِّنَاعَةِ اِحْتَجَّ بِهِ الطَّحَاوِيّ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَة , فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق رَائِطَة اِمْرَأَة اِبْن مَسْعُود أَنَّهَا كَانَتْ اِمْرَأَة صَنْعَاء الْيَدَيْنِ فَكَانَتْ تُنْفِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى وَلَدِهِ , قَالَ : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا صَدَقَةُ تَطَوُّع , وَأَمَّا الْحُلِيُّ فَإِنَّمَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى مَنْ لَا يُوجِبُ فِيهِ الزَّكَاة , وَأَمَّا مَنْ يُوجِبُ فَلَا. وَقَدْ رَوَى الثَّوْرِيّ عَنْ حَمَّاد عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : قَالَ اِبْن مَسْعُود لِاِمْرَأَتِه فِي حُلِيِّهَا \" إِذَا بَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ \" فَكَيْفَ يُحْتَجُّ عَلَى الطَّحَاوِيّ بِمَا لَا يَقُولُ بِهِ , لَكِنْ تَمَسَّكَ الطَّحَاوِيّ بِقَوْلِهَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيد السَّابِقِ \" وَكَانَ عِنْدِي حُلِيّ لِي فَأَرَدْت أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ \" لِأَنَّ الْحُلِيَّ وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِ الزَّكَاة فِيهِ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي جَمِيعِهِ , كَذَا قَالَ وَهُوَ مُتَعَقَّب , لِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَجِبْ فِي عَيْنِهِ فَقَدْ تَجِبُ فِيهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ قَدْرُ النِّصَابِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهَا إِخْرَاجُهُ , وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيد الْمَذْكُورِ \" زَوْجُك وَوَلَدُك أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ \" دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا صَدَقَةُ تَطَوُّع , لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا نَقَلَهُ اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْرُهُ , وَفِي هَذَا الِاحْتِجَاجِ نَظَر لِأَنَّ الَّذِي يَمْتَنِعُ إِعْطَاؤُهُ مِنْ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ مَنْ يَلْزَمُ الْمُعْطِيَ نَفَقَتُهُ وَالْأُمُّ لَا يَلْزَمُهَا نَفَقَة وَلَدِهَا مَعَ وُجُودِ أَبِيهِ. وَقَالَ اِبْن التَّيْمِيّ : قَوْلُهُ \" وَوَلَدَك \" مَحْمُول عَلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ لِلتَّرْبِيَةِ لَا لِلْوِلَادَةِ فَكَأَنَّهُ وَلَدُهُ مِنْ غَيْرِهَا. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ : اِعْتَلَّ مَنْ مَنَعَهَا مِنْ إِعْطَائِهَا زَكَاتَهَا لِزَوْجِهَا بِأَنَّهَا تَعُودُ إِلَيْهَا فِي النَّفَقَةِ فَكَأَنَّهَا مَا خَرَجَتْ عَنْهَا , وَجَوَابه أَنَّ اِحْتِمَالَ رُجُوع الصَّدَقَة إِلَيْهَا وَاقِع فِي التَّطَوُّعِ أَيْضًا , وَيُؤَيِّدُ الْمَذْهَب الْأَوَّل أَنَّ تَرْكَ الِاسْتِْفْصَالِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَة الْعُمُوم , فَلَمَّا ذُكِرَتْ الصَّدَقَةُ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْهَا عَنْ تَطَوُّعٍ وَلَا وَاجِبٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ : تُجْزِئُ عَنْك فَرْضًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا. وَأَمَّا وَلَدُهَا فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَصْرِيح بِأَنَّهَا تُعْطِي وَلَدَهَا مِنْ زَكَاتِهَا , بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهَا إِذَا أَعْطَتْ زَوْجَهَا فَأَنْفَقَهُ عَلَى وَلَدِهَا كَانُوا أَحَقَّ مِنْ الْأَجَانِبِ , فَالْإِجْزَاء يَقَعُ بِالْإِعْطَاءِ لِلزَّوْجِ وَالْوُصُولِ إِلَى الْوَلَدِ بَعْدَ بُلُوغ الزَّكَاة مَحِلّهَا. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ : إِحْدَاهُمَا فِي سُؤَالِهَا عَنْ تَصَدُّقِهَا بِحُلِّيِّهَا عَلَى زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ , وَالْأُخْرَى فِي سُؤَالِهَا عَنْ النَّفَقَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ عَلَى الْأَقَارِبِ , وَهُوَ مَحْمُولٌ فِي الْوَاجِبَةِ عَلَى مَنْ لَا يَلْزَمُ الْمُعْطِيَ نَفَقَته مِنْهُمْ , وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ الْمَنْعِ فَقِيلَ لِأَنَّ أَخْذَهُمْ لَهَا يُصَيِّرُهُمْ أَغْنِيَاءَ فَيَسْقُطُ بِذَلِكَ نَفَقَتُهُمْ عَنْ الْمُعْطِي , أَوْ لِأَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ بِإِنْفَاقِهِ عَلَيْهِمْ , وَالزَّكَاة لَا تَصَرُّفَ لِغَنِيٍّ , وَعَنْ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ لَا يُعْطِي قَرَابَته مِنْ الزَّكَاةِ شَيْئًا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِك. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُعْطِي زَوْجَتَهُ مِنْ الزَّكَاةِ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا وَاجِبَة عَلَيْهِ فَتَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ الزَّكَاةِ , وَأَمَّا إِعْطَاؤُهَا لِلزَّوْجِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ كَمَا سَبَقَ. وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ وَجَوَازِ تَبَرُّعِ الْمَرْأَةِ بِمَالِهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجهَا. وَفِيهِ عِظَة النِّسَاء , وَتَرْغِيب وَلِيّ الْأَمْر فِي أَفْعَالِ الْخَيْرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ , وَالتَّحَدُّثِ مَعَ النِّسَاءِ الْأَجَانِب عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ , وَالتَّخْوِيفِ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ بِالذُّنُوبِ وَمَا يُتَوَقَّعُ بِسَبَبِهَا مِنْ الْعَذَابِ. وَفِيهِ فُتْيَا الْعَالِمِ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ , وَطَلَبُ التَّرَقِّي فِي تَحَمُّلِ الْعِلْمِ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَيْسَ إِخْبَار بِلَال بِاسْمِ الْمَرْأَتَيْنِ بَعْدَ أَنْ اِسْتَكْتَمَتَاهُ بِإِذَاعَةِ سِرٍّ وَلَا كَشْفِ أَمَانَةٍ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا لَمْ تُلْزِمَاهُ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا عُلِمَ أَنَّهُمَا رَأَتَا أَنْ لَا ضَرُورَةَ تُحْوِجُ إِلَى كِتْمَانِهِمَا. ثَانِيهِمَا أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ جَوَابًا لِسُؤَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِ إِجَابَته أَوْجَبَ مِنْ التَّمَسُّكِ بِمَا أَمَرَتَاهُ بِهِ مِنْ الْكِتْمَانِ , وَهَذَا كُلّه بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ اِلْتَزَمَ لَهُمَا بِذَلِكَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَا سَأَلَتَاهُ , وَلَا يَجِبُ إِسْعَافُ كُلّ سَائِل. ‏"
    },
    {
        "id": "1374",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى ‏ ‏بَنِي أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ فَقَالَ ‏ ‏أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان , وَهِشَام هُوَ اِبْن عُرْوَة. وَفِي الْإِسْنَادِ تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ : هِشَام عَنْ أَبِيهِ , وَصَحَابِيَّة عَنْ صَحَابِيَّة : زَيْنَب عَنْ أُمِّهَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ ) ‏ ‏أَيْ : اِبْنِ عَبْد الْأَسَد , وَكَانَ زَوْج أُمِّ سَلَمَة قَبْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَزَوَّجَهَا النَّبِيّ وَلَهَا مِنْ أَبِي سَلَمَة عَمْرو وَمُحَمَّد وَزَيْنَب وَدُرَّة , وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَة تَصْرِيح بِأَنَّ الَّذِي كَانَتْ تُنْفِقُهُ عَلَيْهِمْ مِنْ الزَّكَاةِ , فَكَانَ الْقَدْر الْمُشْتَرَك مِنْ الْحَدِيثِ حُصُول الْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَيْتَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَك أَجْرُ مَا أَنْفَقْت عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏رَوَاهُ الْأَكْثَر بِالْإِضَافَةِ عَلَى أَنْ تَكُونَ \" مَا \" مَوْصُولَة , وَجَوَّزَ أَبُو جَعْفَر الْغِرْنَاطِيّ نَزِيل حَلَبَ تَنْوِينَ \" أَجْرُ \" عَلَى أَنْ تَكُونَ \" مَا \" ظَرْفِيَّة , ذَكَرَ ذَلِكَ لَنَا عَنْهُ الشَّيْخ بُرْهَان الدِّين الْمُحَدِّث بِحَلَبَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1375",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالصَّدَقَةِ فَقِيلَ مَنَعَ ‏ ‏ابْنُ جَمِيلٍ ‏ ‏وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا يَنْقِمُ ‏ ‏ابْنُ جَمِيلٍ ‏ ‏إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَأَمَّا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ ‏ ‏خَالِدًا ‏ ‏قَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَمَّا ‏ ‏الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏فَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏حُدِّثْتُ عَنِ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏بِمِثْلِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَعْرَجِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيّ بْن عَيَّاش عَنْ شُعَيْب مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمَعَ أَبَا هُرَيْرَة يَقُولُ قَالَ قَالَ عُمَر فَذَكَرَهُ , صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي الْإِسْنَادِ وَزَادَ فِيهِ عُمَر , وَالْمَحْفُوظ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَة وَإِنَّمَا جَرَى لِعُمَرَ فِيهِ ذِكْر فَقَطْ. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ \" بَعَثَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ سَاعِيًا عَلَى الصَّدَقَةِ \" وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهَا صَدَقَة الْفَرْض , لِأَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لَا يُبْعَثُ عَلَيْهَا السُّعَاة. وَقَالَ اِبْن الْقَصَّارِ الْمَالِكِيّ : الْأَلْيَقُ أَنَّهَا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِهَؤُلَاءِ الصَّحَابَة أَنَّهُمْ مَنَعُوا الْفَرْض. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ مَا مَنَعُوهُ كُلّهمْ جَحْدًا وَلَا عِنَادًا , أَمَّا اِبْن جَمِيل فَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا ثُمَّ تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ , كَذَا حَكَاهُ الْمُهَلَّب , وَجَزَمَ الْقَاضِي حُسَيْن فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّ فِيهِ نَزَلَتْ ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ ) الْآيَة اِنْتَهَى. وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ثَعْلَبَة , وَأَمَّا خَالِدٌ فَكَانَ مُتَأَوِّلًا بِإِجْزَاءِ مَا حَبَسَهُ عَنْ الزَّكَاةِ , وَكَذَلِكَ الْعَبَّاس لِاعْتِقَادِهِ مَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ , وَلِهَذَا عَذَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدًا وَالْعَبَّاس وَلَمْ يَعْذُرْ اِبْن جَمِيل. ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ مَنَعَ اِبْن جَمِيل ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ عُمَرُ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس فِي الْكَلَامِ عَلَى قِصَّةِ الْعَبَّاس , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْن أَبِي الزِّنَاد عِنْدَ أَبِي عُبَيْد \" فَقَالَ بَعْض مَنْ يَلْمِزُ \" أَيْ : يَعِيبُ. وَابْن جَمِيل لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ , لَكِنْ وَقَعَ فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْحُسَيْن الْمَرْوَزِيّ الشَّافِعِيّ وَتَبِعَهُ الرُّويَانِيّ أَنَّ اِسْمَهُ عَبْد اللَّه , وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الشَّيْخِ سِرَاج الدِّين بْن الْمُلَقِّنِ أَنَّ اِبْن بَزِيزَةَ سَمَّاهُ حُمَيْدًا , وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اِبْن بَزِيزَةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْن جُرَيْجٍ أَبُو جَهْم بْن حُذَيْفَة بَدَلَ اِبْن جَمِيل , وَهُوَ خَطَأٌ لِإِطْبَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى اِبْن جَمِيل , وَقَوْل الْأَكْثَر أَنَّهُ كَانَ أَنْصَارِيًّا , وَأَمَّا أَبُو جَهْم بْن حُذَيْفَةَ فَهُوَ قُرَشِيّ فَافْتَرَقَا , وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ أَبَا عُبَيْد الْبَكْرِيّ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْأَمْثَالِ لَهُ أَنَّهُ أَبُو جَهْم بْن جَمِيل. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْعَبَّاس ) ‏ ‏زَادَ اِبْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ أَبِي عُبَيْد \" أَنْ يُعْطُوا الصَّدَقَة \" قَالَ فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَبَّ عَنْ اِثْنَيْنِ الْعَبَّاس وَخَالِد. ‏ ‏قَوْله : ( مَا يَنْقِمُ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ : مَا يُنْكِرُ أَوْ يَكْرَهُ , وَقَوْله \" فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُوله \" إِنَّمَا ذَكَرَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسه لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبًا لِدُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ فَأَصْبَحَ غَنِيًّا بَعْدَ فَقْرِهِ بِمَا أَفَاءَ اللَّه عَلَى رَسُولِهِ وَأَبَاحَ لِأُمَّتِهِ مِنْ الْغَنَائِمِ , وَهَذَا السِّيَاق مِنْ بَابِ تَأْكِيدِ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمِّ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ إِلَّا مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ أَغْنَاهُ فَلَا عُذْرَ لَهُ , وَفِيهِ التَّعْرِيضُ بِكُفْرَانِ النِّعَمِ وَتَقْرِيعٌ بِسُوءِ الصَّنِيعِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِحْسَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( اِحْتَبَسَ ) ‏ ‏أَيْ : حَبَسَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَعْتُدَهُ ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاة جَمْعُ عَتَدٍ بِفَتْحَتَيْنِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" أَعْتَادَهُ \" وَهُوَ جَمْعُهُ أَيْضًا , قَبِلَ هُوَ مَا يَعُدُّهُ الرَّجُلُ مِنْ الدَّوَابِّ وَالسِّلَاحِ , وَقِيلَ الْخَيْل خَاصَّة , يُقَالُ فَرَس عَتِيد أَيْ : صُلْب أَوْ مُعَدٌّ لِلرُّكُوبِ أَوْ سَرِيع الْوُثُوبِ أَقْوَال , وَقِيلَ إِنَّ لِبَعْضِ رُوَاة الْبُخَارِيّ \" وَأَعْبُدَهُ \" بِالْمُوَحَّدَةِ جَمْع عَبْدٍ حَكَاهُ عِيَاض , وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُورُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَة وَمِثْلُهَا مَعَهَا ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْب , وَلَمْ يَقُلْ وَرْقَاء وَلَا مُوسَى بْن عُقْبَة \" صَدَقَة \" فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى يَكُونُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْزَمُهُ بِتَضْعِيفِ صَدَقَتِهِ لِيَكُونَ أَرْفَع لِقَدْرِهِ وَأَنْبَهَ لِذِكْرِهِ وَأَنْفَى لِلذَّمِّ عَنْهُ , فَالْمَعْنَى فَهُوَ صَدَقَةٌ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ سَيَصَّدَّقُ بِهَا وَيُضِيفُ إِلَيْهَا مِثْلَهَا كَرَمًا , وَدَلَّتْ رِوَايَة مُسْلِمٍ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِلْتَزَمَ بِإِخْرَاجِ ذَلِكَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ \" فَهِيَ عَلَيَّ \" وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى سَبَبِ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ \" إِنَّ الْعَمَّ صِنْو الْأَب \" تَفْضِيلًا لَهُ وَتَشْرِيفًا , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تُحْمَلُ عَنْهُ بِهَا فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ كَمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ , وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ رِوَايَة \" عَلَيَّ \" وَرِوَايَة \" عَلَيْهِ \" بِأَنَّ الْأَصْلَ رِوَايَة \" عَلَيَّ \" وَرِوَايَة \" عَلَيْهِ \" مِثْلهَا إِلَّا أَنَّ فِيهَا زِيَادَة هَاء السَّكْت حَكَاهُ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ اِبْن نَاصِر , وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ \" عَلَيَّ \" أَيْ : هِيَ عِنْدِي قَرْض لِأَنَّنِي اِسْتَسْلَفْت مِنْهُ صَدَقَة عَامَيْنِ , وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِيمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْره مِنْ حَدِيثٍ عَلِيٍّ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَال , وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْن طَلْحَة أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" إِنَّا كُنَّا اِحْتَجْنَا فَتَعَجَّلْنَا مِنْ الْعَبَّاس صَدَقَة مَالِهِ سَنَتَيْنِ \" وَهَذَا مُرْسَل , وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا مَوْصُولًا بِذِكْرِ طَلْحَة فِيهِ وَإِسْنَادُ الْمُرْسَلِ أَصَحُّ , وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عُمَر سَاعِيًا , فَأَتَى الْعَبَّاس فَأَغْلَظَ لَهُ , فَأَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ الْعَبَّاس قَدْ أَسْلَفَنَا زَكَاة مَالِهِ الْعَامَ , وَالْعَامَ الْمُقْبِلَ \" وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْف , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا هُوَ وَالطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِع نَحْوَ هَذَا وَإِسْنَاده ضَعِيف أَيْضًا , وَمِنْ حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَجَّلَ مِنْ الْعَبَّاس صَدَقَتَهُ سَنَتَيْنِ \" وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّد بْن ذَكْوَانَ وَهُوَ ضَعِيف , وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ رَافِعًا لِلْإِشْكَالِ وَلَرَجَحَ بِهِ سِيَاق رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَلَى بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ , وَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ قِصَّة التَّعْجِيل إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي وَقْتٍ غَيْر الْوَقْتِ الَّذِي بَعَثَ فِيهِ عُمَرَ لِأَخْذِ الصَّدَقَةِ , وَلَيْسَ ثُبُوت هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي تَعْجِيل صَدَقَة الْعَبَّاس بِبَعِيدٍ فِي النَّظَرِ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الطُّرُقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ : الْمَعْنَى اِسْتَسْلَفَ مِنْهُ قَدْر صَدَقَة عَامَيْنِ ; فَأَمَرَ أَنْ يُقَاصَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ , وَاسْتُبْعِدَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَقَعَ لَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَ عُمَرَ بِأَنَّهُ لَا يُطَالِبُ الْعَبَّاس , وَلَيْسَ بِبَعِيد. وَمَعْنَى \" عَلَيْهِ \" عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ أَيْ : لَازِمَة \" لَهُ \" وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْبِضُهَا لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِ حَرَام لِكَوْنِهِ مَنْ بَنِي هَاشِم , وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ رِوَايَةَ الْبَابِ عَلَى ظَاهِرِهَا فَقَالَ : كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِم , وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ اِبْن خُزَيْمَة بِلَفْظ \" فَهِيَ لَهُ \" بَدَّلَ \" عَلَيْهِ \" وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : اللَّامُ هُنَا بِمَعْنَى عَلَى لِتَتَّفِق الرِّوَايَاتُ , وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّ الْمَخْرَجَ وَاحِد , وَإِلَيْهِ مَالَ اِبْنُ حِبَّانَ. وَقِيلَ : مَعْنَاهَا فَهِيَ لَهُ أَيْ : الْقَدْر الَّذِي كَانَ يُرَادُ مِنْهُ أَنْ يُخْرِجَهُ لِأَنَّنِي اِلْتَزَمْت عَنْهُ بِإِخْرَاجِهِ , وَقِيلَ إِنَّهُ أَخَّرَهَا عَنْهُ ذَلِكَ الْعَامَ إِلَى عَامٍ قَابِلٍ فَيَكُونُ عَلَيْهِ صَدَقَة عَامَيْنِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْد , وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ اِسْتَدَانَ حِينَ فَادَى عَقِيلًا وَغَيْرَهُ فَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَارِمِينَ فَسَاغَ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاة بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَأَبْعَدُ الْأَقْوَالِ كُلّهَا قَوْل مَنْ قَالَ : كَانَ هَذَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ التَّأْدِيب بِالْمَالِ , فَأَلْزَمَ الْعَبَّاس بِامْتِنَاعِهِ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ بِأَنْ يُؤَدِّيَ ضِعْفَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِعَظَمَةِ قَدْرِهِ وَجَلَالَتِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ) الْآيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضه فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ , وَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ خَالِدٍ عَلَى جَوَاز إِخْرَاج مَالِ الزَّكَاةِ فِي شِرَاءِ السِّلَاحِ وَغَيْره مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَالْإِعَانَةِ بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ , بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَجَازَ لِخَالِد أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسه بِمَا حَبَسَهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ , وَهِيَ طَرِيقَة الْبُخَارِيّ. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَجْوِبَة : أَحَدُهَا أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْبَلْ أَخْبَار مَنْ أَخْبَرَهُ بِمَنْعِ خَالِد حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْمَنْعِ , وَإِنَّمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ بِنَاءً عَلَى مَا فَهِمُوهُ , وَيَكُونُ قَوْله \" تَظْلِمُونَهُ \" أَيْ بِنِسْبَتِكُمْ إِيَّاهُ إِلَى الْمَنْعِ وَهُوَ لَا يَمْنَعُ , وَكَيْفَ يَمْنَعُ الْفَرْض وَقَدْ تَطَوَّعَ بِتَحْبِيس سِلَاحه وَخَيْله ؟ ثَانِيهَا أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهَا لِلتِّجَارَةِ فَطَالَبُوهُ بِزَكَاة قِيمَتِهَا فَأَعْلَمَهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيمَا حَبَسَ , وَهَذَا يَحْتَاجُ لِنَقْلٍ خَاصٍّ فَيَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ عَنْ الْأَمْوَالِ الْمُحَبَّسَةِ , وَلِمَنْ أَوْجَبَهَا فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ. ثَالِثُهَا أَنَّهُ كَانَ نَوَى بِإِخْرَاجِهَا عَنْ مِلْكِهِ الزَّكَاة عَنْ مَالِهِ لِأَنَّ أَحَدَ الْأَصْنَاف سَبِيل اللَّهِ وَهُمْ الْمُجَاهِدُونَ , وَهَذَا يَقُولُهُ مَنْ يُجِيزُ إِخْرَاج الْقِيَم فِي الزَّكَاةِ كَالْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ يُجِيزُ التَّعْجِيل كَالشَّافِعِيَّةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ اِسْتِدْلَال الْبُخَارِيّ بِهِ عَلَى إِخْرَاجِ الْعُرُوضِ فِي الزَّكَاةِ. وَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ خَالِدٍ عَلَى مَشْرُوعِيَّة تَحْبِيس الْحَيَوَان وَالسِّلَاح , وَأَنَّ الْوَقْفَ يَجُوزُ بَقَاؤُهُ تَحْتَ يَد مُحْتَبِسِهِ , وَعَلَى جَوَاز إِخْرَاج الْعُرُوضِ فِي الزَّكَاةِ وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ , وَعَلَى صَرْفِ الزَّكَاةِ إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الثَّمَانِيَةِ. وَتَعَقَّبَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ جَمِيع ذَلِكَ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ. مُحْتَمِلَةٌ لِمَا ذُكِرَ وَلِغَيْرِهِ , فَلَا يَنْهَضُ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ , قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَحْبِيس خَالِد إِرْصَادًا وَعَدَم تَصَرُّف , وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ التَّحْبِيسِ فَلَا يَتَعَيَّنُ الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ لِمَا ذُكِرَ. وَفِي الْحَدِيثِ بَعَثَ الْإِمَامُ الْعُمَّالَ لِجِبَايَةِ الزَّكَاة , وَتَنْبِيهِ الْغَافِلِ عَلَى مَا أَنْعَمَ اللَّه بِهِ مِنْ نِعْمَةِ الْغِنَى بَعْدَ الْفَقْرِ لِيَقُومَ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ , وَالْعَتَبِ عَلَى مَنْ مَنَعَ الْوَاجِب , وَجَوَاز ذِكْرِهِ فِي غَيْبَتِهِ بِذَلِكَ , وَتَحَمَّلَ الْإِمَام عَنْ بَعْضِ رَعِيَّتِهِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ , وَالِاعْتِذَار عَنْ بَعْضِ الرَّعِيَّةِ بِمَا يَسُوغُ الِاعْتِذَارُ بِهِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1376",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏إِنَّ نَاسًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ ‏ ‏مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ ) ‏ ‏لَمْ يَتَعَيَّنْ لِي أَسْمَاؤُهُمْ , إِلَّا أَنَّ النَّسَائِيَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ عَنْ أَبِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا سَعِيد رَاوِي هَذَا الْحَدِيث خُوطِبَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَفْظه فَفِي حَدِيثِهِ \" سَرَّحَتْنِي أُمِّي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي لِأَسْأَلَهُ مِنْ حَاجَةٍ شَدِيدَةٍ , فَأَتَيْته وَقَعَدْت , فَاسْتَقْبَلَنِي فَقَالَ : مَنْ اِسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ \" الْحَدِيثُ وَزَادَ فِيهِ \" وَمَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ فَقَدْ أَلْحَفَ. فَقُلْت : نَاقَتِي خَيْر مِنْ أُوقِيَّة , فَرَجَعْت وَلَمْ أَسْأَلْهُ \" وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيثِ حَكِيم بْن حِزَام أَنَّهُ مِمَّنْ خُوطِبَ بِبَعْضِ ذَلِكَ , وَلَكِنَّهُ لَيْسَ أَنْصَارِيًّا إِلَّا بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى نَفِدَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ : فَرَغَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ ) ‏ ‏أَيْ : أَحْبِسُهُ وَأُخَبِّؤُهُ وَأَمْنَعُكُمْ إِيَّاهُ مُنْفَرِدًا بِهِ عَنْكُمْ , وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ السَّخَاءِ وَإِنْفَاذ أَمْر اللَّهِ , وَفِيهِ إِعْطَاءُ السَّائِلِ مَرَّتَيْنِ , وَالِاعْتِذَارُ إِلَى السَّائِلِ , وَالْحَضُّ عَلَى التَّعَفُّفِ. وَفِيهِ جَوَازُ السُّؤَالِ لِلْحَاجَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى تَرْكُهُ وَالصَّبْر حَتَّى يَأْتِيَهُ رِزْقُهُ بِغَيْرِ مَسْأَلَة , ‏ ‏وَقَوْلُهُ( وَمَنْ يَسْتَعْفِفُ) ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" يَسْتَعِفُّ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1377",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَالزُّبَيْر بْن الْعَوَّام بِمَعْنَاهُ , وَفِي رِوَايَة الزُّبَيْر زِيَادَة \" فَيَبِيعُهَا فَيَكُفُّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ \" وَذَلِكَ مُرَاد فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة وَحُذِفَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَة \" يَأْتِي رَجُلًا \" وَفِي حَدِيث الزُّبَيْر \" يَسْأَلُ النَّاسَ \" وَالْمَعْنَى وَاحِد. وَزَادَ فِي أَوَّل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَوْله \" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ \" فَفِيهِ الْقَسَمُ عَلَى الشَّيْءِ الْمَقْطُوعِ بِصِدْقِهِ لِتَأْكِيدِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ , وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى التَّعَفُّفِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ وَالتَّنَزُّهِ عَنْهَا وَلَوْ اِمْتَهَنَ الْمَرْءُ نَفْسه فِي طَلَبِ الرِّزْقِ وَارْتَكَبَ الْمَشَقَّة فِي ذَلِكَ , وَلَوْلَا قُبْحُ الْمَسْأَلَةِ فِي نَظَر الشَّرْع لَمْ يُفَضَّلْ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَذَلِكَ لِمَا يَدْخُلُ عَلَى السَّائِلِ مَنْ ذُلِّ السُّؤَالِ وَمِنْ ذُلِّ الرَّدِّ إِذَا لَمْ يُعْطَ وَلِمَا يَدْخُلُ عَلَى الْمَسْئُولِ مِنْ الضِّيقِ فِي مَالِهِ إِنْ أَعْطَى كُلَّ سَائِل , وَأَمَّا قَوْلُهُ ‏ ‏\" خَيْر لَهُ \" ) ‏ ‏فَلَيْسَتْ بِمَعْنَى أَفْعَلِ التَّفْضِيل إِذْ لَا خَيْرَ فِي السُّؤَالِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاكْتِسَابِ , وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ سُؤَال مَنْ هَذَا حَاله حَرَام , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد بِالْخَيْرِ فِيهِ بِحَسَبِ اِعْتِقَاد السَّائِلِ وَتَسْمِيَته الَّذِي يُعْطَاهُ خَيْرًا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ شَرٌّ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1378",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَالزُّبَيْر بْن الْعَوَّام بِمَعْنَاهُ , وَفِي رِوَايَة الزُّبَيْر زِيَادَة \" فَيَبِيعُهَا فَيَكُفُّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ \" وَذَلِكَ مُرَاد فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة وَحُذِفَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَة \" يَأْتِي رَجُلًا \" وَفِي حَدِيث الزُّبَيْر \" يَسْأَلُ النَّاسَ \" وَالْمَعْنَى وَاحِد. وَزَادَ فِي أَوَّل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَوْله \" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ \" فَفِيهِ الْقَسَمُ عَلَى الشَّيْءِ الْمَقْطُوعِ بِصِدْقِهِ لِتَأْكِيدِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ , وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى التَّعَفُّفِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ وَالتَّنَزُّهِ عَنْهَا وَلَوْ اِمْتَهَنَ الْمَرْءُ نَفْسه فِي طَلَبِ الرِّزْقِ وَارْتَكَبَ الْمَشَقَّة فِي ذَلِكَ , وَلَوْلَا قُبْحُ الْمَسْأَلَةِ فِي نَظَر الشَّرْع لَمْ يُفَضَّلْ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَذَلِكَ لِمَا يَدْخُلُ عَلَى السَّائِلِ مَنْ ذُلِّ السُّؤَالِ وَمِنْ ذُلِّ الرَّدِّ إِذَا لَمْ يُعْطَ وَلِمَا يَدْخُلُ عَلَى الْمَسْئُولِ مِنْ الضِّيقِ فِي مَالِهِ إِنْ أَعْطَى كُلَّ سَائِل , وَأَمَّا قَوْلُهُ ‏ ‏\" خَيْر لَهُ \" ) ‏ ‏فَلَيْسَتْ بِمَعْنَى أَفْعَلِ التَّفْضِيل إِذْ لَا خَيْرَ فِي السُّؤَالِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاكْتِسَابِ , وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ سُؤَال مَنْ هَذَا حَاله حَرَام , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد بِالْخَيْرِ فِيهِ بِحَسَبِ اِعْتِقَاد السَّائِلِ وَتَسْمِيَته الَّذِي يُعْطَاهُ خَيْرًا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ شَرٌّ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1379",
        "content": "‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏حَكِيمُ ‏ ‏إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ ‏ ‏بِإِشْرَافِ نَفْسٍ ‏ ‏لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ ‏ ‏الْيَدُ الْعُلْيَا ‏ ‏خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏الْيَدِ السُّفْلَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَكِيمٌ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا ‏ ‏أَرْزَأُ ‏ ‏أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا فَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَدْعُو ‏ ‏حَكِيمًا ‏ ‏إِلَى الْعَطَاءِ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ ثُمَّ إِنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ‏ ‏حَكِيمٍ ‏ ‏أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ فَلَمْ ‏ ‏يَرْزَأْ ‏ ‏حَكِيمٌ ‏ ‏أَحَدًا مِنْ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى تُوُفِّيَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَة ) ‏ ‏أَنَّثَ الْخَبَرَ لِأَنَّ الْمُرَادَ الدُّنْيَا. قَوْلُهُ : ( خَضِرَة حُلْوَة شَبَّهَهُ بِالرَّغْبَةِ فِيهِ وَالْمَيْلِ إِلَيْهِ وَحِرْص النُّفُوس عَلَيْهِ بِالْفَاكِهَةِ الْخَضْرَاءِ الْمُسْتَلَذَّةِ فَإِنَّ الْأَخْضَرَ مَرْغُوب فِيهِ عَلَى اِنْفِرَادِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْيَابِسِ , وَالْحُلْوَ مَرْغُوب فِيهِ عَلَى اِنْفِرَادِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَامِضِ , فَالْإِعْجَاب بِهِمَا إِذَا اِجْتَمَعَا أَشَدُّ. ‏ ‏قَوْله : ( بِسَخَاوَةِ نَفْس ) ‏ ‏أَيْ : بِغَيْرِ شَرَهٍ وَلَا إِلْحَاح أَيْ : مِنْ أَخْذِهِ بِغَيْرِ سُؤَال , وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَخْذِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُعْطِي أَيْ : بِسَخَاوَةِ نَفْسِ الْمُعْطِي أَيْ : اِنْشِرَاحِهِ بِمَا يُعْطِيه. ‏ ‏قَوْله : ( كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ ) ‏ ‏أَيْ : الَّذِي يُسَمَّى جُوعُهُ كَذَّابًا لِأَنَّهُ مِنْ عِلَّةٍ بِهِ وَسَقَم , فَكُلَّمَا أَكَلَ اِزْدَادَ سَقَمًا وَلَمْ يَجِدْ شِبَعًا. ‏ ‏قَوْله : ( الْيَد الْعُلْيَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي \" بَابٍ لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا أَرْزَأُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاء وَفَتْحِ الزَّايِ بَعْدَهَا هَمْزَة أَيْ : لَا أَنْقُصُ مَالَهُ بِالطَّلَبِ مِنْهُ , وَفِي رِوَايَةٍ لِإِسْحَاق \" قُلْت فَوَاللَّهِ لَا تَكُونُ يَدَيَّ بَعْدَك تَحْتَ يَدٍ مِنْ أَيْدِي الْعَرَبِ \" وَإِنَّمَا اِمْتَنَعَ حَكِيم مِنْ أَخْذِ الْعَطَاءِ مَعَ أَنَّهُ حَقُّهُ لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَيَعْتَادُ الْأَخْذ فَتَتَجَاوَزُ بِهِ نَفْسه إِلَى مَا لَا يُرِيدُهُ فَفَطَمَهَا عَنْ ذَلِكَ وَتَرَكَ مَا يَرِيبُهُ إِلَى مَا لَا يَرِيبُهُ , وَإِنَّمَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ عُمَر لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَنْسُبَهُ أَحَد لَمْ يَعْرِفْ بَاطِنَ الْأَمْرِ إِلَى مَنْعِ حَكِيمٍ مِنْ حَقِّهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تُوُفِّيَ ) ‏ ‏زَادَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ عُمَر بْن عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة مُرْسَلًا أَنَّهُ مَا أَخَذَ مِنْ أَبِي بَكْر وَلَا عُمَر وَلَا عُثْمَان وَلَا مُعَاوِيَة دِيوَانًا وَلَا غَيْرَهُ حَتَّى مَاتَ لِعَشْرِ سِنِينَ مَعَ إِمَارَةِ مُعَاوِيَة. قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : فِي حَدِيثِ حَكِيمٍ فَوَائِد , مِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ الزُّهْد مَعَ الْأَخْذِ , فَإِنَّ سَخَاوَةَ النَّفْس هُوَ زُهْدُهَا , تَقُولُ سَخَتْ بِكَذَا أَيْ : جَادَتْ وَسَخَتْ عَنْ كَذَا أَيْ : لَمْ تَلْتَفِتْ إِلَيْهِ. وَمِنْهَا أَنَّ الْأَخْذَ مَعَ سَخَاوَةِ النَّفْس يُحَصِّلُ أَجْر الزُّهْد وَالْبَرَكَة فِي الرِّزْقِ , فَتَبَيَّنَ أَنَّ الزُّهْدَ يُحَصِّلُ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَفِيهِ ضَرْب الْمَثَل لِمَا لَا يَعْقِلُهُ السَّامِعُ مِنْ الْأَمْثِلَةِ , لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ النَّاسِ لَا يَعْرِفُ الْبَرَكَة إِلَّا فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ فَبَيَّنَ بِالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْبَرَكَةَ هِيَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى , وَضَرَبَ لَهُمْ الْمَثَل بِمَا يَعْهَدُونَ , فَالْآكِلُ إِنَّمَا يَأْكُلُ لِيَشْبَعَ فَإِذَا أَكَلَ وَلَمْ يَشْبَعْ كَانَ عَنَاء فِي حَقِّهِ بِغَيْرِ فَائِدَة , وَكَذَلِكَ الْمَال لَيْسَتْ الْفَائِدَة فِي عَيْنِهِ وَإِنَّمَا هِيَ لِمَا يَتَحَصَّلُ بِهِ مِنْ الْمَنَافِعِ , فَإِذَا كَثُرَ عِنْدَ الْمَرْءِ بِغَيْرِ تَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ كَانَ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُبَيِّنَ لِلطَّالِبِ مَا فِي مَسْأَلَتِهِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ إِلَّا بَعْدَ قَضَاء حَاجَته لِتَقَع مَوْعِظَتُهُ لَهُ الْمَوْقِع , لِئَلَّا يَتَخَيَّلَ أَنَّ ذَلِكَ سَبَب لِمَنْعِهِ مِنْ حَاجَتِهِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَكْرَارِ السُّؤَالِ ثَلَاثًا , وَجَوَازَ الْمَنْع فِي الرَّابِعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ , وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ سُؤَال الْأَعْلَى لَيْسَ بِعَارٍ , وَأَنَّ رَدَّ السَّائِلِ بَعْدَ ثَلَاثٍ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ , وَأَنَّ الْإِجْمَالَ فِي الطَّلَبِ مَقْرُونٌ بِالْبَرَكَةِ. وَقَدْ زَادَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي آخِرِهِ \" فَمَاتَ حِينَ مَاتَ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَكْثَرِ قُرَيْش مَالًا \". وَفِيهِ أَيْضًا سَبَب ذَلِكَ وَهُوَ \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى حَكِيم بْن حِزَام دُونَ مَا أَعْطَى أَصْحَابه فَقَالَ حَكِيم : يَا رَسُول اللَّهِ مَا كُنْت أَظُنُّ أَنْ تَقْصُرَ بِي دُونَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ , فَزَادَهُ , ثُمَّ اِسْتَزَادَهُ حَتَّى رَضِيَ \" فَذَكَرَ نَحْوَ الْحَدِيثِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1380",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي فَقَالَ ‏ ‏خُذْهُ إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَأَقُولُ أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ الْآتِيَة فِي الْأَحْكَامِ \" حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّة مَالًا فَقُلْت : أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي , فَقَالَ : خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ \" وَذَكَرَ شُعَيْب فِيهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ إِسْنَادًا آخَرَ قَالَ : أَخْبَرَنِي السَّائِب بْن يَزِيد أَنْ حُوَيْطِبَ بْن عَبَد الْعُزَّى أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن السَّعْدِيّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فِي خِلَافَتِهِ فَذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا هَذَا الْحَدِيثُ. وَالسَّائِبُ فَمَنْ فَوْقِهِ صَحَابَة ; فَفِيهِ أَرْبَعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي نَسَق. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَةِ عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ الزُّهْرِيِّ بِالْإِسْنَادَيْنِ , لَكِنْ قَالَ فِيهِ \" عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْطِي عُمَر \" فَذَكَرَهُ , جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ اِبْن عُمَر. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْن السَّعْدِيّ عَنْ عُمَر , لَكِنْ قَالَ فِيهِ اِبْن السَّاعِدِيّ وَزَادَ فِيهِ \" أَنَّ عَطِيَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ بِسَبَبِ الْعِمَالَةِ \" وَلِهَذَا قَالَ الطَّحَاوِيّ : لَيْسَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّدَقَاتِ , وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يَقْسِمُهَا الْإِمَامُ , وَلَيْسَتْ هِيَ مِنْ جِهَةِ الْفَقْرِ وَلَكِنْ مِنْ الْحُقُوقِ , فَلَمَّا قَالَ عُمَرُ أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَعْطَاهُ لِمَعْنًى غَيْر الْفَقْرِ قَالَ : وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ شُعَيْب \" خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ \" فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الصَّدَقَاتِ. وَقَالَ الطَّبَرِيّ : اِخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ فَخُذْهُ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ , فَقِيلَ هُوَ نَدْب لِكُلِّ مَنْ أَعْطَى عَطِيَّة أَبَى قَبُولَهَا كَائِنًا مَنْ كَانَ , وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ يَعْنِي بِالشَّرْطَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ. وَقِيلَ هُوَ مَخْصُوصٌ بِالسُّلْطَانِ , وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيث سَمُرَة فِي السُّنَنِ \" إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ ذَا سُلْطَان \" وَكَانَ بَعْضهمْ يَقُولُ : يَحْرُمُ قَبُول الْعَطِيَّةِ مِنْ السُّلْطَانِ , وَبَعْضهمْ يَقُولُ يُكْرَهُ , وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ الْعَطِيَّة مِنْ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ , وَالْكَرَاهَة مَحْمُولَة عَلَى الْوَرَعِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ تَصَرُّفِ السَّلَفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالتَّحْقِيقُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ عَلِمَ كَوْنَ مَالِهِ حَلَالًا فَلَا تُرَدُّ عَطِيَّتُهُ , وَمَنْ عَلِمَ كَوْنَ مَالِهِ حَرَامًا فَتَحْرُمُ عَطِيَّته , وَمَنْ شَكَّ فِيهِ فَالِاحْتِيَاط رَدُّهُ وَهُوَ الْوَرَعُ , وَمَنْ أَبَاحَهُ أَخَذَ بِالْأَصْلِ. قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَاحْتَجَّ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي الْيَهُودِ ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) وَقَدْ رَهَنَ الشَّارِع دِرْعه عِنْدَ يَهُودِيّ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ , وَكَذَلِكَ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ أَكْثَرَ أَمْوَالِهِمْ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمُعَامَلَات الْفَاسِدَة. وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ إِذَا رَأَى لِذَلِكَ وَجْهًا وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَحْوَجَ إِلَيْهِ مِنْهُ , وَأَنَّ رَدَّ عَطِيَّةِ الْإِمَامِ لَيْسَ مِنْ الْأَدَبِ وَلَا سِيَّمَا مِنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ) الْآيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1381",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ ‏ ‏مُزْعَةُ ‏ ‏لَحْمٍ وَقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الْأُذُنِ فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا ‏ ‏بِآدَمَ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏بِمُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ‏ ‏فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُعَلًّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمَسْأَلَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن أَبِي جَعْفَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِح الْآتِيَةِ \" حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( مُزْعَة لَحْم ) ‏ ‏مُزْعَة بِضَمِّ الْمِيمِ وَحُكِيَ كَسْرهَا وَسُكُون الزَّايِ بَعْدَهَا مُهْمَلَة أَيْ : قِطْعَة , وَقَالَ اِبْن التِّينِ : ضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالزَّايِ , وَالَّذِي أَحْفَظُهُ عَنْ الْمُحَدِّثِينَ الضَّمُّ , قَالَ الْخَطَّابِيّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد أَنَّهُ يَأْتِي سَاقِطًا لَا قَدْرَ لَهُ وَلَا جَاهَ , أَوْ يُعَذَّبُ فِي وَجْهِهِ حَتَّى يَسْقُطَ لَحْمُهُ لِمُشَاكَلَةِ الْعُقُوبَةِ فِي مَوَاضِعِ الْجِنَايَةِ مِنْ الْأَعْضَاءِ لِكَوْنِهِ أَذَلَّ وَجْهه بِالسُّؤَالِ , أَوْ أَنَّهُ يُبْعَثُ وَوَجْهه عَظْم كُلّه فَيَكُونُ ذَلِكَ شِعَاره الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ اِنْتَهَى. وَالْأَوَّلُ صَرْف لِلْحَدِيثِ عَنْ ظَاهِرِهِ , وَقَدْ يُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار مِنْ حَدِيثِ مَسْعُود بْن عَمْرو مَرْفُوعًا \" لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَسْأَلُ وَهُوَ غَنِيٌّ حَتَّى يَخْلُقَ وَجْهَهُ فَلَا يَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَجْه \" وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مِنْ الْحُسْنِ شَيْء , لِأَنَّ حُسْنَ الْوَجْهِ هُوَ بِمَا فِيهِ مِنْ اللَّحْمِ. وَمَالَ الْمُهَلَّب إِلَى حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ , وَإِلَى أَنَّ السِّرَّ فِيهِ أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ , فَإِذَا جَاءَ لَا لَحْمَ بِوَجْهِهِ كَانَتْ أَذِيَّة الشَّمْسِ لَهُ أَكْثَر مِنْ غَيْرِهِ , قَالَ : وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ سَأَلَ تَكَثُّرًا وَهُوَ غَنِيٌّ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ , وَأَمَّا مَنْ سَأَلَ وَهُوَ مُضْطَرٌّ فَذَلِكَ مُبَاح لَهُ فَلَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ اِنْتَهَى. وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَة إِيرَادِ هَذَا الطَّرَفِ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ , قَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَةِ : لَفْظُ الْحَدِيث دَالٌّ عَلَى ذَمِّ تَكْثِير السُّؤَال , وَالتَّرْجَمَة لِمَنْ سَأَلَ تَكَثُّرًا , وَالْفَرْق بَيْنَهُمَا ظَاهِر , لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمُتَوَعَّد عَلَيْهِ عَلَى مَا تَشْهَدُ بِهِ الْقَوَاعِدُ هُوَ السَّائِلَ عَنْ غِنًى وَأَنَّ سُؤَالَ ذِي الْحَاجَةِ مُبَاح نَزَّلَ الْبُخَارِيّ الْحَدِيث عَلَى مَنْ يَسْأَلُ لِيُكْثِرَ مَالَهُ. ‏ ‏( بِآدَم ثُمَّ بِمُوسَى ) ‏ ‏هَذَا فِيهِ اِخْتِصَار , وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ ذَكَرَ مَنْ يَقْصِدُونَهُ بَيْنَ آدَم وَمُوسَى وَبَيْنَ مُوسَى وَمُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَا الْكَلَام عَلَى بَقِيَّةِ مَا فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى الشَّرْحِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ عَبْد اللَّه بْن صَالِح ) ‏ ‏كَذَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ , وَسَقَطَ قَوْلُهُ \" اِبْن صَالِح \" مِنْ رِوَايَة الْأَكْثَر , وَلِهَذَا جَزَمَ خَلَف وَأَبُو نُعَيْم بِأَنَّهُ اِبْن صَالِح , وَقَدْ رُوِّينَاهُ فِي \" الْإِيمَانِ \" لِابْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَة الرَّازِيّ عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر وَعَبْد اللَّه بْن صَالِح جَمِيعًا عَنْ اللَّيْثِ , وَسَاقَهُ بِلَفْظِ \" عَبْد اللَّه بْن صَالِح \" وَقَدْ رَوَاهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْن صَالِح وَحْدَهُ الْبَزَّار عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الصَّغَانِيّ وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ مُطَّلِب بْن شُعَيْب وَابْن مَنْدَهْ فِي \" كِتَاب الْإِيمَان \" مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْن عُثْمَان ثَلَاثَتهمْ عَنْ عَبْد اللَّه بْن صَالِح فَذَكَرَهُ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ \" اِسْتَغَاثُوا بِآدَم : فَيَقُولُ لَسْت بِصَاحِبِ ذَلِكَ \" وَتَابَعَ عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم عَنْ اللَّيْثِ أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَنْدَهْ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( بِحَلْقَةِ الْبَابِ ) ‏ ‏أَيْ : بَابِ الْجَنَّةِ , أَوْ هُوَ مَجَازٌ عَنْ الْقُرْبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى , وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ هُوَ الشَّفَاعَة الْعُظْمَى الَّتِي اِخْتَصَّ بِهَا وَهِيَ إِرَاحَةُ أَهْلِ الْمَوْقِف مِنْ أَهْوَالِ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ وَالْفَرَاغِ مِنْ حِسَابِهِمْ , وَالْمُرَاد بِأَهْلِ الْجَمْعِ أَهْل الْحَشْر لِأَنَّهُ يَوْم يُجْمَعُ فِيهِ النَّاسُ كُلّهمْ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ سُبْحَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُعَلَّى ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ , وَهُوَ اِبْنُ أَسَد , وَقَدْ وَصَلَهُ يَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي تَارِيخِهِ عَنْهُ , وَمِنْ طَرِيقِ الْبَيْهَقِيّ , وَآخِر حَدِيثِهِ \" مُزْعَة لَحْم \" وَفِيهِ قِصَّةٌ لِحَمْزَة بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر مَعَ أَبِيهِ فِي ذَلِكَ , وَلِهَذَا قَيَّدَهُ الْمُصَنِّف بِقَوْلِهِ \" فِي الْمَسْأَلَةِ \" أَيْ : فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ مِنْ الْحَدِيثِ دُونَ الزِّيَادَةِ , وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا فِي \" مُعْجَمِ أَبِي سَعِيد بْن الْأَعْرَابِيِّ \" قَالَ حَدَّثَنَا حَمْدَان بْن عَلِيّ عَنْ مُعَلَّى بْن أَسَدٍ بِهِ , وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْوَعِيدَ يَخْتَصُّ بِمَنْ أَكْثَرَ السُّؤَالَ لَا مَنْ نَدَرَ ذَلِكَ مِنْهُ , وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَاز سُؤَالِ غَيْر الْمُسْلِمِ لِأَنَّ لَفْظَ \" النَّاسِ \" يَعُمُّ قَالَهُ اِبْن أَبِي جَمْرَة , وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اِحْتَاجَ سَأَلَ ذِمِّيًّا لِئَلَّا يُعَاقَبُ الْمُسْلِمُ بِسَبَبِهِ لَوْ رَدَّهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1382",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الْأُكْلَةَ وَالْأُكْلَتَانِ وَلَكِنْ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ ‏ ‏إِلْحَافًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي ذِكْرِ الْمِسْكِينِ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ , وَالْمِسْكِينُ مِفْعِيل مِنْ السُّكُونِ قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ قَالَ فَكَأَنَّهُ مِنْ قِلَّة الْمَال سَكَنَتْ حَرَكَاتُهُ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) أَيْ : لَاصِقٍ بِالتُّرَابِ. ) ‏ ‏قَوْله : ( الْأَكْلَةُ وَالْأَكْلَتَانِ ) ‏ ‏بِالضَّمِّ فِيهِمَا , وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ الْآتِيَةِ آخِرَ الْبَابِ \" اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ \" وَزَادَ فِيهِ \" الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ \" قَالَ أَهْل اللُّغَةِ الْأَكْلَة بِالضَّمِّ اللُّقْمَة وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّة مِنْ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ لَهُ غِنًى ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ غِنًى يُغْنِيه , وَهَذِهِ صِفَة زَائِدَة عَلَى الْيَسَارِ الْمَنْفِيِّ , إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْيَسَارِ لِلْمَرْءِ أَنْ يَغْنَى بِهِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ , وَكَأَنَّ الْمَعْنَى نَفْيُ الْيَسَار الْمُفِيد بِأَنَّهُ يُغْنِيه مَعَ وُجُودِ أَصْلِ الْيَسَارِ , وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَسْتَحْيِي ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ \" وَلَا يَفْطَنُ بِهِ \" وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَهُ فَيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ , وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاس \" وَهُوَ بِنَصْب يَتَصَدَّقُ وَيَسْأَلُ , وَمَوْضِع التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْله \" لَيْسَ لَهُ غِنًى \" وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة يَظْهَرُ تَعَلُّقُهَا بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَكْثَر مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ , وَلَفْظه هُنَاكَ \" إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ , اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ يَعْنِي قَوْلَهُ : لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا \" كَذَا وَقَعَ فِيهِ بِزِيَادَةِ يَعْنِي , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِدُونِهَا , وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِيهِ بِزِيَادَةِ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي تَفْسِيرِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَسْكَنَةَ إِنَّمَا تُحْمَدُ مَعَ الْعِفَّةِ عَنْ السُّؤَالِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْحَاجَةِ , وَفِيهِ اِسْتِحْبَابُ الْحَيَاءِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ , وَحُسْن الْإِرْشَادِ لِوَضْعِ الصَّدَقَةِ , وَأَنْ يَتَحَرَّى وَضْعهَا فِيمَنْ صِفَتُهُ التَّعَفُّف دُونَ الْإِلْحَاحِ , وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَنْ يَقُولُ : إِنَّ الْفَقِيرَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْمِسْكِينِ , وَأَنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَهُ شَيْء لَكِنَّهُ لَا يَكْفِيهِ , وَالْفَقِير الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهه , وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ) فَسَمَّاهُمْ مَسَاكِينَ مَعَ أَنَّ لَهُمْ سَفِينَةً يَعْمَلُونَ فِيهَا , وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُور أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ , وَعَكَسَ آخَرُونَ فَقَالُوا : الْمِسْكِينُ أَسْوَأ حَالًا مِنْ الْفَقِيرِ , وَقَالَ آخَرُونَ : هُمَا سَوَاء , وَهَذَا قَوْل اِبْن الْقَاسِم وَأَصْحَاب مَالِك , وَقِيلَ الْفَقِيرُ الَّذِي يَسْأَلُ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ حَكَاهُ اِبْنُ بَطَّالٍ , وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ الْمِسْكِينَ مَنْ اِتَّصَفَ بِالتَّعَفُّفِ وَعَدَم الْإِلْحَافِ فِي السُّؤَالِ , وَلَكِنْ قَالَ اِبْن بَطَّال : مَعْنَاهُ الْمِسْكِينُ الْكَامِلُ وَلَيْسَ الْمُرَاد نَفْي أَصْلِ الْمَسْكَنَة عَنْ الطَّوَافِ , بَلْ هِيَ كَقَوْلِهِ \" أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ \" الْحَدِيثِ , وَقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَيْسَ الْبِرُّ ) الْآيَة , وَكَذَا قَرَّرَهُ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْر وَاحِد. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1383",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَشْوَعَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَتَبَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏أَنْ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْمُغِيرَةِ وَابْن أَشْوَعَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَزَادَ أَحْمَد فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ اِبْن الْأَشْوَعِ , وَهُوَ سَعِيد بْن عَمْرو بْن الْأَشْوَعِ نُسِبَ لِجَدِّهِ وَكَاتِب الْمُغِيرَة هُوَ وَرِادٌ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِضَاعَة الْأَمْوَالِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" الْمَال \" وَمَوْضِع التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْله \" وَكَثْرَة السُّؤَالِ \" قَالَ اِبْن التِّينِ : فَهِمَ مِنْهُ الْبُخَارِيّ سُؤَال النَّاسِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد السُّؤَال عَنْ الْمُشْكِلَاتِ , أَوْ عَمَّا لَا حَاجَةَ لِلسَّائِلِ بِهِ , وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ذَرُونِي مَا تَرَكْتكُمْ \" قُلْت : وَحَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ أَوْلَى وَيَسْتَقِيمُ مُرَاد الْبُخَارِيّ مَعَ ذَلِكَ. وَقَدْ مَضَى بَعْضُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ , وَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَفِي الرِّقَاقِ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1384",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ قَالَ فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْهُمْ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏لَمْ يُعْطِهِ وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ مَا لَكَ عَنْ ‏ ‏فُلَانٍ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا قَالَ ‏ ‏أَوْ مُسْلِمًا ‏ ‏قَالَ فَسَكَتُّ قَلِيلًا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا قَالَ ‏ ‏أَوْ مُسْلِمًا ‏ ‏قَالَ فَسَكَتُّ قَلِيلًا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا قَالَ ‏ ‏أَوْ مُسْلِمًا ‏ ‏يَعْنِي فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏بِهَذَا فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِهِ فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي ثُمَّ قَالَ أَقْبِلْ أَيْ ‏ ‏سَعْدُ ‏ ‏إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ { ‏فَكُبْكِبُوا ‏} ‏قُلِبُوا فَكُبُّوا ‏ { ‏مُكِبًّا ‏} ‏أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ فَإِذَا وَقَعَ الْفِعْلُ قُلْتَ كَبَّهُ اللَّهُ لِوَجْهِهِ وَكَبَبْتُهُ أَنَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص أَوْرَدَهُ بِإِسْنَادَيْنِ , وَمَوْضِع التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْله فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ \" فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي ثُمَّ قَالَ : أَقْبِلْ أَيْ سَعْد \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْإِيمَان , وَأَنَّهُ أَمْرٌ بِالْإِقْبَالِ أَوْ بِالْقَبُولِ , وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم \" إِقْبَالًا أَيْ : سَعْد \" عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ أَيْ أَتُقَابِلُنِي قُبَالًا بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ ؟ وَسِيَاقُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ مِنْهُ إِلْحَاحه عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَشْفُوعَ لَهُ تَرَكَ السُّؤَالَ فَمُدِحَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ الْحَسَن الْحَلْوَانِيّ عَنْ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّفُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكُبْكِبُوا إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي الْإِيمَانِ , وَجَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيرَادِ تَفْسِيرِ اللَّفْظَةِ الْغَرِيبَةِ إِذَا وَافَقَ مَا فِي الْحَدِيثِ مَا فِي الْقُرْآنِ. وَ ‏ ‏قَوْله : ( غَيْر وَاقِع ) ‏ ‏أَيْ : لَازِمًا وَ ‏ ‏( إِذَا وَقَعَ ) ‏ ‏أَيْ : إِذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا , وَالْغَرَض أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنْ النَّوَادِرِ حَيْثُ كَانَ الثُّلَاثِيّ مُتَعَدِّيًا وَالْمَزِيدِ فِيهِ لَازِمًا عَكْس الْقَاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ , قِيلَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَلِف أُكَبُّ لِلصَّيْرُورَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1385",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلَكِنْ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الدَّالِّ عَلَى ذَمِّ السُّؤَال وَمَدْحِ الِاكْتِسَابِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب الِاسْتِعْفَاف عَنْ الْمَسْأَلَةِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1386",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ ثُمَّ يَغْدُوَ ‏ ‏أَحْسِبُهُ قَالَ إِلَى الْجَبَلِ ‏ ‏فَيَحْتَطِبَ فَيَبِيعَ فَيَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ‏ ‏أَكْبَرُ مِنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَهُوَ قَدْ أَدْرَكَ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( صَالِح بْن كَيْسَان ) ‏ ‏يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْإِسْنَادَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَكْبَر مِنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏يَعْنِي فِي السِّنِّ , وَمِثْلَ هَذَا جَاءَ عَنْ أَحْمَدَ وَابْنِ مَعِينٍ , وَقَالَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ : كَانَ أَسَنَّ مِنْ الزُّهْرِيِّ , فَإِنَّ مَوْلِدَهُ سَنَة خَمْسِينَ وَقِيلَ بَعْدَهَا وَمَاتَ سَنَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ وَمِائَةً وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَع , وَأَمَّا صَالِح بْن كَيْسَان فَمَاتَ سَنَة أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَقِيلَ قَبْلَهَا. وَذَكَرَ الْحَاكِم فِي مِقْدَارِ عُمْرِهِ سِنًّا تَعَقَبُّوهُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ \" أَدْرَكَ اِبْن عُمَر \" يَعْنِي أَدْرَكَ السَّمَاع مِنْهُ , وَأَمَّا الزُّهْرِيُّ فَمُخْتَلَف فِي لُقِيِّهِ لَهُ وَالصَّحِيح أَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ وَإِنَّمَا يَرْوِي عَنْ اِبْنه سَالِم عَنْهُ , وَالْحَدِيثَانِ اللَّذَانِ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا عَنْ اِبْن عُمَر ثَبَتَ ذِكْرُ سَالِم بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1387",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَزْوَةَ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏فَلَمَّا جَاءَ ‏ ‏وَادِيَ الْقُرَى ‏ ‏إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَصْحَابِهِ ‏ ‏اخْرُصُوا ‏ ‏وَخَرَصَ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَشَرَةَ ‏ ‏أَوْسُقٍ ‏ ‏فَقَالَ لَهَا أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَلَمَّا أَتَيْنَا ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏قَالَ أَمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ فَعَقَلْنَاهَا وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ ‏ ‏بِجَبَلِ طَيِّءٍ ‏ ‏وَأَهْدَى مَلِكُ ‏ ‏أَيْلَةَ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَسَاهُ بُرْدًا وَكَتَبَ لَهُ ‏ ‏بِبَحْرِهِمْ ‏ ‏فَلَمَّا أَتَى ‏ ‏وَادِيَ الْقُرَى ‏ ‏قَالَ لِلْمَرْأَةِ كَمْ جَاءَ حَدِيقَتُكِ قَالَتْ عَشَرَةَ ‏ ‏أَوْسُقٍ ‏ ‏خَرْصَ ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ فَلَمَّا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ بَكَّارٍ ‏ ‏كَلِمَةً مَعْنَاهَا ‏ ‏أَشْرَفَ عَلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ هَذِهِ ‏ ‏طَابَةُ ‏ ‏فَلَمَّا رَأَى ‏ ‏أُحُدًا ‏ ‏قَالَ هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَالُوا بَلَى قَالَ دُورُ ‏ ‏بَنِي النَّجَّارِ ‏ ‏ثُمَّ دُورُ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ‏ ‏ثُمَّ دُورُ ‏ ‏بَنِي سَاعِدَةَ ‏ ‏أَوْ دُورُ ‏ ‏بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ‏ ‏وَفِي كُلِّ دُورِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏يَعْنِي خَيْرًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏ثُمَّ دَارُ ‏ ‏بَنِي الْحَارِثِ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏بَنِي سَاعِدَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُحُدٌ ‏ ‏جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهُوَ حَدِيقَةٌ وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ لَمْ يُقَلْ حَدِيقَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْمَازِنِيّ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ وُهَيْبٍ حَدَّثَنَا عَمْرو بْن يَحْيَى. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبَّاس السَّاعِدِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَهْل بْن سَعْد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ سَهْل بْن بَكَّارٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ عَنْ الْعَبَّاس السَّاعِدِيّ يَعْنِي اِبْن سَهْل بْن مُسْعِد , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ وُهَيْبٍ حَدَّثَنَا عَمْرو بْن يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبَّاس بْن سَهْل السَّاعِدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( غَزْوَة تَبُوكَ ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحهَا فِي الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا جَاءَ وَادِي الْقُرَى ) ‏ ‏هِيَ مَدِينَةٌ قَدِيمَةٌ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي الْبُيُوعِ , وَأَغْرَب اِبْن قُرْقُولٍ فَقَالَ : إِنَّهَا مِنْ أَعْمَالِ الْمَدِينَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا اِمْرَأَة فِي حَدِيقَةٍ لَهَا ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الِابْتِدَاء بِالنَّكِرَةِ لَكِنْ بِشَرْطِ الْإِفَادَةِ , قَالَ اِبْن مَالِك : لَا يَمْتَنِعُ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ الْمَحْضَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ , بَلْ إِذَا لَمْ تَحْصُلْ فَائِدَة , فَلَوْ اِقْتَرَنَ بِالنَّكِرَةِ الْمَحْضَةِ قَرِينَة يَتَحَصَّلُ بِهَا الْفَائِدَة جَازَ الِابْتِدَاء بِهَا نَحْو اِنْطَلَقْت فَإِذَا سَبْعٌ فِي الطَّرِيقِ إِلَخْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى عِنْدَ مُسْلِم \" فَأَتَيْنَا عَلَى حَدِيقَة اِمْرَأَة \" وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الطُّرُقِ. ‏ ‏قَوْله : ( اُخْرُصُوا ) ‏ ‏بِضَمِّ الرَّاءِ , زَادَ سُلَيْمَان \" فَخَرَصْنَا \" وَلَمْ أَقِفْ عَلَى أَسْمَاءِ مَنْ خَرَصَ مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَخَرَصَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ \" وَخَرَصَهَا \". ) ‏ ‏قَوْله : ( أَحْصِي ) ‏ ‏أَيْ : اِحْفَظِي عَدَد كَيْلهَا , وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ \" أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْك إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى \" وَأَصْلُ الْإِحْصَاءِ الْعَدَد بِالْحَصَى لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَحْسُنُونَ الْكِتَابَة فَكَانُوا يَضْبُطُونَ الْعَدَدَ بِالْحَصَى. ‏ ‏قَوْله : ( سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ ) ‏ ‏زَادَ سُلَيْمَان \" عَلَيْكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا يَقُومَنَّ أَحَد ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ \" فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَد مِنْكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَعْقِلْهُ ) ‏ ‏أَيْ : يَشُدُّهُ بِالْعِقَالِ وَهُوَ الْحَبْلُ , وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ \" فَلْيَشُدَّ عِقَاله \" وَفِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن حَزْم عَنْ عَبَّاس بْن سَهْل \" وَلَا يَخْرُجَنَّ أَحَد مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ إِلَّا وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّئٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِجَبَلَيْ طَيٍّ \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَفَّانَ عَنْ وُهَيْبٍ \" وَلَمْ يَقُمْ فِيهَا أَحَد غَيْر رَجُلَيْنِ أَلْقَتْهُمَا بِجَبَل طَيّ \" وَفِيهِ نَظَرٌ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ اِبْن إِسْحَاق وَلَفْظه \" فَفَعَلَ النَّاسُ مَا أَمَرَهُمْ إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَاعِدَة خَرَجَ أَحَدهمَا لِحَاجَتِهِ وَخَرَجَ آخَر فِي طَلَبِ بَعِيرٍ لَهُ , فَأَمَّا الَّذِي ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فَإِنَّهُ خُنِقَ عَلَى مَذْهَبِهِ , وَأَمَّا الَّذِي ذَهَبَ فِي طَلَبِ بَعِيرِهِ فَاحْتَمَلَتْهُ الرِّيح حَتَّى طَرَحَتْهُ بِجَبَل طَيّ , فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ يَخْرُجَ رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ. ثُمَّ دَعَا لِلَّذِي أُصِيبَ عَلَى مَذْهَبه فَشُفِيَ , وَأَمَّا الْآخَر فَإِنَّهُ وَصَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ مِنْ تَبُوكَ \" وَالْمُرَاد بِجَبَلَيْ طَيّ الْمَكَانُ الَّذِي كَانَتْ الْقَبِيلَةُ الْمَذْكُورَةُ تَنْزِلُهُ , وَاسْم الْجَبَلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ \" أَجَأُ \" بِهَمْزَةٍ وَجِيمٍ مَفْتُوحَتَيْنِ بَعْدَهُمَا هَمْزَة بِوَزْن قَمَر وَقَدْ لَا تُهْمَزُ فَيَكُونُ بِوَزْنِ عَصَا وَ \" سَلْمَى \" وَهُمَا مَشْهُورَانِ , وَيُقَالُ إِنَّهُمَا سُمِّيَا بِاسْمِ رَجُلٍ وَاِمْرَأَةٍ مِنْ الْعَمَالِيق. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِ الرَّجُلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَأَظُنُّ تَرْكُ ذِكْرِهِمَا وَقَعَ عَمْدًا , فَقَدْ وَقَعَ فِي آخِر حَدِيثِ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر حَدَّثَهُ أَنَّ الْعَبَّاس بْن سَهْل سَمَّى الرَّجُلَيْنِ وَلَكِنَّهُ اِسْتَكْتَمَنِي إِيَّاهُمَا قَالَ : وَأَبَى عَبْد اللَّه أَنْ يُسَمِّيَهُمَا لَنَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَهْدَى مَلِك أَيْلَةَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدَهَا لَام مَفْتُوحَة بَلْدَة قَدِيمَة بِسَاحِلِ الْبَحْرِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي \" بَابِ الْجُمْعَة فِي الْقُرَى وَالْمُدُنِ \" , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ عِنْدَ مُسْلِم \" وَجَاءَ رَسُول اِبْن الْعَلْمَاءِ صَاحِب أَيْلَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابٍ وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ \" وَفِي مَغَازِي اِبْن إِسْحَاق \" وَلَمَّا اِنْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَبُوكَ أَتَاهُ يُوحَنَّا بْن رُوبَة صَاحِب أَيْلَةَ فَصَالَحَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَة \" وَكَذَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي الْهَدَايَا مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ , فَاسْتُفِيدَ مِنْ ذَلِكَ اِسْمه وَاسْم أَبِيهِ , فَلَعَلَّ الْعَلْمَاءَ اِسْم أُمِّهِ , وَيُوحَنَّا بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّة وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ , وَرُوبَة بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُون الْوَاوِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَة , وَاسْم الْبَغْلَة الْمَذْكُورَة دُلْدُل هَكَذَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيّ , وَنَقَلَ عَنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ بَغْلَة سِوَاهَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَاكِمَ أَخْرَجَ فِي \" الْمُسْتَدْرَكِ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ كِسْرَى أَهْدَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَة فَرَكِبَهَا بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ ثُمَّ أَرْدَفَنِي خَلْفَهُ \" الْحَدِيث , وَهَذِهِ غَيْر دُلْدُل. وَيُقَالُ إِنَّ النَّجَاشِيَّ أَهْدَى لَهُ بَغْلَة , وَأَنَّ صَاحِبَ دَوْمَة الْجَنْدَل أَهْدَى لَهُ بَغْلَة , وَأَنَّ دُلْدُل إِنَّمَا أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِس. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيّ أَنَّ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ تُسَمَّى فِضَّة وَكَانَتْ شَهْبَاءَ , وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم فِي هَذِهِ الْبَغْلَةِ أَنَّ فَرْوَةَ أَهْدَاهَا لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ ) ‏ ‏أَيْ : بِبَلَدِهِمْ , أَوْ الْمُرَاد بِأَهْلِ بَحْرهمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا سُكَّانًا بِسَاحِلِ الْبَحْرِ أَيْ أَنَّهُ أَقَرَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَا اِلْتَزَمُوهُ مِنْ الْجِزْيَةِ , وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ \" بِبَحْرَتِهِمْ \" أَيْ بَلْدَتِهِمْ , وَقِيلَ الْبَحْرَة الْأَرْض. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق الْكِتَاب , وَهُوَ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ : \" هَذِهِ أَمَنَةٌ مِنْ اللَّهِ وَمُحَمَّد النَّبِيّ رَسُول اللَّهِ لِيُوحَنَّا بْن رُوبَة وَأَهْلِ أَيْلَةَ سُفُنهمْ وَسَيَّارَتهمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ , لَهُمْ ذِمَّة اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ النَّبِيِّ \" وَسَاقَ بَقِيَّة الْكِتَابِ. ‏ ‏قَوْله : ( كَمْ جَاءَ حَدِيقَتُك ) ‏ ‏أَيْ : تَمْر حَدِيقَتِك , وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" فَسَأَلَ الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا كَمَا بَلَغَ ثَمَرهَا \" وَقَوْله ‏ ‏\" عَشْرَة \" ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْع الْخَافِض أَوْ عَلَى الْحَالِ , وَقَوْله ‏ ‏\" خَرْصَ \" ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْضًا إِمَّا بَدَلًا وَإِمَّا بَيَانًا , وَيَجُوزُ الرَّفْعُ فِيهِمَا وَتَقْدِيرُهُ الْحَاصِلُ عَشْرَة أَوْسُق وَهُوَ خَرْص رَسُول اللَّهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا قَالَ اِبْن بَكَّار كَلِمَة مَعْنَاهَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ) ‏ ‏اِبْن بَكَّارٍ هُوَ سَهْلٌ شَيْخُ الْبُخَارِيّ , فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ شَكَّ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَقَالَ هَذَا , وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" عَنْ فَارُوق عَنْ أَبِي مُسْلِم وَغَيْرِهِ عَنْ سَهْلٍ فَذَكَرَهَا بِهَذَا اللَّفْظِ سَوَاء , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَدِينَةِ فِي فَضْلِ الْمَدِينَةِ , وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَنْصَارِ فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ , فَإِنَّهُ سَاقَ ذَلِكَ هُنَاكَ أَتَمَّ مِمَّا هُنَا. وَقَوْلُهُ ‏ ‏\" طَابَة \" ) ‏ ‏هُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَدِينَةِ كَطَيْبَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ سُلَيْمَان بْن بِلَال حَدَّثَنِي عَمْرو ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن يَحْيَى بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ , وَهَذِهِ الطَّرِيق مَوْصُولَة فِي فَضَائِلِ الْأَنْصَارِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال الْمَذْكُورُ , وَسَعْد بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيُّ أَخُو يَحْيَى بْن سَعِيد , وَعَبَّاس هُوَ اِبْن سَهْل بْن سَعْد , وَهِيَ مَوْصُولَةٌ فِي \" فَوَائِدِ عَلِيّ بْن خُزَيْمَة \" قَالَ \" حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيل التِّرْمِذِيّ حَدَّثَنَا أَيُّوب بْن سُلَيْمَان أَيْ : اِبْن بِلَال حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر بْن أَبِي أُوَيْس عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال \" فَذَكَرَهُ وَأَوَّلُهُ \" أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ أَخَذَ طَرِيق غُرَاب لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَتَرَكَ الْأُخْرَى \" فَسَاقَ الْحَدِيث وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّله , وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ بَيَان قَوْلِهِ \" إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ , فَمَنْ أَحَبَّ فَلْيَتَعَجَّلْ مَعِيَ \" أَيْ إِنِّي سَالِكٌ الطَّرِيقَ الْقَرِيبَةَ فَمَنْ أَرَادَ فَلْيَأْتِ مَعِيَ يَعْنِي مِمَّنْ لَهُ اِقْتِدَار عَلَى ذَلِكَ دُونَ بَقِيَّةِ الْجَيْشِ. وَظَهَرَ أَنَّ عُمَارَة بْن غَزِيَّةَ خَالَفَ عَمْرو بْن يَحْيَى فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثِ فَقَالَ عَمْرو \" عَنْ عَبَّاس عَنْ أَبِي حُمَيْد \" وَقَالَ عُمَارَة \" عَنْ عَبَّاس عَنْ أَبِيهِ \". فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْلُكَ طَرِيقَ الْجَمْعِ بِأَنْ يَكُونَ عَبَّاس أَخَذَ الْقَدْر الْمَذْكُور وَهُوَ \" أُحُد جَبَل يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ \" عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أَبِي حُمَيْد مَعًا , أَوْ حَمَلَ الْحَدِيث عَنْهُمَا مَعًا , أَوْ كُلّه عَنْ أَبِي حُمَيْد وَمُعْظَمه عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً عَنْ هَذَا وَتَارَةً عَنْ هَذَا , وَلِذَلِكَ كَانَ لَا يَجْمَعُهُمَا. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاق الْمَذْكُورَةِ \" عَبَّاس بْن سَهْل بْن سَعْد أَوْ عَبَّاس عَنْ سَهْل \" فَتَرَدَّدَ فِيهِ هَلْ هُوَ مُرْسَلٌ أَوْ رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ فَيُوَافِقُ قَوْل عُمَارَة , لَكِنَّ سِيَاق عَمْرو بْن يَحْيَى أَتَمُّ مِنْ سِيَاقِ غَيْرِهِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّة الْخَرْص , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر الْخِلَافِ فِيهِ أَوَّل الْبَابِ , وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ هَلْ هُوَ وَاجِب أَوْ مُسْتَحَبّ , فَحَكَى الصَّيْمَرِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهًا بِوُجُوبِهِ , وَقَالَ الْجُمْهُورُ هُوَ مُسْتَحَبٌّ إِلَّا إِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِمَحْجُورٍ مَثَلًا أَوْ كَانَ شُرَكَاؤُهُ غَيْر مُؤْتَمَنِينَ فَيَجِبُ لِحِفْظِ مَالِ الْغَيْرِ , وَاخْتُلِفَ أَيْضًا هَلْ يَخْتَصُّ بِالنَّخْلِ أَوْ يُلْحَقُ بِهِ الْعِنَب أَوْ يَعُمُّ كُلّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ رَطِبًا وَجَافًّا ؟ وَبِالْأَوَّلِ قَالَ شُرَيْح الْقَاضِي وَبَعْضُ أَهْل الظَّاهِر , وَالثَّانِي قَوْل الْجُمْهُورِ , وَإِلَى الثَّالِثِ نَحَا الْبُخَارِيّ. وَهَلْ يَمْضِي قَوْل الْخَارِص أَوْ يَرْجِعُ إِلَى مَا آلَ إِلَيْهِ الْحَال بَعْدَ الْجَفَافِ ؟ الْأَوَّلُ قَوْل مَالِك وَطَائِفَة , وَالثَّانِي قَوْل الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ. وَهَلْ يَكْفِي خَارِص وَاحِد عَارِف ثِقَة أَوْ لَا بُدَّ مِنْ اِثْنَيْنِ ؟ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ , وَالْجُمْهُور عَلَى الْأَوَّلِ. وَاخْتُلِفَ أَيْضًا هَلْ هُوَ اِعْتِبَارٌ أَوْ تَضْمِين ؟ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَظْهَرُهُمَا الثَّانِي , وَفَائِدَته جَوَاز التَّصَرُّفِ فِي جَمِيعِ الثَّمَرَةِ وَلَوْ أَتْلَفَ الْمَالِكُ الثَّمَرَةَ بَعْدَ الْخَرْصِ أَخَذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةَ بِحِسَابٍ مَا خَرَصَ. وَفِيهِ أَشْيَاءُ مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة كَالْإِخْبَارِ عَنْ الرِّيحِ وَمَا ذَكَرَ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ , وَفِيهِ تَدْرِيبُ الْأَتْبَاع وَتَعْلِيمُهُمْ , وَأَخُدُّ الْحَذَر مِمَّا يَتَوَقَّعُ الْخَوْف مِنْهُ. وَفَضْلُ الْمَدِينَة وَالْأَنْصَار , وَمَشْرُوعِيَّة الْمُفَاضَلَة بَيْنَ الْفُضَلَاءِ بِالْإِجْمَالِ وَالتَّعْيِينِ , وَمَشْرُوعِيَّة الْهَدِيَّة وَالْمُكَافَأَة عَلَيْهَا. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏فِي السُّنَنِ وَصَحِيح اِبْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْن أَبِي حَثْمَة مَرْفُوعًا \" إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ , فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُث فَدَعُوا الرُّبْع \" , وَقَالَ بِظَاهِرِهِ اللَّيْث وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَغَيْرُهُمْ , وَفَهِمَ مِنْهُ أَبُو عُبَيْد فِي \" كِتَاب الْأَمْوَال \" أَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ بِحَسَبِ اِحْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ فَقَالَ : يُتْرَكُ قَدْر اِحْتِيَاجهمْ. وَقَالَ مَالِك وَسُفْيَان : لَا يُتْرَكُ لَهُمْ شَيْء , وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الشَّافِعِيِّ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : وَالْمُتَحَصَّلُ مِنْ صَحِيحِ النَّظَرِ أَنْ يُعْمَلَ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ قَدْر الْمَئُونَة , وَلَقَدْ جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ مِمَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا. قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عُبَيْد هُوَ الْقَاسِم بْن سَلَّام الْإِمَام الْمَشْهُور صَاحِب \" الْغَرِيبِ \" وَكَلَامه هَذَا فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لَهُ , وَقَالَ صَاحِب \" الْمُحْكَمِ \" : هُوَ مِنْ الرِّيَاضِ كُلّ أَرْضٍ اِسْتَدَارَتْ , وَقِيلَ كُلّ أَرْضٍ ذَاتِ شَجَر مُثْمِر وَنَخْل , وَقِيلَ كُلّ حُفْرَةٍ تَكُونُ فِي الْوَادِي يُحْتَبَسُ فِيهَا الْمَاءُ , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَاءٌ فَهُوَ حَدِيقَة , وَيُقَالُ الْحَدِيقَة أَعْمَق مِنْ الْغَدِيرِ وَالْحَدِيقَةُ الْقِطْعَة مِنْ الزَّرْعِ يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1388",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ ‏ ‏عَثَرِيًّا ‏ ‏الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ ‏ ‏بِالنَّضْحِ ‏ ‏نِصْفُ الْعُشْرِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏هَذَا تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الْأَوَّلِ ‏ ‏يَعْنِي حَدِيثَ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏وَفِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَبَيَّنَ فِي هَذَا وَوَقَّتَ وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ وَالْمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى الْمُبْهَمِ إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ ‏ ‏كَمَا رَوَى ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يُصَلِّ فِي ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏قَدْ صَلَّى ‏ ‏فَأُخِذَ بِقَوْلِ ‏ ‏بِلَالٍ ‏ ‏وَتُرِكَ قَوْلُ ‏ ‏الْفَضْلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَثَرِيًّا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُثَلَّثَة وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة , وَحُكِيَ عَنْ اِبْنِ الْأَعْرَابِيِّ تَشْدِيد الْمُثَلَّثَة وَرَدَّهُ ثَعْلَب وَحَكَى اِبْن عُدَيْسٍ فِي الْمُثَلَّثِ فِيهِ ضَمَّ أَوَّله وَإِسْكَانَ ثَانِيهِ قَالَ الْخَطَّابِيّ : هُوَ الَّذِي يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ مِنْ غَيْرِ سَقْي , زَادَ اِبْن قُدَامَةَ عَنْ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى : وَهُوَ الْمُسْتَنْقَعُ فِي بِرْكَةٍ وَنَحْوِهَا يُصَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ فِي سَوَاقٍ تُشَقُّ لَهُ قَالَ : وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْعَاثُورِ وَهِيَ السَّاقِيَةُ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ لِأَنَّ الْمَاشِيَ يَعْثُرُ فِيهَا. قَالَ وَمِنْهُ الَّذِي يَشْرَبُ مِنْ الْأَنْهَارِ بِغَيْرِ مَئُونَةٍ , أَوْ يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ كَأَنْ يُغْرَسَ فِي أَرْضٍ يَكُونُ الْمَاءُ قَرِيبًا مِنْ وَجْهِهَا فَيَصِلُ إِلَيْهِ عُرُوق الشَّجَرِ فَيَسْتَغْنِي عَنْ السَّقْيِ , وَهَذَا التَّفْسِير أَوْلَى مِنْ إِطْلَاقِ أَبِي عُبَيْد أَنَّ الْعَثَرِيَّ مَا سَقَتْه السَّمَاء , لِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ , وَكَذَا قَوْل مَنْ فَسَّرَ الْعَثَرِيَّ بِأَنَّهُ الَّذِي لَا حَمْلَ لَهُ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ , قَالَ اِبْن قُدَامَة : لَا نَعْلَمُ فِي هَذِهِ التَّفْرِقَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا خِلَافًا ‏ ‏قَوْله : ( بِالنَّضْحِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُون الْمُعْجَمَة بَعْدَهَا مُهْمَلَة أَيْ : بِالسَّانِيَةِ , وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِم وَالْمُرَاد بِهَا الْإِبِل الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا , وَذَكَرَ الْإِبِلَ كَالْمِثَالِ وَإِلَّا فَالْبَقْر وَغَيْرهَا كَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : هَذَا تَفْسِيرُ الْأَوَّل إِلَخْ ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ هَذَا الْكَلَام عَقِبَ حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْعَثَرِيِّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ عَقِبَ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ , وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَيْضًا , وَجَزَمَ أَبُو عَلِيّ الصَّدَفِيّ بِأَنَّ ذِكْرَهُ عَقِبَ حَدِيث اِبْن عُمَر مِنْ قِبَلِ بَعْضِ نُسَّاخِ الْكِتَابِ اِنْتَهَى وَلَمْ يَقِفْ الصَّغَانِيّ عَلَى اِخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ فَجَزَمَ بِأَنَّهُ وَقَعَ هُنَا فِي جَمِيعِهَا قَالَ وَحَقُّهُ أَنْ يُذْكَرَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه , قُلْت : وَلِذِكْرِهِ عَقِبَ كُلٍّ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ وَجْه , لَكِنَّ تَعْبِيرَهُ بِالْأَوَّلِ يُرَجِّحُ كَوْنه بَعْدَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيد لِأَنَّهُ هُوَ الْمُفَسَّرُ الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ حَدِيثُ اِبْن عُمَر , فَحَدِيث اِبْن عُمَر بِعُمُومِهِ ظَاهِر فِي عَدَمِ اِشْتِرَاط النِّصَاب وَفِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ مَا يُسْقَى بِمَئُونَةٍ وَبِغَيْرٍ مَئُونَةٍ , وَلَكِنَّهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مُخْتَصٌّ بِالْمَعْنَى الَّذِي سِيقَ لِأَجْلِهِ وَهُوَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْر أَوْ نِصْف الْعُشْرِ بِخِلَافِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيد فَإِنَّهُ مُسَاقٌ لِبَيَانِ جِنْسِ الْمُخْرَج مِنْهُ وَقَدْرِهِ فَأَخَذَ بِهِ الْجُمْهُورُ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَسْط الْقَوْلِ فِيهِ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّ كَلَام الْبُخَارِيّ وَقَعَ عَقِبَ حَدِيث أَبِي سَعِيد وَدَلَّ حَدِيث الْبَابِ عَلَى التَّفْرِقَةِ فِي الْقَدْرِ الْمُخْرَجِ الَّذِي يُسْقَى بِنَضْحٍ أَوْ بِغَيْرِ نَضْح , فَإِنْ وُجِدَ مَا يُسْقَى بِهِمَا فَظَاهِره أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ ثَلَاثَة أَرْبَاعِ الْعُشْرِ إِذَا تَسَاوَى ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ , قَالَ اِبْنَ قُدَامَةَ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا , وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ كَانَ حُكْم الْأَقَلّ تَبَعًا لِلْأَكْثَرِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد , وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ , وَالثَّانِي يُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إِنْ أَمْكَنَ فَصْلُ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا أُخِذَ بِحِسَابِهِ , وَعَنْ اِبْن الْقَاسِم صَاحِب مَالِك الْعِبْرَة بِمَا تَمَّ بِهِ الزَّرْعُ وَانْتَهَى وَلَوْ كَانَ أَقَلَّ قَالَهُ اِبْنُ التِّينِ عَنْ حِكَايَةِ أَبِي مُحَمَّد بْن أَبِي زَيْد عَنْهُ وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ النَّسَائِيّ عَقِبَ تَخْرِيجِ هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر , قَالَ وَسَالِم أَجَلُّ مِنْ نَافِع وَقَوْل نَافِعٍ أَوْلَى بِالصَّوَابِ. وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ ( هَذَا تَفْسِيرُ الْأَوَّل لِأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الْأَوَّلِ أَيْ : لَمْ يَذْكُرْ حَدًّا لِلنِّصَابِ , وَ ‏ ‏قَوْله : ( وَبَيَّنَ فِي هَذَا ) ‏ ‏يَعْنِي فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( وَالزِّيَادَة مَقْبُولَة ) ‏ ‏أَيْ : مِنْ الْحَافِظِ , وَالثَّبَتُ بِتَحْرِيكِ الْمُوَحَّدَةِ الثَّبَات وَالْحُجَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْمُفَسَّر يَقْضِي عَلَى الْمُبْهَمِ ) ‏ ‏: أَيْ : الْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ لِأَنَّ \" فِيمَا سَقَتْ \" عَامٌّ يَشْمَلُ النِّصَابَ وَدُونَهُ , و \" لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَة أَوْسُق صَدَقَة \" خَاصٌّ بِقَدْرِ النِّصَابِ وَأَجَابَ بَعْض الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ مَحِلّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الْبَيَان وَفْق الْمُبِين لَا زَائِدًا عَلَيْهِ وَلَا نَاقِصًا عَنْهُ , أَمَّا إِذَا اِنْتَفَى شَيْء مِنْ أَفْرَاد الْعَامِّ مَثَلًا فَيُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ كَحَدِيثِ أَبِي سَعِيد هَذَا فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى النِّصَابِ فِيمَا يَقْبَلُ التَّوْسِيق , وَسَكَتَ عَمَّا لَا يَقْبَلُ التَّوْسِيق فَيُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاء الْعُشْر أَيْ : مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّوْسِيقُ فِيهِ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ , وَأَجَابَ الْجُمْهُور بِمَا رُوِيَ مَرْفُوعًا \" لَا زَكَاةَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ \" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيّ وَطَلْحَة وَمُعَاذ مَرْفُوعًا وَقَالَ التِّرْمِذِيّ لَا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ إِلَّا مُرْسَل مُوسَى بْن طَلْحَة عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا هِيَ فِيمَا يُكَالُ مِمَّا يُدَّخَرُ لِلِاقْتِيَاتِ فِي حَال الِاخْتِيَار. وَهَذَا قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ. وَعَنْ أَحْمَدَ يُخْرِجُ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ لَا يُقْتَاتُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّد وَأَبِي يُوسُف وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِر الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِيمَا دُونَ خَمْسَة أَوْسُق مِمَّا أَخْرَجَتْ الْأَرْض , إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَة قَالَ تَجِبُ فِي جَمِيعِ مَا يُقْصَدُ بِزِرَاعَتِهِ نَمَاءُ الْأَرْضِ إِلَّا الْحَطَب وَالْقَصَب وَالْحَشِيش وَالشَّجَر الَّذِي لَيْسَ لَهُ ثَمَر اِنْتَهَى. وَحَكَى عِيَاض عَنْ دَاوُدَ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ فِيهِ الْكَيْلُ يُرَاعَى فِيهِ النِّصَاب , وَمَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْكَيْلُ فَفِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الزَّكَاة , وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ أَقْوَى الْمَذَاهِبِ وَأَحْوَطُهَا لِلْمَسَاكِينِ قَوْل أَبِي حَنِيفَة , وَهُوَ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ قَالَ : وَقَدْ زَعَمَ الْجُوَيْنِيّ أَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا جَاءَ لِتَفْصِيلِ مَا تُقِلُّ مِمَّا تَكْثُرُ مَئُونَتُهُ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ يَقْتَضِي الْوَجْهَيْنِ وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا رَوَى إِلَخْ ) ‏ ‏أَيْ : كَمَا أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي فِي حَدِيثَيْ الْفَضْل وَبِلَال , وَحَدِيث الْفَضْلِ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ , وَحَدِيث بِلَال سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي كِتَاب الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏اِخْتُلِفَ فِي هَذَا النِّصَابِ هَلْ هُوَ تَحْدِيدٌ أَوْ تَقْرِيب ؟ وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ أَحْمَدُ , وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ , إِلَّا إِنْ كَانَ نَقْصًا يَسِيرًا جِدًّا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ فَلَا يَضُرُّ قَالَهُ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ , وَصَحَّحَ النَّوَوِيّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ تَقْرِيب , وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوب الزَّكَاة فِيمَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ أَوْسُق بِحِسَابِهِ وَلَا وَقَصَ فِيهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1389",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ ‏ ‏أَوْسُقٍ ‏ ‏صَدَقَةٌ وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنْ الْإِبِلِ ‏ ‏الذَّوْدِ ‏ ‏صَدَقَةٌ وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ ‏ ‏أَوَاقٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْوَرِقِ ‏ ‏صَدَقَةٌ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏هَذَا تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ إِذَا قَالَ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ ‏ ‏أَوْسُقٍ ‏ ‏صَدَقَةٌ وَيُؤْخَذُ أَبَدًا فِي الْعِلْمِ بِمَا زَادَ أَهْلُ الثَّبَتِ أَوْ بَيَّنُوا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1390",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَسَدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ ‏ ‏صِرَامِ ‏ ‏النَّخْلِ فَيَجِيءُ هَذَا بِتَمْرِهِ وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ فَجَعَلَ ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏وَالْحُسَيْنُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ فَقَالَ ‏ ‏أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَوْم ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُون الْوَاوِ مَعْرُوف , وَأَصْله الْقِطْعَة الْعَظِيمَة مِنْ الشَّيْءِ , وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا مَا اِجْتَمَعَ مِنْ التَّمْرِ كَالْعُرْمَةِ , وَيُرْوَى \" كَوْمًا \" بِالنَّصْبِ أَيْ : حَتَّى يَصِيرَ التَّمْر عِنْدَهُ كَوْمًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذَ أَحَدهمَا ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد بِلَفْظ \" فَأَخَذَ الْحَسَن بْن عَلِيّ \" ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلَهُ ) ‏ ‏أَيْ الْمَأْخُوذ , وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَجَعَلَهَا \" أَيْ التَّمْرَةِ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ قَرِيبًا , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ قَوْله \" عِنْدَ صِرَام النَّخْل \" أَيْ : بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ تَمْرًا لِأَنَّ النَّخْلَ قَدْ يُصْرَمُ وَهُوَ رَطْبٌ فَيُتْمَرُ فِي الْمِرْبَدِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَتَطَاوَلُ فَحَسُنَ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الصِّرَامِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ) فَإِنَّ الْمُرَادَ بَعْدَ أَنْ يُدَاسَ وَيُنَقَّى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1391",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا قَالَ ‏ ‏حَتَّى تَذْهَبَ ‏ ‏عَاهَتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا قَالَ حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَته ) ‏ ‏أَيْ : الثَّمَرِ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ عَاهَتهَا وَهُوَ مَقُولُ اِبْن عُمَر بَيَّنَهُ مُسْلِم فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة وَلَفْظه \" فَقِيلَ لِابْن عُمَر مَا صَلَاحه ؟ قَالَ تَذْهَبُ عَاهَته \". ‏"
    },
    {
        "id": "1392",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1393",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى ‏ ‏تُزْهِيَ ‏ ‏قَالَ حَتَّى ‏ ‏تَحْمَارَّ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1394",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ يُحَدِّثُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَأْمَرَهُ فَقَالَ ‏ ‏لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ فَبِذَلِكَ كَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏لَا يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ إِلَّا جَعَلَهُ صَدَقَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ ) ‏ ‏أَيْ حَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَلَّكَهُ لَهُ , وَلِذَلِكَ سَاغَ لَهُ بَيْعُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَانَ عُمَرُ قَدْ حَبَسَهُ , وَإِنَّمَا سَاغَ لِلرَّجُلِ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِيهِ هُزَالٌ عَجَزَ لِأَجْلِهِ عَنْ اللَّحَاقِ بِالْخَيْلِ وَضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ وَانْتَهَى إِلَى حَالَةِ عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ , وَأَجَازَ ذَلِكَ اِبْنُ الْقَاسِمِ , وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَمْلُ تَمْلِيكٍ قَوْلُهُ ‏ ‏\" وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك \" ) ‏ ‏وَلَوْ كَانَ حَبْسًا لَعَلَّلَهُ بِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى \" وَلِهَذَا كَانَ اِبْنُ عُمَرَ لَا يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ إِلَّا جَعَلَهُ صَدَقَةً \" ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ , وَعَلَى حَرْفِ لَا تَضْبِيبٌ وَلَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ. وَبِإِثْبَاتِ النَّفْيِ يَتِمُّ الْمَعْنَى أَيْ كَانَ إِذَا اِتَّفَقَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مِمَّا تَصَدَّقَ بِهِ لَا يَتْرُكُهُ فِي مِلْكِهِ حَتَّى يَتَصَدَّقَ بِهِ , وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَةِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا لَا لِمَنْ يَرُدُّهَا صَدَقَةً. وَفِي الْحَدِيثِ كَرَاهَةُ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ وَفَضْلُ الْحَمْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْإِعَانَةُ عَلَى الْغَزْوِ بِكُلِّ شَيْءٍ , وَأَنَّ الْحَمْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَمْلِيكٌ وَأَنَّ لِلْمَحْمُولِ بَيْعَهُ وَالِانْتِفَاعَ بِثَمَنِهِ. وَسَيَأْتِي تَكْمِيلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَبْوَابِ الْهِبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1395",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَا تَشْتَرِي وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ فِيهَا \" فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ \" ) ‏ ‏أَيْ بِتَرْكِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ بِالْخِدْمَةِ وَالْعَلَفِ وَنَحْوِهِمَا , وَقَالَ فِي الْأُولَى \" فَوَجَدَهُ يُبَاعُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ ) ‏ ‏هُوَ مُبَالَغَةٌ فِي رُخْصِهِ وَهُوَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى شِرَائِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَا تَعُدْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ \" وَلَا تَعُودَن \" وَسَمَّى شِرَاءَهُ بِرُخْصٍ عَوْدًا فِي الصَّدَقَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا ثَوَابُ الْآخِرَةِ , فَإِذَا اِشْتَرَاهَا بِرُخْصٍ فَكَأَنَّهُ اِخْتَارَ عَرَضَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ , مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ تَقْتَضِي بَيْعَ مِثْلِ ذَلِكَ بِرُخْصٍ لِغَيْرِ الْمُتَصَدِّقِ فَكَيْفَ بِالْمُتَصَدِّقِ فَيَصِيرُ رَاجِعًا فِي ذَلِكَ الْمِقْدَارِ الَّذِي سُومِحَ فِيهِ. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) ‏ ‏أَفَادَ اِبْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ أَنَّ اِسْمَ هَذَا الْفَرَسِ الْوَرْدُ وَأَنَّهُ كَانَ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ فَأَهْدَاهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُ لِعُمَرَ , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِ الرَّجُلِ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَيْءَ حَرَامٌ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ لِلتَّنْفِيرِ خَاصَّةً لِكَوْنِ الْقَيْءِ مِمَّا يُسْتَقْذَرُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ , وَيَلْتَحِقُ بِالصَّدَقَةِ الْكَفَّارَةُ وَالنَّذْرُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْقُرُبَاتِ. وَأَمَّا إِذَا وَرِثَهُ فَلَا كَرَاهَةَ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ يَتَصَدَّقُ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1396",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَخَذَ ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كِخْ كِخْ لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قَالَ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ أَخَذَ الْحَسَنُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ \" كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِمُ تَمْرًا مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ وَالْحَسَنُ فِي حِجْرِهِ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ \" فَلَمْ يَفْطِنْ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَامَ وَلُعَابُهُ يَسِيلُ , فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شِدْقَهُ \" وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ \" فَلَمَّا فَرَغَ حَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ فَسَالَ لُعَابُهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا تَمْرَةٌ فِي فِيهِ \" ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَخْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ مُثَقَّلًا وَمُخَفَّفًا وَبِكَسْرِ الْخَاءِ مُنَوَّنَةٌ وَغَيْرُ مُنَوَّنَةٍ فَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ سِتُّ لُغَاتٍ , وَالثَّانِيَةُ تَوْكِيدٌ لِلْأُولَى , وَهِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِرَدْعِ الصَّبِيِّ عِنْدَ تَنَاوُلِهِ مَا يُسْتَقْذَرُ , قِيلَ عَرَبِيَّةٌ وَقِيلَ أَعْجَمِيَّةٌ , وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهَا مُعَرَّبَةٌ , وَقَدْ أَوْرَدَهَا الْبُخَارِيُّ فِي \" بَابِ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْفَارِسِيَّةِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لِيَطْرَحْهَا ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِمٌ \" اِرْمِ بِهَا \" وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عِنْدَ أَحْمَدَ : \" فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ يَلُوكُ تَمْرَةً فَحَرَّكَ خَدَّهُ وَقَالَ أَلْقِهَا يَا بُنَيَّ أَلْقِهَا يَا بُنَيَّ \" وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ \" كَخْ كَخْ \" بِأَنَّهُ كَلَّمَهُ أَوَّلًا بِهَذَا فَلَمَّا تَمَادَى قَالَ لَهُ كَخْ كَخْ إِشَارَةً إِلَى اِسْتِقْذَارِ ذَلِكَ لَهُ , وَيَحْتَمِلُ الْعَكْسُ بِأَنْ يَكُونَ كَلَّمَهُ أَوَّلًا بِذَلِكَ فَلَمَّا تَمَادَى نَزَعَهَا مِنْ فِيهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ \" إِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ \" وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ \" إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ \" وَكَذَا عِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّحَاوِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ نَفْسِهِ قَالَ \" كُنْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرَّ عَلَى جَرِينٍ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَأَخَذْت مِنْهُ تَمْرَةً فَأَلْقَيْتهَا فِي فِيَّ فَأَخَذَهَا بِلُعَابِهَا فَقَالَ : إِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ \" وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ وَالطَّحَاوِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي لَيْلَى الْأَنْصَارِيِّ نَحْوُهُ وَفِي الْحَدِيثِ دَفْعُ الصَّدَقَاتِ إِلَى الْإِمَامِ , وَالِانْتِفَاعُ بِالْمَسْجِدِ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ , وَجَوَازُ إِدْخَالِ الْأَطْفَالِ الْمَسَاجِدَ وَتَأْدِيبُهُمْ بِمَا يَنْفَعُهُمْ وَمَنْعُهُمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ وَمِنْ تَنَاوُلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُكَلَّفِينَ لِيَتَدَرَّبُوا بِذَلِكَ. وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْهُ مَنْعَ وَلِيِّ الصَّغِيرَةِ إِذَا اِعْتَدَّتْ مِنْ الزِّينَةِ , وَفِيهِ الْإِعْلَامُ بِسَبَبِ النَّهْيِ وَمُخَاطَبَةِ مَنْ لَا يُمَيِّزُ لِقَصْدِ إِسْمَاعِ مَنْ يُمَيِّزُ لِأَنَّ الْحَسَنَ إِذْ ذَاكَ كَانَ طِفْلًا , وَأَمَّا قَوْلُهُ ‏ ‏\" أَمَا شَعَرْت \" ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي الْجِهَادِ \" أَمَا تَعْرِفُ \" وَلِمُسْلِمٍ \" أَمَا عَلِمْت \" فَهُوَ شَيْءٌ يُقَالُ عِنْدَ الْأَمْرِ الْوَاضِحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ عَالِمًا أَيْ كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْك هَذَا مَعَ ظُهُورِهِ , وَهُوَ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ مِنْ قَوْلِهِ لَا تَفْعَلْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِ فَوَائِدِهِ قَبْلَ بَابَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1397",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَجَدَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ ‏ ‏لِمَيْمُونَةَ ‏ ‏مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا قَالُوا إِنَّهَا مَيْتَةٌ قَالَ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ فِي الِانْتِفَاعِ بِجِلْدِ الشَّاةِ لِقَوْلِهِ فِيهِ \" أَعْطَيْتهَا مَوْلَاةً لِمَيْمُونَةَ مِنْ الصَّدَقَةِ \" سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الذَّبَائِحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِ هَذِهِ الْمَوْلَاةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1398",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏لِلْعِتْقِ وَأَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا ‏ ‏وَلَاءَهَا ‏ ‏فَذَكَرَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اشْتَرِيهَا فَإِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏لِمَنْ أَعْتَقَ قَالَتْ وَأُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِلَحْمٍ فَقُلْتُ هَذَا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏فَقَالَ هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ وَفِيهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللَّحْمِ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهَا \" هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْعِتْقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1399",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ فَقَالَتْ لَا إِلَّا شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَيْنَا ‏ ‏نُسَيْبَةُ ‏ ‏مِنْ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثَتْ بِهَا مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا خَالِدٌ ) ‏ ‏هُوَ الْحَذَّاءُ وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الطَّعَامِ , وَقَوْلُهُ \" نُسَيْبَةُ \" بِالنُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرُ اِسْمِ أُمِّ عَطِيَّةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثْت ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ أَيْ بَعَثْت بِهَا أَنْتَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَلَغَتْ مَحَلَّهَا ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهَا لَمَّا تَصَرَّفَتْ فِيهَا بِالْهَدِيَّةِ لِصِحَّةِ مِلْكِهَا لَهَا اِنْتَقَلَتْ مِنْ حُكْمِ الصَّدَقَةِ فَحَلَّتْ مَحَلَّ الْهَدِيَّةِ وَكَانَتْ تَحِلُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْهِبَةِ , وَهَذَا تَقْرِيرُ اِبْنِ بَطَّالٍ بَعْدَ أَنْ ضَبَطَ مَحَلَّهَا بِفَتْحِ الْحَاءِ , وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِكَسْرِهَا مِنْ الْحُلُولِ أَيْ بَلَغَتْ مُسْتَقَرَّهَا , وَالْأَوَّلُ أَوْلَى , وَعَلَيْهِ عَوَّلَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ. وَهَذَا نَظِيرُ قِصَّةِ بَرِيرَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ مُخْتَصَرًا وَقَالَ بَعْدَهُ \" وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ \" فَذَكَرَ الْإِسْنَادَ دُونَ الْمَتْنِ لِتَصْرِيحِ قَتَادَةَ فِيهِ بِالسَّمَاعِ. وَأَبُو دَاوُدَ هُوَ الطَّيَالِسِيُّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِهِ كَذَلِكَ وَرَأَيْته فِي النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا مِنْهُ مُعَنْعَنًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ عَنْ شُعْبَةَ فَصَرَّحَ بِسَمَاعِ قَتَادَةَ مِنْ أَنَسٍ أَيْضًا , وَاسْتَنْبَطَ الْبُخَارِيُّ مِنْ قِصَّةِ بَرِيرَةَ وَأُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ لِلْهَاشِمِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ إِذَا عَمِلَ عَلَى الزَّكَاةِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَأْخُذُ عَلَى عَمَلِهِ , قَالَ : فَلَمَّا حَلَّ لِلْهَاشِمِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مَا يَمْلِكُهُ بِالْهَدِيَّةِ مِمَّا كَانَ صَدَقَةً لَا بِالصَّدَقَةِ كَذَلِكَ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ مَا يَمْلِكُهُ بِعَمَلِهِ لَا بِالصَّدَقَةِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُمْ فَرَّقُوا أَنْفُسَهُمْ وَبَيَّنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ , بَلْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ تِلْكَ الْهَدِيَّةَ بِعَيْنِهَا خَرَجَتْ مِنْ كَوْنِهَا صَدَقَةً بِتَصَرُّفِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1400",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو دَاوُدَ ‏ ‏أَنْبَأَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ مُخْتَصَرًا وَقَالَ بَعْدَهُ \" وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ \" فَذَكَرَ الْإِسْنَادَ دُونَ الْمَتْنِ لِتَصْرِيحِ قَتَادَةَ فِيهِ بِالسَّمَاعِ. وَأَبُو دَاوُدَ هُوَ الطَّيَالِسِيُّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِهِ كَذَلِكَ وَرَأَيْته فِي النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا مِنْهُ مُعَنْعَنًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ عَنْ شُعْبَةَ فَصَرَّحَ بِسَمَاعِ قَتَادَةَ مِنْ أَنَسٍ أَيْضًا , وَاسْتَنْبَطَ الْبُخَارِيُّ مِنْ قِصَّةِ بَرِيرَةَ وَأُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ لِلْهَاشِمِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ إِذَا عَمِلَ عَلَى الزَّكَاةِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَأْخُذُ عَلَى عَمَلِهِ , قَالَ : فَلَمَّا حَلَّ لِلْهَاشِمِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مَا يَمْلِكُهُ بِالْهَدِيَّةِ مِمَّا كَانَ صَدَقَةً لَا بِالصَّدَقَةِ كَذَلِكَ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ مَا يَمْلِكُهُ بِعَمَلِهِ لَا بِالصَّدَقَةِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُمْ فَرَّقُوا أَنْفُسَهُمْ وَبَيَّنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ , بَلْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ تِلْكَ الْهَدِيَّةَ بِعَيْنِهَا خَرَجَتْ مِنْ كَوْنِهَا صَدَقَةً بِتَصَرُّفِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1401",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْبَدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ‏ ‏حِينَ بَعَثَهُ إِلَى ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ ‏ ‏وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ‏ ‏وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْمُبَارَكِ , وَزَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ مَكِّيٌّ وَكَذَا مَنْ فَوْقَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ عَنْ زَكَرِيَّا \" حَدَّثَنِي يَحْيَى \" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ \" عَنْ يَحْيَى أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَعْبَدٍ يَقُولُ سَمِعْت اِبْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ \" أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْحِيدِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ , إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبِي كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ثَلَاثَتِهِمْ عَنْ وَكِيعٍ فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مُسْنَدِ مُعَاذٍ , وَظَاهِرُ سِيَاقِ مُسْلِمٍ أَنَّ اللَّفْظَ مُدْرَجٌ , لَكِنْ لَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ , وَسَائِرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ اِبْنِ عَبَّاسٍ فَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ وَكِيعٍ فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا \" وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ اِبْنُ رَاهْوَيْهِ قَالَ \" حَدَّثَنَا وَكِيعٌ بِهِ \" وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ وَكِيعٍ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ , وَسَيَأْتِي فِي الْمَظَالِمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُوسَى عَنْ وَكِيعٍ كَذَلِكَ , وَأَخْرَجَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْرَمِيِّ وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبِيِّ , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَيْثَمَةَ وَمُوسَى بْنِ السُّدِّيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَغَوِيِّ كُلِّهِمْ عَنْ وَكِيعٍ كَذَلِكَ , فَإِنْ ثَبَتَتْ رِوَايَةُ أَبِي بَكْرٍ فَهُوَ مِنْ مُرْسَلِ اِبْنِ عَبَّاسٍ , لَكِنْ لَيْسَ حُضُورُ اِبْنِ عَبَّاسٍ لِذَلِكَ بِبَعِيدٍ لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَاخِرِ حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ مَعَ أَبَوَيْهِ بِالْمَدِينَةِ , وَكَانَ بَعْثُ مُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ سَنَةَ عَشْرٍ قَبْلَ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي , وَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ تِسْعٍ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَبُوكَ رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ , وَأَخْرَجَهُ اِبْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْهُ , ثُمَّ حَكَى اِبْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ عَشْرٍ , وَقِيلَ بَعَثَهُ عَامَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلَى الْيَمَنِ إِلَى أَنْ قَدِمَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى الشَّامِ فَمَاتَ بِهَا , وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ مُعَاذٌ وَالِيًا أَوْ قَاضِيًا ؟ فَجَزَمَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِالثَّانِي وَالْغَسَّانِيُّ بِالْأَوَّلِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ ) ‏ ‏هِيَ كَالتَّوْطِئَةِ لِلْوَصِيَّةِ لِتُسْتَجْمَعَ هِمَّتُهُ عَلَيْهَا لِكَوْنِ أَهْلَ الْكِتَابِ أَهْلَ عِلْمٍ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا تَكُونُ الْعِنَايَةُ فِي مُخَاطَبَتِهِمْ كَمُخَاطَبَةِ الْجُهَّالِ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ , وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ يَقْدَمُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ , وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ تَفْضِيلًا لَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِذَا جِئْتهمْ ) ‏ ‏قِيلَ عَبَّرَ بِلَفْظِ إِذَا تَفَاؤُلًا بِحُصُولِ الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الزَّكَاةِ بِلَفْظِ \" وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ \" كَذَا فِي رِوَايَةِ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِيهَا , وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ فَفِي رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ \" فَأَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ , فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ \" وَفِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْهُ \" إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ , فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ \" وَيُجْمَعُ بَيْنَهَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَوْحِيدُهُ وَبِتَوْحِيدِهِ الشَّهَادَةُ لَهُ بِذَلِكَ وَلِنَبِيِّهِ بِالرِّسَالَةِ , وَوَقَعَتْ الْبُدَاءَةُ بِهِمَا لِأَنَّهُمَا أَصْلُ الدِّينِ الَّذِي لَا يَصِحُّ شَيْءٌ غَيْرُهُمَا إِلَّا بِهِمَا فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ غَيْرَ مُوَحِّدٍ فَالْمُطَالَبَةُ مُتَوَجِّهَةٌ إِلَيْهِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ عَلَى التَّعْيِينِ , وَمَنْ كَانَ مُوَحِّدًا فَالْمُطَالَبَةُ لَهُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْإِقْرَارِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ بِالرِّسَالَةِ , وَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ مَا يَقْتَضِي الْإِشْرَاكَ أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ كَمَنْ يَقُولُ بِبُنُوَّةِ عُزَيْرٍ أَوْ يَعْتَقِدُ التَّشْبِيهَ فَتَكُونُ مُطَالَبَتُهُمْ بِالتَّوْحِيدِ لِنَفْيِ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَقَائِدِهِمْ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ إِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّبَرِّي مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّ مَنْ كَانَ كَافِرًا بِشَيْءٍ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِغَيْرِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا بِتَرْكِ اِعْتِقَادِ مَا كَفَرَ بِهِ , وَالْجَوَابُ أَنَّ اِعْتِقَادَ الشَّهَادَتَيْنِ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ اِعْتِقَادِ التَّشْبِيهِ وَدَعْوَى بُنُوَّةِ عُزَيْرٍ وَغَيْرِهِ فَيُكْتَفَى بِذَلِكَ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْإِسْلَامِ الِاقْتِصَارُ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَتَّى يُضِيفَ إِلَيْهَا الشَّهَادَةَ لِمُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ , وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَصِيرُ بِالْأُولَى مُسْلِمًا وَيُطَالَبُ بِالثَّانِيَةِ. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ بِالْحُكْمِ بِالرِّدَّةِ. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) ‏ ‏أَحَدُهُمَا كَانَ أَصْلُ دُخُولِ الْيَهُودِيَّةِ فِي الْيَمَنِ فِي زَمَنِ أَسْعَدَ أَبِي كَرِب وَهُوَ تُبَّعُ الْأَصْغَرُ كَمَا حَكَاهُ اِبْنُ إِسْحَاقَ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ. ‏ ‏ثَانِيهمَا قَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : تَبَرَّأَتْ الْيَهُودُ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعُزَيْرَ اِبْنُ اللَّهِ وَهَذَا لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ ذَلِكَ نَزَلَ فِي زَمَنِهِ وَالْيَهُودُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ وَلَا تَعَقَّبَهُ , وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَائِلَ بِذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ لَا جَمِيعُهُمْ بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَائِلَ مِنْ النَّصَارَى إِنَّ الْمَسِيحَ اِبْنُ اللَّهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ لَا جَمِيعُهُمْ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الطَّائِفَةُ اِنْقَرَضَتْ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ كَمَا اِنْقَلَبَ اِعْتِقَادُ مُعْظَمِ الْيَهُودِ عَنْ التَّشْبِيهِ إِلَى التَّعْطِيلِ وَتَحَوَّلَ مُعْتَقَدُ النَّصَارَى فِي الِابْنِ وَالْأَبِ إِلَى أَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ لَا الْحِسِّيَّةِ , فَسُبْحَانَ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ شَهِدُوا وَانْقَادُوا , وَفِي رِوَايَةِ اِبْنِ خُزَيْمَةَ \" فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا لِذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَلَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ \" فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ \" وَعَدَّى أَطَاعَ بِاللَّامِ وَإِنْ كَانَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى اِنْقَادَ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَيْسُوا بِعَارِفِينَ وَإِنْ كَانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُظْهِرُونَ مَعْرِفَتَهُ لَكِنْ قَالَ حُذَّاقُ الْمُتَكَلِّمِينَ : مَا عَرَفَ اللَّهَ مَنْ شَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ أَوْ أَضَافَ إِلَيْهِ الْيَدَ أَوْ أَضَافَ إِلَيْهِ الْوَلَدَ فَمَعْبُودُهُمْ الَّذِي عَبَدُوهُ لَيْسَ هُوَ اللَّهُ وَإِنْ سَمَّوْهُ بِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِالْفُرُوعِ حَيْثُ دُعُوا أَوَّلًا إِلَى الْإِيمَانِ فَقَطْ , ثُمَّ دُعُوا إِلَى الْعَمَلِ , وَرَتَّبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِالْفَاءِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ \" فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا فَأَخْبِرْهُمْ \" يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يُطِيعُوا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ , وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ اِسْتِدْلَالٌ ضَعِيفٌ , لِأَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الدَّعْوَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّرْتِيبَ فِي الْوُجُوبِ , كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا فِي الْوُجُوبِ , وَقَدْ قُدِّمَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَرُتِّبَتْ الْأُخْرَى عَلَيْهَا بِالْفَاءِ , وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِالصَّلَاةِ إِسْقَاطُ الزَّكَاةِ. وَقِيلَ الْحِكْمَةُ فِي تَرْتِيبِ الزَّكَاةِ عَلَى الصَّلَاةِ أَنَّ الَّذِي يُقِرُّ بِالتَّوْحِيدِ وَيَجْحَدُ الصَّلَاةَ يَكْفُرُ بِذَلِكَ فَيَصِيرُ مَالُهُ فَيْئًا فَلَا تَنْفَعُهُ الزَّكَاةُ , وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ إِنَّ ذِكْرَ الصَّدَقَةِ أُخِّرَ عَنْ ذِكْرِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ وَأَنَّهَا لَا تُكَرَّرُ تَكْرَارَ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَسَنٌ , وَتَمَامُهُ أَنْ يُقَالَ بَدَأَ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ , وَذَلِكَ مِنْ التَّلَطُّفِ فِي الْخِطَابِ لِأَنَّهُ لَوْ طَالَبَهُمْ بِالْجَمِيعِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ لَمْ يَأْمَنْ النُّفْرَةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( خَمْسَ صَلَوَاتٍ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ ) ‏ ‏قَالَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إِقْرَارَهُمْ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ وَالْتِزَامِهِمْ لَهَا , وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الطَّاعَةَ بِالْفِعْلِ , وَقَدْ يُرَجَّحُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ الْإِخْبَارُ بِالْفَرِيضَةِ فَتَعُودُ الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَيْهَا , وَيَتَرَجَّحُ الثَّانِي بِأَنَّهُمْ لَوْ أُخْبِرُوا بِالْفَرِيضَةِ فَبَادِرُوا إِلَى الِامْتِثَالِ بِالْفِعْلِ لَكَفَى وَلَمْ يُشْتَرَطْ التَّلَفُّظُ بِخِلَافِ الشَّهَادَتَيْنِ , فَالشَّرْطُ عَدَمُ الْإِنْكَارِ وَالْإِذْعَانُ لِلْوُجُوبِ اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ , فَمَنْ اِمْتَثَلَ بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالْفِعْلِ كَفَاهُ أَوْ بِهِمَا فَأَوْلَى , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَلَاءِ بَعْدَ ذِكْرِ الصَّلَاةِ \" فَإِذَا صَلَّوْا \" وَبَعْدَ ذِكْرِ الزَّكَاةِ \" فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( صَدَقَةً ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ زَكَرِيَّا \" فِي أَمْوَالِهِمْ \" كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الزَّكَاةِ , وَفِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَلَاءِ اِفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى قَبْضَ الزَّكَاةِ وَصَرْفَهَا إِمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِنَائِبِهِ , فَمَنْ اِمْتَنَعَ مِنْهَا أُخِذَتْ مِنْهُ قَهْرًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَلَى فُقَرَائِهِمْ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ إِنَّهُ يَكْفِي إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ , وَفِيهِ بَحْثٌ كَمَا قَالَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ الْفُقَرَاءَ لِكَوْنِهِمْ الْغَالِبَ فِي ذَلِكَ وَلِلْمُطَابَقَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى عَلَى الْمَدْيُونِ زَكَاةَ مَا فِي يَدِهِ إِذَا لَمْ يَفْضُلْ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ قَدْرُ نِصَابٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَنِيٍّ إِذَا كَانَ إِخْرَاجُ مَالِهِ مُسْتَحَقًّا لِغُرَمَائِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ) ) ‏ ‏كَرَائِمَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ لَا يَجُوزُ إِظْهَارُهُ قَالَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ : وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ الْوَاوِ , وَالْكَرَائِمُ جَمْعُ كَرِيمَةٍ أَيْ نَفِيسَةٍ , فَفِيهِ تَرْكُ أَخْذِ خِيَارِ الْمَالِ , وَالنُّكْتَةُ فِيهِ أَنَّ الزَّكَاةَ لِمُوَاسَاةِ الْفُقَرَاءِ فَلَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ الْإِجْحَافَ بِمَالِ الْأَغْنِيَاءِ إِلَّا إِنْ رَضَوْا بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ) ‏ ‏أَيْ تَجَنَّبْ الظُّلْمَ لِئَلَّا يَدْعُوَ عَلَيْك الْمَظْلُومُ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ , وَالنُّكْتَةُ فِي ذِكْرِهِ عَقِبَ الْمَنْعِ مِنْ أَخْذِ الْكَرَائِمِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ أَخْذَهَا ظُلْمٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَطَفَ وَاتَّقِ عَلَى عَامِلِ إِيَّاكَ الْمَحْذُوفِ وُجُوبًا , فَالتَّقْدِيرُ اِتَّقِ نَفْسَك أَنْ تَتَعَرَّضَ لِلْكَرَائِمِ. وَأَشَارَ بِالْعَطْفِ إِلَى أَنَّ أَخْذَ الْكَرَائِمِ ظُلْمٌ , وَلَكِنَّهُ عَمَّمَ إِشَارَةً إِلَى التَّحَرُّزِ عَنْ الظُّلْمِ مُطْلَقًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حِجَابٌ ) ‏ ‏أَيْ لَيْسَ لَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا وَلَا مَانِعٌ , وَالْمُرَادُ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ مَرْفُوعًا \" دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ , وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ \" وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ , وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حِجَابًا يَحْجُبُهُ عَنْ النَّاسِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُهُ \" اِتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ \" تَذْيِيلٌ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الظُّلْمِ الْخَاصِّ مِنْ أَخْذِ الْكَرَائِمِ وَعَلَى غَيْرِهِ , وَقَوْلُهُ \" فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ \" تَعْلِيلٌ لِلِاتِّقَاءِ وَتَمْثِيلٌ لِلدُّعَاءِ , كَمَنْ يَقْصِدُ دَارَ السُّلْطَانِ مُتَظَلِّمًا فَلَا يُحْجَبُ , وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدٌ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ : إِلَّا أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّ الدَّاعِيَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ : إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ مَا طَلَبَ , وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ أَفْضَلَ مِنْهُ , وَإِمَّا أَنْ يُدْفَعَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلُهُ. وَهَذَا كَمَا قُيِّدَ مُطْلَقُ قَوْلِهِ تَعَالَى ( أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ) بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ ) وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا الدُّعَاءُ إِلَى التَّوْحِيدِ قَبْلَ الْقِتَالِ , وَتَوْصِيَةُ الْإِمَامِ عَامِلَهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا , وَفِيهِ بَعْثُ السُّعَاةِ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ , وَقَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ , وَإِيجَابُ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ \" مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ \" قَالَهُ عِيَاضٌ وَفِيهِ بَحْثٌ , وَأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُدْفَعُ إِلَى الْكَافِرِ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ فِي فُقَرَائِهِمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ قُلْنَا بِخُصُوصِ الْبَلَدِ أَوْ الْعُمُومِ , وَأَنَّ الْفَقِيرَ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ , وَأَنَّ مَنْ مَلَكَ نِصَابًا لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ غَنِيًّا وَقَابَلَهُ بِالْفَقِيرِ , وَمَنْ مَلَكَ النِّصَابَ فَالزَّكَاةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْهُ فَهُوَ غَنِيٌّ وَالْغِنَى مَانِعٌ مِنْ إِعْطَاءِ الزَّكَاةِ إِلَّا مَنْ اُسْتُثْنِيَ , قَالَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَلَيْسَ هَذَا الْبَحْثُ بِالشَّدِيدِ الْقُوَّةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِيهِ أَنَّ الْمَالَ إِذَا تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ لِإِضَافَةِ الصَّدَقَةِ إِلَى الْمَالِ وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا. ‏ ‏( تَكْمِيلٌ ) : ‏ ‏لَمْ يَقَعْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ مَعَ أَنَّ بَعْثَ مُعَاذٍ كَمَا تَقَدَّمَ كَانَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ , وَأَجَابَ اِبْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّ ذَلِكَ تَقْصِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى اِرْتِفَاعِ الْوُثُوقِ بِكَثِيرٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ. وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ اِهْتِمَامَ الشَّارِعِ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ أَكْثَرُ , وَلِهَذَا كُرِّرَا فِي الْقُرْآنِ فَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُذْكَرْ الصَّوْمُ وَالْحَجُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّهُمَا مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ , وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ إِذَا وَجَبَا عَلَى الْمُكَلَّفِ لَا يَسْقُطَانِ عَنْهُ أَصْلًا بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ بِالْفِدْيَةِ , وَالْحَجِّ فَإِنَّ الْغَيْرَ قَدْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِ كَمَا فِي الْمَعْضُوبِ , وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ شُرِعَ اِنْتَهَى. وَقَالَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ : إِذَا كَانَ الْكَلَامُ فِي بَيَانِ الْأَرْكَانِ لَمْ يَخْلُ الشَّارِعُ مِنْهُ بِشَيْءٍ كَحَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ \" بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ \" فَإِذَا كَانَ فِي الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ اُكْتُفِيَ بِالْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ الشَّهَادَةُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَلَوْ كَانَ بَعْدَ وُجُودِ فَرْضِ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ ) فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ بَرَاءَةٌ مَعَ أَنَّ نُزُولَهَا بَعْدَ فَرْضِ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ قَطْعًا , وَحَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ أَيْضًا \" أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ \" وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ , قَالَ : وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَرْكَانَ الْخَمْسَةَ : اِعْتِقَادِيٌّ وَهُوَ الشَّهَادَةُ , وَبَدَنِيٌّ وَهُوَ الصَّلَاةُ , وَمَالِيٌّ وَهُوَ الزَّكَاةُ. اُقْتُصِرَ فِي الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ عَلَيْهَا لِتَفَرُّعِ الرُّكْنَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ عَلَيْهَا , فَإِنَّ الصَّوْمَ بَدَنِيٌّ مَحْضٌ وَالْحَجَّ بَدَنِيٌّ مَالِيٌّ , وَأَيْضًا فَكَلِمَةُ الْإِسْلَامِ هِيَ الْأَصْلُ وَهِيَ شَاقَّةٌ عَلَى الْكُفَّارِ وَالصَّلَوَاتُ شَاقَّةٌ لِتَكَرُّرِهَا وَالزَّكَاةُ شَاقَّةٌ لِمَا فِي جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ مِنْ حُبِّ الْمَالِ , فَإِذَا أَذْعَنَ الْمَرْءُ لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ كَانَ مَا سِوَاهَا أَسْهَلَ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1402",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ ‏ ‏أَبِي أَوْفَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرٍو ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ مُرَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَارِقٍ الْمُرَادِيُّ الْكُوفِيُّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ الصَّحَابَةِ إِلَّا مِنْ اِبْنِ أَبِي أَوْفَى , قَالَ شُعْبَةُ : كَانَ لَا يُدَلِّسُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ \" سَمِعْت اِبْنَ أَبِي أَوْفَى وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى فُلَانٍ ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ : عَلَى آلِ فُلَانٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى ) ‏ ‏يُرِيدُ أَبَا أَوْفَى نَفْسَهُ لِأَنَّ الْآلَ يُطْلَقُ عَلَى ذَاتِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ أَبِي مُوسَى \" لَقَدْ أُوتِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ \" وَقِيلَ : لَا يُقَالُ ذَلِكَ إِلَّا فِي حَقِّ الرَّجُلِ الْجَلِيلِ الْقَدْرِ , وَاسْمُ أَبِي أَوْفَى عَلْقَمَةُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيُّ شَهِدَ هُوَ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بَيْعَةَ الرَّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَعُمِّرُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى أَنْ كَانَ آخِرَ مَنْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِالْكُوفَةِ وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ , قَالَ اِبْنُ التِّينِ : وَهَذَا الْحَدِيثُ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ , وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ : يَدْعُو آخِذُ الصَّدَقَةِ لِلتَّصَدُّقِ بِهَذَا الدُّعَاءِ لِهَذَا الْحَدِيثِ , وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ عَنْهُ قَدِيمًا بِأَنَّ أَصْلَ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ إِلَّا أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْمَدْعُوِّ لَهُ , فَصَلَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّتِهِ دُعَاءٌ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ , وَصَلَاةُ أُمَّتِهِ عَلَيْهِ دُعَاءٌ لَهُ بِزِيَادَةِ الْقُرْبَى وَالزُّلْفَى وَلِذَلِكَ كَانَ لَا يَلِيقُ بِغَيْرِهِ اِنْتَهَى. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِسْتِحْبَابِ دُعَاءِ آخِذِ الزَّكَاةِ لِمُعْطِيهَا , وَأَوْجَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَحَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَعَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّعَاةَ , وَلِأَنَّ سَائِرَ مَا يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ مِنْ الْكَفَّارَاتِ وَالدُّيُونِ وَغَيْرِهِمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا الدُّعَاءُ فَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ , وَأَمَّا الْآيَةُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ خَاصًّا بِهِ لِكَوْنِ صَلَاتِهِ سَكَنًا لَهُمْ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1403",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْعَجْمَاءُ ‏ ‏جُبَارٌ ‏ ‏وَالْبِئْرُ ‏ ‏جُبَارٌ ‏ ‏وَالْمَعْدِنُ ‏ ‏جُبَارٌ ‏ ‏وَفِي ‏ ‏الرِّكَازِ ‏ ‏الْخُمُسُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ \" الْعَجْمَاءُ عَقْلُهَا جُبَارٌ \" وَسَيَأْتِي فِي الدِّيَاتِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَسُمِّيَتْ الْبَهِيمَةُ عَجْمَاءَ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ ) ‏ ‏أَيْ هَدَرٌ , وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ , إِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ اِسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِلْعَمَلِ فِي مَعْدِنٍ مَثَلًا فَهَلَكَ فَهُوَ هَدَرٌ وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ اِسْتَأْجَرَهُ , وَسَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي الدِّيَاتِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِي الرِّكَازِ , وَأَنَّ الْجُمْهُورَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ الْمَالُ الْمَدْفُونُ , لَكِنْ حَصَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ فِيمَا يُوجَدُ فِي الْمَوَاتِ , بِخِلَافِ مَا إِذَا وَجَدَهُ فِي طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ أَوْ مَسْجِدٍ فَهُوَ لُقَطَةٌ , وَإِذَا وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ الَّذِي وَجَدَهُ فَهُوَ لَهُ , وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَإِنْ اِدَّعَاهُ الْمَالِكُ فَهُوَ لَهُ وَإِلَّا فَهُوَ لِمَنْ تَلَقَّاهُ عَنْهُ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْحَالُ إِلَى مَنْ أَحْيَا تِلْكَ الْأَرْضَ , قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : مَنْ قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسَ إِمَّا مُطْلَقًا أَوْ فِي أَكْثَرِ الصُّوَرِ فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْحَدِيثِ , وَخَصَّهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ , وَقَالَ الْجُمْهُورُ : لَا يَخْتَصُّ , وَاخْتَارَهُ اِبْنُ الْمُنْذِرِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَصْرِفِهِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ : مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ خُمُسِ الْفَيْءِ , وَهُوَ اِخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ : مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ. وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ مَا إِذَا وَجَدَهُ ذِمِّيٌّ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يُخْرَجُ مِنْهُ الْخُمُسُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ بَلْ يَجِبُ إِخْرَاجُ الْخُمُسِ فِي الْحَالِ. وَأَغْرَبَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ فِي \" شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ \" فَحَكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ الِاشْتِرَاطَ , وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ وَلَا مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1404",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَسْدِ ‏ ‏عَلَى صَدَقَاتِ ‏ ‏بَنِي سُلَيْمٍ ‏ ‏يُدْعَى ‏ ‏ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ ‏ ‏فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ فِي قِصَّةِ اِبْنِ اللُّتْبِيَّةِ وَفِيهِ \" فَلَمَّا جَاءَ حَاسِبُهُ \" سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُسْتَوْفًى فِي الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَابْنُ اللُّتْبِيَّةِ الْمَذْكُورُ اِسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَا ذَكَرَ اِبْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ , وَلَمْ أَعْرِفْ اِسْمَ أُمِّهِ. وَقَوْلُهُ \" عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ \" أَفَادَ الْعَسْكَرِيُّ بِأَنَّهُ بُعِثَ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي ذُبْيَانَ , فَلَعَلَّهُ كَانَ عَلَى الْقَبِيلَتَيْنِ. وَاللُّتْبِيَّةُ بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مِنْ بَنِي لُتْبٍ حَيٌّ مِنْ الْأَزْدِ قَالَهُ اِبْنُ دُرَيْدٍ , قِيلَ إِنَّهَا كَانَتْ أُمَّهُ فَعُرِفَ بِهَا , وَقِيلَ اللَّتْبِيَّةُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمُثَنَّاةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1405",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ نَاسًا مِنْ ‏ ‏عُرَيْنَةَ ‏ ‏اجْتَوَوْا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا ‏ ‏الذَّوْدَ ‏ ‏فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ‏ ‏وَسَمَرَ ‏ ‏أَعْيُنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ ‏ ‏بِالْحَرَّةِ ‏ ‏يَعَضُّونَ الْحِجَارَةَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو قِلَابَةَ ‏ ‏وَحُمَيْدٌ ‏ ‏وَثَابِتٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ أَبُو قِلَابَةَ وَحُمَيْدٌ وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ ) ‏ ‏أَمَّا مُتَابَعَةُ أَبِي قِلَابَةَ فَتَقَدَّمَتْ فِي الطَّهَارَةِ , وَأَمَّا مُتَابَعَةُ حُمَيْدٍ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ , وَأَمَّا مُتَابَعَةُ ثَابِتٍ فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الطِّبِّ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1406",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏لِيُحَنِّكَهُ ‏ ‏فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ ‏ ‏الْمِيسَمُ ‏ ‏يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ ( حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ مُسْلِمٍ , وَأَبُو عَمْرٍو هُوَ الْأَوْزَاعِيُّ كَمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَفِي يَدِهِ الْمِيسَمُ ) ‏ ‏بِوَزْنِ مِفْعَلٍ مَكْسُورُ الْأَوَّلِ وَأَصْلُهُ مِوْسَمٌ لِأَنَّ فَاءَهُ وَاوٌ لَكِنَّهَا لَمَّا سُكِّنَتْ وَكُسِرَ مَا قَبْلَهَا قُلِبَتْ يَاءً , وَهِيَ الْحَدِيدَةُ الَّتِي يُوسَمُ بِهَا أَيْ يُعَلَّمُ , وَهُوَ نَظِيرُ الْخَاتَمِ. وَالْحِكْمَةُ فِيهِ تَمْيِيزُهَا , وَلِيَرُدَّهَا مَنْ أَخَذَهَا وَمَنْ اِلْتَقَطَهَا , وَلِيُعَرِّفَهَا صَاحِبُهَا فَلَا يَشْتَرِيهَا إِذَا تَصَدَّقَ بِهَا مَثَلًا لِئَلَّا يَعُودَ فِي صَدَقَتِهِ. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَصْرِيحٍ بِمَا كَانَ مَكْتُوبًا عَلَى مِيسَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِلَّا أَنَّ اِبْنَ الصَّبَّاغِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ نَقَلَ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُ يُكْتَبُ فِي مِيسَمِ الزَّكَاةِ \" زَكَاةٌ \" أَوْ \" صَدَقَةٌ \". وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ كَرِهَ الْوَسْمَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ بِالْمِيسَمِ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ , وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ مِنْ الْعُمُومِ الْمَذْكُورِ لِلْحَاجَةِ كَالْخِتَانِ لِلْآدَمِيِّ , قَالَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَّخِذَ مِيسَمًا وَلَيْسَ لِلنَّاسِ أَنْ يَتَّخِذُوا نَظِيرَهُ , وَهُوَ كَالْخَاتَمِ , وَفِيهِ اِعْتِنَاءُ الْإِمَامِ بِأَمْوَالِ الصَّدَقَةِ وَتَوَلِّيهَا بِنَفْسِهِ , وَيَلْتَحِقُ بِهِ جَمِيعُ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِيهِ جَوَازُ إِيلَامِ الْحَيَوَانِ لِلْحَاجَةِ. وَفِيهِ قَصْدُ أَهْلِ الْفَضْلِ لِتَحْنِيكِ الْمَوْلُودِ لِأَجْلِ الْبَرَكَةِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَأْخِيرِ الْقِسْمَةِ لِأَنَّهَا لَوْ عُجِّلَتْ لَاسْتُغْنِيَ عَنْ الْوَسْمِ. وَفِيهِ مُبَاشَرَةُ أَعْمَالِ الْمِهْنَةِ وَتَرْكُ الِاسْتِنَابَةِ فِيهَا لِلرَّغْبَةِ فِي زِيَادَةِ الْأَجْرِ وَنَفْيِ الْكِبْرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1407",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَكَاةَ الْفِطْرِ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَزْنُ جَعْفَرٍ , وَعُمَرُ بْنُ نَافِعٍ هُوَ مَوْلَى اِبْنِ عُمَرَ ثِقَةٌ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْقَزَعِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( زَكَاةَ الْفِطْرِ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ \" مِنْ رَمَضَانَ \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ , وَقِيلَ وَقْتُ وُجُوبِهَا طُلُوعُ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ , وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ الْفِطْرُ الْحَقِيقِيُّ بِالْأَكْلِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ , وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ , وَالثَّانِي قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ مَالِكٍ , وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ \" وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ \" قَالَ الْمَازِرِيُّ : قِيلَ إِنَّ الْخِلَافَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ \" الْفِطْرُ مِنْ رَمَضَانَ \" الْفِطْرُ الْمُعْتَادُ فِي سَائِرِ الشَّهْرِ فَيَكُونُ الْوُجُوبُ بِالْغُرُوبِ , أَوْ الْفِطْرُ الطَّارِئُ بَعْدُ فَيَكُونُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ لِهَذَا الْحُكْمِ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إِلَى الْفِطْرِ لَا تَدُلُّ عَلَى وَقْتِ الْوُجُوبِ بَلْ تَقْتَضِي إِضَافَةَ هَذِهِ الزَّكَاةِ إِلَى الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ , وَأَمَّا وَقْتُ الْوُجُوبِ فَيُطْلَبُ مِنْ أَمْرٍ آخَرَ , وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي \" بَابِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ الْعِيدِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ) ‏ ‏اِنْتَصَبَ \" صَاعًا \" عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ , وَلَمْ تَخْتَلِفْ الطُّرُقُ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ نَافِعٍ فَزَادَ فِيهِ السُّلْتَ وَالزَّبِيبَ , فَأَمَّا السُّلْت فَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ : نَوْعٌ مِنْ الشَّعِيرِ , وَأَمَّا الزَّبِيبُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ , وَأَمَّا حَدِيثُ اِبْنِ عُمَرَ فَقَدْ حَكَمَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ التَّمْيِيزِ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيهِ بِالْوَهْمِ , وَسَنَذْكُرُ الْبَحْثَ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ إِخْرَاجُ الْعَبْدِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ إِلَّا دَاوُدَ فَقَالَ : يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُمَكِّنَ الْعَبْدَ مِنْ الِاكْتِسَابِ لَهَا كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ الصَّلَاةِ , وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ وَالنَّاسُ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا \" لَيْسَ فِي الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ , وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ \" لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ عِنْدِ الْبُخَارِيِّ قَرِيبًا بِغَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا عَلَى السَّيِّدِ , وَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ اِبْتِدَاءً أَوْ تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ ثُمَّ يَتَحَمَّلُهَا السَّيِّدُ ؟ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ , وَإِلَى الثَّانِي نَحَا الْبُخَارِيُّ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ) ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ وُجُوبُهَا عَلَى الْمَرْأَةِ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا زَوْجٌ أَمْ لَا وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ , وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ تَجِبُ عَلَى زَوْجِهَا إِلْحَاقًا بِالنَّفَقَةِ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنْ أَعْسَرَ وَكَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً وَجَبَتْ فِطْرَتُهَا عَلَى السَّيِّدِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ فَافْتَرَقَا , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُخْرِجُ عَنْ زَوْجَتِهِ الْكَافِرَةِ مَعَ أَنَّ نَفَقَتَهَا تَلْزَمُهُ , وَإِنَّمَا اِحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ مُرْسَلًا نَحْوَ حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ وَزَادَ فِيهِ \" مِمَّنْ تَمُونُونَ \" وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَزَادَ فِي إِسْنَادِهِ ذِكْرَ عَلِيٍّ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا. وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ وُجُوبُهَا عَلَى الصَّغِيرِ , لَكِنَّ الْمُخَاطَبَ عَنْهُ وَلِيُّهُ فَوُجُوبُهَا عَلَى هَذَا فِي مَالِ الصَّغِيرِ وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ , وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : هِيَ عَلَى الْأَبِ مُطْلَقًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ , وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ صَامَ , وَاسْتُدِلَّ لَهُمَا بِحَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا \" صَدَقَةُ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذِكْرَ التَّطْهِيرِ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ كَمَا أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يُذْنِبْ كَمُتَحَقِّقِ الصَّلَاحِ أَوْ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِلَحْظَةٍ , وَنَقَلَ اِبْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْجَنِينِ قَالَ : وَكَانَ أَحْمَدُ يَسْتَحِبُّهُ وَلَا يُوجِبُهُ , وَنَقَلَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَةً عَنْهُ بِالْإِيجَابِ , وَبِهِ قَالَ اِبْنُ حَزْمٍ لَكِنْ قَيَّدَهُ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ يَوْمِ حَمْلِ أُمِّهِ بِهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَمْلَ غَيْرُ مُحَقَّقٍ وَبِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى صَغِيرًا لُغَةً وَلَا عُرْفًا , وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ \" طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ \" عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ كَمَا تَجِبُ عَلَى الْغَنِيِّ , وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَفِي حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ , وَعَنْ الْحَنَفِيَّةِ لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ مَلَكَ نِصَابًا , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ \" لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى \" وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَاضِلًا عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. وَقَالَ اِبْنُ بَزِيزَةَ : لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى اِعْتِبَارِ النِّصَابِ فِيهَا لِأَنَّهَا زَكَاةٌ بَدَنِيَّةٌ لَا مَالِيَّةٌ. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ الْمُسْلِمِينَ ) ‏ ‏فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِهَا , وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي الْأَبْوَابِ الَّتِي بَعْدَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَمَرَ بِهَا إِلَخْ ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى كَرَاهَةِ تَأْخِيرِهَا عَنْ ذَلِكَ , وَحَمَلَهُ اِبْنُ حَزْمٍ عَلَى التَّحْرِيمِ , وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ أَبْوَابٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "1408",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ تَمْرٍ أَوْ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1409",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏نُطْعِمُ الصَّدَقَةَ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ شَعِيرٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1410",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ طَعَامٍ أَوْ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ شَعِيرٍ أَوْ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ تَمْرٍ أَوْ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ أَقِطٍ أَوْ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ زَبِيبٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ أَنَّ الطَّعَامَ غَيْرُ الشَّعِيرِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ , وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ بَابٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "1411",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِزَكَاةِ الْفِطْرِ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ تَمْرٍ أَوْ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ شَعِيرٍ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَجَعَلَ النَّاسُ ‏ ‏عِدْلَهُ ‏ ‏مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ ) ‏ ‏لَمْ أَرَهُ إِلَّا بِالْعَنْعَنَةِ , وَسَمَاعُ اللَّيْثِ مِنْ نَافِعٍ صَحِيحٌ , وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْ نَافِعٍ وَزَادَ فِيهِ \" مِنْ الْمُسْلِمِينَ \" كَمَا تَقَدَّمَ , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اللَّيْثُ سَمِعَهُ مِنْ نَافِعٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَمِنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْهُ بِهَا , وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَلِيدِ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ \" أَنَّ اِبْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : لَا تَجِبُ فِي مَالٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ , إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ \" الْحَدِيثَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَمَرَ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمِقْدَارِ لَا بِأَصْلِ الْإِخْرَاجِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ نَظِيرَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ عَلَى هَذِهِ الْمَادَّةِ فِي \" بَابِ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ ) ‏ ‏أَيْ نِصْفَ صَاعٍ , وَأَشَارَ اِبْنُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ \" النَّاسُ \" إِلَى مُعَاوِيَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَلَفْظُهُ \" صَدَقَةُ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ , قَالَ اِبْنُ عُمَرَ : فَلَمَّا كَانَ مُعَاوِيَةُ عَدَلَ النَّاسُ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ بِصَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ , وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي بَعْدَهُ وَهُوَ أَصْرَحُ مِنْهُ , أَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رُوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ فِيهِ \" فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ كَثُرَتْ الْحِنْطَةُ , فَجَعَلَ عُمَرُ نِصْفَ صَاعِ حِنْطَةٍ مَكَانَ صَاعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ \" فَقَدْ حَكَمَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ التَّمْيِيزِ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيهِ بِالْوَهْمِ وَأَوْضَحَ الرَّدَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَوْلُ اِبْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدِي أَوْلَى. وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الَّذِي عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ وَغَيْرُهُمَا فَأَخْرَجَ عَنْ يَسَارِ بْنِ نُمَيْرٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ \" إِنِّي أَحْلِفُ لَا أُعْطِي قَوْمًا ثُمَّ يَبْدُو لِي فَأَفْعَلُ , فَإِذَا رَأَيْتنِي فَعَلْت ذَلِكَ فَأَطْعِمْ عَنِّي عَشْرَةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ \" وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَشْعَثِ قَالَ : خَطَبَنَا عُثْمَانُ فَقَالَ \" أَدُّوا زَكَاةَ الْفِطْرِ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ \" وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1412",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَكِيمٍ الْعَدَنِيَّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ طَعَامٍ أَوْ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ تَمْرٍ أَوْ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ شَعِيرٍ أَوْ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ زَبِيبٍ فَلَمَّا جَاءَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏وَجَاءَتْ ‏ ‏السَّمْرَاءُ ‏ ‏قَالَ أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا ‏ ‏يَعْدِلُ ‏ ‏مُدَّيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ بِلَفْظِ \" أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كُنَّا نُعْطِيهَا ) ‏ ‏أَيْ زَكَاةَ الْفِطْرِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ لِإِضَافَتِهِ إِلَى زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِاطِّلَاعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَتَقْرِيرُهُ لَهُ وَلَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي كَانَتْ تُوضَعُ عِنْدَهُ وَتُجْمَعُ بِأَمْرِهِ وَهُوَ الْآمِرُ بِقَبْضِهَا وَتَفْرِقَتِهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ) ‏ ‏هَذَا يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الطَّعَامِ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ , وَقَدْ حَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ هُنَا الْحِنْطَةُ وَأَنَّهُ اِسْمٌ خَاصٌّ بِهِ قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ذِكْرُ الشَّعِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَقْوَاتِ وَالْحِنْطَةِ أَعْلَاهَا فَلَوْلَا أَنَّهُ أَرَادَهَا بِذَلِكَ لَكَانَ ذِكْرُهَا عِنْدَ التَّفْصِيلِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَقْوَاتِ وَلَا سِيَّمَا حَيْثُ عُطِفَتْ عَلَيْهَا بِحَرْفِ \" أَوْ \" الْفَاصِلَةِ , وَقَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ : وَقَدْ كَانَتْ لَفْظَةُ \" الطَّعَامِ \" تُسْتَعْمَلُ فِي الْحِنْطَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ حَتَّى إِذَا قِيلَ اِذْهَبْ إِلَى سُوقِ الطَّعَامِ فُهِمَ مِنْهُ سُوقُ الْقَمْحِ , وَإِذَا غَلَبَ الْعُرْفُ نُزِّلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ , لِأَنَّ مَا غَلَبَ اِسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيهِ كَانَ خُطُورُهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَقْرَبَ اِنْتَهَى. وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ اِبْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ : ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ \" صَاعًا مِنْ طَعَامٍ \" حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ صَاعًا مِنْ حِنْطَةٍ , وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ , وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَجْمَلَ الطَّعَامَ ثُمَّ فَسَّرَهُ , ثُمَّ أَوْرَدَ طَرِيقَ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِيمَا قَالَ وَلَفْظُهُ \" كُنَّا نُخْرِجُ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ , وَكَانَ طَعَامُنَا الشَّعِيرَ وَالزَّبِيبَ وَالْأَقِطَ وَالتَّمْرَ \" وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عِيَاضٍ وَقَالَ فِيهِ \" وَلَا يُخْرِجُ غَيْرَهُ \" قَالَ وَفِي قَوْلِهِ \" فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتْ السَّمْرَاءُ \" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ قُوتًا لَهُمْ قَبْلَ هَذَا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ كَثِيرَةً وَلَا قُوتًا فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوا مَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا ؟ اِنْتَهَى كَلَامُهُ. وَأَخْرَجَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَذَكَرُوا عِنْدَهُ صَدَقَةَ رَمَضَانَ فَقَالَ \" لَا أُخْرِجُ إِلَّا مَا كُنْت أُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَاعُ تَمْرٍ أَوْ صَاعُ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعُ شَعِيرٍ أَوْ صَاعُ أَقِطٍ , فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ , فَقَالَ : لَا تِلْكَ قِيمَةُ مُعَاوِيَةَ مَطْوِيَّةٌ لَا أَقْبَلُهَا وَلَا أَعْمَلُ بِهَا \" قَالَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ ذِكْرُ الْحِنْطَةِ فِي خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَلَا أَدْرِي مِمَّنْ الْوَهْمُ , ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" فَقَالَ رَجُلٌ إِلَخْ \" ‏ ‏دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْحِنْطَةِ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ خَطَأٌ إِذْ لَوْ كَانَ أَبُو سَعِيدٍ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُخْرِجُونَ مِنْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا لَمَا كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لَهُ : أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ , وَقَدْ أَشَارَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى رِوَايَةِ اِبْنِ إِسْحَاقَ هَذِهِ وَقَالَ : إِنَّ ذِكْرَ الْحِنْطَةِ فِيهِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ , وَذُكِرَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ هِشَامٍ رَوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سُفْيَانَ \" نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ \" وَهُوَ وَهْمٌ وَأَنَّ اِبْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِهِ عَنْ اِبْنِ عَجْلَانَ عَنْ عِيَاضٍ فَزَادَ فِيهِ \" أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ \" وَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ , قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَذِكْرُ الدَّقِيقِ وَهْمٌ مِنْ اِبْنِ عُيَيْنَةَ. وَأَخْرَجَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ قَالَ \" لَمْ تَكُنْ الصَّدَقَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالشَّعِيرُ وَلَمْ تَكُنْ الْحِنْطَةُ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِيَاضٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ \" كُنَّا نُخْرِجُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ : صَاعًا مِنْ تَمْرٍ , أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ , أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ \" وَكَأَنَّهُ سَكَتَ عَنْ الزَّبِيبِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِقِلَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَهَذِهِ الطُّرُقُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ غَيْرُ الْحِنْطَةِ , فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الذُّرَةُ فَإِنَّهُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ الْآنَ وَهِيَ قُوتٌ غَالِبٌ لَهُمْ. وَقَدْ رَوَى الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ عَجْلَانَ عَنْ عِيَاضٍ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ \" صَاعًا مِنْ تَمْرٍ , صَاعًا مِنْ سُلْتٍ أَوْ ذُرَةٍ \" وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ \" صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ إِلَخْ \" بَعْدَ قَوْلِهِ \" صَاعًا مِنْ طَعَامٍ \" مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ , لَكِنَّ مَحَلَّ الْعَطْفِ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ أَشْرَفَ , وَلَيْسَ الْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ. وَقَالَ اِبْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا : لَا نَعْلَمُ فِي الْقَمْحِ خَبَرًا ثَابِتًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ , وَلَمْ يَكُنْ الْبُرُّ بِالْمَدِينَةِ ذَلِكَ الْوَقْتَ إِلَّا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ مِنْهُ , فَلَمَّا كَثُرَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ رَأَوْا أَنَّ نِصْفَ صَاعٍ مِنْهُ يَقُومُ مَقَامَ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ , وَهُمْ الْأَئِمَّةُ , فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُعْدَلَ عَنْ قَوْلِهِمْ إِلَّا إِلَى قَوْلِ مِثْلِهِمْ. ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ أَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ اِنْتَهَى. وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى اِخْتِيَارِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ , لَكِنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ , وَكَذَلِكَ اِبْنُ عُمَرَ , فَلَا إِجْمَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا لِلطَّحَاوِيِّ. وَكَأَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي ثَبَتَ ذِكْرُهَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ لَمَّا كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً فِي مِقْدَارِ مَا يُخْرَجُ مِنْهَا مَعَ مَا يُخَالِفُهَا فِي الْقِيمَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إِخْرَاجُ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ كَانَ , فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا. هَذِهِ حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ , وَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْهَا بَدَلَ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ قِيَمَ مَا عَدَا الْحِنْطَةَ مُتَسَاوِيَةٌ , وَكَانَتْ الْحِنْطَةُ إِذْ ذَاكَ غَالِيَةَ الثَّمَنِ , لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنْ تُعْتَبَرَ الْقِيمَةُ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَيَخْتَلِفُ الْحَالُ وَلَا يَنْضَبِطُ , وَرُبَّمَا لَزِمَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ إِخْرَاجُ آصُعٍ مِنْ حِنْطَةٍ , وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَحَظُوا ذَلِكَ مَا رَوَى جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ فِي \" كِتَابِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ \" أَنَّ اِبْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا كَانَ أَمِيرَ الْبَصْرَةِ أَمَرَهُمْ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ , إِلَى أَنْ قَالَ : أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ. قَالَ : فَلَمَّا جَاءَ عَلِيٌّ وَرَأَى رُخْصَ أَسْعَارِهِمْ قَالَ : اِجْعَلُوهَا صَاعًا مِنْ كُلٍّ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْقِيمَةِ فِي ذَلِكَ , وَنَظَرَ أَبُو سَعِيدٍ إِلَى الْكَيْلِ كَمَا سَيَأْتِي. وَمِنْ عَجِيبِ تَأْوِيلِهِ قَوْلُهُ : أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَا كَانَ يَعْرِفُ الْقَمْحَ فِي الْفُطْرَةِ , وَإِنَّ الْخَبَرَ الَّذِي جَاءَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ صَاعًا أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ النِّصْفَ الثَّانِي تَطَوُّعًا , وَأَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ \" فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ \" أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ الصَّحَابَةُ , فَيَكُونُ إِجْمَاعًا. وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ \" فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ \" وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ : إِنَّ أَبَا سَعِيدٍ كَانَ يُخْرِجُ النِّصْفَ الْآخَرَ تَطَوُّعًا فَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ \" فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ \" وَزَادَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ \" وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَجَاءَتْ السَّمْرَاءُ ) ‏ ‏أَيْ الْقَمْحُ الشَّامِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَعْدِلُ مُدَّيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ \" أَرَى مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ \" وَزَادَ \" قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : أَمَّا أَنَا لَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشْت \" وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ عَجْلَانَ عَنْ عِيَاضٍ \" فَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو سَعِيدٍ وَقَالَ : لَا أُخْرِجُ إِلَّا مَا كُنْت أُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ \" لَا أُخْرِجُ أَبَدًا إِلَّا صَاعًا \" وَلِلدّارقُطْنِيّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمِ \" فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ , فَقَالَ : لَا , تِلْكَ قِيمَةُ مُعَاوِيَةَ لَا أَقْبَلُهَا وَلَا أَعْمَلُ بِهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَمَا فِيهَا. وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ \" وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا ذَكَرَ النَّاسُ الْمُدَّيْنِ \" وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وَهَنِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِصَّتِهِمَا , قَالَ النَّوَوِيُّ : تَمَسَّكَ بِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ مَنْ قَالَ بِالْمُدَّيْنِ مِنْ الْحِنْطَةِ , وَفِيهِ نَظَرٌ , لِأَنَّهُ فِعْلُ صَحَابِيٍّ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ أَبُو سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ هُوَ أَطْوَلُ صُحْبَةً مِنْهُ وَأَعْلَمُ بِحَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ صَرَّحَ مُعَاوِيَةُ بِأَنَّهُ رَأْيٌ رَآهُ لَا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الِاتِّبَاعِ وَالتَّمَسُّكِ بِالْآثَارِ وَتَرْكٍ لِلْعُدُولِ إِلَى الِاجْتِهَادِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ , وَفِي صَنِيعِ مُعَاوِيَةَ وَمُوَافَقَةُ النَّاسِ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ مَحْمُودٌ. لَكِنَّهُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1413",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1414",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ الْفِطْرِ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ طَعَامٍ وَقَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ وَالتَّمْرُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1415",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَرَضَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَدَقَةَ الْفِطْرِ ‏ ‏أَوْ قَالَ رَمَضَانَ ‏ ‏عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ تَمْرٍ أَوْ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ شَعِيرٍ فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ ‏ ‏صَاعٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بُرٍّ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يُعْطِي التَّمْرَ فَأَعْوَزَ ‏ ‏أَهْلُ الْمَدِينَةِ ‏ ‏مِنْ التَّمْرِ فَأَعْطَى شَعِيرًا فَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏يُعْطِي عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ حَتَّى إِنْ كَانَ لِيُعْطِي عَنْ بَنِيَّ وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَكَانَ اِبْنُ عُمَرَ يُعْطِي التَّمْرَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ \" كَانَ اِبْنُ عُمَرَ لَا يُخْرِجُ إِلَّا التَّمْرَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ , إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ أَخْرَجَ شَعِيرًا \" وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَيُّوبَ \" كَانَ اِبْنُ عُمَرَ إِذَا أَعْطَى أَعْطَى التَّمْرَ إِلَّا عَامًا وَاحِدًا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَعْوَزَ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ أَيْ اِحْتَاجَ , يُقَالُ أَعْوَزَنِي الشَّيْءُ إِذَا اِحْتَجْت إِلَيْهِ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ التَّمْرَ أَفْضَلُ مَا يُخْرَجُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ , وَقَدْ رَوَى جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ \" قُلْت لِابْنِ عُمَرَ : قَدْ أَوْسَعَ اللَّهُ , وَالْبُرُّ أَفْضَلُ مِنْ التَّمْرِ ; أَفَلَا تُعْطِي الْبُرَّ ؟ قَالَ : لَا أُعْطِي إِلَّا كَمَا كَانَ يُعْطِي أَصْحَابِي \" وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُخْرِجُونَ مِنْ أَعْلَى الْأَصْنَافِ الَّتِي يُقْتَاتُ بِهَا لِأَنَّ التَّمْرَ أَعْلَى مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَإِنْ كَانَ اِبْنُ عُمَرَ فَهِمَ مِنْهُ خُصُوصِيَّةَ التَّمْرِ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِنْ كَانَ يُعْطِي عَنْ بَنِيَّ ) ‏ ‏زَادَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ \" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : يَعْنِي بَنِي نَافِعٍ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : رُوِيَ بِفَتْحِ أَنْ وَكَسْرِهَا , وَشَرْطُ الْمَفْتُوحَةِ قَدْ وَشَرْطُ الْمَكْسُورَةِ اللَّامُ فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْحَذْفِ أَوْ تَكُونُ أَنْ مَصْدَرِيَّةً وَكَانَ زَائِدَةً. وَقَوْلُ نَافِعٍ هَذَا هُوَ شَاهِدُ التَّرْجَمَةِ , وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ اِبْنَ عُمَرَ رَاوِي الْحَدِيثِ فَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِهِ , وَأَوْلَادُ نَافِعٍ إِنْ كَانَ رِزْقُهُمْ وَهُوَ بَعْدُ فِي الرِّقِّ إِشْكَالٌ , وَإِنْ كَانَ رِزْقُهُمْ بَعْدَ أَنْ أَعْتَقَ فَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ اِبْنِ عُمَرَ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ , أَوْ كَانَ يَرَى وُجُوبَهَا عَلَى جَمِيعِ مَنْ يُمَوِّنُهُ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ نَفَقَتُهُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ. وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ \" أَنَّ اِبْنَ عُمَرَ كَانَ يُؤَدِّي زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ مَمْلُوكٍ لَهُ فِي أَرْضِهِ وَغَيْرِ أَرْضِهِ , وَعَنْ كُلِّ إِنْسَانٍ يَعُولُهُ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ , وَعَنْ رَقِيقِ اِمْرَأَتِهِ , وَكَانَ لَهُ مُكَاتَبٌ فَكَانَ لَا يُؤَدِّي عَنْهُ \" وَرَوَى اِبْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ إِسْحَاقَ قَالَ \" حَدَّثَنِي نَافِعٌ أَنَّ اِبْنَ عُمَرَ كَانَ يُخْرِجُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلِّهِمْ حُرِّهِمْ وَعَبْدِهِمْ صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ مُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ مِنْ الرَّقِيقِ \" وَهَذَا يُقَوِّي بَحْثَ اِبْنِ رَشِيدٍ الْمُتَقَدِّمَ , وَقَدْ حَمَلَهُ اِبْنُ الْمُنْذِرِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي عَنْ الْكَافِرِ مِنْهُمْ تَطَوُّعًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَكَانَ اِبْنُ عُمَرَ يُعْطِيهَا لِلَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي يُنَصِّبُهُ الْإِمَامُ لِقَبْضِهَا , بِهِ جَزَمَ اِبْنُ بَطَّالٍ. وَقَالَ اِبْنُ التَّيْمِيِّ : مَعْنَاهُ مَنْ قَالَ أَنَا فَقِيرٌ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ عَقِبَ الْحَدِيثِ \" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْمُصَنِّفُ : كَانُوا يُعْطُونَ لِلْجَمْعِ لَا لِلْفُقَرَاءِ \". وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَيُّوبَ \" قُلْت مَتَى كَانَ اِبْنُ عُمَرَ يُعْطِي ؟ قَالَ : إِذَا قَعَدَ الْعَامِلُ. قُلْت مَتَى يَقْعُدُ الْعَامِلُ ؟ قَالَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ \". وَلِمَالِكٍ فِي \" الْمُوَطَّأِ \" عَنْ نَافِعٍ \" أَنَّ اِبْنَ عُمَرَ كَانَ يَبْعَثُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إِلَى الَّذِي يُجْمَعُ عِنْدَهُ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ \" وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ وَقَالَ : هَذَا حَسَنٌ , وَأَنَا أَسْتَحِبُّهُ - يَعْنِي تَعْجِيلَهَا قَبْلَ يَوْمِ الْفِطْرِ - اِنْتَهَى. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْوَكَالَةِ وَغَيْرِهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ \" وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ \" الْحَدِيثَ. وَفِيهِ أَنَّهُ أَمْسَكَ الشَّيْطَانَ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَهُوَ يَأْخُذُ مِنْ التَّمْرِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَجِّلُونَهَا. وَعَكَسَهُ الْجَوْزَقِيُّ فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِهَا عَنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1416",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَدَقَةَ الْفِطْرِ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ شَعِيرٍ أَوْ ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ تَمْرٍ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1417",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏الْفَضْلُ ‏ ‏رَدِيفَ ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ ‏ ‏خَشْعَمَ ‏ ‏فَجَعَلَ ‏ ‏الْفَضْلُ ‏ ‏يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ وَجَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَصْرِفُ وَجْهَ ‏ ‏الْفَضْلِ ‏ ‏إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1418",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَرْكَبُ ‏ ‏رَاحِلَتَهُ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏يُهِلُّ ‏ ‏حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ قَائِمَةً ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1419",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَطَاءً ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏ذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ ‏ ‏رَاحِلَتُهُ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏وَابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ أَنَس وَابْن عَبَّاس ) ‏ ‏أَيْ إِهْلَاله بَعْدَمَا اِسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَته , وَسَيَأْتِي حَدِيث أَنَس مَوْصُولًا فِي \" بَاب مَنْ بَاتَ بِذِي الْحُلَيْفَة حَتَّى أَصْبَحَ \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس قَبْله فِي \" بَاب مَا يَلْبَس الْمُحْرِم مِنْ الثِّيَاب \" فِي أَثْنَاء حَدِيث. قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : اِخْتُلِفَ فِي الرُّكُوب وَالْمَشْي لِلْحُجَّاجِ أَيّهمَا أَفْضَل ؟ فَقَالَ الْجُمْهُور : الرُّكُوب أَفْضَل لِفِعْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِكَوْنِهِ أَعْوَن عَلَى الدُّعَاء وَالِابْتِهَال وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَة , وَقَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ : الْمَشْي أَفْضَل لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَب. وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال وَالْأَشْخَاص فَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَحْمَد بْن عِيسَى شَيْخ الْمُصَنِّف فِي حَدِيث اِبْن عُمَر وَقَعَ هَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ وَوَافَقَهُ أَبُو عَلِيّ الشَّبَّوِيّ وَأَهْمَلَهُ الْبَاقُونَ , وَإِبْرَاهِيم شَيْخه فِي حَدِيث جَابِر وَقَعَ مُهْمَلًا لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى الرَّازِيُّ وَهُوَ الْحَافِظ الْمَعْرُوف بِالْفَرَّاءِ الصَّغِير. ‏"
    },
    {
        "id": "1420",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَجَّ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏رَحْلٍ ‏ ‏وَلَمْ يَكُنْ ‏ ‏شَحِيحًا ‏ ‏وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَجَّ عَلَى ‏ ‏رَحْلٍ ‏ ‏وَكَانَتْ ‏ ‏زَامِلَتَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏هُوَ الْمُقَدَّمِيُّ كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ , وَلِغَيْرِهِ \" وَقَالَ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر \" وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ \" حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى وَالْحَسَن بْن سُفْيَان وَغَيْرهمَا قَالُوا : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر بِهِ \". وَعَزْرَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الزَّاي بَعْدهَا رَاء تَأْنِيث عَزْر وَهُوَ الْمَنْع وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( وَيُعَزِّرُوهُ ) , وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ. وَقَدْ أَنْكَرَهُ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ لَمَّا سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ : لَيْسَ هَذَا مِنْ حَدِيث يَزِيد بْن زُرَيْعٍ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ زَامِلَته ) ‏ ‏أَيْ الرَّاحِلَة الَّتِي رَكِبَهَا , وَهِيَ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْر لَكِنْ دَلَّ عَلَيْهَا ذِكْر الرَّحْل , وَالزَّامِلَة الْبَعِير الَّذِي يُحْمَل عَلَيْهِ الطَّعَام وَالْمَتَاع , مِنْ الزَّمْل وَهُوَ الْحَمْل , وَالْمُرَاد أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ زَامِلَة تَحْمِل طَعَامه وَمَتَاعه بَلْ كَانَ ذَلِكَ مَحْمُولًا مَعَهُ عَلَى رَاحِلَته وَكَانَتْ هِيَ الرَّاحِلَة وَالزَّامِلَة. وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة قَالَ \" كَانَ النَّاس يَحُجُّونَ وَتَحْتهمْ أَزْوِدَتهمْ , وَكَانَ أَوَّل مَنْ حَجَّ عَلَى رَحْل وَلَيْسَ تَحْته شَيْء عُثْمَان بْن عَفَّانَ \" وَقَوْله فِيهِ \" وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا \" إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا وَاتِّبَاعًا لَا عَنْ قِلَّة وَبُخْل. وَقَدْ رَوَى اِبْن مَاجَهْ هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظٍ آخَر لَكِنَّ إِسْنَاده ضَعِيف فَذَكَرَ بَعْدَ قَوْله \" عَلَى رَحْل رَثٍّ وَقَطِيفَة تُسَاوِي أَرْبَعَة دَرَاهِم - ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ حَجَّة لَا رِيَاء فِيهَا وَلَا سُمْعَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "1421",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْتَمَرْتُمْ وَلَمْ أَعْتَمِرْ فَقَالَ يَا ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏اذْهَبْ بِأُخْتِكَ فَأَعْمِرْهَا مِنْ ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏فَأَحْقَبَهَا ‏ ‏عَلَى نَاقَةٍ فَاعْتَمَرَتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَلِيّ الْفَلَّاسُ. وَأَبُو عَاصِم هُوَ النَّبِيل شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَرَوَى عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ , وَنَابِل وَالِد أَيْمَن بِنُونٍ وَمُوَحَّدَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَحْقَبَهَا عَلَى نَاقَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ نَاقَته , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1422",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ ‏ ‏إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ حَجٌّ ‏ ‏مَبْرُورٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1423",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلَا نُجَاهِدُ قَالَ ‏ ‏لَا لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ ‏ ‏مَبْرُورٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن الْمُبَارَك ) ‏ ‏هُوَ الْعَيْشِيّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالشِّين الْمُعْجَمَة بَصْرِيّ وَلَيْسَ أَخًا لِعَبْدِ اللَّه بْن الْمُبَارَك الْمَرْوَزِيِّ الْفَقِيه الْمَشْهُور , وَشَيْخه خَالِد هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْوَاسِطِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( نَرَى الْجِهَاد أَفْضَل الْعَمَل ) ‏ ‏وَهُوَ بِفَتْحِ النُّون أَيْ نَعْتَقِد وَنَعْلَم , وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يُسْمَع مِنْ فَضَائِله فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة. وَقَدْ رَوَاهُ جَرِير عَنْ صُهَيْبٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ \" فَإِنِّي لَا أَرَى عَمَلًا فِي الْقُرْآن أَفْضَل مِنْ الْجِهَاد \". ‏ ‏قَوْله : ( لَكِنَّ أَفْضَل الْجِهَاد ) ‏ ‏اِخْتُلِفَ فِي ضَبْط \" لَكِنَّ \" فَالْأَكْثَر بِضَمِّ الْكَاف خِطَاب لِلنِّسْوَةِ , قَالَ الْقَابِسِيّ : وَهُوَ الَّذِي تَمِيل إِلَيْهِ نَفْسِي. وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ لَكِنْ بِكَسْرِ الْكَاف وَزِيَادَة أَلِف قَبْلهَا بِلَفْظِ الِاسْتِدْرَاك , وَالْأَوَّل أَكْثَر فَائِدَة لِأَنَّهُ يَشْتَمِل عَلَى إِثْبَات فَضْل الْحَجّ وَعَلَى جَوَاب سُؤَالهَا عَنْ الْجِهَاد , وَسَمَّاهُ جِهَادًا لِمَا فِيهِ مِنْ مُجَاهَدَة النَّفْس , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام فِي أَوَاخِر كِتَاب الْحَجّ فِي \" بَاب حَجِّ النِّسَاء \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْمُحْتَاج إِلَيْهِ هُنَا كَوْنه جَعَلَ الْحَجّ أَفْضَل الْجِهَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "1424",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ ‏ ‏يَرْفُثْ ‏ ‏وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت أَبَا حَازِم ) ‏ ‏هُوَ سَلْمَان , وَأَمَّا أَبُو حَازِم سَلَمَة بْن دِينَار صَاحِب سَهْل بْن سَعْد فَلَمْ يَسْمَع مِنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَسَيَّار أَبُو الْحَكَم الرَّاوِي عَنْهُ بِتَقْدِيمِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَنْصُور عَنْ أَبِي حَازِم الْآتِيَة قُبَيْل جَزَاء الصَّيْد \" مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْت \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق جُرَيْجٍ عَنْ مَنْصُور \" مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْت \" وَهُوَ يَشْمَل الْحَجّ وَالْعُمْرَة. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي حَازِم بِلَفْظِ \" مَنْ حَجَّ أَوْ اِعْتَمَرَ \" لَكِنْ فِي الْإِسْنَاد إِلَى الْأَعْمَش ضَعْف. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَرْفُث ) ‏ ‏الرَّفَث الْجِمَاع , وَيُطْلَق عَلَى التَّعْرِيض بِهِ وَعَلَى الْفُحْش فِي الْقَوْل , وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : الرَّفَث اِسْم جَامِع لِكُلِّ مَا يُرِيدهُ الرَّجُل مِنْ الْمَرْأَة , وَكَانَ اِبْن عُمَر يَخُصّهُ بِمَا خُوطِبَ بِهِ النِّسَاء. وَقَالَ عِيَاض : هَذَا مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى ( فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ ) وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ فِي الْآيَة الْجِمَاع اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِهِ فِي الْحَدِيث مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ , وَإِلَيْهِ نَحَا الْقُرْطُبِيّ , وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي الصِّيَام \" فَإِذَا كَانَ صَوْم أَحَدكُمْ فَلَا يَرْفُث \". ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏فَاء الرَّفَث مُثَلَّثَة فِي الْمَاضِي وَالْمُضَارِع وَالْأَفْصَح الْفَتْح فِي الْمَاضِي وَالضَّمُّ فِي الْمُسْتَقْبَل وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَفْسُق ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يَأْتِ بِسَيِّئَةٍ وَلَا مَعْصِيَة , وَأَغْرَبَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ فَقَالَ : إِنَّ لَفْظ الْفِسْق لَمْ يُسْمَع فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي أَشْعَارهمْ وَإِنَّمَا هُوَ إِسْلَامِيّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَثُرَ اِسْتِعْمَاله فِي الْقُرْآن وَحِكَايَته عَمَّنْ قَبْلَ الْإِسْلَام. وَقَالَ غَيْره : أَصْله اِنْفَسَقَتْ الرُّطَبَة إِذَا خَرَجَتْ فَسُمِّيَ الْخَارِج عَنْ الطَّاعَة فَاسِقًا. ‏ ‏قَوْله : ( رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمّه ) ‏ ‏أَيْ بِغَيْرِ ذَنْب , وَظَاهِره غُفْرَان الصَّغَائِر وَالْكَبَائِر وَالتَّبِعَات , وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الشَّوَاهِد لِحَدِيثِ الْعَبَّاس بْن مِرْدَاس الْمُصَرِّح بِذَلِكَ , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر فِي تَفْسِير الطَّبَرِيِّ , قَالَ الْطِيبِيُّ : الْفَاء فِي قَوْله \" فَلَمْ يَرْفُث \" مَعْطُوف عَلَى الشَّرْط , وَجَوَابه رَجَعَ أَيْ صَارَ , وَالْجَارّ وَالْمَجْرُور خَبَر لَهُ , وَيَجُوز أَنْ يَكُون حَالًا أَيْ صَارَ مُشَابِهًا لِنَفْسِهِ فِي الْبَرَاءَة عَنْ الذُّنُوب فِي يَوْم وَلَدَتْهُ أُمّه ا ه. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيِّ الْمَذْكُورَة \" رَجَعَ كَهَيْئَتِهِ يَوْم وَلَدَتْهُ أُمّه \". وَذَكَرَ لَنَا بَعْض النَّاس أَنَّ الطِّيبِيّ أَفَادَ أَنَّ الْحَدِيث إِنَّمَا لَمْ يُذْكَر فِيهِ الْجِدَال كَمَا ذُكِرَ فِي الْآيَة عَلَى طَرِيق الِاكْتِفَاء بِذِكْرِ الْبَعْض وَتَرْكِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِف بِالْقَصْدِ لِأَنَّ وُجُوده لَا يُؤَثِّر فِي تَرْك مَغْفِرَة ذُنُوب الْحَاجّ إِذَا كَانَ الْمُرَاد بِهِ الْمُجَادَلَة فِي أَحْكَام الْحَجّ فِيمَا يَظْهَر مِنْ الْأَدِلَّة , أَوْ الْمُجَادَلَة بِطَرِيقِ التَّعْمِيم فَلَا يُؤَثِّر أَيْضًا فَإِنَّ الْفَاحِش مِنْهَا دَاخِل فِي عُمُوم الرَّفَث وَالْحَسَن مِنْهَا ظَاهِر فِي عَدَم التَّأْثِير , وَالْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ لَا يُؤَثِّر أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1425",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏أَنَّهُ أَتَى ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فِي مَنْزِلِهِ وَلَهُ ‏ ‏فُسْطَاطٌ ‏ ‏وَسُرَادِقٌ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ قَالَ ‏ ‏فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَهْلِ نَجْدٍ ‏ ‏قَرْنًا ‏ ‏وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ‏ ‏ذَا الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ ‏ ‏الْجُحْفَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة الْجُعْفِيُّ , وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد سِوَى اِبْن عُمَر كُوفِيُّونَ , وَجُبَيْر وَالِد زَيْد بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَة مُصَغَّر لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَفِي الرُّوَاة زَيْد بْن جَبِيرَة بِفَتْحِ الْجِيم وَزِيَادَة هَاء فِي آخِره لَمْ يُخَرِّج لَهُ الْبُخَارِيّ شَيْئًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَهُ فُسْطَاط وَسُرَادِق ) ‏ ‏الْفُسْطَاط مَعْرُوف وَهِيَ الْخَيْمَة , وَأَصْله عَمُود الْخِبَاء الَّذِي يَقُوم عَلَيْهِ , وَقِيلَ لَا يُقَال لَهَا ذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَتْ مِنْ قُطْن , وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا يُغَطَّى بِهِ صَحْن الدَّار مِنْ الشَّمْس وَغَيْرهَا , وَكُلّ مَا أَحَاطَ بِشَيْءٍ فَهُوَ سُرَادِق وَمِنْهُ ( أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ). ‏ ‏قَوْله : ( فَسَأَلْته ) ‏ ‏فِيهِ اِلْتِفَات لِأَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا إِنَّهُ أَتَى اِبْن عُمَر فَكَانَ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ يَقُول فَسَأَلَهُ , لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالَ فَدَخَلْت عَلَيْهِ فَسَأَلْته \". ‏ ‏قَوْله : ( فَرَضَهَا ) ‏ ‏أَيْ قَدَّرَهَا وَعَيَّنَهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَوْجَبَهَا وَبِهِ يَتِمُّ مُرَاد الْمُصَنِّف , وَيُؤَيِّدهُ قَرِينَة قَوْل السَّائِل \" مِنْ أَيْنَ يَجُوز لِي \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث بَعْدَ بَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1426",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَبَابَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَرْقَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَهْلُ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ وَيَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ فَإِذَا قَدِمُوا ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏سَأَلُوا النَّاسَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ‏} ‏رَوَاهُ ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏مُرْسَلًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن بِشْر ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَبِالْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْبَلْخِيُّ , وَلَمْ يُخَرِّج لِلْجَرِيرِيِّ الَّذِي أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِم وَهُوَ مِنْ طَبَقَته , وَجَعَلَهُمَا اِبْن طَاهِر وَأَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ رَجُلًا وَاحِدًا وَالصَّوَاب التَّفْرِقَة. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ أَهْل الْيَمَن يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" يَقُولُونَ نَحُجّ بَيْت اللَّه أَفَلَا يُطْعِمنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا قَدِمُوا الْمَدِينَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مَكَّة \" وَهُوَ أَصْوَب , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْمَخْرَمِيِّ عَنْ شَبَابَة. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن دِينَار ‏ ‏( عَنْ عِكْرِمَة مُرْسَلًا ) ‏ ‏يَعْنِي لَمْ يَذْكُر فِيهِ اِبْن عَبَّاس , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَمْرو بْن عَلِيّ وَابْن أَبِي حَاتِم عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن يَزِيد الْمُقْرِي كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ مُرْسَلًا , قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَة وَرْقَاء. قُلْت : وَقَدْ اِخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى اِبْن عُيَيْنَةَ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَخْزُومِيّ عَنْهُ مَوْصُولًا بِذِكْرِ اِبْن عَبَّاس فِيهِ , لَكِنْ حَكَى الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ اِبْن صَاعِد أَنَّ سَعِيدًا حَدَّثَهُمْ بِهِ فِي كِتَاب الْمَنَاسِك مَوْصُولًا , قَالَ وَحَدَّثَنَا بِهِ فِي حَدِيث عَمْرو بْن دِينَار فَلَمْ يُجَاوِز بِهِ عِكْرِمَة اِنْتَهَى. وَالْمَحْفُوظ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ لَيْسَ فِيهِ اِبْن عَبَّاس , لَكِنْ لَمْ يَنْفَرِد شَبَابَة بِوَصْلِهِ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي تَارِيخه مِنْ طَرِيق الْفُرَات بْن خَالِد عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ وَرْقَاء مَوْصُولًا , وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس كَمَا سَبَقَ , قَالَ الْمُهَلَّب : فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفِقْه أَنَّ تَرْك السُّؤَال مِنْ التَّقْوَى , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ اللَّه مَدَحَ مَنْ لَمْ يَسْأَل النَّاس إِلْحَافًا فَإِنَّ ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) ‏ ‏أَيْ تَزَوَّدُوا وَاتَّقُوا أَذَى النَّاس بِسُؤَالِكُمْ إِيَّاهُمْ وَالْإِثْم فِي ذَلِكَ , قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ التَّوَكُّل لَا يَكُون مَعَ السُّؤَال وَإِنَّمَا التَّوَكُّل الْمَحْمُود أَنْ لَا يَسْتَعِين بِأَحَدٍ فِي شَيْء , وَقِيلَ هُوَ قَطْع النَّظَر عَنْ الْأَسْبَاب بَعْدَ تَهْيِئَة الْأَسْبَاب , كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام \" اِعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1427",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَّتَ ‏ ‏لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ‏ ‏ذَا الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ ‏ ‏الْجُحْفَةَ ‏ ‏وَلِأَهْلِ نَجْدٍ ‏ ‏قَرْنَ الْمَنَازِلِ ‏ ‏وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ ‏ ‏يَلَمْلَمَ ‏ ‏هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى ‏ ‏أَهْلُ مَكَّةَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَّتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَدِينَة ) ‏ ‏أَيْ مَدِينَته عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. ‏ ‏قَوْله : ( ذَا الْحُلَيْفَة ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاء مُصَغَّرًا مَكَان مَعْرُوف بَيْنه وَبَيْنَ مَكَّة مِائَتَا مِيل غَيْر مِيلَيْنِ قَالَهُ اِبْن حَزْم , وَقَالَ غَيْره : بَيْنهمَا عَشْر مَرَاحِل. وَقَالَ النَّوَوِيّ : بَيْنهَا وَبَيْن الْمَدِينَة سِتَّة أَمْيَال , وَوَهِمَ مَنْ قَالَ بَيْنهمَا مِيل وَاحِد وَهُوَ اِبْن الصَّبَّاغ. وَبِهَا مَسْجِد يُعْرَف بِمَسْجِدِ الشَّجَرَة خَرَاب , وَبِهَا بِئْر يُقَال لَهَا بِئْر عَلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( الْجُحْفَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة , وَهِيَ قَرْيَة خَرِبَة بَيْنهَا وَبَيْنَ مَكَّة خَمْس مَرَاحِل أَوْ سِتَّة , وَفِي قَوْل النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح الْمُهَذَّب \" ثَلَاث مَرَاحِل نَظَرٌ , وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّهَا مَهْيَعَة بِوَزْنِ عَلْقَمَة وَقِيلَ بِوَزْنِ لَطِيفَة , وَسُمِّيَتْ الْجُحْفَة لِأَنَّ السَّيْل أَجْحَفَ بِهَا , قَالَ اِبْن الْكَلْبِيّ : كَانَ الْعَمَالِيق يَسْكُنُونَ يَثْرِب , فَوَقَعَ بَيْنهمْ وَبَيْنَ بَنِي عَبِيل - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة وَهُمْ إِخْوَة عَاد - حَرْب فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ يَثْرِب فَنَزَلُوا مَهْيَعَة فَجَاءَ سَيْل فَاجْتَحَفَهُمْ أَيْ اِسْتَأْصَلَهُمْ فَسُمِّيَتْ الْجُحْفَة. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة عِنْدَ النَّسَائِيِّ \" وَلِأَهْلِ الشَّام وَمِصْر الْجُحْفَة \" وَالْمَكَان الَّذِي يُحْرِم مِنْهُ الْمِصْرِيُّونَ الْآن رَابِغ بِوَزْنِ فَاعِل بِرَاءٍ وَمُوَحَّدَة وَغَيْن مُعْجَمَة قَرِيب مِنْ الْجُحْفَة , وَاخْتَصَّتْ الْجُحْفَة بِالْحُمَّى فَلَا يَنْزِلهَا أَحَد إِلَّا حُمَّ كَمَا سَيَأْتِي فِي فَضَائِل الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَلِأَهْلِ نَجْد قَرْن الْمَنَازِل ) ‏ ‏أَمَّا نَجْد فَهُوَ كُلّ مَكَان مُرْتَفِع وَهُوَ اِسْم لِعَشْرَةِ مَوَاضِع , وَالْمُرَاد مِنْهَا هُنَا الَّتِي أَعْلَاهَا تِهَامَة وَالْيَمَن وَأَسْفَلهَا الشَّام وَالْعِرَاق. وَالْمَنَازِل بِلَفْظِ جَمْع الْمَنْزِل , وَالْمَرْكَب الْإِضَافِيّ هُوَ اِسْم الْمَكَان , وَيُقَال لَهُ قَرْن أَيْضًا بِلَا إِضَافَة , وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا نُون , وَضَبَطَهُ صَاحِب \" الصِّحَاح \" بِفَتْحِ الرَّاء وَغَلَّطُوهُ , وَبَالَغَ النَّوَوِيّ فَحَكَى الِاتِّفَاق عَلَى تَخْطِئَته فِي ذَلِكَ , لَكِنْ حَكَى عِيَاض تَعْلِيق الْقَابِسِيّ أَنَّ مَنْ قَالَهُ بِالْإِسْكَانِ أَرَادَ الْجَبَل وَمَنْ قَالَهُ بِالْفَتْحِ أَرَادَ الطَّرِيق , وَالْجَبَل الْمَذْكُور بَيْنه وَبَيْنَ مَكَّة مِنْ جِهَة الْمَشْرِق مَرْحَلَتَانِ. وَحَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ بَعْض قُدَمَاء الشَّافِعِيَّة أَنَّ الْمَكَان الَّذِي يُقَال لَهُ قَرْن مَوْضِعَانِ : أَحَدهمَا فِي هُبُوط وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ قَرْن الْمَنَازِل , وَالْآخَر فِي صُعُود وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ قَرْن الثَّعَالِب وَالْمَعْرُوف الْأَوَّل. وَفِي \" أَخْبَار مَكَّة \" لِلْفَاكِهِيِّ أَنَّ قَرْن الثَّعَالِب جَبَل مُشْرِف عَلَى أَسْفَل مِنًى بَيْنه وَبَيْنَ مَسْجِد مِنًى أَلْف وَخَمْسمِائَةِ ذِرَاع , وَقِيلَ لَهُ قَرْن الثَّعَالِب لِكَثْرَةِ مَا كَانَ يَأْوِي إِلَيْهِ مِنْ الثَّعَالِب , فَظَهَرَ أَنَّ قَرْن الثَّعَالِب لَيْسَ مِنْ الْمَوَاقِيت , وَقَدْ وَقَعَ ذِكْره فِي حَدِيث عَائِشَة فِي إِتْيَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّائِف يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَام وَرَدِّهُمْ عَلَيْهِ قَالَ \" فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِب \" الْحَدِيث ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة , وَوَقَعَ فِي مُرْسَل عَطَاء عِنْدَ الشَّافِعِيّ \" وَلِأَهْلِ نَجْد قَرْن , وَلِمَنْ سَلَكَ نَجْدًا مِنْ أَهْل الْيَمَن وَغَيْرهمْ قَرْن الْمَنَازِل \". وَوَقَعَ فِي عِبَارَة الْقَاضِي حُسَيْن فِي سِيَاقه لِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس هَذَا \" وَلِأَهْلِ نَجْد الْيَمَن وَنَجْد الْحِجَاز قَرْن \" وَهَذَا لَا يُوجَد فِي شَيْء مِنْ طُرُق حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَإِنَّمَا يُوجَد ذَلِكَ مِنْ مُرْسَل عَطَاء , وَهُوَ الْمُعْتَمَد فَإِنَّ لِأَهْلِ الْيَمَن إِذَا قَصَدُوا مَكَّة طَرِيقَيْنِ : إِحْدَاهُمَا طَرِيق أَهْل الْجِبَال وَهُمْ يَصِلُونَ إِلَى قَرْن أَوْ يُحَاذُونَهُ فَهُوَ مِيقَاتهمْ كَمَا هُوَ مِيقَات أَهْل الْمَشْرِق , وَالْأُخْرَى طَرِيق أَهْل تِهَامَة فَيَمُرُّونَ بِيَلْمَلَمَ أَوْ يُحَاذُونَهُ وَهُوَ مِيقَاتهمْ لَا يُشَارِكهُمْ فِيهِ إِلَّا مَنْ أَتَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلِأَهْلِ الْيَمَن يَلَمْلَمَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَاللَّام وَسُكُون الْمِيم وَبَعْدهَا لَام مَفْتُوحَة ثُمَّ مِيم مَكَان عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّة بَيْنهمَا ثَلَاثُونَ مِيلًا وَيُقَال لَهَا أَلَمْلَم بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ الْأَصْل وَالْيَاء تَسْهِيل لَهَا , وَحَكَى اِبْن السَّيِّد فِيهِ يَرَمْرَمَ بِرَاءَيْنِ بَدَلَ اللَّامَيْنِ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏أَبْعَد الْمَوَاقِيت مِنْ مَكَّة ذُو الْحُلَيْفَة مِيقَات أَهْل الْمَدِينَة , فَقِيلَ الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنْ تَعْظُم أُجُور أَهْل الْمَدِينَة , وَقِيلَ رِفْقًا بِأَهْلِ الْآفَاق لِأَنَّ أَهْل الْمَدِينَة أَقْرَب الْآفَاق إِلَى مَكَّة أَيْ مِمَّنْ لَهُ مِيقَات مُعَيَّن. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ لَهُمْ ) ‏ ‏أَيْ الْمَوَاقِيت الْمَذْكُورَة لِأَهْلِ الْبِلَاد الْمَذْكُورَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أُخْرَى كَمَا يَأْتِي فِي \" بَاب دُخُول مَكَّة بِغَيْرِ إِحْرَام \" بِلَفْظِ \" هُنَّ لَهُنَّ \" أَيْ الْمَوَاقِيت لِلْجَمَاعَاتِ الْمَذْكُورَة أَوْ لِأَهْلِهِنَّ عَلَى حَذْف الْمُضَاف وَالْأَوَّل هُوَ الْأَصْل , وَوَقَعَ فِي \" بَاب مُهَلّ أَهْل الْيَمَن \" بِلَفْظِ \" هُنَّ لِأَهْلِهِنَّ \" كَمَا شَرَحْتُهُ. وَقَوْله هُنَّ ضَمِير جَمَاعَة الْمُؤَنَّث وَأَصْله لِمَنْ يَعْقِل , وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ فِيمَا لَا يَعْقِل لَكِنْ فِيمَا دُون الْعَشَرَة , وَقَوْله \" وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ \" أَيْ عَلَى الْمَوَاقِيت مِنْ غَيْر أَهْل الْبِلَاد الْمَذْكُورَة , وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ مَنْ دَخَلَ بَلَدًا ذَات مِيقَات وَمَنْ لَمْ يَدْخُل , فَاَلَّذِي لَا يَدْخُل لَا إِشْكَال فِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِيقَات مُعَيَّن , وَاَلَّذِي يَدْخُل فِيهِ خِلَاف كَالشَّامِيِّ إِذَا أَرَادَ الْحَجّ فَدَخَلَ الْمَدِينَة فَمِيقَاته ذُو الْحُلَيْفَة لِاجْتِيَازِهِ عَلَيْهَا وَلَا يُؤَخِّر حَتَّى يَأْتِي الْجُحْفَة الَّتِي هِيَ مِيقَاته الْأَصْلِيّ , فَإِنْ أَخَّرَ أَسَاءَ وَلَزِمَهُ دَم عِنْدَ الْجُمْهُور , وَأَطْلَقَ النَّوَوِيّ الِاتِّفَاق وَنَفَى الْخِلَاف فِي شَرْحَيْهِ لِمُسْلِمٍ وَالْمُهَذَّب فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فَلَعَلَّهُ أَرَادَ فِي مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَإِلَّا فَالْمَعْرُوف عِنْدَ الْمَالِكِيَّة أَنَّ لِلشَّامِيِّ مَثَلًا إِذَا جَاوَزَ ذَا الْحُلَيْفَة بِغَيْرِ إِحْرَام إِلَى مِيقَاته الْأَصْلِيّ وَهُوَ الْجُحْفَة جَازَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَل خِلَافه وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّة وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذِر مِنْ الشَّافِعِيَّة , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : قَوْله \" وَلِأَهْلِ الشَّام الْجُحْفَة \" يَشْمَل مَنْ مَرَّ مِنْ أَهْل الشَّام بِذِي الْحُلَيْفَة وَمَنْ لَمْ يَمُرّ , وَقَوْله \" وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْر أَهْلهنَّ \" يَشْمَل الشَّامِيّ إِذَا مَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَة وَغَيْره , فَهُنَا عُمُومَانِ قَدْ تَعَارَضَا اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَيَحْصُل الِانْفِكَاك عَنْهُ بِأَنَّ قَوْله \" هُنَّ لَهُنَّ \" مُفَسِّر لِقَوْلِهِ مَثَلًا وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَة ذَا الْحُلَيْفَة , وَأَنَّ الْمُرَاد بِأَهْلِ الْمَدِينَة سَاكِنُوهَا وَمَنّ سَلَكَ طَرِيق سَفَرِهِمْ فَمَرَّ عَلَى مِيقَاتهمْ , وَيُؤَيِّدهُ عِرَاقِيّ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَة فَلَيْسَ لَهُ مُجَاوَزَة مِيقَات الْمَدِينَة غَيْر مُحْرِم , وَيَتَرَجَّح بِهَذَا قَوْل الْجُمْهُور وَيَنْتَفِي التَّعَارُض. ‏ ‏قَوْله : ( مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجّ وَالْعُمْرَة ) ‏ ‏فِيهِ دَلَالَة عَلَى جَوَاز دُخُول مَكَّة بِغَيْرِ إِحْرَام , وَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَة مُفْرَدَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ كَانَ دُون ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ بَيْنَ الْمِيقَات وَمَكَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ ) ‏ ‏أَيْ فَمِيقَاته مِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ الْإِحْرَام إِذْ السَّفَر مِنْ مَكَانه إِلَى مَكَّة وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ قَالَ : مِيقَات هَؤُلَاءِ نَفْس مَكَّة , وَاسْتُدِلَّ بِهِ اِبْن حَزْم عَلَى أَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَات فَمِيقَاته مِنْ حَيْثُ شَاءَ وَلَا دَلَالَة فِيهِ لِأَنَّهُ يَخْتَصّ بِمَنْ كَانَ دُون الْمِيقَات أَيْ إِلَى جِهَة مَكَّة كَمَا تَقَدَّمَ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَنْ سَافَرَ غَيْر قَاصِد لِلنُّسُكِ فَجَاوَزَ الْمِيقَات ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ النُّسُك أَنَّهُ مُحْرِم مِنْ حَيْثُ تَجَدَّدَ لَهُ الْقَصْد وَلَا يَجِب عَلَيْهِ الرُّجُوع إِلَى الْمِيقَات لِقَوْلِهِ \" فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَهْل مَكَّة ) ‏ ‏يَجُوز فِيهِ الرَّفْع وَالْكَسْر. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ مَكَّة ) ‏ ‏أَيْ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الْخُرُوج إِلَى الْمِيقَات لِلْإِحْرَامِ مِنْهُ بَلْ يُحْرِمُونَ مِنْ مَكَّة كَالْآفَاقِيِّ الَّذِي بَيْنَ الْمِيقَات وَمَكَّة فَإِنَّهُ يُحْرِم مِنْ مَكَانه وَلَا يَحْتَاج إِلَى الرُّجُوع إِلَى الْمِيقَات لِيُحْرِم مِنْهُ , وَهَذَا خَاصّ بِالْحَاجِّ , وَاخْتُلِفَ فِي أَفْضَل الْأَمَاكِن الَّتِي يُحْرِم مِنْهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي تَرْجَمَة مُفْرَدَة. وَأَمَّا الْمُعْتَمِر فَيَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُج إِلَى أَدْنَى الْحِلّ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي أَبْوَاب الْعُمْرَة. قَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ : لَا أَعْلَم أَحَدًا جَعَلَ مَكَّة مِيقَاتًا لِلْعُمْرَةِ , فَتَعَيَّنَ حَمْله عَلَى الْقَارِن , وَاخْتُلِفَ فِي الْقَارِن فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ حُكْمه حُكْم الْحَاجّ فِي الْإِهْلَال مِنْ مَكَّة , وَقَالَ اِبْن الْمَاجِشُونِ : يَجِب عَلَيْهِ الْخُرُوج إِلَى أَدْنَى الْحِلّ , وَوَجْهه أَنَّ الْعُمْرَة إِنَّمَا تَنْدَرِج فِي الْحَجّ فِيمَا مَحِلّه وَاحِد كَالطَّوَافِ وَالسَّعْي عِنْدَ مَنْ يَقُول بِذَلِكَ , وَأَمَّا الْإِحْرَام فَمَحِلّه فِيهِمَا مُخْتَلِف , وَجَوَاب هَذَا الْإِشْكَال أَنَّ الْمَقْصُود مِنْ الْخُرُوج إِلَى الْحِلّ فِي حَقّ الْمُعْتَمِر أَنْ يَرِد عَلَى الْبَيْت الْحَرَام مِنْ الْحِلّ فَيَصِحّ كَوْنه وَافِدًا عَلَيْهِ , وَهَذَا يَحْصُل لِلْقَارِنِ لِخُرُوجِهِ إِلَى عَرَفَة وَهِيَ مِنْ الْحِلّ وَرُجُوعه إِلَى الْبَيْت لِطَوَافِ الْإِفَاضَة فَحَصَلَ الْمَقْصُود بِذَلِكَ أَيْضًا. وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَات مُرِيدًا لِلنُّسُكِ فَلَمْ يُحْرِم , فَقَالَ الْجُمْهُور : يَأْثَم وَيَلْزَمهُ دَم , فَأَمَّا لُزُوم الدَّم فَبِدَلِيلٍ غَيْرِ هَذَا , وَأَمَّا الْإِثْم فَلِتَرْكِ الْوَاجِب. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" فَرَضَهَا \" وَسَيَأْتِي بِلَفْظِ \" يُهِلّ \" وَهُوَ خَبَر بِمَعْنَى الْأَمْر وَالْأَمْر لَا يَرِد بِلَفْظِ الْخَبَر إِلَّا إِذَا أُرِيدَ تَأْكِيده , وَتَأْكِيد الْأَمْر لِلْوُجُوبِ , وَسَبَقَ فِي الْعِلْم بِلَفْظِ \" مِنْ أَيْنَ تَأْمُرنَا أَنْ نُهِلّ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر \" أَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْل الْمَدِينَة \". وَذَهَبَ عَطَاء وَالنَّخَعِيُّ إِلَى عَدَم الْوُجُوب , وَمُقَابِله قَوْل سَعِيد بْن جُبَيْر لَا يَصِحّ حَجّه وَبِهِ قَالَ اِبْن حَزْم , وَقَالَ الْجُمْهُور : لَوْ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَات قَبْلَ التَّلَبُّس بِالنُّسُكِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّم , قَالَ أَبُو حَنِيفَة بِشَرْطِ أَنْ يَعُود مُلَبِّيًا , وَمَالِك بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبْعُد , وَأَحْمَد لَا يَسْقُط بِشَيْءٍ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏الْأَفْضَل فِي كُلّ مِيقَات أَنْ يُحْرِم مِنْ طَرَفه الْأَبْعَد مِنْ مَكَّة , فَلَوْ أَحْرَمَ مِنْ طَرَفه الْأَقْرَب جَازَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1428",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُهِلُّ ‏ ‏أَهْلُ الْمَدِينَةِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏ذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏وَيُهِلُّ ‏ ‏أَهْلُ الشَّأْمِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْجُحْفَةِ ‏ ‏وَأَهْلُ نَجْدٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏قَرْنٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَيُهِلُّ ‏ ‏أَهْلُ الْيَمَنِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏يَلَمْلَمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَلَغَنِي إِلَخْ ) ‏ ‏سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَة اِبْنه سَالِم عَنْهُ بَعْدَ بَاب بِلَفْظِ \" زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَلَمْ أَسْمَعهُ \" وَتَقَدَّمَ فِي الْعِلْم مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظِ \" لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَهُوَ يُشْعِر بِأَنَّ الَّذِي بَلَّغَ اِبْن عُمَر ذَلِكَ جَمَاعَة , وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس كَمَا فِي الْبَاب قَبْله , وَمِنْ حَدِيث جَابِر عِنْدَ مُسْلِم , وَمِنْ حَدِيث عَائِشَة عِنْدَ النَّسَائِيِّ , وَمِنْ حَدِيث الْحَارِث بْن عَمْرو السَّهْمِيّ عِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1429",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ‏ ‏ذَا الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ ‏ ‏الْجُحْفَةَ ‏ ‏وَلِأَهْلِ نَجْدٍ ‏ ‏قَرْنَ الْمَنَازِلِ ‏ ‏وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ ‏ ‏يَلَمْلَمَ ‏ ‏فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ وَكَذَاكَ حَتَّى ‏ ‏أَهْلُ مَكَّةَ ‏ ‏يُهِلُّونَ مِنْهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1430",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَفِظْنَاهُ مِنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏وَقَّتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مُهَلُّ ‏ ‏أَهْلِ الْمَدِينَةِ ‏ ‏ذُو الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏وَمُهَلُّ ‏ ‏أَهْلِ الشَّأْمِ ‏ ‏مَهْيَعَةُ ‏ ‏وَهِيَ ‏ ‏الْجُحْفَةُ ‏ ‏وَأَهْلِ نَجْدٍ ‏ ‏قَرْنٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَلَمْ أَسْمَعْهُ وَمُهَلُّ ‏ ‏أَهْلِ الْيَمَنِ ‏ ‏يَلَمْلَمُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1431",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَّتَ ‏ ‏لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ‏ ‏ذَا الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ ‏ ‏الْجُحْفَةَ ‏ ‏وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ ‏ ‏يَلَمْلَمَ ‏ ‏وَلِأَهْلِ نَجْدٍ ‏ ‏قَرْنًا ‏ ‏فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ حَتَّى إِنَّ ‏ ‏أَهْلَ مَكَّةَ ‏ ‏يُهِلُّونَ مِنْهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1432",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَّتَ ‏ ‏لِأَهْلِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏ذَا الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏وَلِأَهْلِ ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏الْجُحْفَةَ ‏ ‏وَلِأَهْلِ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏قَرْنَ الْمَنَازِلِ ‏ ‏وَلِأَهْلِ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏يَلَمْلَمَ ‏ ‏هُنَّ لِأَهْلِهِنَّ وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى ‏ ‏أَهْلُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1433",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدَّ ‏ ‏لِأَهْلِ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏قَرْنًا ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏جَوْرٌ ‏ ‏عَنْ طَرِيقِنَا وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا ‏ ‏قَرْنًا ‏ ‏شَقَّ ‏ ‏عَلَيْنَا قَالَ فَانْظُرُوا ‏ ‏حَذْوَهَا ‏ ‏مِنْ طَرِيقِكُمْ فَحَدَّ لَهُمْ ‏ ‏ذَاتَ عِرْقٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ \" فُتِحَ \" عَلَى الْبِنَاء لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَمَّا فَتَحَ هَذَيْنِ الْمِصْرَيْنِ \" بِفَتْحِ الْفَاء وَالتَّاء عَلَى حَذْف الْفَاعِل وَالتَّقْدِير لَمَّا فَتَحَ اللَّه , وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" وَبِهِ جَزَمَ عِيَاض , وَأَمَّا اِبْن مَالِك فَقَالَ : تَنَازَعَ \" فَتَحَ \" و \" أَتَوْا \" وَهُوَ عَلَى إِعْمَال الثَّانِي وَإِسْنَاد الْأَوَّل إِلَى ضَمِير عُمَر , وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عُبَيْد اللَّه مُخْتَصَرًا , وَزَادَ فِي الْإِسْنَاد عَنْ عُمَر أَنَّهُ حَدَّ لِأَهْلِ الْعِرَاق ذَات عِرْق , وَالْمِصْرَانِ تَثْنِيَة مِصْر وَالْمُرَاد بِهِمَا الْكُوفَة وَالْبَصْرَة وَهُمَا سُرَّتَا الْعِرَاق , وَالْمُرَاد بِفَتْحِهِمَا غَلَبَة الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَكَان أَرْضِهِمَا , وَإِلَّا فَهُمَا مِنْ تَمْصِير الْمُسْلِمِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ جَوْر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا رَاء أَيْ مِيل , وَالْجَوْر الْمِيل عَنْ الْقَصْد وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى وَمِنْهَا جَائِرٌ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْظُرُوا حَذْوهَا ) ‏ ‏أَيْ اِعْتَبِرُوا مَا يُقَابِل الْمِيقَات مِنْ الْأَرْض الَّتِي تَسْلُكُونَهَا مِنْ غَيْر مِيل فَاجْعَلُوهُ مِيقَاتًا , وَظَاهِره أَنَّ عُمَر حَدَّ لَهُمْ ذَات عِرْق بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ , وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي الشَّعْثَاء قَالَ \" لَمْ يُوَقِّت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَشْرِق شَيْئًا فَاِتَّخَذَ النَّاس بِحِيَالِ قَرْن ذَات عِرْق \" وَرَوَى أَحْمَد عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد وَغَيْره عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر فَذَكَرَ حَدِيث الْمَوَاقِيت وَزَادَ فِيهِ \" قَالَ اِبْن عُمَر فَآثَرَ النَّاس ذَات عِرْق عَلَى قَرْن \" وَلَهُ عَنْ سُفْيَان عَنْ صَدَقَة عَنْ اِبْن عُمَر فَذَكَرَ حَدِيث الْمَوَاقِيت \" قَالَ فَقَالَ لَهُ قَائِل : فَأَيْنَ الْعِرَاق ؟ فَقَالَ اِبْن عُمَر : لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ عِرَاق \" وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" لَمْ يَكُنْ عِرَاق يَوْمَئِذٍ \" وَوَقَعَ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَالِك عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" وَقَّتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْعِرَاق قَرْنًا \" قَالَ عَبْد الرَّزَّاق قَالَ لِي بَعْضهمْ إِنَّ مَالِكًا مَحَاهُ مِنْ كِتَابه. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْد الرَّزَّاق. قُلْت : وَالْإِسْنَاد إِلَيْهِ ثِقَات أَثَبَات , وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْهُ وَهُوَ غَرِيب جِدًّا , وَحَدِيث الْبَاب يَرُدُّهُ. وَرَوَى الشَّافِعِيّ مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ قَالَ \" لَمْ يُوَقِّت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات عِرْق , وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أَهْل الْمَشْرِق \" وَقَالَ فِي \" الْأُمّ \" : لَمْ يَثْبُت عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَدَّ ذَات عِرْق , وَإِنَّمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاس. وَهَذَا كُلّه يَدُلّ عَلَى أَنَّ مِيقَات ذَات عِرْق لَيْسَ مَنْصُوصًا , وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيّ وَالرَّافِعِيّ فِي \" شَرْح الْمُسْنَد \" وَالنَّوَوِيّ فِي \" شَرْح مُسْلِم \" وَكَذَا وَقَعَ فِي \" الْمُدَوَّنَة \" لِمَالِك , وَصَحَّحَ الْحَنَفِيَّة وَالْحَنَابِلَة وَجُمْهُور الشَّافِعِيَّة وَالرَّافِعِيّ فِي \" الشَّرْح الصَّغِير \" وَالنَّوَوِيّ فِي \" شَرْح الْمُهَذَّب \" أَنَّهُ مَنْصُوص , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيث جَابِر عِنْدَ مُسْلِم إِلَّا أَنَّهُ مَشْكُوك فِي رَفْعه أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ \" أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَسْأَل عَنْ الْمُهَلّ فَقَالَ : سَمِعْت أَحْسِبهُ رُفِعَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَهُ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي مُسْتَخْرَجه بِلَفْظِ \" فَقَالَ سَمِعْت أَحْسَبُهُ يُرِيد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ رِوَايَة اِبْن لَهِيعَة وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْر فَلَمْ يَشُكَّا فِي رَفْعه. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة وَفِي حَدِيث الْحَارِث بْن عَمْرو السَّهْمِيّ كِلَاهُمَا عِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا , فَلَعَلَّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ غَيْر مَنْصُوص لَمْ يَبْلُغهُ أَوْ رَأَى ضَعْف الْحَدِيث بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلّ طَرِيق لَا يَخْلُو عَنْ مَقَال , وَلِهَذَا قَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ : رُوِيَتْ فِي ذَات عِرْق أَخْبَار لَا يَثْبُت شَيْء مِنْهَا عِنْد أَهْل الْحَدِيث. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : لَمْ نَجِد فِي ذَات عِرْق حَدِيثًا ثَابِتًا اِنْتَهَى. لَكِنَّ الْحَدِيث بِمَجْمُوعِ الطُّرُق يَقْوَى كَمَا ذَكَرْنَا. وَأَمَّا إِعْلَال مَنْ أَعَلَّهُ بِأَنَّ الْعِرَاق لَمْ تَكُنْ فُتِحَتْ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هِيَ غَفْلَة , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ الْمَوَاقِيت لِأَهْلِ النَّوَاحِي قَبْلَ الْفُتُوح , لَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا سَتُفْتَحُ , فَلَا فَرْق فِي ذَلِكَ بَيْنَ الشَّام وَالْعِرَاق اِنْتَهَى. وَبِهَذَا أَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ , لَكِنْ يَظْهَر لِي أَنَّ مُرَاد مِنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ الْعِرَاق يَوْمَئِذٍ أَيْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْجِهَة نَاس مُسْلِمُونَ , وَالسَّبَب فِي قَوْل اِبْن عُمَر ذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى الْحَدِيث بِلَفْظِ \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه مِنْ أَيْنَ تَأْمُرنَا أَنْ نُهِلّ \" ؟ فَأَجَابَهُ. وَكُلّ جِهَة عَيَّنَهَا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر كَانَ مِنْ قِبَلهَا نَاس مُسْلِمُونَ بِخِلَافِ الْمَشْرِق وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِق الْعَقِيق فَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد وَهُوَ ضَعِيف , وَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنه وَبَيْنَ حَدِيث جَابِر وَغَيْره بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّ ذَات عِرْق مِيقَات الْوُجُوب , وَالْعَقِيق مِيقَات الِاسْتِحْبَاب لِأَنَّهُ أَبْعَد مِنْ ذَات عِرْق. وَمِنْهَا أَنَّ الْعَقِيق مِيقَات لِبَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ وَهُمْ أَهْل الْمَدَائِن , وَالْآخَر مِيقَات لِأَهْلِ الْبَصْرَة , وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيث لِأَنَسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَإِسْنَاده ضَعِيف. وَمِنْهَا أَنَّ ذَات عِرْق كَانَتْ أَوَّلًا فِي مَوْضِع الْعَقِيق الْآن ثُمَّ حُوِّلَتْ وَقُرِّبَتْ إِلَى مَكَّة فَعَلَى هَذَا فَذَات عِرْق وَالْعَقِيق شَيْء وَاحِد , وَيَتَعَيَّن الْإِحْرَام مِنْ الْعَقِيق وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَد , وَإِنَّمَا قَالُوا يُسْتَحَبّ اِحْتِيَاطًا , وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِر عَنْ الْحَسَن بْن صَالِح أَنَّهُ كَانَ يُحْرِم مِنْ الرَّبَذَة وَهُوَ قَوْل الْقَاسِم بْن عَبْد الرَّحْمَن وَخُصَيْف الْجَزَرِيّ , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَهُوَ أَشْبَه فِي النَّظَر إِنْ كَانَتْ ذَات عِرْق غَيْر مَنْصُوصَة , وَذَلِكَ أَنَّهَا تُحَاذِي ذَا الْحُلَيْفَة , وَذَات عِرْق بَعْدهَا , وَالْحُكْم فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَات أَنْ يُحْرِم مِنْ أَوَّل مِيقَات يُحَاذِيه , لَكِنْ لَمَّا سَنَّ عُمَر ذَات عِرْق وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الصَّحَابَة وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَل كَانَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَات أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِم إِذَا حَاذَى مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيت الْخَمْسَة , وَلَا شَكَّ أَنَّهَا مُحِيطَة بِالْحَرَمِ , فَذُو الْحُلَيْفَة شَامِيَّة وَيَلَمْلَمُ يَمَانِيَة فَهِيَ مُقَابِلهَا وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا أَقْرَب إِلَى مَكَّة مِنْ الْأُخْرَى , وَقَرْن شَرْقِيَّة وَالْجُحْفَة غَرْبِيَّة فَهِيَ مُقَابِلهَا وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا كَذَلِكَ , وَذَات عِرْق تُحَاذِي قَرْنًا , فَعَلَى هَذَا فَلَا تَخْلُو بُقْعَة مِنْ بِقَاعِ الْأَرْض مِنْ أَنْ تُحَاذِي مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيت , فَبَطَلَ قَوْل مَنْ قَالَ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَات وَلَا يُحَاذِي مِيقَاتًا هَلْ يُحْرِم مِنْ مِقْدَار أَبْعَد مِنْ الْمَوَاقِيت أَوْ أَقْرَبهَا ؟ ثُمَّ حَكَى فِيهِ خِلَافًا , وَالْفَرْض أَنَّ هَذِهِ الصُّورَة لَا تَتَحَقَّق لِمَا قُلْته إِلَّا أَنْ يَكُون قَائِله فَرَضَهُ فِيمَنْ لَمْ يَطَّلِع عَلَى الْمُحَاذَاة كَمَنْ يَجْهَلهَا , وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح الْمُهَذَّب \" أَنَّهُ يَلْزَمهُ أَنْ يُحْرِم عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ اِعْتِبَارًا بِقَوْلِ عُمَر هَذَا فِي تَوْقِيته ذَات عِرْق , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عُمَر إِنَّمَا حَدَّهَا لِأَنَّهَا تُحَاذِي قَرْنًا , وَهَذِهِ الصُّورَة إِنَّمَا هِيَ حَيْثُ يَجْهَل الْمُحَاذَاة , فَلَعَلَّ الْقَائِل بِالْمَرْحَلَتَيْنِ أَخَذَ بِالْأَقَلِّ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ مَشْكُوك فِيهِ , لَكِنَّ مُقْتَضَى الْأَخْذ بِالِاحْتِيَاطِ أَنْ يُعْتَبَر الْأَكْثَر الْأَبْعَد , وَيَحْتَمِل أَنْ يُفَرَّق بَيْنَ مَنْ عَنْ يَمِين الْكَعْبَة وَبَيْنَ مَنْ عَنْ شِمَالهَا لِأَنَّ الْمَوَاقِيت الَّتِي عَنْ يَمِينهَا أَقْرَب مِنْ الَّتِي عَنْ شِمَالهَا فَيُقَدَّر لِلْيَمِينِ الْأَقْرَب وَلِلشِّمَالِ الْأَبْعَد وَاَللَّه أَعْلَم. ثُمَّ إِنَّ مَشْرُوعِيَّة الْمُحَاذَاة مُخْتَصَّة بِمَنْ لَيْسَ لَهُ أَمَامه مِيقَات مُعَيَّن , فَأَمَّا مَنْ لَهُ مِيقَات مُعَيَّن كَالْمِصْرِيِّ مَثَلًا يَمُرّ بِبَدْرٍ وَهِيَ تُحَاذِي ذَا الْحُلَيْفَة فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِم مِنْهَا بَلْ لَهُ التَّأْخِير حَتَّى يَأْتِي الْجُحْفَة وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏الْعَقِيق الْمَذْكُور هُنَا وَادٍ يَتَدَفَّق مَاؤُهُ فِي غَوْرَيْ تِهَامَة , وَهُوَ غَيْر الْعَقِيق الْمَذْكُور بَعْدَ بَابَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه. ‏"
    },
    {
        "id": "1434",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَاخَ ‏ ‏بِالْبَطْحَاءِ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏فَصَلَّى بِهَا وَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَفْعَلُ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول بِغَيْرِ تَرْجَمَة , وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْل مِنْ الْأَبْوَاب الَّتِي قَبْله , وَمُنَاسَبَته لَهَا مِنْ جِهَة دَلَالَة حَدِيثه عَلَى اِسْتِحْبَاب صَلَاة رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ إِرَادَة الْإِحْرَام مِنْ الْمِيقَات , وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ بَعْض الشَّارِحِينَ \" نُزُول الْبَطْحَاء وَالصَّلَاة بِذِي الْحُلَيْفَة \" وَحَكَى الْقُطْب أَنَّهُ فِي بَعْض النُّسَخ قَالَ : وَسَقَطَ فِي نُسْخَة سَمَاعنَا لَفْظ \" بَاب \" وَفِي شَرْح اِبْن بَطَّال \" الصَّلَاة بِذِي الْحُلَيْفَة \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنَاخَ ) ‏ ‏بِالنُّونِ وَالْخَاء الْمُعْجَمَة أَيْ أَبْرَكَ بَعِيره , وَالْمُرَاد أَنَّهُ نَزَلَ بِهَا. وَالْبَطْحَاء قَدْ بَيَّنَ أَنَّهَا الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَة. وَقَوْله \" فَصَلَّى بِهَا \" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِلْإِحْرَامِ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِلْفَرِيضَةِ , وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيث أَنَس \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعَصْر بِذِي الْحُلَيْفَة رَكْعَتَيْنِ \" ثُمَّ إِنَّ هَذَا النُّزُول يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي الذَّهَاب وَهُوَ الظَّاهِر مِنْ تَصَرُّف الْمُصَنِّف , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي الرُّجُوع وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث اِبْن عُمَر الَّذِي بَعْده بِلَفْظِ \" وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَة بِبَطْنِ الْوَادِي وَبَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ \" وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَل الْأَمْرَيْنِ ذَهَابًا وَإِيَابًا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1435",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَخْرُجُ مِنْ ‏ ‏طَرِيقِ الشَّجَرَةِ ‏ ‏وَيَدْخُلُ مِنْ ‏ ‏طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ ‏ ‏وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏يُصَلِّي فِي ‏ ‏مسْجِدِ الشَّجَرَةِ ‏ ‏وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏بِبَطْنِ الْوَادِي وَبَاتَ حَتَّى يُصْبِحَ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى شَيْء مِنْ الْحَدِيث فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الْمَسَاجِد , وَسِيَاقه هُنَاكَ أَبْسَط مِنْ هَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1436",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏وَبِشْرُ بْنُ بَكْرٍ التِّنِّيسِيُّ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ إِنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِوَادِي الْعَقِيقِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( آتٍ مِنْ رَبِّي ) ‏ ‏هُوَ جِبْرِيل. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَك ) ‏ ‏يَعْنِي وَادِي الْعَقِيق , وَهُوَ بِقُرْبِ الْبَقِيع بَيْنه وَبَيْنَ الْمَدِينَة أَرْبَعَة أَمْيَال. رَوَى الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ فِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة \" أَنَّ تُبَّعًا لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْمَدِينَة اِنْحَدَرَ فِي مَكَان فَقَالَ : هَذَا عَقِيق الْأَرْض , فَسُمِّيَ الْعَقِيق. ‏ ‏قَوْله : ( وَقُلْ عُمْرَة فِي حَجَّة ) ‏ ‏بِرَفْعِ عُمْرَة لِلْأَكْثَرِ وَبِنَصْبِهَا لِأَبِي ذَرٍّ عَلَى حِكَايَة اللَّفْظ أَيْ قُلْ جَعَلْتهَا عُمْرَة , وَهَذَا دَالّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ بَعْدَ أَبْوَاب. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ عُمْرَة مُدْرَجَة فِي حَجَّة أَيْ إِنَّ عَمَل الْعُمْرَة يَدْخُل فِي عَمَل الْحَجّ فَيُجْزِي لَهَا طَوَاف وَاحِد , وَقَالَ مِنْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَعْتَمِر فِي تِلْكَ السَّنَة بَعْدَ فَرَاغ حَجّه. وَهَذَا أَبْعَد مِنْ الَّذِي قَبْله , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ. نَعَمْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَمَرَ أَنْ يَقُول ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ لِيُعَلِّمَهُمْ مَشْرُوعِيَّة الْقِرَان , وَهُوَ كَقَوْلِهِ \" دَخَلَتْ الْعُمْرَة فِي الْحَجّ \" قَالَهُ الطَّبَرِيُّ. وَاعْتَرَضَهُ اِبْن الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَة فَقَالَ : لَيْسَ نَظِيره , لِأَنَّ قَوْله \" دَخَلْت إِلَخْ \" تَأْسِيس قَاعِدَة , وَقَوْله \" عُمْرَة فِي حَجَّة \" بِالتَّنْكِيرِ يَسْتَدْعِي الْوَحْدَة وَهُوَ إِشَارَة إِلَى الْفِعْل الْوَاقِع مِنْ الْقِرَان إِذْ ذَاكَ. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ مَا يَأْتِي فِي كِتَاب الِاعْتِصَام بِلَفْظِ \" عُمْرَة وَحَجَّة \" بِوَاوِ الْعَطْف وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ بَعْدَ أَبْوَاب. وَفِي الْحَدِيث فَضْل الْعَقِيق كَفَضْلِ الْمَدِينَة وَفَضْل الصَّلَاة فِيهِ , وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب نُزُول الْحَاجّ فِي مَنْزِلَة قَرِيبَة مِنْ الْبَلَد وَمَبِيتهمْ بِهَا لِيَجْتَمِع إِلَيْهِمْ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ مِمَّنْ أَرَادَ مُرَافَقَتَهُمْ , وَلِيَسْتَدْرِك حَاجَته مَنْ نَسِيَهَا مَثَلًا فَيَرْجِع إِلَيْهَا مِنْ قَرِيب. ‏"
    },
    {
        "id": "1437",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏رُئِيَ وَهُوَ فِي ‏ ‏مُعَرَّسٍ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏بِبَطْنِ الْوَادِي قِيلَ لَهُ إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏يَتَوَخَّى ‏ ‏بِالْمُنَاخِ ‏ ‏الَّذِي كَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏يُنِيخُ يَتَحَرَّى ‏ ‏مُعَرَّسَ ‏ ‏رَسُولِ اللَّه ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ أَسْفَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي حَدِيث اِبْن عُمَر ‏ ‏( أَنَّهُ أُرِيَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة أَيْ فِي الْمَنَام , وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة \" رُئِيَ \" بِتَقْدِيمِ الرَّاء أَيْ رَآهُ غَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ مُعَرَّس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فِي مُعَرَّس \" بِالتَّنْوِينِ , وَقَوْله \" بِبَطْنِ الْوَادِي \" تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر الَّذِي قَبْله أَنَّهُ وَادِي الْعَقِيق. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِم ) ‏ ‏هُوَ مَقُول مُوسَى بْن عُقْبَةَ الرَّاوِي عَنْهُ , وَقَوْله \" يَتَوَخَّى \" بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَيْ يَقْصِد , و \" الْمُنَاخ \" بِضَمِّ الْمِيم الْمَبْرَك. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ أَسْفَل ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ وَيَجُوز الرَّفْع , وَالْمُرَاد بِالْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ هُنَا فِي ذَلِكَ الزَّمَان. وَقَوْله \" بَيْنه \" أَيْ بَيْنَ الْمُعَرَّس , وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ \" بَيْنهمْ \" أَيْ بَيْنَ النَّازِلِينَ وَبَيْنَ الطَّرِيق , وَقَوْله \" وَسَط مِنْ ذَلِكَ \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة أَيْ مُتَوَسِّط بَيْنَ بَطْن الْوَادِي وَبَيْنَ الطَّرِيق , وَعِنْدَ أَبِي ذَرٍّ \" وَسَطًا مِنْ ذَلِكَ \" بِالنَّصْبِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1438",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ ‏ ‏فَذَكَرْتُهُ ‏ ‏لِإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الْأَسْوَدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ‏ ‏وَبِيصِ ‏ ‏الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُحْرِمٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , وَالْإِسْنَاد إِلَى اِبْن عُمَر كُوفِيُّونَ وَكَذَا إِلَى عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله : ( يَدَّهِن بِالزَّيْتِ ) ‏ ‏أَيْ عِنْدَ الْإِحْرَام بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُون مُطَيَّبًا , كَمَأ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ مَرْفُوعًا , وَالْمَوْقُوف عَنْهُ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَهُوَ أَصَحُّ , وَيُؤَيِّدهُ مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْغُسْل مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْمُنْتَشِر أَنَّ اِبْن عُمَر قَالَ \" لِأَنْ أُطْلَى بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَطَيَّب ثُمَّ أُصْبِح مُحْرِمًا \" وَفِيهِ إِنْكَار عَائِشَة عَلَيْهِ , وَكَانَ اِبْن عُمَر يَتْبَع فِي ذَلِكَ أَبَاهُ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْرَه اِسْتِدَامَة الطِّيب بَعْدَ الْإِحْرَام كَمَا سَيَأْتِي , وَكَانَتْ عَائِشَة تُنْكِر عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّ عَائِشَة كَانَتْ تَقُول \" لَا بَأْس بِأَنْ يَمَسّ الطِّيب عِنْدَ الْإِحْرَام \" قَالَ فَدَعَوْت رَجُلًا وَأَنَا جَالِس بِجَنْبِ اِبْن عُمَر فَأَرْسَلْته إِلَيْهَا وَقَدْ عَلِمْت قَوْلهَا وَلَكِنْ أَحْبَبْت أَنْ يَسْمَعهُ أَبِي , فَجَاءَنِي رَسُولِي فَقَالَ إِنَّ عَائِشَة تَقُول لَا بَأْس بِالطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَام فَأَصِبْ مَا بَدَا لَك. قَالَ فَسَكَتَ اِبْن عُمَر. وَكَذَا كَانَ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر يُخَالِف أَبَاهُ وَجَدَّهُ فِي ذَلِكَ لِحَدِيثِ عَائِشَة , قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ \" أَخْبَرَنَا عَمْرو بْن دِينَار عَنْ سَالِم أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْل عُمَر فِي الطِّيب ثُمَّ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , قَالَ سَالِم : سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَع. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرْته لِإِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ مَقُول مَنْصُور , وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخَعِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ مَا تَصْنَع بِقَوْلِهِ ) ‏ ‏يُشِير إِلَى مَا بَيَّنْته وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَقَدَّم إِلَّا ذِكْر الْفِعْل , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْمَفْزَع فِي النَّوَازِل إِلَى السُّنَن وَأَنَّهُ مُسْتَغْنًى بِهَا عَنْ آرَاء الرِّجَال وَفِيهَا الْمَقْنَع. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنِّي أَنْظُر ) ‏ ‏أَرَادَتْ بِذَلِكَ قُوَّة تَحَقُّقهَا لِذَلِكَ بِحَيْثُ إنَّهَا لِشِدَّةِ اِسْتِحْضَارهَا لَهُ كَأَنَّهَا نَاظِرَة إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَبِيص ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَة وَآخِره صَاد مُهْمَلَة هُوَ الْبَرِيق , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْغُسْل قَوْل الْإِسْمَاعِيلِيّ : إِنَّ الْوَبِيص زِيَادَة عَلَى الْبَرِيق , وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ التَّلَأْلُؤ , وَأَنَّهُ يَدُلّ عَلَى وُجُود عَيْن قَائِمَة لَا الرِّيح فَقَطْ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي مَفَارِق ) ‏ ‏جَمْع مَفْرِق وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي يَفْتَرِق فِيهِ الشَّعْر فِي وَسَط الرَّأْس , قِيلَ ذَكَرْته بِصِيغَةِ الْجَمْع تَعْمِيمًا لِجَوَانِب الرَّأْس الَّتِي يُفَرَّق فِيهَا الشَّعْر. ‏"
    },
    {
        "id": "1439",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ ‏ ‏وَلِحِلِّهِ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ِإِحْرَامِهِ ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِ إِحْرَامه , وَلِلنَّسَائِيِّ \" حِينَ أَرَادَ أَنْ يُحْرِم \" وَلِمُسْلِمٍ نَحْوه كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلِحِلِّهِ ) ‏ ‏أَيْ بَعْدَ أَنْ يَرْمِي وَيَحْلِق. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهَا \" كُنْت أُطَيِّب \" عَلَى أَنَّ \" كَانَ \" لَا تَقْتَضِي التَّكْرَار لِأَنَّهَا لَمْ يَقَع مِنْهَا ذَلِكَ إِلَّا مَرَّة وَاحِدَة , وَقَدْ صَرَّحَتْ فِي رِوَايَة عُرْوَة عَنْهَا بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاع كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب اللِّبَاس , كَذَا اِسْتَدَلَّ بِهِ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح مُسْلِم \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُدَّعَى تَكْرَاره إِنَّمَا هُوَ التَّطَيُّب لَا الْإِحْرَام , وَلَا مَانِع مِنْ أَنْ يَتَكَرَّر التَّطَيُّب لِأَجْلِ الْإِحْرَام مَعَ كَوْن الْإِحْرَام مَرَّة وَاحِدَة وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي مَوْضِع آخَر : الْمُخْتَار أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي تَكْرَارًا وَلَا اِسْتِمْرَارًا , وَكَذَا قَالَ الْفَخْر فِي \" الْمَحْصُول \" , وَجَزَمَ اِبْن الْحَاجِب بِأَنَّهَا تَقْتَضِيه قَالَ وَلِهَذَا اِسْتَفَدْنَا مِنْ قَوْلهمْ \" كَانَ حَاتِم يُقْرِي الضَّيْف \" أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَتَكَرَّر مِنْهُ , وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ الْمُحَقِّقِينَ إِنَّهَا تَقْتَضِي التَّكْرَار ظُهُورًا , وَقَدْ تَقَع قَرِينَة تَدُلّ عَلَى عَدَمه , لَكِنْ يُسْتَفَاد مِنْ سِيَاقه لِذَلِكَ الْمُبَالَغَة فِي إِثْبَات ذَلِكَ , وَالْمَعْنَى أَنَّهَا كَانَتْ تُكَرِّر فِعْل التَّطَيُّب لَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُ فِعْل الْإِحْرَام لِمَا اِطَّلَعَتْ عَلَيْهِ مِنْ اِسْتِحْبَابه لِذَلِكَ , عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة لَمْ تَتَّفِق الرُّوَاة عَنْهَا عَلَيْهَا , فَسَيَأْتِي لِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم شَيْخ مَالِك فِيهِ هُنَا بِلَفْظِ \" طَيَّبْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَسَائِر الطُّرُق لَيْسَ فِيهَا صِيغَة \" كَانَ \" وَاَللَّه أَعْلَم. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِسْتِحْبَاب التَّطَيُّب عِنْدَ إِرَادَة الْإِحْرَام , وَجَوَاز اِسْتِدَامَته بَعْدَ الْإِحْرَام , وَأَنَّهُ لَا يَضُرّ بَقَاء لَوْنه وَرَائِحَته , وَإِنَّمَا يَحْرُم اِبْتِدَاؤُهُ فِي الْإِحْرَام وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَعَنْ مَالِك يَحْرُم وَلَكِنْ لَا فِدْيَة , وَفِي رِوَايَة عَنْهُ تَجِب , وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : يُكْرَه أَنْ يَتَطَيَّب قَبْلَ الْإِحْرَام بِمَا يَبْقَى عَيْنه بَعْده. وَاحْتَجَّ الْمَالِكِيَّة بِأُمُورٍ : مِنْهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِغْتَسَلَ بَعْدَ أَنْ تَطَيَّبَ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة اِبْن الْمُنْتَشِر الْمُتَقَدِّمَة فِي الْغُسْل \" ثُمَّ طَافَ بِنِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا \" فَإِنَّ الْمُرَاد بِالطَّوَافِ الْجِمَاع , وَكَانَ مِنْ عَادَته أَنْ يَغْتَسِل عِنْدَ كُلّ وَاحِدَة , وَمِنْ ضَرُورَة ذَلِكَ أَنْ لَا يَبْقَى لِلطِّيبِ أَثَر , وَيَرُدّهُ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة أَيْضًا \" ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا يَنْضَح طِيبًا \" فَهُوَ ظَاهِر فِي أَنَّ نَضْح الطِّيب - وَهُوَ ظُهُور رَائِحَته - كَانَ فِي حَال إِحْرَامه , وَدَعْوَى بَعْضهمْ أَنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَالتَّقْدِير طَافَ عَلَى نِسَائِهِ يَنْضَح طِيبًا ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا خِلَاف الظَّاهِر , وَيَرُدّهُ قَوْله فِي رِوَايَة الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه عَنْ إِبْرَاهِيم عِنْدَ مُسْلِم \" كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِم يَتَطَيَّب بِأَطْيَب مَا يَجِد , ثُمَّ أَرَاهُ فِي رَأْسه وَلِحْيَته بَعْدَ ذَلِكَ \" وَلِلنَّسَائِيِّ وَابْن حِبَّان \" رَأَيْت الطِّيب فِي مَفْرِقه بَعْدَ ثَلَاث وَهُوَ مُحْرِم \" وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّ الْوَبِيص كَانَ بَقَايَا الدُّهْن الْمُطَيَّب الَّذِي تَطَيَّبَ بِهِ فَزَالَ وَبَقِيَ أَثَره مِنْ غَيْر رَائِحَة , وَيَرُدّهُ قَوْل عَائِشَة يَنْضَح طِيبًا. وَقَالَ بَعْضهمْ : بَقِيَ أَثَره لَا عَيْنه , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ لَيْسَ فِي شَيْء مِنْ طُرُق حَدِيث عَائِشَة أَنَّ عَيْنه بَقِيَتْ اِنْتَهَى. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عَائِشَة بِنْت طَلْحَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" كُنَّا نُضَمِّخ وُجُوهنَا بِالْمِسْكِ الْمُطَيِّب قَبْلَ أَنْ نُحْرِم ثُمَّ نُحْرِم فَنَعْرَق فَيَسِيل عَلَى وُجُوهنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَنْهَانَا \". فَهَذَا صَرِيح فِي بَقَاء عَيْن الطِّيب , وَلَا يُقَال إِنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِالنِّسَاءِ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرِّجَال وَالنِّسَاء سَوَاء فِي تَحْرِيم اِسْتِعْمَال الطِّيب إِذَا كَانُوا مُحْرِمِينَ. وَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ ذَلِكَ طِيبًا لَا رَائِحَة لَهُ تَمَسُّكًا بِرِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" بِطِيبٍ لَا يُشْبِه طِيبَكُمْ \" قَالَ بَعْض رُوَاته : يَعْنِي لَا بَقَاء لَهُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. وَيَرُدّ هَذَا التَّأْوِيل مَا فِي الَّذِي قَبْله. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة مَنْصُور بْن زَاذَانَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم \" بِطِيبٍ فِيهِ مِسْك \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه عَنْ إِبْرَاهِيم \" كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى وَبِيص الْمِسْك \" وَلِلشَّيْخَيْنِ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَسْوَد عَنْ أَبِيهِ \" بِأَطْيَب مَا أَجِد \". وَلِلطَّحَاوِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيق نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عَائِشَة \" بِالْغَالِيَةِ الْجَيِّدَة \" هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قَوْلهَا بِطِيبٍ لَا يُشْبِه طِيبكُمْ أَيْ أَطْيَب مِنْهُ , لَا كَمَا فَهِمَهُ الْقَائِل يَعْنِي لَيْسَ لَهُ بَقَاء. وَادَّعَى بَعْضهمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمُهَلَّب وَأَبُو الْحَسَن الْقَصَّار وَأَبُو الْفَرَج مِنْ الْمَالِكِيَّة , قَالَ بَعْضهمْ : لِأَنَّ الطِّيب مِنْ دَوَاعِي النِّكَاح فَنَهَى النَّاس عَنْهُ وَكَانَ هُوَ أَمْلَكَ النَّاس لِإِرْبِهِ فَفَعَلَهُ , وَرَجَّحَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ بِكَثْرَةِ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ الْخَصَائِص فِي النِّكَاح , وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ \" حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاء وَالطِّيب \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث أَنَس , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْخَصَائِص لَا تَثْبُت بِالْقِيَاسِ. وَقَالَ الْمُهَلَّب : إِنَّمَا خُصَّ بِذَلِكَ لِمُبَاشَرَتِهِ الْمَلَائِكَة لِأَجْلِ الْوَحْي , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ فَرْع ثُبُوت الْخُصُوصِيَّة وَكَيْفَ بِهَا , وَيَرُدّهَا حَدِيث عَائِشَة بِنْت طَلْحَة الْمُتَقَدِّم. وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" طَيَّبْت أَبِي بِالْمِسْكِ لِإِحْرَامِهِ حِينَ أَحْرَمَ \" وَبِقَوْلِهَا \" طَيَّبْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ \" أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيق عُمَر بْن عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة عَنْ جَدّه عَنْهَا , وَسَيَأْتِي مِنْ طَرِيق سُفْيَان عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم بِلَفْظِ \" وَأَشَارَتْ بِيَدَيْهَا \" وَاعْتَذَرَ بَعْض الْمَالِكِيَّة بِأَنَّ عَمَل أَهْل الْمَدِينَة عَلَى خِلَافه , وَتُعُقِّبَ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام أَنَّ سُلَيْمَان بْن عَبْد الْمَلِك لَمَّا حَجَّ جَمَعَ نَاسًا مِنْ أَهْل الْعِلْم - مِنْهُمْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَخَارِجَة بْن زَيْد وَسَالِم وَعَبْد اللَّه اِبْنَا عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَأَبُو بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث - فَسَأَلَهُمْ عَنْ التَّطَيُّب قَبْلَ الْإِفَاضَة , فَكُلّهمْ أَمَرَ بِهِ. فَهَؤُلَاءِ فُقَهَاء أَهْل الْمَدِينَة مِنْ التَّابِعِينَ قَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ , فَكَيْفَ يُدَّعَى مَعَ ذَلِكَ الْعَمَل عَلَى خِلَافه. ‏ ‏قَوْله : ( وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوف بِالْبَيْتِ ) أَيْ لِأَجْلِ إِحْلَاله مِنْ إِحْرَامه قَبْلَ أَنْ يَطُوف طَوَاف الْإِفَاضَة , وَسَيَأْتِي فِي اللِّبَاس مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم بِلَفْظِ \" قَبْلَ أَنْ يُفِيض \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَحِينَ يُرِيد أَنْ يَزُور الْبَيْت \" وَلِمُسْلِمٍ نَحْوه مِنْ طَرِيق عَمْرَة عَنْ عَائِشَة , وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" وَلِحِلِّهِ بَعْدَمَا يَرْمِي جَمْرَة الْعَقَبَة قَبْلَ أَنْ يَطُوف بِالْبَيْتِ \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى حِلِّ الطِّيب وَغَيْره مِنْ مُحَرَّمَات الْإِحْرَام بَعْدَ رَمْي جَمْرَة الْعَقَبَة , وَيَسْتَمِرّ اِمْتِنَاع الْجِمَاع وَمُتَعَلَّقَاتِهِ عَلَى الطَّوَاف بِالْبَيْتِ , وَهُوَ دَالّ عَلَى أَنَّ لِلْحَجِّ تَحَلُّلَيْنِ فَمَنْ قَالَ أَنَّ الْحَلْق نُسُك كَمَا هُوَ قَوْل الْجُمْهُور وَهُوَ الصَّحِيح عِنْدَ الشَّافِعِيَّة يُوقِف اِسْتِعْمَال الطِّيب وَغَيْره مِنْ الْمُحَرَّمَات الْمَذْكُورَة عَلَيْهِ , وَيُؤْخَذ ذَلِكَ مِنْ كَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّته رَمَى ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ طَافَ , فَلَوْلَا أَنَّ الطِّيب بَعْدَ الرَّمْي وَالْحَلْق لَمَا اِقْتَصَرَتْ عَلَى الطَّوَاف فِي قَوْلهَا \" قَبْلَ أَنْ يَطُوف بِالْبَيْتِ \" قَالَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح الْمُهَذَّب \" ظَاهِر كَلَام اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْره أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِأَنَّ الْحَلْق لَيْسَ بِنُسُكٍ إِلَّا الشَّافِعِيّ , وَهُوَ فِي رِوَايَة عَنْ أَحْمَد , وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُف , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز اِسْتِدَامَة الطِّيب بَعْدَ الْإِحْرَام , وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّة فَأَوْجَبُوا فِيهِ الْفِدْيَة قِيَاسًا عَلَى اللُّبْس , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اِسْتِدَامَة اللُّبْس لُبْس وَاسْتِدَامَة الطِّيب لَيْسَ بِطِيبٍ , وَيَظْهَر ذَلِكَ بِمَا لَوْ حَلَفَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّعَقُّب عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَاد بِرِيقِ الدُّهْن أَوْ أَثَر الطِّيب الَّذِي لَا رَائِحَة لَهُ بِمَا فِيهِ كِفَايَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1440",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُهِلُّ ‏ ‏مُلَبِّدًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مُطَابِق لِلتَّرْجَمَةِ , ‏ ‏وَقَوْله \" سَمِعْته يُهِلّ مُلَبِّدًا \" ‏ ‏أَيْ سَمِعْته يُهِلّ فِي حَال كَوْنه مُلَبِّدًا , وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَبَّدَ رَأْسه بِالْعَسَلِ , قَالَ اِبْن عَبْد السَّلَام يَحْتَمِل أَنَّهُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة , وَهُوَ مَا يُغْسَل بِهِ الرَّأْس مِنْ خَطْمِيّ أَوْ غَيْره. قُلْت ضَبَطْنَاهُ فِي رِوَايَتنَا فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1441",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1442",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا ‏ ‏الْبَرَانِسَ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏الْخِفَافَ ‏ ‏إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَلَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ ‏ ‏وَرْسٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب مَا يُنْهَى مِنْ الطِّيب لِلْمُحْرِمِ \" وَمِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَس مِنْ الثِّيَاب فِي الْإِحْرَام \" وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عُمَر بْن نَافِع عَنْ أَبِيهِ \" مَا نَلْبَس مِنْ الثِّيَاب إِذَا أَحْرَمْنَا \" وَهُوَ مُشْعِر بِأَنَّ السُّؤَال عَنْ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْإِحْرَام. وَقَدْ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي بَكْر النَّيْسَابُورِيّ أَنَّ فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ وَاللَّيْث عَنْ نَافِع أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْجِد , وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق عَنْهُمَا. نَعَمْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب , وَمِنْ طَرِيق عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَوْن , كِلَاهُمَا عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" نَادَى رَجُل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُب بِذَلِكَ الْمَكَان \" وَأَشَارَ نَافِع إِلَى مُقَدَّم الْمَسْجِد فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْآتِي فِي أَوَاخِر الْحَجّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ بِذَلِكَ فِي عَرَفَات فَيُحْمَل عَلَى التَّعَدُّد , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ حَدِيث اِبْن عُمَر أَجَابَ بِهِ السَّائِل وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس اِبْتَدَأَ بِهِ فِي الْخُطْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَا يَلْبَس الْمُحْرِم مِنْ الثِّيَاب ؟ قَالَ : لَا يَلْبَس الْقُمُصَ إِلَخْ ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ قَالَ الْعُلَمَاء هَذَا الْجَوَاب مِنْ بَدِيع الْكَلَام وَجَزْله لِأَنَّ مَا لَا يُلْبَس مُنْحَصِر فَحَصَلَ التَّصْرِيح بِهِ , وَأَمَّا الْمَلْبُوس الْجَائِز فَغَيْر مُنْحَصِر فَقَالَ : لَا يَلْبَس كَذَا أَيْ وَيَلْبَس مَا سِوَاهُ اِنْتَهَى. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : سُئِلَ عَمَّا يُلْبَس فَأَجَابَ بِمَا لَا يُلْبَس لِيَدُلّ بِالِالْتِزَامِ مِنْ طَرِيق الْمَفْهُوم عَلَى مَا يَجُوز , وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْ الْجَوَاب لِأَنَّهُ أَخْصَر وَأَحْصَر , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ حَقَّ السُّؤَال أَنْ يَكُون عَمَّا لَا يَلْبَس لِأَنَّهُ الْحُكْم الْعَارِض فِي الْإِحْرَام الْمُحْتَاج لِبَيَانِهِ , إِذْ الْجَوَاز ثَابِت بِالْأَصْلِ مَعْلُوم بِالِاسْتِصْحَابِ فَكَانَ الْأَلْيَق السُّؤَال عَمَّا لَا يُلْبَس , وَقَالَ غَيْره : هَذَا يُشْبِه أُسْلُوب الْحَكِيم , وَيَقْرُب مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفِقُونَ , قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ ) الْآيَة , فَعَدَلَ عَنْ جِنْس الْمُنْفَق وَهُوَ الْمَسْئُول عَنْهُ إِلَى ذِكْر الْمُنْفَق عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَهَمُّ. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْمُعْتَبَر فِي الْجَوَاب مَا يَحْصُل مِنْهُ الْمَقْصُود كَيْفَ كَانَ وَلَوْ بِتَغْيِيرٍ أَوْ زِيَادَة وَلَا تُشْتَرَط الْمُطَابَقَة اِنْتَهَى. وَهَذَا كُلّه بِنَاء عَلَى سِيَاق هَذِهِ الرِّوَايَة وَهِيَ الْمَشْهُورَة عَنْ نَافِع , وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" مَا يَتْرُك الْمُحْرِم \" وَهِيَ شَاذَّة وَالِاخْتِلَاف فِيهَا عَلَى اِبْن جُرَيْجٍ لَا عَلَى نَافِع , وَرَوَاهُ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ : مَا يَجْتَنِب الْمُحْرِم مِنْ الثِّيَاب \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن خُزَيْمَةَ وَأَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيّ فَقَالَ مَرَّة \" مَا يَتْرُك \" وَمَرَّة \" مَا يَلْبَس \" , وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي أَوَاخِر الْحَجّ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيّ بِلَفْظِ نَافِع , فَالِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيّ يُشْعِر بِأَنَّ بَعْضهمْ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى فَاسْتَقَامَتْ رِوَايَة نَافِع لِعَدَمِ الِاخْتِلَاف فِيهَا , وَاتَّجَهَ الْبَحْث الْمُتَقَدِّم. وَطَعَنَ بَعْضهمْ فِي قَوْل مَنْ قَالَ مِنْ الشُّرَّاح أَنَّ هَذَا مِنْ أُسْلُوب الْحَكِيم بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِن الْجَوَاب بِمَا يَحْصُر أَنْوَاع مَا لَا يُلْبَس كَأَنْ يُقَال مَا لَيْسَ بِمَخِيطٍ وَلَا عَلَى قَدْر الْبَدَن كَالْقَمِيصِ أَوْ بَعْضه كَالسَّرَاوِيلِ أَوْ الْخُفّ وَلَا يَسْتُر الرَّأْس أَصْلًا وَلَا يَلْبَس مَا مَسَّهُ طِيب كَالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَان , وَلَعَلَّ الْمُرَاد مِنْ الْجَوَاب الْمَذْكُور ذِكْر الْمُهِمّ وَهُوَ مَا يَحْرُم لُبْسه وَيُوجِب الْفِدْيَة. ‏ ‏قَوْله : ( الْمُحْرِم ) ‏ ‏أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ هُنَا الرَّجُل , وَلَا يَلْتَحِق بِهِ الْمَرْأَة فِي ذَلِكَ قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ لُبْس جَمِيع مَا ذُكِرَ , وَإِنَّمَا تَشْتَرِك مَعَ الرَّجُل فِي مَنْع الثَّوْب الَّذِي مَسَّهُ الزَّعْفَرَان أَوْ الْوَرْس , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي آخِر حَدِيث اللَّيْث الْآتِي فِي آخِر الْحَجّ \" لَا تَنْتَقِب الْمَرْأَة \" كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ , وَقَوْله \" لَا تَلْبَسُ \" بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَر وَهُوَ فِي مَعْنَى النَّهْي , وَرُوِيَ بِالْجَزْمِ عَلَى أَنَّهُ نَهْي , قَالَ عِيَاض : أَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيث لَا يَلْبَسهُ الْمُحْرِم , وَأَنَّهُ نَبَّهَ بِالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيل عَلَى كُلّ مَخِيط , وَبِالْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِس عَلَى كُلّ مَا يُغَطَّى الرَّأْس بِهِ مَخِيطًا أَوْ غَيْره , وَبِالْخِفَافِ عَلَى كُلّ مَا يَسْتُر الرِّجْل اِنْتَهَى. وَخَصَّ اِبْن دَقِيق الْعِيد الْإِجْمَاع الثَّانِي بِأَهْلِ الْقِيَاس وَهُوَ وَاضِح , وَالْمُرَاد بِتَحْرِيمِ الْمَخِيط مَا يَلْبَس عَلَى الْمَوْضِع الَّذِي جَعَلَ لَهُ وَلَوْ فِي بَعْض الْبَدَن فَأَمَّا لَوْ اِرْتَدَى بِالْقَمِيصِ مَثَلًا فَلَا بَأْس. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : ذَكَرَ الْعِمَامَة وَالْبُرْنُس مَعًا لِيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز تَغْطِيَة الرَّأْس لَا بِالْمُعْتَادِ وَلَا بِالنَّادِرِ , قَالَ : وَمِنْ النَّادِر الْمِكْتَل يَحْمِلهُ عَلَى رَأْسه. قُلْت : إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَجْعَلهُ عَلَى رَأْسه كَلَابِسِ الْقُبَع صَحَّ مَا قَالَ , وَإِلَّا فَمُجَرَّد وَضْعه عَلَى رَأْسه عَلَى هَيْئَة الْحَامِل لِحَاجَتِهِ لَا يَضُرّ عَلَى مَذْهَبه. وَمِمَّا لَا يَضُرّ أَيْضًا الِانْغِمَاس فِي الْمَاء فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى لَابِسًا , وَكَذَا سَتْر الرَّأْس بِالْيَدِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا أَحَد ) ‏ ‏قَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَة : يُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز اِسْتِعْمَال أَحَد فِي الْإِثْبَات خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِضَرُورَةِ الشِّعْر , قَالَ : وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَل فِي الْإِثْبَات إِلَّا إِنْ كَانَ يَعْقُبهُ نَفْي. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَجِد نَعْلَيْنِ ) ‏ ‏زَادَ مَعْمَر فِي رِوَايَته عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم فِي هَذَا الْمَوْضِع زِيَادَة حَسَنَة تُفِيد اِرْتِبَاط ذِكْر النَّعْلَيْنِ بِمَا سَبَقَ وَهِيَ قَوْله \" وَلْيُحْرِمْ أَحَدكُمْ فِي إِزَار وَرِدَاء وَنَعْلَيْنِ , فَإِنْ لَمْ يَجِد نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ \" وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" فَإِنْ لَمْ يَجِد \" عَلَى أَنَّ وَاجِد النَّعْلَيْنِ لَا يَلْبَس الْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَعَنْ بَعْض الشَّافِعِيَّة جَوَازه وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّة. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنْ صَارَا كَالنَّعْلَيْنِ جَازَ وَإِلَّا مَتَى سَتَرَا مِنْ ظَاهِر الرِّجْل شَيْئًا لَمْ يَجُزْ إِلَّا لِلْفَاقِدِ , وَالْمُرَاد بِعَدَمِ الْوِجْدَان أَنْ لَا يَقْدِر عَلَى تَحْصِيله إِمَّا لِفَقْدِهِ أَوْ تَرْك بَذْل الْمَالِك لَهُ وَعَجْزه عَنْ الثَّمَن إِنْ وَجَدَ مَنْ يَبِيعهُ أَوْ الْأُجْرَة , وَلَوْ بِيعَ بِغَبْنٍ لَمْ يَلْزَمهُ شِرَاؤُهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ لَمْ يَجِبْ قَبُوله إِلَّا إِنْ أُعِيرَ لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَلْبَسْ ) ‏ ‏ظَاهِر الْأَمْر لِلْوُجُوبِ , لَكِنَّهُ لَمَّا شُرِعَ لِلتَّسْهِيلِ لَمْ يُنَاسِب التَّثْقِيل وَإِنَّمَا هُوَ لِلرُّخْصَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب الْمَاضِيَة فِي آخِر كِتَاب الْعِلْم \" حَتَّى يَكُونَا تَحْت الْكَعْبَيْنِ \" وَالْمُرَاد كَشْف الْكَعْبَيْنِ فِي الْإِحْرَام وَهُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مَفْصِل السَّاق وَالْقَدَم , وَمُؤَيِّده مَا رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ جَرِير عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ إِذَا اُضْطُرَّ الْمُحْرِم إِلَى الْخُفَّيْنِ خَرَقَ ظُهُورهمَا وَتَرَكَ فِيهِمَا قَدْر مَا يَسْتَمْسِك رِجْلَاهُ. وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْحَنَفِيَّة : الْكَعْب هُنَا هُوَ الْعَظْم الَّذِي فِي وَسَط الْقَدَم عِنْدَ مَعْقِد الشِّرَاك , وَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَف عِنْدَ أَهْل اللُّغَة , وَقِيلَ إِنَّهُ لَا يَثْبُت عَنْ مُحَمَّد إِنَّ السَّبَب فِي نَقْله عَنْهُ أَنَّ هِشَام بْن عُبَيْد اللَّه الرَّازِيَّ سَمِعَهُ يَقُول فِي مَسْأَلَة الْمُحْرِم إِذَا لَمْ يَجِد النَّعْلَيْنِ حَيْثُ يَقْطَع خُفَّيْهِ فَأَشَارَ مُحَمَّد بِيَدِهِ إِلَى مَوْضِع الْقَطْع , وَنَقَلَهُ هِشَام إِلَى غَسْل الرِّجْلَيْنِ فِي الطَّهَارَة , وَبِهَذَا يُتَعَقَّب عَلَى مَنْ نَقَلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة كَابْنِ بَطَّال أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْكَعْب هُوَ الشَّاخِص فِي ظَهْر الْقَدَم , فَإِنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ نَقْل ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّد بْن الْحَسَن - عَلَى تَقْدِير صِحَّتِهِ عَنْهُ - أَنْ يَكُون قَوْل أَبِي حَنِيفَة. وَنُقِلَ عَنْ الْأَصْمَعِيّ وَهُوَ قَوْل الْإِمَامِيَّة أَنَّ الْكَعْب عَظْم مُسْتَدِير تَحْت عَظْم السَّاق حَيْثُ مَفْصِل السَّاق وَالْقَدَم , وَجُمْهُور أَهْل اللُّغَة عَلَى أَنَّ فِي كُلّ قَدَم كَعْبَيْنِ , وَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُ لَا فِدْيَة عَلَى مَنْ لَبِسَهُمَا إِذَا لَمْ يَجِد النَّعْلَيْنِ , وَعَنْ الْحَنَفِيَّة تَجِب , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ وَقْت الْحَاجَة. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِشْتِرَاط الْقَطْع , خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَد فَإِنَّهُ أَجَازَ لُبْس الْخُفَّيْنِ مِنْ غَيْر قَطْع لِإِطْلَاقِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْآتِي فِي أَوَاخِر الْحَجّ بِلَفْظِ \" وَمَنْ لَمْ يَجِد نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُوَافِق عَلَى قَاعِدَة حَمْل الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُول بِهَا هُنَا , وَأَجَابَ الْحَنَابِلَة بِأَشْيَاء : مِنْهَا دَعْوَى النَّسْخ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر , فَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن دِينَار أَنَّهُ رَوَى عَنْ اِبْن عُمَر حَدِيثه وَعَنْ جَابِر بْن زَيْد عَنْ اِبْن عَبَّاس حَدِيثه وَقَالَ : اُنْظُرُوا أَيّ الْحَدِيثَيْنِ قُبِلَ , ثُمَّ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي بَكْر النَّيْسَابُورِيّ أَنَّهُ قَالَ : حَدِيث اِبْن عُمَر قُبِلَ لِأَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْإِحْرَام , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس بِعَرَفَاتٍ. وَأَجَابَ الشَّافِعِيّ عَنْ هَذَا فِي \" الْأُمّ \" فَقَالَ : كِلَاهُمَا صَادِق حَافِظ , وَزِيَادَة اِبْن عُمَر لَا تُخَالِف اِبْن عَبَّاس لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون عَزَبَتْ عَنْهُ أَوْ شَكَّ أَوْ قَالَهَا فَلَمْ يَقُلْهَا عَنْهُ بَعْض رُوَاته اِنْتَهَى. وَسَلَكَ بَعْضهمْ التَّرْجِيح بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ , قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : حَدِيث اِبْن عُمَر اِخْتُلِفَ فِي وَقْفه وَرَفْعه , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس لَمْ يُخْتَلَف فِي رَفْعه اِنْتَهَى. وَهُوَ تَعْلِيل مَرْدُود بَلْ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى اِبْن عُمَر فِي رَفْع الْأَمْر بِالْقَطْعِ إِلَّا فِي رِوَايَة شَاذَّة , عَلَى أَنَّهُ اِخْتُلِفَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَيْضًا فَرَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس مَوْقُوفًا , وَلَا يَرْتَابُ أَحَد مِنْ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ حَدِيث اِبْن عُمَر أَصَحّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس لِأَنَّ حَدِيث اِبْن عُمَر جَاءَ بِإِسْنَادٍ وُصِفَ بِكَوْنِهِ أَصَحَّ الْأَسَانِيد , وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ عَنْ اِبْن عُمَر غَيْر وَاحِد مِنْ الْحُفَّاظ مِنْهُمْ نَافِع وَسَالِم , بِخِلَافِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فَلَمْ يَأْتِ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ رِوَايَة جَابِر بْن زَيْد عَنْهُ حَتَّى قَالَ الْأَصِيلِيّ : إِنَّهُ شَيْخ بَصْرِيّ لَا يُعْرَف كَذَا قَالَ , وَهُوَ مَعْرُوف مَوْصُوف بِالْفِقْهِ عِنْد الْأَئِمَّة. وَاسْتَدَلَّ بَعْضهمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى السَّرَاوِيل كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقِيَاس مَعَ وُجُود النَّصّ فَاسِد الِاعْتِبَار. وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ بِقَوْلِ عَطَاء : إِنَّ الْقَطْع فَسَاد وَاَللَّه لَا يُحِبّ الْفَسَاد , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفَسَاد إِنَّمَا يَكُون فِيمَا نَهَى الشَّرْع عَنْهُ لَا فِيمَا أَذِنَ فِيهِ. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : يُحْمَل الْأَمْر بِالْقَطْعِ عَلَى الْإِبَاحَة لَا عَلَى الِاشْتِرَاط عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ , وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه. قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْحِكْمَة فِي مَنْع الْمُحْرِم مِنْ اللِّبَاس وَالطِّيب الْبُعْد عَنْ التَّرَفُّه , وَالِاتِّصَاف بِصِفَةِ الْخَاشِع , وَلِيَتَذَكَّرَ بِالتَّجَرُّدِ الْقُدُوم عَلَى رَبّه فَيَكُون أَقْرَب إِلَى مُرَاقَبَته وَامْتِنَاعه مِنْ اِرْتِكَاب الْمَحْظُورَات. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَاب شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَان أَوْ وَرْس ) ‏ ‏قِيلَ عَدَلَ عَنْ طَرِيقَة مَا تَقَدَّمَ ذِكْره إِشَارَة إِلَى اِشْتَرَاك الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي ذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ , بَلْ الظَّاهِر أَنَّ نُكْتَة الْعُدُول أَنَّ الَّذِي يُخَالِطهُ الزَّعْفَرَان وَالْوَرْس لَا يَجُوز لُبْسه سَوَاء كَانَ مِمَّا يَلْبَسهُ الْمُحْرِم أَوْ لَا يَلْبَسهُ. وَالْوَرْس بِفَتْحِ الْوَاو وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا مُهْمَلَة نَبْت أَصْفَر طَيِّب الرِّيح يُصْبَغ بِهِ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لَيْسَ الْوَرْس بِطِيبٍ , وَلَكِنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلَى اِجْتِنَاب الطِّيب وَمَا يُشْبِههُ فِي مُلَاءَمَة الشَّمّ , فَيُؤْخَذ مِنْهُ تَحْرِيم أَنْوَاع الطِّيب عَلَى الْمُحْرِم وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ فِيمَا يُقْصَد بِهِ التَّطَيُّب. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" مَسَّهُ \" عَلَى تَحْرِيم مَا صُبِغَ كُلّه أَوْ بَعْضُهُ وَلَوْ خَفِيَتْ رَائِحَته. قَالَ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ : إِنَّمَا يُكْرَه لُبْس الْمُصْبَغَاتِ لِأَنَّهَا تُنْفَض. وَقَالَ الشَّافِعِيَّة : إِذَا صَارَ الثَّوْب بِحَيْثُ لَوْ أَصَابَهُ الْمَاء لَمْ تَفُحْ لَهُ رَائِحَة لَمْ يُمْنَع. وَالْحُجَّة فِيهِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْآتِي فِي الْبَاب الَّذِي تَقَدَّمَ بِلَفْظِ \" وَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْء مِنْ الثِّيَاب إِلَّا الْمُزَعْفَرَة الَّتِي تَرْدَع الْجِلْد \" وَأَمَّا الْمَغْسُول فَقَالَ الْجُمْهُور : إِذَا ذَهَبَتْ الرَّائِحَة جَازَ خِلَافًا لِمَالِكٍ , وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِمَا رَوَى أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع فِي هَذَا الْحَدِيث \" إِلَّا أَنْ يَكُون غَسِيلًا \" أَخْرَجَهُ يَحْيَى بْن عَبْد الْحَمِيد الْحِمَّانِيّ فِي مُسْنَده عَنْهُ , وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَحْمَد بْن أَبِي عِمْرَان أَنَّ يَحْيَى بْن مَعِين أَنْكَرَهُ عَلَى الْحِمَّانِيّ , فَقَالَ لَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن صَالِح الْأَزْدِيُّ : قَدْ كَتَبْته عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة. وَقَامَ فِي الْحَال فَأَخْرَجَ لَهُ أَصْله فَكَتَبَهُ عَنْهُ يَحْيَى بْن مَعِين اِنْتَهَى. وَهِيَ زِيَادَة شَاذَّة لِأَنَّ أَبَا مُعَاوِيَة وَإِنْ كَانَ مُتْقِنًا لَكِنْ فِي حَدِيثه عَنْ غَيْر الْأَعْمَش مَقَال , قَالَ أَحْمَد : أَبُو مُعَاوِيَة مُضْطَرِب الْحَدِيث فِي عُبَيْد اللَّه وَلَمْ يَجِيء بِهَذِهِ الزِّيَادَة غَيْره. قُلْت : وَالْحِمَّانِيّ ضَعِيف وَعَبْد الرَّحْمَن الَّذِي تَابَعَهُ فِيهِ مَقَال , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُهَلَّب عَلَى مَنْع اِسْتِدَامَة الطِّيب وَفِيهِ نَظَر , وَاسْتَنْبَطَ مَنْ مَنَعَ لُبْس الثَّوْب الْمُزَعْفَر مَنْع أَكْل الطَّعَام الَّذِي فِيهِ الزَّعْفَرَان وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيَّة , وَعَنْ الْمَالِكِيَّة خِلَاف , وَقَالَ الْحَنَفِيَّة لَا يَحْرُم لِأَنَّ الْمُرَاد اللُّبْس وَالتَّطَيُّب وَالْآكِل لَا يُعَدّ مُتَطَيِّبًا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏: زَادَ الثَّوْرِيّ فِي رِوَايَته عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَلَا الْقَبَاء \" أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ , وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الثَّوْرِيّ , وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق حَفْص بْن غِيَاث عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع أَيْضًا. وَالْقَبَاء بِالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَة مَعْرُوف , وَيُطْلَق عَلَى كُلّ ثَوْب مُفَرَّج , وَمَنْع لُبْسه عَلَى الْمُحْرِم مُتَّفَق عَلَيْهِ , إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَة قَالَ : يُشْتَرَط أَنْ يُدْخِل يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ لَا إِذَا أَلْقَاهُ عَلَى كَتِفَيْهِ , وَوَافَقَهُ أَبُو ثَوْر وَالْخِرَقِيّ مِنْ الْحَنَابِلَة. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ نَظِيره إِنْ كَانَ كُمّه ضَيِّقًا , فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَلَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1443",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ الْأَيْلِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْمُزْدَلِفَةِ ‏ ‏ثُمَّ أَرْدَفَ ‏ ‏الْفَضْلَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْمزْدَلِفَةِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏مِنًى ‏ ‏قَالَ فَكِلَاهُمَا قَالَ ‏ ‏لَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُلَبِّي حَتَّى رَمَى ‏ ‏جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1444",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏كُرَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْطَلَقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏بَعْدَ مَا ‏ ‏تَرَجَّلَ ‏ ‏وَادَّهَنَ وَلَبِسَ ‏ ‏إِزَارَهُ ‏ ‏وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْدِيَةِ ‏ ‏وَالْأُزُرِ ‏ ‏تُلْبَسُ إِلَّا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي ‏ ‏تَرْدَعُ ‏ ‏عَلَى الْجِلْدِ فَأَصْبَحَ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏رَكِبَ ‏ ‏رَاحِلَتَهُ ‏ ‏حَتَّى اسْتَوَى عَلَى ‏ ‏الْبَيْدَاءِ ‏ ‏أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ‏ ‏وَقَلَّدَ ‏ ‏بَدَنَتَهُ وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فَقَدِمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ فَطَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَسَعَى بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ لِأَنَّهُ قَلَّدَهَا ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏عِنْدَ ‏ ‏الْحَجُونِ ‏ ‏وَهُوَ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَقْرَبْ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَبَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُءُوسِهِمْ ثُمَّ يَحِلُّوا وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ ‏ ‏قَلَّدَهَا ‏ ‏وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا فُضَيْل ) ‏ ‏هُوَ بِالتَّصْغِيرِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَرَجَّلَ ) ‏ ‏أَيْ سَرَّحَ شَعْره. ‏ ‏قَوْله : ( وَادَّهَنَ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُل الزَّيْت وَالشَّحْم وَالسَّمْن وَالشَّيْرَج وَأَنْ يَسْتَعْمِل ذَلِكَ فِي جَمِيع بَدَنه سِوَى رَأْسه وَلِحْيَته , وَأَجْمَعُوا أَنَّ الطِّيب لَا يَجُوز اِسْتِعْمَاله فِي بَدَنه , فَفَرَّقُوا بَيْنَ الطِّيب وَالزَّيْت فِي هَذَا , فَقِيَاس كَوْن الْمُحْرِم مَمْنُوعًا مِنْ اِسْتِعْمَال الطِّيب فِي رَأْسه أَنْ يُبَاح لَهُ اِسْتِعْمَال الزَّيْت فِي رَأْسه , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى الْخِلَاف فِي ذَلِكَ قَبْلُ بِأَبْوَابٍ. ‏ ‏قَوْله : ( الَّتِي تُرْدَع ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ تُلَطَّخ يُقَال رَدَعَ إِذَا اِلْتَطَخَ , وَالرَّدْع أَثَر الطِّيب , وَرَدَعَ بِهِ الطِّيب إِذَا لَزِقَ بِجِلْدِهِ , قَالَ اِبْن بَطَّال وَقَدْ رُوِيَ بِالْمُعْجَمَةِ مِنْ قَوْلهمْ أَرْدَغَتْ الْأَرْض إِذَا كَثُرَتْ مَنَاقِع الْمِيَاه فِيهَا , وَالرَّدْغ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة الطِّين اِنْتَهَى. وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق ضَبْط هَذِهِ اللَّفْظَة بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَلَا تَعَرَّضَ لَهَا عِيَاض وَلَا اِبْن قُرْقُول وَاَللَّه أَعْلَم وَوَقَعَ فِي الْأَصْل تُرْدَع عَلَى الْجِلْد قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : الصَّوَاب حَذْف \" عَلَى \" كَذَا قَالَ , وَإِثْبَاتهَا مُوَجَّه أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَة ) ‏ ‏أَيْ وَصَلَ إِلَيْهَا نَهَارًا ثُمَّ بَاتَ بِهَا كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده مِنْ حَدِيث أَنَس. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى اِسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاء أَهَلَّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ نَقْل الْخِلَاف فِي ذَلِكَ وَطَرِيق الْجَمْع بَيْنَ الْمُخْتَلِف فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَة ) ‏ ‏أَخْرَجَ مُسْلِم مِثْله مِنْ حَدِيث عَائِشَة , وَاحْتَجَّ بِهِ اِبْن حَزْم فِي كِتَاب \" حَجَّة الْوَدَاع \" لَهُ عَلَى أَنَّ خُرُوجَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَة كَانَ يَوْم الْخَمِيس , قَالَ : لِأَنَّ أَوَّل ذِي الْحِجَّة كَانَ يَوْم الْخَمِيس بِلَا شَكٍّ لِأَنَّ الْوَقْفَة كَانَتْ يَوْم الْجُمْعَة بِلَا خِلَاف , وَظَاهِر قَوْل اِبْن عَبَّاس \" لِخَمْسٍ \" يَقْتَضِي أَنْ يَكُون خُرُوجه مِنْ الْمَدِينَة يَوْم الْجُمْعَة بِنَاء عَلَى تَرْك عَدِّ يَوْم الْخُرُوج , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْر بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ حَدِيث أَنَس , فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْم الْجُمْعَة فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ يَوْمُ الْخَمِيس. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْقَيِّم بِأَنَّ الْمُتَعَيِّنَ أَنْ يَكُون يَوْم السَّبْت بِنَاء عَلَى عَدِّ يَوْم الْخُرُوج أَوْ عَلَى تَرْك عَدِّهِ وَيَكُون ذُو الْقَعْدَة تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا اِنْتَهَى. وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ اِبْن سَعْد وَالْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" أَنَّ خُرُوجه مِنْ الْمَدِينَة كَانَ يَوْم السَّبْت لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَة , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ مَنَعَ إِطْلَاق الْقَوْل فِي التَّارِيخ لِئَلَّا يَكُون الشَّهْر نَاقِصًا فَلَا يَصِحّ الْكَلَام فَيَقُول مَثَلًا لِخَمْسٍ إِنْ بَقِينَ بِزِيَادَةِ أَدَاة الشَّرْط , وَحُجَّة الْمُجِيز أَنَّ الْإِطْلَاق يَكُون عَلَى الْغَالِب وَمُقْتَضَى قَوْله أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّة لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّة أَنْ يَكُون دَخَلَهَا صُبْح يَوْم الْأَحَد وَبِهِ صَرَّحَ الْوَاقِدِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالطِّيب وَالثِّيَاب ) ‏ ‏أَيْ كَذَلِكَ , وَقَوْله \" الْحَجُونَ \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا جِيم مَضْمُومَة هُوَ الْجَبَل الْمُطِلّ عَلَى الْمَسْجِد بِأَعْلَى مَكَّة عَلَى يَمِين الْمِصْعَد وَهُنَاكَ مَقْبَرَة أَهْل مَكَّة. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْح مَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس هَذَا مُفَرَّقًا فِي الْأَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1445",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏أَرْبَعًا ‏ ‏وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏فَلَمَّا رَكِبَ ‏ ‏رَاحِلَتَهُ ‏ ‏وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي اِبْن الْمُنْكَدِر ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظ مِنْ أَصْحَاب اِبْن جُرَيْجٍ عَنْهُ , وَخَالَفَهُمْ عِيسَى بْن يُونُس فَقَالَ \" عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس \" وَهِيَ رِوَايَة شَاذَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَبِذِي الْحُلَيْفَة رَكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏فِيهِ مَشْرُوعِيَّة قَصْر الصَّلَاة لِمَنْ خَرَجَ مِنْ بُيُوت الْبَلَد وَبَاتَ خَارِجًا عَنْهَا وَلَوْ لَمْ يَسْتَمِرّ سَفَره , وَاحْتَجَّ بِهِ أَهْل الظَّاهِر فِي قَصْر الصَّلَاة فِي السَّفَر الْقَصِير , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ كَابْتِدَاءِ سَفَر لَا الْمُنْتَهَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي أَبْوَاب قَصْر الصَّلَاة , وَتَقَدَّمَ الْخِلَاف فِي اِبْتِدَاء إِهْلَاله قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1446",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى الظُّهْرَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏أَرْبَعًا وَصَلَّى الْعَصْرَ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ قَالَ وَأَحْسِبُهُ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَحْسَبُهُ ) ‏ ‏الشَّكُّ فِيهِ مِنْ أَبِي قِلَابَةَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي طَرِيق اِبْن الْمُنْكَدِر الَّتِي قَبْلهَا بِغَيْرِ شَكٍّ , وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَيُّوب بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاق. ‏"
    },
    {
        "id": "1447",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَسَمِعْتهمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا ) ‏ ‏أَيْ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَة , وَمُرَاد أَنَس بِذَلِكَ مَنْ نَوَى مِنْهُمْ الْقِرَان , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى سَبِيل التَّوْزِيع , أَيْ بَعْضهمْ بِالْحَجِّ وَبَعْضهمْ بِالْعُمْرَةِ قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ. وَيُشْكِل عَلَيْهِ قَوْله فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى \" يَقُول لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَة مَعًا \" وَسَيَأْتِي إِنْكَار اِبْن عُمَر عَلَى أَنَس ذَلِكَ , سَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي \" بَاب التَّمَتُّع وَالْقِرَان \" وَفِيهِ حُجَّة لِلْجُمْهُورِ فِي اِسْتِحْبَاب رَفْع الْأَصْوَات بِالتَّلْبِيَةِ , وَقَدْ رَوَى مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" وَأَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق خَلَّاد بْن السَّائِب عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا \" جَاءَنِي جِبْرِيل فَأَمَرَنِي أَنْ آمُر أَصْحَابِي يَرْفَعُونَ أَصْوَاتهمْ بِالْإِهْلَالِ \" وَرِجَاله ثِقَات , إِلَّا أَنَّهُ اِخْتُلِفَ عَلَى التَّابِعِيّ فِي صَحَابِيِّهِ. وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ بَكْر بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيِّ قَالَ \" كُنْت مَعَ اِبْن عُمَر فَلَبَّى حَتَّى أَسْمَع مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ \" وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيح مِنْ طَرِيق الْمُطَّلِب بْن عَبْد اللَّه قَالَ \" كَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتهمْ بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى تُبَحّ أَصْوَاتهمْ \" وَاخْتَلَفَ الرُّوَاة عَنْ مَالِك فَقَالَ اِبْن الْقَاسِم عَنْهُ : لَا يَرْفَع صَوْته بِالتَّلْبِيَةِ إِلَّا فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِد مِنًى , وَقَالَ فِي الْمُوَطَّأ : لَا يَرْفَع صَوْته بِالتَّلْبِيَةِ فِي مَسْجِد الْجَمَاعَات , وَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا. وَوَجْه الِاسْتِثْنَاء أَنَّ الْمَسْجِد الْحَرَام جُعِلَ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِر وَغَيْرهمَا وَكَانَ الْمُلَبِّي إِنَّمَا يَقْصِد إِلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ وَجْه الْخُصُوصِيَّة , وَكَذَلِكَ مَسْجِد مِنًى. ‏"
    },
    {
        "id": "1448",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَبَّيْكَ ) ‏ ‏هُوَ لَفْظ مُثَنًّى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَبِعَهُ. وَقَالَ يُونُس : هُوَ اِسْم مُفْرَد وَأَلِفُهُ إِنَّمَا اِنْقَلَبَتْ يَاء لِاتِّصَالِهَا بِالضَّمِيرِ كَلَدَيَّ وَعَلَيَّ. وَرُدَّ بِأَنَّهَا قُلِبَتْ يَاء مَعَ الْمُظْهَر. وَعَنْ الْفَرَّاء : هُوَ مَنْصُوب عَلَى الْمَصْدَر , وَأَصْله لَبًّا لَك فَثُنِّيَ عَلَى التَّأْكِيد أَيْ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَاب , وَهَذِهِ التَّثْنِيَة لَيْسَتْ حَقِيقِيَّة بَلْ هِيَ لِلتَّكْثِيرِ أَوْ الْمُبَالَغَة , وَمَعْنَاهُ إِجَابَة بَعْدَ إِجَابَة أَوْ إِجَابَة لَازِمَة. قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : وَمِثْله حَنَانَيْك أَيْ تَحَنُّنًا بَعْدَ تَحَنُّن. وَقِيلَ : مَعْنَى لَبَّيْكَ اِتِّجَاهِي وَقَصْدِي إِلَيْك , مَأْخُوذ مِنْ قَوْلهمْ دَارِي تَلُبُّ دَارك أَيْ تُوَاجِههَا. وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مَحَبَّتِي لَك مَأْخُوذ مِنْ قَوْلهمْ اِمْرَأَة لَبَّة أَيْ مُحِبَّة. وَقِيلَ إِخْلَاصِي لَك مِنْ قَوْلهمْ حُبٌّ لَبَاب أَيْ خَالِص. وَقِيلَ أَنَا مُقِيم عَلَى طَاعَتك مِنْ قَوْلهمْ لَبَّ الرَّجُل بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ. وَقِيلَ قُرْبًا مِنْك مِنْ الْإِلْبَاب وَهُوَ الْقُرْب. وَقِيلَ خَاضِعًا لَك. وَالْأَوَّل أَظْهَر وَأَشْهَر لِأَنَّ الْمُحْرِم مُسْتَجِيب لِدُعَاءِ اللَّه إِيَّاهُ فِي حَجِّ بَيْته , وَلِهَذَا مَنْ دَعَا فَقَالَ لَبَّيْكَ فَقَدْ اِسْتَجَابَ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم مَعْنَى التَّلْبِيَة إِجَابَة دَعْوَة إِبْرَاهِيم حِينَ أَذَّنَ فِي النَّاس بِالْحَجِّ اِنْتَهَى. وَهَذَا أَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ وَابْن جَرِير وَابْن أَبِي حَاتِم بِأَسَانِيدِهِمْ فِي تَفَاسِيرهمْ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَقَتَادَةَ وَغَيْر وَاحِد وَالْأَسَانِيد إِلَيْهِمْ قَوِيَّة , وَأَقْوَى مَا فِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد بْن مَنِيع فِي مُسْنَده وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق قَابُوس بْن أَبِي ظَبْيَان عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ قَالَ : \" لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ بِنَاء الْبَيْت قِيلَ لَهُ أَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ , قَالَ : رَبِّ وَمَا يَبْلُغ صَوْتِي ؟ قَالَ : أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغ. قَالَ فَنَادَى إِبْرَاهِيم : يَا أَيّهَا النَّاس كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجّ إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق , فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاء وَالْأَرْض , أَفَلَا تَرَوْنَ أَنَّ النَّاس يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْض يُلَبُّونَ \" , وَمِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس وَفِيهِ \" فَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي أَصْلَاب الرِّجَال , وَأَرْحَام النِّسَاء. وَأَوَّل مَنْ أَجَابَهُ أَهْل الْيَمَن , فَلَيْسَ حَاجٌّ يَحُجّ مِنْ يَوْمَئِذٍ إِلَى أَنْ تَقُوم السَّاعَة إِلَّا مَنْ كَانَ أَجَابَ إِبْرَاهِيم يَوْمَئِذٍ \" قَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَة : وَفِي مَشْرُوعِيَّة التَّلْبِيَة تَنْبِيه عَلَى إِكْرَام اللَّه تَعَالَى لِعِبَادِهِ بِأَنَّ وُفُودهمْ عَلَى بَيْته إِنَّمَا كَانَ بِاسْتِدْعَاءِ مِنْهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ الْحَمْد ) ‏ ‏رُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَة عَلَى الِاسْتِئْنَاف وَبِفَتْحِهَا عَلَى التَّعْلِيل , وَالْكَسْر أَجْوَد عِنْدَ الْجُمْهُور , وَقَالَ ثَعْلَب لِأَنَّ مَنْ كَسَرَ جَعَلَ مَعْنَاهُ إِنَّ الْحَمْد لَك عَلَى كُلّ حَال , وَمَنْ فَتَحَ قَالَ مَعْنَاهُ لَبَّيْكَ لِهَذَا السَّبَب. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَهِجَ الْعَامَّة بِالْفَتْحِ وَحَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : الْمَعْنَى عِنْدِي وَاحِد لِأَنَّ مَنْ فَتَحَ أَرَادَ لَبَّيْكَ لِأَنَّ الْحَمْد لَك عَلَى كُلّ حَال , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّقْيِيد لَيْسَ فِي الْحَمْد وَإِنَّمَا هُوَ فِي التَّلْبِيَة. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الْكَسْر أَجْوَد لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُون الْإِجَابَة مُطْلَقَة غَيْر مُعَلَّلَة , وَأَنَّ الْحَمْد وَالنِّعْمَة لِلَّهِ عَلَى كُلّ حَال , وَالْفَتْح يَدُلّ عَلَى التَّعْلِيل فَكَأَنَّهُ يَقُول : أَجَبْتُك لِهَذَا السَّبَب وَالْأَوَّل أَعَمُّ فَهُوَ أَكْثَر فَائِدَة. وَلَمَّا حَكَى الرَّافِعِيّ الْوَجْهَيْنِ مِنْ غَيْر تَرْجِيح رَجَّحَ النَّوَوِيّ الْكَسْر , وَهَذَا خِلَاف مَا نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيّ أَنَّ الشَّافِعِيّ اِخْتَارَ الْفَتْح وَأَنَّ أَبَا حَنِيفَة اِخْتَارَ الْكَسْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَالنِّعْمَة لَك ) ‏ ‏الْمَشْهُور فِيهِ النَّصْب , قَالَ عِيَاض : وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى الِابْتِدَاء وَيَكُون الْخَبَر مَحْذُوفًا وَالتَّقْدِير أَنَّ الْحَمْد لَك وَالنِّعْمَة مُسْتَقِرَّة لَك , قَالَهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَة : قَرَنَ الْحَمْد وَالنِّعْمَة وَأَفْرَدَ الْمُلْك لِأَنَّ الْحَمْد مُتَعَلَّقُ النِّعْمَة , وَلِهَذَا يُقَال الْحَمْد لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ فَجَمَعَ بَيْنهمَا كَأَنَّهُ قَالَ : لَا حَمْد إِلَّا لَك لِأَنَّهُ لَا نِعْمَة إِلَّا لَك , وَأَمَّا الْمُلْك فَهُوَ مَعْنًى مُسْتَقِلّ بِنَفْسِهِ ذُكِرَ لِتَحْقِيقِ أَنَّ النِّعْمَة كُلّهَا لِلَّهِ صَاحِب الْمُلْك. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْمُلْك ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُور وَيَجُوز الرَّفْع , وَتَقْدِيره وَالْمُلْك كَذَلِكَ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَةَ عَنْ نَافِع وَغَيْره عَنْ اِبْن عُمَر \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اِسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَته عِنْدَ مَسْجِد ذِي الْحُلَيْفَة أَهَلَّ فَقَالَ : لَبَّيْكَ \" الْحَدِيث. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاس مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلّ مُلَبِّدًا يَقُول : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ \" الْحَدِيث. وَقَالَ فِي آخِره \" لَا يَزِيد عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَات \" زَادَ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" قَالَ اِبْن عُمَر : كَانَ عُمَر يُهِلّ بِهَذَا وَيَزِيد لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْك وَالْخَيْر فِي يَدَيْك وَالرَّغْبَاء إِلَيْك وَالْعَمَل \" وَهَذَا الْقَدْر فِي رِوَايَة مَالِك أَيْضًا عَنْهُ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَزِيد فِيهَا فَذَكَرَ نَحْوه , فَعُرِفَ أَنَّ اِبْن عُمَر اِقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِأَبِيهِ , وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ قَالَ \" كَانَتْ تَلْبِيَة عُمَر \" فَذَكَرَ مِثْل الْمَرْفُوع وَزَادَ \" لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْك ذَا النَّعْمَاء وَالْفَضْل الْحَسَن \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِسْتِحْبَاب الزِّيَادَة عَلَى مَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ , قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة وَجَابِر وَعَمْرو بْن مَعْدِ يَكْرِب : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَة , غَيْر أَنَّ قَوْمًا قَالُوا : لَا بَأْس أَنْ يَزِيد فِيهَا مِنْ الذِّكْر لِلَّهِ مَا أَحَبَّ , وَهُوَ قَوْل مُحَمَّد وَالثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيِّ , وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم قَالَ \" كَانَ مِنْ تَلْبِيَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَّيْكَ إِلَه الْحَقّ لَبَّيْكَ \" وَبِزِيَادَةِ اِبْن عُمَر الْمَذْكُورَة , وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُزَاد عَلَى مَا عَلَّمَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاس كَمَا فِي حَدِيث عَمْرو بْن مَعْدِي كَرِبَ ثُمَّ فَعَلَهُ هُوَ وَلَمْ يَقُلْ لَبُّوا بِمَا شِئْتُمْ مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْس هَذَا بَلْ عَلَّمَهُمْ كَمَا عَلَّمَهُمْ التَّكْبِير فِي الصَّلَاة فَكَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَدَّى فِي ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا عَلَّمَهُ. ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيث عَامِر بْن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُول : لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِج ؟ فَقَالَ إِنَّهُ لَذُو الْمَعَارِج , وَمَا هَكَذَا كُنَّا نُلَبِّي عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ فَهَذَا سَعْد قَدْ كَرِهَ الزِّيَادَة فِي التَّلْبِيَة وَبِهِ نَأْخُذ اِنْتَهَى. وَيَدُلّ عَلَى الْجَوَاز مَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" كَانَ مِنْ تَلْبِيَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَهُ فَفِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُلَبِّي بِغَيْرِ ذَلِكَ , وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَر وَابْن عُمَر , وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد بْن يَزِيد أَنَّهُ كَانَ يَقُول \" لَبَّيْكَ غَفَّار الذُّنُوب \" وَفِي حَدِيث جَابِر الطَّوِيل فِي صِفَة الْحَجّ \" حَتَّى اِسْتَوَتْ بِهِ نَاقَته عَلَى الْبَيْدَاء أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ إِلَخْ \" قَالَ \" وَأَهَلَّ النَّاس بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ , فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ , وَلَزِمَ تَلْبِيَتُهُ \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِم قَالَ \" وَالنَّاس يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِج وَنَحْوه مِنْ الْكَلَام وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَع فَلَا يَقُول لَهُمْ شَيْئًا \" وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ \" ذَا الْمَعَارِج وَذَا الْفَوَاضِل \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَار عَلَى التَّلْبِيَة الْمَرْفُوعَة أَفْضَل لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ لَا بَأْس بِالزِّيَادَةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور وَبِهِ صَرَّحَ أَشْهَب , وَحَكَى اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ مَالِك الْكَرَاهَة قَالَ : وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ , وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد : حَكَى أَهْل الْعِرَاق عَنْ الشَّافِعِيّ يَعْنِي فِي الْقَدِيم أَنَّهُ كَرِهَ الزِّيَادَة عَلَى الْمَرْفُوع , وَغَلِطُوا بَلْ لَا يُكْرَه وَلَا يُسْتَحَبّ. وَحَكَى التِّرْمِذِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ قَالَ. فَإِنْ زَادَ فِي التَّلْبِيَة شَيْئًا مِنْ تَعْظِيم اللَّه فَلَا بَأْس , وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْتَصِر عَلَى تَلْبِيَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَلِكَ أَنَّ اِبْن عُمَر حَفِظَ التَّلْبِيَة عَنْهُ ثُمَّ زَادَ مِنْ قِبَلِهِ زِيَادَة. وَنَصَبَ الْبَيْهَقِيُّ الْخِلَاف بَيْنَ أَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ فَقَالَ : الِاقْتِصَار عَلَى الْمَرْفُوع أَحَبُّ , وَلَا ضَيْق أَنْ يَزِيد عَلَيْهَا. قَالَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة إِنْ زَادَ فَحَسَن. وَحَكَى فِي \" الْمَعْرِفَة \" عَنْ الشَّافِعِيّ قَالَ : وَلَا ضِيقَ عَلَى أَحَد فِي قَوْل مَا جَاءَ عَنْ اِبْن عُمَر وَغَيْره مِنْ تَعْظِيم اللَّه وَدُعَائِهِ , غَيْر أَنَّ الِاخْتِيَار عِنْدِي أَنْ يُفْرِد مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ اِنْتَهَى. وَهَذَا أَعْدَل الْوُجُوه , فَيُفْرِد مَا جَاءَ مَرْفُوعًا , وَإِذَا اِخْتَارَ قَوْل مَا جَاءَ مَوْقُوفًا أَوْ أَنْشَأَهُ هُوَ مِنْ قِبَل نَفْسه مِمَّا يَلِيق قَالَهُ عَلَى اِنْفِرَاده حَتَّى لَا يَخْتَلِط بِالْمَرْفُوعِ. وَهُوَ شَبِيه بِحَالِ الدُّعَاء فِي التَّشَهُّد فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ \" ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَة وَالثَّنَاء مَا شَاءَ \" أَيْ بَعْدَ أَنْ يَفْرُغ مِنْ الْمَرْفُوع كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعه. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏لَمْ يَتَعَرَّض الْمُصَنِّف لِحُكْمِ التَّلْبِيَة , وَفِيهَا مَذَاهِب أَرْبَعَة يُمْكِن تَوْصِيلهَا إِلَى عَشْرَة : الْأَوَّل أَنَّهَا سُنَّة مِنْ السُّنَن لَا يَجِب بِتَرْكِهَا شَيْء , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد. ثَانِيهَا وَاجِبَة وَيَجِب بِتَرْكِهَا دَم , حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ اِبْن أَبِي هُرَيْرَة مِنْ الشَّافِعِيَّة وَقَالَ إِنَّهُ وَجَدَ لِلشَّافِعِيِّ نَصًّا يَدُلّ عَلَيْهِ , وَحَكَاهُ اِبْن قُدَامَةَ عَنْ بَعْض الْمَالِكِيَّة وَالْخَطَّابِيُّ عَنْ مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة , وَأَغْرَبَ النَّوَوِيّ فَحَكَى عَنْ مَالِك أَنَّهَا سُنَّة وَيَجِب بِتَرْكِهَا دَم , وَلَا يُعْرَف ذَلِكَ عِنْدهمْ إِلَّا أَنَّ اِبْن الْجَلَّاب قَالَ : التَّلْبِيَة فِي الْحَجّ مَسْنُونَة غَيْر مَفْرُوضَة , وَقَالَ اِبْن التِّين : يُرِيد أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَرْكَان الْحَجّ وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَة وَلِذَلِكَ يَجِب بِتَرْكِهَا الدَّم وَلَوْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَة لَمْ يَجِب , وَحَكَى اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّهُ يَجِب عِنْدهمْ بِتَرْكِ تَكْرَارهَا دَم وَهَذَا قَدْر زَائِد عَلَى أَصْل الْوُجُوب. ثَالِثهَا وَاجِبَة لَكِنْ يَقُوم مَقَامهَا فِعْل يَتَعَلَّق بِالْحَجِّ كَالتَّوَجُّهِ عَلَى الطَّرِيق وَبِهَذَا صَدَّرَ اِبْن شَاسٍ مِنْ الْمَالِكِيَّة كَلَامه فِي \" الْجَوَاهِر \" لَهُ , وَحَكَى صَاحِب \" الْهِدَايَة \" مِنْ الْحَنَفِيَّة مِثْله لَكِنْ زَادَ الْقَوْل الَّذِي يَقُوم مَقَام التَّلْبِيَة مِنْ الذِّكْر كَمَا فِي مَذْهَبهمْ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِب لَفْظ مُعَيَّن , وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر قَالَ أَصْحَاب الرَّأْي : إِنْ كَبَّرَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ يَنْوِي بِذَلِكَ الْإِحْرَام فَهُوَ مُحْرِم. رَابِعهَا أَنَّهَا رُكْن فِي الْإِحْرَام لَا يَنْعَقِد بِدُونِهَا حَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ الثَّوْرِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَابْن حَبِيب مِنْ الْمَالِكِيَّة وَالزُّبَيْرِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّة وَأَهْل الظَّاهِر قَالُوا : هِيَ نَظِير تَكْبِيرَة الْإِحْرَام لِلصَّلَاةِ , وَيُقَوِّيه مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَحْث اِبْن عَبْد السَّلَام عَنْ حَقِيقَة الْإِحْرَام وَهُوَ قَوْل عَطَاء أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْهُ قَالَ : التَّلْبِيَة فَرْض الْحَجّ , وَحَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ اِبْن عُمَر وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَة , وَحَكَى النَّوَوِيّ عَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ رَفْع الصَّوْت بِهَا وَهَذَا قَدْر زَائِد عَلَى أَصْل كَوْنهَا رُكْنًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1449",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَطِيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏إِنِّي لَأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُلَبِّي ‏ ‏لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏خَيْثَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَطِيَّةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي عَطِيَّة ) ‏ ‏هُوَ مَالِك بْن عَامِر وَسَيَأْتِي الْخِلَاف فِي اِسْمه فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة , وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد إِلَى عَائِشَة كُوفِيُّونَ إِلَّا شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَأَرْدَفَ الْمُصَنِّف حَدِيث اِبْن عُمَر بِحَدِيثِ عَائِشَة لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّلَالَة عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُدِيم ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي حَدِيث جَابِر عِنْدَ مُسْلِم التَّصْرِيح بِالْمُدَاوَمَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَة ) ‏ ‏يَعْنِي تَابَعَ سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش وَرِوَايَته وَصَلَهَا مُسَدَّد فِي مُسْنَده عَنْهُ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهَا الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن هِشَام عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ شُعْبَة إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَده عَنْ شُعْبَة وَلَفْظه مِثْل لَفْظ سُفْيَان إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِيهِ \" ثُمَّ سَمِعْتهَا تُلَبِّي وَلَيْسَ فِيهِ قَوْله لَا شَرِيك لَك \" وَهَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَة , وَسُلَيْمَان شَيْخ شُعْبَة فِيهِ هُوَ الْأَعْمَش وَالطَّرِيقَانِ جَمِيعًا مَحْفُوظَانِ , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ لِلْأَعْمَشِ فِيهِ شَيْخَيْنِ , وَرَجَّحَ أَبُو حَاتِم فِي \" الْعِلَل \" رِوَايَة الثَّوْرِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى رِوَايَة شُعْبَة فَقَالَ إِنَّهَا وَهْم , وَخَيْثَمَة هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الْجُعْفِيُّ وَأَفَادَتْ هَذِهِ الطَّرِيق بَيَان سَمَاع أَبِي عَطِيَّة لَهُ مِنْ عَائِشَة. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1450",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ مَعَهُ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى ‏ ‏الْبَيْدَاءِ ‏ ‏حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ قَالَ وَنَحَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا وَذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعْضُهُمْ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ رَكِبَ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ إِهْلَاله كَانَ بَعْدَ صَلَاة الصُّبْح , لَكِنْ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي حَسَّان عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْر بِذِي الْحُلَيْفَة ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَته , فَلَمَّا اِسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاء أَهَلَّ بِالْحَجِّ \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق الْحَسَن عَنْ أَنَس \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْر بِالْبَيْدَاءِ ثُمَّ رَكِبَ \" وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ صَلَّاهَا آخِر ذِي الْحُلَيْفَة وَأَوَّل الْبَيْدَاء وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَة ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب التَّمَتُّع وَالْقِرَان \" قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى كَانَ يَوْم التَّرْوِيَة ) ‏ ‏بِضَمِّ يَوْم لِأَنَّ كَانَ تَامَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَحَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَنَات بِيَدِهِ قِيَامًا , وَذَبَحَ بِالْمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏و الْمُصَنِّف ‏ ‏( قَالَ بَعْضهمْ : هَذَا عَنْ أَيُّوب عَنْ رَجُل عَنْ أَنَس ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيّ , وَالْبَعْض الْمُبْهَم هُنَا لَيْسَ هُوَ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّةَ كَمَا زَعَمَ بَعْضهمْ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف عَنْ مُسَدَّد عَنْهُ فِي \" بَاب نَحْر الْبُدْن قَائِمَة \" بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون حَمَّاد بْن سَلَمَة , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَيُّوب لَكِنْ صَرَّحَ بِذِكْرِ أَبِي قِلَابَةَ , وَوُهَيْب أَيْضًا ثِقَة حُجَّة فَقَدْ جَعَلَهُ مِنْ رِوَايَة أَيُّوب عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَس فَعُرِفَ أَنَّهُ الْمُبْهَم , وَقَدْ تَابَعَهُ عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَلَى حَدِيث ذَبْح الْكَبْشَيْنِ الْأَمْلَحَيْنِ عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي قِلَابَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَضَاحِيّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1451",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَهَلَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ ‏ ‏رَاحِلَتُهُ ‏ ‏قَائِمَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب مَنْ أَهَلَّ حِينَ اِسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَته قَائِمَة ) ‏ ‏أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث اِبْن عُمَر مُخْتَصَرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ قَرِيبًا , وَرِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ نَافِع مِنْ الْأَقْرَان , وَقَدْ سَمِعَ اِبْن جُرَيْجٍ مِنْ نَافِع كَثِيرًا وَرَوَى هَذَا عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ , وَهُوَ دَالّ عَلَى قِلَّة تَدْلِيسه وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1452",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ ثُمَّ يَأْتِي ‏ ‏مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْكَبُ وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ ‏ ‏رَاحِلَتُهُ ‏ ‏قَائِمَةً أَحْرَمَ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَفْعَلُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1453",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏قَالَ كُنَّا عِنْدَ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَذَكَرُوا ‏ ‏الدَّجَّالَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏لَمْ أَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ ‏ ‏أَمَّا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذْ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِذْ اِنْحَدَرَ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول وَحَكَى عِيَاض أَنَّ بَعْض الْعُلَمَاء أَنْكَرَ إِثْبَات الْأَلِف وَغَلَّطَ رُوَاته قَالَ : وَهُوَ غَلَط مِنْهُ إِذْ لَا فَرْق بَيْنَ إِذَا وَإِذْ هُنَا لِأَنَّهُ وَصَفَ حَالَة اِنْحِدَاره فِيمَا مَضَى. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ التَّلْبِيَة فِي بُطُون الْأَوْدِيَة مِنْ سُنَن الْمُرْسَلِينَ , وَأَنَّهَا تَتَأَكَّد عِنْدَ الْهُبُوط كَمَا تَتَأَكَّد عِنْدَ الصُّعُود. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏لَمْ يُصَرِّح أَحَد مِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ اِبْن عَوْن بِذِكْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُرَاد لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقُولهُ اِبْن عَبَّاس مِنْ قِبَل نَفْسه وَلَا عَنْ غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1454",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَقَدِمْتُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَلَا بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏انْقُضِي ‏ ‏رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏فَاعْتَمَرْتُ فَقَالَ هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ قَالَتْ فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَبَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَات فِي إِحْرَام عَائِشَة اِخْتِلَافًا كَثِيرًا. قُلْت : وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِيهِ بَعْدَ بَابَيْنِ فِي \" بَاب التَّمَتُّع وَالْقِرَان \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اُنْقُضِي رَأْسك ) ‏ ‏هُوَ بِالْقَافِ وَبِالْمُعْجَمَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ ) ‏ ‏وَهُوَ شَاهِد التَّرْجَمَة. , وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَاب الْحَيْض بِلَفْظِ \" وَافْعَلِي مَا يَفْعَل الْحَاجّ غَيْر أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ \" وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ بَعْد هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَر ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ وَالْجُرْجَانِيّ , وَلِغَيْرِهِمَا \" طَوَافًا وَاحِدًا \" وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب قَالَهُ عِيَاض , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : اِسْتَشْكَلَ بَعْض أَهْل الْعِلْم أَمْره لَهَا بِنَقْضِ رَأْسهَا ثُمَّ بِالِامْتِشَاطِ , وَكَانَ الشَّافِعِيّ يَتَأَوَّلهُ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَدَع الْعُمْرَة وَتُدْخِل عَلَيْهَا الْحَجّ فَتَصِير قَارِنَة , قَالَ : وَهَذَا لَا يُشَاكِل الْقِصَّة. وَقِيلَ إِنَّ مَذْهَبهَا أَنَّ الْمُعْتَمِر إِذَا دَخَلَ مَكَّة اِسْتَبَاحَ مَا يَسْتَبِيحهُ الْحَاجّ إِذَا رَمَى الْجَمْرَة , قَالَ : وَهَذَا لَا يُعْلَم وَجْهه. وَقِيلَ كَانَتْ مُضْطَرَّة إِلَى ذَلِكَ. قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون نَقْض رَأْسهَا كَانَ لِأَجْلِ الْغُسْل لِتُهِلّ بِالْحَجِّ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ مُلَبِّدَة فَتَحْتَاج إِلَى نَقْضِ الضَّفْر , وَأَمَّا الِامْتِشَاط فَلَعَلَّ الْمُرَاد بِهِ تَسْرِيحهَا شَعْرهَا بِأَصَابِعِهَا بِرِفْقٍ حَتَّى لَا يَسْقُط مِنْهُ شَيْء ثُمَّ تُضَفِّرهُ كَمَا كَانَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1455",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ ‏ ‏وَذَكَرَ قَوْلَ ‏ ‏سُرَاقَةَ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَا أَهْلَلْتَ يَا ‏ ‏عَلِيُّ ‏ ‏قَالَ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ مُحَمَّد بْن بَكْر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ عَطَاء عَنْ جَابِر , ثَبَتَ هَذَا التَّعْلِيق فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن بَشَّار وَأَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه عَنْ عَمَّار بْن رَجَاء كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّد بْن بَكْر بِهِ , وَسَيَأْتِي مُعَلَّقًا أَيْضًا فِي الْمَغَازِي مِنْ هَذَا الْوَجْه مَقْرُونًا بِطَرِيقِ مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم أَيْضًا هُنَاكَ أَتَمَّ , وَالْمَذْكُور فِي كُلّ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ قِطْعَة مِنْ الْحَدِيث , وَأَوْرَدَ بَقِيَّته بِهَذَيْنِ السَّنَدَيْنِ مُعَلَّقًا وَمَوْصُولًا فِي كِتَات الِاعْتِصَام , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي طَرِيق مَكِّيّ \" وَذَكَرَ قَوْل سُرَاقَة \" أَيْ سُؤَاله \" أَعُمْرَتُنَا لِعَامِنَا هَذَا أَوْ لِلْأَبَدِ قَالَ بَلْ لِلْأَبَدِ \" وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي أَبْوَاب الْعُمْرَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَطَاء عَنْ جَابِر. ‏ ‏قَوْله : ( وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ ) ‏ ‏فِي حَدِيث اِبْن عُمَر الْمُشَار إِلَيْهِ قَالَ \" فَأَمْسِكْ فَإِنَّ مَعَنَا هَدْيًا \" ‏"
    },
    {
        "id": "1456",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ الْهُذَلِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مَرْوَانَ الْأَصْفَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏فَقَالَ بِمَا أَهْلَلْتَ قَالَ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد , وَمَرْوَان الْأَصْفَر يُقَال اِسْم أَبِيهِ خَاقَان وَهُوَ أَبُو خَلَفٍ الْبَصْرِيّ , وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَابْن عُمَر وَغَيْرهمَا مِنْ الصَّحَابَة , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَنَس سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَهُوَ مِنْ أَفْرَاد الصَّحِيح قَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن غَرِيب , وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْأَفْرَاد \" لَا أَعْلَم رُوَاة عَنْ سَلِيم بْن حَيَّان غَيْر عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث. ‏ ‏قَوْله : ( قَدِمَ عَلِيّ مِنْ الْيَمَن ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي ذِكْر سَبَب بَعْث عَلِيّ إِلَى الْيَمَن وَأَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ حَجَّة الْوَدَاع وَبَيَان ذَلِكَ مِنْ حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب وَمِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1457",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى قَوْمٍ ‏ ‏بِالْيَمَنِ ‏ ‏فَجِئْتُ وَهُوَ ‏ ‏بِالْبَطْحَاءِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏بِمَا أَهْلَلْتَ قُلْتُ أَهْلَلْتُ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ قُلْتُ لَا فَأَمَرَنِي فَطُفْتُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَبِالصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْتُ فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي فَقَدِمَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ قَالَ اللَّهُ ‏ { ‏وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ‏} ‏وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ طَارِق بْن شِهَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَيُّوب بْن عَائِذ الْآتِيَة فِي الْمَغَازِي عَنْ قَيْس بْن مُسْلِم \" سَمِعَتْ طَارِق بْن شِهَاب \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ الْأَشْعَرِيّ , وَفِي رِوَايَة أَيُّوب الْمَذْكُورَة \" حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى \". ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْمِي بِالْيَمَنِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي تَحْرِير وَقْت ذَلِكَ وَسَبَبه فِي كِتَاب الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ قَيْس الْآتِيَة فِي \" بَاب مَتَى يُحِلّ الْمُعْتَمِر \" مُنِيخ أَيْ نَازِل بِهَا وَذَلِكَ فِي اِبْتِدَاء قُدُومه. ‏ ‏قَوْله : ( بِمَ أَهْلَلْت ) فِي رِوَايَة شُعْبَة \" فَقَالَ أَحَجَجْت ؟ قُلْت نَعَمْ قَالَ بِمَ أَهْلَلْت \". ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت أَهْلَلْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" قُلْت لَبَّيْكَ بِإِهْلَالِ كَإِهْلَالِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ أَحْسَنْت \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَنِي فَطُفْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَيْت اِمْرَأَة مِنْ قَوْمِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" اِمْرَأَة مِنْ قَيْس \" وَالْمُبَادَر إِلَى الذِّهْن مِنْ هَذَا الْإِطْلَاق أَنَّهَا مِنْ قَيْس غَيْلَان وَلَيْسَ بَيْنهمْ وَبَيْنَ الْأَشْعَرِيِّينَ نِسْبَة لَكِنْ فِي رِوَايَة أَيُّوب بْن عَائِذ اِمْرَأَة مِنْ نِسَاء بَنِي قَيْس وَظَهَرَ لِي مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَاد بِقَيْسٍ قَيْس بْن سُلَيْمٍ وَالِد أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأَنَّ الْمَرْأَة زَوْج بَعْض إِخْوَته , وَكَانَ لِأَبِي مُوسَى مِنْ الْإِخْوَة أَبُو رُهْم وَأَبُو بُرْدَة قِيلَ وَمُحَمَّد. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ سُفْيَان بِلَفْظِ \" وَغَسَلَتْ رَأْسِي \" بِوَاوِ الْعَطْف. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَدِمَ عُمَر ) ‏ ‏ظَاهِر سِيَاقه أَنَّ قُدُوم عُمَر كَانَ فِي تِلْكَ الْحَجَّة وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْبُخَارِيّ اِخْتَصَرَهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ أَيْضًا بَعْدَ قَوْله \" وَغَسَلَتْ رَأْسِي : فَكُنْت أُفْتِي النَّاس بِذَاكَ فِي إِمَارَة أَبِي بَكْر وَإِمَارَة عُمَر , فَإِنِّي لَقَائِم بِالْمَوْسِمِ إِذْ جَاءَنِي رَجُل فَقَالَ : إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فِي شَأْن النُّسُك \" فَذَكَرَ الْقِصَّة وَفِيهِ \" فَلَمَّا قَدِمَ قُلْت يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مَا هَذَا الَّذِي أَحْدَثْت فِي شَأْن النُّسُك \" ؟ فَذَكَرَ جَوَابه. وَقَدْ اِخْتَصَرَهُ الْمُصَنِّف أَيْضًا مِنْ طَرِيق شُعْبَة لَكِنَّهُ أَبْيَن مِنْ هَذَا وَلَفْظه \" فَكُنْت أُفْتِي بِهِ حَتَّى كَانَتْ خِلَافَة عُمَر فَقَالَ : إِنْ أَخَذْنَا \" الْحَدِيث , وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ , فَقَالَ لَهُ رَجُل رُوَيْدك بِبَعْضِ فُتْيَاك الْحَدِيث. وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَة تَبْيِين عُمَر الْعِلَّة الَّتِي لِأَجْلِهَا كَرِهَ التَّمَتُّع وَهِيَ قَوْله : \" قَدْ عَلِمْت أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ وَلَكِنْ كَرِهْت أَنْ يَظَلُّوا مُعَرِّسِينَ بِهِنَّ - أَيْ بِالنِّسَاءِ - ثُمَّ يَرُوحُوا فِي الْحَجّ تَقْطُر رُءُوسهمْ \" اِنْتَهَى , وَكَانَ مِنْ رَأْي عُمَر عَدَم التَّرَفُّه لِلْحَجِّ بِكُلِّ طَرِيق , فَكَرِهَ لَهُمْ قُرْب عَهْدهمْ بِالنِّسَاءِ لِئَلَّا يَسْتَمِرّ الْمَيْل إِلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَنْ بَعُدَ عَهْده بِهِ , وَمَنْ يُفْطَمْ يَنْفَطِم. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر أَنَّ عُمَر قَالَ : \" اِفْصِلُوا حَجّكُمْ مِنْ عُمْرَتكُمْ فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ \" , وَفِي رِوَايَة \" إِنَّ اللَّه يُحِلّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ , فَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ نَأْخُذ بِكِتَابِ اللَّه إِلَخْ ) ‏ ‏مُحَصَّل جَوَاب عُمَر فِي مَنْعه النَّاس مِنْ التَّحَلُّل بِالْعُمْرَةِ أَنَّ كِتَاب اللَّه دَالّ عَلَى مَنْع التَّحَلُّل لِأَمْرِهِ بِالْإِتْمَامِ فَيَقْتَضِي اِسْتِمْرَار الْإِحْرَام إِلَى فَرَاغ الْحَجّ , وَأَنَّ سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا دَالَّة عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُحِلّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْي مَحِلّه , لَكِنَّ الْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ مَا أَجَابَ بِهِ هُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ \" وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْي لَأَحْلَلْت \" فَدَلَّ عَلَى جَوَاز الْإِحْلَال لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْي , وَتَبَيَّنَ مِنْ مَجْمُوع مَا جَاءَ عَنْ عُمَر فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْهُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ , وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : قِيلَ إِنَّ الْمُتْعَة الَّتِي نَهَى عَنْهَا عُمَر فَسْخ الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة , وَقِيلَ الْعُمْرَة فِي أَشْهُر الْحَجّ ثُمَّ الْحَجّ مِنْ عَامه , وَعَلَى الثَّانِي إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا تَرْغِيبًا فِي الْإِفْرَاد الَّذِي هُوَ أَفْضَل لَا أَنَّهُ يَعْتَقِد بُطْلَانهَا وَتَحْرِيمهَا. وَقَالَ عِيَاض : الظَّاهِر أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْفَسْخ وَلِهَذَا كَانَ يَضْرِب النَّاس عَلَيْهَا كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم بِنَاء عَلَى مُعْتَقَده أَنَّ الْفَسْخ كَانَ خَاصًّا بِتِلْكَ السَّنَة , قَالَ النَّوَوِيّ : وَالْمُخْتَار أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْمُتْعَة الْمَعْرُوفَة الَّتِي هِيَ الِاعْتِمَار فِي أَشْهُر الْحَجّ ثُمَّ الْحَجّ مِنْ عَامه وَهُوَ عَلَى التَّنْزِيه لِلتَّرْغِيبِ فِي الْإِفْرَاد كَمَا يَظْهَر مِنْ كَلَامه , ثُمَّ اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع عَلَى جَوَاز التَّمَتُّع مِنْ غَيْر كَرَاهَة وَنَفْي الِاخْتِلَاف فِي الْأَفْضَل كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , وَيُمْكِن أَنْ يَتَمَسَّك مَنْ يَقُول بِأَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ الْفَسْخ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ قَرِيبًا مِنْ مُسْلِم \" أَنَّ اللَّه يُحِلّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ \" وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي قِصَّة أَبِي مُوسَى وَعَلِيّ دَلَالَة عَلَى جَوَاز تَعْلِيق الْإِحْرَام بِإِحْرَامِ الْغَيْر مَعَ اِخْتِلَاف آخِر الْحَدِيثَيْنِ فِي التَّحَلُّل , وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا مُوسَى لَمْ يَكُنْ مِنْهُ هَدْي فَصَارَ لَهُ حُكْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْي وَقَدْ قَالَ \" لَوْلَا الْهَدْي لَأَحْلَلْت \" أَيْ وَفَسَخْت الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة كَمَا فَعَلَهُ أَصْحَابه بِأَمْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي , وَأَمَّا عَلِيّ فَكَانَ مَعَهُ هَدْي فَلِذَلِكَ أُمِرَ بِالْبَقَاءِ عَلَى إِحْرَامه وَصَارَ مِثْله قَارِنًا. قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا هُوَ الصَّوَاب , وَقَدْ تَأَوَّلَهُ الْخَطَّابِيُّ وَعِيَاض بِتَأْوِيلَيْنِ غَيْر مَرْضِيَّيْنِ اِنْتَهَى. فَأَمَّا تَأْوِيل الْخَطَّابِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ : فِعْل أَبِي مُوسَى يُخَالِف فِعْل عَلِيّ , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَهْلَلْت كَإِهْلَالِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ كَمَا يُبَيِّنهُ لِي وَيُعَيِّنهُ لِي مِنْ أَنْوَاع مَا يُحْرِم بِهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يُحِلّ بِعَمَلِ عُمْرَة لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْي , وَأَمَّا تَأْوِيل عِيَاض فَقَالَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" فَكُنْت أُفْتِي النَّاس بِالْمُتْعَةِ \" أَيْ بِفَسْخِ الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة , وَالْحَامِل لَهُمَا عَلَى ذَلِكَ اِعْتِقَادهمَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُفْرِدًا مَعَ قَوْله \" لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْي لَأَحْلَلْت \" أَيْ فَسَخْت الْحَجّ وَجَعَلْته عُمْرَة فَلِهَذَا أَمَرَ أَبَا مُوسَى بِالتَّحَلُّلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْي , بِخِلَافِ عَلِيّ. قَالَ عِيَاض : وَجُمْهُور الْأَئِمَّة عَلَى أَنَّ فَسْخ الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة كَانَ خَاصًّا بِالصَّحَابَةِ اِنْتَهَى. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَة : ظَاهِر كَلَام عُمَر التَّفْرِيق بَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَاب وَدَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّة , وَهَذَا التَّأْوِيل يَقْتَضِي أَنَّهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِد , ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ أَرَادَ إِبْطَال وَهْم مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّة حَيْثُ مَنَعَ مِنْ الْفَسْخ فَبَيَّنَ أَنَّ الْكِتَاب وَالسُّنَّة مُتَوَافِقَانِ عَلَى الْأَمْر بِالْإِتْمَامِ وَأَنَّ الْفَسْخ كَانَ خَاصًّا بِتِلْكَ السَّنَة لِإِبْطَالِ اِعْتِقَاد الْجَاهِلِيَّة أَنَّ الْعُمْرَة لَا تَصِحّ فِي أَشْهُر الْحَجّ اِنْتَهَى. وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا كَانَ قَارِنًا عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيح الْمُخْتَار فَالْمُعْتَمَد مَا ذَكَرَ النَّوَوِيّ وَاَللَّه أَعْلَم. وَسَيَأْتِي بَيَان اِخْتِلَاف الصَّحَابَة فِي كَيْفِيَّة التَّمَتُّع فِي \" بَاب التَّمَتُّع وَالْقِرَان \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الْإِحْرَام الْمُبْهَم وَأَنَّ الْمَحْرَم بِهِ يَصْرِفهُ لِمَا شَاءَ وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَصْحَاب الْحَدِيث , وَمَحِلّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الْوَقْت قَابِلًا بِنَاء عَلَى أَنَّ الْحَجّ لَا يَنْعَقِد فِي غَيْر أَشْهُره كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. ‏"
    },
    {
        "id": "1458",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَيَالِي الْحَجِّ وَحُرُمِ الْحَجِّ فَنَزَلْنَا ‏ ‏بِسَرِفَ ‏ ‏قَالَتْ فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلَا قَالَتْ فَالْآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَتْ فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ وَكَانَ مَعَهُمْ الْهَدْيُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْعُمْرَةِ قَالَتْ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ مَا يُبْكِيكِ يَا ‏ ‏هَنْتَاهُ ‏ ‏قُلْتُ سَمِعْتُ قَوْلَكَ لِأَصْحَابِكَ فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ قَالَ وَمَا شَأْنُكِ قُلْتُ لَا أُصَلِّي قَالَ فَلَا ‏ ‏يَضِيرُكِ ‏ ‏إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ ‏ ‏يَرْزُقَكِيهَا قَالَتْ فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا ‏ ‏مِنًى ‏ ‏فَطَهَرْتُ ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏فَأَفَضْتُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏قَالَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ مَعَهُ فِي النَّفْرِ الْآخِرِ حَتَّى نَزَلَ ‏ ‏الْمُحَصَّبَ ‏ ‏وَنَزَلْنَا مَعَهُ فَدَعَا ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنْ ‏ ‏الْحَرَمِ ‏ ‏فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ افْرُغَا ثُمَّ ائْتِيَا هَا هُنَا فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا حَتَّى تَأْتِيَانِي قَالَتْ فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ وَفَرَغْتُ مِنْ الطَّوَافِ ثُمَّ جِئْتُهُ ‏ ‏بِسَحَرَ ‏ ‏فَقَالَ هَلْ فَرَغْتُمْ فَقُلْتُ نَعَمْ فَآذَنَ بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ فَارْتَحَلَ النَّاسُ فَمَرَّ مُتَوَجِّهًا إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏ضَيْرِ مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا وَيُقَالُ ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة عُمْرَتهَا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , وَشَاهِد التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْلهَا \" خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَشْهُر الْحَجّ وَلَيَالِي الْحَجّ وَحُرُم الْحَجّ \" فَإِنَّ هَذَا كُلّه يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدهمْ مَعْلُومًا , وَقَوْله فِيهِ \" وَحُرُم الْحَجّ \" بِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَالرَّاء أَيْ أَزْمِنَته وَأَمْكِنَته وَحَالَاته , وَرُوِيَ بِفَتْحِ الرَّاء وَهُوَ جَمْع حُرْمَة أَيْ مَمْنُوعَات الْحَجّ , ‏ ‏وَقَوْله ( يَا هَنَتَاهُ ) بِفَتْحِ الْهَاء وَالنُّون - وَقَدْ تُسَكَّن النُّون - بَعْدهَا مُثَنَّاة وَآخِرهَا هَاء سَاكِنَة كِنَايَة عَنْ شَيْء لَا يَذْكُرُهُ بِاسْمِهِ تَقُول فِي النِّدَاء لِلْمُذَكَّرِ يَا هَن وَقَدْ تُزَاد الْهَاء فِي آخِره لِلسَّكْتِ فَتَقُول يَا هَنَهْ , وَأَنْ تُشْبَع الْحَرَكَة فِي النُّون فَتَقُول يَا هَنَاه وَتُزَاد فِي جَمِيع ذَلِكَ لِلْمُؤَنَّثِ مُثَنَّاة , وَقَالَ بَعْضهمْ الْأَلِف وَالْهَاء فِي آخِره كَهُمَا فِي النُّدْبَة , ‏ ‏وَقَوْله ( قُلْت لَا أُصَلِّي ) ‏ ‏كِنَايَة عَنْ أَنَّهَا حَاضَتْ , قَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ : كُنْت عَنْ الْحَيْض بِالْحُكْمِ الْخَاصّ بِهِ أَدَبًا مِنْهَا , وَقَدْ ظَهَرَ أَثَر ذَلِكَ فِي بَنَاتهَا الْمُؤْمِنَات فَكُلّهنَّ يُكَنِّينَ عَنْ الْحَيْض بِحِرْمَانِ الصَّلَاة أَوْ غَيْر ذَلِكَ. ‏ ‏وَقَوْله( فَلَا يَضُرّك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَلَا يَضِيرك \" بِكَسْرِ الضَّاد وَتُخَفَّف التَّحْتَانِيَّة مِنْ الضَّيْر , ‏ ‏وَقَوْله ( النَّفَر الثَّانِي ) ‏ ‏هُوَ رَابِع أَيَّام مِنَى , وَقَوْله ‏ ‏( فَإِنِّي اُنْظُرْ كَمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَنْتَظِركُمَا \" بِزِيَادَةِ مُثَنَّاة , وَقَوْله ‏ ‏(. حَتَّى إِذَا فَرَغْت ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الِاعْتِمَار وَفَرَغْت مِنْ الطَّوَاف وَحُذِفَ الْأَوَّل لِلْعِلْمِ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1459",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا نُرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فَأَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ فَأَحْلَلْنَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَحِضْتُ فَلَمْ أَطُفْ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فَلَمَّا كَانَتْ ‏ ‏لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ ‏ ‏قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ قَالَ ‏ ‏وَمَا طُفْتِ ‏ ‏لَيَالِيَ قَدِمْنَا ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏قُلْتُ لَا قَالَ فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ ثُمَّ مَوْعِدُكِ كَذَا وَكَذَا قَالَتْ ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏مَا ‏ ‏أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَهُمْ قَالَ ‏ ‏عَقْرَى ‏ ‏حَلْقَى ‏ ‏أَوَ مَا طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَتْ قُلْتُ بَلَى قَالَ لَا بَأْسَ ‏ ‏انْفِرِي ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَأَنَا ‏ ‏مُنْهَبِطَةٌ ‏ ‏عَلَيْهَا أَوْ أَنَا ‏ ‏مُصْعِدَةٌ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏مُنْهَبِطٌ ‏ ‏مِنْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْبَاب قَبْلَهُ بَيَان الْوَقْت الَّذِي خَرَجُوا فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجّ ) ‏ ‏, وَلِأَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة عَنْهَا كَمَا سَيَأْتِي \" مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق الْقَاسِم عَنْهَا \" لَا نَذْكُر إِلَّا الْحَجّ \" وَلَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ \" وَظَاهِره أَنَّ عَائِشَة مِنْ غَيْرهَا مِنْ الصَّحَابَة كَانُوا أَوَّلًا مُحْرِمِينَ بِالْحَجِّ , لَكِنْ فِي رِوَايَة عُرْوَة عَنْهَا هُنَا \" فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ , وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَة , وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ \" فَيُحْمَل الْأَوَّل عَلَى أَنَّهَا ذَكَرَتْ مَا كَانُوا يَعْهَدُونَهُ مِنْ تَرْك الِاعْتِمَار فِي أَشْهُر الْحَجّ فَخَرَجُوا لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا الْحَجّ , ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوه الْإِحْرَام وَجَوَّزَ لَهُمْ الِاعْتِمَار فِي أَشْهُر الْحَجّ وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب الِاعْتِمَار بَعْدَ الْحَجّ \" مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا \" فَقَالَ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ , وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ \" وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة \" فَقَالَ. مَنْ شَاءَ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ , وَمَنْ شَاءَ فَلْيُهِلَّ بِحَجٍّ \" وَلِهَذِهِ النُّكْتَة أَوْرَدَ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَة فِي أَشْهُر الْحَجّ مِنْ أَفْجَر الْفُجُور \" فَأَشَارَ إِلَى الْجَمْع بَيْنَ مَا اُخْتُلِفَ عَنْ عَائِشَة فِي ذَلِكَ , وَأَمَّا عَائِشَة نَفْسهَا فَسَيَأْتِي فِي أَبْوَاب الْعُمْرَة وَفِي حَجَّة الْوَدَاع مِنْ الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا فِي أَثْنَاء هَذَا الْحَدِيث قَالَتْ \" وَكُنْت مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ \" وَسَبَقَ فِي كِتَاب الْحَيْض مِنْ طَرِيق اِبْن شِهَاب نَحْوه عَنْ عُرْوَة , زَادَ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيّ \" وَلَمْ أَسُقْ هَدْيًا \" فَادَّعَى إِسْمَاعِيل الْقَاضِي وَغَيْره أَنَّ هَذَا غَلَط مِنْ عُرْوَة وَأَنَّ الصَّوَاب رِوَايَة الْأَسْوَد وَالْقَاسِم وَعُرْوَة عَنْهَا أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْل عُرْوَة عَنْهَا إِنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ صَرِيح , وَأَمَّا قَوْل الْأَسْوَد وَغَيْره عَنْهَا \" لَا نَرَى إِلَّا الْحَجّ \" فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي إِهْلَالهَا بِحَجٍّ مُفْرَد فَالْجَمْع بَيْنهمَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ غَيْر تَغْلِيط عُرْوَة وَهُوَ أَعْلَم النَّاس بِحَدِيثِهَا , وَقَدْ وَافَقَهُ جَابِر بْن عَبْد اللَّه الصَّحَابِيّ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْهُ , وَكَذَا رَوَاهُ طَاوُسٌ وَمُجَاهِد عَنْ عَائِشَة وَيَحْتَمِل فِي الْجَمْع أَيْضًا أَنْ يُقَال : أَهَلَّتْ عَائِشَة بِالْحَجِّ مُفْرِدًا كَمَا فَعَلَ غَيْرهَا مِنْ الصَّحَابَة , وَعَلَى هَذَا يُنَزَّل حَدِيث الْأَسْوَد وَمَنْ تَبِعَهُ \" ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابه أَنْ يَفْسَخُوا الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة فَفَعَلَتْ عَائِشَة مَا صَنَعُوا فَصَارَتْ مُتَمَتِّعَة \" وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّل حَدِيث عُرْوَة \" ثُمَّ لَمَّا دَخَلَتْ مَكَّة وَهِيَ حَائِض فَلَمْ تَقْدِر عَلَى الطَّوَاف لِأَجْلِ الْحَيْض أَمَرَهَا أَنْ تُحْرِم بِالْحَجِّ \" عَلَى مَا سَيَأْتِي مِنْ الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ ) ‏ ‏أَيْ غَيْرهَا لِقَوْلِهَا بَعْده \" فَلَمْ أَطُفْ \" فَإِنَّهُ تَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ قَوْلهَا \" تَطَوَّفْنَا \" مِنْ الْعَام الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْي أَنْ يُحِلّ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْحَجّ بِعَمَلِ الْعُمْرَة , وَهَذَا هُوَ فَسْخ الْحَجّ الْمُتَرْجَم بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ ) ‏ ‏أَيْ الْهَدْيَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَحْلَلْنَ ) ‏ ‏أَيْ وَهِيَ مِنْهُنَّ لَكِنْ مَنَعَهَا مِنْ التَّحَلُّل كَوْنهَا حَاضَتْ لَيْلَة دُخُولهمْ مَكَّة , وَقَدْ مَضَى فِي الْبَاب قَبْله بَيَان ذَلِكَ وَأَنَّهَا بَكَتْ وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا \" كُونِي فِي حَجّك \" فَظَاهِره أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تَجْعَل عُمْرَتهَا حَجًّا وَلِهَذَا قَالَتْ \" يَرْجِع النَّاس بِحَجٍّ وَعُمْرَة وَأَرْجِع بِحَجٍّ \" فَأَعْمَرَهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ مِنْ التَّنْعِيم , وَقَالَ مَالِك لَيْسَ الْعَمَل عَلَى حَدِيث عُرْوَة قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : يُرِيد لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَل فِي رَفْض الْعُمْرَة وَجَعَلَهَا حَجًّا بِخِلَافِ جَعْل الْحَجّ عُمْرَة فَإِنَّهُ وَقَعَ لِلصَّحَابَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازه مِنْ بَعْدهمْ لَكِنْ أَجَابَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء عَنْ ذَلِكَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله \" اُرْفُضِي عُمْرَتك \" أَيْ اُتْرُكِي التَّحَلُّل مِنْهَا وَأَدْخِلِي عَلَيْهَا الْحَجّ فَتَصِير قَارِنَة , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" وَأَمْسِكِي عَنْ الْعُمْرَة \" أَيْ عَنْ أَعْمَالهَا , وَإِنَّمَا قَالَتْ عَائِشَة \" وَأَرْجِع بِحَجٍّ \" لِاعْتِقَادِهَا أَنَّ إِفْرَاد الْعُمْرَة بِالْعَمَلِ أَفْضَل كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهَا مِنْ أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ , وَاسْتُبْعِدَ هَذَا التَّأْوِيل لِقَوْلِهَا فِي رِوَايَة عَطَاء عَنْهَا \" وَأَرْجِع أَنَا بِحَجَّةٍ لَيْسَ مَعَهَا عُمْرَة \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَهَذَا يُقَوِّي قَوْل الْكُوفِيِّينَ إِنَّ عَائِشَة تَرَكَتْ الْعُمْرَة وَحَجَّتْ مُفْرَدَة , وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهَا فِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة \" دَعِي عُمْرَتك \" فِي رِوَايَة \" اُرْفُضِي عُمْرَتك \" وَنَحْو ذَلِكَ. وَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ إِذَا أَهَلَّتْ بِالْعُمْرَةِ مُتَمَتِّعَة فَحَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَطُوف أَنْ تَتْرُك الْعُمْرَة وَتُهِلّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَة , لَكِنْ فِي رِوَايَة عَطَاء عَنْهَا ضَعْف , وَالرَّافِع لِلْإِشْكَالِ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر \" أَنَّ عَائِشَة أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ , حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِسَرِفَ حَاضَتْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَهِلِّي بِالْحَجِّ , حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَسَعَتْ فَقَالَ : قَدْ حَلَلْت مِنْ حَجّك وَعُمْرَتك , قَالَتْ يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أَجِد فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْت , قَالَ فَأَعْمَرَهَا مِنْ التَّنْعِيم \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ عَنْهَا \" فَقَالَ لَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَوَافك يَسَعُك لِحَجِّك وَعُمْرَتك \" فَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّهَا كَانَتْ قَارِنَة لِقَوْلِهِ \" قَدْ حَلَلْت مِنْ حَجّك وَعُمْرَتك \" وَإِنَّمَا أَعْمَرَهَا مِنْ التَّنْعِيم تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا لِكَوْنِهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ لَمَّا دَخَلَتْ مُعْتَمِرَة. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا سَهْلًا إِذَا هَوِيَتْ الشَّيْء تَابَعَهَا عَلَيْهِ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى قِصَّة صَفِيَّة فِي أَوَاخِر الْحَجّ وَعَلَى مَا فِي قِصَّة اِعْتِمَار عَائِشَة مِنْ الْفَوَائِد فِي أَبْوَاب الْعُمْرَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَرْجِع أَنَا بِحَجَّةٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَأَرْجِع لِي بِحَجَّةٍ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1460",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ ‏ ‏وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْحَجِّ فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجّ وَالْعُمْرَة لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْم النَّحْر ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ هُنَا , وَسَيَأْتِي فِي حَجَّة الْوَدَاع بِلَفْظِ \" فَلَمْ يَحِلُّوا \" بِزِيَادَةِ فَاء وَهُوَ الْوَجْه. ‏"
    },
    {
        "id": "1461",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ‏ ‏قَالَ شَهِدْتُ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏وَعَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏وَعُثْمَانُ ‏ ‏يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا ‏ ‏فَلَمَّا رَأَى ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏أَهَلَّ بِهِمَا لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ قَالَ ‏ ‏مَا كُنْتُ لِأَدَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِقَوْلِ أَحَدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْحَكَم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُتَيْبَة بِالْمُثَنَّاةِ وَالْمُوَحَّدَة مُصَغَّرًا الْفَقِيه الْكُوفِيّ , وَعَلِيّ بْن الْحُسَيْن هُوَ زَيْن الْعَابِدِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( شَهِدْت عُثْمَان وَعَلِيًّا ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي آخِر الْبَاب مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِعُسْفَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَعُثْمَان يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَة وَأَنْ يُجْمَع بَيْنهمَا ) ‏ ‏أَيْ بَيْنَ الْحَجّ وَالْعُمْرَة ‏ ‏( فَلَمَّا رَأَى عَلِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب \" فَقَالَ عَلِيّ مَا تُرِيد إِلَى أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْر فَعَلَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" إِلَّا أَنْ تَنْهَى \" بِحَرْفِ الِاسْتِثْنَاء , زَادَ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَقَالَ عُثْمَان دَعْنَا عَنْك. قَالَ : إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أَنْ أَدَعك \" ‏ ‏وَقَوْله ( وَأَنْ يَجْمَع بَيْنهمَا ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْوَاو عَاطِفَة فَيَكُون نَهَى عَنْ التَّمَتُّع وَالْقِرَان مَعًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا وَهُوَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ السَّلَف كَانُوا يُطْلِقُونَ عَلَى الْقِرَان تَمَتُّعًا , وَوَجْهه أَنَّ الْقَارِن يَتَمَتَّع بِتَرْكِ النَّصَب بِالسَّفَرِ مَرَّتَيْنِ فَيَكُون الْمُرَاد أَنْ يَجْمَع بَيْنهمَا قِرَانًا أَوْ إِيقَاعًا لَهُمَا فِي سَنَة وَاحِدَة بِتَقْدِيمِ الْعُمْرَة عَلَى الْحَجّ , وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن حَرْمَلَة عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب بِلَفْظِ \" نَهَى عُثْمَان عَنْ التَّمَتُّع \" وَزَادَ فِيهِ \" فَلَبَّى عَلِيّ وَأَصْحَابه بِالْعُمْرَةِ فَلَمْ يَنْهَهُمْ عُثْمَان , فَقَالَ لَهُ عَلِيّ : أَلَمْ تَسْمَع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَتَّعَ ؟ قَالَ : بَلَى \" وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي بِهِمَا جَمِيعًا \" زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَقِيق عَنْ عُثْمَان قَالَ \" أَجَلْ , وَلَكِنَّا كُنَّا خَائِفِينَ \" قَالَ النَّوَوِيّ : لَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى عُمْرَة الْقَضِيَّة سَنَة سَبْع , لَكِنْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ السَّنَة حَقِيقَة تَمَتُّع إِنَّمَا كَانَ عُمْرَة وَحْدهَا. قُلْت : هِيَ رِوَايَة شَاذَّة , فَقَدْ رَوَى الْحَدِيث مَرْوَان بْن الْحَكَم وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَهُمَا أَعْلَم مِنْ عَبْد اللَّه بْن شَقِيق فَلَمْ يَقُولَا ذَلِكَ , وَالتَّمَتُّع إِنَّمَا كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاع وَقَدْ قَالَ اِبْن مَسْعُود كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ \" كُنَّا آمَنَ مَا يَكُون النَّاس \" وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَوْله \" خَائِفِينَ \" أَيْ مِنْ أَنْ يَكُون أَجْر مَنْ أَفْرَدَ أَعْظَم مِنْ أَجْر مَنْ تَمَتَّعَ , كَذَا قَالَ ; وَهُوَ جَمْع حَسَن وَلَكِنْ لَا يَخْفَى بُعْده. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عُثْمَان أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْأَصْل فِي اِخْتِيَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُسِخَ إِلَى الْعُمْرَة فِي حَجَّة الْوَدَاع دَفَعَ اِعْتِقَاد قُرَيْش مَنْع الْعُمْرَة فِي أَشْهُر الْحَجّ , وَكَانَ اِبْتِدَاء ذَلِكَ بِالْحُدَيْبِيَةِ لِأَنَّ إِحْرَامهمْ بِالْعُمْرَةِ كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَة وَهُوَ مِنْ أَشْهُر الْحَجّ , وَهُنَاكَ يَصِحّ إِطْلَاق كَوْنهمْ خَائِفِينَ , أَيْ مِنْ وُقُوع الْقِتَال بَيْنهمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ , وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ صَدُّوهُمْ عَنْ الْوُصُول إِلَى الْبَيْت فَتَحَلَّلُوا مِنْ عُمْرَتهمْ , وَكَانَتْ أَوَّل عُمْرَة وَقَعَتْ فِي أَشْهُر الْحَجّ , ثُمَّ جَاءَتْ عُمْرَة الْقَضِيَّة فِي ذِي الْقَعْدَة أَيْضًا , ثُمَّ أَرَادَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْكِيد ذَلِكَ بِالْمُبَالَغَةِ فِيهِ حَتَّى أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَا كُنْت لِأَدَعَ إِلَخْ ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَقَالَ عُثْمَان : تَرَانِي أَنْهَى النَّاس وَأَنْتَ تَفْعَلهُ ؟ فَقَالَ : مَا كُنْت أَدَع \". وَفِي قِصَّة عُثْمَان وَعَلِيّ مِنْ الْفَوَائِد إِشَاعَة الْعَالِم مَا عِنْده مِنْ الْعِلْم وَإِظْهَاره , وَمُنَاظَرَة وُلَاة الْأُمُور وَغَيْرهمْ فِي تَحْقِيقه لِمَنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ لِقَصْدِ مُنَاصَحَة الْمُسْلِمِينَ , وَالْبَيَان بِالْفِعْلِ مَعَ الْقَوْل , وَجَوَاز الِاسْتِنْبَاط مِنْ النَّصّ لِأَنَّ عُثْمَان لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أَنَّ التَّمَتُّع وَالْقِرَان جَائِزَانِ , وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُمَا لِيُعْمَلَ بِالْأَفْضَلِ كَمَا وَقَعَ لِعُمَر , لَكِنْ خَشِيَ عَلِيّ أَنْ يَحْمِل غَيْره النَّهْي عَلَى التَّحْرِيم فَأَشَاعَ جَوَاز ذَلِكَ , وَكُلّ مِنْهُمَا مُجْتَهِد مَأْجُور. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏: ذَكَرَ اِبْن الْحَاجِب حَدِيث عُثْمَان فِي التَّمَتُّع دَلِيلًا لِمَسْأَلَةِ اِتِّفَاق أَهْل الْعَصْر الثَّانِي بَعْدَ اِخْتِلَاف أَهْل الْعَصْر الْأَوَّل فَقَالَ : وَفِي الصَّحِيح أَنَّ عُثْمَان كَانَ نَهَى عَنْ الْمُتْعَة , قَالَ الْبَغَوِيُّ : ثُمَّ صَارَ إِجْمَاعًا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ نَهْي عُثْمَان عَنْ الْمُتْعَة إِنْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ الِاعْتِمَار فِي أَشْهُر الْحَجّ قَبْلَ الْحَجّ فَلَمْ يَسْتَقِرّ الْإِجْمَاع عَلَيْهِ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّة يُخَالِفُونَ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ فَسْخ الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة فَكَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَنَابِلَة يُخَالِفُونَ فِيهِ , ثُمَّ وَرَاء ذَلِكَ أَنَّ رِوَايَة النَّسَائِيِّ السَّابِقَة مُشْعِرَة بِأَنَّ عُثْمَان رَجَعَ عَنْ النَّهْي فَلَا يَصِحّ التَّمَسُّك بِهِ , وَلَفْظ الْبَغَوِيِّ بَعْدَ أَنْ سَاقَ حَدِيث عُثْمَان فِي \" شَرْح السُّنَّة \" : هَذَا خِلَاف عَلِيّ وَأَكْثَر الصَّحَابَة عَلَى الْجَوَاز , وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّة بَعْدُ فَحَمَلَهُ عَلَى أَنَّ عُثْمَان نَهَى عَنْ التَّمَتُّع الْمَعْهُود , وَالظَّاهِر أَنَّ عُثْمَان مَا كَانَ يُبْطِلهُ إِنَّمَا كَانَ يَرَى أَنَّ الْإِفْرَاد أَفْضَل مِنْهُ , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَلَمْ تَتَّفِق الْأَئِمَّة عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْخِلَاف فِي أَيّ الْأُمُور الثَّلَاثَة أَفْضَل بَاقٍ وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِيهِ أَنَّ الْمُجْتَهِد لَا يُلْزِمُ مُجْتَهِدًا آخَر بِتَقْلِيدِهِ لِعَدَمِ إِنْكَار عُثْمَان عَلَى عَلِيّ ذَلِكَ مَعَ كَوْن عُثْمَان الْإِمَام إِذْ ذَاكَ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1462",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا وَيَقُولُونَ ‏ ‏إِذَا بَرَا ‏ ‏الدَّبَرْ ‏ ‏وَعَفَا ‏ ‏الْأَثَرْ ‏ ‏وَانْسَلَخَ ‏ ‏صَفَرْ حَلَّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنْ ‏ ‏اعْتَمَرْ قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ ‏ ‏مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْحِلِّ قَالَ حِلٌّ كُلُّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ ( كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله أَيْ يَعْتَقِدُونَ , وَالْمُرَاد أَهْل الْجَاهِلِيَّة. وَلِابْنِ حِبَّان مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" وَاَللَّه مَا أَعْمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَة فِي ذِي الْحِجَّة إِلَّا لِيَقْطَع بِذَلِكَ أَمْر أَهْل الشِّرْك , فَإِنَّ هَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْش وَمَنْ دَانَ دِينهمْ كَانُوا يَقُولُونَ \" فَذَكَرَ نَحْوه فَعُرِفَ بِهَذَا تَعْيِين الْقَائِلِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أَفْجَر الْفُجُور ) ‏ ‏هَذَا مِنْ تَحَكُّمَاتهمْ الْبَاطِلَة الْمَأْخُوذَة عَنْ غَيْر أَصْل. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّم صَفَر ) ‏ ‏كَذَا هُوَ فِي جَمِيع الْأُصُول مِنْ الصَّحِيحَيْنِ , قَالَ النَّوَوِيّ : كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَب بِالْأَلِفِ , وَلَكِنْ عَلَى تَقْدِير حَذْفهَا لَا بُدّ مِنْ قِرَاءَته مَنْصُوبًا لِأَنَّهُ مَصْرُوف بِلَا خِلَاف , يَعْنِي وَالْمَشْهُور عَنْ اللُّغَة الرَّبِيعِيَّة كِتَابَة الْمَنْصُوب بِغَيْرِ أَلِف فَلَا يَلْزَم مِنْ كِتَابَته بِغَيْرِ أَلِف أَنْ لَا يُصْرَف فَيُقْرَأ بِالْأَلِفِ. وَسَبَقَهُ عِيَاض إِلَى نَفْي الْخِلَاف فِيهِ لَكِنْ فِي \" الْمُحْكَم \" كَانَ أَبُو عُبَيْدَة لَا يَصْرِفهُ فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ لَا يَمْتَنِع الصَّرْف حَتَّى يَجْتَمِع عِلَّتَانِ فَمَا هُمَا ؟ قَالَ : الْمَعْرِفَة وَالسَّاعَة. وَفَسَّرَهُ الْمُطَرِّزِيُّ بِأَنَّ مُرَاده بِالسَّاعَةِ أَنَّ الْأَزْمِنَة سَاعَات وَالسَّاعَة مُؤَنَّثَة اِنْتَهَى. وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس هَذَا حُجَّة قَوِيَّة لِأَبِي عُبَيْدَة , وَنَقَلَ بَعْضهمْ أَنَّ فِي صَحِيح مُسْلِم \" صَفَرًا \" بِالْأَلِفِ. وَأَمَّا جَعْلهمْ ذَلِكَ فَقَالَ النَّوَوِيّ : قَالَ الْعُلَمَاء الْمُرَاد الْإِخْبَار عَنْ النَّسِيء الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة فَكَانُوا يُسَمُّونَ الْمُحَرَّم صَفَرًا وَيُحِلُّونَهُ وَيُؤَخِّرُونَ تَحْرِيم الْمُحَرَّم إِلَى نَفْس صَفَر لِئَلَّا تَتَوَالَى عَلَيْهِمْ ثَلَاثَة أَشْهُر مُحَرِّمَة فَيَضِيق عَلَيْهِمْ فِيهَا مَا اِعْتَادُوهُ مِنْ الْمُقَاتَلَة وَالْغَارَة بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , فَضَلَّلَهُمْ اللَّه فِي ذَلِكَ فَقَالَ ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) الْآيَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَقُولُونَ إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة أَيْ مَا كَانَ يَحْصُل بِظُهُورِ الْإِبِل مِنْ الْحَمْل عَلَيْهَا وَمَشَقَّة السَّفَر فَإِنَّهُ كَانَ يَبْرَأ بَعْدَ اِنْصِرَافهمْ مِنْ الْحَجّ , و ‏ ‏قَوْله : ( وَعَفَا الْأَثَرْ ) ‏ ‏أَيْ اِنْدَرَسَ أَثَر الْإِبِل وَغَيْرهَا فِي سَيْرهَا , وَيَحْتَمِل أَثَر الدَّبَر الْمَذْكُور. وَفِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ و \" عَفَا الْوَبَرْ \" أَيْ كَثُرَ وَبَر الْإِبِل الَّذِي حُلِقَ بِالرِّحَالِ , وَهَذِهِ الْأَلْفَاظ تُقْرَأ سَاكِنَة الرَّاء لِإِرَادَةِ السَّجْع , وَوَجْه تَعَلُّق جَوَاز الِاعْتِمَار بِانْسِلَاخِ صَفَر - مَعَ كَوْنه لَيْسَ مِنْ أَشْهُر الْحَجّ وَكَذَلِكَ الْمُحَرَّم - أَنَّهُمْ لَمَّا جَعَلُوا الْمُحَرَّم صَفَرًا وَلَا يَسْتَقِرُّونَ بِبِلَادِهِمْ فِي الْغَالِب وَيَبْرَأ دَبَر إِبِلهمْ إِلَّا عِنْدَ اِنْسِلَاخه أَلْحَقُوهُ بِأَشْهُرِ الْحَجّ عَلَى طَرِيق التَّبَعِيَّة وَجَعَلُوا أَوَّل أَشْهُر الِاعْتِمَار شَهْر الْمُحَرَّم الَّذِي هُوَ فِي الْأَصْل صَفَر , الْعُمْرَة عِنْدهمْ فِي غَيْر أَشْهُر الْحَجّ , وَأَمَّا تَسْمِيَة الشَّهْر صَفَرًا فَقَالَ رُؤْبَة أَصْلهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُغِيرُونَ فِيهِ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض فَيَتْرُكُونَ مَنَازِلهمْ صَفَرًا أَيْ خَالِيَة مِنْ الْمَتَاع , وَقِيلَ لِإِصْفَارِ أَمَاكِنهمْ مِنْ أَهْلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول مِنْ رِوَايَة مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ وُهَيْب , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي \" أَيَّام الْجَاهِلِيَّة \" عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم عَنْ وُهَيْب بِلَفْظِ \" فَقَدِمَ \" بِزِيَادَةِ فَاء وَهُوَ الْوَجْه , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق بَهْز بْن أَسَد وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن الْحَجَّاج كِلَاهُمَا عَنْ وُهَيْب. ‏ ‏قَوْله : ( صَبِيحَة رَابِعَة ) ‏ ‏أَيْ يَوْم الْأَحَد. ‏ ‏قَوْله : ( مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن الْحَجَّاج \" وَهُمْ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ \" وَهِيَ مُفَسِّرَة لِقَوْلِهِ مُهِلِّينَ , وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ كَانَ حَجّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُفْرِدًا , وَأَجَابَ مَنْ قَالَ كَانَ قَارِنًا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ إِهْلَاله بِالْحَجِّ أَنْ لَا يَكُون أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَة فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدهمْ ) ‏ ‏أَيْ لِمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ أَوَّلًا , وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن الْحَجَّاج \" فَكَبُرَ ذَلِكَ عِنْدهمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَيْ الْحِلّ ) ‏ ‏كَأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ لِلْحَجِّ تَحَلُّلَيْنِ فَأَرَادُوا بَيَان ذَلِكَ فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَتَحَلَّلُونَ الْحِلّ كُلّه , لِأَنَّ الْعُمْرَة لَيْسَ لَهَا إِلَّا تَحَلُّل وَاحِد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيِّ \" أَيْ الْحِلّ نُحِلّ ؟ قَالَ : الْحِلّ كُلّه \". ‏"
    },
    {
        "id": "1463",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرَهُ بِالْحِلِّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى \" قَدِمْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَنِي بِالْحِلِّ \" هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَامًّا مَشْرُوحًا قَبْلَ بِبَابٍ. وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَأَمَرَهُ بِالْحِلِّ \" عَلَى الِالْتِفَات. ‏"
    },
    {
        "id": "1464",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ قَالَ ‏ ‏إِنِّي ‏ ‏لَبَّدْتُ ‏ ‏رَأْسِي ‏ ‏وَقَلَّدْتُ هَدْيِي ‏ ‏فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث حَفْصَة \" أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُول اللَّه مَا شَأْن النَّاس حَلُّوا بِعُمْرَةٍ \" الْحَدِيث , لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة مُسْلِم قَوْله \" بِعُمْرَةٍ \" وَذَكَرَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ أَنَّ أَصْحَاب مَالِك ذَكَرَهَا بَعْضهمْ وَحَذَفَهَا بَعْضهمْ , وَاسْتُشْكِلَ كَيْفَ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ مَعَ قَوْلهَا وَلَمْ تُحِلّ مِنْ عُمْرَتك , وَالْجَوَاب أَنَّ الْمُرَاد قَوْلهَا بِعُمْرَةٍ أَيْ إِنَّ إِحْرَامهمْ بِعُمْرَةٍ كَانَ سَبَبًا لِسُرْعَةِ حِلِّهِمْ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْي لَا يَتَحَلَّل مِنْ عَمَل الْعُمْرَة حَتَّى يُحِلّ بِالْحَجِّ وَيَفْرُغ مِنْهُ , لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّة فِي بَقَائِهِ عَلَى إِحْرَامه كَوْنَهُ أَهْدَى , وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر سَابِع أَحَادِيث الْبَاب , وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَحِلّ حَتَّى يَنْحَر الْهَدْي وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَدْ وَمَنْ وَافَقَهُمَا , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي حَدِيث عَائِشَة أَوَّل حَدِيث الْبَاب \" فَأَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْي أَنْ يُحِلَّ \" وَالْأَحَادِيث بِذَلِكَ مُتَضَافِرَة وَأَجَابَ بَعْض الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ السَّبَب فِي عَدَم تَحَلُّله مِنْ الْعُمْرَة كَوْنه أَدْخَلَهَا عَلَى الْحَجّ , وَهُوَ مُشْكِل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَقُول إِنَّ حَجّه كَانَ مُفْرِدًا. وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء. لَيْسَ لِمَنْ قَالَ كَانَ مُفْرِدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيث اِنْفِصَال , لِأَنَّهُ إِنْ قَالَ بِهِ اُسْتُشْكِلَ عَلَيْهِ كَوْنه عَلَّلَ عَدَم التَّحَلُّل بِسَوْقِ الْهَدْي لِأَنَّ عَدَم التَّحَلُّل لَا يَمْتَنِع عَلَى مَنْ كَانَ قَارِنًا عِنْده , وَجَنَحَ الْأَصِيلِيّ وَغَيْره إِلَى تَوْهِيم مَالِك فِي قَوْله \" وَلَمْ تَحِلّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتك \" وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ أَحَد فِي حَدِيث حَفْصَة غَيْره , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ - عَلَى تَقْدِير تَسْلِيم اِنْفِرَاده - بِأَنَّهَا زِيَادَة حَافِظ فَيَجِب قَبُولهَا , عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِد , فَقَدْ تَابَعَهُ أَيُّوب وَعُبَيْد اللَّه بْن عُمَر وَهُمَا مَعَ ذَلِكَ حُفَّاظ أَصْحَاب نَافِع اِنْتَهَى. وَرِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عِنْدَ مُسْلِم , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اِبْنِ جُرَيْجٍ وَالْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَة شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة ثَلَاثَتهمْ عَنْ نَافِع بِدُونِهَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ \" فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنْ الْحَجّ \" وَلَا تُنَافِي هَذِهِ رِوَايَةَ مَالِك لِأَنَّ الْقَارِن لَا يَحِلّ مِنْ الْعُمْرَة وَلَا مِنْ الْحَجّ حَتَّى يَنْحَر , فَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَمَتِّعًا كَمَا سَيَأْتِي , لِأَنَّ قَوْل حَفْصَة \" وَلَمْ تَحِلّ مِنْ عُمْرَتك \" وَقَوْله هُوَ \" حَتَّى أَحِلّ مِنْ الْحَجّ \" ظَاهِرِ فِي أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا. وَأَجَابَ مَنْ قَالَ كَانَ مُفْرِدًا عَنْ قَوْله \" وَلَمْ تَحِلّ مِنْ عُمْرَتك \" بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدهَا قَالَهُ الشَّافِعِيّ مَعْنَاهُ وَلَمْ تَحِلّ أَنْتَ مِنْ إِحْرَامك الَّذِي اِبْتَدَأَتْهُ مَعَهُمْ بِنِيَّةٍ وَاحِدَة , بِدَلِيلِ قَوْله \" لَوْ اِسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اِسْتَدْبَرْت مَا سُقْت الْهَدْي وَلَجَعَلْتهَا عُمْرَة \" وَقِيلَ مَعْنَاهُ وَلَمْ تَحِلّ مِنْ حَجِّك بِعُمْرَةٍ كَمَا أَمَرْت أَصْحَابك , قَالُوا وَقَدْ تَأْتِي \" مِنْ \" بِمَعْنَى الْبَاء كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ( يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّه ) أَيْ بِأَمْرِ اللَّه , وَالتَّقْدِير وَلَمْ تَحِلّ أَنْتَ بِعُمْرَةٍ مِنْ إِحْرَامك , وَقِيلَ ظَنَّتْ أَنَّهُ فَسَخَ حَجَّهُ بِعُمْرَةٍ كَمَا فَعَلَ أَصْحَابه بِأَمْرِهِ فَقَالَتْ لِمَ لَمْ تَحِلّ أَنْتَ أَيْضًا مِنْ عُمْرَتك ؟ وَلَا يَخْفَى مَا فِي بَعْض هَذِهِ التَّأْوِيلَات مِنْ التَّعَسُّف. وَاَلَّذِي تَجْتَمِع بِهِ الرِّوَايَات أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا بِمَعْنَى أَنَّهُ أَدْخَلَ الْعُمْرَة عَلَى الْحَجّ بَعْدَ أَنْ أَهَلَّ بِهِ مُفْرِدًا , لَا أَنَّهُ أَوَّل مَا أَهَلَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَة مَعًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث عُمَر مَرْفُوعًا \" وَقُلْ عُمْرَة فِي حَجَّة \" وَحَدِيث أَنَس \" ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَة \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْن \" جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَة \" وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث الْبَرَاء مَرْفُوعًا \" أَنِّي سُقْت الْهَدْي وَقَرَنْت \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث عَلِيّ مِثْله , وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث سُرَاقَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَنَ فِي حَجَّة الْوَدَاع \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي طَلْحَة \" جَمَعَ بَيْنَ الْحَجّ وَالْعُمْرَة \" وَلِلدّارقُطْنِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد وَأَبِي قَتَادَةَ وَالْبَزَّار مِنْ حَدِيث اِبْنِ أَبِي أَوْفَى ثَلَاثَتهمْ مَرْفُوعًا مِثْله , وَأَجَابَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث وَغَيْرهَا نُصْرَة لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُفْرِدًا فَنُقِلَ عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب أَنَّ رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَس \" أَنَّهُ سَمِعَهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا \" أَثْبَت مِنْ رِوَايَة مَنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجّ وَالْعُمْرَة , ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِأَنَّ قَتَادَةَ وَغَيْره مِنْ الْحُفَّاظ رَوَوْهُ عَنْ أَنَس كَذَلِكَ , فَالِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى أَنَس نَفْسه , قَالَ فَلَعَلَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّم غَيْره كَيْفَ يُهِلّ بِالْقِرَانِ فَظَنَّ أَنَّهُ أَهَلَّ عَنْ نَفْسه وَأَجَابَ عَنْ حَدِيث حَفْصَة بِمَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلهَا \" وَلَمْ تَحِلّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتك \" أَيْ مِنْ إِحْرَامك كَمَا تَقَدَّمَ , وَعَنْ حَدِيث عُمَر بِأَنَّ جَمَاعَة رَوَوْهُ بِلَفْظِ \" صَلَّى فِي هَذَا الْوَادِي وَقَالَ عُمْرَة فِي حَجَّة \" قَالَ : وَهَؤُلَاءِ أَكْثَرِ عَدَدًا مِمَّنْ رَوَاهُ \" وَقُلْ عُمْرَة فِي حَجَّة \" فَيَكُونُ إِذْنًا فِي الْقِرَان لَا أَمْرًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَالِ نَفْسه , وَعَنْ حَدِيث عِمْرَان بِأَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ إِذْنه لِأَصْحَابِهِ فِي الْقِرَان بِدَلِيلِ رِوَايَته الْأُخْرَى \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْمَرَ بَعْض أَهْله فِي الْعَشْر \" وَرِوَايَته الْأُخْرَى \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَتَّعَ \" فَإِنَّ مُرَاده بِكُلِّ ذَلِكَ إِذْنه فِي ذَلِكَ , وَعَنْ حَدِيث الْبَرَاء بِأَنَّهُ سَاقَهُ فِي قِصَّة عَلِيّ وَقَدْ رَوَاهَا أَنَسٌ يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَاب وَجَابِر كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَلَيْسَ فِيهَا لَفْظ \" وَقَرَنْت \" وَأَخْرَجَ حَدِيث مُجَاهِد عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" لَقَدْ عَلِمَ اِبْن عُمَر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ اِعْتَمَرَ ثَلَاثًا سِوَى الَّتِي قَرَنَهَا فِي حَجَّتِهِ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَفَرَّدَ أَبُو إِسْحَاق عَنْ مُجَاهِد بِهَذَا , وَقَدْ رَوَاهُ مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد بِلَفْظِ \" فَقَالَتْ مَا اِعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ \" وَقَالَ هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ يَعْنِي كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَاب الْعُمْرَة , ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاق فَرَوَاهُ زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة عَنْهُ هَكَذَا وَقَالَ زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء , ثُمَّ رَوَى حَدِيث جَابِر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِر وَحَجَّة قَرَنَ مِنْهَا عُمْرَة \" يَعْنِي بَعْدَمَا هَاجَرَ , وَحُكِيَ عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ أَعَلَّهُ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَة زَيْد بْن الْحُبَابِ عَنْ الثَّوْرِيّ عَنْ جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ , وَزَيْد رُبَّمَا يَهِم فِي الشَّيْء , وَالْمَحْفُوظ عَنْ الثَّوْرِيّ مُرْسَل , وَالْمَعْرُوف عَنْ جَابِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ خَالِصًا , ثُمَّ رَوَى حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس نَحْو حَدِيث مُجَاهِد عَنْ عَائِشَة وَأَعَلَّهُ بِدَاوُدَ الْعَطَّار وَقَالَ إِنَّهُ تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْنِ عَبَّاس , وَرَوَاهُ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو فَأَرْسَلَهُ وَلَمْ يَذْكُر اِبْن عَبَّاس , ثُمَّ رَوَى حَدِيث الصُّبَيِّ بْن مَعْبَد أَنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَة مَعًا فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ , فَقَالَ لَهُ عُمَر \" هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيّك \" الْحَدِيث وَهُوَ فِي السُّنَن وَفِيهِ قِصَّة , وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَدُلّ عَلَى جَوَاز الْقِرَان لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا , وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ الْأَجْوِبَة مِنْ التَّعَسُّف. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الصَّوَاب الَّذِي نَعْتَقِدهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْتَمِر فِي تِلْكَ السَّنَة بَعْدَ الْحَجّ , وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِرَان أَفْضَل مِنْ الْإِفْرَاد الَّذِي لَا يَعْتَمِر فِي سُنَنه عِنْدنَا , وَلَمْ يَنْقُل أَحَد أَنَّ الْحَجّ وَحْده أَفْضَل مِنْ الْقِرَان , كَذَا قَالَ وَالْخِلَاف ثَابِت قَدِيمًا وَحَدِيثًا , أَمَّا قَدِيمًا فَالثَّابِت عَنْ عُمَر أَنَّهُ قَالَ \" إِنَّ أَتَمَّ لِحَجِّكُمْ وَعُمْرَتكُمْ أَنْ تُنْشِئُوا لِكُلٍّ مِنْهُمَا سَفَرًا \" وَعَنْ اِبْنِ مَسْعُود نَحْوه أَخْرَجَهُ اِبْنِ أَبِي شَيْبَة وَغَيْره , وَأَمَّا حَدِيثًا فَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي حُسَيْن وَالْمُتَوَلِّي بِتَرْجِيحِ الْإِفْرَاد وَلَوْ لَمْ يَعْتَمِر فِي تِلْكَ السَّنَة , وَقَالَ صَاحِب الْهِدَايَة مِنْ الْحَنَفِيَّة : الْخِلَاف بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيّ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْقَارِن يَطُوف طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعْيًا وَاحِدًا فَبِهَذَا قَالَ إِنَّ الْإِفْرَاد أَفْضَل , وَنَحْنُ عِنْدنَا أَنَّ الْقَارِن يَطُوف طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ فَهُوَ أَفْضَل لِكَوْنِهِ أَكْثَر عَمَلًا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة فِيمَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ مُحْرِمًا , وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ كُلّ رَاوٍ أَضَافَ إِلَيْهِ مَا أُمِرَ بِهِ اِتِّسَاعًا , ثُمَّ رُجِّحَ بِأَنَّهُ كَانَ أَفْرَدَ الْحَجّ , وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْدَ الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة , وَقَدْ بَسَطَ الشَّافِعِيّ الْقَوْل فِيهِ فِي \" اِخْتِلَاف الْحَدِيث \" وَغَيْره وَرُجِّحَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ إِحْرَامًا مُطْلَقًا يَنْتَظِر مَا يُؤْمَر بِهِ فَنُزِّلَ عَلَيْهِ الْحُكْم بِذَلِكَ وَهُوَ عَلَى الصَّفَا , وَرَجَّحُوا الْإِفْرَاد أَيْضًا بِأَنَّ الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ وَاظَبُوا عَلَيْهِ وَلَا يُظَنّ بِهِمْ الْمُوَاظَبَة عَلَى تَرْك الْأَفْضَل , وَبِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَد مِنْهُمْ أَنَّهُ كَرِهَ الْإِفْرَاد , وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُمْ كَرَاهِيَة التَّمَتُّع وَالْجَمْع بَيْنهمَا حَتَّى فَعَلَهُ عَلِيّ لِبَيَانِ الْجَوَاز , وَبِأَنَّ الْإِفْرَاد لَا يَجِب فِيهِ دَم بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ التَّمَتُّع وَالْقِرَان اِنْتَهَى. وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ دَم الْقِرَان دَم جُبْرَان وَقَدْ مَنَعَهُ مَنْ رَجَّحَ الْقِرَان وَقَالَ إِنَّهُ دَم فَضْل وَثَوَاب كَالْأُضْحِيَّةِ , وَلَوْ كَانَ دَم نَقْص لَمَا قَامَ الصِّيَام مَقَامه , وَلِأَنَّهُ يُؤْكَل مِنْهُ وَدَم النَّقْص لَا يُؤْكَل مِنْهُ كَدَمِ الْجَزَاء قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ. وَقَالَ عِيَاض نَحْو مَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَزَادَ : وَأَمَّا إِحْرَامه هُوَ فَقَدْ تَضَافَرَتْ الرِّوَايَات الصَّحِيحَة بِأَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا , وَأَمَّا رِوَايَة مَنْ رَوَى مُتَمَتِّعًا فَمَعْنَاهُ أَمَرَ بِهِ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ \" وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْي لَأَحْلَلْت \" فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَلَّل. وَأَمَّا رِوَايَة مَنْ رَوَى الْقِرَان فَهُوَ إِخْبَار عَنْ آخِر أَحْوَاله لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الْعُمْرَة عَلَى الْحَجّ لَمَّا جَاءَ إِلَى الْوَادِي وَقِيلَ لَهُ \" قُلْ عُمْرَة فِي حَجَّة \" اِنْتَهَى. وَهَذَا الْجَمْع هُوَ الْمُعْتَمَد , وَقَدْ سَبَقَ إِلَيْهِ قَدِيمًا اِبْنِ الْمُنْذِر وَبَيَّنَهُ اِبْن حَزْم فِي \" حَجَّة الْوَدَاع \" بَيَانًا شَافِيًا وَمَهَّدَهُ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ تَمْهِيدًا بَالِغًا يَطُول ذِكْره , وَمُحَصَّله أَنَّ كُلّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْإِفْرَاد حُمِلَ عَلَى مَا أَهَلَّ بِهِ فِي أَوَّلِ الْحَال , وَكُلّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّمَتُّع أَرَادَ مَا أَمَرَ بِهِ أَصْحَابه , وَكُلّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْقِرَان أَرَادَ مَا اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْره , وَيَتَرَجَّح رِوَايَة مَنْ رَوَى الْقِرَان بِأُمُورٍ : مِنْهَا أَنَّ مَعَهُ زِيَادَة عِلْم عَلَى مَنْ رَوَى الْإِفْرَاد وَغَيْره , وَبِأَنَّ مَنْ رَوَى الْإِفْرَاد وَالتَّمَتُّع اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ : فَأَشْهَر مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْإِفْرَاد عَائِشَة وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهَا أَنَّهُ اِعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَابْن عُمَر وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَاب الْهَدْي , وَثَبَتَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَة ثُمَّ حَدَثَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي أَيْضًا , وَجَابِر وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْله إِنَّهُ اِعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ أَيْضًا. وَرَوَى الْقِرَان عَنْهُ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة لَمْ يُخْتَلَف عَلَيْهِمْ فِيهِ , وَبِأَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات النَّقْل عَنْهُ مِنْ لَفْظه أَنَّهُ قَالَ أَفْرَدْت وَلَا تَمَتَّعْت , بَلْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ \" قَرَنْت \" وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ \" لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْي لَأَحْلَلْت \" وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْقِرَان لَا يَحْتَمِل حَدِيثه التَّأْوِيل إِلَّا بِتَعَسُّفٍ بِخِلَافِ مَنْ رَوَى الْإِفْرَاد فَإِنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَوَّلِ الْحَال وَيَنْتَفِي التَّعَارُض , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ مَنْ جَاءَ عَنْهُ الْإِفْرَاد جَاءَ عَنْهُ صُورَة الْقِرَان كَمَا تَقَدَّمَ , وَمَنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّمَتُّع فَإِنَّهُ مَحْمُول عَلَى الِاقْتِصَار عَلَى سَفَرٍ وَاحِد لِلنُّسُكَيْنِ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ مَنْ جَاءَ عَنْهُ التَّمَتُّع لَمَّا وَصَفَهُ وَصَفَهُ بِصُورَةِ الْقِرَان لِأَنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحِلّ مِنْ عُمْرَته حَتَّى أَتَمَّ عَمَل جَمِيع الْحَجّ وَهَذِهِ إِحْدَى صُوَر الْقِرَان , وَأَيْضًا فَإِنَّ رِوَايَة الْقِرَان جَاءَتْ عَنْ بِضْعَة عَشَرَ صَحَابِيًّا بِأَسَانِيد جِيَاد بِخِلَافِ رِوَايَتَيْ الْإِفْرَاد وَالتَّمَتُّع وَهَذَا يَقْتَضِي رَفْع الشَّكّ عَنْ ذَلِكَ وَالْمَصِير إِلَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا , وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونُ الْقِرَان أَفْضَل مِنْ الْإِفْرَاد وَمِنْ التَّمَتُّع وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَاخْتَارَهُ مِنْ الشَّافِعِيَّة الْمُزَنِيُّ وَابْن الْمُنْذِر وَأَبُو إِسْحَاق الْمَرْوَزِيُّ وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ تَقِيّ الدِّين السُّبْكِيُّ وَبَحَثَ مَعَ النَّوَوِيّ فِي اِخْتِيَاره أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا وَأَنَّ الْإِفْرَاد مَعَ ذَلِكَ أَفْضَل مُسْتَنِدًا إِلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِخْتَارَ الْإِفْرَاد أَوَّلًا ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَة لِبَيَانِ جَوَاز الِاعْتِمَار فِي أَشْهُر الْحَجّ لِكَوْنِهِمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُور كَمَا فِي ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب , وَمُلَخَّص مَا يُتَعَقَّب بِهِ كَلَامِهِ أَنَّ الْبَيَان قَدْ سَبَقَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمَرِهِ الثَّلَاث فَإِنَّهُ أَحْرَمَ بِكُلٍّ مِنْهَا فِي ذِي الْقَعْدَة عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة الَّتِي صُدَّ عَنْ الْبَيْت فِيهَا وَعُمْرَة الْقَضِيَّة الَّتِي بَعْدهَا وَعُمْرَة الْجِعْرَانَة , وَلَوْ كَانَ أَرَادَ بِاعْتِمَارِهِ عُمْرَة حَجَّتِهِ بَيَان الْجَوَاز فَقَطْ مَعَ أَنَّ الْأَفْضَل خِلَافه لَاكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِأَمْرِهِ أَصْحَابه أَنْ يَفْسَخُوا حَجّهمْ إِلَى الْعُمْرَة. وَذَهَبَ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ إِلَى أَنَّ التَّمَتُّع أَفْضَل لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَنَّاهُ فَقَالَ \" لَوْلَا أَنِّي سُقْت الْهَدْي لَأَحْلَلْت \" وَلَا يَتَمَنَّى إِلَّا الْأَفْضَل , وَهُوَ قَوْل أَحْمَدْ بْن حَنْبَل فِي الْمَشْهُور عَنْهُ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا تَمَنَّاهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ أَصْحَابه لِحُزْنِهِمْ عَلَى فَوَاتِ مُوَافَقَته وَإِلَّا فَالْأَفْضَل مَا اِخْتَارَهُ اللَّه لَهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ اِبْن قُدَامَةَ يَتَرَجَّح التَّمَتُّع بِأَنَّ الَّذِي يُفْرِد إِنْ اِعْتَمَرَ بَعْدهَا فَهِيَ عُمْرَة مُخْتَلَف فِي إِجْزَائِهَا عَنْ حَجَّة الْإِسْلَام بِخِلَافِ عُمْرَة التَّمَتُّع فَهِيَ مُجْزِئَة بِلَا خِلَاف فَيَتَرَجَّح التَّمَتُّع عَلَى الْإِفْرَاد وَيَلِيه الْقِرَان , وَقَالَ مَنْ رَجَّحَ الْقِرَان. هُوَ أَشَقُّ مِنْ التَّمَتُّع وَعُمْرَته مُجْزِئَة بِلَا خِلَاف فَيَكُونُ أَفْضَل مِنْهُمَا , وَحَكَى عِيَاض عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّ الصُّوَر الثَّلَاث فِي الْفَضْل سَوَاء وَهُوَ مُقْتَضَى تَصَرُّف اِبْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه , وَعَنْ أَبِي يُوسُف الْقِرَان وَالتَّمَتُّع فِي الْفَضْل سَوَاء وَهُمَا أَفْضَل مِنْ الْإِفْرَاد , وَعَنْ أَحْمَد : مَنْ سَاقَ الْهَدْي فَالْقِرَان أَفْضَل لَهُ لِيُوَافِق فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْي فَالتَّمَتُّع أَفْضَل لَهُ لِيُوَافِق مَا تَمَنَّاهُ وَأَمَرَ بِهِ أَصْحَابه , زَادَ بَعْض أَتْبَاعه وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنْشِئ لِعُمْرَتِهِ مِنْ بَلَدِهِ سَفَرًا فَالْإِفْرَاد أَفْضَل لَهُ قَالَ : وَهَذَا أَعْدَل الْمَذَاهِب وَأَشْبَههَا بِمُوَافَقَةِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة , فَمَنْ قَالَ الْإِفْرَاد أَفْضَل فَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّل لِأَنَّ أَعْمَال سَفَرَيْنِ لِلنُّسُكَيْنِ أَكْثَر مَشَقَّة فَيَكُونُ أَعْظَم أَجْرًا وَلِتُجْزِئ عَنْهُ عُمْرَته مِنْ غَيْر نَقْص وَلَا اِخْتِلَاف وَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيث عَلَى نَمَط آخَر مَعَ مُوَافَقَته عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا كَالطَّحَاوِيِّ وَابْنِ حِبَّان وَغَيْرهمَا فَقِيلَ أَهَلَّ أَوَّلًا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْهَا إِلَى أَنْ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجّ يَوْم التَّرْوِيَة , وَمُسْتَنَد هَذَا الْقَائِل حَدِيث اِبْنِ عُمَر الْآتِي فِي أَبْوَاب الْهَدْي بِلَفْظِ \" فَبَدَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ. وَهَذَا لَا يُنَافِي إِنْكَار اِبْنِ عُمَر عَلَى أَنَس كَوْنه نَقَلَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَة كَمَا سَيَأْتِي فِي حَجَّة الْوَدَاع مِنْ الْمَغَازِي لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون مِنْ إِنْكَاره كَوْنه نَقَلَ أَنَّهُ أَهَلَّ بِهِمَا مَعًا وَإِنَّمَا الْمَعْرُوف عِنْده أَنَّهُ أَدْخَلَ أَحَد النُّسُكَيْنِ عَلَى الْآخَر لَكِنَّ جَزْمه بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِالْعُمْرَةِ مُخَالِف لِمَا عَلَيْهِ أَكْثَر الْأَحَادِيث فَهُوَ مَرْجُوح , وَقِيلَ أَهَلَّ أَوَّلًا بِالْحَجِّ مُفْرِدًا ثُمَّ اِسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ أَمَرَ أَصْحَابه بِأَنْ يَفْسَخُوا حَجّهمْ فَيَجْعَلُوهُ عُمْرَة وَفَسَخَ مَعَهُمْ , وَمَنَعَهُ مِنْ التَّحَلُّل مِنْ عُمْرَته الْمَذْكُورَة مَا ذَكَرَهُ فِي حَدِيث الْبَاب وَغَيْره مِنْ سَوْق الْهَدْي فَاسْتَمَرَّ مُعْتَمِرًا إِلَى أَنْ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجّ حَتَّى تَحَلَّلَ مِنْهُمَا جَمِيعًا , وَهَذَا يَسْتَلْزِم أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوَّلًا وَآخِرًا , وَهُوَ مُحْتَمَل لَكِنَّ الْجَمْع الْأَوَّل أَوْلَى. وَقِيلَ إِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ تَحَلَّلَ مِنْهُ بِمِنًى وَلَمْ يَعْتَمِر فِي تِلْكَ السَّنَة وَهُوَ مُقْتَضَى مَنْ رَجَّحَ أَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْقِرَان مِنْ الصَّحَابَة نَفَى أَنْ يَكُون أَهَلَّ بِهِمَا فِي أَوَّلِ الْحَال , وَلَا يَنْفِي أَنْ يَكُون أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَة فَيَجْتَمِع الْقَوْلَانِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ تَحْلِلْ ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام الْأُولَى أَيْ لَمْ تَحِلّ , وَإِظْهَار التَّضْعِيف لُغَة مَعْرُوفَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَبَّدْت ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَة أَيْ شَعْر رَأْسِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان التَّلْبِيد , وَهُوَ أَنْ يُجْعَل فِيهِ شَيْء لِيَلْتَصِق بِهِ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ اِسْتِحْبَاب ذَلِكَ لِلْمُحْرِمِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا أُحِلّ حَتَّى أَنْحَر ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْحَدِيث السَّابِع. ‏"
    },
    {
        "id": "1465",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو جَمْرَةَ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ فَسَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَأَمَرَنِي فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَجُلًا يَقُولُ لِي حَجٌّ ‏ ‏مَبْرُورٌ ‏ ‏وَعُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ فَأَخْبَرْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ سُنَّةَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لِي أَقِمْ عِنْدِي فَأَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏فَقُلْتُ لِمَ فَقَالَ لِلرُّؤْيَا الَّتِي رَأَيْتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَبُو جَمْرَة ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَمَتَّعْت فَنَهَانِي نَاس ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى أَسْمَائِهِمْ , وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَن اِبْن الزُّبَيْر وَكَانَ يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَة كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي الزُّبَيْر عَنْهُ وَعَنْ جَابِر , وَنَقَلَ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ اِبْن الزُّبَيْر أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى التَّمَتُّع إِلَّا لِلْمُحْصَرِ , وَوَافَقَهُ عَلْقَمَة وَإِبْرَاهِيم , وَقَالَ الْجُمْهُور لَا اِخْتِصَاص لِذَلِكَ لِلْحَصْرِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَنِي ) ‏ ‏أَيْ أَنْ أَسْتَمِرّ عَلَى عُمْرَتِي , وَلِأَحْمَد وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة \" فَأَتَيْت اِبْن عَبَّاس فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَنِي بِهَا , ثُمَّ اِنْطَلَقْت إِلَى الْبَيْت فَنِمْت فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَعُمْرَة مُتَقَبَّلَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّضْر عَنْ شُعْبَة كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَاب الْهَدْي \" مُتْعَة مُتَقَبَّلَة \" وَهُوَ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف أَيْ هَذِهِ عُمْرَة مُتَقَبَّلَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِير الْمَبْرُور فِي أَوَائِل الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ سُنَّة أَبِي الْقَاسِم ) هُوَ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف أَيْ هَذِهِ سُنَّة , وَيَجُوز فِيهِ النَّصْب أَيْ وَافَقَتْ سُنَّة أَبِي الْقَاسِم أَوْ عَلَى الِاخْتِصَاص , وَفِي رِوَايَة النَّضْر \" فَقَالَ : اللَّه أَكْبَر , سُنَّة أَبِي الْقَاسِم \" وَزَادَ فِيهِ زِيَادَة يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ لِي ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبَّاس ‏ ‏( أَقِمْ عِنْدِي وَأَجْعَل لَك سَهْمًا مِنْ مَالِي ) ‏ ‏أَيْ نَصِيبًا. ‏ ‏( قَالَ شُعْبَة فَقُلْت ) ‏ ‏يَعْنِي لِأَبِي جَمْرَة ‏ ‏( وَلِمَ ) ؟ ‏ ‏أَيْ اِسْتَفْهِمُهُ عَنْ سَبَب ذَلِكَ ‏ ‏( فَقَالَ لِلرُّؤْيَا ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِ الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَة. وَيُؤْخَذ مِنْهُ إِكْرَام مَنْ أَخْبَرَ الْمَرْء بِمَا يَسُرُّهُ , وَفَرَح الْعَالِم بِمُوَافَقَتِهِ الْحَقّ , وَالِاسْتِئْنَاس بِالرُّؤْيَا لِمُوَافَقَةِ الدَّلِيل الشَّرْعِيّ , وَعَرْض الرُّؤْيَا عَلَى الْعَالِم , وَالتَّكْبِير عِنْدَ الْمُسِرَّة , وَالْعَمَل بِالْأَدِلَّةِ الظَّاهِرَة , وَالتَّنْبِيه عَلَى اِخْتِلَاف أَهْل الْعِلْم لِيُعْمَل بِالرَّاجِحِ مِنْهُ الْمُوَافِق لِلدَّلِيلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1466",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمْتُ مُتَمَتِّعًا ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏بِعُمْرَةٍ فَدَخَلْنَا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَالَ لِي أُنَاسٌ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ مَكَّةَ ‏ ‏تَصِيرُ الْآنَ حَجَّتُكَ مَكِّيَّةً فَدَخَلْتُ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏أَسْتَفْتِيهِ ‏ ‏فَقَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ وَقَدْ ‏ ‏أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا ‏ ‏فَقَالَ لَهُمْ ‏ ‏أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏وَبَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏وَقَصِّرُوا ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا ‏ ‏مُتْعَةً ‏ ‏فَقَالُوا كَيْفَ نَجْعَلُهَا ‏ ‏مُتْعَةً ‏ ‏وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ فَقَالَ افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ فَلَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَفَعَلُوا ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏أَبُو شِهَابٍ ‏ ‏لَيْسَ لَهُ مُسْنَدٌ إِلَّا هَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ الْأَكْبَر وَاسْمُهُ مُوسَى بْن نَافِع. ‏ ‏قَوْله : ( حَجّك مَكِّيًّا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" حَجَّتك مَكِّيَّة \" يَعْنِي قَلِيلَة الثَّوَاب لِقِلَّةِ مَشَقَّتهَا , وَقَالَ اِبْن بَطَّال مَعْنَاهُ أَنَّك تُنْشِئ حَجّك مِنْ مَكَّة كَمَا يُنْشِئ أَهْل مَكَّة مِنْهَا فَيَفُوتك فَضْل الْإِحْرَام مِنْ الْمِيقَات. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَخَلْت عَلَى عَطَاء ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي رَبَاح. ‏ ‏قَوْله : ( يَوْم سَاقَ الْبُدْن مَعَهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَإِسْكَان الدَّال جَمْع بَدَنَة وَذَلِكَ فِي حَجَّة الْوَدَاع , وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ اِبْن نُمَيْر عَنْ أَبِي نُعَيْم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" عَام سَاقَ الْهَدْي \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُمْ أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامكُمْ إِلَخْ ) ‏ ‏أَيْ اِجْعَلُوا حَجّكُمْ عُمْرَة وَتَحَلَّلُوا مِنْهَا بِالطَّوَافِ وَالسَّعْي. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَصَّرُوا ) ‏ ‏إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُهِلُّونَ بَعْدَ قَلِيل بِالْحَجِّ فَأَخَّرَ الْحَلْق لِأَنَّ بَيْنَ دُخُولهمْ وَبَيْنَ يَوْم التَّرْوِيَة أَرْبَعَةَ أَيَّام فَقَطْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَة ) ‏ ‏أَيْ اِجْعَلُوا الْحَجَّة الْمُفْرَدَة الَّتِي أَهْلَلْتُمْ بِهَا عُمْرَة تَتَحَلَّلُوا مِنْهَا فَتَصِيرُوا مُتَمَتِّعِينَ , فَأَطْلَقَ عَلَى الْعُمْرَة مُتْعَة مَجَازًا وَالْعَلَاقَة بَيْنهمَا ظَاهِرَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي سُلَيْمَان عَنْ عَطَاء عِنْدَ مُسْلِم \" فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّة أَمَرَنَا أَنْ نُحِلّ وَنَجْعَلهَا عُمْرَة \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة الْبَاقِر عَنْ جَابِر فِي الْخَبَر الطَّوِيل عِنْدَ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اِفْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ , فَلَوْلَا أَنِّي سُقْت الْهَدْي إِلَخْ ) ‏ ‏فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ ـ عَلَيْهِ السَّلَام ـ مِنْ تَطْيِيب قُلُوب أَصْحَابه وَتَلَطُّفه بِهِمْ وَحِلْمه عَنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَحِلّ مِنِّي حِرَام ) ‏ ‏بِكَسْرِ حَاء يَحِلّ أَيْ شَيْء حَرَام , وَالْمَعْنَى لَا يَحِلّ مِنِّي مَا حَرُمَ عَلَيَّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" لَا يَحِلّ مِنِّي حَرَامًا \" بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة وَعَلَى هَذَا فَيُقْرَأ يُحِلّ بِضَمِّ أَوَّله وَالْفَاعِل مَحْذُوف تَقْدِيره لَا يُحِلّ طُول الْمُكْث وَنَحْو ذَلِكَ مِنِّي شَيْئًا حَرَامًا حَتَّى يَبْلُغ الْهَدْي مَحِلّه , أَيْ إِذَا نَحَرَ يَوْم مِنًى. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ اِعْتَمَرَ فَسَاقَ هَدْيًا لَا يَتَحَلَّل مِنْ عُمْرَته حَتَّى يَنْحَر هَدْيه يَوْم النَّحْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث حَفْصَة نَحْوه , وَيَأْتِي حَدِيث عَائِشَة مِنْ طَرِيق عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْهَا بِلَفْظِ \" مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَأَهْدَى فَلَا يُحِلّ حَتَّى يَنْحَر \" وَتَأَوَّلَ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلَا يُحِلّ حَتَّى يَنْحَر هَدْيه , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. قُلْت : فَإِنَّهُ خِلَاف ظَاهِر الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَهُ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّف. ‏ ‏قَوْله : ( أَبُو شِهَاب لَيْسَ لَهُ حَدِيث مُسْنَد إِلَّا هَذَا ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يَرْوِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا إِلَّا هَذَا الْحَدِيث , قَالَ مُغَلْطَايُ : كَأَنَّهُ يَقُول مَنْ كَانَ هَكَذَا لَا يَجْعَل حَدِيثه أَصْلًا مِنْ أَصْل الْعِلْم. قُلْت : إِذَا كَانَ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ مَنْ يُصَحَّح حَدِيثه لَمْ يَضُرّهُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ تُوبِعَ عَلَيْهِ. ثُمَّ كَلَام مُغَلْطَايَ مَحْمُول عَلَى ظَاهِر الْإِطْلَاق , وَقَدْ أَجَابَ غَيْره بِأَنَّهُ مُقَيَّد بِالرِّوَايَةِ عَنْ عَطَاء فَإِنَّ حَدِيثه هَذَا طَرَف مِنْ حَدِيث جَابِر الطَّوِيل الَّذِي اِنْفَرَدَ مُسْلِم بِسِيَاقِهِ مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِر , وَفِي هَذَا الطَّرَف زِيَادَة بَيَان لِصِفَةِ التَّحَلُّل مِنْ الْعُمْرَة لَيْسَ فِي الْحَدِيث الطَّوِيل حَيْثُ قَالَ فِيهِ \" أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامكُمْ بِطَوَافِ الْبَيْت وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة وَقَصِّرُوا ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا إِلَى يَوْم التَّرْوِيَة وَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ \" وَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز جَوَاب الْمُفْتِي لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ حُكْم خَاصّ بِأَنْ يَذْكُر لَهُ قِصَّة مُسْنَدَة مَرْفُوعَة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشْتَمِل عَلَى جَوَاب سُؤَاله وَيَكُون مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْفَوَائِد الزَّائِدَة عَلَى ذَلِكَ زِيَادَة خَيْر , وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون مَحِلّ ذَلِكَ لَائِقًا بِحَالِ السَّائِل. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث اِخْتِلَاف عُثْمَان وَعَلِيّ فِي التَّمَتُّع وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر وَهُوَ ثَانِي أَحَادِيث هَذَا الْبَاب , فَاشْتَمَلَتْ أَحَادِيث الْبَاب عَلَى مَا تُرْجِمَ بِهِ , فَحَدِيث عَائِشَة مِنْ طَرِيق يُؤْخَذ مِنْهُ الْفَسْخ وَالْإِفْرَاد , وَحَدِيث عَلِيّ مِنْ طَرِيقه يُؤْخَذ مِنْهُ التَّمَتُّع وَالْقِرَان , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس يُؤْخَذ مِنْهُ الْفَسْخ , وَكَذَا حَدِيث أَبِي مُوسَى وَجَابِر , وَحَدِيث حَفْصَة يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ لَا يُحِلّ مِنْ عُمْرَته إِنْ كَانَ سَاقَ الْهَدْي , وَكَذَا حَدِيث جَابِر , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس الثَّانِي يُؤْخَذ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّة التَّمَتُّع وَكَذَا حَدِيث جَابِر أَيْضًا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1467",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اخْتَلَفَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏وَعُثْمَانُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏وَهُمَا ‏ ‏بِعُسْفَانَ ‏ ‏فِي ‏ ‏الْمُتْعَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1468",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنَا ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ نَقُولُ ‏ ‏لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1469",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُطَرِّفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَزَلَ الْقُرْآنُ قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُطَرِّف ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن الشِّخِّير , وَرِجَال الْإِسْنَاد كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عِمْرَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حُصَيْن الْخُزَاعِيُّ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُطَرِّف \" بَعَثَ إِلَيَّ عِمْرَان بْن حُصَيْن فِي مَرَضه الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَقَالَ : إِنِّي كُنْت مُحَدِّثك بِأَحَادِيث لَعَلَّ اللَّه أَنْ يَنْفَعك \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَزَلَ الْقُرْآن ) ‏ ‏أَيْ بِجَوَازِهِ يُشِير إِلَى قَوْله تَعَالَى ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ ) الْآيَة. وَرَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث عَنْ هَمَّام بِلَفْظِ \" وَلَمْ يَنْزِل فِيهِ الْقُرْآن \" أَيْ بِمَنْعِهِ , وَتُوَضِّحهُ رِوَايَة مُسْلِم الْأُخْرَى مِنْ طَرِيق شُعْبَة وَسَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ \" ثُمَّ لَمْ يَنْزِل فِيهَا كِتَاب اللَّه وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا نَبِيّ اللَّه \" وَزَادَ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ حُمَيْدِ بْن هِلَال عَنْ مُطَرِّف \" وَلَمْ يَنْزِل فِيهِ الْقُرْآن بِحُرْمَةٍ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي الْعَلَاء عَنْ مُطَرِّف \" فَلَمْ تَنْزِل آيَة تَنْسَخ ذَلِكَ وَلَمْ تَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق عَفَّانَ عَنْ هَمَّام \" تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلَ فِيهِ الْقُرْآن وَلَمْ يَنْهَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَنْسَخهَا شَيْء \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي تَفْسِير الْبَقَرَة مِنْ طَرِيق أَبِي رَجَاء الْعُطَارِدِيّ عَنْ عِمْرَان بِلَفْظِ \" أُنْزِلَتْ آيَة الْمُتْعَة فِي كِتَاب اللَّه فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَنْزِل قُرْآن بِحُرْمَةٍ فَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ , قَالَ رَجُل بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ رَجُل بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة أَبِي الْعَلَاء \" اِرْتَأَى كُلّ اِمْرِئٍ بَعْدَمَا شَاءَ أَنْ يَرْتَئِي \" قَائِل ذَلِكَ هُوَ عِمْرَان بْن حُصَيْن , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُطَرِّف الرَّاوِي عَنْهُ لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي رِوَايَة أَبِي رَجَاء عَنْ عِمْرَان كَمَا ذَكَرْته قَبْلَ , وَحَكَى الْحُمَيْدِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ الْبُخَارِيّ فِي رِوَايَة أَبِي رَجَاء عَنْ عِمْرَان قَالَ الْبُخَارِيّ يُقَال إِنَّهُ عُمَر , أَيْ الرَّجُل الَّذِي عَنَاهُ عِمْرَان بْن حُصَيْن , وَلَمْ أَرَ هَذَا فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق الَّتِي اِتَّصَلَتْ لَنَا مِنْ الْبُخَارِيّ , لَكِنْ نَقَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ كَذَلِكَ فَهُوَ عُمْدَة الْحُمَيْدِيّ فِي ذَلِكَ , وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيّ وَالنَّوَوِيّ وَغَيْرهمَا , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى رِوَايَة الْجَرِيرِيّ عَنْ مُطَرِّف فَقَالَ فِي آخِره \" اِرْتَأَى رَجُل بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ \" يَعْنِي عُمَر , كَذَا فِي الْأَصْل أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن حَاتِم عَنْ وَكِيع عَنْ الثَّوْرِيّ عَنْهُ , وَقَالَ اِبْن التِّين : يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد عُمَر أَوْ عُثْمَان , وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : ظَاهِر سِيَاق كِتَاب الْبُخَارِيّ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ عُثْمَان , وَكَأَنَّهُ لِقُرْبِ عَهْده بِقِصَّةِ عُثْمَان مَعَ عَلِيّ جَزَمَ بِذَلِكَ , وَذَلِكَ غَيْر لَازِم فَقَدْ سَبَقَتْ قِصَّة عُمَر مَعَ أَبِي مُوسَى فِي ذَلِكَ , وَوَقَعَتْ لِمُعَاوِيَةَ أَيْضًا مَعَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص فِي صَحِيح مُسْلِم قِصَّة فِي ذَلِكَ , وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّر بِعُمَر فَإِنَّهُ أَوَّل مَنْ نَهَى عَنْهَا وَكَأَنَّ مَنْ بَعْده كَانَ تَابِعًا لَهُ فِي ذَلِكَ , وَفِي مُسْلِم أَيْضًا أَنَّ اِبْن الزُّبَيْر كَانَ يَنْهَى عَنْهَا وَابْن عَبَّاس يَأْمُر بِهَا , فَسَأَلُوا جَابِرًا فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ أَوَّل مَنْ نَهَى عَنْهَا عُمَر , ثُمَّ فِي حَدِيث عِمْرَان هَذَا مَا يُعَكِّر عَلَى عِيَاض وَغَيْره فِي جَزْمهمْ أَنَّ الْمُتْعَة الَّتِي نَهَى عَنْهَا عُمَر وَعُثْمَان هِيَ فَسْخ الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة لَا الْعُمْرَة الَّتِي يَحُجّ بَعْدهَا , فَإِنَّ فِي بَعْض طُرُقه عِنْدَ مُسْلِم التَّصْرِيح بِكَوْنِهَا مُتْعَة الْحَجّ , وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضًا \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْمَرَ بَعْض أَهْله فِي الْعَشْر \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَة \" وَمُرَاده التَّمَتُّع الْمَذْكُور وَهُوَ الْجَمْع بَيْنهمَا فِي عَام وَاحِد كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْبَاب بَعْده فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى. وَفِيهِ مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا جَوَاز نَسْخِ الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ وَلَا خِلَاف فِيهِ , وَجَوَاز نَسْخه بِالسُّنَّةِ وَفِيهِ اِخْتِلَاف شَهِير , وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ قَوْله \" وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَإِنَّ مَفْهُومه أَنَّهُ لَوْ نَهَى عَنْهَا لَامْتَنَعْت وَيَسْتَلْزِم رَفْع الْحُكْم وَمُقْتَضَاهُ جَوَاز النَّسْخ , وَقَدْ يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْإِجْمَاع لَا يُنْسَخ بِهِ لِكَوْنِهِ حَصَرَ وُجُوه الْمَنْع فِي نُزُول آيَة أَوْ نَهْي مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ وُقُوع الِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام بَيْنَ الصَّحَابَة , وَإِنْكَار بَعْض الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى بَعْض بِالنَّصِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1470",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏إِذَا دَخَلَ أَدْنَى ‏ ‏الْحَرَمِ ‏ ‏أَمْسَكَ عَنْ التَّلْبِيَةِ ثُمَّ يَبِيتُ ‏ ‏بِذِي طِوًى ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَبِيت بِذِي طُوًى ) ‏ ‏بِضَمِّ الطَّاء وَبِفَتْحِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَغْتَسِل ) ‏ ‏أَيْ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنَّ الْإِشَارَة بِهِ إِلَى الْفِعْل الْأَخِير وَهُوَ الْغُسْل وَهُوَ مَقْصُود التَّرْجَمَة , وَيَحْتَمِل أَنَّهَا إِلَى الْجَمِيع وَهُوَ الْأَظْهَر , فَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه ذِكْر الْمَبِيت فَقَطْ مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَة أُخْرَى عَنْ اِبْن عُمَر , تَقَدَّمَ الْحَدِيث بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا فِي \" بَاب الْإِهْلَال مُسْتَقْبِل الْقِبْلَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "1471",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَاتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِذِي طُوًى ‏ ‏حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ دَخَلَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَفْعَلُهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1472",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَعْنٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْخُلُ مِنْ ‏ ‏الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا ‏ ‏وَيَخْرُجُ مِنْ ‏ ‏الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1473",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ الْبَصْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏كَدَاءٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا ‏ ‏الَّتِي ‏ ‏بِالْبَطْحَاءِ ‏ ‏وَخَرَجَ مِنْ ‏ ‏الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏كَانَ يُقَالُ هُوَ ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏كَاسْمِهِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَوْ أَنَّ ‏ ‏مُسَدَّدًا ‏ ‏أَتَيْتُهُ فِي بَيْتِهِ فَحَدَّثْتُهُ لَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ وَمَا أُبَالِي كُتُبِي كَانَتْ عِنْدِي أَوْ عِنْدَ ‏ ‏مُسَدَّدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مِنْ كَدَاءٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْكَاف وَالْمَدّ قَالَ أَبُو عُبَيْد. لَا يُصْرَف. وَهَذِهِ الثَّنِيَّة هِيَ الَّتِي يَنْزِل مِنْهَا إِلَى الْمُعَلَّى مَقْبَرَة أَهْل مَكَّة , وَهِيَ الَّتِي يُقَال لَهَا الْحَجُون بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَضَمّ الْجِيم , وَكَانَتْ صَعْبَة الْمُرْتَقَى فَسَهَّلَهَا مُعَاوِيَة ثُمَّ عَبْد الْمَلِك ثُمَّ الْمَهْدِيّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيّ , ثُمَّ سَهُلَ فِي عَصْرنَا هَذَا مِنْهَا سَنَة إِحْدَى عَشْرَة وَثَمَانمِائَةِ مَوْضِع , ثُمَّ سُهِّلَتْ كُلّهَا فِي زَمَن سُلْطَان مِصْر الْمَلِك الْمُؤَيَّد فِي حُدُود الْعِشْرِينَ وَثَمَانمِائَةِ , وَكُلّ عَقَبَة فِي جَبَل أَوْ طَرِيق عَالٍ فِيهِ تُسَمَّى ثَنِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( الثَّنِيَّة السُّفْلَى ) ‏ ‏ذُكِرَ فِي ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب \" وَخَرَجَ مِنْ كُدَا \" وَهُوَ بِضَمِّ الْكَاف مَقْصُور وَهِيَ عِنْدَ بَاب شَبِيكَة بِقُرْبِ شِعْب الشَّامِيِّينَ مِنْ نَاحِيَة قُعَيْقِعَان , وَكَانَ بِنَاء هَذَا الْبَاب عَلَيْهَا فِي الْقَرْن السَّابِع. ‏"
    },
    {
        "id": "1474",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا جَاءَ إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1475",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ الْمَرْوَزِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ ‏ ‏كَدَاءٍ ‏ ‏وَخَرَجَ مِنْ ‏ ‏كُدًا ‏ ‏مِنْ أَعْلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أَعْلَى مَكَّة ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ أَبُو أُسَامَة فَقَلَبَهُ , وَالصَّوَاب مَا رَوَاهُ عَمْرو وَحَاتِم عَنْ هِشَام : \" دَخَلَ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّة \" ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْوَهْم فِيهِ مِمَّنْ دُون أَبِي أُسَامَة , فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد عَنْ أَبِي أُسَامَة عَلَى الصَّوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1476",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ ‏ ‏كَدَاءٍ ‏ ‏أَعْلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏يَدْخُلُ عَلَى كِلْتَيْهِمَا مِنْ ‏ ‏كَدَاءٍ ‏ ‏وَكُدًا ‏ ‏وَأَكْثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ ‏ ‏كَدَاءٍ ‏ ‏وَكَانَتْ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ عُرْوَة يَدْخُل مِنْ كِلْتَيْهِمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَلَى \" بَدَلُ مِنْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَكْثَر مَا يَدْخُل مِنْ كُدَا ) ‏ ‏بِالضَّمِّ وَالْقَصْر لِلْجَمِيعِ وَكَذَا فِي رِوَايَة حَاتِم وَوُهَيْب وَهِيَ الطَّرِيقَة الرَّابِعَة لِحَدِيثِ عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ أَقْرَبهمَا إِلَى مَنْزِله ) ‏ ‏فِيهِ اِعْتِذَار هِشَام لِأَبِيهِ لِكَوْنِهِ رَوَى الْحَدِيث وَخَالَفَهُ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَتْمٍ لَازِم وَكَانَ رُبَّمَا فَعَلَهُ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَل غَيْره بِقَصْدِ التَّيْسِير , قَالَ عِيَاض وَالْقُرْطُبِيّ وَغَيْرهمَا : اُخْتُلِفَ فِي ضَبْط كَدَاءٍ وَكُدَا فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّ الْعُلْيَا بِالْفَتْحِ وَالْمَدّ وَالسُّفْلَى بِالضَّمِّ وَالْقَصْر وَقِيلَ بِالْعَكْسِ. قَالَ النَّوَوِيّ : وَهُوَ غَلَط. قَالُوا : وَاخْتَلَفَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ خَالَفَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن طَرِيقَيْهِ فَقِيلَ : لِيَتَبَرَّك بِهِ كُلّ مَنْ فِي طَرِيقه , فَذَكَرَ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْعِيد وَقَدْ اِسْتَوْعَبْت مَا قِيلَ فِيهِ هُنَاكَ , وَبَعْضه لَا يَتَأَتَّى اِعْتِبَاره هُنَا وَاَللَّه أَعْلَم. وَقِيلَ : الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ الْمُنَاسَبَة بِجِهَةِ الْعُلُوّ عِنْدَ الدُّخُول لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيم الْمَكَان وَعَكْسه الْإِشَارَة إِلَى فِرَاقه , وَقِيلَ : لِأَنَّ إِبْرَاهِيم لَمَّا دَخَلَ مَكَّة دَخَلَ مِنْهَا , وَقِيلَ : لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْهَا مُتَخَفِّيًا فِي الْهِجْرَة فَأَرَادَ أَنْ يَدْخُلهَا ظَاهِرًا عَالِيًا , وَقِيلَ : لِأَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَة كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْبَيْتِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ لِكَوْنِهِ دَخَلَ مِنْهَا يَوْم الْفَتْح فَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ , وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ قَوْل أَبِي سُفْيَان بْن حَرْب لِلْعَبَّاسِ : لَا أُسْلِم حَتَّى أَرَى الْخَيْل تَطْلُع مِنْ كَدَاءٍ , فَقُلْت مَا هَذَا ؟ قَالَ شَيْء طَلَعَ بِقَلْبِي وَإِنَّ اللَّه لَا يُطْلِع الْخَيْل هُنَاكَ أَبَدًا , قَالَ الْعَبَّاس : فَذَكَّرْت أَبَا سُفْيَان بِذَلِكَ لَمَّا دَخَلَ وَلِلْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر قَالَ \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْر : كَيْفَ قَالَ حَسَّان ؟ فَأَنْشَدَهُ : ‏ ‏عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا ‏ ‏تُثِير النَّقْع مَطْلَعُهَا كَدَاءُ ‏ ‏فَتَبَسَّمَ وَقَالَ : اُدْخُلُوهَا مِنْ حَيْثُ قَالَ حَسَّان \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏حَكَى الْحُمَيْدِيُّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاس الْعَذَرِيّ أَنَّ بِمَكَّة مَوْضِعًا ثَالِثًا يُقَال لَهَا كُدَيّ وَهُوَ بِالضَّمِّ وَالتَّصْغِير يُخْرَج مِنْهُ إِلَى جِهَة الْيَمَن , قَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ : حَقَّقَهُ الْعَذَرِيّ عَنْ أَهْل الْمَعْرِفَة بِمَكَّة , قَالَ : وَقَدْ بُنِيَ عَلَيْهَا بَاب مَكَّة الَّذِي يَدْخُل مِنْهُ أَهْل الْيَمَن. ‏ ‏( تَنْبِيهَات ) : ‏ ‏أَوَّلهَا مَحْمُود فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة مِنْ حَدِيث عَائِشَة هُوَ اِبْن غَيْلَان , وَعَمْرو فِي الطَّرِيق الثَّالِثَة هُوَ اِبْن الْحَارِث , وَأَحْمَد فِي أَوَّل الْإِسْنَاد لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْحَجّ أَحْمَد عَنْ اِبْن وَهْب وَأَنَّهُ أَحْمَد بْن عِيسَى فَيُشْبِه أَنْ يَكُون هُوَ الْمَذْكُور هُنَا , وَحَاتِم فِي الطَّرِيق الثَّالِثَة هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل. ‏ ‏( التَّنْبِيه الثَّانِي ) : ‏ ‏اِخْتُلِفَ عَلَى هِشَام بْن عُرْوَة فِي وَصْل هَذَا الْحَدِيث وَإِرْسَاله , وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيّ الْوَجْهَيْنِ مُشِيرًا إِلَى أَنَّ رِوَايَة الْإِرْسَال لَا تَقْدَح فِي رِوَايَة الْوَصْل لِأَنَّ الَّذِي وَصَلَهُ حَافِظ وَهُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ وَقَدْ تَابَعَهُ ثِقَتَانِ , وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا أَوْرَدَ الطَّرِيقَيْنِ الْمُرْسَلَيْنِ لِيَسْتَظْهِر بِهِمَا عَلَى وَهْم أَبِي أُسَامَة الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ أَوَّلًا. ‏ ‏( الثَّالِث ) : وَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحْده فِي آخِر الْبَاب \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : كَدَاء وَكُدَا مَوْضِعَانِ \" وَالْمُرَاد بِأَبِي عَبْد اللَّه الْمُصَنِّف , وَهَذَا تَفْسِير غَيْر مُفِيد فَمَعْلُوم أَنَّهُمَا مَوْضِعَانِ بِمُجَرَّدِ السِّيَاق , وَقَدْ يَسَّرَ اللَّه بِنَقْلِ مَا فِيهَا مِنْ ضَبْط وَتَعْيِين جِهَة كُلّ مِنْهُمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1477",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏دَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ الْفَتْحِ مِنْ ‏ ‏كَدَاءٍ ‏ ‏مِنْ أَعْلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ ‏ ‏كَدَاءٍ ‏ ‏وَكَانَ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1478",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏دَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ الْفَتْحِ مِنْ ‏ ‏كَدَاءٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏يَدْخُلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا وَكَانَ أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ ‏ ‏كَدَاءٍ ‏ ‏أَقْرَبِهِمَا إِلَى مَنْزِلِهِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏كَدَاءٌ ‏ ‏وَكُدًا ‏ ‏مَوْضِعَانِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1479",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا بُنِيَتْ ‏ ‏الْكَعْبَةُ ‏ ‏ذَهَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَبَّاسٌ ‏ ‏يَنْقُلَانِ الْحِجَارَةَ فَقَالَ ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ فَخَرَّ إِلَى الْأَرْضِ ‏ ‏وَطَمَحَتْ ‏ ‏عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ ‏ ‏أَرِنِي إِزَارِي فَشَدَّهُ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ , وَهَذَا أَحَد الْأَحَادِيث الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ عَنْ شَيْخه أَبِي عَاصِم النَّبِيل بِوَاسِطَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا بُنِيَتْ الْكَعْبَة ) ‏ ‏هَذَا مِنْ مُرْسَل الصَّحَابِيّ لِأَنَّ جَابِرًا لَمْ يُدْرِك هَذِهِ الْقِصَّة , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَمِعَهَا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِمَّنْ حَضَرَهَا مِنْ الصَّحَابَة , وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْم فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق اِبْن لَهِيعَة عَنْ أَبِي الزُّبَيْر قَالَ \" سَأَلْتُ جَابِرًا هَلْ يَقُوم الرَّجُل عُرْيَانًا ؟ فَقَالَ : أَخْبَرَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمَّا اِنْهَدَمَتْ الْكَعْبَة نَقَلَ كُلّ بَطْن مِنْ قُرَيْش وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقَلَ مَعَ الْعَبَّاس , وَكَانُوا يَضَعُونَ ثِيَابهمْ عَلَى الْعَوَاتِق يَتَقَوَّوْنَ بِهَا - أَيْ عَلَى حَمْل الْحِجَارَة - فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَاعْتَقَلَتْ رِجْلِي فَخَرَرْت وَسَقَطَ ثَوْبِي فَقُلْت لِلْعَبَّاسِ : هَلُمَّ ثَوْبِي , فَلَسْت أَتَعَرَّى بَعْدهَا إِلَّا إِلَى الْغُسْل \" لَكِنَّ اِبْنَ لَهِيعَة ضَعِيف , وَقَدْ تَابَعَهُ عَبْد الْعَزِيز بْن سُلَيْمَان عَنْ أَبِي الزُّبَيْر ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْم فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا وَإِلَّا فَقَدْ حَضَرَهُ مِنْ الصَّحَابَة الْعَبَّاس كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب , فَلَعَلَّ جَابِرًا حَمَلَهُ عَنْهُ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا , وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن أَبِي قَيْس , وَالطَّبَرِيّ فِي التَّهْذِيب مِنْ طَرِيق هَارُون بْن الْمُغِيرَة , وَأَبُو نُعَيْم فِي \" الْمَعْرِفَة \" مِنْ طَرِيق قَيْس بْن الرَّبِيع , وَفِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق شُعَيْب بْن خَالِد كُلّهمْ عَنْ سِمَاك بْن حَرْب عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس حَدَّثَنِي أَبِي الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب قَالَ \" لَمَّا بَنَتْ قُرَيْش الْكَعْبَة اِنْفَرَدَتْ رَجُلَيْنِ رَجُلَيْنِ يَنْقُلُونَ الْحِجَارَة , فَكُنْت أَنَا وَابْن أَخِي , جَعَلْنَا نَأْخُذ أُزُرَنَا فَنَضَعهَا عَلَى مَنَاكِبنَا وَنَجْعَل عَلَيْهَا الْحِجَارَة , فَإِذَا دَنَوْنَا مِنْ النَّاس لَبِسْنَا أُزُرَنَا , فَبَيْنَمَا هُوَ أَمَامِي إِذْ صُرِعَ فَسَعَيْت وَهُوَ شَاخِص بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاء قَالَ فَقُلْت لِابْنِ أَخِي : مَا شَأْنك ؟ قَالَ : نُهِيت أَنْ أَمْشِي عُرْيَانًا قَالَ فَكَتَمْته حَتَّى أَظْهَرَ اللَّه نُبُوَّته \" تَابَعَهُ الْحَكَم بْن أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَة أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم أَيْضًا , وَرَوَى ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ طَرِيق النَّضْر أَبِي عُمَر عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس لَيْسَ فِيهِ الْعَبَّاس وَقَالَ فِي آخِره \" فَكَانَ أَوَّل شَيْء رَأَى مِنْ النُّبُوَّة \" وَالنَّضْر ضَعِيف , وَقَدْ خَبَطَ فِي إِسْنَاده وَفِي مَتْنه , فَإِنَّهُ جَعَلَ الْقِصَّة فِي مُعَالَجَة زَمْزَم بِأَمْرِ أَبِي طَالِب وَهُوَ غُلَام , وَكَذَا رَوَى اِبْن إِسْحَاق فِي \" السِّيرَة \" عَنْ أَبِيهِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" إِنِّي لَمَعَ غِلْمَان هُمْ أَسْنَانِي قَدْ جَعَلْنَا أُزُرَنَا عَلَى أَعْنَاقنَا لِحِجَارَةٍ نَنْقُلهَا إِذْ لَكَمَنِي لَاكِم لَكَمَة شَدِيدَة ثُمَّ قَالَ : اُشْدُدْ عَلَيْك إِزَارك \" فَكَأَنَّ هَذِهِ قِصَّة أُخْرَى , وَاغْتَرَّ بِذَلِكَ الْأَزْرَقِيّ فَحَكَى قَوْلًا \" إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بُنِيَتْ الْكَعْبَة كَانَ غُلَامًا \" وَلَعَلَّ عُمْدَته فِي ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ , وَلِحَدِيثِ مَعْمَر شَاهِد مِنْ حَدِيث أَبِي الطُّفَيْل أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَمِنْ طَرِيقه الْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيِّ قَالَ \" كَانَتْ الْكَعْبَة فِي الْجَاهِلِيَّة مَبْنِيَّة بِالرَّضْمِ لَيْسَ فِيهَا مَدَر , وَكَانَتْ قَدْر مَا يَقْتَحِمهَا الْعَنَاق , وَكَانَتْ ثِيَابهَا تُوضَع عَلَيْهَا تُسْدَل سَدْلًا , وَكَانَتْ ذَات رُكْنَيْنِ كَهَيْئَةِ هَذِهِ الْحَلْقَة : صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَقْبَلَتْ سَفِينَة مِنْ الرُّوم , حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْ جَدَّة اِنْكَسَرَتْ , فَخَرَجَتْ قُرَيْش لِتَأْخُذ خَشَبهَا فَوَجَدُوا الرُّومِيّ الَّذِي فِيهَا نَجَّارًا فَقَدِمُوا بِهِ بِالْخَشَبِ لِيَبْنُوا بِهِ الْبَيْت , فَكَانُو كُلَّمَا أَرَادُوا الْقُرْب مِنْهُ لِهَدْمِهِ بَدَتْ لَهُمْ حَيَّة فَاتِحَة فَاهَا , فَبَعَثَ اللَّه طَيْرًا أَعْظَمَ مِنْ النَّسْر فَغَرَزَ مَخَالِبه فِيهَا فَأَلْقَاهَا نَحْو أَجْيَاد , فَهَدَمَتْ قُرَيْش الْكَعْبَة وَبَنَوْهَا بِحِجَارَةِ الْوَادِي , فَرَفَعُوهَا فِي السَّمَاء عِشْرِينَ ذِرَاعًا. فَبَيْنَمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِل الْحِجَارَة مِنْ أَجْيَاد وَعَلَيْهِ نَمِرَة فَضَاقَتْ عَلَيْهِ النَّمِرَة فَذَهَبَ يَضَعهَا عَلَى عَاتِقه فَبَدَتْ عَوْرَته مِنْ صِغَرهَا , فَنُودِيَ : يَا مُحَمَّد خَمِّرْ عَوْرَتك , فَلَمْ يُرَ عُرْيَانًا بَعْدَ ذَلِكَ , وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْمَبْعَث خَمْس سِنِينَ \" قَالَ مَعْمَر : وَأَمَّا الزُّهْرِيّ فَقَالَ \" لَمَّا بَلَغَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُلُم أَجْمَرَتْ اِمْرَأَة الْكَعْبَة فَطَارَتْ شَرَارَة مِنْ مِجْمَرهَا فِي ثِيَاب الْكَعْبَة فَاحْتَرَقَتْ , فَتَشَاوَرَتْ قُرَيْش فِي هَدْمهَا وَهَابُوهُ , فَقَالَ الْوَلِيد : إِنَّ اللَّه لَا يُهْلِك مَنْ يُرِيد الْإِصْلَاح , فَارْتَقَى عَلَى ظَاهِر الْبَيْت وَمَعَهُ الْعَبَّاس فَقَالَ اللَّهُمَّ لَا نُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح , ثُمَّ هَدَمَ. فَلَمَّا رَأَوْهُ سَالِمًا تَابَعُوهُ \" قَالَ عَبْد الرَّزَّاق وَأَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ مُجَاهِد \" كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْمَبْعَث بِخَمْسَ عَشْرَة سَنَة \" وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم بِإِسْنَادٍ لَهُ , وَبِهِ جَزَمَ مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي مَغَازِيه وَالْأَوَّل أَشْهَر , وَبِهِ جَزَمَ اِبْن إِسْحَاق. وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْنهمَا بِأَنْ يَكُون الْحَرِيق تَقَدَّمَ وَقْته عَلَى الشُّرُوع فِي الْبِنَاء , وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق \" أَنَّ السَّيْل كَانَ يَأْتِي فَيُصِيب الْكَعْبَة فَيَتَسَاقَط مِنْ بِنَائِهَا , وَكَانَ رَضْمًا فَوْق الْقَامَة , فَأَرَادَتْ قُرَيْش رَفْعهَا وَتَسْقِيفهَا , وَذَلِكَ أَنَّ نَفَرًا سَرَقُوا كَنْز الْكَعْبَة \" فَذَكَرَ الْقِصَّة مُطَوَّلًا فِي بِنَائِهِمْ الْكَعْبَة وَفِي اِخْتِلَافهمْ فِيمَنْ يَضَع الْحَجَر الْأَسْوَد حَتَّى رَضُوا بِأَوَّلِ دَاخِل , فَدَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَكَّمُوهُ فِي ذَلِكَ فَوَضَعَهُ بِيَدِهِ. قَالَ \" وَكَانَتْ الْكَعْبَة عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَة عَشْر ذِرَاعًا \" وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اِبْن خُثَيْمٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْل أَنَّ اِسْم النَّجَّار الْمَذْكُور بَاقُوم , وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ مِثْله , قَالَ \" وَكَانَ يَتَّجِر إِلَى بَنْدَر وَرَاء سَاحِل عَدَن , فَانْكَسَرَتْ سَفِينَته بِالشُّعَيْبَةِ , فَقَالَ لِقُرَيْشٍ : إِنْ أَجْرَيْتُمْ عِيرِي مَعَ عِيركُمْ إِلَى الشَّام أَعْطَيْتُكُمْ الْخَشَب , فَفَعَلُوا \" وَرَوَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ فِي جَامِعه عَنْ عَمْرو بْن دِينَار أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْد بْن عُمَيْر يَقُول \" اِسْم الَّذِي بَنَى الْكَعْبَة لِقُرَيْشٍ بَاقُوم , وَكَانَ رُومِيًّا \" وَقَالَ الْأَزْرَقِيّ \" كَانَ طُولهَا سَبْعَة وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا , فَاقْتَصَرَتْ قُرَيْش مِنْهَا عَلَى ثَمَانِيَة عَشْر , وَنَقَصُوا مِنْ عَرْضهَا أَذْرُعًا أَدْخَلُوهَا فِي الْحِجْر \". ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَّ إِلَى الْأَرْض ) ‏ ‏فِي رِوَايَة زَكَرِيَّا بْن إِسْحَاق عَنْ عَمْرو بْن دِينَار الْمَاضِيَة فِي \" بَاب كَرَاهِيَة التَّعَرِّي \" مِنْ أَوَائِل الصَّلَاة \" فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمِيم أَيْ اِرْتَفَعَتَا , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ صَارَ يَنْظُر إِلَى فَوْق. وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ فِي أَوَائِل السِّيرَة النَّبَوِيَّة \" ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَرِنِي إِزَارِي ) ‏ ‏أَيْ أَعْطِنِي , وَحَكَى اِبْن التِّين كَسْر الرَّاء وَسُكُونهَا وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا , وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق الْآتِيَة \" إِزَارِي إِزَارِي \" بِالتَّكْرِيرِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَشَدَّهُ عَلَيْهِ ) ‏ ‏زَادَ زَكَرِيَّا بْن إِسْحَاق \" فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَاهِدهَا مِنْ حَدِيث أَبِي الطُّفَيْل. ‏"
    },
    {
        "id": "1480",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَخْبَرَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَهَا ‏ ‏أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوْا ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَئِنْ كَانَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا أُرَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ ‏ ‏الْحِجْرَ ‏ ‏إِلَّا أَنَّ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏أَيْ الصِّدِّيق , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَبِي بَكْر بْن أَبِي قُحَافَة \" وَعَبْد اللَّه هَذَا هُوَ أَخُو الْقَاسِم بْن مُحَمَّد. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر ) ‏ ‏بِنَصْبِ عَبْد اللَّه عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَظَاهِره أَنَّ سَالِمًا كَانَ حَاضِرًا لِذَلِكَ فَيَكُون مِنْ رِوَايَته عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو أُوَيْس عَنْ اِبْن شِهَاب , لَكِنَّهُ سَمَّاهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد فَوَهِمَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَأَغْرَبَ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ فَرَوَاهُ عَنْ مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" وَالْمَحْفُوظ الْأَوَّل. وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَر عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم لَكِنَّهُ اِخْتَصَرَهُ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق نَافِع عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر عَنْ عَائِشَة فَتَابَعَ سَالِمًا فِيهِ وَزَادَ فِي الْمَتْن \" وَلَأَنْفَقْت كَنْز الْكَعْبَة \" وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَة إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَمِنْ طَرِيق أُخْرَى أَخْرَجَهَا أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْ عَائِشَة وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهَا فِي \" بَاب كِسْوَة الْكَعْبَة \". ‏ ‏قَوْله : ( قَوْمك ) ‏ ‏أَيْ قُرَيْش. ‏ ‏قَوْله : ( اِقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِد إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي الطَّرِيق الَّتِي تَلِي هَذِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْلَا حِدْثَان ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الدَّال بَعْدهَا مُثَلَّثَة بِمَعْنَى الْحُدُوث , أَيْ قُرْب عَهْدهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَفَعَلْت ) ‏ ‏أَيْ لَرَدَدْتهَا عَلَى قَوَاعِد إِبْرَاهِيم. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَر عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ بِهَذِهِ الْقِصَّة مُجَرَّدَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَئِنْ كَانَتْ ) ‏ ‏لَيْسَ هَذَا شَكًّا مِنْ اِبْن عُمَر فِي صِدْق عَائِشَة , لَكِنْ يَقَع فِي كَلَام الْعَرَب كَثِيرًا صُورَة التَّشْكِيك وَالْمُرَاد التَّقْرِير وَالْيَقِين. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أُرَى ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة أَيْ أَظُنّ , وَهِيَ رِوَايَة مَعْمَر , وَزَادَ فِي آخِر الْحَدِيث \" وَلَا طَافَ النَّاس مِنْ وَرَاء الْحِجْر إِلَّا لِذَلِكَ \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة أَبَى أُوَيْس الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتِلَام ) ‏ ‏اِفْتِعَال مِنْ السَّلَام , وَالْمُرَاد هُنَا لَمْس الرُّكْن بِالْقُبْلَةِ أَوْ الْيَد. ‏ ‏قَوْله : ( يَلِيَانِ ) ‏ ‏أَيْ يَقْرَبَانِ مِنْ ‏ ‏( الْحِجْر ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْجِيم وَهُوَ مَعْرُوف عَلَى صِفَة نِصْف الدَّائِرَة وَقَدْرهَا تِسْع وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا , وَالْقَدْر الَّذِي أُخْرِجَ مِنْ الْكَعْبَة سَيَأْتِي قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1481",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَشْعَثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجَدْرِ ‏ ‏أَمِنَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏هُوَ قَالَ ‏ ‏نَعَمْ قُلْتُ فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏قَالَ إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ قُلْتُ فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا قَالَ فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ ‏ ‏الْجَدْرَ ‏ ‏فِي ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْأَشْعَث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي الشَّعْثَاء الْمُحَارِبِيُّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَسْوَد بِزِيَادَةٍ نَبَّهْنَا عَلَى مَا فِيهَا هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْجَدْر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَد مُسَدَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" الْجِدَار \" قَالَ الْخَلِيل : الْجَدْر لُغَة فِي الْجِدَار اِنْتَهَى. وَوَهِمَ مَنْ ضَبَطَهُ بِضَمِّهَا لِأَنَّ الْمُرَاد الْحِجْر , وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَده عَنْ أَبِي الْأَحْوَص شَيْخ مُسَدَّد فِيهِ \" الْجَدْر أَوْ الْحَجَر \" بِالشَّكِّ , وَلِأَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق شَيْبَانَ عَنْ الْأَشْعَث \" الْحِجْر \" بِغَيْرِ شَكٍّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَمِنْ الْبَيْت هُوَ ؟ قَالَ نَعَمْ ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِره أَنَّ الْحِجْر كُلّه مِنْ الْبَيْت , وَكَذَا قَوْله فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة ( أَنْ أَدْخِلْ الْجَدْر فِي الْبَيْت ) وَبِذَلِكَ كَانَ يُفْتِي اِبْن عَبَّاس كَمَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَرْثَد بْن شُرَحْبِيل قَالَ \" سَمِعْت اِبْن عَبَّاس يَقُول : لَوْ وُلِّيت مِنْ الْبَيْت مَا وَلِيَ اِبْن الزُّبَيْر لَأَدْخَلْت الْحِجْر كُلّه فِي الْبَيْت , فَلَمْ يُطَفْ بِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْبَيْت \" ؟ وَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَلْقَمَة عَنْ أُمّه عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" كُنْت أُحِبّ أَنْ أُصَلِّي فِي الْبَيْت , فَأَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيَّ فَأَدْخَلَنِي الْحِجْر فَقَالَ : صُلِّيَ فِيهِ فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَة مِنْ الْبَيْت , وَلَكِنَّ قَوْمك اِسْتَقْصَرُوهُ حَتَّى بَنَوْا الْكَعْبَة فَأَخْرَجُوهُ مِنْ الْبَيْت \" وَنَحْوه لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة عَنْ عَائِشَة , وَلِأَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة , وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ عَائِشَة وَفِيهِ \" أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى شَيْبَة الْحَجَبِيِّ لِيُفْتَح لَهَا الْبَيْت بِاللَّيْلِ فَقَالَ : مَا فَتَحْنَاهُ فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام بِلَيْلٍ \" وَهَذِهِ الرِّوَايَات كُلّهَا مُطْلَقَة , وَقَدْ جَاءَتْ رِوَايَات أَصَحّ مِنْهَا مُقَيَّدَة , مِنْهَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي قَزَعَة عَنْ الْحَارِث بْن عَبْد اللَّه عَنْ عَائِشَة فِي حَدِيث الْبَاب \" حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنْ الْحِجْر \" , وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْحَارِث عَنْهَا \" فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِك أَنْ يَبْنُوهُ بَعْدِي فَهَلُمِّي لِأُرِيَك مَا تَرَكُوا مِنْهُ , فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَة أَذْرُع \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن مِينَاء عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْ عَائِشَة فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَزِدْت فِيهَا مِنْ الْحِجْر سِتَّة أَذْرُع \" وَسَيَأْتِي فِي آخِر الطَّرِيق الرَّابِعَة قَوْل يَزِيد بْن رُومَان الَّذِي رَوَاهُ عَنْ عُرْوَة أَنَّهُ أَرَاهُ لِجَرِيرِ بْن حَازِم فَحَزَرَهُ سِتَّة أَذْرُع أَوْ نَحْوهَا , وَلِسُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ فِي جَامِعه عَنْ دَاوُدَ بْن شَابُور عَنْ مُجَاهِد \" أَنَّ اِبْن الزُّبَيْر زَادَ فِيهَا سِتَّة أَذْرُع مِمَّا يَلِي الْحِجْر \" وَلَهُ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد عَنْ اِبْن الزُّبَيْر \" سِتّه أَذْرُع وَشِبْر \" وَهَكَذَا ذَكَرَ الشَّافِعِيّ عَنْ عَدَد لَقِيَهُمْ مِنْ أَهْل الْعِلْم مِنْ قُرَيْش كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْمَعْرِفَة \" عَنْهُ , وَهَذِهِ الرِّوَايَات كُلّهَا تَجْتَمِع عَلَى أَنَّهَا فَوْق السِّتَّة وَدُون السَّبْعَة , وَأَمَّا رِوَايَة عَطَاء عِنْدَ مُسْلِم عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا \" لَكُنْت أُدْخِل فِيهَا مِنْ الْحِجْر خَمْسَة أَذْرُع \" فَهِيَ شَاذَّة , وَالرِّوَايَة السَّابِقَة أَرْجَح لِمَا فِيهَا مِنْ الزِّيَادَة عَنْ الثِّقَات الْحُفَّاظ , ثُمَّ ظَهَرَ لِي لِرِوَايَةِ عَطَاء وَجْه وَهُوَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا مَا عَدَا الْفُرْجَة الَّتِي بَيْنَ الرُّكْن وَالْحِجْر فَتَجْتَمِع مَعَ الرِّوَايَات الْأُخْرَى , فَإِنَّ الَّذِي عَدَّا الْفُرْجَة أَرْبَعَة أَذْرُع وَشَيْء , وَلِهَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْفَاكِهِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي عَمْرو بْن عَدِيّ بْن الْحَمْرَاء \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة : وَلَأَدْخَلْت فِيهَا مِنْ الْحِجْر أَرْبَعه أَذْرُع \" فَيُحْمَل هَذَا عَلَى إِلْغَاء الْكَسْر , وَرِوَايَة عَطَاء عَلَى جَبْره , وَيُجْمَع بَيْنَ الرِّوَايَات كُلّهَا بِذَلِكَ وَلَمْ أَرَ مَنْ سَبَقَنِي إِلَى ذَلِكَ , وَسَأَذْكُرُ ثَمَرَة هَذَا الْبَحْث فِي آخِر الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَمْ تَرَيْ ) أَيْ أَلَمْ تَعْرِفِي. ‏ ‏قَوْله : ( قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَة ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الصَّاد أَيْ النَّفَقَة الطَّيِّبَة الَّتِي أَخْرَجُوهَا لِذَلِكَ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْأَزْرَقِيّ وَغَيْره , وَيُوَضِّحهُ مَا ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِي \" السِّيرَة \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن صَفْوَان بْن أُمَيَّة \" أَنَّ أَبَا وَهْب بْن عَابِد بْن عِمْرَان بْن مَخْزُوم - وَهُوَ جَدّ جَعْدَة بْن هُبَيْرَة بْن أَبِي وَهْب الْمَخْزُومِيّ - قَالَ لِقُرَيْشٍ : لَا تُدْخِلُوا فِيهِ مِنْ كَسْبكُمْ إِلَّا الطَّيِّب , وَلَا تُدْخِلُوا فِيهِ مَهْر بَغِيّ وَلَا بَيْع رِبًا وَلَا مَظْلِمَة أَحَد مِنْ النَّاس \" وَرَوَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ فِي جَامِعه \" عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ شَهِدَ عُمَر بْن الْخَطَّاب أَرْسَلَ إِلَى شَيْخ مِنْ بَنِي زُهْرَة أَدْرَكَ ذَلِكَ فَسَأَلَهُ عُمَر عَنْ بِنَاء الْكَعْبَة فَقَالَ إِنَّ قُرَيْشًا تَقَرَّبَتْ لِبِنَاءِ الْكَعْبَة - أَيْ بِالنَّفَقَةِ الطَّيِّبَة - فَعَجَزَتْ فَتَرَكُوا بَعْض الْبَيْت فِي الْحِجْر , فَقَالَ عُمَر صَدَقْت \". ‏ ‏قَوْله : ( لِيُدْخِلُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" يُدْخِلُوا \" بِغَيْرِ لَام زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق الْحَارِث بْن عَبْد اللَّه عَنْ عَائِشَة \" فَكَانَ الرَّجُل إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلهَا يَدْعُونَهُ يَرْتَقِي حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُل دَفَعُوهُ فَسَقَطَ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَدِيث عَهْدهمْ ) ‏ ‏بِتَنْوِينِ حَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( بِجَاهِلِيَّةٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِالْجَاهِلِيَّةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد \" حَدِيث عَهْد بِكُفْرٍ \" وَلِأَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" حَدِيث عَهْد بِشِرْكٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَاف أَنْ تُنْكِر قُلُوبهمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شَيْبَانَ عَنْ أَشْعَث \" تَنْفِر \" بِالْفَاءِ بَدَلَ الْكَاف , وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ بَعْض عُلَمَائِهِمْ أَنَّ النُّفْرَة الَّتِي خَشِيَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْسُبُوهُ إِلَى الِانْفِرَاد بِالْفَخْرِ دُونهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ أُدْخِل الْجَدْر ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا , وَهُوَ مُؤَوَّل بِمَعْنَى الْمَصْدَر أَيْ أَخَاف إِنْكَار قُلُوبهمْ إِدْخَال الْحِجْر , وَجَوَاب لَوْلَا مَحْذُوف , وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ أَبِي الْأَحْوَص بِلَفْظِ \" فَأَخَاف أَنْ تُنْكِر قُلُوبهمْ لَنَظَرْت أَنْ أَدْخُل \" فَأَثْبَتَ جَوَاب لَوْلَا , وَكَذَا أَثْبَتَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق شَيْبَانَ عَنْ أَشْعَث وَلَفْظه \" لَنَظَرْت فَأَدْخَلْته \". ‏"
    },
    {
        "id": "1482",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْلَا حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏ثُمَّ لَبَنَيْتُهُ عَلَى أَسَاسِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏فَإِنَّ ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏اسْتَقْصَرَتْ بِنَاءَهُ وَجَعَلْتُ لَهُ ‏ ‏خَلْفًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏خَلْفًا ‏ ‏يَعْنِي بَابًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْدَة بْن سُلَيْمَان , وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن مُسْهِر , وَأَحْمَد عَنْ عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر كُلّهمْ عَنْ هِشَام , وَخَالَفَهُمْ الْقَاسِم بْن مَعْن فَرَوَاهُ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَخِيهِ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْ عَائِشَة أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة , وَرِوَايَة الْجَمَاعَة أَرْجَح , فَإِنَّ رِوَايَة عُرْوَة عَنْ عَائِشَة لِهَذَا الْحَدِيث مَشْهُورَة مِنْ غَيْر هَذَا الْوَجْه , فَسَيَأْتِي فِي الطَّرِيق الرَّابِعَة مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن رُومَان عَنْهُ وَكَذَا لِأَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ وَأَبِي النَّضْر كِلَاهُمَا عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عُرْوَة حَمَلَ عَنْ أَخِيهِ عَنْ عَائِشَة مِنْهُ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى رِوَايَته عَنْهَا كَمَا وَقَعَ لِلْأَسْوَدِ بْن يَزِيد مَعَ اِبْن الزُّبَيْر فِيمَا تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَعَلْت لَهُ خَلْفًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا فَاء , وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة , وَضَبَطَهُ الْحَرْبِيّ فِي \" الْغَرِيب \" بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة قَالَ : وَالْخَالِفَة عَمُود فِي مُؤَخَّر الْبَيْت , وَالصَّوَاب الْأَوَّل , وَبَيَّنَهُ قَوْله فِي الرِّوَايَة الرَّابِعَة \" وَجَعَلْت لَهَا بَابَيْنِ \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَوْله \" وَجَعَلْت \" بِسُكُونِ اللَّام وَضَمِّ التَّاء عَطْفًا عَلَى قَوْله \" لَبَنَيْته \" وَضَبَطَهَا الْقَابِسِيّ بِفَتْحِ اللَّام وَسُكُون الْمُثَنَّاة عَطْفًا عَلَى اِسْتَقْصَرَتْ وَهُوَ وَهْم , فَإِنَّ قُرَيْشًا لَمْ تَجْعَل لَهُ بَابًا مِنْ خَلْف , وَإِنَّمَا هَمَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَعْلِهِ , فَلَا يُغْتَرّ بِمَنْ حَفِظَ هَذِهِ الْكَلِمَة بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُون. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو مُعَاوِيَة حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عُرْوَة بِسَنَدِهِ هَذَا ‏ ‏( خَلْفًا يَعْنِي بَابًا ) ‏ ‏, وَالتَّفْسِير الْمَذْكُور مِنْ قَوْل هِشَام بَيْنه أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ هِشَام قَالَ : الْخَلْف الْبَاب. وَطَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة وَصَلَهَا مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ , وَلَمْ يَقَع فِي رِوَايَتهمَا التَّفْسِير الْمَذْكُور. وَأَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي أُسَامَة وَأَدْرَجَ التَّفْسِير وَلَفْظه \" وَجَعَلْت لَهَا خَلْفًا \" يَعْنِي بَابًا آخَر مِنْ خَلْف يُقَابِل الْبَاب الْمُقَدَّم. ‏"
    },
    {
        "id": "1483",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَهَا يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فَهُدِمَ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ ‏ ‏ابْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَلَى هَدْمِهِ قَالَ ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏وَشَهِدْتُ ‏ ‏ابْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنْ ‏ ‏الْحِجْرِ ‏ ‏وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الْإِبِلِ قَالَ ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ أَيْنَ مَوْضِعُهُ قَالَ أُرِيكَهُ الْآنَ فَدَخَلْتُ مَعَهُ ‏ ‏الْحِجْرَ ‏ ‏فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ فَقَالَ هَا هُنَا قَالَ ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏فَحَزَرْتُ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْحِجْرِ ‏ ‏سِتَّةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن هَارُون كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُرْوَة ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظ مِنْ أَصْحَاب يَزِيد بْن هَارُون عَنْهُ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَأَحْمَد بْن سِنَان وَأَحْمَد بْن مَنِيع فِي مَسَانِيدهمْ عَنْهُ هَكَذَا , وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن سَلَّامٍ , وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق هَارُون الْجَمَّال وَالزَّعْفَرَانِيّ كُلّهمْ عَنْ يَزِيد بْن هَارُون , وَخَالَفَهُمْ الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة فَرَوَاهُ عَنْ يَزِيد بْن هَارُون فَقَالَ \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر \" بَدَلَ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , وَبِكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَزْهَر عَنْ وَهْب بْن جَرِير بْن حَازِم عَنْ أَبِيهِ , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : إِنْ كَانَ أَبُو الْأَزْهَر ضَبَطَهُ فَكَأَنَّ يَزِيد بْن رُومَان سَمِعَهُ مِنْ الْأَخَوَيْنِ. قُلْت : قَدْ تَابَعَهُ مُحَمَّد بْن مُشْكَانَ كَمَا أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ عَنْ الدَّغُولِيّ عَنْهُ عَنْ وَهْب بْن جَرِير , وَيَزِيد قَدْ حَمَلَهُ عَنْ الْأَخَوَيْنِ , لَكِنَّ رِوَايَة الْجَمَاعَة أَوْضَح فَهِيَ أَصَحُّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدِيث عَهْد ) ‏ ‏كَذَا لِجَمِيعِ الرُّوَاة بِالْإِضَافَةِ , وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ : لَا يَجُوز حَذْف الْوَاو فِي مِثْل هَذَا وَالصَّوَاب \" حَدِيثُو عَهْد \" وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ اِبْن الزُّبَيْر عَلَى هَدْمه ) ‏ ‏زَادَ وَهْب بْن جَرِير فِي رِوَايَته \" وَبِنَائِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رُومَان بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَشَهِدْت اِبْن الزُّبَيْر حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ - إِلَى قَوْله - كَأَسْنِمَةِ الْإِبِل ) ‏ ‏هَكَذَا ذَكَرَهُ يَزِيد بْن رُومَان مُخْتَصَرًا , وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِم وَغَيْره وَاضِحًا فَرَوَى مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح قَالَ \" لَمَّا اِحْتَرَقَ الْبَيْت زَمَن يَزِيد بْن مُعَاوِيَة حِينَ غَزَاهُ أَهْل الشَّام فَكَانَ مِنْ أَمْره مَا كَانَ \" وَلِلْفَاكِهِيِّ فِي \" كِتَاب مَكَّة \" مِنْ طَرِيق أَبِي أُوَيْس عَنْ يَزِيد بْن رُومَان وَغَيْره \" قَالُوا لَمَّا أَحْرَقَ أَهْل الشَّام الْكَعْبَة وَرَمَوْهَا بِالْمَنْجَنِيقِ وَهَتْ الْكَعْبَة \" وَلِابْنِ سَعْد فِي الطَّبَقَات مِنْ طَرِيق أَبِي الْحَارِث بْن زَمْعَةَ قَالَ \" اِرْتَحَلَ الْحُصَيْن بْن نُمَيْر يَعْنِي الْأَمِير الَّذِي كَانَ يُقَاتِل اِبْن الزُّبَيْر مِنْ قِبَل يَزِيد بْن مُعَاوِيَة - لَمَّا أَتَاهُمْ مَوْت يَزِيد بْن مُعَاوِيَة فِي رَبِيع الْآخَر سَنَة أَرْبَع وَسِتِّينَ قَالَ : فَأَمَرَ اِبْن الزُّبَيْر بِالْخُصَاصِ الَّتِي كَانَتْ حَوْل الْكَعْبَة فَهُدِمَتْ , فَإِذَا الْكَعْبَة تَنْفُض - أَيْ تَتَحَرَّك - مُتَوَهِّنَة تَرْتَجّ مِنْ أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلهَا فِيهَا أَمْثَال جُيُوب النِّسَاء مِنْ حِجَارَة الْمَنْجَنِيق \" وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن سَاج \" بَلَغَنِي أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ جَيْش الْحُصَيْن بْن نُمَيْر أَحْرَقَ بَعْض أَهْل الشَّام عَلَى بَاب بَنِي جِمْح , وَفِي الْمَسْجِد يَوْمَئِذٍ خِيَام فَمَشَى الْحَرِيق حَتَّى أَخَذَ فِي الْبَيْت فَظَنَّ الْفَرِيقَانِ أَنَّهُمْ هَالِكُونَ , وَضَعُفَ بِنَاء الْبَيْت حَتَّى إِنَّ الطَّيْر لِيَقَع عَلَيْهِ فَتَتَنَاثَر حِجَارَته \" وَلِعَبْدِ الرَّزَّاق عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَرْثَد بْن شُرَحْبِيل أَنَّهُ حَضَرَ ذَلِكَ قَالَ \" كَانَتْ الْكَعْبَة قَدْ وَهَتْ مِنْ حَرِيق أَهْل الشَّام قَالَ فَهَدَمَهَا اِبْن الزُّبَيْر , فَتَرَكَهُ اِبْن الزُّبَيْر حَتَّى قَدِمَ النَّاس الْمَوْسِم يُرِيد أَنْ يَحْزُبهُمْ عَلَى أَهْل الشَّام , فَلَمَّا صَدَّرَ النَّاس قَالَ : أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَة \" الْحَدِيث , وَلِابْنِ سَعْد مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَة قَالَ \" لَمْ يَبْنِ اِبْن الزُّبَيْر الْكَعْبَة حَتَّى حَجَّ النَّاس سَنَة أَرْبَع وَسِتِّينَ , ثُمَّ بَنَاهَا حِينَ اِسْتَقْبَلَ سَنَة خَمْس وَسِتِّينَ \" وَحُكِيَ عَنْ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ وَقَالَ. الْأَثْبَت عِنْدِي أَنَّهُ اِبْتَدَأَ بِنَاءَهَا بَعْدَ رَحِيل الْجَيْش بِسَبْعِينَ يَوْمًا , وَجَزَمَ الْأَزْرَقِيّ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي نِصْف جُمَادَى الْآخِرَة سَنَة أَرْبَع وَسِتِّينَ. قُلْت وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ يَكُون اِبْتِدَاء الْبِنَاء فِي ذَلِكَ الْوَقْت وَامْتَدَّ أَمَده إِلَى الْمَوْسِم لِيَرَاهُ أَهْل الْآفَاق لِيُشَنِّعَ بِذَلِكَ عَلَى بَنِي أُمَيَّة. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي تَارِيخ الْمُسَبِّحِيّ أَنَّ الْفَرَاغ مِنْ بِنَاء الْكَعْبَة كَانَ فِي سَنَة خَمْس وَسِتِّينَ , وَزَادَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ كَانَ فِي شَهْر رَجَب وَاَللَّه أَعْلَم. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْجَمْع مَقْبُولًا فَاَلَّذِي فِي الصَّحِيح مُقَدَّم عَلَى غَيْره. وَذَكَرَ مُسْلِم فِي رِوَايَة عَطَاء إِشَارَة اِبْن عَبَّاس عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يَفْعَل , وَقَوْل اِبْن الزُّبَيْر لَوْ أَنَّ أَحَدكُمْ اِحْتَرَقَ بَيْته بَنَاهُ حَتَّى يُجَدِّدهُ , وَأَنَّهُ اِسْتَخَارَ اللَّه ثَلَاثًا ثُمَّ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَنْقُضهَا , قَالَ فَتَحَامَاهُ النَّاس حَتَّى صَعِدَ رَجُل فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَة , فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاس أَصَابَهُ شَيْء تَتَابَعُوا فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْض , وَجَعَلَ اِبْن الزُّبَيْر أَعْمِدَة فَسَتَرَ عَلَيْهَا السُّتُور حَتَّى اِرْتَفَعَ بِنَاؤُهُ , وَقَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ فِي جَامِعه عَنْ دَاوُدَ بْن شَابُور عَنْ مُجَاهِد قَالَ \" خَرَجْنَا إِلَى مِنًى فَأَقَمْنَا بِهَا ثَلَاثًا نَنْتَظِر الْعَذَاب , وَارْتَقَى اِبْن الزُّبَيْر عَلَى جِدَار الْكَعْبَة هُوَ بِنَفْسِهِ فَهَدَمَ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي أُوَيْس الْمَذْكُورَة \" ثُمَّ عَزَلَ مَا كَانَ يَصْلُح أَنْ يُعَاد فِي الْبَيْت فَبَنَوْا بِهِ فَنَظَرُوا إِلَى مَا كَانَ لَا يَصْلُح مِنْهَا أَنْ يَبْنِي بِهِ فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُحْفَر لَهُ فِي جَوْف الْكَعْبَة فَيُدْفَن , وَاتَّبَعُوا قَوَاعِد إِبْرَاهِيم مِنْ نَحْو الْحِجْر فَلَمْ يُصِيبُوا شَيْئًا حَتَّى شَقَّ عَلَى اِبْن الزُّبَيْر , ثُمَّ أَدْرَكُوهَا بَعْدَمَا أَمْعَنُوا , فَنَزَلَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر فَكَشَفُوا لَهُ عَنْ قَوَاعِد إِبْرَاهِيم وَهِيَ صَخْر أَمْثَال الْخَلْف مِنْ الْإِبِل , فَانْفَضُّوا لَهُ أَيْ حَرَّكُوا تِلْكَ الْقَوَاعِد بِالْعُتُلِّ فَنَفَضَتْ قَوَاعِد الْبَيْت وَرَأَوْهُ بُنْيَانًا مَرْبُوطًا بَعْضه بِبَعْضِ , فَحَمِدَ اللَّه وَكَبَّرَهُ , ثُمَّ أُحْضِرَ النَّاس فَأَمَرَ بِوُجُوهِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ حَتَّى شَاهَدُوا مَا شَاهِدُوهُ وَرَأَوْا بُنْيَانًا مُتَّصِلًا فَأَشْهَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة عَطَاء \" وَكَانَ طُول الْكَعْبَة ثَمَان عَشْرَة ذِرَاعًا فَزَادَ اِبْن الزُّبَيْر فِي طُولهَا عَشْرَة أَذْرُع \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر أَنَّهُ كَانَ طُولهَا عِشْرِينَ ذِرَاعًا , فَلَعَلَّ رَاوِيه جَبْر الْكَسْر , وَجَزَمَ الْأَزْرَقِيّ بِأَنَّ الزِّيَادَة تِسْعَة أَذْرُع فَلَعَلَّ عَطَاء جَبَرَ الْكَسْر أَيْضًا. وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق اِبْن سَابِطٍ عَنْ زَيْد \" أَنَّهُمْ كَشَفُوا عَنْ الْقَوَاعِد فَإِذَا الْحِجْر مِثْل الْخِلْفَة وَالْحِجَارَة مُشَبَّكَة بَعْضهَا بِبَعْضٍ \" وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَطَاء قَالَ : \" كُنْت فِي الْأُمَنَاء الَّذِينَ جَمَعُوا عَلَى حَفْره , فَحَفَرُوا قَامَة وَنِصْفًا , فَهَجَمُوا عَلَى حِجَارَة لَهَا عُرُوق تَتَّصِل بِزَرْدِ عِرْق الْمَرْوَة , فَضَرَبُوهُ فَارْتَجَّتْ قَوَاعِد الْبَيْت فَكَبَّرَ النَّاس , فَبَنَى عَلَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة مَرْثَد عِنْدَ عَبْد الرَّزَّاق \" فَكَشَفَ عَنْ رَبَضٍ فِي الْحِجْر آخِذ بَعْضه بِبَعْضٍ فَتَرَكَهُ مَكْشُوفًا ثَمَانِيَة أَيَّام لِيَشْهَدُوا عَلَيْهِ , فَرَأَيْت ذَلِكَ الرَّبْض مِثْل خَلْف الْإِبِل : وَجْه حَجَر وَوَجْه حَجَرَانِ , وَرَأَيْت الرَّجُل يَأْخُذ الْعَتَلَة فَيَضْرِب بِهَا مِنْ نَاحِيَة الرُّكْن فَيَهْتَزّ الرُّكْن الْآخَر \" قَالَ مُسْلِم فِي رِوَايَة عَطَاء \" وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ أَحَدهمَا يُدْخَل مِنْهُ وَالْآخَر يُخْرَج مِنْهُ \" وَفِي رِوَايَة الْأَسْوَد الَّتِي فِي الْعِلْم \" فَفَعَلَهُ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر \" وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَنَقَضَهُ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر فَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ فِي الْأَرْض \" وَنَحْوه لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق , وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي أُوَيْس عَنْ مُوسَى بْن مَيْسَرَة \" أَنَّهُ دَخَلَ الْكَعْبَة بَعْدَمَا بَنَاهَا اِبْن الزُّبَيْر , فَكَانَ النَّاس لَا يَزْدَحِمُونَ فِيهَا يَدْخُلُونَ مِنْ بَاب وَيَخْرُجُونَ مِنْ آخَر \". ‏ ‏( فَصْلٌ ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر الْمُصَنِّف رَحِمَهُ اللَّه قِصَّة تَغْيِير الْحَجَّاج لِمَا صَنَعَهُ اِبْن الزُّبَيْر , وَقَدْ ذَكَرَهَا مُسْلِم فِي رِوَايَة عَطَاء قَالَ \" فَلَمَّا قُتِلَ اِبْن الزُّبَيْر كَتَبَ الْحَجَّاج إِلَى عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان يُخْبِرهُ أَنَّ اِبْن الزُّبَيْر قَدْ وَضَعَهُ عَلَى أُسٍّ نَظَرَ الْعُدُولُ مِنْ أَهْل مَكَّة إِلَيْهِ , فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْد الْمَلِك : إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخ اِبْن الزُّبَيْر فِي شَيْء , أَمَّا مَا زَادَ فِي طُوله فَأَقِرَّهُ , وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنْ الْحِجْر فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ وَسُدَّ بَابه الَّذِي فَتَحَهُ. فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ \" وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي أُوَيْس عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة \" فَبَادَرَ - يَعْنِي الْحَجَّاج - فَهَدَمَهَا وَبَنَى شِقَّهَا الَّذِي يَلِي الْحِجْر , وَرَفَعَ بَابهَا , وَسَدَّ الْبَاب الْغَرْبِيّ. قَالَ أَبُو أُوَيْس : فَأَخْبَرَنِي غَيْر وَاحِد مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّ عَبْد الْمَلِك نَدِمَ عَلَى إِذْنه لِلْحَجَّاجِ فِي هَدْمهَا , وَلُعِنَ الْحَجَّاج \" وَلِابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ دَاوُدَ بْن سَابُور عَنْ مُجَاهِد \" فَرُدَّ الَّذِي كَانَ اِبْن الزُّبَيْر أَدْخَلَ فِيهَا مِنْ الْحِجْر , قَالَ فَقَالَ عَبْد الْمَلِك : وَدِدْنَا أَنَّا تَرَكْنَا أَبَا خُبَيْب وَمَا تَوَلَّى مِنْ ذَلِكَ \" وَقَدْ أَخْرَجَ قِصَّة نَدَم عَبْد الْمَلِك عَلَى ذَلِكَ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر , فَعِنْده مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن عَطَاء \" أَنَّ الْحَارِث بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي رَبِيعَة وَفَدَ عَلَى عَبْد الْمَلِك فِي خِلَافَته فَقَالَ : مَا أَظُنّ أَبَا خُبَيْب - يَعْنِي اِبْن الزُّبَيْر - سَمِعَ مِنْ عَائِشَة مَا كَانَ يَزْعُم أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهَا , فَقَالَ الْحَارِث : بَلَى أَنَا سَمِعْته مِنْهَا \" زَادَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ فِيهِ \" وَكَانَ الْحَارِث مُصَدَّقًا لَا يُكَذَّب. فَقَالَ عَبْد الْمَلِك : أَنْتَ سَمِعْتهَا تَقُول ذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ , فَنَكَتَ سَاعَة بِعَصَاهُ وَقَالَ : وَدِدْت أَنِّي تَرَكْته وَمَا تَحَمَّلَ \" وَأَخْرَجَهَا أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي قَزَعَة قَالَ \" بَيْنَمَا عَبْد الْمَلِك يَطُوف بِالْبَيْتِ إِذْ قَالَ : قَاتَلَ اللَّه اِبْن الزُّبَيْر حَيْثُ يَكْذِب عَلَى أُمّ الْمُؤْمِنِينَ - فَذَكَرَ الْحَدِيث - فَقَالَ لَهُ الْحَارِث : لَا تَقُلْ هَذَا يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , فَأَنَا سَمِعْت أُمّ الْمُؤْمِنِينَ تُحَدِّث بِهَذَا , فَقَالَ : لَوْ كُنْت سَمِعْته قَبْلَ أَنْ أَهْدِمهُ لَتَرَكْته عَلَى بِنَاء اِبْن الزُّبَيْر \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏جَمِيع الرِّوَايَات الَّتِي جَمَعَتْهَا هَذِهِ الْقِصَّة مُتَّفِقَة عَلَى أَنَّ اِبْن الزُّبَيْر جَعَلَ الْبَاب بِالْأَرْضِ , وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُون الْبَاب الَّذِي زَادَهُ عَلَى سَمْتِهِ , وَقَدْ ذَكَرَ الْأَزْرَقِيّ أَنَّ جُمْلَة مَا غَيَّرَهُ الْحَجَّاج الْجِدَار الَّذِي مِنْ جِهَة الْحِجْر وَالْبَاب الْمَسْدُود الَّذِي فِي الْجَانِب الْغَرْبِيّ عَنْ يَمِين الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَمَا تَحْته عَتَبَة الْبَاب الْأَصْلِيّ وَهُوَ أَرْبَعَة أَذْرُع وَشِبْر , وَهَذَا مُوَافِق لِمَا فِي الرِّوَايَات الْمَذْكُورَة , لَكِنَّ الْمُشَاهَد الْآن فِي ظَهْر الْكَعْبَة بَاب مَسْدُود يُقَابِل الْبَاب الْأَصْلِيّ وَهُوَ فِي الِارْتِفَاع مِثْله , وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُون الْبَاب الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْد اِبْن الزُّبَيْر لَمْ يَكُنْ لَاصِقًا بِالْأَرْضِ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَاصِقًا كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الرِّوَايَات لَكِنَّ الْحَجَّاج لَمَّا غَيَّرَهُ رَفَعَهُ وَرَفَعَ الْبَاب الَّذِي يُقَابِلهُ أَيْضًا ثُمَّ بَدَا لَهُ فَسَدَّ الْبَاب الْمُجَدَّد , لَكِنْ لَمْ أَرَ النَّقْل بِذَلِكَ صَرِيحًا. وَذَكَرَ الْفَاكِهِيّ فِي \" أَخْبَار مَكَّة \" أَنَّهُ شَاهَدَ هَذَا الْبَاب الْمَسْدُود مِنْ دَاخِل الْكَعْبَة فِي سَنَة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ فَإِذَا هُوَ مُقَابِل بَاب الْكَعْبَة وَهُوَ بِقَدْرِهِ فِي الطُّول وَالْعَرْض , وَإِذَا فِي أَعْلَاهُ كَلَالِيب ثَلَاثَة كَمَا فِي الْبَاب الْمَوْجُود سَوَاء. فَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَزَرْت ) ‏ ‏بِتَقْدِيمِ الزَّاي عَلَى الرَّاء أَيْ قَدَّرْت. ‏ ‏قَوْله : ( سِتَّة أَذْرُع أَوْ نَحْوهَا ) ‏ ‏قَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة وَأَنَّهَا أَرْجَح الرِّوَايَات , وَأَنَّ الْجَمْع بَيْنَ الْمُخْتَلِف مِنْهَا مُمْكِن كَمَا تَقَدَّمَ , وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى الِاضْطِرَاب وَالطَّعْن فِي الرِّوَايَات الْمُقَيَّدَة لِأَجْلِ الِاضْطِرَاب كَمَا جَنَحَ إِلَيْهِ اِبْن الصَّلَاح وَتَبِعَهُ النَّوَوِيّ , لِأَنَّ شَرْط الِاضْطِرَاب أَنْ تَتَسَاوَى الْوُجُوه بِحَيْثُ يَتَعَذَّر التَّرْجِيح أَوْ الْجَمْع , وَلَمْ يَتَعَذَّر ذَلِكَ هُنَا , فَيَتَعَيَّن حَمْل الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد كَمَا هِيَ قَاعِدَة مَذْهَبهمَا , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الْأَحَادِيث الْمُطْلَقَة وَالْمُقَيَّدَة مُتَوَارِدَة عَلَى سَبَب وَاحِد وَهُوَ أَنَّ قُرَيْشًا قَصَّرُوا عَلَى بِنَاء إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام , وَأَنَّ اِبْن الزُّبَيْر أَعَادَهُ عَلَى بِنَاء إِبْرَاهِيم , وَأَنَّ الْحَجَّاج أَعَادَهُ عَلَى بِنَاء قُرَيْش , وَلَمْ تَأْتِ رِوَايَة قَطُّ صَرِيحَة أَنَّ جَمِيع الْحِجْر مِنْ بِنَاء إِبْرَاهِيم فِي الْبَيْت , قَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ فِي \" شَرْح التَّنْبِيه \" لَهُ : وَالْأَصَحّ أَنَّ الْقَدْر الَّذِي فِي الْحِجْر مِنْ الْبَيْت قَدْر سَبْعَة أَذْرُع , وَالرِّوَايَة الَّتِي جَاءَ فِيهَا أَنَّ الْحِجْر مِنْ الْبَيْت مُطْلَقَة فَيُحْمَل الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد , فَإِنَّ إِطْلَاق اِسْم الْكُلّ عَلَى الْبَعْض سَائِغ مَجَازًا , وَإِنَّمَا قَالَ النَّوَوِيّ ذَلِكَ نُصْرَة لِمَا رَجَّحَهُ مِنْ أَنَّ جَمِيع الْحِجْر مِنْ الْبَيْت , وَعُمْدَته فِي ذَلِكَ أَنَّ الشَّافِعِيّ نَصَّ عَلَى إِيجَاب الطَّوَاف خَارِج الْحِجْر , وَنَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ الِاتِّفَاق عَلَيْهِ , وَنَقَلَ غَيْره أَنَّهُ لَا يُعْرَف فِي الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة وَلَا عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدهمْ أَنَّهُ طَافَ مِنْ دَاخِل الْحِجْر وَكَانَ عَمَلًا مُسْتَمِرًّا , وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُون جَمِيع الْحِجْر مِنْ الْبَيْت , وَهَذَا مُتَعَقَّب فَإِنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ إِيجَاب الطَّوَاف مِنْ وَرَائِهِ أَنْ يَكُون كُلّه مِنْ الْبَيْت , فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيّ أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْمَعْرِفَة \" أَنَّ الَّذِي فِي الْحِجْر مِنْ الْبَيْت نَحْو مِنْ سِتَّة أَذْرُع , وَنَقَلَهُ عَنْ عِدَّة مِنْ أَهْل الْعِلْم مِنْ قُرَيْش لَقِيَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ , فَعَلَى هَذَا فَلَعَلَّهُ رَأَى إِيجَاب الطَّوَاف مِنْ وَرَاء الْحِجْر اِحْتِيَاطًا , وَأَمَّا الْعَمَل فَلَا حُجَّة فِيهِ عَلَى الْإِيجَاب , فَلَعَلَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُ فَعَلُوهُ اِسْتِحْبَابًا لِلرَّاحَةِ مِنْ تَسَوُّر الْحِجْر لَا سِيَّمَا وَالرِّجَال وَالنِّسَاء يَطُوفُونَ جَمِيعًا فَلَا يُؤْمَن مِنْ الْمَرْأَة التَّكَشُّف , فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا حَسْم هَذِهِ الْمَادَّة , وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ الْمُهَلَّب عَنْ اِبْن أَبِي زَيْد أَنَّ حَائِط الْحِجْر لَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر حَتَّى كَانَ عُمَر فَبَنَاهُ وَوَسَّعَهُ قَطْعًا لِلشَّكِّ , وَأَنَّ الطَّوَاف قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ حَوْل الْبَيْت , فَفِيهِ نَظَر. وَقَدْ أَشَارَ الْمُهَلَّب إِلَى أَنَّ عُمْدَته فِي ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب بُنْيَان الْكَعْبَة \" فِي أَوَائِل السِّيرَة النَّبَوِيَّة بِلَفْظِ \" لَمْ يَكُنْ حَوْل الْبَيْت حَائِط , كَانُوا يُصَلُّونَ حَوْل الْبَيْت حَتَّى كَانَ عُمَر فَبَنَى حَوْله حَائِطًا جُدُره قَصِيرَة , فَبَنَاهُ اِبْن الزُّبَيْر \" اِنْتَهَى. وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي حَائِط الْمَسْجِد لَا فِي الْحِجْر , فَدَخَلَ الْوَهْم عَلَى قَائِله مِنْ هُنَا. وَلَمْ يَزَلْ الْحِجْر مَوْجُودًا فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ كَثِير مِنْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة , نَعَمْ فِي الْحُكْم بِفَسَادِ طَوَاف مَنْ دَخَلَ الْحِجْر وَخَلَّى بَيْنه وَبَيْنَ الْبَيْت سَبْعَة أَذْرُع نَظَرٌ , وَقَدْ قَالَ بِصِحَّتِهِ جَمَاعَة مِنْ الشَّافِعِيَّة كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَمِنْ الْمَالِكِيَّة كَأَبِي الْحَسَن اللَّخْمِيِّ , وَذَكَرَ الْأَزْرَقِيّ أَنَّ عَرْضَ مَا بَيْنَ الْمِيزَاب وَمُنْتَهَى الْحِجْر سَبْعَة عَشَرَ ذِرَاعًا وَثُلُث ذِرَاع مِنْهَا عَرْض جِدَار الْحِجْر ذِرَاعَانِ وَثُلُث وَفِي بَطْن الْحِجْر خَمْسَة عَشَرَ ذِرَاعًا , فَعَلَى هَذَا فَنِصْف الْحِجْر لَيْسَ مِنْ الْبَيْت فَلَا يَفْسُد طَوَاف مَنْ طَافَ دُونه وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا قَوْل الْمُهَلَّب إِنَّ الْفَضَاء لَا يُسَمَّى بَيْتًا وَإِنَّمَا الْبَيْت الْبُنْيَان لِأَنَّ شَخْصًا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُل بَيْتًا فَانْهَدَمَ ذَلِكَ الْبَيْت فَلَا يَحْنَث بِدُخُولِهِ فَلَيْسَ بِوَاضِحٍ , فَإِنَّ الْمَشْرُوع مِنْ الطَّوَاف مَا شُرِعَ لِلْخَلِيلِ بِالِاتِّفَاقِ , فَعَلَيْنَا أَنْ نَطُوف حَيْثُ طَافَ وَلَا يَسْقُط ذَلِكَ بِانْهِدَامِ حَرَمِ الْبَيْت لِأَنَّ الْعِبَادَات لَا يَسْقُط الْمَقْدُور عَلَيْهِ مِنْهَا بِفَوَاتِ الْمَعْجُوز عَنْهُ, فَحُرْمَة الْبُقْعَة ثَابِتَة وَلَوْ فَقَدْ الْجِدَار , وَأَمَّا الْيَمِين فَمُتَعَلِّقَة بِالْعُرْفِ , وَيُؤَيِّدهُ مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ اِنْهَدَمَ مَسْجِد فَنُقِلَتْ حِجَارَته إِلَى مَوْضِع آخَر بَقِيَتْ حُرْمَة الْمَسْجِد بِالْبُقْعَةِ الَّتِي كَانَ بِهَا وَلَا حُرْمَة لِتِلْكَ الْحِجَارَة الْمَنْقُولَة إِلَى غَيْر مَسْجِد , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْبُقْعَة أَصْل لِلْجِدَارِ بِخِلَافِ الْعَكْس , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَة. وَفِي حَدِيث بِنَاء الْكَعْبَة مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ مَا تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّف فِي الْعِلْم وَهُوَ \" تَرْك بَعْض الِاخْتِيَار مَخَافَة أَنْ يَقْصُر عَنْهُ فَهْم بَعْض النَّاس \" وَالْمُرَاد بِالِاخْتِيَارِ فِي عِبَارَته الْمُسْتَحَبّ , وَفِيهِ اِجْتِنَاب وَلِيّ الْأَمْر مَا يَتَسَرَّع النَّاس إِلَى إِنْكَاره وَمَا يُخْشَى مِنْهُ تَوَلُّد الضَّرَر عَلَيْهِمْ فِي دِين أَوْ دُنْيَا , وَتَأَلَّفَ قُلُوبهمْ بِمَا لَا يُتْرَك فِيهِ أَمْر وَاجِب. وَفِيهِ تَقْدِيم الْأَهَمّ فَالْأَهَمّ مِنْ دَفْع الْمَفْسَدَة وَجَلْب الْمَصْلَحَة , وَأَنَّهُمَا إِذَا تَعَارَضَا بُدِئَ بِدَفْعِ الْمَفْسَدَة , وَأَنَّ الْمَفْسَدَة إِذَا أُمِنَ وُقُوعهَا عَادَ اِسْتِحْبَاب عَمَل الْمَصْلَحَة , وَحَدِيث الرَّجُل مَعَ أَهْله فِي الْأُمُور الْعَامَّة , وَحِرْص الصَّحَابَة عَلَى اِمْتِثَال أَوَامِر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏حَكَى اِبْن عَبْد الْبَرّ وَتَبِعَهُ عِيَاض وَغَيْره عَنْ الرَّشِيد أَوْ الْمَهْدِيّ أَوْ الْمَنْصُور أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعِيد الْكَعْبَة عَلَى مَا فَعَلَهُ اِبْن الزُّبَيْر , فَنَاشَدَهُ مَالِك فِي ذَلِكَ وَقَالَ : أَخْشَى أَنْ يَصِير مَلْعَبَة لِلْمُلُوكِ , فَتَرَكَهُ. قُلْت : وَهَذَا بِعَيْنِهِ خَشْيَة جَدّهمْ الْأَعْلَى عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فَأَشَارَ عَلَى اِبْن الزُّبَيْر لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَهْدِم الْكَعْبَة وَيُجَدِّد بِنَاءَهَا بِأَنْ يَرُمّ مَا وَهَى مِنْهَا وَلَا يَتَعَرَّض لَهَا بِزِيَادَةٍ وَلَا نَقْص , وَقَالَ لَهُ \" لَا آمَن أَنْ يَجِيء مِنْ بَعْدك أَمِير فَيُغَيِّر الَّذِي صَنَعْت \" أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْهُ , وَذَكَرَ الْأَزْرَقِيّ أَنَّ سُلَيْمَان بْن عَبْد الْمَلِك هَمَّ بِنَقْضِ مَا فَعَلَهُ الْحَجَّاج , ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِأَمْرِ أَبِيهِ عَبْد الْمَلِك , وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ التَّوَارِيخ عَلَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْخُلَفَاء وَلَا مَنْ دُونَهُمْ غَيَّرَ مِنْ الْكَعْبَة شَيْئًا مِمَّا صَنَعَهُ الْحَجَّاج إِلَى الْآن إِلَّا فِي الْمِيزَاب وَالْبَاب وَعَتَبَته , وَكَذَا وَقَعَ التَّرْمِيم فِي جِدَارهَا غَيْر مَرَّة وَفِي سَقْفهَا وَفِي مُسْلِم سَطْحهَا , وَجُدِّدَ فِيهَا الرُّخَام فَذَكَرَ الْأَزْرَقِيّ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" أَنَّ أَوَّل مَنْ فَرَشَهَا بِالرُّخَامِ الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك \" وَوَقَعَ فِي جِدَارهَا الشَّامِيّ تَرْمِيم فِي شُهُور سَنَة سَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ , ثُمَّ فِي شُهُور سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائَةِ , ثُمَّ فِي شُهُور سَنَة تِسْع عَشْرَة وَسِتّمِائَةِ , ثُمَّ فِي سَنَة ثَمَانِينَ وَسِتّمِائَةِ , ثُمَّ فِي سَنَة أَرْبَع عَشْرَة وَثَمَانمِائَةِ , وَقَدْ تَرَادَفَتْ الْأَخْبَار الْآن فِي وَقْتنَا هَذَا فِي سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ أَنَّ جِهَة الْمِيزَاب فِيهَا مَا يَحْتَاج إِلَى تَرْمِيم فَاهْتَمَّ بِذَلِكَ سُلْطَان الْإِسْلَام الْمَلِك الْمُؤَيَّد وَأَرْجُو مِنْ اللَّه تَعَالَى أَنْ يُسَهِّل لَهُ ذَلِكَ , ثُمَّ حَجَجْت سَنَة أَرْبَع وَعِشْرِينَ وَتَأَمَّلْت الْمَكَان الَّذِي قِيلَ عَنْهُ فَلَمْ أَجِدهُ فِي تِلْكَ الْبَشَاعَة , وَقَدْ رُمِّمَ مَا تَشَعَّثَ مِنْ الْحَرَم فِي أَثْنَاء سَنَة خَمْس وَعِشْرِينَ إِلَى أَنْ نَقَضَ سَقْفهَا فِي سَنَة سَبْع وَعِشْرِينَ عَلَى يَدَيْ بَعْض الْجُنْد فَجَدَّدَ لَهَا سَقْفًا وَرَخَّمَ السَّطْح , فَلَمَّا كَانَ فِي سَنَة ثَلَاث وَأَرْبَعِينَ صَارَ الْمَطَر إِذَا نَزَلَ يَنْزِل إِلَى دَاخِل الْكَعْبَة أَشَدَّ مِمَّا كَانَ أَوَّلًا , فَأَدَّاهُ رَأْيه الْفَاسِد إِلَى نَقْضِ السَّقْف مَرَّة أُخْرَى وَسَدِّ مَا كَانَ فِي السَّطْح مِنْ الطَّاقَات الَّتِي كَانَ يَدْخُل : مِنْهَا الضَّوْء إِلَى الْكَعْبَة , وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ اِمْتِهَان الْكَعْبَة , بَلْ صَارَ الْعُمَّال يَصْعَدُونَ فِيهَا بِغَيْرِ أَدَب , فَغَارَ بَعْض الْمُجَاوِرِينَ فَكَتَبَ إِلَى الْقَاهِرَة يَشْكُو ذَلِكَ. فَبَلَغَ السُّلْطَان الظَّاهِر فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُون أَمَرَ بِذَلِكَ , وَجَهَّزَ بَعْض الْجُنْد لِكَشْفِ ذَلِكَ فَتَعَصَّبَ لِلْأَوَّلِ بَعْض مَنْ جَاوَرَ وَاجْتَمَعَ الْبَاقُونَ رَغْبَة وَرَهْبَة فَكَتَبُوا مَحْضَرًا بِأَنَّهُ مَا فَعَلَ شَيْئًا إِلَّا عَنْ مَلَأ مِنْهُمْ , وَأَنَّ كُلّ مَا فَعَلَهُ مَصْلَحَة , فَسَكَنَ غَضَبُ السُّلْطَان وَغَطَّى عَنْهُ الْأَمْر. وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَيَّاش بْن أَبِي رَبِيعَة الْمَخْزُومِيّ وَهُوَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ قَبْلَ الْأَلِف وَبَعْدهَا مُعْجَمَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّة لَا تَزَال بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَة - يَعْنِي الْكَعْبَة - حَقَّ تَعْظِيمهَا , فَإِذَا ضَيَّعُوا ذَلِكَ هَلَكُوا \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ وَعُمَر بْن شَبَّة فِي \" كِتَاب مَكَّة \" وَسَنَده حَسَن , فَنَسْأَل اللَّه تَعَالَى الْأَمْن مِنْ الْفِتَن بِحِلْمِهِ وَكَرَمه , وَمِمَّا يُتَعَجَّب مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَّفِق الِاحْتِيَاج فِي الْكَعْبَة إِلَى الْإِصْلَاح إِلَّا فِيمَا صَنَعَهُ الْحَجَّاج إِمَّا مِنْ الْجِدَار الَّذِي بَنَاهُ فِي الْجِهَة الشَّامِيَّة وَإِمَّا فِي السُّلَّم الَّذِي جَدَّدَهُ لِلسَّطْحِ وَالْعَتَبَة , وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَ فَإِنَّمَا هُوَ لِزِيَادَةٍ مَحْضَة كَالرُّخَامِ أَوْ لِتَحْسِينٍ كَالْبَابِ وَالْمِيزَاب , وَكَذَا مَا حَكَاهُ الْفَاكِهِيّ عَنْ الْحَسَن بْن مُكَرَّم عَنْ عَبْد اللَّه بْن بَكْر السَّهْمِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" جَاوَرْت بِمَكَّة فَعَابَتْ - أَيْ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة - أُسْطُوَانَة مِنْ أَسَاطِين الْبَيْت فَأُخْرِجَتْ وَجِيءَ بِأُخْرَى لِيُدْخِلُوهَا مَكَانهَا فَطَالَتْ عَنْ الْمَوْضِع , وَأَدْرَكَهُمْ اللَّيْل وَالْكَعْبَة لَا تُفْتَح لَيْلًا فَتَرَكُوهَا لِيَعُودُوا مِنْ غَد لِيُصْلِحُوهَا فَجَاءُوا مِنْ غَد فَأَصَابُوهَا أَقْدَم مِنْ قِدْح \" أَيْ بِكَسْرِ الْقَاف وَهُوَ السَّهْم , وَهَذَا إِسْنَاد قَوِيّ رِجَاله ثِقَات , وَبَكْر هُوَ اِبْن حَبِيب مِنْ كِبَار أَتْبَاع التَّابِعِينَ , وَكَأَنَّ الْقِصَّة كَانَتْ فِي أَوَائِل دَوْلَة بَنِي الْعَبَّاس , وَكَانَتْ الْأُسْطُوَانَة مِنْ خَشَب. وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1484",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ فَتْحِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ لَا ‏ ‏يُعْضَدُ ‏ ‏شَوْكُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلَا ‏ ‏يَلْتَقِطُ ‏ ‏لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ ‏ ‏عَرَّفَهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1485",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏وَهَلْ تَرَكَ ‏ ‏عَقِيلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏رِبَاعٍ ‏ ‏أَوْ دُورٍ وَكَانَ ‏ ‏عَقِيلٌ ‏ ‏وَرِثَ ‏ ‏أَبَا طَالِبٍ ‏ ‏هُوَ ‏ ‏وَطَالِبٌ ‏ ‏وَلَمْ يَرِثْهُ ‏ ‏جَعْفَرٌ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏شَيْئًا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ وَكَانَ ‏ ‏عَقِيلٌ ‏ ‏وَطَالِبٌ ‏ ‏كَافِرَيْنِ فَكَانَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن عَنْ عَمْرو بْن عُثْمَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ حَرْمَلَة وَغَيْره عَنْ اِبْن وَهْب \" أَنَّ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرو بْن عُثْمَان أَخْبَرَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَيْنَ تَنْزِل , فِي دَارك ) ‏ ‏حَذَفَ أَدَاة الِاسْتِفْهَام مِنْ قَوْله \" فِي دَارك \" بِدَلِيلِ رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ وَالطَّحَاوِيِّ عَنْ يُونُس عَنْ عَبْد الْأَعْلَى عَنْ اِبْن وَهْب بِلَفْظِ \" أَتَنْزِلُ فِي دَارك \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَصْبَغَ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَبِي حَفْصَة عَنْ الزُّهْرِيّ \" أَيْنَ تَنْزِل غَدًا \" فَكَأَنَّهُ اِسْتَفْهَمَهُ أَوَّلًا عَنْ مَكَان نُزُوله ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُ يَنْزِل فِي دَاره فَاسْتَفْهَمَهُ عَنْ ذَلِكَ , وَظَاهِر هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حِينَ أَرَادَ دُخُول مَكَّة , وَيَزِيدهُ وُضُوحًا رِوَايَة زَمْعَةَ بْن صَالِح عَنْ الزُّهْرِيّ بِلَفْظِ \" لَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح قَبْل أَنْ يَدْخُل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة قِيلَ : أَيْنَ تَنْزِل أَفِي بُيُوتكُمْ \" الْحَدِيث , وَرَوَى عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن حُسَيْن قَالَ \" قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ مَكَّة : أَيْنَ تَنْزِل ؟ قَالَ : وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيل مِنْ طَلّ \" قَالَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ : مَا أَشُكّ أَنَّ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن أَخَذَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِيهِ , لَكِنْ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِر مِنْ مِنَى , فَيُحْمَل عَلَى تَعَدُّد الْقِصَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَهَلْ تَرَكَ عَقِيل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم وَغَيْره \" وَهَلْ تَرَكَ لَنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ رَبَاع أَوْ دُور ) ‏ ‏الرِّبَاع جَمْع رَبْع بِفَتْحِ الرَّاء وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَهُوَ الْمَنْزِل الْمُشْتَمِل عَلَى أَبْيَات وَقِيلَ هُوَ الدَّار فَعَلَى هَذَا فَقَوْله \" أَوْ دُور \" إِمَّا لِلتَّأْكِيدِ أَوْ مِنْ شَكِّ الرَّاوِي. وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن أَبِي حَفْصَة \" مِنْ مَنْزِل \" وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَبِي حَفْصَة وَقَالَ فِي آخِره : وَيُقَال إِنَّ الدَّار الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا كَانَتْ دَارَ هَاشِم بْن عَبْد مَنَاف , ثُمَّ صَارَتْ لِعَبْدِ الْمُطَّلِب اِبْنه فَقَسَمَهَا بَيْنَ وَلَده حِين عُمِّرَ , فَمِنْ ثَمَّ صَارَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقُّ أَبِيهِ عَبْد اللَّه وَفِيهَا وُلِدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ عَقِيل إِلَخْ ) ‏ ‏مُحَصَّل هَذَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرَ اِسْتَوْلَى عَقِيل وَطَالِب عَلَى الدَّار كُلّهَا بِاعْتِبَارِ مَا وَرِثَاهُ مِنْ أَبِيهِمَا لِكَوْنِهِمَا كَانَا لَمْ يُسْلِمَا , وَبِاعْتِبَارِ تَرْك النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَقِّهِ مِنْهَا بِالْهِجْرَةِ , وَفُقِدَ طَالِب بِبَدْرٍ فَبَاعَ عَقِيل الدَّار كُلّهَا. وَحَكَى الْفَاكِهِيّ أَنَّ الدَّار لَمْ تَزَلْ بِأَوْلَادِ عَقِيل إِلَى أَنْ بَاعُوهَا لِمُحَمَّدِ بْن يُوسُف أَخِي الْحَجَّاج بِمِائَةِ أَلْف دِينَار وَزَادَ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَبِي حَفْصَة \" فَكَانَ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن يَقُول مِنْ أَجْل ذَلِكَ : تَرَكْنَا نَصِيبنَا مِنْ الشِّعْب \" أَيْ حِصَّة جَدّهمْ عَلِيّ مِنْ أَبِيهِ أَبِي طَالِب. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْره : كَانَ مَنْ هَاجَرَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بَاعَ قَرِيبه الْكَافِر دَاره , وَأَمْضَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَرُّفَات الْجَاهِلِيَّة تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ , وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَاد مَزِيد بَسْط فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَعِنْدِي أَنَّ تِلْكَ الدَّار إِنْ كَانَتْ قَائِمَة عَلَى مِلْك عَقِيل فَإِنَّمَا لَمْ يَنْزِلْهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهَا دُور هَجَرُوهَا فِي اللَّه تَعَالَى فَلَمْ يَرْجِعُوا فِيمَا تَرَكُوهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سِيَاق الْحَدِيث يَقْتَضِي أَنَّ عَقِيلًا بَاعَهَا , وَمَفْهُومه أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَنَزَلَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ عُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد بْن صَالِح عَنْ اِبْن وَهَبَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَمِنْ أَجْل ذَلِكَ كَانَ عُمَر يَقُول \" وَهَذَا الْقَدْر الْمَوْقُوف عَلَى عُمَر قَدْ ثَبَتَ مَرْفُوعًا بِهَذَا الْإِسْنَاد وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّف فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَبِي حَفْصَة وَمَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ وَأَخْرَجَهُ مُفْرَدًا فِي الْفَرَائِض مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْهُ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَيَخْتَلِج فِي خَاطِرِي أَنَّ الْقَائِل \" وَكَانَ عُمَر إِلَخْ \" هُوَ اِبْن شِهَاب فَيَكُون مُنْقَطِعًا عَنْ عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ إِلَخْ ) ‏ ‏أَيْ كَانُوا يُفَسِّرُونَ قَوْله تَعَالَى ( بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض ) بِوِلَايَةِ الْمِيرَاث أَيْ يَتَوَلَّى بَعْضهمْ بَعْضًا فِي الْمِيرَاث وَغَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "1486",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ أَرَادَ قُدُومَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏مَنْزِلُنَا غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ‏ ‏بِخَيْفِ ‏ ‏بَنِي كِنَانَةَ ‏ ‏حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حِينَ أَرَادَ قُدُوم مَكَّة ) ‏ ‏بَيَّنَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حِينَ رُجُوعه مِنْ مِنًى. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ) ‏ ‏هُوَ عَلَى سَبِيل التَّبَرُّكِ وَالِامْتِثَال لِلْآيَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1487",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ الْغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا ‏ ‏بِخَيْفِ ‏ ‏بَنِي كِنَانَةَ ‏ ‏حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ ‏ ‏يَعْنِي ذَلِكَ ‏ ‏الْمُحَصَّبَ ‏ ‏وَذَلِكَ أَنَّ ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏وَكِنَانَةَ ‏ ‏تَحَالَفَتْ عَلَى ‏ ‏بَنِي هَاشِمٍ ‏ ‏وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏بَنِي الْمُطَّلِبِ ‏ ‏أَنْ لَا ‏ ‏يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سَلَامَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏وَيَحْيَى بْنُ الضَّحَّاكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَوْزَاعِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَقَالَا ‏ ‏بَنِي هَاشِمٍ ‏ ‏وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏بَنِي الْمُطَّلِبِ ‏ ‏أَشْبَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ زُهَيْر بْن حَرْب عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم بِسَنَدِهِ \" حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَة حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَة \". ‏ ‏قَوْله : ( يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصَّب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" يَعْنِي ذَلِكَ \" وَالْأَوَّل أَصَحّ , وَيَخْتَلِج فِي خَاطِرِي أَنَّ جَمِيع مَا بَعْدَ قَوْله يَعْنِي الْمُحَصَّب إِلَى آخِر الْحَدِيث مِنْ قَوْل الزُّهْرِيّ أُدْرِجَ فِي الْخَبَر , فَقَدْ رَوَاهُ شُعَيْب كَمَا فِي هَذَا الْبَاب وَإِبْرَاهِيم بْن سَعْد كَمَا سَيَأْتِي فِي السِّيرَة وَيُونُس كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد كُلّهمْ عَنْ اِبْن شِهَاب مُقْتَصِرِينَ عَلَى الْمَوْصُول مِنْهُ إِلَى قَوْله \" عَلَى الْكُفْر \" وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَذْكُر مُسْلِم فِي رِوَايَته شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَة ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ فِي كِنَانَة مَنْ لَيْسَ قُرَشِيًّا إِذْ الْعَطْف يَقْتَضِي الْمُغَايَرَة فَتَرَجَّحَ الْقَوْل بِأَنَّ قُرَيْشًا مِنْ وَلَد فِهْر بْن مَالِك عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُمْ وَلَد كِنَانَة. نَعَمْ لَمْ يُعْقِبْ النَّضْر غَيْر مَالِك وَلَا مَالِك غَيْر فِهْر فَقُرَيْش وَلَد النَّضْر بْن كِنَانَة وَأَمَّا كِنَانَة فَأَعْقَبَ مِنْ غَيْر النَّضْر فَلِهَذَا وَقَعَتْ الْمُغَايَرَة. ‏ ‏قَوْله : ( تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِم وَبَنِي عَبْد الْمُطَّلِب أَوْ بَنِي الْمُطَّلِب ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ عِنْده بِالشَّكِّ , وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الْوَلِيد \" وَبَنِي الْمُطَّلِب \" بِغَيْرِ شَكٍّ فَكَأَنَّ الْوَهْم مِنْهُ فَسَيَأْتِي عَلَى الصَّوَاب وَيَأْتِي شَرْحه فِي أَوَاخِر الْبَاب. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن مُصْعَب عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عِنْدَ أَحْمَد \" أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُخَالِطُوهُمْ \" وَفِي رِوَايَة دَاوُدَ بْن رَشِيد عَنْ الْوَلِيد عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَأَنْ لَا يَكُون بَيْنهمْ وَبَيْنهمْ شَيْء \" وَهِيَ أَعَمُّ , وَهَذَا هُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث \" عَلَى الْكُفْر \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يُسْلِمُوا ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَإِسْكَان الْمُهْمَلَة وَكَسْر اللَّام. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ سَلَامَة عَنْ عُقَيْل ) ‏ ‏وَصَلَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَحْيَى بْن الضَّحَّاك عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَة \" وَيَحْيَى عَنْ الضَّحَّاك \" وَهُوَ وَهْم , وَهُوَ يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن الضَّحَّاك نُسِبَ لِجَدِّهِ الْبَابِلُتِّيّ بِمُوَحَّدَتَيْنِ وَبَعْدَ اللَّام الْمَضْمُومَة مُثَنَّاة مُشَدَّدَة نَزِيل حَرَّان وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع , وَيُقَال إِنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْ الْأَوْزَاعِيِّ , وَيُقَال إِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ كَانَ زَوْج أُمّه , وَطَرِيقه هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه وَالْخَطِيب فِي \" الْمُدْرَج \" وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى الْجَزْم بِقَوْلِهِ \" بَنِي هَاشِم وَبَنِي الْمُطَّلِب \" مُحَمَّد بْن مُصْعَب عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو عَوَانَة أَيْضًا , وَسَيَأْتِي شَرْح هَذِهِ الْقِصَّة فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1488",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُخَرِّبُ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" يُخَرِّب الْكَعْبَة ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَة \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "1489",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ ‏ ‏الْكَعْبَةُ ‏ ‏فَلَمَّا فَرَضَ اللَّهُ رَمَضَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي صِيَام عَاشُورَاء قَبْلَ نُزُول فَرْض رَمَضَان , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب مُفْرَد فِي آخِر كِتَاب الصِّيَام , وَالْمَقْصُود مِنْهُ هُنَا قَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيق \" وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَر فِيهِ الْكَعْبَة \" فَإِنَّهُ يُفِيد أَنَّ الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يُعَظِّمُونَ الْكَعْبَة قَدِيمًا بِالسُّتُورِ وَيَقُومُونَ بِهَا , وَعُرِفَ بِهَذَا جَوَاب الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي قَوْله : لَيْسَ فِي الْحَدِيث مِمَّا تُرْجِمَ بِهِ شَيْء سِوَى بَيَان اِسْم الْكَعْبَة الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة , وَيُسْتَفَاد مِنْ الْحَدِيث أَيْضًا مَعْرِفَة الْوَقْت الَّذِي كَانَتْ الْكَعْبَة تُكْسَى فِيهِ مِنْ كُلّ سَنَة وَهُوَ يَوْم عَاشُورَاء , وَكَذَا ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَر الْبَاقِر أَنَّ الْأَمْر اِسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ فِي زَمَانهمْ , وَقَدْ تَغَيَّرَ ذَلِكَ بَعْدُ فَصَارَتْ تُكْسَى فِي يَوْم النَّحْر , وَصَارُوا يَعْمِدُونَ إِلَيْهِ فِي ذِي الْقَعْدَة فَيُعَلِّقُونَ كِسْوَته إِلَى نَحْو نِصْفه , ثُمَّ صَارُوا يَقْطَعُونَهَا فَيَصِير الْبَيْت كَهَيْئَةِ الْمُحْرِم , فَإِذَا حَلَّ النَّاس يَوْم النَّحْر كَسَوْهُ الْكِسْوَة الْجَدِيدَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ جَمَعَ الْبُخَارِيّ بَيْنَ رِوَايَة عُقَيْل وَابْن أَبِي حَفْصَة فِي الْمَتْن , وَلَيْسَ فِي رِوَايَة عُقَيْل ذِكْر السِّتْر , ثُمَّ سَاقَهُ بِدُونِهِ مِنْ طَرِيق عُقَيْل. وَهُوَ كَمَا قَالَ , وَعَادَة الْبُخَارِيّ التَّجَوُّز فِي مِثْل هَذَا. وَقَدْ رَوَاهُ الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي حَفْصَة فَصَرَّحَ بِسَمَاعِ الزُّهْرِيّ لَهُ مِنْ عُرْوَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1490",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيُحَجَّنَّ ‏ ‏الْبَيْتُ ‏ ‏وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ ‏ ‏يَأْجُوجَ ‏ ‏وَمَأْجُوجَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَبَانُ ‏ ‏وَعِمْرَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُحَجَّ ‏ ‏الْبَيْتُ ‏ ‏وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ سَمِعَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏وَعَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ فِي حَجِّ الْبَيْت بَعْدَ يَأْجُوج وَمَأْجُوج , أَوْرَدَهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم - وَهُوَ اِبْن طَهْمَانَ , عَنْ الْحَجَّاج بْن الْحَجَّاج وَهُوَ الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي عُتْبَةَ عَنْهُ وَقَالَ بَعْده : سَمِعَ قَتَادَةَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي عُتْبَةَ وَعَبْد اللَّه سَمِعَ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيَّ , وَغَرَضه بِهَذَا أَنَّهُ لَمْ يَقَع فِيهِ تَدْلِيس. وَهَلْ أَرَادَ بِهَذَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيث بِخُصُوصِهِ أَوْ فِي الْجُمْلَة ؟ فِيهِ اِحْتِمَال. وَقَدْ وَجَدْته مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ شُعْبَة مُصَرِّحًا بِسَمَاعِ قَتَادَةَ مِنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي عُتْبَةَ فِي حَدِيث \" كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاء فِي خِدْرهَا \" وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَد , وَعِنْدَ أَبِي عَوَانَة فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ وَجْه آخَر. ‏ ‏قَوْله : ( لَيُحَجَّن ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُهْمَلَة وَالْجِيم. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ أَبَان وَعِمْرَان عَنْ قَتَادَةَ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى لَفْظ الْمَتْن , فَأَمَّا مُتَابَعَة أَبَانَ - وَهُوَ اِبْن يَزِيد الْعَطَّار - فَوَصَلَهَا الْإِمَام أَحْمَد عَنْ عَفَّانَ وَسُوَيْدُ بْن عَمْرو الْكَلْبِيّ وَعَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث ثَلَاثَتهمْ عَنْ أَبَانَ فَذَكَرَ مِثْله , وَأَمَّا مُتَابَعَة عِمْرَان وَهُوَ الْقَطَّان فَوَصَلَهَا أَحْمَد أَيْضًا عَنْ سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ وَهُوَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْهُ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَأَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيق الطَّيَالِسِيِّ , وَقَدْ تَابَعَ هَؤُلَاءِ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَةَ أَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ رَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْهُ وَلَفْظه \" إِنَّ النَّاس لَيَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرُونَ وَيَغْرِسُونَ النَّخْل بَعْدَ خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن مَهْدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ شُعْبَة ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا السَّنَد. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى لَا يَحُجّ الْبَيْت ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْهُ قَالَ الْبُخَارِيّ : وَالْأَوَّل أَكْثَر , أَيْ لِاتِّفَاقِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْره عَلَى هَذَا اللَّفْظ وَانْفِرَاد شُعْبَة بِمَا يُخَالِفهُمْ , وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ ظَاهِرَهُمَا التَّعَارُض , لِأَنَّ الْمَفْهُوم مِنْ الْأَوَّل أَنَّ الْبَيْت يُحَجُّ بَعْدَ أَشْرَاط السَّاعَة , وَمِنْ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَحُجّ بَعْدهَا , وَلَكِنْ يُمْكِن الْجَمْع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ , فَإِنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ حَجِّ النَّاس بَعْدَ خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج أَنْ يَمْتَنِع الْحَجّ فِي وَقْت مَا عِنْدَ قُرْب ظُهُور السَّاعَة , وَيَظْهَر وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" لَيُحَجَّن الْبَيْت \" أَيْ مَكَان الْبَيْت لِمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَاب أَنَّ الْحَبَشَة إِذَا خَرَّبُوهُ لَمْ يُعْمَرْ بَعْدَ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1491",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جِئْتُ إِلَى ‏ ‏شَيْبَةَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَاصِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ جَلَسْتُ مَعَ ‏ ‏شَيْبَةَ ‏ ‏عَلَى الْكُرْسِيِّ فِي ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فَقَالَ لَقَدْ جَلَسَ هَذَا الْمَجْلِسَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهُ قُلْتُ إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا قَالَ هُمَا الْمَرْءَانِ أَقْتَدِي بِهِمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ فِي الطَّرِيقَيْنِ , وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْأُولَى مَعَ نُزُولهَا لِتَصْرِيحِ سُفْيَان بِالتَّحْدِيثِ فِيهَا , وَأَمَّا اِبْن عُيَيْنَةَ فَلَمْ يَسْمَعهُ مِنْ وَاصِل بَلْ رَوَاهُ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( جَلَسْت مَعَ شَيْبَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُثْمَان بْن طَلْحَة بْن عَبْد الْعُزَّى بْن عُثْمَان بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الدَّار بْن قُصَيّ الْعَبْدَرِيّ الْحَجَبِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْجِيم ثُمَّ مُوَحَّدَة نِسْبَة إِلَى حَجَبِ الْكَعْبَة يُكَنَّى أَبَا عُثْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى الْكُرْسِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الْمُحَارِبِيّ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيِّ بِهَذَا السَّنَد \" بُعِثَ مَعِي رَجُل بِدَرَاهِم هَدِيَّة إِلَى الْبَيْت , فَدَخَلْت الْبَيْت وَشَيْبَة جَالِس عَلَى كُرْسِيّ , فَنَاوَلْته إِيَّاهَا فَقَالَ : لَك هَذِهِ ؟ فَقُلْت : لَا وَلَوْ كَانَتْ لِي لَمْ آتِك بِهَا , قَالَ أَمَّا إِنْ قُلْت ذَلِكَ فَقَدْ جَلَسَ عُمَر بْن الْخَطَّاب مَجْلِسك الَّذِي أَنْتَ فِيهِ \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فِيهَا ) ‏ ‏أَيْ الْكَعْبَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( صَفْرَاء وَلَا بَيْضَاء ) ‏ ‏أَيْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّة , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : غَلِطَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ حِلْيَة الْكَعْبَة , وَإِنَّمَا أَرَادَ الْكَنْز الَّذِي بِهَا , وَهُوَ مَا كَانَ يُهْدَى إِلَيْهَا فَيُدَّخَر مَا يَزِيد عَنْ الْحَاجَة , وَأَمَّا الْحُلِيّ فَمُحْبَسَة عَلَيْهَا كَالْقَنَادِيلِ فَلَا يَجُوز صَرْفهَا فِي غَيْرهَا. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يُهْدُونَ إِلَى الْكَعْبَة الْمَال تَعْظِيمًا لَهَا فَيَجْتَمِع فِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا قَسَمْته ) ‏ ‏أَيْ الْمَال , وَفِي رِوَايَة عُمَر بْن شَبَّة فِي \" كِتَاب مَكَّة \" عَنْ قَبِيصَة شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" إِلَّا قَسَمْتهَا \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ سُفْيَان عِنْدَ الْمُصَنِّف فِي الِاعْتِصَام \" إِلَّا قَسَمْتهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ \" وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" لَا أَخْرُجُ حَتَّى أُقْسِم مَال الْكَعْبَة بَيْنَ فُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ \" وَمِثْله فِي رِوَايَة الْمُحَارِبِيّ الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت إِنَّ صَاحِبَيْك لَمْ يَفْعَلَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن مَهْدِيّ الْمَذْكُورَة \" قُلْت مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ. قَالَ لِمَ ؟ قُلْت : لَمْ يَفْعَلهُ صَاحِبَاك \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه وَكَذَا الْمُحَارِبِيُّ \" قَالَ وَلِمَ ذَاكَ ؟ قُلْت : لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَأَى مَكَانه وَأَبُو بَكْر وَهُمَا أَحْوَج مِنْك إِلَى الْمَال فَلَمْ يُحَرِّكَاهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( هُمَا الْمَرْءَانِ ) ‏ ‏تَثْنِيَة مَرْء بِفَتْحِ الْمِيم وَيَجُوز ضَمُّهَا وَالرَّاء سَاكِنَة عَلَى كُلّ حَال بَعْدهَا هَمْزَة أَيْ الرَّجُلَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَقْتَدِي بِهِمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُمَر بْن شَبَّة تَكْرِير قَوْله \" الْمَرْءَانِ أَقْتَدِي بِهِمَا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن مَهْدِيّ فِي الِاعْتِصَام \" يُقْتَدَى بِهِمَا \" عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْمُحَارِبِيّ \" فَقَامَ كَمَا هُوَ وَخَرَجَ \". وَدَارَ نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة بَيْنَ عُمَر أَيْضًا وَأُبَيِّ بْن كَعْب أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَعُمَر بْن شَبَّة مِنْ طَرِيق الْحَسَن \" أَنَّ عُمَر أَرَادَ أَنْ يَأْخُذ كَنْز الْكَعْبَة فَيُنْفِقهُ فِي سَبِيل اللَّه فَقَالَ لَهُ أُبَيُّ بْن كَعْب : قَدْ سَبَقَك صَاحِبَاك , فَلَوْ كَانَ فَضْلًا لَفَعَلَاهُ \" لَفْظ عُمَر بْن شَبَّة , وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق \" فَقَالَ لَهُ أُبَيُّ بْن كَعْب : وَاَللَّه مَا ذَاكَ لَك , قَالَ : وَلِمَ ؟ قَالَ : أَقَرَّهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قَالَ اِبْن بَطَّال : أَرَادَ عُمَر لِكَثْرَتِهِ إِنْفَاقه فِي مَنَافِع الْمُسْلِمِينَ , ثُمَّ لَمَّا ذُكِّرَ بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَعَرَّض لَهُ أَمْسَكَ , وَإِنَّمَا تَرَكَا ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم لِأَنَّ مَا جُعِلَ فِي الْكَعْبَة وَسُبِّلَ لَهَا يَجْرِي مَجْرَى الْأَوْقَاف فَلَا يَجُوز تَغْيِيره عَنْ وَجْهه , وَفِي ذَلِكَ تَعْظِيم الْإِسْلَام وَتَرْهِيب الْعَدُوّ. قُلْت : أَمَّا التَّعْلِيل الْأَوَّل فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ مِنْ الْحَدِيث بَلْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَرَكَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ رِعَايَة لِقُلُوبِ قُرَيْش كَمَا تَرَكَ بِنَاء الْكَعْبَة عَلَى قَوَاعِد إِبْرَاهِيم , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم فِي بَعْض طُرُق حَدِيث عَائِشَة فِي بِنَاء الْكَعْبَة \" لَأَنْفَقْت كَنْز الْكَعْبَة \" وَلَفْظه \" لَوْلَا أَنَّ قَوْمك حَدِيثُو عَهْد بِكُفْرٍ لَأَنْفَقْت كَنْز الْكَعْبَة فِي سَبِيل اللَّه , وَلَجَعَلْت بَابهَا بِالْأَرْضِ \" الْحَدِيث , فَهَذَا التَّعْلِيل هُوَ الْمُعْتَمَد. وَحَكَى الْفَاكِهِيّ فِي \" كِتَاب مَكَّة \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ فِيهَا يَوْم الْفَتْح سِتِّينَ أُوقِيَّة , فَقِيلَ لَهُ : لَوْ اِسْتَعَنْت بِهَا عَلَى حَرْبك فَلَمْ يُحَرِّكهُ , وَعَلَى هَذَا فَإِنْفَاقه جَائِز كَمَا جَازَ لِابْنِ الزُّبَيْر بِنَاؤُهَا عَلَى قَوَاعِد إِبْرَاهِيم لِزَوَالِ سَبَب الِامْتِنَاع , وَلَوْلَا قَوْله فِي الْحَدِيث \" فِي سَبِيل اللَّه \" لَأَمْكَنَ أَنْ يُحْمَل الْإِنْفَاق عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِهَا فَيَرْجِع إِلَى أَنَّ حُكْمه حُكْم التَّحْبِيس , وَيُمْكِن أَنْ يُحْمَل قَوْله فِي سَبِيل اللَّه عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ عِمَارَة الْكَعْبَة يَصْدُق عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي سَبِيل اللَّه , وَاسْتَدَلَّ التَّقِيّ السُّبْكِيُّ بِحَدِيثِ الْبَاب عَلَى جَوَاز تَعْلِيق قَنَادِيل الذَّهَب وَالْفِضَّة فِي الْكَعْبَة وَمَسْجِد الْمَدِينَة فَقَالَ : هَذَا الْحَدِيث عُمْدَة فِي مَال الْكَعْبَة وَهُوَ مَا يُهْدَى إِلَيْهَا أَوْ يُنْذَر لَهَا , قَالَ : وَأَمَّا قَوْل الرَّافِعِيّ لَا يَجُوز تَحْلِيَة الْكَعْبَة بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة وَلَا تَعْلِيق قَنَادِيلهَا فِيهَا حَكَى الْوَجْهَيْنِ فِي ذَلِكَ : أَحَدهمَا الْجَوَاز تَعْظِيمًا كَمَا فِي الْمُصْحَف , وَالْآخَر الْمَنْع إِذْ لَمْ يُنْقَل مِنْ فِعْل السَّلَف , فَهَذَا مُشْكِل لِأَنَّ لِلْكَعْبَةِ مِنْ التَّعْظِيم مَا لَيْسَ لِبَقِيَّةِ الْمَسَاجِد بِدَلِيلِ تَجْوِيز سَتْرِهَا بِالْحَرِيرِ وَالدِّيبَاج , وَفِي جَوَاز سَتْر الْمَسَاجِد بِذَلِكَ خِلَاف. ثُمَّ تُمُسِّكَ لِلْجَوَازِ بِمَا وَقَعَ فِي أَيَّام الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك مِنْ تَذْهِيبه سُقُوف الْمَسْجِد النَّبَوِيّ قَالَ : وَلَمْ يُنْكِر ذَلِكَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَلَا أَزَالَهُ فِي خِلَافَته. ثُمَّ اِسْتَدَلَّ لِلْجَوَازِ بِأَنَّ تَحْرِيم اِسْتِعْمَال الذَّهَب وَالْفِضَّة إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْأَوَانِي الْمُعَدَّة لِلْأَكْلِ وَالشُّرْب وَنَحْوهمَا قَالَ : وَلَيْسَ فِي تَحْلِيَة الْمَسَاجِد بِالْقَنَادِيلِ الذَّهَب شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيّ : مَنْ كَتَبَ الْقُرْآن بِالذَّهَبِ فَقَدْ أَحْسَن فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُت فِي الذَّهَب إِلَّا تَحْرِيمه عَلَى الْأُمَّة فِيمَا يُنْسَب لِلذَّهَبِ وَهَذَا بِخِلَافِهِ فَيَبْقَى عَلَى أَصْل الْحِلّ مَا لَمْ يَنْهَ إِلَى الْإِسْرَاف اِنْتَهَى. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ تَجْوِيز سَتْر الْكَعْبَة بِالدِّيبَاجِ قَامَ الْإِجْمَاع عَلَيْهِ , وَأَمَّا التَّحْلِيَة بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة فَلَمْ يُنْقَل عَنْ فِعْل مَنْ يُقْتَدَى بِهِ , وَالْوَلِيد لَا حُجَّة فِي فِعْله , وَتَرْكُ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز النَّكِير أَوْ الْإِزَالَة يَحْتَمِل عِدَّة مَعَانٍ فَلَعَلَّهُ كَانَ لَا يَقْدِر عَلَى الْإِنْكَار خَوْفًا مِنْ سَطْوَة الْوَلِيد , وَلَعَلَّهُ لَمْ يُزِلْهَا لِأَنَّهُ لَا يَتَحَصَّل مِنْهَا شَيْء , وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْوَلِيد جَعَلَ فِي الْكَعْبَة صَفَائِح فَلَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ تَرْكَهَا أَوْلَى لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي حُكْم الْمَال الْمَوْقُوف فَكَأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهَا مِنْ غَيْره , وَرُبَّمَا أَدَّى قَلْعه إِلَى إِزْعَاج بِنَاء الْكَعْبَة فَتَرَكَهُ , وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَات لَا يَصْلُح الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ لِلْجَوَازِ. وَقَوْله إِنَّ الْحَرَام مِنْ الذَّهَب إِنَّمَا هُوَ اِسْتِعْمَاله فِي الْأَكْل وَالشُّرْب إِلَخْ هُوَ مُتَعَقَّب بِأَنَّ اِسْتِعْمَال كُلّ شَيْء بِحَسَبِهِ , وَاسْتِعْمَال قَنَادِيل الذَّهَب هُوَ تَعْلِيقهَا لِلزِّينَةِ , وَأَمَّا اِسْتِعْمَالهَا لِلْإِيقَادِ فَمُمْكِن عَلَى بُعْد , وَتَمَسُّكه بِمَا قَالَهُ الْغَزَالِيّ يُشْكِل عَلَيْهِ بِأَنَّ الْغَزَالِيّ قَيَّدَهُ بِمَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى الْإِسْرَاف , وَالْقِنْدِيل الْوَاحِد مِنْ الذَّهَب يَكْتُب تَحْلِيَة عِدَّة مَصَاحِف , وَقَدْ أَنْكَرَ السُّبْكِيُّ عَلَى الرَّافِعِيّ تَمَسُّكَهُ فِي الْمَنْع بِكَوْنِ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَل عَنْ السَّلَف , وَجَوَابه أَنَّ الرَّافِعِيّ تَمَسَّكَ بِذَلِكَ مَضْمُومًا إِلَى شَيْء آخَر وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ النَّهْي عَنْ اِسْتِعْمَال الْحَرِير وَالذَّهَب فَلَمَّا اِسْتَعْمَلَ السَّلَف الْحَرِير فِي الْكَعْبَة دُون الذَّهَب - مَعَ عِنَايَتهمْ بِهَا وَتَعْظِيمهَا - دَلَّ عَلَى أَنَّهُ بَقِيَ عِنْدهمْ عَلَى عُمُوم النَّهْي , وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخ الْمُوَفَّق الْإِجْمَاع عَلَى تَحْرِيم اِسْتِعْمَال أَوَانِي الذَّهَب , وَالْقَنَادِيل مِنْ الْأَوَانِي بِلَا شَكٍّ , وَاسْتِعْمَال كُلّ شَيْء بِحَسَبِهِ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب لِكِسْوَةِ الْكَعْبَة ذِكْر , يَعْنِي فَلَا يُطَابِق التَّرْجَمَة. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : مَعْنَى التَّرْجَمَة صَحِيح , وَوَجْهُهَا أَنَّهُ مَعْلُوم أَنَّ الْمُلُوك فِي كُلّ زَمَان كَانُوا يَتَفَاخَرُونَ بِكِسْوَةِ الْكَعْبَة بِرَفِيعِ الثِّيَاب الْمَنْسُوجَة بِالذَّهَبِ وَغَيْره كَمَا يَتَفَاخَرُونَ بِتَسْبِيلِ الْأَمْوَال لَهَا , فَأَرَادَ الْبُخَارِيّ أَنَّ عُمَر لَمَّا رَأَى قِسْمَة الذَّهَب وَالْفِضَّة صَوَابًا كَانَ حُكْم الْكِسْوَة حُكْم الْمَال تَجُوز قِسْمَتهَا , بَلْ مَا فَضَلَ مِنْ كِسْوَتهَا أَوْلَى بِالْقِسْمَةِ. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَة : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَقْصُوده التَّنْبِيه عَلَى أَنَّ كِسْوَة الْكَعْبَة مَشْرُوع , وَالْحُجَّة فِيهِ أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ تُقْصَد بِالْمَالِ يُوضَع فِيهَا عَلَى مَعْنَى الزِّينَة إِعْظَامًا لَهَا فَالْكِسْوَة مِنْ هَذَا الْقَبِيل , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ مَا فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث كَعَادَتِهِ وَيَكُون هُنَاكَ طَرِيق مُوَافَقَة لِلتَّرْجَمَةِ إِمَّا لِخَلَلِ شَرْطهَا وَإِمَّا لِتَبَحُّرِ النَّاظِر فِي ذَلِكَ , وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَخَذَهُ مِنْ قَوْل عُمَر : لَا أَخْرُجُ حَتَّى أَقْسِم مَال الْكَعْبَة , فَالْمَال يُطْلَق عَلَى كُلّ شَيْء فَيَدْخُل فِيهِ الْكِسْوَة , وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيث \" لَيْسَ لَك مِنْ مَالِك إِلَّا مَا لَبِسْت فَأَبْلَيْت \" قَالَ : وَيَحْتَمِل أَيْضًا - فَذَكَرَ نَحْو مَا قَالَ اِبْن بَطَّال وَزَادَ - فَأَرَادَ التَّنْبِيه عَلَى أَنَّهُ مَوْضِع اِجْتِهَاد , وَإِنْ رَأَى عُمَر جَوَاز التَّصَرُّف فِي الْمَصَالِح. وَأَمَّا التَّرْك الَّذِي اِحْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِ شَيْبَة فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمَنْع , وَاَلَّذِي يَظْهَر جَوَاز قِسْمَة الْكِسْوَة الْعَتِيقَة , إِذْ فِي بَقَائِهَا تَعْرِيض لِإِتْلَافِهَا وَلَا جَمَال فِي كِسْوَة عَتِيقَة مَطْوِيَّة , قَالَ : وَيُؤْخَذ مِنْ رَأْي عُمَر أَنَّ صَرْف الْمَال فِي الْمَصَالِح آكَد مِنْ صَرْفه فِي كِسْوَة الْكَعْبَة , لَكِنَّ الْكِسْوَة فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَة أَهَمُّ. قَالَ : وَاسْتِدْلَال اِبْن بَطَّال بِالتَّرْكِ عَلَى إِيجَاب بَقَاء الْأَحْبَاس لَا يَتِمّ إِلَّا إِنْ كَانَ الْقَصْد بِمَالِ الْكَعْبَة إِقَامَتهَا وَحِفْظ أُصُولهَا إِذَا اُحْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْقَصْد مِنْهُ مَنْفَعَة أَهْل الْكَعْبَة وَسَدَنَتهَا أَوْ إِرْصَاده لِمَصَالِح الْحَرَم أَوْ لِأَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ , وَعَلَى كُلّ تَقْدِير فَهُوَ تَحْبِيس لَا نَظِير لَهُ فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ اِنْتَهَى. وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ طَرِيق حَدِيث شَيْبَة هَذَا مَا يَتَعَلَّق بِالْكِسْوَةِ , إِلَّا أَنَّ الْفَاكِهِيّ رَوَى فِي \" كِتَاب مَكَّة \" مِنْ طَرِيق عَلْقَمَة بْن أَبِي عَلْقَمَة عَنْ أُمّه عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ \" دَخَلَ عَلَيَّ شَيْبَةُ الْحَجَبِيُّ فَقَالَ : يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , إِنَّ ثِيَاب الْكَعْبَة تَجْتَمِع عِنْدنَا فَتَكْثُر , فَنَنْزِعهَا وَنَحْفِر بِئَارًا فَنُعَمِّقهَا وَنَدْفِنهَا لِكَيْ لَا تَلْبَسهَا الْحَائِض وَالْجُنُب , قَالَتْ : بِئْسَمَا صَنَعْت , وَلَكِنْ بِعْهَا فَاجْعَلْ ثَمَنهَا فِي سَبِيل اللَّه وَفِي الْمَسَاكِين , فَإِنَّهَا إِذَا نُزِعَتْ عَنْهَا لَمْ يَضُرّ مَنْ لَبِسَهَا مِنْ حَائِض أَوْ جُنُب , فَكَانَ شَيْبَة يَبْعَث بِهَا إِلَى الْيَمَن فَتُبَاع لَهُ فَيَضَعهَا حَيْثُ أَمَرَتْهُ \" وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه , لَكِنْ فِي إِسْنَاده رَاوٍ ضَعِيف , وَإِسْنَاد الْفَاكِهِيّ سَالِم مِنْهُ. وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق اِبْن خَيْثَم \" حَدَّثَنِي رَجُل مِنْ بَنِي شَيْبَة قَالَ : رَأَيْت شَيْبَة بْن عُثْمَان يُقَسِّم مَا سَقَطَ مِنْ كِسْوَة الْكَعْبَة عَلَى الْمَسَاكِين \" وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ عُمَر كَانَ يَنْزِع كِسْوَة الْبَيْت كُلّ سَنَة فَيَقْسِمهَا عَلَى الْحَاجّ \" فَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏( فَصْل ) ‏ ‏فِي مَعْرِفَة بَدْء كِسْوَة الْبَيْت : رَوَى الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الصَّمَد بْن مَعْقِل عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُول \" زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ سَبّ أَسْعَد , وَكَانَ أَوَّل مَنْ كَسَا الْبَيْت الْوَصَائِل \" وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ مَعْمَر عَنْ هَمَّام بْن مُنَبِّه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة فِي مُسْنَده عَنْهُ , وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ عُمَر مَوْقُوفًا , وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ تُبَّعًا أَوَّل مَنْ كَسَا الْكَعْبَة الْوَصَائِل فَسُتِرَتْ بِهَا. قَالَ : وَزَعَمَ بَعْض عُلَمَائِنَا أَنَّ أَوَّل مَنْ كَسَا الْكَعْبَة إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام. وَحَكَى الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ عَنْ بَعْض عُلَمَائِهِمْ أَنَّ عَدْنَان أَوَّل مَنْ وَضَعَ أَنْصَاب الْحَرَم , وَأَوَّل مَنْ كَسَا الْكَعْبَة , أَوْ كُسِيَتْ فِي زَمَنه. وَحَكَى الْبَلَاذِرِيّ أَنَّ أَوَّل مَنْ كَسَاهَا الْأَنْطَاع عَدْنَان بْن أُدّ. وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيم بْن أَبِي رَبِيعَة قَالَ : كُسِيَ الْبَيْت فِي الْجَاهِلِيَّة الْأَنْطَاع , ثُمَّ كَسَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِثِيَابِ الْيَمَانِيَّة , ثُمَّ كَسَاهُ عُمَر وَعُثْمَان الْقَبَاطِيّ , ثُمَّ كَسَاهُ الْحَجَّاج الدِّيبَاج. وَرَوَى الْفَاكِهِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : لَمَّا كَانَ عَام الْفَتْح أَتَتْ اِمْرَأَة تُجَمِّر الْكَعْبَة فَاحْتَرَقَتْ ثِيَابهَا وَكَانَتْ كِسْوَة الْمُشْرِكِينَ , فَكَسَاهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة : حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ حَسَن هُوَ اِبْن صَالِح عَنْ لَيْث هُوَ اِبْن أَبِي سُلَيْمٍ قَالَ : كَانَتْ كِسْوَة الْكَعْبَة عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسُوح وَالْأَنْطَاع. لَيْث ضَعِيف , وَالْحَدِيث مُعْضَل. وَقَالَ أَبُو بَكْر أَيْضًا حَدَّثَنَا عَبْد الْأَعْلَى عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ عَجُوز مِنْ أَهْل مَكَّة قَالَتْ : أُصِيبَ اِبْن عَفَّانَ وَأَنَا بِنْت أَرْبَع عَشْرَة سَنَة , قَالَتْ : وَلَقَدْ رَأَيْت الْبَيْت وَمَا عَلَيْهِ كِسْوَة إِلَّا مَا يَكْسُوهُ النَّاس الْكِسَاء الْأَحْمَر يَطْرَح عَلَيْهِ وَالثَّوْب الْأَبْيَض. وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : بَلَغَنِي أَنَّ الْبَيْت لَمْ يُكْسَ فِي عَهْد أَبِي بَكْر وَلَا عُمَر , يَعْنِي لَمْ يُجَدَّدْ لَهُ كِسْوَة. وَرَوَى الْفَاكِهِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَكْسُو بَدَنه الْقَبَاطِيّ وَالْحِبَرَات يَوْم يُقَلِّدهَا , فَإِذَا كَانَ يَوْم النَّحْر نَزَعَهَا ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَى شَيْبَة بْن عُثْمَان فَنَاطَهَا عَلَى الْكَعْبَة. زَادَ فِي رِوَايَة صَحِيحَة أَيْضًا. فَلَمَّا كَسَتْ الْأُمَرَاء الْكَعْبَة جَلَّلَهَا الْقَبَاطِيّ , ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا. وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْأَمْر كَانَ مُطْلَقًا لِلنَّاسِ. وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ عَلْقَمَة بْن أَبِي عَلْقَمَة عَنْ أُمّه قَالَتْ : سَأَلْت عَائِشَة أَنَكْسُو الْكَعْبَة ؟ قَالَتْ : الْأُمَرَاء يَكْفُونَكُمْ. وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ الْأَسْلَمِيِّ هُوَ إِبْرَاهِيم بْن أَبِي يَحْيَى عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة أَنَّ أَوَّل مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاج عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , وَإِبْرَاهِيم ضَعِيف. وَتَابَعَهُ مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زُبَالَة وَهُوَ ضَعِيف أَيْضًا أَخْرَجَهُ الزُّبَيْر عَنْهُ عَنْ هِشَام , وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِي جَعْفَر الْبَاقِر قَالَ : كَسَاهَا يَزِيد بْن مُعَاوِيَة الدِّيبَاج , وَإِسْحَاق بْن أَبِي فَرْوَة ضَعِيف. وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ : أُخْبِرْت أَنَّ عُمَر كَانَ يَكْسُوهَا الْقَبَاطِيّ , وَأَخْبَرَنِي غَيْر وَاحِد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَسَاهَا الْقَبَاطِيّ وَالْحِبَرَات وَأَبُو بَكْر وَعُمْر وَعُثْمَان , وَأَوَّل مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاج عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان , وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْ الْفُقَهَاء قَالُوا أَصَابَ مَا نَعْلَم لَهَا مِنْ كِسْوَة أَوْفَق مِنْهُ. وَرَوَى أَبُو عَرُوبَة فِي \" الْأَوَائِل \" لَهُ عَنْ الْحَسَن قَالَ : أَوَّل مَنْ لَبَّسَ الْكَعْبَة الْقَبَاطِيّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرَوَى الْفَاكِهِيّ فِي \" كِتَاب مَكَّة \" مِنْ طَرِيق مِسْعَر عَنْ جَسْرَة قَالَ : أَصَابَ خَالِد بْن جَعْفَر بْن كِلَاب لَطِيمَة فِي الْجَاهِلِيَّة فِيهَا نَمَط مِنْ دِيبَاج , فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى الْكَعْبَة فَنِيطَ عَلَيْهَا , فَعَلَى هَذَا هُوَ أَوَّل مَنْ كَسَا الْكَعْبَة الدِّيبَاج. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُؤْتَلِف أَنَّ أَوَّل مَنْ كَسَا الْكَعْبَة الدِّيبَاج نَتِيلَة بِنْت جَنَاب وَالِدَة الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب كَانَتْ أَضَلَّتْ الْعَبَّاس صَغِيرًا فَنَذَرَتْ إِنْ وَجَدَتْهُ أَنْ تَكْسُوَ الْكَعْبَة الدِّيبَاج. وَذَكَرَ الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ أَنَّهَا أَضَلَّتْ اِبْنهَا ضِرَار بْن عَبْد الْمُطَّلِب شَقِيق الْعَبَّاس فَنَذَرَتْ إِنْ وَجَدَتْهُ أَنْ تَكْسُوَ الْبَيْت فَرَدَّهُ عَلَيْهَا رَجُل مِنْ جُذَام فَكَسَتْ الْكَعْبَة ثِيَابًا بِيضًا. وَهَذَا مَحْمُول عَلَى تَعَدُّد الْقِصَّة. وَحَكَى الْأَزْرَقِيّ أَنَّ مُعَاوِيَة كَسَاهَا الدِّيبَاج وَالْقَبَاطِيّ وَالْحِبَرَات , فَكَانَتْ تُكْسَى الدِّيبَاج يَوْم عَاشُورَاء وَالْقَبَاطِيّ فِي آخِر رَمَضَان , فَحَصَّلْنَا فِي أَوَّل مَنْ كَسَاهَا مُطْلَقًا عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال : إِسْمَاعِيل وَعَدْنَان وَتُبَّع وَهُوَ أَسْعَد الْمَذْكُور فِي الرِّوَايَة الْأُولَى , وَلَا تَعَارُض بَيْنَ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَسَاهَا الْأَنْطَاع وَالْوَصَائِل لِأَنَّ الْأَزْرَقِيّ حَكَى فِي \" كِتَاب مَكَّة \" أَنَّ تُبَّعًا أُرِيَ فِي الْمَنَام أَنْ يَكْسُوَ الْكَعْبَة فَكَسَاهَا الْأَنْطَاع , ثُمَّ أُرِيَ أَنْ يَكْسُوهَا فَكَسَاهَا الْوَصَائِل وَهِيَ ثِيَاب حِبَرَة مِنْ عَصَب الْيَمَن , ثُمَّ كَسَاهَا النَّاس بَعْده فِي الْجَاهِلِيَّة. وَيُجْمَع بَيْن الْأَقْوَال الثَّلَاثَة إِنْ كَانَتْ ثَابِتَة بِأَنَّ إِسْمَاعِيل أَوَّل مَنْ كَسَاهَا مُطْلَقًا , وَأَمَّا تُبَّع فَأَوَّل مَنْ كَسَاهَا مَا ذُكِرَ , وَأَمَّا عَدْنَان فَلَعَلَّهُ أَوَّل مَنْ كَسَاهَا بَعْدَ إِسْمَاعِيل , وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِل غَزْوَة الْفَتْح مَا يُشْعِر أَنَّهَا كَانَتْ تُكْسَى فِي رَمَضَان , وَحَصَّلْنَا فِي أَوَّل مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاج عَلَى سِتَّة أَقْوَال : خَالِد أَوْ نَتِيلَة أَوْ مُعَاوِيَة أَوْ يَزِيد أَوْ اِبْن الزُّبَيْر أَوْ الْحَجَّاج , وَيُجْمَع بَيْنهَا بِأَنَّ كِسْوَة خَالِد وَنَتِيلَة لَمْ تَشْمَلهَا كُلّهَا وَإِنَّمَا كَانَ فِيمَا كَسَاهَا شَيْء مِنْ الدِّيبَاج , وَأَمَّا مُعَاوِيَة فَلَعَلَّهُ كَسَاهَا فِي آخِر خِلَافَته فَصَادَفَ ذَلِكَ خِلَافَة اِبْنه يَزِيد , وَأَمَّا اِبْن الزُّبَيْر فَكَأَنَّهُ كَسَاهَا ذَلِكَ بَعْدَ تَجْدِيد عِمَارَتهَا فَأَوَّلِيَّته بِذَلِكَ الِاعْتِبَار , لَكِنْ لَمْ يُدَاوِم عَلَى كِسْوَتهَا الدِّيبَاج , فَلَمَّا كَسَاهَا الْحَجَّاج بِأَمْرِ عَبْد الْمَلِك اِسْتَمَرَّ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ أَوَّل مَنْ دَاوَمَ عَلَى كِسْوَتهَا الدِّيبَاج فِي كُلّ سَنَة. وَقَوْل اِبْن جُرَيْجٍ أَوَّل مَنْ كَسَاهَا ذَلِكَ عَبْد الْمَلِك يُوَافِق الْقَوْل الْأَخِير , فَإِنَّ الْحَجَّاج إِنَّمَا كَسَاهَا بِأَمْرِ عَبْد الْمَلِك. وَقَوْل اِبْن إِسْحَاق أَنَّ أَبَا بَكْر وَعُمَر لَمْ يُكْسِيَا الْكَعْبَة فِيهِ نَظَرٌ , لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَر كَانَ يَنْزِعهَا كُلّ سَنَة , لَكِنْ يُعَارِض ذَلِكَ مَا حَكَاهُ الْفَاكِهِيّ عَنْ بَعْض الْمَكِّيِّينَ أَنَّ شَيْبَة بْن عُثْمَان اِسْتَأْذَنَ مُعَاوِيَة فِي تَجْرِيد الْكَعْبَة فَأَذِنَ لَهُ فَكَانَ أَوَّل مَنْ جَرَّدَهَا مِنْ الْخُلَفَاء , وَكَانَتْ كِسْوَتهَا قَبْل ذَلِكَ تُطْرَح عَلَيْهَا شَيْئًا فَوْق شَيْء. وَقَدْ تَقَدَّمَ سُؤَال شَيْبَة لِعَائِشَة أَنَّهَا تَجْتَمِع عِنْدهمْ فَتَكْثُر. وَذَكَرَ الْأَزْرَقِيّ أَنَّ أَوَّل مَنْ ظَاهَرَ الْكَعْبَة بَيْنَ كِسْوَتَيْنِ عُثْمَان بْن عَفَّانَ. وَذَكَرَ الْفَاكِهِيّ أَنَّ أَوَّل مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاج الْأَبْيَض الْمَأْمُون بْن الرَّشِيد وَاسْتَمَرَّ بَعْده. وَكُسِيَتْ فِي أَيَّام الْفَاطِمِيِّينَ الدِّيبَاج الْأَبْيَض. وَكَسَاهَا مُحَمَّد بْن سُبُكْتَكِينَ دِيبَاجًا أَصْفَر , وَكَسَاهَا النَّاصِر الْعَبَّاسِيّ دِيبَاجًا أَخْضَر , ثُمَّ كَسَاهَا دِيبَاجًا أَسْوَد فَاسْتَمَرَّ إِلَى الْآن. وَلَمْ تَزَلْ الْمُلُوك يَتَدَاوَلُونَ كِسْوَتهَا إِلَى أَنْ وَقَفَ عَلَيْهَا الصَّالِح إِسْمَاعِيل بْن النَّاصِر فِي سَنَة ثَلَاث وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعمِائَةِ قَرْيَة مِنْ نَوَاحِي الْقَاهِرَة يُقَال لَهَا بَيْسُوس كَأَنْ اِشْتَرَى الثُّلُثَيْنِ مِنْهَا مِنْ وَكِيل بَيْت الْمَال ثُمَّ وَقَفَهَا كُلّهَا عَلَى هَذِهِ الْجِهَة فَاسْتَمَرَّ , وَلَمْ تَزَلْ تُكْسَى مِنْ هَذَا الْوَقْف إِلَى سَلْطَنَة الْمَلِك الْمُؤَيِّد شَيْخ سُلْطَان الْعَصْر فَكَسَاهَا مِنْ عِنْده سَنَة لِضَعْفِ وَقْفهَا , ثُمَّ فَوَّضَ أَمْرهَا إِلَى بَعْض أُمَنَائِهِ وَهُوَ الْقَاضِي زَيْن الدِّين عَبْد الْبَاسِط - بَسَطَ اللَّه لَهُ فِي رِزْقه وَعُمُرِهِ - فَبَالَغَ فِي تَحْسِينهَا بِحَيْثُ يَعْجِز الْوَاصِف عَنْ صِفَة حُسْنهَا جَزَاهُ اللَّه عَلَى ذَلِكَ أَفْضَل الْمُجَازَاة. وَحَاوَلَ مَلِك الشَّرْق شَاه رُوخ فِي سَلْطَنَة الْأَشْرَف بِرْسِبَاي أَنْ يَأْذَن لَهُ فِي كِسْوَة الْكَعْبَة فَامْتَنَعَ , فَعَادَ رَاسِله أَنْ يَأْذَن لَهُ أَنْ يَكْسُوهَا مِنْ دَاخِلهَا فَقَطْ فَأَبَى , فَعَادَ رَاسِله أَنْ يُرْسِل الْكِسْوَة إِلَيْهِ وَيُرْسِلهَا إِلَى الْكَعْبَة وَيَكْسُوهَا وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا , وَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَكْسُوهَا وَيُرِيد الْوَفَاء بِنَذْرِهِ , فَاسْتَفْتَى أَهْل الْعَصْر فَتَوَقَّفْت عَنْ الْجَوَاب وَأَشَرْت إِلَى أَنَّهُ إِنْ خُشِيَ مِنْهُ الْفِتْنَة فَيُجَاب دَفْعًا لِلضَّرَرِ , وَتَسَرَّعَ جَمَاعَة إِلَى عَدَم الْجَوَاز وَلَمْ يَسْتَنِدُوا إِلَى طَائِل , بَلْ إِلَى مُوَافَقَة هَوَى السُّلْطَان , وَمَاتَ الْأَشْرَف عَلَى ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1492",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَخْنَسِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ ‏ ‏أَفْحَجَ ‏ ‏يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عُبَيْد اللَّه بْن الْأَخْنَس ) ‏ ‏بِمُعْجَمَةِ وَنُون ثُمَّ مُهْمَلَة وَزْن الْأَحْمَر , وَعُبَيْد اللَّه بِالتَّصْغِيرِ كُوفِيّ يُكَنَّى أَبَا مَالِك. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنَّ بِهِ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا الْحَدِيث , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ فِي الْحَدِيث شَيْئًا حُذِفَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيث عَلِيّ عِنْدَ أَبِي عُبَيْد فِي \" غَرِيب الْحَدِيث \" مِنْ طَرِيق أَبِي الْعَالِيَة عَنْ عَلِيّ قَالَ : \" اِسْتَكْثِرُوا مِنْ الطَّوَاف بِهَذَا الْبَيْت قَبْلَ أَنْ يُحَال بَيْنكُمْ وَبَيْنه , فَكَأَنَّ بِرَجُلٍ مِنْ الْحَبَشَة أَصْلَع - أَوْ قَالَ أَصْمَع - حَمْش السَّاقَيْنِ قَاعِد عَلَيْهَا وَهِيَ تُهْدَم \" وَرَوَاهُ الْفَاكِهِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه وَلَفْظه \" أَصْعَل \" بَدَل أَصْلَع وَقَالَ \" قَائِمًا عَلَيْهَا يَهْدِمهَا بِمِسْحَاتِهِ \" وَرَوَاهُ يَحْيَى الْحِمَّانِيّ فِي مُسْنَده مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَلِيّ مَرْفُوعًا. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنِّي بِهِ أَسْوَد أَفْحَج ) ‏ ‏بِوَزْنِ أَفْعَل بِفَاءِ ثُمَّ حَاء ثُمَّ جِيم , وَالْفَحَج تَبَاعُد مَا بَيْنَ السَّاقَيْنِ , قَالَ الْطِيبِيُّ وَفِي إِعْرَابه أَوْجُه : قِيلَ هُوَ حَال مِنْ خَبَر كَانَ وَهُوَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الَّذِي أَشْبَهَ الْفِعْل , وَقِيلَ هُمَا حَالَانِ مِنْ خَبَر كَانَ وَذُو الْحَال إِمَّا الْمُسْتَقِرّ الْمَرْفُوع أَوْ الْمَجْرُور وَالثَّانِي أَشْبَه أَوْ هُمَا بَدَلَانِ مِنْ الضَّمِير الْمَجْرُور , وَعَلَى كُلّ حَال يَلْزَم إِضْمَار قَبْلَ الذِّكْر , وَهُوَ مُبْهَم يُفَسِّرهُ مَا بَعْده كَقَوْلِك رَأَيْته رَجُلًا , وَقِيلَ هُمَا مَنْصُوبَانِ عَلَى التَّمْيِيز. وَقَوْله \" حَجَرًا حَجَرًا \" حَال كَقَوْلِك بَوَّبْته بَابًا بَابًا , وَقَوْله فِي حَدِيث عَلِيّ \" أَصْلَع أَوْ أَصْعَل أَوْ أَصْمَع \" الْأَصْلَع مَنْ ذَهَبَ شَعْر مُقَدَّم رَأْسه , وَالْأَصْعَل الصَّغِير الرَّأْس , وَالْأَصْمَع الصَّغِير الْأُذُنَيْنِ. وَقَوْله \" حَمْش السَّاقَيْنِ \" بِحَاءِ مُهْمَلَة وَمِيم سَاكِنَة ثُمَّ مُعْجَمَة أَيْ دَقِيق السَّاقَيْنِ , وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة \" ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ \" كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( يَقْلَعهَا حَجَرًا حَجَرًا ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْفَاكِهِيّ فِي آخِره \" يَعْنِي الْكَعْبَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "1493",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُخَرِّبُ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏",
        "sharh": "\" 2531 \" ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ اللَّيْث عَنْ يُونُس , وَتَابَعَهُ عَبْد اللَّه بْن وَهْب عَنْ يُونُس عِنْدَ أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج , وَخَالَفَهُمَا اِبْن الْمُبَارَك فَرَوَاهُ عَنْ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ فَقَالَ عَنْ سُحَيْمٍ مَوْلَى بَنِي زُهْرَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَوَاهُ الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق نُعَيْم بْن حَمَّاد عَنْ اِبْن الْمُبَارَك , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَكُون لِلزُّهْرِيِّ فِيهِ شَيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ ) ‏ ‏تَثْنِيَة سُوَيْقَة وَهِيَ تَصْغِير سَاقَ أَيْ لَهُ سَاقَانِ دَقِيقَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْحَبَشَة ) ‏ ‏أَيْ رَجُل مِنْ الْحَبَشَة , وَوَقَعَ هَذَا الْحَدِيث عِنْدَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن سَمْعَان عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِأَتَمّ مِنْ هَذَا السِّيَاق وَلَفْظه \" يُبَايِع لِلرَّجُلِ بَيْنَ الرُّكْن وَالْمَقَام , وَلَنْ يَسْتَحِلّ هَذَا الْبَيْت إِلَّا أَهْله , فَإِذَا اِسْتَحَلُّوهُ فَلَا تَسْأَل عَنْ هَلَكَة الْعَرَب , ثُمَّ تَجِيء الْحَبَشَة فَيُخَرِّبُونَهُ خَرَابًا لَا يَعْمُر بَعْده أَبَدًا , وَهُمْ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ كَنْزه \" وَلِأَبِي قُرَّة فِي \" السُّنَن \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" لَا يَسْتَخْرِج كَنْز الْكَعْبَة إِلَّا ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَة \" وَنَحْوه لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ , وَزَادَ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْهُ \" فَيَسْلُبهَا حِلْيَتهَا وَيُجَرِّدهَا مِنْ كِسْوَتهَا , كَأَنِّي أَنْظُر إِلَيْهِ أُصَيْلِع أُفَيْدِع يَضْرِب عَلَيْهَا بِمِسْحَاتِهِ أَوْ بِمِعْوَلِهِ \". وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد نَحْوه وَزَادَ \" قَالَ مُجَاهِد : فَلَمَّا هَدَمَ اِبْن الزُّبَيْر الْكَعْبَة جِئْت أَنْظُر إِلَيْهِ هَلْ أَرَى الصِّفَة الَّتِي قَالَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فَلَمْ أَرَهَا \" قِيلَ : هَذَا الْحَدِيث يُخَالِف قَوْله تَعَالَى ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا ) وَلِأَنَّ اللَّه حَبَسَ عَنْ مَكَّة الْفِيل وَلَمْ يُمَكِّن أَصْحَابه مِنْ تَخْرِيب الْكَعْبَة وَلَمْ تَكُنْ إِذْ ذَاكَ قِبْلَة , فَكَيْفَ يُسَلِّط عَلَيْهَا الْحَبَشَة بَعْدَ أَنْ صَارَتْ قِبْلَة لِلْمُسْلِمِينَ ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ يَقَع فِي آخِر الزَّمَان قُرْب قِيَام السَّاعَة حَيْثُ لَا يَبْقَى فِي الْأَرْض أَحَد يَقُول اللَّهُ اللَّهُ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى لَا يُقَال فِي الْأَرْض اللَّهُ اللَّهُ \" وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن سَمْعَان \" لَا يَعْمُر بَعْده أَبَدًا \" وَقَدْ وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ الْقِتَال وَغَزْو أَهْل الشَّامّ لَهُ فِي زَمَن يَزِيد بْن مُعَاوِيَة ثُمَّ مِنْ بَعْده فِي وَقَائِع كَثِيرَة مِنْ أَعْظَمهَا وَقْعَة الْقَرَامِطَة بَعْدَ الثَّلَاثمِائَةِ فَقَتَلُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَطَاف مَنْ لَا يُحْصَى كَثْرَة وَقَلَعُوا الْحَجَر الْأَسْوَد فَحَوَّلُوهُ إِلَى بِلَادهمْ ثُمَّ أَعَادُوهُ بَعْدَ مُدَّة طَوِيلَة , ثُمَّ غُزِيَ مِرَارًا بَعْدَ ذَلِكَ , كُلّ ذَلِكَ لَا يُعَارِض قَوْله تَعَالَى ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا ) لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَقَعَ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مُطَابِق لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَنْ يَسْتَحِلّ هَذَا الْبَيْت إِلَّا أَهْله \" , فَوَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ مِنْ عَلَامَات نُبُوَّته , وَلَيْسَ فِي الْآيَة مَا يَدُلّ عَلَى اِسْتِمْرَار الْأَمْن الْمَذْكُور فِيهَا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1494",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ‏ ‏وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد النَّخَعِيُّ , وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ بِإِسْنَادٍ آخَر عَنْ إِبْرَاهِيم وَهُوَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى عَنْ سُوَيْدِ بْن غَفَلَةَ عَنْ عُمَر أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي أَعْلَم أَنَّك حَجَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَسْلَمَ الْآتِيَة بَعْدَ بَاب عَنْ عُمَر أَنَّهُ قَالَ \" أَمَا وَاَللَّه إِنِّي لَأَعْلَم أَنَّك \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع ) ‏ ‏أَيْ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه , وَقَدْ رَوَى الْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد أَنَّ عُمَر لَمَّا قَالَ هَذَا قَالَ لَهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب إِنَّهُ يَضُرّ وَيَنْفَع , وَذَكَرَ أَنَّ اللَّه لَمَّا أَخَذَ الْمَوَاثِيق عَلَى وَلَد آدَم كَتَبَ ذَلِكَ فِي رَقٍّ وَأَلْقَمَهُ الْحَجَر , قَالَ : وَقَدْ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" يُؤْتَى يَوْم الْقِيَامَة بِالْحَجَرِ الْأَسْوَد وَلَهُ لِسَان ذَلْق يَشْهَد لِمَنْ اِسْتَلَمَهُ بِالتَّوْحِيدِ \" وَفِي إِسْنَاده أَبُو هَارُون الْعَبْدِيُّ وَهُوَ ضَعِيف جِدًّا , وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْه آخَر مَا يُشْعِر بِأَنَّ عُمَر رَفَعَ قَوْله ذَلِكَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" رَأَيْت عُمَر قَبَّلَ الْحَجَر ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ : إِنَّك حَجَر لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع , وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَك مَا قَبَّلْتُك \" ثُمَّ قَالَ \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ مِثْل ذَلِكَ \" قَالَ الطَّبَرِيُّ : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عُمَر لِأَنَّ النَّاس كَانُوا حَدِيثِي عَهْد بِعِبَادَةِ الْأَصْنَام فَخَشِيَ عُمَر أَنْ يَظُنّ الْجُهَّال أَنَّ اِسْتِلَام الْحَجَر مِنْ بَاب تَعْظِيم بَعْض الْأَحْجَار كَمَا كَانَتْ الْعَرَب تَفْعَل فِي الْجَاهِلِيَّة فَأَرَادَ عُمَر أَنْ يُعَلِّم النَّاس أَنَّ اِسْتِلَامه اِتِّبَاع لِفِعْلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا لِأَنَّ الْحَجَر يَنْفَع وَيَضُرّ بِذَاتِهِ كَمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَعْتَقِدهُ فِي الْأَوْثَان , وَقَالَ الْمُهَلَّب : حَدِيث عُمَر هَذَا يَرُدّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ الْحَجَر يَمِين اللَّه فِي الْأَرْض يُصَافِح بِهَا عِبَاده , وَمَعَاذ اللَّه أَنْ يَكُون لِلَّهِ جَارِحَة , وَإِنَّمَا شُرِعَ تَقْبِيله اِخْتِيَارًا لِيُعْلَم بِالْمُشَاهَدَةِ طَاعَة مَنْ يُطِيع , وَذَلِكَ شَبِيه بِقِصَّةِ إِبْلِيس حَيْثُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَم. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى أَنَّهُ يَمِين اللَّه فِي الْأَرْض أَنَّ مَنْ صَافَحَهُ فِي الْأَرْض كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّه عَهْد , وَجَرَتْ الْعَادَة بِأَنَّ الْعَهْد يَعْقِدهُ الْمَلِك بِالْمُصَافَحَةِ لِمَنْ يُرِيد مُوَالَاته وَالِاخْتِصَاص بِهِ فَخَاطَبَهُمْ بِمَا يَعْهَدُونَهُ. وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ كُلّ مَلِك إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ الْوَافِد قَبَّلَ يَمِينه فَلَمَّا كَانَ الْحَاجّ أَوَّل مَا يَقْدَم يُسَنّ لَهُ تَقْبِيله نُزِّلَ مَنْزِلَة يَمِين الْمَلِك وَلِلَّهِ الْمَثَل الْأَعْلَى. وَفِي قَوْل عُمَر هَذَا التَّسْلِيم لِلشَّارِعِ فِي أُمُور الدِّين وَحُسْن الِاتِّبَاع فِيمَا لَمْ يَكْشِف عَنْ مَعَانِيهَا , وَهُوَ قَاعِدَة عَظِيمَة فِي اِتِّبَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَفْعَلهُ وَلَوْ لَمْ يَعْلَم الْحِكْمَة فِيهِ , وَفِيهِ دَفْع مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الْجُهَّال مِنْ أَنَّ فِي الْحَجَر الْأَسْوَد خَاصَّة تَرْجِع إِلَى ذَاته , وَفِيهِ بَيَان السُّنَن بِالْقَوْلِ وَالْفِعْل , وَأَنَّ الْإِمَام إِذَا خَشِيَ عَلَى أَحَد مِنْ فِعْله فَسَاد اِعْتِقَاده أَنْ يُبَادِر إِلَى بَيَان الْأَمْر وَيُوَضِّح ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى التَّقْبِيل وَالِاسْتِلَام بَعْدَ تِسْعَة أَبْوَاب. قَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" : فِيهِ كَرَاهَة تَقْبِيل مَا لَمْ يَرِدْ الشَّرْع بِتَقْبِيلِهِ , وَأَمَّا قَوْل الشَّافِعِيّ وَمَهْمَا قَبَّلَ مِنْ الْبَيْت فَحَسَن فَلَمْ يُرِدْ بِهِ الِاسْتِحْبَاب لِأَنَّ الْمُبَاح مِنْ جُمْلَة الْحَسَن عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏اِعْتَرَضَ بَعْض الْمُلْحِدِينَ عَلَى الْحَدِيث الْمَاضِي فَقَالَ : كَيْفَ سَوَّدَتْهُ خَطَايَا الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ تُبَيِّضهُ طَاعَات أَهْل التَّوْحِيد ؟ وَأُجِيبَ بِمَا قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : لَوْ شَاءَ اللَّه لَكَانَ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا أَجْرَى اللَّه الْعَادَة بِأَنَّ السَّوَاد يَصْبُغ , وَلَا يَنْصَبِغ عَلَى الْعَكْس مِنْ الْبَيَاض. وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ : فِي بَقَائِهِ أَسْوَد عِبْرَة لِمَنْ لَهُ بَصِيرَة , فَإِنَّ الْخَطَايَا إِذَا أَثَّرَتْ فِي الْحَجَر الصَّلْد فَتَأْثِيرهَا فِي الْقَلْب أَشَدّ. قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس إِنَّمَا غَيَّرَهُ بِالسَّوَادِ لِئَلَّا يَنْظُر أَهْل الدُّنْيَا إِلَى زِينَة الْجَنَّة , فَإِنْ ثَبَتَ فَهَذَا هُوَ الْجَوَاب. قُلْت : أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي فَضَائِل مَكَّة بِإِسْنَادٍ ضَعِيف وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1495",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏هُوَ ‏ ‏وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ ‏ ‏فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ فَلَقِيتُ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْت ) ‏ ‏كَانَ ذَلِكَ فِي عَام الْفَتْح كَمَا وَقَعَ مُبَيَّنًا مِنْ رِوَايَة يُونُس بْن يَزِيد عَنْ نَافِع عِنْدَ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الْجِهَاد بِزِيَادَةِ فَوَائِد وَلَفْظه \" أَقْبَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْفَتْح مِنْ أَعْلَى مَكَّة عَلَى رَاحِلَته \" وَفِي رِوَايَة فُلَيْح عَنْ نَافِع الْآتِيَة فِي الْمَغَازِي \" وَهُوَ مُرْدِف أُسَامَة - يَعْنِي اِبْن زَيْد - عَلَى الْقَصْوَاء , ثُمَّ اِتَّفَقَا وَمَعَهُ بِلَال وَعُثْمَان بْن طَلْحَة حَتَّى أَنَاخَ فِي الْمَسْجِد \" وَفِي رِوَايَة فُلَيْح \" عِنْدَ الْبَيْت , وَقَالَ لِعُثْمَان اِئْتِنَا بِالْمِفْتَاحِ , فَجَاءَهُ بِالْمِفْتَاحِ فَفَتْح لَهُ الْبَاب فَدَخَلَ \" وَلِمُسْلِمٍ وَعَبْد الرَّزَّاق مِنْ رِوَايَة أَيُّوب عَنْ نَافِع \" ثُمَّ دَعَا عُثْمَان بْن طَلْحَة بِالْمِفْتَاحِ فَذَهَبَ إِلَى أُمّه فَأَبَتْ أَنْ تُعْطِيه , فَقَالَ : وَاَللَّه لَتُعْطِيَنَّهُ أَوْ لَأُخْرِجَنَّ هَذَا السَّيْف مِنْ صُلْبِي , فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَعْطَتْهُ , فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَتَحَ الْبَاب \" فَظَهَرَ مِنْ رِوَايَة فُلَيْح أَنَّ فَاعِل فَتَحَ هُوَ عُثْمَان الْمَذْكُور , لَكِنْ رَوَى الْفَاكِهِيّ - مِنْ طَرِيق ضَعِيفَة - عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" كَانَ بَنُو أَبِي طَلْحَة يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيع أَحَد فَتْح الْكَعْبَة غَيْرهمْ , فَأَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِفْتَاح فَفَتَحَهَا بِيَدِهِ \" وَعُثْمَان الْمَذْكُور هُوَ عُثْمَان بْن طَلْحَة بْن أَبِي طَلْحَة بْن عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد الدَّار بْن قُصَيّ بْن كِلَاب , وَيُقَال لَهُ الْحَجَبِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْجِيم , وَلِآلِ بَيْته الْحَجَبَة لِحَجْبِهِمْ الْكَعْبَة , وَيُعْرَفُونَ الْآن بِالشَّيْبِيِّينَ نِسْبَة إِلَى شَيْبَة بْن عُثْمَان بْن أَبِي طَلْحَة وَهُوَ اِبْن عَمِّ عُثْمَان هَذَا لَا وَلَده , وَلَهُ أَيْضًا صُحْبَة وَرِوَايَة , وَاسْم أُمّ عُثْمَان الْمَذْكُورَة سُلَافَة بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَالتَّخْفِيف وَالْفَاء. ‏ ‏قَوْله : ( هُوَ وَأُسَامَة بْن زَيْد وَبِلَال وَعُثْمَان ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أُخْرَى \" وَلَمْ يَدْخُلهَا مَعَهُمْ أَحَد \" وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن عَوْن عَنْ نَافِع \" وَمَعَهُ الْفَضْل بْن عَبَّاس وَأُسَامَة وَبِلَال وَعُثْمَان \" زَادَ الْفَضْل , وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" حَدَّثَنِي أَخِي الْفَضْل - وَكَانَ مَعَهُ حِينَ دَخَلَهَا - أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَة \" وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْدَ بَابَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة حَسَّان بْن عَطِيَّة عَنْ نَافِع عِنْدَ أَبِي عَوَانَة \" مِنْ دَاخِل \" وَزَادَ يُونُس \" فَمَكَثَ نَهَارًا طَوِيلًا \" وَفِي رِوَايَة فُلَيْح \" زَمَانًا \" بَدَل نَهَارًا , وَفِي رِوَايَة جُوَيْرِيَة عَنْ نَافِع الَّتِي مَضَتْ فِي أَوَائِل الصَّلَاة \" فَأَطَالَ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة اِبْن عَوْن عَنْ نَافِع \" فَمَكَثَ فِيهَا مَلِيًّا \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع \" فَأَجَافُوا عَلَيْهِمْ الْبَاب طَوِيلًا \" وَمِنْ رِوَايَة أَيُّوب عَنْ نَافِع \" فَمَكَثَ فِيهَا سَاعَة \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَة \" فَوَجَدْت شَيْئًا فَذَهَبْت ثُمَّ جِئْت سَرِيعًا فَوَجَدْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجًا مِنْهَا \" وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأ بِلَفْظِ \" فَأَغْلَقَاهَا عَلَيْهِ \" وَالضَّمِير لِعُثْمَان وَبِلَال , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق اِبْن عَوْن عَنْ نَافِع \" فَأَجَافَ عَلَيْهِمْ عُثْمَان الْبَاب \" , وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ عُثْمَان هُوَ الْمُبَاشِر لِذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ وَظِيفَته , وَلَعَلَّ بِلَالًا سَاعَدَهُ فِي ذَلِكَ. وَرِوَايَة الْجَمْع يَدْخُل فِيهَا الْآمِر بِذَلِكَ وَالرَّاضِي بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْت أَوَّل مَنْ وَلَجَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة فُلَيْح \" ثُمَّ خَرَجَ فَابْتَدَرَ النَّاس الدُّخُول فَسَبَقْتهمْ \" وَفِي رِوَايَة أَيُّوب \" وَكُنْت رَجُلًا شَابًّا قَوِيًّا فَبَادَرْت النَّاس فَبَدَرْتهمْ \" وَفِي رِوَايَة جُوَيْرِيَة \" كُنْت أَوَّل النَّاس وَلَجَ عَلَى أَثَره \" وَفِي رِوَايَة اِبْن عَوْن \" فَرَقِيت الدَّرَجَة فَدَخَلْت الْبَيْت \" وَفِي رِوَايَة مُجَاهِد الْمَاضِيَة فِي أَوَائِل الصَّلَاة عَنْ اِبْن عُمَر \" وَأَجِد بِلَالًا قَائِمًا بَيْنَ الْبَابَيْنِ \" وَأَفَادَ الْأَزْرَقِيّ فِي \" كِتَاب مَكَّة \" أَنَّ خَالِد بْن الْوَلِيد كَانَ عَلَى الْبَاب يَذُبّ عَنْهُ النَّاس , وَكَأَنَّهُ جَاءَ بَعْدَمَا دَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَغْلَقَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَقِيت بِلَالًا فَسَأَلْته ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ نَافِع الْمَاضِيَة فِي أَوَائِل الصَّلَاة \" مَا صَنَعَ \" ؟ وَفِي رِوَايَة جُوَيْرِيَة وَيُونُس وَجُمْهُور أَصْحَاب نَافِع \" فَسَأَلْت بِلَالًا أَيْنَ صَلَّى \" ؟ اِخْتَصَرُوا أَوَّل السُّؤَال , وَثَبَتَ فِي رِوَايَة سَالِم هَذِهِ حَيْثُ قَالَ \" هَلْ صَلَّى فِيهِ ؟ قَالَ نَعَمْ \" وَكَذَا فِي رِوَايَة مُجَاهِد وَابْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ اِبْن عُمَر \" فَقُلْت : أَصَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَعْبَة ؟ قَالَ نَعَمْ \" فَظَهَرَ أَنَّهُ اِسْتَثْبَتَ أَوَّلًا هَلْ صَلَّى أَوْ لَا , ثُمَّ سَأَلَ عَنْ مَوْضِع صَلَاته مِنْ الْبَيْت. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْدَ مُسْلِم \" فَأَخْبَرَنِي بِلَال أَوْ عُثْمَان بْن طَلْحَة \" عَلَى الشَّكّ , وَالْمَحْفُوظ أَنَّهُ سَأَلَ بِلَالًا كَمَا فِي رِوَايَة الْجُمْهُور : وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ سَأَلَ بِلَالًا وَأُسَامَة بْن زَيْد حِينَ خَرَجَا \" أَيْنَ صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ ؟ فَقَالَا عَلَى جِهَته \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّار نَحْوه , وَلِأَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي الشَّعْثَاء عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" أَخْبَرَنِي أُسَامَة أَنَّهُ صَلَّى فِيهِ هَاهُنَا \" وَلِمُسْلِمٍ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْه آخَر \" فَقُلْت أَيْنَ صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا \" فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ اِبْتَدَأَ بِلَالًا بِالسُّؤَالِ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيله , ثُمَّ أَرَادَ زِيَادَة الِاسْتِثْبَات فِي مَكَان الصَّلَاة فَسَأَلَ عُثْمَان أَيْضًا وَأُسَامَة , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ قَوْله فِي رِوَايَة اِبْن عَوْن عِنْدَ مُسْلِم \" وَنَسِيت أَنْ أَسْأَلهُمْ كَمْ صَلَّى \" بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَزْم عِيَاض بِوَهْمِ الرِّوَايَة الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا مِنْ عِنْدَ مُسْلِم , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَى بَقِيَّة الرِّوَايَات , وَلَا يُعَارِض قِصَّتَهُ مَعَ قِصَّة أُسَامَة مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ أُسَامَة بْن زَيْد أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ فِيهِ , وَلَكِنَّهُ كَبَّرَ فِي نَوَاحِيه. فَإِنَّهُ يُمْكِن الْجَمْع بَيْنهمَا بِأَنَّ أُسَامَة حَيْثُ أَثْبَتَهَا اِعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى غَيْره , وَحَيْثُ نَفَاهَا أَرَادَ مَا فِي عِلْمه لِكَوْنِهِ لَمْ يَرَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ صَلَّى. وَسَيَأْتِي مَزِيد بَسْط فِيهِ بَعْدَ بَابَيْنِ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَة \" بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ \" وَفِي رِوَايَة مَالِك عَنْ نَافِع \" جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَمِينه وَعَمُودًا عَنْ يَسَاره \" وَفِي رِوَايَة عَنْهُ \" عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينه \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي \" بَاب الصَّلَاة بَيْنَ السَّوَارِي \" بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته , لَكِنْ نَذْكُر هُنَا مَا لَمْ يَتَقَدَّم ذِكْره ; فَوَقَعَ فِي رِوَايَة فُلَيْح الْآتِيَة فِي الْمَغَازِي \" بَيْن ذَيْنك الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ , وَكَانَ الْبَيْت عَلَى سِتَّة أَعْمِدَة سَطْرَيْنِ , صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ مِنْ السَّطْر الْمُقَدَّم وَجَعَلَ بَاب الْبَيْت خَلْف ظَهْره \" وَقَالَ فِي آخِر رِوَايَته \" وَعِنْدَ الْمَكَان الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَرْمَرَة حَمْرَاء \" وَكُلّ هَذَا إِخْبَار عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ الْبَيْت قَبْل أَنْ يُهْدَم وَيُبْنَى فِي زَمَن اِبْن الزُّبَيْر , فَأَمَّا الْآن فَقَدْ بَيَّنَ مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي رِوَايَته عَنْ نَافِع كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه أَنَّ بَيْنَ مَوْقِفه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْجِدَار الَّذِي اِسْتَقْبَلَهُ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَة أَذْرُع , وَجَزَمَ بِرَفْعِ هَذِهِ الزِّيَادَة مَالِك عَنْ نَافِع فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بِي مَهْدِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي \" الْغَرَائِب \" مِنْ طَرِيقه وَطَرِيق عَبْد اللَّه بْن وَهْب وَغَيْرهمَا عَنْهُ وَلَفْظه \" وَصَلَّى وَبَيْنه وَبَيْنَ الْقِبْلَة ثَلَاثَة أَذْرُع \" وَكَذَا أَخْرَجَهَا أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق هِشَام بْن سَعْد عَنْ نَافِع , وَهَذَا فِيهِ الْجَزْم بِثَلَاثَةِ أَذْرُع , لَكِنْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك بِلَفْظِ \" نَحْو مِنْ ثَلَاثَة أَذْرُع \" وَهِيَ مُوَافِقَة لِرِوَايَةِ مُوسَى بْن عُقْبَةَ. وَفِي \" كِتَاب مَكَّة \" لِلْأَزْرَقِيِّ وَالْفَاكِهِيّ مِنْ وَجْه آخَر أَنَّ مُعَاوِيَة سَأَلَ اِبْن عُمَر \" أَيْنَ صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : اِجْعَلْ بَيْنك وَبَيْنَ الْجِدَار ذِرَاعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة \" فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ الِاتِّبَاع فِي ذَلِكَ أَنْ يَجْعَل بَيْنه وَبَيْنَ الْجِدَار ثَلَاثَة أَذْرُع فَإِنَّهُ تَقَع قَدَمَاهُ فِي مَكَان قَدَمَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ كَانَتْ ثَلَاثَة أَذْرُع سَوَاء , وَتَقَع رُكْبَتَاهُ أَوْ يَدَاهُ وَوَجْهه إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَة وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا مِقْدَار صَلَاته حِينَئِذٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي أَوَائِل الصَّلَاة , وَأَشَرْت إِلَى الْجَمْع بَيْنَ رِوَايَة مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ رِوَايَة مَنْ رَوَى عَنْ نَافِع أَنَّ اِبْن عُمَر قَالَ نَسِيت أَنْ أَسْأَلهُ كَمْ صَلَّى , وَإِلَى الرَّدّ عَلَى مِنْ زَعَمَ أَنَّ رِوَايَة مُجَاهِد غَلَط بِمَا فِيهِ مُقَنَّع بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد : رِوَايَة الصَّاحِب عَنْ الصَّاحِب , وَسُؤَال الْمَفْضُول مَعَ وُجُود الْأَفْضَل وَالِاكْتِفَاء بِهِ , وَالْحُجَّة بِخَبَرِ الْوَاحِد , وَلَا يُقَال هُوَ أَيْضًا خَبَر وَاجِد فَكَيْفَ يُحْتَجّ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ ؟ لِأَنَّا نَقُول : هُوَ فَرْد يَنْضَمّ إِلَى نَظَائِر مِثْله يُوجِب الْعِلْم بِذَلِكَ , وَفِيهِ اِخْتِصَاص السَّابِق بِالْبُقْعَةِ الْفَاضِلَة , وَفِيهِ السُّؤَال عَنْ الْعِلْم وَالْحِرْص فِيهِ , وَفَضِيلَة اِبْن عُمَر لِشِدَّةِ حِرْصه عَلَى تَتَبُّع آثَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَعْمَل بِهَا , وَفِيهِ أَنَّ الْفَاضِل مِنْ الصَّحَابَة قَدْ كَانَ يَغِيب عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْض الْمَشَاهِد الْفَاضِلَة وَيَحْضُرهُ مَنْ هُوَ دُونه فَيَطَّلِع عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِع عَلَيْهِ , لِأَنَّ أَبَا بَكْر وَعُمَر وَغَيْرهمَا مِمَّنْ هُوَ أَفْضَل مِنْ بِلَال وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي ذَلِكَ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّف فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ الصَّلَاة إِلَى الْمَقَام غَيْر وَاجِبَة , وَعَلَى جَوَاز الصَّلَاة بَيْنَ السَّوَارِي فِي غَيْر الْجَمَاعَة , وَعَلَى مَشْرُوعِيَّة الْأَبْوَاب وَالْغَلْق لِلْمَسَاجِدِ , وَفِيهِ أَنَّ السُّتْرَة إِنَّمَا تُشْرَع حَيْثُ يُخْشَى الْمُرُور فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَلَمْ يُصَلِّ إِلَى أَحَدهمَا , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِلِاكْتِفَاءِ بِالْقُرْبِ مِنْ الْجِدَار كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ مُصَلَّاهُ وَالْجِدَار نَحْو ثَلَاثَة أَذْرُع , وَبِذَلِكَ تَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ عَلَى أَنَّ حَدّ الدُّنُوّ مِنْ السُّتْرَة أَنْ لَا يَكُون بَيْنهمَا أَكْثَر مِنْ ثَلَاثَة أَذْرُع , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ قَوْل الْعُلَمَاء تَحِيَّة الْمَسْجِد الْحَرَام الطَّوَاف مَخْصُوص بِغَيْرِ دَاخِل الْكَعْبَة لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ فَأَنَاخَ عِنْد الْبَيْت فَدَخَلَهُ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ فَكَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاة إِمَّا لِكَوْنِ الْكَعْبَة كَالْمَسْجِدِ الْمُسْتَقِلّ أَوْ هُوَ تَحِيَّة الْمَسْجِد الْعَامّ وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب دُخُول الْكَعْبَة , وَقَدْ رَوَى اِبْن خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا \" مَنْ دَخَلَ الْبَيْت دَخَلَ فِي حَسَنَة وَخَرَجَ مَغْفُورًا لَهُ \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْد اللَّه بْن الْمُؤَمِّل وَهُوَ ضَعِيف , وَمَحَلّ اِسْتِحْبَابه مَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا بِدُخُولِهِ. وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ قَوْل اِبْن عَبَّاس : أَنَّ دُخُول الْبَيْت لَيْسَ مِنْ الْحَجّ فِي شَيْء , وَحَكَى الْقُرْطُبِيّ عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّ دُخُول الْبَيْت مِنْ مَنَاسِك الْحَجّ , وَرَدَّهُ بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا دَخَلَهُ عَام الْفَتْح وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مُحْرِمًا , وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَابْن خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِم عَنْ عَائِشَة \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ عِنْدهَا وَهُوَ قَرِير الْعَيْن ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ كَئِيب فَقَالَ : دَخَلْت الْكَعْبَة فَأَخَاف أَنْ أَكُون شَقَقْت عَلَى أُمَّتِي \" فَقَدْ يُتَمَسَّك بِهِ لِصَاحِبِ هَذَا الْقَوْل الْمَحْكِيّ لِكَوْنِ عَائِشَة لَمْ تَكُنْ مَعَهُ فِي الْفَتْح وَلَا فِي عُمْرَته , بَلْ سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل فِي الْكَعْبَة فِي عُمْرَته , فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْقِصَّة كَانَتْ فِي حَجَّته وَهُوَ الْمَطْلُوب , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ , وَإِنَّمَا لَمْ يَدْخُل فِي عُمْرَته لِمَا كَانَ فِي الْبَيْت مِنْ الْأَصْنَام وَالصُّوَر كَمَا سَيَأْتِي , وَكَانَ إِذْ ذَاكَ لَا يُتَمَكَّن مِنْ إِزَالَتهَا , بِخِلَافِ عَام الْفَتْح. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ لِعَائِشَة بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ رُجُوعه فَلَيْسَ فِي السِّيَاق مَا يَمْنَع ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي النَّقْل عَنْ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل الْكَعْبَة فِي حَجَّته. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الصَّلَاة فِي الْكَعْبَة وَهُوَ ظَاهِر فِي النَّفْل , وَيَلْتَحِق بِهِ الْفَرْض إِذْ لَا فَرْق بَيْنهمَا فِي مَسْأَلَة الِاسْتِقْبَال لِلْمُقِيمِ وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس لَا تَصِحّ الصَّلَاة دَاخِلهَا مُطْلَقًا , وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ اِسْتِدْبَار بَعْضهَا وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْر بِاسْتِقْبَالِهَا فَيُحْمَل عَلَى اِسْتِقْبَال جَمِيعهَا , وَقَالَ بِهِ بَعْض الْمَالِكِيَّة وَالظَّاهِرِيَّة وَالطَّبَرِيّ , وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : الْمَشْهُور فِي الْمَذْهَب مَنْع صَلَاة الْفَرْض دَاخِلهَا وَوُجُوب الْإِعَادَة , وَعَنْ اِبْن عَبْد الْحَكَم الْإِجْزَاء , وَصَحَّحَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَابْن الْعَرَبِيّ. وَعَنْ اِبْن حَبِيب يُعِيد أَبَدًا , وَعَنْ أَصْبَغَ إِنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا , وَأَطْلَقَ التِّرْمِذِيّ عَنْ مَالِك جَوَاز النَّوَافِل , وَقَيَّدَهُ بَعْض أَصْحَابه بِغَيْرِ الرَّوَاتِب وَمَا تَسَرَّعَ فِيهِ الْجَمَاعَة , وَفِي \" شَرْح الْعُمْدَة \" لِابْنِ دَقِيق الْعِيد : كَرِهَ مَالِك الْفَرْض أَوْ مَنَعَهُ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى اِخْتِلَاف النَّقْل عَنْهُ فِي ذَلِكَ , وَيَلْتَحِق بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة الصَّلَاة فِي الْحِجْر. وَيَأْتِي فِيهَا الْخِلَاف السَّابِق فِي أَوَّل الْبَاب فِي الصَّلَاة إِلَى جِهَة الْبَاب , نَعَمْ إِذَا اِسْتَدْبَرَ الْكَعْبَة وَاسْتَقْبَلَ الْحِجْر لَمْ يَصِحّ عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ تِلْكَ الْجِهَة مِنْهُ لَيْسَتْ مِنْ الْكَعْبَة , وَمِنْ الْمُشْكِل مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيّ فِي \" زَوَائِد الرَّوْضَة \" عَنْ الْأَصْحَاب أَنَّ صَلَاة الْفَرْض دَاخِل الْكَعْبَة - إِنْ لَمْ يَرْجُ جَمَاعَة - أَفْضَل مِنْهَا خَارِجهَا , وَوَجْه الْإِشْكَال أَنَّ الصَّلَاة خَارِجهَا مُتَّفَق عَلَى صِحَّتهَا بَيْنَ الْعُلَمَاء بِخِلَافِ دَاخِلهَا , فَكَيْفَ يَكُون الْمُخْتَلَف فِي صِحَّته أَفْضَل مِنْ الْمُتَّفَق. ‏"
    },
    {
        "id": "1496",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏كَانَ إِذَا دَخَلَ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏مَشَى ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏الْوَجْهِ حِينَ يَدْخُلُ وَيَجْعَلُ الْبَابَ قِبَلَ الظَّهْرِ يَمْشِي حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِ أَذْرُعٍ فَيُصَلِّي ‏ ‏يَتَوَخَّى ‏ ‏الْمَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى فِيهِ وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَأْسٌ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ نَوَاحِي ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏شَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قِبَل ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْمُوَحَّدَة أَيْ مُقَابِل. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَوَخَّى ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْخَاء الْمُعْجَمَة أَيْ يَقْصِد. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَيْسَ عَلَى أَحَد بَأْس إِلَخْ ) ‏ ‏الظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ كَلَام اِبْن عُمَر مَعَ اِحْتِمَال أَنْ يَكُون مِنْ كَلَام غَيْره , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث الْمَرْفُوع فِي كِتَاب الصَّلَاة فِي \" بَاب الصَّلَاة بَيْنَ السَّوَارِي \". ‏"
    },
    {
        "id": "1497",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَطَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏قَالَ لَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَالِد بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الطَّحَّان الْبَصْرِيّ , وَهَذَا الْإِسْنَاد نِصْفه بَصْرِيّ وَنِصْفه كُوفِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( اِعْتَمَرَ ) ‏ ‏أَيْ فِي سَنَة سَبْع عَام الْقَضِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( أَدَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَعْبَة ) ‏ ‏؟ الْهَمْزَة لِلِاسْتِفْهَامِ , أَيْ فِي تِلْكَ الْعُمْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَا ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ : قَالَ الْعُلَمَاء سَبَبُ تَرْك دُخُوله مَا كَانَ فِي الْبَيْت مِنْ الْأَصْنَام وَالصُّوَر , وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْرِكُونَ يَتْرُكُونَهُ لِيُغَيِّرهَا , فَلَمَّا كَانَ فِي الْفَتْح أُمِرَ بِإِزَالَةِ الصُّوَر ثُمَّ دَخَلَهَا , يَعْنِي كَمَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الَّذِي بَعْده اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون دُخُول الْبَيْت لَمْ يَقَع فِي الشَّرْط , فَلَوْ أَرَادَ دُخُوله لَمَنَعُوهُ كَمَا مَنَعُوهُ مِنْ الْإِقَامَة بِمَكَّة زِيَادَة عَلَى الثَّلَاث فَلَمْ يَقْصِد دُخُوله لِئَلَّا يَمْنَعُوهُ. وَفِي \" السِّيرَة \" عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ دَخَلَهَا قَبْلَ الْهِجْرَة فَأَزَالَ شَيْئًا مِنْ الْأَصْنَام , وَفِي \" الطَّبَقَات \" عَنْ عُثْمَان بْن طَلْحَة نَحْو ذَلِكَ , فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يُشْكِل عَلَى الْوَجْه الْأَوَّل لِأَنَّ ذَلِكَ الدُّخُول كَانَ لِإِزَالَةِ شَيْء مِنْ الْمُنْكَرَات لَا لِقَصْدِ الْعِبَادَة , وَالْإِزَالَة فِي الْهُدْنَة كَانَتْ غَيْر مُمْكِنَة بِخِلَافِ يَوْم الْفَتْح. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اِسْتَدَلَّ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْكَعْبَة فِي حَجَّته وَفِي فَتْح مَكَّة , وَلَا دَلَالَة فِيهِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ نَفْي كَوْنه دَخَلَهَا فِي عُمْرَته أَنَّهُ دَخَلَهَا فِي جَمِيع أَسْفَاره. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1498",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏وَفِيهِ الْآلِهَةُ فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ فَأَخْرَجُوا صُورَةَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَإِسْمَاعِيلَ ‏ ‏فِي أَيْدِيهِمَا ‏ ‏الْأَزْلَامُ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ فَدَخَلَ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَفِيهِ الْآلِهَة ) ‏ ‏أَيْ الْأَصْنَام , وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا الْآلِهَة بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا يَزْعُمُونَ , وَفِي جَوَاز إِطْلَاق ذَلِكَ وَقْفَة , وَاَلَّذِي يَظْهَر كَرَاهَته , وَكَانَتْ تَمَاثِيل عَلَى صُوَر شَتَّى فَامْتَنَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ دُخُول الْبَيْت وَهِيَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِل , وَلِأَنَّهُ لَا يُحِبّ فِرَاق الْمَلَائِكَة وَهِيَ لَا تَدْخُل مَا فِيهِ صُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( الْأَزْلَام ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحهَا مُبَيَّنًا حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّف فِي تَفْسِير الْمَائِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَ وَاَللَّه ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِبَعْضِهِمْ \" أَمَا \" بِإِثْبَاتِ الْأَلِف. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ عَلِمُوا ) ‏ ‏قِيلَ وَجْه ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ اِسْم أَوَّل مَنْ أَحْدَثَ الِاسْتِقْسَام بِهَا , وَهُوَ عَمْرو بْن لُحَيّ , وَكَانَتْ نِسْبَتهمْ إِلَى إِبْرَاهِيم وَوَلَده الِاسْتِقْسَام بِهَا اِفْتِرَاء عَلَيْهِمَا لِتَقَدُّمِهِمَا عَلَى عَمْرو. ‏"
    },
    {
        "id": "1499",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ ‏ ‏وَهَنَهُمْ ‏ ‏حُمَّى ‏ ‏يَثْرِبَ ‏ ‏فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ ‏ ‏يَرْمُلُوا ‏ ‏الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ ‏ ‏يَرْمُلُوا ‏ ‏الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَرْمُلُوا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَهُوَ فِي مَوْضِع مَفْعُول يَأْمُرهُمْ تَقُول أَمَرْته كَذَا وَأَمَرْته بِكَذَا. ‏ ‏وَ( الْأَشْوَاط ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة بَعْدهَا مُعْجَمَة جَمْع شَوْط بِفَتْحِ الشِّين وَهُوَ الْجَرْي مَرَّة إِلَى الْغَايَة , وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا الطَّوْفَة حَوْل الْكَعْبَة , ‏ ‏وَ( الْإِبْقَاء ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَالْقَاف الرِّفْق وَالشَّفَقَة , وَهُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِل \" لَمْ يَمْنَعهُ \" وَيَجُوز النَّصْب. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز تَسْمِيَة الطَّوْفَة شَوْطًا , وَنُقِلَ عَنْ مُجَاهِد وَالشَّافِعِيّ كَرَاهَته , وَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز إِظْهَار الْقُوَّة بِالْعِدَّةِ وَالسِّلَاح وَنَحْو ذَلِكَ لِلْكُفَّارِ إِرْهَابًا لَهُمْ , وَلَا يُعَدّ ذَلِكَ مِنْ الرِّيَاء الْمَذْمُوم. وَفِيهِ جَوَاز الْمَعَارِيض بِالْفِعْلِ كَمَا يَجُوز بِالْقَوْلِ , وَرُبَّمَا كَانَتْ بِالْفِعْلِ أَوْلَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1500",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ يَقْدَمُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ ‏ ‏يَخُبُّ ‏ ‏ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَخُبّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة أَيْ يُسْرِع فِي مَشْيه , وَالْخَبَب بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة أُخْرَى : الْعَدْو السَّرِيع , يُقَال خَبَتْ الدَّابَّة إِذَا أَسْرَعَتْ وَرَاوَحَتْ بَيْنَ قَدَمَيْهَا , وَهَذَا يُشْعِر بِتَرَادُفِ الرَّمَل وَالْخَبَب عِنْدَ هَذَا الْقَائِل. وَقَوْله : ‏ ‏( أَوَّل ) ‏ ‏مَنْصُوب عَلَى الظَّرْف , ‏ ‏وَقَوْله : ( مِنْ السَّبْع ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله أَيْ السَّبْع طَوْفَات , وَظَاهِره أَنَّ الرَّمَل يَسْتَوْعِب الطَّوْفَة , فَهُوَ مُغَايِر لِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس الَّذِي قَبْله لِأَنَّهُ صَرِيح فِي عَدَم الِاسْتِيعَاب , وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث عُمَر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1501",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَعَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد هُوَ اِبْن سَلَّامٍ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ , وَلِلْبَاقِينَ سِوَى اِبْن السَّكَن غَيْر مَنْسُوب , وَأَمَّا أَبُو نُعَيْم فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ شُرَيْحٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ مُحَمَّد وَيُقَال هُوَ اِبْن نُمَيْر , وَرَجَحَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّهُ مُحَمَّد بْن رَافِع لِكَوْنِهِ رَوَى فِي مَوْضِع آخَر عَنْهُ عَنْ شُرَيْحٍ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن يَحْيَى الذُّهَلِيُّ وَهُوَ قَوْل الْحَاكِم , وَالصَّوَاب أَنَّهُ اِبْن سَلَّامٍ كَمَا نَسَبَهُ أَبُو ذَرٍّ وَجَزَمَ بِذَلِكَ أَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن فِي رِوَايَته , عَلَى أَنَّ شُرَيْحًا شَيْخ مُحَمَّد فِيهِ قَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيّ بِغَيْرِ وَاسِطَة فِي الْجُمْعَة وَغَيْرهَا فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُحَمَّد هُوَ الْبُخَارِيّ نَفْسه وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( سَعَى ) ‏ ‏أَيْ أَسْرَعَ الْمَشْي فِي الطَّوْفَات الثَّلَاث الْأَوَّل , ‏ ‏وَقَوْله : ( فِي الْحَجّ وَالْعُمْرَة ) ‏ ‏أَيْ حَجَّة الْوَدَاع وَعُمْرَة الْقَضِيَّة لِأَنَّ الْحُدَيْبِيَة لَمْ يُمْكِن فِيهَا مِنْ الطَّوَاف , وَالْجِعْرَانَة لَمْ يَكُنْ اِبْن عُمَر مَعَهُ فِيهَا وَلِهَذَا أَنْكَرَهَا , وَاَلَّتِي مَعَ حَجَّته اِنْدَرَجَتْ أَفْعَالهَا فِي الْحَجّ , فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا عُمْرَة الْقَضِيَّة. نَعَمْ عِنْدَ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" رَمَلَ رَسُول اللَّه فِي حَجَّته وَعُمُره كُلّهَا وَأَبُو بَكْر وَعُمَر وَالْخُلَفَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ اللَّيْث قَالَ حَدَّثَنِي كَثِير إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق شُعَيْب بْن اللَّيْث عَنْ أَبِيهِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْث قَالَ حَدَّثَنِي فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ \" إِنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر كَانَ يَخُبّ فِي طَوَافه حِينَ يَقْدَم فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَة ثَلَاثًا وَيَمْشِي أَرْبَعًا , قَالَ : وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَل ذَلِكَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1502",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ لِلرُّكْنِ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ‏ ‏وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ قَالَ فَمَا لَنَا ‏ ‏وَلِلرَّمَلِ ‏ ‏إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ أَهْلَكَهُمْ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ لِلرُّكْنِ ) ‏ ‏أَيْ لِلْأَسْوَدِ , وَظَاهِره أَنَّهُ خَاطَبَهُ بِذَلِكَ , وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيُسْمِع الْحَاضِرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ ) ‏ ‏أَيْ بَعْدَ اِسْتِلَامه. ‏ ‏قَوْله : ( مَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة بَعْضهمْ \" وَالرَّمَل \" بِغَيْرِ لَام , وَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْأَفْصَح , وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن سَعْد عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ \" فِيمَ الرَّمَل وَالْكَشْف عَنْ الْمَنَاكِب \" الْحَدِيث , وَالْمُرَاد بِهِ الِاضْطِبَاع , وَهِيَ هَيْئَة تُعِين عَلَى إِسْرَاع الْمَشْي بِأَنْ يُدْخِل رِدَاءَهُ تَحْت إِبْطه الْأَيْمَن وَيَرُدّ طَرَفه عَلَى مَنْكِبه الْأَيْسَر فَيُبْدِي مَنْكِبه الْأَيْمَن وَيَسْتُر الْأَيْسَر , وَهُوَ مُسْتَحَبّ عِنْدَ الْجُمْهُور سِوَى مَالِك قَالَهُ اِبْن الْمُنْذِر. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا ) ‏ ‏بِوَزْنِ فَاعَلْنَا مِنْ الرُّؤْيَة , أَيْ أَرَيْنَاهُمْ بِذَلِكَ أَنَّا أَقْوِيَاء قَالَهُ عِيَاض , وَقَالَ اِبْن مَالِك : مِنْ الرِّيَاء أَيْ أَظْهَرْنَا لَهُ الْقُوَّة وَنَحْنُ ضُعَفَاء , وَلِهَذَا رُوِيَ رَايَيْنَا بِيَاءَيْنِ حَمْلًا لَهُ عَلَى الرِّيَاء وَإِنْ كَانَ أَصْله الرِّئَاء بِهَمْزَتَيْنِ , وَمُحَصَّله أَنَّ عُمَر كَانَ هَمَّ بِتَرْكِ الرَّمَل فِي الطَّوَاف لِأَنَّهُ عَرَفَ سَبَبه وَقَدْ اِنْقَضَى فَهَمَّ أَنْ يَتْرُكهُ لِفَقْدِ سَبَبه , ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون لَهُ حِكْمَة مَا اِطَّلَعَ عَلَيْهَا فَرَأَى أَنَّ الِاتِّبَاع أَوْلَى مِنْ طَرِيق الْمَعْنَى , وَأَيْضًا إِنَّ فَاعِل ذَلِكَ إِذَا فَعَلَهُ تَذَكَّرَ السَّبَب الْبَاعِث عَلَى ذَلِكَ فَيَتَذَكَّر نِعْمَة اللَّه عَلَى إِعْزَاز الْإِسْلَام وَأَهْله. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا نُحِبّ أَنْ نَتْرُكهُ ) ‏ ‏زَادَ يَعْقُوب بْن سُفْيَان عَنْ سَعِيد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فِي آخِره \" ثُمَّ رَمَلَ \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُمْ اِقْتَصَرُوا عِنْدَ مُرَاءَاة الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْإِسْرَاع إِذَا مَرُّوا مِنْ جِهَة الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا بِإِزَاءِ تِلْكَ النَّاحِيَة , فَإِذَا مَرُّوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ مَشَوْا عَلَى هَيْئَتهمْ كَمَا هُوَ بَيِّن فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَلَمَّا رَمَلُوا فِي حَجَّة الْوَدَاع أَسْرَعُوا فِي جَمِيع كُلّ طَوْفَة فَكَانَتْ سُنَّة مُسْتَقِلَّة , وَلِهَذِهِ النُّكْتَة سَأَلَ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر نَافِعًا كَمَا فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده عَنْ مَشْي عَبْد اللَّه بْن عُمَر بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَفْعَلهُ لِيَكُونَ أَسْهَلَ عَلَيْهِ فِي اِسْتِلَام الرُّكْن , أَيْ كَانَ يَرْفُقُ بِنَفْسِهِ لِيَتَمَكَّن مِنْ اِسْتِلَام الرُّكْن عِنْدَ الِازْدِحَام. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ نَافِع إِنْ كَانَ اِسْتَنَدَ فِيهِ إِلَى فَهْمه فَلَا يَدْفَع اِحْتِمَال أَنْ يَكُون اِبْن عُمَر فَعَلَ ذَلِكَ اِتِّبَاعًا لِلصِّفَةِ الْأُولَى مِنْ الرَّمَل لِمَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبه فِي الِاتِّبَاع. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏لَا يُشْرَع تَدَارُك الرَّمَل , فَلَوْ تَرَكَهُ فِي الثَّلَاث لَمْ يَقْضِهِ فِي الْأَرْبَع , لِأَنَّ هَيْئَتهَا السَّكِينَة فَلَا تُغَيَّر , وَيَخْتَصّ بِالرِّجَالِ فَلَا رَمَلَ عَلَى النِّسَاء , وَيَخْتَصّ بِطَوَافٍ يَعْقُبهُ سَعْي عَلَى الْمَشْهُور , وَلَا فَرْق فِي اِسْتِحْبَابه بَيْنَ مَاشٍ وَرَاكِب , وَلَا دَم بِتَرْكِهِ عِنْدَ الْجُمْهُور. وَاخْتُلِفَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّة. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الشَّارِع رَمَلَ وَلَا مُشْرِك يَوْمَئِذٍ بِمَكَّة يَعْنِي فِي حَجَّة الْوَدَاع , فَعُلِمَ أَنَّهُ مِنْ مَنَاسِك الْحَجّ إِلَّا أَنَّ تَارِكه لَيْسَ تَارِكًا لِعَمَلٍ بَلْ لِهَيْئَةٍ مَخْصُوصَة فَكَانَ كَرَفْعِ الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ فَمَنْ لَبَّى خَافِضًا صَوْته لَمْ يَكُنْ تَارِكًا لِلتَّلْبِيَةِ بَلْ لِصِفَتِهَا وَلَا شَيْء عَلَيْهِ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بَعْدَ أَنْ خَرَّجَ الْحَدِيث الثَّالِث مُقْتَصِرًا عَلَى الْمَرْفُوع مِنْهُ وَزَادَ فِيهِ \" قَالَ نَافِع وَرَأَيْت عَبْد اللَّه - يَعْنِي اِبْن عُمَر - يُزَاحِم عَلَى الْحَجَر حَتَّى يُدْمَى \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَيْسَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ هَذَا الْبَاب فِي شَيْء يَعْنِي بَاب الرَّمَل , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَدْر الْمُتَعَلِّق بِهَذِهِ التَّرْجَمَة مِنْهُ ثَابِت عِنْدَ الْبُخَارِيّ , وَوَجْهه أَنَّ مَعْنَى قَوْله \" كَانَ اِبْن عُمَر يَمْشِي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ \" أَيْ دُون غَيْرهمَا , وَكَانَ يَرْمُل , وَمِنْ ثَمَّ سَأَلَ الرَّاوِي نَافِعًا عَنْ السَّبَب فِي كَوْنه كَانَ يَمْشِي فِي بَعْض دُون بَعْض وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه آخَر ) : ‏ ‏اُسْتُشْكِلَ قَوْل عُمَر \" رَاءَيْنَا \" مَعَ أَنَّ الرِّيَاء بِالْعَمَلِ مَذْمُوم , وَالْجَوَاب أَنَّ صُورَته وَإِنْ كَانَتْ صُورَة الرِّيَاء لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مَذْمُومَة , لِأَنَّ الْمَذْمُوم أَنْ يُظْهِر الْعَمَل لِيُقَالَ إِنَّهُ عَامِل وَلَا يَعْمَلهُ بِغَيْبَةٍ إِذَا لَمْ يَرَهُ أَحَد , وَأَمَّا الَّذِي وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيل الْمُخَادَعَة فِي الْحَرْب , لِأَنَّهُمْ أَوْهَمُوا الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ أَقْوِيَاء لِئَلَّا يَطْمَعُوا فِيهِمْ , وَثَبَتَ أَنَّ الْحَرْب خُدْعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1503",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ مُنْذُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْتَلِمُهُمَا قُلْتُ ‏ ‏لِنَافِعٍ ‏ ‏أَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏يَمْشِي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ قَالَ إِنَّمَا كَانَ يَمْشِي لِيَكُونَ أَيْسَرَ لِاسْتِلَامِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1504",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏وَيَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏طَافَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ ‏ ‏بِمِحْجَنٍ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏الدَّرَاوَرْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏كَذَا قَالَ يُونُس وَخَالَفَهُ اللَّيْث وَأُسَامَة بْن زَيْد وَزَمْعَة بْن صَالِح فَرَوَوْهُ عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ \" بَلَغَنِي عَنْ اِبْن عَبَّاس \" وَلِهَذِهِ النُّكْتَة اِسْتَظْهَرَ الْبُخَارِيّ بِطَرِيقِ اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ فَقَالَ \" تَابَعَهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ وَهَذِهِ الْمُتَابَعَة أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحُسَيْن بْن سُفْيَان عَنْ مُحَمَّد بْن عَبَّاد عَنْ عَبْد الْعَزِيز الدَّرَاوَرْدِيِّ فَذَكَرَهُ وَلَمْ يَقُلْ \" فِي حَجَّة الْوَدَاع \" وَلَا \" عَلَى بَعِير \" وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي مَسْأَلَة الطَّوَاف رَاكِبًا بَعْدَ خَمْسَة عَشَرَ بَابًا. ‏ ‏قَوْله : ( يَسْتَلِم الرُّكْن بِمِحْجَنٍ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي الطُّفَيْل \" وَيُقَبِّل الْمِحْجَن \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّهُ \" اِسْتَلَمَ الْحَجَر بِيَدِهِ ثُمَّ قَبَّلَهُ \" وَرَفَعَ ذَلِكَ , وَلِسَعِيدِ بْن الْمَنْصُور مِنْ طَرِيق عَطَاء قَالَ \" رَأَيْت أَبَا سَعِيد وَأَبَا هُرَيْرَة وَابْن عُمَر وَجَابِرًا إِذَا اِسْتَلَمُوا الْحَجَر قَبَّلُوا أَيْدِيهمْ. قِيلَ : وَابْن عَبَّاس ؟ قَالَ : وَابْن عَبَّاس , أَحْسَبُهُ قَالَ كَثِيرًا \" وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُور أَنَّ السُّنَّة أَنْ يَسْتَلِم الرُّكْن وَيُقَبِّل يَده فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْتَلِمهُ بِيَدِهِ اِسْتَلَمَهُ بِشَيْءٍ فِي يَده وَقَبَّلَ ذَلِكَ الشَّيْء فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَاكْتَفَى بِذَلِكَ , وَعَنْ مَالِك فِي رِوَايَة لَا يُقَبِّل يَده , وَكَذَا قَالَ الْقَاسِم , وَفِي رِوَايَة عِنْدَ الْمَالِكِيَّة يَضَع يَده عَلَى فَمه مِنْ غَيْر تَقْبِيل. ‏"
    },
    {
        "id": "1505",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْتَلِمُ مِنْ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1506",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏وَرْقَاءُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَبَّلَ الْحَجَرَ وَقَالَ ‏ ‏لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1507",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ ‏ ‏قَالَ سَأَلَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ فَقَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ قَالَ قُلْتُ أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ قَالَ اجْعَلْ أَرَأَيْتَ ‏ ‏بِالْيَمَنِ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَمَّاد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْت \" اِبْن زَيْد \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الزُّبَيْر بْن عَرَبِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ حَمَّاد \" حَدَّثَنَا الزُّبَيْر \". ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلَ رَجُل ) ‏ ‏هُوَ الزُّبَيْر الرَّاوِي , كَذَلِكَ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ حَمَّاد \" حَدَّثَنَا الزُّبَيْر سَأَلْت اِبْن عُمَر \". ‏ ‏قَوْله : ( أَرَأَيْت إِنْ زُحِمْت ) ‏ ‏أَيْ أَخْبِرْنِي مَا أَصْنَع إِذَا زُحِمْت , وَزُحِمْت بِضَمِّ الزَّاي بِغَيْرِ إِشْبَاع , وَفِي بَعْض الرِّوَايَات بِزِيَادَةِ وَاو. ‏ ‏قَوْله : ( اِجْعَلْ أَرَأَيْت بِالْيَمَنِ ) ‏ ‏يُشْعِر بِأَنَّ الرَّجُل يَمَانِيّ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الْمَذْكُورَة \" اِجْعَلْ أَرَأَيْت عِنْد ذَلِكَ الْكَوْكَب \" وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ مُعَارَضَة الْحَدِيث بِالرَّأْيِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ إِذَا سَمِعَ الْحَدِيث أَنْ يَأْخُذ بِهِ وَيَتَّقِي الرَّأْي , وَالظَّاهِر أَنَّ اِبْن عُمَر لَمْ يَرَ الزِّحَام عُذْرًا فِي تَرْك الِاسْتِلَام , وَقَدْ رَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن مُحَمَّد قَالَ \" رَأَيْت اِبْن عُمَر يُزَاحِم عَلَى الرُّكْن حَتَّى يُدْمَى \" وَمِنْ طَرِيق أُخْرَى أَنَّهُ قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ هَوَتْ الْأَفْئِدَة إِلَيْهِ فَأُرِيد أَنْ يَكُون فُؤَادِي مَعَهُمْ , وَرَوَى الْفَاكِهِيّ مِنْ طُرُق عَنْ اِبْن عَبَّاس كَرَاهَة الْمُزَاحَمَة وَقَالَ : لَا يُؤْذِي وَلَا يُؤْذَى. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏الْمُسْتَحَبّ فِي التَّقْبِيل أَنْ لَا يَرْفَع بِهِ صَوْته , وَرَوَى الْفَاكِهِيّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : إِذَا قَبَّلْت الرُّكْن فَلَا تَرْفَع بِهَا صَوْتك كَقُبْلَةِ النِّسَاء. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ وَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيّ عَنْ أَبِي أَحْمَد الْجُرْجَانِيّ \" الزُّبَيْر بْن عَدِيّ \" بِدَالٍ مُهْمَلَة بَعْدهَا يَاء مُشَدَّدَة , وَهُوَ وَهْم وَصَوَابه \" عَرَبِيّ \" بِرَاءِ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة ثُمَّ يَاء مُشَدَّدَة , كَذَلِكَ رَوَاهُ سَائِر الرُّوَاة عَنْ الْفَرَبْرِيِّ اِنْتَهَى. وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ اِسْتَشْعَرَ هَذَا التَّصْحِيف فَأَشَارَ إِلَى التَّحْذِير مِنْهُ فَحَكَى الْفَرَبْرِيُّ أَنَّهُ وَجَدَ فِي كِتَاب أَبِي جَعْفَر - يَعْنِي مُحَمَّد بْن أَبِي حَاتِم وَرَّاق الْبُخَارِيّ - قَالَ \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه يَعْنِي الْبُخَارِيّ : الزُّبَيْر بْن عَرَبِيّ هَذَا بَصْرِيّ , وَالزُّبَيْر بْن عَدِيّ كُوفِيّ \" اِنْتَهَى. هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخه عَنْ الْفَرَبْرِيِّ , وَعِنْدَ التِّرْمِذِيّ مِنْ غَيْر رِوَايَة الْكَرْخِيّ , وَعَقَّبَ هَذَا الْحَدِيث : الزُّبَيْر هَذَا هُوَ اِبْن عَرَبِيّ , وَأَمَّا الزُّبَيْر بْن عَدِيّ فَهُوَ كُوفِيّ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الْمُقَدَّم ذِكْرهَا \" الزُّبَيْر بْن الْعَرَبِيّ \" بِزِيَادَةِ أَلِف وَلَام , وَذَلِكَ مِمَّا يَرْفَع الْإِشْكَال. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1508",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏طَافَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1509",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏طَافَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ عَنْ خَالِد ) ‏ ‏يَعْنِي فِي التَّكْبِير , وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب عَنْ خَالِد الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله الْخَالِيَة عَنْ التَّكْبِير لَا تَقْدَح فِي زِيَادَة خَالِد بْن عَبْد اللَّه لِمُتَابَعَةِ إِبْرَاهِيم , وَقَدْ وَصَلَ طَرِيق إِبْرَاهِيم فِي كِتَاب الطَّلَاق , وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي طَوَاف الْمَرِيض رَاكِبًا فِي بَابه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1510",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏ذَكَرْتُ ‏ ‏لِعُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ فَأَخْبَرَتْنِي ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ حَجَّ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏مِثْلَهُ ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ ‏ ‏أَبِي الزُّبَيْرِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَأَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ ثُمَّ رَأَيْتُ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارَ ‏ ‏يَفْعَلُونَهُ وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي ‏ ‏أُمِّي ‏ ‏أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ ‏ ‏وَأُخْتُهَا ‏ ‏وَالزُّبَيْرُ ‏ ‏وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَرْبَعَة عَشَرَ بَابًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن وَهْب. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الْأَسْوَد النَّوْفَلِيُّ الْمَدَنِيّ الْمَعْرُوف بِيَتِيمِ عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( ذَكَرْت لِعُرْوَةَ قَالَ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَة ) ‏ ‏حَذَفَ الْبُخَارِيّ صُورَة السُّؤَال وَجَوَابه وَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَرْفُوع مِنْهُ , وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه وَلَفْظه \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْل الْعِرَاق قَالَ لَهُ : سَلْ لِي عُرْوَة بْن الزُّبَيْر عَنْ رَجُل يُهِلّ بِالْحَجِّ , فَإِذَا طَافَ أَيَحِلُّ أَمْ لَا ؟ فَإِنْ قَالَ لَك لَا يَحِلّ فَقُلْ لَهُ : إِنَّ رَجُلًا يَقُول ذَلِكَ. قَالَ فَسَأَلْته قَالَ : لَا يَحِلّ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إِلَّا بِالْحَجِّ , قَالَ فَتَصَدَّى لِي الرَّجُل فَحَدَّثْته فَقَالَ : فَقُلْ لَهُ فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يُخْبِر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ , وَمَا شَأْن أَسْمَاء وَالزُّبَيْر فَعَلَا ذَلِكَ ؟ قَالَ فَجِئْته أَيْ عُرْوَة فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقُلْت : لَا أَدْرِي , أَيْ لَا أَعْرِف اِسْمه. قَالَ : فَمَا بَاله لَا يَأْتِينِي بِنَفْسِهِ يَسْأَلنِي ؟ أَظُنّهُ عِرَاقِيًّا. يَعْنِي وَهُمْ يَتَعَنَّتُونَ فِي الْمَسَائِل. قَالَ : قَدْ حَجَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَة أَنَّ أَوَّل شَيْء بَدَأَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ مَكَّة أَنَّهُ تَوَضَّأَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَالرَّجُل الَّذِي سَأَلَ لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَقَوْله \" فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يُخْبِر \" عَنَى بِهِ اِبْن عَبَّاس فَإِنَّهُ كَانَ يَذْهَب إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْي وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ إِذَا طَافَ يَحِلّ مِنْ حَجّه , وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَمِرّ عَلَى حَجّه لَا يَقْرَب الْبَيْت حَتَّى يَرْجِع مِنْ عَرَفَة , وَكَانَ يَأْخُذ ذَلِكَ مِنْ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْي مِنْ أَصْحَابه أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَة , وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّف ذَلِكَ فِي \" بَاب حَجَّة الْوَدَاع \" فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ \" حَدَّثَنِي عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ. فَقُلْت مِنْ أَيْنَ ؟ قَالَ : هَذَا اِبْن عَبَّاس قَالَ : مِنْ قَوْله سُبْحَانه ( ثُمَّ مَحِلّهَا إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق ) وَمِنْ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابه أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّة الْوَدَاع , قُلْت : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُعَرِّف , قَالَ : كَانَ اِبْن عَبَّاس يَرَاهُ قَبْلُ وَبَعْدُ \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِلَفْظِ \" كَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : لَا يَطُوف بِالْبَيْتِ حَاجّ وَلَا غَيْره إِلَّا حَلَّ. قُلْت لِعَطَاءٍ : مِنْ أَيٍّ تَقُول ذَلِكَ ؟ فَذَكَرَهُ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ سَمِعْت أَبَا حَسَّان الْأَعْرَج قَالَ \" قَالَ رَجُل لِابْنِ عَبَّاس : مَا هَذِهِ الْفُتْيَا أَنَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ ؟ فَقَالَ : سُنَّة نَبِيّكُمْ وَإِنْ رَغِمْتُمْ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق وَبَرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن قَالَ \" كُنْت جَالِسًا عِنْدَ اِبْن عُمَر فَجَاءَهُ رَجُل فَقَالَ : أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أَطُوف بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ آتِي الْمَوْقِف ؟ فَقَالَ : نَعَمْ. فَقَالَ : فَإِنَّ اِبْن عَبَّاس يَقُول لَا تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَأْتِي الْمَوْقِف , فَقَالَ اِبْن عُمَر : قَدْ حَجَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِي الْمَوْقِف , فَبِقَوْلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقّ أَنْ نَأْخُذ أَوْ بِقَوْلِ اِبْن عَبَّاس إِنْ كُنْت صَادِقًا \" وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَعْنَى قَوْله فِي حَدِيث أَبِي الْأَسْوَد \" قَدْ فَعَلَ رَسُول اللَّه ذَلِكَ \" أَيْ أَمَرَ بِهِ , وَعُرِفَ أَنَّ هَذَا مَذْهَب لِابْنِ عَبَّاس خَالَفَهُ فِيهِ الْجُمْهُور وَوَافَقَهُ فِيهِ نَاس قَلِيل مِنْهُمْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ , وَعُرِفَ أَنَّ مَأْخَذه فِيهِ مَا ذُكِرَ , وَجَوَاب الْجُمْهُور أَنَّ النَّبِيّ أَمَرَ أَصْحَابه أَنْ يَفْسَخُوا حَجّهمْ فَيَجْعَلُوهُ عُمْرَة , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فَذَهَبَ الْأَكْثَر إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِهِمْ , وَذَهَبَ طَائِفَة إِلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِز لِمَنْ بَعْدهمْ , وَاتَّفَقُوا كُلّهمْ أَنَّ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا لَا يَضُرّهُ الطَّوَاف بِالْبَيْتِ , وَبِذَلِكَ اِحْتَجَّ عُرْوَة فِي حَدِيث الْبَاب أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِالطَّوَافِ وَلَمْ يَحِلّ مِنْ حَجّه وَلَا صَارَ عُمْرَة وَكَذَا أَبُو بَكْر وَعُمَر , فَمَعْنَى قَوْله \" ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَة \" أَيْ لَمْ تَكُنْ الْفَعْلَة عُمْرَة , هَذَا إِنْ كَانَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر كَانَ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون \" كَانَ \" تَامَّة وَالْمَعْنَى ثُمَّ لَمْ تَحْصُل عُمْرَة وَهِيَ عَلَى هَذَا بِالرَّفْعِ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم بَدَل عُمْرَة \" غَيْره \" بِغَيْنٍ مُعْجَمَة وَيَاء سَاكِنَة وَآخِره هَاء , قَالَ عِيَاض وَهُوَ تَصْحِيف , وَقَالَ النَّوَوِيّ لَهَا وَجْه أَيْ لَمْ يَكُنْ غَيْر الْحَجّ , وَكَذَا وَجَّهَهُ الْقُرْطُبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ حَجَجْت مَعَ أَبِي الزُّبَيْر ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَالزُّبَيْر بِالْكَسْرِ بَدَل مِنْ أَبِي , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ مَعَ اِبْن الزُّبَيْر يَعْنِي أَخَاهُ عَبْد اللَّه , قَالَ عِيَاض : وَهُوَ تَصْحِيف , وَسَيَأْتِي فِي الطَّرِيق الْآتِيَة بَعْدَ أَرْبَعَة عَشَرَ بَابًا مَعَ أَبِي الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام وَكَأَنَّ سَبَب هَذَا التَّصْحِيف أَنَّهُ وَقَعَ فِي تِلْكَ الطَّرِيق مِنْ الزِّيَادَة بَعْدَ ذِكْر أَبِي بَكْر وَعُمَر ذِكْر عُثْمَان ثُمَّ مُعَاوِيَة وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ \" ثُمَّ حَجَجْت مَعَ أَبِي الزُّبَيْر \" فَذَكَرَهُ وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ قَتْل الزُّبَيْر كَانَ قَبْلَ مُعَاوِيَة وَابْن عُمَر , لَكِنْ لَا مَانِع أَنْ يَحُجَّا قَبْلَ قَتْل الزُّبَيْر فَرَآهُمَا عُرْوَة , أَوْ لَمْ يَقْصِد بِقَوْلِهِ \" ثُمَّ \" التَّرْتِيب فَإِنَّ فِيهَا أَيْضًا \" ثُمَّ آخِر مَنْ رَأَيْت فَعَلَ ذَلِكَ اِبْن عُمَر \" فَأَعَادَ ذِكْره مَرَّة أُخْرَى , وَأَغْرَبَ بَعْض الشَّارِحِينَ فَرَجَّحَ رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ مُوَجِّهًا لَهَا بِمَا ذَكَرْته , وَقَدْ أَوْضَحْت جَوَابه بِحَمْدِ اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي ) ‏ ‏هِيَ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر , وَأُخْتهَا هِيَ عَائِشَة , وَاسْتُشْكِلَ مِنْ حَيْثُ إنَّ عَائِشَة فِي تِلْكَ الْحَجَّة لَمْ تَطُفْ لِأَجْلِ حَيْضهَا , وَأُجِيبَ بِالْحَمْلِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ حَجَّة أُخْرَى غَيْر حَجَّة الْوَدَاع , فَقَدْ كَانَتْ عَائِشَة بَعْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحُجّ كَثِيرًا , وَسَيَأْتِي الْإِلْمَام بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا فِي أَبْوَاب الْعُمْرَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْن حَلُّوا ) ‏ ‏أَيْ صَارُوا حَلَالًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْبَاب مَا فِيهِ مِنْ الْإِشْكَال وَجَوَابه , وَفِي هَذَا الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب الِابْتِدَاء بِالطَّوَافِ لِلْقَادِمِ لِأَنَّهُ تَحِيَّة الْمَسْجِد الْحَرَام , وَاسْتَثْنَى بَعْض الشَّافِعِيَّة وَمَنْ وَافَقَهُ الْمَرْأَة الْجَمِيلَة أَوْ الشَّرِيفَة الَّتِي لَا تَبْرُز فَيُسْتَحَبّ لَهَا تَأْخِير الطَّوَاف إِلَى اللَّيْل إِنْ دَخَلَتْ نَهَارًا , وَكَذَا مَنْ خَافَ فَوْت مَكْتُوبَة أَوْ جَمَاعَة مَكْتُوبَة أَوْ مُؤَكَّدَة أَوْ فَائِتَة فَإِنَّ ذَلِكَ كُلّه يُقَدَّم عَلَى الطَّوَاف , وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ طَوَاف الْقُدُوم لَا شَيْء عَلَيْهِ , وَعَنْ مَالِك وَأَبِي ثَوْر مِنْ الشَّافِعِيَّة عَلَيْهِ دَم , وَهَلْ يَتَدَارَكهُ مَنْ تَعَمَّدَ تَأْخِيره لِغَيْرِ عُذْر , وَجْهَانِ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِد , وَفِيهِ الْوُضُوء لِلطَّوَافِ , وَسَيَأْتِي حَيْثُ تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّف بَعْد أَرْبَعَة عَشَرَ بَابًا. الْحَدِيث الثَّانِي حَدِيث اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ كِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَة نَافِع عَنْهُ : أَحَدهمَا مِنْ رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَةَ وَالْآخَر مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه , وَالرَّاوِي عَنْهُمَا وَاحِد وَهُوَ أَبُو ضَمْرَة أَنَس بْن عِيَاض , زَادَ فِي رِوَايَة مُوسَى \" ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ \" وَالْمُرَاد بِهِمَا رَكْعَتَا الطَّوَاف \" ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة \" وَزَادَ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه أَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيل , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِالرَّمَلِ قَبْلَ خَمْسَة أَبْوَاب , وَأَمَّا السَّعْي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة فَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ حَيْثُ تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّف بَعْدَ خَمْسَة عَشَرَ بَابًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَالْمُرَاد بِبَطْنِ الْمَسِيل الْوَادِي لِأَنَّهُ مَوْضِع السَّيْل. ‏"
    },
    {
        "id": "1511",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1512",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا طَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏الطَّوَافَ الْأَوَّلَ ‏ ‏يَخُبُّ ‏ ‏ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَيَمْشِي أَرْبَعَةً وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى ‏ ‏بَطْنَ الْمَسِيلِ ‏ ‏إِذَا طَافَ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1513",
        "content": "‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏إِذْ مَنَعَ ‏ ‏ابْنُ هِشَامٍ ‏ ‏النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ قَالَ كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ ‏ ‏وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَ الرِّجَالِ قُلْتُ أَبَعْدَ الْحِجَابِ أَوْ قَبْلُ قَالَ إِي لَعَمْرِي لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ بَعْدَ الْحِجَابِ قُلْتُ كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ قَالَ لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ كَانَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏تَطُوفُ ‏ ‏حَجْرَةً ‏ ‏مِنْ الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ انْطَلِقِي عَنْكِ وَأَبَتْ يَخْرُجْنَ مُتَنَكِّرَاتٍ بِاللَّيْلِ فَيَطُفْنَ مَعَ الرِّجَالِ وَلَكِنَّهُنَّ كُنَّ إِذَا دَخَلْنَ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏قُمْنَ حَتَّى يَدْخُلْنَ وَأُخْرِجَ الرِّجَالُ وَكُنْتُ آتِي ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ فِي جَوْفِ ‏ ‏ثَبِيرٍ ‏ ‏قُلْتُ وَمَا حِجَابُهَا قَالَ هِيَ فِي ‏ ‏قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ ‏ ‏لَهَا غِشَاءٌ وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذَلِكَ وَرَأَيْتُ عَلَيْهَا دِرْعًا مُوَرَّدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لِي عَمْرو بْن عَلِيّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم ) ‏ ‏هَذَا أَحَد الْأَحَادِيث الَّتِي أَخْرَجَهَا عَنْ شَيْخه عَنْ أَبِي عَاصِم النَّبِيل بِوَاسِطَةٍ , وَقَدْ ضَاقَ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيّ مَخْرَجه فَأَخْرَجَهُ أَوَّلًا مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ ثُمَّ أَخْرَجَهُ هَكَذَا وَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ , وَأَمَّا أَبُو نُعَيْم فَأَخْرَجَهُ أَوَّلًا مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي قُرَّة مُوسَى بْن طَارِق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ مِثْله غَيْر قِصَّة عَطَاء مَعَ عُبَيْد بْن عُمَيْر , قَالَ أَبُو نُعَيْم : هَذَا حَدِيث عَزِيز ضَيِّق الْمَخْرَج. قُلْت : قَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفه عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِتَمَامِهِ , وَكَذَا وَجَدْته مِنْ وَجْه آخَر أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيّ فِي \" كِتَاب مَكَّة \" عَنْ مَيْمُون بْن الْحَكَم الصَّنْعَانِيِّ عَنْ مُحَمَّد بْن جُعْشُم وَهُوَ بِجِيمٍ وَمُعْجَمَة مَضْمُومَتَيْنِ بَيْنهمَا عَيْن مُهْمَلَة قَالَ : أَخْبَرَنِي اِبْن جُرَيْجٍ فَذَكَرَهُ بِتَمَامِهِ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ مَنَعَ اِبْن هِشَام ) ‏ ‏هُوَ إِبْرَاهِيم - أَوْ أَخُوهُ مُحَمَّد - اِبْن إِسْمَاعِيل بْن هِشَام بْن الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن مَخْزُوم الْمَخْزُومِيّ وَكَانَ خَالِي هِشَام بْن عَبْد الْمَلِك فَوَلَّى مُحَمَّدًا إِمْرَة مَكَّة وَوَلَّى أَخَاهُ إِبْرَاهِيم بْن هِشَام إِمْرَة الْمَدِينَة وَفَوَّضَ هِشَام لِإِبْرَاهِيم إِمْرَة الْحَجّ بِالنَّاسِ فِي خِلَافَته فَلِهَذَا قُلْت : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد , ثُمَّ عَذَّبَهُمَا يُوسُف بْن عُمَر الثَّقَفِيّ حَتَّى مَاتَا فِي مِحْنَته فِي أَوَّل وِلَايَة الْوَلِيد بْن يَزِيد بْن عَبْد الْمَلِك بِأَمْرِهِ سَنَة خَمْس وَعِشْرِينَ وَمِائَة قَالَهُ خَلِيفَة بْن خَيَّاط فِي تَارِيخه , وَظَاهِر هَذَا أَنَّ اِبْن هِشَام أَوَّل مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ , لَكِنْ رَوَى الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق زَائِدَة عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ قَالَ : نَهَى عُمَر أَنْ يَطُوف الرِّجَال مَعَ النِّسَاء , قَالَ فَرَأَى رَجُلًا مَعَهُنَّ فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ , وَهَذَا إِنْ صَحَّ لَمْ يُعَارِض الْأَوَّل لِأَنَّ اِبْن هِشَام مَنَعَهُنَّ أَنْ يَطُفْنَ حِينَ يَطُوف الرِّجَال مُطْلَقًا , فَلِهَذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ عَطَاء وَاحْتَجَّ بِصَنِيعِ عَائِشَة وَصَنِيعهَا شَبِيه بِهَذَا الْمَنْقُول عَنْ عُمَر , قَالَ الْفَاكِهِيّ : وَيَذْكُر عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ أَنَّ أَوَّل مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي الطَّوَاف خَالِد بْن عَبْد اللَّه الْقَسْرِيّ اِنْتَهَى , وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ مَنَعَ ذَلِكَ وَقْتًا ثُمَّ تَرَكَهُ فَإِنَّهُ كَانَ أَمِير مَكَّة فِي زَمَن عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان وَذَلِكَ قَبْلَ اِبْن هِشَام بِمُدَّةٍ طَوِيلَة. ‏ ‏قَوْله : ( كَيْفَ يَمْنَعهُنَّ ) ‏ ‏مَعْنَاهُ أَخْبَرَنِي اِبْن جُرَيْجٍ بِزَمَانِ الْمَنْع قَائِلًا فِيهِ كَيْفَ يَمْنَعهُنَّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ طَافَ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الرِّجَال ) ‏ ‏أَيْ غَيْر مُخْتَلِطَات بِهِنَّ. ‏ ‏قَوْله : ( بَعْدَ الْحِجَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" أَبْعَد \" بِإِثْبَاتِ هَمْزَة الِاسْتِفْهَام , وَكَذَا هُوَ لِلْفَاكِهِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِي لَعَمْرِي ) ‏ ‏هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَة بِمَعْنَى نَعَمْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ أَدْرَكْته بَعْدَ الْحِجَاب ) ‏ ‏ذَكَرَ عَطَاء هَذَا لِرَفْعِ تَوَهُّم مَنْ يَتَوَهَّم أَنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَنْ غَيْره , وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ مِنْهُنَّ , وَالْمُرَاد بِالْحِجَابِ نُزُول آيَة الْحِجَاب وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاء حِجَاب ) وَكَانَ ذَلِكَ فِي تَزْوِيج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَيْنَب بِنْت جَحْش كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانه , وَلَمْ يُدْرِك ذَلِكَ عَطَاء قَطْعًا. ‏ ‏قَوْله : ( يُخَالِطْنَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" يُخَالِطهُنَّ \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَالرِّجَال بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( حَجْرَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْجِيم بَعْدهَا رَاءٍ أَيْ نَاحِيَة , قَالَ الْقَزَّاز : هُوَ مَأْخُوذ مِنْ قَوْلهمْ : نَزَلَ فُلَان حَجْرَة مِنْ النَّاس أَيْ مُعْتَزِلًا. وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" حَجْزَة \" بِالزَّايِ وَهِيَ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ فِي آخِره فَقَالَ : يَعْنِي مَحْجُوزًا بَيْنهَا وَبَيْنَ الرِّجَال بِثَوْبٍ , وَأَنْكَرَ اِبْن قُرْقُول حُجْرَة بِضَمِّ أَوَّله وَبِالرَّاءِ , وَلَيْسَ بِمُنْكَرٍ فَقَدْ حَكَاهُ اِبْن عُدَيْس وَابْن سِيدَهْ فَقَالَا : يُقَال قَعَدَ حَجْرَة بِالْفَتْحِ وَالضَّمّ أَيْ نَاحِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَتْ اِمْرَأَة ) ‏ ‏زَادَ الْفَاكِهِيّ \" مَعَهَا \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذِهِ الْمَرْأَة , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون دِقْرَة بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْقَاف اِمْرَأَة رَوَى عَنْهَا يُحْيِي بْن أَبِي كَثِير أَنَّهَا كَانَتْ تَطُوف مَعَ عَائِشَة بِاللَّيْلِ فَذَكَرَ قِصَّة أَخْرَجَهَا الْفَاكِهِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( اِنْطَلِقِي عَنْك ) ‏ ‏أَيْ عَنْ جِهَةِ نَفْسك. ‏ ‏قَوْله : ( يَخْرُجْنَ ) ‏ ‏زَادَ الْفَاكِهِيّ \" وَكُنَّ يَخْرُجْنَ إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْله : ( مُتَنَكِّرَات ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق \" مُسْتَتِرَات \" وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الدَّاوُدِيُّ جَوَاز النِّقَاب لِلنِّسَاءِ فِي الْإِحْرَام وَهُوَ فِي غَايَة الْبُعْد. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا دَخَلْنَ الْبَيْت قُمْنَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْفَاكِهِيّ \" سُتِرْنَ \". ‏ ‏قَوْله : ( حِينَ يَدْخُلْنَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" حَتَّى يَدْخُلْنَ \" وَكَذَا هُوَ لِلْفَاكِهِيِّ , وَالْمَعْنَى إِذَا أَرَدْنَ دُخُول الْبَيْت وَقَفْنَ حَتَّى يَدْخُلْنَ حَال كَوْن الرِّجَال مُخْرَجِينَ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكُنْت آتِي عَائِشَة أَنَا وَعُبَيْد بْن عُمَيْر ) ‏ ‏أَيْ اللَّيْثِيُّ , وَالْقَائِل ذَلِكَ عَطَاء , وَسَيَأْتِي فِي أَوَّل الْهِجْرَة مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاء قَالَ \" زُرْت عَائِشَة مَعَ عُبَيْد بْن عُمَيْر \". ‏ ‏قَوْله : ( وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ فِي جَوْف ثَبِير ) ‏ ‏أَيْ مُقِيمَة فِيهِ , وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ اِبْن بَطَّال الِاعْتِكَاف فِي غَيْر الْمَسْجِد لِأَنَّ ثَبِيرًا خَارِج عَنْ مَكَّة وَهُوَ فِي طَرِيق مِنَى اِنْتَهَى , وَهَذَا مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِثَبِير الْجَبَل الْمَشْهُور الَّذِي كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ لَهُ : أَشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ , وَسَيَأْتِي ذَلِكَ بَعْدَ قَلِيل , وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر , وَهُوَ جَبَل الْمُزْدَلِفَة , لَكِنْ بِمَكَّة خَمْسَة جِبَال أُخْرَى يُقَال لِكُلِّ مِنْهَا ثَبِير ذَكَرَهَا أَبُو عُبَيْد الْبَكْرِيّ وَيَاقُوت وَغَيْرهمَا , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد لِأَحَدِهَا , لَكِنْ يَلْزَم مِنْ إِقَامَة عَائِشَة هُنَاكَ أَنَّهَا أَرَادَتْ الِاعْتِكَاف , سَلَّمْنَا لَكِنْ لَعَلَّهَا اِتَّخَذَتْ فِي الْمَكَان الَّذِي جَاوَرَتْ فِيهِ مَسْجِدًا اِعْتَكَفَتْ فِيهِ وَكَأَنَّهَا لَمْ يَتَيَسَّر لَهَا مَكَان فِي الْمَسْجِد الْحَرَام تَعْتَكِف فِيهِ فَاِتَّخَذَتْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا حِجَابهَا ) ‏ ‏زَادَ الْفَاكِهِيّ \" حِينَئِذٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( تُرْكِيَّة ) ‏ ‏قَالَ عَبْد الرَّزَّاق : هِيَ قُبَّة صَغِيرَة مِنْ لُبُود تُضْرَب فِي الْأَرْض. ‏ ‏قَوْله : ( دِرْعًا مُوَرَّدًا ) ‏ ‏أَيْ قَمِيصًا لَوْنه لَوْن الْوَرْد , وَلِعَبْدِ الرَّزَّاق \" دِرْعًا مُعَصْفَرًا وَأَنَا صَبِيّ \" فَبَيَّنَ بِذَلِكَ سَبَب رُؤْيَته إِيَّاهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَأَى مَا عَلَيْهَا اِتِّفَاقًا , وَزَادَ الْفَاكِهِيّ فِي آخِره \" قَالَ عَطَاء وَبَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أُمّ سَلَمَة أَنْ تَطُوف رَاكِبَة فِي خِدْرهَا مِنْ وَرَاء الْمُصَلِّينَ فِي جَوْف الْمَسْجِد \" وَأَفْرَدَ عَبْد الرَّزَّاق هَذَا , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ حَذَفَهُ لِكَوْنِهِ مُرْسَلًا فَاغْتَنَى عَنْهُ بِطَرِيقِ مَالِك الْمَوْصُولَة فَأَخْرَجَهَا عُقْبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1514",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنِّي أَشْتَكِي فَقَالَ ‏ ‏طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَئِذٍ ‏ ‏يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏وَهُوَ يَقْرَأُ ‏ ‏وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الْأَسْوَد يَتِيم عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أُمّ سَلَمَة ) ‏ ‏هِيَ وَالِدَة زَيْنَب الرَّاوِيَة عَنْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنِّي أَشْتَكِي ) ‏ ‏أَيْ إِنَّهَا ضَعِيفَة , وَقَدْ بَيَّنَ الْمُصَنِّف مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ سَبَب طَوَاف أُمّ سَلَمَة وَأَنَّهُ طَوَاف الْوَدَاع , وَسَيَأْتِي بَعْدَ سِتَّة أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْتِ رَاكِبَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِشَام \" عَلَى بَعِيرك \". ‏ ‏قَوْله : ( وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِشَام \" وَالنَّاس يُصَلُّونَ \" وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّهَا صَلَاة الصُّبْح , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي صِفَة الصَّلَاة , وَفِيهِ جَوَاز الطَّوَاف لِلرَّاكِبِ إِذَا كَانَ لِعُذْرٍ , وَإِنَّمَا أَمَرَهَا أَنْ تَطُوف مِنْ وَرَاء النَّاس لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهَا وَلَا تَقْطَع صُفُوفهمْ أَيْضًا وَلَا يَتَأَذَّوْنَ بِدَابَّتِهَا , فَأَمَّا طَوَاف الرَّاكِب مِنْ غَيْر عُذْر فَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْدَ أَبْوَاب , وَيُلْتَحَقُ بِالرَّاكِبِ الْمَحْمُول إِذَا كَانَ لَهُ عُذْر , وَهَلْ يُجْزِئ هَذَا الطَّوَاف عَنْ الْحَامِل وَالْمَحْمُول ؟ فِيهِ بَحْث. وَاحْتَجَّ بِهِ بَعْض الْمَالِكِيَّة لِطَهَارَةِ بَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمه , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيه ذَلِكَ وَالتَّعَقُّب عَلَيْهِ فِي \" بَاب إِدْخَال الْبَعِير الْمَسْجِد لِلْعِلَّةِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1515",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏طَاوُسًا ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ ‏ ‏بِالْكَعْبَةِ ‏ ‏بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ ‏ ‏أَوْ بِخَيْطٍ أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ ‏ ‏فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏قُدْهُ بِيَدِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَده إِلَى إِنْسَان ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" إِلَى إِنْسَان آخَر \" وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" بِإِنْسَانٍ قَدْ رَبَطَ يَده بِإِنْسَانٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( بِسَيْرٍ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةِ مَفْتُوحَة وَيَاء سَاكِنَة مَعْرُوف , وَهُوَ مَا يُقَدّ مِنْ الْجِلْد وَهُوَ الشِّرَاك. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ بِشَيْءٍ غَيْر ذَلِكَ ) ‏ ‏كَأَنَّ الرَّاوِي لَمْ يَضْبِط مَا كَانَ مَرْبُوطًا بِهِ , وَقَدْ رَوَى أَحْمَد وَالْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَ رَجُلَيْنِ وَهُمَا مُقْتَرِنَانِ فَقَالَ : مَا بَال الْقِرَان ؟ قَالَا : إِنَّا نَذَرْنَا لَنَقْتَرِنَنَّ حَتَّى نَأْتِيَ الْكَعْبَة , فَقَالَ : أَطْلِقَا أَنْفُسكُمَا , لَيْسَ هَذَا نَذْرًا إِنَّمَا النَّذْر مَا يُبْتَغَى بِهِ وَجْه اللَّه \" وَإِسْنَاده إِلَى عَمْرو حَسَن , وَلَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ صَرِيحًا إِلَّا أَنَّ فِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق فَاطِمَة بِنْت مُسْلِم \" حَدَّثَنِي خَلِيفَة بْن بِشْر عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَسْلَمَ , فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاله وَوَلَده , ثُمَّ لَقِيَهُ هُوَ وَابْنه طَلْق بْن بِشْر مُقْتَرِنَيْنِ بِحَبْلٍ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : حَلَفْت لَئِنْ رَدَّ اللَّه عَلَيَّ مَالِي وَوَلَدِي لَأَحُجَّن بَيْت اللَّه مَقْرُونًا , فَأَخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَبْل فَقَطَعَهُ وَقَالَ لَهُمَا : حُجَّا , إِنَّ هَذَا مِنْ عَمَل الشَّيْطَان \" , فَيُمْكِن أَنْ يَكُون بِشْر وَابْنه طَلْق صَاحِبَيْ هَذِهِ الْقِصَّة. وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ. قِيلَ اِسْم الرَّجُل الْمَقُود هُوَ ثَوَاب ضِدّ الْعِقَاب اِنْتَهَى , وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قُدْ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَاف وَسُكُون الدَّال فِعْل أَمْر , فِي رِوَايَة أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ \" قُدْهُ \" بِإِثْبَاتِ هَاء الضَّمِير وَهُوَ لِلرَّجُلِ الْمَقُود , قَالَ النَّوَوِيّ : وَقَطْعه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام السَّيْر مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُمْكِن إِزَالَة هَذَا الْمُنْكَر إِلَّا بِقَطْعِهِ , أَوْ أَنَّهُ دَلَّ عَلَى صَاحِبه فَتَصَرَّفَ فِيهِ , وَقَالَ غَيْره : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللَّه بِمِثْلِ هَذَا الْفِعْل. قُلْت : وَهُوَ بَيِّن مِنْ سِيَاق حَدِيثَيْ عَمْرو بْن شُعَيْب وَخَلِيفَة بْن بِشْر. وَقَالَ اِبْن بَطَّال فِي هَذَا الْحَدِيث : إِنَّهُ يَجُوز لِلطَّائِفِ فِعْل مَا خَفَّ مِنْ الْأَفْعَال وَتَغْيِير مَا يَرَاهُ الطَّائِف مِنْ الْمُنْكَر. وَفِيهِ الْكَلَام فِي الْأُمُور الْوَاجِبَة وَالْمُسْتَحَبَّة وَالْمُبَاحَة. قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : أَوْلَى مَا شَغَلَ الْمَرْء بِهِ نَفْسه فِي الطَّوَاف ذِكْر اللَّه وَقِرَاءَة الْقُرْآن , وَلَا يَحْرُم الْكَلَام الْمُبَاح إِلَّا أَنَّ الذِّكْر أَسْلَم. وَحَكَى اِبْن التِّين خِلَافًا فِي كَرَاهَة الْكَلَام الْمُبَاح. وَعَنْ مَالِك تَقْيِيد الْكَرَاهَة بِالطَّوَافِ الْوَاجِب. قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَة , فَكَانَ اِبْن الْمُبَارَك يَقُول : لَيْسَ شَيْء أَفْضَل مِنْ قِرَاءَة الْقُرْآن , وَفَعَلَهُ مُجَاهِد , وَاسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر , وَقَيَّدَهُ الْكُوفِيُّونَ بِالسِّرِّ , وَرُوِيَ عَنْ عُرْوَة وَالْحَسَن كَرَاهَته , وَعَنْ عَطَاء وَمَالِك أَنَّهُ مُحْدَثٌ , وَعَنْ مَالِك لَا بَأْس بِهِ إِذَا أَخْفَاهُ وَلَمْ يُكْثِر مِنْهُ , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : مَنْ أَبَاحَ الْقِرَاءَة فِي الْبَوَادِي وَالطُّرُق وَمَنَعَهُ فِي الطَّوَاف لَا حُجَّة لَهُ. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيث مَنْ نَذَرَ مَا لَا طَاعَة لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ لَا يَلْزَمهُ , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث شَيْء مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُ كَانَ ضَرِير الْبَصَر وَلِهَذَا قَالَ لَهُ قُدْهُ بِيَدِهِ اِنْتَهَى. وَلَا يَلْزَم مِنْ أَمْره لَهُ بِأَنْ يَقُودهُ أَنَّهُ كَانَ ضَرِيرًا بَلْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِمَعْنَى آخَر غَيْر ذَلِكَ , وَأَمَّا مَا أَنْكَرَهُ مِنْ النَّذْر فَمُتَعَقَّب بِمَا فِي النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق خَالِد بْن الْحَارِث عَنْ اِبْن جُرَيْج فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ قَالَ إِنَّهُ نَذْر , وَلِهَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي أَبْوَاب النَّذْر كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مَشْرُوحًا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1516",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى رَجُلًا يَطُوفُ ‏ ‏بِالْكَعْبَةِ ‏ ‏بِزِمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَطَعَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1517",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ ‏ ‏أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏عُرْيَانٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنْ لَا يَحُجّ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ , وَفِي رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الزُّهْرِيّ عِنْدَ الْمُؤَلَّف فِي التَّفْسِير \" أَنْ لَا يَحُجَّن \" وَهُوَ يُعَيِّن ذَلِكَ لِلنَّهْيِ , ‏ ‏وَقَوْله : \" وَلَا يَطُوف \" ‏ ‏يَجُوز فِيهِ النَّصْب , وَالتَّقْدِير وَأَنْ لَا يَطُوف , وَالرَّفْع عَلَى أَنَّ \" أَنْ \" مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة , وَيَجُوز أَنْ يُقْرَأ بِفَتْحِ الطَّاء وَتَشْدِيد الْوَاو وَسُكُون الْفَاء عَطْفًا عَلَى الَّذِي قَبْله , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي تَفْسِير بَرَاءَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1518",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏سَأَلْنَا ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَيَقَعُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَطَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏سَبْعًا ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَطَافَ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ { ‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏إِسْوَةٌ ‏ ‏حَسَنَةٌ ‏} ‏قَالَ وَسَأَلْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَا يَقْرَبُ امْرَأَتَهُ حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏",
        "sharh": "قَالَ \" قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ صَلَّى خَلْف الْمَقَام رَكْعَتَيْنِ \" الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَاب الْعُمْرَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة ) ‏ ‏فِيهِ تَجَوُّز , لِأَنَّهُ يُسَمَّى سَعْيًا لَا طَوَافًا إِذْ حَقِيقَة الطَّوَاف الشَّرْعِيَّة فِيهِ غَيْر مَوْجُودَة أَوْ هِيَ حَقِيقَة لُغَوِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَسَأَلْت ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ عَمْرو بْن دِينَار الرَّاوِي عَنْ اِبْن عُمَر , وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ لِمَقْصُودِ التَّرْجَمَة وَهُوَ أَنَّ الْقِرَان بَيْنَ الْأَسَابِيع خِلَاف الْأَوْلَى مِنْ جِهَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلهُ , وَقَدْ قَالَ \" خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ \" وَهَذَا قَوْل أَكْثَر الشَّافِعِيَّة وَأَبِي يُوسُف , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة وَمُحَمَّد يُكْرَه , وَأَجَازَهُ الْجُمْهُور بِغَيْرِ كَرَاهَة. وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ جَيِّد عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ أَنَّهُ \" كَانَ يَقْرُن بَيْنَ الْأَسَابِيع إِذَا طَافَ بَعْدَ الصُّبْح وَالْعَصْر , فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْس أَوْ غَرَبَتْ صَلَّى لِكُلِّ أُسْبُوع رَكْعَتَيْنِ \" وَقَالَ بَعْض الشَّافِعِيَّة : إِنْ قُلْنَا إِنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَاف وَاجِبَتَانِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَة وَالْمَالِكِيَّة فَلَا بُدّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ لِكُلِّ طَوَاف. وَقَالَ الرَّافِعِيّ : رَكْعَتَا الطَّوَاف وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِمَا فَلَيْسَتَا بِشَرْطٍ فِي صِحَّة الطَّوَاف , لَكِنْ فِي تَعْلِيل بَعْض أَصْحَابنَا مَا يَقْتَضِي اِشْتِرَاطهمَا , وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهِمَا هَلْ يَجُوز فِعْلهمَا عَنْ قُعُود مَعَ الْقُدْرَة ؟ فِيهِ وَجْهَانِ , أَصَحّهمَا لَا وَلَا يَسْقُط بِفِعْلِ فَرِيضَة كَالظُّهْرِ إِذَا قُلْنَا بِالْوُجُوبِ , وَالْأَصَحّ أَنَّهُمَا سُنَّة كَقَوْلِ الْجُمْهُور. ‏"
    },
    {
        "id": "1519",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏كُرَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَطَافَ وَسَعَى بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏وَلَمْ يَقْرَبْ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1520",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الْغَسَّانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَهُوَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏وَأَرَادَ الْخُرُوجَ وَلَمْ تَكُنْ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏طَافَتْ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَأَرَادَتْ الْخُرُوجَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أُمّ سَلَمَة قَالَتْ شَكَوْت إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن حَرْب إِلَخْ ) ‏ ‏هَكَذَا عَطْف هَذِهِ عَلَى الَّتِي قَبْلهَا وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظ الرِّوَايَة الثَّانِيَة , وَتَجَوَّزَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّفْظَيْنِ مُخْتَلِفَانِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظ الرِّوَايَة الْأُولَى فِي \" بَاب طَوَاف النِّسَاء مَعَ الرِّجَال \" وَيَأْتِي بَعْد بَابَيْنِ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( يَحْيَى بْن أَبِي زَكَرِيَّا الْغَسَّانِيّ ) ‏ ‏هُوَ يَحْيَى بْن يَحْيَى اُشْتُهِرَ بِاسْمِهِ وَاشْتُهِرَ أَبُوهُ بِكُنْيَتِهِ , وَالْغَسَّانِيّ بِغَيْنٍ مُعْجَمَة وَسِين مُهْمَلَة مَشْدُودَة نِسْبَة إِلَى بَنِي غَسَّان , قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : وَقَعَ لِأَبِي الْحَسَن الْقَابِسِيّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد تَصْحِيف فِي نَسَبِ يَحْيَى فَضَبَطَهُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَة ثُمَّ شِين مُعْجَمَة , وَقَالَ اِبْن التِّين : قِيلَ هُوَ الْعَشَانِيّ بِعَيْنِ مُهْمَلَة ثُمَّ مُعْجَمَة خَفِيفَة نِسْبَة إِلَى بَنِي عَشَانَةَ , وَقِيلَ هُوَ بِالْهَاءِ يَعْنِي بِلَا نُون نِسْبَة إِلَى بَنِي عَشَاةَ. قُلْت : وَكُلّ ذَلِكَ تَصْحِيف , وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد. قَالَ اِبْن قُرْقُول : رَوَاهُ الْقَابِسِيّ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَة خَفِيفَة وَهُوَ وَهْم. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُرْوَة عَنْ أُمّ سَلَمَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ لِلْأَصِيلِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة عَنْ أُمّ سَلَمَة , وَقَوْله \" عَنْ زَيْنَب \" زِيَادَة فِي هَذِهِ الطَّرِيق فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن مُبَشِّر عَنْ مُحَمَّد بْن حَرْب شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ لَيْسَ فِيهِ زَيْنَب , وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" كِتَاب التَّتَبُّع \" فِي طَرِيق يَحْيَى بْن أَبِي زَكَرِيَّا هَذِهِ : هَذَا مُنْقَطِع , فَقَدْ رَوَاهُ حَفْص بْن غِيَاث عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة عَنْ أُمّهَا أُمّ سَلَمَة وَلَمْ يَسْمَعهُ عُرْوَة عَنْ أُمّ سَلَمَة اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ حَدِيثًا آخَر فَإِنَّ حَدِيثهَا هَذَا فِي طَوَاف الْوَدَاع كَمَا بَيَّنَّاهُ قَبْلَ قَلِيل , وَأَمَّا هَذِهِ الرِّوَايَة فَذَكَرَهَا الْأَثْرَم قَالَ \" قَالَ لِي أَبُو عَبْد اللَّه - يَعْنِي أَحْمَد بْن حَنْبَل - حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَب عَنْ أُمّ سَلَمَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تُوَافِيه يَوْم النَّحْر بِمَكَّة. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : هَذَا خَطَأ , فَقَدْ قَالَ وَكِيع عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تُوَافِيه صَلَاة الصُّبْح يَوْم النَّحْر بِمَكَّة. قَالَ : وَهَذَا أَيْضًا عَجِيب , مَا يَفْعَل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم النَّحْر بِمَكَّة ؟ وَقَدْ سَأَلْت يَحْيَى بْن سَعِيد - يَعْنِي الْقَطَّان - عَنْ هَذَا فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ هِشَام بِلَفْظِ أَمَرَهَا أَنْ تُوَافِي لَيْسَ فِيهِ هَاء. قَالَ أَحْمَد : وَبَيْنَ هَذَيْنِ فَرْق , فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ التَّغَايُر بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ , فَإِنَّ إِحْدَاهُمَا صَلَاة الصُّبْح يَوْم النَّحْر وَالْأُخْرَى صَلَاة صُبْح يَوْم الرَّحِيل مِنْ مَكَّة \" وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ حَدِيث الْبَاب مِنْ طَرِيق حَسَّان بْن إِبْرَاهِيم وَعَلِيّ بْن هَاشِم وَمَحَاضِر بْن الْمُوَرِّع وَعَبْدَة بْن سُلَيْمَان , وَهُوَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْدَة كُلّهمْ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمّ سَلَمَة وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ , وَسَمَاع عُرْوَة مِنْ أُمّ سَلَمَة مُمْكِن فَإِنَّهُ أَدْرَكَ مِنْ حَيَاتهَا نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ سَنَة وَهُوَ مَعَهَا فِي بَلَد وَاحِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث أُمّ سَلَمَة فِي \" بَاب طَوَاف النِّسَاء مَعَ الرِّجَال \" وَمَوْضِع الْحَاجَة مِنْهُ هُنَا قَوْله فِي آخِره \" فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ \" أَيْ مِنْ الْمَسْجِد أَوْ مِنْ مَكَّة , فَدَلَّ عَلَى جَوَاز صَلَاة الطَّوَاف خَارِجًا مِنْ الْمَسْجِد إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا لَازِمًا لَمَا أَقَرَّهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَة حَسَّان عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" إِذَا قَامَتْ صَلَاة الصُّبْح فَطُوفِي عَلَى بَعِيرك مِنْ وَرَاء النَّاس وَهُمْ يُصَلُّونَ. قَالَتْ فَفَعَلْت ذَلِكَ وَلَمْ أُصَلِّ حَتَّى خَرَجْت \" أَيْ فَصَلَّيْت وَبِهَذَا يَنْطَبِق الْحَدِيث مَعَ التَّرْجَمَة , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون أَكْمَلَتْ طَوَافهَا قَبْلَ فَرَاغ صَلَاة الصُّبْح ثُمَّ أَدْرَكْتهمْ فِي الصَّلَاة فَصَلَّتْ مَعَهُمْ صَلَاة الصُّبْح وَرَأَتْ أَنَّهَا تُجْزِئهَا عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَاف , وَإِنَّمَا لَمْ يَبُتّ الْبُخَارِيّ الْحُكْم فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة لِاحْتِمَالِ كَوْن ذَلِكَ يَخْتَصّ بِمَنْ كَانَ لَهُ عُذْر لِكَوْنِ أُمّ سَلَمَة كَانَتْ شَاكِيَة وَلِكَوْنِ عُمَر إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ طَافَ بَعْدَ الصُّبْح وَكَانَ لَا يَرَى التَّنَفُّل بَعْده مُطْلَقًا حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا بَعْدَ بَاب , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ رَكْعَتَيْ الطَّوَاف قَضَاهُمَا حَيْثُ ذَكَرَهُمَا مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَعَنْ الثَّوْرِيّ يَرْكَعهُمَا حَيْثُ شَاءَ مَا لَمْ يَخْرُج مِنْ الْحَرَم , وَعَنْ مَالِك إِنْ لَمْ يَرْكَعهُمَا حَتَّى تَبَاعَدَ وَرَجَعَ إِلَى بَلَده فَعَلَيْهِ دَم , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : لَيْسَ ذَلِكَ أَكْثَر مِنْ صَلَاة الْمَكْتُوبَة وَلَيْسَ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا غَيْر قَضَائِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1521",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَطَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1522",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ الْبَصْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ نَاسًا طَافُوا ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ثُمَّ قَعَدُوا إِلَى الْمُذَكِّرِ حَتَّى إِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَامُوا يُصَلُّونَ فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَعَدُوا حَتَّى إِذَا كَانَتْ السَّاعَةُ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ قَامُوا يُصَلُّونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حَبِيب ) ‏ ‏هُوَ الْمُعَلِّم كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" وَقَدْ ضَاقَ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم مَخْرَجه فَتَرَكَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ هَذِهِ , وَالْحَسَن بْن عُمَر الْبَصْرِيّ شَيْخه جَزَمَ الْمِزِّيُّ بِأَنَّهُ الْحَسَن بْن عُمَر بْن شَقِيق وَهُوَ مِنْ أَهْل الْبَصْرَة وَكَانَ يَتَّجِر إِلَى بَلْخٍ فَكَانَ يُقَال لَهُ الْبَلْخِيُّ , وَسَيَأْتِي لَهُ ذِكْر فِي كِتَاب اللِّبَاس. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَعَدُوا إِلَى الْمُذَكِّر ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيد الْكَاف أَيْ الْوَاعِظ , وَضَبَطَهُ اِبْن الْأَثِير فِي \" النِّهَايَة \" بِالتَّخْفِيفِ بِفَتْحِ أَوَّله وَثَالِثه وَسُكُون ثَانِيه قَالَ : وَأَرَادَتْ مَوْضِع الذِّكْر , إِمَّا الْحِجْر , وَإِمَّا الْحَجَر. ‏ ‏قَوْله : ( السَّاعَة الَّتِي تُكْرَه فِيهَا الصَّلَاة ) ‏ ‏أَيْ الَّتِي عِنْدَ طُلُوع الشَّمْس , وَكَأَنَّ الْمَذْكُورِينَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ ذَلِكَ الْوَقْت فَأَخَّرُوا الصَّلَاة إِلَيْهِ قَصْدًا فَلِذَلِكَ أَنْكَرَتْ عَلَيْهِمْ عَائِشَة هَذَا إِنْ كَانَتْ تَرَى أَنَّ الطَّوَاف سَبَبٌ لَا تُكْرَه مَعَ وُجُوده الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَنْهِيَّة , وَيَحْتَمِل أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِل النَّهْي عَلَى عُمُومه , وَيَدُلّ لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن فُضَيْل عَنْ عَبْد الْمَلِك عَنْ عَطَاء عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا قَالَتْ \" إِذَا أَرَدْت الطَّوَاف بِالْبَيْتِ بَعْدَ صَلَاة الْفَجْر أَوْ الْعَصْر فَطُفْ , وَأَخِّرْ الصَّلَاة حَتَّى تَغِيب الشَّمْس أَوْ حَتَّى تَطْلُع فَصَلِّ لِكُلِّ أُسْبُوع رَكْعَتَيْنِ \" وَهَذَا إِسْنَاد حَسَن. ‏"
    },
    {
        "id": "1523",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْهَى عِنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1524",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الزَّعْفَرَانِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَطُوفُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏وَرَأَيْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَيُخْبِرُ أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهَا إِلَّا صَلَّاهُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ , وَكَأَنَّ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر اِسْتَنْبَطَ جَوَاز الصَّلَاة بَعْدَ الصُّبْح مِنْ جَوَاز الصَّلَاة بَعْدَ الْعَصْر فَكَانَ يَفْعَل ذَلِكَ بِنَاء عَلَى اِعْتِقَاده أَنَّ ذَلِكَ عَلَى عُمُومه , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي أَوَاخِر الْمَوَاقِيت قُبَيْل الْأَذَان , وَبَيَّنَّا هُنَاكَ أَنَّ عَائِشَة أَخْبَرَتْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتْرُكهُمَا وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصه , أَعْنِي الْمُوَاظَبَة عَلَى مَا يَفْعَلهُ مِنْ النَّوَافِل لَا صَلَاة الرَّاتِبَة فِي وَقْت الْكَرَاهَة فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَته هُنَا , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَاف تَلْتَحِق بِالرَّوَاتِبِ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1525",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَهُوَ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1526",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنِّي أَشْتَكِي فَقَالَ ‏ ‏طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏وَهُوَ يَقْرَأُ ‏ ‏بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1527",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ ‏ ‏الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَبِيتَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏لَيَالِيَ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1528",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى فَقَالَ ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏يَا ‏ ‏فَضْلُ ‏ ‏اذْهَبْ إِلَى ‏ ‏أُمِّكَ ‏ ‏فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا فَقَالَ اسْقِنِي قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ قَالَ اسْقِنِي فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ أَتَى ‏ ‏زَمْزَمَ ‏ ‏وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا فَقَالَ اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ ثُمَّ قَالَ لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ ‏ ‏يَعْنِي عَاتِقَهُ وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ الْوَاسِطِيُّ , وَقَدْ مَضَى هَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِهِ فِي أَوَّل الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَسْقَى ) ‏ ‏أَيْ طَلَبَ الشُّرْب. وَالْفَضْل هُوَ اِبْن الْعَبَّاس أَخُو عَبْد اللَّه , وَأُمّه هِيَ أُمّ الْفَضْل لُبَابَة بِنْت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة , وَهِيَ وَالِدَة عَبْد اللَّه أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيهمْ فِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد عَنْ عِكْرِمَة فِي هَذَا الْحَدِيث \" أَنَّ الْعَبَّاس قَالَ لَهُ : إِنَّ هَذَا قَدْ مُرِثَ , أَفَلَا أَسْقِيك مِنْ بُيُوتنَا ؟ قَالَ لَا , وَلَكِنْ اِسْقِنِي مِمَّا يَشْرَب مِنْهُ النَّاس \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِسْقِنِي ) ‏ ‏زَادَ أَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن فِي رِوَايَته : فَنَاوَلَهُ الْعَبَّاس الدَّلْو. ‏ ‏قَوْله : ( فَشَرِبَ مِنْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَزِيد الْمَذْكُورَة \" فَأُتِيَ بِهِ فَذَاقَهُ فَقَطَّبَ , ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَكَسَرَهُ. قَالَ : وَتَقْطِيبه إِنَّمَا كَانَ لِحُمُوضَتِهِ , وَكَسَرَهُ بِالْمَاءِ لِيَهُونَ عَلَيْهِ شُرْبه \" وَعُرِفَ بِهَذَا جِنْس الْمَطْلُوب شُرْبه إِذْ ذَاكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق بَكْر بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيِّ قَالَ \" كُنْت جَالِسًا مَعَ اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَلْفه أُسَامَة فَاسْتَسْقَى , فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذ فَشَرِبَ وَسَقَى فَضْله أُسَامَة وَقَالَ : أَحْسَنْتُمْ كَذَا فَاصْنَعُوا \". ‏ ‏قَوْله : ( لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , قَالَ الدَّاوُدِيُّ أَيْ إِنَّكُمْ لَا تَتْرُكُونِي أَسْتَقِي , وَلَا أُحِبّ أَنْ أَفْعَل بِكُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَتُغْلَبُوا , كَذَا قَالَ. وَقَالَ غَيْره : مَعْنَاهُ لَوْلَا أَنْ تَقَع لَكُمْ الْغَلَبَة بِأَنْ يَجِب عَلَيْكُمْ ذَلِكَ بِسَبَبِ فِعْلِي. وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَوْلَا أَنْ يَغْلِبكُمْ الْوُلَاة عَلَيْهَا حِرْصًا عَلَى حِيَازَة هَذِهِ الْمَكْرُمَة. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ مَعْنَاهُ لَوْلَا أَنْ تَغْلِبكُمْ النَّاس عَلَى هَذَا الْعَمَل إِذَا رَأَوْنِي قَدْ عَمِلْته لِرَغْبَتِهِمْ فِي الِاقْتِدَاء بِي فَيَغْلِبُوكُمْ بِالْمُكَاثَرَةِ لَفَعَلْت. وَيُؤَيِّد هَذَا مَا أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر \" أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب وَهُمْ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَم فَقَالَ : اِنْزِعُوا بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب , فَلَوْلَا أَنْ تَغْلِبكُمْ النَّاس عَلَى سِقَايَتكُمْ لَنَزَعْت مَعَكُمْ \" وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ سِقَايَة الْحَاجّ خَاصَّة بِبَنِي الْعَبَّاس , وَأَمَّا الرُّخْصَة فِي الْمَبِيت فَفِيهَا أَمْوَال لِلْعُلَمَاءِ هِيَ أَوْجُه لِلشَّافِعِيَّةِ : أَصَحّهَا لَا يَخْتَصّ بِهِمْ وَلَا بِسِقَايَتِهِمْ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّ أَفْعَاله لِلْوُجُوبِ , وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ اِبْن بَزِيزَةَ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ \" لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا \" قَصْر السِّقَايَة عَلَيْهِمْ وَأَنْ لَا يُشَارِكُوا فِيهَا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الَّذِي أُرْصِدَ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّة لَا يَحْرُم عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَلَى آلِهِ تَنَاوُله , لِأَنَّ الْعَبَّاس أَرْصَدَ سِقَايَة زَمْزَم لِذَلِكَ , وَقَدْ شَرِبَ مِنْهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَة : يُحْمَل الْأَمْر فِي مِثْل هَذَا عَلَى أَنَّهَا مُرْصَدَة لِلنَّفْعِ الْعَامّ فَتَكُون لِلْغَنِيِّ فِي مَعْنَى الْهَدِيَّة , وَلِلْفَقِيرِ صَدَقَة. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَه طَلَب السَّقْي مِنْ الْغَيْر , وَلَا رَدُّ مَا يَعْرِض عَلَى الْمَرْء مِنْ الْإِكْرَام إِذَا عَارَضَتْهُ مَصْلَحَة أَوْلَى مِنْهُ , لِأَنَّ رَدَّهُ لَمَّا عَرَضَ عَلَيْهِ الْعَبَّاس مِمَّا يُؤْتَى بِهِ مِنْ نَبِيذ لِمَصْلَحَةِ التَّوَاضُع الَّتِي ظَهَرَتْ مِنْ شُرْبه مِمَّا يَشْرَب مِنْهُ النَّاس. وَفِيهِ التَّرْغِيب فِي سَقْي الْمَاء خُصُوصًا مَاء زَمْزَم. وَفِيهِ تَوَاضُع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِرْص أَصْحَابه عَلَى الِاقْتِدَاء بِهِ وَكَرَاهَة التَّقَذُّر وَالتَّكَرُّه لِلْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَات. قَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَة : وَفِيهِ أَنَّ الْأَصْل فِي الْأَشْيَاء الطَّهَارَة لِتَنَاوُلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الشَّرَاب الَّذِي غُمِسَتْ فِيهِ الْأَيْدِي. ‏"
    },
    {
        "id": "1529",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْفَزَارِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏زَمْزَمَ ‏ ‏فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ قَالَ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏فَحَلَفَ ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ ‏مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا عَلَى بَعِيرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ هُوَ اِبْن سَلَّامٍ , وَالْفَزَارِيّ هُوَ مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة وَغَلِطَ مَنْ قَالَ هُوَ أَبُو إِسْحَاق , وَعَاصِم هُوَ اِبْن سُلَيْمَان الْأَحْوَل , قَالَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره : أَرَادَ الْبُخَارِيّ أَنَّ الشُّرْب مِنْ مَاء زَمْزَم مِنْ سُنَن الْحَجّ. وَفِي \" الْمُصَنَّف \" عَنْ طَاوُسٍ قَالَ \" شُرْب نَبِيذ السِّقَايَة مِنْ تَمَام الْحَجّ \" وَعَنْ عَطَاء \" لَقَدْ أَدْرَكْته وَإِنَّ الرَّجُل لَيَشْرَبُهُ فَتَلْزَق شَفَتَاهُ مِنْ حَلَاوَته \" وَعَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ نَافِع \" أَنَّ اِبْن عُمَر لَمْ يَكُنْ يَشْرَب مِنْ النَّبِيذ فِي الْحَجّ \" فَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت عِنْده أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ كَثِير الِاتِّبَاع لِلْآثَارِ أَوْ خَشِيَ أَنْ يَظُنّ النَّاس أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَام الْحَجّ كَمَا نُقِلَ عَنْ طَاوُسٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَلَفَ عِكْرِمَة مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا عَلَى بَعِير ) ‏ ‏عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْه قَالَ عَاصِم : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعِكْرِمَة فَحَلَفَ بِاَللَّهِ مَا فَعَلَ - أَيْ مَا شَرِبَ قَائِمًا - لِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ رَاكِبًا اِنْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ أَنَاخَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ , فَلَعَلَّ شُرْبه مِنْ زَمْزَم كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ , وَلَعَلَّ عِكْرِمَة إِنَّمَا أَنْكَرَ شُرْبه قَائِمًا لِنَهْيِهِ عَنْهُ , لَكِنْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيّ عِنْدَ الْبُخَارِيّ \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ قَائِمًا \" فَيُحْمَل عَلَى بَيَان الْجَوَاز. ‏"
    },
    {
        "id": "1530",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا فَقَدِمْتُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَأَنَا حَائِضٌ فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا أَرْسَلَنِي مَعَ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏فَاعْتَمَرْتُ فَقَالَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1531",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏دَخَلَ ابْنُهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَظَهْرُهُ فِي الدَّارِ فَقَالَ إِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَكُونَ الْعَامَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ فَيَصُدُّوكَ عَنْ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏فَلَوْ أَقَمْتَ فَقَالَ قَدْ ‏ ‏خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَحَالَ كُفَّارُ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏بَيْنهُ وَبَيْنَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏فَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏إِسْوَةٌ ‏ ‏حَسَنَةٌ ‏} ‏ثُمَّ قَالَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ مَعَ عُمْرَتِي حَجًّا قَالَ ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَا آمَنَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمَدِّ وَفَتْح الْمِيم الْخَفِيفَة أَيْ أَخَاف , وَلِلْمُسْتَمْلِي \" لَا أَيْمَن \" بِيَاءِ سَاكِنَة بَيْنَ الْهَمْزَة وَالْمِيم فَقُبِلَ إِنَّهَا إِمَالَة , وَقِيلَ لُغَة تَمِيمِيَّة وَهِيَ عِنْدهمْ بِكَسْرِ الْهَمْزَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ حِيلَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشمِيهنِيّ \" وَإِنْ يُحَلْ \" بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الْمُهْمَلَة وَاللَّام سَاكِنَة , وَقَوْله فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة \" بِطَوَافِهِ الْأَوَّل \" أَيْ الَّذِي طَافَهُ يَوْم النَّحْر لِلْإِفَاضَةِ , وَتَوَهَّمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ أَرَادَ طَوَاف الْقُدُوم فَحَمَلَهُ عَلَى السَّعْي , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : فِيهِ حُجَّة لِمَالِك فِي قَوْله أَنَّ طَوَاف الْقُدُوم إِذَا وَصَلَ بِالسَّعْيِ يُجْزِئ عَنْ طَوَاف الْإِفَاضَة لِمَنْ تَرَكَهُ جَاهِلًا أَوْ نَسِيَهُ حَتَّى رَجَعَ إِلَى بَلَده وَعَلَيْهِ الْهُدَى , قَالَ : وَلَا أَعْلَم أَحَدًا قَالَ بِهِ غَيْره وَغَيْر أَصْحَابه , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِنْ حُمِلَ قَوْله \" طَوَافه الْأَوَّل \" عَلَى طَوَاف الْقُدُوم فَإِنَّهُ أَجْزَأَ عَنْ طَوَاف الْإِفَاضَة كَانَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى الْإِجْزَاء مُطْلَقًا وَلَوْ تَعَمَّدَهُ لَا بِقَيْدِ الْجَهْل وَالنِّسْيَان لَا إِذَا حَمَلْنَا قَوْله طَوَافه الْأَوَّل عَلَى طَوَاف الْإِفَاضَة يَوْم النَّحْر أَوْ عَلَى السَّعْي , وَيُؤَيِّد التَّأْوِيل الثَّانِي حَدِيث جَابِر عِنْدَ مُسْلِم \" لَمْ يَطُفْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَصْحَابه بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا طَوَافه الْأَوَّل \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَذْكُور وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ هُنَا عَقِبَ الطَّرِيق الثَّانِيَة لِحَدِيثِ اِبْن عُمَر الْمَذْكُور فِي نُسْخَة الصَّغَانِيِّ تَعْلِيَة السَّنَد الْمَذْكُور لِبَعْضِ الرُّوَاة وَلَفْظه : قَالَ أَبُو إِسْحَاق حَدَّثَنَا قُتَيْبَة وَمُحَمَّد بْن رُمْح قَالَا حَدَّثَنَا اللَّيْث مِثْله , وَأَبُو إِسْحَاق هَذَا إِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَمْلِي فَقَدْ سَقَطَ بَيْنه وَبَيْنَ قُتَيْبَة وَابْن رُمْح رَجُل وَإِنْ كَانَ غَيْره فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِبْرَاهِيم بْن مَعْقِل النَّسَفِيّ الرَّاوِي عَنْ الْبُخَارِيّ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1532",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَرَادَ الْحَجَّ عَامَ نَزَلَ ‏ ‏الْحَجَّاجُ ‏ ‏بِابْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَقِيلَ لَهُ إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ ‏ ‏وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ فَقَالَ ‏ { ‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏إِسْوَةٌ ‏ ‏حَسَنَةٌ ‏} ‏إِذًا أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ ‏ ‏بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ ‏ ‏قَالَ مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي وَأَهْدَى هَدْيًا اشْتَرَاهُ ‏ ‏بِقُدَيْدٍ ‏ ‏وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يَنْحَرْ وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ فَنَحَرَ وَحَلَقَ وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1533",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَتْنِي ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ حَجَّ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏مِثْلُ ذَلِكَ ثُمَّ حَجَّ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ ‏ ‏أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ‏ ‏فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ رَأَيْتُ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارَ ‏ ‏يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً وَهَذَا ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏عِنْدَهُمْ فَلَا يَسْأَلُونَهُ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَضَعُوا أَقْدَامَهُمْ مِنْ الطَّوَافِ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ وَقَدْ رَأَيْتُ ‏ ‏أُمِّي ‏ ‏وَخَالَتِي ‏ ‏حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْتَدِئَانِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنْ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏تَطُوفَانِ بِهِ ثُمَّ إِنَّهُمَا لَا تَحِلَّانِ وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي ‏ ‏أُمِّي ‏ ‏أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ ‏ ‏وَأُخْتُهَا ‏ ‏وَالزُّبَيْرُ ‏ ‏وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَا كَانَ يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامهمْ مِنْ الطَّوَاف بِالْبَيْتِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : لَا بُدَّ مِنْ زِيَادَة لَفْظ \" أَوَّل \" بَعْدَ لَفْظ \" أَقْدَامهمْ \" وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ مَعْنَاهُ مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ آخَر حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامهمْ فِي الْمَسْجِد لِأَجْلِ الطَّوَاف اِنْتَهَى , وَحَاصِله أَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّن حَذْف لَفْظ أَوَّل بَلْ يَجُوز أَنْ يَكُون الْحَذْف فِي مَوْضِع آخَر لَكِنَّ الْأَوَّل أَوْلَى لِأَنَّ الثَّانِي يَحْتَاج إِلَى جَعْل مِنْ بِمَعْنَى مِنْ أَجْل وَهُوَ قَلِيل , وَأَيْضًا فَلَفْظ \" أَوَّل \" قَدْ ثَبَتَ فِي بَعْض الرِّوَايَات وَثَبَتَ أَيْضًا فِي مَكَان آخَر مِنْ الْحَدِيث نَفْسه وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" حَتَّى يَضَعُوا \" بَدَلَ \" حِينَ يَضَعُونَ \" وَتَوْجِيهه وَاضِح. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ إِنَّهُمَا لَا تَحِلَّانِ ) ‏ ‏أَيْ سَوَاء كَانَ إِحْرَامهمَا بِالْحَجِّ وَحْده أَوْ بِالْقِرَانِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّ مَنْ حَجَّ مُفْرِدًا فَطَافَ حَلَّ بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن عَبَّاس. وَقَوْله : \" أُمِّي \" يَعْنِي أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر , وَخَالَته هِيَ عَائِشَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب مَنْ طَافَ إِذَا قَدِمَ \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيُّ مَا ذُكِرَ مِنْ حَجِّ عُثْمَان هُوَ مِنْ كَلَام عُرْوَة , وَمَا قَبْله مِنْ كَلَام عَائِشَة. وَقَالَا أَبُو عَبْد الْمَلِك : مُنْتَهَى حَدِيث عَائِشَة عِنْدَ قَوْله \" ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَة \" وَمِنْ قَوْله \" ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْر إِلَخْ \" مِنْ كَلَام عُرْوَة اِنْتَهَى , فَعَلَى هَذَا يَكُون بَعْض هَذَا مُنْقَطِعًا لِأَنَّ عُرْوَة لَمْ يُدْرِك أَبَا بَكْر وَلَا عُمَر , نَعَمْ أَدْرَكَ عُثْمَان , وَعَلَى قَوْل الدَّاوُدِيِّ يَكُون الْجَمِيع مُتَّصِلًا وَهُوَ الْأَظْهَر. ‏"
    },
    {
        "id": "1534",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَقُلْتُ لَهَا ‏ ‏أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ‏ { ‏إِنَّ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةَ ‏ ‏مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ‏} ‏فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يَطُوفَ ‏ ‏بِالصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ‏ ‏ابْنَ أُخْتِي ‏ ‏إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ كَانَتْ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَطَوَّفَ بِهِمَا وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ ‏ ‏لِمَنَاةَ ‏ ‏الطَّاغِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ ‏ ‏الْمُشَلَّلِ ‏ ‏فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ ‏ ‏بِالصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏فَلَمَّا أَسْلَمُوا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏إِنَّ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةَ ‏ ‏مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ‏} ‏الْآيَةَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَخْبَرْتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّاسَ إِلَّا مَنْ ذَكَرَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ ‏ ‏بِمَنَاةَ ‏ ‏كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ ‏ ‏بِالصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّوَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَلَمْ يَذْكُرْ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةَ ‏ ‏فِي الْقُرْآنِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نَطُوفُ ‏ ‏بِالصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏وَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الطَّوَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فَلَمْ يَذْكُرْ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطَّوَّفَ ‏ ‏بِالصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏إِنَّ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةَ ‏ ‏مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ‏} ‏الْآيَةَ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَأَسْمَعُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْجَاهِلِيَّةِ ‏ ‏بِالصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَلَمْ يَذْكُرْ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الطَّوَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَوَاَللَّهِ مَا عَلَى أَحَد جُنَاح أَنْ لَا يَطُوف بِالصَّفَا وَالْمَرْوَة إِلَخْ ) ‏ ‏الْجَوَاب مُحَصَّله أَنَّ عُرْوَة اِحْتَجَّ لِلْإِبَاحَةِ بِاقْتِصَارِ الْآيَة عَلَى رَفْع الْجُنَاح فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا اِكْتَفَى بِذَلِكَ لِأَنَّ رَفْع الْإِثْم عَلَامَة الْمُبَاح , وَيَزْدَاد الْمُسْتَحَبّ بِإِثْبَاتِ الْأَجْر , وَيَزْدَاد الْوُجُوب عَلَيْهِمَا بِعِقَابِ التَّارِك , وَمَحَلّ جَوَاب عَائِشَة أَنَّ الْآيَة سَاكِتَة عَنْ الْوُجُوب وَعَدَمه مُصَرِّحَة بِرَفْعِ الْإِثْم عَنْ الْفَاعِل , وَأَمَّا الْمُبَاح فَيَحْتَاج إِلَى رَفْع الْإِثْم عَنْ التَّارِك , وَالْحِكْمَة فِي التَّعْبِير بِذَلِكَ مُطَابَقَة جَوَاب السَّائِلِينَ لِأَنَّهُمْ تَوَهَّمُوا مِنْ كَوْنهمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّة أَنَّهُ لَا يَسْتَمِرّ فِي الْإِسْلَام فَخَرَجَ الْجَوَاب مُطَابِقًا لِسُؤَالِهِمْ , وَأَمَّا الْوُجُوب فَيُسْتَفَاد مِنْ دَلِيل آخَر , وَلَا مَانِع أَنْ يَكُون الْفِعْل وَاجِبًا وَيَعْتَقِد إِنْسَان اِمْتِنَاع إِيقَاعه عَلَى صِفَة مَخْصُوصَة فَيُقَال لَهُ لَا جُنَاح عَلَيْك فِي ذَلِكَ , وَلَا يَسْتَلْزِم ذَلِكَ نَفْي الْوُجُوب , وَلَا يَلْزَم مِنْ نَفْي الْإِثْم عَنْ الْفَاعِل نَفْي الْإِثْم عَنْ التَّارِك , فَلَوْ كَانَ الْمُرَاد مُطْلَق الْإِبَاحَة لَنُفِيَ الْإِثْم عَنْ التَّارِك , وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْض الشَّوَاذّ بِاللَّفْظِ الَّذِي قَالَتْ عَائِشَة أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلْإِبَاحَةِ لَكَانَتْ كَذَلِكَ حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ وَابْن أَبِي دَاوُدَ فِي \" الْمَصَاحِف \" وَابْن الْمُنْذِر وَغَيْرهمْ عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس , وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّهَا مَحْمُولَة عَلَى الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة و \" لَا \" زَائِدَة , وَكَذَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ , وَقَالَ غَيْره : لَا حُجَّة فِي الشَّوَاذّ إِذَا خَالَفَتْ الْمَشْهُور , وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا : لَا حُجَّة لِمَنْ قَالَ إِنَّ السَّعْي مُسْتَحَبّ بِقَوْلِهِ ( فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا ) لِأَنَّهُ رَاجِع إِلَى أَصْل الْحَجّ وَالْعُمْرَة لَا إِلَى خُصُوص السَّعْي لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ التَّطَوُّع بِالسَّعْيِ لِغَيْرِ الْحَاجّ وَالْمُعْتَمِر غَيْر مَشْرُوع وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( يُهِلُّونَ ) ‏ ‏أَيْ يَحُجُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( لِمَنَاة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَالنُّون الْخَفِيفَة صَنَم كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة , وَقَالَ اِبْن الْكَلْبِيّ : كَانَتْ صَخْرَة نَصَبَهَا عَمْرو بْن لُحَيّ لِهُذَيْلٍ وَكَانُوا يَعْبُدُونَهَا , وَالطَّاغِيَة صِفَة لَهَا إِسْلَامِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْمُشَلَّلِ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُعْجَمَة وَلَامَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَة مُثَقَّلَة هِيَ الثَّنِيَّة الْمُشْرِفَة عَلَى قُدَيْد , زَادَ سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ \" بِالْمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْد \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَصْله لِلْمُصَنِّفِ كَمَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِير النَّجْم , وَلَهُ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" قُلْت لِعَائِشَة وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيث السِّنّ - فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ - كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاة , وَكَانَتْ مَنَاة حَذْو قُدَيْد \" أَيْ مُقَابِله , وَقُدَيْد بِقَافٍ مُصَغَّر قَرْيَة جَامِعَة بَيْنَ مَكَّة وَالْمَدِينَة كَثِيرَة الْمِيَاه قَالَهُ أَبُو عُبَيْد الْبَكْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّج أَنْ يَطُوف بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة ) ‏ ‏وَقَوْله بَعْدَ ذَلِكَ ( إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّج أَنْ نَطُوف بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة ) ظَاهِره أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة وَيَقْتَصِرُونَ عَلَى الطَّوَاف بِمَنَاة فَسَأَلُوا عَنْ حُكْم الْإِسْلَام فِي ذَلِكَ , وَيُصَرِّح بِذَلِكَ رِوَايَة سُفْيَان الْمَذْكُورَة بِلَفْظِ \" إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ بِمَنَاة الطَّاغِيَة الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ \" إِنَّا كُنَّا لَا نَطُوف بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة تَعْظِيمًا لِمَنَاة \" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ تَعْلِيقًا , وَوَصَلَهُ أَحْمَد وَغَيْره , وَفِي رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ عِنْدَ مُسْلِم \" إِنَّ الْأَنْصَار كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا هُمْ وَغَسَّان يُهِلُّونَ لِمَنَاة فَتَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّة فِي آبَائِهِمْ , مَنْ أَحْرَمَ لِمَنَاة لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة \" فَطُرُق الزُّهْرِيّ مُتَّفِقَة , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ فَرَوَاهُ مَالِك عَنْهُ بِنَحْوِ رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ , وَرَوَاهُ أَبُو أُسَامَة عَنْهُ بِلَفْظِ \" إِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّه هَذَا فِي أُنَاس مِنْ الْأَنْصَار كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا لِمَنَاة فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَا يَحِلّ لَهُمْ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَظَاهِره يُوَافِق رِوَايَة الزُّهْرِيّ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فِيمَا رَوَاهُ الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن سَاج عَنْهُ \" أَنَّ عَمْرو بْن لُحَيّ نَصَبَ مَنَاة عَلَى سَاحِل الْبَحْر مِمَّا يَلِي قُدَيْد , فَكَانَتْ الْأَزْد وَغَسَّان يَحُجُّونَهَا وَيُعَظِّمُونَهَا , إِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَأَفَاضُوا مِنْ عَرَفَات وَفَرَغُوا مِنْ مِنًى أَتَوْا مَنَاة فَأَهَلُّوا لَهَا , فَمَنْ أَهَلَّ لَهَا لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة - قَالَ - وَكَانَتْ مَنَاة لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَج وَالْأَزْد مِنْ غَسَّان وَمَنْ دَانَ دِينهمْ مِنْ أَهْل يَثْرِب \" فَهَذَا يُوَافِق رِوَايَة الزُّهْرِيّ , وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام هَذَا الْحَدِيث فَخَالَفَ جَمِيع مَا تَقَدَّمَ وَلَفْظه \" إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَنْصَار كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّة لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْر يُقَال لَهُمَا إِسَاف وَنَائِلَة فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة ثُمَّ يَحِلُّونَ , فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنهمَا لِلَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّة \" فَهَذِهِ الرِّوَايَة تَقْتَضِي أَنَّ تَحَرُّجهمْ إِنَّمَا كَانَ لِئَلَّا يَفْعَلُوا فِي الْإِسْلَام شَيْئًا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة لِأَنَّ الْإِسْلَام أَبْطَلَ أَفْعَال الْجَاهِلِيَّة إِلَّا مَا أَذِنَ فِيهِ الشَّارِع , فَخَشَوْا أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ أَمْر الْجَاهِلِيَّة الَّذِي أَبْطَلَهُ الشَّارِع , فَهَذِهِ الرِّوَايَة تَوْجِيههَا ظَاهِر بِخِلَافِ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة فَإِنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّ التَّحَرُّج عَنْ الطَّوَاف بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة لِكَوْنِهِمْ كَانُوا لَا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة , وَلَا يَلْزَم مِنْ تَرْكهمْ فِعْل شَيْء فِي الْجَاهِلِيَّة أَنْ يَتَحَرَّجُوا مِنْ فِعْله فِي الْإِسْلَام , وَلَوْلَا الزِّيَادَة الَّتِي فِي طَرِيق يُونُس حَيْثُ قَالَ وَكَانَتْ سُنَّة فِي آبَائِهِمْ إِلَخْ لَكَانَ الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ مُمْكِنًا بِأَنْ نَقُول : وَقَعَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ حَذْف تَقْدِيره أَنَّهُمْ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّة لِمَنَاة ثُمَّ يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَام يَتَحَرَّج أَنْ يَطُوف بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة لِئَلَّا يُضَاهِي فِعْل الْجَاهِلِيَّة. وَيُمْكِن أَيْضًا أَنْ يَكُون فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة حَذْف تَقْدِيره كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا أَهَلُّوا لِمَنَاة فِي الْجَاهِلِيَّة , فَجَاءَ الْإِسْلَام فَظَنُّوا أَنَّهُ أَبْطَلَ ذَلِكَ فَلَا يَحِلّ لَهُمْ , وَيُبَيِّن ذَلِكَ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة الْمَذْكُورَة حَيْثُ قَالَ فِيهَا \" فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنهمَا لِلَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّة \" , إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِيهَا وَهُمْ غَيْر هَذَا نَبَّهَ عَلَيْهِ عِيَاض فَقَالَ : قَوْله لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْر وَهْم , فَإِنَّهُمَا مَا كَانَا قَطُّ عَلَى شَطِّ الْبَحْر وَإِنَّمَا كَانَا عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَة , إِنَّمَا كَانَتْ مَنَاة مِمَّا يَلِي جِهَة الْبَحْر اِنْتَهَى. وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَته أَيْضًا إِهْلَالهمْ أَوَّلًا لِمَنَاة , فَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاة فَيَبْدَءُونَ بِهَا ثُمَّ يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة لِأَجْلِ إِسَاف وَنَائِلَة , فَمِنْ ثَمَّ تَحَرَّجُوا مِنْ الطَّوَاف بَيْنهمَا فِي الْإِسْلَام , وَيُؤَيِّد مَا ذَكَرْنَاهُ حَدِيث أَنَس الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده بِلَفْظِ \" أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة ؟ فَقَالَ : نَعَمْ , لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شِعَار الْجَاهِلِيَّة \" وَرَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ قَوِيّ عَنْ زَيْد بْن حَارِثَة قَالَ \" كَانَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَة صَنَمَانِ مِنْ نُحَاس يُقَال لَهُمَا إِسَاف وَنَائِلَة كَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا تَمَسَّحُوا بِهِمَا \" الْحَدِيث , وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَابْن أَبِي حَاتِم فِي التَّفْسِير بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ \" قَالَتْ الْأَنْصَار : إِنَّ السَّعْي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة مِنْ أَمْر الْجَاهِلِيَّة , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَة مِنْ شَعَائِر اللَّه ) الْآيَة \" , وَرَوَى الْفَاكِهِيّ وَإِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي \" الْأَحْكَام \" بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ \" كَانَ صَنَم بِالصَّفَا يُدْعَى إِسَاف وَوَثَن بِالْمَرْوَةِ يُدْعَى نَائِلَة , فَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَسْعَوْنَ بَيْنهمَا , فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام رُمِيَ بِهِمَا وَقَالُوا : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ يَصْنَعهُ أَهْل الْجَاهِلِيَّة مِنْ أَجْل أَوْثَانهمْ , فَأَمْسَكُوا عَنْ السَّعْي بَيْنهمَا , قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَة مِنْ شَعَائِر اللَّه ) الْآيَة \" وَذَكَرَ الْوَاحِدِيّ فِي \" أَسْبَابه \" عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْو هَذَا وَزَادَ فِيهِ : يَزْعُم أَهْل الْكِتَاب أَنَّهُمَا زَنَيَا فِي الْكَعْبَة فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ فَوُضِعَا عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَة لِيُعْتَبَر بِهِمَا , فَلَمَّا طَالَتْ الْمُدَّة عُبِدَا. وَالْبَاقِي نَحْوه. وَرَوَى الْفَاكِهِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح إِلَى أَبِي مِجْلَزٍ نَحْوه. وَفِي \" كِتَاب مَكَّة \" لِعُمَر بْن شَبَّة بِإِسْنَادٍ قَوِيّ عَنْ مُجَاهِد فِي هَذِهِ الْآيَة قَالَ : قَالَتْ الْأَنْصَار إِنَّ السَّعْي بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْر الْجَاهِلِيَّة , فَنَزَلَتْ. وَمِنْ طَرِيق الْكَلْبِيّ قَالَ : كَانَ النَّاس أَوَّل مَا أَسْلَمُوا كَرِهُوا الطَّوَاف بَيْنهمَا لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا صَنَم فَنَزَلَتْ , فَهَذَا كُلّه يُوَضِّح قُوَّة رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة وَتَقَدُّمهَا عَلَى رِوَايَة غَيْره , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْأَنْصَار فِي الْجَاهِلِيَّة كَانُوا فَرِيقَيْنِ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَطُوف بَيْنهمَا عَلَى مَا اِقْتَضَتْهُ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة , وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ لَا يَقْرَبهُمَا عَلَى مَا اِقْتَضَتْهُ رِوَايَة الزُّهْرِيّ وَاشْتَرَكَ الْفَرِيقَانِ فِي الْإِسْلَام عَلَى التَّوَقُّف عَنْ الطَّوَاف بَيْنهمَا لِكَوْنِهِ كَانَ عِنْدهمْ جَمِيعًا مِنْ أَفْعَال الْجَاهِلِيَّة , فَيُجْمَع بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِهَذَا , وَقَدْ أَشَارَ إِلَى نَحْو هَذَا الْجَمْع الْبَيْهَقِيُّ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَوْل عَائِشَة \" سَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّوَاف بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة \" أَيْ فَرَضَهُ بِالسُّنَّةِ , وَلَيْسَ مُرَادهَا نَفْي فَرْضِيَّتهَا , وَيُؤَيِّدهُ قَوْلهَا \" لَمْ يُتِمّ اللَّه حَجَّ أَحَدكُمْ وَلَا عُمْرَته مَا لَمْ يَطُفْ بَيْنهمَا \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَخْبَرْت أَبَا بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ الزُّهْرِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ عِنْدَ مُسْلِم \" قَالَ الزُّهْرِيّ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِأَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ هَذَا الْعِلْم ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , أَيْ أَنَّ هَذَا هُوَ الْعِلْم الْمَتِين , وَلِلْكُشمِيهنِيّ \" إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ \" بِفَتْحِ اللَّام وَهِيَ الْمُؤَكِّدَة وَبِالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ الْخَبَر. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ النَّاس إِلَّا مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَة ) ‏ ‏إِنَّمَا سَاغَ لَهُ هَذَا الِاسْتِثْنَاء مَعَ أَنَّ الرِّجَال الَّذِينَ أَخْبَرُوهُ أَطْلَقُوا ذَلِكَ لِبَيَانِ الْخَبَر عِنْده مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ لَهُ عَنْ عُرْوَة عَنْهَا , وَمُحَصَّل مَا أَخْبَرَ بِهِ أَبُو بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن أَنَّ الْمَانِع لَهُمْ مِنْ التَّطَوُّف بَيْنهمَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة فِي الْجَاهِلِيَّة , فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّه الطَّوَاف بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَذْكُر الطَّوَاف بَيْنهمَا ظَنُّوا رَفْع ذَلِكَ الْحُكْم فَسَأَلُوا هَلْ عَلَيْهِمْ مِنْ حَرَج إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ , بِنَاء عَلَى مَا ظَنُّوهُ مِنْ أَنَّ التَّطَوُّف بَيْنهمَا مِنْ فِعْل الْجَاهِلِيَّة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان الْمَذْكُورَة \" إِنَّمَا كَانَ مَنْ لَا يَطُوف بَيْنهمَا مِنْ الْعَرَب يَقُولُونَ : إِنَّ طَوَافنَا بَيْن هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْر الْجَاهِلِيَّة \" وَهُوَ يُؤَيِّد مَا شَرَحْنَاهُ أَوَّلًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَسْمَع هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا فِي مُعْظَم الرِّوَايَات بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَة وَضَمِّ الْعَيْن بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَة لِلْمُتَكَلِّمِ , وَضَبَطَهُ الدِّمْيَاطِيّ فِي نُسْخَته بِالْوَصْلِ وَسُكُون الْعَيْن بِصِيغَةِ الْأَمْر , وَالْأَوَّل أَصْوَب فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان الْمَذْكُورَة \" فَأُرَاهَا نَزَلَتْ \" وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة أَيْ أَظُنّهَا , وَحَاصِله أَنَّ سَبَب نُزُول الْآيَة عَلَى هَذَا الْأُسْلُوب كَانَ لِلرَّدِّ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ : الَّذِينَ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنهمَا لِكَوْنِهِ عِنْدهمْ مِنْ أَفْعَال الْجَاهِلِيَّة , وَاَلَّذِينَ اِمْتَنَعُوا مِنْ الطَّوَاف بَيْنهمَا لِكَوْنِهِمَا لَمْ يُذْكَرَا. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى ذُكِرَ ذَلِكَ بَعْدَمَا ذَكَرَ الطَّوَاف بِالْبَيْتِ ) ‏ ‏يَعْنِي تَأَخَّرَ نُزُول آيَة الْبَقَرَة فِي الصَّفَا وَالْمَرْوَة عَنْ آيَة الْحَجّ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق ) , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَغَيْره \" حَتَّى ذُكِرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا ذَكَرَ الطَّوَاف بِالْبَيْتِ \" وَفِي تَوْجِيهه عُسْر , وَكَأَنَّ قَوْله \" الطَّوَاف بِالْبَيْتِ \" بَدَلٌ مِنْ قَوْله \" مَا ذَكَرَ \" بِتَقْدِيرِ الْأَوَّل إِنَّمَا اِمْتَنَعُوا مِنْ السَّعْي بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة لِأَنَّ قَوْله : ( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق ) دَلَّ عَلَى الطَّوَاف بِالْبَيْتِ وَلَا ذِكْر لِلصَّفَا وَالْمَرْوَة فِيهِ حَتَّى نَزَلَ ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَة مِنْ شَعَائِر اللَّه ) بَعْدَ نُزُول ( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ ) أَمَّا الثَّانِي فَيَجُوز أَنْ تَكُون مَا مَصْدَرِيَّة أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ الطَّوَاف بِالْبَيْتِ الطَّوَاف بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1535",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ ‏ ‏خَبَّ ‏ ‏ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا وَكَانَ يَسْعَى ‏ ‏بَطْنَ الْمَسِيلِ ‏ ‏إِذَا طَافَ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِنَافِعٍ ‏ ‏أَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏يَمْشِي إِذَا بَلَغَ الرُّكْنَ ‏ ‏الْيَمَانِيَ قَالَ لَا إِلَّا أَنْ يُزَاحَمَ عَلَى الرُّكْنِ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَدَعُهُ حَتَّى يَسْتَلِمَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد ) ‏ ‏زَادَ أَبُو ذَرٍّ فِي رِوَايَته \" هُوَ اِبْن أَبِي حَاتِم \" وَلِغَيْرِهِ \" مُحَمَّد بْن عُبَيْد بْن مَيْمُون \" وَهُوَ الصَّوَاب وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم , وَلَعَلَّ حَاتِمًا اِسْم جَدّ لَهُ إِنْ كَانَتْ رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ فِيهِ مَضْبُوطَة. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّهُ رَآهُ بِخَطِّ أَبِي مُحَمَّد الْأَصِيلِيّ فِي نُسْخَته \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد بْن حَاتِم \". ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ إِذَا طَافَ الطَّوَاف الْأَوَّل ) ‏ ‏أَيْ طَوَاف الْقُدُوم. ‏ ‏قَوْله : ( خَبَّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَنْ طَافَ إِذَا قَدِمَ مَكَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ يَسْعَى بَطْن الْمَسِيل ) ‏ ‏أَيْ الْمَكَان الَّذِي يَجْتَمِع فِيهِ السَّيْل , وَقَوْله بَطْن مَنْصُوب عَلَى الظَّرْف , وَهَذَا مَرْفُوع عَنْ اِبْن عُمَر , وَكَأَنَّ الْمُصَنِّف بَدَأَ بِالْمَوْقُوفِ عَنْهُ فِي التَّرْجَمَة لِكَوْنِهِ مُفَسِّرًا لِحَدِّ السَّعْي , وَالْمُرَاد بِهِ شِدَّة الْمَشْي وَإِنْ كَانَ جَمِيع ذَلِكَ يُسَمَّى سَعْيًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لِنَافِعٍ ) ‏ ‏الْقَائِل عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر الْمَذْكُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِالِاسْتِلَامِ قَبْلُ بِأَبْوَابٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "1536",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْنَا ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ رَجُلٍ طَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فِي عُمْرَةٍ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ فَقَالَ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَطَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ فَطَافَ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏سَبْعًا ‏ { ‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ‏} ‏وَسَأَلْنَا ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر أَيْضًا فِي طَوَاف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة , أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسُبُوعِهِ رَكْعَتَيْنِ \" قَالَ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن هُنَا قَالَ صَاحِب الْمُحِيط مِنْ الْحَنَفِيَّة : لَوْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ وَخَتَمَ بِالصَّفَا أَعَادَ شَوْطًا فَإِنَّ الْبُدَاءَة وَاجِبَة , وَلَا أَصْل لِمَا قَالَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ التَّرْتِيب لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَكِنَّ تَرْكه مَكْرُوه لِتَرْكِ السُّنَّة فَيُسْتَحَبّ إِعَادَة الشَّوْط. قُلْت : الْكَرْمَانِيُّ الْمَذْكُور عَالِم مِنْ الْحَنَفِيَّة وَلَيْسَ هُوَ شَمْس الدِّين شَارِح الْبُخَارِيّ , وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّم أَنَّ شَيْخنَا وَقَفَ عَلَى شَرْحه وَنَقَلَ مِنْهُ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَام مَا هُوَ فِي شَرْح شَمْس الدِّين وَشَمْس الدِّين شَافِعِيّ الْمَذْهَب يَرَى التَّرْتِيب شَرْطًا فِي صِحَّة السَّعْي. ‏"
    },
    {
        "id": "1537",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَطَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَعَى بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏ثُمَّ تَلَا ‏ { ‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏إِسْوَةٌ ‏ ‏حَسَنَةٌ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر أَيْضًا فِي طَوَاف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة , أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسُبُوعِهِ رَكْعَتَيْنِ \" قَالَ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن هُنَا قَالَ صَاحِب الْمُحِيط مِنْ الْحَنَفِيَّة : لَوْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ وَخَتَمَ بِالصَّفَا أَعَادَ شَوْطًا فَإِنَّ الْبُدَاءَة وَاجِبَة , وَلَا أَصْل لِمَا قَالَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ التَّرْتِيب لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَكِنَّ تَرْكه مَكْرُوه لِتَرْكِ السُّنَّة فَيُسْتَحَبّ إِعَادَة الشَّوْط. قُلْت : الْكَرْمَانِيُّ الْمَذْكُور عَالِم مِنْ الْحَنَفِيَّة وَلَيْسَ هُوَ شَمْس الدِّين شَارِح الْبُخَارِيّ , وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّم أَنَّ شَيْخنَا وَقَفَ عَلَى شَرْحه وَنَقَلَ مِنْهُ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَام مَا هُوَ فِي شَرْح شَمْس الدِّين وَشَمْس الدِّين شَافِعِيّ الْمَذْهَب يَرَى التَّرْتِيب شَرْطًا فِي صِحَّة السَّعْي. ‏"
    },
    {
        "id": "1538",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏إِنَّ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةَ ‏ ‏مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ‏}",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي نُزُول قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَة مِنْ شَعَائِر اللَّه ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. الرَّابِع حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" إِنَّمَا سَعَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّته \" وَالْمُرَاد بِالسَّعْيِ هُنَا شِدَّة الْمَشْي , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ فِي \" بَاب بَدْء الرَّمَل \". ‏"
    },
    {
        "id": "1539",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَبَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَطَاءً ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( زَادَ الْحُمَيْدِيُّ إِلَخْ ) ‏ ‏أَيْ زَادَ التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ مِنْ عَمْرو لِسُفْيَان وَمِنْ عَطَاء لِعَمْرٍو , وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي \" مُسْنَد الْحُمَيْدِيّ \" رِوَايَة بِشْر بْن مُوسَى عَنْهُ وَمِنْ طَرِيقه أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج , وَأَخْرَجَ مُسْلِم فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث جَابِر \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْد طَوَافه خَرَجَ إِلَى الصَّفَا فَقَالَ : أَبْدَأ بِمَا بَدَأَ اللَّه بِهِ \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِشْتِرَاط الْبُدَاءَة بِالصَّفَا , وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ الْأَمْر فَقَالَ \" اِبْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّه بِهِ \". ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏قَالَ اِبْن عَبْد السَّلَام الْمَرْوَة أَفْضَل مِنْ الصَّفَا لِأَنَّهَا تُقْصَد بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاء أَرْبَع مَرَّات بِخِلَافِ الصَّفَا فَإِنَّمَا يُقْصَد ثَلَاثًا , قَالَ : وَأَمَّا الْبُدَاءَة بِالصَّفَا فَلَيْسَ بِوَارِدٍ لِأَنَّهُ وَسِيلَة. قُلْت : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الصَّفَا تُقْصَد أَرْبَعًا أَيْضًا أَوَّلهَا عِنْدَ الْبُدَاءَة فَكُلّ مِنْهُمَا مَقْصُود بِذَلِكَ وَيَمْتَاز بِالِابْتِدَاءِ , وَعِنْدَ التَّنَزُّل يَتَعَادَلَانِ , ثُمَّ مَا ثَمَرَة هَذَا التَّفْضِيل مَعَ أَنَّ الْعِبَادَة الْمُتَعَلِّقَة بِهِمَا لَا تَتِمّ إِلَّا بِهِمَا مَعًا ؟ ‏"
    },
    {
        "id": "1540",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏قَدِمْتُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَلَا بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏قَالَتْ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏حَتَّى تَطْهُرِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة وَفِيهِ \" اِفْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْر أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطَّهَّرِي \" وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْهَاءِ أَيْضًا أَوْ هُوَ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ , وَأَصْلُهُ تَتَطَهَّرِي وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" حَتَّى تَغْتَسِلِي \" وَالْحَدِيث ظَاهِر فِي نَهْيِ الْحَائِضِ عَنْ الطَّوَافِ حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمهَا وَتَغْتَسِلَ لِأَنَّ النَّهْيَ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي بُطْلَان الطَّوَاف لَوْ فَعَلَتْهُ وَفِي مَعْنَى الْحَائِض الْجُنُب وَالْمُحْدِث وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَذَهَبَ جَمْع مِنْ الْكُوفِيِّينَ إِلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَة : حَدَّثَنَا غُنْدَر حَدَّثَنَا شُعْبَةُ سَأَلْت الْحَكَمَ وَحَمَّادًا وَمَنْصُورًا وَسُلَيْمَانَ عَنْ الرَّجُلِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَة فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاء : إِذَا طَافَتْ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَة أَطْوَاف فَصَاعِدًا ثُمَّ حَاضَتْ أَجْزَأَ عَنْهَا. وَفِي هَذَا تَعَقُّب عَلَى النَّوَوِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي \" شَرْحِ الْمُهَذَّبِ \" : اِنْفَرَدَ أَبُو حَنِيفَة بِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ بِشَرْط فِي الطَّوَافِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابه فِي وُجُوبِهَا وَجَبْرَانِهِ بِالدَّمِ إِنْ فَعَلَهُ ا ه وَلَمْ يَنْفَرِدُوا بِذَلِكَ كَمَا تَرَى فَلَعَلَّهُ أَرَادَ اِنْفِرَادَهُمْ عَنْ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَكِنْ عِنْدَ أَحْمَدَ رِوَايَة أَنَّ الطَّهَارَةَ لِلطَّوَافِ وَاجِبَة تُجْبَرُ بِالدَّمِ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْل يُوَافِقُ هَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1541",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ح ‏ ‏وَقَالَ لِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَهَلَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَطَلْحَةَ ‏ ‏وَقَدِمَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏وَمَعَهُ هَدْيٌ فَقَالَ أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَقَالُوا نَنْطَلِقُ إِلَى ‏ ‏مِنًى ‏ ‏وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ وَحَاضَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ فَأَمَرَ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ وَفِيهِ قِصَّة قُدُوم عَلِيّ وَمَعَهُ الْهَدْيُ وَقِصَّة عَائِشَة \" حَاضَتْ فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِك كُلّهَا غَيْر أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ \" الْحَدِيثَ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب عُمْرَة التَّنْعِيم \" مِنْ أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ وَالِاحْتِيَاج مِنْهُ لِقُوَّة \" غَيْر أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏سَاقه الْمُؤَلِّف هُنَا رَحِمَهُ اللَّهُ بِلَفْظِ خَلِيفَة وَسَيَأْتِي لَفْظ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى فِي \" بَاب عُمْرَة التَّنْعِيم \". ‏"
    },
    {
        "id": "1542",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنَّا نَمْنَعُ ‏ ‏عَوَاتِقَنَا ‏ ‏أَنْ يَخْرُجْنَ فَقَدِمَتْ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ ‏ ‏بَنِي خَلَفٍ ‏ ‏فَحَدَّثَتْ أَنَّ أُخْتَهَا كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ قَالَتْ كُنَّا نُدَاوِي ‏ ‏الْكَلْمَى ‏ ‏وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى فَسَأَلَتْ أُخْتِي رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ هَلْ عَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ قَالَ لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا وَلْتَشْهَدْ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا قَدِمَتْ ‏ ‏أُمُّ عَطِيَّةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏سَأَلْنَهَا أَوْ قَالَتْ سَأَلْنَاهَا فَقَالَتْ وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبَدًا إِلَّا قَالَتْ بِأَبِي فَقُلْنَا أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ كَذَا وَكَذَا قَالَتْ نَعَمْ بِأَبِي فَقَالَ ‏ ‏لِتَخْرُجْ ‏ ‏الْعَوَاتِقُ ‏ ‏ذَوَاتُ ‏ ‏الْخُدُورِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏الْعَوَاتِقُ ‏ ‏وَذَوَاتُ ‏ ‏الْخُدُورِ ‏ ‏وَالْحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى فَقُلْتُ أَالْحَائِضُ فَقَالَتْ أَوَلَيْسَ تَشْهَدُ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث حَفْصَة \" كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فَقَدِمَتْ إمْرَأَة فَنَزَلَتْ قَصْر بَنِي خَلَف - وَفِيهِ - وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّض الْمُصَلَّى \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ وَفِي الْعِيدَيْنِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحَيْض , وَالْمُحْتَاج إِلَيْهِ هُنَا قَوْلهَا فِي آخِرِهِ \" أَوَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا \" فَهُوَ الْمُطَابِقُ لِقَوْلِ جَابِر \" فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ \" وَكَذَا قَوْلهَا \" وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى \" فَإِنَّهُ يُنَاسِبُ قَوْلَهُ \" إِنَّ الْحَائِضَ لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ \" لِأَنَّهَا إِذَا أُمِرَتْ بِاعْتِزَالِ الْمُصَلَّى كَانَ اِعْتِزَالهَا لِلْمَسْجِدِ بَلْ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَام بَلْ لِلْكَعْبَةِ مِنْ بَاب الْأَوْلَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1543",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ قَالَ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏قُلْتُ فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ قَالَ ‏ ‏بِالْأَبْطَحِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيّ , وَإِسْحَاق الْأَزْرَقُ هُوَ اِبْن يُوسُف , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيُّ. قَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ : صَحِيح يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاق الْأَزْرَقِ عَنْ الثَّوْرِيِّ يَعْنِي أَنَّ إِسْحَاق تَفَرَّدَ بِهِ وَأَظُنُّ أَنَّ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ أَرْدَفَهُ الْبُخَارِيّ بِطَرِيقِ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ عَبْد الْعَزِيز وَرِوَايَة أَبِي بَكْر وَإِنْ كَانَ قَصَّرَ فِيهَا كَمَا سَنُوَضِّحُهُ لَكِنَّهَا مُتَابَعَة قَوِيَّةٌ لِطَرِيقِ إِسْحَاق وَقَدْ وَجَدْنَا لَهُ شَوَاهِدَ : مِنْهَا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِر الطَّوِيلِ فِي صِفَة الْحَجّ عِنْد مُسْلِم \" فَلَمَّا كَانَ يَوْم التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَّلُوا بِالْحَجِّ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْر وَالْعَصْر وَالْمَغْرِب وَالْعِشَاء وَالْفَجْر \" الْحَدِيث. وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَأَحْمَد وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى خَمْسَ صَلَوَات \" وَلَهُ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ \" كَانَ يُحِبُّ - إِذَا اِسْتَطَاعَ - أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْر بِمِنًى يَوْم التَّرْوِيَة \" وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْر بِمِنًى وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي \" الْمُوَطَّإِ \" عَنْ نَافِع عَنْهُ مَوْقُوفًا وَلِابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر قَالَ \" مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ الظُّهْر وَمَا بَعْدَهَا وَالْفَجْرَ بِمِنًى ثُمَّ يَغْدُونَ إِلَى عَرَفَة \". ‏ ‏قَوْله : ( يَوْم النَّفْر ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُون الْفَاءِ يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرَ أَبْوَابِ الْحَجِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1544",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏لَقِيتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْتُ إِلَى ‏ ‏مِنًى ‏ ‏يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَلَقِيتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏ذَاهِبًا عَلَى حِمَارٍ فَقُلْتُ ‏ ‏أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَذَا الْيَوْمَ الظُّهْرَ فَقَالَ انْظُرْ حَيْثُ ‏ ‏يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ فَصَلِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَاتِ وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ اِبْنُ الْمَدِينِيّ وَقَدْ سَاقَ الْمُصَنِّفُ الْحَدِيث عَلَى لَفْظِ إِسْمَاعِيل بْن أَبَانَ وَإِنَّمَا قَدَّمَ طَرِيق عَلِيّ لِتَصْرِيحِهِ فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ أَبِي بَكْر وَهُوَ اِبْن عَيَّاش وَعَبْد الْعَزِيز وَهُوَ اِبْن رَفِيع. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَقِيت أَنَسًا ذَاهِبًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" رَاكِبًا \". ‏ ‏قَوْله : ( اُنْظُرْ حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُك فَصَلِّ ) ‏ ‏هَذَا فِيهِ اِخْتِصَار يُوَضِّحُهُ رِوَايَة سُفْيَان وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي رِوَايَة سُفْيَان بَيَّنَ لَهُ الْمَكَانَ الَّذِي صَلَّى فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْر يَوْم التَّرْوِيَة وَهُوَ مِنًى كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ خَشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى ذَلِكَ فَيُنْسَبَ إِلَى الْمُخَالَفَةِ أَوْ تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْجَمَاعَةِ فَقَالَ لَهُ صَلِّ مَعَ الْأُمَرَاءِ حَيْثُ يُصَلُّونَ. وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ الْأُمَرَاءَ إِذْ ذَاكَ كَانُوا لَا يُوَاظِبُونَ عَلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِمَكَان مُعَيَّن فَأَشَارَ أَنَس إِلَى أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ جَائِز وَإِنْ كَانَ الِاتِّبَاعُ أَفْضَلُ وَلَمَّا خَلَتْ رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ الْقَدْرِ الْمَرْفُوعِ وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْهُ وَهْمٌ فَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد بْن بَيَان عَنْهُ بِلَفْظ \" أَيْنَ صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْر هَذَا الْيَوْمَ ؟ قَالَ : صَلَّى حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُك \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : قَوْلُهُ \" صَلَّى \" غَلَط. قُلْت : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَتْ \" صَلِّ \" بِصِيغَةِ الْأَمْرِ كَغَيْرِهَا مِنْ الرِّوَايَاتِ فَأَشْبَعَ النَّاسِخ اللَّام فَكَتَبَ بَعْدَهَا يَاءً فَقَرَأَهَا الرَّاوِي بِفَتْحِ اللَّامِ. وَأَغْرَبَ الْحُمَيْدِيّ فِي جَمْعِهِ فَحَذَفَ لَفْظ فَصَلِّ مِنْ آخِرِ رِوَايَة أَبِي بَكْر اِبْن عَيَّاش فَصَارَ ظَاهِره أَنَّ أَنَسًا أَخْبَرَ أَنَّهُ صَلَّى حَيْثُ يُصَلِّي الْأُمَرَاء وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَهَذَا بِعَيْنِهِ الَّذِي أَطْلَقَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّهُ غَلَط. وَقَالَ أَبُو مَسْعُود فِي \" الْأَطْرَافِ \" : جَوَّدَ إِسْحَاق عَنْ سُفْيَان هَذَا الْحَدِيث وَلَمْ يُجَوِّدْهُ أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش. قُلْت : وَهُوَ كَمَا قَالَ وَقَدْ قَدَّمْتُ عُذْر الْبُخَارِيّ فِي تَخْرِيجِهِ وَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ دَفْعَ مَنْ يَتَوَقَّفُ فِي تَصْحِيحِهِ لِتَفَرُّدِ إِسْحَاق بِهِ عَنْ سُفْيَان. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد فِي هَذَا الْبَاب زِيَادَة لَفْظَة لَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهَا سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْ إِسْحَاق وَهِيَ قَوْلُهُ \" أَيْنَ صَلَّى الظُّهْر وَالْعَصْر \" ؟ فَإِنَّ لَفْظ \" الْعَصْر \" لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ فَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِر صِفَة الْحَجّ عَنْ أَبِي مُوسَى مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عِنْدَ الْمُصَنِّف وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَة عَنْ أَبِي مُوسَى وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ عَنْ إِسْحَاق نَفْسه وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ زُهَيْر بْن حَرْب وَأَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ أَحْمَد بْن مَنِيع وَمُحَمَّد بْن وَزِير وَالنَّسَائِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن سَلَام وَالدَّارِمِيّ عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَمُحَمَّد بْن أَحْمَد وَأَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَعْدَان بْن يَزِيد وَابْن الْجَارُود فِي \" الْمُنْتَقَى \" عَنْ مُحَمَّد بْن وَزِير وَسَمُّويَةَ فِي فَوَائِدِهِ عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار بُنْدَار وَأَخْرَجَهُ اِبْن الْمُنْذِر وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق بُنْدَار زَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَزُهَيْر بْن حَرْب وَعَبْد الْحَمِيد بْن بَيَان وَأَحْمَد بْن مَنِيع كُلّهمْ - وَهُمْ اِثْنَا عَشَرَ نَفْسًا - عَنْ إِسْحَاق الْأَزْرَقِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَد مِنْهُمْ فِي رِوَايَتِهِ \" وَالْعَصْرِ \" وَادَّعَى الدَّاوُدِيّ أَنْ ذِكْرَ الْعَصْر هُنَا وَهْم وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْعَصْر فِي النَّفْسِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ العَصْرَ مَذْكُور فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ فِي حَدِيثِ جَابِر عِنْد مُسْلِم بِأَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِمِنًى فَالزِّيَادَة فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صَحِيحَة إِلَّا أَنَّ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد تَفَرَّدَ بِذِكْرِهَا عَنْ إِسْحَاق دُونَ بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏لَيْسَ لِعَبْد الْعَزِيز بْن رَفِيع عَنْ أَنَس فِي الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد وَلَهُ عَنْ غَيْرِ أَنَس أَحَادِيث تَقَدَّمَ بَعْضهَا فِي \" بَاب مَنْ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ \" وَالْمُرَاد بِالنَّفْرِ الرُّجُوع مِنْ مِنًى بَعْدَ اِنْقِضَاءِ أَعْمَال الْحَجّ وَالْمُرَاد بِالْأَبْطَح الْمُحَصَّب كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُصَلِّيَ الْحَاجّ الظُّهْر يَوْم التَّرْوِيَة بِمِنًى وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَرَوَى الثَّوْرِيّ فِي جَامِعِهِ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار قَالَ : رَأَيْت اِبْن الزُّبَيْر صَلَّى الظُّهْر يَوْم التَّرْوِيَة بِمَكَّةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَة الْقَاسِم عَنْهُ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِمِنًى فَلَعَلَّهُ فَعَلَ مَا نَقَلَهُ عَمْرو عَنْهُ لِضَرُورَة أَوْ لِبَيَان الْجَوَاز وَرَوَى اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيقِ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" إِذَا زَاغَتْ الشَّمْس فَلْيَرُحْ إِلَى مِنًى \" قَالَ ابْنُ الْمُنْذِر فِي حَدِيثِ اِبْن الزُّبَيْر : أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَام الظُّهْر وَالْعَصْر وَالْمَغْرِب وَالْعِشَاء وَالصُّبْح بِمِنًى قَالَ بِهِ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ قَالَ : وَلَا أَحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ مِنًى لَيْلَة التَّاسِع شَيْئًا. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ يَوْم التَّرْوِيَة حَتَّى دَخَلَ اللَّيْل وَذَهَبَ ثُلُثه قَالَ ابْنُ الْمُنْذِر : وَالْخُرُوجُ إِلَى مِنًى فِي كُلِّ وَقْت مُبَاح إِلَّا أَنَّ الْحَسَنَ وَعَطَاء قَالَا : لَا بَأْسَ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْحَاجّ إِلَى مِنًى قَبْلَ يَوْم التَّرْوِيَة بِيَوْم أَوْ يَوْمَيْنِ. وَكَرِهَهُ مَالِك وَكَرِهَ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ يَوْم التَّرْوِيَة حَتَّى يُمْسِيَ إِلَّا إِنْ أَدْرَكَهُ وَقْتُ الْجُمُعَة فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا الْإِشَارَة إِلَى مُتَابَعَةِ أُولِي الْأَمْرِ وَالِاحْتِرَازِ عَنْ مُخَالَفَةِ الْجَمَاعَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1545",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏وَعُثْمَانُ ‏ ‏صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَعُثْمَان صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ ) ‏ ‏زَاد فِي رِوَايَة نَافِع الْمَذْكُورَةِ \" ثُمَّ أَتَمَّهَا \" وَأَوْرَدَ حَدِيث حَارِثَة هُنَاكَ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ وَهُنَا عَنْ آدَم كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَة وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود هُنَاكَ مِنْ رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد وَهُنَا مِنْ رِوَايَة سُفْيَان كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1546",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1547",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمْ الطُّرُقُ فَيَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَع رَكْعَتَانِ ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيّ : خَشِيَ اِبْن مَسْعُود أَنْ لَا يُجْزِئُ الْأَرْبَعُ فَاعِلهَا وَتَبِعَ عُثْمَان كَرَاهَةً لِخِلَافِهِ وَأَخْبَرَ بِمَا يَعْتَقِدُهُ. وَقَالَ غَيْره : يُرِيدُ أَنْ لَوْ صَلَّى أَرْبَعًا تَكَلَّفَهَا فَلَيْتَهَا تُقْبَلُ كَمَا تُقْبَلُ الرَّكْعَتَانِ اِنْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّفْوِيضِ إِلَى اللَّهِ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْغَيْبِ وَهَلْ يَقْبَلُ اللَّه صَلَاته أَمْ لَا فَتَمَنَّى أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ مِنْ الْأَرْبَعِ الَّتِي يُصَلِّيهَا رَكْعَتَانِ وَلَوْ لَمْ يُقْبَل الزَّائِد وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ عِنْدَهُ مُخَيَّر بَيْنَ الْقَصْر وَالْإِتْمَام وَالرَّكْعَتَانِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يَخَافُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ شَيْء فَحَاصِله أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا أَتَمَّ مُتَابَعَة لِعُثْمَان وَلَيْتَ اللَّهَ قَبِلَ مِنِّي رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي أَبْوَابِ الْقَصْرِ وَعَلَى السَّبَبِ فِي إِتْمَامِ عُثْمَان بِمِنًى وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏"
    },
    {
        "id": "1548",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَيْرًا ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أُمِّ الْفَضْلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ الْفَضْلِ ‏ ‏شَكَّ النَّاسُ يَوْمَ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَعَثْتُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1549",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏وَهُمَا ‏ ‏غَادِيَانِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ وَيُكَبِّرُ مِنَّا الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الثَّقَفِيّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْعِيدَيْنِ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ مَالِك \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد \" وَلَيْسَ لِمُحَمَّد الْمَذْكُورِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَس وَلَا غَيْره غَيْر هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ وَقَدْ وَافَقَ أَنَسًا عَلَى رِوَايَتِهِ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُمَا غَادِيَانِ ) ‏ ‏أَيْ ذَاهِبَانِ غَدْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الذِّكْرِ وَلِمُسْلِم مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر \" قُلْت لِأَنَس غَدَاةَ عَرَفَة : مَا نَقُولُ فِي التَّلْبِيَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ ) ‏ ‏بِضَمّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة \" لَا يَعِيبُ أَحَدنَا عَلَى صَاحِبِهِ \" وَفِي حَدِيثِ اِبْن عُمَر الْمُشَارِ إِلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَلَمَة عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ \" غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَات مِنَّا الْمُلَبِّي وَمِنَّا الْمُكَبِّر \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" قَالَ - يَعْنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَلَمَة - فَقَلَتْ لَهُ - يَعْنِي لِعُبَيْدِ اللَّهِ - عَجَبًا لَكُمْ كَيْفَ لَمْ تَسْأَلُوهُ مَاذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ \" وَأَرَادَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَلَمَة بِذَلِكَ الْوُقُوفَ عَلَى الْأَفْضَلِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالتَّلْبِيَةِ مِنْ تَقْرِيرِهِ لَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ فَأَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ مَا كَانَ يَصْنَعُ هُوَ لِيَعْرِف الْأَفْضَل مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود بَيَان ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1550",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَتَبَ ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْحَجَّاجِ ‏ ‏أَنْ لَا يُخَالِفَ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏فِي الْحَجِّ فَجَاءَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ فَصَاحَ عِنْدَ ‏ ‏سُرَادِقِ ‏ ‏الْحَجَّاجِ ‏ ‏فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ ‏ ‏مُعَصْفَرَةٌ ‏ ‏فَقَالَ مَا لَكَ يَا ‏ ‏أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏الرَّوَاحَ ‏ ‏إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ قَالَ هَذِهِ السَّاعَةَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخْرُجُ فَنَزَلَ حَتَّى خَرَجَ ‏ ‏الْحَجَّاجُ ‏ ‏فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي فَقُلْتُ ‏ ‏إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرْ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلْ الْوُقُوفَ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ صَدَقَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَالِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( كَتَبَ عَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن مَرْوَان. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى الْحَجَّاجِ ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن يُوسُف الثَّقَفِيّ حِينَ أَرْسَلَهُ إِلَى قِتَالِ اِبْن الزُّبَيْر كَمَا سَيَأْتِي مُبَيَّنًا بَعْدَ بَاب. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْحَجِّ ) ‏ ‏أَيْ فِي أَحْكَامِ الْحَجِّ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق أَشْهَب عَنْ مَالِك \" فِي أَمْرِ الْحَجِّ \" وَكَانَ اِبْن الزُّبَيْر لَمْ يُمَكِّنْ الْحَجَّاج وَعَسْكَره مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ فَوَقَفَ قَبْلَ الطَّوَافِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَنَا مَعَهُ ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ سَالِم وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ \" فَرَكِبَ هُوَ وَسَالِمٌ وَأَنَا مَعَهُمَا \" وَفِي رِوَايَتِهِ \" قَالَ ابْنُ شِهَاب : وَكُنْت يَوْمئِذ صَائِمًا فَلَقِيتُ مِنْ الْحَرِّ شِدَّة \" وَاخْتَلَفَ الْحُفَّاظُ فِي رِوَايَة مَعْمَر هَذِهِ فَقَالَ يَحْيَى بْن مَعِين : هِيَ وَهْمٌ , اِبْن شِهَاب لَمْ يَرَ اِبْن عُمَر وَلَا سَمِعَ مِنْهُ وَقَالَ الذُّهْلِيّ لَسْت أَدْفَعُ رِوَايَة مَعْمَر لِأَنَّ اِبْن وَهْبٍ رَوَى عَنْ الْعُمَرِيِّ عَنْ اِبْن شِهَاب نَحْوَ رِوَايَة مَعْمَر وَرَوَى عَنْبَسَة بْن خَالِد عَنْ يُونُسَ عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ \" وَفَدْت إِلَى مَرْوَانَ وَأَنَا مُحْتَلِم \" قَالَ الذُّهْلِيّ : وَمَرْوَانُ مَاتَ سَنَة خَمْس وَسِتِّينَ وَهَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ سَنَة ثَلَاث وَسَبْعِينَ اِنْتَهَى. وَقَالَ غَيْره : إنَّ رِوَايَةَ عَنْبَسَة هَذِهِ أَيْضًا وَهْمٌ وَإِنَّمَا قَالَ الزُّهْرِيّ وَفَدْت عَلَى عَبْد الْمَلِك وَلَوْ كَانَ الزُّهْرِيّ وَفَدَ عَلَى مَرْوَانَ لَأَدْرَكَ جِلَّة الصَّحَابَة مِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُ عَنْهُمْ رِوَايَة إِلَّا بِوَاسِطَة. وَقَدْ أَدْخَلَ مَالِك وَعُقَيْل - وَإِلَيْهِمَا الْمَرْجِعُ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ اِبْن عُمَر فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ سَالِمًا فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِق الْحَجَّاج ) ‏ ‏أَيْ خَيْمَتِهِ زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ \" أَيْنَ هَذَا \" أَيْ الْحَجَّاج. وَمِثْلُهُ يَأْتِي بَعْدَ بَاب مِنْ رِوَايَة الْقَعْنَبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةُ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ إِزَار كَبِير وَالْمُعَصْفَر الْمَصْبُوغ بِالْعُصْفُرِ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ ( يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هِيَ كُنْيَةُ اِبْن عُمَر ‏ ‏وَقَوْله ( الرَّوَاحَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ عَجِّلْ أَوْ رُحْ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ كُنْت تُرِيدُ السُّنَّةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب \" إِنْ كَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْظِرْنِي ) ‏ ‏بِالْهَمْزَةِ وَكَسْر الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَخِّرْنِي وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِأَلِفِ وَصْلٍ وَضَمِّ الظَّاءِ أَيْ اِنْتَظِرْنِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَلَ ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عُمَر كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْدَ بَابَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاقْصُرْ ) ‏ ‏بِأَلِفٍ مَوْصُولَة وَمُهْمَلَة مَكْسُورَة. قَالَ ابْنُ عَبْد الْبَرّ : هَذَا الْحَدِيثُ يَدْخُلُ عِنْدَهُمْ فِي الْمُسْنَدِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّنَّةِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُطْلِقَتْ مَا لَمْ تُضَفْ إِلَى صَاحِبِهَا كَسُنَّةِ الْعُمَرَيْنِ. قُلْت : وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَاف عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْأُصُولِ وَجُمْهُورهمْ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهِيَ طَرِيقَة الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَيُقَوِّيه قَوْل سَالِم لِابْن شِهَاب إِذْ قَالَ لَهُ \" أَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : وَهَلْ يَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ إِلَّا سُنَّتَهُ \" ؟ وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَاب. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَجَّلَ الْوُقُوفَ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن عَبْدِ الْبَرِّ : كَذَا رَوَاهُ الْقَعْنَبِيّ وَأَشْهَب وَهُوَ عِنْدِي غَلَط لِأَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ قَالُوا \" وَعَجَّلَ الصَّلَاة \" قَالَ وَرِوَايَة الْقَعْنَبِيّ لَهَا وَجْه لِأَنَّ تَعْجِيلَ الْوُقُوفِ يَسْتَلْزِمُ تَعْجِيل الصَّلَاة. قُلْت : قَدْ وَافَقَ الْقَعْنَبِيَّ عَبْدُ اللَّه بْن يُوسُف كَمَا تَرَى وَرِوَايَة أَشْهَبَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة رَوَوْهُ هَكَذَا فَالظَّاهِر أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ مِنْ مَالِك وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِاللَّازِمِ لِأَنَّ الْغَرَضَ بِتَعْجِيل الصَّلَاة حِينَئِذ تَعْجِيل الْوُقُوفِ. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْغُسْل لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَة لِقَوْلِ الْحَجَّاج لِعَبْد اللَّه أَنْظِرْنِي فَانْتَظَرَهُ وَأَهْل الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَهُ اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اِبْن عُمَر إِنَّمَا اِنْتَظَرَهُ لِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّ اِغْتِسَالَهُ عَنْ ضَرُورَة. نَعَمْ رَوَى مَالِك فِي \" الْمُوَطَّإِ \" عَنْ نَافِع أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يَغْتَسِلُ لِوُقُوفِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَة وَقَالَ الطَّحَاوِيّ : فِيهِ حُجَّة لِمَنْ أَجَازَ الْمُعَصْفَر لِلْمُحْرِمِ وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَةِ بِأَنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يَكُنْ يَتَّقِي الْمُنْكَرَ الْأَعْظَمَ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَغَيْره حَتَّى يَتَّقِيَ الْمُعَصْفَر وَإِنَّمَا لَمْ يَنْهَهُ اِبْن عُمَر لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَنْجَعُ فِيهِ النَّهْيُ وَلِعِلْمِهِ بِأَنَّ النَّاسَ لَا يَقْتَدُونَ بِالْحَجَّاجِ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ الِاحْتِجَاجَ إِنَّمَا هُوَ بِعَدَمِ إِنْكَارِ اِبْن عُمَر فَبِعَدَمِ إِنْكَارِهِ يَتَمَسَّكُ النَّاسُ فِي اِعْتِقَاد الْجَوَاز وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَسْأَلَة الْمُعَصْفَر فِي بَابِهِ. وَقَالَ الْمُهَلَّب : فِيهِ جَوَاز تَأْمِير الْأَدْوَن عَلَى الْأَفْضَلِ. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير أَيْضًا بِأَنَّ صَاحِبَ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ هُوَ عَبْد الْمَلِك وَلَيْسَ بِحُجَّة وَلَا سِيَّمَا فِي تَأْمِير الْحَجَّاج وَأَمَّا اِبْن عُمَر فَإِنَّمَا أَطَاعَ لِذَلِكَ فِرَارًا مِنْ الْفِتْنَةِ. قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ إِقَامَة الْحَجّ إِلَى الْخُلَفَاءِ , وَأَنَّ الْأَمِيرَ يَعْمَلُ فِي الدِّينِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَيَصِيرُ إِلَى رَأْيِهِمْ. وَفِيهِ مُدَاخَلَة الْعُلَمَاء السَّلَاطِين وَأَنَّهُ لَا نَقِيصَةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ فَتْوَى التِّلْمِيذ بِحَضْرَة مُعَلِّمه عِنْدَ السُّلْطَانِ وَغَيْره , وَابْتِدَاء الْعَالِمِ بِالْفَتْوَى قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّ اِبْن عُمَر إِنَّمَا اِبْتَدَأَ بِذَلِكَ لِمَسْأَلَةِ عَبْد الْمَلِك لَهُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ كَمَا كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ , قَالَ : وَفِيهِ الْفَهْمُ بِالْإِشَارَةِ وَالنَّظَرِ لِقَوْل سَالِم \" فَجَعَلَ الْحَجَّاج يَنْظُرُ إِلَى عَبْد اللَّه فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ : صَدَقَ \" اِنْتَهَى. وَفِيهِ طَلَبُ الْعُلُوِّ فِي الْعِلْمِ لِتَشَوُّف الْحَجَّاج إِلَى سَمَاع مَا أَخْبَرَهُ بِهِ سَالِمٌ مِنْ أَبِيهِ اِبْن عُمَر وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ اِبْن عُمَر. وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْفَاجِرِ السُّنَن لِمَنْفَعَةِ النَّاسِ. وَفِيهِ اِحْتِمَالُ الْمَفْسَدَةِ الْخَفِيفَةِ لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ الْكَبِيرَةِ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ مُضِيِّ اِبْن عُمَر إِلَى الْحَجَّاجِ وَتَعْلِيمه. وَفِيهِ الْحِرْصُ عَلَى نَشْرِ الْعِلْمِ لِانْتِفَاعِ النَّاسِ بِهِ. وَفِيهِ صِحَّةُ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ وَأَنَّ التَّوَجُّهَ إِلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي بِعَرَفَة حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ سُنَّة وَلَا يَضُرُّ التَّأَخُّر بِقَدْرِ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ الْمَرْءُ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الصَّلَاةِ كَالْغُسْلِ وَنَحْوِهِ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة مَا فِيهِ فِي الَّذِي يَلِيه. ‏"
    },
    {
        "id": "1551",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَيْرٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ ‏ ‏أَنَّ نَاسًا اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا يَوْمَ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1552",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ ‏ ‏كَتَبَ إِلَى ‏ ‏الْحَجَّاجِ ‏ ‏أَنْ يَأْتَمَّ ‏ ‏بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏فِي الْحَجِّ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏وَأَنَا مَعَهُ حِينَ ‏ ‏زَاغَتْ الشَّمْسُ ‏ ‏أَوْ زَالَتْ ‏ ‏فَصَاحَ عِنْدَ ‏ ‏فُسْطَاطِهِ ‏ ‏أَيْنَ هَذَا فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏الرَّوَاحَ ‏ ‏فَقَالَ الْآنَ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَنْظِرْنِي أُفِيضُ عَلَيَّ مَاءً فَنَزَلَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏حَتَّى خَرَجَ فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي فَقُلْتُ ‏ ‏إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ الْيَوْمَ فَاقْصُرْ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلْ الْوُقُوفَ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏صَدَقَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1553",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاقِفًا ‏ ‏بِعَرَفَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ هَذَا وَاللَّهِ مِنْ ‏ ‏الْحُمْسِ ‏ ‏فَمَا شَأْنُهُ هَا هُنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَة وَعَمْرو هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( أَضْلَلْت بَعِيرًا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لِي \" كَمَا فِي الْأُولَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَهَبْت أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَدِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ \" أَضْلَلْت بَعِيرًا لِي يَوْمَ عَرَفَةَ فَخَرَجْتُ أَطْلُبُهُ بِعَرَفَة \" فَعَلَى هَذَا فَقَوْله يَوْمَ عَرَفَةَ يَتَعَلَّقُ بِأَضْلَلْتُ فَإِنَّ جُبَيْرًا إِنَّمَا جَاءَ إِلَى عَرَفَة لِيَطْلُب بِعِيرَهُ لَا لِيَقِف بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْحُمْسِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُون الْمِيمِ بَعْدَهَا مُهْمَلَة سَيَأْتِي تَفْسِيره. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا شَأْنه هَاهُنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة وَابْن أَبِي عُمَر جَمِيعًا عَنْ سُفْيَان \" فَمَا لَهُ خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ \" وَزَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَمْروٍ النَّاقِدِ وَأَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ سُفْيَان بَعْدَ قَوْلِهِ \" فَمَا شَأْنه هَاهُنَا \" : وَكَانَتْ قُرَيْش تُعَدُّ مِنْ الْحُمْسِ وَهَذِهِ الزِّيَادَة تُوهِمُ أَنَّهَا مِنْ أَصْلِ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مِنْ قَوْلِ سُفْيَان , بَيَّنَهُ الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ وَلَفَظَهُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ \" مَا شَأْنه هَاهُنَا \". قَالَ سُفْيَان وَالْأَحْمَس الشَّدِيد عَلَى دِينِهِ وَكَانَتْ قُرَيْش تُسَمَّى الْحُمْس وَكَانَ الشَّيْطَانُ قَدْ اِسْتَهْوَاهُمْ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّكُمْ إِنْ عَظَّمْتُمْ غَيْر حَرَمِكُمْ اِسْتَخَفَّ النَّاس بِحَرَمِكُمْ فَكَانُوا لَا يَخْرُجُونَ مِنْ الْحَرَمِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ \" فَمَا لَهُ خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ \" قَالَ سُفْيَان الْحُمْس يَعْنِي قُرَيْشًا وَكَانَتْ تُسَمَّى الْحُمْس وَكَانَتْ لَا تُجَاوِزُ الْحَرَم وَيَقُولُونَ نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ لَا نَخْرُجُ مِنْ الْحَرَمِ وَكَانَ سَائِر النَّاسِ يَقِفُ بِعَرَفَة وَذَلِكَ قَوْله : ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) اِنْتَهَى. وَعُرِفَ بِهَاتَيْنِ الزِّيَادَتَيْنِ مَعْنَى حَدِيث جُبَيْر وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَهُمَا اِسْتِغْنَاءً بِالرِّوَايَةِ عَنْ عُرْوَة لَكِنْ فِي سِيَاق سُفْيَان فَوَائِد زَائِدَة. وَقَدْ رَوَى بَعْضَ ذَلِكَ اِبْنُ خُزَيْمَة وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ اِبْن إِسْحَاق حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي سُلَيْمَان عَنْ عَمِّهِ نَافِع بْن جُبَيْر عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" كَانَتْ قُرَيْش إِنَّمَا تَدْفَعُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ نَحْنُ الْحُمْس فَلَا نَخْرُجُ مِنْ الْحَرَمِ وَقَدْ تَرَكُوا الْمَوْقِفَ بِعَرَفَة قَالَ : فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقِفُ مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَة عَلَى جَمَل لَهُ ثُمَّ يُصْبِحُ مَعَ قَوْمِهِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَيَقِفُ مَعَهُمْ وَيَدْفَعُ إِذَا دَفَعُوا \". وَلَفْظ يُونُس بْن بُكَيْر عَنْ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي مُخْتَصَرًا وَفِيهِ \" تَوْفِيقًا مِنْ اللَّهِ لَهُ \". وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاق أَيْضًا عَنْ الْفَضْلِ بْن مُوسَى عَنْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَدِ عَنْ عَطَاء أَنَّ جُبَيْر بْن مُطْعِمٍ قَالَ : أَضْلَلْت حِمَارًا لِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَوَجَدْتُهُ بِعَرَفَة فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا بِعَرَفَات مَعَ النَّاسِ فَلَمَّا أَسْلَمْت عَلِمْت أَنَّ اللَّهَ وَفَّقَهُ لِذَلِكَ \". وَأَمَّا تَفْسِير الْحُمْس فَرَوَى إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي \" غَرِيبِ الْحَدِيثِ \" مِنْ طَرِيقِ اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْحُمْسُ قُرَيْش وَمَنْ كَانَ يَأْخُذُ مَأْخَذَهَا هُنَّ الْقَبَائِلُ كَالْأَوْسِ وَالْخَزْرَج وَخُزَاعَة وَثَقِيف وَغَزْوَان وَبَنِي عَامِر وَبَنِي صَعْصَعَة وَبَنِي كِنَانَة إِلَّا بَنِي بَكْر وَالْأَحْمَس فِي كَلَام الْعَرَبِ الشَّدِيدِ وَسُمُّوا بِذَلِكَ لَمَّا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَكَانُوا إِذَا أَهَلُّوا بِحَجّ أَوْ عُمْرَة لَا يَأْكُلُونَ لَحْمًا وَلَا يَضْرِبُونَ وَبَرًا وَلَا شَعْرًا وَإِذَا قَدِمُوا مَكَّة وَضَعُوا ثِيَابَهُمْ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ. وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْد الْعَزِيز بْن عِمْرَان الْمَدَنِيّ قَالَ : سُمُّوا حُمْسًا بِالْكَعْبَةِ لِأَنَّهَا حَمْسَاءُ حَجَرُهَا أَبْيَض يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ اِنْتَهَى. وَالْأَوَّلُ أَشْهَر وَأَكْثَر وَأَنَّهُ مِنْ التَّحَمُّسِ وَهُوَ التَّشَدُّدُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى : تَحَمَّسَ تَشَدَّدَ وَمِنْهُ حَمِسَ الْوَغَى إِذَا اِشْتَدَّ وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ رِوَايَة جُبَيْر لَهُ لِذَلِكَ كَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ جُبَيْر وَهُوَ نَظِيرُ رِوَايَتِهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ جُبَيْر أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ التَّعَقُّب عَلَى السُّهَيْلِيّ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ رِوَايَة جُبَيْر لِذَلِكَ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ : اُنْظُرْ كَيْفَ أَنْكَرَ جُبَيْر هَذَا وَقَدْ حَجَّ بِالنَّاسِ عَتَّاب سَنَة ثَمَان وَأَبُو بَكْر سَنَة تِسْع ثُمَّ قَالَ : إِمَّا أَنْ يَكُونَا وَقَفَا بِجَمْع كَمَا كَانَتْ قُرَيْش تَصْنَعُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ جُبَيْر لَمْ يَشْهَدْ مَعَهُمَا الْمَوْسِم. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : وَقْفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَة كَانْت سَنَة عَشْر وَكَانَ جُبَيْر حِينَئِذ مُسْلِمًا لِأَنَّهُ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَإِنْ كَانَ سُؤَاله عَنْ ذَلِكَ إِنْكَارًا أَوْ تَعَجُّبًا فَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ نُزُولُ قَوْلِهِ تَعَالَى ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) وَإِنْ كَانَ لِلِاسْتِفْهَامِ عَنْ حِكْمَةِ الْمُخَالَفَةِ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ الْحُمْس فَلَا إِشْكَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْفَة بِعَرَفَة قَبْلَ الْهِجْرَةِ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا بَيَّنْتُهُ قَبْلُ بِدَلَائِلِهِ وَكَأَنَّهُ تَبِعَ السُّهَيْلِيّ فِي ظَنِّهِ أَنَّهَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ أَوْ وَقَعَ لَهُ اِتِّفَاقًا وَدَلَّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) الْإِفَاضَة مِنْ عَرَفَة. وَظَاهِر سِيَاق الْآيَةِ أَنَّهَا الْإِفَاضَةُ مِنْ مُزْدَلِفَة لِأَنَّهَا ذُكِرَتْ بِلَفْظَة \" ثُمَّ \" بَعْدَ ذِكْرِ الْأَمْر بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَام. وَأَجَابَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَام بَعْدَ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَات الَّتِي سِيقَتْ بِلَفْظِ الْخَبَرِ لِمَا وَرَدَ مِنْهُ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي تُشْرَعُ الْإِفَاضَة مِنْهُ فَالتَّقْدِير فَإِذَا أَفَضْتُمْ اُذْكُرُوا ثُمَّ لِتَكُنْ إِفَاضَتكُمْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ لَا مِنْ حَيْثُ كَانَ الْحُمْس يُفِيضُونَ أَوْ التَّقْدِير فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَات إِلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَام فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَهُ وَلْتَكُنْ إِفَاضَتكُمْ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي يُفِيضُ فِيهِ النَّاس غَيْر الْحُمْسِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1554",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً إِلَّا ‏ ‏الْحُمْسَ ‏ ‏وَالْحُمْسُ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏وَمَا وَلَدَتْ وَكَانَتْ ‏ ‏الْحُمْسُ ‏ ‏يَحْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا وَتُعْطِي الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ ‏ ‏الْحُمْسُ ‏ ‏طَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏عُرْيَانًا وَكَانَ يُفِيضُ جَمَاعَةُ النَّاسِ مِنْ ‏ ‏عَرَفَاتٍ ‏ ‏وَيُفِيضُ ‏ ‏الْحُمْسُ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏جَمْعٍ ‏ ‏قَالَ وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ‏ ‏الْحُمْسِ ‏ { ‏ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ‏} ‏قَالَ كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ ‏ ‏جَمْعٍ ‏ ‏فَدُفِعُوا إِلَى ‏ ‏عَرَفَاتٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُرْوَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر \" عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَالْحُمْس قُرَيْش وَمَا وَلَدَتْ ) ‏ ‏زَاد مَعْمَر \" وَكَانَ مِمَّنْ وَلَدَتْ قُرَيْش خُزَاعَة وَبَنُو كِنَانَة وَبَنُو عَامِر بْن صَعْصَعَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَثَرِ مُجَاهِد أَنَّ مِنْهُمْ أَيْضًا غَزْوَانَ وَغَيْرهمْ , وَذَكَرَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي غَرِيبِهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى قَالَ : كَانَتْ قُرَيْش إِذَا خَطَبَ إِلَيْهِمْ الْغَرِيب اِشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنَّ وَلَدَهَا عَلَى دِينِهِمْ فَدَخَلَ فِي الْحُمْسِ مِنْ غَيْرِ قُرَيْش ثَقِيف وَلَيْث وَخُزَاعَة وَبَنُو عَامِر بْن صَعْصَعَة يَعْنِي وَغَيْرهمْ. وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْقَبَائِلِ مَنْ كَانَتْ لَهُ مِنْ أُمَّهَاتِهِ قُرَيْشِيَّة لَا جَمِيع الْقَبَائِلِ الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخْبَرَنِي أَبِي ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ هِشَام بْن عُرْوَة وَالْمَوْصُول مِنْ الْحَدِيثِ هَذَا الْقَدْر فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير الْبَقَرَة مِنْ وَجْه آخَرَ أَتَمَّ مِنْ هَذَا. وَقَوْلُهُ \" فَدَفَعُوا إِلَى عَرَفَات \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَرَفَعُوا \" بِالرَّاءِ وَلِمُسْلم مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام \" رَجَعُوا إِلَى عَرَفَات \" وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَتَوَجَّهُوا إِلَى عَرَفَات لِيَقِفُوا بِهَا ثُمَّ يُفِيضُوا مِنْهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي طَرِيق جُبَيْرٍ سَبَب اِمْتِنَاعِهِمْ مِنْ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى قِصَّة الطَّوَاف عُرْيَانًا فِي أَوَائِل الصَّلَاةِ وَعُرِفَ بِرِوَايَة عَائِشَة أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَفِيضُوا ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَاد بِهِ مَنْ كَانَ لَا يَقِفُ بِعَرَفَة مِنْ قُرَيْش وَغَيْرِهِمْ. وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم وَغَيْره عَنْ الضَّحَّاكِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ هُنَا إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَنْهُ الْمُرَاد بِهِ الْإِمَام وَعَنْ غَيْرِهِ آدَم وَقُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ \" النَّاسِي \" بِكَسْرِ السِّينِ بِوَزْنِ الْقَاضِي وَالْأَوَّلُ أَصَحّ نَعَمْ الْوُقُوف بِعَرَفَة مَوْرُوث عَنْ إِبْرَاهِيمَ كَمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيد بْن شَيْبَان قَالَ \" كُنَّا وُقُوفًا بِعَرَفَة فَأَتَانَا اِبْنُ مِرْبَعٍ فَقَالَ : إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ يَقُولُ لَكُمْ : كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ \" الْحَدِيثَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَاد خَاصَّة بِقَوْلِهِ : ( مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) بَلْ هُوَ الْأَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَالسَّبَب فِيهِ مَا حَكَتْهُ عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. وَأَمَّا الْإِتْيَانُ فِي الْآيَةِ بِقَوْلِهِ : ( ثُمَّ ) فَقِيلَ هِيَ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَهَذَا اِخْتِيَار الطَّحَاوِيّ وَقِيلَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لَا لِمَحْض التَّرْتِيب وَالْمَعْنَى فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَات فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَام ثُمَّ اِجْعَلُوا الْإِفَاضَةَ الَّتِي تُفِيضُونَهَا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ لَا مِنْ حَيْثُ كُنْتُمْ تُفِيضُونَ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : وَمَوْقِع ( ثُمَّ ) هُنَا مَوْقِعهَا مِنْ قَوْلِك أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ ثُمَّ لَا تُحْسِنْ إِلَى غَيْرِ كَرِيم. فَتَأْتِي ( ثُمَّ ) لِتَفَاوُت مَا بَيْنَ الْإِحْسَانِ إِلَى الْكَرِيمِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَات بَيَّنَ لَهُمْ مَكَانَ الْإِفَاضَةِ فَقَالَ ( ثُمَّ أَفِيضُوا ) لِتَفَاوُت مَا بَيْن الْإفَاضَتَيْنِ وَأَنَّ إِحْدَاهُمَا صَوَاب وَالْأُخْرَى خَطَأ قَالَ الْخَطَّابِيّ : تَضَمَّنَ قَوْله تَعَالَى ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) الْأَمْر بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَة لِأَنَّ الْإِفَاضَةَ إِنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ اِجْتِمَاع قَبْلَهُ وَكَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّال وَزَاد : وَبَيَّنَ الشَّارِعِ مُبْتَدَأ الْوُقُوف بِعَرَفَة وَمُنْتَهَاهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1555",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏وَأَنَا جَالِسٌ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ قَالَ ‏ ‏كَانَ يَسِيرُ ‏ ‏الْعَنَقَ ‏ ‏فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً ‏ ‏نَصَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏وَالنَّصُّ ‏ ‏فَوْقَ ‏ ‏الْعَنَقِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏فَجْوَةٌ مُتَّسَعٌ وَالْجَمِيعُ فَجَوَاتٌ وَفِجَاءٌ وَكَذَلِكَ رَكْوَةٌ وَرِكَاءٌ مَنَاصٌ لَيْسَ حِينَ فِرَارٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَة مِنْ طَرِيقِ سُفْيَان عَنْ هِشَام \" سَمِعْتُ أَبِي \". ‏ ‏قَوْله : ( سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنَا جَالِسٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك \" وَأَنَا جَالِس مَعَهُ \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ \" سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنَا شَاهِد وَقَالَ سَأَلْتُ أُسَامَة بْن زَيْد \". ‏ ‏قَوْله : ( حِينَ دَفَعَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن يَحْيَى اللَّيْثِيّ وَغَيْره عَنْ مَالِك فِي الْمُوَطَّإِ \" حِينَ دَفَعَ مِنْ عَرَفَة \". ‏ ‏قَوْله : ( الْعَنَق ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّون هُوَ السَّيْرُ الَّذِي بَيْنَ الْإِبْطَاءِ وَالْإِسْرَاعِ قَالَ فِي \" الْمَشَارِقِ \" : هُوَ سَيْرٌ سَهْل فِي سُرْعَة وَقَالَ الْقَزَّاز : الْعَنَقُ سَيْر سَرِيع وَقِيلَ الْمَشْيُ الَّذِي يَتَحَرَّكُ بِهِ عُنُقُ الدَّابَّةِ وَفِي \" الْفَائِقِ \" : الْعَنَقُ الْخَطْو الْفَسِيح. وَانْتَصَبَ الْعَنَق عَلَى الْمَصْدَرِ الْمُؤَكِّدِ مِنْ لَفْظ الْفِعْل. ‏ ‏قَوْله : ( نَصَّ ) ‏ ‏أَيْ أَسْرَعَ قَالَ أَبُو عُبَيْد : النَّصُّ تَحْرِيك الدَّابَّةِ حَتَّى يَسْتَخْرِجَ بِهِ أَقْصَى مَا عِنْدَهَا وَأَصْل النَّصِّ غَايَة الْمَشْي وَمِنْهُ نَصَصْت الشَّيْء رَفَعْته ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي ضَرْب سَرِيع مِنْ السَّيْرِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ هِشَام ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عُرْوَة الرَّاوِي وَكَذَا بَيَّن مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيقِ أَنَس بْن عِيَاض كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ كَلَامِهِ وَأَدْرَجَهُ يَحْيَى الْقَطَّان فِيمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الْجِهَادِ وَسُفْيَان فِيمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَعَبْد الرَّحِيم بْن سُلَيْمَان وَوَكِيع فِيمَا أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَة كُلّهمْ عَنْ هِشَام وَقَدْ رَوَاهُ إِسْحَاق فِي مُسْنَدِهِ عَنْ وَكِيع فَفَصَلَهُ وَجَعَلَ التَّفْسِير مِنْ كَلَام وَكِيع وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَة مِنْ طَرِيقِ سُفْيَان فَفَصَلَهُ وَجَعَلَ التَّفْسِير مِنْ كَلَامِ سُفْيَان وَسُفْيَان وَوَكِيع إِنَّمَا أَخَذَا التَّفْسِيرَ الْمَذْكُورَ عَنْ هِشَام فَرَجَعَ التَّفْسِيرُ إِلَيْهِ وَقَدْ رَوَاهُ أَكْثَرُ رُوَاة \" الْمُوَطَّإ \" عَنْ مَالِك فَلَمْ يَذْكُرُوا التَّفْسِيرَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة وَمُسْلِم مِنْ طَرِيقِ حَمَّاد بْن زَيْد كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام قَالَ اِبْن خُزَيْمَة : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ اِبْن عَبَّاس عَنْ أُسَامَةَ أَنَّهُ قَالَ \" فَمَا رَأَيْت نَاقَته رَافِعَة يَدَهَا حَتَّى أَتَى جَمْعًا \" أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى حَال الزِّحَام دُونَ غَيْرِهِ ا ه وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ حَفْص مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَم عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ أُسَامَةَ \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْدَفَهُ حِينَ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَة وَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإيجَافِ قَالَ : فَمَا رَأَيْت نَاقَتَهُ رَافِعَة يَدَهَا حَتَّى أَتَى جَمْعًا \" الْحَدِيث وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ بَعْدَ بَاب مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس لَيْسَ فِيهِ أُسَامَة وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ. وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ أُسَامَةَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيث قَالَ \" فَمَا زَالَ يَسِيرُ عَلَى هِينَتِهِ حَتَّى أَتَى جَمْعًا \" وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ اِبْن عَبَّاس إِنَّمَا أَخَذَهُ عَنْ أُسَامَةَ كَمَا سَتَأْتِي الْحُجَّة لِذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ عَبْد الْبَرّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَيْفِيَّة السَّيْرِ فِي الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَة إِلَى مُزْدَلِفَة لِأَجْلِ الِاسْتِعْجَالِ لِلصَّلَاةِ لِأَنَّ الْمَغْرِبَ لَا تُصَلَّى إِلَّا مَعَ الْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ مِنْ الْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ عِنْدَ الزَّحْمَةِ وَمِنْ الْإِسْرَاعِ عِنْدَ عَدَمِ الزِّحَامِ وَفِيهِ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَحْرِصُونَ عَلَى السُّؤَالِ عَنْ كَيْفِيَّة أَحْوَاله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ حَرَكَاتِهِ وَسُكُونِهِ لِيَقْتَدُوا بِهِ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجْوَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُون الْجِيمِ الْمَكَان الْمُتَّسَع كَمَا سَيَأْتِي تَفْسِيره فِي آخِرِ الْبَاب وَرَوَاهُ أَبُو مُصْعَب وَيَحْيَى بْن بُكَيْرِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ مَالِك بِلَفْظ \" فُرْجَة \" بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُون الرَّاءِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْفَجْوَة. ‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ ‏ ‏( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّف. ‏ ‏( فَجْوَة : مُتَّسَع وَالْجَمْعُ فَجَوَات ) ‏ ‏أَيْ بِفَتْحَتَيْنِ. ‏ ‏( وَفِجَاء ) ‏ ‏أَيْ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ. ‏ ‏( وَكَذَلِكَ رَكْوَة وَرِكَاء ) ‏ ‏وَرَكَوَات. ‏ ‏قَوْله : ( مَنَاص لَيْسَ حِينَ فِرَار ) ‏ ‏أَيْ هَرَب أَيْ تَفْسِير قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَاتَ حِينَ مَنَاصِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا الْحَرْف هُنَا لِقَوْلِهِ \" نَصَّ \" وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ إِلَّا لِدَفْع وَهْمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُشْتَقّ مِنْ الْآخَرِ وَإِلَّا فَمَادَّة نَصَّ غَيْر مَادَّة نَاصَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي \" الْمَجَازِ \" : الْمَنَاصُ مَصْدَر مِنْ قَوْلِهِ نَاصَ يَنُوصُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1556",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَيْثُ أَفَاضَ مِنْ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏مَالَ إِلَى ‏ ‏الشِّعْبِ ‏ ‏فَقَضَى حَاجَتَهُ فَتَوَضَّأَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي فَقَالَ الصَّلَاةُ أَمَامَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيُّ وَرِوَايَته عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة مِنْ رِوَايَة الْأَقْرَانِ لِأَنَّهُمَا تَابِعِيَّانِ صَغِيرَانِ وَقَدْ حَمَلَهُ مُوسَى عَنْ كُرَيْب فَصَارَ فِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَيْثُ أَفَاضَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْتِ \" حِين \" هِيَ أَوْلَى لِأَنَّهَا ظَرْف زَمَان وَحَيْثُ ظَرْف مَكَان. ‏ ‏( نُكْتَة ) : ‏ ‏فِي حَيْثُ سِتّ لُغَات ضَمّ آخِرهَا وَفَتْحه وَكَسْره وَبِالْوَاو بَدَل الْيَاء مَعَ الْحَرَكَاتِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَالَ إِلَى الشِّعْبِ ) ‏ ‏بَيَّنَ مُحَمَّد بْن أَبِي حَرْمَلَة فِي رِوَايَتِهِ الْآتِيَةِ بَعْدَ حَدِيث عَنْ كُرَيْب أَنَّهُ قُرْبَ الْمُزْدَلِفَةِ وَأَرْدَفَ الْمُصَنِّف بِهَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثَ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَقْتَدِي بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ يَقْضِي الْحَاجَةَ بِالشِّعْبِ وَيَتَوَضَّأُ لَكِنَّهُ لَا يُصَلِّي إِلَّا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَقَوْله \" فَيَنْتَفِضُ \" بِفَاء وَضَادٍ مُعْجَمَة أَيْ يَسْتَجْمِرُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَاب الطَّهَارَةَ وَأَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْن عُمَر مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ \" دَفَعْتُ مَعَ اِبْن عُمَر مِنْ عَرَفَة حَتَّى إِذَا وَازَيْنَا الشِّعْب الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الْخُلَفَاءُ الْمَغْرِبَ دَخَلَهُ اِبْن عُمَر فَتَنَفَّضَ فِيهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَكَبَّرَ فَانْطَلَقَ حَتَّى جَاءَ جَمْعًا فَأَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ. فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : الصَّلَاةَ ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاء \" وَأَصْلُهُ فِي الْجَمْعِ بِجَمْع عِنْد مُسْلِم وَأَصْحَاب السُّنَنِ وَرَوَى الْفَاكِهِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ اِبْن جُرَيْج قَالَ : قَالَ عَطَاء \" أَرْدَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَة فَلَمَّا جَاءَ الشِّعْبَ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الْخُلَفَاءُ الْآنَ الْمَغْرِبَ نَزَلَ فَأَهْرَقَ الْمَاء ثُمَّ تَوَضَّأَ \" وَظَاهِرُ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ أَنَّ الْخُلَفَاءَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْمَغْرِبَ عِنْدَ الشِّعْبِ الْمَذْكُورِ قَبْلَ دُخُول وَقْت الْعِشَاءِ وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِمُزْدَلِفَة. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن عُقْبَة عَنْ كُرَيْب \" لَمَّا أَتَى الشِّعْبَ الَّذِي يَنْزِلُهُ الْأُمَرَاءُ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيم بْن عُقْبَة عَنْ كُرَيْب \" الشِّعْبُ الَّذِي يُنِيخُ النَّاسُ فِيهِ لِلْمَغْرِبِ \" وَالْمُرَاد بِالْخُلَفَاءِ وَالْأُمَرَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَنُو أُمَيَّةَ فَلَمْ يُوَافِقْهُمْ اِبْن عُمَر عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ عِكْرِمَةَ إِنْكَار ذَلِكَ وَرَوَى الْفَاكِهِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ اِبْن أَبِي نَجِيح سَمِعْت عِكْرِمَةَ يَقُولُ : اِتَّخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبَالًا وَاِتَّخَذْتُمُوهُ مُصَلًّى. وَكَأَنَّهُ أَنْكَرَ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّة فِي ذَلِكَ وَكَانَ جَابِر يَقُولُ : لَا صَلَاةَ إِلَّا بِجَمْع أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُنْذِر بِإِسْنَاد صَحِيح. وَنُقِلَ عَنْ الْكُوفِيِّينَ وَعِنْدَ اِبْن الْقَاسِم صَاحِب مَالِك وُجُوب الْإِعَادَةِ وَعَنْ أَحْمَدَ إِنْ صَلَّى أَجْزَأَهُ وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُف وَالْجُمْهُور. ‏"
    },
    {
        "id": "1557",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ‏ ‏بِجَمْعٍ ‏ ‏غَيْرَ أَنَّهُ يَمُرُّ ‏ ‏بِالشِّعْبِ ‏ ‏الَّذِي أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَدْخُلُ فَيَنْتَفِضُ وَيَتَوَضَّأُ وَلَا ‏ ‏يُصَلِّي حَتَّى يُصَلِّيَ ‏ ‏بِجَمْعٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1558",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عَرَفَاتٍ ‏ ‏فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الشِّعْبَ ‏ ‏الْأَيْسَرَ الَّذِي دُونَ ‏ ‏الْمُزْدَلِفَةِ ‏ ‏أَنَاخَ فَبَالَ ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا فَقُلْتُ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الصَّلَاةُ أَمَامَكَ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى أَتَى ‏ ‏الْمُزْدَلِفَةَ ‏ ‏فَصَلَّى ثُمَّ رَدِفَ ‏ ‏الْفَضْلُ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَدَاةَ ‏ ‏جَمْعٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُرَيْبٌ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْفَضْلِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ ‏ ‏الْجَمْرَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي حَرْمَلَة ) ‏ ‏هُوَ الْمَدَنِيُّ مَوْلَى آلِ حُوَيْطِبٍ وَلَا يُعْرَفُ اِسْمُ أَبِيهِ وَكَانَ خَصِيف يَرْوِي عَنْهُ فَيَقُولُ \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن حُوَيْطِبٍ \" فَذَكَرَ اِبْن حِبَّانَ أَنَّ خَصِيفًا كَانَ يَنْسُبُهُ إِلَى جَدِّ مَوَالِيهِ وَالْإِسْنَادِ مِنْ شَيْخ قُتَيْبَة إِلَخْ كُلّهمْ مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( رَدِفْت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ رَكِبْت وَرَاءَهُ وَفِيهِ الرُّكُوبُ حَالَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَة وَالِارْتِدَافُ عَلَى الدَّابَّةِ وَمَحَلُّهُ إِذَا كَانَتْ مُطِيقَة وَارْتِدَاف أَهْل الْفَضْلِ وَيُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ إِكْرَامِهِمْ لِلرَّدِيفِ لَا مِنْ سُوءِ أَدَبِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَبَبْت عَلَيْهِ الْوَضُوء ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ الْمَاءَ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الِاسْتِعَانَة فِي الْوُضُوءِ وَلِلْفُقَهَاءِ فِيهَا تَفْصِيل لِأَنَّهَا إِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي إِحْضَارِ الْمَاءِ مَثَلًا أَوْ فِي صَبِّهِ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ أَوْ مُبَاشَرَة غَسْل أَعْضَائِهِ فَالْأَوَّل جَائِز وَالثَّالِث مَكْرُوه إِلَّا إِنْ كَانَ لِعُذْر وَاخْتُلِفَ فِي الثَّانِي وَالْأَصَحّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ بَلْ هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى فَأَمَّا وُقُوع ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ إِمَّا لِبَيَان الْجَوَاز وَهُوَ حِينَئِذ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ أَوْ لِلضَّرُورَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وُضُوءًا خَفِيفًا ) ‏ ‏أَيْ خَفَّفَهُ بِأَنْ تَوَضَّأَ مَرَّة مَرَّة وَخَفَّفَ اِسْتِعْمَالَ الْمَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَالِب عَادَته وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي رِوَايَة مَالِك الْآتِيَةِ بَعْدَ بَاب بِلَفْظ \" فَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ \" وَأَغْرَبَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَالَ : مَعْنَى قَوْلِهِ \" فَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ \" أَيْ اِسْتَنْجَى بِهِ وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اِسْم الْوُضُوء اللُّغَوِيّ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ النَّظَافَةُ وَمَعْنَى الْإِسْبَاغِ الْإِكْمَال أَيْ لَمْ يُكْمِلْ وُضُوءَهُ فَيَتَوَضَّأ لِلصَّلَاةِ قَالَ : وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ تَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا , وَلَكِنَّ الْأُصُولَ تَدْفَعُ هَذَا لِأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الْوُضُوء لِصَلَاةٍ وَاحِدَة مَرَّتَيْنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة مَالِك. ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ قِيلَ إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ \" لَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ \" أَيْ لَمْ يَتَوَضَّأْ فِي جَمِيعِ أَعْضَاء الْوُضُوء بَلْ اِقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا وَاسْتَضْعَفَهُ ا ه. وَحَكَى اِبْن بَطَّال أَنَّ عِيسَى بْن دِينَار مِنْ قُدَمَاء أَصْحَابِهِمْ سَبَقَ اِبْن عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى مَا اِخْتَارَهُ أَوَّلًا وَهُوَ مُتَعَقَّب بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الصَّرِيحَةِ وَقَدْ تَابَعَ مُحَمَّد بْن أَبِي حَرْمَلَة عَلَيْهَا مُحَمَّد بْن عُقْبَة أَخُو مُوسَى أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِمِثْلِ لَفْظِهِ وَتَابَعَهُمَا إِبْرَاهِيم بْن عُقْبَة أَخُو مُوسَى أَيْضًا أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا بِلَفْظ \" فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بِالْبَالِغِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة بِلَفْظ \" فَجَعَلْت أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ \" وَلَمْ تَكُنْ عَادَته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَاشِرَ ذَلِكَ أَحَد مِنْهُ حَال الِاسْتِنْجَاء وَيُوَضِّحُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَطَاء مَوْلَى اِبْن سِبَاع عَنْ أُسَامَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ فِيهَا أَيْضًا \" ذَهَبَ إِلَى الْغَائِطِ فَلَمَّا رَجَعَ صَبَبْت عَلَيْهِ مِنْ الْإِدَاوَةِ \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : اِخْتَلَفَ الشُّرَّاحُ فِي قَوْلِهِ \" وَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ \" هَلْ الْمُرَادُ بِهِ اِقْتَصَرَ بِهِ عَلَى بَعْضِ الْأَعْضَاءِ فَيَكُونُ وُضُوءًا لُغَوِيًّا أَوْ اِقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الْعَدَدِ فَيَكُونُ وُضُوءًا شَرْعِيًّا ؟ قَالَ : وَكِلَاهُمَا مُحْتَمَل لَكِنْ يُعَضِّدُ مَنْ قَالَ بِالثَّانِي قَوْله فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى \" وُضُوءًا خَفِيفًا \" لِأَنَّهُ يُقَالُ فِي النَّاقِصِ خَفِيف وَمِنْ مُوضِحَات ذَلِكَ أَيْضًا قَوْل أُسَامَةَ لَهُ \" الصَّلَاةَ \" فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَآهُ يَتَوَضَّأُ وُضُوءه لِلصَّلَاةِ وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ أَتُصَلِّي كَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّال وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَا مَانِع أَنْ يَقُولَ لَهُ ذَلِكَ لِاحْتِمَال أَنْ يَكُونَ مُرَاده أَتُرِيدُ الصَّلَاةَ فَلِمَ لَمْ تَتَوَضَّأْ وُضُوءهَا ؟ وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ أَمَامَك مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَغْرِبَ لَا تُصَلَّى هُنَا فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى وُضُوء الصَّلَاة وَكَأَنَّ أُسَامَةَ ظَنَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسِيَ صَلَاة الْمَغْرِبِ وَرَأَى وَقْتَهَا قَدْ كَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَوْ خَرَجَ فَأَعْلَمُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يُشْرَعُ تَأْخِيرهَا لِتُجَمَع مَعَ الْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَمْ يَكُنْ أُسَامَةُ يَعْرِفُ تِلْكَ السُّنَّة قَبْلَ ذَلِكَ وَأَمَّا اِعْتِلَال اِبْن عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يُشْرَعُ مَرَّتَيْنِ لِصَلَاة وَاحِدَةٍ فَلَيْسَ بِلَازِم لِاحْتِمَال أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثَانِيًا عَنْ حَدَث طَارِئ وَلَيْسَ الشَّرْط بِأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ تَجْدِيد الْوُضُوءِ إِلَّا لِمَنْ أَدَّى بِهِ صَلَاة فَرْضًا أَوْ نَفْلًا مُتَّفَق عَلَيْهِ بَلْ ذَهَبَ جَمَاعَة إِلَى جَوَازِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَصَحّ خِلَافه وَإِنَّمَا تَوَضَّأَ أَوَّلًا لِيَسْتَدِيمَ الطَّهَارَة وَلَا سِيَّمَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِكَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ حِينَئِذ وَخَفَّفَ الْوُضُوء لِقِلَّة الْمَاء حِينَئِذٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ هَذَا فِي أَوَائِل الطَّهَارَةِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : إِنَّمَا تَرَكَ إِسْبَاغه حِينَ نَزَلَ الشِّعْبَ لِيَكُونَ مُسْتَصْحِبًا لِلطَّهَارَةِ فِي طَرِيقِهِ وَتَجُوز فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ فَلَمَّا نَزَلَ وَأَرَادَهَا أَسْبَغَهُ. وَقَوْلُ أُسَامَةَ \" الصَّلَاةَ \" بِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ الْفِعْلِ أَيْ تَذَكَّرْ الصَّلَاةَ أَوْ صَلِّ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى تَقْدِير حَضَرَتْ الصَّلَاةُ مَثَلًا. ‏ ‏قَوْلُهُ ( الصَّلَاةُ أَمَامَكَ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ وَأَمَامَكَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيْ الصَّلَاةُ سَتُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْك أَوْ أَطْلَقَ الصَّلَاة عَلَى مَكَانِهَا أَيْ الْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْك أَوْ مَعْنَى أَمَامَك لَا تَفُوتُك وَسَتُدْرِكُهَا وَفِيهِ تَذْكِيرُ التَّابِعِ بِمَا تَرَكَهُ مَتْبُوعه لِيَفْعَلهُ أَوْ يَعْتَذِرَ عَنْهُ أَوْ يُبَيِّنَ لَهُ وَجْهَ صَوَابِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَة فَصَلَّى ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يَبْدَأْ بِشَيْء قَبْلَ الصَّلَاةِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن عُقْبَة عِنْد مُسْلِم \" ثُمَّ سَارَ حَتَّى بَلَغَ جَمْعًا فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ \" وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي رِوَايَة مَالِك بَعْدَ بَاب بِلَفْظ \" حَتَّى جَاءَ الْمُزْدَلِفَة فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِب ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَان بِعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا \" وَبَيَّنَ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عُقْبَة عَنْ كُرَيْب أَنَّهُمْ لَمْ يَزِيدُوا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ عَلَى الْإِنَاخَةِ وَلَفْظه \" فَأَقَامَ الْمَغْرِب ثُمَّ أَنَاخَ النَّاس وَلَمْ يَحُلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاء فَصَلُّوا ثُمَّ حَلُّوا \" وَكَأَنَّهُمْ صَنَعُوا ذَلِكَ رِفْقًا بِالدَّوَابِّ أَوْ لِلْأَمْنِ مِنْ تَشْوِيشِهِمْ بِهَا وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ خَفَّفَ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاتَيْنِ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْعَمَلِ الْيَسِيرِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَقْطَعُ ذَلِكَ الْجَمْع وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَاب. وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَة مَالِك \" وَلَمْ يَصَلِّ بَيْنَهُمَا \" أَيْ لَمْ يَتَنَفَّلْ وَسَيَأْتِي حَدِيثُ اِبْن عُمَر فِي ذَلِكَ بَعْدَ بَابَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ رَدِفَ الْفَضْل ) ‏ ‏أَيْ رَكِبَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْفَضْلُ بْن الْعَبَّاس بْن عَبَدَ الْمَطْلَب وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن عُقْبَة عِنْد مُسْلِم \" قَالَ كُرَيْب فَقُلْت لِأُسَامَةَ : كَيْفَ فَعَلْتُمْ حِين أَصْبَحْتُمْ ؟ قَالَ رَدِفَهُ الْفَضْل بْن الْعَبَّاس وَانْطَلَقْت أَنَا فِي سُبَّاق قُرَيْش عَلَى رِجْلَيَّ \" يَعْنِي إِلَى مِنًى. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى التَّلْبِيَةِ بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَاب وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى جَمْع التَّأْخِير وَهُوَ إِجْمَاعٌ بِمُزْدَلِفَة لَكِنَّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَطَائِفَة بِسَبَبِ السَّفَرِ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّة بِسَبَب النُّسُك وَأَغْرَب الْخَطَّابِيّ فَقَالَ : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الْحَاجُّ الْمَغْرِبَ إِذَا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَة حَتَّى يَبْلُغَ الْمُزْدَلِفَة وَلَوْ أَجْزَأَتْهُ فِي غَيْرِهَا لَمَا أَخَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَقْتِهَا الْمُؤَقَّتِ لَهَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1559",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُطَّلِبِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏وَالِبَةَ الْكُوفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فَسَمِعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا وَصَوْتًا لِلْإِبِلِ فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ وَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ ‏ ‏عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ ‏ ‏بِالْإِيضَاعِ ‏ ‏أَوْضَعُوا أَسْرَعُوا ‏ { ‏خِلَالَكُمْ ‏} ‏مِنْ التَّخَلُّلِ بَيْنَكُمْ ‏ { ‏وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا ‏} ‏بَيْنَهُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سُوِيد ) ‏ ‏هُوَ الْمَدَنِيُّ وَهُوَ ثِقَة لَكِنْ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : فِي حَدِيثِهِ مَنَاكِير اِنْتَهَى. وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ سُلَيْمَان بْن بِلَال عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَالرَّاوِي عَنْهُ إِبْرَاهِيم بْن سُوِيد مَدَنِيّ أَيْضًا وَاسْم جَدِّهِ حِبَّان وَوَهِمَ الْأَصِيلِيّ فَسَمَّاهُ مَوْلًى حَكَاهُ الْجَيَّانِيّ وَخَطَّؤُوهُ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَوْلَى الْمُطَّلِبِ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد اللَّه بْن حَنْطَبٍ. ‏ ‏قَوْله : ( مَوْلَى وَالِبَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَة خَفِيفَة : بَطْن مِنْ بَنِي أَسَد. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ عَرَفَة. ‏ ‏قَوْله : ( زَجْرًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُون الْجِيمِ بَعْدَهَا رَاء أَيْ صِيَاحًا لِحَثِّ الْإِبِلِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَضَرْبًا ) ‏ ‏زَاد فِي رِوَايَة كَرِيمَة \" وَصَوْتًا \" وَكَأَنَّهَا تَصْحِيف مِنْ قَوْله وَضَرْبًا فَظُنَّتْ مَعْطُوفَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ ) ‏ ‏أَيْ فِي السَّيْرِ وَالْمُرَاد السَّيْر بِالرِّفْقِ وَعَدَم الْمُزَاحَمَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ ) ‏ ‏أَيْ السَّيْرِ السَّرِيعِ وَيُقَالُ هُوَ سَيْر مِثْلُ الْخَبَبِ فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ تَكَلُّفَ الْإِسْرَاعِ فِي السَّيْرِ لَيْسَ الْبِرَّ أَيْ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ وَمِنْ هَذَا أَخَذَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز قَوْلَهُ لَمَّا خَطَبَ بِعَرَفَة \" لَيْسَ السَّابِقُ مَنْ سَبَقَ بَعِيرُهُ وَفَرَسُهُ وَلَكِنَّ السَّابِقَ مَنْ غُفِرَ لَهُ \" وَقَالَ الْمُهَلَّب : إِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ الْإِسْرَاعِ إِبْقَاء عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يُجْحِفُوا بِأَنْفُسِهِمْ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْضَعُوا أَسْرَعُوا ) ‏ ‏هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّف وَهُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة فِي الْمَجَازِ. ‏ ‏قَوْله : ( خِلَالَكُمْ مِنْ التَّخَلُّلِ بَيْنَكُمْ ) ‏ ‏هُوَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَلَفْظُهُ \" وَلَأَوْضَعُوا أَيْ لَأَسْرَعُوا خِلَالَكُمْ أَيْ بَيْنَكُمْ وَأَصْله مِنْ التَّخَلُّلِ \" وَقَالَ غَيْره الْمَعْنَى وَلِيَسْعَوْا بَيْنَكُمْ بِالنَّمِيمَةِ يُقَالُ أَوْضَعَ الْبَعِيرَ أَسْرَعَهُ وَخَصَّ الرَّاكِبَ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ مِنْ الْمَاشِي وَقَوْله : ‏ ‏( وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا : بَيْنَهُمَا ) ‏ ‏هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَة أَيْضًا وَلَفْظه \" وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا أَيْ وَسَطَهُمَا وَبَيْنَهُمَا \" وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيّ هَذَا التَّفْسِير لِمُنَاسَبَة أَوْضَعُوا لِلَفْظِ الْإِيضَاع وَلَمَّا كَانَ مُتَعَلَّقُ أَوْضَعُوا الْخِلَال ذَكَرَ تَفْسِيرَهِ تَكْثِيرًا لِلْفَائِدَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1560",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ ‏ ‏دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فَنَزَلَ ‏ ‏الشِّعْبَ ‏ ‏فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ فَقُلْتُ لَهُ الصَّلَاةُ فَقَالَ الصَّلَاةُ أَمَامَكَ فَجَاءَ ‏ ‏الْمُزْدَلِفَةَ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1561",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَمَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ‏ ‏بِجَمْعٍ ‏ ‏كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ وَلَمْ ‏ ‏يُسَبِّحْ ‏ ‏بَيْنَهُمَا وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ \" بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ \". ‏ ‏قَوْله : ( بِجَمْعٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُون الْمِيمِ أَيْ الْمُزْدَلِفَةِ وَسُمِّيت جَمْعًا لِأَنَّ آدَم اِجْتَمَعَ فِيهَا مَعَ حَوَّاء وَازْدَلَفَ إِلَيْهَا أَيْ دَنَا مِنْهَا وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَة أَنَّهَا سُمِّيَتْ جَمْعًا لِأَنَّهَا يُجْمَعُ فِيهَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَقِيلَ وُصِفَتْ بِفِعْلِ أَهْلِهَا لِأَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ بِهَا وَيَزْدَلِفُونَ إِلَى اللَّهِ أَيْ يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ بِالْوُقُوفِ فِيهَا وَسُمِّيَت الْمُزْدَلِفَة إِمَّا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا أَوْ لِاقْتِرَابِهِمْ إِلَى مِنًى أَوْ لِازْدِلَافِ النَّاس مِنْهَا جَمِيعًا أَوْ لِلنُّزُولِ بِهَا فِي كُلِّ زُلْفَة مِنْ اللَّيْلِ أَوْ لِأَنَّهَا مَنْزِلَة وَقُرْبَة إِلَى اللَّهِ أَوْ لِازْدِلَاف آدَم إِلَى حَوَّاء بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( بِإِقَامَةٍ ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُرْ الْأَذَانَ وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْدَ بَاب. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يَتَنَفَّلْ ‏ ‏وَقَوْله : ( وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا ) ‏ ‏أَيْ عَقِبَهَا وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ تَرَكَ التَّنَفُّل عَقِبَ الْمَغْرِبِ وَعَقِبَ الْعِشَاءِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مُهْلَة صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَفَّلْ بَيْنَهُمَا بِخِلَاف الْعِشَاء فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد أَنَّهُ لَمْ يَتَنَفَّلْ عَقِبَهَا لَكِنَّهُ تَنَفَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْفُقَهَاء تُؤَخَّرُ سُنَّة الْعِشَاءَيْنِ عَنْهُمَا , وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر الْإِجْمَاع عَلَى تَرْكِ التَّطَوُّعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ لِأَنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَمَنْ تَنَفَّلَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا اِنْتَهَى. وَيُعَكِّرُ عَلَى نَقْلِ الِاتِّفَاقِ فِعْلُ اِبْنِ مَسْعُود الْآتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1562",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَمَعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ‏ ‏بِالْمُزْدَلِفَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ وَفِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَدِيِّ بْن ثَابِت رِوَايَة تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن يَزِيد شَيْخ عَدِيّ فِيهِ رِوَايَة صَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ وَالْإِسْنَاد كُلّه دَائِر بَيْنَ مَدَنِيّ وَكُوفِيّ وَزَاد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ يَحْيَى عَنْ عَدِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد \" وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَةِ عَلَى عَهْدِ اِبْن الزُّبَيْر \". ‏ ‏قَوْله : ( بِالْمُزْدَلِفَةِ ) ‏ ‏مُبَيِّن لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الَّتِي أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّف فِي الْمَغَازِي بِلَفْظ \" أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا \" وَلِلْطَبَرَانِيّ مِنْ طَرِيقِ جَابِر الْجُعْفِيّ عَنْ عَدِيّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ \" صَلَّى بِجَمْعٍ الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِإِقَامَة وَاحِدَة \" وَفِيهِ رَدّ عَلَى قَوْل اِبْن حَزْم : أَنَّ حَدِيث أَبِي أَيُّوب لَيْسَ فِيهِ ذِكْر أَذَان وَلَا إِقَامَة لِأَنَّ جَابِرًا وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَقَدْ تَابَعَهُ مُحَمَّد بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ عَدِيّ عَلَى ذِكْرِ الْإِقَامَةِ فِيهِ عِنْد الطَّبَرَانِيّ أَيْضًا فَيَقْوَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا بِالْآخَرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1563",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏حَجَّ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَأَتَيْنَا ‏ ‏الْمُزْدَلِفَةَ ‏ ‏حِينَ الْأَذَانِ ‏ ‏بِالْعَتَمَةِ ‏ ‏أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَأَمَرَ رَجُلًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَصَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فَتَعَشَّى ثُمَّ أَمَرَ أُرَى فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏لَا أَعْلَمُ الشَّكَّ إِلَّا مِنْ ‏ ‏زُهَيْرٍ ‏ ‏ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ قَالَ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ لَا ‏ ‏يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَكَانِ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏هُمَا صَلَاتَانِ تُحَوَّلَانِ عَنْ وَقْتِهِمَا صَلَاةُ الْمَغْرِبِ بَعْدَ مَا يَأْتِي النَّاسُ ‏ ‏الْمُزْدَلِفَةَ ‏ ‏وَالْفَجْرُ حِينَ يَبْزُغُ الْفَجْرُ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَفْعَلُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيّ وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السَّبِيعِيّ وَشَيْخُهُ هُوَ النَّخَعِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( حَجّ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَدَ عَنْ حَسَن بْن مُوسَى وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْن بْن عَيَّاش كِلَاهُمَا عَنْ زُهَيْر بِالْإِسْنَادِ \" حَجّ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فَأَمَرَنِي عَلْقَمَة أَنْ أَلْزَمَهُ فَلَزِمْتُهُ فَكُنْت مَعَهُ \" وَفِي رِوَايَة إِسْرَائِيلَ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَاب \" خَرَجْتُ مَعَ عَبْد اللَّه إِلَى مَكَّةَ ثُمَّ قَدِمْنَا جَمْعًا \". ‏ ‏قَوْله : ( حِينَ الْأَذَانِ بِالْعَتَمَةِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ مَغِيب الشَّفَق. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَ رَجُلًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد فَإِنَّ فِي رِوَايَة حَسَن وَحُسَيْن الْمَذْكُورَتَيْنِ \" فَكُنْت مَعَهُ فَأَتَيْنَا الْمُزْدَلِفَة فَلَمَّا كَانَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ قَالَ قُمْ فَقُلْت لَهُ إِنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ مَا رَأَيْتُك صَلَّيْت فِيهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَمَرَ أُرَى رَجُلًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ قَالَ عَمْرٌو وَلَا أَعْلَمُ الشَّكَّ إِلَّا مِنْ زُهَيْرٍ ) ‏ ‏أُرَى بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّ وَقَدْ بَيَّنَ عَمْرٌو وَهُوَ اِبْن خَالِد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ شَيْخِهِ زُهَيْر وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَن بْن مُوسَى عَنْ زُهَيْر مِثْلَ مَا رَوَاهُ عَنْهُ عَمْرو وَلَمْ يَقُلْ مَا قَالَ عَمْرو وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو عَنْ زُهَيْر وَقَالَ فِيهِ \" ثُمَّ أَمَرَ قَالَ زُهَيْر أُرَى فَأَذَّنَ وَأَقَامَ \" وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابِ رِوَايَة إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق بِأَصْرَحَ مِمَّا قَالَ زُهَيْر وَلَفْظه \" ثُمَّ قَدِمْنَا جَمْعًا فَصَلَّى الصَّلَاتَيْنِ كُلّ صَلَاة وَحْدَهَا بِأَذَان وَإِقَامَة وَالْعَشَاء بَيْنَهُمَا \" وَالْعَشَاء بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَرَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَة وَأَحْمَد مِنْ طَرِيقِ اِبْن أَبِي زَائِدَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق بِلَفْظ \" فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِب ثُمَّ تَعَشَّى ثُمَّ قَامَ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى الْعِشَاء ثُمَّ بَاتَ بِجَمْعٍ حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ \" وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ جَرِير بْن حَازِم عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِب ثُمَّ دَعَا بِعَشَاء فَتَعَشَّى ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ رَقَدَ \" وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَة شَبَابَة عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" وَلَمْ يَتَطَوَّعْ قَبْلَ كُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا وَلَا بَعْدَهَا \" وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَة زُهَيْر \" فَقُلْت لَهُ إِنَّ هَذِهِ لَسَاعَةٌ مَا رَأَيْتُك صَلَّيْت فِيهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والْكُشْمِيهَنِيّ \" فَلَمَّا حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ \" وَفِي رِوَايَة الْحُسَيْن بْن عَيَّاش عَنْ زُهَيْر \" فَلَمَّا كَانَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ وَقْتِهِمَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" عَنْ وَقْتِهَا \" بِالْإفْرَادِ وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة إِسْرَائِيلَ بَعْدَ بَابٍ رَفْع هَذِهِ الْجُمْلَة إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( حِينَ يَبْزُغُ ) ‏ ‏بِزَايٍ مَضْمُومَة وَغَيْنٍ مُعْجَمَة أَيْ يَطْلُعُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الْأَذَان وَالْإِقَامَة لِكُلّ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ إِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا قَالَ ابْنُ حَزْم : لَمْ نَجِدْهُ مَرْوِيًّا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ ثَبَتَ عَنْهُ لَقُلْت بِهِ. ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ أَبِي إِسْحَاق فِي هَذَا الْحَدِيثِ : قَالَ أَبُو إِسْحَاق فَذَكَرْته لِأَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن عَلِيّ فَقَالَ : أَمَّا نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ فَهَكَذَا نَصْنَعُ قَالَ اِبْن حَزْم : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ مِنْ فِعْلِهِ قُلْت أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَنْهُ ثُمَّ تَأَوَّلَهُ بِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّ أَصْحَابَهُ تَفَرَّقُوا عَنْهُ فَأَذَّنَ لَهُمْ لِيَجْتَمِعُوا لِيَجْمَعَ بِهِمْ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه وَلَوْ تَأَتَّي لَهُ ذَلِكَ فِي حَقِّ عُمَرَ - لِكَوْنِهِ كَانَ الْإِمَام الَّذِي يُقِيمُ لِلنَّاسِ حُجَّهمْ - لَمْ يَتَأَتَّ لَهُ فِي حَقِّ اِبْن مَسْعُود لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَعَهُ نَاس مِنْ أَصْحَابِهِ لَا يَحْتَاجُ فِي جَمْعِهِمْ إِلَى مَنْ يُؤَذِّنُ لَهُمْ وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهِ مَالِك وَهُوَ اِخْتِيَار الْبُخَارِيّ. وَرَوَى اِبْن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَحْمَد بْن خَالِد أَنَّهُ كَانَ يَتَعَجَّبُ مِنْ مَالِك حَيْثُ أَخَذَ بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود وَهُوَ مِنْ رِوَايَة الْكُوفِيِّينَ مَعَ كَوْنِهِ مَوْقُوفًا وَمَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَرْوِهِ وَيَتْرُكُ مَا رَوَى عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مَرْفُوع. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَأَعْجَبُ أَنَا مِنْ الْكُوفِيِّينَ حَيْثُ أَخَذُوا بِمَا رَوَاهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَذَان وَإِقَامَة وَاحِدَة وَتَرَكُوا مَا رَوَوْا فِي ذَلِكَ عَنْ اِبْن مَسْعُود مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَعْدِلُونَ بِهِ أَحَدًا. قُلْت : الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا اِعْتَمَدَ عَلَى صَنِيع عُمَرَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَرْوِهِ فِي \" الْمُوَطَّإِ \" وَاخْتَارَ الطَّحَاوِيّ مَا جَاءَ عَنْ جَابِر يَعْنِي فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَذَان وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَرِوَايَة عَنْ أَحْمَدَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْن حَزْمٍ وَقَوَّاهُ الطَّحَاوِيّ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَة وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيدِ وَالثَّوْرِيُّ وَهُوَ رِوَايَة عَنْ أَحْمَدَ : يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَتَيْنِ فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِر حَدِيثِ أُسَامَةَ الْمَاضِي قَرِيبًا حَيْثُ قَالَ \" فَأَقَامَ الْمَغْرِب ثُمَّ أَنَاخَ النَّاس وَلَمْ يَحُلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاء \" وَقَدْ جَاءَ عَنْ اِبْن عُمَر كُلّ وَاحِد مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيّ وَغَيْره وَكَأَنَّهُ كَانَ يَرَاهُ مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي يَتَخَيَّرُ فِيهِ الْإِنْسَانُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود عَلَى جَوَاز التَّنَفُّل بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إِنْ أَرَادَ الْجَمْع بَيْنَهُمَا لِكَوْنِ اِبْن مَسْعُود تَعَشَّى بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ قَصَدَ الْجَمْعَ وَظَاهِر صَنِيعِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ إِنَّ الْمَغْرِبَ تُحَوَّلُ عَنْ وَقْتِهَا فَرَأَى أَنَّهُ وَقْتُ هَذِهِ الْمَغْرِبِ خَاصَّة وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ الْجَمْعَ وَكَانَ يَرَى أَنَّ الْعَمَلَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لَا يَقْطَعُهُ إِذَا كَانَ نَاوِيًا لِلْجَمْعِ وَيُحْتَمَلُ قَوْله \" تُحَوَّلُ عَنْ وَقْتِهَا \" أَيْ الْمُعْتَادِ وَأَمَّا إِطْلَاقُهُ عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ أَنَّهَا تُحَوَّلُ عَنْ وَقْتِهَا فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَوْقَعَ الْفَجْرَ قَبْلَ طُلُوعِهَا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا وَقَعَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ فِعْلُهَا فِيهِ فِي الْحَضَرِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ مَنَعَ التَّغْلِيس بِصَلَاةِ الصُّبْحِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَة وَغَيْرِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَوَاقِيتِ التَّغْلِيس بِهَا بَلْ الْمُرَاد هُنَا أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْح مَعَ ذَلِكَ بِغَلَس وَأَمَّا بِمُزْدَلِفَة فَكَانَ النَّاس مُجْتَمِعِينَ وَالْفَجْرُ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ فَبَادَرَ بِالصَّلَاةِ أَوَّلَ مَا بَزَغَ حَتَّى أَنْ بَعْضَهمْ كَانَ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ طُلُوعه وَهُوَ بَيِّنٌ فِي رِوَايَة إِسْرَائِيلَ الْآتِيَةِ حَيْثُ قَالَ \" ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْر قَائِل يَقُولُ طَلَعَ الْفَجْرُ وَقَائِل يَقُولُ لَمْ يَطْلُعْ \" وَاسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّة بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود هَذَا عَلَى تَرْكِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَجَمْع لِقَوْلِ اِبْن مَسْعُود \" مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاة لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا إِلَّا صَلَاتَيْنِ \" وَأَجَابَ الْمُجَوِّزُونَ بِأَنَّ مَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ وَقَدْ ثَبَتَ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عُمَر وَأَنَس وَابْن عَبَّاس وَغَيْرهمْ وَتَقَدَّمَ فِي مَوْضِعه بِمَا فِيهِ كِفَايَة وَأَيْضًا فَالِاسْتِدْلَال بِهِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ طَرِيق الْمَفْهُوم وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِهِ فَشَرْطُهُ أَنْ لَا يُعَارِضَهُ مَنْطُوق وَأَيْضًا فَالْحَصْر فِيهِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى مَشْرُوعِيَّة الْجَمْع بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1564",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ فَيَقِفُونَ عِنْدَ ‏ ‏الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ‏ ‏بِالْمُزْدَلِفَةِ ‏ ‏بِلَيْلٍ فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ مَا بَدَا لَهُمْ ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏لِصَلَاةِ الْفَجْرِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوْا ‏ ‏الْجَمْرَةَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سَالِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عِنْد مُسْلِم عَنْ يُونُسَ عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّ سَالِم بْن عَبْد اللَّه أَخْبَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( الْمَشْعَرِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ وَحَكَى الْجَوْهَرِيّ كَسْرَ الْمِيم وَقِيلَ إِنَّهُ لُغَةُ أَكْثَرِ الْعَرَبِ وَقَالَ ابْنُ قَرْقُولٍ : كَسْرُ الْمِيم لُغَة لَا رِوَايَةٌ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَة : لَمْ يُقْرَأْ بِهَا فِي الشَّوَاذِّ وَقِيلَ بَلْ قُرِئَ حَكَاهُ الْهُذَلِيّ. وَسُمِّيَ الْمَشْعَر لِأَنَّهُ مَعْلَم لِلْعِبَادَةِ وَالْحَرَامِ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَرَمِ أَوْ لِحُرْمَتِهِ. وَقَوْلُهُ \" مَا بَدَا لَهُمْ \" بِغَيْرِ هَمْز أَيْ ظَهَرَ لَهُمْ وَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا تَوْقِيفَ لَهُمْ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَرْجِعُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" ثُمَّ يَدْفَعُونَ \" وَهُوَ أَوْضَحُ وَمَعْنَى الْأَوَّل أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنْ الْوُقُوفِ إِلَى الدَّفْعِ ثُمَّ يَقْدَمُونَ مِنًى عَلَى مَا فُصِّلَ فِي الْخَبَرِ وَقَوْله \" لِصَلَاة الْفَجْر \" أَيْ عِنْدَ صَلَاة الْفَجْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ اِبْن عُمَر يَقُولُ : أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِيهِ أَرْخَص وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ رَخَّصَ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ مِنْ التَّرْخِيصِ لَا مِنْ الرَّخْصِ. وَاحْتَجَّ بِهِ اِبْن الْمُنْذِر لِقَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَة عَلَى غَيْرِ الضَّعَفَةِ لِأَنَّ حُكْمَ مَنْ لَمْ يُرَخَّصْ لَهُ لَيْسَ كَحُكْمِ مَنْ رُخِّصَ لَهُ قَالَ : وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمَا سَوَاء لَزِمَهُ أَنْ يُجِيزَ الْمَبِيتَ عَلَى مِنًى لِسَائِرِ النَّاسِ لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَخَصَ لِأَصْحَابِ السِّقَايَةِ وَلِلرِّعَاءِ أَنْ لَا يَبِيتُوا بِمِنًى قَالَ : فَإِنْ قَالَ لَا تَعْدُوا بِالرُّخَصِ مَوَاضِعهَا فَلْيُسْتَعْمَلْ ذَلِكَ هُنَا وَلَا يَأْذَنْ لِأَحَد أَنْ يَتَقَدَّمَ مِنْ جَمْع إِلَّا لِمَنْ رَخَّصَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْتَهَى. وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ عَلْقَمَة وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيّ : مَنْ تَرَكَ الْمَبِيت بِمُزْدَلِفَة فَاتَهُ الْحَجُّ وَقَالَ عَطَاء وَالزُّهْرِيّ وقَتَادَة وَالشَّافِعِيّ وَالْكُوفِيُّونَ وَإِسْحَاق : عَلَيْهِ دَم قَالُوا : وَمَنْ بَاتَ بِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الدَّفْع قَبْلَ النِّصْفِ وَقَالَ مَالِك : إِنْ مَرَّ بِهَا فَلَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْهِ دَم وَإِنَّ نَزَلَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ مَتَى دَفَعَ وَفِي حَدِيثِ اِبْن عُمَر دَلَالَة عَلَى جَوَاز رَمْيِ جَمْرَة الْعَقَبَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِقَوْلِهِ \" أَنَّ مَنْ يَقْدَمُ عِنْدَ صَلَاة الْفَجْر إِذَا قَدِمَ رَمَى الْجَمْرَةَ \" وَسَيَأْتِي ذَلِكَ صَرِيحًا مِنْ صَنِيعِ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ مِنْ هَذَا الْبَاب وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1565",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏جَمْعٍ ‏ ‏بِلَيْلٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَفَائِدَته تَعْيِين مَنْ أَذِنَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَهْلِهِ فِي ذَلِكَ وَأَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ فِي الثَّانِي مِنْهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ الْبَعْثُ الْمَذْكُورُ خَاصًّا لَهُ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْأَوَّلَ وَهُوَ قَوْل \" بَعَثَنِي \" قَدْ يُوهِمُ اِخْتِصَاصه بِذَلِكَ وَفِي الثَّانِي \" أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ \" فَأَفْهَمَ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَصَّ وَقَوْله فِي الثَّانِي \" فِي ضَعَفَة أَهْله \" قَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي \" بَاب حَجّ الصِّبْيَانِ \" مِنْ طَرِيقِ حَمَّاد عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن أَبِي يَزِيد بِلَفْظ \" فِي الثَّقَلِ \" زَادَ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْهِ \" وَقَالَ فِي الضَّعَفَةِ \" وَلِسُفْيَان فِيهِ إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله وَقَدْ أَخْرَجَ طَرِيق عَطَاء هَذِهِ مُطَوَّلَة الطَّحَاوِيّ مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي الصُّفَيْرِ عَنْ عَطَاءٍ [ قَالَ أَخْبَرَنِي ] اِبْن عَبَّاس قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَة : اِذْهَبْ بِضُعَفَائِنَا وَنِسَائِنَا فَلْيُصَلُّوا الصُّبْحَ بِمِنًى وَلْيَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ أَنْ تُصِيبَهُمْ دَفْعَةُ النَّاسِ \" قَالَ فَكَانَ عَطَاء يَفْعَلُهُ بَعْدَمَا كَبِرَ وَضَعُفَ. وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيق حَبِيب عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس \" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَدِّمُ ضُعَفَاءَ أَهْلِهِ بِغَلَس \" وَلِأَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَدِّمُ الْعِيَال وَالضَعَفَة إِلَى مِنًى مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1566",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةَ ‏ ‏الْمُزْدَلِفَةِ ‏ ‏فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَفَائِدَته تَعْيِين مَنْ أَذِنَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَهْلِهِ فِي ذَلِكَ وَأَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ فِي الثَّانِي مِنْهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ الْبَعْثُ الْمَذْكُورُ خَاصًّا لَهُ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْأَوَّلَ وَهُوَ قَوْل \" بَعَثَنِي \" قَدْ يُوهِمُ اِخْتِصَاصَهُ بِذَلِكَ وَفِي الثَّانِي \" أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ \" فَأَفْهَمَ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَصَّ وَقَوْله فِي الثَّانِي \" فِي ضَعَفَة أَهْله \" قَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي \" بَاب حَجّ الصِّبْيَانِ \" مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن أَبِي يَزِيد بِلَفْظ \" فِي الثَّقَلِ \" زَادَ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْهِ \" وَقَالَ فِي الضَّعَفَةِ \" وَلِسُفْيَان فِيهِ إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله وَقَدْ أَخْرَجَ طَرِيق عَطَاء هَذِهِ مُطَوَّلَة الطَّحَاوِيّ مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي الصُّفَيْر عَنْ عَطَاء [ قَالَ أَخْبَرَنِي ] اِبْن عَبَّاس قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ لَيْلَة الْمُزْدَلِفَة : اِذْهَبْ بِضُعَفَائِنَا وَنِسَائِنَا فَلْيُصَلُّوا الصُّبْحَ بِمِنًى وَلْيَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ أَنْ تُصِيبَهُمْ دَفْعَةُ النَّاسِ \" قَالَ فَكَانَ عَطَاءٌ يَفْعَلُهُ بَعْدَمَا كَبِرَ وَضَعُفَ وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيق حَبِيب عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس \" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَدِّمُ ضُعَفَاءَ أَهْلِهِ بِغَلَس \" وَلِأَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَدِّمُ الْعِيَال وَالضَعَفَة إِلَى مِنًى مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1567",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ ‏ ‏جَمْعٍ ‏ ‏عِنْدَ ‏ ‏الْمُزْدَلِفَةِ ‏ ‏فَقَامَتْ تُصَلِّي فَصَلَّتْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ قُلْتُ لَا فَصَلَّتْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ قُلْت نَعَمْ قَالَتْ فَارْتَحِلُوا فَارْتَحَلْنَا وَمَضَيْنَا حَتَّى رَمَتْ ‏ ‏الْجَمْرَةَ ‏ ‏ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتْ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلِهَا فَقُلْتُ لَهَا يَا ‏ ‏هَنْتَاهُ ‏ ‏مَا أُرَانَا إِلَّا قَدْ غَلَّسْنَا قَالَتْ يَا بُنَيَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَذِنَ ‏ ‏لِلظُّعُنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه مَوْلَى أَسْمَاء ) ‏ ‏هُوَ اِبْن كَيْسَانَ الْمَدَنِيّ يُكْنَى أَبَا عُمَر لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ وَقَدْ صَرَّحَ اِبْن جُرَيْج بِتَحْدِيثِ عَبْد اللَّه لَهُ هَكَذَا فِي رِوَايَة مُسَدَّد هَذِهِ عَنْ يَحْيَى وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْمُقَدِّمِي وَابْن خُزَيْمَة عَنْ بُنْدَارٍ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ كُلّهمْ عَنْ يَحْيَى وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْن يُونُس وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُد الْعَطَّار وَالطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيقِ اِبْن عُيَيْنَة والطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن سَالِم وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن بُكَيْر كُلّهمْ عَنْ اِبْن جُرَيْج وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ مُحَمَّد بْن خَلَّادٍ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء أَخْبَرَنِي مُخْبِر عَنْ أَسْمَاء وَأَخْرَجَهُ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَطَاء أَنَّ مَوْلَى أَسْمَاء أَخْبَرَهُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِد الْأَحْمَرِ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد فَالظَّاهِر أَنَّ اِبْن جُرَيْج سَمِعَهُ مِنْ عَطَاء ثُمَّ لَقِيَ عَبْد اللَّه فَأَخَذَهُ عَنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَوْلَى أَسْمَاء شَيْخ عَطَاء غَيْر عَبْد اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ فَارْتَحِلُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" قَالَتْ اِرْتَحِلْ بِي \". ‏ ‏قَوْله : ( فَمَضَيْنَا حَتَّى رَمَتْ الْجَمْرَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَة \" فَمَضَيْنَا بِهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( يَا هَنْتَاهُ ) ‏ ‏أَيْ يَا هَذِهِ وَقَدْ سَبَقَ ضَبْطُهُ فِي \" بَاب الْحَجّ أَشْهُر مَعْلُومَات \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا أُرَانَا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّ وَفِي رِوَايَة مُسْلِمٍ بِالْجَزْمِ \" فَقُلْت لَهَا لَقَدْ غَلَّسْنَا \" وَفِي رِوَايَة مَالِك \" لَقَدْ جِئْنَا مِنًى بِغَلَس \" وَفِي رِوَايَة دَاوُد الْعَطَّار \" لَقَدْ اِرْتَحَلْنَا بِلَيْل \" وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُد \" فَقُلْت إنَّا رَمَيْنَا الْجَمْرَة بِلَيْلٍ وَغَلَّسْنَا \" أَيْ جِئْنَا بِغَلَس. ‏ ‏قَوْله : ( أَذِنَ لِلظُّعُنِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ ظَعِينَة وَهِيَ الْمَرْأَةُ فِي الْهَوْدَجِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمَرْأَةِ مُطْلَقًا وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُد الْمَذْكُورَةِ \" إِنَّا كُنَّا نَصْنَعُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة مَالِك \" لَقَدْ كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ مَنْ هُوَ خَيْر مِنْك \" تَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَاز الرَّمْي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عِنْدَ مَنْ خَصَّ التَّعْجِيل بِالضَعَفَةِ وَعِنْدَ مَنْ لَمْ يُخَصِّصْ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّة فَقَالُوا : لَا يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنْ رَمَى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ جَازَ وَإِنْ رَمَاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَهَا وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَإسْحَاقُ وَالْجُمْهُورُ وَزَاد إِسْحَاق \" وَلَا يَرْمِيهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ \" وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيّ وَمُجَاهِد وَالثَّوْرِيّ وَأَبُو ثَوْر وَرَأَى جَوَاز ذَلِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَطَاء وَطَاوُس وَالشَّعْبِيّ وَالشَّافِعِيّ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر الْمَاضِي قَبْلَ هَذَا وَاحْتَجَّ إِسْحَاق بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِغِلْمَان بَنِي عَبْد الْمَطْلَب : لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ \" وَهُوَ حَدِيث حَسَنٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ والطَّحَاوِيّ وَابْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا نُونٌ - عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ والطَّحَاوِيّ مِنْ طُرُق عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْهُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيق حَبِيب عَنْ عَطَاء وَهَذِهِ الطُّرُق يُقَوِّي بَعْضهَا بَعْضًا وَمِنْ ثَمَّ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْن حِبَّانَ. وَإِذَا كَانَ مَنْ رُخِّصَ لَهُ مُنِعَ أَنْ يَرْمِيَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَمَنْ لَمْ يُرَخَّصْ لَهُ أَوْلَى. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ بِحَدِيثِ أَسْمَاء هَذَا. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْن حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِحَمْلِ الْأَمْرِ فِي حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس عَلَى النَّدْب وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَة مَوْلَى اِبْن عَبَّاس عَنْهُ قَالَ \" بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْلِهِ وَأَمَرَنِي أَنْ أَرْمِيَ مَعَ الْفَجْرِ \" وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِر. السُّنَّةُ أَنْ لَا يَرْمِيَ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَجُوزُ الرَّمْي قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِأَنَّ فَاعِلَهُ مُخَالِف لِلسُّنَّةِ وَمَنْ رَمَى حِينَئِذ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِذْ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ لَا يُجْزِئُهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى إِسْقَاط الْوُقُوف بِالْمَشْعَرِ الْحَرَام عَنْ الضَّعَفَةِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّ رِوَايَة أَسْمَاء سَاكِتَة عَنْ الْوُقُوفِ وَقَدْ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ اِبْن عُمَر الَّتِي قَبْلَهَا. وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَكَانَ بَعْضهمْ يَقُولُ : وَمَنْ مَرَّ بِمُزْدَلِفَة فَلَمْ يَنْزِلْ بِهَا فَعَلَيْهِ دَم وَمَنْ نَزَلَ بِهَا ثُمَّ دَفَعَ مِنْهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ اللَّيْلِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَقِفْ مَعَ الْإِمَامِ. وَقَالَ مُجَاهِد وقَتَادَة وَالزُّهْرِيّ وَالثَّوْرِيّ : مَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا فَقَدْ ضَيَّعَ نُسُكًا وَعَلَيْهِ دَم وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي ثَوْر وَرُوِيَ عَنْ عَطَاء وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ لَا دَمَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ مَنْ شَاءَ نَزَلَ بِهِ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ. وَرَوَى الطَّبَرِيّ بِسَنَد فِيهِ ضَعْف عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مَرْفُوعًا \" إِنَّمَا جَمْع مَنْزِل لِدَلْج الْمُسْلِمِينَ \" وَذَهَب اِبْن بِنْت الشَّافِعِيّ وَابْن خُزَيْمَة إِلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِهَا رُكْن لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ وَأَشَارَ اِبْن الْمُنْذِر إِلَى تَرْجِيحِهِ , وَنَقَلَهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ عَلْقَمَةِ وَالنَّخَعِيّ , وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ قَالُوا مَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا فَاتَهُ الْحَجُّ وَيُجْعَلْ إِحْرَامه عُمْرَة وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيّ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ الْوُقُوفَ وَإِنَّمَا قَالَ ( فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَام وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا بِغَيْرِ ذِكْر أَنَّ حَجَّهُ تَامّ فَإِذَا كَانَ الذِّكْر الْمَذْكُور فِي الْكِتَابِ لَيْسَ مَنْ صُلْب الْحَجّ فَالْمَوْطِن الَّذِي يَكُونُ الذِّكْرُ فِيهِ أَحْرَى أَنْ لَا يَكُونُ فَرْضًا. قَالَ : وَمَا اِحْتَجُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَة بْن مُضَرِّس - وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَة - رَفَعَهُ قَالَ \" مَنْ شَهِدَ مَعَنَا صَلَاة الْفَجْر بِالْمُزْدَلِفَةِ وَكَانَ قَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَة لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ \" لِإِجْمَاعِهِمْ أَنَّهُ لَوْ بَاتَ بِهَا وَوَقَفَ وَنَامَ عَنْ الصَّلَاةِ فَلَمْ يُصَلِّهَا مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى فَاتَتْهُ أَنَّ حَجَّهُ تَامّ اِنْتَهَى. وَحَدِيث عُرْوَة أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَلَفْظ أَبِي دَاوُد عَنْهُ \" أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَوْقِفِ - يَعْنِي بِجْمَعٍ - قَلَتْ جِئْت يَا رَسُول اللَّهِ مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ فَأَكْلَلْت مَطِيَّتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي وَاللَّه مَا تَرَكْت مِنْ حَبْلٍ إِلَّا وَقَفْت عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجّ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَأَتَى عَرَفَات قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثه \" وَلِلنَّسَائِيِّ \" مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ حَتَّى يُفِيضُوا فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجّ وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ فَلَمْ يُدْرِكْ \" وَلِأَبِي يَعْلَى \" وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ جَمْعًا فَلَا حَجَّ لَهُ \" وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو جَعْفَر الْعُقَيْلِيّ جُزْءًا فِي إِنْكَارِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَبَيَّنَ أَنَّهَا مِنْ رِوَايَة مُطَرِّف عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَأَنْ مُطَرِّفًا كَانَ يَهِمُ فِي الْمُتُونِ , وَقَدْ اِرْتَكَبَ اِبْن حَزْم الشَّطَط فَزَعَمَ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ صَلَاة الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَة مَعَ الْإِمَامِ أَنَّ الْحَجَّ يَفُوتُهُ اِلْتِزَامًا لِمَا أَلْزَمَهُ بِهِ الطَّحَاوِيّ , وَلَمْ يَعْتَبِرْ اِبْنُ قُدَامَة مُخَالَفَته هَذِهِ فَحَكَى الْإِجْمَاع عَلَى الْإِجْزَاءِ كَمَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيّ , وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَجِبُ بِتَرْكِ الْوُقُوفِ بِهَا دَم لِمَنْ لَيْسَ بِهِ عُذْر وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَعْذَارِ عِنْدَهُمْ الزِّحَام. ‏"
    },
    {
        "id": "1568",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اسْتَأْذَنَتْ ‏ ‏سَوْدَةُ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةَ ‏ ‏جَمْعٍ ‏ ‏وَكَانَتْ ثَقِيلَةً ‏ ‏ثَبْطَةً ‏ ‏فَأَذِنَ لَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْقَاسِمِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر وَالِد عَبْد الرَّحْمَن الرَّاوِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَأْذَنَتْ سَوْدَة ) ‏ ‏أَيْ بِنْت زَمْعَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثَقِيلَة ) ‏ ‏أَيْ مِنْ عِظَمِ جِسْمِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( ثَبِطَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَة خَفِيفَة أَيْ بَطِيئَة الْحَرَكَةِ كَأَنَّهَا تَثْبِطُ بِالْأَرْضِ أَيْ تَشَبَّثُ بِهَا , وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّد بْن كَثِير شَيْخُ الْبُخَارِيّ فِيهِ عَنْ سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيُّ مَا اِسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَة فِيهِ فَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِطْرِيق أَفْلَحَ عَنْ الْقَاسِمِ الْمُبَيِّنَة لِذَلِكَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ الثَّوْرِيِّ فَبَيَّنَ ذَلِكَ وَلَفْظه \" أَنَّ سَوْدَة بِنْت زَمْعَة كَانْت اِمْرَأَة ثَبِطَة فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَدْفَعَ مِنْ جَمْع قَبْلَ دَفْعَةِ النَّاسِ فَأَذِنَ لَهَا \" وَلِأَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيقٍ قَبِيصَة عَنْ الثَّوْرِيِّ \" قَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوْدَة لَيْلَةَ جَمْعٍ \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق وَكِيع فَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْن عُمَر الْعُمَرِيِّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم بِلَفْظ \" وَدِدْت أَنِّي كُنْت اِسْتَأْذَنْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا اِسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَة فَأُصَلِّي الصُّبْح بِمِنًى فَأَرْمِي الْجَمْرَةَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاس \" فَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ مِثْلَ سِيَاق مُحَمَّد بْن كَثِير وَلَهُ نَحْوُهُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم وَفِيهِ مِنْ الزِّيَادَةِ \" وَكَانَتْ عَائِشَة لَا تُفِيضُ إِلَّا مَعَ الْإِمَامِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1569",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏نَزَلْنَا ‏ ‏الْمُزْدَلِفَةَ ‏ ‏فَاسْتَأْذَنَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَوْدَةُ ‏ ‏أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ ‏ ‏حَطْمَةِ ‏ ‏النَّاسِ وَكَانَتْ امْرَأَةً بَطِيئَةً فَأَذِنَ لَهَا فَدَفَعَتْ قَبْلَ ‏ ‏حَطْمَةِ ‏ ‏النَّاسِ وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ فَلَأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَمَا اسْتَأْذَنَتْ ‏ ‏سَوْدَةُ ‏ ‏أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْن حُمَيْد عَنْ الْقَاسِمِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ أَفْلَحَ \" أَخْبَرَنَا الْقَاسِم \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر الْحَنَفِيّ عَنْ أَفْلَحَ \" سَمِعْتُ الْقَاسِم \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تَدْفَعَ قَبْل حَطْمَة النَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ الْقَعْنَبِيّ عَنْ أَفْلَحَ \" أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَهُ وَقَبْلَ حَطْمَة النَّاس \" وَالْحَطْمَة بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُون الطَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ الزَّحْمَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَأَنْ أَكُونَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّامِ فَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَره \" أَحَبّ \" ‏ ‏وَقَوْلُهَا ( مَفْرُوح ) ‏ ‏أَيْ مَا يَفْرَحُ بِهِ مِنْ كُلِّ شَيْء. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم عَنْ الْقَعْنَبِيّ عَنْ أَفْلَحَ بْن حُمَيْد مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ تَفْسِير الثَّبِطَة بِالثَّقِيلَةِ مِنْ الْقَاسِمِ رَاوِي الْخَبَرِ وَلَفْظه \" وَكَانَتْ اِمْرَأَة ثَبِطَة يَقُولُ الْقَاسِم : وَالثَّبِطَةُ الثَّقِيلَة \" وَلِأَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيقِ اِبْن أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ أَفْلَحَ بَعْدَ أَنْ سَاقَ الْحَدِيثَ بِلَفْظ \" وَكَانَتْ اِمْرَأَة ثَبِطَة قَالَ : الثَّبِطَةُ الثَّقِيلَة \" وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِر الْعَقَدِيِّ عَنْ أَفْلَحَ \" وَكَانَتْ اِمْرَأَة ثَبِطَة يَعْنِي ثَقِيلَة \" فَعَلَى هَذَا فَقَوْله فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَثِير عِنْدَ الْمُصَنِّف وَكَانَتْ اِمْرَأَة ثَقِيلَة ثَبِطَة مِنْ الْإدْرَاجِ الْوَاقِع قَبْلَ مَا أُدْرِجَ عَلَيْهِ وَأَمْثِلَته قَلِيلَة جِدًّا وَسَبَبه أَنَّ الرَّاوِيَ أَدْرَجَ التَّفْسِير بَعْدَ الْأَصْلِ فَظَنَّ الرَّاوِي الْآخَرُ أَنَّ اللَّفْظَيْنِ ثَابِتَانِ فِي أَصْل الْمَتْن فَقَدَّمَ وَأَخَّرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1570",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَارَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى صَلَاةً بِغَيْرِ مِيقَاتِهَا إِلَّا صَلَاتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَّى الْفَجْرَ قَبْلَ مِيقَاتِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عُمَارَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَيْر وَعَبْد الرَّحْمَن هُوَ اِبْن يَزِيد النَّخَعِيّ وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرٍّ \" بِغَيْر \" بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ اللَّام وَالْمُرَادُ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ قَبْلَ بَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1571",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ خَرَجْنَا مَعَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏ثُمَّ قَدِمْنَا ‏ ‏جَمْعًا ‏ ‏فَصَلَّى الصَّلَاتَيْنِ كُلَّ صَلَاةٍ وَحْدَهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَالْعَشَاءُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ قَائِلٌ يَقُولُ طَلَعَ الْفَجْرُ وَقَائِلٌ يَقُولُ لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا فِي هَذَا الْمَكَانِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فَلَا يَقْدَمُ النَّاسُ ‏ ‏جَمْعًا ‏ ‏حَتَّى يُعْتِمُوا وَصَلَاةَ الْفَجْرِ هَذِهِ السَّاعَةَ ‏ ‏ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى أَسْفَرَ ثُمَّ قَالَ لَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَفَاضَ الْآنَ أَصَابَ السُّنَّةَ فَمَا أَدْرِي أَقَوْلُهُ كَانَ أَسْرَعَ أَمْ دَفْعُ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى ‏ ‏جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ‏ ‏يَوْمَ النَّحْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَرَجْتُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرٍّ \" خَرَجْنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَالْعَشَاء بَيْنَهُمَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ لَا بِكَسْرِهَا أَيْ الْأَكْل وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاحَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا يَقْدَمُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الدَّالِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يُعْتِمُوا ) ‏ ‏أَيْ يَدْخُلُوا فِي الْعَتَمَةِ وَهُوَ وَقْتُ الْعِشَاءِ الْآخِرَة كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْمَوَاقِيتِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَفَاضَ الْآنَ ) ‏ ‏يَعْنِي عُثْمَان كَمَا بَيَّنَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ ‏ ‏وَقَوْله : ( فَمَا أَدْرِي ) ‏ ‏هُوَ كَلَامُ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد الرَّاوِي عَنْ اِبْن مَسْعُود وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ أَنَّهُ كَلَامُ اِبْن مَسْعُود وَالْمُرَاد أَنَّ السُّنَّةَ الدَّفْع مِنْ الْمَشْعَرِ الْحَرَام عِنْدَ الْإِسْفَارِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ خِلَافًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي بَعْدَهُ. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم عَنْ أَبِي إِسْحَاق عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ نَظِيرَ هَذَا الْقَوْلِ صَدَرَ مِنْ اِبْن مَسْعُود عِنْدَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَة أَيْضًا وَلَفْظه \" لَمَّا وَقَفْنَا بِعَرَفَة غَابَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ : لَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَفَاضَ الْآنَ كَانَ قَدْ أَصَابَ قَالَ : فَمَا أَدْرِي أَكَلَامُ اِبْن مَسْعُود أَسْرَع أَوْ إِفَاضَة عُثْمَان قَالَ : فَأَوْضَعَ النَّاس. وَلَمْ يَزِدْ اِبْن مَسْعُود عَلَى الْعَنَقِ حَتَّى أَتَى جَمْعًا \" وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي إِسْحَاق فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" أَفَاضَ اِبْن مَسْعُود مِنْ عَرَفَة عَلَى هِينَتِهِ لَا يَضْرِبُ بَعِيرَهُ حَتَّى أَتَى جَمْعًا \" وَقَالَ سَعِيد بْن مَنْصُور \" حَدَّثَنَا سُفْيَان وَأَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَة بْن عُمَيْر عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد أَنَّ اِبْن مَسْعُود أَوْضَعَ بِعِيرَهُ فِي وَادِي مُحَسِّر \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة مَرْفُوعَة فِي حَدِيثِ جَابِر الطَّوِيلِ فِي صِفَة الْحَجّ عِنْد مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1572",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ ‏ ‏يَقُولُ شَهِدْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏صَلَّى ‏ ‏بِجَمْعٍ ‏ ‏الصُّبْحَ ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ أَشْرِقْ ‏ ‏ثَبِيرُ ‏ ‏وَأَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَالَفَهُمْ ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ السَّبِيعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُفِيضُونَ ) ‏ ‏زَاد يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ شُعْبَة \" مِنْ جَمْعٍ \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَكَذَا هُوَ لِلْمُصَنِّفِ فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق وَزَاد الطَّبَرَانِيّ مِنْ رِوَايَة عُبَيْدِ اللَّهِ بْن مُوسَى عَنْ سُفْيَان \" حَتَّى يَرَوْا الشَّمْسَ عَلَى ثَبِيرٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَيَقُولُونَ : أَشْرِقْ ثَبِيرُ ) ‏ ‏أَشْرِقْ بِفَتْح أَوَّله فِعْل أَمْر مِنْ الْإِشْرَاقِ أَيْ ادْخُلْ فِي الشُّرُوقِ وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ كَأَنَّهُ ثُلَاثِيّ مِنْ شَرَقَ وَلَيْسَ بِبَيِّنٍ وَالْمَشْهُور أَنَّ الْمَعْنَى لِتَطْلُعْ عَلَيْكَ الشَّمْس وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَضِئْ يَا جَبَل وَلَيْسَ بِبَيِّنٍ أَيْضًا. وَثَبِيرُ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ جَبَل مَعْرُوف هُنَاكَ وَهُوَ عَلَى يَسَار الذَّاهِب إِلَى مِنًى وَهُوَ أَعْظَمُ جِبَالِ مَكَّةَ عُرِفَ بِرَجُل مِنْ هُذَيْلٍ اِسْمُهُ ثَبِيرٌ دُفِنَ فِيهِ. زَادَ أَبُو الْوَلِيدِ عَنْ شُعْبَة \" كَيْمَا نُغِيرُ \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَمِثْلُهُ لِابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاج بْن أَرْطَاةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق وَلِلطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" أَشْرِقْ ثَبِيرُ لَعَلَّنَا نُغِيرُ \" قَالَ الطَّبَرِيّ : مَعْنَاهُ كَيْمَا نَدْفَعُ لِلنَّحْرِ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَغَارَ الْفَرَسُ إِذَا أَسْرَعَ فِي عَدْوِهِ قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِسُكُونِ الرَّاءِ فِي ( ثَبِيرُ ) وَفِي ( نُغِيرُ ) لِإِرَادَةِ السَّجْعِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ) ‏ ‏الْإِفَاضَة الدَّفْعَة قَالَهُ الْأَصْمَعِيّ وَمِنْهُ أَفَاضَ الْقَوْم فِي الْحَدِيثِ إِذَا دَفَعُوا فِيهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِل أَفَاضَ عُمَر فَيَكُونَ اِنْتِهَاء حَدِيثِهِ مَا قَبْلَ هَذَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِل أَفَاضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَطْفِهِ عَلَى قَوْلِهِ خَالَفَهُمْ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ عَنْ شُعْبَة عِنْدَ التِّرْمِذِيّ \" فَأَفَاضَ \" وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ \" فَخَالَفَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَفَاضَ \" وَلِلطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي إِسْحَاق بِسَنَدِهِ \" كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَنْفِرُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ ذَلِكَ فَنَفَرَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة إِسْرَائِيلَ \" فَدَفَعَ لِقَدْرِ صَلَاةِ الْقَوْمِ الْمُسْفِرِينَ لِصَلَاة الْغَدَاة \" وَأَوْضَح مِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِر الطَّوِيلِ عِنْد مُسْلِم \" ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاء حَتَّى أَتَى الْمَشْعَر الْحَرَام فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَا اللَّه تَعَالَى وَكَبَّرَهُ وَهَلَّله وَوَحَّدَهُ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْس \" وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي ذَلِكَ وَصَنِيع عُثْمَان بِمَا يُوَافِقُهُ وَرَوَى اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" سَأَلْت عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد : مَتَى دَفَعَ عَبْد اللَّه مِنْ جَمْعٍ ؟ قَالَ : كَانْصِرَافِ الْقَوْمِ الْمُسْفِرِينَ مِنْ صَلَاة الْغَدَاة \" وَرَوَى الطَّبَرِيّ مِنْ حَدِيث عَلِيّ قَالَ \" لَمَّا أَصْبَحَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُزْدَلِفَةِ غَدَا فَوَقَفَ عَلَى قُزَح وَأَرْدَفَ الْفَضْل ثُمَّ قَالَ : هَذَا الْمَوْقِفُ وَكُلّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِف. حَتَّى إِذَا أَسْفَرَ دَفَعَ \" وَأَصْلُهُ فِي التِّرْمِذِيّ دُونَ قَوْلِهِ \" حَتَّى إِذَا أَسْفَرَ \" وَلِابْن خُزَيْمَة وَالطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ حَتَّى إِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَكَانَتْ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ كَأَنَّهَا الْعَمَائِمُ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ دَفَعُوا فَدَفَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَسْفَرَ كُلُّ شَيْء قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ \" وَلِلْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيث الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ نَحْوُهُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الدَّفْع مِنْ الْمَوْقِفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ عِنْدَ الْإسْفَارِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِيمَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَنَقَلَ الطَّبَرِيّ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَقِفْ فِيهِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَاتَهُ الْوُقُوف قَالَ ابْنُ الْمُنْذِر : وَكَانَ الشَّافِعِيّ وَجُمْهُور أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ بِظَاهِر هَذِهِ الْأَخْبَار وَكَانَ مَالِك يَرَى أَنْ يَدْفَعَ قَبْلَ الْإسْفَارِ وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْض أَصْحَابِهِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَجِّلْ الصَّلَاة مُغَلِّسًا إِلَّا لِيَدْفَع قَبْلَ الشَّمْسِ فَكُلّ مَنْ بَعُدَ دَفْعُهُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَانَ أَوْلَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1573",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْدَفَ ‏ ‏الْفَضْلَ ‏ ‏فَأَخْبَرَ ‏ ‏الْفَضْلُ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى ‏ ‏الْجَمْرَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَأَخْبَرَ الْفَضْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْن يُونُس عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ عَطَاء \" فَأَخْبَرَنِي اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْفَضْلَ أَخْبَرَهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1574",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ الْأَيْلِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْمُزْدَلِفَةِ ‏ ‏ثُمَّ أَرْدَفَ ‏ ‏الْفَضْلَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْمُزْدَلِفَةِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏مِنًى ‏ ‏قَالَ فَكِلَاهُمَا قَالَا ‏ ‏لَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُلَبِّي حَتَّى رَمَى ‏ ‏جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَكِلَاهُمَا ) ‏ ‏أَيْ الْفَضْلِ بْن عَبَّاس وَأُسَامَة بْن زَيْد وَفِي ذِكْرِ أُسَامَةَ إِشْكَال لِمَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب النُّزُول بَيْنَ عَرَفَة وَجَمْع \" أَنَّ عِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن عُقْبَة عَنْ كُرَيْب أَنَّ أُسَامَةَ قَالَ \" وَانْطَلَقْت أَنَا فِي سُبَّاق قُرَيْش عَلَى رِجْلَيَّ \" لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ أُسَامَة سَبَقَ إِلَى رَمْيِ الْجَمْرَةِ فَيَكُونَ إِخْبَاره بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْفَضْل مِنْ التَّلْبِيَةِ مُرْسَلًا لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنَّهُ يَرْجِعُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْجَمْرَةِ أَوْ يُقِيمُ بِهَا حَتَّى يَأْتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ \" فَرَأَيْت أُسَامَة بْن زَيْد وَبِلَالًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَام نَاقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآخَرُ رَافِع ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنْ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏زَاد اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْن الْحُسَيْن عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ الْفَضْلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" فَرَمَاهَا سَبْع حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاة \" وَسَيَأْتِي هَذَا الْحُكْم بَعْدَ نَيِّف وَثَلَاثِينَ بَابًا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ التَّلْبِيَةَ تَسْتَمِرُّ إِلَى رَمْيِ الْجَمْرَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَبَعْدَهَا يَشْرَعُ الْحَاجّ فِي التَّحَلُّلِ وَرَوَى اِبْن الْمُنْذِر بِإِسْنَاد صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ \" التَّلْبِيَة شِعَار الْحَجّ فَإِنْ كُنْت حَاجًّا فَلَبِّ حَتَّى بَدْء حِلِّك , وَبَدْء حَلِّك أَنْ تَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ \" وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيقِ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" حَجَجْت مَعَ عُمَرَ إِحْدَى عَشْرَةَ حِجَّةً وَكَانَ يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ \" وَبِاسْتِمْرَارِهَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَتْبَاعهمْ وَقَالَتْ طَائِفَة : يَقْطَعُ الْمُحْرِم التَّلْبِيَة إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ وَهُوَ مَذْهَبُ اِبْن عُمَر لَكِنْ كَانَ يُعَاوِدُ التَّلْبِيَةَ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عَرَفَة. وَقَالَتْ طَائِفَة : يَقْطَعُهَا إِذَا رَاحَ إِلَى الْمَوْقِفِ رَوَاهُ اِبْن الْمُنْذِر وَسَعِيد بْن مَنْصُور بِأَسَانِيدَ صَحِيحَة عَنْ عَائِشَة وَسَعْد بْن أَبِي وَقَاصّ وَعَلِيّ وَبِهِ قَالَ مَالِك وَقَيَّدَه بِزَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْثِ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ \" إِذَا صَلَّى الْغَدَاة يَوْمَ عَرَفَةَ \" وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّل. وَقَدْ رَوَى الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد قَالَ \" حَجَجْت مَعَ عَبْد اللَّه فَلَمَّا أَفَاضَ إِلَى جَمْع جَعَلَ يُلَبِّي فَقَالَ رَجُل : أَعْرَابِيٌّ هَذَا ؟ فَقَالَ عَبْد اللَّه : أَنَسِيَ النَّاسُ أَمْ ضَلُّوا \" وَأَشَارَ الطَّحَاوِيّ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ تَرْكُ التَّلْبِيَةِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ أَنَّهُ تَرَكَهَا لِلِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهَا مِنْ الذِّكْرِ لَا عَلَى أَنَّهَا لَا تُشْرَعُ وَجَمَعَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا اِخْتَلَفَ مِنْ الْآثَارِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ رَمْيِ أَوَّلِ حَصَاة أَوْ عِنْدَ تَمَامِ الرَّمْيِ ؟ فَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ الْجُمْهُورُ وَإِلَى الثَّانِي أَحْمَد وَبَعْض أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَيَدُلُّ لَهُمْ مَا رَوَى اِبْن خُزَيْمَة مِنْ طَرِيقِ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ الْفَضْلِ قَالَ \" أَفَضْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَرَفَات فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاة ثُمَّ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ مَعَ آخِرِ حَصَاةٍ \" قَالَ اِبْن خُزَيْمَة : هَذَا حَدِيث صَحِيح مُفَسِّر لِمَا أُبْهِمَ فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ \" حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ \" أَيْ أَتَمَّ رَمْيَهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1575",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو جَمْرَةَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُتْعَةِ ‏ ‏فَأَمَرَنِي بِهَا وَسَأَلْتُهُ عَنْ ‏ ‏الْهَدْيِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏فِيهَا جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ قَالَ وَكَأَنَّ نَاسًا كَرِهُوهَا فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ إِنْسَانًا يُنَادِي حَجٌّ ‏ ‏مَبْرُورٌ ‏ ‏وَمُتْعَةٌ ‏ ‏مُتَقَبَّلَةٌ فَأَتَيْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ سُنَّةُ ‏ ‏أَبِي الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَقَالَ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏وَغُنْدَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ وَحَجٌّ ‏ ‏مَبْرُورٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا النَّضْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شُمَيْلٍ صَاحِب الْعَرَبِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَبُو جَمْرَةِ ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذَا الْحَدِيثِ طَرِيق فِي آخِر \" بَاب التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا بَيَان الْهَدْي. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَأَلْتُهُ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْهَدْيِ ) ‏ ‏فَقَالَ فِيهَا أَيْ الْمُتْعَةِ يَعْنِي يَجِبُ عَلَى مَنْ تَمَتَّعَ دَم. ‏ ‏قَوْله : ( جَزُور ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّ الزَّايِ أَيْ بَعِير ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ الْجَزْرِ أَيْ الْقَطْعِ وَلَفْظهَا مُؤَنَّث تَقُولُ هَذِهِ الْجَزُور. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ شِرْك ) ‏ ‏بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُون الرَّاءِ أَيْ مُشَارَكَة فِي دَم أَيْ حَيْثُ يُجْزِئُ الشَّيْء الْوَاحِد عَنْ جَمَاعَة وَهَذَا مُوَافِق لِمَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ جَابِر قَالَ \" خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ : كُلُّ سَبْعَة مِنَّا فِي بَدَنَةِ \" وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُورُ سَوَاء كَانَ الْهَدْي تَطَوُّعًا أَوْ وَاجِبًا وَسَوَاء كَانُوا كُلّهمْ مُتَقَرِّبِينَ بِذَلِكَ أَوْ كَانَ بَعْضهمْ يُرِيدُ التَّقَرُّبَ وَبَعْضهمْ يُرِيدُ اللَّحْمَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة. يُشْتَرَطُ فِي الِاشْتِرَاكِ أَنْ يَكُونُوا كُلّهمْ مُتَقَرِّبِينَ بِالْهَدْي وَعَنْ زُفَرَ مِثْلُهُ بِزِيَادَة أَنْ تَكُونَ أَسْبَابهمْ وَاحِدَة وَعَنْ دَاوُد وَبَعْض الْمَالِكِيَّةِ : يَجُوزُ فِي هَدْي التَّطَوُّع دُونَ الْوَاجِبِ وَعَنْ مَالِك : لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَاحْتَجَّ لَهُ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي بِأَنَّ حَدِيثَ جَابِر إِنَّمَا كَانَ بِالْحُدَيْبِيَةِ حَيْثُ كَانُوا مُحْصَرِينَ وَأَمَّا حَدِيثُ اِبْن عَبَّاس فَخَالَفَ أَبَا جَمْرَة عَنْهُ ثِقَاتُ أَصْحَابِهِ فَرَوَوْا عَنْهُ أَنَّ مَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ شَاةٌ ثُمَّ سَاقَ ذَلِكَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْهُمْ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : وَقَدْ رَوَى لَيْث عَنْ طَاوُسَ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْلَ رِوَايَة أَبِي جَمْرَةَ وَلَيْث ضَعِيف. قَالَ : وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَان عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" مَا كُنْت أَرَى أَنَّ دَمًا وَاحِدًا يَقْضِي عَنْ أَكْثَر مِنْ وَاحِد \" اِنْتَهَى. وَلَيْسَ بَيْنَ رِوَايَة أَبِي جَمْرَة وَرِوَايَة غَيْرِهِ مُنَافَاةٌ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَيْهِمْ ذِكْرَ الِاشْتِرَاك وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذِكْرِ الشَّاة وَإِنَّمَا أَرَادَ اِبْن عَبَّاس بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الشَّاةِ الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ اِخْتِصَاص الْهَدْي بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَذَلِكَ وَاضِح فِيمَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا. وَأَمَّا رِوَايَةُ مُحَمَّد عَنْ اِبْن عَبَّاس فَمُتَقَطِّعَة وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ كَانَتْ مُتَّصِلَة اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ اِبْن عَبَّاس أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الِاجْتِهَادِ حَتَّى صَحَّ عِنْدَهُ النَّقْلُ بِصِحَّة الِاشْتِرَاك فَأَفْتَى بِهِ أَبَا جَمْرَة وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الْأَخْبَارُ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الطَّعْنِ فِي رِوَايَة مَنْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَوْثِيقِهِ وَالِاحْتِجَاجِ بِرِوَايَتِهِ وَهُوَ أَبُو جَمْرَة الضُّبَعِيُّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى التَّشْرِيك ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ لَمَّا بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ. قَالَ أَحْمَد : حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب حَدَّثَنَا مُجَاهِد عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ \" سَأَلْت اِبْن عُمَر قُلْت : الْجَزُورُ وَالْبَقَرَة تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَة ؟ قَالَ : يَا شَعْبِيُّ وَلَهَا سَبْعَة أَنْفُس ؟ قَالَ قُلْت : فَإِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّد يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَّ الْجَزُورَ عَنْ سَبْعَة وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَة. قَالَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لِرَجُلٍ : أَكَذَلِكَ يَا فُلَانُ ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ : مَا شَعَرْتُ بِهَذَا \". وَأَمَّا تَأْوِيلُ إِسْمَاعِيلَ لِحَدِيثِ جَابِر بِأَنَّهُ كَانَ بِالْحُدَيْبِيَة فَلَا يَدْفَعُ الِاحْتِجَاجَ بِالْحَدِيثِ بَلْ رَوَى مُسْلِم مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ جَابِر فِي أَثْنَاءِ حَدِيث قَالَ \" فَأَمَرَنَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُهْدِيَ وَنَجْمَعَ النَّفَرَ مِنَّا فِي الْهَدِيَّةِ \" وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّة أَصْلِ الِاشْتِرَاك وَاتَّفَقَ مَنْ قَالَ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي أَكْثَر مِنْ سَبْعَة إِلَّا إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ فَقَالَ : تُجْزِئُ عَنْ عَشَرَةٍ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَابْن خُزَيْمَة مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ فِي صَحِيحِهِ وَقَوَّاهُ وَاحْتَجَّ لَهُ اِبْن خُزَيْمَة بِحَدِيثِ رَافِع بْن خَدِيج \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشْرًا مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِير \" الْحَدِيث وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الشَّاةَ لَا يَصِحُّ الِاشْتِرَاك فِيهَا وَقَوْله \" أَوْ شَاة \" هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَرَوَاهُ الطَّبَرِيّ وَابْن أَبِي حَاتِم بِأَسَانِيدَ صَحِيحَة عَنْهُمْ وَرُوِيَا بِإِسْنَادٍ قَوِيّ عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ عَائِشَة وَابْن عُمَر أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ مَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ إِلَّا مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ. وَوَافَقَهُمَا الْقَاسِم وَطَائِفَة. قَالَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي \" الْأَحْكَامِ \" لَهُ : أَظُنُّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) فَذَهَبُوا إِلَى تَخْصِيص مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اِسْم الْبُدْنِ قَالَ : وَيَرُدُّ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى ( هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ) وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ فِي الظَّبْيِ شَاةً فَوَقَعَ عَلَيْهَا اِسْم هَدْي. قُلْت : قَدْ اِحْتَجَّ بِذَلِكَ اِبْن عَبَّاس فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح إِلَى عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : الْهَدْيُ شَاةٌ. فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ , قَالَ : أَنَا أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا تَقْوَوْنَ بِهِ مَا فِي الظَّبْيِ ؟ قَالُوا شَاة قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ( هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ). ‏ ‏قَوْله : ( وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ ) ‏ ‏قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره : تَفَرَّدَ النَّضْر بِقَوْلِهِ \" مُتْعَة \" وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ شُعْبَة رَوَاهُ عَنْهُ إِلَّا قَالَ \" عُمْرَة \" وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : قَالَ أَصْحَابُ شُعْبَة كُلّهمْ عُمْرَة إِلَّا النَّضْرَ فَقَالَ مُتْعَة. قُلْت : وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى هَذَا بِمَا عَلَّقَهُ بَعْدُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ آدَم وَوَهْب بْن جَرِير وَغُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَة عُمْرَة إِلَخْ ) ‏ ‏أَمَّا طَرِيق آدَم فَوَصَلَهَا عَنْهُ فِي \" بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ \" وَأَمَّا طَرِيق وَهْب بْن جَرِير فَوَصَلَهَا الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيم بْن مَرْزُوق عَنْ وَهْب وَأَمَّا طَرِيق غُنْدَر فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ عَنْهُ وَأَخْرَجَهَا مُسْلِم عَنْ أَبِي مُوسَى وَبُنْدَار كِلَاهُمَا عَنْ غُنْدَر. ‏"
    },
    {
        "id": "1576",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ‏ ‏ارْكَبْهَا فَقَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ فَقَالَ ارْكَبْهَا قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ ارْكَبْهَا وَيْلَكَ فِي الثَّالِثَةِ ‏ ‏أَوْ فِي الثَّانِيَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَعْرَجِ ) ‏ ‏لَمْ تَخْتَلِفْ الرُّوَاة عَنْ مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِيهِ وَرَوَاهُ اِبْن عُيَيْنَة عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فَقَالَ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَوْ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ مُوسَى بْن أَبِي عُثْمَان عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْهُ. وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِالْإسْنَادَيْنِ مُفَرَّقًا. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَى رَجُلًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ بَعْدَ طُولِ الْبَحْثِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَسُوقُ بَدَنَة ) ‏ ‏كَذَا فِي مُعْظَمِ الْأَحَادِيثِ وَوَقَعَ لِمُسْلِم مِنْ طَرِيق بُكَيْر بْن الْأَخْنَسِ عَنْ أَنَس \" مَرَّ بِبَدَنَة أَوْ هَدِيَّة \" وَلِأَبِي عَوَانَة مِنْ هَذَا الْوَجْهِ \" أَوْ هَدْي \" وَهُوَ مِمَّا يُوَضِّحُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْبَدَنَةِ مُجَرَّدَ مَدْلُولِهَا اللُّغَوِيِّ. وَلِمُسْلِم مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ \" بَيْنَا رَجُل يَسُوقُ بَدَنَة مُقَلَّدَة \" وَكَذَا فِي طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي \" بَاب تَقْلِيد الْبُدْن \" أَنَّهَا كَانَتْ مُقَلَّدَة نَعْلًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اِرْكَبْهَا ) ‏ ‏زَاد النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَة وَالْجَوْزَقِيّ مِنْ طَرِيق حُمَيْد عَنْ ثَابِت كِلَاهُمَا عَنْ أَنَس \" وَقَدْ جَهَدَهُ الْمَشْي \" وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَس \" حَافِيًا \" لَكِنَّهَا ضَعِيفَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَيْلَكَ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام عِنْد مُسْلِم \" وَيْلَكَ اِرْكَبْهَا وَيْلَكَ اِرْكَبْهَا \" وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق وَالثَّوْرِيّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَمِنْ طَرِيق عَجْلَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" اِرْكَبْهَا وَيْحَكَ. قَالَ : إِنَّهَا بَدَنَة. قَالَ : اِرْكَبْهَا وَيْحك \" زَادَ أَبُو يَعْلَى مِنْ رِوَايَة الْحَسَنِ \" فَرَكِبَهَا \" وَقَدْ قُلْنَا إِنَّهَا ضَعِيفَة لَكِنْ سَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَلَقَدْ رَأَيْته رَاكِبهَا يُسَايِرُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا \" وَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الطُّرُقِ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْبَدَنَة عَلَى الْوَاحِدَةِ مِنْ الْإِبِلِ الْمُهْدَاةِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَام وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد مَدْلُولهَا اللُّغَوِيّ لَمْ يَحْصُلْ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ إِنَّهَا بَدَنَة لِأَنَّ كَوْنَهَا مِنْ الْإِبِلِ مَعْلُوم فَالظَّاهِر أَنَّ الرَّجُلَ ظَنَّ أَنَّهُ خَفِيَ كَوْنُهَا هَدْيًا فَلِذَلِكَ قَالَ إِنَّهَا بَدَنَة وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمْ يَخْفَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِهَا كَانَتْ مُقَلَّدَة وَلِهَذَا قَالَ لَهُ لَمَّا زَادَ فِي مُرَاجَعَتِهِ \" وَيْلَكَ \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ رُكُوب الْهَدْي سَوَاء كَانَ وَاجِبًا أَوْ مُتَطَوِّعًا بِهِ ; لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَفْصِلْ صَاحِب الْهَدْيِ عَنْ ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ. وَأَصْرَحُ مِنْ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث عَلِيّ \" أَنَّهُ سُئِلَ : هَلْ يَرْكَبُ الرَّجُل هَدْيَهُ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ قَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُرُّ بِالرِّجَالِ يَمْشُونَ فَيَأْمُرُهُمْ يَرْكَبُونَ هَدْيَهُ \" أَيْ هَدْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِسْنَادُهُ صَالِحٌ. وَبِالْجَوَازِ مُطْلَقًا قَالَ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَنَسَبه اِبْن الْمُنْذِر لِأَحْمَد وَإِسْحَاق وَبِهِ قَالَ أَهْل الظَّاهِر وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيّ فِي \" الرَّوْضَةِ \" تَبَعًا لِأَصْلِهِ فِي الضَّحَايَا وَنَقَلَهُ فِي \" شَرْحِ الْمُهَذَّبِ \" عَنْ الْقَفَّالِ وَالْمَاوَرْدِيّ وَنَقَلَ فِيهِ عَنْ أَبِي حَامِد وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيْرِهِمَا تَقْيِيده بِالْحَاجَةِ وَقَالَ الرُّويَانِيّ : تَجْوِيزُهُ بِغَيْر حَاجَة يُخَالِفُ النَّصّ وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَطْلَقَ اِبْن عَبْدِ الْبَرِّ كَرَاهَةَ رُكُوبِهَا بِغَيْر حَاجَة عَنْ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَأَكْثَر الْفُقَهَاءِ وَقَيَّدَهُ صَاحِب \" الْهِدَايَةِ \" مِنْ الْحَنَفِيَّةِ بِالِاضْطِرَارِ إِلَى ذَلِكَ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الشَّعْبِيِّ عِنْدَ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَلَفْظِهِ : لَا يَرْكَبُ الْهَدْيَ إِلَّا مَنْ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا. وَلَفْظُ الشَّافِعِيّ الَّذِي نَقَلَهُ اِبْن الْمُنْذِر وَتَرْجَمَ لَهُ الْبَيْهَقِيّ : يَرْكَبُ إِذَا اُضْطُرَّ رُكُوبًا غَيْرَ فَادِح. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ مَالِك : يَرْكَبُ لِلضَّرُورَةِ فَإِذَا اِسْتَرَاحَ نَزَلَ. وَمُقْتَضَى مَنْ قَيَّدَهُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مَنْ اِنْتَهَتْ ضَرُورَته لَا يَعُودُ إِلَى رُكُوبِهَا إِلَّا مِنْ ضَرُورَة أُخْرَى وَالدَّلِيلِ عَلَى اِعْتِبَارِ هَذِهِ الْقُيُودِ الثَّلَاثَةِ - وَهِيَ الِاضْطِرَارُ وَالرُّكُوبُ بِالْمَعْرُوفِ وَانْتِهَاء الرُّكُوبِ بِانْتِهَاءِ الضَّرُورَةِ - مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ جَابِر مَرْفُوعًا بِلَفْظ \" اِرْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا \" فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ غَيْرَهَا تَرَكَهَا وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ قَالَ : يَرْكَبُهَا إِذَا أَعْيَا قَدْرَ مَا يَسْتَرِيحُ عَلَى ظَهْرِهَا. وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَب خَامِس وَهُوَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا نَقَلَهُ اِبْن الْعَرَبِيِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَة وَشَنَّعَ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ الَّذِي نَقَلَهُ الطَّحَاوِيّ وَغَيْره الْجَوَاز بِقَدَرِ الْحَاجَةِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَمَعَ ذَلِكَ يَضْمَنُ مَا نَقَصَ مِنْهَا بِرُكُوبِهِ. وَضَمَان النَّقْص وَافَقَ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةَ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ كَالنَّذْرِ. وَمَذْهَب سَادِس وَهُوَ وُجُوب ذَلِكَ نَقَلَهُ اِبْن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِ أَهْل الظَّاهِر تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَلِمُخَالَفَة مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَة وَرَدَّهُ بِأَنْ الَّذِينَ سَاقُوا الْهَدْيَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا كَثِيرًا وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِذَلِكَ اِنْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث عَلِيّ وَلَهُ شَاهِد مُرْسَلٌ عِنْدَ سَعِيد بْن مَنْصُور بِإِسْنَاد صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي \" الْمَرَاسِيل \" عَنْ عَطَاء \" كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَدَنَةِ إِذَا اِحْتَاجَ إِلَيْهَا سَيِّدُهَا أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا وَيَرْكَبَهَا غَيْرَ مُنْهِكِهَا. قُلْت : مَاذَا ؟ قَالَ : الرَّاجِلُ وَالْمُتَيِّعُ الْيَسِير فَإِنْ نَتَجَتْ حَمَلَ عَلَيْهَا وَلَدهَا \" وَلَا يَمْتَنِعُ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى إِنْقَاذ مُهْجَة إِنْسَان مِنْ الْهَلَاكِ. وَاخْتَلَفَ الْمُجِيزُونَ هَلْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ ؟ فَمَنَعَهُ مَالِك وَأَجَازَهُ الْجُمْهُورُ. وَهَلْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا غَيْرَهُ ؟ أَجَازَهُ الْجُمْهُورُ أَيْضًا عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ. وَنَقَلَ عِيَاض الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْجِرُهَا. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ فِي \" اِخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ \" : قَالَ أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيّ إِنْ اِحْتَلَبَ مِنْهَا شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ. فَإِنْ أَكَلَهُ تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ وَيَرْكَبُ إِذَا اِحْتَاجَ فَإِنَّ نَقَصَهُ ذَلِكَ ضَمِنَ. وَقَالَ مَالِك : لَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهِ فَإِنْ شَرِبَ لَمْ يَغْرَمْ. وَلَا يَرْكَبُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ فَإِنْ رَكِبَ لَمْ يَغْرَمْ. وَقَالَ الثَّوْرِيّ : لَا يَرْكَبُ إِلَّا إِذَا اُضْطُرَّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيْلَكَ ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَالَهَا لَهُ تَأْدِيبًا لِأَجْلِ مُرَاجَعَتِهِ لَهُ مَعَ عَدَمِ خَفَاءِ الْحَالِ عَلَيْهِ وَبِهَذَا جَزَمَ اِبْن عَبْدِ الْبَرِّ وَابْن الْعَرَبِيِّ وَبَالَغَ حَتَّى قَالَ : الْوَيْلُ لِمَنْ رَاجَعَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا قَالَ : وَلَوْلَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِشْتَرَطَ عَلَى رَبِّهِ مَا اِشْتَرَطَ لَهَلَكَ ذَلِكَ الرَّجُلُ لَا مَحَالَةَ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فُهِمَ عَنْهُ أَنَّهُ يَتْرُكُ رُكُوبَهَا عَلَى عَادَة الْجَاهِلِيَّة فِي السَّائِبَةِ وَغَيْرهَا فَزَجَرَهُ عَنْ ذَلِكَ فَعَلَى الْحَالَتَيْنِ هِيَ إِنْشَاءٌ. وَرَجَّحَهُ عِيَاض وَغَيْره قَالُوا : وَالْأَمْرُ هُنَا وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لِلْإِرْشَادِ لَكِنَّهُ اِسْتَحَقَّ الذَّمَّ بِتَوَقُّفِهِ عَلَى اِمْتِثَال الْأَمْر. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مَا تَرَكَ الِامْتِثَالَ عِنَادًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ظَنّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ غُرْمٌ بِرُكُوبِهَا أَوْ إِثْمٌ وَأَنَّ الْإِذْنَ الصَّادِرَ لَهُ بِرُكُوبِهَا إِنَّمَا هُوَ لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِ فَتَوَقَّفَ فَلَمَّا أَغْلَظَ إِلَيْهِ بَادَرَ إِلَى الِامْتِثَالِ. وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ أَشْرَفَ عَلَى هَلَكَةٍ مِنْ الْجَهْدِ. وَوَيْل كَلِمَة تُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَة فَالْمَعْنَى أَشْرَفْتَ عَلَى الْهَلَكَةِ فَارْكَبْ فَعَلَى هَذَا هِيَ إِخْبَار وَقِيلَ هِيَ كَلِمَة تَدْعَمُ بِهَا الْعَرَبُ كَلَامَهَا وَلَا تَقْصِدُ مَعْنَاهَا كَقَوْلِهِ لَا أُمَّ لَك وَيُقَوِّيه مَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظ \" وَيْحَكَ \" بَدَلَ وَيْلَكَ قَالَ الْهَرَوِيّ : وَيْل يُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَة يَسْتَحِقُّهَا وَوَيْح لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَة لَا يَسْتَحِقُّهَا. وَفِي الْحَدِيثِ تَكْرِير الْفَتْوَى وَالنَّدْب إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى اِمْتِثَالِ الْأَمْر وَزَجْر مَنْ لَمْ يُبَادِرْ إِلَى ذَلِكَ وَتَوْبِيخه وَجَوَاز مُسَايَرَة الْكِبَار فِي السَّفَرِ وَأَنَّ الْكَبِيرَ إِذَا رَأَى مَصْلَحَةً لِلصَّغِيرِ لَا يَأْنَفُ عَنْ إِرْشَادِهِ إِلَيْهَا وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمُصَنِّف جَوَاز اِنْتِفَاع الْوَاقِفِ بِوَقْفِهِ وَهُوَ مُوَافِق لِلْجُمْهُورِ فِي الْأَوْقَافِ الْعَامَّةِ أَمَّا الْخَاصَّةُ فَالْوَقْف عَلَى النَّفْسِ لَا يَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي مَكَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1577",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏وَشُعْبَةُ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ‏ ‏ارْكَبْهَا قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ ارْكَبْهَا قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ ارْكَبْهَا ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْجَعْد عَنْ شُعْبَة عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" سَمِعْت أَنَس بْن مَالِك \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِرْكَبْهَا ثَلَاثًا ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ مُخْتَصَرًا وَفِي رِوَايَة غَيْرِهِ قَالَ \" إِنَّهَا بَدَنَة قَالَ اِرْكَبْهَا. قَالَ إِنَّهَا بَدَنَة قَالَ اِرْكَبْهَا ثَلَاثًا \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو مُسْلِم الْكَجِّيُّ فِي السُّنَنِ عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \". وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي خَلِيفَة عَنْ مُسْلِم كَذَلِكَ لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ \" وَيْلَكَ \" بَدَلَ \" ثَلَاثًا \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَة عَنْ قَتَادَة \" فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ : اِرْكَبْهَا وَيْحَكَ أَوْ وَيْلَكَ \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَة \" قَالَ فِي الرَّابِعَةِ : اِرْكَبْهَا وَيْلَكَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1578",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ‏ ‏ذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏قَالَ لِلنَّاسِ ‏ ‏مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَبِالصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَطَافَ حِينَ قَدِمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ ثُمَّ ‏ ‏خَبَّ ‏ ‏ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعًا فَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ فَأَتَى ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏فَطَافَ ‏ ‏بِالصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏سَبْعَةَ أَطْوَافٍ ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَفَاضَ فَطَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ النَّاسِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي تَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُقَيْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ شُعَيْب بْن اللَّيْث عَنْ أَبِيهِ \" حَدَّثَنِي عُقَيْل \". ‏ ‏قَوْله : ( تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ) ‏ ‏قَالَ الْمُهَلَّب : مَعْنَاهُ أَمَرَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ عَلَى أَنَس قَوْله أَنَّهُ قَرَنَ وَيَقُولُ بَلْ كَانَ مُفْرِدًا وَأَمَّا قَوْلُهُ \" وَبَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ \" فَمَعْنَاهُ أَمَرَهُمْ بِالتَّمَتُّعِ وَهُوَ أَنْ يُهِلُّوا بِالْعُمْرَةِ أَوَّلًا وَيُقَدِّمُوهَا قَبْلَ الْحَجِّ قَالَ : وَلَا بُدّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِدَفْعِ التَّنَاقُضِ عَنْ اِبْن عُمَر. قُلْت : لَمْ يَتَعَيَّنْ هَذَا التَّأْوِيل الْمُتَعَسِّف وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُنِير فِي الْحَاشِيَةِ : إِنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ \" تَمَتَّعَ \" عَلَى مَعْنَى أَمَرَ مِنْ أَبْعَدِ التَّأْوِيلَاتِ وَالِاسْتِشْهَادُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ رَجَمَ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالرَّجْمِ مِنْ أَوْهَنِ الِاسْتِشْهَادَات لِأَنَّ الرَّجْمَ مِنْ وَظِيفَةِ الْإِمَامِ وَالَّذِي يَتَوَلَّاهُ إِنَّمَا يَتَوَلَّاهُ نِيَابَةً عَنْهُ وَأَمَّا أَعْمَال الْحَجّ مِنْ إِفْرَادٍ وَقِرَان وَتَمَتُّع فَإِنَّهُ وَظِيفَة كُلّ أَحَد عَنْ نَفْسِهِ. ثُمَّ أَجَازَ تَأْوِيلًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الرَّاوِيَ عَهِدَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا كَفِعْلِهِ لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ \" خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ \" فَلَمَّا تَحَقَّقَ أَنَّ النَّاسَ تَمَتَّعُوا ظَنّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَمَتَّعَ فَأَطْلَقَ ذَلِكَ. قُلْت : وَلَمْ يَتَعَيَّنْ هَذَا أَيْضًا بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ \" تَمَتَّعَ \" مَحْمُولًا عَلَى مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِإِسْقَاطِ عَمَلِ الْعُمْرَة وَالْخُرُوجِ إِلَى مِيقَاتِهَا وَغَيْرِهَا بَلْ قَالَ النَّوَوِيّ. أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُتَعَيِّنُ. قَالَ : وَقَوْلُهُ \" بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ \" أَيْ بِإِدْخَال الْعُمْرَة عَلَى الْحَجِّ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي \" بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ \" تَقْرِير هَذَا التَّأْوِيلِ وَإِنَّمَا الْمُشْكِلُ هُنَا قَوْله \" بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ \" لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ فِي هَذَا الْبَاب اِسْتَقَرَّ كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى أَنَّهُ بَدَأَ أَوَّلًا بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَة وَهَذَا بِالْعَكْسِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ صُورَةُ الْإِهْلَال أَيْ لَمَّا أَدْخَلَ الْعُمْرَة عَلَى الْحَجِّ لَبَّى بِهِمَا فَقَالَ : لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ مَعًا. وَهَذَا مُطَابِق لِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمِ لَكِنْ قَدْ أَنْكَرَ اِبْن عُمَر ذَلِكَ عَلَى أَنَس فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ إِنْكَار اِبْن عُمَر عَلَيْهِ كَوْنه أَطْلَقَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا أَيْ فِي اِبْتِدَاء الْأَمْر وَيُعَيِّنُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ \" وَتَمَتَّعَ النَّاسُ إِلَخْ \" فَإِنَّ الَّذِينَ تَمَتَّعُوا إِنَّمَا بَدَءُوا بِالْحَجِّ لَكِنْ فَسَخُوا حَجَّهُمْ إِلَى الْعُمْرَةِ حَتَّى حَلُّوا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ ثُمَّ حَجُّوا مِنْ عَامِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَاق مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْمِيقَاتِ وَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى سَوْقِ الْهَدْي مِنْ الْمَوَاقِيتِ وَمِنْ الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ وَهِيَ مِنْ السُّنَنِ الَّتِي أَغْفَلَهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي حَدِيث حَفْصَة فِي \" بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَيُقَصِّر ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَأَمَّا الْأَكْثَر فَعِنْدَهُمْ \" وَلْيُقَصِّرْ \" وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسْلِم قَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَفْعَلُ الطَّوَاف وَالسَّعْي وَالتَّقْصِير وَيَصِيرُ حَلَالًا وَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ أَوْ التَّقْصِيرَ نُسُك وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ اِسْتِبَاحَة مَحْظُور. قَالَ : وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالتَّقْصِيرِ دُونَ الْحَلْقِ مَعَ أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ لِيَبْقَى لَهُ شَعْر يَحْلِقُهُ فِي الْحَجِّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلْيَحْلِلْ ) ‏ ‏هُوَ أَمْرٌ مَعْنَاهُ الْخَبَرُ أَيْ قَدْ صَارَ حَلَالًا فَلَهُ فِعْلُ كُلِّ مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ فِي الْإِحْرَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا عَلَى الْإِبَاحَةِ لِفِعْل مَا كَانَ عَلَيْهِ حَرَامًا قَبْلَ الْإِحْرَامِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ لِيُهِلّ بِالْحَجِّ ) ‏ ‏أَيْ يُحْرِمُ وَقْتَ خُرُوجِهِ إِلَى عَرَفَة وَلِهَذَا أَتَى بِثُمَّ الدَّالَّةِ عَلَى التَّرَاخِي فَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ عَقِبَ إِهْلَالِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلْيُهْدِ ) ‏ ‏أَيْ هَدْيَ التَّمَتُّع وَهُوَ وَاجِب بِشُرُوطِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَجِّ ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْي بِذَلِكَ الْمَكَانِ وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِأَنْ يَعْدَمَ الْهَدْي أَوْ يَعْدَمَ ثَمَنه حِينَئِذ أَوْ يَجِدَ ثَمَنه لَكِنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِأَهَمّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يَجِدَهُ لَكِنْ يَمْتَنِعُ صَاحِبُهُ مِنْ بَيْعِهِ أَوْ يَمْتَنِعُ مِنْ بَيْعِهِ إِلَّا بِغَلَائِهِ فَيَنْقُلُ إِلَى الصَّوْم كَمَا هُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" فِي الْحَجِّ \" أَيْ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهِ وَقَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ فَإِنْ صَامَهَا قَبْلَ الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ أَجْزَأَهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَأَمَّا قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ قَالَهُ مَالِكٌ وَجَوَّزَهُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَاب الرَّأْيِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَمَنْ اِسْتَحَبَّ صِيَام عَرَفَة بِعَرَفَة قَالَ : يُحْرِمُ يَوْمَ السَّابِع لِيَصُومَ السَّابِع وَالثَّامِن وَالتَّاسِع وَإِلَّا فَيُحْرِمُ يَوْمَ السَّادِس لِيُفْطِر بِعَرَفَة فَإِنْ فَاتَهُ الصَّوْم قَضَاهُ وَقِيلَ يَسْقُطُ وَيَسْتَقِرُّ الْهَدْي فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ. وَفِي صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِهَذَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ أَظْهَرُهُمَا لَا يَجُوزُ قَالَ النَّوَوِيّ : وَأَصَحُّهُمَا مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ الْجَوَازُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ خَبَّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب اِسْتِلَام الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ \" وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى السَّعْيِ فِي بَابِهِ ‏ ‏وَقَوْله ( ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا عَمَل آخَرُ لَكِنْ فِي حَدِيثِ جَابِر الطَّوِيلِ فِي صِفَة الْحَجَّ عِنْد مُسْلِم \" ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءِ حَرُمَ مِنْهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّ سَبَبَ عَدَم إِحْلَالِهِ كَوْنُهُ سَاق الْهَدْي وَإِلَّا لَكَانَ يَفْسَخُ الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَةِ وَيَتَحَلَّلُ مِنْهَا كَمَا أَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّحَلُّلَ لَا يَقَعُ بِمُجَرَّدِ طَوَاف الْقُدُوم خِلَافًا لِابْن عَبَّاس وَهُوَ وَاضِح وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ ( وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ ) ‏ ‏إِشَارَة إِلَى عَدَمِ خُصُوصِيَّتِهِ بِذَلِكَ وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ طَوَاف الْقُدُوم لِلْقَارِنِ وَالرَّمَلِ فِيهِ إِنْ عَقَّبَهُ بِالسَّعْيِ , وَتَسْمِيَة السَّعْيِ طَوَافًا , وَطَوَاف الْإِفَاضَة يَوْمَ النَّحْرِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ لَيْسَ بِرُكْن وَلَيْسَ بِوَاضِح لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ ذِكْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا يَكُونَ وَقَعَ بَلْ هُوَ دَاخِل فِي عُمُوم قَوْلِهِ \" حَتَّى قَضَى حَجَّهُ \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ بَيْنَ قَوْلِهِ \" وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَبَيْنَ قَوْلِهِ \" مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ النَّاسِ \" فِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْتِ لَفْظُ \" بَاب \" وَقَالَ \" فِيهِ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة إِلَخْ \" وَهُوَ خَطَأٌ شَنِيع فَإِنَّ قَوْلَهُ \" مَنْ أَهْدَى \" فَاعِلُ قَوْله \" وَفَعَلَ \" فَالْفَصْل بَيْنَهُمَا بِلَفْظ بَاب خَطَأ وَيَصِيرُ فَاعِلُ فَعَلَ مَحْذُوفًا , وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيّ فَشَرَحَهُ عَلَى أَنَّ فَاعِلَ فَعَلَ هُوَ اِبْن عُمَر رَاوِي الْخَبَرِ وَأَمَّا أَبُو نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" فَسَاقَ الْحَدِيث بِتَمَامِهِ إِلَخْ ثُمَّ أَعَادَ هَذَا اللَّفْظَ بِتَرْجَمَة مُسْتَقِلَّة وَسَاق حَدِيث عَائِشَة بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ وَقَالَ فِي كُلّ مِنْهُمَا \" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر \" وَهَذَا غَرِيب وَالْأَصْوَب مَا رَوَاهُ الْأَكْثَر وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِّي عَنْ أَبِي ذَرٍّ بَعْدَ قَوْلِهِ \" مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَاصِلَةٌ صُورَتُهَا (. ) وَبَعْدَهَا \" مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ النَّاسِ \" وَعَنْ عُرْوَة أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ. قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ : أَمَرَنَا أَبُو ذَرٍّ أَنَّ نَضْرِبَ عَلَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ يَعْنِي قَوْلَهُ \" مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ \" اِنْتَهَى. وَهُوَ عَجِيب مِنْ أَبِي الْوَلِيدِ وَمِنْ شَيْخِهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ \" مَنْ أَهْدَى \" هُوَ صِفَة لِقَوْلِهِ \" وَفَعَلَ \" وَلَكِنَّهُمَا ظَنَّا أَنَّهَا تَرْجَمَة فَحَكَمَا عَلَيْهَا بِالْوَهْمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة شُعَيْب فَسَاق حَدِيث اِبْن عُمَر إِلَى قَوْلِهِ \" مِنْ النَّاسِ \" ثُمَّ أَعَادَ الْإِسْنَادَ بِعَيْنِهِ إِلَى عَائِشَة قَالَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَمَتُّعِهِ بِالْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ \" وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِم عَنْ عَبْد اللَّه \" وَقَدْ تَعَقَّبَ الْمُهَلَّبُ قَوْلَ الزُّهْرِيِّ \" بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِم \" فَقَالَ : يَعْنِي مِثْلَهُ فِي الْوَهْمِ لِأَنَّ أَحَادِيثَ عَائِشَة كُلَّهَا شَاهِدَةٌ بِأَنَّهُ حَجَّ مُفْرِدًا. قُلْت : وَلَيْسَ وَهْمًا إِذْ لَا 7مَانِعَ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِمِثْلِ مَا جَمَعْنَا بِهِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِ عَنْ اِبْن عُمَرَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَاد بِالْإِفْرَادِ فِي حَدِيثِهَا الْبُدَاءَة بِالْحَجِّ وَبِالتَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِدْخَالهَا عَلَى الْحَجِّ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَوْهِيم جَبَل مِنْ جِبَال الْحِفْظ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1579",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏لِأَبِيهِ ‏ ‏أَقِمْ فَإِنِّي لَا آمَنُهَا أَنْ سَتُصَدُّ عَنْ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذًا أَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ‏ { ‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ‏} ‏فَأَنَا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَى نَفْسِي الْعُمْرَةَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الدَّارِ قَالَ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ ‏ ‏بِالْبَيْدَاءِ ‏ ‏أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَقَالَ مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ ثُمَّ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنْ ‏ ‏قُدَيْدٍ ‏ ‏ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا فَلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَإِنِّي لَا آمَنُهَا ) ‏ ‏بِالْمَدِّ وَفَتْح الْمِيمِ الْخَفِيفَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب طَوَاف الْقَارِن \" بِلَفْظِ \" لَا آمَنُ \" وَالْهَاءُ هُنَا ضَمِير الْفِتْنَة أَيْ لَا آمَنُ الْفِتْنَة أَنْ تَكُونَ سَبَبًا فِي صَدِّك عَنْ الْبَيْتِ وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي \" بَاب الْمُحْصَر \" مَعَ بَقِيَّةِ الْكَلَام عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ هُنَا \" لَا أَيْمَنُهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطه وَشَرْحه فِي \" بَاب طَوَاف الْقَارِن \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تُصَدَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" أَنْ سَتُصَدَّ \" ‏ ‏قَوْله : ( فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ) ‏ ‏زَاد فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ \" مِنْ الدَّارِ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ أَبِي النُّعْمَان شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَاز الْإِحْرَامِ مِنْ قَبْلِ الْمِيقَاتِ وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ اِخْتِلَاف : فَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر الْإِجْمَاع عَلَى الْجَوَازِ ثُمَّ قِيلَ هُوَ أَفْضَل مِنْ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَقِيلَ دُونَهُ وَقِيل مِثْله وَقِيلَ مَنْ كَانَ لَهُ مِيقَات مُعَيَّن فَهُوَ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَمِنْ دَارِهِ وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي أَرْجَحِيَّة الْمِيقَات عَنْ الدَّارِ اِخْتِلَاف وَقَالَ الرَّافِعِيّ يُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ أَنَّ مَنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ أَرْجَح فِي حَقِّهِ وَإِلَّا فَمِنَ الْمِيقَات أَفْضَل وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل الْمُصَنِّف \" وَكَرِهَ عُثْمَان أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ \" فِي \" بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" حَتَّى أَحَلَّ \" بِزِيَادَة أَلِفٍ وَالْحَاء مَفْتُوحَة وَهِيَ لُغَةٌ شَهِيرَة يُقَالُ : حَلّ وَأَحَلَّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1580",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ‏ ‏وَمَرْوَانَ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَمَنَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا كَانُوا ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏قَلَّدَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْهَدْيَ وَأَشْعَرَ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( زَمَن الْحُدَيْبِيَة ) ‏ ‏وَقْع عِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ الْمَدِينَةِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1581",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَفْلَحُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏فَتَلْتُ ‏ ‏قَلَائِدَ ‏ ‏بُدْنِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدَيَّ ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا وَأَهْدَاهَا فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ أُحِلَّ لَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1582",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ قَالَ ‏ ‏إِنِّي ‏ ‏لَبَّدْتُ ‏ ‏رَأْسِي ‏ ‏وَقَلَّدْتُ ‏ ‏هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنْ الْحَجِّ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1583",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُهْدِي مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَأَفْتِلُ ‏ ‏قَلَائِدَ ‏ ‏هَدْيِهِ ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1584",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏فَتَلْتُ ‏ ‏قَلَائِدَ ‏ ‏هَدْيِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا أَوْ قَلَّدْتُهَا ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏وَأَقَامَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلٌّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا \" الْحَدِيث فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْإِشْعَار وَهُوَ أَنْ يَكْشِطَ جِلْد الْبَدَنَة حَتَّى يَسِيلَ دَمٌ ثُمَّ يَسْلِتُهُ فَيَكُونَ ذَلِكَ عَلَامَة عَلَى كَوْنِهَا هَدْيًا وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُور مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيّ فِي \" اِخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ \" كَرَاهَته عَنْ أَبِي حَنِيفَة وَذَهَب غَيْره إِلَى اِسْتِحْبَابِهِ لِلِاتِّبَاعِ حَتَّى صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد فَقَالَا : هُوَ حَسَن. قَالَ وَقَالَ مَالِك : يَخْتَصُّ الْإِشْعَار بِمَنْ لَهَا سَنَام قَالَ الطَّحَاوِيّ : ثَبَتَ عَنْ عَائِشَة وَابْن عَبَّاس التَّخْيِير فِي الْإِشْعَارِ وَتَرْكِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنُسُك لَكِنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوه لِثُبُوتِ فِعْلِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ وَغَيْرُهُ : اِعْتِلَال مَنْ كَرِهَ الْإِشْعَار بِأَنَّهُ مِنْ الْمُثْلَةِ مَرْدُود بَلْ هُوَ بَاب آخَرُ كَالْكَيِّ وَشَقّ أُذُن الْحَيَوَانِ لِيَصِير عَلَامَة وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْوَسْمِ. وَكَالْخِتَانِ وَالْحِجَامَةِ وَشَفَقَة الْإِنْسَانِ عَلَى الْمَالِ عَادَة فَلَا يُخْشَى مَا تَوَهَّمُوهُ مِنْ سَرَيَان الْجُرْح حَتَّى يُفْضِيَ إِلَى الْهَلَاكِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمَلْحُوظُ لَقَيَّدَهُ الَّذِي كَرِهَهُ بِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ : الْإِشْعَارُ الَّذِي يُفْضِي بِالْجُرْحِ إِلَى السِّرَايَةِ حَتَّى تَهْلِكَ الْبَدَنَة مَكْرُوه فَكَانَ قَرِيبًا. وَقَدْ كَثُرَ تَشْنِيع الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى أَبِي حَنِيفَة فِي إِطْلَاقِهِ كَرَاهَةَ الْإِشْعَارِ وَانْتَصَرَ لَهُ الطَّحَاوِيّ فِي \" الْمَعَانِي \" فَقَالَ : لَمْ يَكْرَهْ أَبُو حَنِيفَة أَصْلَ الْإِشْعَارِ وَإِنَّمَا كَرِهَ مَا يُفْعَلُ عَلَى وَجْهٍ يُخَافُ مِنْهُ هَلَاك الْبُدْن كَسِرَايَة الْجُرْح وَلَا سِيَّمَا مَعَ الطَّعْنِ بِالشَّفْرَةِ فَأَرَادَ سَدَّ الْبَاب عَنْ الْعَامَّةِ لِأَنَّهُمْ لَا يُرَاعُونَ الْحَدّ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَارِفًا بِالسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ فَلَا. وَفِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَلَى الْخَطَّابِيِّ حَيْثُ قَالَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَ الْإِشْعَار إِلَّا أَبَا حَنِيفَة وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فَقَالَا بِقَوْلِ الْجَمَاعَةِ اِنْتَهَى. وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَيْضًا أَنَّهُ كَرِهَ الْإِشْعَار ذَكَرَ ذَلِكَ التِّرْمِذِيّ قَالَ : سَمِعَتْ أَبَا السَّائِبِ يَقُولُ كُنَّا عِنْد وَكِيع فَقَالَ لَهُ رَجُل : رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّهُ قَالَ الْإِشْعَارُ مُثْلَةٌ فَقَالَ لَهُ وَكِيع : أَقُولُ لَك أَشْعَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُ قَالَ إِبْرَاهِيم ؟ مَا أَحَقَّك بِأَنْ تُحْبَسَ اِنْتَهَى. وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى اِبْنِ حَزْم فِي زَعْمِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَبِي حَنِيفَة فِي ذَلِكَ سَلَفٌ. وَقَدْ بَالَغَ اِبْن حَزْم فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَيَتَعَيَّنُ الرُّجُوع إِلَى مَا قَالَ الطَّحَاوِيّ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِ بِأَقْوَالِ أَصْحَابِهِ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اِتَّفَقَ مَنْ قَالَ بِالْإِشْعَارِ بِإِلْحَاق الْبَقَر فِي ذَلِكَ بِالْإِبِلِ إِلَّا سَعِيد بْن جُبَيْر. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْغَنَمَ لَا تُشْعَرُ لِضَعْفِهَا وَلَكِنَّ صُوفَهَا أَوْ شَعْرَهَا يَسْتُرُ مَوْضِع الْإِشْعَارِ وَأَمَّا عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ مَالِك فَلِكَوْنِهَا لَيْسَتْ ذَاتَ أَسْنِمَة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1585",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏كَتَبَ إِلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ قَالَتْ ‏ ‏عَمْرَةُ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏لَيْسَ كَمَا قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَا فَتَلْتُ ‏ ‏قَلَائِدَ ‏ ‏هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدَيَّ ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدَيْهِ ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن عَمْرو بْن حَزْم ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ \" عَمْرو \" مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ. وَعَمْرَة هِيَ خَالَةُ عَبْد اللَّه الرَّاوِي عَنْهَا وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ زِيَاد بْن أَبِي سُفْيَان ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي \" الْمُوَطَّإِ \" وَكَأَنَّ شَيْخ مَالِك حَدَّثَ بِهِ كَذَلِكَ فِي زَمَن بَنِي أُمَيَّة وَأَمَّا بَعْدَهُمْ فَمَا كَانَ يُقَالُ لَهُ إِلَّا زِيَاد اِبْن أَبِيهِ وَقَبْلَ اِسْتِلْحَاق مُعَاوِيَة لَهُ كَانَ يُقَالُ لَهُ زِيَاد بْن عُبَيْد وَكَانَتْ أُمّه سُمَيَّة مَوْلَاة الْحَارِث بْن كَلَدَة الثَّقَفِيّ تَحْتَ عُبَيْدٍ الْمَذْكُورِ فَوَلَدَتْ زِيَادًا عَلَى فِرَاشِهِ فَكَانَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَة شَهِدَ جَمَاعَة عَلَى إِقْرَار أَبِي سُفْيَان بِأَنَّ زِيَادًا وَلَدَهُ فَاسْتَلْحَقَهُ مُعَاوِيَة لِذَلِكَ وَزَوَّجَ اِبْنَهُ اِبْنَته وَأَمَّرَ زِيَادًا عَلَى الْعِرَاقَيْنِ الْبَصْرَة وَالْكُوفَة جَمَعَهُمَا لَهُ وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَة سَنَةَ ثَلَاث وَخَمْسِينَ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى عَنْ مَالِك فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" أَنَّ اِبْن زِيَاد \" بَدَلَ قَوْلِهِ \" أَنَّ زِيَاد بْن أَبِي سُفْيَان \" وَهُوَ وَهْم نَبَّهَ عَلَيْهِ الْغَسَّانِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ قَالَ النَّوَوِيّ وَجَمِيع مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى صَحِيح مُسْلِم : وَالصَّوَابُ مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ وَهُوَ الْمَوْجُودُ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاة الْمُوَطَّإِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ ) ‏ ‏زَاد مُسْلِم فِي رِوَايَتِهِ \" وَقَدْ بَعَثْتُ بِهَدْيِي فَاكْتُبِي إِلَيَّ بِأَمْرِك \" زَاد الطَّحَاوِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْنِ وَهْب عَنْ مَالِك \" أَوْ مُرِي صَاحِبَ الْهَدْيِ \" أَيْ الَّذِي مَعَهُ الْهَدْي أَيْ بِمَا يَصْنَعُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ عَمْرَة ) ‏ ‏هُوَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ. وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ عَنْ عَائِشَة الْقَاسِمُ وَعُرْوَة كَمَا مَضَى قَرِيبًا مُخْتَصَرًا وَرَوَاهُ عَنْهَا أَيْضًا مَسْرُوق وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ مُخْتَصَرًا وَأَوْرَدَهُ فِي الضَّحَايَا مُطَوَّلًا وَتَرْجَمَ هُنَاكَ عَلَى حُكْمِ مَنْ أَهْدَى وَأَقَامَ هَلْ يَصِيرُ مُحْرِمًا أَوْ لَا ؟ وَلَمْ يُتَرْجِمْ بِهِ هُنَاكَ وَلَفْظه هُنَاكَ \" عَنْ مَسْرُوق أَنَّهُ قَالَ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَجُلًا يَبْعَثُ بِالْهَدْي إِلَى الْكَعْبَةِ وَيَجْلِسُ فِي الْمِصْرِ فَيُوصِي أَنْ تُقَلَّدَ بَدَنَتُهُ فَلَا يَزَالُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ مُحْرِمًا حَتَّى يَحِلَّ النَّاسُ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث نَحْوَهُ. وَلَفْظُ الطَّحَاوِيّ فِي حَدِيث مَسْرُوق \" قَالَ قُلْت لِعَائِشَة : إِنَّ رِجَالًا هَاهُنَا يَبْعَثُونَ بِالْهَدْي إِلَى الْبَيْتِ وَيَأْمُرُونَ الَّذِي يَبْعَثُونَ مَعَهُ بِمُعَلِّم لَهُمْ يُقَلِّدُهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَا يَزَالُونَ مُحْرِمِينَ حَتَّى يَحِلَّ النَّاس \" الْحَدِيث. وَقَالَ سَعِيد بْن مَنْصُور \" حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد حَدَّثَنَا مُحَدِّث عَنْ عَائِشَة وَقِيلَ لَهَا إِنَّ زِيَادًا إِذَا بَعَثَ بِالْهَدْي أَمْسَكَ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِم حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ فَقَالَتْ عَائِشَة : أَوَ لَهُ كَنَبَةٌ يَطُوفُ بِهَا \". قَالَ \" وَحَدَّثَنَا يَعْقُوب حَدَّثَنَا هِشَام عَنْ أَبِيهِ بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ زِيَادًا بَعَثَ بِالْهَدْي وَتَجَرَّدَ فَقَالَتْ إِنْ كُنْت لَأَفْتِل قَلَائِد هَدْي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا وَهُوَ مُقِيم عِنْدَنَا مَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا \" وَرَوَى مَالِك فِي الْمُوَطَّإِ \" عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ عَنْ رَبِيعَة بْن عَبْد اللَّه بْن الْهَدِير أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا مُتَجَرِّدًا بِالْعِرَاقِ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا إِنَّهُ أَمَرَ بِهَدْيِهِ أَنْ يُقَلَّدَ قَالَ رَبِيعَة : فَلَقِيتُ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ : بِدْعَة وَرَبّ الْكَعْبَةِ \" وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة \" عَنْ الثَّقَفِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم أَنَّ رَبِيعَة أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى اِبْن عَبَّاس وَهُوَ أَمِير عَلَى الْبَصْرَةِ فِي زَمَان عَلِيّ مُتَجَرِّدًا عَلَى مِنْبَر الْبَصْرَة \" فَذَكَرَهُ فَعُرِفَ بِهَذَا اِسْم الْمُبْهَمِ فِي رِوَايَة مَالِك. قَالَ ابْنُ التِّينِ : خَالَفَ اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا جَمِيعَ الْفُقَهَاءِ وَاحْتَجَّتْ عَائِشَة بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا رَوَتْهُ فِي ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ وَلَعَلَّ اِبْن عَبَّاس رَجَعَ عَنْهُ اِنْتَهَى. وَفِيهِ قُصُور شَدِيد فَإِنَّ اِبْن عَبَّاس لَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ بَلْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ اِبْن عُمَر رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عُلَيَّة عَنْ أَيُّوبَ , وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ اِبْن جُرَيْج كِلَاهُمَا عَنْ نَافِع \" أَنَّ اِبْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا بَعَثَ بِالْهَدْي يُمْسِكُ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِم إِلَّا أَنَّهُ لَا يُلَبِّي \" وَمِنْهُمْ قَيْس بْن سَعْد بْن عُبَادَة أَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ عَنْهُ نَحْوَ ذَلِكَ وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن عَنْ عُمَر وَعَلِيّ أَنَّهُمَا قَالَا فِي الرَّجُلِ يُرْسِلُ بِبَدَنَتِهِ \" أَنَّهُ يُمْسِكُ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِم \" وَهَذَا مُنْقَطِع. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِر \" قَالَ عُمَر وَعَلِيّ وَقَيْس بْن سَعْد وَابْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَالنَّخَعِيّ وَعَطَاء وَابْن سِيرِينَ وَآخَرُونَ : مَنْ أَرْسَلَ الْهَدْيَ وَأَقَامَ حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُود وَعَائِشَة وَأَنَس وَابْن الزُّبَيْر وَآخَرُونَ : لَا يَصِيرُ بِذَلِكَ مُحْرِمًا وَإِلَى ذَلِكَ صَارَ فُقَهَاء الْأَمْصَارِ وَمِنْ حُجَّةِ الْأَوَّلِينَ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَغَيْره مِنْ طَرِيقِ عَبْد الْمَلِك بْن جَابِر عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" كُنْت جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدَّ قَمِيصَهُ مِنْ جَيْبِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ رِجْلَيْهِ وَقَالَ : إِنِّي أَمَرْت بِبُدْنِي الَّتِي بَعَثْتُ بِهَا أَنْ تُقَلَّدَ الْيَوْمَ وَتُشْعَرَ عَلَى مَكَانِ كَذَا فَلَبِسْتُ قَمِيصِي وَنَسِيتُ فَلَمْ أَكُنْ لِأُخْرِجَ قَمِيصِي مِنْ رَأْسِي \" الْحَدِيثَ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ إِلَّا أَنَّ نِسْبَةَ اِبْن عَبَّاس إِلَى التَّفَرُّدِ بِذَلِكَ خَطَأ. وَقَدْ ذَهَبَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب إِلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِم إِلَّا الْجِمَاع لَيْلَةَ جَمْعٍ رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ بِإِسْنَاد صَحِيح. نَعَمْ جَاءَ عَنْ الزُّهْرِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ اِسْتَقَرَّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاس فَفِي نُسْخَة أَبِي الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْب عَنْهُ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ \" أَوَّل مَنْ كَشَفَ الْعَمَى عَنْ النَّاسِ وَبَيَّنَ لَهُمْ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ عَائِشَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث عَنْ عُرْوَة وَعَمْرَة عَنْهَا قَالَ \" فَلَمَّا بَلَغَ النَّاسَ قَوْلُ عَائِشَة أَخَذُوا بِهِ وَتَرَكُوا فَتْوَى اِبْن عَبَّاس \" وَذَهَب جَمَاعَة مِنْ فُقَهَاءِ الْفَتْوَى إِلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ النُّسُك صَارَ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِهِ الْهَدْي مُحْرِمًا حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق قَالَ وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْيِ : مَنْ سَاق الْهَدْي وَأَمَّ الْبَيْت ثُمَّ قَلَّدَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ , قَالَ : وَقَالَ الْجُمْهُور : لَا يَصِيرُ بِتَقْلِيد الْهَدْي مُحْرِمًا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْء. وَنَقَلَ الْخَطَّابِيّ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ مِثْلَ قَوْلِ اِبْن عَبَّاس وَهُوَ خَطَأٌ عَلَيْهِمْ فالطَّحَاوِيّ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْهُ. وَلَعَلَّ الْخَطَّابِيَّ ظَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( بِيَدِي ) ‏ ‏فِيهِ رَفْعُ مَجَاز أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ أَنَّهَا فَتَلَتْ بِأَمْرِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( مَعَ أَبِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْر الْمُوَحَّدَة الْخَفِيفَة تُرِيدُ بِذَلِكَ أَبَاهَا أَبَا بَكْر الصَّدِيق. وَاسْتُفِيدَ مِنْ ذَلِكَ وَقْتُ الْبَعْثِ وَأَنَّهُ كَانَ فِي سَنَة تِسْع عَام حَجَّ أَبُو بَكْر بِالنَّاسِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ : أَرَادَتْ عَائِشَةُ بِذَلِكَ عِلْمَهَا بِجَمِيعِ الْقِصَّةِ وَيَحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ أَنَّهُ آخِرُ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ حَجَّ فِي الْعَامِ الَّذِي يَلِيه حَجَّة الْوَدَاعِ لِئَلَّا يَظُنُّ ظَانّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ فَأَرَادَتْ إِزَالَةَ هَذَا اللَّبْسِ وَأَكْمَلَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا \" فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شَيْء كَانَ لَهُ حِلًّا حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ \" أَيْ وَانْقَضَى أَمْرُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ وَتَرْكُ إِحْرَامه بَعْدَ ذَلِكَ أَحْرَى وَأَوْلَى لِأَنَّهُ إِذَا اِنْتَفَى فِي وَقْتِ الشُّبْهَةِ فَلَأَنْ يَنْتَفِيَ عِنْدَ اِنْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ أَوْلَى. وَحَاصِلُ اِعْتِرَاضِ عَائِشَة عَلَى اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى مَا أَفْتَى بِهِ قِيَاسًا لِلتَّوْلِيَةِ فِي أَمْرِ الْهَدْيِ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ لَهُ فَبَيَّنَتْ عَائِشَة أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ لَا اِعْتِبَارَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ السُّنَّةِ الظَّاهِرَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ : تَنَاوُل الْكَبِيرِ الشَّيْء بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْ يَكْفِيه إِذَا كَانَ مِمَّا يُهْتَمُّ بِهِ وَلَا سِيَّمَا مَا كَانَ مِنْ إِقَامَةِ الشَّرَائِعِ وَأُمُور الدِّيَانَةِ. وَفِيهِ تَعَقُّبُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ عَلَى بَعْضٍ , وَرَدُّ الِاجْتِهَاد بِالنَّصِّ وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي أَفْعَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّأَسِّي بِهِ حَتَّى تَثْبُتَ الْخُصُوصِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "1586",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَهْدَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرَّةً غَنَمًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1587",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏أَفْتِلُ ‏ ‏الْقَلَائِدَ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ وَيُقِيمُ فِي أَهْلِهِ حَلَالًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد وَإِنَّمَا أَرْدَفَ الْبُخَارِيّ بِطَرِيقِهِ طَرِيق أَبِي نُعَيْمٍ مَعَ أَنَّ طَرِيقَ أَبِي نُعَيْمٍ عِنْدَهُ أَعْلَى دَرَجَة لِتَصْرِيحِ الْأَعْمَشِ بِالتَّحْدِيثِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد مَعَ أَنَّ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد زِيَادَة التَّقْلِيدِ وَزِيَادَة إِقَامَتِهِ فِي أَهْلِهِ حَلَالًا. ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِرِوَايَة مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيمَ اِسْتِظْهَارًا لِرِوَايَة عَبْد الْوَاحِد لِمَا فِي حِفْظِ عَبْد الْوَاحِد عِنْدَهُمْ وَإِنْ كَانَ هُوَ عِنْدَهُ حُجَّة وَأَمَّا إِرْدَافُهُ بِرِوَايَة مَسْرُوق مَعَ أَنَّهُ لَا تَصْرِيحَ فِيهَا بِكَوْن الْقَلَائِد لِلْغَنَمِ فَلِأَنَّ لَفْظ الْهَدْي أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِغَنَم أَوْ غَيْرِهَا فَالْغَنَم فَرْد مِنْ أَفْرَاد مَا يُهْدَى وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَى الْإِبِل وَأَهْدَى الْبَقَر فَمَنْ اِدَّعَى اِخْتِصَاص الْإِبِل بِالتَّقْلِيدِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ. وَعَامِر فِي طَرِيقٍ مَسْرُوق هُوَ الشَّعْبِيُّ وَزَكَرِيَّا الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ اِبْن أَبِي زَائِدَة. وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّهُ أَخْرَجَ طَرِيق مَسْرُوق مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ الشَّعْبِيِّ مُطَوَّلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1588",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏أَفْتِلُ ‏ ‏قَلَائِدَ ‏ ‏الْغَنَمِ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَبْعَثُ بِهَا ثُمَّ يَمْكُثُ حَلَالًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1589",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏فَتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَعْنِي ‏ ‏الْقَلَائِدَ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1590",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏فَتَلْتُ قَلَائِدَهَا مِنْ ‏ ‏عِهْنٍ ‏ ‏كَانَ عِنْدِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ) ‏ ‏هِيَ عَائِشَة بَيَّنَهُ يَحْيَى بْن حَكِيم عَنْ مُعَاذ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" وَكَذَا وَقَعَتْ تَسْمِيَتهَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ اِبْنِ عَوْن. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَلَتْ قَلَائِدهَا ) ‏ ‏أَيْ الْهَدَايَا وَفِي رِوَايَة يَحْيَى الْمَذْكُورَةِ \" أَنَا فَتَلْت تِلْكَ الْقَلَائِد \" وَلِمُسْلِم مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْنِ عَوْن مِثْلُهُ وَزَاد \" فَأَصْبَحَ فِينَا حَلَالًا يَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَالُ مِنْ أَهْلِهِ \" وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ الْقَلَائِد مِنْ الْأَوْبَارِ وَاخْتَارَ أَنْ تَكُونَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ وَهُوَ مَنْقُول عَنْ رَبِيعَة وَمَالِك. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ الْأَوْلَى مَعَ الْقَوْلِ بِجَوَاز كَوْنهَا مِنْ الصُّوفِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1591",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً قَالَ ‏ ‏ارْكَبْهَا قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ ارْكَبْهَا قَالَ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب وَلِابْنِ السَّكَنِ \" مُحَمَّد بْن سَلَام \" وَلِأَبِي ذَرٍّ \" مُحَمَّد هُوَ اِبْنُ سَلَام \" وَرَجَّحَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّهُ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ رَوَى عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عَنْ عَبْد الْأَعْلَى حَدِيثًا غَيْر هَذَا سَيَأْتِي قَرِيبًا وَأَيَّدَهُ غَيْره بِأَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبَا نُعَيْمٍ أَخْرَجَاهُ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ وَالْعُمْدَةُ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ السَّكَنِ فَإِنَّهُ حَافِظٌ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عِكْرِمَةَ ) ‏ ‏هُوَ مَوْلَى اِبْن عَبَّاس وَأَمَّا عِكْرِمَة بْن عَمَّار فَهُوَ تِلْمِيذ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير لَا شَيْخُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيثِ الْبَاب قَبْلَ تِسْعَةِ أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ مُحَمَّد بْن بَشَّار إِلَخْ ) ‏ ‏الْمُتَابَع بِالْفَتْحِ هُنَا هُوَ مَعْمَر وَالْمُتَابِع بِالْكَسْرِ ظَاهِر السِّيَاقِ أَنَّهُ مُحَمَّد بْن بَشَّار وَفِي التَّحْقِيقِ هُوَ عَلِيّ اِبْن الْمُبَارَك وَإِنَّمَا اِحْتَاجَ مَعْمَر عِنْدَهُ إِلَى الْمُتَابَعَةِ لِأَنَّ فِي رِوَايَة الْبَصْرِيِّينَ عَنْهُ مَقَالًا لِكَوْنِهِ حَدَّثَهُمْ بِالْبَصْرَةِ مِنْ حِفْظِهِ وَهَذَا مِنْ رِوَايَة الْبَصْرِيِّينَ وَلَمْ تَقَعْ لِي رِوَايَةُ مُحَمَّد بْن بَشَّار مَوْصُولَةً وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ عَلِيّ بْن الْمُبَارَكِ بِمُتَابَعَةِ عُثْمَان بْن عَمْرو قَالَ : إِنَّ حُسَيْنًا الْمُعَلِّمَ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1592",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ أَتَصَدَّقَ ‏ ‏بِجِلَالِ ‏ ‏الْبُدْنِ ‏ ‏الَّتِي نَحَرْتُ وَبِجُلُودِهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1593",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ أَرَادَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏الْحَجَّ عَامَ حَجَّةِ ‏ ‏الْحَرُورِيَّةِ ‏ ‏فِي عَهْدِ ‏ ‏ابْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَقِيلَ لَهُ إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ ‏ ‏وَنَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ فَقَالَ ‏ { ‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ‏} ‏إِذًا أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوْجَبْتُ عُمْرَةً حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ ‏ ‏الْبَيْدَاءِ ‏ ‏قَالَ مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ جَمَعْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَةٍ وَأَهْدَى هَدْيًا مُقَلَّدًا اشْتَرَاهُ حَتَّى قَدِمَ فَطَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَبِالصَّفَا ‏ ‏وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ فَحَلَقَ وَنَحَرَ وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَهُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ كَذَلِكَ صَنَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1594",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَتْ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ لَا نُرَى إِلَّا الْحَجَّ فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ وَسَعَى بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏أَنْ يَحِلَّ قَالَتْ فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْتُ مَا هَذَا قَالَ نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ أَزْوَاجِهِ قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏فَذَكَرْتُهُ ‏ ‏لِلْقَاسِمِ ‏ ‏فَقَالَ أَتَتْكَ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُلَيْمَانَ الْمَذْكُورَةِ حَدَّثَتْنِي عَمْرَةُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا نُرَى ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّونِ أَيْ لَا نَظُنُّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا الْحَجّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى \" بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ \". ‏ ‏وَقَوْلُهُ ( فَدُخِلَ عَلَيْنَا ) ‏ ‏بِضَمِّ الدَّالِّ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( بِلَحْمِ بَقَرٍ ) ‏ ‏قَالَ ابْنُ بَطَّال : أَخَذَ بِظَاهِرِهِ جَمَاعَة فَأَجَازُوا الِاشْتِرَاك فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَة بَقَرَة وَأَمَّا رِوَايَةُ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ عَنْ أَزْوَاجِهِ بَقَرَة وَاحِدَة \" فَقَدْ قَالَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي : تَفَرَّدَ يُونُس بِذَلِكَ وَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ ا ه. وَرِوَايَةُ يُونُس أَخْرَجَهَا النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرهمَا وَيُونُس ثِقَة حَافِظ وَقَدْ تَابَعَهُ مَعْمَر عِنْدَ النَّسَائِيِّ أَيْضًا وَلَفْظُهُ أَصْرَحُ مِنْ لَفْظِ يُونُسَ قَالَ \" مَا ذُبِحَ عَنْ آلِ مُحَمَّد فِي حَجَّةِ الْوَدَاع إِلَّا بَقَرَةٌ \" وَرَوَى النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّنْ اِعْتَمَرَ مِنْ نِسَائِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً بَيْنَهُنَّ \" صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَهُوَ شَاهِد قَوِيّ لِرِوَايَة الزُّهْرِيّ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ عَمَّار الدُّهْنِيُّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" ذَبَحَ عَنَّا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حَجَجْنَا بَقَرَة بَقَرَة \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا فَهُوَ شَاذّ مُخَالِف لِمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ رَوَاهُ الْمُصَنِّف فِي الْأَضَاحِيِّ وَمُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ اِبْن عُيَيْنَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم بِلَفْظ \" ضَحَّى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَر \" وَلَمْ يَذْكُرْ مَا زَادَهُ عَمَّار الدُّهْنِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْد الْعَزِيز الْمَاجِشُونِ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن لَكِنْ بِلَفْظ \" أَهْدَى \" بَدَل \" ضَحَّى \" وَالظَّاهِر أَنَّ التَّصَرُّفَ مِنْ الرُّوَاةِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ النَّحْرِ فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ فَإِنَّ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة صَرِيحَة فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَمَّنْ اِعْتَمَرَ مِنْ نِسَائِهِ فَقَوِيَتْ رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظ \" أَهْدَى \". وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ هَدْي التَّمَتُّع ; فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّة عَلَى مَالِك فِي قَوْلِهِ : لَا ضَحَايَا عَلَى أَهْلِ مِنًى , وَتَبَيَّنَ تَوْجِيه الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى جَوَازِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَلْحَقُهُ مِنْ عَمَلِ غَيْرِهِ مَا عَمِلَهُ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْره وَلَا عِلْمه وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ الِاسْتِئْذَانِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّرْجَمَةِ وَفِيهِ جَوَازُ الْأَكْلِ مِنْ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَسَيَأْتِي نَقْل الْخِلَافِ فِيهِ بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ كُلّه إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرْتُهُ لِلْقَاسِمِ ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَتَتْك بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ ) ‏ ‏أَيْ سَاقَتْهُ لَك سِيَاقًا تَامًّا لَمْ تَخْتَصِرْ مِنْهُ شَيْئًا وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى رِوَايَتِهِ هُوَ عَنْ عَائِشَة فَإِنَّهَا مُخْتَصَرَةٌ كَمَا قَدَّمْتُ الْإِشَارَةَ إِلَيْهَا فِي هَذَا الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1595",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏خَالِدَ بْنَ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَنْحَرُ فِي الْمَنْحَرِ قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏مَنْحَرِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْن رَاهْوَيْهِ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِهِ. ‏ ‏وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُبَيْد اللَّهِ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ وَالْمَعْنَى أَنَّ مُرَاد نَافِع بِإِطْلَاق الْمَنْحَر مَنْحَر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ رَوَى الْمُصَنِّف هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْأَضَاحِيِّ أَوْضَح مِنْ هَذَا وَلَفْظه \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْمُقَدِّمِيّ حَدَّثَنَا خَالِد بْن الْحَارِث \" فَذَكَر الْحَدِيث قَالَ \" قَالَ عُبَيْد اللَّهِ يَعْنِي مَنْحَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلِهَذَا أَرْدَفَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِطَرِيقِ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع الْمُصَرِّحَة بِإِضَافَة الْمَنْحَر إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ وَأَفَادَتْ رِوَايَةُ مُوسَى زِيَادَة وَقْت بَعْثِ الْهَدْي إِلَى الْمَنْحَرِ وَأَنَّهَا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1596",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ مِنْ ‏ ‏جَمْعٍ ‏ ‏مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ حَتَّى يُدْخَلَ بِهِ مَنْحَرُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَ حُجَّاجٍ فِيهِمْ الْحُرُّ وَالْمَمْلُوكُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَعَ حُجَّاج ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ جَمْع حَاجّ وَقَوْله ‏ ‏( فِيهِمْ الْحُرّ وَالْمَمْلُوك ) ‏ ‏مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بَعْث الْهَدْي مَعَ الْأَحْرَارِ دُونَ الْأَرِقَّاءِ وَسَيَأْتِي فِي الْأَضَاحِيِّ مِنْ طَرِيقِ كَثِير بْن فَرْقَد عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر \" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى \" وَهَذَا مَحْمُول عَلَى الْأُضْحِيَّةِ بِالْمَدِينَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1597",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ ‏ ‏وَنَحَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيَامًا وَضَحَّى ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ مُخْتَصَرًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1598",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا قَالَ ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏زِيَادٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يُونُسَ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُبَيْد فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْع \" أَخْبَرَنَا يُونُسُ \" وَالْإِسْنَاد سِوَى الصَّحَابِيِّ كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زِيَاد بْن جُبَيْر ) ‏ ‏بِجِيم وَمُوَحَّدَة مُصَغَّر بَصْرِيّ تَابِعِيّ ثِقَة لَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيث آخَر أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي النَّذْرِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَأَخْرَجَهُ فِي الصَّوْمِ بِإِسْنَاد آخَرَ إِلَى يُونُس بْن عُبَيْد وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَائِل الْحَجِّ حَدِيث غَيْر هَذَا مِنْ طَرِيقِ زَيْد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عُمَر وَهُوَ غَيْرُ زِيَاد بْن جُبَيْر هَذَا وَلَيْسَ أَخًا لَهُ أَيْضًا لِأَنَّ زَيْدًا طَائِيّ كُوفِيّ وَزِيَادًا ثَقَفِيّ بَصْرِيّ لَكِنَّهُمَا اِشْتَرَكَا فِي الثِّقَةِ وَفِي الرِّوَايَةِ عَنْ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَى عَلَى رَجُلٍ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ يُونُسَ \" لِيَنْحَرَهَا بِمِنًى \". ‏ ‏قَوْله : ( اِبْعَثْهَا ) ‏ ‏أَيْ أَثِرْهَا يُقَالُ : بَعَثْتُ النَّاقَةَ أَثَرْتهَا. ) ‏ ‏وَقَوْله : ( قِيَامًا ) ‏ ‏أَيْ عَنْ قِيَام وَقِيَامًا مَصْدَر بِمَعْنَى قَائِمَة وَهِيَ حَال مُقَدَّرَة أَوْ قَوْله \" اِبْعَثْهَا \" أَيْ أَقِمْهَا أَوْ الْعَامِل مَحْذُوف تَقْدِيرُهُ اِنْحَرْهَا. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" اِنْحَرْهَا قَائِمَة \". ‏ ‏قَوْله : ( مُقَيَّدَة ) ‏ ‏أَيْ مَعْقُولَةَ الرِّجْلِ قَائِمَة عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ جَابِر \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَدَنَة مَعْقُولَة الْيُسْرَى قَائِمَة عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا \" وَقَالَ سَعِيد بْن مَنْصُور \" حَدَّثَنَا هُشَيْم أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر رَأَيْت اِبْن عُمَر يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ وَهِيَ مَعْقُولَة إِحْدَى يَدَيْهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ) ‏ ‏بِنَصْبِ سُنَّةَ بِعَامِلٍ مُضْمَرٍ كَالِاخْتِصَاصِ , أَوْ التَّقْدِير : مُتَّبِعًا سُنَّةَ مُحَمَّدٍ. ‏ ‏قُلْت : وَيَجُوزُ الرَّفْعُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَة الْحَرْبِيّ فِي الْمَنَاسِكِ بِلَفْظ \" فَقَالَ لَهُ اِنْحَرْهَا قَائِمَة فَإِنَّهَا سُنَّةُ مُحَمَّد \" وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اِسْتِحْبَاب نَحْر الْإِبِلِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَعَنْ الْحَنَفِيَّةِ يَسْتَوِي نَحْرُهَا قَائِمَة وَبَارِكَة فِي الْفَضِيلَةِ , وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْجَاهِلِ وَعَدَم السُّكُوتِ عَلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ مِنْ السُّنَّةِ كَذَا مَرْفُوع عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِاحْتِجَاجِهِمَا بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي صَحِيحَيْهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ يُونُسَ أَخْبَرَنِي زِيَاد ) ‏ ‏هَذَا التَّعْلِيق أَخْرَجَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ \" أَخْبَرَنَا النَّضْر بْن شُمَيْلٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يُونُسَ سَمِعْتُ زِيَاد بْن جُبَيْر يَقُولُ : اِنْتَهَيْت مَعَ اِبْن عُمَر فَإِذَا رَجُل قَدْ أَضْجَعَ بَدَنَتَهُ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَنْحَرَهَا فَقَالَ قِيَامًا مُقَيَّدَة سُنَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَقَدْ نَسَبَ مُغَلْطَاي وَمَنْ تَبِعَهُ تَعْلِيقَ شُعْبَة الْمَذْكُورَ لِتَخْرِيجِ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ عَنْ عَمْرو بْن مَرْزُوق عَنْ شُعْبَة فَرَاجَعْتُهُ فَوَجَدْتُهُ فِيهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ زِيَاد بِالْعَنْعَنَةِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ وَفَاء بِمَقْصُود الْبُخَارِيّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ طَرِيق شُعْبَة لِبَيَان سَمَاع يُونُسَ لَهُ مِنْ زِيَاد وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر غُنْدَر عَنْ شُعْبَة بِالْعَنْعَنَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1599",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الظُّهْرَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ فَبَاتَ بِهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ رَكِبَ ‏ ‏رَاحِلَتَهُ ‏ ‏فَجَعَلَ يُهَلِّلُ ‏ ‏وَيُسَبِّحُ ‏ ‏فَلَمَّا عَلَا عَلَى ‏ ‏الْبَيْدَاءِ ‏ ‏لَبَّى بِهِمَا جَمِيعًا فَلَمَّا دَخَلَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا وَنَحَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيَامًا وَضَحَّى ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَهْل بْن بَكَّار ) ‏ ‏الْإِسْنَاد إِلَى آخِرِهِ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَاتَ بِهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَبَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ \". وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَائِل الْحَجِّ وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا قَوْله \" وَنَحَرَ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيَامًا \" كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيْرِهَا سَبْعَةَ بُدْنٍ فَقِيلَ فِي تَوْجِيهِهَا أَرَادَ أَبْعِرَة فَلِذَا أَلْحَقَ بِهَا الْهَاء وَالْجَمْع بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ وَاضِح وَسَيَأْتِي بَيَان مَا نَحَرَهُ وَعَدَدِهِ فِي حَدِيث عَلِيّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَرِيبًا وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حَدِيثِ التَّضْحِيَةِ بِالْكَبْشَيْنِ فِي كِتَاب الْأَضَاحِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1600",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الظُّهْرَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ فَصَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ رَكِبَ ‏ ‏رَاحِلَتَهُ ‏ ‏حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ ‏ ‏الْبَيْدَاءَ ‏ ‏أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ أَيُّوبَ عَنْ رَجُل عَنْ أَنَس ) ‏ ‏الْمُرَاد بِهِ بَيَان اِخْتِلَاف إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة وَوُهَيْب عَلَى أَيُّوبَ فِيهِ فَسَاقَهُ وُهَيْب عَنْهُ بِإِسْنَاد وَاحِد وَفَصَلَ إِسْمَاعِيلُ بَعْضه فَقَالَ \" عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَس \" وَقَالَ فِي بَعْضِهِ \" عَنْ أَيُّوبَ عَنْ رَجُل عَنْ أَنَس \" قَالَ الدَّاوُدِيّ : لَوْ كَانَ كُلّه عِنْدَ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مَا أَبْهَمَهُ وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : يُحْتَمُ أَنْ يَكُونَ إِسْمَاعِيلُ شَكَّ فِيهِ أَوْ نَسِيَهُ وَوُهَيْب ثِقَة فَقَدْ جَزَمَ بِأَنَّ جَمِيعَ الْحَدِيثِ عَنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى شَيْء مِنْ هَذَا فِي \" بَاب التَّسْبِيح وَالتَّحْمِيد \" فِي أَوَائِل الْحَجِّ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏حَكَى ابْنُ بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّبِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ هُنَا \" فَلَمَّا أَهَلَّ لَنَا بِهِمَا جَمِيعًا \" قَالَ وَمَعْنَاهُ أَمَرَ مَنْ أَهَلَّ بِالْقِرَانِ لِأَنَّهُ هُوَ كَانَ مُفْرِدًا فَمَعْنَى \" أَهَلَّ لَنَا \" أَيْ أَبَاحَ لَنَا الْإِهْلَال فَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا وَتَعْلِيمًا لَهُمْ كَيْفَ يُهِلُّونَ وَإِلَّا فَمَا مَعْنَى \" لَنَا \" فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ؟ اِنْتَهَى. وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اِتَّصَلَتْ لَنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى مَا ذَكَرَ. وَإِنَّمَا الَّذِي فِي أُصُولِنَا \" فَلَمَّا عَلَا عَلَى الْبَيْدَاءِ لَبَّى بِهِمَا جَمِيعًا \" وَلَعَلَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَتِهِ \" فَلَمَّا عَلَا عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ \" وَفِي أُخْرَى \" لَبَّى \" فَكُتِبَتْ \" لَبَّى \" بِأَلِف فَصَارَتْ صُورَتهَا \" لَنَا \" بِنُونٍ خَفِيفَة وَجُمِعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَصَارَتْ \" أَهَلَّ لَنَا \" وَلَا وُجُودَ لِذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ الطُّرُقِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1601",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُمْتُ عَلَى ‏ ‏الْبُدْنِ ‏ ‏فَأَمَرَنِي فَقَسَمْتُ لُحُومَهَا ثُمَّ أَمَرَنِي فَقَسَمْتُ ‏ ‏جِلَالَهَا ‏ ‏وَجُلُودَهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْكَرِيمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ أَقُومَ عَلَى ‏ ‏الْبُدْنِ ‏ ‏وَلَا أُعْطِيَ عَلَيْهَا شَيْئًا فِي جِزَارَتِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ التَّصْرِيح بِالْإِخْبَارِ بَيْنَ مُجَاهِد وَعَبْد الرَّحْمَن وَبَيْنَ عَبْد الرَّحْمَن وَعَلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الْمَذْكُورُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ وَلَيْسَ مُعَلَّقًا وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيّ قَالَ \" أَخْبَرَنَا إِسْحَاق بْن مَنْصُور حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن هُوَ اِبْن مَهْدِيّ حَدَّثَنَا سُفْيَان \" وَعَبْد الْكَرِيم الْمَذْكُورُ هُوَ الْجَزَرِيُّ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْبَاب بَعْدَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُمْت عَلَى الْبُدْنِ ) ‏ ‏أَيْ الَّتِي أَرْصُدُهَا لِلْهَدْي وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى \" أَنْ أَقْوَمَ عَلَى الْبُدْنِ \" أَيْ عِنْدِ نَحْرِهَا لِلِاحْتِفَاظِ بِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ أَيْ عَلَى مَصَالِحِهَا فِي عَلْفِهَا وَرَعْيِهَا وَسَقْيِهَا وَغَيْر ذَلِكَ وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَدَد الْبُدْنِ لَكِنْ وَقْع فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ أَنَّهَا مِائَةُ بَدَنَة وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيقِ اِبْن إِسْحَاق عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد \" نَحَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثِينَ بَدَنَة وَأَمَرَنِي فَنَحَرْتُ سَائِرَهَا \" وَأَصَحّ مِنْهُ مَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي حَدِيثِ جَابِر الطَّوِيلِ فَإِنَّ فِيهِ \" ثُمَّ اِنْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَة ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَة بِبِضْعَة فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا \" فَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنَّ الْبُدْنَ كَانَتْ مِائَةَ بَدَنَة وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ مِنْهَا ثَلَاثًا وَسِتِّينَ وَنَحَرَ عَلِيّ الْبَاقِيَ وَالْجَمْع بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَنْحَرَ فَنَحَرَ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ مَثَلًا ثُمَّ نَحَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَإِنْ سَاغَ هَذَا الْجَمْعُ وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا أُعْطِي عَلَيْهَا شَيْئًا فِي جِزَارَتِهَا ) ‏ ‏وَكَذَا قَوْله فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْبَاب بَعْدَهُ : ( وَلَا يُعْطِي فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا ظَاهِرهمَا أَنْ لَا يُعْطِيَ الْجَزَّارَ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَاد بَلْ الْمُرَاد أَنْ لَا يُعْطِي الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا كَمَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم وَظَاهِرُهُ مَعَ ذَلِكَ غَيْر مُرَاد بَلْ بَيَّنَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْب بْن إِسْحَاق عَنْ اِبْن جُرَيْج أَنَّ الْمُرَادَ مَنْعُ عَطِيَّة الْجَزَّار مِنْ الْهَدْيِ عِوَضًا عَنْ أُجْرَتِهِ , وَلَفْظُهُ \" وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا مِنْهَا شَيْئًا \" وَاخْتُلِفَ فِي الْجِزَارَةِ فَقَالَ ابْنُ التِّينِ : الْجِزَارَةُ بِالْكَسْرِ اِسْم لِلْفِعْلِ وَبِالضَّمِّ اِسْم لِلسَّوَاقِطِ فَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ بِالْكَسْرِ وَبِهِ صَحَّت الرِّوَايَة فَإِنْ صَحَّت بِالضَّمِّ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد لَا يُعْطِي مِنْ بَعْض الْجَزُور أُجْرَة الْجَزَّارِ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَتَبِعَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيّ : الْجُزَارَةُ بِالضَّمِّ اِسْم لِمَا يُعْطَى كَالْعُمَالَةِ وَزْنًا وَمَعْنَى وَقِيلَ : هُوَ بِالْكَسْرِ كَالْحِجَامَةِ وَالْخِيَاطَةِ. وَجَوَّزَ غَيْرُهُ الْفَتْحَ وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الْجُزَارَةُ بِالضَّمِّ كَالْعُمَالَةِ مَا يَأْخُذُهُ الْجَزَّارُ مِنْ الذَّبِيحَةِ عَنْ أُجْرَتِهِ , وَأَصْلُهَا أَطْرَاف الْبَعِيرِ - الرَّأْسُ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ - سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْجَزَّارَ كَانَ يَأْخُذُهَا عَنْ أُجْرَتِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1602",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏وَعَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏أَخْبَرَهُمَا أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَرَهُ ‏ ‏أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا ‏ ‏وَجِلَالَهَا ‏ ‏وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ ) ‏ ‏بِسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَة وَيَجُوزُ ضَمُّهَا. ‏ ‏قَوْله : ( لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلَالَهَا ) ‏ ‏زَاد اِبْن خُزَيْمَة مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي رِوَايَتِهِ \" عَلَى الْمَسَاكِينِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يُعْطِي فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا ) ‏ ‏زَاد مُسْلِم وَابْن خُزَيْمَة \" وَلَا يُعْطِي فِي جِزَارَتِهَا مِنْهَا شَيْئًا \" قَالَ ابْنُ خُزَيْمَة : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ \" يَقْسِمَهَا كُلَّهَا \" عَلَى الْمَسَاكِينِ إِلَّا مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ كُلِّ بَدَنَة بِبِضْعَة فَطُبِخَتْ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِر يَعْنِي الطَّوِيل عِنْد مُسْلِم كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ قَالَ : وَالنَّهْيُ عَنْ إِعْطَاءِ الْجَزَّارِ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ لَا يُعْطَى مِنْهَا عَنْ أُجْرَتِهِ وَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيّ فِي \" شَرْحِ السُّنَّةِ \" قَالَ : وَأَمَّا إِذَا أُعْطِيَ أُجْرَتَهُ كَامِلَة ثُمَّ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا كَمَا يَتَصَدَّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَقَالَ غَيْره : إِعْطَاءُ الْجَزَّارِ عَلَى سَبِيلِ الْأُجْرَةِ مَمْنُوع لِكَوْنِهِ مُعَاوَضَة وَأَمَّا إِعْطَاؤُهُ صَدَقَة أَوْ هَدِيَّة أَوْ زِيَادَة عَلَى حَقِّهِ فَالْقِيَاس الْجَوَاز , وَلَكِنَّ إِطْلَاقَ الشَّارِعِ ذَلِكَ قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ مَنْع الصَّدَقَة لِئَلَّا تَقَعَ مُسَامَحَة فِي الْأُجْرَةِ لِأَجْلِ مَا يَأْخُذُهُ فَيَرْجِعُ إِلَى الْمُعَاوَضَةِ قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي إِعْطَاءِ الْجَزَّارِ مِنْهَا فِي أُجْرَتِهِ إِلَّا الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَعَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ الْجِلْدِ قَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ جُلُود الْهَدْي وَجِلَالهَا لَا تُبَاعُ لِعَطْفِهَا عَلَى اللَّحْمِ وَإِعْطَائِهَا حُكْمَهُ وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لَحْمَهَا لَا يُبَاعُ فَكَذَلِكَ الْجُلُود وَالْجِلَال وَأَجَازَهُ الْأَوْزَاعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَهُوَ وَجْه عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَالُوا : وَيُصْرَفُ ثَمَنه مَصْرِف الْأُضْحِيَّة. وَاسْتَدَلَّ أَبُو ثَوْر عَلَى أَنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى جَوَاز الِانْتِفَاع بِهِ , وَكُلُّ مَا جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ جَازِ بَيْعُهُ وَعُورِضَ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْ لَحْم هَدْيِ التَّطَوُّع وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ أَكْلِهِ جَوَاز بَيْعِهِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهَا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ فِي رَدِّ قَوْلِهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي حَدِيث قَتَادَة بْن النُّعْمَان مَرْفُوعًا \" لَا تَبِيعُوا لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ وَالْهَدْيِ وَتَصَدَّقُوا وَكُلُوا وَاسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِهَا وَلَا تَبِيعُوا وَإِنْ أُطْعِمْتُمْ مِنْ لُحُومِهَا فَكُلُوا إِنْ شِئْتُمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1603",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏أَهْدَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِائَةَ بَدَنَةٍ فَأَمَرَنِي بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهَا ثُمَّ أَمَرَنِي ‏ ‏بِجِلَالِهَا ‏ ‏فَقَسَمْتُهَا ثُمَّ بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتُهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1604",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏كُلُوا وَتَزَوَّدُوا فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا قُلْتُ ‏ ‏لِعَطَاءٍ ‏ ‏أَقَالَ حَتَّى جِئْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏قَالَ لَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى ) ‏ ‏بِإِضَافَة ثَلَاث إِلَى مِنًى وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَاخِرَ كِتَاب الْأَضَاحِيّ وَهُوَ مِنْ الْحُكْمِ الْمُتَّفَقِ عَلَى نَسْخِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1605",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَتْنِي ‏ ‏عَمْرَةُ ‏ ‏قَالَتْ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَلَا نُرَى إِلَّا الْحَجَّ حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏ثُمَّ يَحِلُّ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقِيلَ ذَبَحَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ أَزْوَاجِهِ قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ ‏ ‏لِلْقَاسِمِ ‏ ‏فَقَالَ أَتَتْكَ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال وَيَحْيَى هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ وَخَالِد وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ كُوفِيًّا فَقَدْ سَكَنَ الْمَدِينَةَ مُدَّة. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيثِ عَائِشَة هَذَا فِي \" بَاب ذَبْح الرَّجُلِ الْبَقَرَ عَنْ نِسَائِهِ \" وَقَوْله فِي رِوَايَة سُلَيْمَانَ هَذِهِ \" حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْي إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يَحِلُّ \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ طَرِيق الْفَرَبْرِيِّ وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ لَكِنْ جَعَلَ عَلَى قَوْلِهِ \" ثُمَّ \" ضَبَّة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ بِلَفْظ \" أَنْ \" بَدَل \" ثُمَّ \" وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا. وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ الْقَعْنَبِيّ عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال بِلَفْظ \" أَنْ يَحِلَّ \" وَزَاد قَبْلَهَا \" إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ \" وَقَدْ شَرَحَهُ الْكَرْمَانِيّ عَلَى لَفْظ \" ثُمَّ \" فَقَالَ : جَوَاب إِذَا مَحْذُوف وَالتَّقْدِيرُ يُتِمُّ عُمْرَتَهُ ثُمَّ يَحِلُّ. قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَاب مَنْ ثَمَّ مَحْذُوفًا وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ زَائِدَة كَمَا قَالَ الْأَخْفَش فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ) إِنَّ تَابَ جَوَاب حَتَّى إِذَا. قُلْت : وَكُلُّهُ تَكَلُّف وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَة مُسْلِمٍ أَنَّ التَّغْيِيرَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُهُ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيّ وَتَقَدَّمَتْ رِوَايَة مَالِك قَرِيبًا وَمِثْلُهَا فِي الْجِهَادِ وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد وَهُوَ الصَّوَابُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1606",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَمَّنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ وَنَحْوِهِ فَقَالَ ‏ ‏لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1607",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زُرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ قَالَ ‏ ‏لَا حَرَجَ قَالَ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ قَالَ لَا حَرَجَ قَالَ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ قَالَ لَا حَرَجَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحِيمِ الرَّازِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ خُثَيْمٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ خُثَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَفَّانُ ‏ ‏أُرَاهُ عَنْ ‏ ‏وُهَيْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ خُثَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏وَعَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد الرَّحِيم بْن سُلَيْمَان عَنْ اِبْن خُثَيْم ) ‏ ‏وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان وَهَذِهِ الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَن بْن حَمَّاد عَنْهُ وَلَفْظه \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُول اللَّهِ طُفْت بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ : اِرْمِ وَلَا حَرَجَ \" وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيّ فِي \" الْأَوْسَطِ \" مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو الْأَشْعَثِيّ عَنْ عَبْد الرَّحِيم وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْد الرَّحِيم عَنْ اِبْن خُثَيْم , كَذَا قَالَ , وَالرِّوَايَة الَّتِي تَلِي هَذِهِ تَرُدُّ عَلَيْهِ. وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ مُرَاد الْبُخَارِيّ أَصْل الْحَدِيثِ لَا خُصُوصُ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنْ الذَّبْحِ قَبْلَ الْحَلْقِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ الْقَاسِم بْن يَحْيَى حَدَّثَنِي اِبْن خُثَيْم ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى طَرِيقِهِ مَوْصُولَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَفَّان : أُرَاهُ عَنْ وُهَيْب حَدَّثَنَا اِبْنُ خُثَيْمٍ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏الْقَائِل \" أُرَاهُ \" هُوَ الْبُخَارِيُّ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَفَّان بِدُونِهَا وَلَفْظُهُ \" جَاءَ رَجُل فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّهِ حَلَقْتُ وَلَمْ أَنْحَرْ. قَالَ : لَا حَرَجَ فَانْحَرْ. وَجَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّهِ نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ : فَارْمِ وَلَا حَرَجَ \" وَزَعَمَ خَلَفٌ أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ فِيهِ \" حَدَّثَنَا عَفَّان \" وَالْمُرَاد بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى اِبْن خُثَيْم هَلْ شَيْخه فِيهِ عَطَاء أَوْ سَعِيد بْن جُبَيْر كَمَا اِخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَطَاء هَلْ شَيْخه فِيهِ اِبْن عَبَّاس أَوْ جَابِر فَالَّذِي يَتَبَيَّنُ مِنْ صَنِيع الْبُخَارِيّ تَرْجِيح كَوْنه عَنْ اِبْن عَبَّاس ثُمَّ كَوْنِهِ عَنْ عَطَاء وَأَنَّ الَّذِي يُخَالِفُ ذَلِكَ شَاذّ وَإِنَّمَا قَصَدَ بِإِيرَادِهِ بَيَانَ الِاخْتِلَاف. وَفِي رِوَايَة عَفَّان هَذِهِ الدَّلَالَة عَلَى تَعَدُّدِ السَّائِلِينَ عَنْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ حَمَّاد ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن سَلَمَة إِلَخْ. هَذِهِ الطَّرِيقُ وَصَلَهَا النَّسَائِيّ والطَّحَاوِيّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْن حِبَّانَ مِنْ طُرُق عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة بِهِ نَحْوَ سِيَاق عَبْد الْعَزِيز بْن رَفِيع وَالطَّرِيق الرَّابِعَة مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْ اِبْن عَبَّاس. ‏"
    },
    {
        "id": "1608",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ فَقَالَ ‏ ‏لَا حَرَجَ قَالَ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ قَالَ لَا حَرَجَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْأَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عَبْد الْأَعْلَى وَخَالِد هُوَ الْحَذَّاءُ وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ اِسْتَظْهَرَ بِهِ لِمَا وَقَعَ فِي طَرِيقِ عَطَاء مِنْ الِاخْتِلَافِ فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ لِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس أَصْلًا آخَرَ. وَفِي طَرِيقِ عِكْرِمَةَ هَذِهِ زِيَادَة حُكْمِ الرَّمْي بَعْدَ الْمَسَاءِ فَإِنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الرَّمْيِ أَنْ يَكُونَ نَهَارًا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1609",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏بِالْبَطْحَاءِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَحَجَجْتَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ بِمَا أَهْلَلْتَ قُلْتُ لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ أَحْسَنْتَ انْطَلِقْ فَطُفْ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَبِالصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ ‏ ‏بَنِي قَيْسٍ ‏ ‏فَفَلَتْ رَأْسِي ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ فَكُنْتُ أُفْتِي بِهِ النَّاسَ حَتَّى خِلَافَةِ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَذَكَرْتُهُ لَهُ فَقَالَ إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ \" وَمُطَابَقَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْل عُمَرَ فِيهِ \" لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ \" لِأَنَّ بُلُوغَ الْهَدْيِ مَحِلَّهُ يَدُلُّ عَلَى ذَبْح الْهَدْي فَلَوْ تَقَدَّمَ الْحَلْق عَلَيْهِ لَصَارَ مُتَحَلِّلًا قَبْلَ بُلُوغِ الْهَدْيِ مَحِلَّهُ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ تَقْدِيم الذَّبْح عَلَى الْحَلْقِ وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ فَهُوَ رُخْصَة كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَفَلَتْ ) ‏ ‏بِفَاء التَّعْقِيب بَعْدَهَا فَاء ثُمَّ لَام خَفِيفَة مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ مُثَنَّاة أَيْ تَتَبَّعَتْ الْقَمْل مِنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1610",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ قَالَ ‏ ‏إِنِّي ‏ ‏لَبَّدْتُ ‏ ‏رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1611",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏حَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّتِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1612",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ مَرَّةً ‏ ‏أَوْ مَرَّتَيْنِ ‏ ‏قَالَ وَقَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏فِي الرَّابِعَةِ وَالْمُقَصِّرِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏لَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق عَلَى الَّذِي تَوَلَّى السُّؤَال فِي ذَلِكَ بَعْد الْبَحْث الشَّدِيد , وَالْوَاو فِي قَوْله \" وَالْمُقَصِّرِينَ \" مَعْطُوفَة عَلَى شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره قُلْ وَالْمُقَصِّرِينَ أَوْ قُلْ وَارْحَمْ الْمُقَصِّرِينَ , وَهُوَ يُسَمَّى الْعَطْف التَّلْقِينِيّ , وَفِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَالْمُقَصِّرِينَ \" إِعْطَاء الْمَعْطُوف حُكْم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَلَوْ تَخَلَّلَ بَيْنهمَا السُّكُوت لِغَيْرِ عُذْر. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ ) ‏ ‏كَذَا فِي مُعْظَم الرِّوَايَات عَنْ مَالِك إِعَادَة ذَلِكَ الدُّعَاء لِلْمُحَلِّقَيْنِ مَرَّتَيْنِ , وَعَطَف الْمُقَصِّرِينَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّة الثَّالِثَة , وَانْفَرَدَ يَحْيَى بْن بِكِيرِ دُون رُوَاة \" الْمُوَطَّأ \" بِإِعَادَةِ ذَلِكَ ثَلَاث مَرَّات نَبَّهَ عَلَيْهِ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي \" التَّقَصِّي \" وَأَغْفَلَهُ فِي \" التَّمْهِيد \" بَلْ قَالَ فِيهِ : أَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا عَلَى مَالِك فِي ذَلِكَ. وَقَدْ رَاجَعْتْ أَصْل سَمَاعِي مِنْ مُوَطَّأ يَحْيَى بْن بُكَيْر فَوَجَدْتهُ كَمَا قَالَ فِي \" التَّقَصِّي \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّيْثُ ) ‏ ‏وَصَلَهُ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ \" رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ , قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ , قَالَ : وَالْمُقَصِّرِينَ \" وَالشَّكُّ فِيهِ مِنْ اللَّيْثِ وَإِلَّا فَأَكْثَرُهُمْ مُوَافِقٌ لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ ) ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ الْعُمَرِيُّ , وَرِوَايَتُهُ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ عَنْهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ بِلَفْظِ \" رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ \" فَذَكَرَ مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ سَوَاءً وَزَادَ \" قَالَ رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَالَ : وَالْمُقَصِّرِينَ \" وَبَيَانُ أَنَّ كَوْنَهَا فِي الرَّابِعَةِ أَنَّ قَوْلَهُ وَالْمُقَصِّرِينَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ , وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ صَرِيحًا فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ لِلْمُقَصِّرِينَ فِي الرَّابِعَةِ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ \" قَالَ فِي الثَّالِثَةِ وَالْمُقَصِّرِينَ \" وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ بِأَنَّ مَنْ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ فَعَلَى مَا شَرَحْنَاهُ , وَمَنْ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَرَادَ أَنَّ قَوْلَهُ \" وَالْمُقَصِّرِينَ \" مَعْطُوفٌ عَلَى الدَّعْوَةِ الثَّالِثَةِ , أَوْ أَرَادَ بِالثَّالِثَةِ مَسْأَلَةَ السَّائِلِينَ فِي ذَلِكَ , وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُرَاجَعُ بَعْدَ ثَلَاثٍ كَمَا ثَبَتَ , وَلَوْ لَمْ يَدْعُ لَهُمْ بَعْدَ ثَالِثِ مَسْأَلَةٍ مَا سَأَلُوهُ ذَلِكَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ \" اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا : وَلِلْمُقَصِّرِينَ - حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا - ثُمَّ قَالَ : وَالْمُقَصِّرِينَ \" وَرِوَايَةُ مَنْ جَزَمَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ شَكَّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1613",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَلِلْمُقَصِّرِينَ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَلِلْمُقَصِّرِينَ قَالَهَا ثَلَاثًا قَالَ وَلِلْمُقَصِّرِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ) ‏ ‏هُوَ الرَّقَّامُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُعْجَمَةِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ السَّكَنِ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ , وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ : الْأَوَّلُ أَرْجَحُ بَلْ هُوَ الصَّوَابُ , وَكَانَ الْقَابِسِيُّ يَشُكُّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ فِيهِ فَيُهْمِلُ ضَبْطَهُ فَيَقُولُ : عَبَّاسٌ أَوْ عَيَّاشٌ. قُلْت : لَمْ يُخَرِّجْ الْبُخَارِيُّ لِلْعَبَّاسِ - بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ - اِبْنِ الْوَلِيدِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ نَسَبَهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا \" النَّرْسِيُّ \" أَحَدُهَا فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَالْآخَرُ فِي الْمَغَازِي وَالثَّالِثُ فِي الْفِتَنِ ذَكَرَهُ مُعَلَّقًا قَالَ \" وَقَالَ عَبَّاسٌ النَّرْسِيُّ \" , وَأَمَّا الَّذِي بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُعْجَمَةِ فَأَكْثَرَ عَنْهُ وَفِي الْغَالِبِ لَا يَنْسِبُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَهَا ثَلَاثًا ) ‏ ‏أَيْ قَوْلُهُ \" اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ \" وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ شَاهِدَةٌ لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ الْعُمَرِيَّ حَفِظَ الزِّيَادَةَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏لَمْ أَرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْهُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ هَذِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي جَمِيعِ مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ , فَهِيَ مِنْ أَفْرَادِهِ عَنْ عُمَارَةَ وَمِنْ أَفْرَادِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ , وَتَابَعَ أَبَا زُرْعَةَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَه, وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَةَ , وَرِوَايَةُ أَبِي زُرْعَةَ أَتَمُّ. وَاخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ , فَقَالَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَذْكُر أَحَد مِنْ رُوَاة نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة , وَهُوَ تَقْصِير وَحَذْف , وَإِنَّمَا جَرَى ذَلِكَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة حِين صُدَّ عَنْ الْبَيْت , وَهَذَا مَحْفُوظ مَشْهُور مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَأَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة وَحَبَشِيّ بْن جُنَادَةَ وَغَيْرهمْ. ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيث أَبِي سَعِيد بِلَفْظِ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَغْفِر لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَة لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّة \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ \" حَلَقَ رِجَال يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَقَصَّرَ آخَرُونَ. فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَحِم اللَّه الْمُحَلِّقِينَ \" الْحَدِيث , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ الْمَاضِي وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه بَلْ قَالَ \" فَذَكَرَ مَعْنَاهُ \" وَتَجَوَّز فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة تَعْيِين الْمَوْضِع وَلَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ طُرُقه التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِهِ لِذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَوْ وَقَعَ لَقَطَعْنَا بِأَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاع لِأَنَّهُ شَهِدَهَا وَلَمْ يَشْهَد الْحُدَيْبِيَة , وَلَمْ يَسُقْ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ اِبْن عُمَر فِي هَذَا شَيْئًا , وَلَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين الْحُدَيْبِيَة فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق عَنْهُ , وَقَدْ قَدَّمْت فِي صَدْر الْبَاب أَنَّهُ مُخَرَّج مِنْ مَجْمُوع الْأَحَادِيث عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاع كَمَا يُومِئُ إِلَيْهِ صَنِيعُ الْبُخَارِيّ , وَحَدِيث أَبِي سَعِيد الَّذِي أَخْرَجَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَد وَابْن أَبِي شَيْبَة , وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ مِنْ طَرِيق هِشَام الدَّسْتُوَائِيّ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ إِبْرَاهِيم الْأَنْصَارِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد , وَزَادَ فِيهِ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ الصَّحَابَة حَلَقُوا يَوْم الْحُدَيْبِيَة إِلَّا عُثْمَان وَأَبَا قَتَادَةَ , وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس فَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد عَنْهُ \" وَهُوَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي بِهَذَا الْإِسْنَاد وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْحُدَيْبِيَةِ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَغَيْره مِنْ طَرِيقه , وَأَمَّا حَدِيث حَبَشِيّ بْن جُنَادَةَ فَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق عَنْهُ وَلَمْ يُعَيِّن الْمَكَان , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه وَزَادَ فِي سِيَاقه \" عَنْ حَبَشِيّ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ حَجَّة الْوَدَاع \" فَذَكَر هَذَا الْحَدِيث , وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاع. وَأَمَّا قَوْل اِبْن عَبْد الْبَرّ \" فَوَهْم \" فَقَدْ وَرَدَ تَعْيِين الْحُدَيْبِيَة مِنْ حَدِيث جَابِر عِنْدَ أَبِي قُرَّة فِي \" السُّنَن \" وَمِنْ طَرِيق الطَّبَرَانِيِّ فِي \" الْأَوْسَط \" وَمِنْ حَدِيث الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ عِنْدَ اِبْن إِسْحَاق فِي \" الْمَغَازِي \" وَوَرَدَ تَعْيِين حَجَّة الْوَدَاع مِنْ حَدِيث أَبِي مَرْيَم السَّلُوليِّ عِنْدَ أَحْمَد وَابْن أَبِي شَيْبَة , وَمِنْ حَدِيث أُمّ الْحُصَيْن عِنْدَ مُسْلِم , وَمِنْ حَدِيث قَارِب بْن الْأَسْوَد الثَّقَفِيّ عِنْد أَحْمَد وَابْن أَبِي شَيْبَة , وَمِنْ حَدِيث أُمّ عُمَارَة عِنْد الْحَارِث , فَالْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا تَعْيِين حَجَّة الْوَدَاع أَكْثَرُ عَدَدًا وَأَصَحّ إِسْنَادًا وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيّ عَقِب أَحَادِيث اِبْن عُمَر وَأَبِي هُرَيْرَة وَأُمّ الْحُصَيْن : هَذِهِ الْأَحَادِيث تَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ كَانَتْ فِي حَجَّة الْوَدَاع , قَالَ : وَهُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور. وَقِيلَ : كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَة , وَجَزَمَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَة إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي \" النِّهَايَة \" ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيّ : لَا يَبْعُد أَنْ يَكُون وَقَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ اِنْتَهَى. وَقَالَ عِيَاض : كَانَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَلِذَا قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد أَنَّهُ الْأَقْرَب. قُلْت : بَلْ هُوَ الْمُتَعَيِّن لِتَظَاهُرِ الرِّوَايَات بِذَلِكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ , إِلَّا أَنَّ السَّبَب فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِف , فَالَّذِي فِي الْحُدَيْبِيَة كَانَ بِسَبَبِ تَوَقُّف مِنْ تَوَقَّفَ مِنْ الصَّحَابَة عَنْ الْإِحْلَال لِمَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْحُزْن لِكَوْنِهِمْ مُنِعُوا مِنْ الْوُصُول إِلَى الْبَيْت مَعَ اِقْتِدَارهمْ فِي أَنْفُسهمْ عَلَى ذَلِكَ فَخَالَفَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَالَحَ قُرَيْشًا عَلَى أَنْ يَرْجِع مِنْ الْعَام الْمُقْبِل , وَالْقِصَّة مَشْهُورَة كَمَا سَتَأْتِي فِي مَكَانهَا. ‏ ‏فَلَمَّا أَمَرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِحْلَالِ تَوَقَّفُوا , فَأَشَارَتْ أُمّ سَلَمَة أَنْ يَحِلّ هُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَهُمْ فَفَعَلَ , فَتَبِعُوهُ فَحَلَقَ بَعْضهمْ وَقَصَّرَ بَعْض , وَكَانَ مَنْ بَادَرَ إِلَى الْحَلْق أَسْرَعَ إِلَى اِمْتِثَال الْأَمْر مِمَّنْ اِقْتَصَرَ عَلَى التَّقْصِير. ‏ ‏وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِهَذَا السَّبَب فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمُشَار إِلَيْهِ قَبْلُ فَإِنَّ فِي آخِره عِنْد اِبْن مَاجَه وَغَيْره أَنَّهُمْ \" قَالُوا يَا رَسُول اللَّه مَا بَال الْمُحَلِّقِينَ ظَاهَرْت لَهُمْ بِالرَّحْمَةِ ؟ قَالَ : لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا \". وَأَمَّا السَّبَب فِي تَكْرِير الدُّعَاء لِلْمُحَلِّقِينَ فِي حَجَّة الْوَدَاع فَقَالَ اِبْن الْأَثِير فِي \" النِّهَايَة \" : كَانَ أَكْثَر مَنْ حَجّ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسُقْ الْهَدْي , فَلَمَّا أَمَرَهُمْ أَنْ يَفْسَخُوا الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة ثُمَّ يَتَحَلَّلُوا مِنْهَا وَيَحْلِقُوا رُءُوسهمْ شَقَّ عَلَيْهِمْ , ثُمَّ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدّ مِنْ الطَّاعَة كَانَ التَّقْصِير فِي أَنْفُسهمْ أَخَفّ مِنْ الْحَلْق فَفَعَلَهُ أَكْثَرهمْ , فَرَجَّحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْل مَنْ حَلَقَ لِكَوْنِهِ أَبَيْنَ فِي اِمْتِثَال الْأَمْر اِنْتَهَى. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَر وَإِنْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ غَيْر وَاحِد , لِأَنَّ الْمُتَمَتِّع يُسْتَحَبّ فِي حَقّه أَنَّ يُقَصِّر فِي الْعُمْرَة وَيَحْلِق فِي الْحَجّ إِذَا كَانَ مَا بَيْن النُّسُكَيْنِ مُتَقَارِبًا , وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَقّهمْ كَذَلِكَ. وَالْأَوْلَى مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : إِنَّ عَادَة الْعَرَب أَنَّهَا كَانَتْ تُحِبّ تَوْفِير الشَّعْر وَالتَّزَيُّن بِهِ , وَكَانَ الْحَلْق فِيهِمْ قَلِيلًا وَرُبَّمَا كَانُوا يَرَوْنَهُ مِنْ الشُّهْرَة وَمِنْ زِيّ الْأَعَاجِم , فَلِذَلِكَ كَرِهُوا الْحَلْق وَاقْتَصَرُوا عَلَى التَّقْصِير. وَفِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد أَنَّ التَّقْصِير يُجْزِئ عَنْ الْحَلْق , وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّ الْحَلْق يَتَعَيَّن فِي أَوَّل حَجَّة , حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر بِصِيغَةِ التَّمْرِيض , وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ الْحَسَن خِلَافه. قَالَ اِبْن أَبِي شَيْبَة : حَدَّثَنَا عَبْد الْأَعْلَى عَنْ هِشَام عَنْ الْحَسَن فِي الَّذِي لَمْ يَحُجّ قَطّ , فَإِنْ شَاءَ حَلَقَ وَإِنْ شَاءَ قَصَّرَ. نَعَمْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ قَالَ : إِذَا حَجّ الرَّجُل أَوَّل حِجَّة حَلَقَ , فَإِنْ حَجّ أُخْرَى فَإِنْ شَاءَ حَلَقَ وَإِنْ شَاءَ قَصَّرَ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يَحْلِقُوا فِي أَوَّل حَجَّة وَأَوَّل عُمْرَة اِنْتَهَى. وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لِلِاسْتِحْبَابِ لَا لِلُّزُومِ. نَعَمْ عِنْد الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَابِلَة أَنَّ مَحِلّ تَعْيِين الْحَلْق وَالتَّقْصِير أَنْ لَا يَكُون الْمُحْرِم لَبَّدَ شَعْره أَوْ ضَفَّرَهُ أَوْ عَقَصَهُ , وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيّ وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم وَالْجُمْهُور , وَقَالَ فِي الْجَدِيد وِفَاقًا لِلْحَنَفِيَّةِ : لَا يَتَعَيَّن إِلَّا إِنْ نَذَرَهُ أَوْ كَانَ شَعْره خَفِيفًا لَا يُمْكِن تَقْصِيره أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَعْر فَيُمِرّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسه. وَأَغْرَبَ الْخَطَّابِيُّ فَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث لِتَعَيُّنِ الْحَلْق لِمَنْ لَبَّدَ , وَلَا حُجَّة فِيهِ , وَفِيهِ أَنَّ الْحَلْق أَفْضَلُ مِنْ التَّقْصِير , وَوَجْهه أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعِبَادَة وَأَبْيَنُ لِلْخُضُوعِ وَالذِّلَّة وَأَدَلّ عَلَى صِدْق النِّيَّة , وَالَّذِي يُقَصِّر يُبْقِي عَلَى نَفْسه شَيْئًا مِمَّا يَتَزَيَّن بِهِ , بِخِلَافِ الْحَالِق فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى التَّجَرُّد , وَمِنْ ثَمَّ اِسْتَحَبَّ الصُّلَحَاء إِلْقَاء الشُّعُور عِنْد التَّوْبَة وَاللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا قَوْل النَّوَوِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فِي تَعْلِيل ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُقَصِّر يُبْقِي عَلَى نَفْسه الشَّعْر الَّذِي هُوَ زِينَة وَالْحَاجّ مَأْمُور بِتَرْكِ الزِّينَة بَلْ هُوَ أَشْعَث أَغْبَر فَفِيهِ نَظَر , لِأَنَّ الْحَلْق إِنَّمَا يَقَع بَعْد اِنْقِضَاء زَمَن الْأَمْر بِالتَّقَشُّفِ فَإِنَّهُ يَحِلّ لَهُ عَقِبه كُلّ شَيْء إِلَّا النِّسَاء فِي الْحَجّ خَاصَّة. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" الْمُحَلِّقِينَ \" عَلَى مَشْرُوعِيَّة حَلْق جَمِيع الرَّأْس لِأَنَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيه الصِّيغَة , وَقَالَ بِوُجُوبِ حَلْق جَمِيعه مَالِك وَأَحْمَد وَاسْتَحَبَّهُ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ , وَيُجْزِئ الْبَعْض عِنْدهمْ , وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَعَنْ الْحَنَفِيَّة الرُّبُع , إِلَّا أَبَا يُوسُف فَقَالَ النِّصْف , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : أَقَلّ مَا يَجِب حَلْق ثَلَاث شَعَرَات , وَفِي وَجْه لِبَعْضِ أَصْحَابه شَعْرَة وَاحِدَة , وَالتَّقْصِير كَالْحَلْقِ فَالْأَفْضَل أَنْ يُقَصِّر مِنْ جَمِيع شَعْر رَأْسه , وَيُسْتَحَبّ أَنْ لَا يَنْقُص عَنْ قَدْر الْأُنْمُلَة , وَإِنْ اِقْتَصَرَ عَلَى دُونهَا أَجْزَأَ , هَذَا لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مُرَتَّب عِنْد غَيْرهمْ عَلَى الْحَلْق , وَهَذَا كُلّه فِي حَقّ الرِّجَال وَأَمَّا النِّسَاء فَالْمَشْرُوع فِي حَقّهنَّ التَّقْصِير بِالْإِجْمَاعِ , وَفِيهِ حَدِيث لِابْنِ عَبَّاس عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَلَفْظه \" لَيْسَ عَلَى النِّسَاء حَلْق , وَإِنَّمَا عَلَى النِّسَاء التَّقْصِير \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيث عَلِيّ \" نَهَى أَنْ تَحْلِق الْمَرْأَة رَأْسهَا \" وَقَالَ جُمْهُور الشَّافِعِيَّة : لَوْ حَلَقَتْ أَجْزَأَهَا وَيُكْرَه , وَقَالَ الْقَاضِيَانِ أَبُو الطَّيِّب وَحُسَيْن : لَا يَجُوز , وَاللَّه أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا مَشْرُوعِيَّة الدُّعَاء لِمَنْ فَعَلَ مَا شُرِعَ لَهُ , وَتَكْرَار الدُّعَاء لِمَنْ فَعَلَ الرَّاجِح مِنْ الْأَمْرَيْنِ الْمُخَيَّر فِيهِمَا وَالتَّنْبِيه بِالتَّكْرَارِ عَلَى الرُّجْحَان وَطَلَب الدُّعَاء لِمَنْ فَعَلَ الْجَائِز وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1614",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَلَقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1615",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمِشْقَصٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْحَسَن بْن مُسْلِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن مُسْلِم \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَالْإِسْنَاد سِوَى أَبِي عَاصِم مَكِّيُّونَ , وَفِيهِ رِوَايَة صَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ. ‏ ‏وَمُعَاوِيَة هُوَ اِبْن أَبِي سُفْيَان الْخَلِيفَة الْمَشْهُور. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُعَاوِيَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَنَّ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان أَخْبَرَهُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَصَّرْت ) ‏ ‏أَيْ أَخَذْت مِنْ شَعْر رَأْسه , وَهُوَ يُشْعِر بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي نُسُك , إِمَّا فِي حَجّ أَوْ عُمْرَة , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ حَلَقَ فِي حَجَّته فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُون فِي عُمْرَة , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ رَوَى مُسْلِم فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَرْوَةِ وَلَفْظه \" قَصَّرْت عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِشْقَصٍ وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَة \" أَوْ \" رَأَيْته يُقَصَّر عَنْهُ بِمِشْقَصٍ وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَة \" وَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي عُمْرَة الْقَضِيَّة أَوْ الْجِعْرَانَة , لَكِنْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ طَاوُسٍ بِلَفْظِ \" أَمَا عَلِمْت أَنِّي قَصَّرْت عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِشْقَصٍ وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَة ؟ فَقُلْت لَهُ لَا أَعْلَم هَذِهِ إِلَّا حُجَّة عَلَيْك \" وَبَيَّنَ الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ فَقَالَ بَدَل قَوْله : \" فَقُلْت لَهُ لَا إِلَخْ \" يَقُول اِبْن عَبَّاس \" وَهَذِهِ عَلَى مُعَاوِيَة أَنْ يَنْهَى النَّاس عَنْ الْمُتْعَة وَقَدْ تَمَتَّعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلِأَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" تَمَتَّعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَاتَ \" الْحَدِيث وَقَالَ \" وَأَوَّل مَنْ نَهَى عَنْهَا مُعَاوِيَة. قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَعَجِبْت مِنْهُ , وَقَدْ حَدَّثَنِي أَنَّهُ قَصَّرَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِشْقَصٍ \" اِنْتَهَى. وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ اِبْن عَبَّاس حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى وُقُوعه فِي حَجَّة الْوَدَاع لِقَوْلِهِ لِمُعَاوِيَةَ \" إِنَّ هَذِهِ حُجَّة عَلَيْك \" إِذْ لَوْ كَانَ فِي الْعُمْرَة لَمَا كَانَ فِيهِ عَلَى مُعَاوِيَة حُجَّة. وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا وَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق قَيْس بْن سَعْد عَنْ عَطَاء \" أَنَّ مُعَاوِيَة حَدَّثَ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ أَطْرَاف شَعْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَيَّام الْعَشْر بِمِشْقَصٍ مَعِي وَهُوَ مُحْرِم \" وَفِي كَوْنه فِي حَجَّة الْوَدَاع نَظَر , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحِلّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْي مَحِلّه فَكَيْف يُقَصِّر عَنْهُ عَلَى الْمَرْوَة. وَقَدْ بَالَغَ النَّوَوِيّ هُنَا فِي الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاع فَقَالَ : هَذَا الْحَدِيث مَحْمُول عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَة قَصَّرَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمْرَة الْجِعْرَانَة لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّة الْوَدَاع كَانَ قَارِنًا وَثَبَتَ أَنَّهُ حَلَقَ بِمِنًى وَفَرَّقَ أَبُو طَلْحَة شَعْره بَيْن النَّاس , فَلَا يَصِحّ حَمْل تَقْصِير مُعَاوِيَة عَلَى حَجَّة الْوَدَاعِ, وَلَا يَصِحّ حَمْله أَيْضًا عَلَى عُمْرَة الْقَضَاء الْوَاقِعَة سَنَة سَبْع لِأَنَّ مُعَاوِيَة لَمْ يَكُنْ يَوْمئِذٍ مُسْلِمًا إِنَّمَا أَسْلَمَ يَوْم الْفَتْح سَنَة ثَمَان , هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور , وَلَا يَصِحّ قَوْل مَنْ حَمَلَهُ عَلَى حَجَّة الْوَدَاعِ وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَمَتِّعًا لِأَنَّ هَذَا غَلَط فَاحِش , فَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث فِي مُسْلِم وَغَيْره أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ \" مَا شَأْن النَّاس حَلُّوا مِنْ الْعُمْرَة وَلَمْ تَحِلّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتك ؟ فَقَالَ : إِنِّي لَبَّدْت رَأْسِي وَقَلَّدْت هَدْيِي فَلَا أَحِلّ حَتَّى أَنْحَر \". قُلْت : وَلَمْ يَذْكَر الشَّيْخ هُنَا مَا مَرَّ فِي عُمْرَة الْقَضِيَّة , وَالَّذِي رَجَّحَهُ مِنْ كَوْن مُعَاوِيَة إِنَّمَا أَسْلَمَ يَوْم الْفَتْح صَحِيح مِنْ حَيْثُ السَّنَد , لَكِنْ يُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُ كَانَ أَسْلَمَ خُفْيَة وَكَانَ يَكْتُم إِسْلَامه وَلَمْ يَتَمَكَّن مِنْ إِظْهَاره إِلَّا يَوْم الْفَتْح. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن عَسَاكِر فِي تَارِيخ دِمَشْق مِنْ تَرْجَمَة مُعَاوِيَة تَصْرِيح مُعَاوِيَة بِأَنَّهُ أَسْلَمَ بَيْن الْحُدَيْبِيَة وَالْقَضِيَّة وَأَنَّهُ كَانَ يُخْفِي إِسْلَامه خَوْفًا مِنْ أَبَوَيْهِ , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَخَلَ فِي عُمْرَة الْقَضِيَّة مَكَّة خَرَجَ أَكْثَر أَهْلهَا عَنْهَا حَتَّى لَا يَنْظُرُوهُ وَأَصْحَابه يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ , فَلَعَلَّ مُعَاوِيَة كَانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ بِمَكَّة لِسَبَبٍ اِقْتَضَاهُ , وَلَا يُعَارِضهُ أَيْضًا قَوْل سَعْد بْن أَبِي وَقَاصّ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَغَيْره \" فَعَلْنَاهَا - يَعْنِي الْعُمْرَة - فِي أَشْهُر الْحَجّ وَهَذَا يَوْمئِذٍ كَافِر بِالْعُرُشِ \" بِضَمَّتَيْنِ يَعْنِي بُيُوت مَكَّة , يُشِير إِلَى مُعَاوِيَة لِأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا اِسْتَصْحَبَهُ مِنْ حَاله وَلَمْ يَطَّلِع عَلَى إِسْلَامه لِكَوْنِهِ كَانَ يُخْفِيه. وَيُعَكِّر عَلَى مَا جَوَّزُوهُ أَنَّ تَقْصِيره كَانَ فِي عُمْرَة الْجِعْرَانَة أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ مِنْ الْجِعْرَانَة بَعْد أَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يَسْتَصْحِب أَحَدًا مَعَهُ إِلَّا بَعْض أَصْحَابه الْمُهَاجِرِينَ , فَقَدِمَ مَكَّة فَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ وَرَجَعَ إِلَى الْجِعْرَانَة فَأَصْبَحَ بِهَا كَبَائِتٍ , فَخَفِيَتْ عُمْرَته عَلَى كَثِير مِنْ النَّاس. وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره , وَلَمْ يَعُدْ مُعَاوِيَة فِيمَنْ صَحِبَهُ حِينَئِذٍ , وَلَا كَانَ مُعَاوِيَة فِيمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِمَكَّة فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ حَتَّى يُقَال لَعَلَّهُ وَجَدَهُ بِمَكَّة , بَلْ كَانَ مَعَ الْقَوْم وَأَعْطَاهُ مِثْل مَا أَعْطَى أَبَاهُ مِنْ الْغَنِيمَة مَعَ جُمْلَة الْمُؤَلَّفَة , وَأَخْرَجَ الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" فِي آخِر قِصَّة غَزْوَة حُنَيْنٍ أَنَّ الَّذِي حَلَقَ رَأْسه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمْرَته الَّتِي اِعْتَمَرَهَا مِنْ الْجِعْرَانَة أَبُو هِنْد عَبْد بَنِي بَيَاضَةَ , فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا وَثَبَتَ أَنَّ مُعَاوِيَة كَانَ حِينَئِذٍ مَعَهُ أَوْ كَانَ بِمَكَّة فَقَصَّرَ عَنْهُ بِالْمَرْوَةِ أَمْكَنَ الْجَمْع بِأَنْ يَكُون مُعَاوِيَة قَصَّرَ عَنْهُ أَوَّلًا وَكَانَ الْحَلَّاق غَائِبًا فِي بَعْض حَاجَته ثُمَّ حَضَرَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُكْمِل إِزَالَة الشَّعْر بِالْحَلْقِ لِأَنَّهُ أَفْضَل فَفَعَلَ , وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي عُمْرَة الْقَضِيَّة وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَقَ فِيهَا جَاءَ هَذَا الِاحْتِمَال بِعَيْنِهِ وَحَصَلَ التَّوْفِيق بَيْن الْأَخْبَار كُلّهَا , وَهَذَا مِمَّا فَتَحَ اللَّه عَلَيَّ بِهِ فِي هَذَا الْفَتْح وَلِلَّهِ الْحَمْد ثُمَّ لِلَّهِ الْحَمْد أَبَدًا. قَالَ صَاحِب \" الْهَدْي \" الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْمُسْتَفِيضَة تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحِلّ مِنْ إِحْرَامه إِلَى يَوْم النَّحْر كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسه بِقَوْلِهِ \" فَلَا أَحِلّ حَتَّى أَنْحَر \" وَهُوَ خَبَر لَا يَدْخُلهُ الْوَهْم بِخِلَافِ خَبَر غَيْره , ثُمَّ قَالَ : وَلَعَلَّ مُعَاوِيَة قَصَّرَ عَنْهُ فِي عُمْرَة الْجِعْرَانَة فَنَسِيَ بَعْد ذَلِكَ وَظَنَّ أَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّته اِنْتَهَى. وَلَا يُعَكِّر عَلَى هَذَا إِلَّا رِوَايَة قَيْس بْن سَعْد الْمُتَقَدِّمَة لِتَصْرِيحِهِ فِيهَا بِكَوْنِ ذَلِكَ فِي أَيَّام الْعَشْر , إِلَّا أَنَّهَا شَاذَّة , وَقَدْ قَالَ قَيْس بْن سَعْد عَقِبهَا : وَالنَّاس يُنْكِرُونَ ذَلِكَ اِنْتَهَى. وَأَظُنّ قَيْسًا رَوَاهَا بِالْمَعْنَى ثُمَّ حَدَّثَ بِهَا فَوَقَعَ لَهُ ذَلِكَ , وَقَالَ بَعْضهمْ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون فِي قَوْل مُعَاوِيَة \" قَصَّرْت عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِشْقَصٍ \" حَذْف تَقْدِيره قَصَّرْت أَنَا شَعْرِي عَنْ أَمْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْتَهَى. وَيُعَكِّر عَلَيْهِ قَوْله فِي رِوَايَة أَحْمَد \" قَصَّرْت عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد الْمَرْوَة \" أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَالَ اِبْن حَزْم يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مُعَاوِيَة قَصَّرَ عَنْ رَأْس رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَقِيَّة شَعْر لَمْ يَكُنْ الْحَلَّاق اِسْتَوْفَاهُ يَوْم النَّحْر , وَتَعَقَّبَهُ صَاحِب \" الْهَدْي \" بِأَنَّ الْحَالِق لَا يُبْقِي شَعْرًا يُقَصَّر مِنْهُ , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ قَسَمَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَعْره بَيْن الصَّحَابَة الشَّعْرَة وَالشَّعْرَتَيْنِ , وَأَيْضًا فَهُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْعَ بَيْن الصَّفَّا وَالْمَرْوَة إِلَّا سَعْيًا وَاحِدًا فِي أَوَّل مَا قَدِمَ فَمَاذَا يَصْنَع عِنْد الْمَرْوَة فِي الْعَشْر. قُلْت : وَفِي رِوَايَة الْعَشْر نَظَر كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ أَشَارَ النَّوَوِيّ إِلَى تَرْجِيح كَوْنه فِي الْجِعْرَانَة وَصَوَّبَهُ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ وَابْن الْقَيِّم , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ جَاءَ أَنَّهُ حَلَقَ فِي الْجِعْرَانَة , وَاسْتِبْعَاد بَعْضهمْ أَنَّ مُعَاوِيَة قَصَّرَ عَنْهُ فِي عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة لِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ لَيْسَ بِبَعِيدٍ. ‏ ‏قَوْله : ( بِمِشْقَصٍ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْقَاف وَآخِره صَاد مُهْمَلَة , قَالَ الْقَزَّاز : هُوَ نَصْل عَرِيض يُرْمَى بِهِ الْوَحْش. وَقَالَ صَاحِب \" الْمُحْكَم \" : هُوَ الطَّوِيل مِنْ النِّصَال وَلَيْسَ بِعَرِيضٍ. وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْد وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1616",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏كُرَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطُوفُوا ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَبِالصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏ثُمَّ يَحِلُّوا وَيَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏هُوَ الْمُقَدِّمِيُّ , وَفُضَيْل شَيْخه بِالتَّصْغِيرِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَحِلُّوا وَيَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا ) ‏ ‏فِيهِ التَّخْيِير بَيْن الْحَلْق وَالتَّقْصِير لِلْمُتَمَتِّعِ , وَهُوَ عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي قَدَّمْنَاهُ إِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَطْلُع شَعْره فَالْأَوْلَى لَهُ الْحَلْق وَإِلَّا فَالتَّقْصِير لِيَقَع لَهُ الْحَلْق فِي الْحَجّ. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1617",
        "content": "‏ ‏وَقَالَ لَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا ثُمَّ ‏ ‏يَقِيلُ ‏ ‏ثُمَّ يَأْتِي ‏ ‏مِنًى ‏ ‏يَعْنِي يَوْمَ النَّحْرِ ‏ ‏وَرَفَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْم إِلَخْ ) ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ( رَفَعَهُ عَبْد الرَّزَّاق حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه ) وَصَلَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق بِلَفْظِ أَبِي نُعَيْم وَزَادَ فِي آخِره \" وَيَذْكُر - أَيْ اِبْن عُمَر - أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ \" وَفِيهِ التَّنْصِيص عَلَى الرُّجُوع إِلَى مِنًى بَعْد الْقَيْلُولَة فِي يَوْم النَّحْر , وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُون خَرَجَ مِنْهَا إِلَى مَكَّة لِأَجْلِ الطَّوَاف قَبْل ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث أَبِي سَلَمَة أَنَّ عَائِشَة قَالَتْ \" حَجَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَفَضْنَا يَوْم النَّحْر \" أَيْ طُفْنَا طَوَاف الْإِفَاضَة , وَهُوَ مُطَابِق لِلتَّرْجَمَةِ , وَذَكَر فِيهِ قِصَّة صَفِيَّة وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب إِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَة بَعْدَمَا أَفَاضَتْ \" قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1618",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ فَحَاضَتْ ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏فَأَرَادَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا حَائِضٌ قَالَ حَابِسَتُنَا هِيَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ اخْرُجُوا ‏ ‏وَيُذْكَرُ عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏وَعُرْوَةَ ‏ ‏وَالْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَفَاضَتْ ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏يَوْمَ النَّحْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَيُذْكَر عَنْ الْقَاسِم وَعُرْوَة وَالْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة أَفَاضَتْ صَفِيَّة يَوْم النَّحْر ) ‏ ‏وَغَرَضه بِهَذَا أَنَّ أَبَا سَلَمَة لَمْ يَنْفَرِد عَنْ عَائِشَة بِذَلِكَ , وَإِنَّمَا لَمْ يَجْزِم لِأَنَّ بَعْضهمْ أَوْرَدَهُ بِالْمَعْنَى كَمَا نُبَيِّنهُ , أَمَّا طَرِيق الْقَاسِم فَهِيَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَفْلَحَ بْن حُمَيْدٍ عَنْهُ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" كُنَّا نَتَخَوَّف أَن تَحِيض صَفِيَّة قَبْل أَنْ تُفِيض , فَجَاءَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَحَابِسَتنَا صَفِيَّة ؟ قُلْنَا : قَدْ أَفَاضَتْ. قَالَ : فَلَا إِذًا \" وَرَوَاهُ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْقَاسِم عَنْهَا \" أَنَّ صَفِيَّة حَاضَتْ بِمِنًى وَكَانَتْ قَدْ أَفَاضَتْ \" الْحَدِيث. وَأَمَّا طَرِيق عُرْوَة فَرَوَاهُ الْمُصَنِّف فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ صَفِيَّة حَاضَتْ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ \" وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ عَقِب رِوَايَة الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ \" أَكُنْت أَفَضْت يَوْم النَّحْر ؟ قَالَتْ. نَعَمْ \" أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهِ وَقَالَ نَحْوه , وَأَمَّا طَرِيق الْأَسْوَد فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي \" بَاب الْإِدْلَاج مِنْ الْمُحَصَّب \" بِلَفْظِ \" حَاضَتْ صَفِيَّة \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" أَطَافَتْ يَوْم النَّحْر ؟ فَقِيلَ نَعَمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1619",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَقَالَ ‏ ‏لَا حَرَجَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1620",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏فَيَقُولُ ‏ ‏لَا حَرَجَ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ قَالَ اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ وَقَالَ رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ فَقَالَ لَا حَرَجَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1621",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ فَقَالَ رَجُلٌ لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ قَالَ ‏ ‏اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ قَالَ ارْمِ وَلَا حَرَجَ فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏كَذَا فِي \" الْمُوَطَّإ \" , وَعِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى وَهُوَ الّقَطَّانُ عَنْ مَالِك \" حَدَّثَنِي الزُّهْرِيِّ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عِيسَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة صَالِح \" حَدَّثَنِي عِيسَى \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَفَ فِي حَجَّة الْوَدَاعِ) ‏ ‏لَمْ يُعَيِّن الْمَكَان وَلَا الْيَوْم , لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم عَنْ إِسْمَاعِيل عَنْ مَالِك \" بِمِنًى \" وَكَذَا فِي رِوَايَة مَعْمَر , وَفِيهِ مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة عَنْ الزُّهْرِيِّ \" عِنْد الْجَمْرَة \" وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ وَهِيَ الطَّرِيق الثَّانِيَة هُنَا \" يَخْطُب يَوْم النَّحْر \" وَفِي رِوَايَة صَالِح وَمَعْمَر كَمَا تَقَدَّمَ \" عَلَى رَاحِلَته \" قَالَ عِيَاض : جَمَعَ بَعْضهمْ بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات بِأَنَّهُ مَوْقِف وَاحِد عَلَى أَنَّ مَعْنَى خَطَبَ أَيْ عَلَّمَ النَّاس لَا أَنَّهَا مِنْ خُطَب الْحَجّ الْمَشْرُوعَة , قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي مَوْطِنَيْنِ أَحَدهمَا عَلَى رَاحِلَته عِنْد الْجَمْرَة وَلَمْ يَقُلْ فِي هَذَا خَطَبَ , وَالثَّانِي يَوْم النَّحْر بَعْد صَلَاة الظُّهْر وَذَلِكَ وَقْت الْخُطْبَة الْمَشْرُوعَة مِنْ خُطَب الْحَجّ يُعَلِّم الْإِمَام فِيهَا النَّاس مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنَاسِكهمْ. وَصَوَّبَ النَّوَوِيّ هَذَا الِاحْتِمَال الثَّانِي. فَإِنْ قِيلَ لَا مُنَافَاة بَيْن هَذَا الَّذِي صَوَّبَهُ وَبَيْن الَّذِي قَبْله فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْء مِنْ طُرُق الْحَدِيثَيْنِ - حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو - بَيَان الْوَقْت الَّذِي خَطَبَ فِيهِ مِنْ النَّهَار , قُلْت : نَعَمْ لَمْ يَقَع التَّصْرِيح بِذَلِكَ , لَكِنْ فِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ بَعْض السَّائِلِينَ قَالَ رَمَيْت بَعْدَمَا أَمْسَيْت \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ بَعْد الزَّوَال لِأَنَّ الْمَسَاء يُطْلَق عَلَى مَا بَعْد الزَّوَال , وَكَأَنَّ السَّائِل عَلِمَ أَنَّ السُّنَّة لِلْحَاجِّ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَة أَوَّلَ مَا يَقْدَم ضُحًى فَلَمَّا أَخَّرَهَا إِلَى بَعْد الزَّوَال سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ , عَلَى أَنَّ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مِنْ مَخْرَج وَاحِد لَا يُعْرَف لَهُ طَرِيق إِلَّا طَرِيق الزُّهْرِيِّ هَذِهِ عَنْ عِيسَى عَنْهُ , الِاخْتِلَاف فِيهِ مِنْ أَصْحَاب الزُّهْرِيِّ , وَغَايَته أَنَّ بَعْضهمْ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرهُ الْآخَر , وَاجْتَمَعَ مِنْ مَرْوِيّهمْ وَرِوَايَة اِبْن عَبَّاس أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم النَّحْر بَعْد الزَّوَال وَهُوَ عَلَى رَاحِلَته يَخْطُب عِنْد الْجَمْرَة , وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد الزَّوَال يَوْم النَّحْر تَعَيَّنَ أَنَّهَا الْخُطْبَة الَّتِي شُرِعَتْ لِتَعْلِيمِ بَقِيَّة الْمَنَاسِك , فَلَيْسَ قَوْله خَطَبَ مَجَازًا عَنْ مُجَرَّد التَّعْلِيم بَلْ حَقِيقَة , وَلَا يَلْزَم مِنْ وُقُوفه عِنْد الْجَمْرَة أَنْ يَكُون حِينَئِذٍ رَمَاهَا فَسَيَأْتِي فِي آخِر الْبَاب الَّذِي يَلِيه مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ يَوْم النَّحْر بَيْن الْجَمَرَات فَذَكَر خُطْبَته , فَلَعَلَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْد أَنْ أَفَاضَ وَرَجَعَ إِلَى مِنًى. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه بَعْد الْبَحْث الشَّدِيد , وَلَا عَلَى اِسْم أَحَد مِمَّنْ سَأَلَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة , وَسَأُبَيِّنُ أَنَّهُمْ كَانُوا جَمَاعَة , لَكِنْ فِي حَدِيث أُسَامَة بْن شَرِيك عِنْد الطَّحَاوِيّ وَغَيْره كَانَ الْأَعْرَاب يَسْأَلُونَهُ , وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَب فِي عَدَم ضَبْط أَسْمَائِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ أَشْعُر ) ‏ ‏أَيْ لَمْ أَفْطِن , يُقَال شَعَرْت بِالشَّيْءِ شُعُورًا إِذَا فَطِنْت لَهُ , وَقِيلَ الشُّعُور الْعِلْم , وَلَمْ يُفْصِح فِي رِوَايَة مَالِك بِمُتَعَلَّقِ الشُّعُور , وَقَدْ بَيَّنَهُ يُونُس عِنْد مُسْلِم وَلَفْظه \" لَمْ أَشْعُر أَنَّ الرَّمْي قَبْل النَّحْر فَنَحَرْت قَبْل أَنْ أَرْمِيَ \" وَقَالَ آخَر \" لَمْ أَشْعُر أَنَّ النَّحْر قَبْل الْحَلْق فَحَلَقْت قَبْل أَنْ أَنْحَر \" وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ : كُنْت أَحْسِب أَنَّ كَذَا قَبْل كَذَا , وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة يُونُس , وَزَادَ فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ : وَأَشْبَاه ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن أَبِي حَفْصَة عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد مُسْلِم \" حَلَقْت قَبْل أَنْ أَرْمِيَ \" وَقَالَ آخَر \" أَفَضْت إِلَى الْبَيْت قَبْل أَنْ أَرْمِيَ \" وَفِي حَدِيث مَعْمَر عِنْد أَحْمَد زِيَادَة الْحَلْق قَبْل الرَّمْي أَيْضًا , فَحَاصِل مَا فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو السُّؤَال عَنْ أَرْبَعَة أَشْيَاء : الْحَلْق قَبْل الذَّبْح , وَالْحَلْق قَبْل الرَّمْي , وَالنَّحْر قَبْل الرَّمْي , وَالْإِفَاضَة قَبْل الرَّمْي , وَالْأُولَيَانِ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَيْضًا كَمَا مَضَى , وَعِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَيْضًا السُّؤَال عَنْ الْحَلْق قَبْل الرَّمْي , وَكَذَا فِي حَدِيث جَابِر وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد الطَّحَاوِيّ , وَفِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد أَحْمَد السُّؤَال عَنْ الْإِفَاضَة قَبْل الْحَلْق , وَفِي حَدِيثه عِنْد الطَّحَاوِيّ السُّؤَال عَنْ الرَّمْي وَالْإِفَاضَة مَعًا قَبْل الْحَلْق , وَفِي حَدِيث جَابِر الَّذِي عَلَّقَهُ الْمُصَنِّف فِيمَا مَضَى وَوَصَلَهُ اِبْن حِبَّانَ وَغَيْره السُّؤَال عَنْ الْإِفَاضَة قَبْل الذَّبْح , وَفِي حَدِيث أُسَامَة بْن شَرِيك عِنْد أَبِي دَاوُدَ السُّؤَال عَنْ السَّعْي قَبْل الطَّوَاف. ‏ ‏قَوْله : ( اِذْبَحْ وَلَا حَرَج ) ‏ ‏أَيْ لَا ضِيق عَلَيْك فِي ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الذَّبْح قَبْل الْحَلْق \" تَقْرِير تَرْتِيبه , وَذَلِكَ أَنَّ وَظَائِف يَوْم النَّحْر بِالِاتِّفَاقِ أَرْبَعَة أَشْيَاء : رَمْي جَمْرَة الْعَقَبَة , ثُمَّ نَحْر الْهَدْي أَوْ ذَبْحه , ثُمَّ الْحَلْق أَوْ التَّقْصِير , ثُمَّ طَوَاف الْإِفَاضَة. وَفِي حَدِيث أَنَس فِي الصَّحِيحَيْنِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى مِنًى فَأَتَى الْجَمْرَة فَرَمَاهَا , ثُمَّ أَتَى مَنْزِله بِمِنًى فَنَحَرَ , وَقَالَ لِلْحَالِقِ خُذْ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ \" رَمَى ثُمَّ نَحَرَ ثُمَّ حَلَقَ \" وَقَدْ أَجْمَع الْعُلَمَاء عَلَى مَطْلُوبِيَّة هَذَا التَّرْتِيب , إِلَّا أَنَّ اِبْن الْجَهْم الْمَالِكِيّ اِسْتَثْنَى الْقَارِن فَقَالَ : لَا يَحْلِق حَتَّى يَطُوف , كَأَنَّهُ لَاحَظَ أَنَّهُ فِي عَمَل الْعُمْرَة وَالْعُمْرَة يَتَأَخَّر فِيهَا الْحَلْق عَنْ الطَّوَاف , وَرَدَّ عَلَيْهِ النَّوَوِيّ بِالْإِجْمَاعِ , وَنَازَعَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد فِي ذَلِكَ. وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَاز تَقْدِيم بَعْضهَا عَلَى بَعْض فَأَجْمَعُوا عَلَى الْإِجْزَاء فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ اِبْن قُدَامَةَ فِي \" الْمُغْنِي \" إِلَّا أَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي وُجُوب الدَّم فِي بَعْض الْمَوَاضِع , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَلَمْ يَثْبُت عَنْهُ أَنَّ مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا عَلَى شَيْء فَعَلَيْهِ دَم , وَبِهِ قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَقَتَادَة وَالْحَسَن وَالنَّخَعِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي اِنْتَهَى. وَفِي نِسْبَة ذَلِكَ إِلَى النَّخَعِيِّ وَأَصْحَاب الرَّأْي نَظَر , فَإِنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ إِلَّا فِي بَعْض الْمَوَاضِع كَمَا سَيَأْتِي. قَالَ : وَذَهَبَ الشَّافِعِيّ وَجُمْهُور السَّلَف وَالْعُلَمَاء وَفُقَهَاء أَصْحَاب الْحَدِيث إِلَى الْجَوَاز وَعَدَم وُجُوب الدَّم لِقَوْلِهِ لِلسَّائِلِ \" لَا حَرَج \" فَهُوَ ظَاهِر فِي رَفْع الْإِثْم وَالْفِدْيَة مَعًا , لِأَنَّ اِسْم الضِّيق يَشْمَلهُمَا. قَالَ الطَّحَاوِيُّ : ظَاهِر الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى التَّوْسِعَة فِي تَقْدِيم بَعْض هَذِهِ الْأَشْيَاء عَلَى بَعْض , قَالَ : إِلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَوْله \" لَا حَرَج \" أَيْ لَا إِثْم فِي ذَلِكَ الْفِعْل , وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا , وَأَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ الْمُخَالفَة فَتَجِب عَلَيْهِ الْفِدْيَة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ وُجُوب الْفِدْيَة يَحْتَاج إِلَى دَلِيل , وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ وَقْت الْحَاجَة وَلَا يَجُوز تَأْخِيره. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : لَمْ يُسْقِط النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَرَج إِلَّا وَقَدْ أَجْزَأَ الْفِعْل , إِذْ لَوْ لَمْ يُجْزِئ لَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ لِأَنَّ الْجَهْل وَالنِّسْيَان لَا يَضَعَانِ عَنْ الْمَرْء الْحُكْم الَّذِي يَلْزَمهُ فِي الْحَجّ , كَمَا لَوْ تَرَكَ الرَّمْي وَنَحْوه فَإِنَّهُ لَا يَأْثَم بِتَرْكِهِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا لَكِنْ يَجِب عَلَيْهِ الْإِعَادَة. وَالْعَجَب مِمَّنْ يَحْمِل قَوْله \" وَلَا حَرَج \" عَلَى نَفْي الْإِثْم فَقَطْ ثُمَّ يَخُصّ ذَلِكَ بِبَعْضِ الْأُمُور دُون بَعْض , فَإِنْ كَانَ التَّرْتِيب وَاجِبًا يَجِب بِتَرْكِهِ دَم فَلْيَكُنْ فِي الْجَمِيع وَإِلَّا فَمَا وَجْه تَخْصِيص بَعْض دُون بَعْض مِنْ تَعْمِيم الشَّارِع الْجَمِيع بِنَفْيِ الْحَرَج. وَأَمَّا اِحْتِجَاج النَّخَعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَقْدِيم الْحَلْق عَلَى غَيْره بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) قَالَ : فَمَنْ حَلَقَ قَبْل الذَّبْح أَهْرَاق دَمًا عَنْهُ رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ صَحِيح , فَقَدْ أُجِيب بِأَنَّ الْمُرَاد بِبُلُوغِ مَحِلّه وُصُوله إِلَى الْمَوْضِع الَّذِي يَحِلّ ذَبْحه فِيهِ وَقَدْ حَصَلَ , وَإِنَّمَا يَتِمّ مَا أَرَادَ أَنْ لَوْ قَالَ وَلَا تَحْلِقُوا حَتَّى تَنْحَرُوا. وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا بِقَوْلِ اِبْن عَبَّاس : مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ نُسُكه أَوْ أَخَّرَهُ فَلْيُهْرِق لِذَلِكَ دَمًا , قَالَ وَهُوَ أَحَد مَنْ رَوَى أَنْ لَا حَرَج , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِنَفْيِ الْحَرَج نَفْي الْإِثْم فَقَطْ. وَأُجِيب بِأَنَّ الطَّرِيق بِذَلِكَ إِلَى اِبْن عَبَّاس فِيهَا ضَعْف , فَإِنَّ اِبْن أَبِي شَيْبَة أَخْرَجَهَا وَفِيهَا إِبْرَاهِيم بْن مُهَاجِر وَفِيهِ مَقَال , وَعَلَى تَقْدِير الصِّحَّة فَيَلْزَم مَنْ يَأْخُذ بِقَوْلِ اِبْن عَبَّاس أَنْ يُوجِب الدَّم فِي كُلّ شَيْء مِنْ الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة وَلَا يَخُصّهُ بِالْحَلْقِ قَبْل الذَّبْح أَوْ قَبْل الرَّمْي. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : مَنَعَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة تَقْدِيمَ الْحَلْق عَلَى الرَّمْي وَالذَّبْح لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُون حَلْقًا قَبْل وُجُود التَّحَلُّلَيْنِ , وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْل مِثْله , وَقَدْ بُنِيَ الْقَوْلَانِ لَهُ عَلَى أَنَّ الْحَلْق نُسُك أَوْ اِسْتِبَاحَة مَحْظُور ؟ فَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ نُسُك جَازَ تَقْدِيمه عَلَى الرَّمْي وَغَيْره لِأَنَّهُ يَكُون مِنْ أَسْبَاب التَّحَلُّل , وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ اِسْتِبَاحَة مَحْظُور فَلَا , قَالَ : وَفِي هَذَا الْبِنَاء نَظَر , لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الشَّيْء نُسُكًا أَنْ يَكُون مِنْ أَسْبَاب التَّحَلُّل , لِأَنَّ النُّسُك مَا يُتَاب عَلَيْهِ , وَهَذَا مَالِك يَرَى أَنَّ الْحَلْق نُسُك وَيَرَى أَنَّهُ لَا يُقَدَّم عَلَى الرَّمْي مَعَ ذَلِكَ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ أَفَاضَ قَبْل الرَّمْي أَهْرَاقَ دَمًا. وَقَالَ عِيَاض : اُخْتُلِفَ عَنْ مَالِك فِي تَقْدِيم الطَّوَاف عَلَى الرَّمْي. وَرَوَى اِبْن عَبْد الْحَكَم عَنْ مَالِك أَنَّهُ يَجِب عَلَيْهِ إِعَادَة الطَّوَاف , فَإِنْ تَوَجَّهَ إِلَى بَلَده بِلَا إِعَادَة وَجَبَ عَلَيْهِ دَم. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَهَذَا يُخَالِف حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ اِنْتَهَى. قُلْت : وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي حَفْصَة عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَكَأَنَّ مَالِكًا لَمْ يَحْفَظ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْء قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس عِنْد مُسْلِم وَصَالِح عِنْد أَحْمَد \" فَمَا سَمِعْته سُئِلَ يَوْمئِذٍ عَنْ أَمْر مِمَّا يَنْسَى الْمَرْء أَوْ يَجْهَل مِنْ تَقْدِيم بَعْض الْأُمُور عَلَى بَعْض أَوْ أَشْبَاههَا إِلَّا قَالَ : اِفْعَلُوا ذَلِكَ وَلَا حَرَج \" وَاحْتَجَّ بِهِ وَبِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة مَالِك \" لَمْ أَشْعُر \" بِأَنَّ الرُّخْصَة تَخْتَصّ بِمَنْ نَسِيَ أَوْ جَهِلَ لَا بِمَنْ تَعَمَّدَ , قَالَ صَاحِب \" الْمُغْنِي \" قَالَ الْأَثْرَم عَنْ أَحْمَد : إِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَلَا لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث \" لَمْ أَشْعُر \". وَأَجَابَ بَعْض الشَّافِعِيَّة بِأَنَّ التَّرْتِيب لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا سَقَطَ بِالسَّهْوِ , كَالتَّرْتِيبِ بَيْن السَّعْي وَالطَّوَاف فَإِنَّهُ لَوْ سَعَى قَبْل أَنْ يَطُوف وَجَبَ إِعَادَة السَّعْي , وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيث أُسَامَة بْن شَرِيك فَمَحْمُول عَلَى مَنْ سَعَى بَعْد طَوَاف الْقُدُوم ثُمَّ طَافَ طَوَاف الْإِفَاضَة فَإِنَّهُ يَصْدُق عَلَيْهِ أَنَّهُ سَعَى قَبْل الطَّوَاف أَيْ طَوَاف الرُّكْن , وَلَمْ يَقُلْ بِظَاهِرِ حَدِيث أُسَامَة إِلَّا أَحْمَد وَعَطَاء فَقَالَا : لَوْ لَمْ يَطُفْ لِلْقُدُومِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَقَدَّمَ السَّعْي قَبْل طَوَاف الْإِفَاضَة أَجْزَأَهُ , أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْهُ. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : مَا قَالَهُ أَحْمَد قَوِيّ مِنْ جِهَة أَنَّ الدَّلِيل دَلَّ عَلَى وُجُوب اِتِّبَاع الرَّسُول فِي الْحَجّ بِقَوْلِهِ \" خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ \" وَهَذِهِ الْأَحَادِيث الْمُرَخِّصَة فِي تَقْدِيم مَا وَقَعَ عَنْهُ تَأْخِيره قَدْ قُرِنَتْ بِقَوْلِ السَّائِل \" لَمْ أَشْعُر \" فَيَخْتَصّ الْحُكْم بِهَذِهِ الْحَالَة وَتَبْقَى حَالَة الْعَمْد عَلَى أَصْل وُجُوب الِاتِّبَاع فِي الْحَجّ. وَأَيْضًا فَالْحُكْم إِذَا رُتِّبَ عَلَى وَصْف يُمْكِن أَنْ يَكُون مُعْتَبَرًا لَمْ يَجُزْ اطِّرَاحُهُ , وَلَا شَكَّ أَنَّ عَدَم الشُّعُور وَصْف مُنَاسِب لِعَدَمِ الْمُؤَاخَذَة , وَقَدْ عُلِّقَ بِهِ الْحُكْم فَلَا يُمْكِن اطِّرَاحُهُ بِإِلْحَاقِ الْعَمْد بِهِ إِذْ لَا يُسَاوِيه , وَأَمَّا التَّمَسُّك بِقَوْلِ الرَّاوِي \" فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْء إِلَخْ \" فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّ التَّرْتِيب مُطْلَقًا غَيْر مُرَاعًى , فَجَوَابه أَنَّ هَذَا الْإِخْبَار مِنْ الرَّاوِي يَتَعَلَّق بِمَا وَقَعَ السُّؤَال عَنْهُ وَهُوَ مُطْلَق بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَال السَّائِل وَالْمُطْلَق لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ أَحَد الْخَاصَّيْنِ سُنَّة فَلَا يَبْقَى حُجَّة فِي حَال الْعَمْد وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة صَالِح \" أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد اللَّه \" , وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ وَهِيَ الثَّانِيَة \" إِنَّ عَبْد اللَّه حَدَّثَهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1622",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏افْعَلْ وَلَا حَرَجَ لَهُنَّ كُلِّهِنَّ فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى نَاقَتِهِ ‏ ‏فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبِي ) ‏ ‏هُوَ يَحْيَى بْن سَعِيد بْن أَبَانَ بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ الْأُمَوِيّ. قَوْله فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ ( فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُنَّ كُلّهنَّ : اِفْعَلْ وَلَا حَرَج ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : اللَّام فِي قَوْله \" لَهُنَّ \" مُتَعَلِّقَة بِقَالَ , أَيْ قَالَ لِأَجْلِ هَذِهِ الْأَفْعَال , أَوْ بِمَحْذُوفٍ أَيْ قَالَ يَوْم النَّحْر لِأَجْلِهِنَّ أَوْ بِقَوْلِهِ \" لَا حَرَج \" أَيْ لَا حَرَج لِأَجْلِهِنَّ اِنْتَهَى. وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون اللَّام بِمَعْنَى عَنْ أَيْ قَالَ عَنْهُنَّ كُلّهنَّ. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين هَذَا الْحَدِيث لَا يَقْتَضِي رَفْع الْحَرَج فِي غَيْر الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَنْصُوص عَلَيْهِمَا يَعْنِي الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي رِوَايَة مَالِك لِأَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ وَلَا يَدْخُل فِيهِ غَيْره اِنْتَهَى. وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ قَوْله فِي بَقِيَّة الْحَدِيث \" فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْء قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ \" وَكَأَنَّهُ حَمَلَ مَا أُبْهِم فِيهِ عَلَى مَا ذُكِرَ , لَكِنَّ قَوْله فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" وَأَشْبَاه ذَلِكَ \" يُرَدّ عَلَيْهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا حَرَّرْنَاهُ مِنْ مَجْمُوع الْأَحَادِيث عِدَّة صُوَر , وَبَقِيَتْ عِدَّة صُوَر لَمْ تَذْكُرهَا الرُّوَاة إِمَّا اِخْتِصَارًا وَإِمَّا لِكَوْنِهَا لَمْ تَقَع , وَبَلَغَتْ بِالتَّقْسِيمِ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ صُورَة , مِنْهَا صُورَة التَّرْتِيب الْمُتَّفَق عَلَيْهَا وَاللَّه أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد جَوَاز الْقُعُود عَلَى الرَّاحِلَة لِلْحَاجَةِ , وَوُجُوب اِتِّبَاع أَفْعَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِ الَّذِينَ خَالَفُوهَا لَمَّا عَلِمُوا سَأَلُوهُ عَنْ حُكْم ذَلِكَ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيّ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْء فَفَعَلَهُ نَاسِيًا أَنْ لَا شَيْء عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَوْله فِي الطَّرِيق الثَّالِثَة ‏ ‏( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب , وَنَسَبَهُ أَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن فَقَالَ \" إِسْحَاق بْن مَنْصُور \" وَأَوْرَدَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ \" مُسْنَد إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ \" وَهُوَ الْمُتَرَجِّح عِنْدِي لِتَعْبِيرِهِ بِقَوْلِهِ \" أَخْبَرَنَا يَعْقُوب \" لِأَنَّ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ لَا يُحَدِّث عَنْ مَشَايِخه إِلَّا بِلَفْظِ الْإِخْبَار بِخِلَافِ إِسْحَاق بْن مَنْصُور فَيَقُول \" حَدَّثَنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَفَ النَّبِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ) ‏ ‏قَدْ سَبَقَ أَنَّ أَحْمَد وَصَلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1623",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالُوا يَوْمٌ حَرَامٌ قَالَ فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا قَالُوا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا قَالُوا شَهْرٌ حَرَامٌ قَالَ ‏ ‏فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فَأَعَادَهَا مِرَارًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ فَلْيُبْلِغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس أَيّ يَوْم هَذَا ؟ قَالُوا : يَوْم حَرَام ) ‏ ‏كَذَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس هَذَا , وَفِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب \" أَتَدْرُونَ أَيّ يَوْم هَذَا ؟ قَالُوا : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم , فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اِسْمه , قَالَ : أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر ؟ قُلْنَا : بَلَى \" وَحَدِيث اِبْن عُمَر الْمَذْكُور بَعْده نَحْو إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ \" فَسَكَتَ إِلَخْ \" بَلْ فِيهِ بَعْد قَوْلهمْ أَعْلَم \" قَالَ هَذَا يَوْم حَرَام \" فَقِيلَ فِي الْجَمْع بَيْن الْحَدِيثِينَ : لَعَلَّهُمَا وَاقِعَتَانِ , وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْخُطْبَة يَوْم النَّحْر إِنَّمَا تُشْرَع مَرَّة وَاحِدَة وَقَدْ قَالَ فِي كُلّ مِنْهُمَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم النَّحْر , وَقِيلَ فِي الْجَمْع بَيْنهمَا إِنَّ بَعْضهمْ بَادَرَ بِالْجَوَابِ وَبَعْضهمْ سَكَتَ , وَقِيلَ فِي الْجَمْع إِنَّهُمْ فَوَّضُوا أَوَّلًا كُلّهمْ بِقَوْلِهِمْ اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم , فَلَمَّا سَكَتَ أَجَابَ بَعْضهمْ دُون بَعْض , وَقِيلَ وَقَعَ السُّؤَال فِي الْوَقْت الْوَاحِد مَرَّتَيْنِ بِلَفْظَيْنِ , فَلَمَّا كَانَ فِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة فَخَامَة لَيْسَ فِي الْأَوَّل لِقَوْلِهِ فِيهِ \" أَتَدْرُونَ \" سَكَتُوا عَنْ الْجَوَاب بِخِلَافِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس لِخُلُوِّهِ عَنْ ذَلِكَ , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْكَرْمَانِيُّ. وَقِيلَ : فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس اِخْتِصَار بَيَّنَتْهُ رِوَايَة أَبِي بَكْرَة وَابْن عُمَر , فَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ قَوْلهمْ يَوْم حَرَام بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ قَرَّرُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ بَلَى , وَسَكَتَ فِي رِوَايَة اِبْن عُمَر عَنْ ذِكْر جَوَابهمْ , وَهَذَا جَمْع حَسَن , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام فِي هَذَا بِاخْتِصَارٍ فِي كِتَاب الْعِلْمِ فِي \" بَاب قَوْلِهِ رُبَّ مُبَلِّغ أَوْعَى مِنْ سَامِع \". ‏ ‏قَوْله : ( يَوْم حَرَام ) أَيْ يَحْرُم فِيهِ الْقِتَال , وَكَذَلِكَ الشَّهْر وَكَذَلِكَ الْبَلَد , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى قَوْله \" لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا \" فِي كِتَاب الْفِتَن مُسْتَوْعِبًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَعَادَهَا مِرَارًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى عَدَدهَا صَرِيحًا وَيُشْبِه أَنْ يَكُون ثَلَاثًا كَعَادَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ \" إِلَى السَّمَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّته ) ‏ ‏يُرِيد بِذَلِكَ الْكَلَام الْأَخِير وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِد الْغَائِب \" إِلَى آخِر الْحَدِيث , وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ فُضَيْلٍ بِإِسْنَادِ الْبَاب بِلَفْظِ \" ثُمَّ قَالَ أَلَا فَلْيُبَلِّغْ إِلَخْ \" وَهُوَ يُوَضِّح مَا قُلْنَاهُ وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى أُمَّته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ اِبْن نُمَيْر \" إِنَّهَا لَوَصِيَّته إِلَى رَبّه \" وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَمْرو بْن عَلِيّ الْفَلَّاس وَالْمُقَدِّمِيّ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيقهمَا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لِسِتَّةِ أَيَّام مُتَوَالِيَة مِنْ أَيَّام ذِي الْحِجَّة أَسْمَاء : الثَّامِن يَوْم التَّرْوِيَة , وَالتَّاسِع عَرَفَة , وَالْعَاشِر النَّحْر , وَالْحَادِيَ عَشَرَ الْقُرّ , وَالثَّانِيَ عَشَر النَّفْر الْأَوَّل , وَالثَّالِثَ عَشَرَ النَّفْر الثَّانِي. وَذَكَرَ مَكِّيّ بْن أَبِي طَالِب أَنَّ السَّابِع يُسَمَّى يَوْم الزِّينَة وَأَنْكَرَهُ النَّوَوِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1624",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ ‏ ‏بِعَرَفَاتٍ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏وَقَوْله : ( يَخْطُب بِعَرَفَاتَ ) ‏ ‏هُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث سَيَأْتِي فِي \" بَاب لُبْس الْخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ \" عَنْ أَبِي الْوَلِيد عَنْ شُعْبَة بِهَذَا الْإِسْنَاد وَبَعْده مُتَّصِلًا \" يَخْطُب بِعَرَفَاتِ بِقَوْلِهِ : مَنْ لَمْ يَجِد النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ \" الْحَدِيث وَذَكَره بَعْده بِبَابِ عَنْ آدَم عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" خَطَبَنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَاتَ فَقَالَ : مَنْ لَمْ يَجِد \" فَذَكَر الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ تَابَعَ شُعْبَة فِي رِوَايَة هَذَا الْحَدِيث , وَالْمُرَاد بِهِ أَصْل الْحَدِيث , فَإِنَّ أَحْمَد أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَلَفْظه \" سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَقُولُ : مَنْ لَمْ يَجِد \" فَذَكَرَهُ فَلَمْ يُعَيِّنْ مَوْضِعَ الْخُطْبَةِ , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيّ وَابْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْرهمَا عَنْ سُفْيَان , وَهُوَ عِنْد مُسْلِم وَغَيْره مِنْ طَرِيق سُفْيَانَ كَذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1625",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُرَّةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏وَرَجُلٌ أَفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَطَبَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ قُلْنَا بَلَى قَالَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ أَلَيْسَ ذُو الْحَجَّةِ قُلْنَا بَلَى قَالَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ قُلْنَا بَلَى قَالَ ‏ ‏فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ قَالُوا نَعَمْ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ , وَأَبُو عَامِر هُوَ الْعَقَدِيّ , وَقُرَّة هُوَ اِبْن خَالِد , وَحُمَيْدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن هُوَ الْحِمْيَرِيّ , وَإِنَّمَا كَانَ عِنْد اِبْن سِيرِينَ أَفْضَل مِنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْرَة لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْوِلَايَات وَكَانَ حُمَيْدٌ زَاهِدًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر ) ‏ ‏بِنَصْبِ يَوْم عَلَى أَنَّهُ خَبَر لَيْسَ وَالتَّقْدِير أَلَيْسَ الْيَوْم يَوْم النَّحْر , وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى أَنَّهُ اِسْم لَيْسَ وَالتَّقْدِير أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر هَذَا الْيَوْم وَالْأَوَّل أَوْضَح , لَكِنْ يُؤَيِّد هَذَا الثَّانِي قَوْله \" أَلَيْسَ ذُو الْحِجَّة \" أَيْ أَلَيْسَ ذُو الْحِجَّة هَذَا الشَّهْر. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْبَلْدَةِ الْحَرَام ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِتَأْنِيثِ الْبَلَد وَتَذْكِير الْحَرَام وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظ الْحَرَام اِضْمَحَلَّ مِنْهُ مَعْنَى الْوَصْفِيَّة وَصَارَ اِسْمًا , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُقَال إِنَّ الْبَلْدَة اِسْم خَاصّ بِمَكَّة وَهِيَ الْمُرَادَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّمَا أُمِرْت أَنْ أَعْبُد رَبّ هَذِهِ الْبَلْدَة ) وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْمُطْلَق مَحْمُول عَلَى الْكَامِل وَهِيَ الْجَامِعَة لِلْخَيْرِ الْمُسْتَجْمِعَة لِلْكَمَالِ , كَمَا أَنَّ الْكَعْبَة تُسَمَّى الْبَيْت وَيُطْلَق عَلَيْهَا ذَلِكَ. وَقَدْ اِخْتَصَرْت ذَلِكَ مِنْ كَلَام طَوِيل لِلتُّورْبَشْتِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى يَوْم تَلْقَوْنَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ يَوْم وَكَسْره مَعَ التَّنْوِين وَعَدَمه , وَتَرْك التَّنْوِين مَعَ الْكَسْر هُوَ الَّذِي ثَبَتَتْ بِهِ الرِّوَايَة. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ اِشْهَدْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَعَادَ ذَلِكَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ أَنَّ يُبَلِّغ , فَأَشْهَد اللَّه عَلَى أَنَّهُ أَدَّى مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ. \" وَالْمُبَلَّغ \" بِفَتْحِ اللَّام أَيْ رُبَّ شَخْص بَلَغَهُ كَلَامِي فَكَانَ أَحْفَظ لَهُ وَأَفْهَم لِمَعْنَاهُ مِنْ الَّذِي نَقَلَهُ لَهُ , قَالَ الْمُهَلَّب : فِيهِ أَنَّهُ يَأْتِي فِي آخِر الزَّمَان مَنْ يَكُون لَهُ مِنْ الْفَهْم فِي الْعِلْم مَا لَيْسَ لِمَنْ تَقَدَّمَهُ , إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ يَكُون فِي الْأَقَلّ لِأَنَّ \" رُبَّ \" مَوْضُوعَة لِلتَّقْلِيلِ. قُلْت : هِيَ فِي الْأَصْل كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي التَّكْثِير بِحَيْثُ غَلَبَتْ عَلَى الِاسْتِعْمَال الْأَوَّل , لَكِنْ يُؤَيِّد أَنَّ التَّقْلِيل هُنَا مُرَاد أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أُخْرَى تَقَدَّمَتْ فِي الْعِلْم بِلَفْظِ \" عَسَى أَنْ يَبْلُغ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ \" وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى جَوَاز تَحَمُّل الْحَدِيث لِمَنْ لَمْ يَفْهَم مَعْنَاهُ وَلَا فِقْهه إِذَا ضَبْط مَا يُحَدِّث بِهِ , وَيَجُوز وَصْفُه بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْل الْعِلْم بِذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا وُجُوب تَبْلِيغ الْعِلْم عَلَى الْكِفَايَة , وَقَدْ يَتَعَيَّن فِي حَقّ بَعْض النَّاس , وَفِيهِ تَأْكِيد التَّحْرِيم وَتَغْلِيظه بِأَبْلَغ مُمْكِن مِنْ تَكْرَار وَنَحْوه , وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة ضَرَبَ الْمَثَل وَإِلْحَاق النَّظِير بِالنَّظِيرِ لِيَكُونَ أَوْضَحَ لِلسَّامِعِ , وَإِنَّمَا شَبَّه حُرْمَة الدَّم وَالْعِرْض وَالْمَال بِحُرْمَةِ الْيَوْم وَالشَّهْر وَالْبَلَد لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانُوا لَا يَرَوْنَ تِلْكَ الْأَشْيَاء وَلَا يَرَوْنَ هَتْكَ حُرْمَتَهَا وَيَعِيبُونَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَشَدّ الْعَيْب , وَإِنَّمَا قَدَّمَ السُّؤَال عَنْهَا تَذْكَارًا لِحُرْمَتِهَا وَتَقْرِيرًا لِمَا ثَبَتَ فِي نُفُوسهمْ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ مَا أَرَادَ تَقْرِيره عَلَى سَبِيل التَّأْكِيد. ‏"
    },
    {
        "id": "1626",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ بَلَدٌ حَرَامٌ أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ شَهْرٌ حَرَامٌ قَالَ ‏ ‏فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هِشَامُ بْنُ الْغَازِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏وَقَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ ‏ ‏الْجَمَرَاتِ ‏ ‏فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ بِهَذَا وَقَالَ ‏ ‏هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ‏ ‏فَطَفِقَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ اللَّهُمَّ اشْهَدْ وَوَدَّعَ النَّاسَ فَقَالُوا هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر فَرِوَايَته عَنْ جَدّه. ‏ ‏قَوْله : ( أَفَتَدْرُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْقَاسِم الْمُطَرِّز عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى شَيْخ الْبُخَارِيّ قَالَ \" أَوَتَدْرُونَ \" ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ هِشَام بْن الْغَاز ) ‏ ‏بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَآخِره زَاي خَفِيفَة , وَقَدْ وَصَلَهُ اِبْن مَاجَه قَالَ \" حَدَّثَنَا هِشَام بْن عَمَّار حَدَّثَنَا صَدَقَة بْن خَالِد حَدَّثَنَا هِشَام \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَحْمَد بْن الْمُعَلَّى , وَالْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام بْن عَمَّار , وَعَنْ جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ عَنْ دُحَيْم عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ هِشَام بْن الْغَاز , وَمِنْ هَذَا الْوَجْه أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْن الْجَمَرَات ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَالْمِيم فِيهِ تَعْيِين الْبُقْعَة الَّتِي وَقَفَ فِيهَا , كَمَا أَنَّ فِي الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا تَعْيِين الْمَكَان , كَمَا أَنَّ فِي حَدِيثَيْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي بَكْرَة تَعْيِين الْيَوْم , وَوَقَعَ تَعْيِين الْوَقْت مِنْ الْيَوْم فِي رِوَايَة رَافِع بْن عُمَر وَالْمُزَنِيّ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَلَفْظه \" رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب النَّاس بِمِنًى حِين اِرْتَفَعَ الضُّحَى \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْحَجَّة الَّتِي حَجّ ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف عِنْد مَنْ ذُكِرَ أَوَّلًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فِي حَجَّته الَّتِي حَجّ \" وَلِلطَّبَرَانِيّ \" فِي حَجَّة الْوَدَاعِ \". ‏ ‏قَوْله : ( بِهَذَا ) ‏ ‏أَيْ بِالْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن زَيْد عَنْ جَدّه , وَأَرَادَ الْمُصَنِّف بِذَلِكَ أَصْل الْحَدِيث وَأَصْل مَعْنَاهُ لَكِنَّ السِّيَاق مُخْتَلِف فَإِنَّ فِي طَرِيق مُحَمَّد بْن زَيْد أَنَّهُمْ أَجَابُوا بِقَوْلِهِمْ \" اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم \" وَفِي هَذَا عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَغَيْره فِي أَجْوِبَتهمْ قَالُوا : يَوْم النَّحْر , قَالُوا : بَلَد حَرَام , قَالُوا : شَهْر حَرَام. وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنَّهُمْ أَجَابُوا أَوَّلًا بِالتَّفْوِيضِ فَلَمَّا سَكَتَ أَجَابُوا بِالْمَطْلُوبِ. وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : قَوْله \" بِهَذَا \" أَيْ وَقَفَ مُتَلَبِّسًا بِهَذَا الْكَلَام. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ هَذَا يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر ) ) ‏ ‏فِيهِ دَلِيل لِمَنْ يَقُول إِنَّ يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر هُوَ يَوْم النَّحْر وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي أَوَّل تَفْسِير سُورَة بَرَاءَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَطَفِقَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ وَغَيْره بَيْن قَوْله \" يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر \" وَبَيْن قَوْله \" فَطَفِقَ \" مِنْ الزِّيَادَة \" وَدِمَاؤُكُمْ وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَام كَحُرْمَةِ هَذَا الْبَلَد فِي هَذَا الْيَوْم \" وَقَدْ وَقَعَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي طَرِيق مُحَمَّد بْن زَيْد أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَدَّعَ النَّاس ) ‏ ‏وَقَعَ فِي طَرِيق ضَعِيفَة عِنْد الْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر سَبَب ذَلِكَ وَلَفْظه \" أُنْزِلَتْ ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَسَط أَيَّام التَّشْرِيق , وَعَرَفَ أَنَّهُ الْوَدَاع , فَأَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاء فَرُحِلَتْ لَهُ فَرَكِبَ , فَوَقَفَ بِالْعَقَبَةِ وَاجْتَمَعَ النَّاس إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس \" فَذَكَر الْحَدِيث , وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلَالَة عَلَى مَشْرُوعِيَّة الْخُطْبَة يَوْم النَّحْر , وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ , وَخَالَفَ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة قَالُوا : خُطَب الْحَجّ ثَلَاثَة , سَابِع ذِي الْحِجَّة , وَيَوْم عَرَفَة , وَثَانِي يَوْم النَّحْر بِمِنًى. وَوَافَقَهُمْ الشَّافِعِيّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ بَدَل ثَانِي النَّحْر ثَالِثه لِأَنَّهُ أَوَّل النَّفْر , وَزَادَ خُطْبَة رَابِعَة وَهِيَ يَوْم النَّحْر وَقَالَ : إِنَّ بِالنَّاسِ حَاجَة إِلَيْهَا لِيَتَعَلَّمُوا أَعْمَال ذَلِكَ الْيَوْم مِنْ الرَّمْي وَالذَّبْح وَالْحَلْق وَالطَّوَاف. وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ الْخُطْبَة الْمَذْكُورَة لَيْسَتْ مِنْ مُتَعَلَّقَات الْحَجّ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِيهَا شَيْئًا مِنْ أُمُور الْحَجّ وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِيهَا وَصَايَا عَامَّة , وَلَمْ يَنْقُل أَحَد أَنَّهُ عَلَّمَهُمْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ الَّذِي يَتَعَلَّق بِيَوْمِ النَّحْر , فَعَرَفْنَا أَنَّهَا لَمْ تُقْصَد لِأَجْلِ الْحَجّ. وَقَالَ اِبْن الْقَصَّار : إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْل تَبْلِيغ مَا ذَكَره لِكَثْرَةِ الْجَمْع الَّذِي اِجْتَمَعَ مِنْ أَقَاصِي الدُّنْيَا , فَظَنَّ الَّذِي رَآهُ أَنَّهُ خَطَبَ , قَالَ : وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيّ أَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَة إِلَى تَعْلِيمهمْ أَسْبَاب التَّحَلُّل الْمَذْكُورَة فَلَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ لِأَنَّ الْإِمَام يُمْكِنهُ أَنْ يُعَلِّمهُمْ إِيَّاهَا يَوْم عَرَفَة ا ه. وَأُجِيب بِأَنَّهُ نَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخُطْبَة الْمَذْكُورَة عَلَى تَعْظِيم يَوْم النَّحْر , وَعَلَى تَعْظِيم شَهْر ذِي الْحِجَّة , وَعَلَى تَعْظِيم الْبَلَد الْحَرَام , وَقَدْ جَزَمَ الصَّحَابَة الْمَذْكُورُونَ بِتَسْمِيَتِهَا خُطْبَة فَلَا يُلْتَفَت لِتَأْوِيلِ غَيْرهمْ , وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ إِمْكَان تَعْلِيم مَا ذُكِرَ يَوْم عَرَفَة يُعَكِّر عَلَيْهِ فِي كَوْنه يَرَى مَشْرُوعِيَّة الْخُطْبَة ثَانِي يَوْم النَّحْر , وَكَانَ يُمْكِن أَنْ يُعَلَّمُوا ذَلِكَ يَوْم عَرَفَة , بَلْ كَانَ يُمْكِن أَنْ يُعَلَّمُوا يَوْم التَّرَوِّيَة جَمِيع مَا يَأْتِي بَعْده مِنْ أَعْمَال الْحَجّ , لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي كُلّ يَوْم أَعْمَال لَيْسَتْ فِي غَيْره شُرِعَ تَجْدِيد التَّعْلِيم بِحَسَب تَجْدِيد الْأَسْبَاب , وَقَدْ بَيَّنَ الزُّهْرِيُّ - وَهُوَ عَالِم أَهْل زَمَانه - أَنَّ الْخُطْبَة ثَانِي يَوْم النَّحْر نُقِلَتْ مِنْ خُطْبَة يَوْم النَّحْر , وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَل الْأُمَرَاء , يَعْنِي مِنْ بَنِي أُمَيَّة. قَالَ اِبْن أَبِي شَيْبَة \" حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ سُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب يَوْم النَّحْر , فَشُغِلَ الْأُمَرَاء فَأَخَّرُوهُ إِلَى الْغَد \" وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا لَكِنَّهُ يَعْتَضِد بِمَا سَبَقَ , وَبَانَ بِهِ أَنَّ السُّنَّة الْخُطْبَة يَوْم النَّحْر لَا ثَانِيه , وَأَمَّا قَوْل الطَّحَاوِيّ إِنَّهُ لَمْ يُنْقَل أَنَّهُ عَلَّمَهُمْ شَيْئًا مِنْ أَسْبَاب التَّحَلُّل فَلَا يَنْفِي وُقُوع ذَلِكَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ فِي نَفْس الْأَمْر , بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَاب قَبْله أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب يَوْم النَّحْر , وَذَكَر فِيهِ السُّؤَال عَنْ تَقَدُّم بَعْض الْمَنَاسِك عَلَى بَعْض , فَكَيْف سَاغَ لِلطَّحَاوِيِّ هَذَا النَّفْي الْمُطْلَق مَعَ رِوَايَته هُوَ لِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَثَبَتَ أَيْضًا فِي بَعْض طُرُق أَحَادِيث الْبَاب أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنَّاسِ حِينَئِذٍ \" خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ \" فَكَأَنَّهُ وَعَظَهُمْ بِمَا وَعَظَهُمْ بِهِ وَأَحَالَ فِي تَعْلِيمهمْ عَلَى تَلَقِّي ذَلِكَ مِنْ أَفْعَاله. وَمِمَّا يُرَدّ بِهِ عَلَى تَأْوِيل الطَّحَاوِيّ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى نَاقَته بِعَرَفَاتِ : أَتَدْرُونَ أَيّ يَوْم هَذَا \" الْحَدِيث , وَنَحْوه لِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِير مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَأَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ حَدِيث نُبَيْط بْن شَرِيط أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا بِعَرَفَة عَلَى بَعِير أَحْمَر يَخْطُب \" فَسَمِعْته يَقُول : أَيّ يَوْم أَحْرَم ؟ قَالُوا : هَذَا الْيَوْم. قَالَ فَأَيّ بَلَد أَحْرَم \" الْحَدِيث , وَنَحْوه لِأَحْمَد مِنْ حَدِيث الْعَدَّاء بْن خَالِد , فَهَذَا الْحَدِيث - الَّذِي وَقَعَ فِي الصَّحِيح أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ بِهِ يَوْم النَّحْر - قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ خَطَبَ بِهِ قَبْل ذَلِكَ يَوْم عَرَفَة , وَأَمَّا الْأَحَادِيث الَّتِي وَرَدَتْ عَنْ الصَّحَابَة بِتَصْرِيحِهِمْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ يَوْم النَّحْر غَيْر مَا تَقَدَّمَ , فَمِنْهَا حَدِيث الْهِرْمَاس بْن زِيَاد أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَفْظه \" رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب النَّاس عَلَى نَاقَته الْجَدْعَاء يَوْم الْأَضْحَى \" وَحَدِيث أَبِي أُمَامَة \" سَمِعْت خُطْبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى يَوْم النَّحْر \" أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّحْمَن , وَحَدِيث مَعَاذ \" خَطَبَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ بِمِنًى \" أَخْرَجَهُ... وَحَدِيث رَافِع بْن عَمْرو \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب النَّاس بِمِنًى حِين اِرْتَفَعَ الضُّحَى \" أَخْرَجَهُ وَأَخْرَجَ مِنْ مُرْسَل مَسْرُوق \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ يَوْم النَّحْر \" وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1627",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏رَخَّصَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَذِنَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْعَبَّاسَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيَبِيتَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏لَيَالِيَ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏وَأَبُو ضَمْرَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( رَخَّصَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَأَحَالَ بِهِ عَلَى مَا بَعْده , وَلَفْظه عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى عَنْ عِيسَى بْن يُونُس الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِلْعَبَّاسِ أَنْ يَبِيت بِمَكَّة أَيَّام مِنًى مِنْ أَجْل سِقَايَته \". ‏ ‏قَوْله فِي طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ ‏ ‏( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ ) ‏ ‏كَذَا اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَيْضًا وَأَحَالَ بِهِ عَلَى مَا بَعْده , وَلَفْظه عِنْد أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْ مُحَمَّد بْن بَكْر الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد \" أَذِنَ لِلْعَبَّاسِ بْن عَبْد الْمَطْلَب أَنْ يَبِيت بِمَكَّة لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْل السِّقَايَة \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَة ) ‏ ‏أَيْ تَابَعَ اِبْن نُمَيْر , وَصَلَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة قَالَ حَدَّثَنَا اِبْن نُمَيْر وَأَبُو أُسَامَة عَنْ عُبَيْد اللَّه وَلَفْظه مِثْل رِوَايَة اِبْن نُمَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَقَبَة بْن خَالِد ) ‏ ‏وَصَلَهُ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة فِي مُسْنَده عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو ضَمْرَة ) ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَس بْن عِيَاض , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب سِقَايَة الْحَاجّ \" فِي أَثْنَاء أَبْوَاب الطَّوَاف وَلَفْظه مِثْل رِوَايَة اِبْن نُمَيْر , وَالنُّكْتَة فِي اِسْتِظْهَار الْبُخَارِيّ بِهَذِهِ الْمُتَابَعَات بَعْد إِيرَاده لَهُ مِنْ ثَلَاثَة طُرُق لِشَكّ وَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّانِ فِي وَصْله , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ يَحْيَى عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع قَالَ : وَلَا أَعْلَمهُ إِلَّا عَنْ اِبْن عُمَر , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَقَدْ وَصَلَهُ أَيْضًا بِغَيْرِ شَكّ مُوسَى بْن عُقْبَة وَالدَّرَاوَرْدِيّ وَعَلِيّ بْن مُسْهِر وَمُحَمَّد بْن فَلِيحَ وَغَيْرهمْ كُلّهمْ عَنْ عُبَيْد اللَّه وَأَرْسَلَهُ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ عُبَيْد اللَّه. قُلْت : الظَّاهِر أَنَّ عُبَيْد اللَّه كَانَ رُبَّمَا شَكَّ فِي وَصْله بِدَلِيلِ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّانِ , وَكَأَنَّهُ كَانَ فِي أَكْثَر أَحْوَاله يَجْزِم بِوَصْلِهِ بِدَلِيلِ رِوَايَة الْجَمَاعَة , وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى وُجُوب الْمَبِيت بِمِنًى وَأَنَّهُ مِنْ مَنَاسِك الْحَجّ لِأَنَّ التَّعْبِير بِالرُّخْصَةِ يَقْتَضِي أَنَّ مُقَابِلهَا عَزِيمَة وَأَنَّ الْإِذْن وَقَعَ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَة , وَإِذَا لَمْ تُوجَد أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا لَمْ يَحْصُل الْإِذْن , وَبِالْوُجُوبِ قَالَ الْجُمْهُور , وَفِي قَوْل لِلشَّافِعِيِّ وَرِوَايَة عَنْ أَحْمَد وَهُوَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة أَنَّهُ سُنَّة وَوُجُوب الدَّم بِتَرْكِهِ مَبْنِيّ عَلَى هَذَا الْخِلَاف وَلَا يَحْصُل الْمَبِيت إِلَّا بِمُعْظَمِ اللَّيْل , وَهَلْ يَخْتَصّ الْإِذْن بِالسِّقَايَةِ وَبِالْعَبَّاسِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَاف الْمُعْتَبَرَة فِي هَذَا الْحُكْم ؟ فَقِيلَ يَخْتَصّ الْحُكْم بِالْعَبَّاسِ وَهُوَ جُمُود , وَقِيلَ يَدْخُل مَعَهُ آلُهُ , وَقِيلَ قَوْمه وَهُمْ بَنُو هَاشِم , وَقِيلَ كُلّ مَنْ اِحْتَاجَ إِلَى السِّقَايَة فَلَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ قِيلَ أَيْضًا يَخْتَصّ الْحُكْم بِسِقَايَةِ الْعَبَّاس حَتَّى لَوْ عُمِلَتْ سِقَايَة لِغَيْرِهِ لَمْ يُرَخَّص لِصَاحِبِهَا فِي الْمَبِيت لِأَجْلِهَا , وَمِنْهُمْ مِنْ عَمَّمَهُ وَهُوَ الصَّحِيح فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَالْعِلَّة فِي ذَلِكَ إِعْدَاد الْمَاء لِلشَّارِبِينَ , وَهَلْ يَخْتَصّ ذَلِكَ بِالْمَاءِ أَوْ يَلْتَحِق بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْأَكْل وَغَيْره ؟ مَحَلّ اِحْتِمَال. وَجَزَمَ الشَّافِعِيَّة بِإِلْحَاقِ مَنْ لَهُ مَال يَخَاف ضَيَاعه أَوْ أَمْر يَخَاف فَوْته أَوْ مَرِيض يَتَعَاهَدهُ بِأَهْلِ السِّقَايَة , كَمَا جَزَمَ الْجُمْهُور بِإِلْحَاقِ الرِّعَاء خَاصَّة , وَهُوَ قَوْل أَحْمَد وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر , أَعْنِي الِاخْتِصَاص بِأَهْلِ السِّقَايَة وَالرِّعَاء لِإِبِلٍ , وَالْمَعْرُوف عَنْ أَحْمَد اِخْتِصَاص الْعَبَّاس بِذَلِكَ وَعَلَيْهِ اِقْتَصَرَ صَاحِب الْمُغْنِي , وَقَالَ الْمَالِكِيَّة : يَجِب الدَّم فِي الْمَذْكُورَات سِوَى الرِّعَاء , قَالُوا : وَهُنَّ تَرْك الْمَبِيت بِغَيْرِ عُذْر وَجَبَ عَلَيْهِ دَم عَنْ كُلّ لَيْلَة , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : عَنْ كُلّ لَيْلَة إِطْعَام مِسْكِين , وَقِيلَ عَنْهُ التَّصَدُّق بِدِرْهَم وَعَنْ الثَّلَاث دَم وَهِيَ رِوَايَة عَنْ أَحْمَد , وَالْمَشْهُور عَنْهُ وَعَنْ الْحَنَفِيَّة لَا شَيْء عَلَيْهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى سِقَايَة الْعَبَّاس فِي الْبَاب الْمُشَار إِلَيْهِ فِي أَوَّل الْكَلَام عَلَى هَذَا الْبَاب. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا اِسْتِئْذَان الْأُمَرَاء وَالْكُبَرَاء فِيمَا يَطْرَأ مِنْ الْمَصَالِح وَالْأَحْكَام وَبِدَارِ مَنْ اُسْتُؤْمِرَ إِلَى الْإذْن عِنْد ظُهُور الْمَصْلَحَة. وَالْمُرَاد بِأَيَّامِ مِنًى لَيْلَة الْحَادِيَ عَشَرَ وَاللَّتَيْنِ بَعْده , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة رَوْح عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عِنْد أَحْمَد أَنَّ مَبِيت تِلْكَ اللَّيْلَة بِمِنًى , وَكَأَنَّهُ عَنَى لَيْلَة الْحَادِيَ عَشَرَ لِأَنَّهَا تَعْقُب يَوْم الْإِفَاضَة , وَأَكْثَر النَّاس يُفِيضُونَ يَوْم النَّحْر ثُمَّ فِي الَّذِي يَلِيه وَهُوَ الْحَادِي عَشَرَ. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1628",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَبَرَةَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏مَتَى أَرْمِي الْجِمَارَ قَالَ إِذَا رَمَى إِمَامُكَ ‏ ‏فَارْمِهْ فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ رَمَيْنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ وَبَرَة ) ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاو وَالْمُوَحَّدَة , هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الْمُسَلِّي بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدهَا لَام كُوفِيّ ثِقَة , رِجَال الْإِسْنَاد إِلَى اِبْن عُمَر كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَتَى أَرْمِي الْجِمَار ) ‏ ‏يَعْنِي فِي غَيْر يَوْم الْأَضْحَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَارْمِهْ ) ‏ ‏بِهَاءٍ سَاكِنَة لِلسَّكْتِ ‏ ‏وَقَوْله : ( إِذَا رَمَى إِمَامك فَارْمِهْ ) ‏ ‏يَعْنِي الْأَمِير الَّذِي عَلَى الْحَجّ , وَكَأَنَّ اِبْن عُمَر خَافَ عَلَيْهِ أَنَّ يُخَالِف الْأَمِير فَيَحْصُلَ لَهُ مِنْهُ ضَرَر فَلَمَّا أَعَادَ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَة لَمْ يَسَعهُ الْكِتْمَان فَأَعْلَمهُ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ مِسْعَر بِهَذَا الْإِسْنَاد فَقَالَ فِيهِ \" فَقُلْت لَهُ أَرَأَيْت إِنْ أَخَّرَ إِمَامِي \" أَيْ الرَّمْي فَذَكَر لَهُ الْحَدِيث أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي عُمَر فِي مُسْنَده عَنْهُ وَمِنْ طَرِيقه الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ السُّنَّة أَنْ يَرْمِيَ الْجِمَار فِي غَيْر يَوْم الْأَضْحَى بَعْد الزَّوَال وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور , وَخَالَفَ فِيهِ عَطَاء وَطَاوُسٌ فَقَالَا : يَجُوز قَبْل الزَّوَال مُطْلَقًا , وَرَخَّصَ الْحَنَفِيَّة فِي الرَّمْي فِي يَوْم النَّفْر قَبْل الزَّوَال , وَقَالَ إِسْحَاق : إِنْ رَمَى قَبْل الزَّوَال أَعَادَ , إِلَّا فِي الْيَوْم الثَّالِث فَيُجْزِئهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1629",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَمَى ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏مِنْ بَطْنِ الْوَادِي فَقُلْتُ يَا ‏ ‏أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏إِنَّ نَاسًا يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا فَقَالَ ‏ ‏وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن الْوَلِيد ) ‏ ‏هُوَ الْعَدَنِيّ هَكَذَا رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي \" جَامِع سُفْيَان الثَّوْرِيّ \" رِوَايَة الْعَدَنِيّ عَنْهُ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَنْدَهْ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَبْد اللَّه بْن الْوَلِيد , وَفَائِدَة هَذَا التَّعْلِيق بَيَان سَمَاع سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ لَهُ مِنْ الْأَعْمَش. وَتَمْتَاز جَمْرَة الْعَقَبَة عَنْ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاء : اِخْتِصَاصهَا بِيَوْمِ النَّحْر , وَأَنَّ لَا يُوقَف عِنْدهَا , وَتُرْمَى ضُحًى , وَمِنْ أَسْفَلهَا اِسْتِحْبَابًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1630",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى ‏ ‏الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى ‏ ‏جَعَلَ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏عَنْ يَسَارِهِ ‏ ‏وَمِنًى ‏ ‏عَنْ يَمِينِهِ وَرَمَى بِسَبْعٍ وَقَالَ ‏ ‏هَكَذَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد النَّخَعِيِّ , وَرِوَايَة الْحَكَم عَنْهُ لِهَذَا الْحَدِيث مُخْتَصَرَة , وَقَدْ سَاقَهَا الْأَعْمَش عَنْهُ أَتَمَّ مِنْ هَذَا كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. ‏"
    },
    {
        "id": "1631",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَرَآهُ يَرْمِي ‏ ‏الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى ‏ ‏بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَجَعَلَ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏عَنْ يَسَارِهِ ‏ ‏وَمِنًى ‏ ‏عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1632",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْحَجَّاجَ ‏ ‏يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا ‏ ‏الْبَقَرَةُ ‏ ‏وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا ‏ ‏آلُ ‏ ‏عِمْرَانَ ‏ ‏وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا ‏ ‏النِّسَاءُ ‏ ‏قَالَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ ‏ ‏لِإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَقَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ مَعَ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حِينَ رَمَى ‏ ‏جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ‏ ‏فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ حَتَّى إِذَا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ اعْتَرَضَهَا فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مِنْ هَا هُنَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ قَامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الْوَاحِد ) ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد الْبَصْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت الْحَجَّاج ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن يُوسُف الْأَمِير الْمَشْهُور , وَلَمْ يَقْصِد الْأَعْمَش الرِّوَايَة عَنْهُ فَلَمْ يَكُنْ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَحْكِيَ الْقِصَّة وَيُوَضِّح خَطَأ الْحَجَّاج فِيهَا بِمَا ثَبَتَ عَمَّنْ يُرْجَع إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ , بِخِلَافِ الْحَجَّاج وَكَانَ لَا يَرَى إِضَافَة السُّورَة إِلَى الِاسْم فَرَدَّ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيُّ بِمَا رَوَاهُ عَنْ اِبْن مَسْعُود مِنْ الْجَوَاز. ‏ ‏قَوْله : ( جَمْرَة الْعَقَبَة ) ‏ ‏هِيَ الْجَمْرَة الْكُبْرَى , وَلَيْسَتْ مِنْ مِنًى بَلْ هِيَ حَدّ مِنًى مِنْ جِهَة مَكَّة , وَهِيَ الَّتِي بَايَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَنْصَار عِنْدهَا عَلَى الْهِجْرَة , وَالْجَمْرَة اِسْم لِمُجْتَمَعِ الْحَصَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ النَّاس بِهَا , يُقَال تَجَمَّرَ بَنُو فُلَان إِذَا اِجْتَمَعُوا , وَقِيلَ إِنَّ الْعَرَب تُسَمِّي الْحَصَى الصِّغَار جِمَارًا فَسُمِّيَتْ تَسْمِيَة الشَّيْء بِلَازِمِهِ , وَقِيلَ لِأَنَّ آدَم أَوْ إِبْرَاهِيم لَمَّا عَرَضَ لَهُ إِبْلِيس فَحَصَبه جَمَرَ بَيْن يَدَيْهِ أَيْ أَسْرَعَ فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش \" فَقِيلَ لَهُ - أَيْ لِعَبْدِ اللَّه بْن مَسْعُود - إِنَّ نَاسًا يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقهَا \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( حَاذَى ) ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَة مِنْ الْمُحَاذَاة , ‏ ‏وَقَوْله : ( اِعْتَرَضَهَا ) ‏ ‏أَيْ الشَّجَرَة يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ شَجَرَة عِنْد الْجَمْرَة , وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ الثَّقَفِيّ عَنْ أَيُّوب قَالَ \" رَأَيْت الْقَاسِم وَسَالِمًا وَنَافِعًا يَرْمُونَ مِنْ الشَّجَرَة \" وَمِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَسْوَد \" أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَاوَزَ الشَّجَرَة رَمَى الْعَقَبَة مِنْ تَحْت غُصْن مِنْ أَغْصَانهَا \". ‏ ‏وَقَوْله : ( فَرَمَى ) ) ‏ ‏أَيْ الْجَمْرَة , وَفِي رِوَايَة الْحَكَم عَنْ إِبْرَاهِيم فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله \" جَعَلَ الْبَيْت عَنْ يَسَاره وَمِنًى عَنْ يَمِينه \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي صَخْرَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد \" لَمَّا أَتَى عَبْد اللَّه جَمْرَة الْعَقَبَة اِسْتَبْطَنَ الْوَادِي وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ , وَالَّذِي قَبْله هُوَ الصَّحِيح , وَهَذَا شَاذّ فِي إِسْنَاده الْمَسْعُودِيّ وَقَدْ اِخْتَلَطَ , وَبِالْأَوَّلِ قَالَ الْجُمْهُور , وَجَزَمَ الرَّافِعِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّة بِأَنَّهُ يَسْتَقْبِل الْجَمْرَة وَيَسْتَدْبِر الْقِبْلَة , وَقِيلَ يَسْتَقْبِل الْقِبْلَة وَيَجْعَل الْجَمْرَة عَنْ يَمِينه , وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ رَمَاهَا جَازَ سَوَاء اِسْتَقْبَلَهَا أَوْ جَعَلَهَا عَنْ يَمِينه أَوْ يَسَاره أَوْ مِنْ فَوْقهَا أَوْ مِنْ أَسْفَلهَا أَوْ وَسَطهَا , وَالِاخْتِلَاف فِي الْأَفْضَل. ‏ ‏قَوْله : ( قَامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَة الْبَقَرَة ) ) ‏ ‏قَالَ اِبْن الْمُنِير خَصَّ عَبْد اللَّه سُورَة الْبَقَرَة بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا الَّتِي ذَكَرَ اللَّه فِيهَا الرَّمْي , فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ فِعْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَيِّن لِمُرَادِ كِتَاب اللَّه تَعَالَى. قُلْت : وَلَمْ أَعْرِف مَوْضِع ذِكْر الرَّمْي مِنْ سُورَة الْبَقَرَة , وَالظَّاهِر أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُول إِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَفْعَال الْحَجّ مَذْكُور فِيهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ هَذَا مَقَام الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ أَحْكَام الْمَنَاسِك , مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَفْعَال الْحَجّ تَوْقِيفِيَّة. ‏ ‏وَقِيلَ خَصَّ الْبَقَرَة بِذَلِكَ لِطُولِهَا وَعِظَم قَدْرهَا وَكَثْرَة مَا فِيهَا مِنْ الْأَحْكَام , أَوْ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ يُشْرَع الْوُقُوف عِنْدهَا بِقَدْرِ سُورَة الْبَقَرَة وَاللَّه أَعْلَم. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى اِشْتِرَاط رَمْي الْجَمَرَات وَاحِدَة وَاحِدَة لِقَوْلِهِ \" يُكَبِّر مَعَ كُلّ حَصَاة \" وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" خُذُوا عَنِّي مَنَاسِككُمْ \" وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ عَطَاء وَصَاحِبه أَبُو حَنِيفَة فَقَالَا : لَوْ رَمَى السَّبْع دُفْعَة وَاحِدَة أَجْزَأَهُ. وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَة عَلَيْهِ مِنْ مُرَاعَاة حَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلّ حَرَكَة وَهَيْئَة وَلَا سِيَّمَا فِي أَعْمَال الْحَجّ , وَفِيهِ التَّكْبِير عِنْد رَمْي حَصَى الْجِمَار , وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُكَبِّر فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏زَادَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد النَّخَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ اِبْن مَسْعُود \" أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ رَمْي جَمْرَة الْعَقَبَة قَالَ : اللَّهُمَّ اِجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا , وَذَنْبًا مَغْفُورًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "1633",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ ‏ ‏يَرْمِي ‏ ‏الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا ‏ ‏بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلًا وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ ‏ ‏فَيَسْتَهِلُ وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلًا وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا ثُمَّ يَرْمِي ‏ ‏جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ ‏ ‏مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَفْعَلُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا طَلْحَة بْن يَحْيَى ) ‏ ‏أَيْ اِبْن النُّعْمَان بْن أَبِي عَيَّاش الزَّرَقِيّ الْأَنْصَارِيّ الْمَدَنِيّ نَزِيل بَغْدَاد , وَثَّقَهُ اِبْن مُعِين , وَقَالَ أَحْمَد : مُقَارِب الْحَدِيث , وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَيْسَ بِقَوِيٍّ , وَزَعَمَ اِبْن طَاهِر أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. قُلْت : لَكِنَّهُ لَمْ يَحْتَجَّ بِهِ عَلَى اِنْفِرَاده , فَقَدْ اِسْتَظْهَرَ لَهُ بِمُتَابَعَةِ سُلَيْمَان بْن بِلَال فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. وَبِمُتَابَعَةِ عُثْمَان بْن عُمَر أَيْضًا كِلَاهُمَا عَنْ يُونُس كَمَا سَيَأْتِي بَعْد بَاب , وَتَابَعَهُمْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر النُّمَيْرِيّ عَنْ يُونُس عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( الْجَمْرَة الدُّنْيَا ) ‏ ‏بِضَمِّ الدَّال وَبِكَسْرِهَا أَيْ الْقَرِيبَة إِلَى جِهَة مَسْجِد الْخَيْف. وَهِيَ أَوَّل الْجَمَرَات الَّتِي تُرْمَى مِنْ ثَانِي يَوْم النَّحْر. ‏ ‏قَوْله : ( يُسْهِل ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الْمُهْمَلَة أَيْ يَقْصِد السَّهْل مِنْ الْأَرْض وَهُوَ الْمَكَان الْمُصْطَحِب الَّذِي لَا اِرْتِفَاع فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَأْخُذ ذَات الشِّمَال ) ‏ ‏أَيْ يَمْشِي إِلَى جِهَة شِمَاله ‏ ‏( فَيَقُوم طَوِيلًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُلَيْمَان \" فَيَقُوم قِيَامًا طَوِيلًا \" , وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ بَعْد بَاب. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَرْفَع يَدَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ فِي الدُّعَاء. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى ثُمَّ يَأْخُذ ذَات الشِّمَال ) ‏ ‏أَيْ لِيَقِف دَاعِيًا فِي مَكَان لَا يُصِيبهُ الرَّمْي , وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان \" ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَة الْوُسْطَى كَذَلِكَ فَيَأْخُذ ذَات الشِّمَال \" وَفِي رِوَايَة عُثْمَان \" ثُمَّ يَنْحَدِر ذَات الْيَسَار مِمَّا يَلِي الْوَادِي فَيَقِف مُسْتَقْبِل الْقِبْلَة \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَة ذَات الْعَقَبَة ) ‏ ‏هُوَ نَحْو \" يَا نِسَاء الْمُؤْمِنَات \" أَيْ يَأْتِي الْجَمْرَة ذَات الْعَقَبَة , وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان , وَفِي رِوَايَة عُثْمَان بْن عُمَر \" ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَة الَّتِي عِنْد الْعَقَبَة \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَنْصَرِف ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُلَيْمَان \" وَلَا يَقِف عِنْدهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "1634",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَرْمِي ‏ ‏الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا ‏ ‏بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ثُمَّ يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُسْهِلُ فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا فَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَرْمِي ‏ ‏الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى ‏ ‏كَذَلِكَ فَيَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا فَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَرْمِي ‏ ‏الْجَمْرَةَ ذَاتَ الْعَقَبَةِ ‏ ‏مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا وَيَقُولُ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَفْعَلُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1635",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وَبَسَطَتْ يَدَيْهَا ‏",
        "sharh": "( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَوْله \" حِين أَحْرَمَ \" ) ‏ ‏أَيْ حِين أَرَادَ الْإِحْرَام , ‏ ‏وَقَوْله \" حِين أَحَلَّ \" ‏ ‏أَيْ لَمَّا وَقَعَ الْإِحْلَال , وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الطِّيب بَعْد وُقُوع الْإِحْرَام لَا يَجُوز , وَالطِّيب عِنْد إِرَادَة الْحِلّ لَا يَجُوز لِأَنَّ الْمُحْرِم مَمْنُوع مِنْ الطِّيب. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1636",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْحَائِضِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أُمِرَ النَّاس ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَلَى الْبِنَاء لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله وَالْمُرَاد بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَا قَوْله \" خُفِّفَ \" وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَان أَيْضًا عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَل عَنْ طَاوُسٍ فَصَرَّحَ فِيهِ بِالرَّفْعِ وَلَفْظه عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" كَانَ النَّاس يَنْصَرِفُونَ فِي كُلّ وَجْه , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَنْفِرَنَّ أَحَد حَتَّى يَكُون آخَر عَهْده بِالْبَيْتِ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم هُوَ وَالَّذِي قَبْله عَنْ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَان بِالْإِسْنَادَيْنِ فَرَّقَهُمَا , فَكَأَنَّ طَاوُسًا حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ , وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة كُلّ مِنْ الرَّاوِيَيْنِ عَنْهُ مَا لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة الْآخَر , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى وُجُوب طَوَاف الْوَدَاع لِلْأَمْرِ الْمُؤَكَّد بِهِ وَلِلتَّعْبِيرِ فِي حَقّ الْحَائِض بِالتَّخْفِيفِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَالتَّخْفِيف لَا يَكُون إِلَّا مِنْ أَمْر مُؤَكَّد , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَة شَرْط لِصِحَّةِ الطَّوَاف , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "1637",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً ‏ ‏بِالْمُحَصَّبِ ‏ ‏ثُمَّ رَكِبَ إِلَى ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏فَطَافَ بِهِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ قَتَادَة ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَعْد بَاب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن وَهْب التَّصْرِيح بِتَحْدِيثِ قَتَادَةَ , وَيَأْتِي الْكَلَام هُنَاكَ , وَالْمَقْصُود مِنْهُ هُنَا قَوْله فِي آخِره \" ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ اللَّيْث ) ‏ ‏أَيْ تَابَعَ عَمْرو بْن الْحَارِث فِي رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ قَتَادَةَ بِطَرِيقٍ أُخْرَى إِلَى قَتَادَةَ , وَقَدْ وَصَلَهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن صَالِح كَاتِب اللَّيْث عَنْ اللَّيْث , وَخَالِد شَيْخ اللَّيْث هُوَ اِبْن يَزِيد , وَذَكَر الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهَذَا الْحَدِيث عَنْ سَعِيد وَأَنَّ اللَّيْث تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ خَالِد وَأَنَّ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال لَمْ يَرْوِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس غَيْر هَذَا الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "1638",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَاضَتْ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَحَابِسَتُنَا هِيَ قَالُوا إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ قَالَ فَلَا إِذًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَاضَتْ ) ‏ ‏أَيْ بَعْد أَنْ أَفَاضَتْ يَوْم النَّحْر كَمَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الزِّيَارَة يَوْم النَّحْر \". ‏ ‏قَوْله : ( فَذُكِرَ ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِضَمِّ الذَّال عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَاب الْمَذْكُور مِنْ وَجْه آخَر أَنَّ عَائِشَة هِيَ الَّتِي ذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَحَابِسَتنَا ) ‏ ‏أَيْ مَانِعَتنَا مِنْ التَّوَجُّه مِنْ مَكَّة فِي الْوَقْت الَّذِي أَرَدْنَا التَّوَجُّه فِيهِ , ظَنًّا مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا مَا طَافَتْ طَوَاف إِفَاضَة , وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَتْرُكهَا وَيَتَوَجَّه , وَلَا يَأْمُرهَا بِالتَّوَجُّهِ مَعَهُ وَهِيَ بَاقِيَة عَلَى إِحْرَامهَا , فَيَحْتَاج إِلَى أَنْ يُقِيم حَتَّى تَطْهُر وَتَطُوف وَتَحِلّ الْحِلّ الثَّانِي. ‏ ‏قَوْله : ( قَالُوا ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي الطَّرِيق الَّتِي فِي آخِر الْبَاب أَنَّ صَفِيَّة هِيَ قَالَتْ \" بَلَى \" وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة الَّتِي مَضَتْ فِي بَاب الزِّيَارَة يَوْم النَّحْر \" حَجَجْنَا فَأَفَضْنَا يَوْم النَّحْر , فَحَاضَتْ صَفِيَّة , فَأَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا مَا يُرِيد الرَّجُل مِنْ أَهْله فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّهَا حَائِض \" الْحَدِيث , وَهَذَا مُشْكِل لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ كَانَ عَلِمَ أَنَّهَا طَافَتْ طَوَاف الْإِفَاضَة فَكَيْف يَقُول أَحَابِسَتنَا هِيَ ؟ وَإِنْ كَانَ مَا عَلِمَ فَكَيْف يُرِيد وِقَاعهَا قَبْل التَّحَلُّل الثَّانِي ؟ وَيُجَاب عَنْهُ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَرَادَ ذَلِكَ مِنْهَا إِلَّا بَعْد أَنْ اِسْتَأْذَنَهُ نِسَاؤُهُ فِي طَوَاف الْإِفَاضَة فَأَذِنَ لَهُنَّ فَكَانَ بَانِيًا عَلَى أَنَّهَا قَدْ حَلَّتْ , فَلَمَّا قِيلَ لَهُ إِنَّهَا حَائِض جَوَّزَ أَنْ يَكُون وَقَعَ لَهَا قَبْل ذَلِكَ حَتَّى مَنَعَهَا مِنْ طَوَاف الْإِفَاضَة فَاسْتَفْهَمَ عَنْ ذَلِكَ فَأَعْلَمَتْهُ عَائِشَة أَنَّهَا طَافَتْ مَعَهُنَّ فَزَالَ عَنْهُ مَا خَشِيَهُ مِنْ ذَلِكَ وَاللَّه أَعْلَم. وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَاب الْحَيْض مِنْ طَرِيق عَمْرَة عَنْ عَائِشَة أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ \" لَعَلَّهَا تَحْبِسنَا , أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ ؟ قَالُوا : بَلَى \" وَسَأَذْكُرُ بَقِيَّة اِخْتِلَاف أَلْفَاظ هَذِهِ الْقِصَّة فِي آخِر الْبَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا إِذًا ) ‏ ‏أَيْ فَلَا حَبْس عَلَيْنَا حِينَئِذٍ , أَيْ إِذَا أَفَاضَتْ فَلَا مَانِع لَنَا مِنْ التَّوَجُّه لِأَنَّ الَّذِي يَجِب عَلَيْهَا قَدْ فَعَلَتْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1639",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَهْلَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏سَأَلُوا ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ امْرَأَةٍ طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ قَالَ ‏ ‏لَهُمْ تَنْفِرُ قَالُوا لَا نَأْخُذُ بِقَوْلِكَ وَنَدَعُ قَوْلَ ‏ ‏زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ إِذَا قَدِمْتُمْ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَسَلُوا فَقَدِمُوا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَسَأَلُوا فَكَانَ فِيمَنْ سَأَلُوا ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏فَذَكَرَتْ حَدِيثَ ‏ ‏صَفِيَّةَ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏وَقَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَمَّاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَهْل الْمَدِينَة ) ‏ ‏أَيْ بَعْض أَهْلهَا وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ أَيُّوب بِلَفْظِ \" أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْل الْمَدِينَة \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَهُمْ تَنْفِر ) ‏ ‏زَادَ الثَّقَفِيّ \" فَقَالُوا : لَا نُبَالِي أَفْتَيْتنَا أَوْ لَمْ تُفْتِنَا , زَيْد بْن ثَابِت يَقُول لَا تَنْفِر \". ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ فِيمَنْ سَأَلُوا أُمّ سُلَيْمٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الثَّقَفِيّ \" فَسَأَلُوا أُمّ سُلَيْمٍ وَغَيْرهَا فَذَكَرَتْ صَفِيَّة \" كَذَا ذَكَره مُخْتَصَرًا , وَسَاقَهُ الثَّقَفِيّ بِتَمَامِهِ قَالَ \" فَأَخْبَرَتْهُمْ أَنَّ عَائِشَة قَالَتْ لِصَفِيَّة. أَفِي الْخَيْبَة أَنْتَ ؟ إِنَّك لَحَابِسَتنَا , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا ذَاكَ ؟ قَالَتْ عَائِشَة : صَفِيَّة حَاضَتْ , قِيلَ إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ , قَالَ : فَلَا إِذًا. فَرَجَعُوا إِلَى اِبْن عَبَّاس فَقَالُوا وَجَدْنَا الْحَدِيث كَمَا حَدَّثْتنَاهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ خَالِد ) ‏ ‏يَعْنِي الْحَذَّاء ‏ ‏( وَقَتَادَة عَنْ عِكْرِمَة ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة خَالِد فَوَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق مُعَلَّى بْن مَنْصُور عَنْ هُشَيْم عَنْهُ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" إِذَا طَافَتْ يَوْم النَّحْر ثُمَّ حَاضَتْ فَلْتَنْفِرْ \" وَقَالَ زَيْد بْن ثَابِت \" لَا تَنْفِر حَتَّى تَطْهُر وَتَطُوف بِالْبَيْتِ. ثُمَّ أَرْسَلَ زَيْد بَعْد ذَلِكَ إِلَى اِبْن عَبَّاس : إِنِّي وَجَدْت الَّذِي قُلْت كَمَا قُلْت \" وَأَمَّا رِوَايَة قَتَادَةَ فَوَصَلَهَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَده قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَام هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ عَنْ قَتَادَة عَنْ عِكْرِمَة قَالَ \" اِخْتَلَفَ اِبْن عَبَّاس وَزَيْد بْن ثَابِت فِي الْمَرْأَة إِذَا حَاضَتْ وَقَدْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ يَوْم النَّحْر , فَقَالَ زَيْد : يَكُون آخِر عَهْدهَا بِالْبَيْتِ , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : تَنْفِر إِنْ شَاءَتْ , فَقَالَتْ الْأَنْصَار : لَا نُتَابِعك يَا اِبْن عَبَّاس وَأَنْتَ تُخَالِف زَيْدًا , فَقَالَ : سَلُوا صَاحِبَتكُمْ أُمّ سُلَيْمٍ - يَعْنِي فَسَأَلُوهَا - فَقَالَتْ : حِضْت بَعْدَمَا طُفْت بِالْبَيْتِ فَأَمَرَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَنْفِر , وَحَاضَتْ صَفِيَّة فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَة حَبَسْتنَا فَأَمَرَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَنْفِر \" وَرَوَاهُ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة فِي كِتَاب الْمَنَاسِك الَّذِي رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن يَحْيَى الْقُطَعِيّ عَنْ عَبْد الْأَعْلَى عَنْهُ قَالَ : عَنْ قَتَادَة عَنْ عِكْرِمَة نَحْوه , وَقَالَ فِيهِ \" لَا نُتَابِعك إِذَا خَالَفْت زَيْد بْن ثَابِت \" وَقَالَ فِيهِ \" وَأُنْبِئْت أَنَّ صَفِيَّة بِنْت حُيَيٍّ حَاضَتْ بَعْدَمَا طَافَتْ بِالْبَيْتِ يَوْم النَّحْر فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَة : الْخَيْبَة لَك حَبَسْتنَا , فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْفِر \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاق فِي مُسْنَده عَنْ عَبَدَة عَنْ سَعِيد وَفِي آخِره \" وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ شَأْن أُمّ سُلَيْمٍ أَيْضًا \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏طَرِيق قَتَادَةَ هَذِهِ هِيَ الْمَحْفُوظَة , وَقَدْ شَذَّ عَبَّاد بْن الْعَوَامّ فَرَوَاهُ عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس مُخْتَصَرًا فِي قِصَّة أُمّ سُلَيْمٍ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقه اِنْتَهَى. وَلَقَدْ اِخْتَصَرَ الْبُخَارِيّ حَدِيث عِكْرِمَة جِدًّا , وَلَوْلَا تَخْرِيج هَذِهِ الطُّرُق لَمَا ظَهَرَ الْمُرَاد مِنْهُ , فَلِلَّهِ الْحَمْد عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ وَتَفَضَّلَ. وَقَدْ رَوَى هَذِهِ الْقِصَّة طَاوُسٌ عَنْ اِبْن عَبَّاس مُتَابِعًا لِعِكْرِمَة , أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن مُسْلِم عَنْ طَاوُس \" كُنْت مَعَ اِبْن عَبَّاس إِذْ قَالَ لَهُ زَيْد بْن ثَابِت : تُفْتِي أَنْ تُصْدِر الْحَائِض قَبْل أَنْ يَكُون آخِر عَهْدهَا بِالْبَيْتِ ؟ فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَمَّا لَا فَسَلْ فُلَانَة الْأَنْصَارِيَّة هَلْ أَمَرَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ : مَا أَرَاك إِلَّا قَدْ صَدَقْت \" لَفْظ مُسْلِم , وَلِلنَّسَّائِي \" كُنْت عِنْد اِبْن عَبَّاس فَقَالَ لَهُ زَيْد بْن ثَابِت أَنْتَ الَّذِي تُفْتِي \" وَقَالَ فِيهِ \" فَسَأَلَهَا , ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ يَضْحَك فَقَالَ : الْحَدِيث كَمَا حَدَّثْتنِي \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ بَعْد قَوْله أَنْتَ الَّذِي إِلَخْ \" قَالَ : نَعَمْ. قَالَ : فَلَا تُفْتِ بِذَلِكَ. قَالَ : فَسَلْ فُلَانَة \" وَالْبَاقِي نَحْو سِيَاق مُسْلِم , وَزَادَ فِي إِسْنَاده عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ : وَقَالَ عِكْرِمَة بْن خَالِد عَنْ زَيْد وَابْن عَبَّاس نَحْوه وَزَادَ فِيهِ \" فَقَالَ اِبْن عَبَّاس سَلْ أُمّ سُلَيْمٍ وَصَوَاحِبهَا هَلْ أَمَرَهُنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ؟ فَسَأَلَهُنَّ , فَقُلْنَ : قَدْ أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ \" وَقَدْ عُرِفَ بِرِوَايَةِ عِكْرِمَة الْمَاضِيَة أَنَّ الْأَنْصَارِيَّة هِيَ أُمّ سُلَيْمٍ , وَأَمَّا صَوَاحِبهَا فَلَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَتهنَّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1640",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا أَفَاضَتْ ‏ ‏قَالَ وَسَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَخَّصَ لَهُنَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَوُهَيْب هُوَ اِبْن خَالِد وَابْن طَاوُسٍ هُوَ عَبْد اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( رُخِّصَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الرَّاء عَلَى الْبِنَاء لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن حَسَّان عَنْ وُهَيْب عِنْد النَّسَائِيِّ \" رَخَّصَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَسَمِعْت اِبْن عُمَر ) ‏ ‏الْقَائِل ذَلِكَ هُوَ طَاوُسٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , بَيَّنَهُ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ سَمِعْته يَقُول بَعْد ) ‏ ‏سَيَأْتِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل مَوْت اِبْن عُمَر بِعَامٍ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لَهُنَّ ) ‏ ‏هَذَا مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة , وَكَذَا مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ مَنْ حَجّ فَلْيَكُنْ آخَر عَهْده بِالْبَيْتِ , إِلَّا الْحُيَّض رَخَّصَ لَهُنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَإِنَّ اِبْن عُمَر لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَنُوَضِّحُ ذَلِكَ , فَعِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن مَيْسَرَة عَنْ طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَقُول قَرِيبًا مِنْ سَنَتَيْنِ عَنْ الْحَائِض لَا تَنْفِر حَتَّى يَكُون آخَر عَهْدهَا بِالْبَيْتِ. ثُمَّ قَالَ بَعْد : أَنَّهُ رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ. وَلَهُ وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ طَرِيق عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ سَمِعَ اِبْن عُمَر يَسْأَل عَنْ النِّسَاء إِذَا حِضْنَ قَبْل النَّفْر وَقَدْ أَفَضْنَ يَوْم النَّحْر فَقَالَ : إِنَّ عَائِشَة كَانَتْ تَذْكُر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُخْصَة لَهُنَّ وَذَلِكَ قَبْل مَوْته بِعَامٍ. وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ قَبْل مَوْت اِبْن عُمَر بِعَامٍ. وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يُقِيم عَلَى الْحَائِض سَبْعَة أَيَّام حَتَّى تَطُوف طَوَاف الْوَدَاع , قَالَ الشَّافِعِيّ : كَأَنَّ اِبْن عُمَر سَمِعَ الْأَمْر بِالْوَدَاعِ وَلَمْ يَسْمَع الرُّخْصَة أَوَّلًا ثُمَّ بَلَغَتْهُ الرُّخْصَة فَعَمِلَ بِهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي أَوَاخِر الْحَيْض. ‏"
    },
    {
        "id": "1641",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ فَقَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَطَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَبَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏وَلَمْ يَحِلَّ وَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَطَافَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ وَأَصْحَابِهِ وَحَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ فَحَاضَتْ هِيَ فَنَسَكْنَا مَنَاسِكَنَا مِنْ حَجِّنَا فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ لَيْلَةُ النَّفْرِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ أَصْحَابِكَ يَرْجِعُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ غَيْرِي قَالَ ‏ ‏مَا كُنْتِ تَطُوفِينَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏لَيَالِيَ قَدِمْنَا قُلْتُ لَا قَالَ فَاخْرُجِي مَعَ ‏ ‏أَخِيكِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ وَمَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا فَخَرَجْتُ مَعَ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ وَحَاضَتْ ‏ ‏صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَقْرَى ‏ ‏حَلْقَى إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا أَمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَتْ بَلَى قَالَ فَلَا بَأْسَ انْفِرِي فَلَقِيتُهُ مُصْعِدًا عَلَى ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَأَنَا ‏ ‏مُنْهَبِطَةٌ ‏ ‏أَوْ أَنَا ‏ ‏مُصْعِدَةٌ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏مُنْهَبِطٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قُلْتُ لَا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏فِي قَوْلِهِ لَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَنْصُور ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخَعِيُّ وَالْأَسْوَد هُوَ خَاله وَهُوَ نَخَعِيّ أَيْضًا , وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث عَائِشَة فِيمَا يَتَعَلَّق بِطَوَافِ الْحَائِض فِي \" بَاب تَقْضِي الْحَائِض الْمَنَاسِك إِلَّا الطَّوَاف \" وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث عُمْرَتهمَا فِي أَبْوَاب الْعُمْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْلَة الْحَصْبَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" لَيْلَة الْحَصْبَاء \" وَقَوْله بَعْده \" لَيْلَة النَّفْر \" عَطْف بَيَان لِلَّيْلَةِ الْحَصْبَاء , وَالْمُرَاد بِتِلْكَ اللَّيْلَة الَّتِي يَتَقَدَّم النَّفْر مِنْ مِنًى قَبْلهَا فَهِيَ شَبِيهَة بِلَيْلَةِ عَرَفَة , وَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى مَنْ قَالَ كُلّ لَيْلَة تَسْبِق يَوْمهَا إِلَّا لَيْلَة عَرَفَة فَإِنَّ يَوْمهَا يَسْبِقهَا , فَقَدْ شَارَكَتْهَا لَيْلَة النَّفَر فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله فِيهِ ( مَا كُنْت تَطُوفِينَ بِالْبَيْتِ لَيَالِي قَدِمْنَا مَكَّة ؟ قُلْت لَا ) ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِي \" قُلْت بَلَى \" وَهِيَ مَحْمُولَة عَلَى أَنَّ الْمُرَاد مَا كُنْت أَطُوف. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَاضَتْ صَفِيَّة ) ‏ ‏أَيْ فِي أَيَّام مِنًى , سَيَأْتِي فِي أَبْوَاب الْإِدْلَاج مِنْ الْمُحَصَّب أَنَّ حَيْضهَا كَانَ لَيْلَة النَّفْر , زَادَ الْحَاكِم عَنْ إِبْرَاهِيم عِنْد مُسْلِم \" لَمَّا أَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْفِر إِذَا صَفِيَّة عَلَى بَاب خِبَائِهَا كَئِيبَة حَزِينَة , فَقَالَ عَقْرَى \" الْحَدِيث , وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ الْوَقْت الَّذِي أَرَادَ مِنْهَا مَا يُرِيد الرَّجُل مِنْ أَهْله كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ وَقْت النَّفْر مِنْ مِنًى , وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضهمْ بِنَاء عَلَى مَا فَهِمَهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَقْت الرَّحِيل , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْوَقْت الَّذِي أَرَادَ مِنْهَا مَا أَرَادَ سَابِقًا عَلَى الْوَقْت الَّذِي رَآهَا فِيهِ عَلَى بَاب خِبَائِهَا الَّذِي هُوَ وَقْت الرَّحِيل , بَلْ وَلَوْ اِتَّحَدَ الْوَقْت لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ الْإِرَادَة الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَقْرَى حَلْقَى ) ‏ ‏بِالْفَتْحِ فِيهِمَا ثُمَّ السُّكُون وَبِالْقَصْرِ بِغَيْرِ تَنْوِين فِي الرِّوَايَة , وَيَجُوز فِي اللُّغَة التَّنْوِين وَصَوَّبَهُ أَبُو عُبَيْد , لِأَنَّ مَعْنَاهُ الدُّعَاء بِالْعَقْرِ وَالْحَلْق , كَمَا يُقَال سَقْيًا وَرَعْيًا وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْمَصَادِر الَّتِي يُدْعَى بِهَا , وَعَلَى الْأَوَّل هُوَ نَعْت لَا دُعَاء , ثُمَّ مَعْنَى عَقْرَى عَقَرَهَا اللَّه أَيْ جَرَحَهَا وَقِيلَ جَعَلَهَا عَاقِرًا لَا تَلِد , وَقِيلَ عَقَرَ قَوْمهَا. وَمَعْنَى حَلْقَى حَلَقَ شَعْرهَا وَهُوَ زِينَة الْمَرْأَة , أَوْ أَصَابَهَا وَجَع فِي حَلْقهَا , أَوْ حَلَقَ قَوْمهَا بِشُؤْمِهَا أَيْ أَهْلَكَهُمْ. وَحَكَى الْقُرْطُبِيّ أَنَّهَا كَلِمَة تَقُولهَا الْيَهُود لِلْحَائِضِ , فَهَذَا أَصْل هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ , ثُمَّ اِتَّسَعَ الْعَرَبِيّ فِي قَوْلهمَا بِغَيْرِ إِرَادَة حَقِيقَتهمَا كَمَا قَالُوا قَاتَلَهُ اللَّه وَتَرِبَتْ يَدَاهُ وَنَحْو ذَلِكَ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره : شَتَّانَ بَيْن قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا لِصَفِيَّة وَبَيْن قَوْله لِعَائِشَة لَمَّا حَاضَتْ مِنْهُ فِي الْحَجّ \" هَذَا شَيْء كَتَبَهُ اللَّه عَلَى بَنَات آدَم \" لِمَا يَشْعُر بِهِ مِنْ الْمَيْل لَهَا وَالْحُنُوّ عَلَيْهَا بِخِلَافِ صَفِيَّة. قُلْت : وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل عَلَى اِتِّضَاع قَدْر صَفِيَّة عِنْده , لَكِنْ اِخْتَلَفَ الْكَلَام بِاخْتِلَافِ الْمَقَام , فَعَائِشَة دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ تَبْكِي أَسَفًا عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ النُّسُك فَسَلَّاهَا بِذَلِكَ , وَصْفِيَّة أَرَادَ مِنْهَا مَا يُرِيد الرَّجُل مِنْ أَهْله فَأَبْدَتْ الْمَانِع فَنَاسَبَ كُلًّا مِنْهُمَا مَا خَاطَبَهَا بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا بَأْس اِنْفِرِي ) ‏ ‏هُوَ بَيَان لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة أَوَّل الْبَاب \" فَلَا إِذًا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة \" قَالَ اُخْرُجُوا \" وَفِي رِوَايَة عَمْرَة \" قَالَ اُخْرُجِي \" وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة فِي الْمَغَازِي \" فَلْتَنْفِرْ \" وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَة , وَالْمُرَاد بِهَا كُلّهَا الرَّحِيل مِنْ مِنًى إِلَى جِهَة الْمَدِينَة. وَفِي أَحَادِيث الْبَاب أَنَّ طَوَاف الْإِفَاضَة رُكْن , وَأَنَّ الطَّهَارَة شَرْط لِصِحَّةِ الطَّوَاف , وَأَنَّ طَوَاف الْوَدَاع وَاجِب وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَمِير الْحَاجّ يَلْزَمهُ أَنَّ يُؤَخِّر الرَّحِيل لِأَجْلِ مَنْ تَحِيض مِمَّنْ لَمْ تَطُفْ لِلْإِفَاضَةِ , وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون إِرَادَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْخِير الرَّحِيل إِكْرَامًا لِصَفِيَّة كَمَا اِحْتَبَسَ بِالنَّاسِ عَلَى عِقْد عَائِشَة. وَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ حَدِيث جَابِر وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي فَوَائِده مِنْ طَرِيق أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" أَمِيرَانِ وَلَيْسَا بِأَمِيرَيْنِ : مَنْ تَبِعَ جِنَازَة فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْصَرِف حَتَّى تُدْفَن أَوْ يَأْذَن أَهْلهَا , وَالْمَرْأَة تَحُجّ أَوْ تَعْتَمِر مَعَ قَوْم فَتَحِيض قَبْل طَوَاف الرُّكْن فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا حَتَّى تَطْهُر أَوْ تَأْذَن لَهُمْ \" فَلَا دَلَالَة فِيهِ عَلَى الْوُجُوب إِنْ كَانَ صَحِيحًا , فَإِنَّ فِي إِسْنَاد كُلّ مِنْهُمَا ضَعْفًا شَدِيدًا. وَقَدْ ذَكَرَ مَالِك فِي \" الْمُوَطَّإ \" أَنَّهُ يَلْزَم الْجَمَّال أَنْ يَحْبِس لَهَا إِلَى اِنْقِضَاء أَكْثَر مُدَّة الْحَيْض , وَكَذَا عَلَى النُّفَسَاء. وَاسْتَشْكَلَهُ اِبْن الْمَوَّاز بِأَنَّ فِيهَا تَعْرِيضًا لِلْفَسَادِ كَقَطْعِ الطَّرِيق , وَأَجَابَ عِيَاض بِأَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ مَعَ أَمْن الطَّرِيق كَمَا أَنَّ مَحَلّه أَنَّ كَوْن مَعَ الْمَرْأَة مَحْرَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُسَدَّد : قُلْت لَا. وَتَابَعَهُ جَرِير عَنْ مَنْصُور فِي قَوْله لَا ) ‏ ‏هَذَا التَّعْلِيق لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَثَبَتَ لِغَيْرِهِ , فَأَمَّا رِوَايَة مُسَدَّد فَرَوَيْنَاهَا كَذَلِكَ فِي مُسْنَده رِوَايَة أَبِي خَلِيفَة عَنْهُ قَالَ \" حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَة \" فَذَكَر الْحَدِيث بِسَنَدِهِ وَمَتْنه وَقَالَ فِيهِ \" مَا كُنْت طُفْت لَيَالِي قَدِمْنَا ؟ قُلْت : لَا \" وَأَمَّا رِوَايَة جَرِير فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي \" بَاب التَّمَتُّع وَالْقِرَان \" عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ وَقَالَ فِيهِ \" مَا كُنْت طُفْت لَيَالِي قَدِمْنَا مَكَّة ؟ قُلْت : لَا \" وَهَذَا يُؤَيِّد صِحَّة مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي حَيْثُ وَقَعَ عِنْده بَلَى مَوْضِع لَا كَمَا تَقَدَّمَ , وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهه. ‏"
    },
    {
        "id": "1642",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ قَالَ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏قُلْتُ فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ قَالَ ‏ ‏بِالْأَبْطَحِ ‏ ‏افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1643",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمُتَعَالِ بْنُ طَالِبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَرَقَدَ رَقْدَةً ‏ ‏بِالْمُحَصَّبِ ‏ ‏ثُمَّ رَكِبَ إِلَى ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏فَطَافَ بِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1644",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏إِنَّمَا كَانَ مَنْزِلٌ يَنْزِلُهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏بِالْأَبْطَحِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن هَارُون عَنْ سُفْيَان حَدَّثَنَا هِشَام. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا كَانَ مَنْزِلًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ هِشَام \" نُزُول الْأَبْطَح لَيْسَ بِسُنَّةٍ إِنَّمَا نَزَلَهُ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( أَسْمَح ) ‏ ‏أَيْ أَسْهَلَ لِتَوَجُّهِهِ إِلَى الْمَدِينَة لِيَسْتَوِيَ فِي ذَلِكَ الْبَطِيء وَالْمُعْتَدِل , وَيَكُون مَبِيتهمْ وَقِيَامهمْ فِي السَّحَر وَرَحِيلهمْ بِأَجْمَعِهِمْ إِلَى الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( تَعْنِي بِالْأَبْطَحِ ) ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" تَعْنِي الْأَبْطَح \" بِحَذْفِ الْمُوَحَّدَة , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم الْمَذْكُورَة \" كَانَ أَسْمَح لِخُرُوجِهِ إِذَا خَرَجَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1645",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ ‏ ‏( قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , ‏ ‏وَعَطَاء ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاح , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ هَذَا الْحَدِيث سَمِعَهُ سُفْيَان مِنْ الْحَسَن بْن صَالِح عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , يَعْنِي أَنَّهُ دَلَّسَهُ هُنَا عَنْ عَمْرو , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحُمَيْدِيّ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان قَالَ \" حَدَّثَنَا عَمْرو \" وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ سُفْيَان فَانْتَفَتْ تُهْمَة تَدْلِيسه. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ التَّحْصِيب بِشَيْءٍ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ أَمْر الْمَنَاسِك الَّذِي يَلْزَم فِعْله قَالَهُ اِبْن الْمُنْذِر , وَقَدْ رَوَى أَحْمَد مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" ثُمَّ اِرْتَحَلَ حَتَّى نَزَلَ الْحَصْبَة قَالَتْ وَاللَّه مَا نَزَلَهَا إِلَّا مِنْ أَجْلِي \" وَرَوَى مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ أَبِي رَافِع قَالَ \" لَمْ يَأْمُرنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَنْزِل الْأَبْطَح حِين خَرَجَ مِنْ مِنًى وَلَكِنْ جِئْت فَضَرَبْت قُبَّته فَجَاءَ فَنَزَلَ \" ا ه , لَكِنْ لَمَّا نَزَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ النُّزُول بِهِ مُسْتَحَبًّا اِتِّبَاعًا لَهُ لِتَقْرِيرِهِ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ فَعَلَهُ الْخُلَفَاء بَعْده كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر وَعُمَر يَنْزِلُونَ الْأَبْطَح \" وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْر أَبِي بَكْر , وَمِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّحْصِيب سُنَّة , قَالَ نَافِع \" وَقَدْ حَصَّبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاء بَعْده \" فَالْحَاصِل أَنَّ مَنْ نَفَى أَنَّهُ سُنَّة كَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِك فَلَا يَلْزَم بِتَرْكِهِ شَيْء , وَمَنْ أَثْبَته كَابْنِ عُمَر أَرَادَ دُخُوله فِي عُمُوم التَّأَسِّي بِأَفْعَالِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا الْإِلْزَام بِذَلِكَ , وَيُسْتَحَبّ أَنْ يُصَلِّي بِهِ الظُّهْر وَالْعَصْر وَالْمَغْرِب وَالْعِشَاء وَيَبِيت بِهِ بَعْض اللَّيْل كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث أَنَس , وَيَأْتِي نَحْوه مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. ‏"
    },
    {
        "id": "1646",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَبِيتُ ‏ ‏بِذِي طُوًى ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏الثَّنِيَّتَيْنِ ‏ ‏ثُمَّ يَدْخُلُ مِنْ ‏ ‏الثَّنِيَّةِ ‏ ‏الَّتِي بِأَعْلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَكَانَ إِذَا قَدِمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا لَمْ يُنِخْ نَاقَتَهُ إِلَّا عِنْدَ بَابِ ‏ ‏الْمَسْجِدِ ‏ ‏ثُمَّ يَدْخُلُ فَيَأْتِي الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ فَيَبْدَأُ بِهِ ثُمَّ يَطُوفُ سَبْعًا ثَلَاثًا سَعْيًا وَأَرْبَعًا مَشْيًا ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَنْطَلِقُ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَيَطُوفُ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏وَكَانَ إِذَا صَدَرَ عَنْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَنَاخَ ‏ ‏بِالْبَطْحَاءِ ‏ ‏الَّتِي ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُنِيخُ بِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَ الثَّنِيَّتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ الَّتِي بَيْن الثَّنِيَّتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يُنِخْ نَاقَته إِلَّا عِنْد بَاب الْمَسْجِد ) ‏ ‏أَيْ إِذَا بَاتَ بِذِي طُوًى ثُمَّ أَصْبَحَ رَكِبَ نَاقَته فَلَمْ يُنِخْهَا إِلَّا بِبَابِ الْمَسْجِد. ‏ ‏قَوْله : ( فَيُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الكُشْمِيهَنِيّ رَكْعَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ إِذَا صَدَرَ ) ‏ ‏أَيْ رَجَعَ مُتَوَجِّهًا نَحْو الْمَدِينَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1647",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ سُئِلَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُحَصَّبِ ‏ ‏فَحَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ نَزَلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏وَابْنُ عُمَرَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي بِهَا ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏الْمُحَصَّبَ ‏ ‏الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ‏ ‏أَحْسِبُهُ قَالَ وَالْمَغْرِبَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏لَا أَشُكُّ فِي الْعِشَاءِ ‏ ‏وَيَهْجَعُ ‏ ‏هَجْعَةً ‏ ‏وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُئِلَ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عُمَر بْن حَفْص بْن عَاصِم بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب الْعُمَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( نَزَلَ بِهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَمْرو وَابْن عُمَر ) ‏ ‏هُوَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَل وَعَنْ عُمَر مُنْقَطِع وَعَنْ اِبْن عُمَر مَوْصُول , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون نَافِع سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ اِبْن عُمَر فَيَكُون الْجَمِيع مَوْصُولًا وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق الَّتِي قَدَّمْتهَا فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ نَافِع ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الْإِسْنَاد الَّذِي قَبْله وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ , وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق حُمَيْدِ بْن مَسْعَدَة عَنْ خَالِد بْن الْحَارِث مِثْله. ‏ ‏قَوْله : ( يُصَلِّي بِهَا يَعْنِي الْمُحَصَّب ) ‏ ‏قِيلَ فَسَّرَ الضَّمِير الْمُؤَنَّث بِلَفْظٍ مُذَكَّر وَأَرَادَ الْبُقْعَة , وَلِأَنَّ مِنْ أَسْمَائِهَا الْبَطْحَاء. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ خَالِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث رَاوِي أَصْل الْإِسْنَاد وَهُوَ مُؤَيِّد لِلْعِطْفِ الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله : ( لَا أَشُكّ فِي الْعِشَاء ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّهُ شَكَّ فِي ذِكْر الْمَغْرِب , وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ بِغَيْرِ شَكٍّ فِي الْمَغْرِب وَلَا غَيْرهَا عَنْ أَيُّوب , وَعَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر جَمِيعًا عَنْ نَافِع \" أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يُصَلِّي بِالْأَبْطَحِ الظُّهْر وَالْعَصْر وَالْمَغْرِب وَالْعِشَاء ثُمَّ يَهْجَع هَجْعَة \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَهُوَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ بَكْر بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيِّ وَعَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن عُمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "1648",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ ‏ ‏ذُو الْمَجَازِ ‏ ‏وَعُكَاظٌ ‏ ‏مَتْجَرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ ‏ { ‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ‏} ‏فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَمْرو بْن دِينَار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْ عِيسَى بْن يُونُس عَنْ اِبْن جُرَيْج أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْمَنِيعِيّ عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرو عَنْ اِبْن الزُّبَيْر , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : كَذَا فِي كِتَابِي وَعَلَيْهِ صَحَّ. قُلْت : وَهُوَ وَهْم مِنْ بَعْض رُوَاته كَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ حَدِيث فِي حَدِيث , فَإِنَّ حَدِيث اِبْن الزُّبَيْر عِنْد اِبْن عُيَيْنَةَ وَابْن جُرَيْجٍ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد عَنْهُ وَهُوَ أَخْصَر مِنْ سِيَاق اِبْن عَبَّاس , وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو عَنْ اِبْن عَبَّاس ثُمَّ لَمْ يَخْتَلِف عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ , كَذَلِكَ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن أَبِي زَائِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ ذُو الْمَجَاز ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَتَخْفِيف الْجِيم وَفِي آخِره زَاي وَهُوَ بِلَفْظِ ضِدّ الْحَقِيقَة , وَعُكَاظ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْكَاف وَفِي آخِره ظَاء مُشَالَة , زَادَ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَر وَكَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَائِل الْبُيُوع وَفِي تَفْسِير الْبَقَرَة \" وَمَجِنَّة \" وَهِيَ بِفَتْحِ الْمِيم وَكَسْر الْجِيم وَتَشْدِيد النُّون. ‏ ‏قَوْله : ( مَتْجَر النَّاس فِي الْجَاهِلِيَّة ) ‏ ‏أَيْ مَكَان تِجَارَتهمْ وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّة \" فَأَمَّا ذُو الْمَجَاز فَذَكَر الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق أَنَّهَا كَانَتْ بِنَاحِيَةِ عَرَفَة إِلَى جَانِبهَا , وَعِنْد الْأَزْرَقِيّ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن الْكَلْبِيّ أَنَّهُ كَانَ لِهُذَيْلٍ عَلَى فَرْسَخ مِنْ عَرَفَة , وَوَقَعَ فِي شَرْح الْكَرْمَانِيّ أَنَّهُ كَانَ بِمِنًى وَلَيْسَ بِشَيْءٍ , لِمَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَبِيعُونَ وَلَا يَبْتَاعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّة بِعَرَفَة وَلَا مِنًى , لَكِنْ سَيَأْتِي عَنْ تَخْرِيج الْحَاكِم خِلَاف ذَلِكَ. وَأَمَّا عُكَاظ فَعَنْ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهَا فِيمَا بَيْن نَخْلَة وَالطَّائِف إِلَى بَلَد يُقَال لَهُ الْفُتُق بِضَمِّ الْفَاء وَالْمُثَنَّاة بَعْدهَا قَاف , وَعَنْ اِبْن الْكَلْبِيّ أَنَّهَا كَانَتْ وَرَاء قَرْن الْمَنَازِل بِمَرْحَلَةٍ عَلَى طَرِيق صَنْعَاء , وَكَانَتْ لِقَيْسٍ وَثَقِيف. وَأَمَّا مَجِنَّة فَعَنْ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهَا كَانَتْ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ إِلَى جَبَل يُقَال لَهُ الْأَصْغَر , وَعَنْ اِبْن الْكَلْبِيّ كَانَتْ بِأَسْفَل مَكَّة عَلَى بَرِيد مِنْهَا غَرْبِيّ الْبَيْضَاء وَكَانَتْ لِكِنَانَةَ , وَذَكَر مِنْ أَسْوَاق الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة أَيْضًا حُبَاشَة بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة وَبَعْد الْأَلْف مُعْجَمَة , وَكَانَتْ فِي دِيَار بَارِق نَحْو قَنُونَى بِفَتْحِ الْقَاف وَبِضَمِّ النُّون الْخَفِيفَة وَبَعْد الْوَاو نُون مَقْصُورَة مِنْ مَكَّة إِلَى جِهَة الْيَمَن عَلَى سِتّ مَرَاحِل , قَالَ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُر هَذِهِ السُّوق فِي الْحَدِيث لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ مَوَاسِم الْحَجّ , وَإِنَّمَا كَانَتْ تُقَام فِي شَهْر رَجَب , قَالَ الْفَاكِهِيّ. وَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ الْأَسْوَاق قَائِمَة فِي الْإِسْلَام إِلَى أَنْ كَانَ أَوَّل مَا تُرِكَ مِنْهَا سُوق عُكَاظ فِي زَمَن الْخَوَارِج سَنَة تِسْع وَعِشْرِينَ وَمِائَة وَآخِر مَا تُرِكَ مِنْهَا سُوق حُبَاشَة فِي زَمَن دَاوُدَ بْن عِيسَى بْن مُوسَى الْعَبَّاسِيّ فِي سَنَة سَبْع وَتِسْعِينَ وَمِائَة. ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ اِبْن الْكَلْبِيّ أَنَّ كُلّ شَرِيف كَانَ إِنَّمَا يَحْضُر سُوق بَلَده إِلَّا سُوق عُكَاظ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَافَوْنَ بِهَا مِنْ كُلّ جِهَة , فَكَانَتْ أَعْظَم تِلْكَ الْأَسْوَاق. وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرهَا فِي أَحَادِيث أُخْرَى مِنْهَا حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" انْطَلَقَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَة مِنْ أَصْحَابه عَامِدِينَ إِلَى سُوق عُكَاظ \" الْحَدِيث فِي قِصَّة الْجِنّ , وَقَدْ مَضَى فِي الصَّلَاة وَيَأْتِي فِي التَّفْسِير. وَرَوَى الزُّبَيْر بْن بَكَّار فِي \" كِتَاب النَّسَب \" مِنْ طَرِيق حَكِيم بْن حِزَام أَنَّهَا كَانَتْ تُقَام صُبْح هِلَال ذِي الْقَعْدَة إِلَى أَنْ يَمْضِيَ عِشْرُونَ يَوْمًا , قَالَ : ثُمَّ يُقَام سُوق مَجِنَّة عَشْرَة أَيَّام إِلَى هِلَال ذِي الْحِجَّة , ثُمَّ يَقُوم سُوق ذِي الْمَجَاز ثَمَانِيَة أَيَّام , ثُمَّ يَتَوَجَّهُونَ إِلَى مِنًى لِلْحَجِّ. وَفِي حَدِيث أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِثَ عَشْر سِنِينَ يَتْبَع النَّاس فِي مَنَازِلهمْ فِي الْمَوْسِم بِمَجِنَّةَ وَعُكَاظ يُبَلِّغ رِسَالَات رَبّه \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنَّهُمْ ) ‏ ‏أَيْ الْمُسْلِمِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( كَرِهُوا ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" فَكَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا \" أَيْ خَشُوا مِنْ الْوُقُوع فِي الْإِثْم لِلِاشْتِغَالِ فِي أَيَّام النُّسُك بِغَيْرِ الْعِبَادَة , وَأَخْرَجَ الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" إِنَّ النَّاس فِي أَوَّل الْحَجّ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِمِنًى وَعَرَفَة وَسُوق الْمَجَاز وَمَوَاسِم الْحَجّ , فَخَافُوا الْبَيْع وَهُمْ حُرُم , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) فِي مَوَاسِم الْحَجّ \" قَالَ فَحَدَّثَنِي عُبَيْد بْن عُمَيْر أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأهَا فِي الْمُصْحَف , وَلِأَبِي دَاوُدَ وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس \" كَانُوا لَا يَتَّجِرُونَ بِمِنًى , فَأُمِرُوا بِالتِّجَارَةِ إِذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَات \" وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة , وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاق فِي مُسْنَده مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" كَانُوا يَمْنَعُونَ الْبَيْع وَالتِّجَارَة فِي أَيَّام الْمَوْسِم يَقُولُونَ : إِنَّهَا أَيَّام ذِكْر , فَنَزَلَتْ \" وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس \" كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُدْخِلُوا فِي حَجّهمْ التِّجَارَة حَتَّى نَزَلَتْ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى نَزَلَتْ إِلَخْ ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي تَفْسِير الْبَقَرَة عَنْ اِبْن عُمَر قَوْل آخَر فِي سَبَب نُزُولهَا. ‏ ‏قَوْلهَا ( فِي مَوَاسِم إِلَخْ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هُوَ كَلَام الرَّاوِي ذَكَره تَفْسِيرًا اِنْتَهَى. وَفَاته مَا زَادَهُ الْمُصَنِّف فِي آخِر حَدِيث اِبْن عُيَيْنَةَ فِي الْبُيُوع \" قَرَأَهَا اِبْن عَبَّاس \" وَرَوَاهُ اِبْن عُمَر فِي مُسْنَده عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ وَقَالَ فِي آخِره \" وَكَذَلِكَ كَانَ اِبْن عَبَّاس يَقْرَأهَا \" وَرَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَيُّوب عَنْ كَرْمَة أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأهَا كَذَلِكَ , فَهِيَ عَلَى هَذَا مِنْ الْقِرَاءَة الشَّاذَّة وَحُكْمهَا عِنْد الْأَئِمَّة حُكْم التَّفْسِير , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى جَوَاز الْبَيْع وَالشِّرَاء لِلْمُعْتَكِفِ قِيَاسًا عَلَى الْحَجّ , وَالْجَامِع بَيْنهمَا الْعِبَادَة , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور. وَعَنْ مَالِك كَرَاهَة مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَة كَالْخُبْزِ إِذَا لَمْ يَجِد مَنْ يَكْفِيه , وَكَذَا كَرِهَهُ عَطَاء وَمُجَاهِد وَالزُّهْرِيّ , وَلَا رَيْب أَنَّهُ خِلَاف الْأَوْلَى , وَالْآيَة إِنَّمَا نَفَتْ الْجُنَاح وَلَا يَلْزَم مِنْ نَفْيه نَفْي أَوْلَوِيَّة مُقَابِله. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1649",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏حَاضَتْ ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏لَيْلَةَ النَّفْرِ فَقَالَتْ مَا ‏ ‏أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَكُمْ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَقْرَى ‏ ‏حَلْقَى ‏ ‏أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قِيلَ نَعَمْ قَالَ ‏ ‏فَانْفِرِي ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَزَادَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَاضِرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ النَّفْرِ حَاضَتْ ‏ ‏صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَلْقَى ‏ ‏عَقْرَى ‏ ‏مَا أُرَاهَا إِلَّا حَابِسَتَكُمْ ثُمَّ قَالَ كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ ‏ ‏فَانْفِرِي ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَكُنْ حَلَلْتُ قَالَ فَاعْتَمِرِي مِنْ ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏فَخَرَجَ مَعَهَا أَخُوهَا فَلَقِينَاهُ ‏ ‏مُدَّلِجًا ‏ ‏فَقَالَ مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبِي ) ‏ ‏هُوَ حَفْص بْن غِيَاث وَالْإِسْنَاد كُلّه إِلَى عَائِشَة كُوفِيُّونَ , وَلَيْسَ فِي الْمَتْن الَّذِي سَاقَهُ مِنْ طَرِيق حَفْص مَقْصُود التَّرْجَمَة , وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْقِصَّة الَّتِي فِي رِوَايَته وَفِي رِوَايَة مُحَاضِر وَاحِدَة. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى قِصَّة صَفِيَّة قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَنِي مُحَمَّد ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن \" مُحَمَّد بْن سَلَام \" وَمُحَاضِر بِضَمِّ الْمِيم وَحَاء مُهْمَلَة خَفِيفَة وَبَعْد الْأَلْف ضَاد مُعْجَمَة لَمْ يُخَرِّج عَنْهُ الْبُخَارِيّ فِي كِتَابه إِلَّا تَعْلِيقًا , لَكِنَّ هَذَا الْمَوْضِع ظَاهِر الْوَصْل , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث عَائِشَة مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ( فَخَرَجَ مَعَهَا أَخُوهَا ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر كَمَا سَيَأْتِي , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ ( فَلَقِينَاهُ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُمَا لَقِيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏( مُدَّلِجًا ) ) ‏ ‏هُوَ بِتَشْدِيدِ الدَّال أَيْ سَائِرًا مِنْ آخِر اللَّيْل , فَإِنَّهُمَا لَمَّا رَجَعَا إِلَى الْمَنْزِل بَعْد أَنْ قَضَتْ عَائِشَة الْعُمْرَة صَادَفَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَجِّهًا إِلَى طَوَاف الْوَدَاع , ‏ ‏وَقَوْله \" مَوْعِدك كَذَا وَكَذَا \" ‏ ‏أَيْ مَوْضِع الْمَنْزِلَة كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( خَاتِمَة ) ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْحَجّ مِنْ أَوَّله إِلَى أَبْوَابالْعُمْرَة عَلَى ثَلَثمِائِةٍ وَاثْنَيْ عَشَرَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا سَبْعَة وَخَمْسُونَ حَدِيثًا وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَة وَأَحَد وَتِسْعُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِص مِنْهَا مِائَة وَأَحَد وَعِشْرُونَ حَدِيثًا , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث جَابِر فِي \" الْإِهْلَال \" \" إِذَا اِسْتَقَلَّتْ الرَّاحِلَة \" وَحَدِيث أَنَس فِي \" الْحَجّ عَلَى رَحْل رَثّ \" وَحَدِيث عَائِشَة \" لَكِنْ أَفْضَل الْجِهَاد حَجّ مَبْرُور \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي نُزُول ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) , وَحَدِيث عُمَر \" حَدّ لِأَهْلِ نَجِد قَرْنًا \" وَحَدِيثه \" وَقُلْ عُمْرَة فِي حِجَّة \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" اِنْطَلَقَ مِنْ الْمَدِينَة بَعْدَمَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ \" وَحَدِيثه أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَة الْحَجّ , وَحَدِيث أَبِي سَعِيد \" لَيُحَجَّنَّ الْبَيْت وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْد يَأْجُوج وَمَأْجُوج \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي هَدْم الْكَعْبَة عَلَى يَد الْأَسْوَد , وَحَدِيثه فِي تَرْك دُخُول الْكَعْبَة وَفِيهَا الْأَصْنَام , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي اِسْتِلَام الْحَجَر وَتَقْبِيله , وَحَدِيث عَائِشَة فِي طَوَافهَا حَجِرَة مِنْ الرِّجَال , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" مَرَّ بِرَجُلٍ يَطُوف وَقَدْ خَزَمَ أَنْفه \" وَحَدِيث الزُّهْرِيِّ الْمُرْسَل \" لَمْ يَطُفْ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" قَدِمَ فَطَافَ وَسَعَى \" وَحَدِيث عَائِشَة فِي كَرَاهَة الطَّوَاف بَعْد الصُّبْح , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الشُّرْب مِنْ سِقَايَة الْعَبَّاس , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي تَعْجِيل الْوُقُوف , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" لَيْسَ الْبِرّ بِالْإِيضَاعِ \" وَحَدِيثه فِي تَقْدِيم الضَّعَفَة , وَحَدِيث عُمَر فِي إِفَاضَة الْمُشْرِكِينَ مِنْ مُزْدَلِفَة , وَحَدِيث الْمِسْوَر وَمَرْوَان فِي الْهَدْي , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي النَّحْر فِي الْمَنْحَر , وَحَدِيث جَابِر فِي السُّؤَال عَنْ الْحَلْق قَبْل الذَّبْح , وَحَدِيث اِبْن عُمَر \" حَلَقَ فِي حَجَّته \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَخَّرَ الزِّيَارَة إِلَى اللَّيْل \" وَحَدِيث عَائِشَة فِي ذَلِكَ , وَحَدِيث جَابِر فِي رَمْي جَمْرَة الْعَقَبَة ضُحًى وَبَعْد ذَلِكَ بَعْد الزَّوَال , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي هَذَا الْمَعْنَى , وَحَدِيثه \" كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَة الدُّنْيَا بِسَبْع وَيُكَبِّر مَعَ كُلّ حَصَاة \" وَحَدِيثه فِي نُزُول الْمُحَصَّب , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَانَ ذُو الْمَجَاز وَعُكَاظ \". وَفِيهِ مِنْ الْآثَار الْمَوْقُوفَة عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ سِتُّونَ أَثَرًا أَكْثَرهَا مُعَلَّق. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1650",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ ‏ ‏الْمَبْرُورُ ‏ ‏لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُمَيّ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : تَفَرَّدَ سُمَيّ بِهَذَا الْحَدِيث وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ النَّاس فِيهِ فَرَوَاهُ عَنْهُ مَالِك وَالسُّفْيَانَانِ وَغَيْرهمَا حَتَّى إِنَّ سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح حَدَّثَ بِهِ عَنْ سُمَيّ عَنْ أَبِي صَالِح فَكَأَنَّ سُهَيْلًا لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ أَبِيهِ , وَتَحَقَّقَ بِذَلِكَ تَفَرُّد سُمَيّ بِهِ فَهُوَ مِنْ غَرَائِب الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( الْعُمْرَة إِلَى الْعُمْرَة كَفَّارَة لِمَا بَيْنهمَا ) ‏ ‏أَشَارَ اِبْن عَبْد الْبَرّ إِلَى أَنَّ الْمُرَاد تَكْفِير الصَّغَائِر دُون الْكَبَائِر قَالَ : وَذَهَبَ بَعْض الْعُلَمَاء مِنْ عَصْرنَا إِلَى تَعْمِيم ذَلِكَ , ثُمَّ بَالَغَ فِي الْإِنْكَار عَلَيْهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَى الصَّوَاب فِي ذَلِكَ أَوَائِل مَوَاقِيت الصَّلَاة. وَاسْتَشْكَلَ بَعْضهمْ كَوْن الْعُمْرَة كَفَّارَة مَعَ أَنَّ اِجْتِنَاب الْكَبَائِر يُكَفِّر فَمَاذَا تُكَفِّر الْعُمْرَة ؟ وَالْجَوَاب أَنَّ تَكْفِير الْعُمْرَة مُقَيَّد بِزَمَنِهَا , وَتَكْفِير الِاجْتِنَاب عَامّ لِجَمِيعِ عُمْر الْعَبْد , فَتَغَايَرَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّة. وَأَمَّا مُنَاسَبَة الْحَدِيث لِأَحَدِ شِقَّيْ التَّرْجَمَة وَهُوَ وُجُوب الْعُمْرَة فَمُشْكِل , بِخِلَافِ الشِّقّ الْآخَر وَهُوَ فَضْلهَا فَإِنَّهُ وَاضِح , وَكَأَنَّ الْمُصَنِّف وَاللَّه أَعْلَم أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث الْمَذْكُور وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود مَرْفُوعًا \" تَابِعُوا بَيْن الْحَجّ وَالْعُمْرَة فَإِنَّ مُتَابَعَة بَيْنهمَا تَنْفِي الذُّنُوب وَالْفَقْر كَمَا يَنْفِي الْكِير خَبَث الْحَدِيد. وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَة ثَوَاب إِلَّا الْجَنَّة \" فَإِنَّ ظَاهِره التَّسْوِيَة بَيْن أَصْل الْحَجّ وَالْعُمْرَة فَيُوَافِق قَوْل اِبْن عَبَّاس \" إِنَّهَا لَقَرِينَتهَا فِي كِتَاب اللَّه \" وَأَمَّا إِذَا اِتَّصَفَ الْحَجّ بِكَوْنِهِ مَبْرُورًا فَذَلِكَ قَدْر زَائِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الْمُرَاد بِهِ فِي أَوَائِل الْحَجّ. وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد وَغَيْره مِنْ حَدِيث جَابِر مَرْفُوعًا \" الْحَجّ الْمَبْرُور لَيْسَ لَهُ جَزَاء إِلَّا الْجَنَّة. قِيلَ يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بِرّ الْحَجّ ؟ قَالَ إِطْعَام الطَّعَام وَإِفْشَاء السَّلَام \" فَفِي هَذَا تَفْسِير الْمُرَاد بِالْبِرِّ فِي الْحَجّ , وَيُسْتَفَاد مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْمَذْكُور الْمُرَاد بِالتَّكْفِيرِ الْمُبْهَم فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَفِي حَدِيث الْبَاب دَلَالَة عَلَى اِسْتِحْبَاب الِاسْتِكْثَار مِنْ الِاعْتِمَار خِلَافًا لِقَوْلِ مَنْ قَالَ يُكْرَه أَنْ يَعْتَمِر فِي السَّنَة أَكْثَر مِنْ مَرَّة كَالْمَالِكِيَّةِ وَلِمَنْ قَالَ مَرَّة فِي الشَّهْر مِنْ غَيْرهمْ وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلهَا إِلَّا مِنْ سَنَة إِلَى سَنَة , وَأَفْعَاله عَلَى الْوُجُوب أَوْ النَّدْب , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَنْدُوب لَمْ يَنْحَصِر فِي أَفْعَاله , فَقَدْ كَانَ يَتْرُك الشَّيْء وَهُوَ يَسْتَحِبّ فِعْله لِرَفْعِ الْمَشَقَّة عَنْ أُمَّته , وَقَدْ نَدَبَ إِلَى ذَلِكَ بِلَفْظِهِ فَثَبَتَ الِاسْتِحْبَاب مِنْ غَيْر تَقْيِيد. وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازهَا فِي جَمِيع الْأَيَّام لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَلَبِّسًا بِأَعْمَالِ الْحَجّ , إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ الْحَنَفِيَّة أَنَّهُ يُكْرَه فِي يَوْم عَرَفَة وَيَوْم النَّحْر وَأَيَّام التَّشْرِيق , وَنَقَلَ الْأَثْرَم عَنْ أَحْمَد : إِذَا اِعْتَمَرَ فَلَا بُدّ أَنْ يَحْلِق أَوْ يُقَصِّر , فَلَا يَعْتَمِر بَعْد ذَلِكَ إِلَى عَشْرَة أَيَّام لِيُمْكِن حَلْق الرَّأْس فِيهَا , قَالَ اِبْن قُدَامَةَ : هَذَا يَدُلّ عَلَى كَرَاهَة الِاعْتِمَار عِنْده فِي دُون عَشْرَة أَيَّام , وَقَالَ اِبْن التِّين : قَوْله \" الْعُمْرَة إِلَى الْعُمْرَة \" يُحْتَمَل أَنْ تَكُون إِلَى بِمَعْنَى مَعَ فَيَكُون التَّقْدِير الْعُمْرَة مَعَ الْعُمْرَة مُكَفِّرَة لِمَا بَيْنهمَا , وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا إِشَارَة إِلَى جَوَاز الِاعْتِمَار قَبْل الْحَجّ وَهُوَ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. ‏"
    },
    {
        "id": "1651",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ ‏ ‏سَأَلَ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ فَقَالَ لَا بَأْسَ قَالَ ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْمَرْوَزِيُّ , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عِكْرِمَة بْن خَالِد ) ‏ ‏هُوَ الْمَخْزُومِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلَ ) ‏ ‏هَذَا السِّيَاق يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الْإِسْنَاد مُرْسَل لِأَنَّ اِبْن جُرَيْجٍ لَمْ يُدْرِك زَمَان سُؤَال عِكْرِمَة لِابْنِ عُمَر , وَلِهَذَا اِسْتَظْهَرَ الْبُخَارِيّ بِالتَّعْلِيقِ عَنْ اِبْن إِسْحَاق الْمُصَرِّح بِالِاتِّصَالِ ثُمَّ بِالْإِسْنَادِ الْآخَر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ , فَهُوَ يَرْفَع هَذَا الْإِشْكَال الْمَذْكُور حَيْثُ قَالَ عَنْ اِبْن جُرَيْج قَالَ \" قَالَ عِكْرِمَة \" فَإِنْ قِيلَ إِنَّ اِبْن جُرَيْجٍ رُبَّمَا دَلَّسَ فَالْجَوَاب أَنَّ اِبْن خُزَيْمَةَ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن بَكْر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ \" قَالَ عِكْرِمَة بْن خَالِد \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا بَأْس ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد وَابْن خُزَيْمَة \" فَقَالَ لَا بَأْس عَلَى أَحَد أَنْ يَعْتَمِر قَبْل أَنْ يَحُجّ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عِكْرِمَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن خَالِد بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَحْمَد عَنْ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَلَفْظه \" حَدَّثَنَا عِكْرِمَة بْن خَالِد بْن الْعَاصِ الْمَخْزُومِيّ قَالَ : قَدِمْت الْمَدِينَة فِي نَفَر مِنْ أَهْل مَكَّة فَلَقِيت عَبْد اللَّه بْن عُمَر فَقُلْت : إِنَّا لَمْ نَحُجّ قَطّ , أَفَنَعْتَمِر مِنْ الْمَدِينَة ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَمَا يَمْنَعكُمْ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَقَدْ اِعْتَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمْرَة كُلّهَا قَبْل حَجّه. قَالَ فَاعْتَمَرْنَا \" قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ فَرْض الْحَجّ كَانَ قَدْ نَزَلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل اِعْتِمَاره , وَيَتَفَرَّع عَلَيْهِ هَلْ الْحَجّ عَلَى الْفَوْر أَوْ التَّرَاخِي , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي , قَالَ : وَكَذَلِكَ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابه بِفَسْخِ الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة دَالّ عَلَى ذَلِكَ اِنْتَهَى. وَقَدْ نُوزِعَ فِي ذَلِكَ إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ صِحَّة تَقْدِيم أَحَد النُّسُكَيْنِ عَلَى الْآخَر نَفْي الْفَوْرِيَّة فِيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْحَجّ نَقْل الْخِلَاف فِي اِبْتِدَاء فَرْض الْحَجّ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى عِدَّة عُمَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَمِنْ الصَّرِيح فِي التَّرْجَمَة الْأَثَر الْمَذْكُور فِي آخِر الْبَاب الَّذِي يَلِيه عَنْ مَسْرُوق وَعَطَاء وَمُجَاهِد قَالُوا \" اِعْتَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يَحُجّ \" وَحَدِيث الْبَرَاء فِي ذَلِكَ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1652",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ أَنَا ‏ ‏وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏الْمَسْجِدَ فَإِذَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَإِذَا نَاسٌ يُصَلُّونَ فِي الْمَسْجِدِ صَلَاةَ الضُّحَى قَالَ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ فَقَالَ بِدْعَةٌ ثُمَّ قَالَ لَهُ ‏ ‏كَمْ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ أَرْبَعًا إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ فَكَرِهْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ قَالَ وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏فِي الْحُجْرَةِ فَقَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏يَا أُمَّاهُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ ‏ ‏أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَتْ مَا يَقُولُ قَالَ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ قَالَتْ يَرْحَمُ اللَّهُ ‏ ‏أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏مَا اعْتَمَرَ عُمْرَةً إِلَّا وَهُوَ شَاهِدُهُ وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر. ‏ ‏قَوْله : ( الْمَسْجِد ) ‏ ‏يَعْنِي مَسْجِد الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( جَالِس إِلَى حُجْرَة عَائِشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُفَضَّل عَنْ مَنْصُور عِنْد أَحْمَد \" فَإِذَا اِبْن عُمَر مُسْتَنِد إِلَى حُجْرَة عَائِشَة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا أُنَاس ) ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الكُشْمِيهَنِيّ \" فَإِذَا نَاس \" بِغَيْرِ أَلْف. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ بِدْعَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ وَالْبَحْث فِيهِ فِي أَبْوَاب التَّطَوُّع. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ لَهُ ) ‏ ‏يَعْنِي عُرْوَة , وَصَرَّحَ بِهِ مُسْلِم فِي رِوَايَته عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ جَرِير. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَرْبَع ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِأَبِي ذَرّ \" قَالَ أَرْبَعًا \" أَيْ اِعْتَمَرَ أَرْبَعًا. قَالَ اِبْن مَالِك : الْأَكْثَر فِي جَوَاب الِاسْتِفْهَام مُطَابَقَة اللَّفْظ وَالْمَعْنَى , وَقَدْ يُكْتَفَى بِالْمَعْنَى , فَمِنْ الْأَوَّل قَوْله تَعَالَى ( قَالَ هِيَ عَصَايَ ) فِي جَوَاب ( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِك يَا مُوسَى ) وَمِنْ الثَّانِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام \" أَرْبَعِينَ \" فِي جَوَاب قَوْلهمْ \" كَمْ يَلْبَث \" فَأَضْمَرَ يَلْبَث وَنَصَبَ بِهِ أَرْبَعِينَ , وَلَوْ قَصَدَ تَكْمِيل الْمُطَابَقَة لَقَالَ أَرْبَعُونَ , لِأَنَّ الِاسْم الْمُسْتَفْهَم بِهِ فِي مَوْضِع الرَّفْع , فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ النَّصْب وَالرَّفْع جَائِزَانِ فِي مِثْل قَوْله أَرْبَع , إِلَّا أَنَّ النَّصْب أَقْيَس وَأَكْثَر نَظَائِرَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَب ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد , وَخَالَفَهُ أَبُو إِسْحَاق فَرَوَاهُ عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر , قَالَ \" اِعْتَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ , فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَة فَقَالَتْ : اِعْتَمَرَ أَرْبَع عُمَر \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ فَاخْتَلَفَا , جَعَلَ مَنْصُور الِاخْتِلَاف فِي شَهْر الْعُمْرَة وَأَبُو إِسْحَاق الِاخْتِلَاف فِي عَدَد الِاعْتِمَار , وَيُمْكِن تَعَدُّد السُّؤَال بِأَنْ يَكُون اِبْن عُمَر سُئِلَ أَوَّلًا عَنْ الْعَدَد فَأَجَابَ فَرَدَّتْ عَلَيْهِ عَائِشَة فَرَجَعَ إِلَيْهَا , فَسُئِلَ مَرَّة ثَانِيَة فَأَجَابَ بِمُوَافَقَتِهَا ثُمَّ سُئِلَ عَنْ الشَّهْر فَأَجَابَ بِمَا فِي ظَنِّهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ مُجَاهِد قَالَ \" سَأَلَ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر اِبْن عُمَر فِي أَيّ شَهْرٍ اِعْتَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : فِي رَجَب \". ‏ ‏قَوْله : ( فَكَرِهْنَا أَنْ نَرُدّ عَلَيْهِ ) ‏ ‏زَادَ إِسْحَاق فِي رِوَايَته \" وَنُكَذِّبَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَسَمِعْنَا اِسْتِنَان عَائِشَة ) ‏ ‏أَيْ حِسّ مُرُور السِّوَاك عَلَى أَسْنَانهَا , وَفِي رِوَايَة عَطَاء عَنْ عُرْوَة عِنْد مُسْلِم \" وَإِنَّا لَنَسْمَع ضَرْبهَا بِالسِّوَاكِ تَسْتَنّ \". ‏ ‏قَوْله : ( عُمُرَات ) ) ‏ ‏يَجُوز فِي مِيمهَا الْحَرَكَات الثَّلَاث. ‏ ‏قَوْله : ( يَا أُمَّاه ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِسُكُونِ الْهَاء , وَلِأَبِي ذَرّ \" يَا أُمّه \" بِسُكُونِ الْهَاء أَيْضًا بِغَيْرِ أَلِف , وَقَوْل عُرْوَة لِهَذَا بِالْمَعْنَى الْأَخَصّ لِكَوْنِهَا خَالَته وَبِالْمَعْنَى الْأَعَمّ لِكَوْنِهَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( يَرْحَم اللَّه أَبَا عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر ذَكَرَتْهُ بِكُنْيَتِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَدَعَتْ لَهُ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ نَسِيَ , ‏ ‏وَقَوْله : ( وَمَا اِعْتَمَرَ ) ‏ ‏أَيْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏( عُمْرَة إِلَّا وَهُوَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر ‏ ‏( شَاهِده ) ‏ ‏أَيْ حَاضِر مَعَهُ , وَقَالَتْ ذَلِكَ مُبَالَغَة فِي نِسْبَته إِلَى النِّسْيَان , وَلَمْ تُنْكِر عَائِشَة عَلَى اِبْن عُمَر إِلَّا قَوْله إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَب. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا اِعْتَمَرَ فِي رَجَب قَطّ ) ‏ ‏زَادَ عَطَاء عَنْ عُرْوَة عِنْد مُسْلِم فِي آخِره \" قَالَ وَابْن عُمَر يَسْمَع , فَمَا قَالَ لَا وَلَا نَعَمْ , سَكَتَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1653",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي رَجَبٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر سَأَلْت عَائِشَة ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه مُطَوَّلًا ذَكَرَ فِيهِ قِصَّة اِبْن عُمَر وَسُؤَاله لَهُ نَحْو مَا رَوَاهُ مُجَاهِد , إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ \" كَمْ اِعْتَمَرَ \" وَقَدْ أَشَرْت إِلَى مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَة زَائِدَة , وَأَغْرَبَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : هَذَا الْحَدِيث لَا يَدْخُل فِي بَاب كَمْ اِعْتَمَرَ وَإِنَّمَا يَدْخُل فِي بَاب مَتَى اِعْتَمَرَ ا ه , وَجَوَابه أَنَّ غَرَض الْبُخَارِيّ الطَّرِيق الْأُولَى , وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذِهِ لِيُنَبِّه عَلَى الْخِلَاف فِي السِّيَاق. ‏"
    },
    {
        "id": "1654",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَسَّانُ بْنُ حَسَّانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَمْ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرْبَعٌ عُمْرَةُ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏فِي ذِي الْقَعْدَةِ حَيْثُ صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ وَعُمْرَةٌ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ حَيْثُ صَالَحَهُمْ وَعُمْرَةُ ‏ ‏الْجِعِرَّانَةِ ‏ ‏إِذْ قَسَمَ غَنِيمَةَ ‏ ‏أُرَاهُ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏قُلْتُ كَمْ حَجَّ قَالَ وَاحِدَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَعُمْرَة الْجِعْرَانَة إِذْ قَسَمَ غَنِيمَة أُرَاهُ حُنَيْنٍ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا بِنَصْبِ غَنِيمَة بِغَيْرِ تَنْوِين , وَكَأَنَّ الرَّاوِي طَرَأَ عَلَيْهِ شَكٌّ فَأَدْخَلَ بَيْن الْمُضَاف وَالْمُضَاف إِلَيْهِ لَفْظ \" أُرَاهُ \" وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة أَيْ أَظُنّهُ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ هُدْبَة عَنْ هَمَّام بِغَيْرِ شَكٍّ فَقَالَ \" حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِم حُنَيْنٍ \" وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَة حَسَّان هَذِهِ الْعُمْرَة الرَّابِعَة , وَلِهَذَا اِسْتَظْهَرَ الْمُصَنِّف بِطَرِيقِ أَبِي الْوَلِيد الَّتِي ذَكَرهَا فِي آخِر الْحَدِيث وَهُوَ قَوْله \" وَعُمْرَة مَعَ حَجَّته \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الصَّمَد عَنْ هِشَام , فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ التَّقْصِير فِيهِ مِنْ حَسَّان شَيْخ الْبُخَارِيّ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْعُمْرَة الرَّابِعَة فِي هَذَا الْحَدِيث دَاخِلَة فِي ضِمْن الْحَجّ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَّا أَنْ يَكُون قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا فَالْعُمْرَة حَاصِلَة أَوْ مُفْرِدًا , لَكِنْ أَفْضَل أَنْوَاع الْإِفْرَاد لَا بُدّ فِيهِ مِنْ الْعُمْرَة فِي تِلْكَ السَّنَة , وَرَسُول اللَّه لَا يَتْرُك الْأَفْضَل اِنْتَهَى. وَلَيْسَ مَا اِدَّعَى أَنَّهُ الْأَفْضَل مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْن الْعُلَمَاء , فَكَيْف يَنْسِب فِعْل ذَلِكَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي يُحْتَجّ بِهِ إِذَا نُسِبَ لِأَحَدٍ فِعْله عَلَى مَا يَخْتَار بَعْض الْمُجْتَهِدِينَ رُجْحَانَهُ. قَوْله فِي رِوَايَة أَبِي الْوَلِيد \" اِعْتَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ رَدُّوهُ , وَمِنْ الْقَابِل عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة \" قَالَ اِبْن التِّين هَذَا أُرَاهُ وَهْمًا لِأَنَّ الَّتِي رَدُّوهُ فِيهَا هِيَ عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة وَأَمَّا الَّتِي مِنْ قَابِلٍ فَلَمْ يَرُدُّوهُ مِنْهَا. قُلْت : لَا وَهْمَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ مِنْ الْحُدَيْبِيَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَوْله \" عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة \" يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ حَيْثُ رَدُّوهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1655",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَيْثُ رَدُّوهُ وَمِنْ الْقَابِلِ عُمْرَةَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏وَعُمْرَةً فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلَّا الَّتِي اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ عُمْرَتَهُ مِنْ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏وَمِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ وَمِنْ ‏ ‏الْجِعْرَانَةِ ‏ ‏حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا هُدْبَة حَدَّثَنَا هَمَّام و قَالَ اِعْتَمَرَ ) ‏ ‏أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَهُوَ \" عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَس بْن مَالِك أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِعْتَمَرَ أَرْبَع عُمَر كُلّهنَّ فِي ذِي الْقَعْدَة إِلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّته \" الْحَدِيث كَذَا سَاقَهُ مُسْلِم عَنْ هَدَّاب بْن خَالِد وَهُوَ هُدْبَة الْمَذْكُور , وَقَوْله \" إِلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّته \" اِسْتَشْكَلَ اِبْن التِّين هَذَا الِاسْتِثْنَاء فَقَالَ. هُوَ كَلَام زَائِد , وَالصَّوَاب أَرْبَع عُمَر : فِي ذِي الْقَعْدَة عُمْرَة مِنْ الْحُدَيْبِيَة الْحَدِيث , قَالَ. وَقَدْ عَدَّ الَّتِي مَعَ حَجَّته فِي الْحَدِيث فَكَيْف يَسْتَثْنِيهَا أَوَّلًا ؟ وَأَجَابَ عِيَاض بِأَنَّ الرِّوَايَة صَوَاب , وَكَأَنَّهُ قَالَ فِي ذِي الْقَعْدَة مِنْهَا ثَلَاث وَالرَّابِعَة عُمْرَته فِي حَجَّته , أَوْ الْمَعْنَى كُلّهَا فِي ذِي الْقَعْدَة إِلَّا الَّتِي اِعْتَمَرَ فِي حَجَّته لِأَنَّ الَّتِي فِي حَجَّته كَانَتْ فِي ذِي الْحِجَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "1656",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏مَسْرُوقًا ‏ ‏وَعَطَاءً ‏ ‏وَمُجَاهِدًا ‏ ‏فَقَالُوا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ ‏ ‏وَقَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( شُرَيْح بْن مَسْلَمَة ) ‏ ‏بِمُعْجَمَةٍ أَوَّله وَمُهْمَلَة آخِره , وَإِبْرَاهِيم بْن يُوسُف أَيْ اِبْن إِسْحَاق بْن أَبِي إِسْحَاق السَّبِيعِيّ , وَرِجَال هَذَا الْحَدِيث كُلّهمْ كُوفِيُّونَ إِلَّا عَطَاء وَمُجَاهِدًا , وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَام عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الْخِلَاف فِيمَا كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ مُحْرِمًا فِي حَجَّته وَالْجَمْع بَيْن مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَته , وَالْمَشْهُور عَنْ عَائِشَة أَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا وَحَدِيثه هَذَا يُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ قَارِنًا , وَكَذَا اِبْن عُمَر أَنْكَرَ عَلَى أَنَس كَوْنه كَانَ قَارِنًا مَعَ أَنَّ حَدِيثه هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل أَنَّهُ اِعْتَمَرَ بَعْد حَجَّته فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّهُ اِعْتَمَرَ مَعَ حَجَّته , وَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا لِأَنَّهُ اِعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ سَاقَ الْهَدْي , وَاحْتَاجَ اِبْن بَطَّال إِلَى تَأْوِيل مَا وَقَعَ عَنْ عَائِشَة وَابْن عُمَر هُنَا فَقَالَ : إِنَّمَا تَجُوز نِسْبَة الْعُمْرَة الرَّابِعَة إِلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَمَرَ النَّاس بِهَا وَعُمِلَتْ بِحَضْرَتِهِ لَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِعْتَمَرَهَا بِنَفْسِهِ , وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْجَمْع اِسْتَغْنَى عَنْ هَذَا التَّأْوِيل الْمُتَعَسِّف. وَقَالَ اِبْن التِّين : فِي عَدِّهِمْ عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة الَّتِي صُدَّ عَنْهَا مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا عُمْرَة تَامَّة , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى صِحَّة قَوْل الْجُمْهُور إِنَّهُ لَا يَجِب الْقَضَاء عَلَى مَنْ صُدَّ عَنْ الْبَيْت خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ , وَلَوْ كَانَتْ عُمْرَة لِلْقَضِيَّةِ بَدَلًا عَنْ عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة لَكَانَتَا وَاحِدَة , وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ عُمْرَة الْقَضِيَّة وَالْقَضَاء لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاضَى قُرَيْشًا فِيهَا لَا أَنَّهَا وَقَعَتْ قَضَاء عَنْ الْعُمْرَة الَّتِي صُدَّ عَنْهَا إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتَا عُمْرَة وَاحِدَة. وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى جَوَاز الِاعْتِمَار فِي أَشْهُر الْحَجّ بِخِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الصَّحَابِيّ الْجَلِيل الْمُكْثِر الشَّدِيد الْمُلَازَمَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ بَعْض أَحْوَاله , وَقَدْ يَدْخُلهُ الْوَهْم وَالنِّسْيَان لِكَوْنِهِ غَيْر مَعْصُوم. وَفِيهِ رَدّ بَعْض الْعُلَمَاء عَلَى بَعْض وَحُسْن الْأَدَب فِي الرَّدّ وَحُسْن التَّلَطُّف فِي اِسْتِكْشَاف الصَّوَاب إِذَا ظَنَّ السَّامِع خَطَأ الْمُحَدِّث. وَقَالَ النَّوَوِيّ : سُكُوت اِبْن عُمَر عَلَى إِنْكَار عَائِشَة يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَوْ نَسِيَ أَوْ شَكَّ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : عَدَم إِنْكَاره عَلَى عَائِشَة يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى وَهْم وَأَنَّهُ رَجَعَ لِقَوْلِهَا , وَقَدْ تَعَسَّفَ مَنْ قَالَ : إِنَّ اِبْن عُمَر أَرَادَ بِقَوْلِهِ \" اِعْتَمَرَ فِي رَجَب \" عُمْرَة قَبْل هِجْرَته لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَكِنَّ قَوْل عَائِشَة مَا اِعْتَمَرَ فِي رَجَب يَلْزَم مِنْهُ عَدَم مُطَابَقَة رَدّهَا عَلَيْهِ لِكَلَامِهِ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ بَيَّنَتْ الْأَرْبَع وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ قَبْل الْهِجْرَة فَمَا الَّذِي كَانَ يَمْنَعهُ أَنْ يُفْصِح بِمُرَادِهِ فَيَرْجِع الْإِشْكَال ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْل هَذَا الْقَائِل لِأَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا يَعْتَمِرُونَ فِي رَجَب يَحْتَاج إِلَى نَقْل , وَعَلَى تَقْدِيره فَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَافَقَهُمْ ؟ وَهَبْ أَنَّهُ وَافَقَهُمْ فَكَيْف اِقْتَصَرَ عَلَى مَرَّة ؟ ‏"
    },
    {
        "id": "1657",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يُخْبِرُنَا يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِامْرَأَةٍ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏سَمَّاهَا ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَنَسِيتُ اسْمَهَا ‏ ‏مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّينَ مَعَنَا قَالَتْ كَانَ لَنَا ‏ ‏نَاضِحٌ ‏ ‏فَرَكِبَهُ أَبُو فُلَانٍ وَابْنُهُ ‏ ‏لِزَوْجِهَا وَابْنِهَا ‏ ‏وَتَرَكَ نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ قَالَ فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ اعْتَمِرِي فِيهِ فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ حَجَّةٌ أَوْ نَحْوًا مِمَّا قَالَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الّقَطَّانُ , ‏ ‏وَقَوْله ( عَنْ عَطَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن حَاتِم عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" أَخْبَرَنِي عَطَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَار سَمَّاهَا اِبْن عَبَّاس فَنَسِيت اِسْمهَا ) ‏ ‏الْقَائِل نَسِيت اِسْمهَا اِبْن جُرَيْجٍ , بِخِلَافِ مَا يَتَبَادَر إِلَى الذِّهْن مِنْ أَنَّ الْقَائِل عَطَاء , وَإِنَّمَا قُلْت ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُصَنِّف أَخْرَجَ الْحَدِيث فِي \" بَاب حَجّ النِّسَاء \" مِنْ طَرِيق حَبِيب الْمُعَلِّم عَنْ عَطَاء فَسَمَّاهَا وَلَفْظه \" لَمَّا رَجَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّته قَالَ لَأُمّ سِنَان الْأَنْصَارِيَّة : مَا مَنَعَك مِنْ الْحَجّ \" الْحَدِيث , وَيُحْتَمَل أَنَّ عَطَاء كَانَ نَاسِيًا لِاسْمِهَا لَمَّا حَدَّثَ بِهِ اِبْن جُرَيْجٌ وَذَاكِرًا لَهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ حَبِيبًا , وَقَدْ خَالَفَهُ يَعْقُوب بْن عَطَاء فَرَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" جَاءَتْ أُمّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : حَجّ أَبُو طَلْحَة وَابْنه وَتَرَكَانِي. فَقَالَ : يَا أُمّ سُلَيْمٍ عُمْرَة فِي رَمَضَان تَعْدِل حَجَّة مَعِي \" أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ , وَتَابَعَهُ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطَاء أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة , وَتَابَعَهُمَا مَعْقِل الْجَزَرِيُّ لَكِنْ خَالَفَ فِي الْإِسْنَاد قَالَ \" عَنْ عَطَاء عَنْ أُمّ سُلَيْمٍ \" فَذَكَر الْحَدِيث دُون الْقِصَّة , فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة يَبْعُد أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى الْخَطَأ , فَلَعَلَّ حَبِيبًا لَمْ يَحْفَظ اِسْمهَا كَمَا يَنْبَغِي , لَكِنْ رَوَاهُ أَحْمَد بْن مَنِيع فِي مُسْنَده بِإِسْنَادٍ صَحِيح \" عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهَا أُمّ سِنَان أَنَّهَا أَرَادَتْ الْحَجّ \" فَذَكَر الْحَدِيث نَحْوه دُون ذِكْر قِصَّة زَوْجهَا , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صَحَابِيَّة عَلَى عَطَاء اِخْتِلَافًا آخَر يَأْتِي ذِكْره فِي \" بَاب حَجّ النِّسَاء \" , وَقَدْ وَقَعَ شَبِيه بِهَذِهِ الْقِصَّة لِأُمِّ مَعْقِل أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث \" عَنْ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي أَسَد يُقَال لَهَا أُمّ مَعْقِل قَالَتْ : أَرَدْت الْحَجّ فَاعْتَلَّ بَعِيرِي , فَسَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اِعْتَمِرِي فِي شَهْر رَمَضَان فَإِنَّ عُمْرَة فِي رَمَضَان تَعْدِل حَجَّة \" وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي إِسْنَاده فَرَوَاهُ مَالِك عَنْ سُمَيّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن قَالَ \" جَاءَتْ اِمْرَأَة \" فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا وَأَبْهَمَهَا , وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عُمَارَة بْن عُمَيْر وَغَيْره عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي مَعْقِل , وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن مُهَاجِر عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ رَسُول مَرْوَان عَنْ أُمّ مَعْقِل , وَالَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ وَقَعَتَا لِامْرَأَتَيْنِ , فَعِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عِيسَى بْن مَعْقِل عَنْ يُوسُف بْن عَبْد اللَّه بْن سَلَام عَنْ أُمّ مَعْقِل قَالَتْ \" لَمَّا حَجّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّة الْوَدَاعِ وَكَانَ لَنَا جَمَل فَجَعَلَهُ أَبُو مَعْقِل فِي سَبِيل اللَّه , وَأَصَابَنَا مَرَض فَهَلَكَ أَبُو مَعْقِل , فَلَمَّا رَجَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّته جِئْت فَقَالَ. مَا مَنَعَك أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا ؟ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ قَالَ : فَهَلَّا حَجَجْت عَلَيْهِ , فَإِنَّ الْحَجّ مِنْ سَبِيل اللَّه , فَأَمَّا إِذَا فَاتَك فَاعْتَمِرِي فِي رَمَضَان فَإِنَّهَا كَحَجَّة \" وَوَقَعَتْ لَأُمّ طَلِيق قِصَّة مِثْل هَذِهِ أَخْرَجَهَا أَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن وَابْن مَنْدَهْ فِي \" الصَّحَابَة \" وَالدُّولَابِيّ فِي \" الْكُنَى \" مِنْ طَرِيق طَلْق بْن حَبِيب \" أَنَّ أَبَا طَلِيق حَدَّثَهُ أَنَّ اِمْرَأَته قَالَتْ لَهُ - وَلَهُ جَمَل وَنَاقَة - أَعْطِنِي جَمَلك أَحُجّ عَلَيْهِ , قَالَ : جَمَلِي حَبِيس فِي سَبِيل اللَّه , قَالَتْ : إِنَّهُ فِي سَبِيل اللَّه إِنْ أَحُجّ عَلَيْهِ \" فَذَكَر الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَتْ أُمّ طَلِيق \" وَفِيهِ \" مَا يَعْدِل الْحَجّ قَالَ عُمْرَة فِي رَمَضَان \" وَزَعَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ أُمّ مَعْقِل هِيَ أُمّ طَلِيق لَهَا كُنْيَتَانِ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ أَبَا مَعْقِل مَاتَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا طَلِيق عَاشَ حَتَّى سَمِعَ مِنْهُ طَلْق بْنُ حَبِيب وَهُوَ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ فَدَلَّ عَلَى تَغَايُر الْمَرْأَتَيْنِ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ تَغَايُر السِّيَاقَيْنِ أَيْضًا , وَلَا مَعْدِل عَنْ تَفْسِير الْمُبْهَمَة فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِأَنَّهَا أُمّ سِنَان أَوْ أُمّ سُلَيْمٍ لِمَا فِي الْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس مِنْ التَّغَايُر لِلْقِصَّةِ الَّتِي فِي حَدِيث غَيْره , وَلِقَوْلِهِ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّهَا أَنْصَارِيَّة , وَأَمَّا أُمّ مَعْقِل فَإِنَّهَا أَسَدِيَّة , وَوَقَعَتْ لِأَمِّ الْهَيْثَم أَيْضًا وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تَحُجِّي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَالْأَصِيلِي \" أَنَّ تَحُجِّينَ \" بِزِيَادَةِ النُّون وَهِيَ لُغَة. ‏ ‏قَوْله : ( نَاضِح ) ‏ ‏بِضَادٍ مُعْجَمَة ثُمَّ مُهْمَلَة أَيْ بَعِير , قَالَ اِبْن بَطَّال : النَّاضِح الْبَعِير أَوْ الثَّوْر أَوْ الْحِمَار الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ , لَكِنَّ الْمُرَاد بِهِ هُنَا الْبَعِير لِتَصْرِيحِهِ فِي رِوَايَة بَكْر بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ بِكَوْنِهِ جَمَلًا , وَفِي رِوَايَة حَبِيب الْمَذْكُورَة \" وَكَانَ لَنَا نَاضِحَانِ \" وَهِيَ أَبْيَن , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق حَبِيب \" كَانَا لِأَبِي فُلَان زَوْجِهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَابْنه ) ‏ ‏إِنْ كَانَتْ هِيَ أُمّ سِنَان فَيُحْتَمَـل أَنْ يَكُون اِسْم اِبْنهَا سِنَانًا , وَإِنْ كَانَتْ هِيَ أُمّ سُلَيْمٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا يَوْمئِذٍ اِبْن يُمْكِن أَنْ يَحُجّ سِوَى أَنَس. وَعَلَى هَذَا فَنِسْبَته إِلَى أَبِي طَلْحَة بِكَوْنِهِ اِبْنه مَجَازًا. ‏ ‏قَوْله : ( نَنْضِح عَلَيْهِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الضَّاد. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ وَكَانَ تَامَّة وَفِي رِوَايَة الكُشْمِيهَنِيّ \" فَإِذَا كَانَ فِي رَمَضَان \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ عُمْرَة فِي رَمَضَان حَجَّة ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَإِنَّ عُمْرَة فِيهِ تَعْدِل حَجَّة \" وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَب فِي قَوْل الْمُصَنِّف \" أَوْ نَحْوًا مِمَّا قَالَ \" قَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ : فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الشَّيْء يُشْبِه الشَّيْء وَيُجْعَل عَدْله إِذَا أَشْبَهَهُ فِي بَعْض الْمَعَانِي لَا جَمِيعهَا , لِأَنَّ الْعُمْرَة لَا يُقْضَى بِهَا فَرْض الْحَجّ وَلَا النَّذْر. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْحَجّ الَّذِي نَدَبَهَا إِلَيْهِ كَانَ تَطَوُّعًا لِإِجْمَاعِ الْأُمَّة عَلَى أَنَّ الْعُمْرَة لَا تُجْزِئ عَنْ حَجَّة الْفَرِيضَة. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّ الْحَجَّة الْمَذْكُورَة هِيَ حَجَّة الْوَدَاع , قَالَ : وَكَانَتْ أَوَّل حَجَّة أُقِيمَتْ فِي الْإِسْلَام فَرْضًا , لِأَنَّ حَجّ أَبِي بَكْر كَانَ إِنْذَارًا. قَالَ : فَعَلَى هَذَا يَسْتَحِيل أَنْ تَكُون تِلْكَ الْمَرْأَة كَانَتْ قَامَتْ بِوَظِيفَةِ الْحَجّ. قُلْت : وَمَا قَالَهُ غَيْر مُسَلَّم , إِذْ لَا مَانِع أَنْ تَكُون حَجَّتْ مَعَ أَبِي بَكْر وَسَقَطَ عَنْهَا الْفَرْض بِذَلِكَ , لَكِنَّهُ بَنَى عَلَى أَنَّ الْحَجّ إِنَّمَا فُرِضَ فِي السَّنَة الْعَاشِرَة حَتَّى يَسْلَم مِمَّا يَرِد عَلَى مَذْهَبه مِنْ الْقَوْل بِأَنَّ الْحَجّ عَلَى الْفَوْر. وَعَلَى مَا قَالَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فَلَا يَحْتَاج إِلَى شَيْء مِمَّا بَحَثَهُ اِبْن بَطَّال. فَالْحَاصِل أَنَّهُ أَعْلَمهَا أَنَّ الْعُمْرَة فِي رَمَضَان تَعْدِل الْحَجَّة فِي الثَّوَاب لَا أَنَّهَا تَقُوم مَقَامهَا فِي إِسْقَاط الْفَرْض , لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَار لَا يُجْزِئ عَنْ حَجّ الْفَرْض. وَنَقَلَ التِّرْمِذِيّ عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيث نَظِير مَا جَاءَ أَنَّ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) تَعْدِل ثُلُث الْقُرْآن. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : حَدِيث الْعُمْرَة هَذَا صَحِيح , وَهُوَ فَضْل مِنْ اللَّه وَنِعْمَة , فَقَدْ أَدْرَكَتْ الْعُمْرَة مَنْزِلَة الْحَجّ بِانْضِمَامِ رَمَضَان إِلَيْهَا. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : فِيهِ أَنَّ ثَوَاب الْعَمَل يَزِيد بِزِيَادَةِ شَرَف الْوَقْت كَمَا يَزِيد بِحُضُورِ الْقَلْب وَبِخُلُوصِ الْقَصْد. وَقَالَ غَيْره : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد عُمْرَة فَرِيضَة فِي رَمَضَان كَحَجَّةِ فَرِيضَة عُمْرَة نَافِلَة فِي رَمَضَان كَحَجَّةِ نَافِلَة. وَقَالَ اِبْن التِّين : قَوْله \" كَحَجَّةٍ \" يُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَلَى بَابه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لِبَرَكَةِ رَمَضَان , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الْمَرْأَة. قُلْت : الثَّالِث قَالَ بِهِ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ , فَفِي رِوَايَة أَحْمَد بْن مَنِيع الْمَذْكُورَة قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : وَلَا نَعْلَم هَذَا إِلَّا لِهَذِهِ الْمَرْأَة وَحْدهَا. وَوَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث يُوسُف بْن عَبْد اللَّه بْن سَلَام عَنْ أُمّ مَعْقِل فِي آخِر حَدِيثهَا \" قَالَ فَكَانَتْ تَقُول : الْحَجّ حَجَّة وَالْعُمْرَة عُمْرَة , وَقَدْ قَالَ هَذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِي , فَمَا أَدْرِي أَلِي خَاصَّة \" تَعْنِي أَوْ لِلنَّاسِ عَامَّة. اِنْتَهَى. وَالظَّاهِر حَمْله عَلَى الْعُمُوم كَمَا تَقَدَّمَ. وَالسَّبَب فِي التَّوَقُّف اِسْتِشْكَال ظَاهِره , وَقَدْ صَحَّ جَوَابه , وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( فَصْل ) ‏ ‏لَمْ يَعْتَمِر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا فِي أَشْهُر الْحَجّ كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ ثَبَتَ فَضْل الْعُمْرَة فِي رَمَضَان بِحَدِيثِ الْبَاب , فَأَيّهمَا أَفْضَل ؟ الَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْعُمْرَة فِي رَمَضَان لِغَيْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَل , وَأَمَّا فِي حَقّه فَمَا صَنَعَهُ هُوَ أَفْضَل , لِأَنَّ فِعْله لِبَيَانِ جَوَاز مَا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَمْنَعُونَهُ , فَأَرَادَ الرَّدّ عَلَيْهِمْ. بِالْقَوْلِ وَالْفِعْل , وَهُوَ لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لِغَيْرِهِ لَكَانَ فِي حَقّه أَفْضَل , وَاللَّه أَعْلَم. وَقَالَ صَاحِب \" الْهُدَى \" : يُحْتَمَل أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَشْتَغِل فِي رَمَضَان مِنْ الْعِبَادَة بِمَا هُوَ أَهَمّ مِنْ الْعُمْرَة , وَخَشِيَ مِنْ الْمَشَقَّة عَلَى أُمَّته إِذْ لَوْ اِعْتَمَرَ فِي رَمَضَان لَبَادَرُوا إِلَى ذَلِكَ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَشَقَّة فِي الْجَمْع بَيْن الْعُمْرَة وَالصَّوْم , وَقَدْ كَانَ يَتْرُك الْعَمَل وَهُوَ يُحِبّ أَنْ يَعْمَلهُ خَشْيَة أَنْ يُفْرَض عَلَى أُمَّته وَخَوْفًا مِنْ الْمَشَقَّة عَلَيْهِمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "1658",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ فَقَالَ لَنَا ‏ ‏مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ فَلْيُهِلَّ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ قَالَتْ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَأَظَلَّنِي يَوْمُ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏وَأَنَا حَائِضٌ فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ارْفُضِي ‏ ‏عُمْرَتَكِ ‏ ‏وَانْقُضِي ‏ ‏رَأْسَكِ ‏ ‏وَامْتَشِطِي ‏ ‏وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ ‏ ‏الْحَصْبَةِ ‏ ‏أَرْسَلَ مَعِي ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1659",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَيُعْمِرَهَا مِنْ ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مَرَّةً سَمِعْتُ ‏ ‏عَمْرًا ‏ ‏كَمْ سَمِعْتُهُ مِنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ عَمْرو بْن أَوْس ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُ سَمِعَ , وَلَفْظ \" أَنَّهُ \" مِمَّا يُحْذَف مِنْ الْإِسْنَاد خَطَأ فِي الْغَالِب كَمَا تُحْذَف إِحْدَى لَفْظَتَيْ \" قَالَ \". وَقَدْ بَيَّنَ سُفْيَان سَمَاعه لَهُ مِنْ عَمْرو بْن دِينَار آخِره. وَوَقَعَ عَنْ الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا عَمْرو بْن دِينَار \" قَالَ سُفْيَان : هَذَا مِمَّا يُعْجِب شُعْبَة , يَعْنِي التَّصْرِيح بِالْإِخْبَارِ فِي جَمِيع الْإِسْنَاد. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُعْمِرهَا مِنْ التَّنْعِيم ) ‏ ‏مَعْطُوف عَلَى قَوْله \" أَمَرَهُ أَنْ يُرْدَف \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ إِعْمَارهَا مِنْ التَّنْعِيم كَانَ بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَصْرَح مِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق حَفْصَة بِنْت عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبَى بَكْر عَنْ أَبِيهَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" يَا عَبْد الرَّحْمَن أُرْدِف أُخْتك عَائِشَة فَأَعْمِرْهَا مِنْ التَّنْعِيم \" الْحَدِيث , وَنَحْوه رِوَايَة مَالِك السَّابِقَة فِي أَوَائِل الْحَجّ اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" أَرْسَلَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَبْد الرَّحْمَن إِلَى التَّنْعِيم \" وَرِوَايَة الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة السَّابِقَة فِي أَوَاخِر الْحَجّ \" قَالَ فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيك إِلَى التَّنْعِيم \" وَسَيَأْتِي بَعْد بَاب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَسْوَد وَالْقَاسِم جَمِيعًا عَنْهَا بِلَفْظِ \" فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيم \" , وَهُوَ صَرِيح بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَنْ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكُلّ ذَلِكَ يُفَسِّر قَوْله فِي رِوَايَة الْقَاسِم عَنْهَا السَّابِقَة فِي أَوَائِل الْحَجّ حَيْثُ أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ \" اُخْرُجْ بِأُخْتِك مِنْ الْحَرَم \". وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْهَا فِي هَذَا الْحَدِيث قَالَ \" ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر فَقَالَ : اِحْمِلْهَا خَلْفك حَتَّى تَخْرُج مِنْ الْحَرَم , فَوَاللَّهِ مَا قَالَ فَتُخْرِجهَا إِلَى الْجِعْرَانَة وَلَا إِلَى التَّنْعِيم \" فَهِيَ رِوَايَة ضَعِيفَة لِضَعْفِ أَبِي عَامِر الْخَرَّاز الرَّاوِي لَهُ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَوْله \" فَوَاللَّهِ إِلَخْ \" مِنْ كَلَام مَنْ دُون عَائِشَة قَالَهُ مُتَمَسِّكًا بِإِطْلَاقِ قَوْله \" فَاخْرُجْ مِنْ الْحَرَم \" لَكِنَّ الرِّوَايَات الْمُقَيَّدَة بِالتَّنْعِيمِ مُقَدَّمَة عَلَى الْمُطْلَقَة فَهُوَ أَوْلَى وَلَا سِيَّمَا مَعَ صِحَّة أَسَانِيدهَا وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَته بَعْد قَوْله \" إِلَى التَّنْعِيم \" : \" فَإِذَا هَبَطْت بِهَا مِنْ الْأَكَمَة فَلْتُحْرِم فَإِنَّهَا عُمْرَة مُتَقَبَّلَة \" وَزَادَ أَحْمَد فِي رِوَايَة لَهُ \" وَذَلِكَ لَيْلَة الصَّدَر \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالدَّال أَيْ الرُّجُوع مِنْ مِنًى , وَفِي قَوْله \" فَإِذَا هَبَطْت بِهَا \" إِشَارَة إِلَى الْمَكَان الَّذِي أَحْرَمَتْ مِنْهُ عَائِشَة. وَالتَّنْعِيم بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَسُكُون النُّون وَكَسْر الْمُهْمَلَة مَكَان مَعْرُوف خَارِج مَكَّة , وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَة أَمْيَال مِنْ مَكَّة إِلَى جِهَة الْمَدِينَة كَمَا نَقَلَهُ الْفَاكِهِيّ , وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ : التَّنْعِيم أَبْعَد مِنْ أَدْنَى الْحِلّ إِلَى مَكَّة بِقَلِيلٍ , وَلَيْسَ بِطَرَفِ الْحِلّ بَلْ بَيْنهمَا نَحْو مِنْ مِيل , وَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ أَدْنَى الْحِلّ فَقَدْ تَجَوَّزَ. قُلْت : أَوْ أَرَادَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَقِيَّة الْجِهَات. وَرَوَى الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن عُمَيْر قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَ التَّنْعِيم لِأَنَّ الْجَبَل الَّذِي عَنْ يَمِين الدَّاخِل يُقَال لَهُ نَاعِم , وَالَّذِي عَنْ الْيَسَار يُقَال لَهُ مُنَعَّم , وَالْوَادِي نَعْمَان. وَرَوَى الْأَزْرَقِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ : رَأَيْت عَطَاء يَصِف الْمَوْضِع الَّذِي اِعْتَمَرَتْ مِنْهُ عَائِشَة قَالَ فَأَشَارَ إِلَى الْمَوْضِع الَّذِي اِبْتَنَى فِيهِ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن شَافِع الْمَسْجِد الَّذِي وَرَاء الْأَكَمَة , وَهُوَ الْمَسْجِد الْخَرِب. وَنَقَلَ الْفَاكِهِيّ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ وَغَيْره أَنَّ ثَمَّ مَسْجِدَيْنِ يَزْعُم أَهْل مَكَّة أَنَّ الْخَرِب الْأَدْنَى مِنْ الْحَرَم هُوَ الَّذِي اِعْتَمَرَتْ مِنْهُ عَائِشَة , وَقِيلَ هُوَ الْمَسْجِد الْأَبْعَد عَلَى الْأَكَمَة الْحَمْرَاء , وَرَجَّحَهُ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ الْفَاكِهِيّ : لَا أَعْلَم إِلَّا أَنِّي سَمِعْت اِبْن أَبِي عُمَر يَذْكُر عَنْ أَشْيَاخه أَنَّ الْأَوَّل هُوَ الصَّحِيح عِنْدهمْ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز الْخَلْوَة بِالْمَحَارِمِ سَفَرًا وَحَضَرًا , وَإِرْدَاف الْمُحْرِم مَحْرَمه مَعَهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَعَيُّن الْخُرُوج إِلَى الْحِلّ لِمَنْ أَرَادَ الْعُمْرَة مِمَّنْ كَانَ بِمَكَّة , وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الْعُلَمَاء , وَالثَّانِي تَصِحّ الْعُمْرَة وَيَجِب عَلَيْهِ دَم لِتَرْكِ الْمِيقَات , وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب مَا يَدْفَع ذَلِكَ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَفْضَل جِهَات الْحِلّ التَّنْعِيم , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِحْرَام عَائِشَة مِنْ التَّنْعِيم إِنَّمَا وَقَعَ لِكَوْنِهِ أَقْرَب جِهَة الْحِلّ إِلَى الْحَرَم , لَا أَنَّهُ الْأَفْضَل , وَسَيَأْتِي إِيضَاح هَذَا فِي \" بَاب أَجْر الْعُمْرَة عَلَى قَدْر التَّعَب \". ‏"
    },
    {
        "id": "1660",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَهَلَّ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَطَلْحَةَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏قَدِمَ مِنْ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏وَمَعَهُ الْهَدْيُ فَقَالَ أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَذِنَ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً يَطُوفُوا ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا إِلَّا مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ فَقَالُوا نَنْطَلِقُ إِلَى ‏ ‏مِنًى ‏ ‏وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ وَأَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏حَاضَتْ فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏قَالَ فَلَمَّا طَهُرَتْ وَطَافَتْ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنْطَلِقُونَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَنْطَلِقُ بِالْحَجِّ فَأَمَرَ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ فِي ذِي الْحَجَّةِ وَأَنَّ ‏ ‏سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ ‏ ‏لَقِيَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏بِالْعَقَبَةِ ‏ ‏وَهُوَ يَرْمِيهَا فَقَالَ أَلَكُمْ هَذِهِ خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا بَلْ لِلْأَبَدِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَطَاء ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاح. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَيْسَ مَعَ أَحَد مِنْهُمْ هَدْي غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَلْحَة ) ‏ ‏هَذَا مُخَالِف لِمَا رَوَاهُ أَحْمَد وَمُسْلِم وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ الْهَدْي كَانَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَعُمَر وَذَوِي الْيَسَار \" وَسَيَأْتِي بَعْد بَابَيْنِ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيق أَفْلَحَ عَنْ الْقَاسِم بِلَفْظِ \" وَرِجَال مِنْ أَصْحَابه ذَوِي قُوَّة \". وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ذَكَرَ مَنْ اِطَّلَعَ عَلَيْهِ , وَقَدْ رَوَى مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق مُسْلِم الْقُرَّى وَهُوَ بِضَمِّ الْقَاف وَتَشْدِيد الرَّاء عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَكَانَ طَلْحَة مِمَّنْ سَاقَ الْهَدْي فَلَمْ يَحِلّ \" وَهَذَا شَاهِد لِحَدِيثِ جَابِر فِي ذِكْر طَلْحَة فِي ذَلِكَ وَشَاهِد لِحَدِيثِ عَائِشَة فِي أَنَّ طَلْحَة لَمْ يَنْفَرِد بِذَلِكَ وَدَاخِل فِي قَوْلهَا \" وَذَوِي الْيَسَار \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر أَنَّ الزُّبَيْر كَانَ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْي. ‏ ‏قَوْله : ( و كَانَ عَلِيّ قَدِمَ مِنْ الْيَمَن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء عِنْد مُسْلِم \" مِنْ سِعَايَته \" وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء عَنْ جَابِر , وَعَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا الْحَدِيث عِنْد الْمُصَنِّف فِي الشَّرِكَة \" فَقَالَ أَحَدهمَا يَقُول لَبَّيْكَ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالَ الْآخَر يَقُول لَبَّيْكَ بِحَجَّةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيم عَلَى إِحْرَامه وَأَشْرَكَهُ فِي الْهَدْي \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي \" بَاب مَنْ أَهَلَّ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِهْلَالِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فِي أَوَائِل الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَة ) ‏ ‏زَادَ اِبْن جُرَيْجٌ عَنْ عَطَاء فِيهِ \" وَأَصِيبُوا النِّسَاء \" قَالَ عَطَاء وَلَمْ يَعْزِم عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ , يَعْنِي إِتْيَان النِّسَاء , لِأَنَّ مِنْ لَازِم الْإِحْلَال إِبَاحَة إِتْيَان النِّسَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ فِي آخِر \" بَاب التَّمَتُّع وَالْقِرَان \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَّ عَائِشَة حَاضَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَائِشَة نَفْسهَا كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ حَيْضهَا كَانَ بِسَرِفَ قَبْل دُخُولهمْ مَكَّة , وَفِي رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر عِنْد مُسْلِم أَنَّ دُخُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَشَكْوَاهَا ذَلِكَ لَهُ كَانَ يَوْم التَّرْوِيَة , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ عَائِشَة أَنَّ طُهْرهَا كَانَ بِعَرَفَة. وَفِي رِوَايَة الْقَاسِم عَنْهَا \" وَطَهُرْت صَبِيحَة لَيْلَة عَرَفَة حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى \" , وَلَهُ مِنْ طَرِيقه \" فَخَرَجْت فِي حَجَّتِي حَتَّى نَزَلْنَا مِنًى فَتَطَهَّرْت , ثُمَّ طُفْنَا بِالْبَيْتِ \" الْحَدِيث. وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَات كُلّهَا حَتَّى إنَّهَا طَافَتْ طَوَاف الْإِفَاضَة مِنْ يَوْم النَّحْر. وَاقْتَصَرَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح مُسْلِم \" عَلَى النَّقْل عَنْ أَبِي مُحَمَّد بْن حَزْم أَنَّ عَائِشَة حَاضَتْ يَوْم السَّبْت ثَالِث ذِي الْحِجَّة وَطَهُرَتْ يَوْم السَّبْت عَاشِره يَوْم النَّحْر , وَإِنَّمَا أَخَذَهُ اِبْن حَزْم مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَات الَّتِي فِي مُسْلِم. وَيُجْمَع بَيْن قَوْل مُجَاهِد وَقَوْل الْقَاسِم أَنَّهَا رَأَتْ الطُّهْر وَهِيَ بِعَرَفَة وَلَمْ تَتَهَيَّأ لِلِاغْتِسَالِ إِلَّا بَعْد أَنْ نَزَلَتْ مِنًى , وَانْقَطَعَ الدَّم عَنْهَا بِعَرَفَة وَمَا رَأَتْ الطُّهْر إِلَّا بَعْد أَنْ نَزَلَتْ مِنًى , وَهَذَا أَوْلَى وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْطَلِق بِالْحَجِّ ) ‏ ‏تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ عَائِشَة لَمَّا حَاضَتْ تَرَكَتْ عُمْرَتهَا وَاقْتَصَرَتْ عَلَى الْحَجّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي \" بَاب التَّمَتُّع وَالْقِرَان \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَّ سُرَاقَة لَقِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَقَبَةِ وَهُوَ يَرْمِيهَا ) ‏ ‏يَعْنِي وَهُوَ يَرْمِي جَمْرَة الْعَقَبَة , وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْ حَبِيب الْمُعَلِّم عِنْد الْمُصَنِّف فِي كِتَاب التَّمَنِّي \" وَهُوَ يَرْمِي جَمْرَة الْعَقَبَة \" هَذَا فِيهِ بَيَان الْمَكَان الَّذِي سَأَلَ فِيهِ سُرَاقَة عَنْ ذَلِكَ , وَرِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٌ عَنْ عَطَاء عَنْ جَابِر كَذَلِكَ , وَسِيَاق مُسْلِم مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِر يَقْتَضِي أَنَّهُ قَالَ لَهُ ذَلِكَ لَمَّا أَمَرَ أَصْحَابه أَنْ يَجْعَلُوا حَجّهمْ عُمْرَة , وَبِذَلِكَ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ إِنَّ سُؤَاله كَانَ عَنْ فَسْخ الْحَجّ عَنْ الْعُمْرَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون السُّؤَال وَقَعَ عَنْ الْأَمْرَيْنِ لِتَعَدُّدِ الْمَكَانَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَكُمْ هَذِهِ خَاصَّة يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : لَا , بَلْ لِلْأَبَدِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْع \" أَلَنَا هَذِهِ خَاصَّة \" وَفِي رِوَايَة جَعْفَر عِنْد مُسْلِم \" فَقَامَ سُرَاقَة فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , أَلِعَامِنَا هَذِهِ أُمّ لِلْأَبَدِ ؟ فَشَبَّكَ أَصَابِعه وَاحِدَة فِي الْأُخْرَى وَقَالَ : دَخَلَتْ الْعُمْرَة فِي الْحَجّ مَرَّتَيْنِ , لَا بَلْ لِلْأَبَدِ أَبَدًا \" قَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَاهُ عِنْد الْجُمْهُور أَنَّ الْعُمْرَة يَجُوز فِعْلهَا فِي أَشْهُر الْحَجّ إِبْطَالًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة , وَقِيلَ مَعْنَاهُ جَوَاز الْقِرَان أَيْ دَخَلَتْ أَفْعَال الْعُمْرَة فِي أَفْعَال الْحَجّ , وَقِيلَ مَعْنَاهُ سَقَطَ وُجُوب الْعُمْرَة , وَهَذَا ضَعِيف لِأَنَّهُ يَقْتَضِي النَّسْخ بِغَيْرِ دَلِيل , وَقِيلَ مَعْنَاهُ جَوَاز فَسْخ الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة , قَالَ : وَهُوَ ضَعِيف. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سِيَاق السُّؤَال يُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيل , بَلْ الظَّاهِر أَنَّ السُّؤَال وَقَعَ عَنْ الْفَسْخ وَالْجَوَاب وَقَعَ عَمَّا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَتَنَاوَل التَّأْوِيلَات الْمَذْكُورَة إِلَّا الثَّالِث. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1661",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَتْنِي ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ فَلْيُهِلَّ وَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ فَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحِضْتُ قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏وَأَنَا حَائِضٌ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ دَعِي عُمْرَتَكِ ‏ ‏وَانْقُضِي ‏ ‏رَأْسَكِ ‏ ‏وَامْتَشِطِي ‏ ‏وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ فَفَعَلْتُ فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ ‏ ‏الْحَصْبَةِ ‏ ‏أَرْسَلَ مَعِي ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏فَأَرْدَفَهَا فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِهَا فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَوْمٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّة ) ‏ ‏أَيْ قُرْب طُلُوعه , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ \" خَرَجْنَا لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَة \" وَالْخَمْس قَرِيبَة مِنْ آخِر الشَّهْر , فَوَافَاهُمْ الْهِلَال وَهُمْ فِي الطَّرِيق لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا مَكَّة فِي الرَّابِع مِنْ ذِي الْحِجَّة. ‏ ‏قَوْله : ( لَأَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" لَأَحْلَلْت \" بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة أَيْ مِنْ الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْسَلَ مَعِي عَبْد الرَّحْمَن إِلَى التَّنْعِيم , فَأَرْدَفَهَا ) ‏ ‏فِيهِ اِلْتِفَات , لِأَنَّ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ يَقُول فَأَرْدَفَنِي. ‏ ‏قَوْله : ( مَكَان عُمْرَتهَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ تَوْجِيهه وَأَنَّ الْمُرَاد مَكَان عُمْرَتهَا الَّتِي أَرَادَتْ أَنْ تَكُون مُنْفَرِدَة عَنْ الْحَجّ , قَالَ عِيَاض وَغَيْره : الصَّوَاب فِي الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَات الْمُخْتَلِفَة عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ كَمَا هُوَ ظَاهِر رِوَايَة الْقَاسِم وَغَيْره عَنْهَا , ثُمَّ فَسَخَتْهُ إِلَى الْعُمْرَة لَمَّا فَسَخَ الصَّحَابَة , وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّل قَوْل عُرْوَة عَنْهَا \" أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ \" فَلَمَّا حَاضَتْ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهَا التَّحَلُّل مِنْ الْعُمْرَة لِأَجْلِ الْحَيْض وَجَاءَ وَقْت الْخُرُوج إِلَى الْحَجّ أَدْخَلَتْ الْحَجّ عَلَى الْعُمْرَة فَصَارَتْ قَارِنَة , وَاسْتَمَرَّتْ إِلَى أَنْ تَحَلَّلَتْ , وَعَلَيْهِ يَدُلّ قَوْله لَهَا فِي رِوَايَة طَاوُسٍ عَنْهَا عِنْد مُسْلِم \" طَوَافك يَسَعك لِحَجِّك وَعُمْرَتك \" وَأَمَّا قَوْله لَهَا \" هَذِهِ مَكَان عُمْرَتك \" فَمَعْنَاهُ الْعُمْرَة الْمُنْفَرِدَة الَّتِي حَصَلَ لِغَيْرِهَا التَّحَلُّل مِنْهَا بِمَكَّة ثُمَّ أَنْشَئُوا الْحَجّ مُفْرَدًا , فَعَلَى هَذَا فَقَدْ حَصَلَ لِعَائِشَة عُمْرَتَانِ. وَكَذَا قَوْلهَا \" يَرْجِع النَّاس بِحَجٍّ وَعُمْرَة وَأَرْجِع بِحَجٍّ \" أَيْ يَرْجِعُونَ بِحَجٍّ مُنْفَرِد وَعُمْرَة مُنْفَرِدَة , وَأَمَّا قَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَقَضَى اللَّه حَجّهَا وَعُمْرَتهَا وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ هَدْي وَلَا صَدَقَة وَلَا صَوْم \" فَطَاهِره أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْل عَائِشَة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة عَبَدَة بْن سُلَيْمَان وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن نُمَيْر وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن مُسْهِر وَغَيْره , لَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي الْحَيْض مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة إِلَخْ فَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ هِشَام وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِلَخْ \" فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّانِ وَمَنْ وَافَقَهُ مُدْرَج , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق وُهَيْب وَالْحَمَّادَيْنِ عَنْ هِشَام , وَوَقَعَ فِي الْحَدِيث مَوْضِع آخَر مُدْرَج وَهُوَ قَوْله قَبْل ذَلِكَ \" فَقَضَى اللَّه حَجّهَا وَعُمْرَتهَا \" فَقَدْ بَيَّنَ أَحْمَد فِي رِوَايَته عَنْ وَكِيع عَنْ هِشَام أَنَّهُ مِنْ قَوْل عُرْوَة , وَبَيَّنَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ وَكِيع بَيَانًا شَافِيًا فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَقِب رِوَايَة عَبَدَة عَنْ هِشَام وَقَالَ فِيهِ \" فَسَاقَ الْحَدِيث بِنَحْوِهِ \" وَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ عُرْوَة فَقَضَى اللَّه حَجّهَا وَعُمْرَتهَا , قَالَ هِشَام : وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْي وَلَا صِيَام وَلَا صَدَقَة \" وَسَاقَهُ الْجَوْزَقِيّ مِنْ طَرِيق مُسْلِم بِهَذَا الْإِسْنَاد بِتَمَامِهِ بِغَيْرِ حَوَالَة , وَرَوَاهُ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ هِشَام فَلَمْ يَذْكُر الزِّيَادَة أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ وَأَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة بِدُونِ الزِّيَادَة , قَالَ اِبْن بَطَّال : قَوْله \" فَقَضَى اللَّه حَجّهَا وَعُمْرَتهَا \" إِلَى آخِر الْحَدِيث لَيْسَ مِنْ قَوْل عَائِشَة وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَام هِشَام بْن عُرْوَة حَدَّثَ بِهِ هَكَذَا فِي الْعِرَاق فَوَهَمَ فِيهِ , فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنْ لَا دَلِيل فِيهِ لِمَنْ قَالَ إِنَّ عَائِشَة لَمْ تَكُنْ قَارِنَة حَيْثُ قَالَ : لَوْ كَانَتْ قَارِنَة لَوَجَبَ عَلَيْهَا الْهَدْي لِلْقِرَانِ , وَحُمِلَ قَوْله لَهَا \" اُرْفُضِي عُمْرَتك \" عَلَى ظَاهِره , لَكِنْ طَرِيق الْجَمْع بَيْن مُخْتَلِف الْأَحَادِيث تَقْتَضِي مَا قَرَّرْنَاهُ , وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَرَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَى عَنْهَا \" فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَى عَنْهَا مِنْ غَيْر أَنْ يَأْمُرهَا بِذَلِكَ وَلَا أَعْلَمهَا بِهِ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : أَشْكَلَ ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث \" وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْي \" عَلَى جَمَاعَة , حَتَّى قَالَ عِيَاض : لَمْ تَكُنْ عَائِشَة قَارِنَة وَلَا مُتَمَتِّعَة وَإِنَّمَا أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ ثُمَّ نَوَتْ فَسْخه إِلَى عُمْرَة فَمَنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ حَيْضهَا فَرَجَعَتْ إِلَى الْحَجّ فَأَكْمَلَتْهُ ثُمَّ أَحْرَمَتْ عُمْرَة مُبْتَدَأَة فَلَمْ يَجِب عَلَيْهَا هَدْي , قَالَ : وَكَأَنَّ عِيَاضًا لَمْ يَسْمَع قَوْلهَا \" كُنْت مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ \" وَلَا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا \" طَوَافك يَسْعَك لِحَجِّك وَعُمْرَتك \" وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْكَلَام مُدْرَج قَوْل هِشَام كَأَنَّهُ نَفَى ذَلِكَ بِحَسَبِ عِلْمه , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ نَفْيه فِي نَفْس الْأَمْر. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَوْله \" لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْي \" أَيْ لَمْ تَتَكَلَّف لَهُ بَلْ قَامَ بِهِ عَنْهَا اِنْتَهَى. وَقَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ : مَعْنَى قَوْله \" لَمْ يَكُنْ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ هَدْي \" أَيْ فِي تَرْكهَا لِعَمَلِ الْعُمْرَة الْأُولَى وَإِدْرَاجهَا لَهَا فِي الْحَجّ , وَلَا فِي عُمْرَتهَا الَّتِي اِعْتَمَرَتْهَا مِنْ التَّنْعِيم أَيْضًا , وَهَذَا تَأْوِيل حَسَن وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1662",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ فَقِيلَ لَهَا ‏ ‏انْتَظِرِي فَإِذَا طَهُرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏فَأَهِلِّي ثُمَّ ائْتِينَا بِمَكَانِ كَذَا وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ ‏ ‏نَصَبِكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ اِبْن عَوْن ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الْإِسْنَاد الْمَذْكُور , وَقَدْ بَيَّنَهُ أَحْمَد وَمُسْلِم مِنْ رِوَايَة بْن عُلَيَّة عَنْ اِبْن عَوْن بِالْإِسْنَادَيْنِ وَقَالَ فِيهِ : يُحَدِّثَانِ ذَلِكَ عَنْ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , وَلَمْ يُسَمِّهَا , قَالَ فِيهِ لَا أَعْرِف حَدِيث ذَا مِنْ حَدِيث ذَا , وَظَهَرَ بِحَدِيثِ يَزِيد بْن زُرَيْع أَنَّهَا عَائِشَة وَأَنَّهُمَا رَوَيَا ذَلِكَ عَنْهَا بِخِلَافِ سِيَاق يَزِيد. ‏ ‏قَوْله : ( يَصْدُر النَّاس ) ‏ ‏أَيْ يَرْجِعُونَ. ‏ ‏قَوْله : ( بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل \" بِحَبْلِ كَذَا \" وَضَبْطه فِي صَحِيح مُسْلِم وَغَيْره بِالْجِيمِ وَفَتْح الْمُوَحَّدَة , لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حُسَيْن بْن حَسَن عَنْ اِبْن عَوْن وَضَبَطَهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة يَعْنِي وَإِسْكَان الْمُوَحَّدَة , وَالْمَكَان الْمُبْهَم هُنَا هُوَ الْأَبْطَح كَمَا تَبَيَّنَ فِي غَيْر هَذَا الطَّرِيق. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى قَدْر نَفَقَتك أَوْ نَصَبِك ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ \" أَوْ \" إِمَّا لِلتَّنْوِيعِ فِي كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِمَّا شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَالْمَعْنَى أَنَّ الثَّوَاب فِي الْعِبَادَة يَكْثُر بِكَثْرَةِ النَّصَب أَوْ النَّفَقَة , وَالْمُرَاد النَّصَب الَّذِي لَا يَذُمّهُ الشَّرْع وَكَذَا النَّفَقَة قَالَهُ النَّوَوِيّ اِنْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن مَنِيع عَنْ إِسْمَاعِيل \" عَلَى قَدْر نَصَبِك أَوْ عَلَى قَدْر تَعَبك \" وَهَذَا يُؤَيِّد أَنَّهُ مِنْ شَكِّ الرَّاوِي , وَفِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق حُسَيْن بْن حَسَن \" عَلَى قَدْر نَفَقَتك أَوْ نَصَبك \" أَوْ كَمَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق هِشَام عَنْ اِبْن عَوْن بِلَفْظِ \" إِنَّ لَك مِنْ الْأَجْر عَلَى قَدْر نَصَبك وَنَفَقَتك \" بِوَاوِ الْعَطْف , وَهَذَا يُؤَيِّد الِاحْتِمَال الْأَوَّل. وَقَوْله فِي رِوَايَة اِبْن عُلَيَّة \" لَا أَعْرِف حَدِيث ذَا مِنْ حَدِيث ذَا \" قَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ وَجْه آخَر مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ السِّيَاق الَّذِي هُنَا لِلْقَاسِمِ , فَإِنَّهُمَا أَخْرَجَا مِنْ طَرِيق سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ عَنْ مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا فِي عُمْرَتهَا \" إِنَّمَا أَجْرك فِي عُمْرَتك عَلَى قَدْر نَفَقَتك \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَار لِمَنْ كَانَ بِمَكَّة مِنْ جِهَة الْحِلّ الْقَرِيبَة أَقَلّ أَجْرًا مِنْ الِاعْتِمَار مِنْ جِهَة الْحِلّ الْبَعِيدَة وَهُوَ ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث , وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي \" الْإِمْلَاء \" : أَفْضَل بِقَاعِ الْحِلّ لِلِاعْتِمَارِ الْجِعْرَانَة لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ مِنْهَا , ثُمَّ التَّنْعِيم لِأَنَّهُ أَذِنَ لِعَائِشَة مِنْهَا. قَالَ وَإِذَا تَنَحَّى عَنْ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ فَأَيْنَ أَبْعَد حَتَّى يَكُون أَكْثَر لِسَفَرِهِ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ , وَحَكَى الْمُوَفَّق فِي \" الْمُغْنِي \" عَنْ أَحْمَد أَنَّ الْمَكِّيّ كُلَّمَا تَبَاعَدَ فِي الْعُمْرَة كَانَ أَعْظَم لِأَجْرِهِ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّة : أَفْضَل بِقَاعِ الْحِلّ لِلِاعْتِمَارِ التَّنْعِيم , وَوَافَقَهُمْ بَعْض الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَابِلَة. وَوَجَّهَهُ مَنْ قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَل أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَة فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ مَكَّة إِلَى الْحِلّ لِيُحْرِم بِالْعُمْرَةِ غَيْر عَائِشَة. وَأَمَّا اِعْتِمَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجِعْرَانَة فَكَانَ حِين رَجَعَ مِنْ الطَّائِف مُجْتَازًا إِلَى الْمَدِينَة , وَلَكِنْ لَا يَلْزَمهُ مِنْ ذَلِكَ تَعَيُّن التَّنْعِيم لِلْفَضْلِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْخَبَر أَنَّ الْفَضْل فِي زِيَادَة التَّعَب وَالنَّفَقَة , وَإِنَّمَا يَكُون التَّنْعِيم أَفْضَل مِنْ جِهَة أُخْرَى تُسَاوِيه إِلَى الْحِلّ لَا مِنْ جِهَة أَبْعَد مِنْهُ , وَاللَّه أَعْلَم. وَقَالَ النَّوَوِيّ : ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ الثَّوَاب وَالْفَضْل فِي الْعِبَادَة يَكْثُر بِكَثْرَةِ النَّصَب وَالنَّفَقَة , وَهُوَ كَمَا قَالَ , لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِمُطَّرِدٍ , فَقَدْ يَكُون بَعْض الْعِبَادَة أَخَفّ مِنْ بَعْض وَهُوَ أَكْثَر فَضْلًا وَثَوَابًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَان كَقِيَامِ لَيْلَة الْقَدْر بِالنِّسْبَةِ لِقِيَامِ لَيَالٍ مِنْ رَمَضَان غَيْرهَا , وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمَكَانِ كَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِالنِّسْبَةِ لِصَلَاةِ رَكَعَات فِي غَيْره , وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى شَرَف الْعِبَادَة الْمَالِيَّة وَالْبَدَنِيَّة كَصَلَاةِ الْفَرِيضَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَكْثَر مِنْ عَدَد رَكَعَاتهَا أَوْ أَطْوَل مِنْ قِرَاءَتهَا وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ صَلَاة النَّافِلَة , وَكَدِرْهَمٍ مِنْ الزَّكَاة بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَكْثَر مِنْهُ مِنْ التَّطَوُّع , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن عَبْد السَّلَام فِي \" الْقَوَاعِد \" قَالَ : وَقَدْ كَانَتْ الصَّلَاة قُرَّة عَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ شَاقَّة عَلَى غَيْره , وَلَيْسَتْ صَلَاة غَيْره مَعَ مَشَقَّتهَا مُسَاوِيَة لِصَلَاتِهِ مُطْلَقًا. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1663",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحُرُمِ الْحَجِّ فَنَزَلْنَا ‏ ‏سَرِفَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَصْحَابِهِ ‏ ‏مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةٍ الْهَدْيُ فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ مَا يُبْكِيكِ قُلْتُ سَمِعْتُكَ تَقُولُ لِأَصْحَابِكَ مَا قُلْتَ فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ قَالَ وَمَا شَأْنُكِ قُلْتُ لَا أُصَلِّي قَالَ فَلَا يَضِرْكِ أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏كُتِبَ عَلَيْكِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِنَّ فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِهَا قَالَتْ فَكُنْتُ حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏فَنَزَلْنَا ‏ ‏الْمُحَصَّبَ ‏ ‏فَدَعَا ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَقَالَ اخْرُجْ بِأُخْتِكَ ‏ ‏الْحَرَمَ ‏ ‏فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا أَنْتَظِرْكُمَا هَا هُنَا فَأَتَيْنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَقَالَ فَرَغْتُمَا قُلْتُ نَعَمْ فَنَادَى بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ فَارْتَحَلَ النَّاسُ وَمَنْ طَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ثُمَّ خَرَجَ مُوَجِّهًا إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَأَبِي الْوَقْت \" سَرِفَ \" بِحَذْفِ الْبَاء , كَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن عِيسَى بْن الطَّبَّاع عَنْ أَفْلَحَ. ‏ ‏قَوْله : ( لِأَصْحَابِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْي ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ أَمْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ بِفَسْخِ الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة كَانَ بِسَرِفَ قَبْل دُخُولهمْ مَكَّة , وَالْمَعْرُوف فِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ قَوْله لَهُمْ ذَلِكَ بَعْد دُخُول مَكَّة , وَيُحْتَمَل التَّعَدُّد. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لَا أُصَلِّي ) ‏ ‏كَنَّتْ بِذَلِكَ عَنْ الْحَيْض , وَهِيَ مِنْ لَطِيف الْكِنَايَات. ‏ ‏قَوْله : ( كُتِبَ عَلَيْك ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْبِنَاء لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَلِأَبِي ذَرّ \" كَتَبَ اللَّه عَلَيْك \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكُونِي فِي حِجَّتك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" فِي حَجّك \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنًى فَنَزَلْنَا الْمُحَصَّب ) ‏ ‏فِي هَذَا السِّيَاق اِخْتِصَار بَيَّنَتْهُ رِوَايَة مُسْلِم بِلَفْظِ \" حَتَّى نَزَلْنَا مِنًى فَتَطَهَّرْت ثُمَّ طُفْت بِالْبَيْتِ فَنَزَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحَصَّب \". ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَا عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر \". ‏ ‏قَوْله : ( اُخْرُجْ بِأُخْتِك الْحَرَم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ الْحَرَم \" وَهِيَ أَوْضَح , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَيْنَا فِي جَوْف اللَّيْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" مِنْ آخِر اللَّيْل \" وَهِيَ أَوْفَق لِبَقِيَّةِ الرِّوَايَات , وَظَاهِرهَا أَنَّهَا أَتَتْ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْل أَبْوَاب أَنَّهَا قَالَتْ \" فَلَقِيته وَأَنَا مُنْهَبِطَة وَهُوَ مُصَعِّد \" أَوْ الْعَكْس , وَالْجَمْع بَيْنهمَا وَاضِح كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَارْتَحَلَ النَّاس وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ عَطْف الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ لِأَنَّ \" النَّاس \" أَعَمّ مِنْ الطَّائِفِينَ , وَلَعَلَّهَا أَرَادَتْ بِالنَّاسِ مَنْ لَمْ يَطُفْ طَوَاف الْوَدَاع , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمَوْصُول صِفَة النَّاس مِنْ بَاب تَوَسُّط الْعَاطِف بَيْن الصِّفَة وَالْمَوْصُوف كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) وَقَدْ أَجَازَ سِيبَوَيْهِ نَحْو مَرَرْت بِزَيْدٍ وَصَاحِبك إِذَا أَرَادَ بِالصَّاحِبِ زَيْدًا الْمَذْكُور وَهَذَا كُلّه بِنَاء عَلَى صِحَّة هَذَا السِّيَاق , وَالَّذِي يَغْلِب عِنْدِي أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ تَحْرِيف , وَالصَّوَاب فَارْتَحَلَ النَّاس ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ إِلَخْ , وَكَذَا وَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر الْحَنَفِيّ عَنْ أَفْلَحَ بِلَفْظِ \" فَأَذَّنَ فِي أَصْحَابه بِالرَّحِيلِ , فَارْتَحَلَ فَمَرَّ بِالْبَيْتِ قَبْل صَلَاة الصُّبْح فَطَافَ بِهِ حِين خَرَجَ , ثُمَّ اِنْصَرَفَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَة \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَأَذَّنَ فِي أَصْحَابه بِالرَّحِيلِ فَخَرَجَ , فَمَرَّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ قَبْل صَلَاة الصُّبْح , ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَة \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" فَارْتَحَلَ النَّاس. فَمَرَّ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَة \" أَخْرَجَهُ فِي \" بَاب الْحَجّ أَشْهُر مَعْلُومَات \" قَالَ عِيَاض : قَوْله فِي رِوَايَة الْقَاسِم يَعْنِي هَذِهِ \" فَجِئْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ فِي مَنْزِله فَقَالَ : فَهَلْ فَرَغْت ؟ قُلْت نَعَمْ , فَأَذَّنَ بِالرَّحِيلِ \" وَفِي رِوَايَة الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة يَعْنِي الَّتِي مَضَتْ فِي \" بَاب إِذَا حَاضَتْ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ \" : \" فَلَقِيَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُصَعِّد مِنْ مَكَّة وَأَنَا مُنْهَبِطَة أَوْ أَنَا مُصَعِّدَة وَهُوَ مُنْهَبِط مِنْهَا \" وَفِي رِوَايَة صَفِيَّة عَنْهَا يَعْنِي عِنْد مُسْلِم \" فَأَقْبَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَاهُ وَهُوَ بِالْحَصْبَةِ \" وَهَذَا مُوَافِق لِرِوَايَةِ الْقَاسِم , وَهُمَا مُوَافِقَانِ لِحَدِيثِ أَنَس يَعْنِي الَّذِي مَضَى فِي \" بَاب طَوَاف الْوَدَاع \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَقَدَ رَقْدَة بِالْمُحَصَّبِ ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ , قَالَ : وَفِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْإِشْكَال قَوْله \" فَمَرَّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ \" بَعْد أَنْ قَالَ لِعَائِشَة \" أَفَرَغْت ؟ قَالَتْ نَعَمْ \" مَعَ قَوْلهَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَنَّهُ \" تَوَجَّهَ لِطَوَافِ الْوَدَاع وَهِيَ رَاجِعَة إِلَى الْمَنْزِل الَّذِي كَانَ بِهِ \" قَالَ فَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَعَادَ طَوَاف الْوَدَاع لِأَنَّ مَنْزِله كَانَ بِالْأَبْطَحِ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّة , وَخُرُوجه مِنْ مَكَّة إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَسْفَلهَا , فَكَأَنَّهُ لَمَّا تَوَجَّهَ طَالِبًا لِلْمَدِينَةِ اِجْتَازَ بِالْمَسْجِدِ لِيَخْرُج مِنْ أَسْفَل مَكَّة فَكَرَّرَ الطَّوَاف لِيَكُونَ آخِر عَهْده بِالْبَيْتِ اِنْتَهَى , وَالْقَاضِي فِي هَذَا مَعْذُور لِأَنَّهُ لَمْ يُشَاهِد تِلْكَ الْأَمَاكِن , فَظَنَّ أَنَّ الَّذِي يَقْصِد الْخُرُوج إِلَى الْمَدِينَة مِنْ أَسْفَل مَكَّة يَتَحَتَّم عَلَيْهِ الْمُرُور بِالْمَسْجِدِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا شَاهَدَهُ مَنْ عَايَنَهُ , بَلْ الرَّاحِل مِنْ مَنْزِله بِالْأَبْطَحِ يَمُرّ مُجْتَازًا مِنْ ظَاهِر مَكَّة إِلَى حَيْثُ مَقْصِده مِنْ جِهَة الْمَدِينَة وَلَا يَحْتَاج إِلَى الْمُرُور بِالْمَسْجِدِ وَلَا يَدْخُل إِلَى الْبَلَد أَصْلًا , قَالَ عِيَاض : وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ فِي الْبُخَارِيّ \" فَخَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ \" قَالَ فَلَمْ يَذْكُر أَنَّهُ أَعَادَ الطَّوَاف. فَيُحْتَمَل أَنَّ طَوَافه هُوَ طَوَاف الْوَدَاع وَأَنَّ لِقَاءَهُ لِعَائِشَة كَانَ حِين اِنْتَقَلَ مِنْ الْمُحَصَّب كَمَا عِنْد عَبْد الرَّزَّاق أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَقْتَدِي النَّاس بِإِنَاخَتِهِ بِالْبَطْحَاءِ فَرَحَلَ حَتَّى أَنَاخَ عَلَى ظَهْر الْعَقَبَة أَوْ مِنْ وَرَائِهَا يَنْتَظِرهَا , قَالَ : فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لِقَاؤُهُ لَهَا كَانَ فِي هَذَا الرَّحِيل , وَأَنَّهُ الْمَكَان الَّذِي عَنَتْهُ فِي رِوَايَة الْأَسْوَد بِقَوْلِهِ لَهَا \" مَوْعِدك بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا \" ثُمَّ طَافَ بَعْد ذَلِكَ طَوَاف الْوَدَاع اِنْتَهَى. وَهَذَا التَّأْوِيل حَسَن , وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الرِّوَايَة الَّتِي عَزَاهَا لِلْأَصِيلِيِّ مَسْكُوت عَنْ ذِكْر طَوَاف الْوَدَاع فِيهَا , وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الصَّوَاب فِيهَا \" فَمَرَّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ \" بَدَل قَوْله وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ , ثُمَّ فِي عَزْو عِيَاض ذَلِكَ إِلَى الْأَصِيلِيّ وَحْده نَظَر , فَإِنَّ كُلّ الرِّوَايَات الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ سَوَاء حَتَّى رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن مَعْقِل النَّسَفِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( مُوَجِّهًا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْوَاو وَتَشْدِيد الْجِيم , وَفِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر مُتَوَجِّهًا بِزِيَادَةِ تَاء وَبِكَسْرِ الْجِيم , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1664",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏بِالْجِعْرَانَةِ ‏ ‏وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهِ أَثَرُ ‏ ‏الْخَلُوقِ ‏ ‏أَوْ قَالَ صُفْرَةٌ ‏ ‏فَقَالَ كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسُتِرَ بِثَوْبٍ وَوَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏تَعَالَ أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْوَحْيَ قُلْتُ نَعَمْ فَرَفَعَ طَرَفَ الثَّوْبِ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ ‏ ‏غَطِيطٌ ‏ ‏وَأَحْسِبُهُ قَالَ ‏ ‏كَغَطِيطِ ‏ ‏الْبَكْرِ فَلَمَّا ‏ ‏سُرِّيَ ‏ ‏عَنْهُ قَالَ ‏ ‏أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ الْعُمْرَةِ اخْلَعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ أَثَرَ ‏ ‏الْخَلُوقِ ‏ ‏عَنْكَ وَأَنْقِ ‏ ‏الصُّفْرَةَ ‏ ‏وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَيْف تَأْمُرنِي أَنْ أَصْنَع فِي عُمْرَتِي , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات عَلَى بَيَان الْمُنَزَّل حِينَئِذٍ مِنْ الْقُرْآن , وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مِنْ الْوَحْي مَا لَا يُتْلَى , لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق أُخْرَى أَنَّ الْمُنَزَّل حِينَئِذٍ قَوْله تَعَالَى. ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ عَلَى الْمَطْلُوب عُمُوم الْأَمْر بِالْإِتْمَامِ , فَإِنَّهُ يَتَنَاوَل الْهَيْئَاتِ وَالصِّفَات وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْقِ الصُّفْرَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون النُّون , وَوَقَعَ لِلْمُسْتَمْلِي هُنَا بِهَمْزَةِ وَصْل وَمُثَنَّاة مُشَدَّدَة مِنْ التَّقْوَى , قَالَ صَاحِب \" الْمَطَالِع \" وَهِيَ أَوْجَه وَإِنْ رَجَعَا إِلَى مَعْنًى وَاحِد. وَوَقَعَ لِابْنِ السَّكَن \" اِغْسِلْ أَثَر الْخَارِق وَأَثَر الصُّفْرَة \" وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور. ‏"
    },
    {
        "id": "1665",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ ‏ ‏أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ‏ { ‏إِنَّ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةَ ‏ ‏مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ‏} ‏فَلَا أُرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏كَلَّا لَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ كَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏كَانُوا يُهِلُّونَ ‏ ‏لِمَنَاةَ ‏ ‏وَكَانَتْ ‏ ‏مَنَاةُ ‏ ‏حَذْوَ ‏ ‏قُدَيْدٍ ‏ ‏وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ ‏ ‏سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏إِنَّ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةَ ‏ ‏مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ‏} ‏زَادَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ اِشْتَرَاك الْحَجّ وَالْعُمْرَة فِي مَشْرُوعِيَّة السَّعْي بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اِعْتَمَرَ ) وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه مُسْتَوْفَاة فِي \" بَاب وُجُوب الصَّفَا وَالْمَرْوَة \" فِي أَثْنَاء الْحَجّ. وَقَوْله \" أَنْ لَا يَطَّوَّف بِهِمَا \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بَيْنَهُمَا \". ‏ ‏قَوْله : ( زَادَ سُفْيَان وَأَبُو مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَتَمَّ اللَّه حَجَّ اِمْرِئٍ إِلَخْ ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة سُفْيَان فَوَصَلَهَا الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْهُ عَنْ هِشَام فَذَكَر الْمَوْقُوف فَقَطْ وَأَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة مَوْقُوفًا أَيْضًا , وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَا فِيهَا مِنْ فَائِدَة وَبَحْث فِي الْبَاب الْمُشَار إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1666",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاعْتَمَرْنَا مَعَهُ فَلَمَّا دَخَلَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏طَافَ وَطُفْنَا مَعَهُ وَأَتَى ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةَ ‏ ‏وَأَتَيْنَاهَا مَعَهُ وَكُنَّا نَسْتُرُهُ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ مَكَّةَ ‏ ‏أَنْ يَرْمِيَهُ أَحَدٌ فَقَالَ لَهُ صَاحِبٌ لِي أَكَانَ دَخَلَ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏قَالَ لَا قَالَ فَحَدِّثْنَا مَا قَالَ ‏ ‏لِخَدِيجَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَشِّرُوا ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏بِبَيْتٍ مِنْ الْجَنَّةِ مِنْ ‏ ‏قَصَبٍ ‏ ‏لَا ‏ ‏صَخَبَ ‏ ‏فِيهِ وَلَا ‏ ‏نَصَبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم عَنْ جَرِير ) ‏ ‏إِسْحَاق هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي مُسْنَده بِلَفْظِ \" أَخْبَرَنَا جَرِير \" وَهُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث عَبْد اللَّه اِبْن أَبِي أَوْفَى فِي الْمَغَازِي وَعَلَى مَا يَتَعَلَّق بِخَدِيجَة فِي مَنَاقِبهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى قَوْله \" أَدَخَلَ الْكَعْبَة \" فِي \" بَاب مَنْ لَمْ يَدْخُل الْكَعْبَة فِي أَثْنَاء الْحَجّ \" وَقَوْله \" لَا \" فِي جَوَاب \" أَدَخَلَ الْكَعْبَة \" مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلهَا فِي تِلْكَ الْعُمْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1667",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْنَا ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ رَجُلٍ طَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فِي عُمْرَةٍ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ فَقَالَ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَطَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَطَافَ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏سَبْعًا وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ‏ ‏قَالَ وَسَأَلْنَا ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَمْرو بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا وَعَنْ جَابِر مَوْقُوفًا : ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو بْن دِينَار ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد عَنْ الْحُمَيْدِيّ فِي كِتَاب الصَّلَاة فِي أَبْوَاب الْقِبْلَة بِلَفْظِ \" حَدَّثَنَا سُفْيَان قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرو بْن دِينَار \" فَعَبَّرَ بِالْحَدِيثِ هُنَاكَ وَالْعَنْعَنَة هُنَا وَسَاقَ الْإِسْنَاد وَالْمَتْن جَمِيعًا بِغَيْرِ زِيَادَة , وَوُقُوع مِثْل هَذَا نَادِر جِدًّا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ رَجُل طَافَ بِالْبَيْتِ فِي عُمْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" عَنْ رَجُل طَافَ فِي عُمْرَته \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي الصَّلَاة وَأَنَّ اِبْن عُمَر أَشَارَ إِلَى الِاتِّبَاع وَأَنَّ جَابِرًا أَفْتَاهُمْ بِالْحُكْمِ وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ يَحِلّ مِنْ جَمِيع مَا حَرُمَ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الطَّوَاف. وَوَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة عَنْ عَمْرو بْن دِينَار أَنَّهُ قَالَ : وَهُوَ سُنَّة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَهُوَ غُنْدَر بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَيَأْتِي اِمْرَأَته ) ‏ ‏أَيْ يُجَامِعهَا , وَالْمُرَاد هَلْ حَصَلَ لَهُ التَّحَلُّل مِنْ الْإِحْرَام قَبْل السَّعْي أَمْ لَا ؟. ‏ ‏وَقَوْله ( لَا يَقْرَبَنَّهَا ) ‏ ‏بِنُونِ التَّأْكِيد الْمُرَاد نَهْي الْمُبَاشَرَة بِالْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاته لَا مُجَرَّد الْقُرْب مِنْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَطَافَ بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة ) ‏ ‏أَيْ سَعَى , وَإِطْلَاق الطَّوَاف عَلَى السَّعْي إِمَّا لِلْمُشَاكَلَةِ وَإِمَّا لِكَوْنِهِ نَوْعًا مِنْ الطَّوَاف وَلِوُقُوعِهِ فِي مُصَاحَبَة طَوَاف الْبَيْت. ‏ ‏قَوْله : ( إِسْوَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَيَجُوز ضَمّهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَأَلْنَا جَابِرًا ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ عَمْرو بْن دِينَار , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْ الطَّوَاف خَلْف الْمَقَام \" مِنْ طَرِيق شُعْبَة وَفِي \" بَاب السَّعْي \" مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر بِالْحَدِيثِ دُون السُّؤَالَيْنِ لِابْنِ عُمَر وَلِجَابِرٍ , وَفِي الْحَدِيث أَنَّ السَّعْي وَاجِب فِي الْعُمْرَة , وَكَذَا صَلَاة رَكْعَتَيْ الطَّوَاف , وَفِي تَعْيِينهمَا خَلْف الْمَقَام خُلْف سَبَقَ فِي بَابه الْمُشَار إِلَيْهِ , وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر الِاتِّفَاق عَلَى جَوَازهمَا فِي أَيّ مَوْضِع شَاءَ الطَّائِف , إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَهُمَا فِي الْحِجْر , وَنَقَلَ بَعْض أَصْحَابنَا عَنْ الثَّوْرِيّ أَنَّهُ كَانَ يُعَيِّنهُمَا خَلْف الْمَقَام. ‏"
    },
    {
        "id": "1668",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْبَطْحَاءِ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏مُنِيخٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَحَجَجْتَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ بِمَا ‏ ‏أَهْلَلْتَ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ أَحْسَنْتَ طُفْ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَبِالصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏ثُمَّ أَحِلَّ فَطُفْتُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَبِالصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏فَفَلَتْ رَأْسِي ثُمَّ ‏ ‏أَهْلَلْتُ ‏ ‏بِالْحَجِّ فَكُنْتُ أُفْتِي بِهِ حَتَّى كَانَ فِي خِلَافَةِ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَقَالَ إِنْ أَخَذْنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ وَإِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي إِهْلَاله كَإِهْلَالِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَشَاهِد التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْله \" طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَة ثُمَّ أَحِلّ \" فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَأْخِير الْإِحْلَال عَنْ السَّعْي , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب مَنْ أَهَلَّ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( يَأْمُرنَا بِالتَّمَامِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الكُشْمِيهَنِيّ \" يَأْمُر \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَبْلُغ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الكُشْمِيهَنِيّ \" بَلَغَ \" بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي , وَقَوْله فِي أَوَّله \" أَحَجَجْت \" أَيْ هَلْ أَحْرَمْت بِالْحَجِّ أَوْ نَوَيْت الْحَجّ ؟ وَهَذَا كَقَوْلِهِ لَهُ بَعْد ذَلِكَ \" بِمَا أَهْلَلْت \" أَيْ بِمَا أَحْرَمَتْ \" أَيْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1669",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ ‏ ‏بِالحَجُونِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَا هُنَا وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ ‏ ‏خِفَافٌ ‏ ‏قَلِيلٌ ظَهْرُنَا قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَالزُّبَيْرُ ‏ ‏وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ فَلَمَّا مَسَحْنَا ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏أَحْلَلْنَا ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنْ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر : ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة \" حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عِيسَى \" وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن صَالِح \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَحْمَد بْن عِيسَى عَنْ اِبْن وَهْب. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث , وَعَبْد اللَّه مَوْلَى أَسْمَاء تَقَدَّمَ لَهُ حَدِيث عَنْهَا غَيْر هَذَا فِي \" بَاب مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَة أَهْله \" وَلَيْسَ لَهُ عِنْده غَيْرهمَا. وَهَذَا الْإِسْنَاد نِصْفه مِصْرِيُّونَ وَنِصْفه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْحَجُونِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَضَمّ الْجِيم الْخَفِيفَة : جَبَل مَعْرُوف بِمَكَّة , وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْره فِي الْأَشْعَار , وَعِنْده الْمَقْبَرَة الْمَعْرُوفَة بِالْمُعَلَّى عَلَى يَسَار الدَّاخِل إِلَى مَكَّة وَيَمِين الْخَارِج مِنْهَا إِلَى مِنًى , وَهَذَا الَّذِي ذَكَرنَا مُحَصَّل مَا قَالَهُ الْأَزْرَقِيّ وَالْفَاكِهِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ الْعُلَمَاء , وَأَغْرَبَ السُّهَيْلِيّ فَقَالَ : الْحَجُونَ عَلَى فَرْسَخ وَثُلُث مِنْ مَكَّة , وَهُوَ غَلَط وَاضِح , فَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْد الْبَكْرِيّ : الْحَجُونَ الْجَبَل الْمُشْرِف بِحِذَاءِ الْمَسْجِد الَّذِي يَلِي شِعْب الْجَرَّارِينَ , وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْقَالِي : الْحَجُونَ ثَنِيَّة الْمَدَنِيِّينَ - أَيْ مَنْ يَقْدَم مِنْ الْمَدِينَة - وَهِيَ - مَقْبَرَة أَهْل مَكَّة عِنْد شِعْب الْجَرَّارِينَ اِنْتَهَى. وَيَدُلّ عَلَى غَلَط السُّهَيْلِيّ قَوْل الشَّاعِر : ‏ ‏سَنَبْكِيك مَا أَرْسَى ثَبِير مَكَانه ‏ ‏وَمَا دَامَ جَارًا لِلْحَجُونِ الْمُحَصَّب ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر الْمُحَصَّب وَحْده وَأَنَّهُ خَارِج مَكَّة , وَرَوَى الْوَاقِدِيّ عَنْ أَشْيَاخه أَنَّ قُصَيّ بْن كِلَاب لَمَّا مَاتَ دُفِنَ بِالْحَجُونِ فَتَدَافَنَ النَّاس بَعْده , وَأَنْشَدَ الزُّبَيْر لِبَعْضِ أَهْل مَكَّة : ‏ ‏كَمْ بِالْحَجُونِ وَبَيْنه مِنْ سَيِّد ‏ ‏بِالشِّعْبِ بَيْن دَكَادِك وَأَكَام ‏ ‏وَالْجَرَّارِينَ الَّتِي تَقَدَّمَ جَمْع جَرَّار بِجِيمٍ وَرَاء ثَقِيلَة ذَكَرهَا الرَّضِي الشَّاطِبِي وَكَتَبَ عَلَى الرَّاء صَحَّ صَحَّ , وَذَكَر الْأَزْرَقِيّ أَنَّهُ شِعْب أَبِي دُبّ رَجُل مِنْ بَنِي عَامِر. قُلْت : وَقَدْ جُهِلَ هَذَا الشِّعْب الْآن إِلَّا أَنَّ بَيْن سُور مَكَّة الْآن وَبَيْن الْجَبَل الْمَذْكُور مَكَان يُشْبِه الشِّعْب فَلَعَلَّهُ هُوَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَحْنُ يَوْمئِذٍ خِفَاف ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته خِفَاف الْحَقَائِب , وَالْحَقَائِب جَمْع حَقِيبَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَبِالْقَافِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ مَا اِحْتَقَبَهُ الرَّاكِب خَلْفه مِنْ حَوَائِجه فِي مَوْضِع الرَّدِيف. ‏ ‏قَوْله : ( فَاعْتَمَرْت أَنَا وَأُخْتِي ) ‏ ‏أَيْ بَعْد أَنْ فَسَخُوا الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة , فَفِي رِوَايَة صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة عَنْ أَسْمَاء \" قَدِمْنَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فَقَالَ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْي فَلْيُقِمْ عَلَى إِحْرَامه , وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ هَدْي فَلْيَحِلَّ , فَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْي فَأَحْلَلْت , وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْر هَدْي فَلَمْ يَحِلّ \" اِنْتَهَى. وَهَذَا مُغَايِر لِذِكْرِهَا الزُّبَيْر مَعَ مَنْ أَحَلَّ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه مَوْلَى أَسْمَاء , فَإِنَّ قَضِيَّة رِوَايَة صَفِيَّة عَنْ أَسْمَاء أَنَّهُ لَمْ يَحِلّ لِكَوْنِهِ مِمَّنْ سَاقَ الْهَدْي , فَإِنْ جُمِعَ بَيْنهمَا بِأَنَّ الْقِصَّة الْمَذْكُورَة وَقَعَتْ لَهَا مَعَ الزُّبَيْر فِي غَيْر حَجَّة الْوَدَاع - كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيّ عَلَى بُعْده - وَإِلَّا فَقَدْ رَجَحَ عِنْد الْبُخَارِيّ رِوَايَة عَبْد اللَّه مَوْلَى أَسْمَاء فَاقْتَصَرَ عَلَى إِخْرَاجهَا دُون رِوَايَة صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة , وَأَخْرَجَهُمَا مُسْلِم مَعَ مَا فِيهِمَا مِنْ الِاخْتِلَاف. وَيُقَوِّي صَنِيع الْبُخَارِيّ مَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الطَّوَاف عَلَى وُضُوء \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن وَهُوَ أَبُو الْأَسْوَد الْمَذْكُور فِي هَذَا الْإِسْنَاد قَالَ : سَأَلْت عُرْوَة بْن الزُّبَيْر. فَذَكَر حَدِيثًا وَفِي آخِره \" وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتهَا وَالزُّبَيْر وَفُلَان وَفُلَان بِعُمْرَة , فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْن حَلُّوا \" وَالْقَائِل \" أَخْبَرَتْنِي \" عُرْوَة الْمَذْكُور , وَأُمّه هِيَ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر , وَهَذَا مُوَافِق لِرِوَايَةِ عَبْد اللَّه مَوْلَى أَسْمَاء عَنْهَا. وَفِيهِ إِشْكَال آخَر وَهُوَ ذِكْرهَا لِعَائِشَة فِيمَنْ طَافَهُ وَالْوَاقِع أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ حَائِضًا , وَكُنْت أَوَّلْته هُنَاكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ تِلْكَ الْعُمْرَة كَانَتْ فِي وَقْت آخَر بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنَّ سِيَاق رِوَايَة هَذَا الْبَاب تَأْبَاهُ , فَإِنَّهُ ظَاهِر فِي أَنَّ الْمَقْصُود الْعُمْرَة الَّتِي وَقَعَتْ لَهُمْ فِي حَجَّة الْوَدَاع , وَالْقَوْل فِيمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقّ الزُّبَيْر كَالْقَوْلِ فِي حَقّ عَائِشَة سَوَاء , وَقَدْ قَالَ عِيَاض فِي الْكَلَام عَلَيْهِ : لَيْسَ هُوَ عَلَى عُمُومه , فَإِنَّ الْمُرَاد مَنْ عَدَا عَائِشَة , لِأَنَّ الطُّرُق الصَّحِيحَة فِيهَا أَنَّهَا حَاضَتْ فَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا تَحَلَّلَتْ مِنْ عُمْرَتهَا. قَالَ : وَقِيلَ لَعَلَّ عَائِشَة أَشَارَتْ إِلَى عُمْرَتهَا الَّتِي فَعَلَتْهَا مِنْ التَّنْعِيم , ثُمَّ حَكَى التَّأْوِيل السَّابِق وَأَنَّهَا أَرَادَتْ عُمْرَة أُخْرَى فِي غَيْر الَّتِي فِي حَجَّة الْوَدَاع , وَخَطَّأَهُ وَلَمْ يُعَرِّج عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِالزُّبَيْرِ مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَفُلَان وَفُلَان ) ‏ ‏كَأَنَّهَا سَمَّتْ بَعْض مَنْ عَرَفَتْهُ مِمَّنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْي , وَلَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِينهمْ , فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث عَائِشَة أَنَّ أَكْثَر الصَّحَابَة كَانُوا كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْت ) ‏ ‏أَيْ طُفْنَا بِالْبَيْتِ فَاسْتَلَمْنَا الرُّكْن , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الطَّوَاف عَلَى غَيْر وُضُوء \" مِنْ حَدِيث عَائِشَة بِلَفْظِ \" مَسَحْنَا الرُّكْن \" وَسَاغَ هَذَا الْمَجَاز لِأَنَّ كُلّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ يَمْسَح الرُّكْن فَصَارَ يُطْلَق عَلَى الطَّوَاف كَمَا قَالَ عُمَر بْن أَبَى رَبِيعَة : ‏ ‏وَلَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنًى كُلّ حَاجَة ‏ ‏وَمَسَّحَ بِالْأَرْكَانِ مَنْ هُوَ مَاسِح ‏ ‏أَيْ طَافَ مَنْ هُوَ طَائِف , قَالَ عِيَاض : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَعْنَى مَسَحُوا طَافُوا وَسَعَوْا , وَحَذَفَ السَّعْي اِخْتِصَارًا لَمَّا كَانَ مَنُوطًا بِالطَّوَافِ , قَالَ : وَلَا حُجَّة فِي هَذَا الْحَدِيث لِمَنْ لَمْ يُوجِب السَّعْي لِأَنَّ أَسْمَاء أَخْبَرَتْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاعِ, وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا مِنْ طُرُق أُخْرَى صَحِيحَة أَنَّهُمْ طَافُوا مَعَهُ وَسَعَوْا فَيُحْمَل مَا أُجْمِلَ عَلَى مَا بُيِّنَ وَاللَّه أَعْلَم , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَلْق أَوْ التَّقْصِير اِسْتِبَاحَة مَحْظُور لِقَوْلِهَا إِنَّهُمْ أَحَلُّوا بَعْد الطَّوَاف , وَلَمْ يُذْكَر الْحَلْق. وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ نُسُك بِأَنَّهَا سَكَتَتْ عَنْهُ وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ تَرْك فِعْله , فَإِنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة. وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْر بِالتَّقْصِيرِ فِي عِدَّة أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث جَابِر الْمُصَدَّر بِذِكْرِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ جَامَعَ قَبْل أَنْ يُقَصِّر بَعْد أَنْ طَافَ وَسَعَى فَقَالَ الْأَكْثَر : عَلَيْهِ الْهَدْي , وَقَالَ عَطَاء : لَا شَيْء عَلَيْهِ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : تَفْسُد عُمْرَته وَعَلَيْهِ الْمُضِيّ فِي فَاسِدهَا وَقَضَاؤُهَا. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الطَّبَرِيُّ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ التَّقْصِير حَتَّى يَخْرُج مِنْ الْحَرَم لَا شَيْء عَلَيْهِ , بِخِلَافِ مَنْ قَالَ عَلَيْهِ دَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1670",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ إِذَا ‏ ‏قَفَلَ ‏ ‏مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ ‏ ‏شَرَفٍ ‏ ‏مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏ ‏آيِبُونَ ‏ ‏تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1671",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏اسْتَقْبَلَتْهُ ‏ ‏أُغَيْلِمَةُ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ خَلْفَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1672",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ الحَجَّاجِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا خَرَجَ إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏يُصَلِّي فِي ‏ ‏مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ ‏ ‏وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏بِبَطْنِ الْوَادِي وَبَاتَ حَتَّى يُصْبِحَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1673",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ كَانَ لَا يَدْخُلُ إِلَّا غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1674",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَارِبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ ‏ ‏يَطْرُقَ ‏ ‏أَهْلَهُ لَيْلًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1675",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏أَوْضَعَ نَاقَتَهُ وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جُدُرَاتِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مُحَمَّد بْن جَعْفَر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي كَثِير الْمَدَنِيّ أَخُو إِسْمَاعِيل. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَبْصَرْت دَرَجَات ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالرَّاء بَعْدهَا جِيم جَمْع دَرَجَة كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَالْمُرَاد طُرُقهَا الْمُرْتَفِعَة , وَلِلْمُسْتَمْلِي \" دَوْحَات \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا مُهْمَلَة جَمْع دَوْحَة وَهِيَ الشَّجَرَة الْعَظِيمَة , وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ حُمَيْدٍ \" جُدُرَات \" بِضَمِّ الْجِيم وَالدَّال كَمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْبَاب , وَهُوَ جَمْع جُدُر بِضَمَّتَيْنِ جَمْع جِدَار , وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" جُدْرَان \" بِسُكُونِ الدَّال وَآخِره نُون جَمْع جِدَار , لَهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ \" جُدُر \" قَالَ صَاحِب \" الْمَطَالِع \" : جُدُرَات أَرْجَح مِنْ دَوْحَات وَمِنْ دَرَجَات.. قُلْت : وَهِيَ رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْضَع ) ‏ ‏أَيْ أَسْرَعَ السَّيْر. ‏ ‏قَوْله : ( زَادَ الْحَارِث بْن عُمَيْر عَنْ حُمَيْدٍ ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ أَنَس ‏ ‏( مِنْ حُبّهَا ) ‏ ‏وَهُوَ يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ حَرَّكَهَا أَيْ حَرَّكَ دَابَّته بِسَبَبِ حُبّه الْمَدِينَة , ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّف \" حَدَّثَنَا قُتَيْبَة حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل وَهُوَ اِبْن جَعْفَر عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس قَالَ جُدُرَات , تَابَعَهُ الْحَارِث بْن عُمَيْر \" يَعْنِي فِي قَوْله \" جُدُرَات \" وَرِوَايَة الْحَارِث بْن عُمَيْر هَذِهِ وَصَلَهَا الْإِمَام أَحْمَد قَالَ \" حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق حَدَّثَنَا الْحَارِث بْن عُمَيْر عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيل عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَر فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَات الْمَدِينَة أَوْضَع نَاقَته , وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّة حَرَّكَهَا مِنْ حُبّهَا \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق خَالِد بْن مَخْلَد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن أَبِي كَثِير وَالْحَارِث بْن عُمَيْر جَمِيعًا عَنْ حُمَيْدٍ , وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف طَرِيق قُتَيْبَة الْمَذْكُورَة فِي فَضَائِل الْمَدِينَة بِلَفْظِ الْحَارِث بْن عُمَيْر , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ \" رَاحِلَته \" بَدَل نَاقَته , وَوَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ \" وَزَادَ الْحَارِث بْن عُمَيْر وَغَيْره عَنْ حُمَيْدٍ \" وَقَدْ نَبَّهْت عَلَى مَنْ رَوَاهُ كَذَلِكَ مُوَافِقًا لِلْحَارِثِ بْن عُمَيْر فِي الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة. وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى فَضْل الْمَدِينَة , وَعَلَى مَشْرُوعِيَّة حُبّ الْوَطَن وَالْحَنِين إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1676",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا كَانَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏إِذَا حَجُّوا فَجَاءُوا لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَلَكِنْ مِنْ ظُهُورِهَا فَجَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بَابِهِ فَكَأَنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ السَّبِيعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَتْ الْأَنْصَار إِذَا حَجُّوا فَجَاءُوا ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِر فِي اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِالْأَنْصَارِ , وَلَكِنْ سَيَأْتِي فِي حَدِيث جَابِر أَنَّ سَائِر الْعَرَب كَانُوا كَذَلِكَ إِلَّا قُرَيْشًا , وَرَوَاهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ مُرْسَل قَتَادَةَ كَمَا قَالَ الْبَرَاء , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ مُرْسَل الرَّبِيع بْن أَنَس نَحْوه. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا حَجُّوا ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي تَفْسِير الْبَقَرَة مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق بِلَفْظِ \" إِذَا أَحْرَمُوا فِي الْجَاهِلِيَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏هُوَ قُطْبَة بِضَمِّ الْقَاف وَإِسْكَان الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة اِبْن عَامِر بْن حَدِيدَة بِمُهْمَلَاتٍ وَزْن كَبِيرَة الْأَنْصَارِيّ الْخَزْرَجِيّ السُّلَمِيّ كَمَا أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِم فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ طَرِيق عَمَّار بْن زُرَيْق \" عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر قَالَ : كَانَتْ قُرَيْش تُدْعَى الْحُمْس , وَكَانُوا يَدْخُلُونَ مِنْ الْأَبْوَاب فِي الْإِحْرَام , وَكَانَتْ الْأَنْصَار وَسَائِر الْعَرَب لَا يَدْخُلُونَ مِنْ الْأَبْوَاب , فَبَيْنَمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بُسْتَان فَخَرَجَ مِنْ بَابه فَخَرَجَ مَعَهُ قُطْبَة بْن عَامِر الْأَنْصَارِيّ , فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ قُطْبَة رَجُل فَاجِر , فَإِنَّهُ خَرَجَ مَعَك مِنْ الْبَاب فَقَالَ : مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ ؟ فَقَالَ رَأَيْتُك فَعَلْته فَفَعَلْت كَمَا فَعَلْت : قَالَ : إِنِّي أَحْمَسِيّ , قَالَ فَإِنَّ دِينِي دِينك , فَأَنْزَلَ اللَّه الْآيَة \" وَهَذَا الْإِسْنَاد وَإِنْ كَانَ عَلَى شَرْط مُسْلِم لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي وَصْله عَلَى الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان فَرَوَاهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْهُ فَلَمْ يَذْكُر جَابِرًا أَخْرَجَهُ تَقِيّ وَأَبُو الشَّيْخ فِي تَفْسِيرهمَا مِنْ طَرِيقه , وَكَذَا سَمَّاهُ الْكَلْبِيّ فِي تَفْسِيره عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَكَذَا ذَكَرَ مُقَاتِل بْن سُلَيْمَانَ فِي تَفْسِيره. وَجَزَمَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْره مِنْ الْمُفَسِّرِينَ بِأَنَّ هَذَا الرَّجُل يُقَال لَهُ رِفَاعَة بْن تَابُوت , وَاعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ وَابْن جَرِير مِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد \" عَنْ قَيْس بْن جُبَيْر النَّهْشَلِيّ قَالَ : كَانُوا إِذَا أَحْرَمُوا لَمْ يَأْتُوا بَيْتًا مِنْ قِبَلِ بَابه , وَلَكِنْ مِنْ قِبَلِ ظَهْره , وَكَانَتْ الْحُمْس تَفْعَلهُ , فَدَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَائِطًا فَاتَّبَعَهُ رَجُل يُقَال لَهُ رِفَاعَة بْن تَابُوت وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْحُمْس \" فَذَكَر الْقِصَّة , وَهَذَا مُرْسَل , وَالَّذِي قَبْله أَقْوَى إِسْنَادًا فَيَجُوز أَنْ يُحْمَل عَلَى التَّعَدُّد فِي الْقِصَّة , إِلَّا أَنَّ فِي هَذَا الْمُرْسَل نَظَرًا مِنْ وَجْه آخَر , لِأَنَّ رِفَاعَة بْن تَابُوت مَعْدُود فِي الْمُنَافِقِينَ , وَهُوَ الَّذِي هَبَّتْ الرِّيح الْعَظِيمَة لِمَوْتِهِ كَمَا وَقَعَ مُبْهَمًا فِي صَحِيح مُسْلِم وَمُفَسَّرًا فِي غَيْره مِنْ حَدِيث جَابِر , فَإِنْ لَمْ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُمَا رَجُلَانِ تَوَافَقَ اِسْمهمَا وَاسْم أَبَوَيْهِمَا وَإِلَّا فَكَوْنه قُطْبَة بْن عَامِر أَوْلَى , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي مُرْسَل الزُّهْرِيِّ عِنْد الطَّبَرِيّ \" فَدَخَلَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار مِنْ بَنِي سَلَمَة \" وَقُطْبَة مِنْ بَنِي سَلَمَة بِخِلَافِ رِفَاعَة , وَيَدُلّ عَلَى التَّعَدُّد اِخْتِلَاف الْقَوْل فِي الْإِنْكَار عَلَى الدَّاخِل , فَإِنَّ فِي حَدِيث جَابِر \" فَقَالُوا إِنَّ قُطْبَة رَجُل فَاجِر \" وَفِي مُرْسَل قَيْس بْن جُبَيْر \" فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَافَقَ رِفَاعَة \" لَكِنْ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ يَتَعَدَّد الْقَائِلُونَ فِي الْقِصَّة الْوَاحِدَة , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن جُرَيْجٍ أَنَّ الْقِصَّة وَقَعَتْ أَوَّل مَا قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة , وَفِي إِسْنَاده ضَعْف وَفِي مُرْسَل الزُّهْرِيِّ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة , وَفِي مُرْسَل السُّدِّيّ عِنْد الطَّبَرِيّ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي حَجَّة الْوَدَاعِ, وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْله \" كَانُوا إِذَا حَجُّوا \" لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ \" كَانُوا إِذَا أَحْرَمُوا \" فَهَذَا يَتَنَاوَل الْحَجّ وَالْعُمْرَة , وَالْأَقْرَب مَا قَالَ الزُّهْرِيُّ , وَبَيَّنَ الزُّهْرِيُّ السَّبَب فِي صَنِيعهمْ ذَلِكَ فَقَالَ : كَانَ نَاس مِنْ الْأَنْصَار إِذَا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ لَمْ يَحُلْ بَيْنهمْ وَبَيْن السَّمَاء شَيْء فَكَانَ الرَّجُل إِذَا أَهَلَّ فَبَدَتْ لَهُ حَاجَة فِي بَيْته لَمْ يَدْخُل مِنْ الْبَاب مِنْ أَجْل السَّقْف أَنْ يَحُول بَيْنه وَبَيْن السَّمَاء \" وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَات عَلَى نُزُول الْآيَة فِي سَبَب الْإِحْرَام إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ الْحَسَن قَالَ \" كَانَ الرَّجُل مِنْ الْجَاهِلِيَّة يَهُمّ بِالشَّيْءِ يَصْنَعهُ فَيُحْبَس عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَأْتِي بَيْتًا مِنْ قِبَل بَابه حَتَّى يَأْتِي الَّذِي كَانَ هَمَّ بِهِ \" فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ بَاب الطِّيَرَة , وَغَيْره جَعَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْإِحْرَام , وَخَالَفَهُمْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ فَقَالَ \" كَانَ الرَّجُل إِذَا اِعْتَكَفَ لَمْ يَدْخُل مَنْزِله مِنْ بَاب الْبَيْت فَنَزَلَتْ \" أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم بِإِسْنَادٍ ضَعِيف وَأَغْرَبَ الزَّجَّاج فِي مَعَانِيه فَجَزَمَ بِأَنَّ سَبَب نُزُولهَا مَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَن , لَكِنْ مَا فِي الصَّحِيح أَصَحّ وَاللَّه أَعْلَم. وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَات عَلَى أَنَّ الْحُمْس كَانُوا لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِخِلَافِ غَيْرهمْ , وَعَكَسَ ذَلِكَ مُجَاهِد فَقَالَ \" كَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا أَحْرَمَ الرَّجُل مِنْهُمْ ثَقَبَ كُوَّة فِي ظَهْر بَيْته فَدَخَلَ مِنْهَا , فَجَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات يَوْم وَمَعَهُ رَجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَدَخَلَ مِنْ الْبَاب , وَذَهَبَ الْمُشْرِك لِيَدْخُل مِنْ الْكُوَّة فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا شَأْنك ؟ فَقَالَ : إِنِّي أَحْمَسِيّ , فَقَالَ : وَأَنَا أَحْمَسِيّ , فَنَزَلَتْ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1677",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُمَيّ ) ‏ ‏كَذَا لِأَكْثَر الرُّوَاة عَنْ مَالِك , وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّإ , وَصَرَّحَ يَحْيَى بْن يَحْيَى النَّيْسَابُورِيّ عَنْ مَالِك بِتَحْدِيثِ سُمَيّ لَهُ بِهِ , وَشَذَّ خَالِد بْن مَخْلَد عَنْ مَالِك فَقَالَ \" عَنْ سُهَيْل \" بَدَل سُمَيّ أَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ , وَذَكَر الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ اِبْن الْمَاجِشُونِ رَوَاهُ عَنْ مَالِك عَنْ سُهَيْل أَيْضًا فَتَابَعَ خَالِد بْن مَخْلَد , لَكِنْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ. إِنَّ أَبَا عَلْقَمَة الْقَرَوِيّ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ اِبْن الْمَاجِشُونِ وَأَنَّهُ وَهَمَ فِيهِ , وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَحْمَد عَنْ بَشِير الطَّيَالِسِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر الْوَرْكَانِيّ عَنْ مَالِك عَنْ سُهَيْل , وَخَالَفَهُ مُوسَى بْن هَارُون فَرَوَاهُ عَنْ الْوَرْكَانِيّ عَنْ مَالِك عَنْ سُمَيّ , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ حَدَّثَنَا بِهِ دَعْلَج عَنْ مُوسَى , قَالَ : وَالْوَهْم فِي هَذَا مِنْ الطَّبَرَانِيِّ أَوْ مِنْ شَيْخه ; وَسُمَيّ هُوَ الْمَحْفُوظ فِي رِوَايَة مَالِك قَالَهُ اِبْن عَدِيّ , وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرهمَا وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ سُمَيّ غَيْر مَالِك قَالَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ , ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن الْمَاجِشُونِ قَالَ قَالَ مَالِك : مَا لِأَهْلِ الْعِرَاق يَسْأَلُونَنِي عَنْ حَدِيث \" السَّفَر قِطْعَة مِنْ الْعَذَاب \" ؟ فَقِيلَ لَهُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ سُمَيّ أَحَد غَيْرك , فَقَالَ : لَوْ عَرَفْت مَا حَدَّثْت بِهِ , وَكَانَ مَالِك رُبَّمَا أَرْسَلَهُ لِذَلِكَ , وَرَوَاهُ عَتِيق بْن يَعْقُوب عَنْ مَالِك عَنْ أَبِي النَّضْر عَنْ أَبِي صَالِح , وَوَهَمَ فِيهِ أَيْضًا عَلَى مَالِك أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ , وَرَوَاهُ رَوَّاد بْن الْجَرَّاح عَنْ مَالِك فَزَادَ فِيهِ إِسْنَادًا آخَر فَقَالَ عَنْ رَبِيعَة عَنْ الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة , وَعَنْ سُمَيّ بِإِسْنَادِهِ فَذَكَرَهُ , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَخْطَأَ فِيهِ رَوَّاد بْن الْجَرَّاح , وَأَخْرَجَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ مِنْ طَرِيق أَبِي مُصْعَب عَنْ عَبْد الْعَزِيز الدَّرَاوَرْدِيّ عَنْ سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ , هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ لَهُ فِي حَدِيث سُهَيْل أَصْلًا وَأَنَّ سُمَيًّا لَمْ يَنْفَرِد بِهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَأَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ مِنْ طَرِيق جَمْهَان عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا فَلَمْ يَنْفَرِد بِهِ أَبُو صَالِح , وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة بِإِسْنَادٍ جَيِّد فَلَمْ يَنْفَرِد بِهِ أَبُو هُرَيْرَة , بَلْ فِي الْبَاب عَنْ اِبْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَأَبِي سَعِيد وَجَابِر عِنْد اِبْن عَدِيّ بِأَسَانِيد ضَعِيفَة. ‏ ‏قَوْله : ( السَّفَر قِطْعَة مِنْ الْعَذَاب ) ‏ ‏أَيْ جُزْء مِنْهُ , وَالْمُرَاد بِالْعَذَابِ الْأَلَم النَّاشِئ عَنْ الْمَشَقَّة لِمَا يَحْصُل فِي الرُّكُوب وَالْمَشْي مِنْ تَرْك الْمَأْلُوف. ‏ ‏قَوْله : ( يَمْنَع أَحَدكُمْ ) ‏ ‏كَأَنَّهُ فَصَلَهُ عَمَّا قَبْله بَيَانًا لِذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنَاف كَالْجَوَابِ لِمَنْ قَالَ كَانَ كَذَلِكَ فَقَالَ : يَمْنَع أَحَدكُمْ نَوْمه إِلَخْ أَيْ وَجْه التَّشْبِيه الِاشْتِمَال عَلَى الْمَشَقَّة , وَقَدْ وَرَدَ التَّعْلِيل فِي رِوَايَة سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ وَلَفْظه \" السَّفَر قِطْعَة مِنْ الْعَذَاب , لِأَنَّ الرَّجُل يَشْتَغِل فِيهِ عَنْ صَلَاته وَصِيَامه \" فَذَكَر الْحَدِيث , وَالْمُرَاد بِالْمَنْعِ فِي الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة مَنْع كَمَالِهَا لَا أَصْلهَا , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ \" لَا يَهْنَأ أَحَدكُمْ بِنَوْمِهِ وَلَا طَعَامه وَلَا شَرَابه \" وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد اِبْن عَدِيّ \" وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ دَوَاء إِلَّا سُرْعَة السَّيْر \" ‏ ‏قَوْله : ( نَهْمَته ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْهَاء أَيْ حَاجَته مِنْ وَجْهه أَيْ مِنْ مَقْصِده وَبَيَانه فِي حَدِيث اِبْن عَدِيّ بِلَفْظِ \" إِذَا قَضَى أَحَدكُمْ وَطَره مِنْ سَفَره \" وَفِي رِوَايَة رَوَّاد بْن الْجَرَّاح \" فَإِذَا فَرَغَ أَحَدكُمْ مِنْ حَاجَته \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْله ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَتِيق وَسَعِيد الْمَقْبُرِيِّ \" فَلْيُعَجِّلْ الرُّجُوع إِلَى أَهْله \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُصْعَب \" فَلْيُعَجِّلْ الْكَرَّة إِلَى أَهْله \" وَفِي حَدِيث عَائِشَة \" فَلْيُعَجِّلْ الرِّحْلَة إِلَى أَهْله \" فَإِنَّهُ أَعْظَم لِأَجْرِهِ \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : زَادَ فِيهِ بَعْض الضُّعَفَاء عَنْ مَالِك \" وَلْيَتَّخِذْ لِأَهْلِهِ هَدِيَّة وَإِنْ لَمْ يَجِد إِلَّا حَجَرًا \" يَعْنِي حَجَر الزِّنَاد , قَالَ : وَهِيَ زِيَادَة مُنْكَرَة , وَفِي الْحَدِيث كَرَاهَة التَّغَرُّب عَنْ الْأَهْل لِغَيْرِ حَاجَة , وَاسْتِحْبَاب اِسْتِعْجَال الرُّجُوع وَلَا سِيَّمَا مَنْ يُخْشَى عَلَيْهِمْ الضَّيْعَة بِالْغَيْبَةِ , وَلِمَا فِي الْإِقَامَة فِي الْأَهْل مِنْ الرَّاحَة الْمُعِينَة عَلَى صَلَاح الدِّين وَالدُّنْيَا , وَلِمَا فِي الْإِقَامَة مِنْ تَحْصِيل الْجَمَاعَات وَالْقُوَّة عَلَى الْعِبَادَة. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَلَا تَعَارُض بَيْن هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيث اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا \" سَافِرُوا تَصِحُّوا \" فَإِنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ الصِّحَّة بِالسَّفَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّيَاضَة أَنْ لَا يَكُون قِطْعَة مِنْ الْعَذَاب لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّة , فَصَارَ كَالدَّوَاءِ الْمَرّ الْمُعْقِب لِلصِّحَّةِ وَإِنْ كَانَ فِي تَنَاوُله الْكَرَاهَة , وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْخَطَّابِيُّ تَغْرِيب الزَّانِي لِأَنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِتَعْذِيبِهِ - وَالسَّفَر مِنْ جُمْلَة الْعَذَاب - وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. ‏ ‏( لَطِيفَة ) : ‏ ‏سُئِلَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ حِين جَلَسَ مَوْضِع أَبِيهِ : لِمَ كَانَ السَّفَر قِطْعَة مِنْ الْعَذَاب ؟ فَأَجَابَ عَلَى الْفَوْر : لِأَنَّ فِيهِ فِرَاق الْأَحْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1678",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ مَعَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏بِطَرِيقِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَبَلَغَهُ عَنْ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏شِدَّةُ وَجَعٍ فَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ نَزَلَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ‏ ‏وَالْعَتَمَةَ ‏ ‏جَمَعَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ قَالَ إِنِّي ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا ‏ ‏جَدَّ ‏ ‏بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1679",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏حِينَ خَرَجَ إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ قَالَ إِنْ صُدِدْتُ عَنْ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏صَنَعْتُ كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر حِين خَرَجَ إِلَى مَكَّة مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَة ) ‏ ‏هَذَا السِّيَاق يُشْعِر بِأَنَّهُ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر بِغَيْرِ وَاسِطَة , لَكِنْ رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ الَّتِي بَعْده تَقْتَضِي أَنَّ نَافِعًا حَمَلَ ذَلِكَ عَنْ سَالِم وَعُبَيْد اللَّه اِبْنَيْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِمَا حَيْثُ قَالَ فِيهَا : عَنْ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِع أَنَّ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا كَلَّمَا عَبْد اللَّه بْن عُمَر , فَذَكَر الْقِصَّة وَالْحَدِيث , هَكَذَا قَالَ الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد اِبْن أَسْمَاء , وَوَافَقَهُ الْحَسَن بْن سُفْيَان وَأَبُو يَعْلَى كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد اللَّه , أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْهُمَا , وَتَابَعَهُمْ مُعَاذ بْن الْمُثَنَّى عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَسْمَاء , أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ. لَكِنْ فِي رِوَايَة مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِع أَنَّ بَعْض بَنِي عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ لَهُ , فَذَكَر الْحَدِيث. وَظَاهِره أَنَّهُ لِنَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَقَدْ عَقَّبَ الْبُخَارِيّ رِوَايَة عَبْد اللَّه بِرِوَايَةِ مُوسَى لِيُنَبِّه عَلَى الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ , وَاقْتَصَرَ فِي رِوَايَة مُوسَى هُنَا عَلَى الْإِسْنَاد , وَسَاقَهُ فِي الْمَغَازِي بِتَمَامِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى الّقَطَّانُ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع كَذَلِكَ وَلَفْظه \" أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه كَلَّمَا عَبْد اللَّه , فَذَكَر الْحَدِيث \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي عَنْ مُسَدَّد عَنْ يَحْيَى مُخْتَصَرًا قَالَ فِيهِ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ أَهَلَّ فَذَكَر بَعْض الْحَدِيث. وَفِي قَوْله عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ لَا وَاسِطَة بَيْن نَافِع وَابْن عُمَر فِيهِ كَمَا هُوَ ظَاهِر سِيَاق مُسْلِم , وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد بَاب مِنْ طَرِيق عُمَر بْن مُحَمَّد عَنْ نَافِع مِثْل سِيَاق يَحْيَى عَنْ عُبَيْد اللَّه سَوَاء , وَأَخْرَجَهُ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق فُلَيْح وَفِيمَا مَضَى مِنْ الْحَجّ مِنْ طَرِيق أَيُّوب وَاللَّيْث كُلّهمْ عَنْ نَافِع , وَأَعْرَضَ مُسْلِم عَنْ تَخْرِيج طَرِيق جُوَيْرِيَةَ وَوَافَقَ عَلَى طَرِيق تَخْرِيج اللَّيْث وَأَيُّوب عَنْ عُبَيْد اللَّه اِبْن عُمَر , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَيُّوب بْن مُوسَى وَإِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة كُلّهمْ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر بِغَيْرِ وَاسِطَة. وَالَّذِي يَتَرَجَّح فِي نَقْدِي أَنَّ اِبْنَيْ عَبْد اللَّه أَخْبَرَا نَافِعًا بِمَا كَلَّمَا بِهِ أَبَاهُمَا وَأَشَارَا عَلَيْهِ بِهِ مِنْ التَّأْخِير ذَلِكَ الْعَام , وَأَمَّا بَقِيَّة الْقِصَّة فَشَاهَدَهَا نَافِع وَسَمِعَهَا مِنْ اِبْن عُمَر لِمُلَازَمَتِهِ إِيَّاهُ , فَالْمَقْصُود مِنْ الْحَدِيث مَوْصُول , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون نَافِع لَمْ يَسْمَع شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ اِبْن عُمَر فَقَدْ عَرَفَ الْوَاسِطَة بَيْنهمَا وَهِيَ وَلَدَا عَبْد اللَّه اِبْن عُمَر سَالِم وَعَبْد اللَّه وَهُمَا ثِقَتَانِ لَا مَطْعَن فِيهِمَا , وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ شُرَّاح الْبُخَارِيّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ الْمَذْكُورَة عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بِالتَّصْغِيرِ , وَفِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّانِ الْمَذْكُورَة عَبْد اللَّه بِالتَّكْبِيرِ , وَكَذَا فِي رِوَايَة عُمَر بْن مُحَمَّد عَنْ نَافِع , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : عَبْد اللَّه - يَعْنِي مُكَبَّرًا - أَصَحّ. قُلْت : وَلَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ أَنْ يَكُون كُلّ مِنْهُمَا كَلَّمَ أَبَاهُ فِي ذَلِكَ , وَلَعَلَّ نَافِعًا حَضَرَ كَلَام عَبْد اللَّه الْمُكَبَّر مَعَ أَخِيهِ سَالِم وَلَمْ يَحْضُر كَلَام عُبَيْد اللَّه الْمُصَغَّر مَعَ أَخِيهِ سَالِم أَيْضًا بَلْ أَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ فَقَصَّ عَنْ كُلّ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ عِلْمه. ‏ ‏قَوْله : ( مُعْتَمِرًا ) ‏ ‏فِي الْمُوَطَّإ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" خَرَجَ إِلَى مَكَّة يُرِيد الْحَجّ. فَقَالَ : إِنْ صُدِدْت \" فَذَكَرَهُ , وَلَا اِخْتِلَاف , فَإِنَّهُ خَرَجَ أَوَّلًا يُرِيد الْحَجّ فَلَمَّا ذَكَرُوا لَهُ أَمْر الْفِتْنَة أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ قَالَ : مَا شَأْنهمَا إِلَّا وَاحِدًا فَأَضَافَ إِلَيْهَا الْحَجّ فَصَارَ قَارِنًا. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْفِتْنَة ) ‏ ‏بَيَّنَهُ فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ فَقَالَ \" لَيَالِي نَزَلَ الْجَيْش بِابْنِ الزُّبَيْر \" وَقَدْ مَضَى فِي \" بَاب طَوَاف الْقَارِن \" مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" حِين نَزَلَ الْحَجَّاج بِابْنِ الزُّبَيْر \" وَلِمُسْلِمٍ رِوَايَة فِي يَحْيَى الْقَطَّانِ الْمَذْكُورَة \" حِين نَزَلَ الْحَجَّاج لِقِتَالِ اِبْن الزُّبَيْر \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَنْ اِشْتَرَى هَدْيَهُ مِنْ الطَّرِيق \" مِنْ رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع \" أَرَادَ اِبْن عُمَر الْحَجّ عَام حَجّ الْحَرُورِيَّة \". وَتَقَدَّمَ طَرِيق الْجَمْع بَيْنه وَبَيْن رِوَايَة الْبَاب. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ صُدِدْت عَنْ الْبَيْت ) ‏ ‏هَذَا الْكَلَام قَالَهُ جَوَابًا لِقَوْلِ مَنْ قَالَ لَهُ. إِنَّا نَخَاف أَنْ يُحَال بَيْنك وَبَيْن الْبَيْت , كَمَا أَوْضَحَتْهُ الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة \" فَقَالَ : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه أُسْوَة حَسَنَة , إِذَنْ أَصْنَع كَمَا صَنَعَ \" زَادَ فِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ نَافِع فِي \" بَاب طَوَاف الْقَارِن \" \" كَمَا صَنَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة أَيُّوب عَنْ نَافِع فِي \" بَاب طَوَاف الْقَارِن \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَهَلَّ ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عُمَر , وَالْمُرَاد أَنَّهُ رَفَعَ صَوْته بِالْإِهْلَالِ وَالتَّلْبِيَة , زَادَ فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ \" فَقَالَ : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَحَالَ كُفَّار قُرَيْش دُونَ الْبَيْت , فَنَحَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدْيه وَحَلَقَ رَأْسه \". ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أَجْل أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَام الْحُدَيْبِيَة ) ‏ ‏. قَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَرَادَ إِنْ صُدِدْت عَنْ الْبَيْت وَأُحْصِرْت تَحَلَّلْت مِنْ الْعُمْرَة كَمَا تَحَلَّلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْعُمْرَة. وَقَالَ عِيَاض : يُحْتَمَل أَنَّ الْمُرَاد أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ كَمَا أَهَلَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُمْرَةٍ , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ الْأَمْرَيْنِ أَيْ مِنْ الْإِهْلَال وَالْإِحْلَال وَهُوَ الْأَظْهَر. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ , وَلَيْسَ هُوَ بِمَرْدُودٍ. ‏ ‏قَوْله : ( بِعُمْرَةٍ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ \" مِنْ ذِي الْحُلَيْفَة \" وَفِي رِوَايَة أَيُّوب الْمَاضِيَة \" فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الدَّار \" وَالْمُرَاد بِالدَّارِ الْمَنْزِل الَّذِي نَزَلَهُ بِذِي الْحُلَيْفَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يُحْمَل عَلَى الدَّار الَّتِي بِالْمَدِينَةِ وَيُجْمَع بِأَنَّهُ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنْ دَاخِل بَيْته , ثُمَّ أَعْلَنَ بِهَا وَأَظْهَرَهَا بَعْدَ أَنْ اِسْتَقَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَام الْحُدَيْبِيَة ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ وَشَرْحه فِي كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف بَعْدَ بَابَيْنِ عَنْ إِسْمَاعِيل - وَهُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس - عَنْ مَالِك فَزَادَ فِيهِ \" ثُمَّ إِنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر نَظَرَ فِي أَمْره فَقَالَ : مَا أَمْرهمَا إِلَّا وَاحِد \" أَيْ الْحَجّ وَالْعُمْرَة فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْإِحْصَارِ وَالْإِحْلَال , فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابه فَذَكَرَ الْقِصَّة. وَبَيَّنَ فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَ أَنْ سَارَ سَاعَة , وَهُوَ يُؤَيِّد الِاحْتِمَال الْأَوَّل الْمَاضِي فِي أَنَّ الْمُرَاد بِالدَّارِ الْمَنْزِل الَّذِي نَزَلَهُ بِذِي الْحُلَيْفَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اللَّيْث \" أُشْهِدكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْت عُمْرَة. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاء قَالَ : مَا شَأْن الْحَجّ وَالْعُمْرَة إِلَّا وَاحِد \". وَلَوْ كَانَ إِيجَابه الْعُمْرَة مِنْ دَاره الَّتِي بِالْمَدِينَةِ لَكَانَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ ظَاهِر الْبَيْدَاء أَكْثَر مِنْ سَاعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1680",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا كَلَّمَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏لَيَالِيَ نَزَلَ الْجَيْشُ ‏ ‏بِابْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَقَالَا لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ الْعَامَ وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَحَالَ كُفَّارُ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏دُونَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏فَنَحَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْعُمْرَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْطَلِقُ فَإِنْ خُلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏طُفْتُ وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا مَعَهُ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنْ ‏ ‏ذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا شَأْنُهُمَا وَاحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي فَلَمْ يَحِلَّ مِنْهُمَا حَتَّى حَلَّ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَهْدَى وَكَانَ يَقُولُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافًا وَاحِدًا يَوْمَ يَدْخُلُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏بَعْضَ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ لَهُ لَوْ أَقَمْتَ بِهَذَا ‏",
        "sharh": "قَوْله ‏ ‏( فَلَمْ يَحِلّ مِنْهُمَا حَتَّى حَلَّ يَوْم النَّحْر ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة اللَّيْث \" فَنَحَرَ وَحَلَقَ \" وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَاف الْحَجّ وَالْعُمْرَة بِطَوَافِهِ الْأَوَّل. وَهَذَا ظَاهِره أَنَّهُ اِكْتَفَى بِطَوَافِ الْقُدُوم عَنْ طَوَاف الْإِفَاضَة , وَهُوَ مُشْكِل. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل الْمَذْكُورَة \" ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِئ عَنْهُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي آخِر \" بَاب طَوَاف الْقَارِن \". ‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ ‏ ‏( أُشْهِدكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْت ) ‏ ‏أَيْ أَلْزَمْت نَفْسِي ذَلِكَ , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ تَعْلِيم مَنْ يُرِيد الِاقْتِدَاء بِهِ , وَإِلَّا فَالتَّلَفُّظ لَيْسَ بِشَرْطٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنه ) ‏ ‏أَيْ الْبَيْت - أَيْ مُنِعْت مِنْ الْوُصُول إِلَيْهِ لِأَطُوفَ - تَحَلَّلْت بِعَمَلِ الْعُمْرَة , وَهَذَا يُبَيِّن أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" مَا أَمْرهمَا إِلَّا وَاحِد \" يَعْنِي الْحَجّ وَالْعُمْرَة فِي جَوَاز التَّحَلُّل مِنْهُمَا بِالْإِحْصَارِ أَوْ فِي إِمْكَان الْإِحْصَار عَنْ كُلّ مِنْهُمَا , وَيُؤَيِّد الثَّانِي قَوْله فِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّانِ الْمَذْكُورَة بَعْد قَوْله مَا أَمْرهمَا إِلَّا وَاحِد \" إِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْن الْعُمْرَة حِيلَ بَيْنِي وَبَيْن الْحَجّ \" فَكَأَنَّهُ رَأَى أَوَّلًا أَنَّ الْإِحْصَار عَنْ الْحَجّ أَشَدّ مِنْ الْإِحْصَار عَنْ الْعُمْرَة لِطُولِ زَمَن الْحَجّ وَكَثْرَة أَعْمَاله فَاخْتَارَ الْإِهْلَال بِالْعُمْرَةِ , ثُمَّ رَأَى أَنَّ الْإِحْصَار بِالْحَجِّ يُفِيد التَّحَلُّل عَنْهُ بِعَمَلِ الْعُمْرَة فَقَالَ \" مَا أَمْرهمَا إِلَّا وَاحِد \". وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابَة كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ الْقِيَاس وَيَحْتَجُّونَ بِهِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَنَّ مَنْ أُحْصِرَ بِالْعَدُوِّ بِأَنْ مَنَعَهُ عَنْ الْمُضِيّ فِي نُسُكه حَجًّا كَانَ أَوْ عُمْرَة جَازَ لَهُ التَّحَلُّل بِأَنْ يَنْوِي ذَلِكَ وَيَنْحَر هَدْيه وَيَحْلِق رَأْسه أَوْ يُقَصِّر مِنْهُ. وَفِيهِ جَوَاز إِدْخَال الْحَجّ عَلَى الْعُمْرَة وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , لَكِنَّ شَرْطه عِنْد الْأَكْثَر أَنْ يَكُون قَبْل الشُّرُوع فِي طَوَاف الْعُمْرَة , وَقِيلَ إِنْ كَانَ قَبْل مُضِيّ أَرْبَعَة أَشْوَاط صَحَّ , وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّة , وَقِيلَ بَعْد تَمَام الطَّوَاف وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّة , وَنَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ أَبَا ثَوْر شَذَّ فَمَنَعَ إِدْخَال الْحَجّ عَلَى الْعُمْرَة قِيَاسًا عَلَى مَنْع إِدْخَال الْعُمْرَة عَلَى الْحَجّ. وَفِيهِ أَنَّ الْقَارِن يَقْتَصِر عَلَى طَوَاف وَاحِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي بَابه. وَفِيهِ أَنَّ الْقَارِن يُهْدِي , وَشَذَّ اِبْن حَزْم فَقَالَا : لَا هَدْي عَلَى الْقَارِن. وَفِيهِ جَوَاز الْخُرُوج إِلَى النُّسُك فِي الطَّرِيق الْمَظْنُون خَوْفه إِذَا رَجَى السَّلَامَة , قَالَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ. ‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل ‏ ‏( إِنَّ بَعْض بَنِي عَبْد اللَّه ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ اِسْمه فِي الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا وَأَنَّهُ سَالِم بْن عَبْد اللَّه أَوْ أَخُوهُ عُبَيْد اللَّه أَوْ عَبْد اللَّه , وَلَمْ يَظْهَر لِي مَنْ الَّذِي تَوَلَّى مُخَاطَبَته مِنْهُمْ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِك فِي أَوَّل أَحَادِيث الْبَاب فِي آخِر قِصَّة اِبْن عُمَر زِيَادَة وَهِيَ \" وَأَهْدَى شَاة \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هِيَ زِيَادَة غَيْر مَحْفُوظَة , لِأَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يُفَسِّر مَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي بِأَنَّهُ بَدَنَة دُون بَدَنَة أَوْ بَقَرَة دُون بَقَرَة فَكَيْف يُهْدِي شَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "1681",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَدْ ‏ ‏أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَحَلَقَ رَأْسَهُ وَجَامَعَ نِسَاءَهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات غَيْر مَنْسُوب , فَجَزَمَ الْحَاكِم بِأَنَّهُ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيُّ , وَأَبُو مَسْعُود بِأَنَّهُ مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن وَارَة , وَذَكَر الْكَلَابَاذِيّ عَنْ اِبْن أَبِي سَعِيد أَنَّهُ أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بْن إِدْرِيس الرَّازِيّ , وَذَكَر أَنَّهُ رَآهُ فِي أَصْل عَتِيق , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الْحَدِيث وُجِدَ مِنْ حَدِيثه عَنْ يَحْيَى بْن صَالِح الْمَذْكُور , كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا مِنْ طَرِيق أَبِي حَاتِم , وَرِوَايَة الْبُخَارِيّ عَنْهُ فِي بَاب الذَّبْح فَإِنَّهُ رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيّ. قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون هُوَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الصَّغَانِيّ فَقَدْ وَجَدْت الْحَدِيث مِنْ رِوَايَته عَنْ يَحْيَى بْن صَالِح كَمَا سَأَذْكُرُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عِكْرِمَة قَالَ فَقَالَ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏هَكَذَا رَأَيْته فِي جَمِيع النُّسَخ وَهُوَ يَقْتَضِي سَبْق كَلَام يَعْقُبهُ قَوْله \" فَقَالَ اِبْن عَبَّاس \" وَلَمْ يُنَبِّه عَلَيْهِ أَحَد مِنْ شُرَّاح هَذَا الْكِتَاب وَلَا بَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَا أَبُو نُعَيْم لِأَنَّهُمَا اِقْتَصَرَا مِنْ الْحَدِيث عَلَى مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ بَحَثْت عَنْهُ إِلَى أَنْ يَسَّرَ اللَّه بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ , فَقَرَأْت فِي \" كِتَاب الصَّحَابَة \" لِابْنِ السَّكَن قَالَ \" حَدَّثَنِي هَارُون بْن عِيسَى حَدَّثَنَا الصَّغَانِيّ هُوَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق أَحَد شُيُوخ مُسْلِم حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن صَالِح حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة بْن سَلَام عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير قَالَ : سَأَلْت عِكْرِمَة فَقَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه بْن رَافِع مَوْلَى أُمّ سَلَمَة إِنَّهَا سَأَلَت الْحَجَّاج بْن عَمْرو الْأَنْصَارِيّ عَمَّنْ حُبِسَ وَهُوَ مُحْرِم قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مَنْ عَرِجَ أَوْ كُسِرَ أَوْ حُبِسَ فَلْيُجْزِئْ مِثْلهَا وَهُوَ فِي حِلَّ \" قَالَ فَحَدَّثْت بِهِ أَبَا هُرَيْرَة فَقَالَ : صَدَقَ , وَحَدَّثْته اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : قَدْ أُحْصِرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَلَقَ وَنَحَرَ هَدْيه وَجَامَعَ نِسَاءَهُ حَتَّى اِعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا \" , فَعُرِفَ بِهَذَا السِّيَاق الْقَدْر الَّذِي حَذَفَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ هَذَا الْحَدِيث , وَالسَّبَب فِي حَذْفه أَنَّ الزَّائِد لَيْسَ عَلَى شَرْطه لِأَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي حَدِيث الْحَجَّاج بْن عَمْرو عَلَى يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ عِكْرِمَة مَعَ كَوْن عَبْد اللَّه بْن رَافِع لَيْسَ مِنْ شَرْط الْبُخَارِيّ فَأَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن وَابْن خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ طُرُق عَنْ الْحَجَّاج الصَّوَّاف عَنْ يَحْيَى عَنْ عِكْرِمَة عَنْ الْحَجَّاج بِهِ , وَقَالَ فِي آخَر \" قَالَ عِكْرِمَة فَسَأَلْت أَبَا هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس فَقَالَا صَدَقَ \". وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّانِ وَغَيْره فِي سِيَاقه \" سَمِعْت الْحَجَّاج \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ يَحْيَى عَنْ عِكْرِمَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَافِع عَنْ الْحَجَّاج قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَتَابَعَ مَعْمَرًا عَلَى زِيَادَة عَبْد اللَّه بْن رَافِع مُعَاوِيَة بْن سَلَام , وَسَمِعْت مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيّ يَقُول : رِوَايَة مَعْمَر وَمُعَاوِيَة أَصَحّ , اِنْتَهَى. فَاقْتَصَرَ الْبُخَارِيّ عَلَى مَا هُوَ مِنْ شَرْط كِتَابه , مَعَ أَنَّ الَّذِي حَذَفَهُ لَيْسَ بَعِيدًا مِنْ الصِّحَّة , فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ عِكْرِمَة سَمِعَهُ مِنْ الْحَجَّاج بْن عَمْرو فَذَاكَ , وَإِلَّا فَالْوَاسِطَة بَيْنهمَا - وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن رَافِع - ثِقَة وَإِنْ كَانَ الْبُخَارِيّ لَمْ يُخَرِّج لَهُ. وَبِهَذَا الْحَدِيث اِحْتَجَّ مَنْ قَالَ : لَا فَرْق بَيْن الْإِحْصَار بِالْعَدُوِّ وَبِغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَحَلَّلَ بِالْإِحْصَارِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاء مَا تَحَلَّلَ مِنْهُ وَهُوَ ظَاهِر الْحَدِيث , وَقَالَ الْجُمْهُور : لَا يَجِب , وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّة. وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَتَانِ. وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْد بَابَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ؟ ‏"
    },
    {
        "id": "1682",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنْ الْحَجِّ طَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَبِالصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَيُونُس هُوَ اِبْن يَزِيد وَقَدْ عَقَّبَ الْمُصَنِّف هَذَا الْحَدِيث بِأَنْ قَالَ \" وَعَنْ عَبْد اللَّه أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ نَحْوه \" وَهُوَ مَعْطُوف عَلَى الْإِسْنَاد الْأَوَّل , فَكَأَنَّ اِبْن الْمُبَارَك كَانَ يُحَدِّث بِهِ تَارَة عَنْ يُونُس وَتَارَة عَنْ مَعْمَر , وَلَيْسَ هُوَ بِمُعَلَّقٍ كَمَا اِدَّعَاهُ بَعْضهمْ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ مَعْمَر وَلَفْظه : \" أَنَّهُ كَانَ يُنْكِر الِاشْتِرَاط وَيَقُول : أَلَيْسَ حَسْبكُمْ سُنَّة نَبِيّكُمْ \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن عَرَفَة وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه وَمِنْ طَرِيق أَحْمَد اِبْن مَنِيع وَغَيْره كُلّهمْ عَنْ اِبْن الْمُبَارَك , وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَأَحْمَد عَنْهُ عَنْ مَعْمَر مُقْتَصِرًا عَلَى هَذَا الْقَدْر , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِتَمَامِهِ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَمَّا إِنْكَار اِبْن عُمَر الِاشْتِرَاط فَثَابِت فِي رِوَايَة يُونُس أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُ حُذِفَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ هَذِهِ , فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق السَّرَّاج عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ يُونُس , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس , وَأَشَارَ اِبْن عُمَر بِإِنْكَارِ الِاشْتِرَاط إِلَى مَا كَانَ يُفْتِي بِهِ اِبْن عَبَّاس. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لَوْ بَلَغَ اِبْن عُمَر حَدِيث ضُبَاعَة فِي الِاشْتِرَاط لَقَالَ بِهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِضُبَاعَة بِنْت الزُّبَيْر فَقَالَ : أَمَا تُرِيدِينَ الْحَجّ ؟ فَقَالَتْ : إِنِّي شَاكِيَة. فَقَالَ لَهَا : حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنْ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي \" قَالَ الشَّافِعِيّ : لَوْ ثَبَتَ حَدِيث عُرْوَة لَمْ أَعْدُهُ إِلَى غَيْره , لِأَنَّهُ لَا يَحِلّ عِنْدِي خِلَاف مَا ثَبَتَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : قَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَوْجُه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق عَبْد الْجَبَّار بْن الْعَلَاء عَنْ اِبْن عُيَيْنَة مَوْصُولًا بِذِكْرِ عَائِشَة فِيهِ وَقَالَ : وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْد الْجَبَّار وَهُوَ ثِقَة. قَالَ : وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو أُسَامَة وَمَعْمَر كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام. ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة وَقَالَ : أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة. قُلْت : وَطَرِيق أَبِي أُسَامَة أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب النِّكَاح وَلَمْ يُخْرِجهَا فِي الْحَجّ , بَلْ حَذَفَ مِنْهُ ذِكْرَ الِاشْتِرَاط أَصْلًا إِثْبَاتًا كَمَا فِي حَدِيث عَائِشَة وَنَفْيًا كَمَا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر. وَأَمَّا رِوَايَة مَعْمَر الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْبَيْهَقِيُّ فَأَخْرَجَهَا أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق , وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ هِشَام وَالزُّهْرِيّ فَرَّقَهُمَا كِلَاهُمَا عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة. وَلِقِصَّةِ ضُبَاعَة شَوَاهِد مِنْهَا حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ ضُبَاعَة بِنْت الزُّبَيْر بْن عَبْد الْمُطَلِّب أَتَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنِّي اِمْرَأَة ثَقِيلَة - أَيْ فِي الضَّعْف - وَإِنِّي أُرِيد الْحَجّ , فَمَا تَأْمُرنِي ؟ قَالَ : أَهِلِّي بِالْحَجِّ , وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسنِي. قَالَ فَأَدْرَكْت \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَصْحَاب السُّنَن وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُق عَنْ اِبْن عَبَّاس. قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِر وَأَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر. قُلْت : وَعَنْ ضُبَاعَة نَفْسهَا وَعَنْ سُعْدَى بِنْت عَوْف وَأَسَانِيدهَا كُلّهَا قَوِيَّة. وَصَحَّ الْقَوْل بِالِاشْتِرَاطِ عَنْ عُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ وَعَمَّار وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة وَغَيْرهمْ مِنْ الصَّحَابَة , وَلَمْ يَصِحّ إِنْكَاره عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة إِلَّا عَنْ اِبْن عُمَر , وَوَافَقَهُ جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ مِنْ الْحَنَفِيَّة وَالْمَالِكِيَّة , وَحَكَى عِيَاض عَنْ الْأَصِيلِيّ قَالَ : لَا يَثْبُت فِي الِاشْتِرَاط إِسْنَاد صَحِيح , قَالَ عِيَاض : وَقَدْ قَالَ النَّسَائِيُّ لَا أَعْلَم أَسْنَدَهُ عَنْ الزُّهْرِيّ غَيْر مَعْمَر. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّ الَّذِي قَالَهُ غَلَط فَاحِش , لِأَنَّ الْحَدِيث مَشْهُور صَحِيح مِنْ طُرُق مُتَعَدِّدَة , اِنْتَهَى وَقَوْل النَّسَائِيِّ لَا يَلْزَم مِنْهُ تَضْعِيف طَرِيق الزُّهْرِيّ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا مَعْمَر فَضْلًا عَنْ بَقِيَّة الطُّرُق لِأَنَّ مَعْمَرًا ثِقَة حَافِظ فَلَا يَضُرّهُ التَّفَرُّد , كَيْف وَقَدْ وُجِدَ لِمَا رَوَاهُ شَوَاهِد كَثِيرَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَيْسَ حَسْبكُمْ سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِنْ حُبِسَ أَحَدكُمْ عَنْ الْحَجّ طَافَ ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : ضَبَطْنَاهُ سُنَّة بِالنَّصْبِ عَلَى الِاخْتِصَاص أَوْ عَلَى إِضْمَار فِعْل , أَيْ تَمَسَّكُوا وَشِبْهه. وَخَبَر حَسْبكُمْ فِي قَوْله \" طَافَ بِالْبَيْتِ \" وَيَصِحّ الرَّفْع عَلَى أَنَّ سُنَّة خَبَر حَسْبكُمْ أَوْ الْفَاعِل بِمَعْنَى الْفِعْل فِيهِ وَيَكُون مَا بَعْدهَا تَفْسِيرًا لِلسُّنَّةِ. وَقَالَ السُّهَيْلِيّ : مَنْ نَصَبَ سُنَّة فَإِنَّهُ بِإِضْمَارِ الْأَمْر كَأَنَّهُ قَالَ : اِلْزَمُوا سُنَّة نَبِيّكُمْ , وَقَدْ قَدَّمْت الْبَحْث فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( طَافَ بِالْبَيْتِ ) ‏ ‏أَيْ إِذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق \" إِنْ حَبَسَ أَحَدًا مِنْكُمْ حَابِس عَنْ الْبَيْت فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ طَافَ بِهِ \" الْحَدِيث. وَالَّذِي تَحَصَّل مِنْ الِاشْتِرَاط فِي الْحَجّ وَالْعُمْرَة أَقْوَال : أَحَدهَا مَشْرُوعِيَّته , ثُمَّ اِخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهِ فَقِيلَ : وَاجِب لِظَاهِرِ الْأَمْر. وَهُوَ قَوْل الظَّاهِرِيَّة. وَقِيلَ مُسْتَحَبّ وَهُوَ قَوْل أَحْمَد وَغَلِطَ مَنْ حَكَى عَنْهُ إِنْكَاره , وَقِيلَ جَائِز وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْد الشَّافِعِيَّة وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخ أَبُو حَامِد. وَالْحَقّ أَنَّ الشَّافِعِيّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيم وَعَلَّقَ الْقَوْل بِصِحَّتِهِ فِي الْجَدِيد فَصَارَ الصَّحِيح عَنْهُ الْقَوْل بِهِ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ التِّرْمِذِيّ عَنْهُ , وَهُوَ أَحَد الْمَوَاضِع الَّتِي عَلَّقَ الْقَوْل بِهَا عَلَى صِحَّة الْحَدِيث , وَقَدْ جَمَعْتهَا فِي كِتَاب مُفْرَد مَعَ الْكَلَام عَلَى تِلْكَ الْأَحَادِيث. وَالَّذِينَ أَنْكَرُوا مَشْرُوعِيَّة الِاشْتِرَاط أَجَابُوا عَنْ حَدِيث ضُبَاعَة بِأَجْوِبَةٍ , مِنْهَا : أَنَّهُ خَاصّ بِضُبَاعَة , حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ ثُمَّ الرُّويَانِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّة. قَالَ النَّوَوِيّ : وَهُوَ تَأْوِيل بَاطِل. وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسَنِي الْمَوْت إِذَا أَدْرَكَتْنِي الْوَفَاة اِنْقَطَعَ إِحْرَامِي. حَكَاهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ , وَأَنْكَرَهُ النَّوَوِيّ , وَقَالَ : إِنَّهُ ظَاهِر الْفَسَاد. وَقِيلَ إِنَّ الشَّرْط خَاصّ بِالتَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَة لَا مِنْ الْحَجّ. حَكَاهُ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ. وَقِصَّة ضُبَاعَة تَرُدّهُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ سِيَاق مُسْلِم. وَقَدْ أَطْنَبَ اِبْن حَزْم فِي التَّعَقُّب عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الِاشْتِرَاط بِمَا لَا مَزِيد عَلَيْهِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة حَدِيث ضُبَاعَة فِي الِاشْتِرَاط حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1683",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1684",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيِّ ‏ ‏قَالَ وَحَدَّثَ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏وَسَالِمًا ‏ ‏كَلَّمَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَقَالَ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُعْتَمِرِينَ فَحَالَ كُفَّارُ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏دُونَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بُدْنَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَاضِي قَبْل بِبَابٍ مُخْتَصَرًا وَفِيهِ \" فَنَحَرَ بُدْنه وَحَلَقَ رَأْسه \" , وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي بَدْر شُجَاع بْن الْوَلِيد - وَهُوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقه بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور وَلَفْظه \" أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه كَلَّمَا عَبْد اللَّه بْن عُمَر لَيَالِي نَزَلَ الْحَجَّاج بِابْنِ الزُّبَيْر وَقَالَا : لَا يَضُرّك أَنْ لَا تَحُجّ الْعَام , إِنَّا نَخَاف أَنْ يُحَال بَيْنك وَبَيْن الْبَيْت. فَقَالَ : خَرَجْنَا \" فَذَكَرَ مِثْل سِيَاق الْبُخَارِيّ وَزَادَ فِي آخِره \" ثُمَّ رَجَعَ \" , وَكَذَا سَاقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي بَدْر إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر الْقِصَّة الَّتِي فِي أَوَّله , وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي بَدْر أَيْضًا فَقَالَ فِيهَا عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ \" إِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْن الْبَيْت فَعَلْت كَمَا فَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَعَهُ , فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ \" الْحَدِيث. قَالَ اِبْن التَّيْمِيِّ : ذَهَبَ مَالِك إِلَى أَنَّهُ لَا هَدْي عَلَى الْمُحْصَر , وَالْحُجَّة عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيث لِأَنَّهُ نُقِلَ فِيهِ حُكْم وَسَبَب , فَالسَّبَب الْحَصْر , وَالْحُكْم النَّحْر , فَاقْتَضَى الظَّاهِر تَعَلُّق الْحُكْم بِذَلِكَ السَّبَب , وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1685",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حِينَ خَرَجَ إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ إِنْ صُدِدْتُ عَنْ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏ثُمَّ إِنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ وَأَهْدَى ‏",
        "sharh": "\" 2852 \" ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ طَافَ لَهُمَا ) ‏ ‏أَيْ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَة , وَهَذَا يُخَالِف قَوْل الْكُوفِيِّينَ إِنَّهُ يَجِب لَهُمَا طَوَافَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِئ عَنْهُ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَغَيْره. بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر أَنَّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة \" مُجْزِيًا \" فَقِيلَ هُوَ عَلَى لُغَة مَنْ يَنْصِب بِأَنَّ الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر , أَوْ هِيَ خَبَر كَانَ الْمَحْذُوفَة. وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ مِنْ خَطَإِ الْكَاتِب , فَإِنَّ أَصْحَاب الْمُوَطَّأ اِتَّفَقُوا عَلَى رِوَايَته بِالرَّفْعِ عَلَى الصَّوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1686",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏لَعَلَّكَ آذَاكَ ‏ ‏هَوَامُّكَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أَوْ انْسُكْ بِشَاةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حُمَيْدِ بْن قَيْس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَشْهَب عَنْ مَالِك \" أَنَّ حُمَيْدَ بْن قَيْس حَدَّثَهُ \" , أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْمُوَطَّآت \".. ‏ ‏قَوْله : ( مُجَاهِد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏صَرَّحَ سَيْف عَنْ مُجَاهِد بِسَمَاعِهِ مِنْ عَبْد الرَّحْمَن وَبِأَنَّ كَعْبًا حَدَّثَ عَبْد الرَّحْمَن كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي رِوَايَة حُمَيْدِ بْن قَيْس هَذِهِ : كَذَا رَوَاهُ الْأَكْثَر عَنْ مَالِك , وَرَوَاهُ اِبْن وَهْب وَابْن الْقَاسِم وَابْن عُفَيْر عَنْ مَالِك بِإِسْقَاطِ عَبْد الرَّحْمَن بَيْن مُجَاهِد وَكَعْب اِبْن عُجْرَة. قُلْت : وَلِمَالِك فِيهِ إِسْنَادَانِ آخَرَانِ فِي \" الْمُوَطَّإ \" أَحَدهمَا عَنْ عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيِّ عَنْ مُجَاهِد وَفِي سِيَاقه مَا لَيْسَ فِي سِيَاق حُمَيْدِ بْن قَيْس , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مَالِك أَيْضًا عَلَى الْعَكْس مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى طَرِيق حُمَيْدِ بْن قَيْس , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : رَوَاهُ أَصْحَاب \" الْمُوَطَّإ \" عَنْ مَالِك عَنْ عَبْد الْكَرِيم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن لَمْ يَذْكُرُوا مُجَاهِدًا , حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيّ : إِنَّ مَالِكًا وَهَمَ فِيهِ , وَأَجَابَ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِأَنَّ اِبْن الْقَاسِم وَابْن وَهْب فِي \" الْمُوَطَّإ \" وَتَابَعَهُمَا جَمَاعَة عَنْ مَالِك خَارِج الْمُوَطَّإ مِنْهُمْ بِشْر بْن عُمَر الزَّهْرَانِيّ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَإِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان وَالْوَلِيد بْن مُسْلِم أَثْبَتُوا مُجَاهِدًا بَيْنهمَا , وَهَذَا الْجَوَاب لَا يَرُدّ عَلَى الشَّافِعِيّ. وَطَرِيق اِبْن الْقَاسِم الْمُشَار إِلَيْهَا عِنْد النَّسَائِيِّ وَطَرِيق اِبْن وَهْب عِنْد الطَّبَرِيّ وَطَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عِنْد أَحْمَد وَسَائِرهَا عِنْد الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْغَرَائِب \". وَالْإِسْنَاد الثَّالِث لِمَالِك فِيهِ عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ رَجُل مِنْ أَهْل الْكُوفَة عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى أَوْ عَبْد اللَّه بْن مَعْقِل , وَنَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ أَحْمَد بْن صَالِح الْمِصْرِيّ قَالَ : حَدِيث كَعْب بْن عُجْرَة فِي الْفِدْيَة سُنَّة مَعْمُول بِهَا لَمْ يَرْوِهَا مِنْ الصَّحَابَة غَيْره , وَلَا رَوَاهَا عَنْهُ إِلَّا اِبْن أَبِي لَيْلَى وَابْن مَعْقِل. قَالَ : وَهِيَ سُنَّة أَخَذَهَا أَهْل الْمَدِينَة عَنْ أَهْل الْكُوفَة. قَالَ الزُّهْرِيُّ : سَأَلْت عَنْهَا عُلَمَاءَنَا كُلّهمْ حَتَّى سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فَلَمْ يُبَيِّنُوا كَمْ عَدَد الْمَسَاكِين. قُلْت : فِيمَا أَطْلَقَهُ اِبْن صَالِح نَظَر , فَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ السُّنَّة مِنْ رِوَايَة جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة غَيْر كَعْب , مِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص عِنْد الطَّبَرِيّ وَالطَّبَرَانِيِّ , وَأَبُو هُرَيْرَة عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور , وَابْن عُمَر عِنْد الطَّبَرِيّ , وَفُضَالَة الْأَنْصَارِيّ عَمَّنْ لَا يُتَّهَم مِنْ قَوْمه عِنْد الطَّبَرِيّ أَيْضًا. وَرَوَاهُ عَنْ كَعْب بْنِ عُجْرَة غَيْر الْمَذْكُورِينَ أَبُو وَائِل عِنْد النَّسَائِيِّ , وَمُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ عِنْد اِبْن مَاجَهْ , وَيَحْيَى بْن جَعْدَة عِنْد أَحْمَد , وَعَطَاء عِنْد الطَّبَرِيّ. وَجَاءَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَالشَّعْبِيّ أَيْضًا عَنْ كَعْب وَرِوَايَتهمَا عِنْد أَحْمَد , لَكِنَّ الصَّوَاب أَنَّ بَيْنهمَا وَاسِطَة وَهُوَ اِبْن أَبِي لَيْلَى عَلَى الصَّحِيح. وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ حَدِيث كَعْب هَذَا فِي أَرْبَعَة أَبْوَاب مُتَوَالِيَة , وَأَوْرَدَهُ أَيْضًا فِي الْمَغَازِي وَالطِّبّ وَكَفَّارَات الْأَيْمَان مِنْ طُرُق أُخْرَى مَدَار الْجَمِيع عَلَى اِبْن أَبِي لَيْلَى وَابْن مَعْقِل , فَيُقَيَّد إِطْلَاق أَحْمَد بْن صَالِح بِالصِّحَّةِ فَإِنَّ بَقِيَّة الطُّرُق الَّتِي ذَكَرْتهَا لَا تَخْلُو عَنْ مَقَال إِلَّا طَرِيق أَبِي وَائِل , وَسَأَذْكُرُ مَا فِي هَذِهِ الطُّرُق مِنْ فَائِدَة زَائِدَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَعَلَّك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَشْهَب الْمُقَدَّم ذِكْرهَا \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الْكَرِيم \" أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِم فَآذَاهُ الْقَمْل \" وَفِي رِوَايَة سَيْف فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" وَقَفَ عَلَيَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَرَأْسِي يَتَهَافَت قَمْلًا فَقَالَ : أَيُؤْذِيك هَوَامّك ؟ قُلْت : نَعَمْ. قَالَ : فَاحْلِقْ رَأْسك - الْحَدِيث وَفِيهِ - قَالَ فِي نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ ) زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر عَنْ مُجَاهِد عِنْد الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ أَهَلَّ فِي ذِي الْقَعْدَة , وَفِي رِوَايَة مُغِيرَة عَنْ مُجَاهِد عِنْد الطَّبَرِيّ أَنَّهُ لَقِيَهُ وَهُوَ عِنْد الشَّجَرَة وَهُوَ مُحْرِم , وَفِي رِوَايَة أَيُّوب عَنْ مُجَاهِد فِي الْمَغَازِي \" أَتَى عَلَيَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُوقِد تَحْت بُرْمَة وَالْقَمْل يَتَنَاثَر عَلَى رَأْسِي \" زَادَ فِي رِوَايَة اِبْن عَوْن عَنْ مُجَاهِد فِي الْكَفَّارَات \" فَقَالَ اُدْنُ , فَدَنَوْت. فَقَالَ : أَيُؤْذِيك \". وَفِي رِوَايَة اِبْن بِشْر عَنْ مُجَاهِد فِيهِ قَالَ \" كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ وَقَدْ حَصَرَنَا الْمُشْرِكُونَ , وَكَانَتْ لِي وَفْرَة فَجَعَلَتْ الْهَوَامّ تَتَسَاقَط عَلَى وَجْهِي , فَقَالَ : أَيُؤْذِيك هَوَامّ رَأْسك ؟ قُلْت. نَعَمْ. فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة \". وَفِي رِوَايَة أَبِي وَائِل عَنْ كَعْب \" أَحْرَمْت فَكَثُرَ قَمْل رَأْسِي فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَانِي وَأَنَا أَطْبُخ قِدْرًا لِأَصْحَابِي \". وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد بَعْد بَابَيْنِ \" رَآهُ وَإنَّهُ لَيَسْقُط الْقَمْل عَلَى وَجْهه , فَقَالَ : أَيُؤْذِيك هَوَامّك ؟ قَالَ : نَعَمْ , فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِق \" وَهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَلَمْ يُبَيِّن لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ , وَهُمْ عَلَى طَمَع أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّة , فَأَنْزَلَ اللَّه الْفِدْيَة. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن كَثِير عَنْ مُجَاهِد بِهَذِهِ الزِّيَادَة , وَلِأَحْمَد وَسَعِيد بْن مَنْصُور فِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ : \" قَمِلْت حَتَّى ظَنَنْت أَنَّ كُلّ شَعْرَة فِي رَأْسِي فِيهَا الْقَمْل مِنْ أَصْلهَا إِلَى فَرْعهَا \" زَادَ سَعِيد \" وَكُنْت حَسَن الشَّعْر \" , وَأَوَّل رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مَعْقِل بَعْد بَاب \" جَلَسْت إِلَى كَعْب بْن عُجْرَة فَسَأَلْته عَنْ الْفِدْيَة فَقَالَ : نَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّة وَهِيَ لَكُمْ عَامَّة , حُمِلَتْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقَمْل يَتَنَاثَر عَلَى وَجْهِي فَقَالَ : مَا كُنْت أَرَى الْوَجَع بَلَغَ بِك مَا أَرَى \" , زَادَ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَسَأَلْته عَنْ هَذِهِ الْآيَة ( فَفِدْيَة مِنْ صِيَام ) الْآيَة \". وَلِأَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر فِي هَذِهِ الطَّرِيق \" وَقَعَ الْقَمْل فِي رَأْسِي وَلِحْيَتِي حَتَّى حَاجِبِي وَشَارِبِي , فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَدَعَانِي , فَلَمَّا رَآنِي قَالَ : لَقَدْ أَصَابَك بَلَاء وَنَحْنُ لَا نَشْعُر , اُدْعُ إِلَيَّ الْحَجَّام , فَحَلَقَنِي \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق الْحَكَم بْن عُتَيْبَة عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْب \" أَصَابَتْنِي هَوَامّ حَتَّى تَخَوَّفْت عَلَى بَصَرِي \". وَفِي رِوَايَة أَبِي وَائِل عَنْ كَعْب عِنْد الطَّبَرِيّ \" فَحَكَّ رَأْسِي بِأُصْبُعِهِ فَانْتَثَرَ مِنْهُ الْقَمْل \" زَادَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْحَكَم \" إِنَّ هَذَا لَأَذًى , قُلْت شَدِيد يَا رَسُول اللَّه \" وَالْجَمْع بَيْن هَذَا الِاخْتِلَاف فِي قَوْل اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْب أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ فَرَآهُ , وَفِي قَوْل عَبْد اللَّه بْن مَعْقِل \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَرَآهُ \" أَنْ يُقَال : مَرَّ بِهِ أَوَّلًا فَرَآهُ عَلَى تِلْكَ الصُّورَة فَاسْتَدْعَى بِهِ إِلَيْهِ فَخَاطَبَهُ وَحَلَقَ رَأْسه بِحَضْرَتِهِ , فَنَقَلَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مَا لَمْ يَنْقُلهُ الْآخَر , وَيُوَضِّحهُ قَوْله فِي رِوَايَة اِبْن عَوْن السَّابِقَة حَيْثُ قَالَ فِيهَا \" فَقَالَ اُدْنُ فَدَنَوْت \" فَالظَّاهِر أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْنَاء كَانَ عَقِب رُؤْيَته إِيَّاهُ إِذْ مَرَّ بِهِ وَهُوَ يُوقِد تَحْت الْقِدْر. ‏ ‏قَوْله : ( لَعَلَّك آذَاك هَوَامّك ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيّ هَذَا سُؤَال عَنْ تَحْقِيق الْعِلَّة الَّتِي يَتَرَتَّب عَلَيْهَا الْحُكْم , فَلَمَّا أَخْبَرَهُ بِالْمَشَقَّةِ الَّتِي نَالَتْهُ خَفَّفَ عَنْهُ. و \" الْهَوَامّ \" بِتَشْدِيدِ الْمِيم جَمْع هَامَّة وَهِيَ مَا يَدِبّ مِنْ الْأَخْشَاش , وَالْمُرَاد بِهَا مَا يُلَازِم جَسَد الْإِنْسَان غَالِبًا إِذَا طَالَ عَهْده بِالتَّنْظِيفِ , وَقَدْ عُيِّنَ فِي كَثِير مِنْ الرِّوَايَات أَنَّهَا الْقَمْل , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفِدْيَة مُرَتَّبَة عَلَى قَتْل الْقَمْل , وَتُعُقِّبَ بِذِكْرِ الْحَلْق , فَالظَّاهِر أَنَّ الْفِدْيَة مُرَتَّبَة عَلَيْهِ , وَهُمَا وَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّة , يَظْهَر أَثَر الْخِلَاف فِيمَا لَوْ حَلَقَ وَلَمْ يَقْتُل قَمْلًا. ‏ ‏قَوْله : ( اِحْلِقْ رَأْسًا وَصُمْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن قُدَامَةَ : لَا نَعْلَم خِلَافًا فِي إِلْحَاق الْإِزَالَة بِالْحَلْقِ سَوَاء كَانَ بِمُوسَى أَوْ مِقَصّ أَوْ نُورَةٍ أَوْ غَيْر ذَلِكَ , وَأَغْرَبَ اِبْن حَزْم فَأَخْرَجَ النَّتْف عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : يَلْحَق جَمِيع الْإِزَالَاتِ بِالْحَلْقِ إِلَّا النَّتْف. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ أَطْعِمْ ) ‏ ‏لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بَيَان قَدْر الْإِطْعَام , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْدَ بَابٍ , وَهُوَ طَاهِر فِي التَّخْيِير بَيْنَ الصَّوْم وَالْإِطْعَام. وَكَذَا قَوْله \" أَوْ اُنْسُكْ بِشَاةٍ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" شَاة \" بِغَيْرِ مُوَحَّدَة , وَالْأَوَّل تَقْدِيره تَقَرَّبْ بِشَاةِ وَلِذَلِكَ عَدَّاهُ بِالْبَاءِ , وَالثَّانِي تَقْدِيره اِذْبَحْ شَاة. وَالنُّسُك يُطْلَق عَلَى الْعِبَادَة وَعَلَى الذَّبْح الْمَخْصُوص , وَسِيَاق رِوَايَة الْبَاب مُوَافِق لِلْآيَةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ كَعْبًا قَالَ إِنَّهَا نَزَلَتْ بِهَذَا السَّبَب , وَقَدْ قَدَّمْت فِي أَوَّل الْبَاب أَنَّ رِوَايَة عَبْد الْكَرِيم صَرِيحَة فِي التَّخْيِير حَيْثُ قَالَ \" أَيّ ذَلِكَ فَعَلْت أَجَزَأَ \". وَكَذَا رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الَّتِي فِيهَا \" إِنْ شِئْت وَإِنْ شِئْت \" وَوَافَقَتْهَا رِوَايَة عَبْد الْوَارِث عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح أَخْرَجَهَا مُسَدَّد فِي مُسْنَده وَمِنْ طَرِيقه الطَّبَرَانِيِّ , لَكِنَّ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مَعْقِل - الْآتِيَة بَعْدَ بَاب - تَقْتَضِي أَنَّ التَّخْيِير إِنَّمَا هُوَ بَيْنَ الْإِطْعَام وَالصِّيَام لِمَنْ لَمْ يَجِد النُّسُك وَلَفْظه \" قَالَ أَتَجِدُ شَاة ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : فَصُمْ أَوْ أَطْعِمْ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَة أُخْرَى \" أَمَعَك دَم ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : فَإِنْ شِئْت فَصُمْ \" وَنَحْوه لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ كَعْب , وَوَافَقَهُمْ أَبُو الزُّبَيْر عَنْ مُجَاهِد عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَزَادَ بَعْدَ قَوْله مَا أَجِد هَدْيًا \" قَالَ : فَأَطْعِمْ. قَالَ : مَا أَجِد. قَالَ : صُمْ \" وَلِهَذَا قَالَ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ نُسُكًا لَا يَصُوم , يَعْنِي وَلَا يُطْعِم , لَكِنْ لَا أَعْرِف مَنْ قَالَ بِذَلِكَ مِنْ الْعُلَمَاء إِلَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْره عَنْ سَعِيد اِبْن جُبَيْر قَالَ : النُّسُك شَاة , فَإِنْ لَمْ يَجِد قُوِّمَتْ الشَّاة دَرَاهِمَ وَالدَّرَاهِم طَعَامًا فَتَصَدَّقَ بِهِ أَوْ صَامَ لِكُلِّ نِصْف صَاع يَوْمًا , أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْهُ قَالَ : فَذَكَرْته لِإِبْرَاهِيم فَقَالَ : سَمِعْت عَلْقَمَة مِثْله. فَحِينَئِذٍ يُحْتَاج إِلَى الْجَمْع بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ , وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَوْجُهٍ. مِنْهَا : مَا قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ إِنَّ فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى تَرْجِيح التَّرْتِيب لَا لِإِيجَابِهِ. وَمِنْهَا : مَا قَالَ النَّوَوِيّ : لَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ الصِّيَام أَوْ الْإِطْعَام لَا يُجْزِئ إِلَّا لِفَاقِدِ الْهَدْي , بَلْ الْمُرَاد أَنَّهُ اِسْتَخْبَرَهُ : هَلْ مَعَهُ هَدْي أَوْ لَا ؟ فَإِنْ كَانَ وَاجِده أَعْلَمَهُ أَنَّهُ مُخَيَّر بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصِّيَام وَالْإِطْعَام , وَإِنْ لَمْ يَجِدهُ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ مُخَيَّر بَيْنَهُمَا. وَمُحَصِّله أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ سُؤَاله عَنْ وِجْدَان الذَّبْح تَعْيِينه لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَوْ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ يَجِدهُ لَأَخْبَرَهُ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِطْعَام وَالصَّوْم. وَمِنْهَا مَا قَالَ غَيْرهمَا : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَذِنَ لَهُ فِي حَلْق رَأْسه بِسَبَبِ الْأَذَى أَفْتَاهُ بِأَنْ يُكَفِّرَ بِالذَّبْحِ عَلَى سَبِيل الِاجْتِهَاد مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بِوَحْيٍ غَيْر مَتْلُوٍّ , فَلَمَّا أَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَا يَجِد نَزَلَتْ الْآيَة بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الذَّبْح وَالْإِطْعَام وَالصِّيَام فَخَيَّرَهُ حِينَئِذٍ بَيْنَ الصِّيَام وَالْإِطْعَام لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا ذَبْح مَعَهُ , فَصَامَ لِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُطْعِمهُ. وَيُوَضِّح ذَلِكَ رِوَايَة مُسْلِم فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مَعْقِل الْمَذْكُور حَيْثُ قَالَ \" أَتَجِدُ شَاة ؟ قُلْت : لَا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة ( فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) فَقَالَ : صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام أَوْ أَطْعِمْ \". وَفِي رِوَايَة عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ قَالَ \" صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِين \" قَالَ \" وَكَانَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَنْسُك بِهِ \". وَنَحْوه فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ عَنْ كَعْب , وَسِيَاق الْآيَة يُشْعِر بِتَقْدِيمِ الصِّيَام عَلَى غَيْره , وَلَيْسَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ أَفْضَل فِي هَذَا الْمَقَام مِنْ غَيْره , بَلْ السِّرّ فِيهِ أَنَّ الصَّحَابَة الَّذِينَ خُوطِبُوا شِفَاهًا بِذَلِكَ كَانَ أَكْثَرهمْ يَقْدِر عَلَى الصِّيَام أَكْثَر مِمَّا يَقْدِر عَلَى الذَّبْح وَالْإِطْعَام. وَعُرِفَ مِنْ رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر أَنَّ كَعْبًا اِفْتَدَى بِالصِّيَامِ. ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاق مَا يُشْعِر بِأَنَّهُ اِفْتَدَى بِالذَّبْحِ لِأَنَّ لَفْظه \" صُمْ أَوْ أَطْعِمْ أَوْ اُنْسُكْ شَاة. قَالَ : فَحَلَقْت رَأْسِي وَنَسَكْت \". وَرَوَى الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق ضَعِيفَة عَنْ عَطَاء بْن كَعْب فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه خِرْ لِي , قَالَ : أَطْعِمْ سِتَّة مَسَاكِين \" وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الْبَاب الْأَخِير وَفِيهِ بَقِيَّة مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1687",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَيْفٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏وَقَفَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ قَمْلًا فَقَالَ يُؤْذِيكَ ‏ ‏هَوَامُّكَ ‏ ‏قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَاحْلِقْ رَأْسَكَ ‏ ‏أَوْ قَالَ احْلِقْ ‏ ‏قَالَ فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ ‏} ‏إِلَى آخِرِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ أَوْ انْسُكْ بِمَا تَيَسَّرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَيْف ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان أَوْ اِبْن أَبِي سُلَيْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَهَافَت ) ‏ ‏بِالْفَاءِ , أَيْ يَتَسَاقَط شَيْئًا فَشَيْئًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَاحْلِقْ رَأْسك أَوْ اِحْلِقْ ) ‏ ‏بِحَذْفِ الْمَفْعُول , وَهُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي. ‏ ‏قَوْله : ( بِفَرَق ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء وَالرَّاء وَقَدْ تُسَكَّن , قَالَهُ اِبْن فَارِس. وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : كَلَام الْعَرَب بِالْفَتْحِ , وَالْمُحَدِّثُونَ قَدْ يُسَكِّنُونَهُ , وَآخِره قَاف : مِكْيَال مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ سِتَّة عَشَر رِطْلًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عِنْد أَحْمَد وَغَيْره \" الْفَرَق ثَلَاثَة آصُعٍ \" , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي قِلَابَةَ عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى \" أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَة آصُعٍ مِنْ تَمْر عَلَى سِتَّة مَسَاكِين \" وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْفَرَق ثَلَاثَة آصُعٍ اِقْتَضَى أَنَّ الصَّاع خَمْسَة أَرْطَال وَثُلُث خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّ الصَّاع ثَمَانِيَة أَرْطَال. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ نُسُك مِمَّا تَيَسَّرَ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَالْأَكْثَر , وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة \" أَوْ اُنْسُكْ بِمَا تَيَسَّرَ \" بِصِيغَةِ الْأَمْر وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الْمُنَاسِبَة لِمَا قَبْلهَا , وَتَقْدِير الْأَوَّل أَوْ اُنْسُكْ بِنُسُكٍ , وَالْمُرَاد بِهِ الذَّبْح. ‏"
    },
    {
        "id": "1688",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ ‏ ‏قَالَ جَلَسْتُ إِلَى ‏ ‏كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْفِدْيَةِ فَقَالَ نَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ ‏ ‏مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى أَوْ مَا كُنْتُ أُرَى الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى تَجِدُ شَاةً فَقُلْتُ لَا فَقَالَ فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ ‏ ‏صَاعٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَصْبَهَانِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه , مَرَّ فِي الْجَنَائِز وَأَنَّهُ كُوفِيّ ثِقَة. وَلِشُعْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيث إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق حَفْص بْن عُمَر عَنْهُ عَنْ أَبِي بِشْر عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْب. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَعْقِل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد \" سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن مَعْقِل \" أَخْرَجَهُ عَنْ عَفَّان. وَعَنْ بَهْز فَرَّقَهُمَا عَنْ شُعْبَة حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْقَاف هُوَ اِبْن مُقَرِّن بِالْقَافِ وَزْن مُحَمَّد لَكِنْ بِكَسْرِ الرَّاء , لِأَبِيهِ صُحْبَة وَهُوَ مِنْ ثِقَات التَّابِعِينَ بِالْكُوفَةِ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم , مَاتَ سَنَة ثَمَان وَثَمَانِينَ مِنْ الْهِجْرَة , يَلْتَبِس بِعَبْدِ اللَّه بْن مُغَفَّل بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَزْن مُحَمَّد وَيَجْتَمِعَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُزَنِيّ , لَكِنْ يَفْتَرِقَانِ بِأَنَّ الرَّاوِي عَنْ كَعْب تَابِعِيّ وَالْآخَر صَحَابِيّ , وَفِي التَّابِعِينَ مَنْ اِتَّفَقَ مَعَ الرَّاوِي عَنْ كَعْب فِي اِسْمه وَاسْم أَبِيهِ ثَلَاثَة : أَحَدهمْ يَرْوِي عَنْ عَائِشَة وَهُوَ مُحَارِبِيّ , وَالْآخَر يَرْوِي عَنْ أَنَس فِي الْمَسْح عَلَى الْعِمَامَة وَحَدِيثه عِنْد أَبِي دَاوُدَ , وَالثَّالِث أَصْغَر مِنْهُمَا أَخْرَجَ لَهُ اِبْن مَاجَهْ ‏ ‏قَوْله : ( جَلَسْت إِلَى كَعْب بْن عُجْرَة ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة وَهُوَ فِي الْمَسْجِد , وَلِأَحْمَد عَنْ بَهْز \" قَعَدْت إِلَى كَعْب بْن عُجْرَة فِي هَذَا الْمَسْجِد \" وَزَادَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن قَرْم عَنْ اِبْن الْأَصْبَهَانِيّ \" يَعْنِي مَسْجِد الْكُوفَة \". وَفِيهِ الْجُلُوس فِي الْمَسْجِد وَمُذَاكَرَة الْعِلْم وَالِاعْتِنَاء بِسَبَبِ النُّزُول لِمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَة الْحُكْم وَتَفْسِير الْقُرْآن. ‏ ‏قَوْله : ( مَا كُنْت أُرَى الْوَجَع بَلَغَ بِك مَا أَرَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ \" يَبْلُغ بِك \" وَأُرَى الْأُولَى بِضَمِّ الْهَمْزَة أَيْ أَظُنّ , وَأَرَى الثَّانِيَة بِفَتْحِ الْهَمْزَة مِنْ الرُّؤْيَة , وَكَذَا فِي قَوْله \" أَوْ مَا كُنْت أُرَى الْجَهْد بَلَغَ بِك \" وَهُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي هَلْ قَالَ الْوَجَع أَوْ الْجَهْد , وَالْجَهْد : بِالْفَتْحِ الْمَشَقَّة , قَالَ النَّوَوِيّ وَالضَّمّ لُغَة فِي الْمَشَقَّة أَيْضًا , وَكَذَا حَكَاهُ عِيَاض عَنْ اِبْن دُرَيْد , وَقَالَ صَاحِب الْعَيْن : بِالضَّمِّ الطَّاقَة وَبِالْفَتْحِ الْمَشَقَّة , فَيَتَعَيَّن الْفَتْح هُنَا بِخِلَافِ لَفْظ الْجَهْد الْمَاضِي فِي حَدِيث بَدْء الْوَحْي حَيْثُ قَالَ \" حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْد \" فَإِنَّهُ مُحْتَمِل لِلْمَعْنَيَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لَا ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم وَأَحْمَد \" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة ( فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) قَالَ : صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( لِكُلِّ مِسْكِين نِصْف صَاع ) ‏ ‏كَرَّرَهَا مَرَّتَيْنِ وَلِلطَّبَرَانِيّ عَنْ أَحْمَد بْن مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ عَنْ أَبِي الْوَلِيد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" لِكُلِّ مِسْكِين نِصْف صَاع تَمْر \" وَلِأَحْمَد عَنْ بَهْز عَنْ شُعْبَة \" نِصْف صَاع طَعَام \" وَلِبِشْر بْن عُمَر عَنْ شُعْبَة \" نِصْف صَاع حِنْطَة \" وَرِوَايَة الْحَكَم عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى تَقْتَضِي أَنَّهُ نِصْف صَاع مِنْ زَبِيب فَإِنَّهُ قَالَ \" يُطْعِم فَرَقًا مِنْ زَبِيب بَيْن سِتَّة مَسَاكِين \". قَالَ اِبْن حَزْم : لَا بُدّ مِنْ تَرْجِيح إِحْدَى هَذِهِ الرِّوَايَات لِأَنَّهَا قِصَّة وَاحِدَة فِي مَقَام وَاحِد فِي حَقّ رَجُل وَاحِد. قُلْت : الْمَحْفُوظ عَنْ شُعْبَة أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيث \" نِصْف صَاع مِنْ طَعَام \" وَالِاخْتِلَاف عَلَيْهِ فِي كَوْنه تَمْرًا أَوْ حِنْطَة لَعَلَّهُ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة , وَأَمَّا الزَّبِيب فَلَمْ أَرَهُ إِلَّا فِي رِوَايَة الْحَكَم , وَقَدْ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ وَفِي إِسْنَادهَا اِبْن إِسْحَاق , وَهُوَ حُجَّة فِي الْمَغَازِي لَا فِي الْأَحْكَام إِذَا خَالَفَ , وَالْمَحْفُوظ رِوَايَة التَّمْر فَقَدْ وَقَعَ الْجَزْم بِهَا عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي قِلَابَةَ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يُخْتَلَف فِيهِ عَلَى أَبِي قِلَابَةَ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ كَعْب , وَأَحْمَد مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن قَرْم عَنْ اِبْن الْأَصْبَهَانِيّ , وَمِنْ طَرِيق أَشْعَث وَدَاوُد الشَّعْبِيّ عَنْ كَعْب , وَكَذَا فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عِنْد الطَّبَرَانِيِّ , وَعُرِفَ بِذَلِكَ قُوَّة قَوْل مَنْ قَالَ لَا فَرْق فِي ذَلِكَ بَيْن التَّمْر وَالْحِنْطَة وَأَنَّ الْوَاجِب ثَلَاثَة آصُعٍ لِكُلِّ مِسْكِين نِصْف صَاع , وَلِمُسْلِمٍ عَنْ اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح وَغَيْره عَنْ مُجَاهِد فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْن سِتَّة مَسَاكِين \" وَالْفَرَق ثَلَاثَة آصُعٍ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن آدَم عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ فَقَالَ فِيهِ \" قَالَ سُفْيَان : وَالْفَرَق ثَلَاثَة آصُعٍ \" فَأَشْعَرَ بِأَنَّ تَفْسِير الْفَرَق مُدْرَج , لَكِنَّهُ مُقْتَضَى الرِّوَايَات الْأُخَر , فَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن قَرْم عَنْ اِبْن الْأَصْبَهَانِيّ عِنْد أَحْمَد \" لِكُلِّ مِسْكِين نِصْف صَاع \". وَفِي رِوَايَة يَحْيَى بْن جَعْدَة عِنْد أَحْمَد أَيْضًا \" أَوْ أَطْعِمْ سِتَّة مَسَاكِين مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ \". وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة زَكَرِيَّا عَنْ اِبْن الْأَصْبَهَانِيّ \" أَوْ يُطْعِم سِتَّة مَسَاكِين لِكُلِّ مِسْكِين صَاع \" فَهُوَ تَحْرِيف مِمَّنْ دُون مُسْلِم , وَالصَّوَاب مَا فِي النُّسَخ الصَّحِيحَة \" لِكُلِّ مِسْكِينَيْنِ \" بِالتَّثْنِيَةِ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسَدَّد فِي مُسْنَده عَنْ أَبِي عَوَانَة عَنْ اِبْن الْأَصْبَهَانِيّ عَلَى الصَّوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1689",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شِبْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَآهُ وَأَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ ‏ ‏أَيُؤْذِيكَ ‏ ‏هَوَامُّكَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ ‏ ‏بِالْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْفِدْيَةَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُطْعِمَ ‏ ‏فَرَقًا ‏ ‏بَيْنَ سِتَّةٍ أَوْ يُهْدِيَ شَاةً أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَرْقَاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَآهُ وَقَمْلُهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْنِ رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم , وَرَوْح هُوَ اِبْن عُبَادَةَ , وَشِبْل هُوَ اِبْن عَبَّاد الْمَكِّيّ. ‏ ‏قَوْله : ( رَآهُ وَإنَّهُ يَسْقُط ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِابْنِ السَّكَن وَأَبِي ذَرّ لَيَسْقُط بِزِيَادَةِ لَام وَالْفَاعِل مَحْذُوف وَالْمُرَاد الْقَمْل وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي بَعْض الرِّوَايَات. وَرَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ مُحَمَّد بْن مَعْمَر عَنْ رَوْح بِلَفْظِ : \" رَآهُ وَقَمْله يَسْقُط عَلَى وَجْهه \" , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي حُذَيْفَة عَنْ شِبْل \" رَأَى قَمْله يَتَسَاقَط عَلَى وَجْهه \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِق وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ , وَلَمْ يَتَبَيَّن لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ إِلَخْ ) ‏ ‏هَذِهِ الزِّيَادَة ذَكَرهَا الرَّاوِي لِبَيَانِ أَنَّ الْحَلْق كَانَ اِسْتِبَاحَة مَحْظُور بِسَبَبِ الْأَذَى لَا لِقَصْدِ التَّحَلُّل بِالْحَصْرِ وَهُوَ وَاضِح. قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى رَجَاء مِنْ الْوُصُول إِلَى الْبَيْت أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيم حَتَّى يَيْأَس مِنْ الْوُصُول فَيَحِلّ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ يَئِسَ مِنْ الْوُصُول وَجَازَ لَهُ أَنْ يَحِلّ فَتَمَادَى عَلَى إِحْرَامه ثُمَّ أَمْكَنَهُ أَنْ يَصِل أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَمْضِي إِلَى الْبَيْت لِيُتِمّ نُسُكه. وَقَالَ الْمُهَلَّب وَغَيْره مَا مَعْنَاهُ : يُسْتَفَاد مِنْ قَوْله \" وَلَمْ يَتَبَيَّن لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ \" أَنَّ الْمَرْأَة الَّتِي تَعْرِف أَوَان حَيْضهَا وَالْمَرِيض الَّذِي يَعْرِف أَوَان حُمَّاهُ بِالْعَادَةِ فِيهِمَا إِذَا أَفْطَرَا فِي رَمَضَان مَثَلًا فِي أَوَّل النَّهَار ثُمَّ يَنْكَشِف الْأَمْر بِالْحَيْضِ وَالْحُمَّى فِي ذَلِكَ النَّهَار أَنَّ عَلَيْهِمَا قَضَاء ذَلِكَ الْيَوْم لِأَنَّ الَّذِي كَانَ فِي عِلْم اللَّه أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِالْحُدَيْبِيَةِ لَمْ يُسْقِط عَنْ كَعْب الْكَفَّارَة الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالْحَلْقِ قَبْل أَنْ يَنْكَشِف الْأَمْر لَهُمْ , وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوز أَن يَتَخَلَّف مَا عَرَفَاهُ بِالْعَادَةِ فَيَجِب الْقَضَاء عَلَيْهِمَا لِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّه الْفِدْيَة ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : ظَاهِره أَنَّ النُّزُول بَعْد الْحُكْم. وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مَعْقِل أَنَّ النُّزُول قَبْل الْحُكْم. قَالَ. فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْكَفَّارَةِ بِوَحْيٍ لَا يُتْلَى ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآن بِبَيَانِ ذَلِكَ. ‏ ‏قُلْت : وَهُوَ يُؤَيِّد الْجَمْع الْمُتَقَدِّم. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏الظَّاهِر أَنَّهُ عُطِف عَلَى \" حَدَّثَنَا رَوْح \" فَيَكُون إِسْحَاق قَدْ رَوَاهُ عَنْ رَوْح بِإِسْنَادِهِ , وَعَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف وَهُوَ الْفِرْيَابِيّ بِإِسْنَادِهِ , وَكَذَا هُوَ فِي تَفْسِير إِسْحَاق , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْعَنْعَنَة. لِلْبُخَارِيِّ فَيَكُون أَوْرَدَهُ عَنْ شَيْخه الْفِرْيَابِيّ بِالْعَنْعَنَةِ كَمَا يَرْوِي تَارَة بِالتَّحْدِيثِ وَبِلَفْظِ قَالَ وَغَيْر ذَلِكَ , وَعَلَى هَذَا فَيَكُون شَبِيهًا بِالتَّعْلِيقِ. وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق هَاشِم بْن سَعِيد عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف الْفِرْيَابِيّ وَلَفْظه مِثْل سِيَاق رَوْح فِي أَكْثَره , وَكَذَا هُوَ فِي تَفْسِير الْفِرْيَابِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَفِي حَدِيث كَعْب بْن عُجْرَة مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ أَنَّ السُّنَّة مُبَيِّنَة لِمُجْمَلِ الْكِتَاب لِإِطْلَاقِ الْفِدْيَة فِي الْقُرْآن وَتَقْيِيدهَا بِالسُّنَّةِ , وَتَحْرِيم حَلْق الرَّأْس عَلَى الْمُحْرِم , وَالرُّخْصَة لَهُ فِي حَلْقهَا إِذَا آذَاهُ الْقَمْل أَوْ غَيْره مِنْ الْأَوْجَاع. ‏ ‏وَفِيهِ تَلَطُّف الْكَبِير بِأَصْحَابِهِ وَعِنَايَته بِأَحْوَالِهِمْ وَتَفَقُّده لَهُمْ , وَإِذَا رَأَى بِبَعْضِ أَتْبَاعه ضَرَرًا سَأَلَ عَنْهُ وَأَرْشَدَهُ إِلَى الْمَخْرَج مِنْهُ. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْض الْمَالِكِيَّة إِيجَاب الْفِدْيَة عَلَى مَنْ تَعَمَّدَ حَلْق رَأْسه بِغَيْرِ عُذْر , فَإِنَّ إِيجَابهَا عَلَى الْمَعْذُور مِنْ التَّنْبِيه بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ التَّسْوِيَة بَيْن الْمَعْذُور وَغَيْره , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور : لَا يَتَخَيَّر الْعَامِد بَلْ يَلْزَمهُ الدَّم , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَكْثَر الْمَالِكِيَّة , وَاحْتَجَّ لَهُمْ الْقُرْطُبِيّ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث كَعْب \" أَوْ اِذْبَحْ نُسُكًا \" قَالَ : فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِهَدْيٍ. قَالَ : فَعَلَى هَذَا يَجُوز أَنْ يَذْبَحهَا حَيْثُ شَاءَ. قُلْت : لَا دَلَالَة فِيهِ إِذْ لَا يَلْزَم تَسْمِيَتهَا نُسُكًا أَوْ نَسِيكَة أَنْ لَا تُسَمَّى هَدْيًا أَوْ لَا تُعْطَى حُكْم الْهَدْي , وَقَدْ وَقَعَ تَسْمِيَتهَا هَدْيًا فِي الْبَاب الْأَخِير حَيْثُ قَالَ \" أَوْ تُهْدِي شَاة \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَاهْدِ هَدْيًا \" وَفِي رِوَايَة لِلطَّبَرِيِّ \" هَلْ لَك هَدْي ؟ قُلْت : لَا أَجِد \" فَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة. ‏ ‏وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَوْ اِذْبَحْ شَاة \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفِدْيَة لَا يَتَعَيَّن لَهَا مَكَان , وَبِهِ قَالَ أَكْثَر التَّابِعِينَ. وَقَالَ الْحَسَن : تَتَعَيَّن مَكَّة. وَقَالَ مُجَاهِد : النُّسُك بِمَكَّة وَمِنًى , وَالْإِطْعَام بِمَكَّة , وَالصِّيَام حَيْثُ شَاءَ. وَقَرِيب مِنْهُ قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة : الدَّم وَالْإِطْعَام لِأَهْلِ الْحَرَم , وَالصِّيَام حَيْثُ شَاءَ إِذْ لَا مَنْفَعَة فِيهِ لِأَهْلِ الْحَرَم. وَأَلْحَقَ بَعْض أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة وَأَبُو بَكْر بْن الْجَهْم مِنْ الْمَالِكِيَّة الْإِطْعَام بِالصِّيَامِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَجّ عَلَى التَّرَاخِي لِأَنَّ حَدِيث كَعْب دَلَّ عَلَى أَنَّ نُزُول قَوْله تَعَالَى ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) كَانَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ فِي سَنَة سِتّ وَفِيهِ بَحْث , وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1690",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ حَجَّ هَذَا ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏فَلَمْ ‏ ‏يَرْفُثْ ‏ ‏وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله \" كَمَا وَلَدَتْهُ أُمّه \" ‏ ‏أَيْ عَارِيًا مِنْ الذُّنُوب. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُور \" غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة جَرِير عَنْ مَنْصُور \" مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْت \" وَهُوَ أَعَمّ مِنْ قَوْله فِي بَقِيَّة الرِّوَايَات \" مَنْ حَجَّ \" وَيَجُوز حَمْل لَفْظ حَجَّ عَلَى مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ الْحَجّ وَالْعُمْرَة فَتُسَاوِي رِوَايَة \" مَنْ أَتَى \" مِنْ حَيْثُ إنَّ الْغَالِب أَنَّ إِتْيَانه إِنَّمَا هُوَ لِلْحَجِّ أَوْ لِلْعُمْرَةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّة مَبَاحِثه فِي \" بَاب فَضْل الْحَجّ الْمَبْرُور \" فِي أَوَائِل كِتَاب الْحَجّ , وَتَقَدَّمَ تَفْسِير الرَّفَث وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ فِي آخِر حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور فِي \" بَاب قَوْل اللَّه تَعَالَى ( ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) \". ‏"
    },
    {
        "id": "1691",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ حَجَّ هَذَا ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏فَلَمْ ‏ ‏يَرْفُثْ ‏ ‏وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1692",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْطَلَقَ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَامَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ وَحُدِّثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ عَدُوًّا يَغْزُوهُ فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ تَضَحَّكَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْفَعُ فَرَسِي ‏ ‏شَأْوًا ‏ ‏وَأَسِيرُ ‏ ‏شَأْوًا ‏ ‏فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏بَنِي غِفَارٍ ‏ ‏فِي جَوْفِ اللَّيْلِ قُلْتُ أَيْنَ تَرَكْتَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ تَرَكْتُهُ ‏ ‏بِتَعْهَنَ ‏ ‏وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ إِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ فَانْتَظِرْهُمْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ وَعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ فَقَالَ لِلْقَوْمِ ‏ ‏كُلُوا وَهُمْ مُحْرِمُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُعَاوِيَة بْن سَلَام عَنْ يَحْيَى عِنْد مُسْلِم أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه اِبْن أَبِي قَتَادَة. ‏ ‏قَوْله : ( اِنْطَلَقَ أَبِي عَام الْحُدَيْبِيَة ) ‏ ‏هَكَذَا سَاقَهُ مُرْسَلًا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُعَاذ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ اِبْن عُلَيَّة عَنْ هِشَام , لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ هِشَام عَنْ يَحْيَى فَقَالَ \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ اِنْطَلَقَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" , وَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمُبَارَك عَنْ يَحْيَى الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ , وَقَوْله \" بِالْحُدَيْبِيَةِ \" أَصَحّ مِنْ رِوَايَة الْوَاقِدِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي عُمْرَة الْقَضِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَحْرَمَ أَصْحَابه وَلَمْ يُحْرِم ) ‏ ‏الضَّمِير لِأَبِي قَتَادَةَ بَيَّنَهُ مُسْلِم \" أَحْرَمَ أَصْحَابِي وَلَمْ أُحْرِم \" وَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمُبَارَك \" وَأُنْبِئْنَا بِعَدُوٍّ بِغَيْقَةَ فَتَوَجَّهْنَا نَحْوهمْ \" وَفِي هَذَا السِّيَاق حَذْف بَيَّنَتْهُ رِوَايَة عُثْمَان بْن مَوْهِب عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَةَ وَهِيَ بَعْد بَابَيْنِ بِلَفْظِ \" إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ , فَصَرَفَ طَائِفَة مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ فَقَالَ : خُذُوا سَاحِل الْبَحْر حَتَّى نَلْتَقِيَ , فَأَخَذُوا سَاحِل الْبَحْر , فَلَمَّا اِنْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلّهمْ إِلَّا أَبَا قَتَادَةَ \" وَسَيَأْتِي الْجَمْع هُنَاكَ بَيْن قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" خَرَجَ حَاجًّا \" وَبَيْن قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب \" عَام الْحُدَيْبِيَة \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَبَيَّنَّ الْمُطَّلِب عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور مَكَان صَرْفهمْ وَلَفْظه \" خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا الرَّوْحَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( وَحُدِّثَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَقَوْله \" بِغَيْقَةَ \" أَيْ فِي غَيْقَة وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة بَعْدهَا يَاء سَاكِنَة ثُمَّ قَاف مَفْتُوحَة ثُمَّ هَاء. قَالَ السُّكُونِيّ : هُوَ مَاء لِبَنِي غِفَار بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة , وَقَالَ يَعْقُوب : هُوَ قَلِيب لِبَنِي ثَعْلَبَة يَصُبّ فِيهِ مَاء رَضْوَى وَيَصُبّ هُوَ فِي الْبَحْر. وَحَاصِل الْقِصَّة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ فِي عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة فَبَلَغَ الرَّوْحَاء - وَهِيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَة عَلَى أَرْبَعَة وَثَلَاثِينَ مِيلًا - أَخْبَرُوهُ بِأَنَّ عَدُوًّا مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِوَادِي غَيْقَة يُخْشَى مِنْهُمْ أَنْ يَقْصِدُوا غِرَّته , فَجَهَّزَ طَائِفَة مِنْ أَصْحَابه فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ إِلَى جِهَتهمْ لِيَأْمَن شَرّهمْ , فَلَمَّا أَمِنُوا ذَلِكَ لَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ وَأَصْحَابه بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْرَمُوا , إِلَّا هُوَ فَاسْتَمَرَّ هُوَ حَلَالًا لِأَنَّهُ إِمَّا لَمْ يُجَاوِز الْمِيقَات وَإِمَّا لَمْ يَقْصِد الْعُمْرَة , وَبِهَذَا يَرْتَفِع الْإِشْكَال الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو بَكْر الْأَثْرَم قَالَ : كُنْت أَسْمَع أَصْحَابنَا يَتَعَجَّبُونَ مِنْ هَذَا الْحَدِيث وَيَقُولُونَ : كَيْف جَازَ لِأَبِي قَتَادَةَ أَنْ يُجَاوِز الْمِيقَات وَهُوَ غَيْر مُحْرِم ؟ وَلَا يَدْرُونَ مَا وَجْهه. قَالَ : حَتَّى وَجَدْته فِي رِوَايَة مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد فِيهَا \" خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْرَمْنَا , فَلَمَّا كُنَّا بِمَكَانِ كَذَا إِذَا نَحْنُ بِأَبِي قَتَادَةَ وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ فِي وَجْه \" الْحَدِيث. قَالَ : فَإِذَا أَبُو قَتَادَةَ إِنَّمَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُج يُرِيد مَكَّة. قُلْت : وَهَذِهِ الرِّوَايَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا تَقْتَضِي أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ لَمْ يَخْرُج مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا بَيَّنَاهُ. ثُمَّ وَجَدْت فِي صَحِيح اِبْن حِبَّانَ وَالْبَزَّار مِنْ طَرِيق عِيَاض بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ \" بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا قَتَادَةَ عَلَى الصَّدَقَة وَخَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه وَهُمْ مُحْرِمُونَ حَتَّى نَزَلُوا بِعُسْفَانَ \" فَهَذَا سَبَب آخَر , وَيُحْتَمَل جَمْعهمَا. وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ إِنَّمَا أَخَّرَ الْإِحْرَام لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّق أَنَّهُ يَدْخُل مَكَّة فَسَاغَ لَهُ التَّأْخِير , وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِقِصَّةِ أَبِي قَتَادَةَ عَلَى جَوَاز دُخُول الْحَرَم بِغَيْرِ إِحْرَام لِمَنْ لَمْ يُرِدْ حَجًّا وَلَا عُمْرَة , وَقِيلَ كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّة قَبْل أَنْ يُؤَقِّت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَوَاقِيت. وَأَمَّا قَوْل عِيَاض وَمَنْ تَبِعَهُ : إِنَّ أَبَا قَتَادَةَ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَة وَإِنَّمَا بَعَثَهُ أَهْل الْمَدِينَة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْلِمُونَهُ أَنَّ بَعْض الْعَرَب قَصَدُوا الْإِغَارَة عَلَى الْمَدِينَة , فَهُوَ ضَعِيف مُخَالِف لِمَا ثَبَتَ فِي هَذِهِ الطَّرِيق الصَّحِيحَة طَرِيق عُثْمَان بْن مَوْهِب الْآتِيَة بَعْد بَابَيْنِ , كَمَا أَشَرْت إِلَيْهَا قَبْل. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَيْنَمَا أَبِي مَعَ أَصْحَابه يَضْحَك بَعْضهمْ إِلَى بَعْض ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمُبَارَك \" فَبَصُرَ أَصْحَابِي بِحِمَارِ وَحْش فَجَعَلَ بَعْضهمْ يَضْحَك إِلَى بَعْض \" زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي حَازِم \" وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْته \" هَكَذَا فِي جَمِيع الطُّرُق وَالرِّوَايَات , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْعُذْرِيّ فِي مُسْلِم \" فَجَعَلَ بَعْضهمْ يَضْحَك إِلَيَّ \" فَشُدِّدَتْ الْيَاء مِنْ إِلَيَّ. قَالَ عِيَاض : وَهُوَ خَطَأ وَتَصْحِيف , وَإِنَّمَا سَقَطَ عَلَيْهِ لَفْظَة \" بَعْض \" , ثُمَّ اِحْتَجَّ لِضَعْفِهَا بِأَنَّهُمْ لَوْ ضَحِكُوا إِلَيْهِ لَكَانَتْ أَكْبَر إِشَارَة وَقَدْ قَالَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ مِنْكُمْ أَحَد أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ ؟ قَالُوا لَا. وَإِذَا دَلَّ الْمُحْرِم الْحَلَال عَلَى الصَّيْد لَمْ يَأْكُل مِنْهُ اِتِّفَاقًا , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفُوا فِي وُجُوب الْجَزَاء. اِنْتَهَى. ‏ ‏وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِن رَدّ هَذِهِ الرِّوَايَة لِصِحَّتِهَا وَصِحَّة الرِّوَايَة الْأُخْرَى , وَلَيْسَ فِي وَاحِدَة مِنْهُمَا دَلَالَة وَلَا إِشَارَة , فَإِنَّ مُجَرَّد الضَّحِك لَيْسَ فِيهِ إِشَارَة. قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : وَإِنَّمَا ضَحِكُوا تَعَجُّبًا مِنْ عُرُوض الصَّيْد ثَمَّ وَلَا قُدْرَة لَهُمْ عَلَيْهِ. قُلْت : قَوْله فَإِنَّ مُجَرَّد الضَّحِك لَيْسَ فِيهِ إِشَارَة صَحِيح , وَلَكِنْ لَا يَكْفِي فِي رَدّ دَعْوَى الْقَاضِي , فَإِنَّ قَوْله \" يَضْحَك بَعْضهمْ إِلَى بَعْض \" هُوَ مُجَرَّد ضَحِك , وَقَوْله \" يَضْحَك بَعْضهمْ إِلَيَّ \" فِيهِ مَزِيد أَمْر عَلَى مُجَرَّد الضَّحِك , وَالْفَرْق بَيْن الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّهُمْ اِشْتَرَكُوا فِي رُؤْيَته فَاسْتَوَوْا فِي ضَحِك بَعْضهمْ إِلَى بَعْض , وَأَبُو قَتَادَةَ لَمْ يَكُنْ رَآهُ فَيَكُون ضَحِك بَعْضهمْ إِلَيْهِ بِغَيْرِ سَبَب بَاعِثًا لَهُ عَلَى التَّفَطُّن إِلَى رُؤْيَته , وَيُؤَيِّد مَا قَالَ الْقَاضِي مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي النَّضْر عَنْ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّيْد بِلَفْظِ إِذْ رَأَيْت النَّاس مُتَشَوِّفِينَ لِشَيْءٍ فَذَهَبْت أَنْظُر فَإِذَا هُوَ حِمَار وَحْش , فَقُلْت : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : لَا نَدْرِي فَقُلْت : هُوَ حِمَار وَحْش. فَقَالُوا : هُوَ مَا رَأَيْت \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد الْبَزَّار وَالطَّحَاوِيّ وَابْن حِبَّانَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" وَجَاءَ أَبُو قَتَادَةَ وَهُوَ حِلّ فَنَكَّسُوا رُءُوسهمْ كَرَاهِيَة أَنْ يُحِدُّوا أَبْصَارهمْ لَهُ فَيَفْطِن فَيَرَاهُ \" ا ه. فَكَيْف يُظَنّ بِهِمْ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ ضَحِكُوا إِلَيْهِ ؟ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الصَّوَاب مَا قَالَ الْقَاضِي. وَفِي قَوْل الشَّيْخ قَدْ صَحَّتْ الرِّوَايَة نَظَر , لِأَنَّ الِاخْتِلَاف فِي إِثْبَات هَذِهِ اللَّفْظَة وَحَذْفهَا لَمْ يَقَع فِي طَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ , وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي سِيَاق إِسْنَاد وَاحِد مِمَّا عِنْد مُسْلِم , فَكَانَ مَعَ مَنْ أَثْبَتَ لَفْظ \" بَعْض \" زِيَادَة عِلْم سَالِمَة مِنْ الْإِشْكَال فَهِيَ مُقَدَّمَة , وَبَيَّنَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْهِبَة أَنَّ قِصَّة صَيْده لِلْحِمَارِ كَانَتْ بَعْد أَنْ اِجْتَمَعُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه وَنَزَلُوا فِي بَعْض الْمَنَازِل وَلَفْظه \" كُنْت يَوْمًا جَالِسًا مَعَ رِجَال مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْزِل فِي طَرِيق مَكَّة وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَازِل أَمَامنَا وَالْقَوْم مُحْرِمُونَ وَأَنَا غَيْر مُحْرِم \" وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة السَّبَب الْمُوجِب لِرُؤْيَتِهِمْ إِيَّاهُ دُون أَبِي قَتَادَةَ بِقَوْلِهِ \" فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا وَأَنَا مَشْغُول أَخْصِف نَعْلِي , فَلَمْ يُؤْذِنُونِي بِهِ , وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْته , وَالْتَفَتّ فَأَبْصَرْته \". وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْمَذْكُور أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ وَهُمْ بِعُسْفَانَ وَفِيهِ نَظَر , وَالصَّحِيح مَا سَيَأْتِي بَعْد بَاب مِنْ طَرِيق صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ عَنْهُ قَالَ \" كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَاحَةِ , وَمِنَّا الْمُحْرِم وَغَيْر مُحْرِم , فَرَأَيْت أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا فَنَظَرْت فَإِذَا حِمَار وَحْش \" الْحَدِيث. وَالْقَاحَة بِقَافٍ وَمُهْمَلَة خَفِيفَة بَعْد الْأَلِف , مَوْضِع قَرِيب مِنْ السُّقْيَا كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَظَرْت ) ‏ ‏هَذَا فِيهِ اِلْتِفَات , فَإِنَّ السِّيَاق الْمَاضِي يَقْتَضِي أَنْ يَقُول فَنَظَرَ لِقَوْلِهِ \" فَبَيْنَا أَبِي مَعَ أَصْحَابه \" فَالتَّقْدِير : قَالَ أَبِي فَنَظَرْت , وَهَذَا يُؤَيِّد الرِّوَايَة الْمَوْصُولَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا بِحِمَارِ وَحْش ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ رُؤْيَته لَهُ كَانَتْ مُتَأَخِّرَة عَنْ رُؤْيَة أَصْحَابه , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فُضَيْل بْن سُلَيْمَان فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي حَازِم كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجِهَاد وَلَفْظه \" فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا قَبْل أَنْ يَرَاهُ أَبُو قَتَادَةَ , فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ حَتَّى رَآهُ فَرَكِبَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَحَمَلْت عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر \" فَقُمْت إِلَى الْفَرَس فَأَسْرَجْته ثُمَّ رَكِبَتْ وَنَسِيت السَّوْط وَالرُّمْح. فَقُلْت لَهُمْ : نَاوِلُونِي السَّوْط وَالرُّمْح. فَقَالُوا : لَا وَاللَّه لَا نُعِينك عَلَيْهِ بِشَيْءٍ , فَغَضِبْت فَنَزَلْت فَأَخَذْتهمَا ثُمَّ رَكِبْت \" وَفِي رِوَايَة فُضَيْل بْن سُلَيْمَان \" فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ يُقَال لَهُ الْجَرَادَة فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطه فَأَبَوْا فَتَنَاوَلَهُ \". وَفِي رِوَايَة أَبِي النَّضْر \" وَكُنْت نَسِيت سَوْطِي فَقُلْت لَهُمْ : نَاوِلُونِي سَوْطِي , فَقَالُوا لَا نُعِينك عَلَيْهِ , فَنَزَلْت فَأَخَذْته \" وَوَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ عُثْمَان بْن مَوْهِب , وَعِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن رَفِيع , وَأَخْرَجَ مُسْلِم إِسْنَادهمَا كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي قَتَادَةَ \" فَاخْتَلَسَ مِنْ بَعْضهمْ سَوْطًا \" وَالرِّوَايَة الْأُولَى أَقْوَى , وَيُمْكِن أَنْ يُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ رَأَى فِي سَوْط نَفْسه تَقْصِيرًا فَأَخَذَ سَوْط غَيْره , وَاحْتَاجَ إِلَى اِخْتِلَاسه لِأَنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ مِنْهُ اِخْتِيَارًا لَامْتَنَعَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَطَعَنْته فَأَثْبَتّه ) ‏ ‏بِالْمُثَلَّثَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَة ثُمَّ الْمُثَنَّاة أَيْ جَعَلْته ثَابِتًا فِي مَكَانه لَا حَرَاك بِهِ وَفِي رِوَايَة أَبِي حَازِم \" فَشَدَدْت عَلَى الْحِمَار فَعَقَرْته ثُمَّ جِئْت بِهِ وَقَدْ مَاتَ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي النَّضْر \" حَتَّى عَقَرْته فَأَتَيْت إِلَيْهِمْ فَقُلْت لَهُمْ : قُومُوا فَاحْتَمِلُوا , فَقَالُوا لَا نَمَسّهُ , فَحَمَلْته حَتَّى جِئْتهمْ بِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة فُضَيْل عَنْ أَبِي حَازِم \" فَأَكَلُوا فَنَدِمُوا \" وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ أَبِي حَازِم \" فَوَقَعُوا يَأْكُلُونَ مِنْهُ , ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلهمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُم فَرُحْنَا وَخَبَّأْت الْعَضُد مَعِي \". ‏ ‏وَفِي رِوَايَة مَالِك عَنْ أَبِي النَّضْر \" فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضهمْ وَأَبَى بَعْضهمْ \". وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فَجَعَلُوا يَشْوُونَ مِنْهُ \". وَفِي رِوَايَة الْمُطَّلِب عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور \" فَظَلِلْنَا نَأْكُل مِنْهُ مَا شِئْنَا طَبِيخًا وَشِوَاء ثُمَّ تَزَوَّدْنَا مِنْهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَع ) ‏ ‏أَيْ نَصِير مَقْطُوعِينَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْفَصِلِينَ عَنْهُ لِكَوْنِهِ سَبَقَهُمْ , وَكَذَا قَوْله بَعْد هَذَا \" وَخَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونك \" وَبَيَّنَ ذَلِكَ رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمُبَارَك عَنْ يَحْيَى عِنْد أَبِي عَوَانَة بِلَفْظِ \" وَخَشِينَا أَنْ يَقْتَطِعنَا الْعَدُوّ \". وَفِيهَا عِنْد الْمُصَنِّف \" وَأَنَّهُمْ خَشُوا أَنْ يَقْتَطِعهُمْ الْعَدُوّ دُونك \" وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ سَبَب إِسْرَاع أَبِي قَتَادَةَ لِإِدْرَاكِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَشْيَة عَلَى أَصْحَابه أَنْ يَنَالهُمْ بَعْض أَعْدَائِهِمْ , وَفِي رِوَايَة أَبِي النَّضْر الْآتِيَة فِي الصَّيْد \" فَأَبَى بَعْضهمْ أَنْ يَأْكُل , فَقُلْت أَنَا أَسْتَوْقِف لَكُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدْرَكْته فَحَدَّثْته الْحَدِيث \" فَفِي هَذَا أَنَّ سَبَب إِدْرَاكه أَنْ يَسْتَفْتِيَهُ عَنْ قِصَّة أَكْل الْحِمَار , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يَكُون ذَلِكَ بِسَبَبِ الْأَمْرَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْفَع ) ‏ ‏بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد , أَيْ أُكَلِّفهُ السَّيْر , \" وَشَأْوًا \" بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة بَعْدهَا هَمْزَة سَاكِنَة أَيْ تَارَة , وَالْمُرَاد أَنَّهُ يَرْكُضهُ تَارَة وَيَسِير بِسُهُولَةٍ أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَقِيت رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَار ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( تَرَكَتْهُ بِتِعْهِنَ , وَهُوَ قَائِل السُّقْيَا ) ‏ ‏السُّقْيَا بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الْقَاف بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة مَقْصُورَة : قَرْيَة جَامِعَة بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة , وَتِعْهِن بِكَسْرِ الْمُثَنَّاة وَبِفَتْحِهَا بَعْدهَا عَيْن مُهْمَلَة سَاكِنَة ثُمَّ هَاء مَكْسُورَة ثُمَّ نُون , وَرِوَايَة الْأَكْثَر بِالْكَسْرِ وَبِهِ قَيَّدَهَا الْبَكْرِيّ فِي مُعْجَم الْبِلَاد , وَوَقَعَ عِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ بِكَسْرِ أَوَّله وَثَالِثه , وَلِغَيْرِهِ بِفَتْحِهِمَا , وَحَكَى أَبُو ذَرّ الْهَرَوِيُّ أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنْ الْعَرَب بِذَلِكَ الْمَكَان بِفَتْحِ الْهَاء , وَمِنْهُمْ مَنْ يَضُمّ التَّاء وَيَفْتَح الْعَيْن وَيَكْسِر الْهَاء , قِيلَ وَهُوَ مِنْ تَغْيِيرَاتهمْ وَالصَّوَاب الْأَوَّل , وَأَغْرَبَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فَضَبَطَهُ بِضَمِّ أَوَّله وَثَانِيه وَبِتَشْدِيدِ الْهَاء وَقَالَ : وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِر التَّاء , وَأَصْحَاب الْحَدِيث يُسَكِّنُونَ الْعَيْن , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ بِدِعْهِنَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة بَدَل الْمُثَنَّاة. وَقَوْله \" قَائِل \" قَالَ النَّوَوِيّ : رُوِيَ بِوَجْهَيْنِ أَصَحّهمَا وَأَشْهُرهمَا بِهَمْزَةٍ بَيْنَ الْأَلِف وَاللَّام مِنْ الْقَيْلُولَة , أَيْ تَرَكْته فِي اللَّيْل بِتِعْهِنَ وَعَزْمه أَنْ يُقِيل بِالسُّقْيَا , فَمَعْنَى قَوْله وَهُوَ قَائِل أَيْ سَيُقِيلُ. وَالْوَجْه الثَّانِي أَنَّهُ قَابِل بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَهُوَ غَرِيب وَكَأَنَّهُ تَصْحِيف , فَإِنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ أَنَّ تِعْهِن مَوْضِع مُقَابِل لِلسُّقْيَا , فَعَلَى الْأَوَّل الضَّمِير فِي قَوْله \" وَهُوَ \" لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الثَّانِي الضَّمِير لِلْمَوْضِعِ وَهُوَ تِعْهِن , وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّل أَصْوَب وَأَكْثَر فَائِدَة. وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيّ فَقَالَ : قَوْله \" وَهُوَ قَائِل \" اِسْم فَاعِل مِنْ الْقَوْل أَوْ مِنْ الْقَائِلَة , وَالْأَوَّل هُوَ الْمُرَاد هُنَا , وَالسُّقْيَا مَفْعُول بِفِعْلٍ مُضْمَر , وَكَأَنَّهُ كَانَ بِتِعْهِنَ وَهُوَ يَقُول لِأَصْحَابِهِ اِقْصِدُوا السُّقْيَا. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُلَيَّة عَنْ هِشَام \" وَهُوَ قَائِم بِالسُّقْيَا \" فَأَبْدَلَ اللَّام فِي قَائِل مِيمًا وَزَادَ الْبَاء فِي السُّقْيَا , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : الصَّحِيح قَائِل بِاللَّامِ. قُلْت : وَزِيَادَة الْبَاء تُوهِي الِاحْتِمَال الْأَخِير الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت ) ‏ ‏فِي السِّيَاق حَذْف تَقْدِيره : فَسِرْت فَأَدْرَكْته فَقُلْت , وَيُوَضِّحهُ رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمُبَارَك فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه بِلَفْظِ \" فَلَحِقْت بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَيْته فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ أَهْلك يَقْرَءُونَ عَلَيْك السَّلَام ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْأَهْلِ هُنَا الْأَصْحَاب بِدَلِيلِ رِوَايَة مُسْلِم وَأَحْمَد وَغَيْرهمَا مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" إِنَّ أَصْحَابك \". ‏ ‏قَوْله : ( فَانْتَظِرْهُمْ ) ‏ ‏بِصِيغَةِ فِعْل الْأَمْر مِنْ الِانْتِظَار , زَادَ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَانْتَظَرَهُمْ \" بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمَاضِي مِنْهُ , وَمِثْله لِأَحْمَد عَنْ اِبْن عُلَيَّة , وَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمُبَارَك \" فَانْتَظِرْهُمْ فَفَعَلَ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَصَبْت حِمَار وَحْش وَعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَادٍ مُعْجَمَة أَيْ فَضْلَة. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قِطْعَة فَضَلَتْ مِنْهُ فَهِيَ فَاضِلَة , أَيْ بَاقِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لِلْقَوْمِ كُلُوا ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ وَعَلَى مَا فِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد بَعْد بَابَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1693",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏انْطَلَقْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ أُحْرِمْ فَأُنْبِئْنَا بِعَدُوٍّ ‏ ‏بِغَيْقَةَ ‏ ‏فَتَوَجَّهْنَا نَحْوَهُمْ فَبَصُرَ أَصْحَابِي بِحِمَارِ وَحْشٍ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إِلَى بَعْضٍ فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُهُ فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ الْفَرَسَ فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ فَاسْتَعَنْتُهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي فَأَكَلْنَا مِنْهُ ثُمَّ لَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ أَرْفَعُ فَرَسِي ‏ ‏شَأْوًا ‏ ‏وَأَسِيرُ عَلَيْهِ ‏ ‏شَأْوًا ‏ ‏فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏بَنِي غِفَارٍ ‏ ‏فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَقُلْتُ أَيْنَ تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ تَرَكْتُهُ ‏ ‏بِتَعْهَنَ ‏ ‏وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَصْحَابَكَ أَرْسَلُوا يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ وَبَرَكَاتِهِ وَإِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يَقْتَطِعَهُمْ الْعَدُوُّ دُونَكَ فَانْظُرْهُمْ فَفَعَلَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا ‏ ‏اصَّدْنَا حِمَارَ وَحْشٍ وَإِنَّ عِنْدَنَا فَاضِلَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَصْحَابِهِ ‏ ‏كُلُوا وَهُمْ مُحْرِمُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( وَأُنْبِئْنَا ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله أَيْ أُخْبِرْنَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَصُرَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَضَمّ الْمُهْمَلَة , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَنَظَرَ \" بِنُونٍ وَظَاء مُشَالَة , وَعَلَى هَذَا فَدُخُول الْبَاء فِي قَوْله \" بِحِمَارِ وَحْش \" مُشْكِل إِلَّا أَنْ يُقَال ضُمِّنَ نَظَرَ مَعْنَى بَصُرَ , أَوْ الْبَاء بِمَعْنَى إِلَى عَلَى مَذْهَب مَنْ يَقُول إِنَّهَا تَتَنَاوَب. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّا اصَّدْنَا ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَة وَالدَّال لِلْأَكْثَرِ بِالْإِدْغَامِ وَأَصْله اِصْطَدْنَا فَأُبْدِلَتْ الطَّاء مُثَنَّاة ثُمَّ أُدْغِمَتْ , وَلِبَعْضِهِمْ بِتَخْفِيفِ الصَّاد وَسُكُون الدَّال , أَيْ أَثَرْنَا مِنْ الْإصَاد وَهُوَ الْإِثَارَة. وَلِبَعْضِهِمْ \" صِدْنَا \" بِغَيْرِ أَلِف. ‏ ‏وَحَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه حَدَّثَنَا سُفْيَان حَدَّثَنَا صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ أَبِي مُحَمَّد عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ \" كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَاحَةِ , وَمِنَّا الْمُحْرِم وَمِنَّا غَيْر الْمُحْرِم فَرَأَيْت أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا , فَنَظَرْت فَإِذَا حِمَار وَحْش - يَعْنِي وَقَعَ سَوْطه - فَقَالُوا لَا نُعِينك عَلَيْهِ بِشَيْءٍ , إِنَّا مُحْرِمُونَ , فَتَنَاوَلْته فَأَخَذْته , ثُمَّ أَتَيْت الْحِمَار مِنْ وَرَاء أَكَمَة فَعَقَرْته , فَأَتَيْت بِهِ أَصْحَابِي , فَقَالَ بَعْضهمْ : كُلُوا , وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا تَأْكُلُوا. فَأَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَمَامنَا فَسَأَلْته فَقَالَ : كُلُوهُ حَلَال \". قَالَ لَنَا عَمْرو : اِذْهَبُوا إِلَى صَالِح فَسَلُوهُ عَنْ هَذَا وَغَيْره. وَقَدِمَ عَلَيْنَا هَا هُنَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1694",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُحَمَّدٍ نَافِعٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا قَتَادَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْقَاحَةِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏عَلَى ثَلَاثٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْقَاحَةِ ‏ ‏وَمِنَّا الْمُحْرِمُ وَمِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ فَرَأَيْتُ أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا فَنَظَرْتُ فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ ‏ ‏يَعْنِي وَقَعَ سَوْطُهُ فَقَالُوا لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إِنَّا مُحْرِمُونَ فَتَنَاوَلْتُهُ فَأَخَذْتُهُ ثُمَّ أَتَيْتُ الْحِمَارَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَعَقَرْتُهُ فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي فَقَالَ بَعْضُهُمْ كُلُوا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَأْكُلُوا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ أَمَامَنَا فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏كُلُوهُ حَلَالٌ ‏ ‏قَالَ لَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏اذْهَبُوا إِلَى ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏فَسَلُوهُ عَنْ هَذَا وَغَيْرِهِ وَقَدِمَ عَلَيْنَا هَا",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد الْجُعْفِيُّ الْمُسْنَدِيّ , وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَالِح ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيْرهَا \" حَدَّثَنَا صَالِح \". ‏ ‏قَوْله : ( بِالْقَاحَةِ ) ‏ ‏بِالْقَافِ وَالْمُهْمَلَة : وَادٍ عَلَى نَحْو مِيل مِنْ السُّقْيَا إِلَى جِهَة الْمَدِينَة , وَيُقَال لِوَادِيهَا وَادِي الْعَبَادِيد. وَقَدْ بَيَّنَ الْمُصَنِّف فِي الطَّرِيق الْأُولَى أَنَّهَا مِنْ الْمَدِينَة عَلَى ثَلَاث أَيْ ثَلَاث مَرَاحِل , قَالَ عِيَاض : رَوَاهُ النَّاس بِالْقَافِ إِلَّا الْقَابِسِيّ فَضَبَطُوهُ عَنْهُ بِالْفَاءِ , وَهُوَ تَصْحِيف. قُلْت : وَوَقَعَ عِنْد الْجَوْزَقِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن بِشْر عَنْ سُفْيَان \" بِالصِّفَاحِ \" بَدَل الْقَاحَة , وَالصِّفَاح بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا فَاءَ وَآخِره مُهْمَلَة وَهُوَ تَصْحِيف فَإِنَّ الصِّفَاح مَوْضِع بِالرَّوْحَاءِ , وَبَيْن الرَّوْحَاء وَبَيْن السُّقْيَا مَسَافَة طَوِيلَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الرَّوْحَاء هُوَ الْمَكَان الَّذِي ذَهَبَ أَبُو قَتَادَةَ وَأَصْحَابه مِنْهُ إِلَى جِهَة الْبَحْر ثُمَّ اِلْتَقَوْا بِالْقَاحَةِ وَبِهَا وَقَعَ لَهُ الصَّيْد الْمَذْكُور , وَكَأَنَّهُ تَأَخَّرَ هُوَ وَرُفْقَته لِلرَّاحَةِ أَوْ غَيْرهَا وَتَقَدَّمَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى السُّقْيَا حَتَّى لَحِقُوهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , هَكَذَا حَوَّلَ الْمُصَنِّف الْإِسْنَاد إِلَى رِوَايَة عَلِيّ لِلتَّصْرِيحِ فِيهِ عَنْ سُفْيَان بِقَوْلِهِ \" حَدَّثَنَا صَالِح بْن كَيْسَانَ \" وَقَدْ اِعْتَبَرْته فَوَجَدْته سَاقَ الْمَتْن عَلَى لَفْظ عَلِيٍّ خَاصَّة , وَهَذِهِ عَادَة الْمُصَنِّف غَالِبًا إِذَا تَحَوَّلَ إِلَى إِسْنَاد سَاقَ الْمَتْن عَلَى لَفْظ الثَّانِي. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ نَافِع مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَبُو النَّضْر , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الصَّيْد مِنْ طَرِيق مَالِك وَغَيْره عَنْهُ , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ سُفْيَان عَنْ صَالِح \" سَمِعْت أَبَا مُحَمَّد مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ \" , وَكَذَا وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة , وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق سَعْد بْن إِبْرَاهِيم \" سَمِعْت رَجُلًا كَانَ يُقَال لَهُ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ وَلَمْ يَكُنْ مَوْلًى \" أَيْ لِأَبِي قَتَادَةَ. وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَلَمَة أَنَّ نَافِعًا مَوْلَى بَنِي غِفَار , فَتَحَصَّلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْلًى لِأَبِي قَتَادَةَ حَقِيقَة , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ اِبْن حِبَّانَ فَقَالَ : هُوَ مَوْلَى عَقِيلَة بِنْت طَلْق الْغِفَارِيَّة , وَكَانَ يُقَال لَهُ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ نُسِبَ إِلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ مَوْلَاهُ. قُلْت : فَيُحْتَمَل أَنَّهُ نُسِبَ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ كَانَ زَوْج مَوْلَاته , أَوْ لِلُزُومِهِ إِيَّاهُ أَوْ نَحْو ذَلِكَ , كَمَا وَقَعَ لِمِقْسَم مَوْلَى اِبْن عَبَّاس وَغَيْره , وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَرَاءَوْنَ ) ‏ ‏يَتَفَاعَلُونَ مِنْ الرُّؤْيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا حِمَار وَحْش يَعْنِي وَقَعَ سَوْطه فَقَالُوا لَا نُعِينك ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا وَالشَّكّ فِيهِ مِنْ الْبُخَارِيّ , فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْحَرَّانِيّ عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ بِلَفْظِ \" فَإِذَا حِمَار وَحْش , فَرَكِبَ فَرَسِي وَأَخَذْت الرُّمْح وَالسَّوْط , فَسَقَطَ مِنِّي السَّوْط فَقُلْت : نَاوِلُونِي , فَقَالُوا : لَيْسَ نُعِينك عَلَيْهِ بِشَيْءٍ , إِنَّا مُحْرِمُونَ \" وَفِي قَوْلهمْ إِنَّا مُحْرِمُونَ دَلَالَة عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ يَحْرُم عَلَى الْمُحْرِم الْإِعَانَة عَلَى قَتْل الصَّيْد. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَنَاوَلْته ) ‏ ‏زَادَ أَبُو عَوَانَة \" بِشَيْءٍ \" وَبِهَذَا يَنْدَفِع إِشْكَال مَنْ قَالَ ذِكْر التَّنَاوُل بَعْد الْأَخْذ تَكْرَار , أَوْ مَعْنَاهُ تَكَلَّفْت الْأَخْذ فَأَخَذْته. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ وَرَاء أَكَمَة ) ‏ ‏بِفَتَحَاتٍ هِيَ التَّلّ مِنْ حَجَر وَاحِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرهَا فِي الِاسْتِسْقَاء. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ بَعْضهمْ كُلُوا ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ عِدَّة أَوْجُه أَنَّهُمْ أَكَلُوا , وَالظَّاهِر أَنَّهُمْ أَكَلُوا أَوَّل مَا أَتَاهُمْ بِهِ , ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِمْ الشَّكّ كَمَا فِي لَفْظ عُثْمَان بْن مُوهِب فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمهَا ثُمَّ قُلْنَا : أَنَأْكُلُ مِنْ لَحْم صَيْد وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ \" وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ رِوَايَة أَبِي حَازِم فِي الْهِبَة بِلَفْظِ \" ثُمَّ جِئْت بِهِ فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَ , ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُم \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فَجَعَلُوا يَشْوُونَ مِنْهُ ثُمَّ قَالُوا : رَسُول اللَّه بَيْن أَظْهُرنَا , وَكَانَ تَقَدَّمَهُمْ فَلَحِقُوهُ فَسَأَلُوهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ أَمَامنَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ كُلُوهُ حَلَال ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِحَذْفِ الْمُبْتَدَأ , وَبَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو عَوَانَة فَقَالَ \" كُلُوهُ فَهُوَ حَلَال \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم فَقَالَ \" هُوَ حَلَال فَكُلُوهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَنَا عَمْرو ) ‏ ‏أَيْ اِبْن دِينَار , وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو عَوَانَة فِي رِوَايَته , وَالْقَائِل سُفْيَان , وَالْغَرَض بِذَلِكَ تَأْكِيد ضَبْطه لَهُ وَسَمَاعه لَهُ مِنْ صَالِح وَهُوَ اِبْن كَيْسَانَ , وَقَوْله \" هَاهُنَا \" يَعْنِي مَكَّة. وَالْحَاصِل أَنَّ صَالِح بْنَ كَيْسَانَ كَانَ مَدَنِيًّا فَقَدِمَ مَكَّة فَدَلَّ عَمْرو بْن دِينَار أَصْحَابه عَلَيْهِ لِيَسْمَعُوا مِنْهُ. وَقَرَأْت بِخَطِّ بَعْض مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيث مَا نَصّه : فِي قَوْل سُفْيَان \" قَالَ لَنَا عَمْرو إِلَخْ \" إِشْكَال , فَإِنَّ سُفْيَان رَوَى ذَلِكَ عَنْ صَالِح فَكَيْف يَقُول لَهُ عَمْرو وَلِمَنْ مَعَهُ اِذْهَبُوا إِلَى صَالِح ؟ فَيُحْتَمَل أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا فِي تَجْدِيد سَمَاع سُفْيَان ذَلِكَ مِنْهُ مَرَّة بَعْد أُخْرَى , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ سُفْيَان حَدَّثَ بِذَلِكَ عَنْ صَالِح فِي حَال حَيَاته. اِنْتَهَى. وَهُوَ اِحْتِمَال بَعِيد جِدًّا. وَزَعَمَ أَنَّ عَمْرو بْن دِينَار قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ حِين قَدِمَ عَلَيْهِمْ الْكُوفَة. قَالَ : وَكَأَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَان يُحَدِّث بِهِ عَنْ صَالِح فَصَدَّقَهُ وَأَكَّدَهُ بِمَا قَالَ. وَقَوْله اِذْهَبُوا إِلَيْهِ أَيْ إِلَى صَالِح بِالْمَدِينَةِ ا ه. وَهَذَا أَبْعَد مِنْ الْأَوَّل , وَمَا سَمِعَهُ سُفْيَان مِنْ صَالِح إِلَّا بِمَكَّة , وَلَمْ يَقْدَم عَمْرو الْكُوفَة وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِسُفْيَان وَهُمَا بِمَكَّة , وَمَا حَدَّثَ بِهِ سُفْيَان لِعَلِيٍّ إِلَّا بَعْد مَوْت صَالِح وَعَمْرو بِمُدَّةٍ طَوِيلَة , وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ قَالَ لَنَا عَمْرو اِذْهَبُوا إِلَخْ كَيْفِيَّة تَحَمُّله لَهُ مِنْ صَالِح وَأَنَّهُ بِدَلَالَةِ عَمْرو , وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1695",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ فِيهِمْ ‏ ‏أَبُو قَتَادَةَ ‏ ‏فَقَالَ خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا ‏ ‏أَبُو قَتَادَةَ ‏ ‏لَمْ يُحْرِمْ فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ ‏ ‏أَبُو قَتَادَةَ ‏ ‏عَلَى الْحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْهَا ‏ ‏أَتَانًا ‏ ‏فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا وَقَالُوا أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ ‏ ‏الْأَتَانِ ‏ ‏فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا وَقَدْ كَانَ ‏ ‏أَبُو قَتَادَةَ ‏ ‏لَمْ يُحْرِمْ فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا ‏ ‏أَبُو قَتَادَةَ ‏ ‏فَعَقَرَ مِنْهَا ‏ ‏أَتَانًا ‏ ‏فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا ثُمَّ قُلْنَا أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا قَالَ ‏ ‏أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا قَالُوا لَا قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُثْمَان هُوَ اِبْن مَوْهِب ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَاء وَمَوْهِب جَدّه , وَهُوَ عُثْمَان بْن عَبْد اللَّه التَّيْمِيُّ مَدَنِيّ تَابِعِيّ ثِقَة , رَوَى هُنَا عَنْ تَابِعِيّ أَكْبَر مِنْهُ قَلِيلًا. ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجَ حَاجًّا ) ‏ ‏قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هَذَا غَلَط , فَإِنَّ الْقِصَّة كَانَتْ فِي عُمْرَة , وَأَمَّا الْخُرُوج إِلَى الْحَجّ فَكَانَ فِي خَلْق كَثِير وَكَانَ كُلّهمْ عَلَى الْجَادَّة لَا عَلَى سَاحِل الْبَحْر. وَلَعَلَّ الرَّاوِي أَرَادَ خَرَجَ مُحْرِمًا فَعَبَّرَ عَنْ الْإِحْرَام بِالْحَجِّ غَلَطًا. قُلْت : لَا غَلَط فِي ذَلِكَ , بَلْ هُوَ مِنْ الْمَجَاز السَّائِغ. وَأَيْضًا فَالْحَجّ فِي الْأَصْل قَصْد الْبَيْت فَكَأَنَّهُ قَالَ خَرَجَ قَاصِدًا لِلْبَيْتِ , وَلِهَذَا يُقَال لِلْعُمْرَةِ الْحَجّ الْأَصْغَر. ثُمَّ وَجَدْت الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْمُقَدِّمِيّ عَنْ أَبِي عَوَانَة بِلَفْظِ \" خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا \" أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ , فَتَبَيَّنَ أَنَّ الشَّكّ فِيهِ مِنْ أَبِي عَوَانَة , وَقَدْ جَزَمَ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا أَبَا قَتَادَةَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ , وَلِغَيْرِهِ \" إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ \" بِالرَّفْعِ , وَوَقَعَ بِالنَّصْبِ عِنْد مُسْلِم وَغَيْره مِنْ هَذَا الْوَجْه , قَالَ اِبْن مَالِك فِي \" التَّوْضِيح \" : حَقّ الْمُسْتَثْنَى بِإِلَّا مِنْ كَلَام تَامّ مُوجَب أَنْ يُنْصَب مُفْرَدًا كَانَ أَوْ مُكَمِّلًا مَعْنَاهُ بِمَا بَعْده , فَالْمُفْرَد نَحْو قَوْله تَعَالَى ( الْأَخِلَّاءُيَوْمئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) وَالْمُكَمِّل نَحْو ( إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا اِمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إنَّهَا لَمِنْ الْغَابِرِينَ ) وَلَا يَعْرِف أَكْثَر الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْبَصْرِيِّينَ فِي هَذَا النَّوْع إِلَّا النَّصْب , وَقَدْ أَغْفَلُوا وُرُوده مَرْفُوعًا بِالِابْتِدَاءِ مَعَ ثُبُوت الْخَبَر وَمَعَ حَذْفه , فَمِنْ أَمْثِلَة الثَّابِت الْخَبَر قَوْل أَبِي قَتَادَةَ \" أَحْرَمُوا كُلّهمْ إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِم \" فَإِلَّا بِمَعْنَى لَكِنْ , وَأَبُو قَتَادَةَ مُبْتَدَأ وَلَمْ يُحْرِم خَبَره , وَنَظِيره مِنْ كِتَاب اللَّه تَعَالَى ( وَلَا يَلْتَفِت مِنْكُمْ أَحَدٌ , إِلَّا اِمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ) فَإِنَّهُ لَا يَصِحّ أَنْ يُجْعَل اِمْرَأَتك بَدَلًا مِنْ أَحَد لِأَنَّهَا لَمْ تَسِرْ مَعَهُمْ فَيَتَضَمَّنهَا ضَمِير الْمُخَاطَبِينَ. وَتَكَلَّفَ بَعْضهمْ بِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَسِرْ بِهَا لَكِنَّهَا شَعَرَتْ بِالْعَذَابِ فَتَبِعَتْهُمْ ثُمَّ اِلْتَفَتَتْ فَهَلَكَتْ. قَالَ : وَهَذَا عَلَى تَقْدِير صِحَّته لَا يُوجِب دُخُولهَا فِي الْمُخَاطَبِينَ , وَمِنْ أَمْثِلَة الْمَحْذُوف الْخَبَر قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كُلّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ \" أَيْ لَكِنْ الْمُجَاهِرُونَ بِالْمَعَاصِي لَا يُعَافَوْنَ , وَمِنْهُ مِنْ كِتَاب اللَّه تَعَالَى قَوْله تَعَالَى ( فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ) أَيْ لَكِنْ قَلِيل مِنْهُمْ لَمْ يَشْرَبُوا. قَالَ : وَلِلْكُوفِيِّينَ فِي هَذَا الثَّانِي مَذْهَب آخَر وَهُوَ أَنْ يَجْعَلُوا \" إِلَّا \" حَرْف عَطْف وَمَا بَعْدهَا مَعْطُوف عَلَى مَا قَبْلهَا ا ه. وَفِي نِسْبَة الْكَلَام الْمَذْكُور لِابْنِ أَبِي قَتَادَةَ دُون أَبِي قَتَادَةَ نَظَر , فَإِنَّ سِيَاق الْحَدِيث ظَاهِر فِي أَنَّ قَوْله قَوْل أَبِي قَتَادَةَ حَيْثُ قَالَ \" إِنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ , فَصَرَفَ طَائِفَة مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ - إِلَى أَنْ قَالَ - أَحْرَمُوا كُلّهمْ إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ \". وَقَوْل أَبِي قَتَادَةَ \" فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ \" مِنْ بَاب التَّجْرِيد , وَكَذَا قَوْله \" إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ \" وَلَا حَاجَة إِلَى جَعْله مِنْ قَوْل اِبْنه لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون الْحَدِيث مُرْسَلًا. وَمِنْ تَوْجِيه الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة وَهِيَ قَوْله إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ أَنْ يَكُون عَلَى مَذْهَب مَنْ يَقُول : عَلِيّ بْن أَبُو طَالِب. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُر فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا ) ‏ ‏فِي هَذَا السِّيَاق زِيَادَة عَلَى جَمِيع الرِّوَايَات لِأَنَّهَا مُتَّفِقَة عَلَى إِفْرَاد الْحِمَار بِالرُّؤْيَةِ , وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّهُ مِنْ جُمْلَة الْحُمُر وَأَنَّ الْمَقْتُول كَانَ أَتَانًا أَيْ أُنْثَى , فَعَلَى هَذَا فِي إِطْلَاق الْحِمَار عَلَيْهَا تَجَوُّز. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْم الْأَتَان ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة أَبِي حَازِم الْآتِيَة لِلْمُصَنِّفِ فِي الْهِبَة \" فَرُحْنَا وَخَبَّأْت الْعَضُد مَعِي \" وَفِيهِ \" مَعَكُمْ مِنْهُ بِشَيْءٍ ؟ فَنَاوَلْته الْعَضُد فَأَكَلَهَا حَتَّى تَعَرَّقَهَا \" وَلَهُ فِي الْجِهَاد قَالَ \" مَعَنَا رِجْله , فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا \" وَفِي رِوَايَة الْمُطَّلِب \" قَدْ رَفَعْنَا لَك الذِّرَاع , فَأَكَلَ مِنْهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَمِنْكُمْ أَحَد أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِل عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا ؟ قَالُوا لَا ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" هَلْ مِنْكُمْ أَحَد أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ عُثْمَان \" هَلْ أَشَرْتُمْ أَوْ أَعَنْتُمْ أَوْ اِصْطَدْتُمْ \" وَلِأَبِي عَوَانَة مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَشَرْتُمْ أَوْ اِصْطَدْتُمْ أَوْ قَتَلْتُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمهَا ) ‏ ‏صِيغَة الْأَمْر هُنَا لِلْإِبَاحَةِ لَا لِلْوُجُوبِ , لِأَنَّهَا وَقَعَتْ جَوَابًا عَنْ سُؤَالهمْ عَنْ الْجَوَاز لَا عَنْ الْوُجُوب , فَوَقَعَتْ الصِّيغَة عَلَى مُقْتَضَى السُّؤَال , وَلَمْ يَذْكُر فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ مِنْ لَحْمهَا , وَذَكَرَهُ فِي رِوَايَتَيْ أَبِي حَازِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَةَ كَمَا تَرَاهُ وَلَمْ يَذْكُر ذَلِكَ أَحَد مِنْ الرُّوَاة عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَةَ غَيْره , وَوَافَقَهُ صَالِح بْن حَسَّان عِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ وَأَبِي عَوَانَة وَلَفْظه \" فَقَالَ كُلُوا وَأَطْعِمُونِي \" وَكَذَا لَمْ يَذْكُرهَا أَحَد مِنْ الرُّوَاة عَنْ أَبِي قَتَادَةَ نَفْسه إِلَّا الْمُطَّلِب عَنْ سَعِيد بْن مَنْصُور , وَوَقَعَ لَنَا مِنْ رِوَايَة أَبِي مُحَمَّد وَعَطَاء بْن يَسَار وَأَبِي صَالِح كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّيْد , وَمِنْ رِوَايَة أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عِنْد إِسْحَاق , وَمِنْ رِوَايَة عُبَادَةَ بْن تَمِيم وَسَعْد بْن إِبْرَاهِيم عِنْد أَحْمَد , وَتَفَرَّدَ مَعْمَر عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير بِزِيَادَةٍ مُضَادَّة لِرِوَايَتَيْ أَبِي حَازِم كَمَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاق وَابْن خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقه وَقَالَ فِي آخِره \" فَذَكَرْت شَأْنه لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُلْت : إِنَّمَا اِصْطَدْته لَك \" فَأَمَرَ أَصْحَابه فَأَكَلُوهُ , وَلَمْ يَأْكُل مِنْهُ حِين أَخْبَرْته أَنِّي اِصْطَدْته لَهُ. قَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ وَأَبُو بَكْر النَّيْسَابُورِيّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْجَوْزَقِيّ : تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَة مَعْمَر. قَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ : إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة مَحْفُوظَة اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ مِنْ لَحْم ذَلِكَ الْحِمَار قَبْل أَنْ يُعْلِمهُ أَبُو قَتَادَةَ أَنَّهُ اِصْطَادَهُ مِنْ أَجْله , فَلَمَّا أَعْلَمهُ اِمْتَنَعَ ا ه. وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أَقَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَكْل مِنْهُ إِلَى أَنْ أَعْلَمَهُ أَبُو قَتَادَةَ بِأَنَّهُ صَادَهُ لِأَجْلِهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَاز , فَإِنَّ الَّذِي يَحْرُم عَلَى الْمُحْرِم إِنَّمَا هُوَ الَّذِي يَعْلَم أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْله , وَأَمَّا إِذَا أُتِيَ بِلَحْمٍ لَا يَدْرِي أَلَحْمُ صَيْد أَوْ لَا فَحَمَلَهُ عَلَى أَصْل الْإِبَاحَة فَأَكَلَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَى الْآكِل. وَعِنْدِي بَعْد ذَلِكَ فِيهِ وَقْفَة , فَإِنَّ الرِّوَايَات الْمُتَقَدِّمَة ظَاهِرَة فِي أَنَّ الَّذِي تَأَخَّرَ هُوَ الْعَضُد , وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَهَا حَتَّى تَعَرَّقَهَا أَيْ لَمْ يُبْقِ مِنْهَا إِلَّا الْعَظْم , وَوَقَعَ عِنْد الْبُخَارِيّ فِي الْهِبَة \" حَتَّى نَفِدَهَا \" أَيْ فَرَّغَهَا , فَأَيّ شَيْء يَبْقَى مِنْهَا حِينَئِذٍ حَتَّى يَأْمُر أَصْحَابه بِأَكْلِهِ. لَكِنَّ رِوَايَة أَبِي مُحَمَّد الْآتِيَة فِي الصَّيْد \" أَبَقِيَ مَعَكُمْ شَيْء مِنْهُ ؟ قُلْت : نَعَمْ قَالَ : كُلُوا , فَهُوَ طُعْمَة أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّه \" فَأَشْعَرَ بِأَنَّهُ بَقِيَ مِنْهَا غَيْر الْعَضُد , وَاللَّه أَعْلَم. وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي حُكْم مَا يَصِيدهُ الْحَلَال بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُحْرِم فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ مِنْ الْفَوَائِد أَنَّ تَمَنِّي الْمُحْرِم أَنْ يَقَع مِنْ الْحَلَال الصَّيْد لِيَأْكُل الْمُحْرِم مِنْهُ لَا يَقْدَح فِي إِحْرَامه , وَأَنَّ الْحَلَال إِذَا صَادَ لِنَفْسِهِ جَازَ لِلْمُحْرِمِ الْأَكْل مِنْ صَيْده , وَهَذَا يُقَوِّي مِنْ حَمْل الصَّيْد فِي قَوْله تَعَالَى ( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ) عَلَى الِاصْطِيَاد , وَفِيهِ الِاسْتِيهَاب مِنْ الْأَصْدِقَاء وَقَبُول الْهَدِيَّة مِنْ الصَّدِيق. وَقَالَ عِيَاض : عِنْدِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَب مِنْ أَبِي قَتَادَةَ ذَلِكَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ مَنْ أَكَلَ مِنْهُ بَيَانًا لِلْجَوَازِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْل لِإِزَالَةِ الشُّبْهَة الَّتِي حَصَلَتْ لَهُمْ , وَفِيهِ تَسْمِيَة الْفَرَس , وَأَلْحَق الْمُصَنِّف بِهِ الْحِمَار فَتَرْجَمَ لَهُ فِي الْجِهَاد. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : قَالُوا تَجُوز التَّسْمِيَة لِمَا لَا يَعْقِل , وَإِنْ كَانَ لَا يَتَفَطَّن لَهُ وَلَا يُجِيب إِذَا نُودِيَ , مَعَ أَنَّ بَعْض الْحَيَوَانَات رُبَّمَا أَدْمَنَ عَلَى ذَلِكَ بِحَيْثُ يَصِير يُمَيِّز اِسْمه إِذَا دُعِيَ بِهِ. وَفِيهِ إِمْسَاك نَصِيب الرَّفِيق الْغَائِب مِمَّنْ يَتَعَيَّن اِحْتِرَامه أَوْ تُرْجَى بَرَكَته أَوْ يُتَوَقَّع مِنْهُ ظُهُور حُكْم تِلْكَ الْمَسْأَلَة بِخُصُوصِهَا. وَفِيهِ تَفْرِيق الْإِمَام أَصْحَابه لِلْمَصْلَحَةِ , وَاسْتِعْمَال الطَّلِيعَة فِي الْغَزْو , وَتَبْلِيغ السَّلَام عَنْ قُرْب وَعَنْ بُعْد , وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَة عَلَى جَوَاز تَرْك رَدّ السَّلَام مِمَّنْ بَلَغَهُ لِأَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون وَقَعَ وَلَيْسَ فِي الْخَبَر مَا يَنْفِيه. وَفِيهِ أَنَّ عَقْر الصَّيْد ذَكَاته , وَجَوَاز الِاجْتِهَاد فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هُوَ اِجْتِهَاد بِالْقُرْبِ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا فِي حَضْرَته. وَفِيهِ الْعَمَل بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد وَلَوْ تَضَادَّ الْمُجْتَهِدَانِ وَلَا يُعَاب وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ \" فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيْنَا \" وَكَأَنَّ الْآكِل تَمَسّك بِأَصْلِ الْإِبَاحَة , وَالْمُمْتَنِع نَظَرَ إِلَى الْأَمْر الطَّارِئ. وَفِيهِ الرُّجُوع إِلَى النَّصّ عِنْد تَعَارُض الْأَدِلَّة , وَرَكْض الْفَرَس فِي الِاصْطِيَاد , وَالتَّصَيُّد فِي الْأَمَاكِن الْوَعِرَة , وَالِاسْتِعَانَة بِالْفَارِسِ , وَحَمْل الزَّاد فِي السَّفَر , وَالرِّفْق بِالْأَصْحَابِ وَالرُّفَقَاء فِي السَّيْر , وَاسْتِعْمَال الْكِنَايَة فِي الْفِعْل كَمَا تُسْتَعْمَل فِي الْقَوْل لِأَنَّهُمْ اِسْتَعْمَلُوا الضَّحِك فِي مَوْضِع الْإِشَارَة لِمَا اِعْتَقَدُوهُ مِنْ أَنَّ الْإِشَارَة لَا تَحِلّ. وَفِيهِ جَوَاز سَوْق الْفَرَس لِلْحَاجَةِ وَالرِّفْق بِهِ مَعَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ \" وَأَسِير شَأْوًا \" وَنُزُول الْمُسَافِر وَقْت الْقَائِلَة , وَفِيهِ ذِكْر الْحُكْم مَعَ الْحِكْمَة فِي قَوْله \" إِنَّمَا هِيَ طُعْمَة أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّه \". ‏ ‏( تَكْمِلَة ) ‏ ‏لَا يَجُوز لِلْمُحْرِمِ قَتْل الصَّيْد إِلَّا إِنْ صَالَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ دَفْعًا فَيَجُوز , وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1696",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ ‏ ‏بِالْأَبْوَاءِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏بِوَدَّانَ ‏ ‏فَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ ‏ ‏إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن شِهَاب إِلَخْ ) ‏ ‏لَمْ يَخْتَلِف عَلَى مَالِك فِي سِيَاقه مُعَنْعَنًا وَأَنَّهُ مِنْ مُسْنَد الصَّعْب إِلَّا مَا وَقَعَ فِي \" مُوَطَّأ اِبْن وَهْب \" فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَته عَنْ اِبْن عَبَّاس \" إِنَّ الصَّعْب بْن جَثَّامَة أَهْدَى \" فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَد اِبْن عَبَّاس , نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْمُوَطَّآت \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق سَعِيد اِبْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" أَهْدَى الصَّعْب \" وَالْمَحْفُوظ فِي حَدِيث مَالِك الْأَوَّل , وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْهِبَة مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ \" أَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه أَنَّ اِبْن عَبَّاس أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ الصَّعْب - وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخْبِر أَنَّهُ أَهْدَى \" وَالصَّعْب بِفَتْحِ الصَّاد وَسُكُون الْعَيْن الْمُهْمَلَتَيْنِ بَعْدهَا مُوَحَّدَة , وَأَبُوهُ جَثَّامَة بِفَتْحِ الْجِيم وَتَثْقِيل الْمُثَلَّثَة وَهُوَ مِنْ بَنِي لَيْث بْن بَكْر بْن عَبْد مَنَاة بْن كِنَانَة , وَكَانَ اِبْن أُخْت أَبِي سُفْيَان بْن حَرْب , أُمّه زَيْنَب بِنْت حَرْب بْن أُمَيَّة , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بَيْنه وَبَيْن عَوْف بْن مَالِك. ‏ ‏قَوْله : ( حِمَارًا وَحْشِيًّا ) ‏ ‏لَمْ تَخْتَلِف الرُّوَاة عَنْ مَالِك فِي ذَلِكَ , وَتَابَعَهُ عَامَّة الرُّوَاة عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَخَالَفَهُمْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ \" لَحْم حِمَار وَحْش \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , لَكِنْ بَيَّنَ الْحُمَيْدِيّ صَاحِب سُفْيَان أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي هَذَا الْحَدِيث \" حِمَار وَحْش \" ثُمَّ صَارَ يَقُول \" لَحْم حِمَار وَحْش \" فَدَلَّ عَلَى اِضْطِرَابه فِيهِ , وَقَدْ تُوبِعَ عَلَى قَوْله \" لَحْم حِمَار وَحْش \" مِنْ أَوْجُه فِيهَا مَقَال , مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن دِينَار عَنْ الزُّهْرِيِّ لَكِنَّ إِسْنَاده ضَعِيف , وَقَالَ إِسْحَاق فِي مُسْنَده. : أَخْبَرَنَا الْفَضْل بْن مُوسَى عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَلْقَمَة عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ \" لَحْم حِمَار \" وَقَدْ خَالَفَهُ خَالِد الْوَاسِطِي عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو فَقَالَ \" حِمَار وَحْش \" كَالْأَكْثَرِ , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ \" رِجْل حِمَار وَحْش \" وَابْن إِسْحَاق حَسَن الْحَدِيث إِلَّا أَنَّهُ لَا يُحْتَجّ بِهِ إِذَا خُولِفَ , وَيَدُلّ عَلَى وَهْم مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ ذَلِكَ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ \" قُلْت لِلزُّهْرِيِّ الْحِمَار عَقِير ؟ قَالَ لَا أَدْرِي \" أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَة وَابْن عَوَانَة فِي صَحِيحَيْهِمَا , وَقَدْ جَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ وَجْه آخَر أَنَّ الَّذِي أَهْدَاهُ الصَّعْب لَحْم حِمَار فَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق الْحَاكِم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" أَهْدَى الصَّعْب إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجْل حِمَار \" وَفِي رِوَايَة عِنْده \" عَجُز حِمَار وَحْش يَقْطُر دَمًا \" وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت عَنْ سَعِيد قَالَ تَارَة \" حِمَار وَحْش \" وَتَارَة \" شِقّ حِمَار \" وَيُقَوِّي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" قَدِمَ زَيْد بْن أَرْقَم , فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس يَسْتَذْكِرهُ : كَيْف أَخْبَرْتنِي عَنْ لَحْم صَيْد أُهْدِي لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حَرَام ؟ قَالَ : أُهْدِيَ لَهُ عُضْو مِنْ لَحْم صَيْد فَرَدَّهُ وَقَالَ : إِنَّا لَا نَأْكُلهُ , إِنَّا حُرُم \". وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ \" يَا زَيْد بْن أَرْقَم , هَلْ عَلِمْت أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَهُ. وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَات كُلّهَا عَلَى أَنَّهُ رَدَّهُ عَلَيْهِ , إِلَّا مَا رَوَاهُ اِبْن وَهْب وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقه بِإسْنَادٍ حَسَن مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن أُمَيَّة \" أَنَّ الصَّعْب أَهْدَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَجُز حِمَار وَحْش وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ فَأَكَلَ مِنْهُ وَأَكَلَ الْقَوْم \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ رَدَّ الْحَيّ وَقَبِلَ اللَّحْم , قُلْت وَفِي هَذَا الْجَمْع نَظَر لِمَا بَيَّنْته , فَإِنْ كَانَتْ الطُّرُق كُلّهَا مَحْفُوظَة فَلَعَلَّهُ رَدَّهُ حَيًّا لِكَوْنِهِ صِيدَ لِأَجْلِهِ وَرَدَّ اللَّحْم تَارَة لِذَلِكَ وَقَبِلَهُ تَارَة أُخْرَى حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُصَدْ لِأَجْلِهِ , وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيّ فِي \" الْأُمّ \" : إِنْ كَانَ الصَّعْب أَهْدَى لَهُ حِمَارًا حَيًّا فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَذْبَح حِمَار وَحْش حَيّ وَإِنْ كَانَ أَهْدَى لَهُ لَحْمًا فَقَدْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَلِمَ أَنَّهُ صِيدَ لَهُ. وَنَقَلَ التِّرْمِذِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ رَدَّهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْله فَتَرَكَهُ عَلَى وَجْه التَّنَزُّه. وَيُحْتَمَل أَنْ يُحْمَل الْقَبُول الْمَذْكُور فِي حَدِيث عَمْرو بْن أُمَيَّة عَلَى وَقْت آخَر وَهُوَ حَال رُجُوعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ جَازِم فِيهِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ بِالْجُحْفَةِ وَفِي غَيْرهَا مِنْ الرِّوَايَات بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّان , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الصَّعْب أَحْضَرَ الْحِمَار مَذْبُوحًا ثُمَّ قَطَعَ مِنْهُ عُضْوًا بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدَّمَهُ لَهُ , فَمَنْ قَالَ أَهْدَى حِمَارًا أَرَادَ بِتَمَامِهِ مَذْبُوحًا حَيًّا , وَمَنْ قَالَ لَحْم حِمَار أَرَادَ مَا قَدَّمَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَنْ قَالَ حِمَارًا أَطْلَقَ وَأَرَادَ بَعْضه مَجَازًا. قَالَ وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَهْدَاهُ لَهُ حَيًّا فَلَمَّا رَدَّهُ عَلَيْهِ ذَكَّاهُ وَأَتَاهُ بِعُضْوٍ مِنْهُ ظَانًّا أَنَّهُ إِنَّمَا رَدَّهُ عَلَيْهِ لِمَعْنًى يَخْتَصّ بِجُمْلَتِهِ , فَأَعْلَمهُ بِامْتِنَاعِهِ أَنَّ حُكْم الْجُزْء مِنْ الصَّيْد حُكْم الْكُلّ , قَالَ : وَالْجَمْع مَهْمَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ تَوْهِيم بَعْض الرِّوَايَات. وَقَالَ النَّوَوِيّ : تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ بِكَوْنِ الْحِمَار حَيًّا , وَلَيْسَ فِي سِيَاق الْحَدِيث تَصْرِيح بِذَلِكَ , وَكَذَا نَقَلُوا هَذَا التَّأْوِيل عَنْ مَالِك , وَهُوَ بَاطِل لِأَنَّ الرِّوَايَات الَّتِي ذَكَرهَا مُسْلِم صَرِيحَة فِي أَنَّهُ مَذْبُوح. اِنْتَهَى. وَإِذَا تَأَمَّلْت مَا تَقَدَّمَ لَمْ يَحْسُن إِطْلَاقه بُطْلَان التَّأْوِيل الْمَذْكُور وَلَا سِيَّمَا فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ الَّتِي هِيَ عُمْدَة هَذَا الْبَاب , وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيّ فِي \" الْأُمّ \" : حَدِيث مَالِك أَنَّ الصَّعْب أَهْدَى حِمَارًا أَثْبَت مِنْ حَدِيث مَنْ رَوَى أَنَّهُ أَهْدَى لَحْم حِمَار , وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : رَوَى بَعْض أَصْحَاب الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيث الصَّعْب \" لَحْم حِمَار وَحْش \" وَهُوَ غَيْر مَحْفُوظ. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْأَبْوَاءِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَبِالْمَدِّ : جَبَل مِنْ عَمَل الْفُرُع بِضَمِّ الْفَاء وَالرَّاء بَعْدهَا مُهْمَلَة , قِيلَ سُمِّيَ الْأَبْوَاء لِوَبَائِهِ عَلَى الْقَلْب , وَقِيلَ لِأَنَّ السُّيُول تَتَبَوَّؤُهُ أَيْ تَحُلُّهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ بِوَدَّان ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاو وَتَشْدِيد الدَّال وَآخِرهَا نُون مَوْضِع بِقُرْبِ الْجُحْفَة , وَقَدْ سَبَقَ فِي حَدِيث عَمْرو بْن أُمَيَّة أَنَّهُ كَانَ بِالْجُحْفَةِ , وَوَدَّان أَقْرَب إِلَى الْجُحْفَة مِنْ الْأَبْوَاء فَإِنَّ مِنْ الْأَبْوَاء إِلَى الْجُحْفَة لِلْآتِي مِنْ الْمَدِينَة ثَلَاثَة وَعِشْرِينَ مِيلًا , وَمِنْ وَدَّان إِلَى الْجُحْفَة ثَمَانِيَة أَمْيَال , وَبِالشَّكِّ جَزَمَ أَكْثَر الرُّوَاة , وَجَزَمَ اِبْن إِسْحَاق وَصَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِوَدَّان , وَجَزَمَ مَعْمَر وَعَبْد الرَّحْمَن اِبْن إِسْحَاق وَمُحَمَّد بْن عَمْرو بِالْأَبْوَاءِ , وَالَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الشَّكّ فِيهِ مِنْ اِبْن عَبَّاس لِأَنَّ الطَّبَرَانِيَّ أَخْرَجَ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْهُ عَلَى الشَّكّ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" فَلَمَّا عَرَفَ فِي وَجْهِي رَدَّهُ هَدِيَّتِي \". وَفِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد التِّرْمِذِيّ \" فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهه مِنْ الْكَرَاهِيَة \" وَكَذَا لِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّا لَمْ نَرُدّهُ عَلَيْك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب وَابْن جُرَيْجٍ \" لَيْسَ بِنَا رَدّ عَلَيْك \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" إِنَّا لَمْ نَرُدّهُ عَلَيْك كَرَاهِيَة لَهُ وَلَكِنَّا حُرُم \" قَالَ عِيَاض : ضَبَطْنَاهُ فِي الرِّوَايَات \" لَمْ نَرُدّهُ \" بِفَتْحِ الدَّال , وَأَبَى ذَلِكَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة وَقَالُوا : الصَّوَاب أَنَّهُ بِضَمِّ الدَّال لِأَنَّ الْمُضَاعَف مِنْ الْمَجْزُوم يُرَاعَى فِيهِ الْوَاو الَّتِي تُوجِبهَا لَهُ ضَمَّة الْهَاء بَعْدهَا. قَالَ : وَلَيْسَ الْفَتْح بِغَلَطٍ بَلْ ذَكَره ثَعْلَب فِي الْفَصِيح. نَعَمْ تَعَقَّبُوهُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ ضَعِيف , وَأَوْهَمَ صَنِيعه أَنَّهُ فَصِيح , وَأَجَازُوا أَيْضًا الْكَسْر وَهُوَ أَضْعَف الْأَوْجُه. قُلْت : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِفَكِّ الْإِدْغَام \" لَمْ نَرْدُدْهُ \" بِضَمِّ الْأُولَى وَسُكُون الثَّانِيَة وَلَا إِشْكَال فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا أَنَّا حُرُم ) ‏ ‏زَادَ صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنَدَ النَّسَائِيِّ \" لَا نَأْكُل الصَّيْد \" , وَفِي رِوَايَة سَعِيد عَنْ اِبْن عَبَّاس \" لَوْلَا أَنَّا مُحْرِمُونَ لَقَبِلْنَاهُ مِنْك \". وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى تَحْرِيم الْأَكْل مِنْ لَحْم الصَّيْد عَلَى الْمُحْرِم مُطْلَقًا لِأَنَّهُ اِقْتَصَرَ فِي التَّعْلِيل عَلَى كَوْنه مُحْرِمًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَبَب الِامْتِنَاع خَاصَّة , وَهُوَ قَوْل عَلِيّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَاللَّيْث وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاق لِحَدِيثِ الصَّعْب هَذَا , وَلِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره مِنْ حَدِيث عَلِيّ \" أَنَّهُ قَالَ لِنَاسٍ مِنْ أَشْجَعَ : أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَى لَهُ رَجُل حِمَار وَحْش وَهُوَ مُحْرِم فَأَبَى أَنْ يَأْكُلهُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ \" لَكِنْ يُعَارِض هَذَا الظَّاهِر مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيث طَلْحَة أَنَّهُ \" أُهْدِيَ لَهُ لَحْم طَيْر وَهُوَ مُحْرِم , فَوَقَفَ مَنْ أَكَلَهُ وَقَالَ : أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏وَحَدِيث أَبِي قَتَادَةَ الْمَذْكُور فِي الْبَاب قَبْله وَحَدِيث عُمَيْر بْن سَلَمَة \" أَنَّ الْبَهْزِيّ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَبْيًا وَهُوَ مُحْرِم , فَأَمَرَ أَبَا بَكْر أَنْ يَقْسِمهُ بَيْن الرِّفَاق \" ; أَخْرَجَهُ مَالِك وَأَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره , وَبِالْجَوَازِ مُطْلَقًا قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَطَائِفَة مِنْ السَّلَف , وَجَمَعَ الْجُمْهُور بَيْن مَا اِخْتَلَفَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّ أَحَادِيث الْقَبُول مَحْمُولَة عَلَى مَا يَصِيدهُ الْحَلَال لِنَفْسِهِ ثُمَّ يُهْدِي مِنْهُ لِلْمُحْرِمِ , وَأَحَادِيث الرَّدّ مَحْمُولَة عَلَى مَا صَادَهُ الْحَلَال لِأَجْلِ الْمُحْرِم. قَالُوا وَالسَّبَب فِي الِاقْتِصَار عَلَى الْإِحْرَام عِنْد الِاعْتِذَار لِلصَّعْبِ إِنَّ الصَّيْد لَا يَحْرُم عَلَى الْمَرْء إِذَا صِيدَ لَهُ إِلَّا إِذَا كَانَ مُحْرِمًا , فَبَيَّنَ الشَّرْط الْأَصْلِيّ وَسَكَتَ عَمَّا عَدَاهُ فَلَمْ يَدُلّ عَلَى نَفْيه , وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي الْأَحَادِيث الْأُخَر. وَيُؤَيِّد هَذَا الْجَمْع حَدِيث جَابِر مَرْفُوعًا \" صَيْد الْبَرّ لَكُمْ حَلَال مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَاد لَكُمْ \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة صَالِح اِبْن كَيْسَانَ \" إِنَّا حُرُم لَا نَأْكُل الصَّيْد \" فَبَيَّنَ الْعِلَّتَيْنِ جَمِيعًا , وَجَاءَ عَنْ مَالِك تَفْصِيل آخَر بَيَّنَ مَا صِيدَ لِلْمُحْرِمِ قَبْل إِحْرَامه يَجُوز لَهُ الْأَكْل مِنْهُ أَوْ بَعْد إِحْرَامه فَلَا , وَعَنْ عُثْمَان التَّفْصِيل بَيْن مَا يُصَاد لِأَجْلِهِ مِنْ الْمُحْرِمِينَ فَيَمْتَنِع عَلَيْهِ وَلَا يَمْتَنِع عَلَى مُحْرِم آخَر. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة : حَدِيث الصَّعْب يُشْكِل عَلَى مَالِك لِأَنَّهُ يَقُول : مَا صِيدَ مِنْ أَجْل الْمُحْرِم يَحْرُم عَلَى الْمُحْرِم وَعَلَى غَيْر الْمُحْرِم , فَيُمْكِن أَنْ يُقَال قَوْله \" فَرَدَّهُ عَلَيْهِ \" لَا يَسْتَلْزِم أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُ أَكْله , بَلْ يَجُوز أَنْ يَكُون أَمْرُهُ بِإِرْسَالِهِ إِنْ كَانَ حَيًّا وَطَرْحه إِنْ كَانَ مَذْبُوحًا فَإِنَّ السُّكُوت عَنْ الْحُكْم لَا يَدُلّ عَلَى الْحُكْم بِضِدِّهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ وَقْت الْبَيَان فَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِانْتِفَاع بِهِ لَمْ يَرُدّهُ عَلَيْهِ أَصْلًا إِذْ لَا اِخْتِصَاص لَهُ بِهِ. وَفِي حَدِيث الصَّعْب الْحُكْم بِالْعَلَامَةِ لِقَوْلِهِ \" فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِي \". وَفِيهِ جَوَاز رَدّ الْهَدِيَّة لِعِلَّةٍ , وَتَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّف \" مَنْ رَدَّ الْهَدِيَّة لِعِلَّةٍ \" وَفِيهِ الِاعْتِذَار عَنْ رَدّ الْهَدِيَّة تَطْيِيبًا لِقَلْبِ الْمُهْدِي , وَأَنَّ الْهِبَة لَا تَدْخُل فِي الْمِلْك إِلَّا بِالْقَبُولِ , وَأَنَّ قُدْرَته عَلَى تَمَلُّكهَا لَا تُصَيِّرهُ مَالِكًا لَهَا , وَأَنَّ عَلَى الْمُحْرِم أَنْ يُرْسِل مَا فِي يَده مِنْ الصَّيْد الْمُمْتَنِع عَلَيْهِ اِصْطِيَاده. ‏"
    },
    {
        "id": "1697",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ ‏ ‏جُنَاحٌ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَتْنِي ‏ ‏إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَمْس مِنْ الدَّوَابّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِم فِي قَتْلهنَّ جُنَاح ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَأَحَالَ بِهِ عَلَى طَرِيق سَالِم , وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأ وَتَمَامه \" الْغُرَاب وَالْحِدَأَة وَالْعَقْرَب وَالْفَأْرَة وَالْكَلْب الْعَقُور \". ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الطَّرِيق الْأُولَى , وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإ كَذَلِكَ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر , وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر. وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِي بَدْء الْخَلْق عَنْ الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِك وَسَاقَ لَفْظه مِثْله سَوَاء. وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار فَقَالَ \" الْحَيَّة \" بَدَل الْعَقْرَب. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زَيْد بْن جُبَيْر ) ‏ ‏هُوَ الطَّائِيّ الْكُوفِيّ , لَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح رِوَايَة عَنْ غَيْر اِبْن عُمَر , وَلَا لَهُ فِيهِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث وَآخَر تَقَدَّمَ فِي الْمَوَاقِيت , وَقَدْ خَالَفَ نَافِعًا وَعَبْد اللَّه بْن دِينَار فِي إِدْخَال الْوَاسِطَة بَيْن اِبْن عُمَر وَبَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيث , وَوَافَقَ سَالِمًا , إِلَّا أَنَّ زَيْدًا أَبْهَمَهَا وَسَالِمًا سَمَّاهَا. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَتْنِي إِحْدَى نِسْوَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَقْتُل الْمُحْرِم ) ‏ ‏كَذَا سَاقَ مِنْهُ هَذَا الْقَدْر وَأَحَالَ بِهِ عَلَى الطَّرِيق الَّتِي بَعْده , وَفِيهِ إِشَارَة مِنْهُ إِلَى تَفْسِير الْمُبْهَمَة فِيهِ بِأَنَّهَا الْمُسَمَّاة فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى , فَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق أَبِي خَلِيفَة عَنْ مُسَدَّد بِإِسْنَادِ الْبُخَارِيّ , وَبَقِيَّته كَرِوَايَةِ حَفْصَة إِلَّا أَنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا فِي بَعْض الْأَسْمَاء. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ شَيْبَانَ عَنْ أَبِي عَوَانَة فَزَادَ فِيهِ أَشْيَاء وَلَفْظه \" سَأَلَ رَجُل اِبْن عُمَر مَا يَقْتُل الرَّجُل مِنْ الدَّوَابّ وَهُوَ مُحْرِم ؟ فَقَالَ : حَدَّثَتْنِي إِحْدَى نِسْوَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُر بِقَتْلِ الْكَلْب الْعَقُور وَالْفَأْرَة وَالْعَقْرَب وَالْحِدَأَة وَالْغُرَاب وَالْحَيَّة \" قَالَ \" وَفِي الصَّلَاة أَيْضًا \" فَلَمْ يَقُلْ فِي أَوَّله خَمْسًا وَزَادَ الْحَيَّة , وَزَادَ فِي آخِره ذِكْر الصَّلَاة لِيُنَبِّه بِذَلِكَ عَلَى جَوَاز قَتْل الْمَذْكُورَات فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَسَأَذْكُرُ الْبَحْث فِي ذَلِكَ , وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي غَيْر هَذِهِ الطَّرِيق فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل كِلَاهُمَا عَنْ زَيْد بْن جُبَيْر بِدُونِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَالِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَخْبَرَنِي سَالِم \" أَخْرَجَهُ عَنْ حَرْمَلَة عَنْ اِبْن وَهْب. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" قَالَ لِي عَبْد اللَّه \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر عَنْ اِبْن وَهْب. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ حَفْصَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" عَنْ حَفْصَة \" وَهَذَا وَالَّذِي قَبْله قَدْ يُوهِم أَنَّ عَبْد اللَّه بْنَ عُمَر مَا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَكِنْ وَقَعَ فِي بَعْض طُرُق نَافِع عَنْهُ \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ \" أَخْبَرَنِي نَافِع \" وَقَالَ مُسْلِم بَعْده : لَمْ يَقُلْ أَحَد عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر سَمِعْت إِلَّا اِبْن جُرَيْجٍ , وَتَابَعَهُ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق عَنْ نَافِع كَذَلِكَ , فَالظَّاهِر أَنَّ اِبْن عُمَر سَمِعَهُ مِنْ أُخْته حَفْصَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعَهُ أَيْضًا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّث بِهِ حِين سُئِلَ عَنْهُ , فَقَدْ وَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" نَادَى رَجُل \" وَلِأَبِي عَوَانَة فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَنَّ أَعْرَابِيًّا نَادَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا نَقْتُل مِنْ الدَّوَابّ إِذَا أَحْرَمْنَا \" وَالظَّاهِر أَنَّ الْمُبْهَمَة فِي رِوَايَة زَيْد بْن جُبَيْر هِيَ حَفْصَة , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون عَائِشَة , وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن شِهَاب فَأَسْقَطَ حَفْصَة مِنْ الْإِسْنَاد وَالصَّوَاب إِثْبَاتهَا فِي رِوَايَة سَالِم , وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1698",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يَقْتُلُهُنَّ فِي ‏ ‏الْحَرَمِ ‏ ‏الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد أَيْضًا , وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ لِابْنِ وَهْب عَنْهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِيهِ إِسْنَادَيْنِ : سَالِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَة , وَعُرْوَة عَنْ عَائِشَة , وَقَدْ كَانَ اِبْن عُيَيْنَةَ يُنْكِر طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة , قَالَ الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا وَاللَّه الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ \" فَقِيلَ لَهُ إِنْ مَعْمَرًا يَرْوِيه عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة , فَقَالَ \" حَدَّثَنَا وَاللَّه الزُّهْرِيُّ لَمْ يَذْكُر عُرْوَة \". قُلْت : وَطَرِيق مَعْمَر الْمُشَار إِلَيْهَا أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّف فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْهُ , وَرَوَاهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق قَالَ عَبْد الرَّزَّاق : ذَكَرَ بَعْض أَصْحَابنَا أَنَّ مُعْمَرًا كَانَ يَذْكُرهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ , وَعَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة , وَطَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة رَوَاهَا أَيْضًا شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة عِنْد أَحْمَد وَأَبَان بْن صَالِح عِنْد النَّسَائِيِّ , وَمَنْ حَفِظَ حُجَّة عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظ. وَقَدْ تَابَعَ الزُّهْرِيَّ عَنْ عُرْوَة هِشَام بْن عُرْوَة , أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( خَمْس ) ‏ ‏التَّقْيِيد بِالْخَمْسِ وَإِنْ كَانَ مَفْهُومه اِخْتِصَاص الْمَذْكُورَات بِذَلِكَ لَكِنَّهُ مَفْهُوم عَدَد , وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْد الْأَكْثَر , وَعَلَى تَقْدِير اِعْتِبَاره فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَالَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلًا ثُمَّ بَيَّنَ بَعْد ذَلِكَ أَنَّ غَيْر الْخَمْس يَشْتَرِك مَعَهَا فِي الْحُكْم , فَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق عَائِشَة بِلَفْظِ \" أَرْبَع \" وَفِي بَعْض طُرُقهَا بِلَفْظِ \" سِتّ \" فَأَمَّا طَرِيق أَرْبَع فَأَخْرَجَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق الْقَاسِم عَنْهَا فَأَسْقَطَ الْعَقْرَب , وَأَمَّا طَرِيق سِتّ فَأَخْرَجَهَا أَبُو عَوَانَة فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق الْمُحَارِبِيّ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا فَأَثْبَتَهَا وَزَادَ الْحَيَّة , وَيَشْهَد لَهَا طَرِيق شَيْبَانَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مِنْ عِنْد مُسْلِم وَإِنْ كَانَتْ خَالِيَة عَنْ الْعَدَد , وَأَغْرَبَ عِيَاض فَقَالَ : وَفِي غَيْر كِتَاب مُسْلِم ذِكْر الْأَفْعَى فَصَارَتْ سَبْعًا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَفْعَى دَاخِلَة فِي مُسَمَّى الْحَيَّة. وَالْحَدِيث الَّذِي ذُكِرَتْ فِيهِ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق اِبْن عَوْن عَنْ نَافِع فِي آخِر حَدِيث الْبَاب قَالَ : قُلْت لِنَافِعٍ فَالْأَفْعَى ؟ قَالَ وَمَنْ يَشُكّ فِي الْأَفْعَى ؟ ا ه. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد أَبِي دَاوُدَ نَحْو رِوَايَة شَيْبَانَ وَزَادَ السَّبْع الْعَادِي فَصَارَتْ سَبْعًا. وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن الْمُنْذِر زِيَادَة ذِكْر الذِّئْب وَالنَّمِر عَلَى الْخَمْس الْمَشْهُورَة فَتَصِير بِهَذَا الِاعْتِبَار تِسْعًا , لَكِنْ أَفَادَ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ الذُّهْلِيِّ أَنَّ ذِكْر الذِّئْب وَالنَّمِر مِنْ تَفْسِير الرَّاوِي لِلْكَلْبِ الْعَقُور. وَوَقَعَ ذِكْر الذِّئْب فِي حَدِيث مُرْسَل أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَسَعِيد بْن مَنْصُور وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" يَقْتُل الْمُحْرِم الْحَيَّة وَالذِّئْب \" وَرِجَاله ثِقَات. وَأَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن أَرْطَاةَ عَنْ وَبَرَة عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" أَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الذِّئْب لِلْمُحْرِمِ \" وَحَجَّاج ضَعِيف. وَخَالَفَهُ مِسْعَر عَنْ وَبَرَة فَرَوَاهُ مَوْقُوفًا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة , فَهَذَا جَمِيع مَا وَقَفْت عَلَيْهِ فِي الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة زِيَادَة عَلَى الْخَمْس الْمَشْهُورَة , وَلَا يَخْلُو شَيْء مِنْ ذَلِكَ مِنْ مَقَال , وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الدَّوَابّ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَة , جَمْع دَابَّة وَهُوَ مَا دَبَّ مِنْ الْحَيَوَان. وَقَدْ أَخْرَجَ بَعْضهمْ مِنْهَا الطَّيْر لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ) الْآيَة , وَهَذَا الْحَدِيث يَرُدّ عَلَيْهِ , فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الدَّوَابّ الْخَمْس الْغُرَاب وَالْحِدَأَة , وَيَدُلّ عَلَى دُخُول الطَّيْر أَيْضًا عُمُوم قَوْله تَعَالَى ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ) ; وَقَوْله تَعَالَى ( وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ) الْآيَة , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم فِي صِفَة بَدْء الْخَلْق \" وَخَلَقَ الدَّوَابّ يَوْم الْخَمِيس \" وَلَمْ يُفْرِد الطَّيْر بِذِكْرٍ. وَقَدْ تَصَرَّفَ أَهْل الْعُرْف فِي الدَّابَّة , فَمِنْهُمْ مَنْ يَخُصّهَا بِالْحِمَارِ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَخُصّهَا بِالْفَرَسِ , وَفَائِدَة ذَلِكَ تَظْهَر فِي الْحَلِف. ‏ ‏قَوْله : ( كُلّهنَّ فَاسِق يُقْتَلْنَ ) ‏ ‏قِيلَ فَاسِق صِفَة لِكُلّ , وَفِي يُقْتَلْنَ ضَمِير رَاجَعَ إِلَى مَعْنَى كُلّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" كُلّهَا فَوَاسِق \". وَفِي رِوَايَة مَعْمَر الَّتِي فِي بَدْء الْخَلْق \" خَمْس فَوَاسِق \" قَالَ النَّوَوِيّ : هُوَ بِإِضَافَةِ خَمْس لَا بِتَنْوِينِهِ , وَجَوَّزَ اِبْن دَقِيق الْعِيد الْوَجْهَيْنِ وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيح الثَّانِي فَإِنَّهُ قَالَ : رِوَايَة الْإِضَافَة تُشْعِر بِالتَّخْصِيصِ فَيُخَالِفهَا غَيْرهَا فِي الْحُكْم مِنْ طَرِيق الْمَفْهُوم , وَرِوَايَة التَّنْوِين تَقْتَضِي وَصْف الْخَمْس بِالْفِسْقِ مِنْ جِهَة الْمَعْنَى فَيُشْعِر بِأَنَّ الْحُكْم الْمُرَتَّب عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ الْقَتْل مُعَلَّل بِمَا جُعِلَ وَصْفًا وَهُوَ الْفِسْق فَيَدْخُل فِيهِ كُلّ فَاسِق مِنْ الدَّوَابّ , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة يُونُس الَّتِي فِي حَدِيث الْبَاب. قَالَ النَّوَوِيّ وَغَيْره : تَسْمِيَة هَذِهِ الْخَمْس فَوَاسِق تَسْمِيَة صَحِيحَة جَارِيَة فِي وَفْق اللُّغَة , فَإِنَّ أَصْل الْفِسْق لُغَة الْخُرُوج , وَمِنْهُ فَسَقَتْ الرُّطَبَة إِذَا خَرَجَتْ عَنْ قِشْرهَا. وَقَوْله تَعَالَى ( فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه ) أَيْ خَرَجَ , وَسُمِّيَ الرَّجُل فَاسِقًا لِخُرُوجِهِ عَنْ طَاعَة رَبّه , فَهُوَ خُرُوج مَخْصُوص. وَزَعَمَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ أَنَّهُ لَا يُعْرَف فِي كَلَام الْجَاهِلِيَّة وَلَا شِعْرهمْ فَاسِق , يَعْنِي بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيّ. وَأَمَّا الْمَعْنَى فِي وَصْف الدَّوَابّ الْمَذْكُورَة بِالْفِسْقِ فَقِيلَ : لِخُرُوجِهَا عَنْ حُكْم غَيْرهَا مِنْ الْحَيَوَان فِي تَحْرِيم قَتْله , وَقِيلَ فِي حِلّ أَكْله لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ). ‏ ‏وَقَوْله : ( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) وَقِيلَ : لِخُرُوجِهَا عَنْ حُكْم غَيْرهَا بِالْإِيذَاءِ وَالْإِفْسَاد وَعَدَم الِانْتِفَاع , وَمِنْ ثَمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل الْفَتْوَى : فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ أَلْحَق بِالْخَمْسِ كُلّ مَا جَازَ قَتْله لِلْحَلَالِ فِي الْحَرَم وَفِي الْحِلّ , وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي أَلْحَق مَا لَا يُؤْكَل إِلَّا مَا نُهِيَ عَنْ قَتْله وَهَذَا قَدْ يُجَامِع الْأَوَّل , وَمَنْ قَالَ بِالثَّالِثِ يَخُصّ الْإِلْحَاق بِمَا يَحْصُل مِنْهُ الْإِفْسَاد. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد اِبْن مَاجَهْ : قِيلَ لَهُ لِمَ قِيلَ لِلْفَأْرَةِ فُوَيْسِقَة ؟ فَقَالَ : لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَيْقَظَ لَهَا وَقَدْ أَخَذَتْ الْفَتِيلَة لِتُحْرِق بِهَا الْبَيْت. ‏ ‏فَهَذَا يُومِئ إِلَى أَنَّ سَبَب تَسْمِيَة الْخَمْس بِذَلِكَ لِكَوْنِ فِعْلهَا يُشْبِه فِعْل الْفُسَّاق , وَهُوَ يُرَجِّح الْقَوْل الْأَخِير , وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَم ) تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة نَافِع بِلَفْظِ \" لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِم فِي قَتْلهنَّ جُنَاح \" وَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنْ لَا إِثْم فِي قَتْلهَا عَلَى الْمُحْرِم وَلَا فِي الْحَرَم , وَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز ذَلِكَ لِلْحَلَالِ , وَفِي الْحِلّ مِنْ بَاب الْأَوْلَى. وَقَدْ وَقَعَ ذِكْر الْحِلّ صَرِيحًا عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة بِلَفْظِ \" يُقْتَلْنَ فِي الْحِلّ وَالْحَرَم \" وَيُعْرَف حُكْم الْحَلَال بِكَوْنِهِ لَمْ يَقُمْ بِهِ مَانِع وَهُوَ الْإِحْرَام فَهُوَ بِالْجَوَازِ أَوْلَى , ثُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ فِي نَفْي الْجُنَاح - وَكَذَا الْحَرَج فِي طَرِيق سَالِم - دَلَالَة عَلَى أَرْجَحِيَّة الْفِعْل عَلَى التَّرْك , لَكِنْ وَرَدَ فِي طَرِيق زَيْد بْنِ جُبَيْر عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" أَمَرَ \" وَكَذَا فِي طَرِيق مَعْمَر , وَلِأَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق اِبْن نُمَيْر عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ \" النَّدْب وَالْإِبَاحَة , وَرَوَى الْبَزَّار مِنْ طَرِيق أَبِي رَافِع قَالَ \" بَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاته إِذْ ضَرَبَ شَيْئًا , فَإِذَا هِيَ عَقْرَب فَقَتَلَهَا , وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْعَقْرَب وَالْحَيَّة وَالْفَأْرَة وَالْحِدَأَة لِلْمُحْرِمِ , لَكِنَّ هَذَا الْأَمْر وَرَدَ بَعْد الْحَظْر لِعُمُومِ نَهْي الْمُحْرِم عَنْ الْقَتْل فَلَا يَكُون لِلْوُجُوبِ وَلَا لِلنَّدْبِ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" أَذِنَ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَة , لَكِنْ لَمْ يَسُقْ مُسْلِم لَفْظه. وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره \" خَمْس قَتْلهنَّ حَلَال لِلْمُحْرِمِ \". ‏ ‏قَوْله : ( الْغُرَاب ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ عَائِشَة عِنْد مُسْلِم \" الْأَبْقَع \" وَهُوَ الَّذِي فِي ظَهْره أَوْ بَطْنه بَيَاض , وَأَخَذَ بِهَذَا الْقَيْد بَعْض أَصْحَاب الْحَدِيث كَمَا حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْره , ثُمَّ وَجَدْت اِبْن خُزَيْمَةَ قَدْ صَرَّحَ بِاخْتِيَارِهِ , وَهُوَ قَضِيَّة حَمْل الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد. وَأَجَابَ اِبْن بَطَّال بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة لَا تَصِحّ لِأَنَّهَا مِنْ رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْ سَعِيد , وَهُوَ مُدَلِّس وَقَدْ شَذَّ بِذَلِكَ , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَا تَثْبُت هَذِهِ الزِّيَادَة. وَقَالَ اِبْن قُدَامَةَ : الرِّوَايَات الْمُطْلَقَة أَصَحّ. وَفِي جَمِيع هَذَا التَّعْلِيل نَظَر , أَمَّا دَعْوَى التَّدْلِيس فَمَرْدُودَة بِأَنَّ شُعْبَة لَا يَرْوِي عَنْ شُيُوخه الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا مَا هُوَ مَسْمُوع لَهُمْ وَهَذَا مِنْ رِوَايَة شُعْبَة , بَلْ صَرَّحَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق النَّضْر بْن شُمَيْلٍ عَنْ شُعْبَة بِسَمَاعِ قَتَادَةَ. وَأَمَّا نَفْي الثُّبُوت فَمَرْدُود بِإِخْرَاجِ مُسْلِم. وَأَمَّا التَّرْجِيح فَلَيْسَ مِنْ شَرْط قَبُول الزِّيَادَة بَلْ الزِّيَادَة مَقْبُولَة مِنْ الثِّقَة الْحَافِظ وَهُوَ كَذَلِكَ هُنَا. نَعَمْ قَالَ اِبْن قُدَامَةَ : يَلْتَحِق بِالْأَبْقَعِ مَا شَارَكَهُ فِي الْإِيذَاء وَتَحْرِيم الْأَكْل. وَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى إِخْرَاج الْغُرَاب الصَّغِير الَّذِي يَأْكُل الْحَبّ مِنْ ذَلِكَ وَيُقَال لَهُ غُرَاب الزَّرْع وَيُقَال لَهُ الزَّاغ , وَأَفْتَوْا بِجَوَازِ أَكْله , فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ مِنْ الْغِرْبَان مُلْتَحِقًا بِالْأَبْقَعِ. وَمِنْهَا الْغُدَاف عَلَى الصَّحِيح فِي \" الرَّوْضَة \" بِخِلَافِ تَصْحِيح الرَّافِعِيّ , وَسَمَّى اِبْن قُدَامَةَ الْغُدَاف غُرَاب الْبَيْن , وَالْمَعْرُوف عِنْد أَهْل اللُّغَة أَنَّهُ الْأَبْقَع , قِيلَ سُمِّيَ غُرَاب الْبَيْن لِأَنَّهُ بَانَ عَنْ نُوح لَمَّا أَرْسَلَهُ مِنْ السَّفِينَة لِيَكْشِف خَبَر الْأَرْض , فَلَقِيَ جِيفَة فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَرْجِع إِلَى نُوح , وَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَتَشَاءَمُونَ بِهِ فَكَانُوا إِذَا نَعَبَ مَرَّتَيْنِ قَالُوا : آذَنَ بِشَرٍّ , وَإِذَا نَعَبَ ثَلَاثًا قَالُوا : آذَنَ بِخَيْرٍ , فَأَبْطَلَ الْإِسْلَام ذَلِكَ , وَكَانَ اِبْن عَبَّاس إِذَا سَمِعَ الْغُرَاب قَالَ : اللَّهُمَّ لَا طَيْر إِلَّا طَيْرك وَلَا خَيْر إِلَّا خَيْرك وَلَا إِلَه غَيْرك. وَقَالَ صَاحِب الْهِدَايَة : الْمُرَاد بِالْغُرَابِ فِي الْحَدِيث الْغُدَاف وَالْأَبْقَع لِأَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ الْجِيَف , وَأَمَّا غُرَاب الزَّرْع فَلَا. وَكَذَا اِسْتَثْنَاهُ اِبْن قُدَامَةَ , وَمَا أَظُنّ فِيهِ خِلَافًا , وَعَلَيْهِ يُحْمَل مَا جَاءَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد أَبِي دَاوُدَ إِنْ صَحَّ حَيْثُ قَالَ فِيهِ \" وَيَرْمِي الْغُرَاب وَلَا يَقْتُلهُ \" وَرَوَى اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْره نَحْوه عَنْ عَلِيّ وَمُجَاهِد , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : أَبَاحَ كُلّ مَنْ يُحْفَظ عَنْهُ الْعِلْم قَتْل الْغُرَاب فِي الْإِحْرَام إِلَّا مَا جَاءَ عَنْ عَطَاء قَالَ فِي مُحْرِم كَسَرَ قَرْن غُرَاب فَقَالَ : إِنْ أَدْمَاهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاء وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَمْ يُتَابِع أَحَد عَطَاءً عَلَى هَذَا , اِنْتَهَى. ‏ ‏وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مُرَاده غُرَاب الزَّرْع. وَعِنْد الْمَالِكِيَّة اِخْتِلَاف آخَر فِي الْغُرَاب وَالْحِدَأَة هَلْ يَتَقَيَّد. جَوَاز قَتْلهمَا بِأَنْ يَبْتَدِئَا بِالْأَذَى , وَهَلْ يَخْتَصّ ذَلِكَ بِكِبَارِهَا ؟ وَالْمَشْهُور عَنْهُمْ - كَمَا قَالَ اِبْن شَاسٍ - لَا فَرْق وِفَاقًا لِلْجُمْهُورِ وَمِنْ أَنْوَاع الْغِرْبَان الْأَعْصَم , وَهُوَ الَّذِي فِي رِجْلَيْهِ أَوْ فِي جَنَاحَيْهِ أَوْ بَطْنه بَيَاض أَوْ حُمْرَة , وَلَهُ ذِكْر فِي قِصَّة حَفْر عَبْد الْمُطَّلِب لِزَمْزَم , وَحُكْمه حُكْم الْأَبْقَع. وَمِنْهَا الْعَقْعَق وَهُوَ قَدْر الْحَمَامَة عَلَى شَكْل الْغُرَاب , قِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعُقّ فِرَاخه فَيَتْرُكهَا بِلَا طُعْم , وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّهُ نَوْع مِنْ الْغِرْبَان , وَالْعَرَب تَتَشَاءَم بِهِ أَيْضًا. وَوَقَعَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانَ الْحَنَفِيّ : مَنْ خَرَجَ لِسَفَرٍ فَسَمِعَ صَوْت الْعَقْعَق فَرَجَعَ كَفَرَ , وَحُكْمه حُكْم الْأَبْقَع عَلَى الصَّحِيح , وَقِيلَ حُكْم غُرَاب الزَّرْع. وَقَالَ أَحْمَد : إِنْ أَكَلَ الْجِيَفَ وَإِلَّا فَلَا بَأْس بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْحِدَأ ) ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّله وَفَتْح ثَانِيه بَعْدهَا هَمْزَة بِغَيْرِ مَدّ , وَحَكَى صَاحِب \" الْمُحْكَم \" الْمَدّ فِيهِ نُدُورًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ فِي حَدِيث عَائِشَة \" الْحِدَأَة \" بِزِيَادَةِ هَاء بِلَفْظِ الْوَاحِدَة وَلَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ بَلْ هِيَ كَالْهَاءِ فِي التَّمْرَة , وَحَكَى الْأَزْهَرِيّ فِيهَا \" حِدَوَة \" بِوَاوٍ بَدَل الْهَمْزَة , وَسَيَأْتِي فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ حَدِيثهَا بِلَفْظِ \" الْحُدَيَّا \" بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة مَقْصُور , وَمِثْله لِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ قَاسِم بْن ثَابِت : الْوَجْه فِيهِ الْهَمْزَة , وَكَأَنَّهُ سُهِّلَ ثُمَّ أُدْغِمَ , وَقِيلَ هِيَ لُغَة حِجَازِيَّة , وَغَيْرهمْ يَقُول \" حُدَيَّة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرهَا فِي الْكَلَام عَلَى الْغُرَاب. وَمِنْ خَوَاصّ الْحِدَأَة أَنَّهَا تَقِف فِي الطَّيَرَان , وَيُقَال إِنَّهَا لَا تَخْتَطِف إِلَّا مِنْ جِهَة الْيَمِين , وَقَدْ مَضَى لَهَا ذِكْر فِي الصَّلَاة قِصَّة صَاحِبَة الْوِشَاح. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏يَلْتَبِس بِالْحِدَأِ الْحَدَأَة بِفَتْحِ أَوَّله : فَأْس لَهُ رَأْسَانِ. ‏ ‏قَوْله ( وَالْعَقْرَب ) هَذَا اللَّفْظ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى , وَقَدْ يُقَال عَقْرَبَة وَعَقْرَبَاء , وَلَيْسَ مِنْهَا الْعُقْرُبَان بَلْ هِيَ دُوَيْبَّة طَوِيلَة كَثِيرَة الْقَوَائِم. قَالَ صَاحِب \" الْمُحْكَم \" وَيُقَال إِنَّ عَيْنهَا فِي ظَهْرهَا وَإِنَّهَا لَا تَضُرّ مَيِّتًا وَلَا نَائِمًا حَتَّى يَتَحَرَّك. وَيُقَال لَدَغَتْهُ الْعَقْرَب بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَلَسَعَتْهُ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ اِخْتِلَاف الرُّوَاة فِي ذِكْر الْحَيَّة بَدَلهَا فِي حَدِيث الْبَاب وَمَنْ جَمَعَهُمَا , وَالَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبَّهَ بِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى عِنْد الِاقْتِصَار وَبَيَّنَ حُكْمهمَا مَعًا حَيْثُ جَمَعَ. قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : لَا نَعْلَمهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي جَوَاز قَتْل الْعَقْرَب. وَقَالَ نَافِع لَمَّا قِيلَ لَهُ : فَالْحَيَّة ؟ قَالَ : لَا يُخْتَلَف فِيهَا وَفِي رِوَايَة : وَمَنْ يَشُكّ فِيهَا ؟ وَتَعَقَّبَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِمَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق شُعْبَة أَنَّهُ سَأَلَ الْحَكَم وَحَمَّادًا فَقَالَا : لَا يَقْتُل الْمُحْرِم الْحَيَّة وَلَا الْعَقْرَب. قَالَ : وَمِنْ حُجَّتهمَا أَنَّهُمَا مِنْ هَوَامّ الْأَرْض فَيَلْزَم مَنْ أَبَاحَ قَتْلهمَا مِثْل ذَلِكَ فِي سَائِر الْهَوَامّ , وَهَذَا اِعْتِلَال لَا مَعْنَى لَهُ , نَعَمْ عِنْد الْمَالِكِيَّة خِلَاف فِي قَتْل صَغِير الْحَيَّة وَالْعَقْرَب الَّتِي لَا تَتَمَكَّن مِنْ الْأَذَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْفَأْر ) ‏ ‏بِهَمْزَةٍ سَاكِنَة وَيَجُوز فِيهَا التَّسْهِيل , وَلَمْ يَخْتَلِف الْعُلَمَاء فِي جَوَاز قَتْلهَا لِلْمُحْرِمِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ : فِيهَا جَزَاء إِذَا قَتَلَهَا الْمُحْرِم أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُنْذِر , وَقَالَ : هَذَا خِلَاف السُّنَّة وَخِلَاف قَوْل جَمِيع أَهْل الْعِلْم. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد قَالَ لَمَّا ذَكَرُوا لَهُ هَذَا الْقَوْل : مَا كَانَ بِالْكُوفَةِ أَفْحَش رَدًّا لِلْآثَارِ مِنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ لِقِلَّةِ مَا سَمِعَ مِنْهَا , وَلَا أَحْسَن اِتِّبَاعًا لَهَا مِنْ الشَّعْبِيّ لِكَثْرَةِ مَا سَمِعَ. وَنَقَلَ اِبْن شَاسٍ عَنْ الْمَالِكِيَّة خِلَافًا فِي جَوَاز قَتْل الصَّغِير مِنْهَا الَّذِي لَا يَتَمَكَّن مِنْ الْأَذَى. وَالْفَأْر أَنْوَاع , مِنْهَا الْجُرَذ بِالْجِيمِ بِوَزْنِ عُمَر , وَالْخُلْد بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام , وَفَأْرَة الْإِبِل , وَفَأْرَة الْمِسْك , وَفَأْرَة الْغَيْط , وَحُكْمهَا فِي تَحْرِيم الْأَكْل وَجَوَاز الْقَتْل سَوَاء , وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَب إِطْلَاق الْفُوَيْسِقَة عَلَيْهَا مِنْ حَدِيث جَابِر , وَتَقَدَّمَ سَبَب تَسْمِيَتهَا بِذَلِكَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد. وَقِيلَ إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا قَطَعَتْ حِبَال سَفِينَة نُوحَ , وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْكَلْب الْعَقُور ) ‏ ‏الْكَلْب مَعْرُوف وَالْأُنْثَى كَلْبَة وَالْجَمْع أَكْلُب وَكِلَاب وَكَلِيب بِالْفَتْحِ , كَأَعْبُدٍ وَعِبَاد وَعَبِيد. وَفِي الْكَلْب بَهِيمِيَّة وَسَبْعِيَّة كَأَنَّهُ مُرَكَّب. وَفِيهِ مَنَافِع لِلْحِرَاسَةِ وَالصَّيْد كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابه. وَفِيهِ مِنْ اِقْتِفَاء الْأَثَر وَشَمّ الرَّائِحَة وَالْحِرَاسَة وَخِفَّة النَّوْم وَالتَّوَدُّد وَقَبُول التَّعْلِيم مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ. وَقِيلَ إِنَّ أَوَّل مَنْ اِتَّخَذَهُ لِلْحِرَاسَةِ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام وَقَدْ سَبَقَ الْبَحْث فِي نَجَاسَته فِي كِتَاب الطَّهَارَة وَيَأْتِي فِي بَدْء الْخَلْق جُمْلَة مِنْ خِصَاله. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِهِ هُنَا , وَهَلْ لِوَصْفِهِ بِكَوْنِهِ عَقُورًا مَفْهُوم أَوْ لَا ؟ فَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور بِإسْنَادٍ حَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : الْكَلْب الْعَقُور الْأَسَد. وَعَنْ سُفْيَان عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ الْكَلْب الْعَقُور فَقَالَ : وَأَيّ كَلْب أَعَقْر مِنْ الْحَيَّة ؟ وَقَالَ زُفَر : الْمُرَاد بِالْكَلْبِ الْعَقُور هُنَا الذِّئْب خَاصَّة. وَقَالَ مَالِك فِي الْمُوَطَّإ : كُلّ مَا عَقَرَ النَّاس وَعَدَا عَلَيْهِمْ وَأَخَافهُمْ مِثْل الْأَسَد وَالنَّمِر وَالْفَهْد وَالذِّئْب هُوَ الْعَقُور. وَكَذَا نَقَلَ أَبُو عُبَيْد عَنْ سُفْيَان , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : الْمُرَاد بِالْكَلْبِ هُنَا الْكَلْب خَاصَّة , وَلَا يَلْتَحِق بِهِ فِي هَذَا الْحُكْم سِوَى الذِّئْب. وَاحْتَجَّ أَبُو عُبَيْد لِلْجُمْهُورِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابك \" فَقَتَلَهُ الْأَسَد. وَهُوَ حَدِيث حَسَن أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَبِي نَوْفَل بْن أَبِي عَقْرَب عَنْ أَبِيهِ , وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ) فَاشْتَقَّهَا مِنْ اِسْم الْكَلْب , فَلِهَذَا قِيلَ لِكُلِّ جَارِح عَقُور. وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِلْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الْعُلَمَاء اِتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيم قَتْل الْبَازِي وَالصَّقْر وَهُمَا مِنْ سِبَاع الطَّيْر فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اِخْتِصَاص التَّحْرِيم بِالْغُرَابِ وَالْحِدَأَة , وَكَذَلِكَ يَخْتَصّ التَّحْرِيم بِالْكَلْبِ وَمَا شَارَكَهُ فِي صِفَته وَهُوَ الذِّئْب. وَتُعُقِّبَ بِرَدِّ الِاتِّفَاق , فَإِنَّ مُخَالِفِيهِمْ أَجَازُوا قَتْل كُلّ مَا عَدَا وَافْتَرَسَ , فَيَدْخُل فِيهِ الصَّقْر وَغَيْره , بَلْ مُعْظَمهمْ قَالَ : يَلْتَحِق بِالْخَمْسِ كُلّ مَا نُهِيَ عَنْ أَكْله إِلَّا مَا نُهِيَ عَنْ قَتْله. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي غَيْر الْعَقُور مِمَّا لَمْ يُؤْمَر بِاقْتِنَائِهِ , فَصَرَّحَ بِتَحْرِيمِ قَتْله الْقَاضِيَانِ حُسَيْن وَالْمَاوَرْدِيّ وَغَيْرهمَا , وَوَقَعَ فِي \" الْأُمّ \" لِلشَّافِعِيِّ الْجَوَاز , وَاخْتَلَفَ كَلَام النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي الْبَيْع مِنْ \" شَرْح الْمُهَذَّب \" : لَا خِلَاف بَيْن أَصْحَابنَا فِي أَنَّهُ مُحْتَرَم لَا يَجُوز قَتْله , وَقَالَ فِي التَّيَمُّم وَالْغَصْب : إِنَّهُ غَيْر مُحْتَرَم. وَقَالَ فِي الْحَجّ : يُكْرَه قَتْله كَرَاهَة تَنْزِيه. وَهَذَا اِخْتِلَاف شَدِيد , وَعَلَى كَرَاهَة قَتْله اِقْتَصَرَ الرَّافِعِيّ وَتَبِعَهُ فِي \" الرَّوْضَة \" وَزَادَ : إنَّهَا كَرَاهَة تَنْزِيه , وَاللَّه أَعْلَم. وَذَهَبَ الْجُمْهُور كَمَا تَقَدَّمَ إِلَى إِلْحَاق غَيْر الْخَمْس بِهَا فِي هَذَا الْحُكْم , إِلَّا أَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى فَقِيلَ : لِكَوْنِهَا مُؤْذِيَة فَيَجُوز قَتْل كُلّ مُؤْذٍ , وَهَذَا قَضِيَّة مَذْهَب مَالِك. وَقِيلَ : لِكَوْنِهَا مِمَّا لَا يُؤْكَل , فَعَلَى هَذَا كُلّ مَا يَجُوز قَتْله لَا فِدْيَة عَلَى الْمُحْرِم فِيهِ , وَهَذَا قَضِيَّة مَذْهَب الشَّافِعِيّ. وَقَدْ قَسَّمَ هُوَ وَأَصْحَابه الْحَيَوَان بِالنِّسْبَةِ لِلْمُحْرِمِ إِلَى ثَلَاثَة أَقْسَام : قِسْم يُسْتَحَبّ كَالْخَمْسِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا يُؤْذِي , وَقِسْم يَجُوز كَسَائِرِ مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه وَهُوَ قِسْمَانِ : مَا يَحْصُل مِنْهُ نَفْع وَضَرَر فَيُبَاح لِمَا فِيهِ مِنْ مَنْفَعَة الِاصْطِيَاد وَلَا يُكْرَه لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُدْوَان , وَقِسْم لَيْسَ فِيهِ نَفْع وَلَا ضَرَر فَيُكْرَه قَتْله وَلَا يَحْرُم. وَالْقِسْم الثَّالِث مَا أُبِيحَ أَكْله أَوْ نُهِيَ عَنْ قَتْله فَلَا يَجُوز فَفِيهِ الْجَزَاء إِذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِم. وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّة فَاقْتَصَرُوا عَلَى الْخَمْس إِلَّا أَنَّهُمْ أَلْحَقُوا بِهَا الْحَيَّة لِثُبُوتِ الْخَبَر , وَالذِّئْب لِمُشَارَكَتِهِ لِلْكَلْبِ فِي الْكَلْبِيَّة , وَأَلْحَقُوا بِذَلِكَ مَنْ اِبْتَدَأَ بِالْعُدْوَانِ وَالْأَذَى مِنْ غَيْرهَا , وَتُعُقِّبَ بِظُهُورِ الْمَعْنَى فِي الْخَمْس وَهُوَ الْأَذَى الطَّبِيعِيّ وَالْعُدْوَان الْمُرَكَّب , وَالْمَعْنَى إِذَا ظَهَرَ فِي الْمَنْصُوص عَلَيْهِ تَعَدَّى الْحُكْم إِلَى كُلّ مَا وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى , كَمَا وَافَقُوا عَلَيْهِ فِي مَسَائِل الرِّبَا. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَالتَّعْدِيَة بِمَعْنَى الْأَذَى إِلَى كُلّ مُؤْذٍ قَوِيّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى تَصَرُّف أَهْل الْقِيَاس , فَإِنَّهُ ظَاهِر مِنْ جِهَة الْإِيمَاء بِالتَّعْلِيلِ بِالْفِسْقِ وَهُوَ الْخُرُوج عَنْ الْحَدّ , وَأَمَّا التَّعْلِيل بِحُرْمَةِ الْأَكْل فَفِيهِ إِبْطَال لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ إِيمَاء النَّصّ مِنْ التَّعْلِيل بِالْفِسْقِ. اِنْتَهَى. وَقَالَ غَيْره : هُوَ رَاجِع إِلَى تَفْسِير الْفِسْق , فَمَنْ فَسَرَّهُ بِأَنَّهُ الْخُرُوج عَنْ بَقِيَّة الْحَيَوَان بِالْأَذَى عَلَّلَ بِهِ , وَمَنْ قَالَ بِجَوَازِ الْقَتْل وَتَحْرِيم الْأَكْل عَلَّل بِهِ , وَقَالَ مَنْ عَلَّلَ بِالْأَذَى : أَنْوَاع الْأَذَى مُخْتَلِفَة , وَكَأَنَّهُ نَبَّهَ بِالْعَقْرَبِ عَلَى مَا يُشَارِكهَا فِي الْأَذَى بِاللَّسْعِ وَنَحْوه مِنْ ذَوَات السُّمُوم كَالْحَيَّةِ وَالزُّنْبُور , وَبِالْفَأْرَةِ عَلَى مَا يُشَارِكهَا فِي الْأَذَى بِالنَّقْبِ وَالْقَرْض كَابْنِ عُرْس , وَبِالْغُرَابِ وَالْحِدَأ عَلَى مَا يُشَارِكهُمَا بِالِاخْتِطَافِ كَالصَّقْرِ , وَبِالْكَلْبِ الْعَقُور عَلَى مَا يُشَارِكهُ فِي الْأَذَى بِالْعُدْوَانِ وَالْعَقْر كَالْأَسَدِ وَالْفَهْد. وَقَالَ : مَنْ عَلَّلَ بِتَحْرِيمِ الْأَكْل وَجَوَاز الْقَتْل إِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى الْخَمْس لِكَثْرَةِ مُلَابَسَتهَا لِلنَّاسِ بِحَيْثُ يَعُمّ أَذَاهَا , وَالتَّخْصِيص بِالْغَلَبَةِ لَا مَفْهُوم لَهُ. ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : ‏ ‏نَقَلَ الرَّافِعِيّ عَنْ الْإِمَام أَنَّ هَذِهِ الْفَوَاسِق لَا مِلْك فِيهَا لِأَحَدٍ وَلَا اِخْتِصَاص , وَلَا يَجِب رَدّهَا عَلَى صَاحِبهَا , وَلَمْ يَذْكُر مِثْل ذَلِكَ فِي غَيْر الْخَمْس مِمَّا يَلْتَحِق بِهَا فِي الْمَعْنَى , فَلْيُتَأَمَّل. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز قَتْل مَنْ لَجَأَ إِلَى الْحَرَم مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْل لِأَنَّ إِبَاحَة قَتْل هَذِهِ الْأَشْيَاء مُعَلَّل بِالْفِسْقِ وَالْقَاتِل فَاسِق فَيُقْتَل بَلْ هُوَ أَوْلَى , لِأَنَّ فِسْق الْمَذْكُورَات طَبِيعِيّ , وَالْمُكَلَّف إِذَا اِرْتَكَبَ الْفِسْق هَاتِك لِحُرْمَةِ نَفْسه فَهُوَ أَوْلَى بِإِقَامَةِ مُقْتَضَى الْفِسْق عَلَيْهِ. وَأَشَارَ اِبْن دَقِيق الْعِيد إِلَى أَنَّهُ بَحْث قَابِل لِلنِّزَاعِ , وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1699",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي غَارٍ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ ‏ ‏وَالْمُرْسَلَاتِ ‏ ‏وَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا وَإِنِّي لَأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْتُلُوهَا فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد النَّخَعِيُّ , وَالْأَسْوَد هُوَ النَّخَعِيُّ خَاله , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود. وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى الْأَعْمَش فِي إِسْنَاد هَلْ الْحَدِيث كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي بَدْء الْخَلْق. ‏ ‏قَوْله ( فِي غَار بِمِنًى ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن نُمَيْر عَنْ حَفْص بْن غِيَاث أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَة عَرَفَة , وَبِذَلِكَ يَتِمّ الِاحْتِجَاج بِهِ عَلَى مَقْصُود الْبَاب مِنْ جَوَاز قَتْل الْحَيَّة لِلْمُحْرِمِ , كَمَا يَدُلّ قَوْله \" بِمِنًى \" عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْحَرَم , وَعُرِفَ بِذَلِكَ الرَّدّ عَلَى مَنْ قَالَ لَيْسَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّة فِي حَال الْإِحْرَام , لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ بَعْد طَوَاف الْإِفَاضَة , وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم وَابْن خُزَيْمَةَ وَاللَّفْظ لَهُ عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ حَفْص بْن غِيَاث مُخْتَصَرًا وَلَفْظه \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مُحْرِمًا بِقَتْلِ حَيَّة فِي الْحَرَم بِمِنًى \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْت عَقِب حَدِيث الْبَاب : قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه وَهُوَ الْمُصَنِّف : إِنَّمَا أَرَدْنَا بِهَذَا أَنَّ مِنًى مِنْ الْحَرَم , وَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا بِقَتْلِ الْحَيَّة - يَعْنِي فِيهِ - بَأْسًا وَوَقَعَ هَذَا الْكَلَام عِنْد أَبِي ذَرّ فِي آخِر الْبَاب , وَمَحَلّه عَقِب حَدِيث اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله ( رَطْبَة ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يَجِفّ رِيقه بِهَا. ‏ ‏قَوْله ( كَمَا وُقِيتُمْ شَرّهَا ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ مَفْعُول ثَانٍ , وَكَذَلِكَ قَوْله \" وُقِيَتْ شَرّكُمْ \" أَيْ أَنَّ اللَّه سَلَّمَهَا مِنْكُمْ كَمَا سَلَّمَكُمْ مِنْهَا , وَهُوَ مِنْ مَجَاز الْمُقَابَلَة. قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : أَجْمَعَ مَنْ يُحْفَظ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ قَتْل الْحَيَّة , وَتُعُقِّبَ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْحَكَم وَحَمَّاد وَبِمَا عِنْد الْمَالِكِيَّة مِنْ اِسْتِثْنَاء مَا صَغُرَ مِنْهَا بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّن مِنْ الْأَذَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1700",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لِلْوَزَغِ ‏ ‏فُوَيْسِقٌ وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏إِنَّمَا أَرَدْنَا بِهَذَا أَنَّ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْحَرَمِ ‏ ‏وَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا بِقَتْلِ الْحَيَّةِ بَأْسًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لِلْوَزَغِ فُوَيْسِق ) ‏ ‏اللَّام بِمَعْنَى عَنْ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ سَمَّاهُ فُوَيْسِقًا , وَهُوَ تَصْغِير تَحْقِير مُبَالَغَة فِي الذَّمّ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَمْ أَسْمَعهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ ) ‏ ‏هُوَ مَقُول عَنْ عَائِشَة وَالضَّمِير لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَضِيَّة تَسْمِيَته إِيَّاهُ فُوَيْسِقًا أَنْ يَكُون قَتْله مُبَاحًا , وَكَوْنهَا لَمْ تَسْمَعهُ لَا يَدُلّ عَلَى مَنْع ذَلِكَ فَقَدْ سَمِعَهُ غَيْرهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَدْء الْخَلْق عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَغَيْره , وَنَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ الِاتِّفَاق عَلَى جَوَاز قَتْله فِي الْحِلّ وَالْحَرَم , لَكِنْ نَقَلَ اِبْن عَبْد الْحَكَم وَغَيْره عَنْ مَالِك : لَا يَقْتُل الْمُحْرِم الْوَزَغ , زَادَ اِبْن الْقَاسِم : وَإِنْ قَتَلَهُ يَتَصَدَّق لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْخَمْس الْمَأْمُور بِقَتْلِهَا. وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة أَنَّ عَطَاء سُئِلَ عَنْ قَتْل الْوَزَغ فِي الْحَرَم فَقَالَ : إِذَا آذَاك فَلَا بَأْس بِقَتْلِهِ. وَهَذَا يُفْهِم تَوَقُّف قَتْله عَلَى أَذَاهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1701",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِلْغَدِ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ إِنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُولُوا لَهُ إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَقِيلَ ‏ ‏لِأَبِي شُرَيْحٍ ‏ ‏مَا قَالَ لَكَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا ‏ ‏أَبَا شُرَيْحٍ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏الْحَرَمَ ‏ ‏لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخُرْبَةٍ ‏ ‏خُرْبَةٌ بَلِيَّةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَعِيد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن يُوسُف عَنْ اللَّيْث حَدَّثَنِي سَعِيد كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي شُرَيْح الْعَدَوِيِّ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ خُزَاعِيّ مِنْ بَنِي كَعْب بْن رَبِيعَة اِبْن لُحَيّ , بَطْن مِنْ خُزَاعَة , وَلِهَذَا يُقَال لَهُ الْكَعْبِيّ أَيْضًا , وَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَنِي عَدِيّ , لَا عَدِيّ قُرَيْش وَلَا عَدِيّ مُضَر , فَلَعَلَّهُ كَانَ حَلِيفًا لِبَنِي عَدِيّ بْن كَعْب مِنْ قُرَيْش , وَقِيلَ فِي خُزَاعَة بَطْن يُقَال لَهُمْ بَنُو عَدِيّ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ سَعِيد \" سَمِعْت أَبَا شُرَيْح \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد. وَاخْتُلِفَ فِي اِسْمه فَالْمَشْهُور أَنَّهُ خُوَيْلِد بْن عَمْرو , وَقِيلَ اِبْن صَخْر , وَقِيلَ هَانِئ بْن عَمْرو , وَقِيلَ عَبْد الرَّحْمَن , وَقِيلَ كَعْب , وَقِيلَ عَمْرو بْن خُوَيْلِد , وَقِيلَ مَطَر , أَسْلَمَ قَبْل الْفَتْح , وَحَمَلَ بَعْض أَلْوِيَة قَوْمه , وَسَكَنَ الْمَدِينَة وَمَاتَ بِهَا سَنَة ثَمَان وَسِتِّينَ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيثَيْنِ آخَرَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( لِعَمْرِو بْن سَعِيد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي الْعَاص بْن سَعِيد بْن الْعَاص بْن أُمَيَّة الْمَعْرُوف بِالْأَشْدَقِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مَعَ شَرْح بَعْض الْحَدِيث فِي \" بَاب تَبْلِيغ الْعِلْم \" مِنْ كِتَاب الْعِلْم. وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ زِيَادَة فِي أَوَّله تُوَضِّح الْمَقْصُود وَهِيَ \" لَمَّا بَعَثَ عَمْرو بْن سَعِيد إِلَى مَكَّة بَعَثَهُ لِغَزْوِ اِبْن الزُّبَيْر أَتَاهُ أَبُو شُرَيْح فَكَلَّمَهُ وَأَخْبَرَهُ بِمَا سَمِعَ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ خَرَجَ إِلَى نَادِي قَوْمه فَجَلَسَ فِيهِ , فَقُمْت إِلَيْهِ فَجَلَسْت مَعَهُ فَحَدَّثَ قَوْمه قَالَ : قُلْت لَهُ يَا هَذَا إِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين اِفْتَتَحَ مَكَّة , فَلَمَّا كَانَ الْغَد مِنْ يَوْم الْفَتْح عَدَتْ خُزَاعَة عَلَى رَجُل مِنْ هُذَيْل فَقَتَلُوهُ وَهُوَ مُشْرِك , فَقَامَ فِينَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَأَخْرَجَ أَحْمَد أَيْضًا مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ مُسْلِم بْن يَزِيد اللَّيْثِيّ عَنْ أَبِي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُول \" أَذِنَ لَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْفَتْح فِي قِتَال بَنِي بَكْر حَتَّى أَصَبْنَا مِنْهُمْ ثَأْرنَا وَهُوَ بِمَكَّة , ثُمَّ أَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَضْعِ السَّيْف , فَلَقِيَ الْغَد رَهْط مِنَّا رَجُلًا مِنْ هُذَيْل فِي الْحَرَم يُرِيد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ كَانَ وَتَرَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانُوا يَطْلُبُونَهُ فَقَتَلُوهُ , فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا مَا رَأَيْته غَضِبَ أَشَدّ مِنْهُ , فَلَمَّا صَلَّى قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّه بِمَا هُوَ أَهْله ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْد فَإِنَّ اللَّه حَرَّمَ مَكَّة \" اِنْتَهَى. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو هُرَيْرَة فِي حَدِيثه هَذِهِ الْقِصَّة مُخْتَصَرَة وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهَا فِي \" بَاب كِتَابَة الْعِلْم \" مِنْ كِتَاب الْعِلْم , وَذَكَرنَا أَنَّ عَمْرو بْن سَعِيد كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَة مِنْ قِبَل يَزِيد بْن مُعَاوِيَة وَأَنَّهُ جَهَّزَ إِلَى مَكَّة جَيْشًا لِغَزْوِ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر بِمَكَّة , وَقَدْ ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ الْقِصَّة عَنْ مَشَايِخه فَقَالُوا : كَانَ قُدُوم عَمْرو بْن سَعِيد وَالِيًا عَلَى الْمَدِينَة مِنْ قِبَل يَزِيد بْن مُعَاوِيَة فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَة سِتِّينَ , وَقِيلَ قَدِمَهَا فِي رَمَضَان مِنْهَا وَهِيَ السَّنَة الَّتِي وُلِّيَ فِيهَا يَزِيد الْخِلَافَة , فَامْتَنَعَ اِبْن الزُّبَيْر مِنْ بَيْعَته وَأَقَامَ بِمَكَّة , فَجَهَّزَ إِلَيْهِ عَمْرو بْن سَعِيد جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَمْرو بْن الزُّبَيْر وَكَانَ مُعَادِيًا لِأَخِيهِ عَبْد اللَّه , وَكَانَ عَمْرو بْن سَعِيد قَدْ وَلَّاهُ شُرْطَته ثُمَّ أَرْسَلَهُ إِلَى قِتَال أَخِيهِ , فَجَاءَ مَرْوَان إِلَى عَمْرو بْن سَعِيد فَنَهَاهُ فَامْتَنَعَ , وَجَاءَ أَبُو شُرَيْح فَذَكَر الْقِصَّة , فَلَمَّا نَزَلَ الْجَيْش ذَا طُوًى خَرَجَ إِلَيْهِمْ جَمَاعَة مِنْ أَهْل مَكَّة فَهَزَمُوهُمْ وَأُسِرَ عَمْرو بْن الزُّبَيْر فَسَجَنَهُ أَخُوهُ بِسِجْنِ عَارِم , وَكَانَ عَمْرو بْن الزُّبَيْر قَدْ ضَرَبَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة مِمَّنْ اُتُّهِمَ بِالْمَيْلِ إِلَى أَخِيهِ فَأَقَادَهُمْ عَبْد اللَّه مِنْهُ حَتَّى مَاتَ عَمْرو مِنْ ذَلِكَ الضَّرْب. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي السِّيرَة لِابْنِ إِسْحَاق وَمَغَازِي الْوَاقِدِيّ أَنَّ الْمُرَاجَعَة الْمَذْكُورَة وَقَعَتْ بَيْن أَبِي شُرَيْح وَبَيْن عَمْرو بْن الزُّبَيْر , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُون أَبُو شُرَيْح رَاجَعَ الْبَاعِث وَالْمَبْعُوث , وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَهُوَ يَبْعَث الْبُعُوث ) ‏ ‏هِيَ جَمْع بَعْث بِمَعْنَى مَبْعُوث وَهُوَ مِنْ تَسْمِيَة الْمَفْعُول بِالْمَصْدَرِ وَالْمُرَاد بِهِ الْجَيْش الْمُجَهَّز لِلْقِتَالِ. ‏ ‏قَوْله ( إيذَنْ ) ‏ ‏أَصْله اِئْذَنْ بِهَمْزَتَيْنِ فَقُلِبَتْ الثَّانِيَة يَاء لِسُكُونِهَا وَانْكِسَار مَا قَبْلهَا. ‏ ‏قَوْله ( أَيّهَا الْأَمِير ) ‏ ‏الْأَصْل فِيهِ يَا أَيّهَا الْأَمِير فَحَذَفَ حَرْف النِّدَاء , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ حُسْن التَّلَطُّف فِي مُخَاطَبَة السُّلْطَان لِيَكُونَ أَدْعَى لِقَبُولِهِمْ النَّصِيحَة وَأَنَّ السُّلْطَان لَا يُخَاطَب إِلَّا بَعْد اِسْتِئْذَانه وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فِي أَمْر يُعْتَرَض بِهِ عَلَيْهِ , فَتَرْك ذَلِكَ وَالْغِلْظَة لَهُ قَدْ يَكُون سَبَبًا لِإِثَارَةِ نَفْسه وَمُعَانَدَة مَنْ يُخَاطِبهُ , وَسَيَأْتِي فِي الْحُدُود قَوْل وَالِد الْعَسِيف \" وَائْذَنْ لِي \". ‏ ‏قَوْله ( قَامَ بِهِ ) ‏ ‏صِفَة لِلْقَوْلِ , وَالْمَقُول هُوَ حَمْد اللَّه تَعَالَى إِلَخْ. وَقَوْله \" الْغَد \" بِالنَّصْبِ أَيْ ثَانِي يَوْم الْفَتْح وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ إِلَخْ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى بَيَان حِفْظه لَهُ مِنْ جَمِيع الْوُجُوه , فَقَوْله \" سَمِعَتْهُ \" أَيْ حَمَلَتْهُ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَذِكْر الْأُذُنَيْنِ لِلتَّأْكِيدِ , وَقَوْله \" وَوَعَاهُ قَلْبِي \" تَحْقِيق لِفَهْمِهِ وَتَثَبُّته , وَقَوْله \" وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ \" زِيَادَة فِي تَحْقِيق ذَلِكَ وَأَنَّ سَمَاعه مِنْهُ لَيْسَ اِعْتِمَادًا عَلَى الصَّوْت فَقَطْ بَلْ مَعَ الْمُشَاهَدَة , وَقَوْله \" حِين تَكَلَّمَ بِهِ \" أَيْ بِالْقَوْلِ الْمَذْكُور , وَيُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" وَوَعَاهُ قَلْبِي \" أَنَّ الْعَقْل مَحَلّه الْقَلْب. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّهُ حَمِدَ اللَّه ) ‏ ‏هُوَ بَيَان لِقَوْلِهِ تَكَلَّمَ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ اِسْتِحْبَاب الثَّنَاء بَيْن يَدَيْ تَعْلِيم الْعِلْم وَتَبْيِين الْأَحْكَام وَالْخُطْبَة فِي الْأُمُور الْمُهِمَّة وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ قَالَ فِيهَا \" أَمَّا بَعْد \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّه حَرَّمَ مَكَّة ) ‏ ‏أَيْ حَكَمَ بِتَحْرِيمِهَا وَقَضَاهُ , وَظَاهِره أَنَّ حُكْم اللَّه تَعَالَى فِي مَكَّة أَنْ لَا يُقَاتَل أَهْلهَا وَيُؤَمَّن مَنْ اِسْتَجَارَ بِهَا وَلَا يُتَعَرَّض لَهُ , وَهُوَ أَحَد أَقْوَال الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ) وَقَوْله ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا ) , وَسَيَأْتِي بَعْد بَاب فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ \" هَذَا بَلَد حَرَّمَهُ اللَّه يَوْم خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض \" , وَلَا مُعَارَضَة بَيْن هَذَا وَبَيْن قَوْله الْآتِي فِي الْجِهَاد وَغَيْره مِنْ حَدِيث أَنَس \" إِنَّ إِبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّة \" لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ إِبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّة بِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى لَا بِاجْتِهَادِهِ , أَوْ أَنَّ اللَّه قَضَى يَوْم خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَنَّ إِبْرَاهِيم سَيُحَرِّمُ مَكَّة , أَوْ الْمَعْنَى أَنَّ إِبْرَاهِيم أَوَّل مَنْ أَظْهَرَ تَحْرِيمهَا بَيْن النَّاس , وَكَانَتْ قَبْل ذَلِكَ عِنْد اللَّه حَرَامًا , أَوْ أَوَّل مَنْ أَظْهَرَهُ بَعْد الطُّوفَان , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّه حَرَّمَ مَكَّة اِبْتِدَاء مِنْ غَيْر سَبَب يُنْسَب لِأَحَدٍ وَلَا لِأَحَدٍ فِيهِ مَدْخَل قَالَ : وَلِأَجْلِ هَذَا أَكَّدَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ \" وَلَمْ يُحَرِّمهَا النَّاس \" وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ وَلَمْ يُحَرِّمهَا النَّاس أَنَّ تَحْرِيمهَا ثَابِت بِالشَّرْعِ لَا مَدْخَل لِلْعَقْلِ فِيهِ , أَوْ الْمُرَاد أَنَّهَا مِنْ مُحَرَّمَات اللَّه فَيَجِب اِمْتِثَال ذَلِكَ , وَلَيْسَ مِنْ مُحَرَّمَات النَّاس يَعْنِي فِي الْجَاهِلِيَّة كَمَا حَرَّمُوا أَشْيَاء مِنْ عِنْد أَنْفُسهمْ فَلَا يَسُوغ الِاجْتِهَاد فِي تَرْكه. وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ حُرْمَتَهَا مُسْتَمِرَّة مِنْ أَوَّل الْخَلْق , وَلَيْسَ مِمَّا اِخْتَصَّتْ بِهِ شَرِيعَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا يَحِلّ إِلَخْ ) ‏ ‏فِيهِ تَنْبِيه عَلَى الِامْتِثَال لِأَنَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ لَزِمَتْهُ طَاعَته , وَمَنْ آمَنَ بِالْيَوْمِ الْآخِر لَزِمَهُ اِمْتِثَال مَا أَمَرَ بِهِ وَاجْتِنَاب مَا نَهَى عَنْهُ خَوْف الْحِسَاب عَلَيْهِ , وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْكُفَّار غَيْر مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَة , وَالصَّحِيح عِنْد الْأَكْثَر خِلَافه , وَجَوَابهمْ بِأَنَّ الْمُؤْمِن هُوَ الَّذِي يَنْقَاد لِلْأَحْكَامِ وَيَنْزَجِر عَنْ الْمُحَرَّمَات فَجَعَلَ الْكَلَام مَعَهُ وَلَيْسَ فِيهِ نَفْي ذَلِكَ عَنْ غَيْره. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ مِنْ خِطَاب التَّهْيِيج , نَحْو قَوْله تَعَالَى ( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فَالْمَعْنَى أَنَّ اِسْتِحْلَال هَذَا الْمَنْهِيّ عَنْهُ لَا يَلِيق بِمَنْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر بَلْ يُنَافِيه , فَهَذَا هُوَ الْمُقْتَضِي لِذِكْرِ هَذَا الْوَصْف , وَلَوْ قِيلَ لَا يَحِلّ لِأَحَدٍ مُطْلَقًا لَمْ يَحْصُل مِنْهُ هَذَا الْغَرَض وَإِنْ أَفَادَ التَّحْرِيم. ‏ ‏قَوْله ( أَنْ يَسْفِك بِهَا دَمًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطه فِي الْعِلْم , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيم الْقَتْل وَالْقِتَال بِمَكَّة , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْد بَاب فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يَعْضُد بِهَا شَجَرَة ) ‏ ‏أَيْ لَا يُقْطَع. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : أَصْحَاب الْحَدِيث يَقُولُونَ \" يَعْضُد \" بِضَمِّ الضَّاد , وَقَالَ لَنَا اِبْن الْخَشَّاب هُوَ بِكَسْرِهَا , وَالْمِعْضَد بِكَسْرِ أَوَّله الْآلَة الَّتِي يُقْطَع بِهَا. قَالَ الْخَلِيل : الْمِعْضَد الْمُمْتَهَن مِنْ السُّيُوف فِي قَطْع الشَّجَر , وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : أَصْله مِنْ عَضَدَ الرَّجُل إِذَا أَصَابَهُ بِسُوءٍ فِي عَضُده , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِعُمَر بْن شَبَّة بِلَفْظِ \" لَا يَخْضِد \" بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة بَدَل الْعَيْن الْمُهْمَلَة , وَهُوَ رَاجِع إِلَى مَعْنَاهُ فَإِنَّ أَصْل الْخَضْد الْكَسْر وَيُسْتَعْمَل فِي الْقَطْع. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : خَصَّ الْفُقَهَاء الشَّجَر الْمَنْهِيّ عَنْ قَطْعه بِمَا يُنْبِتهُ اللَّه تَعَالَى مِنْ غَيْر صُنْع آدَمِيّ , فَأَمَّا مَا يَنْبُت بِمُعَالَجَةِ آدَمِيّ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَالْجُمْهُور عَلَى الْجَوَاز. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : فِي الْجَمِيع الْجَزَاء , وَرَجَّحَهُ اِبْن قُدَامَةَ. وَاخْتَلَفُوا فِي جَزَاء مَا قُطِعَ مِنْ النَّوْع الْأَوَّل فَقَالَ مَالِك : لَا جَزَاء فِيهِ بَلْ يَأْثَم. وَقَالَ عَطَاء : يَسْتَغْفِر. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يُؤْخَذ بِقِيمَتِهِ هَدْي. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : فِي الْعَظِيمَة بَقَرَة وَفِيمَا دُونهَا شَاة. وَاحْتَجَّ الطَّبَرِيُّ بِالْقِيَاسِ عَلَى جَزَاء الصَّيْد , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْقَصَّار بِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمهُ أَنْ يَجْعَل الْجَزَاء عَلَى الْمُحْرِم إِذَا قَطَعَ شَيْئًا مِنْ شَجَر الْحِلّ وَلَا قَائِل بِهِ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : اِتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيم قَطْع شَجَر الْحَرَم , إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيّ أَجَازَ قَطْع السِّوَاك مِنْ فُرُوع الشَّجَرَة , كَذَا نَقَلَهُ أَبُو ثَوْر عَنْهُ , وَأَجَازَ أَيْضًا أَخْذ الْوَرَق وَالثَّمَر إِذَا كَانَ لَا يَضُرّهَا وَلَا يُهْلِكهَا وَبِهَذَا قَالَ عَطَاء وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا , وَأَجَازُوا قَطْع الشَّوْك لِكَوْنِهِ يُؤْذِي بِطَبْعِهِ فَأَشْبَهَ الْفَوَاسِق , وَمَنَعَهُ الْجُمْهُور كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس بَعْد بَاب بِلَفْظِ \" وَلَا يُعْضَد شَوْكه \" وَصَحَّحَهُ الْمُتَوَلِّي مِنْ الشَّافِعِيَّة , وَأَجَابُوا بِأَنَّ الْقِيَاس الْمَذْكُور فِي مُقَابَلَة النَّصّ. فَلَا يُعْتَبَر بِهِ , حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَرِد النَّصّ عَلَى تَحْرِيم الشَّوْك لَكَانَ فِي تَحْرِيم قَطْع الشَّجَر دَلِيل عَلَى تَحْرِيم قَطْع الشَّوْك لِأَنَّ غَالِب شَجَر الْحَرَم كَذَلِكَ , وَلِقِيَامِ الْفَارِق أَيْضًا فَإِنَّ الْفَوَاسِق الْمَذْكُورَة تُقْصَد بِالْأَذَى بِخِلَافِ الشَّجَر. قَالَ اِبْن قُدَامَةَ : وَلَا بَأْس بِالِانْتِفَاعِ بِمَا اِنْكَسَرَ مِنْ الْأَغْصَان وَانْقَطَعَ مِنْ الشَّجَر بِغَيْرِ صُنْع آدَمِيّ وَلَا بِمَا يَسْقُط مِنْ الْوَرَق نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد وَلَا نَعْلَم فِيهِ خِلَافًا. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنْ أَحَد ) ‏ ‏هُوَ فَاعِل بِفِعْلٍ مُضْمَر يُفَسِّرهُ مَا بَعْده , وَقَوْله \" تَرَخَّصَ \" مُشْتَقّ مِنْ الرُّخْصَة , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب عِنْد أَحْمَد \" فَإِنْ تَرَخَّصَ مُتَرَخِّص فَقَالَ : أُحِلَّتْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّ اللَّه أَحَلَّهَا لِي وَلَمْ يَحِلّهَا لِلنَّاسِ \" وَفِي مُرْسَل عَطَاء بْن يَزِيد عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور \" فَلَا يَسْتَنّ بِي أَحَد فَيَقُول قَتَلَ فِيهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَالْفَاعِل اللَّه , وَيُرْوَى بِضَمِّهِ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ. ‏ ‏قَوْله ( سَاعَة مِنْ نَهَار ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم أَنَّ مِقْدَارهَا مَا بَيْن طُلُوع الشَّمْس وَصَلَاة الْعَصْر , وَلَفْظ الْحَدِيث عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه \" لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّة قَالَ : كُفُّوا السِّلَاح , إِلَّا خُزَاعَة عَنْ بَنِي بَكْر. فَأَذِنَ لَهُمْ حَتَّى صَلَّى الْعَصْر , ثُمَّ قَالَ : كُفُّوا السِّلَاح , فَلَقِيَ رَجُل مِنْ خُزَاعَة رَجُلًا مِنْ بَنِي بَكْر مِنْ غَد بِالْمُزْدَلِفَةِ فَقَتَلَهُ , فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ , وَرَأَيْته مُسْنِدًا ظَهْره إِلَى الْكَعْبَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ قَتْل مَنْ أَذِنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْلهمْ - كَابْنِ خَطَل - وَقَعَ فِي الْوَقْت الَّذِي أُبِيحَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ الْقِتَال , خِلَافًا لِمَنْ حَمَلَ قَوْله \" سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ \" عَلَى ظَاهِره فَاحْتَاجَ إِلَى الْجَوَاب عَنْ قِصَّة اِبْن خَطَل. ‏ ‏قَوْله ( وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتهَا ) ‏ ‏أَيْ الْحُكْم الَّذِي فِي مُقَابَلَة إِبَاحَة الْقِتَال الْمُسْتَفَادَة مِنْ لَفْظ الْإِذْن. ‏ ‏وَقَوْله ( الْيَوْم ) ‏ ‏الْمُرَاد بِهِ الزَّمَن الْحَاضِر , وَقَدْ بَيَّنَ غَايَته فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب الْمَذْكُورَة بِقَوْلِهِ \" ثُمَّ هِيَ حَرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \". وَكَذَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْآتِي بَعْد بَاب بِقَوْلِهِ \" فَهِيَ حَرَام بِحُرْمَةِ اللَّه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِد الْغَائِب ) ‏ ‏قَالَ اِبْن جَرِير : فِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز قَبُول خَبَر الْوَاحِد , لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنَّ كُلّ مَنْ شَهِدَ الْخُطْبَة قَدْ لَزِمَهُ الْإِبْلَاغ , وَأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرهُمْ بِإِبْلَاغِ الْغَائِب عَنْهُمْ إِلَّا وَهُوَ لَازِم لَهُ فَرْض الْعَمَل بِمَا أَبْلَغَهُ كَالَّذِي لَزِمَ السَّامِع سَوَاء , وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِالتَّبْلِيغِ فَائِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْح ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِف اِسْم الْقَائِل , وَظَاهِر رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ بَعْض قَوْمه مِنْ خُزَاعَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُعِيذ ) ‏ ‏بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَيْ لَا يُجِير وَلَا يَعْصِم. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا فَارًّا ) ‏ ‏بِالْفَاءِ وَتَثْقِيل الرَّاء أَيْ هَارِبًا , وَالْمُرَاد مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدّ الْقَتْل فَهَرَبَ إِلَى مَكَّة مُسْتَجِيرًا بِالْحَرَمِ , وَهِيَ مَسْأَلَة خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء , وَأَغْرَبَ عَمْرو بْن سَعِيد فِي سِيَاقه الْحُكْم مَسَاق الدَّلِيل وَفِي تَخْصِيصه الْعُمُوم بِلَا مُسْتَنَد. ‏ ‏قَوْله ( بِخُرْبَةٍ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ تَفْسِيره فِي الْعِلْم , وَأَشَارَ اِبْن الْعَرَبِيّ إِلَى ضَبْطه بِكَسْرِ أَوَّله وَبِالزَّايِ بَدَل الرَّاء وَالتَّحْتَانِيَّة بَدَل الْمُوَحَّدَة جَعَلَهُ مِنْ الْخِزْي , وَالْمَعْنَى صَحِيح لَكِنْ لَا تُسَاعِد عَلَيْهِ الرِّوَايَة. وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ لَمَّا حَكَى هَذَا الْوَجْه فَأَبْدَلَ الْخَاء الْمُعْجَمَة جِيمًا جَعَلَهُ مِنْ الْجِزْيَة , وَذِكْر الْجِزْيَة وَكَذَا الذَّمّ بَعْد ذِكْر الْعِصْيَان مِنْ الْخَاصّ بَعْد الْعَامّ. ‏ ‏قَوْله ( خُرْبَة : بَلِيَّة ) ‏ ‏هُوَ تَفْسِير مِنْ الرَّاوِي , وَالظَّاهِر أَنَّهُ الْمُصَنِّف , فَقَدْ وَقَعَ فِي الْمَغَازِي فِي آخِره \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : الْخُرْبَة الْبَلِيَّة \" وَسَبَقَ فِي الْعِلْم فِي آخِره \" يَعْنِي السَّرِقَة \" وَهِيَ أَحَد مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلهَا , وَأَصْلهَا سَرِقَة الْإِبِل ثُمَّ اُسْتُعْمِلَتْ فِي كُلّ سَرِقَة. وَعَنْ الْخَلِيل : الْخُرْبَة الْفَسَاد فِي الْإِبِل , وَقِيلَ الْعَيْب , وَقِيلَ بِضَمِّ أَوَّله الْعَوْرَة وَقِيلَ الْفَسَاد , وَبِفَتْحِهِ الْفَعْلَة الْوَاحِدَة مِنْ الْخِرَابَة وَهِيَ السَّرِقَة. وَقَدْ وَهَمَ مَنْ عَدَّ كَلَام عَمْرو بْن سَعِيد هَذَا حَدِيثًا وَاحْتَجَّ بِمَا تَضَمَّنَهُ كَلَامه. قَالَ اِبْن حَزْم : لَا كَرَامَة لِلَطِيمِ الشَّيْطَان يَكُون أَعْلَم مِنْ صَاحِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَغْرَبَ اِبْن بَطَّال فَزَعَمَ أَنَّ سُكُوت أَبِي شُرَيْح عَنْ جَوَاب عَمْرو بْن سَعِيد دَالّ عَلَى أَنَّهُ رَجَعَ إِلَيْهِ فِي التَّفْصِيل الْمَذْكُور , وَيُعَكِّر عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد أَنَّهُ قَالَ فِي آخِره : قَالَ أَبُو شُرَيْح فَقُلْت لِعَمْرٍو قَدْ كُنْت شَاهِدًا وَكُنْت غَائِبًا. وَقَدْ أُمِرْنَا أَنْ يُبَلِّغ شَاهِدُنَا غَائِبَنَا , وَقَدْ بَلَّغْتُك. فَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّهُ لَمْ يُوَافِقهُ , وَإِنَّمَا تَرَكَ مُشَاقَقَته لِعَجْزِهِ عَنْهُ لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ قُوَّة الشَّوْكَة. وَقَالَ اِبْن بَطَّال أَيْضًا : لَيْسَ قَوْل عَمْرو جَوَابًا لِأَبِي شُرَيْح , لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِف مَعَهُ فِي أَنَّ مَنْ أَصَابَ حَدًّا فِي غَيْر الْحَرَم ثُمَّ لَجَأَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجُوز إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهِ فِي الْحَرَم , فَإِنَّ أَبَا شُرَيْح أَنْكَرَ بَعْث عَمْرو الْجَيْش إِلَى مَكَّة وَنَصْب الْحَرْب عَلَيْهَا فَأَحْسَن فِي اِسْتِدْلَاله بِالْحَدِيثِ , وَحَادَ عَمْرو عَنْ جَوَابه وَأَجَابَهُ عَنْ غَيْر سُؤَاله. وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَحِدْ فِي جَوَابه , وَإِنَّمَا أَجَابَ بِمَا يَقْتَضِي الْقَوْل بِالْمُوجِبِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ : صَحَّ سَمَاعك وَحِفْظك , لَكِنَّ الْمَعْنَى الْمُرَاد مِنْ الْحَدِيث الَّذِي ذَكَرْته خِلَاف مَا فَهِمْته مِنْهُ , فَإِنَّ ذَلِكَ التَّرَخُّص كَانَ بِسَبَبِ الْفَتْح وَلَيْسَ , بِسَبَبِ قَتْل مَنْ اِسْتَحَقَّ الْقَتْل خَارِج الْحَرَم ثُمَّ اِسْتَجَارَ بِالْحَرَمِ , وَالَّذِي أَنَا فِيهِ مِنْ الْقَبِيل الثَّانِي. قُلْت : لَكِنَّهَا دَعْوَى مِنْ عَمْرو بِغَيْرِ دَلِيل , لِأَنَّ اِبْن الزُّبَيْر لَمْ يَجِب عَلَيْهِ حَدّ فَعَاذَ بِالْحَرَمِ فِرَارًا مِنْهُ حَتَّى يَصِحّ جَوَاب عَمْرو , نَعَمْ كَانَ عَمْرو يَرَى وُجُوب طَاعَة يَزِيد الَّذِي اِسْتَنَابَهُ , وَكَانَ يَزِيد أَمَرَ اِبْن الزُّبَيْر أَنْ يُبَايِع لَهُ بِالْخِلَافَةِ وَيَحْضُر إِلَيْهِ فِي جَامِعَة يَعْنِي مَغْلُولًا فَامْتَنَعَ اِبْن الزُّبَيْر وَعَاذَ بِالْحَرَمِ فَكَانَ يُقَال لَهُ بِذَلِكَ عَائِذ اللَّه , وَكَانَ عَمْرو يَعْتَقِد أَنَّهُ عَاصٍ بِامْتِنَاعِهِ مِنْ اِمْتِثَال أَمْر يَزِيد وَلِهَذَا صَدَّرَ كَلَامه بِقَوْلِهِ \" إِنَّ الْحَرَم لَا يُعِيذ عَاصِيًا \" ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّة مَا ذَكَرَ اِسْتِطْرَادًا , فَهَذِهِ شُبْهَة عَمْرو وَهِيَ وَاهِيَة. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَة الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الِاخْتِلَاف بَيْن أَبِي شُرَيْح وَعَمْرو فِيهَا اِخْتِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَيْضًا كَمَا سَيَأْتِي بَعْد بَاب فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس. وَفِي حَدِيث أَبِي شُرَيْح مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ جَوَاز إِخْبَار الْمَرْء عَنْ نَفْسه بِمَا يَقْتَضِي ثِقَته وَضَبْطه لِمَا سَمِعَهُ وَنَحْو ذَلِكَ , وَإِنْكَار الْعَالِم عَلَى الْحَاكِم مَا يُغَيِّرهُ مِنْ أَمْر الدِّين وَالْمَوْعِظَة بِلُطْفٍ وَتَدْرِيج , وَالِاقْتِصَار فِي الْإِنْكَار عَلَى اللِّسَان إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ بِالْيَدِ , وَوُقُوع التَّأْكِيد فِي الْكَلَام الْبَلِيغ , وَجَوَاز الْمُجَادَلَة فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة , وَجَوَاز النَّسْخ , وَأَنَّ مَسَائِل الِاجْتِهَاد لَا يَكُون فِيهَا مُجْتَهِد حُجَّة عَلَى مُجْتَهِد. وَفِيهِ الْخُرُوج عَنْ عُهْدَة التَّبْلِيغ وَالصَّبْر عَلَى الْمَكَارِه لِمَنْ لَا يَسْتَطِيع بُدًّا مِنْ ذَلِكَ , وَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ : إِنَّ مَكَّة فُتِحَتْ عَنْوَة. قَالَ النَّوَوِيّ : تَأَوَّلَ مَنْ قَالَ فُتِحَتْ صُلْحًا بِأَنَّ الْقِتَال كَانَ جَائِزًا لَهُ لَوْ فَعَلَهُ لَكِنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ خِلَاف الْوَاقِع , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الْمَغَازِي. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَسْمِيَة الْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي قِصَّة أَبِي شُرَيْح فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1702",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا ‏ ‏يُعْضَدُ ‏ ‏شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ وَقَالَ ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏قَالَ هَلْ تَدْرِي مَا لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا هُوَ أَنْ يُنَحِّيَهُ مِنْ الظِّلِّ يَنْزِلُ مَكَانَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ الثَّقَفِيّ , وَخَالِد هُوَ الْحَذَّاء. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اللَّه حَرَّمَ مَكَّة فَلَمْ تَحِلّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَلَا تَحِلّ \" وَهُوَ أَلْيَق بِقَصْدِ الْأَمْر الْآتِي , وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده بِلَفْظِ \" وَأَنَّهُ لَمْ يَحِلّ الْقِتَال فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي \" وَهُوَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي أَوَائِل الْبَيْع مِنْ طَرِيق خَالِد الطَّحَّان عَنْ خَالِد الْحَذَّاء بِلَفْظِ \" فَلَمْ تَحِلّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلّ لِأَحَدٍ بَعْدِي \" وَمِثْله لِأَحْمَد مِنْ طَرِيق وُهَيْب عَنْ خَالِد. قَالَ اِبْن بَطَّال : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" وَلَا تَحِلّ لِأَحَدٍ بَعْدِي \" الْإِخْبَار عَنْ الْحُكْم فِي ذَلِكَ لَا الْإِخْبَار بِمَا سَيَقَعُ لِوُقُوعِ خِلَاف ذَلِكَ فِي الشَّاهِد كَمَا وَقَعَ مِنْ الْحَجَّاج وَغَيْره. اِنْتَهَى. ‏ ‏وَمُحَصِّله أَنَّهُ خَبَر بِمَعْنَى النَّهْي , بِخِلَافِ قَوْله \" فَلَمْ تَحِلّ لِأَحَدٍ قَبْلِي \" فَإِنَّهُ خَبَر مَحْض , أَوْ مَعْنَى قَوْله \" وَلَا تَحِلّ لِأَحَدٍ بَعْدِي \" أَيْ لَا يُحِلّهَا اللَّه بَعْدِي , لِأَنَّ النَّسْخ يَنْقَطِع بَعْده لِكَوْنِهِ خَاتَم النَّبِيِّينَ. ‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ خَالِد ) ‏ ‏هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِل الْبُيُوع بِأَوْضَح مِمَّا هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ تَدْرِي مَا لَا يُنَفَّر صَيْدهَا إِلَخْ ) ‏ ‏قِيلَ نَبَّهَ عِكْرِمَة بِذَلِكَ عَلَى الْمَنْع مِنْ الْإِتْلَاف وَسَائِر أَنْوَاع الْأَذَى تَنْبِيهًا بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى , وَقَدْ خَالَفَ عِكْرِمَةَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ فَقَالَا : لَا بَأْس بِطَرْدِهِ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى قَتْله. أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة. وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْحَكَم عَنْ شَيْخ مِنْ أَهْل مَكَّة أَنَّ حَمَامًا كَانَ عَلَى الْبَيْت فَذَرَقَ عَلَى يَد عُمَر , فَأَشَارَ عُمَر بِيَدِهِ فَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى بَعْض بُيُوت مَكَّة , فَجَاءَتْ حَيَّة فَأَكَلَتْهُ , فَحَكَمَ عُمَر عَلَى نَفْسه بِشَاةٍ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عُثْمَان نَحْوه. ‏"
    },
    {
        "id": "1703",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ افْتَتَحَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا ‏ ‏يُعْضَدُ ‏ ‏شَوْكُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا قَالَ ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ قَالَ قَالَ إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُجَاهِد عَنْ طَاوُسٍ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ مَنْصُور مَوْصُولًا , وَخَالَفَهُ الْأَعْمَش فَرَوَاهُ عَنْ مُجَاهِد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ سُفْيَان عَنْ دَاوُدَ بْن شَابُور عَنْ مُجَاهِد مُرْسَلًا , وَمَنْصُور ثِقَة حَافِظ فَالْحُكْم لِوَصْلِهِ. ‏ ‏قَوْله ( يَوْم اِفْتَتَحَ مَكَّة ) ‏ ‏هُوَ ظَرْف لِلْقَوْلِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( لَا هِجْرَة ) ‏ ‏أَيْ بَعْد الْفَتْح , وَأَفْصَحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْ جَرِير فِي كِتَاب الْجِهَاد ‏ ‏قَوْله ( وَلَكِنْ جِهَاد وَنِيَّة ) ‏ ‏الْمَعْنَى أَنَّ وُجُوب الْهِجْرَة مِنْ مَكَّة اِنْقَطَعَ بِفَتْحِهَا إِذْ صَارَتْ دَارَ إِسْلَام , وَلَكِنْ بَقِيَ وُجُوب الْجِهَاد عَلَى حَاله عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ , وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ : ( فَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ) أَيْ إِذَا دُعِيتُمْ إِلَى الْغَزْو فَأَجِيبُوا. قَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْله \" وَلَكِنْ جِهَاد \" عَطْف عَلَى مَدْخُول \" لَا هِجْرَة \" أَيْ الْهِجْرَة إِمَّا فِرَارًا مِنْ الْكُفَّار وَإِمَّا إِلَى الْجِهَاد وَإِمَّا إِلَى نَحْو طَلَب الْعِلْم , وَقَدْ اِنْقَطَعَتْ الْأُولَى فَاغْتَنِمُوا الْأَخِيرَتَيْنِ , وَتَضَمَّنَ الْحَدِيث بِشَارَة مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ مَكَّة تَسْتَمِرّ دَارَ إِسْلَام , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْجِهَاد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ هَذَا بَلَد حَرَّمَ ) ‏ ‏الْفَاء جَوَاب بِشَرْطٍ مَحْذُوف تَقْدِيره إِذَا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا بَلَد حَرَام , وَكَأَنَّ وَجْه الْمُنَاسَبَة أَنَّهُ لَمَّا كَانَ نَصْب الْقِتَال عَلَيْهِ حَرَامًا كَانَ التَّنْفِير يَقَع مِنْهُ لَا إِلَيْهِ , وَلَمَّا رَوَى مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث عَنْ إِسْحَاق عَنْ جَرِير فَصَلَ الْكَلَام الْأَوَّل مِنْ الثَّانِي بِقَوْلِهِ \" وَقَالَ يَوْم الْفَتْح إِنَّ اللَّه حَرَّمَ إِلَخْ \" فَجَعَلَهُ حَدِيثًا آخَر مُسْتَقِلًّا , وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيع مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى الْكَلَام الْأَوَّل كَعَلِيِّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْ جَرِير كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجِهَاد. ‏ ‏قَوْله ( حَرَّمَهُ اللَّه ) سَبَقَ مَشْرُوحًا فِي حَدِيث أَبِي شُرَيْح , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة غَيْر الكُشْمِيهَنِيّ \" حَرَّمَ اللَّه \" بِحَذْفِ الْهَاء. ‏ ‏قَوْله ( وَهُوَ حَرَام بِحُرْمَةِ اللَّه ) ‏ ‏أَيْ بِتَحْرِيمِهِ , وَقِيلَ الْحُرْمَة الْحَقّ أَيْ حَرَام بِالْحَقِّ الْمَانِع مِنْ تَحْلِيله , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيم الْقَتْل وَالْقِتَال بِالْحَرَمِ , فَأَمَّا الْقَتْل فَنَقَلَ بَعْضهمْ الِاتِّفَاق عَلَى جَوَاز إِقَامَة حَدّ الْقَتْل فِيهَا عَلَى مَنْ أَوْقَعَهُ فِيهَا , وَخَصَّ الْخِلَاف بِمِنْ قَتَلَ فِي الْحِلّ ثُمَّ لَجَأَ إِلَى الْحَرَم , وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاع عَلَى ذَلِكَ اِبْن الْجَوْزِيّ , وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ بِقَتْلِ اِبْن خَطَل بِهَا , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْوَقْت الَّذِي أُحِلَّتْ فِيهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ , وَزَعَمَ اِبْن حَزْم أَنَّ مُقْتَضَى قَوْل اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَغَيْرهمَا أَنَّهُ لَا يَجُوز الْقَتْل فِيهَا مُطْلَقًا , وَنَقَلَ التَّفْصِيل عَنْ مُجَاهِد وَعَطَاء. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يُقْتَل فِي الْحَرَم حَتَّى يَخْرُج إِلَى الْحِلّ بِاخْتِيَارِهِ , لَكِنْ لَا يُجَالَس وَلَا يُكَلَّم , وَيُوعَظ وَيُذَكَّر حَتَّى يَخْرُج. وَقَالَ أَبُو يُوسُف : يَخْرُج مُضْطَرًّا إِلَى الْحِلّ , وَفَعَلَهُ اِبْن الزُّبَيْر , وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" مَنْ أَصَابَ حَدًّا ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَم لَمْ يُجَالَس وَلَمْ يُبَايَع \" وَعَنْ مَالِك وَالشَّافِعِيّ : يَجُوز إِقَامَة الْحَدّ مُطْلَقًا فِيهَا , لِأَنَّ الْعَاصِيَ هَتَكَ حُرْمَة نَفْسه فَأَبْطَلَ مَا جَعَلَ اللَّه لَهُ مِنْ الْأَمْن , وَأَمَّا الْقِتَال فَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : مِنْ خَصَائِص مَكَّة أَنْ لَا يُحَارَب أَهْلهَا , فَلَوْ بَغَوْا عَلَى أَهْل الْعَدْل فَإِنْ أَمْكَنَ رَدّهمْ بِغَيْرِ قِتَال لَمْ يَجُزْ , وَإِنْ لَمْ يُمْكِن إِلَّا بِالْقِتَالِ فَقَالَ الْجُمْهُور يُقَاتَلُونَ لِأَنَّ قِتَال الْبُغَاة مِنْ حُقُوق اللَّه تَعَالَى فَلَا يَجُوز إِضَاعَتهَا. وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَجُوز قِتَالهمْ بَلْ يُضَيَّق عَلَيْهِمْ إِلَى أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى الطَّاعَة. قَالَ النَّوَوِيّ : وَالْأَوَّل نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ , وَأَجَابَ أَصْحَابه عَنْ الْحَدِيث بِحَمْلِهِ عَلَى تَحْرِيم نَصْب الْقِتَال بِمَا يَعُمّ أَذَاهُ كَالْمَنْجَنِيقِ , بِخِلَافِ مَا لَوْ تَحَصَّنَ الْكُفَّار فِي بَلَد فَإِنَّهُ يَجُوز قِتَالهمْ عَلَى كُلّ وَجْه. وَعَنْ الشَّافِعِيّ قَوْل آخَر بِالتَّحْرِيمِ اِخْتَارَهُ الْقَفَّال وَجَزَمَ بِهِ فِي \" شَرَحَ التَّلْخِيص \" وَقَالَ بِهِ جَمَاعَة مِنْ عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة وَالْمَالِكِيَّة. قَالَ الطَّبَرِيُّ : مَنْ أَتَى حَدًّا فِي الْحِلّ وَاسْتَجَارَ بِالْحَرَمِ فَلِلْإِمَامِ إِلْجَاؤُهُ إِلَى الْخُرُوج مِنْهُ , وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْصِب عَلَيْهِ الْحَرْب بَلْ يُحَاصِرهُ وَيُضَيِّق عَلَيْهِ حَتَّى يُذْعِن لِلطَّاعَةِ , لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَة مِنْ نَهَار , وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتهَا الْيَوْم كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ \" فَعُلِمَ أَنَّهَا لَا تَحِلّ لِأَحَدٍ بَعْده بِالْمَعْنَى الَّذِي حَلَّتْ لَهُ بِهِ وَهُوَ مُحَارَبَة أَهْلهَا وَالْقَتْل فِيهَا. وَمَال اِبْن الْعَرَبِيّ إِلَى هَذَا , وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : قَدْ أَكَّدَ النَّبِيّ التَّحْرِيم بِقَوْلِهِ \" حَرَّمَهُ اللَّه \" ثُمَّ قَالَ \" فَهُوَ حَرَام بِحُرْمَةِ اللَّه \" ثُمَّ قَالَ \" وَلَمْ تَحِلّ لِي إِلَّا سَاعَة مِنْ نَهَار \" وَكَانَ إِذَا أَرَادَ التَّأْكِيد ذِكْر الشَّيْء ثَلَاثًا. قَالَ فَهَذَا نَصّ لَا يَحْتَمِل التَّأْوِيل. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَاهِر الْحَدِيث يَقْتَضِي تَخْصِيصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِتَالِ لِاعْتِذَارِهِ عَمَّا أُبِيحَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ أَهْل مَكَّة كَانُوا إِذْ ذَاكَ مُسْتَحَقِّينَ لِلْقِتَالِ وَالْقَتْل لِصَدِّهِمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام وَإِخْرَاجهمْ أَهْله مِنْهُ وَكُفْرهمْ , وَهَذَا الَّذِي فَهِمَهُ أَبُو شُرَيْح كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَالَ بِهِ غَيْر وَاحِد مِنْ أَهْل الْعِلْم. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يَتَأَكَّد الْقَوْل بِالتَّحْرِيمِ بِأَنَّ الْحَدِيث دَال عَلَى أَنَّ الْمَأْذُون لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ لَمْ يُؤْذَن لِغَيْرِهِ فِيهِ , وَالَّذِي وَقَعَ لَهُ إِنَّمَا هُوَ مُطْلَق الْقِتَال لَا الْقِتَال الْخَاصّ بِمَا يَعُمّ كَالْمَنْجَنِيقِ فَكَيْف يَسُوغ التَّأْوِيل الْمَذْكُور ؟ وَأَيْضًا فَسِيَاق الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيم لِإِظْهَارِ حُرْمَة الْبُقْعَة بِتَحْرِيمِ سَفْك الدِّمَاء فِيهَا , وَذَلِكَ لَا يَخْتَصّ بِمَا يُسْتَأْصَل , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِشْتِرَاط الْإِحْرَام عَلَى مَنْ دَخَلَ الْحَرَم. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَى قَوْله حَرَّمَهُ اللَّه أَيْ يَحْرُم عَلَى غَيْر الْمُحْرِم دُخُوله حَتَّى يُحْرِم , وَيَجْرِي هَذَا مَجْرَى قَوْله تَعَالَى ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) أَيْ وَطْؤُهُنَّ , و ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيِّتَةُ ) أَيْ أَكْلهَا , فَعُرْف الِاسْتِعْمَال يَدُلّ عَلَى تَعْيِين الْمَحْذُوف. قَالَ : وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّة هَذَا الْمَعْنَى اِعْتِذَاره عَنْ دُخُوله مَكَّة غَيْر مُحْرِم مُقَاتِلًا بِقَوْلِهِ \" لَمْ تَحِلّ لِي إِلَّا سَاعَة مِنْ نَهَار \" الْحَدِيث. قَالَ : وَبِهَذَا أَخَذَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي أَحَد قَوْلَيْهِمَا وَمَنْ تَبِعَهُمَا فِي ذَلِكَ فَقَالُوا : لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُل مَكَّة إِلَّا مُحْرِمًا , إِلَّا إِذَا كَانَ مِمَّنْ يُكْثِر التَّكْرَار. قُلْت : وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِي ذَلِكَ بَعْد سَبْعَة أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَّهُ لَا يَحِلّ الْقِتَال ) الْهَاء فِي \" أَنَّهُ \" ضَمِير الشَّأْن , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَمْ يَحِلّ \" بِلَفْظِ \" لَمْ \" بَدَل \" لَا \" وَهِيَ أَشْبَه لِقَوْلِهِ قَبْلِي. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُعْضَد شَوْكه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي حَدِيث أَبِي شُرَيْح. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يَلْتَقِط لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب اللُّقَطَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ) ‏ ‏بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة , وَالْخَلَا مَقْصُور , وَذَكَر اِبْن التِّين أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ بِالْمَدِّ وَهُوَ الرَّطْب مِنْ النَّبَات وَاخْتِلَاؤُهُ قَطْعه وَاحْتِشَاشه , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيم رَعْيه لِكَوْنِهِ أَشَدّ مِنْ الِاحْتِشَاش , وَبِهِ قَالَ مَالِك وَالْكُوفِيُّونَ وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا بَأْس بِالرَّعْيِ لِمَصْلَحَةِ الْبَهَائِم وَهُوَ عَمَل النَّاس , بِخِلَافِ الِاحْتِشَاش فَإِنَّهُ الْمَنْهِيّ عَنْهُ فَلَا يُتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى غَيْره. وَفِي تَخْصِيص التَّحْرِيم بِالرَّطْبِ إِشَارَة إِلَى جَوَاز رَعْي الْيَابِس وَاخْتِلَائِهِ , وَهُوَ أَصَحّ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ لِأَنَّ النَّبْت الْيَابِس كَالصَّيْدِ الْمَيِّت. قَالَ اِبْن قُدَامَةَ : لَكِنْ فِي اِسْتِثْنَاء الْإِذْخِر إِشَارَة إِلَى تَحْرِيم الْيَابِس مِنْ الْحَشِيش , وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث أَبَى هُرَيْرَة \" وَلَا يُحْتَشّ حَشِيشهَا \" قَالَ وَأَجْمَعُوا عَلَى إِبَاحَة أَخْذ مَا اِسْتَنْبَتَهُ النَّاس فِي الْحَرَم مِنْ بَقْل وَزَرْع وَمَشْمُوم فَلَا بَأْس بِرَعْيِهِ وَاخْتِلَائِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ الْعَبَّاس ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب كَمَا وَقَعَ مُبَيَّنًا فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْه آخَر. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا الْإِذْخِر ) ‏ ‏يَجُوز فِيهِ الرَّفْع وَالنَّصْب , أَمَّا الرَّفْع فَعَلَى الْبَدَل مِمَّا قَبْله , وَأَمَّا النَّصْب فَلِكَوْنِهِ اِسْتِثْنَاء وَاقِعًا بَعْد النَّفْي. وَقَالَ اِبْن مَالِك : الْمُخْتَار النَّصْب لِكَوْنِ الِاسْتِثْنَاء وَقَعَ مُتَرَاخِيًا عَنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَبَعُدَتْ الْمُشَاكَلَة بِالْبَدَلِيَّةِ , وَلِكَوْنِ الِاسْتِثْنَاء أَيْضًا عَرَضَ فِي آخِر الْكَلَام وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا. وَالْإِذْخِر : نَبْت مَعْرُوف عِنْد أَهْل مَكَّة طَيِّب الرِّيح لَهُ أَصْل مُنْدَفِن وَقُضْبَان دِقَاق يَنْبُت فِي السَّهْل وَالْحَزَن , وَبِالْمَغْرِبِ صِنْف مِنْهُ فِيمَا قَالَهُ اِبْن الْبَيْطَار , قَالَ : وَالَّذِي بِمَكَّة أَجْوَده , وَأَهْل مَكَّة يَسْقُفُونَ بِهِ الْبُيُوت بَيْن الْخَشَب وَيَسُدُّونَ بِهِ الْخَلَل بَيْن اللَّبِنَات فِي الْقُبُور وَيَسْتَعْمِلُونَهُ بَدَلًا مِنْ الْحَلْفَاء فِي الْوَقُود , وَلِهَذَا قَالَ الْعَبَّاس \" فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا نُون أَيْ الْحَدَّاد. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : الْقَيْن عِنْد الْعَرَب كُلّ ذِي صِنَاعَة يُعَالِجهَا بِنَفْسِهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمَغَازِي \" فَإِنَّهُ لَا بُدّ مِنْهُ لِلْقَيْنِ وَالْبُيُوت \" وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْبَاب قَبْله \" فَإِنَّهُ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورنَا \" وَوَقَعَ فِي مُرْسَل مُجَاهِد عِنْد عُمَر بْن شَبَّة الْجَمْع بَيْن الثَّلَاثَة , وَوَقَعَ عِنْده أَيْضًا \" فَقَالَ الْعَبَّاس : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ أَهْل مَكَّة لَا صَبْر لَهُمْ عَنْ الْإِذْخِر لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتهمْ \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاء فِي حَدِيث الْبَاب لَمْ يُرَدْ بِهِ أَنْ يَسْتَثْنِي هُوَ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنْ يُلَقِّنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الِاسْتِثْنَاء , وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَوَابه \" إِلَّا الْإِذْخِر \" هُوَ اِسْتِثْنَاء بَعْض مِنْ كُلّ لِدُخُولِ الْإِذْخِر فِي عُمُوم مَا يُخْتَلَى. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز النَّسْخ قَبْل الْفِعْل وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ , وَعَلَى جَوَاز الْفَصْل بَيْن الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ , وَمَذْهَب الْجُمْهُور اِشْتِرَاط الِاتِّصَال إِمَّا لَفْظًا وَإِمَّا حُكْمًا لِجَوَازِ الْفَصْل بِالتَّنَفُّسِ مَثَلًا , وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس الْجَوَاز مُطْلَقًا , وَيُمْكِن أَنْ يُحْتَجّ لَهُ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْقِصَّة. وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاء فِي حُكْم الْمُتَّصِل لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يَقُول إِلَّا الْإِذْخِر فَشَغَلَهُ الْعَبَّاس بِكَلَامِهِ فَوَصَلَ كَلَامه بِكَلَامِ نَفْسه فَقَالَ : إِلَّا الْإِذْخِر , وَقَدْ قَالَ اِبْن مَالِك : يَجُوز الْفَصْل مَعَ إِضْمَار الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلًا بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ , وَاخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِلَّا الْإِذْخِر \" بِاجْتِهَادٍ أَوْ وَحْي ؟ وَقِيلَ كَأَنَ اللَّه فَوَّضَ لَهُ الْحُكْم فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة مُطْلَقًا , وَقِيلَ أَوْحَى إِلَيْهِ قَبْل ذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ طَلَبَ أَحَد اِسْتِثْنَاء شَيْء مِنْ ذَلِكَ فَأَجِبْ سُؤَاله. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : سَاغَ لِلْعَبَّاسِ أَنْ يَسْتَثْنِي الْإِذْخِر لِأَنَّهُ اِحْتَمَلَ عِنْده أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِتَحْرِيمِ مَكَّة تَحْرِيم الْقِتَال دُون مَا ذُكِرَ مِنْ تَحْرِيم الِاخْتِلَاء فَإِنَّهُ مِنْ تَحْرِيم الرَّسُول بِاجْتِهَادِهِ فَسَاغَ لَهُ أَنْ يَسْأَلهُ اِسْتِثْنَاء الْإِذْخِر , وَهَذَا مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الرَّسُول كَانَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِد فِي الْأَحْكَام , وَلَيْسَ مَا قَالَهُ بِلَازِمٍ بَلْ فِي تَقْرِيره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ عَلَى ذَلِكَ دَلِيل عَلَى جَوَاز تَخْصِيص الْعَامّ , وَحَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب أَنَّ الِاسْتِثْنَاء هُنَا لِلضَّرُورَةِ كَتَحْلِيلِ أَكْل الْمَيْتَة عِنْد الضَّرُورَة , وَقَدْ بَيَّنَ الْعَبَّاس ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِذْخِر لَا غِنَى لِأَهْلِ مَكَّة عَنْهُ. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّ الَّذِي يُبَاح لِلضَّرُورَةِ يُشْتَرَط حُصُولهَا فِيهِ , فَلَوْ كَانَ الْإِذْخِر مِثْل الْمَيْتَة لَامْتَنَعَ اِسْتِعْمَاله إِلَّا فِيمَنْ تَحَقَّقَتْ ضَرُورَته إِلَيْهِ , وَالْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهُ مُبَاح مُطْلَقًا بِغَيْرِ قَيْد الضَّرُورَة. اِنْتَهَى. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ مُرَاد الْمُهَلَّب بِأَنَّ أَصْل إِبَاحَته كَانَتْ لِلضَّرُورَةِ وَسَبَبهَا , لَا أَنَّهُ يُرِيد أَنَّهُ مُقَيَّد بِهَا. قَالَ اِبْن الْمُنِير : وَالْحَقّ أَنَّ سُؤَال الْعَبَّاس كَانَ عَلَى مَعْنَى الضَّرَاعَة , وَتَرْخِيص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ تَبْلِيغًا عَنْ اللَّه إِمَّا بِطَرِيقِ الْإِلْهَام أَوْ بِطَرِيقِ الْوَحْي , وَمَنْ اِدَّعَى أَنَّ نُزُول الْوَحْي يَحْتَاج إِلَى أَمَد مُتَّسِع فَقَدْ وَهَمَ وَفِي الْحَدِيث بَيَان خُصُوصِيَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيث , وَجَوَاز مُرَاجَعَة الْعَالِم فِي الْمَصَالِح الشَّرْعِيَّة , وَالْمُبَادَرَة إِلَى ذَلِكَ فِي الْمَجَامِع وَالْمَشَاهِد , وَعَظِيم مَنْزِلَة الْعَبَّاس عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعِنَايَته بِأَمْرِ مَكَّة لِكَوْنِهِ كَانَ بِهَا أَصْله وَمُنْشَؤُهُ , وَفِيهِ رَفْع وُجُوب الْهِجْرَة عَنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة , وَإِبْقَاء حُكْمهَا مِنْ بِلَاد الْكُفْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَأَنَّ الْجِهَاد يُشْتَرَط أَنْ يُقْصَد بِهِ الْإِخْلَاص وَوُجُوب النَّفِير مَعَ الْأَئِمَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "1704",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ قَالَ لَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَوَّلُ شَيْءٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَطَاءً ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُحْرِمٌ ‏ ‏ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ حَدَّثَنِي ‏ ‏طَاوُسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقُلْتُ لَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَنَا عَمْرو أَوَّل شَيْء ) ‏ ‏أَيْ أَوَّل مَرَّة , فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا عَمْرو وَهُوَ اِبْن دِينَار \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ سَمِعْته ) ‏ ‏هُوَ مَقُول سُفْيَان وَالضَّمِير لِعَمْرٍو , وَكَذَا قَوْله \" فَقُلْت لَعَلَّهُ سَمِعَهُ \" وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان فَقَالَ : حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيث عَمْرو مَرَّتَيْنِ فَذَكَرَهُ , لَكِنْ قَالَ : فَلَا أَدْرِي أَسَمِعَهُ مِنْهُمَا أَوْ كَانَتْ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهْمًا , زَادَ أَبُو عَوَانَة : قَالَ سُفْيَان : ذَكَرَ لِي أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا. وَأَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ عَبْد الْجَبَّار بْن الْعَلَاء عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ نَحْو رِوَايَة عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه وَقَالَ فِي آخِره : فَظَنَنْت أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَانَ بْن أَيُّوب عَنْ سُفْيَان قَالَ عَنْ عَمْرو عَنْ عَطَاء فَذَكَرَهُ. قَالَ : ثُمَّ حَدَّثَنَا عَمْرو عَنْ طَاوُسٍ بِهِ , فَقُلْت لِعَمْرٍو : إِنَّمَا كُنْت حَدَّثْتنَا عَنْ عَطَاء , قَالَ : اُسْكُتْ يَا صَبِيّ , لَمْ أَغْلَط , كِلَاهُمَا حَدَّثَنِي. قُلْت : فَإِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ سُفْيَان تَرَدَّدَ فِي كَوْن عَمْرو سَمِعَهُ مِنْهُمَا لَمَّا خَشِيَ مِنْ كَوْن ذَلِكَ صَدَرَ مِنْهُ حَالَة الْغَضَب , عَلَى أَنَّهُ قَدْ حُدِّثَ بِهِ فَجَمَعَهُمَا. قَالَ أَحْمَد فِي مُسْنَده : حَدَّثَنَا سُفْيَان قَالَ : قَالَ عَمْرو أَوَّلًا فَحَفِظْنَاهُ : قَالَ طَاوُسٌ عَنْ اِبْن عَبَّاس فَذَكَرَهُ. فَقَالَ أَحْمَد : وَقَدْ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَان فَقَالَ : قَالَ عَمْرو عَنْ عَطَاء وَطَاوُسٌ عَنْ اِبْن عَبَّاس. قُلْت : وَكَذَا جَمَعَهُمَا عَنْ سُفْيَان مُسَدَّد عِنْد الْمُصَنِّف فِي الطِّبّ , وَأَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَأَبُو خَيْثَمَةَ وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عِنْد مُسْلِم , وَقُتَيْبَة عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ. وَتَابَعَ سُفْيَان عَلَى رِوَايَته لَهُ عَنْ عَمْرو لَكِنْ عَنْ طَاوُسٍ وَحْده زَكَرِيَّا بْن إِسْحَاق , أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو عَوَانَة وَابْن خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِم , وَلَهُ أَصْل عَنْ عَطَاء أَيْضًا , أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ أَبِي الزُّبَيْر , وَمِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ كِلَاهُمَا عَنْهُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏زَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ مُرَاد الْبُخَارِيّ بِالسِّيَاقِ الْمَذْكُور أَنَّ عُمَرًا حَدَّثَ بِهِ سُفْيَان أَوَّلًا عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس بِغَيْرِ وَاسِطَة , ثُمَّ حَدَّثَهُ بِهِ ثَانِيًا عَنْ عَطَاء بِوَاسِطَةِ طَاوُسٍ. قُلْت : وَهُوَ كَلَام مَنْ لَمْ يَقِف عَلَى طَرِيق مُسَدَّد الَّتِي فِي الْكِتَاب الَّذِي شُرِحَ فِيهِ فَضْلًا عَنْ بَقِيَّة الطُّرُق الَّتِي ذَكَرْنَاهَا , وَلَا تُعْرَف مَعَ ذَلِكَ لِعَطَاءٍ عَنْ طَاوُسٍ رِوَايَة أَصْلًا , وَاللَّه الْمُسْتَعَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ مُحْرِم ) ‏ ‏زَادَ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء \" صَائِم \" ( بِلَحْيِ جَمَل ) وَزَادَ زَكَرِيَّا \" عَلَى رَأْسه \" وَسَتَأْتِي رِوَايَة عِكْرِمَة فِي الصَّوْم , وَهَذِهِ الزِّيَادَات مُوَافِقَة لِحَدِيثِ اِبْن بُحَيْنَة ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب دُون ذِكْر الصِّيَام. ‏"
    },
    {
        "id": "1705",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ بُحَيْنَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏احْتَجَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُحْرِمٌ ‏ ‏بِلَحْيِ جَمَلٍ ‏ ‏فِي وَسَطِ رَأْسِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَلْقَمَة بْن أَبِي عَلْقَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن خَالِد عَنْ سُلَيْمَان \" أَخْبَرَنِي عَلْقَمَة \" وَاسْم أَبِي عَلْقَمَة بِلَال , وَهُوَ مَدَنِيّ تَابِعِيّ صَغِير سَمِعَ أَنَسًا , وَهُوَ عَلْقَمَة بْن أُمّ عَلْقَمَة وَاسْمهَا مَرْجَانَة , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج عَنْ اِبْن بُحَيْنَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي الطِّبّ عَنْ إِسْمَاعِيل - وَهُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس - عَنْ سُلَيْمَان عَنْ عَلْقَمَة أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن بُحَيْنَة. ‏ ‏قَوْله : ( بِلَحْيِ جَمَل ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَحُكِيَ كَسْرهَا وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَبِفَتْحِ الْجِيم وَالْمِيم : مَوْضِع بِطَرِيقِ مَكَّة. وَقَدْ وَقَعَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل الْمَذْكُورَة \" بِلَحْيِ جَمَل مِنْ طَرِيق مَكَّة \" ذَكَرَ الْبَكْرِيّ فِي مُعْجَمه فِي رَسْم الْعَقِيق قَالَ : هِيَ بِئْر جَمَل الَّتِي وَرَدَ ذِكْرهَا فِي حَدِيث أَبِي جَهْم , يَعْنِي الْمَاضِي فِي التَّيَمُّم. وَقَالَ غَيْره : هِيَ عَقَبَة الْجُحْفَة عَلَى سَبْعَة أَمْيَال مِنْ السُّقْيَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" بِلَحْيَيْ جَمَل \" بِصِيغَةِ التَّثْنِيَة , وَلِغَيْرِهِ بِالْإِفْرَادِ. وَوَهَمَ مَنْ ظَنَّهُ فَكَّيْ الْجَمَل الْحَيَوَان الْمَعْرُوف وَأَنَّهُ كَانَ آلَة الْحَجْم , وَجَزَمَ الْحَازِمِيّ وَغَيْره بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاعِ, وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ صَائِمًا فِي كِتَاب الصِّيَام. ‏ ‏قَوْله : ( فِي وَسَط ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة أَيْ مُتَوَسِّطه , وَهُوَ مَا فَوْق الْيَافُوخ فِيمَا بَيْن أَعْلَى الْقَرْنَيْنِ. قَالَ اللَّيْث : كَانَتْ هَذِهِ الْحِجَامَة فِي فَأْس الرَّأْس , وَأَمَّا الَّتِي فِي أَعْلَاهُ فَلَا لِأَنَّهَا رُبَّمَا أَعْمَتْ , وَسَيَأْتِي تَحْقِيق ذَلِكَ فِي كِتَاب الطِّبّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ النَّوَوِيّ : إِذَا أَرَادَ الْمُحْرِم الْحِجَامَة لِغَيْرِ حَاجَة فَإِنْ تَضَمَّنَتْ قَطْع شَعْر فَهِيَ حَرَام لِقَطْعِ الشَّعْر , وَإِنْ لَمْ تَتَضَمَّنهُ جَازَتْ عِنْد الْجُمْهُور , وَكَرِهَهَا مَالِك. وَعَنْ الْحَسَن فِيهَا الْفِدْيَة وَإِنْ لَمْ يَقْطَع شَعْرًا. وَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ جَازَ قَطْع الشَّعْر وَتَجِب الْفِدْيَة. وَخَصَّ أَهْل الظَّاهِر الْفِدْيَة بِشَعْرِ الرَّأْس. قَالَ الدَّاوُدِيّ : إِذَا أَمْكَنَ مَسْك الْمَحَاجِم بِغَيْرِ حَلْق لَمْ يَجُزْ الْحَلْق. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى جَوَاز الْفَصْد وَبَطّ الْجُرْح وَالدُّمَّل وَقَطْع الْعِرْق وَقَلْع الضِّرْس وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ وُجُوه التَّدَاوِي إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ اِرْتِكَاب مَا نُهِيَ عَنْهُ الْمُحْرِم مِنْ تَنَاوُل الطِّيب وَقَطْع الشَّعْر , وَلَا فَدِيَة عَلَيْهِ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1706",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَزَوَّجَ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏وَهُوَ مُحْرِمٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1707",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنْ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا ‏ ‏الْبَرَانِسَ ‏ ‏إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا ‏ ‏الْوَرْسُ ‏ ‏وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏وَجُوَيْرِيَةُ ‏ ‏وَابْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏فِي النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَلَا وَرْسٌ ‏ ‏وَكَانَ يَقُولُ ‏ ‏لَا تَتَنَقَّبْ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏لَا تَتَنَقَّبْ الْمُحْرِمَةُ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ مُوسَى بْن عُقْبَة ) ‏ ‏وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْهُ عَنْ نَافِع فِي آخِر الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة قَبْل. ‏ ‏قَوْله ( وَإِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُقْبَة , وَهُوَ اِبْن أَخِي مُوسَى الْمَذْكُور قَبْله , وَقَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقه مَوْصُولًا فِي \" فَوَائِد عَلِيّ بْن مُحَمَّد الْمِصْرِيّ \" مِنْ رِوَايَة السَّلَفِيّ عَنْ الثَّقَفِيّ عَنْ اِبْن بَشْرَان عَنْهُ عَنْ يُوسُف بْن يَزِيد عَنْ يَعْقُوب بْن أَبِي عَبَّاد عَنْ إِسْمَاعِيل عَنْ نَافِع بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَجُوَيْرِيَةُ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَسْمَاء , وَصَلَهُ أَبُو يَعْلَى عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَسْمَاء عَنْهُ عَنْ نَافِع وَفِيهِ الزِّيَادَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَابْن إِسْحَاق ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَحْمَد وَغَيْره كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْبَاب. ‏ ‏قَوْله : ( فِي النِّقَاب وَالْقُفَّازَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ فِي ذِكْرهمَا فِي الْحَدِيث الْمَرْفُوع. وَالْقُفَّاز بِضَمِّ الْقَاف وَتَشْدِيد الْفَاء وَبَعْد الْأَلْف زَاي : مَا تَلْبَسهُ الْمَرْأَة فِي يَدهَا فَيُغَطِّي أَصَابِعهَا وَكَفَّيْهَا عِنْد مُعَانَاة الشَّيْء كَغَزْلٍ وَنَحْوه , وَهُوَ لِلْيَدِ كَالْخُفِّ لِلرَّجُلِ. وَالنِّقَاب الْخِمَار الَّذِي يُشَدّ عَلَى الْأَنْف أَوْ تَحْت الْمَحَاجِر , وَظَاهِره اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِالْمَرْأَةِ , وَلَكِنَّ الرَّجُل فِي الْقُفَّاز مِثْلهَا لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى الْخُفّ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُحِيط بِجُزْءِ مِنْ الْبَدَن , وَأَمَّا النِّقَاب فَلَا يَحْرُم عَلَى الرَّجُل مِنْ جِهَة الْإِحْرَام لِأَنَّهُ لَا يَحْرُم عَلَيْهِ تَغْطِيَة وَجْهه عَلَى الرَّاجِح كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا الْبَاب. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ ‏ ‏( وَلَا وَرْس ) ‏ ‏وَكَانَ يَقُول \" لَا تَتَنَقَّب الْمُحْرِمَة وَلَا تَلْبَس الْقُفَّازَيْنِ \" يَعْنِي أَنَّ عُبَيْد اللَّه الْمَذْكُور خَالَفَ الْمَذْكُورِينَ قَبْل فِي رِوَايَة هَذَا الْحَدِيث عَنْ نَافِع فَوَافَقَهُمْ عَلَى رَفْعه إِلَى قَوْله \" زَعْفَرَان وَلَا وَرْس \" وَفَصَلَ بَقِيَّة الْحَدِيث فَجَعَلَهُ مِنْ قَوْل اِبْن عُمَر. وَهَذَا التَّعْلِيق عَنْ عُبَيْد اللَّه وَصَلَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْ مُحَمَّد بْن بِشْر وَحَمَّاد بْن مَسْعَدَة وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق بِشْر بْنِ الْمُفَضَّل ثَلَاثَتهمْ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع فَسَاقَ الْحَدِيث إِلَى قَوْله \" وَلَا وَرْس \" قَالَا : وَكَانَ عَبْد اللَّه - يَعْنِي اِبْن عُمَر - يَقُول \" وَلَا تَنْتَقِب الْمُحْرِمَة وَلَا تَلْبَس الْقُفَّازَيْنِ \" وَرَوَاهُ يَحْيَى القَطَّانُ عِنْد النَّسَائِيِّ وَحَفْص اِبْن غِيَاث عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْد اللَّه فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمُتَّفَق عَلَى رَفْعه. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مَالِك إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ فِي \" الْمُوَطَّإ \" كَمَا قَالَ , وَالْغَرَض أَنَّ مَالِكًا اِقْتَصَرَ عَلَى الْمَوْقُوف فَقَطْ , وَفِي ذَلِكَ تَقْوِيَة لِرِوَايَةِ عُبَيْد اللَّه وَظَهَرَ الْإِدْرَاج فِي رِوَايَة غَيْره. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ اِبْن دَقِيق الْعِيد الْحُكْم بِالْإِدْرَاجِ فِي هَذَا الْحَدِيث لِوُرُودِ النَّهْي عَنْ النِّقَاب وَالْقُفَّاز مُفْرَدًا مَرْفُوعًا وَلِلِابْتِدَاءِ بِالنَّهْيِ عَنْهُمَا فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق الْمَرْفُوعَة الْمُقَدَّم ذِكْرهَا وَقَالَ فِي \" الِاقْتِرَاح \" : دَعْوَى الْإِدْرَاج فِي أَوَّل الْمَتْن ضَعِيفَة. وَأُجِيب بِأَنَّ الثِّقَات إِذَا اِخْتَلَفُوا وَكَانَ مَعَ أَحَدهمْ زِيَادَة قُدِّمَتْ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ حَافِظًا وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ أَحْفَظ , وَالْأَمْر هُنَا كَذَلِكَ فَإِنَّ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر فِي نَافِع أَحْفَظ مِنْ جَمِيع مَنْ خَالَفَهُ وَفْد فَصَلَ الْمَرْفُوع مِنْ الْمَوْقُوف , وَأَمَّا الَّذِي اِقْتَصَرَ عَلَى الْمَوْقُوف فَرَفَعَهُ فَقَدْ شَذَّ بِذَلِكَ وَهُوَ ضَعِيف , وَأَمَّا الَّذِي اِبْتَدَأَ فِي الْمَرْفُوع بِالْمَوْقُوفِ فَإِنَّهُ مِنْ التَّصَرُّف فِي الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى , وَكَأَنَّهُ رَأَى أَشْيَاء مُتَعَاطِفَة فَقَدَّمَ وَأَخَّرَ لِجَوَازِ ذَلِكَ عِنْده , وَمَعَ الَّذِي فَصَلَ زِيَادَة عِلْم فَهُوَ أَوْلَى , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ \". وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَإِنْ قُلْت فَلِمَ قَالَ بِلَفْظِ \" قَالَ \" وَثَانِيًا بِلَفْظِ. \" كَانَ يَقُول \" ؟ قُلْت لَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ مَرَّة وَهَذَا كَانَ يَقُولُهُ دَائِمًا مُكَرِّرًا , وَالْفَرْق بَيْن الْمَرْوِيَّيْنِ إِمَّا مِنْ جِهَة حَذْف الْمَرْأَة وَإِمَّا مِنْ جِهَة أَنَّ الْأَوَّل بِلَفْظِ \" لَا تَتَنَقَّب \" مِنْ التَّفَعُّل وَالثَّانِي مِنْ الِافْتِعَال , وَإِمَّا مِنْ جِهَة أَنَّ الثَّانِي بِضَمِّ الْبَاء عَلَى سَبِيل النَّفْي لَا غَيْر وَالْأَوَّل بِالضَّمِّ وَالْكَسْر نَفْيًا وَنَهْيًا. اِنْتَهَى كَلَامه وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه. ‏ ‏قَوْله ( وَتَابَعَهُ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْمٍ ) ‏ ‏أَيْ تَابَعَ مَالِكًا فِي وَقْفه , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق فُضَيْلِ بْن غَزْوَانَ عَنْ نَافِع مَوْقُوفًا عَلَى اِبْن عُمَر. وَمَعْنَى قَوْله \" وَلَا تَنْتَقِب \" أَيْ لَا تَسْتُر وَجْههَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ فَمَنَعَهُ الْجُمْهُور وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّة وَهُوَ رِوَايَة عِنْد الشَّافِعِيَّة وَالْمَالِكِيَّة , وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي مَنْعهَا مِنْ سَتْر وَجْههَا وَكَفَّيْهَا بِمَا سِوَى النِّقَاب وَالْقُفَّازَيْنِ. قَوْلُه ( مَسَّه وَرْس إِلَخ ) مَفْهُومُهُ جَوَاز مَا لَيْسَ فِيهِ وَرْس وَلَا زَعْفَرَان , لَكِنْ أَلْحَقَ الْعُلَمَاءُ بِذَلِكَ أَنْوَاع الطِّيبِ لِلِاشْتِرَاك فِي الْحُكْمِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَصْبُوغ بِغَيْر الزَّعْفَرَان وَالْوَرْس وَقَد تَقَدَّمَ ذَلِك , وَالْوَرْس نَبَات بِالْيَمَن قَالَه جَمَاعَةٌ , وَجَزَمَ بِذَلِكَ ابْنُ الْعَرَبِيّ وَغَيْرُهُ , وَقَالَ ابْنُ الْبَيْطَار فِي مُفْرَدَاتِهِ : الْوَرْس يُؤْتَى بِهِ مِنْ الْيَمَن وَالْهِنْد وَالصِّين , وَلَيْسَ بِنَبَاتٍ بَلْ يُشْبِه زَهْر الْعُصْفُر , وَنَبْتُه شَيْء يُشْبِه الْبَنَفْسِج , وَيُقَال : إِنَّ الْكُرْكُمَ عُرُوقُهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1708",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَقَصَتْ ‏ ‏بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ نَاقَتُهُ فَقَتَلَتْهُ فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اغْسِلُوهُ وَكَفِّنُوهُ وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَنْصُور ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , وَالْحَكَم هُوَ اِبْن عُتَيْبَة. ‏ ‏قَوْله ( وَقَصَتْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَالصَّاد الْمُهْمَلَة تَقَدَّمَ تَفْسِيره فِي \" بَاب كَفَن الْمُحْرِم \" وَيَأْتِي فِي \" بَاب الْمُحْرِم يَمُوت بِعَرَفَة \" بَيَان اِخْتِلَاف فِي هَذِهِ اللَّفْظَة , وَالْمُرَاد هُنَا قَوْله \" وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا \" وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الرَّاء , وَسَيَأْتِي قَرِيبًا بِلَفْظِ \" وَلَا تُحَنِّطُوهُ \" وَهُوَ مِنْ الْحَنُوط بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون وَهُوَ الطِّيب الَّذِي يُصْنَع لِلْمَيِّتِ. ‏ ‏وَقَوْله ( يُبْعَث مُلَبِّيًا ) ‏ ‏أَيْ عَلَى هَيْئَته الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا. وَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى بَقَاء إِحْرَامه خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّة , وَقَدْ تَمَسَّكُوا مِنْ هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظَةٍ اُخْتُلِفَ فِي ثُبُوتهَا وَهِيَ قَوْله \" وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهه \" فَقَالُوا : لَا يَجُوز لِلْمُحْرِمِ تَغْطِيَة وَجْهه , مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث فِيمَنْ مَاتَ مُحْرِمًا , وَأَمَّا الْجُمْهُور فَأَخَذُوا بِظَاهِرِ الْحَدِيث وَقَالُوا : إِنَّ فِي ثُبُوت ذِكْر الْوَجْه مَقَالًا , وَتَرَدَّدَ اِبْن الْمُنْذِر فِي صِحَّتِه. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : ذِكْر الْوَجْه غَرِيب وَهُوَ وَهْم مِنْ بَعْض رُوَاته , وَفِي كُلّ ذَلِكَ نَظَر فَإِنَّ الْحَدِيث ظَاهِره الصِّحَّة وَلَفْظه عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل عَنْ مَنْصُور وَأَبِي الزُّبَيْر كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس فَذَكَر الْحَدِيث. قَالَ مَنْصُور \" وَلَا تُغَطُّوا وَجْهه \" وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْر \" وَلَا تَكْشِفُوا وَجْهه \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن دِينَار عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر بِلَفْظِ \" وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهه وَلَا رَأْسه \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيث شُعْبَة عَنْ أَبِي بِشْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر بِلَفْظِ \" وَلَا يُمَسّ طِيبًا خَارِج رَأْسه \" قَالَ شُعْبَة : ثُمَّ حَدَّثَنِي بِهِ بَعْد ذَلِكَ فَقَالَ \" خَارِج رَأْسه وَوَجْهه \" اِنْتَهَى. وَهَذِهِ الرِّوَايَة تَتَعَلَّق بِالتَّطَيُّبِ لَا بِالْكَشْفِ وَالتَّغْطِيَة , وَشُعْبَة أَحْفَظ مِنْ كُلّ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث , فَلَعَلَّ بَعْض رُوَاته اِنْتَقَلَ ذِهْنه مِنْ التَّطَيُّب إِلَى التَّغْطِيَة. وَقَالَ أَهْل الظَّاهِر : يَجُوز لِلْمُحْرِمِ الْحَيّ تَغْطِيَة وَجْهه وَلَا يَجُوز لِلْمُحْرِمِ الَّذِي يَمُوت عَمَلًا بِالظَّاهِرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ وَاقِعَة عَيْن لَا عُمُوم فِيهَا لِأَنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ \" لِأَنَّهُ يُبْعَث يَوْم الْقِيَامَة مُلَبِّيًا \" وَهَذَا الْأَمْر لَا يَتَحَقَّق وَجُوده فِي غَيْره فَيَكُون خَاصًّا بِذَلِكَ الرَّجُل ; وَلَوْ اِسْتَمَرَّ بَقَاؤُهُ عَلَى إِحْرَامه لَأُمِرَ بِقَضَاءِ مَنَاسِكه , وَسَيَأْتِي تَرْجَمَة الْمُصَنِّف بِنَفْيِهِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَن بْن الْقَصَّار : لَوْ أُرِيدَ تَعْمِيم الْحُكْم فِي كُلّ مُحْرِم لَقَالَ \" فَإِنَّ الْمُحْرِم \" كَمَا جَاءَ \" أَنَّ الشَّهِيد يُبْعَث وَجُرْحه يَثْعَب دَمًا \" , وَأُجِيب بِأَنَّ الْحَدِيث ظَاهِر فِي أَنَّ الْعِلَّة فِي الْأَمْر الْمَذْكُور كَوْنه كَانَ فِي النُّسُك وَهِيَ عَامَّة فِي كُلّ مُحْرِم , وَالْأَصْل أَنَّ كُلّ مَا ثَبَتَ لِوَاحِدٍ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَتَ لِغَيْرِهِ حَتَّى يَتَّضِح التَّخْصِيص. وَاخْتُلِفَ فِي الصَّائِم يَمُوت هَلْ يَبْطُل صَوْمه بِالْمَوْتِ حَتَّى يَجِب قَضَاء صَوْم ذَلِكَ الْيَوْم عَنْهُ أَوْ لَا يَبْطُل ؟ وَقَالَ النَّوَوِيّ : يُتَأَوَّل هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ النَّهْي عَنْ تَغْطِيَة وَجْهه لَيْسَ لِكَوْنِ الْمُحْرِم لَا يَجُوز تَغْطِيَة وَجْهه بَلْ هُوَ صِيَانَة لِلرَّأْسِ , فَإِنَّهُمْ لَوْ غَطَّوْا وَجْهه لَمْ يُؤْمَن أَنْ يُغَطِّي رَأْسه ا ه. وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق عَطَاء قَالَ : يُغَطِّي الْمُحْرِم مِنْ وَجْهه مَا دُون الْحَاجِبَيْنِ أَيْ مِنْ أَعْلَى. وَفِي رِوَايَة : مَا دُون عَيْنَيْهِ. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَزِيد الِاحْتِيَاط لِكَشْفِ الرَّأْس , وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : ‏ ‏كَانَ وُقُوع الْمُحْرِم الْمَذْكُور عِنْد الصَّخَرَات مِنْ عَرَفَة. وَفِي الْحَدِيث إِطْلَاق الْوَاقِف عَلَى الرَّاكِب , وَاسْتِحْبَاب دَوَام التَّلْبِيَة فِي الْإِحْرَام , وَأَنَّهَا لَا تَنْقَطِع بِالتَّوَجُّهِ لِعَرَفَة , وَجَوَاز غَسْل الْمُحْرِم بِالسِّدْرِ وَنَحْوه مِمَّا لَا يُعَدّ طِيبًا. وَحَكَى الْمُزَنِيُّ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ اِسْتَدَلَّ عَلَى جَوَاز قَطْع سِدْر الْحَرَم بِهَذَا الْحَدِيث لِقَوْلِهِ فِيهِ \" وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْر \" وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث عَلَى تَسْمِيَة الْمُحْرِم الْمَذْكُور , وَقَدْ وَهَمَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ فَزَعَمَ أَنَّ اِسْمه وَاقِد بْن عَبْد اللَّه وَعَزَاهُ لَابْن قُتَيْبَة فِي تَرْجَمَة عُمَر مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي , وَسَبَب الْوَهْم أَنَّ اِبْن قُتَيْبَة لَمَّا ذَكَرَ تَرْجَمَة عُمَر ذَكَرَ أَوْلَاده وَمِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , ثُمَّ ذَكَرَ أَوْلَاد عَبْد اللَّه بْن عُمَر فَذَكَر فِيهِمْ وَاقِد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر فَقَالَ : وَقَعَ عَنْ بَعِيره وَهُوَ مُحْرِم فَهَلَكَ , فَظَنَّ هَذَا الْمُتَأَخِّر أَنَّ لِوَاقِدِ بْن عَبْد اللَّه اِبْن عُمَر صُحْبَة وَأَنَّهُ صَاحِب الْقِصَّة الَّتِي وَقَعَتْ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ فَإِنَّ وَاقِدًا الْمَذْكُور لَا صُحْبَة لَهُ فَإِنَّ أُمّه صَفِيَّة بِنْت أَبِي عُبَيْد إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا أَبُوهُ فِي خِلَافَة أَبِيهِ عُمَر وَاخْتُلِفَ فِي صُحْبَتهَا , وَذَكَرهَا الْعِجْلِيُّ وَغَيْره فِي التَّابِعِينَ , وَوَجَدْت فِي الصَّحَابَة وَاقِد بْن عَبْد اللَّه آخَر لَكِنْ لَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الْأَخْبَار أَنَّهُ وَقَعَ عَنْ بَعِيره فَهَلَكَ , بَلْ ذَكَرَ غَيْر وَاحِد مِنْهُمْ اِبْن سَعْد أَنَّهُ مَاتَ فِي خِلَافَة عُمَر , فَبَطَل تَفْسِير الْمُبْهَم بِأَنَّهُ وَاقِد بْن عَبْد اللَّه مِنْ كُلّ وَجْه. ‏"
    },
    {
        "id": "1709",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ ‏ ‏وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏اخْتَلَفَا ‏ ‏بِالْأَبْوَاءِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ وَقَالَ ‏ ‏الْمِسْوَرُ ‏ ‏لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ فَأَرْسَلَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذَا فَقُلْتُ أَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ ‏ ‏أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ ‏ ‏أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَوَضَعَ ‏ ‏أَبُو أَيُّوبَ ‏ ‏يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ اصْبُبْ فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَفْعَلُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الْمُوَطَّآت , وَأَغْرَبَ يَحْيَى بْن يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيّ فَأَدْخَلَ بَيْن زَيْد وَإِبْرَاهِيم نَافِعًا. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَذَلِكَ مَعْدُود مِنْ خَطَئِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِبْرَاهِيم ) فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْد \" أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيم \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَالْحُمَيْدِيّ فِي مَسَانِيدهمْ عَنْهُ , وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عِنْد أَحْمَد عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ \" أَنَّ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن حُنَيْنٍ مَوْلَى اِبْن عَبَّاس أَخْبَرَهُ \" كَذَا قَالَ \" مَوْلَى اِبْن عَبَّاس \" وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ وَالْمَشْهُور أَنَّ حُنَيْنًا كَانَ مَوْلًى لِلْعَبَّاسِ وَهَبَهُ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَوْلَاده مَوَالٍ لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عِنْد أَبِي عَوَانَة كُنْت مَعَ اِبْن عَبَّاس وَالْمِسْوَر. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْأَبْوَاءِ ) ‏ ‏أَيْ وَهُمَا نَازِلَانِ بِهَا , وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" بِالْعَرْجِ \" وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّله وَإِسْكَان ثَانِيه : قَرْيَة جَامِعَة قَرِيبَة مِنْ الْأَبْوَاء. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى أَبِي أَيُّوب ) ‏ ‏زَادَ اِبْن جُرَيْجٍ فَقَالَ \" قُلْ لَهُ يَقْرَأ عَلَيْك السَّلَام اِبْن أَخِيك عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وَيَسْأَلك \". ‏ ‏قَوْله : ( بَيْن الْقَرْنَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ قَرْنَيْ الْبِئْر , وَكَذَا هُوَ لِبَعْضِ رُوَاة الْمُوَطَّإ , وَكَذَا فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ , وَهُمَا الْعُودَانِ - أَيْ الْعَمُودَانِ - الْمُنْتَصِبَانِ لِأَجْلِ عُود الْبَكَرَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْسَلَنِي إِلَيْك عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس يَسْأَلك كَيْف كَانَ إِلَخْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : الظَّاهِر أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ عِنْده فِي ذَلِكَ نَصّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهُ عَنْ أَبِي أَيُّوب أَوْ غَيْره , وَلِهَذَا قَالَ عَبْد اللَّه بْن حُنَيْنٍ لِأَبِي أَيُّوب : يَسْأَلك كَيْف كَانَ يَغْسِل رَأْسه ؟ وَلَمْ يَقُلْ هَلْ كَانَ يَغْسِل رَأْسه أَوْ لَا عَلَى حَسَب مَا وَقَعَ فِيهِ اِخْتِلَاف بَيْن الْمِسْوَر وَابْن عَبَّاس. قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَبْد اللَّه بْن حُنَيْنٍ تَصَرَّفَ فِي السُّؤَال لِفِطْنَتِهِ , كَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ سَلْهُ هَلْ يَغْتَسِل الْمُحْرِم أَوْ لَا ؟ فَجَاءَ فَوَجَدَهُ يَغْتَسِل , فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَغْتَسِل , فَأَحَبَّ أَنْ لَا يَرْجِع إِلَّا بِفَائِدَةِ فَسَأَلَهُ عَنْ كَيْفِيَّة الْغُسْل , وَكَأَنَّهُ خَصَّ الرَّأْس بِالسُّؤَالِ لِأَنَّهَا مَوْضِع الْإِشْكَال فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة لِأَنَّهَا مَحَلّ الشَّعْر الَّذِي يُخْشَى اِنْتِتَافه بِخِلَافِ بَقِيَّة الْبَدَن غَالِبًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَطَأْطَأَهُ ) ‏ ‏أَيْ أَزَالَهُ عَنْ رَأْسه , وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" جَمَعَ ثِيَابه إِلَى صَدْره حَتَّى نَظَرْت إِلَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" حَتَّى رَأَيْت رَأْسه وَوَجْهه \". ‏ ‏قَوْله : ( لِإِنْسَانٍ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , ثُمَّ قَالَ أَيْ أَبُو أَيُّوب \" هَكَذَا رَأَيْته - أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَل \" زَادَ اِبْن عُيَيْنَةَ \" فَرَجَعْت إِلَيْهِمَا فَأَخْبَرْتهمَا , فَقَالَ الْمِسْوَر لِابْنِ عَبَّاس : لَا أُمَارِيك أَبَدًا \" أَيْ لَا أُجَادِلك. وَأَصْل الْمِرَاء اِسْتِخْرَاج مَا عِنْد الْإِنْسَان , يُقَال أَمْرَى فُلَان فُلَانًا إِذَا اِسْتَخْرَجَ مَا عِنْده. قَالَهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ , وَأُطْلِقَ ذَلِكَ فِي الْمُجَادَلَة لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُتَجَادِلَيْنِ يَسْتَخْرِج مَا عِنْد الْآخَر مِنْ الْحُجَّة. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد مُنَاظَرَة الصَّحَابَة فِي الْأَحْكَام , وَرُجُوعهمْ إِلَى النُّصُوص , وَقَبُولهمْ لِخَبَرِ الْوَاحِد وَلَوْ كَانَ تَابِعِيًّا , وَأَنَّ قَوْل بَعْضهمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى بَعْض. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَوْ كَانَ مَعْنَى الِاقْتِدَاء فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ \" يُرَاد بِهِ الْفَتْوَى لَمَا اِحْتَاجَ اِبْن عَبَّاس إِلَى إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَى دَعْوَاهُ بَلْ كَانَ يَقُول لِلْمِسْوَرِ أَنَا نَجْم وَأَنْتَ نَجْم فَبِأَيِّنَا اقْتَدَى مَنْ بَعْدنَا كَفَاهُ , وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ كَمَا قَالَ الْمُزَنِيُّ وَغَيْره مِنْ أَهْل النَّظَر أَنَّهُ فِي النَّقْل , لِأَنَّ جَمِيعهمْ عُدُول. وَفِيهِ اِعْتِرَاف لِلْفَاضِلِ بِفَضْلِهِ , وَإِنْصَاف الصَّحَابَة بَعْضهمْ بَعْضًا , وَفِيهِ اِسْتِتَار الْغَاسِل عِنْد الْغُسْل , وَالِاسْتِعَانَة فِي الطَّهَارَة , وَجَوَاز الْكَلَام وَالسَّلَام حَالَة الطَّهَارَة , وَجَوَاز غَسْل الْمُحْرِم وَتَشْرِيبه شَعْره بِالْمَاءِ وَدَلْكه بِيَدِهِ إِذَا أَمِنَ تَنَاثُره , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيّ عَلَى وُجُوب الدَّلْك فِي الْغُسْل قَالَ : لِأَنَّ الْغُسْل لَوْ كَانَ يَتِمّ بِدُونِهِ لَكَانَ الْمُحْرِم أَحَقّ بِأَنْ يَجُوز لَهُ تَرْكه , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ تَخْلِيل شَعْر اللِّحْيَة فِي الْوُضُوء بَاقٍ عَلَى اِسْتِحْبَابه , خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُكْرَه كَالْمُتَوَلِّي مِنْ الشَّافِعِيَّة خَشْيَة اِنْتِتَاف الشَّعْر , لِأَنَّ فِي الْحَدِيث \" ثَمَّ حَرَّكَ رَأْسه بِيَدِهِ \" وَلَا فَرْق بَيْن شَعْر الرَّأْس وَاللِّحْيَة إِلَّا أَنْ يُقَال إِنَّ شَعْر الرَّأْس أَصْلَب , وَالتَّحْقِيق أَنَّهُ خِلَاف الْأَوْلَى فِي حَقّ بَعْض دُون بَعْض , قَالَهُ السُّبْكِيّ الْكَبِير , وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1710",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ ‏ ‏بِعَرَفَاتٍ ‏ ‏مَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ ‏ ‏إِزَارًا ‏ ‏فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1711",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ فَقَالَ ‏ ‏لَا يَلْبَسْ الْقَمِيصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا ‏ ‏الْبُرْنُسَ ‏ ‏وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا ‏ ‏وَرْسٌ ‏ ‏وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1712",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَطَبَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعَرَفَاتٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَنْ لَمْ يَجِدْ ‏ ‏الْإِزَارَ ‏ ‏فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1713",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَأَبَى ‏ ‏أَهْلُ مَكَّةَ ‏ ‏أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏حَتَّى قَاضَاهُمْ لَا يُدْخِلُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏سِلَاحًا إِلَّا فِي الْقِرَابِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1714",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَّتَ ‏ ‏لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ‏ ‏ذَا الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏وَلِأَهْلِ نَجْدٍ ‏ ‏قَرْنَ الْمَنَازِلِ ‏ ‏وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ ‏ ‏يَلَمْلَمَ ‏ ‏هُنَّ لَهُنَّ وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى ‏ ‏أَهْلُ مَكَّةَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1715",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ ‏ ‏الْمِغْفَرُ ‏ ‏فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ ‏ ‏ابْنَ خَطَلٍ ‏ ‏مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فَقَالَ اقْتُلُوهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُوَيْس عِنْد اِبْن سَعْد \" أَنَّ أَنَس بْن مَالِك حَدَّثَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَام الْفَتْح وَعَلَى رَأْسه الْمِغْفَر ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْفَاء : زَرَد يُنْسَج مِنْ الدُّرُوع عَلَى قَدْر الرَّأْس , وَقِيلَ هُوَ رَفْرَف الْبَيْضَة قَالَهُ فِي \" الْمُحْكَم \". وَفِي \" الْمَشَارِق \" هُوَ مَا يُجْعَل مِنْ فَضْل دُرُوع الْحَدِيد عَلَى الرَّأْس مِثْل الْقَلَنْسُوَة , وَفِي رِوَايَة زَيْد بْن الْحُبَاب عَنْ مَالِك \" يَوْم الْفَتْح وَعَلَيْهِ مِغْفَر مِنْ حَدِيد \" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي \" الْغَرَائِب \" وَالْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أَبِي أُوَيْس. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , إِلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون هُوَ الَّذِي بَاشَرَ قَتْلَهُ , وَقَدْ جَزَمَ الْفَاكِهِيّ فِي \" شَرْح الْعُمْدَة \" بِأَنَّ الَّذِي جَاءَ بِذَلِكَ هُوَ أَبُو بَرْزَة الْأَسْلَمِي , وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَجَحَ عِنْده أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ رَأَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَاءَ مُخْبِرًا بِقِصَّتِهِ , وَيُوَشِّحهُ قَوْله فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن قَزَعَة فِي الْمَغَازِي \" فَقَالَ اُقْتُلْهُ \" بِصِيغَةِ الْإِفْرَاد. عَلَى أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي اِسْم قَاتِلِهِ , فَفِي حَدِيث سَعِيد بْن يَرْبُوع عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" أَرْبَعَة لَا أُؤَمِّنُهُمْ لَا فِي حِلٍّ وَلَا حَرَم : الْحُوَيْرِث بْن نُقَيْد بِالنُّونِ وَالْقَاف مُصَغَّر , وَهِلَال بْن خَطَل , وَمِقْيَس بْن صُبَابَة , وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي سَرْح قَالَ فَأَمَّا هِلَال بْن خَطَل فَقَتَلَهُ الزُّبَيْر \" الْحَدِيث. وَفِي حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عِنْد الْبَزَّار وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي \" الدَّلَائِل \" نَحْوه لَكِنْ قَالَ \" أَرْبَعَة نَفَر وَامْرَأَتَيْنِ فَقَالَ اُقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة \" فَذَكَرَهُمْ لَكِنْ قَالَ عَبْد اللَّه اِبْن خَطَل بَدَلَ هِلَال , وَقَالَ عِكْرِمَة بَدَلَ الْحُوَيْرِث , وَلَمْ يُسَمِّ الْمَرْأَتَيْنِ وَقَالَ \" فَأَمَّا عَبْد اللَّه بْن خَطَل فَأُدْرِكَ وَهُوَ مُتَعَلِّق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيد بْن حُرَيْث وَعَمَّار بْن يَاسِر فَسَبَقَ سَعِيد عَمَّارًا وَكَانَ أَشَبَّ الرَّجُلَيْنِ فَقَتَلَهُ \" الْحَدِيث. وَفِي زِيَادَات يُونُس بْن بُكَيْرٍ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ نَحْوه. وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل مِنْ طَرِيق الْحَكَمِ بْن عَبْد الْمَلِكِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس \" أَمَّنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاس يَوْم فَتْح مَكَّة إِلَّا أَرْبَعَة مِنْ النَّاس : عَبْد الْعُزَّى بْن خَطَل , وَمِقْيَس بْن صُبَابَة الْكِنَانِيّ , وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي سَرْح , وَأُمّ سَارَة. فَأَمَّا عَبْد الْعُزَّى بْن خَطَل فَقُتِلَ وَهُوَ مُتَعَلِّق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة \" وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيّ \" أَنَّ أَبَا بَرْزَة الْأَسْلَمِي قَتَلَ اِبْن خَطَل وَهُوَ مُتَعَلِّق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة \" وَإِسْنَادُهُ صَحِيح مَعَ إِرْسَاله , وَلَهُ شَاهِد عِنْد اِبْن الْمُبَارَك فِي \" الْبِرّ وَالصِّلَة \" مِنْ حَدِيث أَبِي بَرْزَة نَفْسه , وَرَوَاهُ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر , وَهُوَ أَصَحّ مَا وَرَدَ فِي تَعْيِينِ قَاتِلِهِ وَبِهِ جَزَمَ الْبَلَاذِرِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْل الْعِلْم بِالْأَخْبَارِ , وَتُحْمَل بَقِيَّة الرِّوَايَات عَلَى أَنَّهُمْ اِبْتَدَرُوا قَتْلَهُ فَكَانَ الْمُبَاشِر لَهُ مِنْهُمْ أَبُو بَرْزَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون غَيْره شَارَكَهُ فِيهِ , فَقَدْ جَزَمَ اِبْن هِشَام فِي السِّيرَة بِأَنَّ سَعِيد بْن حُرَيْث وَأَبَا بَرْزَة الْأَسْلَمِيّ اِشْتَرَكَا فِي قَتْلِهِ , وَمِنْهُمْ مَنْ سَمَّى قَاتِلَهُ سَعِيد بْن ذُؤَيْب , وَحَكَى الْمُحِبّ الطَّبَرِيّ أَنَّ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام هُوَ الَّذِي قَتَلَ اِبْن خَطَل. وَرَوَى الْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَبِي مَعْشَر عَنْ يُوسُف بْن يَعْقُوب عَنْ السَّائِب بْن يَزِيد قَالَ \" فَأُخِذَ عَبْد اللَّه بْن خَطَل مِنْ تَحْت أَسْتَار الْكَعْبَة فَقُتِلَ بْن الْمَقَام وَزَمْزَم \". وَقَدْ جَمَعَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ شُيُوخه أَسْمَاء مَنْ لَمْ يُؤَمَّنْ يَوْم الْفَتْح وَأُمِرَ بِقَتْلِهِ عَشْرَة أَنْفُس : سِتَّة رِجَال وَأَرْبَع نِسْوَة. وَالسَّبَب فِي قَتْلِ اِبْن خَطَل وَعَدَم دُخُوله فِي قَوْله \" مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِد فَهُوَ آمِنٌ \" مَا رَوَى اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي \" حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر وَغَيْره أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَخَلَ مَكَّة قَالَ : لَا يُقْتَل أَحَدٌ إِلَّا مَنْ قَاتَلَ , إِلَّا نَفَرًا سَمَّاهُمْ فَقَالَ : اُقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ تَحْت أَسْتَار الْكَعْبَة , مِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن خَطَل وَعَبْد اللَّه بْن سَعْد , وَإِنَّمَا أُمِرَ بِقَتْلِ اِبْن خَطَل لِأَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا فَبَعَثَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقًا وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار وَكَانَ مَعَهُ مَوْلًى يَخْدُمهُ وَكَانَ مُسْلِمًا , فَنَزَلَ مَنْزِلًا , فَأَمَرَ الْمَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ تَيْسًا وَيَصْنَع لَهُ طَعَامًا , فَنَامَ وَاسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَصْنَع لَهُ شَيْئًا , فَعَدَا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ ثُمَّ اِرْتَدَّ مُشْرِكًا , وَكَانَتْ لَهُ قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ مَوْلَى اِبْن عَبَّاس : بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار وَرَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ وَابْن خَطَل وَقَالَ : أَطِيعَا الْأَنْصَارِيّ حَتَّى تَرْجِعَا , فَقَتَلَ اِبْن خَطَل الْأَنْصَارِيّ وَهَرَبَ الْمُزَنِيّ. وَكَانَ مِمَّنْ أَهْدَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَمَهُ يَوْم الْفَتْح. وَمِنْ النَّفَر الَّذِينَ كَانَ أَهْدَرَ دَمهمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل الْفَتْح غَيْر مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هَبَّار بْن الْأَسْوَد وَعِكْرِمَة بْن أَبِي جَهْل وَكَعْب بْن زُهَيْر وَوَحْشِيّ بْن حَرْب وَأُسَيْد بْن إِيَاس بْن أَبِي زُنَيْم وَقَيْنَتَا اِبْن خَطَل وَهِنْد بِنْت عُتْبَة. وَالْجَمْع بَيْن مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ اِسْمه أَنَّهُ كَانَ يُسَمَّى عَبْد الْعُزَّى فَلَمَّا أَسْلَمَ سُمِّيَ عَبْد اللَّه , وَأَمَّا مَنْ قَالَ هِلَال فَالْتَبَسَ عَلَيْهِ بِأَخٍ لَهُ اِسْمه هِلَال , بَيَّنَ ذَلِكَ الْكَلْبِيّ فِي النَّسَب , وَقِيلَ هُوَ عَبْد اللَّه بْن هِلَال بْن خَطَل , وَقِيلَ غَالِب بْن عَبْد اللَّه بْن خَطَل , وَاسْم خَطَل عَبْد مَنَافٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْن فِهْر بْن غَالِب. وَهَذَا الْحَدِيث ظَاهِره أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَخَلَ مَكَّة يَوْم الْفَتْح لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ مَالِك رَاوِي الْحَدِيث كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي الْمَغَازِي عَنْ يَحْيَى بْن قَزَعَة عَنْ مَالِك عَقِبَ هَذَا الْحَدِيث. قَالَ مَالِك : وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نَرَى - وَاللَّه أَعْلَم - يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا ا ه. وَقَوْل مَالِك هَذَا رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيٍّ عَنْ مَالِك جَازِمًا بِهِ , أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي \" الْغَرَائِب \". , وَوَقَعَ فِي \" الْمُوَطَّإ \" مِنْ رِوَايَة أَبِي مُصْعَب وَغَيْره قَالَ مَالِك \" قَالَ اِبْن شِهَاب وَلَمْ يَكُنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ مُحْرِمًا \" وَهَذَا مُرْسَل , وَيَشْهَد لَهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر بِلَفْظِ \" دَخَلَ يَوْم فَتْح مَكَّة وَعَلَيْهِ عِمَامَة سَوْدَاء بِغَيْرِ إِحْرَام \" وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ طَاوُسٍ قَالَ \" لَمْ يَدْخُل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة إِلَّا مُحْرِمًا إِلَّا يَوْم فَتْح مَكَّة \" وَزَعَمَ الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" أَنَّ بَيْنَ حَدِيث أَنَس فِي الْمِغْفَر وَبَيْن حَدِيث جَابِر فِي الْعِمَامَة السَّوْدَاء مُعَارَضَة , وَتَعَقَّبُوهُ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون أَوَّل دُخُوله كَانَ عَلَى رَأْسه الْمِغْفَر ثُمَّ أَزَالَهُ وَلَبِسَ الْعِمَامَة بَعْد ذَلِكَ , فَحَكَى كُلٌّ مِنْهُمَا مَا رَآهُ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي حَدِيث عَمْرو بْن حُرَيْث \" أَنَّهُ خَطَبَ النَّاس وَعَلَيْهِ عِمَامَة سَوْدَاء \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا , وَكَانَتْ الْخُطْبَة عِنْد بَاب الْكَعْبَة وَذَلِكَ بَعْد تَمَام الدُّخُول , وَهَذَا الْجَمْع لِعِيَاضٍ. وَقَالَ غَيْره : يُجْمَع بِأَنَّ الْعِمَامَة السَّوْدَاء كَانَتْ مَلْفُوفَة فَوْق الْمِغْفَر أَوْ كَانَتْ تَحْت الْمِغْفَر وِقَايَةً لَرَأْسِهِ مِنْ صَدَإِ الْحَدِيد , فَأَرَادَ أَنَس بِذِكْرِ الْمِغْفَر كَوْنه دَخَلَ مُتَهَيِّئًا لِلْحَرْبِ , وَأَرَادَ جَابِر بِذِكْرِ الْعِمَامَة كَوْنه دَخَلَ غَيْر مُحْرِم , وَبِهَذَا يَنْدَفِع إِشْكَال مَنْ قَالَ : لَا دَلَالَة فِي الْحَدِيث عَلَى جَوَاز دُخُول مَكَّة بِغَيْرِ إِحْرَام لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُحْرِمًا وَلَكِنَّهُ غَطَّى رَأْسه لِعُذْرٍ , فَقَدْ اِنْدَفَعَ ذَلِكَ بِتَصْرِيحِ جَابِر بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا , لَكِنْ فِيهِ إِشْكَال مِنْ وَجْه آخَر لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَأَهِّبًا لِلْقِتَالِ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ جَازَ لَهُ الدُّخُول بِغَيْرِ إِحْرَام عِنْد الشَّافِعِيَّة وَإِنْ كَانَ عِيَاض نَقَلَ الِاتِّفَاق عَلَى مُقَابِلِهِ , وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ الشَّافِعِيَّة كَابْنِ الْقَاصّ : دُخُول مَكَّة بِغَيْرِ إِحْرَام مِنْ خَصَائِص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفِيهِ نَظَرٌ , لِأَنَّ الْخُصُوصِيَّة لَا تَثْبُت إِلَّا بِدَلِيلٍ , لَكِنْ زَعَمَ الطَّحَاوِيّ أَنَّ دَلِيل ذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث أَبِي شُرَيْح وَغَيْره إِنَّهَا لَمْ تَحِلّ لَهُ إِلَّا سَاعَة مِنْ نَهَار , وَأَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ جَوَاز دُخُولِهَا لَهُ بِغَيْرِ إِحْرَام لَا تَحْرِيم الْقَتْل وَالْقِتَال فِيهَا لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَوْ غَلَبُوا وَالْعِيَاذ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَكَّة حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ وَقَتْلُهُمْ فِيهَا وَقَدْ عَكَسَ اِسْتِدْلَاله النَّوَوِيّ فَقَالَ : فِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى أَنَّ مَكَّة تَبْقَى دَارَ إِسْلَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , فَبَطَل مَا صَوَّرَهُ الطَّحَاوِيّ. وَفِي دَعْوَاهُ الْإِجْمَاع نَظَر فَإِنَّ الْخِلَاف ثَابِت كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ حَكَاهُ الْقَفَّال وَالْمَاوَرْدِيّ وَغَيْرهمَا , وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَاب عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَحَ مَكَّة عَنْوَة , وَأَجَابَ النَّوَوِيّ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ صَالَحَهُمْ , لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَأْمَن غَدْرهمْ دَخَلَ مُتَأَهِّبًا , وَهَذَا جَوَاب قَوِيّ إِلَّا أَنَّ الشَّأْن فِي ثُبُوت كَوْنه صَالَحَهُمْ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي شَيْء مِنْ الْأَخْبَار صَرِيحًا كَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحه فِي الْكَلَام عَلَى فَتْح مَكَّة مِنْ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَاسْتُدِلَّ بِقِصَّةِ اِبْن خَطَل عَلَى جَوَاز إِقَامَة الْحُدُود وَالْقِصَاص فِي حَرَمِ مَكَّة , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ : كَانَ قَتْل اِبْن خَطَل قَوَدًا مِنْ قَتْلِهِ الْمُسْلِمَ. وَقَالَ السُّهَيْلِيّ : فِيهِ أَنَّ الْكَعْبَة لَا تُعِيذ عَاصِيًا وَلَا تَمْنَع مِنْ إِقَامَة حَدّ وَاجِب. وَقَالَ النَّوَوِيّ : تَأَوَّلَ مَنْ قَالَ لَا يُقْتَلُ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَهُ فِي السَّاعَة الَّتِي أُبِيحَتْ لَهُ , وَأَجَابَ عَنْهُ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا إِنَّمَا أُبِيحَتْ لَهُ سَاعَة الدُّخُول حَتَّى اِسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَأَذْعَنَ أَهْلهَا , وَإِنَّمَا قُتِلَ اِبْن خَطَل بَعْد ذَلِكَ. اِنْتَهَى. وَتُعُقِّبَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّ الْمَرَاد بِالسَّاعَةِ الَّتِي أُحِلَّتْ لَهُ مَا بَيْن أَوَّل النَّهَار وَدُخُول وَقْت الْعَصْر , وَقَتْل اِبْن خَطَل كَانَ قَبْل ذَلِكَ قَطْعًا لِأَنَّهُ قُيِّدَ فِي الْحَدِيث بِأَنَّهُ كَانَ عِنْد نَزْعِهِ الْمِغْفَر وَذَلِكَ عِنْد اِسْتِقْرَاره بِمَكَّة , وَقَدْ قَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" مَا أَحَلَّ اللَّه لِأَحَدٍ فِيهِ الْقَتْل غَيْرِي \" أَيْ قَتْلَ النَّفَر الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَئِذٍ اِبْن خَطَل وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ. قَالَ : وَكَانَ اللَّه قَدْ أَبَاحَ لَهُ الْقِتَال وَالْقَتْل مَعًا فِي تِلْكَ السَّاعَة , وَقَتْلُ اِبْن خَطَل وَغَيْره بَعْد تَقَضِّي الْقِتَال. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز قَتْل الذِّمِّيِّ إِذَا سَبَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِيهِ نَظَر كَمَا قَالَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ لِأَنَّ اِبْن خَطَل كَانَ حَرْبِيًّا وَلَمْ يُدْخِلْهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمَانَهِ لِأَهْلِ مَكَّة , بَلْ اِسْتَثْنَاهُ مَعَ مَنْ اُسْتُثْنِيَ وَخَرَجَ أَمْرُهُ بِقَتْلِهِ مَعَ أَمَانِهِ لِغَيْرِهِ مَخْرَجًا وَاحِدًا , فَلَا دَلَالَة فِيهِ لِمَا ذَكَرَهُ , اِنْتَهَى. وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَمَسَّك بِهِ فِي جَوَاز قَتْلِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ اِسْتِتَابَة مِنْ غَيْر تَقْيِيد بِكَوْنِهِ ذِمِّيًّا , لَكِنَّ اِبْن خَطَل عَمِلَ بِمُوجِبَاتِ الْقَتْل فَلَمْ يَتَحَتَّم أَنَّ سَبَبَ قَتْلِهِ السَّبّ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز قَتْلِ الْأَسِير صَبْرًا لِأَنَّ الْقُدْرَة عَلَى اِبْن خَطَل صَيَّرَتْهُ كَالْأَسِيرِ فِي يَد الْإِمَام وَهُوَ مُخَيَّر فِيهِ بَيْن الْقَتْل وَغَيْره لَكِنْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَهُ بِمَا جَنَاهُ فِي الْإِسْلَام. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : قَتَلَهُ قَوَدًا مِنْ دَم الْمُسْلِم الَّذِي غَدَرَ بِهِ وَقَتَلَهُ ثُمَّ اِرْتَدَّ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز قَتْل الْأَسِير مِنْ غَيْر أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَام , تَرْجَمَ بِذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة لُبْسِ الْمِغْفَرِ وَغَيْرِهِ مِنْ آلَات السِّلَاح حَال الْخَوْف مِنْ الْعَدُوِّ وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي التَّوَكُّل , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَتَى يَحِلّ لِلْمُعْتَمِرِ \" مِنْ أَبْوَاب الْعُمْرَة مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى \" اِعْتَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّة طَافَ وَطُفْنَا مَعَهُ وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنْ أَهْل مَكَّة أَنْ يَرْمِيَه أَحَدٌ \" الْحَدِيث , وَإِنَّمَا اِحْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ مُحْرِمًا فَخَشِيَ الصَّحَابَة أَنْ يَرْمِيه بَعْض سُفَهَاء الْمُشْرِكِينَ بِشَيْءٍ يُؤْذِيه فَكَانُوا حَوْله يَسْتُرُونَ رَأْسَهُ وَيَحْفَظُونَهُ مِنْ ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَاز رَفْعِ أَخْبَار أَهْل الْفَسَاد إِلَى وُلَاة الْأَمْر , وَلَا يَكُون ذَلِكَ مِنْ الْغِيبَة الْمُحْرَّمَة وَلَا النَّمِيمَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1716",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ فِيهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ أَوْ نَحْوُهُ كَانَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَقُولُ لِي تُحِبُّ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ أَنْ تَرَاهُ فَنَزَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ ‏ ‏اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ وَعَضَّ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ ‏ ‏يَعْنِي فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ فَأَبْطَلَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الْإِسْنَاد ( صَفْوَان بْن يَعْلَى بْن أُمَيَّة قَالَ كُنْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَهُوَ تَصْحِيف , وَالصَّوَاب مَا ثَبَتَ فِي رِوَايَة غَيْره \" صَفْوَان بْن يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ \" فَتَصَحَّفَتْ \" عَنْ \" فَصَارَتْ اِبْن و \" أَبِيهِ \" فَصَارَتْ أُمَيَّة , أَوْ سَقَطَ مِنْ السَّنَد عَنْ أَبِيهِ , وَلَيْسَتْ لِصَفْوَان صُحْبَة وَلَا رِوَايَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَضَّ رَجُل يَد رَجُل ) ‏ ‏هَذَا حَدِيث آخَر وَسَيَأْتِي مَبْسُوطًا مَعَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَبْوَاب الدِّيَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1717",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعَرَفَةَ ‏ ‏إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ ‏ ‏فَوَقَصَتْهُ ‏ ‏أَوْ قَالَ ‏ ‏فَأَقْعَصَتْهُ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ أَوْ قَالَ ثَوْبَيْهِ وَلَا ‏ ‏تُحَنِّطُوهُ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏تُخَمِّرُوا ‏ ‏رَأْسَهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1718",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعَرَفَةَ ‏ ‏إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ ‏ ‏فَوَقَصَتْهُ ‏ ‏أَوْ قَالَ ‏ ‏فَأَوْقَصَتْهُ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تَمَسُّوهُ طِيبًا وَلَا ‏ ‏تُخَمِّرُوا ‏ ‏رَأْسَهُ وَلَا ‏ ‏تُحَنِّطُوهُ ‏ ‏فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1719",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَقَصَتْهُ ‏ ‏نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ وَلَا ‏ ‏تُخَمِّرُوا ‏ ‏رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1720",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً مِنْ ‏ ‏جُهَيْنَةَ ‏ ‏جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا ‏ ‏قَالَ نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ اِمْرَأَة مِنْ جُهَيْنَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا وَلَا عَلَى اِسْم أَبِيهَا , لَكِنْ رَوَى اِبْن وَهْب عَنْ عُثْمَان بْنِ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ غَايِثَة أَوْ غَاثِيَة أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْر أَنْ تَمْشِي إِلَى الْكَعْبَة , فَقَالَ اِقْضِ عَنْهَا \". أَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَهْ فِي حَرْف الْغَيْن الْمُعْجَمَة مِنْ الصَّحَابِيَّات , وَتَرَدَّدَ هَلْ هِيَ بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاة التَّحْتَانِيَّة عَلَى الْمُثَلَّثَة أَوْ بِالْعَكْسِ , وَجَزَمَ اِبْن طَاهِر فِي الْمُبْهَمَات بِأَنَّهُ اِسْم الْجُهَنِيَّة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث الْبَاب. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَأَحْمَد مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن سَلَمَة الْهُذَلِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" أَمَرَتْ اِمْرَأَة سِنَان بْن عَبْد اللَّه الْجُهَنِيّ أَنْ يُسْأَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُمّهَا تُوُفِّيَتْ وَلَمْ تَحُجّ \" الْحَدِيث لَفْظ أَحْمَد , وَوَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ \" سِنَان بْن سَلَمَة \" وَالْأَوَّل أَصَحّ , وَهَذَا لَا يُفَسَّر بِهِ الْمُبْهَم فِي حَدِيث الْبَاب أَنَّ الْمَرْأَة سَأَلَتْ بِنَفْسِهَا وَفِي هَذَا أَنَّ زَوْجهَا سَأَلَ لَهَا , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يَكُون نِسْبَة السُّؤَال إِلَيْهَا مَجَازِيَّة وَإِنَّمَا الَّذِي تَوَلَّى لَهَا السُّؤَال زَوْجهَا , وَغَايَته أَنَّهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة لَمْ يُصَرِّح بِأَنَّ الْحَجَّة الْمَسْئُول عَنْهَا كَانَتْ نَذْرًا , وَأَمَّا مَا رَوَى اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن كُرَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ سِنَان بْن عَبْد اللَّه الْجُهَنِيّ أَنَّ عَمَّته حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَعَلَيْهَا مَشْي إِلَى الْكَعْبَة نَذْرًا , الْحَدِيث. فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى وَاقِعَتَيْنِ بِأَنْ تَكُون اِمْرَأَته سَأَلَتْ عَلَى لِسَانه عَنْ حَجَّة أُمّهَا الْمَفْرُوضَة , وَبِأَنْ تَكُون عَمَّته سَأَلَتْ بِنَفْسِهَا عَنْ حَجَّة أُمّهَا الْمَنْذُورَة , وَيُفَسَّر مَنْ فِي حَدِيث الْبَاب بِأَنَّهَا عَمَّة سِنَان وَاسْمهَا غَايِثَة كَمَا تَقَدَّمَ , وَلَمْ تُسَمَّ الْمَرْأَة وَلَا الْعَمَّة وَلَا أُمّ وَاحِدَة مِنْهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجّ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ أَبُو بِشْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ رِوَايَة أَبِي عَوَانَة عَنْهُ , وَسَيَأْتِي فِي النُّذُور مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ أَبِي بِشْر بِلَفْظِ \" أَتَى رَجُل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجّ وَأَنَّهَا مَاتَتْ \" فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُون كُلّ مِنْ الْأَخ سَأَلَ عَنْ أُخْته وَالْبِنْت سَأَلَتْ عَنْ أُمّهَا , وَسَيَأْتِي فِي الصِّيَام مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر بِلَفْظِ \" قَالَتْ اِمْرَأَة إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْم شَهْر \" وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِيهِ هُنَاكَ. وَزَعَمَ بَعْض الْمُخَالِفِينَ أَنَّهُ اِضْطِرَاب يُعَلّ بِهِ الْحَدِيث , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ , فَإِنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة سَأَلَتْ عَنْ كُلّ مِنْ الصَّوْم وَالْحَجّ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ بُرَيْدَةَ \" أَنَّ اِمْرَأَة قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي تَصَدَّقْت عَلَى أُمِّيّ بِجَارِيَةٍ وَأَنَّهَا مَاتَتْ , قَالَ : وَجَبَ أَجْرك وَرَدّهَا عَلَيْك الْمِيرَاث. قَالَتْ : إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْم شَهْر أَفَأَصُوم عَنْهَا ؟ قَالَ : صُومِي عَنْهَا. قَالَتْ إِنَّهَا لَمْ تَحُجّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا ؟ قَالَ : حُجِّي عَنْهَا \". وَلِلسُّؤَالِ عَنْ قِصَّة الْحَجّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَصْل آخَر أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْهُ , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث أَنَس عِنْد الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّة نَذْر الْحَجّ مِمَّنْ لَمْ يَحُجّ فَإِذَا حَجّ أَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّة الْإِسْلَام عِنْد الْجُمْهُور وَعَلَيْهِ الْحَجّ عَنْ النَّذْر , وَقِيلَ يُجْزِئ عَنْ النَّذْر ثُمَّ يَحُجّ حَجَّة الْإِسْلَام , وَقِيلَ يُجْزِئ عَنْهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُوسَى بْن سَلَمَة \" أَفَيُجْزِئ عَنْهَا أَنْ أَحُجّ عَنْهَا ؟ قَالَ نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَرَأَيْت إِلَخْ ) ‏ ‏فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْقِيَاس وَضَرْب الْمَثَل لِيَكُونَ أَوْضَحَ وَأَوْقَع فِي نَفْس السَّامِع وَأَقْرَب إِلَى سُرْعَة فَهْمه , وَفِيهِ تَشْبِيه مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ وَأَشْكَلَ بِمَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْمُفْتِي التَّنْبِيه عَلَى وَجْه الدَّلِيل إِذَا تَرَتَّبَتْ عَلَى ذَلِكَ مَصْلَحَة وَهُوَ أَطْيَب لِنَفْسِ الْمُسْتَفْتِي وَأَدْعَى لِإِذْعَانِهِ. وَفِيهِ أَنَّ وَفَاء الدَّيْن الْمَالِيّ عَنْ الْمَيِّت كَانَ مَعْلُومًا عِنْدهمْ مُقَرَّرًا وَلِهَذَا حَسُنَ الْإِلْحَاق بِهِ. وَفِيهِ إِجْزَاء الْحَجّ عَنْ الْمَيِّت , وَفِيهِ اِخْتِلَاف : فَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور وَغَيْره عَنْ اِبْن عُمَر بِإسْنَادٍ صَحِيح لَا يَحُجّ أَحَد عَنْ أَحَد , وَنَحْوه عَنْ مَالِك وَاللَّيْث , وَعَنْ مَالِك أَيْضًا إِنْ أَوْصَى بِذَلِكَ فَلْيَحُجَّ عَنْهُ وَإِلَّا فَلَا , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. ‏ ‏قَوْله : ( أَكُنْت قَاضِيَته ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِيرٍ يَعُود عَلَى الدَّيْن , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ قَاضِيَة بِوَزْنِ فَاعِلَة عَلَى حَذْف الْمَفْعُول. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَجّ وَجَبَ عَلَى وَلِيّه أَنْ يُجَهِّز مَنْ يَحُجّ عَنْهُ مِنْ رَأْس مَاله كَمَا أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاء دُيُونه , فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ دَيْن الْآدَمِيّ مِنْ رَأْس الْمَال فَكَذَلِكَ مَا شُبِّهَ بِهِ فِي الْقَضَاء , وَيَلْتَحِق بِالْحَجِّ كُلّ حَقّ ثَبَتَ فِي ذِمَّته مِنْ كَفَّارَة أَوْ نَذْر أَوْ زَكَاة أَوْ غَيْر ذَلِكَ , وَفِي قَوْله \" فَاللَّه أَحَقّ بِالْوَفَاءِ \" دَلِيل عَلَى أَنَّهُ مُقَدَّم عَلَى دَيْن الْآدَمِيّ , وَهُوَ أَحَد أَقْوَال الشَّافِعِيّ , وَقِيلَ بِالْعَكْسِ , وَقِيلَ هُمَا سَوَاء. قَالَ الطِّيبِيُّ : فِي الْحَدِيث إِشْعَار بِأَنَّ الْمَسْئُول عَنْهُ خَلَّفَ مَالًا فَأَخْبَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ حَقّ اللَّه مُقَدَّم عَلَى حَقّ الْعِبَاد وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَجّ عَنْهُ وَالْجَامِع عِلَّة الْمَالِيَّة. قُلْت : وَلَمْ يَتَحَتَّم فِي الْجَوَاب الْمَذْكُور أَنْ يَكُون خَلَّفَ مَالًا كَمَا زَعَمَ , لِأَنَّ قَوْله \" أَكُنْت قَاضِيَته \" أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون الْمُرَاد مِمَّا خَلَّفَهُ أَوْ تَبَرُّعًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1721",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ ‏ ‏خَثْعَمَ ‏ ‏عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق رَوْح عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" أَخْبَرَنِي اِبْن شِهَاب حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بْن يَسَار \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب الْآتِيَة فِي الِاسْتِئْذَان عَنْ اِبْن شِهَاب \" أَخْبَرَنِي سُلَيْمَان أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْفَضْل بْن عَبَّاس ) ‏ ‏كَذَا قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ وَتَابَعَهُ مَعْمَر , وَخَالَفَهُمَا مَالِك وَأَكْثَر الرُّوَاة عَنْ الزُّهْرِيِّ فَلَمْ يَقُولُوا فِيهِ عَنْ الْفَضْل , وَرَوَى اِبْن مَاجَه مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن كُرَيْب عَنْ أَبِيهِ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس أَخْبَرَنِي حُصَيْنُ بْن عَوْف الْخَثْعَمِيّ قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْحَجّ وَلَا يَسْتَطِيع أَنْ يَحُجّ \" الْحَدِيث. قَالَ التِّرْمِذِيّ : سَأَلْت مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيّ عَنْ هَذَا فَقَالَ : أَصَحّ شَيْء فِيهِ مَا رَوَى اِبْن عَبَّاس عَنْ الْفَضْل قَالَ : فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون اِبْن عَبَّاس سَمِعَهُ مِنْ الْفَضْل وَمِنْ غَيْره ثُمَّ رَوَاهُ بِغَيْرِ وَاسِطَة , ا ه. وَإِنَّمَا رَجَّحَ الْبُخَارِيّ الرِّوَايَة عَنْ الْفَضْل لِأَنَّهُ كَانَ رِدْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ , وَكَانَ اِبْن عَبَّاس قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ مُزْدَلِفَة إِلَى مِنًى مَعَ الضَّعَفَة كَمَا سَيَأْتِي بَعْد بَاب , وَقَدْ سَبَقَ فِي \" بَاب التَّلْبِيَة وَالتَّكْبِير \" مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْدَفَ الْفَضْل فَأَخْبَرَ الْفَضْل أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَة , فَكَأَنَّ الْفَضْل حَدَّثَ أَخَاهُ بِمَا شَاهَدَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون سُؤَال الْخثْعَمِيّة وَقَعَ بَعْد رَمْي جَمْرَة الْعَقَبَة فَحَضَرَهُ اِبْن عَبَّاس فَنَقَلَهُ تَارَة عَنْ أَخِيهِ لِكَوْنِهِ صَاحِب الْقِصَّة وَتَارَة عَمَّا شَاهَدَهُ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَأَحْمَد وَابْنه عَبْد اللَّه وَالطَّبَرِيّ مِنْ حَدِيث عَلِيٍّ مِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ السُّؤَال الْمَذْكُور وَقَعَ عِنْد الْمَنْحَر بَعْد الْفَرَاغ مِنْ الرَّمْي وَأَنَّ الْعَبَّاس كَانَ شَاهِدًا , وَلَفْظ أَحْمَد عِنْدهمْ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْنِ أَبِي رَافِع عَنْ عَلِيٍّ قَالَ \" وَقَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَة فَقَالَ : هَذِهِ عَرَفَة وَهُوَ الْمَوْقِف \" فَذَكَر الْحَدِيث وَفِيهِ \" ثُمَّ أَتَى الْجَمْرَة فَرَمَاهَا , ثُمَّ أَتَى الْمَنْحَر فَقَالَ : هَذَا الْمَنْحَر وَكُلّ مِنًى مَنْحَر , وَاسْتَفْتَتْهُ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه \" ثُمَّ جَاءَتْهُ جَارِيَة شَابَّة مِنْ خَثْعَمَ فَقَالَتْ : إِنَّ أَبِي شَيْخ كَبِير قَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَة اللَّه فِي الْحَجّ , أَفَيُجْزِئ أَنْ أَحُجّ عَنْهُ ؟ قَالَ : حُجِّي عَنْ أَبِيك. قَالَ وَلَوَى عُنُق الْفَضْل فَقَالَ الْعَبَّاس : يَا رَسُول اللَّه لَوَيْت عُنُق اِبْن عَمّك. قَالَ : رَأَيْت شَابًّا وَشَابَّة فَلَمْ آمَن عَلَيْهِمَا الشَّيْطَان \" وَظَاهِر هَذَا أَنَّ الْعَبَّاس كَانَ حَاضِرًا لِذَلِكَ , فَلَا مَانِع أَنْ يَكُون اِبْنه عَبْد اللَّه أَيْضًا كَانَ مَعَهُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لَمْ يَسُقْ الْمُصَنِّف لَفْظ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ , بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى إِسْنَاد عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة وَسَاقَ الْحَدِيث عَلَى لَفْظه كَعَادَتِهِ , وَبَقِيَّة حَدِيث اِبْن جُرَيْجٍ \" أَنَّ اِمْرَأَة جَاءَتْ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْحَجّ وَهُوَ شَيْخ كَبِير لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَرْكَب الْبَعِير , أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ قَالَ : حُجِّي عَنْهُ \" أَخْرَجَهُ أَبُو مُسْلِم الْكَجِّيّ عَنْ أَبِي عَاصِم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي مُسْلِم كَذَلِكَ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ فَقَالَ \" إِنَّ اِمْرَأَة مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أَبِي شَيْخ كَبِير عَلَيْهِ فَرِيضَة اللَّه فِي الْحَجّ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( عَام حَجَّة الْوَدَاعِ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب الْآتِيَة فِي الِاسْتِئْذَان \" يَوْم النَّحْر \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن شِهَاب \" غَدَاة جَمْع \" وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "1722",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏الْفَضْلُ ‏ ‏رَدِيفَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ ‏ ‏خَثْعَمَ ‏ ‏فَجَعَلَ ‏ ‏الْفَضْلُ ‏ ‏يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَصْرِفُ وَجْهَ ‏ ‏الْفَضْلِ ‏ ‏إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ فَقَالَتْ ‏ ‏إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ الْفَضْل ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عَبَّاس , وَهُوَ أَخُو عَبْد اللَّه وَكَانَ أَكْبَر وَلَد الْعَبَّاس وَبِهِ كَانَ يُكْنَى. ‏ ‏قَوْله : ( رَدِيف ) ‏ ‏زَادَ شُعَيْب \" عَلَى عَجُز رَاحِلَته \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَتْهُ اِمْرَأَة مِنْ خَثْعَمَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُثَلَّثَة قَبِيلَة مَشْهُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلَ الْفَضْل يَنْظُر إِلَيْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" وَكَانَ الْفَضْل رَجُلًا وَضِيئًا - أَيْ جَمِيلًا - وَأَقْبَلَتْ اِمْرَأَة مِنْ خَثْعَمَ وَضِيئَة فَطَفِقَ الْفَضْل يَنْظُر إِلَيْهَا وَأَعْجَبَهُ حُسْنهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( يَصْرِف وَجْه الْفَضْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" فَالْتَفَتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْفَضْل يَنْظُر إِلَيْهَا فَأَخْلَفَ بِيَدِهِ فَأَخَذَ بِذَقَنِ الْفَضْل فَدَفَعَ وَجْهه عَنْ النَّظَر إِلَيْهَا \" وَهَذَا هُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث عَلِيٍّ \" فَلَوَى عُنُق الْفَضْل \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ فِي حَدِيث عَلَى \" وَكَانَ الْفَضْل غُلَامًا جَمِيلًا , فَإِذَا جَاءَتْ الْجَارِيَة مِنْ هَذَا الشِّقّ صَرَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْه الْفَضْل إِلَى الشِّقّ الْآخَر , فَإِذَا جَاءَتْ إِلَى الشِّقّ الْآخَر صَرَفَ وَجْهه عَنْهَا - وَقَالَ فِي آخِره - رَأَيْت غُلَامًا حَدَثًا وَجَارِيَة حَدَثَة فَخَشِيت أَنْ يَدْخُل بَيْنهمَا الشَّيْطَان \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ فَرِيضَة اللَّه أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز وَشُعَيْب \" إِنَّ فَرِيضَة اللَّه عَلَى عِبَاده فِي الْحَجّ \" وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن أَبِي إِسْحَاق عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار \" إِنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْحَجّ \" , وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَات كُلّهَا عَنْ اِبْن شِهَاب عَلَى أَنَّ السَّائِلَة كَانَتْ اِمْرَأَة وَأَنَّهَا سَأَلَتْ عَنْ أَبِيهَا , وَخَالَفَهُ يَحْيَى بْن أَبِي إِسْحَاق عَنْ سُلَيْمَان فَاتَّفَقَ الرُّوَاة عَنْهُ عَلَى أَنَّ السَّائِل رَجُل , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِي إِسْنَاده وَمَتْنه , أَمَّا إِسْنَاده فَقَالَ هُشَيْم عَنْهُ \" عَنْ سُلَيْمَان عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس \" وَقَالَ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْهُ \" عَنْ سُلَيْمَان عَنْ الْفَضْل \" أَخْرَجَهُمَا النَّسَائِيُّ , وَقَالَ اِبْن عُلَيَّة عَنْهُ \" عَنْ سُلَيْمَان حَدَّثَنِي أَحَد اِبْنَيْ الْعَبَّاس إِمَّا الْفَضْل وَإِمَّا عَبْد اللَّه \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد. وَأَمَّا الْمَتْن فَقَالَ هُشَيْم \" إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ فَقَالَ : إِنَّ أَبِي مَاتَ \" وَقَالَ اِبْن سِيرِينَ \" فَجَاءَ رَجُل فَقَالَ : إِنَّ أُمِّي عَجُوز كَبِيرَة \" وَقَالَ اِبْن عُلَيَّة \" فَجَاءَ رَجُل فَقَالَ : إِنَّ أَبِي أَوْ أُمِّي \" وَخَالَفَ الْجَمِيع مَعْمَر عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي إِسْحَاق فَقَالَ فِي رِوَايَته \" إِنَّ اِمْرَأَة سَأَلَتْ عَنْ أُمّهَا \" وَهَذَا الِاخْتِلَاف كُلّه عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار , فَأَحْبَبْنَا أَنْ نَنْظُر فِي سِيَاق غَيْره فَإِذَا كُرَيْب قَدْ رَوَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ حُصَيْن بْن عَوْف الْخَثْعَمِيّ قَالَ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْحَجّ \" وَإِذَا عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ قَدْ رَوَى \" عَنْ أَبِي الْغَوْث بْن حُصَيْنٍ الْخَثْعَمِيّ أَنَّهُ اِسْتَفْتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَجَّة كَانَتْ عَلَى أَبِيهِ \" أَخْرَجَهُمَا اِبْن مَاجَةَ. وَالرِّوَايَة الْأُولَى أَقْوَى إِسْنَادًا , وَهَذَا يُوَافِق رِوَايَة هُشَيْم فِي أَنَّ السَّائِل عَنْ ذَلِكَ رَجُل سَأَلَ عَنْ أَبِيهِ , وَيُوَافِقهُ مَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد عَنْ الْفَضْل بْن عَبَّاس \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أَبِي شَيْخ كَبِير \" وَيُوَافِقهُمَا مُرْسَل الْحَسَن عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عَوْف عَنْ الْحَسَن قَالَ \" بَلَغَنِي أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ رَجُل فَقَالَ إِنَّ أَبِي شَيْخ كَبِير أَدْرَكَ الْإِسْلَام لَمْ يَحُجّ \" الْحَدِيث , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق عَوْف عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ مِثْله إِلَّا أَنَّهُ قَالَ إِنَّ السَّائِل سَأَلَ عَنْ أُمّه. قُلْت : وَهَذَا يُوَافِق رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ أَيْضًا عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي إِسْحَاق كَمَا تَقَدَّمَ. وَالَّذِي يَظْهَر لِي مِنْ مَجْمُوع هَذِهِ الطُّرُق أَنَّ السَّائِل رَجُل وَكَانَتْ اِبْنَته مَعَهُ فَسَأَلَتْ أَيْضًا وَالْمَسْئُول عَنْهُ أَبُو الرَّجُل وَأُمّه جَمِيعًا. وَيُقَرِّب ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى بِإسْنَادٍ قَوِيّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ الْفَضْل بْن عَبَّاس قَالَ \" كُنْت رِدْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْرَابِيّ مَعَهُ بِنْت لَهُ حَسْنَاء فَجَعَلَ الْأَعْرَابِيّ يَعْرِضهَا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَاء أَنْ يَتَزَوَّجهَا , وَجَعَلْت أَلْتَفِت إِلَيْهَا , وَيَأْخُذ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْسِي فَيَلْوِيه , فَكَانَ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَة الْعَقَبَة \" فَعَلَى هَذَا فَقَوْل الشَّابَّة إِنَّ أَبِي لَعَلَّهَا أَرَادَتْ بِهِ جَدّهَا لِأَنَّ أَبَاهَا كَانَ مَعَهَا وَكَأَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَسْأَل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْمَع كَلَامهَا وَيَرَاهَا رَجَاء أَنْ يَتَزَوَّجهَا , فَلَمَّا لَمْ يَرْضَهَا سَأَلَ أَبُوهَا عَنْ أَبِيهِ , وَلَا مَانِع أَنْ يَسْأَل أَيْضًا عَنْ أُمّه. وَتَحَصَّلَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَات أَنَّ اِسْم الرَّجُل حُصَيْنُ بْن عَوْف الْخَثْعَمِيّ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَنَّهُ أَبُو الْغَوْث بْن حُصَيْن فَإِنَّ إِسْنَادهَا ضَعِيف وَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ عَنْ أَبِي الْغَوْث حُصَيْن فَزِيدَ فِي الرِّوَايَة اِبْن أَوْ أَنَّ أَبَا الْغَوْث أَيْضًا كَانَ مَعَ أَبِيهِ حُصَيْنٍ فَسَأَلَ كَمَا سَأَلَ أَبُوهُ وَأُخْته. وَاللَّه أَعْلَم. وَوَقَعَ السُّؤَال عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة مِنْ شَخْص آخَر وَهُوَ أَبُو رَزِين - بِفَتْحِ الرَّاء وكَسْرِ الزَّاي - الْعُقَيْلِيّ بِالتَّصْغِيرِ وَاسْمه لَقِيط بْن عَامِر , فَفِي السُّنَن وَصَحِيح اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْرهمَا مِنْ حَدِيثه أَنَّهُ قَالَ \" يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أَبِي شَيْخ كَبِير لَا يَسْتَطِيع الْحَجّ وَلَا الْعُمْرَة , قَالَ : حُجَّ عَنْ أَبِيك وَاعْتَمِرْ \" وَهَذِهِ قِصَّة أُخْرَى , وَمَنْ وَحَّدَ بَيْنهَا وَبَيْن حَدِيث الْخَثْعَمِيّ فَقَدْ أَبْعَد وَتَكَلَّفَ. ‏ ‏قَوْله : ( شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُت عَلَى الرَّاحِلَة ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : \" شَيْخًا \" حَال وَلَا يَثْبُت صِفَة لَهُ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون حَالًا أَيْضًا وَيَكُون مِنْ الْأَحْوَال الْمُتَدَاخِلَة , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجّ بِأَنْ أَسْلَمَ وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَة. وَقَوْله \" لَا يَثْبُت \" وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز وَشُعَيْب \" لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَسْتَوِي \" وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" لَا يَسْتَمْسِك عَلَى الرَّحْل \". فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي إِسْحَاق مِنْ الزِّيَادَة \" وَإِنْ شَدَدْته خَشِيت أَنْ يَمُوت \" وَكَذَا فِي مُرْسَل الْحَسَن , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ \" وَإِنْ شَدَدْته بِالْحَبْلِ عَلَى الرَّاحِلَة خَشِيت أَنْ أَقْتُلهُ \" وَهَذَا يُفْهَم مِنْهُ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى غَيْر هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الثُّبُوت عَلَى الرَّاحِلَة أَوْ الْأَمْن عَلَيْهِ مِنْ الْأَذَى لَوْ رُبِطَ لَمْ يُرَخَّص لَهُ فِي الْحَجّ عَنْهُ كَمَنْ يَقْدِر عَلَى مَحْمِل مُوَطَّأ كَالْمِحَفَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ) ‏ ‏أَيْ أَيَجُوزُ لِي أَنْ أَنُوب عَنْهُ فَأَحُجّ عَنْهُ , لِأَنَّ مَا بَعْد الْفَاء الدَّاخِلَة عَلَيْهَا الْهَمْزَة مَعْطُوف عَلَى مُقَدَّر , وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز وَشُعَيْب \" فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ \" وَفِي حَدِيث عَلِيّ \" هَلْ يُجْزِئ عَنْهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ نَعَمْ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ \" اُحْجُجْ عَنْ أَبِيك \". وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد جَوَاز الْحَجّ عَنْ الْغَيْر , وَاسْتَدَلَّ الْكُوفِيُّونَ بِعُمُومِهِ عَلَى جَوَاز صِحَّة مَنْ لَمْ يَحُجّ نِيَابَة عَنْ غَيْره , وَخَالَفَهُمْ الْجُمْهُور فَخَصُّوهُ بِمَنْ حَجّ عَنْ نَفْسه , وَاسْتَدَلُّوا بِمَا فِي السُّنَن وَصَحِيح اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَيْضًا \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يُلَبِّي عَنْ شُبْرُمَةَ فَقَالَ : أَحَجَجْت عَنْ نَفْسك ؟ فَقَالَ : لَا. قَالَ : هَذِهِ عَنْ نَفْسك ثُمَّ اُحْجُجْ عَنْ شُبْرُمَةَ \". وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِطَاعَة تَكُون بِالْغَيْرِ كَمَا تَكُون بِالنَّفْسِ , وَعَكَسَ بَعْض الْمَالِكِيَّة فَقَالَ : مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِنَفْسِهِ لَمْ يُلَاقِهِ الْوُجُوب , وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيث الْبَاب بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ السَّائِل عَلَى جِهَة التَّبَرُّع وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْ طُرُقه تَصْرِيح بِالْوُجُوبِ , وَبِأَنَّهَا عِبَادَة بَدَنِيَّة فَلَا تَصِحّ النِّيَابَة فِيهَا كَالصَّلَاةِ , وَقَدْ نَقَلَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْره الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ النِّيَابَة لَا تَدْخُل فِي الصَّلَاة , قَالُوا وَلِأَنَّ الْعِبَادَات فُرِضَتْ عَلَى جِهَة الِابْتِلَاء , وَهُوَ لَا يُوجَد فِي الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة إِلَّا بِإِتْعَابِ الْبَدَن فَبِهِ يَظْهَر الِانْقِيَاد أَوْ النُّفُور , بِخِلَافِ الزَّكَاة فَإِنَّ الِابْتِلَاء فِيهَا بِنَقْصِ الْمَال , وَهُوَ حَاصِل بِالنَّفْسِ وَبِالْغَيْرِ. وَأُجِيب بِأَنَّ قِيَاس الْحَجّ عَلَى الصَّلَاة لَا يَصِحّ , لِأَنَّ عِبَادَة الْحَجّ مَالِيَّة بَدَنِيَّة مَعًا فَلَا يَتَرَجَّح إِلْحَاقهَا بِالصَّلَاةِ عَلَى إِلْحَاقهَا بِالزَّكَاةِ , وَلِهَذَا قَالَ الْمَازِرِيّ : مَنْ غَلَّبَ حُكْم الْبَدَن فِي الْحَجّ أَلْحَقهُ بِالصَّلَاةِ , وَمَنْ غَلَّبَ حُكْم الْمَال أَلْحَقهُ بِالصَّدَقَةِ. وَقَدْ أَجَازَ الْمَالِكِيَّة الْحَجّ عَنْ الْغَيْر إِذَا أَوْصَى بِهِ وَلَمْ يُجِيزُوا ذَلِكَ فِي الصَّلَاة , وَبِأَنَّ حَصْر الِابْتِلَاء فِي الْمُبَاشَرَة مَمْنُوع لِأَنَّهُ يُوجَد فِي الْآمِر مِنْ بَذْله الْمَال فِي الْأُجْرَة. وَقَالَ عِيَاض : لَا حُجَّة لِلْمُخَالِفِ فِي حَدِيث الْبَاب لِأَنَّ قَوْله \" إِنَّ فَرِيضَة اللَّه عَلَى عِبَاده إِلَخْ \" مَعْنَاهُ أَنَّ إِلْزَام اللَّه عِبَاده بِالْحَجِّ الَّذِي وَقَعَ بِشَرْطِ الِاسْتِطَاعَة صَادَفَ أَبِي بِصِفَةِ مَنْ لَا يَسْتَطِيع فَهَلْ أَحُجّ عَنْهُ ؟ أَيْ هَلْ يَجُوز لِي ذَلِكَ , أَوْ هَلْ فِيهِ أَجْر وَمَنْفَعَة ؟ فَقَالَ : نَعَمْ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي بَعْض طُرُقه التَّصْرِيح بِالسُّؤَالِ عَنْ الْإِجْزَاء فَيَتِمّ الِاسْتِدْلَال , وَتَقَدَّمَ فِي بَعْض طُرُق مُسْلِم \" إِنَّ أَبِي عَلَيْهِ فَرِيضَة اللَّه فِي الْحَجّ \" وَلِأَحْمَد فِي رِوَايَة \" وَالْحَجّ مَكْتُوب عَلَيْهِ \" وَادَّعَى بَعْضهمْ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة مُخْتَصَّة بِالْخَثْعَمِيَّة كَمَا اِخْتَصَّ سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة بِجَوَازِ إِرْضَاع الْكَبِير , حَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَصْل عَدَم الْخُصُوصِيَّة , وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ لِذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَبْد الْمَلِك بْن حَبِيب صَاحِب \" الْوَاضِحَة \" بِإِسْنَادَيْنِ مُرْسَلَيْنِ فَزَادَ فِي الْحَدِيث \" حُجَّ عَنْهُ , وَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْده \" وَلَا حُجَّة فِيهِ لِضَعْفِ الْإِسْنَادَيْنِ مَعَ إِرْسَالهمَا. وَقَدْ عَارَضَهُ قَوْله فِي حَدِيث الْجُهَنِيَّة الْمَاضِي فِي الْبَاب \" اِقْضُوا اللَّه فَاللَّه أَحَقّ بِالْوَفَاءِ \" وَادَّعَى آخَرُونَ مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِالِابْنِ يَحُجّ عَنْ أَبِيهِ , وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ جُمُود. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : رَأَى مَالِك أَنَّ ظَاهِر حَدِيث الْخثْعَمِيّة مُخَالِف لِظَاهِرِ الْقُرْآن فَرَجَّحَ ظَاهِر الْقُرْآن , وَلَا شَكَّ فِي تَرْجِيحه مِنْ جِهَة تَوَاتُره وَمِنْ جِهَة أَنَّ الْقَوْل الْمَذْكُور قَوْل اِمْرَأَة ظَنَّتْ ظَنًّا , قَالَ : وَلَا يُقَال قَدْ أَجَابَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سُؤَالهَا , وَلَوْ كَانَ ظَنّهَا غَلَطًا لَبَيَّنَهُ لَهَا , لِأَنَّا نَقُول إِنَّمَا أَجَابَهَا عَنْ قَوْلهَا \" أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ قَالَ حُجِّي عَنْهُ \" لِمَا رَأَى مِنْ حِرْصهَا عَلَى إِيصَال الْخَيْر وَالثَّوَاب لِأَبِيهَا , ا ه. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي تَقْرِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا عَلَى ذَلِكَ حُجَّة ظَاهِرَة , وَأَمَّا مَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فَزَادَ فِي الْحَدِيث \" حَجّ عَنْ أَبِيك فَإِنْ لَمْ يَزِدْهُ خَيْرًا لَمْ يَزِدْهُ شَرًّا \" فَقَدْ جَزَمَ الْحُفَّاظ بِأَنَّهَا رِوَايَة شَاذَّة , وَعَلَى تَقْدِير صِحَّتهَا فَلَا حُجَّة فِيهَا لِلْمُخَالِفِ. وَمِنْ فُرُوع الْمَسْأَلَة أَنْ لَا فَرْق بَيْن مَنْ اِسْتَقَرَّ الْوُجُوب فِي ذِمَّته قَبْل الْعَضْب أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ , وَلِلْجُمْهُورِ ظَاهِر قِصَّة الْخثْعَمِيّة وَأَنَّ مَنْ حَجّ عَنْ غَيْره وَقَعَ الْحَجّ عَنْ الْمُسْتَنِيب , خِلَافًا لِمُحَمَّدِ بْن الْحَسَن فَقَالَ : يَقَع عَنْ الْمُبَاشِر وَلِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ أَجْر النَّفَقَة. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا أَذَاعُوا فِي الْمَعْضُوب فَقَالَ الْجُمْهُور : لَا يُجْزِئهُ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَيْئُوسًا مِنْهُ. وَقَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق : لَا تَلْزَمهُ الْإِعَادَة لِئَلَّا يُفْضِي إِلَى إِيجَاب حَجَّتَيْنِ. وَاتَّفَقَ مَنْ أَجَازَ النِّيَابَة فِي الْحَجّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُجْزِئ فِي الْفَرْض إِلَّا عَنْ مَوْت أَوْ عَضْب , فَلَا يَدْخُل الْمَرِيض لِأَنَّهُ يُرْجَى بُرْؤُهُ وَلَا الْمَجْنُون لِأَنَّهُ تُرْجَى إِفَاقَته وَلَا الْمَحْبُوس لِأَنَّهُ يُرْجَى خَلَاصه وَلَا الْفَقِير لِأَنَّهُ يُمْكِن اِسْتِغْنَاؤُهُ , وَاللَّه أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا جَوَاز الِارْتِدَاف وَسَيَأْتِي مَبْسُوطًا قُبَيْل كِتَاب الْأَدَب , وَارْتِدَاف الْمَرْأَة مَعَ الرَّجُل , وَتَوَاضُع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْزِلَة الْفَضْل بْن عَبَّاس مِنْهُ , وَبَيَان مَا رُكِّبَ فِي الْآدَمِيّ مِنْ الشَّهْوَة وَجُبِلَتْ طِبَاعه عَلَيْهِ مِنْ النَّظَر إِلَى الصُّوَر الْحَسَنَة. وَفِيهِ مَنْع النَّظَر إلَى الْأَجْنَبِيَّات وَغَضّ الْبَصَر , قَالَ عِيَاض : وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ غَيْر وَاجِب إِلَّا عِنْد خَشْيَة الْفِتْنَة. قَالَ : وَعِنْدِي أَنَّ فِعْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ غَطَّى وَجْه الْفَضْل أَبْلَغ مِنْ الْقَوْل. ثُمَّ قَالَ : لَعَلَّ الْفَضْل لَمْ يَنْظُر نَظَرًا يُنْكَر بَلْ خَشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَئُول إِلَى ذَلِكَ أَوْ كَانَ قَبْل نُزُول الْأَمْر بِإِدْنَاءِ الْجَلَابِيب. وَيُؤْخَذ مِنْهُ التَّفْرِيق بَيْن الرِّجَال وَالنِّسَاء خَشْيَة الْفِتْنَة , وَجَوَاز كَلَام الْمَرْأَة وَسَمَاع صَوْتهَا لِلْأَجَانِبِ عِنْد الضَّرُورَة كَالِاسْتِفْتَاءِ عَنْ الْعِلْم وَالتَّرَافُع فِي الْحُكْم وَالْمُعَامَلَة. وَفِيهِ أَنَّ إِحْرَام الْمَرْأَة فِي وَجْههَا فَيَجُوز لَهَا كَشْفه فِي الْإِحْرَام , وَرَوَى أَحْمَد وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْفَضْلِ حِين غَطَّى وَجْهه يَوْم عَرَفَة \" هَذَا يَوْم مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعه وَبَصَره وَلِسَانه غُفِرَ لَهُ \". وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا النِّيَابَة فِي السُّؤَال عَنْ الْعِلْم حَتَّى مِنْ الْمَرْأَة عَنْ الرَّجُل وَأَنَّ الْمَرْأَة تَحُجّ بِغَيْرِ مَحْرَم , وَأَنَّ الْمَحْرَم لَيْسَ مِنْ السَّبِيل الْمُشْتَرَط فِي الْحَجّ , لَكِنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ أَبِيهَا قَدْ يَرِد عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ بِرّ الْوَالِدَيْنِ وَالِاعْتِنَاء بِأَمْرِهِمَا وَالْقِيَام بِمَصَالِحِهِمَا مِنْ قَضَاء دَيْن وَخِدْمَة وَنَفَقَة وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُور الدِّين وَالدُّنْيَا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعُمْرَة غَيْر وَاجِبَة لِكَوْنِ الْخثْعَمِيّة لَمْ تَذْكُرهَا , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّ مُجَرَّد تَرْك السُّؤَال لَا يَدُلّ عَلَى عَدَم الْوُجُوب لِاسْتِفَادَةِ ذَلِكَ مِنْ حُكْم الْحَجّ , وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون أَبُوهَا قَدْ اِعْتَمَرَ قَبْل الْحَجّ , عَلَى أَنَّ السُّؤَال عَنْ الْحَجّ وَالْعُمْرَة قَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي رَزِين كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : حَدِيث الْخثْعَمِيّة أَصْل مُتَّفَق عَلَى صِحَّته فِي الْحَجّ خَارِج عَنْ الْقَاعِدَة الْمُسْتَقِرَّة فِي الشَّرِيعَة مِنْ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى رِفْقًا مِنْ اللَّه فِي اِسْتِدْرَاك مَا فَرَّطَ فِيهِ الْمَرْء بِوَلَدِهِ وَمَاله , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُمْكِن أَنْ يَدْخُل فِي عُمُوم السَّعْي , وَبِأَنَّ عُمُوم السَّعْي فِي الْآيَة مَخْصُوص اِتِّفَاقًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1723",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَعَثَنِي ‏ ‏أَوْ قَدَّمَنِي ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏الثَّقَلِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏جَمْعٍ ‏ ‏بِلَيْلٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ \" بَعَثَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الثَّقَل \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَة أَهْله \". وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ هُنَا أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ دُون الْبُلُوغ , وَلِهَذِهِ النُّكْتَة أَرْدَفَهُ الْمُصَنِّف بِحَدِيثِهِ الْآخَر الْمُصَرِّح فِيهِ بِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ قَدْ قَارَبَ الِاحْتِلَام. ثُمَّ بَيَّنَ بِالطَّرِيقِ الْمُعَلَّقَة أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي حَجَّة الْوَدَاعِ, وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب مَتَى يَصِحّ سَمَاع الصَّغِير \" مِنْ كِتَاب الْعِلْم , وَفِي \" بَاب سُتْرَة الْمُصَلِّي \" مِنْ كِتَاب الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "1724",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقْبَلْتُ وَقَدْ نَاهَزْتُ ‏ ‏الْحُلُمَ ‏ ‏أَسِيرُ عَلَى ‏ ‏أَتَانٍ ‏ ‏لِي وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَائِمٌ ‏ ‏يُصَلِّي ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ نَزَلْتُ عَنْهَا فَرَتَعَتْ فَصَفَفْتُ مَعَ النَّاسِ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ‏",
        "sharh": "حَدَّثَنَا إِسْحَاق نَسَبه الْأَصِيلِي وَابْن السَّكَن \" اِبْن مَنْصُور \" \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ \" إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ \" فِي مُسْنَده عَنْ يَعْقُوب أَيْضًا وَمِنْ طَرِيقه أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج , لَكِنْ يُرَجِّح كَوْنه \" اِبْن مَنْصُور \" أَنَّ اِبْن رَاهْوَيْهِ لَا يُعَبِّر عَنْ مَشَايِخه إِلَّا بِصِيغَةِ \" أَخْبَرَنَا \". وَرِوَايَة يُونُس الْمُعَلَّقَة وَصَلَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْهُ وَلَفْظه \" أَنَّهُ أَقْبَلَ يَسِير عَلَى حِمَار وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِمِنًى فِي حَجَّة الْوَدَاعِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1725",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف وَهُوَ الْكِنْدِيّ \" حَفِيد شَيْخه السَّائِب وَقِيلَ سِبْطه وَقِيلَ اِبْن أَخِيهِ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد , وَالسَّائِب بْن يَزِيد أَيْ اِبْن سَعِيد اِبْن ثُمَامَة بْن الْأَسْوَد الْكِنْدِيّ حَلِيف بَنِي عَبْد شَمْس وَيُعْرَف بِابْنِ أُخْت النَّمِر وَالنَّمِر رَجُل حَضْرَمِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( حُجَّ بِي ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَقَالَ اِبْن سَعْد عَنْ الْوَاقِدِيّ عَنْ حَاتِم \" حَجَّتْ بِي أُمِّي \" وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف عَنْ السَّائِب \" حَجّ بِي أَبِي \" وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ كَانَ مَعَ أَبَوَيْهِ , زَادَ التِّرْمِذِيّ عَنْ قُتَيْبَة عَنْ حَاتِم \" فِي حَجَّة الْوَدَاعِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1726",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لِلسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏وَكَانَ قَدْ حُجَّ بِهِ فِي ثَقَلِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْجُعَيْد ) ‏ ‏بِالْجِيمِ مُصَغَّرًا , وَالْقَاسِم بْن مَالِك هُوَ الْمُزَنِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز يَقُول لِلسَّائِبِ بْن يَزِيد وَكَانَ السَّائِب قَدْ حُجَّ بِهِ فِي ثَقَل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر مَقُول عُمَر وَلَا جَوَاب السَّائِب , وَكَأَنَّهُ كَانَ قَدْ سَأَلَهُ عَنْ قَدْر الْمُدّ , فَسَيَأْتِي فِي الْكَفَّارَات عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ الْقَاسِم بْن مَالِك بِهَذَا الْإِسْنَاد \" كَانَ الصَّاع عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدًّا وَثُلُثًا , فَزِيدَ فِيهِ فِي زَمَن عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز \" زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" قَالَ السَّائِب وَقَدْ حُجَّ بِي فِي ثَقَل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا غُلَام \" وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : اللَّام فِي قَوْله لِلسَّائِبِ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ سَمِعْت عُمَر يَقُول لِأَجْلِ السَّائِب , وَالْمَقُول \" وَكَانَ السَّائِب إِلَخْ \" كَذَا قَالَ وَلَا يَخْفَى بُعْده , وَسَيَأْتِي لِلسَّائِبِ تَرْجَمَة فِي الْكَلَام عَلَى خَاتَم النُّبُوَّة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1727",
        "content": "‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْأَزْرَقِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏أَذِنَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا فَبَعَثَ مَعَهُنَّ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ‏ ‏وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ أَذِنَ عُمَر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْخَطَّاب ‏ ‏( لِأَزْوَاجِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِر حَجَّة حَجّهَا فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَان بْن عَفَّان وَعَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَلَمْ يَسْتَخْرِجهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَا أَبُو نُعَيْم , وَنَقَلَ الْحُمَيْدِيّ عَنْ الْبَرْقَانِيّ أَنَّ إِبْرَاهِيم هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف. قَالَ الْحُمَيْدِيّ : وَفِيهِ نَظَر , وَلَمْ يَذْكُرهُ أَبُو مَسْعُود. اِنْتَهَى. وَالْحَدِيث مَعْرُوف , وَقَدْ سَاقَهُ اِبْن سَعْد وَالْبَيْهَقِيُّ مُطَوَّلًا , وَجَعَلَ مُغَلْطَاي تَنْظِير الْحُمَيْدِيّ رَاجِعًا إِلَى نِسْبَة إِبْرَاهِيم فَقَالَ : مُرَاد الْبَرْقَانِيّ بِإِبْرَاهِيم جَدّ إِبْرَاهِيم الْمُبْهَم فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ , فَظَنَّ الْحُمَيْدِيّ أَنَّهُ عَيْن إِبْرَاهِيم الْأَوَّل , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ جَدّه لِأَنَّهُ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف. وَقَوْله \" وَقَالَ لِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد \" أَيْ اِبْن الْوَلِيد الْأَزْرَقِيّ , وَقَوْله \" أَذِنَ عُمَر \" ظَاهِره أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْنِ عَوْف عَنْ عُمَر وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ , وَإِدْرَاكه لِذَلِكَ مُمْكِن لِأَنَّ عُمُره إِذْ ذَاكَ كَانَ أَكْثَر مِنْ عَشْر سِنِينَ , وَقَدْ أَثْبَتَ سَمَاعه مِنْ عُمَر يَعْقُوب بْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره , لَكِنْ رَوَى اِبْن سَعْد هَذَا الْحَدِيث عَنْ الْوَاقِدِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف قَالَ \" أَرْسَلَنِي عُمَر \" لَكِنَّ الْوَاقِدَيَّ لَا يُحْتَجّ بِهِ فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْدَان وَابْن سَعْد أَيْضًا عَنْ الْوَلِيد بْن عَطَاء بْن الْأَغَرّ الْمَكِّيّ كِلَاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيم اِبْن سَعْد مِثْل مَا قَالَ الْأَزْرَقِيّ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون إِبْرَاهِيم حَفِظَ أَصْل الْقِصَّة وَحَمَلَ تَفَاصِيلهَا عَنْ أَبِيهِ فَلَا تَتَخَالَف الرِّوَايَتَانِ , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ النُّكْتَة فِي اِقْتِصَار الْبُخَارِيّ عَلَى أَصْل الْقِصَّة دُون بَقِيَّتهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏زَادَ عَبْدَان \" عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف \" وَكَانَ عُثْمَان يُنَادِي : أَلَا لَا يَدْنُو أَحَد مِنْهُنَّ وَلَا يَنْظُر إِلَيْهِنَّ , وَهُنَّ فِي الْهَوَادِج عَلَى الْإِبِل , فَإِذَا نَزَلْنَ أَنْزَلَهُنَّ بِصَدْرِ الشِّعْب فَلَمْ يَصْعَد إِلَيْهِنَّ أَحَد , وَنَزَلَ عَبْد الرَّحْمَن وَعُثْمَان بِذَنَبِ الشِّعْب \". وَفِي رِوَايَة لِابْنِ سَعْد \" فَكَانَ عُثْمَان يَسِير أَمَامهنَّ وَعَبْد الرَّحْمَن خَلْفهنَّ \". وَفِي رِوَايَة لَهُ \" وَعَلَى هَوَادِجهنَّ الطَّيَالِسَة الْخُضْر \" فِي إِسْنَاده الْوَاقِدِيّ , وَرَوَى اِبْن سَعْد أَيْضًا بِإسْنَادٍ صَحِيح مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق السَّبِيعِيّ قَالَ \" رَأَيْت نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَجْنَ فِي هَوَادِج عَلَيْهَا الطَّيَالِسَة زَمَن الْمُغِيرَة \" أَيْ اِبْن شُعْبَة , وَالظَّاهِر أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ زَمَن وِلَايَة الْمُغِيرَة عَلَى الْكُوفَة لَمُعَاوِيَة , وَكَانَ ذَلِكَ سَنَة خَمْسِينَ أَوْ قَبْلهَا. وَلِابْنِ سَعْد أَيْضًا مِنْ حَدِيث أُمّ مَعْبَد الْخُزَاعِيَّة قَالَتْ \" رَأَيْت عُثْمَان وَعَبْد الرَّحْمَن فِي خِلَافَة عُمَر حَجَّا بِنِسَاءِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلْنَ بِقُدَيْد , فَدَخَلْت عَلَيْهِنَّ وَهُنَّ ثَمَانٍ \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" أَنَّهُنَّ اِسْتَأْذَنَ عُثْمَان فِي الْحَجّ فَقَالَ : أَنَا أَحُجّ بِكُنَّ , فَحَجّ بِنَا جَمِيعًا إِلَّا زَيْنَب كَانَتْ مَاتَتْ , وَإِلَّا سَوْدَة فَإِنَّهَا لَمْ تَخْرُج مِنْ بَيْتهَا بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَد مِنْ طَرِيق وَاقِد بْن أَبِي وَاقِد اللَّيْثِيّ عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِنِسَائِهِ فِي حَجَّة الْوَدَاعِ : هَذِهِ ثُمَّ ظُهُور الْحُصُر \" زَادَ اِبْن سَعْد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَكُنَّ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْجُجْنَ , إِلَّا سَوْدَة وَزَيْنَب فَقَالَا : لَا تُحَرِّكنَا دَابَّة بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَإِسْنَاد حَدِيث أَبِي وَاقِد صَحِيح. وَأَغْرَبَ الْمُهَلَّب فَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ وَضْع الرَّافِضَة لِقَصْدِ ذَمّ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَة فِي خُرُوجهَا إِلَى الْعِرَاق لِلْإِصْلَاحِ بَيْن النَّاس فِي قِصَّة وَقْعَة الْجَمَل , وَهُوَ إِقْدَام مِنْهُ عَلَى رَدّ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِغَيْرِ دَلِيل , وَالْعُذْر عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا تَأَوَّلَتْ الْحَدِيث الْمَذْكُور كَمَا تَأَوَّلَهُ غَيْرهَا مِنْ صَوَاحِبَاتهَا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِنَّ غَيْر تِلْكَ الْحَجَّة , وَتَأَيَّدَ ذَلِكَ عِنْدهَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَكِنَّ أَفْضَل الْجِهَاد الْحَجّ وَالْعُمْرَة \" وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ الْمُصَنِّف بِهَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب , وَكَأَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي ذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ الْجَوَاز فَأَذِنَ لَهُنَّ , وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الصَّحَابَة وَمَنْ فِي عَصْره مِنْ غَيْر نَكِير. وَرَوَى اِبْن سَعْد مِنْ مُرْسَل أَبِي جَعْفَر الْبَاقِر قَالَ \" مَنَعَ عُمَر أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجّ وَالْعُمْرَة \" وَمِنْ طَرِيق أُمّ دُرَّة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" مَنَعَنَا عُمَر الْحَجّ وَالْعُمْرَة , حَتَّى إِذَا كَانَ آخِر عَام فَأَذِنَ لَنَا \" وَهُوَ مُوَافِق لِحَدِيثِ الْبَاب , وَفِيهِ زِيَادَة عَلَى مَا فِي مُرْسَل أَبِي جَعْفَر , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز حَجّ الْمَرْأَة بِغَيْرِ مَحْرَم , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث الثَّالِث. ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : ‏ ‏رَوَى عُمَر بْن شَبَّة هَذَا الْحَدِيث عَنْ سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ الْهَاشِمِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بِإسْنَادٍ آخَر فَقَالَ \" عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي رَبِيعَة عَنْ أُمّ كُلْثُوم بِنْت أَبِي بَكْر عَنْ عَائِشَة أَنَّ عُمَر أَذِنَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَجَجْنَ فِي آخِر حَجَّة حَجّهَا عُمَر , فَلَمَّا اِرْتَحَلَ عُمَر مِنْ الْحَصْبَة مِنْ آخِر اللَّيْل أَقْبَلَ رَجُل فَسَلَّمَ وَقَالَ : أَيْنَ كَانَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يَنْزِل ؟ فَقَالَ لَهُ قَائِل وَأَنَا أَسْمَع : هَذَا كَانَ مَنْزِله. فَأَنَاخَ فِي مَنْزِل عُمَر , ثُمَّ رَفَعَ عَقِيرَته يَتَغَنَّى : ‏ ‏عَلَيْك سَلَام مِنْ أَمِير وَبَارَكَتْ ‏ ‏يَد اللَّه فِي ذَاكَ الْأَدِيم الْمُمَزَّق ‏ ‏الْأَبْيَات. ‏ ‏قَالَتْ عَائِشَة : فَقُلْت لَهُمْ اِعْلَمُوا لِي عِلْم هَذَا الرَّجُل , فَذَهَبُوا فَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا , فَكَانَتْ عَائِشَة تَقُول : \" إِنِّي لِأَحْسَبهُ مِنْ الْجِنّ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1728",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَتْنَا ‏ ‏عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ فَقَالَ ‏ ‏لَكِنَّ أَحْسَنَ الْجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ الْحَجُّ حَجٌّ ‏ ‏مَبْرُورٌ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَلَا أَدَعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة زَائِدَة عَنْ حَبِيب عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَدَّثَتْنِي عَائِشَة \". ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا نَغْزُو أَوْ نُجَاهِد ) ‏ ‏هَذَا شَكَّ مِنْ الرَّاوِي , وَهُوَ مُسَدَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو كَامِل عَنْ أَبِي عَوَانَة شَيْخ مُسَدَّد بِلَفْظِ \" أَلَا نَغْزُو مَعَكُمْ \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : لَيْسَ الْغَزْو وَالْجِهَاد بِمَعْنًى وَاحِد , فَإِنَّ الْغَزْو الْقَصْد إِلَى الْقِتَال , وَالْجِهَاد بَذْل النَّفْس فِي الْقِتَال. قَالَ : أَوْ ذَكَرَ الثَّانِي تَأْكِيدًا لِلْأَوَّلِ ا ه. وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْأَلِف تَتَعَلَّق بِنَغْزُو فَشَرَحَ عَلَى أَنَّ الْجِهَاد مَعْطُوف عَلَى الْغَزْو بِالْوَاوِ , أَوْ جَعَلَ \" أَوْ \" بِمَعْنَى الْوَاو. وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ حَبِيب بِلَفْظِ \" أَلَا نَخْرُج فَنُجَاهِد مَعَك \" وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق زَائِدَة عَنْ حَبِيب مِثْله وَزَادَ \" فَإِنَّا نَجِد الْجِهَاد أَفْضَل الْأَعْمَال \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ حَبِيب \" لَوْ جَاهَدْنَا مَعَك , قَالَ : لَا جِهَاد , وَلَكِنْ حَجّ مَبْرُور \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْحَجّ مِنْ طَرِيق خَالِد عَنْ حَبِيب بِلَفْظِ \" نَرَى الْجِهَاد أَفْضَل الْعَمَل \" فَظَهَرَ أَنَّ التَّغَايُر بَيْن اللَّفْظَيْنِ مِنْ الرُّوَاة فَيَقْوَى أَنَّ \" أَوْ \" لِلشَّكِّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَكِنَّ أَحْسَن الْجِهَاد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ نَقْل الْخِلَاف فِي تَوْجِيهه فِي أَوَائِل الْحَجّ وَهَلْ هُوَ بِلَفْظِ الِاسْتِثْنَاء أَوْ بِلَفْظِ خِطَاب النِّسْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( الْحَجّ حَجّ مَبْرُور ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" حَجّ الْبَيْت حَجّ مَبْرُور \" وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَاد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة بِنْت طَلْحَة بِلَفْظِ \" اِسْتَأْذَنَهُ نِسَاؤُهُ فِي الْجِهَاد فَقَالَ : يَكْفِيكُنَّ الْحَجّ \" وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ حَبِيب \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه عَلَى النِّسَاء جِهَاد ؟ قَالَ : نَعَمْ , جِهَاد لَا قِتَال فِيهِ , الْحَجّ وَالْعُمْرَة \". قَالَ اِبْن بَطَّال : زَعَمَ بَعْض مَنْ يُنَقِّص عَائِشَة فِي قِصَّة الْجَمَل أَنَّ قَوْله تَعَالَى ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) يَقْتَضِي تَحْرِيم السَّفَر عَلَيْهِنَّ. قَالَ : وَهَذَا الْحَدِيث يَرُدّ عَلَيْهِمْ , لِأَنَّهُ قَالَ \" لَكِنَّ أَفْضَل الْجِهَاد \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُنَّ جِهَادًا غَيْر الْحَجّ وَالْحَجّ أَفْضَل مِنْهُ ا ه. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" لَا \" فِي جَوَاب قَوْلهنَّ \" أَلَا نَخْرُج فَنُجَاهِد مَعَك \" أَيْ لَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْكُنَّ كَمَا وَجَبَ عَلَى الرِّجَال , وَلَمْ يَرِد بِذَلِكَ تَحْرِيمه عَلَيْهِنَّ , فَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيث أُمّ عَطِيَّة أَنَّهُنَّ كُنَّ يَخْرُجْنَ فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى , وَفَهِمَتْ عَائِشَة وَمَنْ وَافَقَهَا مِنْ هَذَا التَّرْغِيب فِي الْحَجّ إِبَاحَة تَكْرِيره لَهُنَّ كَمَا أُبِيحَ لِلرِّجَالِ تَكْرِير الْجِهَاد , وَخُصَّ بِهِ عُمُوم قَوْله \" هَذِهِ ثُمَّ ظُهُور الْحُصُر \" وَقَوْله تَعَالَى ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) وَكَأَنَّ عُمَر كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي ذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ قُوَّة دَلِيلهَا فَأَذِنَ لَهُنَّ فِي آخَر خِلَافَته , ثُمَّ كَانَ عُثْمَان بَعْده يَحُجّ بِهِنَّ فِي خِلَافَته أَيْضًا. وَقَدْ وَقَفَ بَعْضهنَّ عِنْد ظَاهِر النَّهْي كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فِي حَدِيث عَائِشَة هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِحَدِيثِ أَبِي وَاقِد وُجُوب الْحَجّ مَرَّة وَاحِدَة كَالرِّجَالِ , لَا الْمَنْع مِنْ الزِّيَادَة. وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَمْر بِالْقَرَارِ فِي الْبُيُوت لَيْسَ عَلَى سَبِيل الْوُجُوب. وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ عَائِشَة هَذَا عَلَى جَوَاز حَجّ الْمَرْأَة مَعَ مَنْ تَثِق بِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ زَوْجًا وَلَا مَحْرَمًا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الَّذِي يَلِيه. ‏"
    },
    {
        "id": "1729",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْبَدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ فَقَالَ اخْرُجْ مَعَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي مَعْبَد ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ وَابْن عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَمْرو عَنْ أَبِي مَعْبَد بِهِ , وَلِعَمْرٍو بِهَذَا الْإِسْنَاد حَدِيث آخَر أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَغَيْره عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْهُ عَنْ عِكْرِمَة قَالَ \" جَاءَ رَجُل إِلَى الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ نَزَلْت ؟ قَالَ : عَلَى فُلَانَة. قَالَ : أَغْلَقْت عَلَيْهَا بَابك ؟ مَرَّتَيْنِ. لَا تَحُجَّن اِمْرَأَة إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم. وَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق أَيْضًا عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرو \" أَخْبَرَنِي عِكْرِمَة أَوْ أَبُو مَعْبَد عَنْ اِبْن عَبَّاس \" قُلْت : وَالْمَحْفُوظ فِي هَذَا مُرْسَل عِكْرِمَة. وَفِي الْآخَر رِوَايَة أَبِي مَعْبَد عَنْ اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تُسَافِر الْمَرْأَة ) ‏ ‏كَذَا أَطْلَقَ السَّفَر وَقَيَّدَهُ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْآتِي فِي الْبَاب فَقَالَ \" مَسِيرَة يَوْمَيْنِ \" , وَمَضَى فِي الصَّلَاة حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مُقَيَّدًا بِمَسِيرَةِ يَوْم وَلَيْلَة , وَعَنْهُ رِوَايَات أُخْرَى , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِيهِ مُقَيَّدًا بِثَلَاثَةِ أَيَّام , وَعَنْهُ رِوَايَات أُخْرَى أَيْضًا , وَقَدْ عَمِلَ أَكْثَر الْعُلَمَاء فِي هَذَا الْبَاب بِالْمُطْلَقِ لِاخْتِلَافِ التَّقْيِيدَات. وَقَالَ النَّوَوِيّ : لَيْسَ الْمُرَاد مِنْ التَّحْدِيد ظَاهِره , بَلْ كُلّ مَا يُسَمَّى سَفَرًا فَالْمَرْأَة مَنْهِيَّة عَنْهُ إِلَّا بِالْمَحْرَمِ , وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّحْدِيد عَنْ أَمْر وَاقِع فَلَا يُعْمَل بِمَفْهُومِهِ. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : وَقَعَ الِاخْتِلَاف فِي مَوَاطِن بِحَسَب السَّائِلِينَ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : يُحْتَمَل أَنْ يُقَال إِنَّ الْيَوْم الْمُفْرَد وَاللَّيْلَة الْمُفْرَدَة بِمَعْنَى الْيَوْم وَاللَّيْلَة , يَعْنِي فَمَنْ أَطْلَقَ يَوْمًا أَرَادَ بِلَيْلَتِهِ أَوْ لَيْلَة أَرَادَ بِيَوْمِهَا وَأَنْ يَكُون عِنْد جَمْعهمَا أَشَارَ إِلَى مُدَّة الذَّهَاب وَالرُّجُوع , وَعِنْد إِفْرَادهمَا أَشَارَ إِلَى قَدْر مَا تَقْضِي فِيهِ الْحَاجَة. قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون هَذَا كُلّه تَمْثِيلًا لِأَوَائِل الْأَعْدَاد , فَالْيَوْم أَوَّل الْعَدَد وَالِاثْنَانِ أَوَّل التَّكْثِير وَالثَّلَاث أَوَّل الْجَمْع , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مِثْل هَذَا فِي قِلَّة الزَّمَن لَا يَحِلّ فِيهِ السَّفَر فَكَيْف بِمَا زَادَ. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذِكْر الثَّلَاث قَبْل ذِكْر مَا دُونهَا فَيُؤْخَذ بِأَقَلّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَأَقَلّه الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا ذِكْر الْبَرِيد , فَعَلَى هَذَا يَتَنَاوَل السَّفَر طَوِيل السَّيْر وَقَصِيره , وَلَا يَتَوَقَّف اِمْتِنَاع سَيْر الْمَرْأَة عَلَى مَسَافَة الْقَصْر خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ , وَحُجَّتهمْ أَنَّ الْمَنْع الْمُقَيَّد بِالثَّلَاثِ مُتَحَقِّق وَمَا عَدَاهُ مَشْكُوك فِيهِ فَيُؤْخَذ بِالْمُتَيَقَّنِ , وَنُوقِضَ بِأَنَّ الرِّوَايَة الْمُطْلَقَة شَامِلَة لِكُلِّ سَفَر فَيَنْبَغِي الْأَخْذ بِهَا وَطَرْح مَا عَدَاهَا فَإِنَّهُ مَشْكُوك فِيهِ , وَمِنْ قَوَاعِد الْحَنَفِيَّة تَقْدِيم الْخَبَر الْعَامّ عَلَى الْخَاصّ , وَتَرْك حَمْل الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد , وَقَدْ خَالَفُوا ذَلِكَ هُنَا , وَالِاخْتِلَاف إِنَّمَا وَقَعَ فِي الْأَحَادِيث الَّتِي وَقَعَ فِيهَا التَّقْيِيد , بِخِلَافِ حَدِيث الْبَاب فَإِنَّهُ لَمْ يُخْتَلَف عَلَى اِبْن عَبَّاس فِيهِ. وَفَرَّقَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ بَيْن الْمَسَافَة الْبَعِيدَة فَمَنَعَهَا دُون الْقَرِيبَة , وَتَمَسّك أَحْمَد بِعُمُومِ الْحَدِيث فَقَالَ : إِذَا لَمْ تَجِد زَوْجًا أَوْ مَحْرَمًا لَا يَجِب عَلَيْهَا الْحَجّ , هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَنْهُ. وَعَنْهُ رِوَايَة أُخْرَى كَقَوْلِ مَالِك وَهُوَ تَخْصِيص الْحَدِيث بِغَيْرِ سَفَر الْفَرِيضَة , قَالُوا : وَهُوَ مَخْصُوص بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ السَّفَر فِي غَيْر الْفَرْض إِلَّا مَعَ زَوْج أَوْ مَحْرَم إِلَّا كَافِرَة أَسْلَمَتْ فِي دَار الْحَرْب أَوْ أَسِيرَة تَخَلَّصَتْ. وَزَادَ غَيْره أَوْ اِمْرَأَة اِنْقَطَعَتْ مِنْ الرُّفْقَة فَوَجَدَهَا رَجُل مَأْمُون فَإِنَّهُ يَجُوز لَهُ أَنْ يَصْحَبهَا حَتَّى يُبَلِّغهَا الرُّفْقَة. قَالُوا : وَإِذَا كَانَ عُمُومه مَخْصُوصًا بِالِاتِّفَاقِ فَلْيُخَصَّ مِنْهُ حَجَّة الْفَرِيضَة. وَأَجَابَ صَاحِب \" الْمُغْنِي \" بِأَنَّهُ سَفَر الضَّرُورَة فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ حَالَة الِاخْتِيَار , وَلِأَنَّهَا تَدْفَع ضَرَرًا مُتَيَقَّنًا بِتَحَمُّلِ ضَرَر مُتَوَهَّم وَلَا كَذَلِكَ السَّفَر لِلْحَجِّ. وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَة حَدِيث الْبَاب مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار بِلَفْظِ \" لَا تَحُجَّن اِمْرَأَة إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم \" فَنَصَّ فِي نَفْس الْحَدِيث عَلَى مَنْع الْحَجّ فَكَيْف يُخَصّ مِنْ بَقِيَّة الْأَسْفَار ؟ وَالْمَشْهُور عِنْد الشَّافِعِيَّة اِشْتِرَاط الزَّوْج أَوْ الْمَحْرَم أَوْ النِّسْوَة الثِّقَات , وَفِي قَوْل تَكْفِي اِمْرَأَة وَاحِدَة ثِقَة. وَفِي قَوْل نَقَلَهُ الْكَرَابِيسِيّ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُهَذَّب تُسَافِر وَحْدهَا إِذَا كَانَ الطَّرِيق آمِنًا , وَهَذَا كُلّه فِي الْوَاجِب مِنْ حَجّ أَوْ عُمْرَة. وَأَغْرَبَ الْقَفَّال فَطَرَدَهُ فِي الْأَسْفَار كُلّهَا , وَاسْتَحْسَنَهُ الرُّويَانِيّ قَالَ : إِلَّا أَنَّهُ خِلَاف النَّصّ. قُلْت : وَهُوَ يُعَكِّر عَلَى نَفْي الِاخْتِلَاف الَّذِي نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ آنِفًا. وَاخْتَلَفُوا هَلْ الْمَحْرَم وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ شَرْط فِي وُجُوب الْحَجّ عَلَيْهَا أَوْ شَرْط فِي التَّمَكُّن فَلَا يَمْنَع الْوُجُوب وَالِاسْتِقْرَار فِي الذِّمَّة ؟ وَعِبَارَة أَبِي الطَّيِّب الطَّبَرِيّ مِنْهُمْ : الشَّرَائِط الَّتِي يَجِب بِهَا الْحَجّ عَلَى الرَّجُل يَجِب بِهَا عَلَى الْمَرْأَة , فَإِذَا أَرَادَتْ أَنْ تُؤَدِّيه فَلَا يَجُوز لَهُمْ إِلَّا مَعَ مَحْرَم أَوْ زَوْج أَوْ نِسْوَة ثِقَات. وَمِنْ الْأَدِلَّة عَلَى جَوَاز سَفَر الْمَرْأَة مَعَ النِّسْوَة الثِّقَات إِذَا أُمِنَ الطَّرِيق أَوَّل أَحَادِيث الْبَاب , لِاتِّفَاقِ عُمَر وَعُثْمَان وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَنِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَم نَكِير غَيْرهمْ مِنْ الصَّحَابَة عَلَيْهِنَّ فِي ذَلِكَ , وَمَنْ أَبَى ذَلِكَ مِنْ أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّمَا أَبَاهُ مِنْ جِهَة خَاصَّة كَمَا تَقَدَّمَ لَا مِنْ جِهَة تَوَقُّف السَّفَر عَلَى الْمَحْرَم , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ النُّكْتَة فِي إِيرَاد الْبُخَارِيّ الْحَدِيثَيْنِ أَحَدهمَا عَقِب الْآخَر , وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ النِّسَاء كُلّهنَّ فِي ذَلِكَ سَوَاء إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي الْوَلِيد الْبَاجِيّ أَنَّهُ خَصَّهُ بِغَيْرِ الْعَجُوز الَّتِي لَا تُشْتَهَى , وَكَأَنَّهُ نَقَلَهُ مِنْ الْخِلَاف الْمَشْهُور فِي شُهُود الْمَرْأَة صَلَاة الْجَمَاعَة. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الَّذِي قَالَهُ الْبَاجِيّ تَخْصِيص لِلْعُمُومِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى , يَعْنِي مَعَ مُرَاعَاة الْأَمْر الْأَغْلَب. وَتَعَقَّبُوهُ بِأَنَّ لِكُلِّ سَاقِطَة لَاقِطَة , وَالْمُتَعَقِّب رَاعَى الْأَمْر النَّادِر وَهُوَ الِاحْتِيَاط. قَالَ : وَالْمُتَعَقِّب عَلَى الْبَاجِيّ يَرَى جَوَاز سَفَر الْمَرْأَة فِي الْأَمْن وَحْدهَا فَقَدْ نَظَرَ أَيْضًا إِلَى الْمَعْنَى , يَعْنِي فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْكِر عَلَى الْبَاجِيّ , وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الْوَجْه الْمُتَقَدِّم وَالْأَصَحّ خِلَافه , وَقَدْ اِحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثِ عَدِيّ بْن حَاتِم مَرْفُوعًا \" يُوشِك أَنْ تَخْرُج الظَّعِينَة مِنْ الْحِيرَة تَؤُمّ الْبَيْت لَا زَوْج مَعَهَا \" الْحَدِيث. وَهُوَ فِي الْبُخَارِيّ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَدُلّ عَلَى وَجُود ذَلِكَ لَا عَلَى جَوَازه , وَأُجِيب بِأَنَّهُ خَبَر فِي سِيَاق الْمَدْح وَرَفْع مَنَار الْإِسْلَام فَيُحْمَل عَلَى الْجَوَاز. وَمِنْ الْمُسْتَظْرَف أَنَّ الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب مَنْ لَمْ يَشْتَرِط الْمَحْرَم أَنَّ الْحَجّ عَلَى التَّرَاخِي , وَمِنْ مَذْهَب مَنْ يَشْتَرِطهُ أَنَّهُ حَجّ عَلَى الْفَوْر , وَكَانَ الْمُنَاسِب لِهَذَا قَوْل هَذَا وَبِالْعَكْسِ. وَأَمَّا مَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرْح حَدِيث جِبْرِيل فِي بَيَان الْإِيمَان وَالْإِسْلَام عِنْد قَوْله \" أَنْ تَلِد الْأَمَة رَبَّتهَا \" : فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَة عَلَى إِبَاحَة بَيْع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَلَا مَنْع بَيْعهنَّ , خِلَافًا لِمَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ فِي كُلّ مِنْهُمَا , لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كُلّ شَيْء أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ سَيَقَعُ يَكُون مُحَرَّمًا وَلَا جَائِزًا. اِنْتَهَى. وَهُوَ كَمَا قَالَ , لَكِنَّ الْقَرِينَة الْمَذْكُورَة تُقَوِّي الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى الْجَوَاز. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : هَذِهِ الْمَسْأَلَة تَتَعَلَّق بِالْعَامَّيْنِ إِذَا تَعَارَضَا , فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) عَامّ فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء , فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَة عَلَى السَّفَر إِذَا وُجِدَتْ وَجَبَ الْحَجّ عَلَى الْجَمِيع , وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا تُسَافِر الْمَرْأَة إِلَّا مَعَ مَحْرَم \" عَامّ فِي كُلّ سَفَر فَيَدْخُل فِيهِ الْحَجّ , فَمَنْ أَخْرَجَهُ عَنْهُ خَصَّ الْحَدِيث بِعُمُومِ الْآيَة , وَمَنْ أَدْخَلَهُ فِيهِ خَصَّ الْآيَة بِعُمُومِ الْحَدِيث فَيَحْتَاج إِلَى التَّرْجِيح مِنْ خَارِج , وَقَدْ رُجِّحَ الْمَذْهَب الثَّانِي بِعُمُومِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا تَمْنَعُوا إِمَاء اللَّه مَسَاجِد اللَّه \" وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَيِّدٍ لِكَوْنِهِ عَامًّا فِي الْمَسَاجِد فَيَخْرُج عَنْهُ الْمَسْجِد الَّذِي يَحْتَاج إِلَى السَّفَر بِحَدِيثِ النَّهْي. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم ) ‏ ‏أَيْ فَيَحِلّ , وَلَمْ يُصَرِّح بِذِكْرِ الزَّوْج , وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي هَذَا الْبَاب بِلَفْظِ \" لَيْسَ مَعَهَا زَوْجهَا أَوْ ذُو مَحْرَم مِنْهَا \" وَضَابِط الْمَحْرَم عِنْد الْعُلَمَاء مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحهَا عَلَى التَّأْبِيد بِسَبَبٍ مُبَاح لِحُرْمَتِهَا , فَخَرَجَ بِالتَّأْبِيدِ أُخْت الزَّوْجَة وَعَمَّتهَا وَبِالْمُبَاحِ أُمّ الْمَوْطُوءَة بِشُبْهَةٍ وَبِنْتهَا وَبِحُرْمَتِهَا الْمُلَاعَنَة , وَاسْتَثْنَى أَحْمَد مِنْ حَرُمَتْ عَلَى التَّأْبِيد مُسْلِمَة لَهَا أَب كِتَابِيّ فَقَالَ : لَا يَكُون مَحْرَمًا لَهَا لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَن أَنْ يَفْتِنهَا عَنْ دِينهَا إِذَا خَلَا بِهَا. وَمَنْ قَالَ إِنَّ عَبْد الْمَرْأَة مَحْرَم لَهَا يَحْتَاج أَنْ يَزِيد فِي هَذَا الضَّابِط مَا يُدْخِلهُ , وَقَدْ رَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا \" سَفَر الْمَرْأَة مَعَ عَبْدهَا ضَيْعَة \" لَكِنْ فِي إِسْنَاده ضَعْف , وَقَدْ اِحْتَجَّ بِهِ أَحْمَد وَغَيْره , وَيَنْبَغِي لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ أَنْ يُقَيِّدهُ بِمَا إِذَا كَانَا فِي قَافِلَة بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا وَحْدهمَا فَلَا لِهَذَا الْحَدِيث. وَفِي آخِر حَدِيث اِبْن عَبَّاس هَذَا مَا يُشْعِر بِأَنَّ الزَّوْج يَدْخُل فِي مُسَمَّى الْمَحْرَم , فَإِنَّهُ لَمَّا اِسْتَثْنَى الْمَحْرَم فَقَالَ الْقَائِل إِنَّ اِمْرَأَتِي حَاجَّة فَكَأَنَّهُ فَهِمَ حَال الزَّوْج فِي الْمَحْرَم , وَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ مَا فَهِمَهُ بَلْ قِيلَ لَهُ \" اُخْرُجْ مَعَهَا \". وَاسْتَثْنَى بَعْض الْعُلَمَاء اِبْن الزَّوْج فَكَرِهَ السَّفَر مَعَهُ لِغَلَبَةِ الْفَسَاد فِي النَّاس. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : هَذِهِ الْكَرَاهِيَة عَنْ مَالِك , فَإِنْ كَانَتْ لِلتَّحْرِيمِ فَفِيهِ بُعْد لِمُخَالَفَةِ الْحَدِيث , وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّنْزِيهِ فَيَتَوَقَّف عَلَى أَنَّ لَفْظ \" لَا يَحِلّ \" هَلْ يَتَنَاوَل الْمَكْرُوه الْكَرَاهَة التَّنْزِيهِيَّة ؟ ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَدْخُل عَلَيْهَا رَجُل إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَم ) ‏ ‏فِيهِ مَنْع الْخَلْوَة بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَهُوَ إِجْمَاع , لَكِنْ اِخْتَلَفُوا هَلْ يَقُوم غَيْر الْمَحْرَم مَقَامه فِي هَذَا كَالنِّسْوَةِ الثِّقَات ؟ وَالصَّحِيح الْجَوَاز لِضَعْفِ التُّهْمَة بِهِ. وَقَالَ الْقَفَّال : لَا بُدّ مِنْ الْمَحْرَم , وَكَذَا فِي النِّسْوَة الثِّقَات فِي سَفَر الْحَجّ لَا بُدّ مِنْ أَنْ يَكُون مَعَ إِحْدَاهُنَّ مَحْرَم. وَيُؤَيِّدهُ نَصّ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ لَا يَجُوز لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّي بِنِسَاءٍ مُفْرَدَات إِلَّا أَنْ تَكُون إِحْدَاهُنَّ مَحْرَمًا لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُج فِي جَيْش كَذَا وَكَذَا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الرَّجُل وَلَا اِمْرَأَته وَلَا عَلَى تَعْيِين الْغَزْوَة الْمَذْكُورَة , وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَاد بِلَفْظِ \" إِنِّي اِكْتَتَبْت فِي غَزْوَة كَذَا \" أَيْ كَتَبَتْ نَفْسِي فِي أَسْمَاء مَنْ عُيِّنَ لِتَلِك الْغَزَاة. قَالَ اِبْن الْمُنِير : الظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاع فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْحَجّ عَلَى التَّرَاخِي إِذْ لَوْ كَانَ عَلَى الْفَوْر لَمَا تَأَخَّرَ الرَّجُل مَعَ رُفْقَته الَّذِينَ عُيِّنُوا فِي تِلْكَ الْغَزَاة. كَذَا قَالَ , وَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ بِلَازِمٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا قَدْ حَجُّوا قَبْل ذَلِكَ مَعَ مَنْ حَجَّ فِي سَنَة تِسْع مَعَ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , أَوْ أَنَّ الْجِهَاد قَدْ تَعَيَّنَ عَلَى الْمَذْكُورِينَ بِتَعْيِينِ الْإِمَام , كَمَا لَوْ نَزَلَ عَدُوّ بِقَوْمٍ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّن عَلَيْهِمْ الْجِهَاد وَيَتَأَخَّر الْحَجّ اِتِّفَاقًا. ‏ ‏قَوْله : ( اُخْرُجْ مَعَهَا ) ‏ ‏أَخَذَ بِظَاهِرِهِ بَعْض أَهْل الْعِلْم فَأَوْجَبَ عَلَى الزَّوْج السَّفَر مَعَ اِمْرَأَته إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا غَيْره , وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَهُوَ وَجْه لِلشَّافِعِيَّةِ , وَالْمَشْهُور أَنَّهُ لَا يَلْزَمهُ كَالْوَلِيِّ فِي الْحَجّ عَنْ الْمَرِيض فَلَوْ اِمْتَنَعَ إِلَّا بِأُجْرَةٍ لَزِمَهَا لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلهَا فَصَارَ فِي حَقّهَا كَالْمُؤْنَةِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْع اِمْرَأَته مِنْ حَجّ الْفَرْض , وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَهُوَ وَجْه لِلشَّافِعِيَّةِ , وَالْأَصَحّ عِنْدهمْ أَنَّ لَهُ مَنْعهَا لِكَوْنِ الْحَجّ عَلَى التَّرَاخِي. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم الصَّائِغ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا فِي اِمْرَأَة لَهَا زَوْج وَلَهَا مَال وَلَا يَأْذَن لَهَا فِي الْحَجّ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْطَلِق إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجهَا ؟ فَأُجِيب عَنْهُ بِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى حَجّ التَّطَوُّع عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ , وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ مَنْع زَوْجَته مِنْ الْخُرُوج فِي الْأَسْفَار كُلّهَا , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفُوا فِيمَا كَانَ وَاجِبًا , وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ اِبْن حَزْم جَوَاز سَفَر الْمَرْأَة بِغَيْرِ زَوْج وَلَا مَحْرَم لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُر بِرَدِّهَا وَلَا عَابَ سَفَرهَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَرْطًا لَمَا أَمَرَ زَوْجهَا بِالسَّفَرِ مَعَهَا وَتَرْكه الْغَزْو الَّذِي كَتَبَ فِيهِ , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد بِلَفْظِ \" فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي نَذَرْت أَنْ أَخْرُج فِي جَيْش كَذَا وَكَذَا \" فَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا مَا رَخَّصَ لَهُ فِي تَرْك النَّذْر , قَالَ النَّوَوِيّ : وَفِي الْحَدِيث تَقْدِيم الْأَهَمّ فَالْأَهَمّ مِنْ الْأُمُور الْمُتَعَارِضَة , فَإِنَّهُ لَمَّا عَرَضَ لَهُ الْغَزْو وَالْحَجّ رَجَّحَ الْحَجّ لِأَنَّ اِمْرَأَته لَا يَقُوم غَيْره مَقَامه فِي السَّفَر مَعَهَا بِخِلَافِ الْغَزْو , وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1730",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ ‏ ‏لِأُمِّ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيَّةِ ‏ ‏مَا مَنَعَكِ مِنْ الْحَجِّ قَالَتْ أَبُو فُلَانٍ تَعْنِي زَوْجَهَا كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا قَالَ ‏ ‏فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْكَرِيمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الرَّابِع لَهُ طَرِيقَانِ مَوْصُول وَمُعَلَّق وَآخَر مُعَلَّق. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَبِيب الْمُعَلِّم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي قَرِيبَة بِقَافٍ وَمُوَحَّدَة , وَاسْم أَبِي قَرِيبَة زَيْد وَقِيلَ زَائِدَة , وَهُوَ غَيْر حَبِيب بْن أَبِي عَمْرَة الْمَذْكُور فِي ثَانِي أَحَادِيث الْبَاب. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ أَبُو فُلَان تَعْنِي زَوْجهَا ) ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَبُو سِنَان , وَتَقَدَّمَ الْحَدِيث مَشْرُوحًا فِي \" بَاب عُمْرَة فِي رَمَضَان \". ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء إِلَخْ ) ‏ ‏أَرَادَ تَقْوِيَة طَرِيق حَبِيب بِمُتَابَعَةِ اِبْن جُرَيْجٍ لَهُ عَنْ عَطَاء , وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ تَصْرِيح عَطَاء بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ مَوْصُولَة فِي الْبَاب الْمُشَار إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ اِبْن عَمْرو الرَّقِّيّ ‏ ‏( عَنْ عَبْد الْكَرِيم ) ‏ ‏وَهُوَ اِبْن مَالِك الْجَزَرِيُّ ‏ ‏( عَنْ عَطَاء عَنْ جَابِر ) ‏ ‏, وَأَرَادَ الْبُخَارِيّ بِهَذَا بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى عَطَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب عُمْرَة فِي رَمَضَان \" أَنَّ اِبْن أَبِي لَيْلَى وَيَعْقُوب بْن عَطَاء وَافَقَا حَبِيبًا وَابْن جُرَيْجٍ , فَتَبَيَّنَ شُذُوذ رِوَايَة عَبْد الْكَرِيم , وَشَذَّ مَعْقِل الْجَزَرِيُّ أَيْضًا فَقَالَ \" عَنْ عَطَاء عَنْ أُمّ سُلَيْمٍ \" وَصَنِيع الْبُخَارِيّ يَقْتَضِي تَرْجِيح رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ وَيُومِئ إِلَى أَنَّ رِوَايَة عَبْد الْكَرِيم لَيْسَتْ مُطَّرَحَة لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون لِعَطَاءٍ فِيهِ شَيْخَانِ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ رِوَايَة عَبْد الْكَرِيم خَالِيَة عَنْ الْقِصَّة مُقْتَصِرَة عَلَى الْمَتْن وَهُوَ قَوْله \" عُمْرَة فِي رَمَضَان تَعْدِل حِجَّة \" كَذَلِكَ وَصَلَهُ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عَمْرو , وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1731",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَزَعَةَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏زِيَادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً قَالَ أَرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ قَالَ يُحَدِّثُهُنَّ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَعْجَبْنَنِي ‏ ‏وَآنَقْنَنِي ‏ ‏أَنْ ‏ ‏لَا تُسَافِرَ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ‏ ‏مَسْجِدِ الْحَرَامِ ‏ ‏وَمَسْجِدِي ‏ ‏وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد , تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب الصَّلَاة فِي مَسْجِد مَكَّة وَالْمَدِينَة \" وَأَنَّهُ مُشْتَمِل عَلَى أَرْبَعَة أَحْكَام أَحَدهَا : سَفَر الْمَرْأَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي هَذَا الْبَاب , ثَانِيهَا : مَنْع صَوْم الْفِطْر وَالْأَضْحَى وَسَيَأْتِي فِي الصِّيَام , ثَالِثهَا : مَنْع الصَّلَاة بَعْد الصُّبْح وَالْعَصْر وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الصَّلَاة , رَابِعهَا : مَنْع شَدّ الرَّحْل إِلَى غَيْر الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الصَّلَاة أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ قَالَ يُحَدِّثهُنَّ ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ بِلَفْظِ \" أَوْ قَالَ أَخَذْتهنَّ \" بِالْخَاءِ وَالذَّال الْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ حَمَلْتهنَّ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَآنَقْنَنِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّونَيْنِ وَسُكُون الْقَاف بِوَزْنِ أَعْجَبْنَنِي , وَمَعْنَاهُ أَيْ الْكَلِمَات , يُقَال آنَقَنِي الشَّيْء بِالْمَدِّ , أَيْ أَعْجَبَنِي. وَذِكْر الْإِعْجَاب بَعْده مِنْ التَّأْكِيد. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ ذُو مَحْرَم ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي بَعْض النُّسَخ عَنْ أَبِي ذَرّ \" أَوْ ذُو مَحْرَم مُحَرَّم \" الْأَوَّل بِفَتْحِ أَوَّله وَثَالِثه وَسُكُون ثَانِيه وَالثَّانِي بِوَزْنِ مُحَمَّد أَيْ عَلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1732",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْفَزَارِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ قَالَ مَا بَالُ هَذَا قَالُوا نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ قَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ ) ‏ ‏هُوَ مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة كَمَا جَزَمَ بِهِ أَصْحَاب الْأَطْرَاف وَالْمُسْتَخْرَجَات , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ مَرْوَان هَذَا بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَقَالَ اِبْن حَزْم : هُوَ أَبُو إِسْحَاق الْفَزَارِيُّ أَوْ مَرْوَان. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي ثَابِت ) ‏ ‏هَكَذَا قَالَ أَكْثَر الرُّوَاة عَنْ حُمَيْدٍ , وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا صَرَّحَ حُمَيْدٌ فِيهِ بِالْوَاسِطَةِ بَيْنه وَبَيْن أَنَس , وَقَدْ حَذَفَهُ فِي وَقْت آخَر فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي عَدِيّ كِلَاهُمَا عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ اِبْن أَبِي عَدِيّ وَيَزِيد بْن هَارُون جَمِيعًا عَنْ حُمَيْدٍ بِلَا وَاسِطَة , وَيُقَال إِنَّ غَالِب رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس بِوَاسِطَةٍ , لَكِنْ قَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس أَشْيَاء كَثِيرَة بِغَيْرِ وَاسِطَة مَعَ الِاعْتِنَاء بِبَيَانِ سَمَاعه لَهَا مِنْ أَنَس , وَقَدْ وَافَقَ عِمْرَان القَطَّانُ عَنْ حُمَيْدٍ الْجَمَاعَة عَلَى إِدْخَال ثَابِت بَيْنه وَبَيْن أَنَس , لَكِنْ خَالَفَهُمْ فِي الْمَتْن , أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقه بِلَفْظِ \" نَذَرَتْ اِمْرَأَة أَنْ تَمْشِي إِلَى بَيْت اللَّه , فَسُئِلَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّه لَغَنِيّ عَنْ مَشْيهَا , مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ \". ‏ ‏قَوْله : ( رَأَى شَيْخًا يُهَادَى ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله مِنْ الْمُهَادَاة , وَهُوَ أَنْ يَمْشِي مُعْتَمِدًا عَلَى غَيْره. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق خَالِد بْن الْحَارِث عَنْ حُمَيْدٍ \" يَتَهَادَى \" بِفَتْحِ أَوَّله ثُمَّ مُثَنَّاة. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْن اِبْنَيْهِ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذَا الشَّيْخ وَلَا عَلَى اِسْم اِبْنَيْهِ , وَقَرَأْت بِخَطِّ مُغَلْطَاي \" الرَّجُل الَّذِي يُهَادَى \" قَالَ الْخَطِيب : هُوَ أَبُو إِسْرَائِيل , كَذَا قَالَ وَتَبِعَهُ اِبْن الْمُلَقِّن , وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي كِتَاب الْخَطِيب وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ مِنْ حَدِيث مَالِك \" عَنْ حُمَيْدِ بْن قَيْس وَثَوْر أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْس فَقَالَ : مَا بَال هَذَا ؟ قَالُوا : نَذَرَ أَنْ لَا يَسْتَظِلّ وَلَا يَتَكَلَّم وَيَصُوم \" الْحَدِيث. قَالَ الْخَطِيب : هَذَا الرَّجُل هُوَ أَبُو إِسْرَائِيل , ثُمَّ سَاقَ حَدِيث عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُب يَوْم الْجُمُعَة فَرَأَى رَجُلًا يُقَال لَهُ أَبُو إِسْرَائِيل فَقَالَ : مَا بَاله ؟ قَالُوا : نَذَرَ أَنْ يَصُوم وَيَقُوم فِي الشَّمْس وَلَا يَتَكَلَّم \" الْحَدِيث. وَهَذَا الْحَدِيث سَيَأْتِي فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَالْمُغَايَرَة بَيْنه وَبَيْن حَدِيث أَنَس ظَاهِرَة مِنْ عِدَّة أَوْجُه , فَيَحْتَاج مِنْ وَحَّدَ بَيْن الْقِصَّتَيْنِ إِلَى مُسْتَنَد , وَاللَّه الْمُسْتَعَان. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مَا بَال هَذَا ؟ قَالُوا نَذَرَ أَنْ يَمْشِي ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم أَنَّ الَّذِي أَجَابَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سُؤَاله وَلَدَا الرَّجُل وَلَفْظه \" فَقَالَ مَا شَأْن هَذَا الرَّجُل ؟ قَالَ اِبْنَاهُ : يَا رَسُول اللَّه كَانَ عَلَيْهِ نَذْر \". ‏ ‏قَوْله : ( أَمَرَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الكُشْمِيهَنِيّ \" وَأَمَرَهُ \" بِزِيَادَةِ وَاو. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَرْكَب ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد عَنْ الْأَنْصَارِيّ عَنْ حُمَيْدٍ فَرَكِبَ , وَإِنَّمَا لَمْ يَأْمُرهُ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ إِمَّا لِأَنَّ الْحَجّ رَاكِبًا أَفْضَل مِنْ الْحَجّ مَاشِيًا فَنَذْر الْمَشْي يَقْتَضِي اِلْتِزَام تَرْك الْأَفْضَل فَلَا يَجِب الْوَفَاء بِهِ , أَوْ لِكَوْنِهِ عَجَزَ عَنْ الْوَفَاء بِنَذْرِهِ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَر. ‏"
    },
    {
        "id": "1733",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا الْخَيْرِ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى ‏ ‏بَيْتِ اللَّهِ ‏ ‏وَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَفْتَيْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ ‏ ‏قَالَ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو الْخَيْرِ ‏ ‏لَا يُفَارِقُ ‏ ‏عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ ‏ ‏فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر ) ‏ ‏هُوَ الْجُهَنِيّ كَذَا وَقَعَ عِنْد أَحْمَد وَمُسْلِم وَغَيْرهمَا فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ هَذَا الْوَجْه. ‏ ‏قَوْله : ( نَذَرَتْ أُخْتِي ) ‏ ‏قَالَ الْمُنْذِرِيّ وَابْن الْقَسْطَلَانِيّ وَالْقُطْب الْحَلَبِيّ وَمَنْ تَبِعَهُمْ : هِيَ أُمّ حِبَّان بِنْت عَامِر , وَهِيَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة , وَنَسَبُوا ذَلِكَ لِابْنِ مَاكُولَا فَوَهَمُوا فَإِنَّ اِبْن مَاكُولَا إِنَّمَا نَقَلَهُ عَنْ اِبْن سَعْد , وَابْن سَعْد إِنَّمَا ذَكَرَ فِي طَبَقَات النِّسَاء أُمّ حِبَّان بِنْت عَامِر بْن نَابِي بِنُونٍ وَمُوَحَّدَة اِبْن زَيْد بْن حَرَام بِمُهْمَلَتَيْنِ الْأَنْصَارِيَّة قَالَ : وَهِيَ أُخْت عُقْبَة بْن عَامِر بْن نَابِي , شَهِدَ بَدْرًا , وَهِيَ زَوْج حَرَام بْن مُحَيِّصَة , وَكَانَ ذُكِرَ قَبْل عُقْبَة بْن عَامِر بْن نَابِي الْأَنْصَارِيّ وَأَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَلَا رِوَايَة لَهُ , وَهَذَا كُلّه مُغَايِر لِلْجُهَنِيّ فَإِنَّ لَهُ رِوَايَة كَثِيرَة وَلَمْ يَشْهَد بَدْرًا وَلَيْسَ أَنْصَارِيًّا , فَعَلَى هَذَا لَمْ يُعْرَف اِسْم أُخْت عُقْبَة بْنِ عَامِر الْجُهَنِيّ , وَقَدْ كُنْت تَبِعْت فِي الْمُقَدِّمَة مَنْ ذَكَرْت ثُمَّ رَجَعْت الْآن عَنْ ذَلِكَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْت اللَّه ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عَيَّاش بِالْيَاءِ التَّحْتَانِيَّة وَالْمُعْجَمَة عَنْ يَزِيد \" حَافِيَة \" , وَلِأَحْمَد وَأَصْحَاب السُّنَن مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن مَالِك عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر الْجُهَنِيّ \" أَنَّ أُخْته نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِي حَافِيَة غَيْر مُخْتَمِرَة \" , وَزَادَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن سَالِم عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر \" وَهِيَ اِمْرَأَة ثَقِيلَة وَالْمَشْي يَشُقّ عَلَيْهَا \" , وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ عُقْبَة بْن عَامِر سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّ أُخْته نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِي إِلَى الْبَيْت , وَشَكَا إِلَيْهِ ضَعْفَهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مَالِك \" مُرْهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَصُمْ ثَلَاثَة أَيَّام \". وَرَوَى مُسْلِم عَقِب هَذَا الْحَدِيث حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن شِمَاسَة وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمِيم بَعْدهَا مُهْمَلَة عَنْ أَبِي الْخَيْر عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر رَفَعَهُ \" كَفَّارَة النَّذْر كَفَّارَة الْيَمِين \" وَلَعَلَّهُ مُخْتَصَر مِنْ هَذَا الْحَدِيث , فَإِنَّ الْأَمْر بِصِيَامِ ثَلَاثَة أَيَّام هُوَ أَحَد أَوْجُه كَفَّارَة الْيَمِين , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عِكْرِمَة الْمَذْكُورَة \" قَالَ فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَة \" وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب النَّذْر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَكَانَ أَبُو الْخَيْر لَا يُفَارِق عُقْبَة ) ‏ ‏هُوَ يَقُول يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب الرَّاوِي عَنْ أَبِي الْخَيْر , وَالْمُرَاد بِذَلِكَ بَيَان سَمَاع أَبِي الْخَيْر لَهُ مِنْ عُقْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّف. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْن أَيُّوب ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ أَبُو عَاصِم , وَوَافَقَهُ رَوْح بْن عُبَادَةَ عِنْد مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ جَعَلَا شَيْخ اِبْن جُرَيْجٍ فِي هَذَا الْحَدِيث هُوَ يَحْيَى بْن أَيُّوب , وَخَالَفَهُمَا هِشَام بْن يُوسُف فَجَعَلَ شَيْخ اِبْن جُرَيْجٍ فِيهِ سَعِيد بْن أَبِي أَيُّوب , وَرَجَّحَ الْأَوَّل الْإِسْمَاعِيلِيّ لِاتِّفَاقِ أَبِي عَاصِم وَرَوْح عَلَى خِلَاف مَا قَالَ هِشَام , لَكِنْ يُعَكِّر عَلَيْهِ أَنَّ عَبْد الرَّزَّاق وَافَقَ هِشَامًا وَهُوَ عِنْد أَحْمَد وَمُسْلِم , وَوَافَقَهُمَا مُحَمَّد بْن بَكْر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ وَحَجَّاج بْن مُحَمَّد عِنْد النَّسَائِيِّ , فَهَؤُلَاءِ أَرْبَعَة حُفَّاظ رَوَوْهُ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ سَعِيد بْنِ أَبِي أَيُّوب , فَإِنْ كَانَ التَّرْجِيح هُنَا بِالْأَكْثَرِيَّةِ فَرِوَايَتهمْ أَوْلَى. وَالَّذِي ظَهَرَ لَيّ مِنْ صَنِيع صَاحِبَيْ الصَّحِيح أَنَّ لِابْنِ جُرَيْجٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ , وَقَدْ عَبَّرَ مُغَلْطَاي وَتَبِعَهُ الشَّيْخ سِرَاج الدِّين عَنْ كَلَام الْإِسْمَاعِيلِيّ مَا لَا يُفْهَم مِنْهُ الْمُرَاد , وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَتْ أَبْوَاب الْمُحْصَر وَجَزَاء الصَّيْد وَمَا مَعَ ذَلِكَ إِلَى هُنَا عَلَى أَحَد وَسِتِّينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا ثَلَاثَة عَشَر حَدِيثًا وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِص ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث اِبْن عُمَر فِي النِّقَاب وَالْقُفَّاز مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" اِحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِم \" , وَحَدِيثه فِي الَّتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجّ عَنْ أُمّهَا , وَحَدِيث السَّائِب بْنِ يَزِيد أَنَّهُ حُجَّ بِهِ , وَحَدِيث جَابِر \" عُمْرَة فِي رَمَضَان \". وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ اِثْنَا عَشَر أَثَرًا , وَاللَّه الْمُسْتَعَان. ‏"
    },
    {
        "id": "1734",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَحْوَلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏حَرَمٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا وَلَا ‏ ‏يُحْدَثُ ‏ ‏فِيهَا ‏ ‏حَدَثٌ ‏ ‏مَنْ ‏ ‏أَحْدَثَ ‏ ‏حَدَثًا ‏ ‏فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد عَنْ عَاصِم \" قُلْت لِأَنَسٍ \" وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام , وَلِيَزِيدَ بْنِ هَارُون عَنْ عَاصِم \" سَأَلْت أَنَسًا \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( الْمَدِينَة حَرَم مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا ) ‏ ‏هَكَذَا جَاءَ مُبْهَمًا , وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث عَلِيٍّ رَابِع أَحَادِيث الْبَاب \" مَا بَيْن عَائِر إِلَى كَذَا \" فَعَيَّنَ الْأَوَّل وَهُوَ بِمُهْمَلَةٍ وَزْن فَاعِل , وَذَكَرَهُ فِي الْجِزْيَة وَغَيْرهَا بِلَفْظِ \" عَيْر \" بِسُكُونِ التَّحْتَانِيَّة , وَهُوَ جَبَل بِالْمَدِينَةِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ. وَاتَّفَقَتْ رِوَايَات الْبُخَارِيّ كُلّهَا عَلَى إِبْهَام الثَّانِي. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم \" إِلَى ثَوْر \" فَقِيلَ إِنَّ الْبُخَارِيّ أَبْهَمَهُ عَمْدًا لَمَّا وَقَعَ عِنْده أَنَّهُ وَهْم , وَقَالَ صَاحِب \" الْمَشَارِق \" و \" الْمَطَالِع \" : أَكْثَر رُوَاة الْبُخَارِيّ ذَكَرُوا عَيْرًا , وَأَمَّا ثَوْر فَمِنْهُمْ مَنْ كَنَّى عَنْهُ بِكَذَا وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ مَكَانه بَيَاضًا , وَالْأَصْل فِي هَذَا التَّوَقُّف قَوْل مُصْعَب الزُّبَيْرِيّ : لَيْسَ بِالْمَدِينَةِ عَيْر وَلَا ثَوْر. وَأَثْبَتَ غَيْره عَيْرًا وَوَافَقَهُ عَلَى إِنْكَار ثَوْر , قَالَ أَبُو عُبَيْد : قَوْله \" مَا بَيْن عَيْر إِلَى ثَوْر \" هَذِهِ رِوَايَة أَهْل الْعِرَاق , وَأَمَّا أَهْل الْمَدِينَة فَلَا يَعْرِفُونَ جَبَلًا عِنْدهمْ يُقَال لَهُ ثَوْر وَإِنَّمَا ثَوْر بِمَكَّة , وَنَرَى أَنَّ أَصْل الْحَدِيث \" مَا بَيْن عَيْر إِلَى أُحُد \". قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن سَلَام عِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ. وَقَالَ عِيَاض : لَا مَعْنَى لِإِنْكَارِ عَيْر بِالْمَدِينَةِ فَإِنَّهُ مَعْرُوف , وَقَدْ جَاءَ ذِكْره فِي أَشْعَارهمْ , وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْد الْبَكْرِيّ فِي ذَلِكَ عِدَّة شَوَاهِد , مِنْهَا قَوْل الْأَحْوَص الْمَدَنِيّ الشَّاعِر الْمَشْهُور : ‏ ‏فَقُلْت لِعَمْرٍو تِلْكَ يَا عَمْرو نَاره ‏ ‏تَشِبّ قَفَا عَيْر فَهَلْ أَنْتَ نَاظِر ‏ ‏وَقَالَ اِبْن السَّيِّد فِي \" الْمُثَلَّث \" : عَيْر اِسْم جَبَل بِقُرْبِ الْمَدِينَة مَعْرُوف. وَرَوَى الزُّبَيْر فِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة \" عَنْ عِيسَى بْن مُوسَى قَالَ : قَالَ سَعِيد بْن عَمْرو لِبِشْرِ بْن السَّائِب أَتَدْرِي لِمَ سَكَنَّا الْعَقَبَة ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : لِأَنَّا قَتَلْنَا مِنْكُمْ قَتِيلًا فِي الْجَاهِلِيَّة فَأُخْرِجْنَا إِلَيْهَا. فَقَالَ : وَدِدْت لَوْ أَنَّكُمْ قَتَلْتُمْ مِنَّا آخَر وَسَكَنْتُمْ وَرَاء عَيْر , يَعْنِي جَبَلًا. كَذَا فِي نَفْس الْخَبَر. وَقَدْ سَلَكَ الْعُلَمَاء فِي إِنْكَار مُصْعَب الزُّبَيْرِيّ لِعَيْرٍ وَثَوْر مَسَالِك : مَا مِنْهَا تَقَدَّمَ , وَمِنْهَا قَوْل اِبْن قُدَامَةَ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مِقْدَار مَا بَيْن عَيْر وَثَوْر لَا أَنَّهُمَا بِعَيْنِهِمَا فِي الْمَدِينَة , أَوْ سَمَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَبَلَيْنِ اللَّذَيْنِ بِطَرَفَيْ الْمَدِينَة عَيْرًا وَثَوْرًا اِرْتِجَالًا. وَحَكَى اِبْن الْأَثِير كَلَام أَبِي عُبَيْد مُخْتَصَرًا ثُمَّ قَالَ : وَقِيلَ إِنَّ عَيْرًا جَبَل بِمَكَّة , فَيَكُون الْمُرَاد أَحْرَمَ مِنْ الْمَدِينَة مِقْدَار مَا بَيْن عَيْر وَثَوْر بِمَكَّة عَلَى حَذْف الْمُضَاف وَوَصْف الْمَصْدَر الْمَحْذُوف. وَقَالَ النَّوَوِيّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون ثَوْر كَانَ اِسْم جَبَل هُنَاكَ إِمَّا أُحُد وَإِمَّا غَيْره. وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ فِي \" الْأَحْكَام \" بَعْد حِكَايَة كَلَام أَبِي عُبَيْد وَمَنْ تَبِعَهُ : قَدْ أَخْبَرَنِي الثِّقَة الْعَالِم أَبُو مُحَمَّد عَبْد السَّلَام الْبَصْرِيّ أَنَّ حِذَاء أُحُد عَنْ يَسَاره جَانِحًا إِلَى وَرَائِهِ جَبَل صَغِير يُقَال لَهُ ثَوْر , وَأَخْبَرَ أَنَّهُ تَكَرَّرَ سُؤَاله عَنْهُ لِطَوَائِف مِنْ الْعَرَب - أَيْ الْعَارِفِينَ بِتِلْكَ الْأَرْض وَمَا فِيهَا مِنْ الْجِبَال - فَكُلّ أَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ الْجَبَل اِسْمه ثَوْر , وَتَوَارَدُوا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ فَعَلِمْنَا أَنَّ ذِكْر ثَوْر فِي الْحَدِيث صَحِيح , وَأَنَّ عَدَم عِلْم أَكَابِر الْعُلَمَاء بِهِ لِعَدَمِ شُهْرَته وَعَدَم بَحْثهمْ عَنْهُ. قَالَ وَهَذِهِ فَائِدَة جَلِيلَة. اِنْتَهِي. وَقَرَأْت بِخَطِّ شَيْخ شُيُوخنَا الْقُطْب الْحَلَبِيّ فِي شَرْحه : حَكَى لَنَا شَيْخنَا الْإِمَام أَبُو مُحَمَّد عَبْد السَّلَام بْن مَزْرُوع الْبَصْرِيّ أَنَّهُ خَرَجَ رَسُولًا إِلَى الْعِرَاق فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة كَانَ مَعَهُ دَلِيل وَكَانَ يَذْكُر لَهُ الْأَمَاكِن وَالْجِبَال , قَالَ : فَلَمَّا وَصَلْنَا إِلَى أُحُد إِذَا بِقُرْبِهِ جَبَل صَغِير , فَسَأَلْته عَنْهُ فَقَالَ : هَذَا يُسَمَّى ثَوْرًا. قَالَ فَعَلِمْت صِحَّة الرِّوَايَة. قُلْت : وَكَأَنَّ هَذَا كَانَ مَبْدَأ سُؤَاله عَنْ ذَلِكَ. وَذَكَرَ شَيْخنَا أَبُو بَكْر بْن حُسَيْن الْمَرَاغِي نَزِيل الْمَدِينَة فِي مُخْتَصَره لِأَخْبَارِ الْمَدِينَة أَنَّ خَلْفَ أَهْل الْمَدِينَة يَنْقُلُونَ عَنْ سَلَفهمْ أَنَّ خَلْف أُحُد مِنْ جِهَة الشِّمَال جَبَلًا صَغِيرًا إِلَى الْحُمْرَة بِتَدْوِيرٍ يُسَمَّى ثَوْرًا , قَالَ وَقَدْ تَحَقَّقْته بِالْمُشَاهَدَةِ. وَأَمَّا قَوْل اِبْن التِّين أَنَّ الْبُخَارِيّ أَبْهَمَ اِسْم الْجَبَل عَمْدًا لِأَنَّهُ غَلَط فَهُوَ غَلَط مِنْهُ , بَلْ إِبْهَامه مِنْ بَعْض رُوَاته , فَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي الْجِزْيَة فَسَمَّاهُ , وَاللَّه أَعْلَم. وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث أَنَس مِنْ \" كَذَا إِلَى كَذَا جَبَلَانِ \" مَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا \" اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّم مَا بَيْن جَبَلَيْهَا \" لَكِنْ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْجِهَاد وَغَيْره مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَيَعْقُوب بْن عَبْد الرَّحْمَن وَمَالك كُلّهمْ عَنْ عَمْرو بِلَفْظِ \" مَا بَيْن لَابَتَيْهَا \" وَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب , وَسَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب مِنْ وَجْه آخَر , وَكَذَا فِي حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج وَأَبِي سَعِيد وَسَعْد وَجَابِر وَكُلّهَا عِنْد مُسْلِم , وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث عُبَادَةَ الزَّرَقِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي الْيَسَر وَأَبِي حُسَيْن وَكَعْب اِبْن مَالِك كُلّهمْ بِلَفْظِ \" مَا بَيْن لَابَتَيْهَا \" وَاللَّابَتَانِ جَمْع لَابَة بِتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَة وَهِيَ الْحَرَّة وَهِيَ الْحِجَارَة السُّود , وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرهَا فِي الْحَدِيث. وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر عِنْد أَحْمَد \" وَأَنَا أُحَرِّم الْمَدِينَة مَا بَيْن حَرَّتَيْهَا \" فَادَّعَى بَعْض الْحَنَفِيَّة أَنَّ الْحَدِيث مُضْطَرِب لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة مَا بَيْن جَبَلَيْهَا وَفِي رِوَايَة مَا بَيْن لَابَتَيْهَا وَفِي رِوَايَة مَأْزِمَيْهَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْجَمْع بَيْنهمَا وَاضِح وَبِمِثْلِ هَذَا لَا تُرَدّ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة , فَإِنَّ الْجَمْع لَوْ تَعَذَّرَ أَمْكَنَ التَّرْجِيح , وَلَا شَكَّ أَنَّ رِوَايَة \" مَا بَيْن لَابَتَيْهَا \" أَرْجَح لِتَوَارُدِ الرُّوَاة عَلَيْهَا , وَرِوَايَة جَبَلَيْهَا لَا تُنَافِيهَا فَيَكُون عِنْد كُلّ لَابَة جَبَل , أَوْ لَابَتَيْهَا مِنْ جِهَة الْجَنُوب وَالشِّمَال وَجَبَلَيْهَا مِنْ جِهَة الشَّرْق وَالْغَرْب , وَتَسْمِيَة الْجَبَلَيْنِ فِي رِوَايَة أُخْرَى لَا تَضُرّ , وَأَمَّا رِوَايَة \" مَأْزِمَيْهَا \" فَهِيَ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث أَبِي سَعِيد , وَالْمَأْزِم بِكَسْرِ الزَّاي الْمَضِيق بَيْن الْجَبَلَيْنِ وَقَدْ يُطْلَق عَلَى الْجَبَل نَفْسه. وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِحَدِيثِ أَنَس فِي قِصَّة أَبِي عُمَيْر مَا فَعَلَ النُّغَيْر قَالَ : لَوْ كَانَ صَيْدهَا حَرَامًا مَا جَازَ حَبْس الطَّيْر , وَأُجِيب بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون مِنْ صَيْد الْحِلّ. قَالَ أَحْمَد : مَنْ صَادَ مِنْ الْحِلّ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْمَدِينَة لَمْ يَلْزَمهُ إِرْسَاله لِحَدِيثِ أَبِي عُمَيْر , وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور. لَكِنْ لَا يُرَدّ ذَلِكَ عَلَى الْحَنَفِيَّة , لِأَنَّ صَيْد الْحِلّ عِنْدهمْ إِذَا دَخَلَ الْحَرَم كَانَ لَهُ حُكْم الْحَرَم , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون قِصَّة أَبِي عُمَيْر كَانَتْ قَبْل التَّحْرِيم , وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ بِحَدِيثِ أَنَس فِي قِصَّة قَطْع النَّخْل لِبِنَاءِ الْمَسْجِد , وَلَوْ كَانَ قَطْع شَجَرهَا حَرَامًا مَا فَعَلَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّل الْهِجْرَة كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا فِي أَوَّل الْمَغَازِي , وَحَدِيث تَحْرِيم الْمَدِينَة كَانَ بَعْد رُجُوعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَيْبَر كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو عَنْ أَنَس فِي الْجِهَاد وَفِي غَزْوَة أُحُد مِنْ الْمَغَازِي وَاضِحًا , وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون سَبَب النَّهْي عَنْ صَيْد الْمَدِينَة وَقَطْع شَجَرهَا كَوْن الْهِجْرَة كَانَتْ إِلَيْهَا فَكَانَ بَقَاء الصَّيْد وَالشَّجَر مِمَّا يَزِيد فِي زِينَتهَا وَيَدْعُو إِلَى أُلْفَتهَا كَمَا رَوَى اِبْن عُمَر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ هَدْم آطَام الْمَدِينَة \" فَإِنَّهَا مِنْ زِينَة الْمَدِينَة فَلَمَّا اِنْقَطَعَتْ الْهِجْرَة زَالَ ذَلِكَ , وَمَا قَالَهُ لَيْسَ بِوَاضِحٍ لِأَنَّ النَّسْخ لَا يَثْبُت إِلَّا بِدَلِيلٍ , وَقَدْ ثَبَتَ عَلَى الْفَتْوَى بِتَحْرِيمِهَا سَعْد وَزَيْد بْن ثَابِت وَأَبُو سَعِيد وَغَيْرهمْ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَقَالَ اِبْن قُدَامَةَ : يَحْرُم صَيْد الْمَدِينَة وَقَطْع شَجَرهَا وَبِهِ قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَكْثَر أَهْل الْعِلْم , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة لَا يَحْرُم , ثُمَّ مَنْ فَعَلَ مِمَّا حَرُمَ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْئًا أَثِمَ وَلَا جَزَاء عَلَيْهِ فِي رِوَايَة لِأَحْمَد , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد وَأَكْثَر أَهْل الْعِلْم , وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم وَابْن أَبِي ذِئْب وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر وَابْن نَافِع مِنْ أَصْحَاب مَالِك , وَقَالَ الْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب إِنَّهُ الْأَقْيَس وَاخْتَارَهُ جَمَاعَة بَعْدهمْ فِيهِ الْجَزَاء وَهُوَ كَمَا فِي حَرَم مَكَّة , وَقِيلَ الْجَزَاء فِي حَرَم الْمَدِينَة أَخْذ السَّلَب لِحَدِيثٍ صَحَّحَهُ مُسْلِم عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , وَفِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ \" مَنْ وَجَدَ أَحَدًا يَصِيد فِي حَرَم الْمَدِينَة فَلْيَسْلُبْهُ \". قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : لَمْ يَقُلْ بِهَذَا بَعْد الصَّحَابَة إِلَّا الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم. قُلْت : وَاخْتَارَهُ جَمَاعَة مَعَهُ وَبَعْده لِصِحَّةِ الْخَبَر فِيهِ , وَلِمَنْ قَالَ بِهِ اِخْتِلَاف فِي كَيْفِيَّته وَمَصْرِفه , وَالَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ صَنِيع سَعْد عِنْد مُسْلِم وَغَيْره أَنَّهُ كَسَلْبِ الْقَتِيل وَأَنَّهُ لِلسَّالِبِ لَكِنَّهُ لَا يُخَمَّس , وَأَغْرَبَ بَعْض الْحَنَفِيَّة فَادَّعَى الْإِجْمَاع عَلَى تَرْك الْأَخْذ بِحَدِيثِ السَّلْب , ثُمَّ اِسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى نَسْخ أَحَادِيث تَحْرِيم الْمَدِينَة , وَدَعْوَى الْإِجْمَاع مَرْدُودَة فَبَطَلَ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَوْ صَحَّ حَدِيث سَعْد لَمْ يَكُنْ فِي نَسْخ أَخْذ السَّلْب مَا يُسْقِط الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. وَيَجُوز أَخْذ الْعَلَف لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيد فِي مُسْلِم \" وَلَا يُخْبَط فِيهَا شَجَرَة إِلَّا لِعَلَفٍ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أَبِي حَسَّان عَنْ عَلِيّ نَحْوه , وَقَالَ الْمُهَلَّب : فِي حَدِيث أَنَس دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ فِي الْحَدِيث الْمَاضِي مَقْصُور عَلَى الْقَطْع الَّذِي يَحْصُل بِهِ الْإِفْسَاد , فَأَمَّا مَنْ يَقْصِد الْإِصْلَاح كَمَنْ يَغْرِس بُسْتَانًا مَثَلًا فَلَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ قَطْع مَا كَانَ بِتِلْكَ الْأَرْض مِنْ شَجَر يَضُرّ بَقَاؤُهُ. قَالَ : وَقِيلَ بَلْ فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا يَتَوَجَّه إِلَى مَا أَنْبَتَهُ اللَّه مِنْ الشَّجَر مِمَّا لَا صُنْع لِلْآدَمِيِّ فِيهِ , كَمَا حُمِلَ عَلَيْهِ النَّهْي عَنْ قَطْع شَجَر مَكَّة. وَعَلَى هَذَا يُحْمَل قَطْعُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّخْل وَجَعْله قِبْلَة الْمَسْجِد وَلَا يَلْزَم مِنْهُ النَّسْخ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُقْطَع شَجَرهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَزِيد بْن هَارُون \" لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا \" وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم \" لَا يُقْطَع عِضَاههَا وَلَا يُصَاد صَيْدهَا \" وَنَحْوه عِنْده عَنْ سَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا ) ‏ ‏زَادَ شُعْبَة وَحَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَاصِم عِنْد أَبِي عَوَانَة \" أَوْ آوَى مُحْدِثًا \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة صَحِيحَة إِلَّا أَنَّ عَاصِمًا لَمْ يَسْمَعهَا مِنْ أَنَس كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي كِتَاب الِاعْتِصَام ‏ ‏قَوْله : ( فَعَلَيْهِ لَعْنَة اللَّه ) ‏ ‏فِيهِ جَوَاز لَعَنْ أَهْل الْمَعَاصِي وَالْفَسَاد , لَكِنْ لَا دَلَالَة فِيهِ عَلَى لَعَنْ الْفَاسِق الْمُعَيَّن. وَفِيهِ أَنَّ الْمُحْدِث وَالْمُؤْوِي لِلْمُحْدِثِ فِي الْإِثْم سَوَاء. وَالْمُرَاد بِالْحَدَثِ وَالْمُحْدِث الظُّلْم وَالظَّالِم عَلَى مَا قِيلَ , أَوْ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ عِيَاض : وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْحَدَث فِي الْمَدِينَة مِنْ الْكَبَائِر , وَالْمُرَاد بِلَعْنَةِ الْمَلَائِكَة وَالنَّاس الْمُبَالَغَة فِي الْإِبْعَاد عَنْ رَحْمَة اللَّه. قَالَ : وَالْمُرَاد بِاللَّعْنِ هُنَا الْعَذَاب الَّذِي يَسْتَحِقّهُ عَلَى ذَنْبه فِي أَوَّل الْأَمْر , وَلَيْسَ هُوَ كَلَعْنِ الْكَافِر. ‏"
    },
    {
        "id": "1735",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏بَنِي النَّجَّارِ ‏ ‏ثَامِنُونِي فَقَالُوا لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ فَأَمَرَ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ ثُمَّ ‏ ‏بِالْخِرَبِ ‏ ‏فَسُوِّيَتْ وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي بِنَاء الْمَسْجِد , أَوْرَدَ مِنْهُ طَرَفًا , وَقَدْ مَضَى فِي الصَّلَاة , وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي أَوَّل الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ بَيَّنْت الْمُرَاد بِإِيرَادِهِ هُنَا فِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث الْأَوَّل وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل التَّحْرِيم , وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1736",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حُرِّمَ مَا بَيْنَ ‏ ‏لَابَتَيْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏عَلَى لِسَانِي قَالَ وَأَتَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَنِي حَارِثَةَ ‏ ‏فَقَالَ أَرَاكُمْ يَا ‏ ‏بَنِي حَارِثَةَ ‏ ‏قَدْ خَرَجْتُمْ مِنْ ‏ ‏الْحَرَمِ ‏ ‏ثُمَّ الْتَفَتَ فَقَالَ بَلْ أَنْتُمْ فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَأَخُوهُ اِسْمه عَبْد الْحَمِيد , وَسُلَيْمَان هُوَ اِبْن بِلَال , وَقَدْ سَمِعَ إِسْمَاعِيل مِنْهُ وَرَوَى كَثِيرًا عَنْ أَخِيهِ عَنْهُ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : رَوَاهُ جَمَاعَة عَنْ عُبَيْد اللَّه هَكَذَا , وَقَالَ عَبْدَة بْن سُلَيْمَان : عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة زَادَ فِيهِ \" عَنْ أَبِيهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( حُرِّمَ مَا بَيْن لَابَتَيْ الْمَدِينَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ أَوَّل حُرِّمَ عَلَى الْبِنَاء لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" حَرَّمَ \" بِفَتْحَتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر مُقَدَّم وَمَا بَيْن لَابَتَيْ الْمَدِينَة الْمُبْتَدَأ , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل مَا رَوَاهُ أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد بْنِ عُبَيْد عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر فِي هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ \" إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى لِسَانِي مَا بَيْن لَابَتَيْ الْمَدِينَة \" وَنَحْوه لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق أَنَس بْن عِيَاض عَنْ عُبَيْد اللَّه , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي اللَّابَتَيْنِ فِي الْحَدِيث الْأَوَّل , وَزَادَ مُسْلِم فِي بَعْض طُرُقه \" وَجَعَلَ اثْنَيْ عَشَر مِيلًا حَوْل الْمَدِينَة حِمًى \" وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَدِيّ اِبْن زَيْد قَالَ \" حَمَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلّ نَاحِيَة مِنْ الْمَدِينَة بَرِيدًا بَرِيدًا , لَا يُخْبَط شَجَره وَلَا يُعْضَد إِلَّا مَا يُسَاق بِهِ الْجَمَل \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي حَارِثَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" ثُمَّ جَاءَ بَنِي حَارِثَة وَهُمْ فِي سَنَد الْحَرَّة \" أَيْ فِي الْجَانِب الْمُرْتَفِع مِنْهَا , وَبَنُو حَارِثَة بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَلَّثَة بَطْن مَشْهُور مِنْ الْأَوْس , وَهُوَ حَارِثَة اِبْن الْحَارِث بْن الْخَزْرَج بْن عَمْرو بْن مَالِك بْن الْأَوْس , وَكَانَ بَنُو حَارِثَة فِي الْجَاهِلِيَّة وَبَنُو عَبْد الْأَشْهَل فِي دَارٍ وَاحِدَة , ثُمَّ وَقَعَتْ بَيْنهمْ الْحَرْب فَانْهَزَمَتْ بَنُو حَارِثَة إِلَى خَيْبَر فَسَكَنُوهَا , ثُمَّ اِصْطَلَحُوا فَرَجَعَ بَنُو حَارِثَة فَلَمْ يَنْزِلُوا فِي دَار بَنِي عَبْد الْأَشْهَل وَسَكَنُوا فِي دَارهمْ هَذِهِ وَهِيَ غَرْبِيّ مَشْهَد حَمْزَة. ‏ ‏قَوْله : ( بَلْ أَنْتُمْ فِيهِ ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" بَلْ أَنْتُمْ فِيهِ \" أَعَادَهَا تَأْكِيدًا. وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز الْجَزْم بِمَا يَغْلِب عَلَى الظَّنّ , وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْيَقِين عَلَى خِلَافه رَجَعَ عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1737",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏حَرَمٌ مَا بَيْنَ ‏ ‏عَائِرٍ ‏ ‏إِلَى كَذَا مَنْ ‏ ‏أَحْدَثَ ‏ ‏فِيهَا ‏ ‏حَدَثًا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏آوَى ‏ ‏مُحْدِثًا ‏ ‏فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ‏ ‏صَرْفٌ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏عَدْلٌ ‏ ‏وَقَالَ ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ فَمَنْ ‏ ‏أَخْفَرَ ‏ ‏مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ‏ ‏صَرْفٌ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏عَدْلٌ ‏ ‏وَمَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ ‏ ‏مَوَالِيهِ ‏ ‏فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ‏ ‏صَرْفٌ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏عَدْلٌ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏عَدْلٌ فِدَاءٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَهْدِيّ , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ يَزِيد بْن شَرِيك بْن طَارِق التَّيْمِيِّ , وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ كُوفِيُّونَ فِي نَسَق , وَهَذِهِ رِوَايَة أَكْثَر أَصْحَاب الْأَعْمَش عَنْهُ , وَخَالَفَهُمْ شُعْبَة فَرَوَاهُ عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ عَنْ الْحَارِث بْن سُوِيد عَنْ عَلِيّ , أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" : وَالصَّوَاب رِوَايَة الثَّوْرِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا عِنْدنَا شَيْء ) ‏ ‏أَيْ مَكْتُوب , وَإِلَّا فَكَانَ عِنْدهمْ أَشْيَاء مِنْ السُّنَّة سِوَى الْكِتَاب , أَوْ الْمَنْفِيّ شَيْء اِخْتَصُّوا بِهِ عَنْ النَّاس. وَسَبَب قَوْل عَلِيٍّ هَذَا يَظْهَر مِمَّا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق قِيَادَة عَنْ أَبِي حَسَّان الْأَعْرَج \" أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَأْمُر بِالْأَمْرِ فَيُقَال لَهُ : قَدْ فَعَلْنَاهُ. فَيَقُول : صَدَقَ اللَّه وَرَسُوله. فَقَالَ لَهُ الْأَشْتَر : إِنَّ هَذَا الَّذِي تَقُول أَهُوَ شَيْء عَهِدَهُ إِلَيْك رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : مَا عَهِدَ إِلَيَّ شَيْئًا خَاصَّة دُون النَّاس , إِلَّا شَيْئًا سَمِعْته مِنْهُ فَهُوَ فِي صَحِيفَة فِي قِرَاب سَيْفِي , فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَخْرَجَ الصَّحِيفَة فَإِذَا فِيهَا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَزَادَ فِيهِ \" الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ , وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ , وَهُمْ يَد عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ. أَلَا لَا يُقْتَل مُؤْمِن بِكَافِرٍ , وَلَا ذُو عَهْد فِي عَهْده \" وَقَالَ فِيهِ \" إِنَّ إِبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّة , وَإِنِّي أُحَرِّم مَا بَيْن حَرَّتَيْهَا وَحِمَاهَا كُلّه , لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا , وَلَا يُنَفَّر صَيْدهَا , وَلَا تُلْتَقَط لُقَطَتهَا , وَلَا يُقْطَع مِنْهَا شَجَرَة إِلَّا أَنْ يَعْلِف رَجُل بَعِيره , وَلَا يُحْمَل فِيهَا السِّلَاح لِقِتَالٍ \" وَالْبَاقِي نَحْوه. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي حَسَّان عَنْ الْأَشْتَر عَنْ عَلِيّ , وَلِأَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة \" عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَن عَنْ قَيْس بْن عَبَّاد قَالَ : اِنْطَلَقْت أَنَا وَالْأَشْتَر إِلَى عَلِيّ فَقُلْنَا : هَلْ عَهِدَ إِلَيْك رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا لَمْ يَعْهَدهُ إِلَى النَّاس عَامَّة ؟ قَالَ : لَا , إِلَّا مَا فِي كِتَابِي هَذَا. قَالَ وَكِتَاب فِي قِرَاب سَيْفه , فَإِذَا فِيهِ : الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ \" فَذَكَر مِثْل مَا تَقَدَّمَ إِلَى قَوْله فِي عَهْده \" مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا - إِلَى قَوْله - أَجْمَعِينَ \". وَلَمْ يَذْكُر بَقِيَّة الْحَدِيث. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي الطُّفَيْل \" كُنْت عِنْد عَلِيّ فَأَتَاهُ رَجُل فَقَالَ : مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسِرّ إِلَيْك ؟ فَغَضِبَ ثُمَّ قَالَ : مَا كَانَ يُسِرّ إِلَيَّ شَيْئًا يَكْتُمهُ عَنْ النَّاس , غَيْر أَنَّهُ حَدَّثَنِي بِكَلِمَاتٍ أَرْبَع \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" مَا خَصَّنَا بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمّ بِهِ النَّاس كَافَّة إِلَّا مَا كَانَ فِي قِرَاب سَيْفِي هَذَا , فَأَخْرَجَ صَحِيفَة مَكْتُوبًا فِيهَا : لَعَنَ اللَّه مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّه , وَلَعَنَ اللَّه مَنْ سَرَقَ مَنَار الْأَرْض , وَلَعَنَ اللَّه مَنْ لَعَنَ وَالِده , وَلَعَنَ اللَّه مَنْ آوَى مُحْدِثًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم مِنْ طَرِيق أَبِي جُحَيْفَةَ \" قُلْت لِعَلِيٍّ : هَلْ عِنْدكُمْ كِتَاب ؟ قَالَ : لَا , إِلَّا كِتَاب اللَّه , أَوْ فَهْم أُعْطِيَهُ رَجُل مُسْلِم , أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَة. قَالَ قُلْت : وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَة ؟ قَالَ : الْعَقْل , وَفِكَاك الْأَسِير , وَلَا يُقْتَل مُسْلِم بِكَافِرٍ \". وَالْجَمْع بَيْن هَذِهِ الْأَخْبَار أَنَّ الصَّحِيفَة الْمَذْكُورَة كَانَتْ مُشْتَمِلَة عَلَى مَجْمُوع مَا ذُكِرَ , فَنَقَلَ كُلّ رَاوٍ بَعْضهَا , وَأَتَمّهَا سِيَاقًا طَرِيق أَبِي حَسَّان كَمَا تَرَى , وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( الْمَدِينَة حَرَم ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَسَيَأْتِي فِي الْجِزْيَة بِزِيَادَةٍ فِي أَوَّله قَالَ فِيهَا \" الْجِرَاحَات وَأَسْنَان الْإِبِل \". ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا ) ‏ ‏يُقَيَّد بِهِ مُطْلَق مَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة قَيْس بْن عَبَّاد , وَأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصّ بِالْمَدِينَةِ لِفَضْلِهَا وَشَرَفهَا. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُقْبَل مِنْهُ صَرْف وَلَا عَدْل ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّلهمَا , وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرهمَا فَعِنْد الْجُمْهُور الصَّرْف الْفَرِيضَة وَالْعَدْل النَّافِلَة , وَرَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ بِإسْنَادٍ صَحِيح عَنْ الثَّوْرِيّ , وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ بِالْعَكْسِ , وَعَنْ الْأَصْمَعِيّ الصَّرْف التَّوْبَة وَالْعَدْل الْفِدْيَة , وَعَنْ يُونُس مِثْله لَكِنْ قَالَ : الصَّرْف الِاكْتِسَاب , وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَة مِثْله لَكِنْ قَالَ : الْعَدْل الْحِيلَة وَقِيلَ الْمِثْل , وَقِيلَ الصَّرْف الدِّيَة وَالْعَدْل الزِّيَادَة عَلَيْهَا , وَقِيلَ بِالْعَكْسِ , وَحَكَى صَاحِب \" الْمُحْكَم \" الصَّرْف الْوَزْن وَالْعَدْل الْكَيْل , وَقِيلَ الصَّرْف الْقِيمَة وَالْعَدْل الِاسْتِقَامَة , وَقِيلَ الصَّرْف الدِّيَة وَالْعَدْل الْبَدِيل , وَقِيلَ الصَّرْف الشَّفَاعَة وَالْعَدْل الْفِدْيَة لِأَنَّهَا تُعَادِل الدِّيَة وَبِهَذَا الْأَخِير جَزَمَ الْبَيْضَاوِيّ , وَقِيلَ الصَّرْف الرِّشْوَة وَالْعَدْل الْكَفِيل , قَالَهُ أَبَان بْن ثَعْلَب وَأَنْشَدَ : ‏ ‏لَا نَقْبَل الصَّرْف ‏ ‏وَهَاتُوا عَدْلًا ‏ ‏فَحَصَلْنَا عَلَى أَكْثَر مِنْ عَشَرَة أَقْوَال , وَقَدْ وَقَعَ فِي آخِر الْحَدِيث فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : عَدْل فِدَاء \" وَهَذَا مُوَافِق لِتَفْسِيرِ الْأَصْمَعِيّ , وَاللَّه أَعْلَم. قَالَ عِيَاض : مَعْنَاهُ لَا يُقْبَل قَبُول رِضًا وَإِنْ قُبِلَ قَبُول جَزَاء , وَقِيلَ يَكُون الْقَبُول هُنَا بِمَعْنَى تَكْفِير الذَّنْب بِهِمَا , وَقَدْ يَكُون مَعْنَى الْفِدْيَة أَنَّهُ لَا يَجِد يَوْم الْقِيَامَة فِدًى يَفْتَدِي بِهِ بِخِلَافِ غَيْره مِنْ الْمُذْنِبِينَ بِأَنْ يَفْدِيه مِنْ النَّار بِيَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيّ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. وَفِي الْحَدِيث رَدّ لِمَا تَدَّعِيه الشِّيعَة بِأَنَّهُ كَانَ عِنْد عَلِيّ وَآل بَيْته مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمُور كَثِيرَة أَعْلَمهُ بِهَا سِرًّا تَشْتَمِل عَلَى كَثِير مِنْ قَوَاعِد الدِّين وَأُمُور الْإِمَارَة. وَفِيهِ جَوَاز كِتَابَة الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله : ( ذِمَّة الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَة ) ‏ ‏أَيْ أَمَانهمْ صَحِيح فَإِذَا أَمَّنَ الْكَافِر وَاحِد مِنْهُمْ حَرُمَ عَلَى غَيْره التَّعَرُّض لَهُ. وَلِلْأَمَانِ شُرُوط مَعْرُوفَة. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : الذِّمَّة الْعَهْد , سُمِّيَ بِهَا لِأَنَّهُ يُذَمّ مُتَعَاطِيهَا عَلَى إِضَاعَتهَا. وَقَوْله يَسْعَى بِهَا أَيْ يَتَوَلَّاهَا وَيَذْهَب وَيَجِيء , وَالْمَعْنَى أَنَّ ذِمَّة الْمُسْلِمِينَ سَوَاء صَدَرَتْ مِنْ وَاحِد أَوْ أَكْثَر شَرِيف أَوْ وَضِيع , فَإِذَا أَمَّنَ أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَافِرًا وَأَعْطَاهُ ذِمَّة لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ نَقْضه , فَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الرَّجُل وَالْمَرْأَة وَالْحُرّ وَالْعَبْد , لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَنَفْسٍ وَاحِدَة , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الْجِزْيَة وَالْمُوَادَعَة. وَقَوْله \" فَمَنْ أَخْفَرَ \" بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء أَيْ نَقَضَ الْعَهْد , يُقَال خَفَرْته بِغَيْرِ أَلْف : أَمَّنْته , وَأَخْفَرْتُهُ : نَقَضْت عَهْده. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ يَتَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْن مَوَالِيه ) ‏ ‏لَمْ يُجْعَل الْإذْن شَرْطًا لِجَوَازِ الِادِّعَاء , وَإِنَّمَا هُوَ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيم , لِأَنَّهُ إِذَا اِسْتَأْذَنَهُمْ فِي ذَلِكَ مَنَعُوهُ وَحَالُوا بَيْنه وَبَيْن ذَلِكَ , قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون كَنَّى بِذَلِكَ عَنْ بَيْعه , فَإِذَا وَقَعَ بَيْعه جَازَ لَهُ الِانْتِمَاء إِلَى مَوْلَاهُ الثَّانِي وَهُوَ غَيْر مَوْلَاهُ الْأَوَّل , أَوْ الْمُرَاد مُوَالَاة الْحِلْف فَإِذَا أَرَادَ الِانْتِقَال عَنْهُ لَا يَنْتَقِل إِلَّا بِإِذْنٍ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : الظَّاهِر أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ وَلَاء الْعِتْق لِعَطْفِهِ عَلَى قَوْله \" مَنْ اِدَّعَى إِلَى غَيْر أَبِيهِ \" وَالْجَمْع بَيْنهمَا بِالْوَعِيدِ , فَإِنَّ الْعِتْق مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لُحْمَة كَلُحْمَةِ النَّسَب , فَإِذَا نُسِبَ إِلَى غَيْر مَنْ هُوَ لَهُ كَانَ كَالدَّعِيِّ الَّذِي تَبَرَّأَ عَمَّنْ هُوَ مِنْهُ وَأَلْحَقَ نَفْسه بِغَيْرِهِ فَيَسْتَحِقّ بِهِ الدُّعَاء عَلَيْهِ بِالطَّرْدِ وَالْإِبْعَاد عَنْ الرَّحْمَة. ثُمَّ أَجَابَ عَنْ الْإِذْن بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ : لَيْسَ هُوَ لِلتَّقْيِيدِ , وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَا هُوَ الْمَانِع , وَهُوَ إِبْطَال حَقّ مَوَالِيه. فَأَوْرَدَ الْكَلَام عَلَى مَا هُوَ الْغَالِب. وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي كُتُب الْفَرَائِض إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏رَتَّبَ الْمُصَنِّف أَحَادِيث الْبَاب تَرْتِيبًا حَسَنًا , فَفِي حَدِيث أَنَس التَّصْرِيح بِكَوْنِ الْمَدِينَة حَرَمًا , وَفِي حَدِيثه الثَّانِي تَخْصِيص النَّهْي عَنْ قَطْع الشَّجَر بِمَا لَا يُنْبِتهُ الْآدَمِيُّونَ , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بَيَان مَا أُجْمِلَ مِنْ حَدّ حَرَمِهَا فِي حَدِيث أَنَس حَيْثُ قَالَ كَذَا وَكَذَا , فَبَيَّنَ فِي هَذَا أَنَّهُ مَا بَيْن الْحَرَّتَيْنِ , وَفِي حَدِيث عَلِيٍّ زِيَادَة تَأْكِيد التَّحْرِيم وَبَيَان حَدّ الْحَرَم أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1738",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ ‏ ‏يَثْرِبُ ‏ ‏وَهِيَ ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي ‏ ‏الْكِيرُ ‏ ‏خَبَثَ ‏ ‏الْحَدِيدِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ وَشَيْخه أَبُو الْحُبَاب بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَبِالْمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَة , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخ الْبُخَارِيّ , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : اِتَّفَقَ الرُّوَاة عَنْ مَالِك عَلَى إِسْنَاده إِلَّا إِسْحَق بْن عِيسَى الطَّبَّاع فَقَالَ \" عَنْ مَالِك عَنْ يَحْيَى عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيَّب \" بَدَل سَعِيد بْن يَسَار , وَهُوَ خَطَأ. قُلْت : وَتَابَعَهُ أَحْمَد بْن عُمَر عَنْ خَالِد السُّلَمِيّ عَنْ مَالِك , وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" وَقَالَ هَذَا وَهْم وَالصَّوَاب عَنْ يَحْيَى عَنْ سَعِيد بْن يَسَار. ‏ ‏قَوْله : ( أُمِرْت بِقَرْيَةٍ ) ‏ ‏أَيْ أَمَرَنِي رَبِّي بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا أَوْ سُكْنَاهَا فَالْأَوَّل مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ بِمَكَّة , وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ بِالْمَدِينَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَأْكُل الْقُرَى ) ‏ ‏أَيْ تَغْلِبهُمْ. وَكَنَّى بِالْأَكْلِ عَنْ الْغَلَبَة لِأَنَّ الْآكِل غَالِب عَلَى الْمَأْكُول. وَوَقَعَ فِي \" مُوَطَّأ اِبْن وَهْب \" : قُلْت لِمَالِك مَا تَأْكُل الْقُرَى ؟ قَالَ : تَفْتَح الْقُرَى. وَبَسَطَهُ اِبْن بَطَّال فَقَالَ : مَعْنَاهُ يَفْتَح أَهْلهَا الْقُرَى فَيَأْكُلُونَ أَمْوَالهمْ وَيَسْبُونَ ذَرَارِيّهمْ. قَالَ : وَهَذَا مِنْ فَصِيح الْكَلَام. تَقُول الْعَرَب : أَكَلْنَا بَلَد كَذَا إِذَا ظَهَرُوا عَلَيْهَا. وَسَبَقَهُ الْخَطَّابِيُّ إِلَى مَعْنَى ذَلِكَ أَيْضًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ : ذَكَرُوا فِي مَعْنَاهُ وَجْهَيْنِ , أَحَدهمَا هَذَا وَالْآخَر أَنَّ أَكْلهَا وَمِيرَتهَا مِنْ الْقُرَى الْمُفْتَتَحَة وَإِلَيْهَا تُسَاق غَنَائِمهَا. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِأَكْلِهَا الْقُرَى غَلَبَة فَضْلهَا عَلَى فَضْل غَيْرهَا , وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْفَضَائِل تَضْمَحِلّ فِي جَنْب عَظِيم فَضْلهَا حَتَّى تَكَاد تَكُون عَدَمًا. قُلْت : وَالَّذِي ذَكَره اِحْتِمَالًا ذَكَره الْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب فَقَالَ : لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ تَأْكُل الْقُرَى إِلَّا رُجُوح فَضْلهَا عَلَيْهَا وَزِيَادَتهَا عَلَى غَيْرهَا , كَذَا قَالَ. وَدَعْوَى الْحَصْر مَرْدُودَة لِمَا مَضَى , ثُمَّ قَالَ اِبْن الْمُنِير : وَقَدْ سُمِّيَتْ مَكَّة أُمّ الْقُرَى , قَالَ : وَالْمَذْكُور لِلْمَدِينَةِ أَبْلَغ مِنْهُ لِأَنَّ الْأُمُومَة لَا تَنْمَحِي إِذَا وُجِدَتْ مَا هِيَ لَهُ أُمّ , لَكِنْ يَكُون حَقّ الْأُمّ أَظْهَر وَفَضْلهَا أَكْثَر. ‏ ‏قَوْله : ( يَقُولُونَ يَثْرِب وَهِيَ الْمَدِينَة ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ بَعْض الْمُنَافِقِينَ يُسَمِّيهَا يَثْرِب , وَاسْمهَا الَّذِي يَلِيق بِهَا الْمَدِينَة. وَفَهِمَ بَعْض الْعُلَمَاء مِنْ هَذَا كَرَاهَة تَسْمِيَة الْمَدِينَة يَثْرِب وَقَالُوا : مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآن إِنَّمَا هُوَ حِكَايَة عَنْ قَوْل غَيْر الْمُؤْمِنِينَ. وَرَوَى أَحْمَد مِنْ حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب رَفَعَهُ \" مَنْ سَمَّى الْمَدِينَة يَثْرِب فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّه , هِيَ طَابَة هِيَ طَابَة \" وَرَوَى عُمَر بْن شَبَّة مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُقَال لِلْمَدِينَةِ يَثْرِب \" وَلِهَذَا قَالَ عِيسَى بْن دِينَار مِنْ الْمَالِكِيَّة : مَنْ سَمَّى الْمَدِينَة يَثْرِب كُتِبَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَة. قَالَ : وَسَبَب هَذِهِ الْكَرَاهَة لِأَنْ يَثْرِب إِمَّا مِنْ التَّثْرِيب الَّذِي هُوَ التَّوْبِيخ وَالْمَلَامَة , أَوْ مِنْ الثَّرْب وَهُوَ الْفَسَاد , وَكِلَاهُمَا مُسْتَقْبَح , وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبّ الِاسْم الْحَسَن وَيَكْرَه الِاسْم الْقَبِيح. وَذَكَر أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج فِي مُخْتَصَره وَأَبُو عُبَيْد الْبَكْرِيّ فِي \" مُعْجَم مَا اِسْتَعْجَمَ \" أَنَّهَا سُمِّيَتْ يَثْرِب بِاسْمِ يَثْرِب بْن قَانِيَة بْن مهلايل بن عيل بن عيص بْن إِرَم بْن سَام بْن نُوح لِأَنَّهُ أَوَّل مَنْ سَكَنَهَا بَعْد الْعَرَب , وَنَزَلَ أَخُوهُ خَيْبُور خَيْبَر فَسُمِّيَتْ بِهِ , وَسَقَطَ بَعْض الْأَسْمَاء مِنْ كَلَام الْبَكْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( تَنْفِي النَّاس ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : وَكَأَنَّ هَذَا مُخْتَصّ بِزَمَنِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصْبِر عَلَى الْهِجْرَة وَالْمُقَام مَعَهُ بِهَا إِلَّا مَنْ ثَبَتَ إِيمَانه. وَقَالَ النَّوَوِيّ : لَيْسَ هَذَا بِظَاهِرٍ , لِأَنَّ عِنْد مُسْلِم \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَة شِرَارهَا كَمَا يَنْفِي الْكِير خَبَث الْحَدِيد \" وَهَذَا وَاللَّه أَعْلَم زَمَنَ الدَّجَّال. اِنْتَهَى. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد كُلًّا مِنْ الزَّمَنَيْنِ , وَكَانَ الْأَمْر فِي حَيَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ لِلسَّبَبِ الْمَذْكُور , وَيُؤَيِّدهُ قِصَّة الْأَعْرَابِيّ الْآتِيَة بَعْد أَبْوَاب فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث مُعَلِّلًا بِهِ خُرُوج الْأَعْرَابِيّ وَسُؤَاله الْإِقَالَة عَنْ الْبَيْعَة , ثُمَّ يَكُون ذَلِكَ أَيْضًا فِي آخِر الزَّمَان عِنْدَمَا يَنْزِل بِهَا الدَّجَّال فَتَرْجُف بِأَهْلِهَا فَلَا يَبْقَى مُنَافِق وَلَا كَافِر إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب أَيْضًا , وَأَمَّا مَا بَيْن ذَلِكَ فَلَا. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا يَنْفِي الْكِير ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْكَاف وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة , وَفِيهِ لُغَة أُخْرَى كُور بِضَمِّ الْكَاف , وَالْمَشْهُور بَيْن النَّاس أَنَّهُ الزِّقّ الَّذِي يُنْفَخ فِيهِ لَكِنَّ أَكْثَرَ أَهْل اللُّغَة عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْكِيرِ حَانُوت الْحَدَّاد وَالصَّائِغ. قَالَ اِبْن التِّين : وَقِيلَ الْكِير هُوَ الزِّقّ وَالْحَانُوت هُوَ الْكُور. وَقَالَ صَاحِب \" الْمُحْكَم \" : الْكِير الزِّقّ الَّذِي يَنْفُخ فِيهِ الْحَدَّاد. وَيُؤَيِّد الْأَوَّل مَا رَوَاهُ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة \" بِإسْنَادٍ لَهُ إِلَى أَبِي مَوْدُود قَالَ : رَأَى عُمَر بْن الْخَطَّاب كِير حَدَّاد فِي السُّوق فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ حَتَّى هَدَمَهُ. وَالْخَبَث بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُثَلَّثَة أَيْ وَسَخه الَّذِي تُخْرِجهُ النَّار , وَالْمُرَاد أَنَّهَا لَا تَتْرُك فِيهَا مَنْ فِي قَلْبه دَغَل , بَلْ تُمَيِّزهُ عَنْ الْقُلُوب الصَّادِقَة وَتُخْرِجهُ كَمَا يُمَيِّز الْحَدَّاد رَدِيءَ الْحَدِيد مِنْ جَيِّده. وَنِسْبَة التَّمْيِيز لِلْكِيرِ لِكَوْنِهِ السَّبَب الْأَكْبَر فِي اِشْتِعَال النَّار الَّتِي يَقَع التَّمْيِيز بِهَا. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْمَدِينَة أَفْضَل الْبِلَاد. قَالَ الْمُهَلَّب : لِأَنَّ الْمَدِينَة هِيَ الَّتِي أَدْخَلَتْ مَكَّة وَغَيْرهَا مِنْ الْقُرَى فِي الْإِسْلَام فَصَارَ الْجَمِيع فِي صَحَائِف أَهْلهَا , وَلِأَنَّهَا تَنْفِي الْخَبَث وَأُجِيب عَنْ الْأَوَّل بِأَنَّ أَهْل الْمَدِينَة الَّذِينَ فَتَحُوا مَكَّة مُعْظَمهمْ مِنْ أَهْل مَكَّة فَالْفَضْل ثَابِت لِلْفَرِيقَيْنِ وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ تَفْضِيل إِحْدَى الْبُقْعَتَيْنِ , وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي خَاصّ مِنْ النَّاس وَمِنْ الزَّمَان بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ ) وَالْمُنَافِق خَبِيث بِلَا شَكّ , وَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَة بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذ وَأَبُو عُبَيْدَة وَابْن مَسْعُود وَطَائِفَة ثُمَّ عَلِيّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَمَّار وَآخَرُونَ وَهُمْ مِنْ أَطْيَب الْخَلْق , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ تَخْصِيص نَاسٍ دُون نَاسٍ وَوَقْت دُون وَقْت. قَالَ اِبْن حَزْم : لَوْ فُتِحَتْ بَلَد مِنْ بَلَد فَثَبَتَ بِذَلِكَ الْفَضْل لِلْأُولَى لَلَزِمَ أَنْ تَكُون الْبَصْرَة أَفْضَل مِنْ خُرَاسَان وَسِجِسْتَان وَغَيْرهمَا مِمَّا فُتِحَ مِنْ جِهَة الْبَصْرَة وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي كِتَاب الِاعْتِصَام. ‏"
    },
    {
        "id": "1739",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حُمَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هَذِهِ ‏ ‏طَابَةٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1740",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ‏ ‏لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏تَرْتَعُ مَا ‏ ‏ذَعَرْتُهَا ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا بَيْنَ ‏ ‏لَابَتَيْهَا ‏ ‏حَرَامٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1741",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَتْرُكُونَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ لَا يَغْشَاهَا إِلَّا ‏ ‏الْعَوَافِ ‏ ‏يُرِيدُ ‏ ‏عَوَافِيَ ‏ ‏السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ ‏ ‏وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ ‏ ‏مُزَيْنَةَ ‏ ‏يُرِيدَانِ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏يَنْعِقَانِ ‏ ‏بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا حَتَّى إِذَا بَلَغَا ‏ ‏ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ ‏ ‏خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تَتْرُكُونَ الْمَدِينَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَاءِ الْخِطَاب , وَالْمُرَاد بِذَلِكَ غَيْر الْمُخَاطَبِينَ , لَكِنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْبَلَد أَوْ مِنْ نَسْل الْمُخَاطَبِينَ أَوْ مِنْ نَوْعهمْ , وَرُوِيَ \" يَتْرُكُونَ \" بِتَحْتَانِيَّةٍ وَرَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى خَيْر مَا كَانَتْ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى أَحْسَن حَال كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْل , قَالَ الْقُرْطُبِيّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ : قَدْ وُجِدَ ذَلِكَ حَيْثُ صَارَتْ مَعْدِن الْخِلَافَة وَمَقْصِد النَّاس وَمَلْجَأَهُمْ , وَحُمِلَتْ إِلَيْهَا خَيْرَات الْأَرْض وَصَارَتْ مِنْ أَعْمَر الْبِلَاد , فَلَمَّا اِنْتَقَلَتْ الْخِلَافَة عَنْهَا إِلَى الشَّام ثُمَّ إِلَى الْعِرَاق وَتَغَلَّبَتْ عَلَيْهَا الْأَعْرَاب تَعَاوَرَتْهَا الْفِتَن وَخَلَتْ مِنْ أَهْلهَا فَقَصَدَتْهَا عَوَافِي الطَّيْر وَالسِّبَاع. وَالْعَوَافِي جَمْع عَافِيَة وَهِيَ الَّتِي تَطْلُب أَقْوَاتهَا , وَيُقَال لِلذَّكَرِ عَافٍ. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : اِجْتَمَعَ فِي الْعَوَافِي شَيْئَانِ أَحَدهمَا أَنَّهَا طَالِبَة لِأَقْوَاتِهَا مِنْ قَوْلك عَفَوْت فُلَانًا أَعْفُوهُ فَأَنَا عَافٍ وَالْجَمْع عُفَاة , أَيْ أَتَيْت أَطْلُب مَعْرُوفه , وَالثَّانِي مِنْ الْعَفَاء وَهُوَ الْمَوْضِع الْخَالِي الَّذِي لَا أَنِيس بِهِ فَإِنَّ الطَّيْر وَالْوَحْش تَقْصِدهُ لِأَمْنِهَا عَلَى نَفْسهَا فِيهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْمُخْتَار أَنَّ هَذَا التَّرْك يَكُون فِي آخِر الزَّمَان عِنْد قِيَام السَّاعَة , وَيُؤَيِّدهُ قِصَّة الرَّاعِيَيْنِ فَقَدْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" ثُمَّ يُحْشَر رَاعِيَانِ \" وَفِي الْبُخَارِيّ أَنَّهُمَا آخِر مَنْ يُحْشَر. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَى مَالِك عَنْ اِبْن حَمَاس بِمُهْمَلَتَيْنِ وَتَخْفِيف عَنْ عَمّه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" لَتَتْرُكُنَّ الْمَدِينَة عَلَى أَحْسَن مَا كَانَتْ حَتَّى يَدْخُل الذِّئْب فَيَعْوِي عَلَى بَعْض سَوَارِي الْمَسْجِد أَوْ عَلَى الْمِنْبَر. قَالُوا : فَلِمَنْ تَكُون ثِمَارهَا ؟ قَالَ : لِلْعَوَافِي الطَّيْر وَالسِّبَاع \" أَخْرَجَهُ مَعْن بْن عِيسَى فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ مَالِك وَرَوَاهُ جَمَاعَة مِنْ الثِّقَات خَارِج الْمُوَطَّإ , وَيَشْهَد لَهُ أَيْضًا مَا رَوَى أَحْمَد وَالْحَاكِم وَغَيْرهمَا مِنْ حَدِيث مِحْجَن بْن الْأَدْرَع الْأَسْلَمِيّ قَالَ \" بَعَثَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَةٍ , ثُمَّ لَقِيَنِي وَأَنَا خَارِج مِنْ بَعْض طُرُق الْمَدِينَة فَأَخَذَ بِيَدِي حَتَّى أَتَيْنَا أُحُدًا , ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْمَدِينَة فَقَالَ : وَيْلَ أُمّهَا قَرْيَة يَوْم يَدَعهَا أَهْلهَا كَأَيْنَع مَا يَكُون. قُلْت يَا رَسُول اللَّه مَنْ يَأْكُل ثِمَارهَا ؟ قَالَ : عَافِيَة الطَّيْر وَالسِّبَاع \". وَرَوَى عُمَر بْن شَبَّة بِإسْنَادٍ صَحِيح عَنْ عَوْف بْن مَالِك قَالَ \" دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِد ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْنَا فَقَالَ : أَمَا وَاللَّه لَيَدَعَنَّهَا أَهْلهَا مُذَلَّلَة أَرْبَعِينَ عَامًا لِلْعَوَافِي , أَتَدْرُونَ مَا الْعَوَافِي ؟ الطَّيْر وَالسِّبَاع \". قُلْت : وَهَذَا لَمْ يَقَع قَطْعًا. وَقَالَ الْمُهَلَّب : فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْمَدِينَة تُسْكَن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَإِنْ خَلَتْ فِي بَعْض الْأَوْقَات لِقَصْدِ الرَّاعِيَيْنِ بِغَنَمِهِمَا إِلَى الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَآخِر مَنْ يُحْشَر رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَة ) ‏ ‏هَذَا يُحْتَمَل أَنْ يَكُون حَدِيثًا آخَر مُسْتَقِلًّا لَا تَعَلُّق لَهُ بِالَّذِي قَبْله , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ تَتِمَّة الْحَدِيث الَّذِي قَبْله , وَعَلَى هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ يَتَرَتَّب الِاخْتِلَاف الَّذِي حَكَيْته عَنْ الْقُرْطُبِيّ وَالنَّوَوِيّ , وَالثَّانِي أَظْهَر كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( يَنْعِقَانِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا قَاف , النَّعِيق زَجْر الْغَنَم , يُقَال نَعَقَ يَنْعِق بِكَسْرِ الْعَيْن وَفَتْحهَا نَعِيقًا وَنُعَاقًا وَنَعَقَانًا إِذَا صَاحَ بِالْغَنَمِ , وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : مَعْنَاهُ يَطْلُب الْكَلَأ , وَكَأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالْمَقْصُودِ مِنْ الزَّجْر لِأَنَّهُ يَزْجُرهَا عَنْ الْمَرْعَى الْوَبِيل إِلَى الْمَرْعَى الْوَسِيم. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَجِدَانِهَا وُحُوشًا ) ‏ ‏أَوْ يَجِدَانِهَا ذَات وَحْش , أَوْ يَجِدَانِ أَهْلهَا قَدْ صَارُوا وُحُوشًا , وَهَذَا عَلَى أَنَّ الرِّوَايَة بِفَتْحِ الْوَاو أَيْ يَجِدَانِهَا خَالِيَة وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا \" أَيْ خَالِيَة لَيْسَ بِهَا أَحَد , وَالْوَحْش مِنْ الْأَرْض الْخَلَاء , أَوْ كَثْرَة الْوَحْش لَمَّا خَلَتْ مِنْ سُكَّانهَا. قَالَ النَّوَوِيّ : الصَّحِيح أَنَّ مَعْنَاهُ يَجِدَانِهَا ذَات وُحُوش , قَالَ : وَقَدْ يَكُون وَحْشًا بِمَعْنَى وُحُوش , وَأَصْل الْوَحْش كُلّ شَيْء تَوَحَّشَ مِنْ الْحَيَوَان وَجَمْعه وُحُوش , وَقَدْ يُعَبَّر بِوَاحِدِهِ عَنْ جَمْعه. وَحُكِيَ عَنْ اِبْن الْمُرَابِط أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ غَنَم الرَّاعِيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ تَصِير وُحُوشًا إِمَّا بِأَنْ تَنْقَلِب ذَاتهَا وَإِمَّا أَنْ تَتَوَحَّش وَتَنْفِر مِنْهُمَا , وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِير فِي يَجِدَانِهَا يَعُود عَلَى الْغَنَم وَالظَّاهِر خِلَافه. قَالَ النَّوَوِيّ : الصَّوَاب الْأَوَّل. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْقُدْرَة صَالِحَة لِذَلِكَ. اِنْتَهَى. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي بَقِيَّة الْحَدِيث أَنَّهُمَا يَخِرَّانِ عَلَى وُجُوههمَا إِذَا وَصَلَا إِلَى ثَنِيَّة الْوَدَاع , وَذَلِكَ قَبْل دُخُولهمَا الْمَدِينَة بِلَا شَكّ , فَيَدُلّ عَلَى أَنَّهُمَا وَجَدَا التَّوَحُّش الْمَذْكُور قَبْل دُخُول الْمَدِينَة فَيَقْوَى أَنَّ الضَّمِير يَعُود عَلَى غَنَمهمَا وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَات قِيَام السَّاعَة. وَيُوَضِّح هَذَا رِوَايَة عُمَر بْن شَبَّة فِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة \" مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ رَجُل مِنْ أَشْجَع عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَوْقُوفًا قَالَ \" آخِر مَنْ يُحْشَر رَجُلَانِ رَجُل مِنْ مُزَيْنَة وَآخَر مِنْ جُهَيْنَة , فَيَقُولَانِ : أَيْنَ النَّاس ؟ فَيَأْتِيَانِ الْمَدِينَة فَلَا يَرَيَانِ إِلَّا الثَّعَالِب , فَيَنْزِل إِلَيْهِمَا مَلَكَانِ فَيَسْحَبَانِهِمَا عَلَى وُجُوههمَا حَتَّى يُلْحِقَاهُمَا بِالنَّاسِ \". قَوْله \" وَآخِر مَنْ يُحْشَر \" فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ \" ثُمَّ يَخْرُج رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَة يُرِيدَانِ الْمَدِينَة \" لَمْ يَذْكُر فِي الْحَدِيث حَشْرهمَا , وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُقَدِّمَته , لِأَنَّ الْحَشْر إِنَّمَا يَقَع بَعْد الْمَوْت , فَذِكْر سَبَب مَوْتهمَا وَالْحَشْر يَعْقُبهُ. وَقَوْله عَلَى هَذَا \" خَرَّا عَلَى وُجُوههمَا \" أَيْ سَقَطَا مَيِّتَيْنِ , أَوْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ خَرَّا عَلَى وُجُوههمَا أَيْ سَقَطَا بِمَنْ أَسْقَطَهُمَا , وَهُوَ الْمَلَك كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة عُمَر بْن شَبَّة. وَفِي رِوَايَة لِلْعُقَيْلِيِّ \" أَنَّهُمَا كَانَا يَنْزِلَانِ بِجَبَلِ وَرْقَان \" , وَلَهُ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة بْنِ أُسَيْد \" أَنَّهُمَا يَفْقِدَانِ النَّاس فَيَقُولَانِ : نَنْطَلِق إِلَى بَنِي فُلَان , فَيَأْتِيَانِهِمْ فَلَا يَجِدَانِ أَحَدًا فَيَقُولَانِ : نَنْطَلِق إِلَى الْمَدِينَة , فَيَنْطَلِقَانِ فَلَا يَجِدَانِ بِهَا أَحَدًا , فَيَنْطَلِقَانِ إِلَى الْبَقِيع فَلَا يَرَيَانِ إِلَّا السِّبَاع وَالثَّعَالِب \" وَهَذَا يُوَضِّح أَحَد الِاحْتِمَالَات الْمُتَقَدِّمَة , وَقَدْ رَوَى اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق عُرْوَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" آخِر قَرْيَة فِي الْإِسْلَام خَرَابًا الْمَدِينَة \" , وَهُوَ يُنَاسِب كَوْن آخِر مَنْ يُحْشَر يَكُون مِنْهَا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَنْكَرَ اِبْن عُمَر عَلَى أَبِي هُرَيْرَة تَعْبِيره فِي هَذَا الْحَدِيث بِقَوْلِهِ \" خَيْر مَا كَانَتْ \" وَقَالَ : إِنَّ الصَّوَاب أَعْمَرَ مَا كَانَتْ , أَخْرَجَ ذَلِكَ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة \" مِنْ طَرِيق مُسَاحِق بْن عَمْرو أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْد اِبْن عُمَر \" فَجَاءَ أَبُو هُرَيْرَة فَقَالَ لَهُ : لِمَ تَرُدّ عَلَيَّ حَدِيثِي ؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ كُنْت أَنَا وَأَنْتَ فِي بَيْت حِين قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُج مِنْهَا أَهْلهَا خَيْر مَا كَانَتْ. فَقَالَ اِبْن عُمَر : أَجَل وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ خَيْر مَا كَانَتْ , إِنَّمَا قَالَ أَعْمَرَ مَا كَانَتْ , وَلَوْ قَالَ خَيْر مَا كَانَتْ لَكَانَ ذَلِكَ وَهُوَ حَيّ وَأَصْحَابه , فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : صَدَقْت وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ \". وَرَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة أَنَّهُ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّنْ يُخْرِج أَهْل الْمَدِينَة مِنْ الْمَدِينَة , وَلِعُمَر بْن شَبَّة مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" قِيلَ يَا أَبَا هُرَيْرَة مَنْ يُخْرِجهُمْ ؟ قَالَ أُمَرَاء السُّوء \". ‏"
    },
    {
        "id": "1742",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏تُفْتَحُ ‏ ‏الْيَمَنُ ‏ ‏فَيَأْتِي قَوْمٌ ‏ ‏يُبِسُّونَ ‏ ‏فَيَتَحَمَّلُونَ ‏ ‏بِأَهْلِهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ‏ ‏وَالْمَدِينَةُ ‏ ‏خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَتُفْتَحُ ‏ ‏الشَّأْمُ ‏ ‏فَيَأْتِي قَوْمٌ ‏ ‏يُبِسُّونَ ‏ ‏فَيَتَحَمَّلُونَ ‏ ‏بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ‏ ‏وَالْمَدِينَةُ ‏ ‏خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَتُفْتَحُ ‏ ‏الْعِرَاقُ ‏ ‏فَيَأْتِي قَوْمٌ ‏ ‏يُبِسُّونَ ‏ ‏فَيَتَحَمَّلُونَ ‏ ‏بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ‏ ‏وَالْمَدِينَةُ ‏ ‏خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , وَعَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر أَخُوهُ. وَفِي الْإِسْنَاد صَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ وَتَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ لِأَنَّ هِشَامًا قَدْ لَقِيَ بَعْض الصَّحَابَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُفْيَان بْن أَبِي زُهَيْر ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَرَوَاهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ كَذَلِكَ وَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ عُرْوَة ثُمَّ لَقِيت سُفْيَان بْن أَبِي زُهَيْر عِنْد مَوْته فَأَخْبَرَنِي بِهَذَا الْحَدِيث \" وَذَكَرَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَام اِخْتِلَافًا آخَر , فَقَالَ وُهَيْب وَجَمَاعَة كَمَا قَالَ مَالِك , وَقَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَام بِسَنَدِهِ : عَنْ سُفْيَان بْن الْغَوْث , وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام بِسَنَدِهِ : عَنْ سُفْيَان بْن عَبْد اللَّه الثَّقَفِيّ قُلْت : قَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان عَلَى الصَّوَاب , وَرَوَاهُ أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ جَرِير فَقَالَ : سُفْيَان بْن أَبِي قِلَابَةَ , كَأَنَّهُ عَرَفَ خَطَأ جَرِير فَكَنَّى عَنْهُ , وَاسْم أَبِي زُهَيْر الْقَرِد بِفَتْحِ الْقَاف وَكَسْر الرَّاء بَعْدهَا مُهْمَلَة وَقِيلَ نُمَيْر , وَهُوَ الشَّنُوئِيّ مِنْ أَزْد شَنُوءَة بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَضَمّ النُّون وَبَعْد الْوَاو هَمْزَة مَفْتُوحَة وَفِي النَّسَب كَذَلِكَ , وَقِيلَ بِفَتْحِ النُّون بَعْدهَا هَمْزَة مَكْسُورَة بِلَا وَاو , وَشَنُوءَة هُوَ عَبْد اللَّه بْن كَعْب بْن مَالِك بْن نَضْر اِبْن الْأَزْد , وَسُمِّيَ شَنُوءَة لِشَنَآنٍ كَانَ بَيْنه وَبَيْن قَوْمه. ‏ ‏قَوْله : ( تُفْتَح الْيَمَن ) ‏ ‏قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره : اُفْتُتِحَتْ الْيَمَن فِي أَيَّام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي أَيَّام أَبِي بَكْر , وَافْتُتِحَتْ الشَّام بَعْدهَا , وَالْعِرَاق بَعْدهَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيث عَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة , فَقَدْ وَقَعَ عَلَى وَفْق مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى تَرْتِيبه , وَوَقَعَ تَفَرُّق النَّاس فِي الْبِلَاد لِمَا فِيهَا مِنْ السَّعَة وَالرَّخَاء , وَلَوْ صَبَرُوا عَلَى الْإِقَامَة بِالْمَدِينَةِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَضْل الْمَدِينَة عَلَى الْبِلَاد الْمَذْكُورَة وَهُوَ أَمْر مُجْمَع عَلَيْهِ. وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ بَعْض الْبِقَاع أَفْضَل مِنْ بَعْض , وَلَمْ يَخْتَلِف الْعُلَمَاء فِي أَنَّ لِلْمَدِينَةِ فَضْلًا عَلَى غَيْرهَا , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِيَّة بَيْنهَا وَبَيْن مَكَّة. ‏ ‏قَوْله : ( يَبُسُّونَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّ الْمُوَحَّدَة وَبِكَسْرِهَا مِنْ بَسّ يَبُسّ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن يَحْيَى بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة , وَقِيلَ إِنَّ اِبْن الْقَاسِم رَوَاهُ بِضَمِّهَا , قَالَ أَبُو عُبَيْد : مَعْنَاهُ يَسُوقُونَ دَوَابّهمْ , وَالْبَسّ سَوْق الْإِبِل تَقُول بَسّ بَسّ عِنْد السَّوْق وَإِرَادَة السُّرْعَة. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : مَعْنَاهُ يَزْجُرُونَ دَوَابّهمْ فَيَبُسُّونَ مَا يَطَؤُونَهُ مِنْ الْأَرْض مِنْ شِدَّة السَّيْر فَيَصِير غُبَارًا. قَالَ تَعَالَى ( وَبُسَّتْ الْجِبَال بَسًّا ) أَيْ سَالَتْ سَيْلًا , وَقِيلَ مَعْنَاهُ سَارَتْ سَيْرًا , وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : الْبَسّ الْمُبَالَغَة فِي الْفَتّ وَمِنْهُ قِيلَ لِلدَّقِيقِ الْمَصْنُوع بِالدُّهْنِ بَسِيس , وَأَنْكَرَ ذَلِكَ النَّوَوِيّ وَقَالَ إِنَّهُ ضَعِيف أَوْ بَاطِل. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَقِيلَ مَعْنَى يَبُسُّونَ يَسْأَلُونَ عَنْ الْبِلَاد وَيَسْتَقْرِئُونَ أَخْبَارهَا لِيَسِيرُوا إِلَيْهَا. قَالَ : وَهَذَا لَا يَكَاد يَعْرِفهُ أَهْل اللُّغَة. وَقِيلَ مَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لِأَهْلِهِمْ الْبِلَاد الَّتِي تُفْتَح وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى سُكْنَاهَا فَيَتَحَمَّلُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنْ الْمَدِينَة رَاحِلِينَ إِلَيْهَا , وَيَشْهَد لِهَذَا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان يَدْعُو الرَّجُل اِبْن عَمّه وَقَرِيبه : هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاء , وَالْمَدِينَة خَيْر لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ \" وَعَلَى هَذَا فَالَّذِينَ يَتَحَمَّلُونَ غَيْر الَّذِينَ يَبُسُّونَ , كَأَنَّ الَّذِي حَضَرَ الْفَتْح أَعْجَبَهُ حُسْن الْبَلَد وَرَخَاؤُهَا فَدَعَا قَرِيبه إِلَى الْمَجِيء إِلَيْهَا لِذَلِكَ فَيَتَحَمَّل الْمَدْعُوّ بِأَهْلِهِ وَأَتْبَاعه. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَرَوَى يُبِسُّونَ بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه مِنْ الرُّبَاعِيّ مِنْ أَبَسَّ إِبْسَاسًا وَمَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لِأَهْلِهِمْ الْبَلَد الَّتِي يَقْصِدُونَهَا , وَأَصْل الْإِبْسَاس لِلَّتِي تُحْلَب حَتَّى تَدِرّ بِاللَّبَنِ , وَهُوَ أَنْ يُجْرِي يَده عَلَى وَجْههَا وَصَفْحَة عُنُقهَا كَأَنَّهُ يُزَيِّن لَهَا ذَلِكَ وَيُحَسِّنهُ لَهَا , وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ اِبْن وَهْب , وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن حَبِيب عَنْ مُطَرِّف عَنْ مَالِك يُبِسُّونَ مِنْ الرُّبَاعِيّ وَفَسَّرَهُ بِنَحْوِ مَا ذَكَرنَا , وَأَنْكَرَ الْأَوَّل غَايَة الْإِنْكَار. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الصَّوَاب أَنَّ مَعْنَاهُ الْإِخْبَار عَمَّنْ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَة مُتَحَمِّلًا بِأَهْلِهِ بَاسًّا فِي سَيْره مُسْرِعًا إِلَى الرَّخَاء وَالْأَمْصَار الْمُفْتَتَحَة. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام عَنْ عُرْوَة فِي هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ \" تُفْتَح الشَّام , فَيَخْرُج النَّاس مِنْ الْمَدِينَة إِلَيْهَا يُبِسُّونَ , وَالْمَدِينَة خَيْر لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ \" وَيُوَضِّح ذَلِكَ مَا رَوَى أَحْمَد مِنْ حَدِيث جَابِر أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَهْل الْمَدِينَة زَمَان يَنْطَلِق النَّاس مِنْهَا إِلَى الْأَرْيَاف يَلْتَمِسُونَ الرَّخَاء فَيَجِدُونَ رَخَاء , ثُمَّ يَأْتُونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ إِلَى الرَّخَاء , وَالْمَدِينَة خَيْر لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ \". وَفِي إِسْنَاده اِبْن لَهِيعَة وَلَا بَأْس بِهِ فِي الْمُتَابَعَات , وَهُوَ يُوَضِّح مَا قُلْنَاهُ , وَاللَّه أَعْلَم. وَرَوَى أَحْمَد فِي أَوَّل حَدِيث سُفْيَان هَذَا قِصَّة أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيق بِشْر بْن سَعِيد أَنَّهُ سَمِعَ فِي مَجْلِس اللَّيْثِيِّينَ يَذْكُرُونَ \" أَنَّ سُفْيَان بْن أَبِي زُهَيْر أَخْبَرَهُمْ أَنَّ فَرَسه أَعْيَتْ بِالْعَقِيقِ وَهُوَ فِي بَعْث بَعَثَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَرَجَعَ إِلَيْهِ يَسْتَحْمِلهُ , فَخَرَجَ مَعَهُ يَبْتَغِي لَهُ بَعِيرًا فَلَمْ يَجِدهُ إِلَّا عِنْد أَبِي جَهْم بْن حُذَيْفَة الْعَدَوِيِّ , فَسَامَهُ لَهُ , فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْم : لَا أَبِيعكهَا يَا رَسُول اللَّه , وَلَكِنْ خُذْهُ فَاحْمِلْ عَلَيْهِ مَنْ شِئْت. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بِئْر إِهَاب قَالَ : يُوشِك الْبُنْيَان أَنْ يَأْتِي هَذَا الْمَكَان , وَيُوشِك الشَّام أَنْ يُفْتَح , فَيَأْتِيه رِجَال مِنْ أَهْل هَذَا الْبَلَد فَيُعْجِبهُمْ رِيعُه وَرَخَاؤُهُ , وَالْمَدِينَة خَيْر لَهُمْ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) ‏ ‏أَيْ بِفَضْلِهَا مِنْ الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ وَثَوَاب الْإِقَامَة فِيهَا وَغَيْر ذَلِكَ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون \" لَوْ \" بِمَعْنَى لَيْتَ فَلَا يَحْتَاج إِلَى تَقْدِير , وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَفِيهِ تَجْهِيل لِمَنْ فَارَقَهَا وَآثَرَ غَيْرهَا , قَالُوا وَالْمُرَاد بِهِ الْخَارِجُونَ مِنْ الْمَدِينَة رَغْبَة عَنْهَا كَارِهِينَ لَهَا , وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ أَوْ تِجَارَة أَوْ جِهَاد أَوْ نَحْو ذَلِكَ فَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي مَعْنَى الْحَدِيث. قَالَ الطِّيبِيُّ : الَّذِي يَقْتَضِيه هَذَا الْمَقَام أَنْ يُنَزَّل مَا لَا يَعْلَمُونَ مَنْزِلَة اللَّازِم لِتَنْتَفِي عَنْهُمْ الْمَعْرِفَة بِالْكُلِّيَّةِ , وَلَوْ ذَهَبَ مَعَ ذَلِكَ إِلَى التَّمَنِّي لَكَانَ أَبْلَغَ , لِأَنَّ التَّمَنِّي طَلَب مَا لَا يُمْكِن حُصُوله , أَيْ لَيْتَهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْل الْعِلْم تَغْلِيظًا وَتَشْدِيدًا , وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : الْمَعْنَى أَنَّهُ يُفْتَح الْيَمَن فَيُعْجِب قَوْمًا بِلَادهَا وَعَيْش أَهْلهَا فَيَحْمِلهُمْ ذَلِكَ عَلَى الْمُهَاجَرَة إِلَيْهَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَهْلهمْ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ الْمَدِينَة , وَالْحَال أَنَّ الْإِقَامَة فِي الْمَدِينَة خَيْر لَهُمْ لِأَنَّهَا حَرَم الرَّسُول وَجِوَاره وَمَهْبِط الْوَحْي وَمَنْزِل الْبَرَكَات , لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ مَا فِي الْإِقَامَة بِهَا مِنْ الْفَوَائِد الدِّينِيَّة بِالْعَوَائِدِ الْأُخْرَوِيَّة الَّتِي يُسْتَحْقَر دُونهَا مَا يَجِدُونَهُ مِنْ الْحُظُوظ الْفَانِيَة الْعَاجِلَة بِسَبَبِ الْإِقَامَة فِي غَيْرهَا. وَقَوَّاهُ الطِّيبِيُّ لِتَنْكِيرِ قَوْم وَوَصْفهمْ بِكَوْنِهِمْ يَبُسُّونَ , ثُمَّ تَوْكِيده بِقَوْلِهِ \" لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ \" لِأَنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّهُمْ مِمَّنْ رَكَنَ إِلَى الْحُظُوظ الْبَهِيمِيَّة وَالْحُطَام الْفَانِي وَأَعْرَضُوا عَنْ الْإِقَامَة فِي جِوَار الرَّسُول , وَلِذَلِكَ كَرَّرَ قَوْمًا وَوَصَفَهُ فِي كُلّ قَرِينَة بِقَوْلِهِ يَبُسُّونَ اِسْتِحْضَارًا لِتِلْكَ الْهَيْئَة الْقَبِيحَة , وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1743",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الْإِيمَانَ ‏ ‏لَيَأْرِزُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏كَمَا ‏ ‏تَأْرِزُ ‏ ‏الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ خُبَيْب ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا وَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَر أَصْحَاب عُبَيْد اللَّه , وَخُبَيْب هُوَ خَال عُبَيْد اللَّه الْمَذْكُور , وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد عِدَّة أَحَادِيث. وَفِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سُلَيْمٍ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان وَالْبَزَّار , وَقَالَ الْبَزَّار إِنَّ يَحْيَى بْن سُلَيْمٍ أَخْطَأَ فِيهِ , وَهُوَ كَمَا قَالَ , وَهُوَ ضَعِيف فِي عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حَفْص بْن عَاصِم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر بْن الْخَطَّاب. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا تَأْرِز الْحَيَّة إِلَى جُحْرهَا ) ‏ ‏أَيْ إِنَّهَا كَمَا تَنْتَشِر مِنْ جُحْرهَا فِي طَلَب مَا تَعِيش بِهِ فَإِذَا رَاعَهَا شَيْء رَجَعَتْ إِلَى جُحْرهَا كَذَلِكَ الْإِيمَان اِنْتَشَرَ فِي الْمَدِينَة , وَكُلّ مُؤْمِن لَهُ مِنْ نَفْسه سَائِق إِلَى الْمَدِينَة لِمَحَبَّتِهِ فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيَشْمَل ذَلِكَ جَمِيع الْأَزْمِنَة لِأَنَّهُ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلتَّعَلُّمِ مِنْهُ , وَفِي زَمَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعهمْ لِلِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِمْ , وَمِنْ بَعْد ذَلِكَ لِزِيَارَةِ قَبْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّلَاة فِي مَسْجِده وَالتَّبَرُّك بِمُشَاهَدَةِ آثَاره وَآثَار أَصْحَابه. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : كَانَ هَذَا فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقَرْن الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ خَاصَّة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِيهِ تَنْبِيه عَلَى صِحَّة مَذْهَب أَهْل الْمَدِينَة وَسَلَامَتهمْ مِنْ الْبِدَع وَأَنَّ عَمَلهمْ حُجَّة كَمَا رَوَاهُ مَالِك. ا ه. وَهَذَا إِنْ سَلِمَ اِخْتَصَّ بِعَصْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ , وَأَمَّا بَعْد ظُهُور الْفِتَن وَانْتِشَار الصَّحَابَة فِي الْبِلَاد وَلَا سِيَّمَا فِي أَوَاخِر الْمِائَة الثَّانِيَة وَهَلُمَّ جَرًّا فَهُوَ بِالْمُشَاهَدَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1744",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْفَضْلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُعَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ هِيَ بِنْتُ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَتْ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يَكِيدُ ‏ ‏أَهْلَ الْمَدِينَةِ ‏ ‏أَحَدٌ إِلَّا ‏ ‏انْمَاعَ ‏ ‏كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا الْفَضْل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُوسَى , وَالْجُعَيْد هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , وَعَائِشَة بِنْت سَعْد أَيْ اِبْن أَبِي وَقَّاص , ( قَالَتْ سَمِعْت سَعْدًا ) تَعْنِي أَبَاهَا. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا اِنْمَاعَ ) ‏ ‏أَيْ ذَابَ , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي عَبْد اللَّه الْقَرَّاظ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَسَعْد جَمِيعًا فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ \" مَنْ أَرَادَ أَهْلهَا بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّه كَمَا يَذُوب الْمِلْح فِي الْمَاء \". وَفِي هَذِهِ الطَّرِيق تَعَقُّب عَلَى الْقُطْب الْحَلَبِيّ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَفْرَاد الْبُخَارِيّ , نَعَمْ فِي أَفْرَاد مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَامِر بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ فِي أَثْنَاء حَدِيث \" وَلَا يُرِيد أَحَد أَهْل الْمَدِينَة بِسُوءٍ إِلَّا أَذَابَهُ اللَّه فِي النَّار ذَوْب الرَّصَاص , أَوْ ذَوْب الْمِلْح فِي الْمَاء \". قَالَ عِيَاض : هَذِهِ الزِّيَادَة تَدْفَع إِشْكَال الْأَحَادِيث الْأُخَر , وَتُوَضِّح أَنَّ هَذَا حُكْمه فِي الْآخِرَة. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مِنْ أَرَادَهَا فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُوءٍ اِضْمَحَلَّ أَمْره كَمَا يَضْمَحِلّ الرَّصَاص فِي النَّار , فَيَكُون فِي اللَّفْظ تَقْدِيم وَتَأْخِير , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله \" أَوْ ذَوْب الْمِلْح فِي الْمَاء \" , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد لِمَنْ أَرَادَهَا فِي الدُّنْيَا بِسُوءٍ وَأَنَّهُ لَا يُمْهَل بَلْ يَذْهَب سُلْطَانه عَنْ قُرْب كَمَا وَقَعَ لِمُسْلِمِ بْنِ عُقْبَة وَغَيْره فَإِنَّهُ عُوجِلَ عَنْ قُرْب وَكَذَلِكَ الَّذِي أَرْسَلَهُ , قَالَ وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَنْ كَادَهَا اِغْتِيَالًا وَطَلَبًا لِغِرَّتِهَا فِي غَفْلَة فَلَا يَتِمّ لَهُ أَمْر , بِخِلَافِ مَنْ أَتَى ذَلِكَ جِهَارًا كَمَا اِسْتَبَاحَهَا مُسْلِم بْن عُقْبَة وَغَيْره. وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث السَّائِب بْن خَلَّاد رَفَعَهُ \" مَنْ أَخَاف أَهْل الْمَدِينَة ظَالِمًا لَهُمْ أَخَافهُ اللَّه وَكَانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَة اللَّه \" الْحَدِيث. وَلِابْنِ حِبَّان نَحْوه مِنْ حَدِيث جَابِر. ‏"
    },
    {
        "id": "1745",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَشْرَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏أُطُمٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏آطَامِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ ‏ ‏الْقَطْرِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَشْرَفَ ) ‏ ‏أَيْ نَظَرَ مِنْ مَكَان مُرْتَفِع. ‏ ‏قَوْله : ( مَوَاقِع ) ‏ ‏أَيْ مَوَاضِع السُّقُوط , ‏ ‏وَ( خِلَال ) ‏ ‏أَيْ نَوَاحِيهَا , شَبَّهَ سُقُوط الْفِتَن وَكَثْرَتهَا بِسُقُوطِ الْقَطْر فِي الْكَثْرَة وَالْعُمُوم , وَهَذَا مِنْ عَلَامَات النُّبُوَّة لِإِخْبَارِهِ بِمَا سَيَكُونُ , وَقَدْ ظَهَرَ مِصْدَاق ذَلِكَ مِنْ قَتْل عُثْمَان وَهَلُمَّ جَرًّا وَلَا سِيَّمَا يَوْم الْحَرَّة , وَالرُّؤْيَة الْمَذْكُورَة يُحْتَمَل أَنْ تَكُون بِمَعْنَى الْعِلْم أَوْ رُؤْيَة الْعَيْن بِأَنْ تَكُون الْفِتَن مَثُلَتْ لَهُ حَتَّى رَآهَا , كَمَا مَثُلَتْ لَهُ الْجَنَّة وَالنَّار فِي الْقِبْلَة حَتَّى رَآهُمَا وَهُوَ يُصَلِّي. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ مَعْمَر وَسُلَيْمَان بْن كَثِير ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة مَعْمَر فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْفِتَن , وَأَمَّا مُتَابَعَة سُلَيْمَان اِبْن كَثِير فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي \" بِرّ الْوَالِدَيْنِ \" لَهُ خَارِج الصَّحِيح , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْفِتَن. ‏"
    },
    {
        "id": "1746",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَدْخُلُ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏رُعْبُ ‏ ‏الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ‏ ‏لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَدّه ) ‏ ‏هُوَ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى كُلّ بَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الكُشْمِيهَنِيّ \" لِكُلِّ بَاب \". ‏"
    },
    {
        "id": "1747",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏أَنْقَابِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَلَى أَنْقَاب الْمَدِينَة ) ‏ ‏جَمْع نَقْب بِفَتْحِ النُّون وَالْقَاف بَعْدهَا مُوَحَّدَة , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس وَأَبِي سَعِيد اللَّذَيْنِ بَعْده \" عَلَى نِقَابهَا \" جَمْع نَقْب بِالسُّكُونِ وَمَا بِمَعْنًى. قَالَ اِبْن وَهْب : الْمُرَاد بِهَا الْمَدَاخِل , وَقِيلَ الْأَبْوَاب. وَأَصْل النَّقْب الطَّرِيق بَيْن الْجَبَلَيْنِ , وَقِيلَ : الْأَنْقَاب الطُّرُق الَّتِي يَسْلُكهَا النَّاس , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَاد ). ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَدْخُلهَا الطَّاعُون وَلَا الدَّجَّال ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي الطِّبّ بَيَان مَنْ زَادَ فِي هَذَا الْحَدِيث مَكَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "1748",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏إِلَّا ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَالْمَدِينَةَ ‏ ‏لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا ‏ ‏نَقْبٌ ‏ ‏إِلَّا عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا ثُمَّ تَرْجُفُ ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ فَيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس : ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ مِنْ بَلَد إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّال ) ‏ ‏هُوَ عَلَى ظَاهِره وَعُمُومه عِنْد الْجُمْهُور , وَشَذَّ اِبْن حَزْم فَقَالَ : الْمُرَاد إِلَّا يَدْخُلهُ بَعْثه وَجُنُوده , وَكَأَنَّهُ اِسْتَبْعَدَ إِمْكَان دُخُول الدَّجَّال جَمِيع الْبِلَاد لِقِصَرِ مُدَّته , وَغَفَلَ عَمَّا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم أَنَّ بَعْض أَيَّامه يَكُون قَدْر السَّنَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ تَرْجُف الْمَدِينَة ) ‏ ‏أَيْ يَحْصُل لَهَا زَلْزَلَة بَعْد أُخْرَى ثُمَّ ثَالِثَة حَتَّى يَخْرُج مِنْهَا مَنْ لَيْسَ مُخْلِصًا فِي إِيمَانه وَيَبْقَى بِهَا الْمُؤْمِن الْخَالِص فَلَا يُسَلَّط عَلَيْهِ الدَّجَّال. وَلَا يُعَارِض هَذَا مَا فِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة الْمَاضِي أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْمَدِينَة رُعْب الدَّجَّال , لِأَنَّ الْمُرَاد بِالرُّعْبِ مَا يَحْدُث مِنْ الْفَزَع مِنْ ذِكْره وَالْخَوْف مِنْ عُتُوّهُ , لَا الرَّجْفَة الَّتِي تَقَع بِالزَّلْزَلَةِ لِإِخْرَاجِ مَنْ لَيْسَ بِمُخْلِصٍ. وَحَمَلَ بَعْض الْعُلَمَاء الْحَدِيث الَّذِي فِيهِ أَنَّهَا تَنْفِي الْخَبَث عَلَى هَذِهِ الْحَالَة دُون غَيْرهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحِيح فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِنَاسٍ وَبِزَمَانٍ , فَلَا مَانِع أَنْ يَكُون هَذَا الزَّمَان هُوَ الْمُرَاد , وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه مُرَادًا نَفْيُ غَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "1749",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدِيثًا طَوِيلًا عَنْ ‏ ‏الدَّجَّالِ ‏ ‏فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَنْ قَالَ ‏ ‏يَأْتِي ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ ‏ ‏نِقَابَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏بَعْضَ ‏ ‏السِّبَاخِ ‏ ‏الَّتِي ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏الَّذِي حَدَّثَنَا عَنْكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدِيثَهُ فَيَقُولُ ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الْأَمْرِ فَيَقُولُونَ لَا فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ فَيَقُولُ حِينَ يُحْيِيهِ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ فَيَقُولُ ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏أَقْتُلُهُ فَلَا أُسَلَّطُ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد : ‏ ‏قَوْله : ( بَعْض السِّبَاخ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَة وَآخِره مُعْجَمَة , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ أَيْضًا فِي الْفِتَن. وَحَاصِل مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث إِعْلَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الدَّجَّال لَا يَدْخُل الْمَدِينَة وَلَا الرُّعْب مِنْهُ كَمَا مَضَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1750",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَايَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَجَاءَ مِنْ الْغَدِ ‏ ‏مَحْمُومًا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَقِلْنِي ‏ ‏فَأَبَى ثَلَاثَ مِرَارٍ فَقَالَ ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏كَالْكِيرِ ‏ ‏تَنْفِي ‏ ‏خَبَثَهَا ‏ ‏وَيَنْصَعُ ‏ ‏طَيِّبُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَبَّاس ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَة , وَعَبْد الرَّحْمَن هُوَ اِبْن مَهْدِيّ , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَابِر ) ‏ ‏وَقَعَ فِي الْأَحْكَام مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر قَالَ \" سَمِعْت جَابِرًا \". ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ أَعْرَابِيّ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , إِلَّا أَنَّ الزَّمَخْشَرِيّ ذَكَرَ فِي \" رَبِيع الْأَبْرَار \" أَنَّهُ قَيْس بْن أَبِي حَازِم , وَهُوَ مُشْكِل لِأَنَّهُ تَابِعِيّ كَبِير مَشْهُور صَرَّحُوا بِأَنَّهُ هَاجَرَ فَوَجَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ آخَر وَافَقَ اِسْمه وَاسْم أَبِيهِ. وَفِي \" الذَّيْل \" لِأَبِي مُوسَى \" فِي الصَّحَابَة قَيْس بْن أَبِي حَازِم الْمَنْقَرِيُّ \" فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون هُوَ هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَايَعَهُ عَلَى الْإِسْلَام , فَجَاءَ مِنْ الْغَد مَحْمُومًا فَقَالَ أَقِلْنِي ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ سَأَلَ الْإِقَالَة مِنْ الْإِسْلَام وَبِهِ جَزَمَ عِيَاض , وَقَالَ غَيْره إِنَّمَا اِسْتَقَالَهُ مِنْ الْهِجْرَة وَإِلَّا لَكَانَ قَتَلَهُ عَلَى الرِّدَّة , سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاث مِرَار ) ‏ ‏يَتَعَلَّق بِأَقِلْنِي وَيُقَال مَعًا. ‏ ‏قَوْله : ( تَنْفِي خَبَثهَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَائِل الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَنْصَع ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون النُّون وَبِالْمُهْمَلَتَيْنِ مِنْ النُّصُوع وَهُوَ الْخُلُوص , وَالْمَعْنَى أَنَّهَا إِذَا نَفَتْ الْخَبَث تَمَيَّزَ الطَّيِّب وَاسْتَقَرَّ فِيهَا , وَأَمَّا ‏ ‏قَوْله : ( طَيِّبهَا ) ‏ ‏فَضَبَطَهُ الْأَكْثَر بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ أَوَّله وَرَفَعَ طَيِّبهَا عَلَى الْفَاعِلِيَّة وَطَيِّبهَا لِلْجَمِيعِ بِالتَّشْدِيدِ , وَضَبَطَهُ الْقَزَّاز بِكَسْرِ أَوَّله وَالتَّخْفِيف ثُمَّ اِسْتَشْكَلَهُ فَقَالَ : لَمْ أَرَ لِلنُّصُوعِ فِي الطَّيِّب ذِكْرًا , وَإِنَّمَا الْكَلَام يَتَضَوَّع بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة وَزِيَادَة الْوَاو الثَّقِيلَة. قَالَ : وَيُرْوَى \" وَتَنْضَخ \" بِمُعْجَمَتَيْنِ , وَأَغْرَبَ الزَّمَخْشَرِي فِي \" الْفَائِق \" فَضَبَطَهُ بِمُوَحَّدَةِ وَضَاد مُعْجَمَة وَعَيْن وَقَالَ : هُوَ مِنْ أَبْضَعَهُ بِضَاعَة إِذَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ , يَعْنِي أَنَّ الْمَدِينَة تُعْطِي طَيِّبهَا لِمَنْ سَكَنَهَا. وَتَعَقَّبَهُ الصَّغَانِيّ بِأَنَّهُ خَالَفَ جَمِيع الرُّوَاة فِي ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن الْأَثِير : الْمَشْهُور بِالنُّونِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1751",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَتْ فِرْقَةٌ نَقْتُلُهُمْ وَقَالَتْ فِرْقَةٌ لَا نَقْتُلُهُمْ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ‏} ‏وَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّهَا ‏ ‏تَنْفِي ‏ ‏الرِّجَالَ كَمَا ‏ ‏تَنْفِي ‏ ‏النَّارُ ‏ ‏خَبَثَ ‏ ‏الْحَدِيدِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ الْخَطْمِيّ , وَفِي الْإِسْنَاد صَحَابِيَّانِ أَنْصَارِيَّانِ فِي نَسَق وَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( رَجَعَ نَاس مِنْ أَصْحَابه ) ‏ ‏هُمْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَمَنْ تَبِعَهُ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا بَيَان اِبْتِدَاء قَوْله \" تَنْفِي الرِّجَال \" وَأَنَّهُ كَانَ فِي أُحُد. ‏ ‏قَوْله : ( الرِّجَال ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وللكُشْمِيهَنِيّ الدَّجَّال بِالدَّالِ وَتَشْدِيد الْجِيم وَهُوَ تَصْحِيف , وَوَقَعَ فِي غَزْوَة أُحُد \" تَنْفِي الذُّنُوب \" وَفِي تَفْسِير النِّسَاء \" تَنْفِي الْخَبَث \" وَأَخْرَجَهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِع كُلّهَا مِنْ طَرِيق شُعْبَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة بِاللَّفْظِ الَّذِي أَخْرَجَهُ فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق غُنْدَر , وَغُنْدَر أَثْبَت النَّاس فِي شُعْبَة , وَرِوَايَته تُوَافِق رِوَايَة حَدِيث جَابِر الَّذِي قَبْله حَيْثُ قَالَ فِيهِ \" تَنْفِي خَبَثهَا \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" تُخْرِج الْخَبَث \" وَمَضَى فِي أَوَّل فَضَائِل الْمَدِينَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" تَنْفِي النَّاس \" وَالرِّوَايَة الَّتِي هُنَا بِلَفْظِ \" تَنْفِي الرِّجَال \" لَا تُنَافِي الرِّوَايَة بِلَفْظِ الْخَبَث بَلْ هِيَ مُفَسِّرَة لِلرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَة , بِخِلَافِ \" تَنْفِي الذُّنُوب \" , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فِيهِ حَذْف تَقْدِيره أَهْل الذُّنُوب فَيَلْتَئِم مَعَ بَاقِي الرِّوَايَات. ‏"
    },
    {
        "id": "1752",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ اجْعَلْ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏مِنْ الْبَرَكَةِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَا تَرْجَمَة , وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ فَأَشْكَلَ , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوته فَلَا بُدّ لَهُ مِنْ تَعَلُّق بِالَّذِي قَبْله لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْل مِنْ الْبَاب. وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ لِأَنَسٍ , وَوَجْه تَعَلُّق الْأَوَّل مِنْهَا بِتَرْجَمَةِ نَفْي الْخَبَث أَنَّ قَضِيَّة الدُّعَاء بِتَضْعِيفِ الْبَرَكَة وَتَكْثِيرهَا تَقْلِيل مَا يُضَادّهَا فَيُنَاسِب ذَلِكَ نَفْي الْخَبَث , وَوَجْه تَعَلُّق الثَّانِي أَنَّ قَضِيَّة حُبّ الرَّسُول لِلْمَدِينَةِ أَنْ تَكُون بَالِغَة فِي طِيب ذَاتهَا وَأَهْلهَا فَيُنَاسِب ذَلِكَ أَيْضًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الثَّانِي فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الْعُمْرَة , وَأَمَّا الْأَوَّل فَقَوْله فِيهِ \" حَدَّثَنَا أَبِي \" هُوَ جَرِير بْن حَازِم , وَيُونُس هُوَ اِبْن يَزِيد. ‏ ‏قَوْله : ( اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْت بِمَكَّة مِنْ الْبَرَكَة ) ‏ ‏أَيْ مِنْ بَرَكَة الدُّنْيَا بِقَرِينَةِ قَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر \" اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعنَا وَمُدّنَا \" وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ , لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ , كَتَضْعِيفِ الصَّلَاة بِمَكَّة عَلَى الْمَدِينَة , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَنْ تَفْضِيل الْمَدِينَة عَلَى مَكَّة وَهُوَ ظَاهِر مِنْ هَذِهِ الْجِهَة , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ حُصُول أَفْضَلِيَّة الْمَفْضُول فِي شَيْء مِنْ الْأَشْيَاء ثُبُوت الْأَفْضَلِيَّة لَهُ عَلَى الْإِطْلَاق. وَأَمَّا مَنْ نَاقَضَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَلْزَم أَنْ يَكُون الشَّام وَالْيَمَن أَفْضَل مِنْ مَكَّة لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث الْآخَر \" اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامنَا \" وَأَعَادَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّأْكِيد لَا يَسْتَلْزِم التَّكْثِير الْمُصَرَّح بِهِ فِي حَدِيث الْبَاب. وَقَالَ اِبْن حَزْم : لَا حُجَّة فِي حَدِيث الْبَاب لَهُمْ لِأَنَّ تَكْثِير الْبَرَكَة بِهَا لَا يَسْتَلْزِم الْفَضْل فِي أُمُور الْآخِرَة. وَرَدَّهُ عِيَاض بِأَنَّ الْبَرَكَة أَعَمّ مِنْ أَنْ تَكُون فِي أُمُور الدِّين أَوْ الدُّنْيَا , لِأَنَّهَا بِمَعْنَى النَّمَاء وَالزِّيَادَة , فَأَمَّا فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة فَلِمَا يَتَعَلَّق بِهَا مِنْ حَقّ اللَّه تَعَالَى مِنْ الزَّكَاة وَالْكَفَّارَات وَلَا سِيَّمَا فِي وُقُوع الْبَرَكَة فِي الصَّاع وَالْمُدّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الظَّاهِر أَنَّ الْبَرَكَة حَصَلَتْ فِي نَفْس الْمَكِيل بِحَيْثُ يَكْفِي الْمُدّ فِيهَا مَنْ لَا يَكْفِيه فِي غَيْرهَا , وَهَذَا أَمْر مَحْسُوس عِنْد مَنْ سَكَنَهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِذَا وُجِدَتْ الْبَرَكَة فِيهَا فِي وَقْت حَصَلَتْ إِجَابَة الدَّعْوَة وَلَا يَسْتَلْزِم دَوَامهَا فِي كُلّ حِين وَلِكُلِّ شَخْص , وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عُثْمَان بْن عُمَر عَنْ يُونُس ) ‏ ‏أَيْ تَابَعَ جَرِير بْن حَازِم فِي رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ يُونُس اِبْن يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيِّ عُثْمَان بْن عُمَر بْن فَارِس فَرَوَاهُ عَنْ يُونُس بْن يَزِيد , وَرِوَايَة عُثْمَان بْن عُمَر مَوْصُولَة فِي \" كِتَاب عِلَل حَدِيث الزُّهْرِيِّ \" جَمْع مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ , كَذَا وَجَدْته بِخَطِّ بَعْض الْمُصَنِّفِينَ وَلَمْ أَقِف عَلَيْهِ فِي كِتَاب الذُّهْلِيِّ , وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجه عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيّ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن وَهْب وَمِنْ طَرِيق شَبِيب بْن سَعِيد وَعَلْقَمَة مِنْ طَرِيق عَنْبَسَةَ بْن خَالِد كُلّهمْ عَنْ يُونُس بْن يَزِيد , وَسَاقَ رِوَايَة وَهْب بْن جَرِير فَقَالَ \" حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا زُهَيْر أَبُو خَيْثَمَةَ وَقَاسِم بْن أَبِي شَيْبَة كِلَاهُمَا عَنْ وَهْب بْن جَرِير \" وَصَرَّحَ فِي رِوَايَة زُهَيْر عَنْ وَهْب بِسَمَاعِ جَرِير لَهُ مِنْ يُونُس , ثُمَّ قَالَ قَاسِم بْن أَبِي شَيْبَة : لَيْسَ مِنْ شَرْط هَذَا الْكِتَاب. وَنَقَلَ مُغَلْطَاي كَلَام الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا وَتَبِعَهُ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن وَقَالَ فِي آخِره : قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَبُو شَيْبَة لَيْسَ مِنْ شَرْط هَذَا الْكِتَاب , وَهُوَ سَهْو كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكْتُب قَاسِم بْن أَبِي شَيْبَة فَقَالَ وَأَبُو شَيْبَة. ثُمَّ قَالَ مُغَلِّطَاي : وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالَ الْحَسَن عَنْ أَنَس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" فَذَكَرَهُ وَقَالَ : يَعْنِي الْمَدِينَة ا ه. وَهَذَا نَظَر مَنْ لَمْ يَطَّلِع عَلَى حَقِيقَة الْحَال فِيهِ , إِذْ الْإِسْمَاعِيلِيّ ذَكَرَ رِوَايَة الْحَسَن عَنْ أَنَس لِهَذَا الْحَدِيث مُتَابَعَة لِرِوَايَةِ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَس , كَمَا ذَكَرَ رِوَايَة اِبْن وَهْب وَشَبِيب بْن سَعِيد مُتَابَعَة لِجَرِيرِ بْنِ حَازِم عَنْ يُونُس , وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ طَرِيق شَبِيب بْن سَعِيد فَقَالَ : أَخْبَرَنِي الْحَسَن يَعْنِي اِبْن سُفْيَان حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعِيد حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن شَبِيب بْن سَعِيد حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ , ثُمَّ تَحَوَّلَ الْإِسْمَاعِيلِيّ إِلَى طَرِيق اِبْن وَهْب , قَالَ اِبْن وَهْب : حَدَّثَنَا يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب حَدَّثَنِي أَنَس , وَسَاقَ الْحَدِيث عَلَى لَفْظه ثُمَّ قَالَ بَعْد فَرَاغه : وَقَالَ الْحَسَن عَنْ أَنَس , وَمُرَاده أَنَّ رِوَايَة اِبْن وَهْب فِيهَا تَصْرِيح اِبْن شِهَاب وَهُوَ الزُّهْرِيُّ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ , بِخِلَافِ رِوَايَة شَبِيب بْن سَعِيد الَّتِي أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن سُفْيَان فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا : عَنْ أَنَس. ‏"
    },
    {
        "id": "1753",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَنَظَرَ إِلَى ‏ ‏جُدُرَاتِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏أَوْضَعَ ‏ ‏رَاحِلَتَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1754",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْفَزَارِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرَادَ ‏ ‏بَنُو سَلِمَةَ ‏ ‏أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ ‏ ‏تُعْرَى ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏بَنِي سَلِمَةَ ‏ ‏أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ فَأَقَامُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَلَا تَحْتَسِبُونَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة \" أَلَا تَحْتَسِبُوا \" وَحَذْف نُون الرَّفْع فِي مِثْل هَذَا لُغَة مَشْهُورَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1755",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع النُّسَخ بِلَا تَرْجَمَة , وَهُوَ مُشْتَمِل عَلَى حَدِيثَيْنِ وَأَثَر , وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا تَعَلُّق بِالتَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْله : فَحَدِيث \" مَا بَيْن بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَة مِنْ رِيَاض الْجَنَّة \" فِيهِ إِشَارَة إِلَى التَّرْغِيب فِي سُكْنَى الْمَدِينَة , وَحَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة وَعْك أَبِي بَكْر وَبِلَال فِيهِ دُعَاؤُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَدِينَةِ بِقَوْلِهِ \" اللَّهُمَّ صَحِّحْهَا \" وَفِي ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى التَّرْغِيب فِي سُكْنَاهَا أَيْضًا , وَأَثَر عُمَر فِي دُعَائِهِ بِأَنْ تَكُون وَفَاته بِهَا ظَاهِر فِي ذَلِكَ , وَفِي كُلّ ذَلِكَ مُنَاسَبَة لِكَرَاهَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُعْرَى الْمَدِينَة , أَيْ تَصِير خَالِيَة. فَأَمَّا الْحَدِيث الْأَوَّل فِي الْمِنْبَر فَقَوْله \" مَا بَيْن بَيْتِي وَمِنْبَرِي \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر وَحْده قَبْرِي بَدَل \" بَيْتِي \" وَهُوَ خَطَأ , فَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الصَّلَاة قُبَيْل الْجَنَائِز بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظِ \" بَيْتِي \" وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُسْنَد مُسَدَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , نَعَمْ وَقَعَ فِي حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عِنْد الْبَزَّار بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَات وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر بِلَفْظِ الْقَبْر , فَعَلَى هَذَا الْمُرَاد بِالْبَيْتِ فِي قَوْله بَيْتِي أَحَد بُيُوته لَا كُلّهَا وَهُوَ بَيْت عَائِشَة الَّذِي صَارَ فِيهِ قَبْره , وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيث بِلَفْظِ \" مَا بَيْن الْمِنْبَر وَبَيْت عَائِشَة رَوْضَة مِنْ رِيَاض الْجَنَّة \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط. ‏ ‏قَوْله : ( رَوْضَة مِنْ رِيَاض الْجَنَّة ) ‏ ‏أَيْ كَرَوْضَةٍ مِنْ رِيَاض الْجَنَّة فِي نُزُول الرَّحْمَة وَحُصُول السَّعَادَة بِمَا يَحْصُل مِنْ مُلَازَمَة حِلَق الذِّكْر لَا سِيَّمَا فِي عَهْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُون تَشْبِيهًا بِغَيْرِ أَدَاة , أَوْ الْمَعْنَى أَنَّ الْعِبَادَة فِيهَا تُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّة فَيَكُون مَجَازًا , أَوْ هُوَ عَلَى ظَاهِره وَأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ رَوْضَة حَقِيقَة بِأَنْ يَنْتَقِل ذَلِكَ الْمَوْضِع بِعَيْنِهِ فِي الْآخِرَة إِلَى الْجَنَّة. هَذَا مُحَصَّل مَا أَوَّله الْعُلَمَاء فِي هَذَا الْحَدِيث , وَهِيَ عَلَى تَرْتِيبهَا هَذَا فِي الْقُوَّة , ‏ ‏وَأَمَّا قَوْله \" وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي \" ‏ ‏أَيْ يُنْقَل يَوْم الْقِيَامَة فَيُنْصَب عَلَى الْحَوْض , وَقَالَ الْأَكْثَر الْمُرَاد مِنْبَره بِعَيْنِهِ الَّذِي قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَة وَهُوَ فَوْقه , وَقِيلَ الْمُرَاد الْمِنْبَر الَّذِي يُوضَع لَهُ يَوْم الْقِيَامَة , وَالْأَوَّل أَظْهَر. وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْمُتَقَدِّم وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْكَبِير \" مِنْ حَدِيث أَبِي وَاقِد اللَّيْثِيّ رَفَعَهُ \" إِنَّ قَوَائِم مِنْبَرِي رَوَاتِب فِي الْجَنَّة \" وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ قَصْد مِنْبَره وَالْحُضُور عِنْده لِمُلَازَمَةِ الْأَعْمَال الصَّالِحَة يُورِد صَاحِبه إِلَى الْحَوْض وَيَقْتَضِي شُرْبه مِنْهُ , وَاللَّه أَعْلَم. وَنَقَلَ اِبْن زَبَالَة أَنَّ ذَرْع مَا بَيْن الْمِنْبَر وَالْبَيْت الَّذِي فِيهِ الْقَبْر الْآن ثَلَاث وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا وَقِيلَ أَرْبَع وَخَمْسُونَ وَسُدُس وَقِيلَ خَمْسُونَ إِلَّا ثُلُثَيْ ذِرَاع وَهُوَ الْآن كَذَلِكَ فَكَأَنَّهُ نَقَصَ لَمَّا أُدْخِل مِنْ الْحُجْرَة فِي الْجِدَار , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَدِينَة أَفْضَل مِنْ مَكَّة لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الَّتِي بَيْن الْبَيْت وَالْمِنْبَر مِنْ الْجَنَّة , وَقَدْ قَالَ الْحَدِيث الْآخِر \" لَقَاب قَوْس أَحَدكُمْ فِي الْجَنَّة خَيْر مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا \" وَتَعَقَّبَهُ اِبْن حَزْم بِأَنَّ قَوْله أَنَّهَا مِنْ الْجَنَّة مَجَاز إِذْ لَوْ كَانَتْ حَقِيقَة لَكَانَتْ كَمَا وَصَفَ اللَّه الْجَنَّة ( إِنَّ لَك أَلَّا تَجُوع فِيهَا وَلَا تَعْرَى ) وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنَّ الصَّلَاة فِيهَا تُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّة كَمَا يُقَال فِي الْيَوْم الطَّيِّب هَذَا مِنْ أَيَّام الْجَنَّة , وَكَمَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمَ \" الْجَنَّة تَحْت ظِلَال السُّيُوف \" قَالَ : ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِيقَة لَمَا كَانَ الْفَضْل إِلَّا لِتِلْكَ الْبُقْعَة خَاصَّة , فَإِنْ قِيلَ إِنَّ مَا قَرُبَ مِنْهَا أَفْضَل مِمَّا بَعُدَ لَزِمَهُمْ أَنْ يَقُولُوا إِنَّ الْجُحْفَة أَفْضَل مِنْ مَكَّة وَلَا قَائِل بِهِ. وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة فَقَوْله \" وُعِكَ \" بِضَمِّ أَوَّله أَيْ أَصَابَهُ الْوَعْك وَهُوَ الْحُمَّى , وَقِيلَ مَغْث الْحُمَّى , وَسَيَأْتِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْمَغَازِي أَوَّل الْهِجْرَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1756",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وُعِكَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ ‏ ‏كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ‏ ‏وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏إِذَا ‏ ‏أُقْلِعَ ‏ ‏عَنْهُ الْحُمَّى يَرْفَعُ ‏ ‏عَقِيرَتَهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ‏ ‏بِوَادٍ وَحَوْلِي ‏ ‏إِذْخِرٌ ‏ ‏وَجَلِيلُ ‏ ‏وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ ‏ ‏مَجَنَّةٍ ‏ ‏وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي ‏ ‏شَامَةٌ ‏ ‏وَطَفِيلُ ‏ ‏قَالَ اللَّهُمَّ الْعَنْ ‏ ‏شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ ‏ ‏كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ ‏ ‏الْوَبَاءِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏كَحُبِّنَا ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏أَوْ أَشَدَّ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ‏ ‏صَاعِنَا ‏ ‏وَفِي ‏ ‏مُدِّنَا ‏ ‏وَصَحِّحْهَا لَنَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى ‏ ‏الْجُحْفَةِ ‏ ‏قَالَتْ وَقَدِمْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَهِيَ ‏ ‏أَوْبَأُ ‏ ‏أَرْضِ اللَّهِ قَالَتْ فَكَانَ ‏ ‏بُطْحَانُ ‏ ‏يَجْرِي نَجْلًا تَعْنِي مَاءً ‏ ‏آجِنًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ ) ‏ ‏يَعْنِي عَائِشَة , وَالْقَائِل عُرْوَة فَهُوَ مُتَّصِل. ‏ ‏قَوْله : ( وَهِيَ أَوْبَأ ) ‏ ‏بِالْهَمْزِ بِوَزْنِ أَفْعَل مِنْ الْوَبَاء وَالْوَبَاء مَقْصُور بِهَمْزٍ وَبِغَيْرِ هَمْز هُوَ الْمَرَض الْعَامّ , وَلَا يُعَارِض قُدُومهمْ عَلَيْهَا وَهِيَ بِهَذِهِ الصِّفَة نَهْيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْقُدُوم عَلَى الطَّاعُون , لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل النَّهْي , أَوْ أَنَّ النَّهْي يَخْتَصّ بِالطَّاعُونِ وَنَحْوه مِنْ الْمَوْت الذَّرِيع لَا الْمَرَض وَلَوْ عَمّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ فَكَانَ بُطْحَان ) ‏ ‏يَعْنِي وَادِي , الْمَدِينَة ‏ ‏وَقَوْلهَا ( يَجْرِي نَجْلًا , تَعْنِي مَاء آجِنًا ) ‏ ‏هُوَ مِنْ تَفْسِير الرَّاوِي عَنْهَا , وَغَرَضهَا بِذَلِكَ بَيَان السَّبَب فِي كَثْرَة الْوَبَاء بِالْمَدِينَةِ , لِأَنَّ الْمَاء الَّذِي هَذِهِ صِفَته يَحْدُث عِنْده الْمَرَض , وَقِيلَ النَّجْل النَّزّ بِنُونٍ وَزَاي , يُقَال اِسْتَنْجَلَ الْوَادِي إِذَا ظَهَرَ نُزُوزُهُ. و \" نَجْلًا \" بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْجِيم وَقَدْ تُفْتَح حَكَاهُ اِبْن التِّين , وَقَالَ اِبْن فَارِس : النَّجَل بِفَتْحَتَيْنِ سَعَة الْعَيْن وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَاد هُنَا , وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت : النَّجْل الْعَيْن حِين تَظْهَر وَيَنْبُع عَيْن الْمَاء. وَقَالَ الْحَرْبِيّ نَجْلًا أَيْ وَاسِعًا , وَمِنْهُ عَيْن نَجْلَاء أَيْ وَاسِعَة , وَقِيلَ هُوَ الْغَدِير الَّذِي لَا يَزَال فِيهِ الْمَاء. ‏ ‏قَوْله : ( تَعْنِي مَاء آجِنًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْجِيم بَعْدهَا نُون أَيْ مُتَغَيِّرًا , قَالَ عِيَاض : هُوَ خَطَأ مِمَّنْ فَسَّرَهُ فَلَيْسَ الْمُرَاد هُنَا الْمَاء الْمُتَغَيِّر. قُلْت : وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ عَائِشَة قَالَتْ ذَلِكَ فِي مَقَام التَّعْلِيل لِكَوْنِ الْمَدِينَة كَانَتْ وَبِيئَة , وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّجْل إِذَا فُسِّرَ بِكَوْنِهِ الْمَاء الْحَاصِل مِنْ النَّزّ فَهُوَ بِصَدَدِ أَنْ يَتَغَيَّر وَإِذَا تَغَيَّرَ كَانَ اِسْتِعْمَاله مِمَّا يُحْدِث الْوَبَاء فِي الْعَادَة. وَأَمَّا أَثَر عُمَر فَذَكَرَ اِبْن سَعْد سَبَب دُعَائِهِ بِذَلِكَ , وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ بِإسْنَادٍ صَحِيح عَنْ عَوْف بْن مَالِك أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا فِيهَا أَنَّ عُمَر شَهِيد مُسْتَشْهِد , فَقَالَ لَمَّا قَصَّهَا عَلَيْهِ أَنَّى لِي بِالشَّهَادَةِ وَأَنَا بَيْن ظَهْرَانَيْ جَزِيرَة الْعَرَب لَسْت أَغْزُو وَالنَّاس حَوْلِي ثُمَّ قَالَ : بَلَى يَأْتِي بِهَا اللَّه إِنْ شَاءَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1757",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَتْ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن زُرَيْع رَوْح بْن الْقَاسِم ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن هَاشِم عَنْ أُمَيَّة بْن بِسْطَام عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْع بِهِ وَلَفْظه \" عَنْ حَفْصَة قَالَتْ : سَمِعْت عُمَر يَقُول : اللَّهُمَّ قَتْلًا فِي سَبِيلك وَوَفَاة بِبَلَدِ نَبِيّك. قَالَتْ فَقُلْت : وَأَنَّى يَكُون هَذَا ؟ قَالَ : يَأْتِي بِهِ اللَّه إِذَا شَاءَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ هِشَام ) ‏ ‏اِبْن سَعْد ‏ ‏( عَنْ زَيْد عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏أَسْلَمَ , وَصَلَهُ اِبْن سَعْد عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْهُ وَلَفْظه \" عَنْ حَفْصَة أَنَّهَا سَمِعَتْ أَبَاهَا يَقُول \" فَذَكَرَ مِثْله , وَفِي آخِره \" إِنَّ اللَّه يَأْتِي بِأَمْرِهِ إِنْ شَاءَ \" وَأَرَادَ الْبُخَارِيّ بِهَذَيْنِ التَّعْلِيقَيْنِ بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى زَيْد بْن أَسْلَمَ , فَاتَّفَقَ هِشَام بْن سَعْد وَسَعِيد بْنُ أَبِي هِلَال عَلَى أَنَّهُ \" عَنْ زَيْد عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ عَنْ عُمَر \" وَقَدْ تَابَعَهُمَا حَفْص بْن مَيْسَرَة عَنْ زَيْد عِنْد عُمَر بْنِ شَبَّة , وَانْفَرَدَ رَوْح بْن الْقَاسِم عَنْ زَيْد بِقَوْلِهِ \" عَنْ أُمّه \" وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن سَعْد \" عَنْ مَعْن بْن عِيسَى عَنْ مَالِك عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ أَنَّ عُمَر \" فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا , وَلِلْحَدِيثِ طَرِيق أُخْرَى أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه مِنْ طَرِيق \" مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْقَارِئ عَنْ جَدّه عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَبْد اللَّه أَنَّهُ سَمِعَ عُمَر يَقُول ذَلِكَ \" وَطَرِيق أُخْرَى أَخْرَجَهَا عُمَر بْن شَبَّة مِنْ طَرِيق \" عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر \" إِسْنَادهَا صَحِيح , وَمِنْ وَجْه آخَر مُنْقَطِع وَزَادَ \" فَكَانَ النَّاس يَتَعَجَّبُونَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَدْرُونَ مَا وَجْهه حَتَّى طَعَنَ أَبُو لُؤْلُؤَة عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِفَضْلِ الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ وَمَسْجِد قُبَاء وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى فِي أَبْوَاب فِي أَوَاخِر كِتَاب الصَّلَاة. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ ذِكْر الْمَدِينَة عَلَى سِتَّة وَعِشْرِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا أَرْبَعَة , وَالْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى تِسْعَة , وَالْخَالِص سَبْعَة عَشَر , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي ذِكْر بَنِي حَارِثَة , وَحَدِيث أَبِي بَكْرَة فِي ذِكْر الدَّجَّال. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار أَثَر وَاحِد وَهُوَ أَثَر عُمَر الَّذِي خَتَمَ بِهِ فَأَخْرَجَهُ مَوْصُولًا وَمُعَلَّقًا , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى حُسْن الْخِتَام , فَنَسْأَل اللَّه تَعَالَى أَنْ يَخْتِم لَنَا بِالْحُسْنَى , وَأَنْ يُعِين عَلَى خَتْم هَذَا الشَّرْح , وَيَرْفَعنَا بِهِ إِلَى الْمَحِلّ الْأَسْنَى , إِنَّهُ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير. ‏"
    },
    {
        "id": "1758",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سُهَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَائِرَ ‏ ‏الرَّأْسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ فَقَالَ ‏ ‏الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا فَقَالَ أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصِّيَامِ فَقَالَ شَهْرَ رَمَضَانَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا فَقَالَ أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الزَّكَاةِ فَقَالَ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَالَ وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1759",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ وَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏لَا يَصُومُهُ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1760",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1761",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الصِّيَامُ ‏ ‏جُنَّةٌ ‏ ‏فَلَا ‏ ‏يَرْفُثْ ‏ ‏وَلَا يَجْهَلْ وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَخُلُوفُ ‏ ‏فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي ‏ ‏الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الصِّيَام جُنَّة ) ‏ ‏زَادَ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ مُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي الزِّنَاد \" جُنَّة مِنْ النَّار \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث عَائِشَة مِثْله , وَلَهُ مِنْ حَدِيث عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاص \" الصِّيَام جُنَّة كَجُنَّةِ أَحَدكُمْ مِنْ الْقِتَال \" وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي يُونُس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" جُنَّة وَحِصْن حَصِين مِنْ النَّار \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي عُبَيْدَة بْنِ الْجَرَّاح \" الصِّيَام جُنَّة مَا لَمْ يَخْرِقهَا \" زَادَ الدَّارِمِيُّ \" بِالْغِيبَةِ \" وَبِذَلِكَ تَرْجَمَ لَهُ هُوَ وَأَبُو دَاوُدَ , وَالْجُنَّة بِضَمِّ الْجِيم الْوِقَايَة وَالسَّتْر. وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذِهِ الرِّوَايَات مُتَعَلَّق هَذَا السَّتْر وَأَنَّهُ مِنْ النَّار , وَبِهَذَا جَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ. وَأَمَّا صَاحِب \" النِّهَايَة \" فَقَالَ : مَعْنَى كَوْنه جُنَّة أَيْ يَقِي صَاحِبه مَا يُؤْذِيه مِنْ الشَّهَوَات. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : جُنَّة أَيْ سُتْرَة , يَعْنِي بِحَسَبِ مَشْرُوعِيَّته , فَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَصُونَهُ مِمَّا يُفْسِدهُ وَيَنْقُص ثَوَابه , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ \" فَإِذَا كَانَ يَوْم صَوْم أَحَدكُمْ فَلَا يَرْفُث إِلَخْ \" , وَيَصِحّ أَنْ يُرَاد أَنَّهُ سُتْرَة بِحَسَبِ فَائِدَته وَهُوَ إِضْعَاف شَهَوَات النَّفْس , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ \" يَدَع شَهْوَته إِلَخْ \" , وَيَصِحّ أَنْ يُرَاد أَنَّهُ سُتْرَة بِحَسَبِ مَا يَحْصُل مِنْ الثَّوَاب وَتَضْعِيف الْحَسَنَات. وَقَالَ عِيَاض فِي \" الْإِكْمَال \" : مَعْنَاهُ سُتْرَة مِنْ الْآثَام أَوْ مِنْ النَّار أَوْ مِنْ جَمِيع ذَلِكَ , وَبِالْأَخِيرِ جَزَمَ النَّوَوِيّ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّمَا كَانَ الصَّوْم جُنَّة مِنْ النَّار لِأَنَّهُ إِمْسَاك عَنْ الشَّهَوَات , وَالنَّار مَحْفُوفَة بِالشَّهَوَاتِ. فَالْحَاصِل أَنَّهُ إِذَا كَفّ نَفْسه عَنْ الشَّهَوَات فِي الدُّنْيَا كَانَ ذَلِكَ سَاتِرًا لَهُ مِنْ النَّار فِي الْآخِرَة. وَفِي زِيَادَة أَبِي عُبَيْدَة بْن الْجِرَاح إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْغِيبَة تَضُرّ بِالصِّيَامِ , وَقَدْ حُكِيَ عَنْ عَائِشَة , وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنَّ الْغِيبَة تُفْطِر الصَّائِم وَتُوجِب عَلَيْهِ قَضَاء ذَلِكَ الْيَوْم. وَأَفْرَطَ اِبْن حَزْم فَقَالَ. يُبْطِلهُ كُلّ مَعْصِيَة مِنْ مُتَعَمِّد لَهَا ذَاكِر لِصَوْمِهِ سَوَاء كَانَتْ فِعْلًا أَوْ قَوْلًا , لِعُمُومِ قَوْله \" فَلَا يَرْفُث وَلَا يَجْهَل \" وَلِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث الْآتِي بَعْد أَبْوَاب \" مَنْ لَمْ يَدَع قَوْل الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَة فِي أَنْ يَدَع طَعَامه وَشَرَابه \" , وَالْجُمْهُور وَإِنْ حَمَلُوا النَّهْي عَلَى التَّحْرِيم إِلَّا أَنَّهُمْ خَصُّوا الْفِطْر بِالْأَكْلِ وَالشُّرْب وَالْجِمَاع , وَأَشَارَ اِبْن عَبْد الْبَرّ إِلَى تَرْجِيح الصِّيَام عَلَى غَيْره مِنْ الْعِبَادَات فَقَالَ : حَسْبك بِكَوْنِ الصِّيَام جُنَّة مِنْ النَّار فَضْلًا. وَرَوَى النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه مُرْنِي آخُذهُ عَنْك , قَالَ : عَلَيْك بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْل لَهُ \" وَفِي رِوَايَة \" لَا عَدْل لَهُ \" وَالْمَشْهُور عِنْد الْجُمْهُور تَرْجِيح الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا يَرْفُث ) ‏ ‏أَيْ الصَّائِم , كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا , وَفِي الْمُوَطَّإ \" الصِّيَام جُنَّة , فَإِذَا كَانَ أَحَدكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُث إِلَخْ \" وَيَرْفُث بِالضَّمِّ وَالْكَسْر وَيَجُوز فِي مَاضِيه التَّثْلِيث , وَالْمُرَاد بِالرَّفَثِ هُنَا وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَالْفَاء ثُمَّ الْمُثَلَّثَة الْكَلَام الْفَاحِش , وَهُوَ يُطْلَق عَلَى هَذَا وَعَلَى الْجِمَاع وَعَلَى مُقَدِّمَاته وَعَلَى ذِكْره مَعَ النِّسَاء أَوْ مُطْلَقًا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لِمَا هُوَ أَعَمّ مِنْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَجْهَل ) ‏ ‏أَيْ لَا يَفْعَل شَيْئًا مِنْ أَفْعَال أَهْل الْجَهْل كَالصِّيَاحِ وَالسَّفَه وَنَحْو ذَلِكَ. وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُور مِنْ طَرِيق سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ \" فَلَا يَرْفُث وَلَا يُجَادِل \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَا يُفْهَم مِنْ هَذَا أَنَّ غَيْر الصَّوْم يُبَاح فِيهِ مَا ذُكِرَ , وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنَّ الْمَنْع مِنْ ذَلِكَ يَتَأَكَّد بِالصَّوْمِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ اِمْرُؤٌ ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ النُّون ‏ ‏( قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ ) ‏ ‏, وَفِي رِوَايَة صَالِح \" فَإِنْ سَابَّهُ أَحَد أَوْ قَاتَلَهُ \" وَلِأَبِي قُرَّة مِنْ طَرِيق سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ \" وَإِنْ شَتَمَهُ إِنْسَان فَلَا يُكَلِّمهُ \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة هِشَام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد , وَلِسَعِيدِ بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق سُهَيْل \" فَإِنْ سَابَّهُ أَحَد أَوْ مَارَاهُ \" أَيْ جَادَلَهُ ; وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق عَجْلَان مَوْلَى الْمُشْمَعِلّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَإِنْ سَابَّك أَحَد فَقُلْ إِنِّي صَائِم وَإِنْ كُنْت قَائِمًا فَاجْلِسْ \" وَلِأَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَإِنْ جَهِلَ عَلَى أَحَدكُمْ جَاهِل وَهُوَ صَائِم \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" وَإِنْ اِمْرُؤٌ جَهِلَ عَلَيْهِ فَلَا يَشْتُمهُ وَلَا يَسُبّهُ \" وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَات كُلّهَا عَلَى أَنَّهُ يَقُول \" إِنِّي صَائِم \" فَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهَا مَرَّتَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَة. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ ظَاهِره بِأَنَّ الْمُفَاعَلَة تَقْتَضِي وُقُوع الْفِعْل مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَالصَّائِم لَا تَصْدُر مِنْهُ الْأَفْعَال الَّتِي رُتِّبَ عَلَيْهَا الْجَوَاب خُصُوصًا الْمُقَاتَلَةَ , وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُفَاعَلَةِ التَّهَيُّؤ لَهَا , أَيْ إِنْ تَهَيَّأَ أَحَد لِمُقَاتَلَتِهِ أَوْ مُشَاتَمَته فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِم , فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يَكُفّ عَنْهُ , فَإِنْ أَصَرَّ دَفَعَهُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفّ كَالصَّائِلِ , هَذَا فِيمَنْ يَرُوم مُقَاتَلَته حَقِيقَة , فَإِنْ كَانَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" قَاتَلَهُ \" شَاتَمَهُ لِأَنَّ الْقَتْل يُطْلَق عَلَى اللَّعْن وَاللَّعْن مِنْ جُمْلَة السَّبّ - وَيُؤَيِّدهُ مَا ذَكَرْت مِنْ الْأَلْفَاظ الْمُخْتَلِفَة فَإِنَّ حَاصِلهَا يَرْجِع إِلَى الشَّتْم - فَالْمُرَاد مِنْ الْحَدِيث أَنَّهُ لَا يُعَامِلهُ بِمِثْلِ عَمَله بَلْ يَقْتَصِر عَلَى قَوْله \" إِنِّي صَائِم \" وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِم \" هَلْ يُخَاطِب بِهَا الَّذِي يُكَلِّمهُ بِذَلِكَ أَوْ يَقُولهَا فِي نَفْسه ؟ وَبِالثَّانِي جَزَمَ الْمُتَوَلِّي وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيّ عَنْ الْأَئِمَّة , وَرَجَّحَ النَّوَوِيّ الْأَوَّل فِي \" الْأَذْكَار \" وَقَالَ فِي \" شَرْح الْمُهَذَّب \" كُلّ مِنْهُمَا حَسَن , وَالْقَوْل بِاللِّسَانِ أَقْوَى وَلَوْ جَمَعَهُمَا لَكَانَ حَسَنًا , وَلِهَذَا التَّرَدُّد أَتَى الْبُخَارِيّ فِي تَرْجَمَته كَمَا سَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب بِالِاسْتِفْهَامِ فَقَالَ \" بَاب هَلْ يَقُول إِنِّي صَائِم إِذَا شُتِمَ ؟ \" وَقَالَ الرُّويَانِيّ : إِنْ كَانَ رَمَضَان فَلْيَقُلْ بِلِسَانِهِ , وَإِنْ كَانَ غَيْره فَلْيَقُلْهُ فِي نَفْسه. وَادَّعَى اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّ مَوْضِع الْخِلَاف فِي التَّطَوُّع. وَأَمَّا فِي الْفَرْض فَيَقُولهُ بِلِسَانِهِ قَطْعًا , وَأَمَّا تَكْرِير قَوْله \" إِنِّي صَائِم \" فَلْيَتَأَكَّد الِانْزِجَار مِنْهُ أَوْ مِمَّنْ يُخَاطِبهُ بِذَلِكَ. وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيّ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِم مَرَّتَيْنِ \" يَقُولهُ مَرَّة بِقَلْبِهِ وَمَرَّة بِلِسَانِهِ , فَيَسْتَفِيد بِقَوْلِهِ بِقَلْبِهِ كَفّ لِسَانه عَنْ خَصْمه وَبِقَوْلِهِ بِلِسَانِهِ كَفّ خَصْمه عَنْهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْقَوْل حَقِيقَة بِاللِّسَانِ , وَأُجِيب بِأَنَّهُ لَا يَمْنَع الْمَجَاز , وَقَوْله \" قَاتَلَهُ \" يُمْكِن حَمْله عَلَى ظَاهِره وَيُمْكِن أَنْ يُرَاد بِالْقَتْلِ لَعْن يَرْجِع إِلَى مَعْنَى الشَّتْم , وَلَا يُمْكِن حَمْل قَاتَلَهُ وَشَاتَمَهُ عَلَى الْمُفَاعَلَة لِأَنَّ الصَّائِم مَأْمُور بِأَنْ يَكُفّ نَفْسه عَنْ ذَلِكَ فَكَيْف يَقَع ذَلِكَ مِنْهُ ؟ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى إِذَا جَاءَهُ مُتَعَرِّضًا لِمُقَاتَلَتِهِ أَوْ مُشَاتَمَته كَأَنْ يَبْدَأهُ بِقَتْلٍ أَوْ شَتْم اِقْتَضَتْ الْعَادَة أَنْ يُكَافِئهُ عَلَيْهِ. فَالْمُرَاد بِالْمُفَاعَلَةِ إِرَادَة غَيْر الصَّائِم ذَلِكَ مِنْ الصَّائِم , وَقَدْ تُطْلَق الْمُفَاعَلَة عَلَى التَّهَيُّؤ لَهَا وَلَوْ وَقَعَ الْفِعْل مِنْ وَاحِد , وَقَدْ تَقَع الْمُفَاعَلَة بِفِعْلِ الْوَاحِد كَمَا يُقَال لِوَاحِدٍ عَالَجَ الْأَمْر وَعَافَاهُ اللَّه , وَأَبْعَدَ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِره فَقَالَ الْمُرَاد إِذَا بَدَرَتْ مِنْ الصَّائِم مُقَابَلَة الشَّتْم بِشَتْمٍ عَلَى مُقْتَضَى الطَّبْع فَلْيَنْزَجِرْ عَنْ ذَلِكَ وَيَقُول إِنِّي صَائِم. وَمِمَّا يُبَعِّدهُ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة \" فَإِنْ شَتَمَهُ شَتَمَهُ \" وَاللَّه أَعْلَم. وَفَائِدَة قَوْله \" إِنِّي صَائِم \" أَنَّهُ يُمْكِن أَنْ يَكُفّ عَنْهُ بِذَلِكَ , فَإِنْ أَصَرَّ دَفَعَهُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفّ كَالصَّائِلِ , هَذَا فِيمَنْ يَرُوم مُقَاتَلَته حَقِيقَة , فَإِنْ كَانَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" قَاتَلَهُ \" شَاتَمَهُ فَالْمُرَاد مِنْ الْحَدِيث أَنَّهُ لَا يُعَامِلهُ بِمِثْلِ عَمَله , بَلْ يَقْتَصِر عَلَى قَوْله إِنِّي صَائِم. ‏ ‏قَوْله : ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) ‏ ‏أَقْسَمَ عَلَى ذَلِكَ تَأْكِيدًا. ‏ ‏قَوْله : ( لَخُلُوف ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَاللَّام وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا فَاء. قَالَ عِيَاض : هَذِهِ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة , وَبَعْض الشُّيُوخ يَقُولهُ بِفَتْحِ الْخَاء , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهُوَ خَطَأ , وَحَكَى الْقَابِسِيّ الْوَجْهَيْنِ , وَبَالَغَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح الْمُهَذَّب \" فَقَالَ لَا يَجُوز فَتْح الْخَاء , وَاحْتَجَّ غَيْره لِذَلِكَ بِأَنَّ الْمَصَادِر الَّتِي جَاءَتْ عَلَى فَعُول - بِفَتْحِ أَوَّله - قَلِيلَة ذَكَرهَا سِيبَوَيْهِ وَغَيْره وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ تَغَيُّر رَائِحَة فَم الصَّائِم بِسَبَبِ الصِّيَام. ‏ ‏قَوْله : ( فَم الصَّائِم ) ‏ ‏فِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ قَالَ لَا تَثْبُت الْمِيم فِي الْفَم عِنْد الْإِضَافَة إِلَّا فِي ضَرُورَة الشَّعْر لِثُبُوتِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( أَطْيَب عِنْد اللَّه مِنْ رِيح الْمِسْك ) ‏ ‏اُخْتُلِفَ فِي كَوْن الْخُلُوف أَطْيَب عِنْد اللَّه مِنْ رِيح الْمِسْك - مَعَ أَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى مُنَزَّه عَنْ اِسْتِطَابَة الرَّوَائِح , إِذْ ذَاكَ مِنْ صِفَات الْحَيَوَان , وَمَعَ أَنَّهُ يَعْلَم الشَّيْء عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ - عَلَى أَوْجُه. قَالَ الْمَازِرِيّ : هُوَ مَجَاز لِأَنَّهُ جَرَتْ الْعَادَة بِتَقْرِيبِ الرَّوَائِح الطَّيِّبَة مِنَّا فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِلصَّوْمِ لِتَقْرِيبِهِ مِنْ اللَّه , فَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَطْيَب عِنْد اللَّه مِنْ رِيح الْمِسْك عِنْدكُمْ أَيْ يُقَرَّب إِلَيْهِ أَكْثَر مِنْ تَقْرِيب الْمِسْك إِلَيْكُمْ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّ ذَلِكَ فِي حَقّ الْمَلَائِكَة وَأَنَّهُمْ يَسْتَطِيبُونَ رِيح الْخُلُوف أَكْثَر مِمَّا يَسْتَطِيبُونَ رِيح الْمِسْك , وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنَّ حُكْم الْخُلُوف وَالْمِسْك عِنْد اللَّه عَلَى ضِدّ مَا هُوَ عِنْدكُمْ , وَهُوَ قَرِيب مِنْ الْأَوَّل. وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَجْزِيه فِي الْآخِرَة فَتَكُون نَكْهَته أَطْيَب مِنْ رِيح الْمِسْك كَمَا يَأْتِي الْمَكْلُوم وَرِيح جُرْحه تَفُوح مِسْكًا. وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّ صَاحِبه يَنَال مِنْ الثَّوَاب مَا هُوَ أَفْضَل مِنْ رِيح الْمِسْك لَا سِيَّمَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْخُلُوف حَكَاهُمَا عِيَاض. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ وَجَمَاعَة : الْمَعْنَى أَنَّ الْخُلُوف أَكْثَر ثَوَابًا مِنْ الْمِسْك الْمَنْدُوب إِلَيْهِ فِي الْجَمْع وَمَجَالِس الذِّكْر , وَرَجَّحَ النَّوَوِيّ هَذَا الْأَخِير , وَحَاصِله حَمْل مَعْنَى الطِّيب عَلَى الْقَبُول وَالرِّضَا , فَحَصَلْنَا عَلَى سِتَّة أَوْجُه. وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْن فِي تَعْلِيقه أَنَّ لِلطَّاعَاتِ يَوْم الْقِيَامَة رِيحًا تَفُوح. قَالَ فَرَائِحَة الصِّيَام فِيهَا بَيْن الْعِبَادَات كَالْمِسْكِ , وَيُؤَيِّد الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة قَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِم وَأَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ أَبِي صَالِح \" أَطْيَب عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة \" وَأَخْرَجَ أَحْمَد هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ حَدِيث بَشِير بْن الْخَصَاصِيَةِ , وَقَدْ تَرْجَمَ اِبْن حِبَّان بِذَلِكَ فِي صَحِيحه ثُمَّ قَالَ \" ذِكْر الْبَيَان بِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُون فِي الدُّنْيَا \" ثُمَّ أَخْرَجَ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا \" فَم الصَّائِم حِين يَخْلُف مِنْ الطَّعَام \" وَهِيَ عِنْده وَعِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح , وَيُمْكِن أَنْ يُحْمَل قَوْله \" حِين يَخْلُف \" عَلَى أَنَّهُ ظَرْف لِوُجُودِ الْخُلُوف الْمَشْهُود لَهُ بِالطِّيبِ فَيَكُون سَبَبًا لِلطِّيبِ فِي الْحَال الثَّانِي فَيُوَافِق الرِّوَايَة الْأُولَى وَهِيَ قَوْله \" يَوْم الْقِيَامَة \" لَكِنْ يُؤَيِّد ظَاهِره وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ فِي الدُّنْيَا مَا رَوَى الْحَسَن بْن سُفْيَان فِي مُسْنَده وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَب مِنْ حَدِيث جَابِر فِي أَثْنَاء حَدِيث مَرْفُوع فِي فَضْل هَذِهِ الْأُمَّة فِي رَمَضَان , وَأَمَّا الثَّانِيَة \" فَإِنَّ خُلُوف أَفْوَاههمْ حِين يَمَسُّونَ أَطْيَب عِنْد اللَّه مِنْ رِيح الْمِسْك \" قَالَ الْمُنْذِرِيُّ إِسْنَاده مُقَارِب , وَهَذِهِ الْمَسْأَلَة إِحْدَى الْمَسَائِل الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا اِبْن عَبْد السَّلَام وَابْن الصَّلَاح , فَذَهَبَ اِبْن عَبْد السَّلَام إِلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي الْآخِرَة كَمَا فِي دَم الشَّهِيد وَاسْتَدَلَّ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا \" يَوْم الْقِيَامَة \" وَذَهَبَ اِبْن الصَّلَاح إِلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَاسْتَدَلَّ بِمَا تَقَدَّمَ وَأَنَّ جُمْهُور الْعُلَمَاء ذَهَبُوا إِلَى ذَلِكَ , فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : طِيبه عِنْد اللَّه رِضَاهُ بِهِ وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : أَزْكَى عِنْد اللَّه وَأَقْرَب إِلَيْهِ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : مَعْنَاهُ الثَّنَاء عَلَى الصَّائِم وَالرِّضَا بِفِعْلِهِ , وَبِنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ الْقُدُورِيّ مِنْ الْحَنَفِيَّة وَالدَّاوُدِيّ وَابْن الْعَرَبِيّ مِنْ الْمَالِكِيَّة وَأَبُو عُثْمَان الصَّابُونِيّ وَأَبُو بَكْر بْن السَّمْعَانِيّ وَغَيْرهمْ مِنْ الشَّافِعِيَّة , جَزَمُوا كُلّهمْ بِأَنَّهُ عِبَارَة عَنْ الرِّضَا وَالْقَبُول , وَأَمَّا ذِكْر يَوْم الْقِيَامَة فِي تِلْكَ الرِّوَايَة فَلِأَنَّهُ يَوْم الْجَزَاء وَفِيهِ يَظْهَر رُجْحَان الْخُلُوف فِي الْمِيزَان عَلَى الْمِسْك الْمُسْتَعْمَل لِدَفْعِ الرَّائِحَة الْكَرِيهَة طَلَبًا لِرِضَا اللَّه تَعَالَى حَيْثُ يُؤْمَر بِاجْتِنَابِهَا , فَقَيَّدَهُ بِيَوْمِ الْقِيَامَة فِي رِوَايَة وَأَطْلَقَ فِي بَاقِي الرِّوَايَات نَظَرًا إِلَى أَنَّ أَصْل أَفْضَلِيَّته ثَابِت فِي الدَّارَيْنِ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ : ( إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ) وَهُوَ خَبِير بِهِمْ فِي كُلّ يَوْم , اِنْتَهَى. وَيَتَرَتَّب عَلَى هَذَا الْخِلَاف الْمَشْهُور فِي كَرَاهَة إِزَالَة هَذَا الْخُلُوف بِالسِّوَاكِ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْد بِضْعَة وَعِشْرِينَ بَابًا حَيْثُ تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّف إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَيُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" أَطْيَب مِنْ رِيح الْمِسْك \" أَنَّ الْخُلُوف أَعْظَم مِنْ دَم الشَّهَادَة لِأَنَّ دَم الشَّهِيد شَبَّهَ رِيحه بِرِيحِ الْمِسْك , وَالْخُلُوف وُصِفَ بِأَنَّهُ أَطْيَب , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون الصِّيَام أَفْضَل مِنْ الشَّهَادَة لِمَا لَا يَخْفَى , وَلَعَلَّ سَبَب ذَلِكَ النَّظَر إِلَى أَصْل كُلّ مِنْهُمَا فَإِنَّ أَصْل الْخُلُوف طَاهِر وَأَصْل الدَّم بِخِلَافِهِ فَكَانَ مَا أَصْله طَاهِر أَطْيَب رِيحًا. ‏ ‏قَوْله : ( يَتْرُك طَعَامه وَشَرَابه وَشَهْوَته مِنْ أَجْلِي ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ هُنَا , وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّإ \" وَإِنَّمَا يَذَر شَهْوَته إِلَخْ \" وَلَمْ يُصَرِّح بِنِسْبَتِهِ إِلَى اللَّه لِلْعِلْمِ بِهِ وَعَدَم الْإِشْكَال فِيهِ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَد هَذَا الْحَدِيث عَنْ إِسْحَاق بْنِ الطَّبَّاع عَنْ مَالِك فَقَالَ بَعْد قَوْله مِنْ رِيح الْمِسْك \" يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا يَذَر شَهْوَته إِلَخْ \" كَذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ مُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي الزِّنَاد فَقَالَ فِي أَوَّل الْحَدِيث \" يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : كُلّ عَمَل اِبْن آدَم هُوَ لَهُ , إِلَّا الصِّيَام فَهُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ , وَإِنَّمَا يَذَر اِبْن آدَم شَهْوَته وَطَعَامه مِنْ أَجْلِي \" الْحَدِيث. وَسَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ أَبِي صَالِح بِلَفْظِ \" قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : كُلّ عَمَل اِبْن آدَم لَهُ \" الْحَدِيث. وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح بِلَفْظِ \" يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : الصَّوْم لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" الْحَدِيث. وَقَدْ يُفْهَم مِنْ الْإِتْيَان بِصِيغَةِ الْحَصْر فِي قَوْله \" إِنَّمَا يَذَر إِلَخْ \" التَّنْبِيه عَلَى الْجِهَة الَّتِي بِهَا يَسْتَحِقّ الصَّائِم ذَلِكَ وَهُوَ الْإِخْلَاص الْخَاصّ بِهِ , حَتَّى لَوْ كَانَ تَرْك الْمَذْكُورَات لِغَرَضٍ آخَر كَالتُّخَمَةِ لَا يَحْصُل لِلصَّائِمِ الْفَضْل الْمَذْكُور , لَكِنَّ الْمَدَار فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء عَلَى الدَّاعِي الْقَوِيّ الَّذِي يَدُور مَعَهُ الْفِعْل وُجُودًا وَعَدَمًا , وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِض فِي خَاطِره شَهْوَة شَيْء مِنْ الْأَشْيَاء طُول نَهَاره إِلَى أَنْ أَفْطَرَ لَيْسَ هُوَ فِي الْفَضْل كَمَنْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ فَجَاهَدَ نَفْسه فِي تَرْكه , وَالْمُرَاد بِالشَّهْوَةِ فِي الْحَدِيث شَهْوَة الْجِمَاع لِعَطْفِهَا عَلَى الطَّعَام وَالشَّرَاب , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ الْعَامّ بَعْد الْخَاصّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُوَطَّإ بِتَقْدِيمِ الشَّهْوَة عَلَيْهَا فَيَكُون مِنْ الْخَاصّ بَعْد الْعَامّ , وَمِثْله حَدِيث أَبِي صَالِح فِي التَّوْحِيد , وَكَذَا جُمْهُور الرُّوَاة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. وَفِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق سُهَيْل عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ \" يَدَع الطَّعَام وَالشَّرَاب مِنْ أَجْلِي , وَيَدَع لَذَّته مِنْ أَجْلِي \" وَفِي رِوَايَة أَبِي قُرَّة مِنْ هَذَا الْوَجْه \" يَدَع اِمْرَأَته وَشَهْوَته وَطَعَامه وَشَرَابه مِنْ أَجْلِي \" وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْد الْحَافِظ سَمُّويَةَ فِي فَوَائِده مِنْ طَرِيق الْمُسَيِّب بْن رَافِع عَنْ أَبِي صَالِح \" يَتْرُك شَهْوَته مِنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب وَالْجِمَاع مِنْ أَجْلِي \". ‏ ‏قَوْله : ( الصِّيَام لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِغَيْرِ أَدَاة عَطْف وَلَا غَيْرهَا , وَفِي الْمُوَطَّأ \" فَالصِّيَام \" بِزِيَادَةِ الْفَاء وَهِيَ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ سَبَب كَوْنه لِي أَنَّهُ يَتْرُك شَهْوَته لِأَجْلِي. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُغِيرَة عَنْ أَبِي الزِّنَاد عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور \" كُلّ عَمَل اِبْنِ آدَم لَهُ , إِلَّا الصِّيَام فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" وَمِثْله فِي رِوَايَة عَطَاء عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْآتِيَة , وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى \" الصِّيَام لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" مَعَ أَنَّ الْأَعْمَال كُلّهَا لَهُ وَهُوَ الَّذِي يَجْزِي بِهَا عَلَى أَقْوَال : أَحَدهَا أَنَّ الصَّوْم لَا يَقَع فِيهِ الرِّيَاء كَمَا يَقَع فِي غَيْره , حَكَاهُ الْمَازِرِيّ وَنَقَلَهُ عِيَاض عَنْ أَبِي عُبَيْد , وَلَفْظ أَبِي عُبَيْد فِي غَرِيبه : قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَعْمَال الْبِرّ كُلّهَا لِلَّهِ وَهُوَ الَّذِي يَجْزِي بِهَا , فَنَرَى وَاللَّه أَعْلَم أَنَّهُ إِنَّمَا خَصَّ الصِّيَام لِأَنَّهُ لَيْسَ يَظْهَر مِنْ اِبْنِ آدَم بِفِعْلِهِ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء فِي الْقَلْب. وَيُؤَيِّد هَذَا التَّأْوِيل قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَيْسَ فِي الصِّيَام رِيَاء \" حَدَّثَنِيهِ شَبَابَة عَنْ عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيِّ فَذَكَرَهُ يَعْنِي مُرْسَلًا قَالَ : وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَعْمَال لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْحَرَكَاتِ , إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّيَّةِ الَّتِي تَخْفَى عَنْ النَّاس , وَهَذَا وَجْه الْحَدِيث عِنْدِي , اِنْتَهَى. وَقَدْ رَوَى الْحَدِيث الْمَذْكُور الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" مِنْ طَرِيق عُقَيْل , وَأَوْرَدَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ مَوْصُولًا عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَإِسْنَاده ضَعِيف وَلَفْظه \" الصِّيَام لَا رِيَاء فِيهِ. قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَمَّا كَانَتْ الْأَعْمَال يَدْخُلهَا الرِّيَاء وَالصَّوْم لَا يَطَّلِع عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ فِعْله إِلَّا اللَّه فَأَضَافَهُ اللَّه إِلَى نَفْسه , وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيث \" يَدَع شَهْوَته مِنْ أَجْلِي \" وَقَالَ اِبْنِ الْجَوْزِيّ : جَمِيع الْعِبَادَات تَظْهَر بِفِعْلِهَا وَقَلَّ أَنْ يَسْلَم مَا يَظْهَر مِنْ شَوْب , بِخِلَافِ الصَّوْم. وَارْتَضَى هَذَا الْجَوَاب الْمَازِرِيّ وَقَرَّرَهُ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّ أَعْمَال بَنِي آدَم لَمَّا كَانَتْ يُمْكِن دُخُول الرِّيَاء فِيهَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِمْ , بِخِلَافِ الصَّوْم فَإِنَّ حَالَ الْمُمْسِك شِبَعًا مِثْل حَالِ الْمُمْسِك تَقَرُّبًا يَعْنِي فِي الصُّورَة الظَّاهِرَة. قُلْت : مَعْنَى النَّفْي فِي قَوْله \" لَا رِيَاء فِي الصَّوْم \" أَنَّهُ لَا يَدْخُلهُ الرِّيَاء بِفِعْلِهِ , وَإِنْ كَانَ قَدْ يَدْخُلهُ الرِّيَاء بِالْقَوْلِ كَمَنْ يَصُوم ثُمَّ يُخْبِر بِأَنَّهُ صَائِم فَقَدْ يَدْخُلهُ الرِّيَاء مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّة , فَدُخُول الرِّيَاء فِي الصَّوْم إِنَّمَا يَقَع مِنْ جِهَة الْإِخْبَار , بِخِلَافِ بَقِيَّة الْأَعْمَال فَإِنَّ الرِّيَاء قَدْ يَدْخُلهَا بِمُجَرَّدِ فِعْلهَا. وَقَدْ حَاوَلَ بَعْض الْأَئِمَّة إِلْحَاق شَيْء مِنْ الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة بِالصَّوْمِ فَقَالَ : إِنَّ الذِّكْر بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه يُمْكِن أَنْ لَا يَدْخُلهُ الرِّيَاء , لِأَنَّهُ بِحَرَكَةِ اللِّسَان خَاصَّة دُون غَيْره مِنْ أَعْضَاء الْفَم , فَيُمْكِن الذَّاكِر أَنْ يَقُولهَا بِحَضْرَةِ النَّاس وَلَا يَشْعُرُونَ مِنْهُ بِذَلِكَ. ثَانِيهَا أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" أَنِّي أَنْفَرِد بِعِلْمِ مِقْدَار ثَوَابه وَتَضْعِيف حَسَنَاته. وَأَمَّا غَيْره مِنْ الْعِبَادَات فَقَدْ اِطَّلَعَ عَلَيْهَا بَعْض النَّاس. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَعْمَال قَدْ كَشَفْت مَقَادِير ثَوَابهَا لِلنَّاسِ وَأَنَّهَا تُضَاعَف مِنْ عَشْرَة إِلَى سَبْعمِائَةِ إِلَى مَا شَاءَ اللَّه , إِلَّا الصِّيَام فَإِنَّ اللَّه يُثِيب عَلَيْهِ بِغَيْرِ تَقْدِير. وَيَشْهَد لِهَذَا السِّيَاق الرِّوَايَة الْأُخْرَى يَعْنِي رِوَايَة الْمُوَطَّأ , وَكَذَلِكَ رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِحِ حَيْثُ قَالَ \" كُلّ عَمَل اِبْنِ آدَمِ يُضَاعَف الْحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْف إِلَى مَا شَاءَ اللَّه - قَالَ اللَّه - إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" أَيْ أُجَازِي عَلَيْهِ جَزَاء كَثِيرًا مِنْ غَيْر تَعْيِين لِمِقْدَارِهِ , وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) اِنْتَهَى. وَالصَّابِرُونَ الصَّائِمُونَ فِي أَكْثَرِ الْأَقْوَال. قُلْت : وَسَبَقَ إِلَى هَذَا أَبُو عُبَيْد فِي غَرِيبه فَقَالَ : بَلَغَنِي عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ , وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِأَنَّ الصَّوْم هُوَ الصَّبْر لِأَنَّ الصَّائِم يُصَبِّر نَفْسه عَنْ الشَّهَوَات , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) اِنْتَهَى. وَيَشْهَد رِوَايَة الْمُسَيِّب بْن رَافِعِ عَنْ أَبِي صَالِحِ عِنْد سَمُّويَة \" إِلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْف , إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَد مَا فِيهِ \" وَيَشْهَد لَهُ أَيْضًا مَا رَوَاهُ اِبْنِ وَهْب فِي جَامِعِهِ عَنْ عُمَر بْن مُحَمَّد بْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ جَدِّهِ زَيْد مُرْسَلًا , وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عُمَر بْن مُحَمَّد عَنْ عَبْد اللَّه بْن مِينَاء عَنْ اِبْنِ عُمَر مَرْفُوعًا \" الْأَعْمَال عِنْد اللَّه سَبْع \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" وَعَمَل لَا يَعْلَم ثَوَاب عَامِلِهِ إِلَّا اللَّه \" ثُمَّ قَالَ : وَأَمَّا الْعَمَل الَّذِي لَا يَعْلَم ثَوَاب عَامِلِهِ إلَّا اللَّه فَالصِّيَام , ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذَا الْقَوْل ظَاهِر الْحُسْن , قَالَ : غَيْر أَنَّهُ تَقَدَّمَ وَيَأْتِي فِي غَيْر مَا حَدِيث أَنَّ صَوْم الْيَوْم بِعَشْرَةِ أَيَّام , وَهِيَ نَصّ فِي إِظْهَار التَّضْعِيف , فَبَعُدَ هَذَا الْجَوَاب بَلْ بَطَلَ. قُلْت : لَا يَلْزَم مِنْ الَّذِي ذُكِرَ بُطْلَانه , بَلْ الْمُرَاد بِمَا أَوْرَدَهُ أَنَّ صِيَام الْيَوْم الْوَاحِد يُكْتَب بِعَشْرَةِ أَيَّام , وَأَمَّا مِقْدَار ثَوَاب ذَلِكَ فَلَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه تَعَالَى. وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا الْعُرْف الْمُسْتَفَاد مِنْ قَوْله \" أَنَا أَجْزِي بِهِ \" لِأَنَّ الْكَرِيم إِذَا قَالَ : أَنَا أَتَوَلَّى الْإِعْطَاء بِنَفْسِي كَانَ فِي ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى تَعْظِيم ذَلِكَ الْعَطَاء وَتَفْخِيمه. ثَالِثهَا مَعْنَى قَوْله \" الصَّوْم لِي \" أَيْ أَنَّهُ أَحَبّ الْعِبَادَات إِلَيَّ وَالْمُقَدَّم عِنْدِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل اِبْنِ عَبْد الْبَرّ : كَفَى بِقَوْلِهِ \" الصَّوْم لِي \" فَضْلًا لِلصِّيَامِ عَلَى سَائِر الْعِبَادَات. وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَغَيْره مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا \" عَلَيْك بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْل لَهُ \" لَكِنْ يُعَكِّر عَلَى هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح \" وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْر أَعْمَالكُمْ الصَّلَاة \". رَابِعِهَا : الْإِضَافَة إِضَافَة تَشْرِيف وَتَعْظِيم كَمَا يُقَال بَيْت اللَّه وَإِنْ كَانَتْ الْبُيُوت كُلّهَا لِلَّهِ. قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : التَّخْصِيص فِي مَوْضِع التَّعْمِيم فِي مِثْل هَذَا السِّيَاق لَا يُفْهَم مِنْهُ إِلَّا التَّعْظِيم وَالتَّشْرِيف. خَامِسهَا : أَنَّ الِاسْتِغْنَاء عَنْ الطَّعَام وَغَيْره مِنْ الشَّهَوَات مِنْ صِفَات الرَّبّ جَلَّ جَلَاله , فَلَمَّا تَقَرَّبَ الصَّائِم إِلَيْهِ بِمَا يُوَافِق صِفَاته أَضَافَهُ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّ أَعْمَال الْعِبَاد مُنَاسِبَة لِأَحْوَالِهِمْ إِلَّا الصِّيَام فَإِنَّهُ مُنَاسِب لِصِفَةٍ مِنْ صِفَات الْحَقّ , كَأَنَّهُ يَقُول إِنَّ الصَّائِم يَتَقَرَّب إِلَيَّ بِأَمْرٍ هُوَ مُتَعَلِّق بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِي. سَادِسهَا : أَنَّ الْمَعْنَى كَذَلِكَ , لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَلَائِكَة لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتهمْ. سَابِعهَا : أَنَّهُ خَالِصٌ لِلَّهِ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهِ حَظٌّ , قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ , هَكَذَا نَقَلَهُ عِيَاض وَغَيْره , فَإِنْ أَرَادَ بِالْحَظِّ مَا يَحْصُل مِنْ الثَّنَاء عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْعِبَادَة رَجَعَ إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّل , وَقَدْ أَفْصَحَ بِذَلِكَ اِبْنُ الْجَوْزِيّ فَقَالَ : الْمَعْنَى لَيْسَ لِنَفْسِ الصَّائِم فِيهِ حَظٌّ بِخِلَافِ غَيْره فَإِنَّ لَهُ فِيهِ حَظًّا لِثَنَاءِ النَّاس عَلَيْهِ لِعِبَادَتِهِ. ثَامِنِهَا : سَبَب الْإِضَافَة إِلَى اللَّه أَنَّ الصِّيَام لَمْ يُعْبَد بِهِ غَيْر اللَّه , بِخِلَافِ الصَّلَاة وَالصَّدَقَة وَالطَّوَاف وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِمَا يَقَع مِنْ عُبَّاد النُّجُوم وَأَصْحَاب الْهَيَاكِل وَالِاسْتِخْدَامَات , فَإِنَّهُمْ يَتَعَبَّدُونَ لَهَا بِالصِّيَامِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ إِلَهِيَّة الْكَوَاكِب , وَإِنَّمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا فَعَّالَة بِأَنْفُسِهَا , وَهَذَا الْجَوَاب عِنْدِي لَيْسَ بِطَائِلٍ , لِأَنَّهُمْ طَائِفَتَانِ , إِحْدَاهُمَا كَانَتْ تَعْتَقِد إِلَهِيَّة الْكَوَاكِب وَهُمْ مَنْ كَانَ قَبْل ظُهُور الْإِسْلَام , وَاسْتَمَرَّ مِنْهُمْ مَنْ اِسْتَمَرَّ عَلَى كُفْره. وَالْأُخْرَى مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَام وَاسْتَمَرَّ عَلَى تَعْظِيم الْكَوَاكِب وَهُمْ الَّذِينَ أُشِيرَ إِلَيْهِمْ. تَاسِعهَا : أَنَّ جَمِيع الْعِبَادَات تُوَفَّى مِنْهَا مَظَالِم الْعِبَاد إِلَّا الصِّيَام , رَوَى ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن أَيُّوب بْن حَسَّان الْوَاسِطِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يُحَاسِب اللَّه عَبْده وَيُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَظَالِم مِنْ عَمَله حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ إِلَّا الصَّوْم , فَيَتَحَمَّل اللَّه مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَظَالِم وَيُدْخِلهُ بِالصَّوْمِ الْجَنَّة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَدْ كُنْت اِسْتَحْسَنْت هَذَا الْجَوَاب إِلَى أَنْ فَكَّرْت فِي حَدِيث الْمُقَاصَّة فَوَجَدْت فِيهِ ذِكْر الصَّوْم فِي جُمْلَة الْأَعْمَال حَيْثُ قَالَ \" الْمُفْلِس الَّذِي يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِصَلَاةٍ وَصَدَقَة وَصِيَام , وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا وَأَكَلَ مَالِ هَذَا \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَيُؤْخَذ لِهَذَا مِنْ حَسَنَاته وَلِهَذَا مِنْ حَسَنَاته , فَإِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاته قَبْل أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتهمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ , ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّار \" فَظَاهِرُهُ أَنَّ الصِّيَام مُشْتَرِك مَعَ بَقِيَّة الْأَعْمَال فِي ذَلِكَ. قُلْت : إِنْ ثَبَتَ قَوْل اِبْنِ عُيَيْنَةَ أَمْكَنَ تَخْصِيص الصِّيَام مِنْ ذَلِكَ , فَقَدْ يُسْتَدَلّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" كُلّ الْعَمَل كَفَّارَة إِلَّا الصَّوْم , الصَّوْم لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَده عَنْ شُعْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد وَلَفْظه \" قَالَ رَبّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : كُلّ الْعَمَل كَفَّارَة إِلَّا الصَّوْم \" وَرَوَاهُ قَاسِم بْن أَصْبَغَ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" كُلّ مَا يَعْمَلهُ اِبْن آدَم كَفَّارَة لَهُ إِلَّا الصَّوْم \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي التَّوْحِيد عَنْ آدَم عَنْ شُعْبَة بِلَفْظٍ يَرْوِيه \" عَنْ رَبِّكُمْ قَالَ : لِكُلِّ عَمَل كَفَّارَة وَالصَّوْم لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" فَحَذَفَ الِاسْتِثْنَاء , وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة لَكِنْ قَالَ \" كُلّ الْعَمَل كَفَّارَة \" وَهَذَا يُخَالِف رِوَايَة آدَم لِأَنَّ مَعْنَاهَا إِنَّ لِكُلِّ عَمَل مِنْ الْمَعَاصِي كَفَّارَة مِنْ الطَّاعَات , وَمَعْنَى رِوَايَة غُنْدَر كُلّ عَمَل مِنْ الطَّاعَات كَفَّارَة لِلْمَعَاصِي , وَقَدْ بَيَّنَ الْإِسْمَاعِيلِيّ الِاخْتِلَاف فِيهِ فِي ذَلِكَ عَلَى شُعْبَة , وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق غُنْدَر بِذِكْرِ الِاسْتِثْنَاء فَاخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا عَلَى غُنْدَر , وَالِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور يَشْهَد لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ اِبْنِ عُيَيْنَةَ , لَكِنَّهُ وَإِنْ كَانَ صَحِيح السَّنَد فَإِنَّهُ يُعَارِضهُ حَدِيث حُذَيْفَة \" فِتْنَة الرَّجُل فِي أَهْله وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ يُكَفِّرهَا الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالصَّدَقَة \" وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي تَعْقِيب الْبُخَارِيّ لِحَدِيثِ الْبَاب بِبَابِ الصَّوْم كَفَّارَة وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث حُذَيْفَة , وَسَأَذْكُرُ وَجْه الْجَمْع بَيْنهمَا فِي الْكَلَام عَلَى الْبَاب الَّذِي يَلِيه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. عَاشِرهَا : أَنَّ الصَّوْم لَا يَظْهَر فَتَكْتُبهُ الْحَفَظَة كَمَا تَكْتُب سَائِر الْأَعْمَال , وَاسْتَنَدَ قَائِله إِلَى حَدِيث وَاهٍ جِدًّا أَوْرَدَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي \" الْمُسَلْسَلَات \" وَلَفْظه \" قَالَ اللَّه الْإِخْلَاص سِرّ مِنْ سِرِّي اِسْتَوْدَعْته قَلْب مَنْ أُحِبّ لَا يَطَّلِع عَلَيْهِ مَلَك فَيَكْتُبَهُ وَلَا شَيْطَان فَيُفْسِدهُ \" وَيَكْفِي فِي رَدّ هَذَا الْقَوْل الْحَدِيث الصَّحِيح فِي كِتَابَة الْحَسَنَة لِمَنْ هَمَّ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَعْمَلهَا. فَهَذَا مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْوِبَة , وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْض الْعُلَمَاء بَلَغَهَا إِلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا وَهُوَ الطَّالِقَانِيّ فِي \" حَظَائِر الْقُدُس \" لَهُ وَلَمْ أَقِف عَلَيْهِ , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالصِّيَامِ هُنَا صِيَام مَنْ سَلِمَ صِيَامه مِنْ الْمَعَاصِي قَوْلًا وَفِعْلًا. وَنَقَلَ اِبْن الْعَرَبِيّ عَنْ بَعْض الزُّهَّاد أَنَّهُ مَخْصُوص بِصِيَامِ خَوَاصّ الْخَوَاصّ فَقَالَ : إِنَّ الصَّوْم عَلَى أَرْبَعَة أَنْوَاع : صِيَام الْعَوَامّ وَهُوَ الصَّوْم عَنْ الْأَكْل وَالشُّرْب وَالْجِمَاع , وَصِيَام خَوَاصّ الْعَوَامّ وَهُوَ هَذَا مَعَ اِجْتِنَاب الْمُحَرَّمَات مِنْ قَوْل أَوْ فِعْل , وَصِيَام الْخَوَاصّ وَهُوَ الصَّوْم عَنْ غَيْر ذِكْر اللَّه وَعِبَادَته , وَصِيَام خَوَاصّ الْخَوَاصّ وَهُوَ الصَّوْم عَنْ غَيْر اللَّه فَلَا فِطْرَ لَهُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَهَذَا مَقَام عَالٍ لَكِنْ فِي حَصْر الْمُرَاد مِنْ الْحَدِيث فِي هَذَا النَّوْع نَظَر لَا يَخْفَى. وَأَقْرَب الْأَجْوِبَة الَّتِي ذَكَرْتهَا إِلَى الصَّوَاب الْأَوَّل وَالثَّانِي وَيَقْرُب مِنْهُمَا الثَّامِن وَالتَّاسِع. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ فِي الْكَلَام عَلَى رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِحٍ الَّتِي بَيَّنْتهَا قَبْل : لَمَّا أَرَادَ بِالْعَمَلِ الْحَسَنَات وَضَعَ الْحَسَنَة فِي الْخَبَر مَوْضِع الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى الْمُبْتَدَأ , وَقَوْله \" إِلَّا الصِّيَام \" مُسْتَثْنًى مِنْ كَلَامٍ غَيْر مَحْكِيّ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْله , وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَسَنَات يُضَاعَف جَزَاؤُهَا مِنْ عَشْرَة أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْف إِلَّا الصَّوْم فَلَا يُضَاعَف إِلَى هَذَا الْقَدْر بَلْ ثَوَابه لَا يُقَدِّر قَدْره وَلَا يُحْصِيه إِلَّا اللَّه تَعَالَى , وَلِذَلِكَ يَتَوَلَّى اللَّه جَزَاءَهُ بِنَفْسِهِ وَلَا يَكِلهُ إِلَى غَيْره. قَالَ : وَالسَّبَب فِي اِخْتِصَاص الصَّوْم بِهَذِهِ الْمَزِيَّة أَمْرَانِ , أَحَدهمَا : أَنَّ سَائِر الْعِبَادَات مِمَّا يَطَّلِع الْعِبَاد عَلَيْهِ , وَالصَّوْم سِرّ بَيْن الْعَبْد وَبَيْن اللَّه تَعَالَى يَفْعَلهُ خَالِصًا وَيُعَامِلهُ بِهِ طَالِبًا لِرِضَاهُ , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ \" فَإِنَّهُ لِي \". وَالْآخَر : أَنَّ سَائِر الْحَسَنَات رَاجِعَة إِلَى صَرْف الْمَال أَوْ اِسْتِعْمَال لِلْبَدَنِ , وَالصَّوْم يَتَضَمَّن كَسْر النَّفْس وَتَعْرِيض الْبَدَن لِلنُّقْصَانِ , وَفِيهِ الصَّبْر عَلَى مَضَض الْجُوع وَالْعَطَش وَتَرْك الشَّهَوَات , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ \" يَدَع شَهْوَته مِنْ أَجْلِي \". قَالَ الطِّيبِيُّ : وَبَيَان هَذَا أَنَّ قَوْله \" يَدَع شَهْوَته إِلَخْ \" جُمْلَة مُسْتَأْنَفَة وَقَعَتْ مَوْقِع الْبَيَان لِمُوجِبِ الْحُكْم الْمَذْكُور , وَأَمَّا قَوْل الْبَيْضَاوِيّ : إِنَّ الِاسْتِثْنَاء مِنْ كَلَامٍ غَيْر مَحْكِيّ , فَفِيهِ نَظَر , فَقَدْ يُقَال : هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ كُلّ عَمَل وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ اللَّه لِقَوْلِهِ فِي أَثْنَاء الْحَدِيث \" قَالَ اللَّه تَعَالَى \" وَلَمَّا لَمْ يَذْكُرهُ فِي صَدْر الْكَلَام أَوْرَدَهُ فِي أَثْنَائِهِ بَيَانًا , وَفَائِدَته تَفْخِيم شَأْنِ الْكَلَام وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْطِق عَنْ الْهَوَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثَالهَا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا عِنْد الْبُخَارِيّ , وَقَدْ قَدَّمْت الْبَيَان بِأَنَّهُ وَقَعَ فِي \" الْمُوَطَّإ \" تَامًّا , وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق الْقَعْنَبِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ بَعْد قَوْله وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" كُلّ حَسَنَة يَعْمَلهَا اِبْن آدَم بِعَشْرِ أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْف , إِلَّا الصِّيَام فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" فَأَعَادَ قَوْله \" وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" فِي آخِر الْكَلَام تَأْكِيدًا , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى الْوَجْه الثَّانِي. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث \" لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا \" الْحَدِيث. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ بَعْد سِتَّة أَبْوَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1762",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَامِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْفِتْنَةِ قَالَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ قَالَ لَيْسَ أَسْأَلُ عَنْ ‏ ‏ذِهِ إِنَّمَا أَسْأَلُ عَنْ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ قَالَ وَإِنَّ دُونَ ذَلِكَ بَابًا مُغْلَقًا قَالَ فَيُفْتَحُ أَوْ يُكْسَرُ قَالَ يُكْسَرُ قَالَ ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقُلْنَا ‏ ‏لِمَسْرُوقٍ ‏ ‏سَلْهُ أَكَانَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَعْلَمُ مَنْ الْبَابُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ نَعَمْ كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1763",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي أَبُو حَازِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , وَسَهْل هُوَ اِبْن سَعْد السَّاعِدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ فِي الْجَنَّة بَابًا ) ‏ ‏قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : إِنَّمَا قَالَ فِي الْجَنَّة وَلَمْ يَقُلْ لِلْجَنَّةِ لِيُشْعِر بِأَنَّ فِي الْبَاب الْمَذْكُور مِنْ النَّعِيم وَالرَّاحَة فِي الْجَنَّة فَيَكُون أَبْلَغَ فِي التَّشَوُّق إِلَيْهِ. قُلْت : وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظِ \" إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَة أَبْوَاب , مِنْهَا بَاب يُسَمَّى الرَّيَّان لَا يَدْخُلهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ \". أَخْرَجَهُ هَكَذَا الْجَوْزَقِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي غَسَّان عَنْ أَبِي حَازِم , وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه فِي بَدْء الْخَلْق , لَكِنْ قَالَ \" فِي الْجَنَّة ثَمَانِيَة أَبْوَاب \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُل مِنْهُ أَحَد ) ‏ ‏كَرَّرَ نَفْي دُخُول غَيْرهمْ مِنْهُ تَأْكِيدًا , وَأَمَّا قَوْله \" فَلَمْ يَدْخُل \" فَهُوَ مَعْطُوف عَلَى \" أُغْلِقَ \" أَيْ لَمْ يَدْخُل مِنْهُ غَيْر مَنْ دَخَلَ. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ خَالِد بْن مَخْلَد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" فَإِذَا دَخَلَ آخِرهمْ أُغْلِقَ \" هَكَذَا فِي بَعْض النُّسَخ مِنْ مُسْلِم , وَفِي الْكَثِير مِنْهَا \" فَإِذَا دَخَلَ أَوَّلهمْ أُغْلِقَ \". قَالَ عِيَاض وَغَيْره : هُوَ وَهْم. وَالصَّوَاب آخِرهمْ. قُلْت : وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة فِي مُسْنَده وَأَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِ مَعًا مِنْ طَرِيقه , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْجَوْزَقِيّ مِنْ طُرُق عَنْ خَالِد بْن مَخْلَد , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن وَغَيْره وَزَادَ فِيهِ \" مَنْ دَخَلَ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَا يَظْمَأ أَبَدًا \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن سَعْد عَنْ أَبِي حَازِم نَحْوه وَزَادَ \" وَمَنْ دَخَلَهُ لَمْ يَظْمَأ أَبَدًا \" وَنَحْوه لِلنَّسَائِيِّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن حَازِم عَنْ أَبِيهِ لَكِنَّهُ وَقَفَهُ , وَهُوَ مَرْفُوع قَطْعًا لِأَنَّ مِثْله لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1764",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَعْنٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا قَالَ نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ الْآتِيَة فِي فَضْل أَبِي بَكْر \" أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : اِتَّفَقَ الرُّوَاة عَنْ مَالِك عَلَى وَصْله , إِلَّا يَحْيَى بْن بُكَيْر وَعَبْد اللَّه بْن يُوسُف فَإِنَّهُمَا أَرْسَلَاهُ , وَلَمْ يَقَع عِنْد الْقَعْنَبِيّ أَصْلًا. قُلْت : هَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْمُوَطَّآت \" مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن بُكَيْر مَوْصُولًا فَلَعَلَّهُ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْقَعْنَبِيّ فَلَعَلَّهُ حَدَّثَ بِهِ خَارِج الْمُوَطَّإ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيل اللَّه ) ‏ ‏زَادَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي عَنْ أَبِي مُصْعَب عَنْ مَالِك \" مِنْ مَاله \" وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" فِي سَبِيل اللَّه \" فَقِيلَ أَرَادَ الْجِهَاد , وَقِيلَ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْهُ , وَالْمُرَاد بِالزَّوْجَيْنِ إِنْفَاق شَيْئَيْنِ مِنْ أَيْ صِنْف مِنْ أَصْنَاف الْمَال مِنْ نَوْع وَاحِد كَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحه. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا خَيْر ) ‏ ‏لَيْسَ اِسْم التَّفْضِيل , بَلْ الْمَعْنَى هَذَا خَيْر مِنْ الْخَيْرَات , وَالتَّنْوِين فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ وَبِهِ تَظْهَر الْفَائِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الصِّيَام دُعِيَ مِنْ بَاب الرَّيَّان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد أَحْمَد \" لِكُلِّ أَهْل عَمَل بَاب يُدْعَوْنَ مِنْهُ بِذَلِكَ الْعَمَل , فَلِأَهْلِ الصِّيَام بَاب يُدْعَوْنَ مِنْهُ يُقَال لَهُ الرَّيَّان \" وَهَذَا صَرِيح فِي مَقْصُود التَّرْجَمَة , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي فَضَائِل أَبِي بَكْر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1765",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سُهَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سُهَيْل ) ‏ ‏هُوَ نَافِع بْن مَالِك بْن أَبِي عَامِر بْن عَمْرو بْن الْحَارِث بْن أَبِي غَيْمَان - بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ - الْأَصْبَحِيُّ , عَمّ مَالِكِ بْنِ أَنَس بْن مَالِك , وَأَبُوهُ تَابِعِيٌّ كَبِير أَدْرَكَ عُمَر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا جَاءَ رَمَضَان فُتِحَتْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ) ‏ ‏كَذَا أَخْرَجَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِتَمَامِهِ مِثْلَ رِوَايَةِ الزُّهْرِيّ الثَّانِيَةِ , وَالظَّاهِر أَنَّ الْبُخَارِيَّ جَمَعَ الْمَتْن بِإِسْنَادَيْنِ وَذَكَرَ مَوْضِعَ الْمُغَايَرَةِ وَهُوَ \" أَبْوَاب الْجَنَّةِ \" فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر \" وَأَبْوَاب السَّمَاءِ \" فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1766",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي أَنَسٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏التَّيْمِيِّينَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ ‏ ‏وَسُلْسِلَتْ ‏ ‏الشَّيَاطِينُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي اِبْن أَبِي أَنَس ) ‏ ‏هُوَ أَبُو سُهَيْل نَافِع بْن أَبِي أَنَس مَالِك بْن أَبِي عَامِر شَيْخ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر , وَهُوَ مِنْ صِغَار شُيُوخ الزُّهْرِيّ بِحَيْثُ أَدْرَكَهُ تَلَامِذَة الزُّهْرِيّ وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْهُمْ كَإِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر. وَهَذَا الْإِسْنَادُ يُعَدُّ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ , وَقَدْ تَأَخَّرَ أَبُو سُهَيْل فِي الْوَفَاةِ عَنْ الزُّهْرِيِّ. وَقَدْ بَيَّنَ النَّسَائِيّ أَنَّ مُرَاد الزُّهْرِيّ بِابْن أَبِي أَنَس نَافِع هَذَا فَأَخْرَجَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَقِيلٍ عَنْ اِبْن شِهَابٍ \" أَخْبَرَنِي أَبُو سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق صَالِح عَنْ اِبْن شِهَابٍ فَقَالَ \" أَخْبَرَنِي نَافِع بْن أَبِي أَنَس \" وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ فَأَرْسَلَهُ وَحَذَفَ مِنْ بَيْنِهِ وَبَيْن أَبِي هُرَيْرَةَ , وَرَوَاهُ اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أُوَيْس بْن أَبِي أُوَيْس عَدِيل بَنِي تَمِيم عَنْ أَنَس , قَالَ النَّسَائِيّ وَهُوَ خَطَأ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ ) ‏ ‏أَيْ مَوْلَى بَنِي تَيْمٍ , وَالْمُرَاد مِنْهُمْ آل طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّهِ أَحَد الْعَشَرَة , وَكَانَ أَبُو عَامِر وَالِد مَالِك قَدْ قَدِمَ مَكَّة فَقَطَنَهَا وَحَالَفَ عُثْمَان بْن عُبَيْد اللَّه أَخَا طَلْحَة فَنُسِبَ إِلَيْهِ , وَكَانَ مَالِكٌ الْفَقِيهُ يَقُولُ : لَسْنَا مَوَالِيَ آل تَيْمٍ , إِنَّمَا نَحْنُ عَرَب مَنْ أَصْبَحَ , وَلَكِنَّ جَدِّي حَالَفَهُمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ ) ‏ ‏قَالَ الْحَلِيمِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادَ مِنْ الشَّيَاطِينِ مُسْتَرِقُو السَّمْع مِنْهُمْ , وَأَنَّ تَسَلْسُلَهُمْ يَقَعُ فِي لَيَالِي رَمَضَان دُونَ أَيَّامِهِ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُنِعُوا فِي زَمَنِ نُزُولِ الْقُرْآنِ مِنْ اِسْتِرَاقِ السَّمْعِ فَزِيدُوا التَّسَلْسُلَ مُبَالَغَةً فِي الْحِفْظِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد أَنَّ الشَّيَاطِينَ لَا يَخْلُصُونَ مِنْ اِفْتِتَانِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ لِاشْتِغَالِهِمْ بِالصِّيَامِ الَّذِي فِيهِ قَمْع الشَّهَوَات وَبِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ , وَقَالَ غَيْره : الْمُرَادُ بِالشَّيَاطِينِ بَعْضهمْ وَهُمْ الْمَرَدَةُ مِنْهُمْ , وَتَرْجَمَ لِذَلِكَ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَأَوْرَدَ مَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظ \" إِذَا كَانَ أَوَّل لَيْلَةٍ مِنْ شَهْر رَمَضَان صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظ \" وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ \" زَادَ أَبُو صَالِح فِي رِوَايَتِهِ \" وَغُلِّقَتْ أَبْوَاب النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ , وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ , وَنَادَى مُنَادٍ : يَا بَاغِيَ الْخَيْر أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ , وَلِلَّهِ عُتَقَاء مِنْ النَّارِ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَة \" لَفْظ اِبْن خُزَيْمَةَ , وَقَوْلُهُ \" صُفِّدَتْ \" بِالْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا فَاء ثَقِيلَة مَكْسُورَة أَيْ شُدَّتْ بِالْأَصْفَادِ وَهِيَ الْأَغْلَالُ وَهُوَ بِمَعْنَى سُلْسِلَتْ , وَنَحْوُهُ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود وَقَالَ فِيهِ \" فُتِحَتْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ الشَّهْرَ كُلَّهُ \". قَالَ عِيَاض : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَامَة لِلْمَلَائِكَةِ لِدُخُولِ الشَّرِّ وَتَعْظِيم حُرْمَتِهِ وَلِمَنْعِ الشَّيَاطِين مِنْ أَذَى الْمُؤْمِنِينَ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَالْعَفْوِ , وَأَنَّ الشَّيَاطِينَ يَقِلُّ إِغْوَاؤُهُمْ فَيَصِيرُونَ كَالْمُصَفَّدِينَ. قَالَ : وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ اِبْن شِهَابٍ عِنْد مُسْلِم \" فُتِحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ \" قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَتْح أَبْوَابِ الْجَنَّةِ عِبَارَة عَمَّا يَفْتَحُهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِنْ الطَّاعَاتِ وَذَلِكَ أَسْبَاب لِدُخُولِ الْجَنَّةِ , وَغَلْق أَبْوَاب النَّارِ عِبَارَة عَنْ صَرْفِ الْهِمَمِ عَنْ الْمَعَاصِي الْآيِلَةِ بِأَصْحَابِهَا إِلَى النَّارِ , وَتَصْفِيد الشَّيَاطِين عِبَارَة عَنْ تَعْجِيزِهِمْ عَنْ الْإِغْوَاءِ وَتَزْيِين الشَّهَوَات. قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنَيِّرِ : وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ , وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إِلَى صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا \" أَبْوَاب الرَّحْمَةِ وَأَبْوَاب السَّمَاءِ \" فَمِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ , وَالْأَصْلُ أَبْوَاب الْجَنَّةِ بِدَلِيل مَا يُقَابِلُهُ وَهُوَ غَلْق أَبْوَاب النَّارِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ لِإِقَامَة هَذَا مَقَامَ هَذِهِ فِي الرِّوَايَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ , وَجَزَمَ التُّورْبَشْتِيُّ شَارِح الْمَصَابِيح بِالِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ وَعِبَارَته : فَتْحُ أَبْوَاب السَّمَاءِ كِنَايَة عَنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَة وَإِزَالَة الْغَلْق عَنْ مَصَاعِدَ أَعْمَال الْعِبَادِ تَارَةً بِبَذْل التَّوْفِيق وَأُخْرَى بِحُسْنِ الْقَبُولِ , وَغَلْقُ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ كِنَايَة عَنْ تَنَزُّه أَنْفُسِ الصُّوَّام عَنْ رِجْس الْفَوَاحِش وَالتَّخَلُّص مِنْ الْبَوَاعِثِ عَنْ الْمَعَاصِي بِقَمْع الشَّهَوَات. وَقَالَ الطِّيبِيّ : فَائِدَة فَتْح أَبْوَابِ السَّمَاءِ تَوْقِيف الْمَلَائِكَة عَلَى اِسْتِحْمَاد فِعْل الصَّائِمِينَ وَأَنَّهُ مِنْ اللَّهِ بِمَنْزِلَةٍ عَظِيمَةٍ , وَفِيهِ إِذَا عَلِمَ الْمُكَلَّف ذَلِكَ بِإِخْبَارِ الصَّادِقِ مَا يَزِيدُ فِي نَشَاطِهِ وَيَتَلَقَّاهُ بِأَرْيَحِيَّة , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ بَعْدَ أَنْ رَجَّحَ حَمْله عَلَى ظَاهِرِهِ : فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ نَرَى الشُّرُورَ وَالْمَعَاصِيَ وَاقِعَةً فِي رَمَضَان كَثِيرًا فَلَوْ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهَا إِنَّمَا تَقِلُّ عَنْ الصَّائِمِينَ الصَّوْم الَّذِي حُوفِظَ عَلَى شُرُوطِهِ وَرُوعِيَتْ آدَابُهُ , أَوْ الْمُصَفَّد بَعْض الشَّيَاطِينِ وَهُمْ الْمَرَدَةُ لَا كُلُّهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ , أَوْ الْمَقْصُودِ تَقْلِيل الشُّرُورِ فِيهِ وَهَذَا أَمْر مَحْسُوس فَإِنَّ وُقُوع ذَلِكَ فِيهِ أَقَلّ مِنْ غَيْرِهِ , إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَصْفِيد جَمِيعهمْ أَنْ لَا يَقَعُ شَرّ وَلَا مَعْصِيَة لِأَنَّ لِذَلِكَ أَسْبَابًا غَيْر الشَّيَاطِينِ كَالنُّفُوسِ الْخَبِيثَةِ وَالْعَادَات الْقَبِيحَة وَالشَّيَاطِينِ الْإِنْسِيَّة. وَقَالَ غَيْره : فِي تَصْفِيد الشَّيَاطِين فِي رَمَضَان إِشَارَة إِلَى رَفْع عُذْر الْمُكَلِّف كَأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ قَدْ كُفَّتْ الشَّيَاطِينُ عَنْك فَلَا تَعْتَلَّ بِهِمْ فِي تَرْكِ الطَّاعَةِ وَلَا فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1767",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ ‏ ‏غُمَّ ‏ ‏عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏غَيْرُهُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اللَّيْثِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏وَيُونُسُ ‏ ‏لِهِلَالِ رَمَضَانَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا رَأَيْتُمُوهُ ) ‏ ‏أَيْ الْهِلَالَ وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ مَعَ الْكَلَامِ عَلَى الْحُكْمِ , وَكَذَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِذِكْرِ الْهِلَالِ فِيهِ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ , وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُصَنِّف بِإِيرَادِهِ فِي هَذَا الْبَابِ ثُبُوت ذِكْر رَمَضَان بِغَيْرِ لَفْظ شَهْر , وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَوْصُولَةِ وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْره عَنْ اللَّيْثِ إِلَخْ ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْغَيْرِ الْمَذْكُورِ أَبُو صَالِح عَبْد اللَّه بْن صَالِح كَاتِب اللَّيْث , كَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ \" حَدَّثَنِي اللَّيْث حَدَّثَنِي عَقِيل عَنْ اِبْن شِهَابٍ \" فَذَكَرَهُ بِلَفْظ \" سَمِعْت رَسُول اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ لِهِلَال رَمَضَان إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا \" الْحَدِيث. وَوَقَعَ مِثْلُهُ فِي غَيْرِ رِوَايَة الزُّهْرِيّ. قَالَ عَبْد الرَّزَّاق \" أَنْبَأَنَا مَعْمَر عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لِهِلَال رَمَضَان إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا \" الْحَدِيث. وَسَيَأْتِي بَيَان اِخْتِلَاف أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ ذَكَرْتُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1768",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُعَاذ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُسْلِم \" حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ \" وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى عِنْدَ أَحْمَدَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الْمَعْقُودِ لَهَا فِي أَوَاخِرَ الصِّيَامِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَمَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) ‏ ‏زَاد أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ حَمَّاد بْن سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ \" وَمَا تَأَخَّرَ \" وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد أَيْضًا عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ , وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِدُونِهَا أَيْضًا , وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ سُفْيَان عَنْهُ , وَتَابَعَهُ حَامِد بْن يَحْيَى عَنْ سُفْيَان , أَخْرَجَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي \" التَّمْهِيدِ \" وَاسْتَنْكَرَهُ , وَلَيْسَ بِمُنْكَر , فَقَدْ تَابَعَهُ قُتَيْبَة كَمَا تَرَى , وَهِشَام بْن عَمَّار وَهُوَ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي عَشَر مِنْ فَوَائِدِهِ , وَالْحُسَيْن بْن الْحَسَن الْمَرْوَزِيّ أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ الصِّيَام لَهُ , وَيُوسُف بْن يَعْقُوب النَّجَاحِي أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْر الْمُقْرِي فِي فَوَائِدِهِ كُلّهمْ عَنْ سُفْيَان , وَالْمَشْهُور عَنْ الزُّهْرِيِّ بِدُونِهَا. وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْن الصَّامِتِ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَد مِنْ وَجْهَيْنِ وَإِسْنَاده حَسَن. وَقَدْ اِسْتَوْعَبْت الْكَلَامَ عَلَى طُرُقِهِ فِي كِتَابِ \" الْخِصَال الْمُكَفِّرَةِ , لِلذُّنُوبِ الْمُقَدَّمَةِ وَالْمُؤَخَّرَةِ \" وَهَذَا مُحَصَّلُهُ. وَقَوْلُهُ \" مِنْ ذَنْبِهِ \" اِسْمُ جِنْسٍ مُضَافٌ فَيَتَنَاوَلُ جَمِيع الذُّنُوبِ , إِلَّا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الْوُضُوء وَفِيَّ أَوَائِل كِتَاب الْمَوَاقِيت. قَالَ الْكَرْمَانِيّ : وَكَلِمَة \" مِنْ \" إِمَّا مُتَعَلِّقَة بِقَوْلِهِ \" غُفِرَ \" أَيْ غُفِرَ مِنْ ذَنْبِهِ مَا تَقَدَّمَ فَهُوَ مَنْصُوبُ الْمَحَلِّ , أَوْ هِيَ مَبْنِيَّةٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مَفْعُولٌ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ فَيَكُونُ مَرْفُوع الْمَحَلّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1769",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى ‏ ‏يَنْسَلِخَ ‏ ‏يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْقُرْآنَ فَإِذَا لَقِيَهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1770",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ ‏ ‏الزُّورِ ‏ ‏وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سَعْد الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب , وَقَدْ رَوَاهُ اِبْنُ وَهْبٍ عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ : رَوَاهُ الرَّبِيع عَنْهُ مِثْلَ الْجَمَاعَةِ , وَرَوَاهُ اِبْن السَّرَّاج عَنْهُ فَلَمْ يَقُلْ \" عَنْ أَبِيهِ \" أَخْرَجَهَا النَّسَائِيّ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّاد بْن خَالِد عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب بِإِسْقَاطِهِ أَيْضًا , وَاخْتَلَفَ فِيهِ عَلَى اِبْن الْمُبَارَك فَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ بِالْإِسْقَاطِ , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ وَابْن خُزَيْمَةَ بِإِثْبَاتِهِ , وَذَكَر الدَّارَقُطْنِيّ أَنَّ يَزِيد بْن هَارُون وَيُونُس بْن يَحْيَى رَوَيَاهُ عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب بِالْإِسْقَاطِ أَيْضًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ يَزِيد فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ أَبِيهِ \" , وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اِبْن أَبِي ذِئْب كَانَ تَارَةً لَا يَقُولُ عَنْ أَبِيهِ وَفِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ يَقُولُهَا , وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو قَتَادَة الْحَرَّانِيُّ عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْبٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ فَقَالَ \" عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن ثَعْلَبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ \" وَهُوَ شَاذّ وَالْمَحْفُوظ الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَوْل الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ ) ‏ ‏زَاد الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ عَنْ أَحْمَد بْن يُونُس عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب \" وَالْجَهْل \" وَكَذَا لِأَحْمَدَ عَنْ حَجَّاج وَيَزِيدُ بْن هَارُون كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب , وَفِي رِوَايَةِ اِبْنِ وَهْبٍ \" وَالْجَهْلِ فِي الصَّوْمِ \" وَلِابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ اِبْن الْمُبَارَك \" مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْل الزُّورِ وَالْجَهْلَ وَالْعَمَلَ بِهِ \" جَعَلَ الضَّمِيرَ فِي \" بِهِ \" يُعُودُ عَلَى الْجَهْلِ , وَالْأَوَّل جَعَلَهُ يَعُودُ عَلَى قَوْل الزَّوْر وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب , وَلَمَّا رَوَى التِّرْمِذِيُّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا قَالَ : وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَس. قُلْت : وَحَدِيثُ أَنَس أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظ \" مَنْ لَمْ يَدَعْ الْخَنَا وَالْكَذِب \" وَرِجَالُهُ ثِقَات , وَالْمُرَاد بِقَوْلِ الزُّورِ : الْكَذِبُ , وَالْجَهْلِ : السَّفَهُ , وَالْعَمَلِ بِهِ أَيْ بِمُقْتَضَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُؤْمَرَ بِأَنْ يَدَعَ صِيَامَهُ , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّحْذِير مِنْ قَوْلِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ , وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ \" مَنْ بَاع الْخَمْر فَلْيُشَقِّصْ الْخَنَازِير \" أَيْ يَذْبَحْهَا , وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِذَبْحِهَا وَلَكِنَّهُ عَلَى التَّحْذِيرِ وَالتَّعْظِيمِ لِإِثْم بَائِع الْخَمْر. وَأَمَّا قَوْلُهُ \" فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَة \" فَلَا مَفْهُومَ لَهُ , فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْء وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ فَلَيْسَ لِلَّهِ إِرَادَةٌ فِي صِيَامِهِ فَوَضَعَ الْحَاجَةَ مَوْضِعَ الْإِرَادَةِ , وَقَدْ سَبَقَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ. قَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَةِ : بَلْ هُوَ كِنَايَة عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ كَمَا يَقُولُ الْمُغْضَب لِمَنْ رَدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا طَلَبه مِنْهُ فَلَمْ يَقُمْ بِهِ : لَا حَاجَةَ لِي بِكَذَا , فَالْمُرَاد رَدّ الصَّوْم الْمُتَلَبِّس بِالزُّورِ وَقَبُول السَّالِم مِنْهُ , وَقَرِيب مِنْ هَذَا قَوْله تَعَالَى ( { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى } مِنْكُمْ فَإِنَّ مَعْنَاهُ لَنْ يُصِيبَ رِضَاهُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الْقَبُول. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ فَعَلَ مَا ذُكِرَ لَا يُثَابُ عَلَى صِيَامِهِ , وَمَعْنَاهُ أَنَّ ثَوَاب الصِّيَام لَا يَقُومُ فِي الْمُوَازَنَةِ بِإِثْم الزُّور وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْ شَرْعِيَّةِ الصَّوْمِ نَفْس الْجُوعِ وَالْعَطَشِ , بَلْ مَا يَتْبَعُهُ مِنْ كَسْرِ الشَّهَوَات وَتَطْوِيعِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ لِلنَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ , فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لَا يَنْظُرُ اللَّه إِلَيْهِ نَظَر الْقَبُولِ , فَقَوْله \" لَيْسَ لِلَّهِ حَاجَة \" مَجَاز عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ , فَنَفَى السَّبَبَ وَأَرَادَ الْمُسَبِّب وَاللَّهَ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ تَنْقُصُ الصَّوْم , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا صَغَائِرُ تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ. وَأَجَابَ السُّبْكِيّ الْكَبِير بِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَالَّذِي مَضَى فِي أَوَّلَ الصَّوْمِ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ لِلْأَوَّلِ , لِأَنَّ الرَّفَثَ وَالصَّخَبَ وَقَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ مِمَّا عَلِمَ النَّهْيُ عَنْهُ مُطْلَقًا وَالصَّوْم مَأْمُور بِهِ مُطْلَقًا , فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُور إِذَا حَصَلَتْ فِيهِ لَمْ يَتَأَثَّرْ بِهَا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهَا فِيهِ مَشْرُوطَة فِيهِ مَعْنًى يَفْهَمُهُ , فَلَمَّا ذَكَرَتْ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ نَبَّهَتْنَا عَلَى أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا زِيَادَة قُبْحِهَا فِي الصَّوْمِ عَلَى غَيْرِهَا , وَالثَّانِي الْبَحْث عَلَى سَلَامَةِ الصَّوْمِ عَنْهَا , وَأَنَّ سَلَامَتَهُ مِنْهَا صِفَة كَمَالِ فِيهِ , وَقُوَّة الْكَلَامِ تَقْتَضِي أَنْ يُقَبَّحَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الصَّوْمِ , فَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الصَّوْمَ يَكْمُلُ بِالسَّلَامَةِ عَنْهَا. قَالَ : فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ عَنْهَا نَقَصَ. ثُمَّ قَالَ : وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّكَالِيفَ قَدْ تَرِدُ بِأَشْيَاءَ وَيُنَبَّهُ بِهَا عَلَى أُخْرَى بِطَرِيق الْإِشَارَة , وَلَيْسَ الْمَقْصُود مِنْ الصَّوْمِ الْعَدَمَ الْمَحْضَ كَمَا فِي الْمَنْهِيَّاتِ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهُ النِّيَّةُ بِالْإِجْمَاعِ , وَلَعَلَّ الْقَصْدَ بِهِ فِي الْأَصْلِ الْإِمْسَاك عَنْ جَمِيعِ الْمُخَالَفَاتِ , لَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَشُقُّ خَفَّفَ اللَّه وَأَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ , وَنَبَّهَ الْغَافِل بِذَلِكَ عَلَى الْإِمْسَاكِ عَنْ الْمُخَالَفَاتِ , وَأَرْشَدَ إِلَى ذَلِكَ مَا تَضَمَّنَتْهُ أَحَادِيثُ الْمُبَيِّنِ عَنْ اللَّهِ مُرَاده , فَيَكُونُ اِجْتِنَاب الْمُفْطِرَاتِ وَاجِبًا وَاجْتِنَابُ مَا عَدَاهَا مِنْ الْمُخَالَفَاتِ مِنْ الْمُكَمِّلَاتِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ شَيْخنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيَّ : لَمَّا أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ تَرْجَمَ مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الْغِيبَةِ لِلصَّائِمِ , وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْغَيْبَةَ لَيْسَتْ قَوْلَ الزُّور وَلَا الْعَمَل بِهِ لِأَنَّهَا أَنْ يَذْكُرَ غَيْره بِمَا يَكْرَهُ , وَقَوْل الزُّورِ هُوَ الْكَذِبُ , وَقَدْ وَافَقَ التِّرْمِذِيّ بَقِيَّة أَصْحَابِ السُّنَنِ فَتَرْجَمُوا بِالْغِيبَةِ وَذَكَرُوا هَذَا الْحَدِيثَ , وَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا مَنْ ذِكْرِ قَوْلِ الزُّورِ وَالْعَمَلِ بِهِ الْأَمْر بِحِفْظ النُّطْق , وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى الزِّيَادَةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي بَعْضِ طَرْقِهِ وَهِيَ الْجَهْلُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى جَمِيعِ الْمَعَاصِي. وَأَمَّا قَوْلُهُ \" وَالْعَمَلُ بِهِ \" فَيَعُودُ عَلَى الزُّورِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ أَيْضًا عَلَى الْجَهْلِ أَيْ وَالْعَمَل بِكُلٍّ مِنْهُمَا. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ : ‏ ‏قَوْله \" فَلَيْسَ لِلَّهِ \" وَقَعَ عِنْد الْبَيْهَقِيّ فِي \" الشُّعَبِ \" مِنْ طَرِيقِ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب \" فَلَيْسَ بِهِ \" بِمُوَحَّدَة وَهَاء ضَمِير , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْرِيفًا فَالضَّمِير لِلصَّائِمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1771",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ اللَّهُ ‏ ‏كُلُّ عَمَلِ ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ ‏ ‏جُنَّةٌ ‏ ‏وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا ‏ ‏يَرْفُثْ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏يَصْخَبْ ‏ ‏فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏بِيَدِهِ ‏ ‏لَخُلُوفُ ‏ ‏فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِيهِ ( وَلَا يَصْخَبُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ بَعْدَهَا خَاء مُعْجَمَة , وَلِبَعْضِهِمْ بِالسِّين بَدَلَ الصَّاد وَهُوَ بِمَعْنَاهُ , وَالصَّخَب الْخِصَام وَالصِّيَاح , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ تَأْكِيده حَالَة الصَّوْمِ , وَإِلَّا فَغَيْرُ الصَّائِم مَنْهِيّ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَخُلُوفُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَخُلُفُ \" بِحَذْفِ الْوَاوِ كَأَنَّهَا صِيغَةُ جَمْع , وَيُرْوَى فِي غَيْرِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظ \" لَخُلْفَةُ \" عَلَى الْوَحْدَةِ كَتَمْر وَتَمْرَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا : إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ ) ‏ ‏زَاد مُسْلِم \" بِفِطْرِهِ \" , وَقَوْلِهِ \" يَفْرَحُهُمَا \" أَصْلُهُ يَفْرَحُ بِهِمَا فَحَذَفَ الْجَارُ وَوَصَلَ الضَّمِير كَقَوْلِهِ صَامَ رَمَضَان أَيْ فِيهِ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَاهُ فَرِحَ بِزَوَالِ جُوعِهِ وَعَطَشِهِ حَيْثُ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرَ وَهَذَا الْفَرَح طَبِيعِيّ وَهُوَ السَّابِقُ لِلْفَهْمِ وَقِيلَ إِنَّ فَرَحَهُ بِفِطْرِهِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَمَامُ صَوْمِهِ وَخَاتِمَة عِبَادَته وَتَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّهِ وَمَعُونَةٌ عَلَى مُسْتَقْبَل صَوْمه. قُلْت : وَلَا مَانِعَ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِمَّا ذُكِرَ , فَفَرَحُ كُلّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ لِاخْتِلَافِ مَقَامَاتِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ , فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ فَرَحُهُ مُبَاحًا وَهُوَ الطَّبِيعِيُّ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا وَهُوَ مَنْ يَكُونُ سَبَبَهُ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَإِذَا لَقِيَ رَبّه فَرِحَ بِصَوْمِهِ ) ‏ ‏أَيْ بِجَزَائِهِ وَثَوَابِهِ. وَقِيلَ الْفَرَحُ الَّذِي عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ إِمَّا لِسُرُورِهِ بِرَبِّهِ أَوْ بِثَوَابِ رَبِّهِ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ. قُلْت : وَالثَّانِي أَظْهَرَ إِذْ لَا يَنْحَصِرُ الْأَوَّل فِي الصَّوْمِ بَلْ يَفْرَحُ حِينَئِذٍ بِقَبُولِ صَوْمِهِ وَتَرَتُّبِ الْجَزَاءَ الْوَافِرَ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1772",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَنْ اسْتَطَاعَ ‏ ‏الْبَاءَةَ ‏ ‏فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ ‏ ‏وِجَاءٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْوَاوِ وَبِجِيمٍ وَمَدٍّ وَهُوَ رَضّ الْخُصْيَتَيْنِ , وَقِيلَ رَضّ عُرُوقِهِمَا , وَمَنْ يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ تَنْقَطِعُ شَهْوَته , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الصَّوْمَ قَامِع لِشَهْوَة النِّكَاح. وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الصَّوْمَ يَزِيدُ فِي تَهْيِيجِ الْحَرَارَةِ وَذَلِكَ مِمَّا يُثِيرُ الشَّهْوَةَ , لَكِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي مَبْدَأِ الْأَمْرِ فَإِذَا تَمَادَى عَلَيْهِ وَاعْتَادَهُ سَكَن ذَلِكَ , وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1773",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ ‏ ‏لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ ‏ ‏غُمَّ ‏ ‏عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ ) ‏ ‏ظَاهِره إِيجَاب الصَّوْمِ حِينَ الرُّؤْيَةِ مَتَى وُجِدَتْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى صَوْمِ الْيَوْمِ الْمُسْتَقْبَل , وَبَعْض الْعُلَمَاءِ فَرَّقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدُ , وَخَالَفَ الشِّيعَةُ الْإِجْمَاعَ فَأَوْجَبُوهُ مُطْلَقًا , وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي النَّهْيِ عَنْ اِبْتِدَاءِ صَوْمِ رَمَضَان قَبْلَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَيَدْخُلُ فِيهِ صُورَة الْغَيْمِ وَغَيْرهَا , وَلَوْ وَقَعَ الِاقْتِصَار عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ لَكَفَى ذَلِكَ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ , لَكِنَّ اللَّفْظَ الَّذِي رَوَاهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ أَوْقَعَ لِلْمُخَالِفِ شُبْهَة وَهُوَ قَوْلُهُ \" فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ \" فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ حُكْمِ الصَّحْو وَالْغَيْم , فَيَكُونُ التَّعْلِيق عَلَى الرُّؤْيَةِ مُتَعَلِّقًا بِالصَّحْوِ , وَأَمَّا الْغَيْمُ فَلَهُ حُكْمٌ آخَرُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَفْرِقَةَ وَيَكُونُ الثَّانِي مُؤَكِّدًا لِلْأَوَّلِ , وَإِلَى الْأَوَّلِ ذَهَبَ أَكْثَر الْحَنَابِلَةِ , وَإِلَى الثَّانِي ذَهَب الْجُمْهُور فَقَالُوا : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ \" فَاقْدُرُوا لَهُ \" أَيْ اُنْظُرُوا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَاحْسِبُوا تَمَام الثَّلَاثِينَ , وَيُرَجِّحُ هَذَا التَّأْوِيلَ الرِّوَايَاتُ الْأُخَر الْمُصَرِّحَة بِالْمُرَادِ وَهِيَ مَا تَقْدَمُ مِنْ قَوْلِهِ \" فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ \" وَنَحْوُهَا , وَأَوْلَى مَا فُسِّرَ الْحَدِيثُ بِالْحَدِيثِ , وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَيْضًا فَرَوَاهَا الْبُخَارِيّ كَمَا تَرَى بِلَفْظ \" فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَان ثَلَاثِينَ \" وَهَذَا أَصْرَحُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ , وَقَدْ قِيلَ إِنْ آدَم شَيْخَهُ اِنْفَرَدَ بِذَلِكَ فَإِنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَنْ شُعْبَةَ قَالُوا فِيهِ \" فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ \" أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَهُوَ عِنْد مُسْلِم وَغَيْرِهِ. قَالَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ آدَم أَوْرَدَهُ عَلَى مَا وَقَعَ عِنْدَهُ مِنْ تَفْسِيرِ الْخَبَرِ. قُلْت : الَّذِي ظَنَّهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ صَحِيحٌ , فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد عَنْ آدَم بِلَفْظ \" فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا \" يَعْنِي عُدُّوا شَعْبَان ثَلَاثِينَ , فَوَقَعَ لِلْبُخَارِيِّ إِدْرَاج التَّفْسِيرِ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظ \" لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَان بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ \" , فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِعَدَدِهِ هُوَ شَعْبَانُ , وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيع بْن مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد بِلَفْظ \" فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ \" وَهُوَ يَتَنَاوَلُ كُلّ شَهْرٍ فَدَخَلَ فِيهِ شَعْبَانُ , وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَهُ وَابْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة \" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَان , فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ أَيْضًا. وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا \" لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْر حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ , ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ \" وَقِيلَ الصَّوَاب فِيهِ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مُبْهَم , وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيِّ فِي \" التَّحْقِيقِ \" لِأَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - وَهِيَ مَا إِذَا حَالَ دُونَ مَطْلِعِ الْهِلَالِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ - ثَلَاثَة أَقْوَال : أَحَدُهَا يَجِبُ صَوْمُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَان. ثَانِيهَا لَا يَجُوزُ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا مُطْلَقًا , بَلْ قَضَاء وَكَفَّارَةً وَنَذْرًا وَنَفْلًا يُوَافِقُ عَادَة , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ. وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة لَا يَجُوزُ عَنْ فَرْضِ رَمَضَان وَيَجُوزُ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ. ثَالِثُهَا الْمَرْجِع إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ. وَاحْتَجَّ الْأَوَّل بِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِرَأْيِ الصَّحَابِيِّ رَاوِي الْحَدِيثِ. قَالَ أَحْمَد : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظ \" فَاقْدُرُوا لَهُ \" قَالَ نَافِع : فَكَانَ اِبْن عُمَر إِذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَبْعَثُ مَنْ يَنْظُرُ , فَإِنْ رَأَى فَذَاكَ , وَإِنْ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَاب وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا , وَإِنْ حَالَ أَصْبَحَ صَائِمًا. وَأَمَّا مَا رَوَى الثَّوْرِيّ فِي جَامِعِهِ عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن حَكِيم سَمِعْت اِبْن عُمَر يَقُولُ : لَوْ صُمْت السَّنَةَ كُلّهَا لَأَفْطَرْتُ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ , فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي أَوْجَبَ فِيهَا الصَّوْمَ لَا يُسَمَّى يَوْمَ شَكٍّ , وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ خَصَّ يَوْمَ الشَّكِّ بِمَا إِذَا تَقَاعَدَ النَّاس عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوْ شَهِدَ بِرُؤْيَتِهِ مَنْ لَا يَقْبَلُ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُ , فَأَمَّا إِذَا حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ شَيْء فَلَا يُسَمَّى شَكًّا. وَاخْتَارَ كَثِير مِنْ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ الثَّانِي. قَالَ اِبْن عَبْد الْهَادِي فِي تَنْقِيحِهِ : الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ - وَهُوَ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ - أَنَّهُ أَيُّ شَهْر غُمَّ أُكْمِلَ ثَلَاثِينَ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ شَعْبَان وَرَمَضَان وَغَيْرهمَا , فَعَلَى هَذَا قَوْله \" فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ \" يَرْجِعُ إِلَى الْجُمْلَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُهُ \" صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ \" أَيْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فِي صَوْمِكُمْ أَوْ فِطْرِكُمْ , وَبَقِيَّة الْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَيْهِ فَاللَّام فِي قَوْلِهِ \" فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ \" لِلشَّهْرِ أَيْ عِدَّةَ الشَّهْرِ , وَلَمْ يَخُصَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ شَهْرًا دُونَ شَهْرٍ بِالْإِكْمَالِ إِذَا غُمَّ , فَلَا فَرْقَ بَيْنَ شَعْبَانَ وَغَيْرَهُ فِي ذَلِكَ , إِذْ لَوْ كَانَ شَعْبَان غَيْرَ مُرَادٍ بِهَذَا الْإِكْمَالِ لَبَيَّنَهُ فَلَا تَكُونُ رِوَايَة مَنْ رَوَى \" فَأَكْمِلُوا عِدَّة شَعْبَانَ \" مُخَالِفَةً لِمَنْ قَالَ \" فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ \" بَلْ مُبَيِّنَةً لَهَا. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْله فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى \" فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَاب فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْر اِسْتِقْبَالًا \". أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَصْحَاب السُّنَنِ وَابْن خُزَيْمَةَ وَأَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاسٍ هَكَذَا , وَرَوَاهُ الطَّيَالِسِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظ \" وَلَا تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَان بِصَوْمِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ \" وَرَوَى النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن حُنَيْن عَنْ اِبْن عَبَّاسٍ بِلَفْظ \" فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَاقْدُرُوا لَهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ تَأْوِيلَيْنِ , وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَأْوِيلٍ ثَالِثٍ , قَالُوا : مَعْنَاهُ فَاقْدُرُوهُ بِحِسَابِ الْمَنَازِلِ. قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاس بْن سُرَيْج مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَمُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه مِنْ التَّابِعَيْنِ وَابْن قُتَيْبَةَ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَا يَصْحُ عَنْ مُطَرِّف , وَأَمَّا اِبْنُ قُتَيْبَةَ فَلَيْسَ هُوَ مِمَّنْ يُعَرَّجُ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا. قَالَ : وَنَقَلَ اِبْن خُوَيْزَ مِنْدَادٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ مَسْأَلَة اِبْنِ سُرَيْج وَالْمَعْرُوف عَنْ الشَّافِعِيِّ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور , وَنَقَلَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ اِبْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ قَوْلَهُ \" فَاقْدُرُوا لَهُ \" خِطَاب لِمَنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِهَذَا الْعِلْمِ , وَأَنَّ قَوْلَهُ \" فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ \" خِطَاب لِلْعَامَّةِ. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : فَصَارَ وُجُوب رَمَضَان عِنْدَهُ مُخْتَلِف الْحَالِ يَجِبُ عَلَى قَوْمٍ بِحِسَاب الشَّمْس وَالْقَمَر وَعَلَى آخَرِينَ بِحِسَاب الْعَدَد , قَالَ : وَهَذَا بَعِيد عَنْ النُّبَلَاءِ. وَقَالَ اِبْن الصَّلَاحِ : مَعْرِفَةُ مَنَازِلِ الْقَمَرِ هِيَ مَعْرِفَةُ سَيْرِ الْأَهِلَّةِ , وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْحِسَابِ فَأَمْر دَقِيق يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْآحَاد , قَالَ : فَمَعْرِفَةُ مَنَازِلِ الْقَمَرِ تُدْرَكُ بِأَمْرٍ مَحْسُوسٍ يُدْرِكُهُ مَنْ يُرَاقِبُ النُّجُومَ , وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ اِبْنُ سُرَيْجٍ وَقَالَ بِهِ فِي حَقِّ الْعَارِفِ بِهَا فِي خَاصَّةٍ نَفْسَهُ. وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِوُجُوبٍ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قَالَ بِجَوَازِهِ , وَهُوَ اِخْتِيَار الْقَفَّال وَأَبِي الطَّيِّبِ , وَأَمَّا أَبُو إِسْحَاق فِي \" الْمُهَذَّبِ \" فَنَقَلَ عَنْ اِبْنِ سُرَيْج لُزُوم الصَّوْمِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَتَعَدَّدَتْ الْآرَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خُصُوصِ النَّظَرِ فِي الْحِسَابِ وَالْمَنَازِلِ : أَحَدُهَا الْجَوَاز وَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ , ثَانِيهَا يَجُوزُ وَيُجْزِئُ , ثَالِثهَا يَجُوزُ لِلْحَاسِبِ وَيُجْزِئُهُ لَا لِلْمُنَجِّمِ , رَابِعهَا يَجُوزُ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا تَقْلِيد الْحَاسِبِ دُونَ الْمُنَجِّمِ , خَامِسهَا يَجُوزُ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا مُطْلَقًا. وَقَالَ اِبْن الصَّبَّاغِ أَمَّا بِالْحِسَابِ فَلَا يَلْزَمُهُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنِ أَصْحَابِنَا. قُلْت : وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر قَبْلَهُ الْإِجْمَاع عَلَى ذَلِكَ. فَقَالَ فِي الْإِشْرَافِ : صَوْمُ يَوْم الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا لَمْ يُرَ الْهِلَالُ مَعَ الصَّحْوِ لَا يَجِبُ بِإِجْمَاع الْأُمَّةَ , وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ كَرَاهَته , هَكَذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ حَاسِبٍ وَغَيْرِهِ , فَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ كَانَ مَحْجُوجًا بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْبَحْثِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ بَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1774",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ ‏ ‏غُمَّ ‏ ‏عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( الشَّهْر تِسْع وَعِشْرُونَ ) ‏ ‏ظَاهِره حَصْرُ الشَّهْرَ فِي تِسْع وَعِشْرِينَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ فِيهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ ثَلَاثِينَ , وَالْجَوَاب أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَة وَعِشْرِينَ أَوْ اللَّامُ لِلْعَهْدِ وَالْمُرَاد شَهْر بِعَيْنِهِ أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ لِقَوْلِ اِبْن مَسْعُود \" مَا صُمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرَ مِمَّا صُمْنَا ثَلَاثِينَ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ , وَمِثْلُهُ عَنْ عَائِشَة عِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ , وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّل قَوْله فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَةَ فِي الْبَابِ أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَة وَعِشْرِينَ يَوْمًا , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : قَوْلُهُ \" الشَّهْر تِسْع وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا إِلَخْ \" مَعْنَاهُ حَصْره مِنْ جِهَةِ أَحَدِ طَرَفَيْهِ , أَيْ أَنَّهُ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَهُوَ أَقَلُّهُ , وَيَكُونُ ثَلَاثِينَ وَهُوَ أَكْثَرُهُ , فَلَا تَأْخُذُوا أَنْفُسَكُمْ بِصَوْم الْأَكْثَر اِحْتِيَاطًا , وَلَا تَقْتَصِرُوا عَلَى الْأَقَلِّ تَخْفِيفًا , وَلَكِنْ اِجْعَلُوا عِبَادَتكُمْ مُرْتَبِطَةَ اِبْتِدَاءٍ وَانْتِهَاءً بِاسْتِهْلَالِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ ) ‏ ‏لَيْسَ الْمُرَادُ تَعْلِيقَ الصَّوْمِ بِالرُّؤْيَةِ فِي حَقّ كُلّ أَحَد , بَلْ الْمُرَاد بِذَلِكَ رُؤْيَة بَعْضِهِمْ وَهُوَ مَنْ يَثْبُتُ بِهِ ذَلِكَ , إِمَّا وَاحِد عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ أَوْ اِثْنَانِ عَلَى رَأْي آخَرِينَ. وَوَافَقَ الْحَنَفِيَّة عَلَى الْأَوَّلِ إِلَّا أَنَّهُمْ خَصُّوا ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ عِلَّة مَنْ غَيْمِ وَغَيْرِهِ , وَإِلَّا مَتَى كَانَ صَحْوًا لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا مِنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ. وَقَدْ تَمَسَّكَ بِتَعْلِيقِ الصَّوْمِ بِالرُّؤْيَةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى إِلْزَامِ أَهْلِ الْبَلَدِ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ بَلَدِ غَيْرِهَا , وَمَنْ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ قَالَ لِأَنَّ قَوْلَهُ \" حَتَّى تَرَوْهُ \" خِطَاب لِأُنَاسٍ مَخْصُوصِينَ فَلَا يُلْزَمُ غَيْرهمْ , وَلَكِنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ ظَاهِرِهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ الْحَالُ عَلَى رُؤْيَةِ كُلٍّ وَاحِدٍ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْبَلَدِ. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ عَلَى مَذَاهِبَ : أَحَدُهَا لِأَهْلِ كُلِّ بَلَد رُؤْيَتهمْ , وَفِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس مَا يَشْهَدُ لَهُ , وَحَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ عِكْرِمَة وَالْقَاسِمِ وَسَالِم وَإِسْحَاق , وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَمْ يَحْكِ سِوَاهُ , وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهًا لِلشَّافِعِيَّةِ. ثَانِيهَا مُقَابِله إِذَا رُؤِيَ بِبَلْدَةٍ لَزِمَ أَهْلَ الْبِلَادِ كُلّهَا , وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , لَكِنْ حَكَى اِبْن عَبْد الْبَرّ الْإِجْمَاع عَلَى خِلَافِهِ , وَقَالَ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تُرَاعَى الرُّؤْيَةُ فِيمَا بَعُدَ مِنْ الْبِلَادِ كَخُرَاسَانَ وَالْأَنْدَلُسِ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَدْ قَالَ شُيُوخُنَا إِذَا كَانَتْ رُؤْيَة الْهِلَالِ ظَاهِرَة قَاطِعَة بِمَوْضِعٍ ثُمَّ نَقَلَ إِلَى غَيْرِهِمْ بِشَهَادَة اِثْنَيْنِ لَزِمَهُمْ الصَّوْمُ. وَقَالَ اِبْن الْمَاجِشُون : لَا يُلْزِمُهُمْ بِالشَّهَادَةِ إِلَّا لِأَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي ثَبَتَتْ فِيهِ الشَّهَادَةُ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فَيُلْزَمُ النَّاسَ كُلَّهُمْ لِأَنَّ الْبِلَادَ فِي حَقِّهِ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدِ إِذْ حُكْمُهُ نَافِذ فِي الْجَمِيعِ. وَقَالَ بَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ : إِنْ تَقَارَبَتْ الْبِلَادُ كَانَ الْحُكْم وَاحِدًا وَإِنْ تَبَاعَدَتْ فَوَجْهَانِ : لَا يَجِبُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ , وَاخْتَارَ أَبُو الطَّيِّبِ وَطَائِفَة الْوُجُوب وَحَكَاهُ الْبَغَوِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ. وَفِي ضَبْطِ الْبُعْدِ أَوْجُه : أَحَدُهَا اِخْتِلَاف الْمَطَالِعِ قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَالصَّيْدَلَانِيُّ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيّ فِي \" الرَّوْضَةِ \" و \" شَرْح الْمُهَذَّبِ \". ثَانِيهَا مَسَافَة الْقَصْر قَطَعَ بِهِ الْإِمَامَ وَالْبَغَوِيّ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيّ فِي \" الصَّغِيرِ \" وَالنَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِم \". ثَالِثُهَا اِخْتِلَاف الْأَقَالِيمِ. رَابِعُهَا حَكَاهُ السَّرْخَسِيّ فَقَالَ : يُلْزَمُ كُلّ بَلَدٍ لَا يُتَصَوَّرُ خَفَاؤُهُ عَنْهَا بِلَا عَارِضٍ دُونَ غَيْرِهِمْ. خَامِسُهَا قَوْل اِبْن الْمَاجِشُون الْمُتَقَدِّمِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ عَلَى مَنْ رَأَى الْهِلَالَ وَحْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِقَوْلِهِ , وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِي الصَّوْمِ , وَاخْتَلَفُوا فِي الْفِطْرِ فَقَالَ الشَّافِعِيّ : يُفْطِرُ وَيُخْفِيه. وَقَالَ الْأَكْثَر : يَسْتَمِرُّ صَائِمًا اِحْتِيَاطًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ حَالٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ غَيْم , يُقَالُ غَمَمْت الشَّيْءَ إِذَا غَطَّيْته , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيق الْمُسْتَمْلِي \" فَإِنْ غُمَّ \" وَمِنْ طَرِيقِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَغْمَى \" وَمِنْ رِوَايَة السَّرْخَسِيّ \" غَبَى \" بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَأَغْمَى وَغُمَّ وَغَمَّى بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِهَا فَهُوَ مَغْمُوم , الْكُلّ بِمَعْنَى , وَأَمَّا غَبَى فَمَأْخُوذ مِنْ الْغَبَاوَةِ وَهِيَ عَدَمُ الْفِطْنَةِ وَهِيَ اِسْتِعَارَةٌ لِخَفَاءِ الْهِلَال , وَنَقْلِ اِبْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ رَوَى \" عَمَى \" بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ الْعَمَى قَالَ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ لِأَنَّهُ ذَهَابُ الْبَصَرِ عَنْ الْمُشَاهَدَاتِ أَوْ ذَهَاب الْبَصِيرَة عَنْ الْمَعْقُولَاتِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1775",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا ‏ ‏وَخَنَسَ ‏ ‏الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ ‏",
        "sharh": "قَوْله ‏ ‏( الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا وَخَنَسَ الْإِبْهَام فِي الثَّالِثَةِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُعْجَمَةِ وَالنُّون أَيْ قَبَضَ , وَالِانْخِنَاسِ الِانْقِبَاض قَالَهُ الْخَطَّابِيّ. وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَحَبَسَ \" بِالْحَاء الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَة , أَيْ مَنَعَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1776",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ ‏ ‏غُبِّيَ ‏ ‏عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1777",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏آلَى ‏ ‏مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا أَوْ رَاحَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ شَهْرًا فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن صَيْفِيّ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَة وَفَاء وَزْنِ زَيْدِيّ , وَهُوَ اِسْمٌ بِلَفْظ النِّسْبَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" أَخْبَرَنِي يَحْيَى \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَكَذَا صَرَّحَ بِالْإِخْبَارِ فِي بَقِيَّةِ الْإِسْنَادِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيث أُمّ سَلَمَةَ هَذَا مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الطَّلَاق. ‏"
    },
    {
        "id": "1778",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آلَى ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ نِسَائِهِ وَكَانَتْ ‏ ‏انْفَكَّتْ ‏ ‏رِجْلُهُ فَأَقَامَ فِي ‏ ‏مَشْرُبَةٍ ‏ ‏تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نَزَلَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتَ شَهْرًا فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي الطَّلَاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تِسْعًا وَعِشْرِينَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي \" تِسْعَة وَعِشْرِينَ \" وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1779",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنَ سُوَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ شَهْرَا عِيدٍ رَمَضَانُ وَذُو الْحَجَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُسَدَّد حَدَّثَنَا مُعْتَمِر ) ‏ ‏فَسَاق الْإِسْنَاد ثُمَّ قَالَ : \" وَحَدَّثَنِي مُسَدَّد قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِر \" فَسَاقَهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ لِمُسَدَّدٍ وَسَاقٍ الْمَتْن عَلَى لَفْظِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ , وَكَأَنَّ النُّكْتَةَ فِي كَوْنِهِ لَمْ يَجْمَعْ الْإِسْنَادَيْنِ مَعًا مَعَ أَنَّهُمَا لَمْ يَتَغَايَرَا إِلَّا فِي شَيْخِ مُعْتَمِرٍ أَنْ مُسَدَّدًا حَدَّثَهُ بِهِ مَرَّةً وَمَعَهُ غَيْرُهُ عَنْ مُعْتَمِرٍ عَنْ إِسْحَاق , وَحَدَّثَهُ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى إِمَّا وَهُوَ وَحْدُهُ وَإِمَّا بِقِرَاءَتِهِ عَلَيْهِ عَنْ مُعْتَمِرٍ عَنْ خَالِد , وَلِمُسَدَّدٍ فِيهِ شَيْخ آخَر أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْهُ عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْعٍ عَنْ خَالِدٍ وَهُوَ مَحْفُوظٌ عَنْ خَالِد الْحَذَّاء مِنْ طُرُق. وَأَمَّا قَوْل قَاسِم فِي \" الدَّلَائِلِ \" : سَمِعْت مُوسَى بْن هَارُون يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْعٍ مَرْفُوعًا , قَالَ مُوسَى وَأَنَا أَهَابُ رَفْعَهُ , فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى أَنَّ يَزِيد بْن زُرَيْعٍ كَانَ رُبَّمَا وَقَفَهُ وَإِلَّا فَلَيْسَ لِمَهَابَةِ رَفْعِهِ مَعْنَى. وَأَمَّا لَفْظُ إِسْحَاق الْعَدَوِيّ فَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَلِيفَة وَأَبِي مُسْلِم الْكَجِّيِّ جَمِيعًا عَنْ مُسَدَّدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظ \" لَا يَنْقُصُ رَمَضَان وَلَا يَنْقُصُ ذُو الْحِجَّةِ \" وَأَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا إِلَى أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لِإِسْحَاق الْعَدَوِيّ , لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْن مُحَمَّد بْن يَحْيَى عَنْ مُسَدَّدٍ بِلَفْظ \" شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ \" كَمَا هُوَ لَفْظ التَّرْجَمَة , وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي اِقْتِصَار الْبُخَارِيّ عَلَى سِيَاق الْمَتْن عَلَى لَفْظ خَالِد دُونَ إِسْحَاق لِكَوْنِهِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي سِيَاقِهِ عَلَيْهِ , وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ : فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ لَا يَكُونُ رَمَضَان وَلَا ذُو الْحِجَّةِ أَبَدًا إِلَّا ثَلَاثِينَ , وَهَذَا قَوْل مَرْدُود مُعَانِد لِلْمَوْجُودِ الْمُشَاهَدِ , وَيَكْفِي فِي رَدِّهِ قَوْله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ \" صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ \" فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ رَمَضَان أَبَدًا ثَلَاثِينَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى هَذَا. وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ لَهُ مَعْنًى لَائِقًا. وَقَالَ أَبُو الْحَسَن كَانَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ يَقُولُ : لَا يَنْقُصَانِ فِي الْفَضِيلَةِ إِنْ كَانَا تِسْعَة وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ. اِنْتَهَى. وَقِيلَ لَا يَنْقُصَانِ مَعًا , إِنَّ جَاءَ أَحَدهمَا تِسْعًا وَعِشْرِينَ جَاءَ الْآخَر ثَلَاثِينَ وَلَا بُدَّ. وَقِيلَ لَا يَنْقُصَانِ فِي ثَوَابِ الْعَمَلِ فِيهِمَا , وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ عَنْ السَّلَفِ وَقَدْ ثَبَتَا مَنْقُولِينَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ فِي الْبُخَارِيِّ , وَسَقَطَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ وَغَيْره عَقِبَ التَّرْجَمَةِ قَبْلَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ. قَالَ إِسْحَاق : وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا فَهُوَ تَمَام. وَقَالَ مُحَمَّد : لَا يَجْتَمِعَانِ كِلَاهُمَا نَاقِص. وَإِسْحَاق هَذَا هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , وَمُحَمَّد هُوَ الْبُخَارِيُّ الْمُصَنِّفُ. وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيَّ نَقْلُ الْقَوْلَيْنِ عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَأَحْمَد بْن حَنْبَل , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ اِخْتَارَ مَقَالَةَ أَحْمَدَ فَجَزَمَ بِهَا أَوْ تَوَارَدَا عَلَيْهَا. قَالَ التِّرْمِذِيّ قَالَ أَحْمَد : مَعْنَاهُ لَا يَنْقُصَانِ مَعًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ اِنْتَهَى. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ مَا نَصُّهُ عَقِبَ الْحَدِيثِ : قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه قَالَ إِسْحَاق تِسْعَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا تَامّ. وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل إِنْ نَقَصَ رَمَضَان تَمَّ ذُو الْحِجَّةِ , وَإِنَّ نَقَصَ ذُو الْحِجَّةِ تَمَّ رَمَضَان. وَقَالَ إِسْحَاق : مَعْنَاهُ وَإِنْ كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَهُوَ تَمَامٌ غَيْر نُقْصَان. قَالَ : وَعَلَى مَذْهَبِ إِسْحَاق يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَا مَعًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ. وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّكُمْ تَرَوْنَ الْعَدَدَ ثَلَاثِينَ فَإِذَا كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ تَرَوْنَهُ نُقْصَانًا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنُقْصَان. وَوَافَقَ أَحْمَدَ عَلَى اِخْتِيَارِهِ أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن عَمْرو الْبَزَّارُ فَأَوْهَمَ مُغَلْطَاي أَنَّهُ مُرَاد التِّرْمِذِيّ بِقَوْلِهِ \" وَقَالَ أَحْمَد \" وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ قَاسِم فِي \" الدَّلَائِلِ \" عَنْ الْبَزَّارِ فَقَالَ : سَمِعْت الْبَزَّار يَقُولُ مَعْنَاهُ لَا يَنْقُصَانِ جَمِيعًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَة زَيْد بْن عُقْبَة عَنْ سَمُرَةَ اِبْنِ جُنْدَب مَرْفُوعًا \" شَهْرَا عِيدٍ لَا يَكُونَانِ ثَمَانِيَة وَخَمْسِينَ يَوْمًا \" وَادَّعَى مُغَلْطَاي أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بِإِسْحَاقَ إِسْحَاقُ بْن سُوَيْد الْعَدَوِّي رَاوِي الْحَدِيثِ , وَلَمْ يَأْتِ عَلَى ذَلِكَ بِحُجَّة. وَذَكَرَ ابْن حِبَّانَ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا مَا قَالَهُ إِسْحَاق , وَالْآخَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمَا فِي الْفَضْلِ سَوَاء لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ \" مَا مِنْ أَيَّامِ الْعَمَلُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ \" وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيّ أَنَّ فِيهِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَنْقُصَانِ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ وَهُوَ الْعَامُ الَّذِي قَالَ فِيهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ تِلْكَ الْمَقَالَةَ. وَهَذَا حَكَاهُ اِبْن بَزِيزَةَ وَمِنْ قَبْلِهِ أَبُو الْوَلِيدِ اِبْن رُشْد وَنَقَلَهُ الْمُحِبّ الطَّبَرِيّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن فَوْرك , وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا يَنْقُصَانِ فِي الْأَحْكَامِ , وَبِهَذَا جَزَمَ الْبَيْهَقِيّ وَقَبِلَهُ الطَّحَاوِيّ فَقَالَ : مَعْنَى لَا يَنْقُصَانِ أَنَّ الْأَحْكَامَ فِيهِمَا وَإِنْ كَانَا تِسْعَة وَعِشْرِينَ مُتَكَامِلَةٌ غَيْر نَاقِصَةٍ عَنْ حُكْمِهِمَا إِذَا كَانَا ثَلَاثِينَ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَنْقُصَانِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكِنْ رُبَّمَا حَالَ دُونَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ مَانِع , وَهَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن حِبَّانَ أَيْضًا. وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَنْقُصَانِ مَعًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى طَرِيق الْأَكْثَر الْأَغْلَب وَإِنْ نَدَرَ وُقُوع ذَلِكَ وَهَذَا أَعْدَلُ مِمَّا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ رُبَّمَا وُجِدَ وُقُوعُهُمَا وَوُقُوع كُلٍّ مِنْهُمَا تِسْعَة وَعِشْرِينَ قَالَ الطَّحَاوِيّ : الْأَخْذُ بِظَاهِرِهِ أَوْ حَمْلُهُ عَلَى نَقْصِ أَحَدِهِمَا يَدْفَعُهُ الْعَيَان لِأَنَّا قَدْ وَجَدْنَاهُمَا يَنْقُصَانِ مَعًا فِي أَعْوَام. وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنَيِّرِ : لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ عَنْ الِاعْتِرَاضِ , وَأَقْرَبهَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ النَّقْصَ الْحِسِّيَّ بِاعْتِبَارِ الْعَدَدِ يَنْجَبِرُ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا شَهْرُ عِيدٍ عَظِيم فَلَا يَنْبَغِي وَصْفُهُمَا بِالنُّقْصَانِ , بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ الشُّهُورِ. وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى تَأْيِيدِ قَوْلِ إِسْحَاق. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي \" الْمَعْرِفَةِ \" إِنَّمَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِتَعَلُّقِ حُكْمِ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ بِهِمَا , وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيّ وَقَالَ : إِنَّهُ الصَّوَابُ الْمُعْتَمَدُ. وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ عَنْهُمَا مِنْ الْفَضَائِلِ وَالْأَحْكَام حَاصِل سَوَاء كَانَ رَمَضَان ثَلَاثِينَ أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ , سَوَاء صَادَفَ الْوُقُوف الْيَوْم التَّاسِع أَوْ غَيْره. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلُ تَقْصِيرٌ فِي اِبْتِغَاء الْهِلَال , وَفَائِدَة الْحَدِيثِ رَفْع مَا يَقَعُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ شَكٍّ لِمَنْ صَامَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَوْ وَقَفَ فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ بَعْض الْعُلَمَاءِ إِمْكَان الْوُقُوفِ فِي الثَّامِنِ اِجْتِهَادًا , وَلَيْسَ مُشْكِلًا لِأَنَّهُ رُبَّمَا ثَبَتَتْ الرُّؤْيَةُ بِشَاهِدَيْنِ أَنَّ أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ الْخَمِيس مَثَلًا فَوَقَفُوا يَوْم الْجُمْعَةَ , ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا شَهِدَا زُورًا. وَقَالَ الطِّيبِيّ : ظَاهِر سِيَاق الْحَدِيثِ بَيَان اِخْتِصَاص الشَّهْرَيْنِ بِمَزِيَّةٍ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ الشُّهُورِ , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ ثَوَاب الطَّاعَة فِي غَيْرِهِمَا يَنْقُصُ , وَإِنَّمَا الْمُرَادُ رَفْعُ الْحَرَجِ عَمَّا عَسَى أَنْ يَقَعَ فِيهِ خَطَأ فِي الْحُكْمِ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِالْعِيدَيْنِ وَجَوَاز اِحْتِمَال وُقُوعِ الْخَطَأِ فِيهِمَا , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ \" شَهْرَا عِيدٍ \" بَعْدَ قَوْلِهِ \" شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ \" وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ رَمَضَان وَذِي الْحِجَّةِ اِنْتَهَى. وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّة لِمَنْ قَالَ إِنَّ الثَّوَابَ لَيْسَ مُرَتَّبًا عَلَى وُجُودِ الْمَشَقَّةِ دَائِمًا , بَلْ لِلَّهِ أَنْ يَتَفَضَّلَ بِإِلْحَاق النَّاقِصِ بِالتَّامِّ فِي الثَّوَابِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ لِمَالِكٍ فِي اِكْتِفَائِهِ لِرَمَضَان بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ : لِأَنَّهُ جَعَلَ الشَّهْرَ بِجُمْلَتِهِ عِبَادَة وَاحِدَة فَاكْتَفَى لَهُ بِالنِّيَّةِ , وَهَذَا الْحَدِيث يَقْتَضِي أَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي الثَّوَابِ بَيْنَ الشَّهْرِ الَّذِي يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَبَيْنَ الشَّهْرِ الَّذِي يَكُونُ ثَلَاثِينَ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى جَعْلِ الثَّوَابِ مُتَعَلِّقًا بِالشَّهْرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لَا مِنْ حَيْثُ تَفْضِيلُ الْأَيَّامِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّار مِنْ رِوَايَةِ زَيْد بْن عُقْبَة عَنْ سَمْرَة بْن جُنْدَب فَإِسْنَاده ضَعِيف , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي \" الْأَفْرَادِ \" وَالطَّبَرَانِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظ \" لَا يَتِمُّ شَهْرَانِ سِتِّينَ يَوْمًا \" وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ اِبْن رُشْد : إِنْ ثَبَتَ فَمَعْنَاهُ لَا يَكُونَانِ ثَمَانِيَة وَخَمْسِينَ فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَاب وَرَوَى الطَّبَرَانِيّ حَدِيث الْبَابِ مِنْ طَرِيقٍ هُشَيْمٍ عَنْ خَالِد الْحَذَّاء بِسَنَدِهِ هَذَا بِلَفْظ \" كُلّ شَهْر حَرَام لَا يَنْقُصُ ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَثَلَاثُونَ لَيْلَة \" وَهَذَا بِهَذَا اللَّفْظِ شَاذّ , وَالْمَحْفُوظ عَنْ خَالِدٍ مَا تَقَدَّمَ , وَهُوَ الَّذِي تَوَارَدَ عَلَيْهِ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِهِ كَشُعْبَة وَحَمَّاد بْن زَيْد وَيَزِيدَ بْن زُرَيْعٍ وَبِشْر بْن الْمُفَضَّل وَغَيْرهمْ. وَقَدْ ذَكَرَ الطَّحَاوِيّ أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْرَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ , قَالَ الطَّحَاوِيّ : وَعَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق لَا يُقَاوِمُ خَالِدًا الْحَذَّاء فِي الْحِفْظِ. قُلْت : فَعَلَى هَذَا فَقَدْ دَخَلَ لِهُشَيْم حَدِيثٌ فِي حَدِيث , لِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي أَوْرَدَهُ عَنْ خَالِدٍ هُوَ لَفْظ عَبْد الرَّحْمَن. وَقَالَ اِبْن رُشْد : إِنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ أَيْضًا فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَاب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رَمَضَان وَذُو الْحِجَّةِ ) ‏ ‏أَطْلَقَ عَلَى رَمَضَان أَنَّهُ شَهْرُ عِيدٍ لِقُرْبِهِ مِنْ الْعِيدِ , أَوْ لِكَوْن هِلَال الْعِيدِ رُبَّمَا رُؤِيَ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَان قَالَهُ الْأَثْرَم , وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَنَظِيرُهُ قَوْله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ \" الْمَغْرِب وِتْرُ النَّهَار \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عُمَر , وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ لَيْلِيَّة جَهْرِيَّة , وَأَطْلَقَ كَوْنهَا وَتَر النَّهَار لِقُرْبِهَا مِنْهُ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وَقْتَهَا يَقَعُ أَوَّلَ مَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ : ‏ ‏لَيْسَ لِإِسْحَاق بْن سُوَيْد - وَهُوَ اِبْنُ هُبَيْرَة الْبَصْرِيّ الْعَدَوِيّ عَدِيّ مُضَرَ , وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ رَوَى هُنَا عَنْ تَابِعِيٍّ كَبِيرٍ - فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مَقْرُونًا بِخَالِد الْحَذَّاء وَقَدْ رُمِيَ بِالنَّصْبِ , وَذَكَرَهُ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الضُّعَفَاءِ بِهَذَا السَّبَبِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1780",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا ‏ ‏يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( الْأَسْوَد بْن قَيْس ) ‏ ‏هُوَ الْكُوفِيُّ تَابِعِيّ صَغِير , وَشَيْخه سَعِيد بْن عَمْرو أَيْ اِبْن سَعِيد بْن الْعَاصِ , مَدَنِيّ سَكَنَ دِمَشْقَ ثُمَّ الْكُوفَة تَابِعِيّ شَهِير , سَمْع عَائِشَة وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَةِ , فَفِي الْإِسْنَادِ تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيٍّ كَالَّذِي قَبْلَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّا ) ‏ ‏أَيْ الْعَرَبَ , وَقِيلَ أَرَادَ نَفْسَهُ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ : ( أُمِّيَّة ) ‏ ‏بِلَفْظ النَّسَب إِلَى الْأُمِّ فَقِيلَ أَرَادَ أُمَّةَ الْعَرَبِ لِأَنَّهَا لَا تَكْتُبُ , أَوْ مَنْسُوب إِلَى الْأُمَّهَاتِ أَيْ إِنَّهُمْ عَلَى أَصْلِ وِلَادَة أُمِّهِمْ , أَوْ مَنْسُوبٍ إِلَى الْأُمِّ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ هَذِهِ صَفَّتْهَا غَالِبًا , وَقِيلَ مَنْسُوبُونَ إِلَى أُمِّ الْقُرَى , و ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ ) ‏ ‏تَفْسِير لِكَوْنِهِمْ كَذَلِكَ , وَقِيلَ لِلْعَرَبِ أُمِّيُّونَ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ كَانَتْ فِيهِمْ عَزِيزَة. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَكْتُبُ وَيَحْسِبُ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ كَانَتْ فِيهِمْ قَلِيلَة نَادِرَة , وَالْمُرَاد بِالْحِسَابِ هُنَا حِسَاب النُّجُومِ وَتَسْيِيرهَا , وَلَمْ يَكُونُوا يُعْرَفُونَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا إِلَّا النَّزْر الْيَسِير , فَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِالصَّوْمِ وَغَيْره بِالرُّؤْيَةِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ فِي مُعَانَاةِ حِسَاب التَّسْيِير وَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ فِي الصَّوْمِ وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَهُمْ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ , بَلْ ظَاهِر السِّيَاقِ يُشْعِرُ بِنَفْيِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالْحِسَابِ أَصْلًا وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي \" فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ \" وَلَمْ يَقُلْ فَسَلُوا أَهْل الْحِسَاب , وَالْحِكْمَة فِيهِ كَوْنُ الْعَدَدَ عِنْدَ الْإِغْمَاءِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُكَلَّفُونَ فَيَرْتَفِعُ الِاخْتِلَاف وَالنِّزَاع عَنْهُمْ , وَقَدْ ذَهَبَ قَوْم إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى أَهْل التَّسْيِير فِي ذَلِكَ وَهُمْ الرَّوَافِضُ , وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مُوَافَقَتُهُمْ. قَالَ الْبَاجِي : وَإِجْمَاع السَّلَف الصَّالِح حُجَّة عَلَيْهِمْ. وَقَالَ اِبْن بَزِيزَةَ : وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ فَقَدْ نَهَتْ الشَّرِيعَةُ عَنْ الْخَوْضِ فِي عِلْمِ النُّجُومِ لِأَنَّهَا حَدْسٌ وَتَخْمِينٌ لَيْسَ فِيهَا قَطْعَ وَلَا ظَنٌّ غَالِب , مَعَ أَنَّهُ لَوْ اِرْتَبَطَ الْأَمْر بِهَا لَضَاقَ إِذْ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْقَلِيل. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا , يَعْنِي مَرَّة تِسْعَة وَعِشْرِينَ وَمَرَّة ثَلَاثِينَ ) ‏ ‏هَكَذَا ذَكَرَهُ آدَم شَيْخ الْبُخَارِيّ مُخْتَصَرًا , وَفِيهِ اِخْتِصَارٌ عَمَّا رَوَاهُ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة , أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ اِبْنِ الْمُثَنَّى وَغَيْرِهِ عَنْهُ بِلَفْظِ \" الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا وَعَقَدَ الْإِبْهَام فِي الثَّالِثَةِ , وَالشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي تَمَام الثَّلَاثِينَ \" أَيْ أَشَارَ أَوَّلًا بِأَصَابِعِ يَدَيْهِ الْعَشْر جَمِيعًا مَرَّتَيْنِ وَقَبَضَ الْإِبْهَام فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ وَهَذَا الْمَعْبَّر عَنْهُ بِقَوْلِهِ تِسْع وَعِشْرُونَ , وَأَشَارَ مَرَّة أُخْرَى بِهِمَا ثَلَاث مَرَّاتٍ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ثَلَاثُونَ , وَفِي رِوَايَة جَبَلَةَ بْن سُحَيْمٍ عَنْ اِبْن عُمَر فِي الْبَابِ الْمَاضِي \" الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا وَخَنَسَ الْإِبْهَام فِي الثَّالِثَةِ \". وَوَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ بِكُلِّ أَصَابِعِهِ وَقَبَضَ فِي الصَّفْقَةِ الثَّالِثَةِ إِبْهَام الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى \" , وَرَوَى أَحْمَد وَابْن أَبِي شَيْبَة وَاللَّفْظِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن حَاطِب عَنْ اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" الشَّهْر تِسْع وَعِشْرُونَ ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَطَبَق الثَّالِثَة فَقَبَضَ الْإِبْهَام. قَالَ فَقَالَتْ عَائِشَة : يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْد الرَّحْمَن , إِنَّمَا هَجَرَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نِسَاءَهُ شَهْرًا فَنَزَلَ لِتِسْع وَعِشْرِينَ , فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ : إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَشَهْر ثَلَاثُونَ. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي الْحَدِيثِ رَفْعٌ لِمُرَاعَاةِ النُّجُومِ بِقَوَانِينِ التَّعْدِيلِ , وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ رُؤْيَة الْأَهِلَّةِ وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّفِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي مُرَاعَاة مَا غَمُضَ حَتَّى لَا يُدْرَك إِلَّا بِالظُّنُونِ غَايَةَ التَّكَلُّف. وَفِي الْحَدِيثِ مُسْتَنَد لِمَنْ رَأَى الْحُكْمَ بِالْإِشَارَةِ , قُلْت وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الطَّلَاق. ‏"
    },
    {
        "id": "1781",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ خَالِد بْن الْحَارِث عَنْ هِشَام عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ \" , وَنَحْوُهُ لِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَة بْن سَلَام عَنْ يَحْيَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا يَتَقَدَّمْنَ أَحَدكُمْ رَمَضَان بِصَوْمِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" لَا تَقَدَّمُوا صَوْمَ رَمَضَان بِصَوْم \" وَفِي رِوَايَةِ خَالِد بْن الْحَارِث الْمَذْكُورَةِ \" لَا تَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ رَمَضَان بِصَوْم \" وَلِأَحْمَدَ عَنْ رَوْحٍ عَنْ هِشَام \" لَا تَقْدَمُوا قَبْلَ رَمَضَان بِصَوْم \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيّ بْن الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى لَا تَقَدَّمُوا شَهْر رَمَضَان بِصِيَامٍ قَبْلَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلَ ) ‏ ‏كَانَ تَامَّة , أَيْ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ رَجُل. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَصُومُ صَوْمًا ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ \" وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى عِنْدَ أَحْمَدَ إِلَّا رَجُل كَانَ يَصُومُ صِيَامًا فَيَأْتِي عَلَى صِيَامِهِ \" وَنَحْوُهُ لِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى , وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ رَوْحٍ \" إِلَّا رَجُل كَانَ يَصُومُ صِيَامًا فَلْيَصِلْهُ بِهِ \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَأَحْمَد مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ \" إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدكُمْ \" قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَان بِصِيَامٍ عَلَى نِيَّةِ الِاحْتِيَاطِ لِرَمَضَان. قَالَ التِّرْمِذِيّ لَمَّا أَخْرَجَهُ : الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ , كَرِهُوا أَنْ يَتَعَجَّلَ الرَّجُلُ بِصِيَامٍ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَان لِمَعْنَى رَمَضَان ا ه. وَالْحِكْمَةُ فِيهِ التَّقَوِّي بِالْفِطْرِ لِرَمَضَان لِيَدْخُلَ فِيهِ بِقُوَّة وَنَشَاط , وَهَذَا فِيهِ نَظَرَ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَهُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَة جَاز , وَسَنَذْكُرُ مَا فِيهِ قَرِيبًا , وَقِيلَ الْحِكْمَة فِيهِ خَشْيَة اِخْتِلَاط النَّفْل بِالْفَرْضِ , وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ عَادَةٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ , وَقِيلَ لِأَنَّ الْحُكْمَ عُلِّقَ بِالرُّؤْيَةِ فَمَنْ تَقَدَّمَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَقَدْ حَاوَلَ الطَّعْنَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ , وَمَعْنَى الِاسْتِثْنَاء أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ وِرْد فَقَدْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّهُ اِعْتَادَهُ وَأَلِفَهُ وَتَرْكُ الْمَأْلُوف شَدِيد وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ اِسْتِقْبَالِ رَمَضَان فِي شَيْء , وَيُلْتَحَقُ بِذَلِكَ الْقَضَاءِ وَالنُّذُر لِوُجُوبِهِمَا قَالَ بَعْض الْعُلَمَاءِ : يُسْتَثْنَى الْقَضَاء وَالنُّذُر بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهِمَا فَلَا يَبْطُلُ الْقَطْعِيّ بِالظَّنِّ , وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَرَى تَقْدِيمَ الصَّوْمِ عَلَى الرُّؤْيَةِ كَالرَّافِضَةِ , وَرَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ بِجَوَازِ صَوْم النَّفْل الْمُطْلَق , وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : الْمُرَادُ بِالنَّهْي التَّقَدُّم بِنِيَّةِ رَمَضَان , وَاسْتَدَلَّ بِلَفْظ التَّقَدُّم لِأَنَّ التَّقَدُّمَ عَلَى الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ , فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ الصِّيَامُ بِنْيَة النَّفْل الْمُطْلَق , لَكِنَّ السِّيَاقَ يَأْبَى هَذَا التَّأْوِيلَ وَيَدْفَعُهُ. وَفِيهِ بَيَانٌ لِمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي \" صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ \" فَإِنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلتَّأْقِيتِ لَا لِلتَّعْلِيلِ. قَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : وَمَعَ كَوْنِهَا مَحْمُولَةً عَلَى التَّأْقِيتِ فَلَا بُدّ مِنْ اِرْتِكَاب مَجَاز لِأَنَّ وَقْتَ الرُّؤْيَةِ - وَهُوَ اللَّيْلُ - لَا يَكُونُ مَحَلّ الصَّوْم. وَتَعَقَّبَهُ الْفَاكِهِيّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بُقُوله \" صُومُوا \" اِنْوُوا الصِّيَام , وَاللَّيْل كُلّه ظَرْف لِلنِّيَّةِ. قُلْت : فَوَقَعَ فِي الْمَجَازِ الَّذِي فَرَّ مِنْهُ , لِأَنَّ النَّاوِيَ لَيْسَ صَائِمًا حَقِيقَةً بِدَلِيلٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ بَعْدَ النِّيَّةِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ , وَفِيهِ مَنْعُ إِنْشَاء الصَّوْم قَبْلَ رَمَضَان إِذَا كَانَ لِأَجْلِ الِاحْتِيَاطِ , فَإِنْ زَاد عَلَى ذَلِكَ فَمَفْهُومُهُ الْجَوَاز , وَقِيلَ يَمْتَدُّ الْمَنْع لِمَا قَبْلَ ذَلِكَ وَبِهِ قَطْعُ كَثِيرٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ , وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ التَّقْدِيم بِالصَّوْمِ فَحَيْثُ وَجَدَ مَنْع , وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ مِمَّنْ يَقْصِدُ ذَلِكَ. وَقَالُوا أَمَد الْمَنْع مِنْ أَوَّلِ السَّادِسَ عَشَر مِنْ شَعْبَانَ لِحَدِيثِ الْعَلَاءِ بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا \" إِذَا اِنْتَصَفَ شَعْبَان فَلَا تَصُومُوا \" أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ : يَحْرُمُ التَّقَدُّم بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِحَدِيثِ الْبَابِ. وَيُكْرَهُ التَّقَدُّمَ مِنْ نِصْفِ شَعْبَانَ لِلْحَدِيثِ الْآخَرِ. وَقَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاءِ : يَجُوزُ الصَّوْمُ تَطَوُّعًا بَعْدَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَضَعَّفُوا الْحَدِيث الْوَارِد فِيهِ. وَقَالَ أَحْمَد وَابْن مَعِينٍ إِنَّهُ مُنْكَر , وَقَدْ اِسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى ضَعْفِهِ فَقَالَ : الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ بِمَا هُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ , وَكَذَا صَنَعَ قَبْلَهُ الطَّحَاوِيّ. وَاسْتَظْهَرَ بِحَدِيث ثَابِتٍ عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا \" أَفْضَل الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَان شَعْبَان \" لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيف , وَاسْتَظْهَرَ أَيْضًا بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ \" أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ لِرَجُل : هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَان شَيْئًا ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : فَإِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَان فَصُمْ يَوْمَيْنِ \" ثُمَّ جُمِعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ حَدِيثَ الْعَلَاءِ مَحْمُول عَلَى مَنْ يُضْعِفُهُ الصَّوْم , وَحَدِيث الْبَابِ مَخْصُوص بِمَنْ يَحْتَاطُ بِزَعْمِهِ لِرَمَضَان , وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1782",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَصْحَابُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الْإِفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنَّ ‏ ‏قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏كَانَ صَائِمًا فَلَمَّا حَضَرَ الْإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ لَهَا أَعِنْدَكِ طَعَامٌ قَالَتْ لَا وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ خَيْبَةً لَكَ فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ‏} ‏فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا وَنَزَلَتْ ‏ { ‏وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ ‏ ‏الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ ‏ ‏مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ) ‏ ‏هُوَ السَّبِيعِيُّ , وَإِسْرَائِيلُ هُوَ اِبْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَذْكُورُ , وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى وَغَيْرِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ عَنْ إِسْرَائِيلَ وَزُهَيْرٌ هُوَ اِبْنُ مُعَاوِيَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ زَادَ فِيهِ ذِكْرَ زُهَيْرٍ وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِ إِسْرَائِيلَ , وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِيهِمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى فَلَمْ يَذْكُرَا زُهَيْرًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زُهَيْرٍ بِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ فِي أَوَّلِ اِفْتِرَاضِ الصِّيَامِ , وَبَيَّنَ ذَلِكَ اِبْنُ جَرِيرٍ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى مُرْسَلًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ إِلَخْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ \" كَانَ إِذَا نَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَشَّى لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا وَلَا يَشْرَبَ لَيْلَهُ وَيَوْمَهُ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ \" وَلِأَبِي الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ \" كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا أَفْطَرُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَأْتُونَ النِّسَاءَ مَا لَمْ يَنَامُوا فَإِذَا نَامُوا لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَى مِثْلِهَا \" فَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مُقَيَّدًا بِالنَّوْمِ , وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ , وَقُيِّدَ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ بِصَلَاةِ الْعَتَمَةِ , أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ \" كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّوْا الْعَتَمَةَ حَرُمَ عَلَيْهِمْ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ وَصَامُوا إِلَى الْقَابِلَةِ \" وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَأَذْكُرُهُ قَرِيبًا , وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ لِكَوْنِ مَا بَعْدَهَا مَظِنَّةَ النَّوْمِ غَالِبًا , وَالتَّقْيِيدُ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّوْمِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ , وَبَيَّنَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ كَانَ عَلَى وَفْقِ مَا كُتِبَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ وَلَفْظُهُ \" كُتِبَ عَلَى النَّصَارَى الصِّيَامُ , وَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَأْكُلُوا وَلَا يَشْرَبُوا وَلَا يَنْكِحُوا بَعْدَ النَّوْمِ , وَكُتِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوَّلًا مِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ \" فَذَكَرَ الْقِصَّةَ. وَمِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ \" كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يَفْعَلُونَ كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الْكِتَابِ : إِذَا نَامَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَطْعَمْ حَتَّى الْقَابِلَةِ \" وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا \" فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ هَكَذَا سُمِّيَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ , وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى إِسْرَائِيلَ فِيهِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ عَنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ \" صِرْمَةُ بْنُ قَيْسٍ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي \" الْمَعْرِفَةِ \" مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ , قَالَ وَكَذَا رَوَاهُ أَشْعَثُ بْنُ سِوَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ , وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ \" أَبُو قَيْسِ اِبْنُ عَمْرٍو \" وَفِي حَدِيثِ السُّدِّيِّ الْمَذْكُورِ \" حَتَّى أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو قَيْسِ بْنُ صِرْمَةَ \" وَلِابْنِ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ مُرْسَلًا \" صِرْمَةُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ \" وَلِغَيْرِ اِبْنِ جَرِيرٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ \" صِرْمَةُ بْنُ قَيْسٍ \" كَمَا قَالَ أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ , وَلِلذُّهْلِيِّ فِي \" الزُّهْرِيَّاتِ \" مِنْ مُرْسَلِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ \" صِرْمَةُ بْنُ أَنَسٍ \" وَلِابْنِ جَرِيرٍ مِنْ مُرْسَلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى \" صِرْمَةُ بْنُ مَالِكٍ \" وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ أَبُو قَيْسٍ صِرْمَةُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ قَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنَمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ , كَذَا نَسَبَهُ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ , فَمَنْ قَالَ قَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ قَلَبَهُ كَمَا جَزَمَ الدَّاوُدِيُّ وَالسُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّهُ وَقَعَ مَقْلُوبًا فِي رِوَايَةِ حَدِيثِ الْبَابِ , وَمَنْ قَالَ صِرْمَةُ بْنُ مَالِكٍ نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ , وَمَنْ قَالَ صِرْمَةُ بْنُ أَنَسٍ حَذَفَ أَدَاةَ الْكُنْيَةِ مِنْ أَبِيهِ , وَمَنْ قَالَ أَبُو قَيْسِ بْنُ عَمْرٍو أَصَابَ كُنْيَتَهُ وَأَخْطَأَ فِي اِسْمِ أَبِيهِ , وَكَذَا مَنْ قَالَ أَبُو قَيْسِ بْنُ صِرْمَةَ , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ أَبُو قَيْسٍ صِرْمَةُ فَزَادَ فِيهِ اِبْنَ , وَقَدْ صَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ فَرُوِّينَاهُ فِي \" جُزْءِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ \" مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ \" كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا صَلَّوْا الْعِشَاءَ حَرُمَ عَلَيْهِمْ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ , وَأَنَّ ضَمْرَةَ بْنَ أَنَسٍ الْأَنْصَارِيَّ غَلَبَتْهُ عَيْنُهُ \" الْحَدِيثَ. وَقَدْ اِسْتَدْرَكَ اِبْنُ الْأَثِيرِ فِي الصَّحَابَةِ ضَمْرَةَ بْنَ أَنَسٍ فِي حَرْفِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَهُ , وَهُوَ تَصْحِيفٌ وَتَحْرِيفٌ وَلَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ وَالصَّوَابُ صِرْمَةُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ كَمَا تَقَدَّمَ , وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَصِرْمَةُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ مَشْهُورٌ فِي الصَّحَابَةِ يُكَنَّى أَبَا قَيْسٍ. قَالَ اِبْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا أَخْرَجَهُ السِّرَاجُ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِهِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ قَالَ : قَالَ صِرْمَةُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ وَهُوَ يَذْكُرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ‏ ‏ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً ‏ ‏يُذَكِّرُ لَوْ يَلْقَى صَدِيقًا مُؤَاتِيَا ‏ ‏الْأَبْيَاتَ. ‏ ‏قَالَ اِبْنُ إِسْحَاقَ : وَصِرْمَةُ هَذَا هُوَ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ ( كُلُوا وَاشْرَبُوا ) الْآيَةَ. قَالَ : وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : كَانَ أَبُو قَيْسٍ مِمَّنْ فَارَقَ الْأَوْثَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ , فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ أَسْلَمَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ , وَهُوَ الْقَائِلُ : يَقُولُ أَبُو قَيْسٍ ‏ ‏وَأَصْبَحَ غَادِيَا أَلَا مَا اِسْتَطَعْتُمْ ‏ ‏مِنْ وَصَاتِيَ فَافْعَلُوا ‏ ‏الْأَبْيَاتَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَ لَهَا أَعِنْدَك ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْكَافِ ( طَعَامٌ ؟ قَالَتْ لَا , وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ أَطْلُبُ لَك ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَجِئْ مَعَهُ بِشَيْءٍ , لَكِنْ فِي مُرْسَلِ السُّدِّيِّ أَنَّهُ أَتَاهَا بِتَمْرٍ فَقَالَ : اِسْتَبْدِلِي بِهِ طَحِينًا وَاجْعَلِيهِ سَخِينًا , فَإِنَّ التَّمْرَ أَحْرَقَ جَوْفِي. وَفِيهِ : لَعَلِّي آكُلُهُ سُخْنًا , وَأَنَّهَا اِسْتَبْدَلَتْهُ لَهُ وَصَنَعَتْهُ. وَفِي مُرْسَلِ اِبْنِ أَبِي لَيْلَى : فَقَالَ لِأَهْلِهِ أَطْعِمُونِي. فَقَالَتْ : حَتَّى أَجْعَلَ لَك شَيْئًا سَخِينًا. وَوَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ أَبِي لَيْلَى فَقَالَ \" حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ \" فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَكَانَ يَوْمَهُ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ ‏ ‏( يَعْمَلُ ) ‏ ‏أَيْ فِي أَرْضِهِ , وَصَرَّحَ بِهَا أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ. وَفِي مُرْسَلِ السُّدِّيِّ \" كَانَ يَعْمَلُ فِي حِيطَانِ الْمَدِينَةِ بِالْأُجْرَةِ \" فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ \" فِي أَرْضِهِ \" إِضَافَةُ اِخْتِصَاصٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ ) ‏ ‏أَيْ نَامَ , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ \" عَيْنُهُ \" بِالْإِفْرَادِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَتْ خَيْبَةً لَك ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ وَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَحْذُوفُ الْعَامِلِ , وَقِيلَ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ لَامٍ يَجِبُ نَصْبُهُ وَإِلَّا جَازَ. وَالْخَيْبَةُ الْحِرْمَانُ يُقَالُ خَابَ يَخِيبُ إِذَا لَمْ يَنَلْ مَا طَلَبَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا اِنْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ \" فَأَصْبَحَ صَائِمًا , فَلَمَّا اِنْتَصَفَ النَّهَارُ \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ \" فَلَمْ يَنْتَصِفْ النَّهَارُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ \" فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى أَنَّ الْغَشْيَ وَقَعَ فِي آخِرِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ النَّهَارِ , وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ \" فَلَمْ يَطْعَمْ شَيْئًا وَبَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ صَائِمًا حَتَّى اِنْتَصَفَ النَّهَارُ فَغُشِيَ عَلَيْهِ \" وَفِي مُرْسَلِ السُّدِّيِّ \" فَأَيْقَظْته , فَكَرِهَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ وَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ \" وَفِي مُرْسَلِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى \" فَقَالَتْ لَهُ كُلْ , فَقَالَ إِنِّي قَدْ نِمْت. فَقَالَتْ لَمْ تَنَمْ. فَأَبَى فَأَصْبَحَ جَائِعًا مَجْهُودًا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ زَكَرِيَّا عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ \" وَأَتَى عُمَرُ اِمْرَأَتَهُ وَقَدْ نَامَتْ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ) ) ‏ ‏فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا وَنَزَلَتْ ‏ ‏( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَشَرْحِ الْكَرْمَانِيِّ عَلَى ظَاهِرِهَا فَقَالَ : لَمَّا صَارَ الرَّفَثُ وَهُوَ الْجِمَاعُ هُنَا حَلَالًا بَعْدَ أَنْ كَانَ حَرَامًا كَانَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , فَلِذَلِكَ فَرِحُوا بِنُزُولِهَا وَفَهِمُوا مِنْهَا الرُّخْصَةَ , هَذَا وَجْهُ مُطَابَقَةِ ذَلِكَ لِقِصَّةِ أَبِي قَيْسٍ , قَالَ : ثُمَّ لَمَّا كَانَ حِلُّهُمَا بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ) لِيُعْلَمَ بِالْمَنْطُوقِ تَسْهِيلُ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ صَرِيحًا , ثُمَّ قَالَ : أَوْ الْمُرَادُ مِنْ الْآيَةِ هِيَ بِتَمَامِهَا. ‏ ‏قُلْتُ : وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ , وَبِهِ جَزَمَ السُّهَيْلِيُّ وَقَالَ : إِنَّ الْآيَةَ بِتَمَامِهَا نَزَلَتْ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا وَقُدِّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِعُمَرَ لِفَضْلِهِ. قُلْتُ : وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ فَنَزَلَتْ ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( مِنْ الْفَجْرِ ) فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ مَحَلَّ قَوْلِهِ \" فَفَرِحُوا بِهَا \" بَعْدُ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ) ‏ ‏وَوَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ وَلَفْظُهُ \" فَنَزَلَتْ ( أُحِلَّ لَكُمْ - إِلَى قَوْلِهِ - مِنْ الْفَجْرِ ) فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ \" وَسَيَأْتِي بَيَانُ قِصَّةِ عُمَرَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَعَ بَقِيَّةِ تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1783",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ ‏ ‏الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ‏ } ‏عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي حُصَيْنٌ ) ‏ ‏رَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ عَنْ هُشَيْمٍ أَنْبَأَنَا حُصَيْنٌ وَمُجَالِدٌ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ عَنْ هُشَيْمٍ إِلَّا أَنَّهُ فَرَّقَهُمَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيِّ \" أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ , وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ حُصَيْنٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَمَّا نَزَلَتْ : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ. عَمَدْت إِلَخْ ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ أَنَّ عَدِيًّا كَانَ حَاضِرًا لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ , وَهُوَ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ إِسْلَامِهِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ نُزُولَ فَرْضِ الصَّوْمِ كَانَ مُتَقَدِّمًا فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ , وَإِسْلَامَ عَدِيٍّ كَانَ فِي التَّاسِعَةِ أَوْ الْعَاشِرَةِ كَمَا ذَكَرَهُ اِبْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي , فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ تَأَخَّرَ نُزُولُهَا عَنْ نُزُولِ فَرْضِ الصَّوْمِ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا , وَإِمَّا أَنْ يَؤُولَ قَوْلُ عَدِيٍّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ \" لَمَّا نَزَلَتْ \" أَيْ لَمَّا تُلِيَتْ عَلَيَّ عِنْدَ إِسْلَامِي , أَوْ لَمَّا بَلَغَنِي نُزُولُ الْآيَةِ أَوْ فِي السِّيَاقِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَةُ ثُمَّ قَدِمْت فَأَسْلَمْت وَتَعَلَّمْت الشَّرَائِعَ عَمَدْت , وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ حَدِيثَهُ مِنْ طَرِيقِ مُجَالِدٍ بِلَفْظِ \" عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ فَقَالَ : صَلِّ كَذَا وَصُمْ كَذَا , فَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ فَكُلْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَك الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ. قَالَ : فَأَخَذْت خَيْطَيْنِ \" الْحَدِيثَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِلَى عِقَالٍ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ حَبْلٍ وَفِي رِوَايَةِ مُجَالِدٍ \" فَأَخَذْت خَيْطَيْنِ مِنْ شَعْرٍ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَجَعَلْت أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُجَالِدٍ \" فَلَا أَسْتَبِينُ الْأَبْيَضَ مِنْ الْأَسْوَدِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو عُبَيْدٍ \" إِنَّ وِسَادَك إِذًا لَعَرِيضٌ \" وَكَذَا لِأَحْمَدَ عَنْ هُشَيْمٍ , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ يُوسُفَ الْقَاضِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ هُشَيْمٍ \" قَالَ فَضَحِكَ وَقَالَ : إِنْ كَانَ وِسَادُك إِذًا لَعَرِيضًا \" وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ وَزَادَ \" إِنْ كَانَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِك \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ حُصَيْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ \" إِنَّ وِسَادَك لَعَرِيضٌ طَوِيلٌ \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ \" إِنَّك لَعَرِيضُ الْقَفَا \" وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْ مُطَرِّف \" فَضَحِكَ وَقَالَ : لَا يَا عَرِيضَ الْقَفَا \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي \" الْمَعَالِمِ \" فِي قَوْلِهِ \" إِنَّ وِسَادَك لَعَرِيضٌ \" قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا يُرِيدُ إِنَّ نَوْمَك لَكَثِيرٌ , وَكَنَّى بِالْوِسَادَةِ عَنْ النَّوْمِ لِأَنَّ النَّائِمَ يَتَوَسَّدُ , أَوْ أَرَادَ إِنَّ لَيْلَك لَطَوِيلٌ إِذَا كُنْت لَا تُمْسِكُ عَنْ الْأَكْلِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَك الْعِقَالُ , وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهُ كَنَّى بِالْوِسَادَةِ عَنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَضَعُهُ مِنْ رَأْسِهِ وَعُنُقِهِ عَلَى الْوِسَادَةِ إِذَا نَامَ , وَالْعَرَبُ تَقُولُ فُلَانٌ عَرِيضُ الْقَفَا إِذَا كَانَ فِيهِ غَبَاوَةٌ وَغَفْلَةٌ , وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى \" إِنَّك عَرِيضُ الْقَفَا \" وَجَزَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالتَّأْوِيلِ الثَّانِي فَقَالَ : إِنَّمَا عَرَّضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَفَا عَدِيٍّ لِأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ الْبَيَانِ , وَعُرْضُ الْقَفَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى قِلَّةِ الْفَطِنَةِ , وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا , وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ : حَمَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى الذَّمِّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْفَهْمِ وَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى الْجَهْلِ وَالْجَفَاءِ وَعَدَمِ الْفِقْهِ , وَعَضَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ \" إِنَّك عَرِيضُ الْقَفَا \" وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوهُ لِأَنَّ مَنْ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى حَقِيقَتِهِ اللِّسَانِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ إِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ دَلِيلُ التَّجَوُّزِ لَمْ يَسْتَحِقَّ ذَمًّا وَلَا يُنْسَبُ إِلَى جَهْلٍ , وَإِنَّمَا عَنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ وِسَادَك إِنْ كَانَ يُغَطِّي الْخَيْطَيْنِ اللَّذَيْنِ أَرَادَ اللَّهُ فَهُوَ إِذًا عَرِيضٌ وَاسِعٌ , وَلِهَذَا قَالَ فِي أَثَرِ ذَلِكَ : إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : فَكَيْفَ يَدْخُلَانِ تَحْتَ وِسَادَتِك ؟ وَقَوْلُهُ \" إِنَّك لَعَرِيضُ الْقَفَا \" أَيْ إِنَّ الْوِسَادَ الَّذِي يُغَطِّي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَرْقُدُ عَلَيْهِ إِلَّا قَفًا عَرِيضٌ لِلْمُنَاسَبَةِ. قُلْت : وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ اِبْنُ حِبَّانَ \" ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْعَرَبَ تَتَفَاوَتُ لُغَاتُهَا \" وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ عَدِيًّا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ فِي لُغَتِهِ أَنَّ سَوَادَ اللَّيْلِ وَبَيَاضَ النَّهَارِ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِالْخَيْطِ الْأَسْوَدِ وَالْخَيْطِ الْأَبْيَضِ. وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ. قَالَ اِبْنُ الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَةِ : فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ جَوَازُ التَّوْبِيخِ بِالْكَلَامِ النَّادِرِ الَّذِي يَسِيرُ فَيَصِيرُ مَثَلًا بِشَرْطِ صِحَّةِ الْقَصْدِ وَوُجُودِ الشَّرْطِ عِنْدَ أَمْنِ الْغُلُوِّ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَزَلَّةُ الْقَدَمِ إِلَّا لِمَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1784",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُنْزِلَتْ ‏ { ‏وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ ‏ ‏الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ‏ } ‏وَلَمْ يَنْزِلْ ‏ { ‏مِنْ الْفَجْرِ ‏} ‏فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ ‏ { ‏مِنْ الْفَجْرِ ‏} ‏فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا ‏ ‏يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ , وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ ) ‏ ‏كَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ شَيْخَيْنِ لَهُ , وَأَعَادَهُ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي غَسَّانَ وَحْدَهُ , وَظَهَرَ مِنْ سِيَاقِهِ أَنَّ اللَّفْظَ هُنَا لِأَبِي غَسَّانَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ الذُّهْلِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ شَيْخَيْهِ وَبَيَّنَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ أَنَّ لَفْظَهُمَا وَاحِدٌ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو عَوَانَةَ وَالطَّحَاوِيُّ فِي آخَرِينَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي غَسَّانَ وَحْدَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَكَانَ رِجَالٌ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ , وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُفَسَّرَ بَعْضُهُمْ بِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ لِأَنَّ قِصَّةَ عَدِيٍّ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ وَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ \" لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ جَعَلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ خَيْطًا أَبْيَضَ وَخَيْطًا أَسْوَدَ فَيَضَعُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِهِ فَيَنْظُرُ مَتَى يَسْتَبِينُهُمَا \" وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ فَعَلَ هَذَا وَبَعْضُهُمْ فَعَلَ هَذَا , أَوْ يَكُونُوا يَجْعَلُونَهُمَا تَحْتَ الْوِسَادَةِ إِلَى السَّحَرِ فَيَرْبِطُونَهُمَا حِينَئِذٍ فِي أَرْجُلِهِمْ لِيُشَاهِدُوهُمَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَتَبَيَّنَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّشْدِيدِ , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ \" حَتَّى يَسْتَبِينَ \" بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّخْفِيفِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رُؤْيَتُهُمَا ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ , وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ \" رِئْيُهُمَا \" بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ \" زِيُّهُمَا \" بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ , قَالَ صَاحِبُ \" الْمَطَالِعِ \" ضُبِطَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا بِفَتْحِ الرَّاءِ وَقَدْ تُكْسَرُ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ. قَالَ عِيَاضٌ : وَلَا وَجْهَ لَهُ إِلَّا بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيلِ , وَكَأَنَّهُ رِئْيٌ بِمَعْنَى مَرْئِيٍّ , وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الرِّئْيَ التَّابِعُ مِنْ الْجِنِّ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ لِتَرَائِيِهِ لِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْإِنْسِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ : مِنْ الْفَجْرِ ) ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : حَدِيثُ عَدِيٍّ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ : ( مِنْ الْفَجْرِ ) نَزَلَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ : ( مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ) بِخِلَافِ حَدِيثِ سَهْلٍ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ قَوْلَهُ : ( مِنْ الْفَجْرِ ) نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ لِرَفْعِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ الْإِشْكَالِ. قَالَ : وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ نُزُولِهِمَا عَامٌ كَامِلٌ , قَالَ : فَأَمَّا عَدِيٌّ فَحَمَلَ الْخَيْطَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَفَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ : ( مِنْ الْفَجْرِ ) مِنْ أَجْلِ الْفَجْرِ فَفَعَلَ مَا فَعَلَ. قَالَ : وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ حَدِيثَ عَدِيٍّ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَدِيثِ سَهْلٍ , فَكَأَنَّ عَدِيًّا لَمْ يَبْلُغْهُ مَا جَرَى فِي حَدِيثِ سَهْلٍ , وَإِنَّمَا سَمِعَ الْآيَةَ مُجَرَّدَةً فَفَهِمَهَا عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : ( مِنْ الْفَجْرِ ) أَنْ يَنْفَصِلَ أَحَدُ الْخَيْطَيْنِ عَنْ الْآخَرِ , وَأَنَّ قَوْلَهُ : ( مِنْ الْفَجْرِ ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ \" يَتَبَيَّنَ \" قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّتَانِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ - يَعْنِي فِي قِصَّةِ عَدِيٍّ - تَلَا الْآيَةَ تَامَّةً كَمَا ثَبَتَ فِي الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ حَالَ النُّزُولِ إِنَّمَا نَزَلَتْ مُفَرَّقَةً كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ. قُلْت : وَهَذَا الثَّانِي ضَعِيفٌ لِأَنَّ قِصَّةَ عَدِيٍّ مُتَأَخِّرَةٌ لِتَأَخُّرِ إِسْلَامِهِ كَمَا قَدَّمْته , وَقَدْ رَوَى اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ مُجَالِدٍ فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ لَمَّا أَخْبَرَهُ بِمَا صَنَعَ : يَا اِبْنَ حَاتِمٍ أَلَمْ أَقُلْ لَك مِنْ الْفَجْرِ \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَالِدٍ وَغَيْرِهِ \" فَقَالَ عَدِيٌّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلَّ شَيْءٍ أَوْصَيْتنِي قَدْ حَفِظْته غَيْرَ الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ , إِنِّي بِتّ الْبَارِحَةَ مَعِي خَيْطَانِ أَنْظُرُ إِلَى هَذَا وَإِلَى هَذَا , قَالَ : إِنَّمَا هُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ \" فَتَبَيَّنَ أَنَّ قِصَّةَ عَدِيٍّ مُغَايِرَةٌ لِقِصَّةِ سَهْلٍ , فَأَمَّا مَنْ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ فَحَمَلُوا الْخَيْطَ عَلَى ظَاهِرِهِ , فَلَمَّا نَزَلَ \" مِنْ الْفَجْرِ \" عَلِمُوا الْمُرَادَ فَلِذَلِكَ قَالَ سَهْلٌ فِي حَدِيثِهِ \" فَعَلِمُوا أَنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ \" وَأَمَّا عَدِيٌّ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي لُغَةِ قَوْمِهِ اِسْتِعَارَةُ الْخَيْطِ لِلصُّبْحِ , وَحَمَلَ قَوْلَهُ : ( مِنْ الْفَجْرِ ) عَلَى السَّبَبِيَّةِ فَظَنَّ أَنَّ الْغَايَةَ تَنْتَهِي إِلَى أَنْ يَظْهَرَ تَمْيِيزُ أَحَدِ الْخَيْطَيْنِ مِنْ الْآخَرِ بِضِيَاءِ الْفَجْرِ , أَوْ نَسِيَ قَوْلَهُ : ( مِنْ الْفَجْرِ ) حَتَّى ذَكَّرَهُ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ بَعْضِ الْعَرَبِ , قَالَ الشَّاعِرُ : ‏ ‏وَلَمَّا تَبَدَّتْ لَنَا سَدْفَةٌ ‏ ‏وَلَاحَ مِنْ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَعَلِمُوا أَنَّهُ يَعْنِي \" وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ \" سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ \" وَمَعْنَى الْآيَةِ حَتَّى يَظْهَرَ بَيَاضُ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ , وَهَذَا الْبَيَانُ يَحْصُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ الْفَجْرِ مِنْ النَّهَار. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْمُرَادُ بِالْخَيْطِ الْأَسْوَدِ اللَّيْلُ وَبِالْخَيْطِ الْأَبْيَضِ الْفَجْرُ الصَّادِقُ , وَالْخَيْطُ اللَّوْنُ , وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْأَبْيَضِ أَوَّلُ مَا يَبْدُو مِنْ الْفَجْرِ الْمُعْتَرِضِ فِي الْأُفُقِ كَالْخَيْطِ الْمَمْدُودِ , وَبِالْأَسْوَدِ مَا يَمْتَدُّ مَعَهُ مِنْ غَبَشِ اللَّيْلِ شَبِيهًا بِالْخَيْطِ , قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قَالَ : وَقَوْلُهُ : ( مِنْ الْفَجْرِ ) بَيَانٌ لِلْخَيْطِ الْأَبْيَضِ , وَاكْتَفَى بِهِ عَنْ بَيَانِ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ لِأَنَّ بَيَانَ أَحَدِهِمَا بَيَانٌ لِلْآخَرِ. قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ \" مِنْ \" لِلتَّبْعِيضِ لِأَنَّهُ بَعْضُ الْفَجْرِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ قَوْلُهُ : ( مِنْ الْفَجْرِ ) مِنْ الِاسْتِعَارَةِ إِلَى التَّشْبِيهِ , كَمَا أَنَّ قَوْلَهُمْ رَأَيْت أَسَدًا مَجَازٌ فَإِذَا زِدْت فِيهِ مِنْ فُلَانٍ رَجَعَ تَشْبِيهًا. ثُمَّ قَالَ : كَيْفَ جَازَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ وَهُوَ يُشْبِهُ الْعَبَثَ لِأَنَّهُ قَبْلَ نُزُولِ ( مِنْ الْفَجْرِ ) لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلَّا الْحَقِيقَةُ وَهِيَ غَيْرُ مُرَادَةٍ , ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ مَنْ لَا يُجَوِّزُهُ - وَهُمْ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ - لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُمْ حَدِيثُ سَهْلٍ , وَأَمَّا مَنْ يُجَوِّزُهُ فَيَقُولُ لَيْسَ بِعَبَثٍ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ يَسْتَفِيدُ مِنْهُ وُجُوبَ الْخِطَابِ وَيَعْزِمُ عَلَى فِعْلِهِ إِذَا اِسْتَوْضَحَ الْمُرَادَ بِهِ. اِنْتَهَى. وَنَقَلَهُ فِي التَّجْوِيزِ عَنْ الْأَكْثَرِ فِيهِ نَظَرٌ كَمَا سَيَأْتِي , وَجَوَابُهُ عَنْهُمْ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ مَرْدُودٌ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ لِأَنَّهُ مِمَّا اِتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى صِحَّتِهِ وَتَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ , وَمَسْأَلَةُ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ , وَفِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ , وَقَدْ حَكَى اِبْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ : الْجَوَازُ مُطْلَقًا عَنْ اِبْنِ سُرَيْجٍ وَالْإِصْطَخْرِيِّ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ خَيْرَانَ , وَالْمَنْعُ مُطْلَقًا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ وَالصَّيْرَفِيِّ , ثَالِثُهَا جَوَازُ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ دُونَ الْعَامِّ. رَابِعُهَا عَكْسُهُ وَكِلَاهُمَا عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَالَ اِبْنُ الْحَاجِبِ : تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ إِلَّا عِنْدَ مُجَوِّزِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ , يَعْنِي وَهُمْ الْأَشَاعِرَةُ فَيُجَوِّزُونَهُ وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ لَمْ يَقَعْ. قَالَ شَارِحُهُ : وَالْخِطَابُ الْمُحْتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا مَا لَهُ ظَاهِرٌ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي خِلَافِهِ , وَالثَّانِي مَا لَا ظَاهِرَ لَهُ فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ : يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ , وَاخْتَارَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ , وَمَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةُ كُلُّهُمْ إِلَى اِمْتِنَاعِهِ , وَقَالَ الْكَرْخِيُّ يَمْتَنِعُ فِي غَيْرِ الْمُجْمَلِ , وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ : وَإِنَّمَا حَمَلَ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْأَسْوَدَ عَلَى ظَاهِرِهِمَا بَعْضُ مَنْ لَا فِقْهَ عِنْدَهُ مِنْ الْأَعْرَابِ كَالرِّجَالِ الَّذِينَ حُكِيَ عَنْهُمْ سَهْلٌ وَبَعْضُ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي لُغَتِهِ اِسْتِعْمَالُ الْخَيْطِ فِي الصُّبْحِ كَعَدِيٍّ , وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ وَالدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّسْخِ وَأَنَّ الْحُكْمَ كَانَ أَوَّلًا عَلَى ظَاهِرِهِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْخَيْطَيْنِ , وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا نُقِلَ عَنْ حُذَيْفَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ جَوَازِ الْأَكْلِ إِلَى الْإِسْفَارِ , قَالَ : ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( مِنْ الْفَجْرِ ). قُلْت : وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ \" أَنَّ بِلَالًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَسَحَّرُ فَقَالَ : الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَدْ وَاَللَّهِ أَصْبَحْت. فَقَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ بِلَالًا , لَوْلَا بِلَالٌ لَرَجَوْنَا أَنْ يُرَخَّصَ لَنَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ \" وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ - كَمَا قَالَ عِيَاضٌ - وُجُوبُ التَّوَقُّفِ عَنْ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ وَطَلَبُ بَيَانِ الْمُرَادِ مِنْهَا وَأَنَّهَا لَا تُحْمَلُ عَلَى أَظْهَرْ وُجُوهِهَا وَأَكْثَرِ اِسْتِعْمَالَاتِهَا إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْبَيَانِ. وَقَالَ اِبْنُ بَزِيزَةَ فِي \" شَرْحِ الْأَحْكَامِ \" : لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلَاتِ , لِأَنَّ الصَّحَابَةَ عَمِلُوا أَوَّلًا عَلَى مَا سَبَقَ إِلَى أَفْهَامِهِمْ بِمُقْتَضَى اللِّسَانِ فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ بَابِ تَأْخِيرِ مَا لَهُ ظَاهِرٌ أُرِيدَ بِهِ خِلَافُ ظَاهِرِهِ. قُلْت : وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ فَعَلُوا مَا نَقَلَهُ سَهْلُ اِبْنُ سَعْدٍ , وَفِيهِ نَظَرٌ , وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ غَايَةَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ طُلُوعُ الْفَجْرِ فَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فَنَزَعَ تَمَّ صَوْمُهُ , وَفِيهِ اِخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَلَوْ أَكَلَ ظَانًّا أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى الْإِبَاحَةِ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ التَّبْيِينُ , وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ \" أَحَلَّ اللَّهُ لَك الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مَا شَكَكْت \" وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ نَحْوُهُ , وَرَوَى اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الضُّحَى قَالَ \" سَأَلَ رَجُلٌ اِبْنَ عَبَّاسٍ عَنْ السُّحُورِ , فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ : كُلْ حَتَّى لَا تَشُكَّ , فَقَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ : إِنْ هَذَا لَا يَقُولُ شَيْئًا كُلْ مَا شَكَكْت حَتَّى لَا تَشُكَّ \" قَالَ اِبْنُ الْمُنْذِرِ : وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ صَارَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ مَالِكٌ يَقْضِي. وَقَالَ اِبْنُ بَزِيزَةَ فِي \" شَرْحِ الْأَحْكَامِ \" : اِخْتَلَفُوا هَلْ يَحْرُمُ الْأَكْلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ بِتَبَيُّنِهِ عِنْدَ النَّاظِرِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْآيَةِ , وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجِبُ إِمْسَاكُ جُزْءٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَمْ لَا بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَشْهُورِ فِي مُقَدِّمَةِ الْوَاجِبِ , وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ هَذَا الْبَحْثِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1785",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ‏ ‏ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ قَالَ ‏ ‏الْقَاسِمُ ‏ ‏وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلَّا أَنْ ‏ ‏يَرْقَى ذَا وَيَنْزِلَ ذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ اِبْنِ عُمَرَ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ) ‏ ‏بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى نَافِعٍ لَا عَلَى اِبْنِ عُمَرَ , لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ وَعَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْمَوَاقِيتِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1786",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ أَبِي حَازِمٍ ) ‏ ‏أَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي حَازِمٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِيهِ , فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ , ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ هُوَ الْأَسْلَمِيُّ فِيهِ ضَعْفٌ , وَأَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى تَعْلِيلِ الْحَدِيثِ بِذَلِكَ. وَمُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ لَا يُقَاوِمُ الْحُفَّاظَ الَّذِينَ رَوَوْهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَزِيَادَتُهُ شَاذَّةٌ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ الْعَزِيزِ سَمِعَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ زِيَادَةً لَمْ تَكُنْ فِيمَا سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ فَلِذَلِكَ حَدَّثَ بِهِ تَارَةً عَنْ أَبِيهِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَتَارَةً بِالْوَاسِطَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَوَاقِيتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ فَبَطَلَ التَّعْلِيلُ بِرِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ \" ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَةٌ بِي \" وَسُرْعَةٌ بِالضَّمِّ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ وَلَفْظُ \" بِي \" مُتَعَلِّقٌ بِسُرْعَةٍ أَوْ لَيْسَتْ تَامَّةً و \" بِي \" الْخَبَرُ أَوْ قَوْلُهُ \" أَنْ أُدْرِكَ \" , وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ كَانَ وَالِاسْمُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ السُّرْعَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنْ أُدْرِكَ السُّحُورَ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ , وَلِلنَّسَفِيِّ وَالْجُمْهُورِ \" أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ \" وَهُوَ الصَّوَابُ , وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْمَوَاقِيتِ \" أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ \" وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" صَلَاةَ الصُّبْحِ \" وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى \" صَلَاةَ الْغَدَاةِ \". قَالَ عِيَاضٌ : مُرَادُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ غَايَةَ إِسْرَاعِهِ أَنَّ سُحُورَهُ لِقُرْبِهِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَكَادُ أَنْ يُدْرِكَ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِشِدَّةِ تَغْلِيسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصُّبْحِ. وَقَالَ اِبْنُ الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَةِ : الْمُرَادُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُزَاحِمُونَ بِالسُّحُورِ الْفَجْرَ فَيَخْتَصِرُونَ فِيهِ وَيَسْتَعْجِلُونَ خَوْفَ الْفَوَاتِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَالَ الْمِزِّيُّ : ذَكَرَ خَلَفٌ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الصَّوْمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقُتَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ , قَالَ : وَلَمْ نَجِدْهُ فِي الصَّحِيحِ وَلَا ذَكَرَهُ أَبُو مَسْعُودٍ. قُلْت : وَرَأَيْت هُنَا بِخَطِّ الْقُطْبِ وَمُغَلْطَاي \" مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ \" بِغَيْرِ إِضَافَةٍ , وَهُوَ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ \" مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ \" وَهُوَ أَبُو ثَابِتٍ الْمَدَنِيُّ مَشْهُورٌ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1787",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالسَّحُورِ قَالَ قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا هِشَامٌ ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَسٍ ) ‏ ‏سَبَقَ فِي الْمَوَاقِيتِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ \" قُلْت لِأَنَسٍ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قُلْتُ كَمْ ) ‏ ‏هُوَ مَقُولُ أَنَسٍ , وَالْمَقُولُ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمَوَاقِيتِ وَأَنَّ قَتَادَةَ أَيْضًا سَأَلَ أَنَسًا عَنْ ذَلِكَ , وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ هَمَّامٍ وَفِيهِ أَنَّ أَنَسًا قَالَ \" قُلْتُ لِزَيْدٍ \" ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً ) ‏ ‏أَيْ مُتَوَسِّطَةً لَا طَوِيلَةً وَلَا قَصِيرَةً لَا سَرِيعَةً وَلَا بَطِيئَةً , وَقَدْرُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ , وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ الْمُقَدَّرَةِ فِي جَوَابِ زَيْدٍ لَا فِي سُؤَالِ أَنَسٍ لِئَلَّا تَصِيرَ كَانَ وَاسْمُهَا مِنْ قَائِلٍ وَالْخَبَرُ مِنْ آخَرَ. قَالَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ : فِيهِ تَقْدِيرُ الْأَوْقَاتِ بِأَعْمَالِ الْبَدَنِ , وَكَانَتْ الْعَرَبُ تُقَدِّرُ الْأَوْقَاتَ بِالْأَعْمَالِ كَقَوْلِهِ : قَدْرَ حَلْبِ شَاةٍ , وَقَدْرَ نَحْرِ جَزُورٍ فَعَدَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ ذَلِكَ إِلَى التَّقْدِيرِ بِالْقِرَاءَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ كَانَ وَقْتَ الْعِبَادَةِ بِالتِّلَاوَةِ , وَلَوْ كَانُوا يُقَدِّرُونَ بِغَيْرِ الْعَمَلِ لَقَالَ مَثَلًا قَدْرَ دَرَجَةٍ أَوْ ثُلُثِ خُمُسِ سَاعَةٍ. وَقَالَ اِبْنُ أَبِي جَمْرَةَ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَوْقَاتَهُمْ كَانَتْ مُسْتَغْرَقَةً بِالْعِبَادَةِ. وَفِيهِ تَأْخِيرُ السُّحُورِ لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ فِي الْمَقْصُودِ. قَالَ اِبْنُ أَبِي جَمْرَةَ : كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ مَا هُوَ الْأَرْفَقُ بِأُمَّتِهِ فَيَفْعَلُهُ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَسَحَّرْ لَاتَّبَعُوهُ فَيَشُقُّ عَلَى بَعْضِهِمْ , وَلَوْ تَسَحَّرَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ لَشَقَّ أَيْضًا عَلَى بَعْضِهِمْ مِمَّنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ النَّوْمُ فَقَدْ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ الصُّبْحِ أَوْ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُجَاهَدَةِ بِالسَّهَرِ. وَقَالَ : فِيهِ أَيْضًا تَقْوِيَةٌ عَلَى الصِّيَامِ لِعُمُومِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الطَّعَامِ وَلَوْ تُرِكَ لَشَقَّ عَلَى بَعْضِهِمْ وَلَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ صَفْرَاوِيًّا فَقَدْ يُغْشَى عَلَيْهِ فَيُفْضِي إِلَى الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ. قَالَ : وَفِي الْحَدِيثِ تَأْنِيسُ الْفَاضِلِ أَصْحَابَهُ بِالْمُؤَاكَلَةِ , وَجَوَازُ الْمَشْيِ بِاللَّيْلِ لِلْحَاجَةِ , لِأَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ مَا كَانَ يَبِيتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِيهِ الِاجْتِمَاعُ عَلَى السُّحُورِ , وَفِيهِ حُسْنُ الْأَدَبِ فِي الْعِبَارَةِ لِقَوْلِهِ \" تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَمْ يَقُلْ نَحْنُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا يُشْعِرُ لَفْظُ الْمَعِيَّةِ بِالتَّبَعِيَّةِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْفَرَاغَ مِنْ السُّحُورِ كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ , فَهُوَ مُعَارِضٌ لِقَوْلِ حُذَيْفَةَ \" هُوَ النَّهَارُ إِلَّا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ \" اِنْتَهَى , وَالْجَوَابُ أَنْ لَا مُعَارَضَةَ بَلْ تُحْمَلُ عَلَى اِخْتِلَافِ الْحَالِ , فَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يُشْعِرُ بِالْمُوَاظَبَةِ , فَتَكُونُ قِصَّةُ حُذَيْفَةَ سَابِقَةً , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَوَاقِيتِ وَكَوْنُهُ مِنْ مُسْنَدِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَوْ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "1788",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاصَلَ ‏ ‏فَوَاصَلَ النَّاسُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَنَهَاهُمْ قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ ‏ ‏لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَظَلُّ أُطْعَمُ وَأُسْقَى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1789",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً ) ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ وَبِضَمِّهَا , لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَرَكَةِ الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ فَيُنَاسِبُ الضَّمُّ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّسَحُّرِ , أَوْ الْبَرَكَةُ لِكَوْنِهِ يُقَوِّي عَلَى الصَّوْمِ وَيُنَشِّطُ لَهُ وَيُخَفِّفُ الْمَشَقَّةَ فِيهِ فَيُنَاسِبُ الْفَتْحَ لِأَنَّهُ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ , وَقِيلَ الْبَرَكَةُ مَا يُتَضَمَّنُ مِنْ الِاسْتِيقَاظِ وَالدُّعَاءِ فِي السَّحَرِ , وَالْأَوْلَى أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي السُّحُورِ تَحْصُلُ بِجِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ , وَهِيَ اِتِّبَاعُ السُّنَّةِ , وَمُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ , وَالتَّقَوِّي بِهِ عَلَى الْعِبَادَة , وَالزِّيَادَةُ فِي النَّشَاطِ , وَمُدَافَعَةُ سُوءِ الْخُلُقِ الَّذِي يُثِيرُهُ الْجُوعُ , وَالتَّسَبُّبُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى مَنْ يَسْأَلُ إِذْ ذَاكَ أَوْ يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَلَى الْأَكْلِ , وَالتَّسَبُّبُ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَقْتَ مَظِنَّةِ الْإِجَابَةِ , وَتَدَارُكُ نِيَّةِ الصَّوْمِ لِمَنْ أَغْفَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ. قَالَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : هَذِهِ الْبَرَكَةُ يَجُوزُ أَنْ تَعُودَ إِلَى الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ فَإِنَّ إِقَامَةَ السُّنَّةِ يُوجِبُ الْأَجْرَ وَزِيَادَتَهُ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَعُودَ إِلَى الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَقُوَّةِ الْبَدَنِ عَلَى الصَّوْمِ وَتَيْسِيرِهِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِالصَّائِمِ. قَالَ : وَمِمَّا يُعَلَّلُ بِهِ اِسْتِحْبَابُ السُّحُورِ الْمُخَالَفَةُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ عِنْدَهُمْ , وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلزِّيَادَةِ فِي الْأُجُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ. وَقَالَ أَيْضًا : وَقَعَ لِلْمُتَصَوِّفَةِ فِي مَسْأَلَةِ السُّحُورِ كَلَامٌ مِنْ جِهَةِ اِعْتِبَارِ حُكْمِ الصَّوْمِ وَهِيَ كَسْرُ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ , وَالسُّحُورُ قَدْ يُبَايِنُ ذَلِكَ. قَالَ : وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ مَا زَادَ فِي الْمِقْدَارِ حَتَّى تَنْعَدِمَ هَذِهِ الْحِكْمَةُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ كَاَلَّذِي صَنَعَهُ الْمُتْرَفُونَ مِنْ التَّأَنُّقِ فِي الْمَآكِلِ وَكَثْرَةِ الِاسْتِعْدَادِ لَهَا , وَمَا عَدَا ذَلِكَ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهُ. ‏ ‏( تَكْمِيلٌ ) : ‏ ‏يَحْصُلُ السُّحُورُ بِأَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْمَرْءُ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِلَفْظِ \" السُّحُورُ بَرَكَةٌ فَلَا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ , فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ \" وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مُرْسَلَةٍ \" تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِلُقْمَةٍ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1790",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ إِنَّ ‏ ‏مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ أَوْ فَلْيَصُمْ وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ سَلَمَة بْنِ الْأَكْوَعِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّان \" عَنْ يَزِيد بْن أَبِي عُبَيْد حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْأَكْوَع \" كَمَا سَيَأْتِي فِي خَبَر الْوَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى \" قَالَ لِرَجُلِ مِنْ أَسْلَمَ أَذِّنْ فِي قَوْمك \" وَاسْم هَذَا الرَّجُل هِنْدُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ حَارِثَةَ الْأَسْلَمِيُّ لَهُ وَلِأَبِيهِ وَلِعَمِّهِ هِنْد بْن حَارِثَة صُحْبَة , أَخْرَجَ حَدِيثه أَحْمَد وَابْن أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر عَنْ حَبِيب اِبْن هِنْد بْن أَسْمَاء الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : بَعَثَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْمِي مِنْ أَسْلَمَ فَقَالَ : مُرْ قَوْمك أَنْ يَصُومُوا هَذَا الْيَوْم يَوْم عَاشُورَاء , فَمَنْ وَجَدْته مِنْهُمْ قَدْ أَكَلَ فِي أَوَّل يَوْمه فَلْيَصُمْ آخِرَهُ \" وَرَوَى أَحْمَد أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن حَرْمَلَة عَنْ يَحْيَى بْن هِنْد قَالَ : وَكَانَ هِنْد مِنْ أَصْحَاب الْحُدَيْبِيَة وَأَخُوهُ الَّذِي بَعَثَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُر قَوْمه بِالصِّيَامِ يَوْم عَاشُورَاء , قَالَ \" فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْن هِنْد عَنْ أَسْمَاء اِبْن حَارِثَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ فَقَالَ : مُرْ قَوْمك بِصِيَامِ هَذَا الْيَوْم. قَالَ أَرَأَيْت إِنْ وَجَدْتهمْ قَدْ طَعِمُوا ؟ قَالَ : فَلْيُتِمُّوا آخِر يَوْمهمْ \" قُلْت : فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كُلٌّ مِنْ أَسْمَاء وَوَلَده هِنْد أُرْسِلَا بِذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَطْلَقَ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى عَلَى الْجَدّ اِسْمَ الْأَب فَيَكُون الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة حَبِيب بْن هِنْد عَنْ جَدّه أَسْمَاء فَتَتَّحِد الرِّوَايَتَانِ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ سَلَمَة هَذَا عَلَى صِحَّة الصِّيَام لِمَنْ لَمْ يَنْوِهِ مِنْ اللَّيْل سَوَاء كَانَ رَمَضَان أَوْ غَيْره لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالصَّوْمِ فِي أَثْنَاء النَّهَار فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النِّيَّة لَا تُشْتَرَط مِنْ اللَّيْل , وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ يَتَوَقَّف عَلَى أَنَّ صِيَام عَاشُورَاء كَانَ وَاجِبًا , وَاَلَّذِي يَتَرَجَّح مِنْ أَقْوَال الْعُلَمَاء أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا , وَعَلَى تَقْدِير أَنَّهُ كَانَ فَرْضًا فَقَدْ نُسِخَ بِلَا رَيْب , فَنُسِخَ حُكْمه وَشَرَائِطه , بِدَلِيلِ قَوْله \" وَمَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ \" وَمَنْ لَا يَشْتَرِط النِّيَّة مِنْ اللَّيْل لَا يُجِيز صِيَام مَنْ أَكَلَ مِنْ النَّهَار , وَصَرَّحَ اِبْن حَبِيب مِنْ الْمَالِكِيَّة بِأَنَّ تَرْكَ التَّبْيِيت لِصَوْمِ عَاشُورَاء مِنْ خَصَائِص عَاشُورَاء , وَعَلَى تَقْدِير أَنَّ حُكْمه بَاقٍ فَالْأَمْر بِالْإِمْسَاكِ لَا يَسْتَلْزِم الْإِجْزَاء فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ لِحُرْمَةِ الْوَقْت كَمَا يُؤْمَر مَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَر فِي رَمَضَانَ نَهَارًا وَكَمَا يُؤْمَر مَنْ أَفْطَرَ يَوْم الشَّكّ ثُمَّ رَأَى الْهِلَال , وَكُلّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي أَمْرَهُمْ بِالْقَضَاءِ , بَلْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَلَمَة عَنْ عَمّه أَنَّ أَسْلَمَ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : صُمْتُمْ يَوْمكُمْ هَذَا ؟ قَالُوا : لَا. قَالَ : فَأَتِمُّوا بَقِيَّة يَوْمكُمْ وَاقْضُوهُ \" وَعَلَى تَقْدِير أَنْ لَا يَثْبُت هَذَا الْحَدِيث فِي الْأَمْر بِالْقَضَاءِ فَلَا يَتَعَيَّن تَرْكُ الْقَضَاء , لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِك الْيَوْمَ بِكَمَالِهِ لَا يَلْزَمهُ الْقَضَاء كَمَنْ بَلَغَ أَوْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاء النَّهَار. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور لِاشْتِرَاطِ النِّيَّة فِي الصَّوْم مِنْ اللَّيْل بِمَا أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أُخْته حَفْصَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" مَنْ لَمْ يُبَيِّت الصِّيَام مِنْ اللَّيْل فَلَا صِيَام لَهُ \" لَفْظ النَّسَائِيِّ , وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ \" مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الصِّيَام قَبْل الْفَجْر فَلَا صِيَام لَهُ \" وَاخْتُلِفَ فِي رَفْعه وَوَقْفه , وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ الْمَوْقُوفَ بَعْد أَنْ أَطْنَبَ النَّسَائِيُّ فِي تَخْرِيجِ طُرُقه , وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي \" الْعِلَلِ \" عَنْ الْبُخَارِيّ تَرْجِيح وَقْفه. وَعَمِلَ بِظَاهِرِ الْإِسْنَاد جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة فَصَحَّحُوا الْحَدِيث الْمَذْكُور , مِنْهُمْ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم وَابْن حَزْم , وَرَوَى لَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ طَرِيقًا آخَر وَقَالَ رِجَالهَا ثِقَات , وَأَبْعَدَ مَنْ خَصَّهُ مِنْ الْحَنَفِيَّة بِصِيَامِ الْقَضَاء وَالنَّذْر , وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ تَفْرِقَة الطَّحَاوِيِّ بَيْن صَوْم الْفَرْض إِذَا كَانَ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ كَعَاشُورَاء فَتُجْزِئ النِّيَّة فِي النَّهَار , أَوْ لَا فِي يَوْم بِعَيْنِهِ كَرَمَضَان فَلَا يُجْزِئ إِلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْل , وَبَيْن صَوْم التَّطَوُّع فَيُجْزِئ فِي اللَّيْل وَفِي النَّهَار. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ كَلَامٌ غَثٌّ لَا أَصْلَ لَهُ. وَقَالَ اِبْن قُدَامَةَ : تُعْتَبَر النِّيَّة فِي رَمَضَان لِكُلِّ يَوْم فِي قَوْل الْجُمْهُور , وَعَنْ أَحْمَد أَنَّهُ يُجْزِئُهُ نِيَّةٌ وَاحِدَة لِجَمِيعِ الشَّهْر ; وَهُوَ كَقَوْلِ مَالِك وَإِسْحَاق , وَقَالَ زُفَرُ يَصِحّ صَوْم رَمَضَان فِي حَقّ الْمُقِيم الصَّحِيح بِغَيْرِ نِيَّة وَبِهِ قَالَ عَطَاء وَمُجَاهِد , وَاحْتَجَّ زفر بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهِ غَيْر صَوْم رَمَضَان لِتَعَيُّنِهِ فَلَا يَفْتَقِر إِلَى نِيَّة لِأَنَّ الزَّمَنَ مِعْيَار لَهُ فَلَا يُتَصَوَّر فِي يَوْم وَاحِد إِلَّا صَوْمٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْر الرَّازِيُّ : يَلْزَم قَائِلَ هَذَا أَنْ يُصَحِّحَ صَوْمَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي رَمَضَان إِذَا لَمْ يَأْكُل وَلَمْ يَشْرَبْ لِوُجُودِ الْإِمْسَاك بِغَيْرِ نِيَّة , قَالَ : فَإِنْ اِلْتَزَمَهُ كَانَ مُسْتَشْنَعًا. وَقَالَ غَيْره : يَلْزَمهُ أَنَّ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاة حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتهَا إِلَّا قَدْرهَا فَصَلَّى حِينَئِذٍ تَطَوُّعًا أَنَّهُ يجزئه عَنْ الْفَرْضِ. وَاسْتَدَلَّ اِبْن حَزْمٍ بِحَدِيثِ سَلَمَةَ عَلَى أَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ هِلَال رَمَضَان بِالنَّهَارِ جَازَ لَهُ اِسْتِدْرَاك النِّيَّة حِينَئِذٍ وَيُجْزِئُهُ وَبَنَاهُ عَلَى أَنَّ عَاشُورَاء كَانَ فَرْضًا أَوَّلًا , وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يُمْسِكُوا فِي أَثْنَاء النَّهَار. قَالَ : وَحُكْم الْفَرْض لَا يَتَغَيَّر , وَلَا يَخْفَى مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ , وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ مَنْ نَسِيَ أَنْ يَنْوِيَ مِنْ اللَّيْل لِاسْتِوَاءِ حُكْم الْجَاهِل وَالنَّاسِي. ‏"
    },
    {
        "id": "1791",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ المُغِيرَةِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أَنَا ‏ ‏وَأَبِي ‏ ‏حِينَ دَخَلْنَا عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَأُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَخْبَرَ ‏ ‏مَرْوَانَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَأُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتَاهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مَرْوَانُ ‏ ‏لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُقَرِّعَنَّ بِهَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَمَرْوَانُ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ عَلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَكَرِهَ ذَلِكَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏ثُمَّ قُدِّرَ لَنَا أَنْ نَجْتَمِعَ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏وَكَانَتْ ‏ ‏لِأَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏هُنَالِكَ أَرْضٌ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏لِأَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا وَلَوْلَا ‏ ‏مَرْوَانُ ‏ ‏أَقْسَمَ عَلَيَّ فِيهِ لَمْ أَذْكُرْهُ لَكَ ‏ ‏فَذَكَرَ قَوْلَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَأُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏فَقَالَ كَذَلِكَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَهُنَّ أَعْلَمُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْمُرُ بِالْفِطْرِ ‏ ‏وَالْأَوَّلُ أَسْنَدُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كُنْت أَنَا وَأَبِي حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَة مَالِك مُخْتَصَرًا , وَعَقَّبَهُ بِطَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن فَأَوْهَمَ أَنَّ سِيَاقَهُمَا وَاحِد , لَكِنَّهُ سَاقَ لَفْظ مَالِك بَعْد بَابَيْنِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر مَرْوَان وَلَا قِصَّة أَبِي هُرَيْرَة , نَعَمْ قَدْ أَخْرَجَهُ مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ سُمَيّ مُطَوَّلًا , وَلِمَالِك فِيهِ شَيْخ آخَر أَخْرَجَهُ فِي الْمُوَطَّأ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْن سَعِيد عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن مُخْتَصَرًا , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه أَيْضًا , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ أَتَمَّ مِنْهُ , وَلَهُ طُرُق أُخْرَى كَثِيرَة أَطْنَبَ النَّسَائِيُّ فِي تَخْرِيجهَا وَفِي بَيَان اِخْتِلَاف نَقَلْتهَا , وَسَأَذْكُرُ مُحَصَّلَ فَوَائِدهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة شُعَيْب ‏ ‏( أَنَّ أَبَاهُ عَبْد الرَّحْمَن أَخْبَرَ مَرْوَان ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْحَكَمِ , وَإِخْبَار عَبْد الرَّحْمَن بِمَا ذُكِرَ لِمَرْوَان كَانَ بَعْد أَنْ أَرْسَلَهُ مَرْوَان إِلَى عَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة , بَيَّنَ ذَلِكَ فِي \" الْمُوَطَّأ \" وَهُوَ عِنْد مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيقه وَلَفْظه \" كُنْت أَنَا وَأَبِي عِنْد مَرْوَان بْن الْحَكَم , فَقَالَ مَرْوَان : أَقْسَمْت عَلَيْك يَا عَبْد الرَّحْمَن لَتَذْهَبَن إِلَى أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة فَلَتَسْألَنَّهُما عَنْ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو بَكْر : فَذَهَبَ عَبْد الرَّحْمَن وَذَهَبْت مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَة \" فَسَاقَ الْقِصَّة. وَبَيَّنَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَة لَهُ أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَة عَنْهَا وَمِنْ نَافِع مَوْلَى أُمّ سَلَمَة عَنْهَا , فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق عَبْد رَبّه بْن سَعِيد عَنْ أَبِي عِيَاض عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث قَالَ \" أَرْسَلَنِي مَرْوَان إِلَى عَائِشَة , فَأَتَيْتهَا فَلَقِيت غُلَامهَا ذَكْوَانَ فَأَرْسَلْته إِلَيْهَا , فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ \" فَذَكَر الْحَدِيث مَرْفُوعًا قَالَ \" فَأَتَيْت مَرْوَان فَحَدَّثْته بِذَلِكَ فَأَرْسَلَنِي إِلَى أُمّ سَلَمَة , فَأَتَيْتهَا فَلَقِيت غُلَامهَا نَافِعًا فَأَرْسَلْته إِلَيْهَا فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ \" فَذَكَر مِثْله. وَفِي إِسْنَاده نَظَرٌ , لِأَنَّ أَبَا عِيَاض مَجْهُول , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيُجْمَع بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْغُلَامَيْنِ كَانَ وَاسِطَة بَيْن عَبْد الرَّحْمَن وَبَيْن كُلّ مِنْهُمَا فِي السُّؤَال كَمَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَسَمِعَ عَبْد الرَّحْمَن وَابْنه أَبُو بَكْر كِلَاهُمَا مِنْ وَرَاء الْحِجَاب كَمَا فِي رِوَايَة الْمُصَنِّفِ وَغَيْره , وَسَأَذْكُرُهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي حَازِم عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عِنْد النَّسَائِيِّ فَفِيهِ \" أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن جَاءَ إِلَى عَائِشَة فَسَلَّمَ عَلَى الْبَاب فَقَالَتْ عَائِشَة : يَا عَبْد الرَّحْمَن \" الْحَدِيثَ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يُدْرِكهُ الْفَجْر وَهُوَ جُنُب مِنْ أَهْله ثُمَّ يَغْتَسِل وَيَصُوم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك الْمُشَار إِلَيْهَا \" كَانَ يُصْبِح جُنُبًا مِنْ جِمَاع غَيْر اِحْتِلَام \" وَفِي رِوَايَة يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة وَأَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَائِشَة \" كَانَ يُدْرِكهُ الْفَجْر فِي رَمَضَان جُنُبًا مِنْ غَيْر حُلُم \" وَسَتَأْتِي بَعْد بَابَيْنِ , وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَلِك اِبْن أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْهُمَا \" كَانَ يُصْبِح جُنُبًا مِنْ غَيْر اِحْتِلَام ثُمَّ يَصُوم ذَلِكَ الْيَوْم \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن حَاطِب قَالَ \" قَالَ مَرْوَان لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن الْحَارِث : اِذْهَبْ إِلَى أُمّ سَلَمَة فَسَلْهَا , فَقَالَتْ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْبِح جُنُبًا مِنِّي فَيَصُوم وَيَأْمُرنِي بِالصِّيَامِ \". قَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِي هَذَا فَائِدَتَانِ , إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ كَانَ يُجَامِع فِي رَمَضَان وَيُؤَخِّر الْغُسْل إِلَى بَعْد طُلُوع الْفَجْر بَيَانًا لِلْجَوَازِ. الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ جِمَاع لَا مِنْ اِحْتِلَام لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَحْتَلِم إِذْ الِاحْتِلَام مِنْ الشَّيْطَان وَهُوَ مَعْصُوم مِنْهُ. وَقَالَ غَيْره : فِي قَوْلهَا \" مِنْ غَيْر اِحْتِلَام \" إِشَارَة إِلَى جَوَاز الِاحْتِلَام عَلَيْهِ , وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِلِاسْتِثْنَاءِ مَعْنًى , وَرُدَّ بِأَنَّ الِاحْتِلَام مِنْ الشَّيْطَان وَهُوَ مَعْصُوم مِنْهُ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاحْتِلَام يُطْلَقُ عَلَى الْإِنْزَال وَقَدْ وَقَعَ الْإِنْزَال بِغَيْرِ رُؤْيَة شَيْء فِي الْمَنَام , وَأَرَادَتْ بِالتَّقْيِيدِ بِالْجِمَاعِ الْمُبَالَغَةَ فِي الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ عَمْدًا يُفْطِرُ , وَإِذَا كَانَ فَاعِل ذَلِكَ عَمْدًا لَا يُفْطِر فَاَلَّذِي يَنْسَى. الِاغْتِسَال أَوْ يَنَام عَنْهُ أَوْلَى بِذَلِكَ. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : لَمَّا كَانَ الِاحْتِلَام يَأْتِي لِلْمَرْءِ عَلَى غَيْر اِخْتِيَاره فَقَدْ يَتَمَسَّك بِهِ مَنْ يُرَخِّص لِغَيْرِ الْمُتَعَمِّدِ الْجِمَاع , فَبَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ جِمَاع لِإِزَالَةِ هَذَا الِاحْتِمَال. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مَرْوَان لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن الْحَارِث أُقْسِمُ بِاَللَّهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة اِبْن خَالِد عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن \" فَقَالَ مَرْوَان لِعَبْدِ الرَّحْمَن : اِلْقَ أَبَا هُرَيْرَة فَحَدِّثْهُ بِهَذَا , فَقَالَ : إِنَّهُ لَجَارِي , وَإِنَّهُ لَأَكْرَهُ أَنْ أَسْتَقْبِلَهُ بِمَا يَكْرَه. فَقَالَ : أَعْزِمُ عَلَيْك لَتَلْقَيَنه \" وَمِنْ طَرِيق عُمَر بْن أَبِي بَكْر اِبْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ \" فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن لِمَرْوَان : غَفَرَ اللَّه لَك , إِنَّهُ لِي صِدِّيق , وَلَا أُحِبّ أَنْ أَرِدَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ \" وَبَيَّنَ اِبْن جُرَيْجٍ فِي رِوَايَته عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ سَبَبَ ذَلِكَ فَفِيهِ \" عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن قَالَ : سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُول فِي قَصَصِهِ : وَمَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلَا يَصُمْ. ‏ ‏قَالَ فَذَكَرْته لِعَبْدِ الرَّحْمَن , فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْت مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى مَرْوَان \" فَذَكَرَ الْقِصَّة , أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ وَمِنْ طَرِيقِهِ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرهمَا , وَفِي رِوَايَة مَالِك عَنْ سُمَيّ عَنْ أَبِي بَكْر \" أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ : مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق الْمَقْبُرِيِّ \" كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُفْتِي النَّاس أَنَّهُ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا يَصُوم ذَلِكَ الْيَوْم \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن ثَوْبَانَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة يَقُول \" مَنْ اِحْتَلَمَ مِنْ اللَّيْل أَوْ وَاقَعَ أَهْله ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْفَجْر وَلَمْ يَغْتَسِلْ فَلَا يَصُمْ \" , وَمِنْ طَرِيق أَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث \" أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَقُول : مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلْيُفْطِرْ \" فَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الرِّوَايَات عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِذَلِكَ , وَسَيَأْتِي بَيَان مَنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ مَرْفُوعًا فِي آخِر الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( لَتُفَزِّعَنَّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْفَاءِ وَالزَّاي مِنْ الْفَزَع وَهُوَ الْخَوْف أَيْ لَتُخِيفَنَّهُ بِهَذِهِ الْقِصَّة الَّتِي تُخَالِف فَتْوَاهُ , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ \" لَتُقَرِّعَنَّ \" بِفَتْحٍ فَقَافٍ وَرَاءٍ مَفْتُوحَةٍ , أَيْ تَقْرَعُ بِهَذِهِ الْقِصَّة سَمْعَهُ , يُقَال قَرَعْت بِكَذَا سَمْعَ فُلَان إِذَا أَعْلَمْته بِهِ إِعْلَامًا صَرِيحًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَرْوَان يَوْمئِذٍ عَلَى الْمَدِينَة ) ‏ ‏أَيْ أَمِير مِنْ جِهَة مُعَاوِيَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَرِهَ ذَلِكَ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏قَدْ بَيَّنَّا سَبَب كَرَاهَته , قِيلَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَرِهَ أَيْضًا أَنْ يُخَالِف مَرْوَان لِكَوْنِهِ كَانَ أَمِيرًا وَاجِب الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف , وَبَيَّنَ أَبُو حَازِم عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي بَكْر عَنْ أَبِيهِ سَبَب تَشْدِيد مَرْوَان فِي ذَلِكَ , فَعِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه قَالَ \" كُنْت عِنْد مَرْوَان مَعَ عَبْد الرَّحْمَن , فَذَكَرُوا قَوْل أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ : اِذْهَبْ فَاسْأَلْ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ فَذَهَبْنَا إِلَى عَائِشَة فَقَالَتْ : يَا عَبْد الرَّحْمَن , أَمَا لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ \" فَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ \" ثُمَّ أَتَيْنَا أُمّ سَلَمَة كَذَلِكَ , ثُمَّ أَتَيْنَا مَرْوَان فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ اِخْتِلَافُهُمْ تَخَوُّفًا أَنْ يَكُون أَبُو هُرَيْرَة يُحَدِّث بِذَلِكَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ مَرْوَان لِعَبْدِ الرَّحْمَن : عَزَمْت عَلَيْك لَمَا أَتَيْته فَحَدَّثْته \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قُدِّرَ لَنَا أَنْ نَجْتَمِع بِذِي الْحُلَيْفَةِ ) ‏ ‏أَيْ الْمَكَانِ الْمَعْرُوف وَهُوَ مِيقَات أَهْل الْمَدِينَة , وَقَوْله ‏ ‏( وَكَانَ لِأَبِي هُرَيْرَة هُنَاكَ أَرْض ) ‏ ‏فِيهِ رَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَظُنّ أَنَّهُمَا اِجْتَمَعَا فِي سَفَرٍ , وَظَاهِره أَنَّهُمَا اِجْتَمَعَا مِنْ غَيْر قَصْد , لَكِنْ فِي رِوَايَة مَالِك الْمَذْكُورَة \" فَقَالَ مَرْوَان لِعَبْدِ الرَّحْمَن : أَقْسَمْت عَلَيْك لَتَرْكَبَنَّ دَابَّتِي فَإِنَّهَا بِالْبَابِ فَلَتَذْهَبَنَّ إِلَى أَبِي هُرَيْرَة فَإِنَّهُ بِأَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ , فَلَتُخْبِرَنَّهُ. قَالَ فَرَكِبَ عَبْد الرَّحْمَن وَرَكِبْت مَعَهُ \" فَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّهُ قَصَدَ أَبَا هُرَيْرَة لِذَلِكَ , فَيُحْمَلُ قَوْله \" ثُمَّ قُدِّرَ لَنَا أَنْ نَجْتَمِعَ مَعَهُ \" عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ مِنْ التَّقْدِير لَا عَلَى مَعْنَى الِاتِّفَاق , وَلَا تَخَالُفَ بَيْن قَوْله \" بِذِي الْحُلَيْفَةِ \" وَبَيْن قَوْله \" بِأَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ \" لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَا قَصَدَاهُ إِلَى الْعَقِيق فَلَمْ يَجِدَاهُ ثُمَّ وَجَدَاهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَكَانَ لَهُ أَيْضًا بِهَا أَرْض. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْر \" فَقَالَ مَرْوَان عَزَمْت عَلَيْكُمَا لَمَا ذَهَبْتُمَا إِلَى أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ فَلَقِينَا أَبَا هُرَيْرَة عِنْد بَاب الْمَسْجِد \" وَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِالْمَسْجِدِ هُنَا مَسْجِد أَبِي هُرَيْرَة بِالْعَقِيقِ لَا الْمَسْجِد النَّبَوِيّ جَمْعًا بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ , أَوْ يُجْمَعُ بِأَنَّهُمَا اِلْتَقَيَا بِالْعَقِيقِ فَذَكَرَ لَهُ عَبْد الرَّحْمَن الْقِصَّةَ مُجْمَلَةً أَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا بَلْ شَرَعَ فِيهَا ثُمَّ لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ ذِكْرُ تَفْصِيلهَا وَسَمَاعُ جَوَاب أَبِي هُرَيْرَة إِلَّا بَعْدَ أَنْ رَجَعَا إِلَى الْمَدِينَة وَأَرَادَ دُخُول الْمَسْجِد النَّبَوِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي ذَاكِرٌ لَك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" إِنِّي أَذْكُرُ \" بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ أَذْكُرْهُ لَك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَمْ أَذْكُرْ ذَلِكَ \" وَفِيهِ حُسْنُ الْأَدَب مَعَ الْأَكَابِرِ وَتَقْدِيمُ الِاعْتِذَار قَبْل تَبْلِيغِ مَا يَظُنُّ الْمُبَلَّغُ أَنَّ الْمُبَلِّغَ يَكْرَهُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرَ قَوْلَ عَائِشَة وَأُمِّ سَلَمَة فَقَالَ كَذَلِكَ حَدَّثَنِي الْفَضْل ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ أَنَّ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ الْفَضْلُ مِثْل الَّذِي ذَكَرَهُ لَهُ عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مُخَالَفَةِ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة لِقَوْلِ عَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة , وَالسَّبَب فِي هَذَا الْإِبْهَام أَنَّ رِوَايَة شُعَيْب فِي حَدِيث الْبَاب لَمْ يَذْكُرْ فِي أَوَّلهَا كَلَامَ أَبِي هُرَيْرَة كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَلِذَلِكَ أَشْكَلَ أَمْرُ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ كَذَلِكَ. وَوَقَعَ كَلَام أَبِي هُرَيْرَة فِي رِوَايَة مَعْمَرٍ وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَلِذَلِكَ قَالَ فِي آخِرِهِ \" سَمِعْت ذَلِكَ - أَيْ الْقَوْلَ الَّذِي كُنْت أَقُولهُ - مِنْ الْفَضْلِ \" وَفِي رِوَايَة مَالِك عَنْ سُمَيّ \" فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة لَا عِلْم لِي بِذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَرٍ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ \" فَتَلَوَّنَ وَجْهُ أَبِي هُرَيْرَة ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا حَدَّثَنِي الْفَضْلُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ أَعْلَم ) ‏ ‏أَيْ بِمَا رَوَى وَالْعُهْدَة عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ لَا عَلَيَّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ عَنْ الْبُخَارِيّ \" وَهُنَّ أَعْلَم \" أَيْ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَا فِي رِوَايَة مَعْمَرٍ , وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة أَهُمَا قَالَتَاهُ ؟ قَالَ : هُمَا أَعْلَم \" وَهَذَا يُرَجِّحُ رِوَايَةَ النَّسَفِيِّ , وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عُمَر بْن أَبِي بَكْر اِبْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ \" هِيَ - أَيْ عَائِشَة - أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَّا \" وَزَادَ اِبْن جُرَيْجٍ فِي رِوَايَته \" فَرَجَعَ أَبُو هُرَيْرَة عَمَّا كَانَ يَقُول فِي ذَلِكَ \" وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن ثَوْبَانَ عِنْد النَّسَائِيِّ أَنَّهُ رَجَعَ , وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة رَجَعَ عَنْ فُتْيَاهُ : مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ , وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة بْن خَالِد وَيَعْلَى بْن عُقْبَةَ وَعِرَاكِ بْن مَالِك كُلّهمْ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَحَالَ بِذَلِكَ عَلَى الْفَضْلِ بْن عَبَّاس , لَكِنْ عِنْده مِنْ طَرِيق عُمَر بْن أَبِي بَكْر عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة إِنَّمَا كَانَ أُسَامَة بْن زَيْد حَدَّثَنِي \" فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَبْد الْمَلِكِ بْن أَبِي بَكْر عَنْ أَبِيهِ قَالَ فِيهَا \" إِنَّمَا حَدَّثَنِي فُلَانٌ وَفُلَانٌ \" وَفِي رِوَايَة مَالِك الْمَذْكُورَة \" أَخْبَرَنِيهِ مُخْبِرٌ \" وَالظَّاهِر أَنَّ هَذَا مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة , مِنْهُمْ مَنْ أَبْهَمَ الرَّجُلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى أَحَدهمَا تَارَة مُبْهَمًا وَتَارَة مُفَسَّرًا , وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَحَدًا , وَهُوَ عِنْد النَّسَائِيِّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث فَفِي آخِره \" فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : هَكَذَا كُنْت أَحْسَبُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ هَمَّام وَابْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُر بِالْفِطْرِ وَالْأَوَّلُ أَسْنَدُ ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة هَمَّامٍ فَوَصَلَهَا أَحْمَد وَابْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق مَعْمَرٍ عَنْهُ بِلَفْظِ \" قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ صَلَاةِ الصُّبْح وَأَحَدكُمْ جُنُبٌ فَلَا يَصُمْ حِينَئِذٍ \" وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر فَوَصَلَهَا عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ اِبْن شِهَابٍ عَنْ اِبْن عَبْدِ اللَّه بْن عُمَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِهِ \" وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي اِسْمه فَقَالَ عَنْهُ شُعَيْبٌ عَنْهُ \" أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَة : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرنَا بِالْفِطْرِ إِذَا أَصْبَحَ الرَّجُل جُنُبًا \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي \" مُسْنَد الشَّامِيِّينَ \" , وَقَالَ عُقَيْلٌ عَنْهُ \" عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر بِهِ \" فَاخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيِّ هَلْ هُوَ عَبْد اللَّه مُكَبَّرًا أَوْ عُبَيْدُ اللَّه مُصَغَّرًا , وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّف : وَالْأَوَّلُ أَسْنَدُ فَاسْتَشْكَلَهُ اِبْن التِّينِ قَالَ : لِأَنَّ إِسْنَادَ الْخَبَر رَفْعُهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الطَّرِيقَ الْأُولَى أَوْضَحُ رَفْعًا , قَالَ : لَكِنَّ الشَّيْخَ أَبُو الْحَسَن قَالَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَوَّل أَظْهَرُ اِتِّصَالًا. قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيّ أَنَّ الرِّوَايَة الْأُولَى أَقْوَى إِسْنَادًا , وَهِيَ مِنْ حَيْثُ الرُّجْحَانُ كَذَلِكَ لِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة فِي ذَلِكَ جَاءَا عَنْهُمَا مِنْ طُرُق كَثِيرَة جِدًّا بِمَعْنًى وَاحِد حَتَّى قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّهُ صَحَّ وَتَوَاتَرَ , وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَة فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِهِ , وَجَاءَ عَنْهُ مِنْ طَرِيق هَذَيْنِ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن \" سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة يَقُولُ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَهُ , أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق , وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عِكْرِمَةَ بْن خَالِد عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن قَالَ : بَلَغَ مَرْوَان أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة يُحَدِّث عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ , وَلَهُ مِنْ طَرِيق الْمَقْبُرِيِّ قَالَ بَعَثَتْ عَائِشَةُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَة لَأَتَحَدَّثُ بِهَذَا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عَمْرو الْقَارِي \" سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول : وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا أَنَا قُلْت مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْح وَهُوَ جُنُبٌ فَلَا يَصُمْ , مُحَمَّدٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَهُ \" لَكِنْ بَيَّنَ أَبُو هُرَيْرَة كَمَا مَضَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا سَمِعَهُ بِوَاسِطَةِ الْفَضْل وَأُسَامَة , وَكَأَنَّهُ كَانَ لِشِدَّةِ وُثُوقِهِ بِخَبَرِهِمَا يَحْلِف عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ اِبْن عَبْد الْبَرِّ مِنْ رِوَايَة عَطَاء بْن مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ قَالَ \" كُنْت حَدَّثْتُكُمْ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَقَدْ أَفْطَرَ , وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيْرَة \" فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَة عُمَرَ بْن قَيْسٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ. نَعَمْ قَدْ رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَة عَنْ الْفَتْوَى بِذَلِكَ إِمَّا لِرُجْحَانِ رِوَايَة أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ فِي جَوَاز ذَلِكَ صَرِيحًا عَلَى رِوَايَة غَيْرهمَا مَعَ مَا فِي رِوَايَة غَيْرهمَا مِنْ الِاحْتِمَال , إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الْأَمْر بِذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَاب فِي غَيْر الْفَرْض , وَكَذَا النَّهْي عَنْ صَوْم ذَلِكَ الْيَوْم , وَإِمَّا لِاعْتِقَادِهِ أَنْ يَكُون خَبَر أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ نَاسِخًا لِخَبَرِ غَيْرهمَا. وَقَدْ بَقِيَ عَلَى مَقَالَةِ أَبِي هُرَيْرَة هَذِهِ بَعْضُ التَّابِعِينَ كَمَا نَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ , ثُمَّ اِرْتَفَعَ ذَلِكَ الْخِلَاف وَاسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافه كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ. وَأَمَّا اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ : صَارَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا أَوْ كَالْإِجْمَاعِ لَكِنْ مِنْ الْآخِذِينَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَنْ تَعَمَّدَ الْجَنَابَةَ وَبَيْن مَنْ اِحْتَلَمَ كَمَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ وَكَذَا حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِرِ عَنْ طَاوُسٍ أَيْضًا. قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ أَبِي هُرَيْرَة. قُلْت : وَلَمْ يَصِحّ عَنْهُ , فَقَدْ أَخْرَجَ ذَلِكَ اِبْن الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيق أَبِي الْمُهَزَّمِ وَهُوَ ضَعِيف عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُتِمُّ صَوْمَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَيَقْضِيه حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيِّ وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر. قُلْت : وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَطَاء عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ اِخْتَلَفَ أَبُو هُرَيْرَة وَعَائِشَة فَأَرَى أَنْ يُتِمَّ صَوْمه وَيَقْضِي ا ه , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْده رُجُوع أَبِي هُرَيْرَة عَنْ ذَلِكَ , وَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ صَرِيحًا فِي إِيجَاب الْقَضَاء. وَنَقَلَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ الْحَسَن بْن صَالِح بْن حَيّ إِيجَابَ الْقَضَاء أَيْضًا , وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ اِسْتِحْبَابُهُ , وَنَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ عَنْهُ وَعَنْ النَّخَعِيِّ إِيجَاب الْقَضَاء فِي الْفَرْض وَالْإِجْزَاء فِي التَّطَوُّع , وَوَقَعَ لِابْنِ بَطَّالٍ وَابْن التِّينِ وَالنَّوَوِيِّ وَالْفَاكِهِيِّ وَغَيْرِ وَاحِد فِي نَقْلِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ مُغَايِرَات فِي نِسْبَتهَا لِقَائِلِهَا وَالْمُعْتَمَد مَا حَرَّرْته. وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَاف كُلّه إِنَّمَا هُوَ فِي حَقّ الْجُنُب , وَأَمَّا الْمُحْتَلِم فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُهُ , وَهَذَا النَّقْلُ مُعْتَرَضٌ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّهُ اِحْتَلَمَ لَيْلًا فِي رَمَضَان فَاسْتَيْقَظَ قَبْل أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْر ثُمَّ نَامَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ حَتَّى أَصْبَحَ قَالَ فَاسْتَفْتَيْت أَبَا هُرَيْرَة فَقَالَ أَفْطِرْ , وَلَهُ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن ثَوْبَانَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة يَقُول : مَنْ اِحْتَلَمَ مِنْ اللَّيْل أَوْ وَاقَعَ أَهْله ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْفَجْر وَلَمْ يَغْتَسِلْ فَلَا يَصُمْ , وَهَذَا صَرِيحٌ فِي عَدَم التَّفْرِقَة. وَحَمَلَ الْقَائِلُونَ بِفَسَادِ صِيَام الْجُنُب حَدِيثَ عَائِشَة عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْخَصَائِص النَّبَوِيَّة , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ بِقَوْلِهِ : وَقَالَ آخَرُونَ يَكُون حُكْمُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا ذَكَرَتْ عَائِشَة وَحُكْمُ النَّاس عَلَى مَا حَكَى أَبُو هُرَيْرَة. وَأَجَابَ الْجُمْهُور بِأَنَّ الْخَصَائِصَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ , وَبِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ صَرِيحًا مَا يَدُلّ عَلَى عَدَمهَا , وَتَرْجَمَ بِذَلِكَ اِبْن حِبَّانَ فِي صَحِيحَة حَيْثُ قَالَ \" ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَمْ يَكُنْ الْمُصْطَفَى مَخْصُوصًا بِهِ \" ثُمَّ أَوْرَدَ مَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَمُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَغَيْرهمْ مِنْ طَرِيق أَبِي يُونُس مَوْلَى عَائِشَة عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِيه وَهِيَ تَسْمَع مِنْ وَرَاء الْبَاب , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه تُدْرِكُنِي الصَّلَاة - أَيْ صَلَاةُ الصُّبْح - وَأَنَا جُنُبٌ , أَفَأَصُوم ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلَاة وَأَنَا جُنُب فَأَصُوم. فَقَالَ : لَسْت مِثْلَنَا يَا رَسُول اللَّه قَدْ غَفَرَ اللَّه لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك وَمَا تَأَخَّرَ. فَقَالَ : وَاَللَّه إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمكُمْ بِمَا أَتْقَى \" وَذَكَرَ اِبْن خُزَيْمَةَ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاء تَوَهَّمَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة غَلِطَ فِي هَذَا الْحَدِيث ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَغْلَطْ بَلْ أَحَالَ عَلَى رِوَايَة صَادِقٍ , إِلَّا أَنَّ الْخَبَر مَنْسُوخ , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى عِنْد اِبْتِدَاء فَرْضِ الصِّيَام كَانَ مَنَعَ فِي لَيْل الصَّوْم مِنْ الْأَكْل وَالشُّرْب وَالْجِمَاع بَعْد النَّوْم قَالَ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون خَبَر الْفَضْل كَانَ حِينَئِذٍ ثُمَّ أَبَاحَ اللَّه ذَلِكَ كُلّه إِلَى طُلُوع الْفَجْر فَكَانَ لِلْمُجَامِعِ أَنْ يَسْتَمِرّ إِلَى طُلُوعه فَيَلْزَم أَنْ يَقَعَ اِغْتِسَاله بَعْد طُلُوع الْفَجْر , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حَدِيث عَائِشَة نَاسِخ لِحَدِيثِ الْفَضْل وَلَمْ يَبْلُغ الْفَضْلَ وَلَا أَبَا هُرَيْرَة النَّاسِخُ فَاسْتَمَرَّ أَبُو هُرَيْرَة عَلَى الْفُتْيَا بِهِ , ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ بَعْد ذَلِكَ لَمَّا بَلَغَهُ. قُلْت : وَيُقَوِّيهِ أَنَّ فِي حَدِيث عَائِشَة هَذَا الْأَخِير مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد الْحُدَيْبِيَةِ لِقَوْلِهِ فِيهَا \" قَدْ غَفَرَ اللَّه لَك مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ \" وَأَشَارَ إِلَى آيَة الْفَتْح وَهِيَ إِنَّمَا نَزَلَتْ عَام الْحُدَيْبِيَة سَنَة سِتّ , وَابْتِدَاء فَرْض الصِّيَام كَانَ فِي السَّنَة الثَّانِيَة , وَإِلَى دَعْوَى النَّسْخ فِيهِ ذَهَبَ اِبْن الْمُنْذِرِ وَالْخَطَّابِيُّ وَغَيْر وَاحِد , وَقَرَّرَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ) يَقْتَضِي إِبَاحَة الْوَطْء فِي لَيْلَة الصَّوْم , وَمِنْ جُمْلَتهَا الْوَقْت الْمُقَارِنُ لِطُلُوعِ الْفَجْر فَيَلْزَمُ إِبَاحَةُ الْجِمَاع فِيهِ وَمِنْ ضَرُورَته أَنْ يُصْبِحَ فَاعِل ذَلِكَ جُنُبًا وَلَا يَفْسُدْ صَوْمه فَإِنَّ إِبَاحَة التَّسَبُّب لِلشَّيْءِ إِبَاحَةٌ لِذَلِكَ الشَّيْء. ‏ ‏قُلْت : وَهَذَا أَوْلَى مِنْ سُلُوك التَّرْجِيح بَيْن الْخَبَرَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْل الْبُخَارِيّ وَالْأَوَّل أَسْنَدُ \" وَكَذَا قَالَ بَعْضهمْ : إِنَّ حَدِيث عَائِشَة أَرْجَحُ لِمُوَافَقَةِ أُمّ سَلَمَة لَهَا عَلَى ذَلِكَ , وَرِوَايَة اِثْنَيْنِ تُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَة وَاحِد , وَلَا سِيَّمَا وَهُمَا زَوْجَتَانِ وَهُمَا أَعْلَم بِذَلِكَ مِنْ الرِّجَال , وَلِأَنَّ رِوَايَتَهُمَا تُوَافِق الْمَنْقُول وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَدْلُول الْآيَة , وَالْمَعْقُول وَهُوَ أَنَّ الْغُسْل شَيْءٌ وَجَبَ بِالْإِنْزَالِ , وَلَيْسَ فِي فِعْلِهِ شَيْءٌ يَحْرُمُ عَلَى صَائِم , فَقَدْ يَحْتَلِم بِالنَّهَارِ فَيَجِب عَلَيْهِ الْغُسْل وَلَا يَحْرُم عَلَيْهِ بَلْ يُتِمُّ صَوْمَهُ إِجْمَاعًا , فَكَذَلِكَ إِذَا اِحْتَلَمَ لَيْلًا بَلْ هُوَ مِنْ بَاب الْأَوْلَى , وَإِنَّمَا يُمْنَعُ الصَّائِم مِنْ تَعَمُّدِ الْجِمَاعِ نَهَارًا. وَهُوَ شَبِيهٌ بِمَنْ يُمْنَعُ مِنْ التَّطَيُّبِ وَهُوَ مُحْرِم لَكِنْ لَوْ تَطَيَّبَ وَهُوَ حَلَال ثُمَّ أَحْرَمَ فَبَقِيَ عَلَيْهِ لَوْنه أَوْ رِيحه لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْن الْحَدَثَيْنِ. أَنَّ الْأَمْرَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَمْرُ إِرْشَادٍ إِلَى الْأَفْضَل , فَإِنَّ الْأَفْضَل أَنْ يَغْتَسِل قَبْل الْفَجْر فَلَوْ خَالَفَ جَازَ , وَيُحْمَلُ حَدِيث عَائِشَة عَلَى بَيَان الْجَوَاز وَنَقَلَ النَّوَوِيّ هَذَا عَنْ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ , وَفِيهِ نَظَرٌ , فَإِنَّ الَّذِي نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْره عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيّ سُلُوكُ التَّرْجِيح وَعَنْ اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْرِهِ سُلُوكُ النَّسْخِ , وَيُعَكِّرُ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى الْإِرْشَاد التَّصْرِيح فِي كَثِير مِنْ طُرُق حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِالْأَمْرِ بِالْفِطْرِ وَبِالنَّهْيِ الصِّيَام فَكَيْف يَصِحّ الْحَمْل الْمَذْكُور إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي رَمَضَان ؟ وَقِيلَ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَدْرَكَهُ مُجَامِعًا فَاسْتَدَامَ بَعْد طُلُوعه عَالِمًا بِذَلِكَ , وَيُعَكِّر عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي حَازِم عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَقُول : مَنْ اِحْتَلَمَ وَعَلِمَ بِاحْتِلَامِهِ وَلَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى أَصْبَحَ فَلَا يَصُوم \" وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ سَقَطَ \" لَا \" مِنْ حَدِيث الْفَضْل , وَكَانَ فِي الْأَصْل \" مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ فَلَا يُفْطِر \" فَلَمَّا سَقَطَ \" لَا \" صَارَ \" فَلْيُفْطِرْ \" وَهَذَا بَعِيد بَلْ بَاطِل , لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم عَدَم الْوُثُوق بِكَثِيرِ مِنْ الْأَحَادِيث وَأَنَّهَا يَطْرُقهَا مِثْل هَذَا الِاحْتِمَال , وَكَأَنَّ قَائِله مَا وَقَفَ عَلَى شَيْء مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث إِلَّا عَلَى اللَّفْظ الْمَذْكُور. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ دُخُول الْعُلَمَاء عَلَى الْأُمَرَاء وَمُذَاكَرَتهمْ إِيَّاهُمْ بِالْعِلْمِ. وَفِيهِ فَضِيلَة لِمَرْوَان اِبْن الْحَكَم لِمَا يَدُلّ عَلَيْهِ الْحَدِيث مِنْ اِهْتِمَامه بِالْعِلْمِ وَمَسَائِل الدِّين. وَفِيهِ الِاسْتِثْبَات فِي النَّقْل وَالرُّجُوع فِي الْمَعَانِي إِلَى الْأَعْلَم , فَإِنَّ الشَّيْء إِذَا نُوزِعَ فِيهِ رُدَّ إِلَى مَنْ عِنْده عِلْمه , وَتَرْجِيح مَرْوِيّ النِّسَاءِ فِيمَا لَهُنَّ عَلَيْهِ الِاطِّلَاع دُون الرِّجَالِ عَلَى مَرْوِيّ الرِّجَال كَعَكْسِهِ , وَأَنَّ الْمُبَاشِرَ لِلْأَمْرِ أَعْلَم بِهِ مِنْ الْمُخْبَرِ عَنْهُ , وَالِائْتِسَاءُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَفْعَاله مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيل الْخُصُوصِيَّة , وَأَنَّ لِلْمَفْضُولِ إِذَا سَمِعَ مِنْ الْأَفْضَل خِلَافَ مَا عِنْده مِنْ الْعِلْم أَنْ يَبْحَث عَنْهُ حَتَّى يَقِف عَلَى وَجْهِهِ , وَأَنَّ الْحُجَّة عِنْد الِاخْتِلَاف فِي الْمَصِير إِلَى الْكِتَاب وَالسُّنَّة. وَفِيهِ الْحُجَّةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَأَنَّ الْمَرْأَةَ فِيهِ كَالرَّجُلِ. وَفِيهِ فَضِيلَة لِأَبِي هُرَيْرَة لِاعْتِرَافِهِ بِالْحَقِّ وَرُجُوعه إِلَيْهِ. وَفِيهِ اِسْتِعْمَال السَّلَف مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الْإِرْسَال عَنْ الْعُدُول مِنْ غَيْر نَكِير بَيْنهمْ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة اِعْتَرَفَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع هَذَا الْحَدِيث مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنهُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَة وَإِنَّمَا بَيْنهَا لِمَا وَقَعَ مِنْ الِاخْتِلَاف. وَفِيهِ الْأَدَب مَعَ الْعُلَمَاء , وَالْمُبَادَرَة لِامْتِثَالِ أَمْر ذِي الْأَمْر إِذَا كَانَ طَاعَةً , وَلَوْ كَانَ فِيهِ مَشَقَّة عَلَى الْمَأْمُورِ. ‏ ‏( تَكْمِيلٌ ) : ‏ ‏فِي مَعْنَى الْجُنُب الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاء إِذَا اِنْقَطَعَ دَمُهَا لَيْلًا ثُمَّ طَلَعَ الْفَجْر قَبْل اِغْتِسَالهَا , قَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرْحِ مُسْلِم : مَذْهَبُ الْعُلَمَاء كَافَّةً صِحَّة صَوْمهَا إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْض السَّلَف مِمَّا لَا يُعْلَمُ صَحَّ عَنْهُ أَوْ لَا , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا حَكَاهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ , لَكِنْ حَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ الْحَسَن بْن صَالِح أَيْضًا , وَحَكَى اِبْن دَقِيق الْعِيد أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي مَذْهَب مَالِك قَوْلَيْنِ , وَحَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ مِنْ أَصْحَابهمْ وَوَصَفَ قَوْله بِالشُّذُوذِ , وَحَكَى اِبْن عَبْدِ الْبَرّ عَنْ عَبْد الْمَلِكِ بْن الْمَاجِشُونِ أَنَّهَا إِذَا أَخَّرَتْ غُسْلَهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْر فَيَوْمهَا يَوْم فِطْر لِأَنَّهَا فِي بَعْضِهِ غَيْرُ طَاهِرَةٍ , قَالَ : وَلَيْسَ كَاَلَّذِي يُصْبِح جُنُبًا لِأَنَّ الِاحْتِلَامَ لَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ وَالْحَيْضَ يَنْقُضُهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1792",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏قَالَ عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُقَبِّلُ ‏ ‏وَيُبَاشِرُ ‏ ‏وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ ‏ ‏لِإِرْبِهِ ‏ ‏وَقَالَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ { ‏مَآرِبُ ‏} ‏حَاجَةٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏طَاوُسٌ ‏ { ‏غَيْرِ أُولِي ‏ ‏الْإِرْبَةِ ‏} ‏الْأَحْمَقُ لَا حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ شُعْبَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ عَنْ سَعِيدٍ بِمُهْمَلَةٍ وَآخِرَهُ دَال , وَهُوَ غَلَط فَاحِش فَلَيْسَ فِي شُيُوخ سُلَيْمَان بْن حَرْب أَحَدٌ اِسْمه سَعِيد حَدَّثَهُ عَنْ الْحَكَم , الْحَكَم الْمَذْكُور هُوَ اِبْن عُتَيْبَةَ , وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخَعِيُّ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ يُوسُف الْقَاضِي عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ شُعْبَة عَلَى الصَّوَاب , لَكِنْ وَقَعَ عِنْده عَنْ إِبْرَاهِيم \" أَنَّ عَلْقَمَةَ وَشُرَيْح بْن أَرْطَاة رَجُلَانِ مِنْ النَّخَع كَانَا عِنْد عَائِشَة , فَقَالَ أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ سَلْهَا عَنْ الْقُبْلَة لِلصَّائِمِ , قَالَ : مَا كُنْت لِأَرْفُثَ عِنْد أُمّ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَتْ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِم وَيُبَاشِر وَهُوَ صَائِم , وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : رَوَاهُ غُنْدَر وَابْن أَبِي عَدِيّ وَغَيْر وَاحِد عَنْ شُعْبَة فَقَالُوا \" عَنْ عَلْقَمَة \" وَحَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيّ عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ شُعْبَة فَقَالَ \" عَنْ الْأَسْوَد \" وَفِيهِ نَظَرٌ , وَصَرَّحَ أَبُو إِسْحَاق بْن حَمْزَة فِيمَا ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" عَنْهُ بِأَنَّهُ خَطَأ. قُلْت : وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْبُخَارِيّ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مَعْبَد عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب كَمَا قَالَ الْبُخَارِيّ , وَكَأَنَّ سُلَيْمَانَ بْن حَرْب حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ , فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ عَنْ شُعْبَة فَلَعَلَّ شُعْبَة حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ , وَإِلَّا فَأَكْثَر أَصْحَاب شُعْبَة لَمْ يَقُولُوا فِيهِ مِنْ هَذَا الْوَجْه عَنْ الْأَسْوَد , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفُوا : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَرِوَايَةِ يُوسُف الْمُتَقَدِّمَة وَصُورَتهَا الْإِرْسَال , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِطَرِيقِ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَة. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة وَشُرَيْح , وَقَدْ تَرْجَمَ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنه الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى إِبْرَاهِيم , وَالِاخْتِلَاف عَلَى الْحَكَمِ وَعَلَى الْأَعْمَش وَعَلَى مَنْصُور وَعَلَى عَبْد اللَّه بْن عَوْن كُلّهمْ عَنْ إِبْرَاهِيم , وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل عَنْ مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة قَالَ \" خَرَجَ نَفَرٌ مِنْ النَّخَع فِيهِمْ رَجُل يُدْعَى شُرَيْحًا فَحَدَّثَ أَنَّ عَائِشَة قَالَتْ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , قَالَ فَقَالَ لَهُ رَجُل : لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَضْرِب رَأْسَك بِالْقَوْسِ , فَقَالَ قُولُوا لَهُ فَلْيَكُفَّ عَنِّي حَتَّى نَأْتِيَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ ; فَلَمَّا أَتَوْهَا \" قَالُوا لِعَلْقَمَةَ : سَلْهَا , فَقَالَ : مَا كُنْت لِأَرْفُثَ عِنْدهَا الْيَوْم , فَسَمِعَتْهُ فَقَالَتْ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق عُبَيْدَةَ عَنْ مَنْصُور فَجَعَلَ شُرَيْحًا هُوَ الْمُنَكَّر وَأَبْهَمَ الَّذِي حَدَّثَ بِذَلِكَ عَنْ عَائِشَة , ثُمَّ اِسْتَوْعَبَ النَّسَائِيُّ طُرُقَهُ , وَعُرِفَ مِنْهَا أَنَّ الْحَدِيثَ كَانَ عِنْد إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة وَالْأَسْوَد وَمَسْرُوق جَمِيعًا فَلَعَلَّهُ كَانَ يُحَدِّث بِهِ تَارَة عَنْ هَذَا وَتَارَة عَنْ هَذَا , وَتَارَة يَجْمَع وَتَارَة يُفَرِّقُ , وَقَدْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْد ذِكْرِ الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى إِبْرَاهِيم : كُلّهَا صِحَاح وَعُرِفَ مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيلِ سَبَبُ تَحْدِيث عَائِشَة بِذَلِكَ وَاسْتِدْرَاكهَا عَلَى مَنْ حَدَّثَ عَنْهَا بِهِ عَلَى الْإِطْلَاق بِقَوْلِهَا \" وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ \" فَأَشَارَتْ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْإِبَاحَة لِمَنْ يَكُون مَالِكًا لِنَفْسِهِ دُون مَنْ لَا يَأْمَن مِنْ الْوُقُوع فِيمَا يَحْرُمُ. وَفِي رِوَايَة حَمَّادٍ عِنْد النَّسَائِيِّ \" قَالَ الْأَسْوَد قُلْت لِعَائِشَةَ أَيُبَاشِرُ الصَّائِم ؟ قَالَتْ : لَا. قُلْت أَلَيْسَ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَاشِر وَهُوَ صَائِم ؟ قَالَتْ : إِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ \" وَظَاهِر هَذَا أَنَّهَا اِعْتَقَدَتْ خُصُوصِيَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ , قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ. قَالَ : وَهُوَ اِجْتِهَاد مِنْهَا. وَقَوْل أُمّ سَلَمَة - يَعْنِي الْآتِي ذِكْرُهُ - أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ لِأَنَّهُ نَصٌّ فِي الْوَاقِعَة. قُلْت : قَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَة صَرِيحًا إِبَاحَة ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ , فَيُجْمَعُ بَيْن هَذَا وَبَيْن قَوْلهَا الْمُتَقَدِّم إِنَّهُ \" يَحِلّ لَهُ كُلّ شَيْء إِلَّا الْجِمَاعَ \" بِحَمْلِ النَّهْي هُنَا عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه فَإِنَّهَا لَا تُنَافِي الْإِبَاحَة. وَقَدْ رُوِّينَاهُ فِي كِتَاب الصِّيَام لِيُوسُف الْقَاضِي مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ حَمَّاد بِلَفْظِ \" سَأَلْت عَائِشَة عَنْ الْمُبَاشَرَة لِلصَّائِمِ فَكَرِهَتْهَا , وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي تَصْدِير الْبُخَارِيّ بِالْأَثَرِ الْأَوَّل عَنْهَا لِأَنَّهُ يُفَسِّر مُرَادهَا بِالنَّفْيِ الْمَذْكُور فِي طَرِيق حَمَّاد وَغَيْره وَاَللَّه أَعْلَم. وَيَدُلّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَرَى بِتَحْرِيمِهَا وَلَا بِكَوْنِهَا مِنْ الْخَصَائِص مَا رَوَاهُ مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ أَبِي النَّضْرِ \" أَنَّ عَائِشَة بِنْت طَلْحَة أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْد عَائِشَة فَدَخَلَ عَلَيْهَا زَوْجهَا وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَة : مَا يَمْنَعك أَنْ تَدْنُوَ مِنْ أَهْلك فَتُلَاعِبَهَا وَتُقَبِّلَهَا ؟ قَالَ أُقَبِّلُهَا وَأَنَا صَائِم ؟ قَالَتْ نَعَمْ \" ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يُقَبِّل وَيُبَاشِر وَهُوَ صَائِم ) ‏ ‏التَّقْبِيل أَخَصُّ مِنْ الْمُبَاشَرَة , فَهُوَ مِنْ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ , وَقَدْ رَوَاهُ عَمْرو بْن مَيْمُون عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ \" كَانَ يُقَبِّل فِي شَهْر الصَّوْم \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ , وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ \" يُقَبِّلُ فِي رَمَضَان وَهُوَ صَائِم \" فَأَشَارَتْ بِذَلِكَ إِلَى عَدَم التَّفْرِقَة بَيْن صَوْم الْفَرْض وَالنَّفْل. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْقُبْلَة وَالْمُبَاشَرَة لِلصَّائِمِ : فَكَرِهَهَا قَوْمٌ مُطْلَقًا وَهُوَ مَشْهُورٌ عِنْد الْمَالِكِيَّة , وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ اِبْن عُمَر \" أَنَّهُ كَانَ يَكْرَه الْقُبْلَةَ وَالْمُبَاشَرَة \" وَنَقَلَ اِبْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْره عَنْ قَوْم تَحْرِيمهَا , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ) الْآيَةَ. فَمَنَعَ الْمُبَاشَرَة فِي هَذِهِ الْآيَة نَهَارًا , وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ أَبَاحَ الْمُبَاشَرَةَ نَهَارًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُبَاشَرَةِ فِي الْآيَةِ الْجِمَاع لَا مَا دُونَهُ مِنْ قُبْلَةٍ وَنَحْوهَا , وَاَللَّه أَعْلَم. وَمِمَّنْ أَفْتَى بِإِفْطَارِ مَنْ قَبَّلَ وَهُوَ صَائِم عَبْد اللَّه بْن شُبْرُمَةَ أَحَد فُقَهَاء الْكُوفَة , وَنَقَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ قَوْم لَمْ يُسَمِّهِمْ وَأَلْزَمَ اِبْن حَزْم أَهْل الْقِيَاس أَنْ يُلْحِقُوا الصِّيَام بِالْحَجِّ فِي الْمُبَاشَرَة وَمُقَدِّمَات النِّكَاح لِلِاتِّفَاقِ عَلَى إِبْطَالِهِمَا بِالْجِمَاعِ , وَأَبَاحَ الْقُبْلَة قَوْم مُطْلَقًا وَهُوَ الْمَنْقُول صَحِيحًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَبِهِ قَالَ سَعِيد وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ وَطَائِفَة , بَلْ بَالَغَ بَعْض أَهْل الظَّاهِر فَاسْتَحَبَّهَا , وَفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْن الشَّابِّ وَالشَّيْخِ فَكَرِهَهَا لِلشَّابِّ وَأَبَاحَهَا لِلشَّيْخِ وَهُوَ مَشْهُور عَنْ اِبْن عَبَّاس أَخْرَجَهُ مَالِك وَسَعِيد بْن مَنْصُور وَغَيْرهمَا , وَجَاءَ فِيهِ حَدِيثَانِ مَرْفُوعَانِ فِيهِمَا ضَعْف أَخْرَجَ أَحَدَهُمَا أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَالْآخَر أَحْمَد مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ , وَفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْن مَنْ يَمْلِك نَفْسه وَمَنْ لَا يَمْلِك كَمَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ عَائِشَة وَكَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي مُبَاشَرَة الْحَائِض فِي كِتَاب الْحَيْض. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : وَرَأَى بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّ لِلصَّائِمِ إِذَا مَلَكَ نَفْسه أَنْ يُقَبِّل وَإِلَّا فَلَا ; لِيَسْلَمَ لَهُ صَوْمه , وَهُوَ قَوْل سُفْيَان وَالشَّافِعِيّ , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة وَهُوَ رَبِيب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ \" سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُقَبِّلُ الصَّائِم ؟ فَقَالَ : سَلْ هَذِهِ - لِأُمِّ سَلَمَة - فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَع ذَلِكَ. فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه قَدْ غَفَرَ لَك اللَّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك وَمَا تَأَخَّرَ. فَقَالَ : أَمَا وَاَللَّه إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ \" فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الشَّابَّ وَالشَّيْخَ سَوَاءٌ , لِأَنَّ عُمَرَ حِينَئِذٍ كَانَ شَابًّا , وَلَعَلَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَا بَلَغَ وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْخَصَائِص , وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَطَاء بْن يَسَار \" عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار أَنَّهُ قَبَّلَ اِمْرَأَته وَهُوَ صَائِم , فَأَمَرَ اِمْرَأَته أَنْ تَسْأَل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ , فَسَأَلَتْهُ فَقَالَ إِنِّي أَفْعَل ذَلِكَ , فَقَالَ زَوْجهَا : يُرَخِّصُ اللَّه لِنَبِيِّهِ فِيمَا يَشَاء. فَرَجَعَتْ فَقَالَ : أَنَا أَعْلَمكُمْ بِحُدُودِ اللَّه وَأَتْقَاكُمْ \" وَأَخْرَجَهُ مَالِك , لَكِنَّهُ أَرْسَلَهُ قَالَ \" عَنْ عَطَاء أَنَّ رَجُلًا \" فَذَكَرَ نَحْوَهُ مُطَوَّلًا. وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا بَاشَرَ أَوْ قَبَّلَ أَوْ نَظَرَ فَأَنْزَلَ أَوْ أَمَذَى , فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ : يَقْضِي إِذَا أَنْزَلَ فِي غَيْر النَّظَر , وَلَا قَضَاء فِي الْإِمْذَاء. وَقَالَ مَالِك وَإِسْحَاق : يَقْضِي فِي كُلّ ذَلِكَ وَيُكَفِّر , إِلَّا فِي الْإِمْذَاء فَيَقْضِي فَقَطْ. وَاحْتُجَّ لَهُ بِأَنَّ الْإِنْزَال أَقْصَى مَا يُطْلَبُ بِالْجِمَاعِ مِنْ الِالْتِذَاذ فِي كُلّ ذَلِكَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَحْكَام عُلِّقَتْ بِالْجِمَاعِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِنْزَال فَافْتَرَقَا. وَرَوَى عِيسَى بْن دِينَار عَنْ اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك وُجُوب الْقَضَاء فِيمَنْ بَاشَرَ أَوْ قَبَّلَ فَأَنْعَظَ وَلَمْ يُمْذِ وَلَا أَنْزَلَ , وَأَنْكَرَهُ غَيْرُهُ عَنْ مَالِك. وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ حُذَيْفَة \" مَنْ تَأَمَّلَ خَلْقَ اِمْرَأَته وَهُوَ صَائِم بَطَلَ صَوْمه \" لَكِنَّ إِسْنَاده ضَعِيف. وَقَالَ اِبْن قُدَامَةَ : إِنْ قَبَّلَ فَأَنْزَلَ أَفْطَرَ بِلَا خِلَاف. كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ , فَقَدْ حَكَى اِبْن حَزْمٍ أَنَّهُ لَا يُفْطِر وَلَوْ أَنْزَلَ , وَقَوَّى ذَلِكَ وَذَهَبَ إِلَيْهِ. وَسَأَذْكُرُ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه زِيَادَة فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( لِأَرَبِهِ ) ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ أَيْ حَاجَته , وَيُرْوَى بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون الرَّاء أَيْ عُضْوه , وَالْأَوَّل أَشْهَرُ , وَإِلَى تَرْجِيحه أَشَارَ الْبُخَارِيّ بِمَا أَوْرَدَهُ مِنْ التَّفْسِير. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن عَبَّاس. مَأْرَب حَاجَة ) ‏ ‏مَأْرَب بِسُكُونِ الْهَمْزَة وَفَتْح الرَّاء , وَهَذَا وَصَلَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : ( وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ) قَالَ : حَاجَة أُخْرَى , كَذَا فِيهِ , وَهُوَ تَفْسِيرُ الْجَمْعِ بِالْوَاحِدِ , فَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهَا حَاجَات أَوْ حَوَائِج فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عِكْرِمَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ \" مَآرِبُ أُخْرَى \" قَالَ \" حَوَائِج أُخْرَى \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ طَاوُسٌ ( غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ ) ) ‏ ‏الْأَحْمَقُ لَا حَاجَة لَهُ فِي النِّسَاء ) وَصَلَهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي تَفْسِيره عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ اِبْن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ فِي قَوْله : ( غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ ) قَالَ : هُوَ الْأَحْمَقُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِي النِّسَاءِ حَاجَة. وَقَدْ وَقَعَ لَنَا هَذَا الْأَثَر بِعُلُوٍّ فِي \" جُزْء مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ \" الْمَرْوِيِّ مِنْ طَرِيق السِّلَفِيِّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَيْض بَيَان الِاخْتِلَاف فِي قَوْله \" لِأَرَبِهِ \" وَرَأَيْت بِخَطِّ مُغَلْطَايَ فِي شَرْحِهِ هُنَا قَالَ : وَقَالَ اِبْن عَبَّاس - أَيْ فِي تَفْسِير أُولِي الْإِرْبَةِ - الْمُقْعَدُ , وَقَالَ اِبْن جُبَيْرٍ الْمَعْتُوهُ , وَقَالَ عِكْرِمَة الْعِنِّينُ , وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيّ. وَإِنَّمَا أَوْقَعَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقُطْبَ لَمَّا أَخْرَجَ أَثَر طَاوُسٍ قَالَ بَعْده \" وَعَنْ اِبْن عَبَّاس الْمُقْعَد إِلَخْ \" وَلَمْ يُرِدْ الْقُطْب أَنَّ الْبُخَارِيَّ ذَكَرَ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ الْقُطْبُ مِنْ قِبَلِ نَفْسه مِنْ كَلَام أَهْل التَّفْسِير. ‏"
    },
    {
        "id": "1793",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ ضَحِكَتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله , ( حَدَّثَنِي يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان , عُذَره هُوَ اِبْن عُرْوَة , وَقَدْ أَحَالَ الْمُصَنِّف بِالْمَتْنِ عَلَى طَرِيق مَالِك عَنْ هِشَام وَلَيْسَ بَيْن لَفْظِهِمَا مُخَالَفَةٌ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان بِلَفْظِ \" كَانَ يُقَبِّلُ بَعْض أَزْوَاجه وَهُوَ صَائِم \" وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن عَلِيِّ بْن يَحْيَى قَالَ هِشَام \" قَالَ إِنِّي لَمْ أَرَ الْقِبْلَةَ تَدْعُو إِلَى خَيْر \" , وَرَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ يَعْقُوب بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ هِشَام بِلَفْظِ \" كَانَ يُقَبِّلُ بَعْض أَزْوَاجه وَهُوَ صَائِم ثُمَّ ضَحِكَتْ \" , فَقَالَ عُرْوَة لَمْ أَرَ الْقُبْلَة تَدْعُو إِلَى خَيْر , وَكَذَا ذَكَرَهُ مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ هِشَام عَقِبَ الْحَدِيث , لَكِنْ لَمْ يَقُلْ فِيهِ ثُمَّ ضَحِكَتْ. وَقَوْله ثُمَّ ضَحِكَتْ يَحْتَمِلَ ضَحِكَهَا لِلتَّعَجُّبِ مِمَّنْ خَالَفَ فِي هَذَا , وَقِيلَ تَعَجَّبَتْ مِنْ نَفْسهَا إِذْ تُحَدِّث بِمِثْلِ هَذَا مِمَّا يُسْتَحَى مِنْ ذِكْر النِّسَاءِ مِثْلَهُ لِلرِّجَالِ , وَلَكِنَّهَا أَلْجَأَتْهَا الضَّرُورَةُ فِي تَبْلِيغ الْعِلْم إِلَى ذِكْر ذَلِكَ , وَقَدْ يَكُون الضَّحِك خَجَلًا لِإِخْبَارِهَا عَنْ نَفْسهَا بِذَلِكَ , أَوْ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا صَاحِبَة الْقِصَّة لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الثِّقَة بِهَا , أَوْ سُرُورًا بِمَكَانِهَا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَنْزِلَتِهَا مِنْهُ وَمَحَبَّتِهِ لَهَا. وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ شَرِيك عَنْ هِشَام فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَضَحِكَتْ , فَظَنَنَّا أَنَّهَا هِيَ \" وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق طَلْحَةَ بْن عَبْد اللَّه التَّيْمِيِّ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" أَهْوَى إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُقَبِّلَنِي فَقُلْت إِنِّي صَائِمَةٌ , فَقَالَ وَأَنَا صَائِم , فَقَبَّلَنِي \" وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ لِمَنْ لَا يَتَأَثَّر بِالْمُبَاشَرَةِ وَالتَّقْبِيلِ , لَا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْن الشَّابِّ وَالشَّيْخِ , لِأَنَّ عَائِشَة كَانَتْ شَابَّةً , نَعَمْ لَمَّا كَانَ الشَّابُّ مَظِنَّةً لِهَيَجَانِ الشَّهْوَة فَرَّقَ مَنْ فَرَّقَ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ حَالُ الْمُقَبِّلِ فَإِنْ أَثَارَتْ مِنْهُ الْقُبْلَةُ الْإِنْزَالَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْإِنْزَالَ يُمْنَعُ مِنْهُ الصَّائِم فَكَذَلِكَ مَا أَدَّى إِلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ عَنْهَا الْمَذْي فَمَنْ رَأَى الْقَضَاء مِنْهُ قَالَ يَحْرُمُ فِي حَقِّهِ , وَمَنْ رَأَى أَنْ لَا قَضَاءَ قَالَ يُكْرَه , وَإِنْ لَمْ تُؤَدِّ الْقُبْلَةُ إِلَى شَيْء فَلَا مَعْنَى لِلْمَنْعِ مِنْهَا إِلَّا عَلَى الْقَوْل بِسَدِّ الذَّرِيعَة. قَالَ : وَمِنْ بَدِيع مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلسَّائِلِ عَنْهَا \" أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْت \" فَأَشَارَ إِلَى فِقْهٍ بَدِيع , وَذَلِكَ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ لَا تَنْقُضُ الصَّوْمَ وَهِيَ أَوَّل الشُّرْبِ وَمِفْتَاحُهُ , كَمَا أَنَّ الْقُبْلَةَ مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاع وَمِفْتَاحُهُ , وَالشُّرْب يُفْسِدُ الصَّوْمَ كَمَا يُفْسِدهُ الْجِمَاع , وَكَمَا ثَبَتَ عِنْدهمْ أَنَّ أَوَائِل الشُّرْب لَا يُفْسِد الصِّيَام فَكَذَلِكَ أَوَائِل الْجِمَاع ا ه. وَالْحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث عُمَر , قَالَ النَّسَائِيُّ مُنْكَرٌ , وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيث أُمّ سَلَمَة فِي كِتَاب الْحَيْضِ , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْلهَا \" وَكَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِم \" وَقَدْ ذَكَرْنَا شَاهِدَهُ مِنْ رِوَايَة عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْقُبْلَةُ فِي الصَّوْم لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى مَنْ لَمْ تُحَرِّكْ شَهْوَتَهُ لَكِنَّ الْأَوْلَى لَهُ تَرْكُهَا , وَأَمَّا مَنْ حَرَّكَتْ شَهْوَتَهُ فَهِيَ حَرَامٌ فِي حَقِّهِ عَلَى الْأَصَحّ وَقِيلَ مَكْرُوهَة , وَرَوَى اِبْن وَهْبٍ عَنْ مَالِك إِبَاحَتَهَا فِي النَّفْل دُون الْفَرْض. قَالَ النَّوَوِيّ : وَلَا خِلَاف أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ الصَّوْمَ إِلَّا إِنْ أَنْزَلَ بِهَا. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَحْدَهُ مِنْ طَرِيق مِصْدَع بْن يَحْيَى عَنْ عَائِشَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَيَمُصُّ لِسَانَهَا وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ , وَلَوْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْتَلِعْ رِيقَهُ الَّذِي خَالَطَ رِيقَهَا , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1794",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّهَا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏بَيْنَمَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏الْخَمِيلَةِ ‏ ‏إِذْ حِضْتُ ‏ ‏فَانْسَلَلْتُ ‏ ‏فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَقَالَ ‏ ‏مَا لَكِ أَنَفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ فَدَخَلْتُ مَعَهُ فِي ‏ ‏الْخَمِيلَةِ ‏ ‏وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَكَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1795",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏وَأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ حُلْمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1796",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ المُغِيرَةِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏كُنْتُ أَنَا ‏ ‏وَأَبِي ‏ ‏فَذَهَبْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنْ كَانَ ‏ ‏لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ ثُمَّ يَصُومُهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَى ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1797",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيلَ عَنْ هِشَامٍ \" مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِم فَأَكَلَ \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي النَّذْرِ مِنْ طَرِيق عَوْف عَنْ اِبْن سِيرِينَ \" مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِم \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق حَبِيب بْن الشَّهِيد وَأَيُّوب عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" جَاءَ رَجُل فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَكَلْت وَشَرِبْت نَاسِيًا وَأَنَا صَائِم \" , وَهَذَا الرَّجُل هُوَ أَبُو هُرَيْرَة رَاوِي الْحَدِيث , أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ اِبْن سِيرِينَ \" فَلَا يُفْطِرْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيِّ \" فَإِنَّمَا هُوَ رِزْق رَزَقَهُ اللَّهُ \" ولِلدّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُلَيَّةَ عَنْ هِشَامٍ \" فَإِنَّمَا هُوَ رِزْق سَاقَهُ اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ \" قَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : تَمَسَّكَ جَمِيعُ فُقَهَاء الْأَمْصَارِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ , وَتَطَلَّعَ مَالِكٌ إِلَى الْمَسْأَلَةِ مِنْ طَرِيقِهَا فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ , لِأَنَّ الْفِطْرَ ضِدُّ الصَّوْمِ وَالْإِمْسَاكُ رُكْنُ الصَّوْمِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَسِيَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاة. قَالَ : وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِيهِ \" لَا قَضَاءَ عَلَيْك \" فَتَأَوَّلَهُ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ لَا قَضَاء عَلَيْك الْآن وَهَذَا تَعَسُّفٌ , وَإِنَّمَا أَقُول لَيْتَهُ صَحَّ فَنَتَّبِعَهُ وَنَقُولَ بِهِ , إِلَّا عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ فِي أَنَّ خَبَر الْوَاحِد إِذَا جَاءَ بِخِلَافِ الْقَوَاعِدِ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ , فَلَمَّا جَاءَ الْحَدِيث الْأَوَّل الْمُوَافِقُ لِلْقَاعِدَةِ فِي رَفْعِ الْإِثْمِ عَمِلْنَا بِهِ , وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا يُوَافِقُهَا فَلَمْ نَعْمَلُ بِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ أَسْقَطَ الْقَضَاءَ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ لِلْقَضَاءِ فَيُحْمَلُ عَلَى سُقُوطِ الْمُؤَاخَذَةِ , لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ صِيَام يَوْمِ لَا خَرْمَ فِيهِ , لَكِنْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِيهِ سُقُوط الْقَضَاء وَهُوَ نَصٌّ لَا يَقْبَلُ الِاحْتِمَالَ , لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي صِحَّتِهِ , فَإِنْ صَحَّ وَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ وَسَقَطَ الْقَضَاءُ ا ه. وَأَجَابَ بَعْض الْمَالِكِيَّة بِحَمْلِ الْحَدِيث عَلَى صَوْم التَّطَوُّع كَمَا حَكَاهُ اِبْن التِّين عَنْ اِبْنِ شَعْبَانَ , وَكَذَا قَالَ اِبْن الْقَصَّارِ , وَاعْتُلَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْحَدِيث تَعْيِينُ رَمَضَانَ فَيُحْمَلُ عَلَى التَّطَوُّعِ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ : لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيث إِثْبَاتًا لِقَضَاءٍ فَيُحْمَلُ عَلَى سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ وَإِثْبَات عُذُرِهِ وَرَفْعِ الْإِثْمِ عَنْهُ وَبَقَاء نِيَّتِهِ الَّتِي بَيَّتَهَا ا ه. وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ كُلّه بِمَا أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْر رَمَضَان نَاسِيًا فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَة \" فَعَيَّنَ رَمَضَانَ وَصَرَّحَ بِإِسْقَاطِ الْقَضَاء. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ الْأَنْصَارِيِّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اِبْنَ خُزَيْمَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ اِبْنِ مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيِّ وَبِأَنَّ الْحَاكِمَ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي حَاتِم الرَّازِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ الْأَنْصَارِيِّ فَهُوَ الْمُنْفَرِدُ بِهِ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ ثِقَةٌ , وَالْمُرَاد أَنَّهُ اِنْفَرَدَ بِذِكْرِ إِسْقَاطِ الْقَضَاء فَقَطْ لَا بِتَعْيِينِ رَمَضَان , فَإِنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق عَلِيِّ بْنِ بَكَّار عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو وَلَفْظُهُ \" فِي الرَّجُلِ يَأْكُل فِي شَهْر رَمَضَان نَاسِيًا فَقَالَ : اللَّهُ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ \" وَقَدْ وَرَدَ إِسْقَاطُ الْقَضَاء مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى اِبْن الطَّبَّاعِ عَنْ اِبْن عُلَيَّةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ اِبْن سِيرِينَ وَلَفْظُهُ \" فَإِنَّمَا هُوَ رِزْق سَاقَهُ اللَّه إِلَيْهِ وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ \" وَقَالَ بَعْد تَخْرِيجه : هَذَا إِسْنَاد صَحِيحٌ وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. قُلْت : لَكِنَّ الْحَدِيثَ عِنْد مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيق اِبْن عُلَيَّةَ وَلَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَة. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا إِسْقَاط الْقَضَاء مِنْ رِوَايَة أَبِي رَافِع وَأَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ وَالْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد رَفَعَهُ \" مَنْ أَكَلَ فِي شَهْر رَمَضَان نَاسِيًا فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ \" وَإِسْنَادُهُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنَّهُ صَالِحٌ لِلْمُتَابَعَةِ , فَأَقَلُّ دَرَجَاتِ الْحَدِيثِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا فَيَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ , وَقَدْ وَقَعَ الِاحْتِجَاج فِي كَثِير مِنْ الْمَسَائِل بِمَا هُوَ دُونه فِي الْقُوَّة , وَيَعْتَضِدُ أَيْضًا بِأَنَّهُ قَدْ أَفْتَى بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَة مِنْ غَيْر مُخَالَفَةٍ لَهُمْ مِنْهُمْ - كَمَا قَالَهُ اِبْن الْمُنْذِرِ وَابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمَا - عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن عُمَر , ثُمَّ هُوَ مُوَافِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) فَالنِّسْيَان لَيْسَ مِنْ كَسْب الْقَلْب , وَمُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ فِي إِبْطَالِ الصَّلَاةِ بِعَمْدِ الْأَكْلِ لَا بِنِسْيَانِهِ فَكَذَلِكَ الصِّيَام , وَأَمَّا الْقِيَاس الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ فَهُوَ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُقْبَلُ , وَرَدُّهُ لِلْحَدِيثِ مَعَ صِحَّتِهِ بِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ خَالَفَ الْقَاعِدَةَ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ , لِأَنَّهُ قَاعِدَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِالصِّيَامِ فَمَنْ عَارَضَهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الصَّلَاةِ أَدْخَلَ قَاعِدَةً فِي قَاعِدَةٍ , وَلَوْ فُتِحَ بَابُ رَدِّ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة بِمِثْلِ هَذَا لَمَا بَقِيَ مِنْ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَلِيلُ , وَفِي الْحَدِيثِ لُطْفُ اللَّهِ بِعِبَادِهِ وَالتَّيْسِير عَلَيْهِمْ وَرَفْعُ الْمَشَقَّةِ وَالْحَرَجِ عَنْهُمَا , وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ لِهَذَا الْحَدِيثِ سَبَبًا فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ دِينَارٍ عَنْ مَوْلَاتِهَا أُمِّ إِسْحَاقَ أَنَّهَا \" كَانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيد فَأَكَلْت مَعَهُ , ثُمَّ تَذَكَّرَتْ أَنَّهَا كَانَتْ صَائِمَةً , فَقَالَ لَهَا ذُو الْيَدَيْنِ : الْآنَ بَعْدَمَا شَبِعْت ؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتِمِّي صَوْمَك فَإِنَّمَا هُوَ رِزْق سَاقَهُ اللَّه إِلَيْك \" وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْأَكْلِ وَكَثِيرِهِ. وَمِنْ الْمُسْتَظْرَفَاتِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ : أَنَّ إِنْسَانًا جَاءَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ أَصْبَحْت صَائِمًا فَنَسِيت فَطَعِمْت , قَالَ لَا بَأْسَ. قَالَ : ثُمَّ دَخَلْت عَلَى إِنْسَانٍ فَنَسِيت وَطَعِمْت وَشَرِبْت , قَالَ. لَا بَأْسَ اللَّهُ أَطْعَمَك وَسَقَاك. ثُمَّ قَالَ : دَخَلْت عَلَى آخَرَ فَنَسِيت فَطَعِمْت , فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَنْتَ إِنْسَانٌ لَمْ تَتَعَوَّدْ الصِّيَامَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1798",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمْرَانَ ‏ ‏رَأَيْتُ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَوَضَّأَ نَحْوَ وَضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ ‏ ‏يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1799",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّهُ احْتَرَقَ قَالَ ‏ ‏مَا لَكَ قَالَ أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمِكْتَلٍ ‏ ‏يُدْعَى ‏ ‏الْعَرَقَ ‏ ‏فَقَالَ أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ قَالَ أَنَا قَالَ تَصَدَّقْ بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعْد الْأَنْصَارِيّ وَفِي إِسْنَاده هَذَا أَرْبَعَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ كُلُّهُمْ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة : يَحْيَى وَعَبْد الرَّحْمَن تَابِعِيَّانِ صَغِيرَانِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ , وَفَوْقَهُمَا قَلِيلًا مُحَمَّدُ بْن جَعْفَر , وَأَمَّا اِبْن عَمِّهِ عَبَّادٌ فَمِنْ أَوَاسِط التَّابِعِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏قِيلَ هُوَ سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الْبَيَاضِيّ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّهُ اِحْتَرَقَ ) ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ \" هَلَكْت \" وَرِوَايَة الِاحْتِرَاق تُفَسِّر رِوَايَة الْهَلَاك , وَكَأَنَّهُ لَمَّا اِعْتَقَدَ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْإِثْمِ يُعَذَّبُ بِالنَّارِ أَطْلَقَ عَلَى نَفْسه أَنَّهُ اِحْتَرَقَ لِذَلِكَ , وَقَدْ أَثْبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْوَصْف فَقَالَ \" أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ \" إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ لَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَامِدًا كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( تَصَدَّقْ بِهَذَا ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا , وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم وَفِيهِ \" قَالَ أَصَبْت أَهْلِي , قَالَ تَصَدَّقْ , قَالَ وَاَللَّهِ مَا لِي شَيْءٌ , قَالَ اِجْلِسْ فَجَلَسَ , فَأَقْبَلَ رَجُلٌ يَسُوق حِمَارًا عَلَيْهِ طَعَام , فَقَالَ أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ آنِفًا ؟ فَقَامَ الرَّجُل , فَقَالَ تَصَدَّقْ بِهَذَا. فَقَالَ أَعْلَى غَيْرِنَا ؟ فَوَاَللَّهِ إِنَّا لَجِيَاعٌ. قَالَ كُلُوهُ \" وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ لِمَالِكٍ حَيْثُ جَزَمَ فِي كَفَّارَة الْجِمَاع فِي رَمَضَان بِالْإِطْعَامِ دُون غَيْره مِنْ الصِّيَامِ وَالْعِتْقِ , وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ وَقَدْ حَفِظَهَا أَبُو هُرَيْرَة وَقَصَّهَا عَلَى وَجْهِهَا وَأَوْرَدَتْهَا عَائِشَةُ مُخْتَصَرَةً , أَشَارَ إِلَى هَذَا الْجَوَابِ الطَّحَاوِيُّ , وَالظَّاهِر أَنَّ الِاخْتِصَار مِنْ بَعْض الرُّوَاة , فَقَدْ رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر بِهَذَا الْإِسْنَاد مُفَسَّرًا وَلَفْظه \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي ظِلّ فَارِعٍ - يَعْنِي بِالْفَاءِ وَالْمُهْمَلَة - فَجَاءَهُ رَجُل مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ فَقَالَ : اِحْتَرَقْت , وَقَعْت بِامْرَأَتِي فِي رَمَضَان. قَالَ أَعْتِقْ رَقَبَة , قَالَ لَا أَجِدُهَا , قَالَ أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكَيْنَا , قَالَ لَيْسَ عِنْدِي \" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ , أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ , وَسَاقَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخه وَمِنْ طَرِيقه الْبَيْهَقِيُّ , وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَيْضًا ذِكْرُ صِيَامِ شَهْرَيْنِ , وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِي ذَلِكَ , فَالْمَشْهُور مَا تَقَدَّمَ , وَعَنْهُ يُكَفِّرُ فِي الْأَكْل بِالتَّخْيِيرِ وَفِي الْجِمَاع بِالْإِطْعَامِ فَقَطْ , وَعَنْهُ التَّخْيِير مُطْلَقًا , وَقِيلَ يُرَاعَى زَمَانُ الْخَصْبِ وَالْجَدْبِ , وَقِيلَ يُعْتَبَرُ حَالَةُ الْمُكَفِّرِ , وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1800",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ جَاءَهُ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ ‏ ‏مَا لَكَ قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا فَقَالَ فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لَا قَالَ فَمَكَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعَرَقٍ ‏ ‏فِيهَا تَمْرٌ وَالْعَرَقُ ‏ ‏الْمِكْتَلُ ‏ ‏قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ فَقَالَ أَنَا قَالَ خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ ‏ ‏الرَّجُلُ ‏ ‏أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ ‏ ‏لَابَتَيْهَا ‏ ‏يُرِيدُ ‏ ‏الْحَرَّتَيْنِ ‏ ‏أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَوْف , هَكَذَا تَوَارَدَ عَلَيْهِ أَصْحَاب الزُّهْرِيِّ وَقَدْ جَمَعْت مِنْهُمْ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ لِطُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ نَفْسًا , مِنْهُمْ : اِبْن عُيَيْنَةَ وَاللَّيْثُ وَمَعْمَرٌ وَمَنْصُور عِنْد الشَّيْخَيْنِ , وَالْأَوْزَاعِيُّ وَشُعَيْبٌ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمَالِك , وَابْن جُرَيْجٍ عِنْد مُسْلِم , وَيَحْيَى بْن سَعِيد وَعِرَاكُ بْن مَالِك عِنْد النَّسَائِيِّ , وَعَبْد الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ عِنْد أَبِي عَوَانَةَ , وَالْجَوْزَقِيّ وَعَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ مُسَافِرٍ عِنْد الطَّحَاوِيِّ , وَعَقِيلٌ عِنْدَ اِبْن خُزَيْمَةَ , وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ , وَيُونُسُ وَحَجَّاجُ بْن أَرْطَاة وَصَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ , وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عِنْد الْبَزَّارِ , وَسَأَذْكُرُ مَا عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ زِيَادَةِ فَائِدَةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَخَالَفَهُمْ هِشَامُ بْن سَعْد فَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره. قَالَ الْبَزَّارُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَأَبُو عَوَانَةَ : أَخْطَأَ فِيهِ هِشَام بْن سَعْد. قُلْت : وَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْن عَطَاء عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي حَفْصَة , فَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَلِ \" وَالْمَحْفُوظُ عَنْ اِبْن أَبِي حَفْصَة كَالْجَمَاعَةِ. كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيق رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْهُ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا , فَقَدْ جَمَعَهُمَا عَنْهُ صَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر , أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" مِنْ طَرِيقه , وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده حِكَايَة خِلَاف آخَر فِيهِ عَلَى مَنْصُور وَكَذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ حِكَايَةُ خِلَافٍ فِيهِ عَلَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَعَقِيلٍ عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن أَبِي أُوَيْسٍ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ حُمَيْدٍ وَأَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوس ) ‏ ‏أَصْلُهَا \" بَيْنَ \" وَقَدْ تَرِدُ بِغَيْرِ \" مَا \" فَتُشْبَعُ الْفَتْحَةُ , وَمِنْ خَاصَّةِ \" بَيْنَمَا \" أَنَّهَا تُتَلَقَّى بِإِذْ وَبِإِذَا حَيْثُ تَجِيءُ لِلْمُفَاجَأَةِ , بِخِلَافِ بَيْنَا فَلَا تُتَلَقَّى بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا , وَقَدْ وَرَدَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِيهِ حُسْنُ الْأَدَب فِي التَّعْبِير لِمَا تُشْعِرُ الْعِنْدِيَّةُ بِالتَّعْظِيمِ , بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ مَعَ , لَكِنْ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ جَاءَهُ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَتِهِ , إِلَّا أَنَّ عَبْدَ الْغَنِيِّ فِي الْمُبْهَمَاتِ - وَتَبِعَهُ اِبْنُ بَشْكُوَال - جَزْمًا بِأَنَّهُ سُلَيْمَان أَوْ سَلَمَة بْن صَخْر الْبَيَاضِيّ , وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره مِنْ طَرِيق سُلَيْمَانَ اِبْن يَسَارٍ \" عَنْ سَلَمَةَ بْن صَخْر أَنَّهُ ظَاهَرَ مِنْ اِمْرَأَتِهِ فِي رَمَضَان وَأَنَّهُ وَطِئَهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَرِّرْ رَقَبَةً , قُلْت مَا أَمْلِكُ رَقَبَةً غَيْرهَا وَضَرَبَ صَفْحَةَ رَقَبَتِهِ. قَالَ فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعِينَ. قَالَ وَهَلْ أَصَبْت الَّذِي أَصَبْت إِلَّا مِنْ الصِّيَامِ ؟ قَالَ فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكَيْنَا. قَالَ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا لَنَا طَعَام. قَالَ فَانْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْك \" وَالظَّاهِر أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ فَإِنَّ فِي قِصَّة الْمُجَامِعِ فِي حَدِيث الْبَاب أَنَّهُ كَانَ صَائِمًا كَمَا سَيَأْتِي , وَفِي قِصَّة سَلَمَةَ بْن صَخْر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلًا فَافْتَرَقَا , وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اِجْتِمَاعهمَا - فِي كَوْنِهِمَا مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ وَفِي صِفَة الْكَفَّارَة وَكَوْنِهَا مُرَتَّبَة وَفِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَانَ لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء مِنْ خِصَالِهَا - اِتِّحَادُ الْقِصَّتَيْنِ , وَسَنَذْكُرُ أَيْضًا مَا يُؤَيِّد الْمُغَايِرَة بَيْنهمَا. وَأَخْرَجَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ فِي تَرْجَمَةِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ مِنْ \" التَّمْهِيدِ \" مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن بَشِير عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي وَقَعَ عَلَى اِمْرَأَته فِي رَمَضَان فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ سُلَيْمَانُ بْن صَخْر. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ : أَظُنُّ هَذَا وَهْمًا , لِأَنَّ الْمَحْفُوظَ أَنَّهُ ظَاهَرَ مِنْ اِمْرَأَته وَوَقَعَ عَلَيْهَا فِي اللَّيْلِ لَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ بِالنَّهَارِ ا ه. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة \" وَقَعَ عَلَى اِمْرَأَته فِي رَمَصَانِ \" أَيْ لَيْلًا بَعْدَ أَنْ ظَاهَرَ فَلَا يَكُون وَهْمًا وَلَا يَلْزَم الِاتِّحَادُ , وَوَقَعَ فِي مَبَاحِث الْعَامِّ مِنْ \" شَرْحِ اِبْنِ الْحَاجِبِ \" مَا يُوهِمُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ أَبُو بُرْدَةَ بْن يَسَارٍ وَهُوَ وَهْمٌ يَظْهَر مِنْ تَأَمُّلِ بَقِيَّةِ كَلَامِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏زَادَ عَبْد الْجَبَّار بْن عُمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ \" جَاءَ رَجُل وَهُوَ يَنْتِف شَعْره وَيَدُقُّ صَدْرَهُ وَيَقُول هَلَكَ الْأَبْعَدُ \" وَلِمُحَمَّدِ بْن أَبِي حَفْصَةَ \" يَلْطِمُ وَجْهَهُ \" وَلِحَجَّاجِ بْن أَرْطَاة \" يَدْعُو وَيْلَهُ \" وَفِي مُرْسَل اِبْن الْمُسَيِّب عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ \" وَيُحْثِي عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ \" وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى جَوَاز هَذَا الْفِعْل وَالْقَوْل مَنْ وَقَعَتْ لَهُ مَعْصِيَةٌ , وَيُفَرَّق بِذَلِكَ بَيْن مُصِيبَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَيَجُوزُ فِي مُصِيبَةِ الدِّينِ لِمَا يُشْعِرُ بِهِ الْحَال مِنْ شِدَّة النَّدَم وَصِحَّة الْإِقْلَاع , وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ لَطْمِ الْخُدُودِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ هَلَكْت ) فِي رِوَايَة مَنْصُور فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ \" فَقَالَ إِنَّ الْأَخِرَ هَلَكَ \" وَالْأَخِرُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَة بِغَيْرِ مَدٍّ هُوَ الْأَبْعَدُ , وَقِيلَ الْغَائِبُ , وَقِيلَ الْأَرْذَلُ. ‏ ‏قَوْله : ( هَلَكْت ) ‏ ‏فِي حَدِيث عَائِشَة كَمَا تَقَدَّمَ \" اِحْتَرَقْت \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي حَفْصَة \" مَا أَرَانِي إِلَّا قَدْ هَلَكْت \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَامِدًا لِأَنَّ الْهَلَاك وَالِاحْتِرَاقَ مَجَازٌ عَنْ الْعِصْيَانِ الْمُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ , فَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْمُتَوَقَّعَ كَالْوَاقِعِ , وَبَالَغَ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي , وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى وُجُوب الْكَفَّارَة عَلَى النَّاسِي وَهُوَ مَشْهُور قَوْل مَالِك وَالْجُمْهُور , وَعَنْ أَحْمَد وَبَعْض الْمَالِكِيَّة يَجِب عَلَى النَّاسِي , وَتَمَسَّكُوا بِتَرْكِ اِسْتِفْسَاره عَنْ جِمَاعِهِ هَلْ كَانَ عَنْ عَمْد أَوْ نِسْيَان , وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي الْفِعْلِ يَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْقَوْلِ كَمَا اُشْتُهِرَ , وَالْجَوَاب أَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ حَالُهُ بِقَوْلِهِ هَلَكْت وَاحْتَرَقْت فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَامِدًا عَارِفًا بِالتَّحْرِيمِ , وَأَيْضًا فَدُخُول النِّسْيَان فِي الْجِمَاع فِي نَهَار رَمَضَان فِي غَايَة الْبُعْدِ , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ مَنْ اِرْتَكَبَ مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا وَجَاءَ مُسْتَفْتِيًا أَنَّهُ لَا يُعَزَّرُ , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَاقِبْهُ مَعَ اِعْتِرَافِهِ بِالْمَعْصِيَةِ , وَقَدْ تَرْجَمَ لِذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي الْحُدُود وَأَشَارَ إِلَى هَذِهِ الْقِصَّة , وَتَوَجُّهُهُ أَنَّ مَجِيئَهُ مُسْتَفْتِيًا يَقْتَضِي النَّدَمَ وَالتَّوْبَة , وَالتَّعْزِيرُ إِنَّمَا جُعِلَ لِلِاسْتِصْلَاحِ وَلَا اِسْتِصْلَاح مِنْ الصَّلَاح , وَأَيْضًا فَلَوْ عُوقِبَ الْمُسْتَفْتِي لَكَانَ سَبَبًا لِتَرْكِ الِاسْتِفْتَاء وَهِيَ مَفْسَدَةٌ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لَا يُعَاقَبَ , هَكَذَا قَرَّرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ , لَكِنْ وَقَعَ فِي \" شَرْحِ السُّنَّةِ لِلْبَغَوِىِّ \" أَنَّ مَنْ جَامَعَ مُتَعَمِّدًا فِي رَمَضَان فَسَدَ صَوْمه وَعَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة وَيُعَزَّرُ عَلَى سُوء صَنِيعه , وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَقَع مِنْهُ مَا وَقَعَ مِنْ صَاحِبِ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ النَّدَمِ وَالتَّوْبَةِ , وَبَنَاهُ بَعْض الْمَالِكِيَّة عَلَى الْخِلَاف فِي تَعْزِير شَاهِد الزُّورِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مَا لَك ) ‏ ‏؟ بِفَتْحِ اللَّام اِسْتِفْهَامٌ عَنْ حَاله , وَفِي رِوَايَة عَقِيلٍ \" وَيْحَك مَا شَأْنُك ؟ \" وَلِابْنِ أَبِي حَفْصَة \" وَمَا الَّذِي أَهْلَكَك ؟ \" وَلِعَمْرِو \" مَا ذَاكَ ؟ \" وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" وَيْحَك مَا صَنَعْت ؟ \" أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ وَتَرْجَمَ \" بَابٌ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ وَيْلَك وَيْحَك \" ثُمَّ قَالَ عَقِبَهُ \" تَابَعَهُ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ \" يَعْنِي فِي قَوْله \" وَيْحَك \" وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد عَنْ الزُّهْرِيِّ \" وَيْلَك \". قُلْت : وَسَأَذْكُرُ مَنْ وَصَلَهُمَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ تَابَعَ اِبْنَ خَالِدٍ فِي قَوْله \" وَيْلَك \" صَالِحُ بْن أَبِي الْأَخْضَر , وَتَابَعَ الْأَوْزَاعِيَّ فِي قَوْله \" وَيْحَك \" عَقِيلٌ وَابْن إِسْحَاق وَحَجَّاج بْن أَرْطَاة فَهُوَ أَرْجَحُ وَهُوَ اللَّائِق بِالْمَقَامِ , فَإِنَّ وَيْحَ كَلِمَةُ رَحْمَةٍ وَوَيْل كَلِمَة عَذَاب وَالْمَقَام يَقْتَضِي الْأَوَّلَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَعْت عَلَى اِمْرَأَتِي ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاقَ \" أَصَبْت أَهْلِي \" وَفِي حَدِيث عَائِشَةَ \" وَطِئْت اِمْرَأَتِي \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك وَابْن جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ قَلِيل فِي الْكَلَام عَلَى التَّرْتِيب وَالتَّخْيِير فِي أَوَّل الْحَدِيثِ \" أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَان , فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْحَدِيثَ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِيجَاب الْكَفَّارَة عَلَى مَنْ أَفْسَدَ صِيَامه مُطْلَقًا بِأَيِّ شَيْء كَانَ وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَاف فِيهِ , وَالْجُمْهُور حَمَلُوا قَوْله \" أَفْطَرَ \" هُنَا عَلَى الْمُقَيَّد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَهُوَ قَوْله \" وَقَعْت عَلَى أَهْلِي \" وَكَأَنَّهُ قَالَ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ , وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى الْقُرْطُبِيِّ وَغَيْره تَعَدُّدَ الْقِصَّةِ. وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَة مُطْلَقًا بِقِيَاسِ الْآكِل عَلَى الْمُجَامِعِ بِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ اِنْتَهَاك حُرْمَة الصَّوْم , وَبِأَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْأَكْل فَسَدَ صَوْمه كَمَا يَفْسُدُ صَوْم مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْجِمَاع بِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا , وَسَيَأْتِي بَيَان التَّرْجِيح بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْكَلَام عَلَى التَّرْتِيب. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة نَظِيرُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَمُعْظَم الرِّوَايَات فِيهَا \" وَطِئْت \" وَنَحْو ذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة سَاقَ مُسْلِم إِسْنَادهَا وَسَاقَ أَبُو عَوَانَة فِي مُسْتَخْرَجِهِ مَتْنَهَا أَنَّهُ قَالَ \" أَفْطَرْت فِي رَمَضَان \" وَالْقِصَّة وَاحِدَةٌ وَمَخْرَجُهَا مُتَّحِدٌ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَفْطَرْت فِي رَمَضَان بِجِمَاعٍ , وَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَل اِبْن الْمُسَيِّب عِنْد سَعِيد اِبْن مَنْصُور \" أَصَبْت اِمْرَأَتِي ظُهْرًا فِي رَمَضَان \" وَتَعْيِينُ رَمَضَان مَعْمُولٌ بِمَفْهُومِهِ , وَلِلْفَرْقِ فِي وُجُوب كَفَّارَة الْمُجَامِعِ فِي الصَّوْم بَيْن رَمَضَان وَغَيْره مِنْ الْوَاجِبَات كَالنَّذْرِ , وَفِي كَلَام أَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحه إِشَارَة إِلَى وُجُوب ذَلِكَ عَلَى مَنْ وَقَعَ مِنْهُ فِي رَمَضَان نَهَارًا سَوَاء كَانَ الصَّوْم وَاجِبًا عَلَيْهِ أَوْ غَيْرَ وَاجِب. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا صَائِم ) ‏ ‏جُمْلَة حَالِيَّة مِنْ قَوْله \" وَقَعْت \" فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي إِطْلَاق اِسْم الْمُشْتَقِّ بَقَاء الْمَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ حَقِيقَةً لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ صَائِمًا مُجَامِعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ , فَعَلَى هَذَا قَوْله \" وَطِئْت \" أَيْ شَرَعْت فِي الْوَطْء أَوْ أَرَادَ جَامَعْت بَعْدَ إِذْ أَنَا صَائِم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْجَبَّار بْن عُمَر \" وَقَعْت عَلَى أَهْلِي الْيَوْمَ وَذَلِكَ فِي رَمَضَان \". ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ تَجِدُ رَقَبَة تُعْتِقُهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَنْصُور \" أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً \" وَفِي رِوَايَة اِبْنِ أَبِي حَفْصَة \" أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً \" وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيمَ بْن سَعْد وَالْأَوْزَاعِيِّ فَقَالَ \" أَعْتِقْ رَقَبَة \" زَادَ فِي رِوَايَة مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ \" بِئْسَمَا صَنَعْت أَعْتِقْ رَقَبَة \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن مُسَافِر \" فَقَالَ لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّه \" وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" لَيْسَ عِنْدِي \" وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" فَقَالَ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا مَلَكْت رَقَبَةً قَطُّ \" وَاسْتُدِلَّ بِإِطْلَاقِ الرَّقَبَة عَلَى جَوَاز إِخْرَاج الرَّقَبَة الْكَافِرَة كَقَوْلِ الْحَنَفِيَّة , وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ السَّبَب إِذَا اِخْتَلَفَ وَاتَّحَدَ الْحُكْمُ هَلْ يُقَيَّدُ الْمُطْلَقُ أَوْ لَا ؟ وَهَلْ تَقْيِيدُهُ بِالْقِيَامِ أَوْ لَا ؟ وَالْأَقْرَب أَنَّهُ بِالْقِيَاسِ , وَيُؤَيِّدُهُ التَّقْيِيدُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيع أَنْ تَصُوم شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ قَالَ : لَا ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم عَنْ سَعْد \" قَالَ فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ \" وَفِي حَدِيث سَعْد \" قَالَ لَا أَقْدِر \" وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" وَهَلْ لَقِيت مَا لَقِيت إِلَّا مِنْ الصِّيَام ؟ \" قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : لَا إِشْكَال فِي الِانْتِقَال عَنْ الصَّوْم إِلَى الْإِطْعَام , لَكِنَّ رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق هَذِهِ اِقْتَضَتْ أَنَّ عَدَم اِسْتِطَاعَتِهِ لِشِدَّةِ شَبَقِهِ وَعَدَمِ صَبْره عَنْ الْوَقَاع فَنَشَأَ لِلشَّافِعِيَّةِ نَظَرٌ : هَلْ يَكُون ذَلِكَ عُذْرًا - أَيْ شِدَّة الشَّبَقِ - حَتَّى يُعَدّ صَاحِبه غَيْر مُسْتَطِيع لِلصَّوْمِ أَوْ لَا ؟ وَالصَّحِيحُ عِنْدهمْ اِعْتِبَارُ ذَلِكَ , وَيُلْتَحَق بِهِ مَنْ يَجِد رَقَبَة لَا غِنَى بِهِ عَنْهَا فَإِنَّهُ يَسُوغ لَهُ الِانْتِقَال إِلَى الصَّوْم مَعَ وُجُودِهَا لِكَوْنِهِ فِي حُكْم غَيْر الْوَاجِد , وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق شَرِيك عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَامِر عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فِي هَذِهِ الْقِصَّة مُرْسَلًا أَنَّهُ قَالَ فِي جَوَاب قَوْله هَلْ تَسْتَطِيع أَنْ تَصُوم \" إِنِّي لَأَدَعُ الطَّعَام سَاعَةً فَمَا أُطِيقُ ذَلِكَ \" فَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ , وَعَلَى تَقْدِير صِحَّتِهِ فَلَعَلَّهُ اِعْتَلَّ بِالْأَمْرَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَهَلْ تَجِد إِطْعَام سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ لَا ) ‏ ‏زَادَ اِبْن مُسَافِر \" يَا رَسُولَ اللَّه \". وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان \" فَهَلْ تَسْتَطِيع إِطْعَام ؟ \" وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد وَعِرَاك بْن مَالِك \" فَتُطْعِم سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ لَا أَجِد \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي حَفْصَة \" أَفَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ لَا \" وَذَكَرَ الْحَاجَة. وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" قَالَ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أُشْبِعُ أَهْلِي \" قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : أَضَافَ الْإِطْعَام الَّذِي هُوَ مَصْدَر أَطْعِمْ إِلَى سِتِّينَ فَلَا يَكُون ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي حَقّ مَنْ أَطْعَمَ سِتَّة مَسَاكِينَ عَشْرَة أَيَّام مَثَلًا , وَمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ اِسْتَنْبَطَ مِنْ النَّصّ مَعْنًى يَعُود عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ , وَالْمَشْهُور عَنْ الْحَنَفِيَّة الْإِجْزَاءُ حَتَّى لَوْ أَطْعَمَ الْجَمِيع مِسْكِينًا وَاحِدًا فِي سِتِّينَ يَوْمًا كَفَى , وَالْمُرَاد بِالْإِطْعَامِ الْإِعْطَاء لَا اِشْتِرَاط حَقِيقَة الْإِطْعَام مِنْ وَضْعِ الْمَطْعُوم فِي الْفَم بَلْ يَكْفِي الْوَضْع بَيْن يَدَيْهِ بِلَا خِلَاف , وَفِي إِطْلَاق الْإِطْعَام مَا يَدُلّ عَلَى الِاكْتِفَاء بِوُجُودِ الْإِطْعَام مِنْ غَيْر اِشْتِرَاط مُنَاوَلَة , بِخِلَافِ زَكَاة الْفَرْض فَإِنَّ فِيهَا النَّصَّ عَلَى الْإِيتَاء وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ فَإِنَّ فِيهَا النَّصَّ عَلَى الْأَدَاء , وَفِي ذِكْرِ الْإِطْعَام مَا يَدُلّ عَلَى وُجُودِ طَاعِمِينِ فَيُخْرِجُ الطِّفْل الَّذِي لَمْ يَطْعَمْ كَقَوْلِ الْحَنَفِيَّة , وَنَظَرَ الشَّافِعِيّ إِلَى النَّوْع فَقَالَ : يُسَلَّمُ لِوَلِيِّهِ , وَذَكَرَ السِّتِّينَ لِيُفْهَمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَا زَادَ عَلَيْهَا , وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْمَفْهُومِ تَمَسَّكَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ. وَذُكِرَ فِي حِكْمَةِ هَذِهِ الْخِصَال مِنْ الْمُنَاسَبَة أَنَّ مَنْ اِنْتَهَكَ حُرْمَةَ الصَّوْم بِالْجِمَاعِ فَقَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ بِالْمَعْصِيَةِ فَنَاسَبَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً فَيَفْدِي نَفْسَهُ , وَقَدْ صَحَّ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَة أَعْتَقَ اللَّه بِكُلِّ عُضْو مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّار. وَأَمَّا الصِّيَام فَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّهُ كَالْمُقَاصَّةِ بِجِنْسِ الْجِنَايَة , وَأَمَّا كَوْنُهُ شَهْرَيْنِ فَلِأَنَّهُ لَمَّا أُمِرَ بِمُصَابَرَةِ النَّفْس فِي حِفْظِ كُلّ يَوْم مِنْ شَهْر رَمَضَان عَلَى الْوَلَاء فَلَمَّا أَفْسَدَ مِنْهُ يَوْمًا كَانَ كَمَنْ أَفْسَدَ الشَّهْر كُلّه مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ بِالنَّوْعِ فَكُلِّفَ بِشَهْرَيْنِ مُضَاعَفَة عَلَى سَبِيل الْمُقَابَلَة لِنَقِيضِ قَصْده. وَأَمَّا الْإِطْعَام فَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّهُ مُقَابَلَة كُلّ يَوْم بِإِطْعَامِ مِسْكَيْنِ. ثُمَّ أَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ جَامِعَة لِاشْتِمَالِهَا عَلَى حَقّ اللَّه وَهُوَ الصَّوْم , وَحَقّ الْأَحْرَار بِالْإِطْعَامِ , وَحَقّ الْأَرِقَّاء بِالْإِعْتَاقِ , وَحَقّ الْجَانِي بِثَوَابِ الِامْتِثَال. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِيجَاب الْكَفَّارَة بِالْجِمَاعِ خِلَافًا لِمَنْ شَذَّ فَقَالَ لَا تَجِب مُسْتَنِدًا إِلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا سَقَطَ بِالْإِعْسَارِ , وَتُعُقِّبَ بِمَنْعِ الْإِسْقَاط كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ \" بَاب الصَّائِمُ يُصْبِحُ جُنُبًا \" نَقْلُ الْخِلَاف فِي إِيجَاب الْكَفَّارَة بِالْقُبْلَةِ وَالنَّظَرِ وَالْمُبَاشَرَة وَالْإِنْعَاظِ , وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ يُلْحَقُ الْوَطْء فِي الدُّبُرِ بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ , وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي إِيجَاب الْكَفَّارَة كُلّ وَطْء فِي أَيِّ فَرْج كَانَ ؟ وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَرَيَان الْخِصَال الثَّلَاث الْمَذْكُورَة فِي الْكَفَّارَة. وَوَقَعَ فِي \" الْمُدَوَّنَة \" وَلَا يَعْرِفُ مَالِكٌ غَيْرَ الْإِطْعَام وَلَا يَأْخُذ بِعِتْقٍ وَلَا صِيَامٍ. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَهِيَ مُعْضِلَة لَا يَهْتَدِي إِلَى تَوْجِيههَا مَعَ مُصَادَمَة الْحَدِيث الثَّابِت , غَيْرَ أَنَّ بَعْض الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابه حَمَلَ هَذَا اللَّفْظ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَاب فِي تَقْدِيم الطَّعَام عَلَى غَيْره مِنْ الْخِصَال , وَوَجَّهُوا تَرْجِيح الطَّعَام عَلَى غَيْره بِأَنَّ اللَّه ذَكَرَهُ فِي الْقُرْآن رُخْصَةً لِلْقَادِرِ ثُمَّ نُسِخَ هَذَا الْحُكْم , وَلَا يَلْزَم مِنْهُ نَسْخُ الْفَضِيلَة فَيَتَرَجَّحُ الْإِطْعَام أَيْضًا لِاخْتِيَارِ اللَّه لَهُ فِي حَقّ الْمُفْطِر بِالْعُذْرِ , وَكَذَا أَخْبَرَ بِأَنَّهُ فِي حَقّ مَنْ أَخَّرَ قَضَاء رَمَضَان حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ , وَلِمُنَاسَبَةِ إِيجَاب الْإِطْعَام لِجَبْرِ فَوَات الصِّيَام الَّذِي هُوَ إِمْسَاك عَنْ الطَّعَام , وَلِشُمُولِ نَفْعِهِ لِلْمَسَاكِينِ , وَكُلّ هَذِهِ الْوُجُوه لَا تُقَاوِم مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيث مِنْ تَقْدِيم الْعِتْق عَلَى الصِّيَام ثُمَّ الْإِطْعَام سَوَاء قُلْنَا الْكَفَّارَة عَلَى التَّرْتِيب أَوْ التَّخْيِير فَإِنَّ هَذِهِ الْبُدَاءَةَ إِنْ لَمْ تَقْتَضِ وُجُوب التَّرْتِيب فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَقْتَضِيَ اِسْتِحْبَابَهُ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ حَدِيث عَائِشَة لَمْ يَقَع فِيهِ سِوَى الْإِطْعَام , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ قَبْلُ , وَأَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ مِنْ وَجْه آخَر ذِكْرُ الْعِتْق أَيْضًا. وَمِنْ الْمَالِكِيَّة مَنْ وَافَقَ عَلَى هَذَا الِاسْتِحْبَاب , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّ الْكَفَّارَةَ تَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَات : فَفِي وَقْت الشِّدَّة يَكُون بِالْإِطْعَامِ وَفِي غَيْرهَا يَكُون بِالْعِتْقِ أَوْ الصَّوْم وَنَقَلُوهُ عَنْ مُحَقِّقِي الْمُتَأَخِّرِينَ , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْإِفْطَار بِالْجِمَاعِ يُكَفَّر بِالْخِصَالِ الثَّلَاث , وَبِغَيْرِهِ لَا يُكَفَّر إِلَّا بِالْإِطْعَامِ وَهُوَ قَوْل أَبِي مُصْعَب , وَقَالَ اِبْن جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : هُوَ مُخَيَّر بَيْن الْعِتْق وَالصَّوْم وَلَا يُطْعِم إِلَّا عِنْد الْعَجْز عَنْهُمَا , وَفِي الْحَدِيث أَنَّهُ لَا مَدْخَل لِغَيْرِ هَذِهِ الْخِصَال الثَّلَاث فِي الْكَفَّارَة. وَجَاءَ عَنْ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ إِهْدَاء الْبَدَنَة عِنْد تَعَذُّر الرَّقَبَة , وَرُبَّمَا أَيَّدَهُ بَعْضهمْ بِإِلْحَاقِ إِفْسَاد الصِّيَام بِإِفْسَادِ الْحَجّ , وَوَرَدَ ذِكْر الْبَدَنَة فِي مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عِنْد مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْهُ , وَهُوَ مَعَ إِرْسَاله قَدْ رَدَّهُ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَكَذَبَ مَنْ نَقَلَهُ عَنْهُ كَمَا رَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ اِبْن عُلَيَّةَ عَنْ خَالِد الْحَذَّاءِ عَنْ الْقَاسِم اِبْن عَاصِم \" قُلْت لِسَعِيدِ بْن الْمُسَيِّب مَا حَدِيث حَدَّثَنَاهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ عَنْك فِي الَّذِي وَقَعَ عَلَى اِمْرَأَته فِي رَمَضَان أَنَّهُ يُعْتِقُ رَقَبَة أَوْ يُهْدِي بَدَنَة ؟ فَقَالَ : كَذَبَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَهَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْث عَنْ عَمْرو اِبْن الْحَارِث عَنْ أَيُّوب عَنْ الْقَاسِم بْن عَاصِم , وَتَابَعَهُ هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيد , وَذَكَر اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ عَطَاء لَمْ يَنْفَرِد بِذَلِكَ فَقَدْ وَرَدَ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَوْصُولًا , ثُمَّ سَاقَهُ بِإِسْنَادِهِ لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَة لَيْث بْن أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِد , وَلَيْثٌ ضَعِيف وَقَدْ اِضْطَرَبَ فِي رِوَايَته سَنَدًا وَمَتْنًا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا أَنَّ الْكَفَّارَة بِالْخِصَالِ الثَّلَاث عَلَى التَّرْتِيب الْمَذْكُور. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقَلَهُ مِنْ أَمْرٍ بَعْدَ عَدَمِهِ لِأَمْرٍ آخَرَ وَلَيْسَ هَذَا شَأْنَ التَّخْيِير , وَنَازَعَ عِيَاض فِي ظُهُور دَلَالَة التَّرْتِيب فِي السُّؤَال عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّ مِثْل هَذَا السُّؤَال قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا هُوَ عَلَى التَّخْيِير , وَقَرَّرَهُ اِبْن الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَة بِأَنَّ شَخْصًا لَوْ حَنِثَ فَاسْتَفْتَى فَقَالَ لَهُ الْمُفْتِي : أَعْتِقْ رَقَبَةً فَقَالَ لَا أَجِدُ , فَقَالَ صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام إِلَخْ , لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِحَقِيقِهِ التَّخْيِير , بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ إِرْشَادَهُ إِلَى الْعِتْق لِكَوْنِهِ أَقْرَب لِتَنْجِيزِ الْكَفَّارَة. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : تَرْتِيب الثَّانِي بِالْفَاءِ عَلَى فَقْدِ الْأَوَّل ثُمَّ الثَّالِث بِالْفَاءِ عَلَى فَقْدِ الثَّانِي يَدُلُّ عَلَى عَدَم التَّخْيِير مَعَ كَوْنِهَا فِي مُعْرِضِ الْبَيَانِ وَجَوَابِ السُّؤَالِ فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ لِلْحُكْمِ , وَسَلَكَ الْجُمْهُور فِي ذَلِكَ مَسْلَكَ التَّرْجِيحِ بِأَنَّ الَّذِينَ رَوَوْا التَّرْتِيب عَنْ الزُّهْرِيِّ أَكْثَرُ مِمَّنْ رَوَى التَّخْيِير , وَتَعَقَّبَهُ اِبْنُ التِّينِ بِأَنَّ الَّذِينَ رَوَوْا التَّرْتِيب اِبْنُ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ , وَاَلَّذِينَ رَوَوْا التَّخْيِير مَالِك وَابْن جُرَيْجٍ وَفُلَيْح بْن سُلَيْمَان وَعَمْرو بْن عُثْمَان الْمَخْزُومِيّ , وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي الثَّانِي دُون الْأَوَّل , فَاَلَّذِينَ رَوَوْا التَّرْتِيب فِي الْبُخَارِيّ الَّذِي نَحْنُ فِي شَرْحِهِ أَيْضًا إِبْرَاهِيم بْن سَعْد وَاللَّيْث بْن سَعْد وَشُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة وَمَنْصُور , وَرِوَايَة هَذَيْنِ فِي هَذَا الْبَاب الَّذِي نَشْرَحُهُ وَفِي الَّذِي يَلِيهِ , فَكَيْفَ غَفَلَ اِبْنُ التِّين عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَنْظُرُ فِيهِ ؟ بَلْ رَوَى التَّرْتِيبَ عَنْ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ تَمَام ثَلَاثِينَ نَفْسًا أَوْ أَزِيد , وَرُجِّحَ التَّرْتِيبُ أَيْضًا بِأَنْ رَاوِيَهُ حَكَى لَفْظ الْقِصَّة عَلَى وَجْهِهَا فَمَعَهُ زِيَادَةُ عِلْم مِنْ صُورَة الْوَاقِعَة , وَرَاوِي التَّخْيِير حَكَى لَفْظ رَاوِي الْحَدِيث فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ بَعْض الرُّوَاة إِمَّا لِقَصْدِ الِاخْتِصَار أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ. وَيَتَرَجَّحُ التَّرْتِيب أَيْضًا بِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِأَنَّ الْأَخْذ بِهِ مُجْزِئٌ سَوَاءٌ قُلْنَا بِالتَّخْيِيرِ أَوْ لَا بِخِلَافِ الْعَكْس وَجَمَعَ بَعْضهمْ بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ كَالْمُهَلَّبِ وَالْقُرْطُبِيِّ بِالْحَمْلِ عَلَى التَّعَدُّدِ وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة وَالْمَخْرَج مُتَّحِدٌ وَالْأَصْل عَدَم التَّعَدُّد , وَبَعْضهمْ حَمَلَ التَّرْتِيب عَلَى الْأَوْلَوِيَّة وَالتَّخْيِيرَ عَلَى الْجَوَازِ , وَعَكَسَهُ بَعْضهمْ فَقَالَ \" أَوْ \" فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ وَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّفْسِيرِ وَالتَّقْدِير , أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَة أَوْ يَصُوم إِنْ عَجَزَ عَنْ الْعِتْق أَوْ يُطْعِم إِنْ عَجَزَ عَنْهُمَا. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ سَبَبَ إِتْيَان بَعْض الرُّوَاة بِالتَّخْيِيرِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ رَاوِيَ الْحَدِيث قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ \" فَصَارَتْ الْكَفَّارَة إِلَى عِتْق رَقَبَة أَوْ صِيَام شَهْرَيْنِ أَوْ الْإِطْعَام \". قَالَ فَرَوَاهُ بَعْضهمْ مُخْتَصَرًا مُقْتَصَرًا عَلَى مَا ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ آلَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ , قَالَ وَقَدْ قَصَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد اِبْن مُسَافِر عَنْ الزُّهْرِيِّ الْقِصَّة عَلَى وَجْههَا ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقه مِثْل حَدِيث الْبَاب إِلَى قَوْله \" أَطْعِمْهُ أَهْلَك \" قَالَ فَصَارَتْ الْكَفَّارَة إِلَى عِتْق رَقَبَة أَوْ صِيَام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَام سِتِّينَ مِسْكِينًا. قُلْت : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" مِنْ طَرِيق صَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ فِي آخِرِهِ \" فَصَارَتْ سُنَّة عِتْق رَقَبَة أَوْ صِيَام شَهْرَيْنِ أَوْ إِطْعَام سِتِّينَ مِسْكِينًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَمَكَثَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِالْمِيمِ وَالْكَاف الْمَفْتُوحَة , وَيَجُوز ضَمُّهَا وَالثَّاء الْمُثَلَّثَة , وَفِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ \" فَسَكَتَ \" بِالْمُهْمَلَةِ وَالْكَاف الْمَفْتُوحَة وَالْمُثَنَّاة , وَكَذَا اِبْن مُسَافِر وَابْن أَبِي الْأَخْضَر , وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِجْلِسْ فَجَلَسَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِس كَذَلِكَ \" قَالَ بَعْضهمْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَب أَمْرِهِ لَهُ بِالْجُلُوسِ اِنْتِظَارَ مَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي حَقِّهِ , وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيُؤْتَى بِشَيْءٍ يُعِينُهُ بِهِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون أَسْقَطَ عَنْهُ الْكَفَّارَة بِالْعَجْزِ. وَهَذَا الثَّالِث لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأَنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ مَا عَادَتْ عَلَيْهِ حَيْثُ أَمَرَهُ بِهَا بَعْدَ إِعْطَائِهِ إِيَّاهُ الْمِكْتَلَ. ‏ ‏قَوْله : ( أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ وَهُوَ جَوَاب \" بَيْنَا \" فِي هَذِهِ الرِّوَايَة. وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ الْمُشَار إِلَيْهَا فَقَالَ فِيهَا \" إِذْ أُتِيَ \" لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا \" فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِس \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ , وَالْآتِي الْمَذْكُور لَمْ يُسَمَّ لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَفَّارَات \" فَجَاءَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار \" وَعِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب مُرْسَلًا \" فَأَتَى رَجُل مِنْ ثَقِيف \" فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَلِيفًا لِلْأَنْصَارِ أَوْ إِطْلَاق الْأَنْصَار بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ وَإِلَّا فَرِوَايَة الصَّحِيح أَصَحّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" فَجَاءَ رَجُل بِصَدَقَتِهِ يَحْمِلهَا \" وَفِي مُرْسَل الْحَسَن عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور \" بِتَمْرٍ مِنْ تَمْر الصَّدَقَة \". ‏ ‏قَوْله : ( بِعِرْقٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاء بَعْدَهَا قَافٌ. قَالَ اِبْن التِّين كَذَا لِأَكْثَر الرُّوَاة , وَفِي رِوَايَة أَبِي الْحَسَن يَعْنِي الْقَابِسِيَّ بِإِسْكَانِ الرَّاء. قَالَ عِيَاض وَالصَّوَاب الْفَتْح , وَقَالَ اِبْن التِّين أَنْكَرَ بَعْضهمْ الْإِسْكَان لِأَنَّ الَّذِي بِالْإِسْكَانِ هُوَ الْعَظْم الَّذِي عَلَيْهِ اللَّحْم. قُلْت : إِنْ كَانَ الْإِنْكَار مِنْ جِهَة الِاشْتِرَاك مَعَ الْعَظْم فَلْيُنْكَرْ الْفَتْح لِأَنَّهُ يَشْتَرِك مَعَ الْمَاء الَّذِي يَتَحَلَّب مِنْ الْجَسَد , نَعَمْ الرَّاجِح مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ الْفَتْحُ وَمِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ أَيْضًا , إِلَّا أَنَّ الْإِسْكَان لَيْسَ بِمُنْكَرٍ بَلْ أَثْبَتَهُ بَعْض أَهْل اللُّغَةِ كَالْقَزَّازِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْعِرْق الْمِكْتَل ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْكَاف وَفَتْح الْمُثَنَّاة بَعْدهَا لَام , زَادَ اِبْن عُيَيْنَةَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ : الْمِكْتَل الضَّخْم. قَالَ الْأَخْفَش : سُمِّيَ الْمِكْتَل عِرْقًا لِأَنَّهُ يُضَفَّرُ عِرْقَةً عِرْقَةً جَمْع فَالْعِرْق جَمْع عِرْقَة كَعَلَقِ وَعِلْقَةٍ , وَالْعِرْقَةُ الضَّفِيرَةُ مِنْ الْخُوصِ. وَقَوْله وَالْعِرْقُ الْمِكْتَل تَفْسِير مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ , وَظَاهِر هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّهُ الصَّحَابِيّ , لَكِنْ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ الزُّهْرِيُّ , وَفِي رِوَايَة مَنْصُور فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا \" فَأُتِيَ بِعِرْقٍ فِيهِ تَمْر وَهُوَ الزَّبِيل \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي حَفْصَة \" فَأُتِيَ بِزَبِيلِ وَهُوَ الْمِكْتَل \" وَالزَّبِيل بِفَتْحِ الزَّاي وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ لَام بِوَزْنِ رَغِيف هُوَ الْمِكْتَل , قَالَ اِبْن دُرَيْدٍ يُسَمَّى زَبِيلًا لِحَمْلِ الزِّبْل فِيهِ , وَفِيهِ لُغَة أُخْرَى زِنْبِيل بِكَسْرِ الزَّاي أَوَّلَهُ وَزِيَادَةِ نُونٍ سَاكِنَة وَقَدْ تُدْغَم النُّون فَتُشَدَّدُ الْبَاءُ مَعَ بَقَاء وَزْنِهِ , وَجَمْعُهُ عَلَى اللُّغَات الثَّلَاث زَنَابِيل , وَوَقَعَ فِي بَعْض طُرُق عَائِشَةَ عِنْد مُسْلِمٍ \" فَجَاءَهُ عِرْقَانِ \" وَالْمَشْهُور فِي غَيْرهَا عِرْق وَرَجَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ , وَجَمَعَ غَيْرُهُ بَيْنهمَا بِتَعَدُّدِ الْوَاقِعَة , وَهُوَ جَمْعٌ لَا نَرْضَاهُ لِاتِّحَادِ مَخْرَج الْحَدِيث وَالْأَصْل عَدَم التَّعَدُّد , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ التَّمْرَ كَانَ قَدْرَ عِرْق لَكِنَّهُ كَانَ فِي عِرْقَيْنِ فِي حَال التَّحْمِيل عَلَى الدَّابَّة لِيَكُونَ أَسْهَلَ فِي الْحَمْل , فَيَحْتَمِل أَنَّ الْآتِيَ بِهِ لَمَّا وَصَلَ أَفْرَغَ أَحَدَهُمَا فِي الْآخَرِ , فَمَنْ قَالَ عِرْقَانِ أَرَادَ اِبْتِدَاءَ الْحَال وَمَنْ قَالَ عِرْق أَرَادَ مَا آلَ إِلَيْهِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَيْنَ السَّائِلُ ؟ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن مُسَافِر \" آنِفًا \" أَطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّ كَلَامه مُتَضَمَّن لِلسُّؤَالِ فَإِنَّ مُرَاده هَلَكْت فَمَا يُنْجِينِي وَمَا يُخَلِّصُنِي مَثَلًا , وَفِي حَدِيث عَائِشَةَ \" أَيْنَ الْمُحْتَرِق آنِفًا \" ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ , وَلَمْ يُعَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مِقْدَارَ مَا فِي الْمِكْتَل مِنْ التَّمْر بَلْ وَلَا فِي شَيْء مِنْ طُرُق الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي حَفْصَة \" فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا \" وَفِي رِوَايَة مُؤَمَّلٍ عَنْ سُفْيَان \" فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة مَهْرَانِ بْن أَبِي عُمَر عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ اِبْن خُزَيْمَةَ \" فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ عِشْرُونَ \" وَكَذَا هُوَ عِنْد مَالِك وَعَبْد الرَّزَّاق فِي مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , وَفِي مُرْسَله عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ الْجَزْم بِعِشْرِينَ صَاعًا , وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَةَ عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ \" فَأُتِيَ بِعِرْقٍ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَوْله عِشْرُونَ صَاعًا بَلَاغٌ بَلَّغَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر يَعْنِي بَعْض رُوَاته , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ : قَالَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر فَحُدِّثْت بَعْدُ أَنَّهُ كَانَ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْر. قُلْت : وَوَقَعَ فِي مُرْسَل عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَغَيْره عِنْد مُسَدَّد \" فَأَمَرَ لَهُ بِبَعْضِهِ \" وَهَذَا يَجْمَع الرِّوَايَات , فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ عِشْرِينَ أَرَادَ أَصْلَ مَا كَانَ فِيهِ , وَمَنْ قَالَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَرَادَ قَدْرَ مَا تَقَع بِهِ الْكَفَّارَة , وَيُبَيِّن ذَلِكَ حَدِيث عَلِيٍّ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ \" تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ \" وَفِيهِ \" فَأُتِيَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا فَقَالَ أَطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا \" وَكَذَا فِي رِوَايَة حَجَّاج عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْكُوفِيِّينَ فِي قَوْلهمْ إِنَّ وَاجِبه مِنْ الْقَمْح ثَلَاثُونَ صَاعًا وَمِنْ غَيْره سِتُّونَ صَاعًا , وَلِقَوْلِ عَطَاء : إِنْ أَفْطَرَ بِالْأَكْلِ أَطْعَمَ عِشْرِينَ صَاعًا , وَعَلَى أَشْهَبَ فِي قَوْله لَوْ غَدَّاهُمْ أَوْ عَشَّاهُمْ كَفِي تَصَدُّق الْإِطْعَام , وَلِقَوْلِ الْحَسَن يُطْعِم أَرْبَعِينَ مِسْكِينًا عِشْرِينَ صَاعًا أَوْ بِالْجِمَاعِ أَطْعَمَ خَمْسَةَ عَشَرَ , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْجَوْهَرِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ الْمِكْتَل يُشْبِه الزَّبِيل يَسْعَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا لِأَنَّهُ لَا حَصْرَ فِي ذَلِكَ , وَرُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ قَالَ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ عِشْرِينَ وَلَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْخَاصَّةِ فَيُوَافِق رِوَايَة مَهْرَانِ وَإِلَّا فَالظَّاهِر أَنَّهُ لَا حَصْرَ فِي ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة عَطَاء وَمُجَاهِد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَط أَنَّهُ \" أُتِيَ بِمِكْتَلِ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا فَقَالَ تَصَدَّقْ بِهَذَا \" وَقَالَ قَبْل ذَلِكَ تَصَدَّقْ بِعِشْرِينَ صَاعًا أَوْ بِتِسْعَ عَشْرَةَ أَوْ بِإِحْدَى وَعِشْرِينَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّكِّ , وَلِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ لَيْثِ بْن أَبِي سُلَيْمٍ وَهُوَ ضَعِيف وَقَدْ اِضْطَرَبَ فِيهِ , وَفِي الْإِسْنَاد إِلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَوَقَعَ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث عَائِشَة عِنْد مُسْلِم \" فَجَاءَهُ عِرْقَانِ فِيهِمَا طَعَام \" وَوَجْهُهُ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ , وَزَادَ اِبْن إِسْحَاق \" فَتَصَدَّقْ بِهِ عَنْ نَفْسِك \" وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مَنْصُور فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه بِلَفْظِ \" أَطْعِمْ هَذَا عَنْك \" وَنَحْوه فِي مُرْسَل سَعِيد اِبْن الْمُسَيِّب مِنْ رِوَايَة دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْهُ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ , وَعِنْده مِنْ طَرِيق لَيْث عَنْ مُجَاهِد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" نَحْنُ نَتَصَدَّقُ بِهِ عَنْك \" وَاسْتُدِلَّ بِإِفْرَادِهِ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَة عَلَيْهِ وَحْده دُون الْمَوْطُوءَة , وَكَذَا قَوْله فِي الْمُرَاجَعَة \" هَلْ تَسْتَطِيع \" وَ \" هَلْ تَجِد \" وَغَيْر ذَلِكَ , وَهُوَ الْأَصَحّ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيَّة وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيِّ , وَقَالَ الْجُمْهُورُ وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذِر تَجِبُ الْكَفَّارَة عَلَى الْمَرْأَة أَيْضًا عَلَى اِخْتِلَافٍ وَتَفَاصِيلَ لَهُمْ فِي الْحُرَّة وَالْأَمَة وَالْمُطَاوِعَةِ وَالْمُكْرَهَةِ وَهَلْ هِيَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى الرَّجُل عَنْهَا , وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيَّة بِسُكُوتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَنْ إِعْلَام الْمَرْأَة بِوُجُوبِ الْكَفَّارَة مَعَ الْحَاجَة , وَأُجِيبَ بِمَنْعِ وُجُودِ الْحَاجَة إِذْ ذَاكَ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْتَرِف وَلَمْ تَسْأَلْ وَاعْتِرَاف الزَّوْج عَلَيْهَا لَا يُوجِبُ عَلَيْهَا حُكْمًا مَا لَمْ تَعْتَرِفْ , وَبِأَنَّهَا قَضِيَّةُ حَالٍ فَالسُّكُوت عَنْهَا لَا يَدُلّ عَلَى الْحُكْم لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون الْمَرْأَة لَمْ تَكُنْ صَائِمَة لِعُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَار. ثُمَّ إِنَّ بَيَانَ الْحُكْم لِلرَّجُلِ بَيَان فِي حَقّهَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي تَحْرِيم الْفِطْر وَانْتَهَاك حُرْمَة الصَّوْم كَمَا لَمْ يَأْمُرهُ بِالْغُسْلِ. وَالتَّنْصِيص عَلَى الْحُكْم فِي حَقّ بَعْض الْمُكَلَّفِينَ كَافٍ عَنْ ذِكْرِهِ فِي حَقّ الْبَاقِينَ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَب السُّكُوت عَنْ حُكْم الْمَرْأَة مَا عَرَفَهُ مِنْ كَلَام زَوْجِهَا بِأَنَّهَا لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى شَيْء , وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ اِخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَة هَلْ هِيَ عَلَى الرَّجُل وَحْدَهُ عَلَى نَفْسه فَقَطْ أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ عَنْهُ وَعَنْهَا أَوْ عَلَيْهِ عَنْ نَفْسه وَعَلَيْهَا عَنْهَا , وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلُّ عَلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ سَاكِت عَنْ الْمَرْأَة فَيُؤْخَذ حُكْمهَا مِنْ دَلِيل آخَرَ مَعَ اِحْتِمَال أَنْ يَكُون سَبَب السُّكُوت أَنَّهَا كَانَتْ غَيْر صَائِمَة , وَاسْتَدَلَّ بَعْضهمْ بِقَوْلِهِ فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث \" هَلَكْت وَأَهْلَكْت \" وَهِيَ زِيَادَة فِيهَا مَقَال , فَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيِّ : فِي قَوْله وَأَهْلَكْت تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ أَكْرَهَهَا وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُهْلِكًا لَهَا , قُلْت : وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ تَعَدُّدُ الْكَفَّارَة بَلْ لَا يَلْزَم مِنْ قَوْله وَأَهْلَكْت إِيجَاب الْكَفَّارَة عَلَيْهَا , بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ هَلَكْت أَثِمْت وَأَهْلَكْت أَيْ كُنْت سَبَبًا فِي تَأْثِيم مَنْ طَاوَعَتْنِي فَوَاقَعَهَا إِذْ لَا رَيْب فِي حُصُول الْإِثْم عَلَى الْمُطَاوِعَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِثْبَات الْكَفَّارَة وَلَا نَفْيُهَا , أَوْ الْمَعْنَى هَلَكْت أَيْ حَيْثُ وَقَعَتْ فِي شَيْء لَا أَقْدِر عَلَى كَفَّارَتِهِ , وَأَهْلَكْت أَيْ نَفْسِي بِفِعْلِي الَّذِي جَرَّ عَلَيَّ الْإِثْمَ , وَهَذَا كُلّه بَعْد ثُبُوت الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة , وَقَدْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ لِلْحَاكِمِ فِي بُطْلَانهَا ثَلَاثَةَ أَجْزَاء , وَمُحَصَّلُ الْقَوْل فَهَا أَنَّهَا وَرَدَتْ مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ وَمِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ , أَمَّا الْأَوْزَاعِيُّ فَتَفَرَّدَ بِهَا مُحَمَّد بْن الْمُسَيِّب عَنْ عَبْد السَّلَام بْن عَبْد الْحَمِيد عَنْ عُمَرَ بْن عَبْد الْوَاحِد وَالْوَلِيد بْن مُسْلِم وَعَنْ مُحَمَّد بْن عُقْبَةَ عَنْ عَلْقَمَة عَنْ أَبِيهِ ثَلَاثَتهمْ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَوَاهُ جَمِيع أَصْحَابِ الْأَوْزَاعِيِّ بِدُونِهَا وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الرُّوَاة عَنْ الْوَلِيد وَعُ"
    },
    {
        "id": "1801",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّ الْأَخِرَ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ ‏ ‏أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً قَالَ لَا قَالَ فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا قَالَ أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لَا قَالَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعَرَقٍ ‏ ‏فِيهِ تَمْرٌ وَهُوَ الزَّبِيلُ قَالَ أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ قَالَ عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا مَا بَيْنَ ‏ ‏لَابَتَيْهَا ‏ ‏أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا قَالَ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ مَنْصُور ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْمُعْتَمِرِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَاب مَنْصُور عَنْهُ , وَكَذَا رَوَاهُ مُؤَمَّل بْن إِسْمَاعِيل عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُور , وَخَالَفَهُ مِهْرَانُ بْن أَبِي عُمَرَ فَرَوَاهُ عَنْ الثَّوْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَاد فَقَالَ \" عَنْ سَعِيد اِبْن الْمُسَيِّب \" بَدَلَ حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ , وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ وَالْمَحْفُوظُ الْأَوَّلُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ الْأَخِر ) ‏ ‏بِهَمْزَةٍ غَيْر مَمْدُودَةٍ بَعْدهَا خَاء مُعْجَمَة مَكْسُورَة , تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ , وَحَكَى اِبْنُ الْقُوطِيَّةِ فِيهِ مَدَّ الْهَمْزَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرَ رَقَبَةً ) ‏ ‏؟ بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَل مِنْ لَفْظ \" مَا \" وَهِيَ مَفْعُولٌ بِتَجِدُ , وَمِثْلُهُ قَوْله \" أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الَّذِي قَبْلَهُ , وَقَدْ اِعْتَنَى بِهِ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ شُيُوخُنَا فَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ فِي مُجَلَّدَيْنِ جَمَعَ فِيهِمَا أَلْفَ فَائِدَةٍ وَفَائِدَةٍ , وَمُحَصَّلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِيمَا لَخَّصْته مَعَ زِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ عَلَيْهِ , فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَنْعَمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1802",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِم وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِم ) ‏ ‏هَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق وَهِيب عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَتَابَعَهُ عَبْد الْوَارِث عَنْ أَيُّوب مَوْصُولًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الطِّبّ , وَرَوَاهُ اِبْن عُلَيَّة وَمَعْمَر عَنْ أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة مُرْسَلًا وَاخْتُلِفَ عَلَى حَمَّاد بْن زَيْد فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَاله , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ النَّسَائِيُّ , وَقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَد عَنْ هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ لَيْسَ فِيهِ \" صَائِم \" إِنَّمَا هُوَ \" وَهُوَ مُحْرِم \" , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طُرُق عَنْ اِبْن عَبَّاس لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا طَرِيق أَيُّوب هَذِهِ , وَالْحَدِيث صَحِيح لَا مِرْيَةَ فِيهِ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ حَدِيث \" أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم \" مَنْسُوخ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاع , وَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيّ , وَاعْتَرَضَ اِبْن خُزَيْمَةَ بِأَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ كَانَ صَائِمًا مُحْرِمًا , قَالَ وَلَمْ يَكُنْ قَطُّ مُحْرِمًا مُقِيمًا بِبَلَدِهِ إِنَّمَا كَانَ مُحْرِمًا وَهُوَ مُسَافِرٌ , وَالْمُسَافِر إِنْ كَانَ نَاوِيًا لِلصَّوْمِ فَمَضَى عَلَيْهِ بَعْض النَّهَار وَهُوَ صَائِم أُبِيحَ لَهُ الْأَكْل وَالشُّرْب عَلَى الصَّحِيح , فَإِذَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْتَجِمَ وَهُوَ مُسَافِرٌ , قَالَ : فَلَيْسَ فِي خَبَر اِبْن عَبَّاس مَا يَدُلُّ عَلَى إِفْطَارِ الْمَحْجُومِ فَضْلًا عَنْ الْحَاجِمِ ا ه. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ مَا وَرَدَ هَكَذَا إِلَّا لِفَائِدَةٍ , فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وُجِدَتْ مِنْهُ الْحِجَامَة وَهُوَ صَائِم لَمْ يَتَحَلَّل مِنْ صَوْمه وَاسْتَمَرَّ. وَقَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ أَيْضًا : جَاءَ بَعْضُهُمْ بِأُعْجُوبَةٍ فَزَعَمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَالَ \" أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم \" لِأَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ , قَالَ فَإِذَا قِيلَ لَهُ فَالْغِيبَة تُفْطِرُ الصَّائِمَ ؟ قَالَ لَا , قَالَ فَعَلَى هَذَا لَا يَخْرُجُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْحَدِيث بِلَا شُبْهَة. اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيث الْمُشَار إِلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ وَعُثْمَان الدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْمَعْرِفَة \" وَغَيْرهمْ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن أَبِي رَبِيعَة عَنْ أَبِي الْأَشْعَث عَنْ ثَوْبَانَ , وَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلَهُ , وَيَزِيد بْن رَبِيعَة مَتْرُوك وَحَكَمَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ. وَقَالَ اِبْن حَزْمٍ : صَحَّ حَدِيث \" أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم \" بِلَا رَيْب , لَكِنْ وَجَدْنَا مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" أَرْخَصَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحِجَامَة لِلصَّائِمِ \" وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ لِأَنَّ الرُّخْصَة إِنَّمَا تَكُون بَعْدَ الْعَزِيمَةِ , فَدَلَّ عَلَى نَسْخِ الْفِطْرِ بِالْحِجَامَةِ سَوَاءٌ كَانَ حَاجِمًا أَوْ مَحْجُومًا. اِنْتَهَى. وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُور أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ , وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث أَنَس أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَلَفْظه \" أَوَّل مَا كَرِهْت الْحِجَامَة لِلصَّائِمِ أَنَّ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب اِحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِم , فَمَرَّ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَفْطَرَ هَذَانِ. ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ. وَكَانَ أَنَس يَحْتَجِم وَهُوَ صَائِم \" وَرُوَاته كُلّهمْ مِنْ رِجَال الْبُخَارِيّ , إِلَّا أَنَّ فِي الْمَتْن مَا يُنْكَرُ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْفَتْح , وَجَعْفَر كَانَ قُتِلَ قَبْل ذَلِكَ. وَمِنْ أَحْسَنِ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ : مَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن عَابِس عَنْ عَبْد الرَّحْمَن اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ رَجُل مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" نَهَى النَّبِيّ عَنْ الْحِجَامَة لِلصَّائِمِ وَعَنْ الْمُوَاصَلَة وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا إِبْقَاء عَلَى أَصْحَابه \" إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَالْجَهَالَة بِالصَّحَابِيِّ لَا تَضُرّ , وَقَوْله \" إِبْقَاء عَلَى أَصْحَابه \" يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ نَهَى , وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ وَكِيع عَنْ الثَّوْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ هَذَا وَلَفْظه \" عَنْ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا إِنَّمَا نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحِجَامَة لِلصَّائِمِ وَكَرِهَهَا لِلضَّعِيفِ \" أَيْ لِئَلَّا يَضْعُفَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1803",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏احْتَجَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ صَائِمٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1804",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُئِلَ ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ قَالَ لَا إِلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏شَبَابَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( سَمِعْت ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ قَالَ : سُئِلَ أَنَس بْن مَالِك ) ‏ ‏كَذَا فِي أَكْثَر أُصُول الْبُخَارِيِّ \" سُئِلَ \" بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْت \" سَأَلَ أَنَسًا \" وَهَذَا غَلَطٌ فَإِنَّ شُعْبَةَ مَا حَضَرَ سُؤَال ثَابِت لِأَنَسٍ , وَقَدْ سَقَطَ مِنْهُ رَجُل بَيْن شُعْبَة وَثَابِت فَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن مُحَمَّد الْقَلَانِسِيّ وَأَبِي قِرْصَافَةَ مُحَمَّد بْن عَبْد الْوَهَّاب وَإِبْرَاهِيم بْن الْحُسَيْن بْن دُرَيْدٍ كُلّهمْ عَنْ آدَم بْن أَبِي إِيَاس شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ \" عَنْ شُعْبَة عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ سَمِعْت ثَابِتًا وَهُوَ يَسْأَل أَنَس بْن مَالِك \" فَذَكَر الْحَدِيث , وَأَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبَيْهَقِيّ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَة الَّتِي وَقَعَتْ لِلْبُخَارِيِّ خَطَأً وَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْهُ حُمَيْدٌ , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَلَى بْن سَهْل عَنْ أَبِي النَّضْر عَنْ شُعْبَة عَنْ حُمَيْدٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ شَبَّابَة حَدَّثَنَا : شُعْبَة عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذَا يُشْعِر بِأَنَّ رِوَايَة شَبَّابَة مُوَافَقَة لِرِوَايَةِ آدَم فِي الْإِسْنَاد وَالْمَتْن إِلَّا أَنَّ شَبَّابَة زَادَ فِيهِ مَا يُؤَكِّد رَفْعَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن مَنْدَهْ فِي \" غَرَائِب شُعْبَةَ \" طَرِيق شَبَّابَة فَقَالَ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن حَاتِم حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن رَوْح حَدَّثَنَا شَبَّابَة حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل عَنْ أَبِي سَعِيد \" وَبِهِ \" عَنْ شَبَّابَة عَنْ شُعْبَة عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" نَحْوه وَهَذَا يُؤَكِّد صِحَّة مَا اِعْتَرَضَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَيُشْعِر بِأَنَّ الْخَلَلَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الْبُخَارِيِّ , إِذْ لَوْ كَانَ إِسْنَاد شَبَّابَة عِنْدَهُ مُخَالِفًا لِإِسْنَادِ آدَم لَبَيَّنَهُ وَهُوَ وَاضِح لَا خَفَاءَ بِهِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ ‏"
    },
    {
        "id": "1805",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ فَقَالَ لِرَجُلٍ انْزِلْ ‏ ‏فَاجْدَحْ ‏ ‏لِي قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْسُ قَالَ انْزِلْ ‏ ‏فَاجْدَحْ ‏ ‏لِي قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْسُ قَالَ انْزِلْ ‏ ‏فَاجْدَحْ ‏ ‏لِي فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فَشَرِبَ ثُمَّ رَمَى بِيَدِهِ هَا هُنَا ثُمَّ قَالَ إِذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الشَّمْس يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ , وَيَجُوز النَّصْب وَتَوْجِيهُهُمَا ظَاهِرٌ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ جَرِير وَأَبُو بَكْر بْن عَيَّاشٍ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ ) ‏ ‏يَعْنِي تَابَعَا سُفْيَانَ وَهُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَالشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاق شَيْخهمْ فِيهِ , وَمُتَابَعَةُ جَرِير وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الطَّلَاق , وَمُتَابَعَةُ أَبِي بَكْر سَتَأْتِي مَوْصُولَةً بَعْد قَلِيل فِي \" بَاب تَعْجِيل الْإِفْطَار \" وَتَابَعَهُمْ غَيْر مَنْ ذُكِرَ كَمَا سَيَأْتِي وَلَفْظُهُمْ مُتَقَارِبٌ , وَالْمُرَادُ الْمُتَابَعَةُ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1806",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان , وَهِشَام هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ حَمْزَة بْن عَمْرو الْأَسْلَمِيَّ ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظُ عَنْ هِشَامٍ , وَقَالَ عَبْد الرَّحِيم بْن سُلَيْمَان عِنْد النَّسَائِيِّ وَالدَّراوَرْدِيُّ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ وَيَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن سَالِمٍ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ حَمْزَة بْن عَمْرو جَعَلُوهُ مِنْ مُسْنَد حَمْزَة وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَد عَائِشَة , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون هَؤُلَاءِ لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ \" عَنْ حَمْزَة \" الرِّوَايَةَ عَنْهُ وَإِنَّمَا أَرَادُوا الْإِخْبَار عَنْ حِكَايَتِهِ فَالتَّقْدِير عَنْ عَائِشَة عَنْ قِصَّة حَمْزَةَ أَنَّهُ سَأَلَ , لَكِنْ قَدْ صَحَّ مَجِيءُ الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة حَمْزَة , فَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة عَنْ أَبِي مَرَاوِحَ عَنْ حَمْزَة , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيُّ عَنْ عُرْوَة لَكِنَّهُ أَسْقَطَ أَبَا مَرَاوِح وَالصَّوَابُ إِثْبَاته , وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِعُرْوَةَ فِيهِ طَرِيقِينَ : سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَة , وَسَمِعَهُ مِنْ أَبِي مَرَاوِح عَنْ حَمْزَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَسْرُدُ الصَّوْم ) ‏ ‏أَيْ أُتَابِعُهُ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنْ لَا كَرَاهِيَةَ فِي صِيَام الدَّهْر , وَلَا دَلَالَة فِيهِ لِأَنَّ التَّتَابُعَ يَصْدُقُ بِدُونِ صَوْمِ الدَّهْرِ , فَإِنْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ صَوْم الدَّهْر لَمْ يُعَارِضْهُ هَذَا الْإِذْن بِالسَّرْدِ , بَلْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "1807",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ ‏ ‏قَالَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ فَقَالَ ‏ ‏إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَأَصُومُ فِي السَّفَر إِلَخْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّهُ صَوْم رَمَضَان فَلَا يَكُون فِيهِ حُجَّة عَلَى مَنْ مَنَعَ صِيَام رَمَضَان فِي السَّفَر. قُلْت : وَهُوَ كَمَا قَالَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سِيَاق حَدِيث الْبَاب , لَكِنْ فِي رِوَايَة أَبِي مَرَاوِح الَّتِي ذَكَرْتهَا عِنْد مُسْلِم أَنَّهُ قَالَ \" يَا رَسُول اللَّه أَجِد بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَام فِي السَّفَر فَهَلْ عَلِيّ جُنَاحٌ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هِيَ رُخْصَة مِنْ اللَّه , فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ , وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُوم فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ \" وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ صِيَام , الْفَرِيضَة , وَذَلِكَ أَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا تُطْلَقُ فِي مُقَابَلَة مَا هُوَ وَاجِب. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن حَمْزَة بْن عَمْرو عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ \" يَا رَسُول اللَّه إِنِّي صَاحِب ظَهْرٍ أُعَالِجُهُ أُسَافِر عَلَيْهِ وَأْكُرِيهِ , وَأَنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَنِي هَذَا الشَّهْر - يَعْنِي رَمَضَان - وَأَنَا أَجِد الْقُوَّة , وَأَجِدُنِي أَنْ أَصُومَ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أُوَخِّرَهُ فَيَكُون دَيْنًا عَلَيَّ , فَقَالَ : أَيَّ ذَلِكَ شِئْت يَا حَمْزَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "1808",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ ‏ ‏الْكَدِيدَ ‏ ‏أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَالْكَدِيدُ ‏ ‏مَاءٌ بَيْنَ ‏ ‏عُسْفَانَ ‏ ‏وَقُدَيْدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ ) ‏ ‏كَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا بَلَغَ الْكَدِيد ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْر الدَّال الْمُهْمَلَة مَكَانٌ مَعْرُوفٌ وَقَعَ تَفْسِيرُهُ فِي نَفْس الْحَدِيث بِأَنَّهُ بَيْن عُسْفَانَ وَقَدِيدٍ , يَعْنِي بِضَمِّ الْقَافِ عَلَى التَّصْغِير. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ نِسْبَةُ هَذَا التَّفْسِير لِلْبُخَارِيِّ , لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مَوْصُولًا مِنْ وَجْه آخَر فِي نَفْس الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي قَرِيبًا عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ وَجْه آخَر \" حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ \" بَدَلَ الْكَدِيدِ , وَفِيهِ مَجَازُ الْقُرْب لِأَنَّ الْكَدِيد أَقْرَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ عُسْفَانَ , وَبَيْنَ الْكَدِيد وَمَكَّة مَرْحَلَتَانِ , قَالَ الْبَكْرِيّ : هُوَ بَيْنَ أَمَجَ - بِفَتْحَتَيْنِ وَجِيم - وَعُسْفَانَ وَهُوَ مَاءٌ عَلَيْهِ نَخْلٌ كَثِير. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي حَدِيث جَابِر \" فَلَمَّا بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيم \" هُوَ بِضَمِّ الْكَاف وَالْغَمِيمُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ اِسْمُ وَادٍ أَمَام عُسْفَانَ , قَالَ عِيَاض : اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَات فِي الْمَوْضِع الَّذِي أَفْطَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ , وَالْكُلّ فِي قِصَّة وَاحِدَة وَكُلّهَا مُتَقَارِبَة وَالْجَمِيع مِنْ عَمَل عُسْفَانَ ا ه , وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ سِيَاق هَذَا الْحَدِيث أَوْضَحَ مِنْ رِوَايَة مَالِك , وَلَفْظ رِوَايَة مَعْمَرٍ \" خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَان مِنْ الْمَدِينَة وَمَعَهُ عَشْرَة آلَاف مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْف مِنْ مُقَدَّمَة الْمَدِينَة فَسَارَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَصُوم وَيَصُومُونَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيد فَأَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا , قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَإِنَّمَا يُؤْخَذ بِالْآخِرَةِ فَالْآخِرَة مِنْ أَمْرِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَذِهِ الزِّيَادَة الَّتِي فِي آخِرِهِ مِنْ قَوْل الزُّهْرِيِّ , وَقَعَتْ مُدْرَجَةً عِنْدَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظه \" حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيد أَفْطَرَ , قَالَ وَكَانَ صَحَابَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ مِثْلَهُ , قَالَ سُفْيَان : لَا أَدْرِي مِنْ قَوْل مَنْ هُوَ , ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مَعْمَرٍ وَمِنْ طَرِيق يُونُس كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَبَيَّنَّا أَنَّهُ مِنْ قَوْل الزُّهْرِيِّ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبُخَارِيّ فِي الْجِهَاد , وَظَاهِره أَنَّ الزُّهْرِيَّ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الصَّوْم فِي السَّفَر مَنْسُوخٌ وَلَمْ يُوَافِق عَلَى ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا , وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي أَيْضًا مِنْ طَرِيق خَالِد الْحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَان وَالنَّاس صَائِم وَمُفْطِر , فَلَمَّا اِسْتَوَى عَلَى رَاحِلَته دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَن أَوْ مَاء فَوَضَعَهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ النَّاس \" زَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاسٍ \" ثُمَّ دَعَا بِمَاءِ فَشَرِبَ نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاس \" وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عِكْرِمَة أَوْضَحَ مِنْ سِيَاقِ خَالِدٍ وَلَفْظُهُ \" فَلَمَّا بَلَغَ الْكَدِيدَ بَلَغَهُ أَنَّ النَّاس يَشُقّ عَلَيْهِمْ الصِّيَام , فَدَعَا بِقَدَحِ مِنْ لَبَنٍ فَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ حَتَّى رَآهُ النَّاس وَهُوَ عَلَى رَاحِلَته ثُمَّ شَرِبَ فَأَفْطَرَ , فَنَاوَلَهُ رَجُلًا إِلَى جَنْبِهِ فَشَرِبَ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِر فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَقِيلَ لَهُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْت , فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاء بَعْدَ الْعَصْرِ \" وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَعْفَر \" ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْد ذَلِكَ إِنَّ بَعْض النَّاس قَدْ صَامَ فَقَالَ : أُولَئِكَ الْعُصَاةُ \" وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى تَحَتُّمِ الْفِطْرِ فِي السَّفَر , وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ فِي أَثْنَاء النَّهَارِ وَلَوْ اِسْتَهَلَّ رَمَضَان فِي الْحَضَر وَالْحَدِيث نَصٌّ فِي الْجَوَاز إِذْ لَا خِلَاف أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَهَلَّ رَمَضَان فِي عَام غَزْوَة الْفَتْح وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيث الْبَاب أَنَّهُ خَرَجَ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَان , وَوَقَعَ فِي مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد اِخْتِلَاف مِنْ الرُّوَاة فِي ضَبْط ذَلِكَ , وَاَلَّذِي اِتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْل السِّيَرِ أَنَّهُ خَرَجَ فِي عَاشِر رَمَضَان وَدَخَلَ مَكَّة لِتِسْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْءِ أَنْ يُفْطِرَ وَلَوْ نَوَى الصِّيَام مِنْ اللَّيْل وَأَصْبَحَ صَائِمًا فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي أَثْنَاء النَّهَار وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَر الشَّافِعِيَّة , وَفِي وَجْه لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِر وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَ قَائِله مَا وَقَعَ فِي الْبُوَيْطِيِّ مِنْ تَعْلِيق الْقَوْل بِهِ عَلَى صِحَّة حَدِيث اِبْن عَبَّاس هَذَا , وَهَذَا كُلّه فِيمَا لَوْ نَوَى الصَّوْم فِي السَّفَر , فَأَمَّا لَوْ نَوَى الصَّوْم وَهُوَ مُقِيم ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَاء النَّهَار فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي ذَلِكَ النَّهَار ؟ مَنَعَهُ الْجُمْهُور , وَقَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق بِالْجَوَازِ , وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ مُحْتَجًّا بِهَذَا الْحَدِيث , فَقِيلَ لَهُ قَالَ كَذَلِكَ , ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْطَرَ فِي الْيَوْم الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنْ الْمَدِينَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ بَيْن الْمَدِينَة وَالْكَدِيد عِدَّةَ أَيَّامٍ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْبُوَيْطِيِّ مِثْل مَا وَقَعَ عِنْد الْمُزَنِيِّ فَسَلَّمَ الْمُزَنِيُّ , وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَس أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ يُفْطِر فِي الْحَضَر قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ. ثُمَّ لَا فَرْقَ عِنْد الْمُجِيزِينَ فِي الْفِطْر بِكُلِّ مُفْطِر , وَفَرَّقَ أَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ بَيْن الْفِطْرِ بِالْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ فَمَنَعَهُ فِي الْجِمَاعِ , قَالَ فَلَوْ جَامَعَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَة إِلَّا إِنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ الْجِمَاع قَبْلَ الْجِمَاعِ , وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْمَانِعِينَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ : لَيْسَ فِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَوَى الصِّيَام فِي لَيْله الْيَوْم الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ يُصْبِحَ مُفْطِرًا ثُمَّ أَظْهَرَ الْإِفْطَار لِيُفْطِرَ النَّاسُ , لَكِنَّ سِيَاق الْأَحَادِيث ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ أَفْطَرَ. وَقَدْ رَوَى اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ , فَأُتِيَ بِطَعَامٍ فَقَالَ لِأَبِي بَكْر وَعُمَرَ : اُدْنُوَا فَكُلَا , فَقَالَا إِنَّا صَائِمَانِ , فَقَالَ اِعْمَلُوا لِصَاحِبَيْكُمْ اِرْحَلُوا لِصَاحِبَيْكُمْ اُدْنُوَا فَكُلَا \" قَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ لِلصَّائِمِ فِي السَّفَرِ الْفِطْرَ بَعْد مُضِيِّ بَعْضِ النَّهَارِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَالَ الْقَابِسِيّ : هَذَا الْحَدِيث مِنْ مُرْسَلَات الصَّحَابَة لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ فِي هَذِهِ السَّفْرَةِ مُقِيمًا مَعَ أَبَوَيْهِ بِمَكَّةَ فَلَمْ يُشَاهِدْ هَذِهِ الْقِصَّةَ , فَكَأَنَّهُ سَمِعَهَا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1809",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏أُمِّ الدَّرْدَاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الدَّرْدَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَابْنِ رَوَاحَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَابٌ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ , وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَة النَّسَفِيِّ , وَعَلَى الْحَالَيْنِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُون لِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاء الْمَذْكُور فِيهِ تَعَلُّقٌ بِالتَّرْجَمَةِ , وَوَجْهُهُ مَا وَقَعَ مِنْ إِفْطَار أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَان فِي السَّفَر بِمَحْضَرٍ مِنْهُ , وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ فَدَلَّ عَلَى الْجَوَاز , وَعَلَى رَدِّ قَوْل مَنْ قَالَ : مَنْ سَافَرَ فِي شَهْر رَمَضَان اِمْتَنَعَ عَلَيْهِ الْفِطْرُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أُمّ الدَّرْدَاءِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيزِ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُبَيْد اللَّه وَهُوَ اِبْن أَبِي الْمُهَاجِر الدِّمَشْقِيُّ \" حَدَّثَتْنِي أُمّ الدَّرْدَاء \" وَالْإِسْنَادُ كُلّه شَامِيُّونَ سِوَى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ دَخَلَ الشَّام , وَأُمّ الدَّرْدَاء هِيَ الصُّغْرَى التَّابِعِيَّةُ. ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْض أَسْفَاره ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز أَيْضًا \" خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْر رَمَضَان فِي حَرٍّ شَدِيدٍ \" الْحَدِيثَ , وَبِهَذِهِ الزِّيَادَة يَتِمُّ الْمُرَاد مِنْ الِاسْتِدْلَال , وَيَتَوَجَّهُ الرَّدّ بِهَا عَلَى أَبِي مُحَمَّد بْن حَزْمٍ فِي زَعْمِهِ أَنَّ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء هَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الصَّوْم تَطَوُّعًا , وَقَدْ كُنْت ظَنَنْت أَنَّ هَذِهِ السَّفْرَةَ غَزْوَةَ الْفَتْحِ لَمَّا رَأَيْت فِي \" الْمُوَطَّأِ \" مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ رَجُل مِنْ الصَّحَابَة قَالَ \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَرَجِ فِي الْحَرِّ وَهُوَ يُصَبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءُ - وَهُوَ صَائِم - مِنْ الْعَطَش وَمِنْ الْحَرِّ , فَلَمَّا بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ \" فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَزَاةَ الْفَتْحِ كَانَتْ فِي أَيَّام شِدَّة الْحَرِّ , وَقَدْ اِتَّفَقَتْ الرِّوَايَتَانِ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ السُّفْرَتَيْنِ كَانَ فِي رَمَضَان , لَكِنَّنِي رَجَعْت عَنْ ذَلِكَ وَعَرَفْت أَنَّهُ لَيْسَ بِصَوَابٍ لِأَنَّ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة اُسْتُشْهِدَ بِمُؤْتَةَ قَبْل غَزْوَة الْفَتْح بِلَا خِلَاف وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ , وَقَدْ اِسْتَثْنَاهُ أَبُو الدَّرْدَاء فِي هَذِهِ السُّفْرَة مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَحَّ أَنَّهَا كَانَتْ سَفْرَةً أُخْرَى.. وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي سِيَاق أَحَادِيث غَزْوَةِ الْفَتْح أَنَّ الَّذِينَ اِسْتَمَرُّوا مِنْ الصَّحَابَة صِيَامًا كَانُوا جَمَاعَةً , وَفِي هَذَا أَنَّهُ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة وَحْدَهُ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عُمَرَ \" غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَان يَوْم بَدْر وَيَوْم الْفَتْح \" الْحَدِيثَ , وَلَا يَصِحّ حَمْلُهُ أَيْضًا عَلَى بَدْر لِأَنَّ أَبَا الدَّرْدَاء لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أَسْلَمَ , وَفِي الْحَدِيث دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا كَرَاهِيَة فِي الصَّوْم فِي السَّفَر لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُصِبْهُ مِنْهُ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "1810",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالُوا صَائِمٌ فَقَالَ ‏ ‏لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَنْصَارِيُّ ) ‏ ‏عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة عَنْ مُحَمَّد اِبْن عَبْد الرَّحْمَن يَعْنِي اِبْن سَعْد , وَلِأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي الْوَلِيد عَنْ شُعْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن يَعْنِي بْن سَعْد اِبْن زُرَارَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت مُحَمَّد بْن عَمْرو إِلَخْ ) ‏ ‏أَدْخَلَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعْد بَيْنه وَبَيْن جَابِر مُحَمَّد بْن عَمْرو اِبْن الْحَسَن فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْهُ , وَاخْتُلِفَ فِي حَدِيثه عَلَى يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق شُعَيْب اِبْن إِسْحَاق عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنِي جَابِر بْن عَبْد اللَّه فَذَكَرَهُ , قَالَ النَّسَائِيُّ : هَذَا خَطَأ , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق الْفِرْيَابِيّ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا , وَمِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْمُبَارَك عَنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ رَجُل عَنْ جَابِر ثُمَّ قَالَ : ذَكَرَ تَسْمِيَة هَذَا الرَّجُل الْمُبْهَم , فَسَاقَ طَرِيق شُعْبَة ثُمَّ قَالَ هَذَا هُوَ الصَّحِيح , يَعْنِي إِدْخَال رَجُل بَيْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن وَجَابِر , وَتَعَقَّبَهُ الْمِزِّيُّ فَقَالَ ظَنَّ النَّسَائِيُّ أَنَّ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن شَيْخ شُعْبَة فِي هَذَا الْحَدِيث هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن شَيْخ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير فِيهِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ شَيْخ يَحْيَى هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن اِبْن ثَوْبَانَ وَشَيْخ شُعْبَة هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعْد بْن زُرَارَةَ ا ه. وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ فِي نَظَرِي أَنَّ الصَّوَاب مَعَ النَّسَائِيِّ , لِأَنَّ مُسْلِمًا لَمَّا رَوَى الْحَدِيث مِنْ طَرِيق أَبِي دَاوُدَ عَنْ شُعْبَة قَالَ فِي آخِرِهِ : قَالَ شُعْبَة كَانَ بَلَغَنِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير أَنَّهُ كَانَ يَزِيد فِي هَذَا الْإِسْنَاد فِي هَذَا الْحَدِيث \" عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّه الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ \" فَلَمَّا سَأَلْته لَمْ يَحْفَظْهُ ا ه. وَالضَّمِير فِي سَأَلْت يَرْجِعُ إِلَى مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن شَيْخ يَحْيَى لِأَنَّ شُعْبَة لَمْ يَلْقَ يَحْيَى فَدَلَّ عَلَى أَنَّ شُعْبَة أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ يُبَلِّغُهُ عَنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ جَابِر فِي هَذَا الْحَدِيث زِيَادَة , وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَقِيَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن شَيْخ يَحْيَى سَأَلَهُ عَنْهَا فَلَمْ يَحْفَظْهَا. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى أَنَّهُ نَسَبَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن فَقَالَ فِيهِ اِبْن ثَوْبَانَ فَهُوَ الَّذِي اِعْتَمَدَهُ الْمِزِّيُّ , لَكِنْ جَزَمَ أَبُو حَاتِم كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ اِبْنُهُ فِي \" الْعِلَل \" بِأَنَّ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن ثَوْبَانَ فَقَدْ وَهِمَ , وَإِنَّمَا هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعْد ا ه. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ , وَجُلُّ الرُّوَاة عَنْ يَحْيَى اِبْن أَبِي كَثِير لَمْ يَزِيدُوا عَلَى مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , لَا يَذْكُرُونَ جَدَّهُ وَلَا جَدَّ جَدِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَر ) ‏ ‏تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَة جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِر أَنَّهَا غَزْوَة الْفَتْح , وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر \" سَافَرْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَان \" فَذَكَرَ نَحْوَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَمَّاد الْمَذْكُورَة \" فَشَقَّ عَلَى رَجُل الصَّوْم فَجَعَلَتْ رَاحِلَتُهُ تَهِيمُ بِهِ تَحْت الشَّجَرَة , فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُفْطِرَ \" الْحَدِيثَ وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذَا الرَّجُل , وَلَوْلَا مَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة اُسْتُشْهِدَ قَبْل غَزْوَة الْفَتْح لَأَمْكَنَ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ لِقَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاء إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ الصَّحَابَة فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ صَائِمًا غَيْرُهُ , وَزَعَمَ مُغَلْطَاي أَنَّهُ أَبُو إِسْرَائِيل وَعَزَا ذَلِكَ لِمُبْهَمَاتِ الْخَطِيبِ , وَلَمْ يَقُلْ الْخَطِيب ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَإِنَّمَا أَوْرَدَ حَدِيث مَالِك عَنْ حُمَيْدِ بْن قَيْس وَغَيْره \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ فَقَالُوا نَذَرَ أَنْ لَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّم وَلَا يَجْلِس وَيَصُوم \" الْحَدِيثَ , ثُمَّ قَالَ : هَذَا الرَّجُل هُوَ أَبُو إِسْرَائِيل الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ , ثُمَّ سَاقَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْم الْجُمْعَة فَنَظَرَ إِلَى رَجُل مِنْ قُرَيْش يُقَال لَهُ أَبُو إِسْرَائِيل فَقَالُوا : نَذَرَ أَنْ يَصُوم وَيَقُوم فِي الشَّمْس \" الْحَدِيثَ فَلَمْ يَزِدْ الْخَطِيب عَلَى هَذَا , وَبَيْن الْقِصَّتَيْنِ مُغَايِرَات ظَاهِرَةٌ أَظْهَرهَا أَنَّهُ كَانَ فِي الْحَضَر فِي الْمَسْجِد وَصَاحِب الْقِصَّة فِي حَدِيث جَابِر كَانَ فِي السَّفَر تَحْت ظِلَال الشَّجَر وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب التَّمَسُّكِ بِالرُّخْصَةِ عِنْد الْحَاجَة إِلَيْهَا , وَكَرَاهَةُ تَرْكِهَا عَلَى وَجْه التَّشْدِيد وَالتَّنَطُّع. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏أَوْهَمَ كَلَام صَاحِب \" الْعُمْدَة \" أَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّه الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ \" مِمَّا أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِشَرْطِهِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هِيَ بَقِيَّة فِي الْحَدِيث لَمْ يُوصِل إِسْنَادَهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه , نَعَمْ وَقَعَتْ عِنْد النَّسَائِيِّ مَوْصُولَةً فِي حَدِيث يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير بِسَنَدِهِ , وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث كَعْب بْن عَاصِم الْأَشْعَرِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1811",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي خَالِد عِنْد مُسْلِم عَنْ حُمَيْدٍ التَّصْرِيح بِالْإِخْبَارِ بَيْن حُمَيْدٍ وَأَنَسٍ , وَلَفْظه عَنْ حُمَيْدٍ \" خَرَجْت فَصُمْت فَقَالُوا لِي أَعِدْ , فَقُلْت إِنَّ أَنَسًا أَخْبَرَنِي أَنَّ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يُسَافِرُونَ فَلَا يَعِيب الصَّائِم عَلَى الْمُفْطِر وَلَا الْمُفْطِر عَلَى الصَّائِم , قَالَ حُمَيْدٌ فَلَقِيت اِبْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ فَأَخْبَرَنِي عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا نُسَافِر مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد مُسْلِم \" كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُول اللَّه فَلَا يَجِد الصَّائِم عَلَى الْمُفْطِر وَلَا الْمُفْطِر عَلَى الصَّائِم , يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّة فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ , وَمَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ إِنَّ ذَلِكَ حَسَن , وَهَذَا التَّفْصِيل هُوَ الْمُعْتَمَد , وَهُوَ نَصٌّ رَافِعٌ لِلنِّزَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏نَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ مُحَمَّد بْن وَضَّاح أَنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِسِيَاقِ هَذَا الْحَدِيث عَلَى هَذَا اللَّفْظ , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ أَبَا إِسْحَاق الْفَزَارِيَّ وَأَبَا ضَمْرَة وَعَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيَّ وَغَيْرَهُمْ رَوَوْهُ عَنْ حُمَيْدٍ مِثْلَ مَالِكٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "1812",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ ‏ ‏عُسْفَانَ ‏ ‏ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ لِيُرِيَهُ النَّاسَ فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ فَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقُولُ قَدْ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَفْطَرَ فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُجَاهِد عَنْ طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏كَذَا عِنْده مِنْ طَرِيق أَبِي عَوَانَة عَنْ مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ مَنْصُور فِي الْمَغَازِي , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ مَنْصُور فَلَمْ يَذْكُر طَاوُسًا فِي الْإِسْنَاد , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق الْحَكَم عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُجَاهِد أَخَذَهُ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس ثُمَّ لَقِيَ اِبْن عَبَّاس فَحَمَلَهُ عَنْهُ , أَوْ سَمِعَهُ مِنْ اِبْن عَبَّاس وَثَبَّتَهُ فِيهِ طَاوُسٌ , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِير ذَلِكَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة الْجَرِيدَتَيْنِ عَلَى الْقَبْرَيْنِ فِي الطَّهَارَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَفَعَهُ إِلَى يَده ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا مِنْ الْبُخَارِيّ , وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ الرَّفْع إِنَّمَا يَكُون بِالْيَدِ , وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمَعْنَى يَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَفَعَهُ إِلَى أَقْصَى طُول يَده , أَيْ اِنْتَهَى الرَّفْع إِلَى أَقْصَى غَايَتهَا. قُلْت. : وَقَدْ وَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّد عَنْ أَبِي عَوَانَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فِي الْبُخَارِيّ \" فَرَفَعَهُ إِلَى فِيهِ \" وَهَذَا أَوْضَحَ , وَلَعَلَّ الْكَلِمَة تَصَحَّفَتْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُؤَيِّد ذَلِكَ سِيَاق أَلْفَاظ الرُّوَاة لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره مَعَ بَقِيَّة مَبَاحِث الْمَتْن. ‏ ‏قَوْله : ( لِيَرَاهُ النَّاس ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَالنَّاس بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّة , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" لِيُرِيَهُ \" بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْر الرَّاء وَفَتْح التَّحْتَانِيَّة وَالنَّاسُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّاسِخ كَتَبَ \" لِيَرَاهُ النَّاس \" بِالْيَاءِ فَلَا يَكُون بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ اِخْتِلَاف. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول إِلَخْ ) ‏ ‏فَهِمَ اِبْن عَبَّاس مِنْ فِعْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ أَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَاز لَا لِلْأَوْلَوِيَّةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد وَجَابِر عِنْد مُسْلِم مَا يُوَضِّحُ الْمُرَاد. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1813",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَرَأَ ‏ { ‏فِدْيَةٌ طَعَامُ ‏ ‏مَسَاكِينَ ‏ } ‏قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1814",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏الشُّغْلُ مِنْ النَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة الْجُعْفِيُّ أَبُو خَيْثَمَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ , وَوَهِمَ الْكَرْمَانِيُّ تَبَعًا لِابْنِ التِّين فَقَالَ : هُوَ يَحْيَى اِبْن أَبِي كَثِير , وَغَفَلَ عَمَّا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَحْمَد بْن يُونُس شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ فِي نَفْس السَّنَد \" عَنْ يَحْيَى اِبْن سَعِيد وَيَحْيَى بْن سَعِيد هَذَا هُوَ الْأَنْصَارِيّ \" وَذَهِلَ مُغَلْطَاي فَنَقَلَ عَنْ الْحَافِظ الضِّيَاء أَنَّهُ الْقَطَّان , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ , فَإِنَّ الضِّيَاء حَكَى قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير ثُمَّ رَدَّهُ وَجَزَمَ بِأَنَّهُ يَحْيَى بْن سَعِيد وَلَمْ يَقُلْ الْقَطَّان , وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَكُون الْقَطَّان لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا سَلَمَة , وَلَيْسَتْ لِزُهَيْرِ بْن مُعَاوِيَة عَنْهُ رِوَايَة وَإِنَّمَا هُوَ يَرْوِي عَنْ زُهَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي خَالِد عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد \" سَمِعْت أَبَا سَلَمَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا أَسْتَطِيع أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَان ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ عَائِشَة كَانَتْ لَا تَتَطَوَّع بِشَيْءٍ مِنْ الصِّيَام لَا فِي عَشْر ذِي الْحِجَّةِ وَلَا فِي عَاشُورَاءَ وَلَا غَيْر ذَلِكَ , وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَرَى جَوَاز صِيَام التَّطَوُّع لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْن مِنْ رَمَضَان , وَمِنْ أَيْنَ لِقَائِلِهِ ذَلِكَ ؟ ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يَحْيَى ) ‏ ‏أَيْ الرَّاوِي الْمَذْكُور بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ فَهُوَ مَوْصُولٌ. ‏ ‏قَوْله : ( الشُّغْل مِنْ النَّبِيّ أَوْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيره : الْمَانِع لَهَا الشُّغْل , أَوْ هُوَ مُبْتَدَأ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ تَقْدِيره الشُّغْل هُوَ الْمَانِع لَهَا. وَفِي قَوْله \" قَالَ يَحْيَى \" هَذَا تَفْصِيلٌ لِكَلَامِ عَائِشَة مِنْ كَلَام غَيْرهَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم الْمَذْكُورَة مُدْرَجًا لَمْ يَقُلْ فِيهِ قَالَ يَحْيَى فَصَارَ كَأَنَّهُ مِنْ كَلَام عَائِشَة أَوْ مَنْ رَوَى عَنْهَا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ زُهَيْر , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان اِبْن بِلَال عَنْ يَحْيَى مُدْرَجًا أَيْضًا وَلَفْظه \" وَذَلِكَ لِمَكَانِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى فَبَيَّنَ إِدْرَاجَهُ وَلَفْظه \" فَظَنَنْت أَنَّ ذَلِكَ لِمَكَانِهَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" يَحْيَى يَقُولهُ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق مَالِك , وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان , وَسَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ اِبْن شِهَاب وَسُفْيَان , وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي خَالِد كُلّهمْ عَنْ يَحْيَى بِدُونِ الزِّيَادَة , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي سَلِمَة بِدُونِ الزِّيَادَة لَكِنْ فِيهِ مَا يُشْعِرُ بِهَا فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ مَا مَعْنَاهُ : فَمَا أَسْتَطِيع قَضَاءَهَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْمَعِيَّةِ الزَّمَان أَيْ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِزَمَانِهِ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه الْبَهِيِّ عَنْ عَائِشَة \" مَا قَضَيْت شَيْئًا مِمَّا يَكُون عَلَيَّ مِنْ رَمَضَان إِلَّا فِي شَعْبَان حَتَّى قُبِضَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى ضَعْف الزِّيَادَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِم لِنِسَائِهِ فَيَعْدِلُ وَكَانَ يَدْنُو مِنْ الْمَرْأَة فِي غَيْر نَوْبَتهَا فَيُقَبِّل وَيَلْمِس مِنْ غَيْر جِمَاع , فَلَيْسَ فِي شُغْلهَا بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَمْنَع الصَّوْم , اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَال إِنَّهَا كَانَتْ لَا تَصُوم إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَمْ يَكُنْ يَأْذَن لِاحْتِمَالِ اِحْتِيَاجه إِلَيْهَا فَإِذَا ضَاقَ الْوَقْت أَذِنَ لَهَا , وَكَانَ هُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِر الصَّوْم فِي شَعْبَان كَمَا سَيَأْتِي بَعْد أَبْوَابٍ فَلِذَلِكَ كَانَتْ لَا يَتَهَيَّأُ لَهَا الْقَضَاء إِلَّا فِي شَعْبَان , وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى جَوَاز تَأْخِير قَضَاء رَمَضَان مُطْلَقًا سَوَاء كَانَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْر لِأَنَّ الزِّيَادَة كَمَا بَيَّنَّاهُ مُدْرَجَةٌ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَرْفُوعَة لَكَانَ الْجَوَاز مُقَيَّدًا بِالضَّرُورَةِ لِأَنَّ لِلْحَدِيثِ حُكْمَ الرَّفْع لِأَنَّ الظَّاهِر اِطِّلَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ تَوَفُّر دَوَاعِي أَزْوَاجه عَلَى السُّؤَال مِنْهُ عَنْ أَمْر الشَّرْع فَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا لَمْ تُوَاظِبْ عَائِشَة عَلَيْهِ , وَيُؤْخَذ مِنْ حِرْصهَا عَلَى ذَلِكَ فِي شَعْبَان أَنَّهُ لَا يَجُوز تَأْخِير الْقَضَاء حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَان آخَرُ. وَأَمَّا الْإِطْعَام فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُثْبِتُهُ وَلَا يَنْفِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1815",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1816",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خَالِد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن خَلِيٍّ بِمُعْجَمَةٍ وَزْن عَلِيٍّ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" , وَجَزَمَ الْجَوْزَقِيّ بِأَنَّهُ الذُّهْلِيُّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي حَامِد بْن الشَّرْقِيِّ عَنْهُ وَقَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ مُحَمَّد أَيْنَ يَحْيَى وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْكَلَابَاذِيّ , وَصَنِيع الْمِزِّيِّ يُوَافِقُهُ وَهُوَ الرَّاجِح , وَعَلَى هَذَا فَقَدْ نَسَبَهُ الْبُخَارِيّ هُنَا إِلَى جَدّ أَبِيهِ لِأَنَّهُ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن خَالِد وَشَيْخه مُحَمَّد بْن مُوسَى بْن أَعْيَنَ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيّ لَكِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا بِوَاسِطَةٍ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ , وَعَمْرو بْن الْحَارِث هُوَ الْمِصْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ مَاتَ ) ‏ ‏عَامٌّ فِي الْمُكَلَّفِينَ لِقَرِينَةِ \" وَعَلَيْهِ صِيَام \" وَقَوْله \" صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ \" خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْر تَقْدِيره فَلْيَصُمْ عَنْهُ وَلِيّه , وَلَيْسَ هَذَا الْأَمْر لِلْوُجُوبِ عِنْد الْجُمْهُور , وَبَالَغَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ تَبِعَهُ فَادَّعَوْا الْإِجْمَاع عَلَى ذَلِكَ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ بَعْض أَهْل الظَّاهِر أَوْجَبَهُ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِخِلَافِهِمْ عَلَى قَاعِدَته. وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة : فَأَجَازَ الصِّيَام عَنْ الْمَيِّت أَصْحَابُ الْحَدِيث , وَعَلَّقَ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم الْقَوْل بِهِ عَلَى صِحَّة الْحَدِيث كَمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْمَعْرِفَة \" وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْر وَجَمَاعَة مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّة , وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْخِلَافِيَّات \" : هَذِهِ الْمَسْأَلَة ثَابِتَة لَا أَعْلَم خِلَافًا بَيْن أَهْل الْحَدِيث فِي صِحَّتهَا فَوَجَبَ الْعَمَل بِهَا , ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ إِلَى الشَّافِعِيّ قَالَ : كُلّ مَا قُلْت وَصَحَّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافه فَخُذُوا بِالْحَدِيثِ وَلَا تُقَلِّدُونِي. وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد وَمَالِك وَأَبُو حَنِيفَة لَا يُصَام عَنْ الْمَيِّت. وَقَالَ اللَّيْث وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْد : لَا يُصَام عَنْهُ إِلَّا النَّذْرُ حَمْلًا لِلْعُمُومِ الَّذِي فِي حَدِيث عَائِشَة عَلَى الْمُقَيَّد فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا تَعَارُض حَتَّى يُجْمَعَ بَيْنهمَا , فَحَدِيث اِبْن عَبَّاس صُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ سَأَلَ عَنْهَا مَنْ وَقَعَتْ لَهُ , وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة فَهُوَ تَقْرِيرُ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ , وَقَدْ وَقَعَتْ الْإِشَارَة فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس إِلَى نَحْو هَذَا الْعُمُوم حَيْثُ قِيلَ فِي آخِرِهِ \" فَدَيْن اللَّه أَحَقّ أَنْ يُقْضَى \". وَأَمَّا رَمَضَان فَيُطْعِم عَنْهُ , فَأَمَّا الْمَالِكِيَّة فَأَجَابُوا عَنْ حَدِيث الْبَاب بِدَعْوَى عَمَلِ أَهْل الْمَدِينَة كَعَادَتِهِمْ , وَادَّعَى الْقُرْطُبِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ أَنَّ الْحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ , وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب , وَلَيْسَ الِاضْطِرَاب فِيهِ مُسَلَّمًا كَمَا سَيَأْتِي , وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة فَلَا اِضْطِرَاب فِيهِ. وَاحْتَجَّ الْقُرْطُبِيُّ بِزِيَادَةِ اِبْن لَهِيعَةَ الْمَذْكُورَة لِأَنَّهَا تَدُلّ عَلَى عَدَم الْوُجُوب , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مُعْظَم الْمُجِيزِينَ لَمْ يُوجِبُوهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا قَالُوا يَتَخَيَّر الْوَلِيّ بَيْن الصِّيَام وَالْإِطْعَام , وَأَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْجَدِيد بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" صَامَ عَنْهُ وَلِيّه أَيْ فَعَلَ عَنْهُ وَلِيُّهُ مَا يَقُوم مَقَام الصَّوْم وَهُوَ الْإِطْعَام , قَالَ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله \" التُّرَاب وَضُوءُ الْمُسْلِم إِذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاء \" قَالَ فَسَمَّى الْبَدَلَ بِاسْمِ الْمُبْدَل فَكَذَلِكَ هُنَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظَاهِره بِغَيْرِ دَلِيل. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّة فَاعْتَلُّوا لِعَدَمِ الْقَوْل بِهَذَيْنِ الْحَدِيثِينَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا \" سُئِلَتْ عَنْ اِمْرَأَةٍ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْم , قَالَتْ : يُطْعَمُ عَنْهَا \". وَعَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" لَا تَصُومُوا عَنْ مَوْتَاكُمْ وَأَطْعِمُوا عَنْهُمْ \" أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ , وَبِمَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" قَالَ فِي رَجُل مَاتَ وَعَلَيْهِ رَمَضَان قَالَ يُطْعَمُ عَنْهُ ثَلَاثُونَ مِسْكِينًا \" أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق , وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" لَا يَصُوم أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ \" قَالُوا فَلَمَّا أَفْتَى اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة بِخِلَافِ مَا رَوَيَاهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَمَل عَلَى خِلَاف مَا رَوَيَاهُ , وَهَذِهِ قَاعِدَة لَهُمْ مَعْرُوفَة , إِلَّا أَنَّ الْآثَار الْمَذْكُورَة عَنْ عَائِشَة وَعَنْ اِبْن عَبَّاس فِيهَا مَقَال , وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَمْنَع الصِّيَام إِلَّا الْأَثَر الَّذِي عَنْ عَائِشَة وَهُوَ ضَعِيف جِدًّا , وَالرَّاجِح أَنَّ الْمُعْتَبَر مَا رَوَاهُ لَا مَا رَآهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخَالِفَ ذَلِكَ لِاجْتِهَادٍ وَمُسْتَنَدُهُ فِيهِ لَمْ يَتَحَقَّق وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ ضَعْف الْحَدِيث عِنْده , وَإِذَا تَحَقَّقَتْ صِحَّة الْحَدِيث لَمْ يُتْرَكْ الْمُحَقَّقُ لِلْمَظْنُونِ , وَالْمَسْأَلَة مَشْهُورَة فِي الْأُصُول. وَاخْتَلَفَ الْمُجِيزُونَ فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" وَلِيُّهُ \" فَقِيلَ كُلّ قَرِيب , وَقِيلَ الْوَارِث خَاصَّة , وَقِيلَ عَصَبَتُهُ , وَالْأَوَّل أَرْجَح , وَالثَّانِي قَرِيب , وَيَرُدُّ الثَّالِثَ قِصَّة الْمَرْأَة الَّتِي سَأَلَتْ عَنْ نَذْرِ أُمِّهَا. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ يَخْتَصّ ذَلِكَ بِالْوَلِيِّ ؟ لِأَنَّ الْأَصْل عَدَم النِّيَابَة فِي الْعِبَادَة الْبَدَنِيَّة , وَلِأَنَّهَا عِبَادَة لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَة فِي الْحَيَاة فَكَذَلِكَ فِي الْمَوْت إِلَّا مَا وَرَدَ فِيهِ الدَّلِيل فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ وَيَبْقَى الْبَاقِي عَلَى الْأَصْل وَهَذَا هُوَ الرَّاجِح , وَقِيلَ يَخْتَصّ بِالْوَلِيِّ فَلَوْ أَمَرَ أَجْنَبِيًّا بِأَنْ يَصُوم عَنْهُ أَجْزَأَ كَمَا فِي الْحَجِّ , وَقِيلَ يَصِحُّ اِسْتِقْلَال الْأَجْنَبِيّ بِذَلِكَ وَذَكَرَ الْوَلِيّ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ , وَظَاهِر صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ اِخْتِيَارُ هَذَا الْأَخِير , وَبِهِ جَزَمَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَقَوَّاهُ بِتَشْبِيهِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِالدَّيْنِ وَالدَّيْنُ لَا يَخْتَصّ بِالْقَرِيبِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ اِبْن وَهْبٍ عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن الْحَارِث الْمَذْكُور بِسَنَدِهِ , وَهَذِهِ الْمُتَابَعَة وَصَلَهَا مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرهمَا بِلَفْظِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَوَاهُ يَحْيَى بْن أَيُّوبَ ) ‏ ‏يَعْنِي الْمِصْرِيَّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور , وَرِوَايَته هَذِهِ عِنْد أَبِي عَوَانَة وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الرَّبِيع وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْن أَيُّوبَ وَأَلْفَاظهمْ مُتَوَافِقَةٌ , وَرَوَاهُ الْبَزَّار مِنْ طَرِيق اِبْن لَهِيعَةَ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر فَزَادَ فِي آخِر الْمَتْن \" إِنْ شَاءَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1817",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا قَالَ ‏ ‏نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏وَسَلَمَةُ ‏ ‏وَنَحْنُ جَمِيعًا جُلُوسٌ حِينَ حَدَّثَ ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏بِهَذَا الْحَدِيثِ ‏ ‏قَالَا سَمِعْنَا ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏يَذْكُرُ هَذَا عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَيُذْكَرُ عَنْ ‏ ‏أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏وَمُسْلِمٍ الْبَطِينِ ‏ ‏وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏وَعَطَاءٍ ‏ ‏وَمُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو حَرِيزٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَاتَتْ أُمِّي وَعَلَيْهَا صَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم ) ‏ ‏هُوَ الْحَافِظ الْمَعْرُوف بِصَاعِقَةَ , وَمُعَاوِيَة بْن عَمْرو هُوَ الْأَزْدِيُّ وَيُعْرَف بِابْنِ الْكَرْمَانِيِّ مِنْ قُدَمَاء شُيُوخ الْبُخَارِيّ حَدَّثَ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فِي أَوَاخِر كِتَاب الْجُمُعَةِ وَحَدَّثَ عَنْهُ هُنَا وَفِي الْجِهَاد وَفِي الصَّلَاة بِوَاسِطَةٍ , وَكَانَ طَلَبُ مُعَاوِيَة الْمَذْكُور لِلْحَدِيثِ وَهُوَ كَبِير وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ طَلَبَهُ وَهُوَ عَلَى قَدْرِ سِنِّهِ لَكَانَ مِنْ أَعْلَى شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ , وَزَائِدَةُ شَيْخه هُوَ اِبْن قُدَامَةَ الثَّقَفِيُّ مَشْهُور قَدْ لَقِيَ الْبُخَارِيَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابه. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْر الْمُهْمَلَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ , وَسَيَأْتِي أَنَّ الْحَدِيث جَاءَ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ مُسْلِم الْمَذْكُورِ , وَشُعْبَة لَا يُحَدِّث عَنْ شُيُوخه الَّذِينَ رُبَّمَا دَلَّسُوا إِلَّا بِمَا تَحَقَّقَ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ رَجُل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر زَائِدَة \" جَاءَتْ اِمْرَأَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي تَسْمِيَتِهَا فِي كِتَاب الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ رَجُل ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ , وَاتَّفَقَ مَنْ عَدَا زَائِدَةَ وَعَبْثَر بْن الْقَاسِم عَلَى أَنَّ السَّائِل اِمْرَأَة , وَزَادَ أَبُو حَرِيزٍ فِي رِوَايَته أَنَّهَا خَثْعَمِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ أُمِّي ) ‏ ‏خَالَفَ أَبُو حَامِد جَمِيع مَنْ رَوَاهُ فَقَالَ \" إِنَّ أُخْتِي \" وَاخْتُلِفَ عَلَى أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيد اِبْن جُبَيْر فَقَالَ هُشَيْمٌ عَنْهُ \" ذَات قَرَابَة لَهَا \" وَقَالَ شُعْبَة عَنْهُ \" إِنَّ أُخْتهَا \" أَخْرَجَهُمَا أَحْمَد , وَقَالَ حَمَّادٌ عَنْهُ ذَات قَرَابَة لَهَا إِمَّا أُخْتُهَا وَإِمَّا اِبْنَتهَا \" وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ التَّرَدُّد فِيهِ مِنْ سَعِيد بْن جُبَيْرٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَلَيْهَا صَوْم شَهْر ) ‏ ‏هَكَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , وَفِي رِوَايَة أَبِي حَرِيز \" خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي خَالِد \" شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعِينَ \" وَرِوَايَته تَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُون الَّذِي عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَان بِخِلَافِ رِوَايَة غَيْره فَإِنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ إِلَّا رِوَايَةَ زَيْد بْن أَبِي أَنِيسَة فَقَالَ \" إِنَّ عَلَيْهَا صَوْمَ نَذْرٍ \" وَهَذَا وَاضِح فِي أَنَّهُ غَيْر رَمَضَان , وَبَيَّنَ أَبُو بِشْرٍ فِي رِوَايَته سَبَب النَّذْر فَرَوَى أَحْمَد مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ أَبِي بِشْرٍ \" أَنَّ اِمْرَأَةً رَكِبَتْ الْبَحْر فَنَذَرَتْ أَنْ تَصُوم شَهْرًا فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَصُوم , فَأَتَتْ أُخْتهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي بِشْرٍ نَحْوه , وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث حَمَّاد بْن سَلَمَة. وَقَدْ اِدَّعَى بَعْضهمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث اِضْطَرَبَ فِيهِ الرُّوَاة عَنْ سَعِيد ن جُبَيْر , فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّ السَّائِل اِمْرَأَة , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : رَجُلٌ , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّ السُّؤَال وَقَعَ عَنْ نَذْرٍ , فَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالصَّوْمِ وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالْحَجِّ لِمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْحَجّ وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ , وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ السَّائِلَة فِي نَذْر الصَّوْم خَثْعَمِيَّة كَمَا فِي رِوَايَة أَبِي حَرِيزٍ الْمُعَلَّقَة السَّائِلَة عَنْ نَذْر اِلْحَحْ جُهَنِيَّة كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعه. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ أَنَّ اِمْرَأَة سَأَلَتْ عَنْ الْحَجّ وَعَنْ الصَّوْم مَعًا. وَأَمَّا الِاخْتِلَاف فِي كَوْن السَّائِل رَجُلًا أَوْ اِمْرَأَة وَالْمَسْئُول عَنْهُ أُخْتًا أَوْ أَمَّا فَلَا يَقْدَح فِي مَوْضِع الِاسْتِدْلَال مِنْ الْحَدِيث لِأَنَّ الْغَرَض مِنْهُ مَشْرُوعِيَّة الصَّوْم أَوْ الْحَجّ عَنْ الْمَيِّت وَلَا اِضْطِرَاب فِي ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى كَيْفِيَّة الْجَمْع بَيْن مُخْتَلَف الرِّوَايَات فِيهِ عَنْ الْأَعْمَش وَغَيْره وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَيْن اللَّه أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى ) ‏ ‏تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ فِي أَوَاخِر الْحَجّ قُبَيْلَ \" فَضْل الْمَدِينَة \" مُسْتَوْفًى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَشُ , يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَوَّلًا إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ الْحَكَم ) ‏ ‏أَيْ اِبْنُ عُتَيْبَةَ , وَسَلَمَةُ أَيْ اِبْن كُهَيْل , وَالْحَاصِل أَنَّ الْأَعْمَش سَمِعَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ ثَلَاثَة أَنْفُسٍ , فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مُسْلِمِ الْبَطِينِ : أَوَّلًا عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , ثُمَّ مِنْ الْحَكَم وَسَلَمَة عَنْ مُجَاهِد. قَدْ خَالَفَ زَائِدَة فِي ذَلِكَ أَبُو خَالِد الْأَحْمَر كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي خَالِد حَدَّثَنَا الْأَعْمَش إِلَخْ ) ‏ ‏مُحَصَّلُهُ أَنَّ أَبَا خَالِد جَمَعَ بَيْن شُيُوخ الْأَعْمَش الثَّلَاثَة , فَحَدَّثَ بِهِ عَنْهُ عَنْهُمْ عَنْ شُيُوخٍ ثَلَاثَةٍ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ عِنْد كُلٍّ مِنْهُمْ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمْ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ بِهِ اللَّفَّ وَالنَّشْرَ بِغَيْرِ تَرْتِيبٍ , فَيَكُون شَيْخُ الْحَكَم عَطَاءً , وَشَيْخُ الْبَطِين سَعِيدَ بْن جُبَيْر , وَشَيْخُ سَلَمَة مُجَاهِدًا , وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَغْرَاءَ عَنْ الْأَعْمَش مُفَصَّلًا هَكَذَا , وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي رِوَايَة أَبِي خَالِد وَقَدْ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ لَكِنْ لَمْ يَسْقِ الْمَتْن بَلْ أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَة زَائِدَةَ , وَهُوَ مُعْتَرَضٌ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا مُخَالَفَةً سَيَأْتِي بَيَانهَا. وَوَصَلَهَا أَيْضًا التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَابْن خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي خَالِد. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ يَحْيَى ) ‏ ‏أَيْ اِبْن سَعِيد ‏ ‏( وَأَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش إِلَخْ ) ‏ ‏وَافَقَا زَائِدَة عَلَى أَنَّ شَيْخ مُسْلِم الْبَطِين فِيهِ سَعِيد بْن جُبَيْر , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شُعْبَة وَعَبْد اللَّه بْن نُمَيْر وَعَبْثَر بْن الْقَاسِم وَعُبَيْدَة بْن حُمَيْدٍ وَآخَرُونَ عَنْ الْأَعْمَش وَطُرُقُهُمْ عِنْد النَّسَائِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عُبَيْد اللَّه بْن عَمْرو ) ‏ ‏أَيْ الرَّقِّيُّ ‏ ‏( عَنْ زَيْد بْن أَبِي أَنِيسَة إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا يُخَالِف رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن اِبْن مَغْرَاءَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ شَيْخ الْحَكَم فِيهَا عَطَاء وَفِي هَذِهِ شَيْخه سَعِيد , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون سَمِعَهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا , وَطَرِيق عُبَيْد اللَّه هَذِهِ وَصَلَهَا مُسْلِم أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالرَّاء وَالزَّاي , وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن الْحُسَيْن قَاضِي سِجِسْتَانَ , وَطَرِيقه هَذِهِ وَصَلَهَا اِبْن خُزَيْمَةَ وَالْحَسَن بْن سُفْيَان وَمِنْ جِهَته الْبَيْهَقِيُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1818",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَالْإِسْنَاد كُلّه حِجَازِيُّونَ : الْحُمَيْدِيُّ وَسُفْيَان مَكِّيَّانِ , وَالْبَاقُونَ مَدَنِيُّونَ. وَفِيهِ رِوَايَة الْأَبْنَاء عَنْ الْآبَاء , وَرِوَايَة تَابِعِيٍّ صَغِيرٍ عَنْ تَابِعِيٍّ كَبِيرٍ هِشَام عَنْ أَبِيهِ , وَصَحَابِيٍّ صَغِيرٍ عَنْ صَحَابِيٍّ كَبِيرٍ عَاصِمٍ عَنْ أَبِيهِ , وَكَانَ مَوْلِد عَاصِم فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنْ لَمْ يَسْمَع مِنْهُ شَيْئًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَامٍ \" قَالَ لِي \". ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْل مِنْ هَاهُنَا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ جِهَة الْمَشْرِقِ كَمَا فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِيهِ , وَالْمُرَادُ بِهِ وُجُودُ الظُّلْمَةِ حِسًّا , وَذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثَةَ أُمُور , لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُتَلَازِمَةً فِي الْأَصْل لَكِنَّهَا قَدْ تَكُون فِي الظَّاهِر غَيْرَ مُتَلَازِمَة , فَقَدْ يُظَنُّ إِقْبَالُ اللَّيْل مِنْ جِهَة الْمَشْرِق وَلَا يَكُون إِقْبَاله حَقِيقَةً بَلْ لِوُجُودِ أَمْرٍ يُغَطِّي ضَوْءَ الشَّمْس وَكَذَلِكَ إِدْبَار النَّهَار فَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ \" وَغَرَبَتْ الشَّمْس \" إِشَارَةً إِلَى اِشْتِرَاط تَحَقُّق الْإِقْبَال وَالْإِدْبَار , وَأَنَّهُمَا بِوَاسِطَةِ غُرُوب الشَّمْس لَا بِسَبَبٍ آخَرَ , وَلَمْ يَذْكُر ذَلِكَ فِي الْحَدِيث الثَّانِي فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَى حَالَيْنِ : أَمَّا حَيْثُ ذَكَرَهَا فَفِي حَال الْغَيْم مَثَلًا وَأَمَّا حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهَا فَفِي حَال الصَّحْو , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا فِي حَالَة وَاحِدَة وَحَفِظَ أَحَد الرَّاوِيَيْنِ مَا لَمْ يَحْفَظْ الْآخَرُ , وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْإِقْبَال وَالْإِدْبَار مَعًا لِإِمْكَانِ وُجُود أَحَدهمَا مَعَ عَدَم تَحَقُّقِ الْغُرُوب قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض. وَقَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ \" : الظَّاهِر الِاكْتِفَاء بِأَحَدِ الثَّلَاثَة لِأَنَّهُ يُعْرَفُ اِنْقِضَاء النَّهَار بِأَحَدِهِمَا , وَيُؤَيِّدهُ الِاقْتِصَار فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي أَوْفَى عَلَى إِقْبَال اللَّيْل ‏ ‏قَوْله : ( فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِم ) ‏ ‏أَيْ دَخَلَ فِي وَقْت الْفِطْر كَمَا يُقَالُ أَنْجَدَ إِذَا أَقَامَ بِنَجْدٍ وَأَتْهَمَ إِذَا أَقَامَ بِتِهَامَةَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ فَقَدْ صَارَ مُفْطِرًا فِي الْحُكْم لِكَوْنِ اللَّيْلِ لَيْسَ طَرَفًا لِلصِّيَامِ الشَّرْعِيّ , وَقَدْ رَدَّ اِبْن خُزَيْمَةَ هَذَا الِاحْتِمَالَ وَأَوْمَأَ إِلَى تَرْجِيح الْأَوَّل فَقَالَ : قَوْله \" فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِم \" لَفْظُ خَبَرٍ وَمَعْنَاهُ الْأَمْر أَيْ فَلْيُفْطِرْ الصَّائِم , وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد فَقَدْ صَارَ مُفْطِرًا كَانَ فِطْرُ جَمِيعِ الصُّوَّامِ وَاحِدًا وَلَمْ يَكُنْ لِلتَّرْغِيبِ فِي تَعْجِيل الْإِفْطَار مَعْنًى ا ه. وَقَدْ يُجَاب بِأَنَّ الْمُرَاد فِعْل الْإِفْطَار حِسًّا لِيُوَافِق الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ , وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّل أَرْجَحُ , وَلَوْ كَانَ الثَّانِي مُعْتَمِدًا لَكَانَ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُفْطِرَ فَصَامَ فَدَخَلَ اللَّيْل حَنِثَ بِمُجَرَّدِ دُخُوله وَلَوْ لَمْ يَتَنَاوَل شَيْئًا , وَيُمْكِن الِانْفِصَال عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْف , وَبِذَلِكَ أَفْتَى الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيُّ فِي مِثْل هَذِهِ الْوَاقِعَة بِعَيْنِهَا , وَمِثْل هَذَا لَوْ قَالَ إِنْ أَفْطَرْت فَأَنْتِ طَالِق فَصَادَفَ يَوْم الْعِيد لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَتَنَاوَل مَا يُفْطِر بِهِ , وَقَدْ اِرْتَكَبَ بَعْضهمْ الشَّطَط فَقَالَ يَحْنَث , وَيُرَجِّح الْأَوَّلَ أَيْضًا رِوَايَة شُعْبَة أَيْضًا بِلَفْظِ \" فَقَدْ حَلَّ الْإِفْطَار \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيِّ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ , وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ بَيَان فِي \" بَاب الْوِصَال \" بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1819",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَمَّا غَرَبَتْ الشَّمْسُ قَالَ لِبَعْضِ الْقَوْمِ يَا فُلَانُ قُمْ ‏ ‏فَاجْدَحْ ‏ ‏لَنَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ قَالَ انْزِلْ ‏ ‏فَاجْدَحْ ‏ ‏لَنَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَوْ أَمْسَيْتَ قَالَ انْزِلْ ‏ ‏فَاجْدَحْ ‏ ‏لَنَا قَالَ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا قَالَ انْزِلْ ‏ ‏فَاجْدَحْ ‏ ‏لَنَا فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ فَشَرِبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ إِذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا خَالِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْوَاسِطِي وَالشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" سَمِعْت اِبْن أَبِي أَوْفَى \". ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَر ) ‏ ‏هَذَا السَّفَر يُشْبِهُ أَنْ يَكُون سَفَرَ غَزْوَة الْفَتْح , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة هُشَيْمٍ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَر فِي شَهْر رَمَضَان \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ سَفَره فِي رَمَضَان مُنْحَصِرٌ فِي غَزْوَة بَدْر وَغَزْوَة الْفَتْح , فَإِنْ ثَبَتَ فَلَمْ يَشْهَد اِبْنُ أَبِي أَوْفَى بَدْرًا فَتَعَيَّنَتْ غَزْوَة الْفَتْح. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا غَابَتْ الشَّمْس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" فَلَمَّا غَرَبَتْ الشَّمْس \" وَهِيَ تُفِيد مَعْنًى أَزِيدَ مِنْ مَعْنَى غَابَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لِبَعْضِ الْقَوْم يَا فُلَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عِنْد أَحْمَد \" فَدَعَا صَاحِبَ شَرَابه بِشَرَابِ فَقَالَ لَوْ أَمْسَيْت \" وَسَأَذْكُرُ مَنْ سَمَّاهُ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاجْدَحْ ) ‏ ‏بِالْجِيمِ ثُمَّ الْحَاء الْمُهْمَلَة , وَالْجَدْح تَحْرِيك السَّوِيق وَنَحْوه بِالْمَاءِ بِعُودٍ يُقَال لَهُ الْمِجْدَحُ مُجَنَّح الرَّأْس , وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ مَعْنَى قَوْله اِجْدَحْ لِي أَيْ اِحْلِبْ , وَغَلَّطُوهُ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ عَلَيْك نَهَارًا ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَذْكُور كَانَ يَرَى كَثْرَة الضَّوْء مِنْ شِدَّة الصَّحْو فَيَظُنُّ أَنَّ الشَّمْس لَمْ تَغْرُبْ وَيَقُول لَعَلَّهَا غَطَّاهَا شَيْء مِنْ جَبَلٍ وَنَحْوه , أَوْ كَانَ هُنَاكَ غَيْم فَلَمْ يَتَحَقَّقْ غُرُوب الشَّمْس , وَأَمَّا قَوْل الرَّاوِي \" وَغَرَبَتْ الشَّمْس \" فَإِخْبَارٌ مِنْهُ بِمَا فِي نَفْس الْأَمْر وَإِلَّا فَلَوْ تَحَقَّقَ الصَّحَابِيّ أَنَّ الشَّمْس غَرَبَتْ مَا تَوَقَّفَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُون مُعَانِدًا , وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ اِحْتِيَاطًا وَاسْتِكْشَافًا عَنْ حُكْم الْمَسْأَلَة , قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنَيِّر : يُؤْخَذ مِنْ هَذَا جَوَاز الِاسْتِفْسَار عَنْ الظَّوَاهِر لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُون الْمُرَاد إِمْرَارَهَا عَلَى ظَاهِرهَا , وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ تَقْرِيره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحَابِيّ عَلَى تَرْكِ الْمُبَادَرَة إِلَى الِامْتِثَال. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا اِسْتِحْبَاب تَعْجِيل الْفِطْر , وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ إِمْسَاك جُزْء مِنْ اللَّيْل مُطْلَقًا , بَلْ مَتَى تَحَقَّقَ غُرُوب الشَّمْس حَلَّ الْفِطْر. وَفِيهِ تَذَكُّر الْعَالِم بِمَا يُخْشَى أَنْ يَكُون نَسِيَهُ وَتَرْك الْمُرَاجَعَة لَهُ بَعْد ثَلَاث. وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَات عَنْ الشَّيْبَانِيِّ فِي ذَلِكَ فَأَكْثَر مَا وَقَعَ فِيهَا أَنَّ الْمُرَاجَعَة وَقَعَ ثَلَاثًا وَفِي بَعْضهَا مَرَّتَيْنِ وَفِي بَعْضهَا مَرَّة وَاحِدَة , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ بَعْض الرُّوَاة اِخْتَصَرَ الْقِصَّة , وَرِوَايَة خَالِد الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْبَاب أَتَمّهمْ سِيَاقًا وَهُوَ حَافِظ فَزِيَادَته مَقْبُولَة , وَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يُرَاجَع بَعْد ثَلَاث , وَهُوَ عِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه اِبْن أَبِي حَدْرَد فِي حَدِيثٍ أَوَّله \" كَانَ لِيَهُودِيِّ عَلَيْهِ دَيْن \". وَفِي حَدِيثَيْ الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد بَيَان وَقْت الصَّوْم وَأَنَّ الْغُرُوب مَتَى تَحَقَّقَ كَفَى , وَفِيهِ إِيمَاء إِلَى الزَّجْر عَنْ مُتَابَعَة أَهْل الْكِتَاب فَإِنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَ الْفِطْر عَنْ الْغُرُوب. وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْر الشَّرْعِيّ أَبْلَغُ مِنْ الْحِسِّيِّ , وَأَنَّ الْعَقْل لَا يَقْضِي عَلَى الشَّرْع. وَفِيهِ الْبَيَان بِذِكْرِ اللَّازِم وَالْمَلْزُوم جَمِيعًا لِزِيَادَةِ الْإِيضَاح. ‏"
    },
    {
        "id": "1820",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الشَّيْبَانِيُّ سُلَيْمَانُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ صَائِمٌ فَلَمَّا غَرَبَتْ الشَّمْسُ قَالَ انْزِلْ ‏ ‏فَاجْدَحْ ‏ ‏لَنَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ قَالَ انْزِلْ ‏ ‏فَاجْدَحْ ‏ ‏لَنَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا قَالَ انْزِلْ ‏ ‏فَاجْدَحْ ‏ ‏لَنَا فَنَزَلَ فَجَدَحَ ثُمَّ قَالَ إِذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سِرْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَائِم فَلَمَّا غَرَبَتْ الشَّمْس قَالَ : اِنْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا ) ‏ ‏لَمْ يُسَمِّ الْمَأْمُورَ بِذَلِكَ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَسَمَّاهُ وَلَفْظه \" فَقَالَ يَا بِلَالُ اِنْزِلْ إِلَخْ \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طُرُق عَنْ عَبْد الْوَاحِد وَهُوَ اِبْن زِيَاد شَيْخ مُسَدَّد فِيهِ فَاتَّفَقَتْ رِوَايَاتهمْ عَلَى قَوْله \" يَا فُلَانُ \" فَلَعَلَّهَا تَصَحَّفَتْ , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي حَذْفِ الْبُخَارِيّ لَهَا , وَقَدْ سَبَقَ الْحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله مِنْ رِوَايَة خَالِد مِنْ الشَّيْبَانِيِّ بِلَفْظِ \" يَا فُلَانُ \" وَذَكَرْنَا أَنَّ فِي حَدِيث عُمَر عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ \" قَالَ : قَالَ لِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْل إِلَخْ \" فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْمُخَاطَب بِذَلِكَ عُمَرَ فَإِنَّ الْحَدِيث وَاحِد , فَلَمَّا كَانَ عُمَر هُوَ الْمَقُول لَهُ \" إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْل إِلَخْ \" اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون هُوَ الْمَقُولَ لَهُ أَوَّلًا \" اِجْدَحْ \" لَكِنْ يُؤَيِّدُ كَوْنَهُ بِلَالًا قَوْله فِي رِوَايَة شُعْبَة الْمَذْكُورَة قَبْلُ \" فَدَعَا صَاحِبَ شَرَابِهِ \" فَإِنَّ بِلَالًا هُوَ الْمَعْرُوفُ بِخِدْمَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1821",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ دِينَارٍ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَزَالُ النَّاس بِخَيْرٍ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَا يَزَال الدِّينُ ظَاهِرًا \" وَظُهُور الدِّين مُسْتَلْزِمٌ لِدَوَامِ الْخَيْرِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو ذَرٍّ حَدِيثه \" وَأَخَّرُوا السُّحُورَ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَ \" مَا \" ظَرْفِيَّة , أَيْ مُدَّةَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ اِمْتِثَالًا لِلسُّنَّةِ وَاقِفِينَ عِنْد حَدّهَا غَيْرَ مُتَنَطِّعِينَ بِعُقُولِهِمْ مَا يُغَيِّرُ قَوَاعِدهَا , زَادَ أَبُو هُرَيْرَة فِي حَدِيثه \" لِأَنَّ الْيَهُود وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن خُزَيْمَةَ وَغَيْرهمَا , وَتَأْخِير أَهْل الْكِتَاب لَهُ أَمَدٌ وَهُوَ ظُهُور النَّجْمِ , وَقَدْ رَوَى اِبْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث سَهْل أَيْضًا بِلَفْظِ \" لَا تَزَال أُمَّتِي عَلَى سُنَّتِي مَا لَمْ تَنْتَظِرْ بِفِطْرِهَا النُّجُومَ \" وَفِيهِ بَيَان الْعِلَّة فِي ذَلِكَ , قَالَ الْمُهَلَّبُ : وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يُزَادَ فِي النَّهَار مِنْ اللَّيْل , وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالصَّائِمِ وَأَقْوَى لَهُ عَلَى الْعِبَادَة , وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْس بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِإِخْبَارِ عَدْلَيْنِ , وَكَذَا عَدْلٍ وَاحِد فِي الْأَرْجَح , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِي هَذَا الْحَدِيث رَدٌّ عَلَى الشِّيعَةِ فِي تَأْخِيرهمْ الْفِطْر إِلَى ظُهُور النُّجُوم , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي وُجُودِ الْخَيْر بِتَعْجِيلِ الْفِطْر لِأَنَّ الَّذِي يُؤَخِّرُهُ يَدْخُل فِي فِعْلِ خِلَاف السُّنَّةِ ا ه. وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الزِّيَادَة عِنْد أَبِي دَاوُدَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُون سَبَبَ هَذَا الْحَدِيث , فَإِنَّ الشِّيعَة لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ عِنْد تَحْدِيثه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ , قَالَ الشَّافِعِيّ فِي \" الْأُمّ \" تَعْجِيل الْفِطْر مُسْتَحَبٌّ , وَلَا يُكْرَهُ تَأْخِيره إِلَّا لِمَنْ تَعَمَّدَهُ وَرَأَى الْفَضْلَ فِيهِ , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ التَّأْخِير لَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا , وَهُوَ كَذَلِكَ إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الشَّيْء مُسْتَحَبًّا أَنْ يَكُون نَقِيضُهُ مَكْرُوهًا مُطْلَقًا , وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الْمَالِكِيَّة عَلَى عَدَم اِسْتِحْبَاب سِتَّة شَوَّال لِئَلَّا يَظُنّ الْجَاهِلُ أَنَّهَا مُلْتَحِقَةٌ بِرَمَضَان , وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَا يَخْفَى الْفَرْق. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏مِنْ الْبِدَع الْمُنْكَرَة مَا أُحْدِثَ فِي هَذَا الزَّمَان مِنْ إِيقَاع الْأَذَان الثَّانِي قَبْل الْفَجْر بِنَحْوِ ثُلُثِ سَاعَةٍ فِي رَمَضَان , وَإِطْفَاء الْمَصَابِيح الَّتِي جُعِلَتْ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الْأَكْل وَالشُّرْب عَلَى مَنْ يُرِيد الصِّيَام زَعْمًا مِمَّنْ أَحْدَثَهُ أَنَّهُ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَة وَلَا يَعْلَم بِذَلِكَ إِلَّا آحَاد النَّاس , وَقَدْ جَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ صَارُوا لَا يُؤَذِّنُونَ إِلَّا بَعْد الْغُرُوب بِدَرَجَةٍ لِتَمْكِينِ الْوَقْت زَعَمُوا فَأَخَّرُوا الْفِطْر وَعَجَّلُوا السُّحُور وَخَالَفُوا السُّنَّةَ , فَلِذَلِكَ قَلَّ عَنْهُمْ الْخَيْر كَثِيرٌ فِيهِمْ الشَّرُّ , وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1822",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ فَصَامَ حَتَّى أَمْسَى قَالَ لِرَجُلٍ انْزِلْ ‏ ‏فَاجْدَحْ ‏ ‏لِي قَالَ لَوْ انْتَظَرْتَ حَتَّى تُمْسِيَ قَالَ انْزِلْ ‏ ‏فَاجْدَحْ ‏ ‏لِي إِذَا رَأَيْتَ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَيَّاشٍ عَنْ سُلَيْمَان هُوَ أَبُو إِسْحَاق الشَُّيْبَانِيُّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيث اِبْن أَبِي أَوْفَى قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1823",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ ‏ ‏قِيلَ ‏ ‏لِهِشَامٍ ‏ ‏فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏هِشَامًا ‏ ‏لَا أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ أَبِي أُسَامَةَ \" حَدَّثَنَا هِشَامُ بْن عُرْوَة \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ فَاطِمَةَ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُدَ \" بِنْتِ الْمُنْذِرِ \" وَهِيَ اِبْنَة عَمِّ هِشَامٍ وَزَوْجَتُهُ , وَأَسْمَاء جَدَّتُهُمَا جَمِيعًا. ‏ ‏قَوْله ( يَوْمَ غَيْمٍ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِيهِ بِنَصْبِ يَوْمٍ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ وَابْن خُزَيْمَةَ \" فِي يَوْمِ غَيْمٍ \". ‏ ‏قَوْله ( قِيلَ لِهِشَامٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" قَالَ أَبُو أُسَامَةَ قُلْت لِهِشَامٍ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة فِي مُصَنَّفِهِ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَده عَنْ أَبِي أُسَامَةَ. ‏ ‏قَوْله ( بُدٌّ مِنْ قَضَاء ) ‏ ‏هُوَ اِسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ مَحْذُوفُ الْأَدَاةِ وَالْمَعْنَى لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ \" لَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ مَعْمَر سَمِعْت هِشَامًا يَقُول لَا أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لَا ) ‏ ‏هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ عَبْدُ بْن حُمَيْدٍ قَالَ \" أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ سَمِعْت هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِي آخِره \" فَقَالَ إِنْسَان لِهِشَامٍ أَقَضَوْا أَمْ لَا \" ؟ فَقَالَ \" لَا أَدْرِي \" وَظَاهِر هَذِهِ الرِّوَايَة تُعَارِضُ الَّتِي قَبْلَهَا , لَكِنْ يُجْمَعُ بِأَنَّ جَزْمَهُ بِالْقَضَاءِ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ اِسْتَنَدَ فِيهِ إِلَى دَلِيل آخَر , وَأَمَّا حَدِيث أَسْمَاء فَلَا يُحْفَظُ فِيهِ إِثْبَات الْقِصَاء وَلَا نَفْيُهُ , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى إِيجَاب الْقَضَاء , وَاخْتُلِفَ عَنْ عُمَر فَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره مِنْ طَرِيق زَيْد بْن وَهْبٍ عَنْهُ تَرْكَ الْقَضَاء , وَلَفْظ مَعْمَرٍ عَنْ الْأَعْمَش عَنْ زَيْد \" فَقَالَ عُمَر : لِمَ نَقْضِ وَاَللَّهِ مَا يُجَانِفُنَا الْإِثْمُ \" وَرَوَى مَالِك مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَر أَنَّهُ قَالَ لَمَّا أَفْطَرَ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ \" الْخَطْبُ يَسِير وَقَدْ اِجْتَهَدْنَا \" وَزَادَ عَبْد الرَّزَّاق فِي رِوَايَته مِنْ هَذَا الْوَجْه \" نَقْضِي يَوْمًا \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن حَنْظَلَة عَنْ أَبِيهِ نَحْوه , وَرَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور وَفِيهِ \" فَقَالَ مَنْ أَفْطَرَ مِنْكُمْ فَلْيَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ \" وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عُمَر نَحْوه. وَجَاءَ تَرْكُ الْقَضَاء عَنْ مُجَاهِد وَالْحَسَن وَبِهِ قَالَ إِسْحَاق وَأَحْمَد فِي رِوَايَة وَاخْتَارَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فَقَالَ قَوْل هِشَامٍ لَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاء لَمْ يُسْنِدْهُ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ عِنْدِي أَنَّ عَلَيْهِمْ قَضَاءً , وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ أَنَّهُ لَوْ غُمَّ هِلَال رَمَضَان فَأَصْبَحُوا مُفْطِرِينَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْم مِنْ رَمَضَان فَالْقَضَاء وَاجِب بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِكَ هَذَا. وَقَالَ اِبْن التِّين : لَمْ يُوجِبْ مَالِك الْقَضَاء إِذَا كَانَ فِي صَوْمِ نَذْرٍ , قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر فِي الْحَاشِيَة : فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ إِنَّمَا خُوطِبُوا بِالظَّاهِرِ , فَإِذَا اِجْتَهَدُوا فَأَخْطَئُوا فَلَا حَرَج عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1824",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَرْسَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ قَالَتْ فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا وَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ ‏ ‏الْعِهْنِ ‏ ‏فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ خَالِد بْن ذَكْوَانَ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الْحُسَيْن الْمَدَنِيُّ نَزِيلُ الْبَصْرَة , وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِير \" وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَة سَمَاعٌ مِنْ سِوَى الرُّبَيِّع بِنْتِ مُعَوِّذٍ وَهِيَ مِنْ صِغَار الصَّحَابَةِ , وَلَمْ يُخْرِجْ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيثه عَنْ غَيْرهَا. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الرُّبَيِّع ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ خَالِد \" سَأَلْت الرُّبَيِّع \" وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مُصَغَّرًا وَأَبُوهَا بِكَسْرِ الْوَاوِ وَالتَّشْدِيدِ بِوَزْنِ مُعَلِّمٍ , وَهُوَ اِبْن عَوْف وَيُعْرَفُ بِابْنِ عَفْرَاءَ , يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي وَقْعَةِ بَدْرٍ مِنْ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاة عَاشُورَاء إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِمٌ \" الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَسْمِيَة الرَّسُول بِذَلِكَ فِي \" بَاب إِذَا نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا \". ‏ ‏قَوْله ( صِبْيَاننَا ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِمٌ \" الصِّغَارُ وَنَذْهَبُ بِهِمْ إِلَى الْمَسْجِدِ \". ‏ ‏قَوْله ( مِنْ الْعِهْنِ ) ‏ ‏أَيْ الصُّوف , وَقَدْ فَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي فِي آخَرِ الْحَدِيثِ , وَقِيلَ الْعِهْنُ الصُّوفُ الْمَصْبُوغُ. ‏ ‏قَوْله ( أَعْطَيْنَاهُ فَلَك حَتَّى يَكُون عِنْد الْإِفْطَار ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّانَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَعْطَيْنَاهُ إِيَّاهُ عِنْد الْإِفْطَار \" وَهُوَ مُشْكِلٌ , وَرِوَايَة الْبُخَارِيّ تُوَضِّحُ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْهُ شَيْء , وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ خَالِد بْن ذَكْوَانَ فَقَالَ فِيهِ \" فَإِذَا سَأَلُونَا الطَّعَامَ أَعْطَيْنَاهُمْ اللُّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ \" وَهُوَ يُوَضِّحُ صِحَّة رِوَايَة الْبُخَارِيّ. وَوَقَعَ لِمُسْلِمِ شَكٌّ فِي تَقْيِيدِهِ الصِّبْيَانَ بِالصِّغَارِ , وَهُوَ ثَابِتٌ فِي \" صَحِيح اِبْن خُزَيْمَةَ \" وَغَيْره , وَتَقْيِيده بِالصِّغَارِ لَا يُخْرِجُ الْكِبَار بَلْ يُدْخِلهُمْ مِنْ بَاب الْأَوْلَى , وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي حَدِيث رَزِينَةَ بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الزَّاي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُر مِرْضَعَاتِهِ فِي عَاشُورَاء وَرُضَعَاءَ فَاطِمَةَ فَيَتْفُلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ , وَيَأْمُرُ أُمَّهَاتِهِمْ أَنْ لَا يُرْضَعْنَ إِلَى اللَّيْل \" أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَتَوَقَّفَ فِي صِحَّتِهِ , وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْس بِهِ , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ عَاشُورَاء كَانَ فَرْضًا قَبْل أَنْ يُفْرَض رَمَضَانُ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَّل كِتَاب الصِّيَام , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى صِيَام عَاشُورَاء بَعْد عِشْرِينَ بَابًا , وَفِي الْحَدِيث حُجَّة عَلَى مَشْرُوعِيَّة تَمْرِين الصِّبْيَان عَلَى الصِّيَام كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ مَنْ كَانَ فِي مِثْل السِّنّ الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَهُوَ غَيْر مُكَلَّف , وَإِنَّمَا صَنَعَ لَهُمْ ذَلِكَ لِلتَّمْرِينِ , وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ : لَعَلَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَم بِذَلِكَ , وَيَبْعُد أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعْذِيب صَغِيرٍ بِعِبَادَةٍ غَيْرِ مُتَكَرِّرَةٍ فِي السَّنَةِ , وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيث رَزِينَةَ يَرُدُّ عَلَيْهِ , مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْد أَهْل الْحَدِيث وَأَهْل الْأُصُول أَنَّ الصَّحَابِيّ إِذَا قَالَ فَعَلْنَا كَذَا فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حُكْمُهُ الرَّفْعَ لِأَنَّ الظَّاهِر اِطِّلَاعُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ , وَتَقْرِيرهمْ عَلَيْهِ مَعَ تَوَفُّرِ دَوَاعِيهمْ عَلَى سُؤَالهمْ إِيَّاهُ عَنْ الْأَحْكَام , مَعَ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ فَمَا فَعَلُوهُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1825",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا ‏ ‏تُوَاصِلُوا ‏ ‏قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى أَوْ إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( لَا تُوَاصِلُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق أَبِي سَعِيد مَوْلَى بَنِي هَاشِم عَنْ شُعْبَة بِهَذَا الْإِسْنَاد \" إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ \" وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ \" نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَال \". ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا إِنَّك تُوَاصِل ) ‏ ‏كَذَا فِي أَكْثَر الْأَحَادِيث , وَفِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة الْآتِيَة فِي أَوَّل الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ \" فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ \" وَكَأَنَّ الْقَائِلَ وَاحِدٌ وَنَسَبَ الْقَوْل إِلَى الْجَمِيع لِرِضَاهُمْ بِهِ , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَة الْقَائِل فِي شَيْءٍ مِنْ الطُّرُق. ‏ ‏قَوْله ( لَسْت كَأَحَدٍ مِنْكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" كَأَحَدِكُمْ \" وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" لَسْت مِثْلَكُمْ \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ \" وَفِي حَدِيث أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" لَسْتُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلِي \" وَنَحْوه فِي مُرْسَل الْحَسَن عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْبَاب بَعْده وَأَيُّكُمْ مِثْلِي \" وَهَذَا الِاسْتِفْهَام يُفِيد التَّوْبِيخ الْمُشْعِرَ بِالِاسْتِبْعَادِ , وَقَوْلُهُ \" مِثْلِي \" أَيْ عَلَى صِفَتِي أَوْ مَنْزِلَتِي مِنْ رَبِّي. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي أُطْعَم وَأُسْقَى , أَوْ إِنِّي أَبَيْت أُطْعَم وَأُسْقَى ) ‏ ‏هَذَا الشَّكّ مِنْ شُعْبَة , وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد عَنْ بَهْزٍ عَنْهُ بِلَفْظِ \" إِنَى أَظَلُّ - أَوْ قَالَ - إِنِّي أَبَيْت \" وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ \" إِنَّ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ , وَقَدْ رَوَاهُ ثَابِتًا عَنْ أَنَس كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب التَّمَنِّي \" بِلَفْظِ \" إِنِّي أَظَلّ يُطْعِمنِي رَبَّى وَيَسْقِينِي \" وَبَيَّنَ فِي رِوَايَته سَبَبَ الْحَدِيث وَهُوَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاصَلَ فِي آخِرِ الشَّهْر فَوَاصَلَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابه , فَبَلَغَهُ ذَلِكَ. وَسَيَأْتِي نَحْوه فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث اِبْن عُمَر. ثَانِي الْأَحَادِيث حَدِيث اِبْن عُمَر , أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ نَافِع عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1826",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْوِصَالِ ‏ ‏قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَال ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي \" بَاب بَرَكَة السُّحُور مِنْ غَيْر إِيجَاب \" مِنْ طَرِيق جُوَيْرِيَّة عَنْ نَافِع ذِكْرُ السَّبَب أَيْضًا وَلَفْظه \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاصَلَ فَوَاصَلَ النَّاس , فَشَقَّ عَلَيْهِمْ , فَنَهَاهُمْ \" وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو قُرَّة عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع ; وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن نُمَيْر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع مِثْله وَزَادَ \" فِي رَمَضَان \" لَكِنْ لَمْ يَقُلْ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي أُطْعَم وَأُسْقَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَّةَ الْمَذْكُورَةِ \" إِنِّي أَظَلُّ أُطْعَم وَأُسْقَى \". ثَالِثهَا حَدِيث أَبِي سَعِيد وَسَيَأْتِي بَعْد بَاب , وَفِيهِ \" فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ \". رَابِعُهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1827",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ الْهَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا ‏ ‏تُوَاصِلُوا ‏ ‏فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى ‏ ‏السَّحَرِ ‏ ‏قَالُوا فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1828",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏وَمُحَمَّدٌ ‏ ‏قَالَا أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْوِصَالِ ‏ ‏رَحْمَةً لَهُمْ فَقَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏لَمْ يَذْكُرْ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏رَحْمَةً لَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( عَبْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان. ‏ ‏قَوْله ( رَحْمَةً لَهُمْ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بَيَان السَّبَب أَيْضًا , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ ذِكْرُ الْمَشَقَّة فِي الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّفُ ‏ ‏( لَمْ يَذْكُر عُثْمَانُ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي شَيْبَة شَيْخَهُ فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور ‏ ‏قَوْله ( رَحْمَةً لَهُمْ ) ‏ ‏فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن سَلَام وَحْده , قَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَعُثْمَان اِبْن أَبِي شَيْبَة جَمِيعًا وَفِيهِ \" رَحْمَةً لَهُمْ \" وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي رِوَايَة عُثْمَان. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَالْحَسَن اِبْن سُفْيَان فِي مُسْنَدِيهِمَا عَنْ عُثْمَان وَلَيْسَ فِيهِ \" رَحْمَةً لَهُمْ \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْهُمَا كَذَلِكَ , وَأَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن حَاتِم عَنْ عُثْمَان وَفِيهِ \" رَحْمَةً لَهُمْ \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عُثْمَان كَانَ تَارَةً يَذْكُرُهَا وَتَارَةً يَحْذِفهَا , وَقَدْ رَوَاهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ عَنْ عُثْمَان فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَفْظه \" قَالُوا إِنَّك تُوَاصِل , قَالَ : إِنَّمَا هِيَ رَحْمَة اللَّه بِهَا إِنِّي لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ \" الْحَدِيثَ. وَاسْتُدِلَّ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى أَنَّ الْوِصَال مِنْ خَصَائِصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَلَى أَنَّ غَيْره مَمْنُوع مِنْهُ إِلَّا مَا وَقَعَ فِيهِ التَّرْخِيص مِنْ الْإِذْن فِيهِ إِلَى السَّحَر , ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي الْمَنْع الْمَذْكُور : فَقِيلَ عَلَى سَبِيل التَّحْرِيم وَقِيلَ عَلَى سَبِيل الْكَرَاهَة , وَقِيلَ يَحْرُم عَلَى مَنْ شَقَّ عَلَيْهِ وَيُبَاح لِمَنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ , وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي ذَلِكَ فَنُقِلَ التَّفْصِيل عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُوَاصِل خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا , وَذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ الصَّحَابَة أَيْضًا أُخْت أَبِي سَعِيد وَمِنْ التَّابِعِينَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي نُعْمٍ وَعَامِر بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَإِبْرَاهِيم بْن زَيْد التَّيْمِيُّ وَأَبُو الْجَوْزَاء كَمَا نَقَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي تَرْجَمَته فِي \" الْحِلْيَة \" وَغَيْرهمْ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْره , وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا سَيَأْتِي فِي الْبَاب بَعْده أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاصَلَ بِأَصْحَابِهِ بَعْد النَّهْي فَلَوْ كَانَ النَّهْي لِلتَّحْرِيمِ لَمَا أَقَرَّهُمْ عَلَى فِعْلِهِ , فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّهْيِ الرَّحْمَة لَهُمْ وَالتَّخْفِيفَ عَنْهُمْ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ عَائِشَة فِي حَدِيثهَا , وَهَذَا مِثْلُ مَا نَهَاهُمْ عَنْ قِيَام اللَّيْل خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَض عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ أَنَّهُ فَعَلَهُ مِمَّنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ , وَسَيَأْتِي نَظِير ذَلِكَ فِي صِيَام الدَّهْر , فَمَنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْصِد مُوَافَقَةَ أَهْل الْكِتَاب وَلَا رَغِبَ عَنْ السُّنَّة فِي تَعْجِيل الْفِطْر لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْوِصَال. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى تَحْرِيم الْوِصَال , وَعَنْ الشَّافِعِيَّة فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ : التَّحْرِيم وَالْكَرَاهَة , هَكَذَا اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّوَوِيّ , وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيّ فِي \" الْأُمّ \" عَلَى أَنَّهُ مَحْظُورٌ , وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَنَقَلَ التَّحْرِيمَ عَنْ بَعْض أَهْل الظَّاهِر عَلَى شَكٍّ مِنْهُ فِي ذَلِكَ , وَلَا مَعْنَى لِشَكِّهِ فَقَدْ صَرَّحَ اِبْنُ حَزْمٍ بِتَحْرِيمِهِ وَصَحَّحَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ , وَذَهَبَ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذِر وَابْن خُزَيْمَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمَالِكِيَّة إِلَى جَوَاز الْوِصَال إِلَى السَّحَر لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيد الْمَذْكُور , وَهَذَا الْوِصَال لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا يَتَرَتَّب عَلَى غَيْره إِلَّا أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة بِمَنْزِلَةِ عَشَائِهِ إِلَّا أَنَّهُ يُؤَخِّرُهُ لِأَنَّ الصَّائِمَ لَهُ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة أَكْلَةٌ فَإِذَا أَكَلَهَا السَّحَرَ كَانَ قَدْ نَقَلَهَا مِنْ أَوَّل اللَّيْل إِلَى آخِرِهِ وَكَانَ أَخَفَّ لِجِسْمِهِ فِي قِيَام اللَّيْل , وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى الصَّائِم وَإِلَّا فَلَا يَكُون قُرْبَةً , وَانْفَصَلَ أَكْثَر الشَّافِعِيَّة عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِمْسَاك إِلَى السَّحَر لَيْسَ وِصَالًا بَلْ الْوِصَال أَنْ يُمْسِكَ فِي اللَّيْل جَمِيعه كَمَا يُمْسِك فِي النَّهَار , وَإِنَّمَا أُطْلِقَ عَلَى الْإِمْسَاك إِلَى السَّحَر وِصَالًا لِمُشَابَهَتِهِ الْوِصَالَ فِي الصُّورَة , وَيَحْتَاج إِلَى ثُبُوتِ الدَّعْوَى بِأَنَّ الْوِصَال إِنَّمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِي إِمْسَاك جَمِيع اللَّيْل , وَقَدْ وَرَدَ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوَاصِل مِنْ سَحَرٍ إِلَى سَحَرٍ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَعَبْد الرَّزَّاق مِنْ حَدِيث عَلِيٍّ , وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث جَابِر , وَأَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور مُرْسَلًا مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ وَمِنْ طَرِيق أَبِي قِلَابَةَ , وَأَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق عَطَاء , وَاحْتَجُّوا لِلتَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث الْمُتَقَدِّم \" إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْل مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَار مِنْ هَاهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِم \" إِذْ لَمْ يَجْعَل اللَّيْل مَحَلًّا لِسِوَى الْفِطْر فَالصَّوْم فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِوَضْعِهِ كَيَوْمِ الْفِطْر , وَأَجَابُوا أَيْضًا بِأَنَّ قَوْله \" رَحْمَةً لَهُمْ \" لَا يَمْنَع التَّحْرِيم فَإِنَّ مِنْ رَحْمَته لَهُمْ أَنْ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ , وَأَمَّا مُوَاصَلَتُهُ بِهِمْ بَعْد نَهْيِهِ فَلَمْ يَكُنْ تَقْرِيرًا بَلْ تَقْرِيعًا وَتَنْكِيلًا , فَاحْتَمَلَ مِنْهُمْ ذَلِكَ لِأَجْلِ مُصْلِحَة النَّهْيِ فِي أَكِيد زَجْرِهِمْ , لِأَنَّهُمْ إِذَا بَاشَرُوا ظَهَرَتْ لَهُمْ حِكْمَة النَّهْي وَكَانَ ذَلِكَ أُدْعَى إِلَى قُلُوبِهِمْ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمَلَل فِي الْعِبَادَة وَالتَّقْصِير فِيمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ وَأَرْجَحُ مِنْ وَظَائِف الصَّلَاة وَالْقِرَاءَة وَغَيْر ذَلِكَ , وَالْجُوعُ الشَّدِيدُ يُنَافِي ذَلِكَ , وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْوِصَالَ يَخْتَصّ بِهِ لِقَوْلِهِ \" لَسْت فِي ذَلِكَ مِثْلَكُمْ \" وَقَوْله \" لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ \" هَذَا مَعَ مَا اِنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مِنْ اِسْتِحْبَاب تَعْجِيل الْفِطْر كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابه. قُلْت : وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ الَّذِي قَدَّمْت التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ فِي أَوَائِل الْبَاب , فَإِنَّ الصَّحَابِيّ صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَرِّم الْوِصَال , وَرَوَى الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث سَمُرَةَ \" نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَال , وَلَيْسَ بِالْعَزِيمَةِ \" وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرٍّ \" أَنَّ جِبْرِيل قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّه قَدْ قَبِلَ وِصَالَك وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدَك \" فَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ , وَمِنْ أَدِلَّة الْجَوَاز إِقْدَام الصَّحَابَة عَلَى الْوِصَال بَعْد النَّهْي فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ النَّهْي لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ وَإِلَّا لَمَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ , وَيُؤَيِّدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ أَيْضًا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث بَشِير بْن الْخَصَاصِيَةِ الَّذِي ذَكَرْته فِي أَوَّل الْبَاب سَوَّى فِي عِلَّة النَّهْي بَيْنَ الْوِصَال وَبَيْن تَأْخِيرِ الْفِطْرِ حَيْثُ قَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِنَّهُ فِعْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ , وَلَمْ يَقُلْ أَحَد بِتَحْرِيمِ تَأْخِير الْفِطْر سِوَى بَعْضُ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَهْل الظَّاهِر , وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مَا فِيهِ مِنْ فَطْمِ النَّفْس وَشَهَوَاتِهَا وَقَمْعِهَا عَنْ مَلْذُوذَاتِهَا فَلِهَذَا اِسْتَمَرَّ عَلَى الْقَوْل بِجَوَازِهِ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَم. وَفِي أَحَادِيثِ الْبَاب مِنْ الْفَوَائِدِ اِسْتِوَاءُ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْأَحْكَام , وَأَنَّ كُلّ حُكْم ثَبَتَ فِي حَقّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَتَ فِي حَقّ أُمَّتِهِ إِلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ بِدَلِيلٍ , وَفِيهِ جَوَاز مُعَارَضَةِ الْمُفْتِي فِيمَا أَفْتَى بِهِ إِذَا كَانَ بِخِلَافِ حَالِهِ وَلَمْ يَعْلَم الْمُسْتَفْتِي بِسِرِّ الْمُخَالَفَةِ , وَفِيهِ الِاسْتِكْشَاف عَنْ حِكْمَةِ النَّهْيِ , وَفِيهِ ثُبُوتُ خَصَائِصِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ عُمُوم قَوْله تَعَالَى ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) مَخْصُوص , وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابَة كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَى فِعْلِهِ الْمَعْلُومِ صِفَتُهُ وَيُبَادِرُونَ إِلَى الِائْتِسَاءِ بِهِ إِلَّا فِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ , وَفِيهِ أَنَّ خَصَائِصه لَا يُتَأَسَّى بِهِ فِي جَمِيعهَا , وَقَدْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ , وَقَالَ أَبُو شَامَةَ لَيْسَ لِأَحَدٍ التَّشَبُّهُ بِهِ فِي الْمُبَاح كَالزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَع نِسْوَةٍ , وَيُسْتَحَبُّ التَّنَزُّهُ عَنْ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِ وَالتَّشَبُّهُ بِهِ فِي الْوَاجِب عَلَيْهِ كَالضُّحَى , وَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ فَلَمْ يَتَعَرَّض لَهُ , وَالْوِصَال مِنْهُ فَيَحْتَمِل أَنْ يُقَالَ إِنْ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ لَمْ يُمْنَعْ الِائْتِسَاءُ بِهِ فِيهِ وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِيهِ بَيَانُ قُدْرَةِ اللَّه تَعَالَى عَلَى إِيجَاد الْمُسَبَّبَاتِ الْعَادِيَات مِنْ غَيْر سَبَبٍ ظَاهِرٍ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1829",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْوِصَالِ ‏ ‏فِي الصَّوْمِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَيُّكُمْ مِثْلِي إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ ‏ ‏الْوِصَالِ ‏ ‏وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ فَقَالَ لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَتَابَعَهُ عَقِيل عَنْ الزُّهْرِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب التَّعْزِير \" , وَمَعْمَر كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب التَّمَنِّي , وَيُونُس عِنْد مُسْلِم وَآخَرُونَ. وَخَالَفَهُمْ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن مُسَافِر فَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَلَّقَهُ الْمُصَنِّف فِي الْمُحَارِبِينَ وَفِي التَّمَنِّي , وَلَيْسَ اِخْتِلَافًا ضَارًّا فَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد هَذَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا جَمِيعًا , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن نَمِر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد وَأَبِي سَلَمَة جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَكَذَا ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ الزُّبَيْدِيَّ تَابَعَ اِبْنَ نُمَيْر عَلَى الْجَمْع بَيْنَهُمَا. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَهُ رَجُل ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة عَقِيلٍ الْمَذْكُورَة \" فَقَالَ لَهُ رِجَالٌ \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْوِصَال ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مِنْ الْوِصَال \". ‏ ‏قَوْله ( وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَال ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ أَنَّ قَدْرَ الْمُوَاصَلَة بِهِمْ كَانَتْ يَوْمَيْنِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة مَعْمَر الْمُشَار إِلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله ( لَوْ تَأَخَّرَ ) ‏ ‏أَيْ الشَّهْر ‏ ‏( لَزِدْتُكُمْ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز قَوْل \" لَوْ \" وَحَمْل النَّهْي الْوَارِد فِي ذَلِكَ عَلَى مَا لَا يَتَعَلَّق بِالْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي كِتَاب التَّمَنِّي فِي أَوَاخِر الْكِتَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ \" أَيْ فِي الْوِصَال إِلَى أَنْ تَعْجِزُوا عَنْهُ فَتَسْأَلُوا التَّخْفِيف عَنْكُمْ بِتَرْكِهِ , وَهَذَا كَمَا أَشَارَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا مِنْ حِصَار الطَّائِف فَلَمْ يُعْجِبُهُمْ , فَأَمَرَهُمْ بِمُبَاكَرَةِ الْقِتَال مِنْ الْغَد فَأَصَابَتْهُمْ جِرَاحٌ وَشِدَّةٌ وَأَحَبُّوا الرُّجُوع فَأَصْبَحَ رَاجِعًا بِهِمْ فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ مُوَضَّحًا فِي كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ \" وَوَقَعَ فِيهَا عِنْد الْمُسْتَمْلِي \" كَالْمُنْكَرِ \" بِالرَّاءِ وَسُكُون النُّون مِنْ الْإِنْكَار , وَلِلْحَمَوِيِّ \" كَالْمَنْكِيِّ \" بِتَحْتَانِيَّةِ سَاكِنَة قَبْلهَا كَافٌ مَكْسُورَةٌ حَفِيفَة مِنْ النِّكَايَة , وَالْأَوَّل هُوَ الَّذِي تَضَافَرَتْ بِهِ الرِّوَايَات خَارِجَ هَذَا الْكِتَاب , وَالتَّنْكِيل الْمُعَاقَبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1830",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِيَّاكُمْ ‏ ‏وَالْوِصَالَ ‏ ‏مَرَّتَيْنِ قِيلَ إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ فَاكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرَ مَنْسُوب , وَلِأَبِي ذَرٍّ \" حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن مُوسَى \". ‏ ‏قَوْله ( إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ مَرَّتَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِهَذَا الْإِسْنَاد \" إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ , إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْله مَرَّتَيْنِ اِخْتِصَار مِنْ الْبُخَارِيّ أَوْ شَيْخه , وَأَخْرَجَهُ مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة كَمَا قَالَ أَحْمَد , وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ ثَلَاثَ مَرَّات \" وَإِسْنَاده صَحِيح , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه بِدُونِ قَوْله \" ثَلَاث مَرَّات \" ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي أَبَيْت يُطْعِمنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ ) ‏ ‏كَذَا فِي الطَّرِيقَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْبَاب وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ رِوَايَة فِي حَدِيث أَنَس بِلَفْظِ \" أَظَلُّ \" وَكَذَا فِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مُطْلَق الْكَوْن لَا عَلَى حَقِيقَة اللَّفْظ لِأَنَّ الْمُتَحَدَّثَ عَنْهُ هُوَ الْإِمْسَاك لَيْلًا لَا نَهَارًا ; وَأَكْثَر الرِّوَايَات إِنَّمَا هِيَ \" أَبِيتُ \" وَكَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة عَبَّرَ عَنْهَا بِأَظَلُّ نَظَرًا إِلَى اِشْتِرَاكِهِمَا فِي مُطْلَق الْكَوْن , يَقُولُونَ كَثِيرًا أَضْحَى فُلَان كَذَا مَثَلًا وَلَا يُرِيدُونَ تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِوَقْتِ الضُّحَى , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا ) فَإِنَّ الْمُرَاد بِهِ مُطْلَق الْوَقْت وَلَا اِخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِنَهَارٍ دُون لَيْلٍ , وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد وَسَعِيد بْن مَنْصُور وَابْن أَبِي شَيْبَة كُلّهمْ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" إِنِّي أَظَلُّ عِنْد رَبِّي فَيُطْعِمنِي وَيَسْقِينِي \" وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَد أَيْضًا عَنْ اِبْن نُمَيْر , وَأَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعِيد عَنْ اِبْن نُمَيْر عَنْ الْأَعْمَش , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ عَلِيّ بْن حَرْب عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة كَذَلِكَ , وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق عُبَيْدَة بْن حُمَيْدٍ عَنْ الْأَعْمَش كَذَلِكَ , وَوَقَعَ لِمُسْلِمِ فِيهِ شَيْء غَرِيب فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ اِبْن نُمَيْر عَنْ أَبِيهِ فَقَالَ بِمِثْلِ حَدِيث عِمَارَة عَنْ أَبِي زُرْعَة وَلَفْظ عِمَارَة الْمَذْكُور عِنْده \" إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي \" وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ رِوَايَة اِبْن نُمَيْر عِنْد أَحْمَد فِيهَا \" عِنْد رَبِّي \" وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق عَنْ أَبِي هُرَيْرَة إِلَّا فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح , وَلَمْ يَنْفَرِد بِهَا الْأَعْمَش فَقَدْ أَخْرَجَهَا أَحْمَد أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَاصِم بْن أَبِي النَّجُودِ عَنْ أَبِي صَالِح , وَوَقَعَتْ فِي حَدِيث غَيْر أَبِي هُرَيْرَة , وَأَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي حَدِيث عَائِشَة أَيْضًا عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدِهِ الْمَاضِي فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَ هَذَا بِلَفْظِ \" أَظَلُّ عِنْد اللَّه يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي \" , وَعَنْ عِمْرَانَ بْن مُوسَى عَنْ عُثْمَان بِلَفْظِ \" عِنْد رَبِّي \" وَوَقَعَتْ أَيْضًا كَذَلِكَ عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور وَابْن أَبِي شَيْبَة مِنْ مُرْسَل الْحَسَن بِلَفْظِ \" إِنِّي أَبِيتُ عِنْد رَبِّي \" وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله \" يُطْعِمنِي وَيَسْقِينِي \" فَقِيلَ هُوَ عَلَى حَقِيقَته وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤْتَى بِطَعَامِ وَشَرَاب مِنْ عِنْد اللَّه كَرَامَةً لَهُ فِي لَيَالِي صِيَامه , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن بَطَّال وَمَنْ تَبِعَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُوَاصِلًا , وَبِأَنَّ قَوْله \" يَظَلُّ \" يَدُلُّ عَلَى وُقُوع ذَلِكَ بِالنَّهَارِ فَلَوْ كَانَ الْأَكْل وَالشُّرْب حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ صَائِمًا , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّاجِح مِنْ الرِّوَايَات لَفْظ \" أَبِيت \" دُون أَظَلُّ , وَعَلَى تَقْدِير الثُّبُوت فَلَيْسَ حَمْلُ الطَّعَام وَالشَّرَابِ عَلَى الْمَجَاز بِأَوْلَى لَهُ مِنْ حَمْلِ لَفْظ أَظَلُّ عَلَى الْمَجَازِ , وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَلَا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا يُؤْتَى بِهِ الرَّسُولُ عَلَى سَبِيل الْكَرَامَة مِنْ طَعَام الْجَنَّة وَشَرَابِهَا لَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَام الْمُكَلَّفِينَ فِيهِ كَمَا غُسِلَ صَدْرُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَسْت الذَّهَب , مَعَ أَنَّ اِسْتِعْمَال أَوَانِي الذَّهَب الدُّنْيَوِيَّة حَرَامٌ. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّر فِي الْحَاشِيَة : الَّذِي يُفْطِرُ شَرْعًا إِنَّمَا هُوَ الطَّعَام الْمُعْتَادُ , وَأَمَّا الْخَارِق لِلْعَادَةِ كَالْمُحْضَرِ مِنْ الْجَنَّة فَعَلَى غَيْر هَذَا الْمَعْنَى , وَلَيْسَ تَعَاطِيهِ مِنْ جِنْس الْأَعْمَال وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِنْس الثَّوَاب كَأَكْلِ أَهْل الْجَنَّة فِي الْجَنَّة , وَالْكَرَامَة لَا تُبْطِلُ الْعِبَادَة. وَقَالَ غَيْره : لَا مَانِع مِنْ حَمْل الطَّعَام وَالشَّرَاب عَلَى حَقِيقَتهمَا , وَلَا يَلْزَم شَيْء مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ , بَلْ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ \" أَبِيتُ \" وَأَكْلُهُ وَشُرْبُهُ فِي اللَّيْل مِمَّا يُؤْتَى بِهِ مِنْ الْجَنَّة لَا يَقْطَعُ وِصَالَهُ خُصُوصِيَّةً لَهُ بِذَلِكَ , فَكَأَنَّهُ قَالَ لَمَّا قِيلَ لَهُ : إِنَّك تُوَاصِلُ , فَقَالَ : إِنِّي لَسْت فِي ذَلِكَ كَهَيْئَتِكُمْ أَيْ عَلَى صِفَتكُمْ فِي أَنَّ مَنْ أَكَلَ مِنْكُمْ أَوْ شَرِبَ اِنْقَطَعَ وِصَالُهُ , بَلْ إِنَّمَا يُطْعِمنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي , وَلَا تَنْقَطِعُ بِذَلِكَ مُوَاصَلَتِي , فَطَعَامِي وَشَرَابِي عَلَى غَيْر طَعَامكُمْ وَشَرَابِكُمْ صُورَةً وَمَعْنًى. وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنَيِّر : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَكْله وَشُرْبَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة كَحَالِ النَّائِم الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ الشِّبَعُ وَالرِّيُّ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْب وَيَسْتَمِرُّ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَلَا يَبْطُل بِذَلِكَ صَوْمُهُ وَلَا يَنْقَطِع وِصَاله وَلَا يَنْقُص أَجْره. وَحَاصِله أَنَّهُ يُحْمَل ذَلِكَ عَلَى حَالَة اِسْتِغْرَاقه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحْوَاله الشَّرِيفَة حَتَّى لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ حِينَئِذٍ شَيْء مِنْ الْأَحْوَال الْبَشَرِيَّة. وَقَالَ الْجُمْهُور : قَوْله يُطْعِمنِي وَيَسْقِينِي مَجَاز عَنْ لَازِم الطَّعَام وَالشَّرَاب وَهُوَ الْقُوَّة , فَكَأَنَّهُ قَالَ يُعْطِينِي قُوَّة الْآكِل وَالشَّارِب , وَيُفِيض عَلِيّ مَا يَسُدّ مَسَد الطَّعَام وَالشَّرَاب وَيَقْوَى عَلَى أَنْوَاع الطَّاعَة مِنْ غَيْر ضَعْف فِي الْقُوَّة وَلَا كَلَالٍ فِي الْإِحْسَاس , أَوْ الْمَعْنَى إِنَّ اللَّه يَخْلُقُ فِيهِ مِنْ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ مَا يُغْنِيهِ عَنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب فَلَا يُحِسُّ بِجُوعٍ وَلَا عَطَشٍ , وَالْفَرْق بَيْنه وَبَيْن الْأَوَّل أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّل يُعْطَى الْقُوَّةَ مِنْ غَيْر شِبَعٍ وَلَا رِيٍّ مَعَ الْجُوع وَالظَّمَأ , وَعَلَى الثَّانِي يُعْطَى الْقُوَّة مَعَ الشِّبْع وَالرِّيّ , وَرَجَّحَ الْأَوَّل بِأَنَّ الثَّانِي يُنَافِي حَال الصَّائِم وَيُفَوِّت الْمَقْصُود مِنْ الصِّيَام وَالْوِصَال , لِأَنَّ الْجُوع هُوَ رُوح هَذِهِ الْعِبَادَة بِخُصُوصِهَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَيُبْعِدُهُ أَيْضًا النَّظَرُ إِلَى حَاله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّهُ كَانَ يَجُوعُ أَكْثَرَ مِمَّا يَشْبَعُ وَيَرْبِطُ عَلَى بَطْنِهِ الْحِجَارَةَ مِنْ الْجُوع. قُلْت : وَتَمَسَّكَ اِبْن حِبَّانَ بِظَاهِرِ الْحَال فَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى تَضْعِيف الْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجُوعُ وَيَشُدُّ الْحَجَر عَلَى بَطْنه مِنْ الْجُوعِ , قَالَ : لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى كَانَ يُطْعِمُ رَسُولَهُ وَيَسْقِيهِ إِذَا وَاصَلَ فَكَيْف يَتْرُكهُ جَائِعًا حَتَّى يَحْتَاج إِلَى شَدِّ الْحَجَر عَلَى بَطْنه ؟ ثُمَّ قَالَ : وَمَاذَا يُغْنِي الْحَجَرُ مِنْ الْجُوع ؟ ثُمَّ اِدَّعَى أَنَّ ذَلِكَ تَصْحِيفٌ مِمَّنْ رَوَاهُ وَإِنَّمَا هِيَ الْحُجَز بِالزَّايِ جَمْع حُجْزَة. وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاس مِنْ الرَّدِّ عَلَيْهِ فِي جَمِيع ذَلِكَ , وَأَبْلَغُ مَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِهِ أَنَّهُ أَخْرَجَ فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ \" خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهَاجِرَةِ فَرَأَى أَبَا بَكْر وَعُمَر فَقَالَ : مَا أَخْرَجَكُمَا ؟ قَالَا : مَا أَخْرَجَنَا إِلَّا الْجُوعُ , فَقَالَ : وَأَنَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَخْرَجَنِي إِلَّا الْجُوعُ \" الْحَدِيثَ. فَهَذَا الْحَدِيث يَرُدُّ مَا تَمَسَّكَ بِهِ. وَأَمَّا قَوْله وَمَا يُغْنِي الْحَجَرُ مِنْ الْجُوع ؟ فَجَوَابه أَنَّهُ يُقِيمُ الصُّلْبَ لِأَنَّ الْبَطْنَ إِذَا خَلَا رُبَّمَا ضَعُفَ صَاحِبُهُ عَنْ الْقِيَام لِانْثِنَاءِ بَطْنِهِ عَلَيْهِ , فَإِذَا رَبَطَ عَلَيْهِ الْحَجَر اِشْتَدَّ وَقَوِيَ صَاحِبُهُ عَلَى الْقِيَام , حَتَّى قَالَ بَعْض مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ : كُنْت أَظُنُّ الرِّجْلَيْنِ يَحْمِلَانِ الْبَطْنَ , فَإِذَا الْبَطْن يَحْمِلُ الرِّجْلَيْنِ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" يُطْعِمنِي وَيَسْقِينِي \" أَيْ يَشْغَلُنِي بِالتَّفَكُّرِ فِي عَظَمَته وَالتَّمَلِّي بِمُشَاهَدَتِهِ وَالتَّغَذِّي بِمَعَارِفِهِ وَقُرَّة الْعَيْن بِمَحَبَّتِهِ وَالِاسْتِغْرَاق فِي مُنَاجَاته وَالْإِقْبَال عَلَيْهِ عَنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب. وَإِلَى هَذَا جَنَحَ اِبْن الْقَيِّمِ وَقَالَ : قَدْ يَكُون هَذَا الْغِذَاءُ أَعْظَمَ مِنْ غِذَاء الْأَجْسَاد , وَمَنْ لَهُ أَدْنَى ذَوْقٍ وَتَجْرِبَةٍ يَعْلَمُ اِسْتِغْنَاءَ الْجِسْم بِغِذَاءِ الْقَلْب وَالرُّوح عَنْ كَثِير مِنْ الْغِذَاء الْجُسْمَانِيِّ وَلَا سِيَّمَا الْفَرَح الْمَسْرُور بِمَطْلُوبِهِ , الَّذِي قَرَّتْ عَيْنه بِمَحْبُوبِهِ. ‏ ‏قَوْله ( اِكْلَفُوا ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْكَافِ وَضَمِّ اللَّام أَيْ اِحْمِلُوا الْمَشَقَّة فِي ذَلِكَ , يُقَال كَلِفْت بِكَذَا إِذَا وَلِعْت بِهِ , وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَهُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَكَسْرِ اللَّامِ قَالَ : وَلَا يَصِحُّ لُغَةً. ‏ ‏قَوْله ( بِمَا تُطِيقُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَدَ \" بِمَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج. ‏"
    },
    {
        "id": "1831",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا ‏ ‏تُوَاصِلُوا ‏ ‏فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى ‏ ‏السَّحَرِ ‏ ‏قَالُوا فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي اِبْن أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الْعَزِيز , وَشَيْخه يَزِيد هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن الْهَادِ شَيْخ اللَّيْث فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله فِي هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ , وَعَبْد اللَّه بْن خَبَّاب بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مُثَقَّلَة مَدَنِيٌّ مِنْ مَوَالِي الْأَنْصَار لَمْ أَرَ لَهُ رِوَايَة إِلَّا عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ , وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْمُصَنِّف سَبْعَةَ أَحَادِيث هَذَا ثَانِيهَا , وَتَوَقَّفَ الْجَوْزَقِيّ فِي مَعْرِفَة حَالِهِ , وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيُّ وَغَيْره , وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَة حَدِيث الْوِصَال عَنْ أَبِي سَعِيد بِشْر بْن حَرْب أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ فِي حَدِيث أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ طَرِيق عُبَيْدَة بْن حُمَيْدٍ عَنْ الْأَعْمَش عَنْهُ تَقْيِيد وِصَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ إِلَى السَّحَر , وَلَفْظه \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوَاصِل إِلَى السَّحَر , فَفَعَلَ بَعْض أَصْحَابه ذَلِكَ فَنَهَاهُ , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّك تَفْعَل ذَلِكَ \" الْحَدِيثَ. وَظَاهِرُهُ يُعَارِضُ حَدِيث أَبِي سَعِيد هَذَا , فَإِنَّ مُقْتَضَى حَدِيثِ أَبِي صَالِح النَّهْي عَنْ الْوِصَال إِلَى السَّحَر وَصَرِيح حَدِيث أَبِي سَعِيد الْإِذْن بِالْوِصَالِ إِلَى السَّحَر , وَالْمَحْفُوظ فِي حَدِيث أَبِي صَالِح إِطْلَاق النَّهْي عَنْ الْوِصَال بِغَيْرِ تَقْيِيد بِالسَّحَرِ , وَلِذَلِكَ اِتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمِيع الرُّوَاة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَرِوَايَة عُبَيْدَة بْن حُمَيْدٍ هَذِهِ شَاذَّةٌ , وَقَدْ خَالَفَهُ أَبُو مُعَاوِيَة وَهُوَ أَضْبَطُ أَصْحَاب الْأَعْمَش فَلَمْ يَذْكُر ذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَغَيْره عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة , وَتَابَعَهُ عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ الْأَعْمَش كَمَا تَقَدَّمَ , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ تَكُون رِوَايَة عُبَيْدَة بْن حُمَيْدٍ مَحْفُوظَة فَقَدْ أَشَارَ اِبْن خُزَيْمَةَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنهمَا بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون نَهَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ أَوَّلًا مُطْلَقًا سَوَاءٌ جَمِيعَ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضَهُ , وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي صَالِح , ثُمَّ خُصَّ النَّهْي بِجَمِيعِ اللَّيْل فَأَبَاحَ الْوِصَال إِلَى السَّحَر , وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيث أَبِي سَعِيد , أَوْ يُحْمَل النَّهْي فِي حَدِيث أَبِي صَالِح عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه , وَالنَّهْي فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عَلَى مَا فَوْق السَّحَر عَلَى كَرَاهَة التَّحْرِيم. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1832",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْعُمَيْسِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آخَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏سَلْمَانَ ‏ ‏وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ‏ ‏فَزَارَ ‏ ‏سَلْمَانُ ‏ ‏أَبَا الدَّرْدَاءِ ‏ ‏فَرَأَى ‏ ‏أُمَّ الدَّرْدَاءِ ‏ ‏مُتَبَذِّلَةً ‏ ‏فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنُكِ قَالَتْ أَخُوكَ ‏ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏ ‏لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا فَجَاءَ ‏ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏ ‏فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ كُلْ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ قَالَ فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ ‏ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏ ‏يَقُومُ قَالَ نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ ‏ ‏سَلْمَانُ ‏ ‏قُمْ الْآنَ فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ ‏ ‏سَلْمَانُ ‏ ‏إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَدَقَ ‏ ‏سَلْمَانُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْس ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّر , اِسْمه عُتْبَةُ ; وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيث إِلَّا مِنْ رِوَايَته عَنْ عَوْن بْن أَبِي جُحَيْفَةَ , وَلَا رَأَيْت لَهُ رَاوِيًا عَنْهُ إِلَّا جَعْفَر بْن عَوْن , وَإِلَى تَفَرُّدِهِمَا بِذَلِكَ أَشَارَ الْبَزَّار. ‏ ‏قَوْله ( آخَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن سَلْمَان وَأَبِي الدَّرْدَاء ) ‏ ‏ذَكَرَ أَصْحَابُ الْمَغَازِي أَنَّ الْمُؤَاخَاةَ بَيْن الصَّحَابَة وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ : الْأُولَى قَبْلَ الْهِجْرَة بَيْن الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً عَلَى الْمُوَاسَاة وَالْمُنَاصَرَة , فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ أُخُوَّةُ زَيْد بْن حَارِثَةَ وَحَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَّلِب. ثُمَّ آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار بَعْد أَنْ هَاجَرَ وَذَلِكَ بَعْد قُدُومه الْمَدِينَة , وَسَيَأْتِي فِي أَوَّل كِتَاب الْبَيْع حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف \" لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَة آخَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنِي وَبَيْن سَعْد بْن الرَّبِيع \" وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد قُدُومه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسَةِ أَشْهُر وَالْمَسْجِد يُبْنَى , وَقَدْ سَمَّى اِبْن إِسْحَاق مِنْهُمْ جَمَاعَة مِنْهُمْ أَبُو ذَرّ وَالْمُنْذِر بْن عَمْرو , فَأَبُو ذَرّ مُهَاجِرِيٌّ وَالْمُنْذِرُ أَنْصَارِيٌّ. وَأَنْكَرَهُ الْوَاقِدِيّ لِأَنَّ أَبَا ذَرٍّ مَا كَانَ قَدِمَ الْمَدِينَة بَعْدُ , وَإِنَّمَا قَدِمَهَا بَعْد سَنَةِ ثَلَاثٍ. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَيْضًا الْأُخُوَّةَ بَيْنَ سَلْمَان وَأَبِي الدَّرْدَاء كَاَلَّذِي هُنَا , وَتَعَقَّبَهُ الْوَاقِدِيّ أَيْضًا فِيمَا حَكَاهُ اِبْن سَعْد أَنَّ سَلْمَان إِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْد وَقْعَة أُحُدٍ وَأَوَّل مُشَاهَدِهِ الْخَنْدَقُ , وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ كُلّه أَنَّ التَّارِيخ الْمَذْكُور لِلْهِجْرَةِ الثَّانِيَة هُوَ اِبْتِدَاء الْأُخُوَّة , ثُمَّ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَاخِي بَيْن مَنْ يَأْتِي بَعْد ذَلِكَ وَهَلُمَّ جَرًّا , وَلَيْسَ بِاللَّازِمِ أَنْ تَكُون الْمُؤَاخَاةُ وَقَعَتْ دَفْعَةً وَاحِدَة حَتَّى يَرِدَ هَذَا التَّعَقُّب , فَصَحَّ مَا قَالَهُ اِبْن إِسْحَاق وَأَيَّدَهُ هَذَا الْخَبَر الَّذِي فِي الصَّحِيح وَارْتَفَعَ الْإِشْكَال بِهَذَا التَّقْرِير وَلِلَّهِ الْحَمْد. وَاعْتَرَضَ الْوَاقِدِيّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَرُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ كُلَّ مُؤَاخَاةٍ وَقَعَتْ بَعْد بَدْرٍ يَقُول : قَطَعَتْ بَدْر الْمَوَارِيثَ. قُلْت : وَهَذَا لَا يَدْفَع الْمُؤَاخَاة مِنْ أَصْلِهَا , وَإِنَّمَا يَدْفَع الْمُؤَاخَاةَ الْمَخْصُوصَةَ الَّتِي كَانَتْ عُقِدَتْ بَيْنَهُمْ لِيَتَوَارَثُوا بِهَا , فَلَا يَلْزَم مِنْ نَسْخِ التَّوَارُث الْمَذْكُورِ أَنْ لَا تَقْعَ الْمُؤَاخَاةُ بَعْد ذَلِكَ عَلَى الْمُوَاسَاة وَنِحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ الْمُؤَاخَاة بَيْنَ سَلْمَان وَأَبِي الدَّرْدَاء مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ غَيْر هَذِهِ , وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِي \" مُعْجَم الصَّحَابَة \" مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن سُلَيْمَان عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ \" آخَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَبِي الدَّرْدَاء وَسَلْمَان \" فَذَكَرَ قِصَّةً لَهُمَا غَيْر الْمَذْكُورَة هُنَا , وَرَوَى اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق حُمَيْدِ بْن هِلَال قَالَ \" آخَى بَيْن سَلْمَان وَأَبِي الدَّرْدَاء فَنَزَلَ سَلْمَان الْكُوفَة وَنَزَلَ أَبُو الدَّرْدَاء الشَّام \" وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. ‏ ‏قَوْله ( فَزَارَ سَلْمَان أَبَا الدَّرْدَاء ) ‏ ‏يَعْنِي فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَوَجَدَ أَبَا الدَّرْدَاء غَائِبًا. ‏ ‏قَوْله ( مُتَبَذِّلَةً ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الذَّال الْمُعْجَمَة الْمَكْسُورَة أَيْ لَابِسَة ثِيَاب الْبِذْلَة بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُون الذَّال وَهِيَ الْمِهْنَة وَزْنًا وَمَعْنًى , وَالْمُرَاد أَنَّهَا تَارِكَة لِلُبْسِ ثِيَاب الزِّينَة. ولِلكُشْمِيهَنِيِّ \" مُبْتَذَلَة \" بِتَقْدِيمِ الْمُوَحَّدَة وَالتَّخْفِيف وَزْنَ مُفْتَعَلَةٍ وَالْمَعْنَى وَاحِد. وَفِي تَرْجَمَة سَلْمَان مِنْ \" الْحِلْيَة لِأَبِي نُعَيْم \" بِإِسْنَادٍ آخَر إِلَى أُمّ الدَّرْدَاء عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء أَنَّ سَلْمَان دَخَلَ عَلَيْهِ فَرَأَى اِمْرَأَته رَثَّةَ الْهَيْئَة فَذَرَّ الْقِصَّة مُخْتَصَرَةً. وَأُمّ الدَّرْدَاء هَذِهِ هِيَ خِيرَة بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بِنْت أَبِي حَدْرَد الْأَسْلَمِيَّة صَحَابِيَّة بِنْت صَحَابِيّ , وَحَدِيثهَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُسْنَد أَحْمَد وَغَيْره , وَمَاتَتْ أُمّ الدَّرْدَاء هَذِهِ قَبْلَ أَبِي الدَّرْدَاء , وَلِأَبِي الدَّرْدَاء أَيْضًا اِمْرَأَة أُخْرَى يُقَال لَهَا أُمّ الدَّرْدَاء تَابِعِيَّة اِسْمهَا هَجِيمَة عَاشَتْ بَعْدَهُ دَهْرًا وَرَوَتْ عَنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي كِتَاب الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنُك ) ‏ ‏؟ زَادَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَته عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" يَا أُمّ الدَّرْدَاء أَمُتَبَذِّلَة ؟ \". ‏ ‏قَوْله ( لَيْسَ لَهُ حَاجَة فِي الدُّنْيَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَعْفَر بْن عَوْن \" فِي نِسَاء الدُّنْيَا \" وَزَادَ فِيهِ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ يُوسُف بْن مُوسَى عَنْ جَعْفَر بْن عَوْن \" يَصُوم النَّهَار وَيَقُوم اللَّيْل \". ‏ ‏قَوْله ( فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاء فَصَنَعَ لَهُ ) ‏ ‏زَادَ التِّرْمِذِيُّ \" فَرَحَّبَ بِسَلْمَانَ وَقَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَامًا \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَهُ كُلْ , قَالَ فَإِنِّي صَائِم ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ , وَالْقَائِل \" كُلْ \" هُوَ سَلْمَان وَالْمَقُول لَهُ أَبُو الدَّرْدَاء وَهُوَ الْمُجِيبُ بِإِنِّي صَائِمٌ , وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ \" فَقَالَ كُلْ فَإِنِّي صَائِم \" وَعَلَى هَذَا فَالْقَائِل أَبُو الدَّرْدَاء وَالْمَقُول لَهُ سَلْمَان وَكِلَاهُمَا يُحْتَمَلُ , وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَلْمَان وَهُوَ الضَّيْفُ أَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْ طَعَام أَبِي الدَّرْدَاء حَتَّى يَأْكُلَ مَعَهُ , وَغَرَضُهُ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ رَأْيه فِيمَا يَصْنَعُهُ مِنْ جَهْدِ نَفْسه فِي الْعِبَادَة وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا شَكَتْهُ إِلَيْهِ اِمْرَأَته. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْبَزَّار عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" فَقَالَ أَقْسَمْت عَلَيْك لَتُفْطِرَن \" وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ يُوسُف بْن مُوسَى , وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن مُسْلِم وَغَيْره وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر وَعُثْمَان اِبْنَيْ أَبِي شَيْبَة وَالْعَبَّاس بْن عَبْد الْعَظِيم , وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق أَبِي خَثْيَمَةَ كُلّهمْ عَنْ جَعْفَر بْن عَوْن بِهِ , فَكَأَنَّ مُحَمَّد بْن بَشَّار لَمْ يَذْكُر هَذِهِ الْجُمْلَة لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيّ , وَبَلَغَ الْبُخَارِيّ ذَلِكَ مِنْ غَيْره فَاسْتَعْمَلَ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي التَّرْجَمَة مُشِيرًا إِلَى صِحَّتهَا وَإِنَّ لَمْ تَقَع فِي رِوَايَته , وَقَدْ أَعَادَهُ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْأَدَب عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار بِهَذَا الْإِسْنَاد وَلَمْ يَذْكُرهَا أَيْضًا , وَأَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ قَوْل بَعْض الشُّرَّاح كَابْنِ الْمُنَيِّر : إِنَّ الْقَسَم فِي هَذَا السِّيَاق مُقَدَّرٌ قَبْل لَفْظ \" مَا أَنَا بِآكِلٍ \" كَمَا قُدِّرَ فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) وَتَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَب \" بَابٌ صُنْعُ الطَّعَام وَالتَّكَلُّف لِلضَّعِيفِ \" وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ سَلْمَان فِي النَّهْي عَنْ التَّكَلُّف لِلضَّيْفِ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَغَيْره بِسَنَدٍ لَيِّنٍ , وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّهُ يُقَرِّبُ لِضَيْفِهِ مَا عِنْده وَلَا يَتَكَلَّف مَا لَيْسَ عِنْده , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْده شَيْء فَيَسُوغُ حِينَئِذٍ التَّكَلُّفُ بِالطَّبْخِ وَنَحْوه. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل ) ‏ ‏أَيْ فِي أَوَّله , وَفِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره \" ثُمَّ بَاتَ عِنْده \". ‏ ‏قَوْله ( يَقُوم فَقَالَ نَمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَغَيْره \" فَقَالَ لَهُ سَلْمَان نَمْ \" زَادَ اِبْن سَعْد مِنْ وَجْه آخَر مُرْسَل \" فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاء أَتَمْنَعُنِي أَنْ أَصُومَ لِرَبِّي وَأُصَلِّيَ لِرَبِّي \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ اللَّيْل ) أَيْ عِنْد السَّحَر , وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ , وَعِنْد التِّرْمِذِيّ \" فَلَمَّا كَانَ عِنْد الصُّبْحِ \" ولِلدّارَقُطْنِيِّ \" فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْه الصُّبْح \". ‏ ‏قَوْله ( فَصَلَّيَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ \" فَقَامَا فَتَوَضَّآ ثُمَّ رَكَعَا ثُمَّ خَرَجَا إِلَى الصَّلَاة \". ‏ ‏قَوْله ( وَلِأَهْلِك عَلَيْك حَقًّا ) ‏ ‏زَادَ التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ \" وَلِضَيْفِك عَلَيْك حَقًّا \" زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ \" فَصُمْ وَأَفْطِرْ , وَصَلِّ وَنَمْ , وَائْتِ أَهْلَك \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ \" فَأَتَيَا \" بِالتَّثْنِيَةِ , وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيِّ \" ثُمَّ خَرَجَا إِلَى الصَّلَاة , فَدَنَا أَبُو الدَّرْدَاء لِيُخْبِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاَلَّذِي قَالَ لَهُ سَلْمَان , فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا الدَّرْدَاء إِنَّ لِجَسَدِك عَلَيْك حَقًّا \" مِثْل مَا قَالَ سَلْمَان , فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ إِلَيْهِمَا بِأَنَّهُ عَلِمَ بِطَرِيقِ الْوَحْي مَا دَارَ بَيْنهمَا , وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن بَشَّار , فَيَحْتَمِل الْجَمْعَ بَيْن الْأَمْرَيْنِ أَنَّهُ كَاشَفَهُمَا بِذَلِكَ أَوَّلًا ثُمَّ أَطْلَعَهُ أَبُو الدَّرْدَاء عَلَى صُورَة الْحَال فَقَالَ لَهُ : صَدَقَ سَلْمَان. وَرَوَى هَذَا الْحَدِيث الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ مُرْسَلًا فَعَيَّنَ اللَّيْلَة الَّتِي بَاتَ سَلْمَان فِيهَا عِنْد أَبِي الدَّرْدَاء وَلَفْظه قَالَ \" كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء يُحْيِي لَيْلَة الْجُمُعَة وَيَصُوم يَوْمهَا , فَأَتَاهُ سَلْمَان \" فَذَكَرَ الْقِصَّة مُخْتَصَرَةً وَزَادَ فِي آخِرهَا \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عُوَيْمِر , سَلْمَان أَفْقَهُ مِنْك \" اِنْتَهَى , وَعُوَيْمِر اِسْم أَبِي الدَّرْدَاء. وَفِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم الْمَذْكُورَة آنِفًا \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ أُوتِيَ سَلْمَان مِنْ الْعِلْم \" وَفِي رِوَايَة اِبْن سَعْد الْمَذْكُورَة \" لَقَدْ أُشْبِعَ سَلْمَان عِلْمًا \". وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد مَشْرُوعِيَّةُ الْمُؤَاخَاة فِي اللَّه , وَزِيَارَةُ الْإِخْوَان وَالْمَبِيت عِنْدهمْ , وَجَوَاز مُخَاطَبَةِ الْأَجْنَبِيَّة , وَالسُّؤَال عَمَّا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْمَصْلَحَةُ وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِر لَا يَتَعَلَّق بِالسَّائِلِ , وَفِيهِ النُّصْح لِلْمُسْلِمِ وَتَنْبِيه مَنْ أَغْفَلَ , وَفِيهِ فَضْل قِيَام آخِر اللَّيْل , وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة تَزَيُّنِ الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا , وَثُبُوتُ حَقّ الْمَرْأَة عَلَى الزَّوْج فِي حُسْن الْعِشْرَة , وَقَدْ يُؤْخَذ مِنْهُ ثُبُوت حَقّهَا فِي الْوَطْء لِقَوْلِهِ \" وَلِأَهْلِك عَلَيْك حَقًّا \" ثُمَّ قَالَ \" وَائْتِ أَهْلَك \" وَقَرَّرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَاز النَّهْي عَنْ الْمُسْتَحَبَّات إِذَا خَشِيَ أَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى السَّآمَة وَالْمَلَل وَتَفْوِيت الْحُقُوق الْمَطْلُوبَة الْوَاجِبَة أَوْ الْمَنْدُوبَة الرَّاجِح فِعْلُهَا عَلَى فِعْل الْمُسْتَحَبّ الْمَذْكُور , وَإِنَّمَا الْوَعِيد الْوَارِد عَلَى مِنْ نَهَى مُصَلِّيًا عَنْ الصَّلَاة مَخْصُوص بِمَنْ نَهَاهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا. وَفِيهِ كَرَاهِيَة الْحَمْل عَلَى النَّفْس فِي الْعِبَادَة , وَسَيَأْتِي مَزِيد بَيَان لِذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو اِبْن الْعَاصِ. وَفِيهِ جَوَاز الْفِطْر مِنْ صَوْم التَّطَوُّع كَمَا تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّف , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور وَلَمْ يَجْعَلُوا عَلَيْهِ قَضَاء إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لَهُ ذَلِكَ , وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا كَمَنْ ذَهَبَ بِمَالٍ لِيَتَصَدَّقَ بِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ أَوْ تَصَدَّقَ بِبَعْضِهِ وَأَمْسَكَ بَعْضه , وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئ \" أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ صَائِمَة فَدَعَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ , ثُمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ , ثُمَّ سَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : أَكَنَّتْ تَقْضِينَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَان ؟ قَالَتْ لَا , قَالَ : فَلَا بَأْس \" وَفِي رِوَايَة \" إِنْ كَانَ مِنْ قَضَاءٍ فَصَوْمِي مَكَانه , وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَإِنْ شِئْت فَاقْضِهِ وَإِنْ شِئْت فَلَا تَقْضِهِ , أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّل الْبَاب. وَعَنْ مَالِك الْجَوَاز وَعَدَم الْقَضَاء بِعُذْرٍ , وَالْمَنْع وَإِثْبَات الْقَضَاء بِغَيْرِ عُذْر. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة يَلْزَمُهُ الْقَضَاء مُطْلَقًا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْره وَشُبِّهَ بِمَنْ أَفْسَدَ حَجَّ التَّطَوُّعِ فَإِنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ اِتِّفَاقًا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَجّ اِمْتَازَ بِأَحْكَامِ لَا يُقَاسَ غَيْره عَلَيْهِ فِيهَا , فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ يُؤْمَرُ مُفْسِدُهُ بِالْمُضِيِّ فِي فَاسِدِهِ وَالصِّيَام لَا يُؤْمَرُ مُفْسِدُهُ بِالْمُضِيِّ فِيهِ فَافْتَرَقَا , وَلِأَنَّهُ قِيَاس فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ , وَأَغْرَبَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَم وُجُوب الْقَضَاء عَمَّنْ أَفْسَدَ صَوْمه بِعُذْرٍ , وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ الْقَضَاء بِمَا رَوَى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن بَرْقَان عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" كُنْت أَنَا وَحَفْصَة صَائِمَتَيْنِ , فَعُرِضَ لَنَا طَعَام اِشْتَهَيْنَاهُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ , فَجَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَدَرَتْنِي إِلَيْهِ حَفْصَة وَكَانَتْ بِبَيْتِ أَبِيهَا فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه \" فَذَكَرَتْ ذَلِكَ فَقَالَ \" اِقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ \" قَالَ التِّرْمِذِيّ : رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَفْصَة وَصَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر عَنْ الزُّهْرِيِّ مِثْل هَذَا , وَرَوَاهُ مَالِك وَمَعْمَر وَزِيَاد بْن سَعْد وَابْن عُيَيْنَةَ وَغَيْرهمْ مِنْ الْحُفَّاظ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَة مُرْسَلًا وَهُوَ أَصَحّ لِأَنَّ اِبْن جُرَيْجٍ ذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْهُ فَقَالَ : لَمْ أَسْمَع مِنْ عُرْوَة فِي هَذَا شَيْئًا , وَلَكِنْ سَمِعْت مِنْ نَاسٍ عَنْ بَعْض مَنْ سَأَلَ عَائِشَة , فَذَكَرَهُ ثُمَّ أَسْنَدَهُ كَذَلِكَ , وَقَالَ النَّسَائِيُّ : هَذَا خَطَأٌ ; وَقَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ فِي رِوَايَته : سُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنْهُ أَهْوَ عَنْ عُرْوَة ؟ فَقَالَ لَا. وَقَالَ الْخَلَّالُ : اِتَّفَقَ الثِّقَات عَلَى إِرْسَاله , وَشَذَّ مَنْ وَصَلَهُ. وَتَوَارَدَ الْحُفَّاظ عَلَى الْحُكْم بِضَعْفِ حَدِيث عَائِشَة هَذَا. وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ لَا يُوثَقُ بِهِ عَنْ مَالِك مَوْصُولًا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" , وَبَيَّنَ مَالِك فِي رِوَايَته فَقَالَ : إِنَّ صِيَامَهُمَا كَانَ تَطَوُّعًا. وَلَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق زَمِيل عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة , وَضَعَّفَهُ أَحْمَد وَالْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيُّ بِجَهَالَةِ حَال زَمِيل , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون مَحْفُوظًا فَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُفْطِر مِنْ صَوْم التَّطَوُّع كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي \" بَاب مَنْ نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا \" وَزَادَ فِيهِ بَعْضهمْ \" فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ : لَكِنْ أَصُومُ يَوْمًا مَكَانه \" وَقَدْ ضَعَّفَ النَّسَائِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَة وَحَكَمَ بِخَطَئِهَا , وَعَلَى تَقْدِير الصِّحَّة فَيُجْمَع بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْأَمْر بِالْقَضَاءِ عَلَى النَّدْب , وَأَمَّا قَوْل الْقُرْطُبِيّ : يُجَابُ عَنْ حَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ بِأَنَّ إِفْطَار أَبِي الدَّرْدَاء كَانَ لِقَسَمِ سَلْمَان وَلِعُذْرِ الضِّيَافَةِ , فَيُتَوَقَّف عَلَى أَنَّ هَذَا الْعُذْرَ مِنْ الْأَعْذَار الَّتِي تُبِيح الْإِفْطَار , وَقَدْ نَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ مَذْهَب مَالِك أَنَّهُ لَا يُفْطِر لِضَيْفٍ نَزَلَ بِهِ وَلَا لِمَنْ حَلَفَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ , وَكَذَا لَوْ حَلَفَ هُوَ بِاَللَّهِ لَيُفْطِرَن كَفَّرَ وَلَا يُفْطِرُ , وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ حَدِيث أَنَسٍ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا زَارَ أُمَّ سُلَيْمٍ لَمْ يُفْطِرْ \" وَكَانَ صَائِمًا تَطَوُّعًا , وَقَدْ أَنْصَفَ اِبْن الْمُنَيِّر فِي الْحَاشِيَة فَقَالَ : لَيْسَ فِي تَحْرِيم الْأَكْل فِي صُورَة النَّفْلِ مِنْ غَيْر عُذْر إِلَّا الْأَدِلَّةُ الْعَامَّةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) إِلَّا أَنَّ الْخَاصَّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامّ كَحَدِيثِ سَلْمَان , وَقَوْلُ الْمُهَلَّبِ إِنَّ أَبَا الدَّرْدَاء أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا وَمُجْتَهِدًا فَيَكُون مَعْذُورًا فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ لَا يَنْطَبِق عَلَى مَذْهَب مَالِك , فَلَوْ أَفْطَرَ أَحَد بِمِثْلِ عُذْر أَبِي الدَّرْدَاء عِنْده لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاء. ثُمَّ إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوَّبَ فِعْل أَبِي الدَّرْدَاء فَتَرْقَى عَنْ مَذْهَب الصَّحَابِيِّ إِلَى نَصِّ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَمَنْ اِحْتَجَّ فِي هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) فَهُوَ جَاهِلٌ بِأَقْوَالِ أَهْل الْعِلْم , فَإِنَّ الْأَكْثَر عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ النَّهْي عَنْ الرِّيَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ : لَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ بِالرِّيَاءِ بَلْ أَخْلِصُوهَا لِلَّهِ. وَقَالَ آخَرُونَ : لَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ بِارْتِكَابِ الْكَبَائِر. وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد بِذَلِكَ النَّهْيَ عَنْ إِبْطَالِ مَا لَمْ يَفْرِضْهُ اللَّه عَلَيْهِ وَلَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسه بِنَذْرٍ وَغَيْره لَامْتَنَعَ عَلَيْهِ الْإِفْطَار إِلَّا بِمَا يُبِيح الْفِطْر مِنْ الصَّوْم الْوَاجِب وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏هَذِهِ التَّرْجَمَة الَّتِي فَرَغْنَا مِنْهَا الْآن أَوَّل أَبْوَاب التَّطَوُّع , بَدَأَ الْمُصَنِّف مِنْهَا بِحُكْمِ صَوْم التَّطَوُّع هَلْ يَلْزَم تَمَامُهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ أَمْ لَا ؟ ثُمَّ أَوْرَدَ بَقِيَّة أَبْوَابه عَلَى مَا اِخْتَارَهُ مِنْ التَّرْتِيب. ‏"
    },
    {
        "id": "1833",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي النَّضْر ) ‏ ‏هُوَ سَالِمٌ الْمَدَنِيُّ زَادَ مُسْلِم \" مَوْلَى عُمَر بْن عُبَيْد اللَّه \" وَفِي رِوَايَة اِبْن وَهْبٍ عِنْد النَّسَائِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي \" الْغَرَائِب \" عَنْ مَالِك عَنْ أَبِي النَّضْر أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة أَنَّ عَائِشَة حَدَّثَتْهُ , وَهُوَ فِي ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب. وَقَوْله فِيهِ \" عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَة \" فِي رِوَايَة مُسْلِم \" عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير \" وَاتَّفَقَ أَبُو النَّضْر وَيَحْيَى وَوَافَقَهُمَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم وَزَيْد بْن أَبِي عَتَّاب عِنْد النَّسَائِيِّ وَمُحَمَّد بْن عَمْرو عِنْد التِّرْمِذِيّ عَلَى رِوَايَتهمْ إِيَّاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة , وَخَالَفَهُمْ يَحْيَى بْن سَعِيد وَسَالِمُ بْن أَبِي الْجَعْد فَرَوَيَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أُمّ سَلَمَة أَخْرُجهُمَا النَّسَائِيُّ , وَقَالَ التِّرْمِذِيّ عَقِب طَرِيق سَالِمِ بْن أَبِي الْجَعْد : هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبُو سَلَمَة رَوَاهُ عَنْ كُلّ مِنْ عَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة تَارَةً وَعَنْ أُمّ سَلَمَة تَارَةً أُخْرَى أَخْرَجَهُمَا النَّسَائِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَكْثَرَ صِيَامًا ) ‏ ‏كَذَا لِأَكْثَر الرُّوَاة بِالنَّصْبِ , وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ , أَنَّهُ رَوَى بِالْخَفْضِ , وَهُوَ وَهْمٌ وَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ كَتَبَ صِيَامًا بِغَيْرِ أَلْف عَلَى رَأْي مَنْ يَقِف عَلَى الْمَنْصُوبِ بِغَيْرِ أَلْفٍ فَتُوُهِّمَ مَخْفُوضًا , أَوْ أَنَّ بَعْض الرُّوَاة ظَنَّ أَنَّهُ مُضَاف لِأَنَّ صِيغَة أَفْعَلَ تُضَافُ كَثِيرًا فَتَوَهَّمَهَا مُضَافَةً , وَذَلِكَ لَا يَصِحّ هُنَا قَطْعًا. وَقَوْله \" أَكْثَرَ \" بِالنَّصْبِ وَهُوَ ثَانِي مَفْعُولَيْ رَأَيْت , وَقَوْله \" فِي شَعْبَان \" يَتَعَلَّق بِصِيَامًا وَالْمَعْنَى كَانَ يَصُومُ فِي شَعْبَان وَغَيْره , وَكَانَ صِيَامه فِي شَعْبَان تَطَوُّعًا أَكْثَرَ مِنْ صِيَامه فِيمَا سِوَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ شَعْبَان ) ‏ ‏زَادَ حَدِيث يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير \" فَإِنَّهُ كَانَ يَصُوم شَعْبَان كُلّه \" زَادَ اِبْن أَبِي لَبِيد عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة عِنْد مُسْلِم \" كَانَ يَصُوم شَعْبَان إِلَّا قَلِيلًا \" وَرَوَاهُ الشَّافِعِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" بَلْ كَانَ يَصُوم إِلَخْ \" وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره \" أَنَّهُ كَانَ لَا يَصُوم مِنْ السَّنَة شَهْرًا تَامًّا إِلَّا شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَان \" أَيْ كَانَ يَصُوم مُعْظَمَهُ , وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ اِبْن الْمُبَارَك أَنَّهُ قَالَ : جَائِزٌ فِي كَلَام الْعَرَب إِذَا صَامَ أَكْثَرَ الشَّهْرِ أَنْ يَقُولَ صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ , وَيُقَال قَامَ فُلَانٌ لَيْلَتَهُ أَجْمَعَ وَلَعَلَّهُ قَدْ تَعَشَّى وَاشْتَغَلَ بِبَعْضِ أَمْرِهِ , قَالَ التِّرْمِذِيّ : كَأَنَّ اِبْن الْمُبَارَك جَمَعَ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ بِذَلِكَ , وَحَاصِلُهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى مُفَسِّرَةٌ لِلثَّانِيَةِ مُخَصِّصَة لَهَا وَأَنَّ الْمُرَاد بِالْكُلِّ الْأَكْثَر وَهُوَ مَجَازٌ قَلِيل الِاسْتِعْمَال , وَاسْتَبْعَدَهُ الطِّيبِيُّ قَالَ : لِأَنَّ الْكُلّ تَأْكِيد لِإِرَادَةِ الشُّمُول وَدَفْع التَّجَوُّزِ , فَتَفْسِيرُهُ بِالْبَعْضِ مُنَافٍ لَهُ , قَالَ : فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصُوم شَعْبَان كُلّه تَارَة وَيَصُوم مُعْظَمَهُ أُخْرَى لِئَلَّا يُتَوَهَّم أَنَّهُ وَاجِب كُلّه كَرَمَضَانَ , وَقِيلَ الْمُرَاد بِقَوْلِهَا \" كُلّه \" أَنَّهُ كَانَ يَصُوم مِنْ أَوَّله تَارَةً وَمِنْ آخِرِهِ أُخْرَى وَمِنْ أَثْنَائِهِ طُورًا فَلَا يُخَلِّي شَيْئًا مِنْهُ مِنْ صِيَام وَلَا يَخُصّ بَعْضَهُ بِصِيَامٍ دُون بَعْض. وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنَيِّر : إِمَّا أَنْ يُحْمَل قَوْل عَائِشَة عَلَى الْمُبَالَغَة وَالْمُرَاد الْأَكْثَر وَإِمَّا أَنْ يُجْمَع بِأَنَّ قَوْلهَا الثَّانِي مُتَأَخِّرٌ عَنْ قَوْلهَا الْأَوَّل فَأَخْبَرْت عَنْ أَوَّل أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَصُوم أَكْثَرَ شَعْبَان وَأَخْبَرَتْ ثَانِيًا عَنْ آخِرِ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَصُومهُ كُلَّهُ ا ه. وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ , وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب , وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن شَقِيق عَنْ عَائِشَة عِنْد مُسْلِم وَسَعْد بْن هِشَام عَنْهَا عِنْد النَّسَائِيِّ وَلَفْظُهُ \" وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَة غَيْر رَمَضَان \" وَهُوَ مِثْل حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَ هَذَا. وَاخْتُلِفَ فِي الْحِكْمَة فِي إِكْثَارِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صَوْم شَعْبَان فَقِيلَ : كَانَ يَشْتَغِلُ عَنْ صَوْم الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ مِنْ كُلّ شَهْر لِسَفَرٍ أَوْ غَيْره فَتَجْتَمِعُ فَيَقْضِيهَا فِي شَعْبَان , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن بَطَّال , وَفِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ أَخِيهِ عِيسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر , فَرُبَّمَا أَخَّرَ ذَلِكَ حَتَّى يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ صَوْم السَّنَة فَيَصُوم شَعْبَان \" وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ضَعِيفٌ وَحَدِيث الْبَاب وَاَلَّذِي بَعْده دَالٌّ عَلَى ضَعْف مَا رَوَاهُ , وَقِيلَ كَانَ يَصْنَع ذَلِكَ لِتَعْظِيمِ رَمَضَان , وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق صَدَقَةَ بْن مُوسَى عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ \" سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الصَّوْم أَفْضَل بَعْد رَمَضَان قَالَ شَعْبَان لِتَعْظِيمِ رَمَضَان \" قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ , وَصَدَقَةُ عِنْدهمْ لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ. قُلْت : وَيُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" أَفْضَلُ الصَّوْم بَعْد رَمَضَان صَوْم الْمُحَرَّمِ \". وَقِيلَ الْحِكْمَةُ فِي إِكْثَاره مِنْ الصِّيَام فِي شَعْبَان دُون غَيْره أَنَّ نِسَاءَهُ كُنَّ يَقْضِينَ مَا عَلَيْهِنَّ مِنْ رَمَضَان فِي شَعْبَان وَهَذَا عَكْسُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحِكْمَة فِي كَوْنِهِنَّ كُنَّ يُؤَخِّرْنَ قَضَاء رَمَضَانَ إِلَى شَعْبَانَ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِنَّ كُنَّ يَشْتَغِلْنَ مَعَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّوْم , وَقِيلَ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يُعْقِبُهُ رَمَضَانُ وَصَوْمه مُفْتَرَضٌ , وَكَانَ يُكْثِر مِنْ الصَّوْم فِي شَعْبَان قَدْرَ مَا يَصُوم فِي شَهْرَيْنِ غَيْرِهِ لِمَا يَفُوتُهُ مِنْ التَّطَوُّع بِذَلِكَ فِي أَيَّام رَمَضَانَ , وَالْأَوْلَى فِي ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ أَصَحَّ مِمَّا مَضَى أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ أُسَامَة بْن زَيْدٍ قَالَ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه لَمْ أَرَك تَصُومُ مِنْ شَهْر مِنْ الشُّهُور مَا تَصُوم مِنْ شَعْبَان , قَالَ : ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاس عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَان , وَهُوَ شَهْر تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَال إِلَى رَبّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ \" وَنَحْوُهُ مِنْ حَدِيث عَائِشَة عِنْد أَبِي يَعْلَى لَكِنْ قَالَ فِيهِ \" إِنَّ اللَّهَ يَكْتُبُ كُلَّ نَفْسٍ مَيِّتَةٍ تِلْكَ السَّنَةَ , فَأُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَنِي أَجَلِي وَأَنَا صَائِم \" وَلَا تَعَارُضَ بَيْن هَذَا وَبَيْن مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيث فِي النَّهْي عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْم أَوْ يَوْمَيْنِ , وَكَذَا مَا جَاءَ مِنْ النَّهْي عَنْ صَوْم نِصْف شَعْبَانَ الثَّانِي , فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ بِأَنْ يُحْمَلَ النَّهْيُ عَلَى مَنْ لَمْ يَدْخُلْ تِلْكَ الْأَيَّام فِي صِيَامٍ اِعْتَادَهُ. وَفِي الْحَدِيث دَلِيلٌ عَلَى فَضْل الصَّوْم فِي شَعْبَان , وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ عَنْ كَوْنِهِ لَمْ يُكْثِرْ مِنْ الصَّوْم فِي الْمُحَرَّمِ مَعَ قَوْله إِنَّ أَفْضَلَ الصِّيَام مَا يَقَع فِيهِ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون مَا عَلِمَ ذَلِكَ إِلَّا فِي آخِرِ عُمُرِهِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ كَثْرَةِ الصَّوْمِ فِي الْمُحَرَّمِ , أَوْ اِتَّفَقَ لَهُ فِيهِ مِنْ الْأَعْذَار بِالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ مَثَلًا مَا مَنَعَهُ مِنْ كَثْرَةِ الصَّوْمِ فِيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْله \" لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا \" وَعَلَى بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ فِي \" بَاب أَحَبّ الدِّين إِلَى اللَّه أَدُومُهُ \" وَهُوَ فِي آخِر كِتَاب الْإِيمَان , وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ لِلْحَدِيثِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ صِيَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَسَّى بِهِ فِيهِ إِلَّا مَنْ أَطَاقَ مَا كَانَ يُطِيقُ , وَأَنَّ مَنْ أَجْهَدَ نَفْسه فِي شَيْء مِنْ الْعِبَادَة خُشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَمَلَّ فَيُفْضِي إِلَى تَرْكِهِ , وَالْمُدَاوَمَة عَلَى الْعِبَادَة وَإِنْ قَلَّتْ أَوْلَى مِنْ جَهْد النَّفْس فِي كَثْرَتهَا إِذَا اِنْقَطَعَتْ , فَالْقَلِيل الدَّائِم أَفْضَل مِنْ الْكَثِير الْمُنْقَطِع غَالِبًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مُدَاوَمَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَلَاة التَّطَوُّع فِي بَابهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1834",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏حَدَّثَتْهُ قَالَتْ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ وَكَانَ يَقُولُ ‏ ‏خُذُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّتْ وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1835",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا صَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ وَيَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لَا وَاللَّهِ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لَا وَاللَّهِ لَا يَصُومُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي بِشْرٍ ) ‏ ‏هُوَ جَعْفَر بْن أَبِي وَحْشِيَّةَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ أَبِي بِشْر \" حَدَّثَنِي سَعِيد بْن جُبَيْر \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَده عَنْهُ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عُثْمَانَ بْن حَكِيم \" سَأَلْت سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ صِيَام رَجَب فَقَالَ : سَمِعْت اِبْن عَبَّاس \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا صَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة عِنْد مُسْلِم \" مَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ \" شَهْرًا تَامًّا مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَة غَيْرَ رَمَضَان \". ‏ ‏قَوْله : ( وَيَصُومُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ مِنْ الطَّرِيق الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ \" وَكَانَ يَصُوم \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لَا وَاَللَّهِ لَا يُفْطِرُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" حَتَّى يَقُولُوا مَا يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ \". الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ أَنَسٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "1836",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُفْطِرُ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا وَكَانَ لَا تَشَاءُ تَرَاهُ مِنْ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏فِي الصَّوْمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن جَعْفَر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي كَثِير الْمَدَنِيّ , وَحُمَيْدٌ هُوَ الطَّوِيلُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى نَظُنَّ ) ‏ ‏بِنُونِ الْجَمْعِ وَبِالتَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَيَجُوز بِالْمُثَنَّاةِ عَلَى الْمُخَاطَبَة , وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله بَعْد ذَلِكَ \" إِلَّا رَأَيْته \" فَإِنَّهُ رُوِيَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْح مَعًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ لَا يَصُوم ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَيَجُوزُ فِي يَصُوم النَّصْبُ وَالرَّفْعُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ سُلَيْمَان عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا فِي الصَّوْم ) ‏ ‏كُنْت أَظُنّ أَنَّ سُلَيْمَان هَذَا هُوَ اِبْنُ بِلَالٍ لَكِنْ لَمْ أَرَهُ بَعْد التَّتَبُّع التَّامِّ مِنْ حَدِيثه فَظَهَرَ لِي أَنَّهُ سُلَيْمَان بْن حَيَّانَ أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , وَقَدْ وَصَلَ الْمُصَنِّف حَدِيثه عَقِب هَذَا وَفِيهِ \" سَأَلْت أَنَسًا عَنْ صِيَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث أَتَمَّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن جَعْفَر , لَكِنْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا الْحَدِيث فِي الصَّلَاة وَقَالَ فِيهِ \" تَابَعَهُ سُلَيْمَان وَأَبُو خَالِد الْأَحْمَر \" فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّعَدُّد , وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُون الْوَاوُ مَزِيدَةً كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1837",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنْ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ وَلَا مُفْطِرًا إِلَّا رَأَيْتُهُ وَلَا مِنْ اللَّيْلِ قَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ وَلَا مَسِسْتُ ‏ ‏خَزَّةً ‏ ‏وَلَا حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلَا عَبِيرَةً أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَا كُنْت أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنْ الشَّهْر صَائِمًا إِلَّا رَأَيْته ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ حَاله فِي التَّطَوُّع بِالصِّيَامِ وَالْقِيَام كَانَ يَخْتَلِفُ , فَكَانَ تَارَةً يَقُوم مِنْ أَوَّل اللَّيْل وَتَارَةً فِي وَسَطه وَتَارَةً مِنْ آخِره , كَمَا كَانَ يَصُوم تَارَة مِنْ أَوَّلِ الشَّهْر وَتَارَةً مِنْ وَسَطه وَتَارَةً مِنْ آخِرِهِ , فَكَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَرَاهُ وَقْت مِنْ أَوْقَات اللَّيْل قَائِمًا أَوْ فِي وَقْت مِنْ أَوْقَات الشَّهْر صَائِمًا فَرَاقَبَهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُصَادِفَهُ قَامَ أَوْ صَامَ عَلَى وَفْقِ مَا أَرَادَ أَنْ يَرَاهُ , هَذَا مَعْنَى الْخَبَر , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ وَلَا أَنَّهُ كَانَ يَسْتَوْعِبُ اللَّيْلَ قِيَامًا. وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ فِي الْبَاب قَبْلَهُ \" وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوِمْ عَلَيْهَا \" وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى الْآتِيَة بَعْد أَبْوَاب \" كَانَ عَمَله دِيمَةً \" لِأَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ مَا اِتَّخَذَهُ رَاتِبًا لَا مُطْلَق النَّافِلَة , فَهَذَا وَجْه الْجَمْع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ وَإِلَّا فَظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِأَبِي ذَرٍّ \" هُوَ اِبْن سَلَامٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا مَسِسْت ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة الْأُولَى عَلَى الْأَفْصَح , وَكَذَا شَمِمْت بِكَسْرِ الْمِيم الْأُولَى وَفَتْحُهَا لُغَةٌ حَكَاهَا الْفَرَّاء , وَيُقَال فِي مُضَارِعه أَشَمُّهُ وَأَمَسُّهُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا عَلَى الْأَفْصَح وَبِالضَّمِّ عَلَى اللُّغَة الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ رَائِحَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ ولِلكُشْمِيهَنِيِّ \" مِنْ رِيح رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". وَفِيهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى أَكْمَلِ الصِّفَات خَلْقًا وَخُلُقًا فَهُوَ كُلّ الْكَمَال وَجُلُّ الْجَلَال وَجُمْلَة الْجَمَال عَلَيْهِ أَفْضَل الصَّلَاة وَالسَّلَام , وَسَيَأْتِي شَرْح مَا تَضْمَنَّهُ هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فِي أَوَائِل السِّيرَة النَّبَوِيَّة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مُسْتَوْفًى. وَفِي حَدِيثَيْ الْبَاب اِسْتِحْبَاب التَّنَفُّل بِالصَّوْمِ فِي كُلّ شَهْر , وَأَنَّ صَوْم النَّفْل الْمُطْلَق لَا يَخْتَصّ بِزَمَانٍ إِلَّا مَا نُهِيَ عَنْهُ , وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَصُمْ الدَّهْر وَلَا قَامَ اللَّيْل كُلّه , وَكَأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ فَيَشُقُّ عَلَى الْأُمَّة , وَإِنْ كَانَ قَدْ أُعْطِيَ مِنْ الْقُوَّة مَا لَوْ اِلْتَزَمَ ذَلِكَ لَاقْتَدَرَ عَلَيْهِ , لَكِنَّهُ سَلَكَ مِنْ الْعِبَادَة الطَّرِيقَةَ الْوُسْطَى : فَصَامَ وَأَفْطَرَ , وَقَامَ وَنَامَ , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْمُهَلَّب. وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْحَلِفُ عَلَى الشَّيْء وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُنْكِرُهُ مُبَالَغَةً فِي تَأْكِيده فِي نَفْس السَّامِع. ‏"
    },
    {
        "id": "1838",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَقُلْتُ وَمَا صَوْمُ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏قَالَ نِصْفُ الدَّهْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ لَمْ يُنْسَب إِسْحَاق هَذَا عَنْ أَحَد مِنْهُمْ. قُلْت : لَكِنْ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" بِأَنَّهُ اِبْن رَاهْوَيْهِ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ مُسْنَده ثُمَّ قَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ إِسْحَاق , وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ اِبْن رَاهْوَيْهِ لَا يَقُول فِي الرِّوَايَة عَنْ شُيُوخه إِلَّا صِيغَةَ الْإِخْبَارِ وَكَذَلِكَ هُوَ هُنَا , وَهَارُون بْن إِسْمَاعِيل شَيْخه هُوَ الْخَزَّاز كَانَ تَاجِرًا صَدُوقًا لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيثٌ آخَر فِي الِاعْتِكَاف كِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَته عَنْ عَلِيّ بْن الْمُبَارَك , وَقَدْ أَخْرَجَ كُلًّا مِنْ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ غَيْر طَرِيقِهِ , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( دَخَلَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْحَدِيث ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَفَسَّرَ الْبُخَارِيّ الْمُرَاد مِنْهُ بِقَوْلِهِ \" يَعْنِي إِنَّ لِزَوْرِك عَلَيْك حَقًّا \" إِلَى آخِر مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَدِيث , وَهُوَ عَلَى طَرِيقَة الْبُخَارِيّ فِي جَوَاز اِخْتِصَار الْحَدِيث , وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ , وَأَوْرَدَهُ فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير , وَأَوْرَدَهُ قَرِيبًا مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة وَسَعِيد اِبْن الْمُسَيِّب , وَمِنْ طَرِيق أَبِي الْعَبَّاس الْأَعْمَى مِنْ وَجْهَيْنِ , وَمِنْ طَرِيق مُجَاهِد وَأَبِي الْمَلِيح كُلّهمْ عَنْ عَبْد اللَّه اِبْن عَمْرو بْن الْعَاصِ بِالْحَدِيثِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا , وَرَوَاهُ جَمَاعَة مِنْ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ عَنْ عَبْد اللَّه اِبْن عَمْرو مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا , فَمِنْهُمْ مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى قِصَّة الصَّلَاة وَمِنْهُمْ مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى قِصَّة الصِّيَام وَمِنْهُمْ مَنْ سَاقَ الْقِصَّة كُلّهَا , وَلَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَة أَحَدٍ مِنْ الْمِصْرِيِّينَ عَنْهُ مَعَ كَثْرَة رِوَايَتهمْ عَنْهُ , وَسَأَذْكُرُ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَأُنَبِّهُ عَلَى مَا فِي رِوَايَة كُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ سِوَى مَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَبْوَاب التَّهَجُّد , وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِحَقِّ الضَّيْف فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَهُوَ الْمُسْتَعَان. ‏"
    },
    {
        "id": "1839",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ فَقُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَلَا تَفْعَلْ ‏ ‏صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً قَالَ فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ قُلْتُ وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏قَالَ نِصْفَ الدَّهْرِ فَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّك تَصُوم النَّهَار وَتَقُوم اللَّيْل ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عِكْرِمَة بْن عَمَّار عَنْ يَحْيَى \" فَقُلْت بَلَى يَا نَبِيّ اللَّه , وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا الْخَيْر \" وَفِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" أُخْبِرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَقُول وَاَللَّهِ لَأَصُومَن النَّهَارَ وَلَأَقُومَن اللَّيْل مَا عِشْت \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ \" قَالَ لِي عَبْد اللَّه بْن عَمْرو : يَا اِبْن أَخِي إِنِّي قَدْ كُنْت أَجْمَعْت عَلَى أَنْ أَجْتَهِدَ اِجْتِهَادًا شَدِيدًا , حَتَّى قُلْت : \" لَأَصُومَن الدَّهْر وَلَأَقْرَأَن الْقُرْآن فِي كُلّ لَيْلَة \" وَيَأْتِي فِي \" فَضَائِل الْقُرْآن \" مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ \" أَنْكَحَنِي أَبِي اِمْرَأَةً ذَات حَسَبٍ وَكَانَ يَتَعَاهَدُهَا , فَسَأَلَهَا عَنْ بَعْلهَا فَقَالَتْ : نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ , لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي : الْفَتَى , فَلَقِيته بَعْدُ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , زَادَ النِّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَسَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ مُجَاهِد \" فَوَقَعَ عَلَيَّ أَبِي فَقَالَ زَوَّجْتُك اِمْرَأَة فَعَضَلْتهَا وَفَعَلْت وَفَعَلْت وَفَعَلْت , قَالَ فَلَمْ أَلْتَفِت إِلَى ذَلِكَ لِمَا كَانَتْ لِي مِنْ الْقُوَّة , فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَلْقِنِي بِهِ , فَأَتَيْته مَعَهُ \" وَلِأَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه \" ثُمَّ أَنْطَلَقَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَكَانِي \" وَسَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب مِنْ طَرِيق أَبِي الْمَلِيح عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ \" ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْمِي , فَدَخَلَ عَلَيَّ , فَأَلْقَيْت لَهُ وِسَادَة \" وَيَأْتِي بَعْدَ بَاب مِنْ طَرِيق أَبِي الْعَبَّاس عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْم وَأُصَلِّي اللَّيْل , فَإِمَّا أَرْسَلَ لِي وَإِمَّا لَقِيته \" وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنْ يَكُون عَمْرو تَوَجَّهَ بِابْنِهِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ مِنْ غَيْر أَنْ يَسْتَوْعِب مَا يُرِيد مِنْ ذَلِكَ , ثُمَّ أَتَاهُ إِلَى بَيْته زِيَادَةً فِي التَّأْكِيد. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا تَفْعَلْ ) ‏ ‏زَادَ بَعْد بَابَيْنِ \" فَإِنَّك إِذَا فَعَلْت ذَلِكَ هَجَمْت لَهُ الْعَيْن \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيره فِي كِتَاب التَّهَجُّد , وَزَادَ فِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق حُصَيْنٍ عَنْ مُجَاهِد \" إِنَّ لِكُلِّ عَامِل شِرَّةً \" وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء \" وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً \" فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ اِهْتَدَى , وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْر ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ لِعَيْنَيْك عَلَيْك حَقًّا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لِعَيْنِك \" بِالْإِفْرَادِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ لِزَوْرِك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْوَاوِ لِضَيْفِك , وَالزَّوْرُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِع الِاسْم كَصَوْمٍ فِي مَوْضِع صَائِم وَنَوْمٍ فِي مَوْضِع نَائِم , وَيُقَال لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْع وَالذَّكَر وَالْأُنْثَى زَوْرٌ , قَالَ اِبْن التِّين : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون زَوْرٌ جَمْعَ زَائِر كَرَكْبٍ جَمْعِ رَاكِبٍ وَتَجْرٍ جَمْعِ تَاجِر , زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق حُسَيْن الْمُعَلِّمِ عَنْ يَحْيَى \" وَإِنَّ لِوَلَدِك عَلَيْك حَقًّا \" وَزَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْمَاعِيل عَنْ يَحْيَى \" وَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَطُولَ بِك عُمُرٌ \" وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى مَا وَقَعَ لِعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو بَعْد ذَلِكَ مِنْ الْكِبَرِ وَالضَّعْف كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ بِحَسْبِك ) ‏ ‏بِإِسْكَانِ السِّين الْمُهْمَلَة أَيْ كَافِيك وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ , وَيَأْتِي فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ يَحْيَى بِلَفْظِ \" وَإِنَّ مِنْ حَسْبِك \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تَصُوم مِنْ كُلّ شَهْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فِي كُلّ شَهْرٍ \". ‏ ‏( فَإِذَنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏هُوَ بِتَنْوِينِ إِذَنْ , وَهِيَ الَّتِي يُجَاب بِهَا \" إِنْ \" وَكَذَا \" لَوْ \" صَرِيحًا أَوْ تَقْدِيرًا , وَإِنْ هُنَا مُقَدَّرَةٌ كَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ صُمْتهَا فَإِذَنْ ذَلِكَ صَوْم الدَّهْر , وَرُوِيَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَهِيَ لِلْمُفَاجَأَةِ وَفِي تَوْجِيهِهَا هُنَا تَكَلُّفٌ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي أَجِد قُوَّة , قَالَ فَصُمْ صِيَامَ نَبِيّ اللَّه دَاوُدَ ) ‏ ‏فِي هَذِهِ الرِّوَايَة اِخْتِصَارٌ , فَإِنَّ فِي رِوَايَة حُسَيْنٍ الْمَذْكُورَة \" فَصُمْ مِنْ كُلّ جُمُعَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّام \" وَيَأْتِي فِي الْبَاب بَعْده \" فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الْمَلِيحِ \" يَكْفِيك مِنْ كُلّ شَهْر ثَلَاثَة أَيَّام , قُلْت يَا رَسُول اللَّه , قَالَ خَمْسًا , قُلْت يَا رَسُول اللَّه , قَالَ سَبْعًا , قُلْت يَا رَسُول اللَّه , قَالَ تِسْعًا , قُلْت يَا رَسُول اللَّه , قَالَ إِحْدَى عَشْرَة \". وَاسْتَدَلَّ بِهِ عِيَاضٌ عَلَى تَقْدِيم الْوِتْرِ عَلَى جَمِيع الْأُمُورِ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي عِيَاضٍ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" صُمْ يَوْمًا يَعْنِي مِنْ كُلّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ وَلَك أَجْرُ مَا بَقِيَ , قَالَ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ , قَالَ صُمْ وَلَك أَجْر مَا بَقِيَ , قَالَ إِنِّي أُطِيق أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , قَالَ صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام وَلَك أَجْر مَا بَقِيَ , قَالَ إِنِّي أُطِيق أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ قَالَ صُمْ أَرْبَعَة أَيَّام وَلَك أَجْر مَا بَقِيَ , قَالَ إِنِّي أُطِيق أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , قَالَ صُمْ صَوْم دَاوُدَ \" وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَمَرَهُ بِصِيَامِ ثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر ثُمَّ بِسِتَّةٍ ثُمَّ بِتِسْعَةٍ ثُمَّ بِاثْنَيْ عَشَرَ ثُمَّ بِخَمْسَةَ عَشَرَ , فَالظَّاهِر أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى ثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر فَلَمَّا قَالَ إِنَّهُ يُطِيق أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ زَادَهُ بِالتَّدْرِيجِ إِلَى أَنْ وَصَلَهُ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْهُ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَة عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه اِبْن عَمْرو عَنْ أَبِي دَاوُدَ \" فَلَمْ يَزَلْ يُنَاقِصُنِي وَأُنَاقِصُهُ \" وَوَقَعَ لِلنَّسَائِيِّ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِي سَلَمَة \" صُمْ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس مِنْ كُلّ جُمُعَة \" وَهُوَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَاد مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ قَوْلُهُ \" صُمْ مِنْ كُلّ عَشْرَة أَيَّامٍ يَوْمًا وَلَك أَجْر مَا بَقِيَ \" مَعَ قَوْله \" صُمْ كُلَّ عَشْرَةِ أَيَّام يَوْمَيْنِ وَلَك أَجْر مَا بَقِيَ إِلَخْ \" لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الزِّيَادَةَ فِي الْعَمَل وَالنَّقْصَ مِنْ الْأَجْر , وَبِذَلِكَ تَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد لَك أَجْر مَا بَقِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّضْعِيف , قَالَ عِيَاض : قَالَ بَعْضهمْ مَعْنَى \" صُمْ يَوْمًا وَلَك أَجْر مَا بَقِيَ \" أَيْ مِنْ الْعَشَرَة , وَقَوْله \" صُمْ يَوْمَيْنِ وَلَك أَجْر مَا بَقِيَ \" أَيْ مِنْ الْعِشْرِينَ , وَفِي الثَّلَاثَة مَا بَقِيَ مِنْ الشَّهْر , وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ اِسْتِبْعَادُ كَثْرَة الْعَمَل وَقِلَّة الْأَجْر , وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ الْأَجْر إِنَّمَا اِتَّحَدَ فِي كُلّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ نِيَّته أَنْ يَصُومَ جَمِيعَ الشَّهْر فَلَمَّا مَنَعَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ إِبْقَاءً عَلَيْهِ لِمَا ذُكِرَ فِي أَجْر نِيَّتِهِ عَلَى حَالِهِ سَوَاءٌ صَامَ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا كَمَا تَأَوَّلَهُ فِي حَدِيث \" نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ \" أَيْ إِنَّ أَجْرَهُ فِي نِيَّتِهِ أَكْثَر مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ لِامْتِدَادِ نِيَّتِهِ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى عَمَلِهِ. اِنْتَهَى. وَالْحَدِيث الْمَذْكُور ضَعِيف , وَهُوَ فِي \" مُسْنَدِ الشِّهَابِ \" وَالتَّأْوِيلُ الْمَذْكُور لَا بَأْس بِهِ , وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا إِجْرَاء الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره , وَالسَّبَب فِيهِ أَنَّهُ كُلَّمَا اِزْدَادَ مِنْ الصَّوْم اِزْدَادَ مِنْ الْمَشَقَّة الْحَاصِلَة بِسَبَبِهِ الْمُقْتَضِيَة لِتَفْوِيتِ بَعْض الْأَجْر الْحَاصِل مِنْ الْعِبَادَات الَّتِي قَدْ يُفَوِّتُهَا مَشَقَّة الصَّوْم فَيَنْقُص الْأَجْر بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ , عَلَى أَنَّ قَوْله فِي نَفْس الْخَبَر \" صُمْ أَرْبَعَة أَيَّام وَلَك أَجْر مَا بَقِيَ \" يُرِدْ الْحَمْل الْأَوَّل , فَإِنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ - عَلَى سِيَاق التَّأْوِيل الْمَذْكُور - أَنْ يَكُون التَّقْدِير : وَلَك أَجْر أَرْبَعِينَ , وَقَدْ قَيَّدَهُ فِي نَفْس الْحَدِيث بِالشَّهْرِ وَالشَّهْر لَا يَكُون أَرْبَعِينَ , وَكَذَلِكَ قَوْله فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي رَبِيعَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بِلَفْظِ \" صُمْ مِنْ كُلّ عَشْرَة أَيَّام يَوْمًا وَلَك أَجْر تِلْكَ التِّسْعَة \" ثُمَّ قَالَ فِيهِ \" مِنْ كُلّ تِسْعَة أَيَّام يَوْمًا وَلَك أَجْر تِلْكَ الثَّمَانِيَّة \" ثُمَّ قَالَ \" مِنْ كُلّ ثَمَانِيَّة أَيَّام يَوْمًا وَلَك أَجْر السَّبْعَة \" قَالَ \" فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى قَالَ صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق شُعَيْب بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْ جَدّه بِلَفْظِ \" صُمْ يَوْمًا وَلَك أَجْر عَشْرَةٍ , قُلْت زِدْنِي , قَالَ : صُمْ يَوْمَيْنِ وَلَك أَجْر تِسْعَة , قُلْ زِدْنِي قَالَ : صُمْ ثَلَاثَة وَلَك أَجْر ثَمَانِيَّة \" فَهَذَا يَدْفَعُ فِي صَدْر ذَلِكَ التَّأْوِيل الْأَوَّل وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى صَوْم دَاوُدَ , زَادَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَة مُجَاهِدٍ \" قُلْت قَدْ قَبِلْت \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو يَقُول بَعْدَ مَا كَبِرَ : يَا لَيْتَنِي قَبِلْت رُخْصَةَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَبِرَ وَعَجَزَ عَنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا اِلْتَزَمَهُ وَوَظَّفَهُ عَلَى نَفْسِهِ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَقَّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ لِعَجْزِهِ , وَلَمْ يُعْجِبْهُ أَنْ يَتْرُكَهُ لِالْتِزَامِهِ لَهُ , فَتَمَنَّى أَنْ لَوْ قَبِلَ الرُّخْصَةَ فَأَخَذَ بِالْأَخَفِّ , قُلْت : وَمَعَ عَجْزِهِ وَتَمَنِّيه الْأَخْذَ بِالرُّخْصَةِ لَمْ يَتْرُكْ الْعَمَلَ بِمَا اِلْتَزَمَهُ , بَلْ صَارَ يَتَعَاطَى فِيهِ نَوْع تَخْفِيف كَمَا فِي رِوَايَة حُصَيْنٍ الْمَذْكُورَة \" وَكَانَ عَبْد اللَّه حِين ضَعُفَ وَكَبِرَ يَصُوم تِلْكَ الْأَيَّام كَذَلِكَ يَصِلُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْض ثُمَّ يُفْطِر بِعَدَدِ تِلْكَ الْأَيَّام فَيَقْوَى بِذَلِكَ , وَكَانَ يَقُول : لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْت الرُّخْصَة أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عَدَلَ بِهِ , لَكِنِّي فَارَقْته عَلَى أَمْر أَكْرَه أَنْ أُخَالِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1840",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنِّي أَقُولُ وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ فَقُلْتُ لَهُ قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَالَ ‏ ‏فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ قُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ قُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا فَذَلِكَ صِيَامُ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ فَقُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّك لَا تَسْتَطِيع ذَلِكَ ) ‏ ‏يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْحَالَة الرَّاهِنَة لِمَا عَلِمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَتَكَلَّفُ ذَلِكَ وَيُدْخِلُ بِهِ عَلَى نَفْسه الْمَشَقَّةَ وَيُفَوِّتُ بِهِ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا سَيَأْتِي بَعْدُ إِذَا كَبِرَ وَعَجَزَ كَمَا اِتَّفَقَ لَهُ سَوَاء , وَكَرِهَ أَنْ يُوَظِّف عَلَى نَفْسه شَيْئًا مِنْ الْعِبَادَة ثُمَّ يَعْجِزَ عَنْهُ فَيَتْرُكَهُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ ذَمِّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَصُمْ مِنْ الشَّهْر ثَلَاثَة أَيَّام ) ‏ ‏بَعْد قَوْله \" فَصُمْ وَأَفْطِرْ \" بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ مِنْ ذَلِكَ وَتَقْرِيرٌ لَهُ عَلَى ظَاهِره , إِذْ الْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِثْل صِيَام الدَّهْر ) ‏ ‏يَقْتَضِي أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ لَا تَسْتَلْزِمُ التَّسَاوِي مِنْ كُلّ جِهَة لِأَنَّ الْمُرَاد بِهِ هُنَا أَصْلُ التَّضْعِيفِ دُونَ التَّضْعِيفِ الْحَاصِلِ مِنْ الْفِعْل , وَلَكِنْ يَصْدُقُ عَلَى فَاعِل ذَلِكَ أَنَّهُ صَامَ الدَّهْر مَجَازًا. ‏ ‏قَوْله بَعْد ذِكْرِ صِيَامِ دَاوُدَ ‏ ‏( لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ صَرِيحًا , لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة فِي قِيَامِ اللَّيْل مِنْ طَرِيق عَمْرِو بْن أَوْسٍ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ \" يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْأَفْضَلِيَّة مُطْلَقًا , وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاس عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بِلَفْظِ \" أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ \" , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيق أَبِي عِيَاضٍ عَنْ عَبْد اللَّه , وَمُقْتَضَاهُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الصَّوْم مُفَضَّلَةً , وَسَأَذْكُرُ بَسْطَ ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1841",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَطَاءً ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏بَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ وَأُصَلِّي اللَّيْلَ فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ فَقَالَ ‏ ‏أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ وَتُصَلِّي فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَظًّا وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا قَالَ إِنِّي لَأَقْوَى لِذَلِكَ قَالَ فَصُمْ صِيَامَ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏قَالَ وَكَيْفَ قَالَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى قَالَ مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ ‏ ‏مَرَّتَيْنِ",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرُو بْن عَلِيٍّ ) ‏ ‏الْفَلَّاس , وَأَبُو عَاصِم هُوَ الضَّحَّاكُ بْن مَخْلَد النَّبِيل وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ الَّذِينَ أَكْثَرَ عَنْهُمْ , وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ مَا فَاتَهُ مِنْهُ كَمَا فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَكَأَنَّهُ اِخْتَارَ النُّزُولَ مِنْ طَرِيقِهِ هَذِهِ لِوُقُوعِ التَّصْرِيحِ فِيهَا بِسَمَاعِ اِبْن جُرَيْجٍ لَهُ مِنْ عَطَاءٍ وَهُوَ اِبْن أَبِي رَبَاحٍ , وَأَبُو الْعَبَّاس يَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ بَعْدَ بَابٍ. ‏ ‏قَوْله : ( بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ ) ‏ ‏سَبَقَتْ تَسْمِيَةُ الَّذِي بَلَّغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالِدُ عَبْدِ اللَّهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَتُصَلِّي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" وَتُصَلِّي اللَّيْلَ , فَلَا تَفْعَلْ \" ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ لِعَيْنَيْك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيِّ والْكُشْمِيهَنِيِّ \" لِعَيْنِك \" بِالْإِفْرَادِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَيْك حَظًّا ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَة , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ , وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَقًّا \" بِالْقَافِ , وَعِنْده وَعِنْد مُسْلِم مِنْ الزِّيَادَة \" وَصُمْ مِنْ كُلّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا وَلَك أَجْرُ التِّسْعَةِ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي لَأَقْوَى لِذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ لِسَرْدِ الصِّيَامِ دَائِمًا , وَفِي رِوَايَة مُسْلِمٍ \" إِنِّي أَجِدُنِي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَكَيْفَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ \" وَكَيْفَ كَانَ دَاوُدُ يَصُومُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِي سَلَمَة \" وَإِذَا وَعَدَ لَمْ يُخْلِفْ \" وَلَمْ أَرَهَا مِنْ غَيْر هَذَا الْوَجْه , وَلَهَا مُنَاسَبَةٌ بِالْمَقَامِ وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ خَشْيَةُ أَنْ يَعْجِزَ عَنْ الَّذِي يَلْزَمُهُ فَيَكُونُ كَمَنْ وَعَدَ فَأَخْلَفَ , كَمَا أَنَّ فِي قَوْله \" وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى \" إِشَارَةٌ إِلَى حِكْمَةِ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مُحَصَّلُ قِصَّةِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يَتَعَبَّدْ عَبْدَهُ بِالصَّوْمِ خَاصَّةً , بَلْ تَعَبَّدَهُ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْعِبَادَات , فَلَوْ اِسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ لَقَصَّرَ فِي غَيْره , فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَادُ فِيهِ لِيَسْتَبْقِيَ بَعْضَ الْقُوَّة لِغَيْرِهِ , وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام \" وَكَانَ لَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى لِأَنَّهُ كَانَ يَتَقَوَّى بِالْفِطْرِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَطَاء ) ‏ ‏أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَام الْأَبَد إِلَخْ ) أَيْ إِنَّ عَطَاءً لَمْ يَحْفَظْ كَيْف جَاءَ ذِكْرُ صِيَام الْأَبَدِ فِي هَذِهِ الْقِصَّة , إِلَّا أَنَّهُ حَفِظَ أَنَّ فِيهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ \" وَقَدْ رَوَى أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَحْدَهَا مِنْ طَرِيق عَطَاءٍ , وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ بِلَفْظِ \" لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ مَرَّتَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" قَالَ عَطَاء : فَلَا أَدْرِي كَيْف ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَد لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَد \" وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى كَرَاهِيَة صَوْم الدَّهْر , قَالَ اِبْن التِّين اُسْتُدِلَّ عَلَى كَرَاهَتِهِ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ أَوْجُهٍ : نَهْيُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الزِّيَادَة , وَأَمْرُهُ بِأَنْ يَصُومَ وَيُفْطِرَ وَقَوْلُهُ \" لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ \" , وَدُعَاؤُهُ عَلَى مَنْ صَامَ الْأَبَدَ. وَقِيلَ مَعْنَى قَوْله \" لَا صَامَ \" النَّفْي أَيْ مَا صَامَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى ) وَقَوْله فِي حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ عِنْد مُسْلِم وَقَدْ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ \" لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ \" أَوْ \" مَا صَامَ وَمَا أَفْطَرَ \" وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيِّ \" لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ \" وَهُوَ شَكٌّ مِنْ أَحَد رُوَاتِهِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ , وَالْمَعْنَى بِالنَّفْيِ أَنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْ أَجْرَ الصَّوْمِ لِمُخَالَفَتِهِ , وَلَمْ يُفْطِرْ لِأَنَّهُ أَمْسَكَ. وَإِلَى كَرَاهَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ مُطْلَقًا ذَهَبَ إِسْحَاقُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ , وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَد. وَشَذَّ اِبْن حَزْمٍ فَقَالَ يَحْرُمُ , وَرَوَى اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ اِبْن عَمْرو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ \" بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا يَصُوم الدَّهْر , فَأَتَاهُ فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ وَجَعَلَ يَقُولُ : كُلْ يَا دَهْرِيُّ \" وَمِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي نُعَيْم كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ فَقَالَ عَمْرو بْن مَيْمُونَ : لَوْ رَأَى هَذَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ لَرَجَمُوهُ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ \" مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ , وَعَقَدَ بِيَدِهِ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّانَ , وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَضِيقُ عَلَيْهِ حَصْرًا لَهُ فِيهَا لِتَشْدِيدِهِ عَلَى نَفْسه وَحَمْلِهِ عَلَيْهَا وَرَغْبَتِهِ عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعْتِقَادِهِ أَنَّ غَيْرَ سُنَّتِهِ أَفْضَلُ مِنْهَا , وَهَذَا يَقْتَضِي الْوَعِيد الشَّدِيد فَيَكُون حَرَامًا. وَإِلَى الْكَرَاهَة مُطْلَقًا ذَهَبَ اِبْن الْعَرَبِيِّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ : قَوْله لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ إِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الدُّعَاء فَيَا وَيْحَ مَنْ أَصَابَهُ دُعَاءُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْخَيْرَ فَيَا وَيْحَ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَصُمْ , وَإِذَا لَمْ يَصُمْ شَرْعًا لَمْ يُكْتَبْ لَهُ الثَّوَابُ لِوُجُوبِ صِدْقِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ نَفَى عَنْهُ الصَّوْمَ , وَقَدْ نَفَى عَنْهُ الْفَضْلَ كَمَا تَقَدَّمَ , فَكَيْفَ يَطْلُب الْفَضْلَ فِيمَا نَفَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَازِ صِيَامِ الدَّهْرِ وَحَمَلُوا أَخْبَارَ النَّهْيِ عَلَى مَنْ صَامَهُ حَقِيقَةً فَإِنَّهُ يُدْخِل فِيهِ مَا حَرُمَ صَوْمُهُ كَالْعِيدَيْنِ وَهَذَا اِخْتِيَار اِبْن الْمُنْذِرِ وَطَائِفَةٍ , وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ جَوَابًا لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ صَوْم الدَّهْر \" لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ \" وَهُوَ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ مَا أُجِرَ وَلَا أَثِمَ , وَمَنْ صَامَ الْأَيَّامَ الْمُحَرَّمَةَ لَا يُقَالُ فِيهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عِنْد مَنْ أَجَازَ صَوْمَ الدَّهْر إِلَّا الْأَيَّامَ الْمُحَرَّمَةَ يَكُون قَدْ فَعَلَ مُسْتَحَبًّا وَحَرَامًا , وَأَيْضًا فَإِنَّ أَيَّامَ التَّحْرِيمِ مُسْتَثْنَاةٌ بِالشَّرْعِ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلصَّوْمِ شَرْعًا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ اللَّيْلِ وَأَيَّامِ الْحَيْض فَلَمْ تَدْخُلْ فِي السُّؤَال عِنْد مَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَهَا , وَلَا يَصْلُحُ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ \" لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ \" لِمَنْ لَمْ يَعْلَم تَحْرِيمَهَا. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى اِسْتِحْبَاب صِيَام الدَّهْر لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفَوِّتْ فِيهِ حَقًّا , وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ , قَالَ السُّبْكِيُّ : أَطْلَقَ أَصْحَابُنَا كَرَاهَةَ صَوْمِ الدَّهْرِ لِمَنْ فَوَّتَ حَقًّا , وَلَمْ يُوَضِّحُوا هَلْ الْمُرَادُ الْحَقُّ الْوَاجِبُ أَوْ الْمَنْدُوب , وَيَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقًّا وَاجِبًا حَرُمَ , وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقًّا مَنْدُوبًا أَوْلَى مِنْ الصِّيَامِ كُرِهَ , وَإِنْ كَانَ يَقُوم مَقَامَهُ فَلَا , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ اِبْن خُزَيْمَةَ فَتَرْجَمَ \" ذِكْرُ الْعِلَّةِ الَّتِي بِهَا زَجَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْم الدَّهْر \" وَسَاقَ الْحَدِيث الَّذِي فِيهِ \" إِذَا فَعَلْت ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُك وَنَفِهَتْ نَفْسُك \" وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ حَمْزَة بْن عَمْرو الَّذِي مَضَى فَإِنَّ فِي بَعْض طُرُقه عِنْد مُسْلِم \" أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّه إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ \" فَحَمَلُوا قَوْلَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو \" لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ \" أَيْ فِي حَقِّك فَيُلْتَحَق بِهِ مَنْ فِي مَعْنَاهُ مِمَّنْ يُدْخِلُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ مَشَقَّةً أَوْ يُفَوِّتُ حَقًّا , وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْهَ حَمْزَة بْن عَمْرو عَنْ السَّرْدِ فَلَوْ كَانَ السَّرْدُ مُمْتَنِعًا لَبَيَّنَهُ لَهُ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْت الْحَاجَة لَا يَجُوزُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سُؤَال حَمْزَة إِنَّمَا كَانَ عَنْ الصَّوْم فِي السَّفَرِ لَا عَنْ صَوْم الدَّهْر , وَلَا يَلْزَم مِنْ سَرْدِ الصِّيَامِ صَوْمُ الدَّهْرِ فَقَدْ قَالَ أُسَامَة بْن زَيْد \" إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ فَيُقَالُ لَا يُفْطِرُ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ , وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ الدَّهْرَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ السَّرْدِ صِيَامُ الدَّهْرِ , وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى الْمُقَدَّم ذِكْرُهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ ضَيَّقْت عَلَيْهِ فَلَا يُدْخِلْهَا , فَعَلَى هَذَا تَكُون \" عَلَى \" بِمَعْنَى أَيْ ضَيَّقَتْ عَنْهُ , وَهَذَا التَّأْوِيل حَكَاهُ الْأَثْرَم عَنْ مُسَدِّد. وَحَكَى رَدَّهُ عَنْ أَحْمَد , وَقَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ سَأَلْت الْمُزَنِيّ عَنْ هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ : يُشْبِه أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ ضُيِّقْت عَنْهُ فَلَا يَدْخُلُهَا , وَلَا يُشْبِه أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّ مَنْ اِزْدَادَ لِلَّهِ عَمَلًا وَطَاعَةً اِزْدَادَ عِنْد اللَّه رِفْعَةً وَعَلَتْهُ كَرَامَةٌ , وَرَجَّحَ هَذَا التَّأْوِيلَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْغَزَالِيّ فَقَالُوا : لَهُ مُنَاسَبَة مِنْ جِهَة أَنَّ الصَّائِم لَمَّا ضَيَّقَ عَلَى نَفْسه مَسَالِك الشَّهَوَاتِ بِالصَّوْمِ ضَيَّقَ اللَّه عَلَيْهِ النَّار فَلَا يَبْقَى لَهُ فِيهَا مَكَان لِأَنَّهُ ضَيَّقَ طُرُقَهَا بِالْعِبَادَةِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ كُلّ عَمَل صَالِح إِذَا اِزْدَادَ الْعَبْد مِنْهُ اِزْدَادَ مِنْ اللَّه تَقَرُّبًا. بَلْ رُبَّ عَمَلٍ صَالِحٍ إِذَا اِزْدَادَ مِنْهُ اِزْدَادَ بُعْدًا كَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة. وَالْأَوْلَى إِجْرَاء الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره وَحَمْلُهُ عَلَى مَنْ فَوَّتَ حَقًّا وَاجِبًا بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتَوَجَّه إِلَيْهِ الْوَعِيد , وَلَا يُخَالِف الْقَاعِدَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْمُزَنِيّ , وَمِنْ حَجَّتهمْ أَيْضًا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسُلِمَ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث الْبَاب كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّرِيقَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ \" فَإِنَّ الْحَسَنَة بِعَشْرَةِ أَمْثَالهَا , وَذَلِك مِثْل صِيَام الدَّهْر \" وَقَوْله فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِم \" مَنْ صَامَ رَمَضَان وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّال فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر \" قَالُوا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ صَوْم الدَّهْر أَفْضَل مِمَّا شَبَه بِهِ وَأَنَّهُ أَمْر مَطْلُوب , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّشْبِيه فِي الْأَمْر الْمُقَدَّر لَا يَقْتَضِي جَوَازه فَضْلًا عَنْ اِسْتِحْبَابه , وَإِنَّمَا الْمُرَاد حُصُول الثَّوَاب عَلَى تَقْدِير مَشْرُوعِيَّة صِيَام ثَلَاثمِائَةِ وَسِتِّينَ يَوْمًا , وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ الْمُكَلَّف لَا يَجُوز لَهُ صِيَام جَمِيع السَّنَة فَلَا يَدُلّ التَّشْبِيه عَلَى أَفْضَلِيَّة الْمُشَبَّه بِهِ مِنْ كُلّ وَجْه , وَاخْتَلَفَ الْمُجِيزُونَ لِصَوْمِ الدَّهْر بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّم هَلْ هُوَ أَفْضَل أَوْ صِيَام يَوْم وَإِفْطَار يَوْم أَفْضَل , فَصَرَّحَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء بِأَنَّ صَوْم الدَّهْر أَفْضَل لِأَنَّهُ أَكْثَر عَمَلًا فَيَكُون أَكْثَر أَجْرًا وَمَا كَانَ أَكْثَر أَجْرًا كَانَ أَكْثَر ثَوَابًا , وَبَذْلك جَزَمَ الْغَزَالِيّ أَوَّلًا وَقَيَّدَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَصُوم الْأَيَّام الْمَنْهِيّ عَنْهَا , وَأَنْ لَا يَرْغَب عَنْ السَّنَة بِأَنَّ يَجْعَل الصَّوْم حِجْرًا عَلَى نَفْسه , فَإِذَا أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ فَالصَّوْم مِنْ أَفْضَل الْأَعْمَال , فَالِاسْتِكْثَار مِنْهُ زِيَادَة فِي الْفَضْل. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد بِأَنَّ الْأَعْمَال مُتَعَارِضَة الْمَصَالِح وَالْمَفَاسِد , وَمِقْدَار كُلّ مِنْهَا فِي الْحَثّ وَالْمَنْع غَيْر مُتَحَقِّق , فَزِيَادَة الْأَجْر بِزِيَادَةِ الْعَمَل فِي شَيْء يُعَارِضهُ اِقْتِضَاء الْعَادَة التَّقْصِير فِي حُقُوق أُخْرَى يُعَارِضهَا الْعَمَل الْمَذْكُور , وَمِقْدَار الْفَائِت مِنْ ذَلِكَ مَعَ مِقْدَار الْحَاصِل غَيْر مُتَحَقِّق , فَالْأَوْلَى التَّفْوِيض إِلَى حُكْم الشَّارِع وَلِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِر قَوْله \" لَا أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ \" وَقَوْله \" إِنَّهُ أَحَبُّ الصِّيَام إِلَى اللَّه تَعَالَى \". وَذَهَبَ جَمَاعَة مِنْهُمْ الْمُتَوَلِّي مِنْ الشَّافِعِيَّة إِلَى أَنَّ صِيَام دَاوُد أَفْضَل , وَهُوَ ظَاهِر الْحَدِيث بَلْ صَرِيحه , وَيَتَرَجَّح مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا بِأَنَّ صِيَام الدَّهْر قَدْ يَفُوت بَعْض الْحُقُوق كَمَا تَقَدَّمَ , وَبِأَنَّ مِنْ اِعْتَادَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكَاد يَشُقّ عَلَيْهِ بَلْ تُضَعَّف شَهْوَته عَنْ الْأَكْل وَتَقُلْ حَاجَته إِلَى الطَّعَام وَالشَّرَاب نَهَارًا وَيَأْلَف تَنَاوَلَهُ فِي اللَّيْل بِحَيْثُ يَتَجَدَّد لَهُ طُبِعَ زَائِد , بِخِلَافِ مِنْ يَصُوم يَوْمًا وَيُفْطِر يَوْمًا فَإِنَّهُ يَنْتَقِل مِنْ فِطْر إِلَى صَوْم وَمِنْ صَوْم إِلَى فِطْر , وَقَدْ نَقَلَ التِّرْمِذِيّ عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّهُ أَشُقّ الصِّيَام , وَيَأْمَن مَعَ ذَلِكَ غَالِبًا مِنْ تَفْوِيت الْحُقُوق كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيَّ فِيمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي حَقّ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام , وَلَا يَفِرّ إِذَا لَاقَى لِأَنَّ مِنْ أَسْبَاب الْفِرَار ضَعْف الْجَسَد وَلَا شَكَّ أَنَّ سَرْد الصَّوْم يُنْهِكهُ , وَعَلَى ذَلِكَ يَحْمِل قَوْل اِبْن مَسْعُود فِيمَا رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ إِنَّك لِتَقُلْ الصِّيَام , فَقَالَ : إِنِّي أَخَاف أَنْ يُضْعِفَنِي عَنْ الْقِرَاءَة وَالْقِرَاءَة أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الصِّيَام , نَعَمْ إِنْ فُرِضَ أَنَّ شَخْصًا لَا يَفُوتهُ شَيْء مِنْ الْأَعْمَال الصَّالِحَة بِالصِّيَامِ أَصْلًا وَلَا يُفَوِّتُ حَقًّا مِنْ الْحُقُوق الَّتِي خُوطِبَ بِهَا لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَكُون فِي حَقّه أَرْجَح , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ اِبْن خُزَيْمَة فَتَرْجَمَ \" الدَّلِيل عَلَى أَنَّ صِيَام دَاوُد إِنَّمَا كَانَ أَعْدَلَ الصِّيَام وَأَحَبَّهُ إِلَى اللَّه لِأَنَّ فَاعِله يُؤَدِّي حَقّ نَفْسه وَأَهْله وَزَائِره أَيَّام فِطْره بِخِلَافِ مِنْ يُتَابِع الصَّوْم \" وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ مَنْ لَا يَتَضَرَّر فِي نَفْسه وَلَا يُفَوِّتُ حَقًّا أَنْ يَكُون أَرْجَح , وَعَلَى هَذَا فَيَخْتَلِف ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاص وَالْأَحْوَال : فَمَنْ يَقْتَضِي حَاله الْإِكْثَار مِنْ الصَّوْم أَكْثَرَ مِنْهُ , وَمَنْ يَقْتَضِي حَاله الْإِكْثَار مِنْ الْإِفْطَار أَكْثَرَ مِنْهُ , وَمَنْ يَقْتَضِي حَاله الْمَزْج فَعَلَهُ , حَتَّى إِنَّ الشَّخْص الْوَاحِد قَدْ تَخْتَلِف عَلَيْهِ الْأَحْوَال فِي ذَلِكَ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْغَزَالِيّ أَخِيرًا. وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1842",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُغِيرَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا فَقَالَ ‏ ‏اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ قَالَ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ فِي ثَلَاثٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1843",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا الْعَبَّاسِ الْمَكِّيَّ ‏ ‏وَكَانَ شَاعِرًا وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ ‏ ‏هَجَمَتْ ‏ ‏لَهُ الْعَيْنُ ‏ ‏وَنَفِهَتْ ‏ ‏لَهُ النَّفْسُ لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ قُلْتُ فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَصُمْ صَوْمَ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ شَاعِرًا وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الشَّاعِرَ بِصَدَدِ أَنْ يُتَّهَمَ فِي حَدِيثه لِمَا تَقْتَضِيهِ صِنَاعَتُهُ مِنْ سُلُوكِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْإِطْرَاءِ وَغَيْرِهِ , فَأَخْبَرَ الرَّاوِي عَنْهُ أَنَّهُ مَعَ كَوْنه شَاعِرًا كَانَ غَيْر مُتَّهَمٍ فِي حَدِيثه , وَقَوْله \" فِي حَدِيثه \" يَحْتَمِلُ مَرْوِيَّهُ مِنْ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ وَيَحْتَمِلُ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ , وَالثَّانِي أَلْيَقُ وَإِلَّا لَكَانَ مَرْغُوبًا عَنْهُ , وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ حُجَّةٌ عِنْد كُلِّ مَنْ أَخْرَجَ الصَّحِيحَ , وَأَفْصَحَ بِتَوْثِيقِهِ أَحْمَدَ وَابْن مَعِينٍ وَآخَرُونَ , وَلَيْسَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيثَيْنِ أَحَدهمَا فِي الْجِهَاد وَالْآخَرُ فِي الْمَغَازِي وَأَعَادَهُمَا مَعًا فِي الْأَدَب , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث الْبَاب فِي التَّهَجُّدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَفِهَتْ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ تَعِبَتْ وَكَلَّتْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ \" نَثِهَتْ \" بِالْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ الْفَاءِ وَقَدْ اِسْتَغْرَبَهَا اِبْنُ التِّين فَقَالَ : لَا أَعْرِف مَعْنَاهَا. قُلْت : وَكَأَنَّهَا أُبْدِلَتْ مِنْ الْفَاء فَإِنَّهَا تُبْدَلُ مِنْهَا كَثِيرًا , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بَدَلَهَا \" وَنَهَكَتْ \" أَيْ هَزَلَتْ وَضَعُفَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام ) ‏ ‏أَيْ مِنْ كُلّ شَهْر ‏ ‏( صَوْم الدَّهْرِ كُلِّهِ ) ‏ ‏أَيْ بِالتَّضْعِيفِ كَمَا تَقَدَّمَ صَرِيحًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1844",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ الْوَاسِطِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو الْمَلِيحِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ مَعَ ‏ ‏أَبِيكَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي فَدَخَلَ عَلَيَّ فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ ‏ ‏أَدَمٍ ‏ ‏حَشْوُهَا لِيفٌ فَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ وَصَارَتْ الْوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَقَالَ ‏ ‏أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ خَمْسًا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ سَبْعًا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تِسْعًا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِحْدَى عَشْرَةَ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏شَطْرَ ‏ ‏الدَّهَرِ صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَلِيح ) ‏ ‏هُوَ عَامِرٌ وَقِيلَ زَيْدٌ وَقِيلَ زِيَادُ بْن أُسَامَةَ بْن عُمَيْرٍ الْهُذْلِيّ , لِأَبِيهِ صُحْبَةٌ , وَلَيْسَ لِأَبِي الْمَلِيح فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَأَعَادَهُ فِي الِاسْتِئْذَانِ , وَآخَر تَقَدَّمَ فِي الْمَوَاقِيت فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ بُرَيْدَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( دَخَلْت مَعَ أَبِيك ) ‏ ‏وَقَعَ فِي الِاسْتِئْذَانِ \" مَعَ أَبِيك زَيْد \" وَهُوَ وَالِد أَبِي قِلَابَةَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد اِبْن عَمْرٍو - وَقِيلَ عَامِر - الْجَرْمِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيته ) شَكٌّ مِنْ بَعْض رُوَاتِهِ , وَغَلِطَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ شَكٌّ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَدَهُ إِلَى بَيْتِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِقَاءَهُ إِيَّاهُ كَانَ عَنْ قَصْدٍ مِنْهُ إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ وَصَارَتْ الْوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ) ‏ ‏فِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّوَاضُعِ وَتَرْكِ الِاسْتِئْثَارِ عَلَى جَلِيسِهِ , وَفِي كَوْنِ الْوِسَادَةِ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِمْ فِي عَهْدِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الضِّيقِ , إِذْ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَشْرَفُ مِنْهَا لَأَكْرَمَ بِهَا نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( خَمْسًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" خَمْسَة \" وَكَذَا فِي الْبَوَاقِي , فَمَنْ قَالَ خَمْسَة أَرَادَ الْأَيَّامَ وَمَنْ قَالَ خَمْسًا أَرَادَ اللَّيَالِيَ وَفِيهِ تَجَوُّزٌ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ إِحْدَى عَشْرَةَ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن عَوْن \" قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( شَطْرُ الدَّهْرِ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ عَلَى الْقَطْع , وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى إِضْمَار فِعْل , وَالْجَرُّ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ صَوْمِ دَاوُدَ. ‏ ‏قَوْله : ( صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَمْرو بْن عَوْن \" صِيَامُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ \" وَيَجُوزُ فِيهِ الْحَرَكَاتُ أَيْضًا , وَفِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَمْرو هَذِهِ مِنْ الْفَوَائِد غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ هُنَا وَفِي أَبْوَاب التَّهَجُّدِ بَيَانُ رِفْقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَّتِهِ وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ وَإِرْشَادِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى مَا يُصْلِحُهُمْ وَحَثُّهُ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا يُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيْهِ , وَنَهْيُهُمْ عَنْ التَّعَمُّقِ فِي الْعِبَادَةِ لِمَا يُخْشَى مِنْ إِفْضَائِهِ إِلَى الْمَلَلِ الْمُفْضِي إِلَى التَّرْكِ أَوْ تَرْكِ الْبَعْضِ , وَقَدْ ذَمَّ اللَّه تَعَالَى قَوْمًا لَازَمُوا الْعِبَادَةَ ثُمَّ فَرَّطُوا فِيهَا. وَفِيهِ النَّدْب إِلَى الدَّوَام عَلَى مَا وَظَّفَهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسه مِنْ الْعِبَادَة. وَفِيهِ جَوَاز الْإِخْبَار عَنْ الْأَعْمَال الصَّالِحَة وَالْأَوْرَاد وَمَحَاسِن الْأَعْمَال , وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ أَمْنِ الرِّيَاءِ. وَفِيهِ جَوَاز الْقَسَمُ عَلَى اِلْتِزَامِ الْعِبَادَةِ , وَفَائِدَتُهُ الِاسْتِعَانَةُ بِالْيَمِينِ عَلَى النَّشَاطِ لَهَا , وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُخِلُّ بِصِحَّةِ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ فِيهَا , وَأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى ذَلِكَ لَا يَلْحَقُهَا بِالنَّذْرِ الَّذِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ , وَفِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْر اِسْتِحْلَافٍ , وَأَنَّ النَّفْلَ الْمُطْلَقَ لَا يَنْبَغِي تَحْدِيدُهُ , بَلْ يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ. وَفِيهِ جَوَاز التَّفْدِيَةِ بِالْأَبِ وَالْأُمّ , وَفِيهِ الْإِشَارَة إِلَى الِاقْتِدَاء بِالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي أَنْوَاع الْعِبَادَات , وَفِيهِ أَنَّ طَاعَةَ الْوَالِدِ لَا تَجِبُ فِي تَرْكِ الْعِبَادَةِ وَلِهَذَا اِحْتَاجَ عَمْرو إِلَى شَكْوَى وَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ , وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكَ طَاعَتِهِ لِأَبِيهِ. وَفِيهِ زِيَارَةُ الْفَاضِلِ لِلْمَفْضُولِ فِي بَيْته , وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ بِإِلْقَاءِ الْفُرُش وَنَحْوهَا تَحْتَهُ , وَتَوَاضُع الزَّائِر بِجُلُوسِهِ دُون مَا يُفْرَشُ لَهُ , وَأَنْ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ وَالْإِكْرَامِ لِلْمَزُورِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1845",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو التَّيَّاحِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَوْصَانِي خَلِيلِي ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِثَلَاثٍ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَالْإِسْنَاد كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ وَأَبُو عُثْمَان هُوَ النَّهْدِيُّ , وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة جَمَاعَةٌ كُلٌّ مِنْهُمْ أَبُو عُثْمَان , لَكِنْ لَمْ يَقَع فِي الْبُخَارِيّ حَدِيثٌ مَوْصُولٌ مِنْ رِوَايَة أَبِي عُثْمَان عَنْ أَبِي هُرَيْرَة إِلَّا مِنْ رِوَايَة النَّهْدِيِّ , وَلَيْسَ لَهُ عِنْد الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا وَآخَرُ فِي الْأَطْعِمَةِ , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِمٍ عَنْ شَيْبَانَ عَنْ عَبْد الْوَارِث بِهَذَا الْإِسْنَاد فَقَالَ فِيهِ \" حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيُّ \" وَتَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي أَبْوَاب التَّطَوُّع مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيِّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ هُنَاكَ عَلَى بَقِيَّة فَوَائِدِهِ , وَمِمَّا لَمْ يَتَقَدَّم مِنْهَا مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَةَ فِي قَوْل أَبِي هُرَيْرَة \" أَوْصَانِي خَلِيلِي \" قَالَ فِي أَفْرَاده \" بِهَذِهِ الْوَصِيَّة \" إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْقَدْر الْمُوصَى بِهِ هُوَ اللَّائِق بِحَالِهِ , وَفِي قَوْله \" خَلِيلِي \" إِشَارَةٌ إِلَى مُوَافَقَتِهِ لَهُ فِي إِيثَارِ الِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَةِ عَلَى الِاشْتِغَال بِالدُّنْيَا لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة صَبَرَ عَلَى الْجُوع فِي مُلَازَمَتِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثه حَيْثُ قَالَ \" أَمَّا إِخْوَانِي فَكَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ , وَكُنْت أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَشَابَهُ حَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِيثَارِهِ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى وَالْعُبُودِيَّةَ عَلَى الْمِلْكِ , قَالَ : وَيُؤْخَذ مِنْهُ الِافْتِخَارُ بِصُحْبَةِ الْأَكَابِرِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى التَّحَدُّث بِالنِّعْمَةِ وَالشُّكْر لِلَّهِ , لَا عَلَى وَجْهِ الْمُبَاهَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ \" : حَاصِلُ الْخِلَافِ فِي تَعْيِين الْبِيضِ تِسْعَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا لَا تَتَعَيَّنُ بَلْ يُكْرَهُ تَعْيِينُهَا وَهَذَا عَنْ مَالِك. الثَّانِي أَوَّل ثَلَاثَة مِنْ الشَّهْر قَالَهُ الْحَسَن الْبَصْرِيّ , الثَّالِث أَوَّلُهَا الثَّانِي عَشَرَ. الرَّابِع أَوَّلهَا الثَّالِثَ عَشَرَ. الْخَامِس أَوَّلهَا أَوَّل سَبْت مِنْ أَوَّل الشَّهْر ثُمَّ مِنْ أَوَّل الثُّلَاثَاء مِنْ الشَّهْر الَّذِي يَلِيه وَهَكَذَا وَهُوَ عَنْ عَائِشَة. السَّادِس أَوَّل خَمِيس ثُمَّ اِثْنَيْنِ ثُمَّ خَمِيس. السَّابِع أَوَّل اِثْنَيْنِ ثُمَّ خَمِيس ثُمَّ اِثْنَيْنِ. الثَّامِن أَوَّل يَوْم وَالْعَاشِر وَالْعِشْرُونَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء. التَّاسِع أَوَّل كُلّ عَشْرٍ عَنْ اِبْن شَعْبَانَ الْمَالِكِيِّ. قُلْت : بَقِيَ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ آخَر ثَلَاثَة مِنْ الشَّهْر عَنْ النَّخَعِيِّ فَتَمَّتْ عَشْرَةً. ‏"
    },
    {
        "id": "1846",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏خَالِدٌ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏دَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏أُمِّ سُلَيْمٍ ‏ ‏فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ قَالَ ‏ ‏أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ فَإِنِّي صَائِمٌ ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ فَدَعَا ‏ ‏لِأُمِّ سُلَيْمٍ ‏ ‏وَأَهْلِ بَيْتِهَا فَقَالَتْ ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي ‏ ‏خُوَيْصَّةً ‏ ‏قَالَ مَا هِيَ قَالَتْ خَادِمُكَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلَا دُنْيَا إِلَّا دَعَا لِي بِهِ قَالَ اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏مَالًا وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي ‏ ‏أُمَيْنَةُ ‏ ‏أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ ‏ ‏حَجَّاجٍ ‏ ‏الْبَصْرَةَ ‏ ‏بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي خَالِد هُوَ اِبْن الْحَارِث ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل , وَبَيَان اِسْم أَبِيهِ مِنْ الْمُصَنِّف , كَأَنَّ شَيْخَهُ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِد فَقَطْ فَأَرَادَ بِالْبَيَانِ رَفْعَ الْإِبْهَامِ لَاشْتَرَاك مَنْ يُسَمَّى خَالِدًا فِي الرِّوَايَة عَنْ حُمَيْدٍ مِمَّنْ يُمْكِنُ مُحَمَّد بْن الْمَثْنَى أَنْ يُرْوَى عَنْهُ , وَلَمْ يَطَّرِدْ لِلْمُصَنِّفِ هَذَا فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَقَع لَهُ وَلِمَشَايِخِهِ مِثْلُ هَذَا الْإِبْهَامِ وَلَا يَعْتَنِي بِبَيَانِهِ. وَرِجَالُ إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيث كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( دَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمّ سُلَيْمٍ ) ‏ ‏هِيَ وَالِدَةُ أَنَسٍ الْمَذْكُور , وَوَقَعَ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيق حَمَّادٍ عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمّ حَرَامٍ \" وَهِيَ خَالَةُ أَنَسٍ , لَكِنْ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا مَعًا كَانَتَا مُجْتَمَعَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى سَبِيل الضِّيَافَةِ , وَفِي قَوْله \" أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ \" مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ ذَائِبًا , وَلَيْسَ بِلَازِمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيْت فَصَلَّى غَيْر الْمَكْتُوبَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ اِبْن أَبِي عَدِيٍّ عَنْ حُمَيْدٍ \" فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ \" وَكَأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة غَيْرُ الْقِصَّةِ الْمَاضِيَة فِي أَبْوَاب الصَّلَاة الَّتِي صَلَّى فِيهَا عَلَى الْحَصِير وَأَقَامَ أَنَسًا خَلْفَهُ وَأُمَّ سُلَيْمٍ مِنْ وَرَائِهِ , لَكِنْ وَقَعَ عِنْد أَحْمَد فِي رِوَايَة ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةِ - وَهُوَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْن الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِت - نَحْوه , ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا فَأَقَامَ أُمَّ حَرَامٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا وَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينه \" وَيَحْتَمِل التَّعَدُّدَ لِأَنَّ الْقِصَّة الْمَاضِيَة لَا ذِكْرَ فِيهَا لِأُمِّ حَرَامٍ , وَيَدُلُّ عَلَى التَّعَدُّدِ أَيْضًا أَنَّهُ هُنَا لَمْ يَأْكُلْ وَهُنَاكَ أَكَلَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ لِي خُوَيْصَّة ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَبِتَخْفِيفِهَا تَصْغِير خَاصَّة , وَهُوَ مِمَّا اُغْتُفِرَ فِيهِ اِلْتِقَاءُ السَّاكِنَيْنِ. ‏ ‏وَقَوْله \" خَادِمك أَنَس \" هُوَ عَطْف بَيَان أَوْ بَدَل وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره أَطْلُبُ مِنْك الدُّعَاء لَهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة ثَابِت الْمَذْكُورَة عِنْد أَحْمَد \" إِنَّ لِي خُوَيْصَّة خُوَيْدِمك أَنَس اُدْعُ اللَّه لَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( خَيْر آخِرَة ) ‏ ‏أَيْ خَيْرًا مِنْ خَيْرَات الْآخِرَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا دَعَا لِي بِهِ : اللَّهُمَّ اُرْزُقْهُ مَالًا ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل , وَعِنْد أَحْمَد مِنْ رِوَايَة عُبَيْدَة بْن حُمَيْدٍ عَنْ حُمَيْدٍ \" إِلَّا دَعَا لِي بِهِ , وَكَانَ مِنْ قَوْله : اللَّهُمَّ \" إِلَخْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَارِكْ لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ \" وَقَوْله \" فِيهِ \" بِالْإِفْرَادِ نَظَرًا إِلَى اللَّفْظ , وَلِأَحْمَدَ \" فِيهِمْ \" نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى , وَيَأْتِي فِي الدَّعَوَات مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ أَنَس \" وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْته \" وَفِي رِوَايَة ثَابِت عِنْد مُسْلِم \" فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْر , وَكَانَ آخِرُ مَا دَعَا لِي أَنْ قَالَ : اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ \" وَلَمْ يَقَع فِي هَذِهِ الرِّوَايَة التَّصْرِيحُ بِمَا دَعَا لَهُ مِنْ خَيْر الْآخِرَةِ لِأَنَّ الْمَال وَالْوَلَد مِنْ خَيْر الدُّنْيَا , وَكَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة اِخْتَصَرَهُ. وَوَقَعَ لِمُسْلِمِ فِي رِوَايَة الْجَعْد عَنْ أَنَس \" فَدَعَا لِي بِثَلَاثِ دَعَوَات قَدْ رَأَيْت مِنْهَا اِثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِثَة فِي الْآخِرَة \" وَلَمْ يُبَيِّنهَا , وَهِيَ الْمَغْفِرَة كَمَا بَيَّنَهَا سِنَانُ بْنُ رَبِيعَةَ بِزِيَادَةٍ , وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ اِبْن سَعْد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ عَنْ أَنَس قَالَ \" اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَأَطِلْ عُمُرَهُ وَاغْفِرْ ذَنْبه \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَر الْأَنْصَار مَالًا ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عَدِيٍّ \" وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً غَيْرَ خَاتَمه \" يَعْنِي أَنَّ مَاله كَانَ مِنْ النَّقْدَيْنِ , وَفِي رِوَايَة ثَابِت عِنْد أَحْمَد \" قَالَ أَنَسٌ : وَمَا أَصْبَحَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أَكْثَرَ مِنِّي مَالًا , قَالَ : يَا ثَابِتُ وَمَا أَمْلِكُ صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا خَاتَمِي \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي خَلَدَةَ \" قَالَ أَبُو الْعَالِيَة : كَانَ لِأَنَسٍ بُسْتَانٌ يَحْمِل فِي السَّنَة مَرَّتَيْنِ , وَكَانَ فِيهِ رَيْحَان يَجِيءُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ \" وَلِأَبِي نُعَيْم فِي \" الْحِلْيَة \" مِنْ طَرِيق حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ عَنْ أَنَس قَالَ \" وَإِنَّ أَرْضِي لَتُثْمِر فِي السَّنَة مَرَّتَيْنِ , وَمَا فِي الْبَلَدِ شَيْءٌ يُثْمِرُ مَرَّتَيْنِ غَيْرهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَتْنِي اِبْنَتِي أُمَيْنَة ) ‏ ‏بِالنُّونِ تَصْغِيرُ آمِنَةٍ ‏ ‏( أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي ) ‏ ‏أَيْ مِنْ وَلَدِهِ دُونَ أَسْبَاطِهِ وَأَحْفَادِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَقْدَمَ الْحَجَّاجِ الْبَصْرَةَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ مِنْ أَوَّلِ مَا مَاتَ لِي مِنْ الْأَوْلَادِ إِلَى أَنْ قَدِمَهَا الْحَجَّاجُ. وَوَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عَدِيٍّ الْمَذْكُورَةِ وَلَفْظه \" وَذَكَرَ أَنَّ اِبْنَتَهُ الْكُبْرَى أُمَيْنَة أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِهِ إِلَى مَقْدَمِ الْحَجَّاج , وَكَانَ قُدُومُ الْحَجَّاج الْبَصْرَةَ سَنَة خَمْس وَسَبْعِينَ وَعُمُرُ أَنَسٍ حِينَئِذٍ نَيِّفٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً , وَقَدْ عَاشَ أَنَس بَعْد ذَلِكَ إِلَى سَنَة ثَلَاث وَيُقَالُ اِثْنَتَيْنِ وَيُقَال إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَقَدْ قَارَبَ الْمِائَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عَدِيٍّ \" نَيِّف عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَة \" وَفِي رِوَايَة الْأَنْصَارِيّ عَنْ حُمَيْدٍ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِل \" تِسْع وَعِشْرُونَ وَمِائَة \" وَهُوَ عِنْد الْخَطِيب فِي رِوَايَة الْآبَاءِ عَنْ الْأَبْنَاء مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" ثَلَاث وَعِشْرُونَ وَمِائَة \" وَفِي رِوَايَة حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ \" وَلَقَدْ دَفَنْت مِنْ صُلْبِي سِوَى وَلَدِ وَلَدِي خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَمِائَةً \" وَفِي \" الْحِلْيَة \" أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس قَالَ \" دَفَنْت مِائَةً لَا سِقْطًا وَلَا وَلَدَ وَلَدٍ \" وَلَعَلَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ سَبَبُ الْعُدُولِ إِلَى الْبِضْعِ وَالنَّيِّفِ , وَفِي ذِكْر هَذَا دَلَالَة عَلَى كَثْرَةِ مَا جَاءَهُ مِنْ الْوَلَدِ فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ هُوَ الَّذِي مَاتَ مِنْهُمْ , وَأَمَّا الَّذِينَ بَقُوا فَفِي رِوَايَة إِسْحَاق اِبْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس عِنْد مُسْلِمٍ \" وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَد وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ \". وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِد غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ جَوَازُ التَّصْغِيرِ عَلَى مَعْنَى التَّلَطُّفِ لَا التَّحْقِير , وَتُحْفَةُ الزَّائِرِ بِمَا حَضَرَ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ , وَجَوَازُ رَدِّ الْهَدِيَّة إِذَا لَمْ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُهْدِي , وَأَنَّ أَخْذَ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَهُ لَيْسَ مِنْ الْعَوْدِ فِي الْهِبَة. وَفِيهِ حِفْظُ الطَّعَام وَتَرْكُ التَّفْرِيطِ فِيهِ , وَجَبْر خَاطِر الْمُزَوِّر إِذَا لَمْ يُؤْكَل عِنْده بِالدُّعَاءِ لَهُ , وَمَشْرُوعِيَّة الدُّعَاء عَقِبَ الصَّلَاةِ , وَتَقْدِيمُ الصَّلَاةِ أَمَام طَلَبِ الْحَاجَةِ , وَالدُّعَاء بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَالدُّعَاء بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الْخَيْرَ الْأُخْرَوِيَّ , وَإِنْ فَضْل التَّقَلُّلِ مِنْ الدُّنْيَا يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاص. وَفِيهِ زِيَارَة الْإِمَام بَعْضَ رَعِيَّتِهِ , وَدُخُولُ بَيْت الرَّجُل فِي غَيْبَتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي طُرُق هَذِهِ الْقِصَّة إِنَّ أَبَا طَلْحَة كَانَ حَاضِرًا. وَفِيهِ إِيثَارُ الْوَلَدِ عَلَى النَّفْسِ , وَحُسْنَ التَّلَطُّفِ فِي السُّؤَال , وَأَنَّ كَثْرَة الْمَوْت فِي الْأَوْلَاد لَا يُنَافِي إِجَابَة الدُّعَاء بِطَلَبِ كَثْرَتهمْ وَلَا طَلَب الْبَرَكَة فِيهِمْ لِمَا يَحْصُل مِنْ الْمُصِيبَة بِمَوْتِهِمْ وَالصَّبْر عَلَى ذَلِكَ مِنْ الثَّوَاب. وَفِيهِ التَّحَدُّثُ بِنِعَمِ اللَّه تَعَالَى , وَبِمُعْجِزَاتِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا فِي إِجَابَة دَعْوَتِهِ مِنْ الْأَمْرِ النَّادِر وَهُوَ اِجْتِمَاع كَثْرَة الْمَال مَعَ كَثْرَة الْوَلَد , وَكَوْن بُسْتَان الْمَدْعُوّ لَهُ صَارَ يُثْمِر مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَة دُون غَيْره. وَفِيهِ التَّأْرِيخُ بِالْأَمْرِ الشَّهِير , وَلَا يَتَوَقَّف ذَلِكَ عَلَى صَلَاح الْمُؤَرِّخ بِهِ , وَفِيهِ جَوَاز ذِكْر الْبُضْع فِيمَا زَادَ عَلَى عَقْدِ الْعُشْر خِلَافًا لِمَنْ قَصَرَهُ عَلَى مَا قَبْلَ الْعِشْرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن أَبِي مَرْيَم ) ‏ ‏هُوَ سَعِيد , وَفَائِدَة ذِكْر هَذِهِ الطَّرِيق بَيَانُ سَمَاعِ حُمَيْدٍ لِهَذَا الْحَدِيث مِنْ أَنَسٍ لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ حُمَيْدًا كَانَ رُبَّمَا دَلَّسَ عَنْ أَنَس , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ \" حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي مَرْيَم \" فَيَكُون مَوْصُولًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1847",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَهْدِيٌّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏غَيْلَانَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُطَرِّفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَهُ ‏ ‏أَوْ سَأَلَ رَجُلًا ‏ ‏وَعِمْرَانُ ‏ ‏يَسْمَعُ ‏ ‏فَقَالَ يَا أَبَا فُلَانٍ ‏ ‏أَمَا صُمْتَ ‏ ‏سَرَرَ ‏ ‏هَذَا الشَّهْرِ ‏ ‏قَالَ أَظُنُّهُ قَالَ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏رَمَضَانَ قَالَ الرَّجُلُ لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ ‏ ‏لَمْ يَقُلْ ‏ ‏الصَّلْتُ ‏ ‏أَظُنُّهُ ‏ ‏يَعْنِي رَمَضَانَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُطَرِّفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏سَرَرِ ‏ ‏شَعْبَانَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْن مُحَمَّدٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الصَّاد الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا مُثَنَّاةٌ , بَصْرِيٌّ مَشْهُورٌ , وَأَضَافَ إِلَيْهِ رِوَايَة أَبِي النُّعْمَان وَهُوَ عَارِم لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ تَصْرِيحِ مَهْدِيّ بِالتَّحْدِيثِ مِنْ غَيْلَانَ , وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُطَرِّفٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْن الشِّخِّيرِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ سَأَلَهُ أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَان يَسْمَع ) ‏ ‏هَذَا شَكٌّ مِنْ مُطَرِّف فَإِنَّ ثَابِتًا رَوَاهُ عَنْهُ بِنَحْوِهِ عَلَى الشَّكِّ أَيْضًا أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ مُطَرِّفٍ بِدُونِ شَكٍّ عَلَى الْإِبْهَام \" أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ \" زَادَ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجه \" مِنْ أَصْحَابه \" وَرَوَاهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ بِهِ \" قَالَ لِعِمْرَانَ \" بِغَيْرِ شَكٍّ. ‏ ‏قَوْله : ( يَا فُلَانُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ \" يَا أَبَا فُلَانٍ \" بِأَدَاةِ الْكُنْيَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَا صُمْت سُرَرَ هَذَا الشَّهْرِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ شَيْبَانَ عَنْ مَهْدِيٍّ \" سِرَّهُ \" بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الرَّاء بَعْدهَا هَاءٌ , قَالَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِابْنِ قُرْقُول : كَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخِ. اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن يَاسِر الْجَيَّانِيّ وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْت \" سُرَر هَذَا الشَّهْر \" كَبَاقِي الرِّوَايَات , وَفِي رِوَايَة ثَابِتٍ الْمَذْكُورَة \" أَصْمُت مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ شَيْئًا ؟ قَالَ لَا \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَظُنُّهُ قَالَ يَعْنِي رَمَضَان ) ‏ ‏هَذَا الظَّنّ مِنْ أَبِي النُّعْمَان , لِتَصْرِيحِ الْبُخَارِيّ فِي آخِره بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة أَبِي الصَّلْت , وَكَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ أَبِي النُّعْمَان لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيَّ , وَإِلَّا فَقَدْ رَوَاهُ الْجَوْزَقِيّ مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن يُوسُف السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِي النُّعْمَان بِدُونِ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّوَاب , وَنَقَلَ الْحُمَيْدِيُّ عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ شَعْبَانَ أَصَحُّ , وَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي بَعْض الرِّوَايَاتِ فِي الصَّحِيحِ , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : ذِكْرُ رَمَضَان هُنَا وَهْمٌ لِأَنَّ رَمَضَان يَتَعَيَّنُ صَوْمُ جَمِيعِهِ وَكَذَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَابْن الْجَوْزِيِّ , وَرَوَاهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق اِبْن أَخِي مُطَرِّفٍ عَنْ مُطَرِّف بِلَفْظِ \" هَلْ صُمْت مِنْ سُرَر هَذَا الشَّهْر شَيْئًا \" يَعْنِي شَعْبَانَ , وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي رِوَايَة هُدْبَةَ وَلَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَسْمَاء وَلَا قُطْر بْن حَمَّادٍ وَلَا عَفَّان وَلَا عَبْدِ الصَّمَدِ وَلَا غَيْرهمْ عِنْد أَحْمَد وَمُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْرهمْ وَلَا فِي بَاقِي الرِّوَايَات عِنْد مُسْلِم , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ قَوْله رَمَضَان فِي قَوْله \" يَعْنِي رَمَضَان \" ظَرْفًا لِلْقَوْلِ الصَّادِر مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا لِصِيَامِ الْمُخَاطَب بِذَلِكَ , فَيُوَافِقُ رِوَايَة الْجُرَيْرِيُّ عَنْ مُطَرِّفٍ فَإِنَّ فِيهَا عِنْد مُسْلِم \" فَقَالَ لَهُ فَإِذَا أَفْطَرْت مِنْ رَمَضَان فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ ثَابِت إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَحْمَد وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْهُ كَذَلِكَ , وَوَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيِّ مِنْ الزِّيَادَة هُنَا \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : وَشَعْبَان أَصَحّ \". وَالسَّرَر بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَضَمُّهَا جَمْعُ سُرَّةٍ وَيُقَال أَيْضًا سِرَار بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْرِهِ , وَرَجَّحَ الْفَرَّاء الْفَتْح , وَهُوَ مِنْ الِاسْتِسْرَار , قَالَ أَبُو عُبَيْد وَالْجُمْهُور : الْمُرَاد بِالسُّرَرِ هُنَا آخِر الشَّهْر , سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِسْرَارِ الْقَمَر فِيهَا وَهِيَ لَيْلَة ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَتِسْع وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ. وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَسَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز أَنَّ سُرَره أَوَّله , وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ كَالْجُمْهُورِ , وَقِيلَ السُّرَر وَسَطُ الشَّهْر حَكَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَرَجَّحَهُ بَعْضهمْ , وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ السُّرَر جَمْع سُرَّة وَسُرَّة الشَّيْء وَسَطه , وَيُؤَيِّدُهُ النَّدْبُ إِلَى صِيَام الْبِيضِ وَهِيَ وَسَط الشَّهْر وَأَنَّهُ لَمْ يَرِد فِي صِيَام آخِر الشَّهْر نَدْب , بَلْ وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ خَاصٌّ وَهُوَ آخِر شَعْبَان لِمَنْ صَامَهُ لِأَجْلِ رَمَضَان , وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّ مُسْلِمًا أَفْرَدَ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا سُرَّة هَذَا الشَّهْر عَنْ بَقِيَّة الرِّوَايَات وَأَرْدَفَ بِهَا الرِّوَايَات الَّتِي فِيهَا الْحَضّ عَلَى صِيَام الْبِيض وَهِيَ وَسَط الشَّهْر كَمَا تَقَدَّمَ , لَكِنْ لَمْ أَرَهُ فِي جَمِيع طُرُق الْحَدِيث بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ \" سُرَّة \" بَلْ هُوَ عِنْد أَحْمَد مِنْ وَجْهَيْنِ بِلَفْظِ \" سِرَار \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ طُرُق عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ فِي بَعْضهَا سُرَر وَفِي بَعْضهَا سِرَار , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد آخِر الشَّهْر , قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ بَعْضُ أَهْل الْعِلْمِ : سُؤَالُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ سُؤَال زَجْرٍ وَإِنْكَارٍ , لِأَنَّهُ قَدْ نَهَى أَنْ يُسْتَقْبَل الشَّهْرُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِقَضَاءِ ذَلِكَ , وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الرَّجُل أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسه فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْوَفَاءِ وَأَنْ يَقْضِي ذَلِكَ فِي شَوَّال. اِنْتَهَى. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّر فِي الْحَاشِيَةِ : قَوْله سُؤَال إِنْكَار فِيهِ تَكَلُّفٌ , وَيَدْفَعُ فِي صَدْره قَوْلُ الْمَسْئُولِ \" لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ \" فَلَوْ كَانَ سُؤَال إِنْكَار لَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَامَ وَالْفَرْض , أَنَّ الرَّجُل لَمْ يَصُمْ فَكَيْف يُنْكِر عَلَيْهِ فَعَلَ مَا لَمْ يَفْعَلهُ ؟ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الرَّجُل كَانَتْ لَهُ عَادَة بِصِيَامِ آخِر الشَّهْرِ فَلَمَّا سَمِعَ نَهْيَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَقَدَّم أَحَدٌ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَلَمْ يَبْلُغهُ الِاسْتِثْنَاءُ تَرَكَ صِيَامَ مَا كَانَ اِعْتَادَهُ مِنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهُ بِقَضَائِهَا لِتَسْتَمِرَّ مُحَافَظَتُهُ عَلَى مَا وَظَّفَ عَلَى نَفْسه مِنْ الْعِبَادَةِ , لِأَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّه تَعَالَى مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ اِبْن التِّين : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا كَلَامًا جَرَى مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَابًا لِكَلَامٍ لَمْ يُنْقَل إِلَيْنَا ا ه. وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْمَأْخَذِ. وَقَالَ آخَرُونَ : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ النَّهْي عَنْ تَقَدُّم رَمَضَان بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ يَقْصِدُ بِهِ التَّحَرِّيَ لِأَجْلِ رَمَضَان وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ اِعْتَادَهُ , وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ حَدِيثِ النَّهْيِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ إِلَّا مَنْ كَانَتْ لَهُ عَادَةٌ , وَأَشَارَ الْقُرْطُبِيُّ إِلَى أَنَّ الْحَامِلَ لِمَنْ حَمَلَ سُرَر الشَّهْر عَلَى غَيْر ظَاهِره وَهُوَ آخِر الشَّهْر الْفِرَار مِنْ الْمُعَارَضَة لِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَقَدُّم رَمَضَان بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ وَقَالَ : الْجَمْع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ مُمْكِنٌ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى مَنْ لَيْسَتْ لَهُ عَادَة بِذَلِكَ وَحَمْل الْأَمْرِ عَلَى مَنْ لَهُ عَادَةٌ حَمْلًا لِلْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ عَلَى مُلَازَمَةِ عَادَةِ الْخَيْرِ حَتَّى لَا يُقْطَع , قَالَ : وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى فَضِيلَة الصَّوْم فِي شَعْبَان وَأَنَّ صَوْم يَوْم مِنْهُ يَعْدِل صَوْم يَوْمَيْنِ فِي غَيْره أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيث \" فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ \" يَعْنِي مَكَانَ الْيَوْمِ الَّذِي فَوَّتَهُ مِنْ صِيَام شَعْبَان. قُلْت : وَهَذَا لَا يَتِمُّ إِلَّا إِنْ كَانَتْ عَادَةُ الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ أَنْ يَصُومَ مِنْ شَعْبَان يَوْمًا وَاحِدًا , وَإِلَّا فَقَوْله \" هَلْ صُمْت مِنْ سُرَر هَذَا الشَّهْر شَيْئًا \" أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَادَته صِيَام يَوْم مِنْهُ أَوْ أَكْثَر , نَعَمْ وَقَعَ فِي سُنَنِ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيّ \" فَصُمْ مَكَان ذَلِكَ الْيَوْم يَوْمَيْنِ \" وَفِي الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّةُ قَضَاء التَّطَوُّع , وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ قَضَاءُ الْفَرْض بِطَرِيقِ الْأَوْلَى خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1848",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَالَ نَعَمْ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏غَيْرُ أَبِي عَاصِمٍ ‏ ‏يَعْنِي أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن جُبَيْر بْن شَيْبَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُثْمَان بْن أَبِي طَلْحَة الْحَجْبِيّ , فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" أَخْبَرَنِي عَبْد الْحَمِيد \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ وَمُسْلِم مِنْ طَرِيقه , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو قُرَّة فِي السُّنَن عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ , وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْهُ , وَكَانَ اِبْن جُرَيْجٍ رُبَّمَا رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبَّاد نَفْسه وَلَمْ يَذْكُر عَبْد الْحَمِيد , كَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان وَحَفْص بْن غِيَاث أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِهِمَا وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيّ وَزَادَ فُضَيْل بْن سُلَيْمَان , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق النَّضْر بْن شُمَيْلٍ كُلّهمْ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ وَأَوْمَأَ الْإِسْمَاعِيلِيّ إِلَى أَنَّ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي عَاصِم نَظَرًا فَإِنَّهُ قَالَ : رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي عَاصِم \" فَذَكَرَ إِسْنَادَهُ قَالَ : وَقَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيق أَبِي عَاصِم كَمَا قَالَ يَحْيَى , ثُمَّ سَاقَهُ كَذَلِكَ. قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو سَعْد الصَّغَانِيُّ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ كَمَا سَاقَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي عَاصِم وَأَبُو سَعْد لَيْسَ كَهَؤُلَاءِ يَعْنِي الْقَطَّان وَمَنْ تَابَعَهُ. قُلْت : وَلَمْ يُصِبْ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ رِوَايَة الْبُخَارِيّ مُسْتَقِيمَةٌ , وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى الزِّيَادَة الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو مُسْلِم الْكَجِّيّ فِي سُنَنه فَأَخْرَجَاهُ عَنْ أَبِي عَاصِم كَمَا قَالَ الْبُخَارِيّ , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو مُوسَى كَمَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي عَاصِم فِي كِتَاب الصِّيَام لَهُ عَنْهُ عَنْ أَبِي عَاصِم , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عُقَيْل بْن خُوَيْلِدِ عَنْ أَبِي عَاصِم كَذَلِكَ , وَابْن جُرَيْجٍ كَانَ رُبَّمَا دَلَّسَ وَلِهَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنَّ يَحْيَى بْن سَعِيد قَصَّرَ فِي إِسْنَاده , لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن عَبَّاد \" فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَبْد الْحَمِيد عَنْ مُحَمَّد ثُمَّ لَقِيَ مُحَمَّدًا فَسَمِعَهُ مِنْهُ , أَوْ سَمِعَ مِنْ مُحَمَّد وَاسْتَثْبَتَ فِيهِ مِنْ عَبْد الْحَمِيد فَكَانَ يُحَدِّث بِهِ تَارَةً عَنْ هَذَا وَتَارَة عَنْ هَذَا , وَلَعَلَّ السِّرّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عِنْد أَحَدهمَا فِي الْمَتْن مَا لَيْسَ عِنْد الْآخَر كَمَا سَنُوضِحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَلَمْ يَنْفَرِد أَبُو سَعْد بِمُتَابَعَةِ أَبِي عَاصِم عَلَى ذِكْرِ عَبْدِ الْحَمِيدِ كَمَا يُوهِمُهُ كَلَام الْإِسْمَاعِيلِيّ بَلْ تَابَعَهُمَا عَبْد الرَّزَّاق وَأَبُو قُرَّة وَحَجَّاج بْن مُحَمَّد كَمَا قَدَّمْت ذِكْرَهُ , وَعَبْد الْحَمِيد أَكْثَر عَدَدًا مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِإِسْقَاطِهِ , وَعَبْد الْحَمِيد الْمَذْكُور تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ رَوَى عَنْ عَمَّته صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة وَهِيَ مِنْ صِغَار الصَّحَابَة وَوَثَّقَهُ اِبْن مَعِين وَغَيْره , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى ثَلَاثَة أَحَادِيث هَذَا وَآخَرُ فِي بَدْء الْخَلْق وَآخَر فِي الْأَدَب. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن عَبَّاد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَبْد الْحَمِيد أَنَّ مُحَمَّد بْن عَبَّاد أَخْبَرَهُ , وَرِجَالُ هَذَا الْإِسْنَاد مَكِّيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيّ فَهُوَ بَصْرِيٌّ وَالصَّحَابِيَّ فَهُوَ مَدَنِيٌّ وَقَدْ أَقَامَا بِمَكَّةَ زَمَانًا. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلْت جَابِرًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق الْمَذْكُورَةِ وَكَذَا فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْد الْحَمِيد عِنْد مُسْلِم وَأَحْمَد وَغَيْرهمَا \" سَأَلْت جَابِر بْن عَبْد اللَّه وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ \" وَزَادُوا أَيْضًا فِي آخِره قَالَ \" نَعَمْ وَرَبِّ هَذَا الْبَيْت \" وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" وَرَبِّ الْكَعْبَةِ \" وَعَزَاهَا صَاحِبُ \" الْعُمْدَة \" لِمُسْلِمٍ فَوَهِمَ. وَفِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اِسْتِحْلَافٍ لِتَأْكِيدِ الْأَمْر , وَإِضَافَةُ الرُّبُوبِيَّةِ إِلَى الْمَخْلُوقَاتِ الْمُعَظَّمَةِ تَنْوِيهَا بِتَعْظِيمِهَا , وَفِيهِ الِاكْتِفَاءُ فِي الْجَوَاب بِنَعَمْ مِنْ غَيْر ذِكْرِ الْأَمْرِ الْمُفَسَّر بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( زَادَ غَيْرُ أَبِي عَاصِم يَعْنِي أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمِهِ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمٍ \" وَالْغَيْرُ الْمُشَار إِلَيْهِ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّهُ يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان , وَهُوَ كَمَا قَالَ لَكِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِالزِّيَادَةِ مِنْ طَرِيقه وَمِنْ طَرِيق النَّضْر بْن شُمَيْلٍ وَحَفْص بْن غِيَاث. وَلَفْظ يَحْيَى \" أَسْمَعْت رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى أَنْ يَنْفَرِدَ يَوْمُ الْجُمُعَة بِصَوْمٍ ؟ قَالَ : إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ \" وَلَفْظُ حَفْص \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَام يَوْم الْجُمُعَة مُفْرَدًا \" وَلَفْظ النَّضْر \" أَنَّ جَابِرًا سُئِلَ عَنْ صَوْم يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ : نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفْرَدَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1849",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ ‏",
        "sharh": "قَوْله ‏ ‏( لَا يَصُوم أَحَدكُمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ بِلَفْظِ النَّفْي وَالْمُرَاد بِهِ النَّهْي , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَا يَصُومَن \" بِلَفْظِ النَّهْي الْمُؤَكَّدِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا يَوْمًا قَبْله أَوْ بَعْده ) ‏ ‏تَقْدِيره إِلَّا أَنْ يَصُوم يَوْمًا قَبْله لِأَنَّ يَوْمًا لَا يَصِحّ اِسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ يَوْم الْجُمُعَة , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَجُوز أَنْ يَكُون مَنْصُوبًا بِنَزْعِ الْخَافِض تَقْدِيره إِلَّا بِيَوْمٍ قَبْله وَتَكُون الْبَاءُ لِلْمُصَاحِبَةِ , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَشْكَاب عَنْ عُمَر بْن حَفْص شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" إِلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْله أَوْ بَعْده \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش \" لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَة إِلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْله أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" إِلَّا أَنْ يَصُوم قَبْلَهُ يَوْمًا أَوْ يَصُوم بَعْده يَوْمًا \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق هِشَام عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" لَا تَخُصُّوا لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَامٍ مِنْ بَيْن اللَّيَالِي , وَلَا تَخُصُّوا يَوْم الْجُمُعَة بِصِيَامٍ مِنْ بَيْن الْأَيَّام , إِلَّا أَنْ يَكُون فِي صَوْمٍ يَصُومهُ أَحَدُكُمْ \" وَرَوَاهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق عَوْف عَنْ اِبْن سِيرِينَ بِلَفْظِ \" نَهَى أَنْ يُفْرَدَ يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْمٍ \" , وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَوْبَرِ زِيَادٍ الْحَارِثِيِّ \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ : أَنْتَ الَّذِي تَنْهَى النَّاسَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ؟ قَالَ هَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ثَلَاثًا , لَقَدْ سَمِعْت مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : لَا يَصُوم أَحَدكُمْ يَوْم الْجُمُعَة وَحْده إِلَّا فِي أَيَّامٍ مَعَهُ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق لَيْلَى اِمْرَأَة بَشِير بْن الْخَصَاصِيَةِ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ \" لَا تَصُمْ يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا فِي أَيَّامٍ هُوَ أَحَدُهَا \" وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُقَيِّد النَّهْيَ الْمُطْلَق فِي حَدِيث جَابِر وَتُؤَيِّدُ الزِّيَادَةَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مِنْ تَقْيِيد الْإِطْلَاق بِالْإِفْرَادِ , وَيُؤْخَذ مِنْ الِاسْتِثْنَاء جَوَازُهُ لِمَنْ صَامَ قَبْله أَوْ بَعْده أَوْ اِتَّفَقَ وُقُوعُهُ فِي أَيَّامٍ لَهُ عَادَةٌ بِصَوْمِهَا كَمَنْ يَصُوم أَيَّام الْبِيضِ أَوْ مَنْ لَهُ عَادَةٌ بِصَوْمِ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ كَيَوْمِ عَرَفَةَ فَوَافَقَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ , وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ صَوْمِهِ لِمَنْ نَذَرَ يَوْم قُدُوم زَيْدٍ مَثَلًا أَوْ يَوْم شِفَاء فُلَانٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "1850",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ ‏ ‏أَصُمْتِ أَمْسِ قَالَتْ لَا قَالَ تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا قَالَتْ لَا قَالَ فَأَفْطِرِي ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو أَيُّوبَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جُوَيْرِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَتْهُ فَأَمَرَهَا فَأَفْطَرَتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ) ‏ ‏لَمْ يُنْسَب مُحَمَّد الْمَذْكُور فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ بُنْدَار مُحَمَّد بْن بَشَّار وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقه وَمِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْمَثْنَى جَمِيعًا عَنْ غُنْدَر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي أَيُّوب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُوسُف الْقَاضِي فِي الصِّيَام لَهُ مِنْ طَرِيق خَالِد بْن الْحَارِث عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ \" سَمِعْت أَبَا أَيُّوبَ \" وَوَافَقَهُ هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ فِي رِوَايَته \" عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْعَتَكِيّ \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُثَنَّاة نِسْبَةً إِلَى بَطْنٍ مِنْ الْأَزْدِ , وَيُقَال لَهُ أَيْضًا الْمَرَاغِي بِفَتْحِ الْمِيم وَالرَّاء ثُمَّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة , وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق شُعْبَةَ وَهَمَّامٍ وَحَمَّاد بْن سَلَمَة جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ , وَلَيْسَ لِجُوَيْرِيَةَ زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَتهَا سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث جُنَادَةَ بْن أَبِي أُمِّيَّة عِنْد النَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ بِمَعْنَى حَدِيث جُوَيْرِيَةَ , وَاتَّفَقَ شُعْبَة وَهَمَّام عَنْ قَتَادَةَ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ , وَخَالَفَهُمَا سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَةَ فَقَالَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى جُوَيْرِيَةَ \" فَذَكَرَهُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ , وَالرَّاجِح طَرِيق شُعْبَة لِمُتَابَعَةِ هَمَّامٍ وَحَمَّادِ اِبْن سَلَمَة لَهُ وَكَذَا حَمَّاد بْن الْجَعْد كَمَا سَيَأْتِي , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُونَ طَرِيقُ سَعِيد مَحْفُوظَة أَيْضًا فَإِنَّ مَعْمَرًا رَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَيْضًا لَكِنْ أَرْسَلَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَفْطِرِي ) ‏ ‏زَادَ أَبُو نُعَيْم فِي رِوَايَته \" إِذًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ حَمَّاد بْن الْجَعْد إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيُّ فِي \" جَمْع حَدِيث هُدْبَةَ بْن خَالِد \" قَالَ \" حَدَّثَنَا هُدْبَةُ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن الْجَعْد سُئِلَ قَتَادَةُ عَنْ صِيَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوب \" فَذَكَرَهُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ \" فَأَمَرَهَا فَأَفْطَرَتْ \" وَحَمَّاد بْن الْجَعْد فِيهِ لِينٌ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. وَاسْتَدَلَّ بِأَحَادِيث الْبَاب عَلَى مَنْع إِفْرَاد يَوْمِ الْجُمُعَة بِالصِّيَامِ , وَنَقَلَهُ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَحْمَد وَابْن الْمُنْذِر وَبَعْض الشَّافِعِيَّة , وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْل اِبْن الْمُنْذِر : ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ صَوْم يَوْم الْجُمُعَة كَمَا ثَبَتَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ , وَزَادَ يَوْم الْجُمُعَة الْأَمْر بِفِطْرِ مَنْ أَرَادَ إِفْرَاده بِالصَّوْمِ فَهَذَا قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ يَرَى بِتَحْرِيمِهِ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيُّ : يُفَرَّق بَيْنَ الْعِيد وَالْجُمُعَة بِأَنَّ الْإِجْمَاع مُنْعَقِدٌ عَلَى تَحْرِيم صَوْم يَوْم الْعِيد وَلَوْ صَامَ قَبْله أَوْ بَعْده , بِخِلَافِ يَوْم الْجُمُعَة فَالْإِجْمَاع مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَاز صَوْمه لِمَنْ صَامَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ. وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر وَابْن حَزْم مَنْعَ صَوْمه عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَسَلْمَان وَأَبِي ذَرّ , قَالَ اِبْن حَزْمٍ : لَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَة. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ النَّهْي فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ , وَعَنْ مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة لَا يُكْرَهُ , قَالَ مَالِك : لَمْ أَسْمَع أَحَدًا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ يَنْهَى عَنْهُ , قَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَعَلَّ النَّهْي مَا بَلَغَ مَالِكًا. وَزَعَمَ عِيَاضٌ أَنَّ كَلَام مَالِك يُؤْخَذ مِنْهُ النَّهْي عَنْ إِفْرَاده لِأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخَصَّ يَوْم مِنْ الْأَيَّام بِالْعِبَادَةِ فَيَكُون لَهُ فِي الْمَسْأَلَة رِوَايَتَانِ. وَعَابَ اِبْن الْعَرَبِيِّ قَوْلَ عَبْد الْوَهَّاب مِنْهُمْ : يَوْمٌ لَا يُكْرَهُ صَوْمُهُ مَعَ غَيْره فَلَا يُكْرَهُ وَحْدَهُ , لِكَوْنِهِ قِيَاسًا مَعَ وُجُودِ النَّصِّ. وَاسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُوم مِنْ كُلّ شَهْر ثَلَاثَة أَيَّام , وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِر يَوْمَ الْجُمُعَة \" حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيّ , وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يُرِيدَ كَانَ لَا يَتَعَمَّد فِطْرَهُ إِذَا وَقَعَ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَ يَصُومهَا , وَلَا يُضَادّ ذَلِكَ كَرَاهَة إِفْرَاده بِالصَّوْمِ جَمْعًا بَيْن الْحَدِيثَيْنِ , وَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّهُ مِنْ الْخَصَائِصِ , وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ. وَالْمَشْهُورُ عِنْد الشَّافِعِيَّة وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا وَنَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ لَا يُكْرَه إِلَّا لِمَنْ أَضْعَفَهُ صَوْمُهُ عَنْ الْعِبَادَة الَّتِي تَقَعُ فِيهِ مِنْ الصَّلَاة وَالدُّعَاء وَالذِّكْر , وَالثَّانِي وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ وَاخْتُلِفَ فِي سَبَب النَّهْي عَنْ إِفْرَادِهِ عَلَى أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا لِكَوْنِهِ يَوْمَ عِيدٍ وَالْعِيد لَا يُصَام , وَاسْتُشْكِلَ ذَلِكَ مَعَ الْإِذْنِ بِصِيَامِهِ مَعَ غَيْره. وَأَجَابَ اِبْن الْقَيِّمِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ شَبَهَهُ بِالْعِيدِ لَا يَسْتَلْزِم اِسْتِوَاءَهُ مَعَهُ مِنْ كُلّ جِهَة , وَمَنْ صَامَ مَعَهُ غَيْره اِنْتَفَتْ عَنْهُ صُورَة التَّحَرِّي بِالصَّوْمِ. ثَانِيهَا لِئَلَّا يَضْعُفَ عَنْ الْعِبَادَة وَهَذَا اِخْتَارَهُ النَّوَوِيّ , وَتُعُقِّبَ بِبَقَاءِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ مَعَ صَوْم غَيْرِهِ مَعَهُ , وَأَجَابَ أَنَّهُ يَحْصُل بِفَضِيلَةِ الْيَوْم الَّذِي قَبْله أَوْ بَعْده جَبْر مَا يَحْصُل يَوْم صَوْمه مِنْ فُتُورٍ أَوْ تَقْصِيرٍ , وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْجُبْرَان لَا يَنْحَصِر فِي الصَّوْم بَلْ يَحْصُل بِجَمِيعِ أَفْعَال الْخَيْر فَيَلْزَم مِنْهُ جَوَاز إِفْرَاده لِمَنْ عَمِلَ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا يَقُوم مَقَام صِيَام يَوْم قَبْله أَوْ بَعْده كَمِنْ أَعْتَقَ فِيهِ رَقَبَة مَثَلًا وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ. وَأَيْضًا فَكَأَنَّ النَّهْيَ يَخْتَصُّ بِمَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ الضَّعْف لَا مَنْ يَتَحَقَّقُ الْقُوَّةَ , وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمَظِنَّةَ أُقِيمَتْ مَقَام الْمَئِنَّةِ كَمَا فِي جَوَاز الْفِطْرِ فِي السَّفَر لِمَنْ لَمْ يَشُقّ عَلَيْهِ. ثَالِثهَا خَوْف الْمُبَالَغَة فِي تَعْظِيمه فَيُفْتَتَن بِهِ كَمَا اُفْتُتِنَ الْيَهُود بِالسَّبْتِ , وَهُوَ مُنْتَقَضٌ بِثُبُوتِ تَعْظِيمه بِغَيْرِ الصِّيَام , وَأَيْضًا فَالْيَهُود لَا يُعَظِّمُونَ السَّبْت بِالصِّيَامِ فَلَوْ كَانَ الْمَلْحُوظ تَرْك مُوَافَقَتهمْ لَتَحَتَّمَ صَوْمه لِأَنَّهُمَا لَا يَصُومُونَهُ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث أُمِّ سَلَمَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُوم مِنْ الْأَيَّام السَّبْت وَالْأَحَد وَكَانَ يَقُول إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ فَأُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ \". رَابِعُهَا خَوْفُ اِعْتِقَادِ وُجُوبِهِ , وَهُوَ مُنْتَقَضٌ بِصَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس , وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِيهِمَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ. خَامِسهَا خَشْيَة أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ كَمَا خَشِيَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِيَامِهِمْ اللَّيْلَ ذَلِكَ , قَالَ الْمُهَلَّب : وَهُوَ مُنْتَقَضٌ بِإِجَازَةِ صَوْمِهِ مَعَ غَيْره , وَبِأَنِّهِ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَازَ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِارْتِفَاعِ السَّبَب , لَكِنَّ الْمُهَلَّبَ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ اِعْتِقَادُهُ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ عَلَى ظَاهِر مَذْهَبِهِ. سَادِسهَا مُخَالَفَةُ النَّصَارَى لِأَنَّهُ يَجِب عَلَيْهِمْ صَوْمُهُ وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِمُخَالَفَتِهِمْ نَقَلَهَا الْقَمُولِيّ وَهُوَ ضَعِيف. وَأَقْوَى الْأَقْوَال وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ أَوَّلُهَا , وَوَرَدَ فِيهِ صَرِيحًا حَدِيثَانِ : أَحَدهمَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَغَيْره مِنْ طَرِيق عَامِر بْن لَدِين عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" يَوْم الْجُمُعَة يَوْم عِيد , فَلَا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ , إِلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ \". وَالثَّانِي رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ وَقَالَ \" مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَطَوِّعًا مِنْ الشَّهْر فَلْيَصُمْ يَوْمَ الْخَمِيسِ , وَلَا يَصُمْ يَوْمَ الْجُمُعَة فَإِنَّهُ يَوْمُ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَذِكْرٍ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1851",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْتَصُّ مِنْ الْأَيَّامِ شَيْئًا قَالَتْ لَا ‏ ‏كَانَ عَمَلُهُ ‏ ‏دِيمَةً ‏ ‏وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُطِيقُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيُّ وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِرِ وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ وَعَلْقَمَةُ خَالُهُ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ مِمَّا يُعَدُّ مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ. ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ كَانَ يَخْتَصُّ مِنْ الْأَيَّامِ شَيْئًا : قَالَتْ لَا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : اِسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى كَرَاهَة تَحَرِّي صِيَام يَوْم مِنْ الْأُسْبُوع , وَأَجَابَ الزَّيْن بْن الْمُنَيِّر بِأَنَّ السَّائِل فِي حَدِيث عَائِشَة إِنَّمَا سَأَلَ عَنْ تَخْصِيص يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا أَيَّامًا , وَأَمَّا مَا وَرَدَ تَخْصِيصُهُ مِنْ الْأَيَّام بِالصِّيَامِ فَإِنَّمَا خُصِّصَ لِأَمْرٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ بَقِيَّةُ الْأَيَّامِ كَيَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ وَأَيَّام الْبِيض وَجَمِيع مَا عُيِّنَ لِمَعْنًى خَاصٍّ. وَإِنَّمَا سَأَلَ عَنْ تَخْصِيص يَوْم لِكَوْنِهِ مَثَلًا يَوْمَ السَّبْتِ , وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْجَوَاب صَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فَقَدْ وَرَدْت فِيهِمَا أَحَادِيثُ وَكَأَنَّهَا لَمْ تَصِحَّ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ فَلِهَذَا أَبْقَى التَّرْجَمَةَ عَلَى الِاسْتِفْهَام , فَإِنْ ثَبَتَ فِيهِمَا مَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُمَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ عُمُوم قَوْل عَائِشَة لَا. قُلْت : وَرَدَ فِي صِيَام يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس عِدَّةُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ , مِنْهَا حَدِيث عَائِشَة أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق رَبِيعَةَ الْجَرْشِيّ عَنْهَا وَلَفْظُهُ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَحَرَّى صِيَام الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس \" وَحَدِيث أُسَامَة \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُوم يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس , فَسَأَلْته فَقَالَ : إِنَّ الْأَعْمَال تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس , فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِم \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ , فَعَلَى هَذَا فَالْجَوَاب عَنْ الْإِشْكَال أَنْ يُقَال : لَعَلَّ الْمُرَاد بِالْأَيَّامِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ مِنْ كُلّ شَهْرٍ , فَكَأَنَّ السَّائِلُ لَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كَانَ يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام \" وَرَغِبَ فِي أَنَّهَا تَكُون أَيَّام الْبِيضِ سَأَلَ عَائِشَةَ : هَلْ كَانَ يَخُصُّهَا بِالْبِيضِ ؟ فَقَالَتْ \" لَا , كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً \" تَعْنِي لَوْ جَعَلَهَا الْبِيض لَتَعَيَّنَتْ وَدَاوَمَ عَلَيْهَا , لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَكُون عَمَلُهُ دَائِمًا , لَكِنْ أَرَادَ التَّوَسُّعَةَ بِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا فَكَانَ لَا يُبَالِي مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ صَامَهَا كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي \" بَابُ صِيَامُ الْبِيضِ \" وَأَنَّ مُسْلِمًا رَوَى مِنْ حَدِيث عَائِشَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كَانَ يَصُوم مِنْ كُلّ شَهْر ثَلَاثَة أَيَّام , وَمَا يُبَالِي مِنْ أَيّ الشَّهْرِ صَامَ \" وَقَدْ أَوْرَدَ اِبْنُ حِبَّانَ حَدِيث الْبَاب وَحَدِيث عَائِشَة فِي صِيَام الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس وَحَدِيثهَا \" كَانَ يَصُوم حَتَّى نَقُول لَا يُفْطِر \" وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ بَيْنَهُمَا تَعَارُضًا وَلَمْ يُفْصِحْ عَنْ كَيْفِيَّة الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا , وَقَدْ فَتَحَ اللَّه بِذَلِكَ بِفَضْلِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَخْتَصُّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُور فِي الرِّقَاقِ \" يَخُصُّ \" بِغَيْرِ مُثَنَّاةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( دِيمَةً ) ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ دَائِمَةً , قَالَ أَهْل اللُّغَة : الدِّيمَةُ مَطَرٌ يَدُومُ أَيَّامًا , ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَسْتَمِرُّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِيرٍ \" يَسْتَطِيعُ \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "1852",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَيْرٌ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أُمِّ الْفَضْلِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ الْفَضْلِ ‏ ‏حَدَّثَتْهُ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَيْرٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ ‏ ‏أَنَّ نَاسًا ‏ ‏تَمَارَوْا ‏ ‏عِنْدَهَا يَوْمَ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي سَالِمٌ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو النَّضْر الْمَذْكُور فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة وَهُوَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَرُ , وَرُبَّمَا جَاءَ بِاسْمِهِ وَكُنْيَته مَعًا فَيُقَالُ حَدَّثَنَا سَالِمٌ أَبُو النَّضْر , وَإِنَّمَا سَاقَ الْبُخَارِيُّ الطَّرِيقَ الْأُولَى مَعَ نُزُولِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ التَّصْرِيحِ بِالتَّحْدِيثِ فِي الْمَوَاضِع الَّتِي وَقَعَتْ بِالْعَنْعَنَةِ فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة مَعَ عُلُوِّهَا , وَمَا أَكْثَرَ مَا يَحْرِصُ الْبُخَارِيُّ عَلَى ذَلِكَ فِي هَذَا الْكِتَاب. ‏ ‏قَوْله : ( عُمَيْر مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ ) ‏ ‏هُوَ عُمَيْر مَوْلَى اِبْن عَبَّاس , فَمَنْ قَالَ مَوْلَى أُمّ الْفَضْل فَبِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ وَمَنْ قَالَ مَوْلَى اِبْن عَبَّاس فَبِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ حَالُهُ , لِأَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ هِيَ وَالِدَة اِبْن عَبَّاس وَقَدْ اِنْتَقَلَ إِلَى اِبْن عَبَّاس وَلَاءُ مَوَالِي أُمِّهِ. وَلَيْسَ لِعُمَيْرٍ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا فِي الْحَجِّ فِي مَوْضِعَيْنِ وَفِي الْأَشْرِبَةِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ , وَحَدِيث آخَر تَقَدَّمَ فِي التَّيَمُّمِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا ) ‏ ‏أَيْ اِخْتَلَفُوا , وَوَقَعَ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ فِي \" الْمُوَطَّآت \" مِنْ طَرِيق أَبِي نُوحٍ عَنْ مَالِك \" اِخْتَلَفَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي صَوْم النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ صَوْم يَوْمِ عَرَفَةَ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ مُعْتَادًا لَهُمْ فِي الْحَضَر , وَكَأَنَّ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ صَائِم اِسْتَنَدَ إِلَى مَا أَلِفَهُ مِنْ الْعِبَادَةِ , وَمَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ قَامَتْ عِنْدَهُ قَرِينَةُ كَوْنِهِ مُسَافِرًا , وَقَدْ عُرِفَ نَهْيُهُ عَنْ صَوْمِ الْفَرْضِ فِي السَّفَر فَضْلًا عَنْ النَّفْل. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَرْسَلَتْ ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِيهِ أَنَّ مَيْمُونَة بِنْت الْحَارِث هِيَ الَّتِي أَرْسَلَتْ , فَيَحْتَمِل التَّعَدُّدَ , وَيَحْتَمِل أَنَّهُمَا مَعًا أَرْسَلَتَا فَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَى كُلّ مِنْهُمَا لِأَنَّهُمَا كَانَتَا أُخْتَيْنِ فَتَكُون مَيْمُونَة أَرْسَلَتْ بِسُؤَالِ أُمّ الْفَضْل لَهَا فِي ذَلِكَ لِكَشْفِ الْحَالِ فِي ذَلِكَ وَيَحْتَمِل الْعَكْسَ , وَسَيَأْتِي الْإِشَارَة إِلَى تَعْيِينِ كَوْن مَيْمُونَةَ هِيَ الَّتِي بَاشَرَتْ الْإِرْسَالَ. وَلَمْ يُسَمَّ الرَّسُولُ فِي طُرُق حَدِيث أُمّ الْفَضْل , لَكِنْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد اِبْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ الرَّسُول بِذَلِكَ , وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِمَّا أُمَّهُ وَإِمَّا خَالَتَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيره ) ‏ ‏زَادَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ مَالِك \" وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِعَرَفَة \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَشْرِبَةِ مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي النَّضْر \" وَهُوَ وَاقِفٌ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ \" وَلِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عَنْ أُمّه أُمّ الْفَضْل \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْطَرَ بِعَرَفَةَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَشَرِبَهُ ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيث مَيْمُونَةَ \" وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1853",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُكَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ ‏ ‏بِحِلَابٍ ‏ ‏وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الْمَوْقِفِ فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث , وَبُكَيْر هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن الْأَشَجّ , وَنِصْف إِسْنَادِهِ الْأَوَّل مِصْرِيُّونَ وَالْآخِر مَدَنِيُّونَ , وَقَوْله \" بِحِلَابٍ \" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة هُوَ الْإِنَاء الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ اللَّبَنُ , وَقِيلَ الْحِلَابُ : اللَّبَن الْمَحْلُوب , وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْإِنَاءِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَبَنٌ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏رَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ حَدِيث اِبْن وَهْبٍ بِثَلَاثَةِ أَسَانِيدَ : أَحَدهَا عَنْهُ عَنْ مَالِك بِإِسْنَادِهِ , وَالثَّانِي عَنْهُ عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْر شَيْخ مَالِك فِيهِ بِهِ , وَالثَّالِث عَنْ عَمْرو عَنْ بُكَيْر بِهِ , وَاقْتَصَرَ الْبُخَارِيّ عَلَى أَحَد أَسَانِيدِهِ اِكْتِفَاءً بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ كَمَا سَبَقَ. وَاسْتَدَلَّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى اِسْتِحْبَاب الْفِطْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَة , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ فِعْلَهُ الْمُجَرَّدَ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الِاسْتِحْبَابِ إِذْ قَدْ يَتْرُكُ الشَّيْءَ الْمُسْتَحَبَّ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَيَكُون فِي حَقِّهِ أَفْضَلَ لِمَصْلَحَةِ التَّبْلِيغِ , نَعَمْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق عِكْرِمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة حَدَّثَهُمْ \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَة \" وَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ بَعْضُ السَّلَفِ فَجَاءَ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ قَالَ : يَجِبُ فِطْرُ يَوْم عَرَفَة لِلْحَاجِّ , وَعَنْ اِبْن الزُّبَيْر وَأُسَامَةَ اِبْن زَيْد وَعَائِشَة : أَنَّهُمْ كَانُوا يَصُومُونَهُ , وَكَانَ ذَلِكَ يُعْجِبُ الْحَسَنَ وَيَحْكِيهِ عَنْ عُثْمَان , وَعَنْ قَتَادَةَ مَذْهَبٌ آخَرُ قَالَ : لَا بَأْس بِهِ إِذَا لَمْ يُضْعِفْ عَنْ الدُّعَاء , وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْمَعْرِفَة \" عَنْ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم , وَاخْتَارَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْمُتَوَلِّي مِنْ الشَّافِعِيَّة , وَقَالَ الْجُمْهُور : يُسْتَحَبُّ فِطْرُهُ , حَتَّى قَالَ عَطَاءٌ مَنْ أَفْطَرَهُ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الذِّكْرِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ , وَقَالَ الطَّبَرِيُّ إِنَّمَا أَفْطَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَة لِيَدُلّ عَلَى الِاخْتِيَارِ لِلْحَاجِّ بِمَكَّة لِكَيْ لَا يَضْعُفَ عَنْ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ الْمَطْلُوبِ يَوْمَ عَرَفَةَ , وَقِيلَ إِنَّمَا أَفْطَرَ لِمُوَافَقَتِهِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَقَدْ نَهَى عَنْ إِفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ , وَيُبْعِدُهُ سِيَاقُ أَوَّلِ الْحَدِيثِ , وَقِيلَ إِنَّمَا كَرِهَ صَوْم يَوْم عَرَفَة لِأَنَّهُ يَوْم عِيد لِأَهْلِ الْمَوْقِف لِاجْتِمَاعِهِمْ فِيهِ , وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السُّنَن عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر مَرْفُوعًا \" يَوْم عَرَفَة وَيَوْم النَّحْر وَأَيَّام مِنًى عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ \". وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَنَّ الْعِيَان أَقْطَعُ لِلْحُجَّةِ وَأَنَّهُ فَوْقَ الْخَبَرِ , وَأَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ فِي الْمَحَافِل مُبَاحٌ وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ , وَفِيهِ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ مِنْ الْمَرْأَة مِنْ غَيْر اِسْتِفْصَال مِنْهَا هَلْ هُوَ مِنْ مَال زَوْحهَا أَوْ لَا , وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ الْقَدْر الَّذِي لَا يَقَعُ فِيهِ الْمُشَاحَة , قَالَ الْمُهَلَّب : وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اِحْتِمَال أَنَّهُ مِنْ بَيْت مَيْمُونَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِيهِ تَأَسِّي النَّاس بِأَفْعَالِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِيهِ الْبَحْث وَالِاجْتِهَاد فِي حَيَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمُنَاظَرَةُ فِي الْعِلْم بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ , وَالتَّحَيُّل عَلَى الِاطِّلَاع عَلَى الْحُكْم بِغَيْرِ سُؤَال. وَفِيهِ فَطِنَةُ أُمّ الْفَضْل لِاسْتِكْشَافِهَا عَنْ الْحُكْم الشَّرْعِيّ بِهَذِهِ الْوَسِيلَةِ اللَّطِيفَةِ اللَّائِقَةِ بِالْحَالِ , لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَوْم حَرّ بَعْد الظَّهِيرَة , قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر فِي الْحَاشِيَة : لَمْ يُنْقَل أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاوَلَ فَضْلَهُ أَحَدًا , فَلَعَلَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا خَصَّتْهُ بِهِ , فَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَسْأَلَةُ التَّمْلِيكِ الْمُقَيَّدِ. اِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ ا ه. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث مَيْمُونَة \" فَشَرِبَ مِنْهُ \" وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ شُرْبَهُ مِنْهُ. وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنَيِّر : لَعَلَّ اِسْتِبْقَاءَهُ لِمَا فِي الْقَدَح كَانَ قَصْدًا لِإِطَالَةِ زَمَنِ الشُّرْب حَتَّى يَعُمَّ نَظَرُ النَّاس إِلَيْهِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْبَيَانِ. وَفِيهِ الرُّكُوبُ فِي حَالِ الْوُقُوفِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ فِي كِتَاب الْحَجّ , وَتَرْجَمَ لَهُ فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة \" فِي الشُّرْبِ فِي الْقَدَحِ وَشُرْبِ الْوَاقِفِ عَلَى الْبَعِيرِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1854",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ أَزْهَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ صِيَامِهِمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَالْيَوْمُ الْآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ ‏ ‏نُسُكِكُمْ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏مَنْ قَالَ مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ أَزْهَرَ ‏ ‏فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ قَالَ مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏فَقَدْ أَصَابَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَوْلَى اِبْن أَزْهَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَوْلَى بَنِي أَزْهَرَ \" وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ , وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ. ‏ ‏قَوْله : ( شَهِدَتْ الْعِيد ) ‏ ‏زَادَ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي رِوَايَته الْآتِيَة فِي الْأَضَاحِيّ \" يَوْم الْأَضْحَى \". ‏ ‏قَوْله : ( هَذَانِ ) ‏ ‏فِيهِ التَّغْلِيبُ , وَذَلِكَ أَنَّ الْحَاضِرَ يُشَارُ إِلَيْهِ بِهَذَا وَالْغَائِب يُشَار إِلَيْهِ بِذَاكَ فَلَمَّا أَنْ جَمَعَهُمَا اللَّفْظُ قَالَ \" هَذَانِ \" تَغْلِيبًا لِلْحَاضِرِ عَلَى الْغَائِبِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَوْم فِطْركُمْ ) ‏ ‏بِرَفْعِ يَوْم إِمَّا عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَحَدُهُمَا , أَوْ عَلَى الْبَدَل مِنْ قَوْله \" يَوْمَانِ \" وَفِي رِوَايَة يُونُس الْمَذْكُورَة \" أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَوْم فِطْرِكُمْ \" قِيلَ وَفَائِدَةُ وَصْفِ الْيَوْمَيْنِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْعِلَّة فِي وُجُوب فِطْرهمَا وَهُوَ الْفَصْل مِنْ الصَّوْم وَإِظْهَارُ تَمَامِهِ وَحَدِّهِ بِفِطْرِ مَا بَعْدَهُ , وَالْآخَر لِأَجْلِ النُّسُك الْمُتَقَرَّب بِذَبْحِهِ لِيُؤْكَل مِنْهُ , وَلَوْ شُرِعَ صَوْمُهُ لَمْ يَكُنْ لِمَشْرُوعِيَّةِ الذَّبْح فِيهِ مَعْنًى فَعَبَّرَ عَنْ عِلَّة التَّحْرِيم بِالْأَكْلِ مِنْ النُّسُكِ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم النَّحْرَ وَيَزِيدُ فَائِدَةَ التَّنْبِيهِ عَلَى التَّعْلِيلِ , وَالْمُرَاد بِالنُّسُكِ هُنَا الذَّبِيحَةُ الْمُتَقَرَّب بِهَا قَطْعًا , قِيلَ وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذِهِ الْعِلَّة تَعَيُّنُ السَّلَامِ لِلْفَصْلِ مِنْ الصَّلَاة. وَفِي الْحَدِيث تَحْرِيم صَوْم يَوْمَيْ الْعِيد سَوَاءٌ النَّذْرُ وَالْكَفَّارَةُ وَالتَّطَوُّعُ وَالْقَضَاءُ وَالتَّمَتُّعُ وَهُوَ بِالْإِجْمَاعِ , وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَدِمَ فَصَامَ يَوْم عِيد : فَعَنْ أَبِي حَنِيفَة يَنْعَقِدُ , وَخَالَفَهُ الْجُمْهُور , فَلَوْ نَذَرَ صَوْم يَوْم قُدُومٍ زَيْدٍ فَقَدِمَ يَوْمَ الْعِيدِ فَالْأَكْثَر لَا يَنْعَقِد النَّذْر , وَعَنْ الْحَنَفِيَّة يَنْعَقِد وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ , وَفِي رِوَايَةٍ يَلْزَمهُ الْإِطْعَام , وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ يَقْضِي إِلَّا إِنْ نَوَى اِسْتِثْنَاءَ الْعِيد , وَعَنْ مَالِك فِي رِوَايَة يَقْضِي إِنْ نَوَى الْقَضَاء وَإِلَّا فَلَا , وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ عَنْ اِبْن عُمَرَ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي الْجَوَاب عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة , وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النَّهْيَ هَلْ يَقْتَضِي صِحَّةَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ؟ قَالَ الْأَكْثَر : لَا , وَعَنْ مُحَمَّد بْن الْحَسَن نَعَمْ , وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلْأَعْمَى لَا يُبْصِرُ لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ الْعِيدِ مُمْكِنٌ , وَإِذَا أَمْكَنَ ثَبَتَ الصِّحَّة. وَأُجِيبَ أَنَّ الْإِمْكَانَ الْمَذْكُورَ عَقْلِيٌّ. وَالنِّزَاعُ فِي الشَّرْعِيِّ , وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ شَرْعًا غَيْرُ مُمْكِنٍ فِعْلُهُ شَرْعًا. وَمِنْ حُجَجِ الْمَانِعِينَ أَنَّ النَّفْلَ الْمُطْلَق إِذَا نُهِيَ عَنْ فِعْلِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ مَطْلُوبُ التَّرْكِ سَوَاءٌ كَانَ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ لِلتَّنْزِيهِ , وَالنَّفْل مَطْلُوبُ الْفِعْلِ فَلَا يَجْتَمِع الضِّدَّانِ. وَالْفَرْق بَيْنه وَبَيْن الْأَمْر ذِي الْوَجْهَيْنِ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة أَنَّ النَّهْي عَنْ الْإِقَامَة فِي الْمَغْصُوب لَيْسَتْ لِذَاتِ الصَّلَاة بَلْ لِلْإِقَامَةِ وَطَلَبُ الْفِعْل لِذَاتِ الْعِبَادَة , بِخِلَافِ صَوْم يَوْم النَّحْر مَثَلًا فَإِنَّ النَّهْي فِيهِ لِذَاتِ الصَّوْم فَافْتَرَقَا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّف ‏ ‏( قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ : مَنْ قَالَ مَوْلَى اِبْن أَزْهَر فَقَدْ أَصَابَ , وَمَنْ قَالَ مَوْلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَقَدْ أَصَابَ ) ‏ ‏اِنْتَهَى. وَكَلَام اِبْن عُيَيْنَةَ هَذَا حَكَاهُ عَنْهُ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيِّ فِي \" الْعِلَل \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَده عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ \" عَنْ أَبِي عُبَيْد مَوْلَى اِبْن أَزْهَرَ \" وَأَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَده عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ \" حَدَّثَنِي الزُّهْرِيِّ سَمِعْت أَبَا عُبَيْد \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَلَمْ يَصِفهُ بِشَيْءٍ , وَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفه عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ \" عَنْ أَبِي عُبَيْد مَوْلَى عَبْد الرَّحْمَن اِبْن عَوْف \" وَكَذَا قَالَ جُوَيْرِيَةُ وَسَعِيدٌ الزُّبَيْرِيُّ وَمَكِّيُّ بْن إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَالِك حَكَاهُ أَبُو عُمَر وَذَكَرَ أَنَّ اِبْن عُيَيْنَةَ أَيْضًا كَانَ يَقُول فِيهِ كَذَلِكَ , وَقَالَ اِبْن التِّين : وَجْه كَوْن الْقَوْلَيْنِ صَوَابًا مَا رُوِيَ أَنَّهُمَا اِشْتَرَكَا فِي وَلَائِهِ , وَقِيلَ يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْآخَرُ عَلَى الْمَجَاز , وَسَبَبُ الْمَجَازِ إِمَّا بِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ مُلَازَمَةَ أَحَدِهِمَا إِمَّا لِخِدْمَتِهِ أَوْ لِلْأَخْذِ عَنْهُ أَوْ لِانْتِقَالِهِ مِنْ مِلْك أَحَدِهِمَا إِلَى مِلْك الْآخَر , وَجَزَمَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّار بِأَنَّهُ كَانَ مَوْلَى عَبْد الرَّحْمَن اِبْن عَوْف , فَعَلَى هَذَا فَنِسْبَتُهُ إِلَى اِبْن أَزْهَرَ هِيَ الْمَجَازِيَّةُ وَلَعَلَّهَا بِسَبَبِ اِنْقِطَاعِهِ إِلَيْهِ بَعْد مَوْت عَبْد الرَّحْمَن اِبْن عَوْف , وَاسْم اِبْن أَزْهَرَ أَيْضًا عَبْد الرَّحْمَن وَهُوَ اِبْن عَمّ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَقِيلَ اِبْن أَخِيهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الصَّلَاةِ فِي حَدِيث كَرِيبٍ عَنْ أُمّ سَلَمَة , وَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي. ‏"
    },
    {
        "id": "1855",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ وَعَنْ ‏ ‏الصَّمَّاءِ ‏ ‏وَأَنْ ‏ ‏يَحْتَبِيَ ‏ ‏الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَعَنْ صَلَاةٍ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْمَازِنِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَعَنْ الصَّمَّاءِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَالْمَدِّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيق خَالِدٍ الطَّحَّان عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى \" لَا يُوَارِي فَرْجَهُ بِشَيْءٍ \" وَمِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُخْتَار عَنْ عَمْرو \" لَيْسَ بَيْنَ فَرْجِهِ وَبَيْنَ السَّمَاءِ شَيْءٌ \" وَفْد سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي \" بَابٌ مَا يُسْتَرُ مِنْ الْعَوْرَةِ \" فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ , وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّة الْحَدِيثِ فِي الْمَوَاقِيتِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1856",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ مِينَا ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُنْهَى عَنْ صِيَامَيْنِ وَبَيْعَتَيْنِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ ‏ ‏وَالْمُلَامَسَةِ ‏ ‏وَالْمُنَابَذَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا هِشَامٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُفَ. ‏ ‏قَوْله : ( يُنْهَى ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَوَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ هُنَا مُخْتَصَرًا , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى تَفْسِير الْمُلَامَسَة وَالْمُنَابَذَة فِي الْبُيُوع إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1857",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَالَ أَظُنُّهُ قَالَ ‏ ‏الِاثْنَيْنِ فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ عِيدٍ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ ‏ ‏وَنَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُعَاذٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاذ الْعَنْبَرِيُّ , وَابْن عَوْن هُوَ عَبْد اللَّه , وَالْإِسْنَاد بَصْرِيُّونَ , وَزِيَاد اِبْن جُبَيْر بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَة مُصَغَّرًا أَيْ اِبْن حَيَّةَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّة الثَّقِيلَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ رَجُل إِلَى اِبْن عُمَر ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ يُونُس بْن عُبَيْد عَنْ زِيَاد بْن جُبَيْر \" رَأَيْت رَجُلًا جَاءَ إِلَى اِبْن عُمَر \" فَذَكَرَهُ. وَأَخْرَجَ اِبْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيق كَرِيمَةَ بِنْتِ سِيرِينَ أَنَّهَا سَأَلَتْ اِبْن عُمَر فَقَالَتْ \" جَعَلْت عَلَى نَفْسِي أَنْ أَصُومَ كُلَّ يَوْمِ أَرْبِعَاءَ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ وَهُوَ يَوْم النَّحْر , فَقَالَ : أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ \" الْحَدِيثَ , وَلَهُ عَنْ إِسْمَاعِيل عَنْ يُونُسَ بِسَنَدِهِ \" سَأَلَ رَجُلٌ اِبْنَ عُمَر وَهُوَ يَمْشِي بِمِنًى \". ‏ ‏قَوْله : ( أَظُنُّهُ قَالَ الِاثْنَيْنِ ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ اِبْن عَوْن \" نَذَرْت أَنْ أَصُومَ يَوْمًا \" وَلَمْ يُعَيِّنْهُ , وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق النَّضْر بْنِ شُمَيْلٍ عَنْ اِبْن عَوْن \" نَذَرَ أَنْ يَصُومَ كُلَّ اِثْنَيْنِ أَوْ خَمِيسٍ \" وَمِثْلُهُ لِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ يُونُس بْن عُبَيْد عَنْ زِيَاد لَكِنْ لَمْ يَقُلْ \" أَوْ خَمِيس \" وَفِي رِوَايَة يَزِيدَ بْن زُرَيْعٍ عَنْ يُونُس اِبْن عُبَيْد عِنْد الْمُصَنِّف فِي النَّذْر \" أَنْ أَصُوم كُلّ ثُلَاثَاء وَأَرْبِعَاء \" وَمِثْله لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ رِوَايَة هُشَيْمٍ الْمَذْكُورَةِ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ الثُّلَاثَاءَ , وَلِلْجَوْزَقِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي قُتَيْبَةَ عَنْ شُعْبَة عَنْ يُونُس \" أَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ كُلَّ جُمُعَة \" وَنَحْوه لِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَده عَنْ شُعْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ عِيدٍ ) ‏ ‏لَمْ يُفَسَّرْ الْعِيدُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَمُقْتَضَى إِدْخَاله هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَرْجَمَة صَوْم يَوْم النَّحْر أَنْ يَكُونَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ يَوْم النَّحْر , وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي رِوَايَة يَزِيدَ بْن زُرَيْعٍ الْمَذْكُورَة وَلَفْظُهُ \" فَوَافَقَ يَوْم النَّحْر \" وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّةَ عَنْ يُونُس , وَفِي رِوَايَة وَكِيعٍ \" فَوَافَقَ يَوْم أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ \". وَلِلْمُصَنِّفِ فِي النُّذُورِ مِنْ طَرِيق حَكِيم بْن أَبِي حُرَّةَ عَنْ اِبْن عُمَرَ مِثْلُهُ , وَهُوَ مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ لِلشَّكِّ أَوْ لِلتَّقْسِيمِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَرَ اللَّه بِوَفَاءِ النَّذْر إِلَخْ ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَوَرَّعَ اِبْن عُمَر عَنْ قَطْعِ الْفُتْيَا فِيهِ , وَأَمَّا فُقَهَاء الْأَمْصَارِ فَاخْتَلَفُوا. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ اِخْتِلَافِهِمْ قَبْلُ , وَتَقَدَّمَ عَنْ اِبْن عُمَر قَرِيبٌ مِنْ هَذَا فِي كِتَاب الْحَجّ فِي \" بَابٌ مَتَى يُحِلُّ الْمُعْتَمِرُ \" وَأَمْرُهُ فِي التَّوَرُّعِ عَنْ بَتِّ الْحُكْمِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ تَعَارُض الْأَدِلَّةِ مَشْهُورٌ. وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنَيِّر : يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ اِبْن عُمَر أَرَادَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الدَّلِيلِينَ يُعْمَلُ بِهِ فَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَ يَوْمِ النَّذْرِ وَيَتْرُك الصَّوْم يَوْم الْعِيد فَيَكُون فِيهِ سَلَف لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْقَضَاء. وَزَعَمَ أَخُوهُ اِبْن الْمُنَيِّر فِي الْحَاشِيَة أَنَّ اِبْنَ عُمَر نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْوَفَاءَ بِالنَّذْرِ عَامٌّ وَالْمَنْع مِنْ صَوْم الْعِيد خَاصٌّ , فَكَأَنَّهُ أَفْهَمَهُ أَنَّهُ يُقْضَى بِالْخَاصِّ عَلَى الْعَامّ , وَتَعَقَّبَهُ أَخُوهُ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ صَوْم يَوْم الْعِيد أَيْضًا عُمُومٌ لِلْمُخَاطَبِينَ وَلِكُلِّ عِيد فَلَا يَكُون مِنْ حَمْل الْخَاصِّ عَلَى الْعَامّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْنُ عُمَرَ أَشَارَ إِلَى قَاعِدَة أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْأَمْر وَالنَّهْي إِذَا اِلْتَقَيَا فِي مَحَلٍّ وَاحِد أَيُّهُمَا يُقَدَّم ؟ وَالرَّاجِح يُقَدَّم النَّهْيُ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا تَصُمْ. وَقَالَ أَبُو عَبْد الْمَلِك : تَوَقُّفُ اِبْنِ عُمَرَ يُشْعِرُ بِأَنَّ النَّهْي عَنْ صِيَامِهِ لَيْسَ لِعَيْنِهِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ اِبْن عُمَرَ تَقْدِيمُ النَّهْيِ لِأَنَّهُ قَدْ رَوَى أَمْرَ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ فِي الْحَجِّ بِالرُّكُوبِ فَلَوْ كَانَ يَجِب الْوَفَاءُ بِهِ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالرُّكُوبِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1858",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏قَزَعَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَكَانَ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً قَالَ سَمِعْتُ أَرْبَعًا مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَعْجَبْنَنِي قَالَ ‏ ‏لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو ‏ ‏مَحْرَمٍ ‏ ‏وَلَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ وَلَا ‏ ‏تُشَدُّ الرِّحَالُ ‏ ‏إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ‏ ‏مَسْجِدِ الْحَرَامِ ‏ ‏وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى ‏ ‏وَمَسْجِدِي ‏ ‏هَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت قَزَعَةَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ هُوَ اِبْن يَحْيَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيث أَبِي سَعِيد مُفَرَّقًا : أَمَّا سَفَرُ الْمَرْأَةِ فَفِي الْحَجّ , وَأَمَّا الصَّلَاةُ بَعْد الصُّبْحِ وَالْعَصْر فَفِي الْمَوَاقِيتِ , وَأَمَّا شَدُّ الرَّحَّالِ فَفِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ , وَأَمَّا الصَّوْمُ وَهُوَ الْغَرَضُ مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز صِيَامِ أَيَّام التَّشْرِيق لِلِاقْتِصَارِ فِيهِ عَلَى ذِكْر يَوْمَيْ الْفِطْر وَالنَّحْر خَاصَّةً , وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1859",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِيسى بْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏لَمْ يُرَخَّصْ فِي ‏ ‏أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ‏ ‏أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عِيسَى ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بْن أَبِي لَيْلَى وَأَبُو لَيْلَى جَدُّ أَبِيهِ فَهُوَ عَبْد اللَّه اِبْن عِيسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى , وَهُوَ اِبْن أَخِي مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى الْفَقِيه الْمَشْهُور , وَكَانَ عَبْد اللَّه أَسَنَّ مِنْ عَمِّهِ مُحَمَّدٍ وَكَانَ يُقَالُ إِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عَمِّهِ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَرُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْد الرَّحْمَن عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيق النَّضْر بْن شُمَيْلٍ عَنْ شُعْبَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عِيسَى \" سَمِعْت الزُّهْرِيَّ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَعَنْ سَالِمٍ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ فَهُوَ مَوْصُولٌ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَا لَمْ يُرَخَّصْ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَاب شُعْبَةَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاء لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَلَامٍ عَنْ شُعْبَة عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالطَّحَاوِيِّ \" رَخَّصَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُتَمَتِّعِ إِذَا لَمْ يَجِد الْهَدْيَ أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ \" وَقَالَ إِنَّ يَحْيَى بْن سَلَام لَيْسَ بِالْقَوِيِّ , وَلَمْ يَذْكُرْ طَرِيق عَائِشَةَ , وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه آخَرَ ضَعِيفٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَة , وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الطُّرُقُ الْمُصَرِّحَةُ بِالرَّفْعِ بَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى الِاحْتِمَال , وَقَدْ اِخْتَلَفَ عُلَمَاء الْحَدِيثِ فِي قَوْل الصَّحَابِيِّ \" أُمِرْنَا بِكَذَا وَنُهِينَا عَنْ كَذَا \" هَلْ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ عَلَى أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا إِنْ أَضَافَهُ إِلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ وَإِلَّا فَلَا , وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ فِيمَا إِذَا لَمْ يُضِفْهُ , وَيُلْتَحَقُ بِهِ \" رُخِّصَ لَنَا فِي كَذَا وَعُزِمَ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَفْعَلَ كَذَا \" كُلٌّ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ , فَمَنْ يَقُولُ إِنَّ لَهُ حُكْمَ الرَّفْعِ فَغَايَة مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَلَام أَنَّهُ رُوِيَ بِالْمَعْنَى , لَكِنْ قَالَ الطَّحَاوِيُّ إِنَّ قَوْل اِبْن عُمَر وَعَائِشَة \" لَمْ يُرَخَّصْ \" أَخَذَاهُ مِنْ عُمُوم قَوْله تَعَالَى ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ) لِأَنَّ قَوْلَهُ : ( فِي الْحَجِّ ) يَعُمُّ مَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَمَا بَعْدَهُ فَيَدْخُلُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ , فَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ بِمَرْفُوعٍ بَلْ هُوَ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُمَا عَمَّا فَهِمَاهُ مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ , وَقَدْ ثَبَتَ نَهْيُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْم أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ عَامٌّ فِي حَقّ الْمُتَمَتِّعِ وَغَيْرِهِ , وَعَلَى هَذَا فَقَدْ تَعَارَضَ عُمُومُ الْآيَةِ الْمُشْعِرُ بِالْإِذْنِ وَعُمُومُ الْحَدِيثِ الْمُشْعِرُ بِالنَّهْيِ , وَفِي تَخْصِيصِ عُمُومِ الْمُتَوَاتِرِ بِعُمُومِ الْآحَادِ نَظَرٌ لَوْ كَانَ الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا فَكَيْفَ وَفِي كَوْنِهِ مَرْفُوعًا نَظَرٌ ؟ فَعَلَى هَذَا يَتَرَجَّحُ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ , وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْبُخَارِيُّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله فِي طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عِيسَى ‏ ‏( إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِد الْهَدْي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عِيسَى عِنْد الطَّحَاوِيِّ \" إِلَّا لِمُتَمَتِّعٍ أَوْ مُحْصَرٍ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1860",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّامَ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ \" فَإِنْ لَمْ يَجِدْ \" وَكَذَا هُوَ فِي \" الْمُوَطَّأِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَتَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْن سَعْد عَنْ اِبْن شِهَابٍ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الشَّافِعِيّ قَالَ \" أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة فِي الْمُتَمَتِّع إِذَا لَمْ يَجِد هَدْيًا لَمْ يَصُمْ قَبْل عَرَفَة فَلْيَصُمْ أَيَّام مِنَى \" وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلُهُ , وَوَصَلَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ اِبْن شِهَاب بِالْإِسْنَادَيْنِ بِلَفْظِ \" إِنَّهُمَا كَانَا يُرَخِّصَانِ لِلْمُتَمَتِّعِ \" فَذَكَرَ مِثْلَهُ لَكِنْ قَالَ \" أَيَّامُ التَّشْرِيقِ \" وَهَذَا يُرَجِّحُ كَوْنَهُ مَوْقُوفًا لِنِسْبَةِ التَّرْخِيصِ إِلَيْهِمَا , فَإِنَّهُ يُقَوِّي أَحَد الِاحْتِمَالَيْنِ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عِيسَى حَيْثُ قَالَ فِيهَا \" لَمْ يُرَخَّصْ \" وَأَبْهَمَ الْفَاعِلَ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمَا مَنْ لَهُ الشَّرْعُ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا أَوْ مَنْ لَهُ مَقَام الْفَتْوَى فِي الْجُمْلَة فَيَحْتَمِل الْوَقْفَ , وَقَدْ صَرَّحَ يَحْيَى بْن سَلَامٍ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِبْرَاهِيم بْن سَعْد بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إِلَى اِبْن عُمَر وَعَائِشَة , وَيَحْيَى ضَعِيف وَإِبْرَاهِيم مِنْ الْحُفَّاظِ فَكَانَتْ رِوَايَتُهُ أَرْجَحَ , وَيُقَوِّيهِ رِوَايَة مَالِك وَهُوَ مِنْ حُفَّاظِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ فَإِنَّهُ مَجْزُومٌ عَنْهُ بِكَوْنِهِ مَوْقُوفًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَةٌ غَيْر يَوْم عِيد الْأَضْحَى لِأَنَّ يَوْم الْعِيد لَا يُصَامُ بِالِاتِّفَاقِ وَصِيَام أَيَّام التَّشْرِيق هِيَ الْمُخْتَلَفُ فِي جَوَازِهَا , وَالْمُسْتَدِلّ بِالْجَوَازِ أَخَذَهُ مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1861",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ عَاشُورَاءَ إِنْ شَاءَ صَامَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر أَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَة عُمَر بْن مُحَمَّد أَيْ اِبْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ عَمّ أَبِيهِ سَالِمِ بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَحْمَد بْن عُثْمَان النَّوْفَلِيّ عَنْ أَبِي عَاصِم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ وَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيع إِسْنَاده. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاء إِنْ شَاءَ صَامَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخِ مِنْ الْبُخَارِيّ مُخْتَصَرًا , وَعِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِي عَاصِم بِلَفْظِ \" إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاء فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْهُ \" وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ \" يَوْم عَاشُورَاء مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَهُ \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" ذُكِرَ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمُ عَاشُورَاء فَقَالَ : كَانَ يَوْمًا يَصُومهُ أَهْل الْجَاهِلِيَّة , فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل كِتَاب الصِّيَام مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" صَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشُورَاء وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ , فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ \" فَيُحْمَلُ حَدِيثُ سَالِم عَلَى ثَانِي الْحَال الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا نَافِع فِي رِوَايَته , وَيُجْمَع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1862",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَرَ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة مِنْ طَرِيقَيْنِ : الْأُولَى طَرِيق الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ , وَهُوَ مُوَافِق لِرِوَايَةِ نَافِع الْمَذْكُورَة. وَالثَّانِيَة مِنْ رِوَايَة هِشَام عَنْ أَبِيهِ مِثْله وَفِيهَا زِيَادَة \" إِنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَصُومُونَهُ وَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومهُ فِي الْجَاهِلِيَّة \" أَيْ قَبْل أَنْ يُهَاجِر إِلَى الْمَدِينَة , وَأَفَادَتْ تَعْيِين الْوَقْت الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْأَمْر بِصِيَامِ عَاشُورَاء وَقَدْ كَانَ أَوَّلَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ , وَلَا شَكَّ أَنَّ قُدُومه كَانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّل فَحِينَئِذٍ كَانَ الْأَمْر بِذَلِكَ فِي أَوَّل السَّنَة الثَّانِيَة , وَفِي السَّنَة الثَّانِيَة فُرِضَ شَهْر رَمَضَان فَعَلَى هَذَا لَمْ يَقَع الْأَمْر بِصِيَامِ عَاشُورَاء إِلَّا فِي سَنَة وَاحِدَة ثُمَّ فُرِضَ الْأَمْر فِي صَوْمه إِلَى رَأْي الْمُتَطَوِّعِ , فَعَلَى تَقْدِير صِحَّة قَوْل مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ كَانَ قَدْ فُرِضَ فَقَدْ نُسِخَ فَرْضُهُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة , وَنَقَلَ عِيَاضٌ أَنَّ بَعْض السَّلَف كَانَ يَرَى بَقَاء فَرْضِيَّة عَاشُورَاء لَكِنْ اِنْقَرَضَ الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ , وَنَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ الْآن لَيْسَ بِفَرْضٍ وَالْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبّ , وَكَانَ اِبْن عُمَر يَكْرَه قَصْدَهُ بِالصَّوْمِ ثُمَّ اِنْقَرَضَ الْقَوْلُ بِذَلِكَ , وَأَمَّا صِيَام قُرَيْش لِعَاشُورَاء فَلَعَلَّهُمْ تَلَقَّوْهُ مِنْ الشَّرْع السَّالِف وَلِهَذَا كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ بِكِسْوَةِ الْكَعْبَة فِيهِ وَغَيْر ذَلِكَ , ثُمَّ رَأَيْت فِي الْمَجْلِس الثَّالِث مِنْ \" مَجَالِس الْبَاغَنْدِيّ الْكَبِيرِ \" عَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : أَذْنَبَتْ قُرَيْش ذَنْبًا فِي الْجَاهِلِيَّة فَعَظُمَ فِي صُدُورهمْ فَقِيلَ لَهُمْ : صُومُوا عَاشُورَاء يُكَفَّرْ ذَلِكَ , هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1863",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَصُومُهُ فَلَمَّا قَدِمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1864",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ يَا ‏ ‏أَهْلَ الْمَدِينَةِ ‏ ‏أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مُعَاوِيَة مِنْ طَرِيق اِبْن شِهَاب عَنْ حُمَيْدِ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن أَيْ اِبْن عَوْف عَنْهُ , هَكَذَا رَوَاهُ مَالِك وَتَابَعَهُ يُونُس وَصَالِح بْن كَيْسَانَ وَابْن عُيَيْنَةَ وَغَيْرهمْ , وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ \" عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن \" وَقَالَ النُّعْمَان بْن رَاشِد \" عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ السَّائِب بْن يَزِيد \" كِلَاهُمَا عَنْ مُعَاوِيَة , وَالْمَحْفُوظُ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن قَالَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْره , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ \" أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَة \". ‏ ‏قَوْله : ( عَامَ حَجَّ عَلَى الْمِنْبَر ) ‏ ‏زَادَ يُونُس \" بِالْمَدِينَةِ \" وَقَالَ فِي رِوَايَة \" فِي قَدْمَةٍ قَدِمَهَا \" وَكَأَنَّهُ تَأَخَّرَ بِمَكَّة أَوْ الْمَدِينَة حَجَّته إِلَى يَوْم عَاشُورَاء , وَذَكَرَ أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيُّ أَنَّ أَوَّل حَجَّة حَجّهَا مُعَاوِيَة بَعْد أَنْ اُسْتُخْلِفَ كَانَتْ فِي سَنَة أَرْبَع وَأَرْبَعِينَ , وَآخِر حَجَّة حَجَّهَا سَنَة سَبْع وَخَمْسِينَ وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِهَا فِي هَذَا الْحَدِيث الْحَجَّة الْأَخِيرَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ) ‏ ‏؟ فِي سِيَاق هَذِهِ الْقِصَّة إِشْعَار بِأَنَّ مُعَاوِيَة لَمْ يَرَ لَهُمْ اِهْتِمَامًا بِصِيَامِ عَاشُورَاء , فَلِذَلِكَ سَأَلَ عَنْ عُلَمَائِهِمْ , أَوْ بَلَغَهُ عَمَّنْ يَكْرَهُ صِيَامَهُ أَوْ يُوجِبُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَكْتُب اللَّه عَلَيْكُمْ صِيَامه إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ كُلّه مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا بَيَّنَهُ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَته , وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا قَطُّ , وَلَا دَلَالَة فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيد : وَلَمْ يَكْتُب اللَّه عَلَيْكُمْ صِيَامه عَلَى الدَّوَام كَصِيَامِ رَمَضَان , وَغَايَتُهُ أَنَّهُ عَامٌّ خُصَّ بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّة عَلَى تَقَدَّمَ وُجُوبه , أَوْ الْمُرَاد أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل فِي قَوْله تَعَالَى ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنَّهُ شَهْر رَمَضَان , وَلَا يُنَاقِض هَذَا الْأَمْر السَّابِق بِصِيَامِهِ الَّذِي صَارَ مَنْسُوخًا , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِيَة إِنَّمَا صَحِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَنَة الْفَتْح , وَاَلَّذِينَ شَهدُوا أَمْرَهُ بِصِيَامِ عَاشُورَاء وَالنِّدَاء بِذَلِكَ شَهِدُوهُ فِي السَّنَة الْأُولَى أَوَائِلَ الْعَام الثَّانِي , وَيُؤْخَذ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيث أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا لِثُبُوتِ الْأَمْر بِصَوْمِهِ ثُمَّ تَأَكَّدَ الْأَمْر بِذَلِكَ ثُمَّ زِيَادَة التَّأْكِيد بِالنِّدَاءِ الْعَامّ ثُمَّ زِيَادَته بِأَمْرِ مَنْ أَكَلَ بِالْإِمْسَاكِ ثُمَّ زِيَادَته بِأَمْرِ الْأُمَّهَاتِ أَنْ لَا يُرْضِعْنَ فِيهِ الْأَطْفَال وَبِقَوْلِ اِبْن مَسْعُود الثَّابِت فِي مُسْلِم \" لَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ عَاشُورَاءُ \" مَعَ الْعِلْم بِأَنَّهُ مَا تُرِكَ اِسْتِحْبَابُهُ بَلْ هُوَ بَاقٍ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَتْرُوك وُجُوبُهُ. وَأَمَّا قَوْل بَعْضهمْ الْمَتْرُوك تَأَكُّدُ اِسْتِحْبَابه وَالْبَاقِي مُطْلَقُ اِسْتِحْبَابه فَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ , بَلْ تَأَكُّدُ اِسْتِحْبَابه بَاقٍ وَلَا سِيَّمَا اِسْتِمْرَار الِاهْتِمَام بِهِ حَتَّى فِي عَام وَفَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ يَقُول \" لَئِنْ عِشْت لَأَصُومَن التَّاسِع وَالْعَاشِر \" وَلِتَرْغِيبِهِ فِي صَوْمه وَأَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَة , وَأَيُّ تَأْكِيدٍ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا ؟ ‏"
    },
    {
        "id": "1865",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَرَأَى ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ ‏ ‏مَا هَذَا قَالُوا هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ فَأَنَا أَحَقُّ ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ فِي سَبَبِ صِيَامِ عَاشُورَاءَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ \" عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر \" وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ عِنْد أَيُّوبَ بِوَاسِطَةٍ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ‏ ‏قَوْله : ( قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ \" فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ مَا هَذَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ \" فَقَالَ لَهُمْ مَا هَذَا \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي تَفْسِيرِ طه مِنْ طَرِيق أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فَسَأَلَهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ , هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّه بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ عَدُوِّهِمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ \" هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَصَامَهُ مُوسَى ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَته \" شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى فَنَحْنُ نَصُومهُ \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْهِجْرَة فِي رِوَايَة أَبِي بِشْرٍ \" وَنَحْنُ نَصُومهُ تَعْظِيمًا لَهُ \" وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيق شُبَيْل بْن عَوْف عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْوه وَزَادَ فِيهِ \" وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي اِسْتَوَتْ فِيهِ السَّفِينَة عَلَى الْجُودِيِّ فَصَامَهُ نُوحٌ شُكْرًا \" وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ ظَاهِر الْخَبَر لِاقْتِضَائِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْم عَاشُورَاء , وَإِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ , وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ أَوَّل عِلْمِهِ بِذَلِكَ وَسُؤَالِهِ عَنْهُ كَانَ بَعْدَ أَنْ قَدِمَ الْمَدِينَة لَا أَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَهَا عَلِمَ ذَلِكَ , وَغَايَتُهُ أَنَّ فِي الْكَلَام حَذْفًا تَقْدِيرُهُ قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة فَأَقَامَ إِلَى يَوْم عَاشُورَاء فَوَجَدَ الْيَهُودَ فِيهِ صِيَامًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أُولَئِكَ الْيَهُود كَانُوا يَحْسِبُونَ يَوْم عَاشُورَاء بِحِسَابِ السِّنِينَ الشَّمْسِيَّة فَصَادَفَ يَوْمُ عَاشُورَاء بِحِسَابِهِمْ الْيَوْمَ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة , وَهَذَا التَّأْوِيل مِمَّا يَتَرَجَّحُ بِهِ أَوْلَوِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَأَحَقِّيَّتُهُمْ بِمُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِإِضْلَالِهِمْ الْيَوْمَ الْمَذْكُورَ وَهِدَايَة اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ لَهُ , وَلَكِنَّ سِيَاق الْأَحَادِيث تَدْفَعُ هَذَا التَّأْوِيلِ , وَالِاعْتِمَاد عَلَى التَّأْوِيل الْأَوَّل. ثُمَّ وَجَدْت فِي \" الْمُعْجَم الْكَبِير \" لِلطَّبَرَانِيِّ مَا يُؤَيِّد الِاحْتِمَال الْمَذْكُور أَوَّلًا , وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ فِي تَرْجَمَة زَيْد بْن ثَابِت مِنْ طَرِيق أَبِي الزِّنَاد عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَارِجَةَ بْن زَيْد بْن ثَابِت عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" لَيْسَ يَوْم عَاشُورَاء بِالْيَوْمِ الَّذِي يَقُولهُ النَّاس , إِنَّمَا كَانَ يَوْم تُسْتَر فِيهِ الْكَعْبَة , وَكَانَ يَدُور فِي السَّنَة , وَكَانُوا يَأْتُونَ فُلَانًا الْيَهُودِيَّ - يَعْنِي لِيَحْسِبَ لَهُمْ - فَلَمَّا مَاتَ أَتَوْا زَيْدَ اِبْنَ ثَابِتٍ فَسَأَلُوهُ \" وَسَنَدُهُ حَسَنٌ , قَالَ شَيْخُنَا الْهَيْثَمِيُّ فِي زَوَائِدِ الْمَسَانِيدِ : لَا أَدْرِي مَا مَعْنَى هَذَا. قُلْت : ظَفِرْت بِمَعْنَاهُ فِي كِتَاب \" الْآثَار الْقَدِيمَة لِأَبِي الرَّيْحَان الْبَيْرُونِيّ \" فَذَكَرَ مَا حَاصِلُهُ : أَنَّ جَهَلَةَ الْيَهُود يَعْتَمِدُونَ فِي صِيَامِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ حِسَابَ النُّجُومِ , فَالسَّنَة عِنْدهمْ شَمْسِيَّةٌ لَا هِلَالِيَّةٌ. قُلْت : فَمِنْ ثَمَّ اِحْتَاجُوا إِلَى مَنْ يَعْرِف الْحِسَاب لِيَعْتَمِدُوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ) ‏ ‏لِلْمُصَنِّفِ فِي تَفْسِير يُونُس مِنْ طَرِيق أَبِي بِشْر أَيْضًا \" فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ أَنْتُمْ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصُومُوا \" وَاسْتُشْكِلَ رُجُوعه إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ , وَأَجَابَ الْمَازِرِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون أُوحِيَ إِلَيْهِ بِصِدْقِهِمْ أَوْ تَوَاتَرَ عِنْده الْخَبَر بِذَلِكَ , زَادَ عِيَاضٌ أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ كَابْنِ سَلَامٍ , ثُمَّ قَالَ : لَيْسَ فِي الْخَبَر أَنَّهُ اِبْتَدَأَ الْأَمْر بِصِيَامِهِ , بَلْ فِي حَدِيث عَائِشَة التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كَانَ يَصُومهُ قَبْل ذَلِكَ , فَغَايَة مَا فِي الْقِصَّة أَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ بِقَوْلِ الْيَهُود تَجْدِيدُ حُكْمٍ , وَإِنَّمَا هِيَ صِفَة حَالٍ وَجَوَابُ سُؤَالٍ , وَلَمْ تَخْتَلِف الرِّوَايَات عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ , وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيث عَائِشَة \" إِنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَصُومُونَهُ \" كَمَا تَقَدَّمَ إِذْ لَا مَانِع مِنْ تَوَارُدِ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى صِيَامه مَعَ اِخْتِلَاف السَّبَبِ فِي ذَلِكَ , قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَعَلَّ قُرَيْشًا كَانُوا يَسْتَنِدُونَ فِي صَوْمه إِلَى شَرْعِ مَنْ مَضَى كَإِبْرَاهِيمَ , وَصَوْم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون بِحُكْمِ الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ كَمَا فِي الْحَجِّ , أَوْ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِي صِيَامِهِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ , فَلَمَّا هَاجَرَ وَوَجَدَ الْيَهُود يَصُومُونَهُ وَسَأَلَهُمْ وَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ اِحْتَمَلَ ذَلِكَ أَنْ يَكُون ذَلِكَ اِسْتِئْلَافًا لِلْيَهُودِ كَمَا اِسْتَأْلَفَهُمْ بِاسْتِقْبَالِ قِبْلَتِهِمْ , وَيَحْتَمِل غَيْر ذَلِكَ. وَعَلَى كُلّ حَال فَلَمْ يَصُمْهُ اِقْتِدَاءً بِهِمَا فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومهُ قَبْل ذَلِكَ وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْوَقْت الَّذِي يُحِبُّ فِيهِ مُوَافَقَة أَهْل الْكِتَاب فِيمَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي غَطَفَان - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة ثُمَّ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا فَاءٌ - اِبْن طَرِيفٍ بِمُهْمَلَةٍ وَزْنَ عَظِيمٍ \" سَمِعْت اِبْن عَبَّاس يَقُول : صَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشُورَاء وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ , قَالُوا أَنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُود وَالنَّصَارَى \" الْحَدِيثَ. وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ التَّعْلِيل بِنَجَاةِ مُوسَى وَغَرَق فِرْعَوْنَ يَخْتَصُّ بِمُوسَى وَالْيَهُود , وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون عِيسَى كَانَ يَصُومُهُ وَهُوَ مِمَّا لَمْ يُنْسَخْ مِنْ شَرِيعَة مُوسَى لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا مَا نُسِخَ بِشَرِيعَةِ عِيسَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) وَيُقَال إِنَّ أَكْثَر الْأَحْكَام الْفَرْعِيَّة إِنَّمَا تَتَلَقَّاهَا النَّصَارَى مِنْ التَّوْرَاة. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس زِيَادَة فِي سَبَب صِيَام الْيَهُود لَهُ وَحَاصِلُهَا أَنَّ السَّفِينَة اِسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ فِيهِ فَصَامَهُ نُوحٌ وَمُوسَى شُكْرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ لِذَلِكَ قَرِيبًا , وَكَأَنَّ ذِكْرُ مُوسَى دُون غَيْره هُنَا لِمُشَارَكَتِهِ لِنُوحٍ فِي النَّجَاةِ وَغَرَقِ أَعْدَائِهِمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1866",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُمَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَعُدُّهُ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏عِيدًا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصُومُوهُ أَنْتُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى وَهُوَ الْأَشْعَرِيُّ قَالَ ‏ ‏\" كَانَ يَوْم عَاشُورَاء تَعُدُّهُ الْيَهُود عِيدًا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَصُومُوهُ أَنْتُمْ \" ‏ ‏وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" كَانَ يَوْم عَاشُورَاء تُعَظِّمُهُ الْيَهُود تَتَّخِذُهُ عِيدًا \" فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَاعِثَ عَلَى الْأَمْر بِصَوْمِهِ مَحَبَّةُ مُخَالَفَة الْيَهُود حَتَّى يُصَام مَا يُفْطِرُونَ فِيهِ لِأَنَّ يَوْم الْعِيد لَا يُصَامُ , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَاعِثَ عَلَى صِيَامِهِ مُوَافَقَتُهُمْ عَلَى السَّبَب وَهُوَ شُكْر اللَّه تَعَالَى عَلَى نَجَاة مُوسَى , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ تَعْظِيمهمْ لَهُ وَاعْتِقَادهمْ بِأَنَّهُ عِيد أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَصُومُونَهُ فَلَعَلَّهُمْ كَانَ مِنْ جُمْلَة تَعْظِيمهمْ فِي شَرْعهمْ أَنْ يَصُومُوهُ , وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى هَذَا فِيمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الْهِجْرَة بِلَفْظِ \" وَإِذَا أُنَاسٌ مِنْ الْيَهُود يُعَظِّمُونَ عَاشُورَاء وَيَصُومُونَهُ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ قَيْس بْن مُسْلِم بِإِسْنَادِهِ قَالَ \" كَانَ أَهْل خَيْبَر يَصُومُونَ يَوْم عَاشُورَاء يَتَّخِذُونَهُ عِيدًا وَيُلْبِسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حُلِيَّهُمْ وَشَارَتَهُمْ \" وَهُوَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة أَيْ هَيْئَتَهُمْ الْحَسَنَةَ , وَقَوْله \" هَذَا يَوْم \" الْإِشَارَة إِلَى نَوْع الْيَوْم لَا إِلَى شَخْصه , وَمِثْله قَوْله تَعَالَى ( وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ) فِيمَا ذَكَرَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1867",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهْرَ ‏ ‏يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَيْضًا مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد , وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ \" أَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه اِبْن أَبِي يَزِيد مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا رَأَيْت إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ يَوْم عَاشُورَاء أَفْضَلُ الْأَيَّامِ لِلصَّائِمِ بَعْد رَمَضَان , لَكِنَّ اِبْن عَبَّاس أَسْنَدَ ذَلِكَ إِلَى عِلْمِهِ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَرُدُّ عِلْمَ غَيْره , وَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا \" إِنَّ صَوْم عَاشُورَاء يُكَفِّر سَنَةً , وَإِنَّ صِيَام يَوْم عَرَفَة يُكَفِّر سَنَتَيْنِ \" وَظَاهِره أَنَّ صِيَام يَوْم عَرَفَة أَفْضَل مِنْ صِيَام يَوْم عَاشُورَاء , وَقَدْ قِيلَ فِي الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ إِنَّ يَوْمَ عَاشُورَاء مَنْسُوبٌ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَيَوْمَ عَرَفَة مَنْسُوبٌ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلِذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَحَرَّى ) ‏ ‏أَيْ يَقْصِدُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهَذَا الشَّهْر يَعْنِي شَهْر رَمَضَان ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ فِي جَمِيع الرِّوَايَات وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسْلِم وَغَيْره , وَكَأَنَّ اِبْن عَبَّاس اِقْتَصَرَ عَلَى قَوْله \" وَهَذَا الشَّهْر \" وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى شَيْء مَذْكُور كَأَنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْر رَمَضَان وَذِكْر عَاشُورَاء أَوْ كَانَتْ الْمَقَالَة فِي أَحَد الزَّمَانَيْنِ وَذَكَرَ الْآخَر فَلِهَذَا قَالَ الرَّاوِي عَنْهُ : يَعْنِي رَمَضَان. أَوْ أَخَذَهُ الرَّاوِي مِنْ جِهَة الْحَصْر فِي أَنْ لَا شَهْرَ يُصَامُ إِلَّا رَمَضَان لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقُول \" لَمْ أَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامَ شَهْرًا كَامِلًا إِلَّا رَمَضَان \" وَإِنَّمَا جَمَعَ اِبْن عَبَّاس بَيْن عَاشُورَاء وَرَمَضَان - وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَاجِبًا وَالْآخَر مَنْدُوبًا - لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي حُصُول الثَّوَاب , لِأَنَّ مَعْنَى \" يَتَحَرَّى \" أَيْ يَقْصِد صَوْمه لِتَحْصِيلِ ثَوَابه وَالرَّغْبَة فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1868",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلًا مِنْ ‏ ‏أَسْلَمَ ‏ ‏أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنَّ ‏ ‏مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع فِي الْأَمْر بِصَوْمِ عَاشُورَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَثْنَاء الصِّيَام فِي \" بَابٌ إِذَا نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا \" وَأَخْرَجَهُ عَالِيًا أَيْضًا ثُلَاثِيًّا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى إِجْزَاء الصَّوْم بِغَيْرِ نِيَّة لِمَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْم كَمَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ فِي أَثْنَاء النَّهَار أَنَّهُ مِنْ رَمَضَان فَإِنَّهُ يُتِمُّ صَوْمَهُ وَيُجْزِئُهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ , وَأَنَّ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره أَمْر مَنْ كَانَ أَكَلَ بِقَضَاءِ ذَلِكَ الْيَوْم مَعَ الْأَمْر بِإِمْسَاكِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الصِّيَام مِنْ أَوَّله إِلَى هُنَا عَلَى مِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَخَمْسِينَ حَدِيثًا. الْمُعَلَّقُ مِنْهَا سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ , وَالْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا , وَالْخَالِصُ تِسْعَة وَثَمَانُونَ حَدِيثًا , وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ \" وَحَدِيث عَمَّار فِي صَوْم يَوْم الشَّكّ , وَحَدِيث أَنَس \" آلَى مِنْ نِسَائِهِ \" وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْأَمْر بِفِطْرِ الْجُنُبِ , وَحَدِيث عَامِر اِبْن رَبِيعَة فِي السِّوَاك , وَحَدِيث عَائِشَة \" السِّوَاك مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ \" وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْد كُلّ وُضُوءٍ \" فَاَلَّذِي خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ \" عِنْد كُلّ صَلَاة \" وَحَدِيث جَابِر فِيهِ , وَحَدِيث زَيْد بْن خَالِد فِيهِ , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَان \" وَحَدِيث الْحَسَن عَنْ غَيْر وَاحِد \" أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ \" وَجَمِيع ذَلِكَ سِوَى الْأَوَّل مُعَلَّقَاتٌ , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" اِحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِم \" وَحَدِيث أَنَس فِي كَرَاهَة الْحِجَامَة لِلصَّائِمِ , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي نَسْخِ ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) , وَحَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع فِي ذَلِكَ , وَحَدِيث اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ الصَّحَابِيّ فِي تَحْوِيل الصِّيَام , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي التَّفْرِيط , وَحَدِيث النَّهْي عَنْ الْوِصَال إِبْقَاء عَلَيْهِمْ , وَهَذِهِ الثَّلَاثَة مُعَلَّقَات , وَحَدِيث أَبِي سَعِيد فِي النَّهْي عَنْ الْوِصَال , وَحَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ فِي قِصَّة سَلْمَان وَأَبِي الدَّرْدَاء , وَحَدِيث أَنَس فِي الدُّخُول عَلَى أُمّ سُلَيْمٍ , وَحَدِيث جُوَيْرِيَةَ فِي صَوْم يَوْم الْجُمْعَة , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي نَذْرِ صَوْمِ يَوْم الْعِيد , وَحَدِيثه فِي صِيَام أَيَّام التَّشْرِيق , وَحَدِيث عَائِشَة فِي ذَلِكَ عَلَى شَكٍّ فِي رَفْعِهِمَا. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ سِتُّونَ أَثَرًا أَكْثَرُهَا مُعَلَّقٌ وَالْيَسِير مِنْهَا مَوْصُول. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1869",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ لِرَمَضَانَ ‏ ‏مَنْ قَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن الْقَاسِم عِنْد النَّسَائِيِّ \" عَنْ مَالِك حَدَّثَنِي اِبْن شِهَاب \". ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ عَقِيلٌ وَتَابَعَهُ يُونُس وَشُعَيْب وَابْن أَبِي ذِئْب وَمَعْمَر وَغَيْرهمْ , وَخَالَفَهُ مَالِك فَقَالَ \" عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن \" بَدَلَ أَبِي سَلَمَة , وَقَدْ صَحَّ الطَّرِيقَانِ عِنْد الْبُخَارِيّ فَأَخْرَجَهُمَا عَلَى الْوِلَاءِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق جُوَيْرِيَةَ بْن أَسْمَاءَ عَنْ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا جَمِيعًا. وَقَدْر ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ وَصَحَّحَ الطَّرِيقَيْنِ , وَحَكَى أَنَّ أَبَا هَمَّام رَوَاهُ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَخَالَفَ الْجَمَاعَةَ فَقَالَ \" عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَخَالَفَهُ أَصْحَاب سُفْيَان فَقَالُوا \" عَنْ أَبِي سَلَمَة \" وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي شِهَاب عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ مُرْسَلًا. ‏ ‏قَوْله : ( يَقُولُ لِرَمَضَانَ ) ‏ ‏أَيْ لِفَضْلِ رَمَضَانَ أَوْ لِأَجْلِ رَمَضَان , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون اللَّامُ بِمَعْنَى عَنْ أَيْ يَقُول عَنْ رَمَضَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِيمَانًا ) ‏ ‏أَيْ تَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللَّه بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ ‏ ‏( وَاحْتِسَابًا ) ‏ ‏أَيْ طَلَبًا لِلْأَجْرِ لَا لِقَصْدٍ آخَر مِنْ رِيَاء أَوْ نَحْوه. ‏ ‏قَوْله : ( غُفِرَ لَهُ ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ يَتَنَاوَلُ الصَّغَائِرَ وَالْكَبَائِرَ , وَبِهِ جَزَمَ اِبْن الْمُنْذِر. وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالصَّغَائِرِ , وَبِهِ جَزَمَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَعَزَاهُ عِيَاضٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ , قَالَ بَعْضهمْ : وَيَجُوزُ أَنْ يُخَفِّف مِنْ الْكَبَائِر إِذَا لَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً. ‏ ‏قَوْله : ( مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه ) ‏ ‏زَادَ قُتَيْبَةُ عَنْ سُفْيَان عِنْد النَّسَائِيِّ \" وَمَا تَأَخَّرَ \" وَكَذَا زَادَهَا حَامِد بْن يَحْيَى عِنْد قَاسِم بْن أَصْبَغَ وَالْحُسَيْن بْن الْحَسَن الْمَرْوَزِيُّ فِي \" كِتَاب الصِّيَام \" لَهُ وَهِشَام بْن عَمَّار فِي الْجُزْء الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ فَوَائِدِهِ , وَيُوسُف بْن يَعْقُوب النَّجَاحِيّ فِي فَوَائِده كُلّهمْ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ. وَوَرَدَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة مِنْ وَجْهٍ آخَر أَخْرَجَهَا أَحْمَد مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَعَنْ ثَابِت عَنْ الْحَسَن كِلَاهُمَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ رِوَايَة مَالِكٍ نَفْسِهِ أَخْرَجَهَا أَبُو عَبْد اللَّه الْجُرْجَانِيّ فِي أَمَالِيهِ مِنْ طَرِيق بَحْر بْن نَصْر عَنْ اِبْن وَهْبٍ عَنْ مَالِك وَيُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يُتَابِعْ بَحْرَ بْن نَصْرٍ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَاب اِبْن وَهْبٍ وَلَا مِنْ أَصْحَاب مَالِك وَلَا يُونُس سِوَى مَا قَدَّمْنَاهُ , وَقَدْ وَرَدَ فِي غُفْرَانِ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ الذُّنُوب عِدَّةُ أَحَادِيثَ جَمَعْتهَا فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ , وَقَدْ اُسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَغْفِرَةَ تَسْتَدْعِي سَبْقَ شَيْءٍ يُغْفَرُ وَالْمُتَأَخِّرُ مِنْ الذُّنُوب لَمْ يَأْتِ فَكَيْفَ يُغْفَرُ , وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ يَأْتِي فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِكَايَةً عَنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ فِي أَهْل بَدْرٍ \" اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ \" وَمُحَصَّلُ الْجَوَاب أَنَّهُ قِيلَ إِنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ حِفْظِهِمْ مِنْ الْكَبَائِر فَلَا تَقَعُ مِنْهُمْ كَبِيرَة بَعْد ذَلِكَ , وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ ذُنُوبَهُمْ تَقَع مَغْفُورَةً , وَبِهَذَا أَجَابَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث صِيَام عَرَفَة وَأَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ سَنَةً مَاضِيَةً وَسَنَةً آتِيَةً. ‏"
    },
    {
        "id": "1870",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب فَتُوُفِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَالْأَمْر \" ‏ ‏( عَلَى ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ فِي التَّرَاوِيح. وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَة اِبْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَلَمْ يَكُنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ النَّاس عَلَى الْقِيَام \" وَقَدْ أَدْرَجَ بَعْضُهُمْ قَوْل اِبْن شِهَاب فِي نَفْس الْخَبَر أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ اِبْن شِهَاب , وَأَمَّا مَا رَوَاهُ اِبْن وَهْب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا النَّاس فِي رَمَضَان يُصَلُّونَ فِي نَاحِيَة الْمَسْجِد فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقِيلَ : نَاسٌ يُصَلِّي بِهِمْ أُبَيّ بْن كَعْبٍ , فَقَالَ : أَصَابُوا وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا \" ذَكَرَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَفِيهِ مُسْلِم بْن خَالِد وَهُوَ ضَعِيف , وَالْمَحْفُوظ أَنَّ عُمَر هُوَ الَّذِي جَمَعَ النَّاس عَلَى أُبَيّ بْن كَعْبٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "1871",
        "content": "‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏خَرَجْتُ مَعَ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ ‏ ‏أَوْزَاعٌ ‏ ‏مُتَفَرِّقُونَ ‏ ‏يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ ‏ ‏الرَّهْطُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى ‏ ‏أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّتِي يَقُومُونَ يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَيْضًا , وَهُوَ فِي \" الْمُوَطَّأ \" بِالْإِسْنَادَيْنِ , لَكِنْ فَرَقَهُمَا حَدِيثَيْنِ , وَقَدْ أَدْرَجَ بَعْض الرُّوَاة قِصَّة عُمَر فِي الْإِسْنَاد الْأَوَّل أَخْرَجَهُ إِسْحَاق فِي مُسْنَده عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث الْمَخْزُومِيِّ عَنْ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ فَزَادَ بَعْد قَوْله وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ \" حَتَّى جَمَعَهُمْ عُمَر عَلَى أُبَيّ بْن كَعْبٍ فَقَامَ بِهِمْ فِي رَمَضَان , فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّل اِجْتِمَاع النَّاس عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ فِي رَمَضَان \" وَجَزَمَ الذُّهْلِيُّ فِي \" عِلَلُ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ \" بِأَنَّهُ وَهْمٌ مِنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث وَالْمَحْفُوظ رِوَايَة مَالِك وَمَنْ تَابَعَهُ , وَأَنَّ قِصَّة عُمَر عِنْد اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد وَهُوَ بِغَيْرِ إِضَافَة , لَا عَنْ أَبِي سَلَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْزَاع ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْوَاو بَعْدهَا زَايٌ أَيْ جَمَاعَة مُتَفَرِّقُونَ , وَقَوْله فِي الرِّوَايَة \" مُتَفَرِّقُونَ \" تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ , وَقَوْله \" يُصَلِّي الرَّجُل لِنَفْسِهِ \" بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ أَوَّلًا وَحَاصِلُهُ أَنَّ بَعْضهمْ كَانَ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا وَبَعْضهمْ يُصَلِّي جَمَاعَة , قِيلَ يُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز الِائْتِمَام بِالْمُصَلِّي وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَمْثَل ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين وَغَيْره اِسْتَنْبَطَ عُمَر ذَلِكَ مِنْ تَقْرِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَلَّى مَعَهُ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي , وَإِنْ كَانَ كَرِهَ ذَلِكَ لَهُمْ فَإِنَّمَا كَرِهَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ , وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَاد الْبُخَارِيِّ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ عَقِب حَدِيث عُمَر , فَلَمَّا مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصَلَ الْأَمْنُ مِنْ ذَلِكَ , وَرَجَحَ عِنْد عُمَر ذَلِكَ لِمَا فِي الِاخْتِلَاف مِنْ اِفْتِرَاق الْكَلِمَة , وَلِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى وَاحِدٍ أَنْشَطُ لِكَثِيرِ مِنْ الْمُصَلِّينَ , وَإِلَى قَوْل عُمَر جَنَحَ الْجُمْهُور , وَعَنْ مَالِك فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَأَبِي يُوسُف وَبَعْض الشَّافِعِيَّة الصَّلَاة فِي الْبُيُوت أَفْضَل عَمَلًا بِعُمُومِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَفْضَل صَلَاة الْمَرْء فِي بَيْته إِلَّا الْمَكْتُوبَة \" وَهُوَ حَدِيث صَحِيح أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَبَالَغَ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ : إِنَّ صَلَاة التَّرَاوِيح فِي الْجَمَاعَة وَاجِبَة عَلَى الْكِفَايَة , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : قِيَام رَمَضَان سُنَّةٌ لِأَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنَّمَا تَرَكَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَشْيَةَ الِافْتِرَاضِ , وَعِنْد الشَّافِعِيَّةِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَة أَوْجُه : ثَالِثهَا مَنْ كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَلَا يَخَاف مِنْ الْكَسَل وَلَا تَخْتَلُّ الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ بِتَخَلُّفِهِ فَصَلَاتُهُ فِي الْجَمَاعَة وَالْبَيْت سَوَاءٌ , فَمَنْ فَقَدْ بَعْضَ ذَلِكَ فَصَلَاته فِي الْجَمَاعَة أَفْضَل. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيّ بْن كَعْب ) ‏ ‏أَيْ جَعَلَهُ لَهُمْ إِمَامًا وَكَأَنَّهُ اِخْتَارَهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّه \" وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير الْبَقَرَةِ قَوْلُ عُمَر \" أَقْرَؤُنَا أُبَيّ \" وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيق عُرْوَة \" أَنَّ عُمَر جَمَعَ النَّاس عَلَى أُبَيّ بْن كَعْبٍ فَكَانَ يُصَلِّي بِالرِّجَالِ , وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيّ يُصَلِّي بِالنِّسَاءِ \" وَرَوَاهُ مُحَمَّد بْن نَصْر فِي \" كِتَاب قِيَام اللَّيْل \" لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه فَقَالَ \" سُلَيْمَان بْن أَبِي حَثْمَة \" بَدَلَ تَمِيمٍ الدَّارِيّ , وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي وَقْتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَ لَيْلَةً وَالنَّاس يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ ) ‏ ‏أَيْ إِمَامِهِمْ الْمَذْكُور , وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ عُمَر كَانَ لَا يُوَاظِبُ عَلَى الصَّلَاة مَعَهُمْ وَكَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الصَّلَاة فِي بَيْتِهِ وَلَا سِيَّمَا فِي آخِر اللَّيْلِ أَفْضَل , وَقَدْ رَوَى مُحَمَّد بْن نَصْر فِي \" قِيَام اللَّيْل \" مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" كُنْت عِنْد عُمَر فِي الْمَسْجِد , فَسَمِعَ هَيْعَة النَّاس فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قِيلَ : خَرَجُوا مِنْ الْمَسْجِد , وَذَلِكَ فِي رَمَضَان , فَقَالَ : مَا بَقِيَ مِنْ اللَّيْل أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا مَضَى \" وَمِنْ طَرِيق عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوه مِنْ قَوْله. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُمَرُ نِعْمَ الْبِدْعَةُ ) ‏ ‏فِي بَعْض الرِّوَايَات \" نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ \" بِزِيَادَةِ تَاءٍ , وَالْبِدْعَة أَصْلُهَا مَا أُحْدِثَ عَلَى غَيْر مِثَالٍ سَابِقٍ , وَتُطْلَقُ فِي الشَّرْع فِي مُقَابِلِ السُّنَّةِ فَتَكُونُ مَذْمُومَةً , وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّا تَنْدَرِجُ تَحْت مُسْتَحْسِنٍ فِي الشَّرْعِ فَهِيَ حَسَنَةٌ وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَنْدَرِجُ تَحْتَ مُسْتَقْبَحٍ فِي الشَّرْعِ فَهِيَ مُسْتَقْبَحَةٌ وَإِلَّا فَهِيَ مِنْ قِسْمِ الْمُبَاحِ وَقَدْ تَنْقَسِمُ إِلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ ) ‏ ‏هَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي آخِر اللَّيْل أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِهِ , لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي قِيَام اللَّيْل فُرَادَى أَفْضَلُ مِنْ التَّجْمِيعِ. ‏ ‏( تَكْمِيلٌ ) : ‏ ‏لَمْ يَقَع فِي هَذِهِ الرِّوَايَة عَدَد الرَّكَعَات الَّتِي كَانَ يُصَلِّي بِهَا أُبَيّ بْن كَعْب , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَفِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف عَنْ السَّائِب بْن يَزِيد أَنَّهَا إِحْدَى عَشْرَةَ , وَرَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ وَجْه آخَرَ وَزَادَ فِيهِ \" وَكَانُوا يَقْرَءُونَ بِالْمِائَتَيْنِ وَيَقُومُونَ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُول الْقِيَام \" وَرَوَاهُ مُحَمَّد بْن نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف فَقَالَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف فَقَالَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ , وَرَوَى مَالِك مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن خَصِيفَةَ عَنْ السَّائِب بْن يَزِيد عِشْرِينَ رَكْعَةً وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْر الْوِتْر , وَعَنْ يَزِيد بْن رُومَانَ قَالَ \" كَانَ النَّاس يَقُومُونَ فِي زَمَانِ عُمَر بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ \" وَرَوَى مُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ طَرِيق عَطَاء قَالَ \" أَدْرَكْتهمْ فِي رَمَضَان يُصَلُّونَ عِشْرِينَ رَكْعَة وَثَلَاثَ رَكَعَاتِ الْوِتْر \" وَالْجَمْعُ بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات مُمْكِنٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال , وَيَحْتَمِل أَنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ بِحَسَبِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَة وَتَخْفِيفِهَا فَحَيْثُ يُطِيلُ الْقِرَاءَة تَقِلُّ الرَّكَعَات وَبِالْعَكْسِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْره , وَالْعَدَد الْأَوَّل مُوَافِق لِحَدِيثِ عَائِشَة الْمَذْكُور بَعْد هَذَا الْحَدِيث فِي الْبَاب , وَالثَّانِي قَرِيب مِنْهُ , وَالِاخْتِلَاف فِيمَا زَادَ عَنْ الْعِشْرِينَ رَاجِعٌ إِلَى الِاخْتِلَاف فِي الْوِتْر وَكَأَنَّهُ كَانَ تَارَة يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ وَتَارَة بِثَلَاثٍ , وَرَوَى مُحَمَّد اِبْن نَصْر مِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن قَيْس قَالَ \" أَدْرَكْت النَّاس فِي إِمَارَة أَبَانَ بْن عُثْمَان وَعُمْر بْن عَبْد الْعَزِيز - يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ - يَقُومُونَ بِسِتٍّ وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً وَيُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ \" وَقَالَ مَالِك هُوَ الْأَمْرُ الْقَدِيمُ عِنْدَنَا. وَعَنْ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ \" رَأَيْت النَّاس يَقُومُونَ بِالْمَدِينَةِ بِتِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَبِمَكَّة بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ , وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ ضِيقٌ \" وَعَنْهُ قَالَ : إِنْ أَطَالُوا الْقِيَامَ وَأَقَلُّوا السُّجُودَ فَحَسَنٌ , وَإِنْ أَكْثَرُوا السُّجُود وَأَخَفُّوا الْقِرَاءَةَ فَحَسَنٌ , وَالْأَوَّل أَحَبُّ إِلَيَّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : أَكْثَرُ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّهَا تُصَلَّى إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ رَكْعَة يَعْنِي بِالْوِتْرِ , كَذَا قَالَ. وَقَدْ نَقَلَ اِبْن عَبْد اللَّه الْأَسْوَد بْن يَزِيد : تُصَلَّى أَرْبَعِينَ وَيُوتِرُ بِسَبْعٍ , وَقِيلَ ثَمَان وَثَلَاثِينَ ذَكَرَهُ مُحَمَّد اِبْن نَصْر عَنْ اِبْن أَيْمَن عَنْ مَالِك , وَهَذَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى الْأَوَّل بِانْضِمَامِ ثَلَاث الْوِتْر , لَكِنْ صَرَّحَ فِي رِوَايَته بِأَنَّهُ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ , فَتَكُون أَرْبَعِينَ إِلَّا وَاحِدَةً , قَالَ مَالِك : وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ مُنْذُ بِضْعٍ وَمِائَةِ سَنَةٍ , وَعَنْ مَالِك سِتّ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاث الْوِتْر وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَنْهُ , وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن وَهْبٍ عَنْ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِع قَالَ : لَمْ أُدْرِكْ النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ يُصَلُّونَ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ يُوتِرُونَ مِنْهَا بِثَلَاثٍ , وَعَنْ زُرَارَةَ بْن أَوْفَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ بِالْبَصْرَةِ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَيُوتِر , وَعَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ وَقِيلَ سِتَّ عَشْرَةَ غَيْر الْوِتْر رَوَى عَنْ أَبِي مِجْلَز عِنْد مُحَمَّد بْن نَصْر , وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن يُوسُف عَنْ جَدِّهِ السَّائِبِ اِبْن يَزِيد قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي زَمَن عُمَر فِي رَمَضَان ثَلَاثَ عَشْرَةَ , قَالَ اِبْن إِسْحَاق وَهَذَا أَثْبَتُ مَا سَمِعْت فِي ذَلِكَ , وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ عَائِشَة فِي صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اللَّيْل وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1872",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ أَبِي أُوَيْسٍ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى وَذَلِكَ فِي رَمَضَان ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُقْتَصِرًا عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَوَّلِهِ وَشَيْءٍ مِنْ آخِرِهِ , وَقَدْ أَوْرَدَهُ تَامًّا فِي أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ بِلَفْظِ \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى ذَات لَيْلَة فِي الْمَسْجِد فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ \" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ \" خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ \" وَذَلِكَ فِي رَمَضَان وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1873",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ وَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّى فَصَلَّوْا مَعَهُ فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر فِي الْحَاشِيَة : يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ إِذْ لَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةٌ بَيْنَ كَوْنِهِمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ إِلَّا ذَلِكَ. اِنْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون السَّبَب فِي ذَلِكَ الظُّهُور اِقْتِدَارَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَيُفْرَض عَلَيْهِمْ. ‏ ‏قَوْله فِي آخِر طَرِيق عَقِيلٍ ‏ ‏( فَتُوُفِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَمْر عَلَى ذَلِكَ ) ‏ ‏هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ قَوْل الزُّهْرِيِّ كَمَا بَيَّنْته فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1874",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي رَمَضَانَ فَقَالَتْ ‏ ‏مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ‏ ‏يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ ‏ ‏يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ ‏ ‏يُصَلِّي ثَلَاثًا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ قَالَ يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَان إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَاب التَّهَجُّدِ , وَأَمَّا مَا رَوَاهُ اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي رَمَضَان عِشْرِينَ رَكْعَة وَالْوِتْرَ \" فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ , وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ عَائِشَة هَذَا الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ مَعَ كَوْنِهَا أَعْلَمَ بِحَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلًا مِنْ غَيْرِهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1875",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَفِظْنَاهُ وَإِنَّمَا حَفِظَ مِنَ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَفِظْنَاهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ أَيُّمَا حِفْظٍ ) ‏ ‏بِرَفْعِ أَيّ وَمَا زَائِدَةٌ وَهُوَ مُبْتَدَأ وَخَبَره مَحْذُوفٌ تَقْدِيره حِفْظ وَمِنْ الزُّهْرِيِّ مُتَعَلِّقٌ بِحَفِظْنَاهُ , وَرُوِيَ بِنَصْبِ أَيّمَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول مُطْلَق لِحَفِظَ الْمُقَدَّرِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ صَامَ رَمَضَان ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْبَاب قَبْلَهُ مِنْ رِوَايَة مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ بِلَفْظِ \" قَامَ \" بَدَلَ صَامَ , وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ , وَزَادَ اِبْن عُيَيْنَةَ فِي رِوَايَته هُنَا \" وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ سُلَيْمَان بْن كَثِير عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي \" الزَّهْرِيَّاتِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ , وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ الْكَلَامِ عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1876",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رِجَالًا مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ ‏ ‏تَوَاطَأَتْ ‏ ‏فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ ‏ ‏مُتَحَرِّيهَا ‏ ‏فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْر ) ‏ ‏أُرُوا بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ أَيْ قِيلَ لَهُمْ فِي الْمَنَامِ إِنَّهَا فِي السَّبْع الْأَوَاخِر , وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ أَوَاخِر الشَّهْر , وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ السَّبْع الَّتِي أَوَّلهَا لَيْلَة الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ وَآخِرهَا لَيْلَة الثَّامِن وَالْعِشْرِينَ , فَعَلَى الْأَوَّل لَا تَدْخُلُ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَا ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ , وَعَلَى الثَّانِي تَدْخُلُ الثَّانِيَةُ فَقَطْ وَلَا تَدْخُلُ لَيْلَة التَّاسِع وَالْعِشْرِينَ , وَقَدْ رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّعْبِير مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ \" إِنَّ نَاسًا أُرُوا لَيْلَة الْقَدْرِ فِي السَّبْع الْأَوَاخِر , وَإِنَّ نَاسًا أُرُوا أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِلْتَمِسُوهَا فِي السَّبْع الْأَوَاخِرِ \" وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إِلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ فَأَمَرَ بِهِ , وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" رَأَى رَجُلٌ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْر لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ أَوْ كَذَا وَكَذَا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِلْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْبَوَاقِي فِي الْوِتْر مِنْهَا \" وَرَوَاهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث عَلِيٍّ مَرْفُوعًا \" إِنْ غُلِبْتُمْ فَلَا تُغْلَبُوا فِي السَّبْع الْبَوَاقِي \" وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَبَلَةَ بْن سُحَيْم عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" مَنْ كَانَ مُلْتَمِسَهَا فَلْيَلْتَمِسْهَا فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عُقْبَةَ بْن حُرَيْثٍ عَنْ اِبْن عُمَر \" اِلْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر , فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ فَلَا يُغْلَبَن عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي \" , وَهَذَا السِّيَاقُ يُرَجِّحُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ مِنْ تَفْسِيرِ السَّبْعِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَرَى ) ‏ ‏بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ أَعْلَمُ , وَالْمُرَادُ أُبْصِرُ مَجَازًا. ‏ ‏قَوْله : ( رُؤْيَاكُمْ ) ‏ ‏قَالَ عِيَاضٌ كَذَا جَاءَ بِإِفْرَادِ الرُّؤْيَا , وَالْمُرَادُ مُرَائِيكُمْ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رُؤْيَا وَاحِدَةً وَإِنَّمَا أَرَادَ الْجِنْسَ , وَقَالَ اِبْن التِّين : كَذَا رُوِيَ بِتَوْحِيدِ الرُّؤْيَا , وَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ , قَالَ : وَأَفْصَحُ مِنْهُ رُؤَاكُمْ جَمْعُ رُؤْيَا لِيَكُونَ جَمْعًا فِي مُقَابَلَةِ جَمْعٍ. ‏ ‏قَوْله : ( تَوَاطَأَتْ ) ‏ ‏بِالْهَمْزَةِ أَيْ تَوَافَقَتْ وَزْنًا وَمَعْنًى , وَقَالَ اِبْن التِّين. رُوِيَ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَالصَّوَابُ بِالْهَمْزِ , وَأَصْلُهُ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ بِرِجْلِهِ مَكَانَ وَطْءِ صَاحِبِهِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ قَدْرِ الرُّؤْيَا وَجَوَاز الِاسْتِنَاد إِلَيْهَا فِي الِاسْتِدْلَال عَلَى الْأُمُور الْوُجُودِيَّةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخَالِفَ الْقَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ , وَسَنَذْكُرُ بَسْطَ الْقَوْلِ فِي أَحْكَام الرُّؤْيَا فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1877",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏وَكَانَ لِي صَدِيقًا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا وَقَالَ ‏ ‏إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا ‏ ‏أَوْ نُسِّيتُهَا ‏ ‏فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْوَتْرِ وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلْيَرْجِعْ فَرَجَعْنَا وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ ‏ ‏قَزَعَةً ‏ ‏فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِشَامٌ ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير , وَيَأْتِي فِي الِاعْتِكَاف عَنْ طَرِيق عَلِيِّ اِبْن الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى \" سَمِعْت أَبَا سَلَمَة \". ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلْت أَبَا سَعِيدٍ وَكَانَ لِي صَدِيقًا فَقَالَ اِعْتَكَفْنَا ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر الْمَسْئُول عَنْهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيق , وَفِي رِوَايَة عَلِيٍّ الْمَذْكُورَة \" سَأَلْت أَبَا سَعِيد : هَلْ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُر لَيْلَة الْقَدْر ؟ فَقَالَ : نَعَمْ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ يَحْيَى \" تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْر فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ , فَأَتَيْت أَبَا سَعِيد \" فَذَكَرَهُ , وَفِي رِوَايَة هَمَّامٍ عَنْ يَحْيَى فِي \" بَابٌ السُّجُودُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ ) مِنْ صِفَةِ الصَّلَاةِ \" اِنْطَلَقْت إِلَى أَبِي سَعِيد فَقُلْت : أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْل فَنَتَحَدَّثَ ؟ فَخَرَجَ , فَقُلْت : حَدِّثْنِي مَا سَمِعْت مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَة الْقَدْر , فَأَفَادَ بَيَانَ سَبَبِ السُّؤَالِ , وَفِيهِ تَأْنِيسُ الطَّالِبِ لِلشَّيْخِ فِي طَلَبِ الِاخْتِلَاءِ بِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِمَّا يُرِيدُ مِنْ مَسْأَلَتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( اِعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَشْر الْأَوْسَط ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ , وَالْمُرَادُ بِالْعَشْرِ اللَّيَالِي وَكَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ تُوصَفَ بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ لَكِنْ وُصِفَتْ بِالْمُذَكَّرِ عَلَى إِرَادَةِ الْوَقْتِ أَوْ الزَّمَانِ أَوْ التَّقْدِير الثُّلُث كَأَنَّهُ قَالَ : اللَّيَالِي الْعَشْر الَّتِي هِيَ الثُّلُث الْأَوْسَطُ مِنْ الشَّهْرِ , وَوَقَعَ فِي \" الْمُوَطَّأ \" الْعَشْر الْوُسُط بِضَمِّ الْوَاو وَالسِّين جَمْع وُسْطَى وَيُرْوَى بِفَتْحِ السِّينِ مِثْل كُبْر وَكُبْرَى وَرَوَاهُ الْبَاجِيّ فِي \" الْمُوَطَّأِ \" بِإِسْكَانِهَا عَلَى أَنَّهُ جَمْع وَاسِط كَبَازِلٍ وَبَزْلٍ وَهَذَا يُوَافِق رِوَايَة الْأَوْسَط , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ \" كَانَ يُجَاوِر الْعَشْر الَّتِي فِي وَسَط الشَّهْرِ \" وَفِي رِوَايَة مَالِك الْآتِيَة فِي أَوَّل الِاعْتِكَاف \" كَانَ يَعْتَكِفُ \" وَالِاعْتِكَاف مُجَاوَرَةٌ مَخْصُوصَةٌ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيد \" اِعْتَكَفَ الْعَشْر الْأَوْسَط مِنْ رَمَضَان يَلْتَمِسُ لَيْلَة الْقَدْر قَبْل أَنْ تُبَانَ لَهُ , فَلَمَّا اِنْقَضَيْنَ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَقُوِّضَ , ثُمَّ أُبِينَتْ لَهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر فَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَأُعِيدَ \" وَزَادَ فِي رِوَايَة عِمَارَة بْن غَزِيَّةَ عَنْ مُحَمَّد إِبْرَاهِيم أَنَّهُ \" اِعْتَكَفَ الْعَشْر الْأَوَّل ثُمَّ اِعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَط ثُمَّ اِعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِر \" , وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَة هَمَّامٍ الْمَذْكُورَة وَزَادَ فِيهَا \" إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فِي الْمَرَّتَيْنِ فَقَالَ لَهُ : إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَك \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ أَيْ قُدَّامَك , قَالَ الطِّيبِيُّ : وَصَفَ الْأَوَّل وَالْأَوْسَط بِالْمُفْرَدِ وَالْأَخِير بِالْجَمْعِ إِشَارَةً إِلَى تَصْوِيرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي كُلّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْعَشْر الْأَخِير دُونَ الْأَوَّلَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك الْمَذْكُورَة \" حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَة الَّتِي يَخْرُج مِنْ صَبِيحَتهَا مِنْ اِعْتِكَافه \" وَظَاهِره يُخَالِف رِوَايَة الْبَاب , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ خُطْبَتَهُ وَقَعَتْ فِي أَوَّل الْيَوْم الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ , وَعَلَى هَذَا يَكُون أَوَّل لَيَالِي اِعْتِكَافه الْأَخِير لَيْلَةَ اِثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ , وَهُوَ مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ فِي آخِر الْحَدِيث \" فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاء وَالطِّين مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ \" فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْخُطْبَةَ كَانَتْ فِي صُبْح الْيَوْم الْعِشْرِينَ , وَوُقُوع الْمَطَر كَانَ فِي لَيْلَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهُوَ الْمُوَافِق لِبَقِيَّةِ الطُّرُقِ , وَعَلَى هَذَا فَكَأَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَة مَالِك الْمَذْكُورَة \" وَهِيَ اللَّيْلَة الَّتِي يَخْرُج مِنْ صَبِيحَتِهَا \" أَيْ مِنْ الصُّبْح الَّذِي قَبْلَهَا , وَيَكُون فِي إِضَافَةِ الصُّبْحِ إِلَيْهَا تَجَوُّزٌ. وَقَدْ أَطَالَ اِبْن دِحْيَةَ فِي تَقْرِير أَنَّ اللَّيْلَةَ تُضَافُ لِلْيَوْمِ الَّذِي قَبْلهَا , وَرَدَّ عَلَى مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ وَلَكِنْ لَمْ يُوَافِق عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ اِبْنُ حَزْمٍ رِوَايَةَ اِبْن أَبِي حَازِم والدَّرَاوَرْدِيِّ - يَعْنِي رِوَايَة حَدِيث الْبَاب - مُسْتَقِيمَةٌ وَرِوَايَة مَالِك مُشْكِلَةٌ , وَأَشَارَ إِلَى تَأْوِيلِهَا بِنَحْوٍ مِمَّا ذَكَرْته. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَة الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ \" فَإِذَا كَانَ حِينَ يُمْسِي مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً تَمْضِي وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَجَعَ إِلَى مَسْكَنِهِ \" وَهَذَا فِي غَايَة الْإِيضَاح , وَأَفَادَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي \" الِاسْتِذْكَارِ \" أَنَّ الرُّوَاة عَنْ مَالِك اِخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِي لَفْظ الْحَدِيث فَقَالَ بَعْد ذِكْرِ الْحَدِيثِ : هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْن يَحْيَى بْن بُكَيْر وَالشَّافِعِيّ عَنْ مَالِك \" يَخْرُج فِي صَبِيحَتهَا مِنْ اِعْتِكَافه \" وَرَوَاهُ اِبْن الْقَاسِم وَابْن وَهْبٍ وَالْقَعْنَبِيُّ وَجَمَاعَةٌ عَنْ مَالِك فَقَالُوا \" وَهِيَ اللَّيْلَة الَّتِي يَخْرُج فِيهَا مِنْ اِعْتِكَافه \" قَالَ : وَقَدْ رَوَى اِبْن وَهْبٍ وَابْن عَبْد الْحَكَم عَنْ مَالِك فَقَالَ مَنْ اِعْتَكَفَ أَوَّلَ الشَّهْر أَوْ وَسَطَهُ فَإِنَّهُ يَخْرُج إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ آخِر يَوْمٍ مِنْ اِعْتِكَافه , وَمَنْ اِعْتَكَفَ فِي آخِر الشَّهْر فَلَا يَنْصَرِفُ إِلَى بَيْتِهِ حَتَّى يَشْهَد الْعِيدَ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَلَا خِلَافَ فِي الْأَوَّل , وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنْ اِعْتَكَفَ الْعَشْر الْأَخِير هَلْ يَخْرُج إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ أَوْ لَا يَخْرُج حَتَّى يُصْبِحَ ؟ قَالَ : وَأَظُنُّ الْوَهْمَ دَخَلَ مِنْ وَقْت خُرُوج الْمُعْتَكِفِ. قُلْت : وَهُوَ بَعِيدٌ لِمَا قَرَّرَهُ هُوَ مِنْ بَيَان مَحَلّ الِاخْتِلَاف. وَقَدْ وَجَّهَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ رِوَايَةَ الْبَاب بِأَنَّ مَعْنَى قَوْله \" حَتَّى إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ \" أَيْ حَتَّى إِذَا كَانَ الْمُسْتَقْبِلُ مِنْ اللَّيَالِي لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ , وَقَوْله \" وَهِيَ اللَّيْلَة الَّتِي يَخْرُج \" الضَّمِير يَعُودُ عَلَى اللَّيْلَة الْمَاضِيَة , وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْله \" مَنْ كَانَ اِعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ \" لِأَنَّهُ لَا يَتِمّ ذَلِكَ إِلَّا بِإِدْخَالِ اللَّيْلَةِ الْأُولَى. ‏ ‏قَوْله : ( أُرِيت ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاءِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ , وَهِيَ مِنْ الرُّؤْيَا أَيْ أُعْلِمَتْ بِهَا , أَوْ مِنْ الرُّؤْيَةِ أَيْ أَبْصَرْتهَا , وَإِنَّمَا أُرِيَ عَلَامَتهَا وَهُوَ السُّجُود فِي الْمَاء وَالطِّين كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّامٍ الْمُشَار إِلَيْهَا بِلَفْظِ \" حَتَّى رَأَيْت أَثَر الْمَاء وَالطِّين عَلَى جَبْهَة رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصْدِيق رُؤْيَاهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أُنْسِيتهَا أَوْ نَسِيتهَا ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي هَلْ أَنْسَاهُ غَيْرُهُ إِيَّاهَا أَوْ نَسِيَهَا هُوَ مِنْ غَيْر وَاسِطَةٍ , وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَ نُسِّيتهَا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيد فَهُوَ بِمَعْنَى أُنْسِيتهَا وَالْمُرَاد أَنَّهُ أُنْسِيَ عِلْمَ تَعْيِينِهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ , وَسَيَأْتِي سَبَبُ النِّسْيَانِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي حَدِيث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بَعْدَ بَابٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنِّي أَسْجُدُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَنْ أَسْجُدَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَمَنْ كَانَ اِعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَرْجِعْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هَمَّامٍ الْمَذْكُورَةِ \" مَنْ اِعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ \" وَفِيهِ اِلْتِفَاتٌ. ‏ ‏قَوْله : ( قَزَعَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ أَيْ قِطْعَةٌ مِنْ سَحَابٍ رَقِيقَةٌ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَطَرَتْ ) ‏ ‏بِفَتْحَتَيْنِ , فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ وَجْهٍ آخِرَ \" فَاسْتُهِلَّتْ السَّمَاءُ فَأَمْطَرَتْ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ \" فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ \" أَيْ قَطَّرَ الْمَاءُ مِنْ سَقْفِهِ , وَكَانَ عَلَى عَرِيشٍ أَيْ مِثْلِ الْعَرِيشِ وَإِلَّا فَالْعَرِيشُ هُوَ نَفْسُ سَقْفِهِ , وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ مُظَلَّلًا بِالْجَرِيدِ وَالْخُوص , وَلَمْ يَكُنْ مُحْكَمَ الْبِنَاءِ بِحَيْثُ يَكُفُّ مِنْ الْمَطَرِ الْكَثِيرَ. ‏ ‏قَوْله : ( يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْت أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة مَالِكٍ \" عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ \" وَفِي رِوَايَة اِبْنِ أَبِي حَازِمٍ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ \" اِنْصَرَفَ مِنْ الصُّبْح وَوَجْهُهُ مُمْتَلِئٌ طِينًا وَمَاءً \" وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ \" أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ \" لَمْ يُرَدْ بِهِ مَحْضُ الْأَثَرِ وَهُوَ مَا يَبْقَى بَعْدَ إِزَالَة الْعَيْن , وَقَدْ مَضَى الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي صِفَة الصَّلَاة. وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد مِنْ الْفَوَائِد تَرْكُ مَسْحِ جَبْهَةِ الْمُصَلِّي , وَالسُّجُود عَلَى الْحَائِلِ , وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْأَثَرِ الْخَفِيفِ لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ \" وَوَجْهُهُ مُمْتَلِئٌ طِينًا وَمَاءً \" وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الِامْتِلَاءَ الْمَذْكُورَ لَا يَسْتَلْزِمُ سِتْرَ جَمِيع الْجَبْهَة. وَفِيهِ جَوَاز السُّجُود فِي الطِّينِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَكْثَرُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الصَّلَاةِ. وَفِيهِ الْأَمْرُ بِطَلَبِ الْأَوْلَى وَالْإِرْشَادُ إِلَى تَحْصِيلِ الْأَفْضَلِ , وَأَنَّ النِّسْيَانَ جَائِزٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَقْصَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ لَا سِيَّمَا فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي تَبْلِيغِهِ , وَقَدْ يَكُون فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالتَّشْرِيعِ كَمَا فِي السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ , أَوْ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَة كَمَا فِي هَذِهِ الْقِصَّة , لِأَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَوْ عُيِّنَتْ فِي لَيْلَةٍ بِعَيْنِهَا حَصَلَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا فَفَاتَتْ الْعِبَادَةُ فِي غَيْرهَا , وَكَانَ هَذَا هُوَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ \" عَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ \" كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث عُبَادَةَ. وَفِيهِ اِسْتِعْمَال رَمَضَان بِدُونِ شَهْرٍ , وَاسْتِحْبَابُ الِاعْتِكَافِ فِيهِ , وَتَرْجِيحُ اِعْتِكَافِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ , وَأَنَّ مِنْ الرُّؤْيَا مَا يَقَعُ تَعْبِيرُهُ مُطَابِقًا , وَتَرَتُّبُ الْأَحْكَامِ عَلَى رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ. وَفِي أَوَّل قِصَّة أَبِي سَلَمَة مَعَ أَبِي سَعِيد الْمَشْي فِي طَلَب الْعِلْمِ , وَإِيثَار الْمَوَاضِع الْخَالِيَةِ لِلسُّؤَالِ , وَإِجَابَةُ السَّائِلِ لِذَلِكَ وَاجْتِنَاب الْمَشَقَّةِ فِي الِاسْتِفَادَة , وَابْتِدَاءُ الطَّالِب بِالسُّؤَالِ , وَتَقَدُّم الْخُطْبَة عَلَى التَّعْلِيم وَتَقْرِيب الْبَعِيد فِي الطَّاعَة وَتَسْهِيل الْمَشَقَّة فِيهَا بِحُسْنِ التَّلَطُّف وَالتَّدْرِيج إِلَيْهَا , قِيلَ وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ جَوَازُ تَغْيِير مَادَّة الْبِنَاء مِنْ الْأَوْقَاف بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا وَأَنْفَعُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1878",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو سُهَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ وَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ , فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ : ‏ ‏قَوْله : ( أَبُو سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ نَافِع بْن مَالِك بْن أَبِي عَامِر الْأَصْبَحِيّ , وَلَيْسَ لِأَبِيهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَالْوَجْه الثَّانِي : ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ الْقَطَّان ( عَنْ هِشَام ) هُوَ اِبْن عُرْوَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يُوسُف الْقَاضِي فِي \" كِتَاب الصِّيَام \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْمُقَدَّمِيّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد حَدَّثَنَا هِشَام أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيقه وَمِنْ طَرِيق مُسْنَد أَحْمَد عَنْ يَحْيَى أَيْضًا , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن زَنْجَوَيْهِ عَنْ أَحْمَد فَأَدْخَلَ بَيْن يَحْيَى وَهِشَام شُعْبَة وَهُوَ غَرِيب , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ يَحْيَى عَنْ هِشَام بِغَيْرِ وَاسِطَة مُصَرِّحًا فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ بَيْنهمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1879",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُجَاوِرُ فِي رَمَضَانَ الْعَشْرَ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ فَإِذَا كَانَ حِينَ يُمْسِي مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً ‏ ‏تَمْضِي وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَجَعَ إِلَى مَسْكَنِهِ وَرَجَعَ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ وَأَنَّهُ أَقَامَ فِي شَهْرٍ جَاوَرَ فِيهِ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا فَخَطَبَ النَّاسَ فَأَمَرَهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ ثُمَّ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا فَابْتَغُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَابْتَغُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ ‏ ‏فَاسْتَهَلَّتْ ‏ ‏السَّمَاءُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَأَمْطَرَتْ ‏ ‏فَوَكَفَ ‏ ‏الْمَسْجِدُ فِي مُصَلَّى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ فَبَصُرَتْ عَيْنِي رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ انْصَرَفَ مِنْ الصُّبْحِ وَوَجْهُهُ مُمْتَلِئٌ طِينًا وَمَاءً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يُجَاوِر ) ‏ ‏أَيْ يَعْتَكِف , ‏ ‏وَقَوْله : ( الْعَشْر الَّتِي فِي وَسَط الشَّهْر ) ‏ ‏حُذِفَ الظَّرْفُ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ , ‏ ‏وَقَوْله : ( يَمْضِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِهيَنِيِّ \" تَمْضِي \" بِالْمُثَنَّاةِ وَحَذْفِ النُّونِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلِيَثْبُت ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ الثَّبَاتِ وَفِي رِوَايَة \" فَلْيَلْبَثْ \" مِنْ اللُّبْث وَمَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ. ‏ ‏قَوْله : ( فَابْتَغَوْهَا ) ‏ ‏بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَقْدِيم الْمُوَحَّدَة. الْحَدِيث الثَّالِث حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَوْرَدَهُ مِنْ أَوْجُهٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَصُرَتْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ , وَذِكْرُ الْعَيْن بَعْد الْبَصَر تَأْكِيدٌ كَقَوْلِهِ أَخَذْت بِيَدَيَّ , وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي أَمْر مُسْتَغْرَبٍ إِظْهَارًا لِلتَّعَجُّبِ مِنْ حُصُولِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1880",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْتَمِسُوا ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُجَاوِرُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَيَقُولُ ‏ ‏تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِلْتَمِسُوا ) ‏ ‏كَذَا اِقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنْ الْخَبَر وَكَأَنَّهُ أَحَالَ بِبَقِيَّتِهِ عَلَى الطَّرِيق الَّتِي بَعْدَهَا وَهِيَ طَرِيقُ عَبْدَة عَنْ هِشَام وَلَفْظه \" تَحَرَّوْا لَيْلَة الْقَدْر فِي الْعَشْر الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَان \" وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُمَا مُتَّفِقَانِ إِلَّا فِي هَذِهِ اللَّفْظَة فَقَالَ يَحْيَى \" اِلْتَمِسُوا \" وَقَالَ عَبْدَة \" تَحَرَّوْا \" وَعَلَى ذَلِكَ اِعْتَمَدَ الْمِزِّيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَاب الْأَطْرَاف فَتَرْجُمُوا لِرِوَايَةِ يَحْيَى كَذَلِكَ , وَلَكِنَّ لَفْظ يَحْيَى عِنْد أَحْمَد وَسَائِر مَنْ ذَكَرْت قَبْلُ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر وَيَقُول : اِلْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر \" يَعْنِي لَيْلَة الْقَدْر , وَبَيْن اللَّفْظَيْنِ مِنْ التَّغَايُر مَا لَا يَخْفَى. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد أَخْبَرْنَا عَبْدَة ) ‏ ‏مُحَمَّد هُوَ اِبْن سَلَام كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ مُحَمَّد بْن الْمَثْنَى فَيَكُون الْحَدِيثُ عِنْده عَنْ يَحْيَى وَعَبْدَة مَعًا فَسَاقَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ عَلَى لَفْظ أَحَدهمَا , وَلَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ طُرُق هِشَام فِي هَذَا الْحَدِيث التَّقْيِيدُ بِالْوِتْرِ , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِإِدْخَالِهِ فِي التَّرْجَمَة إِلَى أَنَّ مُطْلَقَهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي رِوَايَة أَبِي سُهَيْل. الْحَدِيث الثَّانِي حَدِيث أَبِي سَعِيد , وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1881",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( اِلْتَمِسُوهَا ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِإِضْمَارِ الْمَفْعُول وَالْمُرَاد بِهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ , وَهُوَ مُفَسَّرٌ بِمَا بَعْدَهُ , وَسَيَأْتِي أَنَّهُ تَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ كَلَامٌ يَحْسُنُ مَعَهُ عَوْدُ الضَّمِيرِ وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة اِخْتِصَارٌ. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْلَةَ الْقَدْرِ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ الضَّمِير فِي قَوْله : ( اِلْتَمِسُوهَا ) وَيَجُوز الرَّفْع. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَبْد الْوَهَّاب عَنْ أَيُّوبَ ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْمُتَابَعَةُ عِنْد الْأَكْثَر مِنْ رِوَايَة الْفَرَبْرِيّ هُنَا , وَعِنْد النَّسَفِيِّ عَقِبَ طَرِيق وُهَيْب \" عَنْ أَيُّوب \" وَهُوَ الصَّوَاب وَأَصْلَحَهَا اِبْنُ عَسَاكِرَ فِي نُسْخَتِهِ كَذَلِكَ , وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَد وَابْن أَبِي عُمَر فِي مُسْنَدِيهِمَا عَنْ عَبْد الْوَهَّاب وَهُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيدَ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ مُتَابِعًا لِوُهَيْب فِي إِسْنَادِهِ وَلَفْظِهِ , وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّد بْن نَصْر فِي \" قِيَام اللَّيْل \" عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ عَبْد الْوَهَّاب مِثْله وَزَادَ فِي آخِره \" أَوْ آخِر لَيْلَة \" ‏"
    },
    {
        "id": "1882",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مِجْلَزٍ ‏ ‏وَعِكْرِمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ هِيَ فِي تِسْعٍ يَمْضِينَ أَوْ فِي سَبْعٍ يَبْقَيْنَ ‏ ‏يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏الْتَمِسُوا فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد , وَعَاصِم هُوَ الْأَحْوَلُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي مِجْلَز وَعِكْرِمَة قَالَا قَالَ اِبْن عَبَّاس قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا أَخْرَجَهُ مُخْتَصَرًا وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَفَّان وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عُقْبَة كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد الْوَاحِد فَزَادَ فِي أَوَّله قَصَّهُ وَهِيَ \" قَالَ عُمَر : مَنْ يَعْلَم لَيْلَةَ الْقَدْرِ ؟ فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَهُ , وَبِهَذَا يَظْهَرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ الْمُبْهَم فِي رِوَايَة الْبَاب , وَقَدْ تَوَقَّفَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي اِتِّصَال هَذَا الْحَدِيث لِأَنَّ عِكْرِمَة وَأَبَا مِجْلَز مَا أَدْرَكَا عُمَر فَمَا حَضَرَا الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ , وَالْجَوَاب أَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ أَنَّهُمَا أَخَذَا ذَلِكَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , فَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَر عَنْ عَاصِم عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَسِيَاقُهُ أَبْسَطُ مِنْ هَذَا كَمَا سَنَذْكُرُهُ , وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا عَنْ اِبْن عَبَّاس فَهُوَ الْمَقْصُود بِالْأَصَالَةِ فَلَا يَضُرُّ الْإِرْسَالُ فِي قِصَّة عُمَر فَإِنَّهَا مَذْكُورَةٌ عَلَى طَرِيق التَّبَعِ أَنْ لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا مُرْسَلَةٌ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي تِسْعٍ يَمْضِينَ أَوْ فِي سَبْع يَبْقَيْنَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَقْدِيمِ السِّينِ فِي الثَّانِي وَتَأْخِيرهَا فِي الْأَوَّل وَبِلَفْظِ الْمُضِيِّ فِي الْأَوَّل وَالْبَقَاء فِي الثَّانِي , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ بِلَفْظِ الْمُضِيِّ فِيهِمَا , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ بِتَقْدِيمِ السِّينِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَقَدْ اُعْتُرِضَ عَلَى تَخْرِيجِهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَجْه آخَر فَإِنَّ الْمَرْفُوع مِنْهُ قَدْ رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق مَوْقُوفًا فَرَوَى عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ وَعَاصِم أَنَّهُمَا سَمِعَا عِكْرِمَة يَقُول \" قَالَ اِبْن عَبَّاس : دَعَا عُمَر أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ لَيْلَة الْقَدْر , فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا الْعَشْر الْأَوَاخِر , قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَقُلْت لِعُمَر إِنِّي لَأَعْلَمُ - أَوْ أَظُنُّ - أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ , قَالَ عُمَر : أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ ؟ فَقُلْت : سَابِعَةٌ تَمْضِي أَوْ سَابِعَة تَبْقَى مِنْ الْعَشْر الْأَوَاخِر , فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ عَلِمْت ذَلِكَ ؟ قُلْت خَلَقَ اللَّه سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَسَبْع أَرْضِينَ وَسَبْعَة أَيَّام وَالدَّهْر يَدُور فِي سَبْع وَالْإِنْسَان خُلِقَ مِنْ سَبْع وَيَأْكُل مِنْ سَبْع وَيَسْجُدُ عَلَى سَبْع وَالطَّوَاف وَالْجِمَار وَأَشْيَاء ذَكَرَهَا , فَقَالَ عُمَر : لَقَدْ فَطِنْت لِأَمْرٍ مَا فَطِنَّا لَهُ \" فَعَلَى هَذَا فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي رَفْعِ هَذِهِ الْجُمْلَة وَوَقْفِهَا فَرَجَحَ عِنْد الْبُخَارِيّ الْمَرْفُوعُ فَأَخْرَجَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ الْمَوْقُوف , وَلِلْمَوْقُوفِ عَنْ عُمَر طَرِيق أُخْرَى أَخْرَجَهَا إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَاصِم بْن كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاسٍ وَأَوَّلُهُ \" أَنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَعَا الْأَشْيَاخَ مِنْ الصَّحَابَةِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاس : لَا تَتَكَلَّمْ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا , فَقَالَ ذَاتَ يَوْم : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اِلْتَمِسُوا لَيْله الْقَدْر فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر وِتْرًا , أَيُّ الْوِتْرِ هِيَ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ تَاسِعَةٌ سَابِعَةٌ خَامِسَةٌ ثَالِثَةٌ , فَقَالَ لِي : مَا لَك لَا تَتَكَلَّم يَا اِبْن عَبَّاس ؟ قُلْت : أَتَكَلَّم بِرَأْيِي : قَالَ : عَنْ رَأْيك أَسْأَلُك , قُلْت \" فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَفِي آخِرِهِ \" فَقَالَ عُمَر أَعْجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ هَذَا الْغُلَامِ الَّذِي مَا اِسْتَوَتْ شُؤُونُ رَأْسِهِ \" , وَرَوَاهُ مُحَمَّد بْن نَصْر فِي \" قِيَام اللَّيْل \" مِنْ هَذَا الْوَجْه وَزَادَ فِيهِ : وَأَنَّ اللَّه جَعَلَ النَّسَبَ فِي سَبْعٍ وَالصِّهْرَ فِي سَبْعٍ , ثُمَّ تَلَا ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) , وَفِي رِوَايَة الْحَاكِمِ \" إِنِّي لَأَرَى الْقَوْلَ كَمَا قُلْتَ \".. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ خَالِد عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : اِلْتَمِسُوا فِي أَرْبَع وَعِشْرِينَ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب عَنْ خَالِد أَيْضًا , لَكِنْ جَزَمَ الْمِزِّيُّ بِأَنَّ طَرِيق خَالِد هَذِهِ مُعَلَّقَة , وَاَلَّذِي أَظُنّ أَنَّهَا مَوْصُولَة بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّل وَإِنَّمَا حَذَفَهَا أَصْحَاب الْمُسْنَدَات لِكَوْنِهَا مَوْقُوفَةً , وَقَدْ رَوَى أَحْمَد مِنْ طَرِيق سِمَاكِ بْن حَرْب عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" أُتِيت وَأَنَا نَائِم فَقِيلَ لِي اللَّيْلَة لَيْلَة الْقَدْر , فَقُمْت وَأَنَا نَاعِس فَتَعَلَّقْت بِبَعْضِ أَطْنَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ يُصَلِّي , قَالَ فَنَظَرْت فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَإِذَا هِيَ لَيْلَة أَرْبَع وَعِشْرِينَ \" وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ هَذَا مَعَ قَوْله فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى إِنَّهَا فِي وِتْر , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْجَمْع مُمْكِن بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ أَنْ يَحْصُل مَا وَرَدَ مِمَّا ظَاهِره الشَّفْع أَنْ يَكُون بِاعْتِبَارِ الِابْتِدَاء بِالْعَدَدِ مِنْ آخِر الشَّهْر فَتَكُون لَيْلَة الرَّابِع وَالْعِشْرِينَ هِيَ السَّابِعَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مُرَاد اِبْن عَبَّاس بِقَوْلِهِ فِي أَرْبَع وَعِشْرِينَ أَيْ أَوَّل مَا يُرْجَى مِنْ السَّبْع الْبَوَاقِي فَيُوَافِق مَا تَقَدَّمَ مِنْ اِلْتِمَاسهَا فِي السَّبْع الْبَوَاقِي , وَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّ قَوْله \" تَاسِعَة تَبْقَى \" يَلْزَم مِنْهُ أَنْ تَكُون لَيْلَة اِثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ إِنْ كَانَ الشَّهْر ثَلَاثِينَ وَلَا تَكُون لَيْلَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ إِلَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّهْر تِسْعًا وَعِشْرِينَ , وَمَا اِدَّعَاهُ مِنْ الْحَصْر مَرْدُود لِأَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" تَبَقَّى \" هَلْ هُوَ تَبَقَّى بِاللَّيْلَةِ الْمَذْكُورَة أَوْ خَارِجًا عَنْهَا فَبَنَاهُ عَلَى الْأَوَّل , وَيَجُوز بِنَاؤُهُ عَلَى الثَّانِي فَيَكُون عَلَى عَكْسِ مَا ذُكِرَ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ فِي التَّعْبِير بِذَلِكَ الْإِشَارَةَ إِلَى الِاحْتِمَالَيْنِ , فَإِنْ كَانَ الشَّهْر مَثَلًا ثَلَاثِينَ فَالتِّسْع مَعْنَاهَا غَيْر اللَّيْلَة , وَإِنْ كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَالتِّسْع بِانْضِمَامِهِمَا وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي لَيْلَة الْقَدْر اِخْتِلَافًا كَثِيرًا. وَتَحَصَّلَ لَنَا مِنْ مَذَاهِبهمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَر مِنْ أَرْبَعِينَ قَوْلًا كَمَا وَقَعَ لَنَا نَظِير ذَلِكَ فِي سَاعَة الْجُمْعَة , وَقَدْ اِشْتَرَكَتَا فِي إِخْفَاء كُلّ مِنْهُمَا لِيَقَع الْجِدُّ فِي طَلَبهمَا : الْقَوْل الْأَوَّل أَنَّهَا رُفِعَتْ أَصْلًا وَرَأْسًا حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّة عَنْ الرَّوَافِض وَالْفَاكِهَانِيّ فِي شَرْح الْعُمْدَة عَنْ الْحَنَفِيَّة وَكَأَنَّهُ خَطَأ مِنْهُ. وَاَلَّذِي حَكَاهُ السُّرُوجِيّ أَنَّهُ قَوْل الشِّيعَة , وَقَدْ رَوَى عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق دَاوُد بْن أَبِي عَاصِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَحْنَس \" قُلْت لِأَبِي هُرَيْرَة : زَعَمُوا أَنَّ لَيْلَة الْقَدْر رُفِعَتْ , قَالَ : كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ \" وَمِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَرِيك قَالَ : ذَكَرَ الْحَجَّاج لَيْلَة الْقَدْر فَكَأَنَّهُ أَنْكَرَهَا , فَأَرَادَ زَرّ بْن حُبَيْشٍ أَنْ يُحَصِّبَهُ فَمَنَعَهُ قَوْمه. الثَّانِي أَنَّهَا خَاصَّة بِسَنَةٍ وَاحِدَة وَقَعَتْ فِي زَمَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَاهُ الْفَاكِهَانِيّ أَيْضًا. الثَّالِث أَنَّهَا خَاصَّة بِهَذِهِ الْأُمَّة وَلَمْ تَكُنْ فِي الْأُمَم قَبْلهمْ , جَزَمَ بِهِ اِبْن حَبِيب وَغَيْره مِنْ الْمَالِكِيَّة وَنَقَلَهُ عَنْ الْجُمْهُور وَحَكَاهُ صَاحِب \" الْعِدَّة \" مِنْ الشَّافِعِيَّة وَرَجَّحَهُ , وَهُوَ مُعْتَرَضٌ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرّ عِنْد النَّسَائِيّ حَيْثُ قَالَ فِيهِ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَتَكُونُ مَعَ الْأَنْبِيَاء فَإِذَا مَاتُوا رُفِعَتْ ؟ قَالَ : لَا بَلْ هِيَ بَاقِيَة \" وَعُمْدَتُهُمْ قَوْل مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" بَلَغَنِي أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقَاصَرَ أَعْمَار أُمَّته عَنْ أَعْمَار الْأُمَم الْمَاضِيَة فَأَعْطَاهُ اللَّه لَيْلَة الْقَدْر , وَهَذَا يَحْتَمِل التَّأْوِيل فَلَا يَدْفَع التَّصْرِيح فِي حَدِيث أَبِي ذَرٍّ. الرَّابِع أَنَّهَا مُمْكِنَةٌ فِي جَمِيع السَّنَة , وَهُوَ قَوْل مَشْهُور عَنْ الْحَنَفِيَّة حَكَاهُ قَاضِي خَانْ وَأَبُو بَكْر الرَّازِيُّ مِنْهُمْ , وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَغَيْرهمْ , وَزَيَّفَ الْمُهَلَّبُ هَذَا الْقَوْل وَقَالَ : لَعَلَّ صَاحِبه بَنَاهُ عَلَى دَوَرَانِ الزَّمَان لِنُقْصَانِ الْأَهِلَّة , وَهُوَ فَاسِد لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي صِيَام رَمَضَان فَلَا يُعْتَبَرُ فِي غَيْره حَتَّى تُنْقَلَ لَيْلَة الْقَدْر عَنْ رَمَضَان ا ه. وَمَأْخَذ اِبْن مَسْعُود كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاس. الْخَامِس أَنَّهَا مُخْتَصَّة بِرَمَضَان مُمْكِنَةٌ فِي جَمِيع لَيَالِيه , وَهُوَ قَوْل اِبْن عُمَر رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ , وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد , وَفِي \" شَرْح الْهِدَايَة \" الْجَزْم بِهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَة وَقَالَ بِهِ اِبْن الْمُنْذِر وَالْمَحَامِلِيُّ وَبَعْض الشَّافِعِيَّة وَرَجَّحَهُ السُّبْكِيّ فِي \" شَرْح الْمِنْهَاج \" وَحَكَاهُ اِبْن الْحَاجِب رِوَايَةً , وَقَالَ السُّرُوجِيّ فِي \" شَرْح الْهِدَايَة \" قَوْل أَبِي حَنِيفَة إِنَّهَا تَنْتَقِل فِي جَمِيع رَمَضَان وَقَالَ صَاحِبَاهُ إِنَّهَا فِي لَيْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْهُ مُبْهَمَةٍ , وَكَذَا قَالَ النَّسَفِيّ فِي \" الْمَنْظُومَة \" : ‏ ‏وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ بِكُلِّ الشَّهْرِ ‏ ‏دَائِرَةٌ وَعَيَّنَاهَا فَادْرِ ا ه ‏ ‏وَهَذَا الْقَوْل حَكَاهُ اِبْن الْعَرَبِيّ عَنْ قَوْم وَهُوَ السَّادِس. السَّابِع أَنَّهَا أَوَّل لَيْلَة مِنْ رَمَضَان حَكَى عَنْ أَبِي رَزِين الْعُقَيْلِيّ الصَّحَابِيّ , وَرَوَى اِبْن أَبِي عَاصِم مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ : لَيْلَة الْقَدْر أَوَّل لَيْلَة مِنْ رَمَضَان , قَالَ اِبْن أَبِي عَاصِم لَا نَعْلَم أَحَدًا قَالَ ذَلِكَ غَيْره. الثَّامِن أَنَّهَا لَيْلَة النِّصْف مِنْ رَمَضَان حَكَاهُ شَيْخنَا سِرَاج الدِّين اِبْن الْمُلَقِّن فِي \" شَرْح الْعُمْدَة \" وَاَلَّذِي رَأَيْت فِي \" الْمُفْهِم \" لِلْقُرْطُبِيِّ حِكَايَة قَوْل أَنَّهَا لَيْلَة النِّصْف مِنْ شَعْبَان , وَكَذَا نَقَلَهُ السُّرُوجِيّ عَنْ صَاحِب \" الطِّرَاز \" فَإِنْ كَانَا مَحْفُوظَيْنِ فَهُوَ الْقَوْل التَّاسِع , ثُمَّ رَأَيْت فِي \" شَرْح السُّرُوجِيّ \" عَنْ \" الْمُحِيط \" أَنَّهَا فِي النِّصْف الْأَخِير. الْعَاشِر أَنَّهَا لَيْلَة سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَان , رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة وَالطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم قَالَ : مَا أَشُكّ وَلَا أَمْتُرِيَ أَنَّهَا لَيْلَة سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَان لَيْلَة أَنْزَلَ الْقُرْآن , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن مَسْعُود أَيْضًا. الْقَوْل الْحَادِي عَشَرَ أَنَّهَا مُبْهَمَة فِي الْعَشْر الْأَوْسَط حَكَاهُ النَّوَوِيّ وَعَزَاهُ الطَّبَرِيّ لِعُثْمَان بْن أَبِي الْعَاصِ وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَقَالَ بِهِ بَعْض الشَّافِعِيَّة. الْقَوْل الثَّانِي عَشَر أَنَّهَا لَيْلَة ثَمَان عَشْرَة قَرَأْتُهُ بِخَطِّ الْقُطْب الْحَلَبِيّ فِي شَرْحهُ وَذَكَرَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي مُشْكِله. الْقَوْل الثَّالِثَ عَشَرَ أَنَّهَا لَيْلَة تِسْعَ عَشْرَةَ رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ عَلِيّ , وَعَزَاهُ الطَّبَرِيّ لِزَيْدِ بْن ثَابِت وَابْن مَسْعُود , وَوَصَلَهُ الطَّحَاوِيّ عَنْ اِبْن مَسْعُود. الْقَوْل الرَّابِعَ عَشَرَ أَنَّهَا أَوَّل لَيْلَة مِنْ الْعَشْر الْأَخِير وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّافِعِيّ وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَة مِنْ الشَّافِعِيَّة , وَلَكِنْ قَالَ السُّبْكِيّ إِنَّهُ لَيْسَ مَجْزُومًا بِهِ عِنْدهمْ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَدَم حِنْث مَنْ عَلَّقَ يَوْم الْعِشْرِينَ عِتْقَ عَبْدِهِ فِي لَيْلَة الْقَدْر أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ تِلْكَ اللَّيْلَة بَلْ بِانْقِضَاءِ الشَّهْر عَلَى الصَّحِيح بِنَاء عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْر الْأَخِير وَقِيلَ بِانْقِضَاءِ السَّنَة بِنَاء عَلَى أَنَّهَا لَا تَخْتَصّ بِالْعَشْرِ الْأَخِير بَلْ هِيَ فِي رَمَضَان. الْقَوْل الْخَامِسَ عَشَرَ مِثْل الَّذِي قَبْله إِلَّا أَنَّهُ إِنْ كَانَ الشَّهْر تَامًّا فَهِيَ لَيْلَة الْعِشْرِين وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا فَهِيَ لَيْلَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهَكَذَا فِي جَمِيع الشَّهْر وَهُوَ قَوْل اِبْن حَزْمٍ وَزَعَمَ أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْن الْإِخْبَار بِذَلِكَ , وَيَدُلّ لَهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَد وَالطَّحَاوِيّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ قَالَ \" سَمِعَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : اِلْتَمِسُوهَا اللَّيْلَة , قَالَ وَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَة لَيْلَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ , فَقَالَ رَجُل : هَذِهِ أَوْلَى بِثَمَانٍ بَقِينَ , قَالَ بَلْ أَوْلَى بِسَبْعٍ بَقِينَ فَإِنَّ هَذَا الشَّهْر لَا يَتِمُّ. الْقَوْل السَّادِسَ عَشَرَ أَنَّهَا لَيْلَة اِثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ وَسَيَأْتِي حِكَايَته بَعْدُ , وَرَوَى أَحْمَد مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه اِبْن أُنَيْسٍ أَنَّهُ \" سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَة الْقَدْر وَذَلِك صَبِيحَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ فَقَالَ : كَمْ اللَّيْلَة ؟ قُلْت : لَيْلَة اِثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ , فَقَالَ : هِيَ اللَّيْلَة أَوْ الْقَابِلَة \". الْقَوْل السَّابِعَ عَشَرَ أَنَّهَا لَيْلَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ مَرْفُوعًا \" أُرِيت لَيْلَةَ الْقَدْر ثُمَّ نُسِّيتُهَا \" فَذَكَرَ مِثْل حَدِيث أَبِي سَعِيد لَكِنَّهُ قَالَ فِيهِ \" لَيْلَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ بَدَلَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ \" وَعَنْهُ قَالَ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنْ لِي بَادِيَة أَكُون فِيهَا , فَمُرْنِي بِلَيْلَةِ الْقَدْر , قَالَ : اِنْزِلْ لَيْلَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ \" وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ مُعَاوِيَة قَالَ \" لَيْلَة الْقَدْر لَيْلَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ \" وَرَوَاهُ إِسْحَاق فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق أَبِي حَازِم عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ لَهُ صُحْبَة مَرْفُوعًا , وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا \" مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَة سَابِعَة \" وَكَانَ أَيُّوب يَغْتَسِل لَيْلَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ وَيَمَسّ الطِّيبَ , وَعَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ عُبَيْدِ اللَّه اِبْن أَبِي يَزِيد عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّهُ كَانَ يُوقِظ أَهْله لَيْلَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ , وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق يُونُس اِبْن سَيْف سَمِعَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب يَقُول : اِسْتَقَامَ قَوْل الْقَوْم عَلَى أَنَّهَا لَيْلَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ , وَمِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة , وَعَنْ طَرِيق مَكْحُول أَنَّهُ كَانَ يَرَاهَا لَيْلَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ. الْقَوْل الثَّامِنَ عَشَرَ أَنَّهَا لَيْلَة أَرْبَع وَعِشْرِينَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا الْبَاب , وَرَوَى الطَّيَالِسِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد مَرْفُوعًا \" لَيْلَة الْقَدْر لَيْلَة أَرْبَع وَعِشْرِينَ \" وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَلِلشَّعْبِيِّ وَالْحَسَن وَقَتَادَة , وَحُجَّتُهُمْ حَدِيث وَاثِلَة أَنَّ الْقُرْآن نَزَلَ لِأَرْبَعِ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَان , وَرَوَى أَحْمَد مِنْ طَرِيق اِبْن لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيد اِبْن أَبِي الْخَيْر الصُّنَابِحِيّ عَنْ بِلَال مَرْفُوعًا \" اِلْتَمِسُوا لَيْلَة الْقَدْر لَيْلَة أَرْبَع وَعِشْرِينَ \" وَقَدْ أَخْطَأَ اِبْن لَهِيعَةَ فِي رَفْعِهِ فَقَدْ رَوَاهُ عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ يَزِيد بِهَذَا الْإِسْنَاد مَوْقُوفًا بِغَيْرِ لَفْظه كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي بِلَفْظِ \" لَيْلَة الْقَدْر أَوَّل السَّبْع مِنْ الْعَشْر الْأَوَاخِر \". الْقَوْل التَّاسِعَ عَشَرَ أَنَّهَا لَيْلَة خَمْس وَعِشْرِينَ حَكَاهُ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي \" الْعَارِضَة \" وَعَزَاهُ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي \" الْمُشْكِل \" لِأَبِي بَكْرَة. الْقَوْل الْعِشْرُونَ أَنَّهَا لَيْلَة سِتّ وَعِشْرِينَ وَهُوَ قَوْل لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا إِلَّا أَنَّ عِيَاضًا قَالَ : مَا مِنْ لَيْلَة مِنْ لَيَالِي الْعَشْر الْأَخِير إِلَّا وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا فِيهِ. الْقَوْل الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ أَنَّهَا لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ وَهُوَ الْجَادَّة مِنْ مَذْهَب أَحْمَد وَرِوَايَة عَنْ أَبِي حَنِيفَة وَبِهِ جَزَمَ أُبَيُّ بْن كَعْب وَحَلَفَ عَلَيْهِ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَرَوَى مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" تَذَاكَرْنَا لَيْلَة الْقَدْر فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيّكُمْ يَذْكُر حِين طَلَعَ الْقَمَر كَأَنَّهُ شِقّ جَفْنَة ؟ قَالَ أَبُو الْحَسَن الْفَارِسِيّ : أَيْ لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ فَإِنَّ الْقَمَر يَطْلُع فِيهَا بِتِلْك الصِّفَة. وَرَوَى الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَة الْقَدْر فَقَالَ : أَيّكُمْ يَذْكُر لَيْلَة الصَّهْبَاوَات ؟ قُلْت : أَنَا , وَذَلِك لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ \" وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عُمَر وَحُذَيْفَة وَنَاس مِنْ الصَّحَابَة , وَفِي الْبَاب عَنْ اِبْن عُمَر عِنْد مُسْلِم \" رَأَى رَجُل لَيْلَة الْقَدْر لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيثه مَرْفُوعًا \" لَيْلَة الْقَدْر لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ \" وَلِابْنِ الْمُنْذِر \" مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ \" وَعَنْ جَابِر بْن سَمُرَةَ نَحْوه أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أَوْسَطه , وَعَنْ مُعَاوِيَة نَحْوه أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَحَكَاهُ صَاحِب \" الْحِلْيَة \" مِنْ الشَّافِعِيَّة عَنْ أَكْثَر الْعُلَمَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ اِسْتِنْبَاط اِبْن عَبَّاس عِنْد عُمَر فِيهِ وَمُوَافَقَته لَهُ , وَزَعَمَ اِبْن قُدَامَةَ أَنَّ اِبْن عَبَّاس اِسْتَنْبَطَ ذَلِكَ مِنْ عَدَد كَلِمَات السُّورَة وَقَدْ وَافَقَ قَوْله فِيهَا هِيَ سَابِع كَلِمَة بَعْد الْعِشْرِينَ , وَهَذَا نَقَلَهُ اِبْن حَزْم عَنْ بَعْض الْمَالِكِيَّة وَبَالَغَ فِي إِنْكَاره نَقَلَهُ اِبْن عَطِيَّة فِي تَفْسِيره وَقَالَ : إِنَّهُ مِنْ مُلَحِ التَّفَاسِير وَلَيْسَ مِنْ مَتِين الْعِلْم. وَاسْتَنْبَطَ بَعْضهمْ ذَلِكَ فِي جِهَة أُخْرَى فَقَالَ : لَيْلَة الْقَدْر تِسْعَة أَحْرُف وَقَدْ أُعِيدَتْ فِي السُّورَة ثَلَاث مَرَّات فَذَلِك سَبْع وَعِشْرُونَ. وَقَالَ صَاحِب الْكَافِي مِنْ الْحَنَفِيَّة وَكَذَا الْمُحِيط : مَنْ قَالَ لِزَوْجَته أَنْتِ طَالِق لَيْلَة الْقَدْر طَلُقَتْ لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ لِأَنَّ الْعَامَّة تَعْتَقِد أَنَّهَا لَيْلَة الْقَدْر. الْقَوْل الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ أَنَّهَا لَيْلَة ثَمَان وَعِشْرِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهه قَبْلُ بِقَوْلٍ. الْقَوْل الثَّالِث وَالْعِشْرُونَ أَنَّهَا لَيْلَة تِسْع وَعِشْرِينَ حَكَاهُ اِبْن الْعَرَبِيّ. الْقَوْل الرَّابِع وَالْعِشْرُونَ أَنَّهَا لَيْلَة ثَلَاثِينَ حَكَاهُ عِيَاض وَالسُّرُوجِيّ فِي شَرْح الْهِدَايَة وَرَوَاهُ مُحَمَّد بْن نَصْر وَالطَّبَرِيّ عَنْ مُعَاوِيَة وَأَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي سَلِمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. الْقَوْل الْخَامِس وَالْعِشْرُونَ أَنَّهَا فِي أَوْتَار الْعَشْر الْأَخِير وَعَلَيْهِ يَدُلّ حَدِيث عَائِشَة وَغَيْرهَا فِي هَذَا الْبَاب , وَهُوَ أَرْجَح الْأَقْوَال وَصَارَ إِلَيْهِ أَبُو ثَوْر وَالْمُزَنِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَجَمَاعَة مِنْ عُلَمَاء الْمَذَاهِب. الْقَوْل السَّادِس وَالْعِشْرُونَ مِثْله بِزِيَادَةِ اللَّيْلَة الْأَخِيرَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرَة وَأَحْمَد مِنْ حَدِيث عُبَادَة بْن الصَّامِت. الْقَوْل السَّادِس وَالْعِشْرُونَ تَنْتَقِل فِي الْعَشْر الْأَخِير كُلّه قَالَهُ أَبُو قِلَابَة وَنَصَّ عَلَيْهِ مَالِك وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَزَعَمَ الْمَاوَرْدِيّ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ; وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ الصَّحَابَة اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْر الْأَخِير ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِهَا مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ , وَيُؤَيِّد كَوْنَهَا فِي الْعَشْر الْأَخِير حَدِيث أَبِي سَعِيد الصَّحِيح أَنَّ جِبْرِيل قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اِعْتَكَفَ الْعَشْر الْأَوْسَط \" إِنَّ الَّذِي طَلَبَ أَمَامَكَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُه قَرِيبًا , وَتَقَدَّمَ ذِكْر اِعْتِكَافه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَشْر الْأَخِير فِي طَلَب لَيْلَة الْقَدْر وَاعْتِكَاف أَزْوَاجه بَعْده وَالِاجْتِهَاد فِيهِ كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ فِيهِ مُحْتَمَلَة عَلَى حَدّ سَوَاء نَقَلَهُ الرَّافِعِيّ عَنْ مَالِك وَضَعَّفَهُ اِبْن الْحَاجِب , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بَعْض لَيَالِيه أَرْجَى مِنْ بَعْض فَقَالَ الشَّافِعِيّ : أَرْجَاهُ لَيْلَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهُوَ الْقَوْل الثَّامِن وَالْعِشْرُونَ , وَقِيلَ أَرَاهُ لَيْلَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ وَهُوَ الْقَوْل التَّاسِع وَالْعِشْرُونَ , وَقِيلَ أَرْجَاهُ لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ وَهُوَ الْقَوْل الثَّلَاثُونَ , الْقَوْل الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهَا تَنْتَقِل فِي السَّبْع الْأَوَاخِر , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْمُرَاد مِنْهُ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر : هَلْ الْمُرَاد لَيَالِي السَّبْع مِنْ آخَر الشَّهْر أَوْ آخَر سَبْعَة تُعَدُّ مِنْ الشَّهْر ؟ وَيَخْرُج مِنْ ذَلِكَ الْقَوْل الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ. الْقَوْل الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهَا تَنْتَقِل فِي النِّصْف الْأَخِير ذَكَرَهُ صَاحِب الْمُحِيط عَنْ أَبِي يُوسُف وَمُحَمَّد , وَحَكَاهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَنْ صَاحِب التَّقْرِيب. الْقَوْل الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهَا لَيْلَة سِتّ عَشْرَة أَوْ سَبْع عَشْرَة رَوَاهُ الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر. الْقَوْل الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهَا لَيْلَة سَبْع عَشْرَة أَوْ تِسْع عَشْرَة أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ حَدِيث أَنَس بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. الْقَوْل السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهَا فِي أَوَّل لَيْلَة مِنْ رَمَضَان أَوْ آخَر لَيْلَة رَوَاهُ اِبْن أَبِي عَاصِم مِنْ حَدِيث أَنَس بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. الْقَوْل السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهَا أَوَّل لَيْلَة أَوْ تَاسِع لَيْلَة أَوْ سَابِع عَشْرَة أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ آخِر لَيْلَة رَوَاهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيره عَنْ أَنَس بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. الْقَوْل الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهَا لَيْلَة تِسْع عَشْرَة أَوْ إِحْدَى عَشْرَة أَوْ ثَلَاث وَعِشْرِينَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَقَال , وَعَبْد الرَّزَّاق مِنْ حَدِيث عَلِيّ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِع , وَسَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ حَدِيث عَائِشَة بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ أَيْضًا. الْقَوْل التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ لَيْلَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ أَوْ سَبْع وَعِشْرِينَ وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْبَاب حَيْثُ قَالَ \" سَبْع يَبْقَيْنَ أَوْ سَبْع يَمْضِينَ \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث النُّعْمَان اِبْن بَشِير \" سَابِعه تَمْضِي أَوْ سَابِعَة تَبْقَى \" قَالَ النُّعْمَان : فَنَحْنُ نَقُول لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ لَيْلَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ. الْقَوْل الْأَرْبَعُونَ لَيْلَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاث وَعِشْرِينَ أَوْ خَمْس وَعِشْرِينَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده مِنْ حَدِيث عُبَادَة بْن الصَّامِت , وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثه بِلَفْظِ \" تَاسِعَة تَبْقَى سَابِعَة تَبْقَى خَامِسَة تَبْقَى \" قَالَ مَالِك فِي \" الْمُدَوَّنَة \" قَوْله تَاسِعَة تَبْقَى لَيْلَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ إِلَخْ. الْقَوْل الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ أَنَّهَا مُنْحَصِرَة فِي السَّبْع الْأَوَاخِر مِنْ رَمَضَان لِحَدِيثِ اِبْن عُمَر فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. الْقَوْل الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ أَنَّهَا لَيْلَة اِثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاث وَعِشْرِينَ لِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ عِنْد أَحْمَد. الْقَوْل الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ أَنَّهَا فِي أَشِفَاع الْعَشْر الْوَسَط وَالْعَشْر الْأَخِير قَرَأْتُهُ بِخَطِّ مُغَلْطَاي. الْقَوْل الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ أَنَّهَا لَيْلَة الثَّالِثَة مِنْ الْعَشْر الْأَخِير أَوْ الْخَامِسَة مِنْهُ رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث مُعَاذ بْن جَبَل , وَالْفَرْق بَيْنه وَبَيْن مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الثَّالِثَة تَحْتَمِل لَيْلَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ وَتَحْتَمِل لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ فَتَنْحَلُّ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ أَوْ خَمْس وَعِشْرِينَ أَوْ سَبْع وَعِشْرِينَ وَبِهَذَا يَتَغَايَر هَذَا الْقَوْل مِمَّا مَضَى. الْقَوْل الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ أَنَّهَا فِي سَبْع أَوْ ثَمَان مِنْ أَوَّل النِّصْف الثَّانِي رَوَى الطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيق عَطِيَّة بْن عَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ \" سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَة الْقَدْر فَقَالَ : تَحَرَّهَا فِي النِّصْف الْأَخِير , ثُمَّ عَادَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : إِلَى ثَلَاث وَعِشْرِينَ , قَالَ : وَكَانَ عَبْد اللَّه يُحْيِي لَيْلَة سِتّ عَشْرَة إِلَى لَيْلَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ ثُمَّ يُقَصِّر \". الْقَوْل السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ أَنَّهَا فِي أَوَّل لَيْلَة أَوْ أَخَّرَ لَيْلَة أَوْ الْوِتْر مِنْ اللَّيْل أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي كِتَاب \" الْمَرَاسِيل \" عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِي خَلَدَة عَنْ أَبِي الْعَالِيَة \" أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ لَهُ : مَتَى لَيْلَة الْقَدْر ؟ فَقَالَ اُطْلُبُوهَا فِي أَوَّل لَيْلَة وَآخِر لَيْلَة وَالْوِتْر مِنْ اللَّيْل \" وَهَذَا مُرْسَل رِجَاله ثِقَات. وَجَمِيع هَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي حَكَيْنَاهَا بَعْد الثَّالِث فَهَلُمَّ جَرًّا مُتَّفِقَة عَلَى إِمْكَان حُصُولهَا وَالْحَثّ عَلَى اِلْتِمَاسهَا. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الصَّحِيح أَنَّهَا لَا تُعْلَمُ , وَهَذَا يَصْلُح أَنْ يَكُون قَوْلًا آخَر , وَأَنْكَرَ هَذَا الْقَوْلَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ : قَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث بِإِمْكَانِ الْعِلْم بِهَا وَأَخْبَرَ بِهِ جَمَاعَة مِنْ الصَّالِحِينَ فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِ ذَلِكَ. وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُف قَوْلًا جَوَّزَ فِيهِ أَنَّهُ يَرَى أَنَّهَا لَيْلَة أَرْبَع وَعِشْرِينَ أَوْ سَبْع وَعِشْرِينَ , فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ فَهُوَ قَوْل آخَر. هَذَا آخَر مَا وَقَفَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَقْوَال وَبَعْضهَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى بَعْض , وَإِنْ كَانَ ظَاهِرهَا التَّغَايُر , وَأَرْجَحهَا كُلّهَا أَنَّهَا فِي وِتْرٍ مِنْ الْعَشْر الْأَخِير وَأَنَّهَا تَنْتَقِل كَمَا يَفْهَم مِنْ أَحَادِيث هَذَا الْبَاب , وَأَرْجَاهَا أَوْتَار الْعَشْر , وَأَرْجَى أَوْتَار الْعَشْر عِنْد الشَّافِعِيَّة لَيْلَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاث وَعِشْرِينَ عَلَى مَا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد وَعَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ , وَأَرْجَاهَا عِنْد الْجُمْهُور لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَدِلَّة ذَلِكَ. قَالَ الْعُلَمَاء : الْحِكْمَة فِي إِخْفَاء لَيْلَة الْقَدْر لِيَحْصُل الِاجْتِهَاد فِي اِلْتِمَاسهَا , بِخِلَافِ مَا لَوْ عُيِّنَتْ لَهَا لَيْلَةٌ لَاقْتُصِرَ عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ نَحْوه فِي سَاعَة الْجُمُعَة , وَهَذِهِ الْحِكْمَة مُطَّرِدَة عِنْد مِنْ يَقُول إِنَّهَا فِي جَمِيع مِنْ السَّنَة وَفِي جَمِيع رَمَضَان أَوْ فِي جَمِيع الْعَشْر الْأَخِير أَوْ فِي أَوْتَاره خَاصَّة , إِلَّا أَنَّ الْأَوَّل ثُمَّ الثَّانِي أَلْيَقُ بِهِ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ لَهَا عَلَامَة تَظْهَر لِمَنْ وُفِّقَتْ لَهُ أَمْ لَا ؟ فَقِيلَ : يَرَى كُلّ شَيْء سَاجِدًا , وَقِيلَ الْأَنْوَار فِي كُلّ مَكَان سَاطِعَة حَتَّى فِي الْمَوَاضِع الْمُظْلِمَة , وَقِيلَ يَسْمَع سَلَامًا أَوْ خِطَابًا مِنْ الْمَلَائِكَة , وَقِيلَ عَلَامَتهَا اِسْتِجَابَة دُعَاء مَنْ وُفِّقَتْ لَهُ , وَاخْتَارَ الطَّبَرِيّ أَنَّ جَمِيع ذَلِكَ غَيْر لَازِم وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِحُصُولِهَا رُؤْيَةُ شَيْءٍ وَلَا سَمَاعُهُ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ يَحْصُل الثَّوَاب الْمُرَتَّب عَلَيْهَا لِمَنْ اِتَّفَقَ لَهُ أَنَّهُ قَامَهَا وَإِنْ لَمْ يَظْهَر لَهُ شَيْء , أَوْ يَتَوَقَّف ذَلِكَ عَلَى كَشْفِهَا لَهُ ؟ وَإِلَى الْأَوَّل ذَهَبَ الطَّبَرِيّ وَالْمُهَلَّبُ وَابْن الْعَرَبِيّ وَجَمَاعَة , وَإِلَى الثَّانِي ذَهَبَ الْأَكْثَر , وَيَدُلّ لَهُ مَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَنْ يَقُمْ لَيْلَة الْقَدْر فَيُوَافِقهَا \" وَفِي حَدِيث عُبَادَة عِنْد أَحْمَد \" مَنْ قَامَهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ثُمَّ وُفِّقَتْ لَهُ \" قَالَ النَّوَوِيّ مَعْنَى يُوَافِقهَا أَيْ يَعْلَم أَنَّهَا لَيْلَة الْقَدْر فَيُوَافِقهَا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد يُوَافِقهَا فِي نَفْس الْأَمْر وَإِنْ لَمْ يَعْلَم هُوَ ذَلِكَ. وَفِي حَدِيث زَرّ بْن حُبَيْش عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" مَنْ يَقُمْ الْحَوْل يُصِبْ لَيْلَة الْقَدْر \" وَهُوَ مُحْتَمَل لِلْقَوْلَيْنِ أَيْضًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ أَيْضًا فِي حَدِيث \" مَنْ قَامَ رَمَضَان \" وَفِي حَدِيث \" مَنْ قَامَ لَيْلَة الْقَدْر \" : مَعْنَاهُ مَنْ قَامَهُ وَلَوْ لَمْ يُوَافِق لَيْلَة الْقَدْر حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ , وَمَنْ قَامَ لَيْلَة الْقَدْر فَوَافَقَهَا حَصَلَ لَهُ , وَهُوَ جَارٍ عَلَى مَا اِخْتَارَهُ مِنْ تَفْسِير الْمُوَافَقَة بِالْعِلْمِ بِهَا , وَهُوَ الَّذِي يَتَرَجَّح فِي نَظَرِي , وَلَا أُنْكِرُ حُصُول الثَّوَاب الْجَزِيل لِمَنْ قَامَ لِابْتِغَاءِ لَيْلَة الْقَدْر وَإِنْ لَمْ يَعْلَم بِهَا وَلَوْ لَمْ تُوَفَّق لَهُ , وَإِنَّمَا الْكَلَام عَلَى حُصُول الثَّوَاب الْمُعَيَّنِ الْمَوْعُود بِهِ , وَفَرَّعُوا عَلَى الْقَوْل بِاشْتِرَاطِ الْعِلْم بِهَا أَنَّهُ يَخْتَصّ بِهَا شَخْص دُون شَخْص فَيُكْشَفُ لِوَاحِدِ وَلَا يُكْشَفُ لِآخَرَ وَلَوْ كَانَا مَعًا فِي بَيْت وَاحِد وَقَالَ الطَّبَرِيّ : فِي إِخْفَاء لَيْلَة الْقَدْر دَلِيل عَلَى كَذِبِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَظْهَر فِي تِلْكَ اللَّيْلَة لِلْعُيُونِ مَا لَا يَظْهَر فِي سَائِر السَّنَة , إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ حَقًّا لَمْ يَخَفْ عَلَى كُلّ مَنْ قَامَ لَيَالِي السَّنَة فَضْلًا عَنْ لَيَالِي رَمَضَان. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَة بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إِطْلَاق الْقَوْل بِالتَّكْذِيبِ لِذَلِك بَلْ يَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْكَرَامَة لِمَنْ شَاءَ اللَّه مِنْ عِبَاده فَيَخْتَصّ بِهَا قَوْم دُون قَوْم , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْصُرْ الْعَلَّامَة وَلَمْ يَنْفِ الْكَرَامَة , وَقَدْ كَانَتْ الْعَلَامَة فِي السَّنَة الَّتِي حَكَاهَا أَبُو سَعِيد نُزُول الْمَطَر , وَنَحْنُ نَرَى كَثِيرًا مِنْ السِّنِينَ يَنْقَضِي رَمَضَان دُون مَطَر مَعَ اِعْتِقَادنَا أَنَّهُ لَا يَخْلُو رَمَضَان مِنْ لَيْلَة الْقَدْر , قَالَ : وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا نَعْتَقِد أَنَّ لَيْلَة الْقَدْر لَا يَنَالهَا إِلَّا مَنْ رَأَى الْخَوَارِق , بَلْ فَضْل اللَّه وَاسِع وَرُبَّ قَائِمٍ تِلْكَ اللَّيْلَة لَمْ يَحْصُل مِنْهَا إِلَّا عَلَى الْعِبَادَة مِنْ غَيْر رُؤْيَة خَارِق , وَآخَرَ رَأَى الْخَارِق مِنْ غَيْر عِبَادَة , وَاَلَّذِي حَصَلَ عَلَى الْعِبَادَة أَفْضَل , وَالْعِبْرَة إِنَّمَا هِيَ بِالِاسْتِقَامَةِ فَإِنَّهَا تَسْحِيل أَنْ تَكُون إِلَّا كَرَامَة , بِخِلَافِ الْخَارِق فَقَدْ يَقَع كَرَامَة وَقَدْ يَقَع فِتْنَة وَاَللَّه أَعْلَم , وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث رَدَّ لِقَوْلِ أَبِي الْحَسَن الْحَوْلِيّ الْمَغْرِبِيّ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ لَيْلَة الْقَدْر فَلَمْ تَفُتْهُ طُول عُمُرِهِ وَأَنَّهَا تَكُون دَائِمًا لَيْلَة الْأَحَد , فَإِنْ كَانَ أَوَّل الشَّهْر لَيْلَة الْأَحَد كَانَتْ لَيْلَة تِسْع وَعِشْرِينَ وَهَلُمَّ جَرًّا , وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُون فِي لَيْلَتَيْنِ مِنْ الْعَشْر الْوَسَط لِضَرُورَةِ أَنَّ أَوْتَار الْعَشْر خَمْسَة. وَعَارَضَهُ بَعْض مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ فَقَالَ إِنَّهَا تَكُون دَائِمًا لَيْلَة الْجُمُعَة وَذَكَرَ نَحْو قَوْل أَبِي الْحَسَن , وَكِلَاهُمَا لَا أَصْلَ لَهُ , بَلْ هُوَ مُخَالِف لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَة فِي عَهْد عُمَر كَمَا تَقَدَّمَ , وَهَذَا كَافٍ فِي الرَّدّ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَتْ هُنَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ زِيَادَة سَأَذْكُرُهَا فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا بَعْدَ بَابٍ آخَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1883",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ‏ ‏فَتَلَاحَى ‏ ‏رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ ‏ ‏خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَسٍ عَنْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس , وَرَوَاهُ مَالِكٌ فَقَالَ \" عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا \" وَلَمْ يَقُلْ \" عَنْ عُبَادَةَ \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُ عُبَادَةَ وَأَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ مُسْنَدِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَلَاحِي ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا مُلَاحَاةٌ , وَهِيَ الْمُخَاصَمَةُ وَالْمُنَازَعَةُ وَالْمُشَاتَمَةُ , وَالِاسْم اللِّحَاء بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ , وَفِي رِوَايَة أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيد عِنْد مُسْلِم \" فَجَاءَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ مَعَهُمَا الشَّيْطَان \" وَنَحْوه فِي حَدِيث الْقِلَّتَانِ عِنْد اِبْن إِسْحَاق وَزَادَ أَنَّهُ لَقِيَهُمَا عِنْد سُدَّة الْمَسْجِد فَحَجَزَ بَيْنهمَا , فَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى سَبَب النِّسْيَان. وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" أُرِيت لَيْلَةَ الْقَدْر , ثُمَّ أَيْقَظَنِي بَعْض أَهْلِي فَنَسِيتهَا \" وَهَذَا سَبَبٌ آخَرُ , فَإِمَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى التَّعَدُّدِ بِأَنْ تَكُون الرُّؤْيَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَنَامًا فَيَكُون سَبَبُ النِّسْيَان الْإِيقَاظُ , وَأَنْ تَكُون الرُّؤْيَةُ فِي حَدِيث غَيْره فِي الْيَقِظَة فَيَكُون سَبَبُ النِّسْيَانِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُخَاصَمَة , أَوْ يُحْمَل عَلَى اِتِّحَادِ الْقِصَّةِ وَيَكُون النِّسْيَانُ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ عَنْ سَبَبَيْنِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى أَيْقَظَنِي بَعْض أَهْلِي فَسَمِعْت تَلَاحِيَ الرَّجُلَيْنِ فَقُمْت لِأَحْجِزَ بَيْنَهُمَا فَنَسِيتهَا لِلِاشْتِغَالِ بِهِمَا , وَقَدْ رَوَى عَبْد الرَّزَّاق مِنْ مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ؟ قَالُوا : بَلَى. فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ قُلْت لَكُمْ وَأَنَا أَعْلَمُهَا ثُمَّ أُنْسِيتهَا \" فَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ النِّسْيَانِ , وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي الْحَمْلَ عَلَى التَّعَدُّدِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَجُلَانِ ) ‏ ‏قِيلَ هُمَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي حَدْرَد وَكَعْب بْن مَالِكٍ ذَكَرَهُ اِبْن دِحْيَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُسْتَنَدًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ) ‏ ‏أَيْ بِتَعْيِينِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَرُفِعَتْ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ قَلْبِي , فَنَسِيت تَعْيِينَهَا لِلِاشْتِغَالِ بِالْمُتَخَاصِمَيْنِ , وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَرُفِعَتْ بَرَكَتُهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ , وَقِيلَ التَّاءُ فِي رُفِعَتْ لِلْمَلَائِكَةِ لَا لِلَّيْلَةِ , وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَالَ بَعْضهمْ رُفِعَتْ أَيْ مَعْرِفَتُهَا , وَالْحَامِل لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ رَفْعَهَا مَسْبُوقٌ بِوُقُوعِهَا فَإِذَا وَقَعَتْ لَمْ يَكُنْ لِرَفْعِهَا مَعْنًى , قَالَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَال الْمُرَادُ بِرَفْعِهَا أَنَّهَا شُرِعَتْ أَنْ تَقَع فَلَمَّا تَخَاصَمَا رُفِعَتْ بَعْدُ , فَنُزِّلَ الشُّرُوعُ مَنْزِلَةَ الْوُقُوعِ , وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الَّذِي اِرْتَفَعَ عِلْمُ تَعْيِينِهَا تِلْكَ السَّنَةَ فَهَلْ أُعْلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد ذَلِكَ بِتَعْيِينِهَا ؟ فِيهِ اِحْتِمَالٌ , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل اِبْن عُيَيْنَةَ فِي أَوَّل الْكَلَام عَلَى لَيْلَة الْقَدْر أَنَّهُ أُعْلِمَ , وَرَوَى مُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ طَرِيق وَاهِب الْمُغَافِرِيّ أَنَّهُ سَأَلَ زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة : هَلْ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَم لَيْلَة الْقَدْر ؟ فَقَالَتْ : لَا , لَوْ عَلِمَهَا لَمَا أَقَامَ النَّاسُ غَيْرَهَا ا ه. وَهَذَا قَالَتْهُ اِحْتِمَالًا وَلَيْسَ بِلَازِمٍ , لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون التَّعَبُّدُ وَقَعَ بِذَلِكَ أَيْضًا فَيَحْصُلُ الِاجْتِهَادُ فِي جَمِيعِ الْعَشْرِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاسْتَنْبَطَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ , فِي \" الْحَلَبِيَّاتِ \" مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ اِسْتِحْبَاب كِتْمَان لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِمَنْ رَآهَا ; قَالَ : وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ اللَّه قَدَّرَ لِنَبِيِّهِ أَنَّهُ لَمْ يُخْبَرْ بِهَا , وَالْخَيْر كُلّه فِيمَا قُدِّرَ لَهُ فَيُسْتَحَبّ اِتِّبَاعُهُ فِي ذَلِكَ , وَذَكَرَ فِي \" شَرْحِ الْمِنْهَاجِ \" ذَلِكَ عَنْ \" الْحَاوِي \" قَالَ : وَالْحِكْمَة فِيهِ أَنَّهَا كَرَامَة وَالْكَرَامَةُ يَنْبَغِي كِتْمَانُهَا بِلَا خِلَافٍ بَيْن أَهْل الطَّرِيق مِنْ جِهَةِ رُؤْيَةِ النَّفْسِ فَلَا يَأْمَن السَّلْبَ , وَمِنْ جِهَة أَنْ لَا يَأْمَنَ الرِّيَاءَ , وَمِنْ جِهَة الْأَدَبِ فَلَا يَتَشَاغَل عَنْ الشُّكْر لِلَّهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا وَذِكْرِهَا لِلنَّاسِ , وَمِنْ جِهَة أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْحَسَدَ فَيُوقِع غَيْره فِي الْمَحْذُور , وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِقَوْلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَام ( يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاك عَلَى إِخْوَتِك ) الْآيَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَة وَالسَّابِعَة وَالْخَامِسَة ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالتَّاسِعَةِ تَاسِع لَيْلَة مِنْ الْعَشْر الْأَخِير فَتَكُون لَيْلَة تِسْع وَعِشْرِينَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِهَا تَاسِع لَيْلَةٍ تَبْقَى مِنْ الشَّهْر فَتَكُون لَيْلَة إِحْدَى أَوْ اِثْنَيْنِ بِحَسَبِ تَمَام الشَّهْر وَنُقْصَانِهِ , وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ قَوْله فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ حُمَيْدٍ الْمَاضِيَة فِي كِتَاب الْإِيمَان بِلَفْظِ \" اِلْتَمِسُوهَا فِي التِّسْع وَالسَّبْع وَالْخَمْس \" أَيْ فِي تِسْع وَعِشْرِينَ وَسَبْع وَعِشْرِينَ وَخَمْس وَعِشْرِينَ , وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَد \" فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى \" وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1884",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي يَعْفُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ ‏ ‏شَدَّ مِئْزَرَهُ ‏ ‏وَأَحْيَا لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي يَعْفُورَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْفَاءِ , وَلِأَحْمَدَ عَنْ سُفْيَان عَنْ أَبِي عُبَيْد اِبْن نِسْطَاس وَهُوَ أَبُو يَعْفُورَ الْمَذْكُور وَاسْمه عَبْد الرَّحْمَن , وَهُوَ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ , وَلَهُمْ أَبُو يَعْفُورَ آخَرُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ اِسْمه وَقْدَان. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا دَخَلَ الْعَشْر ) ‏ ‏أَيْ الْأَخِيرُ , وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ اِبْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( شَدَّ مِئْزَرَهُ ) ‏ ‏أَيْ اِعْتَزَلَ النِّسَاء , وَبِذَلِكَ جَزَمَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ الثَّوْرِيِّ , وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ : ‏ ‏قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ ‏ ‏عَنْ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ ‏ ‏وَذَكَرَ اِبْن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْن عَيَّاشٍ نَحْوَهُ , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِهِ الْجِدَّ فِي الْعِبَادَةِ كَمَا يُقَالُ شَدَدْت لِهَذَا الْأَمْر مِئْزَرِي أَيْ تَشَمَّرْت لَهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد التَّشْمِير وَالِاعْتِزَال مَعًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ يَقُول طَوِيلُ النِّجَادِ لِطَوِيلِ الْقَامَةِ وَهُوَ طَوِيل النِّجَاد حَقِيقَةً , فَيَكُون الْمُرَاد شَدَّ مِئْزَرَهُ حَقِيقَة فَلَمْ يَحُلَّهُ وَاعْتَزَلَ النِّسَاء وَشَمَّرَ لِلْعِبَادَةِ. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَاصِم بْن ضَمْرَة الْمَذْكُورَة \" شَدَّ مِئْزَرَهُ وَاعْتَزَلَ النِّسَاءَ \" فَعَطَفَهُ بِالْوَاوِ فَيَتَقَوَّى الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَحْيَا لَيْلَهُ ) ‏ ‏أَيْ سَهِرَهُ فَأَحْيَاهُ بِالطَّاعَةِ وَأَحْيَا نَفْسَهُ بِسَهَرِهِ فِيهِ لِأَنَّ النَّوْم أَخُو الْمَوْتِ وَأَضَافَهُ إِلَى اللَّيْلِ اِتِّسَاعًا لِأَنَّ الْقَائِمَ إِذَا حَيِيَ بِالْيَقِظَةِ أَحْيَا لَيْلَهُ بِحَيَاتِهِ , وَهُوَ نَحْو قَوْله \" لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا \" أَيْ لَا تَنَامُوا فَتَكُونُوا كَالْأَمْوَاتِ فَتَكُون بُيُوتكُمْ كَالْقُبُورِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ ) ‏ ‏أَيْ لِلصَّلَاةِ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَمُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ حَدِيث زَيْنَب بْن أُمّ سَلَمَة \" لَمْ يَكُنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَان عَشْرَة أَيَّام يَدَعُ أَحَدًا مِنْ أَهْله يُطِيق الْقِيَام إِلَّا أَقَامَهُ \" قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ اِعْتِزَالَهُ النِّسَاء كَانَ بِالِاعْتِكَافِ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِهِ فِيهِ \" وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ \" فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ فِي الْبَيْت فَلَوْ كَانَ مُعْتَكِفًا لَكَانَ فِي الْمَسْجِد وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ , وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ \" اِعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِمْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ \" ; وَعَلَى تَقْدِير أَنَّهُ لَمْ يَعْتَكِف أَحَدٌ مِنْهُنَّ فَيَحْتَمِل أَنْ يُوقِظَهُنَّ مِنْ مَوْضِعِهِ وَأَنْ يُوقِظَهُنَّ عِنْدَمَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ لِحَاجَتِهِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيِّ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ فِي آخِرِ \" بَابٌ تَحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدْرِ \" مَا نَصُّهُ \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه قَالَ أَبُو نُعَيْم : كَانَ هُبَيْرَةُ مَعَ الْمُخْتَارِ يُجْهِزُ عَلَى الْقَتْلَى , قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فَلَمْ أُخْرِجْ حَدِيثَ هُبَيْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ لِهَذَا , وَلَمْ أُخْرِجْ حَدِيثَ الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّهِ لِأَنَّ عَامَّة حَدِيثه مُضْطَرِبٌ \" اِنْتَهَى وَأَرَادَ بِحَدِيثِ هُبَيْرَةَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق السَّبِيعِيِّ عَنْ هُبَيْرَة بْن مَرْيَم وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاء الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت بِوَزْنِ عَظِيمٍ عَنْ عَلِيٍّ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوقِظ أَهْله فِي الْعَشْر الْأَخِير مِنْ رَمَضَان \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن أَبِي شَيْبَة وَأَبُو يَعْلَى مِنْ طُرُق مُتَعَدِّدَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق , وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن صَحِيح وَأَرَادَ بِحَدِيثِ الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد عَنْهُ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ عَنْ الْأَسْوَد بْن يَزِيد عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِد فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر مَا لَا يَجْتَهِد فِي غَيْرهَا \" قَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْد تَخْرِيجه : حَسَن غَرِيب. وَأَمَّا قَوْل أَبِي نُعَيْم فِي هُبَيْرَة فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ أَعَانَ الْمُخْتَار - وَهُوَ اِبْن أَبِي عُبَيْد الثَّقَفِيُّ - لَمَّا غَلَبَ عَلَى الْكُوفَة فِي خِلَافَة عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَدَعَا إِلَى الطَّلَبِ بِدَمِ الْحُسَيْنِ بْن عَلِيٍّ فَأَطَاعَهُ أَهْلُ الْكُوفَة مِمَّنْ كَانَ يُوَالِي أَهْلَ الْبَيْتِ , فَقَتَلَ الْمُخْتَار فِي الْحَرْب وَغَيْرهَا مِمَّنْ اِتَّهَمَ بِقَتْلِ الْحُسَيْن خَلَائِقَ كَثِيرَةً , وَكَأَنَّ مَنْ وَثَّقَ هُبَيْرَةَ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهِ عِنْدَهُ قَدْحًا لِأَنَّهُ كَانَ مُتَأَوِّلًا وَلِذَلِكَ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَهُ , وَمِمَّنْ وَثَّقَ هُبَيْرَة وَمَعْنَى قَوْله \" يُجْهِز \" وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّله وَجِيمٍ وَزَايٍ : يُكْمِلُ الْقَتْلَ. وَأَمَّا الْحَسَنُ بْن عُبَيْد اللَّهِ فَهُوَ كُوفِيٌّ نَخَعِيّ قَدَّمَ يَحْيَى الْقَطَّان عَلَيْهِ الْحَسَنَ بْن عَمْرو وَقَالَ اِبْن مَعِينٍ : ثِقَةٌ صَالِحٌ , وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرهمَا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَلَا يُقَاسُ بِالْأَعْمَشِ. اِنْتَهَى. وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهَذَا الْحَدِيث عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَتَفَرَّدَ بِهِ عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد عَنْ الْحَسَن وَلِذَلِكَ اِسْتَغْرَبَهُ التِّرْمِذِيُّ , وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَصَحَّحَ حَدِيثه لِشَوَاهِدِهِ عَلَى عَادَتِهِ , وَتَجَنَّبَ حَدِيثَ عَلِيٍّ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ أَوْ لِغَيْرِهِ , وَاسْتَغْنَى الْبُخَارِيُّ عَنْ الْحَدِيثَيْنِ بِمَا أَخْرَجَهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيق مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَة , وَعَلَى هَذَا فَمَحَلُّ الْكَلَام الْمَذْكُور أَنْ يَكُون عَقِبَ حَدِيث مَسْرُوق فِي هَذَا الْبَاب لَا قَبْلَهُ وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَعْض النُّسَّاخِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيث الْحِرْص عَلَى مُدَاوَمَة الْقِيَام فِي الْعَشْر الْأَخِير إِشَارَة إِلَى الْحَثّ عَلَى تَجْوِيد الْخَاتِمَة , خَتَمَ اللَّهُ لَنَا بِخَيْرٍ آمِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1885",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏نَافِعًا ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله \" كَانَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَان \" ‏ ‏وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْه وَزَادَ : قَالَ نَافِع : وَقَدْ أَرَانِي عَبْد اللَّه بْن عُمَر الْمَكَان الَّذِي كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِف فِيهِ مِنْ الْمَسْجِد , وَزَادَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ نَافِع : أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ إِذَا اِعْتَكَفَ طَرَحَ لَهُ فِرَاشَهُ وَرَاءَ أُسْطُوَانَة التَّوْبَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1886",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة مِثْل حَدِيث اِبْن عُمَر وَزَادَ ‏ ‏\" حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّه , ثُمَّ اِعْتَكَفَ أَزْوَاجه مِنْ بَعْده \" ‏ ‏, فَيُؤْخَذ مِنْ الْأَوَّل اِشْتِرَاطُ الْمَسْجِد لَهُ , وَمِنْ الثَّانِي أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ وَلَيْسَ مِنْ الْخَصَائِصِ. وَأَمَّا قَوْلُ اِبْن نَافِع عَنْ مَالِك : فَكَّرْت فِي الِاعْتِكَافِ وَتَرْكِ الصَّحَابَة لَهُ مَعَ شِدَّةِ اِتِّبَاعِهِمْ لِلْأَثَرِ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهُ كَالْوِصَالِ , وَأَرَاهُمْ تَرَكُوهُ لِشِدَّتِهِ وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَحَد مِنْ السَّلَف أَنَّهُ اِعْتَكَفَ إِلَّا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْن عَبْد الرَّحْمَن ا ه. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ صِفَةً مَخْصُوصَةً , وَإِلَّا فَقَدْ حَكَيْنَاهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَة , وَمِنْ كَلَام مَالِك أَخَذَ بَعْض أَصْحَابه أَنَّ الِاعْتِكَاف جَائِزٌ , وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ اِبْن الْعَرَبِيِّ وَقَالَ : إِنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ , وَكَذَا قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي مُوَاظَبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِهِ , وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَد : لَا أَعْلَمُ عَنْ أَحَد مِنْ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا أَنَّهُ مَسْنُونٌ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏زَادَ مَعْمَر فِيهِ : عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , خَالَفَهُ اللَّيْث عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة مَوْصُولًا وَعَنْ سَعِيد مُرْسَلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1887",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ قَالَ ‏ ‏مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ فَمَطَرَتْ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى ‏ ‏عَرِيشٍ ‏ ‏فَوَكَفَ ‏ ‏الْمَسْجِدُ فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد , قَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1888",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصْغِي ‏ ‏إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يُصْغِي إِلَىَّ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ يُمِيل. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ مُجَاوِرٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ \" كَانَ يَأْتِينِي وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِد فَيَتَّكِئُ عَلَى بَاب حُجْرَتِي فَأَغْسِل رَأْسه وَسَائِرُهُ فِي الْمَسْجِدِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِدُهُ فِي كِتَاب الْحَيْضِ , وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ وَالِاعْتِكَافَ وَاحِدٌ , وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا مَالِكٌ. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز التَّنَظُّفِ وَالتَّطَيُّبِ وَالْغَسْلِ وَالْحَلْقِ وَالتَّزَيُّن إِلْحَاقًا بِالتَّرَجُّلِ , وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِيهِ إِلَّا مَا يُكْرَه فِي الْمَسْجِدِ , وَعَنْ مَالِك تُكْرَه فِيهِ الصَّنَائِعُ وَالْحِرَفُ حَتَّى طَلَبُ الْعِلْمِ. وَفِي الْحَدِيث اِسْتِخْدَام الرَّجُل اِمْرَأَتَهُ بِرِضَاهَا , وَفِي إِخْرَاجه رَأْسِهِ دَلَالَةٌ عَلَى اِشْتِرَاط الْمَسْجِد لِلِاعْتِكَافِ , وَعَلَى أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ بَعْضَ بَدَنِهِ مِنْ مَكَان حَلَفَ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهُ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُخْرِجَ رِجْلَيْهِ وَيَعْتَمِدَ عَلَيْهِمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1889",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ وَكَانَ لَا يَدْخُلُ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏إِلَّا لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُرْوَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الزُّبَيْر ‏ ‏( وَعَمْرَةَ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة اللَّيْث جَمَعَ بَيْنَهُمَا , وَرَوَاهُ يُونُس عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة وَحْدَهُ , وَرَوَاهُ مَالِك عَنْهُ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَمْرَةَ , قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر تَابَعَ مَالِكًا , وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ أَبَا أُوَيْسٍ رَوَاهُ كَذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الصَّوَاب قَوْل اللَّيْث وَأَنَّ الْبَاقِينَ اِخْتَصَرُوا مِنْهُ ذِكْرَ عَمْرَة , وَأَنَّ ذِكْرَ عَمْرَة فِي رِوَايَة مَالِك مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ. وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِك فَوَافَقَ اللَّيْث أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا , وَلَهُ أَصْلٌ مِنْ حَدِيث عُرْوَة عَنْ عَائِشَةَ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ طَرِيق هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق تَمِيمِ بْن سَلَمَة عَنْ عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ لَا يَدْخُل الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَان وَفَسَّرَهَا الزُّهْرِيُّ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِط , وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى اِسْتِثْنَائِهِمَا , وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِهِمَا مِنْ الْحَاجَاتِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْب , وَلَوْ خَرَجَ لَهُمَا فَتَوَضَّأَ خَارِج الْمَسْجِد لَمْ يَبْطُلْ. وَيُلْتَحَق بِهِمَا الْقَيْءُ وَالْفَصْدُ لِمَنْ اِحْتَاجَ إِلَيْهِ , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً وَلَا يَمَسَّ اِمْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرهَا وَلَا يَخْرُج لِحَاجَةٍ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ , قَالَ أَبُو دَاوُدَ غَيْرُ عَبْد الرَّحْمَن لَا يَقُول فِيهِ أَلْبَتَّةَ , وَجَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي مِنْ حَدِيث عَائِشَة قَوْلُهَا \" لَا يَخْرُج إِلَّا لِحَاجَةٍ \" وَمَا عَدَاهُ مِمَّنْ دُونهَا , وَرَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ وَالنَّخَعِيَّ وَالْحَسَن الْبَصْرِيِّ إِنْ شَهِدَ الْمُعْتَكِفُ جِنَازَةً أَوْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ خَرَجَ لِلْجُمُعَةِ بَطَلَ اِعْتِكَافُهُ , وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَابْن الْمُنْذِر فِي الْجُمُعَةِ , وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ إِنْ شَرَطَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي اِبْتِدَاءِ اِعْتِكَافِهِ لَمْ يَبْطُلْ اِعْتِكَافُهُ بِفِعْلِهِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَد. ‏"
    },
    {
        "id": "1890",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُبَاشِرُنِي ‏ ‏وَأَنَا حَائِضٌ وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( فَأَغْسِلُهُ ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ \" فَأَغْسِلُهُ بِخِطْمِيٍّ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1891",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏سَأَلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي ‏ ‏الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1892",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ ‏ ‏خِبَاءً ‏ ‏فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ فَاسْتَأْذَنَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنْ تَضْرِبَ ‏ ‏خِبَاءً ‏ ‏فَأَذِنَتْ لَهَا فَضَرَبَتْ ‏ ‏خِبَاءً ‏ ‏فَلَمَّا رَأَتْهُ ‏ ‏زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ ‏ ‏ضَرَبَتْ ‏ ‏خِبَاءً ‏ ‏آخَرَ فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى ‏ ‏الْأَخْبِيَةَ ‏ ‏فَقَالَ مَا هَذَا فَأُخْبِرَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَالْبِرَّ ‏ ‏تُرَوْنَ بِهِنَّ فَتَرَكَ ‏ ‏الِاعْتِكَافَ ‏ ‏ذَلِكَ الشَّهْرَ ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيُّ , وَنَسَبَهُ خَلَفُ بْن هِشَام فِي رِوَايَته عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ الْآتِيَة فِي أَوَاخِر الِاعْتِكَاف عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد \" حَدَّثَتْنِي عَمْرَةُ بِنْت عَبْد الرَّحْمَن \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَمْرَةَ \" حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ \". ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِف فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِر مِنْ رَمَضَان فَكُنْت أَضْرِب لَهُ خِبَاء ) ‏ ‏أَيْ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة ثُمَّ مُوَحَّدَة , وَقَوْله \" فَيُصَلِّي الصُّبْح ثُمَّ يَدْخُلُهُ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن فُضَيْلٍ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْآتِيَة فِي بَاب الِاعْتِكَاف فِي شَوَّال \" كَانَ يَعْتَكِفُ فِي كُلّ رَمَضَانَ , فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ دَخَلَ \" وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ مَبْدَأَ الِاعْتِكَاف مِنْ أَوَّل النَّهَار , وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَأْذَنْت حَفْصَةُ عَائِشَة أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ الْمَذْكُورَة \" فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَة فَأَذِنَ لَهَا , وَسَأَلَتْ حَفْصَة عَائِشَة أَنْ تَسْتَأْذِن لَهَا فَفَعَلَتْ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن فُضَيْلٍ الْمَذْكُورَة \" فَاسْتَأْذَنَ عَائِشَة أَنْ تَعْتَكِف فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ قُبَّة , فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ فَضَرَبَتْ قُبَّة \" زَادَ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث \" لِتَعْتَكِفَ مَعَهُ \" وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ , لَكِنَّ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عِنْد النَّسَائِيِّ \" ثُمَّ اِسْتَأْذَنَتْهُ حَفْصَةُ فَأَذِنَ لَهَا \" وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ رِوَايَة حَمَّادٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى لِسَانِ عَائِشَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَب بِنْت جَحْش ضَرَبَتْ خِبَاء آخَر ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة اِبْن فُضَيْلٍ \" وَسَمِعَتْ بِهَا زَيْنَب فَضَرَبَتْ قُبَّة أُخْرَى \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث \" فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَب ضَرَبَتْ مَعَهُنَّ وَكَانَتْ اِمْرَأَة غَيُورًا \" وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق أَنَّ زَيْنَب اِسْتَأْذَنَتْ , وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ أَحَد مَا بَعَثَ عَلَى الْإِنْكَار الْآتِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى الْأَخْبِيَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك الَّتِي بَعْد هَذِهِ \" فَلَمَّا اِنْصَرَفَ إِلَى الْمَكَان الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِف فِيهِ إِذَا أَخْبِيَةٌ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن فُضَيْلٍ \" فَلَمَّا اِنْصَرَفَ مِنْ الْغَدَاة أَبْصَرَ أَرْبَع قِبَابٍ \" يَعْنِي قُبَّة لَهُ وَثَلَاثًا لِلثَّلَاثَةِ , وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى اِنْصَرَفَ إِلَى بِنَائِهِ الَّذِي بُنِيَ لَهُ لِيَعْتَكِفَ فِيهِ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَةَ عِنْد مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ \" فَأَمَرَتْ زَيْنَب بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ , وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ \" وَهَذَا يَقْتَضِي تَعْمِيمَ الْأَزْوَاج بِذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَقَدْ فُسِّرَتْ الْأَزْوَاج فِي الرِّوَايَات الْأُخْرَى بِعَائِشَة وَحَفْصَة وَزَيْنَب فَقَطْ وَبَيَّنَ ذَلِكَ قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" أَرْبَع قِبَاب \" وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عِنْد النَّسَائِيِّ \" فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ إِذَا هُوَ بِأَرْبَعَةِ أَبْنِيَةٍ , قَالَ : لِمَنْ هَذِهِ ؟ قَالُوا لِعَائِشَةَ وَحَفْصَة وَزَيْنَبَ \". ‏ ‏قَوْله : ( آلْبِرَّ ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ اِسْتِفْهَام مَمْدُودَة وَبِغَيْرِ مَدّ , \" وَآلْبِرَّ \" بِالنَّصْبِ , وَقَوْله \" تُرَوْنَ بِهِنَّ \" بِضَمِّ أَوَّله أَيْ تَظُنُّونَ , وَفِي رِوَايَة مَالِك \" آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ \" أَيْ تَظُنُّونَ , وَالْقَوْل يُطْلَق عَلَى الظَّنّ قَالَ الْأَعْشَى : ‏ ‏أَمَّا الرَّحِيلُ فَدُونَ بَعْدَ غَدٍ ‏ ‏فَمَتَى تَقُولُ الدَّارُ تَجْمَعُنَا ‏ ‏أَيْ تَظُنّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" آلْبِرَّ أَرَدْنَ بِهَذَا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" آلْبِرَّ تَقُولُونَ يُرِدْنَ بِهَذَا \" وَالْخِطَاب لِلْحَاضِرِينَ مِنْ الرِّجَال وَغَيْرِهِمْ , وَفِي رِوَايَة اِبْن فُضَيْلٍ \" مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا , آلْبِرُّ ؟ اِنْزِعُوهَا فَلَا أَرَاهَا , فَنُزِعَتْ \" وَمَا اِسْتِفْهَامِيَّةٌ , وَآلْبِرُّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مَرْفُوع , وَقَوْله فَلَا أَرَاهَا زَعَمَ اِبْن التِّين أَنَّ الصَّوَاب حَذْفُ الْأَلِفِ مِنْ أَرَاهَا قَالَ : لِأَنَّهُ مَجْزُومٌ بِالنَّهْيِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَرَكَ الِاعْتِكَاف ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ \" وَهُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيد الْوَاو الْمَكْسُورَة بَعْدهَا ضَاد مُعْجَمَة أَيْ نُقِضَ , وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَشِيَ أَنْ يَكُون الْحَامِلُ لَهُنَّ عَلَى ذَلِكَ الْمُبَاهَاةَ وَالتَّنَافُسَ النَّاشِئَ عَنْ الْغِيرَة حِرْصًا عَلَى الْقُرْب مِنْهُ خَاصَّةً فَيَخْرُج الِاعْتِكَاف عَنْ مَوْضُوعه أَوْ لَمَّا أَذِنَ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَة أَوَّلًا كَانَ ذَلِكَ خَفِيفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يُفْضِي إِلَيْهِ الْأَمْر مِنْ تَوَارُد بَقِيَّة النِّسْوَة عَلَى ذَلِكَ فَيَضِيقُ الْمَسْجِد عَلَى الْمُصَلِّينَ , أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنَّ اِجْتِمَاع النِّسْوَة عِنْده يُصَيِّرهُ كَالْجَالِسِ فِي بَيْتِهِ , وَرُبَّمَا شَغَلْنَهُ عَنْ التَّخَلِّي لِمَا قَصَدَ مِنْ الْعِبَادَة فَيَفُوت مَقْصُود الِاعْتِكَاف. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَرَكَ الِاعْتِكَاف ذَلِكَ الشَّهْر , ثُمَّ اِعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّال ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" فَرَجَعَ فَلَمَّا أَنْ اِعْتَكَفَ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن فُضَيْلٍ \" فَلَمْ يَعْتَكِف فِي رَمَضَان حَتَّى اِعْتَكَفَ فِي آخِرِ الْعَشْر مِنْ شَوَّال \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَةَ \" فَلَمْ يَعْتَكِف فِي رَمَضَان حَتَّى اِعْتَكَفَ فِي الْعَشْر الْأُوَل مِنْ شَوَّال \" وَيُجْمَع بَيْنه وَبَيْن رِوَايَة اِبْن فُضَيْلٍ بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" آخِر الْعَشْر مِنْ شَوَّال \" اِنْتِهَاء اِعْتِكَافه , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : فِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز الِاعْتِكَاف بِغَيْرِ صَوْم , لِأَنَّ أَوَّل شَوَّال هُوَ يَوْم الْفِطْر وَصَوْمه حَرَام , وَقَالَ غَيْره : فِي اِعْتِكَافه فِي شَوَّال دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّوَافِل الْمُعْتَادَة إِذَا فَاتَتْ تُقْضَى اِسْتِحْبَابًا , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمَالِكِيَّة عَلَى وُجُوب قَضَاء الْعَمَل لِمَنْ شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ أَبْطَلَهُ , وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْرُهُ : فِي الْحَدِيث إِنَّ الْمَرْأَة لَا تَعْتَكِف حَتَّى تَسْتَأْذِن زَوْجهَا وَأَنَّهَا إِذَا اِعْتَكَفَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا , وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَلَهُ أَنَّ يَرْجِعَ فَيَمْنَعَهَا. وَعَنْ أَهْل الرَّأْي إِذَا أَذِنَ لَهَا الزَّوْجُ ثُمَّ مَنَعَهَا أَثِمَ بِذَلِكَ وَامْتَنَعَتْ , وَعَنْ مَالِك لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ , وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ , وَفِيهِ جَوَاز ضَرْبِ الْأَخْبِيَة فِي الْمَسْجِد , وَأَنَّ الْأَفْضَل لِلنِّسَاءِ أَنْ لَا يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسْجِدِ , وَفِيهِ جَوَازُ الْخُرُوج مِنْ الِاعْتِكَاف بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ , وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِالنِّيَّةِ وَلَا بِالشُّرُوعِ فِيهِ , وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ سَائِر التَّطَوُّعَات خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِاللُّزُومِ , وَفِيهِ أَنَّ أَوَّل الْوَقْت الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الْمُعْتَكِفُ بَعْد صَلَاة الصُّبْح وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالثَّوْرِيِّ , وَقَالَ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَطَائِفَةٌ : يَدْخُل قُبَيْل غُرُوب الشَّمْس , وَأَوَّلُوا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ أَوَّل اللَّيْل , وَلَكِنْ إِنَّمَا تَخَلَّى بِنَفْسِهِ فِي الْمَكَان الَّذِي أَعَدَّهُ لِنَفْسِهِ بَعْد صَلَاة الصُّبْح , وَهَذَا الْجَوَاب يُشْكِلُ عَلَى مَنْ مَنَعَ الْخُرُوج مِنْ الْعِبَادَة بَعْدَ الدُّخُول فِيهَا وَأَجَابَ عَنْ هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَدْخُل الْمُعْتَكَفَ وَلَا شَرَعَ فِي الِاعْتِكَاف وَإِنَّمَا هَمَّ بِهِ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ الْمَانِعُ الْمَذْكُورُ فَتَرَكَهُ , فَعَلَى هَذَا فَاللَّازِم أَحَد الْأَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُون شَرَعَ فِي الِاعْتِكَاف فَيَدْخُل عَلَى جَوَاز الْخُرُوج مِنْهُ , وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُون شَرَعَ فَيَدُلّ عَلَى أَنَّ أَوَّل وَقْته بَعْد صَلَاة الصُّبْح. وَفِيهِ أَنَّ الْمَسْجِد شَرْطٌ لِلِاعْتِكَافِ لِأَنَّ النِّسَاء شُرِعَ لَهُنَّ الِاحْتِجَابُ فِي الْبُيُوت فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَسْجِد شَرْطًا مَا وَقَعَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْإِذْن وَالْمَنْع وَلَاكْتُفِيَ لَهُنَّ بِالِاعْتِكَافِ فِي مَسَاجِد بُيُوتِهِنَّ : وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن عُلَيَّةَ : فِي قَوْله \" آلْبِرَّ تُرِدْنَ \" دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُنَّ الِاعْتِكَاف فِي الْمَسْجِد إِذْ مَفْهُومه أَنَّهُ لَيْسَ بِبِرٍّ لَهُنَّ , مَا قَالَهُ لَيْسَ بِوَاضِحٍ , وَفِيهِ شُؤْم الْغِيرَة لِأَنَّهَا نَاشِئَة عَنْ الْحَسَد الْمُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْأَفْضَل لِأَجْلِهِ , وَفِيهِ تَرْكُ الْأَفْضَل إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ , وَأَنَّ مَنْ خَشِيَ عَلَى عَمَله الرِّيَاء جَازَ لَهُ تَرْكُهُ وَقَطْعُهُ , وَفِيهِ أَنَّ الِاعْتِكَاف لَا يَجِب بِالنِّيَّةِ , وَأَمَّا قَضَاؤُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ فَعَلَى طَرِيق الِاسْتِحْبَاب لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ وَلِهَذَا لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ نِسَاءَهُ اِعْتَكَفْنَ مَعَهُ فِي شَوَّالٍ , وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَة إِذَا اِعْتَكَفَتْ فِي الْمَسْجِد اُسْتُحِبَّ لَهَا أَنْ تَجْعَل لَهَا مَا يَسْتُرُهَا , وَيُشْتَرَط أَنْ تَكُون إِقَامَتُهَا فِي مَوْضِع لَا يُضَيِّقُ عَلَى الْمُصَلِّينَ. وَفِي الْحَدِيث بَيَانُ مَرْتَبَة عَائِشَةَ فِي كَوْنِ حَفْصَةَ لَمْ تَسْتَأْذِنْ إِلَّا بِوَاسِطَتِهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَب ذَلِكَ كَوْنَهُ كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَة فِي بَيْت عَائِشَةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1893",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ إِذَا ‏ ‏أَخْبِيَةٌ ‏ ‏خِبَاءُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَخِبَاءُ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏وَخِبَاءُ ‏ ‏زَيْنَبَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَالْبِرَّ ‏ ‏تَقُولُونَ بِهِنَّ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1894",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا ‏ ‏جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَهَا ‏ ‏يَقْلِبُهَا ‏ ‏حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏مَرَّ رَجُلَانِ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى رِسْلِكُمَا ‏ ‏إِنَّمَا هِيَ ‏ ‏صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ‏ ‏فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ صَفِيَّة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ ) ‏ ‏عِنْد اِبْن حِبَّان فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن \" حَدَّثَتْنِي صَفِيَّة \" وَهِيَ صَفِيَّة بِنْت حُيَيّ بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ مُصَغَّرًا , اِبْن أَخْطَبَ , كَانَ أَبُوهَا رَئِيس خَيْبَر وَكَانَتْ تَكَنَّى أُمَّ يَحْيَى , وَسَيَأْتِي شَرْحُ تَزْوِيجهَا فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي تَصْرِيح عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بِأَنَّهَا حَدَّثَتْهُ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مَاتَتْ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ أَوْ قَبْل ذَلِكَ , لِأَنَّ عَلِيًّا إِنَّمَا وُلِدَ بَعْد ذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ أَوْ نَحْوَهَا , وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مَاتَتْ سَنَة خَمْسِينَ وَقِيلَ بَعْدهَا , وَكَانَ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن حِين سَمِعَ مِنْهَا صَغِيرًا , وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الرُّوَاة عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي وَصْل هَذَا الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَاعْتَمَدَ الْمُصَنِّف الطَّرِيق الْمَوْصُولَة وَحَمَلَ الطَّرِيق الْمُرْسَلَة عَلَى أَنَّهَا عِنْد عَلِيّ عَنْ صَفِيَّة فَلَمْ يَجْعَلهَا عِلَّةً لِلْمَوْصُولِ كَمَا صَنَعَ فِي طَرِيق مَالِك فِي الْبَاب قَبْله. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزُورُهُ فِي اِعْتِكَافه ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة مَعْمَر الْآتِيَة فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ فَأَتَيْته أَزُورُهُ لَيْلًا , وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن يُوسُف عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِد وَعِنْده أَزْوَاجُهُ فَرُحْنَ , وَقَالَ لِصَفِيَّةَ : لَا تَعْجَلِي حَتَّى أَنْصَرِف مَعَك \" وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ اِخْتِصَاص صَفِيَّة بِذَلِكَ لِكَوْنِ مَجِيئِهَا تَأَخَّرَ عَنْ رُفْقَتِهَا فَأَمَرَهَا بِتَأْخِيرِ التَّوَجُّه لِيَحْصُلَ لَهَا التَّسَاوِي فِي مُدَّةِ جُلُوسِهِنَّ عِنْده , أَوْ أَنَّ بُيُوتَ رُفْقَتِهَا كَانَتْ أَقْرَب مِنْ مَنْزِلهَا فَخَشِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا , أَوْ كَانَ مَشْغُولًا فَأَمَرَهَا بِالتَّأَخُّرِ لِيَفْرُغَ مِنْ شُغْلِهِ وَيُشَيِّعَهَا , وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق مَرْوَان بْن سَعِيد بْن الْمُعَلَّى \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُعْتَكِفًا فِي الْمَسْجِد فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نِسَاؤُهُ ثُمَّ تَفَرَّقْنَ , فَقَالَ لِصَفِيَّةَ أَقْلِبُك إِلَى بَيْتك , فَذَهَبَ مَعَهَا حَتَّى أَدْخَلَهَا بَيْتَهَا وَفِي رِوَايَة هِشَام الْمَذْكُورَة \" وَكَانَ بَيْتُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ \" زَادَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر \" وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَار أُسَامَةَ بْن زَيْد \" أَيْ الدَّار الَّتِي صَارَتْ بَعْد ذَلِكَ لِأُسَامَةَ اِبْنِ زَيْدٍ لِأَنَّ أُسَامَةَ إِذْ ذَاكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَارٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِحَيْثُ تَسْكُنُ فِيهَا صَفِيَّة , وَكَانَتْ بُيُوت أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوَالَيْ أَبْوَاب الْمَسْجِد وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ صِحَّةُ تَرْجَمَةِ الْمُصَنِّف. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَحَدَّثَتْ عِنْده سَاعَةً ) ‏ ‏زَادَ اِبْن أَبِي عَتِيقٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ \" سَاعَةً مِنْ الْعِشَاءِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ ) ‏ ‏أَيْ تَرُدُّ إِلَى بَيْتِهَا ‏ ‏( فَقَامَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْقَافِ أَيْ يَرُدُّهَا إِلَى مَنْزِلِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَاب الْمَسْجِد عِنْد بَاب أُمّ سَلَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عَتِيق \" الَّذِي عِنْد مَسْكَن أُمّ سَلَمَة \" وَالْمُرَاد بِهَذَا بَيَان الْمَكَان الَّذِي لَقِيَهُ الرَّجُلَانِ فِيهِ لِإِتْيَانِ مَكَان بَيْت صَفِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( مَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَتِهِمَا فِي شَيْء مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ , إِلَّا أَنَّ اِبْن الْعَطَّار فِي \" شَرْحِ الْعُمْدَةِ \" زَعَمَ أَنَّهُمَا أُسَيْد بْن حُضَيْر وَعَبَّاد بْن بِشْر وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ مُسْتَنَدًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَانَ الْآتِيَة بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب \" فَأَبْصَرَهُ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار \" بِالْإِفْرَادِ , وَقَالَ اِبْن التِّين إِنَّهُ وَهْمٌ ثُمَّ قَالَ : يَحْتَمِل تَعَدُّدَ الْقِصَّة , قُلْت : وَالْأَصْل عَدَمُهُ بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ تَبَعًا لِلْآخَرِ أَوْ خُصَّ أَحَدهمَا بِخِطَابِ الْمُشَافَهَةِ دُونَ الْآخَر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الزُّهْرِيُّ كَانَ يَشُكُّ فِيهِ فَيَقُول تَارَة رَجُل وَتَارَة رَجُلَانِ , فَقَدْ رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" لَقِيَهُ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ \" بِالشَّكِّ , وَلَيْسَ لِقَوْلِهِ رَجُلٌ مَفْهُومٌ , نَعَمْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْه آخَرَ مِنْ حَدِيث أَنَس بِالْإِفْرَادِ , وَوَجْهه مَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ تَبَعًا لِلْآخَرِ فَحَيْثُ أَفْرَدَ ذَكَرَ الْأَصْلَ وَحَيْثُ ثَنَّى ذَكَرَ الصُّورَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَلَّمَا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" فَنَظَرَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَجَازَا \" أَيْ مَضَيَا يُقَال جَازَ وَأَجَازَ بِمَعْنًى \" وَيُقَالُ جَازَ الْمَوْضِعَ إِذَا سَارَ فِيهِ وَأَجَازَهُ إِذَا قَطَعَهُ وَخَلَّفَهُ , وَفِي رِوَايَةِ اِبْن أَبِي عَتِيق \" ثُمَّ نَفَذَا \" وَهُوَ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَة أَيْ خَلَّفَاهُ , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا \" أَيْ فِي الْمَشْي , وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد اِبْن حِبَّانَ \" فَلَمَّا رَأَيَاهُ اِسْتَحْيَيَا فَرَجَعَا \" فَأَفَادَ سَبَب رُجُوعهمَا وَكَأَنَّهُمَا لَوْ اِسْتَمَرَّا ذَاهِبَيْنِ إِلَى مَقْصِدِهِمَا مَا رَدَّهُمَا بَلْ لَمَّا رَأَى أَنَّهُمَا تَرَكَا مَقْصِدَهُمَا وَرَجَعَا رَدَّهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى رِسْلِكُمَا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا أَيْ عَلَى هِينَتِكُمَا فِي الْمَشْي فَلَيْسَ هُنَا شَيْءٌ تَكْرَهَانِهِ , وَفِيهِ شَيْءٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ اِمْشِيَا عَلَى هِينَتِكُمَا , وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَر \" فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَالَيَا \" وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ قَالَ الدَّاوُدِيُّ أَيْ قِفَا , وَأَنْكَرَهُ اِبْن التِّين وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَنْ مَعْنَاهُ بِغَيْرِ دَلِيل , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان , فَلَمَّا أَبْصَرَهُ دَعَاهُ فَقَالَ تَعَالَ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَانَ \" هَذِهِ صَفِيَّةُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّه يَا رَسُول اللَّه وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق بِشْر بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ ذَلِكَ , مِثْلُهُ فِي رِوَايَة اِبْن مُسَافِر الْآتِيَة فِي الْخَمْس , وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ أَبِي الْيَمَان شَيْخ الْبُخَارِيِّ وَفِيهِ , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عَتِيق عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْأَدَب \" وَكَبَّرَ عَلَيْهِمَا مَا قَالَ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق عَبْد الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَر \" فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا \" وَفِي رِوَايَة هُشَيْمٍ \" فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه هَلْ نَظُنُّ بِك إِلَّا خَيْرًا \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ اِبْن آدَم مَبْلَغ الْقَدَمِ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة اِبْن مُسَافِرٍ وَابْن أَبِي عَتِيق ; وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَان مَجْرَى الدَّم \" وَكَذَا لِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عُثْمَانَ بْن عُمَر التَّيْمِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ , زَادَ عَبْد الْأَعْلَى فَقَالَ \" إِنِّي خِفْت أَنْ تَظُنَّا ظَنًّا , إِنَّ الشَّيْطَان يَجْرِي , إِلَخْ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق \" مَا أَقُول لَكُمَا هَذَا أَنْ تَكُونَا تَظُنَّانِ شَرًّا , وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ اِبْن آدَم مَجْرَى الدَّم \". ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن آدَم ) الْمُرَاد جِنْس أَوْلَاد آدَم فَيَدْخُلُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ كَقَوْلِهِ : ( يَا بَنِي آدَم ) وَقَوْله ( يَا بَنِي إِسْرَائِيل ) بِلَفْظِ الْمُذَكَّرِ إِلَّا أَنَّ الْعُرْفَ عَمَّمَهُ فَأَدْخَلَ فِيهِ النِّسَاءَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنِّي خَشِيت أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة اِبْن مُسَافِر , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" سُوءًا أَوْ قَالَ شَيْئًا \" وَعِنْد مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ وَأَحْمَد مِنْ حَدِيث مَعْمَر \" شَرًّا \" بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ بَدَلَ سُوءًا , وَفِي رِوَايَة هُشَيْمٍ \" إِنِّي خِفْت أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْكُمَا شَيْئًا \" وَالْمُحَصَّلُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَات أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْسُبْهُمَا إِلَى أَنَّهُمَا يَظُنَّانِ بِهِ سُوءًا لِمَا تَقَرَّرَ عِنْده مِنْ صِدْقِ إِيمَانِهِمَا , وَلَكِنْ خَشِيَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُوَسْوِسَ لَهُمَا الشَّيْطَان ذَلِكَ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مَعْصُومَيْنِ فَقَدْ يُفْضِي بِهِمَا ذَلِكَ إِلَى الْهَلَاكِ فَبَادَرَ إِلَى إِعْلَامهمَا حَسْمًا لِلْمَادَّةِ وَتَعْلِيمًا لِمَنْ بَعْدَهُمَا إِذَا وَقَعَ لَهُ مِثْل ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى , فَقَدْ رَوَى الْحَاكِم أَنَّ الشَّافِعِيّ كَانَ فِي مَجْلِس اِبْن عُيَيْنَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّمَا قَالَ لَهُمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِمَا الْكُفْرَ إِنْ ظَنَّا بِهِ التُّهْمَةَ فَبَادَرَ إِلَى إِعْلَامِهِمَا نَصِيحَةً لَهُمَا قَبْل أَنْ يَقْذِفَ الشَّيْطَانُ فِي نُفُوسهمَا شَيْئًا يَهْلِكَانِ بِهِ. قُلْت : وَهُوَ بَيِّنٌ مِنْ الطُّرُق الَّتِي أَسْلَفْتهَا , وَغَفَلَ الْبَزَّارُ فَطَعَنَ فِي حَدِيث صَفِيَّةَ هَذَا وَاسْتَبْعَدَ وُقُوعَهُ وَلَمْ يَأْتِ بِطَائِلٍ , وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَقَوْله \" يَبْلُغ \" أَوْ \" يَجْرِي \" قِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَقَدَرَهُ عَلَى ذَلِكَ , وَقِيلَ هُوَ عَلَى سَبِيل الِاسْتِعَارَة مِنْ كَثْرَةِ إِغْوَائِهِ , وَكَأَنَّهُ لَا يُفَارِقُ كَالدَّمِ فَاشْتَرَكَا فِي شِدَّة الِاتِّصَال وَعَدَمِ الْمُفَارَقَةِ. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد جَوَاز اِشْتِغَال الْمُعْتَكِفِ بِالْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ مِنْ تَشْيِيعِ زَائِرِهِ وَالْقِيَام مَعَهُ وَالْحَدِيث مَعَ غَيْره , وَإِبَاحَة خَلْوَةِ الْمُعْتَكِفِ بِالزَّوْجَةِ , وَزِيَارَة الْمَرْأَة لِلْمُعْتَكِفِ , وَبَيَان شَفَقَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّته وَإِرْشَادهمْ إِلَى مَا يَدْفَع عَنْهُمْ الْإِثْم. وَفِيهِ التَّحَرُّز مِنْ التَّعَرُّض لِسُوءِ الظَّنّ وَالِاحْتِفَاظ مِنْ كَيَدِ الشَّيْطَان وَالِاعْتِذَار , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَهَذَا مُتَأَكِّد فِي حَقّ الْعُلَمَاء وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ فَلَا يَجُوز لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا فِعْلًا يُوجِب سُوء الظَّنّ بِهِمْ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِيهِ مَخْلَص لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ إِلَى إِبْطَال الِانْتِفَاع بِعِلْمِهِمْ , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُبَيِّن لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَجْه الْحُكْم إِذَا كَانَ خَافِيًا نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ. وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ خَطَأُ مَنْ يَتَظَاهَرُ بِمَظَاهِرِ السُّوءِ وَيَعْتَذِر بِأَنَّهُ يُجَرِّبُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ , وَقَدْ عَظُمَ الْبَلَاءُ بِهَذَا الصِّنْفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ إِضَافَة بُيُوت أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِنَّ , وَفِيهِ جَوَازُ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ لَيْلًا , وَفِيهِ قَوْلُ \" سُبْحَانَ اللَّهِ \" عِنْد التَّعَجُّبِ , قَدْ وَقَعَتْ فِي الْحَدِيث لِتَعْظِيمِ الْأَمْر وَتَهْوِيله وَلِلْحَيَاءِ مِنْ ذِكْرِهِ كَمَا فِي حَدِيث أُمّ سُلَيْمٍ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِأَبِي يُوسُف وَمُحَمَّد فِي جَوَاز تَمَادِي الْمُعْتَكِف إِذَا خَرَجَ مِنْ مَكَان اِعْتِكَافه لِحَاجَتِهِ وَأَقَامَ زَمَنًا يَسِيرًا زَائِدًا عَنْ الْحَاجَة مَا لَمْ يَسْتَغْرِقْ أَكْثَرَ الْيَوْمِ , وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت أَنَّ مَنْزِلَ صَفِيَّةَ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ فَاصِلٌ زَائِدٌ , وَقَدْ حَدَّ بَعْضهمْ الْيَسِير بِنِصْفِ يَوْم وَلَيْسَ فِي الْخَبَر مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1895",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏هَارُونَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَذْكُرُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَالَ نَعَمِ اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ قَالَ فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ قَالَ فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَإِنِّي نُسِّيتُهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ فَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ وَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلْيَرْجِعْ فَرَجَعَ النَّاسُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ ‏ ‏قَزَعَةً ‏ ‏قَالَ فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الطِّينِ وَالْمَاءِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي ‏ ‏أَرْنَبَتِهِ ‏ ‏وَجَبْهَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أُرِيت ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ , وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" رَأَيْت \" بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( نَسِيتهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّونِ ولِلكُشْمِيهَنِيِّ بِضَمِّهَا وَتَثْقِيلِ السِّينِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْت أَنِّي أَسْجُدُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" رَأَيْت أَنْ أَسْجُدَ \" قَالَ الْقَفَّالُ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَأَى مَنْ يَقُول لَهُ فِي النَّوْمِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا وَعَلَامَتُهَا كَذَا وَكَذَا , وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَأَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ نَفْسَهَا ثُمَّ نَسِيَهَا لِأَنَّ مِثْل ذَلِكَ لَا يُنْسَى. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ أَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الْمُخْبِرُ لَهُ بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1896",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ فَرُبَّمَا وَضَعْنَا ‏ ‏الطَّسْتَ ‏ ‏تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1897",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ وَعِنْدَهُ أَزْوَاجُهُ فَرُحْنَ فَقَالَ ‏ ‏لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ‏ ‏لَا تَعْجَلِي حَتَّى أَنْصَرِفَ مَعَكِ وَكَانَ بَيْتُهَا فِي دَارِ ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏فَخَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَهَا فَلَقِيَهُ رَجُلَانِ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَنَظَرَا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏أَجَازَا ‏ ‏وَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَعَالَيَا إِنَّهَا ‏ ‏صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ‏ ‏قَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُلْقِيَ فِي أَنْفُسِكُمَا شَيْئًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فِي أَنْفُسِكُمَا ) ‏ ‏هُوَ مِثْلُ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" فِي قُلُوبِكُمَا , وَإِضَافَةُ لَفْظِ الْجَمْعِ إِلَى الْمُثَنَّى كَثِيرٌ مَسْمُوعٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ). ‏"
    },
    {
        "id": "1898",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏يُخْبِرُ عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏صَفِيَّةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَتَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَلَمَّا رَجَعَتْ مَشَى مَعَهَا فَأَبْصَرَهُ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَلَمَّا أَبْصَرَهُ دَعَاهُ فَقَالَ تَعَالَ هِيَ ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏وَرُبَّمَا قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏هَذِهِ ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏مَجْرَى الدَّمِ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏أَتَتْهُ لَيْلًا قَالَ وَهَلْ هُوَ إِلَّا لَيْلٌ",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِسُفْيَانَ ) ‏ ‏وَهُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , الْقَائِل هُوَ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن الْمَدِينِيِّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ. وَقَوْله ‏ ‏( وَهَلْ هُوَ إِلَّا لَيْلًا ) ‏ ‏أَيْ وَهَلْ وَقَعَ الْإِتْيَان إِلَّا فِي اللَّيْل ؟ وَلَيْسَ الْمُرَاد نَفْيَ إِمْكَانِهِ بَلْ نَفْيُ وُقُوعِهِ , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي نَفْس الْحَدِيثِ \" أَنَّ صَفِيَّة أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1899",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ ‏ ‏خَالِ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏ح ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَحَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏ح ‏ ‏قَالَ وَأَظُنُّ أَنَّ ‏ ‏ابْنَ أَبِي لَبِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ نَقَلْنَا مَتَاعَنَا فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى مُعْتَكَفِهِ فَإِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَرَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مُعْتَكَفِهِ ‏ ‏وَهَاجَتْ ‏ ‏السَّمَاءُ فَمُطِرْنَا فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَقَدْ هَاجَتْ السَّمَاءُ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَكَانَ الْمَسْجِدُ ‏ ‏عَرِيشًا ‏ ‏فَلَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى أَنْفِهِ ‏ ‏وَأَرْنَبَتِهِ ‏ ‏أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن بِشْر ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَةَ قَوْله \" اِبْن بِشْر \" وَذَكَرَهُ النَّسَفِيُّ وَحْدَهُ تَعْلِيقًا فَقَالَ \" وَعَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنَا سُفْيَانُ \" وَهُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ \" حَدَّثَنَا اِبْن جُرَيْجٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏زَادَ الْحُمَيْدِيُّ اِبْن أَبِي مُسْلِمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ سُفْيَان وَهُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ وَهُوَ الْقَائِل أَيْضًا \" وَأَظُنُّ أَنَّ اِبْنَ أَبِي لَبِيدٍ حَدَّثَنَا \" وَالْحَاصِل أَنَّ لِسُفْيَانَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاخٍ حَدَّثُوهُ بِهِ عَنْ أَبِي سَلَمَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ سُفْيَان قَالَ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة وَابْن أَبِي لَبِيد عَنْ أَبِي سَلَمَة سَمِعْت أَبَا سَعِيدٍ \" وَلَمْ يَقُلْ \" وَأَظُنُّ \" وَمُحَمَّد بْن عَمْرو هُوَ اِبْن عَلْقَمَةَ اللَّيْثِيُّ وَلَمْ يُخْرِجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ إِلَّا مَقْرُونًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1900",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ وَإِذَا صَلَّى ‏ ‏الْغَدَاةَ ‏ ‏دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ قَالَ فَاسْتَأْذَنَتْهُ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَنْ تَعْتَكِفَ فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ فِيهِ ‏ ‏قُبَّةً ‏ ‏فَسَمِعَتْ بِهَا ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏فَضَرَبَتْ ‏ ‏قُبَّةً ‏ ‏وَسَمِعَتْ ‏ ‏زَيْنَبُ ‏ ‏بِهَا فَضَرَبَتْ ‏ ‏قُبَّةً ‏ ‏أُخْرَى فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ الْغَدَاةِ أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ فَقَالَ مَا هَذَا فَأُخْبِرَ خَبَرَهُنَّ فَقَالَ مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا ‏ ‏آلْبِرُّ ‏ ‏انْزِعُوهَا فَلَا أَرَاهَا فَنُزِعَتْ فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الْعَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَةَ \" هُوَ اِبْن سَلَامٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" حَلَّ \" بِمُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "1901",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَخِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي ‏ ‏الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْفِ نَذْرَكَ فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1902",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي ‏ ‏الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ‏ ‏قَالَ أُرَاهُ قَالَ لَيْلَةً قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْفِ بِنَذْرِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أُرَاهُ لَيْلَة ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله أَيْ أَظُنُّهُ , وَالْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ عُبَيْد شَيْخُ الْبُخَارِيِّ أَوْ الْبُخَارِيُّ نَفْسُهُ , فَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بِغَيْرِ شَكٍّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1903",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَيَّاشٍ , وَأَبُو حَصِينٍ بِفَتْحِ أَوَّله هُوَ عُثْمَانُ بْن عَاصِمٍ , وَالْإِسْنَادُ إِلَى أَبِي صَالِحٍ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن آدَمَ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاشٍ عِنْد النَّسَائِيِّ \" يَعْتَكِفُ الْعَشْر الْأَوَاخِر مِنْ رَمَضَان \" قَالَ اِبْن بَطَّال : مُوَاظَبَتُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الِاعْتِكَاف تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ , وَقَدْ رَوَى اِبْن الْمُنْذِر عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّهُ كَانَ يَقُول : عَجَبًا لِلْمُسْلِمِينَ , تَرَكُوا الِاعْتِكَاف , وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتْرُكْهُ مُنْذُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ا ه. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِك إِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ اِعْتَكَفَ إِلَّا أَبَا بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَإِنَّ تَرْكَهُمْ لِذَلِك لِمَا فِيهِ مِنْ الشِّدَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اِعْتَكَفَ عِشْرِينَ ) ‏ ‏قِيلَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْم بِانْقِضَاءِ أَجَلِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ لِيُبَيِّنَ لِأُمَّتِهِ الِاجْتِهَادَ فِي الْعَمَل إِذَا بَلَغُوا أَقْصَى الْعَمَل لِيَلْقَوْا اللَّهَ عَلَى خَيْرِ أَحْوَالِهِمْ , وَقِيلَ السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ جِبْرِيل كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ فِي كُلّ رَمَضَانَ مَرَّةً , فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عَارَضَهُ بِهِ مَرَّتَيْنِ فَلِذَلِكَ اِعْتَكَفَ قَدْرَ مَا كَانَ يَعْتَكِف مَرَّتَيْنِ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عِنْدَ اِبْنِ مَاجَهْ عَنْ هَنَّادٍ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش فِي آخِر حَدِيث الْبَاب مُتَّصِلًا بِهِ \" وَكَانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فِي كُلّ عَامٍ مَرَّةً , فَلَمَّا كَانَ الْعَام الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عَرَضَهُ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ \". وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَب ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا تَرَكَ الِاعْتِكَافَ فِي الْعَشْر الْأَخِير بِسَبَبِ مَا وَقَعَ مِنْ أَزْوَاجِهِ وَاعْتَكَفَ بَدَلَهُ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ اِعْتَكَفَ فِي الْعَامِ الَّذِي يَلِيهِ عِشْرِينَ لِيَتَحَقَّقَ قَضَاءُ الْعَشْرِ فِي رَمَضَانَ ا ه. وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا اِعْتَكَفَ فِي ذَلِكَ الْعَام عِشْرِينَ لِأَنَّهُ كَانَ الْعَام الَّذِي قَبْلَهُ مُسَافِرًا , وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْر الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَان , فَسَافَرَ عَامًا فَلَمْ يَعْتَكِف , فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ اِعْتَكَفَ عِشْرِينَ \" وَيَحْتَمِل تَعَدُّدَ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِتَعَدُّدِ السَّبَبِ فَيَكُون مَرَّةً بِسَبَبِ تَرْكِ الِاعْتِكَافِ لِعُذْرِ السَّفَر وَمَرَّة بِسَبَبِ عَرْضِ الْقُرْآنِ مَرَّتَيْنِ. وَأَمَّا مُطَابِقَةُ الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ فَإِنَّ الظَّاهِر بِإِطْلَاقِ الْعِشْرِينَ أَنَّهَا مُتَوَالِيَةٌ فَيَتَعَيَّن لِذَلِكَ الْعَشْر الْأَوْسَط أَوْ أَنَّهُ حَمَلَ الْمُطْلَق فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1904",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَتْنِي ‏ ‏عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَكَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فَاسْتَأْذَنَتْهُ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَأَذِنَ لَهَا وَسَأَلَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنْ تَسْتَأْذِنَ لَهَا فَفَعَلَتْ فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ ‏ ‏زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ ‏ ‏أَمَرَتْ بِبِنَاءٍ فَبُنِيَ لَهَا قَالَتْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا صَلَّى انْصَرَفَ إِلَى بِنَائِهِ فَبَصُرَ بِالْأَبْنِيَةِ فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا بِنَاءُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَحَفْصَةَ ‏ ‏وَزَيْنَبَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَالْبِرَّ ‏ ‏أَرَدْنَ بِهَذَا مَا أَنَا بِمُعْتَكِفٍ فَرَجَعَ فَلَمَّا أَفْطَرَ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1905",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا كَانَتْ ‏ ‏تُرَجِّلُ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهِيَ حَائِضٌ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1906",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّكُمْ تَقُولُونَ إِنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَتَقُولُونَ مَا بَالُ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارِ ‏ ‏لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمِثْلِ حَدِيثِ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏كَانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بِالْأَسْوَاقِ وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى مِلْءِ بَطْنِي فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتِي مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ ‏ ‏الصُّفَّةِ ‏ ‏أَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ ‏ ‏إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِلَّا وَعَى مَا أَقُولُ فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَيَّ حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَقَالَتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تِلْكَ مِنْ شَيْءٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَأَبُو سَلَمَة ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة شُعَيْب , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر كِتَاب الْعِلْم مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ \" عَنْ الْأَعْرَج \" وَهُوَ صَحِيح عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ كُلّ مِنْهُمْ , وَطَرِيقه عَنْ الْأَعْرَج مُخْتَصَرَة , وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام مِنْ طَرِيق سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيِّ أَتَمَّ مِنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِث الْحَدِيث هُنَاكَ. وَالْمَقْصُود مِنْهُ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة \" إِنَّ إِخْوَتِي مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ \" وَالصَّفْق بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة - وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيِّ بِالسِّينِ وَسُكُون الْفَاء بَعْدهَا قَافٌ - وَالْمُرَاد بِهِ التَّبَايُعُ , وَسُمِّيَتْ الْبَيْعَةُ صَفْقَةً لِأَنَّهُمْ اِعْتَادُوا عِنْد لُزُوم الْبَيْع ضَرْبَ كَفِّ أَحَدهمَا بِكَفِّ الْآخَر إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْأَمْلَاكَ تُضَاف إِلَى الْأَيْدِي , فَكَأَنَّ يَدَ كُلّ وَاحِد اِسْتَقَرَّتْ عَلَى مَا صَارَ لَهُ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ وُقُوع ذَلِكَ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاطِّلَاعه عَلَيْهِ وَتَقْرِيره لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى مِلْءِ بَطْنِي ) ‏ ‏أَيْ مُقْتَنِعًا بِالْقُوتِ أَيْ فَلَمْ تَكُنْ لَهُ غَيْبَةٌ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( نَمِرَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْمِيم أَيْ كِسَاء مُلَوَّنًا. وَقَالَ ثَعْلَبُ : هِيَ ثَوْبٌ مُخَطَّطٌ , وَقَالَ الْقَزَّاز : دُرَّاعَة تُلْبَسُ فِيهَا سَوَادٌ وَبَيَاضٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّة مَبَاحِثه فِي أَوَاخِر كِتَاب الْعِلْمِ , لِأَنَّهُ سَاقَ هَذَا الْكَلَام الْأَخِير هُنَاكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1907",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَمَّا قَدِمْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏آخَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنِي وَبَيْنَ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏إِنِّي أَكْثَرُ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏مَالًا فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا قَالَ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ قَالَ سُوقُ ‏ ‏قَيْنُقَاعٍ ‏ ‏قَالَ فَغَدَا إِلَيْهِ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَأَتَى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ قَالَ ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَزَوَّجْتَ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَمَنْ قَالَ امْرَأَةً مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَالَ كَمْ سُقْتَ قَالَ زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَدِّهِ ) ‏ ‏هُوَ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْفٍ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْحِمَّانِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَهُوَ مِنْ مُسْنَد عَبْد الرَّحْمَن , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي \" فَضَائِل الْأَنْصَار \" عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد فَقَالَ \" عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ : لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَة آخَى إِلَخْ \" فَهُوَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيق مُرْسَل , وَقَدْ تَبَيَّنَ لِي بِالطَّرِيقِ الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب أَنَّهُ مَوْصُول. ‏ ‏قَوْله : ( آخَى ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الصِّيَام بَيَان وَقْت الْمُؤَاخَاة فِي قِصَّة سَلْمَان وَأَبِي الدَّرْدَاء. ‏ ‏قَوْله : ( سَعْد بْن الرَّبِيع ) ‏ ‏سَأَذْكُرُ تَرْجَمَتَهُ فِي \" فَضَائِل الْأَنْصَار \". ‏ ‏قَوْله : ( نَزَلْت لَك عَنْهَا ) ‏ ‏أَيْ طَلَّقْتهَا لِأَجْلِك , وَ \" حَلَّتْ \" أَيْ اِنْقَضَتْ عِدَّتُهَا. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي \" الْوَلِيمَةِ \" مِنْ كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , قَالَ اِبْن التِّين : كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ سَعْدٍ قَبْلَ أَنْ يَسْأَل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَنْصَارَ أَنْ يَكْفُوا الْمُهَاجِرِينَ الْعَمَلَ وَيُعْطُوهُمْ نِصْفَ الثَّمَرَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَيْنُقَاع ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَضَمِّ النُّونِ بَعْدَهَا قَافٌ : قَبِيلَةٌ مِنْ الْيَهُودِ نُسِبَ السُّوق إِلَيْهِمْ , وَذَكَرَ اِبْن التِّين أَنَّهُ ضُبِطَ قَيْنُقَاع بِكَسْرِ النُّونِ فِي أَكْثَر نُسَخِ الْقَابِسِيِّ وَهُوَ صَوَابٌ أَيْضًا , وَقَدْ حُكِيَ فَتْحُهَا أَيْضًا , صَرْفُ قَيْنُقَاع عَلَى إِرَادَةِ الْحَيِّ , وَتَرْكُهُ عَلَى إِرَادَةِ الْقَبِيلَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَ الْغُدُوَّ ) ‏ ‏أَيْ دَاوَمَ الذَّهَابَ إِلَى السُّوقِ لِلتِّجَارَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1908",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَآخَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَهُ وَبَيْنَ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏ذَا غِنًى فَقَالَ ‏ ‏لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ وَأُزَوِّجُكَ قَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ فَمَكَثْنَا يَسِيرًا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ فَجَاءَ وَعَلَيْهِ ‏ ‏وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَهْيَمْ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَالَ مَا سُقْتَ إِلَيْهَا قَالَ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ ‏ ‏أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف الْمَذْكُورَة. قَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ طُرُق عَنْ حُمَيْدٍ وَعَنْ ثَابِت وَعَنْ عَبْد الْعَزِيز اِبْن صُهَيْبٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَنَس , وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا أَنَّ أَنَسًا حَمَلَهُ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن إِلَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمِ وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز عَنْ أَنَسٍ فَقَالَ \" عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف قَالَ : رَآنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيّ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَوَقَعَ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس عَنْ عَبْد الرَّحْمَن اِبْن عَوْف أَيْضًا وَذَكَرَ أَنَّ رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ مَالِك , وَالْمَحْفُوظ عَنْهُ كَمَا رَوَاهُ الْجَمَاعَة , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيث أَنَس وَبَيَان فَوَائِد طُرُقه وَاخْتِلَافهَا فِي \" الْوَلِيمَة \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْغَرَض مِنْ إِيرَادِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ اِشْتِغَالُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بِالتِّجَارَةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقْرِيره عَلَى ذَلِكَ , وَفِيهِ أَنَّ الْكَسْبَ مِنْ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا أَوْلَى مِنْ الْكَسْب مِنْ الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1909",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏عُكَاظٌ ‏ ‏وَمَجَنَّةُ ‏ ‏وَذُو الْمَجَازِ ‏ ‏أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ فَكَأَنَّهُمْ ‏ ‏تَأَثَّمُوا ‏ ‏فِيهِ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ‏} ‏فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ قَرَأَهَا ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي ذِكْرِ أَسْوَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَقْرِيرِهَا فِي الْإِسْلَامِ , قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاء كِتَابِ الْحَجِّ , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ ( وَكَانَ الْإِسْلَام ) ‏ ‏أَيْ وَجَاءَ الْإِسْلَامُ , فَكَانَ هُنَا تَامَّةٌ , وَ \" تَأَثَّمُوا \" أَيْ طَرَحُوا الْإِثْمَ , وَالْمَعْنَى تَرَكُوا التِّجَارَةَ فِي الْحَجِّ حَذَرًا مِنْ الْإِثْمِ , وَقِرَاءَة اِبْن عَبَّاس \" فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ \" مَعْدُودَةٌ مِنْ الشَّاذِّ الَّذِي صَحَّ إِسْنَادُهُ وَهُوَ حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِقُرْآنٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "1910",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو فَرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي فَرْوَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الشَّعْبِيَّ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي فَرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ وَمَنْ ‏ ‏اجْتَرَأَ ‏ ‏عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنْ الْإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ وَالْمَعَاصِي ‏ ‏حِمَى اللَّهِ ‏ ‏مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ ‏ ‏الْحِمَى ‏ ‏يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْأُولَى \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَقَدْ قَدَّمْت فِي الْإِيمَانِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ نَفَى سَمَاعَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( الْحَلَال بَيِّن وَالْحَرَام بَيِّن إِلَخْ ) ‏ ‏فِيهِ تَقْسِيم الْأَحْكَام إِلَى ثَلَاثَة أَشْيَاء , وَهُوَ صَحِيح لِأَنَّ الشَّيْء إِمَّا أَنْ يُنَصَّ عَلَى طَلَبِهِ مَعَ الْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِهِ , أَوْ يُنَصّ عَلَى تَرْكِهِ مَعَ الْوَعِيدِ عَلَى فِعْلِهِ , أَوْ لَا يُنَصّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. فَالْأَوَّل الْحَلَال الْبَيِّن , وَالثَّانِي الْحَرَام الْبَيِّن. فَمَعْنَى قَوْله \" الْحَلَال بَيِّن \" أَيْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِهِ وَيَشْتَرِك فِي مَعْرِفَتِهِ كُلُّ أَحَدٍ , وَالثَّالِثُ مُشْتَبِهٌ لِخَفَائِهِ فَلَا يُدْرَى هَلْ هُوَ حَلَال أَوْ حَرَام , وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيله يَنْبَغِي اِجْتِنَابُهُ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَرَامًا فَقَدْ بَرِئَ مِنْ تَبِعَتِهَا وَإِنْ كَانَ حَلَالًا فَقَدْ أُجِرَ عَلَى تَرْكِهَا بِهَذَا الْقَصْدِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ حَظْرًا وَإِبَاحَةً , وَالْأَوَّلَانِ قَدْ يُرَدَّانِ جَمِيعًا فَإِنْ عُلِمَ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ حَيِّزِ الْقَسَمِ الثَّالِثِ , وَسَأَذْكُرُ مَا فُسِّرَتْ بِهِ الشُّبْهَة بَعْد هَذَا الْبَاب , وَالْمُرَاد أَنَّهَا مُشْتَبِهَةٌ عَلَى بَعْض النَّاس بِدَلِيلِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام \" لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاس \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي \" بَابٌ فَضْلُ مَنْ اِسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ \" مِنْ كِتَاب الْإِيمَانِ , وَقَدْ تَوَارَدَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ الْمُخَرِّجِينَ لَهُ عَلَى إِيرَادِهِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ فِي الْمُعَامَلَاتِ تَقَعُ فِيهَا كَثِيرًا , وَلَهُ تَعَلُّقٌ أَيْضًا بِالنِّكَاحِ وَبِالصَّيْدِ وَالذَّبَائِح وَالْأَطْعِمَة وَالْأَشْرِبَة وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَاز الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ قَالَهُ الْبَغَوِيُّ فِي \" شَرْحِ السُّنَّةِ \" وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ مَنَعَ إِطْلَاقِ الْحَلَال وَالْحَرَام عَلَى مَا لَا نَصٌّ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَمْ يَسْتَبِنْ , لَكِنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ \" يُشْعِرُ بِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعْلَمُهَا. وَقَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيق \" اِسْتَبَانَ \" أَيْ ظَهَرَ تَحْرِيمُهُ. وَقَوْلُهُ \" أَوْشَكَ \" أَيْ قَرُبَ لِأَنَّ مُتَعَاطِيَ الشُّبُهَاتِ قَدْ يُصَادِفُ الْحَرَام وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ أَوْ يَقَعُ فِيهِ لِاعْتِيَادِهِ التَّسَاهُلَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1911",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ جَاءَتْ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ ‏ ‏أَبِي إِهَابٍ التَّمِيمِيِّ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1912",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ ‏ ‏زَمْعَةَ ‏ ‏مِنِّي فَاقْبِضْهُ قَالَتْ فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ أَخَذَهُ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏وَقَالَ ابْنُ أَخِي قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ فَقَامَ ‏ ‏عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏فَقَالَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَتَسَاوَقَا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي كَانَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ لَكَ يَا ‏ ‏عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏احْتَجِبِي مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ ‏ ‏بِعُتْبَةَ ‏ ‏فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1913",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِعْرَاضِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّهُ ‏ ‏وَقِيذٌ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُرْسِلُ كَلْبِي وَأُسَمِّي فَأَجِدُ مَعَهُ عَلَى الصَّيْدِ كَلْبًا آخَرَ لَمْ أُسَمِّ عَلَيْهِ وَلَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَ قَالَ لَا تَأْكُلْ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الْآخَرِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1914",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ فَقَالَ ‏ ‏لَوْلَا أَنْ تَكُونَ مِنْ صَدَقَةٍ لَأَكَلْتُهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَجِدُ تَمْرَةً سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ وَمَنْصُورٌ هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِرِ وَطَلْحَةُ هُوَ اِبْن مُطَرِّفٍ , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ إِلَّا الصَّحَابِيَّ فَإِنَّهُ سَكَنَ الْبَصْرَةَ وَقَدْ دَخَلَ الْكُوفَةَ مِرَارًا , وَصَرَّحَ يَحْيَى الْقَطَّان بِالتَّحْدِيثِ بَيْن مَنْصُورٍ وَسُفْيَانَ كَمَا سَيَأْتِي فِي اللُّقَطَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَسْقُوطَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَفِي رِوَايَة كَرِيمَةَ \" مَسْقَطَةٌ \" بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْقَافِ , قَالَ اِبْن التَّيْمِيِّ قَوْله \" مَسْقُوطَة \" كَلِمَةٌ غَرِيبَةٌ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ سَقَطَ لَازِمٌ وَالْعَرَبُ قَدْ تَذْكُر الْفَاعِل بِلَفْظِ الْمَفْعُولِ ; وَاسْتَشْهَدَ لَهُ الْخَطَّابِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( كَانَ وَعَدَهُ مَأْتِيًّا ) أَيْ آتَيَا وَقَالَ اِبْن التِّين : مَسْقُوطَة بِمَعْنَى سَاقِطَةٍ كَقَوْلِهِ حِجَابًا مَسْتُورًا أَيْ سَاتِرًا. وَقَالَ اِبْن مَالِكٍ فِي الشَّوَاهِد : قَوْله مَسْقُوطَة بِمَعْنَى مُسْقَطَة وَلَا فِعْل لَهُ , وَنَظِيرُهُ مَرْقُوقٌ بِمَعْنَى مُرَقٍّ أَيْ مُسْتَرَقٍّ عَنْ اِبْن جِنِّي , قَالَ : وَكَمَا جَاءَ مَفْعُول وَلَا فِعْلَ لَهُ جَاءَ فِعْلٌ وَلَا مَفْعُولَ لَهُ كَقِرَاءَةِ النَّخَعِيِّ ( عُمُوا وَصُمُّوا ) بِضَمِّ أَوَّلهمَا وَلَمْ يَجِئْ مَصْمُومٌ اِكْتِفَاءً بِأَصَمَّ. قُلْت. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ قَبِيصَةَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ \" مَطْرُوحَة \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَبِيصَةَ شَيْخ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ \" بِتَمْرَةٍ \" وَلَمْ يَقُلْ مَسْقُوطَة وَلَا مُسْقَطَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ هَمَّامٌ إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ فِي اللُّقَطَة بِتَمَامِهِ وَلَفْظه \" إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي فَأَجِد التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُون صَدَقَةً فَأُلْقِيهَا. قُلْت : وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ الْكَرْمَانِيُّ لَفْظَ رِوَايَة هَمَّامٍ فَقَالَ : تَمَام الْحَدِيث غَيْرُ مَذْكُورٍ , وَهُوَ لَوْلَا أَنْ تَكُون صَدَقَةً لَأَكَلْتهَا. قُلْت : وَالنُّكْتَةُ فِي ذِكْرِهِ هُنَا مَا فِيهِ مِنْ تَعْيِينِ الْمَحَلِّ الَّذِي رَأَى فِيهِ التَّمْرَةَ وَهُوَ فِرَاشُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَأْكُلْهَا وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْوَرَعِ. قَالَ الْمُهَلَّب : لَعَلَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِم الصَّدَقَة ثُمَّ يَرْجِع إِلَى أَهْله فَيَعْلَق بِثَوْبِهِ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَة شَيْء فَيَقَع فِي فِرَاشه , وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ بَيْن هَذَا وَبَيْن أَكْلِهِ مِنْ اللَّحْمِ الَّذِي تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ. قُلْت : وَلَمْ يَنْحَصِرْ وُجُودُ شَيْءٍ مِنْ تَمْر الصَّدَقَة فِي غَيْر بَيْتِهِ حَتَّى يُحْتَاجَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ , بَلْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ التَّمْر حُمِلَ إِلَى بَعْض مَنْ يَسْتَحِقّ الصَّدَقَة مِمَّنْ هُوَ فِي بَيْته وَتَأَخَّرَ تَسْلِيم ذَلِكَ لَهُ , أَوْ حُمِلَ إِلَى بَيْته فَقَسَمَهُ فَبَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَد مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ \" تَضَوَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ , فَقِيلَ لَهُ مَا أَسْهَرَك ؟ قَالَ إِنِّي وَجَدْت تَمْرَةً سَاقِطَةً فَأَكَلْتهَا , ثُمَّ ذَكَرْت تَمْرًا كَانَ عِنْدَنَا مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَمَا أَدْرِي أَمِنْ ذَلِكَ كَانَتْ التَّمْرَة أَوْ مِنْ تَمْر أَهْلِي , فَذَلِكَ أَسْهَرَنِي \" وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّعَدُّد , وَأَنَّهُ لَمَّا اِتَّفَقَ لَهُ أَكْل التَّمْرَة كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيث وَأَقْلَقَهُ ذَلِكَ صَارَ بَعْد ذَلِكَ إِذَا وَجَدَ مِثْلَهَا مِمَّا يُدْخِلُ التَّرَدُّدَ تَرَكَهُ اِحْتِيَاطًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي حَالَة أَكْله إِيَّاهَا كَانَ فِي مَقَامِ التَّشْرِيعِ وَفِي حَال تَرْكِهِ كَانَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ. وَقَالَ الْمُهَلَّب : إِنَّمَا تَرَكَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَرُّعًا وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ , لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلّ شَيْء فِي بَيْت الْإِنْسَانِ عَلَى الْإِبَاحَةِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى التَّحْرِيمِ , وَفِيهِ تَحْرِيمُ قَلِيل الصَّدَقَة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَحْرِيمُ كَثِيرِهَا مِنْ بَاب أَوْلَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1915",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الرَّجُلُ يَجِدُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا أَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ قَالَ ‏ ‏لَا حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏لَا وُضُوءَ إِلَّا فِيمَا وَجَدْتَ الرِّيحَ أَوْ سَمِعْتَ الصَّوْتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ \" عَنْ سُفْيَان حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبَّاد بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمّه ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن عَاصِم الْمَازِنِيُّ , وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ الْمَذْكُورَة \" أَخْبَرَنِي سَعِيد هُوَ اِبْن الْمُسَيِّب وَعَبَّاد بْن تَمِيم عَنْ عَبْد اللَّه بْن زَيْد \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَة عَنْ أَبِي نُعَيْم عَنْ سُفْيَان , وَسِيَاقُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ طَرِيقَ سَعِيدٍ مُرْسَلَةٌ وَطَرِيقَ عَبَّاد مَوْصُولَةٌ , وَلَمْ يَتَعَرَّض الْمِزِّيُّ لِتَمْيِيزِ ذَلِكَ فِي \" الْأَطْرَافِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن أَبِي حَفْصَة ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد وَكُنْيَتُهُ أَبُو سَلَمَة وَاسْم وَالِد أَبِي حَفْصَة مَيْسَرَةُ وَهُوَ بَصْرِيٌّ نَزَلَ الْجَزِيرَةَ , وَظَنَّ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ مُحَمَّدًا هَذَا وَسَالِمًا بْن أَبِي حَفْصَة وَعِمَارَة بْن أَبِي حَفْصَة إِخْوَةً فَجَزَمَ بِذَلِكَ هُنَا فَوَهِمَ فِيهِ وَهْمًا فَاحِشًا , فَإِنَّ وَالِد سَالِمٍ لَا يُعْرَفُ اِسْمُهُ وَهُوَ كُوفِيٌّ وَوَالِد عِمَارَةَ اِسْمُهُ نَابِتٌ بِالنُّونِ ثُمَّ مُوَحَّدَة ثُمَّ مُثَنَّاة , وَهُوَ بَصْرِيٌّ أَيْضًا , لَكِنَّ مَيْسَرَةَ مَوْلَى نَابِت عَرَبِيٌّ , وَسَالِم بْن أَبِي حَفْصَة مِنْ طَبَقَةٍ أَعْلَى مِنْ طَبَقَةِ الِاثْنَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا وُضُوءَ إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَ أَحْمَد أَثَر اِبْن أَبِي حَفْصَة الْمَذْكُور مِنْ طُرُق , وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي \" مُسْنَد أَبِي الْعَبَّاس السِّرَاج \" وَلَفْظُهُ \" عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّاد بْن تَمِيمٍ عَنْ عَمّه مَرْفُوعًا \" بِاللَّفْظِ الْمُعَلَّقِ , وَمَشَى بَعْض الشُّرَّاح عَلَى ظَاهِر قَوْل الْبُخَارِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" لَا وُضُوءَ إِلَخْ \" فَجَزَمَ بِأَنَّ هَذَا الْمَتْنَ مِنْ كَلَام الزُّهْرِيِّ , وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ لِمَا ذَكَرْته عَنْ مُسْنَدَيْ أَحْمَدَ وَالسِّرَاجِ , وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْبُخَارِيِّ بِهَذَا الِاخْتِصَار كَثِيرًا , وَالتَّقْدِير : عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَد إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا وُضُوء. الْحَدِيث. وَأَقْرَب أَمْثِلَة ذَلِكَ مَا مَضَى فِي الصَّوْم فِي \" بَابٌ إِذَا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ \" فَإِنَّهُ أَوْرَدَ حَدِيثَ الْبَاب مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ فَاطِمَة عَنْ أَسْمَاء قَالَتْ \" أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْد النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ \" قِيلَ لِهِشَامٍ : أُمِرُوا بِالْقَضَاءِ ؟ قَالَ : وَبُدٌّ مِنْ قَضَاءٍ \" قَالَ الْبُخَارِيُّ \" وَقَالَ مَعْمَر سَمِعْت هِشَامًا لَا أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لَا \" فَهَذَا أَيْضًا فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ سَمِعْت هِشَامًا عَنْ مَعْمَر عَنْ هِشَام بِالسَّنَدِ وَالْمَتْن , وَقَالَ فِي آخِره \" فَقَالَ إِنْسَان لِهِشَامٍ : أَقَضَوْا أَمْ لَا ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر كَذَلِكَ , وَأَوْرَدْته مِنْ \" مُسْنَدِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ \" عَالِيًا \" عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر سَمِعْت هِشَامًا عَنْ فَاطِمَة عَنْ أَسْمَاء \" فَذَكَرْت الْحَدِيث , قَالَ \" فَقَالَ إِنْسَان لِهِشَامٍ أَقَضَوْا أَمْ لَا ؟ قَالَ لَا أَدْرِي \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏اِخْتَصَرَ اِبْن أَبِي حَفْصَة هَذَا الْمَتْن اِخْتِصَارًا مُجْحِفًا , فَإِنَّ لَفْظَهُ يَعُمُّ مَا إِذَا وَقَعَ الشَّكُّ دَاخِلَ الصَّلَاة وَخَارِجهَا , وَرِوَايَة غَيْره مِنْ أَثُبَاتِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِمَنْ كَانَ دَاخِلَ الصَّلَاةِ , وَوَجْهُهُ أَنَّ خُرُوجَ الرِّيحِ مِنْ الْمُصَلِّي هُوَ الَّذِي يَقَع لَهُ غَالِبًا بِخِلَافِ غَيْره مِنْ النَّوَاقِضِ فَإِنَّهُ لَا يَهْجُمُ عَلَيْهِ إِلَّا نَادِرًا , وَلَيْسَ الْمُرَاد حَصْرَ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِوُجُودِ الرِّيحِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1916",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ قَوْمًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي التَّسْمِيَة عَلَى الذَّبِيحَة , وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَة لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ الذَّبْحِ , وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي جَوَاز الْأَكْلِ مِنْ الذَّبِيحَةِ , وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ وَالْجَوَابُ عَمَّا أُورِدَ عَلَيْهِ وَسَائِرُ مَبَاحِثِهِ فِي كِتَاب الذَّبَائِحِ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَهُوَ أَصْلٌ فِي تَحْسِينِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ وَأَنَّ أُمُوره مَحْمُولَةٌ عَلَى الْكَمَالِ وَلَا سِيَّمَا أَهْل ذَلِكَ الْعَصْرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1917",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ أَقْبَلَتْ مِنْ ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَنَزَلَتْ ‏ { ‏وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1918",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي ‏ ‏الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنْ الْحَرَامِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَانٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ يَزِيد عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْبٍ بِسَنَدِهِ \" لَيَأْتِيَن عَلَى النَّاس زَمَانٌ \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَر \" يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان مَا يُبَالِي الرَّجُلُ مِنْ أَيْنَ أَصَابَ الْمَال مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَامٍ \" وَهَذَا أَوْرَدَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَوَهِمَ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" فَظَنَّ أَنَّ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن هُوَ اِبْنُ أَبِي ذِئْب فَتَرْجَمَ بِهِ لِلنَّسَائِيِّ مَعَ طَرِيق الْبُخَارِيّ هَذِهِ عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب , وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ فَإِنِّي لَمْ أَقِف عَلَيْهِ فِي جَمِيع النُّسَخ الَّتِي وَقَفَتْ عَلَيْهَا مِنْ النَّسَائِيِّ إِلَّا عَنْ الشَّعْبِيّ لَا عَنْ سَعِيد , وَمُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَذْكُور عَنْهُ أَظُنُّهُ اِبْنَ أَبِي لَيْلَى لَا اِبْنَ أَبِي ذِئْبٍ , لِأَنِّي لَا أَعْرِفُ لِابْنِ أَبِي ذِئْبٍ رِوَايَةً عَنْ الشَّعْبِيِّ , وَقَالَ اِبْن التِّين : أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا تَحْذِيرًا مِنْ فِتْنَة الْمَال , وَهُوَ مِنْ بَعْض دَلَائِل نُبُوَّته لِإِخْبَارِهِ بِالْأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِهِ. وَوَجْه الذَّمِّ مِنْ جِهَةِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ , وَإِلَّا فَأَخْذُ الْمَالِ مِنْ الْحَلَالِ لَيْسَ مَذْمُومًا مِنْ حَيْثُ هُوَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "1919",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْمِنْهَالِ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ ‏ ‏أَتَّجِرُ فِي الصَّرْفِ ‏ ‏فَسَأَلْتُ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏وَعَامِرُ بْنُ مُصْعَبٍ ‏ ‏أَنَّهُمَا سَمِعَا ‏ ‏أَبَا الْمِنْهَالِ ‏ ‏يَقُولُ سَأَلْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ‏ ‏عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَا كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ ‏ ‏إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ كَانَ ‏ ‏نَسَاءً ‏ ‏فَلَا يَصْلُحُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( نَسِيئًا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ نَسَاءً بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ وَمَدَّةٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "1920",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ عَلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا فَرَجَعَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏فَفَرَغَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَالَ أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏ائْذَنُوا لَهُ قِيلَ قَدْ رَجَعَ فَدَعَاهُ فَقَالَ كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ فَقَالَ تَأْتِينِي عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا ‏ ‏لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلَّا أَصْغَرُنَا ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ‏ ‏فَذَهَبَ ‏ ‏بِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَخَفِيَ هَذَا عَلَيَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ ‏ ‏يَعْنِي الْخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَا مُوسَى اِسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَر فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ) ‏ ‏زَادَ بِشْر بْن سَعِيد عَنْ أَبِي سَعِيد كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاسْتِئْذَان \" أَنَّهُ اِسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة أَنَّهُ قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اِسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَذَهَبَ بِأَبِي سَعِيدٍ ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة \" فَأَخْبَرْت عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ \" وَفِيهِ الدَّلَالَة عَلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ \" كُنَّا نُؤْمَرُ بِكَذَا \" مَحْمُولٌ عَلَى الرَّفْعِ , وَيَقْوَى ذَلِكَ إِذَا سَاقَهُ مَسَاقَ الِاسْتِدْلَالِ , وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ الْكَبِيرَ الْقَدْرِ الشَّدِيدَ اللُّزُومِ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ بَعْض أَمْرِهِ وَيَسْمَعُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ , وَادَّعَى بَعْضهمْ أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ عُمَر كَانَ لَا يَقْبَلُ الْخَبَرَ مِنْ شَخْص وَاحِدٍ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ فِي بَعْض طُرُقِهِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : إِنَى أَحْبَبْت أَنْ أَتَثَبَّتَ. وَسَتَأْتِي فَوَائِده مُسْتَوْفَاةً فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ قَبِلَ عُمَر خَبَر الضِّحَاكِ بْن سُفْيَانَ وَحْدَهُ فِي الدِّيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عُمَر أَخَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ , يَعْنِي الْخُرُوج إِلَى التِّجَارَةِ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل , وَأَطْلَقَ عُمَر عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالتِّجَارَةِ لَهْوًا لِأَنَّهَا أَلْهَتْهُ عَنْ طُول مُلَازَمَتِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى سَمِعَ غَيْره مِنْهُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ , وَلَمْ يَقْصِدْ عُمَرُ تَرْكَ أَصْلِ الْمُلَازَمَةِ وَهِيَ أَمْر نِسْبِيٌّ , وَكَانَ اِحْتِيَاج عُمَر إِلَى الْخُرُوج لِلسُّوقِ مِنْ أَجْلِ الْكَسْبِ لِعِيَالِهِ وَالتَّعَفُّفِ عَنْ النَّاس , وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَة فَكَانَ وَحْدَهُ فَلِذَلِكَ أَكْثَرَ مُلَازَمَتَهُ , وَمُلَازَمَةُ عُمَر لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَخْفَى كَمَا سَيَأْتِي فِي تَرْجَمَتِهِ فِي الْمَنَاقِب. وَاللَّهْوُ مُطْلَقًا مَا يُلْهِي سَوَاءٌ كَانَ حَرَامًا أَوْ حَلَالًا , وَفِي الشَّرْعِ مَا يَحْرُمُ فَقَطْ. ‏"
    },
    {
        "id": "1921",
        "content": "‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏خَرَجَ إِلَى الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ وَسَاقَ الْحَدِيثَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْثُ إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَاقَهُ بِتَمَامِهِ فِي كِتَاب الْكَفَالَة كَمَا سَيَأْتِي , وَسَنَذْكُرُ الْكَلَامَ عَلَيْهِ ثَمَّ , وَوَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِالتَّرْجَمَةِ ظَاهِرٌ مِنْ جِهَة أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يَنْسَخُهُ , وَلَا سِيَّمَا إِذَا ذَكَرَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقَرِّرًا لَهُ أَوْ فِي سِيَاق الثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاد الْمُصَنِّف بِإِيرَادِ هَذَا أَنَّ رُكُوب الْبَحْر لَمْ يَزَلْ مُتَعَارَفًا مَأْلُوفًا مِنْ قَدِيم الزَّمَانِ , فَيُحْمَلُ عَلَى أَصْل الْإِبَاحَةِ حَتَّى يَرِدَ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ. ‏ ‏قَوْله فِي آخِره ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن صَالِح حَدَّثَنَا اللَّيْث بِهِ ) ‏ ‏فِيهِ التَّصْرِيح بِوَصْلِ الْمُعَلَّق الْمَذْكُور , وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات فِي الصَّحِيح , وَلَا ذَكَرَهُ أَبُو ذَرّ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْت. ‏"
    },
    {
        "id": "1922",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقْبَلَتْ عِيرٌ وَنَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْجُمُعَةَ فَانْفَضَّ النَّاسُ إِلَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ‏ ‏فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1923",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ عَائِشَة مَرْفُوعًا \" إِذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا \" الْحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1924",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَة فِي ذَلِكَ بِلَفْظِ \" إِذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْب زَوْجهَا عَنْ غَيْر أَمْرِهِ فَلَهَا نِصْف أَجْرِهِ \" وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ فِيمَا أَذِنَ لَهَا فِي ذَلِكَ , وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إِذَا أَنْفَقَتْ مِنْ الَّذِي يَخُصُّهَا بِهِ إِذَا تَصَدَّقَتْ بِهِ بِغَيْرِ اِسْتِئْذَانِهِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ كَوْنُهُ مِنْ كَسْبِهِ فَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ , وَكَوْنُهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون أَذِنَ لَهَا بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ لَكِنَّ الْمَنْفِيَّ مَا كَانَ بِطَرِيقِ التَّفْصِيلِ وَلَا بُدَّ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى أَحَد هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ وَإِلَّا فَحَيْثُ كَانَ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَا إِجْمَالًا وَلَا تَفْصِيلًا فَهِيَ مَأْزُورَةٌ بِذَلِكَ لَا مَأْجُورَةٌ , وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنْ اِبْن عُمَر عِنْد الطَّيَالِسِيِّ وَغَيْره. وَأَمَّا قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ \" فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُعِينُهَا عَلَى تَنْفِيذِ الصَّدَقَةِ , بِخِلَافِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَفِيهِ أَنَّ لِلْخَادِمِ مِثْلَ ذَلِكَ , أَوْ الْمَعْنَى بِالنِّصْفِ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ أَجْرَهُ وَأَجْرَهَا إِذَا جُمِعَا كَانَ لَهَا النِّصْف مِنْ ذَلِكَ فَلِلْكُلِّ مِنْهُمَا أَجْرٌ كَامِلٌ وَهُمَا اِثْنَانِ فَكَأَنَّهُمَا نِصْفَانِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1925",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الْكِرْمَانِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَسَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ هُوَ الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ ‏ ‏يُنْسَأَ ‏ ‏لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي يَعْقُوب ) ‏ ‏اِسْم أَبِيهِ إِسْحَاق بْن مَنْصُور , وَقِيلَ إِنَّ مَنْصُورًا اِسْم أَبِيهِ , وَقِيلَ إِنَّ أَبَا يَعْقُوب جَدُّهُ الْكِرْمَانِيّ بِكَسْرِ الْكَاف , وَذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ الشَّارِحُ أَنَّ النَّوَوِيَّ ضَبَطَهَا بِفَتْحِ الْكَاف وَتَعَقَّبَهُ , وَسَلَفُ النَّوَوِيِّ فِي ذَلِكَ أَبُو سَعِيد بْن السَّمْعَانِيِّ وَهُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ , فَلَعَلَّ الصَّوَابَ فِيهَا فِي الْأَصْل الْفَتْح , ثُمَّ كَثُرَ اِسْتِعْمَالُهَا بِالْكَسْرِ تَغْيِيرًا مِنْ الْعَامَّة , وَقَدْ نَزَلَ مُحَمَّدٌ الْمَذْكُورُ الْبَصْرَةَ , وَوَثَّقَهُ اِبْن مَعِين وَغَيْره , وَلَمْ يَعْرِف أَبُو حَاتِم الرَّازِيُّ حَالَهُ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَرَ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ وَآخَرَ فِي أَوَائِل الْأَحْكَام , وَالثَّلَاثَة إِسْنَادُهَا وَاحِدٌ إِلَى الزُّهْرِيِّ , وَشَيْخه حَسَّان هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيمَ الْكَرْمَانِيُّ وَيُونُس هُوَ اِبْن يَزِيد. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مُحَمَّد هُوَ الزُّهْرِيُّ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل , وَفِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حَسَّان عَنْ يُونُس بْن يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَسٍ ) ‏ ‏يَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَنَسٌ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُنْسَأ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ثُمَّ هَمْزَة أَيْ يُؤَخَّر لَهُ , وَالْأَثَر هُنَا بَقِيَّةُ الْعُمُرِ قَالَ زُهَيْرٌ : ‏ ‏وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ ‏ ‏لَا يَنْتَهِي الطَّرْفُ حَتَّى يَنْتَهِي الْأَثَرُ ‏ ‏وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَى الْبَسْطِ فِي الرِّزْق الْبَرَكَة فِيهِ , وَفِي الْعُمُر حُصُولُ الْقُوَّةِ فِي الْجَسَدِ , لِأَنَّ صِلَةَ أَقَارِبِهِ صَدَقَةٌ وَالصَّدَقَةُ تُرَبِّي الْمَالَ وَتَزِيدُ فِيهِ فَيَنْمُو بِهَا وَيَزْكُو , لِأَنَّ رِزْق الْإِنْسَان يُكْتَبُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَلِذَلِكَ اُحْتِيجَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ , أَوْ الْمَعْنَى أَنَّهُ يُكْتَبُ مُقَيَّدًا بِشَرْطٍ كَأَنْ يُقَالَ إِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ فَلَهُ كَذَا وَإِلَّا فَكَذَا , أَوْ الْمَعْنَى بَقَاءُ ذِكْرِهِ الْجَمِيلِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَأَغْرَبَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فَقَالَ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ قِلَّةُ الْبَقَاءِ فِي الْبَرْزَخِ. وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَةَ : يَحْتَمِل أَنْ يَكْتُبَ أَجَلُ الْعَبْدِ مِائَةَ سَنَةٍ وَتَزْكِيَتُهُ عِشْرِينَ فَإِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ زَادَ التَّزْكِيَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمَكْتُوبُ عِنْد الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِهِ غَيْرُ الْمَعْلُومِ عِنْد اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَالْأَوَّلُ يَدْخُلُ فِيهِ التَّغْيِيرُ. وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ الْمُعَامَلَاتِ عَلَى الظَّوَاهِرِ وَالْمَعْلُوم الْبَاطِن خَفِيٌّ لَا يُعَلَّقُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ , فَذَلِكَ الظَّاهِرُ الَّذِي اِطَّلَعَ عَلَيْهِ الْمَلَكُ هُوَ الَّذِي يَدْخُلُهُ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ وَالْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ , وَالْحِكْمَةُ فِيهِ إِبْلَاغ ذَلِكَ إِلَى الْمُكَلَّفِ لِيَعْلَمَ فَضْلَ الْبِرِّ وَشُؤْمَ الْقَطِيعَةِ , وَسَيَأْتِي ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْسُوطَةً فِي كِتَابِ الْقَدَرِ , وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى إِيثَارِ الْغِنَى عَلَى الْفَقْرِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1926",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ ذَكَرْنَا عِنْدَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ ‏ ‏فَقَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْأَسْوَدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي طَرِيق عَائِشَة ‏ ‏( ذَكَرْنَا عِنْد إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ , ‏ ‏وَقَوْلُهُ : ( الرَّهْن فِي السَّلَمِ ) ‏ ‏أَيْ السَّلَفِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ السَّلَمَ الْعُرْفِيَّ. ‏"
    },
    {
        "id": "1927",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَسْبَاطٌ أَبُو الْيَسَعِ الْبَصْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دِرْعًا لَهُ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏عِنْدَ يَهُودِيٍّ وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَاعُ بُرٍّ وَلَا صَاعُ حَبٍّ وَإِنَّ عِنْدَهُ لَتِسْعَ نِسْوَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم. وَقَوْله فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة ‏ ‏( أَسْبَاط ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ : ( أَبُو الْيَسَعِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ وَهُوَ بَصْرِيٌّ , وَكَذَا بَقِيَّةُ رِجَال الْإِسْنَاد , وَلَيْسَ لِأَسْبَاطٍ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ قِيلَ إِنَّ اِسْمَ أَبِيهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ , وَقَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّف هُنَا عَلَى لَفْظِ أَبِي الْيَسَعِ , وَسَاقَهُ فِي الرَّهْن عَلَى لَفْظ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم , وَالنُّكْتَةُ فِي جَمْعِهِمَا هُنَا مَعَ أَنَّ طَرِيق مُسْلِمٍ أَعْلَى مُرَاعَاةً لِلْغَالِبِ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ لَا يَذْكُرَ الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ فِي مَوْضِعَيْنِ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ , وَلِأَنَّ أَبَا الْيَسَعِ الْمَذْكُورَ فِيهِ مَقَالٌ فَاحْتَاجَ أَنْ يَقْرِنَهُ بِمَنْ يُعَضِّدُهُ. وَقَوْله فِيهِ ‏ ‏( وَلَقَدْ سَمِعْته يَقُولُ ) ‏ ‏هُوَ كَلَامُ أَنَسٍ , وَالضَّمِير فِي سَمِعْته لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَيْ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا رَهَنَ الدِّرْعَ عِنْد الْيَهُودِيِّ مُظْهِرًا لِلسَّبَبِ فِي شِرَائِهِ إِلَى أَجَلٍ , وَذَهِلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَلَام قَتَادَةَ وَجَعَلَ الضَّمِيرَ فِي سَمِعْته لِأَنَسٍ , لِأَنَّهُ إِخْرَاجٌ لِلسِّيَاقِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1928",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا اسْتُخْلِفَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَئُونَةِ أَهْلِي وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَسَيَأْكُلُ آلُ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏مِنْ هَذَا الْمَالِ وَيَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْسٍ. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي ) ‏ ‏أَيْ قُرَيْشٌ وَالْمُسْلِمُونَ. ‏ ‏قَوْله : ( حِرْفَتِي ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا فَاءٌ أَيْ جِهَة اِكْتِسَابِي , وَالْحِرْفَةُ جِهَة الِاكْتِسَاب وَالتَّصَرُّف فِي الْمَعَاش , وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ كَسُوبًا لِمُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ بِالتِّجَارَةِ مِنْ غَيْرِ عَجْزٍ , تَمْهِيدًا عَلَى سَبِيل الِاعْتِذَار عَمَّا يَأْخُذُهُ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا اِحْتَاجَ إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَشُغِلْت ) ‏ ‏جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ إِنَّ الْقِيَام بِأُمُورِ الْخِلَافَة شَغَلَهُ عَنْ الِاحْتِرَاف , وَقَدْ رَوَى اِبْن سَعْد وَابْن الْمُنْذِر بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" لَمَّا مَرِضَ أَبُو بَكْرٍ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَالَ : اُنْظُرُوا مَاذَا فِي مَالِي مُنْذُ دَخَلَتْ الْإِمَارَةُ فَابْعَثُوا بِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ بَعْدِي. قَالَتْ : فَلَمَّا مَاتَ نَظَرْنَا فَإِذَا عَبْدٌ نُوبِيّ كَانَ يَحْمِل صِبْيَانه , وَنَاضِحٌ كَانَ يَسْقِي بُسْتَانًا لَهُ , فَبَعَثْنَا بِهِمَا إِلَى عُمَر فَقَالَ : رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ , لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ \" وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ عَائِشَة نَحْوَهُ وَزَادَ \" إِنَّ الْخَادِمَ كَانَ صَيْقَلًا يَعْمَلُ سُيُوفَ الْمُسْلِمِينَ وَيَخْدُمُ آلَ أَبِي بَكْرٍ \" وَمِنْ طَرِيق ثَابِت عَنْ أَنَس نَحْوه وَفِيهِ \" قَدْ كُنْت حَرِيصًا عَلَى أَنْ أُوَفِّرَ مَالَ الْمُسْلِمِينَ , وَقَدْ كُنْت أَصَبْت مِنْ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ \" وَفِيهِ \" وَمَا كَانَ عِنْدَهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ , مَا كَانَ إِلَّا خَادِمٌ وَلِقْحَة وَمِحْلَبٌ \". ‏ ‏قَوْله : ( آل أَبِي بَكْر ) ‏ ‏أَيْ هُوَ نَفْسه وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَته. وَقِيلَ أَرَادَ نَفْسه بِدَلِيلِ قَوْله \" أَحْتَرِف \" حَكَاهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَيْهِ نَسَقُ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ أَسْنَدَ الِاحْتِرَافَ إِلَى ضَمِير الْمُتَكَلِّم عَاطِفًا لَهُ عَلَى \" فَسَيَأْكُلُ \" فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَهْلَ لَتَنَافَرَ. اِنْتَهَى. وَجَزَمَ الْبَيْضَاوِيُّ بِأَنَّ قَوْله \" آل أَبِي بَكْر \" عُدُولٌ عَنْ الْمُتَكَلِّم إِلَى الْغَيْبَةِ عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ , قَالَ وَقِيلَ : أَرَادَ نَفْسه , وَالْأَوَّل مُقْحَمٌ لِقَوْلِهِ \" وَأَحْتَرِف \" وَلَيْسَ بِشَيْءٍ , بَلْ الْمَعْنَى أَنِّي كُنْت أَكْتَسِبُ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَهُ وَالْآنَ أَكْتَسِبُ لِلْمُسْلِمِينَ قَالَ الطِّيبِيُّ : فَائِدَةُ الِالْتِفَاتِ أَنَّهُ جَرَّدَ مِنْ نَفْسه شَخْصًا كَسُوبًا لِمُؤْنَةِ الْأَهْل بِالتِّجَارَةِ فَامْتَنَعَ لِشُغْلِهِ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ الِاكْتِسَابِ , وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِالْعِلَّةِ وَأَنَّ مَنْ اِتَّصَفَ بِالشُّغْلِ الْمَذْكُور حَقِيقٌ أَنْ يَأْكُل هُوَ وَعِيَاله مِنْ بَيْتِ الْمَالِ , وَخَصَّ الْأَكْل مِنْ بَيْن الِاحْتِيَاجَاتِ لِكَوْنِهِ أَهَمَّهَا وَمُعْظَمَهَا. قَالَ اِبْن التِّين : وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ أَنْ يَأْخُذ مِنْ عَرَضِ الْمَالِ الَّذِي يَعْمَل فِيهِ قَدْر حَاجَته إِذَا لَمْ يَكُنْ فَوْقه إِمَام يَقْطَع لَهُ أُجْرَةً مَعْلُومَةً , وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ. قُلْت : لَكِنْ فِي قِصَّة أَبِي بَكْر أَنَّ الْقَدْر الَّذِي كَانَ يَتَنَاوَلهُ فُرِضَ لَهُ بِاتِّفَاقٍ مِنْ الصَّحَابَة , فَرَوَى اِبْن سَعْد بِإِسْنَادٍ مُرْسَلٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ قَالَ \" لَمَّا اُسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْر أَصْبَحَ غَادِيًا إِلَى السُّوق عَلَى رَأْسه أَثْوَابٌ يَتَّجِرُ بِهَا , فَلَقِيَهُ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْن الْجَرَّاحِ فَقَالَ : كَيْفَ تَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ وُلِّيت أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ؟ قَالَ : فَمِنْ أَيْنَ أُطْعِمُ عِيَالِي ؟ قَالُوا : نَفْرِض لَك , فَفَرَضُوا لَهُ كُلَّ يَوْمٍ شَطْرَ شَاةٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَحْتَرِف ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَيَحْتَرِف \" قَالَ اِبْن الْأَثِير : أَرَادَ بِاحْتِرَافِهِ لِلْمُسْلِمِينَ نَظَرَهُ فِي أُمُورِهِمْ وَتَمْيِيز مَكَاسِبِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ , وَكَذَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : الْمَعْنَى أَكْتَسِبُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالهمْ بِالسَّعْيِ فِي مَصَالِحِهِمْ وَنَظْمِ أَحْوَالِهِمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ : يُقَال اِحْتَرَفَ الرَّجُلُ إِذَا جَازَى عَلَى خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. وَقَالَ الْمُهَلَّب : قَوْله أَحْتَرِف لَهُمْ أَيْ أَتَّجِر لَهُمْ فِي مَالهمْ حَتَّى يَعُودَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِبْحِهِ بِقَدْرِ مَا آكُلُ أَوْ أَكْثَر وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَّجِر فِي مَال الْمُسْلِمِينَ بِقَدْرِ مُؤْنَتِهِ إِلَّا أَنْ يَطَّوَّعَ بِذَلِكَ كَمَا تَطَوَّعَ أَبُو بَكْر. قُلْت : وَالتَّوْجِيه الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْن الْأَثِير أَوْجَهُ , لِأَنَّ أَبَا بَكْر بَيَّنَ السَّبَب فِي تَرْك الِاحْتِرَاف وَهُوَ الِاشْتِغَال بِالْإِمَارَةِ , فَمَتَى يَتَفَرَّغُ لِلِاحْتِرَافِ لِغَيْرِهِ ؟ إِذْ لَوْ كَانَ يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَافُ لَاحْتَرَفَ لِنَفْسِهِ كَمَا كَانَ , إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي الْمَالَ لِمَنْ يَتَّجِر فِيهِ وَيَجْعَل رِبْحَهُ لِلْمُسْلِمِينَ , وَقَدْ رَوَى الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي حَدِيث الْبَاب مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ \" فَلَمَّا اُسْتُخْلِفَ عُمَرُ أَكَلَ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْ الْمَالِ - أَيْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ - وَاحْتَرَفَ فِي مَالِ نَفْسِهِ \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏حَدِيث أَبِي بَكْر هَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْوَقْفَ لَكِنَّهُ بِمَا اِقْتَضَاهُ مِنْ أَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَخْلَف كَانَ يَحْتَرِف لِتَحْصِيلِ مُؤْنَةِ أَهْلِهِ يَصِير مَرْفُوعًا لِأَنَّهُ يَصِير كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ : كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ رَوَى اِبْن مَاجَهْ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة \" أَنَّ أَبَا بَكْر خَرَجَ تَاجِرًا إِلَى بُصْرَى فِي عَهْد النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي أَوَّل الْبُيُوعِ \" إِنَّ إِخْوَانِي مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ \" وَيَأْتِي حَدِيثُ عَائِشَة \" أَنَّ الصَّحَابَة كَانُوا عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ \" وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَاد الْبُخَارِيِّ لَهُ عَقِبَ حَدِيثِهَا عَنْ أَبِي بَكْر. ‏"
    },
    {
        "id": "1929",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ وَكَانَ يَكُونُ لَهُمْ أَرْوَاحٌ فَقِيلَ لَهُمْ لَوْ اغْتَسَلْتُمْ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يَزِيد ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ فِي جَمِيع الرِّوَايَات إِلَّا رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن شَبَّوَيْهِ عَنْ الْفَرَبْرِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يَزِيد \" فَمُحَمَّدٌ عَلَى هَذَا هُوَ الْمُصَنِّف وَعَبْد اللَّه بْن يَزِيد هُوَ الْمُقْرِي , وَقَدْ أَكْثَر عَنْهُ الْبُخَارِيّ , وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ , وَسَعِيدٌ هُوَ اِبْن أَبِي أَيُّوبَ , وَأَبُو الْأَسْوَد هُوَ النَّوْفَلِيّ الْمَعْرُوف بِيَتِيمِ عُرْوَةَ , وَجَزَمَ الْحَاكِمُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا هُنَا هُوَ الذُّهْلِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ هَمَّامٌ ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن يَحْيَى ‏ ‏( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عُرْوَة. وَهَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق هُدْبَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ \" كَانَ الْقَوْم خَدَّامَ أَنْفُسِهِمْ , وَكَانُوا يَرُوحُونَ إِلَى الْجُمُعَة فَأَمَرُوا أَنْ يَغْتَسِلُوا \" وَبِهَذَا اللَّفْظ رَوَاهُ قُرَيْشُ بْن أَنَس عَنْ هِشَام عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَالْبَزَّار , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه عَنْ عُرْوَة وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرَةَ , وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله \" كَانُوا عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ \" وَقَوْله \" يَكُونُ لَهُمْ أَرْوَاح \" جَمْع رِيحٍ لِأَنَّ أَصْل رِيحِ رَوْحٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُون الْوَاو وَيُقَال فِي جَمْعِهِ أَيْضًا أَرْيَاح بِقِلَّةٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "1930",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِقْدَامِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ ثَوْرٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ يَزِيدَ الشَّامِيُّ لَا اِبْنُ زَيْدٍ الْمَدَنِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْمِقْدَامِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَعْدِي كَرِبَ الْكَنَدِيّ مِنْ صِغَار الصَّحَابَة , مَاتَ سَنَة بِضْع وَثَمَانِينَ بِحِمْصَ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرُ فِي الْأَطْعِمَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَا أَكَلَ أَحَدٌ ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ \" مِنْ بَنِي آدَمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُل مِنْ عَمَلِ يَده ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" خَيْرٌ \" بِالرَّفْعِ وَهُوَ جَائِزٌ , وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ \" كَدِّ يَدَيْهِ \" وَالْمُرَاد بِالْخَيْرِيَّةِ مَا يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ بِالْيَدِ مِنْ الْغِنَى عَنْ النَّاس. وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عُمَر بْن سَعْد عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان عَنْهُ \" مَا كَسَبَ الرَّجُلُ أَطْيَبَ مِنْ عَمَل يَدَيْهِ \" وَلِابْنِ الْمُنْذِر مِنْ هَذَا الْوَجْه \" مَا أَكَلَ رَجُلٌ طَعَامًا قَطُّ أَحَلَّ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ \" وَفِي فَوَائِد هِشَام بْن عَمَّار عَنْ بَقِيَّة حَدَّثَنِي عُمَر بْن سَعْد بِهَذَا الْإِسْنَاد مِثْل حَدِيث الْبَاب وَزَادَ \" مَنْ بَاتَ كَالًّا مِنْ عَمَلِهِ بَاتَ مَغْفُورًا لَهُ \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُل مِنْ كَسْبِهِ \" وَفِي الْبَابِ مِنْ حَدِيث سَعِيد بْن عُمَيْر عَنْ عَمّه عِنْد الْحَاكِمِ , وَمِنْ حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج عِنْد أَحْمَد , وَمِنْ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عِنْد أَبِي دَاوُدَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ دَاوُدَ إِلَخْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِحَذْفِ الْوَاوِ , وَفِي رِوَايَتِهِ \" مِنْ كَسْبِ يَدِهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1931",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَا يَأْكُل إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ) ‏ ‏وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْحَصْرِ بِخِلَافِ الَّذِي قَبْله , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي فِي تَرْجَمَةِ دَاوُدَ مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاءِ ; وَوَقَعَ فِي الْمُسْتَدْرَك عَنْ اِبْن عَبَّاس بِسَنَدٍ وَاهٍ \" كَانَ دَاوُدُ زَرَّادًا , وَكَانَ آدَمُ حَرَّاثًا , وَكَانَ نُوحٌ نَجَّارًا , وَكَانَ إِدْرِيسُ خَيَّاطًا , وَكَانَ مُوسَى رَاعِيًا \" وَفِي الْحَدِيث فَضْل الْعَمَل بِالْيَدِ , وَتَقْدِيم مَا يُبَاشِرهُ الشَّخْص بِنَفْسِهِ عَلَى مَا يُبَاشِرهُ بِغَيْرِهِ , وَالْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ دَاوُدَ بِالذِّكْرِ أَنَّ اِقْتِصَاره فِي أَكْلِهِ عَلَى مَا يَعْمَلُهُ بِيَدِهِ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْحَاجَةِ لِأَنَّهُ كَانَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى , وَإِنَّمَا اِبْتَغَى الْأَكْلَ مِنْ طَرِيقِ الْأَفْضَلِ , وَلِهَذَا أَوْرَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِصَّتَهُ فِي مَقَامِ الِاحْتِجَاجِ بِهَا عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ خَيْرَ الْكَسْبِ عَمَلُ الْيَدِ , وَهَذَا بَعْدَ تَقْرِيرِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا , وَلَا سِيَّمَا إِذَا وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَدْحُهُ وَتَحْسِينُهُ مَعَ عُمُوم قَوْله تَعَالَى ( فَبِهُدَاهُمْ اِقْتَدِهْ ) وَفِي الْحَدِيث أَنَّ التَّكَسُّب لَا يَقْدَح فِي التَّوَكُّل , وَأَنَّ ذِكْرَ الشَّيْء بِدَلِيلِهِ أَوْقَعُ فِي نَفْسِ سَامِعِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1932",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَابٌ الِاسْتِعْفَافُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ \" وَأَخْرَجَهُ هُنَاكَ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَبَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ , وَهُنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - وَهُوَ مَوْلَى اِبْن أَزْهَرَ - وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَرْجَمَتِهِ فِي أَوَاخِرِ الصِّيَامِ , ‏"
    },
    {
        "id": "1933",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ ‏",
        "sharh": "وَحَدِيث الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام فِي ذَلِكَ أَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا وَسَاقَهُ فِي \" بَابٌ الِاسْتِعْفَافُ مِنْ الزَّكَاة \" بِتَمَامِهِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ , ‏ ‏وَقَوْله \" أَحْبُلَهُ \" ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَة جَمْع حَبْل مِثْل فَلْس وَأَفْلَسَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1934",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَيَّاشٍ ) ‏ ‏بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُعْجَمَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا ) ‏ ‏يَحْتَمِل الدُّعَاء وَيَحْتَمِل الْخَبَرَ , وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ اِبْن حَبِيب الْمَالِكِيُّ وَابْن بَطَّال وَرَجَّحَهُ الدَّاوُدِيُّ , وَيُؤَيِّد الثَّانِيَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيق زَيْد بْن عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ \" غَفَرَ اللَّهُ لِرَجُلٍ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ سَهْلًا إِذَا بَاعَ \" الْحَدِيث , وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ قَصَدَ رَجُلًا بِعَيْنِهِ فِي حَدِيث الْبَاب , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : ظَاهِرُهُ الْإِخْبَارُ لَكِنَّ قَرِينَةَ الِاسْتِقْبَالِ الْمُسْتَفَاد مِنْ \" إِذَا \" تَجْعَلهُ دُعَاءً وَتَقْدِيرُهُ رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا يَكُون كَذَلِكَ , وَقَدْ يُسْتَفَادُ الْعُمُومُ مِنْ تَقْيِيده بِالشَّرْطِ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمْحًا ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْمِيم وَبِالْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ سَهْلًا , وَهِيَ صِفَة مُشَبَّهَةٌ تَدُلُّ عَلَى الثُّبُوت , فَلِذَلِكَ كَرَّرَ أَحْوَالَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالتَّقَاضِي , وَالسَّمْحُ الْجَوَادُ , يُقَال سَمْحٌ بِكَذَا إِذَا جَادَ , وَالْمُرَادُ هُنَا الْمُسَاهَلَةُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا اِقْتَضَى ) ‏ ‏أَيْ طَلَبَ قَضَاءَ حَقِّهِ بِسُهُولَةٍ وَعَدَمِ إِلْحَافٍ , فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا اِبْن التِّين \" وَإِذَا قَضَى \" أَيْ أَعْطَى الَّذِي عَلَيْهِ بِسُهُولَةٍ بِغَيْرِ مَطْلٍ , وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ سَمْحَ الْبَيْعِ سَمْحَ الشِّرَاءِ سَمْحَ الْقَضَاءِ \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث عُثْمَانَ رَفَعَهُ \" أَدْخَلَ اللَّهُ الْجَنَّةَ رَجُلًا كَانَ سَهْلًا مُشْتَرِيًا وَبَائِعًا وَقَاضِيًا وَمُقْتَضِيًا \" وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو نَحْوه وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى السَّمَاحَةِ فِي الْمُعَامَلَة وَاسْتِعْمَال مَعَالِي الْأَخْلَاق وَتَرْك الْمُشَاحَة وَالْحَضّ عَلَى تَرْك التَّضْيِيق عَلَى النَّاس فِي الْمُطَالَبَة وَأَخْذ الْعَفْوِ مِنْهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "1935",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَلَقَّتْ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَالُوا أَعَمِلْتَ مِنْ الْخَيْرِ شَيْئًا قَالَ كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنْ الْمُوسِرِ قَالَ قَالَ فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيٍّ ‏ ‏كُنْتُ أُيَسِّرُ عَلَى الْمُوسِرِ وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيٍّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيٍّ ‏ ‏أُنْظِرُ الْمُوسِرَ وَأَتَجَاوَزُ عَنْ الْمُعْسِرِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيٍّ ‏ ‏فَأَقْبَلُ مِنْ الْمُوسِرِ وَأَتَجَاوَزُ عَنْ الْمُعْسِرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَنْصُور ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِرِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ حُذَيْفَة حَدَّثَهُ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق نُعَيْم بْن أَبِي هِنْدٍ عَنْ رِبْعِيٍّ \" اِجْتَمَعَ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مَسْعُود , فَقَالَ حُذَيْفَة : رَجُلٌ لَقِيَ رَبَّهُ \" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ \" فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ هَكَذَا سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَمِثْلُهُ رِوَايَةُ أَبِي عَوَانَة عَنْ عَبْد الْمَلِكِ عَنْ رِبْعِيٍّ كَمَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَلَقَّتْ الْمَلَائِكَةُ ) ‏ ‏أَيْ اِسْتَقْبَلَتْ رُوحَهُ عِنْد الْمَوْتِ , وَفِي رِوَايَة عَبْد الْمَلِكِ بْن عُمَيْرٍ عَنْ رِبْعِيٍّ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيل \" أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَتَاهُ الْمَلَكُ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَعَمِلْت مِنْ الْخَيْر شَيْئًا ) ‏ ‏؟ وَفِي رِوَايَةٍ بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ , زَادَ فِي رِوَايَة عَبْد الْمَلِكِ الْمَذْكُورَةِ \" فَقَالَ مَا أَعْلَمُ , قِيلَ اُنْظُرْ , قَالَ مَا أَعْلَم شَيْئًا غَيْر أَنِّي \" فَذَكَرَهُ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مَسْعُود رَفَعَهُ \" حُوسِبَ رَجُل مِمَّنْ كَانَ قَبْلكُمْ فَلَمْ يُوجَد لَهُ مِنْ الْخَيْر شَيْء إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِط النَّاس وَكَانَ مُوسِرًا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مَالِك الْمُعَلَّقَة هُنَا وَوَصَلَهَا عِنْد مُسْلِم \" أَتَى اللَّه بِعَبْدِ مِنْ عِبَادِهِ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَقَالَ لَهُ : مَا عَمِلْت فِي الدُّنْيَا ؟ - قَالَ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا - قَالَ : يَا رَبِّ آتَيْتنِي مَالَك فَكُنْت أُبَايِعُ النَّاسَ وَكَانَ خُلُقِي الْجَوَازَ \" الْحَدِيثَ , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَيَقُول : يَا رَبِّ مَا عَمِلْت لَك شَيْئًا أَرْجُو بِهِ كَثِيرًا. إِلَّا أَنَّك كُنْت أَعْطَيْتنِي فَضْلًا مِنْ مَالٍ \" ; فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فِتْيَانِي ) ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ فَتًى وَهُوَ الْخَادِم حُرًّا كَانَ أَوْ مَمْلُوكًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَنْظُرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنْ الْمُوسِرِ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَالنَّسَفِيِّ وَهُوَ لَا يُخَالِفُ التَّرْجَمَةَ , وَلِلْبَاقِينَ \" أَنْ يَنْظُرُوا الْمُعْسِرَ وَيَتَجَاوَزُوا عَنْ الْمُوسِر \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَحْمَد بْن يُونُس شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ , وَظَاهِرُهُ غَيْر مُطَابِقٍ لِلتَّرْجَمَةِ , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِيرَاد التَّعَالِيق الْآتِيَة لِأَنَّ فِيهَا مَا يُطَابِق التَّرْجَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ عَنْ رِبْعِيٍّ كُنْت أُيَسِّرُ عَلَى الْمُوسِرِ وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ ) ‏ ‏وَهَذِهِ الطَّرِيق عَنْ حُذَيْفَة فِي هَذَا الْحَدِيث وَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيق أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَر عَنْ أَبِي مَالِك كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلًا وَقَالَ فِي آخِره \" فَقَالَ أَبُو مَسْعُود الْأَنْصَارِيُّ وَعُقْبَة بْن عَامِر الْجُهَنِيُّ : هَكَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَتَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنْ عَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عُمَيْر ‏ ‏( عَنْ رِبْعِيٍّ ) ‏ ‏أَيْ عَنْ حُذَيْفَةَ يَعْنِي فِي قَوْله \" وَأُنْظِر الْمُعْسِر \" وَقَدْ وَصَلَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق أَبِي عَامِر عَنْ شُعْبَة بِهَذَا اللَّفْظ , وَوَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الِاسْتِقْرَاضِ عَنْ مُسْلِمِ بْن إِبْرَاهِيم عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" فَأَتَجَوَّزُ عَنْ الْمُوسِر وَأُخَفِّفُ عَنْ الْمُعْسِر \" وَفِي آخِره قَوْلُ أَبِي مَسْعُودٍ \" هَكَذَا سَمِعْت \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْد الْمَلِكِ إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْمُؤَلِّف فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل مُطَوَّلًا , وَهُوَ كَمَا قَالَ \" أُنْظِرُ الْمُوسِرَ وَأَتَجَاوَزُ عَنْ الْمُعْسِر \" وَفِي آخِره قَوْل أَبِي مَسْعُودٍ \" هَكَذَا سَمِعْت \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ نُعَيْم بْن أَبِي هِنْدٍ إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُغِيرَة بْن مِقْسَمٍ عَنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ , وَفِيهِ قَوْل أَبِي مَسْعُود أَيْضًا , قَالَ اِبْن التِّين : رِوَايَة مَنْ رَوَى \" وَأُنْظِر الْمُوسِر \" أَوْلَى مِنْ رِوَايَة مَنْ رَوَى \" وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ \" لِأَنَّ إِنْظَارَ الْمُعْسِر وَاجِبٌ. قُلْت : وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه وَاجِبًا أَنَّ لَا يُؤْجَرَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ أَوْ يُكَفَّر عَنْهُ بِذَلِكَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ , وَسَأَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ فِي الْوُجُوب فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. ‏"
    },
    {
        "id": "1936",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ ) ‏ ‏بِالضَّمِّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّهِ بْن عَبْدِ اللَّهِ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُتْبَةَ بْن مَسْعُود , فِي رِوَايَة يُونُس عِنْد مُسْلِم عَنْ الزُّهْرِيِّ \" أَنَّ عُبَيْد اللَّهَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد النَّسَائِيِّ \" إِنَّ رَجُلًا لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ وَكَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ \". ‏ ‏قَوْله : ( تَجَاوَزُوا عَنْهُ ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ \" فَيَقُول لِرَسُولِهِ خُذْ مَا يَسِرَ وَاتْرُكْ مَا عَسِرَ وَتَجَاوَزْ \" وَيَدْخُل فِي لَفْظ التَّجَاوُز الْإِنْظَار وَالْوَضِيعَة وَحُسْنُ التَّقَاضِي. وَفِي حَدِيث الْبَابِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الْحَسَنَاتِ إِذَا كَانَ خَالِصًا لِلَّهِ كَفَّرَ كَثِيرًا مِنْ السَّيِّئَات , وَفِيهِ أَنَّ الْأَجْرَ يَحْصُلُ لِمَنْ يَأْمُرُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَلَّ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ , وَهَذَا كُلّه بَعْدَ تَقْرِيرِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا إِذَا جَاءَ فِي شَرْعِنَا فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ كَانَ حَسَنًا عِنْدَنَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1937",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏رَفَعَهُ إِلَى ‏ ‏حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيل ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ بَابَيْنِ \" سَمِعْت أَبَا الْخَلِيلِ \". ‏ ‏قَوْله : ( رَفَعَهُ إِلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة \" عَنْ حَكِيمٍ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي \" بَابٌ كَمْ يَجُوزُ الْخِيَارُ \" بَعْد عِشْرِينَ حَدِيثًا , وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْله \" فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا إِلَخْ \" وَقَوْله صَدَقَا أَيْ مِنْ جَانِبِ الْبَائِعِ فِي السَّوْمِ وَمِنْ جَانِبِ الْمُشْتَرِي فِي الْوَفَاءِ , وَقَوْله \" وَبَيَّنَا \" أَيْ لِمَا فِي الثَّمَن وَالْمُثَمَّن مِنْ عَيْبٍ فَهُوَ مِنْ جَانِبَيْهِمَا وَكَذَا نَقْصُهُ. وَفِي الْحَدِيث حُصُول الْبَرَكَة لَهُمَا إِنْ حَصَلَ مِنْهُمَا الشَّرْط وَهُوَ الصِّدْق وَالتَّبْيِين , وَمَحْقُهَا إِنْ وُجِدَ ضِدُّهُمَا وَهُوَ الْكَذِب وَالْكَتْم , وَهَلْ تَحْصُلُ الْبَرَكَةُ لِأَحَدِهِمَا إِذَا وُجِدَ مِنْهُ الْمَشْرُوط دُون الْآخَرِ ؟ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِيهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَعُود شُؤْم أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَر بِأَنْ تُنْزَعَ الْبَرَكَةُ مِنْ الْمَبِيع إِذَا وُجِدَ الْكَذِب أَوْ الْكَتْمُ مِنْ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا , وَإِنْ كَانَ الْأَجْر ثَابِتًا لِلصَّادِقِ الْمُبَيِّن , وَالْوِزْرُ حَاصِلٌ لِلْكَاذِبِ الْكَاتِم. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الدُّنْيَا لَا يَتِمُّ حُصُولُهَا إِلَّا بِالْعَمَلِ الصَّالِح , وَأَنَّ شُؤْمَ الْمَعَاصِي يَذْهَبُ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1938",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ وَهُوَ الْخِلْطُ مِنْ التَّمْرِ وَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ وَلَا دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ ‏",
        "sharh": "وَقَوْله فِي الْحَدِيث ‏ ‏\" كُنَّا نُرْزَق \" ‏ ‏بِضَمِّ النُّون أَوَّلَهُ أَيْ نُعْطَاهُ , وَكَانَ هَذَا الْعَطَاء مِمَّا كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمهُ فِيهِمْ مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ خَيْبَر وَتَمْر الْجَمْع بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْمِيم : فُسِّرَ بِالْخَلْطِ , وَقِيلَ هُوَ كُلّ لَوْن مِنْ النَّخِيل لَا يُعْرَفُ اِسْمُهُ , وَالْغَالِب فِي مِثْل ذَلِكَ أَنْ يَكُون رَدِيئُهُ أَكْثَرَ مِنْ جَيِّدِهِ. وَفَائِدَة هَذِهِ التَّرْجَمَة رَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ مِثْل هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِاخْتِلَاطِ جَيِّدِهِ بِرَدِيئِهِ لِأَنَّ هَذَا الْخَلْط لَا يَقْدَحُ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مُتَمَيِّزٌ ظَاهِرٌ فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ عَيْبًا , بِخِلَافِ مَا لَوْ خُلِطَ فِي أَوْعِيَةٍ مُوَجَّهَةٍ يُرَى جَيِّدُهَا وَيَخْفَى رَدِيئُهَا. وَفِي الْحَدِيث النَّهْيُ عَنْ بَيْع التَّمْر بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا , وَكَذَا الدَّرَاهِم. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي \" بَابٌ إِذَا أَرَادَ بَيْعَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ خَيْرٍ مِنْهُ \" فِي أَوَاخِرِ الْبُيُوعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1939",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏يُكْنَى ‏ ‏أَبَا شُعَيْبٍ ‏ ‏فَقَالَ لِغُلَامٍ لَهُ قَصَّابٍ اجْعَلْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَامِسَ خَمْسَةٍ فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْجُوعَ فَدَعَاهُمْ فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ هَذَا قَدْ تَبِعَنَا فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ فَأْذَنْ لَهُ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَ فَقَالَ لَا بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لِغُلَامٍ لَهُ قَصَّابٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَتَشْدِيد الْمُهْمَلَة وَآخِرَهُ مُوَحَّدَةٌ وَهُوَ الْجَزَّار , وَسَيَأْتِي فِي الْمَظَالِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَعْمَش بِلَفْظِ \" كَانَ لَهُ غُلَام لَحَّام \" وَاتَّفَقَتْ الطُّرُق عَلَى أَنَّهُ مِنْ مُسْنَد أَبِي مَسْعُود إِلَّا مَا رَوَاهُ أَحْمَد عَنْ اِبْن نُمَيْرٍ عَنْ الْأَعْمَش بِسَنَدِهِ فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُكَنَّى أَبَا شُعَيْبٍ قَالَ أَتَيْت رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَفْت فِي وَجْهه الْجُوعَ , فَأَتَيْت غُلَامًا لِي \" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ , وَكَذَا رَوَيْنَاهُ فِي الْجُزْءِ التَّاسِعِ مِنْ \" أَمَالِي الْمَحَامِلِيّ \" مِنْ طَرِيق اِبْن نُمَيْر , زَادَ مُسْلِم فِي بَعْض طُرُقه \" وَعَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْأَطْعِمَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1940",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا الْخَلِيلِ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1941",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي ‏ ‏الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1942",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ آخِرُ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏قَرَأَهُنَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَيْهِمْ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1943",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقَالَ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1944",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَثَمَنِ الدَّمِ وَنَهَى عَنْ ‏ ‏الْوَاشِمَةِ ‏ ‏وَالْمَوْشُومَةِ ‏ ‏وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ آدَم عَنْ شُعْبَةَ \" حَدَّثَتَا عَوْنٌ \" وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الطَّلَاقِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْت أَبِي اِشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا فَسَأَلْته ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا , وَظَاهِرُهُ أَنَّ السُّؤَال وَقَعَ عَنْ سَبَب مُشْتَرَاهُ , وَذَلِكَ لَا يُنَاسِب جَوَابَهُ بِحَدِيثِ النَّهْي , وَلَكِنْ وَقَعَ فِي هَذَا السِّيَاقِ اِخْتِصَارٌ بَيَّنَهُ مَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف بَعْد هَذَا فِي آخِر الْبُيُوع مِنْ وَجْه آخَر عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" اِشْتَرَى حَجَّامًا فَأَمَرَ بِمَحَاجِمِهِ فَكُسِرَتْ , فَسَأَلْته عَلَى ذَلِكَ \" فَفِيهِ الْبَيَانُ بِأَنَّ السُّؤَال إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ كَسْر الْمَحَاجِمِ , وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْجَوَابِ. وَفِي كَسْر أَبِي جُحَيْفَةَ الْمَحَاجِمَ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّحْرِيم فَأَرَادَ حَسْمَ الْمَادَّةِ , وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُطِيعُ النَّهْيَ وَلَا يَتْرُكُ التَّكَسُّبَ بِذَلِكَ فَلِذَلِكَ كَسَرَ مَحَاجِمَهُ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى كَسْبِ الْحَاجِمِ بَعْد أَبْوَاب , وَنَذْكُر هُنَاكَ بَقِيَّة فَوَائِده إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَهَى عَنْ الْوَاشِمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ ) ‏ ‏أَيْ نَهَى عَنْ فِعْلِهِمَا , لِأَنَّ الْوَاشِم وَالْمَوْشُوم لَا يُنْهَى عَنْهُمَا وَإِنَّمَا يُنْهَى عَنْ فِعْلِهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَآكِل الرِّبَا وَمُوَكِّله ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَعْطُوفًا عَلَى النَّهْي عَنْ الْوَشْمَة , وَالْجَوَاب عَنْهُ كَاَلَّذِي قَبْله , ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة تَغْيِير فَأُبْدِلَ اللَّعْنُ بِالنَّهْيِ فَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الْبُيُوع وَفِي أَوَاخِر الطَّلَاق بِلَفْظِ \" وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَآكِل الرِّبَا وَمُوكِلَهُ \" وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1945",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الْحَلِفُ ‏ ‏مُنَفِّقَةٌ ‏ ‏لِلسِّلْعَةِ ‏ ‏مُمْحِقَةٌ ‏ ‏لِلْبَرَكَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ يُونُسَ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ يَزِيدَ. ‏ ‏قَوْله : ( الْحَلِف ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَيْ الْيَمِين الْكَاذِبَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْفَقَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَالْفَاء بَيْنهمَا نُون سَاكِنَةٌ مَفْعَلَة مِنْ النَّفَاقِ بِفَتْحِ النُّونِ وَهُوَ الرَّوَاجُ ضِدُّ الْكَسَادِ , وَالسِّلْعَة بِكَسْرِ السِّين الْمَتَاعُ , وَقَوْله مَمْحَقَة بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَاف وَزْن الْأَوَّل وَحَكَى عِيَاضٌ ضَمَّ أَوَّلِهِ وَكَسْر الْحَاء , وَالْمَحْقُ النَّقْصُ وَالْإِبْطَال , وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْمُحَدِّثُونَ يُشَدِّدُونَهَا وَالْأَوَّل أَصْوَبُ وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ وَلِذَلِكَ صَحَّ خَبَرًا عَنْ الْحَلِفِ. وَفِي مُسْلِمٍ الْيَمِينُ , وَلِأَحْمَد الْيَمِين الْكَاذِبَة وَهِيَ أَوْضَحُ , وَهُمَا فِي الْأَصْل مَصْدَرَانِ مَزِيدَانِ مَحْدُودَانِ بِمَعْنَى النِّفَاقِ وَالْمَحْق. ‏ ‏قَوْله : ( لِلْبَرَكَةِ ) ‏ ‏تَابَعَهُ عَنْبَسَة بْن خَالِد عَنْ يُونُس عِنْد أَبِي دَاوُدَ , وَفِي رِوَايَة اِبْن وَهْبٍ وَأَبِي صَفْوَان عِنْد مُسْلِم \" لِلرِّبْحِ \" وَتَابَعَهُمَا أَنَس بْن عِيَاض عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَرَوَاهُ اللَّيْث عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ \" مَمْحَقَة لِلْكَسْبِ \" وَتَابَعَهُ اِبْن وَهْب عِنْدَ النَّسَائِيِّ , وَمَال الْإِسْمَاعِيلِيّ إِلَى تَرْجِيح هَذِهِ الرِّوَايَة , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة عَلَى اللَّيْث كَمَا اُخْتُلِفَ عَلَى يُونُسَ , وَوَقَعَ لِلْمِزِّيِّ فِي \" الْأَطْرَاف \" فِي نِسْبَةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ لِمَنْ خَرَّجَهَا وَهْمٌ يُعْرَفُ مِمَّا حَرَّرْته , قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : مُنَاسَبَة حَدِيث الْبَاب لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ كَالتَّفْسِيرِ لِلْآيَةِ لِأَنَّ الرِّبَا الزِّيَادَة وَالْمَحْق النَّقْص فَقَالَ : كَيْف تَجْتَمِع الزِّيَادَة وَالنَّقْص ؟ فَأَوْضَحَ الْحَدِيث أَنَّ الْحَلِفَ الْكَاذِبَ وَإِنْ زَادَ فِي الْمَال فَإِنَّهُ يَمْحَقُ الْبَرَكَةَ فَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ( يَمْحَق اللَّه الرِّبَا ) أَيْ يَمْحَق الْبَرَكَةَ مِنْ الْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ الرِّبَا وَإِنْ كَانَ الْعَدَدُ زَائِدًا لَكِنَّ مَحْقَ الْبَرَكَةِ يُفْضِي إِلَى اِضْمِحْلَالِ الْعَدَد فِي الدُّنْيَا كَمَا مَرَّ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود , وَإِلَى اِضْمِحْلَال الْأَجْرِ فِي الْآخِرَةِ عَلَى التَّأْوِيل الثَّانِي. ‏"
    },
    {
        "id": "1946",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْعَوَّامُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً وَهُوَ فِي السُّوقِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطِ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَزِيد عَنْ الْعَوَّام \" سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى \" وَسَيَأْتِي فِي التَّفْسِير مَعَ بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ , وَقَدْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ السَّبَب الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث خَاصٌّ وَالتَّرْجَمَة عَامَّةٌ لَكِنَّ الْعُمُومَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْله فِي الْآيَة ( وَأَيْمَانِهِمْ ) وَسَيَأْتِي فِي الشَّهَادَات فِي سَبَب نُزُولهَا مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود مَا يُقَوِّي حَمْلَهُ عَلَى الْعُمُومِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1947",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ لِي ‏ ‏شَارِفٌ ‏ ‏مِنْ نَصِيبِي مِنْ الْمَغْنَمِ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْطَانِي ‏ ‏شَارِفًا ‏ ‏مِنْ الْخُمْسِ فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ ‏ ‏بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ ‏ ‏بَنِي قَيْنُقَاعَ ‏ ‏أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنَأْتِيَ ‏ ‏بِإِذْخِرٍ ‏ ‏أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنْ الصَّوَّاغِينَ وَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرُسِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك وَيُونُس هُوَ اِبْن يَزِيد , وَرِوَايَة اِبْن شِهَاب بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور مِمَّا قِيلَ فِيهِ إِنَّهُ أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَتْ لِي شَارِف ) ‏ ‏بِمُعْجَمَةٍ وَآخِرَهُ فَاءٌ وَزْنَ فَاعِلٍ : النَّاقَةُ الْمُسِنَّةُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَبْتَنِي بِفَاطِمَةَ ) ‏ ‏أَيْ أَدْخُلُ بِهَا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي \" فَرْضِ الْخُمُسِ \" , وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْله \" وَاعَدْت رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ \" وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُمْ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُود , فَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَازُ مُعَامَلَةِ الصَّائِغِ وَلَوْ كَانَ غَيْر مُسْلِم , وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ دُخُول الْفَسَادِ فِي صَنْعَةٍ أَنْ تُتْرَكَ مُعَامَلَةُ صَاحِبِهَا وَلَوْ تَعَاطَاهَا أَرَاذِلُ النَّاسِ مَثَلًا , وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفُ أَشَارَ إِلَى حَدِيث \" أَكْذَبُ النَّاسِ الصَّبَّاغُونَ وَالصَّوَّاغُونَ \" وَهُوَ حَدِيثٌ مُضْطَرِبُ الْإِسْنَادِ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَغَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "1948",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي وَإِنَّمَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لَا ‏ ‏يُخْتَلَى ‏ ‏خَلَاهَا ‏ ‏وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا ‏ ‏يُلْتَقَطُ ‏ ‏لُقْطَتُهَا ‏ ‏إِلَّا لِمُعَرِّفٍ وَقَالَ ‏ ‏عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏لِصَاغَتِنَا وَلِسُقُفِ بُيُوتِنَا فَقَالَ إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ ‏هَلْ تَدْرِي مَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا هُوَ أَنْ تُنَحِّيَهُ مِنْ الظِّلِّ وَتَنْزِلَ مَكَانَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شَاهِين , وَخَالِدٌ هُوَ الطَّحَّانُ , وَشَيْخه خَالِد هُوَ الْحَذَّاءُ. وَقَوْله فِي أَوَّل الْبَاب \" وَقَالَ طَاوُسٌ \" وَقَوْله فِي آخِره \" وَقَالَ عَبْد الْوَهَّاب إِلَخْ \" تَقَدَّمَ وَصْلُ هَذَيْنِ التَّعْلِيقَيْنِ فِي كِتَاب الْحَجِّ , وَكَذَلِكَ شَرْحُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ , وَغَرَضُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ ذِكْرُ الصِّيَاغَةِ وَتَقْرِيرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1949",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَبَّابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏قَيْنًا ‏ ‏فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ لِي عَلَى ‏ ‏الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ ‏ ‏دَيْنٌ فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ قَالَ لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ ‏ ‏بِمُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لَا أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ تُبْعَثَ قَالَ دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ فَسَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيكَ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ‏ ‏أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1950",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِطَعَامٍ صَنَعَهُ قَالَ ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خُبْزًا وَمَرَقًا فِيهِ ‏ ‏دُبَّاءٌ ‏ ‏وَقَدِيدٌ ‏ ‏فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَتَبَّعُ ‏ ‏الدُّبَّاءَ ‏ ‏مِنْ حَوَالَيْ ‏ ‏الْقَصْعَةِ ‏ ‏قَالَ فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ ‏ ‏الدُّبَّاءَ ‏ ‏مِنْ يَوْمِئِذٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1951",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَتْ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ ‏ ‏قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ فَقِيلَ لَهُ نَعَمْ هِيَ ‏ ‏الشَّمْلَةُ ‏ ‏مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِي أَكْسُوكَهَا فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْسُنِيهَا فَقَالَ نَعَمْ فَجَلَسَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمَجْلِسِ ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ مَا أَحْسَنْتَ سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلًا فَقَالَ الرَّجُلُ وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أَمُوتُ قَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏فَكَانَتْ كَفَنَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1952",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى رِجَالٌ إِلَى ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏يَسْأَلُونَهُ عَنْ الْمِنْبَرِ فَقَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى فُلَانَةَ امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلُ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ فَأَمَرَتْهُ يَعْمَلُهَا مِنْ طَرْفَاءِ ‏ ‏الْغَابَةِ ‏ ‏ثُمَّ جَاءَ بِهَا فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَا فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ فَجَلَسَ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1953",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا قَالَ ‏ ‏إِنْ شِئْتِ قَالَ فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ فَصَاحَتْ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ تَنْشَقُّ فَنَزَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ قَالَ بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنْ الذِّكْرِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1954",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ عِيسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا ‏ ‏بِنَسِيئَةٍ ‏ ‏وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1955",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي غَزَاةٍ فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي وَأَعْيَا فَأَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ ‏ ‏مَا شَأْنُكَ قُلْتُ أَبْطَأَ عَلَيَّ جَمَلِي وَأَعْيَا فَتَخَلَّفْتُ فَنَزَلَ ‏ ‏يَحْجُنُهُ ‏ ‏بِمِحْجَنِهِ ثُمَّ قَالَ ارْكَبْ فَرَكِبْتُ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَكُفُّهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ تَزَوَّجْتَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا قُلْتُ بَلْ ثَيِّبًا قَالَ أَفَلَا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ قُلْتُ إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ قَالَ أَمَّا إِنَّكَ قَادِمٌ فَإِذَا قَدِمْتَ ‏ ‏فَالْكَيْسَ ‏ ‏الْكَيْسَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ أَتَبِيعُ جَمَلَكَ قُلْتُ نَعَمْ فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوقِيَّةٍ ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَبْلِي وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ فَجِئْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ قَالَ أَالْآنَ قَدِمْتَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَدَعْ جَمَلَكَ فَادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ فَأَمَرَ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏أَنْ يَزِنَ لَهُ أُوقِيَّةً فَوَزَنَ لِي ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏فَأَرْجَحَ لِي فِي الْمِيزَانِ فَانْطَلَقْتُ حَتَّى وَلَّيْتُ فَقَالَ ادْعُ لِي ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏قُلْتُ الْآنَ يَرُدُّ عَلَيَّ الْجَمَلَ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ قَالَ خُذْ جَمَلَكَ وَلَكَ ثَمَنُهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1956",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏عُكَاظٌ ‏ ‏وَمَجَنَّةُ ‏ ‏وَذُو الْمَجَازِ ‏ ‏أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ ‏ ‏تَأَثَّمُوا ‏ ‏مِنْ التِّجَارَةِ فِيهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ‏} ‏فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ قَرَأَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏كَذَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1957",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏كَانَ هَا هُنَا رَجُلٌ اسْمُهُ ‏ ‏نَوَّاسٌ ‏ ‏وَكَانَتْ عِنْدَهُ إِبِلٌ ‏ ‏هِيمٌ ‏ ‏فَذَهَبَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَاشْتَرَى تِلْكَ الْإِبِلَ مِنْ شَرِيكٍ لَهُ فَجَاءَ إِلَيْهِ شَرِيكُهُ فَقَالَ بِعْنَا تِلْكَ الْإِبِلَ فَقَالَ مِمَّنْ بِعْتَهَا قَالَ مِنْ شَيْخٍ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ وَيْحَكَ ذَاكَ وَاللَّهِ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏فَجَاءَهُ فَقَالَ إِنَّ شَرِيكِي بَاعَكَ إِبِلًا ‏ ‏هِيمًا ‏ ‏وَلَمْ يَعْرِفْكَ قَالَ فَاسْتَقْهَا قَالَ فَلَمَّا ذَهَبَ يَسْتَاقُهَا فَقَالَ ‏ ‏دَعْهَا رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا عَدْوَى ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَمْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَارٍ , وَقَوْل الْبُخَارِيُّ فِي آخِر الْحَدِيثِ \" سَمِعَ سُفْيَانُ عَمْرًا \" هُوَ مَقُولُ شَيْخِهِ عَلِيّ بْن عَبْدِ اللَّهِ , وَقَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ \" حَدَّثَنَا عَمْرٌو بِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ هَاهُنَا ) ‏ ‏أَيْ بِمَكَّةَ , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ \". ‏ ‏قَوْله : ( اِسْمُهُ نَوَّاسٌ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَالتَّشْدِيدِ لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْقَابِسِيِّ بِالْكَسْرِ وَالتَّخْفِيف , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِزِيَادَةِ يَاءِ النَّسَبِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ شَرِيكٍ لَهُ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِبِلًا هِيمًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْنِ أَبِي عُمَرَ هِيَامًا بِكَسْرِ أَوَّلِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَعْرِفْك ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْعَيْنِ مِنْ الْمَعْرِفَةِ لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْمُسْتَمْلِي بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالتَّشْدِيد مِنْ التَّعْرِيفِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَقِهَا ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ فِعْلُ أَمْرٍ مِنْ الِاسْتِيَاقِ , وَالْقَائِلُ اِبْن عُمَر وَالْمَقُولُ لَهُ نَوَّاسٌ , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر \" قَالَ فَاسْتَقِهَا إِذًا \" أَيْ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ فَارْتَجِعْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ دَعْهَا ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ اِبْن عُمَر , وَكَأَنَّ نَوَّاسًا أَرَادَ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فَاسْتَدْرَكَ اِبْنُ عُمَرَ فَقَالَ : دَعْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ رَضِيت بِحُكْمِهِ حَيْثُ حَكَمَ أَلَّا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ , وَعَلَى التَّأْوِيل الَّذِي اِخْتَارَهُ اِبْن التِّين يَصِير الْحَدِيث مَوْقُوفًا مِنْ كَلَام اِبْن أَبِي عُمَر , وَعَلَى الَّذِي اِخْتَرْته جَرَى الْحَمِيدِيُّ فِي جَمْعِهِ فَأَوْرَدَ هَذِهِ الطَّرِيقَ عَقِبَ حَدِيث الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ وَحَمْزَة اِبْنَيْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِمَا مَرْفُوعًا \" لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ \" كَأَنَّهُ اِعْتَمَدَ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ , وَفِي الْحَدِيث جَوَازُ بَيْعِ الشَّيْءِ الْمَعِيبِ إِذَا بَيَّنَهُ الْبَائِعُ وَرَضِيَ بِهِ الْمُشْتَرِي , سَوَاءٌ بَيَّنَهُ الْبَائِعُ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ , لَكِنْ إِذَا أَخَّرَ بَيَانَهُ عَنْ الْعَقْدِ ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي. وَفِيهِ اِشْتِرَاءُ الْكَبِيرِ حَاجَتَهُ بِنَفْسِهِ , وَتَوَقِّي ظُلْمِ الرَّجُلِ الصَّالِح , وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيُّ فِي آخِر الْحَدِيثِ قِصَّةً قَالَ : وَكَانَ نَوَّاسٌ يُجَالِسُ اِبْن عُمَر وَكَانَ يُضْحِكُهُ , فَقَالَ يَوْمًا : وَدِدْت أَنَّ لِي أَبَا قُبَيْس ذَهَبًا , فَقَالَ لَهُ اِبْنُ عُمَرَ : مَا تَصْنَعُ بِهِ ؟ قَالَ : أَمُوتُ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا عَدْوَى ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا أَعْرِفُ لِلْعَدْوَى هُنَا مَعْنَى إِلَّا أَنْ يَكُون الْهُيَام دَاءٌ مِنْ شَأْنه أَنَّ مَنْ وَقَعَ بِهِ إِذَا رَعَى مَعَ الْإِبِل حَصَلَ لَهَا مِثْلُهُ. وَقَالَ غَيْره : لَهَا مَعْنًى ظَاهِرٌ , أَيْ رَضِيت بِهَذَا الْبَيْعِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْعَيْبِ وَلَا أُعَدِّي عَلَى الْبَائِع حَاكِمَا. وَاخْتَارَ هَذَا التَّأْوِيلَ اِبْن التِّين وَمَنْ تَبِعَهُ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَى قَوْله \" لَا عَدْوَى \" النَّهْي عَنْ الِاعْتِدَاءِ وَالظُّلْمِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْهِجْرِيُّ فِي \" النَّوَادِرِ \" : الْهُيَام دَاءٌ مِنْ أَدْوَاءِ الْإِبِلِ يُحْدِثُ عَنْ شُرْبِ الْمَاءِ النَّجْلِ إِذَا كَثُرَ طُحْلُبُهُ , وَمِنْ عَلَامَةِ حُدُوثِهِ إِقْبَالُ الْبَعِيرِ عَلَى الشَّمْسِ حَيْثُ دَارَتْ , وَاسْتِمْرَارُهُ عَلَى أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَبَدَنُهُ يَنْقُصُ كَالذَّائِبِ , فَإِذَا أَرَادَ صَاحِبه اِسْتِبَانَةَ أَمْرِهِ اِسْتَبَانَ لَهُ فَإِنْ وَجَدَ رِيحَهُ مِثْلَ رِيحِ الْخَمِيرَةِ فَهُوَ أَهْيَمُ , فَمَنْ شَمَّ مِنْ بَوْلِهِ أَوْ بَعْرِهِ أَصَابَهُ الْهُيَام ا ه. وَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْمَعْنَى الَّذِي خَفِيَ عَلَى الْخَطَّابِيّ وَأَبَدَاهُ اِحْتِمَالًا , وَبِهِ يَتَّضِحُ صِحَّةُ عِطْفِ الْبُخَارِيِّ الْأَجْرَبَ عَلَى الْهِيم لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي دَعْوَى الْعَدْوَى , وَمِمَّا يُقَوِّيهِ أَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَصِيرُ فِي حُكْمَ الْمَرْفُوع , وَيَكُون قَوْل اِبْن عُمَر \" لَا عَدْوَى \" تَفْسِيرًا لِلْقَضَاءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1958",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُحَمَّدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏فَأَعْطَاهُ ‏ ‏يَعْنِي دِرْعًا فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي ‏ ‏بَنِي سَلِمَةَ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ ‏ ‏تَأَثَّلْتُهُ ‏ ‏فِي الْإِسْلَامِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ , وَعُمْر بْن كَثِير هُوَ اِبْن أَفْلَحَ وَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيِّ \" عَمْرو \" بِفَتْحِ الْعَيْن وَهُوَ تَصْحِيفٌ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ , وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ أَوَّلُهُمْ يَحْيَى. ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام حُنَيْنٍ فَبِعْت الدِّرْعَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا , فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : سَقَطَ شَيْءٌ مِنْ الْحَدِيثِ لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ إِلَّا بِهِ وَهُوَ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ فَأَعْطَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ الدِّرْعُ مِنْ سَلَبِهِ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّينِ بِأَنَّهُ تَعَسُّفٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ جَوَازَ بَيْعِ الدِّرْعِ فَذَكَرَ مَوْضِعَهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَحَذَفَ سَائِرَهُ , وَكَذَا يَفْعَل كَثِيرًا. قُلْت : وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَلَيْسَ مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ بِمَدْفُوعٍ , وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ مُسْتَوْفٍ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ مُطَابِقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ : قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ تَرْجَمَةِ الْبَابِ شَيْءٌ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَةٌ عَلَى بَيْع السِّلَاح فِي الْفِتْنَة وَغَيْرهَا فَحَدِيث أَبِي قَتَادَةَ مُنَزَّلٌ عَلَى الشِّقِّ الثَّانِي وَهُوَ بَيْعُهُ فِي غَيْرِ الْفِتْنَةِ. وَقَرَأَتْ بِخَطِّ الْقُطْب فِي شَرْحِهِ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الرَّجُل لَمَّا قَالَ فَأُرْضِهِ مِنْهُ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذ الدِّرْع وَيُعَوِّضَهُ عَنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ ; وَكَانَ ذَلِكَ وَقْتَ الْفِتْنَة. اِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى تَعَسُّفُ هَذَا التَّأْوِيلِ , وَالْحَقّ أَنَّ الِاسْتِدْلَال بِالْبَيْعِ إِنَّمَا هُوَ فِي بَيْع أَبِي قَتَادَةَ الدِّرْعَ بَعْدَ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ بَاعَ الدِّرْعَ فَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ الْبُسْتَانَ , وَكَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ زَمَنِ الْفِتْنَةِ , وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَادَ بِإِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ بَيْعِ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَة لِمَنْ لَا يُخْشَى مِنْهُ الضَّرَرُ , لِأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ بَاعَ دِرْعَهُ فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ الْقِتَال فِيهِ قَائِمًا بَيْن الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَأَقَرَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ , وَالظَّنّ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَبِعْهُ مِمَّنْ يُعِينُ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ , فَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَازُ بَيْعِهِ فِي زَمَنِ الْقِتَالِ لِمَنْ لَا يُخْشَى مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( مَخْرَفًا ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ السَّاكِنَة وَالْفَاءِ مَفْتُوحُ الْأَوَّلِ هُوَ الْبُسْتَانُ , وَبِكَسْرِ الْمِيمِ الْوِعَاءُ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ الثِّمَارُ. ‏ ‏قَوْله : ( بَنِي سَلَمَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّامِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَأَثَّلْته ) ‏ ‏بِالْمُثَلَّثَةِ قَبْلَ اللَّامِ أَيْ جَمَعْته قَالَهُ اِبْن فَارِس , وَقَالَ الْقَزَّازُ جَعَلْته أَصْل مَالِي , وَأَثْلَةُ كُلِّ شَيْءٍ أَصْلُهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1959",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد , وَأَبُو بَرْدَةَ بْن عَبْد اللَّه هُوَ بُرَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي بُرْدَةَ اِبْن أَبِي مُوسَى. ‏ ‏قَوْله : ( كَمِثْلِ صَاحِب الْمِسْك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ بُرَيْد كَمَا سَيَأْتِي فِي الذَّبَائِح \" كَحَامِلِ الْمِسْكِ \" وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُون صَاحِبَهُ أَوْ لَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَكِير الْحَدَّاد ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْكَاف بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة مَعْرُوفٌ , وَفِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" كَحَامِلِ الْمِسْك وَنَافِخِ الْكِيرِ \" وَحَقِيقَتُهُ الْبِنَاءُ الَّذِي يُرَكَّبُ عَلَيْهِ الزِّقُّ وَالزِّقُّ هُوَ الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ فَأَطْلَقَ عَلَى الزِّقِّ اِسْمَ الْكِيرِ مَجَازًا لِمُجَاوَرَتِهِ لَهُ , وَقِيلَ الْكِيرُ هُوَ الزِّقّ نَفْسُهُ وَأَمَّا الْبِنَاءُ فَاسْمُهُ الْكُورُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَعْدَمُك ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَذَلِكَ الدَّال مِنْ الْعَدَم أَيْ لَا يَعْدَمك إِحْدَى الْخُصْلَتَيْنِ أَيْ لَا يَعْدُوك , تَقُول لَيْسَ يَعْدَمنِي هَذَا الْأَمْر أَيْ لَيْسَ يَعْدُونِي , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ بِضَمِّ اِوْلَهْ وَكَسْرِ الدَّالِ مِنْ الْإِعْدَامِ أَيْ لَا يَعْدَمُك صَاحِبُ الْمِسْكِ إِحْدَى الْخَصْلَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة إِمَّا أَنْ يَحْذِيَك وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ , وَرِوَايَةُ عَبْد الْوَاحِدِ أَرْجَحُ لِأَنَّ الْإِحْذَاء - وَهُوَ الْإِعْطَاء - لَا يَتَعَيَّن بِخِلَافِ الرَّائِحَة فَإِنَّهَا لَازِمَةٌ سَوَاءٌ وُجِدَ الْبَيْعُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكِير الْحَدَّاد يُحَرِّق بَيْتك أَوْ ثَوْبك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" وَنَافِخ الْكِير إِمَّا أَنْ يُحَرِّق ثِيَابَك \" وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الْبَيْتِ وَهُوَ وَاضِحٌ , وَفِي الْحَدِيث النَّهْيُ عَنْ مُجَالَسَةِ مَنْ يُتَأَذَّى بِمُجَالَسَتِهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا , وَالتَّرْغِيب فِي مُجَالَسَة مِنْ يُنْتَفَع بِمُجَالَسَتِهِ فِيهِمَا , وَفِيهِ جَوَازُ بَيْع الْمِسْك وَالْحُكْمُ بِطَهَارَتِهِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَدَحَهُ وَرَغَّبَ فِيهِ فَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِمَا , ثُمَّ اِنْقَرَضَ هَذَا الْخِلَافُ وَاسْتَقَرَّ الْإِجْمَاع عَلَى طَهَارَةِ الْمِسْكِ وَجَوَاز بَيْعه , وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي كِتَاب الذَّبَائِح , وَلَمْ يُتَرْجِمْ الْمُصَنِّف لِلْحَدَّادِ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ , وَفِيهِ ضَرْبُ الْمَثَلِ وَالْعَمَل فِي الْحُكْمِ بِالْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1960",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَجَمَ ‏ ‏أَبُو طَيْبَةَ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1961",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏احْتَجَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1962",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرْسَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بِحُلَّةِ حَرِيرٍ ‏ ‏أَوْ سِيَرَاءَ ‏ ‏فَرَآهَا عَلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي لَمْ أُرْسِلْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَسْتَمْتِعَ بِهَا ‏ ‏يَعْنِي تَبِيعَهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1963",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّهَا اشْتَرَتْ ‏ ‏نُمْرُقَةً ‏ ‏فِيهَا تَصَاوِيرُ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَاذَا أَذْنَبْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا بَالُ هَذِهِ ‏ ‏النُّمْرُقَةِ ‏ ‏قُلْتُ اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ فَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ وَقَالَ إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1964",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏بَنِي النَّجَّارِ ‏ ‏ثَامِنُونِي ‏ ‏بِحَائِطِكُمْ وَفِيهِ خِرَبٌ وَنَخْلٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثَامِنُونِي ) ‏ ‏بِمُثَلَّثَةِ عَلَى وَزْن فَاعِلُونِي , وَهُوَ أَمْرٌ لَهُمْ بِذِكْرِ الثَّمَن مُعَيَّنًا بِاخْتِيَارِهِمْ عَلَى سَبِيل السَّوْم لِيَذْكُرَ هُوَ لَهُمْ ثَمَنًا مُعَيَّنًا يَخْتَارهُ ثُمَّ يَقَع التَّرَاضِي بَعْد ذَلِكَ , وَبِهَذَا يُطَابِق التَّرْجَمَة. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : مَعْنَى قَوْله ثَامِنُونِي أَيْ بَايِعُونِي بِالثَّمَنِ أَيْ وَلَا آخُذهُ هِبَةً , قَالَ : فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَنَّ الْمُشْتَرَى يَبْدَأ بِذِكْرِ الثَّمَن ,. وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ. بِأَنَّ التَّرْجَمَة إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ الثَّمَن مُعَيَّنًا , وَأَمَّا مُطْلَقُ ذِكْر الثَّمَن فَلَا فَرْقَ فِيهِ فِي الْأَوْلَوِيَّة بَيْن الْبَائِع وَالْمُشْتَرِي. قُلْت : وَقَدْ سَبَقَ هَذَا الْحَدِيث فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفٍ فِي أَوَّل الْهِجْرَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1965",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏نَافِعًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِنَّ ‏ ‏الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ فِي بَيْعِهِمَا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَكُونُ الْبَيْعُ خِيَارًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا صَدَقَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْفَضْل الْمَرْوَزِيُّ , وَعَبْد الْوَهَّاب هُوَ الثَّقَفِيُّ , وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَحَكَى اِبْن التِّين فِي رِوَايَة الْقَابِسِيِّ \" إِنَّ الْمُتَبَايِعَانِ \" قَالَ وَهِيَ لُغَةٌ , وَفِي رِوَايَة أَيُّوبَ عَنْ نَافِع فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ \" الْبَيِّعَانِ \" بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ , وَالْبَيِّعُ بِمَعْنَى الْبَائِعِ كَضَيِّقٍ وَضَائِقٍ وَصَيِّن وَصَائِن وَلَيْسَ كَبَيِّنٍ وَبَائِنٍ فَإِنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ كَقَيِّمٍ وَقَائِمٍ , وَاسْتِعْمَال الْبَيِّع فِي الْمُشْتَرِي إِمَّا عَلَى سَبِيل التَّغْلِيب أَوْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَائِعٌ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" يَفْتَرِقَا \" بِتَقْدِيمِ الْفَاء , وَنَقَلَ ثَعْلَب عَنْ الْفَضْل بْن سَلَمَة اِفْتَرَقَا بِالْكَلَامِ وَتَفَرَّقَا بِالْأَبْدَانِ , وَرَدَّهُ اِبْن الْعَرَبِيّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّفَرُّق بِالْكَلَامِ لَا أَنَّهُ بِالِاعْتِقَادِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِنْ لَازِمِهِ فِي الْغَالِب لِأَنَّ مَنْ خَالَفَ آخَرَ فِي عَقِيدَتِهِ كَانَ مُسْتَدْعِيًا لِمُفَارَقَتِهِ إِيَّاهُ بِبَدَنِهِ , وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْجَوَابِ , وَالْحَقُّ حَمْلُ كَلَام الْفَضْل عَلَى الِاسْتِعْمَال بِالْحَقِيقَةِ , وَإِنَّمَا اُسْتُعْمِلَ أَحَدهمَا فِي مَوْضِع الْآخَر اِتِّسَاعًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ يَكُون الْبَيْعُ خِيَارًا ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ بَابٍ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ نَافِع وَكَانَ اِبْن عُمَر إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ نَافِع , وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ اِبْن عُمَرَ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ التَّفَرُّقَ الْمَذْكُور بِالْأَبْدَانِ كَمَا سَيَأْتِي. وَفِي الْحَدِيث ثُبُوتُ الْخِيَار لِكُلٍّ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِس وَسَيَأْتِي بَعْد بَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "1966",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَلِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَهْزٌ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏فَذَكَرْتُ ذَلِكَ ‏ ‏لِأَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ ‏ ‏أَبِي الْخَلِيلِ ‏ ‏لَمَّا حَدَّثَهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏بِهَذَا الْحَدِيثِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي الْخَلِيل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة الْآتِيَة بَعْد بَاب \" عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَالِح أَبِي الْخَلِيل \" وَفِي رِوَايَة أَحْمَدَ عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ \" سَمِعْت أَبَا الْخَلِيل \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث ) ‏ ‏هُوَ أَبُو نَوْفَل بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَلَمْ يُنْسَبْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُق حَدِيثه فِي الصَّحِيحَيْنِ , لَكِنْ وَقَعَ لِأَحْمَد مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ \" عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث الْهَاشِمِيّ \" وَرَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ شُعْبَة فَقَالَ عَنْ قَتَادَةَ \" سَمِعْت أَبَا الْخَلِيل يُحَدِّث عَنْ عَبْد اللَّه اِبْن الْحَارِث بْن نَوْفَلٍ \" وَعَبْد اللَّه هَذَا مَذْكُورٌ فِي الصَّحَابَة لِأَنَّ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُتِيَ بِهِ فَحَنَّكَهُ , وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ فِي كِبَار التَّابِعِينَ , وَقَتَادَةُ وَشَيْخه تَابِعِيَّانِ أَيْضًا , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيثٌ آخَرُ عَنْ الْعَبَّاس فِي قِصَّة أَبِي طَالِب. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ أَحْمَد حَدَّثَنَا بَهْزٌ ) ‏ ‏أَيْ اِبْنُ أَسَد , وَهَذِهِ الطَّرِيق وَصَلَهَا أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه عَنْ أَبِي جَعْفَر الدَّارِمِيِّ وَاسْمه أَحْمَد بْن سَعِيد عَنْ بَهْزٍ بِهِ وَلَمْ أَرَهَا فِي مُسْنَد أَحْمَد بْن حَنْبَل , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ أَحْمَد الْمَذْكُور , وَسَتَأْتِي هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ هَمَّام بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب بِأَوْضَحَ مِنْ سِيَاقه. وَفِي صَنِيع هَمَّام فَائِدَةُ طَلَبِ عُلُوِّ الْإِسْنَادِ لِأَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي الْخَلِيل فِي إِسْنَاده الْأَوَّل رَجُلَيْنِ وَفِي الثَّانِي رَجُلٌ وَاحِدٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "1967",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ وَرُبَّمَا قَالَ أَوْ يَكُونُ بَيْعَ خِيَارٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1968",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنِي عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيّ : لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَات , وَلَعَلَّهُ إِسْحَاق اِبْن مَنْصُور , فَإِنَّ مُسْلِمًا رَوَى عَنْ إِسْحَاق بْن مَنْصُور عَنْ حَبَّانَ بْن هِلَالٍ. قُلْت : قَدْ رَأَيْته مَنْسُوبًا فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن شَبَّوَيْهِ عَنْ الْفَرَبْرِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث إِسْحَاق بْن مَنْصُور , وَلَمْ أَرَهُ فِي مُسْنَد إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ مِنْ رِوَايَته عَنْ حَبَّانَ , فَقَوَّى مَا قَالَ أَبُو عَلِيّ رَحِمَهُ اللَّه. ثُمَّ رَأَيْت أَبَا نُعَيْم اِسْتَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق إِسْحَاقَ بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ حَبَّانَ وَقَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ إِسْحَاق فَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَبَّانَ بْن هِلَال ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثَقِيلَةٌ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" عَنْ هَمَّامٍ \" بَدَلَ شُعْبَةَ , وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْد حَبَّانَ عَنْ شَيْخَيْنِ حَدَّثَاهُ بِهِ عَنْ شَيْخٍ وَاحِدٍ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هَمَّامٍ الْمَاضِيَة قَبْل بَابٍ \" مَا لَمْ يَفْتَرِقَا \" وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن مُوسَى عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر , وَعَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا \" مَا لَمْ يُفَارِقْهُ صَاحِبُهُ فَإِنْ فَارَقَهُ فَلَا خِيَارَ لَهُ \" وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمُرَاد أَنْ يَتَفَرَّقَا بِالْأَبْدَانِ هَلْ لِلتَّفَرُّقِ الْمَذْكُور حَدٌّ يُنْتَهَى إِلَيْهِ ؟ وَالْمَشْهُور الرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَب الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَوْكُولٌ إِلَى الْعُرْف , فَكُلُّ مَا عُدَّ فِي الْعُرْفِ تَفَرُّقًا حُكِمَ بِهِ وَمَا لَا فَلَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا ) ‏ ‏أَيْ صَدَقَ الْبَائِعُ فِي إِخْبَارِ الْمُشْتَرَى مَثَلًا وَبَيَّنَ الْعَيْبَ إِنْ كَانَ فِي السِّلْعَة , وَصَدَقَ الْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ مَثَلًا وَبَيَّنَ الْعَيْب إِنْ كَانَ فِي الثَّمَن , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الصِّدْقُ وَالْبَيَانُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَذِكْرُ أَحَدِهِمَا تَأْكِيدٌ لِلْآخَرِ. ‏ ‏قَوْله : ( مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ شُؤْمَ التَّدْلِيس وَالْكَذِب وَقَعَ فِي ذَلِكَ الْعَقْد فَمَحَقَ بَرَكَتَهُ , وَإِنْ كَانَ الصَّادِقُ مَأْجُورًا وَالْكَاذِبُ مَأْزُورًا. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِمَنْ وَقَعَ مِنْهُ التَّدْلِيسُ , وَالْعَيْبُ دُونَ الْآخَرِ , وَرَجَّحَهُ اِبْن أَبِي جَمْرَة. وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ الصِّدْقِ وَالْحَثُّ عَلَيْهِ وَذَمُّ الْكَذِبِ وَالْحَثُّ عَلَى مَنْعِهِ , وَأَنَّهُ سَبَبٌ لِذَهَابِ الْبَرَكَةِ , وَأَنَّ عَمَل الْآخِرَةِ يُحَصِّلُ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1969",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ ) ‏ ‏أَيْ فَلَا يَحْتَاج إِلَى التَّفَرُّقِ كَمَا سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ. وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ \" مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَقُلْ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اِخْتَرْ \" وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي حَصْرِ لُزُومِ الْبَيْعِ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ , وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَات خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَقَدْ مَضَى قَبْلُ بِبَابٍ أَنَّ اِبْنِ عُمَر حَمَلَهُ عَلَى التَّفَرُّق بِالْأَبْدَانِ , وَكَذَلِكَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيّ , وَلَا يُعْرَف لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَة. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيُّ فَرَوَى اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ قَالَ \" الْبَيْعُ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا \" وَرَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْهُ بِلَفْظِ \" إِذَا وَجَبَتْ الصَّفْقَةُ فَلَا خِيَارَ \" وَبِذَلِكَ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَّا اِبْنَ حَبِيبٍ وَالْحَنَفِيَّة كُلّهمْ , قَالَ اِبْنِ حَزْم : لَا نَعْلَمُ لَهُمْ سَلَفًا إِلَّا إِبْرَاهِيمَ وَحْدَهُ , وَقَدْ ذَهَبُوا فِي الْجَوَابِ عَنْ حَدِيثَيْ الْبَاب فَرْقًا : فَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ لِكَوْنِهِ مُعَارِضًا لِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ , وَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَهُ وَلَكِنْ أَوَّلَهُ عَلَى غَيْر ظَاهِرِهِ , فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : هُوَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ \" الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ \" وَالْخِيَارُ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ يُفْسِدُ الشَّرْطَ , وَبِحَدِيثِ التَّحَالُفِ عِنْد اِخْتِلَاف الْمُتَبَايِعَيْنِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْحَاجَةَ إِلَى الْيَمِينِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ لُزُومَ الْعَقْدِ وَلَوْ ثَبَتَ الْخِيَارُ لَكَانَ كَافِيًا فِي رَفْعِ الْعَقْدِ , وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَأُشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ) وَالْإِشْهَاد إِنْ وَقَعَ بَعْد التَّفَرُّق لَمْ يُطَابِق الْأَمْر وَإِنْ وَقَعَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا , وَلَا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ , وَالْجَمْعُ بَيْن الدَّلِيلَيْنِ مَهْمَا أَمْكَنَ لَا يُصَارُ مَعَهُ إِلَى التَّرْجِيحِ , وَالْجَمْعُ هُنَا مُمْكِنٌ بَيْن الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ بِغَيْرِ تَعَسُّفٍ وَلَا تَكَلُّفٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ مِنْ رِوَايَة مَالِكٍ وَقَدْ عَمِلَ بِخِلَافِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ , وَالرَّاوِي إِذَا عَمِلَ بِخِلَافِ مَا رَوَى دَلَّ عَلَى وَهْنِ الْمَرْوِيِّ عِنْدَهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مَالِكًا لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ , فَقَدْ رَوَاهُ غَيْره وَعَمِلَ بِهِ وَهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا رِوَايَةً وَعَمَلًا , وَقَدْ خَصَّ كَثِيرٌ مِنْ مُحَقِّقِي أَهْلِ الْأُصُولِ الْخِلَافَ الْمَشْهُورَ - فِيمَا إِذَا عَمِلَ الرَّاوِي بِخِلَافِ مَا رَوَى - بِالصَّحَابَةِ دُونَ مَا جَاءَ بَعْدَهُمْ , وَمِنْ قَاعِدَتِهِمْ أَنَّ الرَّاوِيَ أَعْلَمُ بِمَا رَوَى , وَابْنُ عُمَرَ هُوَ رَاوِي الْخَبَرِ وَكَانَ يُفَارِقُ إِذَا بَاعَ بِبَدَنِهِ فَاتِّبَاعُهُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هُوَ مُعَارَضٌ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ , وَنَقَلَ اِبْنُ التِّينِ عَنْ أَشْهَبَ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِعَمَلِ أَهْلِ مَكَّةَ أَيْضًا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قَالَ بِهِ اِبْنُ عُمَرَ ثُمَّ سَعِيدُ بْن الْمُسَيِّبِ ثُمَّ الزُّهْرِيُّ ثُمَّ اِبْنُ أَبِي ذِئْبٍ كَمَا مَضَى , وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَكَابِرِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي أَعْصَارِهِمْ وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ الْقَوْلُ بِخِلَافِهِ سِوَى عَنْ رَبِيعَةَ. وَأَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ فَلَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنْهُمْ الْقَوْلَ بِخِلَافِهِ , فَقَدْ سَبَقَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَغَيْرهمَا مِنْ أَهْل مَكَّةَ , وَقَدْ اِشْتَدَّ إِنْكَارُ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مَالِكًا تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ لِكَوْنِ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهِ , قَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيّ : إِنَّمَا لَمْ يَأْخُذْ بِهِ مَالِكٌ لِأَنَّ وَقْتَ التَّفَرُّقِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَأَشْبَهَ بُيُوعَ الْغَرَرِ كَالْمُلَامَسَةِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَقُولُ بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَلَا يَحُدُّهُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ , وَمَا اِدَّعَاهُ مِنْ الْغَرَرِ مَوْجُودٌ فِيهِ وَبِأَنَّ الْغَرَرَ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ مَعْدُومٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَمَكِّنٌ مِنْ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ أَوْ فَسْخه بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ فَلَا غَرَرَ , وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هُوَ خَبَرُ وَاحِدٍ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ إِلَّا فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى , وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَشْهُورٌ فَيُعْمَلُ بِهِ كَمَا اِدَّعَوْا نَظِير ذَلِكَ فِي خَبَرِ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ وَإِيجَاب الْوِتْر. وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ الْجَلِيّ فِي إِلْحَاق مَا قَبْل التَّفَرُّق بِمَا بَعْده , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ مَعَ النَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ. وَقَالَ آخَرُونَ : التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ تَحْسِينًا لِلْمُعَامَلَةِ مَعَ الْمُسْلِم لَا عَلَى الْوُجُوب , وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاحْتِيَاطِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَكِلَاهُمَا عَلَى خِلَاف الظَّاهِرِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الْمُرَاد بِالتَّفَرُّقِ فِي الْحَدِيث التَّفَرُّقُ بِالْكَلَامِ كَمَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْإِجَارَة وَالْعِتْق , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ ظُهُورِ الْفَارِقِ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُنْقَلُ فِيهِ مِلْكُ رَقَبَةِ الْمَبِيعِ وَمَنْفَعَتُهُ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ , وَقَالَ اِبْنِ حَزْمٍ : سَوَاءٌ قُلْنَا التَّفَرُّق بِالْكَلَامِ أَوْ بِالْأَبْدَانِ فَإِنَّ خِيَار الْمَجْلِس بِهَذَا الْحَدِيث ثَابِتٌ , أَمَّا حَيْثُ قُلْنَا التَّفَرُّق بِالْأَبْدَانِ فَوَاضِحٌ , وَحَيْثُ قُلْنَا بِالْكَلَامِ فَوَاضِح أَيْضًا , لِأَنَّ قَوْل أَحَد الْمُتَبَايِعَيْنِ مَثَلًا بِعْتُكَهُ بِعَشْرَةٍ وَقَوْل الْآخَر بَلْ بِعِشْرِينَ مَثَلًا اِفْتِرَاقٌ فِي الْكَلَامِ بِلَا شَكٍّ , بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ اِشْتَرَيْته بِعَشْرَةٍ فَإِنَّهُمَا حِينَئِذٍ مُتَوَافِقَانِ فَيَتَعَيَّنُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لَهُمَا حِينَ يَتَّفِقَانِ لَا حِينَ يَتَفَرَّقَانِ وَهُوَ الْمُدَّعَى. وَفِيل الْمُرَاد بِالْمُتَبَايِعَيْنِ الْمُتَسَاوِمَانِ , وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَجَازٌ وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَة أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهَا أَوْلَى. وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِآيَاتٍ وَأَحَادِيثَ اُسْتُعْمِلَ فِيهَا الْمَجَازُ وَقَالَ : مَنْ أَنْكَرَ اِسْتِعْمَالَ لَفْظِ الْبَائِعِ فِي السَّائِمِ فَقَدْ غَفَلَ عَنْ اِتِّسَاعِ اللُّغَةِ : وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اِسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ فِي مَوْضِعٍ طَرْدُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ , فَالْأَصْلُ مِنْ الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَة حَتَّى يَقُوم الدَّلِيل عَلَى خِلَافِهِ. وَقَالُوا أَيْضًا : وَقْت التَّفَرُّق فِي الْحَدِيث هُوَ مَا بَيْن قَوْل الْبَائِع بِعْتُك هَذَا بِكَذَا وَبَيْن قَوْلِ الْمُشْتَرِي اِشْتَرَيْت , قَالُوا فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي قَوْله اِشْتَرَيْت أَوْ تَرَكَهُ وَالْبَائِع بِالْخِيَارِ إِلَى أَنْ يُوجِبَ الْمُشْتَرِي , وَهَكَذَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ عِيسَى بْن أَبَانَ مِنْهُمْ , وَحَكَاهُ اِبْنِ خُوَيْزَمِنْدَادٍ عَنْ مَالِكٍ , قَالَ عِيسَى بْن أَبَانَ : وَفَائِدَته تَظْهَرُ فِيمَا لَوْ تَفَرَّقَا قَبْل الْقَبُولِ فَإِنَّ الْقَبُولَ يَتَعَذَّر , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ تَسْمِيَتَهُمَا مُتَبَايِعَيْنِ قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ مَجَازٌ أَيْضًا , فَأُجِيبَ بِأَنَّ تَسْمِيَتَهُمَا مُتَبَايِعَيْنِ بَعْد تَمَام الْعَقْدِ مَجَازٌ أَيْضًا , لِأَنَّ اِسْمَ الْفَاعِلِ فِي الْحَالِ حَقِيقَةٌ وَفِيمَا عَدَاهُ مَجَازٌ , فَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ بَعْدَ اِنْعِقَادِ الْبَيْعِ لَكَانَ لِغَيْرِ الْبَيِّعَيْنِ وَالْحَدِيث يَرُدُّهُ فَتَعَيَّنَ حَمْلُ التَّفَرُّقِ عَلَى الْكَلَامِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِذَا تَعَذَّرَ الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَة تَعَيَّنَ الْمَجَازُ , وَإِذَا تَعَارَضَ الْمُجَازَانِ فَالْأَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى. وَأَيْضًا فَالْمُتَبَايِعَانِ لَا يَكُونَانِ مُتَبَايِعَيْنِ حَقِيقَةً إِلَّا فِي حِينَ تَعَاقُدِهِمَا , لَكِنَّ عَقْدَهُمَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا بِإِبْرَامِ الْعَقْدِ أَوْ التَّفَرُّق عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَر فَصَحَّ أَنَّهُمَا مُتَعَاقِدَانِ مَا دَامَا فِي مَجْلِس الْعَقْد , فَعَلَى هَذَا تَسْمِيَتُهُمَا مُتَبَايِعَيْنِ حَقِيقَةٌ بِخِلَافِ حَمْلِ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى الْمُتَسَاوِمَيْنِ فَإِنَّهُ مَجَازٌ بِاتِّفَاقٍ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ التَّفَرُّقُ يَقَع بِالْأَقْوَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ) , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ سَيِّئٌ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ يُفْضِي إِلَى التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ , قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : وَمَنْ نَفَى خِيَار الْمَجْلِس اِرْتَكَبَ مُجَازَيْنِ بِحَمْلِهِ التَّفَرُّقَ عَلَى الْأَقْوَالِ وَحَمْلِهِ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى الْمُتَسَاوِمَيْنِ , وَأَيْضًا فَكَلَامُ الشَّارِعِ يُصَانُ عَنْ الْحَمْلِ عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُهُ إِنَّ الْمُتَسَاوِمَيْنِ إِنْ شَاءَا عَقَدَا الْبَيْعَ , وَإِنْ شَاءَا لَمْ يَعْقِدَاهُ وَهُوَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ لِأَنَّ كُلَّ أَحَد يَعْرِف ذَلِكَ , وَيُقَال لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ التَّفَرُّقَ بِالْكَلَامِ : مَا هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي يَقَع بِهِ التَّفَرُّق , أَهُوَ الْكَلَامُ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْعَقْدُ أَمْ غَيْره ؟ فَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَمَا هُوَ , فَلَيْسَ بَيْن الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَلَامٌ غَيْرُهُ ؟ وَإِنْ كَانَ هُوَ ذَلِكَ الْكَلَام بِعَيْنِهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ الَّذِي اِتَّفَقَا عَلَيْهِ وَتَمَّ بَيْعُهُمَا بِهِ هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي اِفْتَرَقَا بِهِ وَانْفَسَخَ بَيْعُهُمَا بِهِ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ. وَقَالَ آخَرُونَ الْعَمَلُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ مُتَعَذِّرٌ فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ , وَبَيَانُ تَعَذُّرِهِ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ إِنْ اِتَّفَقَا فِي الْفَسْخِ أَوْ الْإِمْضَاء لَمْ يَثْبُت لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَر خِيَارٌ , وَإِنْ اِخْتَلَفَا فَالْجَمْع بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ جَمْعٌ بَيْنَ النِّقْضَيْنِ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْخِيَارَ فِي الْفَسْخِ , وَأَمَّا الْإِمْضَاءُ فَلَا اِحْتِيَاجَ إِلَى اِخْتِيَارِهِ فَإِنَّهُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَالْحَال يُفْضِي إِلَيْهِ مَعَ السُّكُوت بِخِلَافِ الْفَسْخ. وَقَالَ آخَرُونَ : حَدِيث اِبْن عُمَر هَذَا وَحَكِيم بْن حِزَام مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا \" الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ , وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَة أَنْ يَسْتَقِيلَهُ \" قَالَ اِبْنِ الْعَرَبِيِّ : ظَاهِرُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مُخَالِفٌ لِأَوَّلِ الْحَدِيثِ فِي الظَّاهِرِ , فَإِنْ تَأَوَّلُوا الِاسْتِقَالَةَ فِيهِ عَلَى الْفَسْخِ تَأَوَّلْنَا الْخِيَارَ فِيهِ عَلَى الِاسْتِقَالَةِ وَإِذَا تَعَارَضَ التَّأْوِيلَانِ فُزِعَ إِلَى التَّرْجِيحِ , وَالْقِيَاسُ فِي جَانِبِنَا وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَمْلَ الِاسْتِقَالَةِ عَلَى الْفَسْخِ أَوْضَحُ مِنْ حَمْلِ الْخِيَارِ عَلَى الِاسْتِقَالَةِ , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَاد حَقِيقَة الِاسْتِقَالَة لَمْ تَمْنَعهُ مِنْ الْمُفَارَقَة لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصّ بِمَجْلِسِ الْعَقْد , وَقَدْ أَثْبَتّ فِي أَوَّلِ الْحَدِيث الْخِيَار وَمَدَّهُ إِلَى غَايَةِ التَّفَرُّقِ , وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ مَنْ لَهُ الْخِيَار لَا يَحْتَاج إِلَى الِاسْتِقَالَةِ فَتَعَيَّنَ حَمْلُهَا عَلَى الْفَسْخ , وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاء فَقَالُوا : مَعْنَاهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ بَعْد الْبَيْعِ خَشْيَةَ أَنْ يَخْتَارَ فَسْخ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ اِسْتَقَلْت مَا فَاتَ عَنِّي إِذَا اِسْتَدْرَكَهُ , فَالْمُرَاد بِالِاسْتِقَالَةِ فَسْخُ النَّادِم مِنْهُمَا لِلْبَيْعِ. وَحَمَلُوا نَفْيَ الْحِلِّ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ لَا يَلِيق بِالْمُرُوءَةِ وَحُسْن مُعَاشَرَةِ الْمُسْلِمِ , إِلَّا أَنَّ اِخْتِيَارَ الْفَسْخِ حَرَامٌ , قَالَ اِبْنِ حَزْمٍ : اِحْتِجَاجُهُمْ بِحَدِيثِ عَمْرو بْن شُعَيْبٍ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْكَلَامِ لِقَوْلِهِ فِيهِ \" خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ \" لِكَوْنِ الِاسْتِقَالَةِ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ , وَصِحَّة اِنْتِقَالِ الْمِلْك تَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونُ الْخَبَر الْمَذْكُور لَا فَائِدَة لَهُ لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْ حَمْل التَّفَرُّقِ عَلَى الْقَوْل إِبَاحَةُ الْمُفَارَقَة , خَشِيَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ أَوْ لَمْ يَخْشَ. وَقَالَ بَعْضهمْ التَّفَرُّق بِالْأَبْدَانِ فِي الصَّرْف قَبْل الْقَبْض يُبْطِل الْعَقْد فَكَيْف يُثْبِتُ الْعَقْدَ مَا يُبْطِلُهُ ؟ وَتُعُقِّبَ بِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ وَبِالْمُعَارَضَةِ بِنَظِيرِهِ , وَذَلِكَ أَنَّ النَّقْدَ وَتَرْكَ الْأَجَلِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّرْف وَهُوَ يُفْسِدُ السَّلَمَ عِنْدَهُمْ. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ اِبْنِ عُمَر الْآتِي بَعْدَ بَابَيْنِ فِي قِصَّةِ الْبَكْرِ الصَّعْبِ وَسَيَأْتِي تَوَجُّهُهُ وَجَوَابُهُ , وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِقَوْلِ اِبْنِ عُمَر : مَا أَدْرَكْت الصَّفْقَةَ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ : وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ يُخَالِفُونَهُ , أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا : هُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُبْتَاعُ أَوْ يَنْقُلْهُ. وَالْمَالِكِيَّةُ قَالُوا : إِنْ كَانَ غَائِبًا غِيبَةً بَعِيدَةً فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ وَأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ فِيهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْبَيْع الَّذِي اِنْبَرَمَ لَا عَلَى مَا لَمْ يَنْبَرِم جَمْعًا بَيْن كَلَامَيْهِ , وَقَالَ بَعْضهمْ مَعْنَى قَوْله حَتَّى يَتَفَرَّقَا أَيْ حَتَّى يَتَوَافَقَا يُقَال لِلْقَوْمِ : عَلَى مَاذَا تَفَارَقْتُمْ ؟ أَيْ عَلَى مَاذَا اِتَّفَقْتُمْ ؟ وَتُعُقِّبَ بِمَا وَرَدَ فِي بَقِيَّة حَدِيث اِبْنِ عُمَر فِي جَمِيع طُرُقه وَلَا سِيَّمَا فِي طَرِيق اللَّيْث الْآتِيَة فِي الْبَاب الَّذِي بَعْد هَذَا , وَقَالَ بَعْضهمْ حَدِيث \" الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ \" جَاءَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ فَهُوَ مُضْطَرِبٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ مَا اِخْتَلَفَ مِنْ أَلْفَاظِهِ مُمْكِنٌ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ وَلَا تَعَسُّفٍ فَلَا يَضُرُّهُ الِاخْتِلَافُ , وَشَرْطُ الْمُضْطَرِبِ أَنْ يَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْن مُخْتَلِف أَلْفَاظِهِ وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا يَتَعَيَّنُ حَمْل الْخِيَار فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى خِيَار الْفَسْخ , فَلَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ خِيَار الشِّرَاء أَوْ خِيَار الزِّيَادَة فِي الثَّمَن أَوْ الْمُثَمَّن , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْهُود فِي كَلَامِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ يُطْلِقُ الْخِيَارَ إِرَادَةَ خِيَارِ الْفَسْخِ كَمَا فِي حَدِيث الْمُصَرَّاةِ وَكَمَا فِي حَدِيث الَّذِي يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ. وَأَيْضًا فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُتَبَايِعَيْنِ الْمُتَعَاقِدَانِ فَبَعْدَ صُدُورِ الْعَقْدِ لَا خِيَار فِي الشِّرَاءِ وَلَا فِي الثَّمَنِ. وَقَالَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ : قَدْ أَكْثَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ مِنْ الِاحْتِجَاجِ لِرَدِّ هَذَا الْحَدِيثِ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ , وَأَكْثَرُهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ. وَحَكَى اِبْنُ السَّمْعَانِيّ فِي \" الِاصْطِلَاح \" عَنْ بَعْض الْحَنَفِيَّة قَالَ : الْبَيْع عَقْدٌ مَشْرُوعٌ بِوَصْفٍ وَحُكْمٍ , فَوَصْفُهُ اللُّزُومُ وَحُكْمُهُ الْمِلْكُ , وَقَدْ تَمَّ الْبَيْعُ بِالْعَقْدِ فَوَجَبَ أَنْ يَتِمَّ بِوَصْفِهِ وَحُكْمِهِ , فَأَمَّا تَأْخِيرُ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَفْتَرِقَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيل لِأَنَّ السَّبَب إِذَا تَمَّ يُفِيدُ حُكْمَهُ , وَلَا يَنْتَفِي إِلَّا بِعَارِضٍ وَمَنْ اِدَّعَاهُ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ. وَأَجَابَ أَنَّ الْبَيْعَ سَبَب لِلْإِيقَاعِ فِي النَّدَمِ وَالنَّدَمُ يُحْوِج إِلَى النَّظَر فَأَثْبَتَ الشَّارِعُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ نَظَرًا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ لِيَسْلَمَا مِنْ النَّدَمِ , وَدَلِيلُهُ خِيَار الرُّؤْيَة عِنْدهمْ وَخِيَار الشَّرْط عِنْدَنَا. قَالَ : وَلَوْ لَزِمَ الْعَقْدُ بِوَصْفِهِ وَحُكْمِهِ لَمَا شُرِعَتْ الْإِقَالَةُ , لَكِنَّهَا شُرِعَتْ نَظَرًا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ , إِلَّا أَنَّهَا شُرِعَتْ لِاسْتِدْرَاكِ نَدَمٍ يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمَا فَلَمْ تَجِبْ , وَخِيَارُ الْمَجْلِسِ شُرِعَ لِاسْتِدْرَاكِ نَدَمٍ يَشْتَرِكَانِ فِيهِ فَوَجَبَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1970",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1971",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كُلُّ بَيِّعَيْنِ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا ) ‏ ‏أَيْ لَازِمٌ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَتَفَرَّقَا ) ‏ ‏أَيْ فَيَلْزَمُ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ بِالتَّفَرُّقِ : ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ ) ‏ ‏أَيْ فَيَلْزَمُ بِاشْتِرَاطِهِ كَمَا تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ , وَظَاهِرُهُ حَصْرُ لُزُومِ الْبَيْعِ فِي التَّفَرُّقِ أَوْ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ , وَالْمَعْنَى أَنَّ الْبَيْع عَقْدٌ جَائِزٌ فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ كَانَ لَازِمًا. ‏"
    },
    {
        "id": "1972",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَبَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَلِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏وَجَدْتُ فِي كِتَابِي يَخْتَارُ ثَلَاثَ مِرَارٍ ‏ ‏فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا وَيُمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا ‏ ‏قَالَ وَحَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو التَّيَّاحِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ ‏ ‏يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَنْصُور , وَحَبَّان هُوَ اِبْن هِلَالٍ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَتَفَرَّقَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا \". ‏ ‏قَوْله : ( قَامَ هَمَّام : وَجَدْت فِي كِتَابِي يَخْتَار ثَلَاثَ مِرَارٍ ) ‏ ‏أَشَارَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى أَنَّ هَمَّامًا تَفَرَّدَ بِذَلِكَ عَنْ أَصْحَاب قَتَادَةَ , وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد عَنْ عَفَّان عَنْ هَمَّام قَالَ \" وَجَدْت فِي كِتَابِي الْخِيَار ثَلَاث مِرَار \" وَلَمْ يُصَرِّح هَمَّامٌ بِمَنْ حَدَّثَهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَة فَإِنْ ثَبَتَتْ فَهِيَ عَلَى سَبِيل الِاخْتِيَارِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَجْه آخَر عَنْ حَبَّانَ بْن هِلَالٍ فَذَكَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا هَمَّامٌ ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ حَبَّان بْن هِلَال الْمَذْكُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْل بَابَيْنِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ هَمَّام , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْقَائِل هُوَ حَبَّان , فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَالَ \" حَدَّثَنَا \" وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ \" قَالَ هَمَّامٌ \" فَالْجَوَاب أَنَّهُ حَيْثُ قَالَ : قَالَ كَانَ سَمِعَ ذَلِكَ فِي الْمُذَاكَرَةِ وَحَيْثُ قَالَ حَدَّثَنَا سَمِعَ مِنْهُ فِي مَقَام التَّحْدِيث ا ه. وَفِي جَزْمِهِ بِذَلِكَ نَظَرٌ , وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ حَيْثُ سَاقَهُ بِالْإِسْنَادِ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ حَدَّثَنَا , وَحَيْثُ ذَكَرَ كَلَامَ هَمَّامٍ عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ قَالَ. ‏"
    },
    {
        "id": "1973",
        "content": "‏ ‏وَقَالَ لَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏فَكَانَ يَغْلِبُنِي فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَ الْقَوْمِ فَيَزْجُرُهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَيَرُدُّهُ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيَزْجُرُهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَيَرُدُّهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏بِعْنِيهِ قَالَ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِعْنِيهِ فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ لَكَ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بِعْتُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ‏ ‏مَالًا بِالْوَادِي بِمَالٍ لَهُ ‏ ‏بِخَيْبَرَ ‏ ‏فَلَمَّا تَبَايَعْنَا رَجَعْتُ عَلَى عَقِبِي حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ خَشْيَةَ أَنْ يُرَادَّنِي الْبَيْعَ وَكَانَتْ السُّنَّةُ ‏ ‏أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَلَمَّا وَجَبَ بَيْعِي وَبَيْعُهُ رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ غَبَنْتُهُ بِأَنِّي سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ‏ ‏ثَمُودَ ‏ ‏بِثَلَاثِ لَيَالٍ وَسَاقَنِي إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏بِثَلَاثِ لَيَالٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر بِإِسْنَادِ الْبُخَارِيِّ \" قَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ \" وَجَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَبُو نُعَيْم بِأَنَّهُ عَلَّقَهُ , وَقَدْ رَوَيْنَاهُ أَيْضًا مَوْصُولًا فِي \" مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ \" وَفِي \" مُسْتَخْرَج الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" وَسَيَأْتِي مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ سُفْيَان فِي الْهِبَة مَوْصُولًا. ‏ ‏قَوْله : ( فِي سَفَر ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى بَكْرٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ : وَلَدُ النَّاقَةِ أَوَّلَ مَا يُرْكَبُ. ‏ ‏قَوْله : ( صَعْبٍ ) ‏ ‏أَيْ نَفُور. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَاعَهُ ) ‏ ‏زَادَ فِي الْهِبَة \" فَاشْتَرَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : هُوَ لَك يَا عَبْد اللَّه بْن عُمَر تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْت \" وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ تَوْقِيرِهِمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْ لَا يَتَقَدَّمُوهُ فِي الْمَشْيِ , وَفِيهِ جَوَازُ زَجْرِ الدَّوَابِّ , وَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ عَرْضُ صَاحِبِ السِّلْعَةِ بِسِلْعَتِهِ بَلْ يَجُوز أَنْ يُسْأَلَ فِي بَيْعِهَا , وَجَوَازُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ قَبْل بَدَلِ الثَّمَنِ. وَمُرَاعَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْوَالَ الصَّحَابَةِ وَحِرْصُهُ عَلَى مَا يُدْخِلُ عَلَيْهِمْ السُّرُورَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن زَنْجَوَيْهِ وَالرَّمَادِيِّ وَغَيْرِهِمَا , وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن سُفْيَان كُلّهمْ عَنْ أَبِي صَالِح كَاتِبِ اللَّيْثِ عَنْ اللَّيْثِ بِهِ , وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ يَحْيَى بْن بُكَيْر رَوَاهُ عَنْ اللَّيْث عَنْ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ نَحْوه , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ فَقَدْ ذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا أَنَّ أَبَا صَالِح رَوَاهُ عَنْ اللَّيْث كَذَلِكَ فَوَضَحَ أَنَّ لِلَّيْثِ فِيهِ شَيْخَيْنِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَيُّوبَ عَنْ سُوَيْدٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( بِعْت مِنْ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْن عَفَّان مَالًا ) ‏ ‏أَيْ أَرْضًا أَوْ عَقَارًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِالْوَادِي ) ‏ ‏يَعْنِي وَادِيَ الْقُرَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا تَبَايَعَا رَجَعْت عَلَى عَقِبَيَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَيُّوبَ بْن سُوَيْدٍ \" فَطَفِقْت أَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيَّ الْقَهْقَرَى \". ‏ ‏قَوْله : ( يُرَادّنِي ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَصْلُهُ يُرَادِدْنِي أَيْ يَطْلُبُ مِنِّي اِسْتِرْدَادَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ السُّنَّة أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَب فِي خُرُوجه مِنْ بَيْت عُثْمَانَ , وَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَجِبَ لَهُ الْبَيْعُ وَلَا يَبْقَى لِعُثْمَانَ خِيَارٌ فِي فَسْخِهِ. وَاسْتَدَلَّ اِبْن بَطَّال بِقَوْلِهِ \" وَكَانَتْ السُّنَّةُ \" عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ , فَأَمَّا فِي الزَّمَنِ الَّذِي فَعَلَ اِبْن عُمَر ذَلِكَ فَكَانَ التَّفَرُّق بِالْأَبْدَانِ مَتْرُوكًا فَلِذَلِكَ فَعَلَهُ اِبْن عُمَر لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الِاتِّبَاعِ , هَكَذَا قَالَ , وَلَيْسَ فِي قَوْله \" وَكَانَتْ السُّنَّة \" مَا يَنْفِي اِسْتِمْرَارَهَا. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ بْن سُوَيْدٍ \" كُنَّا إِذَا تَبَايَعْنَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقْ الْمُتَبَايِعَانِ , فَتَبَايَعْت أَنَا وَعُثْمَانُ \" فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا إِشْعَارٌ بِاسْتِمْرَارِ ذَلِكَ , وَأَغْرَبَ اِبْن رُشْدٍ فِي \" الْمُقَدِّمَاتِ \" لَهُ فَزَعَمَ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِابْنِ عُمَر \" لَيْسَتْ السُّنَّةُ بِافْتِرَاقِ الْأَبَدَانِ , قَدْ اِنْتَسَخَ ذَلِكَ \" وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ أَرَ لَهَا إِسْنَادًا , وَلَوْ صَحَّتْ لَمْ تَخْرُجْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الْخِلَافِ لِأَنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ قَدْ نُقِلَ عَنْهُمْ الْقَوْلُ بِأَنَّ الِافْتِرَاقَ بِالْأَبْدَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( سُقْته إِلَى أَرْض ثَمُود بِثَلَاثِ لَيَالٍ ) ‏ ‏أَيْ زِدْت الْمَسَافَةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْضِهِ الَّتِي صَارَتْ إِلَيْهِ عَلَى الْمَسَافَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْضِهِ الَّتِي بَاعَهَا بِثَلَاثِ لَيَالٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَاقَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُ نَقَصَ الْمَسَافَةَ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَ أَرْضِي الَّتِي أَخَذَ بِهَا عَنْ الْمَسَافَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَرْضِي الَّتِي بِعْتهَا بِثَلَاثِ لَيَالٍ , وَإِنَّمَا قَالَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا كَانَا بِهَا فَرَأَى اِبْن عُمَر الْغِبْطَةَ فِي الْقُرْبِ مِنْ الْمَدِينَةِ فَلِذَلِكَ قَالَ \" رَأَيْت أَنِّي قَدْ غَبَنْته \" وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة جَوَازُ بَيْعِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ عَلَى الصِّفَةِ , وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهَا فِي \" بَابٌ بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ \" وَجَوَازُ التَّحَيُّلِ فِي إِبْطَالِ الْخِيَارِ , وَتَقْدِيمُ الْمَرْءِ مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ عَلَى مَصْلَحَةِ غَيْرِهِ , وَفِيهِ جَوَازُ بَيْع الْأَرْض بِالْأَرْضِ , وَفِيهِ أَنَّ الْغَبْنَ لَا يُرَدُّ بِهِ الْبَيْعُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1974",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ ‏ ‏إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا ‏ ‏خِلَابَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي نَافِع عَنْ اِبْن عُمَرَ , كَانَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَارِ \" زَادَ اِبْن الْجَارُودِ فِي \" الْمُنْتَقَى \" مِنْ طَرِيق سُفْيَانَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ حَبَّان بْن مُنْقِذٍ , وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة الثَّقِيلَة , وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْأَعْلَى وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق يُونُس بْن بُكَيْر كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن إِسْحَاق بِهِ وَزَادَ فِيهِ \" قَالَ اِبْن إِسْحَاق فَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حَبَّان قَالَ هُوَ جَدِّي مُنْقِذ بْن عَمْرو \" وَكَذَلِكَ رَوَاهُ اِبْن مَنْدَهْ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ اِبْن إِسْحَاق. ‏ ‏قَوْله : ( ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاقَ \" فَشَكَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَلْقَى مِنْ الْغَبْنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ يُخْدَع فِي الْبُيُوع ) ‏ ‏بَيَّنَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة سَبَب شَكْوَاهُ وَهُوَ مَا يَلْقَى مِنْ الْغَبْنِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيث أَنَس بِلَفْظِ \" إِنَّ رَجُلًا كَانَ يُبَايِع , وَكَانَ فِي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا خِلَابَةَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَحْفِيفِ اللَّامِ أَيْ لَا خَدِيعَةَ و \" لَا \" لِنَفْيِ الْجِنْسِ أَيْ لَا خَدِيعَةَ فِي الدِّينِ لِأَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ , زَادَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَة يُونُس بْن بُكَيْر وَعَبْد الْأَعْلَى عَنْهُ \" ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ اِبْتَعْتهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ , فَإِنْ رَضِيت فَأَمْسِكْ وَإِنْ سَخِطْت فَأَرْدُدْ \" فَبَقِيَ حَتَّى أَدْرَكَ زَمَان عُثْمَانَ وَهُوَ اِبْنُ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً , فَكَثُرَ النَّاسُ فِي زَمَن عُثْمَانَ , وَكَانَ إِذَا اِشْتَرَى شَيْئًا فَقِيلَ لَهُ إِنَّك غُبِنْت فِيهِ رَجَعَ بِهِ فَيَشْهَدُ لَهُ الرَّجُلُ مِنْ الصَّحَابَة بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَعَلَهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَيَرُدُّ لَهُ دَرَاهِمَهُ. قَالَ الْعُلَمَاء : لَقَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْقَوْلَ لِيُتَلَفَّظَ بِهِ عِنْد الْبَيْع فَيُطْلِعُ بِهِ صَاحِبَهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الْبَصَائِرِ فِي مَعْرِفَةِ السِّلَعِ وَمَقَادِيرِ الْقِيمَةِ فَيَرَى لَهُ كَمَا يَرَى لِنَفْسِهِ , لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ حَضِّ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى أَدَاءِ النَّصِيحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث حَكِيم بْن حِزَامٍ \" فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بِوَرِكِ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا \" الْحَدِيثَ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَحْمَدَ وَأَحَد قَوْلَيْ مَالِك أَنَّهُ يُرَدُّ بِالْغَبْنِ الْفَاحِش لِمَنْ لَمْ يَعْرِفْ قِيمَةَ السِّلْعَةِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا جَعَلَ لَهُ الْخِيَار لِضَعْفِ عَقْلِهِ وَلَوْ كَانَ الْغَبْنُ يُمْلَكُ بِهِ الْفَسْخُ لَمَا اِحْتَاجَ إِلَى شَرْط الْخِيَارِ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : يَحْتَمِل أَنَّ الْخَدِيعَةَ فِي قِصَّة هَذَا الرَّجُلِ كَانَتْ فِي الْعَيْبِ أَوْ فِي الْكَذِبِ أَوْ فِي الثَّمَنِ أَوْ فِي الْغَبْنِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهَا فِي مَسْأَلَة الْغَبْنِ بِخُصُوصِهَا , وَلَيْسَتْ قِصَّةً عَامَّةً وَإِنَّمَا هِيَ خَاصَّةٌ فِي وَاقِعَةِ عَيْنٍ فَيُحْتَجُّ بِهَا فِي حَقّ مَنْ كَانَ بِصِفَةِ الرَّجُل قَالَ : وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَر أَنَّهُ كُلِّمَ فِي الْبَيْعِ فَقَالَ : مَا أَجِدُ لَكُمْ شَيْئًا أَوْسَعَ مِمَّا جَعَلَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَبَّانَ بْن مُنْقِذ ثَلَاثَة أَيَّام , فَمَدَارُهُ عَلَى اِبْن لَهِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ اِنْتَهَى , وَهُوَ كَمَا قَالَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيقه , لَكِنَّ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا قَدْ تَعَيَّنَتْ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي صَرَّحَ بِهَا بِأَنَّهُ كَانَ يُغْبَنُ فِي الْبُيُوعِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَمَدَ الْخِيَارِ الْمُشْتَرَطَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ غَيْر زِيَادَة لِأَنَّهُ حُكْمٌ وَرَدَ عَلَى خِلَاف الْأَصْل فَيُقْتَصَرُ بِهِ عَلَى أَقْصَى مَا وَرَدَ فِيهِ , وَيُؤَيِّدُهُ جَعْلُ الْخِيَارِ فِي الْمُصَرَّاةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ , وَاعْتِبَارُ الثَّلَاث فِي غَيْر مَوْضِع , وَأَغْرَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ إِنَّمَا قَصَرَهُ عَلَى ثَلَاثٍ لِأَنَّ مُعْظَمَ بَيْعِهِ كَانَ فِي الرَّقِيقِ , وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ وَلَا يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ الِاحْتِمَالِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ عِنْد الْعَقْدِ \" لَا خِلَابَةَ \" أَنَّهُ يَصِيرُ فِي تِلْكَ الصَّفْقَةِ بِالْخِيَارِ سَوَاءٌ وَجَدَ فِيهِ عَيْبًا أَوْ غَبْنًا أَمْ لَا , وَبَالَغَ اِبْن حَزْم فِي جُمُودِهِ فَقَالَ : لَوْ قَالَ لَا خَدِيعَةَ أَوْ لَا غِشَّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخِيَارُ حَتَّى يَقُولَ لَا خِلَابَةَ. وَمِنْ أَسْهَلَ مَا يُرَدُّ بِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ \" لَا خِيَابَةَ \" بِالتَّحْتَانِيَّةِ بَدَلَ اللَّامِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بَدَلَ اللَّامِ أَيْضًا وَكَأَنَّهُ كَانَ لَا يُفْصِحُ بِاللَّامِ لِلَثْغَة لِسَانِهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْمُ فِي حَقِّهِ عِنْد أَحَد مِنْ الصَّحَابَة الَّذِينَ كَانُوا يَشْهَدُونَ لَهُ بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَهُ بِالْخِيَارِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ اِكْتَفَوْا فِي ذَلِكَ بِالْمَعْنَى , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْكَبِيرَ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ وَلَوْ تَبَيَّنَ سَفَهُهُ لِمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَنَس أَنَّ أَهْلَهُ أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه اُحْجُرْ عَلَيْهِ , فَدَعَاهُ فَنَهَاهُ عَنْ الْبَيْعِ فَقَالَ لَا أَصْبِرُ عَنْهُ فَقَالَ \" إِذَا بَايَعْت فَقُلْ لَا خِلَابَة \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَجْرُ عَلَى الْكَبِيرِ لَا يَصِحُّ لَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ , وَأَمَّا كَوْنُهُ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ الْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الْبَيْع بِشَرْطِ الْخِيَار وَعَلَى جَوَاز شَرْط الْخِيَار لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ , وَفِيهِ مَا كَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الْعَصْرِ عَلَيْهِ مِنْ الرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ وَقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْحُقُوقِ وَغَيْرِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1975",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَتْنِي ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَغْزُو جَيْشٌ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ قَالَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّدِ بْن سُوقَةَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا قَافٌ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ عَابِدٌ يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر تَقَدَّمَ فِي الْعِيدَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ نَافِع بْن جُبَيْر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُطْعِمٍ النَّوْفَلِيّ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ عَائِشَة سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن بَكَّار عَنْ إِسْمَاعِيل بْن زَكَرِيَّا عَنْ مُحَمَّد بْن سُوقَهُ \" سَمِعْت نَافِعَ بْن جُبَيْر \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَتْنِي عَائِشَة ) ‏ ‏هَكَذَا قَالَ إِسْمَاعِيل بْن زَكَرِيَّا عَنْ مُحَمَّد بْن سُوقَة , وَخَالَفَهُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ فَقَالَ \" عَنْ مُحَمَّد بْن سُوقَة عَنْ نَافِع بْن جُبَيْر عَنْ أُمّ سَلَمَة \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون نَافِع اِبْن جُبَيْر سَمِعَهُ مِنْهُمَا فَإِنَّ رِوَايَتَهُ عَنْ عَائِشَة أَتَمُّ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ أُمّ سَلَمَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة , وَرُوِيَ مِنْ حَدِيث حَفْصَة شَيْئًا مِنْهُ , وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ صَفِيَّةَ نَحْوَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ \" عَبَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَامه فَقُلْنَا لَهُ صَنَعْت شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ , قَالَ : الْعَجَب أَنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ هَذَا الْبَيْتَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ \" وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ أُمّ سَلَمَة قَالَتْ ذَلِكَ زَمَنُ اِبْن الزُّبَيْرِ , وَفِي أُخْرَى أَنَّ عَبْد اللَّه بْن صَفْوَان أَحَد رُوَاة الْحَدِيث عَنْ أُمّ سَلَمَة قَالَ : وَاَللَّهِ مَا هُوَ هَذَا الْجَيْشُ. ‏ ‏قَوْله : ( بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ \" بِالْبَيْدَاءِ \" وَفِي حَدِيث صَفِيَّة عَلَى الشَّكِّ , وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَر الْبَاقِرِ قَالَ : هِيَ بَيْدَاءُ الْمَدِينَةِ. اِنْتَهَى. وَالْبَيْدَاءُ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ. ‏ ‏قَوْله : ( يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرهمْ ) ‏ ‏زَادَ التِّرْمِذِيُّ فِي حَدِيث صَفِيَّة \" وَلَمْ يَنْجُ أَوْسَطُهُمْ \" وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيث حَفْصَة \" فَلَا يَبْقَى إِلَّا الشَّرِيد الَّذِي يُخْبِرُ عَنْهُمْ \" وَاسْتُغْنِيَ بِهَذَا عَنْ تَكَلُّفِ الْجَوَابِ عَنْ حُكْمِ الْأَوْسَطِ وَأَنَّ الْعُرْفَ يَقْضِي بِدُخُولِهِ فِيمَنْ هَلَكَ أَوْ لِكَوْنِهِ آخِرًا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوَّلِ وَأَوَّلًا بِالنِّسْبَةِ لِلْآخِرِ فَيَدْخُلُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ ) ‏ ‏كَذَا عِنْد الْبُخَارِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَاف جَمْعُ سُوقٍ وَعَلَيْهِ تَرْجَمَ , وَالْمَعْنَى أَهْل أَسْوَاقهمْ أَوْ السُّوقَةُ مِنْهُمْ. وَقَوْله \" وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ \" أَيْ مَنْ رَافَقَهُمْ وَلَمْ يَقْصِدْ مُوَافَقَتَهُمْ. وَلِأَبِي نُعَيْم مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن سُلَيْمَان عَنْ إِسْمَاعِيل بْن زَكَرِيَّا \" وَفِيهِمْ أَشْرَافُهُمْ \" بِالْمُعْجَمَةِ وَالرَّاء وَالْفَاء , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد اِبْن بَكَّار عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَفِيهِمْ سِوَاهُمْ \" وَقَالَ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ \" أَسْوَاقُهُمْ \" فَأَظَنَّهُ تَصْحِيفًا فَإِنَّ الْكَلَام فِي الْخَسْف بِالنَّاسِ لَا بِالْأَسْوَاقِ. قُلْت : بَلْ لَفْظ \" سِوَاهُمْ \" تَصْحِيفٌ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى قَوْله وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَيَلْزَمُ مِنْهُ التَّكْرَارُ , بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ. نَعَمْ أَقْرَب الرِّوَايَات إِلَى الصَّوَاب رِوَايَة أَبِي نُعَيْم , وَلَيْسَ فِي لَفْظ \" أَسْوَاقهمْ \" مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُون الْخَسْفُ بِالنَّاسِ فَالْمُرَاد بِالْأَسْوَاقِ أَهْلُهَا أَيْ يُخْسَفُ بِالْمُقَاتِلَةِ مِنْهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْقِتَالِ كَالْبَاعَةِ , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقُلْنَا إِنَّ الطَّرِيقَ يَجْمَعُ النَّاسَ , قَالَ نَعَمْ فِيهِمْ الْمُسْتَبْصِر - أَيْ الْمُسْتَبِينُ لِذَلِكَ الْقَاصِدُ لِلْمُقَاتَلَةِ - وَالْمَجْبُورُ بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَة - أَيْ الْمُكْرَه - وَابْن السَّبِيل - أَيْ - مَالِك الطَّرِيق مَعَهُمْ وَلَيْسَ مِنْهُمْ \" وَالْغَرَضُ كُلُّهُ أَنَّهَا اِسْتَشْكَلَتْ وُقُوعَ الْعَذَابِ عَلَى مَنْ لَا إِرَادَةَ لَهُ فِي الْقِتَال الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْعُقُوبَةِ فَوَقَعَ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْعَذَابَ يَقَع عَامًا لِحُضُورِ آجَالِهِمْ وَيُبْعَثُونَ بَعْد ذَلِكَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" يَهْلِكُونَ مَهْلِكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى \" وَفِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة عِنْد مُسْلِم \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه فَكَيْف بِمَنْ كَانَ كَارِهًا ؟ قَالَ : يُخْسَفُ بِهِ , وَلَكِنْ يُبْعَثُ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى نِيَّتِهِ \" أَيْ يُخْسَفُ بِالْجَمِيعِ لِشُؤْمِ الْأَشْرَارِ ثُمَّ يُعَامَلُ كُلُّ أَحَد عِنْد الْحِسَاب بِحَسَبِ قَصْدِهِ , قَالَ الْمُهَلَّب : فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فِي الْمَعْصِيَةِ مُخْتَارًا أَنَّ الْعُقُوبَةَ تَلْزَمُهُ مَعَهُمْ. قَالَ وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ مَالِكٌ عُقُوبَةَ مَنْ يُجَالِسُ شَرَبَةَ الْخَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَشْرَبْ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنَيِّر بِأَنَّ الْعُقُوبَةَ الَّتِي فِي الْحَدِيث هِيَ الْهَجْمَةُ السَّمَاوِيَّةُ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا الْعُقُوبَاتُ الشَّرْعِيَّةُ , وَيُؤَيِّدُهُ آخِرُ الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ \" وَيُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ \" وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَعْمَال تُعْتَبَرُ بِنِيَّةِ الْعَامِلِ , وَالتَّحْذِيرُ مِنْ مُصَاحَبَةِ أَهْلِ الظُّلْمِ وَمُجَالَسَتِهِمْ وَتَكْثِير سَوَادهمْ إِلَّا لِمَنْ اُضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ , وَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِي مُصَاحَبَةِ التَّاجِر لِأَهْلِ الْفِتْنَةِ هَلْ هِيَ إِعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ أَوْ هِيَ مِنْ ضَرُورَةِ الْبَشَرِيَّةِ , ثُمَّ يُعْتَبَرُ عَمَلُ كُلِّ أَحَد بِنِيَّتِهِ. وَعَلَى الثَّانِي يَدُلُّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ اِبْن التِّين : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا الْجَيْشُ الَّذِي يُخْسَف بِهِمْ هُمْ الَّذِينَ يَهْدِمُونَ الْكَعْبَة فَيَنْتَقِمُ مِنْهُمْ فَيَخْسِفُ بِهِمْ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي بَعْض طُرُقِهِ عِنْد مُسْلِم \" إِنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي \" وَاَلَّذِينَ يَهْدِمُونَهَا مِنْ كُفَّارِ الْحَبَشَةِ. وَأَيْضًا فَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُمْ يُخْسَف بِهِمْ بَعْدَ أَنْ يَهْدِمُوهَا وَيَرْجِعُوا , وَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّهُ يُخْسَفُ بِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "1976",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ لَا ‏ ‏يَنْهَزُهُ ‏ ‏إِلَّا الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ وَالْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي ‏ ‏يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ وَقَالَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَاب الْجَمَاعَة. وَالْغَرَض مِنْهُ ذِكْر السُّوق وَجَوَاز الصَّلَاة فِيهِ , وَقَوْله \" لَا يُنْهِزُهُ \" بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون النُّون وَكَسْر الْهَاء بَعْدهَا زَايٌ : يُنْهِضُهُ وَزْنًا وَمَعْنًى , وَالْمُرَاد لَا يُزْعِجُهُ , وَالْجُمْلَة بَيَان لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ \" لَا يُرِيد إِلَّا الصَّلَاة \" وَقَوْله \" اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ \" بَيَانٌ لِقَوْلِهِ يُصَلِّي عَلَيْهِ أَيْ يَقُول اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ , وَقَوْله \" مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ \" , أَيْ يَحْصُل مِنْهُ أَذًى لِلْمَلَائِكَةِ أَوْ لِمُسْلِمٍ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقَوْلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1977",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي السُّوقِ فَقَالَ رَجُلٌ يَا ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّمَا دَعَوْتُ هَذَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَسٍ فِي سَبَب قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكَنُّوا بِكُنْيَتِي \" أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْهُ وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله فِي أَوَّل الطَّرِيق الْأُولَى \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السُّوق \" وَفَائِدَة إِيرَاده الطَّرِيقَ الثَّانِيَة قَوْلُهُ فِيهَا إِنَّهُ كَانَ بِالْبَقِيعِ , فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالسُّوقِ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى السُّوق الَّذِي كَانَ بِالْبَقِيعِ , وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَك مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا أَنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ). ‏"
    },
    {
        "id": "1978",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏دَعَا رَجُلٌ ‏ ‏بِالبَقِيعِ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَمْ أَعْنِكَ قَالَ ‏ ‏سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1979",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي طَائِفَةِ النَّهَارِ لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ حَتَّى أَتَى سُوقَ ‏ ‏بَنِي قَيْنُقَاعَ ‏ ‏فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْتِ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَثَمَّ ‏ ‏لُكَعُ ‏ ‏أَثَمَّ ‏ ‏لُكَعُ ‏ ‏فَحَبَسَتْهُ شَيْئًا فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ ‏ ‏سِخَابًا ‏ ‏أَوْ تُغَسِّلُهُ فَجَاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ وَقَالَ اللَّهُمَّ أَحْبِبْهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي أَنَّهُ رَأَى ‏ ‏نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ , فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَلٍ عَنْ سُفْيَانَ \" حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه \" وَلَكِنَّهُ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ نَافِع بْن جُبَيْر ) ‏ ‏هُوَ الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث الْأَوَّل , وَلَيْسَ لَهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي طَائِفَةٍ مِنْ النَّهَارِ ) ‏ ‏أَيْ فِي قِطْعَةٍ مِنْهُ , وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ \" طَائِفَة \" بِالصَّادِ الْمُهْمَلَة بَدَلَ طَائِفَة أَيْ فِي حَرِّ النَّهَارِ , يُقَال يَوْمٌ صَائِفٌ أَيْ حَارٌّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُكَلِّمنِي وَلَا أُكَلِّمهُ ) ‏ ‏أَمَّا مِنْ جَانِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَعَلَّهُ كَانَ مَشْغُولَ الْفِكْرِ بِوَحْيٍ أَوْ غَيْرِهِ , وَأَمَّا مِنْ جَانِب أَبِي هُرَيْرَةَ فَلِلتَّوْقِيرِ , وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ شَأْن الصَّحَابَةِ إِذَا لَمْ يَرَوْا مِنْهُ نَشَاطًا. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَتَى سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْت فَاطِمَةَ فَقَالَ ) ‏ ‏هَكَذَا فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ , قَالَ الدَّاوُدِيُّ : سَقَطَ بَعْض الْحَدِيثِ عَنْ النَّاقِل , أَوْ أَدْخَلَ حَدِيثًا فِي حَدِيثٍ , لِأَنَّ بَيْت فَاطِمَة لَيْسَ فِي سُوق بَنِي قَيْنُقَاع. اِنْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا اِحْتِمَالًا هُوَ الْوَاقِعُ , وَلَمْ يَدْخُلْ لِلرَّاوِي حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ اِبْنِ أَبِي عُمَرَ عَنْ سُفْيَان فَأَثْبَتَ مَا سَقَطَ مِنْهُ وَلَفْظُهُ \" حَتَّى جَاءَ سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ , ثُمَّ اِنْصَرَفَ حَتَّى أَتَى فِنَاءَ فَاطِمَةَ \" وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سُفْيَانَ , وَأَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَان فَقَالَ فِيهِ \" حَتَّى أَتَى فِنَاء عَائِشَة فَجَلَسَ فِيهِ \" وَالْأَوَّل أَرْجَح , وَالْفِنَاء بِكَسْرِ الْفَاء بَعْدهَا نُونٌ مَمْدُودَةٌ أَيْ الْمَوْضِعُ الْمُتَّسِعُ أَمَامَ الْبَيْتِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَثَمَّ لُكَعُ ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ بَعْدهَا مُثَلَّثَةٌ مَفْتُوحَة , وَلُكَعُ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْكَاف , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : اللُّكَعُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا الصَّغِيرُ وَالْآخَر اللَّئِيمُ , وَالْمُرَاد هُنَا الْأَوَّل , وَالْمُرَاد بِالثَّانِي مَا وَرَدَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا \" يَكُونُ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعٍ \" وَقَالَ اِبْن التِّين : زَادَ اِبْن فَارِس أَنَّ الْعَبْدَ أَيْضًا يُقَال لَهُ لُكَع. اِنْتَهَى. وَلَعَلَّ مَنْ أَطْلَقَهُ عَلَى الْعَبْد أَرَادَ أَحَد الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ. وَقَالَ بِلَال بْن جَرِيرٍ التَّمِيمِيُّ : اللُّكَعُ فِي لُغَتنَا الصَّغِير , وَأَصْلُهُ فِي الْمَهْرِ وَنَحْوِهِ. وَعَنْ الْأَصْمَعِيِّ : اللُّكَعُ الَّذِي لَا يَهْتَدِي لِمَنْطِقٍ وَلَا غَيْرِهِ , مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَلَاكِيع وَهِيَ الَّتِي تُخْرِجُ مِنْ السُّلَّا. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَهَذَا الْقَوْل أَرْجَح الْأَقْوَال هُنَا , لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْحَسَن صَغِيرٌ لَا يَهْتَدِي لِمَنْطِقٍ , وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَئِيمٌ وَلَا عَبْدٌ. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَبَسَتْهُ شَيْئًا ) ‏ ‏أَيْ مَنَعَتْهُ مِنْ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَيْهِ قَلِيلًا , وَالْفَاعِلُ فَاطِمَةُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَطَنَّنْت أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخَابًا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدهَا مُعْجَمَةٌ خَفِيفَةٌ وَبِمُوَحَّدَةِ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هِيَ قِلَادَةٌ تُتَّخَذ مِنْ طِيب لَيْسَ فِيهَا ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مِنْ قُرُنْفُلٍ , وَقَالَ الْهَرَوِيُّ هُوَ خَيْطٌ مِنْ خَرَزٍ يَلْبَسُهُ الصِّبْيَانُ وَالْجَوَارِي , وَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ اِبْن أَبِي عُمَرَ أَحَد رُوَاة هَذَا الْحَدِيث قَالَ : السِّخَابُ شَيْءٌ يُعْمَلُ مِنْ الْحَنْظَلِ كَالْقَمِيصِ وَالْوِشَاحِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ تَغْسِلُهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ وَتَغْسِلُهُ بِالْوَاوِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ يَشْتَدُّ ) ‏ ‏أَيْ يُسْرِعُ فِي الْمَشْيِ , فِي رِوَايَة عُمَرَ بْن مُوسَى عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَجَاءَ الْحَسَنُ \" وَفِي رِوَايَة اِبْنِ أَبِي عُمَر عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَجَاءَ الْحَسَنُ أَوْ الْحُسَيْنُ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ اِبْنِ أَبِي عُمَرَ فَقَالَ فِي رِوَايَته \" أَثَمَّ لُكَعُ ؟ يَعْنِي حَسَنًا \" وَكَذَا قَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَده , وَسَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ عَنْ عُبَيْد اللَّهِ بْن أَبِي يَزِيدَ بِلَفْظِ \" فَقَالَ أَيْنَ لُكَع , اُدْعُ الْحَسَنَ بْن عَلِيٍّ , فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَمْشِي \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وَرْقَاءَ \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ هَكَذَا. أَيْ مَدَّهَا. فَقَالَ الْحَسَنُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَالْتَزَمَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اللَّهُمَّ أَحِبَّهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّلِهِ بِلَفْظِ الدُّعَاء , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَحْبِبْهُ \" بِفَكِّ الْإِدْغَامِ , زَادَ مُسْلِمٌ عَنْ اِبْن أَبِي عُمَر \" فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ \". وَفِي الْحَدِيث بَيَانُ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ تَوْقِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَشْيِ مَعَهُ , وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ التَّوَاضُعِ مِنْ الدُّخُولِ فِي السُّوقِ وَالْجُلُوس بِفِنَاءِ الدَّار , وَرَحْمَة الصَّغِير وَالْمُزَاحُ مَعَهُ وَمُعَانَقَتُهُ وَتَقْبِيلُهُ , وَمَنْقَبَةٌ لِلْحَسَنِ بْن عَلِيٍّ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِي مَنَاقِبِهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله : ( عُبَيْد اللَّه أَخْبَرَنِي ) ‏ ‏فِيهِ تَقْدِيمُ اِسْمِ الرَّاوِي عَلَى الصِّيغَةِ وَهُوَ جَائِزٌ , وَعُبَيْد اللَّه هُوَ شَيْخ سُفْيَان فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور , وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ هَذِهِ الزِّيَادَة بَيَانَ لُقِيّ عُبَيْد اللَّه لِنَافِعِ بْن جُبَيْر فَلَا تَضُرُّ الْعَنْعَنَةُ فِي الطَّرِيق الْمَوْصُولَة لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ بِمُدَلِّسٍ إِذَا ثَبَتَ لِقَاؤُهُ لِمَنْ حَدَّثَ عَنْهُ حُمِلَتْ عَنْعَنَتُهُ عَلَى السَّمَاع اِتِّفَاقًا , وَإِنَّمَا الْخِلَاف فِي الْمُدَلِّس أَوْ فِيمَنْ لَمْ يَثْبُت لُقِيُّهُ لِمَنْ رَوَى عَنْهُ. وَأَبْعَدَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : إِنَّمَا ذَكَرَ الْوِتْرَ هُنَا لِأَنَّهُ لَمَّا رَوَى الْحَدِيثَ الْمَوْصُولَ عَنْ نَافِعِ بْن جُبَيْر اِنْتَهَزَ الْفُرْصَةَ لِبَيَانِ مَا ثَبَتَ فِي الْوِتْرِ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِهِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1980",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَبْعَثُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُ حَيْثُ اشْتَرَوْهُ حَتَّى يَنْقُلُوهُ حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ ‏ ‏قَالَ وَحَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ إِذَا اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي نَقْل الطَّعَامِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي يُشْتَرَى مِنْهُ إِلَى حَيْثُ يُبَاع الطَّعَام وَفِيهِ حَدِيثُهُ فِي النَّهْي عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِمَا بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ إِدْخَالُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْأَسْوَاقِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ السُّوقَ اِسْمٌ لِكُلِّ مَكَانٍ وَقَعَ فِيهِ التَّبَايُعِ بَيْنَ مَنْ يَتَعَاطَى الْبَيْع , فَلَا يَخْتَصُّ الْحُكْمُ الْمَذْكُور بِالْمَكَانِ الْمَعْرُوف بِالسُّوقِ بَلْ يَعُمُّ كُلَّ مَكَان يَقَع فِيهِ التَّبَايُع , فَالْعُمُوم فِي قَوْله فِي الْحَدِيث \" حَيْثُ يُبَاع الطَّعَامُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1981",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِلَالٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏قَالَ لَقِيتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي التَّوْرَاةِ قَالَ أَجَلْ وَاللَّهِ ‏ ‏إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ‏} ‏وَحِرْزًا ‏ ‏لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ ‏ ‏المتَوَكِّلَ ‏ ‏لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سَلَامٍ ‏ { ‏غُلْفٌ ‏} ‏كُلُّ شَيْءٍ فِي غِلَافٍ سَيْفٌ أَغْلَفُ وَقَوْسٌ غَلْفَاءُ وَرَجُلٌ أَغْلَفُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة عَنْ هِلَال ) ‏ ‏سَتَأْتِي هَذِهِ الْمُتَابَعَةُ مَوْصُولَةً فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ سَعِيد عَنْ هِلَال عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن سَلَام ) ‏ ‏سَعِيد هُوَ اِبْن أَبِي هِلَال , وَقَدْ خَالَفَ عَبْد الْعَزِيز وَفُلَيْحًا فِي تَعْيِينِ الصَّحَابِيِّ , وَطَرِيقه هَذِهِ وَصَلَهَا الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَيَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي تَارِيخه وَالطَّبَرَانِيُّ جَمِيعًا بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ عَنْهُ , وَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُون عَطَاءُ بْن يَسَار حَمَلَهُ عَنْ كُلِّ مِنْهُمَا , فَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَسْلَمَ قَالَ \" بَلَغَنَا أَنَّ عَبْد اللَّه بْن سَلَامٍ كَانَ يَقُولُ \" فَذَكَرَهُ. وَأَظُنُّ الْمُبَلِّغ لِزَيْدٍ هُوَ عَطَاء بْن يَسَار فَإِنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ فَيَكُون هَذَا شَاهِدًا لِرِوَايَةِ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَأَذْكُرُ لِرِوَايَةِ عَبْد اللَّه بْن سَلَامٍ مُتَابَعَاتٍ فِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح. وَمِمَّا جَاءَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مُجْمَلًا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن يُوسُف بْن عَبْد اللَّه بْن سَلَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ \" مَكْتُوب فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِيسَى بْن مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1982",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1983",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُغِيرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تُوُفِّيَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ ‏ ‏وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَاسْتَعَنْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَضَعُوا مِنْ دَيْنِهِ فَطَلَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَلُوا فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا الْعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ وَعَذْقَ ‏ ‏زَيْدٍ ‏ ‏عَلَى حِدَةٍ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَيَّ فَفَعَلْتُ ثُمَّ أَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَاءَ فَجَلَسَ عَلَى أَعْلَاهُ أَوْ فِي وَسَطِهِ ثُمَّ قَالَ كِلْ لِلْقَوْمِ فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمْ الَّذِي لَهُمْ وَبَقِيَ تَمْرِي كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏فِرَاسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّاهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جُذَّ لَهُ فَأَوْفِ لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ فِرَاسٌ عَنْ الشَّعْبِيّ إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ طَرَفٌ مِنْ الْحَدِيث الْمَذْكُور , وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي آخَرِ أَبْوَابِ الْوَصَايَا بِتَمَامِهِ وَفِيهِ اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ هِشَامٌ عَنْ وَهْب عَنْ جَابِر قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُذَّ لَهُ فَأَوْفِ لَهُ ) ‏ ‏وَهَذَا أَيْضًا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثه الْمَذْكُور , وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّف فِي الِاسْتِقْرَاض بِتَمَامِهِ , وَهِشَام الْمَذْكُور هُوَ اِبْن عُرْوَة , وَوَهْبٌ هُوَ اِبْن كَيْسَانَ. وَقَوْله \" جُذَّ \" بِلَفْظِ الْأَمْر مِنْ الْجُذَاذِ بِالْجِيمِ وَالذَّال الْمُعْجَمَة وَهُوَ قَطْعُ الْعَرَاجِين , وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الطَّرِيق قَدْر الدَّيْن وَقَدْر الَّذِي فَضَلَ بَعْد وَفَائِهِ , وَقَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ \" فَأَوْفِ لَهُ \" مَعْنَى قَوْله \" كِلْ لِلْقَوْمِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "1984",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْوَلِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ مُسْلِمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ ثَوْرٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق دُحَيْم \" عَنْ الْوَلِيد حَدَّثَنَا ثَوْرٌ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان عَنْ الْمِقْدَامِ بْن مَعْدِي كَرِبَ ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ الْوَلِيد وَتَابَعَهُ يَحْيَى بْن حَمْزَة عَنْ ثَوْر , وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيٍّ عَنْ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ ثَوْرٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ وَتَابَعَهُ يَحْيَى بْن سَعْد عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان , وَخَالَفَهُمْ أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيّ عَنْ اِبْن الْمُبَارَك فَأَدْخَلَ بَيْن خَالِد وَالْمِقْدَام جُبَيْر بْن نُفَيْر أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا , وَرِوَايَته مِنْ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاشٍ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ وَنَفْيه عِنْده وَعِنْد اِبْن مَاجَهْ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان عَنْ الْمِقْدَامِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ زَادَ فِيهِ أَبَا أَيُّوبَ , وَأَشَارَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِلَى رُجْحَانِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( يُبَارَك لَكُمْ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع رِوَايَات الْبُخَارِيِّ , وَرَوَاهُ أَكْثَر مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَزَادُوا فِي آخِرِهِ \" فِيهِ \". قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : الْكَيْلُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ فِيمَا يُنْفِقُهُ الْمَرْء عَلَى عِيَالِهِ , وَمَعْنَى الْحَدِيث أَخْرِجُوا بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ يَبْلُغْكُمْ إِلَى الْمُدَّةِ الَّتِي قَدَّرْتُمْ , مَعَ مَا وَضَعَ اللَّهُ مِنْ الْبَرَكَةِ فِي مُدِّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِدَعْوَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيِّ : يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْبَرَكَةُ لِلتَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ عِنْد الْكَيْل. وَقَالَ الْمُهَلَّب : لَيْسَ بَيْن هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيث عَائِشَة \" كَانَ عِنْدِي شَطْرُ شَعِيرٍ آكُلُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ فَكِلْته فَفَنِيَ \" يَعْنِي الْحَدِيث الْآتِي ذِكْرُهُ فِي الرِّقَاق مُعَارَضَةٌ , لِأَنَّ مَعْنَى حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا كَانَتْ تُخْرِجُ قُوَّتَهَا - وَهُوَ شَيْءٌ يَسِيرٌ - بِغَيْرِ كَيْلٍ فَبُورِكَ لَهَا فِيهِ مَعَ بَرَكَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا كَالَتْهُ عَلِمَتْ الْمُدَّةَ الَّتِي يَبْلُغُ إِلَيْهَا عِنْدَ اِنْقِضَائِهَا ا ه. وَهُوَ صَرْفٌ لِمَا يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ مَعْنَى الْبَرَكَة , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور عِنْد اِبْن حِبَّانَ \" فَمَا زِلْنَا نَأْكُلُ مِنْهُ حَتَّى كَالَتْهُ الْجَارِيَةُ فَلَمْ نَلْبَث أَنْ فَنِيَ , وَلَوْ لَمْ تَكِلْهُ لَرَجَوْت أَنْ يَبْقَى أَكْثَرَ \" وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : لَمَّا أَمَرَتْ عَائِشَةُ بِكَيْلِ الطَّعَامِ نَاظِرَةً إِلَى مُقْتَضَى الْعَادَةِ غَافِلَةً عَنْ طَلَبِ الْبَرَكَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ رُدَّتْ إِلَى مُقْتَضَى الْعَادَةِ ا ه. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ حَدِيثَ الْمِقْدَام مَحْمُولٌ عَلَى الطَّعَام الَّذِي يُشْتَرَى , فَالْبَرَكَة تَحْصُلُ فِيهِ بِالْكَيْلِ لِامْتِثَالِ أَمْر الشَّارِع , وَإِذَا لَمْ يَمْتَثِلْ الْأَمْرَ فِيهِ بِالِاكْتِيَالِ نُزِعَتْ مِنْهُ لِشُؤْمِ الْعِصْيَانِ , وَحَدِيث عَائِشَة مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا كَالَتْهُ لِلِاخْتِبَارِ فَلِذَلِكَ دَخَلَهُ النَّقْص , وَهُوَ شَبِيهٌ بِقَوْلِ أَبِي رَافِع لَمَّا قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الثَّالِثَة \" نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ , قَالَ وَهَلْ لِلشَّاةِ إِلَّا ذِرَاعَانِ فَقَالَ : لَوْ لَمْ تَقُلْ هَذَا لَنَاوَلْتنِي مَا دُمْت أَطْلُبُ مِنْك \" فَخَرَجَ مِنْ شُؤْمِ الْمُعَارَضَةِ اِنْتِزَاعُ الْبَرَكَةِ , وَيَشْهَدُ لِمَا قُلْته حَدِيث \" لَا تُحْصِي فَيُحْصِي اللَّه عَلَيْك \" الْآتِي. وَالْحَاصِل أَنَّ الْكَيْلَ بِمُجَرَّدِهِ لَا تَحْصُلُ بِهِ الْبَرَكَة مَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ أَمْرٌ آخَرُ وَهُوَ اِمْتِثَالُ الْأَمْرِ فِيمَا يُشْرَعُ فِيهِ الْكَيْلُ , وَلَا تُنْزَعُ الْبَرَكَةُ مِنْ الْمَكِيل بِمُجَرَّدِ الْكَيْلِ مَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ أَمْرٌ آخَرُ كَالْمُعَارَضَةِ وَالِاخْتِبَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله \" كِيلُوا طَعَامَكُمْ \" أَيْ إِذَا اِدَّخَرْتُمُوهُ طَالِبِينَ مِنْ اللَّه الْبَرَكَةَ وَاثِقِينَ بِالْإِجَابَةِ , فَكَانَ مَنْ كَالَهُ بَعْد ذَلِكَ إِنَّمَا يَكِيلُهُ لِيَتَعَرَّفَ مِقْدَارَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ شَكًّا فِي الْإِجَابَةِ فَيُعَاقَبُ بِسُرْعَةِ نَفَادِهِ , قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ. وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْبَرَكَةُ الَّتِي تَحْصُلُ بِالْكَيْلِ بِسَبَبِ السَّلَامَةِ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِالْخَادِمِ لِأَنَّهُ إِذَا أَخْرَجَ بِغَيْرِ حِسَابٍ قَدْ يُفْرِغُ مَا يُخْرِجُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ فَيَتَّهِمُ مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُ بِالْأَخْذِ مِنْهُ , وَقَدْ يَكُون بَرِيئًا , وَإِذَا كَالَهُ أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ فِي \" مُسْنَد الْبَزَّار \" أَنَّ الْمُرَاد بِكَيْلِ الطَّعَام تَصْغِير الْأَرْغِفَةِ , وَلَمْ أَتَحَقَّقْ ذَلِكَ وَلَا خِلَافَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1985",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَرَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَدَعَا لَهَا وَحَرَّمْتُ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏كَمَا حَرَّمَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَدَعَوْتُ لَهَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا مِثْلَ مَا دَعَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏لِمَكَّةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد وَهُوَ اِبْن عَاصِم الْمَذْكُور هُنَا فِي أَوَاخِر الْحَجِّ , وَكَذَا حَدِيث أَنَسٍ وَسَيُعَادُ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏إِيرَاد الْمُصَنِّف هَذِهِ التَّرْجَمَةَ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَهَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْبَرَكَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيث الْمِقْدَامِ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إِذَا وَقَعَ الْكَيْل بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاعِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى مَا كَانَ مُوَافِقًا لَهُمَا لَا إِلَى مَا يُخَالِفُهُمَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1986",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏أَهْلَ الْمَدِينَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1987",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَوْزَاعِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفَةً يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي تَأْدِيبِ مَنْ يَبِيعُ الطَّعَامَ قَبْل أَنْ يُؤْوِيهِ إِلَى رَحْلِهِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْد بَابٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "1988",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ طَعَامًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏كَيْفَ ذَاكَ قَالَ ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ ‏ ‏مُرْجَأٌ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ { ‏مُرْجَئُونَ ‏ } ‏مُؤَخَّرُونَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْل أَنْ يُسْتَوْفَى , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ فِي آخِر حَدِيث اِبْن عَبَّاس ‏ ‏( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ الْمُصَنِّف ‏ ‏( مُرْجِئُونَ ) ‏ ‏أَيْ مُؤَخِّرُونَ , وَهَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ , وَهُوَ مُوَافِق لِتَفْسِيرِ أَبِي عُبَيْدَةَ حَيْثُ قَالَ فِي قَوْله : ( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّه ) أَيْ مُؤَخَّرُونَ لِأَمْرِ اللَّهِ , يُقَال أَرْجَأْتُكَ أَيْ أَخَّرْتُك , وَأَرَادَ بِهِ الْبُخَارِيُّ شَرْح قَوْل اِبْن عَبَّاس \" وَالطَّعَام مُرْجَأٌ \" أَيْ مُؤَخَّرٌ , وَيَجُوزُ هَمْزُ مُرْجَأٍ وَتَرْكُ هَمْزِهِ , وَوَقَعَ فِي كِتَاب الْخَطَّابِيّ بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَهُوَ لِلْمُبَالَغَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1989",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث وَابْن عُمَر فِي اَلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ اَلطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى وَسَيَأْتِي اَلْكَلَامُ عَلَيْهِمَا فِي اَلْبَابِ اَلَّذِي يَلِيه. ‏"
    },
    {
        "id": "1990",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏يُحَدِّثُهُ عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏مَنْ عِنْدَهُ صَرْفٌ فَقَالَ ‏ ‏طَلْحَةُ ‏ ‏أَنَا حَتَّى يَجِيءَ خَازِنُنَا مِنْ ‏ ‏الْغَابَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏هُوَ الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ فَقَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يُخْبِرُ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُمَرَ \" اَلذَّهَب بِالْوَرِقِ رِبًا \" وَمُطَابَقَته لِلتَّرْجَمَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ اِشْتِرَاطِ قَبْضِ اَلشَّعِيرِ وَغَيْره مِنْ الرِّبَوِيَّات فِي اَلْمَجْلِسِ فَإِنَّهُ دَاخِل فِي قَبْضِ اَلطَّعَامِ بِغَيْرِ شَرْطٍ آخَرَ. وَقَدْ اِسْتَشْعَرَ اِبْن بَطَّال مُبَايَنَته لِلتَّرْجَمَةِ فَأَدْخَلَهُ فِي تَرْجَمَة \" بَاب بَيْع مَا لَيْسَ عِنْدَك \" وَهُوَ مُغَايِرٌ لِلنُّسَخِ اَلْمَرْوِيَّةِ عَنْ اَلْبُخَارِيِّ. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ \" حَدَّثَنَا عَلِيٌّ \" هُوَ اِبْنُ اَلْمَدِينِيِّ وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَة وَقَوْله \" كَانَ عَمْرو بْن دِينَار يُحَدِّثُ عَنْ اَلزُّهْرِيِّ عَنْ مَالِك بْن أَوْس أَنَّهُ قَالَ : مَنْ عِنْدَهُ صَرْف ؟ فَقَالَ طَلْحَة - أَيْ اِبْن عُبَيْد اَللَّه - أَنَا حَتَّى يَجِيءَ خَازِنُنَا مِنْ اَلْغَابَةِ \" تَأْتِي بَقِيَّته فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ اَلزُّهْرِيِّ بَعْد نَيِّف وَعِشْرِينَ بَابًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَة بِالْإِسْنَادِ اَلْمَذْكُورِ , وَقَوْلُهُ \" هَذَا اَلَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ اَلزُّهْرِيِّ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَة \" أَشَارَ إِلَى اَلْقِصَّةِ اَلْمَذْكُورَةِ وَأَنَّهُ حَفِظَ مِنْ اَلزُّهْرِيِّ اَلْمَتْن بِغَيْرِ زِيَادَة , وَقَدْ حَفِظَهَا مَالِك وَغَيْره عَنْ اَلزُّهْرِيِّ , وَأَبْعَد الْكَرْمَانِيّ فَقَالَ : غَرَضُ سُفْيَان تَصْدِيق عَمْرو وَأَنَّهُ حَفِظَ نَظِيرَ مَا رُوِيَ. ‏ ‏قَوْله : ( اَلذَّهَب بِالْوَرِقِ ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ اِبْن عُيَيْنَة عَنْهُ وَهِيَ رِوَايَةُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ اَلزُّهْرِيِّ , وَقَالَ بَعْضهمْ فِيهِ اَلذَّهَب بِالذَّهَبِ كَمَا سَيَأْتِي شَرْحه فِي اَلْمَكَانِ اَلْمَذْكُورِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "1991",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏طَاوُسًا ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَة وَقَوْله \" اَلَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرو \" كَأَنَّ سُفْيَان يُشِيرُ إِلَى أَنَّ فِي رِوَايَة غَيْر عَمْرو بْن دِينَار عَنْ طَاوُس زِيَادَة عَلَى مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ عَمْرو بْن دِينَار عَنْهُ , كَسُؤَالِ طَاوُس مِنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ سَبَبِ اَلنَّهْيِ وَجَوَابه وَغَيْر ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله عَنْ اِبْن عَبَّاس ‏ ‏( أَمَّا اَلَّذِي نَهَى عَنْهُ إِلَخْ ) ‏ ‏أَيْ وَأَمَّا اَلَّذِي لَمْ أَحْفَظْ نَهْيه فَمَا سِوَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَهُوَ اَلطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مِسْعَر عَنْ عَبْد اَلْمَلِك بْن مَيْسَرَة عَنْ طَاوُس عَنْ اِبْن عَبَّاس \" مَنْ اِبْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ \" قَالَ مِسْعَر : وَأَظُنُّهُ قَالَ \" أَوْ عَلَفًا \" وَهُوَ بِفَتْحِ اَلْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ وَالْفَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن عَبَّاس لَا أَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَر عَنْ اِبْن طَاوُس عَنْ أَبِيهِ \" وَأَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ اَلطَّعَامِ \" وَهَذَا مِنْ تَفَقُّهِ اِبْن عَبَّاس , وَمَالَ اِبْن اَلْمُنْذِر إِلَى اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِالطَّعَامِ وَاحْتَجَّ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ اِشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ أَنَّ عِتْقَهُ جَائِز , قَالَ : فَالْبَيْعُ كَذَلِكَ. وَتُعُقِّبَ بِالْفَارِقِ وَهُوَ تَشَوُّف اَلشَّارِع إِلَى اَلْعِتْقِ. وَقَوْلُ طَاوُس فِي اَلْبَابِ قَبْلَهُ \" قُلْت لِابْن عَبَّاس كَيْفَ ذَاكَ ؟ قَالَ : ذَاكَ دَرَاهِم بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَام مُرْجَأ \" مَعْنَاهُ أَنَّهُ اِسْتَفْهَمَ عَنْ سَبَبِ هَذَا اَلنَّهْيِ فَأَجَابَهُ اِبْن عَبَّاس بِأَنَّهُ إِذَا بَاعَهُ اَلْمُشْتَرِي قَبْلَ اَلْقَبْضِ وَتَأَخَّرَ اَلْمَبِيع فِي يَدِ اَلْبَائِعِ فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ دَرَاهِم بِدَرَاهِمَ. وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَان عَنْ اِبْن طَاوُس عِنْد مُسْلِم \" قَالَ طَاوُس قُلْت لِابْن عَبَّاس : لِمَ ؟ قَالَ : أَلَا تَرَاهُمْ يَتَبَايَعُونَ بِالذَّهَبِ وَالطَّعَام مُرْجَأ \" أَيْ فَإِذَا اِشْتَرَى طَعَامًا بِمِائَة دِينَار مَثَلًا وَدَفَعَهَا لِلْبَائِعِ وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ اَلطَّعَامَ ثُمَّ بَاعَ اَلطَّعَامَ لِآخَرَ بِمِائَة وَعِشْرِينَ دِينَارًا وَقَبَضَهَا وَالطَّعَامُ فِي يَدِ اَلْبَائِعِ فَكَأَنَّهُ بَاعَ مِائَةَ دِينَارٍ بِمِائَة وَعِشْرِينَ دِينَارًا , وَعَلَى هَذَا اَلتَّفْسِيرِ لَا يَخْتَصُّ اَلنَّهْي بِالطَّعَامِ , وَلِذَلِكَ قَالَ اِبْن عَبَّاس \" لَا أَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ \" وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ زَيْد بْن ثَابِت \" نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُبَاعَ اَلسِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا اَلتُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْن حِبَّانَ , قَالَ اَلْقُرْطُبِيّ : هَذِهِ اَلْأَحَادِيثُ حُجَّة عَلَى عُثْمَان اَللَّيْثِيِّ حَيْثُ أَجَازَ بَيْعَ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ قَبْضِهِ , وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهَا مَالِك فَحَمَلَ اَلطَّعَامَ عَلَى عُمُومِهِ وَأَلْحَقَ بِالشِّرَاءِ جَمِيعَ اَلْمُعَاوَضَاتِ , وَأَلْحَقَ اَلشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَبِيبٍ وَسَحْنُونٌ بِالطَّعَامِ كُلَّ مَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ , وَزَادَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ فَعَدَّيَاهُ إِلَى كُلِّ مُشْتَرًى , إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَة اِسْتَثْنَى اَلْعَقَار وَمَا لَا يُنْقَلُ , وَاحْتَجَّ اَلشَّافِعِيّ بِحَدِيثِ عَبْد اَللَّه بْن عُمَر وَقَالَ \" نَهَى اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رِبْح مَا لَمْ يُضْمَنْ \" أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ. قُلْت : وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيث حَكِيم بْن حِزَام اَلْمَذْكُور فِي صَدْر اَلتَّرْجَمَة. وَفِي صِفَة اَلْقَبْض عَنْ اَلشَّافِعِيِّ تَفْصِيل : فَمَا يُتَنَاوَلُ بِالْيَدِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالثَّوْبِ فَقَبْضُهُ بِالتَّنَاوُلِ , وَمَا لَا يُنْقَلُ كَالْعَقَارِ وَالثَّمَرِ عَلَى اَلشَّجَرِ فَقَبْضُهُ بِالتَّخْلِيَةِ , وَمَا يُنْقَلُ فِي اَلْعَادَةِ كَالْأَخْشَابِ وَالْحُبُوبِ وَالْحَيَوَانِ فَقَبْضُهُ بِالنَّقْلِ إِلَى مَكَانٍ لَا اِخْتِصَاصَ لِلْبَائِعِ بِهِ , وَفِيهِ قَوْلٌ إِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ اَلتَّخْلِيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "1992",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ ‏",
        "sharh": "قَوْله عَقِب حَدِيث اِبْن عُمَر ‏ ‏( زَادَ إِسْمَاعِيل فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ إِسْمَاعِيلَ اِبْن أَبِي أُوَيْس رَوَى اَلْحَدِيث اَلْمَذْكُور عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ بِلَفْظ \" حَتَّى يَقْبِضَهُ \" بَدَلَ قَوْلِهِ \" حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ \" وَقَدْ وَصَلَهُ اَلْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ كَذَلِكَ , وَقَالَ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ : وَافَقَ إِسْمَاعِيلَ عَلَى هَذَا اَللَّفْظِ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ مَهْدِيّ وَالشَّافِعِيُّ وَقُتَيْبَةُ قُلْت : وَقَوْل اَلْبُخَارِيّ \" زَادَ إِسْمَاعِيل \" يُرِيدُ اَلزِّيَادَةَ فِي اَلْمَعْنَى , لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ زِيَادَةً فِي اَلْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ \" حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ \" لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَوْفِيه بِالْكَيْلِ بِأَنْ يَكِيلَهُ اَلْبَائِعُ وَلَا يَقْبِضَهُ لِلْمُشْتَرِي بَلْ يَحْبِسُهُ عِنْدَهُ لِيَنْقُدهُ اَلثَّمَن مِثْلًا , وَعَرَفَ بِهَذَا جَوَاب مَنْ اِعْتَرَضَهُ مِنْ اَلشُّرَّاحِ فَقَالَ : لَيْسَ فِي هَذِهِ اَلرِّوَايَةِ زِيَادَةٌ , وَجَوَاب مَنْ حَمَلَ اَلزِّيَادَةَ عَلَى مُجَرَّدِ اَللَّفْظِ فَقَالَ : مَعْنَاهُ زَادَ لَفْظًا آخَرَ وَهُوَ يَقْبِضُهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ بِمَعْنَى يَسْتَوْفِيه , وَيُعْرَفُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اِخْتِيَار اَلْبُخَارِيّ أَنَّ اِسْتِيفَاءَ اَلْمَبِيع اَلْمَنْقُول مِنْ اَلْبَائِعِ وَتَبْقِيَتَهُ فِي مَنْزِلِ اَلْبَائِعِ لَا يَكُونُ قَبْضًا شَرْعِيًّا حَتَّى يَنْقُلَهُ اَلْمُشْتَرِي إِلَى مَكَانٍ لَا اِخْتِصَاصَ لِلْبَائِعِ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ نَقْله عَنْ اَلشَّافِعِيِّ , وَهَذَا هُوَ اَلنُّكْتَة فِي تَعْقِيبِ اَلْمُصَنِّفِ لَهُ بِالتَّرْجَمَةِ اَلْآتِيَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "1993",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَبْتَاعُونَ ‏ ‏جِزَافًا ‏ ‏يَعْنِي الطَّعَامَ يُضْرَبُونَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1994",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَحَدَ طَرَفَيْ النَّهَارِ فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا فَخُبِّرَ بِهِ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَأَسْمَاءَ ‏ ‏قَالَ أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ قَالَ الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الصُّحْبَةَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ فَخُذْ إِحْدَاهُمَا قَالَ قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1995",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَا يَبِيعُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِإِثْبَات الْيَاء فِي \" يَبِيعُ \" عَلَى أَنَّ \" لَا \" نَافِيَةٌ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَاهِيَةً وَأُشْبِعَتْ الْكَسْرَةُ كَقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ( إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرْ ) وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِلَفْظ \" لَا يَبِعْ \" بِصِيغَةِ النَّهْيِ. ‏ ‏قَوْله : ( بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ) ‏ ‏كَذَا أَخْرَجَهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مَالِك , وَسَيَأْتِي فِي \" بَابِ النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَان \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظ \" عَلَى بَيْع بَعْض \" وَظَاهِر التَّقْيِيدِ بِأَخِيهِ أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو عُبَيْد بْن حَرْبَوَيْهِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ , وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَة مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظ \" لَا يَسُومُ الْمُسْلِم عَلَى سَوْم الْمُسْلِم \" وَقَالَ الْجُمْهُور : لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ : وَذِكْرُ الْأَخِ خَرَجَ لِلْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1996",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلَا ‏ ‏تَنَاجَشُوا ‏ ‏وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ , وَلَا تَنَاجَشُوا إِلَخْ ) ‏ ‏عَطَفَ صِيغَة النَّهْيِ عَلَى مَعْنَاهَا , فَتَقْدِير قَوْلِهِ \" نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ \" أَيْ قَالَ لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ فَعَطَفَ عَلَيْهِ \" وَلَا تَنَاجَشُوا \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَيْع الْحَاضِرِ لِلْبَادِي بَعْدُ فِي بَابٍ مُفْرَد , وَكَذَا عَلَى النَّجْشِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه. وَقَوْلُهُ هُنَا \" وَلَا تَنَاجَشُوا \" ذَكَرَهُ بِصِيغَة التَّفَاعُل لِأَنَّ التَّاجِرَ إِذَا فَعَلَ لِصَاحِبِهِ ذَلِكَ كَانَ بِصَدَدِ أَنْ يَفْعَلَ لَهُ مِثْلَهُ , وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْخِطْبَةِ فِي كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْعُلَمَاء : الْبَيْعُ عَلَى الْبَيْعِ حَرَام , وَكَذَلِكَ الشِّرَاء عَلَى الشِّرَاءِ , وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ اِشْتَرَى سِلْعَةً فِي زَمَنِ الْخِيَارِ : اِفْسَخْ لِأَبِيعَك بِأَنْقَصَ , أَوْ يَقُولَ لِلْبَائِعِ اِفْسَخْ لِأَشْتَرِيَ مِنْك بِأَزْيَدَ , وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا السَّوْمُ فَصُورَته أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا لِيَشْتَرِيَهُ فَيَقُولَ لَهُ رُدَّهُ لِأَبِيعَك خَيْرًا مِنْهُ بِثَمَنِهِ أَوْ مِثْلِهِ بِأَرْخَصَ , أَوْ يَقُولَ لِلْمَالِكِ اِسْتَرِدَّهُ لِأَشْتَرِيَهُ مِنْك بِأَكْثَرَ , وَمَحَلّه بَعْدَ اِسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ وَرُكُونِ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ , فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَرِيحًا فَلَا خِلَافَ فِي التَّحْرِيمِ , وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فَفِيهِ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ , وَنَقَلَ اِبْن حَزْم اِشْتِرَاط الرُّكُونِ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ : إِنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ أَمْرٍ مُبَيِّنٍ لِمَوْضِعِ التَّحْرِيمِ فِي السَّوْمِ , لِأَنَّ السَّوْمَ فِي السِّلْعَةِ الَّتِي تُبَاعُ فِيمَنْ يَزِيدُ لَا يَحْرُمُ اِتِّفَاقًا كَمَا نَقَلَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ. فَتَعَيَّنَ أَنَّ السَّوْمَ الْمُحَرَّم مَا وَقَعَ فِيهِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ , وَقَدْ اِسْتَثْنَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ تَحْرِيمِ الْبَيْعِ وَالسَّوْمِ عَلَى الْآخَرِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي مَغْبُونًا غَبْنًا فَاحِشًا , وَبِهِ قَالَ اِبْن حَزْمٍ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ \" الدِّينُ النَّصِيحَةُ \" , لَكِنْ لَمْ تَنْحَصِرْ النَّصِيحَةُ فِي الْبَيْعِ وَالسَّوْمِ فَلَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ أَنَّ قِيمَتَهَا كَذَا وَأَنَّك إِنْ بِعْتهَا بِكَذَا مَغْبُون مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا , فَيَجْمَعُ بِذَلِكَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ مَعَ تَأْثِيم فَاعِله , وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي فَسَادِهِ رِوَايَتَانِ , وَبِهِ جَزَمَ أَهَلُ الظَّاهِر , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "1997",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْحُسَيْنُ الْمُكْتِبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ فَاحْتَاجَ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي فَاشْتَرَاهُ ‏ ‏نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏بِكَذَا وَكَذَا فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "1998",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏النَّجْشِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ النَّجْشِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَحَكَى الْمُطَرِّزِيُّ فِيهِ السُّكُون. ‏"
    },
    {
        "id": "1999",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ ) ‏ ‏أَيْ بَيْع حَبَل الْحَبَلَة ‏ ‏( بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ إِلَخْ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هَذَا التَّفْسِير فِي الْمُوَطَّأِ مُتَّصِلًا بِالْحَدِيثِ , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَهُوَ مُدْرَجٌ يَعْنِي أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ كَلَامِ نَافِع , وَكَذَا ذَكَرَ الْخَطِيب فِي الْمُدْرَجِ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ السَّلَمِ عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيّ عَنْ جُوَيْرِيَة التَّصْرِيحُ بِأَنَّ نَافِعًا هُوَ الَّذِي فَسَّرَهُ , لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْن نَافِعٍ فَسَرَّهُ لِجُوَيْرِيَة أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ التَّفْسِيرُ مِمَّا حَمَلَهُ عَنْ مَوْلَاهُ اِبْن عُمَر , فَسَيَأْتِي فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عُمَر عَنْ نَافِعِ بْن عُمَر قَالَ \" كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْم الْجَزُور إِلَى حَبَل الْحَبَلَة , وَحَبَل الْحَبَلَة أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ تَحْمِلُ الَّتِي نَتَجَتْ , فَنَهَاهُمْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ \" فَظَاهِر هَذَا السِّيَاق أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ مِنْ كَلَامِ اِبْن عُمَر وَلِهَذَا جَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِأَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ اِبْن عُمَر , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اللَّيْث وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ بِدُونِ التَّفْسِيرِ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عُمَر بِدُونِ التَّفْسِيرِ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( الْجَزُور ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّ الزَّايِ هُوَ الْبَعِيرُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى , إِلَّا أَنَّ لَفْظَهُ مُؤَنَّثٌ تَقُولُ هَذِهِ الْجَزُور وَإِنْ أَرَدْت ذَكَرًا , فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ قَيْدًا فِيمَا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَهُ فَلَا يَتَبَايَعُونَ هَذَا الْبَيْع إِلَّا فِي الْجَزُورِ أَوْ لَحْم الْجَزُور , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ , وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَزُورِ وَغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى أَنْ تُنْتَجَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح ثَالِثه أَيْ تَلِدَ وَلَدًا وَالنَّاقَةُ فَاعِل , وَهَذَا الْفِعْل وَقَع فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى صِيغَةِ الْفِعْلِ الْمُسْنَدِ إِلَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ حَرْفٌ نَادِرٌ , وَقَوْله \" ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا \" أَيْ ثُمَّ تَعِيشُ الْمَوْلُودَةُ حَتَّى تَكْبُرَ ثُمَّ تَلِدَ , وَهَذَا الْقَدْر زَائِد عَلَى رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عُمَر فَإِنَّهُ اِقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ \" ثُمَّ تَحْمِلُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا \" وَرِوَايَة جُوَيْرِيَة أَخْصَرُ مِنْهُمَا وَلَفْظُهُ \" أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَة مَا فِي بَطْنِهَا \" وَبِظَاهِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ مَالِك , وَقَالَ بِهِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة , وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنٍ إِلَى أَنْ يَلِدَ وَلَدُ النَّاقَةِ , وَقَالَ بَعْضهمْ : أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنٍ إِلَى أَنْ تَحْمِلَ الدَّابَّةُ وَتَلِدَ وَيَحْمِلَ وَلَدهَا , وَبِهِ جَزَمَ أَبُو إِسْحَاق فِي \" التَّنْبِيهِ \" فَلَمْ يَشْتَرِطْ وَضْعَ حَمْل الْوَلَد كَرِوَايَةِ مَالِك , وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِمَا اِقْتَضَتْهُ رِوَايَة جُوَيْرِيَة وَهُوَ الْوَضْعُ فَقَطْ , وَهُوَ فِي الْحُكْمِ مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ , وَالْمَنْع فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ لِلْجَهَالَةِ فِي الْأَجَلِ وَمِنْ حَقِّهِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَنْ يُذْكَرَ فِي السَّلَمِ , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو عُبَيْد وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَابْن حَبِيب الْمَالِكِيّ وَأَكْثَر أَهْل اللُّغَةِ وَبِهِ جَزَمَ التِّرْمِذِيّ : هُوَ بَيْعُ وَلَد نِتَاج الدَّابَّةِ , وَالْمَنْعُ فِي هَذَا مِنْ جِهَة أَنَّهُ بَيْعٌ مَعْدُومٌ وَمَجْهُولٌ وَغَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَيَدْخُلُ فِي بُيُوع الْغَرَر , وَلِذَلِكَ صَدَّرَ الْبُخَارِيّ بِذِكْر الْغَرَر فِي التَّرْجَمَةِ لَكِنَّهُ أَشَارَ إِلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ بِإِيرَادِ الْحَدِيثِ فِي كِتَاب السَّلَم أَيْضًا وَرَجَّحَ الْأَوَّل لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِلْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ كَلَام أَهْلِ اللُّغَةِ مُوَافِقًا لِلثَّانِي , لَكِنْ قَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ اِبْن إِسْحَاق عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر مَا يُوَافِقُ الثَّانِيَ وَلَفْظه \" نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْع الْغَرَر قَالَ : إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَتَبَايَعُونَ ذَلِكَ الْبَيْع يَبْتَاعُ الرَّجُلُ بِالشَّارِفِ حَبَل الْحَبَلَة فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ \" وَقَالَ اِبْن التِّينِ : مُحَصَّل الْخِلَاف هَلْ الْمُرَادُ الْبَيْع إِلَى أَجَلٍ أَوْ بَيْع الْجَنِين ؟ وَعَلَى الْأَوَّلِ هَلْ الْمُرَادُ بِالْأَجَلِ وِلَادَة الْأُمِّ أَوْ وِلَادَة وَلَدِهَا ؟ وَعَلَى الثَّانِي هَلْ الْمُرَادُ بَيْع الْجَنِين الْأَوَّل أَوْ بَيْع جَنِين الْجَنِين ؟ فَصَارَتْ أَرْبَعَة أَقْوَالٍ اِنْتَهَى. وَحَكَى صَاحِب \" الْمُحْكَمِ \" قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ بَيْع مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ , وَهُوَ أَيْضًا مِنْ بُيُوع الْغَرَر , لَكِنْ هَذَا إِنَّمَا فَسَّرَ بِهِ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب - كَمَا رَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأِ - بَيْعَ الْمَضَامِين , وَفَسَّرَ بِهِ غَيْرُهُ بَيْعَ الْمَلَاقِيحِ , وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الْأَقْوَال - عَلَى اِخْتِلَافِهَا - عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَبَلَةِ جَمْع حَابِل أَوْ حَابِلَة مِنْ الْحَيَوَانِ , إِلَّا مَا حَكَاهُ صَاحِب \" الْمُحْكَمِ \" وَغَيْره عَنْ اِبْن كَيْسَانَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَبَلَةِ الْكَرْمَة , وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ حَبَلِهَا أَيْ حَمْلهَا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ كَمَا نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُزْهَى , وَعَلَى هَذَا فَالْحَبْلَة بِإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَا ثَبَتَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ , لَكِنْ حُكِيَ فِي الْكَرْمَةِ فَتْحُ الْبَاءِ , وَادَّعَى السُّهَيْلِيّ تَفَرُّد اِبْن كَيْسَانَ بِهِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ حَكَاهُ اِبْن السِّكِّيت فِي \" كِتَابِ الْأَلْفَاظِ \" وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِمِ \" عَنْ أَبِي الْعَبَّاس الْمُبَرِّد , وَالْهَاء عَلَى هَذَا لِلْمُبَالَغَةِ وَجْهًا وَاحِدًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2000",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ‏ ‏الْمُنَابَذَةِ ‏ ‏وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إِلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ وَنَهَى عَنْ ‏ ‏الْمُلَامَسَةِ ‏ ‏وَالْمُلَامَسَةُ ‏ ‏لَمْسُ الثَّوْبِ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2001",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نُهِيَ عَنْ لِبْسَتَيْنِ أَنْ ‏ ‏يَحْتَبِيَ ‏ ‏الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ثُمَّ يَرْفَعَهُ عَلَى ‏ ‏مَنْكِبِهِ ‏ ‏وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ ‏ ‏اللِّمَاسِ ‏ ‏وَالنِّبَاذِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2002",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ‏ ‏الْمُلَامَسَةِ ‏ ‏وَالْمُنَابَذَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2003",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ ‏ ‏الْمُلَامَسَةِ ‏ ‏وَالْمُنَابَذَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2004",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا ‏ ‏تُصَرُّوا ‏ ‏الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ ‏ ‏وَيُذْكَرُ عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏وَمُجَاهِدٍ ‏ ‏وَالْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ ‏ ‏وَمُوسَى بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَاعَ تَمْرٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏بَعْضُهُمْ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏صَاعًا مِنْ طَعَامٍ وَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏بَعْضُهُمْ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ‏ ‏وَلَمْ يَذْكُرْ ثَلَاثًا وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَا تُصَرُّوا ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيه بِوَزْنِ تُزَكُّوا يُقَالُ صَرَّى يُصَرِّي تَصْرِيَة كَزَكَّى يُزَكِّي تَزْكِيَة. ‏ ‏وَالْإِبِلَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ , وَقَيَّدَهُ بَعْضهمْ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ ثَانِيه , وَالْأَوَّل أَصَحّ لِأَنَّهُ مَنْ صَرَّيْتُ اللَّبَن فِي الضَّرْعِ إِذَا جَمَعْتُهُ وَلَيْسَ مِنْ صَرَرْت الشَّيْءَ إِذَا رَبَطْتُهُ , إِذْ لَوْ كَانَ مِنْهُ لَقِيلَ مَصْرُورَة أَوْ مُصَرَّرَة وَلَمْ يُقَلْ مُصَرَّاة , عَلَى أَنَّهُ قَدْ سُمِعَ الْأَمْرَانِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ الْأَغْلَب : رَأَتْ غُلَامًا قَدْ صَرَى فِي فِقْرَتِه مَاء الشَّبَابِ عُنْفُوَان سِيرَته وَقَالَ مَالِك بْن نُوَيْرَة : فَقُلْت لِقَوْمِي هَذِهِ صَدَقَاتكُمْ مُصَرَّرَة أَخْلَافهَا لَمْ تُحَرَّرِ وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيه لَكِنْ بِغَيْرِ وَاوٍ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَالْمَشْهُورِ الْأَوَّلِ. ‏ ‏قَوْله : ( الْإِبِل وَالْغَنَم ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُرْ الْبَقَرَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي التَّرْجَمَةِ , وَظَاهِر النَّهْيِ تَحْرِيم التَّصْرِيَة سَوَاء قُصِدَ التَّدْلِيس أَمْ لَا وَسَيَأْتِي فِي الشُّرُوطِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" نَهَى عَنْ التَّصْرِيَةِ \" وَبِهَذَا جَزَمَ بَعْض الشَّافِعِيَّةِ وَعَلَّلَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ إِيذَاءِ الْحَيَوَانِ لَكِنْ أَخْرَجَ النَّسَائِيّ حَدِيث الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَان عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ بِلَفْظ \" لَا تُصَرُّوا الْإِبِل وَالْغَنَم لِلْبَيْعِ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي كَثِير السُّحَيْمِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" إِذَا بَاعَ أَحَدُكُمْ الشَّاةَ أَوْ اللِّقْحَةَ فَلَا يُحَفِّلْهَا \" وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ تَعْلِيل الْأَكْثَر بِالتَّدْلِيسِ , وَيُجَابُ عَنْ التَّعْلِيلِ بِالْإِيذَاءِ بِأَنَّهُ ضَرَر يَسِير لَا يَسْتَمِرُّ فَيُغْتَفَرُ لِتَحْصِيلِ الْمَنْفَعَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَنْ اِبْتَاعَهَا بَعْدُ ) ‏ ‏أَيْ مَنْ اِشْتَرَاهَا بَعْدَ التَّحْفِيلِ , زَاد عُبَيْد اللَّهِ بْن عُمَر عَنْ أَبِي الزِّنَادِ \" فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام \" أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيّ وَسَيَأْتِي ذِكْر مَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ , وَابْتِدَاء هَذِهِ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ بَيَان التَّصْرِيَة وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَابِلَةِ , وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ وَقِيلَ مِنْ التَّفَرُّقِ , وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْغَرَرُ أَوْسَعَ مِنْ الثَّلَاثِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَهُوَ مَا إِذَا تَأَخَّرَ ظُهُور التَّصْرِيَة إِلَى آخِرِ الثَّلَاث , وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ تُحْسَبَ الْمُدَّة قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفَسْخِ وَذَلِكَ يُفَوِّتُ مَقْصُود التَّوَسُّعِ بِالْمُدَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( بِخَيْر النَّظَرَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ الرَّأْيَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ يَحْتَلِبْهَا ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْلِ وَهُوَ بِكَسْرِ إِنْ عَلَى أَنَّهَا شَرْطِيَّة وَجَزْمِ يَحْتَلِبْهَا , وَلِابْن خُزَيْمَة وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أُسَيْد بْن مُوسَى عَنْ اللَّيْثِ \" بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا \" بِفَتْح أَنْ وَنَصْب يَحْتَلِبَهَا , وَظَاهِر الْحَدِيثِ أَنَّ الْخِيَارَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بَعْدَ الْحَلْبِ , وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ بِالتَّصْرِيَةِ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ وَلَوْ لَمْ يَحْلِبْ , لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ التَّصْرِيَة لَا تُعْرَفُ غَالِبًا إِلَّا بَعْدَ الْحَلْبِ ذَكَرَ قَيْدًا فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ , فَلَوْ ظَهَرَتْ التَّصْرِيَة بِغَيْرِ الْحَلْبِ فَالْخِيَار ثَابِت. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِي آخِرِ الْبَابِ \" إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا \" أَيْ أَبْقَاهَا عَلَى مِلْكِهِ وَهُوَ يَقْتَضِي صِحَّة بَيْعِ الْمُصَرَّاة وَإِثْبَاتِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي , فَلَوْ اِطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بَعْدَ الرِّضَا بِالتَّصْرِيَةِ فَرَدَّهَا هَلْ يَلْزَمُ الصَّاعُ ؟ فِيهِ خِلَاف , وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وُجُوب الرَّدِّ , وَنَقَلُوا نَصَّ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرُدُّ , وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مَالِك \" وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا \" وَظَاهِرُهُ اِشْتِرَاط الْفَوْر وَقِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْعُيُوبِ , لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ ثَلَاثَة أَيَّامٍ مُقَدَّمَةٌ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ , وَنَقَلَ أَبُو حَامِد وَالرُّويَانِيّ فِيهِ نَصّ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ قَوْل الْأَكْثَر , وَأَجَابَ مَنْ صَحَّحَ الْأَوَّل بِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا مُصَرَّاة إِلَّا فِي الثَّلَاثِ لِكَوْن الْغَالِب أَنَّهَا لَا تُعْلَمُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ , قَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : وَالثَّانِي أَرْجَح لِأَنَّ حُكْم التَّصْرِيَة قَدْ خَالَفَ الْقِيَاسَ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ لِأَجْلِ النَّصِّ فَيُطْرَدُ ذَلِكَ وَيُتَّبَعُ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهِ. قُلْت : وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ أَحْمَد وَالطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَهُوَ بِأَحَدِ النَّظَرَيْنِ : بِالْخِيَارِ إِلَى أَنْ يَحُوزَهَا أَوْ يَرُدَّهَا وَسَيَأْتِي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَصَاع تَمْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مَالِك \" وَصَاعًا مِنْ تَمْرِ \" وَالْوَاو عَاطِفَة لِلصَّاعِ عَلَى الضَّمِيرِ فِي رَدَّهَا , وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَاو بِمَعْنَى مَعَ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ فَوْرِيَّة الصَّاع مَعَ الرَّدِّ , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ , وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُ جُمْهُورِ النُّحَاةِ : إِنَّ شَرْطَ الْمَفْعُولِ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا , فَإِنْ قِيلَ التَّعْبِير بِالرَّدِّ فِي الْمُصَرَّاةِ وَاضِح فَمَا مَعْنَى التَّعْبِيرِ بِالرَّدِّ فِي الصَّاعِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ مِثْلُ قَوْلِ الشَّاعِرِ ‏ ‏عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا ‏ ‏أَيْ عَلَفْتهَا تِبْنًا وَسَقَيْتهَا مَاءً بَارِدًا , وَيُجْعَلُ عَلَفْتُهَا مَجَازًا عَنْ فِعْلٍ شَامِلٍ لِلْأَمْرَيْنِ أَيْ نَاوَلْتُهَا , فَيُحْمَلُ الرَّدُّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى نَحْوِ هَذَا التَّأْوِيلِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ رَدّ الصَّاع مَعَ الشَّاةِ إِذَا اِخْتَارَ فَسْخ الْبَيْعِ , فَلَوْ كَانَ اللَّبَن بَاقِيًا وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَأَرَادَ رَدَّهُ هَلْ يَلْزَمُ الْبَائِعَ قَبُولُهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحّهمَا لَا , لِذَهَاب طَرَاوَته وَلِاخْتِلَاطِهِ بِمَا تَجَدَّدَ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ , وَالتَّنْصِيصُ عَلَى التَّمْرِ يَقْتَضِي تَعْيِينه كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي صَالِح وَمُجَاهِد وَالْوَلِيد بْن رَبَاح وَمُوسَى بْن يَسَار إِلَخْ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ أَبَا صَالِح وَمَنْ بَعْدَهُ وَقَعَ فِي رِوَايَاتِهِمْ تَعْيِين التَّمْرِ , فَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي صَالِح فَوَصَلَهَا أَحْمَد وَمُسْلِم مِنْ طَرِيقِ سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظ \" مَنْ اِبْتَاعَ شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّامٍ فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْر \" وَأَمَّا رِوَايَةُ مُجَاهِدٍ فَوَصَلَهَا الْبَزَّار , قَالَ مُغَلَّطَايَ لَمْ أَرَهَا إِلَّا عِنْدَهُ. قُلْت : قَدْ وَصَلَهَا أَيْضًا الطَّبَرَانِيّ فِي \" الْأَوْسَطِ \" مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن مُسْلِم الطَّائِفِيِّ عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيق لَيْث اِبْن أَبِي سَلِيم كِلَاهُمَا عَنْ مُجَاهِد , وَأَوَّل رِوَايَة لَيْث \" لَا تَبِيعُوا الْمُصَرَّاة مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ \" الْحَدِيث , وَلَيْث ضَعِيف وَفِي مُحَمَّد بْن مُسْلِم أَيْضًا لِينٌ وَأَمَّا رِوَايَةُ الْوَلِيدِ بْن رَبَاح وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ فَوَصَلَهَا أَحْمَد بْن مَنِيع فِي مُسْنَدِهِ بِلَفْظ \" مَنْ اِشْتَرَى مُصَرَّاة فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ \" وَأَمَّا رِوَايَةُ مُوسَى بْن يَسَار - وَهُوَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ - فَوَصَلَهَا مُسْلِم بِلَفْظ \" مَنْ اِشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَلْيَنْقَلِبْ بِهَا فَلْيَحْلِبْهَا فَإِنْ رَضِيَ بِهَا أَمْسَكَهَا وَإِلَّا رَدَّهَا وَمَعَهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرِ \" وَسِيَاقُهُ يَقْتَضِي الْفَوْرِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ بَعْضهمْ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ \" صَاعًا مِنْ طَعَامٍ وَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا وَقَالَ بَعْضهمْ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ \" صَاعًا مِنْ تَمْر \" وَلَمْ يَذْكُرْ ثَلَاثًا أَمَّا رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظ الطَّعَام وَالثَّلَاث فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق قُرَّة بْن خَالِد عَنْهُ بِلَفْظ \" مَنْ اِشْتَرَى مُصَرَّاة فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّامٍ فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ لَا سَمْرَاءَ \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ هِشَام وَحَبِيب وَأَيُّوب عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ نَحْوَهُ , وَأَمَّا رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظ التَّمْر دُونَ ذِكْر الثَّلَاث فَوَصَلَهَا أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ مَعْمَر عَنْ أَيُّوبَ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ بِلَفْظ \" مَنْ اِشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَإِنَّهُ يَحْلِبُهَا فَإِنْ رَضِيَهَا أَخَذَهَا وَإِلَّا رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْر \" وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَان عَنْ أَيُّوبَ فَذَكَرَ الثَّلَاث أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظ \" مَنْ اِشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ثَلَاثَة أَيَّامٍ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ لَا سَمْرَاءَ \" وَرَوَاهُ بَعْضهمْ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ بِذِكْرِ الطَّعَامِ وَلَمْ يَقُلْ ثَلَاثًا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيق عَوْن عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ وَخِلَاس بْن عَمْرو كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظ \" مَنْ اِشْتَرَى لِقْحَة مُصَرَّاة أَوْ شَاة مُصَرَّاة فَحَلَبَهَا فَهُوَ بِأَحَدِ النَّظَرَيْنِ بِالْخِيَارِ إِلَى أَنْ يَحُوزَهَا أَوْ يَرُدَّهَا وَإِنَاءً مِنْ طَعَام \" فَحَصَلْنَا عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ عَلَى أَرْبَعِ رِوَايَات : ذِكْر التَّمْر وَالثَّلَاث , وَذِكْر التَّمْر بِدُون الثَّلَاثِ , وَالطَّعَام بَدَل التَّمْر كَذَلِكَ. وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهَا أَنَّ مَنْ زَادَ الثَّلَاث مَعَهُ زِيَادَة عِلْم وَهُوَ حَافِظ , وَيُحْمَلُ الْأَمْر فِيمَنْ لَمْ يَذْكُرْهَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْهَا أَوْ اِخْتَصَرَهَا وَتُحْمَل الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا الطَّعَام عَلَى التَّمْرِ , وَقَدْ رَوَى الطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّمْرَاءِ الْحِنْطَةُ الشَّامِيَّةُ وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيقِ هِشَام بْن حَسَّان عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ \" لَا سَمْرَاءَ \" يَعْنِي الْحِنْطَة. وَرَوَى اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ عَوْنٍ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة يَقُولُ \" لَا سَمْرَاءَ , تَمْر لَيْسَ بِبُرٍّ \" فَهَذِهِ الرِّوَايَات تُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ التَّمْر , وَلَمَّا كَانَ الْمُتَبَادِر إِلَى الذِّهْنِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ الْقَمْح نَفَاهُ بِقَوْلِهِ \" لَا سَمْرَاءَ \". لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْجَمْعِ مَا رَوَاهُ الْبَزَّار مِنْ طَرِيق أَشْعَثَ بْن عَبْد الْمَلِك عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ بِلَفْظ \" إِنْ رَدَّهَا رَدَّهَا وَمَعَهَا صَاعٌ مِنْ بُرٍّ , لَا سَمْرَاءَ \" وَهَذَا يُقْتَضَى أَنَّ الْمَنْفِيَّ فِي قَوْلِهِ لَا سَمْرَاءَ حِنْطَة مَخْصُوصَة وَهِيَ الْحِنْطَةُ الشَّامِيَّةُ فَيَكُونُ الْمُثْبِت لِقَوْلِهِ \" مِنْ طَعَام \" أَيْ مِنْ قَمْح , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي ظَنَّهُ مُسَاوِيًا , وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ الطَّعَامِ الْبُرُّ فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّهُ الْبُرُّ فَعَبَّرَ بِهِ , وَإِنَّمَا أَطْلَقَ لَفْظ الطَّعَام عَلَى التَّمْرِ لِأَنَّهُ كَانَ غَالِب قُوت أَهْلِ الْمَدِينَةِ , فَهَذَا طَرِيق الْجَمْعِ بَيْن مُخْتَلَف الرِّوَايَاتِ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ فِي ذَلِكَ , لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمَد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ نَحْو حَدِيث الْبَابِ وَفِيهِ \" فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْر \" فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي التَّخْيِير بَيْنَ التَّمْرِ وَالطَّعَامِ وَأَنَّ الطَّعَامَ غَيْرُ التَّمْرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ \" أَوْ \" شَكًّا مِنْ الرَّاوِي لَا تَخْيِيرًا , وَإِذَا وَقَعَ الِاحْتِمَال فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال بِشَيْءٍ مِنْهَا فَيُرْجَعُ إِلَى الرِّوَايَاتِ الَّتِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهَا وَهِيَ التَّمْرُ فَهِيَ الرَّاجِحَةُ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ اِبْن عُمَر بِلَفْظ \" إِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا مِثْل أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا \" فَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْف , وَقَدْ قَالَ اِبْن قُدَامَة إِنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ بِالِاتِّفَاقِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالتَّمْر أَكْثَر ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ الرِّوَايَاتِ النَّاصَّةَ عَلَى التَّمْرِ أَكْثَر عَدَدًا مِنْ الرِّوَايَاتِ الَّتِي لَمْ تَنُصَّ عَلَيْهِ أَوْ أَبْدَلَتْهُ بِذِكْرِ الطَّعَامِ. فَقَدْ رَوَاهُ بِذِكْرِ التَّمْرِ - غَيْر مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ - ثَابِتُ بْنُ عِيَاض كَمَا يَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه وَهَمَّام بْن مُنَبِّه عِنْدَ مُسْلِم وَعِكْرِمَة وَأَبُو إِسْحَاق عِنْد الطَّحَاوِيّ وَمُحَمَّد بْن زِيَاد عِنْدَ التِّرْمِذِيّ وَالشَّعْبِيّ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْن خُزَيْمَة كُلّهمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَأَمَّا رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ بِذِكْرِ الْإِنَاءِ فَيُفَسِّرُهَا رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ بِذِكْرِ الصَّاعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطه فِي الزَّكَاةِ , وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَفْتَى بِهِ اِبْن مَسْعُود وَأَبُو هُرَيْرَة وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ , وَقَالَ بِهِ مِنْ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مَنْ لَا يُحْصَى عَدَده وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اللَّبَن الَّذِي احْتُلِبَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا , وَلَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّمْر قُوتَ تِلْكَ الْبَلَدِ أَمْ لَا , وَخَالَفَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَفِي فُرُوعِهَا آخَرُونَ , أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا لَا يُرَدُّ بِعَيْب التَّصْرِيَة وَلَا يَجِبُ رَدُّ صَاع مِنْ التَّمْرِ , وَخَالَفَهُمْ زُفَر فَقَالَ بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ صَاعِ تَمْرٍ أَوْ نِصْف صَاع بُرٍّ , وَكَذَا قَالَ اِبْن أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يُوسُف فِي رِوَايَةٍ إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا لَا يَتَعَيَّنُ صَاع التَّمْرِ بَلْ قِيمَته , وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِك وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ كَذَلِكَ لَكِنْ قَالُوا يَتَعَيَّنُ قُوت الْبَلَدِ قِيَاسًا عَلَى زَكَاةِ الْفِطْرِ , وَحَكَى الْبَغَوِيّ أَنْ لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُمَا لَوْ تَرَاضَيَا بِغَيْرِ التَّمْرِ مِنْ قُوتٍ أَوْ غَيْرِهِ كَفَى , وَأَثْبَتَ اِبْن كَجّ الْخِلَاف فِي ذَلِكَ , وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا عَجَزَ عَنْ التَّمْرِ هَلْ تُلْزِمُهُ قِيمَتُهُ بِبَلَدِهِ أَوْ بِأَقْرَبِ الْبِلَادِ الَّتِي فِيهَا التَّمْر إِلَيْهِ ؟ وَبِالثَّانِي قَالَ الْحَنَابِلَة , وَاعْتَذَرَ الْحَنَفِيَّة عَنْ الْأَخْذِ بِحَدِيث الْمُصَرَّاة بِأَعْذَارٍ شَتَّى : فَمِنْهُمْ مَنْ طَعَنَ فِي الْحَدِيثِ لِكَوْنِهِ مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة وَلَمْ يَكُنْ كَابْن مَسْعُود وَغَيْره مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ فَلَا يُؤْخَذُ بِمَا رَوَاهُ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ الْجَلِيِّ , وَهُوَ كَلَامٌ آذَى قَائِلُهُ بِهِ نَفْسه , وَفِي حِكَايَتِهِ غِنًى عَنْ تَكَلُّفِ الرَّدِّ عَلَيْهِ , وَقَدْ تَرَكَ أَبُو حَنِيفَة الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ لِرِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة وَأَمْثَالِهِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ وَمِنْ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْر ذَلِكَ , وَأَظُنُّ أَنَّ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ حَدِيث اِبْن مَسْعُود عَقِب حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة إِشَارَة مِنْهُ إِلَى أَنَّ اِبْن مَسْعُود قَدْ أَفْتَى بِوَفْق حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَلَوْلَا أَنَّ خَبَر أَبِي هُرَيْرَة فِي ذَلِكَ ثَابِت لَمَا خَالَفَ اِبْن مَسْعُود الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن السَّمْعَانِيّ فِي \" الِاصْطِلَامِ \" : التَّعَرُّضُ إِلَى جَانِب الصَّحَابَةِ عَلَامَة عَلَى خِذْلَانِ فَاعِلِهِ بَلْ هُوَ بِدْعَة وَضَلَالَة , وَقَدْ اِخْتَصَّ أَبُو هُرَيْرَة بِمَزِيد الْحِفْظ لِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ - يَعْنِي الْمُتَقَدِّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَفِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ أَيْضًا - وَفِيهِ قَوْلُهُ \" إِنَّ إِخْوَانِي مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْق بِالْأَسْوَاقِ وَكُنْت أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا \" الْحَدِيث. ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَنْفَرِدْ أَبُو هُرَيْرَة بِرِوَايَة هَذَا الْأَصْل , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ اِبْن عُمَر , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْهُ , وَأَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَس , وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرو بْن عَوْف الْمُزَنِيّ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ رِوَايَةِ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يُسَمَّ , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هَذَا الْحَدِيثُ مُجْمَع عَلَى صِحَّتِهِ وَثُبُوتِهِ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَاعْتَلَّ مَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ بِأَشْيَاءَ لَا حَقِيقَةَ لَهَا , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ حَدِيث مُضْطَرِب لِذِكْرِ التَّمْرِ فِيهِ تَارَة وَالْقَمْحِ أُخْرَى وَاللَّبَنِ أُخْرَى , وَاعْتِبَاره بِالصَّاعِ تَارَة , وَبِالْمِثْلِ أَوْ الْمِثْلَيْنِ تَارَةً وَبِالْإِنَاءِ أُخْرَى. وَالْجَوَابُ أَنَّ الطُّرُقَ الصَّحِيحَةَ لَا اِخْتِلَافَ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ , وَالضَّعِيف لَا يُعَلُّ بِهِ الصَّحِيحُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ مُعَارِضٌ لِعُمُوم الْقُرْآن كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ) وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِنْ ضَمَان الْمُتْلَفَات لَا الْعُقُوبَات , وَالْمُتْلَفَاتُ تُضْمَنُ بِالْمِثْلِ وَبِغَيْرِ الْمِثْلِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ مَنْسُوخ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ , وَلَا دَلَالَةَ عَلَى النَّسْخِ مَعَ مُدَّعِيهِ لِأَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي النَّاسِخِ فَقِيلَ : حَدِيث النَّهْي عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ , وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عُمَر , وَوَجْهِ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ لَبَن الْمُصَرَّاة يَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي , فَإِذَا أُلْزِمَ بِصَاعٍ مِنْ تَمْر نَسِيئَة صَارَ دَيْنًا بِدَيْنٍ , وَهَذَا جَوَاب الطَّحَاوِيّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيف , بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ , وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَالتَّمْر إِنَّمَا شُرِعَ فِي مُقَابِلِ الْحَلْبِ سَوَاء كَانَ اللَّبَن مَوْجُودًا أَوْ غَيْرَ مَوْجُودٍ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ فِي كَوْنِهِ مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ , وَقِيلَ نَاسِخه حَدِيث \" الْخَرَاج بِالضَّمَانِ \" وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ عَائِشَة , وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ اللَّبَنَ فَضْلَة مِنْ فَضَلَاتِ الشَّاةِ وَلَوْ هَلَكَتْ لَكَانَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فَكَذَلِكَ فَضَلَاتهَا تَكُونُ لَهُ فَكَيْفَ يَغْرَمُ بَدَلَهَا لِلْبَائِعِ ؟ حَكَاهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضًا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَدِيث الْمُصَرَّاة أَصَحّ مِنْهُ بِاتِّفَاقٍ فَكَيْفَ يُقَدَّمُ الْمَرْجُوح عَلَى الرَّاجِحِ ؟ وَدَعْوَى كَوْنه بَعْدَهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا , وَعَلَى التِّنْزَالِ فَالْمُشْتَرِي لَمْ يُؤْمَرْ بِغَرَامَة مَا حَدَثَ فِي مِلْكِهِ بَلْ بِغَرَامَة اللَّبَن الَّذِي وَرَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ فَلَيْسَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى هَذَا تَعَارُضٌ. وَقِيلَ نَاسِخُهُ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي رَفْعِ الْعُقُوبَةِ بِالْمَالِ , وَقَدْ كَانَتْ مَشْرُوعَةً قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيث بَهْز بْن حَكِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي مَانِع الزَّكَاة \" فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْر مَالِهِ \" وَحَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ الْجَرِينِ يَغْرَمُ مِثْلَيْهِ وَكِلَاهُمَا فِي السُّنَنِ , وَهَذَا جَوَاب عِيسَى بْن أَبَانَ , فَحَدِيث الْمُصَرَّاة مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَهِيَ كُلُّهَا مَنْسُوخَة , وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيّ بِأَنَّ التَّصْرِيَةَ إِنَّمَا وُجِدَتْ مِنْ الْبَائِعِ , فَلَوْ كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ لَلَزِمَهُ التَّغْرِيمُ , وَالْفَرْضُ أَنَّ حَدِيث الْمُصَرَّاة يَقْتَضِي تَغْرِيمَ الْمُشْتَرِي فَافْتَرَقَا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ نَاسِخُهُ حَدِيث \" وَالْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا \" وَهَذَا جَوَاب مُحَمَّد بْن شُجَاع , وَوَجْه الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ الْفُرْقَةَ تَقْطَعُ الْخِيَارَ فَثَبَتَ أَنْ لَا خِيَارَ بَعْدَهَا إِلَّا لِمَنْ اِسْتَثْنَاهُ الشَّارِعُ بِقَوْلِهِ \" إِلَّا بَيْع الْخِيَارِ \" وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيّ بِأَنَّ الْخِيَارَ الَّذِي فِي الْمُصَرَّاةِ مِنْ خِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ , وَخِيَار الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لَا تَقْطَعُهُ الْفُرْقَةُ , وَمِنْ الْغَرِيبِ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ ثُمَّ يَحْتَجُّونَ بِهِ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنّ , وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقِيَاسِ الْأُصُولِ الْمَقْطُوع بِهِ فَلَا يَلْزَمُ الْعَمَل بِهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّوَقُّفَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ إِنَّمَا هُوَ فِي مُخَالَفَةِ الْأُصُولِ لَا فِي مُخَالَفَةِ قِيَاسِ الْأُصُولِ , وَهَذَا الْخَيْر إِنَّمَا خَالَفَ قِيَاسَ الْأُصُولِ بِدَلِيل أَنَّ الْأُصُولَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس , وَالْكِتَاب وَالسُّنَّة فِي الْحَقِيقَةِ هُمَا الْأَصْل وَالْآخَرَانِ مَرْدُودَانِ إِلَيْهِمَا , فَالسُّنَّة أَصْل وَالْقِيَاس فَرْع فَكَيْفَ يُرَدُّ الْأَصْلُ بِالْفَرْعِ ؟ بَلْ الْحَدِيث الصَّحِيح أَصْل بِنَفْسِهِ فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّ الْأَصْلَ يُخَالِفُ نَفْسه ؟ وَعَلَى تَقْدِير التَّسْلِيم يَكُونُ قِيَاس الْأُصُولِ يُفِيدُ الْقَطْعَ وَخَبَر الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنّ , فَتَنَاوُلُ الْأَصْل لَا يُخَالِفُ هَذَا الْخَبَر الْوَاحِد غَيْر مَقْطُوعٍ بِهِ لِجَوَاز اِسْتِثْنَاء مَحَلِّهِ عَنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ. ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : وَهَذَا أَقْوَى مُتَمَسَّكٍ بِهِ فِي الرَّدِّ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ. وَقَالَ اِبْن السَّمْعَانِيّ : مَتَى ثَبَتَ الْخَبَرُ صَارَ أَصْلًا مِنْ الْأُصُولِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى عَرْضِهِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ لِأَنَّهُ إِنْ وَافَقَهُ فَذَاكَ وَإِنْ خَالَفَهُ فَلَا يَجُوزُ رَدّ أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ رَدٌّ لِلْخَبَرِ بِالْقِيَاسِ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِاتِّفَاقٍ فَإِنَّ السُّنَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ بِلَا خِلَاف , إِلَى أَنْ قَالَ : وَالْأَوْلَى عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَسْلِيم الْأَقْيِسَة لَكِنَّهَا لَيْسَتْ لَازِمَةً لِأَنَّ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ مُقَدَّمَة عَلَيْهَا وَاللَّه تَعَالَى أَعْلَم. ‏ ‏وَعَلَى تَقْدِير التَّنَزُّل فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقِيَاسِ الْأُصُولِ لِأَنَّ الَّذِي اِدَّعَوْهُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ بَيَّنُوهَا بِأَوْجُه : أَحَدُهَا : أَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ الْأُصُولِ أَنَّ ضَمَان الْمِثْلِيَّاتِ بِالْمِثْلِ وَالْمُتَقَوَّمَاتِ بِالْقِيمَةِ , وَهَاهُنَا إِنْ كَانَ اللَّبَن مِثْلِيًّا فَلْيُضْمَنْ بِاللَّبَنِ وَإِنْ كَانَ مُتَقَوَّمًا فَلْيُضْمَنْ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ , وَقَدْ وَقَعَ هُنَا مَضْمُونًا بِالتَّمْرِ فَخَالَفَ الْأَصْلَ. وَالْجَوَابُ مَنْع الْحَصْر , فَإِنَّ الْحُرَّ يُضْمَنُ فِي دِيَته بِالْإِبِلِ وَلَيْسَتْ مِثْلًا وَلَا قِيمَة. وَأَيْضًا فَضَمَان الْمِثْلِ بِالْمِثْلِ لَيْسَ مُطَّرِدًا فَقَدْ يُضْمَنُ الْمِثْلُ بِالْقِيمَةِ إِذَا تَعَذَّرَتْ الْمُمَاثَلَة كَمَنْ أَتْلَفَ شَاة لَبُونًا كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا , وَلَا يُجْعَلُ بِإِزَاءِ لَبَنِهَا لَبَنًا آخَرَ لِتَعَذُّر الْمُمَاثَلَة. ثَانِيهَا : أَنَّ الْقَوَاعِدَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَضْمُونُ مُقَدَّرَ الضَّمَانِ بِقَدْر التَّالِف وَذَلِكَ مُخْتَلِف , وَقَدْ قُدِّرَ هُنَا بِمِقْدَارٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الصَّاعُ فَخَرَجَ عَنْ الْقِيَاسِ. وَالْجَوَابُ مَنْع التَّعْمِيم فِي الْمَضْمُونَاتِ كَالْمُوضِحَةِ فَأَرْشُهَا مُقَدَّر مَعَ اِخْتِلَافِهَا بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ , وَالْغُرَّة مُقَدَّرَة فِي الْجَنِينِ مَعَ اِخْتِلَافِهِ , وَالْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا يَقَعُ فِيهِ التَّنَازُع فَلْيُقَدَّرْ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ لِقَطْع التَّشَاجُر , وَتُقَدَّمُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ عَلَى تِلْكَ الْقَاعِدَةِ فَإِنْ اللَّبَنَ الْحَادِثَ بَعْدَ الْعَقْدِ اِخْتَلَطَ بِاللَّبَنِ الْمَوْجُودِ وَقْتَ الْعَقْدِ فَلَمْ يُعْرَفْ مِقْدَارُهُ حَتَّى يُوجَبَ نَظِيره عَلَى الْمُشْتَرِي , وَلَوْ عُرِفَ مِقْدَاره فَوُكِلَ إِلَى تَقْدِيرِهِمَا أَوْ تَقْدِير أَحَدِهِمَا لَأَفْضَى إِلَى النِّزَاعِ وَالْخِصَامِ , فَقَطَعَ الشَّارِعُ النِّزَاع وَالْخِصَام وَقَدَّرَهُ بِحَدٍّ لَا يَتَعَدَّيَانِهِ فَصْلًا لِلْخُصُومَةِ. وَكَانَ تَقْدِيرُهُ بِالتَّمْرِ أَقْرَبَ الْأَشْيَاءِ إِلَى اللَّبَنِ فَإِنَّهُ كَانَ قُوتَهُمْ إِذْ ذَاكَ كَاللَّبَنِ وَهُوَ مَكِيلٌ كَاللَّبَنِ وَمُقْتَاتٌ فَاشْتَرَكَا فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَطْعُومًا مُقْتَاتًا مَكِيلًا , وَاشْتَرَكَا أَيْضًا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُقْتَاتُ بِهِ بِغَيْرِ صَنْعَة وَلَا عِلَاج. ثَالِثُهَا : أَنَّ اللَّبَنَ التَّالِفَ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَقَدْ ذَهَبَ جُزْءٌ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مَنْ أَصْل الْخِلْقَة وَذَلِكَ مَانِع مِنْ الرَّدِّ فَقَدْ حَدَثَ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَلَا يَضْمَنُهُ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِطًا فَمَا كَانَ مِنْهُ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ وَمَا كَانَ حَادِثًا لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ , وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ إِنَّمَا يَمْتَنِعُ الرَّدُّ بِالنَّقْصِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِاسْتِعْلَام الْعَيْب وَإِلَّا فَلَا يَمْتَنِعُ وَهُنَا كَذَلِكَ. رَابِعُهَا : أَنَّهُ خَالَفَ الْأُصُولَ فِي جَعْلِ الْخِيَارِ فِيهِ ثَلَاثًا مَعَ أَنَّ خِيَار الْعَيْب لَا يُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ وَكَذَا خِيَار الْمَجْلِس عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ وَخِيَار الرُّؤْيَةِ عِنْدَ مَنْ يُثْبِتُهُ , وَالْجَوَابِ بِأَنَّ حُكْم الْمُصَرَّاة اِنْفَرَدَ بِأَصْلِهِ عَنْ مُمَاثَلَةٍ فَلَا يُسْتَغْرَبُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِوَصْفٍ زَائِدٍ عَلَى غَيْرِهِ , وَالْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ هِيَ الَّتِي يُتَبَيَّنُ بِهَا لَبَن الْخِلْقَة مِنْ اللَّبَنِ الْمُجْتَمِعِ بِالتَّدْلِيسِ غَالِبًا فَشُرِعَتْ لِاسْتِعْلَام الْعَيْب , بِخِلَاف خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبُ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُدَّة , وَأَمَّا خِيَارُ الْمَجْلِسِ فَلَيْسَ لِاسْتِعْلَام الْعَيْب , فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخِيَارِ فِي الْمُصَرَّاةِ وَغَيْرهَا. خَامِسُهَا : أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْأَخْذِ بِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوِّض فِيمَا إِذَا كَانَتْ قِيمَة الشَّاة صَاعًا مِنْ تَمْرٍ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ مِنْ الصَّاعِ الَّذِي هُوَ مِقْدَارُ ثَمَنِهَا. وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّمْرَ عِوَضٌ عَنْ اللَّبَنِ لَا عَنْ الشَّاةِ فَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرُوهُ. سَادِسُهَا : أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَاعِدَة الرِّبَا فِيمَا إِذَا اِشْتَرَى شَاةً بِصَاعٍ فَإِذَا اِسْتَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا فَقَدْ اِسْتَرْجَعَ الصَّاع الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ فَيَكُونُ قَدْ بَاعَ شَاةً وَصَاعًا بِصَاع , وَالْجَوَاب أَنَّ الرِّبَا إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْعُقُودِ لَا الْفُسُوخِ , بِدَلِيل أَنَّهُمَا لَوْ تَبَايَعَا ذَهَبًا بِفِضَّةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ , فَلَوْ تَقَايَلَا فِي هَذَا الْعَقْدِ بِعَيْنِهِ جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ. سَابِعُهَا : أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ ضَمَانُ الْأَعْيَانِ مَعَ بَقَائِهَا فِيمَا إِذَا كَانَ اللَّبَن مَوْجُودًا , وَالْأَعْيَان لَا تُضْمَنُ بِالْبَدَلِ إِلَّا مَعَ فَوَاتِهَا كَالْمَغْصُوبِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّبَنَ وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا لَكِنَّهُ تَعَذَّرَ رَدُّهُ , لِاخْتِلَاطِهِ بِاللَّبَنِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَتَعَذَّرَ تَمْيِيزُهُ فَأَشْبَهَ الْآبِقَ بَعْدَ الْغَصْبِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ لِتَعَذُّرِ الرَّدِّ. ثَامِنُهَا : أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إِثْبَات الرَّدِّ بِغَيْر عَيْبٍ وَلَا شَرْط , أَمَّا الشَّرْطُ فَلَمْ يُوجَدْ وَأَمَّا الْعَيْبُ فَنُقْصَان اللَّبَنِ لَوْ كَانَ عَيْبًا لَثَبَتَ بِهِ الرَّدُّ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيَةٍ , وَالْجَوَابُ أَنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ بِالتَّدْلِيسِ كَمَنْ بَاعَ رَحًى دَائِرَةً بِمَا جَمَعَهُ لَهَا بِغَيْرِ عِلْمِ الْمُشْتَرِي فَإِذَا اِطَّلَعَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي كَانَ لَهُ الرَّدّ , وَأَيْضًا فَالْمُشْتَرِي لَمَّا رَأَى ضَرْعًا مَمْلُوءًا لَبَنًا ظَنَّ أَنَّهُ عَادَةٌ لَهَا فَكَأَنَّ الْبَائِعَ شَرَطَ لَهُ ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ الْأَمْر بِخِلَافِهِ فَثَبَتَ لَهُ الرَّدُّ لِفَقْدِ الشَّرْطِ الْمَعْنَوِيِّ لِأَنَّ الْبَائِعَ يُظْهِرُ صِفَة الْمَبِيع تَارَةً بِقَوْلِهِ وَتَارَةً بِفِعْلِهِ فَإِذَا أَظْهَرَ الْمُشْتَرِي عَلَى صِفَةٍ فَبَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهَا كَانَ قَدْ دَلَّسَ عَلَيْهِ فَشُرِعَ لَهُ الْخِيَارُ وَهَذَا هُوَ مَحْضُ الْقِيَاسِ وَمُقْتَضَى الْعَدْل , فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إِنَّمَا بَذَلَ مَالَهُ بِنَاءً عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَظْهَرَهَا لَهُ الْبَائِعُ , وَقَدْ أَثْبَتَ الشَّارِع الْخِيَار لِلرُّكْبَانِ إِذَا تُلُقُّوا وَاشْتُرِيَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَهْبِطُوا إِلَى السُّوقِ وَيَعْلَمُوا السِّعْرَ وَلَيْسَ هُنَاكَ عَيْبٌ وَلَا خُلْفٌ فِي شَرْط. وَلَكِنْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغِشِّ وَالتَّدْلِيسِ. ‏ ‏وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْحَدِيثُ صَحِيح لَا اِضْطِرَابَ فِيهِ وَلَا عِلَّةَ وَلَا نَسْخَ وَإِنَّمَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهُوَ مَا إِذَا اِشْتَرَى شَاةً بِشَرْط أَنَّهَا تُحْلَبُ مَثَلًا خَمْسَة أَرْطَالٍ وَشَرَطَ فِيهَا الْخِيَار فَالشَّرْط فَاسِد , فَإِنْ اِتَّفَقَا عَلَى إِسْقَاطِهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ صَحَّ الْعَقْدُ وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا بَطَلَ الْعَقْد وَوَجَبَ رَدّ الصَّاع مِنْ التَّمْرِ لِأَنَّهُ كَانَ قِيمَةَ اللَّبَنِ يَوْمَئِذٍ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ فِي تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالتَّصْرِيَةِ , وَمَا ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ يَقْتَضِي تَعْلِيقه بِفَسَاد الشَّرْط سَوَاء وُجِدَتْ التَّصْرِيَة أَمْ لَا فَهُوَ تَأْوِيلٌ مُتَعَسِّفٌ , وَأَيْضًا فَلَفْظ الْحَدِيثِ لَفْظ عُمُوم , وَمَا اِدَّعَوْهُ عَلَى تَقْدِير تَسْلِيمه فَرْدٌ مِنْ أَفْرَاد ذَلِكَ الْعُمُوم فَيَحْتَاجُ مَنْ اِدَّعَى قَصْرَ الْعُمُوم عَلَيْهِ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا وُجُودَ لَهُ , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هَذَا الْحَدِيثُ أَصْل فِي النَّهْيِ عَنْ الْغِشِّ , وَأَصْل فِي ثُبُوثِ الْخِيَار لِمَنْ دُلِّسَ عَلَيْهِ بِعَيْب , وَأَصْلٌ فِي أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ أَصْلَ الْبَيْعِ , وَأَصْل فِي أَنْ مُدَّةَ الْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّامٍ , وَأَصْلٌ فِي تَحْرِيمِ التَّصْرِيَة وَثُبُوتِ الْخِيَارِ بِهَا , وَقَدْ رَوَى أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ عَنْ اِبْن مَسْعُود مَرْفُوعًا \" بَيْع الْمُحَفَّلَات خِلَابَة وَلَا تَحِلُّ الْخِلَابَة لِمُسْلِم \" وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ قَدْ رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَعَبْد الرَّزَّاق مَوْقُوفًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ , وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيقِ قَيْس بْن أَبِي حَازِم قَالَ كَانَ يُقَالُ : التَّصْرِيَةُ خِلَابَة , وَإِسْنَاده صَحِيح , وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ فِي أَشْيَاءَ مِنْهَا لَوْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّصْرِيَةِ هَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ ؟ فِيهِ وَجْه لِلشَّافِعِيَّةِ , وَيُرَجِّحُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ رِوَايَةُ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْد الطَّحَاوِيّ فَإِنَّ لَفْظَهُ \" مَنْ اِشْتَرَى مُصَرَّاة وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا مُصَرَّاة \" الْحَدِيثَ. وَلَوْ صَارَ لَبَن الْمُصَرَّاة عَادَةً وَاسْتَمَرَّ عَلَى كَثْرَتِهِ هَلْ لَهُ الرَّدُّ ؟ فِيهِ وَجْه لَهُمْ أَيْضًا خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. وَمِنْهَا لَوْ تَحَفَّلَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ صَرَّهَا الْمَالِكُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَبَاعَهَا فَهَلْ يَثْبُتُ ذَلِكَ الْحُكْمُ ؟ فِيهِ خِلَاف : فَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْمَعْنَى أَثْبَتَهُ لِأَنَّ الْعَيْبَ مُثْبِتٌ لِلْخِيَارِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَدْلِيس لِلْبَائِعِ , وَمَنْ نَظَرَ إِلَى أَنَّ حُكْمَ التَّصْرِيَة خَارِج عَنْ الْقِيَاسِ خَصَّهُ بِمَوْرِدِهِ وَهُوَ حَالَةُ الْعَمْدِ فَإِنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا تَنَاوَلَهَا فَقَطْ. وَمِنْهَا لَوْ كَانَ الضَّرْع مَمْلُوءًا لَحْمًا وَظَنَّهُ الْمُشْتَرِي لَبَنًا فَاشْتَرَاهَا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لَحْم هَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا بَعْض الْمَالِكِيَّةِ. وَمِنْهَا لَوْ اِشْتَرَى غَيْر الْمُصَرَّاةِ ثُمَّ اِطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهَا بَعْدَ حَلْبِهَا , فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيّ عَلَى جَوَازِ الرَّدِّ مَجَّانًا لِأَنَّهُ قَلِيلٌ غَيْرُ مُعْتَنًى بِجَمْعِهِ , وَقِيلَ يُرَدُّ بَدَلَ اللَّبَنِ كَالْمُصَرَّاةِ , وَقَالَ الْبَغَوِيّ يُرَدُّ صَاعًا مِنْ تَمْر. ‏"
    },
    {
        "id": "2005",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ اشْتَرَى شَاةً ‏ ‏مُحَفَّلَةً ‏ ‏فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ‏ ‏وَنَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ تُلَقَّى الْبُيُوعُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسَدَّد حَدَّثَنَا مُعْتَمِر ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي \" بَابِ النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَان \" بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , وَكَأَنَّ الْحَدِيثَ عِنْد مُسَدَّد عَنْ شَيْخَيْنِ فَذَكَرَهُ الْمُصَنِّف عَنْهُ فِي مَوْضِعَيْنِ , وَسِيَاقُهُ عَنْ مُعْتَمِرٍ أَتَمُّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْتُ أَبِي ) ‏ ‏هُوَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ , وَأَبُو عُثْمَان هُوَ النَّهْدِيُّ , وَرِجَال الْإِسْنَاد بَصْرِيُّونَ سِوَى الصَّحَابِيِّ ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مَنْ اِشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْر , وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُلَقَّى الْبُيُوع ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ الْأَكْثَر عَنْ مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان مَوْقُوفًا , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن مُعَاذ عَنْ مُعْتَمِر مَرْفُوعًا وَذَكَرَ أَنَّ رَفْعَهُ غَلَطٌ , وَرَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ سُلَيْمَانَ عَنْهُ كَمَا هُنَا : حَدِيثُ الْمُحَفَّلَةِ مَوْقُوفٌ مِنْ كَلَامِ اِبْن مَسْعُود , وَحَدِيث النَّهْي عَنْ التَّلَقِّي مَرْفُوع. وَخَالَفَهُمْ أَبُو خَالِد الْأَحْمَرُ عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ فَرَوَاهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَشَارَ إِلَى وَهْمِهِ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَدَّهَا ) ‏ ‏أَيْ أَرَادَ رَدَّهَا , بِقَرِينَة قَوْله \" فَلْيَرُدَّ مَعَهَا \" عَمَلًا بِحَقِيقَةِ الْمَعِيَّةِ , أَوْ تَحَمُّل الْمَعِيَّة عَلَى الْبَعْدِيَّةِ فَلَا يَحْتَاجُ الرَّدّ إِلَى تَأْوِيل. وَقَدْ وَرَدَتْ مَعَ بِمَعْنَى الْبَعْدِيَّة كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ ) الْآيَةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2006",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا ‏ ‏تَنَاجَشُوا ‏ ‏وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلَا ‏ ‏تُصَرُّوا ‏ ‏الْغَنَمَ وَمَنْ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي رِوَايَةِ مَالِك ‏ ‏( لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَان ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَبْوَابٍ وَعَلَى بَيْع الْحَاضِرِ لِلْبَادِي قَرِيبًا , وَمَضَى الْكَلَامُ عَلَى الْبَيْعِ وَعَلَى النَّجْشِ , وَمَضَى الْكَلَامُ عَلَى التَّصْرِيَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2007",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏زِيَادٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ثَابِتًا ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا ‏ ‏مُصَرَّاةً ‏ ‏فَاحْتَلَبَهَا فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن الْهَمْدَانِيّ عَنْ الْمُسْتَمْلِي \" مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن جَبَلَة \" وَكَذَا قَالَ أَبُو أَحْمَد الْجُرْجَانِيّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الْفَرَبْرِيّ , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيّ بْن شَبَّوَيْهِ عَنْ الْفَرَبْرِيّ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو يَعْنِي اِبْن جَبَلَة \" وَأَهْمَلَهُ الْبَاقُونَ , وَجَزَمَ الدَّارَقُطْنِيّ بِأَنَّهُ مُحَمَّد بْن عَمْرو أَبُو غَسَّان الرَّازِيّ الْمَعْرُوفُ بِزُنَيْج , وَجَزَمَ الْحَاكِمِ وَالْكَلَابَاذِيّ بِأَنَّهُ مُحَمَّد بْن عَمْرو السَّوَّاقُ الْبَلْخِي , وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْمَكِّيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيّ وَسَتَأْتِي رِوَايَته عَنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ فِي \" بَاب لَا يَشْتَرِي حَاضِرٌ لِبَادٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي زِيَاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعْد الْخُرَاسَانِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ ثَابِتًا ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عِيَاض , وَعَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد مَوْلَاهُ مِنْ فَوْق أَيْ اِبْن الْخَطَّاب. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ اِشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ صَاعَ التَّمْرِ مُتَوَقِّف عَلَى الْحَلْبِ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَفِي حَلْبَتِهَا صَاع مِنْ تَمْرِ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ صَاعَ التَّمْرِ فِي مُقَابِلِ الْمُصَرَّاةِ سَوَاء كَانَتْ وَاحِدَة أَوْ أَكْثَر لِقَوْلِهِ \" مَنْ اِشْتَرَى غَنَمًا \" ثُمَّ قَالَ \" فَفِي حَلْبَتِهَا صَاع مِنْ تَمْر \" وَنَقَلَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَمَّنْ اِسْتَعْمَلَ الْحَدِيثَ , وَابْن بَطَّال عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ , وَابْن قُدَامَة عَنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَة , وَعَنْ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ يَرُدُّ عَنْ كُلِّ وَاحِدَة صَاعًا حَتَّى قَالَ الْمَازِرِيّ : مِنْ الْمُسْتَبْشَعِ أَنْ يَغْرَمَ مُتْلِف لَبَن أَلْفِ شَاةٍ كَمَا يَغْرَمُ مُتْلِف لَبَن شَاةٍ وَاحِدَةٍ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مُغْتَفَر بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي اِعْتِبَارِ الصَّاعِ قَطْعُ النِّزَاع فَجُعِلَ حَدًّا يَرْجِعُ إِلَيْهِ عِنْدَ التَّخَاصُمِ فَاسْتَوَى الْقَلِيل وَالْكَثِير , وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ لَبَنَ الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ أَوْ النَّاقَةِ الْوَاحِدَةِ يَخْتَلِفُ اِخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا , وَمَعَ ذَلِكَ فَالْمُعْتَبَر الصَّاع سَوَاء قَلَّ اللَّبَنُ أَمْ كَثُرَ , فَكَذَلِكَ هُوَ مُعْتَبَرٌ سَوَاء قَلَّتْ الْمُصَرَّاة أَوْ كَثُرَتْ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2008",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا زَنَتْ الْأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا ‏ ‏يُثَرِّبْ ‏ ‏ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا ‏ ‏يُثَرِّبْ ‏ ‏ثُمَّ إِنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2009",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُئِلَ عَنْ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ قَالَ ‏ ‏إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2010",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اشْتَرِي وَأَعْتِقِي فَإِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ الْعَشِيِّ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2011",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَسَّانُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏نَافِعًا ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏سَاوَمَتْ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَتْ إِنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهَا إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطُوا الْوَلَاءَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ قُلْتُ ‏ ‏لِنَافِعٍ ‏ ‏حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا فَقَالَ مَا يُدْرِينِي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2012",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَرِيرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَرِير فِي النُّصْحِ لِكُلّ مُسْلِم وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي آخِر كِتَاب الْإِيمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "2013",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ قَالَ فَقُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏مَا قَوْلُهُ لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ قَالَ لَا يَكُونُ لَهُ ‏ ‏سِمْسَارًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَان ) ‏ ‏زَاد الْكُشْمِيهَنِيّ فِي رِوَايَتِهِ \" لِلْبَيْعِ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ فِي الْأَصْلِ الْقَيِّمُ بِالْأَمْرِ وَالْحَافِظُ لَهُ , ثُمَّ اِسْتُعْمِلَ فِي مُتَوَلِّي الْبَيْع وَالشِّرَاء لِغَيْرِهِ , وَفِي هَذَا التَّفْسِيرِ تُعُقِّبَ عَلَى مَنْ فَسَّرَ الْحَاضِرَ بِالْبَادِي بِأَنَّ الْمُرَادَ نَهْيُ الْحَاضِرِ أَنْ يَبِيعَ لِلْبَادِي فِي زَمَنِ الْغَلَاءِ شَيْئًا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْبَلَدِ فَهَذَا مَذْكُور فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ , وَقَالَ غَيْرهمْ : صُورَتُهُ أَنْ يَجِيءَ الْبَلَدَ غَرِيبٌ بِسِلْعَتِهِ يُرِيدُ بَيْعَهَا بِسِعْر الْوَقْت فِي الْحَالِ , فَيَأْتِيه بَلَدِيٌّ فَيَقُولُ لَهُ : ضَعْهُ عِنْدِي لِأَبِيعَهُ لَك عَلَى التَّدْرِيجِ بِأَغْلَى مِنْ هَذَا السِّعْرِ , فَجَعَلُوا الْحُكْمَ مَنُوطًا بِالْبَادِي وَمَنْ شَارَكَهُ فِي مَعْنَاهُ. قَالَ وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْبَادِي فِي الْحَدِيثِ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ فَأُلْحِقَ بِهِ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي عَدَمِ مَعْرِفَةِ السِّعْرِ الْحَاضِرِ وَإِضْرَارِ أَهْلِ الْبَلَدِ بِالْإِشَارَةِ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يُبَادِر بِالْبَيْعِ , وَهَذَا تَفْسِير الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَة , وَجَعَلَ الْمَالِكِيَّةُ الْبَدَاوَةَ قَيْدًا , وَعَنْ مَالِكٍ لَا يَلْتَحِقُ بِالْبَدَوِيِّ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَنْ كَانَ يُشْبِهُهُ , قَالَ فَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أَثْمَانَ السِّلَعِ وَالْأَسْوَاقِ فَلَيْسُوا دَاخِلِينَ فِي ذَلِكَ. قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : اِخْتَلَفُوا فِي هَذَا النَّهْيِ فَالْجُمْهُور أَنَّهُ عَلَى التَّحْرِيمِ بِشَرْطِ الْعِلْمِ بِالنَّهْي وَأَنْ يَكُونَ الْمَتَاعُ الْمَجْلُوبُ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ وَأَنْ يَعْرِضَ الْحَضَرِيّ ذَلِكَ عَلَى الْبَدَوِيِّ , فَلَوْ عَرَضَهُ الْبَدَوِيُّ عَلَى الْحَضَرِيِّ لَمْ يُمْنَعْ. وَزَادَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عُمُوم الْحَاجَةِ وَأَنْ يَظْهَرَ بِبَيْعِ ذَلِكَ الْمَتَاعِ السَّعَة فِي تِلْكَ الْبَلَدِ , قَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : أَكْثَرُ هَذِهِ الشُّرُوط تَدُورُ بَيْنَ اِتِّبَاعِ الْمَعْنَى أَوْ اللَّفْظِ , وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِي الْمَعْنَى إِلَى الظُّهُورِ وَالْخَفَاءِ فَحَيْثُ يَظْهَرُ يُخَصَّصُ النَّصّ أَوْ يُعَمَّمُ , وَحَيْثُ يَخْفَى فَاتِّبَاع اللَّفْظِ أَوْلَى , فَأَمَّا اِشْتِرَاطُ أَنْ يَلْتَمِسَ الْبَلَدِيّ ذَلِكَ فَلَا يَقْوَى لِعَدَمِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ ظُهُورِ الْمَعْنَى فِيهِ , فَإِنَّ الضَّرَرَ الَّذِي عُلِّلَ بِهِ النَّهْي لَا يَفْتَرِقُ الْحَال فِيهِ بَيْنَ سُؤَال الْبَلَدِيّ وَعَدَمه , وَأَمَّا اِشْتِرَاطُ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فَمُتَوَسِّط بَيْنَ الظُّهُورِ وَعَدَمه , وَأَمَّا اِشْتِرَاطُ ظُهُورِ السَّعَةِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدَ تَفْوِيتِ الرِّبْحِ وَالرِّزْقِ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ , وَأَمَّا اِشْتِرَاطُ الْعِلْمِ بِالنَّهْي فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَقَالَ السُّبْكِيّ : شَرْطُ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ مُعْتَبَر , وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ عُمُومَهَا وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيّ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيل. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَا إِذَا وَقَعَ الْبَيْع مَعَ وُجُودِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ هَلْ يَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيمِ أَوْ لَا يَصِحُّ ؟ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2014",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَبِهِ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عُمَر لَيْسَ فِيهِ التَّقْيِيد بِالْأَجْرِ كَمَا فِي التَّرْجَمَةِ. قَالَ اِبْن بَطَّال : أَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ بَيْعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي لَا يَجُوزُ بِأَجْرٍ وَيَجُوزُ بِغَيْرِ أَجْر , وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ اِبْن عَبَّاس , وَكَأَنَّهُ قَيَّدَ بِهِ مُطْلَق حَدِيث اِبْن عُمَر قَالَ : وَقَدْ أَجَازَ الْأَوْزَاعِيّ أَنْ يُشِيرَ الْحَاضِرُ عَلَى الْبَادِي وَقَالَ : لَيْسَتْ الْإِشَارَة بَيْعًا. وَعَنْ اللَّيْثِ وَأَبِي حَنِيفَة لَا يُشِيرُ عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ إِذَا أَشَارَ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاعَهُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ وَالرَّاجِح مِنْهُمَا الْجَوَاز لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ الْبَيْعِ لَهُ وَلَيْسَتْ الْإِشَارَة بَيْعًا , وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِنُصْحِهِ فَدَلَّ عَلَى جَوَاز الْإِشَارَة. ‏ ‏( تَنْبِيه : ‏ ‏حَدِيث اِبْن عُمَر فَرْدٌ غَرِيبٌ لَمْ أَرَهُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَلِيّ الْحَنَفِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن دِينَار , وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجُهُ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَعَلَى أَبِي نُعَيْم فَلَمْ يُخَرِّجَاهُ إِلَّا مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ , وَلَهُ أَصْلٌ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر وَلَيْسَ هُوَ فِي \" الْمُوَطَّأِ \" قَالَ الْبَيْهَقِيّ : عَدُّوهُ فِي أَفْرَادِ الشَّافِعِيِّ , وَقَدْ تَابَعَهُ الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِكٍ ثُمَّ سَاقَهُ بِإِسْنَادَيْنِ إِلَى الْقَعْنَبِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2015",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَبْتَاعُ الْمَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِم عَنْ اِبْن جُرَيْج \" أَخْبَرَنِي اِبْن شِهَاب \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَبْتَعْ الْمَرْءُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ لَا يَبْتَاعُ وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ : وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَبْلُ بِأَبْوَابٍ , وَكَذَا عَلَى قَوْلِهِ لَا تَنَاجَشُوا. ثَانِيهِمَا حَدِيث أَنَس. ‏"
    },
    {
        "id": "2016",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2017",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ التَّلَقِّي وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْمَقْبُرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ التَّلَقِّي ) ‏ ‏ظَاهِره مَنْع التَّلَقِّي مُطْلَقًا سَوَاء كَانَ قَرِيبًا أَمْ بَعِيدًا , سَوَاء كَانَ لِأَجْلِ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ أَمْ لَا , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2018",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏مَا مَعْنَى قَوْلِهِ ‏ ‏لَا يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ فَقَالَ لَا يَكُنْ لَهُ ‏ ‏سِمْسَارًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْأَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عَبْد الْأَعْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلْت اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ مُخْتَصَرًا وَلَيْسَ فِيهِ لِلتَّلَقِّي ذِكْر , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ عَلَى عَادَتِهِ إِلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ , فَقَدْ سَبَقَ قَبْلَ بَابَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَعْمَرٍ وَفِي أَوَّلِهِ \" لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَان \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَعْمَر , وَالْقَوْل فِي حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس كَالْقَوْلِ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَقَوْله \" لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَان \" خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِبِ فِي أَنَّ مَنْ يَجْلِبُ الطَّعَامَ يَكُونُونَ عَدَدًا رُكْبَانًا , وَلَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ لَوْ كَانَ الْجَالِب عَدَدًا مُشَاة أَوْ وَاحِدًا رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا لَمْ يَخْتَلِفْ الْحُكْمُ. وَقَوْلُهُ \" لِلْبَيْعِ \" يَشْمَلُ الْبَيْع لَهُمْ وَالْبَيْع مِنْهُمْ , وَيُفْهَمُ مِنْهُ اِشْتِرَاط قَصْد ذَلِكَ بِالتَّلَقِّي , فَلَوْ تَلَقَّى الرُّكْبَان أَحَد لِلسَّلَامِ أَوْ الْفُرْجَةِ أَوْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ لَهُ فَوَجَدَهُمْ فَبَايَعَهُمْ هَلْ يَتَنَاوَلُهُ النَّهْي ؟ فِيهِ اِحْتِمَال , فَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْمَعْنَى لَمْ يَفْتَرِقْ عِنْدَهُ الْحُكْم بِذَلِكَ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , وَشَرَطَ بَعْض الشَّافِعِيَّةِ فِي النَّهْيِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْمُتَلَقِّي فَيَطْلُبَ مِنْ الْجَالِبِ الْبَيْعَ , فَلَوْ اِبْتَدَأَ الْجَالِبُ بِطَلَبِ الْبَيْعِ فَاشْتَرَى مِنْهُ الْمُتَلَقِّي لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ , وَذَكَرَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي صُورَةِ التَّلَقِّي الْمُحَرَّم أَنْ يَكْذِبَ فِي سِعْرِ الْبَلَدِ وَيَشْتَرِيَ مِنْهُمْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَن الْمِثْل , وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي فِيهَا أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِكَثْرَة الْمُؤْنَة عَلَيْهِمْ فِي الدُّخُولِ , وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِكَسَاد مَا مَعَهُمْ لِيَغْبِنَهُمْ , وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ التَّقْيِيدَاتِ إِثْبَات الْخِيَارِ لِمَنْ وَقَعَتْ لَهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَلَقٍّ , لَكِنْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّة أَنَّ كَوْن إِخْبَاره كَذِبًا لَيْسَ شَرْطًا لِثُبُوتِ الْخِيَارِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ إِذَا ظَهَرَ الْغَبْن فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ وُجُودًا وَعَدَمًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2019",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏التَّيْمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ اشْتَرَى ‏ ‏مُحَفَّلَةً ‏ ‏فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا قَالَ ‏ ‏وَنَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ تَلَقِّي الْبُيُوعِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود , وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْمُصَرَّاةِ , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله \" وَنَهَى عَنْ تَلَقِّي الْبُيُوع \" فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَقْيِيد النَّهْي الْمُطْلَق فِي التَّلَقِّي بِمَا إِذَا كَانَ لِأَجْلِ الْمُبَايَعَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2020",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا تَلَقَّوْا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. فَدَلَّتْ الطَّرِيقَة الثَّالِثَة - وَهِيَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عُمَر عَنْ نَافِع - أَنَّ الْوُصُولَ إِلَى أَوَّلِ السُّوقِ لَا يُلَقَّى حَتَّى يَدْخُلَ السُّوقَ , وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذِر وَغَيْرهمْ , وَصَرَّحَ جَمَاعَة مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ مُنْتَهَى النَّهْيِ عَنْ التَّلَقِّي لَا يَدْخُلُ الْبَلَد سَوَاء وَصَلَ إِلَى السُّوقِ أَمْ لَا , وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ اِخْتِلَاف كَثِير فِي حَدِّ التَّلَقِّي. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَاللَّام وَتَشْدِيدِ الْقَافِ الْمَفْتُوحَةِ وَضَمِّ الْوَاوِ أَيْ تَتَلَقَّوُا فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ. ثُمَّ إِنَّ مُطْلَق النَّهْي عَنْ التَّلَقِّي يَتَنَاوَلُ طُولَ الْمَسَافَةِ وَقِصَرِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ إِطْلَاقِ الشَّافِعِيَّةِ , وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةِ مَحَلّ النَّهْي بِحَدٍّ مَخْصُوصٍ , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ مِيلٌ وَقِيلَ فَرْسَخَانِ وَقِيلَ يَوْمَانِ وَقِيلَ مَسَافَة الْقَصْر وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيّ , وَأَمَّا اِبْتِدَاؤُهَا فَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2021",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَتَلَقَّى ‏ ‏الرُّكْبَانَ ‏ ‏فَنَشْتَرِي مِنْهُمْ الطَّعَامَ ‏ ‏فَنَهَانَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى يُبْلَغَ بِهِ سُوقُ الطَّعَامِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏هَذَا فِي أَعْلَى السُّوقِ يُبَيِّنُهُ حَدِيثُ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّفُ. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا فِي أَعْلَى السُّوقِ ) ‏ ‏أَيْ حَدِيث جُوَيْرِيَة عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظ \" كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَان فَنَشْتَرِي مِنْهُمْ الطَّعَامَ \" الْحَدِيثَ , قَالَ الْبُخَارِيّ : وَبَيَّنَهُ حَدِيث عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عُمَر يَعْنِي عَنْ نَافِعٍ أَيْ حَيْثُ قَالَ \" كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الطَّعَام فِي أَعْلَى السُّوقِ \" الْحَدِيث مِثْله , وَأَرَادَ الْبُخَارِيّ بِذَلِكَ الرَّدِّ عَلَى مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَلَقِّي الرُّكْبَان لِإِطْلَاقِ قَوْلِ اِبْن عُمَر \" كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَان \" وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ , لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَهُمْ فِي أَعْلَى السُّوقِ كَمَا فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عُمَر عَنْ نَافِع , وَقَدْ صَرَّحَ مَالِك فِي رِوَايَتِهِ عَنْ نَافِعٍ بِقَوْلِهِ \" وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا السُّوقَ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّلَقِّيَ الَّذِي لَمْ يُنْهَ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ مَا بَلَغَ السُّوق , وَالْحَدِيث يُفَسِّرُ بَعْضه بَعْضًا. وَادَّعَى الطَّحَاوِيّ التَّعَارُضَ فِي هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِوُقُوع الضَّرَر لِأَصْحَابِ السِّلَعِ وَعَدَمِهِ , قَالَ فَيُحْمَلُ حَدِيث النَّهْي عَلَى مَا إِذَا حَصَلَ الضَّرَرُ , وَحَدِيث الْإِبَاحَةِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ , وَلَا يَخْفَى رُجْحَان الْجَمْعِ الَّذِي جَمَعَ بِهِ الْبُخَارِيّ وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيه : ‏ ‏وَقَع قَوْل الْبُخَارِيّ \" هَذَا فِي أَعْلَى السُّوقِ \" عَقِبَ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عُمَر فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ عَقِب حَدِيث جُوَيْرِيَة وَهُوَ الصَّوَابُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2022",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ فِي أَعْلَى السُّوقِ فَيَبِيعُونَهُ فِي مَكَانِهِ ‏ ‏فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2023",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏جَاءَتْنِي ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏فَقَالَتْ كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي فَقُلْتُ إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ فَذَهَبَتْ ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَالِسٌ فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ فَسَمِعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2024",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَهَا فَقَالَ أَهْلُهَا نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2025",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2026",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ‏ ‏الْمُزَابَنَةِ ‏ ‏وَالْمُزَابَنَةُ ‏ ‏بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ كَيْلًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2027",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ‏ ‏الْمُزَابَنَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَالْمُزَابَنَةُ ‏ ‏أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيْلٍ إِنْ زَادَ فَلِي وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ قَالَ وَحَدَّثَنِي ‏ ‏زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَخَّصَ فِي ‏ ‏الْعَرَايَا ‏ ‏بِخَرْصِهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2028",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَدَعَانِي ‏ ‏طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى ‏ ‏اصْطَرَفَ ‏ ‏مِنِّي فَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي مِنْ ‏ ‏الْغَابَةِ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏يَسْمَعُ ذَلِكَ ‏ ‏فَقَالَ وَاللَّهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ اِلْتَمَسَ صَرْفًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مِنْ الدَّرَاهِمِ بِذَهَبٍ كَانَ مَعَهُ , وَبَيَّنَ ذَلِكَ اللَّيْث فِي رِوَايَتِهِ عَنْ اِبْن شِهَاب وَلَفْظه \" عَنْ مَالِك بْن أَوْس بْن الْحَدَثَانِ قَالَ : أَقْبَلْت أَقُولُ مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِم ؟ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَتَرَاوَضْنَا ) ‏ ‏بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ تَجَارَيْنَا الْكَلَام فِي قَدْر الْعِوَض بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ كَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ يُرَوِّضُ صَاحِبَهُ وَيُسَهِّلُ خُلُقَهُ , وَقِيلَ الْمُرَاوَضَة هُنَا الْمُوَاصَفَة بِالسِّلْعَةِ , وَهُوَ أَنْ يَصِفَ كُلٌّ مِنْهُمَا سِلْعَته لِرَفِيقِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذَ الذَّهَب يُقَلِّبُهَا ) ‏ ‏أَيْ الذَّهَبَةِ , وَالذَّهَبُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ فَيُقَالُ ذَهَبٌ وَذَهَبَةٌ. أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ ضَمَّنَ الذَّهَبَ مَعْنَى الْعَدَد الْمَذْكُور وَهُوَ الْمِائَةُ فَأَنَّثَهُ لِذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة اللَّيْث \" فَقَالَ طَلْحَة إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِيك وَرِقَك \" وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَة الْخَازِن الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ طَلْحَة. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْغَابَةِ ) ‏ ‏بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ يَأْتِي شَرْح أَمْرِهَا فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ فِي قِصَّة تَرِكَة الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام , وَكَأَنَّ طَلْحَة كَانَ لَهُ بِهَا مَالٌ مِنْ نَخْل وَغَيْرِهِ وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن عَبْد الْبَرّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ ) ‏ ‏أَيْ عِوَض الذَّهَب , فِي رِوَايَة اللَّيْث \" وَاللَّه لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( الذَّهَب بِالْوَرِقِ رِبًا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِك فِيهِ وَحَمَلَهُ عَنْهُ الْحُفَّاظ حَتَّى رَوَاهُ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ مَالِك , وَتَابَعَهُ مَعْمَر وَاللَّيْث وَغَيْرهُمَا , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحُفَّاظُ عَنْ اِبْن عُيَيْنَة. وَشَذَّ أَبُو نُعَيْم عَنْهُ فَقَالَ \" الذَّهَب بِالذَّهَبِ \" كَذَلِكَ رَوَاهُ اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَيَجُوزُ فِي قَوْلِهِ \" الذَّهَب بِالْوَرِقِ \" الرَّفْعُ أَيْ بَيْع الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ فَحَذَفَ الْمُضَاف لِلْعِلْمِ بِهِ , أَوْ الْمَعْنَى الذَّهَب يُبَاعُ بِالذَّهَبِ , وَيَجُوزُ النَّصْبُ أَيْ بِيعُوا الذَّهَبَ , وَالذَّهَبُ يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِهِ الْمَضْرُوبَةِ وَغَيْرِهَا , وَالْوَرِقِ الْفِضَّة وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِإِسْكَانِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَجُوزُ فَتْحُهُمَا , وَقِيلَ بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمَضْرُوبَةُ وَبِفَتْحِهَا الْمَالُ , وَالْمُرَادُ هُنَا جَمِيع أَنْوَاعِ الْفِضَّةِ مَضْرُوبَةً وَغَيْرَ مَضْرُوبَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا هَاء وَهَاء ) ‏ ‏بِالْمَدِّ فِيهِمَا وَفَتْح الْهَمْزَة , وَقِيلَ بِالْكَسْرِ , وَقِيلَ بِالسُّكُونِ , وَحُكِيَ الْقَصْر بِغَيْرِ هَمْز وَخَطَّأَهَا الْخَطَّابِيّ , وَرَدَّ عَلَيْهِ النَّوَوِيّ وَقَالَ : هِيَ صَحِيحَةٌ لَكِنْ قَلِيلَة وَالْمَعْنَى خُذْ وَهَاتِ , وَحُكِيَ \" هَاك \" بِزِيَادَة كَاف مَكْسُورَة وَيُقَالُ \" هَاءِ \" بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ بِمَعْنَى هَاتِ وَبِفَتْحِهَا بِمَعْنَى خُذْ بِغَيْرِ تَنْوِين , وَقَالَ اِبْن الْأَثِيرِ : هَاء وَهَاء هُوَ أَنْ يَقُولَ كُلّ وَاحِد مِنْ الْبَيِّعَيْنِ هَاء فَيُعْطِيه مَا فِي يَدِهِ كَالْحَدِيثِ الْآخَرِ \" إِلَّا يَدًا بِيَد \" يَعْنِي مُقَابَضَةً فِي الْمَجْلِسِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ خُذْ وَأَعْطِ , قَالَ وَغَيْر الْخَطَّابِيِّ يُجِيزُ فِيهَا السُّكُونَ عَلَى حَذْف الْعِوَض وَيَتَنَزَّلُ مَنْزِلَة \" هَا \" الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ. وَقَالَ اِبْن مَالِك : هَا اِسْم فِعْلٍ بِمَعْنَى خُذْ , وَإِنْ وَقَعَتْ بَعْد إِلَّا فَيَجِبُ تَقْدِيرُ قَوْلٍ قَبْلَهُ يَكُونُ بِهِ مَحْكِيًّا فَكَأَنَّهُ قِيلَ : وَلَا الذَّهَب بِالذَّهَبِ إِلَّا مَقُولًا عِنْدَهُ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ هَاء وَهَاء. وَقَالَ الْخَلِيل : كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الْمُنَاوَلَةِ , وَالْمَقْصُود مِنْ قَوْلِهِ \" هَاء وَهَاء \" أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِصَاحِبِهِ هَاء فَيَتَقَابَضَانِ فِي الْمَجْلِسِ قَالَ اِبْن مَالِك : حَقُّهَا أَنْ لَا تَقَعَ بَعْدُ إِلَّا كَمَا لَا يَقَعُ بَعْدَهَا خُذْ , قَالَ : فَالتَّقْدِيرُ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مَقُولًا بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ هَاء وَهَاء. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ فِي الصَّرْفِ فِي الْمَجْلِسِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ , وَعَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَّا عِنْدَ الْإِيجَابِ بِالْكَلَامِ , وَلَوْ اِنْتَقَلَا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إِلَى آخَرَ لَمْ يَصِحَّ تَقَابُضهمَا , وَمَذْهَبه أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ تَرَاخِي الْقَبْض فِي الصَّرْفِ سَوَاء كَانَا فِي الْمَجْلِسِ أَوْ تَفَرَّقَا , وَحُمِلَ قَوْلُ عُمَرَ \" لَا يُفَارِقُهُ \" عَلَى الْفَوْرِ حَتَّى لَوْ أَخَّرَ الصَّيْرَفِيُّ الْقَبْضَ حَتَّى يَقُومَ إِلَى قَعْوِ دُكَّانِهِ ثُمَّ يَفْتَحَ صُنْدُوقَهُ لَمَا جَازَ. ‏ ‏قَوْله : ( الْبُرّ بِالْبُرِّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ رَاء مِنْ أَسْمَاء الْحِنْطَة , وَالشَّعِير بِفَتْح أَوَّلِهِ مَعْرُوف وَحُكِيَ جَوَازُ كَسْرِهِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ صِنْفَانِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مَالِك وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ فَقَالُوا هُمَا صِنْف وَاحِد , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْكَبِيرَ يَلِي الْبَيْع وَالشِّرَاء لِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ وُكَلَاء وَأَعْوَان يَكْفُونَهُ. وَفِيهِ الْمُمَاكَسَةُ فِي الْبَيْعِ وَالْمُرَاوَضَة وَتَقْلِيب السِّلْعَة , وَفَائِدَته الْأَمْن مِنْ الْغَبْنِ , وَأَنَّ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَخْفَى عَلَى الرَّجُلِ الْكَبِيرِ الْقَدْر حَتَّى يُذَكِّرَهُ غَيْرُهُ , وَأَنَّ الْإِمَامَ إِذَا سَمِعَ أَوْ رَأَى شَيْئًا لَا يَجُوزُ يَنْهَى عَنْهُ وَيُرْشِدُ إِلَى الْحَقِّ , وَأَنَّ مَنْ أَفْتَى بِحُكْمٍ حَسَنٍ أَنْ يَذْكُرَ دَلِيله , وَأَنْ يَتَفَقَّدَ أَحْوَالَ رَعِيَّتِهِ وَيَهْتَمَّ بِمَصَالِحِهِمْ. ‏ ‏وَفِيهِ الْيَمِينُ لِتَأْكِيدِ الْخَبَرِ , وَفِيهِ الْحُجَّةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ , وَأَنَّ الْحُجَّةَ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ حَدِيثِ رَسُولِهِ. وَفِيهِ أَنَّ النَّسِيئَةَ لَا تَجُوزُ فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ , وَإِذَا لَمْ يَجُزْ فِيهِمَا مَعَ تَفَاضُلِهِمَا بِالنَّسِيئَةِ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَجُوزَ فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَهُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ , وَكَذَا الْوَرِق بِالْوَرِقِ , يَعْنِي إِذَا لَمْ تَكُنْ رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق وَمَنْ تَابَعَهُ مَحْفُوظَةً فَيُؤْخَذُ الْحُكْمُ مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ , وَقَدْ نَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره الْإِجْمَاع عَلَى هَذَا الْحُكْمِ , أَيْ التَّسْوِيَةِ فِي الْمَنْعِ بَيْنَ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَبَيْنَ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ فَيُسْتَغْنَى حِينَئِذٍ بِذَلِكَ عَنْ الْقِيَاسِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2029",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَالْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْتُمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2030",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمِّي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏مِثْلَ ذَلِكَ حَدِيثًا ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَقِيَهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏فِي الصَّرْفِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّهِ اِبْن سَعْد ) ‏ ‏زَاد فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" وَهُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف \" وَابْن أَخِي الزُّهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيّ حَدَّثَهُ مِثْلَ ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَقِيَهُ عَبْد اللَّه بْن عُمَر فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيد مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيد فِي الصَّرْفِ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ) ‏ ‏فَذَكَرَ الْحَدِيثَ , هَكَذَا سَاقه وَفِيهِ اِخْتِصَار وَتَقْدِيم وَتَأْخِير , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم شَيْخ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظ \" إِنَّ أَبَا سَعِيد حَدَّثَهُ حَدِيثًا مِثْلَ حَدِيث عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّرْفِ فَقَالَ أَبُو سَعِيد \" فَذَكَرَهُ , فَظَهَرَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ مَعْنَى قَوْلِهِ \" مِثْل ذَلِكَ \" أَيْ مِثْل حَدِيثِ عُمَرَ , أَيْ حَدِيث عُمَرَ الْمَاضِي قَرِيبًا فِي قِصَّةِ طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه , وَتَكَلَّفَ الْكَرْمَانِيّ هُنَا فَقَالَ : قَوْلُهُ \" مِثْل ذَلِكَ \" أَيْ مِثْل حَدِيثِ أَبِي بَكْرَة فِي وُجُوبِ الْمُسَاوَاةِ , وَلَوْ وَقَفَ عَلَى رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ لَمَا عَدَلَ عَنْهَا. وَقَوْلُهُ \" فَلَقِيَهُ عَبْد اللَّه \" أَيْ بَعْد أَنْ كَانَ سَمِعَ مِنْهُمْ الْحَدِيث فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَثْبِتَهُ فِيهِ , وَقَدْ وَقَعَ لِأَبِي سَعِيد مَعَ اِبْن عُمَر فِي هَذَا الْحَدِيثِ قِصَّة وَهِيَ هَذِهِ , وَوَقَعَتْ لَهُ فِيهِ مَعَ اِبْن عَبَّاس قِصَّةٌ أُخْرَى كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ , فَأَمَّا قِصَّتُهُ مَعَ اِبْن عُمَر فَانْفَرَدَ بِهَا الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيق سَالِمٍ , وَأَخْرَجَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ اللَّيْث عَنْ نَافِع وَلَفْظه \" إِنَّ اِبْن عُمَر قَالَ لَهُ رَجُل مِنْ بَنِي لَيْث : إِنَّ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيّ يَأْثُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ نَافِع : فَذَهَب عَبْد اللَّه وَأَنَا مَعَهُ وَاللَّيْثُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ فَقَالَ : إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّك تُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْل \" الْحَدِيث , فَأَشَارَ أَبُو سَعِيد بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى عَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ فَقَالَ \" أَبَصَرَتْ عَيْنَايَ وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْل \" الْحَدِيث. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَة فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ لِابْن عُمَر مَعَ أَبِي سَعِيد \" إِنَّ اِبْن عُمَر نَهَى عَنْ ذَلِكَ بَعْد أَنْ كَانَ أَفْتَى بِهِ لَمَّا حَدَّثَهُ أَبُو سَعِيد بِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَمَّا قِصَّة أَبِي سَعِيد مَعَ اِبْن عَبَّاس فَسَأَذْكُرُهَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه. ‏ ‏قَوْله فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى ‏ ‏( الذَّهَب بِالذَّهَبِ ) ‏ ‏يَجُوزُ فِي الذَّهَبِ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ , وَقَدْ تَقَدَّمُ تَوْجِيهه , وَيَدْخُلُ فِي الذَّهَبِ جَمِيع أَصْنَافِهِ مِنْ مَضْرُوبٍ وَمَنْقُوشٍ وَجَيِّدٍ وَرَدِيءٍ وَصَحِيحٍ وَمُكَسَّرٍ وَحُلِيٍّ وَتِبْر وَخَالِص وَمَغْشُوش , وَنَقَلَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِثْل بِمِثْل ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالرَّفْعِ , وَلِغَيْر أَبِي ذَرٍّ \" مِثْلًا بِمِثْل \" وَهُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ الذَّهَب يُبَاعُ بِالذَّهَبِ مَوْزُونًا بِمَوْزُون , أَوْ مَصْدَر مُؤَكِّد أَيْ يُوزَنُ وَزْنًا بِوَزْن , وَزَاد مُسْلِم فِي رِوَايَةِ سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ \" إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاء بِسَوَاء \". ‏"
    },
    {
        "id": "2031",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا ‏ ‏تُشِفُّوا ‏ ‏بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا ‏ ‏تُشِفُّوا ‏ ‏بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تُشِفُّوا ) ‏ ‏بِضَمّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الشِّين الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ تُفَضِّلُوا , وَهُوَ رُبَاعِيّ مَنْ أَشَفَّ , وَالشِّفُّ بِالْكَسْرِ الزِّيَادَة , وَتُطْلَقُ عَلَى النَّقْصِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ ) ‏ ‏بِنُون وَجِيم وَزَاي مُؤَجَّلًا بِحَالٍّ , أَيْ وَالْمُرَاد بِالْغَائِبِ أَعَمّ مِنْ الْمُؤَجَّلِ كَالْغَائِبِ عَنْ الْمَجْلِسِ مُطْلَقًا مُؤَجَّلًا كَانَ أَوْ حَالًّا وَالنَّاجِز الْحَاضِر , قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ : مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُل دَرَاهِم وَلِآخَرَ عَلَيْهِ دَنَانِير لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاصَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِمَا لَهُ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مَعْنَى بَيْع الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا , لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجُزْ غَائِب بِنَاجِز فَأَحْرَى أَنْ لَا يَجُوزَ غَائِبٌ بِغَائِب , وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" كُنْت أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ : أَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ , وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ. فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ بِسِعْرِ يَوْمِهِ وَلَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْء \" فَلَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا , لِأَنَّ النَّهْيَ بِقَبْضِ الدَّرَاهِمِ عَنْ الدَّنَانِيرِ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى التَّأْخِيرِ فِي الصَّرْفِ قَالَهُ ابْن بَطَّالٍ , وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ \" مِثْلًا بِمِثْلٍ \" عَلَى بُطْلَانِ الْبَيْعِ بِقَاعِدَة مُدّ عَجْوَة وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ مُدّ عَجْوَة وَدِينَارًا بِدِينَارَيْنِ مِثْلًا , وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمَنْعِ حَدِيث فَضَالَة بْن عُبَيْد عِنْد مُسْلِم فِي رَدِّ الْبَيْعِ فِي الْقِلَادَةِ الَّتِي فِيهَا خَرَز وَذَهَب حَتَّى تُفْصَلَ أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد \" فَقُلْت إِنَّمَا أَرَدْت الْحِجَارَةَ , فَقَالَ : لَا حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "2032",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا صَالِحٍ الزَّيَّاتَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ فَإِنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏لَا يَقُولُهُ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ سَمِعْتَهُ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ كُلَّ ذَلِكَ لَا أَقُولُ وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنِّي وَلَكِنْ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا رِبًا إِلَّا فِي ‏ ‏النَّسِيئَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الضَّحَّاك بْن مَخْلَدٍ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو عَاصِم شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ حَدَّثَ فِي مَوَاضِعَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَهَذَا الْمَوْضِعِ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيّ يَقُولُ : الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَم بِالدِّرْهَمِ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ اِبْن عُيَيْنَة عَنْ عَمْرو بْن دِينَار فَزَادَ فِيهِ \" مِثْلًا بِمِثْل , مِنْ زَادَ أَوْ اِزْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اِبْن عَبَّاس لَا يَقُولُهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" يَقُولُ غَيْر هَذَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَبُو سَعِيد سَأَلْته ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" لَقَدْ لَقِيت اِبْن عَبَّاس فَقُلْت لَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ كُلَّ ذَلِكَ لَا أَقُولُ ) ‏ ‏بِنَصْبِ \" كُلَّ \" ; عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ , وَهُوَ فِي الْمَعْنَى نَظِير قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ \" كُلَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ \" فَالْمَنْفِيّ هُوَ الْمَجْمُوعُ , وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" فَقَالَ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاء \" أَنَّ أَبَا سَعِيد لَقِيَ اِبْن عَبَّاس \" فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَفِيهِ \" فَقَالَ كُلّ ذَلِكَ لَا أَقُولُ , أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ , وَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ فَلَا أَعْلَمُهُ \" أَيْ لَا أَعْلَمُ هَذَا الْحُكْم فِيهِ , وَإِنَّمَا قَالَ لِأَبِي سَعِيد \" أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي \" لِكَوْن أَبِي سَعِيد وَأَنْظَارِهِ كَانُوا أَسَنَّ مِنْهُ وَأَكْثَر مُلَازَمَة لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي السِّيَاقِ دَلِيل عَلَى أَنَّ أَبَا سَعِيد وَابْن عَبَّاس مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تُطْلَبُ إِلَّا مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن أَبِي يَزِيد وَعَطَاءٍ جَمِيعًا عَنْ اِبْن عَبَّاس \" إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ \" زَادَ فِي رِوَايَة عَطَاء \" أَلَا إِنَّمَا الرِّبَا \" وَزَاد فِي رِوَايَةِ طَاوُس عَنْ اِبْن عَبَّاس \" لَا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَد \" وَرَوَى مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَة قَالَ \" سَأَلْت اِبْن عَبَّاس عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ : أَيَدًا بِيَد ؟ قُلْت : نَعَمْ , قَالَ فَلَا بَأْسَ. فَأَخْبَرْت أَبَا سَعِيد فَقَالَ : أَوَقَالَ ذَلِكَ ؟ إِنَّا سَنَكْتُبُ إِلَيْهِ فَلَا يُفْتِيكُمُوهُ \" وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي نَضْرَة \" سَأَلْت اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس عَنْ الصَّرْفِ فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا , فَإِنِّي لَقَاعِدٌ عِنْد أَبِي سَعِيد فَسَأَلْتُهُ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ : مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا , فَأَنْكَرْت ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا. فَذَكَرَ الْحَدِيث قَالَ \" فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهْبَاءِ أَنَّهُ سَأَلَ اِبْن عَبَّاس عَنْهُ بِمَكَّةَ فَكَرِهَهُ \". وَالصَّرْفُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ : دَفْع ذَهَبٍ وَأَخْذ فِضَّةٍ وَعَكْسُهُ , وَلَهُ شَرْطَانِ : مَنْع النَّسِيئَة مَعَ اِتِّفَاقِ النَّوْعِ وَاخْتِلَافِهِ وَهُوَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ , وَمَنْع التَّفَاضُل فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ مِنْهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَخَالَفَ فِيهِ اِبْن عُمَر ثُمَّ رَجَعَ , وَابْن عَبَّاس وَاخْتَلَفَ فِي رُجُوعِهِ وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيق حَيَّانَ الْعَدَوِيّ وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ \" سَأَلْت أَبَا مِجْلَز عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ : كَانَ اِبْن عَبَّاس لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ مَا كَانَ مِنْهُ عَيْنًا بِعَيْن يَدًا بِيَد , وَكَانَ يَقُولُ : إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ فَلَقِيَهُ أَبُو سَعِيد \" فَذَكَرَ الْقِصَّة وَالْحَدِيث , وَفِيهِ \" التَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ مِثْلًا بِمِثْل , فَمَنْ زَادَ فَهُوَ رِبًا , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ , فَكَانَ يَنْهَى عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ \". وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِ أُسَامَةَ , وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْن حَدِيث أَبِي سَعِيد فَقِيلَ : مَنْسُوخ , لَكِنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ. وَقِيلَ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ \" لَا رِبًا \" الرِّبَا الْأَغْلَظ الشَّدِيد التَّحْرِيم الْمُتَوَعَّد عَلَيْهِ بِالْعِقَابِ الشَّدِيدِ كَمَا تَقُولُ الْعَرَب لَا عَالِمَ فِي الْبَلَدِ إِلَّا زَيْدٌ مَعَ أَنَّ فِيهَا عُلَمَاء غَيْرَهُ , وَإِنَّمَا الْقَصْدُ نَفْيُ الْأَكْمَل لَا نَفْيُ الْأَصْلِ , وَأَيْضًا فَنَفْيُ تَحْرِيم رِبَا الْفَضْل مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَفْهُومِ , فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي سَعِيد لِأَنَّ دَلَالَتَهُ بِالْمَنْطُوقِ , وَيُحْمَلُ حَدِيث أُسَامَةَ عَلَى الرِّبَا الْأَكْبَرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّه أَعْلَمُ. وَقَالَ الطَّبَرِيّ : مَعْنَى حَدِيث أُسَامَة \" لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ \" إِذَا اِخْتَلَفَتْ أَنْوَاع الْبَيْعِ وَالْفَضْل فِيهِ يَدًا بِيَد رِبًا جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْن حَدِيث أَبِي سَعِيد. ‏ ‏( تَنْبِيه : ‏ ‏وَقَع فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ هُنَا \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه \" يَعْنِي الْبُخَارِيّ \" سَمِعْتُ سُلَيْمَان بْن حَرْب يَقُولُ : لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ هَذَا عِنْدَنَا فِي الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ وَالْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ مُتَفَاضِلًا وَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَد وَلَا خَيْر فِيهِ نَسِيئَة \" قُلْت : وَهَذَا مُوَافِق وَفِي قِصَّة أَبِي سَعِيد مَعَ اِبْن عُمَر وَمَعَ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْعَالِمَ يُنَاظِرُ الْعَالِمَ وَيُوقِفُهُ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ وَيَرُدُّهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ إِلَى الِاجْتِمَاعِ وَيَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِالْأَدِلَّةِ وَفِيهِ إِقْرَارُ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ بِفَضْلِ التَّقَدُّمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2033",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا الْمِنْهَالِ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏عَنْ الصَّرْفِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ هَذَا خَيْرٌ مِنِّي فَكِلَاهُمَا يَقُولُ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الصَّرْفِ ) ‏ ‏أَي بَيْعِ الدَّرَاهِمِ بِالذَّهَبِ أَوْ عَكْسِهِ , وَسُمِّيَ بِهِ لِصَرْفِهِ عَنْ مُقْتَضَى الْبِيَاعَاتِ مِنْ جَوَاز التَّفَاضُل فِيهِ , وَقِيلَ مِنْ الصَّرِيفِ وَهُوَ تَصْوِيتُهُمَا فِي الْمِيزَانِ , وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِل الْهِجْرَةِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَان عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ \" بَاع شَرِيك لِي دَرَاهِم - أَيْ بِذَهَب - فِي السُّوقِ نَسِيئَة , فَقُلْت : سُبْحَانَ اللَّه أَيَصْلُحُ هَذَا ؟ فَقَالَ : لَقَدْ بِعْتهَا فِي السُّوقِ فَمَا عَابَهُ عَلَيَّ أَحَد , فَسَأَلْت الْبَرَاء بْن عَازِب \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا خَيْر مِنِّي ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سُفْيَان الْمَذْكُورَةِ \" قَالَ فَالْقَ زَيْد بْن أَرْقَم فَاسْأَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْظَمَنَا تِجَارَة , فَسَأَلْتُهُ \" فَذَكَرَهُ. وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ سُفْيَان \" فَقَالَ صَدَقَ الْبَرَاء \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَابِ التِّجَارَةِ فِي الْبُرِّ \" مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ بِلَفْظ \" إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ , وَإِنْ كَانَ نَسِيئًا فَلَا يَصْلُحُ \" وَفِي الْحَدِيثِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة مِنْ التَّوَاضُعِ , وَإِنْصَاف بَعْضِهِمْ بَعْضًا , وَمَعْرِفَة أَحَدهمْ حَقّ الْآخَر , وَاسْتِظْهَار الْعَالِم فِي الْفُتْيَا بِنَظِيرِهِ فِي الْعِلْمِ , وَسَيَأْتِي بَعْدُ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الشَّرِكَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2034",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَأَمَرَنَا أَنْ نَبْتَاعَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2035",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ ‏ ‏الْعَرِيَّةِ ‏ ‏بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سَالِم ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ , وَقَدْ أُفْرِدَ حَدِيثُ زَيْد بْن ثَابِت فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ طَرِيق نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر عَنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ أَبْوَابٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِع مَضْمُومًا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ زَيْد بْن ثَابِت وَلَمْ يَفْصِلْ حَدِيث اِبْن عُمَر مِنْ حَدِيثِ زَيْد بْن ثَابِت , وَأَشَارَ التِّرْمِذِيّ إِلَى أَنَّهُ وَهَمَ فِيهِ وَالصَّوَاب التَّفْصِيل , وَلَفْظ التِّرْمِذِيّ \" عَنْ زَيْد بْن ثَابِت أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ , إِلَّا أَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لِأَهْلِ الْعَرَايَا أَنْ يَبِيعُوهَا بِمِثْلِ خَرْصِهَا \" وَمُرَاد التِّرْمِذِيّ أَنَّ التَّصْرِيحَ بِالنَّهْي عَنْ الْمُزَابَنَةِ لَمْ يَرِدْ فِي حَدِيثِ زَيْد بْن ثَابِت وَإِنَّمَا رَوَاهُ اِبْن عُمَر بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَرَوَى اِبْن عُمَر اِسْتِثْنَاء الْعَرَايَا بِوَاسِطَةِ زَيْد بْن ثَابِت , فَإِنْ كَانَتْ رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق مَحْفُوظَة اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اِبْن عُمَر حَمَلَ الْحَدِيث كُلّه عَنْ زَيْد بْن ثَابِت وَكَانَ عِنْدَهُ بَعْضه بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَاسْتُدِلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَاب عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالْيَابِسِ مِنْهُ وَلَوْ تَسَاوَيَا فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالتَّسَاوِي إِنَّمَا يَصِحُّ حَالَة الْكَمَالِ , وَالرُّطَب قَدْ يَنْقُصُ إِذَا جَفَّ عَنْ الْيَابِسِ نَقْصًا لَا يَتَقَدَّرُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة الِاكْتِفَاء بِالْمُسَاوَاةِ حَالَة الرُّطُوبَةِ , وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فِي ذَلِكَ لِصِحَّةِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ , وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ : أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ ؟ قَالُوا نَعَمْ , قَالَ : فَلَا إِذًا \" أَخْرَجَهُ مَالِك وَأَصْحَاب السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم. ‏ ‏قَوْله : ( رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ بَعْد النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالثَّمَرِ ( فِي بَيْعِ الْعَرَايَا وَهَذَا مِنْ أَصْرَحِ مَا وَرَدَ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ حَمَلَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ عَلَى عُمُومِهِ وَمَنَعَ أَنْ يَكُونَ بَيْع الْعَرَايَا مُسْتَثْنًى مِنْهُ وَزَعَمَ أَنَّهُمَا حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ وَرَدَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ , وَكَذَلِكَ مَنْ زَعَمَ مِنْهُمْ كَمَا حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْهُمْ أَنَّ بَيْعَ الْعَرَايَا مَنْسُوخ بِالنَّهْي عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ لَا يَكُونُ بَعْدَ النَّاسِخِ. ‏ ‏قَوْله : ( بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ ) ‏ ‏كَذَا عِنْدَ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَقِيل عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظ \" أَوْ \" وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ أَنْ تَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ وَأَنْ تَكُونَ لِلشَّكِّ , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيقِ صَالِح بْن كَيْسَانَ وَالْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيّ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظ \" بِالرُّطَبِ وَبِالتَّمْرِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ \" هَكَذَا ذَكَرَهُ بِالْوَاو وَهَذَا يُؤَيِّدُ كَوْن \" أَوْ \" بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ لَا الشَّكِّ بِخِلَافِ مَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيّ. وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ أَيْضًا عَنْ خَارِجَة بْن زَيْد بْن ثَابِت عَنْ أَبِيهِ وَإِسْنَاده صَحِيح , وَلَيْسَ هُوَ اِخْتِلَافًا عَلَى الزُّهْرِيِّ فَإِنَّ ابْن وَهْبٍ رَوَاهُ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ بالْإِسْنَادَيْنِ أَخْرَجَهُمَا النَّسَائِيّ وَفَرَّقَهُمَا , وَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ كَانَتْ فِيهَا حُجَّة لِلْوَجْهِ الصَّائِرِ إِلَى جَوَاز بَيْع الرُّطَب الْمَخْرُوص عَلَى رُءُوس النَّخْلِ بِالرُّطَبِ الْمَخْرُوص أَيْضًا عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ رَأْيُ اِبْن خَيْرَانَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ , وَقِيل لَا يَجُوزُ وَهُوَ رَأْيُ الْإِصْطَخْرِيِّ وَصَحَّحَهُ جَمَاعَة , وَقِيلَ إِنْ كَانَا نَوْعًا وَاحِدًا لَمْ يَجُزْ إِذْ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ نَوْعَيْنِ جَازَ وَهُوَ رَأْيُ أَبِي إِسْحَاق وَصَحَّحَهُ اِبْن أَبِي عَصْرُون , وَهَذَا كُلّه فِيمَا إِذَا كَانَ أَحَدهمَا عَلَى النَّخْلِ وَالْآخَرُ عَلَى الْأَرْضِ , وَقِيلَ وَمِثْلُهُ مَا إِذَا كَانَا مَعًا عَلَى النَّخْلِ , وَقِيلَ إِنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا إِذَا كَانَا نَوْعَيْنِ , وَفِي ذَلِكَ فُرُوعٌ أُخَرُ يَطُولُ ذِكْرُهَا. وَصَرَّحَ الْمَاوَرْدِيّ بِإِلْحَاق الْبُسْر فِي ذَلِكَ بِالرُّطَبِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2036",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ‏ ‏الْمُزَابَنَةِ ‏ ‏وَالْمُزَابَنَةُ ‏ ‏اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَيْع الثَّمَرِ ) ‏ ‏بِالْمُثَلَّثَةِ وَتَحْرِيك الْمِيمِ , وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" ثَمَر النَّخْلِ \" وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا , وَلَيْسَ الْمُرَاد التَّمْر مِنْ غَيْرِ النَّخْلِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالتَّمْرِ بِالْمُثَنَّاةِ وَالسُّكُونِ , وَإِنَّمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنْ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِكَوْنِهِ مُتَفَاضِلًا مِنْ جِنْسِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( كَيْلًا ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَيْع الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" وَبَيْع الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا \" وَالْكَرْم بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُون الرَّاءِ هُوَ شَجَر الْعِنَبِ وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا نَفْس الْعِنَبِ كَمَا أَوْضَحَتْهُ رِوَايَةُ مُسْلِم , وَفِيهِ جَوَاز تَسْمِيَة الْعِنَبِ كَرْمًا , وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْأَدَبِ , وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْل النَّهْي عَلَى التَّنْزِيهِ وَيَكُونُ ذِكْره هُنَا لِبَيَان الْجَوَاز , وَهَذَا كُلّه بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَفْسِير الْمُزَابَنَة مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَوْقُوفًا فَلَا حُجَّةَ عَلَى الْجَوَازِ فَيُحْمَلُ النَّهْي عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ : هَلْ يَلْحَقُ الْعِنَبُ أَوْ غَيْرُهُ بِالرُّطَبِ فِي الْعَرَايَا ؟ فَقِيلَ : لَا وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَاخْتَارَهُ بَعْض الشَّافِعِيَّةِ مِنْهُمْ الْمُحِبّ الطَّبَرِيّ , وَقِيلَ : يَلْحَقُ الْعِنَب خَاصَّةً وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ , وَقِيلَ : يَلْحَقُ كُلَّ مَا يُدَّخَرُ وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ , وَقِيلَ : يَلْحَقُ كُلَّ ثَمَرَةٍ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2037",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ‏ ‏الْمُزَابَنَةِ ‏ ‏وَالْمُحَاقَلَةِ ‏ ‏وَالْمُزَابَنَةُ ‏ ‏اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ دَاوُد بْن الْحُصَيْن ) ‏ ‏هُوَ الْمَدَنِيُّ , وَكُلّهمْ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَلَيْسَ لِدَاوُدَ وَلَا لِشَيْخِهِ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَر فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه , وَشَيْخه هُوَ أَبُو سُفْيَان مَوْلَى اِبْن أَبِي أَحْمَد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" أَنَّ أَبَا سُفْيَان أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيد \" وَأَبُو سُفْيَان مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ حَتَّى قَالَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ لَا يُعْرَفُ اِسْمُهُ , وَسَبَقَهُمْ إِلَى ذَلِكَ أَبُو أَحْمَد الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى لَكِنْ حَكَى أَبُو دَاوُد فِي السُّنَنِ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ الْقَعْنَبِيّ شَيْخه فِيهِ أَنَّ اِسْمَهُ قَزْمَان , وَابْن أَبِي أَحْمَد هُوَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَحْمَد اِبْن جَحْش الْأَسَدِيّ اِبْن أَخِي زَيْنَب بِنْت جَحْش أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أَبَا سُفْيَان كَانَ مَوْلًى لِبَنِي عَبْد الْأَشْهَل وَكَانَ يُجَالِسُ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَحْمَد فَنُسِبَ إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْمُزَابَنَة اِشْتِرَاء الثَّمَر بِالثَّمَرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ ) ‏ ‏زَاد اِبْن مَهْدِيّ عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" كَيْلًا \" وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ اِبْن عُمَر الَّذِي قَبْلَهُ , وَذِكْر الْكَيْل لَيْسَ بِقَيْدٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بَلْ لِأَنَّهُ صُورَةُ الْمُبَايَعَةِ الَّتِي وَقَعَتْ إِذْ ذَاكَ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ لِخُرُوجِهِ عَلَى سَبَبٍ أَوَّلُهُ مَفْهُومٌ , لَكِنَّهُ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ لِأَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ الْمَنْطُوقِ , وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ مِعْيَارَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ الْكَيْلُ , وَزَاد مُسْلِم فِي آخِر حَدِيث أَبِي سَعِيد \" وَالْمُحَاقَلَة كِرَاءُ الْأَرْض \" وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2038",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُحَاقَلَةِ ‏ ‏وَالْمُزَابَنَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الشَّيْبَانِيّ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو إِسْحَاق , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة \" حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيّ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَنْ الْمُحَاقَلَةِ فِي \" بَابِ بَيْع الْمُخَاضَرَة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي سَعِيد عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ مِثْله , وَالْمُزَابَنَة فِي النَّخْلِ وَالْمُحَاقَلَة فِي الزَّرْعِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2039",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْخَصَ لِصَاحِبِ ‏ ‏الْعَرِيَّةِ ‏ ‏أَنْ يَبِيعَهَا ‏ ‏بِخَرْصِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة الْجَمْع عَرَايَا , وَقَدْ ذَكَرْنَا تَفْسِيرَهَا لُغَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا ) ‏ ‏زَاد الطَّبَرَانِيّ عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ الْقَعْنَبِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" كَيْلًا \" وَمِثْلُهُ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع , وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَاب. وَرَوَاهُ مُسْلِم عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ , وَنَحْوه لِلْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ نَافِعٍ فِي كِتَاب الشُّرْب , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بِلَفْظِ \" رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا \" وَمِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بِلَفْظِ \" رَخَّصَ فِي بَيْع الْعَرِيَّة بِخَرْصِهَا تَمْرًا \" قَالَ يَحْيَى : الْعَرِيَّةُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ تَمْرَ النَّخَلَاتِ بِطَعَامِ أَهْلِهِ رُطَبًا بِخَرْصِهَا تَمْرًا , وَهَذِهِ الرِّوَايَة تُبَيِّنُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ إِدْرَاجًا , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَيُّوب وَعُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ \" رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا , النَّخْلَةُ وَالنَّخْلَتَانِ يُوهَبَانِ لِلرَّجُلِ فَيَبِيعُهُمَا بِخَرْصِهِمَا تَمْرًا \" زَادَ غفِيهِ \" يُوهَبَانِ لِلرَّجُلِ \" وَلَيْسَ بِقَيْدٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا سَيَأْتِي شَرْحه بَعْدَ بَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "2040",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏وَأَبِي الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهُ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلَّا ‏ ‏الْعَرَايَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَطَاء ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاح , وَأَبُو الزُّبَيْر هُوَ مُحَمَّد بْن مُسْلِم , كَذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا ابْن وَهْبٍ , وَتَابَعَهُ أَبُو عَاصِم عِنْدَ مُسْلِم وَيَحْيَى بْن أَيُّوب عِنْد الطَّحَاوِيّ , وَكِلَاهُمَا عَنْ اِبْن جُرَيْج , وَرَوَاهُ اِبْن عُيَيْنَة عِنْد مُسْلِم عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ عَطَاءٍ وَحْدَهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ اِبْن جُرَيْج \" أَخْبَرَنِي عَطَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَابِر ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي عَاصِم الْمَذْكُورَةِ \" أَنَّهُمَا سَمِعَا جَابِر بْن عَبْد اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ ) ‏ ‏بِفَتْح الْمُثَلَّثَة أَيْ الرُّطَبِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَطِيبَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن عُيَيْنَة \" حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ \" وَسَيَأْتِي تَفْسِيره بَعْدَ بَاب. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهُ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهُمَا جُلُّ مَا يَتَعَامَلُ بِهِ النَّاسُ , وَإِلَّا فَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْأُمَّةِ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ بِالْعُرُوضِ يَعْنِي بِشَرْطِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا الْعَرَايَا ) ‏ ‏زَاد يَحْيَى بْن أَيُّوب فِي رِوَايَتِهِ \" فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِيهَا \" أَيْ فَيَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ فِيهَا بَعْدَ أَنْ يُخْرَصَ وَيُعْرَفَ قَدْره بِقَدْر ذَلِكَ مِنْ الثَّمَرِ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : اِدَّعَى الْكُوفِيُّونَ أَنَّ بَيْعَ الْعَرَايَا مَنْسُوخ بِنَهْيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ وَهَذَا مَرْدُود لِأَنَّ الَّذِي رَوَى النَّهْي عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ هُوَ الَّذِي رَوَى الرُّخْصَة فِي الْعَرَايَا فَأَثْبَتَ النَّهْي وَالرُّخْصَة مَعًا. قُلْت : وَرِوَايَةُ سَالِم الْمَاضِيَة فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا وَقَعَ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ , وَلَفْظه عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا \" وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ \" قَالَ : وَعَنْ زَيْد بْن ثَابِت \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْع الْعَرِيَّة \" وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه لَفْظ الرُّخْصَةِ فَإِنَّهَا تَكُونُ بَعْدَ مَنْعٍ , وَكَذَلِكَ بَقِيَّة الْأَحَادِيث الَّتِي وَقَعَ فِيهَا اِسْتِثْنَاءُ الْعَرَايَا بَعْدَ ذِكْرِ بَيْع الثَّمَر بِالتَّمْرِ , وَقَدْ قَدَّمْتُ إِيضَاح ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2041",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مَالِكًا ‏ ‏وَسَأَلَهُ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏أَحَدَّثَكَ ‏ ‏دَاوُدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَخَّصَ فِي بَيْعِ ‏ ‏الْعَرَايَا ‏ ‏فِي خَمْسَةِ ‏ ‏أَوْسُقٍ ‏ ‏أَوْ دُونَ خَمْسَةِ ‏ ‏أَوْسُقٍ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ الْحَجَبِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيم ثُمَّ مُوَحَّدَة , بَصْرِيّ مَشْهُور. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْتُ مَالِكًا إِلَخْ ) فِيهِ إِطْلَاق السَّمَاع عَلَى مَا قُرِئَ عَلَى الشَّيْخِ فَأَقَرَّ بِهِ , وَقَدْ اِسْتَقَرَّ الِاصْطِلَاح عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ مَخْصُوصٌ بِمَا حَدَّثَ بِهِ الشَّيْخ لَفْظًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَأَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ بِالتَّصْغِيرِ , وَالرَّبِيع أَبُوهُ هُوَ حَاجِب الْمَنْصُور وَهُوَ وَالِد الْفَضْل وَزِير الرَّشِيد. ‏ ‏قَوْله : ( رَخَّصَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّشْدِيدِ وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَرْخَصَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي بَيْعِ الْعَرَايَا ) ‏ ‏أَيْ فِي بَيْعِ ثَمَر الْعَرَايَا لِأَنَّ الْعَرِيَّةَ هِيَ النَّخْلَةُ وَالْعَرَايَا جَمْع عَرِيَّة كَمَا تَقَدَّمَ , فَحَذَفَ الْمُضَاف وَأَقَامَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مَقَامه. ‏ ‏قَوْله : ( فِي خَمْسَة أَوْسُق أَوْ دُونَ خَمْسَة أَوْسُق ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي , بَيَّنَ مُسْلِم فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ دَاوُد بْن الْحُصَيْن , وَلِلْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ الشُّرْبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَالِك مِثْله , وَذَكَرَ اِبْن التِّينِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ أَنَّ دَاوُدَ تَفَرَّدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ : وَمَا رَوَاهُ عَنْهُ إِلَّا مَالِك بْن أَنَس. وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الزَّكَاة , وَقَدْ اِعْتَبَرَ مَنْ قَالَ بِجَوَاز بَيْع الْعَرَايَا بِمَفْهُومِ هَذَا الْعَدَدِ وَمَنَعُوا مَا زَادَ عَلَيْهِ , وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَاز الْخَمْسَة لِأَجْلِ الشَّكِّ الْمَذْكُورِ , وَالْخِلَافُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ , وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْجَوَاز فِي الْخَمْسَةِ فَمَا دُونَهَا , وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْجَوَازُ فِيمَا دُونَ الْخَمْسَة وَلَا يَجُوزُ فِي الْخَمْسَةِ , وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَابِلَةِ وَأَهْل الظَّاهِر , فَمَأْخَذ الْمَنْعِ أَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيم وَبَيْع الْعَرَايَا رُخْصَة , فَيُؤْخَذُ مِنْهُ بِمَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْجَوَاز وَيُلْغِي مَا وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ. وَسَبَبُ الْخِلَافِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْع الْمُزَابَنَة هَلْ وَرَدَ مُتَقَدِّمًا ثُمَّ وَقَعَتْ الرُّخْصَةُ فِي الْعَرَايَا , أَوْ النَّهْي عَنْ بَيْع الْمُزَابَنَة وَقَعَ مَقْرُونًا بِالرُّخْصَةِ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ فِي الْخَمْسَةِ لِلشَّكِّ فِي رَفْع التَّحْرِيم , وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ لِلشَّكِّ فِي قَدْر التَّحْرِيم , وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ سَالِمٍ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ. وَاحْتَجَّ بَعْض الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ لَفْظَة \" دُونَ \" صَالِحَةٌ لِجَمِيعِ مَا تَحْتَ الْخَمْسَةِ , فَلَوْ عَمِلْنَا بِهَا لَلَزِمَ رَفْعُ هَذِهِ الرُّخْصَةِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْعَمَلَ بِهَا مُمْكِنٌ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَقَلِّ مَا تُصَدِّقُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ , وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ حَدِيث الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ زَيْد بْن الْحُبَابِ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظ \" أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِيمَا دُونَ خَمْسَة أَوْسُق \" وَلَمْ يَتَرَدَّدْ فِي ذَلِكَ , وَزَعَمَ الْمَازِرِيُّ أَنَّ اِبْن الْمُنْذِر ذَهَبَ إِلَى تَحْدِيد ذَلِكَ بِأَرْبَعَة أَوْسُق لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثِ جَابِر مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فِيهِ فَتَعَيَّنَ طَرْحُ الرِّوَايَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الشَّكُّ وَالْأَخْذُ بِالرِّوَايَةِ الْمُتَيَقَّنَةِ , قَالَ : وَأَلْزَمَ الْمُزَنِيُّ الشَّافِعِيَّ الْقَوْلَ بِهِ ا ه , وَفِيمَا نَقَلَهُ نَظَر , أَمَّا اِبْن الْمُنْذِر فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ وَإِنَّمَا فِيهِ تَرْجِيح الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى أَنَّ الْخَمْسَةَ لَا تَجُوزُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ مَا دُونَهَا , وَهُوَ الَّذِي أَلْزَمَ الْمُزَنِيُّ أَنْ يَقُولَ بِهِ الشَّافِعِيُّ كَمَا هُوَ بَيِّنٌ مِنْ كَلَامِهِ , وَقَدْ حَكَى اِبْن عَبْد الْبَرّ هَذَا الْقَوْل عَنْ قَوْمٍ قَالَ : وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِر , ثُمَّ قَالَ : وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَمَنْ اِتَّبَعَهُمَا فِي جَوَازِ الْعَرَايَا فِي أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعَة أَوْسُق مِمَّا لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَة أَوْسُق وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُمْ حَدِيثُ جَابِر. قُلْت : حَدِيثُ جَابِر الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَة اِبْن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ أَخْرَجُوهُ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ اِبْن إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِع بْن حِبَّانَ عَنْ جَابِر سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ حِينَ أَذِنَ لِأَصْحَابِ الْعَرَايَا أَنْ يَبِيعُوهَا بِخَرْصِهَا يَقُولُ : الْوَسْق وَالْوَسْقَيْنِ وَالثَّلَاثَة وَالْأَرْبَع \" لَفْظ أَحْمَدَ , وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ اِبْن حِبَّانَ \" الِاحْتِيَاط أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَة أَوْسُق \" وَهَلْ الَّذِي قَالَهُ يَتَعَيَّنُ الْمَصِير إِلَيْهِ , وَأَمَّا جَعْلُهُ حَدًّا لَا يَجُوزُ تَجَاوُزه فَلَيْسَ بِالْوَاضِحِ , وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ لِمَالِكٍ بِقَوْلِ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة \" إِنَّ الْعَرِيَّةَ تَكُونُ ثَلَاثَة أَوْسُق أَوْ أَرْبَعَة أَوْ خَمْسَة \" وَسَيَأْتِي ذِكْره فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه , وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مَوْقُوف. وَمِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا لَوْ زَادَ فِي صَفْقَةٍ عَلَى خَمْسَة أَوْسُق فَإِنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ. وَخَرَجَ بَعْض الشَّافِعِيَّةِ مِنْ جَوَازِ تَفْرِيق الصَّفْقَة أَنَّهُ يَجُوزُ , وَهُوَ بَعِيدٌ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ , وَلَوْ بَاعَ مَا دُونَ خَمْسَة أَوْسُق فِي صَفْقَةٍ ثُمَّ بَاعَ مِثْلهَا الْبَائِع بِعَيْنِهِ لِلْمُشْتَرِي بِعَيْنِهِ فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى جَازَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ , وَمَنَعَهُ أَحْمَد وَأَهْل الظَّاهِر , وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ نَعَمْ ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ مَالِكٌ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى قَالَ \" قُلْت لِمَالِكٍ أَحَدَّثَكَ دَاوُد \" فَذَكَرَهُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ \" نَعَمْ \" وَهَذَا التَّحَمُّل يُسَمَّى عَرْض السَّمَاع , وَكَانَ مَالِكٌ يَخْتَارُهُ عَلَى التَّحْدِيثِ مَنْ لَفْظِهِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْحَدِيثِ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ الشَّيْخُ \" نَعَمْ \" أَمْ \" لَا \" وَالصَّحِيح أَنَّ سُكُوتَهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَة إِقْرَاره إِذَا كَانَ عَارِفًا وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَانِع , وَإِذَا قَالَ نَعَمْ فَهُوَ أَوْلَى بِلَا نِزَاع. ‏"
    },
    {
        "id": "2042",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏بُشَيْرًا ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ وَرَخَّصَ فِي ‏ ‏الْعَرِيَّةِ ‏ ‏أَنْ تُبَاعَ ‏ ‏بِخَرْصِهَا ‏ ‏يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا وَقَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مَرَّةً أُخْرَى إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي ‏ ‏الْعَرِيَّةِ ‏ ‏يَبِيعُهَا أَهْلُهَا ‏ ‏بِخَرْصِهَا ‏ ‏يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا قَالَ هُوَ سَوَاءٌ قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِيَحْيَى ‏ ‏وَأَنَا غُلَامٌ إِنَّ ‏ ‏أَهْلَ مَكَّةَ ‏ ‏يَقُولُونَ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَخَّصَ فِي بَيْعِ ‏ ‏الْعَرَايَا ‏ ‏فَقَالَ وَمَا يُدْرِي ‏ ‏أَهْلَ مَكَّةَ ‏ ‏قُلْتُ إِنَّهُمْ يَرْوُونَهُ عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏فَسَكَتَ قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْمَدِينَةِ ‏ ‏قِيلَ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏وَلَيْسَ فِيهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ قَالَ لَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيُّ , وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُفْيَان صَرَّحَ بِتَحْدِيثِ يَحْيَى بْن سَعِيد لَهُ بِهِ وَهُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِ الْحِكَايَةِ الْمَذْكُورَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْتُ بُشَيْرًا ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا , وَهُوَ اِبْنُ يَسَارٍ بِالتَّحْتَانِيَّةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَة مُخَفَّفًا الْأَنْصَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْتُ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة ) ‏ ‏زَاد الْوَلِيد بْن كَثِير عِنْد مُسْلِم عَنْ بُشَيْر بْن يَسَار أَنَّ رَافِع بْن خَدِيج وَسَهْل بْن أَبِي حَثْمَة حَدَّثَاهُ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ بُشَيْر بْن يَسَار عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَأَشَارَ اِبْنُ التِّينِ إِلَى جَوَاز كَسْرِهَا , وَجَزَمَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ بِالْكَسْرِ وَأَنْكَرَ الْفَتْحَ , وَجَوَّزَهُمَا النَّوَوِيّ وَقَالَ الْفَتْح أَشْهَر , قَالَ : وَمَعْنَاهُ تَقْدِير مَا فِيهَا : إِذَا صَارَ تَمْرًا , فَمَنْ فَتَحَ قَالَ هُوَ اِسْم الْفِعْلِ , وَمَنْ كَسَرَ قَالَ هُوَ اِسْم لِلشَّيْءِ الْمَخْرُوصِ اه. وَالْخَرْصُ هُوَ التَّخْمِينُ وَالْحَدْسُ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه فِي تَفْسِيرِ الْعَرَايَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ سُفْيَان مَرَّةً أُخْرَى إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ كَلَامُ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه , وَالْغَرَض أَنَّ اِبْن عُيَيْنَة حَدَّثَهُمْ بِهِ مَرَّتَيْنِ عَلَى لَفْظَيْنِ وَالْمَعْنَى وَاحِد , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ \" هُوَ سَوَاء \" أَيْ الْمَعْنَى وَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ‏ ‏( فَقُلْت لِيَحْيَى ) ‏ ‏أَيْ اِبْن سَعِيد لَمَّا حَدَّثَهُ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا غُلَامٌ ) ‏ ‏جُمْلَة حَالِيَّة , وَالْغَرَضُ الْإِشَارَة إِلَى قِدَمِ طَلَبِهِ وَتَقَدُّمِ فِطْنَتِهِ وَأَنَّهُ كَانَ فِي سِنِّ الصِّبَا يُنَاظِرُ شُيُوخَهُ وَيُبَاحِثُهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( رَخَّصَ لَهُمْ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا ) ‏ ‏مَحَلّ الْخِلَاف بَيْنَ رِوَايَةِ يَحْيَى بْن سَعِيد وَرِوَايَةِ أَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ يَحْيَى بْن سَعِيد قَيَّدَ الرُّخْصَة فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِالْخَرْصِ وَأَنْ يَأْكُلَهَا أَهْلُهَا رُطَبًا. وَأَمَّا اِبْن عُيَيْنَة فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَأَطْلَقَ الرُّخْصَة فِي بَيْعِ الْعَرَايَا وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت إِنَّهُمْ يَرْوُونَهُ عَنْ جَابِر ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَان \" قُلْت أَخْبَرَهُمْ عَطَاء أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ جَابِر \". قُلْت : وَرِوَايَةُ اِبْن عُيَيْنَة كَذَلِكَ عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِر تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهَا وَأَنَّهَا تَأْتِي فِي كِتَاب الشُّرْب , وَهِيَ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَمَا فِي رِوَايَتِهِ الَّتِي فِي أَوَّلِ الْبَابِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ‏ ‏( إِنَّمَا أَرَدْت ) ‏ ‏أَيْ الْحَامِلُ لِي عَلَى قَوْلِي لِيَحْيَى بْن سَعِيد \" إِنَّهُمْ يَرْوُونَهُ عَنْ جَابِر \" ( أَنَّ جَابِرًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَيَرْجِعُ الْحَدِيثُ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ , وَكَانَ لِيَحْيَى بْن سَعِيد أَنْ يَقُولَ لَهُ : وَأَهْلُ الْمَدِينَة رَوَوْا أَيْضًا فِيهِ التَّقْيِيد فَيُحْمَلُ الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّدِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى الْعَمَلِ بِالْإِطْلَاقِ , وَالتَّقْيِيد بِالْخَرْصِ زِيَادَة حَافِظ فَتَعَيَّنَ الْمَصِير إِلَيْهَا. وَأَمَّا التَّقْيِيدُ بِالْأَكْلِ كَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لَا أَنَّهُ قَيْدٌ , وَسَيَأْتِي عَنْ أَبِي عُبَيْد أَنَّهُ شَرْطُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( قِيلَ لِسُفْيَان ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ الْقَائِلِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَيْسَ فِيهِ ) ‏ ‏أَيْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ‏ ‏( نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ؟ قَالَ لَا ) ‏ ‏أَيْ لَيْسَ هُوَ فِي حَدِيثِ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة , وَإِنْ كَانَ هُوَ صَحِيحًا مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ , وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَاب. وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَبْد الْجَبَّار بْن الْعَلَاء عَنْ سُفْيَان فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِهَذَا اللَّفْظِ الَّذِي نَفَاهُ سُفْيَان , وَحَكَى الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ اِبْن صَاعِدٍ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ وَهَمَ فِيهِ. قُلْت. قَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ عَنْ سُفْيَان كَذَلِكَ , فَظَهَرَ أَنَّ عَبْد الْجَبَّار لَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2043",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَخَّصَ فِي ‏ ‏الْعَرَايَا ‏ ‏أَنْ تُبَاعَ ‏ ‏بِخَرْصِهَا ‏ ‏كَيْلًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏وَالْعَرَايَا ‏ ‏نَخَلَاتٌ مَعْلُومَاتٌ تَأْتِيهَا فَتَشْتَرِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ هُوَ ابْن مُقَاتِل , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مُوسَى بْن عُقْبَة ) ‏ ‏أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْعَرَايَا نَخَلَات مَعْلُومَات تَأْتِيهَا فَتَشْتَرِيهَا ) ‏ ‏أَيْ تَشْتَرِي ثَمَرَتَهَا بِتَمْر مَعْلُوم , وَكَأَنَّهُ اِخْتَصَرَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ وَلَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الطُّرُقِ عَنْهُ إِلَّا هَكَذَا , وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهَا مُشْتَقَّة مِنْ عَرَوْت إِذَا أَتَيْت وَتَرَدَّدْت إِلَيْهِ لَا مِنْ الْعُرَى بِمَعْنَى التَّجَرُّدِ قَالَهُ الْكَرْمَانِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلَ يَحْيَى بْن سَعِيد : الْعَرِيَّةُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ ثَمَرَ النَّخَلَاتِ لِطَعَامِ أَهْلِهِ رُطَبًا بِخَرْصِهَا تَمْرًا , وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ : أَنَّ الْعَرِيَّةَ النَّخْلَة تُجْعَلُ لِلْقَوْمِ فَيَبِيعُونَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : كَأَنَّ الشَّافِعِيَّ اِعْتَمَدَ فِي تَفْسِير الْعَرِيَّة عَلَى قَوْلِ يَحْيَى بْن سَعِيد , وَلَيْسَ يَحْيَى صَحَابِيًّا حَتَّى يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ مَعَ مُعَارَضَةِ رَأْيِ غَيْرِهِ لَهُ. ثُمَّ قَالَ : وَتَفْسِيرُ يَحْيَى مَرْجُوح بِأَنَّهُ عَيَّنَ الْمُزَابَنَة الْمَنْهِيّ عَنْهَا فِي قِصَّةٍ لَا تُرْهَقُ إِلَيْهَا حَاجَةٌ أَكِيدَةٌ وَلَا تَنْدَفِعُ بِهَا مَفْسَدَة , فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَهَا بِالتَّمْرِ مُتَمَكِّن مِنْ بَيْعِ ثَمَرِهِ بِعَيْن وَشِرَائِهِ بِالْعَيْنِ مَا يُرِيدُ مِنْ الرُّطَبِ , فَإِنْ قَالَ يَتَعَذَّرُ هَذَا , قِيلَ لَهُ فَأَجِزْ بَيْع الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الرُّطَب عَلَى النَّخْلِ , وَهُوَ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ. اِنْتَهَى. وَالشَّافِعِيُّ أَقْعَدُ بِاتِّبَاعِ أَحَادِيث هَذَا الْبَاب مِنْ غَيْرِهِ , فَإِنَّهَا نَاطِقَة بِاسْتِثْنَاءِ الْعَرَايَا مِنْ بَيْع الْمُزَابَنَة , وَأَمَّا إِلْزَامُهُ الْأَخِيرُ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ لِأَنَّهَا رُخْصَة وَقَعَتْ مُقَيَّدَة بِقَيْدٍ فَيُتَّبَعُ الْقَيْد وَهُوَ كَوْن الرُّطَب عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ , مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الشَّافِعِيَّةِ ذَهَبُوا إِلَى إِلْحَاق الرُّطَب بَعْدَ الْقَطْعِ بِالرُّطَبِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالْمَعْنَى كَمَا تَقَدَّمَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَا وَرَدَ مِنْ تَفْسِيرِ الْعَرَايَا فِي الْأَحَادِيثِ لَا يُخَالِفُهُ الشَّافِعِيّ , فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ عَبْد رَبّه بْن سَعِيد وَهُوَ أَخُو يَحْيَى اِبْن سَعِيد قَالَ : الْعَرِيَّةُ الرَّجُل يُعْرِي الرَّجُل النَّخْلَة , أَوْ الرَّجُل يَسْتَثْنِي مِنْ مَالِهِ النَّخْلَة يَأْكُلُهَا رُطَبًا فَيَبِيعُهَا تَمْرًا. وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة فِي مُصَنَّفِهِ \" حَدَّثَنَا وَكِيع قَالَ سَمِعْنَا فِي تَفْسِير الْعَرِيَّة أَنَّهَا النَّخْلَةُ يَرِثُهَا الرَّجُلُ أَوْ يَشْتَرِيهَا فِي بُسْتَان الرَّجُل \" وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى مَنْ تَمَسَّكَ بِصُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ الْوَارِدَةِ فِي تَفْسِيرِ الْعَرِيَّة وَمَنَعَ غَيْرهَا , وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ بِهَا كُلّهَا وَنَظَمَهَا فِي ضَابِطٍ يَجْمَعُهَا فَلَا اِعْتِرَاضَ عَلَيْهِ , وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2044",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ نَافِعٍ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ \" نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا \" نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ. أَمَّا الْبَائِعُ فَلِئَلَّا يَأْكُلَ مَالَ أَخِيهِ بِالْبَاطِلِ , وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلِئَلَّا يُضَيِّعَ مَالَهُ وَيُسَاعِدَ الْبَائِعَ عَلَى الْبَاطِلِ. وَفِيهِ أَيْضًا قَطْعُ النِّزَاعِ وَالتَّخَاصُمِ , وَمُقْتَضَاهُ جَوَازُ بَيْعِهَا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ اِشْتَرَطَ الْإِبْقَاءَ أَمْ لَمْ يَشْتَرِطْ , لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا , وَقَدْ جَعَلَ النَّهْيَ مُمْتَدًّا إِلَى غَايَةِ بُدُوّ الصَّلَاحِ , وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنْ تُؤْمَنَ فِيهَا الْغَايَةُ وَتَغْلِبَ السَّلَامَةُ فَيَثِقُ الْمُشْتَرِي بِحُصُولِهَا , بِخِلَافِ مَا قَبْلَ بُدُوّ الصَّلَاحِ فَإِنَّهُ بِصَدَدِ الْغَرَرِ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ فَزَادَ فِي الْحَدِيثِ \" حَتَّى يَأْمَنَ الْعَاهَةَ \" وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى اِبْنِ سَعِيدٍ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ \" وَتَذْهَبَ عَنْهُ الْآفَةُ بِبُدُوِّ صَلَاحِهِ حُمْرَتُهُ وَصُفْرَتُهُ \" وَهَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ قَوْلِ اِبْنِ عُمَرَ بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ \" فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ مَا صَلَاحُهُ ؟ قَالَ : تَذْهَبُ عَاهَتُهُ \" وَإِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَا قَبْلَ ظُهُورِ الصَّلَاحِ وَبَعْدَهُ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِنَّمَا يَصِحّ بَيْعُهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ الْإِبْقَاءُ , فَإِنْ شَرَطَهُ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ. وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي \" شَرْحِ مُسْلِمٍ \" عَنْهُ أَنَّهُ أَوْجَبَ شَرْطَ الْقَطْعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ صَحَّحَ الْبَيْعَ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ قَبْلَ بُدُوّ صَلَاحٍ وَبَعْدَهُ , وَأَبْطَلَهُ بِشَرْطِ الْإِبْقَاءِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ , وَأَهْلُ مَذْهَبِهِ أَعْرَفُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي قَوْلِهِ \" حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا \" هَلْ الْمُرَادُ بِهِ جِنْسُ الثِّمَارِ حَتَّى لَوْ بَدَا الصَّلَاحُ فِي بُسْتَانٍ مِنْ الْبَلَدِ مَثَلًا جَازَ بَيْعُ ثَمَرَةِ جَمِيعِ الْبَسَاتِينِ وَإِنْ لَمْ يَبْدُ الصَّلَاحُ فِيهَا , أَوْ لَا بُدَّ مِنْ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فِي كُلِّ بُسْتَانٍ عَلَى حِدَةٍ , أَوْ لَا بُدَّ مِنْ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فِي كُلِّ جِنْسٍ عَلَى حِدَةٍ أَوْ فِي كُلِّ شَجَرَةٍ عَلَى حِدَةٍ ؟ عَلَى أَقْوَالٍ : وَالْأَوَّلُ قَوْلُ اللَّيْثِ , وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الصَّلَاحُ مُتَلَاحِقًا. وَالثَّانِي قَوْلُ أَحْمَدَ , وَعَنْهُ رِوَايَةٌ كَالرَّابِعِ , وَالثَّالِثُ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ ذَلِكَ مِنْ التَّعْبِيرِ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِمُسَمَّى الْإِزْهَارِ مِنْ غَيْرِ اِشْتِرَاطِ تَكَامُلِهِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الِاكْتِفَاءُ بِزَهْوِ بَعْضِ الثَّمَرَةِ وَبِزَهْوِ الشَّجَرَةِ مَعَ حُصُولِ الْمَعْنَى وَهُوَ الْأَمْنُ مِنْ الْعَاهَةِ , وَلَوْلَا حُصُولُ الْمَعْنَى لَكَانَ تَسْمِيَتُهَا مُزْهِيَةً بِإِزْهَاءِ بَعْضِهَا قَدْ لَا يُكْتَفَى بِهِ لِكَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ الْحَقِيقَةِ , وَأَيْضًا فَلَوْ قِيلَ بِإِزْهَاءِ الْجَمِيعِ لَأَدَّى إِلَى فَسَادِ الْحَائِطِ أَوْ أَكْثَرِهِ , وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِكَوْنِ الثِّمَارِ لَا تَطِيبُ دَفْعَةً وَاحِدَةً لِيَطُولَ زَمَنُ التَّفَكُّهِ بِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2045",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةُ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏يَعْنِي حَتَّى تَحْمَرَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْمُبَارَكِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَسٍ ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ \" حَدَّثَنَا أَنَسٌ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( نَهَى أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةُ النَّخْلِ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ التَّقْيِيدُ بِالنَّخْلِ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ , وَأُطْلِقَ فِي غَيْرِهَا , وَلَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ النَّخْلِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ النَّخْلَ لِكَوْنِهِ كَانَ الْغَالِبَ عِنْدَهُمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : يَعْنِي حَتَّى تَحْمَرَّ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا , وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْمُصَنِّفُ. وَرِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ تُشْعِرُ بِأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , فَلَعَلَّ أَدَاةَ الْكُنْيَةِ فِي رِوَايَتِنَا مَزِيدَةٌ وَسَيَأْتِي هَذَا التَّفْسِيرُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ , وَنَذْكُرُ فِيهِ مَنْ حَكَى أَنَّهُ مُدْرَجٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "2046",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مِينَا ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى ‏ ‏تُشَقِّحَ فَقِيلَ وَمَا ‏ ‏تُشَقِّحُ قَالَ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى تُشْقَحَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ الرُّبَاعِيّ يُقَالُ أَشْقَحَ ثَمَرُ النَّخْلِ إِشْقَاحًا إِذَا اِحْمَرَّ أَوْ اِصْفَرَّ , وَالِاسْمُ الشُّقْحُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ , وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ \" حَتَّى تُشْقَهَ \" فَأَبْدَلَ مِنْ الْحَاءِ هَاءً لِقُرْبِهَا مِنْهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقِيلَ وَمَا تُشْقَحُ ) ‏ ‏؟ هَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ رَاوِي الْحَدِيثِ , بَيَّنَ ذَلِكَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ مِينَاءَ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ بِذَلِكَ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ بَهْزٍ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ \" قُلْت لِجَابِرٍ مَا تُشْقَحُ إِلَخْ \" فَظَهَرَ أَنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ هُوَ سَعِيدٌ , وَالَّذِي فَسَّرَهُ هُوَ جَابِرٌ , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ عَنْ جَابِرٍ مُطَوَّلًا وَفِيهِ \" وَأَنْ يَشْتَرِيَ النَّخْلَ حَتَّى يُشْقَهَ , وَالْإِشْقَاءُ أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ أَوْ يُؤْكَلَ مِنْهُ شَيْءٌ \" وَفِي آخِرِهِ \" فَقَالَ زَيْدٌ فَقُلْت لِعَطَاءٍ أَسَمِعْت جَابِرًا يَذْكُرُ هَذَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نَعَمْ \" وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ هَذَا جَمِيعَ الْحَدِيثِ فَيَدْخُلُ فِيهِ التَّفْسِيرُ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَصْلَ الْحَدِيثِ لَا التَّفْسِيرَ فَيَكُونُ التَّفْسِيرُ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي , وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ اِبْنِ مَهْدِيٍّ أَنَّهُ جَابِرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّا يُقَوِّي كَوْنَهُ مَرْفُوعًا وُقُوعُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَيْضًا , وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِبُدُوّ الصَّلَاحِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى ظُهُورِ الثَّمَرَةِ , وَسَبَبُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ خَوْفُ الْغَرَرِ لِكَثْرَةِ الْجَوَائِحِ فِيهَا , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْآتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ \" فَإِذَا اِحْمَرَّتْ وَأُكِلَ مِنْهَا أُمِنَتْ الْعَاهَةُ عَلَيْهَا \" أَيْ غَالِبًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ اللَّوْنَ الْخَالِصَ مِنْ الصُّفْرَةِ وَالْحُمْرَةِ , وَإِنَّمَا أَرَادَ حُمْرَةً أَوْ صُفْرَةً بِكُمُودَةٍ فَلِذَلِكَ قَالَ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ قَالَ : وَلَوْ أَرَادَ اللَّوْنَ الْخَالِصَ لَقَالَ تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ , وَقَالَ اِبْنُ التِّينِ : التَّشْقِيحُ تَغَيُّرُ لَوْنِهَا إِلَى الصُّفْرَةِ وَالْحُمْرَةِ , فَأَرَادَ بِقَوْلِهِ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ ظُهُورَ أَوَائِلِ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْبَعَ , قَالَ : وَإِنَّمَا يُقَالُ تَفْعَالُّ فِي اللَّوْنِ الْغَيْرِ الْمُتَمَكِّنِ إِذَا كَانَ يَتَلَوَّنُ , وَأَنْكَرَ هَذَا بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقَالَ : لَا فَرْقَ بَيْنَ تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ وَتَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْمُبَالَغَةَ فِي اِحْمِرَارِهَا وَاصْفِرَارِهَا , كَمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الزِّيَادَةَ تَدُلُّ عَلَى التَّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ. ‏ ‏( تَكْمِيلٌ ) : ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ : قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا عَلَيْهِمْ تَأْوِيلٌ مِنْ بَعْضِ نَقَلَةِ الْحَدِيثِ , وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ وَرَدَ الْجَزْمُ بِالنَّهْيِ كَمَا بَيَّنَهُ حَدِيثُ اِبْنِ عُمَرَ وَغَيْرُهُ. قُلْت : وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ اِسْتَشْعَرَ ذَلِكَ فَرَتَّبَ أَحَادِيثَ الْبَابِ بِحَسْبِ ذَلِكَ , فَأَفَادَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ سَبَبَ النَّهْيِ , وَحَدِيثُ اِبْنِ عُمَرَ التَّصْرِيحَ بِالنَّهْيِ , وَحَدِيثُ أَنَسٍ وَجَابِرٍ بَيَانَ الْغَايَةِ الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا النَّهْيُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2047",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْهَيْثَمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ الرَّازِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَعَنْ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ قِيلَ وَمَا يَزْهُو قَالَ يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ. وَإِنَّمَا رَوَى عَنْهُ فِي الْجَامِعِ بِوَاسِطَةٍ , وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ فِي آخَرِ الْبَابِ \" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : كَتَبْت أَنَا عَنْ مُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ , إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَزْهُوَ ) ‏ ‏يُقَالُ زَهَا النَّخْلُ يَزْهُو إِذَا ظَهَرَتْ ثَمَرَتُهُ , وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ بِلَفْظِ \" حَتَّى تُزْهِيَ \" وَهُوَ مِنْ أَزْهَى يُزْهِي إِذَا اِحْمَرَّ أَوْ اِصْفَرَّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قِيلَ وَمَا يَزْهُو ) ‏ ‏لَمْ يُسَمِّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَا الْمَسْئُولَ , وَقَدْ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ وَفِيهِ \" قُلْنَا لِأَنَسٍ : مَا زَهْوُهَا ؟ قَالَ : تَحْمَرُّ \" وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ \" فَقُلْت لِأَنَسٍ \" وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ حُمَيْدٍ لَكِنْ قَالَ \" قِيلَ لِأَنَسٍ مَا تَزْهُو \". ‏"
    },
    {
        "id": "2048",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ فَقِيلَ لَهُ وَمَا تُزْهِي قَالَ حَتَّى تَحْمَرَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ ثَمَرًا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ كَانَ مَا أَصَابَهُ عَلَى رَبِّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى تُزْهِيَ ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ. هَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الصَّوَابُ فَلَا يُقَالُ فِي النَّخْلِ تَزْهُو إِنَّمَا يُقَالُ تُزْهِي لَا غَيْرُ وَأَثْبَتَ غَيْرُهُ مَا نَفَاهُ فَقَالَ : زَهَا إِذَا طَالَ وَاكْتَمَلَ , وَأَزْهَى إِذَا اِحْمَرَّ وَاصْفَرَّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقِيلَ وَمَا تُزْهِي ) ‏ ‏لَمْ يُسَمِّ السَّائِلَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَا الْمَسْئُولَ أَيْضًا , وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ \" قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا تُزْهِي ؟ قَالَ تَحْمَرُّ \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ كِلَاهُمَا عَنْ حُمَيْدٍ وَظَاهِرُهُ الرَّفْعُ وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ وَغَيْرُهُ عَنْ حُمَيْدٍ مَوْقُوفًا عَلَى أَنَسٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَأَيْت إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ الْحَدِيثَ ) ‏ ‏هَكَذَا صَرَّحَ مَالِكٌ بِرَفْعِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ , وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ مُقْتَصَرًا عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ , وَجَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْحُفَّاظِ بِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي \" الْعِلَلِ \" عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي زُرْعَةَ , وَالْخَطَأُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّاد , فَقَدْ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ كَرِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الْآتِي ذِكْرُهَا. وَرَوَاهُ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ حُمَيْدٍ فَقَالَ فِيهِ \" قَالَ أَفَرَأَيْت إِلَخْ \" قَالَ : فَلَا أَدْرِي أَنَسٌ قَالَ \" بِمَ يَسْتَحِلُّ \" أَوْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي \" الْمُدْرَجِ \" وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ فَعَطَفَهُ عَلَى كَلَامِ أَنَسٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ \" تُزْهِي \" وَظَاهِرُهُ الْوَقْفُ وَأَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَالْخَطِيبُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ كِلَاهُمَا عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ \" قَالَ أَنَسٌ أَرَأَيْت إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ \" الْحَدِيثَ , وَرَوَاهُ اِبْنُ الْمُبَارَكِ وَهُشَيْمٌ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا عَنْ حُمَيْدٍ فَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَدْرَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ , وَتَابَعَهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ حُمَيْدٍ عَنْهُ عَلَى ذَلِكَ. قُلْت : وَلَيْسَ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ مَرْفُوعًا , لِأَنَّ مَعَ الَّذِي رَفَعَهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَا عِنْدَ الَّذِي وَقَفَهُ , وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الَّذِي وَقَفَهُ مَا يَنْفِي قَوْلَ مَنْ رَفَعَهُ. وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مَا يُقَوِّي رِوَايَةَ الرَّفْعِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَلَفْظُهُ \" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ بِعْت مِنْ أَخِيك ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ عَاهَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا , بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيك بِغَيْرِ حَقٍّ ؟ \" وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا عَلَى وَضْعِ الْجَوَائِحِ فِي الثَّمَرِ يُشْتَرَى بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ ثُمَّ تُصِيبُهُ جَائِحَةٌ , فَقَالَ مَالِكٌ : يَضَعُ عَنْهُ الثُّلُثَ , وَقَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو عَبِيدٍ يَضَعُ الْجَمِيعَ , وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالْكُوفِيُّونَ : لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ وَقَالُوا إِنَّمَا وَرَدَ وَضْعُ الْجَائِحَةِ فِيمَا إِذَا بِيعَتْ الثَّمَرَةُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِغَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ فَيُحْمَلُ مُطْلَقُ الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عَلَى مَا قُيِّدَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ \" أُصِيبَ رَجُلٌ فِي ثِمَارٍ اِبْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ. فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ , فَقَالَ : خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ , قَالَ : فَلَمَّا لَمْ يَبْطُلْ دَيْنُ الْغُرَمَاءِ بِذَهَابِ الثِّمَارِ وَفِيهِمْ بَاعَتُهَا وَلَمْ يُؤْخَذْ الثَّمَنُ مِنْهُمْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ \" بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟ \" أَيْ لَوْ تَلِفَ الثَّمَرُ لَانْتَفَى فِي مُقَابَلَتِهِ الْعِوَضُ فَكَيْفَ يَأْكُلُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ؟ وَفِيهِ إِجْرَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الْغَالِبِ , لِأَنَّ تَطَرُّقَ التَّلَفِ إِلَى مَا بَدَا صَلَاحُهُ مُمْكِنٌ , وَعَدَمُ التَّطَرُّقِ إِلَى مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مُمْكِنٌ , فَأُنِيطَ الْحُكْمُ بِالْغَالِبِ فِي الْحَالَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّاتِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ عَقِيلٍ بِهَذَا وَأَتَمُّ مِنْهُ , وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا ذِكْرُ اِسْتِنْبَاطِ الزُّهْرِيِّ لِلْحُكْمِ الْمُتَرْجَمِ بِهِ مِنْ الْحَدِيثِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2049",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ ذَكَرْنَا عِنْدَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏الرَّهْنَ فِي السَّلَفِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ ثُمَّ ‏ ‏حَدَّثَنَا عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2050",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَعْمَلَ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏عَلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ ‏ ‏جَنِيبٍ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَكُلُّ تَمْرِ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏هَكَذَا قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَفْعَلْ بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ ‏ ‏جَنِيبًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ ) ‏ ‏بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا جِيمٌ , وَمَنْ قَالَهُ بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمِيمِ فَقَدْ صَحَّفَ , وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الْوَكَالَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) زَادَ فِي الْوَكَالَةِ مِنْ هَذَا ا الْوَجْهِ \" اِبْنِ عَوْفٍ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ \" أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ \" أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الِاعْتِصَامِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ \" أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ \" قَالَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : ذِكْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يُوجَدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا لِعَبْدِ الْمَجِيدِ , وَقَدْ رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَحْدَهُ , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْهُ. قُلْت : رِوَايَةُ قَتَادَةَ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْهُ , وَلَكِنْ سِيَاقُهُ مُغَايِرٌ لِسِيَاقِ قِصَّةِ عَبْدِ الْمَجِيدِ , وَسِيَاق قَتَادَةَ يُشْبِهُ سِيَاقَ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا سَيَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي الْوَكَالَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ الْمَذْكُورَةِ \" بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ مِنْ الْأَنْصَارِ إِلَى خَيْبَرَ فَأَمَّرَهُ عَلَيْهَا \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ والدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ عَبْد الْمَجِيدِ فَسَمَّاهُ سَوَادَ بْنَ غَزِيَّةَ , وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَفِي آخِرِهِ دَالٌ مُهْمَلَةٌ , وَغَزِيَّةُ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَزَايٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ بِوَزْنِ عَطِيَّةَ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِتَمْرٍ جَنِيبٍ ) ‏ ‏بِجِيمٍ وَنُونٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَزْنُ عَظِيمٍ , قَالَ مَالِكٌ : هُوَ الْكَبِيسُ , وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : هُوَ الطَّيِّبُ وَقِيلَ الصُّلْبُ وَقِيلَ الَّذِي أُخْرِجَ مِنْهُ حَشَفُهُ وَرَدِيئُهُ , وَقَالَ غَيْرُهُمْ : هُوَ الَّذِي لَا يُخْلَطُ بِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِالصَّاعَيْنِ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ \" مِنْ الْجَمْعِ \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ التَّمْرُ الْمُخْتَلِطُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِالثَّلَاثِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْقَابِسِيِّ بِالثَّلَاثَةِ , وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ لِأَنَّ الصَّاعَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا تَفْعَلْ ) ‏ ‏زَادَ سُلَيْمَانُ \" وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ \" أَيْ بِعْ الْمِثْلَ بِالْمِثْلِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ \" وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ \" وَكَذَا وَقَعَ ذِكْرُ الْمِيزَانِ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي فِي الْوَكَالَةِ أَيْ فِي بَيْعِ مَا يُوزَنُ مِنْ الْمُقْتَاتِ بِمِثْلِهِ , قَالَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كُلُّ مَنْ رَوَى عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ هَذَا الْحَدِيثَ ذَكَرَ فِيهِ الْمِيزَانَ سِوَى مَالِكٍ. قُلْت : وَفِي هَذَا الْحَصْرِ نَظَرٌ لِمَا فِي الْوَكَالَةِ , وَهُوَ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ كُلٌّ يَقُولُ عَلَى أَصْلِهِ : إِنَّ كُلَّ مَا دَخَلَهُ الرِّبَا مِنْ جِهَةِ التَّفَاضُلِ فَالْكَيْلُ وَالْوَزْنُ فِيهِ وَاحِدٌ , وَلَكِنْ مَا كَانَ أَصْلُهُ الْكَيْلُ لَا يُبَاعُ إِلَّا كَيْلًا وَكَذَا الْوَزْنُ , ثُمَّ مَا كَانَ أَصْلُهُ الْوَزْنُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُبَاعَ بِالْكَيْلِ , بِخِلَافِ مَا كَانَ أَصْلُهُ الْكَيْلُ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يُجِيزُ فِيهِ الْوَزْنَ وَيَقُولُ إِنَّ الْمُمَاثَلَةَ تُدْرَكُ بِالْوَزْنِ فِي كُلِّ شَيْءٍ , قَالَ : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّمْرَ بِالتَّمْرِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ , وَسَوَاءٌ فِيهِ الطَّيِّبُ وَالدُّونُ , وَأَنَّهُ كُلَّهُ عَلَى اِخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ جِنْسٌ وَاحِدٌ. قَالَ : وَأَمَّا سُكُوتُ مَنْ سَكَتَ مِنْ الرُّوَاةِ عَنْ فَسْخِ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ إِمَّا ذُهُولًا وَإِمَّا اِكْتِفَاءً بِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ , وَقَدْ وَرَدَ الْفَسْخُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى , كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَفِيهِ \" فَقَالَ هَذَا الرِّبَا فَرَدُّوهُ \" قَالَ : وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ وَأَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي لَمْ يَقَعْ فِيهَا الرَّدُّ كَانَتْ قَبْلَ تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ قِيَامُ عُذْرِ مَنْ لَا يَعْلَمُ التَّحْرِيمَ حَتَّى يَعْلَمَهُ , وَفِيهِ جَوَازُ الرِّفْقِ بِالنَّفْسِ وَتَرْك الْحَمْلِ عَلَى النَّفْسِ لِاخْتِيَارِ أَكْلِ الطَّيِّبِ عَلَى الرَّدِيءِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَزَهِّدِينَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْعَيِّنَةِ وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ مِنْ رَجُلٍ بِنَقْدٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ بِقَوْلِهِ \" ثُمَّ اِشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا \" غَيْرَ الَّذِي بَاعَ لَهُ الْجَمْعُ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُطْلَقٌ وَالْمُطْلَقُ لَا يَشْمَلُ وَلَكِنْ يَشِيعُ فَإِذَا عُمِلَ بِهِ فِي صُورَةٍ سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِيمَا عَدَاهَا , وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى جَوَازِ الشِّرَاءِ مِمَّنْ بَاعَهُ تِلْكَ السِّلْعَةَ بِعَيْنِهَا. وَقِيلَ إِنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ لِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : اِسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ , لِأَنَّ بَعْضَ صُوَرِ هَذَا الْبَيْعِ يُؤَدِّي إِلَى بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا وَيَكُونُ الثَّمَنُ لُغْزًا , قَالَ : وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ عَلَى جَوَازِ شِرَاءِ التَّمْرِ الثَّانِي مِمَّنْ بَاعَهُ التَّمْرَ الْأَوَّلَ , وَلَا يَتَنَاوَلُهُ ظَاهِرُ السِّيَاقِ بِعُمُومِهِ بَلْ بِإِطْلَاقِهِ وَالْمُطْلَقُ يَحْتَمِلُ التَّقْيِيدَ إِجْمَالًا فَوَجَبَ الِاسْتِفْسَارُ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَتَقْيِيدُهُ بِأَدْنَى دَلِيلٍ كَافٍ , وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ فَلْتَكُنْ هَذِهِ الصُّورَةُ مَمْنُوعَةً. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى الْجَوَازِ بِمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ سِيرِينَ \" أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ فَقَالَ : إِنَّ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ , فَقَالَ لَهُ اِبْنُ عَوْفٍ : فَنُعْطِي الْجَنِيبَ وَنَأْخُذُ غَيْرَهُ ؟ قَالَ : لَا , وَلَكِنْ اِبْتَعْ بِهَذَا عَرْضًا فَإِذَا قَبَضْته وَكَانَ لَهُ فِيهِ نِيَّةٌ فَاهْضِمْ مَا شِئْت وَخُذْ أَيَّ نَقْدٍ شِئْت \". وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنْ بَاعَ السِّلْعَةَ الَّتِي اِشْتَرَاهَا مِمَّنْ اِشْتَرَاهَا مِنْهُ بَعْدَ مُدَّةٍ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّعْجِيلِ فِي ذَلِكَ وَالتَّأْجِيلِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ وُجُودُ الشَّرْطِ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَعَدَمُهُ ؟ فَإِنْ تَشَارَطَا عَلَى ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ فَهُوَ بَاطِلٌ , أَوْ قَبْلَهُ ثُمَّ وَقَعَ الْعَقْدُ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَهُوَ صَحِيحٌ , وَلَا يَخْفَى الْوَرَعُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَلَا يَضُرُّ إِرَادَةُ الشِّرَاءِ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ , وَهُوَ كَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةٍ ثُمَّ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ فَخَطَبَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَإِنَّهُ عَدَلَ عَنْ الْحَرَامِ إِلَى الْحَلَالِ بِكَلِمَةِ اللَّهِ الَّتِي أَبَاحَهَا , وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ اِخْتِيَارِ طَيِّبِ الطَّعَامِ , وَجَوَازُ الْوَكَالَةِ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْبُيُوعَ الْفَاسِدَةَ تُرَدُّ , وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ بَيْعَ الرِّبَا جَائِزٌ بِأَصْلِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بَيْعٌ , مَمْنُوعٌ بِوَصْفِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ رِبًا , فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الرِّبَا وَيَصِحُّ الْبَيْعُ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ , قَالَ : وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا رَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الصَّفْقَةَ , وَلَأَمَرَهُ بِرَدِّ الزِّيَادَةِ عَلَى الصَّاعِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2051",
        "content": "‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏يُخْبِرُ عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ قَدْ ‏ ‏أُبِّرَتْ ‏ ‏لَمْ يُذْكَرْ الثَّمَرُ فَالثَّمَرُ لِلَّذِي ‏ ‏أَبَّرَهَا ‏ ‏وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْحَرْثُ سَمَّى لَهُ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْنَ مُوسَى الرَّازِيَّ , وَهِشَامٌ شَيْخُهُ هُوَ اِبْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَيُّمَا نَخْلٍ ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ اِبْنُ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْقُوفًا , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَنَافِعٌ يَرْوِي حَدِيثَ النَّخْلِ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدِيثَ الْعَبْدِ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا. ‏ ‏قُلْت : وَقَدْ أَسْنَدَ الْمُؤَلِّفُ حَدِيثَ الْعَبْدِ مَرْفُوعًا كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ , وَنَذْكُرُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا وَقَعَ لِصَاحِبِ \" الْعُمْدَةِ \" وَشَارِحِيهَا مِنْ الْوَهْمِ فِيهِ , وَحَدِيثُ الْحَارِثِ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ اِبْنِ جُرَيْجٍ , وَالرِّوَايَةُ الْمَوْصُولَةُ ذَكَرَهَا مَالِكٌ وَاللَّيْثُ كَمَا تَرَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي الْبَابَ الَّذِي بَعْدَهُ , وَوَصَلَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَغَيْرُهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ قِصَّةَ النَّخْلِ دُونَ غَيْرِهَا. وَاخْتُلِفَ عَلَى نَافِعٍ وَسَالِمٍ فِي رَفْعِ مَا عَدَا النَّخْل : فَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا فِي قِصَّةِ النَّخْلِ وَالْعَبْدِ مَعًا هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْحُفَّاظُ عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَخَالَفَهُمْ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ فَزَادَ فِيهِ اِبْنَ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا لِجَمِيعِ الْأَحَادِيثِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَرَوَى مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَيُّوبُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ قِصَّةَ النَّخْلِ , وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قِصَّةَ الْعَبْدِ مَوْقُوفَةً , كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا , وَسَيَأْتِي فِي الشُّرْبِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ الْعَبْدِ مَوْقُوفَةً. وَجَزَمَ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ والدَّارَقُطْنِيُّ بِتَرْجِيحِ رِوَايَةِ نَافِعٍ الْمُفَصَّلَةِ عَلَى رِوَايَةِ سَالِمٍ , وَمَالَ عَلِيُّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَالْبُخَارِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى تَرْجِيحِ رِوَايَةِ سَالِمٍ , وَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ الْقِصَّتَيْنِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْهُ وَهُوَ وَهْمٌ , وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ : مَا هُوَ إِلَّا عَنْ عُمَرَ شَأْنُ الْعَبْدِ ; وَهَذَا لَا يَدْفَعُ قَوْلَ مَنْ صَحَّحَ الطَّرِيقَيْنِ وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عِنْدَ نَافِعٍ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْحَرْثُ ) ‏ ‏يُشِيرُ بِالْعَبْدِ إِلَى حَدِيثِ \" مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ \" وَصُورَةُ تَشْبِيهِهِ بِالنَّخْلِ مِنْ جِهَةِ الزَّوَائِدِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا , وَأَمَّا الْحَرْثُ فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِبَارُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّهُ إِذَا فُعِلَ فِيهِ نَبَتَتْ الثَّمَرَةُ , ثَمَرَتُهُ وَانْعَقَدَتْ فِيهِ , ثُمَّ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ وَعَنْ اِنْعِقَادِهَا وَإِنْ لَمْ يُفْعَلْ فِيهَا شَيْءٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "2052",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ ‏ ‏أُبِّرَتْ ‏ ‏فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ ) ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ نَافِعٍ الْآتِيَةِ بَعْدَ يَسِيرٍ \" أَيُّمَا رَجُلٍ أَبَّرَ نَخْلًا ثُمَّ بَاعَ أَصْلَهَا إِلَخْ \" وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ بَاعَ نَخْلًا وَعَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ لَمْ تَدْخُلْ الثَّمَرَةُ فِي الْبَيْعِ بَلْ تَسْتَمِرُّ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ , وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُوَبَّرَةٍ أَنَّهَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ وَتَكُونُ لِلْمُشْتَرِي وَبِذَلِكَ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ , وَخَالَفَهُمْ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَا : تَكُونُ لِلْبَائِعِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ وَبَعْدَهُ , وَعَكَسَ اِبْنُ أَبِي لَيْلَى فَقَالَ : تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مُطْلَقًا. وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ إِطْلَاقِ بَيْعِ النَّخْلِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلثَّمَرَةِ , فَإِنْ شَرَطَهَا الْمُشْتَرِي بِأَنْ قَالَ اِشْتَرَيْت النَّخْلَ بِثَمَرَتِهَا كَانَتْ لِلْمُشْتَرِي , وَإِنْ شَرَطَهَا الْبَائِعُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ كَانَتْ لَهُ. وَخَالَفَ مَالِكٌ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ شَرْطُهَا لِلْبَائِعِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ مَنْطُوقِهِ حُكْمَانِ وَمِنْ مَفْهُومِهِ حُكْمَانِ أَحَدُهُمَا بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ وَالْآخَرُ بِمَفْهُومِ الِاسْتِثْنَاءِ , قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْقَوْلُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ يَعْنِي بِالْمَفْهُومِ فِي هَذَا ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حُكْمُ غَيْر الْمُؤَبَّرَةِ حُكْمَ الْمُؤَبَّرَةِ لَكَانَ تَقْيِيدُهُ بِالشَّرْطِ لَغْوًا لَا فَائِدَةَ فِيهِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّأْبِيرِ أَنْ يُؤَبِّرَهُ أَحَدٌ , بَلْ لَوْ تَأَبَّرَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَخْتَلِفْ الْحُكْمُ عِنْدَ جَمِيعِ الْقَائِلِينَ بِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ) ‏ ‏الْمُرَادُ بِالْمُبْتَاعِ الْمُشْتَرِي بِقَرِينَةِ الْإِشَارَةِ إِلَى الْبَائِعِ بِقَوْلِهِ مَنْ بَاعَ , وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ اِشْتِرَاطُ بَعْضِ الثَّمَرَةِ كَمَا يَصِحُّ اِشْتِرَاطُ جَمِيعِهَا وَكَأَنَّهُ قَالَ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ فِي حَذْفِ الْمَفْعُولِ. وَانْفَرَدَ اِبْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ لَهُ شَرْطُ بَعْضِهَا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُؤَبَّرَ يُخَالِفُ فِي الْحُكْمِ غَيْرَ الْمُؤَبَّرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ : لَوْ بَاعَ نَخْلَةً بَعْضُهَا مُؤَبَّرٌ وَبَعْضُهَا غَيْرُ مُؤَبَّرٍ فَالْجَمِيعُ لِلْبَائِعِ , وَإِنْ بَاعَ نَخْلَتَيْنِ فَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ اِتِّحَادُ الصَّفْقَةِ , فَإِنْ أَفْرَدَ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا فِي بُسْتَانٍ وَاحِدٍ , فَإِنْ تَعَدَّدَ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ. وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُؤَبَّرُ لِلْبَائِعِ وَالَّذِي لَا يُؤَبَّرُ لِلْمُشْتَرِي ; وَجَعَلَ الْمَالِكِيَّةُ الْحُكْمَ لِلْأَغْلَبِ. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ التَّأْبِيرِ وَأَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ مُخْتَصٌّ بِإِنَاثِ النَّخْلِ دُونَ ذُكُورِهِ وَأَمَّا ذُكُورُهُ فَلِلْبَائِعِ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى , وَمِنْ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ التَّأْبِيرِ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أُنْثَى وَذَكَرٍ , وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ بَاعَ نَخْلَةً وَبَقِيَتْ ثَمَرَتُهَا لَهُ ثُمَّ خَرَجَ طَلْعٌ آخَرُ مِنْ تِلْكَ النَّخْلَةِ فَقَالَ اِبْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ : هُوَ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ إِلَّا مَا وُجِدَ دُونَ مَا لَمْ يُوجَدْ ; وَقَالَ الْجُمْهُورُ : هُوَ لِلْبَائِعِ لِكَوْنِهِ مِنْ ثَمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ دُونَ غَيْرِهَا. وَيُسْتَفَادُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي لَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ لَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ , وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ; وَاحْتَجَّ بِهِ لِمَذْهَبِهِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِالشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ حَتَّى إِذَا جَاءَ مَا وَرَدَ فِيهِ اُسْتُدِلَّ بِغَيْرِهِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ , فَيُسْتَدَلُّ لِجَوَازِ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِحَدِيثِ التَّأْبِيرِ , وَلَا يُعْمَلُ بِحَدِيثِ التَّأْبِيرِ , بَلْ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ وَبَعْدَهُ فَإِنَّ الثَّمَرَةَ فِي ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي سَوَاءٌ شَرَطَهَا الْبَائِعُ لِنَفْسِهِ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا , وَالْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ التَّأْبِيرِ وَحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ سَهْلٌ بِأَنَّ الثَّمَرَةَ فِي بَيْعِ النَّخْلِ تَابِعَةٌ لِلنَّخْلِ وَفِي حَدِيثِ النَّهْيِ مُسْتَقِلَّةٌ , وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2053",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُزَابَنَةِ ‏ ‏أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا وَإِنْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2054",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَيُّمَا امْرِئٍ أَبَّرَ نَخْلًا ثُمَّ بَاعَ أَصْلَهَا فَلِلَّذِي أَبَّرَ ثَمَرُ النَّخْلِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2055",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُحَاقَلَةِ ‏ ‏وَالْمُخَاضَرَةِ ‏ ‏وَالْمُلَامَسَةِ ‏ ‏وَالْمُنَابَذَةِ ‏ ‏وَالْمُزَابَنَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ ) ‏ ‏أَيْ الْعَلَّافُ الْوَاسِطِيُّ , وَهُوَ ثِقَةٌ لَيْسَ لَهُ وَلَا لِشَيْخِهِ وَلَا لِشَيْخِ شَيْخِهِ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبِي ) ‏ ‏هُوَ يُونُسُ بْنُ الْقَاسِمِ الْيَمَامِيُّ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ , وَثَّقَهُ يَحْيَى اِبْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ , وَهُوَ قَلِيلُ الْحَدِيثِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ الْمُحَاقَلَةِ ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هُوَ بَيْعُ الطَّعَامِ فِي سُنْبُلِهِ بِالْبُرِّ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَقْلِ , وَقَالَ اللَّيْثُ : الْحَقْلُ الزَّرْعُ إِذَا تَشَعَّبَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَغْلُظَ سُوقُهُ , وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْلَ إِدْرَاكِهِ , وَقِيلَ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا , وَقِيلَ بَيْعُ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ , وَعَنْ مَالِكٍ هُوَ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ أَوْ بِكَيْلِ طَعَامٍ أَوْ إِدَامٍ , وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُحَاقَلَةَ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا تُنْبِتُ , وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ فِي بَابِهِ وَكَذَلِكَ الْمُزَابَنَةُ. زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ \" قَالَ يُونُسُ بْنُ الْقَاسِمِ : وَالْمُخَاضَرَةُ بَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ تُطْعَمَ وَبَيْعُ الزَّرْعِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ وَيُفْرَكَ مِنْهُ \". وَلِلطَّحَاوِيِّ قَالَ عُمَرُ بْنُ يُونُسَ : فَسَّرَ لِي أَبِي فِي الْمُخَاضَرَةِ قَالَ \" لَا يُشْتَرَى مِنْ ثَمَرِ النَّخْلِ حَتَّى يُونِعَ : يَحْمَرُّ أَوْ يَصْفَرُّ \" وَبَيْعُ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ مِمَّا يُحْصَدُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ مِمَّا يُهْتَمُّ بِمَعْرِفَةِ الْحُكْمِ فِيهِ , وَقَدْ أَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ مُطْلَقًا وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ إِذَا اُخْتُلِفَ , وَعِنْدَ مَالِكٍ يَجُوزُ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ وَلِلْمُشْتَرِي مَا يَتَجَدَّدُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى يَنْقَطِعَ , وَيُغْتَفَرُ الْغَرَرُ فِي ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ , وَشَبَّهَهُ بِجَوَازِ كِرَاءِ خِدْمَةِ الْعَبْدِ مَعَ أَنَّهَا تَتَجَدَّدُ وَتَخْتَلِفُ , وَبِكِرَاءِ الْمُرْضِعَةِ مَعَ أَنَّ لَبَنَهَا يَتَجَدَّدُ وَلَا يُدْرَى كَمْ يَشْرَبُ مِنْهُ الطِّفْلُ , وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَصِحُّ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ مُطْلَقًا , وَقَبْلَهُ يَصِحُّ بِشَرْطِ الْقَطْعِ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2056",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ التَّمْرِ حَتَّى يَزْهُوَ فَقُلْنَا ‏ ‏لِأَنَسٍ ‏ ‏مَا زَهْوُهَا قَالَ تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَنَسٍ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2057",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يَأْكُلُ ‏ ‏جُمَّارًا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةٌ كَالرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ فَإِذَا أَنَا أَحْدَثُهُمْ قَالَ هِيَ النَّخْلَةُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2058",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَجَمَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبُو طَيْبَةَ ‏ ‏فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ أَبِي طَيْبَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ وَسَاقَهُ فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ , وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي التَّرْجَمَةِ كَوْنُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُشَارِطْهُ عَلَى أُجْرَتِهِ اِعْتِمَادًا عَلَى الْعُرْفِ فِي مِثْلِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2059",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏هِنْدٌ أُمُّ مُعَاوِيَةَ ‏ ‏لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ ‏ ‏رَجُلٌ شَحِيحٌ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرًّا قَالَ ‏ ‏خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ هِنْدٍ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ , وَالْمُرَادُ مِنْهَا قَوْلُهُ \" خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيك بِالْمَعْرُوفِ \" فَأَحَالَهَا عَلَى الْعُرْفِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ تَحْدِيدٌ شَرْعِيٌّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2060",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ فَرْقَدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏تَقُولُ ‏ { ‏وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ‏} ‏أُنْزِلَتْ فِي وَالِي ‏ ‏الْيَتِيمِ الَّذِي يُقِيمُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ) ‏ ‏وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , فَإِنَّهُ سَاقَهُ عَنْ إِسْحَاقَ هَذَا بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَظَهَرَ مِنْ سِيَاقِهِ أَنَّهُ هُنَا بِلَفْظِ عُثْمَانَ بْنِ فَرْقَدٍ وَهُنَاكَ بِلَفْظِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ , وَقَدْ ذَكَرَهُ هُنَا بِلَفْظِ \" وَالِي الْيَتِيمِ الَّذِي يُقِيمُ عَلَيْهِ \" وَقَالَ اِبْنُ التِّينِ : الصَّوَابُ \" يَقُومُ \" لِأَنَّهُ مِنْ الْقِيَامِ لَا مِنْ الْإِقَامَةِ , قُلْت : وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَامٍ , وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ نُمَيْرٍ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَا فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فِي الْوَصَايَا , وَرِوَايَةُ \" يُقِيمُ \" مُوَجَّهَةٌ أَيْ يُلَازِمُهُ أَوْ يُقِيمُ نَفْسَهُ عَلَيْهِ , وَإِسْحَاقُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ هُوَ اِبْنُ مَنْصُورٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ خَلَفٌ وَغَيْرُهُ فِي \" الْأَطْرَافِ \" وَقَدْ اِسْتَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ عَنْ اِبْنِ نُمَيْرٍ وَقَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ , وَقَالَ فِي التَّفْسِيرِ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ. وَهِشَامٌ هُوَ اِبْنُ عُرْوَةَ وَعُثْمَانُ بْنُ فَرْقَدٍ بِفَاءٍ وَقَافٍ وَزْنُ جَعْفَرٍ هَذَا هُوَ الْعَطَّارُ الْبَصْرِيُّ فِيهِ مَقَالٌ , لَكِنْ لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ مَوْصُولًا سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ , وَقَدْ قَرَنَهُ بِابْنِ نُمَيْرٍ , وَذَكَرَ لَهُ آخَرُ تَعْلِيقًا فِي الْمَغَازِي , وَالْمُرَادُ مِنْهُ فِي التَّرْجَمَةِ حَوَالَةُ وَالِي الْيَتِيمِ فِي أَكْلِهِ مِنْ مَالِهِ عَلَى الْعُرْفِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2061",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الشُّفْعَةَ ‏ ‏فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا ‏ ‏شُفْعَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2062",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَضَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالشُّفْعَةِ ‏ ‏فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا ‏ ‏شُفْعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏بِهَذَا وَقَالَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏فِي كُلِّ مَالٍ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2063",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَمْشُونَ فَأَصَابَهُمْ الْمَطَرُ فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي جَبَلٍ فَانْحَطَّتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ قَالَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ادْعُوا اللَّهَ بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ فَقَالَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ إِنِّي كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَرْعَى ثُمَّ أَجِيءُ فَأَحْلُبُ فَأَجِيءُ بِالْحِلَابِ فَآتِي بِهِ أَبَوَيَّ فَيَشْرَبَانِ ثُمَّ أَسْقِي الصِّبْيَةَ وَأَهْلِي وَامْرَأَتِي فَاحْتَبَسْتُ لَيْلَةً فَجِئْتُ فَإِذَا هُمَا نَائِمَانِ قَالَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَالصِّبْيَةُ ‏ ‏يَتَضَاغَوْنَ ‏ ‏عِنْدَ رِجْلَيَّ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ قَالَ فَفُرِجَ عَنْهُمْ وَقَالَ الْآخَرُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ عَمِّي كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرَّجُلُ النِّسَاءَ فَقَالَتْ لَا تَنَالُ ذَلِكَ مِنْهَا حَتَّى تُعْطِيَهَا مِائَةَ دِينَارٍ فَسَعَيْتُ فِيهَا حَتَّى جَمَعْتُهَا فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا ‏ ‏تَفُضَّ الْخَاتَمَ ‏ ‏إِلَّا بِحَقِّهِ فَقُمْتُ وَتَرَكْتُهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً قَالَ فَفَرَجَ عَنْهُمْ الثُّلُثَيْنِ وَقَالَ الْآخَرُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا ‏ ‏بِفَرَقٍ ‏ ‏مِنْ ذُرَةٍ فَأَعْطَيْتُهُ وَأَبَى ذَاكَ أَنْ يَأْخُذَ ‏ ‏فَعَمَدْتُ ‏ ‏إِلَى ذَلِكَ ‏ ‏الْفَرَقِ ‏ ‏فَزَرَعْتُهُ حَتَّى اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏أَعْطِنِي حَقِّي فَقُلْتُ انْطَلِقْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا فَإِنَّهَا لَكَ فَقَالَ أَتَسْتَهْزِئُ بِي قَالَ فَقُلْتُ مَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ وَلَكِنَّهَا لَكَ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فَكُشِفَ عَنْهُمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2064",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ ‏ ‏مُشْعَانٌّ ‏ ‏طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً أَوْ قَالَ أَمْ هِبَةً قَالَ لَا بَلْ بَيْعٌ فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2065",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَاجَرَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏بِسَارَةَ ‏ ‏فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنْ الْمُلُوكِ أَوْ جَبَّارٌ مِنْ الْجَبَابِرَةِ فَقِيلَ دَخَلَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏بِامْرَأَةٍ هِيَ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏مَنْ هَذِهِ الَّتِي مَعَكَ قَالَ أُخْتِي ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا فَقَالَ لَا تُكَذِّبِي حَدِيثِي فَإِنِّي أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتِي وَاللَّهِ إِنْ عَلَى الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ فَقَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي فَقَالَتْ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ ‏ ‏فَغُطَّ ‏ ‏حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْأَعْرَجُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَتْ اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ هِيَ قَتَلَتْهُ فَأُرْسِلَ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تَوَضَّأُ تُصَلِّي وَتَقُولُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ هَذَا الْكَافِرَ ‏ ‏فَغُطَّ ‏ ‏حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَقَالَتْ اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ فَيُقَالُ هِيَ قَتَلَتْهُ فَأُرْسِلَ فِي الثَّانِيَةِ ‏ ‏أَوْ فِي الثَّالِثَةِ ‏ ‏فَقَالَ وَاللَّهِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلَّا شَيْطَانًا ارْجِعُوهَا إِلَى ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَأَعْطُوهَا ‏ ‏آجَرَ ‏ ‏فَرَجَعَتْ إِلَى ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏فَقَالَتْ أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَسَارَةَ مَعَ الْجَبَّارِ , وَفِيهِ أَنَّهُ أَعْطَاهَا هَاجَرَ , وَوَقَعَ هُنَا \" آجَرُ \" بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الْهَاءِ , وَقَوْلُهُ \" كَبَتَ \" بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ أَيْ أَخْزَاهُ وَقِيلَ رَدَّهُ خَائِبًا وَقِيلَ أَحْزَنَهُ وَقِيلَ صَرَعَهُ وَقِيلَ صَرَفَهُ وَقِيلَ أَذَلَّهُ , حَكَاهَا كُلَّهَا اِبْنُ التِّينِ وَقَالَ : إِنَّهَا مُتَقَارِبَةٌ , وَقِيلَ أَصْلُ كَبَتَ كَبَدَ أَيْ بَلَغَ الْهَمُّ كَبِدَهُ فَأُبْدِلَتْ الدَّالُ مُثَنَّاةً. وَقَوْلُهُ أَخْدَمَ أَيْ مَكَّنَ مِنْ الْخِدْمَةِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ , وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُ الْكَافِرِ \" أَعْطُوهَا هَاجَرَ \" وَقَبُولُ سَارَةَ مِنْهُ وَإِمْضَاءُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ , فَفِيهِ صِحَّةُ هِبَةِ الْكَافِرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2066",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏اخْتَصَمَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏فِي غُلَامٍ فَقَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي ‏ ‏عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا ‏ ‏بِعُتْبَةَ ‏ ‏فَقَالَ هُوَ لَكَ يَا ‏ ‏عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ‏ ‏الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا ‏ ‏سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ ‏ ‏فَلَمْ تَرَهُ ‏ ‏سَوْدَةُ ‏ ‏قَطُّ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ اِبْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ثَمَّ , وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِلْكَ زَمْعَةَ لِلْوَلِيدَةِ وَإِجْرَاءُ أَحْكَامِ الرِّقِّ عَلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2067",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لِصُهَيْبٍ ‏ ‏اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَدَّعِ إِلَى غَيْرِ أَبِيكَ فَقَالَ ‏ ‏صُهَيْبٌ ‏ ‏مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا وَأَنِّي قُلْتُ ذَلِكَ وَلَكِنِّي سُرِقْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ سَعْدٍ ) ‏ ‏أَيْ اِبْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِصُهَيْبٍ : اِتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُدْعَ إِلَى غَيْرِ أَبِيك ) ‏ ‏كَانَ صُهَيْبٌ يَقُولُ إِنَّهُ اِبْنُ سِنَانِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ عَقِيلٍ وَيَسُوقُ نَسَبًا يَنْتَهِي إِلَى النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ وَأَنَّ أُمَّهُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ , وَكَانَ لِسَانُهُ أَعْجَمِيًّا لِأَنَّهُ رُبِّيَ بَيْنَ الرُّومِ فَغَلَبَ عَلَيْهِ لِسَانُهُمْ , وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" قَالَ عُمَرُ لِصُهَيْبٍ : مَا وَجَدْت عَلَيْك فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ : اكْتَنَيْتَ أَبَا يَحْيَى , وَأَنَّك لَا تُمْسِكُ شَيْئًا , وَتُدْعَى إِلَى النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ. فَقَالَ : أَمَّا الْكُنْيَةُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَنَّانِي , وَأَمَّا النَّفَقَةُ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ) وَأَمَّا النَّسَبُ فَلَوْ كُنْت مِنْ رَوْثَةٍ لَانْتَسَبْت إِلَيْهَا , وَلَكِنْ كَانَ الْعَرَبُ يَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَسَبَانِي نَاسٌ بَعْدَ أَنْ عَرَفْت مَوْلِدِي وَأَهْلِي فَبَاعُونِي فَأَخَذْت بِلِسَانِهِمْ \" يَعْنِي لِسَانَ الرُّومِ , وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا وَأَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ سَعْدٍ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُكَنَّى أَبَا يَحْيَى , وَيَقُولُ إِنَّهُ مِنْ الْعَرَبِ , وَيُطْعِمُ الْكَثِيرَ , فَقَالَ لَهُ عُمَرُ , فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَنَّانِي , وَإِنِّي رَجُلٌ مِنْ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ مِنْ أَهْلِ الْمُوصِلِ وَلَكِنْ سَبَتْنِي الرُّومُ غُلَامًا صَغِيرًا بَعْدَ أَنْ عَقَلْت قَوْمِي وَعَرَفْت نَسَبِي , وَأَمَّا الطَّعَامُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" خِيَارُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ \" وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَرَجْت مَعَ عُمَرَ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى صُهَيْبٍ فَلَمَّا رَآهُ صُهَيْبٌ قَالَ : يَا نَاسُ يَا نَاسُ , فَقَالَ عُمَرُ : مَا لَهُ يَدْعُو النَّاسَ ؟ فَقِيلَ إِنَّمَا يَدْعُو غُلَامَهُ يُحَنَّسَ فَقَالَ : يَا صُهَيْبُ مَا فِيك شَيْءٌ أَعِيبُهُ إِلَّا ثَلَاثَ خِصَالٍ , فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ فِيهِ : وَمَا اِنْتِسَابِي إِلَى الْعَرَبِ فَإِنَّ الرُّومَ سَبَتْنِي وَأَنَا صَغِيرٌ وَإِنِّي لَأَذْكُرُ أَهْلَ بَيْتِي , وَلَوْ أَنِّي انْفَلَقْتُ عَنْ رَوْثَةٍ لَانْتَسَبْت إِلَيْهَا. فَهَذِهِ طُرُقٌ تَقَوَّى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَلَعَلَّهُ اِتَّفَقَتْ لَهُ هَذِهِ الْمُرَاجَعَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُمَرَ مَرَّةً وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أُخْرَى , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اِخْتِلَافُ السِّيَاقِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2068",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ ‏ ‏أَتَحَنَّثُ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أَتَحَنَّتُ ‏ ‏بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ هَلْ لِي فِيهَا أَجْرٌ قَالَ ‏ ‏حَكِيمٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَنَّهُ قَالَ \" يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت أُمُورًا كُنْت أَتَحَنَّثُ بِهَا ) ‏ ‏\" الْحَدِيثَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الزَّكَاةِ , وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ مِنْ وُقُوعِ الصَّدَقَةِ وَالْعَتَاقَةِ مِنْ الْمُشْرِكِ , فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ صِحَّةَ مِلْكِ الْمُشْرِكِ , إِذْ صِحَّةُ الْعِتْقِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى صِحَّةِ الْمِلْكِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ \" أَتَحَنَّثُ \" هَلْ هُوَ بِالْمُثَلَّثَةِ أَوْ الْمُثَنَّاةِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ , وَذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ رَوَى هُنَا أَتَحَبَّبُ بِمُوَحَّدَتَيْنِ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَنْسُبَهَا لِقَائِلِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2069",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ ‏ ‏هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ ‏ ‏بِإِهَابِهَا ‏ ‏قَالُوا إِنَّهَا مَيِّتَةٌ قَالَ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2070",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ‏ ‏ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ ‏ ‏الْجِزْيَةَ ‏ ‏وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2071",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏طَاوُسٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ بَلَغَ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏فُلَانًا ‏ ‏بَاعَ خَمْرًا فَقَالَ قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَاتَلَ اللَّهُ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَلَغَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ خَمْرًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ \" أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا فَقَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ \" زَادَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزَّعْفَرَانِيِّ \" عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ \" قَالَ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا اُخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ بَيْعِ سَمُرَةَ لِلْخَمْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَنْ قِيمَةِ الْجِزْيَةِ فَبَاعَهَا مِنْهُمْ مُعْتَقِدًا جَوَازَ ذَلِكَ , وَهَذَا حَكَاهُ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ اِبْنِ نَاصِرٍ وَرَجَّحَهُ وَقَالَ : كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُمْ بَيْعَهَا فَلَا يَدْخُلُ فِي مَحْظُورٍ وَإِنْ أَخَذَ أَثْمَانَهَا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَاطَ مُحَرَّمًا وَيَكُونُ شَبِيهًا بِقِصَّةِ بَرِيرَةَ حَيْثُ قَالَ \" هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ \". وَالثَّانِي قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَاعَ الْعَصِيرَ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا , وَالْعَصِيرُ يُسَمَّى خَمْرًا كَمَا قَدْ يُسَمَّى الْعِنَبُ بِهِ لِأَنَّهُ يَئُولُ إِلَيْهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ , قَالَ : وَلَا يُظَنُّ بِسَمُرَةَ أَنَّهُ بَاعَ عَيْنَ الْخَمْرِ بَعْدَ أَنْ شَاعَ تَحْرِيمُهَا , وَإِنَّمَا بَاعَ الْعَصِيرُ. وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ خَلَّلَ الْخَمْرَ وَبَاعَهَا , وَكَانَ عُمَرُ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُحِلُّهَا كَمَا هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ , وَاعْتَقَدَ سَمُرَةُ الْجَوَازَ كَمَا تَأَوَّلَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ يَحِلُّ التَّخْلِيلُ , وَلَا يَنْحَصِرُ الْحِلُّ فِي تَخْلِيلِهَا بِنَفْسِهَا , قَالَ الْقُرْطُبِيُّ تَبَعًا لِابْنِ الْجَوْزِيِّ : وَالْأَشْبَهُ الْأَوَّلُ. قُلْتُ : وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَخْذهَا عَنْ الْجِزْيَةِ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حَصَلَتْ لَهُ عَنْ غَنِيمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا , وَقَدْ أَبْدَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي \" الْمَدْخَلِ \" فِيهِ اِحْتِمَالًا آخَرَ , وَهُوَ أَنَّ سَمُرَةَ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَلَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ بَيْعِهَا وَلِذَلِكَ اِقْتَصَرَ عُمَرُ عَلَى ذَمِّهِ دُونَ عُقُوبَتِهِ , وَهَذَا هُوَ الظَّنُّ بِهِ , وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ أَنَّ سَمُرَةَ كَانَ وَالِيًا لِعُمَرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِ , إِلَّا أَنَّ اِبْنَ الْجَوْزِيِّ أَطْلَقَ أَنَّهُ كَانَ وَالِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , وَهُوَ وَهْمٌ فَإِنَّمَا وَلِيَ سَمُرَةَ عَلَى الْبَصْرَةِ لِزِيَادٍ وَابْنِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ بَعْدَ عُمَرَ بِدَهْرٍ , وُلَاةُ الْبَصْرَةِ لِعُمَرَ قَدْ ضُبِطُوا وَلَيْسَ مِنْهُمْ سَمُرَةُ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أُمَرَائِهَا اِسْتَعْمَلَ سَمُرَةَ عَلَى قَبْضِ الْجِزْيَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ ) ‏ ‏أَيْ أَكْلُهَا , وَإِلَّا فَلَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَيْعُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حِيلَةٌ فِيمَا صَنَعُوهُ مِنْ إِذَابَتِهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَجَمَلُوهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ أَيْ أَذَابُوهَا , يُقَالُ جَمَلَهُ إِذَا أَذَابَهُ , وَالْجَمِيلُ الشَّحْمُ الْمُذَابُ , وَوَجْهُ تَشْبِيهِ عُمَرَ بَيْعَ الْمُسْلِمِينَ الْخَمْرَ بِبَيْعِ الْيَهُودِ الْمُذَابَ مِنْ الشَّحْمِ الِاشْتِرَاكُ فِي النَّهْيِ عَنْ تَنَاوُلِ كُلٍّ مِنْهُمَا , لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ مَا حُرِّمَ تَنَاوُلُهُ حُرِّمَ بَيْعُهُ كَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَسِبَاعِ الطَّيْرِ , فَالظَّاهِرُ أَنَّ اِشْتِرَاكَهُمَا فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا صَارَ بِالنَّهْيِ عَنْ تَنَاوُلِهِ نَجَسًا هَكَذَا حَكَاهُ اِبْنُ بَطَّالٍ عَنْ الطَّبَرِيِّ وَأَقَرَّهُ , وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ بَلْ كُلُّ مَا حُرِّمَ تَنَاوُلُهُ حُرِّمَ بَيْعُهُ , وَتَنَاوُلُ الْحُمُرِ وَالسِّبَاعِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا حُرِّمَ أَكْلُهُ إِنَّمَا يَتَأَتَّى بَعْدَ ذَبْحِهِ , وَهُوَ بِالذَّبْحِ يَصِيرُ مَيْتَةً لِأَنَّهُ لَا ذَكَاةَ لَهُ وَإِذَا صَارَ مَيْتَةً صَارَ نَجَسًا وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ. فَالْإِيرَادُ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ وَارِدٍ , هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَإِنْ خَالَفَ فِي بَعْضِهِ بَعْضُ النَّاسِ , وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ : الِابْنُ إِذَا وَرِثَ جَارِيَةَ أَبِيهِ حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا وَجَازَ لَهُ بَيْعُهَا وَأَكْلُ ثَمَنِهَا , فَأَجَابَ عِيَاضٌ عَنْهُ بِأَنَّهُ تَمْوِيهٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ بِهَا مُطْلَقًا وَإِنَّمَا حَرُمَ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ , وَالِانْتِفَاعُ بِهَا لِغَيْرِهِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ وَغَيْرِهِ حَلَالٌ إِذَا مَلَكَهَا , بِخِلَافِ الشُّحُومِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا وَهُوَ الْأَكْلُ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى الْيَهُودِ فِي كُلِّ حَالٍ وَعَلَى كُلِّ شَخْصٍ فَافْتَرَقَا. وَفِي الْحَدِيثِ لَعْنُ الْعَاصِي الْمُعِينِ , وَلَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ قَوْلَ عُمَرَ \" قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ \" لَمْ يُرِدْ بِهِ ظَاهِرَهُ بَلْ هِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ إِرَادَةِ الزَّجْرِ فَقَالَهَا فِي حَقِّهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ , وَفِيهِ إِقَالَةُ ذَوِي الْهَيْئَاتِ زَلَّاتِهِمْ لِأَنَّ عُمَرَ اِكْتَفَى بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ عَنْ مَزِيدِ عُقُوبَةٍ وَنَحْوِهَا , وَفِيهِ إِبْطَالُ الْحِيَلِ وَالْوَسَائِلِ إِلَى الْمُحَرَّمِ , وَفِيهِ تَحْرِيمُ بَيْعِ الْخَمْرِ وَقَدْ نَقَلَ اِبْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ , وَشَذَّ مَنْ قَالَ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعُنْقُودِ الْمُسْتَحِيلِ بَاطِنُهُ خَمْرًا , وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ ذَلِكَ فَقِيلَ لِنَجَاسَتِهَا وَقِيلَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ وَقِيلَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهَا , وَفِيهِ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا حُرِّمَ عَيْنُهُ حُرِّمَ ثَمَنُهُ , وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْخَمْرَ مِنْ الذِّمِّيِّ لَا يَجُوزُ , وَكَذَا تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ , وَأَمَّا تَحْرِيمُ بَيْعِهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي خِطَابِ الْكَافِرِ بِالْفُرُوعِ , وَفِيهِ اِسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ جُثَّةِ الْكَافِرِ إِذَا قَتَلْنَاهُ وَأَرَادَ الْكَافِرُ شِرَاءَهُ. وَعَلَى مَنْعِ بَيْعِ كُلِّ مُحَرَّمٍ نَجَسٍ وَلَوْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَالسِّرْقِينِ , وَأَجَازَ ذَلِكَ الْكُوفِيُّونَ وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ لِاحْتِيَاجِ الْمُشْتَرِي دُونَهُ , وَسَيَأْتِي فِي \" بَابِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ \" مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بَيَانُ الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ , وَفِيهِ الْبَحْثُ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ وَإِنْ حَرُمَ بَيْعُهَا , وَمَا يُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2072",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَاتَلَ اللَّهُ ‏ ‏يَهُودَ ‏ ‏حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ { ‏قَاتَلَهُمْ اللَّهُ ‏} ‏لَعَنَهُمْ ‏ { ‏قُتِلَ ‏} ‏لُعِنَ ‏ { ‏الْخَرَّاصُونَ ‏} ‏الْكَذَّابُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْمُبَارَكِ , وَيُونُسُ هُوَ اِبْنُ يَزِيدَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَاتَلَ اللَّهُ يَهُودًا ) ‏ ‏كَذَا بِالتَّنْوِينِ عَلَى إِرَادَةِ الْبَطْنِ , وَفِي رِوَايَةٍ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى إِرَادَةِ الْقَبِيلَةِ , وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي فِي آخِرِ الْبَابِ أَنَّ مَعْنَاهُ لَعَنَهُمْ , وَاسْتَشْهَدَ بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ) مَعْنَاهُ لُعِنَ وَهُوَ تَفْسِيرُ اِبْنِ عَبَّاسٍ فِي قُتِلَ وَقَوْلُهُ \" الْخَرَّاصُونَ : الْكَذَّابُونَ \" هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ رَوَاهُمَا الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْهُمَا. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : مَعْنَى قَاتَلَهُمْ قَتَلَهُمْ , قَالَ : وَفَاعَلَ أَصْلُهَا أَنْ يَقَعَ الْفِعْلُ بَيْنَ اِثْنَيْنِ , وَرُبَّمَا جَاءَ مِنْ وَاحِدٍ كَسَافَرْتُ وَطَارَقْتُ النَّعْلَ , وَقَالَ غَيْرُهُ : مَعْنَى قَاتَلَهُمْ عَادَاهُمْ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مَنْ صَارَ عَدُوَّ اللَّهِ وَجَبَ قَتْلُهُ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : قَاتَلَ أَيْ عَادَى أَوْ قَتَلَ , وَأُخْرِجَ فِي صُورَةِ الْمُبَالَغَةِ , أَوْ عُبِّرَ عَنْهُ بِمَا هُوَ مُسَبَّبٌ عَنْهُمْ فَإِنَّهُمْ بِمَا اِخْتَرَعُوا مِنْ الْحِيلَةِ اِنْتَصَبُوا لِمُحَارَبَةِ اللَّهِ وَمَنْ حَارَبَهُ حُرِبَ وَمَنْ قَاتَلَهُ قُتِلَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2073",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ عِنْدَ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا عَبَّاسٍ ‏ ‏إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا فَرَبَا الرَّجُلُ ‏ ‏رَبْوَةً ‏ ‏شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ فَقَالَ وَيْحَكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏هَذَا الْوَاحِدَ ‏",
        "sharh": "\" 3489 \" ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَرَبَا الرَّجُلُ ) ‏ ‏بِالرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ اِنْتَفَخَ , قَالَ الْخَلِيلُ : رَبَا الرَّجُلُ أَصَابَهُ نَفَسٌ فِي جَوْفِهِ وَهُوَ الرَّبْوُ وَالرَّبْوَةُ ; وَقِيلَ مَعْنَاهُ ذُعِرَ وَامْتَلَأَ خَوْفًا. وَقَوْلُهُ رُبْوَةً بِضَمِّ الرَّاءِ وَبِفَتْحِهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَعَلَيْك بِهَذَا الشَّجَرِ كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْلِ بِخَفْضِ \" كُلِّ \" عَلَى أَنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ مِنْ بَعْضٍ ; وَقَدْ جَوَّزَهُ بَعْضُ النُّحَاةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ عَلَيْك بِمِثْلِ الشَّجَرِ , أَوْ عَلَى حَذْفِ وَاوِ الْعَطْفِ أَيْ وَكُلِّ شَيْءٍ , وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ فِي التَّحِيَّاتِ الصَّلَوَاتُ إِذْ الْمَعْنَى وَالصَّلَوَاتُ , وَبِهَذَا الْأَخِيرِ جَزَمَ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ , وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ \" فَاصْنَعْ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ \" وَلِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ هَوْذَةَ عَنْ عَوْفٍ \" فَعَلَيْك بِهَذَا الشَّجَرِ وَكُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ \" بِإِثْبَاتِ وَاوِ الْعَطْفِ , وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ \" كُلِّ شَيْءٍ \" هُوَ بَيَانٌ لِلشَّجَرِ لِأَنَّهُ لَمَّا مَنَعَهُ عَنْ التَّصْوِيرِ وَأَرْشَدَهُ إِلَى الشَّجَرِ كَانَ غَيْرَ وَافٍ بِمَقْصُودِهِ وَلِأَنَّهُ قَصَدَ كُلَّ مَا لَا رُوحَ فِيهِ وَلَمْ يَقْصِدْ خُصُوصَ الشَّجَرِ , وَقَوْلُهُ كُلِّ بِالْخَفْضِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّفُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( سَمِعَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مِنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ هَذَا الْوَاحِدَ ) ‏ ‏أَيْ الْحَدِيثَ , سَقَطَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ هُنَا , وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ النَّضْرِ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَاهُ , وَسَأَذْكُرُ مَا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مِنْ التَّغَايُرِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ وَجَدْت فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ قَبْلَ قَوْلِهِ \" سَمِعَ سَعِيدٌ \" مَا نَصُّهُ \" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَعَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ سَمِعْت النَّضْرَ بْنَ أَنَسٍ قَالَ : كُنْت عِنْدَ اِبْنِ عَبَّاسٍ \" بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبَعْدَهُ \" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَمِعَ سَعِيدٌ إِلَخْ \" فَزَالَ الْإِشْكَالُ بِهَذَا , وَلَمْ أَجِدْ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ إِلَّا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ , وَمُحَمَّدٌ الْمَذْكُورُ هُوَ اِبْنُ سَلَامٍ , وَعَبْدَةُ هُوَ اِبْنُ سُلَيْمَانَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2074",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ عَنْ آخِرِهَا خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏حُرِّمَتْ التِّجَارَةُ فِي الْخَمْرِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2075",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ قَالَ اللَّهُ ‏ ‏ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ ) ‏ ‏هُوَ بِشْرُ بْنُ عُبَيْسٍ بِمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرًا بْنُ مَرْحُومِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مِهْرَانَ الْعَطَّارُ فَنُسِبَ إِلَى جَدِّهِ , وَهُوَ شَيْخٌ بَصْرِيٌّ مَا أَخْرَجَ عَنْهُ مِنْ السِّتَّةِ إِلَّا الْبُخَارِيَّ , وَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ هَذَا فِي الْإِجَارَةِ عَنْ شَيْخٍ آخَرَ وَافَقَ بِشْرًا فِي رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ شَيْخِهِمَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ هُوَ الطَّائِفِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ مُخْتَلَفٌ فِي تَوْثِيقِهِ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ مَوْصُولًا سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ , وَذَكَرَهُ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ , وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ إِنَّمَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ خَاصَّةً , وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَتِهِ , وَاتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمٍ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَخَالَفَهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيُّ فَقَالَ \" عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ \" قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْمَحْفُوظُ قَوْلُ الْجَمَاعَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثَلَاثَةٌ : أَنَا خَصْمُهُمْ ) ‏ ‏زَادَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" وَمَنْ كُنْت خَصْمَهُ خَصَمْته \" قَالَ اِبْنُ التِّينِ : هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَصْمٌ لِجَمِيعِ الظَّالِمِينَ إِلَّا أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْدِيدَ عَلَى هَؤُلَاءِ بِالتَّصْرِيحِ , وَالْخَصْمُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَعَلَى الِاثْنَيْنِ وَعَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ , وَقَالَ الْهَرَوِيُّ الْوَاحِدُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ , وَقَالَ الْفَرَّاءُ الْأَوَّلُ قَوْلُ الْفُصَحَاءِ , وَيَجُوزُ فِي الِاثْنَيْنِ خَصْمَانِ وَالثَّلَاثَةِ خُصُومٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ وَالتَّقْدِيرُ أَعْطَى يَمِينَهُ بِي أَيْ عَاهَدَ عَهْدًا وَحَلَفَ عَلَيْهِ بِاللَّهِ ثُمَّ نَقَضَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ ) ‏ ‏خَصَّ الْأَكْلَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَقْصُودٍ , وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا \" ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلَاةٌ \" فَذَكَرَ فِيهِمْ \" وَرَجُلٌ اِعْتَبَدَ مُحَرَّرًا \" وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ فِي الْفِعْلِ وَأَخَصُّ مِنْهُ فِي الْمَفْعُولِ بِهِ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : اِعْتِبَادُ الْحُرِّ يَقَعُ بِأَمْرَيْنِ : أَنْ يَعْتِقَهُ ثُمَّ يَكْتُمَ ذَلِكَ أَوْ يَجْحَدَ , وَالثَّانِي أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ كُرْهًا بَعْدَ الْعِتْقِ , وَالْأَوَّلُ أَشَدُّهُمَا. قُلْت : وَحَدِيثُ الْبَابِ أَشَدُّ لِأَنَّ فِيهِ مَعَ كَتْمِ الْعِتْقِ أَوْ جَحْدِهِ الْعَمَل بِمُقْتَضَى ذَلِكَ مِنْ الْبَيْعِ وَأَكْلِ الثَّمَنِ فَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْوَعِيدُ عَلَيْهِ أَشَدَّ , قَالَ الْمُهَلَّبُ : وَإِنَّمَا كَانَ إِثْمُهُ شَدِيدًا لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَكْفَاءُ فِي الْحُرِّيَّةِ , فَمَنْ بَاعَ حُرًّا فَقَدْ مَنَعَهُ التَّصَرُّفَ فِيمَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ وَأَلْزَمَهُ الذُّلَّ الَّذِي أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ. وَقَالَ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ : الْحُرُّ عَبْدُ اللَّهِ , فَمَنْ جَنَى عَلَيْهِ فَخَصْمُهُ سَيِّدُهُ. وَقَالَ اِبْنُ الْمُنْذِرِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ مَنْ بَاعَ حُرًّا أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ , يَعْنِي إِذَا لَمْ يَسْرِقْهُ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ , إِلَّا مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ تُقْطَعُ يَدُ مَنْ بَاعَ حُرًّا قَالَ : وَكَانَ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْحُرِّ خِلَافٌ قَدِيمٌ ثُمَّ اِرْتَفَعَ , فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : مَنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ عَبْدٌ فَهُوَ عَبْدٌ. قُلْتُ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ فِيمَنْ لَمْ تُعْلَمْ حُرِّيَّتُهُ , لَكِنْ رَوَى اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ \" أَنَّ رَجُلًا بَاعَ نَفْسَهُ فَقَضَى عُمَرُ بِأَنَّهُ عَبْدٌ وَجَعَلَ ثَمَنَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ \" وَمِنْ طَرِيقِ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى أَحَدُ التَّابِعِينَ أَنَّهُ بَاعَ حُرًّا فِي دَيْنٍ , وَنَقَلَ اِبْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْحُرَّ كَانَ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ حَتَّى نَزَلَتْ ( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ رِوَايَةِ زُرَارَةَ , وَلَا يُثْبِتُ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَاسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْمَنْعِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَرَجُلٌ اِسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ ) ‏ ‏هُوَ فِي مَعْنَى مِنْ بَاعَ حُرًّا وَأَكَلَ ثَمَنَهُ لِأَنَّهُ اِسْتَوْفَى مَنْفَعَتَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَكَأَنَّهُ أَكَلَهَا , وَلِأَنَّهُ اِسْتَخْدَمَهُ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ وَكَأَنَّهُ اِسْتَعْبَدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2076",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ فِي السَّبْيِ ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏فَصَارَتْ إِلَى ‏ ‏دَحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ‏ ‏ثُمَّ صَارَتْ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَانَ فِي السَّبْي صَفِيَّةُ فَصَارَتْ إِلَى دِحْيَةَ ثُمَّ صَارَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مِمَّا يُنَاسِبُ تَرْجَمَتَهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَوَّضَ دِحْيَةَ عَنْهَا بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ , وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ ثَابِتٍ , وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا سَيَأْتِي \" فَقَالَ لِدِحْيَةَ خُذْ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ غَيْرَهَا \" قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : يَنْزِلُ تَبْدِيلُهَا بِجَارِيَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ يَخْتَارُهَا مَنْزِلَةَ بَيْعِ جَارِيَةٍ بِجَارِيَةٍ نَسِيئَةً , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قِصَّةِ صَفِيَّةَ هَذِهِ مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2077",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ مُحَيْرِيزٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ ‏ ‏بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا فَنُحِبُّ الْأَثْمَانَ فَكَيْفَ تَرَى فِي الْعَزْلِ فَقَالَ ‏ ‏أَوَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَلِكُمْ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللَّهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَّا هِيَ خَارِجَةٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2078",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَاعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمُدَبَّرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ بَاعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَعَطَاء هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاح , وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق : إِسْمَاعِيل وَسَلَمَة وَعَطَاء , فَإِسْمَاعِيل وَسَلَمَة قَرِينَانِ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ وَعَطَاء مِنْ أَوْسَاطهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( بَاعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُدَبَّر ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق وَكِيع كَذَلِكَ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ وَكِيع كَذَلِكَ لَكِنْ زَادَ \" عَنْ سُفْيَان وَإِسْمَاعِيل جَمِيعًا عَنْ سَلَمَة \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن خَلَّادٍ عَنْ وَكِيع وَلَفْظه \" فِي رَجُل أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُر وَعَلَيْهِ دَيْن فَبَاعَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَمَانِمِائَةِ \" دِرْهَم \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الْأَحْكَام عَنْ اِبْن نُمَيْر شَيْخه فِيهِ هُنَا لَكِنْ قَالَ \" عَنْ مُحَمَّد بْن بِشْر - بَدَل وَكِيع - عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد \" وَلَفْظه \" بَلَغَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابه أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُر لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال غَيْره فَبَاعَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم ثُمَّ أَرْسَلَ بِثَمَنِهِ إِلَيْهِ \" وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ \" بَيْع الْإِمَام عَلَى النَّاس أَمْوَالهمْ \" وَقَالَ فِي التَّرْجَمَة \" وَقَدْ بَاعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَبَّرًا مِنْ نُعَيْم بْن النَّحَّام \" وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ أَبُو مَذْكُور أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ يُقَال لَهُ يَعْقُوب عَنْ دُبُر لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال غَيْره , فَدَعَا بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ يَشْتَرِيه ؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْم بْن عَبْد اللَّه النَّحَّام بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب بَيْع الْمُزَايَدَة \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَطَاء بِلَفْظِ \" إِنْ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُر فَاحْتَاجَ فَأَخَذَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ يَشْتَرِيه مِنِّي ؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْم اِبْن عَبْد اللَّه \" فَأَفَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة سَبَب بَيْعه وَهُوَ الِاحْتِيَاج إِلَى ثَمَنه. وَفِي رِوَايَة اِبْن خَلَّادٍ زِيَادَة فِي تَفْسِير الْحَاجَة وَهُوَ الدَّيْن , فَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي الِاسْتِقْرَاض \" مَنْ بَاعَ مَال الْمُفْلِس فَقَسَمَهُ بَيْن الْغُرَمَاء أَوْ أَعْطَاهُ حَتَّى يُنْفِق عَلَى نَفْسه \" وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْأَوَّلِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة وَكِيع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي قَوْله \" وَعَلَيْهِ دَيْن \" وَإِلَى مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل بِلَفْظِ \" إِنْ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُر وَكَانَ مُحْتَاجًا وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْن فَبَاعَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم , فَأَعْطَاهُ وَقَالَ : اِقْضِ دَيْنك \" وَبِالثَّانِي إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر قَالَ \" أَعْتَقَ رَجُل مِنْ بَنِي عُذْرَة عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُر , فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَلَك مَال غَيْره ؟ فَقَالَ لَا \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : اِبْدَأْ بِنَفْسِك فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا \" الْحَدِيث. وَفِي رِوَايَة أَيُّوب الْمَذْكُورَة نَحْوه وَلَفْظه \" وَإِذَا كَانَ أَحَدكُمْ فَقِيرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ , فَإِنْ كَانَ فَضْل فَعَلَى عِيَاله \" الْحَدِيث فَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الرِّوَايَات عَلَى أَنَّ بَيْع الْمُدَبَّر كَانَ فِي حَيَاة الَّذِي دَبَّرَهُ , إِلَّا مَا رَوَاهُ شَرِيك عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل بِهَذَا الْإِسْنَاد \" إِنْ رَجُلًا مَاتَ وَتَرَكَ مُدَبَّرًا وَدَيْنًا , فَأَمَرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَاعَهُ فِي دَيْنه بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم \" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَنَقَلَ عَنْ شَيْخه أَبِي بَكْر النَّيْسَابُورِيّ أَنَّ شَرِيكًا أَخْطَأَ فِيهِ , وَالصَّحِيح مَا رَوَاهُ الْأَعْمَش وَغَيْره عَنْ سَلَمَة وَفِيهِ \" وَدَفَعَ ثَمَنه إِلَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد \" وَدَفَعَ ثَمَنه إِلَى مَوْلَاهُ \". قُلْت : وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد عَنْ أَسْوَد بْن عَامِر عَنْ شَرِيك بِلَفْظِ \" إِنَّ رَجُلًا دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ وَعَلَيْهِ دَيْن , فَبَاعَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَيْن مَوْلَاهُ \" وَهَذَا شَبِيه بِرِوَايَةِ الْأَعْمَش وَلَيْسَ فِيهِ لِلْمَوْتِ ذِكْر , وَشَرِيك كَانَ تَغَيَّرَ حِفْظه لَمَّا وَلِيَ الْقَضَاء , وَسَمَاع مَنْ حَمَلَهُ عَنْهُ قَبْل ذَلِكَ أَصَحّ وَمِنْهُمْ أَسْوَد الْمَذْكُور. ‏ ‏( تَنْبِيهَات ) : ‏ ‏الْأَوَّل : اِتَّفَقَتْ الطُّرُق عَلَى أَنَّ ثَمَنه ثَمَانمِائَةِ دِرْهَم , إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق هُشَيْمٍ عَنْ إِسْمَاعِيل قَالَ \" سَبْعمِائَةٍ أَوْ تِسْعمِائَةٍ \". الثَّانِي : وَجَدْت لِوَكِيعٍ فِي حَدِيث الْبَاب إِسْنَادًا آخَر أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْأَدْرَمِيِّ عَنْهُ عَنْ أَبِي عَمْرو بْن الْعَلَاء عَنْ عَطَاء مِثْل لَفْظ حَدِيث الْبَاب مُخْتَصَرًا. الثَّالِث : وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاء عِنْد أَبِي دَاوُدَ زِيَادَة فِي آخِر الْحَدِيث وَهُوَ \" أَنْتَ أَحَقّ بِثَمَنِهِ وَاللَّه أَغْنَى عَنْهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , وَفِي رِوَايَةٍ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَده \" حَدَّثَنَا عَمْرو بْن دِينَار \". ‏ ‏قَوْله : ( بَاعَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَكَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا مُخْتَصَرًا وَلَمْ يَذْكُر مَنْ يَعُود الضَّمِير عَلَيْهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو بِكْر بْن أَبِي شَيْبَة فِي مُصَنَّفه عَنْ سُفْيَان فَزَادَ فِي آخِره \" يَعْنِي الْمُدَبَّر \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم وَأَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة جَمِيعًا عَنْ سُفْيَان بِلَفْظِ \" دَبَّرَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار غُلَامًا لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال غَيْره فَبَاعَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَاشْتَرَاهُ اِبْن النَّحَّام عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَام أَوَّل فِي إِمَارَة اِبْن الزُّبَيْر \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ سُفْيَان بِتَمَامِهِ نَحْوه , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي كَفَّارَات الْأَيْمَان مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عَمْرو نَحْوه وَلَمْ يَقُلْ \" فِي إِمَارَة اِبْن الزُّبَيْر \" وَلَا عَيَّنَ الثَّمَن , قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره : اِتَّفَقُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّة التَّدْبِير , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ الثُّلُث , غَيْر اللَّيْث وَزُفَر فَإِنَّهُمَا قَالَا : مِنْ رَأَسَ الْمَال , وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ عَقْد جَائِز أَوْ لَازِم , فَمَنْ قَالَ لَازِم مَنَعَ التَّصَرُّف فِيهِ إِلَّا بِالْعِتْقِ , وَمَنْ قَالَ جَائِز أَجَازَ , وَبِالْأَوَّلِ قَالَ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ , وَبِالثَّانِي قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَهْل الْحَدِيث , وَحُجَّتهمْ حَدِيث الْبَاب , وَلِأَنَّهُ تَعْلِيق لِلْعِتْقِ بِصِفَةِ اِنْفَرَدَ السَّيِّد بِهَا فَيَتَمَكَّن مِنْ بَيْعه كَمَنْ عَلَّقَ عِتْقه بِدُخُولِ الدَّار مَثَلًا , وَلِأَنَّ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ شَخْص جَازَ لَهُ بَيْعه بِاتِّفَاقِ فَيَلْحَق بِهِ جَوَاز بَيْع الْمُدَبَّر لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْوَصِيَّة , وَقَيَّدَ اللَّيْث الْجَوَاز بِالْحَاجَةِ وَإِلَّا فَيُكْرَه , وَأَجَابَ الْأَوَّل بِأَنَّهَا قَضِيَّة عَيْن لَا عُمُوم لَهَا فَيُحْمَل عَلَى بَعْض الصُّوَر , وَهُوَ اِخْتِصَاص الْجَوَاز بِمَا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْن , وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب أَحْمَد وَالْخِلَاف فِي مَذْهَب مَالِك أَيْضًا. وَأَجَابَ بَعْض الْمَالِكِيَّة عَنْ الْحَدِيث بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ تَصَرُّف هَذَا الرَّجُل لِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال غَيْره فَيُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى رَدّ تَصَرُّف مَنْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَاله , وَادَّعَى بَعْضهمْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا بَاعَ خِدْمَة الْمُدَبَّر لَا رَقَبَته , وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ اِبْن فُضَيْلٍ عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي سُلَيْمَان عَنْ عَطَاء عَنْ جَابِر أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" لَا بَأْس بِبَيْعِ خِدْمَة الْمُدَبَّر \" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات , إِلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي وَصْله وَإِرْسَاله , وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّة إِذْ لَا دَلِيل فِيهِ عَلَى أَنَّ الْبَيْع الَّذِي وَقَعَ فِي قِصَّة الْمُدَبَّر الَّذِي اِشْتَرَاهُ نُعَيْم بْن النَّحَّام كَانَ فِي مَنْفَعَته دُون رَقَبَته. ‏"
    },
    {
        "id": "2079",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ ‏ ‏وَأَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَاهُ ‏ ‏أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُسْأَلُ عَنْ الْأَمَةِ تَزْنِي وَلَمْ تُحْصَنْ قَالَ ‏ ‏اجْلِدُوهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ بِيعُوهَا بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَزَيْد بْن خَالِد فِي بَيْع الْأَمَة إِذَا زَنَتْ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي \" بَاب بَيْع الْعَبْد الزَّانِي \" وَأَوْرَدَهُ هُنَا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَوَجْه دُخُوله فِي هَذَا الْبَاب عُمُوم الْأَمْر بِبَيْعِ الْأَمَة إِذَا زَنَتْ , فَيَشْمَل مَا إِذَا كَانَتْ مُدَبَّرَة أَوْ غَيْر مُدَبَّرَة فَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز بَيْع الْمُدَبَّر فِي الْجُمْلَة , وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ وَفِي نُسْخَة الصَّغَانِيِّ فَلَا يَحْتَاج إِلَى اِعْتِذَار. ‏"
    },
    {
        "id": "2080",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا ‏ ‏يُثَرِّبْ ‏ ‏عَلَيْهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا ‏ ‏يُثَرِّبْ ‏ ‏ثُمَّ إِنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2081",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ ‏ ‏وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِنَفْسِهِ فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا ‏ ‏سَدَّ الرَّوْحَاءِ ‏ ‏حَلَّتْ فَبَنَى بِهَا ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا فِي ‏ ‏نِطَعٍ ‏ ‏صَغِيرٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏صَفِيَّةَ ‏ ‏ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ فَتَضَعُ ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2082",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَ ذَلِكَ قَاتَلَ اللَّهُ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْحَمِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏كَتَبَ إِلَيَّ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَطَاء ) ‏ ‏بَيَّنَ فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة تِلْو هَذِهِ الرِّوَايَة الْمُتَّصِلَة أَنَّ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ عَطَاء وَإِنَّمَا كَتَبَ بِهِ إِلَيْهِ , وَلِيَزِيدَ فِيهِ إِسْنَاد آخَر ذَكَره أَبُو حَاتِم فِي \" الْعِلَل \" مِنْ طَرِيق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ عَمْرو بْن الْوَلِيد بْن عُبَيْدَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ , قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : سَأَلْت أَبِي عَنْهُ فَقَالَ : قَدْ رَوَاهُ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ يَزِيد عَنْ عَطَاء , وَيَزِيد لَمْ يَسْمَع مِنْ عَطَاء وَلَا أَعْلَم أَحَدًا مِنْ الْمِصْرِيِّينَ رَوَاهُ عَنْ يَزِيد مُتَابِعًا لِعَبْدِ الْحَمِيد بْن جَعْفَر , فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَهُوَ صَحِيح لِأَنَّ مَحَلّه الصِّدْق. قُلْت : قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَبْد الْحَمِيد , وَرِوَايَة أَبِي عَاصِم عَنْهُ الْمُوَافَقَة لِرِوَايَةِ غَيْره عَنْ يَزِيد أَرْجَح فَتَكُون رِوَايَة حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل شَاذَّة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَابِر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اللَّيْث بِسَنَدِهِ \" سَمِعْت جَابِر بْن عَبْد اللَّه بِمَكَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ بِمَكَّة عَام الْفَتْح ) ‏ ‏فِيهِ بَيَان تَارِيخ ذَلِكَ ; وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَان سَنَة ثَمَان مِنْ الْهِجْرَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّحْرِيم وَقَعَ قَبْل ذَلِكَ ثُمَّ أَعَادَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْمَعهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّه وَرَسُوله حَرَّمَ ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِإِسْنَادِ الْفِعْل إِلَى ضَمِير الْوَاحِد وَكَانَ الْأَصْل \" حَرَّمَا \" فَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأَدَّبَ فَلَمْ يَجْمَع بَيْنه وَبَيْن اِسْم اللَّه فِي ضَمِير الِاثْنَيْنِ , لِأَنَّهُ مِنْ نَوْع مَا رَدَّ بِهِ عَلَى الْخَطِيب الَّذِي قَالَ \" وَمَنْ يَعْصِهِمَا \" كَذَا قَالَ , وَلَمْ تَتَّفِق الرُّوَاة فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ فِي بَعْض طُرُقه فِي الصَّحِيح \" إِنَّ اللَّه حَرَّمَ \" لَيْسَ فِيهِ و \" رَسُوله \" وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَرْدَوْيهِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اللَّيْث \" إِنَّ اللَّه وَرَسُوله حَرَّمَا \" وَقَدْ صَحَّ حَدِيث أَنَس فِي النَّهْي عَنْ أَكْل الْحُمُر الْأَهْلِيَّة \" إِنَّ اللَّه وَرَسُوله يَنْهَيَانِكُمْ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" يَنْهَاكُمْ \" وَالتَّحْقِيق جَوَاز الْإِفْرَاد فِي مِثْل هَذَا , وَوَجْهه الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ أَمْر النَّبِيّ نَاشِئٌ عَنْ أَمْر اللَّه , وَهُوَ نَحْو قَوْله : ( وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ) وَالْمُخْتَار فِي هَذَا أَنَّ الْجُمْلَة الْأُولَى حُذِفَتْ لِدَلَالَةِ الثَّانِيَة عَلَيْهَا , وَالتَّقْدِير عِنْد سِيبَوَيْهِ : وَاللَّه أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ , وَرَسُوله أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ , وَهُوَ كَقَوْلِ الشَّاعِر : ‏ ‏نَحْنُ بِمَا عِنْدنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدك ‏ ‏رَاضٍ وَالرَّأْي مُخْتَلِف ‏ ‏وَقِيلَ أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ خَبَر عَنْ الِاسْمَيْنِ , لِأَنَّ الرَّسُول تَابِع لِأَمْرِ اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّه ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَة الْقَائِل , وَفِي رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد الْآتِيَة \" فَقَالَ رَجُل \". ‏ ‏قَوْله : ( أَرَأَيْت شُحُوم الْمَيْتَة فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُن وَيُدْهَن بِهَا الْجُلُود وَيَسْتَصْبِح بِهَا النَّاس ) ‏ ‏أَيْ فَهَلْ يَحِلّ بَيْعهَا لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَنَافِع فَإِنَّهَا مُقْتَضِيَة لِصِحَّةِ الْبَيْع. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : لَا هُوَ حَرَام ) ‏ ‏أَيْ الْبَيْع , هَكَذَا فَسَّرَهُ بَعْض الْعُلَمَاء كَالشَّافِعِيِّ وَمَنْ اِتَّبَعَهُ , وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ قَوْله \" وَهُوَ حَرَام \" عَلَى الِانْتِفَاع فَقَالَ : يَحْرُم الِانْتِفَاع بِهَا وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الْعُلَمَاء , فَلَا يُنْتَفَع مِنْ الْمَيْتَة أَصْلًا عِنْدهمْ إِلَّا مَا خُصَّ بِالدَّلِيلِ وَهُوَ الْجِلْد الْمَدْبُوغ , وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَتَنَجَّس مِنْ الْأَشْيَاء الطَّاهِرَة فَالْجُمْهُور عَلَى الْجَوَاز , وَقَالَ أَحْمَد وَابْن الْمَاجِشُونِ : لَا يُنْتَفَع بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ عَلَى جَوَاز الِانْتِفَاع بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَتْ لَهُ دَابَّة سَاغَ لَهُ إِطْعَامهَا لِكِلَابِ الصَّيْد فَكَذَلِكَ يَسُوغ دَهْن السَّفِينَة بِشَحْمِ الْمَيْتَة وَلَا فَرْق. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد ذَلِكَ : قَاتَلَ اللَّه الْيَهُود إِلَخْ ) ‏ ‏وَسِيَاقه مُشْعِر بِقُوَّةِ مَا أَوَّلَهُ الْأَكْثَر أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" هُوَ حَرَام \" الْبَيْع لَا الِانْتِفَاع , وَرَوَى أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا \" الْوَيْل لِبَنِي إِسْرَائِيل , إِنَّهُ لَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُوم بَاعُوهَا فَأَكَلُوا ثَمَنهَا , وَكَذَلِكَ ثَمَن الْخَمْر عَلَيْكُمْ حَرَام \" وَقَدْ مَضَى فِي \" بَاب تَحْرِيم تِجَارَة الْخَمْر \" حَدِيث تَمِيم الدَّارِيِّ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو عَاصِم حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن جَعْفَر , وَهَذِهِ الطَّرِيق وَصَلَهَا أَحْمَد عَنْ أَبِي عَاصِم وَأَخْرَجَهَا مُسْلِم عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِي عَاصِم وَلَمْ يَسْبِق لَفْظه بَلْ قَالَ مِثْل حَدِيث اللَّيْث , وَالظَّاهِر أَنَّهُ أَرَادَ أَصْل الْحَدِيث , وَإِلَّا فَفِي سِيَاقه بَعْض مُخَالَفَة , قَالَ أَحْمَد : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بْن مَخْلَدٍ عَنْ عَبْد الْحَمِيد اِبْن جَعْفَر أَخْبَرَنِي يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب وَلَفْظه \" يَقُول عَام الْفَتْح : إِنَّ اللَّه حَرَّمَ بَيْع الْخَنَازِير وَبَيْع الْمَيْتَة وَبَيْع الْخَمْر وَبَيْع الْأَصْنَام , قَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه فَمَا تَرَى فِي بَيْع شُحُوم الْمَيْتَة ؟ فَإِنَّهَا تُدْهَن بِهَا السُّفُن وَالْجُلُود وَيُسْتَصْبَح بِهَا. فَقَالَ : قَاتَلَ اللَّه يَهُود \". الْحَدِيث فَظَهَرَ بِهَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ السُّؤَال وَقَعَ عَنْ بَيْع الشُّحُوم وَهُوَ يُؤَيِّد مَا قَرَّرْنَاهُ , وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَهُوَ عِنْد الرُّكْن \" قَاتَلَ اللَّه الْيَهُود , إِنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الشُّحُوم فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانهَا , وَإِنَّ اللَّه إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْم أَكْل شَيْء حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنه \" قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء : الْعِلَّة فِي مَنْع بَيْع الْمَيْتَة وَالْخَمْر وَالْخِنْزِير النَّجَاسَة فَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى كُلّ نَجَاسَة , وَلَكِنَّ الْمَشْهُور عِنْد مَالِك طَهَارَة الْخِنْزِير. وَالْعِلَّة فِي مَنْع بَيْع الْأَصْنَام عَدَم الْمَنْفَعَة الْمُبَاحَة , فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ إِذَا كُسِرَتْ يُنْتَفَع بِرُضَاضِهَا جَازَ بَيْعهَا عِنْد بَعْض الْعُلَمَاء مِنْ الشَّافِعِيَّة وَغَيْرهمْ , وَالْأَكْثَر عَلَى الْمَنْع حَمْلًا لِلنَّهْيِ عَلَى ظَاهِره , وَالظَّاهِر أَنَّ النَّهْي عَنْ بَيْعهَا لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِير عَنْهَا , وَيَلْتَحِق بِهَا فِي الْحُكْم الصُّلْبَان الَّتِي تُعَظِّمهَا النَّصَارَى وَيَحْرُم نَحْت جَمِيع ذَلِكَ وَصَنْعَته , وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيم بَيْع الْمَيْتَة وَالْخَمْر وَالْخِنْزِير إِلَّا مَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي \" بَاب تَحْرِيم الْخَمْر \" وَلِذَلِكَ رَخَّصَ بَعْض الْعُلَمَاء فِي الْقَلِيل مِنْ شَعْر الْخِنْزِير لِلْخَرَزِ حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي يُوسُف وَبَعْض الْمَالِكِيَّة , فَعَلَى هَذَا فَيَجُوز بَيْعه , وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْمَيْتَة عِنْد بَعْض الْعُلَمَاء مَا لَا تَحِلّهُ الْحَيَاة كَالشَّعْرِ وَالصُّوف وَالْوَبَر فَإِنَّهُ طَاهِر فَيَجُوز بَيْعه وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة , وَزَادَ بَعْضهمْ الْعَظْم وَالسِّنّ وَالْقَرْن وَالظِّلْف , وَقَالَ بِنَجَاسَةِ الشُّعُور الْحَسَن وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَلَكِنَّهَا تَطْهُر عِنْدهمْ بِالْغَسْلِ , وَكَأَنَّهَا مُتَنَجِّسَة عِنْدهمْ بِمَا يَتَعَلَّق بِهَا مِنْ رُطُوبَات الْمَيْتَة لَا نَجِسَة الْعَيْن , وَنَحْوه قَوْل اِبْن الْقَاسِم فِي عَظْم الْفِيل إِنَّهُ يَطْهُر إِذَا سُلِقَ بِالْمَاءِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِير مِنْ مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب لَا يُذَاب شَحْم الْمَيْتَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "2083",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ‏ ‏وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2084",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏اشْتَرَى ‏ ‏حَجَّامًا ‏ ‏فَأَمَرَ ‏ ‏بِمَحَاجِمِهِ ‏ ‏فَكُسِرَتْ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ وَكَسْبِ الْأَمَةِ وَلَعَنَ ‏ ‏الْوَاشِمَةَ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْشِمَةَ ‏ ‏وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2085",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْمِنْهَالِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ فِي الثَّمَرِ الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ ‏ ‏أَوْ قَالَ عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً شَكَّ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَنْ سَلَّفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏بِهَذَا فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة شَكَّ إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عُلَيَّة , وَلَمْ يَشُكَّ سُفْيَان فَقَالَ \" وَهُمْ يُسَلِّفُونَ فِي التَّمْر السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاث \" وَقَوْله عَامَيْنِ وَقَوْله السَّنَتَيْنِ مَنْصُوب إِمَّا عَلَى نَزْع الْخَافِض أَوْ عَلَى الْمَصْدَر. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ سَلَّفَ فِي تَمْر ) ‏ ‏كَذَا لِابْنِ عُلَيَّة بِالتَّشْدِيدِ , وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" مِنْ أَسْلَفَ فِي شَيْء \" وَهِيَ أَشْمَل , وَقَوْله \" وَوَزْن مَعْلُوم \" الْوَاو بِمَعْنَى أَوْ , وَالْمُرَاد اِعْتِبَار الْكَيْل فِيمَا يُكَال وَالْوَزْن فِيمَا يُوزَن. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُلَيَّة , وَاخْتُلِفَ فِي مُحَمَّد فَقَالَ الْجَيَّانِيُّ لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا , وَعِنْدِي أَنَّهُ اِبْن سَلَام وَبِهِ جَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ , زَادَ السُّفْيَانَانِ \" إِلَى أَجَل مَعْلُوم \" وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي بَابه. ‏"
    },
    {
        "id": "2086",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْمِنْهَالِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَهُمْ يُسْلِفُونَ بِالتَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏وَقَالَ فَليُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْمِنْهَالِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2087",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ ‏ ‏قَالَ اخْتَلَفَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ ‏ ‏وَأَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏فِي السَّلَفِ فَبَعَثُونِي إِلَى ‏ ‏ابْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّا كُنَّا نُسْلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ ‏ ‏وَسَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبْزَى ‏ ‏فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي الْمُجَالِد ) ‏ ‏كَذَا أَبْهَمَهُ أَبُو الْوَلِيد عَنْ شُعْبَة وَسَمَّاهُ غَيْره عَنْهُ مُحَمَّد بْن أَبِي الْمُجَالِد. وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْرَدَهُ عَلَى الشَّكّ مُحَمَّدًا وَعَبْد اللَّه , وَذَكَر الْبُخَارِيّ الرِّوَايَات الثَّلَاث , وَأَوْرَدَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , وَقَالَ مَرَّة \" مُحَمَّد \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه مِنْ رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد وَجَمَاعَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيِّ فَقَالَ \" عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي الْمُجَالِد \" وَلَمْ يَشُكّ فِي اِسْمه , وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه فِي الْمُحَمَّدَيْنِ , وَجَزَمَ أَبُو دَاوُدَ بِأَنَّ اِسْمه عَبْد اللَّه , وَكَذَا قَالَ اِبْن حِبَّانَ وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ كَانَ صِهْر مُجَاهِد وَبِأَنَّهُ كُوفِيّ ثِقَة وَكَانَ مَوْلَى عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى , وَوَثَّقَهُ أَيْضًا يَحْيَى اِبْن مَعِين وَغَيْره , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( اِخْتَلَفَ عَبْد اللَّه بْن شِدَاد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْهَادِ اللَّيْثِيُّ , وَهُوَ مِنْ صِغَار الصَّحَابَة ‏ ‏( وَأَبُو بُرْدَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي السَّلَف ) ‏ ‏أَيْ هَلْ يَجُوز السَّلَم إِلَى مَنْ لَيْسَ عِنْده الْمُسْلَم فِيهِ فِي تِلْكَ الْحَالَة أَمْ لَا ؟ وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ كَذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَأَلْت اِبْن أَبْزَى ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن الْخُزَاعِيُّ أَحَد صِغَار الصَّحَابَة , وَلِأَبِيهِ أَبْزَى صُحْبَة عَلَى الرَّاجِح , وَهُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالزَّاي وَزْن أَعْلَى , وَوَجْه إِيرَاد هَذَا الْحَدِيث فِي بَاب السَّلَم فِي وَزْن مَعْلُوم الْإِشَارَة إِلَى مَا فِي بَعْض طُرُقه وَهُوَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه بِلَفْظِ \" فَنُسْلِفهُمْ فِي الْحِنْطَة وَالشَّعِير وَالزَّيْت \" لِأَنَّ الزَّيْت مِنْ جِنْس مَا يُوزَن , قَالَ اِبْن بَطَّال. أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي السَّلَم مَا يُكَال أَوْ يُوزَن فَلَا بُدّ فِيهِ مِنْ ذِكْر الْكَيْل الْمَعْلُوم وَالْوَزْن الْمَعْلُوم , فَإِنْ كَانَ فِيمَا لَا يُكَال وَلَا يُوزَن فَلَا بُدّ فِيهِ مِنْ عَدَد مَعْلُوم. قُلْت : أَوْ ذَرْع مَعْلُوم , وَالْعَدَد وَالذَّرْع مُلْحَق بِالْكَيْلِ وَالْوَزْن لِلْجَامِعِ بَيْنهمَا وَهُوَ عَدَم الْجَهَالَة بِالْمِقْدَارِ , وَيَجْرِي فِي الذَّرْع مَا تَقَدَّمَ شَرْطه فِي الْكَيْل وَالْوَزْن مِنْ تَعْيِين الذِّرَاع لِأَجْلِ اِخْتِلَافه فِي الْأَمَاكِن. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ مَعْرِفَة صِفَة الشَّيْء الْمُسْلَم فِيهِ صِفَة تُمَيِّزهُ عَنْ غَيْره , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِي الْحَدِيث لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ لِذِكْرِ مَا كَانُوا يُهْمِلُونَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2088",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ ‏ ‏وَأَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَقَالَا سَلْهُ ‏ ‏هَلْ كَانَ ‏ ‏أَصْحَابُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُسْلِفُونَ فِي الْحِنْطَةِ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏كُنَّا نُسْلِفُ ‏ ‏نَبِيطَ ‏ ‏أَهْلِ الشَّأْمِ ‏ ‏فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ قُلْتُ إِلَى مَنْ كَانَ أَصْلُهُ عِنْدَهُ قَالَ مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ ‏ ‏ثُمَّ بَعَثَانِي إِلَى ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَصْحَابُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُسْلِفُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَمْ نَسْأَلْهُمْ أَلَهُمْ حَرْثٌ أَمْ لَا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُجَالِدٍ ‏ ‏بِهَذَا وَقَالَ فَنُسْلِفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏وَالزَّيْتِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( نَبِيطَ أَهْل الشَّام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" أَنْبَاط مِنْ أَنْبَاط الشَّام \" وَهُمْ قَوْم مِنْ الْعَرَب دَخَلُوا فِي الْعَجَم وَالرُّوم وَاخْتَلَطَتْ أَنْسَابهمْ وَفَسَدَتْ أَلْسِنَتهمْ , وَكَانَ الَّذِينَ اِخْتَلَطُوا بِالْعَجَمِ مِنْهُمْ يَنْزِلُونَ الْبَطَائِح بَيْن الْعِرَاقَيْنِ , وَالَّذِينَ اِخْتَلَطُوا بِالرُّومِ يَنْزِلُونَ فِي بِوَادِي الشَّام وَيُقَال لَهُمْ النَّبَط بِفَتْحَتَيْنِ وَالنَّبِيطُ بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه وَزِيَادَة تَحْتَانِيَّة , وَالْأَنْبَاط قِيلَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأَنْبَاطِ الْمَاء أَيْ اِسْتِخْرَاجه لِكَثْرَةِ مُعَالَجَتهمْ الْفِلَاحَة. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْتُ إِلَى مَنْ كَانَ أَصْله عِنْده ) ‏ ‏أَيْ الْمُسْلَم فِيهِ , وَسَيَأْتِي مِنْ طَرِيق سُفْيَان بِلَفْظِ \" قُلْت أَكَانَ لَهُمْ زَرْع أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا كُنَّا نَسْأَلهُمْ عَنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏كَأَنَّهُ اِسْتَفَادَ الْحُكْم مِنْ عَدَم الِاسْتِفْصَالِ وَتَقْرِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن الْوَلِيد ) ‏ ‏هُوَ الْعَدَنِيّ , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ , وَطَرِيقه مَوْصُولَة فِي \" جَامِع سُفْيَان \" مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْحَسَن الْهِلَالِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْوَلِيد الْمَذْكُور , وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى صِحَّة السَّلَم إِذَا لَمْ يَذْكُر مَكَان الْقَبْض , وَهُوَ قَوْل أَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي ثَوْر , وَبِهِ قَالَ مَالِك وَزَادَ : وَيَقْبِضهُ فِي مَكَان السَّلَم , فَإِنْ اِخْتَلَفَا فَالْقَوْل قَوْل الْبَائِع. وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ : لَا يَجُوز السَّلَم فِيمَا لَهُ حِمْل وَمُؤْنَة إِلَّا أَنْ يَشْتَرِط فِي تَسْلِيمه مَكَانًا مَعْلُومًا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز السَّلَم فِيمَا لَيْسَ مَوْجُودًا فِي وَقْت السَّلَم إِذَا أَمْكَنَ وُجُودُهُ فِي وَقْت حُلُول السَّلَم وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَلَا يَضُرّ اِنْقِطَاعه قَبْل الْمَحَلّ وَبَعْده عِنْدهمْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يَصِحّ فِيمَا يَنْقَطِع قَبْله , وَلَوْ أَسْلَمَ فِيمَا يَعُمّ فَانْقَطَعَ فِي مَحَلّه لَمْ يَنْفَسِخ الْبَيْع عِنْد الْجُمْهُور , وَفِي وَجْه لِلشَّافِعِيَّةِ يَنْفَسِخ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز التَّفَرُّق فِي السَّلَم قَبْل الْقَبْض لِكَوْنِهِ لَمْ يَذْكُر فِي الْحَدِيث , وَهُوَ قَوْل مَالِك إِنْ كَانَ بِغَيْرِ شَرْط. وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَالْكُوفِيُّونَ : يَفْسُد بِالِافْتِرَاقِ قَبْل الْقَبْض لِأَنَّهُ يَصِير مِنْ بَاب بَيْع الدَّيْن بِالدَّيْنِ. وَفِي حَدِيث اِبْن أَبِي أَوْفَى جَوَاز مُبَايَعَة أَهْل الذِّمَّة وَالسَّلَم إِلَيْهِمْ , وَرُجُوع الْمُخْتَلِفِينَ عِنْد التَّنَازُع إِلَى السُّنَّة , وَالِاحْتِجَاج بِتَقْرِيرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّ السُّنَّة إِذَا وَرَدَتْ بِتَقْرِيرِ حُكْم كَانَ أَصْلًا بِرَأْسِهِ لَا يَضُرّهُ مُخَالَفَة أَصْل آخَر. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف فِي الْبَابِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْآتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَزَعَمَ اِبْن بَطَّال أَنَّهُ غَلَط مِنْ النَّاسِخ وَأَنَّهُ لَا مَدْخَل لَهُ فِي هَذَا الْبَاب إِذْ لَا ذِكْر لِلسَّلَمِ فِيهِ , وَغَفَلَ عَمَّا وَقَعَ فِي السِّيَاق مِنْ قَوْل الرَّاوِي إِنَّهُ سَأَلَ اِبْن عَبَّاس عَنْ السَّلَم فِي النَّخْل , وَأَجَابَ اِبْن الْمُنِير أَنَّ الْحُكْم مَأْخُوذ بِطَرِيقِ الْمَفْهُوم وَذَلِكَ أَنَّ اِبْن عَبَّاس لَمَّا سُئِلَ عَنْ السَّلَم مَعَ مَنْ لَهُ نَخْل فِي ذَلِكَ النَّخْل رَأَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيل بَيْع الثِّمَار قَبْل بُدُوّ الصَّلَاح فَإِذَا كَانَ السَّلَم فِي النَّخْل الْمُعَيَّن لَا يَجُوز تَعْيِين جَوَازه فِي غَيْر الْمُعَيَّن لِلْأَمْنِ فِيهِ مِنْ غَائِلَةِ الِاعْتِمَاد عَلَى ذَلِكَ النَّخْل بِعَيْنِهِ لِئَلَّا يَدْخُل فِي بَاب بَيْع الثِّمَار قَبْل بُدُوّ الصَّلَاح , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد بِالسَّلَمِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيّ أَيْ السَّلَف لَمَّا كَانَتْ الثَّمَرَة قَبْل بُدُوّ صَلَاحهَا فَكَأَنَّهَا مَوْصُوفَة فِي الذِّمَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "2089",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيَّ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏السَّلَمِ ‏ ‏فِي النَّخْلِ قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى ‏ ‏يُوكَلَ ‏ ‏مِنْهُ وَحَتَّى يُوزَنَ فَقَالَ الرَّجُلُ وَأَيُّ شَيْءٍ يُوزَنُ قَالَ رَجُلٌ إِلَى جَانِبِهِ حَتَّى يُحْرَزَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو الْبَخْتَرِيِّ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عَمْرو ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ \" عَمْرو بْن مُرَّة \" وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طُرُق عَنْ شُعْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل مَا يُوزَن ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَزَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ نَفْسه لِقَوْلِهِ فِي بَعْض طُرُقه \" فَقَالَ لَهُ الرَّجُل \" بِالتَّعْرِيفِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُ رَجُل إِلَى جَانِبه ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , ‏ ‏وَقَوْله : ( حَتَّى يُحْرَز ) ‏ ‏بِتَقْدِيمِ الرَّاء عَلَى الزَّاي أَيْ يُحْفَظ وَيُصَان , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِتَقْدِيمِ الزَّاي عَلَى الرَّاء أَيْ يُوزَن أَوْ يُخْرَص , وَفَائِدَة ذَلِكَ مَعْرِفَة كِمِّيَّة حُقُوق الْفُقَرَاء قَبْل أَنْ يَتَصَرَّف فِيهِ الْمَالِك , وَصَوَّبَ عِيَاض الْأَوَّل وَلَكِنَّ الثَّانِي أَلْيَق بِذِكْرِ الْوَزْن , وَرَأَيْته فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ \" حَتَّى يُحَرَّر \" بِرَاءَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَة وَلَكِنَّهُ رَوَاهُ بِالشَّكِّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُعَاذ حَدَّثَنَا شُعْبَة ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ يَحْيَى بْن مُحَمَّد عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ عَنْ أَبِيهِ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2090",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏السَّلَمِ ‏ ‏فِي النَّخْلِ فَقَالَ ‏ ‏نُهِيَ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَصْلُحَ وَعَنْ بَيْعِ ‏ ‏الْوَرِقِ ‏ ‏نَسَاءً ‏ ‏بِنَاجِزٍ ‏ ‏وَسَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏السَّلَمِ ‏ ‏فِي النَّخْلِ فَقَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ أَوْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَحَتَّى يُوزَنَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر ‏ ‏( نَهَى عَنْ بَيْع النَّخْل حَتَّى يَصْلُح ) ‏ ‏أَيْ نَهَى عَنْ بَيْع ثَمَر النَّخْل , وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَات فِي هَذَا الْمَوْضِع عَلَى أَنَّهُ \" نُهِيَ \" عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَاخْتُلِفَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَهِيَ رِوَايَة غُنْدَر : فَعِنْد أَبِي ذَرّ وَأَبِي الْوَقْت \" فَقَالَ نَهَى عُمَر عَنْ بَيْع الثَّمَر الْحَدِيث \" وَفِي رِوَايَة غَيْرهمَا \" نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَاقْتَصَرَ مُسْلِم عَلَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس.. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ بَيْع الْوَرِقِ ) ‏ ‏أَيْ بِالذَّهَبِ كَمَا فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( نَسَاء ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَالْمُهْمَلَة وَالْمَدّ أَيْ تَأْخِيرًا , تَقُول نَسَأْت الدَّيْن أَيْ أَخَّرْته نَسَاء أَيْ تَأْخِيرًا , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي اِشْتِرَاط الْأَجَل فِي السَّلَم فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَحَدِيث اِبْن عُمَر إِنْ صَحَّ فَمَحْمُول عَلَى السَّلَم الْحَالّ عِنْد مَنْ يَقُول بِهِ أَوْ مَا قَرُبَ أَجَله , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز السَّلَم فِي النَّخْل الْمُعَيَّن مِنْ الْبُسْتَان الْمُعَيَّن لَكِنْ بَعْد بُدُوّ صَلَاحه وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّة , وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق النَّجْرَانِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" لَا يُسْلَم فِي نَخْل قَبْل أَنْ يُطْلِعَ , فَإِنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ فِي حَدِيقَةِ نَخْلٍ قَبْل أَنْ تُطْلِع فَلَمْ تُطْلِع ذَلِكَ الْعَام شَيْئًا , فَقَالَ الْمُشْتَرِي هُوَ لِي حَتَّى تُطْلِع , وَقَالَ الْبَائِع إِنَّمَا بِعْتُك هَذِهِ السَّنَة , فَاخْتَصَمَا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ : اُرْدُدْ عَلَيْهِ مَا أَخَذْت مِنْهُ وَلَا تُسْلِمُوا فِي نَخْلٍ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحه \" وَهَذَا الْحَدِيث فِيهِ ضَعْف , وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر اِتِّفَاق الْأَكْثَر عَلَى مَنْع السَّلَم فِي بُسْتَان مُعَيَّن لِأَنَّهُ غَرَر , وَقَدْ حَمَلَ الْأَكْثَر الْحَدِيث الْمَذْكُور عَلَى السَّلَم الْحَالّ , وَقَدْ رَوَى اِبْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن سَلَام فِي قِصَّة إِسْلَام زَيْد بْن سَعْنَة بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْعَيْن الْمُهْمَلَة بَعْدهَا نُون أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" هَلْ لَك أَنْ تَبِيعنِي تَمْرًا مَعْلُومًا إِلَى أَجَل مَعْلُوم مِنْ حَائِط بَنِي فُلَان. قَالَ : لَا أَبِيعك مِنْ حَائِط مُسَمًّى , بَلْ أَبِيعك أَوْسُقًا مُسَمَّاة إِلَى أَجَل مُسَمًّى \". ‏"
    },
    {
        "id": "2091",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏السَّلَمِ ‏ ‏فِي النَّخْلِ فَقَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى ‏ ‏يَصْلُحَ ‏ ‏وَنَهَى عَنْ ‏ ‏الْوَرِقِ ‏ ‏بِالذَّهَبِ ‏ ‏نَسَاءً ‏ ‏بِنَاجِزٍ ‏ ‏وَسَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأْكُلَ أَوْ يُؤْكَلَ وَحَتَّى يُوزَنَ قُلْتُ وَمَا يُوزَنُ قَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرَزَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2092",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَعَامًا مِنْ ‏ ‏يَهُودِيٍّ ‏ ‏بِنَسِيئَةٍ ‏ ‏وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2093",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ تَذَاكَرْنَا عِنْدَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏الرَّهْنَ فِي السَّلَفِ ‏ ‏فَقَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْأَسْوَدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اشْتَرَى مِنْ ‏ ‏يَهُودِيٍّ ‏ ‏طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَارْتَهَنَ مِنْهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2094",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْمِنْهَالِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ فَقَالَ ‏ ‏أَسْلِفُوا فِي الثِّمَارِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن الْوَلِيد حَدَّثَنَا سُفْيَان حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي نُجَيْح ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول فِي \" جَامِع سُفْيَان \" مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْوَلِيد الْمَذْكُور وَهُوَ الْعَدَنِيّ عَنْهُ , وَأَرَادَ الْمُصَنِّف بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان التَّحْدِيث لِأَنَّ الَّذِي قَبْله مَذْكُور بِالْعَنْعَنَةِ. ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيث اِبْن أَبِي أَوْفَى وَابْن أَبْزَى وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى عَنْ قَرِيب. ‏"
    },
    {
        "id": "2095",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُجَالِدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرْسَلَنِي ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ‏ ‏وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏فَسَأَلْتُهُمَا عَنْ السَّلَفِ فَقَالَا ‏ ‏كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَانَ يَأْتِينَا ‏ ‏أَنْبَاطٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَنْبَاطِ ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏فَنُسْلِفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى قَالَ قُلْتُ أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ زَرْعٌ قَالَا مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2096",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الْجَزُورَ إِلَى ‏ ‏حَبَلِ الْحَبَلَةِ ‏ ‏فَنَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْهُ ‏ ‏فَسَّرَهُ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2097",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالشُّفْعَةِ ‏ ‏فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا ‏ ‏شُفْعَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى رِوَايَته فِي \" بَاب بَيْع الْأَرْض \" مِنْ كِتَاب الْبُيُوع وَالِاخْتِلَاف فِي قَوْله : ‏ ‏( كُلّ مَا لَمْ يُقْسَم ) ‏ ‏أَوْ \" كُلّ مَال لَمْ يُقْسَم \" وَاللَّفْظ الْأَوَّل يُشْعِر بِاخْتِصَاصِ الشُّفْعَة بِمَا يَكُون قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ بِخِلَافِ الثَّانِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُود وَصُرِّفَتْ الطُّرُق فَلَا شُفْعَة ) ‏ ‏أَيْ بُيِّنَتْ مَصَارِف الطُّرُق وَشَوَارِعهَا , كَأَنَّهُ مِنْ التَّصَرُّف أَوْ مِنْ التَّصْرِيف. وَقَالَ اِبْن مَالِك : مَعْنَاهُ خَلَصَتْ وَبَانَتْ , وَهُوَ مُشْتَقّ مِنْ الصِّرْف بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة الْخَالِص مِنْ كُلّ شَيْء. وَهَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي ثُبُوت الشُّفْعَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر بِلَفْظِ \" قَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلّ شِرْك لَمْ يُقْسَم رَبْعَة أَوْ حَائِط , لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَبِيع حَتَّى يُؤْذِن شَرِيكه : فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ , فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنهُ فَهُوَ أَحَقّ بِهِ \" وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيث ثُبُوت الشُّفْعَة فِي الْمُشَاع , وَصَدْره يُشْعِر بِثُبُوتِهَا فِي الْمَنْقُولَات , وَسِيَاقه يُشْعِر بِاخْتِصَاصِهَا بِالْعَقَارِ وَبِمَا فِيهِ الْعَقَار. وَقَدْ أَخَذَ بِعُمُومِهَا فِي كُلّ شَيْء مَالِك فِي رِوَايَة , وَهُوَ قَوْل عَطَاء. وَعَنْ أَحْمَد تَثْبُت فِي الْحَيَوَانَات دُون غَيْرهَا مِنْ الْمَنْقُولَات وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا \" الشُّفْعَة فِي كُلّ شَيْء \" وَرِجَاله ثِقَات إِلَّا أَنَّهُ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ , وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيث جَابِر بِإِسْنَادٍ لَا بَأْس بِرُوَاتِهِ. ‏ ‏قَالَ عِيَاض : لَوْ اِقْتَصَرَ فِي الْحَدِيث عَلَى الْقِطْعَة الْأُولَى لَكَانَتْ فِيهِ دَلَالَة عَلَى سُقُوط شُفْعَة الْجِوَار , وَلَكِنْ أَضَافَ إِلَيْهَا صَرْف الطُّرُق , وَالْمُتَرَتِّب عَلَى أَمْرَيْنِ لَا يَلْزَم مِنْهُ تَرَتُّبه عَلَى أَحَدهمَا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَم دُخُول الشُّفْعَة فِيمَا لَا يَقْبَل الْقِسْمَة , وَعَلَى ثُبُوتهَا لِكُلِّ شَرِيك. وَعَنْ أَحْمَد لَا شُفْعَة لِذِمِّيٍّ. وَعَنْ الشَّعْبِيّ : لَا شُفْعَة لِمَنْ لَمْ يَسْكُن الْمِصْر. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏الْأَوَّل اُخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد فَقَالَ مَالِك عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَة وَابْن الْمُسَيِّب مُرْسَلًا كَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيّ وَغَيْره وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِم وَالْمَاجِشُونُ عَنْهُ فَوَصَلَهُ بِذِكْرِ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ , وَرَوَاهُ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيّ كَذَلِكَ لَكِنْ قَالَ عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدهمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَالْمَحْفُوظ رِوَايَته عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ جَابِر مَوْصُولًا وَعَنْ اِبْن الْمُسَيِّب عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا وَمَا سِوَى ذَلِكَ شُذُوذ مِمَّنْ رَوَاهُ. وَيُقَوِّي طَرِيقَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ جَابِر مُتَابَعَةُ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير لَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ جَابِر ثُمَّ سَاقَهُ كَذَلِكَ. ‏ ‏الثَّانِي : حَكَى اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ أَبِيهِ أَنَّ قَوْله \" فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُود إِلَخْ \" مُدْرَج مِنْ كَلَام جَابِر , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ الْأَصْل أَنَّ كُلّ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيث فَهُوَ مِنْهُ حَتَّى يَثْبُت الْإِدْرَاج بِدَلِيلٍ , وَقَدْ نَقَلَ صَالِح بْن أَحْمَد عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَجَّحَ رَفْعهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2098",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَقَفْتُ عَلَى ‏ ‏سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏فَجَاءَ ‏ ‏الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ‏ ‏فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيَّ إِذْ جَاءَ ‏ ‏أَبُو رَافِعٍ ‏ ‏مَوْلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏سَعْدُ ‏ ‏ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ فِي دَارِكَ فَقَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا فَقَالَ ‏ ‏الْمِسْوَرُ ‏ ‏وَاللَّهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا فَقَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ ‏ ‏مُنَجَّمَةً ‏ ‏أَوْ مُقَطَّعَةً قَالَ ‏ ‏أَبُو رَافِعٍ ‏ ‏لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الْجَارُ أَحَقُّ ‏ ‏بِسَقَبِهِ ‏ ‏مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ وَأَنَا أُعْطَى بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو بْن الشَّرِيد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان الْآتِيَة فِي تَرْك الْحِيَل عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مَيْسَرَة \" سَمِعْت عَمْرو بْن الشَّرِيد \" وَالشَّرِيد بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَزْن طَوِيل صَحَابِيّ شَهِير , وَوَلَده مِنْ أَوْسَاط التَّابِعِينَ , وَوَهَمَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَة , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مُعَلَّقًا وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَذْكُر الْقِصَّة , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ وَمِنْ أَبِي رَافِع , قَالَ التِّرْمِذِيّ : سَمِعْت مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيّ يَقُول : كِلَا الْحَدِيثَيْنِ عِنْدِي صَحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَفْت عَلَى سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص فَجَاءَ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَده عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيْ ) ‏ ‏أَيْ رِوَايَة سُفْيَان الْمَذْكُورَة مُخَالِفَة لِهَذَا يَأْتِي بَيَانهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْتَعْ مِنِّي بَيْتِي فِي دَارك ) ‏ ‏أَيْ الْكَائِنَيْنِ فِي دَارك. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ الْمِسْوَر : وَاللَّه لَتَبْتاعَنَّهُمَا ) ‏ ‏بَيَّنَ سُفْيَان فِي رِوَايَته أَنَّ أَبَا رَافِع سَأَلَ الْمِسْوَر أَنْ يُسَاعِدهُ عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْبَعَة آلَاف ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" أَرْبَعمِائَةِ \" وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ فِي تَرْك الْحِيَل \" أَرْبَعمِائَةِ مِثْقَال \" وَهُوَ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمِثْقَال إِذْ ذَاكَ كَانَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِم. ‏ ‏قَوْله : ( مُنَجَّمَة أَوْ مُقَطَّعَة ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وَالْمُرَاد مُؤَجَّلَة عَلَى أَقْسَاط مَعْلُومَة. ‏ ‏قَوْله : ( الْجَار أَحَقّ بِسَقَبِهِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْقَاف بَعْدهَا مُوَحَّدَة , وَالسَّقَب بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة وَبِالصَّادِ أَيْضًا وَيَجُوز فَتْح الْقَاف وَإِسْكَانهَا : الْقُرْب وَالْمُلَاصَقَة. وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر عِنْد التِّرْمِذِيّ \" الْجَار أَحَقّ بِسَقَبِهِ يُنْتَظَر بِهِ إِذَا كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقهمَا وَاحِدًا \" قَالَ اِبْن بَطَّال : اِسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه عَلَى إِثْبَات الشُّفْعَة لِلْجَارِ , وَأَوَّله غَيْرهمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الشَّرِيك بِنَاء عَلَى أَنَّ أَبَا رَافِع كَانَ شَرِيك سَعْد فِي الْبَيْتَيْنِ وَلِذَلِكَ دَعَاهُ إِلَى الشِّرَاء مِنْهُ , قَالَ : وَأَمَّا قَوْلهمْ إِنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَة مَا يَقْتَضِي تَسْمِيَة الشَّرِيك جَارًا فَمَرْدُود , فَإِنَّ كُلّ شَيْء قَارَبَ شَيْئًا قِيلَ لَهُ جَارٌ , وَقَدْ قَالُوا لِامْرَأَةِ الرَّجُل جَارَة لِمَا بَيْنهمَا مِنْ الْمُخَالَطَة , اِنْتَهَى. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّ ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ أَبَا رَافِع كَانَ يَمْلِك بَيْتَيْنِ مِنْ جُمْلَة دَار سَعْد لَا شِقْصًا شَائِعًا مِنْ مَنْزِل سَعْد , وَذَكَرَ عُمَر بْن شَبَّة أَنَّ سَعْدًا كَانَ اِتَّخَذَ دَارَيْنِ بِالْبَلَاطِ مُتَقَابِلَتَيْنِ بَيْنهمَا عَشَرَة أَذْرُع وَكَانَتْ الَّتِي عَنْ يَمِين الْمَسْجِد مِنْهُمَا لِأَبِي رَافِع فَاشْتَرَاهَا سَعْد مِنْهُ. ثُمَّ سَاقَ حَدِيث الْبَاب. فَاقْتَضَى كَلَامه أَنَّ سَعْدًا كَانَ جَارًا لِأَبِي رَافِع قَبْل أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ دَاره لَا شَرِيكًا. وَقَالَ بَعْض الْحَنَفِيَّة : يَلْزَم الشَّافِعِيَّة الْقَائِلِينَ بِحَمْلِ اللَّفْظ عَلَى حَقِيقَته وَمَجَازه أَنْ يَقُولُوا بِشُفْعَةِ الْجَار لِأَنَّ الْجَار حَقِيقَة فِي الْمُجَاوِر مَجَاز فِي الشَّرِيك. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ عِنْد التَّجَرُّد , وَقَدْ قَامَتْ الْقَرِينَة هُنَا عَلَى الْمَجَاز فَاعْتُبِرَ لِلْجَمْعِ بَيْن حَدِيثَيْ جَابِر وَأَبِي رَافِع , فَحَدِيث جَابِر صَرِيح فِي اِخْتِصَاص الشُّفْعَة بِالشَّرِيكِ , وَحَدِيث أَبِي رَافِع مَصْرُوف الظَّاهِر اِتِّفَاقًا لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُون الْجَار أَحَقّ مِنْ كُلّ أَحَد حَتَّى مِنْ الشَّرِيك , وَالَّذِينَ قَالُوا بِشُفْعَةِ الْجَار قَدَّمُوا الشَّرِيك مُطْلَقًا ثُمَّ الْمُشَارِك فِي الطَّرِيق. ثُمَّ الْجَار عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُجَاوِرٍ , فَعَلَى هَذَا فَيَتَعَيَّن تَأْوِيل قَوْله \" أَحَقّ \" بِالْحَمْلِ عَلَى الْفَضْل أَوْ التَّعَهُّد وَنَحْو ذَلِكَ , وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِشُفْعَةِ الْجِوَار أَيْضًا بِأَنَّ الشُّفْعَة ثَبَتَتْ عَلَى خِلَاف الْأَصْل لِمَعْنًى مَعْدُوم فِي الْجَار وَهُوَ أَنَّ الشَّرِيك رُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ شَرِيكه فَتَأَذَّى بِهِ فَدَعَتْ الْحَاجَة إِلَى مُقَاسَمَته فَيَدْخُل عَلَيْهِ الضَّرَر بِنَقْصِ قِيمَة مِلْكه , وَهَذَا لَا يُوجَد فِي الْمَقْسُوم. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2099",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَبَابَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عِمْرَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي قَالَ ‏ ‏إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَجَّاج ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مِنْهَال , وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ لِحَجَّاجِ بْن مُحَمَّد بِوَاسِطَةِ , وَاشْتَرَكَا فِي الرِّوَايَة عَنْ شُعْبَة , لَكِنَّهُ سَمِعَ مِنْ اِبْن مِنْهَالٍ دُون اِبْن مُحَمَّد. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب , وَفِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن وَكَرِيمَة عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه , وَلِابْنِ شَبَّوَيْهِ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ. وَرَجَّحَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ عَلِيّ بْن سَلَمَة اللَّبَقِيُّ بِفَتْحِ اللَّام وَالْمُوَحَّدَة بَعْدهَا قَاف , وَبِهِ جَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ وَابْن طَاهِر , وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي , وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يَنْسُبهُ وَإِنَّمَا نَسَبَهُ مَنْ نَسَبَهُ مِنْ الرُّوَاة بِحَسَب مَا ظَهَرَ لَهُ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَالْأَرْجَح أَنَّهُ اِبْن الْمَدِينِيّ لِأَنَّ الْعَادَة أَنَّ الْإِطْلَاق إِنَّمَا يَنْصَرِف لِمَنْ يَكُون أَشْهَر وَابْن الْمَدِينِيّ أَشْهَر مِنْ اللَّبَقِيِّ , وَمِنْ عَادَة الْبُخَارِيّ إِذَا أَطْلَقَ الرِّوَايَة عَنْ عَلِيّ إِنَّمَا يَقْصِد بِهِ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏سَاقَ الْمَتْن هُنَا عَلَى لَفْظ عَلِيّ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الْأَدَب عَنْ حَجَّاج بْن مِنْهَال وَحْده وَسَاقَهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظه. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَان ) ‏ ‏هُوَ الْجَوْنِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت طَلْحَة بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏جَزَمَ الْمِزِيُّ بِأَنَّهُ اِبْن عُثْمَان بْن عُبَيْد اللَّه بْن مَعْمَر التَّيْمِيُّ , وَقَالَ بَعْضهمْ هُوَ طَلْحَة بْنُ عَبْد اللَّه الْخُزَاعِيُّ لِأَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ رَوَى عَنْ الثَّوْرِيّ عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ طَلْحَة بْن عَبْد اللَّه عَنْ عَائِشَة حَدِيثًا غَيْر هَذَا , وَيَتَرَجَّح مَا قَالَ الْمِزِيُّ بِأَنَّ الْمُصَنِّف أَخْرَجَ حَدِيث الْبَاب فِي الْهِبَة مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة فَقَالَ \" طَلْحَة بْن عَبْد اللَّه رَجُل مِنْ بَنِي تَيْم بْن مُرَّة \" وَلَيْسَ لِطَلْحَةَ بْن عَبْد اللَّه فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْجِوَار بِضَمِّ الْجِيم وَبِكَسْرِهَا. وَقَوْله \" قَالَ إِلَى أَقْرَبهمَا \" يُرْوَى \" قَالَ أَقْرَبهمَا \" بِحَذْفِ حَرْف الْجَرّ , وَهُوَ بِالرَّفْعِ وَيَجُوز الْجَرّ عَلَى إِبْقَاء عَمَل حَرْف الْجَرّ بَعْد حَذْفه أَيْ أَقْرَب الْجَارَيْنِ , قَالَ اِبْن بَطَّال : لَا حُجَّة فِي هَذَا الْحَدِيث لِمَنْ أَوْجَبَ الشُّفْعَة بِالْجِوَارِ لِأَنَّ عَائِشَة إِنَّمَا سَأَلَتْ عَمَّنْ تَبْدَأ بِهِ مِنْ جِيرَانهَا بِالْهَدِيَّةِ فَأَخْبَرَهَا بِأَنَّ الْأَقْرَب أَوْلَى , وَأُجِيبَ بِأَنَّ وَجْه دُخُوله فِي الشُّفْعَة أَنَّ حَدِيث أَبِي رَافِع يُثْبِت شُفْعَة الْجِوَار فَاسْتُنْبِطَ مِنْ حَدِيث عَائِشَة تَقْدِيم الْأَقْرَب عَلَى الْأَبْعَد لِلْعِلَّةِ فِي مَشْرُوعِيَّة الشُّفْعَة لِمَا يَحْصُل مِنْ الضَّرَر بِمُشَارَكَةِ الْغَيْر الْأَجْنَبِيّ بِخِلَافِ الشَّرِيك فِي نَفْس الدَّار وَاللَّصِيق لِلدَّارِ. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏جَمِيع مَا فِي الشُّفْعَة ثَلَاثَة أَحَادِيث مَوْصُولَة. الْأَوَّل مِنْهَا مُكَرَّر وَالْآخَرَانِ اِنْفَرَدَ بِهِمَا الْمُصَنِّف عَنْ مُسْلِم. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار اِثْنَانِ غَيْر قِصَّة الْمِسْوَر وَأَبِي رَافِع مَعَ سَعْد وَهِيَ مَوْصُولَة. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2100",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَدِّي ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْخَازِنُ الْأَمِينُ الَّذِي يُؤَدِّي مَا أُمِرَ بِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقِينَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2101",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَعِي رَجُلَانِ مِنْ ‏ ‏الْأَشْعَرِيِّينَ ‏ ‏فَقُلْتُ مَا عَمِلْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ فَقَالَ ‏ ‏لَنْ أَوْ ‏ ‏لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَمَعِي رَجُلَانِ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ , قَالَ فَقُلْت مَا عَلِمْت أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَل ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا , وَسَيَأْتِي فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِهِ تَامًّا وَفِيهِ \" وَمَعِي رَجُلَانِ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ وَكِلَاهُمَا سَأَلَ أَيْ لِلْعَمَلِ , فَقُلْت : وَالَّذِي بَعَثَك مَا اِطَّلَعْت عَلَى مَا فِي أَنْفُسهمَا وَلَا عَلِمْت أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَل \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَنْ - أَوْ لَا - نَسْتَعْمِل عَلَى عَمَلنَا مَنْ أَرَادَهُ ) ‏ ‏هَكَذَا ثَبَتَ فِي جَمِيع الرِّوَايَات الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا , وَهُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي هَلْ قَالَ لَنْ أَوْ قَالَ لَا , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ ضُبِطَ فِي بَعْض النُّسَخ \" أُوَلِّي \" بِضَمِّ الْهَمْزَة وَفَتْح الْوَاو وَتَشْدِيد اللَّام مَعَ كَسْرهَا فِعْل مُسْتَقْبَل مِنْ الْوِلَايَة , قَالَ الْقُطْب الْحَلَبِيّ : فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة يَكُون لَفْظ \" نَسْتَعْمِل \" زَائِدًا وَيَكُون تَقْدِير الْكَلَام لَنْ أُوَلِّي عَلَى عَمَلنَا. وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْحَدِيث فِي الْأَحْكَام مِنْ طَرِيق بُرَيْد بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِي بُرْدَة بِلَفْظِ \" إِنَّا لَا نُوَلِّي عَلَى عَمَلنَا \" وَهُوَ يُعَضِّد هَذَا التَّقْرِير وَاللَّه أَعْلَم. قَالَ الْمُهَلَّب : لَمَّا كَانَ طَلَب الْعِمَالَة دَلِيلًا عَلَى الْحِرْص اُبْتُغِيَ أَنْ يُحْتَرَس مِنْ الْحَرِيص فَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا نَسْتَعْمِل عَلَى عَمَلنَا مَنْ أَرَادَهُ \" وَظَاهِر الْحَدِيث مَنْع تَوْلِيَة مَنْ يَحْرِص عَلَى الْوِلَايَة إِمَّا عَلَى سَبِيل التَّحْرِيم أَوْ الْكَرَاهَة , وَإِلَى التَّحْرِيم جَنَحَ الْقُرْطُبِيّ , وَلَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2102",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ وَأَنْتَ فَقَالَ نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى ‏ ‏قَرَارِيطَ ‏ ‏لِأَهْلِ مَكَّةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَمْرو بْن يَحْيَى عَنْ جَدّه ) ‏ ‏وَهُوَ سَعِيد بْن عَمْرو بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ الْأُمَوِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا رَعَى الْغَنَم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" إِلَّا رَاعَى الْغَنَم \". ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى قَرَارِيط لِأَهْلِ مَكَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ عَنْ سُوَيْدِ بْن سَعِيد عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى \" كُنْت أَرْعَاهَا لِأَهْلِ مَكَّة بِالْقَرَارِيطِ \" وَكَذَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْمَنِيعِيِّ عَنْ مُحَمَّد بْن حَسَّان عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى , قَالَ سُوَيْد أَحَد رُوَاته : يَعْنِي كُلّ شَاة بِقِيرَاطٍ , يَعْنِي الْقِيرَاط الَّذِي هُوَ جُزْء مِنْ الدِّينَار أَوْ الدِّرْهَم , قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ \" قَرَارِيط \" اِسْم مَوْضِع بِمَكَّة وَلَمْ يَرِد الْقَرَارِيط مِنْ الْفِضَّة , وَصَوَّبَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ تَبَعًا لِابْنِ نَاصِر وَخَطَّأَ سُوَيْدًا فِي تَفْسِيره , لَكِنْ رَجَّحَ الْأَوَّل لِأَنَّ أَهْل مَكَّة لَا يَعْرِفُونَ بِهَا مَكَانًا يُقَال لَهُ قَرَارِيط. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث نَصْر بْن حَزْن بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الزَّاي بَعْدهَا نُون قَالَ \" اِفْتَخَرَ أَهْل الْإِبِل وَأَهْل الْغَنَم , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بُعِثَ مُوسَى وَهُوَ رَاعِي غَنَم , وَبُعِثَ دَاوُدَ وَهُوَ رَاعِي غَنَم , وَبُعِثْت وَأَنَا أَرْعَى غَنَم أَهْلِي بِجِيَادٍ \" فَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ فِيهِ رَدًّا لِتَأْوِيلِ سُوَيْدِ بْن سَعِيد لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَرْعَى بِالْأُجْرَةِ لِأَهْلِهِ فَيَتَعَيَّن أَنَّهُ أَرَادَ الْمَكَان فَعَبَّرَ تَارَة بِجِيَادٍ وَتَارَة بِقَرَارِيط. وَلَيْسَ الرَّدّ بِجَيِّدٍ إِذْ لَا مَانِع مِنْ الْجَمْع بَيْن أَنْ يَرْعَى لِأَهْلِهِ بِغَيْرِ أُجْرَة وَلِغَيْرِهِمْ بِأُجْرَةٍ , أَوْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" أَهْلِي \" أَهْل مَكَّة فَيَتَّحِد الْخَبَرَانِ وَيَكُون فِي أَحَد الْحَدِيثَيْنِ بَيَّنَ الْأُجْرَة وَفِي الْآخِر بَيَّنَ الْمَكَان فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ وَاللَّه أَعْلَم. وَقَالَ بَعْضهمْ : لَمْ تَكُنْ الْعَرَب تَعْرِف الْقِيرَاط الَّذِي هُوَ مِنْ النَّقْد , وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الصَّحِيح \" يَسْتَفْتِحُونَ أَرْضًا يَذْكُر فِيهَا الْقِيرَاط \" وَلَيْسَ الِاسْتِدْلَال لِمَا ذُكِرَ مِنْ نَفْي الْمَعْرِفَة بِوَاضِحٍ , قَالَ الْعُلَمَاء : الْحِكْمَة فِي إِلْهَام الْأَنْبِيَاء مِنْ رَعْي الْغَنَم قَبْل النُّبُوَّة أَنْ يَحْصُل لَهُمْ التَّمَرُّن بِرَعْيِهَا عَلَى مَا يُكَلَّفُونَهُ مِنْ الْقِيَام بِأَمْرِ أُمَّتهمْ , وَلِأَنَّ فِي مُخَالَطَتهَا مَا يُحَصِّل لَهُمْ الْحِلْم وَالشَّفَقَة لِأَنَّهُمْ إِذَا صَبَرُوا عَلَى رَعْيهَا وَجَمْعهَا بَعْد تَفَرُّقهَا فِي الْمَرْعَى وَنَقْلهَا مِنْ مَسْرَح إِلَى مَسْرَح وَدَفْع عَدُوّهَا مِنْ سَبُع وَغَيْره كَالسَّارِقِ وَعَلِمُوا اِخْتِلَاف طِبَاعهَا وَشِدَّة تَفَرُّقهَا مَعَ ضَعْفهَا وَاحْتِيَاجهَا إِلَى الْمُعَاهَدَة أَلِفُوا مِنْ ذَلِكَ الصَّبْر عَلَى الْأُمَّة وَعَرَفُوا اِخْتِلَاف طِبَاعهَا وَتَفَاوُت عُقُولهَا فَجَبَرُوا كَسْرهَا وَرَفَقُوا بِضَعِيفِهَا وَأَحْسَنُوا التَّعَاهُد لَهَا فَيَكُون تَحَمُّلهمْ لِمَشَقَّةِ ذَلِكَ أَسْهَل مِمَّا لَوْ كُلِّفُوا الْقِيَام بِذَلِكَ مِنْ أَوَّل وَهْلَة لِمَا يَحْصُل لَهُمْ مِنْ التَّدْرِيج عَلَى ذَلِكَ بِرَعْيِ الْغَنَم , وَخُصَّتْ الْغَنَم بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا أَضْعَف مِنْ غَيْرهَا , وَلِأَنَّ تَفَرُّقهَا أَكْثَر مِنْ تَفَرُّق الْإِبِل وَالْبَقَر لِإِمْكَانِ ضَبْط الْإِبِل وَالْبَقَر بِالرَّبْطِ دُونهَا فِي الْعَادَة الْمَأْلُوفَة , وَمَعَ أَكْثَرِيَّة تَفَرُّقهَا فَهِيَ أَسْرَع اِنْقِيَادًا مِنْ غَيْرهَا. وَفِي ذِكْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ بَعْد أَنْ عُلِمَ كَوْنه أَكْرَم الْخَلْق عَلَى اللَّه مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عَظِيم التَّوَاضُع لِرَبِّهِ وَالتَّصْرِيح بِمِنَّتِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى إِخْوَانه مِنْ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِر الْأَنْبِيَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "2103",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏وَاسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَجُلًا مِنْ ‏ ‏بَنِي الدِّيلِ ‏ ‏ثُمَّ مِنْ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ ‏ ‏هَادِيًا ‏ ‏خِرِّيتًا ‏ ‏الْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ ‏ ‏قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ فِي آلِ ‏ ‏الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ ‏ ‏وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ ‏ ‏غَارَ ثَوْرٍ ‏ ‏بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلَاثٍ فَارْتَحَلَا وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا ‏ ‏عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ‏ ‏وَالدَّلِيلُ ‏ ‏الدِّيلِيُّ ‏ ‏فَأَخَذَ بِهِمْ أَسْفَلَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَهُوَ طَرِيقُ السَّاحِلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هَادِيًا ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَته \" خِرِّيتًا \" وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ مُثَنَّاة , وَقَوْله \" الْمَاهِر بِالْهِدَايَةِ \" كَذَا وَقَعَ فِي نَفْس الْحَدِيث , وَهُوَ مُدْرَج مِنْ قَوْل الزُّهْرِيّ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ هُنَاكَ , وَنَحْكِي الْخِلَاف فِي تَسْمِيَة الْهَادِي الْمَذْكُور. وَفِي الْحَدِيث اِسْتِئْجَار الْمُسْلِم الْكَافِر عَلَى هِدَايَة الطَّرِيق إِذَا أُمِنَ إِلَيْهِ , وَاسْتِئْجَار الِاثْنَيْنِ وَاحِدًا عَلَى عَمَل وَاحِد. ‏"
    },
    {
        "id": "2104",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَجُلًا مِنْ ‏ ‏بَنِي الدِّيلِ ‏ ‏هَادِيًا ‏ ‏خِرِّيتًا ‏ ‏وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ ‏ ‏غَارَ ثَوْرٍ ‏ ‏بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2105",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَكَانَ مِنْ أَوْثَقِ أَعْمَالِي فِي نَفْسِي فَكَانَ لِي أَجِيرٌ فَقَاتَلَ إِنْسَانًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا إِصْبَعَ صَاحِبِهِ فَانْتَزَعَ إِصْبَعَهُ ‏ ‏فَأَنْدَرَ ‏ ‏ثَنِيَّتَهُ فَسَقَطَتْ فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ وَقَالَ ‏ ‏أَفَيَدَعُ إِصْبَعَهُ فِي ‏ ‏فِيكَ ‏ ‏تَقْضَمُهَا ‏ ‏قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ كَمَا ‏ ‏يَقْضَمُ ‏ ‏الْفَحْلُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ ‏ ‏فَأَنْدَرَ ‏ ‏ثَنِيَّتَهُ فَأَهْدَرَهَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَفْوَان بْن يَعْلَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هَمَّام الْمَاضِيَة فِي الْحَجّ \" حَدَّثَنِي صَفْوَان بْن يَعْلَى \". ‏ ‏قَوْله : ( الْعُسْرَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْعَيْن وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ هِيَ غَزْوَة تَبُوك , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث فِي الدِّيَات , وَرِوَايَة هَمَّام الْمَذْكُورَة مُخْتَصَرَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْدَرَ ) ‏ ‏أَيْ أَسْقَطَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَهْدَرَ ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يَجْعَل لَهُ دِيَة 0 وَلَا قِصَاصًا. ‏ ‏قَوْله : ( تَقْضِمهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَمَاضِيَة بِكَسْرِهَا وَالِاسْم الْقَضْمُ بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْأَكْل بِأَطْرَافِ الْأَسْنَان , وَالْفَحْل الذَّكَر مِنْ الْإِبِل وَنَحْوه. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ , وَهَذِهِ الزِّيَادَة الَّتِي عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَقَعَتْ هُنَا فَقَطْ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَدّه ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ. وَقَالَ أَبُو عَاصِم \" عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَنْ أَبِي بَكْر \" زَادَ فِيهِ \" عَنْ أَبِيهِ \" أَخْرَجَهُ الْحَاكِم أَبُو أَحْمَد فِي الْكُنَى وَابْن شَاهِين فِي الصَّحَابَة. وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَةَ مَنْسُوب إِلَى جَدّه وَقِيلَ إِلَى جَدّ أَبِيهِ فَإِنَّهُ عَبْد اللَّه بْنُ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَةَ وَاسْمه زُهَيْر بْن عَبْد اللَّه بْن جُدْعَانَ التَّيْمِيُّ وَلَهُ صُحْبَة , وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ فِي نَسَبه \" عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد اللَّه بْن زُهَيْر \" وَقَالَ إِنَّ الَّذِي يُكَنَّى أَبَا مُلَيْكَةَ هُوَ عَبْد اللَّه بْن زُهَيْر , فَعَلَى الْأَوَّل فَالْحَدِيث مِنْ رِوَايَة زُهَيْر بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِي بَكْر , وَعَلَى الثَّانِي هُوَ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن زُهَيْر , وَيَتَرَدَّد عَوْد الضَّمِير فِي قَوْله \" عَنْ جَدّه \" عَلَى مَنْ يَعُود عَلَى الْخِلَاف الْمَذْكُور , وَزَعَمَ مُغَلْطَاي أَنَّ الطَّرِيق الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ مُنْقَطِعَة فِي مَوْضِعَيْنِ , وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2106",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَغَيْرُهُمَا قَالَ قَدْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُهُ عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَانْطَلَقَا فَوَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏بِيَدِهِ هَكَذَا وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَاسْتَقَامَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏حَسِبْتُ أَنْ ‏ ‏سَعِيدًا ‏ ‏قَالَ فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ فَاسْتَقَامَ ‏ { ‏لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ‏} ‏قَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏أَجْرًا نَأْكُلُهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2107",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ ‏ ‏كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى ‏ ‏قِيرَاطٍ ‏ ‏فَعَمِلَتْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى ‏ ‏قِيرَاطٍ ‏ ‏فَعَمِلَتْ ‏ ‏النَّصَارَى ‏ ‏ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى ‏ ‏قِيرَاطَيْنِ ‏ ‏فَأَنْتُمْ هُمْ فَغَضِبَتْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏فَقَالُوا مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلًا وَأَقَلَّ عَطَاءً قَالَ هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ قَالُوا لَا قَالَ فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَثَلكُمْ وَمَثَل أَهْل الْكِتَابَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَيُّوب , وَالْمُرَاد بِأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَثَلِ رَجُل ) ‏ ‏فِي السِّيَاق حَذْف تَقْدِيره مَثَلكُمْ مَعَ نَبِيّكُمْ وَمَثَل أَهْل الْكِتَابَيْنِ مَعَ أَنْبِيَائِهِمْ كَمَثَلِ رَجُل اِسْتَأْجَرَ , فَالْمَثَل مَضْرُوب لِلْأُمَّةِ مَعَ نَبِيّهمْ وَالْمُمَثَّل بِهِ الْأُجَرَاء مَعَ مَنْ اِسْتَأْجَرَهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى قِيرَاط ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن دِينَار \" عَلَى قِيرَاط قِيرَاط \" وَهُوَ الْمُرَاد. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَمِلَتْ الْيَهُود ) ‏ ‏زَادَ اِبْن دِينَار \" عَلَى قِيرَاط قِيرَاط \" وَزَادَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة \" حَتَّى إِذَا اِنْتَصَفَ النَّهَار عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا \" وَكَذَا وَقَعَ فِي بَقِيَّة الْأُمَم , وَالْمُرَاد بِالْقِيرَاطِ النَّصِيب وَهُوَ فِي الْأَصْل نِصْف دَانِق وَالدَّانِق سُدُس دِرْهَم. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى صَلَاة الْعَصْر ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِهِ أَوَّل وَقْت دُخُولهَا , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد أَوَّل حِين الشُّرُوع فِيهَا , وَالثَّانِي يَرْفَع الْإِشْكَال السَّابِق فِي الْمَوَاقِيت عَلَى تَقْدِير تَسْلِيم أَنَّ الْوَقْتَيْنِ مُتَسَاوِيَانِ , أَيْ مَا بَيْن الظُّهْر وَالْعَصْر وَمَا بَيْن الْعَصْر وَالْمَغْرِب , فَكَيْف يَصِحّ قَوْل النَّصَارَى إِنَّهُمْ أَكْثَر عَمَلًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة ؟ وَقَدْ قَدَّمْت هُنَاكَ عِدَّة أَجْوِبَة عَنْ ذَلِكَ فَلْتُرَاجَعْ مِنْ ثَمَّ , وَمِنْ الْأَجْوِبَة الَّتِي لَمْ تَتَقَدَّم أَنَّ قَائِل \" مَا لَنَا أَكْثَر عَمَلًا \" الْيَهُود خَاصَّة , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ فِي التَّوْحِيد بِلَفْظِ \" فَقَالَ أَهْل التَّوْرَاة \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كُلّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ قَالَ ذَلِكَ , أَمَّا الْيَهُود فَلِأَنَّهُمْ أَطْوَل زَمَانًا فَيَسْتَلْزِم أَنْ يَكُونُوا أَكْثَر عَمَلًا , وَأَمَّا النَّصَارَى فَلِأَنَّهُمْ وَازَنُوا كَثْرَة أَتْبَاعهمْ بِكَثْرَةِ زَمَن الْيَهُود لِأَنَّ النَّصَارَى آمَنُوا بِمُوسَى وَعِيسَى جَمِيعًا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون أَكْثَرِيَّة النَّصَارَى بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ عَمِلُوا إِلَى آخِر صَلَاة الْعَصْر وَذَلِكَ بَعْد دُخُول وَقْتهَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن الْقَصَّار وَابْن الْعَرَبِيّ , وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا يُحْتَاج إِلَيْهِ لِأَنَّ الْمُدَّة الَّتِي بَيْن الظُّهْر وَالْعَصْر أَكْثَر مِنْ الْمُدَّة الَّتِي بَيْن الْعَصْر وَالْمَغْرِب , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون نِسْبَة ذَلِكَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَبِيل التَّوْزِيع : فَالْقَائِل نَحْنُ أَكْثَر عَمَلًا الْيَهُود , وَالْقَائِل نَحْنُ أَقَلّ أَجْرًا النَّصَارَى وَفِيهِ بُعْد. وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ عَمَل الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا أَكْثَر وَزَمَانهمْ أَطْوَل , وَهُوَ خِلَاف ظَاهِر السِّيَاق. ‏ ‏قَوْله : ( فَغَضِبَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى ) ‏ ‏أَيْ الْكُفَّار مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا لَنَا أَكْثَر عَمَلًا وَأَقَلّ عَطَاء ) ‏ ‏بِنَصْبِ أَكْثَر وَأَقَلّ عَلَى الْحَال كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ) وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِث هَذِهِ الْجُمْلَة فِي كِتَاب الْمَوَاقِيت. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ حَقّكُمْ ) ‏ ‏أَطْلَقَ لَفْظ \" الْحَقّ \" لِقَصْدِ الْمُمَاثَلَة وَإِلَّا فَالْكُلّ مِنْ فَضْل اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاء ) ‏ ‏فِيهِ حُجَّة لِأَهْلِ السُّنَّة عَلَى أَنَّ الثَّوَاب مِنْ اللَّه عَلَى سَبِيل الْإِحْسَان مِنْهُ جَلَّ جَلَاله. ‏"
    },
    {
        "id": "2108",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِنَّمَا ‏ ‏مَثَلُكُمْ ‏ ‏وَالْيَهُودُ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى ‏ ‏قِيرَاطٍ ‏ ‏قِيرَاطٍ ‏ ‏فَعَمِلَتْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏قِيرَاطٍ ‏ ‏قِيرَاطٍ ‏ ‏ثُمَّ عَمِلَتْ ‏ ‏النَّصَارَى ‏ ‏عَلَى ‏ ‏قِيرَاطٍ ‏ ‏قِيرَاطٍ ‏ ‏ثُمَّ أَنْتُمْ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ عَلَى ‏ ‏قِيرَاطَيْنِ ‏ ‏قِيرَاطَيْنِ ‏ ‏فَغَضِبَتْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا قَالُوا لَا فَقَالَ فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن دِينَار ‏ ‏( إِنَّمَا مَثَلكُمْ وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى ) ‏ ‏هُوَ بِخَفْضِ الْيَهُود عَطْفًا عَلَى الضَّمِير الْمَجْرُور بِغَيْرِ إِعَادَة الْجَارّ قَالَهُ اِبْن التِّين , وَإِنَّمَا يَأْتِي عَلَى رَأْي الْكُوفِيِّينَ , وَقَالَ اِبْن مَالِك يَجُوز الرَّفْع عَلَى تَقْدِير وَمَثَل الْيَهُود وَالنَّصَارَى عَلَى حَذْف الْمُضَاف وَإِعْطَاء الْمُضَاف إِلَيْهِ إِعْرَابه. قُلْت : وَوَجَدْته مَضْبُوطًا فِي أَصْل أَبِي ذَرّ بِالنَّصْبِ وَهُوَ مُوَجَّه عَلَى إِرَادَة الْمَعِيَّة , وَيُرَجِّح تَوْجِيه اِبْن مَالِك مَا سَيَأْتِي فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" وَإِنَّمَا مَثَلكُمْ وَمَثَل الْيَهُود وَالنَّصَارَى \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى مَغَارِب الشَّمْس ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَة لِمَالِك بِلَفْظِ الْجَمْع وَكَأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْأَزْمِنَة الْمُتَعَدِّدَة بِاعْتِبَارِ الطَّوَائِف , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان الْآتِيَة فِي فَضَائِل الْقُرْآن \" إِلَى مَغْرِب الشَّمْس \" عَلَى الْإِفْرَاد وَهُوَ الْوَجْه , وَمِثْله فِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ نَافِع الْآتِيَة فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَنَحْوه فِي رِوَايَة أَيُّوب فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده بِلَفْظِ \" إِلَى أَنْ تَغِيب الشَّمْس \". ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ ظَلَمْتُكُمْ ) ‏ ‏أَيْ نَقَصْتُكُمْ كَمَا فِي رِوَايَة نَافِع فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَسَأَذْكُرُ بَقِيَّة فَوَائِده بَعْد بَابَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2109",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ ‏ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2110",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ ‏ ‏وَالْيَهُودِ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ فَعَمِلُوا لَهُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ فَقَالُوا لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ الَّذِي شَرَطْتَ لَنَا وَمَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ فَقَالَ لَهُمْ لَا تَفْعَلُوا أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلًا فَأَبَوْا وَتَرَكُوا وَاسْتَأْجَرَ أَجِيرَيْنِ بَعْدَهُمْ فَقَالَ لَهُمَا أَكْمِلَا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمَا هَذَا وَلَكُمَا الَّذِي شَرَطْتُ لَهُمْ مِنْ الْأَجْرِ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينُ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالَا لَكَ مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ وَلَكَ الْأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فِيهِ فَقَالَ لَهُمَا أَكْمِلَا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمَا مَا بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ فَأَبَيَا وَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ وَمَثَلُ مَا قَبِلُوا مِنْ هَذَا النُّورِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2111",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوْا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَارَ فَقَالُوا إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَكُنْتُ لَا ‏ ‏أَغْبِقُ ‏ ‏قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا ‏ ‏فَنَأَى ‏ ‏بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا فَحَلَبْتُ لَهُمَا ‏ ‏غَبُوقَهُمَا ‏ ‏فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ أَنْ ‏ ‏أَغْبِقَ ‏ ‏قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا ‏ ‏غَبُوقَهُمَا ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ الْآخَرُ اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنْ السِّنِينَ فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ فَتَحَرَّجْتُ مِنْ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ الثَّالِثُ اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي فَقُلْتُ لَهُ كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ‏ ‏وَالرَّقِيقِ ‏ ‏فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْتَهْزِئُ بِي فَقُلْتُ إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2112",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ فَيُصِيبُ الْمُدَّ وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ قَالَ مَا تَرَاهُ إِلَّا نَفْسَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبِي ) ‏ ‏هُوَ الْأُمَوِيّ صَاحِب الْمَغَازِي. وَقَوْله \" عَنْ شَقِيق \" هُوَ أَبُو وَائِل , وَقَوْله \" فَيُحَامِل \" أَيْ يَطْلُب أَيْ يَحْمِل بِالْأُجْرَةِ , وَقَوْله \" بِالْمُدِّ \" أَيْ يَحْمِل الْمَتَاع بِالْأُجْرَةِ وَهِيَ مُدّ مِنْ طَعَام , وَالْمُحَامَلَة مُفَاعَلَة وَهِيَ تَكُون بَيْن اِثْنَيْنِ , وَالْمُرَاد هُنَا أَنَّ الْحَمْل مِنْ أَحَدهمَا وَالْأُجْرَة مِنْ الْآخَر كَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَة , وَوَقَعَ لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق مَنْصُور عَنْ أَبِي وَائِل \" يَنْطَلِق أَحَدنَا إِلَى السُّوق فَيَحْمِل عَلَى ظَهْره \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَّ بَعْضهمْ لَمِائَة أَلْف ) ‏ ‏هَذِهِ اللَّام لِلتَّأْكِيدِ وَهِيَ اِبْتِدَائِيَّة لِدُخُولِهَا عَلَى اِسْم إِنَّ وَتَقَدَّمَ الْخَبَر وَهِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً ) وَمُرَاده أَنَّ ذَلِكَ فِي الْوَقْت الَّذِي حَدَثَ بِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة بِلَفْظِ \" وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ الْيَوْم مِائَة أَلْف \" زَادَ النَّسَائِيُّ \" وَمَا كَانَ لَهُ يَوْمئِذٍ دِرْهَم \" أَيْ فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ يَحْمِل فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مَا تَرَاهُ إِلَّا نَفْسه ) ‏ ‏بَيَّنَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق زَائِدَة عَنْ الْأَعْمَش أَنَّ قَائِل ذَلِكَ هُوَ أَبُو وَائِل الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ عَنْ أَبِي مَسْعُود , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الزَّكَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "2113",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُتَلَقَّى ‏ ‏الرُّكْبَانُ ‏ ‏وَلَا يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ قُلْتُ يَا ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏مَا قَوْلُهُ لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ قَالَ لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2114",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَبَّابٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ رَجُلًا ‏ ‏قَيْنًا ‏ ‏فَعَمِلْتُ ‏ ‏لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ ‏ ‏فَاجْتَمَعَ لِي عِنْدَهُ فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ ‏ ‏بِمُحَمَّدٍ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏أَمَا وَاللَّهِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلَا قَالَ وَإِنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ فَأَقْضِيكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2115",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا يَا أَيُّهَا ‏ ‏الرَّهْطُ ‏ ‏إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي ‏ ‏لَأَرْقِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا ‏ ‏جُعْلًا ‏ ‏فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ ‏ ‏فَانْطَلَقَ ‏ ‏يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ ‏ ‏الْحَمْدُ لِلَّهِ ‏ ‏رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏ ‏فَكَأَنَّمَا ‏ ‏نُشِطَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عِقَالٍ ‏ ‏فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ قَالَ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ اقْسِمُوا فَقَالَ الَّذِي رَقَى لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ ‏ ‏وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ثُمَّ قَالَ قَدْ أَصَبْتُمْ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا الْمُتَوَكِّلِ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي بِشْر ) ‏ ‏هُوَ جَعْفَر بْن أَبِي وَحْشِيَّة مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اِسْمه كَأَبِيهِ اِسْمه إِيَاس وَهُوَ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل ) ‏ ‏هُوَ النَّاجِيُّ , وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّف فِي آخِر الْبَاب تَصْرِيح أَبِي بِشْر بِالسَّمَاعِ مِنْهُ , وَتَابَعَ أَبَا عَوَانَة عَلَى هَذَا الْإِسْنَاد شُعْبَة كَمَا فِي آخِر الْبَاب , وَهُشَيْمٌ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ وَخَالَفَهُمْ الْأَعْمَش فَرَوَاهُ عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي وَحْشِيَّة عَنْ أَبِي نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد جَعَلَ بَدَل أَبِي الْمُتَوَكِّل أَبَا نَضْرَة أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقه , فَأَمَّا التِّرْمِذِيّ فَقَالَ : طَرِيق شُعْبَة أَصَحّ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش , وَقَالَ اِبْن مَاجَهْ إِنَّهَا الصَّوَاب , وَرَجَّحَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" وَلَمْ يُرَجِّح فِي \" السُّنَن \" شَيْئًا وَكَذَا النَّسَائِيُّ , وَالَّذِي يَتَرَجَّح فِي نَقْدِي أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَحْفُوظَانِ لِاشْتِمَالِ طَرِيق الْأَعْمَش عَلَى زِيَادَات فِي الْمَتْن لَيْسَتْ فِي رِوَايَة شُعْبَة وَمَنْ تَابَعَهُ , فَكَأَنَّهُ كَانَ عِنْد أَبِي بِشْر عَنْ شَيْخَيْنِ فَحَدَّثَ بِهِ تَارَة عَنْ هَذَا وَتَارَة عَنْ هَذَا وَلَمْ يُصِبْ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مُضْطَرِب فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيد أَيْضًا مَعْبَد بْن سِيرِينَ كَمَا سَيَأْتِي فِي فَضَائِل الْقُرْآن , وَسُلَيْمَان بْن قَتَّة وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَتَشْدِيد الْمُثَنَّاة كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد والدَّارَقُطْنِيُّ , وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتهمْ مِنْ الْفَوَائِد. ‏ ‏قَوْله : ( اِنْطَلَقَ نَفَر ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم أَحَد مِنْهُمْ سِوَى أَبِي سَعِيد , وَلَيْسَ فِي سِيَاق هَذِهِ الطَّرِيق مَا يُشْعِر بِأَنَّ السَّفَر كَانَ فِي جِهَاد , لَكِنْ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُمْ \" وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان اِبْن قَتَّة عِنْد أَحْمَد \" بَعَثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا \" زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِيهِ \" بَعَثَ سَرِيَّة عَلَيْهَا أَبُو سَعِيد \" وَلَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين هَذِهِ السَّرِيَّة فِي شَيْء مِنْ كُتُب الْمَغَازِي , بَلْ لَمْ يَتَعَرَّض لِذِكْرِهَا أَحَد مِنْهُمْ , وَهِيَ وَارِدَة عَلَيْهِمْ , وَلَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين الْحَيّ الَّذِينَ نَزَلُوا بِهِمْ مِنْ أَيْ الْقَبَائِل هُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَضَافُوهُمْ ) ‏ ‏أَيْ طَلَبُوا مِنْهُمْ الضِّيَافَة , وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش عِنْد غَيْر التِّرْمِذِيّ \" بَعَثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا فَنَزَلْنَا بِقَوْمٍ لَيْلًا فَسَأَلْنَاهُمْ الْقِرَى \" فَأَفَادَتْ عَدَد السَّرِيَّة وَوَقْت النُّزُول كَمَا أَفَادَتْ رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيِّ تَعْيِين أَمِير السَّرِيَّة , وَالْقِرَى بِكَسْرِ الْقَاف مَقْصُور : الضِّيَافَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ لِلْأَكْثَرِ وَبِكَسْرِ الضَّاد الْمُعْجَمَة مُخَفَّفًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلُدِغَ ) ‏ ‏بِضَمِّ اللَّام عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَاللَّدْغ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة وَهُوَ اللَّسْع وَزْنًا وَمَعْنًى , وَأَمَّا اللَّذْع بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعَيْن الْمُهْمَلَة فَهُوَ الْإِحْرَاق الْخَفِيف , وَاللَّدْغ الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث هُوَ ضَرْب ذَات الْحُمَّة مِنْ حَيَّة أَوْ عَقْرَب وَغَيْرهمَا , وَأَكْثَر مَا يُسْتَعْمَل فِي الْعَقْرَب. وَقَدْ أَفَادَتْ رِوَايَة الْأَعْمَش تَعْيِين الْعَقْرَب , وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة هُشَيْمٍ عِنْد النَّسَائِيِّ أَنَّهُ مُصَاب فِي عَقْله أَوْ لَدِيغ فَشَكّ مِنْ هُشَيْمٍ , وَقَدْ رَوَاهُ الْبَاقُونَ فَلَمْ يَشُكُّوا فِي أَنَّهُ لَدِيغ , وَلَا سِيَّمَا تَصْرِيح الْأَعْمَش بِالْعَقْرَبِ , وَكَذَلِكَ مَا سَيَأْتِي فِي فَضَائِل الْقُرْآن مِنْ طَرِيق مَعْبَد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي سَعِيد بِلَفْظِ \" إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيم \" وَكَذَا فِي الطِّبّ مِنْ حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس \" أَنَّ سَيِّد الْحَيّ سَلِيم وَالسَّلِيم هُوَ اللَّدِيغ \" نَعَمْ وَقَعَتْ لِلصَّحَابَةِ قِصَّة أُخْرَى فِي رَجُل مُصَاب بِعَقْلِهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِ بَعْضهمْ فَاتِحَة الْكِتَاب فَبَرَأَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق خَارِجَة بْن الصَّلْت عَنْ عَمّه أَنَّهُ \" مَرَّ بِقَوْمٍ وَعِنْدهمْ رَجُل مَجْنُون مُوثَق فِي الْحَدِيد فَقَالُوا إِنَّك جِئْت مِنْ عِنْد هَذَا الرَّجُل بِخَيْرٍ , فَارْقِ لَنَا هَذَا الرَّجُل \" الْحَدِيث. فَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ , لَكِنْ الْوَاقِع فِي قِصَّة أَبِي سَعِيد أَنَّهُ لَدِيغ. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْء ) ‏ ‏أَيْ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَة أَنْ يُتَدَاوَى بِهِ مِنْ لَدْغَة الْعَقْرَب , كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ السَّعْي أَيْ طَلَبُوا لَهُ مَا يُدَاوِيه , وللْكُشْمِيهَنِيِّ فَشَفَوْا بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاء وَعَلَيْهِ شَرْح الْخَطَّابِيِّ فَقَالَ : مَعْنَاهُ طَلَبُوا الشِّفَاء تَقُول شَفَى اللَّه مَرِيضِي أَيْ أَبْرَأَهُ وَشَفَى لَهُ الطَّبِيب أَيْ عَالَجَهُ بِمَا يَشْفِيه أَوْ وَصَفَ لَهُ مَا فِيهِ الشِّفَاء , لَكِنْ اِدَّعَى اِبْن التِّين أَنَّهَا تَصْحِيف. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْط ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين قَالَ تَارَة نَفَرًا وَتَارَة رَهْطًا , وَالنَّفَر مَا بَيْن الْعَشَرَة وَالثَّلَاثَة وَالرَّهْط مَا دُون الْعَشَرَة وَقِيلَ يَصِل إِلَى الْأَرْبَعِينَ , قُلْت : وَهَذَا الْحَدِيث يَدُلّ لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَوْهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْبَد بْن سِيرِينَ أَنَّ الَّذِي جَاءَ فِي هَذِهِ الرِّسَالَة جَارِيَة مِنْهُمْ , فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعَهَا غَيْرهَا , زَادَ الْبَزَّار فِي حَدِيث جَابِر \" فَقَالُوا لَهُمْ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبكُمْ جَاءَ بِالنُّورِ وَالشِّفَاء , قَالُوا نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَسَعَيْنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَشَفَيْنَا \" بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاء وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَهَلْ عِنْد أَحَد مِنْكُمْ مِنْ شَيْء ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَته مِنْ هَذَا الْوَجْه \" يَنْفَع صَاحِبنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ بَعْضهمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم : نَعَمْ وَاللَّه إِنِّي لَأَرْقِي \" بِكَسْرِ الْقَاف , وَبَيَّنَ الْأَعْمَش أَنَّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ هُوَ أَبُو سَعِيد رَاوِي الْخَبَر وَلَفْظه \" قُلْت نَعَمْ أَنَا. وَلَكِنْ لَا أَرْقِيه حَتَّى تُعْطُونَا غَنَمًا \" فَأَفَادَ بَيَان جِنْس الْجُعْل وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة مَا يُعْطَى عَلَى عَمَل , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ كَوْن الرَّاقِي هُوَ أَبُو سَعِيد رَاوِي الْخَبَر مَعَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْبَد بْن سِيرِينَ \" فَقَامَ مَعَهَا رَجُل مَا كُنَّا نَظُنّهُ يُحْسِن رُقْيَة \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي فَضَائِل الْقُرْآن بِلَفْظٍ آخَر وَفِيهِ \" فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ : أَكُنْت تُحْسِن رُقْيَة \" فَفِي ذَلِكَ إِشْعَار بِأَنَّهُ غَيْره , وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَا مَانِع مِنْ أَنْ يُكَنِّي الرَّجُل عَنْ نَفْسه فَلَعَلَّ أَبَا سَعِيد صَرَّحَ تَارَة وَكَنَّى أُخْرَى وَلَمْ يَنْفَرِد الْأَعْمَش بِتَعْيِينِهِ , وَقَدْ وَقَعَ أَيْضًا فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن قَتَّة بِلَفْظِ \" فَأَتَيْته فَرَقَيْته بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب \" وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد الْبَزَّار \" فَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار أَنَا أَرْقِيه \" وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي رِوَايَة الْأَعْمَش فَإِنَّ أَبَا سَعِيد أَنْصَارِيّ , وَأَمَّا حَمْل بَعْض الشَّارِحِينَ ذَلِكَ عَلَى تَعَدُّد الْقِصَّة وَأَنَّ أَبَا سَعِيد رَوَى قِصَّتَيْنِ كَانَ فِي إِحْدَاهُمَا رَاقِيًا وَفِي الْأُخْرَى كَانَ الرَّاقِي غَيْره فَبَعِيد جِدًّا , وَلَا سِيَّمَا مَعَ اِتِّحَاد الْمَخْرَج وَالسِّيَاق وَالسَّبَب , وَيَكْفِي فِي رَدّ ذَلِكَ أَنَّ الْأَصْل عَدَم التَّعَدُّد وَلَا حَامِل عَلَيْهِ فَإِنَّ الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ مُمْكِن بِدُونِهِ , وَهَذَا بِخِلَافِ مَا قَدَّمْته مِنْ حَدِيث خَارِجَة بْن الصَّلْت عَنْ عَمّه فَإِنَّ السِّيَاقَيْنِ مُخْتَلِفَانِ , وَكَذَا السَّبَب , فَكَانَ الْحَمْل عَلَى التَّعَدُّد فِيهِ قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَالِحُوهُمْ ) ‏ ‏أَيْ وَافِقُوهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى قَطِيع مِنْ الْغَنَم ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : الْقَطِيع هُوَ الطَّائِفَة مِنْ الْغَنَم , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْقَطِيع هُوَ الشَّيْء الْمُقْتَطَع مِنْ غَنَم كَانَ أَوْ غَيْرهَا , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ اِبْن قُرْقُول وَغَيْرُهُ , وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْغَالِب اِسْتِعْمَاله فِيمَا بَيْن الْعَشَرَة وَالْأَرْبَعِينَ ; وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" فَقَالُوا إِنَّا نُعْطِيكُمْ ثَلَاثِينَ شَاة \" وَكَذَا ثَبَتَ ذِكْرُ عَدَد الشِّيَاه فِي رِوَايَة مَعْبَد بْن سِيرِينَ وَهُوَ مُنَاسِب لِعَدَدِ السَّرِيَّة كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْحَدِيث وَكَأَنَّهُمْ اِعْتَبَرُوا عَدَدهمْ فَجَعَلُوا الْجُعْل بِإِزَائِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَ يَتْفُل ) ‏ ‏بِضَمِّ الْفَاء وَبِكَسْرِهَا وَهُوَ نَفْخ مَعَهُ قَلِيل بُزَاق , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي أَوَائِل كِتَاب الصَّلَاة. قَالَ اِبْن أَبِي حَمْزَة : مَحَلّ التَّفْل فِي الرُّقْيَة يَكُون بَعْد الْقِرَاءَة لِتَحْصِيلِ بَرَكَة الْقِرَاءَة فِي الْجَوَارِح الَّتِي يَمُرّ عَلَيْهَا الرِّيق فَتَحْصُل الْبَرَكَة فِي الرِّيق الَّذِي يَتْفُلُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَقْرَأ الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" فَجَعَلَ يَقْرَأ عَلَيْهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب \" وَكَذَا فِي حَدِيث جَابِر , وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" فَقَرَأْت عَلَيْهِ الْحَمْد لِلَّهِ \" وَيُسْتَفَاد مِنْهُ تَسْمِيَة الْفَاتِحَة الْحَمْد وَالْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , وَلَمْ يَذْكُر فِي هَذِهِ الطَّرِيق عَدَد مَا قَرَأَ الْفَاتِحَة , لَكِنَّهُ بَيَّنَهُ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش وَأَنَّهُ سَبْع مَرَّات , وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر ثَلَاث مَرَّات , وَالْحُكْم لِلزَّائِدِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَأَنَّمَا نُشِطَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِضَمِّ النُّون وَكَسْر الْمُعْجَمَة مِنْ الثُّلَاثِيّ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهُوَ لُغَة , وَالْمَشْهُور نُشِطَ إِذَا عَقَدَ وَأُنْشِطَ إِذَا حَلَّ , وَأَصْله الْأُنْشُوطَة بِضَمِّ الْهَمْزَة وَالْمُعْجَمَة بَيْنهمَا نُون سَاكِنَة وَهِيَ الْحَبْل , وَقَالَ اِبْن التِّين : حَكَى بَعْضهمْ أَنَّ مَعْنَى أُنْشِطَ : حَلَّ وَمَعْنَى نُشِطَ : أُقِيم بِسُرْعَةٍ , وَمِنْهُ قَوْلهمْ رَجُل نَشِيط. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَى نُشِطَ فَزِعَ , وَلَوْ قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لَكَانَ لَهُ وَجْه أَيْ حَلَّ شَيْئًا فَشَيْئًا. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ عِقَال ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا قَاف هُوَ الْحَبْل الَّذِي يُشَدّ بِهِ ذِرَاع الْبَهِيمَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا بِهِ قَلَبَة ) ‏ ‏بِحَرَكَاتِ أَيْ عِلَّة , وَقِيلَ لِلْعِلَّةِ قَلَبَة لِأَنَّ الَّذِي تُصِيبهُ يُقْلَب مِنْ جَنْب إِلَى جَنْب لِيُعْلَم مَوْضِع الدَّاء قَالَهُ اِبْن الْأَعْرَابِيّ , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : \" وَقَدْ بَرِئْت فَمَا فِي الصَّدْر مِنْ قَلَبَة \" وَفِي نُسْخَة الدِّمْيَاطِيّ بِخَطِّهِ : قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ الْقَلَبَة دَاء مَأْخُوذ مِنْ الْقُلَاب يَأْخُذ الْبَعِير فَيَأْلَم قَلْبه فَيَمُوت مِنْ يَوْمه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ بَعْضهمْ اِقْسِمُوا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ الَّذِي رَقَى ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" فَلَمَّا قَبَضْنَا الْغَنَم عَرَضَ فِي أَنْفُسنَا مِنْهَا شَيْء \" وَفِي رِوَايَة مَعْبَد بْن سِيرِينَ \" فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِينَ شَاة وَسَقَانَا لَبَنًا \" وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن قَتَّة \" فَبُعِثَ إِلَيْنَا بِالشِّيَاهِ وَالنُّزُل فَأَكَلْنَا الطَّعَام , وَأَبَوْا أَنْ يَأْكُلُوا الْغَنَم حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَة \" وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ الَّذِي مَنَعَهُمْ مِنْ تَنَاوُلهَا هُوَ الرَّاقِي , وَأَمَّا فِي بَاقِي الرِّوَايَات فَأَبْهَمَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَنْطُر مَا يَأْمُرنَا ) أَيْ فَنَتَّبِعهُ , وَلَمْ يُرِيدُوا أَنَّهُمْ يُخَيَّرُونَ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا يُدْرِيك أَنَّهَا رُقْيَة ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ وَمَا أَدْرَاك , وَقَدْ رُوِيَ كَذَلِكَ , وَلَعَلَّهُ هُوَ الْمَحْفُوظ لِأَنَّ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ : إِذَا قَالَ وَمَا يُدْرِيك فَلَمْ يُعْلِم , وَإِذَا قَالَ وَمَا أَدْرَاك فَقَدْ أَعْلَمَ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ اِبْن عُيَيْنَةَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآن كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الصِّيَام وَإِلَّا فَلَا فَرْق بَيْنهمَا فِي اللُّغَة أَيْ فِي نَفْي الدِّرَايَة , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة هُشَيْمٍ \" وَمَا أَدْرَاك \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة الْأَعْمَش , وَفِي رِوَايَة مَعْبَد بْن سِيرِينَ \" وَمَا كَانَ يُدْرِيه \" وَهِيَ كَلِمَة تُقَال عِنْد التَّعَجُّب مِنْ الشَّيْء وَتُسْتَعْمَل فِي تَعْظِيم الشَّيْء أَيْضًا وَهُوَ لَائِق هُنَا , زَادَ شُعْبَة فِي رِوَايَته \" وَلَمْ يَذْكُر مِنْهُ نَهْيًا \" أَيْ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ , وَزَادَ سُلَيْمَان بْن قَتَّة فِي رِوَايَته بَعْد قَوْله وَمَا يُدْرِيك أَنَّهَا رُقْيَة \" قُلْت أُلْقِيَ فِي رُوعِي \" وللدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه شَيْء أُلْقِيَ فِي رُوعِي \" وَهُوَ ظَاهِر فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْده عِلْم مُتَقَدِّم بِمَشْرُوعِيَّةِ الرُّقَى بِالْفَاتِحَةِ , وَلِهَذَا قَالَ لَهُ أَصْحَابه لَمَّا رَجَعَ \" مَا كُنْت تُحْسِن رُقْيَة \" كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْبَد بْن سِيرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ قَدْ أَصَبْتُمْ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَوَّبَ فِعْلهمْ فِي الرُّقْيَة , وَيَحْتَمِل أَنَّ ذَلِكَ فِي تَوَقُّفهمْ عَنْ التَّصَرُّف فِي الْجُعْل حَتَّى اِسْتَأْذَنُوهُ , وَيَحْتَمِل أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا ) ‏ ‏أَيْ اِجْعَلُوا لِي مِنْهُ نَصِيبًا , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَة فِي تَأْنِيسهمْ كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي قِصَّة الْحِمَار الْوَحْشِيّ وَغَيْر ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ شُعْبَة حَدَّثَنَا أَبُو بِشْر سَمِعْت أَبَا الْمُتَوَكِّل ) ‏ ‏هَذِهِ الطَّرِيق بِهَذِهِ الصِّيغَة وَصَلَهَا التِّرْمِذِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الطِّبّ مِنْ طَرِيق شُعْبَة لَكِنْ بِالْعَنْعَنَةِ , وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي عَزْوه إِلَى التِّرْمِذِيّ مَعَ كَوْنه فِي الْبُخَارِيّ , وَغَفَلَ بَعْض الشُّرَّاح عَنْ ذَلِكَ فَعَابَ عَلَى مَنْ نَسَبَهُ إِلَى التِّرْمِذِيّ. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز الرُّقْيَة بِكِتَابِ اللَّه , وَيَلْتَحِق بِهِ مَا كَانَ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاء الْمَأْثُور , وَكَذَا غَيْر الْمَأْثُور مِمَّا لَا يُخَالِف مَا فِي الْمَأْثُور , وَأَمَّا الرُّقَى بِمَا سِوَى ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يُثْبِتهُ وَلَا مَا يَنْفِيه وَسَيَأْتِي حُكْم ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي كِتَاب الطِّبّ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة الضِّيَافَة عَلَى أَهْل الْبَوَادِي وَالنُّزُول عَلَى مِيَاه الْعَرَب وَطَلَب مَا عِنْدهمْ عَلَى سَبِيل الْقِرَى أَوْ الشِّرَاء , وَفِيهِ مُقَابَلَة مَنْ اِمْتَنَعَ مِنْ الْمَكْرُمَة بِنَظِيرِ صَنِيعه لِمَا صَنَعَهُ الصَّحَابِيّ مِنْ الِامْتِنَاع مِنْ الرُّقْيَة فِي مُقَابَلَة اِمْتِنَاع أُولَئِكَ مِنْ ضِيَافَتهمْ , وَهَذِهِ طَرِيق مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِي قَوْله تَعَالَى ( لَوْ شِئْت لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا ) وَلَمْ يَعْتَذِر الْخَضِر عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِأَمْرٍ خَارِجِيّ. وَفِيهِ إِمْضَاء مَا يَلْتَزِمهُ الْمَرْء عَلَى نَفْسه لِأَنَّ أَبَا سَعِيد اِلْتَزَمَ أَنْ يَرْقِيَ وَأَنْ يَكُون الْجُعْل لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ وَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَفَاءِ بِذَلِكَ. وَفِيهِ الِاشْتِرَاك فِي الْمَوْهُوب إِذَا كَانَ أَصْله مَعْلُومًا , وَجَوَاز طَلَب الْهَدِيَّة مِمَّنْ يُعْلَم رَغْبَته فِي ذَلِكَ وَإِجَابَته إِلَيْهِ. وَفِيهِ جَوَاز قَبْض الشَّيْء الَّذِي ظَاهِره الْحِلّ وَتَرْك التَّصَرُّف فِيهِ إِذَا عَرَضَتْ فِيهِ شُبْهَة. وَفِيهِ الِاجْتِهَاد عِنْد فَقْد النَّصّ وَعَظَمَة الْقُرْآن فِي صُدُور الصَّحَابَة خُصُوصًا الْفَاتِحَة , وَفِيهِ أَنَّ الرِّزْق الْمَقْسُوم لَا يَسْتَطِيع مَنْ هُوَ فِي يَده مَنْعه مِمَّنْ قُسِمَ لَهُ لِأَنَّ أُولَئِكَ مَنَعُوا الضِّيَافَة وَكَانَ اللَّه قَسَمَ لِلصَّحَابَةِ فِي مَالهمْ نَصِيبًا فَمَنَعُوهُمْ فَسَبَّبَ لَهُمْ لَدْغ الْعَقْرَب حَتَّى سِيقَ لَهُمْ مَا قُسِمَ لَهُمْ. وَفِيهِ الْحِكْمَة الْبَالِغَة حَيْثُ اِخْتَصَّ بِالْعِقَابِ مَنْ كَانَ رَأْسًا فِي الْمَنْع , لِأَنَّ مِنْ عَادَة النَّاس الِائْتِمَار بِأَمْرِ كَبِيرهمْ , فَلَمَّا كَانَ رَأْسهمْ فِي الْمَنْع اُخْتُصَّ بِالْعُقُوبَةِ دُونهمْ جَزَاء وِفَاقًا , وَكَأَنَّ الْحِكْمَة فِيهِ أَيْضًا إِرَادَة الْإِجَابَة إِلَى مَا يَلْتَمِسهُ الْمَطْلُوب مِنْهُ الشِّفَاء وَلَوْ كَثُرَ , لِأَنَّ الْمَلْدُوغ لَوْ كَانَ مِنْ آحَاد النَّاس لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْدِر عَلَى الْقَدْر الْمَطْلُوب مِنْهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "2116",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَجَمَ ‏ ‏أَبُو طَيْبَةَ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ ‏ ‏أَوْ صَاعَيْنِ ‏ ‏مِنْ طَعَامٍ وَكَلَّمَ مَوَالِيَهُ فَخَفَّفَ عَنْ غَلَّتِهِ ‏ ‏أَوْ ضَرِيبَتِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2117",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏احْتَجَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَعْطَى الْحَجَّامَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2118",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏احْتَجَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ وَلَوْ عَلِمَ كَرَاهِيَةً لَمْ يُعْطِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2119",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَحْتَجِمُ وَلَمْ يَكُنْ يَظْلِمُ أَحَدًا أَجْرَهُ ‏",
        "sharh": "\" 3579 \" ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو بْن عَامِر ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ وَلَيْسَتْ لَهُ رِوَايَة فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا عَنْ أَنَس , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ حَدِيث فِي الطَّهَارَة وَآخَر فِي الصَّلَاة وَهَذَا , وَهُوَ جَمِيع مَا لَهُ عِنْده. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَجِم ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِالْمُوَاظَبَةِ بِخِلَافِ الْأَوَّل. ‏ ‏وَقَوْله : ( وَلَمْ يَكُنْ يَظْلِم أَحَدًا أَجْره ) ‏ ‏فِيهِ إِثْبَات إِعْطَائِهِ أُجْرَة الْحَجَّام بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاط , بِخِلَافِ الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا فَفِيهَا الْجَزْم بِذَلِكَ عَلَى طَرِيق التَّنْصِيص. ‏"
    },
    {
        "id": "2120",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غُلَامًا ‏ ‏حَجَّامًا فَحَجَمَهُ وَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ ‏ ‏أَوْ صَاعَيْنِ أَوْ مُدٍّ أَوْ مُدَّيْنِ ‏ ‏وَكَلَّمَ فِيهِ فَخُفِّفَ مِنْ ضَرِيبَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيل عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" عَنْ حُمَيْدٍ سَمِعْت أَنَسًا \". ‏ ‏قَوْله : ( دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُلَامًا ) ‏ ‏هُوَ أَبُو طَيْبَة كَمَا تَقَدَّمَ قَبْل بَاب , وَاسْم أَبِي طَيْبَة نَافِع عَلَى الصَّحِيح , فَقَدْ رَوَى أَحْمَد وَابْن السَّكَن وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث مُحَيِّصَةَ بْن مَسْعُود أَنَّهُ \" كَانَ لَهُ غُلَام حَجَّام يُقَال لَهُ نَافِع أَبُو طَيْبَة فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلهُ عَنْ خَرَاجه \" الْحَدِيث , وَحَكَى اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي اِسْم أَبِي طَيْبَة أَنَّهُ دِينَار , وَوَهَمُوهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ دِينَارًا الْحَجَّام تَابِعِيّ رَوَى عَنْ أَبِي طَيْبَة لَا أَنَّهُ اِسْم أَبِي طَيْبَة , أَخْرَجَ حَدِيثه اِبْن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيق بَسَّام الْحَجَّام عَنْ دِينَار الْحَجَّام عَنْ أَبِي طَيْبَة الْحَجَّام قَالَ \" حَجَمْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْحَدِيث , وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو أَحْمَد الْحَاكِم فِي الْكُنَى أَنَّ دِينَارًا الْحَجَّام يَرْوِي عَنْ أَبِي طَيْبَة لَا أَنَّهُ أَبُو طَيْبَة نَفْسه ,وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِي الصَّحَابَة بِإِسْنَادٍ ضَعِيف أَنَّ اِسْم أَبِي طَيْبَة مَيْسَرَة , وَأَمَّا الْعَسْكَرِيّ فَقَالَ : الصَّحِيح أَنَّهُ لَا يُعْرَف اِسْمه , وَذَكَرَ اِبْن الْحَذَّاء فِي رِجَال \" الْمُوَطَّأ \" أَنَّهُ عَاشَ مِائَة وَثَلَاثًا وَأَرْبَعِينَ سَنَة. ‏ ‏قَوْله : ( بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ أَوْ مُدّ أَوْ مُدَّيْنِ ) ‏ ‏شَكّ مِنْ شُعْبَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة سُفْيَان صَاعًا أَوْ صَاعَيْنِ عَلَى الشَّكّ أَيْضًا وَلَمْ يَتَعَرَّض لِذِكْرِ الْمُدّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع مِنْ رِوَايَة مَالِك عَنْ حُمَيْدٍ \" فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ \" وَلَمْ يَشُكّ , وَأَفَادَ تَعْيِين مَا فِي الصَّاع \" وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث عَلِيّ قَالَ \" أَمَرَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَيْت الْحَجَّام أَجْره \" فَأَفَادَ تَعْيِين مَنْ بَاشَرَ الْعَطِيَّة. وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَة مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْحَجَّامِ كَمْ خَرَاجك ؟ قَالَ صَاعَانِ , قَالَ فَوَضَعَ عَنْهُ صَاعًا \" وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَب فِي الشَّكّ الْمَاضِي. وَهَذِهِ الرِّوَايَة تَجْمَع الْخِلَاف , وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة أَنَّ خَرَاجه كَانَ ثَلَاثَة آصُعٍ , وَكَذَا لِأَبِي يَعْلَى عَنْ جَابِر , فَإِنْ صَحَّ جُمِعَ بَيْنهمَا بِأَنَّهُ كَانَ صَاعَيْنِ وَزِيَادَة فَمَنْ قَالَ صَاعَيْنِ أَلْغَى الْكَسْر وَمَنْ قَالَ ثَلَاثَة جَبَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَلَّمَ فِيهِ ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر الْمَفْعُول وَقَدْ ذَكَرَهُ قَبْلُ بِبَابٍ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حُمَيْدٍ فَقَالَ \" كَلَّمَ مَوَالِيه \" وَمَوَالِيه هُمْ بَنُو حَارِثَة عَلَى الصَّحِيح , وَمَوْلَاهُ مِنْهُمْ مُحَيِّصَةُ بْن مَسْعُود كَمَا تَرَاهُ هُنَا , وَإِنَّمَا جَمَعَ الْمَوَالِي مَجَازًا كَمَا يُقَال بَنُو فُلَان قَتَلُوا رَجُلًا وَيَكُون الْقَاتِل مِنْهُمْ وَاحِدًا , وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر أَنَّهُ مَوْلَى بَنِي بَيَاضَةَ فَهُوَ وَهْم , فَإِنَّ مَوْلَى بَنِي بَيَاضَةَ آخَر يُقَال لَهُ أَبُو هِنْد. ‏"
    },
    {
        "id": "2121",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ‏ ‏وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ‏ ‏وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2122",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَسْبِ الْإِمَاءِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2123",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَسْبِ ‏ ‏الْفَحْلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَلِيّ بْن الْحَكَم ) ‏ ‏هُوَ الْبُنَانِيُّ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا نُون خَفِيفَة بَصْرِيّ ثِقَة عِنْد الْجَمِيع , وَلَيَّنَهُ أَبُو الْفَتْح الْأَزْدِيُّ بِلَا مُسْتَنَد , وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" هَذَا الْحَدِيث عَنْ مُسَدَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ وَقَالَ : عَلِيّ بْن الْحُكْم ثِقَة مِنْ أَعَزّ الْبَصْرِيِّينَ حَدِيثًا اِنْتَهَى. وَقَدْ وَهَمَ فِي اِسْتِدْرَاكه , وَهُوَ فِي الْبُخَارِيّ كَمَا تَرَى , وَكَأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَرَهُ فِي كِتَاب الْبُيُوع تَوَهَّمَ أَنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يُخَرِّجهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2124",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ ‏ ‏شَطْرُ ‏ ‏مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ‏ ‏وَأَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ الْمَزَارِعَ كَانَتْ ‏ ‏تُكْرَى ‏ ‏عَلَى شَيْءٍ سَمَّاهُ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏لَا أَحْفَظُهُ ‏ ‏وَأَنَّ ‏ ‏رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ‏ ‏حَدَّثَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ‏ ‏كِرَاءِ ‏ ‏الْمَزَارِعِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏حَتَّى ‏ ‏أَجْلَاهُمْ ‏ ‏عُمَرُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2125",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَطْلُ ‏ ‏الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى ‏ ‏مَلِيٍّ ‏ ‏فَلْيَتْبَعْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏قَدْ رَوَاهُ هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَرَوَاهُ اِبْن عُمَر وَجَابِر مَعَ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَطْل الْغَنِيّ ظُلْم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد عِنْد النَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَهْ \" الْمَطْل ظُلْم الْغَنِيّ \" وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مِنْ الظُّلْم , وَأُطْلِقَ ذَلِكَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِير عَنْ الْمَطْل , وَقَدْ رَوَاهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" إِنَّ مِنْ الظُّلْم مَطْل الْغَنِيّ \" وَهُوَ يُفَسِّر الَّذِي قَبْله , وَأَصْل الْمَطْل الْمَدّ , قَالَ اِبْن فَارِس : مَطَلْت الْحَدِيدَة أَمْطُلهَا مَطْلًا إِذَا مَدَدْتهَا لِتَطُولَ , وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : الْمَطْل الْمُدَافَعَة , وَالْمُرَاد هُنَا تَأْخِير مَا اُسْتُحِقَّ أَدَاؤُهُ بِغَيْرِ عُذْر. وَالْغَنِيّ مُخْتَلَف فِي تَفْرِيعه وَلَكِنْ الْمُرَاد بِهِ هُنَا مَنْ قَدَرَ عَلَى الْأَدَاء فَأَخَّرَهُ وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ. وَهَلْ يَتَّصِف بِالْمَطْلِ مَنْ لَيْسَ الْقَدْر الَّذِي اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ حَاضِرًا عِنْده لَكِنَّهُ قَادِر عَلَى تَحْصِيله بِالتَّكَسُّبِ مَثَلًا ؟ أَطْلَقَ أَكْثَر الشَّافِعِيَّة عَدَم الْوُجُوب , وَصَرَّحَ بَعْضهمْ بِالْوُجُوبِ مُطْلَقًا , وَفَصَلَ آخَرُونَ بَيْن أَنْ يَكُون أَصْل الدَّيْن وَجَبَ بِسَبَبٍ يُعْصَى بِهِ فَيَجِب وَإِلَّا فَلَا , وَقَوْله \" مَطْل الْغَنِيّ \" هُوَ مِنْ إِضَافَة الْمَصْدَر لِلْفَاعِلِ عِنْد الْجُمْهُور , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَحْرُم عَلَى الْغَنِيّ الْقَادِر أَنْ يَمْطُل بِالدَّيْنِ بَعْد اِسْتِحْقَاقه بِخِلَافِ الْعَاجِز , وَقِيلَ هُوَ مِنْ إِضَافَة الْمَصْدَر لِلْمَفْعُولِ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِب وَفَاء الدَّيْن وَلَوْ كَانَ مُسْتَحِقّه غَنِيًّا وَلَا يَكُون غِنَاهُ سَبَبًا لِتَأْخِيرِ حَقّه عَنْهُ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فِي حَقّ الْغَنِيّ فَهُوَ فِي حَقّ الْفَقِير أَوْلَى , وَلَا يَخْفَى بَعْد هَذَا التَّأْوِيل. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ ) ‏ ‏الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة وَاللُّغَة كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ إِسْكَان الْمُثَنَّاة فِي \" أُتْبِعَ \" وَفِي \" فَلْيَتْبَعْ \" وَهُوَ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ مِثْل إِذَا أُعْلِمَ فَلْيَعْلَمْ , تَقُول تَبِعْت الرَّجُل بِحَقِّي أَتْبَعهُ تَبَاعَة بِالْفَتْحِ إِذَا طَلَبْته , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : أَمَّا أُتْبِعَ فَبِضَمِّ الْهَمْزَة وَسُكُون التَّاء مَبْنِيًّا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله عِنْد الْجَمِيع , وَأَمَّا فَلْيَتْبَعْ فَالْأَكْثَر عَلَى التَّخْفِيف , وَقَيَّدَهُ بَعْضهمْ بِالتَّشْدِيدِ , وَالْأَوَّل أَجْوَد. اِنْتَهَى. وَمَا اِدَّعَاهُ مِنْ الِاتِّفَاق عَلَى أُتْبِعَ يَرُدّهُ قَوْل الْخَطَّابِيِّ : إِنَّ أَكْثَر الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُونَهُ بِتَشْدِيدِ التَّاء وَالصَّوَاب التَّخْفِيف , وَمَعْنَى قَوْله \" أُتْبِعَ فَلْيَتْبَعْ \" أَيْ أُحِيلَ فَلْيَحْتَلْ , وَقَدْ رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ أَحْمَد عَنْ وَكِيع عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي الزِّنَاد , وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِثْله مِنْ طَرِيق يَعْلَى بْن مَنْصُور عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ أَبِيهِ وَأَشَارَ إِلَى تَفَرُّد يَعْلَى بِذَلِكَ , وَلَمْ يَتَفَرَّد بِهِ كَمَا تَرَاهُ , وَرَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" فَإِذَا أُحِلْت عَلَى مَلِيء فَاتَّبِعْهُ \" وَهَذَا بِتَشْدِيدِ التَّاء بِلَا خِلَاف , \" وَالْمَلِيء \" بِالْهَمْزِ مَأْخُوذ مِنْ الْمُلَاء يُقَال مَلُؤَ الرَّجُل بِضَمِّ اللَّام أَيْ صَارَ مَلِيًّا , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْمَلِيّ كَالْغَنِيِّ لَفْظًا وَمَعْنًى , فَاقْتَضَى أَنَّهُ بِغَيْرِ هَمْز , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ فِي الْأَصْل بِالْهَمْزِ وَمَنْ رَوَاهُ بِتَرْكِهَا فَقَدْ سَهَّلَهُ , وَالْأَمْر فِي قَوْله فَلْيَتْبَعْ لِلِاسْتِحْبَابِ عِنْد الْجُمْهُور , وَوَهَمَ مَنْ نَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاع , وَقِيلَ هُوَ أَمْر إِبَاحَة وَإِرْشَاد وَهُوَ شَاذّ , وَحَمَلَهُ أَكْثَر الْحَنَابِلَة وَأَبُو ثَوْر وَابْن جَرِير وَأَهْل الظَّاهِر عَلَى ظَاهِره , وَعِبَارَة الْخِرَقِيِّ \" وَمَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيء فَوَاجِب عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَال \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اِدَّعَى الرَّافِعِيّ أَنَّ الْأَشْهَر فِي الرِّوَايَات \" وَإِذَا أُتْبِعَ \" وَأَنَّهُمَا جُمْلَتَانِ لَا تَعَلُّق لِإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى , وَزَعَمَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ لَمْ يَرِد إِلَّا بِالْوَاوِ , وَغَفَلَ عَمَّا فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ هُنَا فَإِنَّهُ بِالْفَاءِ فِي جَمِيع الرِّوَايَات , وَهُوَ كَالتَّوْطِئَةِ وَالْعِلَّة لِقَبُولِ الْحَوَالَة , أَيْ إِذَا كَانَ الْمَطْل ظُلْمًا فَلْيَقْبَلْ مَنْ يَحْتَال بِدَيْنِهِ عَلَيْهِ , فَإِنَّ الْمُؤْمِن مِنْ شَأْنه أَنْ يَحْتَرِز عَنْ الظُّلْم فَلَا يَمْطُل. نَعَمْ رَوَاهُ مُسْلِم بِالْوَاوِ وَكَذَا الْبُخَارِيّ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده لَكِنْ قَالَ \" وَمِنْ أُتْبِعَ \" وَمُنَاسَبَة الْجُمْلَة لِلَّتِي قَبْلهَا أَنَّهُ لَمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ مَطْل الْغَنِيّ ظُلْم عَقَّبَهُ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي قَبُول الْحَوَالَة عَلَى الْمَلِيء لِمَا فِي قَبُولهَا مِنْ دَفْع الظُّلْم الْحَاصِل بِالْمَطْلِ , فَإِنَّهُ قَدْ تَكُون مُطَالَبَة الْمُحَال عَلَيْهِ سَهْلَة عَلَى الْمُحْتَال دُون الْمُحِيل فَفِي قَبُول الْحَوَالَة إِعَانَة عَلَى كَفّه عَنْ الظُّلْم , وَفِي الْحَدِيث الزَّجْر عَنْ الْمَطْل , وَاخْتُلِفَ هَلْ يُعَدّ فِعْله عَمْدًا كَبِيرَة أَمْ لَا ؟ فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ فَاعِله يَفْسُق , لَكِنْ هَلْ يَثْبُت فِسْقه بِمَطْلِهِ مَرَّة وَاحِدَة أَمْ لَا ؟ قَالَ النَّوَوِيّ مُقْتَضَى , مَذْهَبنَا اِشْتِرَاط التَّكْرَار , وَرَدَّهُ السُّبْكِيُّ فِي \" شَرْح الْمِنْهَاج \" بِأَنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبنَا عَدَمه , وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ مَنْع الْحَقّ بَعْد طَلَبه وَابْتِغَاء الْعُذْر عَنْ أَدَائِهِ كَالْغَصْبِ وَالْغَصْب كَبِيرَة , وَتَسْمِيَته ظُلْمًا يُشْعِر بِكَوْنِهِ كَبِيرَة , وَالْكَبِيرَة لَا يُشْتَرَط فِيهَا التَّكْرَار. نَعَمْ لَا يُحْكَم عَلَيْهِ بِذَلِكَ إِلَّا بَعْد أَنْ يَظْهَر عَدَم عُذْره اِنْتَهَى. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَفْسُق بِالتَّأْخِيرِ مَعَ الْقُدْرَة قَبْل الطَّلَب أَمْ لَا ؟ فَالَّذِي يُشْعِر بِهِ حَدِيث الْبَاب التَّوَقُّف عَلَى الطَّلَب لِأَنَّ الْمَطْل يُشْعِر بِهِ , وَيَدْخُل فِي الْمَطْل كُلّ مَنْ لَزِمَهُ حَقّ كَالزَّوْجِ لِزَوْجَته وَالسَّيِّد لِعَبْدِهِ وَالْحَاكِم لِرَعِيَّتِهِ وَبِالْعَكْسِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَاجِز عَنْ الْأَدَاء لَا يَدْخُل فِي الظُّلْم , وَهُوَ بِطَرِيقِ الْمَفْهُوم لِأَنَّ تَعْلِيق الْحُكْم بِصِفَةٍ مِنْ صِفَات الذَّات يَدُلّ عَلَى نَفْي الْحُكْم عَنْ الذَّات عِنْد اِنْتِفَاء تِلْكَ الصِّفَة , وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْمَفْهُومِ أَجَابَ بِأَنَّ الْعَاجِز لَا يُسَمَّى مَاطِلًا , وَعَلَى أَنَّ الْغَنِيّ الَّذِي مَاله غَائِب عَنْهُ لَا يَدْخُل فِي الظُّلْم , وَهَلْ هُوَ مَخْصُوص مِنْ عُمُوم الْغَنِيّ أَوْ لَيْسَ هُوَ فِي الْحُكْم بِغَنِيٍّ ؟ الْأَظْهَر الثَّانِي لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة يَجُوز إِعْطَاؤُهُ مِنْ سَهْم الْفُقَرَاء مِنْ الزَّكَاة , فَلَوْ كَانَ فِي الْحُكْم غَنِيًّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ أَنَّ الْمُعْسِر لَا يُحْبَس وَلَا يُطَالَب حَتَّى يُوسِر , قَالَ الشَّافِعِيّ : لَوْ جَازَتْ مُؤَاخَذَته لَكَانَ ظَالِمًا , وَالْفَرْض أَنَّهُ لَيْسَ بِظَالِمٍ لِعَجْزِهِ. وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : لَهُ أَنْ يَحْبِسهُ. وَقَالَ آخَرُونَ : لَهُ أَنْ يُلَازِمهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَة إِذَا صَحَّتْ ثُمَّ تَعَذَّرَ الْقَبْض بِحُدُوثِ حَادِث كَمَوْتٍ أَوْ فَلَس لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوع عَلَى الْمُحِيل , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ الرُّجُوع لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ الْغِنَى فَائِدَة , فَلَمَّا شُرِطَتْ عُلِمَ أَنَّهُ اِنْتَقَلَ اِنْتِقَالًا لَا رُجُوع لَهُ كَمَا لَوْ عَوَّضَهُ عَنْ دَيْنه بِعِوَضٍ ثُمَّ تَلِفَ الْعِوَض فِي يَد صَاحِب الدَّيْن فَلَيْسَ لَهُ رُجُوع. وَقَالَ الْحَنَفِيَّة يَرْجِع عِنْد التَّعَذُّر , وَشَبَّهُوهُ بِالضَّمَانِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مُلَازَمَة الْمُمَاطِل وَإِلْزَامه بِدَفْعِ الدَّيْن وَالتَّوَصُّل إِلَيْهِ بِكُلِّ طَرِيق وَأَخْذه مِنْهُ قَهْرًا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِعْتِبَار رِضَا الْمُحِيل وَالْمُحْتَال دُون الْمُحَال عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يُذْكَر فِي الْحَدِيث , وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور. وَعَنْ الْحَنَفِيَّة يُشْتَرَط أَيْضًا , وَبِهِ قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّة , وَفِيهِ الْإِرْشَاد إِلَى تَرْك الْأَسْبَاب الْقَاطِعَة لِاجْتِمَاعِ الْقُلُوب لِأَنَّهُ زَجْر عَنْ الْمُمَاطَلَة وَهِيَ تُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2126",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ ذَكْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَطْلُ ‏ ‏الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى ‏ ‏مَلِيٍّ ‏ ‏فَلْيَتَّبِعْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2127",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا فَقَالَ ‏ ‏هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا لَا قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قِيلَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ ‏ ‏أَبُو قَتَادَةَ ‏ ‏صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِذَا أَتَى بِجِنَازَةٍ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم صَاحِب هَذِهِ الْجِنَازَة وَلَا عَلَى الَّذِي بَعْده , وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيث جَابِر \" مَاتَ رَجُل فَغَسَّلْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ وَحَفِظْنَاهُ وَوَضَعْنَاهُ حَيْثُ تُوضَع الْجَنَائِز عِنْد مَقَام جِبْرِيل , ثُمَّ آذَنَّا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْن ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب سَبَب هَذَا السُّؤَال مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْن فَيَسْأَل هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ قَضَاء ؟ فَإِنْ حَدَثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاء صَلَّى عَلَيْهِ وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبكُمْ \" الْحَدِيث , وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْد أَنْ فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ الْفُتُوح. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى ) ‏ ‏ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيث أَحْوَال ثَلَاثَة وَتُرِكَ حَال رَابِع , الْأَوَّل لَمْ يَتْرُك مَالًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَيْن , وَالثَّانِي عَلَيْهِ دَيْن وَلَهُ وَفَاء , وَالثَّالِث عَلَيْهِ دَيْن وَلَا وَفَاء لَهُ , وَالرَّابِع مَنْ لَا دَيْن عَلَيْهِ وَلَهُ مَال , وَهَذَا حُكْمه أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ أَيْضًا , وَكَأَنَّهُ لَمْ يُذْكَر لَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَقَع بَلْ لِكَوْنِهِ كَانَ كَثِيرًا. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاثَة دَنَانِير ) ‏ ‏فِي حَدِيث جَابِر عِنْد الْحَاكِم \" دِينَارَانِ \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ جَابِر نَحْوه , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَسْمَاء بِنْت يَزِيد , وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُمَا كَانَا دِينَارَيْنِ وَشَطْرًا , فَمَنْ قَالَ ثَلَاثَة جَبَرَ الْكَسْر وَمَنْ قَالَ دِينَارَانِ أَلْغَاهُ , أَوْ كَانَ أَصْلهمَا ثَلَاثَة فَوَفَى قَبْل مَوْته دِينَارًا وَبَقِيَ عَلَيْهِ دِينَارَانِ , فَمَنْ قَالَ ثَلَاثَة فَبِاعْتِبَارِ الْأَصْل وَمَنْ قَالَ دِينَارَانِ فَبِاعْتِبَارِ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْن , وَالْأَوَّل أَلْيَق وَوَقَعَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ \" ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا , وَهَذَا دُون دِينَارَيْنِ وَفِي مُخْتَصَر الْمُزَنِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ \" دِرْهَمَيْنِ \" وَيُجْمَع إِنْ ثَبَتَ بِالتَّعَدُّدِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ : صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُول اللَّه , وَعَلَيَّ دَيْنه , فَصَلَّى عَلَيْهِ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ نَفْسه \" فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ وَأَنَا أَتَكَفَّل بِهِ \" زَادَ الْحَاكِم فِي حَدِيث جَابِر \" فَقَالَ هُمَا عَلَيْك وَفِي مَالِك وَالْمَيِّت مِنْهُمَا بَرِيء ؟ قَالَ نَعَمْ , فَصَلَّى عَلَيْهِ , فَجَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَقِيَ أَبَا قَتَادَةَ يَقُول : مَا صَنَعَتْ الدِّينَارَانِ ؟ حَتَّى كَانَ آخِر ذَلِكَ إِنْ قَالَ : قَدْ قَضَيْتهمَا يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : الْآن حِين بَرَّدْت عَلَيْهِ جِلْده \" وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْقِصَّة مَرَّة أُخْرَى ; فَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيث عَلِيّ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُتِيَ بِجِنَازَةٍ لَمْ يَسْأَل عَنْ شَيْء مِنْ عَمَل الرَّجُل , وَيَسْأَل عَنْ دَيْنه , فَإِنْ قِيلَ عَلَيْهِ دَيْن كَفّ , وَإِنْ قِيلَ لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْن صَلَّى. فَأُتِيَ بِجِنَازَةٍ , فَلَمَّا قَامَ لِيُكَبِّر سَأَلَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْن فَقَالُوا : دِينَارَانِ , فَعَدَلَ عَنْهُ فَقَالَ عَلِيّ : هُمَا عَلَيّ يَا رَسُول اللَّه وَهُوَ بَرِيء مِنْهُمَا , فَصَلَّى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ جَزَاك اللَّه خَيْرًا وَفَكَّ اللَّه رِهَانك \" الْحَدِيث. قَالَ اِبْن بَطَّال : ذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى صِحَّة هَذِهِ الْكَفَالَة وَلَا رُجُوع لَهُ فِي مَال الْمَيِّت. وَعَنْ مَالِك لَهُ أَنْ يَرْجِع إِنْ قَالَ إِنَّمَا ضَمِنْت لِأَرْجِع , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَال وَعَلِمَ الضَّامِن بِذَلِكَ فَلَا رُجُوع لَهُ , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة إِنْ تَرَكَ الْمَيِّت وَفَاء جَازَ الضَّمَان بِقَدْرِ مَا تَرَكَ , وَإِنْ لَمْ يَتْرُك وَفَاء لَمْ يَصِحّ ذَلِكَ. وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِلْجُمْهُورِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث إِشْعَار بِصُعُوبَةِ أَمْر الدَّيْن وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي تَحَمُّله إِلَّا مِنْ ضَرُورَة. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْحِكْمَة فِي تَرْكه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاة عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْن فِي أَوَّل الْأَمْر عِنْد الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي الْحَدِيث وُجُوب الصَّلَاة عَلَى الْجِنَازَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعه. ‏"
    },
    {
        "id": "2128",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِدْرِيسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ { ‏وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ‏} ‏قَالَ وَرَثَةً ‏ { ‏وَالَّذِينَ ‏ ‏عَاقَدَتْ ‏ ‏أَيْمَانُكُمْ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمُوا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏يَرِثُ الْمُهَاجِرُ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ‏} ‏نَسَخَتْ ثُمَّ قَالَ ‏ { ‏وَالَّذِينَ ‏ ‏عَاقَدَتْ ‏ ‏أَيْمَانُكُمْ ‏} ‏إِلَّا النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ وَالنَّصِيحَةَ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصِي لَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2129",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ عَلَيْنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏فَآخَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَهُ وَبَيْنَ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2130",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ فَقَالَ قَدْ حَالَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَالْأَنْصَارِ ‏ ‏فِي دَارِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَاصِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان الْمَعْرُوف بِالْأَحْوَلِ. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِأَنَسِ بْن مَالِك أَبَلَغَك أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا حِلْف فِي الْإِسْلَام ؟ ) ‏ ‏الْحِلْف بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا فَاء : الْعَهْد. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يَتَعَاهَدُونَ فِي الْإِسْلَام عَلَى الْأَشْيَاء الَّتِي كَانُوا يَتَعَاهَدُونَ عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة كَمَا سَأَذْكُرُهُ , وَكَأَنَّ عَاصِمًا يُشِير بِذَلِكَ إِلَى مَا رَوَاهُ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم بْنِ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف عَنْ أَبِيهِ عَنْ جُبَيْر بْن مُطْعِم مَرْفُوعًا \" لَا حِلْف فِي الْإِسْلَام , وَأَيّمَا حِلْف كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَام إِلَّا شِدَّة \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَلِهَذَا الْحَدِيث طُرُق مِنْهَا عَنْ أُمّ سَلَمَة مِثْله أَخْرَجَهُ عُمَر بْنُ شَبَّة فِي \" كِتَاب مَكَّة \" عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ جَدّه قَالَ \" خَطَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى دَرَج الْكَعْبَة فَقَالَ : أَيّهَا النَّاس \" فَذَكَرَ نَحْوه أَخْرَجَهُ عُمَر بْن شَبَّة , وَأَصْله فِي السُّنَن. وَعَنْ قَيْس بْن عَاصِم أَنَّهُ \" سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحِلْف فَقَالَ : لَا حِلْف فِي الْإِسْلَام , وَلَكِنْ تَمَسَّكُوا بِحِلْفِ الْجَاهِلِيَّة \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَعُمَر بْن شَبَّة وَاللَّفْظ لَهُ. وَمِنْهَا عَنْ اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" مَا كَانَ مِنْ حِلْف فِي الْجَاهِلِيَّة لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَام إِلَّا شِدَّة وَحِدَّة \" أَخْرَجَهُ عُمَر بْن شَبَّة وَاللَّفْظ لَهُ وَأَحْمَد وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ. وَمِنْ مُرْسَل عَدِيّ بْن ثَابِت قَالَ \" أَرَادَتْ الْأَوْس أَنْ تُحَالِف سَلْمَان \" فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْل حَدِيث قَيْس بْن عَاصِم أَخْرَجَهُ عُمَر بْن شَبَّة. وَمِنْ مُرْسَل الشَّعْبِيّ رَفَعَهُ \" لَا حِلْف فِي الْإِسْلَام , وَحِلْف الْجَاهِلِيَّة مَشْدُود \" وَذَكَرَ عُمَر بْن شَبَّة أَنَّ أَوَّل حِلْف كَانَ بِمَكَّة حِلْف الْأَحَابِيش أَنَّ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي مَخْزُوم شَكَتْ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي الْحَارِث بْن عَبْد مَنَاة بْن كِنَانَة تَسَلُّط بَنِي بَكْر بْن عَبْد مَنَاة بْن كِنَانَة عَلَيْهِمْ , فَأَتَى قَوْمه فَقَالَ لَهُمْ : ذَلَّتْ قُرَيْش لِبَنِي بَكْر فَانْصُرُوا إِخْوَانكُمْ , فَرَكِبُوا إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِق مِنْ خُزَاعَة , فَسَمِعَتْ بِهِمْ بَنُو الْهَوْن اِبْن خُزَيْمَةَ بْن مُدْرِكَة فَاجْتَمَعُوا بِذَنْبِ حَبَش - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُعْجَمَة - وَهُوَ جَبَل بِأَسْفَل مَكَّة , فَتَحَالَفُوا : إِنَّا لَيَدٌ عَلَى غَيْرنَا مَا رَسَا حَبَش مَكَانه , وَكَانَ هَذَا مَبْدَأ الْأَحَابِيش. وَعِنْد عُمَر اِبْن شَبَّة مِنْ مُرْسَل عُرْوَة بْن الزُّبَيْر مِثْله , ثُمَّ دَخَلَتْ فِيهِمْ الْقَارَّة. قَالَ عَبْد الْعَزِيز بْن عُمَر : إِنَّمَا سُمُّوا الْأَحَابِيش لِتَحَالُفِهِمْ عِنْد حَبَش , ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهُ عَلَى عَشَرَة أَمْيَال مِنْ مَكَّة. وَمِنْ طَرِيق حَمَّاد الرَّاوِيَة سُمُّوا لِتَحَبُّشِهِمْ أَيْ تَجَمُّعهمْ , قَالَ عُمَر بْن شَبَّة : ثُمَّ كَانَ حِلْف قُرَيْش وَثَقِيف وَدَوْس , وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا رَغِبَتْ فِي وَجّ وَهُوَ مِنْ الطَّائِف لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّجَر وَالزَّرْع , فَخَافَتْهُمْ ثَقِيف فَحَالَفَتْهُمْ وَأَدْخَلَتْ مَعَهُمْ بَنِي دَوْس وَكَانُوا إِخْوَانهمْ وَجِيرَانهمْ. ثُمَّ كَانَ حِلْف الْمُطَيَّبِينَ وَأَزْدٍ. وَأُسْنِدَ مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة رَفَعَهُ \" مَا شَهِدْت مِنْ حِلْف إِلَّا حِلْف الْمُطَيَّبِينَ , وَمَا أُحِبّ أَنْ أَنْكُثهُ وَأَنَّ لِي حُمُر النَّعَم \" وَمِنْ مُرْسَل طَلْحَة بْن عَوْف نَحْوه وَزَادَ \" وَلَوْ دُعِيت بِهِ الْيَوْم فِي الْإِسْلَام لَأَجَبْت \" وَمِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف رَفَعَهُ \" شَهِدْت وَأَنَا غُلَام حِلْفًا مَعَ عُمُومَتِي الْمُطَيَّبِينَ , فَمَا أُحِبّ أَنَّ لِي حُمْر النَّعَم وَأَنِّي نَكَثْته \". قَالَ وَحِلْف الْفُضُول - وَهُمْ فَضْل وَفَضَالَةُ وَمُفَضَّل - تَحَالَفُوا. فَلَمَّا وَقَعَ حِلْف الْمُطَيَّبِينَ بَيْن هَاشِم وَالْمُطَّلِب وَأَسَد وَزُهْرَة قَالُوا حِلْف كَحِلْفِ الْفُضُول , وَكَانَ حِلْفهمْ أَنْ لَا يُعِين ظَالِم مَظْلُومًا بِمَكَّة ,وَذَكَرَُوا فِي سَبَب ذَلِكَ أَشْيَاء مُخْتَلِفَة مُحَصِّلهَا أَنَّ الْقَادِم مِنْ أَهْل الْبِلَاد كَانَ يَقْدَم مَكَّة فَرُبَّمَا ظَلَمَهُ بَعْض أَهْلهَا فَيَشْكُوهُ إِلَى مَنْ بِهَا مِنْ الْقَبَائِل فَلَا يُفِيد , فَاجْتَمَعَ بَعْض مَنْ كَانَ يَكْرَه الظُّلْم وَيَسْتَقْبِحهُ إِلَى أَنْ عَقَدُوا الْحِلْف , وَظَهَرَ الْإِسْلَام وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي بَيَان مَا وَقَعَ فِي الْإِسْلَام مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَائِل مَنَاقِب الْأَنْصَار وَفِي أَوَائِل الْهِجْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ حَالَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏قَالَ الطَّبَرِيُّ مَا اِسْتَدَلَّ بِهِ أَنَس عَلَى إِثْبَات الْحَلِف لَا يُنَافِي حَدِيث جُبَيْر بْن مُطْعِم فِي نَفْيه , فَإِنَّ الْإِخَاء الْمَذْكُور كَانَ فِي أَوَّل الْهِجْرَة وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِهِ , ثُمَّ نُسِخَ مِنْ ذَلِكَ الْمِيرَاث وَبَقِيَ مَا لَمْ يُبْطِلهُ الْقُرْآن وَهُوَ التَّعَاوُن عَلَى الْحَقّ وَالنَّصْر وَالْأَخْذ عَلَى يَد الظَّالِم كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس : إِلَّا النَّصْر وَالنَّصِيحَة وَالرِّفَادَة وَيُوصَى لَهُ , وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاث. قُلْت : وَعُرِفَ بِذَلِكَ وَجْه إِيرَاد حَدِيثَيْ أَنَس مَعَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَاللَّه أَعْلَم. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ حَالَفَ بَيْنهمْ أَيْ آخَى بَيْنهمْ , يُرِيد أَنَّ مَعْنَى الْحَلِف فِي الْجَاهِلِيَّة مَعْنَى الْأُخُوَّة فِي الْإِسْلَام , لَكِنَّهُ فِي الْإِسْلَام جَارٍ عَلَى أَحْكَام الدِّين وَحُدُوده , وَحِلْف الْجَاهِلِيَّة جَرَى عَلَى مَا كَانُوا يَتَوَاضَعُونَهُ بَيْنهمْ بِآرَائِهِمْ , فَبَطَل مِنْهُ مَا خَالَفَ حُكْم الْإِسْلَام وَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى حَاله. وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَة فِي الْحَدّ الْفَاصِل بَيْن الْحِلْف الْوَاقِع فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا كَانَ قَبْل نُزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة جَاهِلِيّ وَمَا بَعْدهَا إِسْلَامِيّ. وَعَنْ عَلِيّ مَا كَانَ قَبْل نُزُول ( لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ) جَاهِلِيّ. وَعَنْ عُثْمَان : كُلّ حِلْف كَانَ قَبْل الْهِجْرَة جَاهِلِيّ , وَمَا بَعْدهَا إِسْلَامِيّ. وَعَنْ عُمَر : كُلّ حِلْف كَانَ قَبْل الْحُدَيْبِيَة فَهُوَ مَشْدُود وَكُلّ حِلْف بَعْدهَا مَنْقُوض , أَخْرَجَ كُلّ ذَلِكَ عُمَر بْن شَبَّة عَنْ أَبِي غَسَّان مُحَمَّد بْن يَحْيَى بِأَسَانِيدِهِ إِلَيْهِمْ , وَأَظُنّ قَوْل عُمَر أَقْوَاهَا , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الْمَذْكُورَات فِي رِوَايَة غَيْره مِمَّا يَدُلّ عَلَى تَأَكُّد حِلْف الْجَاهِلِيَّة , وَالَّذِي فِي حَدِيث عُمَر مَا يَدُلّ عَلَى نَسْخ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2131",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ ‏ ‏هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا نَعَمْ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ ‏ ‏أَبُو قَتَادَةَ ‏ ‏عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2132",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا فَلَمْ يَجِئْ مَالُ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا جَاءَ مَالُ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏أَمَرَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَنَادَى مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا فَحَثَى لِي حَثْيَةً فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُ مِائَةٍ وَقَالَ خُذْ مِثْلَيْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ , وَقَدْ سَمِعَ عَمْرو بْن دِينَار مِنْ جَابِر الْكَثِير وَرُبَّمَا أَدْخَلَ بَيْنه وَبَيْنه وَاسِطَة , وَلِسُفْيَان فِي هَذَا الْحَدِيث إِسْنَاد آخَر سَيَأْتِي بَيَانه فِي فَرْض الْخُمُس. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ قَدْ جَاءَ مَال الْبَحْرَيْنِ ) ‏ ‏هُوَ مَال الْجِزْيَة كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي الْمَغَازِي , وَكَانَ عَامِل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ الْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب إِنْجَاز الْوَعْد \" مِنْ كِتَاب الشَّهَادَات فِي حَدِيث جَابِر هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ أَعْطَيْتُك هَكَذَا وَهَكَذَا ) ‏ ‏فِي الطَّرِيق الَّتِي فِي الشَّهَادَات \" هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا فَبَسَطَ يَدَيْهِ ثَلَاث مَرَّات \" وَبِهَذَا تَظْهَر مُنَاسَبَة قَوْله فِي آخِر حَدِيث الْبَاب \" فَعَدَدْتهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسمِائَةِ فَقَالَ : خُذْ مِثْلَيْهَا \" وَعُرِفَ بِقَوْلِهِ فِيهِ \" فَحَثَى لِي حَثْيَة \" تَفْسِير قَوْله \" خُذْ هَكَذَا \" كَأَنَّهُ أَشَارَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا , وَسَيَأْتِي بَسْط شَرْحه فِي كِتَاب فَرْض الْخُمُس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَوَجْه دُخُوله فِي التَّرْجَمَة أَنَّ أَبَا بَكْر لَمَّا قَامَ مَقَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَفَّلَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ وَاجِب أَوْ تَطَوُّع , فَلَمَّا اِلْتَزَمَ ذَلِكَ لَزِمَهُ أَنْ يُوفِي جَمِيع مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْن أَوْ عِدَّة , وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبّ الْوَفَاء بِالْوَعْدِ فَنَفَذَ أَبُو بَكْر ذَلِكَ. وَقَدْ عَدَّ بَعْض الشَّافِعِيَّة مِنْ خَصَائِصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوب الْوَفَاء بِالْوَعْدِ أَخْذًا مِنْ هَذَا الْحَدِيث , وَلَا دَلَالَة فِي سِيَاقه عَلَى الْخُصُوصِيَّة وَلَا عَلَى الْوُجُوب. وَفِيهِ قَبُول خَبَر الْوَاحِد الْعَدْل مِنْ الصَّحَابَة وَلَوْ جَرّ ذَلِكَ نَفْعًا لِنَفْسِهِ , لِأَنَّ أَبَا بَكْر لَمْ يَلْتَمِس مِنْ جَابِر شَاهِدًا عَلَى صِحَّة دَعْوَاهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبُو بَكْر عَلِمَ بِذَلِكَ فَقَضَى لَهُ بِعِلْمِهِ فَيُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى جَوَاز مِثْل ذَلِكَ لِلْحَاكِمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2133",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً صَلَّى وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ ‏ ‏أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2134",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مُهَاجِرًا قِبَلَ ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏حَتَّى إِذَا بَلَغَ ‏ ‏بَرْكَ الْغِمَادِ ‏ ‏لَقِيَهُ ‏ ‏ابْنُ الدَّغِنَةِ ‏ ‏وَهُوَ سَيِّدُ ‏ ‏الْقَارَةِ ‏ ‏فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَخْرَجَنِي قَوْمِي فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الْأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّي قَالَ ‏ ‏ابْنُ الدَّغِنَةِ ‏ ‏إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ فَإِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ ‏ ‏الْكَلَّ ‏ ‏وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ وَأَنَا لَكَ جَارٌ فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلَادِكَ فَارْتَحَلَ ‏ ‏ابْنُ الدَّغِنَةِ ‏ ‏فَرَجَعَ مَعَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَطَافَ فِي أَشْرَافِ كُفَّارِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يُكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَيَصِلُ الرَّحِمَ وَيَحْمِلُ ‏ ‏الْكَلَّ ‏ ‏وَيَقْرِي الضَّيْفَ وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ‏ ‏فَأَنْفَذَتْ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏جِوَارَ ‏ ‏ابْنِ الدَّغِنَةِ ‏ ‏وَآمَنُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏وَقَالُوا ‏ ‏لِابْنِ الدَّغِنَةِ ‏ ‏مُرْ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَلْيُصَلِّ وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ فَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا قَالَ ذَلِكَ ‏ ‏ابْنُ الدَّغِنَةِ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَطَفِقَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلَاةِ وَلَا الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ ثُمَّ بَدَا ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ وَبَرَزَ فَكَانَ ‏ ‏يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ ‏ ‏فَيَتَقَصَّفُ ‏ ‏عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَأَرْسَلُوا إِلَى ‏ ‏ابْنِ الدَّغِنَةِ ‏ ‏فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَإِنَّهُ جَاوَزَ ذَلِكَ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ وَأَعْلَنَ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا فَأْتِهِ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ ‏ ‏نُخْفِرَكَ ‏ ‏وَلَسْنَا مُقِرِّينَ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏الِاسْتِعْلَانَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَأَتَى ‏ ‏ابْنُ الدَّغِنَةِ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَيَّ ذِمَّتِي فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ ‏ ‏الْعَرَبُ ‏ ‏أَنِّي ‏ ‏أُخْفِرْتُ ‏ ‏فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ رَأَيْتُ ‏ ‏سَبْخَةً ‏ ‏ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ وَهُمَا ‏ ‏الْحَرَّتَانِ ‏ ‏فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَجَعَ إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏وَتَجَهَّزَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مُهَاجِرًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ قَالَ نَعَمْ فَحَبَسَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيَصْحَبَهُ وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَأَخْبَرَنِي عُرْوَة ) ‏ ‏فِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره أَخْبَرَنِي فُلَان بِكَذَا وَأَخْبَرَنِي عُرْوَة بِكَذَا , وَالْغَرَض مِنْ هَذَا الْحَدِيث هُنَا رِضَا أَبِي بَكْر بِجِوَارِ اِبْن الدَّغِنَةِ , وَتَقْرِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَوَجْه دُخُوله فِي الْكَفَالَة أَنَّهُ لَائِق بِكَفَالَةِ الْأَبَدَانِ , لِأَنَّ الَّذِي أَجَارَهُ كَأَنَّهُ تَكَفَّلَ بِنَفْسِ الْمُجَار أَنْ لَا يُضَام قَالَهُ اِبْن الْمُنِير. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏سَاقَ الْبُخَارِيّ الْحَدِيث هُنَا عَلَى لَفْظ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَسَاقَهُ فِي الْهِجْرَة عَلَى لَفْظ عَقِيل , وَسَأُبَيِّنُ مَا بَيْنهمَا مِنْ التَّفَاوُت هُنَاكَ ,وَذَكَرَ فِيهِ الِاخْتِلَاف فِي اِسْم اِبْن الدَّغِنَةِ وَضَبَطَهُ وَضَبَطَ بِرْكَ الْغِمَادِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو صَالِح حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه عَنْ يُونُس ) ‏ ‏هَذَا التَّعْلِيق سَقَطَ مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَسَاقَ الْحَدِيث عَنْ عَقِيل وَحْده. وَأَبُو صَالِح هَذَا اِتَّفَقَ أَبُو نُعَيْم وَالْأَصِيلِيُّ وَالْجَيَّانِيُّ وَغَيْرهمْ أَنَّهُ سُلَيْمَان بْن صَالِح الْمَرْوَزِيُّ وَلَقَبه سَلْمَوَيْهِ وَشَيْخه عَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْأَصِيلِيُّ. وَجَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّهُ أَبُو صَالِح عَبْد اللَّه بْن صَالِح كَاتِب اللَّيْث وَشَيْخه عَبْد اللَّه عَلَى هَذَا هُوَ اِبْن وَهْب. وَزَعَمَ الدِّمْيَاطِيّ أَنَّهُ أَبُو صَالِح مَحْبُوب بْن مُوسَى الْفَرَّاء الْأَنْطَاكِيّ وَلَمْ يَذْكُر لِذَلِكَ مُسْتَنِدًا , وَلَمْ يَسْبِقهُ أَحَد إِلَى عَدّ مَحْبُوب بْن مُوسَى فِي شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَالْمُعْتَمَد هُوَ الْأَوَّل فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن عَنْ الْفَرَبْرِيِّ عَنْ الْبُخَارِيّ قَالَ \" قَالَ أَبُو صَالِح سَلْمَوَيْهِ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك \". ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْحَوَالَة وَمَا مَعَهُ مِنْ الْكَفَالَة عَلَى اِثْنَيْ عَشَرَ حَدِيثًا الْمُعَلَّق مِنْهَا طَرِيقَانِ وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة الْمُكَرَّر مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى سِتَّة أَحَادِيث , وَالسِّتَّة الْأُخْرَى خَالِصَة , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع فِي الصَّلَاة عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْن , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْمِيرَاث. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ ثَمَانِيَة آثَار. وَاللَّه الْمُسْتَعَان. ‏"
    },
    {
        "id": "2135",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ أَتَصَدَّقَ ‏ ‏بِجِلَالِ الْبُدْنِ ‏ ‏الَّتِي نُحِرَتْ وَبِجُلُودِهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2136",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ فَبَقِيَ ‏ ‏عَتُودٌ ‏ ‏فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ضَحِّ بِهِ أَنْتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَتُود ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَضَمّ الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْوَاو : الصَّغِير مِنْ الْمَعْز إِذَا قَوِيَ , وَقِيلَ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ حَوْل , وَقِيلَ إِذَا قَدَرَ عَلَى السِّفَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "2137",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَاتَبْتُ ‏ ‏أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ ‏ ‏كِتَابًا بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي ‏ ‏صَاغِيَتِي ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏وَأَحْفَظَهُ فِي ‏ ‏صَاغِيَتِهِ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَلَمَّا ذَكَرْتُ الرَّحْمَنَ قَالَ لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ كَاتِبْنِي بِاسْمِكَ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَاتَبْتُهُ ‏ ‏عَبْدَ عَمْرٍو ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏خَرَجْتُ إِلَى جَبَلٍ ‏ ‏لِأُحْرِزَهُ ‏ ‏حِينَ نَامَ النَّاسُ فَأَبْصَرَهُ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ‏ ‏لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا ‏ ‏أُمَيَّةُ ‏ ‏فَخَرَجَ مَعَهُ فَرِيقٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فِي آثَارِنَا فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا خَلَّفْتُ لَهُمْ ‏ ‏ابْنَهُ ‏ ‏لِأَشْغَلَهُمْ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ أَبَوْا حَتَّى يَتْبَعُونَا وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا فَلَمَّا أَدْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ ابْرُكْ فَبَرَكَ فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لِأَمْنَعَهُ فَتَخَلَّلُوهُ بِالسُّيُوفِ مِنْ تَحْتِي حَتَّى قَتَلُوهُ وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ رِجْلِي بِسَيْفِهِ وَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏يُرِينَا ذَلِكَ الْأَثَرَ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏يُوسُفُ ‏ ‏صَالِحًا ‏ ‏وَإِبْرَاهِيمُ ‏ ‏أَبَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَالِح بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏يَأْتِي تَصْرِيحه بِالسَّمَاعِ مِنْهُ آخِر الْبَاب. ‏ ‏قَوْله : ( كَاتَبْت أُمَيَّة بْن خَلَف ) ‏ ‏أَيْ كَتَبْت بَيْنِي وَبَيْنه كِتَابًا , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَاهَدْت أُمَيَّة اِبْن خَلَف وَكَاتَبْته. ‏ ‏قَوْله : ( بِأَنْ يَحْفَظنِي فِي صَاغِيَتِي ) ‏ ‏الصَّاغِيَة بِصَادٍ مُهْمَلَة وَغَيْن مُعْجَمَة خَاصَّة الرَّجُل , مَأْخُوذ مِنْ صَغَى إِلَيْهِ إِذَا مَال. قَالَ الْأَصْمَعِيّ : صَاغِيَة الرَّجُل كُلّ مَنْ يَمِيل إِلَيْهِ , وَيُطْلَق عَلَى الْأَهْل وَالْمَال. وَقَالَ اِبْن التِّين : رَوَاهُ الدَّاوُدِيُّ ظَاعِنَتِي بِالظَّاءِ الْمُشَالَة الْمُعْجَمَة وَالْعَيْن الْمُهْمَلَة بَعْدهَا نُون , ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنَّهُ الشَّيْء الَّذِي يَسْفُر إِلَيْهِ قَالَ وَلَمْ أَرَ هَذَا لِغَيْرِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا أَعْرِف الرَّحْمَن ) ‏ ‏أَيْ لَا أَعْتَرِف بِتَوْحِيدِهِ , وَزَادَ اِبْن إِسْحَاق فِي حَدِيثه أَنَّ أُمَيَّة بْن خَلَف كَانَ يُسَمِّيه عَبْد الْإِلَه. ‏ ‏قَوْله : ( حِين نَامَ النَّاس ) ‏ ‏أَيْ رَقَدُوا , وَأَرَادَ بِذَلِكَ اِغْتِنَام غَفْلَتهمْ لِيَصُونَ دَمه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : أُمَيَّة بْن خَلَف ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاء , أَيْ عَلَيْكُمْ أُمَيَّة , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر مُبْتَدَأ مُضْمَر أَيْ هَذَا أُمَيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( خَلَفْت لَهُمْ اِبْنه ) ‏ ‏هُوَ عَلِيّ بْن أُمَيَّة , سَمَّاهُ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته فِي هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ وَجْه آخَر , وَسَيَأْتِي مَزِيد بَسْط لِهَذِهِ الْقِصَّة فِي شَرْح غَزْوَة بَدْر , وَنَذْكُر تَسْمِيَة مَنْ بَاشَرَ قَتْل أُمَيَّة وَمَنْ بَاشَرَ قَتْل اِبْنه عَلِيّ بْن أُمَيَّة وَمَنْ أَصَابَ رِجْل عَبْد الرَّحْمَن بِالسَّيْفِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَوَجْه أَخْذ التَّرْجَمَة مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَهُوَ مُسْلِم فِي دَار الْإِسْلَام فَوَّضَ إِلَى أُمَيَّة بْن خَلَف وَهُوَ كَافِر فِي دَارَ الْحَرْب مَا يَتَعَلَّق بِأُمُورِهِ , وَالظَّاهِر اِطِّلَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْكِرهُ , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : تَوْكِيل الْمُسْلِم حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا , وَتَوْكِيل الْحَرْبِيّ الْمُسْتَأْمَن مُسْلِمًا لَا خِلَاف فِي جَوَازه. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا ) ‏ ‏أَيْ ضَخْم الْجُثَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَجَلَّلُوهُ بِالسُّيُوفِ ) ‏ ‏بِالْجِيمِ أَيْ غَشُوهُ كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ وَلِأَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِمَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَيْ أَدْخَلُوا أَسْيَافهمْ خِلَاله \" حَتَّى وَصَلُوا إِلَيْهِ وَطَعَنُوهُ بِهَا مِنْ تَحْتِي \" مِنْ قَوْلهمْ خَلَّلْته بِالرُّمْحِ وَاخْتَلَلْته إِذَا طَعَنْته بِهِ , وَهَذَا أَشْبَه بِسِيَاقِ الْخَبَر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" فَتَخَلَّوْهُ \" بِلَامٍ وَاحِدَة ثَقِيلَة. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ يُوسُف صَالِحًا وَإِبْرَاهِيم أَبَاهُ ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِي , وَقَدْ وَقَعَ فِي آخِر الْقِصَّة مَا يَدُلّ عَلَى سَمَاع إِبْرَاهِيم مِنْ أَبِيهِ حَيْثُ قَالَ فِي آخِر الْحَدِيث \" فَكَانَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف يُرِينَا ذَلِكَ الْأَثَر فِي ظَهْر قَدَمه \". ‏"
    },
    {
        "id": "2138",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏وَأَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَعْمَلَ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏عَلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَجَاءَهُمْ بِتَمْرٍ ‏ ‏جَنِيبٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَكُلُّ تَمْرِ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏هَكَذَا فَقَالَ إِنَّا لَنَأْخُذُ ‏ ‏الصَّاعَ ‏ ‏مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ فَقَالَ لَا تَفْعَلْ بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ ‏ ‏جَنِيبًا ‏ ‏وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الْمَجِيد بْن سُهَيْل ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَقْدِيمِ الْمِيم عَلَى الْجِيم وَهُوَ الصَّوَاب , وَحَكَى اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن يُوسُف \" عَبْد الْحَمِيد \" بِحَاءِ مُهْمَلَة قَبْل الْمِيم وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ نُسَخ الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف , فَلَعَلَّهُ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة غَيْر الْبُخَارِيّ. قَالَ : وَكَذَلِكَ وَقَعَ لِيَحْيَى اِبْن يَحْيَى اللَّيْثِيِّ عَنْ مَالِك وَهُوَ خَطَأ. ‏ ‏قَوْله ( اِسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع أَنَّهُ أَنْصَارِيّ وَأَنَّ اِسْمه سَوَاد بْن غَزِيَّةَ وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ. وَقَوْله فِي آخِره \" وَقَالَ فِي الْمِيزَان مِثْل ذَلِكَ \" أَيْ وَالْمَوْزُون مِثْل ذَلِكَ لَا يُبَاع رِطْل بِرِطْلَيْنِ , وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ , أَيْ لَا يَجُوز التَّمْر بِالتَّمْرِ , إِلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنًا بِوَزْنٍ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ التَّمْر لَا يُوزَن وَهُوَ عَجِيب فَلَعَلَّهُ الثَّمَر بِالْمُثَلَّثَةِ وَفَتْح الْمِيم , وَمُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَة لِتَفْوِيضِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْر مَا يُكَال وَيُوزَن إِلَى غَيْره فَهُوَ فِي مَعْنَى الْوَكِيل عَنْهُ , وَيَلْتَحِق بِهِ الصَّرْف. قَالَ اِبْن بَطَّال : بَيْع الطَّعَام يَدًا بِيَدٍ مِثْل الصَّرْف سَوَاء أَيْ فِي اِشْتِرَاط ذَلِكَ. قَالَ : وَوَجْه أَخْذ الْوَكَالَة مِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَامِلِ خَيْبَر \" بِعْ الْجَمْع بِالدَّرَاهِمِ \" بَعْد أَنْ كَانَ بَاعَ عَلَى غَيْر السُّنَّة فَنَهَاهُ عَنْ بَيْع الرِّبَا وَأَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْع بِطَرِيقِ السُّنَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "2139",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏الْمُعْتَمِرَ ‏ ‏أَنْبَأَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى ‏ ‏بِسَلْعٍ ‏ ‏فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ فَقَالَ لَهُمْ لَا تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ أُرْسِلَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ يَسْأَلُهُ ‏ ‏وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ذَاكَ ‏ ‏أَوْ أَرْسَلَ ‏ ‏فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَيُعْجِبُنِي أَنَّهَا أَمَةٌ وَأَنَّهَا ذَبَحَتْ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ سَمِعَ اِبْن كَعْب بْن مَالِك ) ‏ ‏جَزَمَ الْمِزِيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" بِأَنَّهُ عَبْد اللَّه , لَكِنْ رَوَى اِبْن وَهْب عَنْ أُسَامَة بْن زَيْد عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب بْن مَالِك عَنْ أَبِيهِ طَرَفًا مِنْ هَذَا الْحَدِيث فَالظَّاهِر أَنَّهُ عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ رَاوِي الْحَدِيث , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَبَدَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن سُلَيْمَان ‏ ‏( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْعُمَرِيّ الْمَذْكُور بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي كِتَاب الذَّبَائِح وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ وَنَذْكُر الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى نَافِع وَعَلَى غَيْره. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَصْدِيق الْمُؤْتَمَن عَلَى مَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَظْهَر دَلِيل الْخِيَانَة , وَعَلَى أَنَّ الْوَكِيل إِذَا أَنْزَى عَلَى إِنَاث الْمَاشِيَة فَحْلًا بِغَيْرِ إِذْن الْمَالِك حَيْثُ يَحْتَاج إِلَى ذَلِكَ فَهَلَكَتْ أَنَّهُ لَا ضَمَان عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2140",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سِنٌّ ‏ ‏مِنْ الْإِبِلِ فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ أَعْطُوهُ فَطَلَبُوا ‏ ‏سِنَّهُ ‏ ‏فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا ‏ ‏سِنًّا ‏ ‏فَوْقَهَا فَقَالَ أَعْطُوهُ فَقَالَ أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى اللَّهُ بِكَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2141",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ثُمَّ قَالَ أَعْطُوهُ ‏ ‏سِنًّا ‏ ‏مِثْلَ ‏ ‏سِنِّهِ ‏ ‏قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ ‏ ‏سِنِّهِ ‏ ‏فَقَالَ أَعْطُوهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2142",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ وَزَعَمَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ ‏ ‏وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَاهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَامَ حِينَ جَاءَهُ ‏ ‏وَفْدُ هَوَازِنَ ‏ ‏مُسْلِمِينَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ ‏ ‏قَفَلَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الطَّائِفِ ‏ ‏فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إِلَيْنَا ‏ ‏عُرَفَاؤُكُمْ ‏ ‏أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ ‏ ‏عُرَفَاؤُهُمْ ‏ ‏ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2143",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ‏ ‏وَغَيْرِهِ ‏ ‏يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَمْ يُبَلِّغْهُ كُلُّهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ فَكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ ‏ ‏ثَفَالٍ ‏ ‏إِنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ الْقَوْمِ فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ مَنْ هَذَا قُلْتُ ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ مَا لَكَ قُلْتُ إِنِّي عَلَى جَمَلٍ ‏ ‏ثَفَالٍ ‏ ‏قَالَ أَمَعَكَ قَضِيبٌ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ أَعْطِنِيهِ فَأَعْطَيْتُهُ فَضَرَبَهُ فَزَجَرَهُ فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْ أَوَّلِ الْقَوْمِ قَالَ بِعْنِيهِ فَقُلْتُ بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بَلْ بِعْنِيهِ قَدْ أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏أَخَذْتُ أَرْتَحِلُ قَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قُلْتُ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً قَدْ خَلَا مِنْهَا قَالَ ‏ ‏فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ قُلْتُ إِنَّ أَبِي تُوُفِّيَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْكِحَ امْرَأَةً قَدْ جَرَّبَتْ خَلَا مِنْهَا قَالَ فَذَلِكَ فَلَمَّا قَدِمْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏قَالَ يَا ‏ ‏بِلَالُ ‏ ‏اقْضِهِ وَزِدْهُ فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ وَزَادَهُ ‏ ‏قِيرَاطًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ يَكُنْ ‏ ‏الْقِيرَاطُ ‏ ‏يُفَارِقُ ‏ ‏جِرَابَ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَغَيْره يَزِيد بَعْضهمْ عَلَى بَعْض وَلَمْ يُبَلِّغْهُ كُلَّهُ رَجُل مِنْهُمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَكَذَا وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , أَيْ لَيْسَ جَمِيع الْحَدِيث عِنْد وَاحِد مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا عِنْد بَعْضهمْ مِنْهُ مَا لَيْسَ عِنْد الْآخَر , وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ \" لَمْ يُبَلِّغهُ كُلّهمْ , رَجُل وَاحِد مِنْهُمْ \" وَعَلَيْهِ شَرَحَ اِبْن التِّين وَزَعَمَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ بَيْن بَعْضهمْ وَبَيْن جَابِر فِيهِ وَاسِطَة. وَعِنْد أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" لَمْ يُبَلِّغهُ كُلّه إِلَّا رَجُل وَاحِد عَنْ جَابِر \" وَمِثْله لِلْحُمَيْدِيِّ فِي جَمْعه , وَبِخَطِّ الدِّمْيَاطِيّ فِي نُسْخَته مِنْ الْبُخَارِيّ \" لَمْ يَبْلُغهُ \" بِالتَّشْدِيدِ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ قَوْله \" يَزِيد بَعْضهمْ \" الضَّمِير فِيهِ يَرْجِع إِلَى الْغَيْر وَفِي \" لَمْ يَبْلُغهُ \" إِلَى الْحَدِيث أَوْ الرَّسُول , و \" رَجُل \" بَدَل مِنْ كُلّ. قُلْت الضَّمِير لِلْحِدِّيثِ جَزْمًا لَا لِلرَّسُولِ , لِأَنَّ السَّنَد مُتَّصِل. ثُمَّ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَفِي أَكْثَر الرِّوَايَات لَفْظَة \" وَغَيْره \" بِالْجَرِّ , وَأَمَّا رَفْعه فَعَلَى الِابْتِدَاء و \" يَزِيد \" خَبَره , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون \" رَجُل \" فَاعِل فِعْل مُقَدَّر لِيُبَلِّغهُ , وَعَلَى التَّقَادِيرِ لَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا التَّرْكِيب مِنْ التَّعَجْرُف. قُلْت : إِنَّمَا جَاءَ التَّعَجْرُف مِنْ عَدَم فَهْم الْمُرَاد , وَإِلَّا فَمَعْنَى الْكَلَام أَنَّ اِبْن جُرَيْجٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَطَاء وَعَنْ غَيْر عَطَاء كُلّهمْ عَنْ جَابِر , لَكِنَّهُ عِنْده عَنْهُمْ بِالتَّوْزِيعِ : رَوَى عَنْ كُلّ وَاحِد قِطْعَة مِنْ الْحَدِيث. وَقَوْله \" لَمْ يُبَلِّغهُ كُلّه رَجُل \" أَيْ لَمْ يَسُقْهُ بِتَمَامِهِ , فَهُوَ بَيَان مِنْهُ لِصُورَةِ تَحَمُّله , وَهُوَ كَقَوْلِ الزُّهْرِيّ فِي حَدِيث الْإِفْك \" وَكُلّ حَدَّثَنِي طَائِفَة مِنْ حَدِيثهَا لَكِنَّهُ زَادَ عَلَيْهِ \" نَفَى أَنْ يَكُون كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ سَاقَهُ بِتَمَامِهِ , فَأَيّ تَعَجْرُف فِي هَذَا ؟ وَالْعَجَب مِنْ شَارِح تَرَكَ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة الَّتِي لَا قَلَق فِي تَرْكِيبهَا وَتَشَاغَلَ بِتَجْوِيزِ شَيْء لَمْ يَثْبُت فِي الرِّوَايَة ثُمَّ يُطْلَق عَلَى الْجَمِيع التَّعَجْرُف , أَفَهَذَا شَارِح أَوْ جَارِح ؟ وَوَقَفْت مِنْ تَسْمِيَة مَنْ رَوَى اِبْن جُرَيْجٍ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيث عَنْ جَابِر عَلَى أَبِي الزُّبَيْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجّ شَيْء مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى جَمَل ثَفَال ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة بَعْدهَا فَاءَ خَفِيفَة هُوَ الْبَعِير الْبَطِيء السَّيْر , يُقَال ثَفَال وَثَفِيلٌ , وَأَمَّا الثِّفَال بِكَسْرِ أَوَّله فَهُوَ مَا يُوضَع تَحْت الرَّحَى لِيَنْزِل عَلَيْهِ الدَّقِيق. وَقَالَ اِبْن التِّين : مَنْ ضَبَطَ الثَّفَال الَّذِي هُوَ الْبَعِير بِكَسْرِ أَوَّله فَقَدْ أَخْطَأَ. وَقَوْله \" أَرْبَعَة دَنَانِير \" كَذَا لِلْجَمِيعِ , وَذَكَرَهُ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِح بِلَفْظِ \" أَرْبَع الدَّنَانِير \" وَقَالَ : سَقَطَتْ الْهَاء لَمَّا دَخَلَتْ الْأَلِف وَاللَّام , وَذَلِكَ جَائِز فِيمَا دُون الْعَشَرَة. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّهُ قَوْل مُخْتَرَع لَمْ يَقُلْهُ أَحَد غَيْره , وَقَوْله \" فَلَمْ يَكُنْ الْقِيرَاط يُفَارِق قِرَاب جَابِر \" كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَالنَّسَفِيِّ بِقَافٍ , قَالَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِح : يَعْنِي خَرِيطَته. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ الْمُرَاد قِرَاب سَيْفه , وَأَنَّ الْخَرِيطَة لَا يُقَال لَهَا قِرَاب. اِنْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَر \" جِرَاب \" فَهُوَ الَّذِي حَمَلَ الدَّاوُدِيَّ عَلَى تَأْوِيله الْمَذْكُور وَقَدْ زَادَ مُسْلِم فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر \" فَأَخَذَهُ أَهْل الشَّام يَوْم الْحَرَّة \" قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ الِاعْتِمَاد عَلَى الْعُرْف لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَيِّن قَدْر الزِّيَادَة فِي قَوْله \" وَزِدْهُ \" فَاعْتَمَدَ بِلَال عَلَى الْعُرْف , فَاقْتَصَرَ عَلَى قِيرَاط , فَلَوْ زَادَ مَثَلًا دِينَارًا لَتَنَاوَلَهُ مُطْلَق الزِّيَادَة لَكِنْ الْعُرْف يَأْبَاهُ , كَذَا قَالَ , وَقَدْ يُنَازِع فِي ذَلِكَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون هَذَا الْقَدْر كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ فِي زِيَادَته , وَذَلِكَ الْقَدْر الَّذِي زِيدَ عَلَيْهِ كَأَنْ يَكُون أَمَرَهُ أَنْ يَزِيد مَنْ يَأْمُر لَهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى كُلّ دِينَار رُبْع قِيرَاط فَيَكُون عَمَله فِي ذَلِكَ بِالنَّصِّ لَا بِالْعُرْفِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2144",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ رَجُلٌ زَوِّجْنِيهَا قَالَ قَدْ ‏ ‏زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2145",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِتَمْرٍ ‏ ‏بَرْنِيٍّ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ أَيْنَ هَذَا قَالَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ ‏ ‏بِصَاعٍ ‏ ‏لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَ ذَلِكَ ‏ ‏أَوَّهْ ‏ ‏أَوَّهْ ‏ ‏عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا لَا تَفْعَلْ وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم , وَجَزَمَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيُّ بِأَنَّهُ اِبْن مَنْصُور , وَاحْتَجَّ بِأَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ عَنْ إِسْحَاق بْن مَنْصُور عَنْ يَحْيَى بْن صَالِح بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ. وَيُؤَيِّد كَوْنه اِبْن رَاهْوَيْهِ تَغَايُر السِّيَاقَيْنِ مَتْنًا وَإِسْنَادًا , فَهُنَا قَالَ إِسْحَاق أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْن صَالِح وَعِنْد مُسْلِم \" حَدَّثَنَا يَحْيَى \" وَمِنْ عَادَة إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ التَّعْبِير عَنْ مَشَايِخه بِالْإِخْبَارِ لَا التَّحْدِيث. وَوَقَعَ هُنَا \" عَنْ يَحْيَى \" وَعِنْد مُسْلِم \" أَنْبَأَنَا يَحْيَى وَهُوَ اِبْن أَبِي كَثِير \" , وَكَذَلِكَ وَقَعَتْ الْمُغَايَرَة فِي سِيَاق الْمَتْن فِي عِدَّة أَمَاكِن , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَحَدهمَا ذَكَرَهُ عَنْ إِسْحَاق بْن مَنْصُور بِالْمَعْنَى. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ بِلَال إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرِ بَرْنِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا نُون ثُمَّ تَحْتَانِيَّة مُشَدَّدَة ضَرَبَ مِنْ التَّمْر مَعْرُوف , قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلّ تَمْرَة تُشْبِه الْبَرْنِيَّة. وَقَدْ وَقَعَ عِنْد أَحْمَد مَرْفُوعًا \" خَيْر تَمَرَاتكُمْ الْبَرْنِيّ , يُذْهِب الدَّاء وَلَا دَاء فِيهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ عِنْدِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" عِنْدنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( رَدِيء ) ‏ ‏بِالْهَمْزَةِ وَزْن عَظِيم. ‏ ‏قَوْله : ( لِنُطْعِم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏بِالنُّونِ الْمَضْمُومَة , وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ الْمَفْتُوحَة وَالْعَيْن مَفْتُوحَة أَيْضًا , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" لِمَطْعَمِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" بِالْمِيمِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوَّهْ أَوَّهْ , عَيْن الرِّبَا عَيْن الرِّبَا ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالتَّكْرَارِ مَرَّتَيْنِ , وَوَقَعَ فِي مُسْلِم مَرَّة وَاحِدَة , وَمُرَاده بِعَيْنِ الرِّبَا نَفْسه , وَقَوْله \" أَوَّهْ \" كَلِمَة تُقَال عِنْد التَّوَجُّع وَهِيَ مُشَدَّدَة الْوَاو مَفْتُوحَة , وَقَدْ تُكْسَر وَالْهَاء سَاكِنَة , وَرُبَّمَا حَذَفُوهَا , وَيُقَال بِسُكُونِ الْوَاو وَكَسْر الْهَاء , وَحَكَى بَعْضهمْ مَدّ الْهَمْزَة بَدَل التَّشْدِيد , قَالَ اِبْن التِّين إِنَّمَا تَأَوَّهَ لِيَكُونَ أَبْلَغ فِي الزَّجْر , وَقَالَهُ إِمَّا لِلتَّأَلُّمِ مِنْ هَذَا الْفِعْل وَإِمَّا مِنْ سُوء الْفَهْم. ‏ ‏قَوْله : ( فَبِعْ التَّمْر بِبَيْعٍ آخَر ثُمَّ اِشْتَرِ بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْت أَنْ تَشْتَرِي التَّمْر فَبِعْهُ بِبَيْعٍ آخَر ثُمَّ اِشْتَرِهِ \" وَبَيْنهمَا مُغَايَرَة. لِأَنَّ التَّمْر فِي رِوَايَة الْبَاب الْمُرَاد بِهِ التَّمْر الرَّدِيء وَالضَّمِير فِي بِهِ يَعُود إِلَى التَّمْر أَيْ بِالتَّمْرِ الرَّدِيء وَالْمَفْعُول مَحْذُوف أَيْ اِشْتَرِ بِهِ تَمْرًا جَيِّدًا , وَأَمَّا رِوَايَة مُسْلِم فَالْمُرَاد بِالتَّمْرِ الْجَيِّد , وَالضَّمِير فِي قَوْله \" ثُمَّ اِشْتَرِهِ \" لِلْجَيِّدِ. وَفِي الْحَدِيث الْبَحْث عَمَّا يَسْتَرِيب بِهِ الشَّخْص حَتَّى يَنْكَشِف حَاله. وَفِيهِ النَّصّ عَلَى تَحْرِيم رِبَا الْفَضْل. وَاهْتِمَام الْإِمَام بِأَمْرِ الدِّين وَتَعْلِيمه لِمَنْ لَا يَعْلَمهُ , وَإِرْشَاده إِلَى التَّوَصُّل إِلَى الْمُبَاحَات وَغَيْرهَا , وَاهْتِمَام التَّابِع بِأَمْرِ مَتْبُوعه , وَانْتِقَاء الْجَيِّد لَهُ مِنْ أَنْوَاع الْمَطْعُومَات وَغَيْرهَا. وَفِيهِ أَنَّ صَفْقَة الرِّبَا لَا تَصِحّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي مَوْضِعه. ‏"
    },
    {
        "id": "2146",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فِي صَدَقَةِ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَيْسَ عَلَى الْوَلِيِّ جُنَاحٌ أَنْ يَأْكُلَ وَيُؤْكِلَ صَدِيقًا لَهُ غَيْرَ ‏ ‏مُتَأَثِّلٍ ‏ ‏مَالًا ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏هُوَ يَلِي صَدَقَةَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏يُهْدِي لِنَاسٍ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ مَكَّةَ ‏ ‏كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار الْمَكِّيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي صَدَقَة عُمَر ) ‏ ‏أَيْ فِي رِوَايَته لَهَا عَنْ اِبْن عُمَر كَمَا جَزَمَ بِذَلِكَ الْمِزِيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" وَيُوَضِّحهُ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( غَيْر مُتَأَثِّل ) ‏ ‏بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَة أَيْ غَيْر جَامِع , وَإِنَّمَا كَانَ اِبْن عُمَر يُهْدِي مِنْهُ أَخَذًا بِالشَّرْطِ الْمَذْكُور وَهُوَ أَنْ يُطْعِم صَدِيقه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون إِنَّمَا يُطْعِمهُمْ مِنْ نَصِيبه الَّذِي جَعَلَ لَهُ أَنْ يَأْكُل مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ فَكَانَ يُوَفِّرهُ لِيُهْدِيَ لِأَصْحَابِهِ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور كَمَا هُوَ بَيِّن فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَوْله \" فِي صَدَقَة عُمَر \" صَدَقَة بِالتَّنْوِينِ وَعُمَر فَاعِل , قَالَ : وَهُوَ بِصُورَةِ الْإِرْسَال لِأَنَّهُ يَعْنِي - عَمْرو بْن دِينَار - لَمْ يَذْكُر عُمَر , قَالَ : وَفِي بَعْض الرِّوَايَات بِالْإِضَافَةِ أَيْ قَالَ عَمْرو بْن دِينَار فِي وَقْف عُمَر ذَلِكَ , قَالَ \" وَفِي بَعْض الرِّوَايَات عَمْرو بِالْوَاوِ. قُلْت : هَذِهِ الْأَخِيرَة غَلَط , وَقَوْله صَدَقَة بِالتَّنْوِينِ غَلَط مَحْض , وَصَدَقَة عُمَر بِالْإِضَافَةِ هِيَ الَّتِي عِنْد جَمِيع رُوَاة هَذَا الْحَدِيث فِي الْبُخَارِيّ , وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَام أَنَّ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ رَوَى عَنْ عَمْرو بْن دِينَار أَنَّهُ حَكَى عَنْ صَدَقَة عُمَر مَا ذَكَرَهُ وَاسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى صَنِيع اِبْن عُمَر , فَكَأَنَّهُ حَمَلَ مَا ذَكَرَهُ مِمَّا فَهِمَهُ مِنْ فِعْل اِبْن عُمَر فَيَكُون الْخَيْر مَوْصُولًا بِهَذَا التَّقْرِير , وَبِهَذَا تَرْجَمَ الْمِزِيُّ فِي مُسْنَد اِبْن عُمَر عَمْرو بْنُ دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر ثُمَّ سَاقَ هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا السَّنَد. ‏ ‏قَوْله : ( لِنَاسٍ ) ‏ ‏بَيَّنَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّهُمْ آل عَبْد اللَّه بْن خَالِد بْن أُسَيْدِ بْن أَبِي الْعَاصِ , قَالَ الْمُهَلَّب : أَخَذَ عُمَر شَرْط وَقْفه مِنْ كِتَاب اللَّه حَيْثُ قَالَ فِي وَلِيّ الْيَتِيم ( وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) وَالْمَعْرُوف مَا يَتَعَارَفهُ النَّاس بَيْنهمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "2147",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏وَأَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَاغْدُ يَا ‏ ‏أُنَيْسُ ‏ ‏إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2148",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ سَلَّامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جِيءَ ‏ ‏بِالنُّعَيْمَانِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏ابْنِ النُّعَيْمَانِ ‏ ‏شَارِبًا ‏ ‏فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوا قَالَ فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ فَضَرَبْنَاهُ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( جِيءَ بِالنُّعَيْمَانِ ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ اِبْن النُّعْمَان ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة \" جِيءَ بِنُعْمَان أَوْ نُعَيْمَانَ \" فَشَكَّ هَلْ هُوَ بِالتَّكْبِيرِ أَوْ التَّصْغِير , وَيَأْتِي مِثْلهَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي كِتَاب الْحُدُود. وَفِي رِوَايَة لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" جِئْت بِالنُّعَيْمَانِ \" بِغَيْرِ شَكّ , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ تَسْمِيَة الَّذِي أَحْضَرَ النُّعَيْمَانَ وَأَنَّهُ النُّعَيْمَانُ بِغَيْرِ شَكّ , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الزُّبَيْر اِبْن بَكَّارٍ فِي النَّسَب مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُل يُقَال لَهُ النُّعَيْمَانُ يُصِيب الشَّرَاب \" فَذَكَرَ الْحَدِيث نَحْوه , وَرَوَى اِبْن مَنْدَهْ مِنْ حَدِيث مَرْوَان بْن قَيْس السُّلَمِيِّ مِنْ صَحَابَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِرَجُلٍ سَكْرَان يُقَال لَهُ نُعَيْمَانُ فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ \" الْحَدِيث , وَهُوَ النُّعَيْمَانُ بْن عَمْرو بْن رِفَاعَة بْن الْحَارِث بْن سَوَاد بْن مَالِك بْن غَنْم بْن مَالِك بْن النَّجَّار الْأَنْصَارِيّ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَكَانَ مَزَّاحًا. ‏ ‏قَوْله : ( شَارِبًا ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي الْحُدُود مِنْ وَجْه آخَر \" وَهُوَ سَكْرَان \" وَزَادَ فِيهِ \" فَشَقَّ عَلَيْهِ \" وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ. وَشَاهِد التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" فَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْت أَنْ يَضْرِبُوهُ \" فَإِنَّ الْإِمَام لَمَّا لَمْ يَتَوَلَّ إِقَامَة الْحَدّ بِنَفْسِهِ وَوَلَّاهُ غَيْره كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ تَوْكِيله لَهُمْ فِي إِقَامَته , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ حَدّ الْخَمْر لَا يُسْتَأْنَى بِهِ الْإِفَاقَة كَحَدِّ الْحَامِل لِتَضَع الْحَمْل. ‏"
    },
    {
        "id": "2149",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَا ‏ ‏فَتَلْتُ ‏ ‏قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدَيَّ ثُمَّ ‏ ‏قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدَيْهِ ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2150",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ‏ ‏قَالَ قَرَأْتُ عَلَى ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏أَكْثَرَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏مَالًا وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ ‏ ‏بَيْرُحَاءَ ‏ ‏وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ فَلَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ‏} ‏قَامَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ‏ { ‏لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ‏} ‏وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ ‏ ‏بَيْرُحَاءَ ‏ ‏وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ فَقَالَ ‏ ‏بَخٍ ‏ ‏ذَلِكَ مَالٌ ‏ ‏رَائِحٌ ‏ ‏ذَلِكَ مَالٌ ‏ ‏رَائِحٌ ‏ ‏قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا وَأَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ قَالَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏رَابِحٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَفْعَل يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏مَضْبُوط فِي الطُّرُق كُلّهَا بِهَمْزَةِ قَطْع عَلَى أَنَّهُ فِعْل مُسْتَقْبَل , وَحَكَى الدَّاوُدِيُّ فِيهِ صِيغَة الْأَمْر , أَيْ اِفْعَلْ ذَلِكَ أَنْت يَا رَسُول اللَّه , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُت بِهِ الرِّوَايَة وَأَنَّ السِّيَاق يَأْبَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ إِسْمَاعِيل عَنْ مَالِك ) ‏ ‏يَأْتِي مَوْصُولًا فِي تَفْسِير آل عِمْرَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ رَوْح عَنْ مَالِك رَابِح ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ رُوح بْن عُبَادَةَ وَافَقَ فِي الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِي الْإِسْنَاد وَالْمَتْن , إِلَّا فِي هَذِهِ اللَّفْظَة. وَرِوَايَته الْمَذْكُورَة أَخْرَجَهَا الْإِمَام أَحْمَد عَنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي هَذِهِ اللَّفْظَة فِي \" بَاب الزَّكَاة عَلَى الْأَقَارِب \" مِنْ كِتَاب الزَّكَاة , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ ضَبْط بَيْرُحَاء , وَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث فِي كِتَاب الْوَقْف إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2151",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْخَازِنُ الْأَمِينُ الَّذِي يُنْفِقُ وَرُبَّمَا قَالَ الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبًا نَفْسُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2152",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ ‏ ‏وَقَالَ لَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا قُتَيْبَة إِلَخْ ) ‏ ‏أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ شَيْخَيْنِ حَدَّثَهُ بِهِ كُلّ مِنْهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَة , وَلَمْ أَرَ فِي سِيَاقهمَا اِخْتِلَافًا , وَكَأَنَّهُ قَصَدَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ كُلّ مِنْهُمَا وَحْده فَلِذَلِكَ لَمْ يَجْمَعهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا مِنْ مُسْلِم ) ‏ ‏أَخْرَجَ الْكَافِر لِأَنَّهُ رَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ كَوْن مَا أُكِلَ مِنْهُ يَكُون لَهُ صَدَقَة , وَالْمُرَاد بِالصَّدَقَةِ الثَّوَاب فِي الْآخِرَة وَذَلِكَ يَخْتَصّ بِالْمُسْلِمِ , نَعَمْ مَا أَكَلَ مِنْ زَرْع الْكَافِر يُثَاب عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا كَمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيث أَنَس عِنْد مُسْلِم , وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّهُ يُخَفَّف عَنْهُ بِذَلِكَ مِنْ عَذَاب الْآخِرَة فَيَحْتَاج إِلَى دَلِيل , وَلَا يَبْعُد أَنْ يَقَع ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يُرْزَق فِي الدُّنْيَا وَفَقَدَ الْعَافِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ يَزْرَع ) ‏ ‏\" أَوْ \" لِلتَّنْوِيعِ لِأَنَّ الزَّرْع غَيْر الْغَرْس. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُسْلِم ) ‏ ‏كَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَجَمَاعَة , وَلِأَبِي ذَرّ وَالْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَة \" وَقَالَ لَنَا مُسْلِم \" وَهُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَأَبَانُ هُوَ اِبْن يَزِيد الْعَطَّار , وَالْبُخَارِيّ لَا يُخَرِّج لَهُ إِلَّا اِسْتِشْهَادًا , وَلَمْ أَرَ لَهُ فِي كِتَابه شَيْئًا مَوْصُولًا إِلَّا هَذَا , وَنَظِيره عِنْده حَمَّاد بْن سَلَمَة فَإِنَّهُ لَا يُخَرِّج لَهُ إِلَّا اِسْتِشْهَادًا وَوَقَعَ عِنْده فِي الرِّقَاق \" قَالَ لَنَا أَبُو الْوَلِيد حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة \" وَهَذِهِ الصِّيغَة وَهِيَ : \" قَالَ لَنَا \" يَسْتَعْمِلهَا الْبُخَارِيّ - عَلَى مَا اُسْتُقْرِئَ مِنْ كِتَابه - فِي الِاسْتِشْهَادَات غَالِبًا , وَرُبَّمَا اِسْتَعْمَلَهَا فِي الْمَوْقُوفَات. ثُمَّ إِنَّهُ ذَكَرَ هُنَا إِسْنَاد أَبَانَ وَلَمْ يَسُقْ مَتْنه , لِأَنَّ غَرَضه مِنْهُ التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ مِنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور بِلَفْظِ \" أَنَّ نَبِيّ اللَّه رَأَى نَخْلًا لِأُمِّ مُبَشِّر اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار فَقَالَ : مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْل , أَمُسْلِم أَمْ كَافِر ؟ فَقَالُوا : مُسْلِم , قَالَ بِنَحْوِ حَدِيثهمْ \" كَذَا عِنْد مُسْلِم. فَأَحَالَ بِهِ عَلَى مَا قَالَهُ , وَقَدْ بَيَّنَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم وَبَاقِيه \" فَقَالَ لَا يَغْرِس مُسْلِم غَرْسًا فَيَأْكُل مِنْهُ إِنْسَان أَوْ طَيْر أَوْ دَابَّة إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَة \" وَأَخْرَجَ مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث عَنْ جَابِر مِنْ طُرُق مِنْهَا بِلَفْظِ \" سَبْع \" بَدَل بَهِيمَة , وَفِيهَا \" إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَة فِيهَا أَجْر \" وَمِنْهَا \" أُمّ مُبَشِّر أَوْ أُمّ مَعْبَد \" عَلَى الشَّكّ , وَفِي أُخْرَى \" أُمّ مَعْبَد \" بِغَيْرِ شَكّ , وَفِي أُخْرَى \" اِمْرَأَة زَيْد بْن حَارِثَة \" : وَهِيَ وَاحِدَة لَهَا كُنْيَتَانِ وَقِيلَ اِسْمهَا خُلَيْدَة , وَفِي أُخْرَى \" عَنْ جَابِر عَنْ أُمّ مُبَشِّر \" جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدهَا. وَفِي الْحَدِيث فَضْل الْغَرْس وَالزَّرْع وَالْحَضّ عَلَى عِمَارَة الْأَرْض , وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ اِتِّخَاذ الضَّيْعَة وَالْقِيَام عَلَيْهَا. وَفِيهِ فَسَاد قَوْل مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَزَهِّدَة وَحَمَلَ مَا وَرَدَ مِنْ التَّنْفِير عَنْ ذَلِكَ عَلَى مَا إِذَا شُغِلَ عَنْ أَمْر الدِّين , فَمِنْهُ حَدِيث اِبْن مَسْعُود مَرْفُوعًا \" لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَة فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا \" الْحَدِيث , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : يُجْمَع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث الْبَاب بِحَمْلِهِ عَلَى الِاسْتِكْثَار وَالِاشْتِغَال بِهِ عَنْ أَمْر الدِّين , وَحُمِلَ حَدِيث الْبَاب عَلَى اِتِّخَاذهَا لِلْكَفَافِ أَوْ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ بِهَا وَتَحْصِيل ثَوَابهَا , وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ أَجْر ذَلِكَ يَسْتَمِرّ مَا دَامَ الْغَرْس أَوْ الزَّرْع مَأْكُولًا مِنْهُ وَلَوْ مَاتَ زَارِعه أَوْ غَارِسه وَلَوْ اِنْتَقَلَ مِلْكه إِلَى غَيْره , وَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ الْأَجْر يَحْصُل لِمُتَعَاطِي الزَّرْع أَوْ الْغَرْس وَلَوْ كَانَ مِلْكه لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى أُمّ مُبَشِّر ثُمَّ سَأَلَهَا عَمَّنْ غَرْسه , قَالَ الطِّيبِيُّ : نَكَّرَ مُسْلِمًا وَأَوْقَعه فِي سِيَاق النَّفْي وَزَادَ مِنْ الاسْتِغْرَاقِيَّة وَعَمَّ الْحَيَوَان لِيَدُلّ عَلَى سَبِيل الْكِنَايَة عَلَى أَنَّ أَيّ مُسْلِم كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا مُطِيعًا أَوْ عَاصِيًا يَعْمَل أَيّ عَمَل مِنْ الْمُبَاح يَنْتَفِع بِمَا عَمِلَه أَيّ حَيَوَان كَانَ يَرْجِع نَفْعه إِلَيْهِ وَيُثَاب عَلَيْهِ. وَفِيهِ جَوَاز نِسْبَة الزَّرْع إِلَى الْآدَمِيّ , وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَنْع مِنْهُ حَدِيث غَيْر قَوِيّ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا : لَا يَقُلْ أَحَدكُمْ زَرَعْت , وَلَكِنْ لِيَقُلْ حَرَثْت , أَلَمْ تَسْمَع لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : ( أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) وَرِجَاله ثِقَات , إِلَّا أَنَّ مُسْلِم بْن أَبِي مُسْلِم الْجِرْمِيَّ قَالَ فِيهِ اِبْن حِبَّانَ رُبَّمَا أَخْطَأَ. وَرَوَى عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيِّ بِمِثْلِهِ مِنْ قَوْله غَيْر مَرْفُوع , وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمُهَلَّب أَنَّ مَنْ زَرَعَ فِي أَرْض غَيْره كَانَ الزَّرْع لِلزَّارِعِ وَعَلَيْهِ لِرَبِّ الْأَرْض أُجْرَة مِثْلهَا , وَفِي أَخْذ هَذَا الْحُكْم مِنْ هَذَا الْحَدِيث بُعْد , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى أَفْضَل الْمَكَاسِب فِي كِتَاب الْبُيُوع. وَاللَّه الْمُوَفِّق. ‏"
    },
    {
        "id": "2153",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ الْحِمْصِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَرَأَى ‏ ‏سِكَّةً ‏ ‏وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الذُّلَّ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَاسْمُ ‏ ‏أَبِي أُمَامَةَ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن سَالِم ) ‏ ‏هُوَ الْحِمْصِيُّ يُكَنَّى أَبَا يُوسُف وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِشَيْخِهِ فِي هَذَا الصَّحِيح غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَالْأَلْهَانِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَة , وَرِجَال الْإِسْنَاد كُلّهمْ شَامِيُّونَ وَكُلّهمْ حِمْصِيُّونَ إِلَّا شَيْخ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" سَمِعْت أَبَا أُمَامَةَ \". ‏ ‏قَوْله : ( سِكَّة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة هِيَ الْحَدِيدَة الَّتِي تُحْرَث بِهَا الْأَرْض. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّه الذُّلّ ) ‏ ‏أَيْ رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" إِلَّا دَخَلَهُ الذُّلّ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم الْمَذْكُورَة \" إِلَّا أَدْخَلُوا عَلَى أَنْفُسهمْ ذُلًّا لَا يَخْرُج عَنْهُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" وَالْمُرَاد بِذَلِكَ مَا يَلْزَمهُمْ مِنْ حُقُوق الْأَرْض الَّتِي تُطَالِبهُمْ بِهَا الْوُلَاة , وَكَانَ الْعَمَل فِي الْأَرَاضِي أَوَّل مَا اُفْتُتِحَتْ عَلَى أَهْل الذِّمَّة فَكَانَ الصَّحَابَة يَكْرَهُونَ تَعَاطِي ذَلِكَ. قَالَ اِبْن التِّين : هَذَا مِنْ إِخْبَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُغَيَّبَاتِ , لِأَنَّ الْمُشَاهَد الْآن أَنَّ أَكْثَر الظُّلْم إِنَّمَا هُوَ عَلَى أَهْل الْحَرْث. وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيّ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى الْجَمْع بَيْن حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ وَالْحَدِيث الْمَاضِي فِي فَضْل الزَّرْع وَالْغَرْس وَذَلِكَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يُحْمَل مَا وَرَدَ مِنْ الذَّمّ عَلَى عَاقِبَة ذَلِكَ وَمَحَلّه مَا إِذَا اِشْتَغَلَ بِهِ فَضَيَّعَ بِسَبَبِهِ مَا أُمِرَ بِحِفْظِهِ , وَإِمَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى مَا إِذَا لَمْ يُضَيِّع إِلَّا أَنَّهُ جَاوَزَ الْحَدّ فِيهِ. وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ كَلَام أَبِي أُمَامَةَ مَحْمُول عَلَى مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ , أَمَّا مَنْ لَهُ عُمَّال يَعْمَلُونَ لَهُ وَأَدْخَلَ دَاره الْآلَة الْمَذْكُورَة لِتُحْفَظ لَهُمْ فَلَيْسَ مُرَادًا , وَيُمْكِن الْحَمْل عَلَى عُمُومه فَإِنَّ الذُّلّ شَامِل لِكُلِّ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى نَفْسه مَا يَسْتَلْزِم مُطَالَبَة آخَر لَهُ , وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمُطَالِب مِنْ الْوُلَاة. وَعَنْ الدَّاوُدِيّ هَذَا لِمَنْ يَقْرُب مِنْ الْعَدُوّ , فَإِنَّهُ إِذَا اِشْتَغَلَ بِالْحَرْثِ لَا يَشْتَغِل بِالْفُرُوسِيَّةِ فَيَتَأَسَّد عَلَيْهِ الْعَدُوّ , فَحَقّهمْ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِالْفُرُوسِيَّةِ وَعَلَى غَيْرهمْ إِمْدَادهمْ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : اِسْم أَبِي أُمَامَةَ صُدَيُّ بْن عَجْلَانَ إِلَخْ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ لِلْمُسْتَمْلِي وَحْده. قُلْت : وَلَيْسَ لِأَبِي أُمَامَةَ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَحَدِيث آخَر فِي الْأَطْعِمَة , وَلَهُ حَدِيث آخَر فِي الْجِهَاد مِنْ قَوْله يَدْخُل فِي حُكْم الْمَرْفُوع. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2154",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ ‏ ‏قِيرَاطٌ ‏ ‏إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ سِيرِينَ ‏ ‏وَأَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ \" حَدَّثَنِي يُحْيِي بْن أَبِي كَثِير حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَة حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة \". ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن أَبِي زُهَيْر ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب \" مَنْ اِقْتَنَى كَلْبًا \" وَهُوَ مُطَابِق لِلتَّرْجَمَةِ , وَمُفَسِّر لِلْإِمْسَاكِ الَّذِي هُوَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَرَوَاهُ أَحْمَد وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة بِلَفْظِ \" مَنْ \" اِتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْب صَيْد أَوْ زَرْع أَوْ مَاشِيَة \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَنْ اِقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ كَلْب صَيْد وَلَا مَاشِيَة وَلَا أَرْض فَإِنَّهُ يَنْقُص مِنْ أَجْره كُلّ يَوْم قِيرَاطَانِ \" فَأَمَّا زِيَادَة الزَّرْع فَقَدْ أَنْكَرَهَا اِبْن عُمَر , فَفِي مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن دِينَار عَنْهُ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَاب إِلَّا كَلْب صَيْد أَوْ كَلْب غَنَم \" فَقِيلَ لِابْنِ عُمَر : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَة يَقُول \" أَوْ كَلْب زَرْع \" فَقَالَ اِبْن عُمَر : إِنْ لِأَبِي هُرَيْرَة \" زَرْعًا \" وَيُقَال إِنَّ اِبْن عُمَر أَرَادَ بِذَلِكَ الْإِشَارَة إِلَى تَثْبِيت رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة وَأَنَّ سَبَب حِفْظه لِهَذِهِ الزِّيَادَة دُونه أَنَّهُ كَانَ صَاحِب زَرْع دُونه , وَمَنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِشَيْءٍ اِحْتَاجَ إِلَى تَعَرُّف أَحْكَامه , وَقَدْ رَوَى مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا \" مَنْ اِقْتَنَى كَلْبًا \" الْحَدِيث , قَالَ سَالِم : وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول : \" أَوْ كَلْب حَرْث \" وَكَانَ صَاحِب حَرْث , وَأَصْله لِلْبُخَارِيِّ فِي الصَّيْد دُون الزِّيَادَة , وَقَدْ وَافَقَ أَبَا هُرَيْرَة عَلَى ذِكْر الزَّرْع سُفْيَان بْن أَبِي زُهَيْر كَمَا تَرَاهُ فِي هَذَا الْبَاب , وَعَبْد اللَّه بْن مُغْفَل وَهُوَ عِنْد مُسْلِم فِي حَدِيث أَوَّله \" أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَاب وَرَخَّصَ فِي كَلْب الْغَنَم وَالصَّيْد وَالزَّرْع \". ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ مَاشِيَة ) ‏ ‏\" أَوْ \" لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّرْدِيدِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن سِيرِينَ وَأَبُو صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلَّا كَلْب غَنَم أَوْ حَرْث أَوْ صَيْد ) ‏ ‏, أَمَّا رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ فَلَمْ أَقِف عَلَيْهَا بَعْد التَّتَبُّع الطَّوِيل , وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي صَالِح فَوَصَلَهَا أَبُو الشَّيْخ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيُّ فِي \" كِتَاب التَّرْغِيب \" لَهُ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح وَمِنْ طَرِيق سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَنْ اِقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْب مَاشِيَة أَوْ صَيْد أَوْ حَرْث فَإِنَّهُ يَنْقُص مِنْ عَمَله كُلّ يَوْم قِيرَاطًا \" لَمْ يَقُلْ سُهَيْل \" أَوْ حَرْث \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : كَلْب مَاشِيَة أَوْ صَيْد ) ‏ ‏وَصَلَهَا أَبُو الشَّيْخ أَيْضًا مِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَدِيّ بْن ثَابِت عَنْ أَبِي حَازِم بِلَفْظِ \" أَيّمَا أَهْل دَارَ رَبَطُوا كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْد وَلَا مَاشِيَة نَقَصَ مِنْ أَجْرهمْ كُلّ يَوْم قِيرَاطَانِ \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : فِي هَذَا الْحَدِيث إِبَاحَة اِتِّخَاذ الْكِلَاب لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَة , وَكَذَلِكَ الزَّرْع لِأَنَّهَا زِيَادَة حَافِظ , وَكَرَاهَة اِتِّخَاذهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ , إِلَّا أَنَّهُ يَدْخُل فِي مَعْنَى الصَّيْد وَغَيْره مِمَّا ذُكِرَ اِتِّخَاذهَا لِجَلْبِ الْمَنَافِع وَدَفْع الْمَضَارّ قِيَاسًا , فَتَمَحَضَّ كَرَاهَة اِتِّخَاذهَا لِغَيْرِ حَاجَة لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْوِيع النَّاس وَامْتِنَاع دُخُول الْمَلَائِكَة لِلْبَيْتِ الَّذِي هُمْ فِيهِ. وَفِي قَوْله : \" نَقَصَ مِنْ عَمَله \" - أَيْ مِنْ أَجْر عَمَله - مَا يُشِير إِلَى أَنَّ اِتِّخَاذهَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ , لِأَنَّ مَا كَانَ اِتِّخَاذه مُحَرَّمًا اِمْتَنَعَ اِتِّخَاذه عَلَى كُلّ حَال سَوَاء نَقَصَ الْأَجْر أَوْ لَمْ يَنْقُص , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اِتِّخَاذهَا مَكْرُوه لَا حَرَام. قَالَ : وَوَجْه الْحَدِيث عِنْدِي أَنَّ الْمَعَانِي الْمُتَعَبَّد بِهَا فِي الْكِلَاب مِنْ غَسْل الْإِنَاء سَبْعًا لَا يَكَاد يَقُوم بِهَا الْمُكَلَّف وَلَا يَتَحَفَّظ مِنْهَا فَرُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ بِاِتِّخَاذِهَا مَا يَنْقُص أَجْره مِنْ ذَلِكَ. وَيُرْوَى أَنَّ الْمَنْصُور سَأَلَ عَمْرو بْن عُبَيْد عَنْ سَبَب هَذَا الْحَدِيث فَلَمْ يَعْرِفهُ فَقَالَ الْمَنْصُور : لِأَنَّهُ يَنْبَح الضَّيْف , وَيُرَوِّع السَّائِل ا ه. وَمَا اِدَّعَاهُ مِنْ عَدَم التَّحْرِيم وَاسْتَنَدَ لَهُ بِمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ , بَلْ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْعُقُوبَة تَقَع بِعَدَمِ التَّوْفِيق لِلْعَمَلِ بِمِقْدَارِ قِيرَاط مِمَّا كَانَ يَعْمَلهُ مِنْ الْخَيْر لَوْ لَمْ يَتَّخِذ الْكَلْب , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الِاتِّخَاذ حَرَامًا , وَالْمُرَاد بِالنَّقْصِ أَنَّ الْإِثْم الْحَاصِل بِاِتِّخَاذِهِ يُوَازِي قَدْر قِيرَاط أَوْ قِيرَاطَيْنِ مِنْ أَجْر فَيَنْقُص مِنْ ثَوَاب عَمَل الْمُتَّخِذ قَدْر مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْم بِاِتِّخَاذِهِ وَهُوَ قِيرَاط أَوْ قِيرَاطَانِ , وَقِيلَ سَبَب النُّقْصَان اِمْتِنَاع الْمَلَائِكَة مِنْ دُخُول بَيْته أَوْ مَا يَلْحَق الْمَارِّينَ مِنْ الْأَذَى , أَوْ لِأَنَّ بَعْضهَا شَيَاطِين , أَوْ عُقُوبَة لِمُخَالَفَةِ النَّهْي , أَوْ لِوُلُوغِهَا فِي الْأَوَانَي عِنْد غَفْلَة صَاحِبهَا فَرُبَّمَا يَتَنَجَّس الطَّاهِر مِنْهَا , فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْعِبَادَة لَمْ يَقَع مَوْقِع الطَّاهِر. وَقَالَ اِبْن التِّين : الْمُرَاد أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَّخِذهُ لَكَانَ عَمَله كَامِلًا , فَإِذَا اِقْتَنَاهُ نَقَصْنَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَل , وَلَا يَجُوز أَنْ يَنْقُص مِنْ عَمَل مَضَى وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ عَمَله فِي الْكَمَال عَمَل مَنْ لَمْ يَتَّخِذهُ ا ه. وَمَا اِدَّعَاهُ مِنْ عَدَم الْجَوَاز مُنَازَع فِيهِ , فَقَدْ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي \" الْبَحْر \" اِخْتِلَافًا فِي الْأَجْر هَلْ يَنْقُص مِنْ الْعَمَل الْمَاضِي أَوْ الْمُسْتَقْبَل , وَفِي مُحَصَّل نُقْصَان الْقِيرَاطَيْنِ فَقِيلَ مِنْ عَمَل النَّهَار قِيرَاط وَمِنْ عَمَل اللَّيْل آخَر وَقِيلَ مِنْ الْفَرْض قِيرَاط وَمِنْ النَّفْل آخَر , وَفِي سَبَب النُّقْصَان يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ , وَاخْتَلَفُوا فِي اِخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْقِيرَاطَيْنِ وَالْقِيرَاط فَقِيلَ : الْحُكْم الزَّائِد لِكَوْنِهِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظهُ الْآخَر أَوْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَوَّلًا بِنَقْصِ قِيرَاط وَاحِد فَسَمِعَهُ الرَّاوِي الْأَوَّل ثُمَّ أَخْبَرَ ثَانِيًا بِنَقْصِ قِيرَاطَيْنِ فِي التَّأْكِيد فِي التَّنْفِير مِنْ ذَلِكَ فَسَمِعَهُ الرَّاوِي الثَّانِي. وَقِيلَ يَنْزِل عَلَى حَالَيْنِ : فَنُقْصَان الْقِيرَاطَيْنِ بِاعْتِبَارِ كَثْرَة الْأَضْرَار بِاِتِّخَاذِهَا , وَنَقْص الْقِيرَاط بِاعْتِبَارِ قِلَّته. وَقِيلَ يَخْتَصّ نَقْص الْقِيرَاطَيْنِ بِمَنْ اِتَّخَذَهَا بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة خَاصَّة وَالْقِيرَاط بِمَا عَدَاهَا , وَقِيلَ يَلْتَحِق بِالْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ سَائِر الْمُدُن وَالْقُرَى وَيَخْتَصّ الْقِيرَاط بِأَهْلِ الْبَوَادِي , وَهُوَ يَلْتَفِت إِلَى مَعْنَى كَثْرَة التَّأَذِّي وَقِلَّته. وَكَذَا مَنْ قَالَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي نَوْعَيْنِ مِنْ الْكِلَاب : فَفِيمَا لَابِسه آدَمِيّ قِيرَاطَانِ وَفِيمَا دُونه قِيرَاط. وَجَوَّزَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنْ يَكُون الْقِيرَاط الَّذِي يَنْقُص أَجْر إِحْسَانه إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَة ذَوَات الْأَكْبَاد الرَّطْبَة أَوْ الْحَرَّى , وَلَا يَخْفَى بُعْده. وَاخْتُلِفَ فِي الْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هُنَا هَلْ هُمَا كَالْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الصَّلَاة عَلَى الْجِنَازَة وَاتِّبَاعهَا ؟ فَقِيلَ بِالتَّسْوِيَةِ , وَقِيلَ اللَّذَانِ فِي الْجِنَازَة مِنْ بَاب الْفَضْل وَاللَّذَانِ هُنَا مِنْ بَاب الْعُقُوبَة وَبَاب الْفَضْل أَوْسَع مِنْ غَيْره , وَالْأَصَحّ عَنْ الشَّافِعِيَّة إِبَاحَة اِتِّخَاذ الْكِلَاب لِحِفْظِ الدَّرْب إِلْحَاقًا لِلْمَنْصُوصِ بِمَا فِي مَعْنَاهُ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَأْذُون فِي اِتِّخَاذه مَا لَمْ يَحْصُل الِاتِّفَاق عَلَى قَتْله وَهُوَ الْكَلْب الْعَقُور , وَأَمَّا غَيْر الْعَقُور فَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ يَجُوز قَتْله مُطْلَقًا أَمْ لَا ؟ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَرْبِيَة الْجَرْو الصَّغِير لِأَجْلِ الْمَنْفَعَة الَّتِي يَئُولُ أَمْره إِلَيْهَا إِذَا كَبِرَ , وَيَكُون الْقَصْد لِذَلِكَ قَائِمًا مَقَام وُجُود الْمَنْفَعَة بِهِ كَمَا يَجُوز بَيْع مَا لَمْ يُنْتَفَع بِهِ فِي الْحَال لِكَوْنِهِ يَنْتَفِع بِهِ فِي الْمَآل , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَة الْكَلْب الْجَائِز اِتِّخَاذه لِأَنَّ فِي مُلَابَسَته مَعَ الِاحْتِرَاز عَنْهُ مَشَقَّة شَدِيدَة , فَالْإِذْن فِي اِتِّخَاذه إِذْن فِي مُكَمِّلَات مَقْصُوده , كَمَا أَنَّ الْمَنْع مِنْ لَوَازِمه مُنَاسِب لِلْمَنْعِ مِنْهُ , وَهُوَ اِسْتِدْلَال قَوِيّ لَا يُعَارِضهُ إِلَّا عُمُوم الْخَبَر الْوَارِد فِي الْأَمْر مِنْ غَسْل مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْب مِنْ غَيْر تَفْصِيل , وَتَخْصِيص الْعُمُوم غَيْر مُسْتَنْكَر إِذَا سَوَّغَهُ الدَّلِيل. وَفِي الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى تَكْثِير الْأَعْمَال الصَّالِحَة , وَالتَّحْذِير مِنْ الْعَمَل بِمَا يَنْقُصهَا , وَالتَّنْبِيه عَلَى أَسْبَاب الزِّيَادَة فِيهَا وَالنَّقْص مِنْهَا لِتُجْتَنَب أَوْ تُرْتَكَب , وَبَيَان لُطْف اللَّه تَعَالَى بِخَلْقِهِ فِي إِبَاحَة مَا لَهُمْ بِهِ نَفْع , وَتَبْلِيغ نَبِيّهمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ أُمُور مَعَاشهمْ وَمَعَادهمْ , وَفِيهِ تَرْجِيح الْمَصْلَحَة الرَّاجِحَة عَلَى الْمَفْسَدَة لِوُقُوعِ اِسْتِثْنَاء مَا يُنْتَفَع بِهِ مِمَّا حَرُمَ اِتِّخَاذه. ‏"
    },
    {
        "id": "2155",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ ‏ ‏رَجُلًا مِنْ ‏ ‏أَزْدِ شَنُوءَةَ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ ‏ ‏قِيرَاطٌ ‏ ‏قُلْتُ أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِي وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَزِيد بْن خُصَيْفَةَ ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَة ثُمَّ الْفَاء مُصَغَّر , ‏ ‏و ( السَّائِب بْن يَزِيد ) ‏ ‏صَحَابِيّ صَغِير مَشْهُور , وَرِجَال الْإِسْنَاد كُلّهمْ مَدَنِيُّونَ بِالْأَصَالَةِ إِلَّا شَيْخ الْبُخَارِيّ وَقَدْ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ مُدَّة , وَفِيهِ رِوَايَة صَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أَزْدِ شَنُوءَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَضَمّ النُّون بَعْدهَا وَاو سَاكِنَة ثُمَّ هَمْزَة مَفْتُوحَة , وَهِيَ قَبِيلَة مَشْهُورَة نُسِبُوا إِلَى شَنُوءَة وَاسْمه الْحَارِث بْن كَعْب بْن عَبْد اللَّه بْن مَالِك بْن النَّضْر بْن الْأَزْدِ. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْتُ أَنْتَ سَمِعْت هَذَا ) ‏ ‏فِيهِ التَّثَبُّت فِي الْحَدِيث , ‏ ‏وَفِي قَوْله : ( إِي وَرَبّ هَذَا الْمَسْجِد ) ‏ ‏الْقَسَم لِلتَّوْكِيدِ وَإِنْ كَانَ السَّامِع مُصَدِّقًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2156",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ قَالَ آمَنْتُ بِهِ أَنَا ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏وَأَخَذَ الذِّئْبُ شَاةً فَتَبِعَهَا الرَّاعِي فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي قَالَ آمَنْتُ بِهِ أَنَا ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏وَمَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِي الْقَوْمِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2157",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ قَالَ ‏ ‏لَا فَقَالُوا تَكْفُونَا ‏ ‏الْمَئُونَةَ ‏ ‏وَنَشْرَكْكُمْ فِي الثَّمَرَةِ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏أَيْ حِين قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة , وَسَيَأْتِي فِي الْهِبَة مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ : \" لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَة قَاسَمَهُمْ الْأَنْصَار عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَار أَمْوَالهمْ وَيَكْفُوهُمْ الْمَئُونَة وَالْعَمَل \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( النَّخِيلَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" النَّخْل \" وَالنَّخِيل جَمْع نَخْل كَالْعَبِيدِ جَمْع عَبْد وَهُوَ جَمْع نَادِر. ‏ ‏قَوْله : ( الْمَئُونَة ) ‏ ‏أَيْ الْعَمَل فِي الْبَسَاتِين مِنْ سَقْيهَا وَالْقِيَام عَلَيْهَا , قَالَ الْمُهَلَّب : إِنَّمَا قَالَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا \" لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْفُتُوح سَتُفْتَحُ عَلَيْهِمْ فَكَرِهَ أَنْ يَخْرُج شَيْء مِنْ عَقَار الْأَنْصَار عَنْهُمْ , فَلَمَّا فَهِمَ الْأَنْصَار ذَلِكَ جَمَعُوا بَيْن الْمَصْلَحَتَيْنِ : اِمْتِثَال مَا أَمَرَهُمْ بِهِ , وَتَعْجِيل مُوَاسَاة إِخْوَانهمْ الْمُهَاجِرِينَ , فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُسَاعِدُوهُمْ فِي الْعَمَل وَيُشْرِكُوهُمْ فِي الثَّمَر. قَالَ : وَهَذِهِ هِيَ الْمُسَاقَاة بِعَيْنِهَا. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا مَلَكُوا مِنْ الْأَنْصَار نَصِيبًا مِنْ الْأَرْض وَالْمَال بِاشْتِرَاطِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَنْصَار مُوَاسَاة الْمُهَاجِرِينَ لَيْلَة الْعَقَبَة , قَالَ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْمُسَاقَاة فِي شَيْء , وَمَا اِدَّعَاهُ مَرْدُود لِأَنَّهُ شَيْء لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ دَلِيلًا ; وَلَا يَلْزَم مِنْ اِشْتِرَاط الْمُوَاسَاة ثُبُوت الِاشْتِرَاك فِي الْأَرْض , وَلَوْ ثَبَتَ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لِسُؤَالِهِمْ لِذَلِكَ وَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ مَعْنًى , وَهَذَا وَاضِح بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2158",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ حَرَّقَ نَخْلَ ‏ ‏بَنِي النَّضِيرِ ‏ ‏وَقَطَعَ وَهِيَ ‏ ‏الْبُوَيْرَةُ ‏ ‏وَلَهَا يَقُولُ ‏ ‏حَسَّانُ ‏ ‏وَهَانَ عَلَى ‏ ‏سَرَاةِ ‏ ‏بَنِي لُؤَيٍّ ‏ ‏حَرِيقٌ ‏ ‏بِالْبُوَيْرَةِ ‏ ‏مُسْتَطِيرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏و ( الْبُوَيْرَةُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة مُصَغَّر مَوْضِع مَعْرُوف , ‏ ‏و ( سَرَاة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة ‏ ‏و ( مُسْتَطِير ) ‏ ‏أَيْ مُنْتَشِر. وَأَوْرَدَ الْقَابِسِيّ الْبَيْت الْمَذْكُور مَخْرُومًا بِحَذْفِ الْوَاو مِنْ أَوَّله. ‏"
    },
    {
        "id": "2159",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا أَكْثَرَ ‏ ‏أَهْلِ الْمَدِينَةِ ‏ ‏مُزْدَرَعًا كُنَّا ‏ ‏نُكْرِي ‏ ‏الْأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى لِسَيِّدِ الْأَرْضِ قَالَ فَمِمَّا يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلَمُ الْأَرْضُ وَمِمَّا يُصَابُ الْأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ فَنُهِينَا وَأَمَّا الذَّهَبُ ‏ ‏وَالْوَرِقُ ‏ ‏فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَة , وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْل مِنْ الْبَاب الَّذِي قَبْله. وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج \" كُنَّا نُكْرِي الْأَرْض بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب , وَقَدْ اِسْتَنْكَرَ اِبْن بَطَّال دُخُوله فِي هَذَا الْبَاب قَالَ : وَسَأَلْت الْمُهَلَّب عَنْهُ فَقَالَ : يُمْكِن أَنْ يُؤْخَذ مِنْ جِهَة أَنَّهُ مَنْ اِكْتَرَى أَرْضًا لِيَزْرَع فِيهَا وَيَغْرِس فَانْقَضَتْ الْمُدَّة فَقَالَ لَهُ صَاحِب الْأَرْض اِقْلَعْ شَجَرك عَنْ أَرْضِي كَانَ لَهُ ذَلِكَ , فَيَدْخُل بِهَذِهِ الطَّرِيق فِي إِبَاحَة قَطْع الشَّجَر. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : الَّذِي يَظْهَر أَنَّ غَرَضه الْإِشَارَة بِهِ إِلَى أَنَّ الْقَطْع الْجَائِز هُوَ الْمُسَيِّب لِلْمَصْلَحَةِ كَنِكَايَةِ الْكُفَّار أَوْ الِانْتِفَاع بِالْخَشَبِ أَوْ نَحْوه , وَالْمُنْكَر هُوَ الَّذِي عَنْ الْعَبَث وَالْإِفْسَاد , وَوَجْه أَخْذه مِنْ حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج أَنَّ الشَّارِع نَهَى عَنْ الْمُخَاطَرَة فِي كِرَاء الْأَرْض إِبْقَاء عَلَى مَنْفَعَتهَا مِنْ الضَّيَاع مَجَّانًا فِي عَوَاقِب الْمُخَاطَرَة , فَإِذَا كَانَ يَنْهَى عَنْ تَضْيِيع مَنْفَعَتهَا وَهِيَ غَيْر مُحَقَّقَة وَلَا مُشَخَّصَة فَلَأَنْ يَنْهَى عَنْ تَضْيِيع عَيْنهَا بِقَطْعِ أَشْجَارهَا عَبَثًا أَجْدَر وَأَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( نُكُرِي ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله مِنْ الرُّبَاعِيّ. ‏ ‏وَقَوْله : ( لِسَيِّدِ الْأَرْض ) ‏ ‏أَيْ مَالِكهَا. ‏ ‏وَقَوْله : ( بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى ) ‏ ‏ذَكَرَهُ عَلَى إِرَادَة الْبَعْض أَوْ بِاعْتِبَارِ الزَّرْع. ‏ ‏وَقَوْله : ( فَمِمَّا يُصَاب ذَلِكَ وَتَسْلَم الْأَرْض وَمِمَّا يُصَاب الْأَرْض وَيَسْلَم ذَلِكَ ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَمَهْمَا \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَالْأَوَّل أَوْلَى وَمَعْنَاهُ فَكَثِيرًا مَا يُصَاب , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهه فِي الْكَلَام عَلَى قَوْله : \" وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّك شَفَتَيْهِ \" فِي بَدْء الْوَحْي مِنْ كَلَام اِبْن مَالِك. وَزَادَ الْكَرْمَانِيُّ هُنَا : يَحْتَمِل أَنْ تَكُون مِمَّا بِمَعْنَى رُبَّمَا لِأَنَّ حُرُوف الْجَرّ تَتَنَاوَب وَلَا سِيَّمَا \" مِنْ \" التَّبْعِيضِيَّةِ تُنَاسِب \" رُبَّ \" التَّقْلِيلِيَّةَ , وَعَلَى هَذَا لَا يُحْتَاج أَنْ يُقَال إِنَّ لَفْظ ذَلِكَ مِنْ بَاب وَضْع الْمُظْهَر مَوْضِع الْمُضْمَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَّا الذَّهَب وَالْوَرِق ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَالْفِضَّة \" بَدَل الْوَرِق. ‏ ‏وَقَوْله : ( فَلَمْ يَكُنْ يَوْمئِذٍ ) ‏ ‏أَيْ يُكْرَى بِهِمْ , وَلَمْ يُرِدْ نَفْي وُجُودهمَا. وَلَمْ يَتَعَرَّض فِي هَذِهِ الرِّوَايَة لِحُكْمِ الْمَسْأَلَة وَسَيَأْتِي بَيَانه بَعْد عَشَرَة أَبْوَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2160",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَلَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ ‏ ‏وَسْقٍ ‏ ‏ثَمَانُونَ ‏ ‏وَسْقَ ‏ ‏تَمْرٍ وَعِشْرُونَ ‏ ‏وَسْقَ ‏ ‏شَعِيرٍ فَقَسَمَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ مِنْ الْمَاءِ وَالْأَرْضِ أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ فَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْأَرْضَ وَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ ‏ ‏الْوَسْقَ ‏ ‏وَكَانَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏اخْتَارَتْ الْأَرْضَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( بِشَطْرِ مَا يَخْرُج مِنْهَا ) ‏ ‏هَذَا الْحَدِيث هُوَ عُمْدَة مَنْ أَجَازَ الْمُزَارَعَة وَالْمُخَابَرَة لِتَقْرِيرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ وَاسْتِمْرَاره عَلَى عَهْد أَبِي بَكْر إِلَى أَنْ أَجْلَاهُمْ عُمَر كَمَا سَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الْمُسَاقَاة فِي النَّخْل وَالْكَرْم وَجَمِيع الشَّجَر الَّذِي مِنْ شَأْنه أَنْ يُثْمِر بِجُزْءٍ مَعْلُوم يُجْعَل لِلْعَامِلِ مِنْ الثَّمَرَة , وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور. وَخَصَّهُ الشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد بِالنَّخْلِ وَالْكَرْم , وَأُلْحِقَ الْمُقِلّ بِالنَّخْلِ لِشَبَهِهِ بِهِ. وَخَصَّهُ دَاوُدَ بِالنَّخْلِ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَزُفَر : لَا يَجُوز بِحَالٍ لِأَنَّهَا إِجَارَة بِثَمَرَةٍ مَعْدُومَة أَوْ مَجْهُولَة , وَأَجَابَ مَنْ جَوَّزَهُ بِأَنَّهُ عَقْد عَلَى عَمَل فِي الْمَال بِبَعْضِ نَمَائِهِ فَهُوَ كَالْمُضَارَبَةِ , لِأَنَّ الْمُضَارِب يَعْمَل فِي الْمَال بِجُزْءٍ مِنْ نَمَائِهِ وَهُوَ مَعْدُوم وَمَجْهُول , وَقَدْ صَحَّ عَقْد الْإِجَارَة مَعَ أَنَّ الْمَنَافِع مَعْدُومَة فَكَذَلِكَ هُنَا. وَأَيْضًا فَالْقِيَاس فِي إِبْطَال نَصّ أَوْ إِجْمَاع مَرْدُود. وَأَجَابَ بَعْضهمْ عَنْ قِصَّة خَيْبَر بِأَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا , وَأَقَرُّوا عَلَى أَنَّ الْأَرْض مِلْكهمْ بِشَرْطِ أَنْ يُعْطُوا نِصْف الثَّمَرَة , فَكَانَ ذَلِكَ يُؤْخَذ بِحَقِّ الْجِزْيَة فَلَا يَدُلّ عَلَى جَوَاز الْمُسَاقَاة. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مُعْظَم خَيْبَر فُتِحَ عَنْوَة كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي , وَبِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا قُسِّمَ بَيْن الْغَانِمِينَ كَمَا سَيَأْتِي , وَبِأَنَّ عُمَر أَجْلَاهُمْ مِنْهَا. فَلَوْ كَانَتْ الْأَرْض مِلْكهمْ مَا أَجْلَاهُمْ عَنْهَا. وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَجَازَهُ فِي جَمِيع الثَّمَر بِأَنَّ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث الْبَاب \" بِشَطْرِ مَا يَخْرُج مِنْهَا مِنْ نَخْل وَشَجَر \" وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر فِي حَدِيث الْبَاب \" عَلَى أَنَّ لَهُمْ الشَّطْر مِنْ كُلّ زَرْع وَنَخْل وَشَجَر \" وَهُوَ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ عَلَى شَطْر مَا يَخْرُج مِنْهَا لِجَوَازِ الْمُسَاقَاة بِجُزْءٍ مَعْلُوم لَا مَجْهُول , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز إِخْرَاج الْبَذْر مِنْ الْعَامِل أَوْ الْمَالِك لِعَدَمِ تَقْيِيده فِي الْحَدِيث بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ بِأَنَّ الْعَامِل حِينَئِذٍ كَأَنَّهُ بَاعَ الْبَذْر مِنْ صَاحِب الْأَرْض بِمَجْهُولٍ مِنْ الطَّعَام نَسِيئَة وَهُوَ لَا يَجُوز , وَأَجَابَ مَنْ أَجَازَهُ بِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ النَّهْي عَنْ بَيْع الطَّعَام بِالطَّعَامِ نَسِيئَة جَمْعًا بَيْن الْحَدِيثَيْنِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاء أَحَدهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجه مِائَة وَسْق : ثَمَانُونَ وَسْق تَمْر وَعِشْرُونَ وَسْق شَعِير ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالرَّفْعِ عَلَى الْقَطْع وَالتَّقْدِير مِنْهَا ثَمَانُونَ وَمِنْهَا عِشْرُونَ , وللْكُشْمِيهَنِيِّ \" ثَمَانِينَ وَعِشْرِينَ \" عَلَى الْبَدَل , وَإِنَّمَا كَانَ عُمَر يُعْطِيهِنَّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" مَا تَرَكْت بَعْد نَفَقَة نِسَائِي فَهُوَ صَدَقَة \" وَسَيَأْتِي فِي بَابه. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَسَمَ عُمَر ) ‏ ‏أَيْ خَيْبَر , صَرَّحَ بِذَلِكَ أَحْمَد فِي رِوَايَته عَنْ اِبْن نُمَيْر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر , وَسَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" أَنَّ عُمَر أَجْلَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْض الْحِجَاز \" وَسَيَأْتِي ذِكْر السَّبَب فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الشُّرُوط إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2161",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَامَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2162",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِطَاوُسٍ ‏ ‏لَوْ تَرَكْتَ الْمُخَابَرَةَ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْهُ قَالَ أَيْ ‏ ‏عَمْرُو ‏ ‏إِنِّي أُعْطِيهِمْ وَأُغْنِيهِمْ وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَنْهَ عَنْهُ وَلَكِنْ قَالَ ‏ ‏أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجًا مَعْلُومًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَة وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْل مِنْ الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي جَوَاز أَخْذ أُجْرَة الْأَرْض. وَوَجْه دُخُوله فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله أَنَّهُ لَمَّا جَازَتْ الْمُزَارَعَة عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ جُزْءًا مَعْلُومًا فَجَوَاز أَخْذ الْأُجْرَة الْمُعَيَّنَة عَلَيْهَا مِنْ بَاب الْأَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره عَنْ سُفْيَان حَدَّثَنَا عَمْرو بْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ تَرَكْت الْمُخَابَرَة فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ ) ‏ ‏. أَمَّا الْمُخَابَرَة فَتَقَدَّمَ تَفْسِيرهَا قَبْلُ بِبَابٍ , وَإِدْخَال الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب مُشْعِر بِأَنَّهُ مِمَّنْ يَرَى أَنَّ الْمُزَارَعَة وَالْمُخَابَرَة بِمَعْنًى , قَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَمْرو بْن دِينَار بِلَفْظِ \" لَوْ تَرَكْت الْمُزَارَعَة \" وَيُقَوِّي ذَلِكَ قَوْل اِبْن الْأَعْرَابِيّ اللُّغَوِيّ : إِنَّ أَصْل الْمُخَابَرَة مُعَامَلَة أَهْل خَيْبَر , فَاسْتُعْمِلَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ إِذَا قِيلَ خَابَرَهُمْ عُرِفَ أَنَّهُ عَامَلَهُمْ نَظِير مُعَامَلَة أَهْل خَيْبَر. وَأَمَّا قَوْل عَمْرو بْن دِينَار لِطَاوُسٍ \" يَزْعُمُونَ \" فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج فِي ذَلِكَ , وَقَدْ رَوَى مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عَمْرو بْن دِينَار قَالَ : \" كَانَ طَاوُسٌ يَكْرَه أَنْ يُؤَجِّر أَرْضه بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة , وَلَا يَرَى بِالثُّلُثِ وَالرُّبْع بَأْسًا , فَقَالَ لَهُ مُجَاهِد : اِذْهَبْ إِلَى اِبْن رَافِع بْن خَدِيج فَاسْمَعْ حَدِيثه عَنْ أَبِيهِ , فَقَالَ : لَوْ أَعْلَم أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ لَمْ أَفْعَلهُ , وَلَكِنْ حَدَّثَنِي مَنْ هُوَ أَعْلَم مِنْهُ اِبْن عَبَّاس \" فَذَكَرَهُ. وَلِلنَّسَائِيِّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْد الْكَرِيم عَنْ مُجَاهِد قَالَ : \" أَخَذْت بِيَدِ طَاوُسٍ فَأَدْخَلْته إِلَى اِبْن رَافِع بْن خَدِيج فَحَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ كِرَاء الْأَرْض , فَأَبِي طَاوُسٌ وَقَالَ : سَمِعْت اِبْن عَبَّاس لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا \" وَأَمَّا قَوْله لَوْ تَرَكْت الْمُخَابَرَة فَجَوَاب. لَوْ مَحْذُوف , أَوْ هِيَ لِلتَّمَنِّي. ‏ ‏قَوْله : ( وَأُعِينهُمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْعَيْنِ. الْمُهْمَلَة الْمَكْسُورَة مِنْ الْإِعَانَة , وللْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَأُغْنِيهِمْ \" بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة السَّاكِنَة مِنْ الْغِنَى وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ وَغَيْره مِنْ هَذَا الْوَجْه. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ أَعْلَمهُمْ أَخْبَرَنِي يَعْنِي اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب مِنْ طَرِيق سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ طَاوُسٍ \" قَالَ : قَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ \" وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْه. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَنْهَ عَنْهُ ) ‏ ‏أَيْ عَنْ إِعْطَاء الْأَرْض بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُج مِنْهَا , وَلَمْ يُرِدْ اِبْن عَبَّاس بِذَلِكَ نَفْي الرِّوَايَة الْمُثْبِتَة لِلنَّهْيِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ النَّهْي الْوَارِد عَنْهُ لَيْسَ عَلَى حَقِيقَته وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَوْلَوِيَّة , وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ الْعَقْد الصَّحِيح وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ الشَّرْط الْفَاسِد , لَكِنْ قَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَرِّم الْمُزَارَعَة \" وَهِيَ تُقَوِّي مَا أَوَّلْته. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَمْنَح ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْحَاء عَلَى أَنَّهَا تَعْلِيلِيَّة , وَبِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْحَاء عَلَى أَنَّهَا شَرْطِيَّة وَالْأَوَّل أَشْهَر , وَقَوْله : \" خَرْجًا \" أَيْ أُجْرَة , زَادَ اِبْن مَاجَهْ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه عَنْ طَاوُسٍ \" وَأَنَّ مُعَاذ بْن جَبَل أَقَرَّ النَّاس عَلَيْهَا عِنْدنَا \" يَعْنِي بِالْيَمَنِ , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ حَذَفَ هَذِهِ الْجُمْلَة الْأَخِيرَة لِمَا فِيهَا مِنْ الِانْقِطَاع بَيْن طَاوُسٍ وَمُعَاذ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث بَعْد سَبْعَة أَبْوَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2163",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْطَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ ‏ ‏شَطْرُ ‏ ‏مَا خَرَجَ مِنْهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَذْكُور قَبْل بِبَابٍ , ‏ ‏وَعَبْد اللَّه ‏ ‏الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , ‏ ‏وَعُبَيْد اللَّه ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ , وَأَرَادَ بِهَذَا الْإِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَا فَرْق فِي جَوَاز هَذِهِ الْمُعَامَلَة بَيْن الْمُسْلِمِينَ وَأَهْل الذِّمَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "2164",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيَّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَافِعٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا أَكْثَرَ ‏ ‏أَهْلِ الْمَدِينَةِ ‏ ‏حَقْلًا ‏ ‏وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِي وَهَذِهِ لَكَ فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ‏ ‏ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ‏ ‏ذِهِ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2165",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَمْشُونَ أَخَذَهُمْ الْمَطَرُ فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ ‏ ‏فَانْحَطَّتْ ‏ ‏عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا عَنْكُمْ قَالَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ بَنِيَّ وَإِنِّي اسْتَأْخَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا نَامَا فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فَرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ فَفَرَجَ اللَّهُ فَرَأَوْا السَّمَاءَ وَقَالَ الْآخَرُ اللَّهُمَّ إِنَّهَا كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ فَطَلَبْتُ مِنْهَا فَأَبَتْ عَلَيَّ حَتَّى أَتَيْتُهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَبَغَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُهَا فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ فَقُمْتُ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فَرْجَةً فَفَرَجَ وَقَالَ الثَّالِثُ اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا ‏ ‏بِفَرَقِ ‏ ‏أَرُزٍّ فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ أَعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَغِبَ عَنْهُ فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا فَجَاءَنِي فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ فَقُلْتُ اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرُعَاتِهَا فَخُذْ فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي فَقُلْتُ إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ فَخُذْ فَأَخَذَهُ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ فَفَرَجَ اللَّهُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏فَسَعَيْتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَبَغَيْت ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَة أَيْ طَلَبْت , وَأَكْثَر مَا يُسْتَعْمَل فِي الشَّرّ. ‏ ‏وَقَوْله : ( فَوَجَدْتهمَا نَامَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" نَائِمَيْنِ \". وَقَوْله : \" وَرُعَاتهَا \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَرَاعِيهَا \" عَلَى الْإِفْرَاد. ( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي كَلَام الْأَوَّل \" اللَّهُمَّ إِنَّهُ \" وَالثَّانِي \" اللَّهُمَّ إِنَّهَا \" وَالثَّالِث \" إِنِّي \" وَهُوَ مِنْ التَّفَنُّن , وَالْهَاء فِي الْأَوَّل ضَمِير الشَّأْن وَفِي الثَّانِي لِلْقِصَّةِ , وَنَاسَبَ ذَلِكَ أَنَّ الْقِصَّة فِي اِمْرَأَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع فَسَعَيْت ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور رَوَاهُ عَنْ نَافِع كَمَا رَوَاهُ عَمّه مُوسَى بْن عُقْبَة , إِلَّا أَنَّهُ خَالَفَهُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة وَهِيَ قَوْله : \" فَبَغَيْت \" فَقَالَهَا : \" فَسَعَيْت \" بِالسِّينِ وَالْعَيْن الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهَذَا التَّعْلِيق عَنْ إِسْمَاعِيل هَذَا وَصَلَهُ الْمُؤَلِّف فِي كِتَاب الْأَدَب فِي \" بَاب إِجَابَة دُعَاء مَنْ بَرّ وَالِدَيْهِ \" وَفِيهِ هَذِهِ اللَّفْظَة قَالَ الْجَيَّانِيُّ : وَقَعَ فِي رِوَايَة لِأَبِي ذَرّ \" وَقَالَ إِسْمَاعِيل عَنْ اِبْن عُقْبَة \" وَهُوَ وَهْم وَالصَّوَاب إِسْمَاعِيل بْن عُقْبَة وَهُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن عُقْبَة اِبْن أَخِي مُوسَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2166",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏و اِبْن مَهْدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَالِك ) ‏ ‏وَقَعَ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ \" حَدَّثَنَا مَالِك \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس عَنْ مَالِك عَنْ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" سَمِعْت عُمَر يَقُول \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا فُتِحَتْ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْفَاء عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ ‏ ‏و ( قَرْيَة ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ وَبِفَتْحِ الْفَاء وَنَصْب قَرْيَة عَلَى الْمَفْعُولِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا قَسَمْتهَا ) ‏ ‏زَادَ اِبْن إِدْرِيس فِي رِوَايَته \" مَا اِفْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ قَرْيَة مِنْ قُرَى الْكُفَّار إِلَّا قَسَمْتهَا سُهْمَانًا \". ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا قَسَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَر ) ‏ ‏زَادَ اِبْن إِدْرِيس فِي رِوَايَته \" لَكِنْ أَرَدْت أَنْ تَكُون جِزْيَة تَجْرِي عَلَيْهِمْ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَة فِي غَزْوَة خَيْبَر مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك فِي هَذِهِ الْقِصَّة سَبَب قَوْل عُمَر هَذَا وَلَفْظه \" لَمَّا فَتَحَ عُمَر الشَّام قَامَ إِلَيْهِ بِلَال فَقَالَ : لَتَقْسِمَنَّهَا أَوْ لِأُضَارِبَن عَلَيْهَا بِالسَّيْفِ , فَقَالَ عُمَر \" فَذَكَرَهُ. قَالَ اِبْن التِّين : تَأَوَّلَ عُمَر قَوْل اللَّه تَعَالَى : ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ) فَرَأَى أَنَّ لِلْآخِرِينَ أُسْوَة بِالْأَوَّلِينَ فَخَشِيَ لَوْ قَسَمَ مَا يُفْتَح أَنْ تَكْمُل الْفُتُوح فَلَا يَبْقَى لِمَنْ يَجِيء بَعْد ذَلِكَ حَظّ فِي الْخَرَاج , فَرَأَى أَنْ تُوقَف الْأَرْض الْمَفْتُوحَة عَنْوَة وَيُضْرَب عَلَيْهَا خَرَاجًا يَدُوم نَفْعه لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ اِخْتَلَفَ نَظَر الْعُلَمَاء فِي قِسْمَة الْأَرْض الْمَفْتُوحَة عَنْوَة عَلَى قَوْلَيْنِ شَهِيرَيْنِ , كَذَا قَالَ. وَفِي الْمَسْأَلَة أَقْوَال أَشْهَرهَا ثَلَاثَة : فَعَنْ مَالِك تَصِير وَقْفًا بِنَفْسِ الْفَتْح , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة وَالثَّوْرِيّ يَتَخَيَّر الْإِمَام بَيْن قِسْمَتهَا وَوَقْفِيَّتِهَا , وَعَنْ الشَّافِعِيّ يَلْزَمهُ قِسْمَتهَا إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِوَقْفِيَّتِهَا مِنْ غَنَمهَا , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَاخِر الْجِهَاد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2167",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏قَضَى بِهِ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فِي خِلَافَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر ) ‏ ‏هُوَ الْمِصْرِيّ , وَمُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن شَيْخه هُوَ أَبُو الْأَسْوَد يَتِيم عُرْوَة , وَنِصْف الْإِسْنَاد الْأَعْلَى مَدَنِيُّونَ وَنِصْفه الْآخَر مِصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ أَعْمَرَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْمِيم مِنْ الرُّبَاعِيّ قَالَ عِيَاض كَذَا وَقَعَ وَالصَّوَاب \" عُمِرَ \" ثُلَاثِيًّا قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا ) إِلَّا أَنْ يُرِيد أَنَّهُ جَعَلَ فِيهَا عَمَارًا , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَيُمْكِن أَنْ يَكُون أَصْله مَنْ اِعْتَمَرَ أَرْضًا أَيْ اِتَّخَذَهَا , وَسَقَطَتْ التَّاء مِنْ الْأَصْل. وَقَالَ غَيْره قَدْ سَمِعَ فِيهِ الرُّبَاعِيّ , يُقَال أَعْمَرَ اللَّه بِك مَنْزِلك فَالْمُرَاد مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا بِالْإِحْيَاءِ فَهُوَ أَحَقّ بِهِ مِنْ غَيْره , وَحَذَفَ مُتَعَلَّقَ أَحَقّ لِلْعِلْمِ بِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" مَنْ أُعْمِرَ \" بِضَمِّ الْهَمْزَة أَيْ أَعْمَرَهُ غَيْره , وَكَأَنَّ الْمُرَاد بِالْغَيْرِ الْإِمَام. وَذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعه بِلَفْظِ \" مَنْ عُمِرَ \" مِنْ الثُّلَاثِيّ , وَكَذَا هُوَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يُحْيِي بْن بُكَيْرٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَهُوَ أَحَقّ ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَهُوَ أَحَقّ بِهَا \" أَيْ مِنْ غَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُرْوَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَى عُرْوَة , وَلَكِنْ عُرْوَة عَنْ عُمَر مُرْسَلًا , لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي آخِر خِلَافَة عُمَر قَالَهُ خَلِيفَة , وَهُوَ قَضِيَّة قَوْل اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ أَنَّهُ كَانَ يَوْم الْجَمَل اِبْن ثَلَاث عَشَرَة سَنَة لِأَنَّ الْجَمَل كَانَ سَنَة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَقَتْل عُمَر كَانَ سَنَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ. وَرَوَى أَبُو أُسَامَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : \" رُدِدْت يَوْم الْجَمَل , اُسْتُصْغِرْت \". ‏ ‏قَوْله : ( قَضَى بِهِ عُمَر فِي خِلَافَته ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْبَاب مَوْصُولًا إِلَى عُمَر. وَرَوَيْنَا فِي \" كِتَاب الْخَرَاج لِيَحْيَى بْن آدَم \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه الثَّقَفِيّ قَالَ : كَتَبَ عُمَر بْن الْخَطَّاب مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا مِنْ الْأَرْض فَهُوَ أَحَقّ بِهِ. وَرَوَى مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب أَوْ غَيْره أَنَّ عُمَر قَالَ : \" مَنْ عَطَّلَ أَرْضًا ثَلَاث سِنِينَ لَمْ يَعْمُرهَا فَجَاءَ غَيْره فَعَمَرَهَا فَهِيَ لَهُ \". وَكَأَنَّ مُرَاده بِالتَّعْطِيلِ أَنْ يَتَحَجَّرهَا وَلَا يَحُوطهَا بِبِنَاءٍ وَلَا غَيْره. وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ الطَّرِيق الْأُولَى أَتَمّ مِنْهُ بِالسَّنَدِ إِلَى الثَّقَفِيّ الْمَذْكُور قَالَ : \" خَرَجَ رَجُل مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يُقَال لَهُ أَبُو عَبْد اللَّه إِلَى عُمَر فَقَالَ : إِنَّ بِأَرْضِ الْبَصْرَة أَرْضًا لَا تَضُرّ بِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَتْ بِأَرْضٍ خَرَاج , فَإِنْ شِئْت أَنْ تُقْطِعنِيهَا أَتَّخِذهَا قَضْبًا وَزَيْتُونًا , فَكَتَبَ عُمَر إِلَى أَبِي مُوسَى : إِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَأَقْطِعْهَا إِيَّاهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2168",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُرِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ‏ ‏ذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏فِي بَطْنِ الْوَادِي فَقِيلَ لَهُ إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ فَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏بِالْمُنَاخِ الَّذِي كَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏يُنِيخُ بِهِ يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ أَسْفَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِغَيْرِ تَرْجَمَة وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث اِبْن عُمَر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِي وَهُوَ فِي مُعَرَّسه بِذِي الْحُلَيْفَةِ : إِنَّك بِبَطْحَاء مُبَارَكَة \" وَحَدِيث عُمَر مَرْفُوعًا \" أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَك \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي الْحَجّ مُسْتَوْفًى , وَلَكِنْ أَشْكَلَ تَعَلُّقهمَا بِالتَّرْجَمَةِ فَقَالَ الْمُهَلَّب : حَاوَلَ الْبُخَارِيّ جَعْل مَوْضِع مُعَرَّس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْقُوفًا أَوْ مُتَمَلَّكًا لَهُ لِصَلَاتِهِ فِيهِ وَنُزُوله بِهِ , وَذَلِكَ لَا يَقُوم عَلَى سَاق لِأَنَّهُ قَدْ يَنْزِل فِي غَيْر مِلْكه وَيُصَلِّي فِيهِ فَلَا يَصِير بِذَلِكَ مِلْكه كَمَا صَلَّى فِي دَارَ عِتْبَانَ بْن مَالِك وَغَيْره. وَأَجَابَ اِبْن بَطَّال بِأَنَّ الْبُخَارِيّ أَرَادَ أَنَّ الْمُعَرَّس نُسِبَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنُزُولِهِ فِيهِ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَصِير بِذَلِكَ مِلْكه , وَنَفَى اِبْن الْمُنِير وَغَيْره أَنْ يَكُون الْبُخَارِيّ أَرَادَ مَا اِدَّعَاهُ الْمُهَلَّب , وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّنْبِيه عَلَى أَنَّ الْبَطْحَاء الَّتِي وَقَعَ فِيهَا التَّعْرِيس وَالْأَمْر بِالصَّلَاةِ فِيهَا لَا تَدْخُل فِي الْمَوَات الَّذِي يُحْيَا وَيُمْلَك إِذْ لَمْ يَقَع فِيهَا تَحْوِيط وَنَحْوه مِنْ وُجُوه الْإِحْيَاء , أَوْ أَرَادَ أَنَّهَا تَلْحَق بِحُكْمِ الْإِحْيَاء لِمَا ثَبَتَ لَهَا مِنْ خُصُوصِيَّة التَّصَرُّف فِيهَا بِذَلِكَ فَصَارَتْ كَأَنَّهَا أُرْصِدَتْ لِلْمُسْلِمِينَ كَمِنَى مَثَلًا , فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا وَيَتَحَجَّرهَا لِتَعَلُّقِ حَقّ الْمُسْلِمِينَ بِهَا عُمُومًا. قُلْت : وَحَاصِله أَنَّ الْوَادِي الْمَذْكُور وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْس الْمَوَات لَكِنْ مَكَان التَّعْرِيس مِنْهُ مُسْتَثْنًى لِكَوْنِهِ مِنْ الْحُقُوق الْعَامَّة فَلَا يَصِحّ اِحْتِجَاره لِأَحَدٍ وَلَوْ عَمِلَ فِيهِ بِشُرُوطِ الْإِحْيَاء , وَلَا يَخْتَصّ ذَلِكَ بِالْبُقْعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ كُلّ مَا وُجِدَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏الْمُعَرَّس بِمُهْمَلَاتِ وَفَتْح الرَّاء مَوْضِع التَّعْرِيس , وَهُوَ نُزُول آخِر اللَّيْل لِلرَّاحَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2169",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَوْزَاعِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّيْلَةَ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي وَهُوَ ‏ ‏بِالْعَقِيقِ ‏ ‏أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2170",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَجْلَى ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏مِنْ أَرْضِ ‏ ‏الْحِجَازِ ‏ ‏وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا ظَهَرَ عَلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏أَرَادَ إِخْرَاجَ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏مِنْهَا وَكَانَتْ الْأَرْضُ حِينَ ظَهَرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلِلْمُسْلِمِينَ وَأَرَادَ إِخْرَاجَ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏مِنْهَا فَسَأَلَتْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيُقِرَّهُمْ بِهَا أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏تَيْمَاءَ ‏ ‏وَأَرِيحَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ عُمَر أَجْلَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْض الْحِجَاز ) ‏ ‏سَيَأْتِي سَبَب ذَلِكَ مَوْصُولًا فِي كِتَاب الشُّرُوط , قَالَ الْهَرَوِيُّ : جَلَى الْقَوْم عَنْ مَوَاطِنهمْ وَأَجْلَى بِمَعْنًى وَاحِد وَالِاسْم الْجَلَاء وَالْإِجْلَاء , وَأَرْض الْحِجَاز هِيَ مَا يَفْصِل بَيْن نَجْد وَتِهَامَة , قَالَ الْوَاقِدِيُّ : مَا بَيْن وَجْرَة وَغَمْس الطَّائِف نَجْد , وَمَا كَانَ مِنْ وَرَاء وَجْرَة إِلَى الْبَحْر تِهَامَة. وَوَقَعَ هُنَا لِلْكَرْمَانِيِّ تَفْسِير الْحِجَاز بِمَا فَسَرُّوا بِهِ جَزِيرَة الْعَرَب الْآتِي فِي \" بَاب هَلْ يُسْتَشْفَع بِأَهْلِ الذِّمَّة \" فِي كِتَاب الْجِهَاد وَهُوَ خَطَأ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ لِابْنِ عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ الْأَرْض حِين ظَهَرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة فُضَيْلِ بْن سُلَيْمَان الْآتِيَة \" وَكَانَتْ الْأَرْض لَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهَا لِلْيَهُودِ وَلِلرَّسُولِ وَلِلْمُسْلِمِينَ \" قَالَ الْمُهَلَّب : يُجْمَع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ تُحْمَل رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَلَى الْحَال الَّتِي آل إِلَيْهَا الْأَمْر بَعْد الصُّلْح وَرِوَايَة فُضَيْلٍ عَلَى الْحَال الَّتِي كَانَتْ قَبْله , وَذَلِكَ أَنَّ خَيْبَر فُتِحَ بَعْضهَا صُلْحًا وَبَعْضهَا عَنْوَة , فَالَّذِي فُتِحَ عَنْوَة كَانَ جَمِيعه لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ , وَالَّذِي فُتِحَ صُلْحًا كَانَ لِلْيَهُودِ ثُمَّ صَارَ لِلْمُسْلِمِينَ بِعَقْدِ الصُّلْح , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" لِيُقِرّهُمْ بِهَا أَنْ يَكُفُّوا عَمَلهَا \" وَقَعَ عِنْد أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق \" أَنْ يُقِرّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكُفُّوا \" وَهُوَ أَوْضَح , وَنَحْوه رِوَايَة اِبْن سُلَيْمَان الْآتِيَة. وَقَوْله فِيهَا \" فَقَرُّوا \" بِفَتْحِ الْقَاف أَيْ سَكَنُوا. وَتَيْمَاء بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَالْمَدّ , وَأَرِيحَاءُ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الرَّاء بَعْدهَا تَحْتَانِيّه سَاكِنَة ثُمَّ مُهْمَلَة وَبِالْمَدِّ أَيْضًا , هُمَا مَوْضِعَانِ مَشْهُورَانِ بِقُرْبِ بِلَاد طَيِّئٍ عَلَى الْبَحْر فِي أَوَّل طَرِيق الشَّام مِنْ الْمَدِينَة , وَقَدْ ذَكَرَ الْبَلَاذِرِيُّ فِي \" الْفُتُوح \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا غَلَبَ عَلَى وَادِي الْقُرَى بَلَغَ ذَلِكَ أَهْل تَيْمَاء فَصَالَحُوهُ عَلَى الْجِزْيَة وَأَقَرَّهُمْ بِبَلَدِهِمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "2171",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّجَاشِيِّ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏رَافِعَ بْنَ خَدِيجِ بْنِ رَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ظُهَيْرٌ ‏ ‏لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقًا قُلْتُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَهُوَ حَقٌّ قَالَ دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا تَصْنَعُونَ ‏ ‏بِمَحَاقِلِكُمْ ‏ ‏قُلْتُ نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ وَعَلَى ‏ ‏الْأَوْسُقِ ‏ ‏مِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ قَالَ لَا تَفْعَلُوا ازْرَعُوهَا أَوْ أَزْرِعُوهَا أَوْ ‏ ‏أَمْسِكُوهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَافِعٌ ‏ ‏قُلْتُ سَمْعًا وَطَاعَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي النَّجَاشِيّ ) ‏ ‏فَتْح النُّون وَتَخْفِيف الْجِيم وَبَعْد الْأَلِف مُعْجَمَة ثُمَّ يَاء ثَقِيلَة : تَابِعِيّ ثِقَة اِسْمه عَطَاء بْن صُهَيْبٍ , وَقَدْ رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ أَيْضًا فِي ثَانِي أَحَادِيث الْبَاب مَعْنَى الْحَدِيث عَنْ عَطَاء عَنْ جَابِر وَهُوَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح , فَكَانَ الْحَدِيث عِنْده عَنْ كُلّ مِنْهُمَا بِسَنَدِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ مِنْ وَجْه آخَر إِلَى الْأَوْزَاعِيِّ \" حَدَّثَنِي أَبُو النَّجَاشِيّ \" , وَقَوْله : \" سَمِعْت رَافِع بْن خَدِيج \" أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ \" حَدَّثَنِي أَبُو النَّجَاشِيّ قَالَ : صَحِبْت رَافِع بْن خَدِيج سِتّ سِنِينَ \" وَرَوَى عِكْرِمَة بْن عَمَّار هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي النَّجَاشِيّ عَنْ رَافِع عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ \" عَنْ عَمّه ظُهَيْرٍ \" ذَكَرَهُ مُسْلِم , وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَة حَنْظَلَة بْن قَيْس عَنْ رَافِع \" حَدَّثَنِي عَمَّايَ \" وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمّه ظُهَيْرٍ ) ‏ ‏بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَة مُصَغَّرًا. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ نَهَانَا ) ‏ ‏قَدْ ذَكَرَ فِي آخِر الْحَدِيث صِيغَة النَّهْي وَهِيَ قَوْله : \" لَا تَفْعَلُوا \" وَبِهَا يَعْرِف الْمُرَاد بِالْأَمْرِ الرَّافِق , وَقَوْله : \" رَافِقًا \" أَيْ ذَا رِفْق. ‏ ‏قَوْله : ( بِمَحَاقِلِكُمْ ) ‏ ‏أَيْ بِمَزَارِعِكُمْ , وَالْحَقْل الزَّرْع وَقِيلَ مَا دَامَ أَخْضَر , وَالْمُحَاقَلَة الْمُزَارَعَة بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُج , وَقِيلَ هُوَ بَيْع الزَّرْع بِالْحِنْطَةِ , وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى الرَّبِيع ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْمُوَحَّدَة وَهِيَ مُوَافِقَة لِلرِّوَايَةِالْأَخِيرَة وَهِيَ قَوْله عَلَى الْأَرْبِعَاء , فَإِنَّ الْأَرْبِعَاء جَمْع رَبِيع وَهُوَ النَّهْر الصَّغِير , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" الرُّبَيْع \" بِالتَّصْغِيرِ , وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" عَلَى الرُّبُع \" بِضَمَّتَيْنِ وَهِيَ مُوَافِقَة لِحَدِيثِ جَابِر الْمَذْكُور بَعْد , لَكِنْ الْمَشْهُور فِي حَدِيث رَافِع الْأَوَّل , وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الْأَرْض وَيَشْتَرِطُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَا يَنْبُت عَلَى الْأَنْهَار. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَلَى الْأَوْسُق ) ‏ ‏الْوَاو بِمَعْنَى أَوْ. ‏ ‏قَوْله : ( اِزْرَعُوهَا أَوْ أَزْرِعُوهَا ) ‏ ‏الْأَوَّل بِكَسْرِ الْأَلِف وَهِيَ أَلِف وَصْل وَالرَّاء مَفْتُوحَة , وَالثَّانِي بِأَلِفِ قَطْع وَالرَّاء مَكْسُورَة وَأَوْ لِلتَّخْيِيرِ لَا لِلشَّكِّ , وَالْمُرَاد اِزْرَعُوهَا أَنْتُمْ أَوْ أَعْطُوهَا لِغَيْرِكُمْ يَزْرَعهَا بِغَيْرِ أُجْرَة , وَهُوَ الْمُوَافِق لِقَوْلِهِ فِي حَدِيث جَابِر \" أَوْ لِيَمْنَحهَا \". ‏ ‏( أَوْ أَمْسِكُوهَا ) ‏ ‏أَيْ اُتْرُكُوهَا مُعَطَّلَة. ‏ ‏وَقَوْله : ( سَمْعًا وَطَاعَة ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ وَيَجُوز الرَّفْع , وَقَوْله : ( أَوْ اُتْرُكُوهَا ) أَيْ بِغَيْرِ زَرْع , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَاب. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ جَابِر إِيرَاد حَدِيث ظُهَيْر بْن رَافِع فِي آخِر الْبَاب الَّذِي قَبْله , ثُمَّ اُعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُل فِي هَذَا الْبَاب , وَالَّذِي وَقَعَ عِنْد الْجُمْهُور إِيرَاده فِي هَذَا الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "2172",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانُوا يَزْرَعُونَهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَطَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ \" حَدَّثَنِي عَطَاء سَمِعْت جَابِرًا \". ‏ ‏قَوْله : ( كَانُوا ) ‏ ‏أَيْ الصَّحَابَةَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَوْله ( بِالثُّلُثِ وَالرُّبُع وَالنِّصْف ) ‏ ‏الْوَاو فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنَى أَوْ , أَشَارَ إِلَيْهِ التَّيْمِيُّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَوْجِيه آخَر فِي \" بَاب الْمُزَارَعَة بِالشَّطْرِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلِيَمْنَحهَا ) ‏ ‏أَيْ يَجْعَلهَا مَنِيحَة أَيْ عَطِيَّة , وَالنُّون فِي يَمْنَحهَا مَفْتُوحَة وَيَجُوز كَسْرهَا , وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَطَر الْوَرَّاق عَنْ عَطَاء عَنْ جَابِر بِلَفْظِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ كِرَاء الْأَرْض \" , وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ مَطَر بِلَفْظِ \" مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْض فَلْيَزْرَعْهَا فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ الْمُسْلِم وَلَا يُؤَاجِرهَا \" وَرِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ الَّتِي اِقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْمُصَنِّف مُفَسِّرَة لِلْمُرَادِ لِذِكْرِهَا لِلسَّبَبِ الْحَامِل عَلَى النَّهْي. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ لَمْ يَفْعَل فَلْيُمْسِكْ أَرْضه ) ‏ ‏أَيْ فَلَا يَمْنَحهَا وَلَا يُكْرِيهَا , وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ بِأَنَّ فِي إِمْسَاكهَا بِغَيْرِ زِرَاعَة تَضْيِيعًا لِمَنْفَعَتِهَا فَيَكُون مِنْ إِضَاعَة الْمَال , وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْي عَنْهَا , وَأُجِيبَ بِحَمْلِ النَّهْي عَنْ إِضَاعَة عَيْن الْمَال أَوْ مَنْفَعَة لَا تُخَلِّف , لِأَنَّ الْأَرْض إِذَا تُرِكَتْ بِغَيْرِ زَرْع لَمْ تَتَعَطَّل مَنْفَعَتهَا فَإِنَّهَا قَدْ تُنْبِت مِنْ الْكَلَأ وَالْحَطَب وَالْحَشِيش مَا يَنْفَع فِي الرَّعْي وَغَيْره , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ لَا يَحْصُل ذَلِكَ فَقَدْ يَكُون تَأْخِير الزَّرْع عَنْ الْأَرْض إِصْلَاحًا لَهَا فَتُخَلِّف فِي السَّنَة الَّتِي تَلِيهَا مَا لَعَلَّهُ فَاتَ فِي سَنَة التَّرْك , وَهَذَا كُلّه إِنْ حُمِلَ النَّهْي عَنْ الْكِرَاء عَلَى عُمُومه فَأَمَّا لَوْ حُمِلَ الْكِرَاء عَلَى مَا كَانَ مَأْلُوفًا لَهُمْ مِنْ الْكِرَاء بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُج مِنْهَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ غَيْر مَعْلُوم فَلَا يَسْتَلْزِم ذَلِكَ تَعْطِيل الِانْتِفَاع بِهَا فِي الزِّرَاعَة بَلْ يُكْرِيهَا بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّة كَمَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ. وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ الرَّبِيع بْن نَافِع أَبُو تَوْبَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا مُوَحَّدَة هُوَ الْحَلَبِيّ , ثِقَة لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي الطَّلَاق. وَقَدْ وَصَلَ مُسْلِم حَدِيث الْبَاب عَنْ الْحَسَن بْن عَلِيّ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ أَبِي تَوْبَة. وَشَيْخه مُعَاوِيه هُوَ اِبْن سَلَّامٍ بِتَشْدِيدِ اللَّام. وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير , وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي إِسْنَاده وَكَذَا عَلَى شَيْخه أَبِي سَلَمَة , وَقَدْ أَطْنَبَ النَّسَائِيُّ فِي جَمْع طُرُقه. ‏"
    },
    {
        "id": "2173",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ذَكَرْتُهُ ‏ ‏لِطَاوُسٍ ‏ ‏فَقَالَ يُزْرِعُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَنْهَ عَنْهُ وَلَكِنْ قَالَ ‏ ‏أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مَعْلُومًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( ذَكَرْته ) ‏ ‏أَيْ حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج ‏ ‏( لِطَاوُسٍ ) ‏ ‏أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ مَضَى شَرْحه بَعْد أَبْوَاب. ‏ ‏وَقَوْله : ( لَمْ يَنْهَ عَنْهُ ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يُحَرِّمهُ , وَبِهَا صَرَّحَ التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته. ‏ ‏وَقَوْله : ( إِنْ يَمْنَح ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة مِنْ إِنْ عَلَى أَنَّهَا شَرْطِيَّة , وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرّ بِفَتْحِهَا وَهُوَ الْمَشْهُور , وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ \" وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْفُق بَعْضهمْ بِبَعْضٍ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2174",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏وَعُثْمَانَ ‏ ‏وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏ثُمَّ حُدِّثَ عَنْ ‏ ‏رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ‏ ‏كِرَاءِ ‏ ‏الْمَزَارِعِ فَذَهَبَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏رَافِعٍ ‏ ‏فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كِرَاءِ ‏ ‏الْمَزَارِعِ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَا عَلَى ‏ ‏الْأَرْبِعَاءِ ‏ ‏وَبِشَيْءٍ مِنْ ‏ ‏التِّبْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يُكْرِي ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله مِنْ الرُّبَاعِيّ يُقَال أَكْرَى أَرْضه يُكْرِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَة مُعَاوِيَة ) ‏ ‏أَيْ خِلَافَته , وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُر اِبْن عُمَر خِلَافَة عَلِيّ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَايِعهُ لِوُقُوعِ الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَشْهُور فِي صَحِيح الْأَخْبَار , وَكَانَ رَأَى أَنَّهُ لَا يُبَايِع لِمَنْ لَمْ يَجْتَمِع عَلَيْهِ النَّاس , وَلِهَذَا لَمْ يُبَايِع أَيْضًا لِابْنِ الزُّبَيْر وَلَا لِعَبْدِ الْمَلِك فِي حَال اِخْتِلَافهمَا , وَبَايَعَ لِيَزِيدَ بْن مُعَاوِيَة ثُمَّ لِعَبْدِ الْمَلِك بْن مَرْوَان بَعْد قَتْل اِبْن الزُّبَيْر , وَلَعَلَّ فِي تِلْكَ الْمُدَّة - أَعْنِي مُدَّة خِلَافَة عَلِيّ - لَمْ يُؤَاجِر أَرْضه فَلَمْ يَذْكُرهَا لِذَلِكَ , وَزَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته : حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِر خِلَافَة مُعَاوِيَة وَكَانَ آخِر خِلَافَة مُعَاوِيَة فِي سَنَة سِتِّينَ مِنْ الْهِجْرَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ إِسْمَاعِيل عَنْ أَيُّوب بِهَذَا الْإِسْنَاد نَحْو هَذَا السِّيَاق وَزَادَ فِيهِ \" فَتَرَكَهَا اِبْن عُمَر وَكَانَ لَا يُكْرِيهَا , فَإِذَا سُئِلَ يَقُول : زَعَمَ رَافِع بْن خَدِيج \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏وَقَوْله ( ثُمَّ حُدِّثَ عَنْ رَافِع ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله لِلْأَكْثَرِ , وللْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ أَوَّله وَحَذْف \" عَنْ \". وَلِابْنِ مَاجَهْ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" أَنَّهُ كَانَ يُكْرِي أَرْضه فَأَتَاهُ إِنْسَان فَأَخْبَرَهُ عَنْ رَافِع \" فَذَكَرَهُ وَزَادَ. وَقَدْ اِسْتَظْهَرَ الْبُخَارِيّ لِحَدِيثِ رَافِع بِحَدِيثِ جَابِر وَأَبِي هُرَيْرَة رَادًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ حَدِيث رَافِع فَرْد وَأَنَّهُ مُضْطَرِب , وَأَشَارَ إِلَى صِحَّة الطَّرِيقَيْنِ عَنْهُ حَيْثُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ رَوَى عَنْ عَمّه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ رِوَايَته بِغَيْرِ وَاسِطَة مُقْتَصِرَة عَلَى النَّهْي عَنْ كِرَاء الْأَرْض وَرِوَايَته عَنْ عَمّه مُفَسِّرَة لِلْمُرَادِ , وَهُوَ مَا بَيَّنَهُ اِبْن عَبَّاس فِي رِوَايَته مِنْ إِرَادَة الرِّفْق وَالتَّفْضِيل وَأَنَّ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ , وَسَأَذْكُرُ مَزِيدًا لِذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "2175",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ الْأَرْضَ تُكْرَى ثُمَّ خَشِيَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ فَتَرَكَ ‏ ‏كِرَاءَ ‏ ‏الْأَرْضِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَدْ كُنْت أَعْلَم أَنَّ الْأَرْض تُكْرَى ثُمَّ خَشِيَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق شُعَيْب بْن اللَّيْث عَنْ أَبِيهِ مُطَوَّلًا وَأَوَّله \" أَنَّ عَبْد اللَّه كَانَ يُكْرِي أَرْضه حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ رَافِع بْن خَدِيج يَنْهَى عَنْ كِرَاء الْأَرْض فَلَقِيَهُ فَقَالَ : يَا اِبْن خَدِيج مَا هَذَا ؟ قَالَ : سَمِعْت عَمَّيَّ وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْرًا يُحَدِّثَانِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ كِرَاء الْأَرْض , فَقَالَ عَبْد اللَّه : قَدْ كُنْت أَعْلَم \" فَذَكَرَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2176",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمَّايَ ‏ ‏أَنَّهُمْ كَانُوا ‏ ‏يُكْرُونَ الْأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَا يَنْبُتُ عَلَى ‏ ‏الْأَرْبِعَاءِ ‏ ‏أَوْ شَيْءٍ ‏ ‏يَسْتَثْنِيهِ ‏ ‏صَاحِبُ الْأَرْضِ فَنَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ذَلِكَ فَقُلْتُ ‏ ‏لِرَافِعٍ ‏ ‏فَكَيْفَ هِيَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ فَقَالَ ‏ ‏رَافِعٌ ‏ ‏لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏وَكَانَ الَّذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الْفَهْمِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُخَاطَرَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حَنْظَلَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ مُسْلِم عَنْ رَبِيعَة حَدَّثَنِي حَنْظَلَة لَكِنْ لَيْسَ عِنْده ذِكْر عَمَّيْ رَافِع , وَفِي الْإِسْنَاد تَابِعِيّ عَنْ مِثْله وَصَحَابِيّ عَنْ مِثْله. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَمَّايَ ) ‏ ‏هُمَا ظُهَيْر بْن رَافِع وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثه فِي الْبَاب قَبْله وَالْآخَر قَالَ الْكَلَابَاذِيُّ لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَذَكَرَ غَيْره أَنَّ اِسْمه مُظَهِّر وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الظَّاء وَتَشْدِيد الْهَاء الْمَكْسُورَة وَضَبَطَهُ عَبْد الْغَنِيّ وَابْن مَاكُولَا , هَكَذَا زَعَمَ بَعْض مَنْ صَنَّفَ فِي الْمُبْهَمَات , وَرَأَيْت فِي \" الصَّحَابَة لِأَبِي الْقَاسِم الْبَغَوِيِّ \" وَلِأَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ يَعْلَى بْن حَكِيم عَنْ سَلِيمَانِ بْن يَسَار عَنْ رَافِع بْن خَدِيج \" أَنَّ بَعْض عُمُومَته \" قَالَ سَعِيد زَعَمَ قَتَادَةُ أَنَّ اِسْمه مُهَيْر فَذَكَر الْحَدِيث , فَهَذَا أَوْلَى أَنْ يُعْتَمَد وَهُوَ بِوَزْنِ أَخِيهِ ظُهَيْر كِلَاهُمَا بِالتَّصْغِيرِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَسْتَثْنِيه ) ‏ ‏مِنْ الِاسْتِثْنَاء كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى اِسْتِثْنَاء الثُّلُث أَوْ الرُّبُع لِيُوَافِق الرِّوَايَة الْأُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَافِع لَيْسَ بِهَا بَأْس بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَم ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَالَهُ رَافِع بِاجْتِهَادِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلِمَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّنْصِيص عَلَى جَوَازه , أَوْ عَلِمَ أَنَّ النَّهْي عَنْ كِرَاء الْأَرْض لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقه بَلْ بِمَا إِذَا كَانَ بِشَيْءٍ مَجْهُول وَنَحْو ذَلِكَ , فَاسْتَنْبَطَ مِنْ ذَلِكَ جَوَاز الْكِرَاء بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة , وَيُرَجِّح كَوْنه مَرْفُوعًا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ رَافِع بْن خَدِيج قَالَ : \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُحَاقَلَة وَالْمُزَابَنَة وَقَالَ : إِنَّمَا يَزْرَع ثَلَاثَة : رَجُل لَهُ أَرْض , وَرَجُل مَنَحَ أَرْضًا , وَرَجُل اِكْتَرَى أَرْضًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّة \" لَكِنْ بَيَّنَ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْه آخَر أَنَّ الْمَرْفُوع مِنْهُ النَّهْي عَنْ الْمُحَاقَلَة وَالْمُزَابَنَة وَأَنَّ بَقِيَّته مُدْرَج مِنْ كَلَام سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , وَقَدْ رَوَاهُ مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" وَالشَّافِعِيّ عَنْهُ عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث وَكَانَ الَّذِي نَهَى عَنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَنْ اللَّيْث وَهُوَ مُوصَل بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّل إِلَى اللَّيْث , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي ذَرّ هُنَا : قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه يَعْنِي الْمُصَنِّف مِنْ هَاهُنَا قَالَ اللَّيْث أَرَاهُ , وَسَقَطَ هَذَا النَّقْل عَنْ اللَّيْث عِنْد النَّسَفِيِّ وَابْن شَبَّوَيْهِ , وَكَذَا وَقَعَ فِي \" مَصَابِيح الْبَغَوِيِّ \" فَصَارَ مُدْرَجًا عِنْدهمَا فِي نَفْس الْحَدِيث وَالْمُعْتَمَد فِي ذَلِكَ عَلَى رِوَايَة الْأَكْثَر , وَلَمْ يَذْكُر النَّسَفِيُّ وَلَا الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَتهمَا لِهَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق اللَّيْث هَذِهِ الزِّيَادَة , وَقَدْ قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ شَارِح الْمَصَابِيح : لَمْ يَظْهَر لِي هَلْ هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ قَوْل بَعْض الرُّوَاة أَوْ مِنْ قَوْل الْبُخَارِيّ , وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : الظَّاهِر أَنَّهَا مِنْ كَلَام رَافِع ا ه. وَقَدْ تَبَيَّنَ بِرِوَايَةِ أَكْثَر الطُّرُق فِي الْبُخَارِيّ أَنَّهَا مِنْ كَلَام اللَّيْث , ‏ ‏وَقَوْله : ( ذَوُو الْفَهْم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ وَابْن شَبَّوَيْهِ \" ذُو الْفَهْم \" بِلَفْظِ الْمُفْرَد لِإِرَادَةِ الْجِنْس , وَقَالَا : \" لَمْ يُجْزِهِ \". ‏ ‏وَقَوْله : ( الْمُخَاطَرَة ) ‏ ‏أَيْ الْإِشْرَاف عَلَى الْهَلَاك , وَكَلَام اللَّيْث هَذَا مُوَافِق لِمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ حَمْل النَّهْي عَنْ كِرَاء الْأَرْض عَلَى الْوَجْه الْمُفْضِي إِلَى الْغَرَر وَالْجَهَالَة لَا عَنْ كِرَائِهَا مُطْلَقًا حَتَّى بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة. ثُمَّ اِخْتَلَفَ الْجُمْهُور فِي جَوَاز كِرَائِهَا بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُج مِنْهَا فَمَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ حَمَلَ أَحَادِيث النَّهْي عَلَى التَّنْزِيه وَعَلَيْهِ يَدُلّ قَوْل اِبْن عَبَّاس الْمَاضِي فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , حَيْثُ قَالَ : \" وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْفُق بَعْضهمْ بِبَعْضِ \" وَمَنْ لَمْ يُجِزْ إِجَارَتهَا بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُج مِنْهَا قَالَ : النَّهْي عَنْ كِرَائِهَا مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا اِشْتَرَطَ صَاحِب الْأَرْض نَاحِيَة مِنْهَا أَوْ شَرَطَ مَا يَنْبُت عَلَى النَّهَر لِصَاحِبِ الْأَرْض لِمَا فِي كُلّ ذَلِكَ مِنْ الْغَرَر وَالْجَهَالَة. وَقَالَ مَالِك : النَّهْي مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا وَقَعَ كِرَاؤُهَا بِالطَّعَامِ أَوْ التَّمْر لِئَلَّا يَصِير مِنْ بَيْع الطَّعَام بِالطَّعَامِ , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل مَا قَالَهُ مَالِك عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمُكْرَى بِهِ مِنْ الطَّعَام جُزْءًا مِمَّا يَخْرُج مِنْهَا , فَأَمَّا إِذَا اِكْتَرَاهَا بِطَعَامٍ مَعْلُوم فِي ذِمَّة الْمُكْتَرِي أَوْ بِطَعَامٍ حَاضِر يَقْبِضهُ الْمَالِك فَلَا مَانِع مِنْ الْجَوَاز. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2177",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِلَالٌ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ قَالَ فَبَذَرَ ‏ ‏فَبَادَرَ ‏ ‏الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ دُونَكَ يَا ابْنَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ وَاللَّهِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ فَضَحِكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَة وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَلَمْ يَذْكُر اِبْن بَطَّال لَفْظ \" بَاب \" وَكَانَ مُنَاسَبَته لَهُ مِنْ قَوْل الرَّجُل \" فَإِنَّهُمْ أَصْحَاب زَرْع \" , قَالَ اِبْن الْمُنِير : وَجْهه أَنَّهُ نُبِّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ أَحَادِيث النَّهْي عَنْ كِرَاء الْأَرْض إِنَّمَا هِيَ عَلَى التَّنْزِيه لَا عَلَى الْإِيجَاب , لِأَنَّ الْعَادَة فِيمَا يَحْرِص عَلَيْهِ اِبْن آدَم أَنَّهُ يُحِبّ اِسْتِمْرَار الِانْتِفَاع بِهِ , وَبَقَاء حِرْص هَذَا الرَّجُل عَلَى الزَّرْع حَتَّى فِي الْجَنَّة دَلِيل عَلَى أَنَّهُ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ , وَلَوْ كَانَ يَعْتَقِد تَحْرِيم كِرَاء الْأَرْض لَفَطَمَ نَفْسه عَنْ الْحِرْص عَلَيْهَا حَتَّى لَا يَثْبُت هَذَا الْقَدْر فِي ذِهْنه هَذَا الثُّبُوت. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِلَال بْن عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ أُسَامَة , وَالْإِسْنَاد الْعَالِي كُلّهمْ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ سَاقَهُ عَلَى لَفْظ الْإِسْنَاد الثَّانِي , وَسَاقَهُ فِي كِتَاب التَّوْحِيد عَلَى لَفْظ مُحَمَّد بْن سِنَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَعِنْده رَجُل مِنْ أَهْل الْبَادِيَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَأْذَنَ رَبّه فِي الزَّرْع ) ‏ ‏أَيْ فِي أَنْ يُبَاشِر الزِّرَاعَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُ أَلَسْت فِيمَا شِئْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِنَان \" أَوَلَسْت \" بِزِيَادَةِ وَاو. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَذَرَ ) ‏ ‏أَيْ أَلْقَى الْبَذْر فَنَبَتَ فِي الْحَال , وَفِي السِّيَاق حَذْف تَقْدِيره : فَأُذِنَ لَهُ فَبَذَرَ ( فَبَادَرَ ) فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِنَان \" فَأَسْرَعَ فَتَبَادَرَ \". ‏ ‏قَوْله : ( الطَّرْف ) ‏ ‏بِفَتْحِ الطَّاء وَسُكُون الرَّاء اِمْتِدَاد لَحَظّ الْإِنْسَان إِلَى أَقْصَى مَا يَرَاهُ , وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى حَرَكَة جَفْن الْعَيْن وَكَأَنَّهُ الْمُرَاد هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَاسْتِحْصَاده ) ‏ ‏زَادَ فِي التَّوْحِيد \" وَتَكْوِيره \" أَيْ جَمْعه , وَأَصْل الْكُور الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة مِنْ الْإِبِل , وَالْمُرَاد أَنَّهُ لَمَّا بَذَرَ لَمْ يَكُنْ بَيْن ذَلِكَ وَبَيْن اِسْتِوَاء الزَّرْع وَنِجَاز أَمْره كُلّه مِنْ الْقَلْع وَالْحَصْد وَالتَّذْرِيَة وَالْجَمْع وَالتَّكْوِيم إِلَّا قَدْر لَمْحَة الْبَصَر. ‏ ‏وَقَوْله : ( دُونَك ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاء أَيْ خُذْهُ. ‏ ‏قَوْله ( لَا يُشْبِعُك شَيْءٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِنَان \" لَا يَسْعَك \" بِفَتْحِ أَوَّله وَالْمُهْمَلَة وَضَمّ الْعَيْن وَهُوَ مُتَّحِد الْمَعْنَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ الْأَعْرَابِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة أَيْ ذَلِكَ الرَّجُل الَّذِي مِنْ أَهْل الْبَادِيَة , وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَنَّ كُلّ مَا اُشْتُهِيَ فِي الْجَنَّة مِنْ أُمُور الدُّنْيَا مُمْكِن فِيهَا قَالَهُ الْمُهَلَّب. وَفِيهِ وَصْف النَّاس بِغَالِبِ عَادَاتهمْ قَالَهُ اِبْن بَطَّال. وَفِيهِ أَنَّ النُّفُوس جُبِلَتْ عَلَى الِاسْتِكْثَار مِنْ الدُّنْيَا. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى فَضْل الْقَنَاعَة وَذَمّ الشَّرّ , وَفِيهِ الْإِخْبَار عَنْ الْأَمْر الْمُحَقَّق الْآتِي بِلَفْظِ الْمَاضِي. ‏"
    },
    {
        "id": "2178",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏إِنَّا كُنَّا ‏ ‏نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ مِنْ ‏ ‏أُصُولِ سِلْقٍ ‏ ‏لَنَا كُنَّا نَغْرِسُهُ فِي ‏ ‏أَرْبِعَائِنَا ‏ ‏فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ لَهَا فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ فِيهِ شَحْمٌ وَلَا ‏ ‏وَدَكٌ ‏ ‏فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ زُرْنَاهَا فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا فَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلَا ‏ ‏نَقِيلُ ‏ ‏إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله : ( لَا أَعْلَم إِلَّا أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ فِيهِ شَحْم وَلَا وَدَك ) ‏ ‏الْوَدَك بِفَتْحَتَيْنِ دَسَم اللَّحْم وَهُوَ مِنْ قَوْل يَعْقُوب. ‏"
    },
    {
        "id": "2179",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَقُولُونَ إِنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يُكْثِرُ الْحَدِيثَ وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ وَيَقُولُونَ مَا ‏ ‏لِلْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارِ ‏ ‏لَا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏كَانَ يَشْغَلُهُمْ ‏ ‏الصَّفْقُ ‏ ‏بِالْأَسْوَاقِ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى مِلْءِ بَطْنِي فَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ وَأَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ وَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمًا ‏ ‏لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرُهَا حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَقَالَتَهُ ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا وَاللَّهِ لَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏الرَّحِيمُ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏( يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَة يُكْثِر ) ‏ ‏أَيْ رِوَايَة الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَاللَّه الْمَوْعِد ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَفِيهِ حَذْف تَقْدِيره وَعِنْد اللَّه الْمَوْعِد , لِأَنَّ الْمَوْعِد إِمَّا مَصْدَر وَإِمَّا ظَرْف زَمَان أَوْ ظَرْف مَكَان وَكُلّ ذَلِكَ لَا يُخْبَر بِهِ عَنْ اللَّه تَعَالَى , وَمُرَاده أَنَّ اللَّه تَعَالَى يُحَاسِبنِي إِنْ تَعَمَّدْت كَذِبًا وَيُحَاسِب مَنْ ظَنَّ بِي ظَنَّ السُّوء , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْعِلْم , وَيَأْتِي مِنْهُ شَيْء فِي كِتَاب الِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَغَرَضه مِنْهُ هُنَا قَوْله : ( وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنْ الْأَنْصَار كَانَ يَشْغَلهُمْ عَمَل أَمْوَالهمْ ) فَإِنَّ الْمُرَاد بِالْعَمَلِ الشُّغْل فِي الْأَرَاضِي بِالزِّرَاعَةِ وَالْغَرْس وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْمُزَارَعَة وَمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ مِنْ إِحْيَاء الْمَوَات وَغَيْره مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى أَرْبَعِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا تِسْعَة وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اِثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا , وَالْخَالِص ثَمَانِيَة عَشَرَ حَدِيثًا , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى جَمِيعهَا سِوَى حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ فِي آلَة الْحَرْث , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي سُؤَال الْأَنْصَار الْقِسْمَة , وَحَدِيث عُمَر \" لَوْلَا آخِر الْمُسْلِمِينَ \". وَحَدِيث عَمْرو بْن عَوْف وَجَابِر وَعَائِشَة فِي إِحْيَاء الْمَوَات , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْل الْجَنَّة اِسْتَأْذَنَ رَبّه فِي الزَّرْع \". وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ تِسْعَة وَثَلَاثُونَ أَثَرًا. وَاللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2180",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ ‏ ‏غُلَامٌ ‏ ‏أَصْغَرُ الْقَوْمِ وَالْأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ ‏ ‏يَا غُلَامُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الْأَشْيَاخَ قَالَ مَا كُنْتُ لِأُوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2181",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهَا حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَاةٌ ‏ ‏دَاجِنٌ ‏ ‏وَهِيَ فِي دَارِ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏وَشِيبَ ‏ ‏لَبَنُهَا بِمَاءٍ مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي فِي دَارِ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏فَأَعْطَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْقَدَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ حَتَّى إِذَا نَزَعَ الْقَدَحَ مِنْ فِيهِ وَعَلَى يَسَارِهِ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعَنْ يَمِينِهِ ‏ ‏أَعْرَابِيٌّ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الْأَعْرَابِيَّ أَعْطِ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَكَ فَأَعْطَاهُ الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث أَنَس ( فَقَالَ عُمَر أَعْطِ أَبَا بَكْر ) ‏ ‏كَذَا لِجَمِيعِ أَصْحَاب الزُّهْرِيّ , وَشَذَّ مَعْمَر فِيمَا رَوَاهُ وُهَيْب عَنْهُ فَقَالَ : \" عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف \" بَدَل عُمَر أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَالْأَوَّل هُوَ الصَّحِيح , وَمَعْمَر لَمَّا حَدَّثَ بِالْبَصْرَةِ حَدَّثَ مِنْ حِفْظه فَوَهَمَ فِي أَشْيَاء فَكَانَ هَذَا مِنْهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَحْفُوظًا بِأَنْ يَكُون كُلّ مِنْ عُمَر وَعَبْد الرَّحْمَن قَالَ ذَلِكَ لِتَوْفِيرِ دَوَاعِي الصَّحَابَة عَلَى تَعْظِيم أَبِي بَكْر. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَلْحَق بَعْضهمْ بِتَقْدِيمِ الْأَيْمَن فِي الْمَشْرُوب تَقْدِيمه فِي الْمَأْكُول , وَنُسِبَ لِمَالِك , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ لَا يَصِحّ عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2182",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ ‏ ‏الْكَلَأُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَا يُمْنَع ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر وَالْمُرَاد بِهِ مَعَ ذَلِكَ النَّهْي. وَذَكَرَ عِيَاض أَنَّهُ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ بِالْجَزْمِ بِلَفْظِ النَّهْي. وَكَأَنَّ السِّرّ فِي إِيرَاد الْبُخَارِيّ الطَّرِيق الثَّانِي كَوْنهَا وَرَدَتْ بِصَرِيحِ النَّهْي وَهُوَ \" لَا تَمْنَعُوا \" وَالْمُرَاد بِالْفَضْلِ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَة. وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : \" لَا يُمْنَع فَضْل مَاء بَعْد أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْهُ \" وَهُوَ مَحْمُول عِنْد الْجُمْهُور عَلَى مَاء الْبِئْر الْمَحْفُورَة فِي الْأَرْض الْمَمْلُوكَة , وَكَذَلِكَ فِي الْمَوَات إِذَا كَانَ بِقَصْدِ التَّمَلُّك , وَالصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيم وَحَرْمَلَة أَنَّ الْحَافِر يَمْلِك مَاءَهَا , وَأَمَّا الْبِئْر الْمَحْفُورَة فِي الْمَوَات لِقَصْدِ الِارْتِفَاق لَا التَّمَلُّك فَإِنَّ الْحَافِر لَا يَمْلِك مَاءَهَا بَلْ يَكُون أَحَقّ بِهِ إِلَى أَنْ يَرْتَحِل , وَفِي الصُّورَتَيْنِ يَجِب عَلَيْهِ بَذْل مَا يَفْضُل عَنْ حَاجَته , وَالْمُرَاد حَاجَة نَفْسه وَعِيَاله وَزَرْعه وَمَاشِيَته , هَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة , وَرَخَّصَ الْمَالِكِيَّة هَذَا الْحُكْم بِالْمَوَاتِ , وَقَالُوا فِي الْبِئْر الَّتِي فِي الْمِلْك : لَا يَجِب عَلَيْهِ بَذْل فَضْلهَا , وَأَمَّا الْمَاء الْمُحْرَز فِي الْإِنَاء فَلَا يَجِب بَذْل فَضْله لِغَيْرِ الْمُضْطَرّ عَلَى الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( فَضْل الْمَاء ) ‏ ‏فِيهِ جَوَاز بَيْع الْمَاء لِأَنَّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ مَنْع الْفَضْل لَا مَنْع الْأَصْل , وَفِيهِ أَنَّ مَحَلّ النَّهْي مَا إِذَا لَمْ يَجِد الْمَأْمُور بِالْبَذْلِ لَهُ مَاء غَيْره , وَالْمُرَاد تَمْكِين أَصْحَاب الْمَاشِيَة مِنْ الْمَاء وَلَمْ يَقُلْ أَحَد إِنَّهُ يَجِب عَلَى صَاحِب الْمَاء مُبَاشَرَة سَقْي مَاشِيَة غَيْره مَعَ قُدْرَة الْمَالِك. ‏ ‏قَوْله : ( لِيَمْنَع بِهِ الْكَلَأ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْكَاف وَاللَّام بَعْدهَا هَمْزَة مَقْصُور هُوَ النَّبَات رَطْبه وَيَابِسه وَالْمَعْنَى أَنْ يَكُون حَوْل الْبِئْر كَلَأ لَيْسَ عِنْده مَاء غَيْره وَلَا يُمْكِن أَصْحَاب الْمَوَاشِي رَعْيه إِلَّا إِذَا تَمَكَّنُوا مِنْ سَقْي بَهَائِمهمْ مِنْ تِلْكَ الْبِئْر لِئَلَّا يَتَضَرَّرُوا بِالْعَطَشِ بَعْد الرَّعْي فَيَسْتَلْزِم مَنْعهمْ مِنْ الْمَاء مَنْعهمْ مِنْ الرَّعْي , وَإِلَى هَذَا التَّفْسِير ذَهَبَ الْجُمْهُور , وَعَلَى هَذَا يَخْتَصّ الْبَذْل بِمَنْ لَهُ مَاشِيَة , وَيَلْتَحِق بِهِ الرُّعَاة إِذَا اِحْتَاجُوا إِلَى الشُّرْب لِأَنَّهُمْ إِذَا مُنِعُوا مِنْ الشُّرْب اِمْتَنَعُوا مِنْ الرَّعْي هُنَاكَ. وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : يُمْكِنهُمْ حَمْل الْمَاء لِأَنْفُسِهِمْ لِقِلَّةِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْهُ بِخِلَافِ الْبَهَائِم وَالصَّحِيح الْأَوَّل , وَيَلْتَحِق بِذَلِكَ الزَّرْع عِنْد مَالِك , وَالصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّة الِاخْتِصَاص بِالْمَاشِيَةِ , وَفَرَّقَ الشَّافِعِيّ - فِيمَا حَكَاهُ الْمُزَنِيُّ عَنْهُ - بَيْن الْمَوَاشِي وَالزَّرْع بِأَنَّ الْمَاشِيَة ذَات أَرْوَاح يُخْشَى مِنْ عَطَشهَا مَوْتهَا بِخِلَافِ الزَّرْع , وَبِهَذَا أَجَابَ النَّوَوِيّ وَغَيْره , وَاسْتَدَلَّ لِمَالِك بِحَدِيثِ جَابِر عِنْد مُسْلِم \" نَهَى عَنْ بَيْع فَضْل الْمَاء \" لَكِنَّهُ مُطْلَق فَيُحْمَل عَلَى الْمُقَيَّد فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ كَلَأ يُرْعَى فَلَا مَانِع مِنْ الْمَنْع لِانْتِفَاءِ الْعِلَّة , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَالنَّهْي عِنْد الْجُمْهُور لِلتَّنْزِيهِ فَيَحْتَاج إِلَى دَلِيل يُوجِب صَرْفه عَنْ ظَاهِره , وَظَاهِر الْحَدِيث أَيْضًا وُجُوب بَذْله مَجَّانًا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور , وَقِيلَ : لِصَاحِبِهِ طَلَب الْقِيمَة مِنْ الْمُحْتَاج إِلَيْهِ كَمَا فِي إِطْعَام الْمُضْطَرّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ جَوَاز الْمَنْع حَالَة اِمْتِنَاع الْمُحْتَاج مِنْ بَذْل الْقِيمَة , وَرُدَّ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَة فَيَجُوز أَنْ يُقَال يَجِب عَلَيْهِ الْبَذْل وَتَتَرَتَّب لَهُ الْقِيمَة فِي ذِمَّة الْمَبْذُول لَهُ حَتَّى يَكُون لَهُ أَخْذ الْقِيمَة مِنْهُ مَتَى أَمْكَنَ ذَلِكَ , نَعَمْ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق هِلَال بْن أَبِي مَيْمُونَة عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" لَا يُبَاع فَضْل الْمَاء \" فَلَوْ وَجَبَ لَهُ الْعِوَض لَجَازَ لَهُ الْبَيْع وَاللَّه أَعْلَم. وَاسْتَدَلَّ اِبْن حَبِيب مِنْ الْمَالِكِيَّة عَلَى أَنَّ الْبِئْر إِذَا كَانَتْ بَيْن مَالِكَيْنِ فِيهَا مَاء فَاسْتَغْنَى أَحَدهمَا فِي نَوْبَته كَانَ لِلْآخَرِ أَنْ يَسْقِي مِنْهَا لِأَنَّهُ مَاء فَضَلَ عَنْ حَاجَة صَاحِبه , وَعُمُوم الْحَدِيث يَشْهَد لَهُ وَإِنْ خَالَفَهُ الْجُمْهُور , وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الْمَالِكِيَّة لِلْقَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِع لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ مَنْع الْمَاء لِئَلَّا يُتَذَرَّع بِهِ إِلَى مَنْع الْكَلَأ , لَكِنْ وَرَدَ التَّصْرِيح فِي بَعْض طُرُق حَدِيث الْبَاب بِالنَّهْيِ عَنْ مَنْع الْكَلَأ صَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ رِوَايَة أَبِي سَعِيد مَوْلَى بَنِي غِفَار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" لَا تَمْنَعُوا فَضْل الْمَاء وَلَا تَمْنَعُوا الْكَلَأ فَيَهْزِل الْمَال وَتَجُوع الْعِيَال \" وَالْمُرَاد بِالْكَلَأِ هُنَا النَّابِت فِي الْمَوَات , فَإِنَّ النَّاس فِيهِ سَوَاء. وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق سُفْيَان عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" ثَلَاثَة لَا يَمْنَعْنَ : الْمَاء وَالْكَلَأ وَالنَّار \" وَإِسْنَاده صَحِيح , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ الْكَلَأ يَنْبُت فِي مَوَات الْأَرْض , وَالْمَاء الَّذِي يَجْرِي فِي الْمَوَاضِع الَّتِي لَا تَخْتَصّ بِأَحَدٍ , قِيلَ وَالْمُرَاد بِالنَّارِ الْحِجَارَة الَّتِي تُورِي النَّارَ , وَقَالَ غَيْره الْمُرَاد النَّار حَقِيقَة وَالْمَعْنَى لَا يُمْنَع مَنْ يَسْتَصْبِح مِنْهَا مِصْبَاحًا أَوْ يُدْنِي مِنْهَا مَا يُشْعِلهُ مِنْهَا , وَقِيلَ الْمُرَاد مَا إِذَا أَضْرَمَ نَارًا فِي حَطَب مُبَاح بِالصَّحْرَاءِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْع مَنْ يَنْتَفِع بِهَا , بِخِلَافِ مَا إِذَا أَضْرَمَ فِي حَطَب يَمْلِكهُ نَارًا فَلَهُ الْمَنْع. ‏"
    },
    {
        "id": "2183",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ ‏ ‏الْكَلَإِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2184",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَعْدِنُ ‏ ‏جُبَارٌ ‏ ‏وَالْبِئْرُ ‏ ‏جُبَارٌ ‏ ‏وَالْعَجْمَاءُ ‏ ‏جُبَارٌ ‏ ‏وَفِي ‏ ‏الرِّكَازِ ‏ ‏الْخُمْسُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏مَحْمُود ‏ ‏شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث هُوَ اِبْن غَيْلَان , ‏ ‏وَعُبَيْد اللَّه ‏ ‏شَيْخ مَحْمُود هُوَ اِبْن مُوسَى وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَرُبَّمَا أَخْرَجَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَهَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2185",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ‏} ‏الْآيَةَ ‏ ‏فَجَاءَ ‏ ‏الْأَشْعَثُ ‏ ‏فَقَالَ مَا حَدَّثَكُمْ ‏ ‏أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ‏ ‏ابْنِ عَمٍّ لِي ‏ ‏فَقَالَ لِي شُهُودَكَ قُلْتُ مَا لِي شُهُودٌ قَالَ فَيَمِينُهُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا يَحْلِفَ فَذَكَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَذَا الْحَدِيثَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏اِسْم اِبْن عَمّه ‏ ‏مَعْدَان بْن الْأَسْوَد بْن مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيّ وَلَقَبه الْجَفَشِيشُ بِوَزْنِ فَعَلِيل مَفْتُوح الْأَوَّل , وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْط هَذَا الْأَوَّل عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال : أَشْهَرهَا بِالْجِيمِ وَالشِّين مُعْجَمَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَقَوْله فِي الْحَدِيث : \" كَانَتْ لِي بِئْر فِي أَرْض \" زَعَمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ أَبَا حَمْزَة تَفَرَّدَ بِذِكْرِ الْبِئْر عَنْ الْأَعْمَش قَالَ : وَلَا أَعْلَم فِيمَنْ رَوَاهُ عَنْ الْأَعْمَش إِلَّا قَالَ : \" فِي أَرْض \" قَالَ وَالْأَكْثَرُونَ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنْ أَبِي حَمْزَة ا ه. وَذَكَرَ الْبِئْر ثَابِت عِنْد الْبُخَارِيّ فِي غَيْر رِوَايَة أَبِي حَمْزَة كَمَا سَيَأْتِي مَعَ بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَنَذْكُر فِي التَّفْسِير الْخِلَاف فِي سَبَب نُزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله : \" شُهُودك أَوْ يَمِينه \" بِالنَّصْبِ فِيهِمَا أَيْ أَحْضِرْ شُهُودك أَوْ اُطْلُبْ يَمِينه. وَقَوْله : \" إِذَنْ يَحْلِف \" بِالنَّصْبِ قَالَ السُّهَيْلِيُّ لَا غَيْر , وَحَكَى اِبْن خَرُوف جَوَاز الرَّفْع فِي مِثْل هَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2186",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا صَالِحٍ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" وَرَجُل بَايَعَ إِمَامَهُ \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" إِمَامًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "2187",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏خَاصَمَ ‏ ‏الزُّبَيْرَ ‏ ‏عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏شِرَاجِ ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ سَرِّحْ الْمَاءَ يَمُرُّ فَأَبَى عَلَيْهِ فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِلزُّبَيْرِ ‏ ‏أَسْقِ يَا ‏ ‏زُبَيْرُ ‏ ‏ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ اسْقِ يَا ‏ ‏زُبَيْرُ ‏ ‏ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى ‏ ‏الْجَدْرِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ‏ { ‏فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُرْوَة ) ‏ ‏يَأْتِي بَعْد بَاب مِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن شِهَاب \" عَنْ عُرْوَة أَنَّهُ حَدَّثَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار خَاصَمَ الزُّبَيْر ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمَشْهُور مِنْ رِوَايَة اللَّيْث بْن سَعْد عَنْ اِبْن شِهَاب , وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن وَهْب عَنْ اللَّيْث وَيُونُس جَمِيعًا \" عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّ عُرْوَة حَدَّثَهُ عَنْ أَخِيهِ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْ الزُّبَيْر بْن الْعَوَامّ \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن الْجَارُود وَالْإِسْمَاعِيلِيّ , وَكَأَنَّ اِبْن وَهْب حَمَلَ رِوَايَة اللَّيْث عَلَى رِوَايَة يُونُس وَإِلَّا فَرِوَايَة اللَّيْث لَيْسَ فِيهَا ذِكْر الزُّبَيْر وَاللَّه أَعْلَم. وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الصُّلْح مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر عَنْ الزُّبَيْر بِغَيْرِ ذِكْر عَبْد اللَّه , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة مُرْسَلًا , وَأَعَادَهُ فِي التَّفْسِير مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مَعْمَر , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق حَدَّثَنَا اِبْن شِهَاب , وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف بَعْد بَاب مِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ كَذَلِكَ بِالْإِرْسَالِ , لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ - مِنْ وَجْه آخَر - عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ كَرِوَايَةِ شُعَيْب الَّتِي لَيْسَ فِيهَا \" عَنْ عَبْد اللَّه \". وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" أَنَّ اِبْن أَبِي عَتِيق وَعُمَر بْن سَعْد وَافَقَا شُعَيْبًا وَابْن جُرَيْجٍ عَلَى قَوْلهمَا : \" عُرْوَة عَنْ الزُّبَيْر \" قَالَ وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَد بْن صَالِح وَحَرْمَلَة عَنْ اِبْن وَهْب , قَالَ وَكَذَلِكَ قَالَ شَبِيب بْن سَعِيد عَنْ يُونُس , قَالَ وَهُوَ الْمَحْفُوظ. قُلْت : وَإِنَّمَا صَحَّحَهُ الْبُخَارِيّ مَعَ هَذَا الِاخْتِلَاف اِعْتِمَادًا عَلَى صِحَّة سَمَاع عُرْوَة مِنْ أَبِيهِ وَعَلَى صِحَّة سَمَاع عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَيْفَمَا دَارَ فَهُوَ عَلَى ثِقَة. ثُمَّ الْحَدِيث وَرَدَ فِي شَيْء يَتَعَلَّق بِالزُّبَيْرِ فَدَاعِيَة وَلَده مُتَوَفِّرَة عَلَى ضَبْطه , وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَصْحِيح طَرِيق اللَّيْث الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ذِكْر الزُّبَيْر , وَزَعَمَ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعه أَنَّ الشَّيْخَيْنِ أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيق عُرْوَة عَنْ أَخِيهِ عَبْد اللَّه عَنْ أَبِيهِ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ , فَإِنَّهُ بِهَذَا السِّيَاق فِي رِوَايَة يُونُس الْمَذْكُورَة وَلَمْ يُخْرِجهَا مِنْ أَصْحَاب الْكُتُب السِّتَّة إِلَّا النَّسَائِيُّ وَأَشَارَ إِلَيْهَا التِّرْمِذِيّ خَاصَّة , وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ وَجْه آخَر أَخْرَجَهَا الطَّبَرِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة , وَهِيَ عِنْد الزُّهْرِيِّ أَيْضًا مِنْ مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة شُعَيْب \" قَدْ شَهِدَ بَدْرًا \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيّ عِنْد الطَّبَرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّة مِنْ زَيْد وَهُمْ بَطْن مِنْ الْأَوْس , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يَزِيد بْن خَالِد عَنْ اللَّيْث عَنْ الزُّهْرِيّ عِنْد اِبْن الْمُقْرِي فِي مُعْجَمه فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ اِسْمه حُمَيْدٌ , قَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي \" ذَيْل الصَّحَابَة \" : لِهَذَا الْحَدِيث طُرُق لَا أَعْلَم فِي شَيْء مِنْهَا ذِكْر حُمَيْدٍ إِلَّا فِي هَذِهِ الطَّرِيق ا ه. وَلَيْسَ فِي الْبَدْرِيِّينَ مِنْ الْأَنْصَار مَنْ اِسْمه حُمَيْدٌ , وَحَكَى اِبْن بَشْكُوَالٍ فِي مُبْهَمَاته عَنْ شَيْخه أَبِي الْحَسَن بْن مُغِيث أَنَّهُ ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس , قَالَ وَلَمْ يَأْتِ عَلَى ذَلِكَ بِشَاهِدٍ. قُلْت : وَلَيْسَ ثَابِت بَدْرِيًّا , وَحَكَى الْوَاحِدِيّ أَنَّهُ ثَعْلَبَة بْن حَاطِب الْأَنْصَارِيّ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ قَوْله تَعَالَى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ ) وَلَمْ يَذْكُر مُسْتَنَده وَلَيْسَ بَدْرِيًّا أَيْضًا , نَعَمْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِي الْبَدْرِيِّينَ ثَعْلَبَة بْن حَاطِب وَهُوَ مِنْ بَنِي أُمَيَّة بْن زَيْد وَهُوَ عِنْدِي غَيْر الَّذِي قَبْله لِأَنَّ هَذَا ذَكَرَ اِبْن الْكَلْبِيّ أَنَّهُ اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَذَاكَ عَاشَ إِلَى خِلَافَة عُثْمَان , وَحَكَى الْوَاحِدِيّ أَيْضًا وَشَيْخه الثَّعْلَبِيّ وَالْمَهْدَوِيُّ أَنَّهُ حَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَاطِبًا وَإِنْ كَانَ بَدْرِيًّا لَكِنَّهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ , لَكِنْ مُسْتَنَد ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فِي قَوْله تَعَالَى : ( فَلَا وَرَبِّك لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شَجَرَ بَيْنهمْ ) الْآيَة قَالَ : نَزَلَتْ فِي الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام وَحَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ اِخْتَصَمَا فِي مَاء \" الْحَدِيث وَإِسْنَاده قَوِيّ مَعَ إِرْسَاله. فَإِنْ كَانَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب سَمِعَهُ مِنْ الزُّبَيْر فَيَكُون مَوْصُولًا , وَعَلَى هَذَا فَيُؤَوَّل قَوْله مِنْ الْأَنْصَار عَلَى إِرَادَة الْمَعْنِيّ الْأَعَمّ كَمَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَقّ غَيْر وَاحِد كَعَبْدِ اللَّه بْن حُذَافَة , وَأَمَّا قَوْل الْكَرْمَانِيِّ بِأَنَّ حَاطِبًا كَانَ حَلِيفًا لِلْأَنْصَارِ فَفِيهِ نَظَر , وَأَمَّا قَوْله : \" مِنْ بَنِي أُمَيَّة بْن زَيْد \" فَلَعَلَّهُ كَانَ مَسْكَنه هُنَا كَعُمَر كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم. وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ بِغَيْرِ سَنَد أَنَّ الزُّبَيْر وَحَاطِبًا لَمَّا خَرَجَا مَرَّا بِالْمِقْدَادِ قَالَ : لِمَنْ كَانَ الْقَضَاء ؟ فَقَالَ حَاطِب : قَضَى لِابْنِ عَمَّته , وَلَوَى شِدْقه , فَفَطِنَ لَهُ يَهُودِيّ فَقَالَ : قَاتَلَ اللَّه هَؤُلَاءِ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ رَسُول اللَّه وَيَتَّهِمُونَهُ , وَفِي صِحَّة هَذَا نَظَر , وَيَتَرَشَّح بِأَنَّ حَاطِبًا كَانَ حَلِيفًا لِآلِ الزُّبَيْر بْن الْعَوَامّ مِنْ بَنِي أَسَد وَكَأَنَّهُ كَانَ مُجَاوِرًا لِلزُّبَيْرِ وَاللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا قَوْل الدَّاوُدِيِّ وَأَبَى إِسْحَاق الزَّجَّاج وَغَيْرهمَا أَنَّ خَصْم الزُّبَيْر كَانَ مُنَافِقًا فَقَدْ وَجَّهَهُ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّ قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْأَنْصَار يَعْنِي نَسَبًا لَا دِينًا , قَالَ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر مِنْ حَاله , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُنَافِقًا وَلَكِنْ أَصْدَرَ ذَلِكَ مِنْهُ بَادِرَة النَّفْس كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ صَحَّتْ تَوْبَته , وَقَوَّى هَذَا شَارِح \" الْمَصَابِيح \" التُّورْبَشْتِيُّ وَوَهَّى مَا عَدَاهُ وَقَالَ : لَمْ تَجْرِ عَادَة السَّلَف بِوَصْفِ الْمُنَافِقِينَ بِصِفَةِ النُّصْرَة الَّتِي هِيَ الْمَدْح وَلَوْ شَارَكَهُمْ فِي النَّسَب , قَالَ : بَلْ هِيَ زَلَّة مِنْ الشَّيْطَان تَمَكَّنَ بِهِ مِنْهَا عِنْد الْغَضَب , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَنْكَرٍ مِنْ غَيْر الْمَعْصُوم فِي تِلْكَ الْحَالَة ا ه. وَقَدْ قَالَ الدَّاوُدِيُّ بَعْد جَزْمه بِأَنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا : وَقِيلَ كَانَ بَدْرِيًّا , فَإِنْ صَحَّ فَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ قَبْل شُهُودهَا لِانْتِفَاءِ النِّفَاق عَمَّنْ شَهِدَهَا ا ه. وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ لَا مُلَازَمَة بَيْن صُدُور هَذِهِ الْقَضِيَّة مِنْهُ وَبَيْن النِّفَاق , وَقَالَ اِبْن التِّين إِنْ كَانَ بَدْرِيًّا فَمَعْنَى ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُؤْمِنُونَ ) ‏ ‏لَا يَسْتَكْمِلُونَ الْإِيمَان وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( خَاصَمَ الزُّبَيْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" خَاصَمَ الزُّبَيْر رَجُلًا \" وَالْمُخَاصَمَة مُفَاعَلَة مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَكُلّ مِنْهُمَا مُخَاصِم لِلْآخَرِ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي شِرَاج الْحَرَّة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَبِالْجِيمِ جَمْع شَرْج بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الرَّاء مِثْل بَحْر وَبِحَار وَيُجْمَع عَلَى شُرُوج أَيْضًا , وَحَكَى اِبْن دُرَيْدٍ شَرَج بِفَتْحِ الرَّاء , وَحَكَى الْقُرْطُبِيّ شَرْجَة وَالْمُرَاد بِهَا هُنَا مَسِيل الْمَاء , وَإِنَّمَا أُضِيفَتْ إِلَى الْحَرَّة لِكَوْنِهَا فِيهَا , وَالْحَرَّة مَوْضِع مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ تَقَدَّمَ ذِكْرهَا , وَهِيَ فِي خَمْسَة مَوَاضِع : الْمَشْهُور مِنْهَا اِثْنَتَانِ حَرَّة وَاقِم , وَحَرَّة لَيْلَى. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : هُوَ نَهَر عِنْد الْحَرَّة بِالْمَدِينَةِ , فَأَغْرَبَ وَلَيْسَ بِالْمَدِينَةِ نَهَر , قَالَ أَبُو عُبَيْد : كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَادِيَانِ يَسِيلَانِ بِمَاءِ الْمَطَر فَيَتَنَافَس النَّاس فِيهِ فَقَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْلَى فَالْأَعْلَى. ‏ ‏قَوْله ( الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" كَانَا يَسْقِيَانِ بِهَا كِلَاهُمَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ الْأَنْصَارِيّ ) ‏ ‏يَعْنِي لِلزُّبَيْرِ ‏ ‏( سَرِّحْ ) ‏ ‏فِعْل أَمْر مِنْ التَّسْرِيح أَيْ أَطْلِقْهُ. وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاء كَانَ يَمُرّ بِأَرْضِ الزُّبَيْر قَبْل أَرْض الْأَنْصَارِيّ فَيَحْبِسهُ لِإِكْمَالِ سَقْي أَرْضه ثُمَّ يُرْسِلهُ إِلَى أَرْض جَاره , فَالْتَمَسَ مِنْهُ الْأَنْصَارِيّ تَعْجِيل ذَلِكَ فَامْتَنَعَ. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْقِ يَا زُبَيْر ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ وَصْل مِنْ الثُّلَاثِيّ , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ بِهَمْزَةِ قَطْع مِنْ الرُّبَاعِيّ تَقُول سَقَى وَأَسْقَى , زَادَ اِبْن جُرَيْجٍ فِي رِوَايَته كَمَا سَيَأْتِي بَعْد بَاب \" فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ \" وَهِيَ جُمْلَة مُعْتَرِضَة مِنْ كَلَام الرَّاوِي , وَقَدْ أَوْضَحَهُ شُعَيْب فِي رِوَايَته حَيْثُ قَالَ فِي آخِره \" وَكَانَ قَدْ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْر بِرَأْيٍ فِيهِ سَعَة لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ \" وَضَبَطَهُ الْكَرْمَانِيُّ \" فَأَمِرَّهُ \" هُنَا بِكَسْرِ الْمِيم وَتَشْدِيد الرَّاء عَلَى أَنَّهُ فِعْل أَمْر مِنْ الْإِمْرَار , وَهُوَ مُحْتَمَل. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ كَانَ اِبْن عَمَّتك ) ‏ ‏بِفَتْحِ هَمْزَة أَنْ وَهِيَ لِلتَّعْلِيلِ , كَأَنَّهُ قَالَ حَكَمْت لَهُ بِالتَّقْدِيمِ لِأَجْلِ أَنَّهُ اِبْن عَمَّتك , وَكَانَتْ أُمّ الزُّبَيْر صَفِيَّة بِنْت عَبْد الْمُطَّلِب. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : يُحْذَف حَرْف الْجَرّ مِنْ أَنْ كَثِيرًا تَخْفِيفًا , وَالتَّقْدِير لِأَنْ كَانَ أَوْ بِأَنْ كَانَ , وَنَحْو ( أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ) أَيْ لَا تُطِعْهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ , حَكَى الْقُرْطُبِيّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ أَنَّ هَمْزَة أَنْ مَمْدُودَة , قَالَ لِأَنَّهُ اِسْتِفْهَام عَلَى جِهَة إِنْكَار. قُلْت : وَلَمْ يَقَع لَنَا فِي الرِّوَايَة مَدّ , لَكِنْ يَجُوز حَذْف هَمْزَة الِاسْتِفْهَام. وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ \" إِنْ كَانَ \" بِكَسْرِ الْهَمْزَة عَلَى أَنَّهَا شَرْطِيَّة وَالْجَوَاب مَحْذُوف , وَلَا أَعْرِف هَذِهِ الرِّوَايَة. نَعَمْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق \" فَقَالَ اِعْدِلْ يَا رَسُول اللَّه , وَإِنْ كَانَ اِبْن عَمَّتك \" وَالظَّاهِر أَنَّ هَذِهِ بِالْكَسْرِ , وَابْن بِالنَّصْبِ عَلَى الْخَبَرِيَّة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" أَنَّهُ اِبْن عَمَّتك \" قَالَ اِبْن مَالِك يَجُوز فِي أَنَّهُ فَتْح الْهَمْزَة وَكَسْرهَا لِأَنَّهَا وَقَعَتْ بَعْد كَلَام تَامّ مُعَلَّل بِمَضْمُونِ مَا صَدْر بِهَا , فَإِذَا كُسِرَتْ قُدِّرَ مَا قَبْلهَا بِالْفَاءِ , وَإِذَا فُتِحَتْ قُدِّرَ مَا قَبْلهَا بِاللَّامِ , وَبَعْضهمْ يُقَدِّر بَعْد الْكَلَام الْمُصَدَّر بِالْمَكْسُورَةِ مِثْل مَا قَبْلهَا مَقْرُونًا بِالْفَاءِ فَيَقُول فِي قَوْله مِثْلًا اِضْرِبْهُ أَنَّهُ مُسِيء : اِضْرِبْهُ إِنَّهُ مُسِيء فَاضْرِبْهُ , وَمِنْ شَوَاهِده ( وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ) وَلَمْ يُقْرَأ هُنَا إِلَّا بِالْكَسْرِ , وَإِنْ جَازَ الْفَتْح فِي الْعَرَبِيَّة. وَقَدْ ثَبَتَ الْوَجْهَانِ فِي قَوْله تَعَالَى ( إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ) قَرَأَ نَافِع وَالْكِسَائِيّ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ وَالْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَلَوَّنَ ) ‏ ‏أَيْ تَغَيَّرَ , وَهُوَ كِنَايَة عَنْ الْغَضَب , زَادَ عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته حَتَّى عَرَفْنَا أَنْ قَدْ سَاءَهُ مَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَرْجِع إِلَى الْجَدْر ) ‏ ‏أَيْ يَصِير إِلَيْهِ , وَالْجُدُر - بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الدَّال الْمُهْمَلَة - هُوَ الْمُسَنَّاة , وَهُوَ مَا وُضِعَ بَيْن شَرَبَات النَّخْل كَالْجِدَارِ , وَقِيلَ الْمُرَاد الْحَوَاجِز الَّتِي تَحْبِس الْمَاء وَجَزَمَ بِهِ السُّهَيْلِيُّ , وَيُرْوَى الْجُدُر بِضَمِّ الدَّال حَكَاهُ أَبُو مُوسَى وَهُوَ جَمْع جِدَار , وَقَالَ اِبْن التِّين : ضُبِطَ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات بِفَتْحِ الدَّال وَفِي بَعْضهَا بِالسُّكُونِ وَهُوَ الَّذِي فِي اللُّغَة وَهُوَ أَصْل الْحَائِط. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَمْ يَقَع فِي الرِّوَايَة إِلَّا بِالسُّكُونِ , وَالْمَعْنَى أَنْ يَصِل الْمَاء إِلَى أُصُول النَّخْل , قَالَ وَيُرْوَى بِكَسْرِ الْجِيم وَهُوَ الْجِدَار وَالْمُرَاد بِهِ جُدْرَان الشَّرَبَات الَّتِي فِي أُصُول النَّخْل فَإِنَّهَا تُرْفَع حَتَّى تَصِير تُشْبِه الْجِدَار , وَالشَّرَبَات بِمُعْجَمَةٍ وَفَتَحَات هِيَ الْحَفْر الَّتِي تَحْفِر فِي أُصُول النَّخْل , وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ الْجَذْر بِسُكُونِ الذَّال الْمُعْجَمَة وَهُوَ جَذْر الْحِسَاب وَالْمَعْنَى حَتَّى يَبْلُغ تَمَام الشُّرْب , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ أَمْسِكْ أَيْ أَمْسِكْ نَفْسك عَنْ السَّقْي , وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد أَمْسِكْ الْمَاء لَقَالَ بَعْد ذَلِكَ أَرْسِلْ الْمَاء إِلَى جَارك. قُلْت : قَدْ قَالَهَا فِي هَذَا الْبَاب كَمَا سَيَأْتِي فِي رِوَايَة مَعْمَر فِي التَّفْسِير حَيْثُ قَالَ : \" ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاء إِلَى جَارك \" وَصَرَّحَ فِي رِوَايَة شُعَيْب أَيْضًا بِقَوْلِهِ \" اِحْبِسْ الْمَاء \" وَالْحَاصِل أَنَّ أَمْره بِإِرْسَالِ الْمَاء كَانَ قَبْل اِعْتِرَاض الْأَنْصَارِيّ , وَأَمْره بِحَبْسِهِ كَانَ بَعْد ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ الزُّبَيْر وَاللَّه إِنِّي لِأَحْسِب هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ( فَلَا وَرَبِّك لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة شُعَيْب \" إِلَى قَوْله : تَسْلِيمًا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ الْآتِيَة \" فَقَالَ الزُّبَيْر : وَاللَّه إِنَّ هَذِهِ الْآيَة أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق \" وَنَزَلَتْ فَلَا وَرَبِّك الْآيَة \" وَالرَّاجِح رِوَايَة الْأَكْثَر وَأَنَّ الزُّبَيْر كَانَ لَا يَجْزِم بِذَلِكَ , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أُمّ سَلَمَة عِنْد الطَّبَرِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ الْجَزْم بِذَلِكَ وَأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّة الزُّبَيْر وَخَصْمه , وَكَذَا فِي مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب الَّذِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ , وَجَزَمَ مُجَاهِد وَالشَّعْبِيّ بِأَنَّ الْآيَة إِنَّمَا نَزَلَتْ فِيمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِك يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ) الْآيَة , فَرَوَى إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي تَفْسِيره بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : \" كَانَ بَيْن رَجُل مِنْ الْيَهُود وَرَجُل مِنْ الْمُنَافِقِينَ خُصُومَة , فَدَعَا الْيَهُودِيّ الْمُنَافِق إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْبَل الرِّشْوَة , وَدَعَا الْمُنَافِق الْيَهُودِيّ إِلَى حُكَّامهمْ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَات إِلَى قَوْله : ( وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نُجَيْح عَنْ مُجَاهِد نَحْوه , وَرَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ حَاكِم الْيَهُود يَوْمَئِذٍ كَانَ أَبَا بَرْزَة الْأَسْلَمِيَّ قَبْل أَنْ يُسْلِم وَيَصْحَب \" , وَرَوَى بِإِسْنَادٍ آخَر صَحِيح إِلَى مُجَاهِد \" أَنَّهُ كَعْب بْن الْأَشْرَف \" , وَقَدْ رَوَى الْكَلْبِيّ فِي تَفْسِيره عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي رَجُل مِنْ الْمُنَافِقِينَ كَانَ بَيْنه وَبَيْن يَهُودِيّ خُصُومَة فَقَالَ الْيَهُودِيّ : اِنْطَلِقْ بِنَا إِلَى مُحَمَّد , وَقَالَ الْمُنَافِق : بَلْ نَأْتِي كَعْب بْن الْأَشْرَف \" فَذَكَرَ الْقِصَّة وَفِيهِ أَنَّ عُمَر قَتَلَ الْمُنَافِق وَأَنَّ ذَلِكَ سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَات وَتَسْمِيَة عُمَر \" الْفَارُوق \". وَهَذَا الْإِسْنَاد وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنْ تَقَوَّى بِطَرِيقِ مُجَاهِد وَلَا يَضُرّهُ الِاخْتِلَاف لِإِمْكَانِ التَّعَدُّد , وَأَفَادَ الْوَاحِدِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ اِسْم الْأَنْصَارِيّ الْمَذْكُور قَيْس , وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيره وَعَزَاهُ إِلَى أَهْل التَّأْوِيل فِي تَهْذِيبه أَنَّ سَبَب نُزُولهَا هَذِهِ الْقِصَّة لِيَتَّسِق نِظَام الْآيَات كُلّهَا فِي سَبَب وَاحِد , قَالَ وَلَمْ يَعْرِض بَيْنهَا مَا يَقْتَضِي خِلَال ذَلِكَ , ثُمَّ قَالَ : وَلَا مَانِع أَنْ تَكُون قِصَّة الزُّبَيْر وَخَصْمه وَقَعَتْ فِي أَثْنَاء ذَلِكَ فَيَتَنَاوَلهَا عُمُوم الْآيَة. وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : لَيْسَ أَحَد يَذْكُر عُرْوَة عَنْ عَبْد اللَّه إِلَّا اللَّيْث فَقَطْ ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْحَمَوِيِّ وَحْده عَنْ الْفَرَبْرِيِّ وَهُوَ الْقَائِل \" قَالَ مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس \" وَمُحَمَّد بْن الْعَبَّاس هُوَ السُّلَمِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ , وَهُوَ مِنْ أَقْرَان الْبُخَارِيّ وَتَأَخَّرَ بَعْده مَاتَ سَنَة سِتّ وَسِتِّينَ , وَأَبُو عَبْد اللَّه هُوَ الْبُخَارِيّ الْمُصَنِّف , وَهُوَ مُصَرِّح بِتَفَرُّدِ اللَّيْث بِذِكْرِ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر فِي إِسْنَاده , فَإِنْ أَرَادَ مُطْلَقًا رَدَّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْره مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ اللَّيْث وَيُونُس جَمِيعًا عَنْ الزُّهْرِيّ , وَإِنْ أَرَادَ بِقَيْدٍ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ بَلْ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَد عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر فَمُسَلَّم فَإِنَّ رِوَايَة اِبْن وَهْب فِيهَا عَنْ عَبْد اللَّه عَنْ أَبِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي أَوَّل الْبَاب , وَقَدْ نَقَلَ التِّرْمِذِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّ اِبْن وَهْب رَوَى عَنْ اللَّيْث وَيُونُس نَحْو رِوَايَة قُتَيْبَة عَنْ اللَّيْث. ‏"
    },
    {
        "id": "2188",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَاصَمَ ‏ ‏الزُّبَيْرَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏زُبَيْرُ ‏ ‏اسْقِ ثُمَّ أَرْسِلْ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ إِنَّهُ ابْنُ عَمَّتِكَ فَقَالَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏اسْقِ يَا ‏ ‏زُبَيْرُ ‏ ‏ثُمَّ يَبْلُغُ الْمَاءُ ‏ ‏الْجَدْرَ ‏ ‏ثُمَّ أَمْسِكْ فَقَالَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏فَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ‏ { ‏فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَرْسَلَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وللْكُشْمِيهَنِيِّ \" ثُمَّ أَرْسَلَ الْمَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( اِسْقِ يَا زُبَيْر حَتَّى يَبْلُغ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَالْأَصِيلِيِّ \" اِسْقِ يَا زُبَيْر ثُمَّ يَبْلُغ الْمَاء الْجُدُر \" , وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ ذِكْر الْمَاء , زَادَ فِي التَّفْسِير مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مَعْمَر \" ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاء إِلَى جَارك , وَاسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقّه فِي صَرِيح الْحُكْم حِين أَحْفَظَهُ الْأَنْصَارِيّ \" وَفِي رِوَايَة شُعَيْب فِي الصُّلْح \" فَاسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حِينَئِذٍ حَقّه , وَكَانَ قَبْل ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْر بِرَأْيٍ فِيهِ سَعَة لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ \" فَقَوْله اِسْتَوْعَى أَيْ اِسْتَوْفَى , وَهُوَ مِنْ الْوَعْي كَأَنَّهُ جَمَعَهُ لَهُ فِي وِعَائِهِ , وَقَوْله \" أَحْفَظَهُ \" بِالْمُهْمَلَةِ وَالظَّاء الْمُشَالَة أَيْ أَغْضَبَهُ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذِهِ الزِّيَادَة يُشْبِه أَنْ تَكُون مِنْ كَلَام الزُّهْرِيّ , وَكَانَتْ عَادَته أَنْ يَصِل بِالْحَدِيثِ مِنْ كَلَامه مَا يَظْهَر لَهُ مِنْ مَعْنَى الشَّرْح وَالْبَيَان. قُلْت : لَكِنْ الْأَصْل فِي الْحَدِيث أَنْ يَكُون حُكْمه كُلّه وَاحِدًا حَتَّى يَرِد مَا يُبَيِّن ذَلِكَ , وَلَا يَثْبُت الْإِدْرَاج بِالِاحْتِمَالِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : وَإِنَّمَا حَكَمَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَنْصَارِيّ فِي حَال غَضَبه - مَعَ نَهْيه أَنْ يَحْكُم الْحَاكِم وَهُوَ غَضْبَان - لِأَنَّ النَّهْي مُعَلَّل بِمَا يُخَاف عَلَى الْحَاكِم مِنْ الْخَطَأ وَالْغَلَط , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَأْمُون لِعِصْمَتِهِ مِنْ ذَلِكَ حَال السَّخَط. ‏"
    },
    {
        "id": "2189",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَرَّانِيُّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّهُ حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏خَاصَمَ ‏ ‏الزُّبَيْرَ ‏ ‏فِي ‏ ‏شِرَاجٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏يَسْقِي بِهَا النَّخْلَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْقِ يَا ‏ ‏زُبَيْرُ ‏ ‏فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ ‏ ‏ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ اسْقِ ثُمَّ ‏ ‏احْبِسْ ‏ ‏يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى ‏ ‏الْجَدْرِ ‏ ‏وَاسْتَوْعَى ‏ ‏لَهُ حَقَّهُ فَقَالَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ ‏ { ‏فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ‏} ‏قَالَ لِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَقَدَّرَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏وَالنَّاسُ قَوْلَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى ‏ ‏الْجَدْرِ ‏ ‏وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْت \" هُوَ اِبْن سَلَّامٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ ) ‏ ‏كَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي جَمِيع الرِّوَايَات عَلَى أَنَّهُ فِعْل مَاضٍ مِنْ الْأَمْر , وَهِيَ جُمْلَة مُعْتَرِضَة مِنْ كَلَام الرَّاوِي , وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ بِلَفْظِ فِعْل الْأَمْر مِنْ الْإِمْرَار وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ , وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَمَرَهُ بِالْعَادَةِ الْمَعْرُوفَة الَّتِي جَرَتْ بَيْنهمْ فِي مِقْدَار الشُّرْب ا ه. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَمَرَهُ بِالْقَصْدِ وَالْأَمْر الْوَسَط مُرَاعَاة لِلْجِوَارِ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة شُعَيْب الْمَذْكُورَة , وَمِثْلهَا لِمَعْمَرٍ فِي التَّفْسِير , وَهُوَ ظَاهِر فِي أَنَّهُ أَمَرَهُ أَوَّلًا أَنْ يُسَامِح بِبَعْضِ حَقّه عَلَى سَبِيل الصُّلْح , وَبِهَذَا تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ فِي الصُّلْح إِذَا أَشَارَ الْإِمَام بِالْمَصْلَحَةِ , فَلَمَّا لَمْ يَرْضَ الْأَنْصَارِيّ بِذَلِكَ اِسْتَقْصَى الْحُكْم وَحَكَمَ بِهِ. وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى جَوَاز فَسْخ الْحَاكِم حُكْمه , قَالَ : لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي الْأَصْل أَنْ يَحْكُم بِأَيِّ الْأَمْرَيْنِ شَاءَ فَقَدَّمَ الْأَسْهَل إِيثَارًا لِحُسْنِ الْجِوَار , فَلَمَّا جَهِلَ الْخَصْم مَوْضِع حَقّه رَجَعَ عَنْ حُكْمه الْأَوَّل وَحَكَمَ بِالثَّانِي لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغ فِي زَجْره , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت الْحُكْم أَوَّلًا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه , قَالَ : وَقِيلَ بَلْ الْحُكْم كَانَ مَا أَمَرَ بِهِ أَوَّلًا , فَلَمَّا لَمْ يَقْبَل الْخَصْم ذَلِكَ عَاقَبَهُ بِمَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ ثَانِيًا عَلَى مَا بَدَرَ مِنْهُ وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَتْ الْعُقُوبَة بِالْأَمْوَالِ ا ه. وَقَدْ وَافَقَ اِبْن الصَّبَّاغ مِنْ الشَّافِعِيَّة عَلَى هَذَا الْأَخِير , وَفِيهِ نَظَر , وَسِيَاق طُرُق الْحَدِيث يَأْبَى ذَلِكَ كَمَا تَرَى , لَا سِيَّمَا قَوْله : \" وَاسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقّه فِي تَصْرِيح الْحُكْم \" وَهِيَ رِوَايَة شُعَيْب فِي الصُّلْح وَمَعْمَر فِي التَّفْسِير , فَمَجْمُوع الطُّرُق دَالّ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ الزُّبَيْر أَوَّلًا أَنْ يَتْرُك بَعْض حَقّه , وَثَانِيًا أَنْ يَسْتَوْفِيَ جَمِيع حَقّه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لِي اِبْنُ شِهَابٍ ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ اِبْن جُرَيْجٍ رَاوِي الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَدَّرَتْ الْأَنْصَار وَالنَّاس ) ‏ ‏هُوَ مِنْ عَطْف الْعَامّ عَلَى الْخَاصّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْجَدْر يَخْتَلِف بِالطُّولِ وَالْقِصَر قَاسُوا مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْقِصَّة فَوَجَدُوهُ يَبْلُغ الْكَعْبَيْنِ فَجَعَلُوا ذَلِكَ مِعْيَارًا لِاسْتِحْقَاقِ الْأَوَّل فَالْأَوَّل , وَالْمُرَاد بِالْأَوَّلِ هُنَا مَنْ يَكُون مَبْدَأ الْمَاء مِنْ نَاحِيَته. وَقَالَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّة : الْمُرَاد بِهِ مَنْ لَمْ يَتَقَدَّمهُ أَحَد فِي الْغِرَاس بِطَرِيقِ الْإِحْيَاء , وَالَّذِي يَلِيه مَنْ أَحْيَا بَعْده , وَهَلُمَّ جَرًّا. قَالَ : وَظَاهِر الْخَبَر أَنَّ الْأَوَّل مَنْ يَكُون أَقْرَب إِلَى مَجْرَى الْمَاء وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَاد. وَقَالَ اِبْن التِّين : الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْحُكْم أَنْ يُمْسِك إِلَى الْكَعْبَيْنِ , وَخَصَّهُ اِبْن كِنَانَة بِالنَّخْلِ وَالشَّجَر , قَالَ : وَأَمَّا الزُّرُوع فَإِلَى الشِّرَاك. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : الْأَرَاضِي مُخْتَلِفَة , فَيُمْسِك لِكُلِّ أَرْض مَا يَكْفِيهَا , لِأَنَّ الَّذِي فِي قِصَّة الزُّبَيْر وَاقِعَةُ عَيْنٍ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَاب مَالِك : هَلْ يُرْسِل الْأَوَّل بَعْد اِسْتِيفَائِهِ جَمِيع الْمَاء , أَوْ يُرْسِل مِنْهُ مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ ؟ وَالْأَوَّل أَظْهَر , وَمَحَلّه إِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ بِهِ حَاجَة وَاللَّه أَعْلَم. وَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَل عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر فِي \" الْمُوَطَّأ \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي مَسِيل مَهْزُور وَمُذَيْنِب أَنْ يُمْسِك حَتَّى يَبْلُغ الْكَعْبَيْنِ , ثُمَّ يُرْسِل الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَل. وَمَهْزُور بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْهَاء وَضَمّ الزَّاي وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا رَاء , وَمُذَيْنِب بِذَالٍ مُعْجَمَة وَنُون بِالتَّصْغِيرِ : وَادِيَانِ مَعْرُوفَانِ بِالْمَدِينَةِ وَلَهُ إِسْنَاد مَوْصُول فِي \" غَرَائِب مَالِك لِلدَّارَقُطْنِيِّ \" مِنْ حَدِيث عَائِشَة وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه وَإِسْنَاد كُلّ مِنْهُمَا حَسَن , وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق هَذَا الْحَدِيث الْمُرْسَل بِإِسْنَادٍ آخَر مَوْصُول , ثُمَّ رَوَى عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ : نَظَرْنَا فِي قَوْله : \" اِحْبِسْ الْمَاء حَتَّى يَبْلُغ الْجَدْر \" فَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ا ه. وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك عَنْ مَعْمَر قَالَ : سَمِعْت غَيْر الزُّهْرِيّ يَقُول : نَظَرُوا فِي قَوْله : \" حَتَّى يَرْجِع إِلَى الْجَدْر \" فَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. وَكَأَنَّ مَعْمَرًا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ اِبْن جُرَيْجٍ فَأَرْسَلَهُ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق , وَقَدْ بَيَّنَ اِبْن جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق \" اِحْبِسْ الْمَاء إِلَى الْجَدْر أَوْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ \" وَهُوَ شَكّ مِنْهُ , وَالصَّوَاب مَا رَوَاهُ اِبْن جُرَيْجٍ. وَذَكَرَ الشَّاشِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّة أَنَّ مَعْنَى قَوْله : \" إِلَى الْجَدْر \" أَيْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى هَذَا التَّقْدِير , وَإِلَّا فَلَيْسَ الْجَدْر مُرَادِفًا لِلْكَعْبِ. ‏ ‏قَوْله : ( الْجَدْر هُوَ الْأَصْل ) كَذَا هُنَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحْده. وَفِي هَذَا الْحَدِيث غَيْر مَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى شَيْء مِنْ مِيَاه الْأَوْدِيَة وَالسُّيُول الَّتِي لَا تُمْلَك فَهُوَ أَحَقّ بِهِ , لَكِنْ لَيْسَ لَهُ إِذَا اِسْتَغْنَى أَنْ يَحْبِس الْمَاء عَنْ الَّذِي يَلِيه. وَفِيهِ أَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُشِير بِالصُّلْحِ بَيْن الْخَصْمَيْنِ وَيَأْمُر بِهِ وَيُرْشِد إِلَيْهِ , وَلَا يُلْزِمهُ بِهِ إِلَّا إِذَا رَضِيَ. وَأَنَّ الْحَاكِم يَسْتَوْفِي لِصَاحِبِ الْحَقّ حَقّه إِذَا لَمْ يَتَرَاضَيَا , وَأَنْ يَحْكُم بِالْحَقِّ لِمَنْ تَوَجَّهَ لَهُ وَلَوْ لَمْ يَسْأَلهُ صَاحِب الْحَقّ. وَفِيهِ الِاكْتِفَاء مِنْ الْمُخَاصِم بِمَا يُفْهَم عَنْهُ مَقْصُوده مِنْ غَيْر مُبَالَغَة فِي التَّنْصِيص عَلَى الدَّعْوَى وَلَا تَحْدِيد الْمُدَّعِي وَلَا حَصْره بِجَمِيعِ صِفَاته. وَفِيهِ تَوْبِيخ مَنْ جَفَى عَلَى الْحَاكِم وَمُعَاقَبَته , وَيُمْكِن أَنْ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْفُو عَنْ التَّعْزِير الْمُتَعَلِّق بِهِ , لَكِنْ مَحَلّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى هَتْك حُرْمَة الشَّرْع. وَإِنَّمَا لَمْ يُعَاقِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِب الْقِصَّة لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ تَأْلِيف النَّاس , كَمَا قَالَ فِي حَقّ كَثِير مِنْ الْمُنَافِقِينَ \" لَا يَتَحَدَّث النَّاس أَنْ مُحَمَّدًا يَقْتُل أَصْحَابه \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : فَلَوْ صَدَرَ مِثْل هَذَا مِنْ أَحَد فِي حَقّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ فِي حَقّ شَرِيعَته لَقُتِلَ قِتْلَة زِنْدِيق. وَنَقَلَ النَّوَوِيّ نَحْوه عَنْ الْعُلَمَاء. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2190",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ ‏ ‏الثَّرَى ‏ ‏مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا قَالَ فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ‏ ‏وَالرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُمَيٍّ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا , زَادَ فِي الْمَظَالِم \" مَوْلَى أَبِي بَكْر \" أَيْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي صَالِح ) ‏ ‏زَادَ فِي الْمَظَالِم \" السَّمَّان \" وَالْإِسْنَاد مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَا رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( يَمْشِي ) ‏ ‏قَالَ فِي الْمَظَالِم \" بَيْنَمَا رَجُل بِطَرِيقٍ \" , وللدَّارَقُطْنِيِّ فِي \" الْمُوَطَّآت \" مِنْ طَرِيق رَوْح عَنْ مَالِك \" يَمْشِي بِفَلَاةٍ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك \" يَمْشِي بِطَرِيقِ مَكَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ) ‏ ‏وَقَعَتْ الْفَاء هُنَا مَوْضِع \" إِذَا \" كَمَا وَقَعَتْ إِذَا مَوْضِعهَا فِي قَوْله تَعَالَى : ( إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ) وَسَقَطَتْ هَذِهِ الْفَاء مِنْ رِوَايَة مُسْلِم وَكَذَا مِنْ الرِّوَايَة الْآتِيَة فِي الْمَظَالِم لِلْأَكْثَرِ : ‏ ‏قَوْله : ( فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَش ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَكَذَا هُوَ فِي \" الْمُوَطَّأ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" الْعُطَاش \" , قَالَ اِبْن التِّين : الْعُطَاش دَاء يُصِيب الْغَنَم تَشْرَب فَلَا تَرْوَى وَهُوَ غَيْر مُنَاسِب هُنَا , قَالَ : وَقِيلَ يَصِحّ عَلَى تَقْدِير أَنَّ الْعَطَش يَحْدُث مِنْهُ هَذَا الدَّاء كَالزُّكَامِ. قُلْت : وَسِيَاق الْحَدِيث يَأْبَاهُ , وَظَاهِره أَنَّ الرَّجُل سَقَى الْكَلْب حَتَّى رَوِيَ وَلِذَلِكَ جُوزِيَ بِالْمَغْفِرَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَلْهَث ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَاء , اللَّهْث بِفَتْحِ الْهَاء هُوَ اِرْتِقَاع النَّفَس مِنْ الْإِعْيَاء , قَالَ اِبْن التِّين : لَهَثَ الْكَلْب أَخْرَجَ لِسَانه مِنْ الْعَطَش وَكَذَلِكَ الطَّائِر , وَلَهَثَ الرَّجُل إِذَا أَعْيَا , وَيُقَال إِذَا بَحَثَ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَأْكُل الثَّرَى ) ‏ ‏أَيْ يَكْدُم بِفَمِهِ الْأَرْض النَّدِيَّة , وَهِيَ إِمَّا صِفَة وَإِمَّا حَال , وَلَيْسَ بِمَفْعُولِ ثَانٍ لِرَأَى. ‏ ‏قَوْله : ( بَلَغَ هَذَا مِثْل ) بِالْفَتْحِ أَيْ بَلَغَ مَبْلَغًا مِثْل الَّذِي بَلَغَ بِي , وَضَبَطَهُ الدِّمْيَاطِيّ بِخَطِّهِ بِضَمِّ مِثْل وَلَا يَخْفَى تَوْجِيهه , وَزَادَ اِبْن حِبَّانَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي صَالِح \" فَرَحِمَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَمَلَأ خُفّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّانَ \" فَنَزَعَ أَحَد خُفَّيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَمْسَكَهُ ) ‏ ‏أَيْ أَحَد خُفَّيْهِ الَّذِي فِيهِ الْمَاء , وَإِنَّمَا اِحْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُعَالِج بِيَدَيْهِ لِيَصْعَد مِنْ الْبِئْر , وَهُوَ يَشْعُر بِأَنَّ الصُّعُود مِنْهَا كَانَ عَسِرًا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ رَقِيَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْقَاف كَصَعِدَ وَزْنًا وَمَعْنًى , وَذَكَرَهُ اِبْن التِّين بِفَتْحِ الْقَاف بِوَزْنِ مَضَى وَأَنْكَرَهُ , وَقَالَ عِيَاض فِي \" الْمَشَارِق \" هِيَ لُغَة طَيِّئٍ يَفْتَحُونَ الْعَيْن فِيمَا كَانَ مِنْ الْأَفْعَال مُعْتَلّ اللَّام وَالْأَوَّل أَفْصَح وَأَشْهَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَقَى الْكَلْب ) ‏ ‏زَادَ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ أَبِي صَالِح \" حَتَّى أَرْوَاهُ \" أَيْ جَعَلَهُ رَيَّانًا , وَقَدْ مَضَى فِي الطَّهَارَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَشَكَرَ اللَّه لَهُ ) ‏ ‏أَيْ أَثْنَى عَلَيْهِ أَوْ قَبِلَ عَمَله أَوْ جَازَاهُ بِفِعْلِهِ , وَعَلَى الْأَخِير فَالْفَاء فِي قَوْله : \" فَغَفَرَ لَهُ \" تَفْسِيرِيَّة أَوْ مِنْ عَطْف الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَى قَوْله : \" فَشَكَرَ اللَّه لَهُ \" أَيْ أَظْهَرَ مَا جَازَاهُ بِهِ عِنْد مَلَائِكَته. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن دِينَار بَدَل فَغَفَرَ لَهُ \" فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّة \" وَكَذَا فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّانَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالُوا ) ‏ ‏سُمِّيَ مِنْ هَؤُلَاءِ السَّائِلِينَ سُرَاقَة بْن مَالِك بْن جُعْشُم , رَوَاهُ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ وَابْن حِبَّانَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ لَنَا ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره الْأَمْر كَمَا ذَكَرْت وَإِنَّ لَنَا ‏ ‏( فِي الْبَهَائِم ) ‏ ‏أَيْ فِي سَقْي الْبَهَائِم أَوْ الْإِحْسَان إِلَى الْبَهَائِم ( أَجْرًا ). ‏ ‏قَوْله : ( فِي كُلّ كَبِد رَطْبَة أَجْر ) ‏ ‏أَيْ كُلّ كَبِد حَيَّة , وَالْمُرَاد رُطُوبَة الْحَيَاة , أَوْ لِأَنَّ الرُّطُوبَة لَازِمَة لِلْحَيَاةِ فَهُوَ كِنَايَة , وَمَعْنَى الظَّرْفِيَّة هُنَا أَنْ يُقَدَّر مَحْذُوف , أَيْ الْأَجْر ثَابِت فِي إِرْوَاء كُلّ كَبِد حَيَّة , وَالْكَبِد يُذَكَّر وَيُؤَنَّث , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون \" فِي \" سَبَبِيَّة كَقَوْلِك فِي النَّفْس الدِّيَة , قَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمَعْنَى فِي كُلّ كَبِد حَيّ أَجْر وَهُوَ عَامّ فِي جَمِيع الْحَيَوَان. وَقَالَ أَبُو عَبْد الْمَلِك : هَذَا الْحَدِيث كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل , وَأَمَّا الْإِسْلَام فَقَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَاب. وَأَمَّا قَوْله : \" فِي كُلّ كَبِد \" فَمَخْصُوص بِبَعْضِ الْبَهَائِم مِمَّا لَا ضَرَر فِيهِ , لِأَنَّ الْمَأْمُور بِقَتْلِهِ كَالْخِنْزِيرِ لَا يَجُوز أَنْ يَقْوَى لِيَزْدَادَ ضَرَره , وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ : إِنَّ عُمُومه مَخْصُوص بِالْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَم وَهُوَ مَا لَمْ يُؤْمَر بِقَتْلِهِ فَيَحْصُل الثَّوَاب بِسَقْيِهِ , وَيَلْتَحِق بِهِ إِطْعَامه وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ وُجُوه الْإِحْسَان إِلَيْهِ. وَقَالَ اِبْن التِّين : لَا يَمْتَنِع إِجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومه , يَعْنِي فَيُسْقَى ثُمَّ يُقْتَل لِأَنَّا أُمِرْنَا بِأَنْ نُحْسِن الْقِتْلَة وَنُهِينَا عَنْ الْمُثْلَة. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَة سُؤْر الْكَلْب وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الطَّهَارَة. وَمِمَّا قِيلَ فِي الرَّدّ عَلَى مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ : إِنَّهُ فِعْل بَعْض النَّاس وَلَا يَدْرِي هَلْ هُوَ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَمْ لَا , وَالْجَوَاب أَنَّا لَمْ نَحْتَجّ بِمُجَرَّدِ الْفِعْل الْمَذْكُور بَلْ إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ شَرْع مَنْ قَبْلنَا شَرْع لَنَا فَإِنَّا لَا نَأْخُذ بِكُلِّ مَا وَرَدَ عَنْهُمْ , بَلْ إِذَا سَاقَهُ إِمَام شَرْعنَا مَسَاق الْمَدْح إِنْ عُلِمَ وَلَمْ يُقَيِّدهُ بِقَيْدٍ صَحَّ الِاسْتِدْلَال بِهِ. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز السَّفَر مُنْفَرِدًا وَبِغَيْرِ زَادَ , وَمَحَلّ ذَلِكَ فِي شَرْعنَا مَا إِذَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسه الْهَلَاك. وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى الْإِحْسَان إِلَى النَّاس , لِأَنَّهُ إِذَا حَصَلَتْ الْمَغْفِرَة بِسَبَبِ سَقْي الْكَلْب فَسَقْي الْمُسْلِم أَعْظَم أَجْرًا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز صَدَقَة التَّطَوُّع لِلْمُشْرِكِينَ , وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون مَحَلّه مَا إِذَا لَمْ يُوجَد هُنَاكَ مُسْلِم فَالْمُسْلِم أَحَقّ , وَكَذَا إِذَا دَارَ الْأَمْر بَيْن الْبَهِيمَة وَالْآدَمِيّ الْمُحْتَرَم وَاسْتَوَيَا فِي الْحَاجَة فَالْآدَمِيّ أَحَقّ , وَاللَّه أَعْلَم. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب حَدِيثَيْ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر وَابْن عُمَر فِي قِصَّة الْمَرْأَة الَّتِي رَبَطَتْ الْهِرَّة حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ النَّار , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَدْء الْخَلْق , وَتَقَدَّمَ حَدِيث أَسْمَاء بِأَتَمّ مِنْ هَذَا فِي أَوَائِل صِفَة الصَّلَاة , وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عُمَر فَذَكَر الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ مَعْن بْن عِيسَى تَفَرَّدَ بِذِكْرِهِ فِي الْمُوَطَّأ , قَالَ : وَرَوَاهُ فِي غَيْر الْمُوَطَّأ اِبْن وَهْب وَالْقَعْنَبِيُّ وَابْن أَبِي أُوَيْس وَمُطَرِّف , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طُرُقهمْ. وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مَعْن وَابْن وَهْب , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق الْقَعْنَبِيِّ. وَمُنَاسَبَة حَدِيث الْهِرَّة لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّ الْمَرْأَة عُوقِبَتْ عَلَى كَوْنهَا لَمْ تَسْقِهَا , فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَوْ سَقَتْهَا لَمْ تُعَذَّب. قَالَ اِبْن الْمُنِير : دَلَّ الْحَدِيث عَلَى تَحْرِيم قَتْل مَنْ لَمْ يُؤْمَر بِقَتْلِهِ عَطَشًا وَلَوْ كَانَ هِرَّة وَلَيْسَ فِيهِ ثَوَاب السَّقْي وَلَكِنْ كَفَى بِالسَّلَامَةِ فَضْلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2191",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ فَقَالَ ‏ ‏دَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ فَإِذَا امْرَأَةٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ قَالَ مَا شَأْنُ هَذِهِ قَالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2192",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ قَالَ فَقَالَ ‏ ‏وَاللَّهُ أَعْلَمُ ‏ ‏لَا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلَا سَقَيْتِهَا حِينَ ‏ ‏حَبَسْتِيهَا وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ مِنْ ‏ ‏خَشَاشِ الْأَرْضِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2193",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِقَدَحٍ فَشَرِبَ وَعَنْ يَمِينِهِ ‏ ‏غُلَامٌ ‏ ‏هُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ وَالْأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ ‏ ‏يَا غُلَامُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الْأَشْيَاخَ فَقَالَ مَا كُنْتُ لِأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ قَبْل ثَمَانِيَة أَبْوَاب , وَمُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَة إِلْحَاقًا لِلْحَوْضِ وَالْقِرْبَة بِالْقَدَحِ , فَكَانَ صَاحِب الْقَدَح أَحَقّ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ شُرْبًا وَسَقْيًا. وَقَدْ خَفِيَ هَذَا عَلَى الْمُهَلَّب فَقَالَ : لَيْسَ فِي الْحَدِيث إِلَّا أَنَّ الْأَيْمَن أَحَقّ مِنْ غَيْره بِالْقَدَحِ , وَأَجَابَ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّ مُرَاد الْبُخَارِيّ أَنَّهُ إِذَا اِسْتَحَقَّ الْأَيْمَن مَا فِي الْقَدَح بِمُجَرَّدِ جُلُوسه وَاخْتَصَّ بِهِ فَكَيْفَ لَا يَخْتَصّ بِهِ صَاحِب الْيَد وَالْمُتَسَبِّب فِي تَحْصِيله ؟ ‏"
    },
    {
        "id": "2194",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَأَذُودَنَّ ‏ ‏رِجَالًا عَنْ حَوْضِي كَمَا ‏ ‏تُذَادُ ‏ ‏الْغَرِيبَةُ مِنْ الْإِبِلِ عَنْ الْحَوْضِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي ذِكْر حَوْض النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي ذِكْر الْحَوْض النَّبَوِيّ مِنْ كِتَاب الرِّقَاق. وَقَوْله : \" لَأَذُودَنَّ \" بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة أَيْ لَأَطْرُدَنَّ , وَمُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ ذِكْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ صَاحِب الْحَوْض يَطْرُد إِبِل غَيْره عَنْ حَوْضه وَلَمْ يُنْكِر ذَلِكَ فَيَدُلّ عَلَى الْجَوَاز , وَقَدْ خَفِيَ عَلَى الْمُهَلَّب أَيْضًا فَقَالَ : إِنَّ الْمُنَاسَبَة مِنْ جِهَة إِضَافَة الْحَوْض إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَحَقّ بِهِ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّ أَحْكَام التَّكَالِيف لَا تَنْزِل عَلَى وَقَائِع الْآخِرَة , وَإِنَّمَا اُسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : \" كَمَا تُذَاد الْغَرِيبَة مِنْ الْإِبِل \" فَمَا جَازَ لِصَاحِبِ الْحَوْض طَرْد إِبِل غَيْره عَنْ حَوْضه إِلَّا وَهُوَ أَحَقّ بِحَوْضِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2195",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ ‏ ‏يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَرْحَمُ اللَّهُ ‏ ‏أُمَّ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏لَوْ تَرَكَتْ ‏ ‏زَمْزَمَ ‏ ‏أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنْ الْمَاءِ لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا وَأَقْبَلَ ‏ ‏جُرْهُمُ ‏ ‏فَقَالُوا أَتَأْذَنِينَ أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ قَالَتْ نَعَمْ وَلَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ قَالُوا نَعَمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة هَاجَرَ وَزَمْزَم , أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا , وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَمُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة قَوْلهَا لِلَّذِينَ نَزَلُوا عَلَيْهَا \" وَلَا حَقّ لَكُمْ فِي الْمَاء , قَالُوا نَعَمْ \" وَقَرَّرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ أَنَّ مَنْ أَنْبَطَ مَاء فِي فَلَاة مِنْ الْأَرْض مَلَكَهُ وَلَا يُشَارِكهُ فِيهِ غَيْره إِلَّا بِرِضَاهُ , إِلَّا أَنَّهُ لَا يَمْنَع فَضْله إِذَا اِسْتَغْنَى عَنْهُ , وَإِنَّمَا شَرَطَتْ هَاجَرَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَتَمَلَّكُوهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2196",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللَّهُ الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏غَيْرَ مَرَّةٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا صَالِحٍ ‏ ‏يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر قَبْل أَرْبَعَة أَبْوَاب وَفِيهِ \" وَرَجُل لَهُ فَضْل مَاء بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنْ اِبْن السَّبِيل \" وَقَالَ فِي هَذِهِ الطَّرِيق \" وَرَجُل مَنَعَ فَضْل مَائِهِ فَيَقُول اللَّه الْيَوْم أَمْنَعك فَضْلِي كَمَا مَنَعْت فَضْل مَا لَمْ تَعْمَل يَدَاك \" وَمُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّ الْمُعَاقَبَة وَقَعَتْ عَلَى مَنْعه الْفَضْل فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَحَقّ بِالْأَصْلِ , وَيُؤْخَذ أَيْضًا مِنْ قَوْله : \" مَا لَمْ تَعْمَل يَدَاك \" فَإِنَّ مَفْهُومه أَنَّهُ لَوْ عَالَجَهُ لَكَانَ أَحَقّ بِهِ مِنْ غَيْره. وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ أَبِي عَبْد الْمَلِك أَنَّهُ قَالَ : هَذَا يَخْفَى مَعْنَاهُ , وَلَعَلَّهُ يُرِيد أَنَّ الْبِئْر لَيْسَتْ مِنْ حَفْره وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَنْعه غَاصِب ظَالِم , وَهَذَا لَا يَرِد فِيمَا حَازَهُ وَعَمِلَهُ. قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ حَفَرَهَا وَمَنَعَهَا مِنْ صَاحِب الشَّفَة أَيْ الْعَطْشَان , وَيَكُون مَعْنَى \" مَا لَمْ تَعْمَل يَدَاك \" أَيْ لَمْ تُنْبِع الْمَاء وَلَا أَخْرَجْته , قَالَ : وَهَذَا أَيْ الْأَخِير لَيْسَ مِنْ الْبَاب فِي شَيْء وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَلِيّ حَدَّثَنَا سُفْيَان غَيْر مَرَّة إِلَخْ ) ‏ ‏يُشِير إِلَى أَنَّ سُفْيَان كَانَ يُرْسِل هَذَا الْحَدِيث كَثِيرًا , وَلَكِنَّهُ صَحَّحَ الْمَوْصُول لِكَوْنِ الَّذِي وَصَلَهُ مِنْ الْحُفَّاظ , وَقَدْ تَابَعَهُ سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَخْزُومِيّ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن يُونُس وَمُحَمَّد بْن أَبِي الْوَزِير وَمُحَمَّد بْن يُونُس فَوَصَلُوهُ قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , قَالَ : وَأَرْسَلَهُ غَيْرهمْ. قُلْت : وَقَدْ وَصَلَهُ أَيْضًا عَمْرو النَّاقِد أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْهُ , وَصَفْوَان بْن صَالِح أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقه , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَا وَقَعَ مِنْ الِاخْتِلَاف فِي سِيَاق الْمَتْن فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2197",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَقَالَ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَمَى ‏ ‏النَّقِيعَ ‏ ‏وَأَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏حَمَى ‏ ‏السَّرَفَ ‏ ‏وَالرَّبَذَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد الْأَيْلِيُّ , وَرِوَايَة اللَّيْث عَنْهُ مِنْ الْأَقْرَان لِأَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ شَيْخه اِبْن شِهَاب , وَفِي الْإِسْنَاد تَابِعِيَّانِ وَصَحَابِيَّانِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا حِمَى ) ‏ ‏أَصْل الْحِمَى عِنْد الْعَرَب أَنَّ الرَّئِيس مِنْهُمْ كَانَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا مُخْصِبًا اِسْتَعْوَى كَلْبًا عَلَى مَكَان عَالٍ فَإِلَى حَيْثُ اِنْتَهَى صَوْته حَمَاهُ مِنْ كُلّ جَانِب فَلَا يَرْعَى فِيهِ غَيْره وَيَرْعَى هُوَ مَعَ غَيْره فِيمَا سِوَاهُ , وَالْحِمَى هُوَ الْمَكَان الْمَحْمِيّ وَهُوَ خِلَاف الْمُبَاح , وَمَعْنَاهُ أَنْ يَمْنَع مِنْ الْإِحْيَاء مِنْ ذَلِكَ الْمَوَات لِيَتَوَفَّر فِيهِ الْكَلَأ فَتَرْعَاهُ مَوَاشٍ مَخْصُوصَة وَيَمْنَع غَيْرهَا , وَالْأَرْجَح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنَّ الْحِمَى يَخْتَصّ بِالْخَلِيفَةِ , وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَق بِهِ وُلَاة الْأَقَالِيم , وَمَحَلّ الْجَوَاز مُطْلَقًا أَنْ لَا يَضُرّ بِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ لِمَذْهَبِهِ فِي اِشْتِرَاط إِذْن الْإِمَام فِي إِحْيَاء الْمَوَات , وَتُعُقِّبَ بِالْفَرْقِ بَيْنهمَا فَإِنَّ الْحِمَى أَخَصّ مِنْ الْإِحْيَاء وَاللَّه أَعْلَم. قَالَ الْجُورِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّة : لَيْسَ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ مُعَارَضَة , فَالْحِمَى الْمَنْهِيّ مَا يُحْمَى مِنْ الْمَوَات الْكَثِير الْعُشْب لِنَفْسِهِ خَاصَّة كَفِعْلِ الْجَاهِلِيَّة , وَالْإِحْيَاء الْمُبَاح مَا لَا مَنْفَعَة لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ شَامِلَة فَافْتَرَقَا , وَإِنَّمَا تُعَدّ أَرْض الْحِمَى مَوَاتًا لِكَوْنِهَا لَمْ يَتَقَدَّم فِيهَا مِلْك لِأَحَدٍ , لَكِنَّهَا تُشْبِه الْعَامِر لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَنْفَعَة الْعَامَّة. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَى النَّقِيع ) ‏ ‏كَذَا لِجَمِيعِ الرُّوَاة إِلَّا لِأَبِي ذَرّ , وَالْقَائِل هُوَ اِبْن شِهَاب , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ وَهُوَ مُرْسَل أَوْ مُعْضِل , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب فَذَكَرَ الْمَوْصُول وَالْمُرْسَل جَمِيعًا , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي ذَرّ \" وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : بَلَغَنَا إِلَخْ \" فَظَنَّ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّهُ مِنْ كَلَام الْبُخَارِيّ الْمُصَنِّف وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن مِلْحَانَ عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَذَكَرَ الْمَوْصُول وَالْمُرْسَل جَمِيعًا عَلَى الصَّوَاب كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَوَقَعَ لِأَبِي نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه تَخْبِيطٌ , فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَاقْتَصَرَ فِي الْإِسْنَاد الْمَوْصُول عَلَى الْمَتْن الْمُرْسَل وَهُوَ قَوْله : \" حَمَى النَّقِيع \" وَلَيْسَ هَذَا مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ الصَّعْب , وَإِنَّمَا هُوَ بَلَاغ لِلزُّهْرِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث عَنْ الزُّهْرِيّ جَامِعًا بَيْن الْحَدِيثَيْنِ , وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد وَنَقَلَ عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ وَهَمَ , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لِأَنَّ قَوْله حَمَى النَّقِيع مِنْ قَوْل الزُّهْرِيّ يَعْنِي مِنْ بَلَاغه , ثُمَّ رَوَى مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَى النَّقِيع لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ تَرْعَى فِيهِ \" وَفِي إِسْنَاده الْعَمْرِيُّ وَهُوَ ضَعِيف , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( النَّقِيع ) ‏ ‏بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَة , وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ بَعْضهمْ صَحَّفَهُ فَقَالَ بِالْمُوَحَّدَةِ , وَهُوَ عَلَى عِشْرِينَ فَرْسَخًا مِنْ الْمَدِينَة وَقَدْره مِيل فِي ثَمَانِيَة أَمْيَال ذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ , وَأَصْل النَّقِيع كُلّ مَوْضِع يَسْتَنْقِع فِيهِ الْمَاء , وَفِي الْحَدِيث ذِكْر النَّقِيع الْخُضُمَّات وَهُوَ الْمَوْضِع الَّذِي جَمْع فِيهِ أَسْعَد بْن زُرَارَةَ بِالْمَدِينَةِ , وَالْمَشْهُور أَنَّهُ غَيْر النَّقِيع الَّذِي فِيهِ الْحِمَى وَحَكَى اِبْن الْجَوْزِيّ أَنَّ بَعْضهمْ قَالَ إِنَّهُمَا وَاحِد , قَالَ وَالْأَوَّل أَصَحّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَّ عُمَر حَمَى الشَّرَف وَالرَّبَذَةَ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الْأَوَّل , وَهُوَ مِنْ بَلَاغ الزُّهْرِيّ أَيْضًا , وَقَدْ ثَبَتَ وُقُوع الْحِمَى مِنْ عُمَر كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الْجِهَاد مِنْ طَرِيق أَسْلَم \" أَنَّ عُمَر اِسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ عَلَى الْحِمَى \" الْحَدِيث. وَالشَّرَف بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء بَعْدهَا فَاء فِي الْمَشْهُور ,وَذَكَرَ عِيَاض أَنَّهُ عِنْد الْبُخَارِيّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الرَّاء , قَالَ وَفِي مُوَطَّأ اِبْن وَهْب بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء قَالَ : وَكَذَا رَوَاهُ بَعْض رُوَاة الْبُخَارِيّ أَوْ أَصْلَحَهُ وَهُوَ الصَّوَاب , وَأَمَّا سَرِفَ فَهُوَ مَوْضِع بِقُرْبِ مَكَّة وَلَا تَدْخُلهُ الْأَلِف وَاللَّام , وَالرَّبَذَةُ بِفَتْحِ الرَّاء وَالْمُوَحَّدَة بَعْدهَا ذَال مُعْجَمَة مَوْضِع مَعْرُوف بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة تَقَدَّمَ ضَبْطه , وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ عُمَر حَمَى الرَّبَذَةَ لِنَعَمِ الصَّدَقَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2198",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ ‏ ‏وِزْرٌ ‏ ‏فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ بِهَا فِي ‏ ‏مَرْجٍ ‏ ‏أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي ‏ ‏طِيَلِهَا ‏ ‏ذَلِكَ مِنْ ‏ ‏الْمَرْجِ ‏ ‏أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أَنَّهُ انْقَطَعَ ‏ ‏طِيَلُهَا ‏ ‏فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا ‏ ‏أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ فَهِيَ لِذَلِكَ أَجْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً ‏ ‏وَنِوَاءً ‏ ‏لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ ‏ ‏وِزْرٌ ‏ ‏وَسُئِلَ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْحُمُرِ فَقَالَ مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ ‏ ‏الْفَاذَّةُ ‏ { ‏فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ‏}",
        "sharh": "عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي ذِكْر الْخَيْل وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُفَصَّلًا فِي الْجِهَاد , وَالْمَقْصُود مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِي \" فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّ مِنْ شَأْن الْبَهَائِم طَلَب الْمَاء وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ صَاحِبهَا , فَإِذَا أُجِرَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْر قَصْد فَيُؤْجَر بِقَصْدِهِ مِنْ بَاب الْأَوْلَى , فَثَبَتَ الْمَقْصُود مِنْ الْإِبَاحَة الْمُطْلَقَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2199",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُنْبَعِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلَهُ عَنْ ‏ ‏اللُّقَطَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اعْرِفْ ‏ ‏عِفَاصَهَا ‏ ‏وَوِكَاءَهَا ‏ ‏ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ قَالَ فَضَالَّةُ الْإِبِلِ قَالَ مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث زَيْد بْن خَالِد فِي اللُّقَطَة وَسَيَأْتِي فِيهَا مَشْرُوحًا , وَالْمَقْصُود مِنْهُ قَوْله فِيهِ : \" مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِد الْمَاء وَتَأْكُل الشَّجَر \". ‏"
    },
    {
        "id": "2200",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلًا فَيَأْخُذَ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ فَيَبِيعَ فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهِ وَجْهَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أُعْطِيَ أَمْ مُنِعَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2201",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2202",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏أَصَبْتُ ‏ ‏شَارِفًا ‏ ‏مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَغْنَمٍ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَارِفًا ‏ ‏أُخْرَى فَأَنَخْتُهُمَا يَوْمًا عِنْدَ بَابِ رَجُلٍ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِمَا ‏ ‏إِذْخِرًا ‏ ‏لِأَبِيعَهُ وَمَعِي صَائِغٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي قَيْنُقَاعَ ‏ ‏فَأَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى وَلِيمَةِ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ‏ ‏يَشْرَبُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ مَعَهُ ‏ ‏قَيْنَةٌ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏أَلَا يَا ‏ ‏حَمْزُ ‏ ‏لِلشُّرُفِ ‏ ‏النِّوَاءِ ‏ ‏فَثَارَ إِلَيْهِمَا ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏بِالسَّيْفِ ‏ ‏فَجَبَّ ‏ ‏أَسْنِمَتَهُمَا ‏ ‏وَبَقَرَ ‏ ‏خَوَاصِرَهُمَا ثُمَّ أَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏وَمِنْ السَّنَامِ قَالَ قَدْ جَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا فَذَهَبَ بِهَا قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَنَظَرْتُ إِلَى مَنْظَرٍ أَفْظَعَنِي فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعِنْدَهُ ‏ ‏زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ فَخَرَجَ وَمَعَهُ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَدَخَلَ عَلَى ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ فَرَفَعَ ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏بَصَرَهُ وَقَالَ هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِآبَائِي فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُقَهْقِرُ ‏ ‏حَتَّى خَرَجَ عَنْهُمْ وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ ‏",
        "sharh": "ثَالِثهَا حَدِيث عَلِيّ فِي قِصَّة شَارِفِيهِ مَعَ حَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَالشَّاهِد مِنْهُ قَوْله : \" وَأَنَا أُرِيدَ أَنْ أَحْمِل عَلَيْهِمَا إِذْخِرًا لِأَبِيعَهُ \" فَإِنَّهُ دَالّ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنْ جَوَاز الِاحْتِطَاب وَالِاحْتِشَاش , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي آخِر كِتَاب الْجِهَاد فِي فَرْض الْخُمُس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2203",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرَادَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُقْطِعَ مِنْ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏حَتَّى تُقْطِعَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا قَالَ ‏ ‏سَتَرَوْنَ بَعْدِي ‏ ‏أَثَرَةً ‏ ‏فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيُّ , وَوَقَعَ لِلْبَيْهَقِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ لِحَمَّاد مِنْ يَحْيَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطِعَ مِنْ الْبَحْرَيْنِ ) ‏ ‏يَعْنِي لِلْأَنْصَارِ. وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ \" دَعَا الْأَنْصَار لِيُقْطِعَ لَهُمْ الْبَحْرَيْنِ \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" لِيُقْطِعَ لَهُمْ الْبَحْرَيْنِ أَوْ طَائِفَة مِنْهَا \" وَكَأَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ حَمَّاد , فَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْجِزْيَةِ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْر عَنْ يَحْيَى بِلَفْظ \" دَعَا الْأَنْصَار لِيَكْتُب لَهُمْ الْبَحْرَيْنِ \" وَلَهُمْ فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَان عَنْ يَحْيَى \" إِلَى أَنْ يُقْطِعَ لَهُمْ الْبَحْرَيْنِ \" وَظَاهِره أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُمْ إِقْطَاعًا. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ , فَقَالَ الْخَطَّابِيّ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَوَاتَ مِنْهَا لِيَتَمَلَّكُوهُ بِالْإِحْيَاءِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْعَامِر مِنْهَا لَكِنْ فِي حَقِّهِ مِنْ الْخُمُسِ ; لِأَنَّهُ كَانَ تَرَكَ أَرْضَهَا فَلَمْ يَقْسِمْهَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا فُتِحَت صُلْحًا كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب الْجِزْيَة , فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَخُصَّهُمْ بِتَنَاوُل جِزْيَتهَا , وَبِهِ جَزَمَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي وَابْن قَرْقُولٍ , وَوَجَّهَهُ اِبْن بَطَّال بِأَنَّ أَرْض الصُّلْح لَا تُقْسَمُ فَلَا تُمْلَكُ. وَقَالَ اِبْن التِّينِ : إِنَّمَا يُسَمَّى إِقْطَاعًا إِذَا كَانَ مِنْ أَرْض أَوْ عَقَار , وَإِنَّمَا يُقْطَعُ مِنْ الْفَيْءِ وَلَا يُقْطَعُ مِنْ حَقِّ مُسْلِم وَلَا مُعَاهَد. قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ الْإِقْطَاع تَمْلِيكًا وَغَيْرَ تَمْلِيك , وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ إِقْطَاعُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّورَ بِالْمَدِينَةِ , كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ مُرْسَلًا وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيّ \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَقْطَعَ الدُّور \" يَعْنِي أَنْزَلَ الْمُهَاجِرِينَ فِي دُورِ الْأَنْصَارِ بِرِضَاهُمْ اِنْتَهَى. وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْخُمُسِ حَدِيثُ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ الزُّبَيْر أَرْضًا مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِير \" يَعْنِي بَعْدَ أَنْ أَجْلَاهُمْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَلَّكَهُ إِيَّاهَا وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا إِقْطَاعًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يَخُصَّ الْأَنْصَارَ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ الْبَحْرَيْنِ , أَمَّا النَّاجِز يَوْمَ عَرْضِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ الْجِزْيَةُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا صَالَحُوا عَلَيْهَا , وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَتْ الْفُتُوح فَخَرَاج الْأَرْضِ أَيْضًا , وَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ أَرَاضٍ بَعْدَ فَتْحِهَا وَقَبْلَ فَتْحِهَا , مِنْهَا إِقْطَاعُه تَمِيمًا الدَّارِيّ بَيْت إِبْرَاهِيمَ فَلَمَّا فُتِحَتْ فِي عَهْدِ عُمَرَ نَجَّزَ ذَلِكَ لِتَمِيم وَاسْتَمَرَّ فِي أَيْدِي ذُرِّيَّتِهِ مِنْ اِبْنَتِهِ رُقَيَّة , وَبِيَدِهِمْ كِتَاب مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ , وَقِصَّته مَشْهُورَة ذَكَرَهَا اِبْن سَعْد وَأَبُو عُبَيْد فِي \" كِتَابِ الْأَمْوَال \" وَغَيْرُهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ \" فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ \" يَعْنِي سَبَب قِلَّة الْفُتُوح يَوْمئِذٍ كَمَا فِي رِوَايَة اللَّيْث الَّتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا وَأَغْرَبَ اِبْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ فِعْل ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ أَقْطَعَ الْمُهَاجِرِينَ أَرْض بَنِي النَّضِير. ‏ ‏قَوْله : ( سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُثَلَّثَة عَلَى الْمَشْهُورِ وَأَشَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ مِنْ اِسْتِئْثَارِ الْمُلُوكِ مِنْ قُرَيْش عَنْ الْأَنْصَارِ بِالْأَمْوَالِ وَالتَّفْضِيل فِي الْعَطَاءِ وَغَيْر ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ أَعْلَام نُبُوَّته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2204",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مِنْ حَقِّ الْإِبِلِ أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تُحْلَبَ ) ‏ ‏بِضَمّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ , وَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْمَلَةِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ , وَأَشَارَ الدَّاوُدِيّ إِلَى أَنَّهُ رُوِيَ بِالْجِيمِ وَقَالَ : أَرَادَ أَنَّهَا تُسَاقُ إِلَى مَوْضِعِ سَقْيِهَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ أَنْ تُحْلَبَ إِلَى الْمَاءِ لَا عَلَى الْمَاءِ , وَإِنَّمَا الْمُرَادُ حَلْبهَا هُنَاكَ لِنَفْعِ مَنْ يَحْضُرُ مِنْ الْمَسَاكِينِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُ الْإِبِل أَيْضًا , وَهُوَ نَحْوُ النَّهْيِ عَنْ الْجِدَادِ بِاللَّيْلِ , أَرَادَ أَنْ تَجُدَّ نَهَارًا لِتَحْضُرَ الْمَسَاكِين. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى الْمَاءِ ) ‏ ‏زَاد أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" وَالْبَرْقَانِيّ فِي \" الْمُصَافَحَةِ \" مِنْ طَرِيق الْمُعَافِي بْن سُلَيْمَان عَنْ فُلَيْح \" يَوْم وُرُودهَا \" وَسَاقَ الْبَرْقَانِيّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ثَلَاثَة أَحَادِيثَ أُخَرَ فِي نَسَق , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى حَدِيث الْبَاب فِي الزَّكَاةِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مُطَوَّلًا وَفِيهِ \" وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ \" وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2205",
        "content": "‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ ‏ ‏تُؤَبَّرَ ‏ ‏فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فِي الْعَبْدِ ‏",
        "sharh": "الْأَوَّلُ حَدِيث اِبْن عُمَر \" مَنْ اِبْتَاعَ نَخْلًا \" تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِهِ وَعَلَى بَيَان شَيْء مِنْ اِخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِيهِ فِي \" بَابِ مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ \" مِنْ كِتَاب الْبُيُوع. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ اِبْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ ) ‏ ‏إِلَخْ قَالَ اِبْن دَقِيقِ الْعِيدِ : اُسْتُدِلَّ بِهِ لِمَالِكٍ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ لِإِضَافَةِ الْمِلْكِ إِلَيْهِ بِاللَّامِ , وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الْمِلْكِ. قَالَ غَيْره يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ مَالًا فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ , وَبِهِ قَالَ مَالِك وَكَذَا الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيمِ لَكِنَّهُ إِذَا بَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعَ الْمَالُ لِسَيِّدِهِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاع. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَكَذَا الشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيدِ : لَا يَمْلِكُ الْعَبْد شَيْئًا أَصْلًا وَالْإِضَافَة لِلِاخْتِصَاصِ وَالِانْتِفَاعِ كَمَا يُقَالُ السَّرْجُ لِلْفَرَسِ , وَيُؤْخَذُ مِنْ مَفْهُومِهِ أَنَّ مَنْ بَاع عَبْدًا وَمَعَهُ مَال وَشَرَطَهُ الْمُبْتَاعُ أَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ , لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَالُ رِبَوِيًّا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ وَمَعَهُ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ قَالَهُ الشَّافِعِيّ وَعَنْ مَالِكٍ لَا يُمْنَعُ لِإِطْلَاق الْحَدِيث , وَكَأَنَّ الْعَقْدَ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْعَبْدِ خَاصَّة , وَالْمَال الَّذِي مَعَهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْعَقْدِ. وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمَال ثِيَابًا , وَالْأَصَحّ أَنَّ لَهَا حُكْم الْمَال , وَقِيلَ تَدْخُلُ عَمَلًا بِالْعُرْفِ , وَقِيلَ يَدْخُلُ سَاتِرُ الْعَوْرَةِ فَقَطْ. وَقَالَ الْبَاجِيّ : إِنْ شَرَطَهُ الْمُشْتَرِي لِلْعَبْدِ صَحَّ مُطْلَقًا , وَإِنْ شَرَطَ بَعْضه أَوْ لِنَفْسِهِ فَرِوَايَتَانِ. وَقَالَ الْمَازِرِيّ. : إِنْ زَالَ مِلْك السَّيِّدِ عَنْ عَبْدِهِ بِبَيْعٍ أَوْ مُعَاوَضَةٍ فَالْمَال لِلسَّيِّدِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاع , وَعَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ كَالْحَسَنِ يَتْبَعُ الْعَبْد , وَالْحَدِيث حُجَّة عَلَى قَائِلِ هَذَا. وَإِنْ زَالَ بِالْعِتْقِ وَنَحْوه فَالْمَال لِلْعَبْدِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّدُ , وَإِنْ زَالَ بِالْهِبَةِ وَنَحْوها فَرِوَايَتَانِ قَالَ الْقُرْطُبِيّ : أَرْجَحُهُمَا إِلْحَاقهَا بِالْبَيْعِ وَكَذَا إِنْ سَلَّمَهُ فِي الْجِنَايَةِ. ‏ ‏وَفِي الْحَدِيثِ جَوَاز الشَّرْط الَّذِي لَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْد , قَالَ الْكَرْمَانِيّ : قَوْلُهُ : \" وَلَهُ مَال \" إِضَافَة الْمَال إِلَى الْعَبْدِ مَجَاز كَإِضَافَةِ الثَّمَرَةِ إِلَى النَّخْلَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ مَالِكٍ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ \" حَدَّثَنَا اللَّيْث \" فَهُوَ مَوْصُول , وَالتَّقْدِير : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يُوسُف عَنْ مَالِك. وَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاحِ أَنَّهُ مُعَلَّق , وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَتَرَدَّدَ الْكَرْمَانِيّ. وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر فِي النَّخْلِ مَرْفُوعًا , وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر فِي الْعَبْدِ مَوْقُوفًا , وَكَذَا هُوَ فِي \" الْمُوَطَّأِ \" وَلَفْظه : عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر بِقِصَّةِ الْعَبْدِ , وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِصَّة النَّخْل , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق سَلَمَة بْن كُهَيْل \" حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : قَوْلُهُ : \" فِي الْعَبْدِ \" أَيْ فِي شَأْنِ الْعَبْدِ , أَوْ التَّقْدِير : عَنْ عُمَر أَنَّهُ قَالَ فِي الْعَبْدِ بِأَنَّ مَالَهُ لِبَائِعِهِ , أَوْ زَاد لَفْظ الْعَبْد بَعْدَ قَوْلِهِ : \" إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاع \" أَيْ وَالْعَبْد كَذَلِكَ. قُلْت : وَأَرْجَحُهَا الْأَوَّل وَقَدْ عُبِّرَ عَنْهُ عِنْد أَبِي دَاوُد بِنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْتهُ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر بِقِصَّةِ الْعَبْدِ , وَمِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا بِالْقِصَّتَيْنِ قَالَ النَّسَائِيّ : إِنَّهُ أَخْطَأَ , وَالصَّوَاب مَا رَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّان , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ اللَّيْث وَأَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ فِي الْعَبْدِ مَوْقُوفًا. وَقَوْلُهُ : \" مَنْ اِبْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَاله لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاع \" هَكَذَا ثَبَتَتْ قِصَّةُ الْعَبْدِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي جَمِيعِ نُسَخ الْبُخَارِيّ , وَصَنِيعُ صَاحِبِ الْعُمْدَةِ يَقْتَضِي أَنَّهَا مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي \" بَابِ الْعَرَايَا \" فَقَالَ : \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر \" فَذَكَرَ مَنْ بَاعَ نَخْلًا ثُمَّ قَالَ : \" وَلِمُسْلِم مَنْ اِبْتَاعَ عَبْدًا فَمَاله لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاع \" وَكَأَنَّهُ لَمَّا نَظَرَ كِتَاب الْبُيُوع مِنْ الْبُخَارِيِّ فَلَمْ يَجِدْهُ فِيهِ تَوَهَّمَ أَنَّهَا مِنْ إفْرَادِ مُسْلِم. وَاعْتَذَرَ الشَّارِحُ اِبْن الْعَطَّارِ عَنْ صَاحِبِ الْعُمْدَةِ فَقَالَ : هَذِهِ الزِّيَادَةُ أَخْرَجَهَا الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَر , قَالَ : فَالْمُصَنِّفُ لَمَّا نَسَبَ الْحَدِيث لِابْن عُمَر اِحْتَاجَ أَنْ يَنْسُبَ الزِّيَادَة لِمُسْلِمٍ وَحْدَهُ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَبَالَغَ شَيْخُنَا اِبْن الْمُلَقِّن فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الشَّيْخَيْنِ لَمْ يَذْكُرَا فِي طَرِيقِ سَالِم عُمَر بَلْ هُوَ عِنْدَهُمَا جَمِيعًا عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ وَاسِطَة عُمَر , لَكِنْ مُسْلِم وَالْبُخَارِيّ ذَكَرَاهُ فِي الْبُيُوعِ وَالشِّرْبِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ سَبَب وَهْمِ الْمَقْدِسِيّ مَا ذَكَرْتهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرْحِ مُسْلِم : لَمْ تَقَعْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي حَدِيثِ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ فَإِنَّ سَالِمًا ثِقَة بَلْ هُوَ أَجَلّ مِنْ نَافِع فَزِيَادَته مَقْبُولَة. وَقَدْ أَشَارَ النَّسَائِيّ والدَّارَقُطْنِيّ إِلَى تَرْجِيحِ رِوَايَةِ نَافِعٍ وَهِيَ إِشَارَةٌ مَرْدُودَةٌ اِنْتَهَى. قُلْت : أَمَّا نَفْي تَخْرِيجهَا فَمَرْدُود فَإِنَّهَا ثَابِتَة عِنْدَ الْبُخَارِيِّ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ اِبْن جُرَيْج عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ نَافِعٍ لَكِنْ بِاخْتِصَار , وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ بَيْنَ سَالِم وَنَافِع فَإِنَّمَا هُوَ فِي رَفْعهَا وَوَقْفهَا لَا فِي إِثْبَاتِهَا وَنَفْيِهَا فَسَالِم رَفَعَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا وَنَافِع رَفَعَ حَدِيث النَّخْل عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَقَفَ حَدِيث الْعَبْدِ عَلَى اِبْن عُمَر عَنْ عُمَرَ , وَقَدْ رَجَّحَ مُسْلِم مَا رَجَّحَهُ النَّسَائِيّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَتَبِعَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَهَذَا أَحَد الْأَحَادِيث الْأَرْبَعَة الَّتِي اِخْتَلَفَ فِيهَا سَالِم وَنَافِع قَالَ أَبُو عُمَر اِتَّفَقَا عَلَى رَفْع حَدِيث النَّخْل وَأَمَّا قِصَّةُ الْعَبْدِ فَرَفَعَهَا سَالِم وَوَقَفَهَا نَافِع عَلَى عُمَر , وَرَجَّحَ الْبُخَارِيّ رِوَايَة سَالِمٍ فِي رَفْعِ الْحَدِيثَيْنِ , وَنَقَلَ اِبْن التِّينِ عَنْ الدَّاوُدِيّ هُوَ وَهْم مِنْ نَافِع وَالصَّحِيح مَا رَوَاهُ سَالِم مَرْفُوعًا فِي الْعَبْدِ وَالثَّمَرَةِ , قَالَ اِبْن التِّينِ : لَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أُدْخِلَ الْوَهْم عَلَى نَافِعٍ مَعَ إِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ قَالَ ذَلِكَ - يَعْنِي عَلَى جِهَةِ الْفَتْوَى - مُسْتَنِدًا إِلَى مَا قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَصِحَّ الرِّوَايَتَانِ. قُلْت : قَدْ نَقَلَ التِّرْمِذِيّ فِي \" الْجَامِعِ \" عَنْ الْبُخَارِيِّ تَصْحِيح الرِّوَايَتَيْنِ , وَنَقَلَ عَنْهُ فِي \" الْعِلَلِ \" تَرْجِيح قَوْلِ سَالِمٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ كُلّه وَاضِحًا فِي كِتَاب الْبُيُوع. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْحَرْث ) أَيْ الْأَرْض الْمَزْرُوعَة , فَمَنْ بَاعَ أَرْضًا مَحْرُوثَةً وَفِيهَا زَرْعٌ فَالزَّرْع لِلْبَائِعِ , وَالْخِلَاف فِي هَذِهِ كَالْخِلَافِ فِي النَّخْلِ , وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ أَجَرَ أَرْضًا وَلَهُ فِيهَا زَرْع أَنَّ الزَّرْعَ لِلْمُؤْجِرِ لَا لِلْمُسْتَأْجِرِ إِنْ تُصُوِّرَتْ صُورَةُ الْإِجَارَة. ‏ ‏قَوْله ( سَمَّى لَهُ نَافِع هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ ) قَائِلُ \" سَمَّى \" هُوَ اِبْن جُرَيْج وَالضَّمِيرُ فِي \" لَهُ \" لِابْن أَبِي مُلَيْكَة. وَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى قِلَّة تَدْلِيس اِبْن جُرَيْج فَإِنَّهُ كَثِيرُ الرِّوَايَةِ عَنْ نَافِعٍ وَمَعَ ذَلِكَ أَفْصَحَ بِأَنَّ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاسِطَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2206",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَخَّصَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ تُبَاعَ ‏ ‏الْعَرَايَا ‏ ‏بِخَرْصِهَا ‏ ‏تَمْرًا ‏",
        "sharh": "ثَانِيهَا حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت فِي الْعَرَايَا وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي بَابِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2207",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُخَابَرَةِ ‏ ‏وَالْمُحَاقَلَةِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الْمُزَابَنَةِ ‏ ‏وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَأَنْ لَا تُبَاعَ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلَّا ‏ ‏الْعَرَايَا ‏",
        "sharh": "ثَالِثهَا : حَدِيثُ جَابِر فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَبَيْع الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَبَيْعُهُ بِغَيْرِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلَّا الْعَرَايَا. فَأمَّا الْمُخَابَرَة فَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْمُزَارَعَةِ. وَأَمَّا الْمُحَاقَلَةُ فَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ أَنَس فِي \" بَابِ بَيْعِ الْمُحَاضَرَةِ \". وَأَمَّا الْمُزَابَنَةُ فَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَغَيْرهمَا فِي \" بَاب الْمُزَابَنَة \" , وَأَمَّا بَقِيَّتُهُ فَتَقَدَّمَ فِي \" بَابِ بَيْعِ الثَّمَرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ \" مِنْ حَدِيثِ جَابِر. ‏"
    },
    {
        "id": "2208",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَخَّصَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَيْعِ ‏ ‏الْعَرَايَا ‏ ‏بِخَرْصِهَا ‏ ‏مِنْ التَّمْرِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ ‏ ‏أَوْسُقٍ ‏ ‏أَوْ فِي خَمْسَةِ ‏ ‏أَوْسُقٍ ‏ ‏شَكَّ ‏ ‏دَاوُدُ ‏ ‏فِي ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "رَابِعهَا : حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي بَيْعِ الْعَرَايَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا مَشْرُوحًا فِي بَابِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2209",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏بَنِي حَارِثَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ‏ ‏وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ ‏ ‏حَدَّثَاهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ‏ ‏الْمُزَابَنَةِ ‏ ‏بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ إِلَّا أَصْحَابَ ‏ ‏الْعَرَايَا ‏ ‏فَإِنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏بُشَيْرٌ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "خَامِسهَا حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج وَسَهْل بْن أَبِي حَثْمَة فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُزَابَنَةِ إِلَّا أَصْحَاب الْعَرَايَا وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث سَهْل فِي \" بَابِ بَيْعِ الثَّمَرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ , وَقَوْله هُنَا : \" قَالَ : وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق حَدَّثَنِي بَشِير \" يَعْنِي اِبْن يَسَار مِثْلَه , كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَأَبِي الْوَقْتِ , وَوَقَعَ لِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَة وَغَيْرِهِمَا \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه قَالَ اِبْن إِسْحَاق \" فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مُعَلَّق , وَلَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِهِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ وَاللَّه الْمُسْتَعَان. ‏ ‏( خَاتِمَة ) ‏ ‏: اِشْتَمَلَ كِتَاب الشِّرْب عَلَى سِتَّة وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا خَمْسَة وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , وَالْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا , وَالْخَالِص تِسْعَةَ عَشَرَ وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيث عُثْمَان فِي بِئْر رُومَة , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّةِ هَاجَرَ , وَحَدِيث الصَّعْب فِي الْحِمَى , وَحَدِيث الزُّهْرِيِّ الْمُرْسَل فِي حِمَى النَّقِيع , وَحَدِيث أَنَس فِي الْقَطَائِع. وَفِيهِ مِنْ الْآثَارِ اِثْنَانِ عَنْ عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2210",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ أَتَبِيعُنِيهِ قُلْتُ نَعَمْ فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ فَلَمَّا قَدِمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْبَعِيرِ فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي أَوَّل حَدِيث جَابِر : \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف \" ‏ ‏هُوَ الْبَيْكَنْدِيّ كَذَا ثَبَتَ لِأَبِي ذَرّ , وَأُهْمِلَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَجَزَمَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ بِأَنَّهُ اِبْنُ سَلَامٍ وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ رِوَايَةِ اِبْنِ السَّكَنِ , ثُمَّ وَجَدْتهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيّ بْن شَبُّويَةَ عَنْ الْفَرَبْرِيِّ كَذَلِكَ. ‏ ‏وَجَرِير ) ‏ ‏شَيْخه هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , ‏ ‏وَمُغِيرَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ مِقْسَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2211",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ تَذَاكَرْنَا عِنْدَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ ‏ ‏فَقَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْأَسْوَدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ ‏ ‏يَهُودِيٍّ ‏ ‏إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الرَّهْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2212",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْغَيْثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ ثَوْر بْن زَيْد ) ‏ ‏بِفَتْحِ الزَّايِ وَهُوَ الدِّيلِيّ , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ اِبْن وَهْب عَنْ سُلَيْمَانَ \" حَدَّثَنِي ثَوْر \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي الْغَيْثِ ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ , زَاد اِبْن مَاجَهْ \" مَوْلَى اِبْن مُطِيع \". قُلْت : وَاسْمُهُ سَالِم وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَدَّى اللَّه عَنْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الكُشْمِيهَنِيّ \" أَدَّاهَا اللَّه عَنْهُ \" وَلِابْن مَاجَهْ وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيث مَيْمُونَة \" مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدَّانُ دَيْنًا يَعْلَمُ اللَّه أَنَّهُ يُرِيدُ أَدَاءَهُ إِلَّا أَدَّاهُ اللَّه عَنْهُ فِي الدُّنْيَا \" وَظَاهِره يُحِيلُ الْمَسْأَلَةَ الْمَشْهُورَةَ فِيمَنْ مَاتَ قَبْلَ الْوَفَاءِ بِغَيْرِ تَقْصِير مِنْهُ كَأَنْ يُعْسِرَ مَثَلًا أَوْ يَفْجَأَهُ الْمَوْت وَلَهُ مَالٌ مَخْبُوءٌ وَكَانَتْ نِيَّته وَفَاء دَيْنه وَلَمْ يُوَفَّ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا. وَيُمْكِنُ حَمْل حَدِيث مَيْمُونَة عَلَى الْغَالِبِ , وَالظَّاهِر أَنَّهُ لَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ وَالْحَالَة هَذِهِ فِي الْآخِرَةِ بِحَيْثُ يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ , بَلْ يَتَكَفَّلُ اللَّهُ عَنْهُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث الْبَابِ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ اِبْن عَبْد السَّلَام وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَتْلَفَهُ اللَّه ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ الْإِتْلَافَ يَقَعُ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ فِي مَعَاشِهِ أَوْ فِي نَفْسِهِ. وَهُوَ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة لِمَا نَرَاهُ بِالْمُشَاهَدَةِ مِمَّنْ يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْ الْأَمْرَيْنِ , وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْإِتْلَافِ عَذَاب الْآخِرَة , قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ الْحَضّ عَلَى تَرْك اِسْتِئْكَال أَمْوَال النَّاسِ وَالتَّرْغِيب فِي حُسْنِ التَّأْدِيَةِ إِلَيْهِمْ عِنْدَ الْمُدَايَنَةِ وَأَنَّ الْجَزَاءَ قَدْ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : فِيهِ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْن لَا يَعْتِقُ وَلَا يَتَصَدَّقُ وَإِنْ فَعَلَ رُدَّ ا ه. وَفِي أَخْذِ هَذَا مِنْ هَذَا بُعْدٌ كَثِير. وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي تَحْسِينِ النِّيَّةِ وَالتَّرْهِيبُ مِنْ ضِدِّ ذَلِكَ وَأَنَّ مَدَارَ الْأَعْمَالِ عَلَيْهَا. وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي الدَّيْنِ لِمَنْ يَنْوِي الْوَفَاء , وَقَدْ أَخَذَ بِذَلِكَ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر فِيمَا رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّد بْن عَلِيّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَدِينُ , فَسُئِلَ فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ \" إِنَّ اللَّهَ مَعَ الدَّائِنِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنه \" إِسْنَاده حَسَن لَكِنْ اِخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مُحَمَّد بْن عَلِيّ فَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِم بْن الْفَضْل عَنْ عَائِشَة بِلَفْظ \" مَا مِنْ عَبْدٍ كَانَتْ لَهُ نِيَّة فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ اللَّهِ عَوْن , قَالَتْ : فَأَنَا أَلْتَمِسُ ذَلِكَ الْعَوْن \" وَسَاقَ لَهُ شَاهِدًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَة. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ اِشْتَرَى شَيْئًا بِدَيْن وَتَصَرَّفَ فِيهِ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْوَفَاءِ ثُمَّ تَبَيَّنَ الْأَمْر بِخِلَافِهِ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يُرَدُّ بَلْ يُنْتَظَرُ بِهِ حُلُول الْأَجَلِ لِاقْتِصَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الدُّعَاءِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُلْزِمْهُ بِرَدِّ الْبَيْعِ قَالَهُ اِبْن الْمُنِير. ‏"
    },
    {
        "id": "2213",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا أَبْصَرَ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏أُحُدًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا أُحِبُّ أَنَّهُ تَحَوَّلَ لِي ذَهَبًا يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا دِينَارًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمْ الْأَقَلُّونَ إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَأَشَارَ ‏ ‏أَبُو شِهَابٍ ‏ ‏بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَقَالَ مَكَانَكَ وَتَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَسَمِعْتُ صَوْتًا فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ مَكَانَكَ حَتَّى آتِيَكَ فَلَمَّا جَاءَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الَّذِي سَمِعْتُ أَوْ قَالَ الصَّوْتُ الَّذِي سَمِعْتُ قَالَ وَهَلْ سَمِعْتَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ أَتَانِي ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏فَقَالَ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا قَالَ نَعَمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَا أُحِبُّ أَنَّهُ تَحَوَّلَ لِي ذَهَبًا ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ \" تَحَوَّلَ \" بِفَتْح الْمُثَنَّاة , وَلِغَيْرِهِ بِضَمّ التَّحْتَانِيَّة قَالَ اِبْن مَالِك : فِيهِ حَوَّلَ بِمَعْنَى صَيَّرَ وَقَدْ خَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النُّحَاةِ , وَعَابَ بَعْضهمْ اِسْتِعْمَاله عَلَى الْحَرِيرِيِّ. قَالَ : وَقَدْ جَاءَ هُنَا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ جَارِيًا مَجْرَى صَارَ فِي رَفْع مَا كَانَ مُبْتَدَأ وَنَصْب مَا كَانَ خَبَرًا , وَكَذَلِكَ حُكْمُ مَا صِيغَ مِنْ حَوَّلَ مِثْل تَحَوَّلَ فَإِنَّهُ بِزِيَادَة الْمُثَنَّاة تَجَدَّدَ لَهُ حَذْف مَا كَانَ فَاعِلًا وَجَعْل أَوَّل الْمَفْعُولَيْنِ فَاعِلًا وَثَانِيهمَا خَبَرًا مَنْصُوبًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْصُدُهُ ) ‏ ‏ثَبَتَ فِي رِوَايَتِنَا بِضَمّ أَوَّله مِنْ الرُّبَاعِيِّ وَحَكَى اِبْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنْ رَصَدَ وَالْأَوَّل أَوْجَه تَقُولُ أَرْصَدْتهُ أَيْ هَيَّأْته وَأَعْدَدْته وَرَصَدْته أَيْ رَقَبْته , وَقَوْله : \" الْأَكْثَرُونَ \" أَيْ مَالًا وَ \" الْأَقَلُّونَ \" أَيْ ثَوَابًا إِلَّا مَنْ ذَكَرَ , وَقَوْله : \" وَقَلِيل مَا هُمْ \" مَا زَائِدَة أَوْ صِفَة , وَقَوْله : \" مَكَانك \" بِالنَّصْبِ مَحْذُوف الْعَامِلِ أَيْ اِلْزَمْ مَكَانَك , وَقَوْله : \" قُلْت يَا رَسُول اللَّهِ الَّذِي سَمِعْت \" خَبَره مَحْذُوف تَقْدِيرُه مَا هُوَ , وَقَوْلُهُ : \" وَمَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا \" فُسِّرَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي الرِّقَاقِ \" وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي هُنَا \" إِنْ \" بَدَل وَمَنْ. ‏"
    },
    {
        "id": "2214",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏ذَهَبًا مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثٌ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏صَالِحٌ ‏ ‏وَعُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن مَالِك : فِيهِ وُقُوع التَّمْيِيزِ بَعْدَ مِثْل وَهُوَ قَلِيل , وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى : ( وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ). ‏ ‏قَوْله : ( مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن مَالِك : فِيهِ وُقُوع جَوَاب لَوْ مُضَارِعًا مَنْفِيًّا بِمَا , وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا مُثْبَتًا , وَكَأَنَّهُ أَوْقَعَ الْمُضَارِع مَوْقِع الْمَاضِي , أَوْ يَكُونَ الْأَصْل مَا كَانَ يَسُرُّنِي فَحَذَفَ كَانَ وَهُوَ جَوَاب لَوْ , وَفِيهِ ضَمِيرٌ هُوَ الِاسْمُ وَيَسُرُّنِي الْخَبَر , وَحَذْفُ كَانَ مَعَ اِسْمِهَا وَبَقَاء خَبَرِهَا كَثِير وَهَذَا أَوْلَى ا ه. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرّ \" مَا يَسُرُّنِي أَنْ يَمْكُثَ عِنْدِي \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" يَسُرُّنِي : أَنْ لَا يَمْكُثَ \" وَمَفْهُوم كُلٍّ مِنْهُمَا مُطَابِق لِمَنْطُوق الْآخَر , وَوَقَعَ لِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَة فِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة \" مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمْكُثَ \" وَعَلَى هَذَا فَلَا زَائِدَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله عَقِب حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي مَعْنَى حَدِيث أَبِي ذَرّ ( رَوَاهُ صَالِحٌ وَعَقِيلٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَطَرِيقهمَا مَوْصُول فِي \" الزُّهْرِيَّاتِ \" لِمُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2215",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا تَقَاضَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَغْلَظَ لَهُ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ وَقَالُوا لَا نَجِدُ إِلَّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ قَالَ اشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ فَإِنَّ ‏ ‏خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا تَقَاضَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَةِ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ شُعْبَة الْآتِيَة فِي الْهِبَةِ \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ سِنًّا فَجَاءَ صَاحِبه يَتَقَاضَاهُ \" أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُ قَضَاء الدَّيْن , فِي أَوَّل حَدِيث سُفْيَان عَنْ سَلَمَة كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ \" كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِنّ مِنْ الْإِبِلِ فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ \" وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ سُفْيَان \" جَاءَ أَعْرَابِيٌّ يَتَقَاضَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعِيرًا \" , وَلَهُ عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ سُفْيَان \" اِسْتَقْرَضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَجُل بَعِيرًا \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيّ بْن صَالِح عَنْ سَلَمَة \" اِسْتَقْرَضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِنًّا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَغْلَظَ لَهُ ) ‏ ‏يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْإِغْلَاظ بِالتَّشْدِيدِ فِي الْمُطَالَبَةِ مِنْ غَيْرِ قَدْرٍ زَائِدٍ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَيَكُون صَاحِب الدَّيْنِ كَافِرًا فَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا , وَالْأَوَّل أَظْهَرُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْد الرَّزَّاق أَنَّهُ كَانَ أَعْرَابِيًّا , وَكَأَنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ مِنْ جَفَاءِ الْمُخَاطَبَةِ. وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَةِ بَكْر بْن سَهْل فِي \" مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيّ الْأَوْسَط \" عَنْ الْعِرْبَاضِ بْن سَارِيَة مَا يُفْهِمُ أَنَّهُ هُوَ , لَكِنْ رَوَى النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم الْحَدِيث الْمَذْكُور وَفِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُهُ وَأَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأَعْرَابِيّ , وَوَقَعَ لِلْعِرْبَاضِ نَحْوُهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ ) ‏ ‏أَيْ أَرَادَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُؤْذُوهُ بِالْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ لَكِنْ لَمْ يَفْعَلُوا أَدَبًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ) ‏ ‏أَيْ صَوْلَة الطَّلَب وَقُوَّة الْحُجَّةِ , لَكِنْ مَعَ مُرَاعَاةِ الْأَدَبِ الْمَشْرُوعِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ عَبْد الرَّزَّاق اِلْتَمِسُوا لَهُ مِثْلَ سِنِّ بَعِيره. ‏ ‏قَوْله : ( قَالُوا لَا نَجِدُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سُفْيَان الْآتِيَةِ \" فَقَالَ أَعْطُوهُ , فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا إِلَّا فَوْقَهَا \" وَفِي رِوَايَةِ عَبْد الرَّزَّاق \" فَالْتَمَسُوا لَهُ فَلَمْ يَجِدُوا إِلَّا فَوْقَ سِنِّ بَعِيرِهِ \" وَالْمُخَاطَب بِذَلِكَ هُوَ أَبُو رَافِع مَوْلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ : \" اِسْتَسْلَفَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَجُل بَكْرًا فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ \" وَلِابْن خُزَيْمَة \" اِسْتَلَفَ مِنْ رَجُل بَكْرًا فَقَالَ : إِذَا جَاءَتْ إِبِل الصَّدَقَةِ قَضَيْنَاك , فَلَمَّا جَاءَتْ إِبِل الصَّدَقَةِ أَمَرَ أَبَا رَافِع أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُل بَكْرَه , فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِع فَقَالَ : لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا , فَقَالَ : أَعْطِهِ إِيَّاهُ \" وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْبَابِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا \" اِشْتَرُوا لَهُ \" بِأَنَّهُ أَمَرَ بِالشِّرَاءِ أَوَّلًا ثُمَّ قَدِمَتْ إِبِلُ الصَّدَقَةِ فَأَعْطَاهُ مِنْهَا أَوْ أَنَّهُ أَمَرَ بِالشِّرَاءِ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ مِمَّنْ اِسْتَحَقَّ مِنْهَا شَيْئًا , وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَة الْمَذْكُورَة \" إِذَا جَاءَتْ الصَّدَقَة قَضَيْنَاك \" ا ه. وَالْبَكْرُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُون الْكَافِ الصَّغِيرُ مِنْ الْإِبِلِ , وَالْخِيَارُ الْجَيِّدُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ , وَالرَّبَاعِيّ , بِتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَة مَنْ أَلْقَى رَبَاعِيَتَهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ عُثْمَان بْن جَبَلَة عَنْ شُعْبَة الْآتِيَة فِي الْهِبَةِ \" فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَوْ خَيْرَكُمْ \" كَذَا عَلَى الشَّكِّ , وَفِي رِوَايَةِ اِبْن الْمُبَارَك \" أَفْضَلكُمْ أَحْسَنكُمْ قَضَاء \" وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَان الْآتِيَةِ \" خِيَاركُمْ \" فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْمُفْرَد بِمَعْنَى الْمُخْتَار أَوْ الْجَمْع وَالْمُرَاد أَنَّهُ خَيْرُهُمْ فِي الْمُعَامَلَةِ أَوْ تَكُونَ \" مِنْ \" مُقَدَّرَةً وَيَدُلُّ عَلَيْهَا الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة. وَقَوْلُهُ : \" أَحْسَنكُمْ \" لَمَّا أُضِيفَ أَفْعَلُ وَالْمَقْصُود بِهِ الزِّيَادَة جَازَ فِيهِ الْإِفْرَادُ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَان بَعْدَ بَاب \" مِنْ خِيَارِكُمْ \" وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْمُطَالَبَةِ بِالدَّيْنِ إِذَا حَلَّ أَجَلُهُ. وَفِيهِ حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِظَمُ حِلْمِهِ وَتَوَاضُعه وَإِنْصَافه , وَأَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْن لَا يَنْبَغِي لَهُ مُجَافَاة صَاحِبِ الْحَقِّ , وَأَنَّ مَنْ أَسَاءَ الْأَدَب عَلَى الْإِمَامِ كَانَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ بِمَا يَقْتَضِيه الْحَالُ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ. وَفِيهِ مَا تَرْجَمَ لَهُ وَهُوَ اِسْتِقْرَاض الْإِبِل وَيَلْتَحِقُ بِهَا جَمِيع الْحَيَوَانَاتِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ , وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الثَّوْرِيّ وَالْحَنَفِيَّة وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث النَّهْي عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة وَهُوَ حَدِيث قَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان والدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُمَا وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات , إِلَّا أَنَّ الْحُفَّاظَ رَجَّحُوا إِرْسَاله. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَة , وَفِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَة اِخْتِلَاف. وَفِي الْجُمْلَةِ هُوَ حَدِيث صَالِحٌ لِلْحُجَّةِ. وَادَّعَى الطَّحَاوِيّ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ , وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مُمْكِن , فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا الشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة بِحَمْل النَّهْي عَلَى مَا إِذَا كَانَ نَسِيئَةً مِنْ الْجَانِبَيْنِ , وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِير إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا بِاتِّفَاق , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمُرَادَ مِنْ الْحَدِيثِ بَقِيَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَاز اِسْتِقْرَاض الْحَيَوَان وَالسَّلَم فِيهِ. وَاعْتَلَّ مَنْ مَنَعَ بِأَنَّ الْحَيَوَانَ يَخْتَلِفُ اِخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا حَتَّى لَا يُوقَفَ عَلَى حَقِيقَة الْمِثْلِيَّة فِيهِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ الْإِحَاطَةِ بِهِ بِالْوَصْفِ بِمَا يَدْفَعُ التَّغَايُر وَقَدْ جَوَّزَ الْحَنَفِيَّة التَّزْوِيجَ وَالْكِتَابَةَ عَلَى الرَّقِيقِ الْمَوْصُوفِ فِي الذِّمَّةِ , وَفِيهِ جَوَاز وَفَاء مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْمِثْلِ الْمُقْتَرَضِ إِذَا لَمْ تَقَعْ شَرْطِيَّة ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ فَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ اِتِّفَاقًا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور , وَعَنْ الْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيل فِي الزِّيَادَةِ إِنْ كَانَتْ بِالْعَدَدِ مُنِعَتْ , وَإِنْ كَانَتْ بِالْوَصْفِ جَازَتْ. وَفِيهِ أَنَّ الِاقْتِرَاضَ فِي الْبِرِّ وَالطَّاعَةِ وَكَذَا الْأُمُور الْمُبَاحَة لَا يُعَابُ , وَأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتَرِضَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لِحَاجَةِ بَعْضِ الْمُحْتَاجِينَ لِيُوَفِّيَ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَاتِ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيّ عَلَى جَوَاز تَعْجِيل الزَّكَاة. هَكَذَا حَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي تَوْجِيهُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد مَا قِيلَ فِي سَبَبِ اِقْتِرَاضِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ كَانَ اِقْتَرَضَهُ لِبَعْضِ الْمُحْتَاجِينَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ فَلَمَّا جَاءَتْ الصَّدَقَة أَوْفَى صَاحِبه مِنْهَا , وَلَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَوْفَاهُ أَزْيَدَ مِنْ حَقِّهِ مِنْ مَالِ الصَّدَقَة لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَرَض مِنْهُ كَانَ أَيْضًا مِنْ أَهْل الصَّدَقَة إِمَّا مِنْ جِهَةِ الْفَقْرِ أَوْ التَّأَلُّفِ أَوْ غَيْر ذَلِكَ بِجِهَتَيْنِ : جِهَةِ الْوَفَاءِ فِي الْأَصْلِ وَجِهَةِ الِاسْتِحْقَاق فِي الزَّائِدِ , وَقِيلَ كَانَ اِقْتَرَضَهُ فِي ذِمَّتِهِ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَجِدْ الْوَفَاء صَارَ غَارِمًا فَجَازَ لَهُ الْوَفَاء مِنْ الصَّدَقَةِ , وَقِيلَ كَانَ اِقْتِرَاضُه لِنَفْسِهِ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ اِشْتَرَى مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ بَعِيرًا مِمَّنْ اِسْتَحَقَّهُ أَوْ اِقْتَرَضَهُ مِنْ آخَرَ أَوْ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ لِيُوَفِّيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَالِاحْتِمَال الْأَوَّل أَقْوَى , وَيُؤَيِّدُهُ سِيَاقُ حَدِيث أَبِي رَافِع , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏: هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَرَائِب الصَّحِيحِ , قَالَ الْبَزَّار لَا يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ , وَمَدَاره عَلَى سَلَمَة بْن كُهَيْل , وَقَدْ صَرَّحَ فِي هَذَا الْبَابِ بِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن بِمِنًى وَذَلِكَ لَمَّا حَجَّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2216",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَاتَ رَجُلٌ فَقِيلَ لَهُ قَالَ كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ فَأَتَجَوَّزُ عَنْ الْمُوسِرِ وَأُخَفِّفُ عَنْ الْمُعْسِرِ فَغُفِرَ لَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو مَسْعُودٍ ‏ ‏سَمِعْتُهُ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ \" فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ \" ‏ ‏فِيهِ حَذْف تَقْدِيره : فَقِيلَ لَهُ مَا كُنْت تَصْنَعُ ؟ وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" فَقِيلَ لَهُ مَا كُنْت تَقُولُ \" ؟ وَشَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ هُوَ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم , ‏ ‏وَعَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَيْر. ‏"
    },
    {
        "id": "2217",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَقَاضَاهُ بَعِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْطُوهُ فَقَالُوا مَا نَجِدُ إِلَّا سِنًّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَوْفَيْتَنِي أَوْفَاكَ اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْطُوهُ فَإِنَّ ‏ ‏مِنْ خِيَارِ النَّاسِ أَحْسَنَهُمْ قَضَاءً ‏",
        "sharh": "‏ ‏( وَيَحْيَى ) ‏ ‏الْمَذْكُور فِيهِ هُوَ الْقَطَّان , ‏ ‏وَسُفْيَان ) ‏ ‏شَيْخه هُوَ الثَّوْرِيُّ , وَسَيَأْتِي بَعْدَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ شَيْخٍ لَهُ آخَر وَهُوَ شُعْبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2218",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سِنٌّ مِنْ الْإِبِلِ فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْطُوهُ فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا سِنًّا فَوْقَهَا فَقَالَ أَعْطُوهُ فَقَالَ أَوْفَيْتَنِي وَفَى اللَّهُ بِكَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سِنٌّ ) ‏ ‏أَيْ جَمَلٌ لَهُ سِنّ مُعَيَّن , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ \" أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى اللَّه بِك \" وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّان فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ \" أَوْفَيْتَنِي أَوْفَاك اللَّه \" ‏"
    },
    {
        "id": "2219",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏أُرَاهُ قَالَ ضُحًى ‏ ‏فَقَالَ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ ‏ ‏لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث جَابِر \" أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِيهِ \" وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْن فَقَضَانِي وَزَادَنِي \" ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ فِي مَوَاضِعَ , وَفِي بَعْضِهَا بَيَان قَدْرِ الزِّيَادَة وَأَنَّهَا قِيرَاطٌ وَهُوَ فِي الْوَكَالَةِ , وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الشُّرُوط. ‏"
    },
    {
        "id": "2220",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏شَهِيدًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا تَمْرَ ‏ ‏حَائِطِي ‏ ‏وَيُحَلِّلُوا أَبِي فَأَبَوْا فَلَمْ يُعْطِهِمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَائِطِي ‏ ‏وَقَالَ سَنَغْدُو عَلَيْكَ فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ فَطَافَ فِي النَّخْلِ ‏ ‏وَدَعَا فِي ثَمَرِهَا بِالْبَرَكَةِ فَجَدَدْتُهَا فَقَضَيْتُهُمْ وَبَقِيَ لَنَا مِنْ تَمْرِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ \" عَنْ اِبْنِ كَعْب بْن مَالِك \" ‏ ‏ذَكَر أَبُو مَسْعُود وَخَلَفٌ فِي \" الْأَطْرَافِ \" وَتَبِعَهُمَا الْحُمَيْدِيّ أَنَّهُ عَبْد الرَّحْمَن , وَذَكَرَ الْمِزِّيّ أَنَّهُ عَبْد اللَّه وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ اِبْن وَهْب رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ يُونُسَ بِالسَّنَدِ الَّذِي فِي هَذَا الْبَابِ فَسَمَّاهُ عَبْد اللَّه. قُلْت وَالرِّوَايَة بِذَلِكَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ \" إِنَّ جَابِرًا قُتِلَ أَبُوهُ \" وَصُورَتُهُ مُرْسَل , فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِنَّ جَابِرًا أَخْبَرَهُ وَلَا حَدَّثَهُ , وَلَكِنَّ هَذَا الْقَدْرَ كَافٍ فِي كَوْنِهِ عَبْد اللَّه لَا عَبْد الرَّحْمَن نَعَمْ رَوَى الزُّهْرِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب عَنْ جَابِر قِصَّة شُهَدَاءِ أُحُد كَمَا مَضَى فِي الْجَنَائِزِ , وَذَلِكَ هُوَ الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى تَفْسِيرِهِ هُنَا بِهِ , وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2221",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ ‏ ‏وَسْقًا ‏ ‏لِرَجُلٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏فَاسْتَنْظَرَهُ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏فَأَبَى أَنْ يُنْظِرَهُ فَكَلَّمَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيَشْفَعَ لَهُ إِلَيْهِ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَلَّمَ الْيَهُودِيَّ لِيَأْخُذَ ثَمَرَ نَخْلِهِ بِالَّذِي لَهُ فَأَبَى فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏النَّخْلَ فَمَشَى فِيهَا ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لِجَابِرٍ ‏ ‏جُدَّ لَهُ فَأَوْفِ لَهُ الَّذِي لَهُ فَجَدَّهُ بَعْدَمَا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَوْفَاهُ ثَلَاثِينَ ‏ ‏وَسْقًا ‏ ‏وَفَضَلَتْ لَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ ‏ ‏وَسْقًا ‏ ‏فَجَاءَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيُخْبِرَهُ بِالَّذِي كَانَ فَوَجَدَهُ ‏ ‏يُصَلِّي الْعَصْرَ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُ بِالْفَضْلِ فَقَالَ أَخْبِرْ ذَلِكَ ‏ ‏ابْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَذَهَبَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لَقَدْ عَلِمْتُ حِينَ مَشَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيُبَارَكَنَّ فِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي هَذَا الْإِسْنَادِ \" حَدَّثَنَا أَنَس \" ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عِيَاضٍ أَبُو ضَمْرَة ‏ ‏( وَهِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة , ‏ ‏( وَوَهْب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن كَيْسَانَ وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2222",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ ‏ ‏وَالْمَغْرَمِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ ‏ ‏مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ ‏ ‏الْمَغْرَمِ ‏ ‏قَالَ إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَالْمَتْن فِي أَوَاخِر صِفَةِ الصَّلَاة , وَسِيَاقه هُنَاكَ أَتَمُّ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ ثَمَّ , وَالسِّيَاق الَّذِي هُنَا كَأَنَّهُ لِلْإِسْنَادِ الثَّانِي , وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ رِوَايَةَ أَبِي الْيَمَانِ الْمُفْرَدَةَ هُنَاكَ صَرَّحَ فِيهَا بِالْإِخْبَارِ مِنْ عُرْوَة لِلزُّهْرِيِّ وَذَكَرَ هَاهُنَا بِالْعَنْعَنَةِ. وَإِسْمَاعِيلُ الْمَذْكُورُ هُنَا هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَأَخُوهُ هُوَ عَبْد الْحَمِيد أَبُو بَكْر وَهُوَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَر وَسُلَيْمَان هُوَ اِبْن بِلَال , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ. قَالَ الْمُهَلَّب : يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ سَدّ الذَّرَائِعِ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَعَاذَ مِنْ الدَّيْنِ , لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ ذَرِيعَةٌ إِلَى الْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ وَالْخُلْفِ فِي الْوَعْدِ مَعَ مَا لِصَاحِبِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَقَالِ ا ه. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الدَّيْنِ الِاسْتِعَاذَة مِنْ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ حَتَّى لَا يَقَعَ فِي هَذِهِ الْغَوَائِل , أَوْ مِنْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى وَفَائِهِ حَتَّى لَا تَبْقَى تَبِعَته , وَلَعَلَّ ذَلِكَ هُوَ السِّرُّ فِي إِطْلَاق التَّرْجَمَة. ثُمَّ رَأَيْت فِي حَاشِيَة اِبْن الْمُنِير : لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الدَّيْنِ وَجَوَاز الِاسْتِدَانَةِ لِأَنَّ الَّذِي اُسْتُعِيذَ مِنْهُ غَوَائِل الدَّيْن مَنْ ادَّانَ وَسَلِمَ مِنْهَا فَقَدْ أَعَاذَهُ اللَّه وَفَعَلَ جَائِزًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2223",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ ‏ ‏كَلًّا ‏ ‏فَإِلَيْنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله : \" كَلًّا \" ‏ ‏بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ أَيْ عِيَالًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2224",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ‏ { ‏النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ‏} ‏فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله : \" ضَيَاعًا \" ‏ ‏بِفَتْح الْمُعْجَمَة أَيْ عِيَالًا أَيْضًا , قَالَ الْخَطَّابِيّ : جُعِلَ اِسْمًا لِكُلِّ مَا هُوَ بِصَدَدِ أَنْ يَضِيعَ مِنْ وَلَدٍ أَوْ خَدَم , وَأَنْكَرَ الْخَطَّابِيّ كَسْر الضَّادِ , وَجَوَّزَهُ غَيْره عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ ضَائِع كَجِيَاع وَجَائِع. ‏"
    },
    {
        "id": "2225",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏أَخِي ‏ ‏وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَطْلُ ‏ ‏الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏عَبْد الْأَعْلَى ) ‏ ‏الَّذِي فِي الْإِسْنَادِ هُوَ اِبْنُ عَبْد الْأَعْلَى الْبَصْرِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2226",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلٌ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ لَهُ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ دَعُوهُ ‏ ‏فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2227",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة الْجُعْفِيّ , ‏ ‏وَيَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيُّ , وَفِي هَذَا السَّنَدِ أَرْبَعَة مِنْ التَّابِعِينَ هُوَ أَوَّلُهُمْ وَكُلّهمْ وَلِيَ الْقَضَاء وَكُلّهمْ سِوَى أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هُوَ شَكٌّ مِنْ أَحَدِ رُوَاته وَأَظُنُّهُ مِنْ زُهَيْر , فَإِنِّي لَمْ أَرَ فِي رِوَايَة أَحَد مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى مَعَ كَثْرَتِهِمْ فِيهِ التَّصْرِيحَ بِالسَّمَاعِ , وَهَذَا مُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى أَصْلًا. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ أَدْرَكَ مَاله بِعَيْنِهِ ) ‏ ‏اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ شَرْطَ اِسْتِحْقَاقِ صَاحِبِ الْمَالِ دُونَ غَيْرِهِ أَنْ يَجِدَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَمْ يَتَبَدَّلْ , وَإِلَّا فَإِنْ تَغَيَّرَتْ الْعَيْنُ فِي ذَاتِهَا بِالنَّقْصِ مَثَلًا أَوْ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهَا فَهِيَ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ , وَأَصْرَحُ مِنْهُ رِوَايَة اِبْن أَبِي حُسَيْن عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب عِنْد مُسْلِم بِلَفْظ \" إِذَا وُجِدَ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ وَلَمْ يُفَرِّقْهُ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث مُرْسَلًا \" أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي اِبْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضْ الْبَائِع مِنْ ثَمَنه شَيْئًا فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ \" فَمَفْهُومه أَنَّهُ إِذَا قَبَضَ مِنْ ثَمَنه شَيْئًا كَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ وَبِهِ صَرَّحَ اِبْن شِهَاب فِيمَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ , وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَقَدْ وَصَلَهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَالِك لَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ مَالِك إِرْسَالُهُ , وَكَذَا عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَقَدْ وَصَلَهُ الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن الْجَارُود , وَلِابْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز أَحَد رُوَاة هَذَا الْحَدِيث قَالَ : \" قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ اِقْتَضَى مِنْ مَالِهِ شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ \" وَإِلَيْهِ يُشِيرُ اِخْتِيَار الْبُخَارِيّ لِاسْتِشْهَادِهِ بِأَثَرِ عُثْمَان الْمَذْكُورِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ طَاوُس وَعَطَاء صَحِيحًا وَبِذَلِكَ قَالَ جُمْهُور مَنْ أَخَذَ بِعُمُومِ حَدِيث الْبَاب , إِلَّا أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا هُوَ الرَّاجِحُ فِي مَذْهَبِهِ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَغَيُّرِ السِّلْعَةِ أَوْ بَقَائِهَا , وَلَا بَيْنَ قَبْضِ بَعْضِ ثَمَنِهَا أَوْ عَدَمِ قَبْضِ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى التَّفَاصِيلِ الْمَشْرُوحَةِ فِي كُتُب الْفُرُوع. ‏ ‏قَوْله : ( عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَان ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ أَفْلَسَ ) ‏ ‏أَيْ تَبَيَّنَ إِفْلَاسه. ‏ ‏) ‏ ‏قَوْله : ( فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ) ‏ ‏أَيْ كَائِنًا مَنْ كَانَ وَارِثًا وَغَرِيمًا وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ , وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّة فَتَأَوَّلُوهُ لِكَوْنِهِ خَبَر وَاحِد خَالَفَ الْأُصُولَ , لِأَنَّ السِّلْعَةَ صَارَتْ بِالْبَيْعِ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي وَمِنْ ضَمَانِهِ , وَاسْتِحْقَاقُ الْبَائِعِ أَخْذَهَا مِنْهُ نَقْضٌ لِمِلْكِهِ , وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى صُورَةٍ وَهِيَ مَا إِذَا كَانَ الْمَتَاع وَدِيعَة أَوْ عَارِيَّة أَوْ لُقَطَة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُقَيَّدْ بِالْفَلَسِ وَلَا جُعِلَ أَحَقَّ بِهَا لِمَا يَقْتَضِيه صِيغَةُ أَفْعَل مِنْ الِاشْتِرَاكِ , وَأَيْضًا فَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالشُّفْعَةِ , وَأَيْضًا فَقَدْ وَرَدَ التَّنْصِيصُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ فِي صُورَة الْمَبِيع , وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ اِبْن خُزَيْمَة وَابْن حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظ \" إِذَا اِبْتَاعَ الرَّجُلُ سِلْعَةً ثُمَّ أَفْلَسَ وَهِيَ عِنْدَهُ بِعَيْنِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ \" وَلِابْن حِبَّان مِنْ طَرِيقِ هِشَام بْن يَحْيَى الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظ \" إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ فَوَجَدَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ \" وَالْبَاقِي مِثْلُهُ , وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ اِبْن أَبِي حُسَيْن الْمُشَار إِلَيْهَا قَبْلُ \" إِذَا وُجِدَ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ أَنَّهُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي بَاعَهُ \" وَفِي مُرْسَلِ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عِنْدَ عَبْد الرَّزَّاق \" مَنْ بَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَنْقُدْهُ ثُمَّ أَفْلَسَ الرَّجُلُ فَوَجَدَهَا بِعَيْنِهَا فَلْيَأْخُذْهَا مِنْ بَيْنِ الْغُرَمَاءِ \" وَفِي مُرْسَل مَالِكٍ الْمُشَار إِلَيْهِ \" أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا \" وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مَنْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ وَصَلَهُ , فَظَهَرَ أَنَّ الْحَدِيثَ وَارِدٌ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ , وَيَلْتَحِقُ بِهِ الْقَرْض وَسَائِر مَا ذَكَرَ مِنْ بَاب الْأَوْلَى. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏: وَقَعَ فِي الرَّافِعِيِّ سِيَاق الْحَدِيثِ بِلَفْظ الثَّوْرِيّ الَّذِي قَدَّمْتهُ , فَقَالَ السُّبْكِيّ فِي \" شَرْحِ الْمِنْهَاجِ \" هَذَا الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِهَذَا اللَّفْظِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْمَقْصُودِ فَإِنَّ اللَّفْظَ الْمَشْهُورَ أَيْ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ عَامٌّ أَوْ مُحْتَمِل , بِخِلَاف لَفْظ الْبَيْع فَإِنَّهُ نَصٌّ لَا اِحْتِمَالَ فِيهِ وَهُوَ لَفْظ مُسْلِم , قَالَ : وَجَاءَ بِلَفْظِهِ بِسَنَدٍ آخَرَ صَحِيحٍ اِنْتَهَى. وَاللَّفْظُ الْمَذْكُورُ مَا هُوَ فِي صَحِيح مُسْلِمٍ وَإِنَّمَا فِيهِ مَا قَدَّمْته وَاللَّه الْمُسْتَعَان. وَحَمَلَهُ بَعْض الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا عَلَى مَا إِذَا أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ السِّلْعَةَ , وَتُعُقِّبَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ \" عِنْدَ رَجُل \" وَلِابْن حِبَّان مِنْ طَرِيقِ سُفْيَان الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد \" ثُمَّ أَفْلَسَ وَهِيَ عِنْدَهُ \" وَلِلْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ اِبْن شِهَاب عَنْ يَحْيَى \" إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ وَعِنْدَهُ مَتَاع \" فَلَوْ كَانَ لَمْ يَقْبِضْهُ مَا نَصَّ فِي الْخَبَرِ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ , وَاعْتِذَارهمْ بِكَوْنِهِ خَبَر وَاحِد فِيهِ نَظَر , فَإِنَّهُ مَشْهُورٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ , أَخْرَجَهُ اِبْنُ حِبَّان مِنْ حَدِيثِ اِبْن عُمَر وَإِسْنَاده صَحِيح , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث سَمُرَة وَإِسْنَاده حَسَن , وَقَضَى بِهِ عُثْمَان وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز كَمَا مَضَى وَبِدُونِ هَذَا يَخْرُجُ الْخَبَرُ عَنْ كَوْنِهِ فَرْدًا غَرِيبًا , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : لَا نَعْرِفُ لِعُثْمَان فِي هَذَا مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ. وَتُعُقِّبَ بِمَا رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ عُثْمَان وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِمِ \" : تَعَسَّفَ بَعْض الْحَنَفِيَّةِ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ بِتَأْوِيلَاتٍ لَا تَقُومُ عَلَى أَسَاس , وَقَالَ النَّوَوِيّ : تَأَوَّلَهُ بِتَأْوِيلَاتٍ ضَعِيفَةٍ مَرْدُودَةٍ اِنْتَهَى. ‏ ‏وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ فِي صُورَةٍ - وَهِيَ مَا إِذَا مَاتَ وَوُجِدَتْ السِّلْعَة - فَقَالَ الشَّافِعِيّ : الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَصَاحِب السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ , وَقَالَ مَالِك وَأَحْمَد : هُوَ أُسْوَة الْغُرَمَاءِ , وَاحْتَجَّا بِمَا فِي مُرْسَلِ مَالِكٍ \" وَإِنْ مَاتَ الَّذِي اِبْتَاعَهُ فَصَاحِب الْمَتَاعِ فِيهِ أُسْوَة الْغُرَمَاءِ \" وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْفَلَسِ وَالْمَوْت بِأَنَّ الْمَيِّتَ خَرِبَتْ ذِمَّتُهُ فَلَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ مَحَلّ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ فَاسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ , بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ عُمَر بْن خَلْدَة قَاضِي الْمَدِينَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : \" قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ فَصَاحِب الْمَتَاعِ أَحَقّ بِمَتَاعِهِ إِذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ \" وَهُوَ حَدِيث حَسَنٌ يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ , وَزَادَ بَعْضهمْ فِي آخِرِهِ \" إِلَّا أَنْ يَتْرُكَ صَاحِبُه وَفَاء \" وَرَجَّحَهُ الشَّافِعِيّ عَلَى الْمُرْسَلِ وَقَالَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ آخِرُهُ مِنْ رَأْيِ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن لِأَنَّ الَّذِينَ وَصَلُوهُ عَنْهُ لَمْ يَذْكُرُوا قَضِيَّةَ الْمَوْتِ , وَكَذَلِكَ الَّذِينَ رَوَوْا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْره لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ , بَلْ صَرَّحَ اِبْن خَلْدَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْإِفْلَاسِ وَالْمَوْتِ فَتَعَيَّنَ الْمَصِير إِلَيْهِ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مِنْ ثِقَة. وَجَزَمَ اِبْن الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي فِي مُرْسَلِ مَالِكٍ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي , وَجَمَعَ الشَّافِعِيّ أَيْضًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِحَمْل حَدِيث اِبْن خَلْدَة عَلَى مَا إِذَا مَاتَ مُفْلِسًا وَحَدِيث أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن عَلَى مَا إِذَا مَاتَ مَلِيئًا وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏وَمِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ مَا إِذَا أَرَادَ الْغُرَمَاء أَوْ الْوَرَثَة إِعْطَاء صَاحِبِ السِّلْعَةِ الثَّمَن فَقَالَ مَالِك : يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد : لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ , وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا ظَهَرَ غَرِيم آخَر فَزَاحَمَهُ فِيمَا أَخَذَ. وَأَغْرَبَ اِبْنُ التِّينِ فَحَكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ , لَيْسَ لَهُ إِلَّا سِلْعَتُهُ. وَيَلْتَحِقُ بِالْمَبِيعِ الْمُؤَجَّرُ فَيَرْجِعُ مُكْتَرِي الدَّابَّة أَوْ الدَّار إِلَى عَيْنِ دَابَّتِهِ وَدَارِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَإِدْرَاج الْإِجَارَة فِي هَذَا الْحُكْمِ مُتَوَقِّف عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اِسْم الْمَتَاع أَوْ الْمَال , أَوْ يُقَالُ اِقْتَضَى الْحَدِيثُ أَنْ يَكُونَ أَحَقّ بِالْعَيْنِ وَمِنْ لَوَازِمِ ذَلِكَ الرُّجُوع فِي الْمَنَافِعِ فَثَبَتَ بِطَرِيق اللُّزُوم. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى حُلُولِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ بِالْفَلَسِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ أَدْرَكَ مَتَاعه بِعَيْنِهِ فَيَكُونُ أَحَقّ بِهِ , وَمِنْ لَوَازِمِ ذَلِكَ أَنْ يَجُوزَ لَهُ الْمُطَالَبَة بِالْمُؤَجَّلِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ , لَكِنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُؤَجَّلَ لَا يَحِلُّ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقّ مَقْصُود لَهُ فَلَا يَفُوتُ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِصَاحِبِ الْمَتَاعِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ قَوْلَيْ الْعُلَمَاء , وَالْقَوْلُ الْآخَر يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ كَمَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوت الْفَلَس , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَسْخِ الْبَيْعِ إِذَا اِمْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ أَدَاء الثَّمَن مَعَ قُدْرَتِهِ بِمَطْلٍ أَوْ هَرَبٍ قِيَاسًا عَلَى الْفَلَسِ بِجَامِعِ تَعَذُّرِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ حَالًا , وَالْأَصَحّ مِنْ قَوْلَيْ الْعُلَمَاء أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الرُّجُوعَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي عَيْن الْمَتَاع دُونَ زَوَائِدِهِ الْمُنْفَصِلَة لِأَنَّهَا حَدَثَتْ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَلَيْسَتْ بِمَتَاعِ الْبَائِعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2228",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَعْتَقَ رَجُلٌ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي فَاشْتَرَاهُ ‏ ‏نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَأَخَذَ ثَمَنَهُ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْمُدَبَّرِ مُخْتَصَرًا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْعِتْقِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2229",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُغِيرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُصِيبَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا فَطَلَبْتُ إِلَى أَصْحَابِ الدَّيْنِ أَنْ يَضَعُوا بَعْضًا مِنْ دَيْنِهِ فَأَبَوْا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَشْفَعْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا فَقَالَ صَنِّفْ تَمْرَكَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى حِدَتِهِ ‏ ‏عِذْقَ ‏ ‏ابْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَلَى حِدَةٍ وَاللِّينَ عَلَى حِدَةٍ وَالْعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ ثُمَّ أَحْضِرْهُمْ حَتَّى آتِيَكَ فَفَعَلْتُ ثُمَّ جَاءَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَعَدَ عَلَيْهِ وَكَالَ لِكُلِّ رَجُلٍ حَتَّى اسْتَوْفَى وَبَقِيَ التَّمْرُ كَمَا هُوَ كَأَنَّهُ لَمْ يُمَسَّ وَغَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى نَاضِحٍ لَنَا فَأَزْحَفَ الْجَمَلُ فَتَخَلَّفَ عَلَيَّ فَوَكَزَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ خَلْفِهِ قَالَ بِعْنِيهِ وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَلَمَّا دَنَوْنَا اسْتَأْذَنْتُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ قَالَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا قُلْتُ ثَيِّبًا أُصِيبَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَتَرَكَ جَوَارِيَ صِغَارًا فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا تُعَلِّمُهُنَّ وَتُؤَدِّبُهُنَّ ثُمَّ قَالَ ائْتِ أَهْلَكَ فَقَدِمْتُ فَأَخْبَرْتُ ‏ ‏خَالِي ‏ ‏بِبَيْعِ الْجَمَلِ فَلَامَنِي فَأَخْبَرْتُهُ بِإِعْيَاءِ الْجَمَلِ وَبِالَّذِي كَانَ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَوَكْزِهِ إِيَّاهُ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْجَمَلِ فَأَعْطَانِي ثَمَنَ الْجَمَلِ وَالْجَمَلَ وَسَهْمِي مَعَ الْقَوْمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ \" صَنِّفْ تَمْرَك \" ‏ ‏أَيْ اِجْعَلْ كُلَّ صِنْفٍ وَحْدَهُ ‏ ‏وَقَوْله : \" عَلَى حِدَة \" ‏ ‏بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ عَلَى اِنْفِرَاد , ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" عَذْق اِبْن زَيْد \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُون الذَّالِ الْمُعْجَمَة نَوْع جَيِّد مِنْ التَّمْرِ , وَالْعَذْقُ بِالْفَتْحِ النَّخْلَة , وَاللِّينُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة نَوْع مِنْ التَّمْرِ , وَقِيلَ هُوَ الرَّدِيء. ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" فَأَزْحَف \" ‏ ‏بِفَتْح الْهَمْزَةِ وَسُكُون الزَّايِ وَفَتْح الْمُهْمَلَةِ أَيْ كَلَّ وَأَعْيَا , وَأَصْلُهُ أَنَّ الْبَعِيرَ إِذَا تَعِبَ يَجُرُّ رَسَنَهُ وَكَأَنَّهُمْ كَنَّوْا بِقَوْلِهِمْ أَزْحَفَ رَسَنَهُ أَيْ جَرَّه مِنْ الْإِعْيَاءِ ثُمَّ حَذَفُوا الْمَفْعُول لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. وَحَكَى اِبْنُ التِّينِ أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَزَعَمَ أَنَّ الصَّوَابَ زَحَفَ الْجَمَل مِنْ الثُّلَاثِيِّ , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" وَوَكَزَهُ \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْوَاو أَيْ ضَرَبَهُ بِالْعَصَا , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ \" وَرَكَزَهُ \" بِالرَّاءِ أَيْ رَكَزَ فِيهِ الْعَصَا وَالْمُرَاد الْمُبَالَغَة فِي ضَرْبِهِ بِهَا , سَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى دَيْنِ أَبِيهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ , وَعَلَى بَيْعِ جَمَلِهِ فِي الشُّرُوطِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2230",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي أُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ ‏ ‏إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا ‏ ‏خِلَابَةَ ‏ ‏فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُهُ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ سَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ اِبْن عُمَر فِي قِصَّةِ الَّذِي كَانَ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي \" بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ الْخِدَاعِ فِي الْبَيْعِ \" مِنْ كِتَاب الْبُيُوع , وَفِيهِ تَوْجِيهُ الِاحْتِجَاج بِهِ لِلْحَجْرِ عَلَى الْكَبِيرِ , وَرَدُّ قَوْلِ مَنْ اِحْتَجَّ بِهِ لِمَنْعِ ذَلِكَ وَاللَّه الْمُسْتَعَان. ‏"
    },
    {
        "id": "2231",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَرَّادٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ ‏ ‏وَوَأْدَ ‏ ‏الْبَنَاتِ وَمَنَعَ وَهَاتِ وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عُثْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي شَيْبَة , ‏ ‏وَجَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , ‏ ‏وَمَنْصُور ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْمُعْتَمِرِ , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ لَكِنْ سَكَنَ جَرِير الرَّيَّ , وَمَنْصُور وَشَيْخه وَشَيْخ شَيْخِهِ تَابِعِيُّونَ فِي نَسَقٍ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ ) ‏ ‏قِيلَ خَصَّ الْأُمَّهَات بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْعُقُوقَ إِلَيْهِنَّ أَسْرَع مِنْ الْآبَاءِ لِضَعْفِ النِّسَاءِ وَلِيُنَبِّه عَلَى أَنَّ بِرَّ الْأُمِّ مُقَدَّم عَلَى بِرِّ الْأَبِ فِي التَّلَطُّفِ وَالْحُنُوِّ وَنَحْو ذَلِكَ , وَالْمَقْصُود مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا قَوْله فِيهِ \" وَإِضَاعَة الْمَالِ \" وَقَدْ قَالَ الْجُمْهُور : إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ السَّرَف فِي إِنْفَاقِهِ , وَعَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر إِنْفَاقه فِي الْحَرَامِ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2232",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَسَمِعْت هَؤُلَاءِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَحْسَبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِر فِي أَنَّ الْقَائِلَ \" وَأَحْسَبُ \" هُوَ اِبْن عُمَر , وَقَدْ قَدَّمْت جَزْم الْكَرْمَانِيّ فِي \" بَابِ الْجُمُعَة فِي الْقُرَى \" بِأَنَّهُ يُونُسُ الرَّاوِي لَهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَتَعَقَّبْته , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي أَوَّلِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2233",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ آيَةً سَمِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خِلَافَهَا فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَأَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَظُنُّهُ قَالَ ‏ ‏لَا تَخْتَلِفُوا فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْمَلِك بْن مَيْسَرَة أَخْبَرَنِي ) ‏ ‏هُوَ مِنْ تَقْدِيمِ الرَّاوِي عَلَى الصِّيغَةِ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَهُمْ , وَابْن مَيْسَرَة الْمَذْكُور هِلَالِيّ كُوفِيّ تَابِعِيّ يُقَالُ لَهُ الزَّرَّاد بِزَايٍ ثُمَّ رَاء ثَقِيلَة , وَشَيْخه النَّزَّال بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ اِبْن سَبْرَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ هِلَالِيّ أَيْضًا مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ , وَذَكَرَهُ بَعْضهمْ فِي الصَّحَابَةِ لِإِدْرَاكِهِ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَآخَر فِي الْأَشْرِبَة عَنْ عَلِيّ وَقَدْ أَعَادَ حَدِيث الْبَابِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَفِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ , وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ , وَالْمَقْصُود مِنْهُ هُنَا قَوْله : \" فَأَخَذْت بِيَدِهِ فَأَتَيْت بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَإِنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِلتَّرْجَمَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت رَجُلًا ) ‏ ‏سَيَأْتِي أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُفَسَّرَ بِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( آيَة ) ‏ ‏فِي \" الْمُبْهَمَاتِ \" لِلْخَطِيبِ أَنَّهَا مِنْ سُورَةِ الْأَحْقَافِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ شُعْبَة ) ‏ ‏وَبِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ , ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" أَظُنُّهُ قَالَ \" ‏ ‏فَاعِل الْقَوْل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2234",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتَبَّ رَجُلَانِ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ الْمُسْلِمِينَ ‏ ‏وَرَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏قَالَ الْمُسْلِمُ وَالَّذِي اصْطَفَى ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏عَلَى الْعَالَمِينَ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ وَالَّذِي اصْطَفَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَلَى الْعَالَمِينَ فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ فَدَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمُسْلِمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَإِنَّ النَّاسَ ‏ ‏يَصْعَقُونَ ‏ ‏يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏ ‏فَأَصْعَقُ ‏ ‏مَعَهُمْ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏بَاطِشٌ جَانِبَ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ ‏ ‏صَعِقَ ‏ ‏فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ ‏",
        "sharh": "الثَّانِي وَالثَّالِثُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّةِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي لَطَمَهُ الْمُسْلِمُ حَيْثُ قَالَ : \" وَالَّذِي اِصْطَفَى مُوسَى \" وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2235",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَالِسٌ جَاءَ يَهُودِيٌّ فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏ضَرَبَ وَجْهِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِكَ فَقَالَ مَنْ قَالَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَالَ ادْعُوهُ فَقَالَ أَضَرَبْتَهُ قَالَ سَمِعْتُهُ بِالسُّوقِ يَحْلِفُ وَالَّذِي اصْطَفَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَلَى الْبَشَرِ قُلْتُ أَيْ خَبِيثُ عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ ضَرَبْتُ وَجْهَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ النَّاسَ ‏ ‏يَصْعَقُونَ ‏ ‏يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ ‏ ‏تَنْشَقُّ ‏ ‏عَنْهُ الْأَرْضُ فَإِذَا أَنَا ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ ‏ ‏صَعِقَ ‏ ‏أَمْ حُوسِبَ ‏ ‏بِصَعْقَةِ الْأُولَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" وَالَّذِي اِصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" عَلَى النَّبِيِّينَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2236",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ يَهُودِيًّا ‏ ‏رَضَّ ‏ ‏رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ قِيلَ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكِ أَفُلَانٌ أَفُلَانٌ حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ ‏ ‏فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرُضَّ ‏ ‏رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّةِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي رَضَّ رَأْس الْجَارِيَةِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَاب الدِّيَات إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2237",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا ‏ ‏خِلَابَةَ ‏ ‏فَكَانَ يَقُولُهُ ‏",
        "sharh": "مَضَى الْكَلَامُ عَلَى حَدِيث الَّذِي يُخْدَعُ فِي كِتَاب الْبُيُوع. ‏"
    },
    {
        "id": "2238",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ ‏ ‏فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَابْتَاعَهُ مِنْهُ ‏ ‏نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ ‏",
        "sharh": "يَأْتِي حَدِيثُ الْمُدَبَّرِ فِي كِتَاب الْعِتْق إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2239",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ‏ ‏قَالَ فَقَالَ ‏ ‏الْأَشْعَثُ ‏ ‏فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏أَرْضٌ ‏ ‏فَجَحَدَنِي ‏ ‏فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَكَ بَيِّنَةٌ قُلْتُ لَا قَالَ فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ احْلِفْ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ‏} ‏إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَالْأَشْعَث فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي \" بَابِ الْخُصُومَةِ فِي الْبِئْرِ \" وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : \" قُلْت يَا رَسُول اللَّهِ إِذًا يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي \" فَإِنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى الْحَلِفِ الْكَاذِبِ وَلَمْ يُؤَاخَذْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْهُ فِي حَال التَّظَلُّم مِنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2240",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَعْبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ تَقَاضَى ‏ ‏ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ ‏ ‏دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ ‏ ‏سِجْفَ ‏ ‏حُجْرَتِهِ فَنَادَى يَا ‏ ‏كَعْبُ ‏ ‏قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيْ الشَّطْرَ قَالَ لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُمْ فَاقْضِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث كَعْب بْن مَالِك \" أَنَّهُ تَقَاضَى اِبْن أَبِي حَدْرَد دَيْنًا \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي \" بَاب التَّقَاضِي وَالْمُلَازَمَة فِي الْمَسْجِدِ \" وَلَيْسَ الْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله : \" فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا \" فَإِنَّهُ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ , لَكِنْ أَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ \" فَتَلَاحَيَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَبَبًا لِرَفْع لَيْلَة الْقَدْرِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي يُثْبِتُ مَا تَرْجَمَ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2241",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ‏ ‏يَقْرَأُ سُورَةَ ‏ ‏الْفُرْقَانِ ‏ ‏عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَقْرَأَنِيهَا وَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا فَقَالَ لِي أَرْسِلْهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ اقْرَأْ فَقَرَأَ قَالَ هَكَذَا أُنْزِلَتْ ثُمَّ قَالَ لِي اقْرَأْ فَقَرَأْتُ فَقَالَ هَكَذَا أُنْزِلَتْ ‏ ‏إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُمَرَ فِي قِصَّتِهِ مَعَ هِشَام بْن حَكِيم فِي قِرَاءَةِ سُورَةِ الْفُرْقَانِ , وَفِيهِ مَعَ إِنْكَارِهِ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ إِنْكَاره عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِهَادِ مِنْهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2242",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى مَنَازِلِ قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي إِرَادَة تَحْرِيق الْبُيُوت عَلَى الَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ , وَقَدْ مَضَى الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب وُجُوب صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ \" وَغَرَضه مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا أَحْرَقَهَا عَلَيْهِمْ بَادَرُوا بِالْخُرُوجِ مِنْهَا فَثَبَتَ مَشْرُوعِيَّة الِاقْتِصَار عَلَى إِخْرَاجِ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ مِنْ بَاب الْأَوْلَى , وَمَحَلّ إِخْرَاج الْخُصُومِ إِذَا وَقَعَ مِنْهُمْ مِنْ الْمِرَاء وَاللَّدَد مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2243",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ ‏ ‏وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ابْنِ أَمَةِ ‏ ‏زَمْعَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصَانِي أَخِي إِذَا قَدِمْتُ أَنْ أَنْظُرَ ابْنَ أَمَةِ ‏ ‏زَمْعَةَ ‏ ‏فَأَقْبِضَهُ فَإِنَّهُ ابْنِي وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏أَخِي وَابْنُ أَمَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي فَرَأَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَبَهًا بَيِّنًا ‏ ‏بِعُتْبَةَ ‏ ‏فَقَالَ هُوَ لَكَ يَا ‏ ‏عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ‏ ‏الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا ‏ ‏سَوْدَةُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّةِ سَعْد وَابْن زَمْعَة قَالَ اِبْن الْمُنِير مَا مُلَخَّصه : دَعْوَى الْوَصِيِّ عَنْ الْمُوصَى عَلَيْهِ لَا نِزَاعَ فِيهِ وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بَيَان مُسْتَنَد الْإِجْمَاع , وَسَيَأْتِي مَبَاحِث الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي كِتَاب الْفَرَائِض , وَمَضَى بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي أَوَائِل كِتَاب الْبُيُوع. ‏"
    },
    {
        "id": "2244",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْلًا قِبَلَ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي حَنِيفَةَ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ ‏ ‏ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ ‏ ‏سَيِّدُ ‏ ‏أَهْلِ الْيَمَامَةِ ‏ ‏فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ مَا عِنْدَكَ يَا ‏ ‏ثُمَامَةُ ‏ ‏قَالَ عِنْدِي يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏خَيْرٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ أَطْلِقُوا ‏ ‏ثُمَامَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة ثُمَامَة بْن أُثَال مُخْتَصَرًا , وَالشَّاهِد مِنْهُ قَوْله \" فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2245",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْلًا قِبَلَ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي حَنِيفَةَ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ ‏ ‏ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ ‏ ‏فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة ثُمَامَة , وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2246",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏غَيْرُهُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ ‏ ‏دَيْنٌ فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏كَعْبُ ‏ ‏وَأَشَارَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ النِّصْفَ فَأَخَذَ نِصْفَ مَا عَلَيْهِ وَتَرَكَ نِصْفًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِيهِ : \" حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْث عَنْ جَعْفَر \" ‏ ‏وَقَالَ غَيْره : \" حَدَّثَنِي اللَّيْث قَالَ : حَدَّثَنِي جَعْفَر بْن رَبِيعَة \" وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْب بْن اللَّيْث عَنْ أَبِيهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَة قَبْلَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بَسْمَلَة وَسَقَطَتْ لِلْبَاقِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2247",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَبَّابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏قَيْنًا ‏ ‏فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ لِي عَلَى ‏ ‏الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ ‏ ‏دَرَاهِمُ فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ ‏ ‏بِمُحَمَّدٍ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لَا وَاللَّهِ لَا أَكْفُرُ ‏ ‏بِمُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ يَبْعَثَكَ قَالَ فَدَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ ثُمَّ أُبْعَثَ فَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا ثُمَّ أَقْضِيَكَ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث خَبَّاب بْن الْأَرَتِّ فِي مُطَالَبَةِ الْعَاصِي بْن وَائِل وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ مَرْيَمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2248",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ ‏ ‏قَالَ لَقِيتُ ‏ ‏أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَخَذْتُ صُرَّةً مِائَةَ دِينَارٍ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَرِّفْهَا ‏ ‏حَوْلًا ‏ ‏فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ عَرِّفْهَا ‏ ‏حَوْلًا ‏ ‏فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ ثُمَّ أَتَيْتُهُ ثَلَاثًا فَقَالَ احْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا ‏ ‏وَوِكَاءَهَا ‏ ‏فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا فَاسْتَمْتَعْتُ فَلَقِيتُهُ بَعْدُ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَقَالَ لَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ ‏ ‏حَوْلًا ‏ ‏وَاحِدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا آدَم حَدَّثَنَا شُعْبَة , وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا غُنْدَر حَدَّثَنَا شُعْبَة ) ‏ ‏هَكَذَا سَاقَهُ عَالِيًا وَنَازِلًا , وَالسِّيَاق لِلْإِسْنَادِ النَّازِلِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ آدَم مُطَوَّلًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ حَمَّاد بْن سَلَمَة وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ وَزَيْد بْن أُنَيْسَة عِنْد مُسْلِم وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ وَأَحْمَد وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ حَمَّاد كُلّهمْ عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" فَإِنْ جَاءَ أَحَد يُخْبِرُك بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ \" لَفْظ مُسْلِم. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي دَاوُد : إِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ زَادَهَا حَمَّاد بْن سَلَمَة وَهِيَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ فَتَمَسَّكَ بِهَا مَنْ حَاوَلَ تَضْعِيفهَا فَلَمْ يَصْعُبْ , بَلْ هِيَ صَحِيحَة , وَقَدْ عَرَفْت مَنْ وَافَقَ حَمَّادًا عَلَيْهَا وَلَيْسَتْ شَاذَّة. وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهَا مَالِك وَأَحْمَد , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ : إِنْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهُ جَازَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ , وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَة , لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ الصِّفَةَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَمْ يَجُزْ مُخَالَفَتهَا , وَهِيَ فَائِدَة قَوْله : \" اِعْرِفْ عِفَاصهَا إِلَخْ \" وَإِلَّا فَالِاحْتِيَاط مَعَ مَنْ لَمْ يَرَ الرَّدَّ إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ , قَالَ : وَيُتَأَوَّلُ قَوْله : \" اِعْرِفْ عِفَاصهَا \" عَلَى أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِئَلَّا تَخْتَلِطَ بِمَالِهِ. أَوْ لِتَكُونَ الدَّعْوَى فِيهَا مَعْلُومَة. وَذَكَرَ غَيْره مِنْ فَوَائِد ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَعْرِفَ صِدْق الْمُدَّعِي مِنْ كَذِبِهِ , وَأَنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى حِفْظِ الْوِعَاءِ وَغَيْره لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِإِلْقَائِهِ إِذَا أُخِذَتْ النَّفَقَة , وَأَنَّهُ إِذَا نَبَّهَ عَلَى حِفْظِ الْوِعَاءِ كَانَ فِيهِ تَنْبِيه عَلَى حِفْظِ الْمَالِ مِنْ بَاب الْأَوْلَى. قُلْت : قَدْ صَحَّت هَذِهِ الزِّيَادَة فَتَعَيَّنَ الْمَصِير إِلَيْهَا , وَسَيَأْتِي أَيْضًا فِي حَدِيثِ زَيْد بْن خَالِد فِي آخِر أَبْوَاب اللُّقَطَةِ , وَمَا اِعْتَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إِذَا وَصَفَهَا فَأَصَابَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ فَجَاءَ شَخْصٌ آخَرُ فَوَصَفَهَا فَأَصَابَ لَا يَقْتَضِي الطَّعْنَ فِي الزِّيَادَةِ , فَإِنَّهُ يَصِيرُ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ فَجَاءَ آخَر فَأَقَامَ بَيِّنَة أُخْرَى أَنَّهَا لَهُ , وَفِي ذَلِكَ تَفَاصِيل لِلْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرهمْ. وَقَالَ بَعْض مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّة : يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ وُجُوب الدَّفْع لِمَنْ أَصَابَ الْوَصْفَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّمَلُّكِ. لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَالٌ ضَائِعٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ ثَانٍ , بِخِلَاف مَا بَعْدَ التَّمَلُّكِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْتَاجُ الْمُدَّعِي إِلَى الْبَيِّنَةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي \" ثُمَّ قَالَ : أَمَّا إِذَا صَحَّْت الزِّيَادَة فَتَخُصُّ صُورَة الْمُلْتَقَط مِنْ عُمُوم \" الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي \" وَاللَّه أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ : \" اِحْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا \" الْوِعَاء بِالْمَدِّ وَبِكَسْرِ الْوَاوِ وَقَدْ تُضَمُّ , وَقَرَأَ بِهَا الْحَسَن فِي قَوْلِهِ : \" قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ \" وَقَرَأَ سَعِيد بْن جُبَيْر \" إِعَاء \" بِقَلْب الْوَاو الْمَكْسُورَة هَمْزَة. وَالْوِعَاءُ مَا يُجْعَلُ فِيهِ الشَّيْء سَوَاء كَانَ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خَزَفٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيْر ذَلِكَ. وَالْوِكَاءُ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ الْخَيْط الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الصُّرَّة وَغَيْرهَا. وَزَادَ فِي حَدِيثِ زَيْد بْن خَالِد \" الْعِفَاص \" وَسَيَأْتِي ذِكْره وَشَرْحه وَحُكْم هَذِهِ الْعَلَامَاتِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ ) ‏ ‏الْقَائِل شُعْبَة وَالَّذِي قَالَ : \" لَا أَدْرِي \" هُوَ شَيْخُهُ سَلَمَة بْن كُهَيْل , وَقَدْ بَيَّنَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة بَهْز بْن أَسَدٍ عَنْ شُعْبَة أَخْبَرَنِي سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ وَاخْتَصَرَ الْحَدِيثَ , قَالَ شُعْبَة : فَسَمِعْته بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ يَقُولُ : \" عَرِّفْهَا عَامًا وَاحِدًا \". وَقَدْ بَيَّنَهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَدِهِ أَيْضًا فَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ \" قَالَ شُعْبَة فَلَقِيتُ سَلَمَة بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَا أَدْرِي ثَلَاثَة أَحْوَال أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا \". وَأَغْرَبَ اِبْن بَطَّالٍ فَقَالَ : الَّذِي شَكَّ فِيهِ هُوَ أُبَيّ بْن كَعْب , وَالْقَائِل هُوَ سُوَيْد بْن غَفَلَة اِنْتَهَى. وَلَمْ يُصِبْ فِي ذَلِكَ وَإِنْ تَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمُنْذِرِيّ , بَلْ الشَّكّ فِيهِ مِنْ أَحَدِ رُوَاته وَهُوَ سَلَمَة لِمَا اِسْتَثْبَتَهُ فِيهِ شُعْبَة , وَقَدْ رَوَاهُ غَيْر شُعْبَة عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ بِغَيْرِ شَكّ جَمَاعَة , وَفِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ , وَأَخْرَجَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش وَالثَّوْرِيّ وَزَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة وَحَمَّاد بْن سَلَمَة كُلّهمْ عَنْ سَلَمَة وَقَالَ : قَالُوا فِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا ثَلَاثَة أَحْوَال إِلَّا حَمَّاد بْن سَلَمَة فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة. وَجَمَعَ بَعْضهمْ بَيْن حَدِيث أُبَيّ هَذَا وَحَدِيث زَيْد بْن خَالِد الْآتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ : يُحْمَلُ حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب عَلَى مَزِيد الْوَرَعِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي اللُّقَطَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّعَفُّفِ عَنْهَا , وَحَدِيث زَيْد عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ , أَوْ لِاحْتِيَاجِ الْأَعْرَابِيِّ وَاسْتِغْنَاءِ أُبَيّ. قَالَ الْمُنْذِرِيّ : لَمْ يَقُلْ أَحَد مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى أَنَّ اللُّقَطَةَ تُعَرَّفُ ثَلَاثَة أَعْوَام , إِلَّا شَيْء جَاءَ عَنْ عُمَر اِنْتَهَى. وَقَدْ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ شَوَاذَّ مِنْ الْفُقَهَاءِ. وَحَكَى بْن الْمُنْذِر عَنْ عُمَرَ أَرْبَعَة أَقْوَال : يُعَرِّفُهَا ثَلَاثَةَ أَحْوَال , عَامًا وَاحِدًا ثَلَاثَة أَشْهُر , ثَلَاثَة أَيَّام. وَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى عِظَم اللُّقَطَة وَحَقَارَتهَا. وَزَادَ اِبْن حَزْمٍ عَنْ عُمَر قَوْلًا خَامِسًا وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْهُر. وَجَزَمَ اِبْن حَزْم وَابْن الْجَوْزِيّ بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ غَلَط. قَالَ : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ سَلَمَة أَخْطَأَ فِيهَا ثُمَّ تَثَبَّتَ وَاسْتَذْكَرَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى عَامٍ وَاحِدٍ , وَلَا يُؤْخَذُ إِلَّا بِمَا لَمْ يَشُكَّ فِيهِ رَاوِيهِ. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيِّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ أَنَّ تَعْرِيفَهَا لَمْ يَقَعْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي , فَأَمَرَ أُبَيًّا بِإِعَادَةِ التَّعْرِيفِ كَمَا قَالَ لِلْمُسِيءِ صِلَاتَهُ \" اِرْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ \" اِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا عَلَى مِثْلِ أُبَيّ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ فُقَهَاء الصَّحَابَة وَفُضَلَائِهِمْ. وَقَدْ حَكَى صَاحِب الْهِدَايَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ رِوَايَة عِنْدَهُمْ أَنَّ الْأَمْرَ فِي التَّعْرِيفِ مُفَوَّضٌ لِأَمْر الْمُلْتَقِط , فَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا إِلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ , وَاللَّه أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أُبَيّ بْن كَعْب فِي أَوَاخِر أَبْوَابِ اللُّقَطَةِ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2249",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُنْبَعِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏أَعْرَابِيٌّ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ فَقَالَ ‏ ‏عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ احْفَظْ ‏ ‏عِفَاصَهَا ‏ ‏وَوِكَاءَهَا ‏ ‏فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِهَا وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْهَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ قَالَ ضَالَّةُ الْإِبِلِ ‏ ‏فَتَمَعَّرَ ‏ ‏وَجْهُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَهْدِيّ , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ رَبِيعَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بِالرَّأْي بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ , وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن وَهْبٍ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَغَيْره \" أَنَّ رَبِيعَة حَدَّثَهُمْ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( مَوْلَى الْمُنْبَعِث ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُون النُّونِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ , وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْعِلْمِ وَالشِّرْبِ وَهُنَا فِي مَوَاضِعَ , وَيَأْتِي فِي الطَّلَاقِ وَالْأَدَبِ. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ أَعْرَابِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ رَبِيعَة \" جَاءَ رَجُل \" وَزَعَمَ اِبْن بَشْكُوَال وَعَزَاهُ لِأَبِي دَاوُد وَتَبِعَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ السَّائِل الْمَذْكُور هُوَ بِلَال الْمُؤَذِّن , وَلَمْ أَرَ عِنْد أَبِي دَاوُد فِي شَيْءٍ مِنْ النُّسَخِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ , وَفِيهِ بُعْدٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ أَعْرَابِيّ وَقِيلَ السَّائِلُ هُوَ الرَّاوِي وَفِيهِ بُعْدٌ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَمُسْتَنَد مَنْ قَالَ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ رَبِيعَة بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَقَالَ فِيهِ \" إِنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنْ رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زَيْد بْن خَالِد فَقَالَ فِيهِ \" أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ \" عَلَى الشَّكِّ. وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ اِبْن وَهْب الْمَذْكُورَة عَنْ زَيْد بْن خَالِد \" أَتَى رَجُلٌ وَأَنَا مَعَهُ \" فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُهُ وَلَعَلَّهُ نَسَبَ السُّؤَالَ إِلَى نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ كَانَ مَعَ السَّائِلِ. ثُمَّ ظَفِرْت بِتَسْمِيَةِ السَّائِلِ وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيّ وَالْبَغَوِيّ وَابْن السَّكَنِ وَالْبَارُودِيّ وَالطَّبَرَانِيّ كُلّهمْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن مَعْن الْغِفَارِيّ عَنْ رَبِيعَة عَنْ عُقْبَة بْن سُوَيْد الْجُهَنِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : \" سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ : عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ أَوْثِقْ وِعَاءَهَا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُد طَرَفًا مِنْهُ تَعْلِيقًا وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ. وَكَذَلِكَ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخِهِ. وَهُوَ أَوْلَى مَا يُفَسَّرُ بِهِ هَذَا الْمُبْهَم لِكَوْنِهِ مِنْ رَهْطِ زَيْد بْن خَالِد. وَرَوَى أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَالطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَة الْخُشَنِيّ قَالَ : \" قُلْت يَا رَسُول اللَّهِ الْوَرِقُ يُوجَدُ عِنْدَ الْقَرْيَةِ , قَالَ : عَرِّفْهَا حَوْلًا \" الْحَدِيث , وَفِيهِ سُؤَالُهُ عَنْ الشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَجَوَابُهُ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيث طَوِيلٍ أَخْرَجَ أَصْله النَّسَائِيّ. وَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي \" الصَّحَابَة \" مِنْ طَرِيقِ مَالِك بْن عُمَيْر عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ \" سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ : إِنْ وَجَدْت مَنْ يَعْرِفُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ \" الْحَدِيث وَإِسْنَاده وَاهٍ جِدًّا وَرَوَى الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث الْجَارُود الْعَبْدِيّ قَالَ : \" قُلْت يَا رَسُول اللَّهِ اللُّقَطَة نَجِدُهَا , قَالَ : أَنْشِدْهَا وَلَا تَكْتُمْ وَلَا تُغَيِّبْ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَأَلَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ ) ‏ ‏فِي أَكْثَر الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ اللُّقَطَةِ , زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ يَزِيد مَوْلَى الْمُنْبَعِث \" الذَّهَب وَالْفِضَّة \" وَهُوَ كَالْمِثَالِ وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْجَوْهَرِ وَاللُّؤْلُؤِ مَثَلًا وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَمْتِعُ بِهِ غَيْر الْحَيَوَانِ فِي تَسْمِيَتِهِ لُقَطَة وَفِي إِعْطَائِهِ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ. وَوَقَعَ لِأَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد مَوْلَى الْمُنْبَعِث عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظ \" وَسُئِلَ عَنْ اللُّقَطَةِ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اِعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْعَقَدِيّ عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال الْمَاضِيَة فِي الْعِلْمِ \" اِعْرِفْ وِكَاءَهَا أَوْ قَالَ عِفَاصهَا \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ بَشِير بْن سَعِيد عَنْ زَيْد بْن خَالِد \" فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا \" زَادَ فِيهِ الْعَدَدَ كَمَا فِي حَدِيثِ أُبَيّ بْن كَعْب. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَاب \" اِعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَة \" وَوَافَقَهُ الْأَكْثَر. نَعَمْ وَافَقَ الثَّوْرِيّ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد مَوْلَى الْمُنْبَعِث بِلَفْظِ \" عَرِّفْهَا حَوْلًا , فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ , وَإِلَّا اِعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ اِقْبِضْهَا فِي مَالِك \" الْحَدِيثَ. وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ التَّعْرِيفَ يَقَعُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَا ذَكَرَ مِنْ الْعَلَامَاتِ. وَرِوَايَةُ الْبَابِ تَقْتَضِي أَنَّ التَّعْرِيفَ يَسْبِقُ الْمَعْرِفَةَ , وَقَالَ النَّوَوِيّ : يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالْمَعْرِفَةِ فِي حَالَتَيْنِ , فَيُعَرِّفُ الْعَلَامَاتِ أَوَّلَ مَا يَلْتَقِطُ حَتَّى يَعْلَمَ صِدْق وَاصِفهَا إِذَا وَصَفَهَا كَمَا تَقَدَّمَ , ثُمَّ بَعْدَ تَعْرِيفهَا سَنَةً إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا فَيُعَرِّفُهَا مَرَّة أُخْرَى تَعَرُّفًا وَافِيًا مُحَقَّقًا لِيَعْلَم قَدْرَهَا وَصِفَتَهَا فَيَرُدَّهَا إِلَى صَاحِبِهَا. قُلْت : وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ \" ثُمَّ \" فِي الرِّوَايَتَيْنِ بِمَعْنَى الْوَاو فَلَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا وَلَا تَقْتَضِي تَخَالُفًا يَحْتَاجُ إِلَى الْجَمْعِ وَيُقَوِّيه كَوْن الْمَخْرَج وَاحِدًا وَالْقِصَّة وَاحِدَة وَإِنَّمَا يُحَسِّنُ مَا تَقَدَّمَ أَنْ لَوْ كَانَ الْمَخْرَج مُخْتَلِفًا فَيُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ , وَلَيْسَ الْغَرَض إِلَّا أَنْ يَقَعَ التَّعَرُّف وَالتَّعْرِيف مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَيِّهِمَا أَسْبَق. وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ أَظْهَرُهُمَا الْوُجُوب لِظَاهِرِ الْأَمْرِ , وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ , وَقَالَ بَعْضهمْ يَجِبُ عِنْدَ الِالْتِقَاطِ , وَيُسْتَحَبُّ بَعْدَهُ. وَالْعِفَاصُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيف الْفَاء وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُهْمَلَة : الْوِعَاءُ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ النَّفَقَة جِلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ , وَقِيلَ لَهُ الْعِفَاص أَخْذًا مِنْ الْعَفْصِ وَهُوَ الثَّنْيُ لِأَنَّ الْوِعَاءَ يُثَنَى عَلَى مَا فِيهِ وَقَدْ وَقَعَ فِي \" زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ \" لِعَبْد اللَّه بْن أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ سَلَمَة فِي حَدِيثِ أُبَيّ \" وَخِرْقَتَهَا \" بَدَل عِفَاصهَا وَالْعِفَاص أَيْضًا الْجِلْد الَّذِي يَكُونُ عَلَى رَأْسِ الْقَارُورَةِ , وَأَمَّا الَّذِي يَدْخُلُ فَم الْقَارُورَةِ مِنْ جِلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ الصِّمَامُ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ. ‏ ‏قُلْت : فَحَيْثُ ذَكَرَ الْعِفَاص مَعَ الْوِعَاءِ فَالْمُرَادُ الثَّانِي وَحَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ الْعِفَاص مَعَ الْوِعَاءِ فَالْمُرَاد بِهِ الْأَوَّل , وَالْغَرَضُ مَعْرِفَة الْآلَاتِ الَّتِي تَحْفَظُ النَّفَقَةَ. وَيَلْتَحِقُ بِمَا ذُكِرَ حِفْظ الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ وَالْكَيْلِ فِيمَا يُكَالُ وَالْوَزْنِ فِيمَا يُوزَنُ وَالذَّرْع فِيمَا يُذْرَعُ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ : يُسْتَحَبُّ تَقْيِيدُهَا بِالْكِتَابَةِ خَوْفَ النِّسْيَان , وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا عَرَّفَ بَعْضَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْض بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الدَّفْعِ لِمَنْ عَرَّفَ الصِّفَةَ قَالَ اِبْن الْقَاسِم : لَا بُدّ مِنْ ذِكْرِ جَمِيعِهَا وَكَذَا قَالَ أَصْبَغُ. لَكِنْ قَالَ لَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَة الْعَدَدِ , وَقَوْل اِبْن الْقَاسِم أَقْوَى لِثُبُوت ذِكْر الْعَدَدِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَزِيَادَة الْحَافِظِ حُجَّة. ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" عَرِّفْهَا \" بِالتَّشْدِيدِ وَكَسْر الرَّاء أَيْ اُذْكُرْهَا لِلنَّاسِ , قَالَ الْعُلَمَاء : مَحَلُّ ذَلِكَ الْمَحَافِلُ كَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَنَحْو ذَلِكَ , يَقُولُ : مَنْ ضَاعَتْ لَهُ نَفَقَةٌ أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ , وَلَا يَذْكُرُ شَيْئًا مِنْ الصِّفَاتِ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" سَنَة \" أَي مُتَوَالِيَة فَلَوْ عَرَّفَهَا سَنَة مُتَفَرِّقَة لَمْ يَكْفِ كَأَن يُعَرِّفَهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ شَهْرًا فَيَصْدُقُ أَنَّهُ عَرَّفَهَا سَنَةً فِي اِثْنَتَيْ عَشْرَة سَنَةً. وَقَالَ الْعُلَمَاء : يُعَرِّفُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ مَرَّةً ثُمَّ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ ثُمَّ فِي كُلِّ شَهْر , وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُعَرِّفَهَا بِنَفْسِهِ بَلْ يَجُوزُ بِوَكِيلِهِ وَيُعَرِّفُهَا فِي مَكَانِ سُقُوطِهَا وَفِي غَيْرِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ جَاءَ أَحَد يُخْبِرُك بِهَا ) ‏ ‏جَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف تَقْدِيرُهُ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّد بْن يُوسُف عَنْ سُفْيَان كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِر أَبْوَاب اللُّقَطَةِ \" فَإِنْ جَاءَ أَحَد يُخْبِرُك بِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْهَا ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْدَ أَبْوَاب وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُلْتَقِطَ يَتَصَرَّفُ فِيهَا سَوَاء كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة إِنْ كَانَ غَنِيًّا تَصَدَّقَ بِهَا وَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا تَخَيَّرَ بَيْنَ إِمْضَاءِ الصَّدَقَة أَوْ تَغْرِيمِهِ , قَالَ صَاحِب الْهِدَايَةِ : إِلَّا إِنْ كَانَ يَأْذَنُ الْإِمَام فَيَجُوزُ لِلْغَنِيِّ كَمَا فِي قِصَّةِ أُبَيّ بْن كَعْب , وَبِهَذَا قَالَ عُمَر وَعَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَغَيْرهمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يَا رَسُول اللَّهِ فَضَالَّة الْغَنَم ) ‏ ‏أَيْ مَا حُكْمُهَا ؟ فَحَذْفُ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ. قَالَ الْعُلَمَاء : الضَّالَّةُ لَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى الْحَيَوَانِ , وَمَا سِوَاهُ يُقَالُ لَهُ لُقَطَة. وَيُقَالُ لِلضَّوَالِّ أَيْضًا الْهَوَامِي وَالْهَوَافِي بِالْمِيم وَالْفَاءِ وَالْهَوَامِل. ‏ ‏قَوْله : ( لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى جَوَازِ أَخْذِهَا كَأَنَّهُ قَالَ : هِيَ ضَعِيفَةٌ لِعَدَمِ الِاسْتِقْلَالِ , مُعَرَّضَة لِلْهَلَاكِ مُتَرَدِّدَة بَيْنَ أَنْ تَأْخُذَهَا أَنْتَ أَوْ أَخُوك , وَالْمُرَاد بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ صَاحِبِهَا أَوْ مِنْ مُلْتَقِطٍ آخَرَ وَالْمُرَاد بِالذِّئْبِ جِنْس مَا يَأْكُلُ الشَّاةَ مِنْ السِّبَاعِ. وَفِيهِ حَثٌّ لَهُ عَلَى أَخْذِهَا لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَأْخُذْهَا بَقِيَتْ لِلذِّئْبِ كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى لَهُ إِلَى أَخْذِهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ رَبِيعَة كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَاب \" فَقَالَ خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَك \" إِلَخْ , وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْأَمْرِ بِالْأَخْذِ , فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى رَدِّ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ فِي قَوْلِهِ : \" يَتْرُكُ اِلْتِقَاط الشَّاةِ \" , وَتَمَسَّكَ بِهِ مَالِك فِي أَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِالْأَخْذِ وَلَا يَلْزَمُهُ غَرَامَة وَلَوْ جَاءَ صَاحِبهَا. وَاحْتَجَّ لَهُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الذِّئْبِ وَالْمُلْتَقِط , وَالذِّئْبُ لَا غَرَامَةَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْمُلْتَقِط. وَأُجِيبَ بِأَنَّ اللَّامَ لَيْسَتْ لِلتَّمْلِيكِ لِأَنَّ الذِّئْبَ لَا يَمْلِكُ وَإِنَّمَا يَمْلِكُهَا الْمُلْتَقِط عَلَى شَرْطِ ضَمَانِهَا. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَ صَاحِبُهَا قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهَا الْمُلْتَقِط لَأَخَذَهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا بَاقِيَة عَلَى مِلْك صَاحِبِهَا , وَلَا فَرْق بَيْنَ قَوْلِهِ فِي الشَّاةِ \" هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ \" وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي اللُّقَطَةِ \" شَأْنك بِهَا أَوْ خُذْهَا \" بَلْ هُوَ أَشْبَهُ بِالتَّمَلُّكِ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ مَعَهُ ذِئْبًا وَلَا غَيْرَهُ , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَالُوا فِي النَّفَقَةِ يَغْرَمُهَا إِذَا تَصَرَّفَ فِيهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبهَا. وَقَالَ الْجُمْهُور : يَجِبُ تَعْرِيفُهَا , فَإِذَا اِنْقَضَتْ مُدَّة التَّعْرِيف أَكَلَهَا إِنْ شَاءَ وَغَرِمَ لِصَاحِبِهَا , إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : لَا يَجِبُ تَعْرِيفهَا إِذَا وُجِدَتْ فِي الْفَلَاةِ , وَأَمَّا فِي الْقَرْيَةِ فَيَجِبُ فِي الْأَصَحِّ. قَالَ النَّوَوِيّ : اِحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى \" فَإِنْ جَاءَ صَاحَبَهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ \" وَأَجَابُوا عَنْ رِوَايَة مَالِك بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْغَرَامَة وَلَا نَفَاهَا فَثَبَتَ حُكْمُهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ اِنْتَهَى. وَهُوَ يُوهِمُ أَنَّ الرِّوَايَة الْأُولَى مِنْ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ فِيهَا ذِكْر حُكْم الشَّاة إِذَا أَكَلَهَا الْمُلْتَقِط , وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ وَلَا غَيْره فِي حَدِيثِ زَيْد بْن خَالِد , نَعَمْ عِنْد أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالطَّحَاوِيّ والدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي ضَالَّة الشَّاة \" فَاجْمَعْهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا بَاغِيهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَتَمَعَّرَ وَجْه النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ أَيْ تَغَيَّرَ , وَأَصْلُهُ فِي الشَّجَرِ إِذَا قَلَّ مَاؤُهُ فَصَارَ قَلِيل النَّضْرَة عَدِيم الْإِشْرَاق , وَيُقَالُ لِلْوَادِي الْمُجْدِبِ أَمْعَر وَلَوْ رُوِيَ تَمَغَّرَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ لَكَانَ لَهُ وَجْه أَيْ صَارَ بِلَوْن الْمَغْرَةَ وَهُوَ حُمْرَةٌ شَدِيدَةٌ إِلَى كُمُودَةٍ , وَيُقَوِّيه أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر \" فَغَضِبَ حَتَّى اِحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ أَوْ وَجْهُهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا لَك وَلَهَا ) ‏ ‏زَاد فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ رَبِيعَة السَّابِقَةِ فِي الْعِلْمِ \" فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا ) ‏ ‏الْحِذَاء بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَة مَعَ الْمَدِّ أَيْ خُفّهَا , وَسِقَاؤُهَا أَيْ جَوْفهَا وَقِيلَ عُنُقُهَا , وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى اِسْتِغْنَائِهَا عَنْ الْحِفْظِ لَهَا بِمَا رَكِبَ فِي طِبَاعِهَا مِنْ الْجَلَادَةِ عَلَى الْعَطَشِ وَتَنَاوُل الْمَأْكُول بِغَيْرِ تَعَبٍ لِطُولِ عُنُقِهَا فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى مُلْتَقِط. ‏"
    },
    {
        "id": "2250",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُنْبَعِثِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اللُّقَطَةِ ‏ ‏فَزَعَمَ أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏اعْرِفْ ‏ ‏عِفَاصَهَا ‏ ‏وَوِكَاءَهَا ‏ ‏ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏إِنْ لَمْ تُعْرَفْ اسْتَنْفَقَ بِهَا صَاحِبُهَا وَكَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏فَهَذَا الَّذِي لَا أَدْرِي أَفِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ أَمْ شَيْءٌ مِنْ عِنْدِهِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏وَهِيَ تُعَرَّفُ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ قَالَ فَقَالَ دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا ‏ ‏رَبُّهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَقَدْ رَوَى الْكَثِير عَنْ شَيْخِهِ هَنَا سُلَيْمَان بْن بِلَال بِوَاسِطَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ , وَسَبَقَ فِي الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ رَبِيعَة فَكَأَنَّ لَهُ فِيهِ شَيْخَيْنِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الْفَهْمِيّ عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْهُمَا جَمِيعًا عَنْ يَزِيد مَوْلَى الْمُنْبَعِث , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ وَالطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيقِ اِبْن عُيَيْنَة عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ رَبِيعَة عَنْ يَزِيد فَجَعَلَ رَبِيعَة شَيْخ يَحْيَى لَا رَفِيقَهُ , لَكِنْ سَيَأْتِي فِي آخِرِ الطَّلَاقِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ يَزِيد مُرْسَلًا \" قَالَ سُفْيَان قَالَ يَحْيَى وَقَالَ رَبِيعَة عَنْ يَزِيد بْن خَالِد قَالَ سُفْيَان وَلَقِيت رَبِيعَة فَحَدَّثَنِي بِهِ \" فَالْحَاصِل أَنَّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى عَنْ يَزِيد عَنْ زَيْد يَكُونُ قَدْ سَوَّى الْإِسْنَادَ فَإِنَّ يَحْيَى إِنَّمَا سَمِعَ ذِكْر زِيد فِيهِ بِوَاسِطَةِ رَبِيعَة وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَحْيَى لَمَّا حَدَّثَ بِهِ سُفْيَان كَانَ ذَاهِلًا عَنْهُ ثُمَّ ذَكَرَهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ سُلَيْمَان وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَزَعَمَ ) ‏ ‏أَيْ قَالَ. وَالزَّعْمُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْقَوْلِ الْمُحَقَّقِ كَثِيرًا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَة , يَقُولُ يَزِيدُ إِنْ لَمْ تُعْرَفْ اِسْتَنْفَقَ بِهَا صَاحِبُهَا ) ‏ ‏أَيْ مُلْتَقِطُهَا وَكَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ ) ‏ ‏( قَالَ يَحْيَى هَذَا الَّذِي لَا أَدْرِي أَهُوَ فِي الْحَدِيثِ أَمْ شَيْء مِنْ عِنْدِهِ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ عِنْد يَزِيد , وَالْقَائِل يَقُولُ يَزِيد هُوَ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ. وَالْقَائِلُ \" قَالَ \" هُوَ سُلَيْمَانُ , وَهُمَا مَوْصُولَانِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ \" وَالْغَرَضُ أَنَّ يَحْيَى بْن سَعِيد شَكَّ هَلْ قَوْله : \" وَلْتَكُنْ وَدِيعَة عِنْدَهُ \" مَرْفُوع أَوْ لَا , وَهَذَا الْقَدْر الْمُشَار إِلَيْهِ بِهَذَا دُونَ مَا قَبْلَهُ لِثُبُوت مَا قَبْلَهُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ وَخُلُوّهَا عَنْ ذِكْرِ الْوَدِيعَةِ , وَقَدْ جَزَمَ يَحْيَى بْن سَعِيد بِرَفْعِهِ مَرَّة أُخْرَى وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ الْقَعْنَبِيّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْن حَسَّان كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ يَحْيَى فَقَالَ فِيهِ : \" فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَة عِنْدَك \" وَكَذَلِكَ جَزَمَ بِرَفْعِهَا خَالِد بْن مَخْلَد عَنْ سُلَيْمَان بْن رَبِيعَة عِنْد مُسْلِم , وَالْفَهْمِيّ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ يَحْيَى وَرَبِيعَة جَمِيعًا عِنْد الطَّحَاوِيّ وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيّ إِلَى رُجْحَان رَفْعِهَا فَتَرْجَمَ بَعْد أَبْوَاب \" إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَة رَدّهَا عَلَيْهِ , لِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْمُرَادِ بِكَوْنِهَا وَدِيعَةً هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يَزِيد وَهِيَ تُعَرَّفُ أَيْضًا ) ‏ ‏هُوَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ , وَلَمْ يَشُكَّ يَحْيَى فِي كَوْنِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَوْقُوفَة عَلَى يَزِيد , وَلَمْ أَرَهَا مَرْفُوعَة فِي شَيْءٍ مِنْ الطُّرُقِ ; وَقَدْ تَقَدَّمَ حِكَايَة الْخِلَافِ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2251",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُنْبَعِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلَهُ عَنْ ‏ ‏اللُّقَطَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اعْرِفْ ‏ ‏عِفَاصَهَا ‏ ‏وَوِكَاءَهَا ‏ ‏ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ قَالَ فَضَالَّةُ الْإِبِلِ قَالَ مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا ‏ ‏رَبُّهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( شَأْنك بِهَا ) ‏ ‏الشَّأْن الْحَال أَيْ تَصَرَّفْ فِيهَا , وَهُوَ بِالنَّصْبِ أَيْ اِلْزَمْ شَأْنك بِهَا , وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر \" بِهَا \" أَيْ شَأْنُك مُتَعَلِّق بِهَا , وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَا إِذَا تَصَرَّفَ فِي اللُّقَطَةِ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا سَنَةً ثُمَّ جَاءَ صَاحِبهَا هَلْ يَضْمَنُهَا لَهُ أَمْ لَا ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِ الرَّدِّ إِنْ كَانَتْ الْعَيْن مَوْجُودَة , أَوْ الْبَدَل إِنْ كَانَتْ اِسْتُهْلِكَتْ , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْكَرَابِيسِيّ صَاحِب الشَّافِعِيِّ وَوَافَقَهُ صَاحِبَاهُ الْبُخَارِيّ وَدَاوُد بْن عَلِيّ إِمَام الظَّاهِرِيَّة , لَكِنْ وَافَقَ دَاوُد الْجُمْهُورَ إِذَا كَانَتْ الْعَيْنُ قَائِمَة , وَمِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ قَوْله فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ \" وَلْتَكُنْ وَدِيعَة عِنْدَك \" وَقَوْلُهُ أَيْضًا عِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَةِ بِشْر بْن سَعِيد عَنْ زَيْد بْن خَالِد \" فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ كُلْهَا , فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ \" فَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ : \" فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا إِلَخْ \". بَعْدَ قَوْلِهِ : \" كُلْهَا \" يَقْتَضِي وُجُوب رَدِّهَا بَعْدَ أَكْلِهَا فَيُحْمَلُ عَلَى رَدِّ الْبَدَلِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَقِيَّة الرِّوَايَاتِ , وَالتَّقْدِير فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ كُلْهَا إِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَة أَبِي دَاوُد مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظ \" فَإِنْ جَاءَ بَاغِيهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ , وَإِلَّا فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ كُلْهَا , فَإِنْ جَاءَ بَاغِيها فَأَدِّهَا إِلَيْهِ \" فَأَمَرَ بِأَدَائِهَا إِلَيْهِ قَبْلَ الْإِذْنِ فِي أَكْلِهَا وَبَعْده , وَهِيَ أَقْوَى حُجَّة لِلْجُمْهُورِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد مَوْلَى الْمُنْبَعِث عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْد بْن خَالِد فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا دَفَعْتهَا إِلَيْهِ وَإِلَّا عَرَفْتَ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ اِقْبِضْهَا فِي مَالِكَ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ \" وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا أَمْكَنَ حَمْلُ قَوْل الْمُصَنِّفِ فِي التَّرْجَمَةِ \" فَهِيَ لِمَنْ وَجَدَهَا \" أَيْ فِي إِبَاحَةِ التَّصَرُّفِ فِيهَا حِينَئِذٍ , وَأَمَّا أَمْر ضَمَانهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ سَاكِتٌ عَنْهُ , قَالَ النَّوَوِيّ : إِنْ جَاءَ صَاحِبهَا قَبْلَ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا الْمُلْتَقِط أَخَذَهَا بِزَوَائِدِهَا الْمُتَّصِلَة وَالْمُنْفَصِلَة وَأَمَّا بَعْدَ التَّمَلُّكِ فَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبهَا فَهِيَ لِمَنْ وَجَدَهَا وَلَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ , وَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا فَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَة بِعَيْنِهَا اِسْتَحَقَّهَا بِزَوَائِدِهَا الْمُتَّصِلَة وَمَهْمَا تَلِفَ مِنْهَا لَزِمَ الْمُلْتَقِطَ غَرَامَتُهُ لِلْمَالِكِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ , وَقَالَ بَعْض السَّلَفِ : لَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ اِخْتِيَار الْبُخَارِيّ وَاللَّه أَعْلَمُ. وَسَأَذْكُرُ بَقِيَّةَ فَوَائِدِ حَدِيثِ زَيْد بْن خَالِد بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2252",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ قَالَ ‏ ‏لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَلْحَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ طَلْحَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ مُصَرِّف. ‏ ‏قَوْله : ( لَأَكَلْتُهَا ) ‏ ‏ظَاهِر فِي جَوَازِ أَكْل مَا يُوجَدُ مِنْ الْمُحَقَّرَاتِ مُلْقًى فِي الطُّرُقَاتِ , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ أَكْلِهَا إِلَّا تَوَرُّعًا لِخَشْيَة أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَة الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْهِ , لَا لِكَوْنِهَا مَرْمِيَّةً فِي الطَّرِيقِ فَقَطْ. وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب \" عَلَى فِرَاشِي \" فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ تَرَكَ أَخْذَهَا تَوَرُّعًا لِخَشْيَة أَنْ تَكُونَ صَدَقَة فَلَوْ لَمْ يَخْشَ ذَلِكَ لَأَكَلَهَا , وَلَمْ يَذْكُرْ تَعْرِيفًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُمْلَكُ بِالْأَخْذِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْرِيف , لَكِنْ هَلْ يُقَالُ إِنَّهَا لُقَطَةٌ لِأَنَّ اللُّقَطَةَ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُتَمَلَّكَ دُونَ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ ؟ وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ بَعْضهمْ تَرْكَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّمْرَةَ فِي الطَّرِيقِ مَعَ أَنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ الْمَالَ الضَّائِعَ لِلْحِفْظِ وَأُجِيبَ بِاحْتِمَال أَنْ يَكُونَ أَخَذَهَا كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَنْفِيه , أَوْ تَرَكَهَا عَمْدًا لِيَنْتَفِعَ بِهَا مَنْ يَجِدُهَا مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ , وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ حِفْظُ الْمَالِ الَّذِي يُعْلَمُ تَطَلُّع صَاحِبه لَهُ , لَا مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ لِحَقَارَتِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ يَحْيَى ) ‏ ‏أَيْ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان , وَقَدْ وَصَلَهُ مُسَدَّد فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ , أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيق مُسَدَّدٍ. قُلْت : وَلِسُفْيَان فِيهِ إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ وَكِيعٍ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى طَلْحَة فَقَالَ : \" عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ وَجَدَ تَمْرَة فَأَكَلَهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ زَائِدَة إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَه مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَة عَنْ زَائِدَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2253",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِل الْبُيُوعِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2254",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا ‏ ‏يُخْتَلَى ‏ ‏شَوْكُهَا وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا ‏ ‏لِمُنْشِدٍ ‏ ‏وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ ‏ ‏النَّظَرَيْنِ ‏ ‏إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ ‏ ‏يُقِيدَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏فَقَامَ ‏ ‏أَبُو شَاهٍ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْيَمَنِ ‏ ‏فَقَالَ اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اكْتُبُوا ‏ ‏لِأَبِي شَاهٍ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِلْأَوْزَاعِيِّ ‏ ‏مَا قَوْلُهُ اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ الْبَلْخِيُّ , وَفِي الْإِسْنَادِ لَطِيفَة وَهِيَ تَصْرِيحُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاتِهِ بِالتَّحْدِيثِ مَعَ أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَةً مِنْ الْمُدَلِّسِينَ فِي نَسَق. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ الْخُطْبَةَ وَقَعَتْ عَقِبَ الْفَتْحِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ وَقَعَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ عَقِبَ قَتْلِ رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَة رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْث , فَفِي السِّيَاقِ حَذْف هَذَا بَيَانه وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( الْقَتْل ) ‏ ‏بِالْقَاف وَالْمُثَنَّاة لِلْأَكْثَرِ وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ بِالْفَاء وَالتَّحْتَانِيَّة وَالثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَاف فِيهِ أَيْضًا فِي الْعِلْمِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِد ) ‏ ‏أَيْ مُعَرِّفٍ وَأَمَّا الطَّالِبُ فَيُقَالُ لَهُ النَّاشِد , تَقُولُ نَشَدْت الضَّالَّة إِذَا طَلَبْتهَا وَأَنْشَدْتهَا إِذَا عَرَّفْتهَا , وَأَصْل الْإِنْشَاد وَالنَّشِيد رَفْعُ الصَّوْت , وَالْمَعْنَى لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُعَرِّفَهَا فَقَطْ , فَأَمَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَهَا ثُمَّ يَتَمَلَّكَهَا فَلَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَا عَدَا هَذِهِ الْجُمْلَة فِي الْحَجِّ إِلَّا قَوْلَهُ : \" وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيل \" فَأُحِيلَ بِهِ عَلَى كِتَاب الدِّيَات , وَإِلَّا قَوْله : \" اُكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ \" فَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ وَالْقَائِل \" قُلْت لِلْأَوْزَاعِيّ \" هُوَ الْوَلِيدُ بْن مُسْلِم الرَّاوِي , وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثَيْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُورَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى أَنَّ لُقَطَة مَكَّة لَا تُلْتَقَطُ لِلتَّمْلِيكِ بَلْ لِلتَّعْرِيفِ خَاصَّةً وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَإِنَّمَا اِخْتَصَّتْ بِذَلِكَ عِنْدَهُمْ لِإِمْكَانِ إِيصَالِهَا إِلَى رَبِّهَا , لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ لِلْمَكِّيّ فَظَاهِر , وَإِنْ كَانَتْ لِلْآفَاقِيّ فَلَا يَخْلُو أُفُق غَالِبًا مِنْ وَارِدٍ إِلَيْهَا , فَإِذَا عَرَّفَهَا وَاجِدهَا فِي كُلِّ عَامٍ سَهُلَ التَّوَصُّل إِلَى مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا , قَالَهُ ابْن بَطَّال. وَقَالَ أَكْثَر الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْض الشَّافِعِيَّةِ : هِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ , وَإِنَّمَا تَخْتَصُّ مَكَّةُ بِالْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْرِيفِ لِأَنَّ الْحَاجَّ يَرْجِعُ إِلَى بَلَدِهِ وَقَدْ لَا يَعُودُ فَاحْتَاجَ الْمُلْتَقِط بِهَا إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْرِيفِ. وَاحْتَجَّ اِبْن الْمُنِير لِمَذْهَبِهِ بِظَاهِرِ الِاسْتِثْنَاءِ , لِأَنَّهُ نَفَى الْحِلَّ وَاسْتَثْنَى الْمُنْشِد فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحِلَّ ثَابِت لِلْمُنْشِدِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إِثْبَات , قَالَ : وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّ مَكَّةَ وَغَيْرَهَا سَوَاء , وَالْقِيَاس يَقْتَضِي تَخْصِيصَهَا. وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّخْصِيصَ إِذَا وَافَقَ الْغَالِب لَمْ يَكُنْ لَهُ مَفْهُوم , وَالْغَالِب أَنَّ لُقَطَة مَكَّة يَيْأَسُ مُلْتَقِطهَا مِنْ صَاحِبِهَا , وَصَاحِبُهَا مِنْ وِجْدَانِهَا لِتَفَرُّقِ الْخَلْقِ إِلَى الْآفَاقِ الْبَعِيدَةِ , فَرُبَّمَا دَاخَلَ الْمُلْتَقِطَ الطَّمَعُ فِي تَمَلُّكِهَا مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ فَلَا يُعَرِّفُهَا فَنَهَى الشَّارِع عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا , وَفَارَقَتْ فِي ذَلِكَ لُقَطَة الْعَسْكَر بِبِلَاد الْحَرْب بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ فَإِنَّهَا لَا تُعَرَّفُ فِي غَيْرِهِمْ بِاتِّفَاق , بِخِلَاف لُقَطَة مَكَّة فَيُشْرَعُ تَعْرِيفهَا لِإِمْكَان عَوْدِ أَهْل أُفُق صَاحِب اللُّقَطَةِ إِلَى مَكَّةَ فَيَحْصُلُ مُتَوَصَّل إِلَى مَعْرِفَة صَاحِبِهَا وَقَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ : قَوْلُهُ : \" إِلَّا لِمُنْشِد \" أَيْ لِمَنْ سَمِعَ نَاشِدًا يَقُولُ : مَنْ رَأَى لِي كَذَا ؟ فَحِينَئِذ يَجُوزُ لِوَاجِد اللُّقَطَة أَنْ يُعَرِّفَهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا وَهُوَ أَضْيَقُ مِنْ قَوْلِ الْجُمْهُورِ لِأَنَّهُ قَيَّدَهُ بِحَالَةٍ لِلْمُعَرِّفِ دُونَ حَالَة , وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْمُنْشِدِ الطَّالِب حَكَاهُ أَبُو عُبَيْد وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي اللُّغَةِ تَسْمِيَة الطَّالِبِ مُنْشِدًا. قُلْت : وَيَكْفِي فِي رَدّ ذَلِكَ قَوْله فِي حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس \" لَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهَا إِلَّا مُعَرِّف \" وَالْحَدِيثَ يُفَسِّرُ بَعْضه بَعْضًا , وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ النُّكْتَة فِي تَصْدِير الْبُخَارِيّ الْبَاب بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس , وَأَمَّا اللُّغَةُ فَقَدْ أَثْبَتَ الْحَرْبِيّ جَوَاز تَسْمِيَة الطَّالِبِ مُنْشِدًا وَحَكَاهُ عِيَاض أَيْضًا وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لُقَطَة عَرَفَة وَالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ كَسَائِرِ الْبِلَادِ لِاخْتِصَاصِ مَكَّةَ بِذَلِكَ , وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ فِي \" الْحَاوِي \" وَجْهًا فِي عَرَفَة أَنَّهَا تَلْتَحِقُ بِحُكْمِ مَكَّةَ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ الْحَاجَّ كَمَكَّةَ وَلَمْ يُرَجِّحْ شَيْئًا , وَلَيْسَ الْوَجْه الْمَذْكُور فِي \" الرَّوْضَةِ \" وَلَا أَصْلِهَا , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَعْرِيف الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَام بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ , وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2255",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ نَافِعِ ) ‏ ‏فِي \" مُوَطَّأ مُحَمَّد بْن الْحَسَن \" عَنْ مَالِكٍ أَخْبَرَنَا نَافِع , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي قُطْنٍ فِي \" الْمُوَطَّآتِ لِلدَّارَقُطْنِيّ \" قُلْت لِمَالِكٍ أَحَدَّثَكَ نَافِعٌ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ يَزِيد بْن الْهَادِ عَنْ مَالِكٍ عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا أَنَّهُ \" سَمِعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَحْلُبَنَّ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ وَأَكْثَر الْمُوَطَّآت بِضَمِّ اللَّامِ , وَفِي رِوَايَةِ اِبْن الْهَادِ الْمَذْكُورَة \" لَا يَحْتَلِبَنَّ بِكَسْرِهَا وَزِيَادَة الْمُثَنَّاة قَبْلَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( مَاشِيَة اِمْرِئٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن الْهَادِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ رُوَاة الْمُوَطَّأ \" مَاشِيَة رَجُل \" وَهُوَ كَالْمِثَالِ وَإِلَّا فَلَا اِخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِالرِّجَالِ وَذَكَرَهُ بَعْض شُرَّاح الْمُوَطَّأ بِلَفْظِ \" مَاشِيَة أَخِيهِ \" وَقَالَ : هُوَ لِلْغَالِبِ إِذْ لَا فَرْقَ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا وُجُودَ لِذَلِكَ فِي الْمُوَطَّأِ وَبِإِثْبَاتِ الْفَرْقِ عِنْد كَثِير مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا سَيَأْتِي فِي فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيث وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عُمَر عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظ \" نَهَى أَنْ تُحْلَبَ مَوَاشِي النَّاس إِلَّا بِإِذْنِهِمْ \" وَالْمَاشِيَة تَقَعُ عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ , وَلَكِنَّهُ فِي الْغَنَمِ يَقَعُ أَكْثَر قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَشْرُبَتُهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الرَّاءِ وَقَدْ تُفْتَحُ أَيْ غُرْفَتُهُ , وَالْمَشْرَبَة مَكَان الشُّرْبِ بِفَتْحِ الرَّاءِ خَاصَّة وَالْمَشْرِبَة بِالْكَسْرِ إِنَاء الشُّرْبِ. ‏ ‏قَوْله : ( خِزَانَته ) ‏ ‏الْخِزَانَة الْمَكَان أَوْ الْوِعَاء الَّذِي يُخَزَّنُ فِيهِ مَا يُرَادُ حِفْظُهُ , وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عِنْدَ أَحْمَدَ \" فَيُكْسَرَ بَابُهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَيُنْتَقَلَ ) ‏ ‏بِالنُّونِ وَالْقَافِ وَضَمّ أَوَّله يُفْتَعَلُ مِنْ النَّقْلِ أَيْ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ , كَذَا فِي أَكْثَرِ الْمُوَطَّآت عَنْ مَالِك وَرَوَاهُ بَعْضهمْ كَمَا حَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق رَوْح بْن عُبَادَة وَغَيْره بِلَفْظ \" فَيُنْتَثَلَ \" بِمُثَلَّثَةٍ بَدَلَ الْقَاف , وَالنَّثْل النَّثْر مَرَّة وَاحِدَة بِسُرْعَة , وَقِيلَ الِاسْتِخْرَاجُ وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ النَّقْلِ , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوب وَمُوسَى بْن عُقْبَة وَغَيْرهمَا عَنْ نَافِع وَرَوَاهُ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ بِالْقَاف , وَهُوَ عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِالْمُثَلَّثَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَخْزُنُ ) ‏ ‏بِالْخَاء الْمُعْجَمَةِ السَّاكِنَةِ وَالزَّايِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا نُون. وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" تُحْرِزُ \" بِضَمِّ أَوَّله وَإِهْمَالِ الْحَاء وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَاي. ‏ ‏قَوْله : ( ضُرُوع ) ‏ ‏الضَّرْع لِلْبَهَائِمِ كَالثَّدْي لِلْمَرْأَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( أُطْعُمَاتهمْ ) ‏ ‏هُوَ جَمْعُ أَطْعِمَة وَالْأَطْعِمَة جَمْع طَعَام وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا اللَّبَن , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : فِي الْحَدِيثِ النَّهْي عَنْ أَنْ يَأْخُذَ الْمُسْلِمُ لِلْمُسْلِمِ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِهِ وَإِنَّمَا خَصَّ اللَّبَن بِالذِّكْرِ لِتَسَاهُلِ النَّاسِ فِيهِ فَنَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ , وَبِهَذَا أَخَذَ الْجُمْهُور , لَكِنْ سَوَاء كَانَ بِإِذْنٍ خَاصٍّ أَوْ إِذْنٍ عَامٍّ , وَاسْتَثْنَى كَثِير مِنْ السَّلَفِ مَا إِذَا عَلِمَ بِطِيب نَفْس صَاحِبِهِ , وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ إِذْن خَاصّ وَلَا عَامّ , وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ سَوَاء عَلِمَ بِطِيب نَفْسه أَوْ لَمْ يَعْلَمْ , وَالْحُجَّة لَهُمْ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَة مَرْفُوعًا \" إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبهَا فِيهَا فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا فَإِنْ أَجَابَ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَإِلَّا فَلْيَحْلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ \" إِسْنَاده صَحِيح إِلَى الْحَسَنِ , فَمَنْ صَحَّحَ سَمَاعه مِنْ سَمُرَة صَحَّحَهُ وَمَنْ لَا أَعَلَّهُ بِالِانْقِطَاعِ , لَكِنَّ لَهُ شَوَاهِدَ مِنْ أَقْوَاهَا حَدِيث أَبِي سَعِيد مَرْفُوعًا \" إِذَا أَتَيْت عَلَى رَاعٍ فَنَادِهِ ثَلَاثًا , فَإِنْ أَجَابَك وَإِلَّا فَاشْرَبْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ وَإِذَا أَتَيْتَ عَلَى حَائِط بُسْتَان \" فَذَكَرَ مِثْله أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَالطَّحَاوِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم , وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ حَدِيث النَّهْي أَصَحُّ , فَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يُعْمَلَ بِهِ وَبِأَنَّهُ مُعَارِضٌ لِلْقَوَاعِدِ الْقَطْعِيَّةِ فِي تَحْرِيمِ مَالِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ , وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِوُجُوه مِنْ الْجَمْعِ : مِنْهَا حَمْل الْإِذْن عَلَى مَا إِذَا عَلِمَ طِيب نَفْس صَاحِبِهِ وَالنَّهْي عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ. وَمِنْهَا تَخْصِيص الْإِذْن بِابْنِ السَّبِيلِ دُونَ غَيْرِهِ أَوْ بِالْمُضْطَرِّ أَوْ بِحَال الْمَجَاعَة مُطْلَقًا وَهِيَ مُتَقَارِبَة , وَحَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ حَدِيثَ الْإِذْنِ كَانَ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدِيث النَّهْي أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا سَيَكُونُ بَعْدَهُ مِنْ التَّشَاحِّ وَتَرْكِ الْمُوَاسَاة. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ حَدِيث النَّهْي عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمَالِكُ أَحْوَجَ مِنْ الْمَارِّ لِحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ إِذْ رَأَيْنَا إِبِلًا مَصْرُورَةً فَثُبْنَا إِلَيْهَا فَقَالَ لَنَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَذِهِ الْإِبِلَ لِأَهْلِ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ هُوَ قُوتُهُمْ , أَيَسُرُّكُمْ لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى مَزَاوِدِكُمْ فَوَجَدْتُمْ مَا فِيهَا قَدْ ذَهَبَ ؟ قُلْنَا : لَا , قَالَ : فَإِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ. وَفِي حَدِيثِ أَحْمَدَ \" فَابْتَدَرَهَا الْقَوْم لِيَحْلِبُوهَا \" قَالُوا فَيُحْمَلُ حَدِيث الْإِذْنِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَالِك مُحْتَاجًا , وَحَدِيث النَّهْي عَلَى مَا إِذَا كَانَ مُسْتَغْنِيًا. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْإِذْنَ عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مَصْرُورَة وَالنَّهْي عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ مَصْرُورَة لِهَذَا الْحَدِيثِ , لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي آخِرِهِ \" فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَاشْرَبُوا وَلَا تَحْمِلُوا \" فَدَلَّ عَلَى عُمُومِ الْإِذْنِ فِي الْمَصْرُورِ وَغَيْره , لَكِنْ بِقَيْدِ عَدَم الْحَمْلِ وَلَا بُدّ مِنْهُ. وَاخْتَارَ اِبْن الْعَرَبِيِّ الْحَمْل عَلَى الْعَادَةِ قَالَ : وَكَانَتْ عَادَة أَهْل الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَغَيْرهمْ الْمُسَامَحَة فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ بَلَدِنَا , قَالَ : وَرَأَى بَعْضهمْ أَنَّ مَهْمَا كَانَ عَلَى طَرِيق لَا يُعْدَلُ إِلَيْهِ وَلَا يُقْصَدُ جَاز لِلْمَارِّ الْأَخْذ مِنْهُ , وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَصْرِ ذَلِكَ عَلَى الْمُحْتَاجِ. وَأَشَارَ أَبُو دَاوُد فِي \" السُّنَنِ \" إِلَى قَصْرِ ذَلِكَ عَلَى الْمُسَافِرِ فِي الْغَزْوِ , وَآخَرُونَ إِلَى قَصْر الْإذْن عَلَى مَا كَانَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ وَالنَّهْي عَلَى مَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ , وَاسْتُؤْنِسَ بِمَا شَرَطَهُ الصَّحَابَةُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ ضِيَافَةِ الْمُسْلِمِينَ وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ عُمَر. وَذَكَرَ اِبْن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُسَافِرِ يَنْزِلُ بِالذِّمِّيّ قَالَ : لَا يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِهِ , قِيلَ لَهُ : فَالضِّيَافَةُ الَّتِي جُعِلَتْ عَلَيْهِمْ ؟ قَالَ : كَانُوا يَوْمئِذٍ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ بِسَبَبِهَا ; وَأَمَّا الْآنَ فَلَا. وَجَنَحَ بَعْضهمْ إِلَى نَسْخ الْإذْن وَحَمَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ إِيجَابِ الزَّكَاةِ , قَالُوا : وَكَانَتْ الضِّيَافَة حِينَئِذٍ وَاجِبَة ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِفَرْضِ الزَّكَاةِ. قَالَ الطَّحَاوِيّ : وَكَانَ ذَلِكَ حِين كَانَتْ الضِّيَافَة وَاجِبَة ثُمَّ نُسِخَتْ فَنُسِخَ ذَلِكَ الْحُكْم وَأَوْرَدَ الْأَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ الضِّيَافَةِ فِي الْمَظَالِمِ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْحِ الْمُهَذَّبِ \" : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ مَرَّ بِبُسْتَانٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ مَاشِيَة , قَالَ الْجُمْهُور : لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا فِي حَال الضَّرُورَة فَيَأْخُذ وَيَغْرَم عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُور وَقَالَ بَعْض السَّلَفِ : لَا يَلْزَمُهُ شَيْء وَقَالَ أَحْمَد : إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْبُسْتَانِ حَائِط جَازَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْ الْفَاكِهَةِ الرَّطْبَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَحْتَجْ لِذَلِكَ , وَفِي الْأُخْرَى إِذَا اِحْتَاجَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ , وَعَلَّقَ الشَّافِعِيّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : يَعْنِي حَدِيث اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا \" إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ بِحَائِطٍ فَلْيَأْكُلْ وَلَا يَتَّخِذْ خَبِيئَة \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ , قَالَ الْبَيْهَقِيّ : لَمْ يَصِحَّ وَجَاءَ مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ غَيْر قَوِيَّة. قُلْت : وَالْحَقُّ أَنَّ مَجْمُوعَهَا لَا يَقْصُرُ عَنْ دَرَجَةِ الصَّحِيحِ , وَقَدْ اِحْتَجُّوا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ بِمَا هُوَ دُونَهَا , وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي كِتَابِي \" الْمِنْحَة فِيمَا عَلَّقَ الشَّافِعِيّ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى الصِّحَّةِ \". ‏ ‏وَفِي الْحَدِيثِ ضَرْب الْأَمْثَالِ لِلتَّقْرِيبِ لِلْإِفْهَامِ وَتَمْثِيل مَا قَدْ يَخْفَى بِمَا هُوَ أَوْضَحُ مِنْهُ , وَاسْتِعْمَال الْقِيَاسِ فِي النَّظَائِرِ. ‏ ‏وَفِيهِ ذِكْرُ الْحُكْمِ بِعِلَّتِهِ وَإِعَادَتُهُ بَعْدَ ذِكْرِ الْعِلَّةِ تَأْكِيدًا وَتَقْرِيرًا , وَأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِ مُسَاوَاة الْفَرْع لِلْأَصْلِ بِكُلِّ اِعْتِبَار , بَلْ رُبَّمَا كَانَتْ لِلْأَصْلِ مَزِيَّة لَا يَضُرُّ سُقُوطهَا فِي الْفَرْعِ إِذَا تَشَارَكَا فِي أَصْل الصِّفَة , لِأَنَّ الضَّرْعَ لَا يُسَاوِي الْخِزَانَةَ فِي الْحِرْزِ كَمَا أَنَّ الصَّرَّ لَا يُسَاوِي الْقُفْل فِيهِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَلْحَقَ الشَّارِع الضَّرْع الْمَصْرُور فِي الْحُكْمِ بِالْخِزَانَةِ الْمُقْفَلَةِ فِي تَحْرِيمِ تَنَاوُلِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِغَيْرِ إذْن صَاحِبه , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن الْمُنِير. ‏ ‏وَفِيهِ إِبَاحَة خَزْن الطَّعَامِ وَاحْتِكَاره إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ خِلَافًا لِغُلَاة الْمُتَزَهِّدَة الْمَانِعِينَ مِنْ الِادِّخَارِ مُطْلَقًا قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ. ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّ اللَّبَنَ يُسَمَّى طَعَامًا فَيَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَتَنَاوَلُ طَعَامًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّة فِي إِخْرَاج اللَّبَن قَالَهُ النَّوَوِيّ. ‏ ‏قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ بَيْع لَبَنِ الشَّاةِ بِشَاةٍ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ بَاطِلٌ , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور وَأَجَازَهُ الْأَوْزَاعِيّ. ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّ الشَّاةَ إِذَا كَانَ لَهَا لَبَن مَقْدُور عَلَى حَلْبِهِ قَابَلَهُ قِسْط مِنْ الثَّمَنِ قَالَهُ الْخَطَّابِيّ ; وَهُوَ يُؤَيِّدُ خَبَر الْمُصَرَّاة وَيُثْبِتُ حُكْمَهَا فِي تَقْوِيم اللَّبَن. ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَبَ مِنْ ضَرْع نَاقَة أَوْ غَيْرهَا فِي مَصْرُورَة مُحَرَّزَةٍ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا تَأْوِيل مَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْع أَنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ إِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ صَاحِبهَا تَعْيِينًا أَوْ إِجْمَالًا , لِأَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ أَفْصَحَ بِأَنَّ ضُرُوع الْأَنْعَام خَزَائِن الطَّعَامِ , وَحَكَى الْقُرْطُبِيّ عَنْ بَعْضِهِمْ وُجُوب الْقَطْع وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْغَنَم فِي حِرْز اِكْتِفَاءً بِحِرْز الضَّرْع لِلَّبَن , وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه ظَاهِر الْحَدِيثِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2256",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُنْبَعِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اللُّقَطَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ ‏ ‏وِكَاءَهَا ‏ ‏وَعِفَاصَهَا ‏ ‏ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا فَإِنْ جَاءَ ‏ ‏رَبُّهَا ‏ ‏فَأَدِّهَا إِلَيْهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الْإِبِلِ قَالَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ أَوْ احْمَرَّ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا حَتَّى يَلْقَاهَا ‏ ‏رَبُّهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله هُنَا : \" حَتَّى اِحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ أَوْ اِحْمَرَّ وَجْهُهُ \" ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَالْوَجْنَة مَا اِرْتَفَعَ مِنْ الْخَدَّيْنِ وَفِيهَا أَرْبَعُ لُغَات : بِالْوَاو وَالْهَمْزَةِ وَالْفَتْح فِيهِمَا وَالْكَسْر. ‏"
    },
    {
        "id": "2257",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ ‏ ‏سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ ‏ ‏فِي غَزَاةٍ فَوَجَدْتُ سَوْطًا فَقَالَا لِي أَلْقِهِ قُلْتُ لَا وَلَكِنْ إِنْ وَجَدْتُ صَاحِبَهُ وَإِلَّا اسْتَمْتَعْتُ بِهِ فَلَمَّا رَجَعْنَا حَجَجْنَا فَمَرَرْتُ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَسَأَلْتُ ‏ ‏أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏وَجَدْتُ صُرَّةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ فَأَتَيْتُ بِهَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْتُ فَقَالَ عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ اعْرِفْ عِدَّتَهَا ‏ ‏وَوِكَاءَهَا ‏ ‏وَوِعَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏بِهَذَا قَالَ فَلَقِيتُهُ بَعْدُ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَا أَدْرِي أَثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ ‏ ‏حَوْلًا وَاحِدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُوَيْد بْن غَفَلَة ) ‏ ‏بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَالْفَاء أَبُو أُمَيَّة الْجُعْفِي تَابِعِيّ كَبِير مُخَضْرَم أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ فِي زَمَنِهِ رَجُلًا وَأَعْطَى الصَّدَقَة فِي زَمَنِهِ وَلَمْ يَرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ , وَقِيلَ إِنَّهُ صَلَّى خَلْفَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ , وَإِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ حِينَ نَفَضُوا أَيْدِيهمْ مِنْ دَفْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ شَهِدَ الْفُتُوح وَنَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَة ثَمَانِينَ أَوْ بَعْدَهَا وَلَهُ مِائَة وَثَلَاثُونَ سَنَةً أَوْ أَكْثَر لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : أَنَا لِدَة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَصْغَرُ مِنْهُ بِسَنَتَيْنِ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَر عَنْ عَلِيّ فِي ذِكْرِ الْخَوَارِجِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَعَ سَلْمَان بْن رَبِيعَة ) ‏ ‏هُوَ الْبَاهِلِيُّ يُقَالُ لَهُ صُحْبَة , وَيُقَالُ لَهُ سَلْمَان الْخَيْل لِخِبْرَتِهِ بِهَا , وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى بَعْض الْمَغَازِي فِي فُتُوحِ الْعِرَاقِ فِي عَهْدِ عُمَر وَعُثْمَان , وَكَانَ أَوَّل مَنْ وَلِيَ قَضَاء الْكُوفَة وَاسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَتِهِ فِي فُتُوحِ الْعِرَاقِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَيْد بْن صُوحَان ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُون الْوَاوِ بَعْدَهَا مُهْمَلَة أَيْضًا الْعَبْدِيّ تَابِعِيّ كَبِير مُخَضْرَم أَيْضًا , وَزَعَمَ اِبْنُ الْكَلْبِيّ أَنَّ لَهُ صُحْبَة. وَرَوَى أَبُو يُعْلَى مِنْ حَدِيث عَلِيّ مَرْفُوعًا \" مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَنْ سَبَقَهُ بَعْضُ أَعْضَائِهِ إِلَى الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى زَيْد بْن صُوحَان \" وَكَانَ قُدُوم زَيْد فِي عَهْدِ عُمَر وَشَهِدَ الْفُتُوح , وَرَوَى اِبْن مَنْدَهْ مِنْ حَدِيث بُرَيْدَة قَالَ : \" سَاق النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً فَقَالَ : زَيْد زَيْد الْخَيْر , فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَجُلٌ تَسْبِقُهُ يَدُهُ إِلَى الْجَنَّةِ \" فَقُطِعَتْ يَدُ زَيْد بْن صُوحَان فِي بَعْضِ الْفُتُوحِ , وَقُتِلَ مَعَ عَلِيّ يَوْم الْجَمَل. ‏ ‏قَوْله ( فِي غَزَاة ) ‏ ‏زَاد أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ سُفْيَان عَنْ سَلَمَة \" حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعُذَيْبِ \" وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّر : مَوْضِع , وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ شُعْبَة \" فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزَاتِنَا حَجَجْت \". ‏ ‏قَوْله : ( مِائَة دِينَارٍ ) ‏ ‏اسْتُدِلَّ بِهِ لِأَبِي حَنِيفَة فِي تَفْرِقَتِهِ بَيْن قَلِيل اللُّقَطَةِ وَكَثِيرهَا فَيُعَرِّف الْكَثِير سَنَة وَالْقَلِيل أَيَّامًا , وَحَدُّ الْقَلِيل عِنْدَهُ مَا لَا يُوجِبُ الْقَطْع وَهُوَ مَا دُونُ الْعَشَرَةِ , وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِي مُدَّة التَّعْرِيف فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ , وَالْخِلَاف فِي الْقَدْرِ الْمُلْتَقَطِ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَتَيْته الرَّابِعَة فَقَالَ اِعْرِفْ عِدَّتهَا ) ‏ ‏هِيَ رَابِعَةٌ بِاعْتِبَارِ مَجِيئِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَالِثَة بِاعْتِبَارِ التَّعْرِيفِ , وَلِهَذَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ أَوَّلَ أَبْوَابِ اللُّقَطَةِ \" ثَلَاثًا \" وَقَالَ فِيهَا \" فَلَا أَدْرِي ثَلَاثَة أَحْوَال أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ اِخْتِلَاف رُوَاتِهِ فِي ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2258",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُنْبَعِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اللُّقَطَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ ‏ ‏بِعِفَاصِهَا ‏ ‏وَوِكَائِهَا ‏ ‏وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْ بِهَا وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ ‏ ‏فَتَمَعَّرَ ‏ ‏وَجْهُهُ وَقَالَ مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ دَعْهَا حَتَّى يَجِدَهَا ‏ ‏رَبُّهَا ‏ ‏وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ فَقَالَ هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2259",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏الْبَرَاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْطَلَقْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ فَقُلْتُ لِمَنْ أَنْتَ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَسَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ فَقُلْتُ هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ فَقَالَ نَعَمْ فَقُلْتُ هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لِي قَالَ نَعَمْ فَأَمَرْتُهُ فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنْ الْغُبَارِ ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ فَقَالَ هَكَذَا ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالْأُخْرَى فَحَلَبَ ‏ ‏كُثْبَةً ‏ ‏مِنْ لَبَنٍ وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِدَاوَةً ‏ ‏عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ ‏",
        "sharh": "قَوْله : ( بَابٌ ) كَذَا بِغَيْرِ تَرْجَمَة وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرّ فَهُوَ إِمَّا مِنْ الْبَابِ أَوْ كَالْفَصْلِ مِنْهُ فَيَحْتَاجُ إِلَى مُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا عَلَى الْحَالَيْنِ , فَإِنَّهُ سَاقَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ رِوَايَةِ الْبَرَاء بْن عَازِب عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق فِي قِصَّة الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَةِ , وَالْغَرَض مِنْهُ شُرْب النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر مِنْ لَبَنِ الشَّاةِ الَّتِي وُجِدَتْ مَعَ الرَّاعِي , وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مُنَاسَبَة ظَاهِرَة لِحَدِيثِ اللُّقَطَةِ لَكِنْ قَالَ اِبْن الْمُنِير : مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيث لِأَبْوَابِ اللُّقَطَةِ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمُبِيحَ لِلَّبَن هُنَا أَنَّهُ فِي حُكْم الضَّائِع إِذْ لَيْسَ مَعَ الْغَنَمِ فِي الصَّحْرَاءِ سِوَى رَاعٍ وَاحِد فَالْفَاضِل عَنْ شُرْبِهِ مُسْتَهْلَك , فَهُوَ كَالسَّوْطِ الَّذِي اغْتُفِرَ اِلْتِقَاطه , وَأَعْلَى أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ كَالشَّاة الْمُلْتَقَطَةِ فِي الضَّيْعَةِ وَقَدْ قَالَ فِيهَا : \" هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ \" ا ه ‏ ‏وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّفِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ تَظْهَرْ مُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ بِخُصُوصِهَا. ‏ ‏وَقَوْله : \" هَلْ فِي غَنَمِك مِنْ لَبَن \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ لِلْأَكْثَرِ وَحَكَى عِيَاض رِوَايَة بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ شَاة ذَات لَبَن , وَحَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ أَبَا بَكْر اِسْتَجَازَ أَخْذ ذَلِكَ اللَّبَنِ لِأَنَّهُ مَال حَرْبِيّ فَكَانَ حَلَالًا لَهُ , وَتَعَقَّبَهُ الْمُهَلَّب بِأَنَّ الْجِهَادَ وَحِلَّ الْغَنِيمَة إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِالْمَدِينَةِ , وَلَوْ كَانَ أَبُو بَكْر أَخَذَهُ عَلَى أَنَّهُ مَالٌ حَرْبِيّ لَمْ يَسْتَفْهِمْ الرَّاعِي هَلْ تُحْلَبُ أَمْ لَا , وَلَكَانَ سَاقَ الْغَنَمَ غَنِيمَة وَقَتَلَ الرَّاعِيَ أَوْ أَسَرَهُ قَالَ : وَلَكِنَّهُ كَانَ بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى سَبِيلِ الْمَكْرُمَةِ , وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَدْ أَذِنَ لِلرَّاعِي أَنْ يَسْقِيَ مَنْ مَرَّ بِهِ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ وَاسْتِيفَاء شَرْحه فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏سَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيث أَبِي بَكْر عَالِيًا عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء عَنْ إِسْرَائِيلَ وَنَازِلًا عَنْ إِسْحَاق عَنْ النَّضِرِ عَنْ إِسْرَائِيلَ لِتَصْرِيحِ أَبِي إِسْحَاق فِي الرِّوَايَةِ النَّازِلَةِ بِأَنَّ الْبَرَاءَ أَخْبَرَهُ , وَقَدْ أَوْرَدَ رِوَايَةَ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء فِي \" فَضْل أَبِي بَكْر \" وَأَغْفَلَ الْمِزِّيّ ذِكْرَ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن رَجَاء فِي اللُّقَطَةِ. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب اللُّقَطَة مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَحَد وَعِشْرِينَ حَدِيثًا الْمُعَلَّق مِنْهَا خَمْسَة وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَالْخَالِص ثَلَاثَة وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجِهَا. وَفِيهِ مِنْ الْآثَارِ أَثَر وَاحِد لِزَيْد مَوْلَى الْمُنْبَعِث. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2260",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ ‏ ‏حُبِسُوا ‏ ‏بِقَنْطَرَةٍ ‏ ‏بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ‏ ‏فَيَتَقَاصُّونَ ‏ ‏مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا ‏ ‏نُقُّوا ‏ ‏وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ ‏ ‏أَدَلُّ ‏ ‏بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْمُتَوَكِّلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله : \" بِقَنْطَرَة \" ‏ ‏الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا طَرَف الصِّرَاطِ مِمَّا يَلِي الْجَنَّة , وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ بَيْنَ الصِّرَاطِ وَالْجَنَّةِ. ‏ ‏وَقَوْلهُ : \" فَيَتَقَاصُّونَ \" ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ يَتَفَاعَلُونَ مِنْ الْقِصَاصِ وَالْمُرَاد بِهِ تَتَبُّعُ مَا بَيْنَهُمْ مِنْ الْمَظَالِمِ وَإِسْقَاط بَعْضِهَا بِبَعْض. ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" حَتَّى إِذَا نُقُّوا \" ‏ ‏بِضَمِّ النُّونِ بَعْدَهَا قَاف مِنْ التَّنْقِيَةِ , وَوَقَعَ لِلْمُسْتَمْلِي هُنَا \" تَقَصَّوْا \" بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَالْقَاف وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أَكْمَلُوا التَّقَاصَّ. ‏ ‏قَوْلهُ : ( وَهُذِّبُوا ) ‏ ‏أَيْ خُلِّصُوا مِنْ الْآثَامِ بِمُقَاصَصَة بَعْضهَا بِبَعْض , وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِر الْآتِي ذِكْرُهُ فِي التَّوْحِيدِ \" لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّة وَلِأَحَدٍ قِبَلَهُ مَظْلِمَة \" وَالْمُرَاد بِالْمُؤْمِنِينَ هُنَا بَعْضهمْ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ) : ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ يُونُس بْن مُحَمَّد إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَه اِبْن مَنْدَهْ فِي كِتَاب الْإِيمَان , وَأَرَادَ الْبُخَارِيّ بِهِ تَصْرِيح قَتَادَة عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل بِالتَّحْدِيثِ , وَاسْم أَبِي الْمُتَوَكِّل عَلِيّ بْن دُؤَاد بِضَمِّ الدَّالِ بَعْدَهَا هَمْزَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2261",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏آخِذٌ بِيَدِهِ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ فِي ‏ ‏النَّجْوَى ‏ ‏فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ ‏ ‏سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ ‏ { ‏هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ \" كَنَفه \" ‏ ‏بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ عِنْدَ الْجَمِيعِ , وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ بِكَسْر الْمُثَنَّاة وَهُوَ تَصْحِيفٌ قَبِيحٌ قَالَهُ عِيَاض. وَوَجْهُ دُخُوله فِي أَبْوَابِ الْغَصْبِ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ هُنَا \" أَغْفِرُهَا لَك \" مَخْصُوص بِحَدِيث أَبِي سَعِيد الْمَاضِي فِي الْبَابِ قَبْلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2262",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَالِمًا ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا ‏ ‏يُسْلِمُهُ ‏ ‏وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ ‏ ‏كُرْبَةً ‏ ‏فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كُرْبَةً ‏ ‏مِنْ ‏ ‏كُرُبَاتِ ‏ ‏يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْمُسْلِم أَخُو الْمُسْلِمِ ) ‏ ‏هَذِهِ أُخُوَّة الْإِسْلَامِ , فَإِنَّ كُلَّ اِتِّفَاقٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُطْلِقُ بَيْنَهُمَا اِسْمَ الْأُخُوَّةِ , وَيَشْتَرِكُ فِي ذَلِكَ الْحُرُّ وَالْعَبْد وَالْبَالِغ وَالْمُمَيِّز. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَظْلِمُهُ ) ‏ ‏هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ فَإِنَّ ظُلْم الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ حَرَام , ‏ ‏وَقَوْله : \" وَلَا يُسْلِمُهُ \" ‏ ‏أَيْ لَا يَتْرُكُهُ مَعَ مَنْ يُؤْذِيه وَلَا فِيمَا يُؤْذِيه , بَلْ يَنْصُرُهُ وَيَدْفَعُ عَنْهُ , وَهَذَا أَخَصّ مِنْ تَرْك الظُّلْم , وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ وَاجِبًا وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا بِحَسَبِ اِخْتِلَاف الْأَحْوَالِ , وَزَادَ الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ سَالِم \" وَلَا يُسْلِمُهُ فِي مُصِيبَةٍ نَزَلَتْ بِهِ \" وَلِمُسْلِمٍ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" وَلَا يَحْقِرُهُ \" وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَاف , وَفِيهِ \" بِحَسْب اِمْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْد فِي عَوْنِ أَخِيهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً ) ‏ ‏أَيْ غُمَّة , وَالْكَرْب هُوَ الْغَمُّ الَّذِي يَأْخُذُ النَّفْسَ , وَكُرُبَات بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْع كُرْبَة وَيَجُوزُ فَتْحُ رَاءِ كُرُبَات وَسُكُونُهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا ) ‏ ‏أَيْ رَآهُ عَلَى قَبِيحٍ فَلَمْ يُظْهِرْهُ أَيْ لِلنَّاسِ , وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي تَرْك الْإِنْكَار عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ , وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ فِي جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ عَلَى مَا إِذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ وَنَصَحَهُ فَلَمْ يَنْتَهِ عَنْ قَبِيحِ فِعْلِهُ ثُمَّ جَاهَرَ بِهِ , كَمَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَسْتَتِرَ إِذَا وَقَعَ مِنْهُ شَيْء , فَلَوْ تَوَجَّهَ إِلَى الْحَاكِمِ وَأَقَرَّ لَمْ يَمْتَنِعْ ذَلِكَ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّتْرَ مَحَلّه فِي مَعْصِيَةٍ قَدْ اِنْقَضَتْ , وَالْإِنْكَارَ فِي مَعْصِيَةٍ قَدْ حَصَلَ التَّلَبُّس بِهَا فَيَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَإِلَّا رَفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ , وَلَيْسَ مِنْ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ بَلْ مِنْ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ , وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ الْغِيبَةِ لِأَنَّ مَنْ أَظْهَرَ مَسَاوِئَ أَخِيهِ لَمْ يَسْتُرْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ التِّرْمِذِيّ \" سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ \" وَفِي الْحَدِيثِ حَضّ عَلَى التَّعَاوُنِ وَحُسْن التَّعَاشُر وَالْأُلْفَة , وَفِيهِ أَنَّ الْمُجَازَاةَ تَقَعُ مِنْ جِنْس الطَّاعَات , وَأَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنَّ فُلَانًا أَخُوهُ وَأَرَادَ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَحْنَثْ. وَفِيهِ حَدِيث عَنْ سُوَيْد بْن حَنْظَلَة فِي أَبِي دَاوُد فِي قِصَّةٍ لَهُ مَعَ وَائِل بْن حُجْرٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "2263",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا عَنْ عُثْمَان وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طُرُق عَنْهُ كَذَلِكَ , وَسَيَأْتِي فِي الْإِكْرَاهِ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَفِيهِ مِنْ الزِّيَادَةِ \" فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا , أَفَرَأَيْت إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ ؟ قَالَ : تَحْجِزُهُ عَنْ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى عَنْ هُشَيْمٍ عَنْهُمَا نَحْوه. ‏"
    },
    {
        "id": "2264",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( قَالَ يَا رَسُول اللَّهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ فِي الْبُخَارِيِّ \" قَالُوا \" وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْإِكْرَاهِ \" فَقَالَ رَجُل \" وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ ) ‏ ‏كَنَّى بِهِ عَنْ كَفِّهِ عَنْ الظُّلْمِ بِالْفِعْلِ إِنْ لَمْ يَكُفَّ بِالْقَوْلِ , وَعَبَّرَ بِالْفَوْقِيَّةِ إِشَارَةً إِلَى الْأَخْذِ بِالِاسْتِعْلَاءِ وَالْقُوَّةِ , وَفِي رِوَايَة مُعَاذ عَنْ حُمَيْدٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" فَقَالَ يَكُفُّهُ عَنْ الظُّلْمِ , فَذَاكَ نَصْره إِيَّاهُ \" وَلِمُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ جَابِر نَحْو الْحَدِيثِ وَفِيهِ \" إِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ فَإِنَّهُ لَهُ نُصْرَة \" قَالَ اِبْن بَطَّال : النَّصْرُ عِنْدَ الْعَرَبِ الْإِعَانَة , وَتَفْسِيره لِنَصْرِ الظَّالِمِ بِمَنْعِهِ مِنْ الظُّلْمِ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ , وَهُوَ مِنْ وَجِيز الْبَلَاغَة قَالَ الْبَيْهَقِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّ الظَّالِمَ مَظْلُومٌ فِي نَفْسِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ رَدْع الْمَرْءِ عَنْ ظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ حِسًّا وَمَعْنًى , فَلَوْ رَأَى إِنْسَانًا يُرِيدُ أَنْ يَجُبَّ نَفْسَهُ لِظَنِّهِ أَنَّ ذَلِكَ يُزِيلُ مَفْسَدَةَ طَلَبِهِ الزِّنَا مَثَلًا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ ذَلِكَ نَصَرًا لَهُ , وَاتَّحَدَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الظَّالِم وَالْمَظْلُوم. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ التَّرْكَ كَالْفِعْلِ فِي بَابِ الضَّمَانِ وَتَحْته فُرُوع كَثِيرَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر سَبَبًا لِحَدِيثِ الْبَابِ يُسْتَفَادُ مِنْهُ زَمَن وُقُوعِهِ , وَسَيَأْتِي ذِكْره فِي تَفْسِيرِ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏( لَطِيفَة ) : ‏ ‏ذَكَرَ الْمُفَضَّل الضَّبِّيّ فِي كِتَابِهِ \" الْفَاخِر \" أَنَّ أَوَّلَ مَنْ قَالَ : \" اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا \" جُنْدُب بْن الْعَنْبَر بْن عَمْرو بْن تَمِيم , وَأَرَادَ بِذَلِكَ ظَاهَرَهُ وَهُوَ مَا اِعْتَادُوهُ مِنْ حَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ , لَا عَلَى مَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ شَاعِرهمْ : ‏ ‏إِذَا أَنَا لَمْ أَنْصُرْ أَخِي وَهْوَ ظَالِمٌ ‏ ‏عَلَى الْقَوْمِ لَمْ أَنْصُرْ أَخِي حِينَ يُظْلَمُ ‏"
    },
    {
        "id": "2265",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ فَذَكَرَ ‏ ‏عِيَادَةَ ‏ ‏الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ ‏ ‏وَتَشْمِيتَ ‏ ‏الْعَاطِسِ وَرَدَّ السَّلَامِ وَنَصْرَ الْمَظْلُومِ وَإِجَابَةَ الدَّاعِي ‏ ‏وَإِبْرَارَ ‏ ‏الْمُقْسِمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث الْبَرَاء فِي الْأَمْرِ بِسَبْع وَالنَّهْيِ عَنْ سَبْعٍ ‏ ‏فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَاللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ : \" وَنَصْر الْمَظْلُومِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2266",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي مُوسَى \" الْمُؤْمِن لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" يَشُدُّ بَعْضهُ \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ يَشُدُّ بَعْضهمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2267",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2268",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَكِّيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْبَدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2269",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏إِنَّمَا سُمِّيَ ‏ ‏الْمَقْبُرِيَّ ‏ ‏لِأَنَّهُ كَانَ نَزَلَ نَاحِيَةَ الْمَقَابِرِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَسَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏هُوَ مَوْلَى ‏ ‏بَنِي لَيْثٍ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏وَاسْمُ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ كَيْسَانُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَة لِأَخِيهِ ) ‏ ‏اللَّام فِي قَوْلِهِ : \" لَهُ \" بِمَعْنَى عَلَى , أَيْ مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ مَظْلِمَة لِأَخِيهِ وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ مِنْ رِوَايَة مَالِك عَنْ الْمَقْبُرِيّ بِلَفْظ \" مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَة لِأَخِيهِ \" , وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقِ زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة عَنْ الْمَقْبُرِيّ \" رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لَهُ عِنْدَ أَخِيهِ مَظْلِمَة \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْء ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْأَشْيَاءِ , وَهُوَ مِنْ عَطْف الْعَامّ عَلَى الْخَاصِّ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَالُ بِأَصْنَافِهِ وَالْجِرَاحَاتُ حَتَّى اللَّطْمَة وَنَحْوهَا , وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيّ \" مِنْ عِرْضٍ أَوْ مَال \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَار وَلَا دِرْهَم ) ‏ ‏أَيْ يَوْم الْقِيَامَةِ , وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عَلِيّ بْن الْجَعْد عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ ) ‏ ‏أَيْ صَاحِبِ الْمَظْلِمَةِ ‏ ‏( فَحُمِلَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى الظَّالِمِ , وَفِي رِوَايَةِ مَالِك \" فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ \" , وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مَعْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَوْضَحُ سِيَاقًا مِنْ هَذَا وَلَفْظُهُ \" الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاة وَصِيَام وَزَكَاة , وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا وَسَفَكَ دَم هَذَا وَأَكَلَ مَال هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ وَطُرِحَ فِي النَّارِ \" وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَا تَزِرُ وَازِرَة وِزْرَ أُخْرَى لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُعَاقَبُ بِسَبَبِ فِعْلِهِ وَظُلْمِهِ وَلَمْ يُعَاقَبْ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ مِنْهُ بَلْ بِجِنَايَتِهِ فَقُوبِلَتْ الْحَسَنَات بِالسَّيِّئَاتِ عَلَى مَا اِقْتَضَاهُ عَدْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي عِبَادِهِ وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس : إِنَّمَا سُمِّيَ الْمَقْبُرِيّ إِلَخْ ) ‏ ‏ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ وَحْدَهُ , وَإِسْمَاعِيل الْمَذْكُور مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2270",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فِي هَذِهِ الْآيَةِ ‏ { ‏وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ‏} ‏قَالَتْ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا فَتَقُولُ أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2271",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ ‏ ‏غُلَامٌ ‏ ‏وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ فَقَالَ لِلْغُلَامِ ‏ ‏أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ فَقَالَ الْغُلَامُ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا قَالَ فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي يَدِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2272",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ ظَلَمَ مِنْ الْأَرْضِ شَيْئًا ‏ ‏طُوِّقَهُ ‏ ‏مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي طَلْحَة بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَوْف , وَكَذَا هُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ , زَاد الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" وَهُوَ اِبْنُ أَخِي عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو بْن سَهْل ) ‏ ‏هُوَ الْمَدَنِيُّ , وَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ , وَقَدْ نَسَبَهُ الْمِزِّيّ أَنْصَارِيًّا وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِهِ , بَلْ فِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاق الَّتِي سَأَذْكُرُهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قُرَشِيّ , وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيّ فِيمَنْ قُتِلَ بِالْحَرَّةِ عَبْدَ الْمَلِك بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو بْن سَهْل بْن عَبْد شَمْس بْن عَبْد وُدّ بْن نَصْر الْعَامِرِيّ الْقُرَشِيّ وَأَظُنُّهُ وَلَد هَذَا وَكَانَتْ الْحَرَّة بَعْدَ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِنَحْوٍ مِنْ عَشْر سِنِينَ , وَلَيْسَ لِعَبْد الرَّحْمَن هَذَا فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ. وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ وَقَدْ أَسْقَطَ بَعْض أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ - فِي رِوَايَتِهِمْ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيث - عَبْدَ الرَّحْمَن بْن عَمْرو بْن سَهْل وَجَعَلُوهُ مِنْ رِوَايَة طَلْحَة عَنْ سَعِيد بْن زَيْد نَفْسه , وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَد وَأَبِي يَعْلَى وَصَحِيح اِبْن خُزَيْمَة مِنْ طَرِيقِ اِبْن إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي الزُّهْرِيّ عَنْ طَلْحَة بْن عَبْد اللَّه قَالَ : أَتَتْنِي أَرْوَى بِنْت أُوَيْس فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْش فِيهِمْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَهْل فَقَالَتْ : إِنَّ سَعِيدًا انْتَقَصَ مِنْ أَرْضِي إِلَى أَرْضِهِ مَا لَيْسَ لَهُ , وَقَدْ أَحْبَبْت أَنْ تَأْتُوهُ فَتُكَلِّمُوهُ. قَالَ فَرَكِبْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ بِأَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ طَلْحَة سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ سَعِيد بْن زَيْد وَثَبَّتَهُ فِيهِ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو بْن سَهْل , فَلِذَلِكَ كَانَ رُبَّمَا أَدْخَلَهُ فِي السَّنَدِ وَرُبَّمَا حَذَفَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَنْ ظَلَمَ ) ‏ ‏قَدّ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاق قِصَّة لِسَعِيدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَسَيَأْتِي فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ طَرِيق عُرْوَة عَنْ سَعِيدٍ أَنَّهُ \" خَاصَمَتْهُ أَرْوَى فِي حَقٍّ زَعَمَتْ أَنَّهُ اِنْتَقَصَهُ لَهَا إِلَى مَرْوَانَ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ \" اِدَّعَتْ أَرْوَى بِنْت أُوَيْس عَلَى سَعِيد بْن زَيْد أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَان بْن الْحَكَمِ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن زَيْد عَنْ سَعِيد \" أَنَّ أَرْوَى خَاصَمَتْهُ فِي بَعْضِ دَارِهِ , فَقَالَ دَعُوهَا وَإِيَّاهَا \" وَلِلزُّبَيْرِ فِي \" كِتَاب النَّسَب \" مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ وَالْحَسَن بْن سُفْيَان مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن حَزْم \" اِسْتَعْدَتْ أَرْوَى بِنْت أُوَيْس مَرْوَان بْن الْحَكَم وَهُوَ وَالِي الْمَدِينَةِ عَلَى سَعِيد بْن زَيْد فِي أَرْضِهِ بِالشَّجَرَةِ وَقَالَتْ : إِنَّهُ أَخَذَ حَقِّي , وَأَدْخَلَ ضَفِيرَتِي فِي أَرْضِهِ \" فَذَكَرَهُ. وَفِي رِوَايَة الْعَلَاء \" فَتَرَكَ سَعِيد مَا اِدَّعَتْ \" وَلِابْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَزَادَ \" فَقَالَ لَنَا مَرْوَان أَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ الْأَرْضِ شَيْئًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُرْوَة فِي بَدْءِ الْخَلْقِ \" مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ ظُلْمًا \" وَفِي حَدِيثِ عَائِشَة ثَانِي أَحَادِيث الْبَاب \" قِيدَ شِبْر \" وَهُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة أَيْ قَدْره وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ الشِّبْر إِشَارَة إِلَى اِسْتِوَاء الْقَلِيل وَالْكَثِير فِي الْوَعِيدِ. ‏ ‏قَوْله : ( طُوِّقَهُ ) ‏ ‏بِضَمّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ , وَفِي رِوَايَة عُرْوَة \" فَإِنَّهُ يُطَوَّقَهُ \" وَلِأَبِي عَوَانَة وَالْجَوْزَقِيّ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" جَاءَ بِهِ مُقَلَّده \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ إِسْكَانهَا , وَزَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عُرْوَة وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن زَيْد \" أَنَّ سَعِيدًا قَالَ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأَعْمِ بَصَرَهَا وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِي دَارِهَا \" وَفِي رِوَايَة الْعَلَاء وَأَبِي بَكْر نَحْوُهُ وَزَادَ \" قَالَ وَجَاءَ سَيْلٌ فَأَبْدَى عَنْ ضَفِيرَتِهَا فَإِذَا حَقُّهَا خَارِجًا عَنْ حَقِّ سَعِيد , فَجَاءَ سَعِيد إِلَى مَرْوَانَ فَرَكِبَ مَعَهُ وَالنَّاس حَتَّى نَظَرُوا إِلَيْهَا وَذَكَرُوا كُلّهمْ أَنَّهَا عَمِيَتْ وَأَنَّهَا سَقَطَتْ فِي بِئْرِهَا فَمَاتَتْ \" قَالَ الْخَطَّابِيّ قَوْله : \" طُوِّقَهُ \" لَهُ وَجْهَانِ : ‏ ‏أَحَدهمَا أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُكَلَّفُ نَقْلَ مَا ظَلَمَ مِنْهَا فِي الْقِيَامَةِ إِلَى الْمَحْشَرِ وَيَكُونُ كَالطَّوْقِ فِي عُنُقِهِ , لَا أَنَّهُ طَوْقٌ حَقِيقَةً. ‏ ‏الثَّانِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُعَاقَبُ بِالْخَسْفِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ أَيْ فَتَكُونُ كُلّ أَرْضٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ طَوْقًا فِي عُنُقِهِ اِنْتَهَى. وَهَذَا يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ اِبْن عُمَر ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب بِلَفْظ \" خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ \" وَقِيلَ مَعْنَاهُ كَالْأَوَّلِ , لَكِنْ بَعْدَ أَنْ يَنْقُلَ جَمِيعه يُجْعَلُ كُلّه فِي عُنُقِهِ طَوْقًا وَيَعْظُمُ قَدْر عُنُقهُ حَتَّى يَسَعَ ذَلِكَ كَمَا وَرَدَ فِي غِلَظِ جِلْدِ الْكَافِرِ وَنَحْو ذَلِكَ , وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيّ وَابْن حِبَّان مِنْ حَدِيث يَعْلَى بْن مُرَّة مَرْفُوعًا \" أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ كَلَّفَهُ اللَّهُ أَنْ يَحْفِرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ آخِر سَبْع أَرَضِينَ , ثُمَّ يُطَوَّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ \" وَلِأَبِي يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ الْحَكَمِ بْن الْحَارِث السُّلَمِيّ مَرْفُوعًا \" مَنْ أَخَذَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ شِبْرًا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ \" وَنَظِير ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي حَقّ مَنْ غَلَّ بَعِيرًا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ , وَيُحْتَمَلُ - وَهُوَ الْوَجْهُ الرَّابِعُ - أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" يُطَوَّقه \" يُكَلَّفُ أَنْ يَجْعَلَهُ لَهُ طَوْقًا وَلَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَيُعَذَّبُ بِذَلِكَ , كَمَا جَاءَ فِي حَقّ مَنْ كَذَبَ فِي مَنَامِهِ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ شَعِيرَة وَيُحْتَمَل - وَهُوَ الْوَجْهُ الْخَامِسُ - أَنْ يَكُونَ التَّطْوِيق تَطْوِيق الْإِثْم , وَالْمُرَاد بِهِ أَنَّ الظُّلْمَ الْمَذْكُورَ لَازِمٌ لَهُ فِي عُنُقِهِ لُزُوم الْإِثْمِ , وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى \" أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ \" وَبِالْوَجْهِ الْأَوَّل جَزَمَ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيّ وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَتَنَوَّعَ هَذِهِ الصِّفَاتُ لِصَاحِبِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ أَوْ تَنْقَسِمَ أَصْحَابُ هَذِهِ الْجِنَايَةِ فَيُعَذَّب بَعْضهمْ بِهَذَا وَبَعْضهمْ بِهَذَا بِحَسَب قُوَّة الْمَفْسَدَةِ وَضَعْفهَا , وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيِّ \" أَعْظَمُ الْغُلُول عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذِرَاع أَرْض يَسْرِقُهُ رَجُلٌ فَيُطَوَّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ \" وَفِي الْحَدِيثِ تَحْرِيم الظُّلْمِ وَالْغَصْبِ وَتَغْلِيظ عُقُوبَته , وَإِمْكَان غَصْب الْأَرْض وَأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ , وَكَأَنَّهُ فَرَّعَهُ عَلَى أَنَّ الْكَبِيرَةَ مَا وَرَدَ فِيهِ وَعِيد شَدِيد , وَأَنَّ مَنْ مَلَكَ أَرْضًا مَلَكَ أَسْفَلَهَا إِلَى مُنْتَهَى الْأَرْضِ , وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ حَفَرَ تَحْتَهَا سَرَبًا أَوْ بِئْرًا بِغَيْرِ رِضَاهُ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ مَلَكَ ظَاهِر الْأَرْضِ مَلَكَ بَاطِنهَا بِمَا فِيهِ مِنْ حِجَارَةٍ ثَابِتَةٍ وَأَبْنِيَة وَمَعَادِنَ وَغَيْر ذَلِكَ , وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَنْزِلَ بِالْحَفْرِ مَا شَاءَ مَا لَمْ يَضُرّ بِمَنْ يُجَاوِرُهُ. وَفِيهِ أَنَّ الْأَرَضِينَ السَّبْع مُتَرَاكِمَة لَمْ يُفْتَقْ بَعْضهَا مِنْ بَعْضٍ لِأَنَّهَا لَوْ فُتِقَتْ لَاكْتُفِيَ فِي حَقّ هَذَا الْغَاصِب بِتَطْوِيقِ الَّتِي غَصَبَهَا لِانْفِصَالِهَا عَمَّا تَحْتَهَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الدَّاوُدِيّ. وَفِيهِ أَنَّ الْأَرَضِينَ السَّبْع طِبَاق كَالسَّمَوَاتِ , وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنْ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ سَبْع أَرَضِينَ سَبْعَة أَقَالِيمَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُطَوَّقْ الْغَاصِب شِبْرًا مِنْ إِقْلِيمٍ آخَرَ قَالَهُ اِبْنُ التِّينِ. وَهُوَ وَالَّذِي قَبْلَهُ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَةَ مُتَعَلِّقَة بِمَا كَانَ بِسَبَبِهَا وَإِلَّا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ مَا ذَكَرُوهُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَرْوَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُون الرَّاءِ وَالْقَصْرِ بِاسْمِ الْحَيَوَانِ الْوَحْشِيِّ الْمَشْهُورِ , وَفِي الْمَثَلِ \" يَقُولُونَ إِذَا دَعَوْا : كَعَمَى الْأَرْوَى \" قَالَ الزُّبَيْر فِي رِوَايَتِهِ. كَانَ أَهْل الْمَدِينَةِ إِذَا دَعَوْا قَالُوا : أَعْمَاهُ اللَّهُ كَعَمَى أَرْوَى , يُرِيدُونَ هَذِهِ الْقِصَّةَ. قَالَ : ثُمَّ طَالَ الْعَهْدُ فَصَارَ أَهْل الْجَهْلِ يَقُولُونَ كَعَمَى الْأَرْوَى , يُرِيدُونَ الْوَحْش الَّذِي بِالْجَبَلِ وَيَظُنُّونَهُ أَعْمَى شَدِيد الْعَمَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2273",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فَذَكَرَ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏اجْتَنِبْ الْأَرْضَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ الْمُعَلِّمُ , ‏ ‏وَمُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ التَّيْمِيّ , ‏ ‏وَأَبُو سَلَمَة ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ مَا يُشْعِرُ بِقِلَّة تَدْلِيس يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير لِأَنَّهُ سَمِعَ الْكَثِيرَ مِنْ أَبِي سَلَمَة , وَحَدَّثَ عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةِ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَبَيْنَ أُنَاس خُصُومَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى أَسْمَائِهِمْ , وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَرْب بْن شَدَّاد عَنْ يَحْيَى بِلَفْظ \" وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ خُصُومَة فِي أَرْض , فَفِيهِ نَوْع تَعْيِين لِلْخُصُومِ وَتَعْيِين الْمُتَخَاصَمِ فِيهِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَذَكَرَ لِعَائِشَة ) ‏ ‏حَذَفَ الْمَفْعُول , وَسَيَأْتِي فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظ \" فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَة فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2274",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَخَذَ مِنْ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ سَالِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ الْفَرَبْرِيّ : قَالَ أَبُو جَعْفَر هُوَ مُحَمَّد بْن أَبِي حَاتِم الْبُخَارِيّ وَرَّاق الْبُخَارِيّ , وَقَدْ ذَكَرَ عَنْهُ الْفَرَبْرِيّ فِي هَذَا الْكِتَابِ فَوَائِد كَثِيرَة عَنْ الْبُخَارِيِّ وَغَيْره , وَثَبَتَتْ هَذِهِ الْفَائِدَة فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرّ عَنْ مَشَايِخِهِ الثَّلَاثَةِ وَسَقَطَتْ لِغَيْرِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَيْسَ بِخُرَاسَانَ فِي كُتُب اِبْن الْمُبَارَك يَعْنِي أَنَّ اِبْن الْمُبَارَك صَنَّفَ كُتُبَهُ بِخُرَاسَانَ وَحَدَّثَ بِهَا هُنَاكَ وَحَمَلَهَا عَنْهُ أَهْلُهَا وَحَدَّثَ فِي أَسْفَارِهِ بِأَحَادِيث مِنْ حِفْظِهِ زَائِدَة عَلَى مَا فِي كُتُبِهِ هَذَا مِنْهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَمْلَى عَلَيْهِمْ بِالْبَصْرَةِ كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَالسَّرْخَسِيّ بِحَذْف الْمَفْعُول , وَأَثْبَتَهُ الْكُشْمِيهَنِيّ فَقَالَ : أَمْلَاهُ عَلَيْهِمْ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَيْسَ فِي كُتُبِهِ الَّتِي حَدَّثَ بِهَا بِخُرَاسَانَ أَنْ لَا يَكُونَ حَدَّثَ بِهِ بِخُرَاسَانَ , فَإِنَّ نُعَيْم بْن حَمَّاد الْمَرْوَزِيّ مِمَّنْ حَمَلَ عَنْهُ بِخُرَاسَانَ , وَقَدْ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عُوَانَة فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نُعَيْم أَيْضًا إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ اِبْن الْمُبَارَك بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ مِنْ غَرَائِب الصَّحِيحِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2275",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَبَلَةَ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فِي بَعْضِ ‏ ‏أَهْلِ الْعِرَاقِ ‏ ‏فَأَصَابَنَا سَنَةٌ فَكَانَ ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏يَرْزُقُنَا التَّمْرَ فَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَمُرُّ بِنَا ‏ ‏فَيَقُولُ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ الْإِقْرَانِ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي النَّهْيِ عَنْ الْقِرَانِ وَالْمُرَاد بِهِ أَنْ لَا يَقْرِن تَمْرَة بِتَمْرَةٍ عِنْدَ الْأَكْلِ لِئَلَّا يُجْحِف بِرُفْقَتِهِ , فَإِنْ أَذِنُوا لَهُ فِي ذَلِكَ جَازَ لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ فَلَهُمْ أَنْ يُسْقِطُوهُ , وَهَذَا يُقَوِّي مَذْهَب مَنْ يُصَحِّحُ هِبَة الْمَجْهُول , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْأَطْعِمَة مَعَ بَيَانِ حَالِ قَوْلِهِ : \" إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ \" وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ مُدْرَجٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2276",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ ‏ ‏أَبُو شُعَيْبٍ ‏ ‏كَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَبُو شُعَيْبٍ ‏ ‏اصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَامِسَ خَمْسَةٍ وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْجُوعَ فَدَعَاهُ فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يُدْعَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ هَذَا قَدْ اتَّبَعَنَا أَتَأْذَنُ لَهُ قَالَ نَعَمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مَسْعُود فِي قِصَّةِ الْجَزَّارِ الَّذِي عَمِلَ الطَّعَامَ وَالرَّجُل الَّذِي تَبِعَهُمْ فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَتَأْذَنُ لَهُ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْأَطْعِمَةِ أَيْضًا ‏ ‏وَقَوْلُهُ فِيهِ : \" وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ‏ ‏هِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ أَنَّهُ قَالَ لِغُلَامِهِ \" اِصْنَعْ لِي \" فِي حَال رُؤْيَته تِلْكَ , ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ هَذَا اِتَّبَعَنَا \" ‏ ‏بِتَشْدِيدِ التَّاءِ قَالَ اِبْن التِّينِ : هُوَ اِفْتَعَلَ مِنْ تَبِعَ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ , وَخَبَطَ الدَّاوُدِيّ هُنَا لِظَنِّهِ أَنَّهَا هَمْزَةُ قَطْعٍ فَقَالَ : مَعْنَى اِتَّبَعَنَا سَارَ مَعَنَا , وَتَبِعَهُمْ أَيْ لَحِقَهُمْ , وَأَطَالَ اِبْنُ التِّينِ فِي تَعَقُّبِ كَلَامِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2277",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ ‏ ‏الْأَلَدُّ الْخَصِمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَائِشَة \" إنَّ أَبْغَضَ الرِّجَال الْأَلَدّ الْخَصِمُ \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ الشَّدِيد الْخُصُومَة , وَسَيَأْتِي مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2278",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّ ‏ ‏أُمَّهَا ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهَا ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2279",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا أَوْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ ‏ ‏فَجَرَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2280",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏جَاءَتْ ‏ ‏هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ ‏ ‏رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا فَقَالَ ‏ ‏لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالْمَعْرُوفِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّةِ هِنْد بِنْت عُتْبَة وَفِيهِ \" أَذِنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا بِالْأَخْذِ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا بِقَدْرِ حَاجَتِهَا \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب النَّفَقَات إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ اِبْن بَطَّال : حَدِيثُ هِنْد دَالّ عَلَى جَوَاز أَخْذ صَاحِب الْحَقِّ مِنْ مَال مَنْ لَمْ يُوفِهِ أَوْ جَحَدَهُ قَدْر حَقّه. ‏ ‏قَوْلُهُ فِيهِ ( رَجُل مِسِّيك ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالتَّشْدِيدِ لِلْأَكْثَرِ قَالَهُ عِيَاض , قَالَ وَفِي رِوَايَةِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْل الْإِتْقَان بِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ , وَقَيَّدَهُ بَعْضهمْ بِالْوَجْهَيْنِ , وَقَالَ اِبْن الْأَثِيرِ : الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ الْفَتْح وَالتَّخْفِيف وَالْمَشْهُور عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ الْكَسْر وَالتَّشْدِيد وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2281",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْنَا لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا فَمَا تَرَى فِيهِ فَقَالَ لَنَا ‏ ‏إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَبِيب. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ ضِدّ الشَّرِّ وَاسْمه مِرْثَد بِالْمُثَلَّثَةِ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مِصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا يَقْرُونَنَا ) ‏ ‏بِفَتْح أَوَّله وَسُكُون الْقَافِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَة \" لَا يَقْرُونَا \" بِنُونٍ وَاحِدَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ شَدَّدَهَا وَلِلتِّرْمِذِيِّ \" فَلَا هُمْ يُضَيِّفُونَنَا وَلَا هُمْ يُؤَدُّونَ مَا لَنَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْحَقِّ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنْ أَبَوْا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقّ الضَّيْفِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَخُذُوا مِنْهُ \" أَيْ مِنْ مَالِهِمْ وَظَاهِر هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قِرَى الضَّيْفِ وَاجِب وَأَنَّ الْمَنْزُولَ عَلَيْهِ لَوْ اِمْتَنَعَ مِنْ الضِّيَافَةِ أُخِذَتْ مِنْهُ قَهْرًا , وَقَالَ بِهِ اللَّيْث مُطْلَقًا , وَخَصَّهُ أَحْمَد بِأَهْلِ الْبَوَادِي دُونَ الْقُرَى , وَقَالَ الْجُمْهُور : الضِّيَافَةُ سُنَّة مُؤَكَّدَة , وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَجْوِبَة أَحَدهَا حَمْلُهُ عَلَى الْمُضْطَرِّينَ , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا هَلْ يَلْزَمُ الْمُضْطَرّ الْعِوَض أَمْ لَا ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانهُ فِي أَوَاخِر أَبْوَابِ اللُّقَطَةِ. وَأَشَارَ التِّرْمِذِيّ إِلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ طَلَبَ الشِّرَاء مُحْتَاجًا فَامْتَنَعَ صَاحِبُ الطَّعَامِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ كَرْهًا. قَالَ وَرُوِيَ نَحْو ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ مُفَسَّرًا. ثَانِيهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَكَانَتْ الْمُوَاسَاة وَاجِبَة , فَلَمَّا فُتِحَتْ الْفُتُوح نُسِخَ ذَلِكَ , وَيَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْح عِنْد مُسْلِم فِي حَقِّ الضَّيْفِ \" وَجَائِزَته يَوْم وَلَيْلَة , وَالْجَائِزَة تَفَضُّلٌ لَا وَاجِبَةٌ \" وَهَذَا ضَعِيف لِاحْتِمَال أَنْ يُرَادَ بِالتَّفَضُّلِ تَمَام الْيَوْمِ وَاللَّيْلَة لَا أَصْل الضِّيَافَة وَفِي حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْن مَعْدِ يَكْرِب مَرْفُوعًا \" أَيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ قَوْمًا فَأَصْبَحَ الضَّيْف مَحْرُومًا فَإِنَّ نَصْرَهُ حَقّ عَلَى كُلّ مُسْلِم حَتَّى يَأْخُذَ بِقِرَى لَيْلَته مِنْ زَرْعِهِ وَمَالِهِ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد , وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَظْفَرْ مِنْهُ بِشَيْء. ثَالِثُهَا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْعُمَّالِ الْمَبْعُوثِينَ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ , فَكَانَ عَلَى الْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ إِنْزَالهمْ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِمْ الَّذِي يَتَوَلَّوْنَهُ لِأَنَّهُ لَا قِيَامَ لَهُمْ إِلَّا بِذَلِكَ حَكَاهُ الْخَطَّابِيّ , قَالَ : وَكَانَ هَذَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِذْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بَيْت مَال , فَأَمَّا الْيَوْم فَأَرْزَاق الْعُمَّالِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ , قَالَ وَإِلَى نَحْوِ هَذَا ذَهَبَ أَبُو يُوسُف فِي الضِّيَافَةِ عَلَى أَهْل نَجْرَانَ خَاصَّة , وَقَالَ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْله : \" إِنَّك بَعَثْتَنَا \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيّ \" إِنَّا نَمُرُّ بِقَوْم \". رَابِعُهَا أَنَّهُ خَاصٌّ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ , وَقَدْ شَرَطَ عُمَر حِينَ ضَرَبَ الْجِزْيَة عَلَى نَصَارَى الشَّام ضِيَافَة مَنْ نَزَلَ بِهِمْ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيل خَاصٍّ , وَلَا حُجَّة لِذَلِكَ فِيمَا صَنَعَهُ عُمَر لِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ زَمَانِ سُؤَال عُقْبَة , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ. خَامِسُهَا تَأْوِيل الْمَأْخُوذ , فَحَكَى الْمَازِرِيّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَن مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ أَعْرَاضِهِمْ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَذْكُرُوا لِلنَّاسِ عَيْبَهُمْ. وَتَعَقَّبَهُ الْمَازِرِيّ بِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْ الْعِرْضِ وَذِكْر الْعَيْب نُدِبَ فِي الشَّرْعِ إِلَى تَرْكِهِ لَا إِلَى فِعْلِهِ. وَأَقْوَى الْأَجْوِبَةِ الْأَوَّل , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَسْأَلَة الظَّفَر وَبِهَا قَالَ الشَّافِعِيّ , فَجَزَمَ بِجَوَازِ الْأَخْذِ فِيمَا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيل الْحَقّ بِالْقَاضِي كَأَنْ يَكُونَ غَرِيمه مُنْكِرًا وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ عِنْدَ وُجُودِ الْجِنْسِ فَيَجُوزُ عِنْدَهُ أَخْذُهُ إِنْ ظَفِرَ بِهِ وَأَخَذَ غَيْره بِقَدْرِهِ إِنْ لَمْ يَجِدْهُ وَيَجْتَهِد فِي التَّقْوِيمِ وَلَا يَحِيف , فَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيل الْحَقّ بِالْقَاضِي فَالْأَصَحّ عِنْدَ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ الْجَوَاز أَيْضًا , وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْخِلَاف , وَجَوَّزَهُ الْحَنَفِيَّة فِي الْمِثْلِيّ دُونَ الْمُتَقَوِّمِ لِمَا يُخْشَى فِيهِ مِنْ الْحَيْفِ , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَحَلّ الْجَوَاز فِي الْأَمْوَالِ لَا فِي الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ لِكَثْرَة الْغَوَائِل فِي ذَلِكَ , وَمَحَلّ الْجَوَاز فِي الْأَمْوَالِ أَيْضًا مَا إِذَا أَمِنَ الْغَائِلَة كَنِسْبَتِهِ إِلَى السَّرِقَةِ وَنَحْو ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2282",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏اجْتَمَعُوا فِي ‏ ‏سَقِيفَةِ ‏ ‏بَنِي سَاعِدَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏انْطَلِقْ بِنَا فَجِئْنَاهُمْ فِي ‏ ‏سَقِيفَةِ ‏ ‏بَنِي سَاعِدَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي مَالِكٌ وَأَخْبَرَنِي يُونُس ) ‏ ‏أَيْ اِبْن يَزِيد عَنْ اِبْن شِهَاب , يَعْنِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا رَوَاهُ لِابْن وَهْبٍ عَنْ اِبْن شِهَاب , وَكَانَ اِبْن وَهْب حَرِيصًا عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ التَّحْدِيثِ وَالْإِخْبَارِ مُرَاعَاة لِلِاصْطِلَاحِ , وَيُقَالُ إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ اِصْطَلَحَ عَلَى ذَلِكَ بِمِصْرَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إنَّ الْأَنْصَارَ اِجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَة ) ‏ ‏هُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ قِصَّةِ بَيْعَة أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَسَيَأْتِي فِي الْهِجْرَةِ وَفِي كِتَاب الْحُدُود بِطُولِهِ وَنَسْتَوْفِي شَرْحه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ اِسْتَمَرُّوا عَلَى الْجُلُوسِ فِي السَّقِيفَةِ الْمَذْكُورَةِ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْجُلُوسَ فِي السَّقِيفَةِ الْعَامَّةِ لَيْسَ ظُلْمًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2283",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ ‏ ‏يَغْرِزَ ‏ ‏خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ ‏ ‏ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏كَذَا فِي \" الْمُوَطَّأِ \" وَقَالَ خَالِد بْن مَخْلَد عَنْ مَالِك \" عَنْ أَبِي الزِّنَادِ \" بَدَل الزُّهْرِيّ وَقَالَ بِشْر بْن عَمْرو عَنْ مَالِك \" عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة \" بَدَل الْأَعْرَج , وَوَافَقَهُ هِشَام بْن يُوسُف عَنْ مَالِك وَمَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي \" الْغَرَائِبِ \" وَقَالَ : الْمَحْفُوظُ عَنْ مَالِك الْأَوَّلُ. وَقَالَ فِي \" الْعِلَلِ \" : رَوَاهُ هِشَام الدَّسْتُوَائِيّ عَنْ مَعْمَر \" عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ \" بَدَل الْأَعْرَج , وَكَذَا قَالَ عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ اِبْن أَبِي حَفْصَة \" عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن \" بَدَل الْأَعْرَج وَالْمَحْفُوظ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ الْأَعْرَجِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَيْضًا , ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ عَنْ الْجَمِيعِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَا يَمْنَعْ ) ‏ ‏بِالْجَزْمِ عَلَى أَنَّ \" لَا \" نَاهِيَة , وَلِأَبِي ذَرّ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر بِمَعْنَى النَّهْيِ , وَلِأَحْمَدَ \" لَا يَمْنَعَنَّ \" بِزِيَادَة نُون التَّوْكِيدِ وَهِيَ تُؤَيِّدُ رِوَايَة الْجَزْم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( جَارٌ جَارَهُ إِلَخْ ) ‏ ‏اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْجِدَارَ إِذَا كَانَ لِوَاحِدٍ وَلَهُ جَارٌ فَأَرَادَ أَنْ يَضَعَ جِذْعَهُ عَلَيْهِ جَازَ سَوَاء أَذِنَ الْمَالِكُ أَمْ لَا , فَإِنْ اِمْتَنَعَ أُجْبِرَ وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَغَيْرهمَا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَابْن حَبِيب مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيمِ , وَعَنْهُ فِي الْجَدِيدِ قَوْلَانِ أَشْهَرُهُمَا اِشْتِرَاط إِذْنِ الْمَالِكِ فَإِنْ اِمْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ , وَحَمَلُوا الْأَمْرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى النَّدْبِ , وَالنَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ مَالِ الْمُسْلِمِ إِلَّا بِرِضَاهُ وَفِيهِ نَظَر كَمَا سَيَأْتِي , وَجَزَمَ التِّرْمِذِيّ وَابْن عَبْد الْبَرّ عَنْ الشَّافِعِيِّ بِالْقَوْلِ الْقَدِيمِ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْبُوَيْطِيّ , قَالَ الْبَيْهَقِيّ : لَمْ نَجِدْ فِي السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ مَا يُعَارِضُ هَذَا الْحُكْم إِلَّا عُمُومَات لَا يُسْتَنْكَرُ أَنْ نَخُصَّهَا وَقَدْ حَمَلَهُ الرَّاوِي عَلَى ظَاهِرِهِ , وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ بِمَا حَدَثَ بِهِ , يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَة \" مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن عُيَيْنَة عِنْد أَبِي دَاوُد \" فَنَكَّسُوا رُءُوسَهُمْ \" وَلِأَحْمَدَ \" فَلَمَّا حَدَّثَهُمْ أَبُو هُرَيْرَة بِذَلِكَ طَأْطَئُوا رُءُوسَهُمْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْهَا ) ‏ ‏أَيْ عَنْ هَذِهِ السُّنَّةِ أَوْ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَأَرْمِيَنَّهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد \" لَأُلْقِيَنَّهَا \" أَيْ لَأُشِيعَنَّ هَذِهِ الْمَقَالَة فِيكُمْ وَلَأُقَرِّعَنَّكُمْ بِهَا كَمَا يُضْرَبُ الْإِنْسَان بِالشَّيْءِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ لِيَسْتَيْقِظ مِنْ غَفْلَتِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : رَوَيْنَاهُ فِي \" الْمُوَطَّأِ \" بِالْمُثَنَّاةِ وَبِالنُّونِ. وَالْأَكْنَافُ بِالنُّونِ جَمْع كَنَف بِفَتْحِهَا وَهُوَ الْجَانِبُ , قَالَ الْخَطَّابِيّ : مَعْنَاهُ إِنْ لَمْ تَقْبَلُوا هَذَا الْحُكْمَ وَتَعْمَلُوا بِهِ رَاضِينَ لِأَجْعَلَنَّهَا أَيْ الْخَشَبَةَ عَلَى رِقَابِكُمْ كَارِهِينَ , قَالَ وَأَرَادَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَة , وَبِهَذَا التَّأْوِيلِ جَزَمَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَقَالَ : إِنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة حِين كَانَ يَلِي إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ , وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ اِبْن عَبْد الْبَرّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ \" لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَعْيُنِكُمْ وَإِنْ كَرِهْتُمْ \" وَهَذَا يُرَجِّحُ التَّأْوِيل الْمُتَقَدِّم وَاسْتَدَلَّ الْمُهَلَّب مِنْ الْمَالِكِيَّةِ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَة \" مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ \" بِأَنَّ الْعَمَلَ كَانَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَة , قَالَ : لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى الْوُجُوبِ لَمَا جَهِلَ الصَّحَابَةُ تَأْوِيلَهُ وَلَا أَعْرَضُوا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة حِينَ حَدَّثَهُمْ بِهِ , فَلَوْلَا أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ بِخِلَافِهِ لَمَا جَازَ عَلَيْهِمْ جَهْل هَذِهِ الْفَرِيضَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ حَمَلُوا الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَاب اِنْتَهَى. وَمَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ الْمُعْرِضِينَ كَانُوا صَحَابَةً وَأَنَّهُمْ كَانُوا عَدَدًا لَا يَجْهَلُ مِثْلُهُمْ الْحُكْمَ , وَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ أَبُو هُرَيْرَة بِذَلِكَ كَانُوا غَيْرَ فُقَهَاءَ , بَلْ ذَلِكَ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ , وَإِلَّا فَلَوْ كَانُوا صَحَابَةً أَوْ فُقَهَاءَ مَا وَاجَهَهُمْ بِذَلِكَ. وَقَدْ قَوَّى الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيمِ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ بِأَنَّ عُمَرَ قَضَى بِهِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَد مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ فَكَانَ اِتِّفَاقًا مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ اِنْتَهَى. وَدَعْوَى الِاتِّفَاقِ هُنَا أَوْلَى مِنْ دَعْوَى الْمُهَلَّب , لِأَنَّ أَكْثَرَ أَهْل عَصْر عُمَر كَانُوا صَحَابَة , وَغَالِب أَحْكَامه مُنْتَشِرَة لِطُولِ وِلَايَته , وَأَبُو هُرَيْرَة إِنَّمَا كَانَ يَلِي إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ نِيَابَة عَنْ مَرْوَانَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ , وَأَشَارَ الشَّافِعِيّ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَرَوَاهُ هُوَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْن خَلِيفَة سَأَلَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة أَنْ يَسُوقَ خَلِيجًا لَهُ فَيَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة , فَكَلَّمَهُ عُمَر فِي ذَلِكَ فَأَبَى , فَقَالَ : وَاللَّهُ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِك , فَحَمَلَ عُمَرُ الْأَمْر عَلَى ظَاهِره وَعَدَّاهُ إِلَى كُلِّ مَا يَحْتَاجُ الْجَار إِلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ مِنْ دَارِ جَارِهِ وَأَرْضِهِ. وَفِي دَعْوَى الْعَمَلِ عَلَى خِلَافِهِ نَظَر , فَقَدْ رَوَى اِبْن مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَة بْن سَلَمَة أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنْ بَنِي الْمُغِيرَةِ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا إِنْ غَرَزَ أَحَد فِي جِدَارِهِ خَشَبًا فَأَقْبَلَ مُجَمِّع بْن جَارِيَة وَرِجَال كَثِير مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا : نَشْهَد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ. الْحَدِيث فَقَالَ الْآخَر : يَا أَخِي قَدْ عَلِمْت أَنَّك مَقْضِيٌّ لَك عَلَيَّ وَقَدْ حَلَفْت , فَاجْعَلْ أُسْطُوَانًا دُونَ جِدَارِي فَاجْعَلْ عَلَيْهِ خَشَبَك. وَرَوَى اِبْن إِسْحَاق فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ يَحْيَى بْن جَعْدَة أَحَد التَّابِعِينَ قَالَ : أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً عَلَى جِدَار صَاحِبِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَمَنَعَهُ , فَإِذَا مَنْ شِئْت مِنْ الْأَنْصَارِ يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَاهُ أَنْ يَمْنَعَهُ فَجُبِرَ عَلَى ذَلِكَ. وَقَيَّدَ بَعْضهمْ الْوُجُوب بِمَا إِذَا تَقَدَّمَ اِسْتِئْذَان الْجَارِ فِي ذَلِكَ مُسْتَنِدًا إِلَى ذِكْرِ الْإذْنِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَهُوَ فِي رِوَايَةِ اِبْن عُيَيْنَة عِنْد أَبِي دَاوُد وَعُقَيْلٍ أَيْضًا وَأَحْمَدَ عِنْدَ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ مَالِك \" مَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ \" وَكَذَا لِابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ مَالِك وَكَذَا لِأَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيقِ زِيَاد بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الضَّمِير فِي جِدَارِهِ عَلَى صَاحِبِ الْجِذْعِ أَيْ لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَضَعَ جِذْعَهُ عَلَى جِدَار نَفْسه وَلَوْ تَضَرَّرَ بِهِ مِنْ جِهَةِ مَنْعِ الضَّوْءِ مَثَلًا وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ , وَقَدْ تَعَقَّبَهُ اِبْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ فِي مَعْنَى الْخَبَر وَقَدْ رَدَّهُ أَكْثَرُ أَهْل الْأُصُولِ , وَفِيمَا قَالَ نَظَر لِأَنَّ لِهَذَا الْقَائِلِ أَنْ يَقُولَ : هَذَا مِمَّا يُسْتَفَادُ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ لَا أَنَّهُ الْمُرَادُ فَقَطْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَحَلّ الْوُجُوب عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهِ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ الْجَارُ وَلَا يَضَعَ عَلَيْهِ مَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمَالِكُ وَلَا يُقَدَّم عَلَى حَاجَةِ الْمَالِكِ , وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْتَاجَ فِي وَضْعِ الْجِذْعِ إِلَى نَقْبِ الْجِدَارِ أَوْ لَا , لِأَنَّ رَأْس الْجِذْع يَسُدُّ الْمُنْفَتِحَ وَيُقَوِّي الْجِدَارَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2284",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَفَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ ‏ ‏الْفَضِيخَ ‏ ‏فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُنَادِيًا يُنَادِي أَلَا ‏ ‏إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ قَالَ فَقَالَ لِي ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏اخْرُجْ ‏ ‏فَأَهْرِقْهَا ‏ ‏فَخَرَجْتُ ‏ ‏فَهَرَقْتُهَا ‏ ‏فَجَرَتْ فِي سِكَكِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوفُ بِصَاعِقَة , وَشَيْخه عَفَّان مِنْ كِبَارِ شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَأَكْثَر مَا يُحَدِّثُ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ بِوَاسِطَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كُنْت سَاقِيَ الْقَوْم ) ‏ ‏سَيَأْتِي تَسْمِيَة مَنْ عُرِفَ مِنْهُمْ فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة مَعَ الْكَلَام عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ ) ‏ ‏أَيْ طُرُقِهَا , وَفِي السِّيَاقِ حَذْف تَقْدِيره حُرِّمَتْ فَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِرَاقَتِهَا فَأُرِيقَتْ فَجَرَتْ , وَسَيَأْتِي مَزِيد بَيَان لِذَلِكَ فِي تَفْسِير الْمَائِدَة. قَالَ الْمُهَلَّب : إِنَّمَا صُبَّتْ الْخَمْر فِي الطَّرِيقِ لِلْإِعْلَانِ بِرَفْضِهَا وَلِيُشْهَر تَرْكهَا , وَذَلِكَ أَرْجَح فِي الْمَصْلَحَةِ مِنْ التَّأَذِّي بِصَبِّهَا فِي الطَّرِيقِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2285",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ فَقَالُوا مَا لَنَا بُدٌّ إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا قَالَ فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا ‏ ‏قَالُوا ‏ ‏وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى التَّحْذِيرِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الطُّرُقَات ) ‏ ‏تُرْجِمَ بِالصُّعُدَاتِ وَلَفْظ الْمَتْن \" الطُّرُقَات \" إِشَارَة إِلَى تَسَاوِيهِمَا فِي الْمَعْنَى , وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظ \" الصُّعُدَات \" مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ اِبْن حِبَّان , وَهُوَ عِنْد أَبِي دَاوُد بِلَفْظ \" الطُّرُقَات \" , وَزَادَ فِي الْمَتْنِ \" وَإِرْشَاد السَّبِيل وَتَشْمِيت الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ \" , وَمِنْ حَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَ الطَّبَرِيّ وَزَادَ فِي الْمَتْنِ \" وَإِغَاثَة الْمَلْهُوفِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالُوا مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدّ ) ‏ ‏الْقَائِل ذَلِكَ هُوَ أَبُو طَلْحَة وَهُوَ بَيِّن مِنْ رِوَايَته عِنْد مُسْلِم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِذَا أَتَيْتُمْ إِلَى الْمَجَالِسِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُثَنَّاةِ وَبِإِلَى الَّتِي لِلْغَايَةِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَإِذَا أَبَيْتُمْ \" بِالْمُوَحَّدَةِ وَقَالَ : \" أَلَّا \" بِالتَّشْدِيدِ وَهَكَذَا وَقَعَ فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان بِالْمُوَحَّدَةِ , \" وَإِلَّا \" الَّتِي هِيَ حَرْف اِسْتِثْنَاءٍ وَهُوَ الصَّوَابُ , وَالْمَجَالِس فِيهَا اِسْتِعْمَال الْمَجَالِسِ بِمَعْنَى الْجُلُوسِ , وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ لِلتَّنْزِيهِ لِئَلَّا يَضْعُفَ الْجَالِسُ عَنْ أَدَاء الْحَقّ الَّذِي عَلَيْهِ , وَأَشَارَ بِغَضِّ الْبَصَرِ إِلَى السَّلَامَةِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلْفِتْنَةِ بِمَنْ يَمُرُّ مِنْ النِّسَاءِ وَغَيْرهنَّ وَبِكَفِّ الْأَذَى إِلَى السَّلَامَةِ مِنْ الِاحْتِقَارِ وَالْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا , وَبِرَدِّ السَّلَامِ إِلَى إِكْرَامِ الْمَارِّ , وَبِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ إِلَى اِسْتِعْمَالِ جَمِيعِ مَا يُشْرَعُ وَتَرْكِ جَمِيعِ مَا لَا يُشْرَعُ , وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ بِأَنَّ سَدَّ الذَّرَائِعِ بِطَرِيق الْأَوْلَى لَا عَلَى الْحَتْمِ لِأَنَّهُ نَهَى أَوَّلًا عَنْ الْجُلُوسِ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ , فَلَمَّا قَالُوا : \" مَا لَنَا مِنْهَا بُدّ \" ذَكَرَ لَهُمْ الْمَقَاصِد الْأَصْلِيَّة لِلْمَنْعِ. فَعُرِفَ أَنَّ النَّهْيَ الْأَوَّلَ لِلْإِرْشَادِ إِلَى الْأَصْلَحِ , وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ دَفْعَ الْمَفْسَدَةِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ , لِنَدْبِهِ أَوَّلًا إِلَى تَرْكِ الْجُلُوسِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْأَجْرِ لِمَنْ عَمِلَ بِحَقّ الطَّرِيق , وَذَلِكَ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ لِطَلَبِ السَّلَامَةِ آكَدُ مِنْ الطَّمَعِ فِي الزِّيَادَةِ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى بَقِيَّةِ الْخِصَالِ الَّتِي وَرَدَ ذِكْرُهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2286",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي فَنَزَلَ الْبِئْرَ ‏ ‏فَمَلَا خُفَّهُ مَاءً فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّه وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا فَقَالَ فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الَّذِي وَجَدَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ سَقَى الْكَلْبَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الشُّرْب , ‏ ‏وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ \" يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى \" ‏ ‏يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا وَأَنْ يَكُونَ حَالًا , ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِد \" ‏ ‏أَيْ فِي إِرْوَاء كُلّ ذَاتِ كَبِد. ‏"
    },
    {
        "id": "2287",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَشْرَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏أُطُمٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏آطَامِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى إِنِّي أَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ ‏ ‏الْقَطْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏\" أَشْرَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُطُم \" ‏ ‏وَهُوَ بِضَمَّتَيْنِ وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْحَجِّ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2288",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ لَهُمَا ‏ { ‏إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ‏} ‏فَحَجَجْتُ مَعَه ‏ ‏فَعَدَلَ ‏ ‏وَعَدَلْتُ ‏ ‏مَعَهُ ‏ ‏بِالْإِدَاوَةِ ‏ ‏فَتَبَرَّزَ حَتَّى جَاءَ فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ ‏ ‏الْإِدَاوَةِ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا ‏ { ‏إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ ‏ ‏صَغَتْ ‏ ‏قُلُوبُكُمَا ‏} ‏فَقَالَ وَا عَجَبِي لَكَ يَا ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَحَفْصَةُ ‏ ‏ثُمَّ اسْتَقْبَلَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏الْحَدِيثَ يَسُوقُهُ فَقَالَ إِنِّي كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فِي ‏ ‏بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏وَهِيَ مِنْ ‏ ‏عَوَالِي الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَهُ وَكُنَّا مَعْشَرَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏نَغْلِبُ النِّسَاءَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏إِذَا هُمْ قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ ‏ ‏فَطَفِقَ ‏ ‏نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَصِحْتُ عَلَى امْرَأَتِي ‏ ‏فَرَاجَعَتْنِي ‏ ‏فَأَنْكَرْتُ أَنْ ‏ ‏تُرَاجِعَنِي ‏ ‏فَقَالَتْ وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ليُرَاجِعْنَهُ ‏ ‏وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ فَأَفْزَعَنِي فَقُلْتُ خَابَتْ مَنْ فَعَلَ مِنْهُنَّ بِعَظِيمٍ ثُمَّ ‏ ‏جَمَعْتُ ‏ ‏عَلَيَّ ثِيَابِي فَدَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ أَيْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏أَتُغَاضِبُ ‏ ‏إِحْدَاكُنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ فَقَالَتْ نَعَمْ فَقُلْتُ خَابَتْ وَخَسِرَتْ أَفَتَأْمَنُ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَهْلِكِينَ لَا تَسْتَكْثِرِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏تُرَاجِعِيهِ ‏ ‏فِي شَيْءٍ وَلَا تَهْجُرِيهِ وَاسْأَلِينِي مَا بَدَا لَكِ وَلَا ‏ ‏يَغُرَّنَّكِ ‏ ‏أَنْ كَانَتْ جَارَتُكَ هِيَ ‏ ‏أَوْضَأَ ‏ ‏مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُرِيدُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَكُنَّا تَحَدَّثْنَا أَنَّ ‏ ‏غَسَّانَ ‏ ‏تُنْعِلُ النِّعَالَ لِغَزْوِنَا فَنَزَلَ صَاحِبِي يَوْمَ نَوْبَتِهِ فَرَجَعَ عِشَاءً فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا وَقَالَ أَنَائِمٌ هُوَ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ وَقَالَ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ قُلْتُ مَا هُوَ أَجَاءَتْ ‏ ‏غَسَّانُ ‏ ‏قَالَ لَا بَلْ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَطْوَلُ طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نِسَاءَهُ قَالَ قَدْ خَابَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏وَخَسِرَتْ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ ‏ ‏فَجَمَعْتُ ‏ ‏عَلَيَّ ثِيَابِي فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَخَلَ ‏ ‏مَشْرُبَةً ‏ ‏لَهُ فَاعْتَزَلَ فِيهَا فَدَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَإِذَا هِيَ تَبْكِي قُلْتُ مَا يُبْكِيكِ أَوَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ لَا أَدْرِي هُوَ ذَا فِي ‏ ‏الْمَشْرُبَةِ ‏ ‏فَخَرَجْتُ فَجِئْتُ الْمِنْبَرَ فَإِذَا حَوْلَهُ ‏ ‏رَهْطٌ ‏ ‏يَبْكِي بَعْضُهُمْ فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ ‏ ‏غَلَبَنِي ‏ ‏مَا أَجِدُ فَجِئْتُ ‏ ‏الْمَشْرُبَةَ ‏ ‏الَّتِي هُوَ فِيهَا فَقُلْتُ لِغُلَامٍ لَهُ أَسْوَدَ اسْتَأْذِنْ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏فَدَخَلَ فَكَلَّمَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ ‏ ‏الرَّهْطِ ‏ ‏الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ ‏ ‏غَلَبَنِي ‏ ‏مَا أَجِدُ فَجِئْتُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَجَلَسْتُ مَعَ ‏ ‏الرَّهْطِ ‏ ‏الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ ‏ ‏غَلَبَنِي ‏ ‏مَا أَجِدُ فَجِئْتُ الْغُلَامَ فَقُلْتُ اسْتَأْذِنْ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَلَمَّا ‏ ‏وَلَّيْتُ ‏ ‏مُنْصَرِفًا فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي قَالَ أَذِنَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ قَدْ ‏ ‏أَثَّرَ ‏ ‏الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ ‏ ‏مُتَّكِئٌ ‏ ‏عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ ‏ ‏أَدَمٍ ‏ ‏حَشْوُهَا لِيفٌ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَيَّ فَقَالَ لَا ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعْشَرَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏نَغْلِبُ النِّسَاءَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى قَوْمٍ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ فَذَكَرَهُ فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قُلْتُ لَوْ رَأَيْتَنِي وَدَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ ‏ ‏أَوْضَأَ ‏ ‏مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُرِيدُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَتَبَسَّمَ أُخْرَى فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ غَيْرَ ‏ ‏أَهَبَةٍ ‏ ‏ثَلَاثَةٍ فَقُلْتُ ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ فَإِنَّ ‏ ‏فَارِسَ ‏ ‏وَالرُّومَ ‏ ‏وُسِّعَ ‏ ‏عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ أَوَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ‏ ‏ابْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي ‏ ‏فَاعْتَزَلَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَكَانَ قَدْ قَالَ مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ ‏ ‏مَوْجِدَتِهِ ‏ ‏عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللَّهُ فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ دَخَلَ عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَبَدَأَ بِهَا فَقَالَتْ لَهُ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا وَإِنَّا أَصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَعُدُّهَا عَدًّا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ وَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَأُنْزِلَتْ آيَةُ ‏ ‏التَّخْيِيرِ ‏ ‏فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ فَقَالَ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا وَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ قَالَتْ قَدْ أَعْلَمُ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِكَ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ قَالَ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏عَظِيمًا ‏} ‏قُلْتُ أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر فِي قِصَّةِ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا ‏ ‏أَوْرَدَهُ مُطَوَّلًا , وَقَدْ مَضَى فِي الْعِلْمِ مُخْتَصَرًا وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ \" عُبَيْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي ثَوْر \" ‏ ‏وَهُوَ تَابِعِيّ ثِقَة , ذَكَرَ الدِّمْيَاطِيّ عَنْ الْخَطِيبِ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ غَيْرِ اِبْن عَبَّاس وَلَا حَدَّثَ عَنْهُ إِلَّا الزُّهْرِيّ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس حَدِيثًا فَمَا سَلِمَ لَهُ الشِّقّ الثَّانِي. ‏ ‏وَقَوْله : \" كُنْت وَجَار لِي \" ‏ ‏بِالرَّفْعِ لِلْأَكْثَرِ , وَيَجُوز النَّصْب. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" تُنْعِل النِّعَال \" ‏ ‏أَيْ تَضْرِبهَا وَتُسَوِّيهَا , أَوْ هُوَ مُعْتَمَد إِلَى مَفْعُولَيْنِ فَحَذَفَ أَحَدهمَا وَالْأَصْل تُنْعِل الدَّوَابّ النِّعَال , وَرُوِيَ الْبِغَال بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَة , وَسَيَأْتِي فِي النِّكَاح بِلَفْظِ \" تُنْعِل الْخَيْل \" ‏ ‏وَقَوْله : \" فَأَفْزَعَنِي \" ‏ ‏أَيْ الْقَوْل , وللكشميهني \" فَأَفْزَعْنَنِي \" بِصِيغَةِ جَمْع الْمُؤَنَّث. ‏ ‏وَقَوْله : \" خَابَتْ مَنْ فَعَلَتْ مِنْهُنَّ \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الكشميهني \" جَاءَتْ مَنْ فَعَلَتْ مِنْهُنَّ بِعَظِيمٍ \" ‏ ‏وَقَوْله : \" عَلَى رِمَال \" ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء وَيَجُوز ضَمّهَا يُقَال رَمَلَ الْحَصِير إِذَا نَسَجَهُ , وَالْمُرَاد ضُلُوعه الْمُتَدَاخِلَة بِمَنْزِلَةِ الْخُيُوط فِي الثَّوْب الْمَنْسُوج , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَوْق الْحَصِير فِرَاش وَلَا غَيْره أَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَمْنَع تَأْثِير الْحَصِير. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت وَأَنَا قَائِم أَسْتَأْنِس ) ‏ ‏أَيْ أَقُول قَوْلًا أَسْتَكْشِف بِهِ هَلْ يَنْبَسِط لِي أَمْ لَا وَيَكُون أَوَّل كَلَامه \" يَا رَسُول اللَّه لَوْ رَأَيْتنِي \" وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون اِسْتِفْهَامًا مَحْذُوف الْأَدَاة أَيْ أَأَسْتَأْنِسُ يَا رَسُول اللَّه ؟ وَيَكُون أَوَّل الْكَلَام الثَّانِي \" لَوْ رَأَيْتنِي \" وَيَكُون جَوَاب الِاسْتِفْهَام مَحْذُوفًا وَاكْتَفَى فِيمَا أَرَادَ بِقَرِينَةِ الْحَال. وَقَوْله : \" أَهَبَة \" بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْهَاء وَيَجُوز ضَمّهَا , ‏ ‏وَقَوْله : \" إِنَّا أَصْبَحْنَا بِتِسْعٍ \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الكشميهني \" لِتِسْعٍ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2289",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفَزَارِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آلَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا وَكَانَتْ انْفَكَّتْ قَدَمُهُ فَجَلَسَ فِي ‏ ‏عُلِّيَّةٍ ‏ ‏لَهُ فَجَاءَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَالَ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ قَالَ لَا وَلَكِنِّي ‏ ‏آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَنَس قَالَ : \" آلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ أَيْضًا , وَكَأَنَّهُ أَوْرَدَهُ لِقَوْلِهِ : \" فَجَلَسَ فِي عُلِّيَّةٍ لَهُ فَجَاءَ عُمَر فَقَالَ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَك \" فَإِنَّ فِي حَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي قَبْلَهُ \" فَدَخَلَ مَشْرُبَة لَهُ فَاعْتَزَلَ فِيهَا \" وَفِيهِ \" فَجِئْت الْمَشْرُبَة الَّتِي هُوَ فِيهَا فَقُلْت لِغُلَامٍ أَسْوَدَ اِسْتَأْذِنْ لِعُمَر \" الْحَدِيث , وَالْمُرَاد بِالْمَشْرُبَةِ الْغُرْفَة الْعَالِيَة , فَأَرَادَ بِإِيرَاد حَدِيث أَنَس أَنَّهَا كَانَتْ عَالِيَة , وَإِذَا جَازَ اِتِّخَاذ الْغُرْفَة الْعَالِيَة جَازَ اِتِّخَاذ غَيْر الْعَالِيَةِ مِنْ بَاب الْأَوْلَى , وَأَمَّا الْمُشْرِفَةُ فَحُكْمُهَا مُسْتَفَاد مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ الَّذِي صَدَّرَ بِهِ الْبَاب وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَظُنُّ الْبُخَارِيّ تَأَسَّى بِعُمَر حَيْثُ سَاقَ الْحَدِيثَ كُلّه , وَكَانَ يَكْفِيهِ فِي جَوَاب سُؤَال اِبْن عَبَّاس أَنْ يَكْتَفِيَ بِقَوْلِ عَائِشَة وَحَفْصَة , كَمَا كَانَ يَكْفِي الْبُخَارِيّ أَنْ يَكْتَفِيَ بِقَوْلِهِ مَثَلًا : وَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشْرُبَة لَهُ فَاعْتَزَلَ فِيهَا كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ : \" وَا عَجَبًا \" بِالتَّنْوِينِ , وَأَصْلُهُ \" وَا \" الَّتِي لِلنُّدْبَةِ وَجَاءَ بَعْدَهُ \" عَجَبًا \" لِلتَّأْكِيدِ. وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَا عَجَبِي \" , قَالَ اِبْن مَالِك فِيهِ شَاهِدٌ عَلَى اِسْتِعْمَالِ \" وَا \" فِي غَيْرِ النُّدْبَةِ وَهُوَ رَأْيُ الْمُبَرِّد , قِيلَ إِنَّ عُمَرَ تَعَجَّبَ مِنْ اِبْن عَبَّاس كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا مَعَ اِشْتِهَارِهِ عِنْدَهُ بِمَعْرِفَةِ التَّفْسِيرِ , أَوْ عَجِبَ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى تَحْصِيل التَّفْسِير بِجَمِيعِ طُرُقِهِ حَتَّى فِي تَسْمِيَةِ مَنْ أُبْهِمَ فِيهِ , وَهُوَ حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ فِي السُّؤَالِ عَنْ تَسْمِيَةِ مَنْ أُبْهِمَ أَوْ أُهْمِلَ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" كُنْت وَجَارٌ لِي \" بِالرَّفْعِ لِلْأَكْثَرِ , وَيَجُوزُ النَّصْبُ. وَقَوْلُهُ فِيهِ : \" تُنْعِلُ النِّعَال \" أَيْ تَضْرِبُهَا وَتُسَوِّيهَا , أَوْ هُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ فَحَذَفَ أَحَدهمَا وَالْأَصْل تُنْعِل الدَّوَابّ النِّعَال , وَرُوِيَ الْبِغَال بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةِ , وَسَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ بِلَفْظ \" تُنْعِل الْخَيْل \" وَقَوْلُهُ : \" فَأَفْزَعَنِي \" أَيْ الْقَوْلُ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَأَفْزَعْنَنِي \" بِصِيغَةِ جَمْع الْمُؤَنَّث. وَقَوْلُهُ : \" خَابَتْ مَنْ فَعَلَتْ مِنْهُنَّ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" جَاءَتْ مَنْ فَعَلَتْ مِنْهُنَّ بِعَظِيم \" وَقَوْلُهُ : \" عَلَى رِمَال \" بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا يُقَالُ رَمَلَ الْحَصِير إِذَا نَسَجَهُ , وَالْمُرَاد ضُلُوعه الْمُتَدَاخِلَة بِمَنْزِلَةِ الْخُيُوطِ فِي الثَّوْبِ الْمَنْسُوجِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَوْقَ الْحَصِيرِ فِرَاشٌ وَلَا غَيْرُهُ أَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُ تَأْثِير الْحَصِيرِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقُلْت وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ أَيْ أَقُولُ قَوْلًا أَسْتَكْشِفُ بِهِ هَلْ يَنْبَسِطُ لِي أَمْ لَا وَيَكُونُ أَوَّل كَلَامِهِ \" يَا رَسُول اللَّهِ لَوْ رَأَيْتَنِي \" وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اِسْتِفْهَامًا مَحْذُوف الْأَدَاة أَيْ أَأَسْتَأْنِسُ يَا رَسُول اللَّهِ ؟ وَيَكُونُ أَوَّل الْكَلَام الثَّانِي \" لَوْ رَأَيْتَنِي \" وَيَكُونُ جَوَاب الِاسْتِفْهَام مَحْذُوفًا وَاكْتَفَى فِيمَا أَرَادَ بِقَرِينَةِ الْحَالِ. وَقَوْلُهُ : \" أَهَبَة \" بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا , ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" إنَّا أَصْبَحْنَا بِتِسْع \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لِتِسْع \". ‏"
    },
    {
        "id": "2290",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَقِيلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ ‏ ‏قَالَ أَتَيْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَسْجِدَ فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ وَعَقَلْتُ الْجَمَلَ فِي نَاحِيَةِ الْبَلَاطِ فَقُلْتُ هَذَا جَمَلُكَ فَخَرَجَ فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْجَمَلِ قَالَ الثَّمَنُ وَالْجَمَلُ لَكَ ‏",
        "sharh": "وَأَوْرَدَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ جَابِر فِي قِصَّة جَمَله الَّذِي بَاعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الشُّرُوط , وَغَرَضه هُنَا قَوْلُهُ : \" وَعَقَلْت الْجَمَل فِي نَاحِيَةِ الْبَلَاطِ \" فَإِنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَاز ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ ضَرَر. ‏"
    },
    {
        "id": "2291",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ قَالَ لَقَدْ ‏ ‏أَتَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُبَاطَةَ ‏ ‏قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2292",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي ذَلِكَ بِلَفْظ \" غُصْن شَوْك \" ‏ ‏وَفِي حَدِيثِ أَنَس عِنْدَ أَحْمَدَ \" أَنَّ شَجَرَةً كَانَتْ عَلَى طَرِيقِ النَّاسِ تُؤْذِيهِمْ فَأَتَى رَجُلٌ فَعَزَلَهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر أَبْوَابِ الْأَذَانِ مَعَ الْكَلَام عَلَيْهِ , ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" فَغَفَرَ لَهُ \" ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ \" وَلَقَدْ رَأَيْته يَتَقَلَّبُ فِي ظِلِّهَا فِي الْجَنَّةِ \" وَيُنْظَرُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا بِثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ وَهِيَ إِمَاطَة الْأَذَى. وَكَأَنَّ تِلْكَ أَعَمّ مِنْ هَذِهِ لِعَدَمِ تَقْيِيدِهَا بِالطَّرِيقِ وَإِنْ تَسَاوَيَا فِي فَضْل عُمُوم الْمُزَال , وَفِيهِ أَنَّ قَلِيل الْخَيْر يَحْصُلُ بِهِ كَثِير الْأَجْرِ , قَالَ اِبْن الْمُنِير : إِنَّمَا تَرْجَمَ بِهِ لِئَلَّا يُتَخَيَّلَ أَنَّ الرَّمْيَ بِالْغُصْنِ وَغَيْره مِمَّا يُؤْذِي تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَيَمْتَنِع , فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ لِمَا فِيهِ مِنْ النَّدْبِ إِلَيْهِ , وَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةٍ قَالَ : \" قُلْت يَا رَسُول اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَنْتَفِعُ بِهِ , قَالَ : اِعْزِلْ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَبُو عَقِيل بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا قَاف اِسْمهُ بَشِير بِفَتْح أَوَّله وَبِالْمُعْجَمَةِ اِبْن عُقْبَة وَسَيَأْتِي فِي الشَّرِكَةِ قَرِيبًا زُهْرَة بْن مَعْبَد وَكُنْيَته أَبُو عَقِيل أَيْضًا وَهُوَ غَيْرُ هَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2293",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَضَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا تَشَاجَرُوا فِي الطَّرِيقِ بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ الزُّبَيْر بْن خِرِّيت ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنة ثُمَّ مُثَنَّاة , بَصْرِيٌّ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيثَيْنِ فِي التَّفْسِيرِ وَآخَر فِي الدَّعَوَاتِ , وَقَدْ أَوْرَدَ اِبْن عَدِيّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي أَفْرَادِ جَرِير بْن حَازِم رَاوِيهِ عَنْ الزُّبَيْرِ هَذَا , فَهُوَ مِنْ غَرَائِب الصَّحِيحِ وَلَكِنَّ شَاهِدَهُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق وَهْب بْن جَرِير عَنْ أَبِيهِ سَمِعْت الزُّبَيْر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا تَشَاجَرُوا ) ‏ ‏تَفَاعَلُوا مِنْ الْمُشَاجَرَةِ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْجِيم أَيْ تَنَازَعُوا وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" إِذَا اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الطَّرِيقِ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" إِذَا اِخْتَلَفْتُمْ \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ بَشِير بْن كَعْب وَهُوَ بِالتَّصْغِيرِ وَالْمُعْجَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظ \" إِذَا اِخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَة أَذْرُع \" وَمِثْلُهُ لِابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي الطَّرِيقِ ) ‏ ‏زَادَ الْمُسْتَمْلِي فِي رِوَايَتِهِ \" الْمِيتَاء \" وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ مُشِيرًا بِهَا إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيث كَعَادَتِهِ وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِذَا اِخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاء فَاجْعَلُوهَا سَبْعَةَ أَذْرُع \" وَرَوَى عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي \" زِيَادَات الْمُسْنَد \" وَالطَّبَرِيّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَة بْن الصَّامِتِ قَالَ : \" قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاء \" فَذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيث طَوِيلٍ وَلِابْن عَدِيّ مِنْ حَدِيثِ أَنَس \" قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاء الَّتِي تُؤْتَى مِنْ كُلِّ مَكَان \" فَذَكَرَهُ وَفِي كُلٍّ مِنْ الْأَسَانِيدِ الثَّلَاثَةِ مَقَالٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِسَبْعَةِ أَذْرُع ) ‏ ‏الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّرَاعِ ذِرَاع الْآدَمِيِّ فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِالْمُعْتَدِلِ , وَقِيلَ الْمُرَاد بِالذِّرَاعِ ذِرَاع الْبُنْيَان الْمُتَعَارَف , قَالَ الطَّبَرِيّ : مَعْنَاهُ أَنْ يُجْعَلَ قَدْرُ الطَّرِيق الْمُشْتَرَكَة سَبْعَة أَذْرُعٍ ثُمَّ يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ فِي الْأَرْضِ قَدْرُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا يَضُرُّ غَيْرَهُ وَالْحِكْمَة فِي جَعْلِهَا سَبْعَة أَذْرُعٍ لِتَسْلُكهَا الْأَحْمَال وَالْأَثْقَال دُخُولًا وَخُرُوجًا وَيَسَعُ مَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ طَرْحِهِ عِنْدَ الْأَبْوَابِ وَيَلْتَحِقُ بِأَهْل الْبُنْيَان مَنْ قَعَدَ لِلْبَيْعِ فِي حَافَّةِ الطَّرِيقِ , فَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ أَزْيَد مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْقُعُودِ فِي الزَّائِدِ , وَإِنْ كَانَ أَقَلّ مُنِعَ لِئَلَّا يُضَيِّقَ الطَّرِيقَ عَلَى غَيْرِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2294",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏وَهُوَ جَدُّهُ أَبُو أُمِّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏النُّهْبَى ‏ ‏وَالْمُثْلَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن يَزِيد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ وَحْدَهُ \" اِبْن زَيْد \" وَهُوَ تَصْحِيف. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَهُوَ ) ‏ ‏يَعْنِي عَبْد اللَّه ‏ ‏( جَدّه ) ‏ ‏أَيْ جَدّ عَدِيّ لِأُمِّهِ , وَاسْم أُمِّهِ فَاطِمَة وَتُكَنَّى أُمَّ عَدِيّ , وَعَبْد اللَّه بْن يَزِيد هُوَ الْخَطْمِيّ مَضَى ذِكْرُهُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ , وَلَيْسَ لَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَلَهُ فِيهِ عَنْ الصَّحَابَةِ غَيْر هَذَا. وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ يَعْقُوب بْن إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ عَنْ شُعْبَة فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ عَدِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد عَنْ أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ \" أَشَارَ إِلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ , وَالْمَحْفُوظ عَنْ شُعْبَة لَيْسَ فِيهِ أَبُو أَيُّوب. وَفِيهِ اِخْتِلَافٌ آخَرُ عَلَى عَدِيّ بْن ثَابِت كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب الذَّبَائِح. وَفِي النَّهْيِ عَنْ النُّهْبَةِ حَدِيث جَابِر عِنْد أَبِي دَاوُد بِلَفْظ \" مَنْ اِنْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنَّا \" وَحَدِيث أَنَس عِنْدَ التِّرْمِذِيّ مِثْله , وَحَدِيث عِمْرَانَ عِنْدَ اِبْن حِبَّان مِثْله. وَحَدِيث ثَعْلَبَة بْن الْحَكَمِ بِلَفْظ \" إِنَّ النُّهْبَةَ لَا تَحِلُّ \" عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ , وَحَدِيث زَيْد بْن خَالِد عِنْدَ أَحْمَدَ \" نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النُّهْبَةِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُون الْمُثَلَّثَة , وَيَجُوزُ فَتْحُ الْمِيمِ وَضَمّ الْمُثَلَّثَة , وَسَيَأْتِي شَرْحهَا فِي كِتَاب الذَّبَائِح إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيث \" لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن \" الْحَدِيث , وَفِيهِ : \" وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَة يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارهمْ \" وَمِنْهُ يُسْتَفَادُ التَّقْيِيد بِالْإِذْنِ فِي التَّرْجَمَةِ لِأَنَّ رَفْع الْبَصَر إِلَى الْمُنْتَهِبِ فِي الْعَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْإِذْنِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحُدُود إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2295",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا ‏ ‏يَنْتَهِبُ ‏ ‏نُهْبَةً ‏ ‏يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ ‏ ‏يَنْتَهِبُهَا ‏ ‏وَهُوَ مُؤْمِنٌ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏وَأَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ إِلَّا النُّهْبَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَعَنْ سَعِيدِ ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن الْمُسَيِّب ‏ ‏( وَأَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْله إِلَّا النُّهْبَة ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَانْفَرَدَ أَبُو بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بِزِيَادَة ذِكْر النُّهْبَة فِيهِ , وَظَاهِره أَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَ عُقَيْلٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ الثَّلَاثَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي الْحُدُودِ فَقَالَ فِيهِ : \" عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد وَأَبِي سَلَمَة مِثْله إِلَّا النُّهْبَة \" وَرَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ الثَّلَاثَةِ بِتَمَامِهِ , وَكَأَنَّ الْأَوْزَاعِيّ حَمَلَ رِوَايَة سَعِيد وَأَبِي سَلَمَة عَلَى رِوَايَة أَبِي بَكْر , وَالَّذِي فَصَّلَهَا أَحْفَظُ مِنْهُ فَهُوَ الْمَحْفُوظُ , وَسَيَأْتِي مَزِيد بَيَان لِذَلِكَ فِي كِتَاب الْحُدُود إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ الْفَرَبْرِيّ : وَجَدْت بِخَطّ أَبِي جَعْفَر هُوَ اِبْن أَبِي حَاتِم وَرَّاق الْبُخَارِيّ ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه هُوَ الْمُصَنِّفُ ( تَفْسِيره أَيْ تَفْسِيرِ النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ : \" لَا يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن \" ( أَنْ يُنْزَعَ مِنْهُ , يُرِيدُ الْإِيمَانَ وَهَذَا التَّفْسِير تَلَقَّاهُ الْبُخَارِيّ مِنْ اِبْن عَبَّاس , فَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْحُدُودِ \" وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : يُنْزَعُ مِنْهُ نُور الْإِيمَانِ \" وَسَنَذْكُرُ هُنَاكَ مَنْ وَصَلَهُ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَمَنْ خَالَفَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2296",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمْ ‏ ‏ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ ‏ ‏الْجِزْيَةَ ‏ ‏وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2297",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏قَالَ عَلَى مَا تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ قَالُوا عَلَى الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ قَالَ ‏ ‏اكْسِرُوهَا ‏ ‏وَأَهْرِقُوهَا ‏ ‏قَالُوا أَلَا ‏ ‏نُهَرِيقُهَا ‏ ‏وَنَغْسِلُهَا قَالَ اغْسِلُوا ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏يَقُولُ الْحُمُرِ ‏ ‏الْأَنْسِيَّةِ بِنَصْبِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَعِ فِي غَسْلِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَتْ فِيهَا الْخَمْر وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الذَّبَائِح إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَهُوَ يُسَاعِدُ مَا أَشَرْت إِلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ مِنْ التَّفْصِيلِ. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيِّ : أَرَادَ التَّغْلِيظ عَلَيْهِمْ فِي طَبْخِهِمْ مَا نُهِيَ عَنْ أَكْلِهِ , فَلَمَّا رَأَى إِذْعَانهمْ اِقْتَصَرَ عَلَى غَسْلِ الْأَوَانِي , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ دِنَان الْخَمْر لَا سَبِيلَ إِلَى تَطْهِيرِهَا لِمَا يُدَاخِلُهَا مِنْ الْخَمْرِ , فَإِنَّ الَّذِي دَاخِلَ الْقُدُور مِنْ الْمَاءِ الَّذِي طُبِخَتْ بِهِ الْخَمْر يُطَهِّرُهُ , وَقَدْ أَذِنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَسْلِهَا فَدَلَّ عَلَى إِمْكَانِ تَطْهِيرِهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّفُ ‏ ‏( كَانَ اِبْن أَبِي أُوَيْس ) ‏ ‏يَعْنِي شَيْخَهُ إِسْمَاعِيل. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الْأَنْسِيَّة بِنَصْب الْأَلِف وَالنُّون ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهَا نُسِبَتْ إِلَى الْأَنَسِ بِالْفَتْحِ ضِدَّ الْوَحْشَةِ تَقُولُ أَنَسْته أنَسَة وَأَنْسًا بِإِسْكَانِ النُّون وَفَتْحِهَا , وَالْمَشْهُور فِي الرِّوَايَاتِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُون النُّونِ نِسْبَة إِلَى الْإِنْسِ أَيْ بَنِي آدَمَ تَأَلُّفهمْ وَهِيَ ضِدُّ الْوَحْشِيَّةِ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ثَبَتَ هَذَا التَّفْسِير لِأَبِي ذَرّ وَحْدَهُ , وَتَعْبِيره عَنْ الْهَمْزَةِ بِالْأَلِفِ وَعَنْ الْفَتْحِ بِالنَّصْبِ جَائِز عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ , وَإِنْ كَانَ الِاصْطِلَاح أَخِيرًا قَدْ اِسْتَقَرَّ عَلَى خِلَافِهِ فَلَا يُبَادَرُ إِلَى إِنْكَارِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2298",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَحَوْلَ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏ثَلَاثُ مِائَةٍ وَسِتُّونَ ‏ ‏نُصُبًا ‏ ‏فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَجَعَلَ يَقُولُ ‏ { ‏جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي طَعْن الْأَصْنَام وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي غَزْوَة الْفَتْح. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَطْعَنُهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَبِضَمِّهَا , قَالَ الطَّبَرِيّ : فِي حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود جَوَاز كَسْر آلَات الْبَاطِلِ وَمَا لَا يَصْلُحُ إِلَّا فِي الْمَعْصِيَةِ حَتَّى تَزُولَ هَيْئَتُهَا وَيُنْتَفَع بِرُضَاضِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2299",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا كَانَتْ اتَّخَذَتْ عَلَى سَهْوَةٍ لَهَا سِتْرًا فِيهِ تَمَاثِيلُ ‏ ‏فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ ‏ ‏نُمْرُقَتَيْنِ ‏ ‏فَكَانَتَا فِي الْبَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي هَتْكِ السِّتْرِ الَّذِي فِيهِ التَّمَاثِيل , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي اللِّبَاسِ وَنَذْكُرُ فِيهِ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهَا هُنَا \" كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّكِئُ عَلَيْهَا \" وَبَيْنَ قَوْلِهَا فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى \" مَا بَال هَذِهِ النُّمْرُقَة ؟ قُلْت : اِشْتَرَيْتهَا لِتَوَسُّدِهَا. قَالَ : إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّورَة لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَة \". وَالسَّهْوَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُون الْهَاءِ صُفَّة وَقِيلَ خِزَانَة وَقِيلَ رَفٌّ وَقِيلَ طَاق يُوضَعُ فِيهِ الشَّيْء. قَالَ اِبْن التِّينِ : قَوْلُهَا : \" فَهَتَكَهُ \" أَيْ شَقَّهُ , كَذَا قَالَ , وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ نَزَعَهُ , ثُمَّ هِيَ بَعْدَ ذَلِكَ قَطَعَتْهُ كَمَا سَيَأْتِي تَوْضِيحه إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2300",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ الْمُقْرِئُ وَأَبُو الْأَسْوَد هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن نَوْفَل الْأَسَدِيّ وَوَقَعَ مَنْسُوبًا هَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عِكْرِمَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ \" أَنَّ عِكْرِمَةَ أَخْبَرَهُ \" وَلَيْسَ لِعِكْرِمَةَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَهُوَ اِبْن الْعَاصِ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِدِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) ‏ ‏قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ. وَكَأَنَّهُ كَتَبَهُ مِنْ حِفْظه أَوْ حَدَّثَ بِهِ الْمُقْرِئ مِنْ حِفْظه فَجَاءَ بِهِ عَلَى اللَّفْظِ الْمَشْهُورِ , وَإِلَّا فَقَدْ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْمُقْرِئِ بِلَفْظ \" مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ مَظْلُومًا فَلَهُ الْجَنَّةُ \" قَالَ : وَمَنْ أَتَى بِهِ عَلَى غَيْرِ اللَّفْظِ الَّذِي اُعْتِيدَ فَهُوَ أَوْلَى بِالْحِفْظِ وَلَا سِيَّمَا وَفِيهِمْ مِثْلُ دُحَيْم , وَكَذَلِكَ مَا زَادُوهُ مِنْ قَوْلِهِ : \" مَظْلُومًا \" فَإِنَّهُ لَا بُدّ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ. وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيق دُحَيْم وَابْن أَبِي عُمَر وَعَبْد الْعَزِيز بْن سَلَام , قُلْت : وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن فَضَالَة عَنْ الْمُقْرِئِ , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حَيْوَة بْن شُرَيْح عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ بِهَذَا اللَّفْظِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيّ. نَعَمْ لِلْحَدِيثِ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عِكْرِمَةَ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيّ بِاللَّفْظِ الْمَشْهُورِ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم كَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ ثَابِت بْن عِيَاض عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَفِي رِوَايَتِهِ قِصَّة قَالَ : \" لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَبَيْن عَنْبَسَة بْن أَبِي سُفْيَان مَا كَانَ - يُشِيرُ لِلْقِتَالِ - فَرَكِبَ خَالِد بْن الْعَاصِ إِلَى عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فَوَعَظَهُ , فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو : أَمَا عَلِمْت... \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ : \" مَا كَانَ \" إِلَى مَا بَيَّنَهُ حَيْوَة فِي رِوَايَتِهِ الْمُشَار إِلَيْهَا فَإِنَّ أَوَّلَهَا \" أَنَّ عَامِلًا لِمُعَاوِيَة أَجْرَى عَيْنًا مِنْ مَاءٍ لِيَسْقِيَ بِهَا أَرْضًا , فَدَنَا مِنْ حَائِطٍ لِآلِ عَمْرِو بْن الْعَاص فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ لِيَجْرِيَ الْعَيْن مِنْهُ إِلَى الْأَرْضِ , فَأَقْبَلَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَمَوَالِيه بِالسِّلَاحِ وَقَالُوا : وَاللَّهِ لَا تَخْرُقُونَ حَائِطَنَا حَتَّى لَا يَبْقَى مِنَّا أَحَد \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَالْعَامِل الْمَذْكُور هُوَ عَنْبَسَة بْن أَبِي سُفْيَان كَمَا ظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِم , وَكَانَ عَامِلًا لِأَخِيهِ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِف , وَالْأَرْض الْمَذْكُورَة كَانَتْ بِالطَّائِفِ , وَامْتِنَاع عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مِنْ ذَلِكَ لِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ عَارَضَ بِهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَضَعَ جِذْعَهُ عَلَى جِدَار جَاره وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ , وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كُلّهمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عَمْرو بِاللَّفْظِ الْمَشْهُورِ , وَفِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ \" مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيد \" وَلِابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عُمَر نَحْوه , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي التَّرْجَمَةِ لِتَعْبِيرِهِ بِلَفْظِ \" قَاتَلَ \" وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَبَقِيَّة أَصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ سَعِيد بْن زَيْد نَحْوَهُ وَفِيهِ ذِكْرُ الْأَهْلِ وَالدَّمِ وَالدِّينِ , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ \" مَنْ أُرِيدَ مَاله ظُلْمًا فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيد \" قَالَ النَّوَوِيّ : فِيهِ جَوَاز قَتْلِ مَنْ قَصَدَ أَخْذَ الْمَال بِغَيْرِ حَقٍّ سَوَاء كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ , وَشَذَّ مَنْ أَوْجَبَهُ , وَقَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّةِ : لَا يَجُوزُ إِذَا طَلَبَ الشَّيْء الْخَفِيف. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : سَبَبُ الْخِلَافِ عِنْدَنَا هَلْ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ فَلَا يَفْتَرِقُ الْحَال بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ , أَوْ مِنْ بَابِ دَفْعِ الضَّرَرِ فَيَخْتَلِفُ الْحَالُ ؟ وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِر عَنْ الشَّافِعِيِّ قَالَ : مَنْ أُرِيدَ مَاله أَوْ نَفْسه أَوْ حَرِيمه فَلَهُ الِاخْتِيَارُ أَنْ يُكَلِّمَهُ أَوْ يَسْتَغِيثَ , فَإِنْ مُنِعَ أَوْ اِمْتَنَعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِتَاله وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَوْ أَتَى عَلَى نَفْسِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَقْل وَلَا دِيَة وَلَا كَفَّارَة لَكِنْ لَيْسَ لَهُ عَمْد قَتْله. قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَالَّذِي عَلَيْهِ أَهْل الْعِلْمِ أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْفَعَ عَمَّا ذَكَرَ إِذَا أُرِيدَ ظُلْمًا بِغَيْرِ تَفْصِيل , إِلَّا أَنَّ كُلّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيث الْمُجْمِعِينَ عَلَى اِسْتِثْنَاءِ السُّلْطَانِ لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ بِالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِهِ وَتَرْك الْقِيَام عَلَيْهِ. وَفَرَّقَ الْأَوْزَاعِيّ بَيْنَ الْحَالِ الَّتِي لِلنَّاسِ فِيهَا جَمَاعَة وَإِمَام فَحَمَلَ الْحَدِيث عَلَيْهَا , وَأَمَّا فِي حَال الِاخْتِلَاف وَالْفُرْقَة فَلْيَسْتَسْلِمْ وَلَا يُقَاتِلْ أَحَدًا. وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم بِلَفْظ \" أَرَأَيْت إِنْ جَاءَ رَجُل يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي ؟ قَالَ : فَلَا تُعْطِهِ. قَالَ : أَرَأَيْت إنْ قَاتَلَنِي ؟ قَالَ : فَاقْتُلْهُ. قَالَ : أَرَأَيْت إنْ قَتَلَنِي ؟ قَالَ : فَأَنْتَ شَهِيد. قَالَ أَرَأَيْت إنْ قَتَلْتُهُ ؟ قَالَ : فَهُوَ فِي النَّارِ \" قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا أَدْخَلَ الْبُخَارِيّ هَذِهِ التَّرْجَمَة فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ لِيُبَيِّن أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَمَاله وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ , فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ شَهِيدًا إِذَا قُتِلَ فِي ذَلِكَ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ إِذَا كَانَ هُوَ الْقَاتِل. ‏"
    },
    {
        "id": "2301",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ عِنْدَ بَعْضِ ‏ ‏نِسَائِهِ ‏ ‏فَأَرْسَلَتْ ‏ ‏إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏مَعَ خَادِمٍ ‏ ‏بِقَصْعَةٍ ‏ ‏فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتْ ‏ ‏الْقَصْعَةَ ‏ ‏فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ وَقَالَ ‏ ‏كُلُوا وَحَبَسَ الرَّسُولَ ‏ ‏وَالْقَصْعَةَ ‏ ‏حَتَّى فَرَغُوا فَدَفَعَ ‏ ‏الْقَصْعَةَ ‏ ‏الصَّحِيحَةَ وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَان الثَّوْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" أَهْدَتْ بَعْض أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا فِي قَصْعَةٍ فَضَرَبَتْ عَائِشَة الْقَصْعَة بِيَدِهَا \" الْحَدِيث وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ اِبْن أَبِي عَدِيّ وَيَزِيد بْن هَارُون عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ وَقَالَ : أَظُنُّهَا عَائِشَة. قَالَ الطِّيبِيّ : إِنَّمَا أَبْهَمْت عَائِشَة تَفْخِيمًا لِشَأْنِهَا , وَإِنَّهُ مِمَّا لَا يَخْفَى وَلَا يَلْتَبِسُ أَنَّهَا هِيَ , لِأَنَّ الْهَدَايَا إِنَّمَا كَانَتْ تُهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِم ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِ الْخَادِمِ , وَأَمَّا الْمُرْسِلَةُ فَهِيَ زَيْنَب بِنْت جَحْش ذَكَرَهُ اِبْن حَزْمٍ فِي \" الْمُحَلَّى \" مِنْ طَرِيق اللَّيْث بْن سَعْد عَنْ جَرِير بْن حَازِم عَنْ حُمَيْد \" سَمِعْت أَنَس بْن مَالِك أَنَّ زَيْنَب بِنْت جَحْش أَهْدَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِ عَائِشَة وَيَوْمهَا جَفْنَة مَنْ حَيْس \" الْحَدِيث , وَاسْتَفَدْنَا مِنْهُ مَعْرِفَةَ الطَّعَامِ الْمَذْكُورِ. وَوَقَعَ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ لِعَائِشَة مَعَ أُمّ سَلَمَة , فَرَوَى النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل \" عَنْ أُمّ سَلَمَة أَنَّهَا أَتَتْ بِطَعَامٍ فِي صَحْفَةٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , فَجَاءَتْ عَائِشَة مُتَّزِرَة بِكِسَاءٍ وَمَعَهَا فِهْر فَفَلَقَتْ بِهِ الصَّحْفَة \" الْحَدِيث , وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى ثَابِتٍ فَقِيلَ : عَنْهُ عَنْ أَنَس وَرَجَّحَ أَبُو زُرْعَة الرَّازِيّ فِيمَا حَكَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي \" الْعِلَلِ \" عَنْهُ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة وَقَالَ : إِنَّ غَيْرهَا خَطَأ , فَفِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيّ \" عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَس أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ عَائِشَة إِذْ أُتِيَ بِصَحْفَة خُبْز وَلَحْم مِنْ بَيْت أُمّ سَلَمَة , قَالَ : فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا وَعَائِشَة تَصْنَعُ طَعَامًا عَجِلَة , فَلَمَّا فَرَغْنَا جَاءَتْ بِهِ وَرَفَعَتْ صَحْفَة أُمّ سَلَمَة فَكَسَرَتْهَا \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَان بْن خَالِد عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَس قَالَ : \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ عَائِشَة مَعَهُ بَعْض أَصْحَابِهِ يَنْتَظِرُونَ طَعَامًا فَسَبَقَتْهَا - قَالَ عِمْرَان أَكْثَر ظَنِّي أَنَّهَا حَفْصَة - بِصَحْفَةٍ فِيهَا ثَرِيد فَوَضَعْتهَا فَخَرَجَتْ عَائِشَة - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ - فَضَرَبَتْ بِهَا فَانْكَسَرَتْ \" الْحَدِيث. وَلَمْ يُصِبْ عِمْرَان فِي ظَنِّهِ أَنَّهَا حَفْصَة بَلْ هِيَ أُمّ سَلَمَة كَمَا تَقَدَّمَ , نَعَمْ وَقَعَتْ الْقِصَّةُ لِحَفْصَة أَيْضًا وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُوَاءَة غَيْر مُسَمًّى عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَصْحَابِهِ فَصَنَعْت لَهُ طَعَامًا وَصَنَعَتْ لَهُ حَفْصَة طَعَامًا فَسَبَقَتْنِي فَقُلْت لِلْجَارِيَةِ اِنْطَلِقِي فَأَكْفِئِي قَصْعَتهَا فَأَكْفَأَتْهَا فَانْكَسَرَتْ وَانْتَشَرَ الطَّعَام فَجَمَعَهُ عَلَى النِّطَعِ فَأَكَلُوا , ثُمَّ بَعَثَ بِقَصْعَتِي إِلَى حَفْصَة فَقَالَ : خُذُوا ظَرْفًا مَكَان ظَرْفِكُمْ \" وَبَقِيَّة رِجَالِهِ ثِقَات , وَهِيَ قِصَّةٌ أُخْرَى بِلَا رَيْب , لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْجَارِيَةَ هِيَ الَّتِي كَسَرَتْ الصَّحْفَة وَفِي الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّ عَائِشَة نَفْسهَا هِيَ الَّتِي كَسَرَتْهَا. وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق جَسْرَة بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" مَا رَأَيْت صَانِعَة طَعَامٍ مِثْلَ صَفِيَّة , أَهَدَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَاءً فِيهِ طَعَام , فَمَا مَلَكْتُ نَفْسِي أَنْ كَسْرْتُهُ فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّهِ مَا كَفَّارَته ؟ قَالَ : إِنَاءٌ كَإِنَاءٍ وَطَعَام كَطَعَام \" إِسْنَاده حَسَن : وَلِأَحْمَد وَأَبِي دَاوُد عَنْهَا \" فَلَمَّا رَأَيْت الْجَارِيَةَ أَخَذَتْنِي رِعْدَة \" فَهَذِهِ قِصَّة أُخْرَى أَيْضًا , وَتَحَرَّرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْ أُبْهِمَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ هِيَ زَيْنَب لِمَجِيءِ الْحَدِيث مِنْ مُخَرِّجِهِ وَهُوَ حُمَيْدٌ عَنْ أَنَس وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَقَصَص أُخْرَى لَا يَلِيقُ بِمَنْ يُحَقِّقُ أَنْ يَقُولَ فِي مِثْلِ هَذَا : قِيلَ الْمُرْسَلَة فُلَانَة وَقِيلَ فُلَانَة إِلَخْ مِنْ غَيْرِ تَحْرِير. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِقَصْعَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَافِ : إِنَاءٌ مِنْ خَشَب. وَفِي رِوَايَةِ اِبْن عُلَيَّة فِي النِّكَاحِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ \" بِصَحْفَة \" وَهِيَ قَصْعَةٌ مَبْسُوطَةٌ وَتَكُونُ مِنْ غَيْرِ الْخَشَبِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتْ الْقَصْعَةَ ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد \" نِصْفَيْنِ \" وَفِي رِوَايَة أُمّ سَلَمَة عِنْدَ النَّسَائِيِّ \" فَجَاءَتْ عَائِشَة وَمَعَهَا فِهْر فَفَلَقَتْ بِهِ الصَّحْفَة \" وَفِي رِوَايَةِ اِبْن عُلَيَّة \" فَضَرَبَتْ الَّتِي فِي بَيْتِهَا يَد الْخَادِمِ فَسَقَطَتْ الصَّحْفَة فَانْفَلَقَتْ \" وَالْفَلْق بِالسُّكُونِ الشَّقّ , وَدَلَّتْ الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَلَى أَنَّهَا اِنْشَقَّتْ ثُمَّ اِنْفَصَلَتْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَضَمَّهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن عُلَيَّة \" فَجَمَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَق الصَّحْفَة , ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ : غَارَتْ أُمُّكُمْ \" وَلِأَحْمَدَ \" فَأَخَذَ الْكِسْرَتَيْنِ فَضَمَّ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى فَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَام \" وَلِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ خَالِد بْن الْحَارِث عَنْ حُمَيْدٍ نَحْوه وَزَادَ \" كُلُوا فَأَكَلُوا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَحَبَسَ الرَّسُول ) ‏ ‏زَادَ اِبْن عُلَيَّة \" حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَدَفَعَ الْقَصْعَة الصَّحِيحَة ) ‏ ‏زَادَ اِبْن عُلَيَّة \" إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا , وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ \" زَادَ الثَّوْرِيّ \" وَقَالَ : إِنَاءٌ كَإِنَاءٍ وَطَعَام كَطَعَام \" قَالَ اِبْن بَطَّال : اِحْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيّ وَالْكُوفِيُّونَ فِيمَنْ اِسْتَهْلَكَ عُرُوضًا أَوْ حَيَوَانًا فَعَلَيْهِ مِثْل مَا اِسْتَهْلَكَ , قَالُوا : وَلَا يُقْضَى بِالْقِيمَةِ إِلَّا عِنْدَ عَدَم الْمِثْل. وَذَهَبَ مَالِك إِلَى الْقِيمَةِ مُطْلَقًا. وَعَنْهُ فِي رِوَايَة كَالْأَوَّلِ. وَعَنْهُ مَا صَنَعَهُ الْآدَمِيُّ فَالْمِثْل. وَأَمَّا الْحَيَوَانُ فَالْقِيمَة. وَعَنْهُ مَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَالْقِيمَة وَإِلَّا فَالْمِثْل وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ. وَمَا أَطْلَقَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِيهِ نَظَر , وَإِنَّمَا يُحْكَمُ فِي الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ إِذَا كَانَ مُتَشَابه الْأَجْزَاء وَأَمَّا الْقَصْعَةُ فَهِيَ مِنْ الْمُتَقَوِّمَاتِ لِاخْتِلَافِ أَجْزَائِهَا. وَالْجَوَابُ مَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِأَنَّ الْقَصْعَتَيْنِ كَانَتَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتَيْ زَوْجَتَيْهِ فَعَاقَبَ الْكَاسِرَة بِجَعْلِ الْقَصْعَة الْمَكْسُورَة فِي بَيْتِهَا وَجَعْلِ الصَّحِيحَةِ فِي بَيْتِ صَاحِبَتِهَا وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَضْمِين وَيُحْتَمَلُ عَلَى تَقْدِير أَنْ تَكُونَ الْقَصْعَتَانِ لَهُمَا أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ سَدَادًا بَيْنَهُمَا فَرَضِيَتَا بِذَلِكَ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الزَّمَانِ الَّذِي كَانَتْ الْعُقُوبَة فِيهِ بِالْمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا , فَعَاقَبَ الْكَاسِرَة بِإِعْطَاء قَصْعَتهَا لِلْأُخْرَى. قُلْت : وَيَبْعُدُ هَذَا التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ : \" إِنَاء كَإِنَاء \" وَأَمَّا التَّوْجِيهُ الْأَوَّلُ فَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اِبْن أَبِي حَاتِم \" مَنْ كَسَرَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ \" زَادَ فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ \" فَصَارَتْ قَضِيَّة \" وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حُكْمًا عَامًّا لِكُلِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ مِثْل ذَلِكَ وَيَبْقَى دَعْوَى مَنْ اِعْتَذَرَ عَنْ الْقَوْلِ بِهِ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهَا , لَكِنَّ مَحَلّ ذَلِكَ مَا إِذَا أَفْسَدَ الْمَكْسُور , فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْكَسْرُ خَفِيفًا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ فَعَلَى الْجَانِي أَرْشُهُ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مَسْأَلَة الطَّعَام فَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمَعُونَةِ وَالْإِصْلَاح دُونَ بَتّ الْحُكْم بِوُجُوب الْمِثْل فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِثْل مَعْلُوم , وَفِي طُرُقِ الْحَدِيث مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ الطَّعَامَيْنِ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ وَاللَّه أَعْلَمُ. وَاحْتَجَّ بِهِ الْحَنَفِيَّة لِقَوْلِهِمْ إِذَا تَغَيَّرَتْ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ بِفِعْل الْغَاصِب حَتَّى زَالَ اِسْمُهَا وَعِظَم مَنَافِعهَا زَالَ مِلْك الْمَغْصُوب عَنْهَا وَمَلَكَهَا الْغَاصِب وَضَمِنَهَا , وَفِي الِاسْتِدْلَالِ لِذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيث نَظَر لَا يَخْفَى , قَالَ الطِّيبِيّ : وَإِنَّمَا وُصِفَتْ الْمُرْسَلَة بِأَنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ إِيذَانًا بِسَبَبِ الْغَيْرَةِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْ عَائِشَة وَإِشَارَة إِلَى غَيْرَة الْأُخْرَى حَيْثُ أَهْدَتْ إِلَى بَيْتِ ضَرَّتِهَا وَقَوْله : \" غَارَتْ أُمُّكُمْ \" اِعْتِذَار مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِئَلَّا يُحْمَلَ صَنِيعهَا عَلَى مَا يُذَمُّ , بَلْ يَجْرِي عَلَى عَادَة الضَّرَائِر مِنْ الْغَيْرَةِ فَإِنَّهَا مُرَكَّبَة فِي النَّفْسِ بِحَيْثُ لَا يُقْدَرُ عَلَى دَفْعِهَا , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَيْرَةِ فِي كِتَاب النِّكَاح حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي الْحَدِيث حُسْن خُلُقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْصَافه وَحِلْمُه , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُؤَدِّبْ الْكَاسِرَة وَلَوْ بِالْكَلَامِ لِمَا وَقَعَ مِنْهَا مِنْ التَّعَدِّي لِمَا فَهِمَ مِنْ أَنَّ الَّتِي أَهْدَتْ أَرَادَتْ بِذَلِكَ أَذَى الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا وَالْمُظَاهَرَة عَلَيْهَا فَاقْتَصَرَ عَلَى تَغْرِيمِهَا لِلْقَصْعَةِ , قَالَ : وَإِنَّمَا لَمْ يُغَرِّمْهَا الطَّعَام لِأَنَّهُ كَانَ مُهْدًى فَإِتْلَافهمْ لَهُ قَبُول أَوْ فِي حُكْم الْقَبُول , وَغَفَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَمَّا وَرَدَ فِي الطُّرُقِ الْأُخْرَى وَاللَّهُ الْمُسْتَعَان. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اِبْن أَبِي مَرْيَمَ ) ‏ ‏هُوَ سَعِيد شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَأَرَادَ بِذَلِكَ بَيَانَ التَّصْرِيحِ بِتَحْدِيث أَنَس لِحُمَيْد , وَقَدْ وَقَعَ تَصْرِيحُهُ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ لِهَذَا الْحَدِيث فِي رِوَايَةِ جَرِير بْن حَازِم الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا مِنْ عِنْدِ اِبْنِ حَزْم. ‏"
    },
    {
        "id": "2302",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ رَجُلٌ فِي ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ ‏ ‏جُرَيْجٌ ‏ ‏يُصَلِّي فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا فَقَالَ أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ وَكَانَ ‏ ‏جُرَيْجٌ ‏ ‏فِي صَوْمَعَتِهِ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ لَأَفْتِنَنَّ ‏ ‏جُرَيْجًا ‏ ‏فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقَالَتْ هُوَ مِنْ ‏ ‏جُرَيْجٍ ‏ ‏فَأَتَوْهُ وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ قَالَ الرَّاعِي قَالُوا نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ لَا إِلَّا مِنْ طِينٍ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة جُرَيْج الرَّاهِب مُخْتَصَرًا , وَسَاقَهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُطَوَّلًا وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ : \" فَقَالُوا نَبْنِي صَوْمَعَتك مِنْ ذَهَب قَالَ : لَا إِلَّا مِنْ طِين \" وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ \" فَكَسَرُوا صَوْمَعَته \" وَتَوْجِيه الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّ شَرْع مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا , وَهُوَ كَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَأْتِ شَرْعنَا بِخِلَافِهِ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْر مَرَّة , لَكِنَّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِقِصَّة جُرَيْج فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ نَظَر , قَالَ اِبْن الْمُنِير : الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ غَيْر ظَاهِرٍ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ ; لِأَنَّهُمْ عَرَضُوا عَلَيْهِ مَا لَا يَلْزَمُهُمْ اِتِّفَاقًا وَهُوَ بِنَاؤُهَا مِنْ ذَهَب , وَمَا أَجَابَهُمْ جُرَيْج إِلَّا بِقَوْلِهِ : \" مِنْ طِين \" وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا قَالَ : وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْهَادِمَ لَوْ اِلْتَزَمَ الْإِعَادَة وَرَضِيَ صَاحِبه فِي جَوَاز ذَلِكَ. قَالَ : وَيُحْتَمَلُ عَلَى أَصْل مَالِك أَنْ لَا يَجُوزَ , لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِمَا وَجَبَ نَاجِزًا وَهُوَ الْقِيمَةُ إِلَّا مَا يَتَأَخَّرُ وَهُوَ الْبُنْيَانُ. قَالَ اِبْن مَالِك فِي قَوْلِهِ : \" لَا إِلَّا مِنْ طِين \" شَاهِد عَلَى حَذْف الْمَجْزُوم بِلَا فَإِنَّ التَّقْدِيرَ لَا تَبْنُوهَا إِلَّا مِنْ طِين. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْمَظَالِم مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى ثَمَانِيَة وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا. الْمُعَلَّقُ مِنْهَا سِتَّة الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ حَدِيثًا , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيث أَبِي سَعِيد \" إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ \" وَحَدِيث أَنَس \" اُنْصُرْ أَخَاك \" وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَة \" وَحَدِيث اِبْن عُمَر \" مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْأَرْضِ \" وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن يَزِيد فِي النَّهْيِ عَنْ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ وَحَدِيث أَنَس فِي الْقَصْعَةِ الْمَكْسُورَةِ. وَفِيهِ مِنْ الْآثَارِ سَبْعَة آثَار. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2303",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ‏ ‏وَهُمْ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَأَنَا فِيهِمْ فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ فَأَمَرَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏ ‏بِأَزْوَادِ ‏ ‏ذَلِكَ الْجَيْشِ فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَكَانَ ‏ ‏مِزْوَدَيْ ‏ ‏تَمْرٍ فَكَانَ ‏ ‏يُقَوِّتُنَا ‏ ‏كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ فَقُلْتُ وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ فَقَالَ لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ قَالَ ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ ‏ ‏الظَّرِبِ ‏ ‏فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ‏ ‏ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ أَمَرَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏ ‏بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي بَعْث أَبِي عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح إِلَى جِهَةِ السَّاحِلِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْمَغَازِي وَشَاهِد التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْلُهُ : \" فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَة بِأَزْوَاد ذَلِكَ الْجَيْش فَجُمِعَ \" الْحَدِيث. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ لَيْسَ فِي حَدِيث أَبِي عُبَيْدَة وَلَا الَّذِي بَعْدَهُ ذِكْر الْمُجَازَفَةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا الْمُبَايَعَةَ وَلَا الْبَدَلَ وَإِنَّمَا يَفْضُلُ بَعْضهمْ بَعْضًا لَوْ أَخَذَ الْإِمَام مِنْ أَحَدِهِمْ لِلْآخَرِ. وَأَجَابَ اِبْن التِّينِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ حُقُوقَهُمْ تَسَاوَتْ فِيهِ بَعْدَ جَمْعِهِ لَكِنَّهُمْ تَنَاوَلُوهُ مُجَازَفَة كَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2304",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَفَّتْ ‏ ‏أَزْوَادُ ‏ ‏الْقَوْمِ وَأَمْلَقُوا فَأَتَوْا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي نَحْرِ إِبِلِهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ فَلَقِيَهُمْ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْدَ إِبِلِكُمْ فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَقَاؤُهُمْ بَعْدَ إِبِلِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَادِ فِي النَّاسِ فَيَأْتُونَ بِفَضْلِ ‏ ‏أَزْوَادِهِمْ ‏ ‏فَبُسِطَ لِذَلِكَ ‏ ‏نِطَعٌ ‏ ‏وَجَعَلُوهُ عَلَى ‏ ‏النِّطَعِ ‏ ‏فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَعَا وَبَرَّكَ عَلَيْهِ ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأَوْعِيَتِهِمْ فَاحْتَثَى النَّاسُ حَتَّى فَرَغُوا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَعِ فِي إِرَادَةِ نَحْرِ إِبِلِهِمْ فِي الْغَزْوِ , وَالشَّاهِد مِنْهُ جَمْع أَزْوَادهمْ وَدُعَاء النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا بِالْبَرَكَةِ , وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ مِنْ كَوْن أَخْذهمْ مِنْهَا كَانَ بِغَيْرِ قِسْمَةٍ مُسْتَوِيَةٍ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْجِهَاد إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْلُهُ فِيهِ : \" أَزْوَاد \" ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي \" أَزْوِدَة \" ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" وَأَمْلَقُوا \" ‏ ‏أَيْ اِفْتَقَرُوا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَبَرَّكَ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ دَعَا بِالْبَرَكَةِ ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" فَاحْتَثَى \" ‏ ‏بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاة مَفْتُوحَة ثُمَّ مُثَلَّثَة اِفْتَعَلَ مِنْ الْحَثْي وَهُوَ الْأَخْذُ بِالْكَفَّيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2305",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النَّجَاشِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعَصْرَ فَنَنْحَرُ جَزُورًا فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج فِي تَعْجِيل صَلَاة الْعَصْرِ , وَهُوَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي غَيْرِ مَظِنَّتِهَا , وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّف فِي الْمَوَاقِيتِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ رَافِع تَعْجِيل الْمَغْرِبِ , وَفِي هَذَا تَعْجِيل الْعَصْرِ وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ : \" فَنَنْحَرُ جَزُورًا فَيُقْسَمُ عَشْرَ قِسَم \" قَالَ اِبْنُ التِّينِ فِي حَدِيث رَافِعٍ الشَّرِكَةُ فِي الْأَصْلِ , وَجَمْع الْحُظُوظِ فِي الْقَسْمِ , وَنَحْر إِبِل الْمَغْنَم , وَالْحُجَّة عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ مَصِير ظِلَّ الشَّيْء مِثْلَيْهِ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" نَضِيجًا \" ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ وَبِالْجِيمِ أَيْ اِسْتَوَى طَبْخه. ‏"
    },
    {
        "id": "2306",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏الْأَشْعَرِيِّينَ ‏ ‏إِذَا ‏ ‏أَرْمَلُوا ‏ ‏فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ بُرَيْد ) ‏ ‏هُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاء مُصَغَّرًا. ) ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا أَرْمَلُوا ) ‏ ‏أَيْ فَنِيَ زَادهمْ , وَأَصْله مِنْ الرَّمْلِ كَأَنَّهُمْ لَصِقُوا بِالرَّمْلِ مِنْ الْقِلَّةِ كَمَا قِيلَ فِي ( ذَا مَتْرَبَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ ) ‏ ‏أَيْ هُمْ مُتَّصِلُونَ بِي , وَتُسَمَّى \" مِنْ \" هَذِهِ الِاتِّصَالِيَّةِ كَقَوْلِهِ : \" لَسْت مِنْ دَد \" , وَقِيلَ : الْمُرَادُ فَعَلُوا فِعْلِي فِي هَذِهِ الْمُوَاسَاةِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَاهُ الْمُبَالَغَة فِي اِتِّحَادِ طَرِيقِهِمَا وَاتِّفَاقهمَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَفِي الْحَدِيث فَضِيلَة عَظِيمَة لِلْأَشْعَرِيِّينَ قَبِيلَة أَبِي مُوسَى , وَتَحْدِيث الرَّجُلِ بِمَنَاقِبِهِ وَجَوَاز هِبَة الْمَجْهُول , وَفَضِيلَة الْإِيثَارِ وَالْمُوَاسَاةِ , وَاسْتِحْبَاب خَلْطَ الزَّاد فِي السَّفَرِ وَفِي الْإِقَامَةِ أَيْضًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2307",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2308",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ فَأَصَابُوا إِبِلًا وَغَنَمًا قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْقُدُورِ ‏ ‏فَأُكْفِئَتْ ‏ ‏ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ ‏ ‏فَنَدَّ ‏ ‏مِنْهَا بَعِيرٌ فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ فَأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ ‏ ‏فَحَبَسَهُ ‏ ‏اللَّهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ ‏ ‏أَوَابِدَ ‏ ‏كَأَوَابِدِ ‏ ‏الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا فَقَالَ جَدِّي إِنَّا نَرْجُو أَوْ نَخَافُ الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَتْ مَعَنَا ‏ ‏مُدًى ‏ ‏أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ قَالَ ‏ ‏مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ ‏ ‏فَمُدَى ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ رَافِع بْن خَدِيج وَفِيهِ \" ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَة مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِير \" وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الذَّبَائِحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2309",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ ‏ ‏يَقْرُنَ ‏ ‏الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ جَمِيعًا حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث اِبْن عُمَر فِي ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَظَالِمِ , وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْأَطْعِمَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : النَّهْيُ عَنْ الْقِرَانِ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ فِي الْأَكْلِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ كَمَا قَالَ أَهْل الظَّاهِر , لِأَنَّ الَّذِي يُوضَعُ لِلْأَكْلِ سَبِيله سَبِيل الْمُكَارَمَةِ لَا التَّشَاحّ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْأَكْلِ لَكِنْ إِذَا اِسْتَأْثَرَ بَعْضهمْ بِأَكْثَر مِنْ بَعْضٍ لَمْ يَحِلّ لَهُ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2310",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَبَلَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَأَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَكَانَ ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏يَرْزُقُنَا التَّمْرَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ لَا ‏ ‏تَقْرُنُوا ‏ ‏فَإِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ‏ ‏الْإِقْرَانِ ‏ ‏إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2311",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَعْتَقَ ‏ ‏شِقْصًا ‏ ‏لَهُ مِنْ عَبْدٍ أَوْ شِرْكًا أَوْ قَالَ نَصِيبًا وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ فَهُوَ عَتِيقٌ وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا أَدْرِي قَوْلُهُ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ قَوْلٌ مِنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَوْ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّف الْحَدِيث الْمَذْكُور عَنْ اِبْن عُمَر وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا فِي كِتَاب الْعِتْق مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2312",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَعْتَقَ ‏ ‏شَقِيصًا ‏ ‏مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ ‏ ‏اسْتُسْعِيَ ‏ ‏غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2313",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَامِرًا ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ النُّعْمَان بْن بَشِير وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي آخِر كِتَاب الشَّهَادَات إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2314",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ الْأُوَيْسِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَأَلَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ‏ { ‏وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا ‏ ‏إِلَى ‏ ‏وَرُبَاعَ ‏} ‏فَقَالَتْ يَا ابْنَ أُخْتِي ‏ ‏هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ فَنُهُوا أَنْ يُنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنْ الصَّدَاقِ وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ‏} ‏وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الْآيَةُ الْأُولَى الَّتِي قَالَ فِيهَا ‏ { ‏وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ ‏} ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ‏ { ‏وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ‏} ‏يَعْنِي هِيَ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ لِيَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( الْأُوَيْسِيّ ) ‏ ‏الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَادِ هُوَ عَبْد الْعَزِيز , وَإِبْرَاهِيم هُوَ اِبْن سَعْد , وَصَالِح هُوَ اِبْن كَيْسَان ; وَالْإِسْنَاد كُلّهُ مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي يُونُسُ \" ‏ ‏وَصَلَهُ الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّهُ بْن صَالِح عَنْ اللَّيْثِ مَقْرُونًا بِطَرِيقِ اِبْن وَهْب عَنْ يُونُسَ ; ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : ( رَغْبَة أَحَدِكُمْ يَتِيمَته ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَنْ يَتِيمَتِهِ \" وَلَعَلَّهُ أَصْوَب. ‏"
    },
    {
        "id": "2315",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الشُّفْعَةَ ‏ ‏فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا ‏ ‏وَقَعَتْ ‏ ‏الْحُدُودُ ‏ ‏وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ ‏ ‏فَلَا ‏ ‏شُفْعَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث جَابِر \" الشُّفْعَة فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ \" ‏ ‏قَدْ مَضَى الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الشُّفْعَة , وَأَرَادَ هُنَا الْإِشَارَةَ إِلَى جَوَاز قِسْمَة الْأَرْضِ وَالدَّارِ , وَإِلَى جَوَازِهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ صَغُرَتْ الدَّارُ أَوْ كَبُرَتْ وَاسْتَثْنَى بَعْضهمْ الَّتِي لَا يُنْتَفَعُ بِهَا لَوْ قُسِمَتْ فَتَمْتَنِعُ قِسْمَتُهَا. هِشَام فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2316",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَضَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالشُّفْعَةِ ‏ ‏فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا ‏ ‏وَقَعَتْ ‏ ‏الْحُدُودُ ‏ ‏وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ ‏ ‏فَلَا ‏ ‏شُفْعَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر الْمَذْكُور , قَالَ اِبْن الْمُنِير : تَرْجَمَ بِلُزُومِ الْقِسْمَةِ , وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث إِلَّا نَفْي الشُّفْعَةِ , لَكِنْ لِكَوْنِهِ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهَا نَفْي الرُّجُوعِ - إِذْ لَوْ كَانَ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَرْجِعَ لَعَادَتْ مُشَاعَة - فَعَادَتْ الشُّفْعَة. لِكَوْنِهِ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهَا نَفْي الرُّجُوعِ - إِذْ لَوْ كَانَ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَرْجِعَ لَعَادَتْ مُشَاعَة - فَعَادَتْ الشُّفْعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2317",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُثْمَانَ يَعْنِي ابْنَ الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَبَا الْمِنْهَالِ ‏ ‏عَنْ الصَّرْفِ يَدًا بِيَدٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اشْتَرَيْتُ أَنَا وَشَرِيكٌ لِي شَيْئًا يَدًا بِيَدٍ ‏ ‏وَنَسِيئَةً ‏ ‏فَجَاءَنَا ‏ ‏الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ‏ ‏فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ فَعَلْتُ أَنَا وَشَرِيكِي ‏ ‏زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ‏ ‏وَسَأَلْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ‏ ‏مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ ‏ ‏نَسِيئَةً ‏ ‏فَذَرُوهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم ) ‏ ‏هُوَ النَّبِيلُ شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَرَوَى هُنَا وَفِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ عَنْهُ بِوَاسِطَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اِشْتَرَيْت أَنَا وَشَرِيك لِي ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( شَيْئًا يَدًا بِيَد وَنَسِيئَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْبُيُوعِ بِلَفْظ \" كُنْت أَتَّجِرُ فِي الصَّرْفِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَرَدُّوهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة \" فَذَرُوهُ \" بِتَقْدِيمِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيف الرَّاء أَيْ اُتْرُكُوهُ , وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ \" رُدُّوهُ \" بِدُونِ الْفَاءِ , وَحَذْفهَا فِي مِثْلِ هَذَا وَإِثْبَاتهَا جَائِز , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَفْرِيق الصَّفْقَة فَيَصِحُّ الصَّحِيحُ مِنْهَا وَيَبْطُلُ مَا لَا يَصِحُّ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَال أَنْ يَكُونَ أَشَارَ إِلَى عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَا سَيَأْتِي فِي \" بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ \" مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ : \" بَاع شَرِيك لِي دَرَاهِم فِي السُّوقِ نَسِيئَة إِلَى الْمَوْسِمِ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَنَحْنُ نَتَبَايَعُ هَذَا الْبَيْع فَقَالَ : مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَيْسَ بِهِ بَأْس , وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَلَا يَصْلُحُ \" فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ : \" مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ \" أَيْ مَا وَقَعَ لَكُمْ فِيهِ التَّقَابُض فِي الْمَجْلِسِ فَهُوَ صَحِيحٌ فَأَمْضُوهُ , وَمَا لَمْ يَقَعْ لَكُمْ فِيهِ التَّقَابُض فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَاتْرُكُوهُ , وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2318",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ ‏ ‏شَطْرُ ‏ ‏مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ‏",
        "sharh": "وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث اِبْن عُمَر فِي إِعْطَاءِ الْيَهُودِ خَيْبَر عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا مُخْتَصَرًا , قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُزَارَعَةِ , وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الذِّمِّيِّ وَأَلْحَقَ الْمُشْرِكَ بِهِ لِأَنَّهُ إِذَا اِسْتَأْمَنَ صَارَ فِي مَعْنَى الذِّمِّيّ , وَأَشَارَ الْمُصَنِّف إِلَى مُخَالَفَةِ مَنْ خَالَفَ فِي الْجَوَازِ كَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَبِهِ قَالَ مَالِك إِلَّا أَنَّهُ أَجَازَهُ إِذَا كَانَ يَتَصَرَّفُ بِحَضْرَةِ الْمُسْلِم , وَحُجَّتهمْ خَشْيَة أَنْ يَدْخُلَ فِي مَالِ الْمُسْلِمِ مَا لَا يَحِلُّ كَالرِّبَا وَثَمَن الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ , وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِمُعَامَلَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُود خَيْبَرَ , وَإِذَا جَازَ فِي الْمُزَارَعَةِ جَازَ فِي غَيْرِهَا , وَبِمَشْرُوعِيَّةِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ مَعَ أَنَّ فِي أَمْوَالِهِمْ مَا فِيهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2319",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ ضَحَايَا فَبَقِيَ عَتُودٌ فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ضَحِّ بِهِ أَنْتَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2320",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ ‏ ‏وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ ‏ ‏زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْهُ فَقَالَ ‏ ‏هُوَ صَغِيرٌ فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ وَعَنْ ‏ ‏زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ ‏ ‏إِلَى السُّوقِ فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ فَيَلْقَاهُ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏وَابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَيَقُولَانِ لَهُ أَشْرِكْنَا فَإِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ دَعَا لَكَ بِالْبَرَكَةِ فَيَشْرَكُهُمْ فَرُبَّمَا أَصَابَ الرَّاحِلَةَ كَمَا هِيَ فَيَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْمَنْزِلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي سَعِيد ) ‏ ‏وَاِبْن أَبِي أَيُّوب , وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ اِبْن شَبُّويَةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ زُهْرَة ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ الزَّايِ وَعِنْد أَبِي دَاوُد مِنْ رِوَايَة المَقْبُرِيّ عَنْ سَعِيد \" حَدَّثَنِي أَبُو عَقِيل زُهْرَة بْن مَعْبَد \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ جَدِّهِ عَبْد اللَّه بْن هِشَام ) ‏ ‏أَيْ اِبْنِ زُهْرَة التَّيْمِيّ مِنْ بَنِي عَمْرو بْن كَعْب بْن سَعْد بْن تَيْم بْن مُرَّة رَهْط أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَهُوَ جَدُّ زُهْرَةَ لِأَبِيهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏ذَكَرَ اِبْن مَنْدَهْ أَنَّهُ أَدْرَكَ مِنْ حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتّ سِنِينَ , وَرَوَى أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ أَنَّهُ اِحْتَلَمَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنَّ فِي إِسْنَادِهِ اِبْنَ لَهِيعَة , وَحَدِيث الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى خَطَأِ رِوَايَتِهِ هَذِهِ فَإِنَّ ذَهَاب أُمِّهِ بِهِ كَانَ فِي الْفَتْحِ وَوُصِفَ بِالصِّغَرِ إِذْ ذَاكَ فَإِنْ كَانَ اِبْن لَهِيعَة ضَبَطَهُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَلَغَ فِي أَوَائِل سِنِّ الِاحْتِلَامِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَب بِنْت حُمَيْد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن زُهَيْر بْن الْحَارِث بْن أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى وَهِيَ مَعْدُودَةٌ فِي الصَّحَابَةِ , وَأَبُوهُ هِشَام مَاتَ قَبْلَ الْفَتْحِ كَافِرًا , وَقَدْ شَهِدَ عَبْد اللَّه بْن هِشَام فَتْح مِصْر وَاخْتَطَّ بِهَا فِيمَا ذَكَرَهُ اِبْن يُونُس وَغَيْره , وَعَاشَ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَدَعَا لَهُ ) ‏ ‏زَادَ الْمُصَنِّف فِي الْأَحْكَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ \" عَنْ زُهْرَة \" وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي \" الْمُسْتَدْرَكِ \" مِنْ حَدِيثِ اِبْن وَهْب بِتَمَامِهِ فَوَهِمَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَعَنْ زُهْرَة بْن مَعْبَد ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَيَلْقَاهُ اِبْن عُمَر وَابْن الزُّبَيْر ) ‏ ‏قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ رَوَاهُ الْخَلْق فَلَمْ يَذْكُرْ أَحَد هَذِهِ الزِّيَادَة إِلَى آخِرِهَا إِلَّا اِبْن وَهْب. قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن وَهْب بِهَذَا الْإِسْنَادِ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ اِبْن وَهْب , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : تَفَرَّدَ بِهِ اِبْن وَهْبٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَيَقُولَانِ لَهُ أَشْرِكْنَا ) ‏ ‏هُوَ شَاهِد التَّرْجَمَة لِكَوْنِهِمَا طَلَبَا مِنْهُ الِاشْتِرَاك فِي الطَّعَامِ الَّذِي اِشْتَرَاهُ فَأَجَابَهُمَا إِلَى ذَلِكَ وَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَيَكُونُ حُجَّة , وَفِي الْحَدِيث مَسْح رَأْس الصَّغِيرِ , وَتَرْك مُبَايَعَة مَنْ لَمْ يَبْلُغْ وَالدُّخُول فِي السُّوقِ لِطَلَبِ الْمَعَاشِ , وَطَلَبِ الْبَرَكَةِ حَيْثُ كَانَتْ , وَالرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ السَّعَةَ مِنْ الْحَلَالِ مَذْمُومَة , وَتَوَفُّر دَوَاعِي الصَّحَابَةِ عَلَى إِحْضَارِ أَوْلَادِهِمْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِالْتِمَاس بَرَكَته , وَعَلَم مِنْ أَعْلَام نُبُوَّته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِجَابَةِ دُعَائِهِ فِي عَبْد اللَّه بْن هِشَام. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏أَحَدهمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَكَانَ - يَعْنِي عَبْد اللَّه بْن هِشَام - يُضَحِّي بِالشَّاة الْوَاحِدَةِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ \" فَعَزَا بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ هَذِهِ الزِّيَادَة لِلْبُخَارِيِّ فَأَخْطَأَ. ‏ ‏ثَانِيهمَا وَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ زِيَادَة لَمْ أَرَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ النُّسَخِ غَيْرهَا وَلَفْظه \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : كَانَ عُرْوَة الْبَارِقِيّ يَدْخُلُ السُّوق وَقَدْ رَبِحَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا بِبَرَكَةِ دَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَرَكَةِ حَيْثُ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي بِهِ أُضْحِيَّةً فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَهُ بِدِينَار وَشَاة , فَبَرَّك لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2321",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ قَدْرَ ثَمَنِهِ يُقَامُ قِيمَةَ عَدْلٍ وَيُعْطَى شُرَكَاؤُهُ حِصَّتَهُمْ وَيُخَلَّى سَبِيلُ الْمُعْتَقِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2322",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَعْتَقَ ‏ ‏شِقْصًا ‏ ‏لَهُ فِي عَبْدٍ أُعْتِقَ كُلُّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا ‏ ‏يُسْتَسْعَ ‏ ‏غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2323",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ لَا يَخْلِطُهُمْ شَيْءٌ فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً وَأَنْ نَحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا فَفَشَتْ فِي ذَلِكَ الْقَالَةُ قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏فَيَرُوحُ أَحَدُنَا إِلَى ‏ ‏مِنًى ‏ ‏وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا فَقَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏بِكَفِّهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّ أَقْوَامًا يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا وَاللَّهِ لَأَنَا أَبَرُّ وَأَتْقَى لِلَّهِ مِنْهُمْ ‏ ‏وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ فَقَامَ ‏ ‏سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هِيَ لَنَا أَوْ لِلْأَبَدِ فَقَالَ لَا بَلْ لِلْأَبَدِ قَالَ وَجَاءَ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَقَالَ أَحَدُهُمَا يَقُولُ لَبَّيْكَ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ وَقَالَ الْآخَرُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ وَأَشْرَكَهُ فِي الْهَدْيِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَجَاءَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب فَقَالَ أَحَدهمَا يَقُولُ : لَبَّيْكَ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الْآخَر : لَبَّيْكَ بِحَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْحَجِّ بَيَان الَّذِي عَبَّرَ بِالْعِبَارَةِ الْأُولَى وَهُوَ جَابِر , وَكَذَا وَقَعَ فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ وَتَعَيَّنَ أَنَّ الَّذِي قَالَ : \" بِحَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" هُوَ اِبْن عَبَّاس , وَمَعْنَى قَوْلِهِ : \" بِحَجَّة \" أَيْ بِمِثْلِ حَجَّةِ \" رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَغْفَلَهُ الْمِزِّيّ فَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي تَرْجَمَةِ طَاوُس لَا فِي رِوَايَةِ اِبْن جُرَيْج عَنْهُ وَلَا فِي رِوَايَة عَطَاء عَنْهُ , بَلْ لَمْ يُذْكَرْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا رِوَايَة عَنْ طَاوُس , وَكَذَا صَنَعَ الْحُمَيْدِيّ فَلَمْ يَذْكُرْ طَرِيق طَاوُس عَنْ اِبْن عَبَّاس هَذِهِ لَا فِي الْمُتَّفَقِ وَلَا فِي أَفْرَاد الْبُخَارِيّ , لَكِنْ تَبَيَّنَ مِنْ \" مُسْتَخْرَج أَبِي نُعَيْم \" أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ اِبْن جُرَيْج عَنْ طَاوُس , فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ \" مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى \" قَالَ : \" حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِر \" قَالَ : \" وَحَدَّثَنَا حَمَّاد عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ طَاوُس عَنْ اِبْن عَبَّاس \" وَلَمْ أَرَ لِابْن جُرَيْج عَنْ طَاوُس رِوَايَةً فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ , وَإِنَّمَا يَرْوِي عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا بِوَاسِطَة , وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ طَاوُس عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي \" مُسْنَد أَحْمَد \" مَعَ كِبَرِهِ , وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ اِبْن جُرَيْج عَنْ طَاوُس مُنْقَطِع , فَقَدْ قَالَ الْأَئِمَّة إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُجَاهِد وَلَا مِنْ عِكْرِمَة وَإِنَّمَا أَرْسَلَ عَنْهُمَا وَطَاوُس مِنْ أَقْرَانِهِمَا. وَإِنَّمَا سَمِعَ مِنْ عَطَاءٍ لِكَوْنِهِ تَأَخَّرَتْ عَنْهُمَا وَفَاتُهُ نَحْو عِشْرِينَ سَنَة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2324",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏تِهَامَةَ ‏ ‏فَأَصَبْنَا غَنَمًا وَإِبِلًا فَعَجِلَ الْقَوْمُ فَأَغْلَوْا بِهَا الْقُدُورَ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرَ بِهَا ‏ ‏فَأُكْفِئَتْ ‏ ‏ثُمَّ عَدَلَ عَشْرًا مِنْ الْغَنَمِ بِجَزُورٍ ثُمَّ إِنَّ بَعِيرًا ‏ ‏نَدَّ ‏ ‏وَلَيْسَ فِي الْقَوْمِ إِلَّا خَيْلٌ يَسِيرَةٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ ‏ ‏فَحَبَسَهُ ‏ ‏بِسَهْمٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ ‏ ‏أَوَابِدَ ‏ ‏كَأَوَابِدِ ‏ ‏الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا قَالَ قَالَ جَدِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْجُو أَوْ نَخَافُ أَنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا ‏ ‏مُدًى ‏ ‏فَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ فَقَالَ اعْجَلْ أَوْ أَرْنِي مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ ‏ ‏فَمُدَى ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2325",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دِرْعَهُ بِشَعِيرٍ وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِخُبْزِ شَعِيرٍ ‏ ‏وَإِهَالَةٍ ‏ ‏سَنِخَةٍ ‏ ‏وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏مَا أَصْبَحَ لِآلِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا صَاعٌ وَلَا أَمْسَى وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْبُيُوعِ مَقْرُونًا بِإِسْنَادٍ آخَرَ , وَسَاقَهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظِهِ وَهُنَا عَلَى لَفْظِ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعَهُ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوف , بَيَّنَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبَانَ الْعَطَّار عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس \" أَنَّ يَهُودِيًّا دَعَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجَابَهُ \" وَالدِّرْعُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِشَعِير ) ‏ ‏وَقْع فِي أَوَائِل الْبُيُوعِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظ \" وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْد يَهُودِيّ وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ \" وَهَذَا الْيَهُودِيّ هُوَ أَبُو الشَّحْمِ , بَيَّنَهُ الشَّافِعِيّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهَنَ دِرْعًا لَهُ عِنْد أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ رَجُل مِنْ بَنِي ظَفَر فِي شَعِير \" اِنْتَهَى , وَأَبُو الشَّحْمِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ اِسْمه كُنْيَته , وَظَفَر بِفَتْحِ الظَّاءِ وَالْفَاءِ بَطْن مِنْ الْأَوْس وَكَانَ حَلِيفًا لَهُمْ , وَضَبَطَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِهَمْزَةٍ مُوَحَّدَةٍ مَمْدُودَة وَمَكْسُورَة اِسْم الْفَاعِلِ مِنْ الْإِبَاءِ , وَكَأَنَّهُ اِلْتَبَسَ عَلَيْهِ بِأَبِي اللَّحْمِ الصَّحَابِيّ , وَكَانَ قَدْر الشَّعِير الْمَذْكُور ثَلَاثِينَ صَاعًا كَمَا سَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة فِي الْجِهَادِ وَأَوَاخِر الْمَغَازِي. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَا : \" بِعِشْرِينَ \" وَلَعَلَّهُ كَانَ دُونَ الثَّلَاثِينَ فَجَبَرَ الْكَسْر تَارَةً وَأَلْغَى أُخْرَى , وَوَقَعَ لِابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق شَيْبَان عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس أَنَّ قِيمَة الطَّعَام كَانَتْ دِينَارًا وَزَادَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق شَيْبَان الْآتِيَة فِي آخِرِهِ \" فَمَا وَجَدَ مَا يَفْتَكّهَا بِهِ حَتَّى مَاتَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَمَشَيْت إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُبْزِ شَعِير وَإِهَالَة سَنِخَة ) ‏ ‏وَالْإِهَالَة بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيف الْهَاء مَا أُذِيبَ مِنْ الشَّحْمِ وَالْإِلْيَة , وَقِيلَ هُوَ كُلّ دَسَمٍ جَامِدٍ , وَقِيلَ مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ مِنْ الْأَدْهَان , وَقَوْلُهُ : \" سَنِخَة \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا مُعْجَمَة مَفْتُوحَة أَيْ الْمُتَغَيِّرَةِ الرِّيح , وَيُقَالُ فِيهَا بِالزَّاي أَيْضًا. وَوَقَعَ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيق شَيْبَان عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس \" لَقَدْ دُعِيَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات يَوْمٍ عَلَى خُبْزِ شَعِير وَإِهَالَة سَنِخَة \" فَكَأَنَّ الْيَهُودِيَّ دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى لِسَانِ أَنَس فَلِهَذَا قَالَ : \" مَشَيْت إِلَيْهِ \" بِخِلَاف مَا يَقْتَضِيه ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَضَرَ ذَلِكَ إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ سَمِعْته ) ‏ ‏فَاعِل \" سَمِعْت \" أَنَس وَالضَّمِير لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فَاعِل يَقُولُ , وَجَزَمَ الْكَرْمَانِيّ بِأَنَّهُ أَنَس وَفَاعِل سَمِعْت قَتَادَة , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى الرَّدِّ عَلَيْهِ فِي أَوَائِل الْبُيُوعِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق شَيْبَان الْمَذْكُورَةَ بِلَفْظ \" وَلَقَدْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث لَفْظَ اِبْن مَاجَهْ وَسَاقَهُ أَحْمَد بِتَمَامِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَا أَصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّد إِلَّا صَاع وَلَا أَمْسَى ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيّ فِي \" الْجَمْعِ \" , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" مِنْ طَرِيق الْكَجِّيّ عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظ \" مَا أَصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّد وَلَا أَمْسَى إِلَّا صَاع \" وَخُولِفَ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم فِي ذَلِكَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ أَبِي عَامِر وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِهِ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقِ اِبْن أَبِي عَدِيّ وَمُعَاذ بْن هِشَام وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ هِشَام بِلَفْظ \" مَا أَمْسَى فِي آلِ مُحَمَّد صَاع مِنْ تَمْرٍ وَلَا صَاع مِنْ حَبّ \" وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي أَوَائِل الْبُيُوعِ بِلَفْظ \" بُرّ \" بَدَل تَمْر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَة أَبْيَات ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْمَذْكُورِينَ \" وَإِنَّ عِنْدَهُ يَوْمئِذَ لَتِسْع نِسْوَة \" وَسَيَأْتِي سِيَاق أَسْمَائِهِنَّ فِي كِتَاب الْمَنَاقِب إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ أَنَس لِهَذَا الْقَدْرِ مَعَ مَا قَبْلَهُ الْإِشَارَة إِلَى سَبَبِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ مُتَضَجِّرًا وَلَا شَاكِيًا - مَعَاذَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ - وَإِنَّمَا قَالَهُ مُعْتَذِرًا عَنْ إِجَابَتِهِ دَعْوَة الْيَهُودِيِّ وَلِرَهْنِهِ عِنْدَهُ دِرْعه , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْحَامِلُ الَّذِي زَعَمَ بِأَنَّ قَائِل ذَلِكَ هُوَ أَنَس فِرَارًا مِنْ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ بِمَعْنَى التَّضَجُّرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز مُعَامَلَة الْكُفَّار فِيمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ تَحْرِيم عَيْن الْمُتَعَامَلِ فِيهِ وَعَدَم الِاعْتِبَارِ بِفَسَادِ مُعْتَقَدِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ , وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ جَوَاز مُعَامَلَة مَنْ أَكْثَر مَالِهِ حَرَام. وَفِيهِ جَوَازُ بَيْعِ السِّلَاحِ وَرَهْنِهِ وَإِجَارَتِهِ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْكَافِرِ مَا لَمْ يَكُنْ حَرْبِيًّا , وَفِيهِ ثُبُوتُ أَمْلَاكِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَيْدِيهِمْ وَجَوَاز الشِّرَاءِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ وَاِتِّخَاذ الدُّرُوع وَالْعُدَد وَغَيْرهَا مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَأَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ فِي التَّوَكُّلِ , وَأَنَّ قُنْيَة آلَة الْحَرْبِ لَا تَدُلُّ عَلَى تَحْبِيسِهَا قَالَهُ اِبْن الْمُنِير , وَأَنَّ أَكْثَرَ قُوت ذَلِكَ الْعَصْر الشَّعِير قَالَهُ الدَّاوُدِيّ , وَأَنَّ الْقَوْلَ قَوْل الْمُرْتَهِن فِي قِيمَةِ الْمَرْهُونِ مَعَ يَمِينِهِ حَكَاهُ اِبْنُ التِّينِ. وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّوَاضُعِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّلِ مِنْهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا , وَالْكَرَمِ الَّذِي أَفْضَى بِهِ إِلَى عَدَمِ الِادِّخَارِ حَتَّى اِحْتَاجَ إِلَى رَهْنِ دِرْعِهِ , وَالصَّبْرِ عَلَى ضِيقِ الْعَيْشِ وَالْقَنَاعَةِ بِالْيَسِيرِ , وَفَضِيلَة لِأَزْوَاجِهِ لِصَبْرِهِنَّ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ , وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا مَضَى وَيَأْتِي. قَالَ الْعُلَمَاء : الْحِكْمَةُ فِي عُدُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مُعَامَلَة مَيَاسِير الصَّحَابَة إِلَى مُعَامَلَةِ الْيَهُودِ إِمَّا لِبَيَان الْجَوَاز , أَوْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إِذْ ذَاكَ طَعَام فَاضِل عَنْ حَاجَةِ غَيْرِهِمْ أَوْ خَشِيَ أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ ثَمَنًا أَوْ عِوَضًا فَلَمْ يُرِدْ التَّضْيِيق عَلَيْهِمْ , فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ إِذْ ذَاكَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَأَكْثَر مِنْهُ فَلَعَلَّهُ لَمْ يُطْلِعْهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَطْلَعَ عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُوسِرًا بِهِ مِمَّنْ نَقَلَ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2326",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَذَاكَرْنَا عِنْدَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏الرَّهْنَ ‏ ‏وَالْقَبِيلَ ‏ ‏فِي السَّلَفِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَسْوَدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث الْأَعْمَش ( قَالَ تَذَاكَرْنَا عِنْد إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ ‏ ‏( الرَّهْن وَالْقَبِيل ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَكَسْر الْمُوَحَّدَة أَيْ الْكَفِيل وَزْنًا وَمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله : ( اِشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ التَّعْرِيف بِهِ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ جِنْسه فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَأَمَّا الْأَجَل فَفِي صَحِيح اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد عَنْ الْأَعْمَش أَنَّهُ سُنَّة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْبُيُوع مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَاحِد عَنْ الْأَعْمَش بِلَفْظِ \" وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ \" وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز بَيْع السِّلَاح مِنْ الْكَافِر وَسَيُذْكَرُ فِي الَّذِي بَعْدَهُ. وَوَقَعَ فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَش بِلَفْظِ \" تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ \" وَفِي حَدِيث أَنَسٍ عِنْد أَحْمَد \" فَمَا وَجَدَ مَا يَفْتَكُّهَا بِهِ \" وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" نَفْسُ الْمُؤْمِن مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ \" قِيلَ هَذَا مَحَلّه فِي غَيْر نَفْس الْأَنْبِيَاء فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ مُعَلَّقَةً بِدَيْنٍ فَهِيَ خُصُوصِيَّةٌ , وَهُوَ حَدِيث صَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَغَيْره \" مَنْ لَمْ يَتْرُكْ عِنْد صَاحِب الدَّيْن مَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ الْوَفَاء \" وَإِلَيْهِ جَنَحَ الْمَاوَرْدِيّ وَذَكَرَ اِبْن الطَّلَّاع فِي \" الْأَقْضِيَةِ النَّبَوِيَّة \" أَنَّ أَبَا بَكْر اِفْتَكَّ الدِّرْع بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنْ رَوَى اِبْن سَعْد عَنْ جَابِر أَنَّ أَبَا بَكْر قَضَى عِدَات النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ عَلِيًّا قَضَى دُيُونهُ \" وَرَوَى إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْ الشَّعْبِيّ مُرْسَلًا \" أَنَّ أَبَا بَكْر اِفْتَكَّ الدِّرْع وَسَلَّمَهَا لِعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب \" وَأَمَّا مَنْ أَجَابَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِفْتَكَّهَا قَبْل مَوْته فَمُعَارَض بِحَدِيثِ عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2327",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ ‏ ‏لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ‏ ‏فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏أَنَا فَأَتَاهُ فَقَالَ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا ‏ ‏وَسْقًا ‏ ‏أَوْ وَسْقَيْنِ فَقَالَ ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏قَالَ فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ فَيُقَالُ رُهِنَ ‏ ‏بِوَسْقٍ ‏ ‏أَوْ وَسْقَيْنِ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏يَعْنِي السِّلَاحَ فَوَعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ أَتَوْا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرُوهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( اللَّأْمَة ) ‏ ‏بِلَامٍ مُشَدَّدَةٍ وَهَمْزَة سَاكِنَة قَدْ فَسَّرَهَا سُفْيَان الرَّاوِي بِالسِّلَاحِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي قِصَّة كَعْب بْن الْأَشْرَف مِنْ الْمَغَازِي. قَالَ اِبْن بَطَّال : لَيْسَ فِي قَوْلهمْ \" نَرْهَنُك اللَّأْمَة \" دَلَالَة عَلَى جَوَاز رَهْن السِّلَاح , وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَعَارِيض الْكَلَام الْمُبَاحَة فِي الْحَرْب وَغَيْره , وَقَالَ اِبْن التِّين : لَيْسَ فِيهِ مَا بَوَّبَ لَهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا إِلَّا الْخَدِيعَة , وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ جَوَاز رَهْن السِّلَاح مِنْ الْحَدِيث الَّذِي قَبْله , قَالَ : وَإِنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَرَهْنُهُ عِنْدَ مَنْ تَكُونُ لَهُ ذِمَّةٌ أَوْ عَهْدٌ بِاتِّفَاقٍ , وَكَانَ لِكَعْبٍ عَهْد وَلَكِنَّهُ نَكَثَ مَا عَاهَدَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعِينُ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْتَقَضَ عَهْده بِذَلِكَ , وَقَدْ أَعْلَنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ آذَى اللَّه وَرَسُوله , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا عِنْدهمْ رَهْن السِّلَاح عِنْد أَهْل الْعَهْد لَمَا عَرَضُوا عَلَيْهِ , إِذْ لَوْ عَرَضُوا عَلَيْهِ مَا لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَتهمْ لَاسْتَرَابَ بِهِمْ وَفَاتَهُمْ مَا أَرَادُوا مِنْ مَكِيدَتِهِ , فَلَمَّا كَانُوا بِصَدَدِ الْمُخَادَعَة لَهُ أَوْهَمُوهُ بِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا يَجُوزُ لَهُمْ عِنْدهمْ فِعْلُهُ , وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِمَا عَهِدَهُ مِنْ صِدْقِهِمْ فَتَمَّتْ الْمَكِيدَة بِذَلِكَ , وَأَمَّا كَوْن عَهْده اِنْتَقَضَ فَهُوَ فِي نَفْس الْأَمْر لَكِنَّهُ مَا أَعْلَنَ ذَلِكَ وَلَا أَعْلَنُوا لَهُ بِهِ , وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْمُحَاوَرَة بَيْنهمْ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْحَالِ وَهَذَا كَافٍ فِي الْمُطَابَقَة. وَقَالَ السُّهَيْلِيّ : فِي قَوْله : \" مَنْ لِكَعْبِ بْن الْأَشْرَف \" جَوَاز قَتْل مَنْ سَبَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ كَانَ هَذَا عَهْد خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَة , كَذَا قَالَ , وَلَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ عِنْد الْحَنَفِيَّة. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2328",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ‏ ‏الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ وَيُشْرَبُ لَبَنُ الدَّرِّ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي زَائِدَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَامِر ) ‏ ‏هُوَ الشَّعْبِيّ , وَلِأَحْمَد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ زَكَرِيَّا \" حَدَّثَنِي عَامِر \" وَلَيْسَ لِلشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي تَفْسِير الزُّمَر وَعَلَّقَ لَهُ ثَالِثًا فِي النِّكَاح. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الرَّهْن يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِضَمِّ أَوَّل يُرْكَبُ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَكَذَلِكَ \" يُشْرَبُ \" وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْر , لَكِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فِيهِ الْمَأْمُور , وَالْمُرَاد بِالرَّهْنِ الْمَرْهُون , وَقَدْ أَوْضَحَهُ فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة حَيْثُ قَالَ : \" الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الدَّرّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الرَّاء مَصْدَر بِمَعْنَى الدَّارَة أَيْ ذَات الضَّرْع , وَقَوْلُهُ : \" لَبَن الدَّرّ \" هُوَ مِنْ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفْسه , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَحَبَّ الْحَصِيدِ ). ‏"
    },
    {
        "id": "2329",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَة ) ‏ ‏أَيْ كَائِنًا مَنْ كَانَ , هَذَا ظَاهِر الْحَدِيث , وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاع بِالرَّهْنِ إِذَا قَامَ بِمَصْلَحَتِهِ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمَالِك , وَهُوَ قَوْل أَحْمَد وَإِسْحَاق. وَطَائِفَة قَالُوا : يَنْتَفِعُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الرَّهْن بِالرُّكُوبِ وَالْحَلْب بِقَدْرِ النَّفَقَة وَلَا يَنْتَفِعُ بِغَيْرِهِمَا لِمَفْهُومِ الْحَدِيث , وَأَمَّا دَعْوَى الْإِجْمَال فِيهِ فَقَدْ دَلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى إِبَاحَة الِانْتِفَاع فِي مُقَابَلَة الْإِنْفَاق , وَهَذَا يَخْتَصُّ بِالْمُرْتَهِنِ لِأَنَّ الْحَدِيث وَإِنْ كَانَ مُجْمَلًا لَكِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمُرْتَهِنِ لِأَنَّ اِنْتِفَاع الرَّاهِن بِالْمَرْهُونِ لِكَوْنِهِ مَالِك رَقَبَتِهِ لَا لِكَوْنِهِ مُنْفِقًا عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُرْتَهِن , وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُرْتَهِن لَا يَنْتَفِعُ مِنْ الْمَرْهُون بِشَيْءٍ , وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيث لِكَوْنِهِ وَرَدَ عَلَى خِلَاف الْقِيَاس مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا التَّجْوِيز لِغَيْرِ الْمَالِك أَنْ يَرْكَبَ وَيَشْرَبَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ , وَالثَّانِي تَضْمِينُهُ ذَلِكَ بِالنَّفَقَةِ لَا بِالْقِيمَةِ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هَذَا الْحَدِيث عِنْد جُمْهُور الْفُقَهَاء يَرُدُّهُ أُصُول مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَآثَارٌ ثَابِتَةٌ لَا يُخْتَلَفُ فِي صِحَّتِهَا , وَيَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَاضِي فِي أَبْوَابِ الْمَظَالِم \" لَا تُحْلَبُ مَاشِيَة اِمْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنه \" اِنْتَهَى , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يُشْبه أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد مَنْ رَهَنَ ذَات دَرّ وَظَهْر لَمْ يَمْنَعْ الرَّاهِن مِنْ دَرّهَا وَظَهْرِهَا فَهِيَ مَحْلُوبَةٌ وَمَرْكُوبَةٌ لَهُ كَمَا كَانَتْ قَبْل الرَّهْن , وَاعْتَرَضَهُ الطَّحَاوِيُّ بِمَا رَوَاهُ هُشَيْم عَنْ زَكَرِيَّا فِي هَذَا الْحَدِيث وَلَفْظه \" إِذَا كَانَتْ الدَّابَّة مَرْهُونَة فَعَلَى الْمُرْتَهِن عَلَفُهَا \" الْحَدِيث , قَالَ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَاد الْمُرْتَهِن لَا الرَّاهِن , ثُمَّ أَجَابَ عَنْ الْحَدِيث بِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْل تَحْرِيمِ الرِّبَا فِيمَا حَرَّمَ الرِّبَا , حَرَّمَ أَشْكَاله مِنْ بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ وَقَرْض كُلّ مَنْفَعَة تَجُرُّ رِبًا , قَالَ : فَارْتَفَعَ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا مَا أُبِيحَ فِي هَذَا لِلْمُرْتَهِنِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ , وَالتَّارِيخ فِي هَذَا مُتَعَذَّرٌ ; وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ مُمْكِنٌ , وَطَرِيق هُشَيْم الْمَذْكُور زَعَمَ اِبْن حَزْم أَنَّ إِسْمَاعِيل بْن سَالِم الصَّائِغ تَفَرَّدَ عَنْ هُشَيْم بِالزِّيَادَةِ وَأَنَّهَا مِنْ تَخْلِيطه , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ أَحْمَد رَوَاهَا فِي مُسْنَده عَنْ هُشَيْم , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق زِيَاد بْن أَيُّوب عَنْ هُشَيْم وَقَدْ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْث وَأَبُو ثَوْر إِلَى حَمْلِهِ عَلَى مَا إِذَا اِمْتَنَعَ الرَّاهِن مِنْ الْإِنْفَاق عَلَى الْمَرْهُون فَيُبَاحُ حِينَئِذٍ لِلْمُرْتَهِنِ الْإِنْفَاق عَلَى الْحَيَوَان حِفْظًا لِحَيَاتِهِ وَلِإِبْقَاءِ الْمَالِيَّة فِيهِ , وَجَعَلَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ نَفَقَتِهِ الِانْتِفَاع بِالرُّكُوبِ أَوْ بِشُرْبِ اللَّبَن بِشَرْطِ أَنْ لَا يَزِيدَ قَدْرُ ذَلِكَ أَوْ قِيمَته عَلَى قَدْر عَلَفِهِ , وَهِيَ مِنْ جُمْلَة مَسَائِل الظَّفَر. وَقِيلَ : إِنَّ الْحِكْمَة فِي الْعُدُول عَنْ اللَّبَن إِلَى الدَّرّ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمُرْتَهِن إِذَا حَلَبَ جَازَ لَهُ , لِأَنَّ الدَّرّ يَنْتِجُ مِنْ الْعَيْن بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ اللَّبَن فِي إِنَاءٍ مَثَلًا وَرَهَنَهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا أَصْلًا , كَذَا قَالَ , وَاحْتَجَّ الْمُوَفَّق فِي الْمُغْنِي بِأَنَّ نَفَقَة الْحَيَوَان وَاجِبَة وَلِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ حَقّ وَقَدْ أَمْكَنَ اِسْتِيفَاءُ حَقِّهِ مِنْ نَمَاءِ الرَّهْنِ وَالنِّيَابَة عَنْ الْمَالِك فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَاسْتِيفَاء ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِهِ فَجَازَ ذَلِكَ كَمَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَخْذ مَئُونَتهَا مِنْ مَال زَوْجهَا عِنْد اِمْتِنَاعه بِغَيْرِ إِذْنه وَالنِّيَابَة عَنْهُ فِي الْإِنْفَاق عَلَيْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2330",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏يَهُودِيٍّ ‏ ‏طَعَامًا وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2331",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ كَتَبْتُ إِلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَكَتَبَ إِلَيَّ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَضَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَتَبْت إِلَى اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏حَذَفَ الْمَفْعُول وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي تَفْسِير آلِ عِمْرَان. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَكَتَبَ إِلَيَّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏يَجُوز فَتْح هَمْزَة إِنَّ وَكَسْرهَا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الشَّهَادَات. وَأَرَادَ الْمُصَنِّف مِنْهُ الْحَمْل عَلَى عُمُومه خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّ الْقَوْل فِي الرَّهْن قَوْل الْمُرْتَهِن مَا لَمْ يُجَاوِزْ قَدْرَ الرَّهْن , لِأَنَّ الرَّهْن كَالشَّاهِدِ لِلْمُرْتَهِنِ , قَالَ اِبْن التِّين : جَنَحَ الْبُخَارِيّ إِلَى أَنَّ الرَّهْن لَا يَكُون شَاهِدًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2332",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ‏ ‏فَقَرَأَ إِلَى ‏ ‏عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏} ‏ثُمَّ إِنَّ ‏ ‏الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ ‏ ‏خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ ‏ ‏أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ فَحَدَّثْنَاهُ قَالَ فَقَالَ صَدَقَ لَفِيَّ وَاللَّهِ أُنْزِلَتْ كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ قُلْتُ إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ‏ ‏إِلَى ‏ ‏وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏}",
        "sharh": "حَدِيثَا عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَالْأَشْعَث , وَقَدْ تَقَدَّمَا قَرِيبًا فِي كِتَاب الشُّرْب , وَأَرَادَ مِنْ إِيرَادهمَا قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَشْعَثِ \" شَاهِدَاك أَوْ يَمِينه \" فَإِنَّ فِيهِ دَلِيلًا لِمَا تَرْجَمَ بِهِ مِنْ أَنَّ الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي , وَلَعَلَّهُ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَة إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ التَّرْجَمَة , وَهُوَ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ وَغَيْره كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَكَأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطِهِ تَرْجَمَ بِهِ , وَأَوْرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِمَّا ثَبَتَ عَلَى شَرْطه. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الرَّهْن مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى تِسْعَة أَحَادِيث مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى سِتَّة وَالْخَالِص ثَلَاثَة , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار أَثَرَانِ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2333",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ ‏ ‏صَاحِبُ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ قَالَ ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ ‏ ‏فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ‏ ‏فَعَمَدَ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَعْتَقَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا وَاقِد بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَخُو عَاصِم الَّذِي رَوَى عَنْهُ , وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُعَاذ الْعَنْبَرِيّ عَنْ عَاصِم بْن مُحَمَّد عَنْ أَخِيهِ وَاقِد. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي سَعِيد بْن مَرْجَانَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا جِيم وَهِيَ أُمّه , وَاسْم أَبِيهِ عَبْد اللَّه وَيُكَنَّى سَعِيد أَبَا عُثْمَان , ‏ ‏وَقَوْلُهُ : ( صَاحِب عَلِيّ بْن الْحُسَيْن ) ‏ ‏أَيْ زَيْن الْعَابِدِينَ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَيْهِ فَعُرِفَ بِصُحْبَتِهِ , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَعِيد بْن يَسَار أَبُو الْحُبَاب فَإِنَّهُ غَيْرُهُ عِنْدَ الْجُمْهُور , وَلَيْسَ لِسَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَة فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ ذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي التَّابِعِينَ وَأَثْبَتَ رِوَايَته عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , ثُمَّ غَفَلَ فَذَكَرَهُ فِي أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ وَقَالَ لَمْ يَسْمَع مِنْ أَبِي هُرَيْرَة ا ه. وَقَدْ قَالَ هُنَا \" قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَة \" وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ مِنْهُ عِنْد مُسْلِم وَالنَّسَائِيّ وَغَيْرهمَا فَانْتَفَى مَا زَعَمَهُ اِبْن حِبَّان. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَيُّمَا رَجُلٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَاصِم بْن عَلِيّ عَنْ عَاصِم بْن مُحَمَّد \" أَيُّمَا مُسْلِم \" وَوَقَعَ تَقْيِيده بِذَلِكَ فِي رِوَايَة مُسْلِم وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي حَكِيم عَنْ سَعِيد بْن مَرْجَانَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عُضْوًا مِنْ النَّار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّار \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن الْحُسَيْن عَنْ سَعِيد بْن مَرْجَانَة وَسَتَأْتِي مُخْتَصَرَة لِلْمُصَنِّفِ فِي كَفَّارَات الْأَيْمَان \" أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ مِنْ النَّار حَتَّى فَرْجه بِفَرْجِهِ \" وَلِلنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث كَعْب بْن مُرَّة \" وَأَيُّمَا اِمْرِئٍ مُسْلِم أَعْتَقَ اِمْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكه مِنْ النَّار عَظْمَيْنِ مِنْهُمَا بِعَظْمٍ , وَأَيُّمَا اِمْرَأَة مُسْلِمَة أَعْتَقَتْ اِمْرَأَة مُسْلِمَة كَانَتْ فِكَاكهَا مِنْ النَّار \" إِسْنَاده صَحِيح , وَمِثْله لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ , وَلِلطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَرِجَاله ثِقَات. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ سَعِيد بْنُ مَرْجَانَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقْت بِهِ ) ‏ ‏أَيْ بِالْحَدِيثِ , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَانْطَلَقْت حِين سَمِعْت الْحَدِيث مِنْ أَبِي هُرَيْرَة فَذَكَرْته لِعَلِيٍّ \" زَادَ أَحْمَد وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي حَكِيم عَنْ سَعِيد بْنِ مَرْجَانَة \" فَقَالَ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن : أَنْتَ سَمِعْت هَذَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَة ؟ فَقَالَ نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَعَمَدَ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن إِلَى عَبْد لَهُ ) ‏ ‏اِسْم هَذَا الْعَبْد مُطَرِّف , وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن أَبِي حَكِيم الْمَذْكُورَة عِنْد أَحْمَد وَأَبِي عَوَانَة وَأَبِي نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا عَلَى مُسْلِم , ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر \" ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي طَالِب وَهُوَ اِبْن عَمّ وَالِد عَلِيّ بْن الْحُسَيْن وَكَانَتْ وَفَاته سَنَة ثَمَانِينَ مِنْ الْهِجْرَة , وَمَاتَ سَعِيد بْنُ مَرْجَانَة سَنَة سَبْع وَتِسْعِينَ وَمَاتَ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن قَبْله بِثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَع , وَرِوَايَته عَنْهُ مِنْ رِوَايَة الْأَقْرَان , ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" عَشَرَة آلَاف دِرْهَم أَوْ أَلْف دِينَار \" شَكٌّ ‏ ‏مِنْ الرَّاوِي , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الدِّينَار إِذْ ذَاكَ كَانَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِم , وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عَاصِم بْن عَلِيّ فَقَالَ : \" عَشَرَة آلَاف دِرْهَم \" بِغَيْرِ شَكٍّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَعْتَقَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل الْمَذْكُورَة \" فَقَالَ اِذْهَبْ أَنْتَ حُرّ لِوَجْهِ اللَّه \" وَفِي الْحَدِيث فَضْل الْعِتْق , وَأَنَّ عِتْق الذَّكَر أَفْضَل مِنْ عِتْق الْأُنْثَى خِلَافًا لِمَنْ فَضَّلَ عِتْق الْأُنْثَى مُحْتَجًّا بِأَنَّ عِتْقهَا يَسْتَدْعِي صَيْرُورَة وَلَدهَا حُرًّا سَوَاء تَزَوَّجَهَا حُرّ أَوْ عَبْد بِخِلَافِ الذَّكَر , وَمُقَابِله فِي الْفَضْل أَنَّ عِتْق الْأُنْثَى غَالِبًا يَسْتَلْزِمُ ضَيَاعهَا , وَلِأَنَّ فِي عِتْق الذَّكَر مِنْ الْمَعَانِي الْعَامَّة مَا لَيْسَ فِي الْأُنْثَى كَصَلَاحِيَتِهِ لِلْقَضَاءِ وَغَيْره مِمَّا يَصْلُحُ لِلذُّكُورِ دُون الْإِنَاث , وَفِي قَوْله : \" أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْو مِنْهُ عُضْوًا \" إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الرَّقَبَة نُقْصَانٌ لِيَحْصُلَ الِاسْتِيعَاب , وَأَشَارَ الْخَطَّابِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُغْتَفَر النَّقْص الْمَجْبُور بِمَنْفَعَةٍ كَالْخَصِيِّ مَثَلًا إِذَا كَانَ يُنْتَفَعُ بِهِ فِيمَا لَا يُنْتَفَعُ بِالْفَحْلِ , وَمَا قَالَهُ فِي مَقَام الْمَنْع , وَقَدْ اِسْتَنْكَرَهُ النَّوَوِيّ وَغَيْره وَقَالَ : لَا شَكَّ أَنَّ فِي عِتْق الْخَصِيّ وَكُلّ نَاقِص فَضِيلَة , لَكِنَّ الْكَامِل أَوْلَى. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي فِي الرَّقَبَة الَّتِي تَكُون لِلْكَفَّارَةِ أَنْ تَكُون مُؤْمِنَة , لِأَنَّ الْكَفَّارَة مُنْقِذَة مِنْ النَّار فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَقَعَ إِلَّا بِمُنْقِذَةٍ مِنْ النَّار. وَاسْتَشْكَلَ اِبْن الْعَرَبِيّ قَوْله : \" فَرْجه بِفَرْجِهِ \" لِأَنَّ الْفَرْج لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ذَنْب يُوجِب لَهُ النَّار إِلَّا الزِّنَا , فَإِنْ حُمِلَ عَلَى مَا يَتَعَاطَاهُ مِنْ الصَّغَائِر كَالْمُفَاخَذَة لَمْ يُشْكِل عِتْقه مِنْ النَّار بِالْعِتْقِ , وَإِلَّا فَالزِّنَا كَبِيرَة لَا تُكَفَّرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ , ثُمَّ قَالَ : فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد أَنَّ الْعِتْق يُرَجَّحُ عِنْد الْمُوَازَنَة بِحَيْثُ يَكُون مُرَجِّحًا لِحَسَنَاتِ الْمُعْتِق تَرْجِيحًا يُوَازِي سَيِّئَة الزِّنَا ا ه. وَلَا اِخْتِصَاص لِذَلِكَ بِالْفَرْجِ , بَلْ يَأْتِي فِي غَيْره مِنْ الْأَعْضَاء مِمَّا آثَاره فِيهِ كَالْيَدِ فِي الْغَصْب مَثَلًا. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2334",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُرَاوِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ ‏ ‏إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ قُلْتُ فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ أَعْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ تُعِينُ ‏ ‏ضَايِعًا أَوْ تَصْنَعُ ‏ ‏لِأَخْرَقَ ‏ ‏قَالَ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ تَدَعُ النَّاسَ مِنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة ) ‏ ‏هَذَا مِنْ أَعْلَى حَدِيث وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ , وَهُوَ فِي حُكْم الثُّلَاثِيَّات , لِأَنَّ هِشَام بْن عُرْوَة شَيْخ شَيْخه مِنْ التَّابِعِينَ وَإِنْ كَانَ هُنَا رَوَى عَنْ تَابِعِيّ آخَر وَهُوَ أَبُوهُ , وَقَدْ رَوَاهُ الْحَارِث بْن أُسَامَة عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى فَقَالَ : \" أَخْبَرَنَا هِشَام بْن عُرْوَة \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏أَيْ رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّانِ \" عَنْ هِشَام حَدَّثَنِي أَبِي \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي مُرَاوِح ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم بَعْدهَا رَاء خَفِيفَة وَكَسْر الْوَاو بَعْدهَا مُهْمَلَة , زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد \" عَنْ هِشَام اللَّيْثِيّ \" وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا الْغِفَارِيُّ , وَهُوَ مَدَنِيّ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ لَا يُعْرَفُ اِسْمه , وَشَذَّ مَنْ قَالَ اِسْمه سَعْد , قَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمَد : أَدْرَكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَرَهُ. قُلْت : وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَرِجَاله كُلّهمْ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخه. وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ حَبِيب مَوْلَى عُرْوَة عَنْ عُرْوَة فَصَارَ فِي الْإِسْنَاد أَرْبَعَة مِنْ التَّابِعِينَ. وَفِي الصَّحَابَة أَبُو مُرَاوِح اللَّيْثِيّ غَيْر هَذَا سَمَّاهُ اِبْن مَنْدَهْ وَاقِدًا وَعَزَاهُ لِأَبِي دَاوُدَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ هِشَام أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّ أَبَا مُرَاوِح أَخْبَرَهُ , وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَدَدًا كَثِيرًا نَحْو الْعِشْرِينَ نَفْسًا رَوَوْهُ عَنْ هِشَام بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَخَالَفَهُمْ مَالِك فَأَرْسَلَهُ فِي الْمَشْهُور عَنْهُ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَرَوَاهُ يَحْيَى بْن يَحْيَى اللَّيْثِيّ وَطَائِفَة عَنْهُ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة , وَرَوَاهُ سَعِيد بْن دَاوُدَ عَنْهُ عَنْ هِشَام كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَة , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : الرِّوَايَة الْمُرْسَلَة عَنْ مَالِك أَصَحُّ , وَالْمَحْفُوظ عَنْ هِشَام كَمَا قَالَ الْجَمَاعَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي ذَرّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد الْمَذْكُورَة \" أَنَّ أَبَا ذَرّ أَخْبَرَهُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ أَعْلَاهَا ) ‏ ‏بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة لِلْأَكْثَرِ وَهِيَ رِوَايَة النَّسَائِيِّ أَيْضًا , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَكَذَا لِلنَّسَفِيّ , قَالَ اِبْن قُرْقُول : مَعْنَاهُمَا مُتَقَارِب. قُلْت : وَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ هِشَام \" أَكْثَرهَا ثَمَنًا \" وَهُوَ يُبَيِّنُ الْمُرَاد , قَالَ النَّوَوِيّ : مَحَلّه وَاللَّهُ أَعْلَم فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً وَاحِدَةً , أَمَّا لَوْ كَانَ مَعَ شَخْصٍ أَلْف دِرْهَم مَثَلًا فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا رَقَبَة يُعْتِقُهَا فَوَجَدَ رَقَبَة نَفِيسَة أَوْ رَقَبَتَيْنِ مَفْضُولَتَيْنِ فَالرَّقَبَتَانِ أَفْضَل , قَالَ : وَهَذَا بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّة فَإِنَّ الْوَاحِدَة السَّمِينَة فِيهَا أَفْضَل , لِأَنَّ الْمَطْلُوب هُنَا فَكّ الرَّقَبَة وَهُنَاكَ طِيب اللَّحْم ا ه. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاص , فَرُبَّ شَخْص وَاحِد إِذَا أُعْتِقَ اِنْتَفَعَ بِالْعِتْقِ وَانْتَفَعَ بِهِ أَضْعَاف مَا يَحْصُلُ مِنْ النَّفْع بِعِتْقِ أَكْثَر عَدَدًا مِنْهُ , وَرُبَّ مُحْتَاج إِلَى كَثْرَة اللَّحْم لِتَفْرِقَتِهِ عَلَى الْمَحَاوِيجِ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ أَكْثَر مِمَّا يَنْتَفِع هُوَ بِطِيبِ اللَّحْم , فَالضَّابِط أَنَّ مَهْمَا كَانَ أَكْثَر نَفْعًا كَانَ أَفْضَل سَوَاء قَلَّ أَوْ كَثُرَ , وَاحْتَجَّ بِهِ لِمَالِكٍ فِي أَنَّ عِتْق الرَّقَبَة الْكَافِرَة إِذَا كَانَتْ أَغْلَى ثَمَنًا مِنْ الْمُسْلِمَة أَفْضَل , وَخَالَفَهُ أَصْبَغ وَغَيْره وَقَالُوا : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ أَغْلَى ثَمَنًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْيِيده بِذَلِكَ فِي الْحَدِيث الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَنْفَسهَا عِنْد أَهْلهَا ) ‏ ‏أَيْ مَا اِغْتِبَاطهمْ بِهَا أَشَدّ , فَإِنَّ عِتْق مِثْل ذَلِكَ مَا يَقَعُ غَالِبًا إِلَّا خَالِصًا وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ). ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قُلْت فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَرَأَيْت إِنْ لَمْ أَفْعَلْ \" أَيْ إِنْ لَمْ أَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ , أَطْلَقَ الْفِعْل وَأَرَادَ الْقُدْرَة. وَلِلدَّارَقُطْنِيّ فِي \" الْغَرَائِب \" بِلَفْظِ \" فَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تُعِين ضَائِعًا ) ‏ ‏بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة وَبَعْد الْأَلِف تَحْتَانِيَّة لِجَمِيعِ الرُّوَاة فِي الْبُخَارِيّ كَمَا جَزَمَ بِهِ عِيَاض وَغَيْره , وَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِم , إِلَّا فِي رِوَايَة السَّمَرْقَنْدِيّ كَمَا قَالَهُ عِيَاض أَيْضًا , وَجَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْره بِأَنَّ هِشَامًا رَوَاهُ هَكَذَا دُون مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ , وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الصَّدَفِيّ وَنَقَلْته مِنْ خَطّه : رَوَاهُ هِشَام بْن عُرْوَة بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة وَالتَّحْتَانِيَّة , وَالصَّوَاب بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون كَمَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ خَبَطَ مَنْ قَالَ مِنْ شُرَّاح الْبُخَارِيّ إِنَّهُ رُوِيَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون , فَإِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَة لَمْ تَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقه , وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ هِشَام هَذَا الْحَدِيث بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة , قَالَ مَعْمَر : كَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُول صَحَّفَ هِشَام وَإِنَّمَا هُوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَهُوَ الصَّوَاب لِمُقَابَلَتِهِ بِالْأَخْرَقِ وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ بِصَانِعٍ وَلَا يُحْسِنُ الْعَمَل , وَقَالَ عَلِيّ بْن الْمَدِيْنِيّ : يَقُولُونَ إِنَّ هِشَامًا صَحَّفَ فِيهِ ا ه. وَرِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد مُسْلِم كَمَا تَقَدَّمَ وَهِيَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون , وَعَكَسَ السَّمَرْقَنْدِيّ فِيهَا أَيْضًا كَمَا نَقَلَهُ عِيَاض , وَقَدْ وُجِّهَتْ رِوَايَة هِشَام بِأَنَّ الْمُرَاد بِالضَّائِعِ ذُو الضَّيَاع مِنْ فَقْر أَوْ عِيَال فَيَرْجِع إِلَى مَعْنَى الْأَوَّل , قَالَ أَهْل اللُّغَة : رَجُل أَخْرَق لَا صَنْعَةَ لَهُ وَالْجَمْع خُرْق بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُون , وَامْرَأَة خَرْقَاء كَذَلِكَ , وَرَجُل صَانِع وَصَنَع بِفَتْحَتَيْنِ وَامْرَأَة صَنَاع بِزِيَادَةِ أَلِف. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنْ لَمْ أَفْعَل ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الصِّنَاعَة أَوْ الْإِعَانَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيِّ فِي \" الْغَرَائِب \" : \" أَرَأَيْت أَنْ ضَعُفْت \" وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ قَوْله إِنْ لَمْ أَفْعَلْ أَيْ لِلْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ لَا كَسَلًا مَثَلًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَدَع النَّاس مِنْ الشَّرّ ) ‏ ‏فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْكَفّ عَنْ الشَّرّ دَاخِل فِي فِعْل الْإِنْسَان وَكَسْبه حَتَّى يُؤْجَرَ عَلَيْهِ وَيُعَاقَبَ , غَيْر أَنَّ الثَّوَاب لَا يَحْصُلُ مَعَ الْكَفّ إِلَّا مَعَ النِّيَّة وَالْقَصْد لَا مَعَ الْغَفْلَة وَالذُّهُول قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ مُلَخَّصًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّق ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَالصَّاد الْمُهْمَلَة الْخَفِيفَة عَلَى حَذْف إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَالْأَصْل تَتَصَدَّقُ وَيَجُوزُ تَشْدِيدهَا عَلَى الْإِدْغَام. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الْجِهَاد أَفْضَل الْأَعْمَال بَعْد الْإِيمَان , قَالَ اِبْن حِبَّان : الْوَاو فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ هَذَا بِمَعْنَى ثُمَّ , وَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَيْ الْمُتَقَدِّم فِي \" بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ الْإِيمَان هُوَ الْعَمَل \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام فِيهِ عَلَى طَرِيق الْجَمْع بَيْن مَا اِخْتَلَفَ مِنْ الرِّوَايَات فِي أَفْضَل الْأَعْمَال هُنَاكَ , وَقِيلَ قَرَنَ الْجِهَاد بِالْإِيمَانِ هُنَا لِأَنَّهُ كَانَ إِذْ ذَاكَ أَفْضَل الْأَعْمَال , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : تَفْضِيل الْجِهَاد فِي حَال تَعَيُّنِهِ , وَفَضْل بِرّ الْوَالِدَيْنِ لِمَنْ يَكُون لَهُ أَبَوَانِ فَلَا يُجَاهِد إِلَّا بِإِذْنِهِمَا , وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَجْوِبَة اِخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ أَحْوَال السَّائِلِينَ. وَفِي الْحَدِيث حُسْنُ الْمُرَاجَعَة فِي السُّؤَال , وَصَبْر الْمُفْتِي وَالْمُعَلِّم عَلَى التِّلْمِيذ وَرِفْقه بِهِ , وَقَدْ رَوَى اِبْن حِبَّان وَالطَّبَرِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق أَبِي إِدْرِيس الْخَوْلَانِيِّ وَغَيْره عَنْ أَبِي ذَرّ حَدَّثَنَا حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ أَسْئِلَة كَثِيرَة وَأَجْوِبَتهَا تَشْتَمِل عَلَى فَوَائِد كَثِيرَة : مِنْهَا سُؤَاله عَنْ أَيِّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَل وَأَيِّ الْمُسْلِمِينَ أَسْلَم وَأَيِّ الْهِجْرَة وَالْجِهَاد وَالصَّدَقَة وَالصَّلَاة أَفْضَل , وَفِيهِ ذِكْر الْأَنْبِيَاء وَعَدَدهمْ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ , وَآدَاب كَثِيرَة مِنْ أَوَامِر وَنَوَاهٍ وَغَيْر ذَلِكَ , قَالَ اِبْن الْمُنِير : وَفِي الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى أَنَّ إِعَانَة الصَّانِع أَفْضَل مِنْ إِعَانَة غَيْر الصَّانِع لِأَنَّ غَيْر الصَّانِع مَظِنَّة الْإِعَانَة فَكُلّ أَحَد يُعِينه غَالِبًا , بِخِلَافِ الصَّانِع فَإِنَّهُ لِشُهْرَتِهِ بِصَنْعَتِهِ يَغْفُل عَنْ إِعَانَته , فَهِيَ مِنْ جِنْس الصَّدَقَة عَلَى الْمَسْتُور. ‏"
    },
    {
        "id": "2335",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الدَّرَاوَرْدِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُوسَى بْن مَسْعُود ) ‏ ‏وَهُوَ أَبُو حُذَيْفَة النَّهْدِيّ بِفَتْحِ النُّون مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اِسْمه , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي الْكُسُوف عَنْ رَاوٍ آخَر عَنْ شَيْخه زَائِدَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ عَلِيّ ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن الْمَدِينِيّ وَهُوَ شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَوَهِمَ مَنْ قَالَ الْمُرَاد بِهِ اِبْن حَجَر , وَالدَّرَاوَرْدِيّ هُوَ عَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد. ‏"
    },
    {
        "id": "2336",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَثَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنَّا نُؤْمَرُ عِنْدَ الْخُسُوفِ بِالْعَتَاقَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏هُوَ الْمُقَدَّمِيّ , وَعَثَّام بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُثَلَّثَة هُوَ اِبْن عَلِيّ بْن الْوَلِيد الْعَامِرِيّ الْكُوفِيّ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَهِشَام هُوَ اِبْن عُرْوَة , وَفَاطِمَة زَوْجَته وَهِيَ اِبْنَة عَمّه , وَهَذَا الْحَدِيث مُخْتَصَر مِنْ حَدِيث طَوِيل , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي مَوْضِعه وَتَبَيَّنَ بِرِوَايَةِ زَائِدَة أَنَّ الْآمِر فِي رِوَايَة عَثَّام هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي أَنَّ قَوْل الصَّحَابِيّ \" كُنَّا نُؤْمَر بِكَذَا \" فِي حُكْم الْمَرْفُوع. ‏"
    },
    {
        "id": "2337",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُعْتَقُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار وَسَالِم هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا عَمْرو بْن دِينَار \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ سَالِم ) ‏ ‏وَاِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَلِلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ سُفْيَان عَنْ عَمْرو أَنَّهُ \" سَمِعَ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَنْ أَعْتَقَ ) ‏ ‏ظَاهِره الْعُمُوم , لَكِنَّهُ مَخْصُوص بِالِاتِّفَاقِ فَلَا يَصِحُّ مِنْ الْمَجْنُون وَلَا مِنْ الْمَحْجُور عَلَيْهِ لِسَفَهٍ , وَفِي الْمَحْجُور عَلَيْهِ بِفَلْسٍ وَالْعَبْد وَالْمَرِيض مَرَض الْمَوْت وَالْكَافِر تَفَاصِيل لِلْعُلَمَاءِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَدِلَّةِ التَّخْصِيص , وَلَا يَقُومُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ عِنْد الشَّافِعِيَّة إِلَّا إِذَا وَسِعَهُ الثُّلُث , وَقَالَ أَحْمَد : لَا يَقُومُ فِي الْمَرَض مُطْلَقًا وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي عِتْق الْكَافِر قَرِيبًا , وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ : \" أَعْتَقَ \" مَا إِذَا أَعْتَقَ عَلَيْهِ بِأَنْ وَرِثَ بَعْض مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِقَرَابَةٍ فَلَا سِرَايَةَ عِنْد الْجُمْهُور , وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَة , وَكَذَلِكَ لَوْ عَجَزَ الْمُكَاتَب بَعْد أَنْ اِشْتَرَى شِقْصًا يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِهِ فَإِنَّ الْمِلْك وَالْعِتْقَ يَحْصُلَانِ بِغَيْرِ فِعْلِ السَّيِّدِ فَهُوَ كَالْإِرْثِ , وَيَدْخُلُ فِي الِاخْتِيَارِ مَا إِذَا أُكْرِهَ بِحَقٍّ , لَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ نَصِيبه مِنْ الْمُشْتَرَك أَوْ بِعِتْقِ جُزْءٍ مِمَّنْ لَهُ كُلّه لَمْ يَسْرِ عِنْد الْجُمْهُور أَيْضًا لِأَنَّ الْمَال يَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ وَيَصِيرُ الْمَيِّت مُعْسِرًا , وَعَنْ الْمَالِكِيَّة رِوَايَة , وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ مَعَ مَفْهُوم الْخَبَر أَنَّ السِّرَايَة عَلَى خِلَاف الْقِيَاس فَيَخْتَصُّ بِمَوْرِدِ النَّصّ , وَلِأَنَّ التَّقْوِيم سَبِيله سَبِيل غَرَامَة الْمُتْلَفَات فَيَقْتَضِي التَّخْصِيص بِصُدُورِ أَمْر يُجْعَل إِتْلَافًا , ثُمَّ ظَاهِر قَوْله : \" مَنْ أَعْتَقَ \" وُقُوع الْعِتْق مُنَجَّزًا , وَأَجْرَى الْجُمْهُور الْمُعَلَّق بِصِفَةٍ إِذَا وُجِدَتْ مَجْرَى الْمُنَجَّز. ‏ ‏قَوْله : ( عَبْدًا بَيْن اِثْنَيْنِ ) ‏ ‏هُوَ كَالْمِثَالِ وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَيْن اِثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَر , وَفِي رِوَايَة مَالِك وَغَيْره فِي الْبَاب \" شِرْكًا \" وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء , وَفِي رِوَايَة أَيُّوب الْمَاضِيَة فِي الشَّرِكَة \" شِقْصًا \" بِمُعْجَمَةٍ وَقَاف مُهْمَلَة وَزْن الْأَوَّل , وَفِي رِوَايَة فِي الْبَاب \" نَصِيبًا \" وَالْكُلّ بِمَعْنًى , إِلَّا أَنَّ اِبْنَ دُرَيْد قَالَ : هُوَ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ , وَقَالَ الْقَزَّازُ : لَا يَكُونُ الشِّقْص إِلَّا كَذَلِكَ , وَالشِّرْك فِي الْأَصْل مَصْدَر أُطْلِقَ عَلَى مُتَعَلِّقه وَهُوَ الْعَبْد الْمُشْتَرَك , وَلَا بُدَّ فِي السِّيَاق مِنْ إِضْمَار جُزْءٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ لِأَنَّ الْمُشْتَرَك هُوَ الْجُمْلَة أَوْ الْجُزْء الْمُعَيَّن مِنْهَا , وَظَاهِره الْعُمُوم فِي كُلِّ رَقِيق لَكِنْ يُسْتَثْنَى الْجَانِي وَالْمَرْهُون فَفِيهِ خِلَاف , وَالْأَصَحّ فِي الرَّهْن وَالْجِنَايَة مَنْع السِّرَايَة لِأَنَّ فِيهَا إِبْطَال حَقّ الْمُرْتَهِن وَالْمَجْنِيّ عَلَيْهِ , فَلَوْ أَعْتَقَ مُشْتَرَكًا بَعْد أَنْ كَاتَبَاهُ فَإِنْ كَانَ لَفْظ الْعَبْد يَتَنَاوَل الْمُكَاتَب وَقَعَتْ السِّرَايَة وَإِلَّا فَلَا , وَلَا يَكْفِي ثُبُوتُ أَحْكَام الرِّقّ عَلَيْهِ , فَقَدْ ثَبَتَتْ وَلَا يَسْتَلْزِمُ اِسْتِعْمَال لَفْظ الْعَبْد عَلَيْهِ , وَمِثْله مَا لَوْ دَبَّرَاهُ , لَكِنْ تَنَاوُل لَفْظ الْعَبْد لِلْمُدَبَّرِ أَقْوَى مِنْ الْمُكَاتَب فَيَسْرِي هُنَا عَلَى الْأَصَحّ , فَلَوْ أَعْتَقَ مِنْ أَمَة ثَبَتَ كَوْنهَا أُمّ وَلَد لِشَرِيكِهِ فَلَا سِرَايَة لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ النَّقْلَ مِنْ مَالِكٍ إِلَى مَالِكٍ , وَأُمّ الْوَلَد لَا تَقْبَل ذَلِكَ عِنْد مَنْ لَا يَرَى بَيْعهَا وَهُوَ أَصَحّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاء. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ ) ‏ ‏ظَاهِره اِعْتِبَار ذَلِكَ حَال الْعِتْق , حَتَّى لَوْ كَانَ مُعْسِرًا ثُمَّ أَيْسَرَ بَعْد ذَلِكَ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْم , وَمَفْهُومه أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يُقَوَّمْ , وَقَدْ أَفْصَحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة مَالِك حَيْثُ قَالَ فِيهَا : \" وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ \" وَيَبْقَى مَا لَمْ يُعْتَقْ عَلَى حُكْمِهِ الْأَوَّلِ , هَذَا الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ هَذَا السِّيَاق وَهُوَ السُّكُوتُ عَنْ الْحُكْم بَعْد هَذَا الْإِبْقَاء , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قُوِّمَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله , زَادَ مُسْلِم وَالنَّسَائِيّ فِي رِوَايَتهمَا مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فِي مَاله قِيمَة عَدْل لَا وَكْس وَلَا شَطَط \" وَالْوَكْس بِفَتْحِ الْوَاو وَسُكُون الْكَاف بَعْدهَا مُهْمَلَة النَّقْص , وَالشَّطَط بِمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُهْمَلَة مُكَرَّرَة وَالْفَتْح الْجَوْر , وَاتَّفَقَ مَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ يُبَاعُ فِي حِصَّة شَرِيكه جَمِيع مَا يُبَاعُ عَلَيْهِ فِي الدَّيْن عَلَى اِخْتِلَاف عِنْدهمْ فِي ذَلِكَ , وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْن بِقَدْرِ مَا يَمْلِكُهُ كَانَ فِي حُكْم الْمُوسِر عَلَى أَصَحّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاء , وَهُوَ كَالْخِلَافِ فِي أَنَّ الدَّيْن هَلْ يَمْنَع الزَّكَاة أَمْ لَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الشَّافِعِيّ وَالْحُمَيْدِيّ \" فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ بِأَعْلَى الْقِيمَة أَوْ قِيمَة عَدْل \" وَهُوَ شَكّ مِنْ سُفْيَان , وَقَدْ رَوَاهُ أَكْثَر أَصْحَابه عَنْهُ بِلَفْظِ \" قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَة عَدْل \" وَهُوَ الصَّوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يُعْتَق ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" ثُمَّ أَعْتَقَ عَلَيْهِ مِنْ مَاله إِنْ كَانَ مُوسِرًا \" وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ التَّاء فِي حَدِيث الْبَاب مَفْتُوحَة مَعَ ضَمّ أَوَّله. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِم هَذَا الْحَدِيث مُخْتَصَرًا أَيْضًا , أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِلَفْظِ \" مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ عَتَقَ مَا بَقِيَ فِي مَاله إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَن الْعَبْد \" وَذَكَرَ الْخَطِيب قَوْله : \" إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَن الْعَبْد \" فِي الْمُدْرَج , وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة نَافِع كَمَا سَيَأْتِي. ‏"
    },
    {
        "id": "2338",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي طَرِيق مَالِك عَنْ نَافِع ( وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ) ‏ ‏أَيْ شَيْء يَبْلُغُ , وَعِنْد الْْكُشْمِيهَنِيّ \" مَالٌ يَبْلُغُ \" وَهِيَ رِوَايَة \" الْمُوَطَّأ \" وَالتَّقْيِيد بِقَوْلِهِ : \" يَبْلُغ \" يُخْرِجُ مَا إِذَا كَانَ لَهُ مَال لَكِنَّهُ لَا يَبْلُغُ قِيمَة النَّصِيب , وَظَاهِره أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَة لَا يُقَوَّم عَلَيْهِ مُطْلَقًا , لَكِنَّ الْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة - وَهُوَ مَذْهَب مَالِك - أَنَّهُ يَسْرِي إِلَى الْقَدْر الَّذِي هُوَ مُوسِرٌ بِهِ تَنْفِيذًا لِلْعِتْقِ بِحَسَبِ الْإِمْكَان. ‏ ‏قَوْله : ( ثَمَن الْعَبْد ) ‏ ‏أَيْ ثَمَن بَقِيَّة الْعَبْد , لِأَنَّهُ مُوسِر بِحِصَّتِهِ , وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر وَعُمَر بْن نَافِع وَمُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" وَلَهُ مَال يَبْلُغُ قِيمَة أَنْصِبَاء شُرَكَائِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَن لِشُرَكَائِهِ أَنْصِبَاءَهُمْ وَيُعْتَقُ الْعَبْد \" وَالْمُرَاد بِالثَّمَنِ هُنَا الْقِيمَةُ , لِأَنَّ الثَّمَن مَا اِشْتَرَيْت بِهِ الْعَيْن , وَاللَّازِم هُنَا الْقِيمَة لَا الثَّمَن , وَقَدْ تَبَيَّنَ الْمُرَاد فِي رِوَايَة زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة الْمَذْكُورَة , وَيَأْتِي فِي رِوَايَة أَيُّوب فِي هَذَا الْبَاب بِلَفْظِ \" مَا يَبْلُغُ قِيمَته بِقِيمَةِ عَدْل \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْبِنَاء لِلْفَاعِلِ وَشُرَكَاءَهُ بِالنَّصْبِ , وَلِبَعْضِهِمْ \" فَأُعْطِيَ \" عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ وَشُرَكَاؤُهُ بِالضَّمِّ , وَقَوْله : \" حِصَصهمْ \" أَيْ قِيمَة حِصَصهمْ أَيْ إِنْ كَانَ لَهُ شُرَكَاء فَإِنْ كَانَ لَهُ شَرِيك أَعْطَاهُ جَمِيع الْبَاقِي , وَهَذَا لَا خِلَاف فِيهِ فَلَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْن الثَّلَاثَة فَأَعْتَقَ أَحَدهمْ حِصَّته وَهِيَ الثُّلُث وَالثَّانِي حِصَّته وَهِيَ السُّدُس فَهَلْ يُقَوَّم عَلَيْهِمَا نَصِيب صَاحِب النِّصْف بِالسَّوِيَّةِ أَوْ عَلَى قَدْر الْحِصَص ؟ الْجُمْهُور عَلَى الثَّانِي , وَعِنْد الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَابِلَة خِلَاف كَالْخِلَافِ فِي الشُّفْعَة إِذَا كَانَتْ لِاثْنَيْنِ هَلْ يَأْخُذَانِ بِالسَّوِيَّةِ أَوْ عَلَى قَدْر الْمِلْك ؟. ‏ ‏قَوْله : ( عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيّ هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن مِنْ الْأَوَّل وَيَجُوز الْفَتْح وَالضَّمّ فِي الثَّانِي , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ غَيْره , وَإِنَّمَا يُقَال عَتَقَ بِالْفَتْحِ وَأُعْتِقَ بِضَمِّ الْهَمْزَة , وَلَا يُعْرَفُ عُتِقَ بِضَمِّ أَوَّله لِأَنَّ الْفِعْل لَازِم غَيْر مُتَعَدٍّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2339",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ فَعَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلُّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأُعْتِقَ مِنْهُ مَا أَعْتَقَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏اخْتَصَرَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي أُسَامَة عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عِتْقه كُلّهُ ) ‏ ‏بِجَرِّ اللَّام تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الْمُضَاف أَيْ عَتَقَ الْعَبْد كُلّه. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال يُقَوَّم عَلَيْهِ قِيمَة عَدْل عَلَى الْمُعْتِق ) ‏ ‏هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَظَاهِرهَا أَنَّ التَّقْوِيم يُشْرَعُ فِي حَقّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَوْله : \" يُقَوَّم \" لَيْسَ جَوَابًا لِلشَّرْطِ بَلْ هُوَ صِفَة مَنْ لَهُ الْمَال , وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ لَا مَال لَهُ بِحَيْثُ يَقَع عَلَيْهِ اِسْم التَّقْوِيم فَإِنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ فِي نَصِيبه خَاصَّة , وَجَوَاب الشَّرْط هُوَ قَوْله : \" فَأَعْتَقَ مِنْهُ مَا أَعْتَقَ \" وَالتَّقْدِير فَقَدْ أَعْتَقَ مِنْهُ مَا أَعْتَقَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر وَعُثْمَان اِبْنَيْ أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي أُسَامَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ \" فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال يُقَوَّم عَلَيْهِ قِيمَة عَدْل عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ \" وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَة خَالِد بْن الْحَارِث عَنْ عُبَيْد اللَّه عِنْد النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ \" فَإِنْ كَانَ لَهُ مَال قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَة عَدْل فِي مَاله , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسَدَّد حَدَّثَنَا بِشْر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْمُفَضَّل ‏ ‏( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْنِ عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( اِخْتَصَرَهُ ) ‏ ‏أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسَدَّد فِي مُسْنَدِهِ بِرِوَايَةِ مُعَاذ بْن الْمُثَنَّى عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقه وَلَفْظه \" مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوك فَقَدْ عَتَقَ كُلّه \" وَقَدْ رَوَاهُ غَيْر مُسَدَّد عَنْ بِشْر مُطَوَّلًا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرو بْن عَلِيّ عَنْ بِشْر لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أَيْضًا قَوْله : \" عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ \" فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَاده أَنَّهُ اِخْتَصَرَ هَذَا الْقَدْر , وَقَدْ فَهِمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ ذَلِكَ فَقَالَ : عَامَّة الْكُوفِيِّينَ رَوَوْا عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر فِي هَذَا الْحَدِيث حُكْم الْمُوسِر وَالْمُعْسِر مَعًا , وَالْبَصْرِيُّونَ لَمْ يَذْكُرُوا إِلَّا حُكْم الْمُوسِر فَقَطْ. قُلْت : فَمِنْ الْكُوفِيِّينَ أَبُو أُسَامَة كَمَا تَرَى وَابْن نُمَيْر عِنْد مُسْلِم وَزُهَيْر عِنْد النَّسَائِيِّ وَعِيسَى بْن يُونُس عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَمُحَمَّد بْن عُبَيْد عِنْد أَبِي عَوَانَة وَأَحْمَد , وَمِنْ الْبَصْرِيِّينَ بِشْر الْمَذْكُور وَخَالِد بْن الْحَارِث وَيَحْيَى الْقَطَّانُ عِنْد النَّسَائِيِّ وَعَبْد الْأَعْلَى فِيمَا ذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ , لَكِنْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق زَائِدَة عَنْ عُبَيْد اللَّه وَقَالَ فِي آخِره : \" فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ \" وَزَائِدَة كُوفِيّ لَكِنَّهُ وَافَقَ الْبَصْرِيِّينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2340",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ أَوْ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ فَهُوَ عَتِيقٌ قَالَ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏لَا أَدْرِي أَشَيْءٌ قَالَهُ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏أَوْ شَيْءٌ فِي الْحَدِيثِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَوْ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ ) ‏ ‏الشَّكّ فِيهِ مِنْ أَيُّوب , وَقَدْ سَبَقَ فِي الشَّرِكَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ فَقَالَ فِيهِ : \" أَوْ قَالَ نَصِيبًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَهُوَ عَتِيق ) ‏ ‏أَيْ مُعْتَق بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُثَنَّاة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَيُّوب : لَا أَدْرِي أَشَيْء قَالَهُ نَافِع أَوْ شَيْء فِي الْحَدِيث ) ‏ ‏هَذَا شَكّ مِنْ أَيُّوب فِي هَذِهِ الزِّيَادَة الْمُتَعَلِّقَة بِحُكْمِ الْمُعْسِر هَلْ هِيَ مَوْصُولَةٌ مَرْفُوعَةٌ أَوْ مُنْقَطِعَةٌ مَقْطُوعَةٌ , وَقَدْ رَوَاهُ عَبْد الْوَهَّاب عَنْ أَيُّوب فَقَالَ فِي آخِره : \" وَرُبَّمَا قَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ \" وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْهُ , وَأَكْثَر ظَنِّي أَنَّهُ شَيْء يَقُولُهُ نَافِع مِنْ قِبَله \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَقَدْ وَافَقَ أَيُّوب عَلَى الشَّكّ فِي رَفْعِ هَذِهِ الزِّيَادَة يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ نَافِع أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيّ وَلَفْظ النَّسَائِيِّ \" وَكَانَ نَافِع يَقُولُ قَالَ يَحْيَى : لَا أَدْرِي أَشَيْء كَانَ مِنْ قِبَله يَقُولُهُ أَمْ شَيْء فِي الْحَدِيث , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْده فَقَدْ جَازَ مَا صَنَعَ \" وَرَوَاهَا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يَحْيَى فَجَزَمَ بِأَنَّهَا عَنْ نَافِع , وَأَدْرَجَهَا فِي الْمَرْفُوع مِنْ وَجْهٍ آخَرَ , وَجَزَمَ مُسْلِم بِأَنَّ أَيُّوبَ وَيَحْيَى قَالَا \" لَا نَدْرِي أَهُوَ فِي الْحَدِيث أَوْ شَيْء قَالَهُ نَافِع مِنْ قِبَله \" وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْ مَالِك فِي وَصْلِهَا وَلَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْن عُمَر , لَكِنْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي إِثْبَاتهَا وَحَذْفهَا كَمَا تَقَدَّمَ , وَالَّذِينَ أَثْبَتُوهَا حُفَّاظ فَإِثْبَاتهَا عَنْ عُبَيْد اللَّه مُقَدَّم , وَأَثْبَتَهَا أَيْضًا جَرِير بْن حَازِم كَمَا سَيَأْتِي بَعْد اِثْنَيْ عَشَر بَابًا وَإِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ , وَقَدْ رَجَّحَ الْأَئِمَّة رِوَايَة مَنْ أَثْبَت هَذِهِ الزِّيَادَة مَرْفُوعَة , قَالَ الشَّافِعِيّ : لَا أَحْسَبُ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ يَشُكّ فِي أَنَّ مَالِكًا أَحْفَظُ لِحَدِيثِ نَافِع مِنْ أَيُّوب , لِأَنَّهُ كَانَ أَلْزَم لَهُ مِنْهُ , حَتَّى وَلَوْ اِسْتَوَيَا فَشَكَّ أَحَدهمَا فِي شَيْءٍ لَمْ يَشُكَّ فِيهِ صَاحِبه كَانَتْ الْحُجَّة مَعَ مَنْ لَمْ يَشُكَّ , وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْل عُثْمَان الدَّارِمِيِّ : قُلْت لِابْنِ مَعِين مَالِك فِي نَافِعٍ أَحَبّ إِلَيْك أَوْ أَيُّوب ؟ قَالَ : مَالِك. وَسَأَذْكُرُ ثَمَرَة الْخِلَاف فِي رَفْع هَذِهِ الزِّيَادَة أَوْ وَقْفهَا فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2341",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مِقْدَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي فِي الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ يَكُونُ بَيْنَ شُرَكَاءَ فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْهُ يَقُولُ قَدْ ‏ ‏وَجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلِّهِ إِذَا كَانَ لِلَّذِي أَعْتَقَ مِنْ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ يُقَوَّمُ مِنْ مَالِهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ وَيُدْفَعُ إِلَى الشُّرَكَاءِ أَنْصِبَاؤُهُمْ وَيُخَلَّى سَبِيلُ الْمُعْتَقِ يُخْبِرُ ذَلِكَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏وَابْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏وَجُوَيْرِيَةُ ‏ ‏وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُخْتَصَرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي إِلَخْ ) ‏ ‏كَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَوْرَدَ هَذِهِ الطَّرِيق يُشِيرُ بِهَا إِلَى أَنَّ اِبْن عُمَر رَاوِي الْحَدِيث أَفْتَى بِمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِره فِي حَقّ الْمُوسِر لِيَرُدّ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ , وَلَمْ يَتَفَرَّدْ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع بِهَذَا الْإِسْنَاد بَلْ وَافَقَهُ صَخْر بْن جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِع , أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة وَالطَّحَاوِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَوَاهُ اللَّيْث وَابْن أَبِي ذِئْب وَابْن إِسْحَاق وَجُوَيْرِيَةُ وَيَحْيَى بْن سَعِيد وَإِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْتَصَرًا ) ‏ ‏يَعْنِي وَلَمْ يَذْكُرُوا الْجُمْلَة الْأَخِيرَة فِي حَقّ الْمُعْسِر وَهِيَ قَوْله : \" فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ \" فَأَمَّا رِوَايَة اللَّيْث فَقَدْ وَصَلَهَا مُسْلِم وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه , وَالنَّسَائِيّ وَلَفْظه \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : أَيُّمَا مَمْلُوكٍ كَانَ بَيْن شُرَكَاء فَأَعْتَقَ أَحَدهمْ نَصِيبه فَإِنَّهُ يُقَامُ فِي مَال الَّذِي أَعْتَقَ قِيمَة عَدْل فَيُعْتَق إِنْ بَلَغَ ذَلِكَ مَاله \". وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَلَمْ يَسُقْ لَفْظهَا , وَوَصَلَهَا أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَيْهِ وَلَفْظه \" مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا فِي مَمْلُوك وَكَانَ لِلَّذِي عَتَقَ مَبْلَغ ثَمَنه فَقَدْ عَتَقَ كُلّه \" وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق فَوَصَلَهَا أَبُو عَوَانَة وَلَفْظه \" مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْد مَمْلُوك فَعَلَيْهِ نَفَاذه مِنْهُ \" وَأَمَّا رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ وَهُوَ اِبْن أَسْمَاء فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الشَّرِكَة كَمَا مَضَى , وَأَمَّا رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَغَيْره وَقَدْ ذَكَرْت لَفْظه , وَأَمَّا رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَلَمْ يَسُقْ لَفْظهَا , وَهِيَ عِنْد عَبْد الرَّزَّاق نَحْو رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب. وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُوسِر إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبه مِنْ مَمْلُوك عَتَقَ كُلّه قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَا خِلَافَ فِي أَنَّ التَّقْوِيم لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الْمُوسِرِ , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي وَقْت الْعِتْق : فَقَالَ الْجُمْهُورُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْأَصَحّ وَبَعْض الْمَالِكِيَّة : إِنَّهُ يُعْتَقُ فِي الْحَالِ , وَقَالَ بَعْض الشَّافِعِيَّة لَوْ أَعْتَقَ الشَّرِيك نَصِيبه بِالتَّقْوِيمِ كَانَ لَغْوًا وَيَغْرَم الْمُعْتِقُ حِصَّة نَصِيبه بِالتَّقْوِيمِ , وَحُجَّتُهُمْ رِوَايَة أَيُّوب فِي الْبَاب حَيْثُ قَالَ : \" مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا وَكَانَ لَهُ مِنْ الْمَال مَا يَبْلُغُ قِيمَته فَهُوَ عَتِيق \" وَأَوْضَح مِنْ ذَلِكَ رِوَايَة النَّسَائِيِّ وَابْن حِبَّان وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن مُوسَى عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ فِيهِ شُرَكَاء وَلَهُ وَفَاء فَهُوَ حُرّ وَيَضْمَنُ نَصِيب شُرَكَائِهِ بِقِيمَتِهِ \" وَلِلطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ نَافِع \" فَكَانَ لِلَّذِي يُعْتِق نَصِيبه مَا يَبْلُغُ ثَمَنه فَهُوَ عَتِيق كُلّه , حَتَّى لَوْ أَعْسَرَ الْمُوسِر الْمُعْتِق بَعْد ذَلِكَ اِسْتَمَرَّ الْعِتْق وَبَقِيَ ذَلِكَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ , وَلَوْ مَاتَ أَخَذَ مِنْ تَرِكَته , فَإِنْ لَمْ يَخْلُفْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لِلشَّرِيكِ شَيْء وَاسْتَمَرَّ الْعِتْق \" وَالْمَشْهُور عِنْد الْمَالِكِيَّة أَنَّهُ لَا يَعْتِق إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَة , فَلَوْ أَعْتَقَ الشَّرِيك قَبْل أَخْذ الْقِيمَة نَفَذَ عِتْقُهُ , وَهُوَ أَحَد أَقْوَال الشَّافِعِيّ , وَحُجَّتُهُمْ رِوَايَة سَالِم أَوَّل الْبَاب حَيْثُ قَالَ : \" فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَعْتِقُ \" وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْتِيب الْعِتْق عَلَى التَّقْوِيم تَرْتِيبه عَلَى أَدَاءِ الْقِيمَةِ , فَإِنَّ التَّقْوِيمَ يُفِيدُ مَعْرِفَة الْقِيمَة , وَأَمَّا الدَّفْع فَقَدْرٌ زَائِد عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا رِوَايَة مَالِك الَّتِي فِيهَا \" فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصهمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْد \" فَلَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا لِسِيَاقِهَا بِالْوَاوِ. وَفِي الْحَدِيث حُجَّة عَلَى اِبْن سِيرِينَ حَيْثُ قَالَ : يَعْتِقُ كُلُّهُ وَيَكُونُ نَصِيب مَنْ لَمْ يَعْتِقْ فِي بَيْت الْمَال , لِتَصْرِيحِ الْحَدِيث بِالتَّقْوِيمِ عَلَى الْمُعْتِق. وَعَلَى رَبِيعَة حَيْثُ قَالَ : لَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْجُزْء مِنْ مُوسِر وَلَا مُعْسِر , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْده الْحَدِيث. وَعَلَى بُكَيْر بْن الْأَشَجّ حَيْثُ قَالَ : إِنَّ التَّقْوِيم يَكُونُ عِنْدَ إِرَادَة الْعِتْق لَا بَعْد صُدُوره. وَعَلَى أَبِي حَنِيفَة حَيْثُ قَالَ : يَتَخَيَّرُ الشَّرِيك بَيْن أَنْ يُقَوِّم نَصِيبه عَلَى الْمُعْتِق أَوْ يُعْتِق نَصِيبه أَوْ يَسْتَسْعِي الْعَبْدَ فِي نَصِيب الشَّرِيك , وَيُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَسْبِق إِلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُتَابِعه عَلَيْهِ أَحَد حَتَّى وَلَا صَاحِبَاهُ , وَطَرَدَ قَوْله فِي ذَلِكَ فِيمَا لَوْ أَعْتَقَ بَعْض عَبْده فَالْجُمْهُور قَالُوا : يَعْتِق كُلّه , وَقَالَ هُوَ : يَسْتَسْعِي الْعَبْد فِي قِيمَةِ نَفْسِهِ لِمَوْلَاهُ. وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّة مَا إِذَا أَذِنَ الشَّرِيك فَقَالَ لِشَرِيكِهِ : أَعْتِقْ نَصِيبك , قَالُوا فَلَا ضَمَان فِيهِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَان فَعَلَيْهِ قِيمَته لَا مِثْله , وَيَلْتَحِق بِذَلِكَ مَا لَا يُكَال وَلَا يُوزَن عِنْد الْجُمْهُور. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : قِيلَ الْحِكْمَة فِي التَّقْوِيم عَلَى الْمُوسِر أَنْ تَكْمُلَ حُرِّيَّة الْعَبْدِ لِتَتِمّ شَهَادَته وَحُدُوده. قَالَ : وَالصَّوَاب أَنَّهَا لِاسْتِكْمَالِ إِنْقَاذ الْمُعْتَق مِنْ النَّار. قُلْت : وَلَيْسَ الْقَوْل الْمَذْكُور مَرْدُودًا بَلْ هُوَ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا , وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَيْضًا هُوَ الْحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِسْعَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "2342",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ آدَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَعْتَقَ ‏ ‏شَقِيصًا ‏ ‏مِنْ عَبْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا أَوْ ‏ ‏شَقِيصًا ‏ ‏فِي مَمْلُوكٍ فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ فَاسْتُسْعِيَ بِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ ‏ ‏وَأَبَانُ ‏ ‏وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏اخْتَصَرَهُ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( جَرِير بْن حَازِم سَمِعْت قَتَادَةَ ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب مِنْ رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم عَنْ نَافِع , فَلَهُ فِيهِ طَرِيقَانِ , وَقَدْ حَفِظَ الزِّيَادَة الَّتِي فِي كُلّ مِنْهُمَا وَجَزَمَ بِرَفْعِ كُلّ مِنْهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ بَشِير بْن نَهِيك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَكَسْر الْمُعْجَمَة وَبِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْهَاء وَزْنًا وَاحِدًا. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ عَبْد ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَعَطَفَ عَلَيْهِ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَة مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَرِير بْن حَازِم وَبَقِيَّته \" أَعْتَقَ كُلّه إِنْ كَانَ لَهُ مَال وَإِلَّا يُسْتَسْعَ غَيْر مَشْقُوق عَلَيْهِ \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق بِشْر بْن السَّرِيّ وَيَحْيَى بْن بُكَيْر جَمِيعًا عَنْ جَرِير بْن حَازِم بِلَفْظِ \" مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ غُلَام وَكَانَ لِلَّذِي أَعْتَقَهُ مِنْ الْمَال مَا يَبْلُغُ قِيمَة الْعَبْد أُعْتِقَ فِي مَاله , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال اُسْتُسْعِيَ الْعَبْد غَيْر مَشْقُوق عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ النَّضْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير - الَّتِي قَبْلهَا - عَنْ قَتَادَةَ \" حَدَّثَنِي النَّضْر \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ فَاسْتُسْعِيَ بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عِيسَى بْن يُونُس عَنْ سَعِيد عِنْد مُسْلِم \" ثُمَّ يَسْتَسْعِي فِي نَصِيب الَّذِي لَمْ يُعْتَقْ \" الْحَدِيث , وَفِي رِوَايَة عَبْدَة عِنْد النَّسَائِيِّ وَمُحَمَّد بْن بِشْر عِنْد أَبِي دَاوُدَ كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيد \" فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال قُوِّمَ ذَلِكَ الْعَبْد قِيمَة عَدْل وَاسْتُسْعِيَ فِي قِيمَته لِصَاحِبِهِ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( غَيْر مَشْقُوق عَلَيْهِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ , وَقَالَ اِبْن التِّين : مَعْنَاهُ لَا يَسْتَغْلِي عَلَيْهِ فِي الثَّمَنِ , وَقِيلَ مَعْنَاهُ غَيْر مُكَاتَب وَهُوَ بَعِيد جِدًّا. وَفِي ثُبُوت الِاسْتِسْعَاء حُجَّة عَلَى اِبْن سِيرِينَ حَيْثُ قَالَ : يَعْتِق نَصِيب الشَّرِيك الَّذِي لَمْ يُعْتَقْ مِنْ بَيْت الْمَال. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ حَجَّاج بْن حَجَّاج وَأَبَان وَمُوسَى بْن خَلَف عَنْ قَتَادَةَ وَاخْتَصَرَهُ شُعْبَة ) ‏ ‏أَرَادَ الْبُخَارِيّ بِهَذَا الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الِاسْتِسْعَاء فِي هَذَا الْحَدِيث غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَأَنَّ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة تَفَرَّدَ بِهِ , فَاسْتَظْهَرَ لَهُ بِرِوَايَةِ جَرِير بْن حَازِم بِمُوَافَقَتِهِ , ثُمَّ ذَكَرَ ثَلَاثَة تَابَعُوهُمَا عَلَى ذِكْرِهَا. فَأَمَّا رِوَايَة حَجَّاج فَهُوَ فِي نُسْخَةِ حَجَّاج بْن حَجَّاج عَنْ قَتَادَةَ مِنْ رِوَايَة أَحْمَد بْن حَفْص أَحَد شُيُوخ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان عَنْ حَجَّاج وَفِيهَا ذِكْر السِّعَايَة , وَرَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ أَيْضًا حَجَّاج بْن أَرْطَاة أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ , وَأَمَّا رِوَايَة أَبَانَ فَأَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقه قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَة أَخْبَرَنَا النَّضْر بْن أَنَسٍ وَلَفْظه \" فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ بَقِيَّته إِنْ كَانَ لَهُ مَال وَإِلَّا اُسْتُسْعِيَ الْعَبْد \" الْحَدِيث , وَلِأَبِي دَاوُدَ \" فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَهُ كُلّه وَالْبَاقِي سَوَاء \" وَأَمَّا رِوَايَة مُوسَى بْن خَلَف فَوَصَلَهَا الْخَطِيبُ فِي \" كِتَاب الْفَصْل وَالْوَصْل \" مِنْ طَرِيق أَبِي ظَفَر عَبْد السَّلَام بْن مَظْهَر عَنْهُ عَنْ قَتَادَة عَنْ النَّضْر وَلَفْظه \" مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي مَمْلُوك فَعَلَيْهِ خَلَاصه إِنْ كَانَ لَهُ مَال , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال اُسْتُسْعِيَ غَيْر مَشْقُوق عَلَيْهِ \" وَأَمَّا رِوَايَة شُعْبَة فَأَخْرَجَهَا مُسْلِم وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْهُ عَنْ قَتَادَة بِإِسْنَادِهِ وَلَفْظه \" عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَمْلُوك بَيْن الرَّجُلَيْنِ فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمَا نَصِيبه قَالَ : يَضْمَنُ \" , وَمِنْ طَرِيق مُعَاذ عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ مَمْلُوك فَهُوَ حُرّ مِنْ مَاله \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق الطَّيَالِسِيّ عَنْ شُعْبَة وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق رَوْح عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" مَنْ أَعْتَقَ مَمْلُوكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَر فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ \" وَقَدْ اِخْتَصَرَ ذِكْر السِّعَايَة أَيْضًا هِشَام الدَّسْتُوَائِيّ عَنْ قَتَادَة إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي إِسْنَاده : فَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ فِيهِ النَّضْر بْن أَنَس وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ بِالْوَجْهَيْنِ وَلَفْظ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا مِنْ طَرِيق مُعَاذ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ \" مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي مَمْلُوك عَتَقَ مِنْ مَاله إِنْ كَانَ لَهُ مَال \" وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَى هِشَام فِي هَذَا الْقَدْر مِنْ الْمَتْن , وَغَفَلَ عَبْد الْحَقّ فَزَعَمَ أَنَّ هِشَامًا وَشُعْبَة ذَكَرَا الِاسْتِسْعَاء فَوَصَلَاهُ , وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ اِبْن الْمَوَّاق فَأَجَادَ , وَبَالَغَ اِبْن الْعَرَبِيّ فَقَالَ : اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذِكْر الِاسْتِسْعَاء لَيْسَ مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْل قَتَادَة. وَنَقَلَ الْخَلَّال فِي \" الْعِلَل \" عَنْ أَحْمَد أَنَّهُ ضَعَّفَ رِوَايَة سَعِيد فِي الِاسْتِسْعَاء , وَضَعَّفَهَا أَيْضًا الْأَثْرَمُ عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب , وَاسْتَنَدَ إِلَى أَنَّ فَائِدَةَ الِاسْتِسْعَاء أَنْ لَا يَدْخُلَ الضَّرَرُ عَلَى الشَّرِيك قَالَ : فَلَوْ كَانَ الِاسْتِسْعَاء مَشْرُوعًا لَلَزِمَ أَنَّهُ لَوْ أَعْطَاهُ مَثَلًا كُل شَهْر دِرْهَمَيْنِ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ , وَفِي ذَلِكَ غَايَة الضَّرَر عَلَى الشَّرِيك ا ه , وَبِمِثْلِ هَذَا لَا تَرِدُ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة , قَالَ النَّسَائِيُّ : بَلَغَنِي أَنَّ هَمَّامًا رَوَاهُ فَجَعَلَ هَذَا الْكَلَام أَيْ الِاسْتِسْعَاء مِنْ قَوْل قَتَادَة , وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : قَوْله : \" ثُمَّ اُسْتُسْعِيَ الْعَبْد \" لَيْسَ فِي الْخَبَر مُسْنَدًا , وَإِنَّمَا هُوَ قَوْل قَتَادَة مُدْرَج فِي الْخَبَر عَلَى مَا رَوَاهُ هَمَّام , وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر وَالْخَطَّابِيّ : هَذَا الْكَلَام الْأَخِيرُ مِنْ فُتْيَا قَتَادَة لَيْسَ فِي الْمَتْن. قُلْت : وَرِوَايَة هَمَّام قَدْ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير عَنْهُ عَنْ قَتَادَة لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِسْعَاء أَصْلًا وَلَفْظه \" أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ غُلَام , فَأَجَازَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِتْقه وَغَرَّمَهُ بَقِيَّة ثَمَنه \" نَعَمْ رَوَاهُ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد الْمُقْرِئ عَنْ هَمَّام فَذَكَرَ فِيهِ السِّعَايَة وَفَصَلَهَا مِنْ الْحَدِيث الْمَرْفُوع أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْن الْمُنْذِر وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْخَطَّابِيّ وَالْحَاكِم فِي \" عُلُوم الْحَدِيث \" وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْخَطِيب فِي \" الْفَصْل وَالْوَصْل \" كُلّهمْ مِنْ طَرِيقه وَلَفْظه مِثْل رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَثِير سَوَاء وَزَادَ \" قَالَ فَكَانَ قَتَادَةُ يَقُول : إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال اُسْتُسْعِيَ الْعَبْد قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : سَمِعْت أَبَا بَكْر النَّيْسَابُورِيّ يَقُولُ مَا أَحْسَن مَا رَوَاهُ هَمَّام ضَبَطَهُ وَفَصَلَ بَيْن قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْن قَوْل قَتَادَة , هَكَذَا جَزَمَ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُ مُدْرَج. وَأَبَى ذَلِكَ آخَرُونَ مِنْهُمْ صَاحِبَا الصَّحِيح فَصَحَّحَا كَوْن الْجَمِيع مَرْفُوعًا , وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد وَجَمَاعَة , لِأَنَّ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة أَعْرَفُ بِحَدِيثِ قَتَادَة لِكَثْرَةِ مُلَازَمَتِهِ لَهُ وَكَثْرَة أَخْذه عَنْهُ مِنْ هَمَّام وَغَيْره , وَهِشَام وَشُعْبَة إِنْ كَانَا أَحْفَظَ مِنْ سَعِيد لَكِنَّهُمَا لَمْ يُنَافِيَا مَا رَوَاهُ , وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَا مِنْ الْحَدِيث عَلَى بَعْضِهِ , وَلَيْسَ الْمَجْلِسُ مُتَّحِدًا حَتَّى يَتَوَقَّف فِي زِيَادَة سَعِيد , فَإِنَّ مُلَازَمَة سَعِيد لِقَتَادَةَ كَانَتْ أَكْثَر مِنْهُمَا فَسَمِعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ غَيْره , وَهَذَا كُلُّهُ لَوْ اِنْفَرَدَ , وَسَعِيد لَمْ يَنْفَرِد , وَقَدْ قَالَ النَّسَائِيُّ فِي حَدِيث أَبِي قَتَادَة عَنْ أَبِي الْمَلِيح فِي هَذَا الْبَاب بَعْد أَنْ سَاقَ الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى قَتَادَةُ : هِشَام وَسَعِيد أَثْبَتَ فِي قَتَادَة مِنْ هَمَّام , وَمَا أَعَلَّ بِهِ حَدِيث سَعِيد مِنْ كَوْنه اِخْتَلَطَ أَوْ تَفَرَّدَ بِهِ مَرْدُود لِأَنَّهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا مِنْ رِوَايَة مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْل الِاخْتِلَاط كَيَزِيد بْن زُرَيْع وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ أَرْبَعَة تَقَدَّمَ ذِكْرهمْ وَآخَرُونَ مَعَهُمْ لَا نُطِيلُ بِذِكْرِهِمْ , وَهَمَّام هُوَ الَّذِي اِنْفَرَدَ بِالتَّفْصِيلِ , وَهُوَ الَّذِي خَالَفَ الْجَمِيع فِي الْقَدْر الْمُتَّفَق عَلَى رَفْعه فَإِنَّهُ جَعَلَهُ وَاقِعَة عَيْن وَهُمْ جَعَلُوهُ حُكْمًا عَامًّا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَضْبِطْهُ كَمَا يَنْبَغِي. وَالْعَجَب مِمَّنْ طَعَنَ فِي رَفْعِ الِاسْتِسْعَاء بِكَوْنِ هَمَّام جَعَلَهُ مِنْ قَوْل قَتَادَة وَلَمْ يَطْعَنْ فِيمَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الِاسْتِسْعَاء وَهُوَ قَوْله فِي حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْبَاب الْمَاضِي \" وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ \" بِكَوْنِ أَيُّوب جَعَلَهُ مِنْ قَوْل نَافِع كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ , فَفَصَلَ قَوْل نَافِع مِنْ الْحَدِيث وَمَيَّزَهُ كَمَا صَنَعَ هَمَّام سَوَاء فَلَمْ يَجْعَلُوهُ مُدْرَجًا كَمَا جَعَلُوا حَدِيث هَمَّام مُدْرَجًا مَعَ كَوْن يَحْيَى بْن سَعِيد وَافَقَ أَيُّوب فِي ذَلِكَ وَهَمَّام لَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ , وَقَدْ جَزَمَ بِكَوْنِ حَدِيث نَافِع مُدْرَجًا مُحَمَّد بْن وَضَّاح وَآخَرُونَ , وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحَانِ مَرْفُوعَانِ وِفَاقًا لِعَمَلِ صَاحِبَيْ الصَّحِيح , وَقَالَ اِبْن الْمَوَّاق : وَالْإِنْصَاف أَنْ لَا نُوهِمَ الْجَمَاعَة بِقَوْلٍ وَاحِد مَعَ اِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ سَمِعَ قَتَادَة يُفْتِي بِهِ , فَلَيْسَ بَيْن تَحْدِيثه بِهِ مَرَّة وَفُتْيَاهُ بِهِ أُخْرَى مُنَافَاة. قُلْت : وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ عَنْ قَتَادَة أَنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ , وَالْجَمْع بَيْن حَدِيثَيْ اِبْن عُمَر وَأَبِي هُرَيْرَة مُمْكِن بِخِلَافِ مَا جَزَمَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : حَسْبك بِمَا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ فَإِنَّهُ أَعْلَى دَرَجَات الصَّحِيح , وَالَّذِينَ لَمْ يَقُولُوا بِالِاسْتِسْعَاءِ تَعَلَّلُوا فِي تَضْعِيفه بِتَعْلِيلَاتٍ لَا يُمْكِنُهُمْ الْوَفَاءُ بِمِثْلِهَا فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يَحْتَاجُونَ إِلَى الِاسْتِدْلَال فِيهَا بِأَحَادِيثَ يَرِدُ عَلَيْهَا مِثْل تِلْك التَّعْلِيلَات , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ خَشِيَ مِنْ الطَّعْن فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة فَأَشَارَ إِلَى ثُبُوتهَا بِإِشَارَاتٍ خَفِيَّةٍ كَعَادَتِهِ , فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْهُ وَهُوَ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ فِيهِ وَسَمِعَ مِنْهُ قَبْل الِاخْتِلَاط , ثُمَّ اِسْتَظْهَرَ لَهُ بِرِوَايَةِ جَرِير بْن حَازِم بِمُتَابَعَتِهِ لِيَنْفِيَ عَنْهُ التَّفَرُّد , ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ غَيْرَهُمَا تَابَعَهُمَا ثُمَّ قَالَ : اِخْتَصَرَهُ شُعْبَة , وَكَأَنَّهُ جَوَاب عَنْ سُؤَال مُقَدَّر , وَهُوَ أَنَّ شُعْبَة أَحْفَظُ النَّاس لِحَدِيثِ قَتَادَة فَكَيْف لَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِسْعَاء , فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا لَا يُؤَثِّر فِيهِ ضَعْفًا لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَغَيْره سَاقَهُ بِتَمَامِهِ , وَالْعَدَد الْكَثِير أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنْ الْوَاحِد وَاللَّهُ أَعْلَم. وَقَدْ وَقَعَ ذِكْر الِاسْتِسْعَاء فِي غَيْر حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث جَابِر , وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق خَالِد بْن أَبِي قِلَابَةَ عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي عُذْرَة , وَعُمْدَة مَنْ ضَعَّفَ حَدِيث الِاسْتِسْعَاء فِي حَدِيث اِبْن عُمَر قَوْله : \" وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ فِي حَقّ الْمُعْسِر وَأَنَّ الْمَفْهُوم مِنْ ذَلِكَ الْجُزْء الَّذِي لِشَرِيكِ الْمُعْتِق بَاقٍ عَلَى حُكْمِهِ الْأَوَّلِ , وَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِأَنْ يَسْتَمِرَّ رَقِيقًا , وَلَا فِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّهُ يَعْتِقُ كُلُّهُ. وَقَدْ اِحْتَجَّ بَعْض مَنْ ضَعَّفَ رَفْع الِاسْتِسْعَاء بِزِيَادَةٍ وَقَعَتْ فِي الدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْره مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة وَغَيْره عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ فِي آخِره \" وَرَقَّ مِنْهُ مَا بَقِيَ \" وَفِي إِسْنَاده إِسْمَاعِيل بْن مَرْزُوق الْكَعْبِيّ وَلَيْسَ بِالْمَشْهُورِ عَنْ يَحْيَى بْن أَيُّوب وَفِي حِفْظه شَيْء عَنْهُمْ , وَعَلَى تَقْدِير صِحَّتهَا فَلَيْسَ فِيهَا أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ رَقِيقًا , بَلْ هِيَ مُقْتَضَى الْمَفْهُوم مِنْ رِوَايَة غَيْره , وَحَدِيث الِاسْتِسْعَاء فِيهِ بَيَان الْحُكْم بَعْد ذَلِكَ فَلِلَّذِي صَحَّحَ رَفْعَهُ أَنْ يَقُولَ : مَعْنَى الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْمُعْسِر إِذَا أَعْتَقَ حِصَّته لَمْ يَسْرِ الْعِتْق فِي حِصَّة شَرِيكه بَلْ تَبْقَى حِصَّة شَرِيكه عَلَى حَالهَا وَهِيَ الرِّقّ , ثُمَّ يَسْتَسْعِي فِي عِتْق بَقِيَّته فَيَحْصُل ثَمَن الْجُزْء الَّذِي لِشَرِيكِ سَيِّده وَيَدْفَعُهُ إِلَيْهِ وَيَعْتِقُ , وَجَعَلُوهُ فِي ذَلِكَ كَالْمُكَاتَبِ , وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيّ. وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ فِي ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ لِقَوْلِهِ : \" غَيْر مَشْقُوق عَلَيْهِ \" فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل اللُّزُوم بِأَنْ يُكَلِّفَ الْعَبْد الِاكْتِسَاب وَالطَّلَب حَتَّى يَحْصُلَ ذَلِكَ لَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ غَايَة الْمَشَقَّة , وَهُوَ لَا يَلْزَمُ فِي الْكِتَابَة بِذَلِكَ عِنْد الْجُمْهُور لِأَنَّهَا غَيْر وَاجِبَة فَهَذِهِ مِثْلُهَا , وَإِلَى هَذَا الْجَمْع مَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ : لَا يَبْقَى بَيْن الْحَدِيثَيْنِ مُعَارَضَة أَصْلًا , وَهُوَ كَمَا قَالَ إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَبْقَى الرِّقّ فِي حِصَّة الشَّرِيك إِذَا لَمْ يَخْتَرْ الْعَبْد الِاسْتِسْعَاء , فَيُعَارِضُهُ حَدِيث أَبِي الْمُلَيْح عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ غُلَام فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيك \" وَفِي رِوَايَة \" فَأَجَازَ عِتْقَهُ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث سَمُرَة \" أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ كُلُّهُ , فَلَيْسَ لِلَّهِ شَرِيك \" وَيُمْكِن حَمْله عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمُعْتَق غَنِيًّا أَوْ عَلَى مَا إِذَا كَانَ جَمِيعه لَهُ فَأَعْتَقَ بَعْضه , فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق مِلْقَام بْن التَّلِبّ عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ نَصِيبه مِنْ مَمْلُوك فَلَمْ يُضَمِّنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِسْنَاده حَسَن , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى الْمُعْسِر وَإِلَّا لَتَعَارَضَا. وَجَمَعَ بَعْضهمْ بِطَرِيقٍ أُخْرَى فَقَالَ أَبُو عَبْد الْمَلِك : الْمُرَاد بِالِاسْتِسْعَاءِ أَنَّ الْعَبْد يَسْتَمِرُّ فِي حِصَّة الَّذِي لَمْ يَعْتِقْ رَقِيقًا فَيَسْعَى فِي خِدْمَتِهِ بِقَدْرِ مَا لَهُ فِيهِ مِنْ الرِّقّ , قَالُوا وَمَعْنَى قَوْله : \" غَيْر مَشْقُوق عَلَيْهِ \" أَيْ مِنْ وَجْه سَيِّده الْمَذْكُور فَلَا يُكَلِّفُهُ مِنْ الْخِدْمَةِ فَوْق حِصَّة الرِّقّ , لَكِنْ يَرُدُّ عَلَى هَذَا الْجَمْعِ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة \" وَاسْتَسْعَى فِي قِيمَتِهِ لِصَاحِبِهِ \" , وَاحْتَجَّ مَنْ أَبْطَلَ الِاسْتِسْعَاء بِحَدِيثِ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ عِنْد مُسْلِم \" أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّة مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْد مَوْته لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال غَيْرهمْ , فَدَعَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنهمْ فَأَعْتَقَ اِثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَة \" وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ أَنَّ الِاسْتِسْعَاء لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لَنَجَّزَ مِنْ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ عِتْق ثُلُثه وَأَمَرَهُ بِالِاسْتِسْعَاءِ فِي بَقِيَّة قِيمَته لِوَرَثَةِ الْمَيِّت , وَأَجَابَ مَنْ أَثْبَتَ الِاسْتِسْعَاء بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْل مَشْرُوعِيَّة الِاسْتِسْعَاء , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِسْعَاء مَشْرُوعًا إِلَّا فِي هَذِهِ الصُّورَة وَهِيَ مَا إِذَا أَعْتَقَ جَمِيع مَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ , وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَادٍ رِجَاله ثِقَات عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي عُذْرَة \" أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ أَعْتَقَ مَمْلُوكًا لَهُ عِنْد مَوْته وَلَيْسَ لَهُ مَال غَيْره فَأَعْتَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُلُثَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْعَى فِي الثُّلُثَيْنِ \" وَهَذَا يُعَارِضُ حَدِيث عِمْرَان , وَطَرِيق الْجَمْع بَيْنهمَا مُمْكِن. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن مُوسَى عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ فِيهِ شُرَكَاء وَلَهُ وَفَاء فَهُوَ حُرّ وَيَضْمَنُ نَصِيب شُرَكَائِهِ بِقِيمَتِهِ لِمَا أَسَاءَ مِنْ مُشَارَكَتِهِمْ وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْد شَيْء , وَالْجَوَاب مَعَ تَسْلِيم صِحَّته أَنَّهُ مُخْتَصّ بِصُورَةِ الْيَسَار لِقَوْلِهِ فِيهِ : \" وَلَهُ وَفَاء \" , وَالِاسْتِسْعَاء إِنَّمَا هُوَ فِي صُورَة الْإِعْسَار كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ , وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الْأَخْذ بِالِاسْتِسْعَاءِ إِذَا كَانَ الْمُعْتِق مُعْسِرًا أَبُو حَنِيفَة وَصَاحِبَاهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاق وَأَحْمَد فِي رِوَايَة وَآخَرُونَ , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فَقَالَ الْأَكْثَر : يُعْتَقُ جَمِيعه فِي الْحَال وَيَسْتَسْعِي الْعَبْد فِي تَحْصِيل قِيمَة نَصِيب الشَّرِيك , وَزَادَ اِبْن أَبِي لَيْلَى فَقَالَ : ثُمَّ يَرْجِعُ الْعَبْدُ عَلَى الْمُعْتِق الْأَوَّل بِمَا أَدَّاهُ لِلشَّرِيكِ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَحْده : يَتَخَيَّرُ الشَّرِيك بَيْن الِاسْتِسْعَاء وَبَيْن عِتْق نَصِيبه , وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عِنْده اِبْتِدَاء إِلَّا النَّصِيب الْأَوَّل فَقَطْ , وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا جَنَحَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ مِنْ أَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُكَاتَبِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ , وَعَنْ عَطَاء يَتَخَيَّرُ الشَّرِيك بَيْن ذَلِكَ وَبَيْن إِبْقَاء حِصَّته فِي الرِّقّ , وَخَالَفَ الْجَمِيع زُفَر فَقَالَ : يَعْتِقُ كُلُّهُ وَتُقَوَّمُ حِصَّة الشَّرِيك فَتُؤْخَذُ إِنْ كَانَ الْمُعْتِق مُوسِرًا , وَتُرَتَّبُ فِي ذِمَّتِهِ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2343",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زُرَارَة بْن أَوْفَى ) ‏ ‏يَأْتِي فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور بِلَفْظِ \" حَدَّثَنَا زُرَارَة \" وَهُوَ مِنْ ثِقَات التَّابِعِينَ , كَانَ قَاضِي الْبَصْرَة , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا أَحَادِيث يَسِيرَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورهَا ) ‏ ‏يَأْتِي فِي الطَّلَاق بِلَفْظِ \" مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا \" وَهُوَ الْمَشْهُور , وَ \" صُدُورهَا \" فِي أَكْثَر الرِّوَايَات بِالضَّمِّ , وَلِلْأَصِيلِيّ بِالْفَتْحِ عَلَى أَنَّ وَسْوَسَتْ مُضَمَّنٌ مَعْنَى حَدَّثَتْ , وَحَكَى الطَّبَرِيُّ هَذَا الِاخْتِلَاف فِي \" حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا \" وَالضَّمّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ). ‏ ‏قَوْله : ( مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ ) ‏ ‏وَيَأْتِي فِي النُّذُور بِلَفْظِ \" مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ \" وَالْمُرَاد نَفْي الْحَرَج عَمَّا يَقَعُ فِي النَّفْسِ حَتَّى يَقَعَ الْعَمَلُ بِالْجَوَارِحِ , أَوْ الْقَوْل بِاللِّسَانِ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ. وَالْمُرَاد بِالْوَسْوَسَةِ تَرَدُّد الشَّيْء فِي النَّفْس مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْمَئِنَّ إِلَيْهِ وَيَسْتَقِرَّ عِنْده , وَلِهَذَا فَرَّقَ الْعُلَمَاء بَيْن الْهَمّ وَالْعَزْم كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي حَدِيث \" مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ \" , وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ , لِأَنَّ الْوَسْوَسَة لَا اِعْتِبَار لَهَا عِنْدَ عَدَمِ التَّوَطُّنِ فَكَذَلِكَ الْمُخْطِئُ وَالنَّاسِي لَا تَوَطُّنَ لَهُمَا , وَزَادَ اِبْن مَاجَهْ عَنْ هِشَام بْن عَمَّار عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ فِي آخِره \" وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ \" وَأَظُنُّهَا مُدْرَجَة مِنْ حَدِيث آخَر , دَخَلَ عَلَى هِشَام حَدِيث فِي حَدِيث. قِيلَ : لَا مُطَابَقَة بَيْن الْحَدِيث وَالتَّرْجَمَة لِأَنَّ التَّرْجَمَة فِي النِّسْيَان وَالْحَدِيث فِي حَدِيث النَّفْس , وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى إِلْحَاق النِّسْيَان بِالْوَسْوَسَةِ فَكَمَا أَنَّهُ لَا اِعْتِبَار لِلْوَسْوَسَةِ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ فَكَذَلِكَ الْخَطَأ وَالنِّسْيَان لَا اِسْتِقْرَار لِكُلٍّ مِنْهُمَا , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ شَغْلَ الْبَال بِحَدِيثِ النَّفْس يَنْشَأُ عَنْ الْخَطَأ وَالنِّسْيَان , وَمِنْ ثَمَّ رَتَّبَ عَلَى مَنْ لَا يُحَدِّث نَفْسه فِي الصَّلَاة مَا سَبَقَ فِي حَدِيث عُثْمَان فِي كِتَاب الطَّهَارَة مِنْ الْغُفْرَان. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏ذَكَرَ خَلَف فِي \" الْأَطْرَاف \" أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث فِي الْعِتْق عَنْ مُحَمَّد بْن عَرْعَرَة عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَة , وَلَمْ نَرَهُ فِيهِ , وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو مَسْعُود وَلَا الطَّوْقِيّ وَلَا اِبْن عَسَاكِر , وَلَا اِسْتَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَا أَبُو نُعَيْم , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2344",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَلِامْرِئٍ مَا نَوَى ) ‏ ‏كَذَا أَخْرَجَهُ بِحَذْفِ إِنَّمَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ : \" إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى دُنْيَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْْكُشْمِيهَنِيّ \" لِدُنْيَا \" وَهِيَ رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الْمَذْكُورَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي أَوَّل الْكِتَاب , وَيَأْتِي بَقِيَّة مِنْهُ فِي تَرْك الْحِيَل وَغَيْره إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2345",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ لَمَّا أَقْبَلَ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ وَمَعَهُ غُلَامُهُ ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فَأَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ ‏ ‏وَأَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏جَالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏هَذَا غُلَامُكَ قَدْ أَتَاكَ فَقَالَ أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ حُرٌّ قَالَ فَهُوَ حِينَ يَقُولُ ‏ ‏يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا ‏ ‏عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ ‏ ‏نَجَّتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَرِجَاله كُوفِيُّونَ إِلَّا الصَّحَابِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا أَقْبَلَ يُرِيد الْإِسْلَام ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ بَعْدُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَعَهُ غُلَامُهُ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ضَلَّ كُلّ وَاحِد ) ‏ ‏أَيْ ضَاعَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَهُوَ حِين يَقُولُ ) ‏ ‏أَيْ الْوَقْت الَّذِي وَصَلَ فِيهِ إِلَى الْمَدِينَة , وَقَوْله فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة ( قُلْت فِي الطَّرِيق ) أَيْ عِنْد اِنْتِهَائِهِ , وَظَاهِرُهُ أَنْ الشِّعْر مِنْ نَظْم أَبِي هُرَيْرَة , وَقَدْ نَسَبَهُ بَعْضهمْ إِلَى غُلَامه حَكَاهُ اِبْن التِّين , وَحَكَى الْفَاكِهِيّ فِي \" كِتَاب مَكَّة \" عَنْ مُقَدَّم بْن حَجَّاج السُّوَائِيّ أَنَّ الْبَيْت الْمَذْكُور لِأَبِي مِرْثَد الْغَنَوِيّ فِي قِصَّةٍ لَهُ , فَعَلَى هَذَا فَيَكُون أَبُو هُرَيْرَة قَدْ تَمَثَّلَ بِهِ. ‏ ‏قَوْله فِي الشِّعْر ( يَا لَيْلَة ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَلَا بُدَّ مِنْ إِثْبَات فَاء أَوْ وَاو فِي أَوَّله لِيَصِيرَ مَوْزُونًا , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ هَذَا يُسَمَّى فِي الْعَرُوض الْخَرْم بِالْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَة وَالرَّاء السَّاكِنَة , وَهُوَ أَنْ يُحْذَف مِنْ أَوَّل الْجُزْء حَرْف مِنْ حُرُوف الْمَعَانِي , وَمَا جَازَ حَذْفه لَا يُقَال لَا بُدّ مِنْ إِثْبَاته , وَذَلِكَ أَمْر مَعْرُوف عِنْد أَهْله. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنَائِهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن وَبِالنُّونِ وَالْمَدّ أَيْ تَعَبهَا , ‏ ‏وَ ( دَارَة الْكُفْر ) ‏ ‏الدَّارَة أَخَصّ مِنْ الدَّار , وَقَدْ كَثُرَ اِسْتِعْمَالُهَا فِي أَشْعَار الْعَرَب كَقَوْلِ اِمْرِئِ الْقِيس : ‏ ‏وَلَا سِيَّمَا يَوْمًا بِدَارَة جُلْجُل ‏ ‏. ‏"
    },
    {
        "id": "2346",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ ‏ ‏يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا ‏ ‏عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ ‏ ‏نَجَّتِ ‏ ‏قَالَ وَأَبَقَ مِنِّي غُلَامٌ لِي فِي الطَّرِيقِ قَالَ فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَايَعْتُهُ فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏هَذَا غُلَامُكَ فَقُلْتُ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ فَأَعْتَقْتُهُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏لَمْ يَقُلْ ‏ ‏أَبُو كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏حُرٌّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ أَبُو قُدَامَةَ السَّرَخْسِيّ كَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات الَّتِي اِتَّصَلَتْ لَنَا \" عُبَيْد اللَّه \" بِالتَّصْغِيرِ , وَفِي \" مُسْتَخْرَج أَبِي نُعَيْم \" : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْأَشَجّ , وَأَبُو سَعِيد اِسْمه عَبْد اللَّه مُكَبَّر فَهَذَا مُحْتَمَل , وَذَكَرَ أَبُو مَسْعُود وَخَلَف أَنَّهُ أَخْرَجَهُ هُنَا عَنْ عُبَيْد بْن إِسْمَاعِيل , وَعُبَيْد بِغَيْرِ إِضَافَةٍ مِمَّنْ يَرْوِي فِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي أُسَامَة , إِلَّا أَنَّ الَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي قَدَّمْت ذِكْره وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبَقَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَحَكَى اِبْن الْقَطَّاع كَسْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت هُوَ حُرّ لِوَجْهِ اللَّه فَأَعْتَقَهُ ) ‏ ‏أَيْ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ أَعْتَقَهُ بَعْد ذَلِكَ , وَهَذِهِ الْفَاء هِيَ التَّفْسِيرِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْب عَنْ أَبِي أُسَامَة حُرّ ) ‏ ‏وَصَلَهُ فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي فَقَالَ : \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَلَاء وَهُوَ أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة \" وَسَاقَ الْحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره : \" هُوَ لِوَجْهِ اللَّه فَأَعْتِقْهُ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَمُحَمَّد بْن سَعْد عَنْ أَبِي أُسَامَة. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي أُسَامَة لَيْسَ فِيهِ \" حُرّ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي أُسَامَة أَثْبَتَ قَوْله \" حُرّ \" فِي أَحَدهمَا , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ مِنْ الْبُخَارِيّ \" هُوَ حُرّ لِوَجْهِ اللَّه \" وَهُوَ خَطَأ مِمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ الْبُخَارِيّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة لِتَصْرِيحِهِ بِنَفْيِهِ عَنْ شَيْخه بِعَيْنِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2347",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ لَمَّا أَقْبَلَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَمَعَهُ غُلَامُهُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْإِسْلَامَ فَضَلَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِهَذَا وَقَالَ ‏ ‏أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ لِلَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( فَأَضَلَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبه ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْع الْخَافِض , وَأَصْله \" مِنْ صَاحِبه \" كَمَا فِي الطَّرِيق الْأُولَى , وَلَوْ كَانَتْ أَضَلّ مُعَدَّاة بِالْهَمْزِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْدِيرٍ , وَقَدْ ثَبَتَ كَذَلِكَ فِي بَعْض الرِّوَايَات , وَفِي الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب الْعِتْق عِنْد بُلُوغ الْغَرَض وَالنَّجَاة مِنْ الْمَخَاوِف , وَفِيهِ جَوَاز قَوْل الشِّعْر وَإِنْشَاده وَالتَّمَثُّل بِهِ وَالتَّأَلُّم مِنْ النَّصَب وَالسَّهَر وَغَيْر ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2348",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَلِيدَةِ ‏ ‏زَمْعَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُتْبَةُ ‏ ‏إِنَّهُ ابْنِي فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَمَنَ الْفَتْحِ أَخَذَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏ابْنَ وَلِيدَةِ ‏ ‏زَمْعَةَ ‏ ‏فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَقْبَلَ مَعَهُ ‏ ‏بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنُ أَخِي عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَخِي ابْنُ وَلِيدَةِ ‏ ‏زَمْعَةَ ‏ ‏وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ ‏ ‏زَمْعَةَ ‏ ‏فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ لَكَ يَا ‏ ‏عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ‏ ‏مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏احْتَجِبِي مِنْهُ يَا ‏ ‏سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ ‏ ‏مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ ‏ ‏بِعُتْبَةَ ‏ ‏وَكَانَتْ ‏ ‏سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخَذَ سَعْد اِبْن وَلِيدَة ) ‏ ‏سَعْد بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِين وَابْن مَنْصُوب عَلَى الْمَفْعُولِيَّة وَيُكْتَب بِالْأَلِفِ , وَقَوْله : \" هُوَ لَك يَا عَبْد بْن زَمْعَة \" بِرَفْعِ عَبْد وَيَجُوز نَصْبه , وَكَذَا اِبْن , وَكَذَا قَوْله يَا سَوْدَة بِنْت زَمْعَة. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) ‏ ‏أَحَدهمَا وَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ هُنَا \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه يَعْنِي الْمُصَنِّف : سَمَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمّ وَلَد زَمْعَة أَمَة وَوَلِيدَة فَلَمْ تَكُنْ عَتِيقَة لِهَذَا الْحَدِيث , وَلَكِنْ مَنْ يَحْتَجُّ بِعِتْقِهَا فِي هَذِهِ الْآيَة : ( إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ حُجَّة \". الثَّانِي ذَكَرَ الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" أَنَّ الْبُخَارِيّ قَالَ عَقِبَ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ هَذِهِ \" وَقَالَ الْحَدِيث عَنْ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ \" وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ نُسَخ الْبُخَارِيّ , نَعَمْ ذَكَرَ هَذَا التَّعْلِيق فِي \" بَاب غَزْوَة الْفَتْح \" مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي مَقْرُونًا بِطَرِيقِ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيِّ وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2349",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ ‏ ‏فَدَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهِ فَبَاعَهُ قَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏مَاتَ الْغُلَامُ عَامَ أَوَّلَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَعْتَقَ رَجُل مِنَّا عَبْدًا لَهُ ) ‏ ‏لَمْ يَقَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مُسَمًّى فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ قَدَّمْت فِي الْبُيُوع أَنَّ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ أَبُو مَذْكُور أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُر يُقَال لَهُ يَعْقُوب \" فَفِيهِ التَّعْرِيف بِكُلٍّ مِنْهُمَا , وَلَهُ مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ أَبِي الزُّبَيْر أَنَّ الرَّجُل كَانَ مِنْ بَنِي عُذْرَة , وَكَذَا لِلْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ جَابِر , فَلَعَلَّهُ كَانَ مِنْ بَنِي عُذْرَة وَحَالَفَ الْأَنْصَار. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏حَذَفَ الْمَفْعُول , وَفِي رِوَايَة أَيُّوب الْمَذْكُورَة \" فَدَعَا بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ يَشْتَرِيهِ \" أَيْ الْغُلَام. ‏ ‏قَوْله : ( فَاشْتَرَاهُ نُعَيْم بْن عَبْد اللَّه ) فِي رِوَايَة اِبْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر كَمَا مَضَى فِي الِاسْتِقْرَاض \" نُعَيْم بْن النُّحَام \" وَهُوَ نُعَيْم بْن عَبْد اللَّه الْمَذْكُور , وَالنُّحَام بِالنُّونِ وَالْحَاء الْمُهْمَلَة الثَّقِيلَة عِنْد الْجُمْهُور , وَضَبَطَهُ اِبْن الْكَلْبِيّ بِضَمِّ النُّون وَتَخْفِيف الْحَاء , وَمَنَعَهُ الصَّغَانِيّ , وَهُوَ لَقَب نُعَيْم , وَظَاهِر الرِّوَايَة أَنَّهُ لَقَب أَبِيهِ , قَالَ النَّوَوِيّ : وَهُوَ غَلَط لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" دَخَلْت الْجَنَّة فَسَمِعْت فِيهَا نَحْمَة مِنْ نُعَيْمٍ \" ا ه. وَكَذَا قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ وَعِيَاض وَغَيْر وَاحِد , لَكِنَّ الْحَدِيث الْمَذْكُور مِنْ رِوَايَة الْوَاقِدِيّ وَهُوَ ضَعِيفٌ , وَلَا تَرِد الرِّوَايَات الصَّحِيحَة بِمِثْلِ هَذَا , فَلَعَلَّ أَبَاهُ أَيْضًا كَانَ يُقَالُ لَهُ النُّحَام. وَالنَّحْمَة بِفَتْحِ النُّون وَإِسْكَان الْمُهْمَلَة : الصَّوْت وَقِيلَ السَّعْلَة وَقِيلَ النَّحْنَحَة. وَنُعَيْم الْمَذْكُور هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَسِيد بْن عَبْد بْن عَوْف بْن عَبِيد بْن عَوِيج بْن عَدِيّ بْن كَعْب بْن لُؤَيّ , وَأَسِيد وَعَبِيد وَعَوِيج فِي نَسَبه مَفْتُوح أَوَّل كُلّ مِنْهَا , قُرَشِيّ عَدَوِيّ أَسْلَمَ قَدِيمًا قَبْل عُمَر فَكَتَمَ إِسْلَامه , وَأَرَادَ الْهِجْرَة فَسَأَلَهُ بَنُو عَدِيّ أَنْ يُقِيمَ عَلَى أَيِّ دِينٍ شَاءَ لِأَنَّهُ كَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَرَامِلِهِمْ وَأَيْتَامهمْ فَفَعَلَ , ثُمَّ هَاجَرَ عَام الْحُدَيْبِيَة وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْل بَيْته , وَاسْتُشْهِدَ فِي فَتُوحَ الشَّام زَمَن أَبِي بَكْر أَوْ عُمَر. وَرَوَى الْحَارِث فِي مُسْنَده بِإِسْنَادٍ حَسَن أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهُ صَالِحًا , وَكَانَ اِسْمه الَّذِي يُعْرَف بِهِ نُعَيْمًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ جَابِر مَاتَ الْغُلَام عَام أَوَّل ) ‏ ‏يَأْتِي فِي الْأَحْكَام مِنْ رِوَايَة حَمَّاد عَنْ عَمْرو \" سَمِعْت جَابِرًا يَقُول عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَام أَوَّل \" زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو \" فِي إِمَارَة اِبْن الزُّبَيْر \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب بَيْع الْمُدَبَّر \" مِنْ الْبُيُوع نَقْل مَذَاهِب الْفُقَهَاء فِي بَيْع الْمُدَبَّر , وَأَنَّ الْجَوَاز مُطْلَقًا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَهْل الْحَدِيث , وَقَدْ نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْمَعْرِفَة \" عَنْ أَكْثَر الْفُقَهَاء , وَحَكَى النَّوَوِيّ عَنْ الْجُمْهُور مُقَابِله وَعَنْ الْحَنَفِيَّة وَالْمَالِكِيَّة أَيْضًا تَخْصِيص الْمَنْع بِمَنْ دَبَّرَ تَدْبِيرًا مُطْلَقًا , أَمَّا إِذَا قَيَّدَهُ - كَأَنْ يَقُولَ : إِنْ مُتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَفُلَان حُرّ - فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَنَّهَا كَالْوَصِيَّةِ فَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا , وَعَنْ أَحْمَد يَمْتَنِعُ بَيْع الْمُدَبَّرَة دُون الْمُدَبَّر , وَعَنْ اللَّيْث يَجُوزُ بَيْعُهُ إِنْ شَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي عِتْقَهُ , وَعَنْ اِبْن سِيرِينَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إِلَّا مِنْ نَفْسِهِ , وَمَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد إِلَى تَقْيِيدِ الْجَوَازِ بِالْحَاجَةِ فَقَالَ : مَنْ مَنَعَ بَيْعه مُطْلَقًا كَانَ الْحَدِيث حُجَّةً عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمَنْعَ الْكُلِّيّ يُنَاقِضُهُ الْجَوَازُ الْجُزْئِيُّ. وَمَنْ أَجَازَهُ فِي بَعْض الصُّوَر فَلَهُ أَنْ يَقُولَ : قُلْت بِالْحَدِيثِ فِي الصُّورَة الَّتِي وَرَدَ فِيهَا , فَلَا يَلْزَمُهُ الْقَوْل بِهِ فِي غَيْر ذَلِكَ مِنْ الصُّوَر. وَأَجَابَ مَنْ أَجَازَهُ مُطْلَقًا بِأَنَّ قَوْله : \" وَكَانَ مُحْتَاجًا \" لَا مَدْخَل لَهُ فِي الْحُكْم , وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِبَيَانِ السَّبَب فِي الْمُبَادَرَة لِبَيْعِهِ لِيَتَبَيَّنَ لِلسَّيِّدِ جَوَاز الْبَيْع , وَلَوْلَا الْحَاجَة لَكَانَ عَدَم الْبَيْع أَوْلَى. وَأَمَّا مَنْ اِدَّعَى أَنَّهُ إِنَّمَا بَاعَ خِدْمَته كَمَا تَقَدَّمَتْ حِكَايَته فِي الْبَاب الْمَذْكُور فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ , وَهُوَ أَنَّهُ لَا تَعَارُض بَيْن الْحَدِيثَيْنِ , وَبِأَنَّ الْمُخَالِفِينَ لَا يَقُولُونَ بِجَوَازِ بَيْعِ خِدْمَةِ الْمُدَبَّر , وَقَدْ اِتَّفَقَتْ طُرُق رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار عَنْ جَابِر أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْبَيْع وَقَعَ فِي حَيَاة السَّيِّد , إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار دَبَّرَ غُلَامًا لَهُ فَمَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا غَيْره \" الْحَدِيث , وَقَدْ أَعَلَّهُ الشَّافِعِيّ بِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ اِبْن عُيَيْنَةَ مِرَارًا لَمْ يَذْكُرْ قَوْله : \" فَمَاتَ \" , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْأَئِمَّة أَحْمَد وَإِسْحَاق وَابْن الْمَدِينِيّ وَالْحُمَيْدِيّ وَابْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَوَجَّهَ الْبَيْهَقِيُّ الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة بِأَنَّ أَصْلهَا \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار أَعْتَقَ مَمْلُوكه إِنْ حَدَثَ بِهِ حَادِث فَمَاتَ , فَدَعَا بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَاعَهُ مِنْ نُعَيْم \" كَذَلِكَ رَوَاهُ مَطَر الْوَرَّاق عَنْ عَمْرو , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فَقَوْله فَمَاتَ مِنْ بَقِيَّة الشَّرْط , أَيْ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْحَدَث , وَلَيْسَ إِخْبَارًا عَنْ أَنَّ الْمُدَبَّر مَاتَ , فَحَذَفَ مِنْ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ قَوْله : \" إِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَث \" فَوَقَعَ الْغَلَط بِسَبَبِ ذَلِكَ وَاللَّه أَعْلَم ا ه. ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَاب عَمَّا وَقَعَ مِنْ مِثْل ذَلِكَ فِي رِوَايَة عَطَاء عَنْ جَابِر مِنْ طَرِيق شَرِيك عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل فِي الْبَاب الْمَذْكُور وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2350",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَيْعِ الْوَلَاءِ ‏ ‏وَعَنْ هِبَتِهِ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَشْهُور , وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَاب الْفَرَائِض إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مَعَ تَوْجِيه عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِهِ مِنْ دَلَالَة النَّهْي الْمَذْكُور. ‏"
    },
    {
        "id": "2351",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اشْتَرَيْتُ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَعْتِقِيهَا فَإِنَّ ‏ ‏الْوَلَاءَ ‏ ‏لِمَنْ أَعْطَى ‏ ‏الْوَرِقَ ‏ ‏فَأَعْتَقْتُهَا فَدَعَاهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا فَقَالَتْ لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا ثَبَتُّ عِنْدَهُ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة بَرِيرَة وَسَيَأْتِي بَعْد عَشَرَة أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "2352",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رِجَالًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا ائْذَنْ لَنَا فَلْنَتْرُكْ لِابْنِ أُخْتِنَا ‏ ‏عَبَّاسٍ ‏ ‏فِدَاءَهُ فَقَالَ ‏ ‏لَا تَدَعُونَ مِنْهُ دِرْهَمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِف أَسْمَاءَهُمْ الْآن. ‏ ‏قَوْله : ( لِابْنِ أُخْتنَا ) ‏ ‏بِالْمُثَنَّاةِ ‏ ‏( عَبَّاس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَالْمُرَاد أَنَّهُمْ أَخْوَال أَبِيهِ عَبْد الْمُطَّلِب , فَإِنَّ أُمّ الْعَبَّاس هِيَ نُتَيْلَة بِالنُّونِ وَالْمُثَنَّاة مُصَغَّرَة بِنْت جِنَان بِالْجِيمِ وَالنُّون , وَلَيْسَتْ مِنْ الْأَنْصَار , وَإِنَّمَا أَرَادُوا بِذَلِكَ أَنَّ أُمّ عَبْد الْمُطَّلِب مِنْهُمْ , لِأَنَّهَا سَلْمَى بِنْت عَمْرو بْن أُحَيْحَة بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّر وَهِيَ مِنْ بَنِي النَّجَّار , وَمِثْله مَا وَقَعَ فِي حَدِيث الْهِجْرَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ عَلَى أَخْوَاله بَنِي النَّجَّار , وَأَخْوَاله حَقِيقَة إِنَّمَا هُمْ بَنُو زُهْرَة وَبَنُو النَّجَّار أَخْوَال جَدّه عَبْد الْمُطَّلِب. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : صَحَّفَ بَعْض الْمُحَدِّثِينَ لِجَهْلِهِ بِالنَّسَبِ فَقَالَ : \" اِبْن أَخِينَا \" بِكَسْرِ الْخَاء بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة , وَلَيْسَ هُوَ اِبْن أَخِيهِمْ , إِذْ لَا نَسَبَ بَيْن قُرَيْش وَالْأَنْصَار , قَالَ : وَإِنَّمَا قَالُوا اِبْن أُخْتنَا لِتَكُونَ الْمِنَّة عَلَيْهِمْ فِي إِطْلَاقه بِخِلَافِهِ مَا لَوْ قَالُوا عَمّك لَكَانَتْ الْمِنَّة عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَذَا مِنْ قُوَّة الذَّكَاء وَحُسْن الْأَدَب فِي الْخِطَاب , وَإِنَّمَا اِمْتَنَعَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِجَابَتهمْ لِئَلَّا يَكُونَ فِي الدِّين نَوْع مُحَابَاة. وَسَيَأْتِي مَزِيد فِي هَذِهِ الْقِصَّة فِي الْكَلَام عَلَى غَزْوَة بَدْر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَأَرَادَ الْمُصَنِّف بِإِيرَادِهِ هُنَا الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ حُكْم الْقَرَابَة مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام فِي هَذَا لَا يَخْتَلِف مِنْ حُكْم الْقَرَابَة مِنْ الْعَصَبَات. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2353",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ فَلَمَّا أَسْلَمَ حَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ وَأَعْتَقَ مِائَةَ رَقَبَةٍ قَالَ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا ‏ ‏يَعْنِي أَتَبَرَّرُ بِهَا قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ حَكِيم بْن حِزَام أَعْتَقَ ) ‏ ‏طَاهِر سِيَاقه الْإِرْسَال لِأَنَّ عُرْوَة لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ ذَلِكَ , لَكِنَّ بَقِيَّة الْحَدِيث أَوْضَحَتْ الْوَصْل وَهِيَ قَوْله : \" قَالَ فَسَأَلْت \" فَفَاعِل قَالَ هُوَ حَكِيم , فَكَأَنَّ عُرْوَة قَالَ : قَالَ حَكِيم , فَيَكُون بِمَنْزِلَةِ قَوْله : عَنْ حَكِيم , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام فَقَالَ : \" عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَكِيم \". ‏ ‏قَوْله : ( أَتَبَرَّرُ بِهَا ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ وَرَاءَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَة , أَيْ أَطْلُبُ بِهَا الْبِرَّ وَطَرْح الْحِنْث , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْل الْخِلَاف فِي ضَبْطه فِي الزَّكَاة. وَقَوْله : \" يَعْنِي أَتَبَرَّرُ \" هُوَ مِنْ تَفْسِير هِشَام بْن عُرْوَة رَاوِيه كَمَا ثَبَتَ عِنْد مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ , وَقَصَّرَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ تَفْسِير الْبُخَارِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2354",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏ذَكَرَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مَرْوَانَ ‏ ‏وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ ‏ ‏هَوَازِنَ ‏ ‏فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ فَقَالَ إِنَّ مَعِي مَنْ تَرَوْنَ ‏ ‏وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا الْمَالَ وَإِمَّا السَّبْيَ وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنْ ‏ ‏الطَّائِفِ ‏ ‏فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ طَيَّبْنَا لَكَ ذَلِكَ قَالَ إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا ‏ ‏عُرَفَاؤُكُمْ ‏ ‏أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ سَبْيِ ‏ ‏هَوَازِنَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبَّاسٌ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ ‏ ‏عَقِيلًا ‏",
        "sharh": "قِصَّة هَوَازِن سَيَأْتِي شَرْحهَا مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي , وَقَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيق عَنْ اِبْن شِهَاب \" قَالَ ذَكَرَ عُرْوَة \" سَيَأْتِي فِي الشُّرُوط مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ \" أَخْبَرَنِي عُرْوَة \" ‏ ‏وَقَوْله : ( اِسْتَأْنَيْتُ ) ‏ ‏بِالْمُثَنَّاةِ قَبْل الْأَلِف الْمَهْمُوزَة السَّاكِنَة ثُمَّ نُون مَفْتُوحَة وَتَحْتَانِيَّة سَاكِنَة أَيْ اِنْتَظَرْت , وَقَوْله : \" حَتَّى يَفِيءَ \" بِفَتْحِ أَوَّله ثُمَّ فَاء مَكْسُورَة وَهَمْزَة بَعْد التَّحْتَانِيَّة السَّاكِنَة أَيْ يَرْجِع إِلَيْنَا مِنْ مَال الْكُفَّار مِنْ خَرَاج أَوْ غَنِيمَة أَوْ غَيْر ذَلِكَ , وَلَمْ يُرِدْ الْفَيْء الِاصْطِلَاحِيَّ وَحْدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2355",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏قَالَ كَتَبْتُ إِلَى ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏فَكَتَبَ إِلَيَّ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَغَارَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏بَنِي الْمُصْطَلِقِ ‏ ‏وَهُمْ ‏ ‏غَارُّونَ ‏ ‏وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ ‏ ‏وَسَبَى ‏ ‏ذَرَارِيَّهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ ‏ ‏جُوَيْرِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي بِهِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ ‏",
        "sharh": "قِصَّة بَنِي الْمُصْطَلِق مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر فَعَبْد اللَّه الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , ‏ ‏وَقَوْله : \" أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِق \" ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَفَتْح الطَّاء وَكَسْر اللَّام بَعْدهَا قَاف , وَبَنُو الْمُصْطَلِق بَطْن شَهِير مِنْ خُزَاعَة وَهُوَ الْمُصْطَلِق بْن سَعِيد بْن عَمْرو بْن رَبِيعَة بْن حَارِثَة بْن عَمْرو بْن عَامِر , وَيُقَال إِنَّ الْمُصْطَلِق لَقَب وَاسْمه جَذِيمَة بِفَتْحِ الْجِيم بَعْدهَا ذَال مُعْجَمَة مَكْسُورَة , وَسَيَأْتِي شَرْح هَذِهِ الْغَزَاة فِي كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , ‏ ‏وَقَوْله : \" وَهُمْ غَارُّونَ \" ‏ ‏بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء جَمْع غَارّ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ غَافِل , أَيْ أَخَذَهُمْ عَلَى غِرَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ ) ‏ ‏بِالْجِيمِ مُصَغَّرًا بِنْت الْحَارِث بْن أَبِي ضِرَار بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء اِبْن الْحَارِث بْن مَالِك بْن الْمُصْطَلِق , وَكَانَ أَبُوهَا سَيِّد قَوْمه وَقَدْ أَسْلَمَ بَعْد ذَلِكَ , وَقَدْ رَوَى مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَوْن وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّ نَافِعًا اِسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى نَسْخ الْأَمْر بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَام قَبْل الْقِتَال , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي \" بَاب الدَّعْوَة قَبْل الْقِتَال \" مِنْ كِتَاب الْجِهَاد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2356",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏بَنِي الْمُصْطَلِقِ ‏ ‏فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ فَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَحْبَبْنَا ‏ ‏الْعَزْلَ ‏ ‏فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد فَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب النِّكَاح مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى حَيْثُ سَاقَهُ هُنَاكَ تَامًّا , ‏ ‏وَقَوْله هُنَا : \" اِبْن حَبَّان \" ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ أَوَّله وَالْمُوَحَّدَة الثَّقِيلَة , وَابْن مُحَيْرِيز بِالْمُهْمَلَةِ وَرَاء وَزَاي مُصَغَّر , ‏ ‏وَقَوْله : \" نَسَمَة \" ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَالْمُهْمَلَة أَيْ نَفْس , ‏"
    },
    {
        "id": "2357",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ لَا أَزَالُ أُحِبُّ ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا زِلْتُ أُحِبُّ ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏مُنْذُ ثَلَاثٍ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ فِيهِمْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى ‏ ‏الدَّجَّالِ ‏ ‏قَالَ وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا وَكَانَتْ ‏ ‏سَبِيَّةٌ ‏ ‏مِنْهُمْ عِنْدَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَقَالَ أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف عَنْ شَيْخَيْنِ لَهُ كُلّ مِنْهُمَا حَدَّثَهُ بِهِ عَنْ جَرِير لَكِنَّهُ فَرَّقَهُمَا , لِأَنَّ أَحَدهمَا زَادَ فِيهِ عَنْ جَرِير إِسْنَادًا آخَر , وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظ أَحَدهمَا وَهُوَ مُحَمَّد بْن سَلَام , وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي عَلَى لَفْظ الْآخَر وَهُوَ زُهَيْر بْن حَرْب , وَمُغِيرَة هُوَ اِبْن مِقْسَم الضَّبِّيّ , وَالْحَارِث هُوَ اِبْن يَزِيد , وَالْعُكْلِيّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْكَاف وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ أَغْفَلَهُ الْكَلَابَاذِيّ مِنْ رِجَال الْبُخَارِيّ , وَهُوَ ثِقَة جَلِيل الْقَدْر مِنْ أَقْرَان الرَّاوِي عَنْهُ مُغِيرَة لَكِنَّهُ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فِي الْوَفَاة , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ غَيْر طَرَفَيْهِ الصَّحَابِيّ وَشَيْخ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا زِلْت أُحِبّ بَنِي تَمِيم ) ‏ ‏أَيْ الْقَبِيلَة الْكَبِيرَة الْمَشْهُورَة يَنْتَسِبُونَ إِلَى تَمِيم بْن مُرّ بِضَمِّ الْمِيم بِلَا هَاء اِبْن أُدّ بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيد الدَّال اِبْن طَابِخَة بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَة وَمُعْجَمَة اِبْن إِلْيَاس بْن مُضَر. ‏ ‏قَوْله : ( مُنْذُ ثَلَاث ) ‏ ‏أَيْ مِنْ حِين سَمِعْت الْخِصَال الثَّلَاث , زَادَ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي زُرْعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَمَا كَانَ قَوْم مِنْ الْأَحْيَاء أَبْغَض إِلَيَّ مِنْهُمْ فَأَحْبَبْتهمْ \" ا ه , وَكَانَ ذَلِكَ لِمَا كَانَ يَقَعُ بَيْنهمْ وَبَيْن قَوْمه فِي الْجَاهِلِيَّة مِنْ الْعَدَاوَة. ‏ ‏قَوْله : ( هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّال ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" هُمْ أَشَدّ النَّاس قِتَالًا فِي الْمَلَاحِم \" وَهِيَ أَعَمّ مِنْ رِوَايَة أَبِي زُرْعَة. وَيُمْكِن أَنْ يُحْمَلَ الْعَامّ فِي ذَلِكَ عَلَى الْخَاصّ فَيَكُون الْمُرَاد بِالْمَلَاحِمِ أَكْبَرهَا وَهُوَ قِتَال الدَّجَّال , أَوْ ذَكَرَ الدَّجَّال لِيَدْخُل غَيْره بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( هَذِهِ صَدَقَات قَوْمنَا ) ‏ ‏إِنَّمَا نَسَبَهُمْ إِلَيْهِ لِاجْتِمَاعِ نَسَبهمْ بِنَسَبِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِلْيَاس بْن مُضَر , وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَأُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنِعَمٍ مِنْ صَدَقَة بَنِي سَعْد , فَلَمَّا رَاعَهُ حُسْنهَا قَالَ : هَذِهِ صَدَقَة قَوْمِي \" ا ه , وَبَنُو سَعْد بَطْن كَبِير شَهِير مِنْ تَمِيم , يُنْسَبُونَ إِلَى سَعْد بْن زَيْد مَنَاة بْن تَمِيم , مِنْ أَشْهَرهمْ فِي الصَّحَابَة قَيْس بْن عَاصِم بْن سِنَان بْن خَالِد السَّعْدِيّ قَالَ فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" هَذَا سَيِّد أَهْل الْوَبَر \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ سَبِيَّة مِنْهُمْ عِنْد عَائِشَة ) ‏ ‏أَيْ مِنْ بَنِي تَمِيم , وَالْمُرَاد بَطْن مِنْهُمْ أَيْضًا , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي مَعْمَر عَنْ جَرِير \" وَكَانَتْ عَلَى عَائِشَة نَسَمَة مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيل فَقَدِمَ سَبْي خَوْلَان فَقَالَتْ عَائِشَة يَا رَسُول اللَّه أَبْتَاعُ مِنْهُمْ ؟ قَالَ : لَا. فَلَمَّا قَدِمَ سَبْي بَنِي الْعَنْبَر قَالَ : اِبْتَاعِي فَإِنَّهُمْ وَلَد إِسْمَاعِيل \" , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا \" وَجِيءَ بِسَبْيِ بَنِي الْعَنْبَر \" ا ه , وَبَنُو الْعَنْبَر بَطْنٌ شَهِيرٌ أَيْضًا مِنْ بَنِي تَمِيم يُنْسَبُونَ إِلَى الْعَنْبَر - وَهُوَ بِلَفْظِ الطِّيب الْمَعْرُوف - اِبْن عَمْرو بْن تَمِيم. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّحِيحَيْنِ \" سَبِيَّة \" بِوَزْنِ فَعِيلَة مَفْتُوح الْأَوَّل مِنْ السَّبْي أَوْ مِنْ السَّبَا , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمهَا , لَكِنْ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق هَارُون بْن مَعْرُوف عَنْ جَرِير \" نَسَمَة \" بِفَتْحِ النُّون وَالْمُهْمَلَة أَيْ نَفْس , وَلَهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي مَعْمَر الْمَذْكُورَة \" وَكَانَتْ عَلَى عَائِشَة نَسَمَة مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيل \" وَفِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ الْمَذْكُورَة عِنْد أَبِي عَوَانَة \" وَكَانَ عَلَى عَائِشَة مُحَرَّر \" وَبَيَّنَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" فِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ الْمَذْكُورَة الْمُرَاد بِالَّذِي كَانَ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ كَانَ نَذْرًا وَلَفْظه \" نَذَرَتْ عَائِشَة أَنْ تُعْتِق مُحَرَّرًا مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيل \" وَلَهُ فِي \" الْكَبِير \" مِنْ حَدِيث دُرَيْح وَهُوَ بِمُهْمَلَاتٍ مُصَغَّرًا اِبْن ذُؤَيْب بْن شُعْثُم بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَالْمُثَلَّثَة بَيْنهمَا عَيْن مُهْمَلَة الْعَنْبَرِيّ \" أَنَّ عَائِشَة قَالَتْ : يَا نَبِيّ اللَّه إِنِّي نَذَرْت عَتِيقًا مِنْ وَلَد إِسْمَاعِيل , فَقَالَ لَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِصْبِرِي حَتَّى يَجِيءَ فَيْءُ بَنِي الْعَنْبَر غَدًا , فَجَاءَ فَيْء بَنِي الْعَنْبَر فَقَالَ لَهَا : خُذِي مِنْهُمْ أَرْبَعَة , فَأَخَذَتْ رُدَيْحًا وَزُبَيْبًا وَزُخَيًّا وَسَمُرَة \" ا ه. فَأَمَّا رُدَيْح فَهُوَ الْمَذْكُور , وَأَمَّا زُبَيْب فَهُوَ بِالزَّايِ وَالْمُوَحَّدَة مُصَغَّر أَيْضًا - وَضَبَطَهُ الْعَسْكَرِيّ بِنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة - وَهُوَ اِبْن ثَعْلَبَة بْن عَمْرو , وَزُخَيّ بِالزَّايِ وَالْخَاء الْمُعْجَمَة مُصَغَّر أَيْضًا وَضَبَطَهُ اِبْن عَوْن بِالرَّاءِ أَوَّله , وَسَمُرَة وَهُوَ اِبْن عَمْرو بْن قُرْط بِضَمِّ الْقَاف وَسُكُون الرَّاء , قَالَ فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور \" فَمَسَحَ النَّبِيّ رُءُوسهمْ وَبَرَّك عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ : يَا عَائِشَة هَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيل قَصْدًا \" ا ه. وَالَّذِي تَعَيَّنَ لِعِتْقِ عَائِشَة مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة إِمَّا رُدَيْح وَإِمَّا زُخَيّ , فَفِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث الزُّبَيْب بْن ثَعْلَبَة مَا يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ , وَفِي أَوَّل الْحَدِيث عِنْده \" بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْشًا إِلَى بَنِي الْعَنْبَر فَأَخَذُوهُمْ بِرُكْبَةٍ مِنْ نَاحِيَة الطَّائِف فَاسْتَاقُوهُمْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَرُكْبَة بِضَمِّ الرَّاء وَسُكُونِ الْكَاف بَعْدهَا مُوَحَّدَة مَوْضِع مَعْرُوف وَهِيَ غَيْر رَكُوبَة الثَّنِيَّة الْمَعْرُوفَة الَّتِي بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة , وَذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّ سَرِيَّة عُيَيْنَةَ بْن حِصْن هَذِهِ كَانَتْ فِي الْمُحَرَّم سَنَة تِسْع مِنْ الْهِجْرَة وَأَنَّهُ سَبَى إِحْدَى عَشْرَة اِمْرَأَة وَثَلَاثِينَ صَبِيًّا وَاللَّه أَعْلَم. وَفِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَة : \" اِبْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا \" دَلِيل لِلْجُمْهُورِ فِي حِصَّة تَمَلُّك الْعَرَبِيّ , وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَل عِتْق مَنْ يُسْتَرَقّ مِنْهُمْ , وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَر : \" مِنْ الْعَار أَنْ يَمْلِكَ الرَّجُلُ اِبْن عَمّه وَبِنْت عَمّه \" حَكَاهُ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : لَا بُدّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة مِنْ تَفْصِيلٍ , فَلَوْ كَانَ الْعَرَبِيّ مَثَلًا مِنْ وَلَد فَاطِمَة عَلَيْهِمَا السَّلَام وَتَزَوَّجَ أَمَة بِشَرْطِهِ لَاسْتَبْعَدْنَا اِسْتِرْقَاق وَلَده , قَالَ : وَإِذَا أَفَادَ كَوْن الْمَسْبِيّ مِنْ وَلَد إِسْمَاعِيل يَقْتَضِي اِسْتِحْبَاب إِعْتَاقه فَالَّذِي بِالْمَثَابَةِ الَّتِي فَرَضْنَاهَا يَقْتَضِي وُجُوب حُرِّيَّته حَتْمًا , وَاللَّه أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا فَضِيلَة ظَاهِرَة لِبَنِي تَمِيم , وَكَانَ فِيهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّة وَصَدْر الْإِسْلَام جَمَاعَة مِنْ الْأَشْرَاف وَالرُّؤَسَاء. وَفِيهِ الْإِخْبَار عَمَّا سَيَأْتِي مِنْ الْأَحْوَال الْكَائِنَة فِي آخِر الزَّمَان. وَفِيهِ الرَّدّ عَلَى مَنْ نَسَبَ جَمِيع الْيَمَن إِلَى بَنِي إِسْمَاعِيل لِتَفْرِقَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن خَوْلَان وَهُمْ مِنْ الْيَمَن وَبَيْن بَنِي الْعَنْبَر وَهُمْ مِنْ مُضَر , وَالْمَشْهُور فِي خَوْلَان أَنَّهُ اِبْن عَمْرو بْن مَالِك بْن الْحَارِث مِنْ وَلَد كَهْلَان بْن سَبَأ. وَقَالَ اِبْن الْكَلْبِيّ خَوْلَان بْن عَمْرو بْن الْحَاف بْن قُضَاعَة , وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِل الْمَنَاقِب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2358",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُطَرِّفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ ‏ ‏فَعَالَهَا ‏ ‏فَأَحْسَنَ إِلَيْهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏مُطَرِّف ) ‏ ‏الْمَذْكُور فِي السَّنَد هُوَ اِبْن طَرِيف كُوفِيّ مَشْهُور. وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة : ‏ ‏( فَعَلِّمْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ \" فَعَالَهَا \" ‏"
    },
    {
        "id": "2359",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْمَعْرُورَ بْنَ سُويْدٍ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعَيَّرْتَهُ ‏ ‏بِأُمِّهِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏إِنَّ إِخْوَانَكُمْ ‏ ‏خَوَلُكُمْ ‏ ‏جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا وَاصِل الْأَحْدَب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَيَّان بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّة الثَّقِيلَة , وَهُوَ كُوفِيّ ثِقَة مَشْهُور مِنْ طَبَقَة الْأَعْمَش , ‏ ‏وَالْمَعْرُور ) ‏ ‏بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَهُوَ كُوفِيّ أَيْضًا يُكَنَّى أَبَا أُمَيَّة مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ يُقَال عَاشَ مِائَة وَعِشْرِينَ سَنَة. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْت أَبَا ذَرّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَاب الْإِيمَان وَتَسْمِيَة الرَّجُل الَّذِي سَابَّهُ أَبُو ذَرّ وَالْكَلَام عَلَى الْحُلَّة. ‏ ‏قَوْله : ( أَعَيَّرْته بِأُمِّهِ ؟ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ إِخْوَانَكُمْ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَتَقَدَّمَ فِي الْإِيمَان مِنْ وَجْه آخَر عَنْ شُعْبَة بِزِيَادَة \" إِنَّك اِمْرُؤ فِيك جَاهِلِيَّة , إِخْوَانكُمْ خَوَلُكُمْ \" وَالِاخْتِصَار فِيهِ مِنْ آدَم شَيْخ الْبُخَارِيّ فَإِنَّ الْبَيْهَقِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ آدَم كَذَلِكَ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شُعْبَة اِخْتَصَرَهُ لَهُ لَمَّا حَدَّثَهُ بِهِ. وَالْخَوَل بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْوَاو هُمْ الْخَدَم سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَتَخَوَّلُونَ الْأُمُور أَيْ يُصْلِحُونَهَا , وَمِنْهُ الْخَوْلِيّ لِمَنْ يَقُومُ بِإِصْلَاحِ الْبُسْتَان , وَيُقَال الْخَوَل جَمَعَ خَائِل وَهُوَ الرَّاعِي , وَقِيلَ التَّخْوِيل التَّمْلِيك تَقُول خَوَّلَك اللَّه كَذَا أَيْ مَلَّكَك إِيَّاهُ. وَقَوْله : \" عَيَّرْته \" أَيْ نَسَبْته إِلَى الْعَار , وَفِي قَوْله : \" بِأُمِّهِ \" رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ وَإِنَّمَا يُقَالُ عَيَّرْته أُمّه , وَمِثْل الْحَدِيث قَوْل الشَّاعِر : \" أَيّهَا الشَّامِت الْمُعَيِّر بِالدَّهْرِ \" وَالْعَار الْعَيْب , وَفِي تَقْدِيم لَفْظ إِخْوَانكُمْ عَلَى خَوَلكُمْ إِشَارَة إِلَى الِاهْتِمَام بِالْأُخُوَّةِ وَقَوْله : \" تَحْت أَيْدِيكُمْ \" مَجَازٌ عَنْ الْقُدْرَة أَوْ الْمِلْك. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ جِنْسِ مَا يَأْكُلُ لِلتَّبْعِيضِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ \" مِنْ \" , وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْآتِي بَعْد بَابَيْنِ \" فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَة \" فَالْمُرَاد الْمُوَاسَاة لَا الْمُسَاوَاة مِنْ كُلّ جِهَة. لَكِنْ مَنْ أَخَذَ بِالْأَكْمَلِ كَأَبِي ذَرّ فَعَلَ الْمُسَاوَاة وَهُوَ الْأَفْضَل , فَلَا يَسْتَأْثِرُ الْمَرْء عَلَى عِيَاله مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا , وَفِي الْمُوَطَّأ وَمُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" لِلْمَمْلُوكِ طَعَامه وَكِسْوَته بِالْمَعْرُوفِ , وَلَا يُكَلَّف مِنْ الْعَمَل مَا لَا يُطِيق \" وَهُوَ يَقْتَضِي الرَّدّ فِي ذَلِكَ إِلَى الْعُرْف , فَمَنْ زَادَ عَلَيْهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ اِبْن بَطَّال عَنْ مَالِك أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ فَقَالَ : \" كَانُوا يَوْمَئِذٍ لَيْسَ لَهُمْ هَذَا الْقُوت \" وَاسْتَحْسَنَهُ فَفِيهِ نَظَر لَا يَخْفَى , لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَع حَمْل الْأَمْر عَلَى عُمُومه فِي حَقّ كُلّ أَحَد بِحَسَبِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ ) ‏ ‏أَيْ عَمَل مَا تَصِيرُ قُدْرَتُهُمْ فِيهِ مَغْلُوبَة , أَيْ بمَا يَعْجَزُونَ عَنْهُ لِعِظَمِهِ أَوْ صُعُوبَته , وَالتَّكْلِيف تَحْمِيل النَّفْس شَيْئًا مَعَهُ كُلْفَة , وَقِيلَ هُوَ الْأَمْر بِمَا يَشُقُّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ ) ‏ ‏أَيْ مَا يَغْلِبُهُمْ , وَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ , وَالْمُرَاد أَنْ يُكَلَّفَ الْعَبْد جِنْس مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ , فَإِنْ كَانَ يَسْتَطِيعُهُ وَحْده وَإِلَّا فَلْيُعِنْهُ بِغَيْرِهِ. وَفِي الْحَدِيث النَّهْي عَنْ سَبّ الرَّقِيق وَتَعْيِيرهمْ بِمَنْ وَلَدَهُمْ , وَالْحَثّ عَلَى الْإِحْسَان إِلَيْهِمْ وَالرِّفْق بِهِمْ , وَيَلْتَحِق بِالرَّقِيقِ مَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ أَجِيرٍ وَغَيْره. وَفِيهِ عَدَمُ التَّرَفُّع عَلَى الْمُسْلِم وَالِاحْتِقَار لَهُ. وَفِيهِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , وَإِطْلَاق الْأَخ عَلَى الرَّقِيق , فَإِنْ أُرِيدَ الْقَرَابَة فَهُوَ عَلَى سَبِيل الْمَجَاز لِنِسْبَةِ الْكُلّ إِلَى آدَم , أَوْ الْمُرَاد أُخُوَّة الْإِسْلَام وَيَكُون الْعَبْد الْكَافِر بِطَرِيقِ التَّبَع , أَوْ يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِالْمُؤْمِنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2360",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْعَبْدُ إِذَا نَصَحَ سَيِّدَهُ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2361",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ وَأَيُّمَا عَبْدٍ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ فَلَهُ أَجْرَانِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2362",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏يَقُولُ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الصَّالِحِ أَجْرَانِ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه وَالْحَجّ وَبِرّ أُمِّي لَأَحْبَبْت أَنْ أَمُوت وَأَنَا مَمْلُوك ) ‏ ‏ظَاهِر هَذَا السِّيَاق رَفْع هَذِهِ الْجُمَل إِلَى آخِرهَا وَعَلَى ذَلِكَ مَجْرَى الْخَطَّابِيّ فَقَالَ : لِلَّهِ أَنْ يَمْتَحِنَ أَنْبِيَاءَهُ وَأَصْفِيَاءَهُ بِالرِّقِّ كَمَا اِمْتَحَنَ يُوسُف ا ه. وَجَزَمَ الدَّاوُدِيّ وَابْن بَطَّال وَغَيْر وَاحِد بِأَنَّ ذَلِكَ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى قَوْله : \" وَبِرّ أُمِّي \" فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ أُمّ يَبَرُّهَا , وَوَجَّهَهُ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ أَرَادَ بِذَلِكَ تَعْلِيم أُمَّته , أَوْ أَوْرَدَهُ عَلَى سَبِيل فَرْض حَيَاتهَا أَوْ الْمُرَاد أُمّه الَّتِي أَرْضَعَتْهُ ا ه. وَفَاتَهُ التَّنْصِيصُ عَلَى إِدْرَاج ذَلِكَ فَقَدْ فَصَّلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اِبْن الْمُبَارَك وَلَفْظه \" وَالَّذِي نَفْس أَبِي هُرَيْرَة بِيَدِهِ إِلَخْ \" وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْحُسَيْن بْن الْحَسَن الْمَرْوَزِيُّ فِي \" كِتَاب الْبِرّ وَالصِّلَة \" عَنْ اِبْن الْمُبَارَك , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن وَهْب وَأَبِي صَفْوَان الْأُمَوِيّ وَالْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن بِلَال وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن يَحْيَى اللَّخْمِيّ وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن عُمَر كُلّهمْ عَنْ يُونُس , زَادَ مُسْلِم فِي آخِر طَرِيق اِبْن وَهْب \" قَالَ - يَعْنِي الزُّهْرِيَّ - وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة لَمْ يَكُنْ يَحُجُّ حَتَّى مَاتَتْ أُمّه لِصُحْبَتِهَا \" وَلِأَبِي عَوَانَة وَأَحْمَد مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُهُ يَقُولُ : \" لَوْلَا أَمْرَانِ لَأَحْبَبْت أَنْ أَكُون عَبْدًا , وَذَلِكَ أَنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَا خَلَقَ اللَّه عَبْدًا يُؤَدِّي حَقّ اللَّه عَلَيْهِ وَحَقّ سَيِّده إِلَّا وَفَّاهُ اللَّه أَجْره مَرَّتَيْنِ \" فَعَرَفَ بِذَلِكَ أَنَّ الْكَلَام الْمَذْكُور مِنْ اِسْتِنْبَاط أَبِي هُرَيْرَة , ثُمَّ اِسْتَدَلَّ لَهُ بِالْمَرْفُوعِ ; وَإِنَّمَا اِسْتَثْنَى أَبُو هُرَيْرَة هَذِهِ الْأَشْيَاء لِأَنَّ الْجِهَاد وَالْحَجّ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا إِذْنُ السَّيِّدِ , وَكَذَلِكَ بِرّ الْأُمّ فَقَدْ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى إِذْن السَّيِّد فِي بَعْض وُجُوهه , بِخِلَافِ بَقِيَّة الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّة إِمَّا لِكَوْنِهِ كَانَ إِذْ ذَاكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال يَزِيد عَلَى قَدْر حَاجَته فَيُمْكِنُهُ صَرْفُهُ فِي الْقُرُبَات بِدُونِ إِذْن السَّيِّد , وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَاله بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّد. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏اِسْم أُمّ أَبِي هُرَيْرَة أُمَيْمَة بِالتَّصْغِيرِ وَقِيلَ مَيْمُونَة , وَهِيَ صَحَابِيَّةٌ ذُكِرَ إِسْلَامُهَا فِي \" صَحِيح مُسْلِم \" وَبَيَان اِسْمهَا فِي \" ذَيْل الْمَعْرِفَة \" لِأَبِي مُوسَى قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث عِنْدِي أَنَّ الْعَبْد لَمَّا اِجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ وَاجِبَانِ طَاعَة رَبّه فِي الْعِبَادَات وَطَاعَة سَيِّده فِي الْمَعْرُوف فَقَامَ بِهِمَا جَمِيعًا كَانَ لَهُ ضِعْف أَجْر الْحُرّ الْمُطِيع لِطَاعَتِهِ , لِأَنَّهُ قَدْ سَاوَاهُ فِي طَاعَة اللَّه وَفَضَلَ عَلَيْهِ بِطَاعَةِ مَنْ أَمَرَهُ اللَّه بِطَاعَتِهِ , قَالَ وَمِنْ هُنَا أَقُول : إِنَّ مَنْ اِجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَرْضَانِ فَأَدَّاهُمَا أَفْضَل مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ إِلَّا فَرْض وَاحِد فَأَدَّاهُ كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَلَاة وَزَكَاة فَقَامَ بِهِمَا فَهُوَ أَفْضَل مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاة فَقَطْ , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ اِجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ فُرُوض فَلَمْ يُؤَدِّ مِنْهَا شَيْئًا كَانَ عِصْيَانه أَكْثَر مِنْ عِصْيَان مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْضُهَا ا ه مُلَخَّصًا. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَزِيد الْفَضْل لِلْعَبْدِ الْمَوْصُوف بِالصِّفَةِ لِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ مَشَقَّة الرِّقّ , وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ التَّضْعِيف بِسَبَبِ اِخْتِلَاف جِهَة الْعَمَل لَمْ يَخْتَصّ الْعَبْد بِذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن التِّين : الْمُرَاد أَنَّ كُلّ عَمَل يَعْمَله يُضَاعَف لَهُ , قَالَ : وَقِيلَ سَبَب التَّضْعِيف أَنَّهُ زَادَ لِسَيِّدِهِ نُصْحًا وَفِي عِبَادَة رَبّه إِحْسَانًا فَكَانَ لَهُ أَجْر الْوَاجِبَيْنِ وَأَجْر الزِّيَادَة عَلَيْهِمَا. قَالَ : وَالظَّاهِر خِلَاف هَذَا وَأَنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَظُنّ أَنَّهُ غَيْر مَأْجُور عَلَى الْعِبَادَة ا ه. وَمَا اِدَّعَى أَنَّهُ الظَّاهِر لَا يُنَافِي مَا نَقَلَهُ قَبْل ذَلِكَ , فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَجْرُ الْمَمَالِيك ضِعْف أَجْر السَّادَات أَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنْ لَا مَحْذُور فِي ذَلِكَ أَوْ يَكُون أَجْره مُضَاعَفًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَة , وَقَدْ يَكُون لِلسَّيِّدِ جِهَات أُخْرَى يَسْتَحِقّ بِهَا أَضْعَاف أَجْر الْعَبْد , أَوْ الْمُرَاد تَرْجِيح الْعَبْد الْمُؤَدِّي لِلْحَقَّيْنِ عَلَى الْعَبْد الْمُؤَدِّي لِأَحَدِهِمَا ا ه. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُون تَضْعِيف الْأَجْر مُخْتَصًّا بِالْعَمَلِ الَّذِي يَتَّحِدُ فِيهِ طَاعَة اللَّه وَطَاعَة السَّيِّد فَيَعْمَل عَمَلًا وَاحِدًا وَيُؤْجَر عَلَيْهِ أَجْرَيْنِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ , وَأَمَّا الْعَمَل الْمُخْتَلِف الْجِهَة فَلَا اِخْتِصَاص لَهُ بِتَضْعِيفِ الْأَجْر فِيهِ عَلَى غَيْره مِنْ الْأَحْرَار وَاللَّه أَعْلَم. وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَبْد لَا جِهَاد عَلَيْهِ وَلَا حَجّ فِي حَال الْعُبُودِيَّة وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2363",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نِعْمَ مَا لِأَحَدِهِمْ يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن نَصْر ) ‏ ‏هُوَ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن نَصْر , نُسِبَ إِلَى جَدّه. ‏ ‏قَوْله : ( نَعِمَّا لِأَحَدِهِمْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْعَيْن وَإِدْغَام الْمِيم فِي الْأُخْرَى , وَيَجُوز كَسْر النُّون , وَتُكْسَرُ النُّون وَتُفْتَح أَيْضًا مَعَ إِسْكَان الْعَيْن وَتَحْرِيك الْمِيم , فَتِلْك أَرْبَع لُغَات. قَالَ الزَّجَّاج \" مَا \" بِمَعْنَى الشَّيْء فَالتَّقْدِير نِعْمَ الشَّيْء. وَوَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاة مُسْلِم \" نُعْمَى \" بِضَمِّ النُّون وَسُكُون الْعَيْن مَقْصُور بِالتَّنْوِينِ وَغَيْره , وَهُوَ مُتَّجَهُ الْمَعْنَى إِنْ ثَبَتَتْ بِهِ الرِّوَايَة. وَقَالَ اِبْن التِّين : وَقَعَ فِي نُسْخَة الشَّيْخ أَبِي الْحَسَن أَيْ الْقَابِسِيّ \" نِعِمَّ مَا \" بِتَشْدِيدِ الْمِيم الْأُولَى وَفَتْحهَا وَلَا وَجْه لَهُ , وَإِنَّمَا صَوَابه إِدْغَامهَا فِي \" مَا \" وَهِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ). ‏ ‏قَوْله : ( يُحْسِنُ ) ‏ ‏هُوَ مُبَيِّن لِلْمَخْصُوصِ بِالْمَدْحِ فِي قَوْله : \" نِعِمَّ \" , زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" نَعِمَّا لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يُتَوَفَّى يُحْسِنُ عِبَادَة اللَّه \" أَيْ يَمُوت عَلَى ذَلِكَ , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْأَعْمَال بِالْخَوَاتِيمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2364",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا نَصَحَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثَا اِبْن عُمَر وَأَبِي مُوسَى فِي الْعَبْد الَّذِي لَهُ أَجْرَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَا مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. وَالْغَرَض مِنْهُمَا قَوْله فِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" إِذَا نَصَحَ سَيِّده \" وَفِي حَدِيث أَبِي مُوسَى \" وَيُؤَدِّي إِلَى سَيِّدِهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2365",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمَمْلُوكُ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَيُؤَدِّي إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ وَالنَّصِيحَةِ وَالطَّاعَةِ لَهُ أَجْرَانِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثَا اِبْن عُمَر وَأَبِي مُوسَى فِي الْعَبْد الَّذِي لَهُ أَجْرَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَا مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. وَالْغَرَض مِنْهُمَا قَوْله فِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" إِذَا نَصَحَ سَيِّده \" وَفِي حَدِيث أَبِي مُوسَى \" وَيُؤَدِّي إِلَى سَيِّده \". ‏"
    },
    {
        "id": "2366",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلَايَ وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَمُحَمَّد شَيْخ الْمُؤَلِّف فِيهِ لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات إِلَّا فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن شَبُّويَة فَقَالَ : \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَلَام \" وَكَذَا حَكَاهُ الْجَيَّانِيّ عَنْ رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن , وَحُكِيَ عَنْ الْحَاكِم أَنَّهُ الذُّهْلِيُّ. ‏ ‏قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن رَافِع عَنْ عَبْد الرَّزَّاق فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , فَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ فِي الصَّحِيح أَيْضًا , وَكَلَام الطَّرْقِيّ يُشِيرُ إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَقُلْ أَحَدكُمْ أَطْعِمْ رَبّك إِلَخْ ) ‏ ‏هِيَ أَمْثِلَة , وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ دُون غَيْرهَا لِغَلَبَةِ اِسْتِعْمَالهَا فِي الْمُخَاطَبَات , وَيَجُوزُ فِي أَلِف \" اِسْقِ \" الْوَصْل وَالْقَطْع. وَفِيهِ نَهْي الْعَبْد أَنْ يَقُولَ لِسَيِّدِهِ رَبِّي , كَذَلِكَ نَهْي غَيْره فَلَا يَقُول لَهُ أَحَد رَبّك , وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسه فَإِنَّهُ قَدْ يَقُول لِعَبْدِهِ اِسْقِ رَبّك فَيَضَعُ الظَّاهِرَ مَوْضِع الضَّمِير عَلَى سَبِيل التَّعْظِيم لِنَفْسِهِ , وَالسَّبَب فِي النَّهْيِ أَنَّ حَقِيقَة الرُّبُوبِيَّة لِلَّهِ تَعَالَى , لِأَنَّ الرَّبّ هُوَ الْمَالِك وَالْقَائِم بِالشَّيْءِ فَلَا تُوجَدُ حَقِيقَةُ ذَلِكَ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : سَبَب الْمَنْع أَنَّ الْإِنْسَان مَرْبُوبٌ مُتَعَبِّدٌ بِإِخْلَاصِ التَّوْحِيد لِلَّهِ وَتَرْك الْإِشْرَاك مَعَهُ , فَكَرِهَ لَهُ الْمُضَاهَاة فِي الِاسْم لِئَلَّا يَدْخُل فِي مَعْنَى الشِّرْك , وَلَا فَرْق فِي ذَلِكَ بَيْن الْحُرّ وَالْعَبْد , فَأَمَّا مَا لَا تَعَبُّد عَلَيْهِ مِنْ سَائِر الْحَيَوَانَات وَالْجَمَادَات فَلَا يُكْرَهُ إِطْلَاق ذَلِكَ عَلَيْهِ عِنْد الْإِضَافَة كَقَوْلِهِ رَبّ الدَّار وَرَبّ الثَّوْب , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال لِأَحَدٍ غَيْر اللَّه رَبّ , كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال لَهُ إِلَهُ ا ه. وَالَّذِي يَخْتَصُّ بِاللَّهِ تَعَالَى إِطْلَاق الرَّبّ بِلَا إِضَافَةٍ , أَمَّا مَعَ الْإِضَافَة فَيَجُوزُ إِطْلَاقُهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَنْ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام ( اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) وَقَوْله : ( اِرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ) وَقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي أَشْرَاط السَّاعَة \" أَنْ تَلِدَ الْأَمَة رَبَّهَا \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْي فِي ذَلِكَ مَحْمُول عَلَى الْإِطْلَاق , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ , وَمَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَلِبَيَانِ الْجَوَاز. وَقِيلَ هُوَ مَخْصُوص بِغَيْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَرُدّ مَا فِي الْقُرْآن , أَوْ الْمُرَاد النَّهْي عَنْ الْإِكْثَار مِنْ ذَلِكَ وَاِتِّخَاذ اِسْتِعْمَال هَذِهِ اللَّفْظَة عَادَة , وَلَيْسَ الْمُرَاد النَّهْي عَنْ ذِكْرهَا فِي الْجُمْلَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلَايَ ) ‏ ‏فِيهِ جَوَاز إِطْلَاق الْعَبْد عَلَى مَالِكه سَيِّدِي , قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ : إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْن الرَّبّ وَالسَّيِّد لِأَنَّ الرَّبَّ مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى اِتِّفَاقًا , وَاخْتُلِفَ فِي السَّيِّد , وَلَمْ يُرِد فِي الْقُرْآن أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى. فَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى فَالْفَرْقُ وَاضِحٌ إِذْ لَا اِلْتِبَاس وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ فَلَيْسَ فِي الشُّهْرَة وَالِاسْتِعْمَال كَلَفْظِ الرَّبّ فَيَحْصُلُ الْفَرْق بِذَلِكَ أَيْضًا , وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَد وَالْمُصَنِّفُ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الشِّخِّير عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" السَّيِّدُ اللَّه \" وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا أَطْلَقَهُ لِأَنَّ مَرْجِعَ السِّيَادَة إِلَى مَعْنَى الرِّيَاسَة عَلَى مَنْ تَحْت يَده وَالسِّيَاسَة لَهُ وَحُسْنُ التَّدْبِير لِأَمْرِهِ , وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الزَّوْج سَيِّدًا , قَالَ : وَأَمَّا الْمَوْلَى فَكَثِير التَّصَرُّف فِي الْوُجُوهُ الْمُخْتَلِفَة مِنْ وَلِيّ وَنَاصِر وَغَيْر ذَلِكَ , وَلَكِنْ لَا يُقَالُ السَّيِّد وَلَا الْمَوْلَى عَلَى الْإِطْلَاق مِنْ غَيْر إِضَافَة إِلَّا فِي صِفَة اللَّه تَعَالَى اِنْتَهَى. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز إِطْلَاق مَوْلَايَ أَيْضًا , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْحَدِيث نَحْوه وَزَادَ \" وَلَا يَقُلْ أَحَدكُمْ مَوْلَايَ فَإِنَّ مَوْلَاكُمْ اللَّه , وَلَكِنْ لِيَقُلْ سَيِّدِي \" فَقَدْ بَيَّنَ مُسْلِم الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ عَلَى الْأَعْمَش وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الزِّيَادَة وَمِنْهُمْ مَنْ حَذَفَهَا , وَقَالَ عِيَاض : حَذْفُهَا أَصَحُّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْمَشْهُور حَذْفُهَا قَالَ : وَإِنَّمَا صِرْنَا إِلَى التَّرْجِيح لِلتَّعَارُضِ مَعَ تَعَذُّرِ الْجَمْع وَعَدَم الْعِلْم بِالتَّارِيخِ اِنْتَهَى. وَمُقْتَضَى ظَاهِر هَذِهِ الزِّيَادَة أَنَّ إِطْلَاق السَّيِّد أَسْهَلُ مِنْ إِطْلَاق الْمَوْلَى , وَهُوَ خِلَاف الْمُتَعَارَف , فَإِنَّ الْمَوْلَى يُطْلَقُ عَلَى أَوْجُهٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْهَا الْأَسْفَل وَالْأَعْلَى , وَالسَّيِّد لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى الْأَعْلَى , فَكَانَ إِطْلَاق الْمَوْلَى أَسْهَلَ وَأَقْرَب إِلَى عَدَم الْكَرَاهَة وَاللَّه أَعْلَم. وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلَفْظِ الْمَوْلَى إِثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا , أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ وَالْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ \" بِلَفْظِ \" لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَلَا أَمَتِي وَلَا يَقُلْ الْمَمْلُوك رَبِّي وَرَبَّتِي , وَلَكِنْ لِيَقُلْ الْمَالِك فَتَايَ وَفَتَاتِي وَالْمَمْلُوك سَيِّدِي وَسَيِّدَتِي , فَإِنَّكُمْ الْمَمْلُوكُونَ وَالرَّبُّ اللَّه تَعَالَى \" وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد النَّهْي عَنْ الْإِطْلَاق كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَام الْخَطَّابِيّ , وَيُؤَيِّدُ كَلَامه حَدِيث اِبْن الشِّخِّير الْمَذْكُور وَاللَّه أَعْلَم , وَعَنْ مَالِك تَخْصِيص الْكَرَاهَة بِالنِّدَاءِ فَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ يَا سَيِّدِي وَلَا يُكْرَهُ فِي غَيْر النِّدَاء. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي ) ‏ ‏زَادَ الْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" كُلُّكُمْ عَبِيد اللَّه وَكُلّ نِسَائِكُمْ إِمَاء اللَّه \" وَنَحْو مَا قَدَّمْته مِنْ رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ , فَأَرْشَدَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْعِلَّة فِي ذَلِكَ لِأَنَّ حَقِيقَة الْعُبُودِيَّة إِنَّمَا يَسْتَحِقُّهَا اللَّه تَعَالَى , وَلِأَنَّ فِيهَا تَعْظِيمًا لَا يَلِيقُ بِالْمَخْلُوقِ اِسْتِعْمَاله لِنَفْسِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ كُلّه رَاجِع إِلَى الْبَرَاءَة مِنْ الْكِبْر وَالْتِزَام الذُّلّ وَالْخُضُوع لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَهُوَ الَّذِي يَلِيقُ بِالْمَرْبُوبِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة \" وَجَارِيَتِي \" إِلَى مَا يُؤَدِّي الْمَعْنَى مَعَ السَّلَامَة مِنْ التَّعَاظُم , لِأَنَّ لَفْظ الْفَتَى وَالْغُلَام لَيْسَ دَالًّا عَلَى مَحْض الْمِلْك كَدَلَالَةِ الْعَبْد , فَقَدْ كَثُرَ اِسْتِعْمَالُ الْفَتَى فِي الْحُرّ وَكَذَلِكَ الْغُلَام وَالْجَارِيَة , قَالَ النَّوَوِيّ : الْمُرَاد بِالنَّهْيِ مَنْ اِسْتَعْمَلَهُ عَلَى جِهَةِ التَّعَاظُمِ لَا مَنْ أَرَادَ التَّعْرِيف اِنْتَهَى. وَمَحَلّه مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ التَّعْرِيف بِدُونِ ذَلِكَ اِسْتِعْمَالًا لِلْأَدَبِ فِي اللَّفْظ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "2367",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ مِنْ الْعَبْدِ فَكَانَ لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ وَأُعْتِقَ مِنْ مَالِهِ وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عُمَر ( مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ مِنْ عَبْد ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا , وَالْمُرَاد مِنْهُ إِطْلَاق لَفْظ الْعَبْد , وَكَأَنَّ مُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْكُم عَلَيْهِ بِعِتْقِ كُلّه إِذَا كَانَ مُوسِرًا لَكَانَ بِذَلِكَ مُتَطَاوِلًا عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2368",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ ‏ ‏بَعْلِهَا ‏ ‏وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث ( كُلّكُمْ رَاعٍ ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَّل الْأَحْكَام , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله : \" وَالْعَبْد رَاعٍ عَلَى مَال سَيِّده \" فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ نَاصِحًا لَهُ فِي خِدْمَتِهِ مُؤَدِّيًا لَهُ الْأَمَانَة نَاسَبَ أَنْ يُعِينَهُ وَلَا يَتَعَاظَم عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2369",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا زَنَتْ الْأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَزَيْد بْن خَالِد ( إِذَا زَنَتْ الْأَمَة فَاجْلِدُوهَا ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحُدُود إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا ذِكْر الْأَمَة وَأَنَّهَا إِذَا عَصَتْ تُؤَدَّبُ , فَإِنْ لَمْ تَرْجَعْ وَإِلَّا بِيعَتْ , وَكُلّ ذَلِكَ مُبَايِن لِلتَّعَاظُمِ عَلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2370",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَليُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن زِيَاد ) ‏ ‏هُوَ الْجُمَحِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا أَتَى أَحَدكُمْ خَادِمه َامِهِ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَة ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ , وَيُفْهَمُ مِنْهُ إِبَاحَة تَرْك إِجْلَاسه مَعَهُ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَطْعِمَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله : \" أُكْلَة \" بِضَمِّ أَوَّله أَيْ لُقْمَة , وَالشَّكّ فِيهِ مِنْ شُعْبَة كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. وَقَوْله : \" وَلِيَ عِلَاجه \" زَادَ فِي الْأَطْعِمَة \" وَحَرّهُ \". وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ قَوْله فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ الْمَاضِي \" فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَطْعَمُونَ \" لَيْسَ عَلَى الْوُجُوب. ‏"
    },
    {
        "id": "2371",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ‏ ‏قَالَ فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَالْمَرْأَة فِي بَيْت زَوْجهَا رَاعِيَة ) ‏ ‏إِنَّمَا قَيَّدَ بِالْبَيْتِ لِأَنَّهَا لَا تَصِلُ إِلَى مَا سِوَاهُ غَالِبًا إِلَّا بِإِذْنٍ خَاصٍّ , وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِل كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2372",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ فُلَانٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الْإِسْنَاد ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن ثَابِت الْمَدَنِيّ ; وَرِجَال الْإِسْنَاد كُلّهمْ مَدَنِيُّونَ , وَكَأَنَّ أَبَا ثَابِت تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ اِبْن وَهْب , فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُصَنَّفَات إِلَّا مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَأَخْبَرَنِي اِبْن فُلَان ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ أَبُو ثَابِت فَهُوَ مَوْصُول وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ , وَفَاعِل قَالَ هُوَ اِبْن وَهْب , وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ لَفْظ مَالِك وَبِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْآخَر. وَكَانَ اِبْن وَهْب حَرِيصًا عَلَى تَمْيِيز ذَلِكَ. وَأَمَّا \" اِبْن فُلَان \" فَقَالَ الْمِزِّيّ : يُقَال هُوَ اِبْن سَمْعَان , يَعْنِي عَبْدَ اللَّه بْن زِيَاد بْن سُلَيْمَان بْن سَمْعَان الْمَدَنِيّ , وَهُوَ يُوهِمُ تَضْعِيفَ ذَلِكَ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ أَبُو نَصْر الْكَلَابَاذِيّ وَغَيْره , وَقَالَهُ قَبْله بَعْض الْقُدَمَاء أَيْضًا ; فَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ الْهَرَوِيُّ فِي رِوَايَته عَنْ الْمُسْتَمْلِي : قَالَ أَبُو حَرْب الَّذِي قَالَ \" اِبْن فُلَان \" هُوَ اِبْن وَهْب , وَابْن فُلَان هُوَ اِبْن سَمْعَان. قُلْت : وَأَبُو حَرْب هَذَا هُوَ بَيَان وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن خِرَاش بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة عَنْ الْبُخَارِيّ \" قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِت مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه الْمَدَنِيّ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث لَكِنْ قَالَ بَدَل قَوْله اِبْن فُلَان \" اِبْن سَمْعَان \" فَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ كَنَّى عَنْهُ فِي الصَّحِيح عَمْدًا لِضَعْفِهِ , وَلَمَّا حَدَّثَ بِهِ خَارِج الصَّحِيح نَسَبَهُ , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" بِمَا خَرَّجَهُ مِنْ طَرِيق الْعَبَّاس بْن الْفَضْل عَنْ أَبِي ثَابِت وَقَالَ فِيهِ \" اِبْن سَمْعَان \" وَقَالَ بَعْده : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي ثَابِت فَقَالَ اِبْن فُلَان وَأَخْرَجَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَر فَقَالَ اِبْن سَمْعَان , وَابْن سَمْعَان الْمَذْكُور مَشْهُور بِالضَّعْفِ مَتْرُوك الْحَدِيث كَذَّبَهُ مَالِك وَأَحْمَد وَغَيْرهمَا وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ شَيْء إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع , ثُمَّ إِنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يَسُقْ الْمَتْن مِنْ طَرِيقه مَعَ كَوْنه مَقْرُونًا بِمَالِكٍ بَلْ سَاقَهُ عَلَى لَفْظ الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَهِيَ رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" فَلْيَتَّقِ \" بَدَل \" فَلْيَجْتَنِبْ \" وَهِيَ رِوَايَة أَبِي نُعَيْم الْمَذْكُورَة , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" إِذَا ضَرَبَ \" وَمِثْله لِلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق عَجْلَان , وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ قَوْله فِي رِوَايَة هَمَّام \" قَاتَلَ \" بِمَعْنَى قَتَلَ , وَأَنَّ الْمُفَاعَلَة فِيهِ لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى ظَاهِرهَا لِيَتَنَاوَل مَا يَقَعُ عِنْد دَفْعِ الصَّائِل مَثَلًا فَيَنْهَى دَافِعَهُ عَنْ الْقَصْد بِالضَّرْبِ إِلَى وَجْهه , وَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ كُلّ مَنْ ضُرِبَ فِي حَدّ أَوْ تَعْزِير أَوْ تَأْدِيب وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة وَغَيْره عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره فِي قِصَّة الَّتِي زَنَتْ فَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجْمِهَا وَقَالَ : \" اِرْمُوا وَاتَّقُوا الْوَجْه \" وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي حَقّ مَنْ تَعَيَّنَ إِهْلَاكه فَمَنْ دُونه أَوْلَى. قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاء إِنَّمَا نَهَى عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ لِأَنَّهُ لَطِيفٌ يَجْمَعُ الْمَحَاسِن , وَأَكْثَر مَا يَقَعُ الْإِدْرَاك بِأَعْضَائِهِ , فَيُخْشَى مِنْ ضَرْبِهِ أَنْ تَبْطُلَ أَوْ تَتَشَوَّهَ كُلّهَا أَوْ بَعْضهَا , وَالشَّيْنُ فِيهَا فَاحِشٌ لِظُهُورِهَا وَبُرُوزهَا , بَلْ لَا يَسْلَمُ إِذَا ضَرَبَهُ غَالِبًا مِنْ شَيْن ا ه. وَالتَّعْلِيل الْمَذْكُور حَسَنٌ , لَكِنْ ثَبَتَ عِنْد مُسْلِم تَعْلِيل آخَر , فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيث الْمَذْكُور مِنْ طَرِيق أَبِي أَيُّوب الْمَرَاغِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَزَادَ \" فَإِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم عَلَى صُورَته \" وَاخْتُلِفَ فِي الضَّمِير عَلَى مَنْ يَعُود ؟ فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى الْمَضْرُوبِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَمْر بِإِكْرَامِ وَجْهه , وَلَوْلَا أَنَّ الْمُرَاد التَّعْلِيل بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْجُمْلَة اِرْتِبَاط بِمَا قَبْلهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : أَعَادَ بَعْضُهُمْ الضَّمِير عَلَى اللَّه مُتَمَسِّكًا بِمَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه \" إِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم عَلَى صُورَة الرَّحْمَن \" قَالَ : وَكَأَنَّ مَنْ رَوَاهُ أَوْرَدَهُ بِالْمَعْنَى مُتَمَسِّكًا بِمَا تَوَهَّمَهُ فَغَلِطَ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ أَنْكَرَ الْمَازِرِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ صِحَّة هَذِهِ الزِّيَادَة ثُمَّ قَالَ : وَعَلَى تَقْدِير صِحَّتِهَا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالْبَارِي سُبْحَانه وَتَعَالَى. قُلْت : الزِّيَادَة أَخْرَجَهَا اِبْن أَبِي عَاصِم فِي \" السُّنَّة \" وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَات وَأَخْرَجَهَا اِبْن أَبِي عَاصِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظٍ يَرُدُّ التَّأْوِيلَ الْأَوَّل قَالَ : \" مَنْ قَاتَلَ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْه فَإِنَّ صُورَةَ وَجْهِ الْإِنْسَان عَلَى صُورَةِ وَجْهِ الرَّحْمَنِ \" فَتَعَيَّنَ إِجْرَاءُ مَا فِي ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَرَّرَ بَيْن أَهْل السُّنَّة مِنْ إِمْرَاره كَمَا جَاءَ مِنْ غَيْر اِعْتِقَادِ تَشْبِيهٍ , أَوْ مِنْ تَأْوِيلِهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالرَّحْمَنِ جَلَّ جَلَاله , وَسَيَأْتِي فِي أَوَّل كِتَاب الِاسْتِئْذَان مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ : خَلَقَ اللَّهُ آدَم عَلَى صُورَته الْحَدِيث , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ الضَّمِير يَعُودُ عَلَى آدَم أَيْ عَلَى صِفَتِهِ أَيْ خَلَقَهُ مَوْصُوفًا بِالْعِلْمِ الَّذِي فَضَلَ بِهِ الْحَيَوَان وَهَذَا مُحْتَمَل , وَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيّ : غَلِطَ اِبْن قُتَيْبَة فَأَجْرَى هَذَا الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره وَقَالَ : صُورَة لَا كَالصُّوَرِ اِنْتَهَى. وَقَالَ حَرْب الْكَرْمَانِيُّ فِي \" كِتَاب السُّنَّة \" سَمِعْت إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ يَقُولُ : صَحَّ أَنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم عَلَى صُورَة الرَّحْمَن. وَقَالَ إِسْحَاق الْكَوْسَج سَمِعْت أَحْمَد يَقُولُ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي كِتَاب السُّنَّة \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن حَنْبَل قَالَ : قَالَ رَجُل لِأَبِي إِنَّ رَجُلًا قَالَ خَلَقَ اللَّه آدَم عَلَى صُورَته - أَيْ صُورَة الرَّجُل - فَقَالَ : كَذِب هُوَ قَوْل الْجَهْمِيَّةِ \" اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَأَحْمَد مِنْ طَرِيق اِبْن عَجْلَان عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" لَا تَقُولَنَّ قَبَّحَ اللَّه وَجْهك وَوَجْه مَنْ أَشْبَهَ وَجْهك فَإِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم عَلَى صُورَته \" وَهُوَ ظَاهِر فِي عَوْدِ الضَّمِير عَلَى الْمَقُول لَهُ ذَلِكَ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي عَاصِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي رَافِع عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" إِذَا قَاتَلَ أَحَدكُمْ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْه فَإِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم عَلَى صُورَة وَجْهه \" وَلَمْ يَتَعَرَّضْ النَّوَوِيّ لِحُكْمِ هَذَا النَّهْي , وَظَاهِره التَّحْرِيم. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيث سُوَيْد بْن مُقَرِّن الصَّحَابِيّ \" أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا لَطَمَ غُلَامه فَقَالَ : أَوَمَا عَلِمْت أَنَّ الصُّورَة مُحْتَرَمَة \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَغَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "2373",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا قَالَتْ لَهَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏لِأَهْلِهَا فَأَبَوْا وَقَالُوا إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لَنَا فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي فَإِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏لِمَنْ أَعْتَقَ قَالَ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ بَرِيرَة ) ‏ ‏هِيَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة بِوَزْنِ فَعِيلَة , مُشْتَقَّة مِنْ الْبَرِير وَهُوَ ثَمَر الْأَرَاك. وَقِيلَ إِنَّهَا فَعِيلَة مِنْ الْبِرّ بِمَعْنَى مَفْعُولَة كَمَبْرُورَةٍ , أَوْ بِمَعْنَى فَاعِلَة كَرَحِيمَةٍ , هَكَذَا وَجَّهَهُ الْقُرْطُبِيّ. وَالْأَوَّل أَوْلَى لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيَّرَ اِسْم جُوَيْرِيَةَ وَكَانَ اِسْمهَا بَرَّة وَقَالَ : \" لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ \" فَلَوْ كَانَتْ بَرِيرَة مِنْ الْبِرّ لَشَارَكَتْهَا فِي ذَلِكَ. وَكَانَتْ بَرِيرَة لِنَاسٍ مِنْ الْأَنْصَار كَمَا وَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْم , وَقِيلَ لِنَاسٍ مِنْ بَنِي هِلَال قَالَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ. وَكَانَتْ تَخْدُمُ عَائِشَة قَبْلَ أَنْ تَعْتِقَ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث الْإِفْك , وَعَاشَتْ إِلَى خِلَافَة مُعَاوِيَة , وَتَفَرَّسَتْ فِي عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان أَنَّهُ يَلِي الْخِلَافَة فَبَشَّرَتْهُ بِذَلِكَ وَرَوَى هُوَ ذَلِكَ عَنْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْك كِتَابَتك وَيَكُون وَلَاؤُك لِي فَعَلْت ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَهِيَ نَظِير رِوَايَة مَالِك عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة الْآتِيَة فِي الشُّرُوط بِلَفْظِ \" إِنْ أَحَبَّ أَهْلُك أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُك لِي فَعَلْت \" وَظَاهِره أَنَّ عَائِشَة طَلَبَتْ أَنْ يَكُون الْوَلَاء لَهَا إِذَا بَذَلَتْ جَمِيع مَال الْمُكَاتَبَة. وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ إِذْ لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَكَانَ اللَّوْم عَلَى عَائِشَة بِطَلَبِهَا وَلَاء مَنْ أَعْتَقَهَا غَيْرهَا. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو أُسَامَة عَنْ هِشَام بِلَفْظٍ يُزِيلُ الْإِشْكَال فَقَالَ بَعْد قَوْله : \" أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَك وَيَكُونَ وَلَاؤُك لِي فَعَلْت \". وَكَذَلِكَ رَوَاهُ وُهَيْب عَنْ هِشَام , فَعَرَفَ بِذَلِكَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَهَا شِرَاء صَحِيحًا ثُمَّ تُعْتِقَهَا إِذْ الْعِتْق فَرْع ثُبُوت الْمِلْك , وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله فِي بَقِيَّة حَدِيث الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْبَاب \" فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِبْتَاعِي فَأَعْتِقِي \" وَهُوَ يُفَسِّرُ قَوْله فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ هِشَام \" خُذِيهَا \" وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْله فِي طَرِيق أَيْمَن الْآتِيَة \" دَخَلْت عَلَى بَرِيرَة وَهِيَ مُكَاتَبَة فَقَالَتْ : اِشْتَرِينِي وَأَعْتِقِينِي , قَالَتْ نَعَمْ \" وَقَوْله فِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" أَرَادَتْ عَائِشَة أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَهَا \" وَبِهَذَا يَتَّجِهُ الْإِنْكَارُ عَلَى مَوَالِي بَرِيرَة , إِذْ وَافَقُوا عَائِشَة عَلَى بَيْعِهَا ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَشْتَرِطُوا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاء لَهُمْ , وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله فِي رِوَايَة أَيْمَن الْمَذْكُورَة \" قَالَتْ لَا تَبِيعُونِي حَتَّى تَشْتَرِطُوا وَلَائِي \" وَفِي رِوَايَة الْأَسْوَد الْآتِيَة فِي الْفَرَائِض عَنْ عَائِشَة \" اِشْتَرَيْت بَرِيرَة لِأُعْتِقهَا , فَاشْتَرَطَ أَهْلهَا وَلَاءَهَا \" وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي الْهِبَة مِنْ طَرِيق الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة \" أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِي بَرِيرَة وَأَنَّهُمْ اِشْتَرَطُوا وَلَاءَهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( اِرْجِعِي إِلَى أَهْلِك ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْأَهْلِ هُنَا السَّادَة , وَالْأَهْل فِي الْأَصْل الْآلُ , وَفِي الشَّرْع مَنْ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ عَلَى الْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ الْحِسْبَة بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة أَيْ تَحْتَسِبَ الْأَجْرَ عِنْد اللَّه وَلَا يَكُونَ لَهَا وَلَاءٌ. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِشَام \" فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْته \" وَفِي رِوَايَة مَالِك عَنْ هِشَام \" فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدهمْ وَرَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فَقَالَتْ : إِنِّي عَرَضْت عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا , فَسَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة أَيْمَن الْآتِيَة \" فَسَمِعَ بِذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بَلَغَهُ \" زَادَ فِي الشُّرُوط مِنْ هَذَا الْوَجْه فَقَالَ : \" مَا شَأْن بَرِيرَة \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة , وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام \" فَجَاءَتْنِي بَرِيرَة وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِس فَقَالَتْ لِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهَا : مَا أَرَادَ أَهْلهَا , فَقُلْت : لَاهَا اللَّه إِذًا , وَرَفَعْت صَوْتِي وَانْتَهَرْتهَا , فَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْته \" لَفْظ اِبْن خُزَيْمَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْتَاعِي فَأَعْتِقِي ) ‏ ‏هُوَ كَقَوْلِهِ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر : \" لَا يَمْنَعُك ذَلِكَ \" وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ الْإِشْكَال الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام الْآتِيَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ شَرَطَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" وَإِنْ اِشْتَرَطَ \". ‏ ‏قَوْله : ( مِائَة مَرَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" مِائَة شَرْط \" وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة هِشَام وَأَيْمَن , قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى قَوْله : \" وَلَوْ اِشْتَرَطَ مِائَة شَرْط \" أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ مِائَة مَرَّة تَوْكِيدًا فَهُوَ بَاطِلٌ , وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة : \" إِنْ شَرَطَ مِائَة مَرَّة \" وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى التَّأْكِيد لِأَنَّ الْعُمُوم فِي قَوْله : \" كُلّ شَرْط \" وَفِي قَوْله : \" مَنْ اِشْتَرَطَ شَرْطًا \" دَالّ عَلَى بُطْلَان جَمِيع الشُّرُوط الْمَذْكُورَة فَلَا حَاجَة إِلَى تَقْيِيدهَا بِالْمِائَةِ فَإِنَّهَا لَوْ زَادَتْ عَلَيْهَا كَانَ الْحُكْم كَذَلِكَ لَمَا دَلَّتْ عَلَيْهَا الصِّيغَة. نَعَمْ الطَّرِيق الْأَخِيرَة مِنْ رِوَايَة أَيْمَن عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ وَإِنْ اِشْتَرَطُوا مِائَة شَرْط \" وَإِنْ اِحْتَمَلَ التَّأْكِيد لَكِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَاد بِهِ التَّعَدُّد , وَذِكْر الْمِائَة عَلَى سَبِيل الْمُبَالَغَة وَاللَّه أَعْلَم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَوْله : \" وَلَوْ كَانَ مِائَة شَرْط \" خَرَجَ مَخْرَج التَّكْثِير , يَعْنِي أَنَّ الشُّرُوط الْغَيْر الْمَشْرُوعَة بَاطِلَة وَلَوْ كَثُرَتْ , وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الشُّرُوط الْمَشْرُوعَة صَحِيحَة وَسَيَأْتِي التَّنْصِيص عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَاب الشُّرُوط إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2374",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرَادَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً لِتُعْتِقَهَا فَقَالَ أَهْلُهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ فَإِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏لِمَنْ أَعْتَقَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله عَنْ اِبْن عُمَر ( أَرَادَتْ عَائِشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى النَّيْسَابُورِيّ عَنْ مَالِك عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عَائِشَة \" فَصَارَ مِنْ مُسْنَد عَائِشَة , وَأَشَارَ اِبْن عَبْد الْبَرّ إِلَى تَفَرُّده عَنْ مَالِك بِذَلِكَ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه عَنْ الرَّبِيع عَنْ الشَّافِعِيّ عَنْ مَالِك كَذَلِكَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْمَعْرِفَة \" مِنْ طَرِيق الرَّبِيع , وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُنَا \" عَنْ \" لَا يُرَادُ بِهَا أَدَاة الرِّوَايَة بَلْ فِي السِّيَاق شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره عَنْ قِصَّة عَائِشَة فِي إِرَادَتهَا شِرَاء بَرِيرَة , وَقَدْ وَقَعَ نَظِير ذَلِكَ فِي قِصَّة بَرِيرَة , فَفِي النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن رُومَان \" عَنْ عُرْوَة عَنْ بَرِيرَة أَنَّهَا كَانَ فِيهَا ثَلَاث سِنِينَ \" قَالَ النَّسَائِيُّ : هَذَا خَطَأ وَالصَّوَاب رِوَايَة عُرْوَة عَنْ عَائِشَة. قُلْت : وَإِذَا حُمِلَ عَلَى مَا قَرَّرْته لَمْ يَكُنْ خَطَأ , بَلْ الْمُرَاد عَنْ قِصَّة بَرِيرَة , وَلَمْ يُرِدْ الرِّوَايَة عَنْهَا نَفْسهَا. ‏ ‏وَقَدْ قَرَّرْت هَذِهِ الْمَسْأَلَة بِنَظَائِرِهَا فِيمَا كَتَبْته عَلَى اِبْن الصَّلَاح. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَمْنَعُك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" لَا يَمْنَعَنَّك \" بِنُونِ التَّأْكِيد , وَالْأَوَّل رِوَايَة مُسْلِم. ‏"
    },
    {
        "id": "2375",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏جَاءَتْ ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏فَقَالَتْ إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ فَعَلْتُ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏لَهُمْ فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ خُذِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ ‏ ‏الْوَلَاءَ ‏ ‏فَإِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏لِمَنْ أَعْتَقَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَأَيُّمَا شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ فَقَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ أَعْتِقْ يَا فُلَانُ وَلِيَ ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏إِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏لِمَنْ أَعْتَقَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏زَادَ أَبُو ذَرّ \" اِبْن عُرْوَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَعِينِينِي ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْأَمْر لِلْمُؤَنَّثِ مِنْ الْإِعَانَة , وَفِي رِوَايَة الْْكُشْمِيهَنِيّ \" فَأَعْيَتْنِي \" بِصِيغَةِ الْخَبَر الْمَاضِي مِنْ الْإِعْيَاء , وَالضَّمِير لِلْأَوَاقِي , وَهُوَ مُتَّجَهُ الْمَعْنَى , أَيْ أَعْجَزَتْنِي عَنْ تَحْصِيلهَا. وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ هِشَام عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره \" فَأَعْتِقِينِي \" بِصِيغَةِ الْأَمْر لِلْمُؤَنَّثِ بِالْعِتْقِ , إِلَّا أَنَّ الثَّابِت فِي طَرِيق مَالِك وَغَيْره عَنْ هِشَام الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْوَلَاء ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَانْتَهَرْتهَا \" وَكَأَنَّ عَائِشَة كَانَتْ عَرَفَتْ الْحُكْم فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( خُذِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاء ) ‏ ‏قَالَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ وَغَيْره : كَذَا رَوَاهُ أَصْحَاب هِشَام عَنْ عُرْوَة وَأَصْحَاب مَالِك عَنْهُ عَنْ هِشَام , وَاسْتَشْكَلَ صُدُور الْإِذْن مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَيْع عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ , وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ : فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ الشَّرْط فِي الْحَدِيث , فَرَوَى الْخَطَّابِيُّ فِي \" الْعَالِم \" بِسَنَدِهِ إِلَى يَحْيَى بْن أَكْثَم أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ , وَعَنْ الشَّافِعِيّ فِي \" الْأُمّ \" الْإِشَارَة إِلَى تَضْعِيف رِوَايَة هِشَام الْمُصَرِّحَة بِالِاشْتِرَاطِ لِكَوْنِهِ اِنْفَرَدَ بِهَا دُون أَصْحَاب أَبِيهِ , وَرِوَايَات غَيْره قَابِلَة لِلتَّأْوِيلِ. وَأَشَارَ غَيْره إِلَى أَنَّهُ رُوِيَ بِالْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَ لَهُ , وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ , وَأَثْبَتَ الرِّوَايَة آخَرُونَ وَقَالُوا : هِشَام ثِقَةٌ حَافِظٌ , وَالْحَدِيث مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ فَلَا وَجْهَ لِرَدِّهِ. ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي تَوْجِيههَا : فَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الْمُزَنِيَّ حَدَّثَهُ بِهِ عَنْ الشَّافِعِيّ بِلَفْظِ \" وَأَشْرِطِي \" بِهَمْزَةِ قَطْع بِغَيْرِ تَاءٍ مُثَنَّاة , ثُمَّ وَجَّهَهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ : أَظْهَرِي لَهُمْ حُكْم الْوَلَاء. وَالْإِشْرَاط الْإِظْهَار , قَالَ أَوْس بْن حَجَر \" فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسه وَهُوَ مِعْصَمٌ \" أَيْ أَظْهَرَ نَفْسه اِنْتَهَى. وَأَنْكَرَ غَيْره الرِّوَايَة. وَالَّذِي فِي \" مُخْتَصَر الْمُزَنِيِّ \" وَ \" الْأُمّ \" وَغَيْرهمَا عَنْ الشَّافِعِيّ كَرِوَايَةِ الْجُمْهُور \" وَاشْتَرِطِي \" بِصِيغَةِ أَمْر الْمُؤَنَّث مِنْ الشَّرْط , ثُمَّ حَكَى الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا تَأْوِيل الرِّوَايَة الَّتِي بِلَفْظِ \" اِشْتَرِطِي \" وَأَنَّ اللَّام فِي قَوْله : \" اِشْتَرِطِي لَهُمْ \" بِمَعْنَى \" عَلَيَّ \" كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ) وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَنْ الْمُزَنِيِّ وَجَزَمَ بِهِ عَنْهُ الْخَطَّابِيُّ , وَهُوَ صَحِيحٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَسْنَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْمَعْرِفَة \" مِنْ طَرِيق أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ عَنْ حَرْمَلَة عَنْهُ , وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ اِبْن خُزَيْمَةَ أَنَّ قَوْل يَحْيَى بْن أَكْثَم غَلَط , وَالتَّأْوِيل الْمَنْقُول عَنْ الْمُزَنِيِّ لَا يَصِحُّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ : تَأْوِيل اللَّام بِمَعْنَى عَلَى هُنَا ضَعِيف , لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنْكَرَ الِاشْتِرَاط , وَلَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى عَلَى لَمْ يُنْكِرْهُ. فَإِنْ قِيلَ مَا أَنْكَرَ إِلَّا إِرَادَة الِاشْتِرَاط فِي أَوَّل الْأَمْر , فَالْجَوَاب أَنَّ سِيَاق الْحَدِيث يَأْبَى ذَلِكَ. وَضَعَّفَهُ أَيْضًا اِبْن دَقِيق الْعِيد وَقَالَ : اللَّام لَا تَدُلُّ بِوَضْعِهَا عَلَى الِاخْتِصَاص النَّافِع , بَلْ عَلَى مُطْلَقِ الِاخْتِصَاصِ , فَلَا بُدَّ فِي حَمْلِهَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَرِينَةٍ. وَقَالَ آخَرُونَ : الْأَمْر فِي قَوْله : \" اِشْتَرِطِي \" لِلْإِبَاحَةِ , وَهُوَ عَلَى جِهَة التَّنْبِيه عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ فَوُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ , وَكَأَنَّهُ يَقُولُ : اِشْتَرِطِي أَوْ لَا تَشْتَرِطِي فَذَلِكَ لَا يُفِيدُهُمْ. وَيُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيل قَوْله فِي رِوَايَة أَيْمَن الْآتِيَة آخِر أَبْوَاب الْمُكَاتَب \" اِشْتَرِيهَا وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاؤُوا \" وَقِيلَ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَم النَّاس بِأَنَّ اِشْتِرَاط الْبَائِع الْوَلَاء بَاطِل , وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى أَهْل بَرِيرَة , فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَشْتَرِطُوا مَا تَقَدَّمَ لَهُمْ الْعِلْم بِبُطْلَانِهِ أَطْلَقَ الْأَمْرَ مُرِيدًا بِهِ التَّهْدِيد عَلَى مَآل الْحَال كَقَوْلِهِ : ( وَقُلْ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّه عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ) وَكَقَوْلِ مُوسَى : ( أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ) أَيْ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَافِعِكُمْ , وَكَأَنَّهُ يَقُولُ : اِشْتَرِطِي لَهُمْ فَسَيَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ , وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله حِين خَطَبَهُمْ \" مَا بَال رِجَال يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا إِلَخْ \" فَوَبَّخَهُمْ بِهَذَا الْقَوْل مُشِيرًا إِلَى أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ بَيَان حُكْم اللَّه بِإِبْطَالِهِ , إِذْ لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ بَيَان ذَلِكَ لَبَدَأَ بِبَيَانِ الْحُكْم فِي الْخُطْبَة لَا بِتَوْبِيخِ الْفَاعِل , لِأَنَّهُ كَانَ يَكُون بَاقِيًا عَلَى الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة. وَقِيلَ الْأَمْر فِيهِ بِمَعْنَى الْوَعِيد الَّذِي ظَاهِره الْأَمْر وَبَاطِنه النَّهْي كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ) , وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي \" الْأُمّ \" : لَمَّا كَانَ مَنْ اِشْتَرَطَ خِلَاف مَا قَضَى اللَّه وَرَسُوله عَاصِيًا وَكَانَتْ فِي الْمَعَاصِي حُدُود وَآدَاب وَكَانَ مِنْ أَدَب الْعَاصِينَ أَنْ يُعَطِّل عَلَيْهِمْ شُرُوطهمْ لِيَرْتَدِعُوا عَنْ ذَلِكَ وَيَرْتَدِعَ بِهِ غَيْرهمْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَيْسَر الْأَدَب. وَقَالَ غَيْره : مَعْنَى اِشْتَرِطِي اُتْرُكِي مُخَالَفَتهمْ فِيمَا شَرَطُوهُ وَلَا تُظْهِرِي نِزَاعهمْ فِيمَا دَعَوْا إِلَيْهِ مُرَاعَاة لِتَنْجِيزِ الْعِتْق لِتَشَوُّفِ الشَّارِع إِلَيْهِ , وَقَدْ يُعْبَّرُ عَنْ التَّرْك بِالْفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) أَيْ نَتْرُكُهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالْإِذْنِ إِبَاحَة الْإِضْرَار بِالسِّحْرِ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا إِلَّا أَنَّهُ خَارِج عَنْ الْحَقِيقَة مِنْ غَيْر دَلَالَة عَلَى الْمَجَازِ مِنْ حَيْثُ السِّيَاقُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ : أَقْوَى الْأَجْوِبَة أَنَّ هَذَا الْحُكْم خَاصٌّ بِعَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّة وَأَنَّ سَبَبه الْمُبَالَغَة فِي الرُّجُوع عَنْ هَذَا الشَّرْط لِمُخَالَفَتِهِ حُكْم الشَّرْع , وَهُوَ كَفَسْخِ الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة كَانَ خَاصًّا بِتِلْك الْحَجَّة مُبَالَغَة فِي إِزَالَة مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ مَنْع الْعُمْرَة فِي أَشْهُرِ الْحَجّ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ اِرْتِكَاب أَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ إِذَا اِسْتَلْزَمَ إِزَالَة أَشَدّهمَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ اِسْتِدْلَال بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ عَلَى مُخْتَلَفٍ فِيهِ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد بِأَنَّ التَّخْصِيص لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ , وَلِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى خِلَاف هَذِهِ الْمَقَالَة. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : لَيْسَ فِي الْحَدِيث أَنَّ اِشْتِرَاط الْوَلَاء وَالْعِتْق كَانَ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ سَابِقًا لِلْعَقْدِ فَيَكُون الْأَمْر بِقَوْلِهِ : \" اِشْتَرِطِي \" مُجَرَّد الْوَعِيد وَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ , وَتُعُقِّبَ بِاسْتِبْعَادِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ شَخْصًا أَنْ يَعِدَ مَعَ عِلْمه بِأَنَّهُ لَا يَفِي بِذَلِكَ الْوَعْد. وَأَغْرَبَ اِبْن حَزْم فَقَالَ : كَانَ الْحُكْم ثَابِتًا بِجَوَازِ اِشْتِرَاط الْوَلَاء لِغَيْرِ الْمُعْتِق , فَوَقَعَ الْأَمْرُ بِاشْتِرَاطِهِ فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ جَائِزًا فِيهِ , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ الْحُكْم بِخُطْبَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِقَوْلِهِ : \" إِنَّمَا الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ \" وَلَا يَخْفَى بُعْد مَا قَالَ , وَسِيَاق طُرُق هَذَا الْحَدِيث تُدْفَعُ فِي وَجْهِ هَذَا الْجَوَاب وَاللَّه الْمُسْتَعَان. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَجْه هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْوَلَاء لَمَّا كَانَ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ , وَالْإِنْسَان إِذَا وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ ثَبَتَ لَهُ نَسَبه وَلَا يَنْتَقِل نَسَبه عَنْهُ وَلَوْ نُسِبَ إِلَى غَيْره , فَكَذَلِكَ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا ثَبَتَ لَهُ وَلَاؤُهُ وَلَوْ أَرَادَ نَقْل وَلَائِهِ عَنْهُ أَوْ أَذِنَ فِي نَقْله عَنْهُ لَمْ يَنْتَقِلْ , فَلَمْ يَعْبَأْ بِاشْتِرَاطِهِمْ الْوَلَاء , وَقِيلَ اِشْتَرِطِي وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاءُوا وَنَحْو ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْر قَادِح فِي الْعَقْد بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ اللَّغْو مِنْ الْكَلَام , وَأَخَّرَ إِعْلَامهمْ بِذَلِكَ لِيَكُونَ رَدُّهُ وَإِبْطَاله قَوْلًا شَهِيرًا يُخْطَبُ بِهِ عَلَى الْمِنْبَر ظَاهِرًا , إِذْ هُوَ أَبْلَغُ فِي النَّكِير وَأَوْكَدُ فِي التَّعْبِير ا ه. وَهُوَ يُؤَوَّل إِلَى أَنَّ الْأَمْر فِيهِ بِمَعْنَى الْإِبَاحَة كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَضَاء اللَّه أَحَقّ ) ‏ ‏أَيْ بِالِاتِّبَاعِ مِنْ الشُّرُوط الْمُخَالِفَة لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَشَرْط اللَّه أَوْثَق ) ‏ ‏أَيْ بِاتِّبَاعِ حُدُوده الَّتِي حَدَّهَا , وَلَيْسَتْ الْمُفَاعَلَة هُنَا عَلَى حَقِيقَتهَا إِذْ لَا مُشَارَكَة بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل , وَقَدْ وَرَدَتْ صِيغَة أَفْعَل لِغَيْرِ التَّفْضِيل كَثِيرًا , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَال وَرَدَ ذَلِكَ عَلَى مَا اِعْتَقَدُوهُ مِنْ الْجَوَاز. ‏ ‏قَوْله : ( مَا بَال رِجَال ) ‏ ‏أَيْ مَا حَالهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ ) ‏ ‏يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ كَلِمَة \" إِنَّمَا \" لِلْحَصْرِ , وَهُوَ إِثْبَات الْحُكْم لِلْمَذْكُورِ وَنَفِيه عَمَّا عَدَاهُ. وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا لَزِمَ مِنْ إِثْبَات الْوَلَاء لِلْمُعْتِقِ نَفْيه عَنْ غَيْره , وَاسْتَدَلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُل أَوْ وَقَعَ بَيْنه وَبَيْنه مُحَالَفَة خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ , وَلَا لِلْمُلْتَقِطِ خِلَافًا لِإِسْحَاق. وَسَيَأْتِي مَزِيد بَسْط لِذَلِكَ فِي كِتَاب الْفَرَائِض إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَيُسْتَفَادُ مِنْ مَنْطُوقه إِثْبَات الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ سَابِيه خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَصِيرُ وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ , وَيَدْخُلُ فِيمَنْ أَعْتَقَ عِتْق الْمُسْلِم لِلْمُسْلِمِ وَلِلْكَافِرِ , وَبِالْعَكْسِ ثُبُوت الْوَلَاء لِلْمُعْتَقِ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق جَرِير بْن عَبْد الْحَمِيد عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث \" فَخَيَّرَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن زَوْجهَا وَكَانَ عَبْدًا \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة سَتَأْتِي فِي النِّكَاح مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , مَعَ ذِكْر الْخِلَاف فِي زَوْجهَا هَلْ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا , وَتَسْمِيَته , وَمَا اِتَّفَقَ لَهُ بَعْد فِرَاقهَا. ‏ ‏وَفِي حَدِيث بَرِيرَة هَذَا مِنْ الْفَوَائِد - سِوَى مَا سَبَقَ وَسِوَى مَا سَيَأْتِي فِي النِّكَاح - جَوَاز كِتَابَة الْأَمَة كَالْعَبْدِ , وَجَوَاز كِتَابَة الْمُتَزَوِّجَة وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ الزَّوْج , وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ كِتَابَتهَا وَلَوْ كَانَتْ تُؤَدِّي إِلَى فِرَاقِهَا مِنْهُ , كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ الْمُتَزَوِّجِ مَنْع السَّيِّد مِنْ عِتْقِ أَمَتِهِ الَّتِي تَحْتَهُ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى بُطْلَان نِكَاحهَا. ‏ ‏وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ تَمْكِينِهَا مِنْ السَّعْيِ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا خِدْمَته. وَفِيهِ جَوَازُ سَعْي الْمُكَاتَبَة وَسُؤَالهَا وَاكْتِسَابهَا وَتَمْكِين السَّيِّد لَهَا مِنْ ذَلِكَ , وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ الْجَوَاز إِذَا عَرَفَتْ جِهَة حِلّ كَسْبهَا , وَفِيهِ الْبَيَان بِأَنَّ النَّهْي الْوَارِد عَنْ كَسْب الْأَمَة مَحْمُول عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ وَجْهَ كَسْبهَا , أَوْ مَحْمُول عَلَى غَيْر الْمُكَاتَبَة. ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَسْأَلَ مِنْ حِين الْكِتَابَة وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ عَجْزه خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَهُ. ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز السُّؤَال لِمَنْ اِحْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ غُرْمٍ أَوْ نَحْو ذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَعْجِيلِ مَال الْكِتَابَة. ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز الْمُسَاوَمَة فِي الْبَيْع وَتَشْدِيد صَاحِب السِّلْعَة فِيهَا , وَأَنَّ الْمَرْأَة الرَّشِيدَة تَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهَا فِي الْبَيْع وَغَيْره وَلَوْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيد فِي كِتَاب الْهِبَة , وَأَنَّ مَنْ لَا يَتَصَرَّفُ بِنَفْسِهِ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ , وَأَنَّ الْعَبْد إِذَا أَذِنَ السَّيِّد لَهُ فِي التِّجَارَة جَازَ تَصَرُّفُهُ. ‏ ‏وَفِيهِ جَوَازُ رَفْع الصَّوْت عِنْد إِنْكَار الْمُنْكَر , وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْعِتْقِ أَنْ يُظْهِرَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِ الرَّقَبَة لِيَتَسَاهَلُوا لَهُ فِي الثَّمَن وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ الرِّيَاء. وَفِيهِ إِنْكَار الْقَوْل الَّذِي لَا يُوَافِقُ الشَّرْع وَانْتِهَار الرَّسُول فِيهِ. ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّ الشَّيْء إِذَا بِيعَ بِالنَّقْدِ كَانَتْ الرَّغْبَة فِيهِ أَكْثَر مِمَّا لَوْ بِيعَ بِالنَّسِيئَةِ , وَأَنَّ لِلْمَرْءِ أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ دَيْنَهُ بِرِضَاهُ. ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز الشِّرَاء بِالنَّسِيئَةِ , وَأَنَّ الْمُكَاتَب لَوْ عَجَّلَ بَعْض كِتَابَته قَبْل الْمَحَلّ عَلَى أَنْ يَضَعَ عَنْهُ سَيِّده الْبَاقِي لَمْ يُجْبَر السَّيِّد عَلَى ذَلِكَ. وَجَوَاز الْكِتَابَة عَلَى قَدْر قِيمَة الْعَبْد وَأَقَلّ مِنْهَا وَأَكْثَر , لِأَنَّ بَيْن الثَّمَن الْمُنَجَّز وَالْمُؤَجَّل فَرْقًا , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ بَذَلَتْ عَائِشَة الْمُؤَجَّل نَاجِزًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قِيمَتهَا كَانَتْ بِالتَّأْجِيلِ أَكْثَر مِمَّا كُوتِبَتْ بِهِ وَكَانَ أَهْلهَا بَاعُوهَا بِذَلِكَ. ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَاد بِالْخَيْرِ فِي قَوْله تَعَالَى : ( إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) الْقُوَّة عَلَى الْكَسْب , وَالْوَفَاء بِمَا وَقَعَتْ الْكِتَابَة عَلَيْهِ , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِهِ الْمَال , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ الْمَال الَّذِي فِي يَد الْمُكَاتَب لِسَيِّدِهِ فَكَيْف يُكَاتِبُهُ بِمَالِهِ , لَكِنْ مَنْ يَقُول إِنَّ الْعَبْد يَمْلِكُ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ هَذَا , وَقَدْ نُقِلَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْمُرَاد بِالْخَيْرِ الْمَال مَعَ أَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ الْعَبْد لَا يَمْلِكُ , فَنُسِبَ إِلَى التَّنَاقُض , وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُ أَحَد الْأَمْرَيْنِ , وَاحْتَجَّ غَيْره بِأَنَّ الْعَبْد مَال سَيِّده وَالْمَال الَّذِي مَعَهُ لِسَيِّدِهِ فَكَيْف يُكَاتِبُهُ بِمَالِهِ ؟ وَقَالَ آخَرُونَ لَا يَصِحُّ تَفْسِير الْخَيْر بِالْمَالِ فِي الْآيَة لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فُلَان لَا مَال فِيهِ وَإِنَّمَا يُقَالُ لَا مَالَ لَهُ أَوْ لَا مَالَ عِنْده , فَكَذَا إِنَّمَا يُقَالُ فِيهِ وَفَاء وَفِيهِ أَمَانَةٌ وَفِيهِ حُسْنُ مُعَامَلَةٍ وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا جَوَاز كِتَابَة مَنْ لَا حِرْفَةَ لَهُ وِفَاقًا لِلْجُمْهُورِ , وَاخْتَلَفَ عَنْ مَالِك وَأَحْمَد وَذَلِكَ أَنَّ بَرِيرَة جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَلَى كِتَابَتهَا وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْهَا شَيْئًا , فَلَوْ كَانَ لَهَا مَال أَوْ حِرْفَة لَمَا اِحْتَاجَتْ إِلَى الِاسْتِعَانَة لِأَنَّ كِتَابَتهَا لَمْ تَكُنْ حَالَّة. وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ عُرْوَة \" أَنَّ عَائِشَة اِبْتَاعَتْ بَرِيرَة مُكَاتَبَة وَهِيَ لَمْ تَقْضِ مِنْ كِتَابَتهَا شَيْئًا \" وَتَقَدَّمَتْ الزِّيَادَة مِنْ وَجْه آخَر. وَفِيهِ جَوَاز أَخْذ الْكِتَابَة مِنْ مَسْأَلَة النَّاس , وَالرَّدّ عَلَى مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّهُ أَوْسَاخ النَّاس. ‏ ‏وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة مَعُونَة الْمُكَاتَبَة بِالصَّدَقَةِ , وَعِنْد الْمَالِكِيَّة رِوَايَة أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْض. وَفِيهِ جَوَاز الْكِتَابَة بِقَلِيلِ الْمَال وَكَثِيره , وَجَوَاز التَّأْقِيت فِي الدُّيُون فِي كُلّ شَهْر مَثَلًا كَذَا مِنْ غَيْر بَيَان أَوَّله أَوْ وَسَطه , وَلَا يَكُون ذَلِكَ مَجْهُولًا لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِانْقِضَاءِ الشَّهْر الْحُلُول , كَذَا قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَفِيهِ نَظَر لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون قَوْل بَرِيرَة : \" فِي كُلّ عَام أُوقِيَّة \" أَيْ فِي غُرَّته مَثَلًا , وَعَلَى تَقْدِير التَّسْلِيم فَيُمْكِنُ التَّفْرِقَة بَيْن الْكِتَابَة وَالدُّيُون , فَإِنَّ الْمُكَاتَب لَوْ عَجَزَ حَلَّ لِسَيِّدِهِ مَا أَخَذَ مِنْهُ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيّ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : لَا فَرْق بَيْن الدُّيُون وَغَيْرهَا , وَقِصَّة بَرِيرَة مَحْمُولَة عَلَى أَنَّ الرَّاوِي قَصَّرَ فِي بَيَان تَعْيِين الْوَقْت وَإِلَّا يَصِير الْأَجَل مَجْهُولًا. وَقَدْ نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّلَف إِلَّا إِلَى أَجَل مَعْلُوم. وَفِيهِ أَنَّ الْعَدّ فِي الدَّرَاهِم الصِّحَاح الْمَعْلُومَة الْوَزْن يَكْفِي عَنْ الْوَزْن , وَأَنَّ الْمُعَامَلَة فِي ذَلِكَ الْوَقْت كَانَتْ بِالْأَوَاقِيِ , وَالْأُوقِيَّة أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة. وَزَعَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ أَنَّ أَهْل الْمَدِينَة كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِالْعَدِّ إِلَى مَقْدَم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة ثُمَّ أُمِرُوا بِالْوَزْنِ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ قِصَّة بَرِيرَة مُتَأَخِّرَة عَنْ مَقْدَمه بِنَحْوٍ مِنْ ثَمَان سِنِينَ , لَكِنْ يُحْتَمَلُ قَوْل عَائِشَة \" أَعُدُّهَا لَهُمْ عَدَّة وَاحِدَة \" أَيْ أَدْفَعهَا لَهُمْ , وَلَيْسَ مُرَادهَا حَقِيقَة الْعَدّ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْلهَا فِي طَرِيق عَمْرَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ \" أَنْ أَصُبَّ لَهُمْ ثَمَنك صَبَّة وَاحِدَة \". ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز الْبَيْع عَلَى شَرْط الْعِتْق بِخِلَافِ الْبَيْع بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ لِغَيْرِهِ وَلَا يَهَبَهُ مَثَلًا , وَأَنَّ مِنْ الشُّرُوط فِي الْبَيْع مَا لَا يُبْطِلُ وَلَا يَضُرّ الْبَيْع. ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز بَيْع الْمُكَاتَب إِذَا رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاجِزًا عَنْ أَدَاء نَجْم قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ , لِأَنَّ بَرِيرَة لَمْ تَقُلْ إِنَّهَا عَجَزَتْ وَلَا اِسْتَفْصَلَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ. ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز مُنَاجَاة الْمَرْأَة دُون زَوْجهَا سِرًّا إِذَا كَانَ الْمُنَاجِي مِمَّنْ يُؤْمَنُ , وَأَنَّ الرَّجُل إِذَا رَأَى شَاهِد الْحَال يَقْتَضِي السُّؤَال عَنْ ذَلِكَ سَأَلَ وَأَعَانَ , وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ لِزَوْجَتِهِ وَيُشْهِدَ. ‏ ‏وَفِيهِ قَبُول خَبَر الْمَرْأَة وَلَوْ كَانَتْ أَمَة , وَيُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمُ الْعَبْدِ بِطَرِيق الْأَوْلَى. ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّ عَقْد الْكِتَابَة قَبْل الْأَدَاء لَا يَسْتَلْزِمُ الْعِتْقَ , وَأَنَّ بَيْع الْأَمَة ذَات الزَّوْج لَيْسَ بِطَلَاقٍ. ‏ ‏وَفِيهِ الْبُدَاءَة فِي الْخُطْبَة بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاء , وَقَوْل أَمَّا بَعْدُ فِيهَا , وَالْقِيَام فِيهَا , وَجَوَاز تَعَدُّد الشُّرُوطِ لِقَوْلِهِ : \" مِائَة شَرْط \" وَأَنَّ الْإِيتَاء الَّذِي أَمَرَ بِهِ السَّيِّد سَاقِط عَنْهُ إِذَا بَاعَ مُكَاتَبه لِلْعِتْقِ. ‏ ‏وَفِيهِ أَنْ لَا كَرَاهَة فِي السَّجْع فِي الْكَلَام إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ قَصْد وَلَا مُتَكَلِّفًا. ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ حَالَة فَارَقَ فِيهَا الْأَحْرَار وَالْعَبِيد. ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُظْهِرُ الْأُمُور الْمُهِمَّة مِنْ أُمُور الدِّينِ وَيُعْلِنُهَا وَيَخْطُبُ بِهَا عَلَى الْمِنْبَر لِإِشَاعَتِهَا , وَيُرَاعِي مَعَ ذَلِكَ قُلُوب أَصْحَابه , لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ أَصْحَاب بَرِيرَة بَلْ قَالَ : \" مَا بَال رِجَال \" وَلِأَنَّهُ يُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ تَقْرِير شَرْع عَامّ لِلْمَذْكُورِينَ وَغَيْرهمْ فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة وَغَيْرهَا. وَهَذَا بِخِلَافِ قِصَّة عَلِيّ فِي خِطْبَته بِنْت أَبِي جَهْل فَإِنَّهَا كَانَتْ خَاصَّة بِفَاطِمَةَ فَلِذَلِكَ عَيَّنَهَا. وَفِيهِ حِكَايَة الْوِقَاع لِتَعْرِيفِ الْأَحْكَام , وَأَنَّ اِكْتِسَاب الْمُكَاتَب لَهُ لَا لِسَيِّدِهِ , وَجَوَاز تَصَرُّف الْمَرْأَة الرَّشِيدَة فِي مَالهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا , وَمُرَاسَلَتهَا الْأَجَانِب فِي أَمْر الْبَيْع وَالشِّرَاء كَذَلِكَ , وَجَوَاز شِرَاء السِّلْعَة لِلرَّاغِبِ فِي شِرَائِهَا بِأَكْثَر مِنْ ثَمَن مِثْلهَا لِأَنَّ عَائِشَة بَذَلَتْ مَا قَرَّرَ نَسِيئَة عَلَى جِهَة النَّقْد مَعَ اِخْتِلَاف الْقِيمَة بَيْن النَّقْد وَالنَّسِيئَة. ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز اِسْتِدَانَة مَنْ لَا مَال لَهُ عِنْد حَاجَته إِلَيْهِ. قَالَ اِبْن بَطَّال : أَكْثَر النَّاس فِي تَخْرِيج الْوُجُوهُ فِي حَدِيث بَرِيرَة حَتَّى بَلَغُوهَا نَحْو مِائَة وَجْه , وَسَيَأْتِي الْكَثِير مِنْهَا فِي كِتَاب النِّكَاح. ‏ ‏وَقَالَ النَّوَوِيّ : صَنَّفَ فِيهِ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن جَرِير تَصْنِيفَيْنِ كَبِيرَيْنِ أَكْثَرَا فِيهِمَا مِنْ اِسْتِنْبَاط الْفَوَائِد مِنْهَا فَذَكَرَا أَشْيَاء. ‏ ‏قُلْت : وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَصْنِيف اِبْن خُزَيْمَةَ , وَوَقَفْت عَلَى كَلَام اِبْن جَرِير مِنْ كِتَابه \" تَهْذِيب الْآثَار \" وَلَخَّصْت مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ بِعَوْنِ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ بَلَغَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ الْفَوَائِد مِنْ حَدِيث بَرِيرَة إِلَى أَرْبَعمِائَةِ أَكْثَرهَا مُسْتَبْعَد مُتَكَلَّف , كَمَا وَقَعَ نَظِير ذَلِكَ الَّذِي صَنَّفَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْمُجَامِع فِي رَمَضَان فَبَلَغَ بِهِ أَلْف فَائِدَة وَفَائِدَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2376",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏جَاءَتْ تَسْتَعِينُ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَقَالَتْ لَهَا إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَصُبَّ لَهُمْ ثَمَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةً فَأُعْتِقَكِ فَعَلْتُ فَذَكَرَتْ ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏ذَلِكَ لِأَهْلِهَا فَقَالُوا لَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَاؤُكِ لَنَا قَالَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏فَزَعَمَتْ ‏ ‏عَمْرَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏لِمَنْ أَعْتَقَ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ سَاقَ الْمُصَنِّف قِصَّة بَرِيرَة مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَمْرَة بِنْت عَبْد الرَّحْمَن \" أَنَّ بَرِيرَة جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَائِشَة \" وَصُورَة سِيَاقه الْإِرْسَال , وَلَمْ تَخْتَلِفْ الرُّوَاة عَنْ مَالِك فِي ذَلِكَ , لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة , وَفِي رِوَايَة هُنَاكَ عَنْ عَمْرَة \" سَمِعْت عَائِشَة \" فَظَهَرَ أَنَّهُ مَوْصُول , وَقَدْ وَصَلَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق مُطَرِّف عَنْ مَالِك كَذَلِكَ. ‏ ‏وَقَوْله : \" إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَنَا \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْْكُشْمِيهَنِيّ \" إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَاؤُك \". ‏ ‏وَقَوْله : \" قَالَ مَالِك قَالَ يَحْيَى \" ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏"
    },
    {
        "id": "2377",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏أَيْمَنُ ‏ ‏قَالَ دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏كُنْتُ غُلَامًا ‏ ‏لِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ ‏ ‏وَمَاتَ وَوَرِثَنِي بَنُوهُ وَإِنَّهُمْ بَاعُونِي مِنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيِّ ‏ ‏فَأَعْتَقَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَمْرٍو ‏ ‏وَاشْتَرَطَ ‏ ‏بَنُو عُتْبَةَ ‏ ‏الْوَلَاءَ ‏ ‏فَقَالَتْ دَخَلَتْ ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ فَقَالَتْ اشْتَرِينِي وَأَعْتِقِينِي قَالَتْ نَعَمْ قَالَتْ لَا يَبِيعُونِي حَتَّى يَشْتَرِطُوا وَلَائِي فَقَالَتْ لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ فَسَمِعَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ بَلَغَهُ فَذَكَرَ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏فَذَكَرَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏مَا قَالَتْ لَهَا فَقَالَ ‏ ‏اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاءُوا فَاشْتَرَتْهَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَأَعْتَقَتْهَا وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا الْوَلَاءَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏لِمَنْ أَعْتَقَ وَإِنْ اشْتَرَطُوا مِائَةَ شَرْطٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ أَيْمَن الْحَبَشِيّ الْمَكِّيّ نَزِيل الْمَدِينَة وَالِد عَبْد الْوَاحِد , وَهُوَ غَيْر أَيْمَن بْن نَايِل الْحَبَشِيّ الْمَكِّيّ نَزِيل عَسْقَلَان , وَكِلَاهُمَا مِنْ التَّابِعِينَ , وَلَيْسَ لِوَالِدِ عَبْد الْوَاحِد فِي الْبُخَارِيّ سِوَى خَمْسَة أَحَادِيث : هَذَا وَآخَرَانِ عَنْ عَائِشَة وَحَدِيثَانِ عَنْ جَابِر , وَكُلّهَا مُتَابَعَة , وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْر وَلَده عَبْد الْوَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( وَوَرِثَنِي بَنُوهُ ) ‏ ‏أَعْرِف مِنْ أَوْلَاد عُتْبَةَ الْعَبَّاس بْن عُتْبَةَ وَالِد الْفَضْل الشَّاعِر الْمَشْهُور , وَأَبَا خِرَاش بْن عُتْبَةَ ذَكَرَهُ الْفَاكِهِيّ فِي \" كِتَاب مَكَّة \" وَهِشَام بْن عُتْبَةَ وَالِد أَحْمَد الْمَذْكُور فِي \" تَارِيخ اِبْن عَسَاكِر \" عَنْ اِبْن أَبِي عِمْرَان , وَيَزِيد بْن عُتْبَةَ جَدّ عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن يَزِيد الْمَذْكُور عِنْد الْفَاكِهِيّ أَيْضًا , وَلَمْ أَرَ لَهُمْ ذِكْرًا فِي كِتَاب الزُّبَيْر فِي النَّسَب , وَعُتْبَة بْن أَبِي لَهَب لَهُ صُحْبَة دُون أَخِيهِ عُتَيْبَة بِالتَّصْغِيرِ فَإِنَّهُ مَاتَ كَافِرًا. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ اِبْن أَبِي عَمْرو ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ والْْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي عَمْرو \" زَادَ الْْكُشْمِيهَنِيّ \" اِبْن عُمَر بْن عَبْد اللَّه الْمَخْزُومِيّ \". ‏ ‏قَوْله فِيهِ ( اِشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُوا مَا شَاءُوا , فَاشْتَرَتْهَا عَائِشَة فَأَعْتَقَتْهَا ) ‏ ‏فِي هَذَا دَلَالَة عَلَى أَنَّ عَقْد الْكِتَابَة الَّذِي كَانَ عَقَدَ لَهَا مَوَالِيهَا اِنْفَسَخَ بِابْتِيَاعِ عَائِشَة لَهَا , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ عَائِشَة اِشْتَرَتْ مِنْهُمْ الْوَلَاء , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْأَوْزَاعِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَب لَا يُبَاعُ إِلَّا لِلْعِتْقِ , وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ قَرِيبًا , وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْعِتْق وَمَا اِتَّصَلَ بِهِ مِنْ الْمُكَاتَب عَلَى سِتَّة وَسِتِّينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا ثَلَاثَة عَشَر وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى تِسْعَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِص سَبْعَة عَشَر حَدِيثًا , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى ثَلَاثَة : حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي عِتْق عَبْده , وَحَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الْعَبَّاس , وَحَدِيث \" مَنْ سَيِّدُكُمْ \". وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ سَبْعَة آثَار. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2378",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ ‏ ‏فِرْسِنَ ‏ ‏شَاةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ \" عَنْ أَبِيهِ \" مِنْ رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَة , وَضَبَّبَ عَلَيْهِ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ , وَالصَّوَاب إِثْبَاته. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى , وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل الْقَاضِي , وَأَبُو عَوَانَة عَنْ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ كُلّهمْ عَنْ عَاصِم بْن عَلِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ. وَمِنْ طَرِيق شَبَابَة وَعُثْمَان بْن عَمْرو بْن الْمُبَارَك عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" عَنْ آدَم كُلّهمْ عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب كَذَلِكَ , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ اللَّيْث عَنْ سَعِيد كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَدَب , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي مَعْشَر عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة لَمْ يَقُلْ \" عَنْ أَبِيهِ \" وَزَادَ فِي أَوَّله \" تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّة تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْر \" الْحَدِيث , وَقَالَ غَرِيب , وَأَبُو مَعْشَر يُضَعَّف. وَقَالَ الطَّرْقِيّ إِنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ \" عَنْ أَبِيهِ \" كَذَا قَالَ وَقَدْ تَابَعَهُ مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ سَعِيد , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة. نَعَمْ مَنْ زَادَ فِيهِ \" عَنْ أَبِيهِ \" أَحْفَظ وَأَضْبَط فَرِوَايَتهمْ أَوْلَى. وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُثْمَان بْن عُمَر \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \". ‏ ‏قَوْله : ( يَا نِسَاء الْمُسْلِمَات ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : الْأَصَحّ الْأَشْهَر نَصْب النِّسَاء وَجَرّ الْمُسْلِمَات عَلَى الْإِضَافَة , وَهِيَ رِوَايَة الْمَشَارِقَة مِنْ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى صِفَته كَمَسْجِدِ الْجَامِع , وَهُوَ عِنْد الْكُوفِيِّينَ عَلَى ظَاهِره , وَعِنْد الْبَصْرِيِّينَ يُقَدِّرُونَ فِيهِ مَحْذُوفًا. وَقَالَ السُّهَيْلِيّ وَغَيْره : جَاءَ بِرَفْعِ الْهَمْزَة عَلَى أَنَّهُ مُنَادَى مُفْرَد , وَيَجُوزُ فِي الْمُسْلِمَات الرَّفْع صِفَة عَلَى اللَّفْظ عَلَى مَعْنَى يَا أَيُّهَا النِّسَاء الْمُسْلِمَات , وَالنَّصْب صِفَة عَلَى الْمَوْضِع , وَكَسْرَة التَّاء عَلَامَة النَّصْب , وَرُوِيَ بِنَصْبِ الْهَمْزَة عَلَى أَنَّهُ مُنَادَى مُضَاف وَكَسْرَة التَّاء لِلْخَفْضِ بِالْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِمْ مَسْجِد الْجَامِع , وَهُوَ مِمَّا أُضِيفَ فِيهِ الْمَوْصُوف إِلَى الصِّفَة فِي اللَّفْظ , فَالْبَصْرِيُّونَ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى حَذْف الْمَوْصُوف وَإِقَامَة صِفَته مَقَامه نَحْو يَا نِسَاء الْأَنْفُس الْمُسْلِمَات أَوْ يَا نِسَاء الطَّوَائِف الْمُؤْمِنَات أَيْ لَا الْكَافِرَات , وَقِيلَ تَقْدِيره يَا فَاضِلَات الْمُسْلِمَات كَمَا يُقَالُ هَؤُلَاءِ رِجَال الْقَوْم أَيْ أَفَاضِلهمْ , وَالْكُوفِيُّونَ يَدَّعُونَ أَنْ لَا حَذْف فِيهِ وَيَكْتَفُونَ بِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظ فِي الْمُغَايَرَة. وَقَالَ اِبْن رَشِيد : تَوْجِيهه أَنَّهُ خَاطَبَ نِسَاء بِأَعْيَانِهِنَّ فَأَقْبَلَ بِنِدَائِهِ عَلَيْهِنَّ فَصَحَّتْ الْإِضَافَة عَلَى مَعْنَى الْمَدْح لَهُنَّ , فَالْمَعْنَى يَا خَيْرَات الْمُؤْمِنَات كَمَا يُقَالُ رِجَال الْقَوْم , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَخْصُصْهُنَّ بِهِ لِأَنَّ غَيْرَهُنَّ يُشَارِكُهُنَّ فِي الْحُكْم , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمَا يُشَارِكْنَهُنَّ بِطَرِيقِ الْإِلْحَاق , وَأَنْكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ رِوَايَة الْإِضَافَة , وَرَدَّهُ اِبْن السَّيِّد بِأَنَّهَا قَدْ صَحَّتْ نَقْلًا وَسَاعَدَتْهَا اللُّغَة فَلَا مَعْنَى لِلْإِنْكَارِ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : يُمْكِنُ تَخْرِيج يَا نِسَاء الْمُسْلِمَات عَلَى تَقْدِير بَعِيد وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ نَعْتًا لِشَيْءٍ مَحْذُوفٍ كَأَنَّهُ قَالَ يَا نِسَاء الْأَنْفُس الْمُسْلِمَات , وَالْمُرَاد بِالْأَنْفُسِ الرِّجَال , وَوَجْه بُعْده أَنَّهُ يَصِير مَدْحًا لِلرِّجَالِ وَهُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا خَاطَبَ النِّسَاء , قَالَ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْأَنْفُسِ الرِّجَال وَالنِّسَاء مَعًا , وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير. وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث عَائِشَة بِلَفْظِ \" يَا نِسَاء الْمُؤْمِنِينَ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( جَارَة لِجَارَتِهَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِأَبِي ذَرّ \" لِجَارَةٍ \" وَالْمُتَعَلِّقُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ هَدِيَّة مُهْدَاة. ‏ ‏قَوْله : ( فِرْسِن ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء وَالْمُهْمَلَة بَيْنهمَا رَاء سَاكِنَة وَآخِره نُون هُوَ عَظْم قَلِيل اللَّحْم , وَهُوَ لِلْبَعِيرِ مَوْضِع الْحَافِر لِلْفَرَسِ , وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّاة مَجَازًا , وَنُونه زَائِدَة وَقِيلَ أَصْلِيَّة , وَأُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى الْمُبَالَغَة فِي إِهْدَاء الشَّيْء الْيَسِير وَقَبُوله لَا إِلَى حَقِيقَة الْفِرْسِن لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَة بِإِهْدَائِهِ أَيْ لَا تَمْنَعُ جَارَة مِنْ الْهَدِيَّة لِجَارَتِهَا الْمَوْجُود عِنْدهَا لِاسْتِقْلَالِهِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَجُودَ لَهَا بِمَا تَيَسَّرَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ الْعَدَم , وَذِكْر الْفِرْسِن عَلَى سَبِيل الْمُبَالَغَة , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْي إِنَّمَا وَقَعَ لِلْمُهْدَى إِلَيْهَا وَأَنَّهَا لَا تَحْتَقِرُ مَا يُهْدَى إِلَيْهَا وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا , وَحَمْلُهُ عَلَى الْأَعَمّ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى. وَفِي حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور \" يَا نِسَاء الْمُؤْمِنِينَ تَهَادَوْا وَلَوْ فِرْسِن شَاة , فَإِنَّهُ يُنْبِتُ الْمَوَدَّةَ وَيُذْهِبُ الضَّغَائِن \" وَفِي الْحَدِيث الْحَضّ عَلَى التَّهَادِي وَلَوْ بِالْيَسِيرِ لِأَنَّ الْكَثِير قَدْ لَا يَتَيَسَّر كُلّ وَقْت , وَإِذَا تَوَاصَلَ الْيَسِير صَارَ كَثِيرًا. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الْمَوَدَّة وَإِسْقَاط التَّكَلُّف. ‏"
    },
    {
        "id": "2379",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏لِعُرْوَةَ ‏ ‏ابْنَ ‏ ‏أُخْتِي ‏ ‏إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثُمَّ الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَارٌ فَقُلْتُ يَا خَالَةُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ قَالَتْ الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلَّا أَنَّهُ ‏ ‏قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جِيرَانٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏كَانَتْ لَهُمْ ‏ ‏مَنَائِحُ ‏ ‏وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ أَلْبَانِهِمْ فَيَسْقِينَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِبْن أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الْعَزِيز. ‏ ‏قَوْله : ( يَزِيد بْن رُومَان ) ‏ ‏بِضَمِّ الرَّاء , وَرِجَال الْإِسْنَاد كُلّهمْ مَدَنِيُّونَ , وَفِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق أَوَّلهمْ أَبُو حَازِم وَهُوَ سَلَمَة بْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن أُخْتِي ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاء وَأَدَاة النِّدَاء مَحْذُوفَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى عَنْ عَبْد الْعَزِيز \" وَاللَّه يَا اِبْن أُخْتِي \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ كُنَّا لَنَنْظُر ) ‏ ‏هِيَ الْمُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة وَضَمِيرهَا مُسْتَتِر وَلِذَا دَخَلَتْ اللَّام فِي الْخَبَر. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاثَة أَهِلَّة ) ‏ ‏يَجُوزُ فِي ثَلَاثَة الْجَرّ وَالنَّصْب. ‏ ‏قَوْله : ( فِي شَهْرَيْنِ ) ‏ ‏هُوَ بِاعْتِبَارِ رُؤْيَة الْهِلَال أَوَّل الشَّهْر ثُمَّ رُؤْيَته ثَانِيًا فِي أَوَّل الشَّهْر الثَّانِي ثُمَّ رُؤْيَته ثَالِثًا فِي أَوَّل الشَّهْر الثَّالِث فَالْمُدَّة سِتُّونَ يَوْمًا وَالْمَرْئِيّ ثَلَاثَة أَهِلَّة , وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاق مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ \" كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْر مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا \" وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن رُومَان هَذِهِ زِيَادَة عَلَيْهِ وَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ \" لَقَدْ كَانَ يَأْتِي عَلَى آلِ مُحَمَّد الشَّهْر مَا يُرَى فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوته الدُّخَان \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا يُعِيشكُمْ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله يُقَال أَعَاشَهُ اللَّه عِيشَة , وَضَبَطَهُ النَّوَوِيّ بِتَشْدِيدِ الْيَاء التَّحْتَانِيَّة , وَفِي بَعْض النُّسَخ \" مَا يُغْنِيكُمْ \" بِسُكُونِ الْمُعْجَمَة بَعْدهَا نُون مَكْسُورَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة , وَفِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة \" قُلْت فَمَا كَانَ طَعَامكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( الْأَسْوَدَانِ التَّمْر وَالْمَاء ) ‏ ‏هُوَ عَلَى التَّغْلِيب وَإِلَّا فَالْمَاء لَا لَوْن لَهُ ; وَلِذَلِكَ قَالُوا الْأَبْيَضَانِ اللَّبَن وَالْمَاء , وَإِنَّمَا أَطْلَقَتْ عَلَى التَّمْر الْأَسْوَد لِأَنَّهُ غَالِب تَمْر الْمَدِينَة , وَزَعَمَ صَاحِب \" الْمُحْكَم \" وَارْتَضَاهُ بَعْض الشُّرَّاح الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ تَفْسِير الْأَسْوَدَيْنِ بِالتَّمْرِ وَالْمَاء مُدْرَج , وَإِنَّمَا أَرَادَتْ الْحَرَّة وَاللَّيْل , وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ وُجُود التَّمْر وَالْمَاء يَقْتَضِي وَصْفهمْ بِالسَّعَةِ , وَسِيَاقهَا يَقْتَضِي وَصْفهمْ بِالضِّيقِ , وَكَأَنَّهَا بَالَغَتْ فِي وَصْف حَالهمْ بِالشِّدَّةِ حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدهمْ إِلَّا اللَّيْل وَالْحَرَّة ا ه. وَمَا اِدَّعَاهُ لَيْسَ بِطَائِلٍ , وَالْإِدْرَاج لَا يَثْبُتُ بِالتَّوَهُّمِ , وَقَدْ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مُسْتَنَدَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ بَعْضهمْ دَعَا قَوْمًا وَقَالَ لَهُمْ : مَا عِنْدِي إِلَّا الْأَسْوَدَانِ فَرَضُوا بِذَلِكَ , فَقَالَ : مَا أَرَدْت إِلَّا الْحَرَّة وَاللَّيْل. وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقَوْم فَهِمُوا التَّمْر وَالْمَاء وَهُوَ الْأَصْل , وَأَرَادَ هُوَ الْمَزْح مَعَهُمْ فَأَلْغَزَ لَهُمْ بِذَلِكَ , وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَخْبَار بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُور , وَلَا شَكَّ أَنَّ أَمْر الْعَيْش نِسْبِيّ , وَمَنْ لَا يَجِدُ إِلَّا التَّمْر أَضْيَق حَالًا مِمَّنْ يَجِد الْخُبْز مَثَلًا , وَمَنْ لَمْ يَجِد إِلَّا الْخُبْز أَضْيَق حَالًا مِمَّنْ يَجِد اللَّحْم مَثَلًا , وَهَذَا أَمْر لَا يَدْفَعُهُ الْحِسّ , وَهُوَ الَّذِي أَرَادَتْ عَائِشَة ; وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاق مِنْ طَرِيق هِشَام عَنْ عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا بِلَفْظِ \" وَمَا هُوَ إِلَّا التَّمْر وَالْمَاء \" وَهُوَ أَصْرَحُ فِي الْمَقْصُود لَا يَقْبَل الْحَمْل عَلَى الْإِدْرَاج. ‏ ‏قَوْله : ( جِيرَان ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْجِيم زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الصَّبَاح عَنْ عَبْد الْعَزِيز \" نِعْمَ الْجِيرَان كَانُوا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة \" جِيرَان صِدْق \" وَسَيَأْتِي بَعْد سِتَّة أَبْوَاب الْإِشَارَة إِلَى أَسْمَائِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنَائِح ) ‏ ‏بِنُونٍ وَمُهْمَلَة جَمْع مَنِيحَة وَهِيَ كَعَطِيَّةِ لَفْظًا وَمَعْنًى , وَأَصْلُهَا عَطِيَّة النَّاقَة أَوْ الشَّاة وَيُقَالُ : لَا يُقَالُ مَنِيحَة إِلَّا لِلنَّاقَةِ وَتُسْتَعَارُ لِلشَّاةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفِرْسِن سَوَاء , قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَغَيْره : يَقُولُونَ مَنَحْتُك النَّاقَة وَأَعَرْتُك النَّخْلَة وَأَعْمَرْتُك الدَّار وَأَخْدَمْتُك الْعَبْد وَكُلُّ ذَلِكَ هِبَة مَنَافِع , وَقَدْ تُطْلَقُ الْمَنِيحَة عَلَى هِبَة الرَّقَبَة , وَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ بَعْد أَبْوَاب. ‏ ‏وَقَوْله : \" يُمْنَحُونَ \" ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَثَالِثه , وَيَجُوزُ ضَمّ أَوَّله وَكَسْر ثَالِثه أَيْ يَجْعَلُونَهَا لَهُ مِنْحَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَسْقِينَاهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَيَسْقِينَا مِنْهُ \" وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَا كَانَ فِيهِ الصَّحَابَة مِنْ التَّقَلُّل مِنْ الدُّنْيَا فِي أَوَّل الْأَمْر. وَفِيهِ فَضْل الزُّهْد , وَإِيثَار الْوَاجِد لِلْمُعْدِمِ , وَالِاشْتِرَاك فِيمَا فِي الْأَيْدِي. وَفِيهِ جَوَاز ذِكْر الْمَرْء مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الضِّيق بَعْد أَنْ يُوَسِّعَ اللَّه عَلَيْهِ تَذْكِيرًا بِنِعَمِهِ وَلِيَتَأَسَّى بِهِ غَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "2380",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ‏",
        "sharh": "وَالْكُرَاع مِنْ الدَّابَّة مَا دُون الْكَعْب , وَقِيلَ هُوَ اِسْم مَكَان وَلَا يَثْبُتُ , وَيَرُدُّهُ حَدِيث أَنَس عِنْد التِّرْمِذِيّ بِلَفْظِ \" لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاع لَقَبِلْت \" وَلِلطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث أُمّ حَكِيم الْخُزَاعِيَّة \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه تَكْرَهُ رَدَّ الظِّلْف ؟ قَالَ : مَا أَقْبَحُهُ , لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاع لَقَبِلْت \" الْحَدِيث. وَخَصَّ الذِّرَاع وَالْكُرَاع بِالذِّكْرِ لِيَجْمَعَ بَيْن الْحَقِير وَالْخَطِير , لِأَنَّ الذِّرَاع كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرهَا وَالْكُرَاع لَا قِيمَة لَهُ , وَفِي الْمِثْل \" أَعْطِ الْعَبْد كُرَاعًا يَطْلُبْ مِنْك ذِرَاعًا \". ‏ ‏وَقَوْله هُنَا : \" عَنْ سُلَيْمَان \" ‏ ‏هُوَ اِبْن مِهْرَانَ الْأَعْمَش , وَأَبُو حَازِم هُوَ سُلَيْمَان مَوْلَى عَزَّة , وَهُوَ أَكْبَر مِنْ أَبِي حَازِم سَلَمَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب قَبْله , قَالَ اِبْن بَطَّال : أَشَارَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِالْكُرَاعِ وَالْفِرْسِن إِلَى الْحَضّ عَلَى قَبُول الْهَدِيَّة وَلَوْ قَلَّتْ لِئَلَّا يَمْتَنِعَ الْبَاعِثُ مِنْ الْهَدِيَّة لِاحْتِقَارِ الشَّيْء , فَحَضَّ عَلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّأَلُّفِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2381",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْسَلَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏وَكَانَ لَهَا غُلَامٌ نَجَّارٌ قَالَ لَهَا ‏ ‏مُرِي عَبْدَكِ فَلْيَعْمَلْ لَنَا أَعْوَادَ الْمِنْبَرِ فَأَمَرَتْ عَبْدَهَا فَذَهَبَ فَقَطَعَ مِنْ ‏ ‏الطَّرْفَاءِ ‏ ‏فَصَنَعَ لَهُ مِنْبَرًا فَلَمَّا قَضَاهُ أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّهُ قَدْ قَضَاهُ قَالَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْسِلِي بِهِ إِلَيَّ فَجَاءُوا بِهِ فَاحْتَمَلَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَضَعَهُ حَيْثُ تَرَوْنَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّان ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن مُطَرِّف , ‏ ‏وَسَهْل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعْد , وَتَقَدَّمَ الْحَدِيث مَشْرُوحًا فِي كِتَاب الْجُمُعَة , وَفِيهِ اِسْتِيهَابه مِنْ الْمَرْأَة مَنْفَعَة غُلَامهَا , وَقَدْ سَبَقَ مَا نُقِلَ فِي تَسْمِيَة كُلٍّ مِنْهُمَا. وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ هُنَا فَزَعَمَ أَنَّ اِسْم الْمَرْأَة مِينَا وَهُوَ وَهْمٌ , وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ فِي اِسْم النَّجَّار كَمَا تَقَدَّمَ وَأَنَّ قَوْل أَبِي غَسَّان فِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِنَّ الْمَرْأَة مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَهْمٌ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَنْصَارِيَّةً حَالَفَتْ مُهَاجِرِيًّا وَتَزَوَّجَتْ بِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ , وَقَدْ سَاقَهُ اِبْن بَطَّال فِي هَذَا الْمَوْضِع بِلَفْظِ \" اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار \" وَالَّذِي فِي النُّسَخ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا مِنْ الْبُخَارِيّ مَا وَصَفْته. ‏"
    },
    {
        "id": "2382",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا مَعَ رِجَالٍ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَازِلٌ أَمَامَنَا وَالْقَوْمُ مُحْرِمُونَ وَأَنَا غَيْرُ مُحْرِمٍ فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا وَأَنَا مَشْغُولٌ ‏ ‏أَخْصِفُ ‏ ‏نَعْلِي فَلَمْ يُؤْذِنُونِي بِهِ وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ وَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ فَقُمْتُ إِلَى الْفَرَسِ فَأَسْرَجْتُهُ ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ فَقُلْتُ لَهُمْ نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ فَقَالُوا لَا وَاللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَغَضِبْتُ فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُمَا ثُمَّ رَكِبْتُ فَشَدَدْتُ عَلَى الْحِمَارِ ‏ ‏فَعَقَرْتُهُ ‏ ‏ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وَقَدْ مَاتَ فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ فَرُحْنَا وَخَبَأْتُ الْعَضُدَ مَعِي فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ‏ ‏مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ فَقُلْتُ نَعَمْ فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ فَأَكَلَهَا حَتَّى نَفِدَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ ‏ ‏فَحَدَّثَنِي بِهِ ‏ ‏زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْأُوَيْسِيّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث أَبِي قَتَادَة مَشْرُوحًا فِي كِتَاب الْحَجّ , وَفِيهِ طَلَب أَبِي قَتَادَة مِنْ أَصْحَابه مُنَاوَلَته رُمْحه وَإِنَّمَا اِمْتَنَعُوا لِكَوْنِهِمْ كَانُوا مُحْرِمِينَ , وَفِيهِ أَيْضًا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْء \" وَقَدْ ذَكَرْت هُنَاكَ رِوَايَة مَنْ زَادَ فِيهِ \" كُلُوا وَأَطْعِمُونِي \" وَلَعَلَّ الْمُصَنِّف أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الزِّيَادَة. ‏ ‏وَقَوْله : \" فَحَدَّثَنِي بِهِ زَيْد بْن أَسْلَمَ \" ‏ ‏قَالَ ذَلِكَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر رَاوِيه عَنْ أَبِي حَازِم , وَهُوَ اِبْن أَبِي كَثِير أَخُو إِسْمَاعِيل. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" أَخْصِف نَعْلِي \" ‏ ‏بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة مَكْسُورَة أَيْ أَجْعَلُ لَهَا طَاقًا , كَأَنَّهَا كَانَتْ اِنْخَرَقَتْ فَأَبْدَلَهَا. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : أَعْمَلُ لَهَا شِسْعًا , ‏ ‏وَقَوْله : \" حَتَّى نَفِدَهَا \" ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْفَاء الْمَفْتُوحَة أَيْ فَرَغَ مِنْ أَكْلهَا كُلّهَا , وَرُوِيَ بِكَسْرِ الْفَاء وَالتَّخْفِيف , وَرَدَّهُ اِبْن التِّين. قَالَ اِبْن بَطَّال : اِسْتِيهَاب الصَّدِيق حَسَن إِذَا عَلِمَ أَنَّ نَفْسه تَطِيبُ بِهِ , وَإِنَّمَا طَلَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَبِي سَعِيد وَكَذَا مِنْ أَبِي قَتَادَة وَغَيْرهمَا لِيُؤْنِسَهُمْ بِهِ وَيَرْفَعَ عَنْهُمْ اللَّبْس فِي تَوَقُّفِهِمْ فِي جَوَاز ذَلِكَ. ‏ ‏وَقَوْله فِي السَّنَد \" عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَة السَّلَمِيّ \" ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ اللَّام وَهَذَا مَشْهُور فِي الْأَنْصَار , وَذَكَرَ اِبْن الصَّلَاح أَنَّ مَنْ قَالَهُ بِكَسْرِ اللَّام لَحَنَ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ كَسْر اللَّام لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَهِيَ الْأَصْل , وَيُتَعَجَّبُ مِنْ خَفَاء ذَلِكَ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2383",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو طُوَالَةَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي دَارِنَا هَذِهِ فَاسْتَسْقَى فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً لَنَا ثُمَّ ‏ ‏شُبْتُهُ ‏ ‏مِنْ مَاءِ بِئْرِنَا هَذِهِ فَأَعْطَيْتُهُ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ يَسَارِهِ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏تُجَاهَهُ وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَأَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ أَلَا فَيَمِّنُوا قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَهِيَ سُنَّةٌ فَهِيَ سُنَّةٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ ) ‏ ‏فِيهِ تَقْدِير مُبْتَدَأ مُضْمَر , أَيْ الْمُقَدَّمُ الْأَيْمَنُونَ , وَالثَّانِيَة لِلتَّأْكِيدِ. وَقَوْله : \" أَلَا فَيَمِّنُوا \" كَذَا وَقَعَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْتَاح , وَالْأَمْر بِالتَّيَامُنِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ الْبُخَارِيّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَة أَيْضًا \" الْأَيْمَنُونَ \" ذَكَرَ اللَّفْظَة ثَلَاث مَرَّات كَمَا ذَكَرَ قَوْل أَنَس \" فَهِيَ سُنَّةٌ ثَلَاث مِرَار \" , وَعَلَى ذَلِكَ شَرَحَ اِبْن التِّين كَأَنَّهُ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي نُسْخَتِهِ , وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْء مِنْ النُّسَخ إِلَّا كَمَا وَصَفْت أَوَّلًا , وَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ الْأَيْمَن يُقَدَّمُ ثُمَّ أَكَّدَهُ بِإِعَادَتِهِ أَكْمَلَ ذَلِكَ بِصَرِيحِ الْأَمْر بِهِ , وَيُسْتَفَادُ مِنْ حَذْف الْمَفْعُول التَّعْمِيم فِي جَمِيع الْأَشْيَاء لِقَوْلِ عَائِشَة \" كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي شَأْنه كُلّه \" وَأَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيّ إِلَى أَنَّ سُلَيْمَان بْن بِلَالٍ تَفَرَّدَ عَنْ أَبِي طُوَالَة بِقَوْلِهِ : \" فَاسْتَسْقَى \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر وَخَالِد الْوَاسِطِيِّ عَنْ أَبِي طُوَالَة بِدُونِهَا اِنْتَهَى وَسُلَيْمَان حَافِظ وَزِيَادَته مَقْبُولَة , وَقَدْ ثَبَتَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة فِي حَدِيث جَابِر مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْهُ فِي حَدِيث سَيَأْتِي فِي الْأَشْرِبَة. ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز طَلَب الْأَعْلَى مِنْ الْأَدْنَى مَا يُرِيدُهُ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ إِذَا كَانَتْ نَفْس الْمَطْلُوب مِنْهُ طَيِّبَة بِهِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ السُّؤَال الْمَذْمُوم. ‏"
    },
    {
        "id": "2384",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنْفَجْنَا ‏ ‏أَرْنَبًا ‏ ‏بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ‏ ‏فَسَعَى الْقَوْمُ ‏ ‏فَلَغَبُوا ‏ ‏فَأَدْرَكْتُهَا فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُ بِهَا ‏ ‏أَبَا طَلْحَةَ ‏ ‏فَذَبَحَهَا ‏ ‏وَبَعَثَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِوَرِكِهَا أَوْ فَخِذَيْهَا قَالَ فَخِذَيْهَا لَا شَكَّ فِيهِ فَقَبِلَهُ قُلْتُ وَأَكَلَ مِنْهُ قَالَ وَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدُ قَبِلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله فِي حَدِيث أَنَس ( أَنْفَجْنَا ) ‏ ‏بِالْفَاءِ وَالْجِيم أَيْ أَثَرْنَا. ‏ ‏وَقَوْله : ( فَلَغِبُوا ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَة أَيْ تَعِبُوا. وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة الْْكُشْمِيهَنِيّ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ , فَقَالَ : مَعْنَاهُ عَطِشُوا. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين وَقَالَ : ضَبَطُوا لَغِبُوا بِكَسْرِ الْغَيْن وَالْفَتْح أَعْرِف , وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي كِتَاب الصَّيْد وَالذَّبَائِح. ‏ ‏وَمَرّ الظَّهْرَانِ ‏ ‏وَادٍ مَعْرُوف عَلَى خَمْسَة أَمْيَال مِنْ مَكَّة إِلَى جِهَة الْمَدِينَة , وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيّ أَنَّهُ مِنْ مَكَّة عَلَى خَمْسَة أَمْيَال. وَزَعَمَ اِبْن وَضَّاح أَنَّ بَيْنهمَا أَحَدًا وَعِشْرِينَ مِيلًا , وَقِيلَ سِتَّة عَشَر وَبِهِ جَزَمَ الْبَكْرِيّ , قَالَ النَّوَوِيّ : وَالْأَوَّل غَلَط وَإِنْكَار لِلْمَحْسُوسِ. وَمَرّ قَرْيَة ذَات نَخْل وَزَرْع وَمِيَاهُ , وَالظَّهْرَانِ اِسْم الْوَادِي , وَتَقُول الْعَامَّة بَطْن مَرْوٍ. ‏ ‏قُلْت : وَقَوْل الْبَكْرِيّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏وَأَبُو طَلْحَة ‏ ‏هُوَ زَوْج أُمّ سُلَيْمٍ وَالِدَة أَنَس , ‏ ‏وَقَوْله : \" فَخُذِيهَا لَا شَكَّ فِيهِ \" ‏ ‏يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ يَشُكّ فِي الْوَرِكَيْنِ خَاصَّة , وَأَنَّ الشَّكّ فِي قَوْله : \" فَخُذِيهَا أَوْ وَرِكَيْهَا \" لَيْسَ عَلَى السَّوَاء , أَوْ كَانَ يَشُكُّ فِي الْفَخِذَيْنِ ثُمَّ اِسْتَيْقَنَ , وَكَذَلِكَ شَكَّ فِي الْأَكْل ثُمَّ اِسْتَيْقَنَ الْقَبُول فَجَزَمَ بِهِ آخِرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2385",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ ‏ ‏بِالْأَبْوَاءِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏بِوَدَّانَ ‏ ‏فَرَدَّ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ ‏ ‏أَمَا إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ ‏",
        "sharh": "قَوْله : ( بَاب قَبُول الْهَدِيَّة ) كَذَا ثَبَتَ لِأَبِي ذَرّ , وَسَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَة هُنَا لِغَيْرِهِ وَهُوَ الصَّوَاب. وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث الصَّعْب بْن جَثَّامَة فِي إِهْدَائِهِ الْحِمَار الْوَحْشِيّ , وَشَاهِد التَّرْجَمَة مِنْهُ مَفْهُوم قَوْله : \" لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْك إِلَّا أَنَّا حُرُم \" فَإِنَّ مَفْهُومه أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا لَقَبِلَهُ مِنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَاب الْحَجّ , وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَبُول مَا لَا يَحِلُّ مِنْ الْهَدِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "2386",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏يَبْتَغُونَ بِهَا ‏ ‏أَوْ يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ ‏ ‏مَرْضَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَائِشَة ( كَانَ النَّاس يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْم عَائِشَة ) ‏ ‏وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" مَرْضَاة \" ‏ ‏هُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الرِّضَا , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : ( يَبْتَغُونَ ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَة مِنْ الْبُغْيَة , وَرُوِيَ \" يَتَّبِعُونَ \" بِتَقْدِيمِ مُثَنَّاة مُثَقَّلَة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة وَبِالْمُهْمَلَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2387",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَهْدَتْ ‏ ‏أُمُّ حُفَيْدٍ ‏ ‏خَالَةُ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَقِطًا وَسَمْنًا وَأَضُبًّا ‏ ‏فَأَكَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ الْأَقِطِ وَالسَّمْنِ وَتَرَكَ الضَّبَّ تَقَذُّرًا قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عَبَّاس ( أَهْدَتْ أُمّ حُفَيْد ) ‏ ‏وَهِيَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاء مُصَغَّر , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْأَطْعِمَة فِي الْكَلَام عَلَى الضَّبِّ , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" وَتَرَكَ الْأَضُبّ \" ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ بِصِيغَةِ الْجَمْع وَلِغَيْرِهِ \" الضَّبّ \" وَالْأَضُبّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة جَمْع ضَبّ مِثْل أَكُفّ وَكَفّ , ‏ ‏قَوْله : ( تَقَذُّرًا ) ‏ ‏بِالْقَافِ وَالْمُعْجَمَة تَقُول قَذِرْت الشَّيْء وَتَقَذَّرْتُهُ إِذَا كَرِهْته. ‏ ‏وَقَوْل اِبْن عَبَّاس \" لَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ‏ ‏اِسْتِدْلَال صَحِيح مِنْ جِهَة التَّقْرِير. ‏"
    },
    {
        "id": "2388",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْنٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ فَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ وَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَكَلَ مَعَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قَبُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهَدِيَّة وَرَدّه الصَّدَقَة , وَقَوْله فِيهِ : \" إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ \" ‏ ‏زَادَ أَحْمَد وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد \" مِنْ غَيْر أَهْله \". ‏ ‏قَوْله : ( ضَرَبَ بِيَدِهِ ) ‏ ‏أَيْ شَرَعَ فِي الْأَكْل مُسْرِعًا , وَمِثْله ضَرَبَ فِي الْأَرْض إِذَا أَسْرَعَ السَّيْر فِيهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2389",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِلَحْمٍ فَقِيلَ تُصُدِّقَ عَلَى ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُعَاذ عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَة \" سَمِعَ أَنَس بْن مَالِك \". ‏"
    },
    {
        "id": "2390",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُهُ مِنْهُ عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏وَأَنَّهُمْ اشْتَرَطُوا ‏ ‏وَلَاءَهَا ‏ ‏فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏لِمَنْ أَعْتَقَ وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَذَا تُصُدِّقَ عَلَى ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ وَخُيِّرَتْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏زَوْجُهَا ‏ ‏حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ زَوْجِهَا قَالَ لَا أَدْرِي أَحُرٌّ أَمْ عَبْدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة بَرِيرَة مِنْ طَرِيق الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة ‏ ‏وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَاب النِّكَاح وَقَدْ مَضَى مَا يَتَعَلَّقُ بِشِرَاء بَرِيرَة فِي كِتَاب الْعِتْق قَرِيبًا , وَشَاهِد التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْله : \" هُوَ لَهَا صَدَقَة وَلَنَا هَدِيَّة \" فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ التَّحْرِيم إِنَّمَا هُوَ عَلَى الصِّفَة لَا عَلَى الْعَيْن , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ الْهَرَوِيِّ \" فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" : هَذَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَة ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَهَا صَدَقَة وَلَنَا هَدِيَّة \" وَوَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ هُنَا \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَة ؟ هُوَ لَهَا صَدَقَة وَلَنَا هَدِيَّة \" فَجَعَلَ السُّؤَال وَالْجَوَاب مِنْ كَلَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْأَوَّل أَصْوَب وَهُوَ الثَّابِت فِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2391",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عِنْدَكُمْ شَيْءٌ قَالَتْ لَا إِلَّا شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ ‏ ‏أُمُّ عَطِيَّةَ ‏ ‏مِنْ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثْتَ إِلَيْهَا مِنْ الصَّدَقَةِ قَالَ إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أُمّ عَطِيَّة فِي الشَّاة مِنْ الصَّدَقَة وَأَنَّهَا بَلَغَتْ مَحَلّهَا : قَوْله فِيهِ ( الَّذِي بَعَثْت إِلَيْهَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْمُخَاطَب , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" بُعِثْت \" بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ قَدْ بَلَغَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْْكُشْمِيهَنِيّ \" إِنَّهَا قَدْ بَلَغْت مَحِلّهَا \" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة يَقَعُ عَلَى الْمَكَان وَالزَّمَان , أَيْ زَالَ عَنْهَا حُكْمُ الصَّدَقَة الْمُحَرَّمَة عَلَيَّ وَصَارَتْ لِي حَلَالًا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أُمّ عَطِيَّة اِسْمهَا نُسَيْبَة بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَة مُصَغَّرًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي أَوَاخِر الزَّكَاة , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة وَهْبَ بْن بَقِيَّة عَنْ خَالِد بْن عَبْد اللَّه نَسِيبَة بِفَتْحِ النُّون وَمِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْ خَالِد الْحَذَّاء نُسَيْبَة بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ الصَّوَاب. ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن شِهَاب عَنْ الْحَذَّاء عَنْ أُمّ عَطِيَّة قَالَتْ : \" بَعَثَتْ إِلَيَّ نَسِيبَة الْأَنْصَارِيَّة بِشَاةٍ فَأَرْسَلْت إِلَى عَائِشَة مِنْهَا , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عِنْدكُمْ شَيْء ؟ قَالَتْ : لَا إِلَّا مَا أَرْسَلْت بِهِ نَسِيبَة \" الْحَدِيث. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَسِيبَةَ غَيْر أُمّ عَطِيَّة. قُلْت : سَبَب ذَلِكَ تَحْرِيف وَقَعَ فِي رِوَايَته فِي قَوْله : \" بَعَثَ \" وَالصَّوَاب \" بُعِثْت \" عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَفِيهِ نَوْع التَّجْرِيد لِأَنَّ أُمّ عَطِيَّة أَخْبَرَتْ عَنْ نَفْسهَا بِمَا يُوهِمُ أَنَّ الَّذِي تُخْبِرُ عَنْهُ غَيْرهَا , قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ لِأَنَّهَا أَوْسَاخ النَّاس , وَلِأَنَّ أَخْذ الصَّدَقَة مَنْزِلَة ضَعَة , وَالْأَنْبِيَاء مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ كَمَا وَصَفَهُ اللَّه تَعَالَى : ( وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ) وَالصَّدَقَة لَا تَحِلُّ لِلْأَغْنِيَاءِ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْهَدِيَّة فَإِنَّ الْعَادَة جَارِيَة بِالْإِثَابَةِ عَلَيْهَا , وَكَذَلِكَ كَانَ شَأْنه. وَقَوْله : \" قَدْ بَلَغَتْ مَحِلّهَا \" فِيهِ أَنَّ الصَّدَقَة يَجُوزُ فِيهَا تَصَرُّفُ الْفَقِير الَّذِي أُعْطِيهَا بِالْبَيْعِ وَالْهَدِيَّة وَغَيْر ذَلِكَ , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ الصَّدَقَة كَمَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ , لِأَنَّ عَائِشَة قَبِلَتْ هَدِيَّة بَرِيرَة وَأُمّ عَطِيَّة مَعَ عِلْمهَا بِأَنَّهَا كَانَتْ صَدَقَة عَلَيْهِمَا , وَظَنَّتْ اِسْتِمْرَار الْحُكْم بِذَلِكَ عَلَيْهَا وَلِهَذَا لَمْ تُقَدِّمْهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِلْمِهَا أَنَّهُ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَة , وَأَقَرَّهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ الْفَهْم وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ لَهَا أَنَّ حُكْم الصَّدَقَة فِيهَا قَدْ تَحَوَّلَ فَحَلَّتْ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا , وَيُسْتَنْبَط مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة جَوَاز اِسْتِرْجَاع صَاحِب الدَّيْن مِنْ الْفَقِير مَا أَعْطَاهُ لَهُ مِنْ الزَّكَاة بِعَيْنِهِ وَأَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعْطِيَ زَكَاتَهَا لِزَوْجِهَا وَلَوْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْهَا , وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا لَا شَرْطَ فِيهِ. وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اِسْتَشْكَلَتْ قِصَّة عَائِشَة فِي حَدِيث أُمّ عَطِيَّة مَعَ حَدِيثهَا فِي قِصَّة بَرِيرَة لِأَنَّ شَأْنهمَا وَاحِد , وَقَدْ أَعْلَمَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلّ مِنْهُمَا بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الصَّدَقَة إِذَا قَبَضَهَا مَنْ يَحِلّ لَهُ أَخْذهَا ثُمَّ تَصَرَّفَ فِيهَا زَالَ عَنْهَا حُكْم الصَّدَقَة وَجَازَ لِمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهَا إِذَا أُهْدِيَتْ لَهُ أَوْ بِيعَتْ , فَلَوْ تَقَدَّمَتْ إِحْدَى الْقِصَّتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى لَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَة ذِكْر الْحُكْمِ , وَيَبْعُدُ أَنْ تَقَعَ الْقِصَّتَانِ دَفْعَةً وَاحِدَةً. ‏"
    },
    {
        "id": "2392",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمِي وَقَالَتْ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏إِنَّ صَوَاحِبِي اجْتَمَعْنَ فَذَكَرَتْ لَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن حَرْب حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : كَانَ النَّاس يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمِي , وَقَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ إِنَّ صَوَاحِبِي اِجْتَمَعْنَ , فَذَكَرَتْ لَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة وَأَبُو نُعَيْم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عُبَيْد , زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَخَلَف بْن هِشَام كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظِ \" كَانَ النَّاس يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْم عَائِشَة فَاجْتَمَعْنَ صَوَاحِبِي إِلَى أُمّ سَلَمَة فَقُلْنَ لَهَا : خَبِّرِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ أَنْ يُهْدُوا لَهُ حَيْثُ كَانَ , قَالَتْ : فَذَكَرَتْ ذَلِكَ أُمّ سَلَمَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ فَأَعْرَضَ عَنِّي , قَالَتْ : فَلَمَّا عَادَ إِلَيَّ ذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنِّي \" الْحَدِيث : وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي مَنَاقِب عَائِشَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْوَهَّاب عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد فَقَالَ : \" عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ كَانَ النَّاس يَتَحَرَّوْنَ \" فَذَكَرَهُ بِتَمَامِهِ مُرْسَلًا , وَرَوَى اِبْن سَعْد فِي طَبَقَات النِّسَاء مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة قَالَتْ : \" كَانَ الْأَنْصَار يُكْثِرُونَ إلْطَاف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , سَعْد بْن عُبَادَة وَسَعْد بْن مُعَاذ وَعُمَارَة بْن حَزْم وَأَبُو أَيُّوب , وَذَلِكَ لِقُرْبِ جِوَارهمْ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2393",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُنَّ حِزْبَيْنِ فَحِزْبٌ فِيهِ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَحَفْصَةُ ‏ ‏وَصَفِيَّةُ ‏ ‏وَسَوْدَةُ ‏ ‏وَالْحِزْبُ الْآخَرُ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ عَلِمُوا حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَإِذَا كَانَتْ عِنْدَ أَحَدِهِمْ هَدِيَّةٌ يُرِيدُ أَنْ يُهْدِيَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخَّرَهَا حَتَّى إِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَيْتِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏بَعَثَ صَاحِبُ الْهَدِيَّةِ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَيْتِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَكَلَّمَ حِزْبُ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏فَقُلْنَ لَهَا كَلِّمِي رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُكَلِّمُ النَّاسَ فَيَقُولُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَدِيَّةً فَلْيُهْدِهِ إِلَيْهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ بُيُوتِ نِسَائِهِ فَكَلَّمَتْهُ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏بِمَا قُلْنَ فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًا فَسَأَلْنَهَا فَقَالَتْ مَا قَالَ لِي شَيْئًا فَقُلْنَ لَهَا فَكَلِّمِيهِ قَالَتْ فَكَلَّمَتْهُ حِينَ دَارَ إِلَيْهَا أَيْضًا فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًا فَسَأَلْنَهَا فَقَالَتْ مَا قَالَ لِي شَيْئًا فَقُلْنَ لَهَا كَلِّمِيهِ حَتَّى يُكَلِّمَكِ فَدَارَ إِلَيْهَا فَكَلَّمَتْهُ فَقَالَ لَهَا ‏ ‏لَا تُؤْذِينِي فِي ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَإِنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ إِلَّا ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ فَقَالَتْ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ إِنَّهُنَّ دَعَوْنَ ‏ ‏فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَقُولُ إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ اللَّهَ الْعَدْلَ فِي بِنْتِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَكَلَّمَتْهُ فَقَالَ يَا بُنَيَّةُ أَلَا تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ قَالَتْ بَلَى فَرَجَعَتْ إِلَيْهِنَّ فَأَخْبَرَتْهُنَّ فَقُلْنَ ارْجِعِي إِلَيْهِ فَأَبَتْ أَنْ تَرْجِعَ فَأَرْسَلْنَ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ ‏ ‏فَأَتَتْهُ فَأَغْلَظَتْ وَقَالَتْ إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ اللَّهَ الْعَدْلَ فِي بِنْتِ ابْنِ ‏ ‏أَبِي قُحَافَةَ ‏ ‏فَرَفَعَتْ صَوْتَهَا حَتَّى تَنَاوَلَتْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَهِيَ قَاعِدَةٌ فَسَبَّتْهَا حَتَّى إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيَنْظُرُ إِلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏هَلْ تَكَلَّمُ قَالَ فَتَكَلَّمَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏تَرُدُّ عَلَى ‏ ‏زَيْنَبَ ‏ ‏حَتَّى أَسْكَتَتْهَا قَالَتْ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَقَالَ إِنَّهَا بِنْتُ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْبُخَارِيُّ ‏ ‏الْكَلَامُ الْأَخِيرُ قِصَّةُ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏يُذْكَرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو مَرْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَرَجُلٍ مِنَ المَوَالِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَأْذَنَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس ‏ ‏( حَدَّثَنِي أَخِي ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْر عَبْد الْحَمِيد ‏ ‏( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال. وَقَدْ تَابَعَ الْبُخَارِيّ حُمَيْد بْن زَنْجُوَيْهِ عِنْد أَبِي نُعَيْم وَإِسْمَاعِيل الْقَاضِي عِنْد أَبِي عَوَانَة فَرَوَيَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس كَمَا قَالَ , وَخَالَفَهُمْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيُّ فَرَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيل \" حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بْن بِلَال \" حَذَفَ الْوَاسِطَة بَيْن إِسْمَاعِيل وَسُلَيْمَان وَهُوَ أَخُو إِسْمَاعِيل. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة ) ‏ ‏زَادَ فِيهِ عَلَى رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد فِي آخِره : \" فَقَالَتْ - أَيْ أُمّ سَلَمَة - أَتُوبُ إِلَى اللَّه مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُول اللَّه \" وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا إِرْسَالهنَّ فَاطِمَة ثُمَّ إِرْسَالهنَّ زَيْنَب بِنْت جَحْش , وَقَدْ تَصَرَّفَ الرُّوَاة فِي هَذَا الْحَدِيث بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْص , وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ ثَلَاثَة أَحَادِيث. قَالَ الْبُخَارِيّ \" الْكَلَام الْأَخِير قِصَّة فَاطِمَة - أَيْ إِرْسَال أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَة بِنْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ - يُذْكَرُ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ رَجُل عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن \" يَعْنِي أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَام بْن عُرْوَة فَرَوَاهُ سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة فِي جُمْلَةِ الْحَدِيث الْأَوَّل , وَرَوَاهُ عَنْهُ غَيْره بِهَذَا الْإِسْنَاد الْأَخِير. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْحِزْب الْآخَرُ أُمّ سَلَمَة وَسَائِر نِسَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ بَقِيَّتهنَّ , وَهِيَ زَيْنَب بِنْت جَحْش الْأَسَدِيَّة وَأُمّ حَبِيبَة الْأُمَوِيَّة وَجُوَيْرِيَةُ بِنْت الْحَارِث الْخُزَاعِيَّة وَمَيْمُونَة بِنْت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة دُون زَيْنَب بِنْت خُزَيْمَةَ أُمّ الْمَسَاكِينِ. رَوَاهُ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق رُمَيْثَة الْمَذْكُورَة وَهِيَ رُمَيْثَة بِالْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّرَة عَنْ أُمّ سَلَمَة قَالَتْ : \" كَلَّمَنِي صَوَاحِبِي وَهُنَّ - فَذَكَرَتْهُنَّ - وَكُنَّا فِي الْجَانِب الثَّانِي وَكَانَتْ عَائِشَة وَصَوَاحِبهَا فِي الْجَانِب الْآخَر , فَقُلْنَ كَلِّمِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ النَّاس يُهْدُونَ إِلَيْهِ فِي بَيْت عَائِشَة وَنَحْنُ نُحِبُّ مَا تُحِبُّ \" الْحَدِيث قَالَ اِبْن سَعْد : مَاتَتْ زَيْنَب بِنْت خُزَيْمَةَ قَبْل أَنْ يَتَزَوَّج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمّ سَلَمَة , وَأَسْكَنَ أُمّ سَلَمَة بَيْتهَا لَمَّا دَخَلَ بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْنَ لَهَا كَلِّمِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَلِّمِ النَّاسَ ) ‏ ‏بِالْجَزْمِ وَالْمِيم مَكْسُورَة لِالْتِقَاءِ السَّاكِنِينَ وَيَجُوزُ الرَّفْع. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيُهْدِهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْْكُشْمِيهَنِيّ \" فَلْيُهْدِ \" بِحَذْفِ الضَّمِير. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْب اِمْرَأَة إِلَّا عَائِشَة ) ‏ ‏يَأْتِي شَرْحُهُ فِي مَنَاقِب عَائِشَةِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ إِنَّهُنَّ دَعَوْنَ فَاطِمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْْكُشْمِيهَنِيّ \" دَعَيْنَ \" وَرَوَى اِبْن سَعْد مِنْ مُرْسَل عَلِيّ بْن الْحُسَيْن أَنَّ الَّتِي خَاطَبَتْهَا بِذَلِكَ مِنْهُنَّ زَيْنَب بِنْت جَحْش , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهَا \" أَرْسَلَتْك زَيْنَب ؟ قَالَتْ : زَيْنَب وَغَيْرهَا , قَالَ : أَهِيَ الَّتِي وَلِيَتْ ذَلِكَ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ نِسَاءَك يَنْشُدْنَك الْعَدْل فِي بِنْت أَبِي بَكْر ) ‏ ‏أَيْ يَطْلُبْنَ مِنْك الْعَدْل , وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" يُنَاشِدْنَك اللَّه الْعَدْل \" أَيْ يَسْأَلْنَك بِاللَّهِ الْعَدْل , وَالْمُرَاد بِهِ التَّسْوِيَة بَيْنهنَّ فِي كُلّ شَيْء مِنْ الْمَحَبَّة وَغَيْرهَا , زَادَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَائِشَة عِنْد مُسْلِم \" أَرْسَلَ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَة بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِع مَعِي فِي مِرْطِي فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أَزْوَاجك أَرْسَلْنَنِي يَسْأَلْنَك الْعَدْل فِي بِنْت اِبْن أَبِي قُحَافَة \" وَأَبُو قُحَافَة هُوَ وَالِد أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : يَا بُنَيَّة أَلَا تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ ؟ قَالَتْ : بَلَى ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة \" قَالَ : فَأَحِبِّي هَذِهِ , فَقَامَتْ فَاطِمَة حِين سَمِعْت ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَرَجَعَتْ إِلَيْهِنَّ فَأَخْبَرَتْهنَّ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" فَقُلْت لَهَا مَا نَرَاك أَغْنَيْت عَنَّا مِنْ شَيْء \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَبَتْ أَنْ تَرْجِعَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقَالَتْ : وَاللَّه لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَرْسَلْنَ زَيْنَب بِنْت جَحْش ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْهُنَّ فِي الْمَنْزِلَة عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ ثَنَاء عَائِشَة عَلَيْهَا بِالصَّدَقَةِ وَذِكْرهَا لَهَا بِالْحِدَّةِ الَّتِي تُسْرِعُ مِنْهَا الرَّجْعَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَتْهُ ) ‏ ‏فِي مُرْسَل عَلِيّ بْن الْحُسَيْن \" فَذَهَبَتْ زَيْنَب حَتَّى اِسْتَأْذَنَتْ , فَقَالَ : اِئْذَنُوا لَهَا. فَقَالَتْ : حَسْبك إِذَا بَرَقَتْ لَك بِنْت اِبْن أَبِي قُحَافَة ذِرَاعَيْهَا \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَائِشَة فِي مِرْطهَا عَلَى الْحَال الَّتِي دَخَلَتْ فَاطِمَة وَهُوَ بِهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَغْلَظَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" ثُمَّ وَقَعَتْ بِي فَاسْتَطَالَتْ \" وَفِي مُرْسَل عَلِيّ بْن الْحُسَيْن \" فَوَقَعَتْ بِعَائِشَة وَنَالَتْ مِنْهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَسَبَّتْهَا حَتَّى أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَنْظُر إِلَى عَائِشَة هَلْ تَكَلَّم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَرْقُب طَرَفه هَلْ يَأْذَنُ لِي فِيهَا. قَالَتْ : فَلَمْ تَبْرَح زَيْنَب حَتَّى عَرَفْت أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ \" وَفِي هَذَا جَوَاز الْعَمَل بِمَا يُفْهَمُ مِنْ الْقَرَائِن , لَكِنْ رَوَى النَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه الْبَهِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَب بِنْت جَحْش فَسَبَّتْنِي , فَرَدَعَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبَتْ , فَقَالَ سُبِّيهَا , فَسَبَبْتهَا حَتَّى جَفَّ رِيقهَا فِي فَمِهَا \" وَقَدْ ذَكَرْته فِي \" بَاب اِنْتِصَار الظَّالِم \" مِنْ كِتَاب الْمَظَالِم فَيُمْكِن أَنْ يُحْمَل عَلَى التَّعَدُّد. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَة تَرُدّ عَلَى زَيْنَب حَتَّى أَسْكَتَتْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" فَلَمَّا وَقَعْت بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أَثْخَنْتهَا غَلَبَة \" وَلِابْنِ سَعْد \" فَلَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أَفْحَمْتهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : إِنَّهَا بِنْت أَبِي بَكْر ) ‏ ‏أَيْ إِنَّهَا شَرِيفَة عَاقِلَة عَارِفَة كَأَبِيهَا , وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسْلِم , وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ الْمَذْكُورَة \" فَرَأَيْت وَجْهه يَتَهَلَّلُ \" وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ إِلَى أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ عَالِمًا بِمَنَاقِب مُضَر وَمَثَالِبهَا فَلَا يُسْتَغْرَبُ مِنْ بِنْته تَلَقِّي ذَلِكَ عَنْهُ \" وَمَنْ يُشَابه أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ \". وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَنْقَبَة ظَاهِرَة لِعَائِشَة , وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى الْمَرْء فِي إِيثَار بَعْض نِسَائِهِ بِالتُّحَفِ , وَإِنَّمَا اللَّازِم الْعَدْل فِي الْمَبِيت وَالنَّفَقَة وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور اللَّازِمَة , كَذَا قَرَّرَهُ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ الَّذِينَ أَهْدَوْا لَهُ وَهُمْ بِاخْتِيَارِهِمْ فِي ذَلِكَ , وَإِنَّمَا لَمْ يَمْنَعْهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَمَالِ الْأَخْلَاق أَنْ يَتَعَرَّض الرَّجُل إِلَى النَّاس بِمِثْلِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّض لِطَلَبِ الْهَدِيَّة , وَأَيْضًا فَالَّذِي يُهْدِي لِأَجْلِ عَائِشَة كَأَنَّهُ مَلَّكَ الْهَدِيَّة بِشَرْطٍ , وَالتَّمْلِيك يَتْبَعُ فِيهِ تَحْجِير الْمَالِك , مَعَ أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُشْرِكُهُنَّ فِي ذَلِكَ , وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْمُنَافَسَة لِكَوْنِ الْعَطِيَّة تَصِلُ إِلَيْهِنَّ مِنْ بَيْتِ عَائِشَةَ. وَفِيهِ قَصْدُ النَّاس بِالْهَدَايَا أَوْقَات الْمَسَرَّة وَمَوَاضِعهَا لِيَزِيدَ ذَلِكَ فِي سُرُورِ الْمُهْدِي إِلَيْهِ. وَفِيهِ تَنَافُسُ الضَّرَائِرِ وَتَغَايُرهنَّ عَلَى الرَّجُلِ , وَأَنَّ الرَّجُل يَسَعُهُ السُّكُوت إِذَا تَقَاوَلْنَ , وَلَا يَمِيلُ مَعَ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ. وَفِيهِ جَوَاز التَّشَكِّي وَالتَّوَسُّل فِي ذَلِكَ , وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَهَابَتِهِ وَالْحَيَاء مِنْهُ حَتَّى رَاسَلْنَهُ بِأَعَزّ النَّاس عِنْده فَاطِمَة. وَفِيهِ سُرْعَة فَهْمهنَّ وَرُجُوعهنَّ إِلَى الْحَقّ وَالْوُقُوف عِنْده. وَفِيهِ إِدْلَال زَيْنَب بِنْت جَحْش عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِهَا كَانَتْ بِنْت عَمَّته , كَانَتْ أُمّهَا أُمَيْمَة بِالتَّصْغِيرِ بِنْت عَبْد الْمُطَّلِب. قَالَ الدَّاوُدِيّ : وَفِيهِ عُذْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْنَب , قَالَ اِبْن التِّين : وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ. ‏ ‏قُلْت : كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ مُخَاطَبَتهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَلَبِ الْعَدْل مَعَ عِلْمهَا بِأَنَّهُ أَعْدَل النَّاس , لَكِنْ غَلَبَتْ عَلَيْهَا الْغَيْرَة فَلَمْ يُؤَاخِذْهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِطْلَاقِ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا خَصَّ زَيْنَب بِالذِّكْرِ لِأَنَّ فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام كَانَتْ حَامِلَة رِسَالَة خَاصَّة , بِخِلَافِ زَيْنَب فَإِنَّهَا شَرِيكَتهنَّ فِي ذَلِكَ بَلْ رَأْسهنَّ , لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَوَلَّتْ إِرْسَال فَاطِمَة أَوَّلًا ثُمَّ سَارَتْ بِنَفْسِهَا. وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْقَسْم كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو مَرْوَان الْغَسَّانِيّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِغَيْنٍ مُعْجَمَة وَسِين مُهْمَلَة ثَقِيلَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ عَنْ أَبِي زَيْد فِيهِ تَغْيِير فَغَيَّرَهُ \" الْعُثْمَانِيّ \" حَكَاهُ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ وَقَالَ إِنَّهُ خَطَأ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لِأَبِي مَرْوَان هَذَا رِوَايَة مَوْصُولَة فِي كِتَاب الْحَجّ , وَوَقَعَ لِلْقَابِسِيِّ فِيهِ تَصْحِيف غَيْر هَذَا. وَقَوْله : \" وَقَالَ أَبُو مَرْوَان إِلَخْ \" يَعْنِي أَنَّ أَبَا مَرْوَان فَصَلَ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ فِي رِوَايَته عَنْ هِشَام فَجَعَلَ الْأَوَّل - وَهُوَ التَّحَرِّي - كَمَا قَالَ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ هِشَام , وَجَعَلَ الثَّانِي - وَهُوَ قِصَّة فَاطِمَة - عَنْ هِشَام عَنْ رَجُل مِنْ قُرَيْش وَرَجُل مِنْ الْمَوَالِي عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام عَنْ عَائِشَة. قُلْت : وَطَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَائِشَة بِهَذِهِ الْقِصَّة مَشْهُورَة مِنْ غَيْر هَذَا الْوَجْه , أَخْرَجَهَا مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق صَالِح بْن كَيْسَانَ , زَادَ مُسْلِم \" وَيُونُس \" , وَزَادَ النَّسَائِيُّ \" وَشُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة \" ثَلَاثَتهمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ , وَهَكَذَا قَالَ مُوسَى بْن أَعْيَن عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَخَالَفَهُ عَبْد الرَّزَّاق فَقَالَ : \" عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" وَخَالَفَهُمْ إِسْحَاق الْكَلْبِيّ فَجَعَلَ أَبَا بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بَدَل مُحَمَّد بْن الرَّحْمَن , قَالَ الذُّهْلِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرهمَا : الْمَحْفُوظ مِنْ حَدِيث الزُّهْرِيِّ \" عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَائِشَة \" وَأَبُو مَرْوَان هَذَا هُوَ يَحْيَى بْن أَبِي زَكَرِيَّا الْغَسَّانِيّ , وَهُوَ شَامِيّ نَزَلَ وَاسِط , وَاسْم أَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى أَيْضًا , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُحَمَّد بْن عُثْمَان الْعُثْمَانِيّ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ يُكَنَّى أَبَا مَرْوَان لَكِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ وَإِنَّمَا يَرْوِي عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ , وَطَرِيقه هَذِهِ وَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \". وَقَدْ اخْتُلِفَ عَلَى هِشَام فِيهِ اِخْتِلَافًا آخَر فَرَوَاهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْهُ \" عَنْ عَوْف بْن الْحَارِث عَنْ أُخْته رُمَيْثَة عَنْ أُمّ سَلَمَة أَنَّ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَ لَهَا : إِنَّ النَّاس يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْم عَائِشَة \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِهِشَامٍ فِيهِ طَرِيقَانِ , فَإِنَّ عَبْدَة بْن سُلَيْمَان رَوَاهُ عَنْهُ بِالْوَجْهَيْنِ , أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقه بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّل كَمَا مَضَى فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقه مُتَابِعًا لِحَمَّادِ بْن سَلَمَة , وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2394",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَنَاوَلَنِي طِيبًا قَالَ كَانَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَا يَرُدُّ الطِّيبَ ‏ ‏قَالَ وَزَعَمَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏لَا يَرُدُّ الطِّيبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَزْرَة ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الزَّاي بَعْدهَا رَاء. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي ثُمَامَة بْن عَبْد اللَّه قَالَ : دَخَلْت عَلَيْهِ فَنَاوَلَنِي طِيبًا قَالَ : كَانَ أَنَس لَا يَرُدُّ الطِّيب ) ‏ ‏فَاعِل قَالَ هُوَ عَزْرَة وَالضَّمِير لِثُمَامَة , وَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّ الضَّمِير لِأَنَسٍ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق بِشْر بْن مُعَاذ عَنْ عَبْد الْوَارِث عَنْ عَزْرَة بْن ثَابِت قَالَ : \" دَخَلْت عَلَى ثُمَامَة فَنَاوَلَنِي طِيبًا , قُلْت قَدْ تَطَيَّبْت , فَقَالَ : كَانَ أَنَس لَا يَرُدُّ الطِّيب \". ‏ ‏قَوْله : ( وَزَعَمَ ) ‏ ‏أَيْ قَالَ , وَالزَّعْم يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْل كَثِيرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2395",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ ذَكَرَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏وَمَرْوَانَ ‏ ‏أَخْبَرَاهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ ‏ ‏هَوَازِنَ ‏ ‏قَامَ فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاءُونَا تَائِبِينَ وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَقَالَ النَّاسُ طَيَّبْنَا لَكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2396",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا ‏ ‏لَمْ يَذْكُرْ ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏وَمُحَاضِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى الْفَرَّاء عَنْ عِيسَى بْن يُونُس \" حَدَّثَنَا هِشَام \". ‏ ‏قَوْله : ( يَقْبَل الْهَدِيَّة وَيُثِيب عَلَيْهَا ) ‏ ‏أَيْ يُعْطِي الَّذِي يُهْدِي لَهُ بَدَلهَا , وَالْمُرَاد بِالثَّوَابِ الْمُجَازَاة وَأَقَلّهُ مَا يُسَاوِي قِيمَةَ الْهَدِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَذْكُرْ وَكِيع وَمُحَاضِر : عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ عِيسَى بْن يُونُس تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ عَنْ هِشَام , وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيّ وَالْبَزَّار : لَا نَعْرِفُهُ مَوْصُولًا إِلَّا مِنْ حَدِيث عِيسَى بْن يُونُس , وَقَالَ الْآَجُرِّيّ سَأَلْت أَبَا دَاوُدَ عَنْهُ فَقَالَ : تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ عِيسَى بْن يُونُس , وَهُوَ عِنْد النَّاس مُرْسَل. وَرِوَايَة وَكِيع وَصَلَهَا اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ بِلَفْظِ \" وَيُثِيب مَا هُوَ خَيْر مِنْهَا \" وَرِوَايَة مُحَاضِر لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا بَعْدُ. وَاسْتَدَلَّ بَعْض الْمَالِكِيَّة بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى وُجُوب الثَّوَاب عَلَى الْهَدِيَّة إِذَا أَطْلَقَ الْوَاهِب وَكَانَ مِمَّنْ يَطْلُب مِثْله الثَّوَاب كَالْفَقِيرِ لِلْغَنِيِّ , بِخِلَافِ مَا يَهَبُهُ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى , وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ مُوَاظَبَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي أَهْدَى قَصَدَ أَنْ يُعْطَى أَكْثَرَ مِمَّا أَهْدَى فَلَا أَقَلّ أَنْ يُعَوَّضَ بِنَظِيرِ هَدِيَّته , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم , وَقَالَ فِي الْجَدِيد كَالْحَنَفِيَّةِ : الْهِبَة لِلثَّوَابِ بَاطِلَة لَا تَنْعَقِدُ لِأَنَّهَا بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ , وَلِأَنَّ مَوْضُوع الْهِبَة التَّبَرُّع فَلَوْ أَبْطَلْنَاهُ لَكَانَ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَة , وَقَدْ فَرَّقَ الشَّرْع وَالْعُرْف بَيْن الْبَيْع وَالْهِبَة , فَمَا اِسْتَحَقَّ الْعِوَض أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظ الْبَيْع بِخِلَافِ الْهِبَة. وَأَجَابَ بَعْض الْمَالِكِيَّة بِأَنَّ الْهِبَة لَوْ لَمْ تَقْتَضِ الثَّوَاب أَصْلًا لَكَانَتْ بِمَعْنَى الصَّدَقَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْأَغْلَب مِنْ حَال الَّذِي يُهْدِي أَنَّهُ يَطْلُب الثَّوَاب وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فَقِيرًا , وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2397",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ‏ ‏أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ ‏ ‏النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ‏ ‏أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ إِنِّي ‏ ‏نَحَلْتُ ‏ ‏ابْنِي هَذَا غُلَامًا فَقَالَ ‏ ‏أَكُلَّ وَلَدِكَ ‏ ‏نَحَلْتَ ‏ ‏مِثْلَهُ قَالَ لَا قَالَ فَارْجِعْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير ) ‏ ‏كَذَا لِأَكْثَر أَصْحَاب الزُّهْرِيِّ , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ اِبْن شِهَاب \" أَنَّ مُحَمَّد بْن النُّعْمَان وَحُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَاهُ عَنْ بَشِير بْن سَعْد \" جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَد بَشِير فَشَذَّ بِذَلِكَ , وَالْمَحْفُوظ أَنَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النُّعْمَان , وَبَشِير وَالِد النُّعْمَان هُوَ اِبْن سَعْد بْن ثَعْلَبَة بْن الْجُلَاس - بِضَمِّ الْجِيم وَتَخْفِيف اللَّام - الْخَزْرَجِيّ , صَحَابِيّ شَهِير مِنْ أَهْل بَدْر وَشَهِدَ غَيْرهَا , وَمَاتَ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر سَنَة ثَلَاث عَشْرَة , وَيُقَال إِنَّهُ أَوَّل مَنْ بَايَعَ أَبَا بَكْر مِنْ الْأَنْصَار , وَقِيلَ عَاشَ إِلَى خِلَافَة عُمَر. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ النُّعْمَان عَدَد كَثِير مِنْ التَّابِعِينَ , مِنْهُمْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر عِنْد مُسْلِم وَالنَّسَائِيّ وَأَبِي دَاوُدَ , وَأَبُو الضُّحَى عِنْد النَّسَائِيِّ وَابْن حِبَّان وَأَحْمَد وَالطَّحَاوِيّ , وَالْمُفَضَّل بْن الْمُهَلَّب عِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ , وَعَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ بْن مَسْعُود عِنْد أَحْمَد , وَعَوْن بْن عَبْد اللَّه عِنْد أَبِي عَوَانَة , وَالشَّعْبِيّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَأَبِي دَاوُدَ وَأَحْمَد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ وَابْن حِبَّان وَغَيْرهمْ , وَرَوَاهُ عَنْ الشَّعْبِيّ عَدَد كَثِير أَيْضًا , وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتهمْ مِنْ الْفَوَائِد الزَّائِدَة عَلَى هَذِهِ الطَّرِيق مُفَصِّلًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ \" أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّة , فَقَالَتْ عَمْرَة بِنْت رَوَاحَة : لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي أَعْطَيْت اِبْنِي مِنْ عَمْرَة بِنْت رَوَاحَة عَطِيَّة \" وَسَيَأْتِي فِي الشَّهَادَات مِنْ طَرِيق أَبِي حِبَّان عَنْ الشَّعْبِيّ سَبَب سُؤَالهَا شَهَادَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَفْظه \" عَنْ النُّعْمَان قَالَ : سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَة لِي مِنْ مَاله \" زَادَ مُسْلِم وَالنَّسَائِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَالْتَوَى بِهَا سَنَة \" أَيْ مَطَلَهَا , وَفِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان مِنْ هَذَا الْوَجْه \" بَعْد حَوْلَيْنِ \" وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُدَّة كَانَتْ سَنَة وَشَيْئًا فَجَبَرَ الْكَسْر تَارَة وَأَلْغَى أُخْرَى , قَالَ : \" ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي , فَقَالَتْ لَهُ : لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلَام \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ النُّعْمَان \" اِنْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلنِي إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ أَخَذَ بِيَدِهِ فَمَشَى مَعَهُ بَعْض الطَّرِيق وَحَمَلَهُ فِي بَعْضهَا لِصِغَرِ سِنّهُ , أَوْ عَبَّرَ عَنْ اِسْتِتْبَاعه إِيَّاهُ بِالْحَمْلِ , وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَة الْبَاب أَنَّ الْعَطِيَّة كَانَتْ غُلَامًا , وَكَذَا فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان الْمَذْكُورَة , وَكَذَا لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن سَالِم عَنْ الشَّعْبِيّ , وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَة عُرْوَة وَحَدِيث جَابِر مَعًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي حَرِيز بِمُهْمَلَةٍ وَرَاء ثُمَّ زَاي بِوَزْنٍ عَظِيمٍ عِنْد اِبْن حِبَّان وَالطَّبَرَانِيّ عَنْ الشَّعْبِيّ \" أَنَّ النُّعْمَان خَطَبَ بِالْكُوفَةِ فَقَالَ : إِنَّ وَالِدِي بَشِير بْن سَعْد أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ عَمْرَةَ بِنْت رَوَاحَة نَفِسَتْ بِغُلَامٍ , وَإِنِّي سَمَّيْته النُّعْمَان , وَإِنَّهَا أَبَتْ أَنْ تُرَبِّيَهُ حَتَّى جَعَلْت لَهُ حَدِيقَة مِنْ أَفْضَل مَال هُوَ لِي وَأَنَّهَا قَالَتْ : أَشْهِدْ عَلَى ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ \" وَجَمَعَ اِبْن حِبَّان بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِالْحَمْلِ عَلَى وَاقِعَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا عِنْد وِلَادَة النُّعْمَان وَكَانَتْ الْعَطِيَّة حَدِيقَة , وَالْأُخْرَى بَعْد أَنْ بَرَّكَ النُّعْمَان وَكَانَتْ الْعَطِيَّة عَبْدًا , وَهُوَ جَمْع لَا بَأْس بِهِ , إِلَّا أَنَّهُ يُعَكِّر عَلَيْهِ أَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَنْسَى بَشِير بْن سَعْد مَعَ جَلَالَته الْحُكْم فِي الْمَسْأَلَة حَتَّى يَعُودَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْتَشْهِدهُ عَلَى الْعَطِيَّة الثَّانِيَة بَعْد أَنْ قَالَ لَهُ فِي الْأُولَى \" لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ \" وَجَوَّزَ اِبْن حِبَّان أَنْ يَكُون بَشِير ظَنَّ نَسْخ الْحُكْم. وَقَالَ غَيْره : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون حَمَلَ الْأَمْر الْأَوَّل عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه , أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ الِامْتِنَاع فِي الْحَدِيقَة الِامْتِنَاع فِي الْعَبْد لِأَنَّ ثَمَن الْحَدِيقَة فِي الْأَغْلَب أَكْثَر مِنْ ثَمَن الْعَبْد. ثُمَّ ظَهَرَ لِي وَجْه آخَر مِنْ الْجَمْع يَسْلَم مِنْ هَذَا الْخَدْش وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ وَهُوَ أَنَّ عَمْرَة لَمَّا اِمْتَنَعَتْ مِنْ تَرْبِيَته إِلَّا أَنْ يَهَبَ لَهُ شَيْئًا يَخُصُّهُ بِهِ وَهَبَهُ الْحَدِيقَة الْمَذْكُورَة تَطْيِيبًا لِخَاطِرِهَا , ثُمَّ بَدَا لَهُ فَارْتَجَعَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهَا مِنْهُ أَحَد غَيْره , فَعَاوَدَتْهُ عَمْرَة فِي ذَلِكَ فَمَطَلَهَا سَنَة أَوْ سَنَتَيْنِ ثُمَّ طَابَتْ نَفْسه أَنْ يَهَب لَهُ بَدَل الْحَدِيقَة غُلَامًا وَرَضِيَتْ عَمْرَة بِذَلِكَ , إِلَّا أَنَّهَا خَشِيَتْ أَنْ يَرْتَجِعَهُ أَيْضًا فَقَالَتْ لَهُ أَشْهِدْ عَلَى ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُرِيد بِذَلِكَ تَثْبِيت الْعَطِيَّة وَأَنْ تَأْمَنَ مِنْ رُجُوعه فِيهَا , وَيَكُون مَجِيئُهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْإِشْهَادِ مَرَّة وَاحِدَة وَهِيَ الْأَخِيرَة , وَغَايَة مَا فِيهِ أَنَّ بَعْض الرُّوَاة حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظ بَعْض , أَوْ كَانَ النُّعْمَان يَقُصُّ بَعْض الْقِصَّة تَارَة وَيَقُصُّ بَعْضهَا أُخْرَى , فَسَمِعَ كُلّ مَا رَوَاهُ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ , وَاللَّه أَعْلَم. وَعَمْرَة الْمَذْكُورَة هِيَ بِنْت رَوَاحَة بْن ثَعْلَبَة الْخَزْرَجِيَّة أُخْت عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور. وَوَقَعَ عِنْد أَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق عَوْن بْن عَبْد اللَّه أَنَّهَا بِنْت عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة وَالصَّحِيح الْأَوَّل , وَبِذَلِكَ ذَكَرَهَا اِبْن سَعْد وَغَيْره وَقَالُوا : كَانَتْ مِمَّنْ بَايَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النِّسَاء , وَفِيهَا يَقُول قَيْس بْن الْخَطِيم بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة : ‏ ‏وَعَمْرَة مِنْ سَرَوَات النِّسَاء تَنْفَح بِالْمِسْكِ أَرْدَانهَا ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي نَحَلْت ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَالْمُهْمَلَة , وَالنِّحْلَة بِكَسْرِ النُّون وَسُكُون الْمُهْمَلَة الْعَطِيَّة بِغَيْرِ عِوَض. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَكُلَّ وَلَدك نَحَلْت ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي حَيَّان \" فَقَالَ أَلَك وَلَد سِوَاهُ ؟ قَالَ نَعَمْ \" وَقَالَ مُسْلِم لَمَّا رَوَاهُ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ أَمَّا يُونُس وَمَعْمَر فَقَالَا : \" أَكُلّ بَنِيك \" وَأَمَّا اللَّيْث وَابْن عُيَيْنَةَ فَقَالَا : \" أَكُلّ وَلَدك \". ‏ ‏قُلْت : وَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا لِأَنَّ لَفْظ الْوَلَد يَشْمَلُ مَا لَوْ كَانُوا ذُكُورًا , أَوْ إِنَاثًا وَذُكُورًا , وَأَمَّا لَفْظ الْبَنِينَ فَإِنْ كَانُوا ذُكُورًا فَظَاهِر وَإِنْ كَانُوا إِنَاثًا وَذُكُورًا فَعَلَى سَبِيل التَّغْلِيب ; وَلَمْ يَذْكُر اِبْن سَعْد لِبَشِيرٍ وَالِد النُّعْمَان وَلَدًا غَيْر النُّعْمَان , وَذَكَرَ لَهُ بِنْتًا اِسْمهَا أُبَيَّة بِالْمُوَحَّدَةِ تَصْغِير أَبٍ. ‏ ‏قَوْله : ( نَحَلْت مِثْله ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي حَيَّان عِنْد مُسْلِم \" فَقَالَ أَكُلّهمْ وَهَبْت لَهُ هَذَا , قَالَ : لَا \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ الشَّعْبِيّ \" فَقَالَ أَلَكَ بَنُونَ سِوَاهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ : فَكُلّهمْ أَعْطَيْت مِثْل هَذَا ؟ قَالَ : لَا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن الْقَاسِم فِي \" الْمُوَطَّآت لِلدَّارَقُطْنِيّ \" عَنْ مَالِك \" قَالَ لَا وَاللَّه يَا رَسُول اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ فَارْجِعْهُ ) ‏ ‏وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ فَارْدُدْهُ وَلَهُ وَلِلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق عُرْوَة مِثْله , وَفِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ قَالَ فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّته وَلِمُسْلِمٍ فَرَدَّ تِلْك الصَّدَقَة زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي حَيَّان فِي الشَّهَادَات \" قَالَ : لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْر \" وَمِثْله لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة عَاصِم عَنْ الشَّعْبِيّ , وَفِي رِوَايَة أَبِي حَرِيز الْمَذْكُورَة \" لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْر \" وَقَدْ عَلَّقَ مِنْهَا الْبُخَارِيّ هَذَا الْقَدْر فِي الشَّهَادَات , وَمِثْلُهُ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل عَنْ الشَّعْبِيّ , وَلَهُ فِي رِوَايَة أَبِي حَيَّان \" فَقَالَ : فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا ; فَإِنِّي لَا أَشْهَد عَلَى جَوْرٍ \" وَلَهُ فِي رِوَايَة الْمُغِيرَة عَنْ الشَّعْبِيّ \" فَإِنِّي لَا أَشْهَد عَلَى جَوْر , لِيَشْهَد عَلَى هَذَا غَيْرِي \" وَلَهُ وَلِلنَّسَائِيّ فِي رِوَايَة دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد قَالَ : \" فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي \" وَفِي حَدِيث جَابِر \" فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ \" وَلِعَبْدِ الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ مُرْسَلًا \" لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى الْحَقّ , لَا أَشْهَدُ بِهَذِهِ \" وَفِي رِوَايَة عُرْوَة عِنْد النَّسَائِيِّ \" فَكَرِهَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ \" وَفِي رِوَايَة الْمُغِيرَة عَنْ الشَّعْبِيّ عِنْد مُسْلِم \" اِعْدِلُوا بَيْن أَوْلَادكُمْ فِي النِّحَل , كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يَعْدِلُوا بَيْنكُمْ فِي الْبِرّ \" وَفِي رِوَايَة مُجَالِد عَنْ الشَّعْبِيّ عِنْد أَحْمَد \" إِنَّ لِبَنِيك عَلَيْك مِنْ الْحَقّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنهمْ , فَلَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْر , أَيَسُرُّك أَنْ يَكُونُوا إِلَيْك فِي الْبِرّ سَوَاء ؟ قَالَ : بَلَى , قَالَ : فَلَا إِذًا \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" إِنَّ لَهُمْ عَلَيْك مِنْ الْحَقّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنهمْ , كَمَا أَنَّ لَك عَلَيْهِمْ مِنْ الْحَقّ أَنْ يَبَرُّوك \" , وَلِلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي الضُّحَى \" أَلَا سَوَّيْت بَيْنهمْ \" وَلَهُ وَلِابْنِ حِبَّان مِنْ هَذَا الْوَجْه \" سَوِّ بَيْنهمْ \" وَاخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فِي هَذِهِ الْقِصَّة الْوَاحِدَة يَرْجِع إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَوْجَبَ السَّوِيَّة فِي عَطِيَّة الْأَوْلَاد , وَبِهِ صَرَّحَ الْبُخَارِيّ , وَهُوَ قَوْل طَاوُسٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَقَالَ بِهِ بَعْض الْمَالِكِيَّة. ثُمَّ الْمَشْهُور عَنْ هَؤُلَاءِ أَنَّهَا بَاطِلَة. وَعَنْ أَحْمَد تَصِحُّ , وَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ. وَعَنْهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ إِنْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ , كَأَنْ يَحْتَاجَ الْوَلَد لِزَمَانَتِهِ وَدَيْنه أَوْ نَحْو ذَلِكَ دُون الْبَاقِينَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُف : تَجِب التَّسْوِيَة إِنْ قَصَدَ بِالتَّفْضِيلِ الْإِضْرَار. وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ التَّسْوِيَة مُسْتَحَبَّة , فَإِنْ فَضَّلَ بَعْضًا صَحَّ وَكُرِهَ. وَاسْتُحِبَّتْ الْمُبَادَرَة إِلَى التَّسْوِيَة أَوْ الرُّجُوع , فَحَمَلُوا الْأَمْر عَلَى النَّدْب وَالنَّهْي عَلَى التَّنْزِيه. وَمِنْ حُجَّة مَنْ أَوْجَبَهُ أَنَّهُ مُقَدَّمَة الْوَاجِب لِأَنَّ قَطْع الرَّحِم وَالْعُقُوق مُحَرَّمَانِ فَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِمَا يَكُون مُحَرَّمًا وَالتَّفْضِيل مِمَّا يُؤَدِّي إِلَيْهِمَا. ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي صِفَة التَّسْوِيَة فَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَبَعْض الشَّافِعِيَّة وَالْمَالِكِيَّة. الْعَدْل أَنْ يُعْطِيَ الذَّكَر حَظَّيْنِ كَالْمِيرَاثِ , وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ حَظُّهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَال لَوْ أَبْقَاهُ الْوَاهِب فِي يَده حَتَّى مَاتَ. ‏ ‏وَقَالَ غَيْرهمْ : لَا فَرْق بَيْن الذَّكَر وَالْأُنْثَى , وَظَاهِر الْأَمْر بِالتَّسْوِيَةِ يَشْهَد لَهُ. وَاسْتَأْنَسُوا بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" سَوُّوا بَيْن أَوْلَادكُمْ فِي الْعَطِيَّة , فَلَوْ كُنْت مُفَضِّلًا أَحَدًا لَفَضَّلْت النِّسَاء \" أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقه وَإِسْنَاده حَسَن. ‏ ‏وَأَجَابَ مَنْ حَمَلَ الْأَمْر بِالتَّسْوِيَةِ عَلَى النَّدْب عَنْ حَدِيث النُّعْمَان بِأَجْوِبَةٍ : ‏ ‏أَحَدهَا : أَنَّ الْمَوْهُوب لِلنُّعْمَانِ كَانَ جَمِيع مَال وَالِده وَلِذَلِكَ مَنَعَهُ , فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّة عَلَى مَنْع التَّفْضِيل حَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ مَالِك. وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ طُرُق حَدِيث النُّعْمَان صَرَّحَ بِالْبَعْضِيَّةِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَمِنْ أَبْعَد التَّأْوِيلَات أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَنْ وَهَبَ جَمِيع مَاله لِبَعْضِ وَلَده كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سَحْنُون , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِي نَفْس هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْمَوْهُوب كَانَ غُلَامًا وَأَنَّهُ وَهَبَهُ لَهُ لَمَّا سَأَلَتْهُ الْأُمّ الْهِبَة مِنْ بَعْض مَاله , قَالَ : وَهَذَا يُعْلَمُ مِنْهُ عَلَى الْقَطْع أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَال غَيْره. ‏ ‏ثَانِيهَا : أَنَّ الْعَطِيَّة الْمَذْكُورَة لَمْ تُنْجَزْ , وَإِنَّمَا جَاءَ بَشِير يَسْتَشِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا تَفْعَلَ , فَتَرَكَ. حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ. وَفِي أَكْثَر طُرُق حَدِيث الْبَاب مَا يُنَابِذُهُ. ‏ ‏ثَالِثهَا : أَنَّ النُّعْمَان كَانَ كَبِيرًا وَلَمْ يَكُنْ قَبَضَ الْمَوْهُوب فَجَازَ لِأَبِيهِ الرُّجُوع , ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ , وَهُوَ خِلَاف مَا فِي أَكْثَر طُرُق الْحَدِيث أَيْضًا خُصُوصًا قَوْله : \" اِرْجِعْهُ \" فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ وُقُوعِ الْقَبْض , وَالَّذِي تَضَافَرَتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَات أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا وَكَانَ أَبُوهُ قَابِضًا لَهُ لِصِغَرِهِ , فَأَمَرَ بِرَدِّ الْعَطِيَّة الْمَذْكُورَة بَعْدَمَا كَانَتْ فِي حُكْم الْمَقْبُوض. ‏ ‏رَابِعهَا : أَنَّ قَوْله : \" اِرْجِعْهُ \" دَلِيل عَلَى الصِّحَّة , وَلَوْ لَمْ تَصِحَّ الْهِبَة لَمْ يَصِحَّ الرُّجُوع , وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالرُّجُوعِ لِأَنَّ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَل خِلَاف ذَلِكَ , لَكِنْ اِسْتِحْبَاب التَّسْوِيَة رُجِّحَ عَلَى ذَلِكَ فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِهِ , وَفِي الِاحْتِجَاج بِذَلِكَ نَظَر , وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : \" اِرْجِعْهُ \" أَيْ لَا تُمْضِ الْهِبَة الْمَذْكُورَة , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ تَقَدُّم صِحَّة الْهِبَة. ‏ ‏خَامِسهَا : أَنَّ قَوْله : \" أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي \" إِذْن بِالْإِشْهَادِ عَلَى ذَلِكَ , وَإِنَّمَا اِمْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ الْإِمَام , وَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا أَشْهَدُ لِأَنَّ الْإِمَام لَيْسَ مِنْ شَأْنه أَنْ يَشْهَد وَإِنَّمَا مِنْ شَأْنه أَنْ يَحْكُم , حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا , وَارْتَضَاهُ اِبْن الْقَصَّار. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْن الْإِمَام لَيْسَ مِنْ شَأْنه أَنْ يَشْهَد أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَحَمُّلِ الشَّهَادَة وَلَا مِنْ أَدَائِهَا إِذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ , وَقَدْ صَرَّحَ الْمُحْتَجُّ بِهَذَا أَنَّ الْإِمَام إِذَا شَهِدَ عِنْد بَعْض نُوَّابه جَازَ , وَأَمَّا قَوْله إِنَّ قَوْله : \" أَشْهِدْ \" صِيغَةُ إِذْنٍ فَلَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ هُوَ لِلتَّوْبِيخِ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَقِيَّة أَلْفَاظ الْحَدِيث , وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْجُمْهُور فِي هَذَا الْمَوْضِع. وَقَالَ اِبْن حِبَّان : قَوْله : \" أَشْهِدْ \" صِيغَة أَمْر وَالْمُرَاد بِهِ نَفْي الْجَوَاز وَهُوَ كَقَوْلِهِ لِعَائِشَة : \" اِشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاء \" اِنْتَهَى. ‏ ‏سَادِسهَا : التَّمَسُّك بِقَوْلِهِ : \" أَلَا سَوَّيْت بَيْنهمْ \" عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَمْرِ الِاسْتِحْبَاب وَبِالنَّهْيِ التَّنْزِيه , وَهَذَا جَيِّدٌ لَوْلَا وُرُودُ تِلْك الْأَلْفَاظ الزَّائِدَة عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَة , وَلَا سِيَّمَا أَنَّ تِلْك الرِّوَايَة بِعَيْنِهَا وَرَدَتْ بِصِيغَةِ الْأَمْر أَيْضًا حَيْثُ قَالَ : \" سَوِّ بَيْنهمْ \". ‏ ‏سَابِعهَا : وَقَعَ عِنْد مُسْلِم عَنْ اِبْن سِيرِينَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَحْفُوظ فِي حَدِيث النُّعْمَان \" قَارِبُوا بَيْن أَوْلَادكُمْ \" لَا \" سَوُّوا \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُخَالِفِينَ لَا يُوجِبُونَ الْمُقَارَبَة كَمَا لَا يُوجِبُونَ التَّسْوِيَة. ‏ ‏ثَامِنهَا : فِي التَّشْبِيه الْوَاقِع فِي التَّسْوِيَة بَيْنهمْ بِالتَّسْوِيَةِ مِنْهُمْ فِي بِرّ الْوَالِدَيْنِ قَرِينَة تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْر لِلنَّدْبِ , لَكِنْ إِطْلَاق الْجَوْر عَلَى عَدَمِ التَّسْوِيَةِ , وَالْمَفْهُوم مِنْ قَوْله : \" لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقّ \" وَقَدْ قَالَ فِي آخِر الرِّوَايَة الَّتِي وَقَعَ فِيهَا التَّشْبِيه \" قَالَ فَلَا إِذًا \". تَاسِعهَا : عَمَل الْخَلِيفَتَيْنِ أَبِي بَكْر وَعُمَر بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَدَم التَّسْوِيَة قَرِينَة ظَاهِرَة فِي أَنَّ الْأَمْر لِلنَّدْبِ , فَأَمَّا أَبُو بَكْر فَرَوَاهُ الْمُوَطَّأ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ عَائِشَة أَنَّ أَبَا بَكْر قَالَ لَهَا فِي مَرَض مَوْته \" إِنِّي كُنْت نَحَلْتُك نُحْلًا فَلَوْ كُنْت اِخْتَرْتِيهِ لَكَانَ لَك , وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْم لِلْوَارِثِ \" وَأَمَّا عُمَر فَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْره أَنَّهُ نَحَلَ اِبْنه عَاصِمًا دُون سَائِر وَلَده , وَقَدْ أَجَابَ عُرْوَة عَنْ قِصَّة عَائِشَة بِأَنَّ إِخْوَتهَا كَانُوا رَاضِينَ بِذَلِكَ , وَيُجَابُ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنْ قِصَّة عُمَر. ‏ ‏عَاشِر الْأَجْوِبَة : أَنَّ الْإِجْمَاع اِنْعَقَدَ عَلَى جَوَاز عَطِيَّة الرَّجُل مَاله لِغَيْرِ وَلَده , فَإِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ جَمِيع وَلَده مِنْ مَاله جَازَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ ذَلِكَ بَعْضهمْ , ذَكَرَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ لِأَنَّهُ قِيَاس مَعَ وُجُود النَّصّ , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : \" لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْر \" أَيْ لَا أَشْهَد عَلَى مَيْل الْأَب لِبَعْضِ الْأَوْلَاد دُون بَعْض , وَفِي هَذَا نَظَر لَا يَخْفَى , وَيَرُدُّهُ قَوْله فِي الرِّوَايَة \" لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى الْحَقّ \" وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّ بَعْض الْمَالِكِيَّة اِحْتَجَّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَاف ظَاهِر حَدِيث النُّعْمَان , ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ وَكَذَلِكَ الْأُمّ , وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الْفُقَهَاء , إِلَّا أَنَّ الْمَالِكِيَّة فَرَّقُوا بَيْن الْأَب وَالْأُمّ فَقَالُوا لِلْأُمِّ أَنْ تَرْجِعَ إِنْ كَانَ الْأَب حَيًّا دُون مَا إِذَا مَاتَ , وَقَيَّدُوا رُجُوع الْأَب بِمَا إِذَا كَانَ الِابْن الْمَوْهُوب لَهُ لَمْ يَسْتَحْدِثْ دَيْنًا أَوْ يَنْكِحْ , وَبِذَلِكَ قَالَ إِسْحَاق , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لِلْأَبِ الرُّجُوع مُطْلَقًا , وَقَالَ أَحْمَد : لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ مُطْلَقًا , وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : إِنْ كَانَ الْمَوْهُوب صَغِيرًا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ الرُّجُوع , وَكَذَا إِنْ كَانَ كَبِيرًا وَقَبَضَهَا , قَالُوا وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَة لِزَوْجٍ مِنْ زَوْجَتِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ لِذِي رَحِمٍ لَمْ يَجُزْ الرُّجُوع فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَوَافَقَهُمْ إِسْحَاق فِي ذِي الرَّحِم وَقَالَ : لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَرْجِعَ بِخِلَافِ الزَّوْج , وَالِاحْتِجَاج لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ يَطُولُ , وَحُجَّة الْجُمْهُور فِي اِسْتِثْنَاء الْأَب أَنَّ الْوَلَد وَمَاله لِأَبِيهِ فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ رُجُوعًا , وَعَلَى تَقْدِير كَوْنه رُجُوعًا فَرُبَّمَا اِقْتَضَتْهُ مَصْلَحَة التَّأْدِيب , وَنَحْو ذَلِكَ , سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هِبَة الزَّوْجَيْنِ فِي الْبَاب بَعْده. ‏ ‏وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا النَّدْب إِلَى التَّآلُفِ بَيْن الْإِخْوَة وَتَرْك مَا يُوقِعُ بَيْنَهُمْ الشَّحْنَاء أَوْ يُورِثُ الْعُقُوق لِلْآبَاءِ , وَأَنَّ عَطِيَّة الْأَب لِابْنِهِ الصَّغِير فِي حِجْره لَا تَحْتَاج إِلَى قَبْض , وَأَنَّ الْإِشْهَاد فِيهَا يُغْنِي عَنْ الْقَبْض. وَقِيلَ إِنْ كَانَتْ الْهِبَة ذَهَبًا أَوْ فِضَّة فَلَا بُدَّ مِنْ عَزْلهَا وَإِفْرَازهَا. وَفِيهِ كَرَاهَة تَحَمُّل الشَّهَادَة فِيمَا لَيْسَ بِمُبَاحٍ وَأَنَّ الْإِشْهَاد فِي الْهِبَة مَشْرُوع وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز الْمَيْل إِلَى بَعْض الْأَوْلَاد وَالزَّوْجَات دُون بَعْض وَإِنْ وَجَبَتْ التَّسْوِيَة بَيْنهمْ فِي غَيْر ذَلِكَ. ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَم أَنْ يَتَحَمَّلَ الشَّهَادَة , وَتَظْهَرُ فَائِدَتهَا إِمَّا لِيَحْكُمَ فِي ذَلِكَ بِعِلْمِهِ عِنْد مَنْ يُجِيزُهُ , أَوْ يُؤَدِّيهَا عِنْد بَعْض نُوَّابِهِ. ‏ ‏وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة اِسْتِفْصَال الْحَاكِم وَالْمُفْتِي عَمَّا يَحْتَمِلُ الْاِسْتِفْصَال , لِقَوْلِهِ : \" أَلَك وَلَد غَيْره \" فَلَمَّا قَالَ : \" نَعَمْ \" قَالَ : \" أَفَكُلّهمْ أَعْطَيْت مِثْله \" فَلَمَّا قَالَ : \" لَا \" قَالَ : \" لَا أَشْهَدُ \" فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ نَعَمْ لَشَهِدَ. ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز تَسْمِيَة الْهِبَة صَدَقَة , وَأَنَّ لِلْإِمَامِ كَلَامًا فِي مَصْلَحَة الْوَلَد , وَالْمُبَادَرَة إِلَى قَبُول الْحَقّ , وَأَمَرَ الْحَاكِم وَالْمُفْتِي بِتَقْوَى اللَّه فِي كُلّ حَال. ‏ ‏وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى سُوء عَاقِبَة الْحِرْص وَالتَّنَطُّع , لِأَنَّ عَمْرَة لَوْ رَضِيَتْ بِمَا وَهَبَهُ زَوْجهَا لِوَلَدِهِ لَمَا رَجَعَ فِيهِ , فَلَمَّا اِشْتَدَّ حِرْصُهَا فِي تَثْبِيت ذَلِكَ أَفْضَى إِلَى بُطْلَانه. وَقَالَ الْمُهَلَّب : فِيهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَرُدَّ الْهِبَةَ وَالْوَصِيَّةَ مِمَّنْ يُعْرَفُ مِنْهُ هُرُوبًا عَنْ بَعْض الْوَرَثَة , وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2398",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَامِدُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فَقَالَتْ ‏ ‏عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ ‏ ‏لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ ‏ ‏عَطِيَّةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا قَالَ لَا قَالَ ‏ ‏فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ قَالَ فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2399",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاشْتَدَّ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ الْأَرْضَ وَكَانَ بَيْنَ ‏ ‏الْعَبَّاسِ ‏ ‏وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَذَكَرْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏مَا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقَالَ لِي وَهَلْ تَدْرِي مَنْ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏قُلْتُ لَا قَالَ هُوَ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2400",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2401",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا ‏ ‏لِيَ مَالٌ إِلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏فَأَتَصَدَّقُ قَالَ ‏ ‏تَصَدَّقِي وَلَا ‏ ‏تُوعِي ‏ ‏فَيُوعَى عَلَيْكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" أَخْبَرَنِي اِبْن أَبِي مُلَيْكَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الزَّكَاة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبَّاد بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام , وَأَسْمَاء الَّتِي رَوَى عَنْهَا هِيَ بِنْت أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَهِيَ جَدَّته لِأَبِيهِ , وَقَدْ رَوَى أَيُّوب هَذَا الْحَدِيث عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عَائِشَة بِغَيْرِ وَاسِطَة أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ , وَصَرَّحَ أَيُّوب عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة بِتَحْدِيثِ عَائِشَة لَهُ بِذَلِكَ , فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَبَّاد عَنْهَا ثُمَّ حَدَّثْته بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا لِي مَال إِلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ , وَالزُّبَيْر هُوَ اِبْن الْعَوَّام كَانَ زَوْجهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَصَدَّق ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ أَدَاة الِاسْتِفْهَام , وَلِلْمُسْتَمْلِي بِإِثْبَاتِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّه عَلَيْك ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ لِكَوْنِهِ جَوَاب النَّهْي , وَكَذَا قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" فَيُحْصِيَ اللَّه عَلَيْك \" وَالْمَعْنَى لَا تَجْمَعِي فِي الْوِعَاء وَتَبْخَلِي بِالنَّفَقَةِ فَتُجَازَيْ بِمِثْلِ ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مَبْسُوطًا فِي أَوَائِل كِتَاب الزَّكَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "2402",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنْفِقِي وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَلَا ‏ ‏تُوعِي ‏ ‏فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ فَاطِمَة ) ‏ ‏هِيَ بِنْت الْمُنْذِر بْن الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام , وَهِيَ بِنْت عَمّ هِشَام بْن عُرْوَة الرَّاوِي عَنْهَا وَزَوْجَته , وَأَسْمَاء هِيَ بِنْت أَبِي بَكْر جَدَّتهمَا جَمِيعًا لِأَبَوَيْهِمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2403",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اللَّيْثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُكَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي قَالَ أَوَفَعَلْتِ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ ‏ ‏أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُكَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏أَعْتَقَتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏عَنْ يَزِيد ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَبِيب , ‏ ‏وَبُكَيْر ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن الْأَشَجّ , وَهَذَا الْإِسْنَاد نِصْفه الْأَوَّل مِصْرِيُّونَ وَنِصْفه الْآخَر مَدَنِيُّونَ , وَفِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق يَزِيد وَبُكَيْر وَكُرَيْب. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَة ) ‏ ‏أَيْ جَارِيَة , فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن يَسَار عَنْ مَيْمُونَة \" أَنَّهَا كَانَتْ لَهَا جَارِيَة سَوْدَاء \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذِهِ الْجَارِيَة , وَبَيَّنَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الْهِلَالِيَّة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ مَيْمُونَة فِي أَصْل هَذِهِ الْحَادِثَة أَنَّهَا كَانَتْ سَأَلَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَادِمًا فَأَعْطَاهَا خَادِمًا فَأَعْتَقَتْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَا ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ الْمِيم ‏ ‏( أَنَّك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة ‏ ‏( لَوْ أَعْطَيْتهَا أَخْوَالك ) ‏ ‏أَخْوَالهَا كَانُوا مِنْ بَنِي هِلَال أَيْضًا , وَاسْم أُمّهَا هِنْد بِنْت عَوْف بْن زُهَيْر بْن الْحَارِث , ذَكَرَهَا اِبْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ أَعْطَيْتهَا أَخْوَالك كَانَ أَعْظَم لِأَجْرِك ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ أَنَّ هِبَة ذِي الرَّحِم أَفْضَل مِنْ الْعِتْق , وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَحْمَد وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان مِنْ حَدِيث سَلْمَان بْن عَامِر الضَّبِّيّ مَرْفُوعًا \" الصَّدَقَة عَلَى الْمِسْكِين صَدَقَة , وَعَلَى ذِي الرَّحِم صَدَقَة وَصِلَة \" لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ هِبَةُ ذِي الرَّحِم أَفْضَل مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْمِسْكِين مُحْتَاجًا وَنَفْعه بِذَلِكَ مُتَعَدِّيًا وَالْآخَر بِالْعَكْسِ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ الْمَذْكُورَة \" فَقَالَ أَفَلَا فَدَيْت بِهَا بِنْت أَخِيك مِنْ رِعَايَة الْغَنَم \" فَبَيَّنَ الْوَجْه فِي الْأَوْلَوِيَّة الْمَذْكُورَة وَهُوَ اِحْتِيَاج قَرَابَتهَا إِلَى مَنْ يَخْدُمُهَا , وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث أَيْضًا حُجَّة عَلَى أَنَّ صِلَة الرَّحِم أَفْضَل مِنْ الْعِتْق لِأَنَّهَا وَاقِعَة عَيْن , وَالْحَقّ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال كَمَا قَرَّرْته , وَوَجْه دُخُول حَدِيث مَيْمُونَة فِي التَّرْجَمَة أَنَّهَا كَانَتْ رَشِيدَة وَأَنَّهَا أَعْتَقَتْ قَبْل أَنْ تَسْتَأْمِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَسْتَدِرْك ذَلِكَ عَلَيْهَا بَلْ أَرْشَدَهَا إِلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى , فَلَوْ كَانَ لَا يَنْفُذُ لَهَا تَصَرُّف فِي مَالهَا لَأَبْطَلَهُ , وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ بَكْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُضَر ‏ ‏( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث ‏ ‏( عَنْ بُكَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْأَشَجّ ‏ ‏( عَنْ كُرَيْب أَنَّ مَيْمُونَة أَعْتَقَتْ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" عَتَقَتْهُ \" وَهُوَ غَلَط فَاحِش , فَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه بِهَذَا الْإِسْنَاد وَقَالَ فِيهِ : \" أَعْتَقَتْ وَلِيدَة لَهَا \" وَأَرَادَ الْمُصَنِّف بِهَذَا التَّعْلِيق شَيْئَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا مُوَافَقَة عَمْرو بْن الْحَارِث لِيَزِيدَ بْن أَبِي حَبِيب عَلَى قَوْله : \" عَنْ كُرَيْب \" وَقَدْ خَالَفَهُمَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فَرَوَاهُ عَنْ بُكَيْر فَقَالَ : \" عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار \" بَدَل بُكَيْر أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقه , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَرِوَايَة يَزِيد وَعَمْرو أَصَحّ. ‏ ‏ثَانِيهمَا : أَنَّهُ عِنْد بَكْر بْن مُضَر عَنْ عَمْرو بِصُورَةِ الْإِرْسَال قَالَ فِيهِ : \" عَنْ كُرَيْب أَنَّ مَيْمُونَة أَعْتَقَتْ \" فَذَكَرَ قِصَّة مَا أَدْرَكَهَا , لَكِنْ قَدْ رَوَاهُ اِبْن وَهْب عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ كُرَيْب عَنْ مَيْمُونَة \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقه , وَطَرِيق بَكْر بْن مُضَر الْمُعَلَّقَة وَصَلَهَا الْبُخَارِيّ فِي \" كِتَاب بِرّ الْوَالِدَيْنِ \" لَهُ وَهُوَ مُفْرَد , وَسَمِعْنَاهُ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن دَلْوَيْهِ عَنْهُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح هُوَ كَاتِب اللَّيْث عَنْ بَكْر بْن مُضَر عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2404",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا غَيْرَ أَنَّ ‏ ‏سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ ‏ ‏وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا ‏ ‏لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة وَصَدْره طَرَف مِنْ قِصَّة الْإِفْك , وَسَيَأْتِي شَرْحهَا مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِير سُورَة النُّور , ‏ ‏وَقَوْله : \" وَكَانَ يَقْسِم لِكُلِّ اِمْرَأَة مِنْهُنَّ غَيْر سَوْدَة إِلَخْ \" ‏ ‏حَدِيث مُسْتَقِلّ , وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي النِّكَاح , وَأَوْرَدَهُ مُفْرَدًا , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ تَبَيَّنَ تَوْجِيهه هُنَاكَ فِي شَرْح الْبَاب الَّذِي قَبْله , قَالَ اِبْن بَطَّال : لَيْسَ فِي أَحَادِيث الْبَاب مَا يَرُدُّ عَلَى مَالِك لِأَنَّهُ يَحْمِلُهَا عَلَى مَا زَادَ عَلَى الثُّلُث اِنْتَهَى. وَهُوَ حَمْلٌ سَائِغ إِنْ ثَبَتَ الْمُدَّعَى , وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا تَصَرُّف فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُث إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجهَا , لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْجَمْع بَيْن الْأَدِلَّة , وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2405",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَجُلٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ قُلْتُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي قَالَ ‏ ‏إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي عِمْرَان الْجَوْنِيّ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الْمَلِك , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ إِلَّا عَائِشَة وَقَدْ دَخَلَتْ الْبَصْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ طَلْحَة بْن عَبْد اللَّه رَجُل مِنْ بَنِي تَيْم بْن مُرَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَجَّاج بْن مِنْهَال عَنْ شُعْبَة كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَب \" سَمِعْت طَلْحَة \" لَكِنَّهُ لَمْ يَنْسُبْهُ , وَقَدْ أَزَالَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة اللَّبْسَ الَّذِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي كِتَاب الشُّفْعَة , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" مِنْ بَنِي تَيْم الرَّبَاب \" بِفَتْحِ الرَّاء وَالْمُوَحَّدَة الْخَفِيفَة وَآخِره مُوَحَّدَة أُخْرَى , وَهُوَ وَهْمٌ , وَالصَّوَاب تَيْم بْن مُرَّة وَهُوَ رَهْط أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَقَدْ وَافَقَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَلَى ذَلِكَ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ شُعْبَة كَمَا حَكَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَسَيَأْتِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , ‏ ‏وَقَوْله : \" بَابًا \" ‏ ‏مَنْصُوب عَلَى التَّمْيِيز. ‏"
    },
    {
        "id": "2406",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيَّ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُخْبِرُ أَنَّهُ ‏ ‏أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ ‏ ‏بِالْأَبْوَاءِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏بِوَدَّانَ ‏ ‏وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرَدَّهُ قَالَ ‏ ‏صَعْبٌ ‏ ‏فَلَمَّا عَرَفَ فِي وَجْهِي رَدَّهُ هَدِيَّتِي قَالَ لَيْسَ بِنَا رَدٌّ عَلَيْكَ وَلَكِنَّا حُرُمٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2407",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلًا مِنْ ‏ ‏الْأَزْدِ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ ‏ ‏ابْنُ الْأُتْبِيَّةِ ‏ ‏عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي قَالَ ‏ ‏فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ ‏ ‏رُغَاءٌ ‏ ‏أَوْ بَقَرَةً لَهَا ‏ ‏خُوَارٌ ‏ ‏أَوْ شَاةً ‏ ‏تَيْعَرُ ‏ ‏ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا ‏ ‏عُفْرَةَ ‏ ‏إِبْطَيْهِ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2408",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ جَاءَ مَالُ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا ثَلَاثًا فَلَمْ يَقْدَمْ حَتَّى تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مُنَادِيًا فَنَادَى مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَدَنِي ‏ ‏فَحَثَى ‏ ‏لِي ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي وَفَاء أَبِي بَكْر الصِّدِّيق لَهُ مَا وَعَدَهُ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَيَأْتِي بَسْط شَرْحُهُ فِي كِتَاب فَرْض الْخُمُس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ لَيْسَ مَا قَالَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَابِرٍ هِبَة , وَإِنَّمَا هِيَ عِدَة عَلَى وَصْف , لَكِنْ لَمَّا كَانَ وَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْلَفَ نَزَّلُوا وَعْده مَنْزِلَة الضَّمَان فِي الصِّحَّة فَرْقًا بَيْنه وَبَيْن غَيْره مِنْ الْأُمَّة مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَفِيَ وَأَنْ لَا يَفِيَ. قُلْت : وَجْه إِيرَاده أَنَّهُ نَزَّلَ الْهَدِيَّة إِذَا لَمْ تُقْبَض مَنْزِلَة الْوَعْد بِهَا , وَقَدْ أَمَرَ اللَّه بِإِنْجَازِ الْوَعْد , لَكِنْ حَمَلَهُ الْجُمْهُور عَلَى النَّدْب كَمَا سَيَأْتِي. ‏"
    },
    {
        "id": "2409",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَقْبِيَةً ‏ ‏وَلَمْ يُعْطِ ‏ ‏مَخْرَمَةَ ‏ ‏مِنْهَا شَيْئًا فَقَالَ ‏ ‏مَخْرَمَةُ ‏ ‏يَا بُنَيَّ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَقَالَ ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي قَالَ فَدَعَوْتُهُ لَهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ ‏ ‏قَبَاءٌ ‏ ‏مِنْهَا فَقَالَ ‏ ‏خَبَأْنَا هَذَا لَكَ قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَضِيَ ‏ ‏مَخْرَمَةُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ فِي قِصَّة أَبِيهِ فِي الْقَبَاء , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب اللِّبَاس. ‏ ‏وَقَوْله : \" فَقَالَ خَبَّأْنَا هَذَا لَك ; قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ : رَضِيَ مَخْرَمَة \" ؟ ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيّ : هُوَ مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جِهَة الِاسْتِفْهَام , أَيْ هَلْ رَضِيت ؟ وَقَالَ اِبْن التِّين : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ قَوْل مَخْرَمَة. قُلْت : وَهُوَ الْمُتَبَادَر لِلذِّهْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2410",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ هَلَكْتُ فَقَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ وَقَعْتُ بِأَهْلِي فِي رَمَضَانَ قَالَ تَجِدُ رَقَبَةً قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا قَالَ فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لَا قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏بِعَرَقٍ ‏ ‏وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ ‏ ‏اذْهَبْ بِهَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ قَالَ عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ ‏ ‏لَابَتَيْهَا ‏ ‏أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا قَالَ اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة الْمُجَامِع فِي رَمَضَان , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الصِّيَام , وَالْغَرَض مِنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى الرَّجُل التَّمْر فَقَبَضَهُ وَلَمْ يَقُلْ قَبِلْت , ثُمَّ قَالَ لَهُ : \" اِذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلك \" وَلِمَنْ اِشْتَرَطَ الْقَبُول أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهَا وَاقِعَة عَيْن فَلَا حُجَّة فِيهَا , وَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِذِكْرِ الْقَبُول وَلَا بِنَفْيِهِ , وَقَدْ اِعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث أَنَّ ذَلِكَ كَانَ هِبَة , بَلْ لَعَلَّهُ كَانَ مِنْ الصَّدَقَة فَيَكُون قَاسِمًا لَا وَاهِبًا ا هُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّوْم التَّصْرِيح بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ الصَّدَقَة , وَكَأَنَّ الْمُصَنِّف يَجْنَحُ إِلَى أَنَّهُ لَا فَرْق فِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2411",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏قُتِلَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏شَهِيدًا فَاشْتَدَّ ‏ ‏الْغُرَمَاءُ ‏ ‏فِي حُقُوقِهِمْ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَلَّمْتُهُ فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ ‏ ‏حَائِطِي ‏ ‏وَيُحَلِّلُوا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏فَأَبَوْا فَلَمْ يُعْطِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَائِطِي ‏ ‏وَلَمْ يَكْسِرْهُ لَهُمْ وَلَكِنْ قَالَ سَأَغْدُو عَلَيْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ ‏ ‏فَطَافَ فِي النَّخْلِ وَدَعَا فِي ثَمَرِهِ بِالْبَرَكَةِ ‏ ‏فَجَدَدْتُهَا ‏ ‏فَقَضَيْتُهُمْ حُقُوقَهُمْ وَبَقِيَ لَنَا مِنْ ثَمَرِهَا بَقِيَّةٌ ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ جَالِسٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏اسْمَعْ وَهُوَ جَالِسٌ يَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَالَ أَلَّا يَكُونُ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهِ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي يُونُس ) ‏ ‏وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ اللَّيْث , وَقَدْ سَبَقَ مِنْ وَجْه آخَر فِي الِاسْتِقْرَاض , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي عَلَامَات النُّبُوَّة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2412",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ وَعَنْ يَمِينِهِ ‏ ‏غُلَامٌ ‏ ‏وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ فَقَالَ لِلْغُلَامِ ‏ ‏إِنْ أَذِنْتَ لِي أَعْطَيْتُ هَؤُلَاءِ فَقَالَ مَا كُنْتُ ‏ ‏لِأُوثِرَ ‏ ‏بِنَصِيبِي مِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدًا ‏ ‏فَتَلَّهُ ‏ ‏فِي يَدِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي قِصَّة شُرْب اَلْأَيْمَن فَالْأَيْمَن وَقَدْ تَقَدَّم فِي اَلْمَظَالِمِ وَيَأْتِي اَلْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي اَلْأَشْرِبَة وَقَدْ اِعْتَرَضَ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيث سَهْلٍ مَا تَرْجَمَ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ طَرِيق اَلْإِرْفَاق وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَالْحَقّ - كَمَا قَالَ اِبْن بَطَّال - أَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ اَلْغُلَامَ أَنْ يَهَبَ نَصِيبَهُ لِلْأَشْيَاخِ وَكَانَ نَصِيبُهُ مِنْهُ مَشَاعًا غَيْر مُتَمَيِّز فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ هِبَةِ اَلْمَشَاع وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2413",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَارِبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ فَقَضَانِي وَزَادَنِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي ثَابِت ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد اَلْعَابِدُ. وَثَبَتَ كَذَلِكَ عِنْد أَبِي عَلِيّ بْن اَلسَّكَن كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي \" اَلْمُسْتَخْرَجِ \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْد اَلْمَرْوَزِيّ وَقَالَ ثَابِت : ذَكَرَهُ بِصُورَةِ اَلتَّعْلِيقِ وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَ اَلْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْره وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَد اَلْجُرْجَانِيّ قَالَ اَلْبُخَارِيّ : \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد حَدَّثَنَا ثَابِت \" فَزَادَ فِي اَلْإِسْنَادِ مُحَمَّدًا وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَى ذَلِكَ و اَلَّذِي أَظُنُّهُ أَنَّ اَلْمُرَادَ بِمُحَمَّد هُوَ اَلْبُخَارِيُّ اَلْمُصَنِّفُ وَيَقَعُ ذَلِكَ كَثِيرًا فَلَعَلَّ اَلْجُرْجَانِيّ ظَنَّهُ غَيْرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2414",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَارِبٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعِيرًا فِي سَفَرٍ فَلَمَّا أَتَيْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ائْتِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ فَوَزَنَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أُرَاهُ فَوَزَنَ لِي ‏ ‏فَأَرْجَحَ فَمَا زَالَ مَعِي مِنْهَا شَيْءٌ حَتَّى أَصَابَهَا ‏ ‏أَهْلُ الشَّأْمِ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏",
        "sharh": "وَسَيَأْتِي اَلْكَلَامُ عَلَى حَدِيث جَابِر فِي اَلشُّرُوطِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2415",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُتِيَ بِشَرَابٍ وَعَنْ يَمِينِهِ ‏ ‏غُلَامٌ ‏ ‏وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ فَقَالَ لِلْغُلَامِ ‏ ‏أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ فَقَالَ الْغُلَامُ لَا وَاللَّهِ لَا ‏ ‏أُوثِرُ ‏ ‏بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا ‏ ‏فَتَلَّهُ ‏ ‏فِي يَدِهِ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ أَوْرَدَ اَلْمُصَنِّفُ حَدِيثَ سَهْل بْن سَعْد اَلْمَذْكُورَ فِي اَلْبَابِ اَلَّذِي قَبْلَهُ وَقَدْ قَدَّمْتُ تَوْجِيهَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2416",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَيْنٌ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا وَقَالَ اشْتَرُوا لَهُ ‏ ‏سِنًّا ‏ ‏فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ فَقَالُوا إِنَّا لَا نَجِدُ ‏ ‏سِنًّا ‏ ‏إِلَّا ‏ ‏سِنًّا ‏ ‏هِيَ أَفْضَلُ مِنْ سِنِّهِ قَالَ ‏ ‏فَاشْتَرُوهَا فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي اَلَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَيْن فَقَالَ : \" اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي اَلِاسْتِقْرَاضِ , وَتَوْجِيهُهُ ظَاهِرٌ أَيْضًا. وَعَبْد اَللَّه بْن عُثْمَان شَيْخ اَلْمُصَنِّفِ فِيهِ هُوَ اَلْمَعْرُوفُ بِعَبْدَان. ‏"
    },
    {
        "id": "2417",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ ‏ ‏وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَاهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ ‏ ‏هَوَازِنَ ‏ ‏مُسْلِمِينَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ مَعِي مَنْ تَرَوْنَ ‏ ‏وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ ‏ ‏قَفَلَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الطَّائِفِ ‏ ‏فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فَقَامَ فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ جَاءُونَا تَائِبِينَ وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا ‏ ‏يُفِيءُ ‏ ‏اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ طَيَّبْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِيهِ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا ‏ ‏عُرَفَاؤُكُمْ ‏ ‏أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا ‏ ‏وَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا مِنْ سَبْيِ ‏ ‏هَوَازِنَ ‏ ‏هَذَا آخِرُ قَوْلِ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏يَعْنِي فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2418",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ أَخَذَ ‏ ‏سِنًّا ‏ ‏فَجَاءَ صَاحِبُهُ ‏ ‏يَتَقَاضَاهُ ‏ ‏فَقَالُوا لَهُ فَقَالَ إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ثُمَّ قَضَاهُ أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ وَقَالَ ‏ ‏أَفْضَلُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّةِ اَلَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَيْن فَقَالَ : \" اِشْتَرُوا لَهُ سِنًّا \" اَلْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي اَلِاسْتِقْرَاضِ وَوَجْهُ اَلدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَبَ لِصَاحِبِ اَلسَّنِّ اَلْقَدْرَ اَلزَّائِد عَلَى حَقِّهِ وَلَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَهَذَا مَصِير مِنْ الْمُصَنِّفِ إِلَى اِتِّحَادِ حُكْمِ اَلْهِبَة وَالْهَدِيَّة وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2419",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ فَكَانَ عَلَى ‏ ‏بَكْرٍ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏صَعْبٍ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَقُولُ أَبُوهُ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏لَا يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحَدٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعْنِيهِ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏هُوَ لَكَ فَاشْتَرَاهُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏هُوَ لَكَ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي هِبَةِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ اَلْبِكْرَ اَلَّذِي كَانَ رَاكِبَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي اَلْبُيُوعِ وَوَجْه اَلدَّلَالَةِ مِنْهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِر كَمَا تَقَرَّرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة وَقَدْ نَازَعَهُ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ فِيهِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اَلْمُصَنِّفَ أَرَادَ إِلْحَاق اَلْمَشَاع فِي ذَلِكَ بِغَيْرِ اَلْمَشَاعِ وَإِلْحَاق اَلْكَثِير بِالْقَلِيلِ لِعَدَم اَلْفَارِق. ‏"
    },
    {
        "id": "2420",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَى ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏حُلَّةً ‏ ‏سِيَرَاءَ ‏ ‏عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَهَا فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لَا ‏ ‏خَلَاقَ ‏ ‏لَهُ فِي الْآخِرَةِ ثُمَّ جَاءَتْ حُلَلٌ فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏مِنْهَا حُلَّةً وَقَالَ أَكَسَوْتَنِيهَا وَقُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ فَقَالَ إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا فَكَسَاهَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَخًا ‏ ‏لَهُ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏مُشْرِكًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي حُلَّة عُطَارِد وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اَللِّبَاس , وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "2421",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَبُو جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْتَ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا وَجَاءَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنِّي رَأَيْتُ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا ‏ ‏مَوْشِيًّا ‏ ‏فَقَالَ مَا لِي وَلِلدُّنْيَا فَأَتَاهَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا فَقَالَتْ لِيَأْمُرْنِي فِيهِ بِمَا شَاءَ قَالَ تُرْسِلُ بِهِ إِلَى فُلَانٍ أَهْلِ بَيْتٍ بِهِمْ حَاجَةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصة فَاطِمَة : ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر أَبُو جَعْفَر ) ‏ ‏جَزَمَ الكَلَابَاذِيُّ بِأَنَّهُ الْفَيْدِيُّ نِسْبَة إِلَى فَيْد بِفَتْحِ اَلْفَاءِ وَسُكُون اَلتَّحْتَانِيَّة بَلَد بَيْن بَغْدَاد وَمَكَّة فِي نِصْفِ اَلطَّرِيقِ سَوَاء وَكَانَ نَزَلَهَا فَنُسِبَ إِلَيْهَا. وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ هُوَ أَبُو جَعْفَر الْقُومِسِيُّ اَلْحَافِظُ اَلْمَشْهُورُ فَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ اَلْبُخَارِيّ حَدِيثًا غَيْر هَذَا فِي اَلْمَغَازِي وَإِنَّمَا جَوَّزْتُ ذَلِكَ لِأَنَّ اَلْمَشْهُورَ فِي كُنْيَة الْفَيْدِيِّ أَبُو عَبْد اَللَّه بِخِلَاف الْقُومِسِيِّ فَكُنْيَتُهُ أَبُو جَعْفَر بِلَا خِلَاف. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا اِبْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن فُضَيْلِ بْن غَزَوَان اَلْكُوفِيّ وَلَيْسَ لِفُضَيْلٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر فِي اَلْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا اَلْحَدِيثِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَتَى اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ فَاطِمَة فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ نُمَيْرٍ عَنْ فُضَيْلٍ عِنْد أَبِي دَاوُد وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْنِ حِبَّان \" قَالَ وَقَلَّمَا كَانَ يَدْخُلُ إِلَّا بَدَأَ بِهَا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ نُمَيْر \" فَجَاءَ عَلِيٌّ فَرَآهَا مُهْتَمَّةً \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اَلْأَصِيلِيِّ \" فَذَكَرَهُ \" وَفِي رِوَايَةِ اِبْنِ نُمَيْر \" فَقَالَ يَا رَسُول اَللَّهِ إِنَّ فَاطِمَةَ اِشْتَدَّ عَلَيْهَا أَنَّك جِئْت فَلَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهَا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( سِتْرًا مُوشِيًّا ) ‏ ‏بِضَمِّ اَلْمِيمِ وَسُكُون اَلْوَاوِ بَعْدَهَا مُعْجَمَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة قَالَ اِبْن اَلتِّينِ : أَصْلُهُ مُوَشْوِيًا فَالْتَقَى حَرْفَا عِلَّة وَسُبِق اَلْأَوَّل بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتْ اَلْوَاو يَاء وَأُدْغِمَتْ فِي اَلْأُخْرَى وَكُسِرَتْ اَلْأُولَى لِأَجْلِ اَلَّتِي بَعْدَهَا فَصَارَ عَلَى وَزْنِ مَرَضِيٍّ وَمَطْلِيٍّ وَيَجُوزُ فِيهِ مُوشَى بِوَزْنِ مُوسَى وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ : اَلْوَشْيُ خَلْطُ لَوْنٍ بِلَوْن وَمِنْهُ وَشَى اَلثَّوْبَ إِذَا رَقَّمَهُ وَنَقَشَهُ. وَقَالَ اِبْن اَلْجَوْزِيِّ : اَلْمُوشَى اَلْمُخَطَّط بِأَلْوَانٍ شَتَّى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَا لِي وَلِلدُّنْيَا ) ‏ ‏زَادَ اِبْن نُمَيْر \" مَا لِي وَلِلرَّقْمِ \" أَيْ اَلْمَرْقُومِ , وَالرَّقْمُ اَلنَّقْش. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ تُرْسِلِي بِهِ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ \" تُرْسِلِي \" بِحَذْفِ اَلنُّونِ وَهِيَ لُغَةٌ أَوْ يُقَدِّرُ أَنْ فَحُذِفَتْ لِدَلَالَةِ اَلسِّيَاقِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْأَكْثَرِ \" تُرْسِلُ \" بِضَمِّ اَللَّامِ بِغَيْرِ يَاء. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَهْل بَيْتٍ بِهِمْ حَاجَة ) ‏ ‏بِجَرِّ أَهْلٍ عَلَى اَلْبَدَلِ وَلَمْ أَعْرِفْهُمْ بَعْد وَفِي اَلْحَدِيثِ كَرَاهَةُ دُخُولِ اَلْبَيْتِ اَلَّذِي فِيهِ مَا يُكْرَهُ. وَأَوْرَدَ اِبْنُ حِبَّانَ عَقِبَ هَذَا اَلْحَدِيثِ حَدِيث سَفِينَة فَقَالَ : \" لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ بَيْتًا مُزَوَّقًا \" وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ اَلْبَيَانَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ فَاطِمَة دُونَ غَيْرِهَا وَفِيمَا قَالَهُ نَظَر إِلَّا إِنْ حَمْلَنَا اَلتَّزْوِيق عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِمَّا يُصْنَعُ فِي نَفْسِ اَلْجِدَارِ أَوْ يُعَلَّقُ عَلَيْهِ قَالَ اَلْمُهَلَّب وَغَيْره : كَرِهَ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنَتِهِ مَا كَرِهَ لِنَفْسِهِ مِنْ تَعْجِيلِ اَلطَّيِّبَاتِ فِي اَلدُّنْيَا لَا أَنَّ سَتْرَ اَلْبَاب حَرَامٌ. وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ لَهَا لَمَّا سَأَلَتْهُ خَادِمًا \" أَلَا أَدُلُّك عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ \" فَعَلَّمَهَا اَلذِّكْرَ عِنْدَ اَلنَّوْمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2422",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَهْدَى إِلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حُلَّةَ ‏ ‏سِيَرَاءَ ‏ ‏فَلَبِسْتُهَا فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ ‏ ‏نِسَائِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ فِي اَلْحُلَّةِ وَفِيهِ قَوْلُهُ : \" فَشَقَقْتهَا بَيْنَ نِسَائِي \" وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اَللِّبَاس , وَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَة فِي قَوْلِهِ : \" فَرَأَيْت اَلْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ \" فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ لَهُ لُبْسَهَا مَعَ كَوْنِهِ أَهْدَاهَا لَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2423",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جُبَّةُ ‏ ‏سُنْدُسٍ ‏ ‏وَكَانَ يَنْهَى عَنْ الْحَرِيرِ فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏بِيَدِهِ ‏ ‏لَمَنَادِيلُ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ‏ ‏فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أُكَيْدِرَ ‏ ‏دُومَةَ ‏ ‏أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "أَحَدُهَا حَدِيث أَنَس فِي جُبَّة الْسُّنْدُس , وَسَيَأتِي شَرْحُه فِي كِتَاب اللبَاس إِن شَاءَ اللُّه تَعَالى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أُهْدِيَ ) ‏ ‏بِضَمّ أَوَّلِهِ عَلَى اَلْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَكَانَ يَنْهَى ) ‏ ‏أَيْ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏( عَنْ اَلْحَرِيرِ ) ‏ ‏وَهِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة ( إِلَخْ وَصَلَهُ أَحْمَد عَنْ رَوْحٍ عَنْ سَعِيدٍ وَهُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة بِهِ وَقَالَ فِيهِ : \" جُبَّة سُنْدُس أَوْ دِيبَاج شَكَّ سَعِيدٌ \" وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا فِيهِ مِنْ اَلتَّخَالُفِ مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِهِ فِي كِتَاب اَللِّبَاس إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. وَأَرَادَ اَلْبُخَارِيّ مِنْهُ بَيَان اَلَّذِي أَهْدَى لِتَظْهَر مُطَابَقَته لِلتَّرْجَمَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ طَرِيقِ عَمْرو بْن عَامِر عَنْ قَتَادَة فَقَالَ فِيهِ : \" إِنَّ أُكَيْدِرَ دُومَة اَلْجَنْدَل \" وَأُكَيْدِر دُومَة هُوَ أُكَيْدِرُ تَصْغِير أَكْدَرَ وَدُومَة بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اَلْوَاوِ بَلَد بَيْنَ اَلْحِجَازِ وَالشَّامِ وَهِيَ دُومَة اَلْجَنْدَل مَدِينَة بِقُرْبِ تَبُوكَ بِهَا نَخْل وَزَرْع وَحِصْن عَلَى عَشْرِ مَرَاحِلَ مِنْ اَلْمَدِينَةِ وَثَمَانٍ مِنْ دِمَشْقَ وَكَانَ أُكَيْدِرُ مَلِكَهَا وَهُوَ أُكَيْدِرُ بْن عَبْد اَلْمَلِك بْن عَبْد اَلْجِنّ بِالْجِيمِ وَالنُّونِ بْن أَعْبَاء بْن اَلْحَارِث بْن مُعَاوِيَة يُنْسَبُ إِلَى كِنْدَةَ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا. وَكَانَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ خَالِد بْن اَلْوَلِيد فِي سَرِيَّةٍ فَأَسَرَهُ وَقَتَلَ أَخَاهُ حَسَّان وَقَدِمَ بِهِ اَلْمَدِينَةَ فَصَالَحَهُ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اَلْجِزْيَةِ وَأَطْلَقَهُ , ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق قِصَّتَهُ مُطَوَّلَة فِي الْمَغَازِي. وَرَوَى أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ مِنْ حَدِيثِ قَيْس بْن اَلنُّعْمَان \" أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ أَخْرَجَ قَبَاء مِنْ دِيبَاج مَنْسُوجًا بِالذَّهَبِ فَرَدَّهُ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ إِنَّهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ رَدِّ هَدِيَّتِهِ فَرَجَعَ بِهِ فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِدْفَعْهُ إِلَى عُمَرَ \" اَلْحَدِيث وَفِي حَدِيث عَلِيٍّ عِنْد مُسْلِم \" أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَة أَهْدَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَ حَرِير فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا فَقَالَ : شَقِّقْهُ خُمُرًا بَيْن اَلْفَوَاطِم ; فَيُسْتَفَادَ مِنْهُ أَنَّ اَلْحُلَّةَ اَلَّتِي ذَكَرَهَا عَلِيٌّ فِي اَلْبَابِ اَلَّذِي قَبْلَهُ هِيَ هَذِهِ اَلَّتِي أَهْدَاهَا أُكَيْدِر وَسَيَأْتِي اَلْمُرَاد بِالْفَوَاطِمِ فِي اَللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2424",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏يَهُودِيَّةً ‏ ‏أَتَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِيءَ بِهَا فَقِيلَ أَلَا نَقْتُلُهَا قَالَ لَا فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي ‏ ‏لَهَوَاتِ ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس أَيْضًا \" أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا \" اَلْحَدِيث وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ الْمَغَازِي وَاسْم اَلْيَهُودِيَّة اَلْمَذْكُورَة زَيْنَب وَقَدْ اِخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهَا كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِيءَ بِهَا ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم وَأَحْمَد فِي رِوَايَتِهِ مِنْ اَلْوَجْهِ اَلْمَذْكُورِ هُنَا \" فَأَكَلَ مِنْهُ فَقَالَ إِنَّهَا جَعَلَتْ فِيهِ سُمًّا \" وَزَادَ مُسْلِم بَعْدَ قَوْلِهِ فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ : أَرَدْت لِأَقْتُلَك قَالَ : مَا كَانَ اَللَّه لِيُسَلِّطَكِ عَلَيَّ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقِيلَ أَلَا نَقْتُلُهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَحْمَد وَمُسْلِم \" فَقَالُوا يَا رَسُول اَللَّهِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي لَهَوَاتِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ اَللَّامِ جَمْع لَهَاة وَهِيَ سَقْف اَلْفَم أَوْ اَللَّحْمَة اَلْمُشْرِفَة عَلَى اَلْحَلْقِ وَقِيلَ هِيَ أَقْصَى اَلْحَلْق وَقِيلَ مَا يَبْدُو مِنْ اَلْفَمِ عِنْدَ اَلتَّبَسُّمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2425",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثِينَ وَمِائَةً فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ ‏ ‏صَاعٌ ‏ ‏مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ فَعُجِنَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ ‏ ‏مُشْعَانٌّ ‏ ‏طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً أَوْ قَالَ أَمْ هِبَةً قَالَ لَا بَلْ بَيْعٌ فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً فَصُنِعَتْ وَأَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِسَوَادِ الْبَطْنِ أَنْ يُشْوَى وَايْمُ اللَّهِ مَا فِي الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَةِ إِلَّا قَدْ حَزَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَهُ ‏ ‏حُزَّةً ‏ ‏مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَ لَهُ فَجَعَلَ مِنْهَا قَصْعَتَيْنِ فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا فَفَضَلَتْ الْقَصْعَتَانِ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْبَعِيرِ أَوْ كَمَا قَالَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اَلرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر اَلصِّدِّيقِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ فِي اَلْبُيُوعِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ سُلَيْمَان بْن طَرْخَان التَّيْمِيُّ وَالْإِسْنَاد كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ إِلَّا اَلصَّحَابِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ وَالضَّمِيرُ لِلصَّاعِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ جَاءَ رَجُل مُشْرِك ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ وَلَا عَلَى اِسْمِ صَاحِبِ اَلصَّاعِ اَلْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مُشْعَانٌ ) ‏ ‏بِضَمِّ اَلْمِيمِ وَسُكُون اَلْمُعْجَمَة بَعْدَهَا مُهْمَلَة وَآخِره نُون ثَقِيلَة فَسَّرَهُ الْمُصَنِّف فِي آخِرِ اَلْحَدِيثِ فِي رِوَايَة اَلْمُسْتَمْلِي بِأَنَّهُ اَلطَّوِيلُ جِدًّا فَوْقَ اَلطُّولِ وَزَادَ غَيْرُهُ : مَعَ إِفْرَاد اَلطُّول شَعِث اَلرَّأْس وَقَدْ تَقَدَّمَ وَكَأَنَّهُ أَقْوَى لِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي اَلْأَطْعِمَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظ : مُشْعَانٌ طَوِيلٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : طَوِيلٌ تَفْسِيرًا لِمُشْعَانٍ. وَقَالَ اَلْقَزَّاز : اَلْمُشْعَانُ اَلْجَافِي اَلثَّائِر اَلرَّأْس. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً ) ‏ ‏اِنْتَصَبَ عَلَى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَاشْتَرَى مِنْهَا \" أَيْ مِنْ اَلْغَنَمِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِسَوَاد اَلْبَطْن ) ‏ ‏هُوَ اَلْكَبِدُ أَوْ كُلّ مَا فِي اَلْبَطْنِ مِنْ كَبِدٍ وَغَيْرِهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَاَيْم اَللَّه ) ‏ ‏هُوَ قَسَم وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقَالُ بِالْهَمْزِ وَبِالْوَصْلِ وَغَيْر ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَعْطَاهَا إِيَّاهُ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ اَلْقَلْبِ وَأَصْلُهُ أَعْطَاهُ إِيَّاهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ ) ‏ ‏يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا اِجْتَمَعُوا عَلَى اَلْقَصْعَتَيْنِ فَيَكُون فِيهِ مُعْجِزَةٌ أُخْرَى لِكَوْنِهِمَا وَسِعَتَا أَيْدِيَ اَلْقَوْمِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُمْ أَكَلُوا كُلُّهُمْ فِي اَلْجُمْلَةِ أَعَمّ مِنْ اَلِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَفَضَلَتْ اَلْقَصْعَتَانِ فَحَمَلْنَاهُ ) ‏ ‏أَيْ اَلطَّعَامَ وَلَوْ أَرَادَ اَلْقَصْعَتَيْنِ لَقَالَ حَمَلْنَاهُمَا وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي اَلْأَطْعِمَةِ \" وَفَضَلَ فِي اَلْقَصْعَتَيْنِ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَالضَّمِيرُ عَلَى هَذَا لِلْقَدْرِ اَلَّذِي فَضَلَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَوْ كَمَا قَالَ ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ اَلرَّاوِي وَفِي هَذَا اَلْحَدِيثِ قَبُولُ هَدِيَّة اَلْمُشْرِك لِأَنَّهُ سَأَلَهُ هَلْ يَبِيعُ أَوْ يُهْدِي ؟ وَفِيهِ فَسَادُ قَوْل مَنْ حَمَلَ رَدَّ اَلْهَدِيَّةِ عَلَى اَلْوَثَنِيِّ دُونَ اَلْكِتَابِيِّ لِأَنَّ هَذَا اَلْأَعْرَابِيَّ كَانَ وَثَنِيًّا وَفِيهِ اَلْمُوَاسَاةُ عِنْدَ اَلضَّرُورَةِ , وَظُهُورُ اَلْبَرَكَةِ فِي اَلِاجْتِمَاعِ عَلَى اَلطَّعَامِ , وَالْقَسَمُ لِتَأْكِيدِ اَلْخَبَرِ وَإِنْ كَانَ اَلْمُخْبِرُ صَادِقًا وَمُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ وَآيَةٌ بَاهِرَة مِنْ تَكْثِير اَلْقَدْر اَلْيَسِير مِنْ اَلصَّاعِ وَمِنْ اَللَّحْمِ حَتَّى وَسِعَ اَلْجَمْعَ اَلْمَذْكُورَ وَفَضَلَ مِنْهُ وَلَمْ أَرَ هَذِهِ اَلْقِصَّةَ إِلَّا مِنْ حَدِيث عَبْد اَلرَّحْمَن وَقَدْ وَرَدَ تَكْثِير اَلطَّعَام فِي اَلْجُمْلَةِ مِنْ أَحَادِيثِ جَمَاعَةٍ مِنْ اَلصَّحَابَةِ , مَحَلُّ اَلْإِشَارَة إِلَيْهَا عَلَامَات اَلنُّبُوَّةِ وَسَتَأْتِي إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2426",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏حُلَّةً عَلَى ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏تُبَاعُ فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ابْتَعْ هَذِهِ الْحُلَّةَ تَلْبَسْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَإِذَا جَاءَكَ الْوَفْدُ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لَا ‏ ‏خَلَاقَ ‏ ‏لَهُ فِي الْآخِرَةِ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْهَا بِحُلَلٍ فَأَرْسَلَ إِلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏مِنْهَا بِحُلَّةٍ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏كَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ قَالَ إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا تَبِيعُهَا أَوْ تَكْسُوهَا فَأَرْسَلَ بِهَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أَخٍ ‏ ‏لَهُ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ مَكَّةَ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي حُلَّة عُطَارِد وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ : \" فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَر إِلَى أَخ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ \" وَاسْمُ هَذَا اَلْأَخِ عُثْمَان بْن حَكِيم وَكَانَ أَخَا عُمَرَ مِنْ أُمِّهِ , أُمُّهُمَا خَيْثَمَةُ بِنْتُ هِشَام بْن اَلْمُغِيرَة وَهِيَ بِنْتُ عَمِّ أَبِي جَهْل بْن هِشَام بْن اَلْمُغِيرَة وَقَالَ اَلدِّمْيَاطِيّ : إِنَّمَا كَانَ عُثْمَان بْن حَكِيم أَخَا زَيْد بْن اَلْخَطَّاب أَخِي عُمَر لِأُمِّهِ أُمِّهِمَا أَسْمَاء بِنْت وَهْبٍ. قُلْت : إِنْ ثَبَتَ اِحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ أَسْمَاء بِنْت وَهْب أَرْضَعَتْ عُمَر فَيَكُونَ عُثْمَان بْن حَكِيم أَخَاهُ أَيْضًا مِنْ اَلرَّضَاعَةِ كَمَا هُوَ أَخُو أَخِيهِ زَيْد مِنْ أُمِّهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2427",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَدِمَتْ عَلَيَّ ‏ ‏أُمِّي ‏ ‏وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْتُ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُ أُمِّي قَالَ ‏ ‏نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر : ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة وَفِي رِوَايَةِ اِبْنِ عُيَيْنَةَ اَلْآتِيَةِ فِي اَلْأَدَبِ \" أَخْبَرَنِي أَبِي \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن عُيَيْنَة اَلْمَذْكُورَةِ \" أَخْبَرَتْنِي أَسْمَاءُ \" كَذَا قَالَ أَكْثَر أَصْحَابِ هِشَامٍ وَقَالَ بَعْض أَصْحَابِ اِبْن عُيَيْنَة عَنْهُ \" عَنْ هِشَام عَنْ فَاطِمَة بِنْت اَلْمُنْذِر عَنْ أَسْمَاء \" قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَهُوَ خَطَأ. قُلْت : حَكَى أَبُو نُعَيْمٍ أَنَّ عُمَر بْن عَلِيّ اَلْمُقَدِّمِي وَيَعْقُوب اَلْقَارِي رَوَيَاهُ عَنْ هِشَام كَذَلِكَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا مَحْفُوظَيْنِ وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَة وَعَبْد اَلْحَمِيد بْن جَعْفَر عَنْ هِشَام فَقَالَا : \" عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَة \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيق اَلثَّوْرِيّ عَنْ هِشَام , وَالْأَوَّلُ أَشْهَر قَالَ الْبُرْقَانِيُّ : وَهُوَ أَثْبَتُ ا ه. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّهِ وَخَالَتِهِ فَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد وَأَبُو دَاوُد اَلطَّيَالِسِيّ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيثِ عَبْد اَللَّه بْن اَلزُّبَيْر قَالَ : \" قَدِمَتْ قُتَيْلَة - بِالْقَاف وَالْمُثَنَّاة مُصَغَّرَةً - بِنْت عَبْد اَلْعُزَّى بْن سَعْد مِنْ بَنِي مَالِك بْن حِسْل - بِكَسْرِ اَلْحَاءِ وَسُكُون اَلسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ - عَلَى اِبْنَتِهَا أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر فِي اَلْهُدْنَةِ وَكَانَ أَبُو بَكْر طَلَّقَهَا فِي اَلْجَاهِلِيَّةِ بِهَدَايَا : زَبِيبٍ وَسَمْنٍ وَقَرَظٍ ; فَأَبَتْ أَسْمَاء أَنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَهَا أَوْ تُدْخِلَهَا بَيْتَهَا وَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَة : سَلِي رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لِتُدْخِلْهَا \" اَلْحَدِيث , وَعُرِفَ مِنْهُ تَسْمِيَةُ أُمِّ أَسْمَاء وَأَنَّهَا أُمُّهَا حَقِيقَة وَأَنَّ مَنْ قَالَ إِنَّهَا أُمُّهَا مِنْ اَلرَّضَاعَةِ فَقَدْ وَهَمَ وَوَقَعَ عِنْد اَلزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ أَنَّ اِسْمَهَا قَيْلَة وَرَأَيْته فِي نُسْخَةٍ مُجَرَّدَةٍ مِنْهُ بِسُكُونِ اَلتَّحْتَانِيَّة وَضَبَطَهُ اِبْنُ مَاكُولَا بِسُكُون اَلْمُثَنَّاة فَعَلَى هَذَا فَمَنْ قَالَ قُتَيْلَة صَغَّرَهَا قَالَ اَلزُّبَيْر : أُمُّ أَسْمَاء وَعَبْد اَللَّه اِبْنَيْ أَبِي بَكْر قَيْلَة بِنْت عَبْد اَلْعُزَّى وَسَاقَ نَسَبَهَا إِلَى حِسْل بْن عَامِر بْن لُؤَيّ , وَأَمَّا قَوْلُ الدَّاوُدِيِّ : إِنَّ اِسْمَهَا أُمُّ بَكْر فَقَدْ قَالَ اِبْن اَلتِّينِ لَعَلَّهُ كُنْيَتهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي ) ‏ ‏زَادَ اَللَّيْث عَنْ هِشَام كَمَا سَيَأْتِي فِي اَلْأَدَبِ \" مَعَ اِبْنِهَا \" وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل عَنْ هِشَام كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر اَلْجِزْيَةِ , وَذَكَرَ اَلزُّبَيْرُ أَنَّ اِسْمَ اِبْنِهَا اَلْمَذْكُورِ اَلْحَارِثُ بْن مُدْرِك بْن عُبَيْد بْن عَمْرو بْن مَخْزُوم وَلَمْ أَرَ لَهُ ذِكْرًا فِي اَلصَّحَابَةِ فَكَأَنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا وَذَكَرَ بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ اَلنُّسَخِ \" مَعَ أَبِيهَا \" بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّة وَهُوَ تَصْحِيف. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَهِيَ مُشْرِكَةُ ) ‏ ‏سَأَذْكُرُ مَا قِيلَ فِيهِ إِسْلَامُهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ حَاتِم \" فِي عَهْدِ قُرَيْش إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَرَادَ بِذَلِكَ مَا بَيْنَ اَلْحُدَيْبِيَةَ وَالْفَتْح وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَاسْتَفْتَيْت رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلْتُ : إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ حَاتِم \" فَقَالَتْ يَا رَسُول اَللَّهِ إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَة \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْد اَللَّهِ بْن إِدْرِيس عَنْ هِشَام \" رَاغِبَة أَوْ رَاهِبَة \" بِالشَّكِّ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْد اَللَّه بْن إِدْرِيس اَلْمَذْكُورِ \" رَاغِبَة وَرَاهِبَة \" وَفِي حَدِيثِ عَائِشَة عِنْدَ اِبْن حِبَّان \" جَاءَتْنِي رَاغِبَة وَرَاهِبَة \" وَهُوَ يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ اَلطَّبَرَانِيّ , وَالْمَعْنَى أَنَّهَا قَدِمَتْ طَالِبَةً فِي بِرِّ اِبْنَتِهَا لَهَا خَائِفَة مِنْ رَدِّهَا إِيَّاهَا خَائِبَة ; هَكَذَا فَسَّرَهُ اَلْجُمْهُور وَنَقَلَ اَلْمُسْتَغْفَرِيّ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَوَّلَهُ فَقَالَ : وَهِيَ رَاغِبَةٌ فِي اَلْإِسْلَامِ فَذَكَرَهَا لِذَلِكَ فِي اَلصَّحَابَةِ وَرَدَّهُ أَبُو مُوسَى بِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ اَلرِّوَايَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِهَا , وَقَوْلُهَا : \" رَاغِبَة \" أَيْ فِي شَيْءٍ تَأْخُذُهُ وَهِيَ عَلَى شِرْكِهَا وَلِهَذَا اِسْتَأْذَنَتْ أَسْمَاء فِي أَنْ تَصِلَهَا وَلَوْ كَانَتْ رَاغِبَة فِي اَلْإِسْلَامِ لَمْ تَحْتَجْ إِلَى إِذْنٍ ا ه. وَقِيلَ مَعْنَاهُ رَاغِبَة عَنْ دِينِي أَوْ رَاغِبَة فِي اَلْقُرْبِ مِنِّي وَمُجَاوَرَتِي وَالتَّوَدُّد إِلَيَّ لِأَنَّهَا اِبْتَدَأَتْ أَسْمَاء بِالْهَدِيَّةِ اَلَّتِي أَحْضَرَتْهَا وَرَغِبَتْ مِنْهَا فِي اَلْمُكَافَأَةِ وَلَوْ حَمَلَ قَوْلَهُ : \" رَاغِبَة \" أَيْ فِي اَلْإِسْلَامِ لَمْ يَسْتَلْزِمْ إِسْلَامُهَا وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عِيسَى بْن يُونُس عَنْ هِشَام عِنْد أَبِي دَاوُد وَالْإِسْمَاعِيلِيّ \" رَاغِمَة \" بِالْمِيم أَيْ كَارِهَةً لِلْإِسْلَامِ وَلَمْ تُقْدِمْ مُهَاجِرَة وَقَالَ اِبْن بَطَّال : قِيلَ مَعْنَاهُ هَارِبَة مِنْ قَوْمِهَا وَرَدَّهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ مُرَاغَمَة قَالَ وَكَانَ أَبُو عَمْرو بْن اَلْعَلَاء يُفَسِّرُ قَوْلَهُ : ( مُرَاغَمًا بِالْخُرُوجِ عَنْ اَلْعَدُوِّ عَلَى رَغْمِ أَنْفِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَذَلِكَ قَالَ \" وَرَاغِبَة \" بِالْمُوَحَّدَةِ أَظْهَرُ فِي مَعْنَى اَلْحَدِيثِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( صِلِي أُمَّك ) ‏ ‏زَادَ فِي اَلْأَدَبِ عَقِبَ حَدِيثِهِ عَنْ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ اِبْن عُيَيْنَة : قَالَ اِبْن عُيَيْنَة \" فَأَنْزَلَ اَللَّه فِيهَا : لَا يَنْهَاكُمْ اَللَّهُ عَنْ اَلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي اَلدِّينِ \" وَكَذَا وَقَعَ فِي آخِر حَدِيثِ عَبْد اَللَّه بْن اَلزُّبَيْر وَلَعَلَّ اِبْن عُيَيْنَة تَلَقَّاهُ مِنْهُ وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ اَلسُّدِّيِّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ اَلْمُشْرِكِينَ كَانُوا أَلْيَنَ شَيْءٍ جَانِبًا لِلْمُسْلِمِينَ وَأَحْسَنَهُ أَخْلَاقًا. قُلْت : وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ اَلسَّبَبَ خَاصّ وَاللَّفْظَ عَامٌّ فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي مَعْنَى وَالِدَة أَسْمَاء. وَقِيلَ : نَسَخَ ذَلِكَ آيَةُ اَلْأَمْر بِقَتْلِ اَلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدُوا وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : فِيهِ أَنَّ اَلرَّحِمَ اَلْكَافِرَةَ تُوصَلُ مِنْ اَلْمَالِ وَنَحْوِهِ كَمَا تُوصَلُ اَلْمُسْلِمَة وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ وُجُوب نَفَقَة اَلْأَب اَلْكَافِر وَالْأُمّ اَلْكَافِرَة وَإِنْ كَانَ اَلْوَلَد مُسْلِمًا ا ه. وَفِيهِ مُوَادَعَة أَهْل اَلْحَرْبِ وَمُعَامَلَتُهُمْ فِي زَمَنِ اَلْهُدْنَةِ , وَالسَّفَرُ فِي زِيَارَةِ اَلْقَرِيبِ وَتَحَرِّي أَسْمَاء فِي أَمْر دِينِهَا وَكَيْفَ لَا وَهِيَ بِنْتُ اَلصِّدِّيقِ وَزَوْج اَلزُّبَيْر رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "2428",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏وَشُعْبَةُ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ ‏",
        "sharh": "أَحَدُهمَا حَدِيث ابْنِ عَباس مِن طَرِيقَين , إِحدَاهمَا : ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ ) ‏ ‏( وَشُعْبَة ) ‏ ‏كَذَا أَخْرَجَهُ وَتَابَعَهُ أَبُو قِلَابَةَ عِنْد أَبِي عَوَانَةَ , وَأَبُو خَلِيفَة عِنْدَ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ , وَعَلِيُّ بْن عَبْد اَلْعَزِيز عِنْد اَلْبَيْهَقِيّ كُلُّهُمْ عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ مُسْلِم اَلْمَذْكُورِ فَقَالَ : \" حَدَّثَنَا شُعْبَة وَأَبَانُ وَهَمَّام \" وَتَابَعَ إِسْمَاعِيل اَلْقَاضِي عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم عِنْد أَبِي نُعَيْمٍ فَكَأَنَّهُ كَانَ عِنْد مُسْلِم عَنْ جَمَاعَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ سَعِيد بْن اَلْمُسَيِّبِ عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ شَهْرٍ عَنْ شُعْبَة \" أَخْبَرَنِي قَتَادَة سَمِعْت سَعِيد بْن اَلْمُسَيِّب يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ اِبْن عَبَّاس \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْن اَلْأَشَجِّ عَنْ سَعِيد بْن اَلْمُسَيِّبِ \" سَمِعْتُ اِبْن عَبَّاس يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اَلْعَائِد فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُد فِي آخِرِهِ \" قَالَ هَمَّام قَالَ قَتَادَة : وَلَا أَعْلَمُ اَلْقَيْءَ إِلَّا حَرَامًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2429",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ ‏",
        "sharh": "الْطَرِيق الْثانِية : ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَحَدَّثَنِي عَبْد اَلرَّحْمَن بْن اَلْمُبَارَك ) ‏ ‏هُوَ اَلْعَيْشِيّ بِتَحْتَانِيَّة وَمُعْجَمَة بَصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا بَكْر وَلَيْسَ أَخًا لِعَبْد اَللَّه بْن اَلْمُبَارَكِ اَلْمَشْهُورِ , وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ إِلَّا اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَقَدْ سَكَنَاهَا مُدَّة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَيْسَ لَنَا مَثَلُ اَلسَّوْءِ ) ‏ ‏أَيْ لَا يَنْبَغِي لَنَا مَعْشَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْ نَتَّصِفَ بِصِفَةٍ ذَمِيمَةٍ يُشَابِهُنَا فِيهَا أَخَسُّ اَلْحَيَوَانَاتِ فِي أَخَسِّ أَحْوَالِهَا قَالَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : ( لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ اَلسَّوْءِ وَلِلَّهِ اَلْمَثَلُ اَلْأَعْلَى ) وَلَعَلَّ هَذَا أَبْلَغُ فِي اَلزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ وَأَدَلُّ عَلَى اَلتَّحْرِيمِ مِمَّا لَوْ قَالَ مَثَلًا : لَا تَعُودُوا فِي اَلْهِبَةِ وَإِلَى اَلْقَوْلِ بِتَحْرِيم اَلرُّجُوع فِي اَلْهِبَةِ بَعْدَ أَنْ تُقْبَضَ ذَهَبَ جُمْهُور اَلْعُلَمَاءِ إِلَّا هِبَة اَلْوَالِدِ لِوَلَدِهِ جَمْعًا بَيْنَ هَذَا اَلْحَدِيثِ وَحَدِيث اَلنُّعْمَان اَلْمَاضِي. وَقَالَ اَلطَّحَاوِيّ : وَقَوْلُهُ : \" لَا يَحِلُّ \" لَا يَسْتَلْزِمُ اَلتَّحْرِيم وَهُوَ كَقَوْلِهِ : \" لَا تَحِلُّ اَلصَّدَقَة لِغَنِيّ \" وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ لَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ حَيْثُ تَحِلُّ لِغَيْرِهِ مِنْ ذَوِي اَلْحَاجَةِ وَأَرَادَ بِذَلِكَ اَلتَّغْلِيظَ فِي اَلْكَرَاهَةِ. قَالَ : وَقَوْلُهُ : \" كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ \" وَإِنْ اِقْتَضَى اَلتَّحْرِيم لِكَوْن اَلْقَيْء حَرَامًا لَكِنَّ اَلزِّيَادَةَ فِي اَلرِّوَايَةِ اَلْأُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ : \" كَالْكَلْبِ \" تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اَلتَّحْرِيمِ لِأَنَّ اَلْكَلْبَ غَيْر مُتَعَبَّدٍ فَالْقَيْء لَيْسَ حَرَامًا عَلَيْهِ , وَالْمُرَاد اَلتَّنْزِيه عَنْ فِعْلٍ يُشْبِهُ فِعْلَ اَلْكَلْبِ. وَتُعُقِّبُ بِاسْتِبْعَادِ مَا تَأَوَّلَهُ وَمُنَافَرَةِ سِيَاق اَلْأَحَادِيثِ لَهُ وَبِأَنَّ عُرْفَ اَلشَّرْع فِي مِثْلِ هَذِهِ اَلْأَشْيَاءِ اَلْمُبَالَغَةُ فِي اَلزَّجْرِ كَقَوْلِهِ : \" مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِير \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اَلَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ ) ‏ ‏أَيْ اَلْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ إِلَى اَلْمَوْهُوبِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( أَوْ لَتُعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ ) ‏ ‏هَذَا اَلتَّمْثِيل وَقَعَ فِي طَرِيقِ سَعِيد بْن اَلْمُسَيِّبِ أَيْضًا عِنْد مُسْلِم أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد اَلْبَاقِر عَنْهُ بِلَفْظِ \" مَثَلُ اَلَّذِي يَرْجِعُ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَل اَلْكَلْب يَقِيءُ ثُمَّ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ فَيَأْكُلُهُ \" وَلَهُ فِي رِوَايَةِ بُكَيْرٍ اَلْمَذْكُورَة \" إِنَّمَا مَثَلُ اَلَّذِي يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ يَعُودُ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَأْكُلُ قَيْئَهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2430",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الْثانِي حَدِيث عُمَرَ : ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن قَزَعَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ اَلْقَافِ وَالزَّايِ وَالْمُهْمَلَةِ مَكِّيٌّ قَدِيم لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ غَيْرُ اَلْبُخَارِيِّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي آخِر حَدِيثٍ فِي اَلْهِبَةِ عَنْ الْحُمَيْدِيِّ \" حَدَّثَنَا سُفْيَان سَمِعْتُ مَالِكًا يَسْأَلُ زَيْد بْن أَسْلَم فَقَالَ : سَمِعْتُ أَبِي \" فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا وَلِمَالِك فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ سَيَأْتِي فِي اَلْجِهَادِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر وَلَهُ فِيهِ إِسْنَاد ثَالِث عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ ثَابِت اَلْأَحْنَف عَنْ اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ اِبْن عَبْد اَلْبَرِّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ عُمَر بْن اَلْخَطَّاب ) ‏ ‏زَادَ اِبْن اَلْمَدِينِي عَنْ سُفْيَان \" عَلَى اَلْمِنْبَرِ \" وَهِيَ فِي \" اَلْمُوَطَّآتِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَمَلْت عَلَى فَرَسٍ ) ‏ ‏زَاد اَلْقَعْنَبِيُّ فِي اَلْمُوَطَّأِ \" عَتِيق \" وَالْعَتِيقُ اَلْكَرِيم اَلْفَائِق مِنْ كُلِّ شَيْء , وَهَذَا اَلْفَرَسُ أَخْرَجَ اِبْن سَعْد عَنْ اَلْوَاقِدِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ سَهْل بْن سَعْد فِي تَسْمِيَةِ خَيْل اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" وَأَهْدَى تَمِيم اَلدَّارِيُّ لَهُ فَرَسًا يُقَالُ لَهُ اَلْوَرْد فَأَعْطَاهُ عُمَرَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ \" اَلْحَدِيث فَعُرِفَ بِهَذَا تَسْمِيَتُهُ وَأَصْلُهُ وَلَا يُعَارِضُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اَللَّهِ بْن عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَرَ \" أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا \" لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ عُمَرَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ فَوَّضَ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِخْتِيَار مَنْ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ اِسْتَشَارَهُ فِيمَنْ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ فَأَشَارَ بِهِ عَلَيْهِ فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ اَلْعَطِيَّة لِكَوْنِهِ أَمْرَهُ بِهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فِي سَبِيلِ اَللَّهِ ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَيْهِ حَمْل تَمْلِيكٍ لِيُجَاهِدَ بِهِ إِذْ لَوْ كَانَ حَمْلَ تَحْبِيس لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ وَقِيلَ بَلَغَ إِلَى حَالَةٍ لَا يُمْكِنُ اَلِانْتِفَاعُ بِهِ فِيمَا حُبِسَ فِيهِ وَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى ثُبُوت ذَلِكَ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَمْلِيك قَوْلُهُ : \" اَلْعَائِد فِي هِبَتِهِ \" وَلَوْ كَانَ حَبْسًا لَقَالَ فِي حَبْسِهِ أَوْ وَقْفِهِ. وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِسَبِيلِ اَللَّهِ اَلْجِهَاد لَا اَلْوَقْفُ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَجَازَ بَيْعَ اَلْمَوْقُوفِ إِذَا بَلَغَ غَايَةً لَا يُتَصَوَّرُ اَلِانْتِفَاعُ بِهِ فِيمَا وَقَفَ لَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَضَاعَهُ ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يُحْسِنْ اَلْقِيَام عَلَيْهِ وَقَصَّرَ فِي مَؤُونَتِهِ وَخِدْمَته وَقِيلَ أَيْ لَمْ يَعْرِفْ مِقْدَارَهُ فَأَرَادَ بَيْعَهُ بِدُونِ قِيمَتِهِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ اِسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِ مَا جُعِلَ لَهُ وَالْأَوَّل أَظْهَرُ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْن اَلْقَاسِم عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم \" فَوَجَدَهُ قَدْ أَضَاعَهُ وَكَانَ قَلِيلَ اَلْمَالِ \" فَأَشَارَ إِلَى عِلَّةِ ذَلِكَ وَإِلَى اَلْعُذْرِ اَلْمَذْكُورِ فِي إِرَادَةِ بَيْعِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا تَشْتَرِهِ ) ‏ ‏سَمَّى اَلشِّرَاءَ عَوْدًا فِي اَلصَّدَقَةِ لِأَنَّ اَلْعَادَةَ جَرَتْ بِالْمُسَامَحَةِ مِنْ اَلْبَائِعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي فَأَطْلَقَ عَلَى اَلْقَدْرِ اَلَّذِي يُسَامِحُ بِهِ رُجُوعًا وَأَشَارَ إِلَى اَلرُّخْصِ بِقَوْلِهِ : \" وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ \" وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ : \" وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ \" أَنَّ اَلْبَائِعَ كَانَ قَدْ مَلَكَهُ وَلَوْ كَانَ مُحْبَسًا كَمَا اِدَّعَاهُ مَنْ تَقَدَّمُ ذِكْرُهُ وَجَازَ بَيْعُهُ لِكَوْنِهِ صَارَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيمَا حُبِسَ لَهُ لِمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ إِلَّا بِالْقِيمَةِ اَلْوَافِرَةِ وَلَا كَانَ لَهُ أَنْ يُسَامِحَ مِنْهَا بِشَيْءٍ وَلَوْ كَانَ اَلْمُشْتَرِي هُوَ اَلْمُحْبِسَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَهُ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ وَقَالَ : إِذَا كَانَ شَرْطُ اَلْوَاقِفِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ اِبْن عُمَر فِي وَقْفِ عُمَرَ لَا يُبَاعُ أَصْلُهُ وَلَا يُوهَبُ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ اَلْفَرَسُ اَلْمَوْهُوبُ وَكَيْفَ لَا يَنْهَى بَائِعَهُ أَوْ يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ ؟ قَالَ : فَلَعَلَّ مَعْنَاهُ أَنَّ عُمَر جَعَلَهُ صَدَقَة يُعْطِيهَا مَنْ يَرَى رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِعْطَاءَهُ فَأَعْطَاهَا اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اَلرَّجُلَ اَلْمَذْكُورَ فَجَرَى مِنْهُ مَا ذَكَرَ وَيُسْتَفَادُ مِنْ اَلتَّعْلِيلِ اَلْمَذْكُورِ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ مَثَلًا يُبَاعُ بِأَغْلَى مِنْ ثَمَنِهِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ اَلنَّهْي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ اَلْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ إِلَخْ ) ‏ ‏حَمَلَ اَلْجُمْهُورُ هَذَا اَلنَّهْي فِي صُورَةِ اَلشِّرَاءِ عَلَى اَلتَّنْزِيهِ وَحَمَلَهُ قَوْمٌ عَلَى اَلتَّحْرِيمِ قَالَ اَلْقُرْطُبِيّ وَغَيْره : وَهُوَ اَلظَّاهِرُ. ثُمَّ اَلزَّجْر اَلْمَذْكُور مَخْصُوص بِالصُّورَةِ اَلْمَذْكُورَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا لَا مَا إِذَا رَدَّهُ إِلَيْهِ اَلْمِيرَاثُ مَثَلًا. قَالَ اَلطَّبَرِيُّ : يَخُصُّ مِنْ عُمُومِ هَذَا اَلْحَدِيثِ مَنْ وَهَبَ بِشَرْطِ اَلثَّوَابِ وَمَنْ كَانَ وَالِدًا , وَالْمَوْهُوب وَلَده وَالْهِبَة اَلَّتِي لَمْ تُقْبَضْ وَاَلَّتِي رَدَّهَا اَلْمِيرَاث إِلَى اَلْوَاهِبِ لِثُبُوتِ اَلْأَخْبَارِ بِاسْتِثْنَاء كُلّ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ كَالْغَنِيِّ يُثِيبُ اَلْفَقِير وَنَحْو مَنْ يَصِلُ رَحِمَهُ فَلَا رُجُوعَ لِهَؤُلَاءِ قَالَ : وَمِمَّا لَا رُجُوعَ فِيهِ مُطْلَقًا اَلصَّدَقَة يُرَادُ بِهَا ثَوَاب اَلْآخِرَة. وَقَدْ اِسْتُشْكِلَ ذِكْر عُمَرَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ إِذَاعَةِ عَمَلِ اَلْبِرِّ وَكِتْمَانِهِ أَرْجَح وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهُ اَلْمَصْلَحَتَانِ - اَلْكِتْمَان وَتَبْلِيغُ اَلْحُكْمِ اَلشَّرْعِيِّ - فَرَجَّحَ اَلثَّانِي فَعَمِلَ بِهِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ : حَمَلَ رَجُل عَلَى فَرَسٍ مَثَلًا وَلَا يَقُولُ : حَمَلْتُ فَيَجْمَعُ بَيْنَ اَلْمَصْلَحَتَيْنِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلّ رُجْحَان اَلْكِتْمَان إِنَّمَا هُوَ قَبْلَ اَلْفِعْلِ وَعِنْدَهُ , وَأَمَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ فَلَعَلَّ اَلَّذِي أُعْطِيه أَذَاعَ ذَلِكَ فَانْتَفَى اَلْكِتْمَان وَيُضَافُ إِلَيْهِ أَنَّ فِي إِضَافَتِهِ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ تَأْكِيدًا لِصِحَّةِ اَلْحُكْمِ اَلْمَذْكُورِ لِأَنَّ اَلَّذِي تَقَعُ لَهُ اَلْقِصَّةُ أَجْدَر بِضَبْطِهَا مِمَّنْ لَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا وُقُوعهَا بِحُضُورِهِ فَلَمَّا أَمِنَ مَا يَخْشَى مِنْ اَلْإِعْلَانِ بِالْقَصْدِ صَرَّحَ بِإِضَافَةِ اَلْحُكْمِ إِلَى نَفْسِهِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَحَلّ تَرْجِيح اَلْكِتْمَانِ لِمَنْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ مِنْ اَلْإِعْلَانِ اَلْعُجْبَ وَالرِّيَاء أَمَّا مَنْ أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ كَعُمَرَ فَلَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2431",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏بَنِي صُهَيْبٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ جُدْعَانَ ‏ ‏ادَّعَوْا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْطَى ذَلِكَ ‏ ‏صُهَيْبًا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَرْوَانُ ‏ ‏مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا عَلَى ذَلِكَ قَالُوا ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏فَدَعَاهُ فَشَهِدَ ‏ ‏لَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صُهَيْبًا ‏ ‏بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً فَقَضَى ‏ ‏مَرْوَانُ ‏ ‏بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَة وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنْ اَلْبَابِ اَلَّذِي قَبْلَهُ وَمُنَاسَبَته لَهَا أَنَّ اَلصَّحَابَةَ بَعْدَ ثُبُوت عَطِيَّة اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِصُهَيْبٍ لَمْ يَسْتَفْصِلُوا هَلْ رَجَعَ أَمْ لَا ؟ فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا أَثَرَ لِلرُّجُوعِ فِي اَلْهِبَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَّ بَنِي صُهَيْب ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ سِنَان اَلرُّومِيّ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَصْله فِي اَلْعَرَبِ فِي \" بَاب شِرَاء اَلْمَمْلُوكِ مِنْ اَلْحَرْبِيِّ \" مِنْ كِتَاب اَلْبُيُوع. وَقَوْلُهُ : \" مَوْلَى بَنِي جُدْعَان \" كَذَا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلِلْبَاقِينَ \" مَوْلَى اِبْن جُدْعَان \" وَهِيَ رِوَايَة اَلْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَاتِم عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى شَيْخ اَلْبُخَارِيّ فِيهِ وَابْن جُدْعَان هُوَ عَبْد اَللَّه بْن جُدْعَان بْن عَمْرو بْن كَعْبِ بْن سَعْد بْن تَيْم بْن مُرَّة , وَأَمَّا صُهَيْب فَكَانَ لَهُ مِنْ اَلْوَلَدِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ حَمْزَة وَسَعْد وَصَالِح وَصَيْفِيّ وَعَبَّاد وَعُثْمَان وَمُحَمَّد وَحَبِيب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَ مَرْوَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ اَلْحَكَمِ حَيْثُ كَانَ أَمِير اَلْمَدِينَةِ لِمُعَاوِيَة وَكَانَ مَوْت صُهَيْب بِالْمَدِينَةِ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالتَّثْنِيَةِ ; وَبَقِيَّة اَلْقِصَّةِ بِصِيغَةِ اَلْجَمْعِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ اَلْمُتَوَلِّيَ لِلدَّعْوَى بِذَلِكَ مِنْهُمْ كَانَا اِثْنَيْنِ وَرَضِيَ اَلْبَاقُونَ بِذَلِكَ فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ تَارَةً بِصِيغَةِ اَلْجَمْعِ وَتَارَةً بِصِيغَةِ اَلتَّثْنِيَةِ عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَة اَلْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَقَالَ مَرْوَان مَنْ يَشْهَدُ لَكُمْ \" وَلَا إِشْكَال فِيهِ. أَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ أَقَلَّ اَلْجَمْعِ اِثْنَانِ عِنْد بَعْضِهِمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَأَعْطَى ) ‏ ‏بِفَتْحِ اَللَّامِ هِيَ لَامُ اَلْقَسَمِ كَأَنَّهُ أَعْطَى اَلشَّهَادَةَ حُكْم اَلْقَسَم أَوْ فِيهِ قَسَمٌ مُقَدَّر أَوْ عَبَّرَ عَنْ اَلْخَبَرِ بِالشَّهَادَةِ , وَالْخَبَرُ يُؤَكَّدُ بِالْقَسَمِ كَثِيرًا وَإِنْ كَانَ اَلسَّامِع غَيْر مُنْكِر وَيُؤَيِّدُ كَوْنه خَبَرًا أَنَّ مَرْوَانَ قَضَى لَهُمْ بِشَهَادَةِ اِبْن عُمَرَ وَحْدَهُ وَلَوْ كَانَتْ شَهَادَة حَقِيقَة لَاحْتَاجَ إِلَى شَاهِدٍ آخَرَ. وَدَعْوَى اِبْن بَطَّالٍ أَنَّهُ قَضَى لَهُمْ بِشَهَادَتِهِ وَيَمِينِهِمْ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي اَلْحَدِيثِ وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ اَلْمُتَأَخِّرِينَ لِقَوْلِ بَعْضِ اَلسَّلَفِ كَشُرَيْحٍ : إِنَّهُ يَكْفِي اَلشَّاهِدُ اَلْوَاحِدُ إِذَا اِنْضَمَّتْ إِلَيْهِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ وَتَرْجَمَ أَبُو دَاوُد فِي اَلسُّنَنِ \" بَاب إِذَا عَلِمَ اَلْحَاكِم صِدْقَ اَلشَّاهِد اَلْوَاحِد يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ \" وَسَاقَ قِصَّةَ خُزَيْمَة بْن ثَابِت فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ ذَا اَلشَّهَادَتَيْنِ وَهِيَ مَشْهُورَة وَالْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِخُزَيْمَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ اِبْن اَلتِّينِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرْوَانُ أَعْطَى ذَلِكَ مَنْ يَسْتَحِقُّ عِنْدَهُ اَلْعَطَاءَ مِنْ مَالِ اَللَّه فَإِنْ كَانَ اَلنَّبِيُّ عَلَيْهِ اَلصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَعْطَاهُ كَانَ تَنْفِيذًا لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَانَ هُوَ اَلْمُنْشِئَ لِلْعَطَاءِ قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ خَاصًّا بِالْفَيْءِ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ أَبِي قَتَادَة حَيْثُ قَضَى لَهُ بِدَعْوَاهُ وَشَهَادَة مَنْ كَانَ عِنْدَهُ اَلسَّلَبُ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَيْتَيْنِ وَحُجْرَة ) ‏ ‏ذَكَرَ عُمَرُ بْن شَبَّة فِي \" أَخْبَارِ اَلْمَدِينَةِ \" أَنَّ بَيْتَ صُهَيْب كَانَ لِأُمّ سَلَمَةَ فَوَهَبَتْهُ لِصُهَيْبٍ فَلَعَلَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ بِأَمْرِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ نُسِبَ إِلَيْهَا بِطَرِيقِ اَلْمَجَازِ وَكَانَ فِي اَلْحَقِيقَةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُ لِصُهَيْبٍ أَوْ هُوَ بَيْتٌ آخَرُ غَيْر مَا وَقَعَتْ بِهِ اَلدَّعْوَى اَلْمَذْكُورَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2432",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَضَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْعُمْرَى ‏ ‏أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِر ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ هِشَام عَنْ يَحْيَى \" حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ سَمِعْتُ جَابِر بْن عَبْد اَللَّه \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ اِبْن عَبْد اَلرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَضَى اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَى أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْح \" أَنَّهَا \" أَيْ قَضَى بِأَنَّهَا وَفِي رِوَايَة اَلزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عِنْد مُسْلِم \" أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى اَلَّذِي أَعْطَاهَا لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاء وَقَعَتْ فِيهِ اَلْمَوَارِيث \" هَذَا لَفْظُهُ مِنْ طَرِيقٍ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيِّ وَلَهُ نَحْوُهُ مِنْ طَرِيقِ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَلَهُ مِنْ طَرِيق اَللَّيْث عَنْهُ : فَقَدْ قَطَعَ قَوْلُهُ حَقَّهُ فِيهَا وَهِيَ لِمَنْ أُعْمِرَ وَلِعَقِبِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ اَلتَّعْلِيلَ اَلَّذِي فِي آخِرِهِ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْهُ \" إِنَّمَا اَلْعُمْرَى اَلَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ هِيَ لَك وَلِعَقِبِك فَأَمَّا اَلَّذِي قَالَ : \" هِيَ لَك مَا عِشْتَ \" فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا قَالَ مَعْمَر : كَانَ الزُّهْرِيّ يُفْتِي بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ اَلتَّعْلِيل أَيْضًا , وَبَيَّنَ مَنْ طَرِيق اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ اَلتَّعْلِيلَ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَلَمَة وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي كِتَاب \" اَلْمُدْرَج \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ أَبِي اَلزُّبَيْر عَنْ جَابِر قَالَ : \" جُعِلَ اَلْأَنْصَار يُعْمِرُونَ اَلْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا فَإِنَّهُ مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ \" فَيَجْتَمِعُ مِنْ هَذِهِ اَلرِّوَايَاتِ ثَلَاثَة أَحْوَال : أَحَدُهَا أَنْ يَقُولَ : \" هِيَ لَك وَلِعَقِبِك \" فَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّهَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلِعَقِبِهِ. ثَانِيهَا أَنْ يَقُولَ : \" هِيَ لَك مَا عِشْتَ فَإِذَا مُتَّ رَجَعَتْ إِلَيَّ \" فَهَذِهِ عَارِيَّة مُؤَقَّتَة وَهِيَ صَحِيحَة فَإِذَا مَاتَ رَجَعَتْ إِلَى اَلَّذِي أَعْطَى وَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا رِوَايَة الزُّهْرِيّ وَبِهِ قَالَ أَكْثَر اَلْعُلَمَاءِ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَة مِنْ اَلشَّافِعِيَّةِ , وَالْأَصَحّ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ لَا تَرْجِعُ إِلَى اَلْوَاهِبِ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَأُلْغِيَ وَسَأَذْكُرُ اَلِاحْتِجَاجَ لِذَلِكَ آخِرَ اَلْبَابِ. ثَالِثُهَا أَنْ يَقُولَ : أَعْمَرْتُكَهَا وَيُطْلِقَ , فَرِوَايَة أَبِي اَلزُّبَيْر هَذِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا حُكْم اَلْأَوَّل وَأَنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى اَلْوَاهِبِ وَهُوَ قَوْلُ اَلشَّافِعِيِّ فِي اَلْجَدِيدِ وَالْجُمْهُور وَقَالَ فِي اَلْقَدِيمِ : اَلْعَقْدُ بَاطِل مِنْ أَصْلِهِ. وَعَنْهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ , وَقِيلَ اَلْقَدِيمُ عَنْ اَلشَّافِعِيِّ كَالْجَدِيدِ. وَقَدْ رَوَى اَلنَّسَائِيّ أَنَّ قَتَادَة حَكَى أَنَّ سُلَيْمَان بْن هِشَام بْن عَبْد اَلْمَلِك سَأَلَ اَلْفُقَهَاءَ عَنْ هَذِهِ اَلْمَسْأَلَةِ أَعْنِي صُورَة اَلْإِطْلَاق فَذَكَرَ لَهُ قَتَادَة عَنْ اَلْحَسَنِ وَغَيْره أَنَّهَا جَائِزَةٌ وَذَكَرَ لَهُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِذَلِكَ قَالَ : وَذَكَرَ لَهُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِر عَنْ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ فَقَالَ الزُّهْرِيُّ : إِنَّمَا اَلْعُمْرَى أَيْ اَلْجَائِزَةُ إِذَا أُعْمِرَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ فَإِذَا لَمْ يَجْعَلْ عَقِبَهُ مِنْ بَعْدِهِ كَانَ لِلَّذِي يَجْعَلُ شَرْطَهُ. قَالَ قَتَادَة وَاحْتَجَّ الزُّهْرِيّ بِأَنَّ اَلْخُلَفَاءَ لَا يَقْضُونَ بِهَا فَقَالَ عَطَاء قَضَى بِهَا عَبْد اَلْمَلِك بْن مَرْوَان. ‏"
    },
    {
        "id": "2433",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْعُمْرَى ‏ ‏جَائِزَةٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُه : ( عَنْ بَشِير ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ وَزْن عَظِيم ‏ ‏( ابْن نَهِيك ) ‏ ‏بِالنُّونِ وَزْن وَلَدِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الْعُمْرَى جَائِزَة ) ‏ ‏فَهِمَ قَتَادَة وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيث مِنْ هَذَا الْإِطْلَاق مَا حَكَيْتُهُ عَنْهُ , وَحَمَلَهُ الزُّهْرِيّ عَلَى التَّفْصِيل الْمَاضِي , وَإِطْلَاق الْجَوَاز فِي هَذِهِ الرِّوَايَة لَا يُفْهَم مِنْهُ غَيْر الْحِلّ أَوْ الصِّحَّة , وَأَمَّا حَمْله عَلَى الْمَاضِي لِلَّذِي يُعَاطَاهَا وَهُوَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَيْهِ قَتَادَة فَيَحْتَاج إِلَى قَدْر زَائِد عَلَى ذَلِكَ , وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" لَا عُمْرَى , فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ \" وَهُوَ يَشْهَد لِمَا فَهِمَهُ قَتَادَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَطَاء حَدَّثَنِي جَابِر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْله ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" نَحْوه \" بَدَل مِثْله , وَطَرِيق عَطَاء مَوْصُولَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور عَنْ قَتَادة عَنْهُ , فَقَتَادَة هُوَ الْقَائِل \" وَقَالَ عَطَاء \" وَوَهِمَ مَنْ جَعَلَهُ مُعَلَّقًا , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو الْوَلِيد عَنْ هَمَّام أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَه مِنْ طَرِيقِهِ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا وَلَفْظُهُمَا وَاحِد ; وَهُوَ يُقَوِّي رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة بِلَفْظِ \" الْعُمْرَى مِيرَاث لِأَهْلِهَا \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏تَرْجَمَ الْمُصَنِّف بِالرُّقْبَى وَلَمْ يَذْكُر إِلَّا الْحَدِيثَيْنِ الْوَارِدَيْنِ فِي الْعُمْرَى , وَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُمَا مُتَّحِدَا الْمَعْنَى وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَمَنَعَ الرُّقْبَى مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَمُحَمَّد , وَوَافَقَ أَبُو يُوسُف الْجُمْهُور ; وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ ابْن عَبَّاس مَوْقُوفًا \" الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى سَوَاء \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل عَنْ عَبْد الْكَرِيم عَنْ عَطَاء قَالَ : \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى. قُلْت : وَمَا الرُّقْبَى ؟ قَالَ : يَقُول الرَّجُل لِلرَّجُلِ هِيَ لَكَ حَيَاتك , فَإِنْ فَعَلْتُمْ فَهُوَ جَائِز \" هَكَذَا أَخْرَجَهُ مُرْسَلًا , وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق ابْن جُرَيْج عَنْ عَطَاء عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت عَنْ ابْن عُمَر مَرْفُوعًا \" لَا عُمْرَى وَلَا رُقْبَى , فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا أَوْ أَرْقَبَهُ فَهُوَ لَهُ حَيَاته وَمَمَاته \" رِجَاله ثِقَات , لِكِنْ اِخْتُلِفَ فِي سَمَاع حَبِيب لَهُ مِنْ ابْن عُمَر : فَصَرَّحَ بِهِ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق , وَمَعْنَاهُ فِي طَرِيق أُخْرَى. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : اخْتَلَفُوا إِلَى مَاذَا يُوَجَّهُ النَّهْي ؟ وَالْأَظْهَر أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ إِلَى الْحُكْم , وَقِيلَ يَتَوَجَّهُ إِلَى اللَّفْظِ الْجَاهِلِيّ وَالْحُكْم الْمَنْسُوخ , وَقِيلَ النَّهْي إِنَّمَا يَمْنَعُ صِحَّة مَا يُفِيد الْمَنْهِيّ عَنْهُ فَائِدَة , أَمَّا إِذَا كَانَ صِحَّة الْمَنْهِيّ عَنْهُ ضَرَرًا عَلَى مُرْتَكِبِهِ فَلَا يَمْنَع صِحَّته كَالطَّلَاقِ فِي زَمَن الْحَيْض , وَصِحَّة الْعُمْرَى ضَرَر عَلَى الْمُعْمِر , فَإِنَّ مِلْكَهُ يَزُول بِغَيْرِ عِوَض , هَذَا كُلّه إِذَا حُمِلَ النَّهْي عَلَى التَّحْرِيم , فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَة أَوْ الْإِرْشَاد لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذَلِكَ , وَالْقَرِينَة الصَّارِفَة مَا ذُكِرَ فِي آخِر الْحَدِيث مِنْ بَيَان حُكْمه , وَيُصَرِّح بِذَلِكَ قَوْله : \" الْعُمْرَى جَائِزَة \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر رَفَعَهُ \" الْعُمْرَى جَائِزَة لِأَهْلِهَا , وَالرُّقْبَى جَائِزَة لِأَهْلِهَا \" وَاللَّهُ أَعْلَم. قَالَ بَعْض الْحُذَّاق : إِجَازَة الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى بَعِيد عَنْ قِيَاس الْأُصُول , وَلَكِنَّ الْحَدِيث مُقَدَّم , وَلَوْ قِيلَ بِتَحْرِيمِهِمَا لِلنَّهْيِ , وَصِحَّتِهِمَا لِلْحَدِيثِ لَمْ يَبْعُد , وَكَأَنَّ النَّهْي لِأَمْرٍ خَارِج وَهُوَ حِفْظ الْأَمْوَال , وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد فِيهِمَا الْمَنْفَعَة كَمَا قَالَ مَالِك لَمْ يَنْهَ عَنْهُمَا , وَالظَّاهِر أَنَّهُ مَا كَانَ مَقْصُود الْعَرَب بِهِمَا إِلَّا تَمْلِيك الرَّقَبَة بِالشَّرْطِ الْمَذْكُور , فَجَاءَ الشَّرْع بِمُرَاغَمَتِهِمْ فَصَحَّحَ الْعَقْد عَلَى نَعْت الْهِبَة الْمَحْمُودَة , وَأَبْطَلَ الشَّرْط الْمُضَادّ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُشْبِهُ الرُّجُوع فِي الْهِبَة , وَقَدْ صَحَّ النَّهْي عَنْهُ وَشُبِّهَ بِالْكَلْبِ يَعُود فِي قَيْئِهِ. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ ابْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" الْعُمْرَى لِمَنْ أَعْمَرَهَا وَالرُّقْبَى لِمَنْ أَرْقَبَهَا , وَالْعَائِد فِي هِبَته كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ \" فَشَرْط الرُّجُوع الْمُقَارِن لِلْعَقْدِ مِثْل الرُّجُوع الطَّارِئ بَعْدَهُ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ , وَأَمَرَ أَنْ يُبْقِيهَا مُطْلَقًا أَوْ يُخْرِجهَا مُطْلَقًا , فَإِنْ أَخْرَجَهَا عَلَى خِلَاف ذَلِكَ بَطَلَ الشَّرْط وَصَحَّ الْعَقْد مُرَاغَمَة لَهُ. وَهُوَ نَحْو إِبْطَال شَرْط الْوَلَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "2434",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ فَزَعٌ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَسًا مِنْ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ فَرَكِبَ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ ‏ ‏مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ ) ‏ ‏أَيْ خَوْفٌ مِنْ عَدُوٍّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ أَبِي طَلْحَة ) ‏ ‏هُوَ زَيْد بْن سَهْل زَوْج أُمِّ أَنَس. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يُقَالُ لَهُ اَلْمَنْدُوب ) ‏ ‏قِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ مِنْ اَلنَّدْبِ وَهُوَ اَلرَّهْنُ عِنْدَ اَلسِّبَاقِ وَقِيلَ لِنَدْبٍ كَانَ فِي جِسْمِهِ وَهُوَ أَثَرُ اَلْجُرْحِ زَادَ فِي اَلْجِهَادِ مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَة \" كَانَ يَقْطِفُ أَوْ كَانَ فِيهِ قِطَاف \" كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ وَالْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ بَطِيءَ اَلْمَشْيِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا ) ‏ ‏, فِي رِوَايَة اَلْمُسْتَمْلِي \" وَإِنْ وَجَدْنَا \" بِحَذْفِ اَلضَّمِيرِ قَالَ الْخَطَّابِيّ : إِنْ هِيَ اَلنَّافِيَةُ وَاللَّام فِي \" لَبَحْرًا \" بِمَعْنَى إِلَّا أَيْ مَا وَجَدْنَاهُ إِلَّا بَحْرًا قَالَ اِبْن اَلتِّينِ هَذَا مَذْهَب اَلْكُوفِيِّينَ , وَعِنْدَ اَلْبَصْرِيِّينَ \" إِنْ \" مُخَفَّفَة مِنْ اَلثَّقِيلَةِ وَاللَّام زَائِدَة كَذَا قَالَ قَالَ اَلْأَصْمَعِيّ : يُقَالُ لِلْفَرَسِ بَحْرٌ إِذَا كَانَ وَاسِعَ اَلْجَرْيِ أَوْ لِأَنَّ جَرْيَهُ لَا يَنْفُذُ كَمَا لَا يَنْفُذُ اَلْبَحْر وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَة \" وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى \" وَسَيَأْتِي فِي اَلْجِهَادِ وَيَأْتِي اَلْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2435",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏وَعَلَيْهَا دِرْعُ ‏ ‏قِطْرٍ ‏ ‏ثَمَنُ خَمْسَةِ ‏ ‏دَرَاهِمَ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتِي انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهَا ‏ ‏تُزْهَى ‏ ‏أَنْ تَلْبَسَهُ فِي الْبَيْتِ وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ ‏ ‏تُقَيَّنُ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏إِلَّا أَرْسَلَتْ إِلَيَّ تَسْتَعِيرُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْد اَلْوَاحِد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ فِي آخِرِ اَلْعِتْقِ حَدِيثٌ وَفِيهِ شَرْحُ حَالِ أَيْمَن وَالِد عَبْد اَلْوَاحِد. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ ) ‏ ‏اَلدِّرْع قَمِيص اَلْمَرْأَة وَهُوَ مُذَكَّر قَالَ اَلْجَوْهَرِيّ : وَدِرْع اَلْحَدِيد مُؤَنَّثَة وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَة أَنَّهُ أَيْضًا يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. وَالْقِطْرُ بِكَسْرِ اَلْقَافِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَة بَعْدَهَا رَاء , وَفِي رِوَايَة اَلْمُسْتَمْلِي وَاَلسَّرَخْسِيّ بِضَمِّ اَلْقَافِ وَآخِره نُون وَالْقِطْر ثِيَاب مِنْ غَلِيظ اَلْقُطْن وَغَيْرِهِ وَقِيلَ مِنْ اَلْقُطْنِ خَاصَّة وَحَكَى اِبْن قُرْقُولٍ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ اَلسَّكَنِ وَالْقَابِسِيِّ بِالْفَاء اَلْمَكْسُورَةِ آخِره رَاء وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ ثِيَابِ اَلْيَمَنِ تُعْرَفُ بِالْقِطْرِيَّةِ فِيهَا حُمْرَة قَالَ الْبَنَّاسِيُّ : وَالصَّوَابُ بِالْقَاف وَقَالَ اَلْأَزْهَرِيُّ اَلثِّيَابُ اَلْقِطْرِيَّة مَنْسُوبَة إِلَى قِطْر قَرْيَة فِي اَلْبَحْرِينِ فَكَسَرُوا اَلْقَافَ لِلنِّسْبَةِ وَخَفَّفُوا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثَمَنَ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ ‏ ‏بِنَصْب ثَمَن بِتَقْدِيرِ فِعْل وَخَمْسَة بِالْخَفْضِ عَلَى اَلْإِضَافَةِ أَوْ بِرَفْعِ اَلثَّمَنِ وَخَمْسَة عَلَى حَذْفِ اَلضَّمِيرِ وَالتَّقْدِيرِ ثَمَنُهُ خَمْسَة وَرَوِيّ بِضَمّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيد اَلْمِيم عَلَى لَفْظ اَلْمَاضِي , وَنَصْبِ خَمْسَة عَلَى نَزْع اَلْخَافِض أَيْ قُوِّمَ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْن شَبُّويَةَ وَحْدَهُ \" خَمْسَة اَلدَّرَاهِم \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِلَى جَارِيَتِي ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِفْ اِسْمَهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تُزْهَى ) ‏ ‏بِضَمّ أَوَّله أَيْ تَأْنَفُ أَوْ تَتَكَبَّرُ يُقَالُ زُهِيَ يُزْهَى إِذَا دَخَلَهُ اَلزَّهْو وَهُوَ اَلْكِبْرُ وَمِنْهُ مَا أَزْهَاهُ وَهُوَ مِنْ اَلْحُرُوفِ اَلَّتِي جَاءَتْ بِلَفْظِ اَلْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى اَلْفَاعِل مِثْل عُنِيَ بِالْأَمْرِ وَنُتِجَتْ اَلنَّاقَة قُلْت : وَرَأَيْته فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ \" تُزْهَى \" بِفَتْح أَوَّله وَقَدْ حَكَاهَا اِبْن دُرَيْد وَقَالَ اَلْأَصْمَعِيّ : لَا يُقَالُ بِالْفَتْحِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تُقَيَّنُ ) ‏ ‏بِالْقَاف أَيْ تُزَيُّنُ مِنْ قَانَ اَلشَّيْء قِيَانَةً أَيْ أَصْلَحَهُ وَالْقَيْنَة تُقَالُ لِلْمَاشِطَةِ وَلِلْمُغَنِّيَةِ وَلِلْأَمَةِ مُطْلَقًا. وَحَكَى اِبْنُ اَلتِّينِ أَنَّهُ رُوِيَ \" تُفَيَّنُ \" بِالْفَاء أَيْ تُعْرَضُ وَتُجَلَّى عَلَى زَوْجِهَا. قُلْت : وَلَمْ يُضْبَطْ مَا بَعْدَ اَلْفَاءِ وَرَأَيْته بِخَطّ بَعْضِ اَلْحُفَّاظِ بِمُثَنَّاة فَوْقَانِيَّة قَالَ اِبْن اَلْجَوْزِيِّ : أَرَادَتْ عَائِشَة رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُمْ كَانُوا أَوَّلًا فِي حَالٍ ضَيِّقٍ وَكَانَ اَلشَّيْء اَلْمُحْتَقَر عِنْدَهُمْ إِذْ ذَاكَ عَظِيم اَلْقَدْرِ. وَفِي اَلْحَدِيثِ أَنَّ عَارِيَّة اَلثِّيَاب لِلْعَرُوسِ أَمْر مَعْمُول بِهِ مُرَغَّب فِيهِ وَأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مِنْ اَلشَّنْعِ. وَفِيهِ تَوَاضُعُ عَائِشَة , وَأَمْرُهَا فِي ذَلِكَ مَشْهُور. وَفِيهِ حِلْمُ عَائِشَة عَنْ خَدَمِهَا وَرِفْقُهَا فِي اَلْمُعَاتَبَةِ , وَإِيثَارُهَا بِمَا عِنْدَهَا مَعَ اَلْحَاجَةِ إِلَيْهِ , وَتَوَاضُعُهَا بِأَخْذِهَا اَلسُّلْفَة فِي حَال اَلْيَسَار مَعَ مَا كَانَ مَشْهُورًا عَنْهَا مِنْ اَلْجُودِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2436",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نِعْمَ ‏ ‏الْمَنِيحَةُ ‏ ‏اللِّقْحَةُ ‏ ‏الصَّفِيُّ ‏ ‏مِنْحَةً وَالشَّاةُ ‏ ‏الصَّفِيُّ ‏ ‏تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏وَإِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نِعْمَ الصَّدَقَةُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيرَة : ‏ ‏قَوْلُهُ : ( نِعْمَ اَلْمَنِيحَةُ اَللِّقْحَةُ اَلصَّفِيُّ مِنْحَةً ) ‏ ‏اَللِّقْحَة اَلنَّاقَة ذَات اَللَّبَنِ اَلْقَرِيبَة اَلْعَهْد بِالْوِلَادَةِ وَهِيَ مَكْسُورَةُ اَللَّامِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا , وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ اَللَّقْحَةَ بِفَتْحِ اَللَّامِ اَلْمَرَّة اَلْوَاحِدَة مِنْ اَلْحَلْبِ , وَالصَّفِيّ بِفَتْحِ اَلصَّادِ وَكَسْرِ اَلْفَاءِ أَيْ اَلْكَرِيمَةُ اَلْغَزِيرَةُ اَللَّبَن , وَيُقَالُ لَهَا اَلصَّفِيَّة أَيْضًا كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ وَذَكَرَ اَلْمُصَنِّفُ بَعْدَهُ أَنَّ عَبْد اَللَّه بْن يُوسُف وَإِسْمَاعِيل يَعْنِي اِبْن أَبِي أُوَيْس رَوَيَاهُ بِلَفْظ \" نِعْمَ اَلصَّدَقَة اَللِّقْحَة اَلصَّفِيّ مِنْحَةً \" وَهَذَا هُوَ اَلْمَشْهُورُ عَنْ مَالِك. وَكَذَا رَوَاهُ شُعَيْب عَنْ أَبِي اَلزِّنَادِ كَمَا سَيَأْتِي فِي اَلْأَشْرِبَة. قَالَ اِبْن اَلتِّينِ : مَنْ رَوَى \" نِعْمَ اَلصَّدَقَة \" رَوَى أَحَدَهُمَا بِالْمَعْنَى لِأَنَّ اَلْمِنْحَةَ اَلْعَطِيَّة وَالصَّدَقَة أَيْضًا عَطِيَّة. قُلْت : لَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا فَكُلّ صَدَقَة عَطِيَّة وَلَيْسَ كُلُّ عَطِيَّة صَدَقَة. وَإِطْلَاق اَلصَّدَقَة عَلَى اَلْمِنْحَةِ مَجَاز وَلَوْ كَانَتْ اَلْمِنْحَة صَدَقَة لَمَا حَلَّتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ هِيَ مِنْ جِنْس اَلْهِبَة وَالْهَدِيَّة وَقَوْلُهُ : \" مِنْحَة \" مَنْصُوب عَلَى اَلتَّمْيِيزِ قَالَ اِبْن مَالِك : فِيهِ وُقُوع اَلتَّمْيِيزِ بَعْدَ فَاعِلِ نِعْمَ ظَاهِرًا وَقَدْ مَنَعَهُ سِيبَوَيْهِ إِلَّا مَعَ اَلْإِضْمَارِ مِثْل : ( بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ) وَجَوَّزَهُ اَلْمُبَرِّد وَهُوَ اَلصَّحِيحُ وَقَالَ أَبُو اَلْبَقَاءِ : اَللِّقْحَةُ هِيَ اَلْمَخْصُوصَةُ بِالْمَدْحِ وَمِنْحَة مَنْصُوب عَلَى اَلتَّمْيِيزِ تَوْكِيدًا وَهُوَ كَقَوْلِ اَلشَّاعِرِ : ‏ ‏فَنِعْمَ اَلزَّادُ زَادَ أَبِيك زَادًا ‏ ‏. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ اَللَّبَنِ أَيْ تَحْلِبُ إِنَاء بِالْغَدَاةِ وَإِنَاء بِالْعَشِيِّ. وَوَقَعَ هَذَا اَلْحَدِيث فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَان عَنْ أَبِي اَلزِّنَادِ بِلَفْظ \" أَلَا رَجُل يَمْنَحُ أَهْلَ بَيْت نَاقَة تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ إِنَّ أَجْرَهَا لَعَظِيم \". ‏"
    },
    {
        "id": "2437",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ ‏ ‏يَعْنِي شَيْئًا وَكَانَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏أَهْلَ الْأَرْضِ وَالْعَقَارِ فَقَاسَمَهُمْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ وَيَكْفُوهُمْ الْعَمَلَ وَالْمَئُونَةَ وَكَانَتْ أُمُّهُ ‏ ‏أُمُّ أَنَسٍ ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏فَكَانَتْ أَعْطَتْ ‏ ‏أُمُّ أَنَسٍ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِذَاقًا ‏ ‏فَأَعْطَاهُنَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُمَّ أَيْمَنَ ‏ ‏مَوْلَاتَهُ ‏ ‏أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا فَرَغَ مِنْ قَتْلِ أَهْلِ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَانْصَرَفَ إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏رَدَّ ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏مَنَائِحَهُمْ ‏ ‏الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ فَرَدَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أُمِّهِ ‏ ‏عِذَاقَهَا ‏ ‏وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّه ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُمَّ أَيْمَنَ ‏ ‏مَكَانَهُنَّ مِنْ ‏ ‏حَائِطِهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏بِهَذَا وَقَالَ مَكَانَهُنَّ مِنْ خَالِصِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس : ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَيْسَ بِأَيْدِيهمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ وَفِي رِوَايَةِ اَلْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَة يَعْنِي شَيْءٌ وَثَبَتَ لَفْظُ \" شَيْء \" فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ حَرْمَلَةَ وَأَبِي اَلطَّاهِرِ عَنْ اِبْنِ وَهْبٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَاسَمَهُمْ اَلْأَنْصَارُ إِلَخْ ) ‏ ‏ظَاهِره مُغَايِر لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة اَلْمَاضِي فِي اَلْمُزَارَعَةِ \" قَالَتْ اَلْأَنْصَار لِلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا اَلنَّخِيل قَالَ لَا \" وَالْجَمْع بَيْنَهُمَا أَنَّ اَلْمُرَادَ بِالْمُقَاسَمَةِ هُنَا اَلْقِسْمَة اَلْمَعْنَوِيَّة وَهِيَ اَلَّتِي أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة حَيْثُ قَالَ : \" قَالُوا فَيَكْفُونَنَا اَلْمُؤْنَة وَنُشْرِكُهُمْ فِي اَلثَّمَرِ \" فَكَانَ اَلْمُرَاد هُنَا مُقَاسَمَة اَلثِّمَار , وَالْمَنْفِيّ هُنَاكَ مُقَاسَمَة اَلْأُصُول. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ وَأَقَرَّهُ اِبْنُ اَلتِّينِ أَنَّ اَلْمُرَادَ بِقَوْلِهِ هُنَا : \" قَاسَمَهُمْ اَلْأَنْصَارُ \" أَيْ حَالَفُوهُمْ جَعَلَهُ مِنْ اَلْقَسَمِ بِفَتْحِ اَلْقَافِ وَالْمُهْمَلَة لَا مِنْ اَلْقَسْمِ بِسُكُونِ الْمُهْمَلَة وَقَدْ تَقَدَّمَ تَعَقُّبُ مَا زَعَمَهُ فِي كِتَاب اَلْمُزَارَعَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمُّ أَنَس إِلَخْ ) ‏ ‏اَلضَّمِير فِي أُمِّهِ يَعُودُ عَلَى أَنَسٍ وَأُمّ أَنَس بَدَل مِنْهُ وَكَذَا أُمُّ سُلَيْمٍ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" وَكَانَتْ أُمّه أُمُّ أَنَس بْن مَالِك وَهِيَ تُدْعَى أُمّ سُلَيْمٍ \" وَكَانَتْ أُمّ عَبْد اَللَّه بْن أَبِي طَلْحَة كَانَ أَخَا أَنَس لِأُمِّهِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ قَائِل ذَلِكَ هُوَ الزُّهْرِيُّ اَلرَّاوِي عَنْ أَنَس لَكِنَّ بَقِيَّةَ اَلسِّيَاقِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس فَيُحْمَلُ عَلَى اَلتَّجْرِيدِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمّ أَنَس ) ‏ ‏أَيْ كَانَتْ أُمّ أَنَس أَعْطَتْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عِذَاقًا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَبِذَالٍ مُعْجَمَةٍ خَفِيفَة جَمْع عَذْق بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُون كَحَبْلٍ وَحِبَالٍ وَالْعَذْق اَلنَّخْلَة وَقِيلَ إِنَّمَا يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ إِذَا كَانَ حَمْلهَا مَوْجُودًا وَالْمُرَاد أَنَّهَا وَهَبَتْ لَهُ ثَمَرهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ اَلْمَذْكُورِ وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسْلِم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِلَى أُمِّهِ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى أُمِّ أَنَس وَهِيَ أُمّ سُلَيْم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَعْطَى رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمّ أَيْمَن مَكَانَهُنَّ ) ‏ ‏أَيْ بَدَلَهُنَّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ حَائِطِهِ ) ‏ ‏أَيْ بُسْتَانِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَحْمَد بْن شَبِيب : أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ بِهَذَا ) ‏ ‏أَيْ بِالْإِسْنَادِ وَالْمَتْن. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مَكَانَهُنَّ مِنْ خَالِصِهِ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُ وَافَقَ اِبْن وَهْبٍ فِي اَلسِّيَاقِ إِلَّا فِي قَوْلِهِ \" مِنْ حَائِطِهِ \" فَقَالَ : \" مِنْ خَالِصِهِ \" أَيْ مِنْ خَالِص مَالِهِ قَالَ اِبْن اَلتِّينِ : اَلْمَعْنَى وَاحِدٌ لِأَنَّ حَائِطَهُ صَارَ لَهُ خَالِصًا. قُلْت : لَكِنَّ لَفْظ \" خَالِصِهِ \" أَصْرَحُ فِي اَلِاخْتِصَاصِ مِنْ حَائِطِهِ , وَطَرِيق أَحْمَد بْن شَبِيب هَذِهِ وَصَلَهَا الْبُرْقَانِيُّ فِي \" اَلْمُصَافَحَةِ \" مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن عَلِيّ اَلصَّائِغ عَنْ أَحْمَد بْن شَبِيب اَلْمَذْكُورِ مِثْله زَادَ مُسْلِم فِي آخِرِ اَلْحَدِيثِ \" قَالَ اِبْن شِهَاب : وَكَانَ مِنْ شَأْنِ أُمّ أَيْمَن أَنَّهَا كَانَتْ وَصِيفَةً لِعَبْد اَللَّه بْن عَبْد اَلْمُطَّلِبِ وَكَانَتْ مِنْ اَلْحَبَشَةِ فَلَمَّا وَلَدَتْ آمِنَةُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَمَا تُوُفِّيَ أَبُوهُ كَانَتْ أُمّ أَيْمَن تَحْضُنُهُ حَتَّى كَبِرَ فَأَعْتَقَهَا ثُمَّ أَنْكَحَهَا زَيْد بْن حَارِثَة وَتُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسَةِ أَشْهُر وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي ذِكْر سَبَبِ إِعْطَاءِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ أَيْمَن بَدَلَ اَلْعِذَاق وَفِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى رِوَايَة الزُّهْرِيّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَس قَالَ : \" كَانَ اَلرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اَلنَّخْلَاتِ \" اَلْحَدِيث وَفِيهِ : \" وَإِنَّ أَهْلِي أَمَرُونِي أَنْ أَسْأَلَ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اَلَّذِي كَانُوا أَعْطَوْهُ. وَكَانَ قَدْ أَعْطَاهُ أُمّ أَيْمَن فَجَاءَتْ أُمُّ أَيْمَن فَجَعَلْت اَلثَّوْبَ فِي عُنُقِي تَقُولُ : لَا نُعْطِيكُمْ وَقَدْ أَعْطَانِيهِ قَالَ وَالنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَك كَذَا حَتَّى أَعْطَاهَا عَشَرَة أَمْثَاله \" أَوْ كَمَا قَالَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2438",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلَاهُنَّ ‏ ‏مَنِيحَةُ الْعَنْزِ ‏ ‏مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الْجَنَّةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَسَّانُ ‏ ‏فَعَدَدْنَا مَا دُونَ ‏ ‏مَنِيحَةِ الْعَنْزِ ‏ ‏مِنْ رَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ حَسَّان بْن عَطِيَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ اَلْوَلِيدِ \" حَدَّثَنَا اَلْأَوْزَاعِيّ حَدَّثَنَا حَسَّان بْن عَطِيَّة \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي كَبْشَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ اَلْمَذْكُورَةِ \" حَدَّثَنِي أَبُو كَبْشَة \" وَهُوَ بِفَتْحِ اَلْكَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَة ) ‏ ‏( السَّلُولِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف اَللَّام اَلْمَضْمُومَة بَعْدَهَا وَاو سَاكِنَة ثُمَّ لَامٌ لَا يُعْرَفُ اِسْمُهُ وَزَعَمَ اَلْحَاكِمُ أَنَّ اِسْمَهُ اَلْبَرَاء بْن قَيْس , وَوَهَمَهُ عَبْد اَلْغَنِيّ بْن سَعِيد وَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُهُ وَلَيْسَ لِأَبِي كَبْشَةَ وَلَا لِلرَّاوِي عَنْهُ حَسَّانِ بْن عَطِيَّة فِي اَلْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا اَلْحَدِيثِ وَآخَر فِي أَحَادِيثِ اَلْأَنْبِيَاءِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ \" سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَرْبَعُونَ خَصْلَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ \" أَرْبَعُونَ حَسَنَة \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اَلْعَنْز ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اَلنُّونِ بَعْدَهَا زَاي مَعْرُوفَة وَهِيَ وَاحِدَة اَلْمَعْز. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ حَسَّان ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عَطِيَّةِ رَاوِي اَلْحَدِيثِ وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ اَلْمَذْكُورِ قَالَ اِبْن بَطَّال مَا مُلَخَّصُهُ : لَيْسَ فِي قَوْلِ حَسَّان مَا يَمْنَعُ مِنْ وِجْدَان ذَلِكَ وَقَدْ حَضَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبْوَابٍ مِنْ أَبْوَابِ اَلْخَيْرِ وَالْبِرِّ لَا تُحْصَى كَثِيرَة. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَالِمًا بِالْأَرْبَعِينَ اَلْمَذْكُورَة إِنَّمَا لَمْ يَذَكُرْهَا لِمَعْنًى هُوَ أَنْفَعُ لَنَا مِنْ ذِكْرِهَا وَذَلِكَ خَشْيَة أَنْ يَكُونَ اَلتَّعْيِين لَهَا مُزَهِّدًا فِي غَيْرِهَا مِنْ أَبْوَابِ اَلْبِرِّ قَالَ : وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ تَطَلَّبَهَا فَوَجَدَهَا تَزِيدُ عَلَى اَلْأَرْبَعِينَ فَمِمَّا زَادَهُ إِعَانَة اَلصَّانِعِ وَالصَّنْعَة لِلْأَخْرَقِ وَإِعْطَاء شَسْع اَلنَّعْل وَالسَّتْر عَلَى اَلْمُسْلِمِ وَالذَّبّ عَنْ عِرْضِهِ وَإِدْخَال اَلسُّرُورِ عَلَيْهِ وَالتَّفَسُّح فِي اَلْمَجْلِسِ وَالدَّلَالَة عَلَى اَلْخَيْرِ وَالْكَلَام اَلطَّيِّب وَالْغَرْس وَالزَّرْع وَالشَّفَاعَة وَعِيَادَة اَلْمَرِيضِ وَالْمُصَافَحَة وَالْمَحَبَّة فِي اَللَّهِ وَالْبُغْض لِأَجْلِهِ وَالْمُجَالَسَة لِلَّهِ وَالتَّزَاوُر وَالنُّصْح وَالرَّحْمَة - وَكُلّهَا فِي اَلْأَحَادِيثِ اَلصَّحِيحَةِ وَفِيهَا مَا قَدْ يُنَازَعُ فِي كَوْنِهِ دُونَ مَنِيحَة اَلْعَنْز وَحَذَفْت مِمَّا ذَكَرَهُ أَشْيَاءَ قَدْ تَعَقَّبَ اِبْن اَلْمُنِير بَعْضَهَا وَقَالَ : اَلْأَوْلَى أَنْ لَا يُعْتَنَى بَعْدَهَا لِمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : جَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ رَجْمٌ بِالْغَيْبِ ثُمَّ أَنَّى عَرَفَ أَنَّهَا أَدْنَى مِنْ اَلْمَنِيحَةِ ؟ قُلْت. وَإِنَّمَا أَرَدْت بِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْهَا تَقْرِيبَ اَلْخَمْسِ عَشْرَة اَلَّتِي عَدَّهَا حَسَّان بْن عَطِيَّة وَهِيَ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى لَا تَخْرُجُ عَمَّا ذَكَرْتُهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَأَنَا مُوَافِقٌ لِابْنِ بَطَّالٍ فِي إِمْكَانِ تَتَبُّعِ أَرْبَعِينَ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ اَلْخَيْرِ أَدْنَاهَا مَنِيحَة اَلْعَنْز , وَمُوَافِق لِابْن اَلْمُنِير فِي رَدّ كَثِير مِمَّا ذَكَرَهُ اِبْن بَطَّال مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّهُ فَوْقَ اَلْمَنِيحَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2439",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ لِرِجَالٍ مِنَّا ‏ ‏فُضُولُ أَرَضِينَ ‏ ‏فَقَالُوا نُؤَاجِرُهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلَهُ عَنْ الْهِجْرَةِ فَقَالَ ‏ ‏وَيْحَكَ إِنَّ الْهِجْرَةَ شَأْنُهَا شَدِيدٌ فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَتُعْطِي صَدَقَتَهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ تَمْنَحُ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَتَحْلُبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث جَابِر \" كَانَتْ لِرِجَالٍ مِنَّا فُضُولُ أَرَضِينَ \" ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي اَلْمُزَارَعَةِ مَعَ اَلْكَلَامِ عَلَيْهِ , وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ : \" أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى اَلَّذِي قَبْلَهُ فَيَكُونَ مَوْصُولًا لَكِنْ صَرَّحَ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اَلْخَبَر وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي اَلْهِجْرَةِ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيق اَلْوَلِيد بْن مُسْلِم قَالَ : \" وَقَالَ مُحَمَّد بْن يُوسُف \" كِلَاهُمَا عَنْ اَلْأَوْزَاعِيّ فَلَوْ أَرَادَ هُنَا أَنْ يَعْطِفَهُ لَقَالَ هُنَاكَ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف \" كَعَادَتِهِ. نَعَمْ زَعَمَ اَلْمِزِّيُّ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي اَلْهِبَةِ \" عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف \" وَفِي اَلْهِجْرَةِ \" وَقَالَ مُحَمَّد بْن يُوسُف \" فَاَللَّه أَعْلَمُ. وَقَدْ وَصَلَهُ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن يُوسُف اَلْمَذْكُورِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي اَلْهِجْرَةِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ : \" فَهَلْ تَمْنَحُ مِنْهَا شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ \" فَإِنَّ فِيهِ إِثْبَاتَ فَضِيلَة اَلْمَنِيحَة وَقَوْلُهُ : \" لَنْ يَتِرَكَ \" أَيْ لَنْ يَنْقُصَك. ‏"
    },
    {
        "id": "2440",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَعْلَمُهُمْ بِذَاكَ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ إِلَى أَرْضٍ تَهْتَزُّ زَرْعًا فَقَالَ لِمَنْ هَذِهِ فَقَالُوا ‏ ‏اكْتَرَاهَا ‏ ‏فُلَانٌ فَقَالَ ‏ ‏أَمَا إِنَّهُ لَوْ مَنَحَهَا إِيَّاهُ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أَجْرًا مَعْلُومًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي اَلْمُزَارَعَةِ أَيْضًا , وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا مَا دَلَّ مِنْ قَوْلِهِ : \" لَوْ مَنَحَهَا إِيَّاهُ كَانَ خَيْرًا لَهُ \" عَلَى فَضْل اَلْمَنِيحَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2441",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَاجَرَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏بِسَارَةَ ‏ ‏فَأَعْطَوْهَا ‏ ‏آجَرَ ‏ ‏فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْدَمَهَا ‏ ‏هَاجَرَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2442",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مَالِكًا ‏ ‏يَسْأَلُ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏يَقُولُ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثُ عُمَرَ \" حَمَلْت عَلَى فَرَسٍ \" مُخْتَصَرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ اَلْكَلَام عَلَيْهِ قَبْلَ أَبْوَاب. ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : مَا كَانَ مِنْ اَلْحَمْلِ عَلَى اَلْخَيْلِ تَمْلِيكًا لِلْمَحْمُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ هُوَ لَك فَهُوَ كَالصَّدَقَةِ , فَإِذَا قَبَضَهَا لَمْ يَجُزْ اَلرُّجُوعُ فِيهَا وَمَا كَانَ مِنْهُ تَحْبِيسًا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ فَهُوَ كَالْوَقْفِ لَا يَجُوزُ اَلرُّجُوعُ فِيهِ عِنْدَ اَلْجُمْهُورِ , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة أَنَّ اَلْحَبْسَ بَاطِلٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ اِنْتَهَى. ‏ ‏وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اَلْبُخَارِيَّ أَرَادَ اَلْإِشَارَةَ إِلَى اَلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ بِجَوَازِ اَلرُّجُوعِ فِي اَلْهِبَةِ وَلَوْ كَانَتْ لِلْأَجْنَبِيِّ وَإِلَّا فَقَدْ قَدَّمْنَا تَقْرِير أَنَّ اَلْحَمْلَ اَلْمَذْكُورَ فِي قِصَّةِ عُمَرَ كَانَ تَمْلِيكًا , وَأَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ كَانَ تَحْبِيسًا اِحْتِمَالٌ بَعِيد وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏وَسَيَأْتِي مَزِيد بَسْطٍ لِذَلِكَ قَرِيبًا فِي كِتَاب اَلْوَقْف إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏( خَاتِمَة ) ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب اَلْهِبَة وَمَا مَعَهَا مِنْ أَحَادِيثِ اَلْعُمْرَى وَالْعَارِيَّة عَلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ حَدِيثًا مِائَة إِلَّا وَاحِد , اَلْمُعَلَّقُ مِنْهَا ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ , وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , اَلْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَة وَسِتُّونَ حَدِيثًا وَالْخَالِص أَحَد وَثَلَاثُونَ , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَوْ دُعِيت إِلَى كُرَاعٍ \" , وَحَدِيث أُمّ سَلَمَة فِي اَلْهَدِيَّةِ , وَحَدِيث أَنَس فِي اَلطِّيبِ وَحَدِيث عَائِشَة \" كَانَ يَقْبَلُ اَلْهَدِيَّةَ \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" مَنْ أُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّة فَجُلَسَاؤُهُ شُرَكَاؤُهُ \" وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصَّةِ فَاطِمَة فِي سَتْرِ بَابِهَا وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصَّةِ صُهَيْب وَحَدِيثِ عَائِشَة فِي اَلدِّرْعِ وَحَدِيثِ عَبْد اَللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ فِي اَلْأَرْبَعِينَ خَصْلَة. وَفِيهِ مِنْ اَلْآثَارِ عَنْ اَلصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ثَلَاثَة عَشَرَ أَثَرًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2443",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَابْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ ‏ ‏وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا ‏ ‏حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏وَأُسَامَةَ ‏ ‏حِينَ ‏ ‏اسْتَلْبَثَ ‏ ‏الْوَحْيُ يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ فَأَمَّا ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏فَقَالَ أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا وَقَالَتْ ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا ‏ ‏أَغْمِصُهُ ‏ ‏أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي ‏ ‏الدَّاجِنُ ‏ ‏فَتَأْكُلُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ يَعْذِرُنَا فِي رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْ أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : \" وَقَالَ اَللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ \" ‏ ‏وَصَلَهُ هُنَاكَ أَيْضًا. ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" أَهْلكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا \" ‏ ‏بِنَصْبِ أَهْلكَ لِلْأَكْثَرِ عَلَى اَلْإِغْرَاءِ أَوْ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيره أَمْسِكْ أَهْلَكَ وَلِبَعْضِهِمْ بِالرَّفْعِ أَيْ هُمْ أَهْلُكَ , قَالَ اِبْن اَلْمُنِير : اَلتَّعْدِيلُ إِنَّمَا هُوَ تَنْفِيذٌ لِلشَّهَادَةِ وَعَائِشَة رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا لَمْ تَكُنْ شَهِدَتْ وَلَا كَانَتْ مُحْتَاجَة إِلَى اَلتَّعْدِيلِ ; لِأَنَّ اَلْأَصْلَ اَلْبَرَاءَة وَإِنَّمَا كَانَتْ مُحْتَاجَة إِلَى نَفْيِ اَلتُّهْمَةِ عَنْهَا حَتَّى تَكُونَ اَلدَّعْوَى عَلَيْهَا بِذَلِكَ غَيْر مَقْبُولَةٍ وَلَا شُبْهَةَ فَيَكْفِي فِي هَذَا اَلْقَدْرِ هَذَا اَللَّفْظ فَلَا يَكُونُ فِيهِ لِمَنْ اِكْتَفَى فِي اَلتَّعْدِيلِ بِقَوْلِهِ : \" لَا أَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا \" حُجَّةٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "2444",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏يَؤُمَّانِ ‏ ‏النَّخْلَ الَّتِي فِيهَا ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ ‏ ‏ابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ‏ ‏وَابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا ‏ ‏رَمْرَمَةٌ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏زَمْزَمَةٌ ‏ ‏فَرَأَتْ ‏ ‏أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ فَقَالَتْ ‏ ‏لِابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏أَيْ ‏ ‏صَافِ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏فَتَنَاهَى ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصَّةِ اِبْنِ صَيَّادٍ وَسَيَأْتِي اَلْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ اَلْفِتَن , وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ : \" وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ اِبْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ \" ‏ ‏وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ : \" لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ \" ‏ ‏فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اَلِاعْتِمَادَ عَلَى سَمَاعِ اَلْكَلَامِ وَإِنْ كَانَ اَلسَّامِع مُحْتَجِبًا عَنْ اَلْمُتَكَلِّمِ إِذَا عَرَفَ اَلصَّوْتَ , ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" يَخْتِلُ \" ‏ ‏بِفَتْح أَوَّلِهِ وَسُكُون اَلْمُعْجَمَة وَكَسْر اَلْمُثَنَّاة أَيْ يَطْلُبُ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ ‏"
    },
    {
        "id": "2445",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏جَاءَتْ ‏ ‏امْرَأَةُ ‏ ‏رِفاعَةَ الْقُرَظِيِّ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ ‏ ‏رِفَاعَةَ ‏ ‏فَطَلَّقَنِي ‏ ‏فَأَبَتَّ ‏ ‏طَلَاقِي فَتَزَوَّجْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ ‏ ‏إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ ‏ ‏هُدْبَةِ ‏ ‏الثَّوْبِ فَقَالَ ‏ ‏أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى ‏ ‏رِفَاعَةَ ‏ ‏لَا حَتَّى تَذُوقِي ‏ ‏عُسَيْلَتَهُ ‏ ‏وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏جَالِسٌ عِنْدَهُ ‏ ‏وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّةِ اِمْرَأَة رِفَاعَة وَسَيَأْتِي اَلْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي اَلطَّلَاقِ , وَالْغَرَضُ مِنْهُ إِنْكَار خَالِد بْن سَعِيد عَلَى اِمْرَأَة رِفَاعَة مَا كَانَتْ تَكَلَّمُ بِهِ عِنْدَ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ كَوْنِهِ مَحْجُوبًا عَنْهَا خَارِجَ اَلْبَابِ وَلَمْ يُنْكِرْ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَاعْتِمَاد خَالِدٍ عَلَى سَمَاع صَوْتهَا حَتَّى أَنْكَرَ عَلَيْهَا هُوَ حَاصِلُ مَا يَقَعُ مِنْ شَهَادَةِ اَلسَّمْعِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2446",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حِبَّانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏أَنَّهُ تَزَوَّجَ ‏ ‏ابْنَةً ‏ ‏لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ ‏ ‏فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ قَدْ أَرْضَعْتُ ‏ ‏عُقْبَةَ ‏ ‏وَالَّتِي تَزَوَّجَ فَقَالَ لَهَا ‏ ‏عُقْبَةُ ‏ ‏مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي فَأَرْسَلَ إِلَى آلِ ‏ ‏أَبِي إِهَابٍ ‏ ‏يَسْأَلُهُمْ فَقَالُوا مَا عَلِمْنَا أَرْضَعَتْ صَاحِبَتَنَا فَرَكِبَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَسَأَلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ فَفَارَقَهَا وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُقْبَةَ بْن اَلْحَارِث فِي قِصَّةِ اَلْمُرْضِعَةِ سَيَأْتِي اَلْكَلَامُ عَلَيْهَا مُسْتَوْفًى بَعْدَ أَبْوَاب , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا أَنَّهَا أَثْبَتَتْ اَلرَّضَاعَ وَنَفَاهُ عُقْبَة فَاعْتَمَدَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهَا فَأَمَرَهُ بِفِرَاقِ اِمْرَأَتِهِ إِمَّا وُجُوبًا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ وَإِمَّا نَدْبًا عَلَى طَرِيقِ اَلْوَرَعِ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ اَلرِّوَايَةِ لِأَبِي إِهَاب بْن عَزِيز بِالْعَيْنِ اَلْمُهْمَلَةِ اَلْمَفْتُوحَةِ وَزَايَيْنِ مَنْقُوطَتَيْنِ وَزْن عَظِيم , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي ذَرٍّ عَنْ اَلْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ عُزَيْر بِزَاي وَآخِره رَاء مُصَغَّر وَالْأَوَّل أَصْوَب. ‏"
    },
    {
        "id": "2447",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ وَإِنْ قَالَ إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَّ عَبْد اَللَّه بْن عُتْبَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَسْعُود وَهُوَ اِبْنُ أَخِي عَبْد اَللَّه بْن مَسْعُود سَمِعَ مِنْ كِبَارِ اَلصَّحَابَةِ وَلَهُ رَأْيُهُ , وَحَدِيثُهُ هَذَا عَنْ عُمَرَ أَغْفَلَهُ اَلْمِزِّيُّ فِي \" اَلْأَطْرَافِ \" وَالْمَرْفُوع مِنْهُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِمَّا كَانَ اَلنَّاس عَلَيْهِ فِي عَهْدِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ اَلْوَحْيَ قَدْ اِنْقَطَعَ ) ‏ ‏أَيْ بَعْدَ وَفَاةِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمُرَاد اِنْقِطَاع أَخْبَارِ اَلْمَلِكِ عَنْ اَللَّهِ تَعَالَى لِبَعْضِ اَلْآدَمِيِّينَ بِالْأَمْرِ فِي اَلْيَقَظَةِ , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فِرَاس عَنْ عُمَرَ عِنْدَ اَلْحَاكِمِ \" إِنَّا كُنَّا نَعْرِفُكُمْ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذْ اَلْوَحْيُ يَنْزِلُ وَإِذْ يَأْتِينَا مِنْ أَخْبَارِكُمْ \" وَأَرَادَ أَنَّ اَلنَّبِيَّ قَدْ اِنْطَلَقَ وَرَفَعَ اَلْوَحْيَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ ) ‏ ‏بِهَمْزَةٍ بِغَيْرِ مَدٍّ وَمِيمٍ مَكْسُورَةٍ وَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مِنْ اَلْأَمْنِ أَيْ صَيَّرْنَاهُ عِنْدَنَا أَمِينًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فِرَاس \" أَلَا وَمَنْ يُظْهِرُ مِنْكُمْ خَيْرًا ظَنَنَّا بِهِ خَيْرًا وَأَحْبَبْنَاهُ عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اَللَّه يُحَاسِبُ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ اَلْحَمَوِيِّ بِحَذْفِ اَلْمَفْعُول وَلِلْبَاقِينَ \" اَللَّه مُحَاسِبه \" بِمِيمٍ أَوَّلَهُ وَهَاء آخِرَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( سُوءًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" شَرًّا \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فِرَاس \" وَمَنْ يُظْهِر لَنَا شَرًّا ظَنَنَّا بِهِ شَرًّا وَأَبْغَضْنَاهُ عَلَيْهِ ; سَرَائِرُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ \" قَالَ اَلْمُهَلَّبُ : هَذَا إِخْبَار مِنْ عُمَرَ عَمَّا كَانَ اَلنَّاس عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَمَّا صَارَ بَعْدَهُ , وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ اَلْعَدْلَ مَنْ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ اَلرِّيبَة وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَد وَإِسْحَاق كَذَا قَالَ وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي حَقّ اَلْمَعْرُوفِينَ لَا مَنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ أَصْلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2448",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا أَوْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَالَ وَجَبَتْ ‏ ‏فَقِيلَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ لِهَذَا وَجَبَتْ وَلِهَذَا وَجَبَتْ قَالَ ‏ ‏شَهَادَةُ الْقَوْمِ الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( شَهَادَةُ اَلْقَوْمِ ‏ ‏هُوَ مُبْتَدَأ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيره مَقْبُولَة أَوْ هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيره : هَذِهِ شَهَادَة اَلْقَوْمِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اَلْأَصِيلِيّ \" شَهَادَة \" بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ نَاصِبٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اَلْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاء اَللَّهِ فِي اَلْأَرْضِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَالْمُؤْمِنُونَ مُبْتَدَأ خَبَرُهُ شُهَدَاء وَفِي رِوَايَة اَلْمُسْتَمْلِي وَاَلسَّرَخْسِيّ \" شَهَادَة اَلْقَوْمِ اَلْمُؤْمِنِينَ شُهَدَاء اَللَّهِ فِي اَلْأَرْضِ \" وَشُهَدَاء عَلَى هَذَا خَبَر مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيره هُمْ شُهَدَاءُ وَقَالَ اَلسُّهَيْلِيّ : رَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِرَفْعِ اَلْقَوْم. فَإِنْ كَانَتْ اَلرِّوَايَة بِتَنْوِين \" شَهَادَة \" فَهِيَ عَلَى إِضْمَار اَلْمُبْتَدَأ أَيْ هَذِهِ شَهَادَة ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ فَقَالَ : \" اَلْقَوْمُ اَلْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاء اَللَّهِ فِي اَلْأَرْضِ \" فَالْقَوْم مُبْتَدَأ وَالْمُؤْمِنُونَ نَعْت أَوْ بَدَلٌ وَمَا بَعْدَهُ خَبَر قَالَ : وَأَكْثَرُ مَا وَرَدَ فِي اَلْحَدِيثِ حَذْف اَلْمَنْعُوت ; لِأَنَّ اَلْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالصِّفَةِ فَلَا يَحْتَاجُ لِذِكْرِ اَلْمَوْصُوفِ. ثُمَّ حَكَى وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ فِيهِمَا تَكَلُّفٌ وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ اَلرِّوَايَاتِ بِالتَّنْوِينِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ بِنَصْبِ اَلْمُؤْمِنِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2449",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْتُ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ وَهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتًا ذَرِيعًا ‏ ‏فَجَلَسْتُ إِلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَمَرَّتْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ خَيْرًا فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ خَيْرًا فَقَالَ وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ شَرًّا فَقَالَ وَجَبَتْ فَقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ قُلْنَا وَثَلَاثَةٌ قَالَ وَثَلَاثَةٌ قُلْتُ وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ الْوَاحِدِ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب اَلْجَنَائِز. ‏"
    },
    {
        "id": "2450",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ ‏ ‏أَفْلَحُ ‏ ‏فَلَمْ آذَنْ لَهُ فَقَالَ أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ فَقُلْتُ وَكَيْفَ ذَلِكَ قَالَ أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي فَقَالَتْ سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏صَدَقَ ‏ ‏أَفْلَحُ ‏ ‏ائْذَنِي لَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2451",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏بِنْتِ حَمْزَةَ ‏ ‏لَا تَحِلُّ لِي يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ هِيَ بِنْتُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2452",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ عِنْدَهَا وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُرَاهُ فُلَانًا لِعَمِّ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏مِنْ الرَّضَاعَةِ فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا لِعَمِّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ دَخَلَ عَلَيَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَعَمْ ‏ ‏إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2453",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعِنْدِي رَجُلٌ قَالَ يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏مَنْ هَذَا قُلْتُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ قَالَ يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏ابْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ فِي آخِر الْبَاب : ( تَابَعَهُ اِبْن مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَان ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ عَبْد اَلرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ رَوَى حَدِيثَ عَائِشَة عَنْ سُفْيَان بِإِسْنَادِهِ كَمَا رَوَاهُ مُحَمَّد بْن كَثِيرٍ , وَرِوَايَة اِبْن مَهْدِيٍّ مَوْصُولَة عِنْدَ مُسْلِم وَأَبِي يَعْلَى , وَسَيَأْتِي اَلْخِلَافُ فِي أَفْلَحَ هَلْ كَانَ عَمّ عَائِشَة مِنْ اَلرَّضَاعَةِ أَوْ كَانَ أَبَاهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2454",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏سَرَقَتْ فِي ‏ ‏غَزْوَةِ الْفَتْحِ ‏ ‏فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ يَدُهَا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا وَتَزَوَّجَتْ وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّةِ اَلْمَرْأَةِ اَلَّتِي سَرَقَتْ مُخْتَصَرَة , وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْل عَائِشَة \" فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا \" اَلْحَدِيث. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ إِلْحَاق اَلْقَاذِفِ بِالسَّارِقِ لِعَدَم اَلْفَارِق عِنْدَهُ. وَإِسْمَاعِيلُ شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْسٍ ) ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" وَقَالَ اَللَّيْثَ حَدَّثَنِي يُونُسُ \" ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِهِ لَكِنْ بِغَيْرِ هَذَا اَللَّفْظِ وَظَهَرَ أَنَّ هَذَا اَللَّفْظَ لِابْنِ وَهْبٍ أَشَارَ الْمُصَنِّف إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اَلْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ فَيُشْتَرَطُ مُضِيُّ مُدَّةٍ يُظَنُّ فِيهَا صِحَّةُ تَوْبَتِهِ وَقَدَّرَهَا اَلْأَكْثَرُونَ بِسَنَةٍ. وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ لِلْفُصُولِ اَلْأَرْبَعَةِ فِي اَلنَّفْسِ تَأْثِيرًا , فَإِذَا مَضَتْ أَشْعَرَ ذَلِكَ بِحُسْنِ اَلسَّرِيرَة , وَلِهَذَا اِعْتُبِرَتْ فِي مُدَّة تَغْرِيب اَلزَّانِي , وَالْمُخْتَارُ أَنَّ هَذَا فِي اَلْغَالِبِ وَإِلَّا فَفِي قَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرَةَ \" تُبْ أَقْبَلْ شَهَادَتَكَ \" دَلَالَةٌ لِلْجُمْهُورِ , قَالَ اِبْن اَلْمُنِير : اِشْتِرَاطُ تَوْبَة اَلْقَاذِف إِذَا كَانَ عِنْدَ نَفْسِهِ مُحِقًّا فِي غَايَةِ اَلْإِشْكَالِ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ كَاذِبًا فِي قَذْفِهِ فَاشْتِرَاطُهَا وَاضِحٌ , وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اَلْمُعَايِنَ لِلْفَاحِشَةِ مَأْمُورٌ بِأَنْ لَا يَكْشِفَ صَاحِبَهَا إِلَّا إِذَا تَحَقَّقَ كَمَالُ اَلنِّصَابِ مَعَهُ , فَإِذَا كَشَفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ عَصَى فَيَتُوبُ مِنْ اَلْمَعْصِيَةِ فِي اَلْإِعْلَانِ لَا مِنْ اَلصِّدْقِ فِي عِلْمِهِ. قُلْت : وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ لَمْ يَكْشِفْ حَتَّى يُحَقِّقَ كَمَال اَلنِّصَابِ مَعَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَعَ ذَلِكَ أَمَرَهُ عُمَرُ بِالتَّوْبَةِ لِتُقْبَلَ شَهَادَتُهُ. وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ عُمَرَ لَعَلَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ فَأَمَرَهُ بِالتَّوْبَةِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ أَبُو بَكْرَةَ مَا أَمَرَهُ بِهِ لِعِلْمِهِ بِصِدْقِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2455",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏أَمَرَ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِجَلْدِ مِائَةٍ وَتَغْرِيبِ عَامٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث زَيْد بْن خَالِد فِي تَغْرِيبِ اَلزَّانِي وَاسْتَشْكَلَ الدَّاوُدِيُّ إِيرَادَهُ فِي هَذَا اَلْبَابِ , وَوَجَّهَهُ أَنَّهُ أَرَادَ مِنْهُ اَلْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ اَلْمُدَّةَ أَقْصَى مَا وَرَدَ فِي اِسْتِبْرَاء اَلْعَاصِي وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏جَمَعَ اَلْبُخَارِيُّ فِي اَلتَّرْجَمَةِ بَيْنَ اَلسَّارِقِ وَالْقَاذِفِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي قَبُولِ اَلتَّوْبَةِ مِنْهُمَا وَإِلَّا فَقَدَ نَقَلَ اَلطَّحَاوِيّ اَلْإِجْمَاع عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ اَلسَّارِقِ إِذَا تَابَ , نَعَمْ ذَهَبَ اَلْأَوْزَاعِيّ إِلَى أَنَّ اَلْمَحْدُودَ فِي اَلْخَمْرِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ , وَإِنْ تَابَ وَوَافَقَهُ اَلْحَسَنُ بْن صَالِح وَخَالَفَهُمَا فِي ذَلِكَ جَمِيعُ فُقَهَاءِ اَلْأَمْصَارِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2456",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلَتْ ‏ ‏أُمِّي ‏ ‏أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي فَقَالَتْ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلَامٌ فَأَتَى ‏ ‏بِيَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ ‏ ‏رَوَاحَةَ ‏ ‏سَأَلَتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا قَالَ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأُرَاهُ قَالَ ‏ ‏لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو حَرِيزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ‏",
        "sharh": "وَفِيهِ قَوْلُهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ \" وَقَدْ مَضَى اَلْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي اَلْهِبَةِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ اَلْبَيْهَقِيّ مِنْ اَلْوَجْهِ اَلَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ اَلْبُخَارِيّ هُنَا بِلَفْظِ \" فَقَالَ لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ \" وَقَوْلُهُ فِي اَلتَّرْجَمَةِ : \" إِذَا أُشْهِدَ \" يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ إِذَا لَمْ يُسْتَشْهَدْ بِطَرِيق اَلْأَوْلَى , وَقَوْلُهُ : \" وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْرِ اَلرَّاءِ وَآخِرُهُ زَايٌ \" عَنْ اَلشَّعْبِيِّ لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْر \" أَيْ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ اَلشَّعْبِيِّ عَنْ اَلنُّعْمَان فِي هَذَا اَلْحَدِيثِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي اَلْهِبَةِ اَلْإِشَارَةَ إِلَى مَنْ وَصَلَهُ وَإِلَى اَلتَّوْفِيقِ بَيْنَ مَا فِي رِوَايَةِ أَبِي حَرِيز وَغَيْرِهِ عَنْ اَلشَّعْبِيِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2457",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو جَمْرَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَالَ ‏ ‏عِمْرَانُ ‏ ‏لَا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ اَلْمَذْكُورِ فَهُوَ بَقِيَّةُ حَدِيثِ عِمْرَانَ وَسَيَأْتِي فِي اَلْفَضَائِلِ مَا يُوَضِّحُ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة اَلنَّسَفِيّ وَابْن شَبُّويَةَ \" إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْم \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ لَعَلَّهُ كُتِبَ بِغَيْرِ أَلِفٍ عَلَى اَللُّغَةِ اَلرَّبِيعِيَّةِ أَوْ حُذِفُ مِنْهُ ضَمِيرُ اَلشَّأْنِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَخُونُونَ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيعِ اَلرِّوَايَاتِ اَلَّتِي اِتَّصَلَتْ لَنَا بِالْخَاء اَلْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ مُشْتَقٌّ مِنْ اَلْخِيَانَةِ وَزَعَمَ اِبْن حَزْمٍ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَةٍ يَحْرِبُونَ بِسُكُونِ الْمُهْمَلَة وَكَسْرِ اَلرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَة ; قَالَ : فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ حَرَبَهُ يَحْرِبُهُ إِذَا أَخَذَ مَالَهُ وَتَرَكَهُ بِلَا شَيْء , وَرَجُل مَحْرُوب أَيْ مَسْلُوب اَلْمَال. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ اَلنَّوَوِيّ وَقَعَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ مُسْلِم \" وَلَا يُتَّمَنُونَ \" بِتَشْدِيد اَلْمُثَنَّاة قَالَ غَيْرُهُ هُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ : \" ثُمَّ يَتَّزِرُ \" مَوْضِع قَوْلِهِ : \" يَأْتَزِر \" وَادَّعَى أَنَّهُ شَاذٌّ وَلَكِنْ قَدْ قَرَأَ اِبْن مُحَيْصِنٍ \" فَلْيُؤَدِّ اَلَّذِي اتُّمِنَ أَمَانَتَهُ \" وَوَجَّهَهُ اِبْن مَالِك بِأَنَّهُ شِبْهٌ بِمَا فَاؤُهُ وَاوٌ أَوْ تَحْتَانِيَّةٌ قَالَ : وَهُوَ مَقْصُورٌ عَلَى اَلسَّمَاعِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَا يُؤْتَمَنُونَ ) ‏ ‏أَيْ لَا يَثِقُ اَلنَّاسُ بِهِمْ وَلَا يَعْتَقِدُونَهُمْ أُمَنَاءَ بِأَنْ تَكُونَ خِيَانَتُهُمْ ظَاهِرَةً بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِلنَّاسِ اِعْتِمَادٌ عَلَيْهِمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ ) ‏ ‏يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اَلْمُرَاد اَلتَّحَمُّلَ بِدُونِ اَلتَّحْمِيلِ أَوْ اَلْأَدَاءَ بِدُونِ طَلَبٍ , وَالثَّانِي أَقْرَب وَيُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ زَيْد بْن خَالِد مَرْفُوعًا \" أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ اَلشُّهَدَاءِ ؟ اَلَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا \" وَاخْتَلَفَ اَلْعُلَمَاءُ فِي تَرْجِيحِهِمَا فَجَنَحَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ إِلَى تَرْجِيح حَدِيث زَيْد بْن خَالِد لِكَوْنِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ اَلْمَدِينَةِ فَقَدَّمَهُ عَلَى رِوَايَةِ أَهْلِ اَلْعِرَاقِ وَبَالَغَ فَزَعَمَ أَنَّ حَدِيثَ عِمْرَانَ هَذَا لَا أَصْلَ لَهُ. وَجَنَحَ غَيْرُهُ إِلَى تَرْجِيح حَدِيث عِمْرَانَ لِاتِّفَاقِ صَاحِبَيْ اَلصَّحِيحِ عَلَيْهِ وَانْفِرَادِ مُسْلِمٍ بِإِخْرَاجِ حَدِيثِ زَيْد بْن خَالِد. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى اَلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَأَجَابُوا بِأَجْوِبَة : أَحَدُهَا أَنَّ اَلْمُرَادَ بِحَدِيثِ زَيْد : مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَة لِإِنْسَانٍ بِحَقٍّ لَا يَعْلَمُ بِهَا صَاحِبُهَا فَيَأْتِي إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ بِهَا أَوْ يَمُوتُ صَاحِبُهَا اَلْعَالِمُ بِهَا وَيَخْلُفُ وَرَثَةً فَيَأْتِي اَلشَّاهِدُ إِلَيْهِمْ أَوْ إِلَى مَنْ يَتَحَدَّثُ عَنْهُمْ فَيُعْلِمُهُمْ بِذَلِكَ وَهَذَا أَحْسَنُ اَلْأَجْوِبَةِ وَبِهَذَا أَجَابَ يَحْيَى بْن سَعِيد شَيْخُ مَالِك وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمَا. ثَانِيهَا : أَنَّ اَلْمُرَادَ بِهِ شَهَادَة اَلْحِسْبَة وَهِيَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اَلْآدَمِيِّينَ اَلْمُخْتَصَّةِ بِهِمْ مَحْضًا , وَيَدْخُلُ فِي اَلْحِسْبَةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اَللَّهِ أَوْ فِيهِ شَائِبَة مِنْهُ اَلْعَتَاقُ وَالْوَقْفُ وَالْوَصِيَّة اَلْعَامَّة وَالْعِدَّة وَالطَّلَاق وَالْحُدُود وَنَحْوُ ذَلِكَ , وَحَاصِلُهُ أَنَّ اَلْمُرَادَ بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود اَلشَّهَادَة فِي حُقُوقِ اَلْآدَمِيِّينَ , وَالْمُرَادُ بِحَدِيثِ زَيْدِ بْن خَالِد اَلشَّهَادَةُ فِي حُقُوقِ اَللَّهِ. ثَالِثُهَا : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى اَلْمُبَالَغَةِ فِي اَلْإِجَابَةِ إِلَى اَلْأَدَاءِ فَيَكُونُ لِشِدَّةِ اِسْتِعْدَادِهِ لَهَا كَاَلَّذِي أَدَّاهَا قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا كَمَا يُقَالُ فِي وَصْفِ اَلْجَوَادِ : إِنَّهُ لَيُعْطِي قَبْلَ اَلطَّلَبِ أَيْ يُعْطِي سَرِيعًا عَقِبَ اَلسُّؤَالِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ. وَهَذِهِ اَلْأَجْوِبَةُ مَبْنِيَّة عَلَى أَنَّ اَلْأَصْلَ فِي أَدَاءِ اَلشَّهَادَةِ عِنْدَ اَلْحَاكِمِ أَنْ لَا يَكُونَ إِلَّا بَعْدَ اَلطَّلَبِ مَنْ صَاحِبِ اَلْحَقِّ فَيَخُصُّ ذَمَّ مَنْ يَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ بِمَنْ ذَكَرَ مِمَّنْ يُخْبِرُ بِشَهَادَةٍ عِنْدَهُ لَا يَعْلَمُ صَاحِبهَا بِهَا أَوْ شَهَادَةِ اَلْحِسْبَة. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِ أَدَاءِ اَلشَّهَادَةِ قَبْلَ اَلسُّؤَالِ عَلَى ظَاهِرِ عُمُومِ حَدِيثِ زَيْد بْن خَالِد , وَتَأَوَّلُوا حَدِيث عِمْرَانَ بِتَأْوِيلَات : أَحَدُهَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى شَهَادَةِ اَلزُّورِ أَيْ يُؤَدُّونَ شَهَادَةً لَمْ يُسْبَقْ لَهُمْ تَحَمُّلُهَا وَهَذَا حَكَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اَلْعِلْمِ. ثَانِيهَا اَلْمُرَاد بِهَا اَلشَّهَادَة فِي اَلْحَلِفِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْل إِبْرَاهِيمَ فِي آخِر حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود \" كَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى اَلشَّهَادَةِ \" أَيْ قَوْلِ اَلرَّجُلِ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا كَذَا عَلَى مَعْنَى اَلْحَلِفِ فَكُرِهَ ذَلِكَ كَمَا كُرِهَ اَلْإِكْثَار مِنْ اَلْحَلِفِ , وَالْيَمِينُ قَدْ تُسَمَّى شَهَادَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَشَهَادَة أَحَدِهِمْ وَهَذَا جَوَاب اَلطَّحَاوِيّ. ثَالِثُهَا اَلْمُرَاد بِهَا اَلشَّهَادَة عَلَى اَلْمُغَيَّبِ مِنْ أَمْرِ اَلنَّاسِ فَيَشْهَدُ عَلَى قَوْمٍ أَنَّهُمْ فِي اَلنَّارِ وَعَلَى قَوْمٍ أَنَّهُمْ فِي اَلْجَنَّةِ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا صَنَعَ ذَلِكَ أَهْل اَلْأَهْوَاءِ حَكَاهُ الْخَطَّابِيّ. رَابِعُهَا : اَلْمُرَاد بِهِ مَنْ يَنْتَصِبُ شَاهِدًا وَلَيْسَ مَنْ أَهْلِ اَلشَّهَادَة. خَامِسُهَا : اَلْمُرَاد بِهِ اَلتَّسَارُع إِلَى اَلشَّهَادَةِ وَصَاحِبُهَا بِهَا عَالِمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْأَلَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ : \" يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ \" اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : لِفُلَانٍ عِنْدِي كَذَا فَلَا يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إِلَّا إِنْ اِسْتَشْهَدَهُ وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ رَأَى رَجُلًا يَقْتُلُ رَجُلًا أَوْ يَغْصِبُهُ مَالَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ , وَإِنْ لَمْ يَسْتَشْهِدْهُ اَلْجَانِي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَيَنْذِرُونَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَبِكَسْرِ اَلذَّالِ اَلْمُعْجَمَةِ وَبِضَمِّهَا ) ‏ ‏( وَلَا يَفُونَ ) ‏ ‏يَأْتِي اَلْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب اَلنُّذُور. ‏ ‏وَقَوْلُهُ : ( وَيَظْهَرُ فِيهِمْ اَلسِّمَنُ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَفَتْحِ اَلْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ أَيْ يُحِبُّونَ اَلتَّوَسُّعَ فِي اَلْمَآكِل وَالْمَشَارِب وَهِيَ أَسْبَابُ اَلسِّمَنِ بِالتَّشْدِيدِ. قَالَ اِبْن اَلتِّينِ : اَلْمُرَادُ ذَمّ مَحَبَّتِهِ وَتَعَاطِيه لَا مِنْ تَخَلَّقَ بِذَلِكَ وَقِيلَ : اَلْمُرَادُ يَظْهَرُ فِيهِمْ كَثْرَة اَلْمَالِ وَقِيلَ اَلْمُرَاد أَنَّهُمْ يَتَسَمَّنُونَ أَيْ يَتَكَثَّرُونَ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ وَيَدَّعُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ مِنْ اَلشَّرَفِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ مُرَادًا. وَقَدْ رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِلَال بْن يَسَافٍ عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ بِلَفْظ \" ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَتَسَمَّنُونَ وَيُحِبُّونَ اَلسِّمَنَ \" وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي تَعَاطِي اَلسَّمْنِ عَلَى حَقِيقَتِهِ. فَهُوَ أَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ خَبَرُ اَلْبَابِ وَإِنَّمَا كَانَ مَذْمُومًا ; لِأَنَّ اَلسَّمِينَ غَالِبًا بَلِيد اَلْفَهْم ثَقِيل عَنْ اَلْعِبَادَةِ كَمَا هُوَ مَشْهُور. ‏"
    },
    {
        "id": "2458",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ مَنْصُورٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ اَلْمُعْتَمِرِ وَإِبْرَاهِيم هُوَ اَلنَّخَعِيُّ وَعَبِيدَة بِفَتْحِ أَوَّلِهِ هُوَ السَّلْمَانِيُّ وَعَبْد اَللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود وَهَذَا اَلْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنْ اَلتَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ ) ‏ ‏أَيْ فِي حَالَيْنِ وَلَيْسَ اَلْمُرَاد أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ; لِأَنَّهُ دَوْر كَاَلَّذِي يَحْرِصُ عَلَى تَزْوِيج شَهَادَة فَيَحْلِفُ عَلَى صِحَّتِهَا لِيُقَوِّيَهَا فَتَارَةً يَحْلِفُ قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ وَتَارَةً يَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ اَلْحَلِفَ فِي اَلشَّهَادَةِ فَيُرِيدُ أَنْ يَشْهَدَ وَيَحْلِفَ وَقَالَ اِبْن اَلْجَوْزِيِّ : اَلْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يَتَوَرَّعُونَ وَيَسْتَهِينُونَ بِأَمْرِ اَلشَّهَادَة وَالْيَمِين , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ اَلْحَلِفَ فِي اَلشَّهَادَةِ يُبْطِلُهَا , قَالَ : وَحَكَى اِبْن شَعْبَان فِي اَلزَّاهِي : مَنْ قَالَ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَان كَذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ; لِأَنَّهُ حَلِفٌ وَلَيْسَ بِشَهَادَة قَالَ اِبْن بَطَّال : وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ خِلَافُهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ إِبْرَاهِيم إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ اَلْمَذْكُورِ وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقُ وَإِبْرَاهِيم هُوَ اَلنَّخَعِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى اَلشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ ) ‏ ‏زَادَ اَلْمُصَنِّفُ بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ فِي أَوَّلِ اَلْفَضَائِلِ \" وَنَحْنُ صِغَار \" وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِلَفْظ \" كَانُوا يَنْهَوْنَ وَنَحْنُ غِلْمَانٌ عَنْ اَلْعَهْدِ وَالشَّهَادَاتِ \" وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب اَلْأَيْمَان وَالنُّذُور نَحْوُهُ \" وَكَانَ أَصْحَابُنَا يَنْهَوْنَنَا وَنَحْنُ غِلْمَانٌ عَنْ اَلشَّهَادَةِ \" وَقَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد اَلْبَرّ : مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ اَلنَّهْيُ عَنْ مُبَادَرَةِ اَلرَّجُلِ بِقَوْلِهِ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ وَعَلَى عَهْدِ اَللَّهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا كَانُوا يَضْرِبُونَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يَصِيرَ لَهُمْ بِهِ عَادَةٌ فَيَحْلِفُوا فِي كُلِّ مَا يَصْلُحُ وَمَا لَا يَصْلُحُ. قُلْت : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اَلْأَمْرُ فِي اَلشَّهَادَةِ عَلَى مَا قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اَلْمُرَادُ اَلنَّهْيَ عَنْ تَعَاطِي اَلشَّهَادَات وَالتَّصَدِّي لَهَا لِمَا فِي تَحَمُّلِهَا مِنْ اَلْحَرَجِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ أَدَائِهَا ; لِأَنَّ اَلْإِنْسَانَ مُعَرَّضٌ لِلنِّسْيَانِ وَالسَّهْوِ وَلَا سِيَّمَا وَهُمْ إِذْ ذَاكَ غَالِبًا لَا يَكْتُبُونَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اَلْمُرَادُ بِالنَّهْي عَنْ اَلْعَهْدِ اَلدُّخُولَ فِي اَلْوَصِيَّةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ اَلْمَفَاسِدِ , وَالْوَصِيَّة تُسَمَّى اَلْعَهْدَ قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى : ( لَا يَنَالُ عَهْدِي اَلظَّالِمِينَ ) وَسَيَأْتِي مَزِيد بَيَانٍ لِهَذَا فِي كِتَابِ اَلْأَيْمَان وَالنُّذُورِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2459",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ ‏ ‏وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْكَبَائِرِ قَالَ ‏ ‏الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏وَأَبُو عَامِرٍ ‏ ‏وَبَهْزٌ ‏ ‏وَعَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عُبَيْدِ اَللَّهِ بْن أَبِي بَكْر بْن أَنَس عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُحَمَّد بْن جَعْفَر اَلْآتِيَةِ فِي اَلْأَدَبِ عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ سَعِيد \" حَدَّثَنِي عُبَيْد اَللَّهِ بْن أَبِي بَكْر سَمِعْتُ أَنَس بْن مَالِك \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( سُئِلَ رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اَلْكَبَائِرِ ) ‏ ‏زَادَ بَهْزٌ عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ \" أَوْ ذَكَرَهَا \" وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّد بْن جَعْفَر \" ذَكَرَ اَلْكَبَائِر أَوْ سُئِلَ عَنْهَا \" وَكَأَنَّ اَلْمُرَادَ بِالْكَبَائِرِ أَكْبَرُهَا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ اَلَّذِي يَلِيه , وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ اَلطُّرُقِ عَنْ شُعْبَةَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ وَلَيْسَ اَلْقَصْد حَصْرَ اَلْكَبَائِرِ فِيمَا ذَكَرَ وَسَيَأْتِي اَلْكَلَام إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى فِي تَعْرِيفِهَا وَالْإِشَارَةُ إِلَى تَعْيِينِهَا فِي اَلْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة \" اِجْتَنِبُوا اَلسَّبْع اَلْمُوبِقَات \" وَهُوَ فِي آخِر كِتَابِ اَلْوَصَايَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَشَهَادَة اَلزُّورِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُحَمَّد بْن جَعْفَر \" قَوْل اَلزُّورِ أَوْ قَالَ شَهَادَةُ اَلزُّورِ \" قَالَ شُعْبَة : \" وَأَكْثَر ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ شَهَادَةَ اَلزُّورِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ غُنْدَر ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر اَلْمَذْكُورُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَبُو عَامِر وَبَهْزٌ وَعَبْد اَلصَّمَد ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة أَبِي عَامِر وَهُوَ اَلْعَقْدِي فَوَصَلَهَا أَبُو سَعِيد اَلنَّقَّاش فِي كِتَابِ اَلشُّهُودِ وَابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَاب اَلْإِيمَان مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظ \" أَكْبَرُ اَلْكَبَائِر اَلْإِشْرَاك بِاَللَّهِ \" اَلْحَدِيث , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اَلْمُصَنِّفُ فِي اَلدِّيَاتِ عَنْ عَمْرو بْن عَوْف عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظ \" أَكْبَر اَلْكَبَائِر \". ‏ ‏, وَأَمَّا رِوَايَة بَهْزٍ وَهُوَ اِبْنُ أَسَد اَلْمَذْكُور فَأَخْرَجَهَا أَحْمَد عَنْهُ. أَمَّا رِوَايَة عَبْد اَلصَّمَد وَهُوَ اِبْن عَبْد اَلْوَارِث فَوَصَلَهَا اَلْمُؤَلِّفُ فِي اَلدِّيَاتِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2460",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْجُرَيْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ ‏ ‏الزُّورِ ‏ ‏قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْجُرَيْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا اَلْجُرَيْرِيّ ) ‏ ‏بِضَمِّ اَلْجِيمِ وَهُوَ سَعِيد بْن إِيَاس وَسَمَّاهُ فِي رِوَايَةِ خَالِد اَلْحَذَّاء عَنْهُ فِي أَوَائِل اَلْأَدَبِ , وَقَدْ أَخْرَجَ اَلْبُخَارِيّ لِلْعَبَّاسِ بْن فَرُّوخٍ اَلْجُرَيْرِيّ لَكِنَّهُ إِذَا أَخْرَجَهُ عَنْهُ سَمَّاهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْد اَلرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْرَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ اَلْجُرَيْرِيِّ \" حَدَّثَنَا عَبْد اَلرَّحْمَن \" وَقَدْ عَلَّقَهَا اَلْمُصَنِّفُ آخِر اَلْبَابِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَلَا أُنَبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ اَلْكَبَائِر ) ‏ ‏هَذَا يُقَوِّي - إِنْ كَانَ اَلْمَجْلِس مُتَّحِدًا - أَحَد اَلْوَجْهَيْنِ مِمَّا شَكَّ فِيهِ شُعْبَة هَلْ قَالَ ذَلِكَ اِبْتِدَاء أَوْ لَمَّا سُئِلَ ؟ وَقَدْ نَظَمَ كُلًّا مِنْ اَلْعُقُوقِ وَشَهَادَة اَلزُّورِ بِالشِّرْكِ فِي آيَتَيْنِ. إِحْدَاهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) ثَانِيهِمَا : قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنْ اَلْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ اَلزُّورِ). ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثَلَاثًا ) ‏ ‏أَيْ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ ثَلَاث مَرَّات وَكَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِيَنْتَبِهَ اَلسَّامِعُ عَلَى إِحْضَارِ فَهْمِهِ وَوَهَمَ مَنْ قَالَ : اَلْمُرَادُ بِذَلِكَ عَدَد اَلْكَبَائِرِ وَقَدْ تَرْجَمَ اَلْبُخَارِيّ فِي اَلْعِلْمِ \" مَنْ أَعَادَ اَلْحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ \" وَذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ هَذَا اَلْحَدِيثِ تَعْلِيقًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اَلْإِشْرَاك بِاَللَّهِ ) ‏ ‏يَحْتَمِلُ مُطْلَقَ اَلْكُفْرِ وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِغَلَبَتِهِ فِي اَلْوُجُودِ وَلَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ اَلْعَرَبِ فَذَكَرَهُ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ خُصُوصِيَّته إِلَّا أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ اَلْكُفْرِ أَعْظَمُ قُبْحًا مِنْ اَلْإِشْرَاكِ وَهُوَ اَلتَّعْطِيلُ ; لِأَنَّهُ نَفْيٌ مُطْلَقٌ وَالْإِشْرَاكُ إِثْبَاتٌ مُقَيَّدٌ فَيَتَرَجَّحُ اَلِاحْتِمَال اَلْأَوَّل. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَعُقُوق اَلْوَالِدَيْنِ ) ‏ ‏يَأْتِي اَلْكَلَام عَلَيْهِ فِي اَلْأَدَبِ مَعَ اَلْكَلَامِ عَلَى اَلْكَبَائِرِ وَضَابِطِهَا وَبَيَان مَا قِيلَ فِي عَدَدِهَا إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا ) ‏ ‏يُشْعِرُ بِأَنَّهُ اِهْتَمَّ بِذَلِكَ حَتَّى جَلَسَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَّكِئًا وَيُفِيدُ ذَلِكَ تَأْكِيدَ تَحْرِيمِهِ وَعِظَمَ قُبْحِهِ , وَسَبَبُ اَلِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ كَوْن قَوْل اَلزُّورِ أَوْ شَهَادَة اَلزُّورِ أَسْهَل وُقُوعًا عَلَى اَلنَّاسِ , وَالتَّهَاوُنِ بِهَا أَكْثَر , فَإِنَّ اَلْإِشْرَاكَ يَنْبُو عَنْهُ قَلْب اَلْمُسْلِمِ وَالْعُقُوق يَصْرِفُ عَنْهُ اَلطَّبْعُ , وَأَمَّا اَلزُّورُ فَالْحَوَامِل عَلَيْهِ كَثِيرَة كَالْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا فَاحْتِيجَ إِلَى اَلِاهْتِمَامِ بِتَعْظِيمِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِعِظَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ مَعَهَا مِنْ اَلْإِشْرَاكِ قَطْعًا بَلْ لِكَوْنِ مَفْسَدَة اَلزُّور مُتَعَدِّيَة إِلَى غَيْرِ اَلشَّاهِدِ بِخِلَافِ اَلشِّرْكِ فَإِنَّ مَفْسَدَتَهُ قَاصِرَةٌ غَالِبًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَلَا وَقَوْل اَلزُّورِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ عَنْ اَلْجُرَيْرِيِّ \" أَلَا وَقَوْلُ اَلزُّورِ وَشَهَادَةُ اَلزُّورِ \" وَفِي رِوَايَةِ اِبْنِ عُلَيَّةَ \" شَهَادَة اَلزُّورِ أَوْ قَوْلُ اَلزُّورِ \" وَكَذَا وَقَعَ فِي اَلْعُمْدَةِ بِالْوَاو قَالَ اِبْن دَقِيقِ اَلْعِيدِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ اَلْخَاصِّ بَعْدَ اَلْعَامِّ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اَلتَّأْكِيدِ فَإِنَّا لَوْ حَمَلْنَا اَلْقَوْلَ عَلَى اَلْإِطْلَاقِ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ اَلْكِذْبَةُ اَلْوَاحِدَةُ مُطْلَقًا كَبِيرَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قَالَ : وَلَا شَكَّ أَنَّ عِظَمَ اَلْكَذِب وَمَرَاتِبَهُ مُتَفَاوِتَةٌ بِحَسَبِ تَفَاوُت مَفَاسِدِهِ , وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدْ اِحْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ). ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ ) ‏ ‏أَيْ شَفَقَةً عَلَيْهِ وَكَرَاهِيَةً لِمَا يُزْعِجُهُ. وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ اَلْأَدَبِ مَعَهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَحَبَّة لَهُ وَالشَّفَقَة عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُلَيَّة , وَرِوَايَتُهُ مَوْصُولَة فِي كِتَاب اِسْتِتَابَة اَلْمُرْتَدِّينَ وَفِي اَلْحَدِيثِ اِنْقِسَام اَلذُّنُوب إِلَى كَبِيرٍ وَأَكْبَرَ , وَيُؤْخَذُ مِنْهُ ثُبُوت اَلصَّغَائِر ; لِأَنَّ اَلْكَبِيرَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا أَكْبَر مِنْهَا ; وَالِاخْتِلَاف فِي ثُبُوت اَلصَّغَائِر مَشْهُور , وَأَكْثَر مَا تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ لَيْسَ فِي اَلذُّنُوبِ صَغِيرَةٌ كَوْنُهُ نَظَرَ إِلَى عِظَمِ اَلْمُخَالَفَةِ لِأَمْرِ اَللَّهِ وَنَهْيِهِ , فَالْمُخَالَفَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَلَالِ اَللَّهِ كَبِيرَة لَكِنْ لِمَنْ أَثْبَتَ اَلصَّغَائِرَ أَنْ يَقُولَ وَهِيَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فَوْقَهَا صَغِيرَة كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث اَلْبَابِ , وَقَدْ فُهِمَ اَلْفَرْقُ بَيْنَ اَلصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ مِنْ مَدَارِكَ اَلشَّرْعِ وَسَبَقَ فِي أَوَائِل اَلصَّلَاةِ مَا يُكَفِّرُ اَلْخَطَايَا مَا لَمْ تَكُنْ كَبَائِر فَثَبَتَ بِهِ أَنَّ مِنْ اَلذُّنُوبِ مَا يُكَفَّرُ بِالطَّاعَاتِ وَمِنْهَا مَا لَا يُكَفَّرُ وَذَلِكَ هُوَ عَيْنُ اَلْمُدَّعَى وَلِهَذَا قَالَ اَلْغَزَالِيُّ : إِنْكَارُ اَلْفَرْقِ بَيْنَ اَلْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ لَا يَلِيقُ بِالْفَقِيهِ. ثُمَّ إِنَّ مَرَاتِبَ كُلٍّ مِنْ اَلصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ مُخْتَلَفٌ بِحَسَبِ تَفَاوُت مَفَاسِدِهَا. وَفِي اَلْحَدِيثِ تَحْرِيم شَهَادَة اَلزُّورِ : وَفِي مَعْنَاهَا كُلّ مَا كَانَ زُورًا مِنْ تَعَاطِي اَلْمَرْءِ مَا لَيْسَ لَهُ أَهْلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2461",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَمِعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ ‏ ‏رَحِمَهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏تَهَجَّدَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَيْتِي ‏ ‏فَسَمِعَ صَوْتَ ‏ ‏عَبَّادٍ ‏ ‏يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَصَوْتُ ‏ ‏عَبَّادٍ ‏ ‏هَذَا قُلْتُ نَعَمْ قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ ‏ ‏عَبَّادًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" سَمِعَ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي اَلْمَسْجِدِ \" وَالْغَرَضُ مِنْهُ اِعْتِمَاد اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَى شَخْصَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَزَادَ عَبَّاد بْن عَبْد اَللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن اَلزُّبَيْر عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة وَصَلَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ يَحْيَى بْن عَبَّاد بْن عَبْد اَللَّه بْن اَلزُّبَيْر عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة \" تَهَجَّدَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي وَتَهَجَّدَ عَبَّاد بْن بِشْر فِي اَلْمَسْجِدِ فَسَمِعَ رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْته فَقَالَ : يَا عَائِشَة هَذَا عَبَّاد بْن بِشْر قُلْت : نَعَمْ فَقَالَ : اَللَّهُمَّ اِرْحَمْ عَبَّادًا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَسَمِعَ صَوْت عَبَّادٍ ) ‏ ‏) ‏ ‏وَقَوْلُهُ : ( أَصَوْتُ عَبَّادٍ ) ‏ ‏هَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى اَلْمَذْكُور عَبَّادُ بْن بِشْر فِي اَلْمَوْضِعَيْنِ كَمَا سُقْتُهُ وَبِهَذَا يَزُولُ اَللَّبْسُ عَمَّنْ يَظُنُّ اِتِّحَاد اَلْمَسْمُوع صَوْتُهُ وَالرَّاوِي عَنْ عَائِشَة وَهُمَا اِثْنَانِ مُخْتَلِفَا اَلنِّسْبَة وَالصِّفَة فَعَبَّاد بْن بِشْر صَحَابِيّ جَلِيل وَعَبَّاد بْن عَبْد اَللَّه بْن اَلزُّبَيْر تَابِعِيّ مِنْ وَسَطِ اَلتَّابِعِينَ , وَظَاهِر اَلْحَالِ أَنَّ اَلْمُبْهَمَ فِي اَلرِّوَايَةِ اَلَّتِي قَبْلَ هَذِهِ هُوَ اَلْمُفَسَّرُ فِي هَذِهِ اَلرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِ : \" زَادَ \" أَنْ يَكُونَ اَلْمَزِيد فِيهِ وَالْمَزِيد عَلَيْهِ حَدِيثًا وَاحِدًا فَتَتَّحِدَ اَلْقِصَّة لَكِنْ جَزَمَ عَبْد اَلْغَنِيّ بْن سَعِيد فِي \" اَلْمُبْهَمَاتِ \" بِأَنَّ اَلْمُبْهَمَ فِي رِوَايَةِ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة هُوَ عَبْد اَللَّه بْن يَزِيد اَلْأَنْصَارِيّ فَرَوَى مِنْ طَرِيقِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ صَوْت قَارِئٍ يَقْرَأُ فَقَالَ : صَوْتُ مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا. عَبْد اَللَّه بْن يَزِيد قَالَ : لَقَدْ ذَكَّرَنِي آيَةً يَرْحَمُهُ اَللَّهُ كُنْت أُنْسِيتُهَا \" وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُشَابَهَةُ قِصَّة عَمْرَة عَنْ عَائِشَة بِقِصَّة عُرْوَة عَنْهَا بِخِلَافِ قِصَّةِ عَبَّاد بْن عَبْد اَللَّه عَنْهَا فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِنِسْيَانِ اَلْآيَةِ وَيَحْتَمِلُ اَلتَّعَدُّد مِنْ جِهَةٍ غَيْرِ اَلْجِهَةِ اَلَّتِي اِتَّحَدَتْ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ سَمِعَ صَوْت رَجُلَيْنِ فَعَرَفَ أَحَدَهُمَا فَقَالَ : هَذَا صَوْت عَبَّادٍ وَلَمْ يَعْرِفْ اَلْآخَر فَسَأَلَ عَنْهُ وَاَلَّذِي لَمْ يَعْرِفْهُ هُوَالَّذِي تَذَكَّرَ بِقِرَاءَتِهِ اَلْآيَةَ اَلَّتِي نَسِيَهَا وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ اَلْكَلَامِ عَلَى شَرْحِهِ فِي كِتَاب فَضَائِل اَلْقُرْآنِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2462",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ أَوْ قَالَ حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ‏ ‏ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏ ‏رَجُلًا أَعْمَى لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ أَصْبَحْتَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي تَأْذِينِ بِلَال وَابْنِ أُمِّ مَكْتُوم وَقَدْ مَضَى بِتَمَامِهِ وَشَرْحُهُ فِي اَلْأَذَانِ , وَالْغَرَضُ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ اَلِاعْتِمَادِ عَلَى صَوْتِ اَلْأَعْمَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2463",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زِيَادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَقْبِيَةٌ ‏ ‏فَقَالَ لِي أَبِي ‏ ‏مَخْرَمَةُ ‏ ‏انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ عَسَى أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا فَقَامَ أَبِي عَلَى الْبَابِ فَتَكَلَّمَ فَعَرَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَوْتَهُ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَعَهُ ‏ ‏قَبَاءٌ ‏ ‏وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ وَهُوَ يَقُولُ ‏ ‏خَبَأْتُ ‏ ‏هَذَا لَكَ ‏ ‏خَبَأْتُ ‏ ‏هَذَا لَكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اَلْمِسْوَرِ فِي إِعْطَاءِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ اَلْقَبَاء , وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ : \" فَعَرَفَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْته فَخَرَجَ وَمَعَهُ قَبَاءٌ وَهُوَ يُرِيه مَحَاسِنه وَيَقُولُ : خَبَّأْت لَك هَذَا \" فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ اِعْتَمَدَ عَلَى صَوْتِهِ قَبْلَ أَنْ يَرَى شَخْصه وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي اَللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُجِزْ شَهَادَة اَلْأَعْمَى بِأَنَّ اَلْعُقُودَ لَا تَجُوزُ اَلشَّهَادَةُ عَلَيْهَا إِلَّا بِالْيَقِينِ وَالْأَعْمَى لَا يَتَيَقَّنُ اَلصَّوْت لِجَوَازِ شَبَهِهِ بِصَوْتِ غَيْرِهِ , وَأَجَابَ اَلْمُجِيزُونَ بِأَنَّ مَحَلّ اَلْقَبُول عِنْدَهُمْ إِذَا تَحَقَّقَ اَلصَّوْت وَوُجِدَتْ اَلْقَرَائِن اَلدَّالَّة لِذَلِكَ , وَأَمَّا عِنْدَ اَلِاشْتِبَاه فَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَد وَمِنْ ذَلِكَ جَوَاز نِكَاح اَلْأَعْمَى زَوْجَته وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا بِصَوْتِهَا لَكِنَّهُ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ سَمَاع صَوْتهَا حَتَّى يَقَعَ لَهُ اَلْعِلْمُ بِأَنَّهَا هِيَ وَإِلَّا فَمَتَى اِحْتَمَلَ عِنْدَهُ اِحْتِمَالًا قَوِيًّا أَنَّهَا غَيْرُهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ اَلْإِقْدَام عَلَيْهَا. وَقَالَ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ : لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ اَلْبَاب دَلَالَة عَلَى اَلْجَوَازِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ نِكَاحَ اَلْأَعْمَى يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ فِي زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ فِيهِ مَدْخَلٌ. , وَأَمَّا قِصَّةُ عَبَّاد وَمَخْرَمَة فَفِي شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِمَا. وَأَمَّا اَلتَّأْذِينُ فَقَدْ قَالَ فِي بَقِيَّةِ اَلْحَدِيثِ \" كَانَ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ \" فَالِاعْتِمَاد عَلَى اَلْجَمْعِ اَلَّذِينَ يُخْبِرُونَهُ بِالْوَقْتِ قَالَ : وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الزُّهْرِيّ فِي حَقِّ اِبْن عَبَّاس فَهُوَ تَهْوِيلٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّة ; لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ أَفْقَهَ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ فِيمَا لَا تَجُوزُ فِيهَا شَهَادَتُهُ فَإِنَّهُ لَوْ شَهِدَ لِأَبِيهِ أَوْ اِبْنِهِ أَوْ مَمْلُوكِهِ لَمَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَقَدْ أَعَاذَهُ اَللَّه مِنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2464",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصنِفُ حَدِيث أَبِي سَعِيد مُخْتَصَرًا وَقَدْ مَضَى بِتَمَامِهِ فِي اَلْحَيْضِ , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" أَلَيْسَ شَهَادَةُ اَلْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ اَلرَّجُلِ \" ؟ قَالَ اَلْمُهَلَّبُ : وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ اَلتَّفَاضُل بَيْنَ اَلشُّهُودِ بِقَدْرِ عَقْلِهِمْ وَضَبْطِهِمْ فَتَقَدَّمَ شَهَادَة اَلْفَطِنِ اَلْيَقِظ عَلَى اَلصَّالِحِ اَلْبَلِيدِ قَالَ : وَفِي اَلْآيَةِ أَنَّ اَلشَّاهِدَ إِذَا نَسِيَ اَلشَّهَادَة فَذَكَّرَهُ بِهَا رَفِيقُه حَتَّى تَذَكَّرَهَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا. وَمِنْ اَللَّطَائِفِ مَا حَكَاهُ اَلشَّافِعِيّ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا شَهِدَتْ عِنْد قَاضِي مَكَّةَ هِيَ وَاِمْرَأَةٌ أُخْرَى فَأَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا اِمْتِحَانًا فَقَالَتْ لَهُ أُمّ اَلشَّافِعِيّ : لَيْسَ لَك ذَلِكَ ; لِأَنَّ اَللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : ( أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا اَلْأُخْرَى ). ‏"
    },
    {
        "id": "2465",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏أَوْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ تَزَوَّجَ ‏ ‏أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ ‏ ‏قَالَ فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَعْرَضَ عَنِّي قَالَ فَتَنَحَّيْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ قَالَ ‏ ‏وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا فَنَهَاهُ عَنْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَعْرَضَ عَنِّي ‏ ‏زَادَ فِي اَلْبُيُوعِ مِنْ طَرِيقِ عَبْد اَللَّه بْن أَبِي حُسَيْن عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة \" وَتَبَسَّمَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ فِيهِ ( فَتَنَحَّيْت فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اَلنِّكَاح \" فَأَعْرَضَ عَنِّي فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَقُلْت : إِنَّهَا كَاذِبَة \" وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيّ \" ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْرَضَ عَنِّي وَقَالَ فِي اَلثَّالِثَةِ أَوْ اَلرَّابِعَةِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2466",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَزَوَّجْتُ ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏وَكَيْفَ وَقَدْ قِيلَ دَعْهَا عَنْكَ أَوْ نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ فِيهِ ( إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا ) ‏ ‏زَادَ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ \" فَدَخَلَتْ عَلَيْنَا اِمْرَأَة سَوْدَاء فَسَأَلَتْ فَأَبْطَأْنَا عَلَيْهَا فَقَالَتْ : تَصَدَّقُوا عَلَيَّ فَوَاَللَّهِ لَقَدْ أَرْضَعْتُكُمَا جَمِيعًا \" زَادَ اَلْبُخَارِيّ فِي اَلْعِلْمِ مِنْ طَرِيقِ عُمَر بْن سَعِيد عَنْ اِبْن أَبِي حُسَيْن عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ \" فَقَالَ لَهَا عُقْبَة مَا أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي - أَيْ بِذَلِكَ - قَبْلَ اَلتَّزَوُّجِ \" زَادَ فِي \" بَاب إِذَا شَهِدَ بِشَيْءٍ فَقَالَ آخَر مَا عَلِمَتْ ذَلِكَ \" وَفِي اَلْعِلْمِ \" فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ \" وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ \" اَلرِّحْلَة فِي اَلْمَسْأَلَةِ اَلنَّازِلَةِ \" وَزَادَ فِي اَلنِّكَاحِ \" فَقَالَتْ لِي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا وَهِيَ كَاذِبَة \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( دَعْهَا عَنْك أَوْ نَحْوَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اَلنِّكَاح \" دَعْهَا عَنْك \" حَسْبُ , زَادَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ فِي آخِرِهِ \" لَا خَيْرَ لَك فِيهَا \" وَفِي اَلْبَابِ اَلَّذِي قَبْلَهُ \" فَنَهَاهُ عَنْهَا زَادَ فِي اَلْبَابِ اَلْمُشَارِ إِلَيْهِ مِنْ اَلشَّهَادَاتِ \" فَفَارَقَهَا وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْره \". ‏"
    },
    {
        "id": "2467",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ‏ ‏وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ ‏ ‏الْإِفْكِ ‏ ‏مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتُ لَهُ اقْتِصَاصًا وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا زَعَمُوا أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ فَأَنَا أُحْمَلُ فِي ‏ ‏هَوْدَجٍ ‏ ‏وَأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى ‏ ‏جَاوَزْتُ ‏ ‏الْجَيْشَ فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ قَدْ انْقَطَعَ فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي ‏ ‏فَحَبَسَنِي ‏ ‏ابْتِغَاؤُهُ فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لِي فَاحْتَمَلُوا ‏ ‏هَوْدَجِي ‏ ‏فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ ‏ ‏خِفَافًا ‏ ‏لَمْ يَثْقُلْنَ وَلَمْ ‏ ‏يَغْشَهُنَّ ‏ ‏اللَّحْمُ وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ ‏ ‏الْهَوْدَجِ ‏ ‏فَاحْتَمَلُوهُ وَكُنْتُ ‏ ‏جَارِيَةً ‏ ‏حَدِيثَةَ السِّنِّ فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ ‏ ‏فَأَمَمْتُ ‏ ‏مَنْزِلِي ‏ ‏الَّذِي كُنْتُ بِهِ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونَنِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ وَكَانَ ‏ ‏صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ ‏ ‏مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ يَدَهَا فَرَكِبْتُهَا فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُعَرِّسِينَ فِي ‏ ‏نَحْرِ الظَّهِيرَةِ ‏ ‏فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الْإِفْكَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ‏ ‏فَقَدِمْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَاشْتَكَيْتُ بِهَا شَهْرًا وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ ‏ ‏الْإِفْكِ ‏ ‏وَيَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَرَى مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَمْرَضُ إِنَّمَا يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ ‏ ‏تِيكُمْ ‏ ‏لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى ‏ ‏نَقَهْتُ ‏ ‏فَخَرَجْتُ أَنَا ‏ ‏وَأُمُّ مِسْطَحٍ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏الْمَنَاصِعِ ‏ ‏مُتَبَرَّزُنَا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ ‏ ‏الْكُنُفَ ‏ ‏قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا وَأَمْرُنَا أَمْرُ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏الْأُوَلِ فِي الْبَرِّيَّةِ أَوْ فِي التَّنَزُّهِ فَأَقْبَلْتُ أَنَا ‏ ‏وَأُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتُ أَبِي رُهْمٍ ‏ ‏نَمْشِي فَعَثَرَتْ فِي ‏ ‏مِرْطِهَا ‏ ‏فَقَالَتْ تَعِسَ ‏ ‏مِسْطَحٌ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهَا بِئْسَ مَا قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏فَقَالَتْ يَا ‏ ‏هَنْتَاهْ أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالُوا فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ ‏ ‏الْإِفْكِ ‏ ‏فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَلَّمَ فَقَالَ كَيْفَ تِيكُمْ فَقُلْتُ ائْذَنْ لِي إِلَى أَبَوَيَّ قَالَتْ وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَتَيْتُ أَبَوَيَّ فَقُلْتُ لِأُمِّي مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ فَقَالَتْ يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَى نَفْسِكِ الشَّأْنَ فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا فَقُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَلَقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا قَالَتْ فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ثُمَّ أَصْبَحْتُ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏حِينَ ‏ ‏اسْتَلْبَثَ ‏ ‏الْوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ فَأَمَّا ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْوُدِّ لَهُمْ فَقَالَ ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا نَعْلَمُ وَاللَّهِ إِلَّا خَيْرًا وَأَمَّا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ وَسَلْ ‏ ‏الْجَارِيَةَ ‏ ‏تَصْدُقْكَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏هَلْ رَأَيْتِ فِيهَا شَيْئًا يَرِيبُكِ فَقَالَتْ ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ مِنْهَا أَمْرًا ‏ ‏أَغْمِصُهُ ‏ ‏عَلَيْهَا قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ الْعَجِينِ فَتَأْتِي ‏ ‏الدَّاجِنُ ‏ ‏فَتَأْكُلُهُ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي فَقَامَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا وَاللَّهِ أَعْذُرُكَ مِنْهُ إِنْ كَانَ مِنْ ‏ ‏الْأَوْسِ ‏ ‏ضَرَبْنَا عُنُقَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ ‏ ‏الْخَزْرَجِ ‏ ‏أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ فَقَامَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏وَهُوَ سَيِّدُ ‏ ‏الْخَزْرَجِ ‏ ‏وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ ‏ ‏الْحَمِيَّةُ ‏ ‏فَقَالَ كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَقَامَ ‏ ‏أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ‏ ‏فَقَالَ كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ وَاللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ فَثَارَ الْحَيَّانِ ‏ ‏الْأَوْسُ ‏ ‏وَالْخَزْرَجُ ‏ ‏حَتَّى هَمُّوا وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ وَبَكَيْتُ يَوْمِي لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ فَأَصْبَحَ عِنْدِي أَبَوَايَ وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا حَتَّى أَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ ‏ ‏فَالِقٌ ‏ ‏كَبِدِي قَالَتْ فَبَيْنَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي إِذْ اسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَأَذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَلَسَ وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ فِيَّ مَا قِيلَ قَبْلَهَا وَقَدْ مَكَثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَيْءٌ قَالَتْ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَقَالَتَهُ ‏ ‏قَلَصَ ‏ ‏دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً وَقُلْتُ لِأَبِي أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ لِأُمِّي أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيمَا قَالَ قَالَتْ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنْ الْقُرْآنِ فَقُلْتُ إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ وَوَقَرَ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَبَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ ‏ ‏لَتُصَدِّقُنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا ‏ ‏أَبَا يُوسُفَ ‏ ‏إِذْ قَالَ ‏ { ‏فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا ‏ ‏تَصِفُونَ ‏ } ‏ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِرَاشِي وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُبَرِّئَنِي اللَّهُ وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا ظَنَنْتُ أَنْ يُنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْيًا وَلَأَنَا أَحْقَرُ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ فِي أَمْرِي وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ فَوَاللَّهِ مَا رَامَ مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ ‏ ‏الْبُرَحَاءِ ‏ ‏حَتَّى إِنَّهُ ‏ ‏لَيَتَحَدَّرُ ‏ ‏مِنْهُ مِثْلُ ‏ ‏الْجُمَانِ ‏ ‏مِنْ الْعَرَقِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يَضْحَكُ فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ لِي يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏احْمَدِي اللَّهَ فَقَدْ بَرَّأَكِ اللَّهُ فَقَالَتْ لِي أُمِّي قُومِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَا وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ‏} ‏الْآيَاتِ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى ‏ ‏مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ ‏ ‏لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى ‏ ‏مِسْطَحٍ ‏ ‏شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ مَا قَالَ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏} ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي فَرَجَعَ إِلَى ‏ ‏مِسْطَحٍ ‏ ‏الَّذِي كَانَ يُجْرِي عَلَيْهِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْأَلُ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ ‏ ‏عَنْ أَمْرِي فَقَالَ يَا ‏ ‏زَيْنَبُ ‏ ‏مَا عَلِمْتِ مَا رَأَيْتِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْرًا قَالَتْ وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ ‏ ‏تُسَامِينِي ‏ ‏فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ ‏ ‏قَالَ وَحَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏قَالَ وَحَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو اَلرُّبَيِّع سُلَيْمَان بْن دَاوُد ) ‏ ‏هُوَ الزَّهْرَانِيُّ الْعَتَكِيُّ بِفَتْحِ اَلْمُهْمَلَة وَالْمُثَنَّاة اَلْبَصْرِيُّ نَزَلَ بَغْدَاد اِتَّفَقَ اَلْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَلَى اَلرِّوَايَةِ عَنْهُ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اِتَّفَقَا عَلَيْهِ إِخْرَاج هَذَا اَلْحَدِيثِ عَنْهُ , وَفِي طَبَقَتِهِ اِثْنَانِ كُلّ مِنْهُمَا أَيْضًا أَبُو اَلرُّبَيِّع سُلَيْمَان بْن دَاوُد أَحَدُهُمَا اَلْخُتَّلِيّ بِضَمِّ اَلْمُعْجَمَة وَتَشْدِيدٍ اَلْمُثَنَّاة اَلْمَفْتُوحَة بَغْدَادِيٌّ اِنْفَرَدَ مُسْلِم بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ وَالرِّشْدِينِيُّ بِكَسْرِ اَلرَّاءِ وَسُكُونِ اَلْمُعْجَمَةِ مِصْرِيٌّ لَمْ يُخَرِّجَا لَهُ وَرَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَفْهَمَنِي بَعْضه أَحْمَد قَالَ : حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ ) ‏ ‏يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحْمَد رَفِيقًا لِأَبِي اَلرُّبَيِّع فِي اَلرِّوَايَةِ عَنْ فُلَيْحٍ وَأَنْ يَكُونَ اَلْبُخَارِيّ حَمَلَهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا عَلَى اَلْكَيْفِيَّةِ اَلْمَذْكُورَةِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحْمَدُ رَفِيقًا لِلْبُخَارِيِّ فِي اَلرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي اَلرُّبَيِّع وَهُوَ اَلْأَقْرَبُ إِذْ لَوْ كَانَ اَلْمُرَاد اَلْأَوَّلَ لَكَانَ يَقُولُ : قَالَا : حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ بِالتَّثْنِيَةِ. وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ اَلْأُصُولِ وَيُؤَيِّدُ اَلْأَوَّل أَيْضًا صَنِيع الْبَرْقَانِيّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ اَلْحَدِيثَ فِي اَلْمُصَافَحَةِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ اَلْقَدْرَ اَلْمَذْكُورَ عِنْدَ اَلْبُخَارِيِّ عَنْ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي اَلرُّبَيِّع عَنْ فُلَيْحٍ لَكِنْ وَقْع فِي أَطْرَافِ خَلَفٍ حَدَّثَنَا أَبُو رَبِيع وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ أَحْمَد بْن يُونُس , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ لَفْظ \" قَالَا \" سَقَطَ مِنْ اَلْأَصْلِ كَمَا جَرَتْ اَلْعَادَةُ بِإِسْقَاطِهَا كَثِيرًا فِي اَلْأَسَانِيدِ فَأَثْبَتَ بَعْضُهُمْ بَدَلَهَا \" قَالَ \" بِالْإِفْرَادِ وَبِمَا قَالَ خَلَفٌ جَزَمَ اَلدِّمْيَاطِيِّ , وَأَمَّا جَزْمُ اَلْمِزِّيِّ بِأَنَّ اَلَّذِي ذَكَرَهُ خَلَفٌ وَهْمٌ فَلَيْسَ هَذَا اَلْجَزْمُ بِوَاضِح وَزَعَمَ اِبْن خَلْفُونٍ أَنَّ أَحْمَدَ هَذَا هُوَ اِبْن حَنْبَل بِنَاءً عَلَى اَلْقَوْلِ اَلثَّانِي , وَجَوَّزَ غَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ أَحْمَدُ بْن اَلنَّضْرِ اَلنَّيْسَابُورِيّ وَبِهِ جَزَمَ اَلذَّهَبِيُّ فِي طَبَقَاتِ اَلْقُرَّاءِ , وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي اَلرُّبَيِّعِ الزَّهْرَانِيّ مِمَّنْ يُسَمَّى أَحْمَد أَيْضًا أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن عَمْرو بْن أَبِي عَاصِم وَأَبُو يَعْلَى أَحْمَد بْن عَلِيّ بْن اَلْمَثَنَّى وَغَيْرهمَا , وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي اَلْمُقَدِّمَةِ طَائِفَة مِمَّنْ رَوَى هَذَا اَلْحَدِيثَ عَنْ فُلَيْحٍ مِمَّنْ تَسَمَّى أَحْمَد , وَكَذَلِكَ مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي اَلرُّبَيِّع مِمَّنْ يُسَمَّى أَحْمَد أَيْضًا فَاَللَّه أَعْلَمُ. ثُمَّ سَاقَ اَلْمُصَنِّفُ حَدِيثَ اَلْإِفْكِ بِطُولِهِ مِنْ رِوَايَةِ فُلَيْحٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَشَايِخِهِ ثُمَّ مِنْ رِوَايَةِ فُلَيْحٍ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة وَعَبْد اَللَّه بْن اَلزُّبَيْر قَالَ مِثْلَهُ , وَمِنْ رِوَايَةِ فُلَيْحٍ عَنْ رَبِيعَة وَيَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ اَلْقَاسِم بْن مُحَمَّد قَالَ مِثْلَهُ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ اَلنُّورِ , وَبَيَانُ مَا زَادَتْ رِوَايَة كُلّ وَاحِد مِنْ هَؤُلَاءِ عَلَى رِوَايَة الزُّهْرِيّ وَمَا نَقَصَتْ عَنْهَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ جَمَاعَةٍ أَخْبَرُوهُ بِهِ عَنْ أَبِي اَلرُّبَيِّع وَزَادَ فِي آخِرِهِ عَنْ فُلَيْحٍ \" قَالَ وَسَمِعْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ اَلْعِلْمِ يَقُولُونَ : إِنَّ أَصْحَابَ اَلْإِفْكِ جُلِدُوا اَلْحَدّ \". قُلْت : وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ إِسْنَاد آخَر فِي كِتَاب اَلِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا سُؤَاله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ عَنْ حَالِ عَائِشَة , وَجَوَابُهَا بِبَرَاءَتِهَا وَاعْتِمَادُ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْلِهَا حَتَّى خَطَبَ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْد اَللَّه بْن أُبَيٍّ. وَكَذَلِكَ سُؤَالُهُ مِنْ زَيْنَب بِنْت جَحْش عَنْ حَالِ عَائِشَة وَجَوَابهَا بِبَرَاءَتِهَا أَيْضًا وَقَوْل عَائِشَة فِي حَقِّ زَيْنَب : هِيَ اَلَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي فَعَصَمَهَا اَللَّهُ بِالْوَرَعِ فَفِي مَجْمُوعِ ذَلِكَ مُرَادُ اَلتَّرْجَمَة. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ حُجَّة لِأَبِي حَنِيفَة فِي جَوَازِ تَعْدِيلِ اَلنِّسَاءِ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُف وَوَافَقَ مُحَمَّد اَلْجُمْهُورَ قَالَ اَلطَّحَاوِيّ : اَلتَّزْكِيَةُ خَبَرٌ وَلَيْسَتْ شَهَادَة فَلَا مَانِعَ مِنْ اَلْقَبُولِ , وَفِي اَلتَّرْجَمَةِ اَلْإِشَارَة إِلَى قَوْلٍ ثَالِثٍ وَهُوَ أَنْ تُقْبَلَ تَزْكِيَتُهُنَّ لِبَعْضِهِنَّ لَا لِلرِّجَالِ ; لِأَنَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ اِعْتَلَّ بِنُقْصَانِ اَلْمَرْأَةِ عَنْ مَعْرِفَةِ وُجُوه اَلتَّزْكِيَة لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ اَلرِّجَالِ وَقَالَ اِبْن بَطَّال : لَوْ قِيلَ إِنَّهُ تُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُنَّ بِقَوْلٍ حَسَن وَثَنَاءٍ جَمِيل يَكُونُ إِبْرَاء مِنْ سُوءٍ لَكَانَ حَسَنًا كَمَا فِي قِصَّة اَلْإِفْك وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ قَبُول تَزْكِيَتِهِنَّ فِي شَهَادَةٍ تُوجِبُ أَخْذَ مَالٍ , وَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ قَبُولِهِنَّ مَعَ اَلرِّجَالِ فِيمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا أَخْرَجَ بِهَا مَعَهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلنَّسَفِيّ وَلِأَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْر الْكُشْمِيهَنِيّ , وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ وَالْبَاقِينَ \" خَرَجَ \" وَهُوَ اَلصَّوَابُ وَلَعَلَّ اَلْأَوَّل أُخْرِجَ بِضَمّ أَوَّلِهِ عَلَى اَلْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ جَزْعِ أَظْفَار ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" ظِفَار \" وَهُوَ أَصْوَبُ وَسَيَأْتِي تَوْضِيحه عِنْدَ شَرْحِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَاسْتَيْقَظْت بِاسْتِرْجَاعِهِ حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ وَالنَّسَفِيّ \" حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَدْ بَكَيْت لَيْلَتِي وَيَوْمًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا \" وَفِي رِوَايَة اَلنَّسَفِيّ وَأَبِي اَلْوَقْتِ \" لَيْلَتِي وَيَوْمِي \" وَسَيَأْتِي بَقِيَّة أَلْفَاظِهِ عِنْدَ شَرْحِهِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2468",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَثْنَى ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ مِرَارًا ثُمَّ قَالَ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ فُلَانًا وَاللَّهُ حَسِيبُهُ وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ ) ‏ ‏يَحْتَمِلُ أَنْ يُفَسَّرَ اَلْمُثْنِي بِمِحْجَن بْن اَلْأَدْرَعِ اَلْأَسْلَمِيّ , وَحَدِيثُهُ بِذَلِكَ عِنْد اَلطَّبَرَانِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَعِنْدَ إِسْحَاق فِيهِ زِيَادَة مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَدْ يُفَسَّرُ مِنْهَا اَلْمُثْنَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عَبْد اَللَّه ذُو اَلنِّجَادَيْنِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اَلْأَدَبِ مَعَ تَمَامِ اَلْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2469",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي مَدْحِهِ فَقَالَ ‏ ‏أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهَرَ الرَّجُلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : \" يُطْرِيه \" ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله , وَالْإِطْرَاءُ مَدْح اَلشَّخْصِ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَا فِيهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ) ‏ ‏شَكّ مِنْ اَلرَّاوِي وَلَيْسَ فِي اَلْحَدِيثِ مَا زَادَهُ فِي اَلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ : \" وَلْيَقُلْ مَا يَعْلَمُ \" وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى اِتِّحَاد حَدِيثَيْ أَبِي بَكْرَةَ وَأَبِي مُوسَى وَقَدْ قَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ : إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ \" وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2470",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَرَضَهُ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي قَالَ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏فَقَدِمْتُ عَلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏وَهُوَ خَلِيفَةٌ فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الْأُصُول عُبَيْد اللَّه بِالتَّصْغِيرِ , وَهُوَ أَبُو قُدَامَةَ السَّرَخْسِيّ , وَوَقَعَ بِخَطِّ اِبْن الْعُكْلِيّ الْحَافِظ عُبَيْد بْن إِسْمَاعِيل وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّات فَأَخْرَجَ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن الْخَثْعَمِيُّ عَنْ عُبَيْد بْن إِسْمَاعِيل ثُمَّ قَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن إِسْمَاعِيل. قُلْت : وَهُوَ مَعْرُوف بِالرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي أُسَامَة , وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي قُدَامَةَ السَّرَخْسِيّ فَقَالَ : \" عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الّقَطَّانُ \" بَدَل أَبِي أُسَامَة فَهَذَا يُرَجِّح مَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَهُ يَوْم أُحُد وَهُوَ اِبْن أَرْبَع عَشْرَة سَنَة فَلَمْ يُجِزْنِي ) ‏ ‏فِيهِ اِلْتِفَات أَوْ تَجْرِيد إِذْ كَانَ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ يَقُول فَلَمْ يُجِزْهُ لَكِنَّهُ اِلْتَفَتَ , أَوْ جَرَّدَ مِنْ نَفْسه أَوَّلًا شَخْصًا فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَاضِي ثُمَّ اِلْتَفَتَ فَقَالَ : \" عَرَضَنِي \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي \" فَلَمْ يُجِزْهُ \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ اِبْن نُمَيْر عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر \" عَرَضَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم أُحُد فِي الْقِتَال فَلَمْ يُجِزْنِي \" وَقَوْله : \" فَلَمْ يُجِزْنِي \" بِضَمِّ أَوَّله مِنْ الْإِجَازَة , وَفِي رِوَايَة اِبْن إِدْرِيس وَغَيْره عَنْ عُبَيْد اللَّه عِنْد مُسْلِم \" فَاسْتَصْغَرَنِي \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْم الْخَنْدَق وَأَنَا اِبْن خَمْس عَشْرَة سَنَة فَأَجَازَنِي ) ‏ ‏لَمْ تَخْتَلِف الرُّوَاة عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر فِي ذَلِكَ وَهُوَ الِاقْتِصَار عَلَى ذِكْر أُحُد وَالْخَنْدَق , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ نَافِع , وَأَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد فِي الطَّبَقَات عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ أَبِي مَعْشَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر فَزَادَ فِيهِ ذِكْر بَدْر وَلَفْظه \" عُرِضْت عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر وَأَنَا اِبْن ثَلَاث عَشْرَة فَرَدَّنِي , وَعُرِضْت عَلَيْهِ يَوْم أُحُد \" الْحَدِيث , قَالَ اِبْن سَعْد : قَالَ يَزِيد بْن هَارُون يَنْبَغِي أَنْ يَكُون فِي الْخَنْدَق اِبْن سِتّ عَشْرَة سَنَة ا ه , وَهُوَ أَقْدَم مَنْ نَعْرِفهُ اِسْتَشْكَلَ قَوْل اِبْن عُمَر هَذَا , وَإِنَّمَا بَنَاهُ عَلَى قَوْل اِبْن إِسْحَاق , وَأَكْثَر أَهْل السِّيَر أَنَّ الْخَنْدَق كَانَتْ فِي سَنَة خَمْس مِنْ الْهِجْرَة وَإِنْ اِخْتَلَفُوا فِي تَعْيِين شَهْرهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أُحُدًا كَانَتْ فِي شَوَّال سَنَة ثَلَاث , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَاءَ مَا قَالَ يَزِيد أَنَّهُ يَكُون حِينَئِذٍ اِبْن سِتّ عَشْرَة سَنَة , لَكِنَّ الْبُخَارِيّ جَنَحَ إِلَى قَوْل مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي أَنَّ الْخَنْدَق كَانَتْ فِي شَوَّال سَنَة أَرْبَع , وَقَدْ رَوَى يَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي تَارِيخه وَمِنْ طَرِيقه الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُرْوَة نَحْو قَوْل مُوسَى بْن عُقْبَةَ , وَعَنْ مَالِك الْجَزْم بِذَلِكَ , وَعَلَى هَذَا لَا إِشْكَال , لَكِنْ اِتَّفَقَ أَهْل الْمَغَازِي عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا تَوَجَّهُوا فِي أُحُد نَادَوْا الْمُسْلِمِينَ : مَوْعِدكُمْ الْعَام الْمُقْبِل بَدْر , وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَيْهَا مِنْ السَّنَة الْمُقْبِلَة فِي شَوَّال فَلَمْ يَجِد بِهَا أَحَدًا , وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى \" بَدْر الْمَوْعِد \" وَلَمْ يَقَع بِهَا قِتَال فَتَعَيَّنَ مَا قَالَ اِبْن إِسْحَاق إِنَّ الْخَنْدَق كَانَتْ فِي سَنَة خَمْس فَيَحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى الْجَوَاب عَنْ الْإِشْكَال , وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْره بِأَنَّ قَوْل اِبْن عُمَر \" عُرِضْت يَوْم أُحُد وَأَنَا اِبْن أَرْبَع عَشْرَة \" أَيْ دَخَلْت فِيهَا , وَأَنَّ قَوْله : \" عُرِضْت يَوْم الْخَنْدَق وَأَنَا اِبْن خَمْس عَشْرَة \" أَيْ تَجَاوَزْتهَا فَأَلْغَى الْكَسْر فِي الْأُولَى وَجَبَرَهُ فِي الثَّانِيَة , وَهُوَ شَائِع مَسْمُوع فِي كَلَامهمْ , وَبِهِ يَرْتَفِع الْإِشْكَال الْمَذْكُور وَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّرْجِيح وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏الْأَوَّل زَعَمَ اِبْن التِّين أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْض الرِّوَايَات أَنَّ عَرْض اِبْن عُمَر كَانَ بِبَدْرٍ فَلَمْ يُجِزْهُ ثُمَّ بِأُحُدٍ فَأَجَازَهُ , قَالَ : وَفِي رِوَايَة عُرِضَ يَوْم أُحُد وَهُوَ اِبْن ثَلَاث عَشْرَة فَلَمْ يُجِزْهُ وَعُرِضَ يَوْم الْخَنْدَق وَهُوَ اِبْن أَرْبَع عَشْرَة سَنَة فَأَجَازَهُ , وَلَا وُجُود لِذَلِكَ , وَإِنَّمَا وُجِدَ مَا أَشَرْت إِلَيْهِ عَنْ اِبْن سَعْد أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي مَعْشَر , وَأَبُو مَعْشَر مَعَ ضَعْفه لَا يُخَالِف مَا زَادَهُ مِنْ ذِكْر بَدْر مَا رَوَاهُ الثِّقَات بَلْ يُوَافِقهُمْ. ‏ ‏الثَّانِي زَعَمَ اِبْن نَاصِر أَنَّهُ وَقَعَ فِي \" الْجَمْع \" لِلْحُمَيْدِيِّ هُنَا \" يَوْم الْفَتْح \" بَدَل يَوْم الْخَنْدَق , قَالَ اِبْن نَاصِر : وَالسَّابِق إِلَى ذَلِكَ اِبْن مَسْعُود أَوْ خَلَف فَتَبِعَهُ شَيْخنَا وَلَمْ يَتَدَبَّرهُ , وَالصَّوَاب \" يَوْم الْخَنْدَق \" فِي جَمِيع الرِّوَايَات , وَتَلَقَّى ذَلِكَ اِبْن الْجَوْزِيّ عَنْ اِبْن نَاصِر وَبَالَغَ فِي التَّشْنِيع عَلَى مَنْ وَهَمَ فِي ذَلِكَ , وَكَانَ الْأَوْلَى تَرْك ذَلِكَ فَإِنَّ الْغَلَط لَا يَسْلَم مِنْهُ كَثِيرًا أَحَد. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ نَافِع فَقَدِمْت عَلَى عُمَر ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْن الصَّغِير وَالْكَبِير ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عِنْد التِّرْمِذِيّ \" فَقَالَ هَذَا حَدّ مَا بَيْن الذُّرِّيَّة وَالْمُقَاتِلَة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَتَبَ إِلَى عُمَّاله أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ بَلَغَ خَمْس عَشْرَة ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته \" وَمَنْ كَانَ دُون ذَلِكَ فَاجْعَلُوهُ فِي الْعِيَال \" وَقَوْله : \" أَنْ يَفْرِضُوا \" أَيْ يُقَدِّرُوا لَهُمْ رِزْقًا فِي دِيوَان الْجُنْد. وَكَانُوا يُفَرِّقُونَ بَيْن الْمُقَاتِلَة وَغَيْرهمْ فِي الْعَطَاء , وَهُوَ الرِّزْق الَّذِي يُجْمَع فِي بَيْت الْمَال وَيُفَرَّق عَلَى مُسْتَحَقِّيهِ. ‏ ‏وَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ اِبْن عُمَر عَلَى أَنَّ مَنْ اِسْتَكْمَلَ خَمْس عَشْرَة سَنَة أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَام الْبَالِغِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْتَلِم , فَيُكَلَّف بِالْعِبَادَاتِ وَإِقَامَة الْحُدُود , وَيَسْتَحِقّ سَهْم الْغَنِيمَة , وَيُقْتَل إِنْ كَانَ حَرْبِيًّا , وَيُفَكّ عَنْهُ الْحَجْر إِنْ أُونِسَ رُشْده وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَام. وَقَدْ عَمِلَ بِذَلِكَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ رَاوِيَة نَافِع. وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ وَابْن الْقَصَّارِ وَغَيْرهمَا مِمَّنْ لَمْ يَأْخُذ بِهِ بِأَنَّ الْإِجَازَة الْمَذْكُورَة جَاءَ التَّصْرِيح بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي الْقِتَال , وَذَلِكَ يَتَعَلَّق بِالْقُوَّةِ وَالْجَلَد. وَأَجَابَ بَعْض الْمَالِكِيَّة بِأَنَّهَا وَاقِعَة عَيْن فَلَا عُمُوم لَهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَادَفَ أَنَّهُ كَانَ عِنْد تِلْكَ السِّنّ قَدْ اِحْتَلَمَ فَلِذَلِكَ أَجَازَهُ. وَتَجَاسَرَ بَعْضهمْ فَقَالَ : إِنَّمَا رَدَّهُ لِضَعْفِهِ لَا لِسِنِّهِ , وَإِنَّمَا أَجَازَهُ لِقُوَّتِهِ لَا لِبُلُوغِهِ. وَيَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ , وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَة وَابْن حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" أَخْبَرَنِي نَافِع \" فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ \" عُرِضْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْخَنْدَق فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْت \" وَهِيَ زِيَادَة صَحِيحَة لَا مَطْعَن فِيهَا , لِجَلَالَةِ اِبْن جُرَيْجٍ وَتَقَدُّمُهُ عَلَى غَيْره فِي حَدِيث نَافِع , وَقَدْ صَرَّحَ فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ فَانْتَفَى مَا يَخْشَى مِنْ تَدْلِيسه , وَقَدْ نَصَّ فِيهَا لَفْظ اِبْن عُمَر بِقَوْلِهِ : \" وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْت \" وَابْن عُمَر أَعْلَم بِمَا رَوَى مِنْ غَيْره وَلَا سِيَّمَا فِي قِصَّة تَتَعَلَّق بِهِ. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الْإِمَام يَسْتَعْرِض مَنْ يَخْرُج مَعَهُ لِلْقِتَالِ قَبْل أَنْ تَقَع الْحَرْب فَمَنْ وَجَدَهُ أَهْلًا اِسْتَصْحَبَهُ وَإِلَّا رَدَّهُ , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَدْر وَأُحُد وَغَيْرهمَا , وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَعِنْد الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة لَا تَتَوَقَّف الْإِجَازَة لِلْقِتَالِ عَلَى الْبُلُوغ , بَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُجِيز مِنْ الصِّبْيَان مَنْ فِيهِ قُوَّة وَنَجْدَة , فَرُبَّ مُرَاهِق أَقْوَى مِنْ بَالِغ. وَحَدِيث اِبْن عُمَر حُجَّة عَلَيْهِمْ وَلَا سِيَّمَا الزِّيَادَة الَّتِي ذَكَرْتهَا عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ظَاهِر التَّرْجَمَة مَعَ سِيَاق الْآيَة أَنَّ الْوَلَد يُطْلَق عَلَيْهِ صَبِيّ وَطِفْل إِلَى أَنْ يَبْلُغ وَهُوَ كَذَلِكَ , وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْض أَهْل اللُّغَة وَجَزَمَ بِهِ غَيْر وَاحِد أَنَّ الْوَلَد يُقَال لَهُ جَنِين حَتَّى يُوضَع , ثُمَّ صَبِيّ حَتَّى يُفْطَم , ثُمَّ غُلَام إِلَى سَبْع ثُمَّ يَافِع إِلَى عَشْر , ثُمَّ حَزُور إِلَى خَمْس عَشْرَة ثُمَّ قَمَد إِلَى خَمْس وَعِشْرِينَ , ثُمَّ عنطنط إِلَى ثَلَاثِينَ , ثُمَّ مُمْلٍ إِلَى أَرْبَعِينَ , ثُمَّ كَهْل إِلَى خَمْسِينَ , ثُمَّ شَيْخ إِلَى ثَمَانِينَ , ثُمَّ هَرم إِذَا زَادَ فَلَا يَمْنَع إِطْلَاق شَيْء مِنْ ذَلِكَ عَلَى غَيْره مِمَّا يُقَارِبهُ بِهِ تَجَوُّزًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2471",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْخُدْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( يَبْلُغ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْجُمْعَة مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ صَفْوَان بْن سُلَيْمٍ بِلَفْظِ \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \". ‏ ‏قَوْله : ( غُسْل يَوْم الْجُمْعَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ سُفْيَان \" الْغُسْل يَوْم الْجُمْعَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث وَمَبَاحِثه فِي كِتَاب الْجُمْعَة , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْبُلُوغ يَحْصُل بِالْإِنْزَالِ لِأَنَّهُ الْمُرَاد بِالِاحْتِلَامِ هُنَا. وَيُسْتَفَاد مَقْصُود التَّرْجَمَة بِالْقِيَاسِ عَلَى بَقِيَّة الْأَحْكَام مِنْ حَيْثُ تَعَلُّق الْوُجُوب بِالِاحْتِلَامِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2472",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ‏ ‏قَالَ فَقَالَ ‏ ‏الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ‏ ‏فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏أَرْضٌ فَجَحَدَنِي فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَكَ بَيِّنَةٌ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ احْلِفْ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ‏} ‏إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2473",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ كَتَبَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ‏ ‏هَكَذَا أَخْرَجَهُ فِي الرَّهْن , وَهُنَا مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيق نَافِع بْن عُمَر الْجُمَحِيِّ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ , وَأَخْرَجَهُ فِي تَفْسِير آلِ عِمْرَان مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ مِثْله , وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّة الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اِدَّعَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى أَنَّهَا جَرَحَتْهَا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِين عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ \" وَقَالَ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ سُفْيَان إِلَّا الْفِرْيَابِيّ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ بِلَفْظِ \" وَلَكِنَّ الْبَيِّنَة عَلَى الطَّالِب وَالْيَمِين عَلَى الْمَطْلُوب \" وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ وَعُثْمَان بْن الْأَسْوَد عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : كُنْت قَاضِيًا لِابْنِ الزُّبَيْر عَلَى الطَّائِف , فَذَكَرَ قِصَّة الْمَرْأَتَيْنِ , فَكَتَبْت إِلَى اِبْن عَبَّاس , فَكَتَبَ إِلَيَّ : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" لَوْ يُعْطَى النَّاس بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَال أَمْوَال قَوْم وَدِمَاءَهُمْ , وَلَكِنَّ الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِين عَلَى مِنْ أَنْكَرَ \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة لَيْسَتْ فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَإِسْنَادهَا حَسَن. وَقَدْ بَيَّنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحِكْمَة فِي كَوْن الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِين عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" لَوْ يُعْطَى النَّاس بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاس دِمَاء رِجَال وَأَمْوَالهمْ \" وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير آلِ عِمْرَانَ. وَقَالَ الْعُلَمَاء الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ لِأَنَّ جَانِب الْمُدَّعِي ضَعِيف لِأَنَّهُ يَقُول خِلَاف الظَّاهِر فَكُلِّفَ الْحُجَّة الْقَوِيَّة وَهِيَ الْبَيِّنَة لِأَنَّهَا لَا تَجْلِب لِنَفْسِهَا نَفْعًا وَلَا تَدْفَع عَنْهَا ضَرَرًا فَيَقْوَى بِهَا ضَعْف الْمُدَّعِي , وَجَانِب الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَوِيّ لِأَنَّ الْأَصْل فَرَاغ فِي ذِمَّته فَاكْتُفِيَ مِنْهُ بِالْيَمِينِ وَهِيَ حُجَّة ضَعِيفَة لِأَنَّ الْحَالِف يَجْلِب لِنَفْسِهِ النَّفْع وَيَدْفَع الضَّرَر فَكَانَ ذَلِكَ فِي غَايَة الْحِكْمَة. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاء فِي تَعْرِيف الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ , وَالْمَشْهُور فِيهِ تَعْرِيفَانِ : الْأَوَّل الْمُدَّعِي مَنْ يُخَالِف قَوْله الظَّاهِر وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ. وَالثَّانِي مَنْ إِذَا سَكَتَ تُرِكَ وَسُكُوته وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ لَا يُخَلَّى إِذَا سَكَتَ , وَالْأَوَّل أَشْهَر , وَالثَّانِي أَسْلَم. وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى الْأَوَّل بِأَنَّ الْمُودَع إِذَا اِدَّعَى الرَّدّ أَوْ التَّلَف فَإِنَّ دَعْوَاهُ تُخَالِف الظَّاهِر , وَمَعَ ذَلِكَ فَالْقَوْل قَوْله وَقِيلَ فِي تَعْرِيفهمَا غَيْر ذَلِكَ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : \" الْيَمِين عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ \" لِلْجُمْهُورِ بِحَمْلِهِ عَلَى عُمُومه فِي حَقّ كُلّ وَاحِد سَوَاء كَانَ بَيْن الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ اِخْتِلَاط أَمْ لَا , وَعَنْ مَالِك لَا تَتَوَجَّه الْيَمِين إِلَّا عَلَى مَنْ بَيْنه وَبَيْن الْمُدَّعِي اِخْتِلَاط لِئَلَّا يَبْتَذِل أَهْل السَّفَه أَهْل الْفَضْل بِتَحْلِيفِهِمْ مِرَارًا , وَقَرِيب مِنْ مَذْهَب مَالِك قَوْل الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّة : إِنَّ قَرَائِن الْحَال إِذَا شَهِدَتْ بِكَذِبِ الْمُدَّعِي لَمْ يُلْتَفَت إِلَى دَعْوَاهُ , وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : \" لَادَّعَى نَاس دِمَاء نَاس وَأَمْوَالهمْ \" عَلَى إِبْطَال قَوْل الْمَالِكِيَّة فِي التَّدْمِيَة , وَوَجْه الدَّلَالَة تَسْوِيَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن الدِّمَاء وَالْأَمْوَال. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُسْنِدُوا الْقِصَاص مَثَلًا إِلَى قَوْل الْمُدَّعِي بَلْ لِلْقَسَامَةِ , فَيَكُون قَوْله ذَلِكَ لَوْثًا يُقَوِّي جَانِب الْمُدَّعِي فِي بُدَاءَته بِالْأَيْمَانِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2474",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏} ‏ثُمَّ إِنَّ ‏ ‏الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ ‏ ‏خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ ‏ ‏أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَحَدَّثْنَاهُ بِمَا قَالَ فَقَالَ صَدَقَ لَفِيَّ أُنْزِلَتْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏خُصُومَةٌ فِي شَيْءٍ فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْأَشْعَث وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فِي سَبَب نُزُول قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّه ) الْآيَة. وَقَدْ مَضَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ قَبْل بِبَابٍ. وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْله : \" شَاهِدَاك أَوْ يَمِينه \" وَقَدْ رَوَى نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة وَائِل بْن حُجْرٍ وَزَادَ فِيهَا \" لَيْسَ لَك إِلَّا ذَلِكَ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَصْحَاب السُّنَن وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَصْر عَلَى رَدّ الْقَضَاء بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِد , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" شَاهِدَاك \" أَيْ بَيِّنَتك سَوَاء كَانَتْ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَيَمِين الطَّالِب , وَإِنَّمَا خَصَّ الشَّاهِدَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الْأَكْثَر الْأَغْلَب , فَالْمَعْنَى شَاهِدَاك أَوْ مَا يَقُوم مَقَامهمَا , وَلَوْ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ رَدّ الشَّاهِد وَالْيَمِين لِكَوْنِهِ لَمْ يُذْكَر لَلَزِمَ رَدّ الشَّاهِد وَالْمَرْأَتَيْنِ لِكَوْنِهِ لَمْ يُذْكَر فَوَضَحَ التَّأْوِيل الْمَذْكُور , وَالْمُلْجِئ إِلَيْهِ ثُبُوت الْخَبَر بِاعْتِبَارِ الشَّاهِد وَالْيَمِين , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ظَاهِر لَفْظ الشَّاهِدَيْنِ غَيْر مُرَاد بَلْ الْمُرَاد هُوَ أَوْ مَا يَقُوم مَقَامه. ‏"
    },
    {
        "id": "2475",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ ‏ ‏قَذَفَ ‏ ‏امْرَأَتَهُ ‏ ‏عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْبَيِّنَةُ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏حَدٌّ ‏ ‏فِي ظَهْرِكَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ ‏ ‏الْبَيِّنَةَ ‏ ‏فَجَعَلَ يَقُولُ ‏ ‏الْبَيِّنَةَ ‏ ‏وَإِلَّا ‏ ‏حَدٌّ ‏ ‏فِي ظَهْرِكَ فَذَكَرَ حَدِيثَ اللِّعَانِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2476",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِطَرِيقٍ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَفِ لَهُ وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا كَذَا وَكَذَا فَأَخَذَهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2477",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2478",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَ عَلَى قَوْم الْيَمِين فَأَسْرَعُوا , فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَم بَيْنهمْ فِي الْيَمِين أَيّهمْ يَحْلِف ) ‏ ‏أَيْ قَبْل الْآخَر , هَذَا اللَّفْظ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّد بْن رَافِع عَنْ عَبْد الرَّزَّاق وَقَالَ فِيهِ : \" فَأَسْرَعَ الْفَرِيقَانِ \" وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق شَيْخ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" إِذَا أُكْرِهَ الِاثْنَانِ عَلَى الْيَمِين وَاسْتَحَبَّاهَا فَلْيَسْتَهِمَا عَلَيْهَا \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْنَد إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق مِثْل رِوَايَة الْبُخَارِيّ , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ رَآهُ فِي أَصْل إِسْحَاق عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِاللَّفْظِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَد , قَالَ : وَقَدْ وَهَمَ شَيْخنَا أَبُو أَحْمَد فِي ذَلِكَ اِنْتَهَى. قُلْت : وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن أَبِي إِسْرَائِيل عَنْ عَبْد الرَّزَّاق , وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن يَحْيَى عَنْ عَبْد الرَّزَّاق مِثْله لَكِنْ قَالَ : \" فَاسْتَحَبَّاهَا \" , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَد وَسَلَمَة بْن شَبِيب عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِلَفْظِ \" أَوْ اِسْتَحَبَّاهَا \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هَذَا هُوَ الصَّحِيح , أَيْ أَنَّهُ بِلَفْظِ \" أَوْ \" لَا بِالْفَاءِ وَلَا بِالْوَاوِ. قُلْت : وَرِوَايَة الْوَاو يُمْكِن حَمْلهَا عَلَى رِوَايَة أَوْ , وَأَمَّا رِوَايَة الْفَاء فَيُمْكِن تَوْجِيههَا بِأَنَّهُمَا أُكْرِهَا عَلَى الْيَمِين فِي اِبْتِدَاء الدَّعْوَى , فَلَمَّا عَرَفَا أَنَّهُمَا لَا بُدّ لَهُمَا مِنْهَا أَجَابَا إِلَيْهَا وَهُوَ الْمُعَبَّر عَنْهُ بِالِاسْتِحْبَابِ , ثُمَّ تَنَازَعَا أَيّهمَا يَبْدَأ فَأَرْشَدَ إِلَى الْقُرْعَة. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : الْإِكْرَاه هُنَا لَا يُرَاد بِهِ حَقِيقَته , لِأَنَّ الْإِنْسَان لَا يُكْرَه عَلَى الْيَمِين , وَإِنَّمَا الْمَعْنَى إِذَا تَوَجَّهَتْ الْيَمِين عَلَى اِثْنَيْنِ وَأَرَادَا الْحَلِف - سَوَاء كَانَا كَارِهَيْنِ لِذَلِكَ بِقَلْبِهِمَا وَهُوَ مَعْنَى الْإِكْرَاه , أَوْ مُخْتَارَيْنِ لِذَلِكَ بِقَلْبِهِمَا وَهُوَ مَعْنَى الِاسْتِحْبَاب - وَتَنَازَعَا أَيّهمَا يَبْدَأ فَلَا يُقَدَّم أَحَدهمَا عَلَى الْآخَر بِالتَّشَهِّي بَلْ بِالْقُرْعَةِ , وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" فَلْيَسْتَهِمَا \" أَيْ فَلْيَقْتَرِعَا. وَقِيلَ صُورَة الِاشْتِرَاك فِي الْيَمِين أَنْ يَتَنَازَع اِثْنَانِ عَيْنًا لَيْسَتْ فِي يَد وَاحِد مِنْهُمَا وَلَا بَيِّنَة لِوَاحِدِ مِنْهُمَا فَيُقْرَع بَيْنهمَا , فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَة حَلَفَ وَاسْتَحَقَّهَا. وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق أَبِي رَافِع عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ رَجُلَيْنِ اِخْتَصَمَا فِي مَتَاع لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَة , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِين مَا كَانَ , أَحَبَّا ذَلِكَ أَوْ كَرِهَا \" وَأَمَّا اللَّفْظ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عِنْد عَبْد الرَّزَّاق فِيهِ حَدِيث آخَر بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة أَبِي رَافِع الْمَذْكُورَة فَإِنَّهَا بِمَعْنَاهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون قِصَّة أُخْرَى بِأَنْ يَكُون الْقَوْم الْمَذْكُورُونَ مُدَّعًى عَلَيْهِمْ بِعَيْنٍ فِي أَيْدِيهمْ مَثَلًا وَأَنْكَرُوا وَلَا بَيِّنَة لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ , فَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِمْ الْيَمِين , فَتَسَارَعُوا إِلَى الْحَلِف , وَالْحَلِف لَا يَقَع مُعْتَبَرًا إِلَّا بِتَلْقِينِ الْمُحَلِّف , فَقَطَعَ النِّزَاع بَيْنهمْ بِالْقُرْعَةِ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ بَدَأَ بِهِ فِي ذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2479",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْعَوَّامُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ السَّكْسَكِيُّ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَقَامَ رَجُلٌ سِلْعَتَهُ فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطِهَا فَنَزَلَتْ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ‏} ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏النَّاجِشُ ‏ ‏آكِلُ رِبًا خَائِنٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله فِي طَرِيق اِبْن أَبِي أَوْفَى \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق حَدَّثَنَا يَزِيد بْن هَارُون \" ‏ ‏جَزَمَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ بِأَنَّهُ إِسْحَاق بْن مَنْصُور , وَجَزَمَ أَبُو نُعَيْم الْأَصْبَهَانِيّ بِأَنَّهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ. ‏ ‏وَقَوْله : \" أَخْبَرَنَا الْعَوَّام \" ‏ ‏هُوَ اِبْن حَوْشَبٍ. ‏ ‏وَقَوْله : \" قَالَ اِبْن أَبِي أَوْفَى : النَّاجِش آكِل رِبًا خَائِن \" ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ , وَتَقَدَّمَ شَرْحه فِي بَاب النَّجَش مِنْ كِتَاب الْبُيُوع. ‏"
    },
    {
        "id": "2480",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبًا لِيَقْتَطِعَ مَالَ رَجُلٍ ‏ ‏أَوْ قَالَ أَخِيهِ ‏ ‏لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ‏ ‏وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَصْدِيقَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ‏ ‏الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏} ‏فَلَقِيَنِي ‏ ‏الْأَشْعَثُ ‏ ‏فَقَالَ مَا حَدَّثَكُمْ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏الْيَوْمَ قُلْتُ كَذَا وَكَذَا قَالَ فِيَّ أُنْزِلَتْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2481",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الزَّكَاةَ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث طَلْحَة فِي قِصَّة الرَّجُل الَّذِي سَأَلَ عَنْ الْإِسْلَام , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْأَيْمَان , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : \" فَأَدْبَرَ الرَّجُل وَهُوَ يَقُول : وَاَللَّه لَا أَزِيد عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُص \" فَإِنَّهُ يُسْتَفَاد مِنْهُ الِاقْتِصَار عَلَى الْحَلِف بِاَللَّهِ دُون زِيَادَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2482",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏قَالَ ذَكَرَ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر \" مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ \" وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2483",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ ‏ ‏أَلْحَنُ ‏ ‏بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ الْمُصنِفُ حَدِيث أُمّ سَلَمَة أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف مَرْفُوعًا \" إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ , وَلَعَلَّ بَعْضكُمْ أَلْحَن بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْض \" الْحَدِيث , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَيْسَ فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة دَلَالَة عَلَى قَبُول الْبَيِّنَة بَعْد يَمِين الْمُنْكِر. وَأَجَابَ اِبْن الْمُنِير فَقَالَ : مَوْضِع الِاسْتِشْهَاد مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْعَل الْيَمِين الْكَاذِبَة مُفِيدَة حِلًّا وَلَا قَطْعًا لِحَقِّ الْمُحِقّ , بَلْ نَهَاهُ بَعْد يَمِينه مِنْ الْقَبْض , وَسَاوَى بَيْن حَالَتَيْهِ بَعْد الْيَمِين وَقَبْلهَا فِي التَّحْرِيم , فَيُؤْذِن ذَلِكَ بِبَقَاءِ حَقّ صَاحِب الْحَقّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ , فَإِذَا ظَفِرَ فِي حَقّه بِبَيِّنَةٍ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى الْقِيَام بِهَا لَمْ يَسْقُط , كَمَا لَمْ يَسْقُط أَصْل حَقّه مِنْ ذِمَّة مُقْتَطِعَة بِالْيَمِينِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة شَرْح حَدِيث أُمّ سَلَمَة فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2484",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏قَالَ لَهُ سَأَلْتُكَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ قَالَ وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سُفْيَان بْن حَرْب فِي قِصَّة هِرَقْل , أَوْرَدَ مِنْهُ طَرَفًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي بَدْء الْوَحْي مَعَ الْإِشَارَة إِلَى كَثِير مِنْ شَرْحه. ‏"
    },
    {
        "id": "2485",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي آيَة الْمُنَافِق , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْإِيمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "2486",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏مَالٌ مِنْ قِبَلِ ‏ ‏الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَيْنٌ أَوْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنَا قَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏فَقُلْتُ وَعَدَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُعْطِيَنِي هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا فَبَسَطَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏فَعَدَّ فِي يَدِي خَمْسَ مِائَةٍ ثُمَّ خَمْسَ مِائَةٍ ثُمَّ خَمْسَ مِائَةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي قِصَّته مَعَ أَبِي بَكْر فِيمَا وَعَدَهُ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَال الْبَحْرَيْنِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب فَرْض الْخُمُس \" وَمَضَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي الْكَفَالَة , وَأَشَارَ غَيْر وَاحِد إِلَى أَنّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : لَمَّا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى النَّاس بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق أَدَّى أَبُو بَكْر مَوَاعِيده عَنْهُ , وَلَمْ يَسْأَل جَابِرًا الْبَيِّنَة عَلَى مَا اِدَّعَاهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا فِي ذِمَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا اِدَّعَى شَيْئًا فِي بَيْت الْمَال , وَذَلِكَ مَوْكُول إِلَى اِجْتِهَاد الْإِمَام. ‏"
    },
    {
        "id": "2487",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلَنِي يَهُودِيٌّ مِنْ أَهْلِ ‏ ‏الْحِيرَةِ ‏ ‏أَيَّ ‏ ‏الْأَجَلَيْنِ ‏ ‏قَضَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قُلْتُ لَا أَدْرِي حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى ‏ ‏حَبْرِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏فَأَسْأَلَهُ فَقَدِمْتُ ‏ ‏فَسَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا قَالَ فَعَلَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَالِم الْأَفْطَس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَجْلَان الْجَزَرِيِّ , شَامِيّ ثِقَة , لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي الطِّبّ , وَكَذَا الرَّاوِي عَنْهُ مَرْوَان بْن شُجَاع , وَقَدْ تَابَعَ سَالِمًا عَلَى رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث حَكِيم بْن جُبَيْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , وَتَابَعَ سَعِيدًا عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَرَوَاهُ أَيْضًا أَبُو ذَرّ وَأَبُو هُرَيْرَة وَعُتْبَة بْن النُّذَّرِ بِضَمِّ النُّون وَتَشْدِيد الذَّال الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة بَعْدهَا رَاء , وَجَابِر وَأَبُو سَعِيد , وَرَفَعُوهُ كُلّهمْ , وَجَمِيعهَا عِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِير , وَحَدِيث عُتْبَة وَأَبِي ذَرّ عِنْد الْبَزَّار أَيْضًا , وَحَدِيث جَابِر عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَط , وَرِوَايَة عِكْرِمَة فِي مُسْنَد الْحُمَيْدِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلَنِي يَهُودِيّ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَالْحِيرَة بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة بَلَد مَعْرُوف بِالْعِرَاقِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَيّ الْأَجَلَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ الْمُشَار إِلَيْهِمَا فِي قَوْله تَعَالَى : ( ثَمَانِيَ حِجَج فَإِنْ أَتْمَمْت عَشْرًا فَمِنْ عِنْدك ). ‏ ‏قَوْله : ( حَبْر الْعَرَب ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَبِكَسْرِهَا وَرَجَّحَهُ أَبُو عُبَيْد , وَرَجَّحَ اِبْن قُتَيْبَة الْفَتْح وَسُكُون الْمُوَحَّدَة , وَالْمُرَاد بِهِ الْعَالِم الْمَاهِر , وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِهِ سَعِيد لِكَوْنِهَا مُسْتَعْمَلَة عِنْد الَّذِي خَاطَبَهُ , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا أَنَّ جِبْرِيل سَمَّاهُ بِذَلِكَ , وَمُرَاده بِالْقُدُومِ عَلَى اِبْن عَبَّاس أَيْ بِمَكَّة. ‏ ‏قَوْله : ( قَضَى أَكْثَرهمَا وَأَطْيَبهمَا ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ سَعِيد بْن جُبَيْر مَوْقُوفًا , وَهُوَ فِي حُكْم الْمَرْفُوع لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ لَا يَعْتَمِد عَلَى أَهْل الْكِتَاب كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. وَذَكَرَ اِبْن دُرَيْدٍ فِي \" الْمَنْثُور \" أَنَّ عَبْد اللَّه بْن سَعْد بْن أَبِي سَرْح لَمَّا غَزَا الْمَغْرِب أَرْسَلَ إِلَى اِبْن عَبَّاس جُرَيْجًا فَكَلَّمَهُ فَقَالَ : مَا يَنْبَغِي لِهَذَا إِلَّا أَنْ يَكُون حَبْر الْعَرَب , وَقَدْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ جِبْرِيل : أَيّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ قَالَ : أَتَمَّهُمَا وَأَكْمَلهمَا \" أَخْرَجَهُ الْحَاكِم , وَفِي حَدِيث جَابِر \" أَوْفَاهُمَا \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" أَتَمّهمَا وَأَطْيَبهمَا عَشْر سِنِينَ \" وَالْمُرَاد بِالْأَطْيَبِ أَيْ فِي نَفْس شُعَيْب. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَالَ فَعَلَ ) ‏ ‏الْمُرَاد بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ اِتَّصَفَ بِذَلِكَ وَلَمْ يُرِدْ شَخْصًا بِعَيْنِهِ. وَفِي رِوَايَة حَكِيم بْن جُبَيْر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا وَعَدَ لَمْ يُخْلِف \" زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ الطَّرِيق الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ \" قَالَ سَعِيد : فَلَقِيَنِي الْيَهُودِيّ فَأَعْلَمْته بِذَلِكَ , فَقَالَ : صَاحِبك وَاَللَّه عَالِم \" وَالْغَرَض مِنْ ذِكْر هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب بَيَان تَوْكِيد الْوَفَاء بِالْوَعْدِ , لِأَنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْزِم بِوَفَاءِ الْعَشْر , وَمَعَ ذَلِكَ فَوَفَّاهَا فَكَيْفَ لَوْ جَزَمَ. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : لَمَّا رَأَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام طَمَع شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام مُتَعَلِّقًا بِالزِّيَادَةِ لَمْ يَقْتَضِ كَرِيم أَخْلَاقه أَنْ يُخَيِّب ظَنَّهُ فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2488",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ ‏ ‏أَهْلَ الْكِتَابِ ‏ ‏وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ بِاللَّهِ تَقْرَءُونَهُ لَمْ يُشَبْ وَقَدْ حَدَّثَكُمْ اللَّهُ أَنَّ ‏ ‏أَهْلَ الْكِتَابِ ‏ ‏بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمْ الْكِتَابَ فَقَالُوا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ‏ { ‏لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ‏} ‏أَفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنْ الْعِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ وَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَنْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَا مَعْشَر الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْل الْكِتَاب ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَكِتَابكُمْ ) ‏ ‏أَيْ الْقُرْآن. ‏ ‏قَوْله : ( أَحْدَث الْأَخْبَار بِاَللَّهِ ) ‏ ‏أَيْ أَقْرَبهَا نُزُولًا إِلَيْكُمْ مِنْ عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , فَالْحَدِيث بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَنْزُول إِلَيْهِمْ وَهُوَ فِي نَفْسه قَدِيم , ‏ ‏وَقَوْله : ( لَمْ يُشَبْ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُعْجَمَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة أَيْ لَمْ يُخْلَط , وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث جَابِر مَرْفُوعًا \" لَا تَسْأَلُوا أَهْل الْكِتَاب عَنْ شَيْء فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا \" الْحَدِيث. وَسَيَأْتِي مَزِيد بَسْط فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا الرَّدّ عَلَى مَنْ يَقْبَل شَهَادَة أَهْل الْكِتَاب , وَإِذَا كَانَتْ أَخْبَارهمْ لَا تُقْبَل فَشَهَادَتهمْ مَرْدُودَة بِالْأَوْلَى ; لِأَنَّ بَاب الشَّهَادَة أَضْيَق مِنْ بَاب الرِّوَايَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2489",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الشَّعْبِيُّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَثَلُ ‏ ‏الْمُدْهِنِ ‏ ‏فِي حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا مَثَلُ قَوْمٍ ‏ ‏اسْتَهَمُوا ‏ ‏سَفِينَةً فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلَاهَا فَكَانَ الَّذِي فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا فَتَأَذَّوْا بِهِ فَأَخَذَ فَأْسًا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ فَأَتَوْهُ فَقَالُوا مَا لَكَ قَالَ تَأَذَّيْتُمْ بِي وَلَا بُدَّ لِي مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ ‏ ‏أَخَذُوا ‏ ‏عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْنُعْمَان بْن بَشِير : ‏ ‏قَوْله : ( مِثْل الْمُدْهِن ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْهَاء بَعْدهَا نُون أَيْ الْمُحَابِي بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَة وَالْمُدْهِن وَالْمُدَاهِن وَاحِد , وَالْمُرَاد بِهِ مَنْ يُرَائِي وَيُضَيِّع الْحُقُوق وَلَا يُغَيِّر الْمُنْكَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْوَاقِع فِيهَا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَامِر وَهُوَ الشَّعْبِيّ \" مَثَل الْقَائِم عَلَى حُدُود اللَّه وَالْوَاقِع فِيهَا \" وَهُوَ أَصْوَب لِأَنَّ الْمُدْهِن وَالْوَاقِع أَيْ مُرْتَكِبهَا فِي الْحُكْم وَاحِد , وَالْقَائِم مُقَابِله. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي الشَّرِكَة \" مَثَل الْقَائِم عَلَى حُدُود اللَّه وَالْوَاقِع فِيهَا \" وَهَذَا يَشْمَل الْفِرَق الثَّلَاث وَهُوَ النَّاهِي عَنْ الْمَعْصِيَة وَالْوَاقِع فِيهَا وَالْمُرَائِي فِي ذَلِكَ , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا هُنَا \" مَثَل الْوَاقِع فِي حُدُود اللَّه تَعَالَى وَالنَّاهِي عَنْهَا \" وَهُوَ الْمُطَابِق لِلْمَثَلِ الْمَضْرُوب فَإِنَّهُ لَمْ يَقَع فِيهِ إِلَّا ذِكْر فِرْقَتَيْنِ فَقَطْ لَكِنْ إِذَا كَانَ الْمُدَاهِن مُشْتَرِكًا فِي الذَّمّ مَعَ الْوَاقِع صَارَا بِمَنْزِلَةِ فِرْقَة وَاحِدَة , وَبَيَان وُجُود الْفِرَق الثَّلَاث فِي الْمَثَل الْمَضْرُوب أَنَّ الَّذِينَ أَرَادُوا خَرْق السَّفِينَة بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِع فِي حُدُود اللَّه , ثُمَّ مَنْ عَدَاهُمْ إِمَّا مُنْكِر وَهُوَ الْقَائِم , وَإِمَّا سَاكِت وَهُوَ الْمُدْهِن. وَحَمَلَ اِبْن التِّين قَوْله هُنَا \" الْوَاقِع فِيهَا \" عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْقَائِم فِيهَا وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَة ) أَيْ قَامَتْ الْقِيَامَة وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ , وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَمَّا وَقَعَ فِي الشَّرِكَة مِنْ مُقَابَلَة الْوَاقِع بِالْقَائِمِ , وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش بِلَفْظِ \" مَثَل الْقَائِم عَلَى حُدُود اللَّه وَالْمُدْهِن فِيهَا \" وَهُوَ مُسْتَقِيم. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَالَ فِي الشَّرِكَة \" مَثَل الْقَائِم \" وَهُنَا \" مَثَل الْمُدْهِن \" وَهُمَا نَقِيضَانِ , فَإِنَّ الْقَائِم هُوَ الْآمِر بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُدْهِن هُوَ التَّارِك لَهُ , ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ حَيْثُ قَالَ الْقَائِم نَظَرَ إِلَى جِهَة النَّجَاة , وَحَيْثُ قَالَ الْمُدْهِن نَظَرَ إِلَى جِهَة الْهَلَاك وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّشْبِيه مُسْتَقِيم عَلَى الْحَالَيْنِ. قُلْت : كَيْفَ يَسْتَقِيم هُنَا الِاقْتِصَار عَلَى ذِكْر الْمُدْهِن وَهُوَ التَّارِك لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَعَلَى ذِكْر الْوَاقِع فِي الْحَدّ وَهُوَ الْعَاصِي وَكِلَاهُمَا هَالِك , فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الصَّوَاب مَا تَقَدَّمَ. وَالْحَاصِل أَنَّ بَعْض الرُّوَاة ذَكَرَ الْمُدْهِن وَالْقَائِم وَبَعْضهمْ ذَكَرَ الْوَاقِع وَالْقَائِم وَبَعْضهمْ جَمَعَ الثَّلَاثَة , وَأَمَّا الْجَمْع بَيْن الْمُدْهِن وَالْوَاقِع دُون الْقَائِم فَلَا يَسْتَقِيم. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَهَمُوا سَفِينَة ) ‏ ‏أَيْ اِقْتَرَعُوهَا , فَأَخَذَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ سَهْمًا أَيْ نَصِيبًا مِنْ السَّفِينَة بِالْقُرْعَةِ بِأَنْ تَكُون مُشْتَرَكَة بَيْنهمْ إِمَّا بِالْإِجَارَةِ وَإِمَّا بِالْمِلْكِ , وَإِنَّمَا تَقَع الْقُرْعَة بَعْد التَّعْدِيل , ثُمَّ يَقَع التَّشَاحّ فِي الْأَنْصِبَة فَتَقَع الْقُرْعَة لِفَصْلِ النِّزَاع كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ اِبْن التِّين : وَإِنَّمَا يَقَع ذَلِكَ فِي السَّفِينَة وَنَحْوهَا فِيمَا إِذَا نَزَلُوهَا مَعًا , أَمَّا لَوْ سَبَقَ بَعْضهمْ بَعْضًا فَالسَّابِق أَحَقّ بِمَوْضِعِهِ. قُلْت : وَهَذَا فِيمَا إِذَا كَانَتْ مُسَبَّلَة مَثَلًا , أَمَّا لَوْ كَانَتْ مَمْلُوكَة لَهُمْ مَثَلًا فَالْقُرْعَة مَشْرُوعَة إِذَا تَنَازَعُوا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَأَذَّوْا بِهِ ) ‏ ‏أَيْ بِالْمَارِّ عَلَيْهِمْ بِالْمَاءِ حَالَة السَّقْي. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذَ فَأْسًا ) ‏ ‏بِهَمْزَةٍ سَاكِنَة مَعْرُوف وَيُؤَنَّث. ‏ ‏قَوْله : ( يَنْقُر ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون النُّون وَضَمّ الْقَاف أَيْ يَحْفِر لِيَخْرِقهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ مَنَعُوهُ مِنْ الْحَفْر ‏ ‏( أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهمْ ) ‏ ‏هُوَ تَفْسِير لِلرِّوَايَةِ الْمَاضِيَة فِي الشَّرِكَة حَيْثُ قَالَ : \" نَجَوْا وَنَجَوْا \" أَيْ كُلّ مِنْ الْآخِذِينَ وَالْمَأْخُوذِينَ , وَهَكَذَا إِقَامَة الْحُدُود يَحْصُل بِهَا النَّجَاة لِمَنْ أَقَامَهَا وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ , وَإِلَّا هَلَكَ الْعَاصِي بِالْمَعْصِيَةِ وَالسَّاكِت بِالرِّضَا بِهَا. قَالَ الْمُهَلَّب وَغَيْره : فِي هَذَا الْحَدِيث تَعْذِيب الْعَامَّة بِذَنْبِ الْخَاصَّة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ التَّعْذِيب الْمَذْكُور إِذَا وَقَعَ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقّهُ فَإِنَّهُ يُكَفِّر مِنْ ذُنُوب مَنْ وَقَعَ بِهِ أَوْ يَرْفَع مِنْ دَرَجَته. وَفِيهِ اِسْتِحْقَاق الْعُقُوبَة بِتَرْكِ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ , وَتَبْيِين الْعَالِم الْحُكْم بِضَرْبِ الْمَثَل , وَوُجُوب الصَّبْر عَلَى أَذَى الْجَار إِذَا خَشِيَ وُقُوع مَا هُوَ أَشَدّ ضَرَرًا , وَأَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ السُّفْل أَنْ يُحْدِث عَلَى صَاحِب الْعُلْو مَا يَضُرّ بِهِ , وَأَنَّهُ إِنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ ضَرَرًا لَزِمَهُ إِصْلَاحه , وَأَنَّ لِصَاحِبِ الْعُلْو مَنْعه مِنْ الضَّرَر. وَفِيهِ جَوَاز قِسْمَة الْعَقَار الْمُتَفَاوِت بِالْقُرْعَةِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ عُلْو وَسُفْل. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ حَدِيث النُّعْمَان هَذَا فِي بَعْض النُّسَخ مُقَدَّمًا عَلَى حَدِيث أُمّ الْعَلَاء , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَطَائِفَة كَمَا أَوْرَدْته. ‏"
    },
    {
        "id": "2490",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ الْعَلَاءِ ‏ ‏امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِمْ قَدْ بَايَعَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ ‏ ‏طَارَ لَهُ سَهْمُهُ فِي السُّكْنَى حِينَ أَقْرَعَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏سُكْنَى ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أُمُّ الْعَلَاءِ ‏ ‏فَسَكَنَ عِنْدَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ‏ ‏فَاشْتَكَى فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى إِذَا تُوُفِّيَ وَجَعَلْنَاهُ فِي ثِيَابِهِ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ ‏ ‏أَبَا السَّائِبِ ‏ ‏فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ فَقَالَ لِي ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ فَقُلْتُ لَا أَدْرِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَّا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏فَقَدْ جَاءَهُ وَاللَّهِ الْيَقِينُ وَإِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِهِ قَالَتْ فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا وَأَحْزَنَنِي ذَلِكَ قَالَتْ فَنِمْتُ فَأُرِيتُ ‏ ‏لِعُثْمَانَ ‏ ‏عَيْنًا تَجْرِي فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ذَاكِ عَمَلُهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُمّ الْعَلَاء فِي قِصَّة عُثْمَان بْن مَظْعُون , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَائِل الْجَنَائِز , وَيَأْتِي فِي الْهِجْرَة شَيْء مِنْ تَرْجَمَة أُمّ الْعَلَاء الْمَذْكُورَة وَعُثْمَان بْن مَظْعُون , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْلهَا فِيهِ : \" إِنَّ عُثْمَان بْن مَظْعُون طَارَ لَهُ سَهْمه فِي السُّكْنَى \" وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ لَمَّا دَخَلُوا الْمَدِينَة لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَسَاكِن , فَاقْتَرَعَ الْأَنْصَار فِي إِنْزَالهمْ , فَصَارَ عُثْمَان بْن مَظْعُون لِآلِ أُمّ الْعَلَاء فَنَزَلَ فِيهِمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "2491",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا غَيْرَ أَنَّ ‏ ‏سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ ‏ ‏وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا ‏ ‏لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْن نِسَائِهِ \" وَهُوَ طَرَف مِنْ أَوَّل حَدِيث الْإِفْك , وَبَاقِيه يَتَعَلَّق بِالْقَسْمِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَاب هِبَة الْمَرْأَة لِغَيْرِ زَوْجهَا وَسَبَقَتْ الْإِشَارَة إِلَى مَحَلّ شَرْحه هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2492",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ ‏ ‏يَسْتَهِمُوا ‏ ‏عَلَيْهِ ‏ ‏لَاسْتَهَمُوا ‏ ‏وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي ‏ ‏التَّهْجِيرِ ‏ ‏لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي ‏ ‏الْعَتَمَةِ ‏ ‏وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَوْ يَعْلَم النَّاس مَا فِي النِّدَاء وَالصَّفّ الْأَوَّل ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي أَبْوَاب الْأَذَان مِنْ كِتَاب الصَّلَاة , وَالْغَرَض مِنْهُ مَشْرُوعِيَّة الْقُرْعَة لِأَنَّ الْمُرَاد بِالِاسْتِهَامِ هُنَا الْإِقْرَاع وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه هُنَاكَ. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الشَّهَادَات وَمَا اِتَّصَلَ بِهِ مِنْ الْقُرْعَة وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى سِتَّة وَسَبْعِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا أَحَد عَشَر حَدِيثًا وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِص ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى خَمْسَة أَحَادِيث وَهِيَ حَدِيث عُمَر \" كَانَ النَّاس يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ \" وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر فِي قِصَّة الْإِفْك , وَحَدِيث الْقَاسِم بْن مُحَمَّد فِيهِ وَهُوَ مُرْسَل , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الِاسْتِهَام فِي الْيَمِين , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْإِنْكَار عَلَى مَنْ يَأْخُذ عَنْ أَهْل الْكِتَاب. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ثَلَاثَة وَسَبْعُونَ أَثَرًا. وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2493",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ أُنَاسًا مِنْ ‏ ‏بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ‏ ‏يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَمْ يَأْتِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَاءَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏فَأَذَّنَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏بِالصَّلَاةِ وَلَمْ يَأْتِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَاءَ إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حُبِسَ وَقَدْ حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ فَقَالَ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَتَقَدَّمَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَأَخَذَ النَّاسُ ‏ ‏بِالتَّصْفِيحِ ‏ ‏حَتَّى أَكْثَرُوا وَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏لَا يَكَادُ يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَاءَهُ فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ فَأَمَرَهُ أَنْ ‏ ‏يُصَلِّيَ كَمَا هُوَ فَرَفَعَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَدَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ ‏ ‏الْقَهْقَرَى ‏ ‏وَرَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ فِي الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ‏ ‏إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ أَخَذْتُمْ ‏ ‏بِالتَّصْفِيحِ ‏ ‏إِنَّمَا ‏ ‏التَّصْفِيحُ ‏ ‏لِلنِّسَاءِ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا الْتَفَتَ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏مَا مَنَعَكَ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ لَمْ تُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقَالَ مَا كَانَ يَنْبَغِي ‏ ‏لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ ‏ ‏أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي ذَهَابه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْإِصْلَاح بَيْن بَنِي عَمْرو بْن عَوْف , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْإِمَامَة , وَهُوَ ظَاهِر فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2494",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قِيلَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ أَتَيْتَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ‏ ‏فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَكِبَ حِمَارًا فَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ مَعَهُ ‏ ‏وَهِيَ أَرْضٌ ‏ ‏سَبِخَةٌ ‏ ‏فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ إِلَيْكَ عَنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏مِنْهُمْ وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ فَغَضِبَ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَشَتَمَهُ فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ فَبَلَغَنَا أَنَّهَا أُنْزِلَتْ ‏ { ‏وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُعْتَمِر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. وَوَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ فِي آخِر الْحَدِيث مَا نَصّه : قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه - وَهُوَ الْمُصَنِّف - هَذَا مَا اِنْتَخَبْته مِنْ حَدِيث مُسَدَّد قَبْل أَنْ يَجْلِس وَيُحَدِّث. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَنَسًا قَالَ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِتَحْدِيثِ أَنَس لِسُلَيْمَان التَّيْمِيِّ , وَأَعَلَّهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّ سُلَيْمَان لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ أَنَس , وَاعْتَمَدَ عَلَى رِوَايَة الْمِقَدِّمِيّ عَنْ مُعْتَمِر عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ أَنَس بْن مَالِك. ‏ ‏قَوْله : ( قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الْقَائِل. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ أَتَيْت عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن سَلُول الْخَزْرَجِيّ الْمَشْهُور بِالنِّفَاقِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهِيَ أَرْض سَبِخَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُعْجَمَة أَيْ ذَات سِبَاخ , وَهِيَ الْأَرْض الَّتِي لَا تُنْبِت , وَكَانَتْ تِلْكَ صِفَة الْأَرْض الَّتِي مَرَّ بِهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ ذَاكَ , وَذَكَرَ ذَلِكَ لِلتَّوْطِئَةِ لِقَوْلِ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ إِذْ تَأَذَّى بِالْغُبَارِ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار مِنْهُمْ إِلَخْ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه أَيْضًا ; وَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّهُ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة , وَرَأَيْت بِخَطِّ الْقُطْب أَنَّ السَّابِق إِلَى ذَلِكَ الدِّمْيَاطِيّ وَلَمْ يَذْكُر مُسْتَنَده فِي ذَلِكَ فَتَتَبَّعْت ذَلِكَ فَوَجَدْت حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد الْآتِي فِي تَفْسِير آل عِمْرَانَ بِنَحْوِ قِصَّة أَنَس , وَفِيهِ أَنَّهُ وَقَعَتْ بَيْن عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة وَبَيْن عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ مُرَاجَعَة , لَكِنَّهَا فِي غَيْر مَا يَتَعَلَّق بِاَلَّذِي ذُكِرَ هُنَا , فَإِنْ كَانَتْ الْقِصَّة مُتَّحِدَة اِحْتَمَلَ ذَلِكَ , لَكِنْ سِيَاقهَا ظَاهِر فِي الْمُغَايَرَة , لِأَنَّ فِي حَدِيث أُسَامَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ عِيَادَة سَعْد بْن عُبَادَةَ فَمَرَّ بِعَبْدِ اللَّه بْن أُبَيّ. وَفِي حَدِيث أَنَس هَذَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُعِيَ إِلَى إِتْيَان عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , وَيَحْتَمِل اِتِّحَادهمَا بِأَنَّ الْبَاعِث عَلَى تَوَجُّهه الْعِيَادَة فَاتَّفَقَ مُرُوره بِعَبْدِ اللَّه بْن أُبَيّ فَقِيلَ لَهُ حِينَئِذٍ لَوْ أَتَيْته فَأَتَاهُ , وَيَدُلّ عَلَى اِتِّحَادهمَا أَنَّ فِي حَدِيث أُسَامَة \" فَلَمَّا غَشِيَتْ الْمَجْلِس عَجَاجَة الدَّابَّة خَمَّرَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ أَنْفه بِرِدَائِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أُبَيّ ‏ ‏( رَجُل مِنْ قَوْمه ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( فَشَتَمَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ أَيْ شَتَمَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا الْآخَر , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ فَشَتَمَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( ضَرَبَ بِالْجَرِيدِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْجِيمِ وَالرَّاء , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِالْحَدِيدِ \" بِالْمُهْمَلَةِ وَالدَّال , وَالْأَوَّل أَصْوَب. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أُسَامَة \" فَلَمْ يَزَلْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْفِضهُمْ حَتَّى سَكَتُوا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَبَلَغَنَا ) ‏ ‏الْقَائِل ذَلِكَ هُوَ أَنَس بْن مَالِك , بَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة مِنْ طَرِيق الْمِقَدِّمِيّ فَقَالَ فِي آخِره : \" قَالَ أَنَس : فَأُنْبِئْت أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمْ \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الَّذِي أَنْبَأَ أَنَسًا بِذَلِكَ , وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي حَدِيث أُسَامَة بَلْ فِي آخِره \" وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه يَعْفُونَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْل الْكِتَاب كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّه , وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذَى \" إِلَى آخِر الْحَدِيث. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ اِبْن بَطَّال نُزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة وَهِيَ قَوْله : ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا ) فِي هَذِهِ الْقِصَّة , لِأَنَّ الْمُخَاصَمَة وَقَعَتْ بَيْن مَنْ كَانَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَصْحَابه وَبَيْن أَصْحَاب عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , وَكَانُوا إِذْ ذَاكَ كُفَّارًا فَكَيْفَ يَنْزِل فِيهِمْ : ( طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ) وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ قِصَّة أَنَس وَأُسَامَة مُتَّحِدَة , فَإِنَّ فِي رِوَايَة أُسَامَة فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ. قُلْت : يُمْكِن أَنْ يُحْمَل عَلَى التَّغْلِيب , مَعَ أَنَّ فِيهَا إِشْكَالًا مِنْ جِهَة أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ حَدِيث أُسَامَة صَرِيح فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل وَقْعَة بَدْر وَقَبْل أَنْ يُسْلِم عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَأَصْحَابه , وَالْآيَة الْمَذْكُورَة فِي الْحُجُرَات وَنُزُولهَا مُتَأَخِّر جِدًّا وَقْت مَجِيء الْوُفُود , لَكِنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون آيَة الْإِصْلَاح نَزَلَتْ قَدِيمًا فَيَنْدَفِع الْإِشْكَال. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏الْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث أَنَس مُغَايِرَة لِلْقِصَّةِ الَّتِي فِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد الَّذِي قَبْله , لِأَنَّ قِصَّة سَهْل فِي بَنِي عَمْرو بْن عَوْف وَهُمْ مِنْ الْأَوْس وَكَانَتْ مَنَازِلهمْ بِقُبَاء , وَقِصَّة أَنَس فِي رَهْط عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَسَعْد بْن عُبَادَةَ وَهُمْ مِنْ الْخَزْرَج وَكَانَتْ مَنَازِلهمْ بِالْعَالِيَةِ , وَلَمْ أَقِف عَلَى سَبَب الْمُخَاصَمَة بَيْن بَنِي عَمْرو بْن عَوْف فِي حَدِيث سَهْل وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏وَفِي الْحَدِيث بَيَان مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّفْح وَالْحِلْم وَالصَّبْر عَلَى الْأَذَى فِي اللَّه وَالدُّعَاء إِلَى اللَّه وَتَأْلِيف الْقُلُوب عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّ رُكُوب الْحِمَار لَا نَقْص فِيهِ عَلَى الْكِبَار. ‏ ‏وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَة عَلَيْهِ مِنْ تَعْظِيم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَدَب مِنْهُ وَالْمَحَبَّة الشَّدِيدَة , وَأَنَّ الَّذِي يُشِير عَلَى الْكَبِير بِشَيْءٍ يُورِدهُ بِصُورَةِ الْعَرْض عَلَيْهِ لَا الْجَزْم. ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز الْمُبَالَغَة فِي الْمَدْح لِأَنَّ الصَّحَابِيّ أَطْلَقَ أَنَّ رِيح الْحِمَار أَطْيَب مِنْ رِيح عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَأَقَرَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2495",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أُمَّهُ ‏ ‏أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا ‏ ‏سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَالِح ) ‏ ‏هُوَ اِبْن كَيْسَانَ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَفِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق , وَأُمّ كُلْثُوم بِنْت عُقْبَةَ أَيْ اِبْن أَبِي مُعَيْطٍ الْأُمَوِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَنْمِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الْمِيم أَيْ يُبَلِّغ , تَقُول نَمَيْت الْحَدِيث أَنْمِيهِ إِذَا بَلَّغْته عَلَى وَجْه الْإِصْلَاح وَطَلَب الْخَيْر , فَإِذَا بَلَّغْته عَلَى وَجْه الْإِفْسَاد وَالنَّمِيمَة قُلْت نَمَّيْته بِالتَّشْدِيدِ كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُور , وَادَّعَى الْحَرْبِيّ أَنَّهُ لَا يُقَال إِلَّا نَمَّيْته بِالتَّشْدِيدِ , قَالَ : وَلَوْ كَانَ يَنْمِي بِالتَّخْفِيفِ لَلَزِمَ أَنْ يَقُول خَيْر بِالرَّفْعِ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْأَثِير بِأَنَّ \" خَيْرًا \" اِنْتَصَبَ بِيَنَمِي كَمَا يَنْتَصِب بِقَالَ , وَهُوَ وَاضِح جِدًّا يُسْتَغْرَب مِنْ خَفَاء مِثْله عَلَى الْحَرْبِيّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة \" الْمُوَطَّأ \" يُنْمِي بِضَمِّ أَوَّله , وَحَكَى اِبْن قُرْقُول عَنْ رِوَايَة اِبْن الدَّبَّاغ بِضَمِّ أَوَّله وَبِالْهَاءِ بَدَل الْمِيم قَالَ : وَهُوَ تَصْحِيف , وَيُمْكِن تَخْرِيجه عَلَى مَعْنَى يُوصِل تَقُول : أَنْهَيْت إِلَيْهِ كَذَا إِذَا أَوْصَلْته. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ يَقُول خَيْرًا ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي , قَالَ الْعُلَمَاء : الْمُرَاد هُنَا أَنَّهُ يُخْبِر بِمَا عَلِمَهُ مِنْ الْخَيْر وَيَسْكُت عَمَّا عَلِمَهُ مِنْ الشَّرّ وَلَا يَكُون ذَلِكَ كَذِبًا لِأَنَّ الْكَذِب الْإِخْبَار بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَاف مَا هُوَ بِهِ , وَهَذَا سَاكِت , وَلَا يُنْسَب لِسَاكِتٍ قَوْل. وَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَنْ قَالَ : يُشْتَرَط فِي الْكَذِب الْقَصْد إِلَيْهِ لِأَنَّ هَذَا سَاكِت , وَمَا زَادَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ فِي آخِره \" وَلَمْ أَسْمَعهُ يُرَخِّص فِي شَيْء مِمَّا يَقُول النَّاس إِنَّهُ كَذِب إِلَّا فِي ثَلَاث \" فَذَكَرَهَا , وَهِيَ الْحَرْب وَحَدِيث الرَّجُل لِامْرَأَتِهِ وَالْإِصْلَاح بَيْن النَّاس , وَأَوْرَدَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ عَنْ اِبْن شِهَاب , وَهَذِهِ الزِّيَادَة مُدْرَجَة , بَيَّنَ ذَلِكَ مُسْلِم فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيث قَالَ : وَقَالَ الزُّهْرِيُّ. وَكَذَا أَخْرَجَهَا مُفْرَدَة مِنْ رِوَايَة يُونُس وَقَالَ : يُونُس أَثْبَتُ فِي الزُّهْرِيِّ مِنْ غَيْره , وَجَزَمَ مُوسَى بْن هَارُون وَغَيْره بِإِدْرَاجِهَا , وَرُوِّينَاهُ فِي \" فَوَائِد اِبْن أَبِي مَيْسَرَة \" مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَهَّاب بْن رُفَيْع عَنْ اِبْن شِهَاب فَسَاقَهُ بِسَنَدِهِ مُقْتَصِرًا عَلَى الزِّيَادَة وَهُوَ وَهْم شَدِيد , قَالَ الطَّبَرِيُّ : ذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى جَوَاز الْكَذِب لِقَصْدِ الْإِصْلَاح وَقَالُوا : إِنَّ الثَّلَاث الْمَذْكُورَة كَالْمِثَالِ , وَقَالُوا : الْكَذِب الْمَذْمُوم إِنَّمَا هُوَ فِيمَا فِيهِ مَضَرَّة , أَوْ مَا لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَة. وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَجُوز الْكَذِب فِي شَيْء مُطْلَقًا وَحَمَلُوا الْكَذِب الْمُرَاد هُنَا عَلَى التَّوْرِيَة وَالتَّعْرِيض كَمَنْ يَقُول لِلظَّالِمِ : دَعَوْت لَك أَمْسِ , وَهُوَ يُرِيد قَوْله اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ. وَيَعِد اِمْرَأَته بِعَطِيَّةِ شَيْء وَيُرِيد إِنْ قَدَّرَ اللَّه ذَلِكَ. وَأَنْ يُظْهِر مِنْ نَفْسه قُوَّة. قُلْت : وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره , وَبِالثَّانِي جَزَمَ الْمُهَلَّب وَالْأَصِيلِيّ وَغَيْرهمَا , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب الْكَذِب فِي الْحَرْب \" فِي أَوَاخِر الْجِهَاد مَزِيد لِهَذَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْكَذِبِ فِي حَقّ الْمَرْأَة وَالرَّجُل إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يُسْقِط حَقًّا عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا أَوْ أَخْذ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ لَهَا , وَكَذَا فِي الْحَرْب فِي غَيْر التَّأْمِين. وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَاز الْكَذِب عِنْد الِاضْطِرَار , كَمَا لَوْ قَصَدَ ظَالِم قَتْل رَجُل وَهُوَ مُخْتَفٍ عِنْده فَلَهُ أَنْ يَنْفِي كَوْنه عِنْده وَيَحْلِف عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَأْثَم. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2496",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ ‏ ‏وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ أَهْلَ ‏ ‏قُبَاءٍ ‏ ‏اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِذَلِكَ فَقَالَ ‏ ‏اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ ‏",
        "sharh": "وَقَوْله فِي أَوَّل الْإِسْنَاد \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ وَأَبِي أَحْمَد الجُّرْجَانِيّ بِإِسْقَاطِهِ فَصَارَ الْحَدِيث عِنْدهمَا عَنْ الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْد الْعَزِيز وَإِسْحَاق , وَعَبْد الْعَزِيز الْأُوَيْسِيّ مِنْ مَشَايِخ الْبُخَارِيّ وَهُوَ الَّذِي أَخْرَجَ عَنْهُ الْحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب قَبْله , وَرَوَى عَنْهُ هَذَا بِوَاسِطَةٍ , وَكَذَلِكَ إِسْحَاق بْن مُحَمَّد الْفَرَوِيّ حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ وَبِغَيْرِ وَاسِطَة , وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر شَيْخهمَا هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ. وَأَمَّا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْمَذْكُور فَجَزَمَ الْحَاكِم بِأَنَّهُ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن خَالِد بْن فَارِس الذُّهْلِيُّ , نَسَبَهُ إِلَى جَدّه. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2497",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ { ‏وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ‏} ‏قَالَتْ ‏ ‏هُوَ الرَّجُلُ يَرَى مِنْ امْرَأَتِهِ مَا لَا يُعْجِبُهُ كِبَرًا أَوْ غَيْرَهُ فَيُرِيدُ فِرَاقَهَا فَتَقُولُ أَمْسِكْنِي وَاقْسِمْ لِي مَا شِئْتَ قَالَتْ فَلَا بَأْسَ إِذَا تَرَاضَيَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2498",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَا ‏ ‏جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ صَدَقَ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ إِنَّ ابْنِي كَانَ ‏ ‏عَسِيفًا ‏ ‏عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَقَالُوا لِي عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ فَفَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَقَالُوا إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ أَمَّا الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَمَّا أَنْتَ يَا ‏ ‏أُنَيْسُ ‏ ‏لِرَجُلٍ فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا فَغَدَا عَلَيْهَا ‏ ‏أُنَيْسٌ ‏ ‏فَرَجَمَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَزَيْد بْن خَالِد فِي قِصَّة الْعَسِيف , وَسَيَأْتِي شَرْحهَا مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحُدُود إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله فِي الْحَدِيث \" الْوَلِيدَة وَالْغَنَم رَدّ عَلَيْك \" لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الصُّلْح عَمَّا وَجَبَ عَلَى الْعَسِيف مِنْ الْحَدّ , وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ لَا يَجُوز فِي الشَّرْع كَانَ جَوْرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2499",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ ‏ ‏وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَعْقُوب ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب , وَانْفَرَدَ اِبْن السَّكَن بِقَوْلِهِ : \" يَعْقُوب بْن مُحَمَّد \" , وَوَقَعَ نَظِير هَذَا فِي الْمَغَازِي فِي \" بَاب فَضْل مَنْ شَهِدَ بَدْرًا \" قَالَ الْبُخَارِيّ : \" حَدَّثَنَا يَعْقُوب حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" فَوَقَعَ عِنْد اِبْن السَّكَن \" يَعْقُوب بْن مُحَمَّد \" أَيْ الزُّهْرِيّ , وَعِنْد الْأَكْثَر غَيْر مَنْسُوب , لَكِنْ قَالَ أَبُو ذَرّ فِي رِوَايَته فِي الْمَغَازِي \" يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم أَيْ الدَّوْرَقِيّ \" وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ فِي الطَّهَارَة \" عَنْ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة حَدَّثَنَا \" فَنَسَبَهُ أَبُو ذَرّ فِي رِوَايَته فَقَالَ : \" الدَّوْرَقِيّ \" وَجَزَمَ الْحَاكِم بِأَنَّ يَعْقُوب الْمَذْكُور هُنَا هُوَ اِبْن مُحَمَّد كَمَا فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن , وَجَزَمَ أَبُو أَحْمَد الْحَاكِم وَابْن مَنْدَهْ وَالْحَبَّال وَآخَرُونَ بِأَنَّهُ يَعْقُوب بْن حُمَيْدِ بْن كَاسِب , وَرَدَّ ذَلِكَ الْبُرْقَانِيّ بِأَنَّ يَعْقُوب بْن حُمَيْدٍ لَيْسَ مِنْ شَرْطه , وَجَوَّزَ أَبُو مَسْعُود أَنَّهُ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد , وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يَلْقَهُ فَإِنَّهُ مَاتَ قَبْل أَنْ يَرْحَل , وَأَجَابَ الْبُرْقَانِيّ عَنْهُ بِجَوَازِ سُقُوط الْوَاسِطَة وَهُوَ بَعِيد , وَاَلَّذِي يَتَرَجَّح عِنْدِي أَنَّهُ الدَّوْرَقِيّ حَمْلًا لِمَا أَطْلَقَهُ عَلَى مَا قَيَّدَهُ , وَهَذِهِ عَادَة الْبُخَارِيّ لَا يُهْمِل نِسْبَة الرَّاوِي إِلَّا إِذَا ذَكَرَهَا فِي مَكَان آخَر فَيُهْمِلهَا اِسْتِغْنَاء بِمَا سَبَقَ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ جَزَمَ أَبُو عَلِيّ الصَّدَفِيّ بِأَنَّهُ الدَّوْرَقِيّ , وَكَذَا جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" بِأَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث الَّذِي فِي الصُّلْح عَنْ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَوَقَعَ مَنْسُوبًا كَذَلِكَ فِي مُسْلِم وَقَالَ فِي رِوَايَته \" حَدَّثَنَا أَبِي \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْقَاسِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن خَالِد الْوَاسِطِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ آلِ أَبِي جَهْل أَوْصَى بِوَصَايَا فِيهَا أَثَرَة فِي مَاله , فَذَهَبْت إِلَى الْقَاسِم بْن مُحَمَّد أَسْتَشِيرهُ فَقَالَ الْقَاسِم \" سَمِعْت عَائِشَة \" فَذَكَرَهُ. وَسَيَأْتِي بَيَان الْأَثَرَة الْمَذْكُورَة فِي رِوَايَة الْمَخْرَمِيّ الْمُعَلَّقَة عَنْ الْعَلَاء بْن عَبْد الْجَبَّار. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر الْمَخْرَمِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَفَتْح الرَّاء نِسْبَة إِلَى الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ , فَجَعْفَر هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ , وَرِوَايَته هَذِهِ وَصَلَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي عَامِر الْعَقَدِيّ وَالْبُخَارِيّ فِي \" كِتَاب خَلْق أَفْعَال الْعِبَاد \" كِلَاهُمَا عَنْهُ عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم \" سَأَلْت الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ رَجُل لَهُ مَسَاكِن فَأَوْصَى بِثُلُثِ كُلّ مَسْكَن مِنْهَا قَالَ : يَجْمَع ذَلِكَ كُلّه فِي مَسْكَن وَاحِد \" فَذَكَرَ الْمَتْن بِلَفْظِ \" مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرنَا فَهُوَ رَدّ \" وَلَيْسَ لِعَبْدِ اللَّه بْن جَعْفَر فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَبْد الْوَاحِد بْن أَبِي عَوْن ) ‏ ‏وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد عَنْهُ بِلَفْظِ \" مَنْ فَعَلَ أَمْرًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرنَا فَهُوَ رَدّ \" وَلَيْسَ لِعَبْدِ الْوَاحِد أَيْضًا فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ رُوِّينَاهُ فِي \" كِتَاب السُّنَّة لِأَبِي الْحُسَيْن بْن حَامِد \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ عَبْد الْوَاحِد وَفِيهِ قِصَّة قَالَ : \" عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم قَالَ كَانَ الْفَضْل بْن الْعَبَّاس بْن عُتْبَة بْن أَبِي لَهَب أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ , فَجَعَلَ بَعْضهَا صَدَقَة وَبَعْضهَا مِيرَاثًا وَخَلَطَ فِيهَا , وَأَنَا يَوْمئِذٍ عَلَى الْقَضَاء , فَمَا دَرَيْت كَيْفَ أَقْضِي فِيهَا , فَصَلَّيْت بِجَنْبِ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد فَسَأَلْته فَقَالَ : أَجِزْ مِنْ مَاله الثُّلُث وَصِيَّة , وَرُدَّ سَائِر ذَلِكَ مِيرَاثًا , فَإِنَّ عَائِشَة حَدَّثَتْنِي \" فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد. وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَة دَلَالَة عَلَى أَنَّ قَوْله فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمُتَقَدِّمَة \" مِنْ آلِ أَبِي جَهْل \" وَهْم , وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ آلِ أَبِي لَهَب , وَعَلَى أَنَّ قَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِم \" يَجْمَع ذَلِكَ كُلّه فِي مَسْكَن وَاحِد \" هُوَ بَقِيَّة الْوَصِيَّة وَلَيْسَ هُوَ مِنْ كَلَام الْقَاسِم بْن مُحَمَّد , لَكِنْ صَرَّحَ أَبُو عَوَانَة فِي رِوَايَته بِأَنَّهُ كَلَام الْقَاسِم بْن مُحَمَّد , وَهُوَ مُشْكِل جِدًّا , فَاَلَّذِي أَوْصَى بِثُلُثِ كُلّ مَسْكَن أَوْصَى بِأَمْرٍ جَائِز اِتِّفَاقًا , وَأَمَّا إِلْزَام الْقَاسِم بِأَنْ يَجْمَع فِي مَسْكَن وَاحِد فَفِيهِ نَظَر لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون بَعْض الْمَسَاكِن أَغْلَى قِيمَة مِنْ بَعْض , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون تِلْكَ الْمَسَاكِن مُتَسَاوِيَة فَيَكُون الْأَوْلَى أَنْ تَقَع الْوَصِيَّة بِمَسْكَنٍ وَاحِد مِنْ الثَّلَاثَة , وَلَعَلَّهُ كَانَ فِي الْوَصِيَّة شَيْء زَائِد عَلَى ذَلِكَ يُوجِب إِنْكَارهَا كَمَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ رِوَايَة أَبِي الْحُسَيْن بْن حَامِد وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ الْقُرْطُبِيّ شَارِح مُسْلِم مَا اِسْتَشْكَلْتُهُ , وَأَجَابَ عَنْهُ بِالْحَمْلِ عَلَى مَا إِذَا أَرَادَ أَحَد الْفَرِيقَيْنِ الْفِدْيَة , أَوْ الْمُوصَى لَهُمْ الْقِسْمَة وَتَمْيِيز حَقّه , وَكَانَتْ الْمَسَاكِن بِحَيْثُ يُضَمّ بَعْضهَا إِلَى بَعْض فِي الْقِسْمَة , فَحِينَئِذٍ تَقُوم الْمَسَاكِن قِيمَة التَّعْدِيل وَيَجْمَع نَصِيب الْمُوصَى لَهُمْ فِي مَوْضِع وَاحِد وَيَبْقَى نَصِيب الْوَرَثَة فِيمَا عَدَا ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏وَهَذَا الْحَدِيث مَعْدُود مِنْ أُصُول الْإِسْلَام وَقَاعِدَة مِنْ قَوَاعِده , فَإِنَّ مَعْنَاهُ : مَنْ اِخْتَرَعَ فِي الدِّين مَا لَا يَشْهَد لَهُ أَصْل مِنْ أُصُوله فَلَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ. ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا الْحَدِيث مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَنَى بِحِفْظِهِ وَاسْتِعْمَاله فِي إِبْطَال الْمُنْكَرَات وَإِشَاعَة الِاسْتِدْلَال بِهِ كَذَلِكَ. ‏ ‏وَقَالَ الطَّرْقِيّ : هَذَا الْحَدِيث يَصْلُح أَنْ يُسَمَّى نِصْف أَدِلَّة الشَّرْع , لِأَنَّ الدَّلِيل يَتَرَكَّب مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ , وَالْمَطْلُوب بِالدَّلِيلِ إِمَّا إِثْبَات الْحُكْم أَوْ نَفْيه , وَهَذَا الْحَدِيث مُقَدِّمَة كُبْرَى فِي إِثْبَات كُلّ حُكْم شَرْعِيّ وَنَفْيه , لِأَنَّ مَنْطُوقه مُقَدِّمَة كُلِّيَّة فِي كُلّ دَلِيل نَافٍ لِحُكْمٍ , مِثْل أَنْ يُقَال فِي الْوُضُوء بِمَاءٍ نَجِس : هَذَا لَيْسَ مِنْ أَمْر الشَّرْع , وَكُلّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَرْدُود , فَهَذَا الْعَمَل مَرْدُود. فَالْمُقَدِّمَة الثَّانِيَة ثَابِتَة بِهَذَا الْحَدِيث , وَإِنَّمَا يَقَع النِّزَاع فِي الْأُولَى. وَمَفْهُومه أَنَّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا عَلَيْهِ أَمْر الشَّرْع فَهُوَ صَحِيح , مِثْل أَنْ يُقَال فِي الْوُضُوء بِالنِّيَّةِ : هَذَا عَلَيْهِ أَمْر الشَّرْع , وَكُلّ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَمْر الشَّرْع فَهُوَ صَحِيح. فَالْمُقَدِّمَة الثَّانِيَة ثَابِتَة بِهَذَا الْحَدِيث وَالْأَوْلَى فِيهَا النِّزَاع , فَلَوْ اِتَّفَقَ أَنْ يُوجَد حَدِيث يَكُون مُقَدِّمَة أُولَى فِي إِثْبَات كُلّ حُكْم شَرْعِيّ وَنَفْيه لَاسْتَقَلَّ الْحَدِيثَانِ بِجَمِيعِ أَدِلَّة الشَّرْع , لَكِنْ هَذَا الثَّانِي لَا يُوجَد , فَإِذَا حَدِيث الْبَاب نِصْف أَدِلَّة الشَّرْع وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏وَقَوْله : \" رَدّ \" ‏ ‏مَعْنَاهُ مَرْدُود مِنْ إِطْلَاق الْمَصْدَر عَلَى اِسْم الْمَفْعُول , مِثْل خَلْق وَمَخْلُوق وَنَسْخ وَمَنْسُوخ , وَكَأَنَّهُ قَالَ : فَهُوَ بَاطِل غَيْر مُعْتَدّ بِهِ , وَاللَّفْظ الثَّانِي وَهُوَ قَوْله : \" مَنْ عَمِلَ \" أَعَمّ مِنْ اللَّفْظ الْأَوَّل وَهُوَ قَوْله : \" مَنْ أَحْدَثَ \" فَيُحْتَجّ بِهِ فِي إِبْطَال جَمِيع الْعُقُود الْمَنْهِيَّة وَعَدَم وُجُود ثَمَرَاتهَا الْمُرَتَّبَة عَلَيْهَا , وَفِيهِ رَدّ الْمُحْدَثَات وَأَنَّ النَّهْي يَقْتَضِي الْفَسَاد , لِأَنَّ الْمَنْهِيَّات كُلّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَمْر الدِّين فَيَجِب رَدّهَا , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ حُكْم الْحَاكِم لَا يُغَيِّر مَا فِي بَاطِن الْأَمْر لِقَوْلِهِ : \" لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرنَا \" وَالْمُرَاد بِهِ أَمْر الدِّين , وَفِيهِ أَنَّ الصُّلْح الْفَاسِد مُنْتَقَض , وَالْمَأْخُوذ عَلَيْهِ مُسْتَحَقّ الرَّدّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2500",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَهْلَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏كَتَبَ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏بَيْنَهُمْ كِتَابًا فَكَتَبَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لَا تَكْتُبْ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ لَوْ كُنْتَ رَسُولًا لَمْ نُقَاتِلْكَ فَقَالَ ‏ ‏لِعَلِيٍّ ‏ ‏امْحُهُ فَقَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ فَمَحَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِهِ وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَا يَدْخُلُوهَا إِلَّا ‏ ‏بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ ‏ ‏فَسَأَلُوهُ مَا ‏ ‏جُلُبَّانُ ‏ ‏السِّلَاحِ فَقَالَ الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا صَالَحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْل الْحُدَيْبِيَة كَتَبَ عَلِيّ ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي الشُّرُوط مِنْ حَدِيث الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ بَيَان سَبَب ذَلِكَ مُطَوَّلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2501",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَأَبَى ‏ ‏أَهْلُ مَكَّةَ ‏ ‏أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ كَتَبُوا هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ فَقَالُوا لَا نُقِرُّ بِهَا فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا مَنَعْنَاكَ لَكِنْ أَنْتَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لِعَلِيٍّ ‏ ‏امْحُ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ لَا وَاللَّهِ لَا أَمْحُوكَ أَبَدًا فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْكِتَابَ فَكَتَبَ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏لَا يَدْخُلُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏سِلَاحٌ إِلَّا فِي الْقِرَابِ وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّبِعَهُ وَأَنْ لَا يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا فَلَمَّا دَخَلَهَا وَمَضَى الْأَجَلُ أَتَوْا ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏فَقَالُوا قُلْ لِصَاحِبِكَ اخْرُجْ عَنَّا فَقَدْ مَضَى الْأَجَلُ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَبِعَتْهُمْ ‏ ‏ابْنَةُ ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏يَا عَمِّ يَا عَمِّ فَتَنَاوَلَهَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَالَ ‏ ‏لِفَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ حَمَلَتْهَا فَاخْتَصَمَ فِيهَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏وَزَيْدٌ ‏ ‏وَجَعْفَرٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏أَنَا أَحَقُّ بِهَا وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي وَقَالَ ‏ ‏جَعْفَرٌ ‏ ‏ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي وَقَالَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏ابْنَةُ أَخِي فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِخَالَتِهَا وَقَالَ الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ وَقَالَ ‏ ‏لِعَلِيٍّ ‏ ‏أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ وَقَالَ ‏ ‏لِجَعْفَرٍ ‏ ‏أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي وَقَالَ ‏ ‏لِزَيْدٍ ‏ ‏أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا ‏",
        "sharh": "وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّف هُنَا مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق هَذَا الْحَدِيث أَتَمّ سِيَاقًا مِنْ طَرِيق شُعْبَة , وَيَأْتِي شَرْحه فِي \" بَاب عُمْرَة الْقَضَاء \" مِنْ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَنَذْكُر هُنَاكَ بَيَان الْخِلَاف فِي مُبَاشَرَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِتَابَة , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا اِقْتِصَار الْكَاتِب عَلَى قَوْله : \" مُحَمَّد رَسُول اللَّه \" وَلَمْ يَنْسُبهُ إِلَى أَب وَلَا جَدّ , وَأَقَرَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِقْتَصَرَ عَلَى مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بِغَيْرِ زِيَادَة , وَذَلِكَ كُلّه لِأَمْنِ الِالْتِبَاس. ‏"
    },
    {
        "id": "2502",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَحَالَ كُفَّارُ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏بَيْنَهُ وَبَيْنَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏فَنَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ ‏ ‏بِالْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏وَقَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يَعْتَمِرَ الْعَامَ الْمُقْبِلَ وَلَا يَحْمِلَ سِلَاحًا عَلَيْهِمْ إِلَّا سُيُوفًا وَلَا يُقِيمَ بِهَا إِلَّا مَا أَحَبُّوا فَاعْتَمَرَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَدَخَلَهَا كَمَا كَانَ صَالَحَهُمْ فَلَمَّا أَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا أَمَرُوهُ أَنْ يَخْرُجَ فَخَرَجَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصَّة صُلْح الْحُدَيْبِيَة سَيَأْتِي شَرْحه فِي عُمْرَة الْقَضَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "2503",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْطَلَقَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ‏ ‏وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة فِي قَتْل عَبْد اللَّه بْن سَهْل بِخَيْبَر , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : \" وَهِيَ يَوْمئِذٍ صُلْح \" وَالْمُرَاد مُصَالَحَة أَهْلهَا الْيَهُود مَعَ الْمُسْلِمِينَ , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي مَكَانه مِنْ كِتَاب الْحُدُود. ‏"
    },
    {
        "id": "2504",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏حَدَّثَهُمْ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الرُّبَيِّعَ ‏ ‏وَهِيَ ابْنَةُ ‏ ‏النَّضْرِ ‏ ‏كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ فَطَلَبُوا ‏ ‏الْأَرْشَ ‏ ‏وَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا فَأَتَوْا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ فَقَالَ ‏ ‏أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ ‏ ‏أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ ‏ ‏الرُّبَيِّعِ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ‏ ‏ثَنِيَّتُهَا ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏أَنَسُ ‏ ‏كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ ‏ ‏لَأَبَرَّهُ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏الْفَزَارِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا ‏ ‏الْأَرْشَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَرَضِيَ الْقَوْم وَقَبِلُوا الْأَرْش ) ‏ ‏أَيْ زَادَ عَلَى رِوَايَة الْأَنْصَارِيّ ذِكْر قَبُولهمْ الْأَرْش , وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَنْصَارِيّ \" فَرَضِيَ الْقَوْم وَعَفَوْا \" وَظَاهِره أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِصَاص وَالْأَرْش مُطْلَقًا , فَأَشَارَ الْمُصَنِّف إِلَى الْجَمْع بَيْنهمَا بِأَنَّ قَوْله عَفَوْا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُمْ عَفَوْا عَنْ الْقِصَاص عَلَى قَبُول الْأَرْش جَمْعًا بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ , وَطَرِيق الْفَزَارِيِّ هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2505",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْحَسَنَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اسْتَقْبَلَ وَاللَّهِ ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ الْجِبَالِ فَقَالَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ‏ ‏إِنِّي لَأَرَى كَتَائِبَ لَا تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏وَكَانَ وَاللَّهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ أَيْ ‏ ‏عَمْرُو ‏ ‏إِنْ قَتَلَ هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ مَنْ لِي بِأُمُورِ النَّاسِ مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ ‏ ‏وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ ‏ ‏فَقَالَ اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَاعْرِضَا عَلَيْهِ وَقُولَا لَهُ وَاطْلُبَا إِلَيْهِ فَأَتَيَاهُ فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَتَكَلَّمَا وَقَالَا لَهُ فَطَلَبَا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُمَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏إِنَّا ‏ ‏بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ ‏ ‏عَاثَتْ ‏ ‏فِي دِمَائِهَا قَالَا فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ قَالَ فَمَنْ لِي بِهَذَا قَالَا نَحْنُ لَكَ بِهِ فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلَّا قَالَا نَحْنُ لَكَ بِهِ فَصَالَحَهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏وَلَقَدْ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ ‏وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ ‏ ‏إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏إِنَّمَا ثَبَتَ لَنَا سَمَاعُ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏بِهَذَا الْحَدِيثِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ الْمُصَنِّف ‏ ‏( قَالَ لِي عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْمَدِينِيّ ‏ ‏( إِنَّمَا ثَبَتَ لَنَا سَمَاع الْحَسَن ) ‏ ‏أَيْ الْبَصْرِيّ ‏ ‏( مِنْ أَبِي بَكْرَة بِهَذَا الْحَدِيث ) ‏ ‏أَيْ لِتَصْرِيحِهِ فِيهِ بِالسَّمَاعِ. ‏ ‏وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّف هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ فِي \" كِتَاب الْفِتَن \" وَلَمْ يَذْكُر هَذِهِ الزِّيَادَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2506",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّهُ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَتْ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا وَإِذَا أَحَدُهُمَا ‏ ‏يَسْتَوْضِعُ ‏ ‏الْآخَرَ ‏ ‏وَيَسْتَرْفِقُهُ ‏ ‏فِي شَيْءٍ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَيْنَ ‏ ‏الْمُتَأَلِّي ‏ ‏عَلَى اللَّهِ لَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ فَقَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس حَدَّثَنِي أَخِي ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْر عَبْد الْحَمِيد , وَسُلَيْمَان هُوَ اِبْن بِلَال , وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيّ , وَأَبُو الرِّجَال بِالْجِيمِ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن أَيْ اِبْن حَارِثَةَ بْن النُّعْمَان الْأَنْصَارِيّ كُنْيَته أَبُو عَبْد الرَّحْمَن , وَقِيلَ لَهُ أَبُو الرِّجَال لِأَنَّهُ وُلِدَ لَهُ عَشَرَة ذُكُور , وَهُوَ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , وَكَذَا الرَّاوِي عَنْهُ ; وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَفِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق مِنْهُمْ قَرِينَانِ. وَهَذَا الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم قَالَ : \" حَدَّثَنَا غَيْر وَاحِد عَنْ إِسْمَاعِيل مِنْ أَبِي أُوَيْس \" فَعَدَّهُ بَعْضهمْ فِي الْمُنْقَطِع وَالتَّحْقِيق أَنَّهُ مُتَّصِل فِي إِسْنَاده مُبْهَم , وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيل أَيْضًا مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيُّ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيقه , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة أَيْضًا مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن الْحُسَيْن الْكِسَائِيّ وَإِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق الْقَاضِي , وَرُوِّينَاهُ فِي \" الْمَحَامِلِيَّات \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَبِيب , فَيُحْتَمَل أَنْ يُفَسَّر مَنْ أَبْهَمَهُ مُسْلِم بِهَؤُلَاءِ أَوْ بَعْضهمْ , وَلَمْ يَنْفَرِد بِهِ إِسْمَاعِيل بَلْ تَابَعَهُ أَيُّوب بْن سُفْيَان عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي أُوَيْس أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا , وَلَا اِنْفَرَدَ بِهِ يَحْيَى بْن سَعِيد فَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الرِّجَال عَنْ أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْت خُصُوم بِالْبَابِ عَالِيَة أَصْوَاتهمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة \" أَصْوَاتهمَا \" , وَكَأَنَّهُ جَمَعَ بِاعْتِبَارِ مَنْ حَضَرَ الْخُصُومَة وَثَنَّى بِاعْتِبَارِ الْخَصْمَيْنِ , أَوْ كَأَنَّ التَّخَاصُم مِنْ الْجَانِبَيْنِ بَيْن جَمَاعَة فَجَمَعَ ثُمَّ ثَنَّى بِاعْتِبَارِ جِنْس الْخَصْم , وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّة لِمَنْ جَوَّزَ صِيغَة الْجَمْع بِالِاثْنَيْنِ كَمَا زَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح , وَيَجُوز فِي قَوْله : \" عَالِيَة \" الْجَرّ عَلَى الصِّفَة وَالنَّصْب عَلَى الْحَال. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا أَحَدهمَا يَسْتَوْضِع الْآخَر ) ‏ ‏أَيْ يَطْلُب مِنْهُ الْوَضِيعَة , أَيْ الْحَطِيطَة مِنْ الدِّين. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَسْتَرْفِقهُ ) ‏ ‏أَيْ يَطْلُب مِنْهُ الرِّفْق بِهِ. ‏ ‏وَقَوْله : ( فِي شَيْء ) ‏ ‏وَقَعَ بَيَانه فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّانَ فَقَالَ فِي أَوَّل الْحَدِيث \" دَخَلَتْ اِمْرَأَة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنِّي اِبْتَعْت أَنَا وَابْنِي مِنْ فُلَان تَمْرًا فَأَحْصَيْنَاهُ. لَا وَاَلَّذِي أَكْرَمك بِالْحَقِّ مَا أَحْصَيْنَا مِنْهُ إِلَّا مَا نَأْكُلهُ فِي بُطُوننَا أَوْ نُطْعِمهُ مِسْكِينًا , وَجِئْنَا نَسْتَوْضِعُهُ مَا نَقَصَنَا \" الْحَدِيث , فَظَهَرَ بِهَذَا تَرْجِيح ثَانِي الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ قَبْل , وَأَنَّ الْمُخَاصَمَة وَقَعَتْ بَيْن الْبَائِع وَبَيْن الْمُشْتَرِيَيْنِ وَلَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة وَاحِد مِنْهُمْ , وَأَمَّا تَجْوِيز بَعْض الشُّرَّاح أَنَّ الْمُتَخَاصِمَيْنِ هُمَا الْمَذْكُورَانِ فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِيه فَفِيهِ بُعْد لِتَغَايُرِ الْقِصَّتَيْنِ , وَعُرِفَ بِهَذِهِ الزِّيَادَة أَصْل الْقِصَّة. ‏ ‏قَوْله : ( أَيْنَ الْمُتَأَلِّي ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْمُثَنَّاة وَالْهَمْزَة وَتَشْدِيد اللَّام الْمَكْسُورَة أَيْ الْحَالِف الْمُبَالِغ فِي الْيَمِين , مَأْخُوذ مِنْ الْأَلِيَّة بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر اللَّام وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة وَهِيَ الْيَمِين , وَفِي رِوَايَة اِبْن حِبَّانَ \" فَقَالَ آلَى أَنْ لَا يَصْنَع خَيْرًا ثَلَاث مَرَّات فَبَلَغَ ذَلِكَ صَاحِب التَّمْر \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَهُ أَيّ ذَلِكَ أَحَبّ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْوَضْع أَوْ الرِّفْق , وَفِي رِوَايَة اِبْن حِبَّانَ : \" فَقَالَ إِنْ شِئْت وَضَعْت مَا نَقَصُوا إِنْ شِئْت مِنْ رَأْس الْمَال , فَوَضَعَ مَا نَقَصُوا \" وَهُوَ يَشْعُر بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْوَضْعِ الْحَطّ مِنْ رَأْس الْمَال , وَبِالرِّفْقِ الِاقْتِصَار عَلَيْهِ وَتَرْك الزِّيَادَة , لَا كَمَا زَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّهُ يُرِيد بِالرِّفْقِ الْإِمْهَال , وَفِي هَذَا الْحَدِيث الْحَضّ عَلَى الرِّفْق بِالْغَرِيمِ وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ بِالْوَضْعِ عَنْهُ , وَالزَّجْر عَنْ الْحَلِف عَلَى تَرْك فِعْل الْخَيْر , قَالَ الدَّاوُدِيّ : إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ حَلِف عَلَى تَرْك أَمْر عَسَى أَنْ يَكُون قَدْ قَدَّرَ اللَّه وُقُوعه , وَعَنْ الْمُهَلَّب نَحْوه , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكُرِهَ الْحَلِف لِمَنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَن خَيْرًا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ كُرِهَ لَهُ قَطْع نَفْسه عَنْ فِعْل الْخَيْر , قَالَ : وَيُشْكِل فِي هَذَا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ وَاَللَّه لَا أَزِيد عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُص \" أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ \" وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ حَلِفه عَلَى تَرْك الزِّيَادَة وَهِيَ مِنْ فِعْل الْخَيْر , وَيُمْكِن الْفَرْق بِأَنَّهُ فِي قِصَّة الْأَعْرَابِيّ كَانَ فِي مَقَام الدُّعَاء إِلَى الْإِسْلَام وَالِاسْتِمَالَة إِلَى الدُّخُول فِيهِ فَكَانَ يَحْرِص عَلَى تَرْك تَحْرِيضهمْ عَلَى مَا فِيهِ نَوْع مَشَقَّة مَهْمَا أَمْكَنَ , بِخِلَافِ مَنْ تَمَكَّنَ فِي الْإِسْلَام فَيَحُضّهُ عَلَى الِازْدِيَاد مِنْ نَوَافِل الْخَيْر. وَفِيهِ سُرْعَة فَهْم الصَّحَابَة لِمُرَادِ الشَّارِع , وَطَوَاعِيَتهمْ لِمَا يُشِير بِهِ , وَحِرْصهمْ عَلَى فِعْل الْخَيْر , وَفِيهِ الصَّفْح عَمَّا يَجْرِي بَيْن الْمُتَخَاصِمَيْنِ مِنْ اللَّغَط وَرَفْع الصَّوْت عِنْد الْحَاكِم. وَفِيهِ جَوَاز سُؤَال الْمَدِين الْحَطِيطَة مِنْ صَاحِب الدَّيْن خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ مِنْ الْمَالِكِيَّة وَاعْتَلَّ بِمَا فِيهِ مِنْ تَحَمُّل الْمِنَّة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَعَلَّ مَنْ أَطْلَقَ كَرَاهَته أَرَادَ أَنَّهُ خِلَاف الْأَوْلَى. وَفِيهِ هِبَة الْمَجْهُول , كَذَا قَالَ اِبْن التِّين , وَفِيهِ نَظَر لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَة اِبْن حِبَّانَ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2507",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ ‏ ‏مَالٌ فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏كَعْبُ ‏ ‏فَأَشَارَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ النِّصْفَ فَأَخَذَ نِصْفَ مَا لَهُ عَلَيْهِ وَتَرَكَ نِصْفًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ حَدِيث كَعْب بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي أَوَّل الْمُلَازَمَة , وَتَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب التَّقَاضِي وَالْمُلَازَمَة فِي الْمَسْجِد \" مِنْ كِتَاب الصَّلَاة , وَأَفَادَ اِبْن أَبِي شَيْبَة فِي رِوَايَته أَنَّ الدَّيْن الْمَذْكُور كَانَ أُوقِيَّتَيْنِ , قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا الْحَدِيث أَصْل لِقَوْلِ النَّاس : خَيْر الصُّلْح عَلَى الشَّطْر. ‏"
    },
    {
        "id": "2508",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّه ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُلُّ ‏ ‏سُلَامَى ‏ ‏مِنْ النَّاس عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ النَّاسِ صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": "وَوَقَعَ هُنَا فِي أَوَّل الْإِسْنَاد \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق \" غَيْر مَنْسُوب فِي جَمِيع الرِّوَايَات إِلَّا عَنْ أَبِي ذَرّ فَقَالَ : \" إِسْحَاق بْن مَنْصُور \" وَوَقَعَ فِي الْجِهَاد فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدهمَا \" إِسْحَاق بْن نَصْر \" وَالْآخَر \" إِسْحَاق \" غَيْر مَنْسُوب. وَسِيَاق إِسْحَاق بْن نَصْر مُغَايِر لِسِيَاقِ إِسْحَاق الْآخَر , فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ اِبْن مَنْصُور وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ اِبْن الْمُنِير : تَرْجَمَ عَلَى الْإِصْلَاح وَالْعَدْل وَلَمْ يُورِد فِي هَذَا الْحَدِيث إِلَّا الْعَدْل , لَكِنْ لَمَّا خَاطَبَ النَّاس كُلّهمْ بِالْعَدْلِ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ فِيهِمْ الْحُكَّام وَغَيْرهمْ كَانَ عَدْل الْحَاكِم إِذَا حَكَمَ , وَعَدْل غَيْره إِذَا أَصْلَحَ. وَقَالَ غَيْره : الْإِصْلَاح نَوْع مِنْ الْعَدْل , فَعَطْف الْعَدْل عَلَيْهِ مِنْ عَطْف الْعَامّ عَلَى الْخَاصّ. ‏ ‏قَوْله : \" سُلَامَى \" ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف اللَّام مَعَ الْقَصْر أَيْ مِفْصَل , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم حَدِيث أَبِي ذَرّ تَفْسِيره بِذَلِكَ وَأَنَّ فِي الْإِنْسَان ثَلَاثمِائَةٍ وَسِتِّينَ مِفْصَلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2509",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الزُّبَيْرَ ‏ ‏كَانَ يُحَدِّثُ ‏ ‏أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَدْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏شِرَاجٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلَاهُمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِلْزُّبَيْرِ ‏ ‏اسْقِ يَا ‏ ‏زُبَيْرُ ‏ ‏ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏آنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ ‏ ‏فَتَلَوَّنَ ‏ ‏وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَدْرَ فَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَئِذٍ حَقَّهُ ‏ ‏لِلْزُّبَيْرِ ‏ ‏وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى ‏ ‏الزُّبَيْرِ ‏ ‏بِرَأْيٍ سَعَةٍ لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ فَلَمَّا أَحْفَظَ الْأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَوْعَى ‏ ‏لِلْزُّبَيْرِ ‏ ‏حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا أَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ إِلَّا فِي ذَلِكَ ‏ { ‏فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : \" فَلَمَّا أَحْفَظَهُ \" ‏ ‏بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالْفَاء وَالظَّاء الْمُعْجَمَة - أَيْ أَغْضَبَهُ , وَزَعَمَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ هَذَا مِنْ قَوْل الزُّهْرِيِّ أَدْرَجَهُ فِي الْخَبَر. ‏"
    },
    {
        "id": "2510",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تُوُفِّيَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَرَضْتُ عَلَى ‏ ‏غُرَمَائِهِ ‏ ‏أَنْ يَأْخُذُوا التَّمْرَ بِمَا عَلَيْهِ فَأَبَوْا وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ فِيهِ وَفَاءً فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ إِذَا جَدَدْتَهُ فَوَضَعْتَهُ فِي الْمِرْبَدِ آذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَاءَ وَمَعَهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَدَعَا بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏ادْعُ غُرَمَاءَكَ فَأَوْفِهِمْ فَمَا تَرَكْتُ أَحَدًا لَهُ عَلَى أَبِي دَيْنٌ إِلَّا قَضَيْتُهُ وَفَضَلَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ‏ ‏وَسْقًا ‏ ‏سَبْعَةٌ عَجْوَةٌ وَسِتَّةٌ لَوْنٌ أَوْ سِتَّةٌ عَجْوَةٌ وَسَبْعَةٌ لَوْنٌ فَوَافَيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَغْرِبَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَضَحِكَ فَقَالَ ائْتِ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏فَأَخْبِرْهُمَا فَقَالَا لَقَدْ عَلِمْنَا إِذْ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا صَنَعَ أَنْ سَيَكُونُ ذَلِكَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏صَلَاةَ الْعَصْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏وَلَا ضَحِكَ وَقَالَ وَتَرَكَ أَبِي عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ ‏ ‏وَسْقًا ‏ ‏دَيْنًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏صَلَاةَ الظُّهْرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" وَفَضَلَ \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة , وَضُبِطَ عِنْد أَبِي ذَرّ بِكَسْرِهَا , قَالَ سِيبَوَيْهِ وَهُوَ نَادِر. ‏ ‏وَقَوْله : ( وَقَالَ هِشَام ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُرْوَة ‏ ‏( عَنْ وَهْب ) ‏ ‏أَيْ اِبْن كَيْسَانَ , وَرِوَايَة هِشَامٍ هَذِهِ تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَة فِي الِاسْتِقْرَاض. ‏ ‏وَقَوْله : ( وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ وَهْب عَنْ جَابِر صَلَاة الظُّهْر ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ اِبْن إِسْحَاق رَوَى الْحَدِيث عَنْ وَهْب بْن كَيْسَانَ كَمَا رَوَاهُ هِشَام بْن عُرْوَة إِلَّا أَنَّهُمَا اِخْتَلَفَا فِي تَعْيِين الصَّلَاة الَّتِي حَضَرَهَا جَابِر مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَعْلَمَهُ بِقِصَّتِهِ فَقَالَ اِبْن إِسْحَاق الظُّهْر , وَقَالَ هِشَام الْعَصْر , وَقَالَ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر الْمَغْرِب , وَالثَّلَاثَة رَوَوْهُ عَنْ وَهْب بْن كَيْسَانَ عَنْ جَابِر , وَكَأَنَّ هَذَا الْقَدْر مِنْ الِاخْتِلَاف لَا يَقْدَح فِي صِحَّة أَصْل الْحَدِيث لِأَنَّ الْمَقْصُود مِنْهُ مَا وَقَعَ مِنْ بَرَكَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّمْر وَقَدْ حَصَلَ تَوَافُقهمْ عَلَيْهِ وَلَا يَتَرَتَّب عَلَى تَعْيِين تِلْكَ الصَّلَاة بِعَيْنِهَا كَبِير مَعْنًى وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏وَقَوْله : \" وَسِتَّة لَوْن \" ‏ ‏اللَّوْن مَا عَدَا الْعَجْوَة , وَقِيلَ هُوَ الدَّقَل وَهُوَ الرَّدِيء , وَقِيلَ اللَّوْن اللِّين وَاللِّينَة , وَقِيلَ الْأَخْلَاط مِنْ التَّمْر , وَسَيَأْتِي اللِّينَة فِي تَفْسِير سُورَة الْحَشْر وَأَنَّهُ اِسْم لِلنَّخْلَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2511",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ ‏ ‏تَقَاضَى ‏ ‏ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ ‏ ‏دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي بَيْتٍ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏كَعْبُ ‏ ‏فَقَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعْ ‏ ‏الشَّطْرَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏كَعْبٌ ‏ ‏قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُمْ فَاقْضِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي يُونُس ) ‏ ‏وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" وَلِلَّيْثِ فِيهِ إِسْنَاد آخَر تَقَدَّمَ قَبْل ثَلَاثَة أَبْوَاب. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الصُّلْح مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى أَحَد وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا اِثْنَا عَشَر حَدِيثًا وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى تِسْعَة عَشَر حَدِيثًا وَالْخَالِص اِثْنَا عَشَر حَدِيثًا , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث أَبِي بَكْرَة فِي فَضْل الْحَسَن , وَحَدِيث عَوْف وَالْمِسْوَر الْمُعَلَّقَيْنِ , وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدهمْ ثَلَاثَة آثَار. ‏"
    },
    {
        "id": "2512",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏مَرْوَانَ ‏ ‏وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يُخْبِرَانِ عَنْ ‏ ‏أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَمَّا كَاتَبَ ‏ ‏سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏يَوْمَئِذٍ كَانَ فِيمَا اشْتَرَطَ ‏ ‏سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا أَحَدٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا وَخَلَّيْتَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فَكَرِهَ الْمُؤْمِنُونَ ذَلِكَ ‏ ‏وَامْتَعَضُوا ‏ ‏مِنْهُ وَأَبَى ‏ ‏سُهَيْلٌ ‏ ‏إِلَّا ذَلِكَ فَكَاتَبَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ذَلِكَ فَرَدَّ يَوْمَئِذٍ ‏ ‏أَبَا جَنْدَلٍ ‏ ‏إِلَى أَبِيهِ ‏ ‏سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏وَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ مِنْ الرِّجَالِ إِلَّا رَدَّهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا وَجَاءَتْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ وَكَانَتْ ‏ ‏أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ‏ ‏مِمَّنْ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ وَهِيَ عَاتِقٌ فَجَاءَ أَهْلُهَا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَرْجِعَهَا إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَرْجِعْهَا إِلَيْهِمْ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ ‏ { ‏إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏فَأَخْبَرَتْنِي ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنْهُنَّ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ بَايَعْتُكِ كَلَامًا يُكَلِّمُهَا بِهِ وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي الْمُبَايَعَةِ وَمَا بَايَعَهُنَّ إِلَّا بِقَوْلِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يُخْبِرَانِ عَنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَكَذَا قَالَ عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيِّ وَاقْتَصَرَ غَيْره عَلَى رِوَايَة الْحَدِيث عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ وَمَرْوَان بْن الْحَكَم , وَقَدْ تَبَيَّنَ بِرِوَايَةِ عُقَيْل أَنَّهُ عَنْهُمَا مُرْسَل , وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرَا الْقِصَّة , وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مُسْنَد مَنْ لَمْ يُسَمّ مِنْ الصَّحَابَة فَلَمْ يُصِبْ مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ أَصْحَاب الْأَطْرَاف فِي مُسْنَد الْمِسْوَر أَوْ مَرْوَان , لِأَنَّ مَرْوَان لَا يَصِحّ لَهُ سَمَاع مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا صُحْبَة , وَأَمَّا الْمِسْوَر فَصَحَّ سَمَاعه مِنْهُ لَكِنَّهُ إِنَّمَا قَدِمَ مَعَ أَبِيهِ وَهُوَ صَغِير بَعْد الْفَتْح وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّة قَبْل ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا كَاتَبَ سُهَيْل بْن عَمْرو ) ‏ ‏هَكَذَا اِقْتَضَبَ هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ الْحَدِيث الطَّوِيل , وَسَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب بِطُولِهِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن شِهَاب , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ. ‏ ‏وَقَوْله : \" فَامْتَعَضُوا \" ‏ ‏بِعَيْنٍ مُهْمَلَة وَضَاد مُعْجَمَة أَيْ أَنِفُوا وَشَقَّ عَلَيْهِمْ , قَالَ الْخَلِيل : مَعِضَ بِكَسْرِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة مِنْ الشَّيْء وَامْتَعَضَ : تَوَجَّعَ مِنْهُ. وَقَالَ اِبْن الْقَطَّاع : شَقَّ عَلَيْهِ وَأَنِفَ مِنْهُ. وَوَقَعَ مِنْ الرُّوَاة اِخْتِلَاف فِي ضَبْط هَذِهِ اللَّفْظَة , فَالْجُمْهُور عَلَى مَا هُنَا , وَالْأَصِيلِيّ وَالْهَمَدَانِيّ بِظَاءٍ مُشَالَة , وَعِنْد الْقَابِسِيّ اِمَّعَضُوا بِتَشْدِيدِ الْمِيم وَكَذَا الْعَبْدُوسِيّ , وَعَنْ النَّسَفِيِّ اِنْغَضُّوا بِنُونٍ وَغَيْن مُعْجَمَة وَضَاد غَيْر مُشَالَة , قَالَ عِيَاض : وَكُلّهَا تَغْيِيرَات , حَتَّى وَقَعَ عِنْد بَعْضهمْ اِنْفَضُّوا بِفَاءٍ وَتَشْدِيد , وَبَعْضهمْ أَغْيَظُوا مِنْ الْغَيْظ. ‏ ‏وَقَوْله : \" قَالَ عُرْوَة فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَة \" ‏ ‏هُوَ مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَوَّلًا , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر النِّكَاح. ‏"
    },
    {
        "id": "2513",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَرِيرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاشْتَرَطَ عَلَيَّ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ‏",
        "sharh": "وَمَضَى الْكَلَام عَلَى حَدِيث جَرِير فِي أَوَاخِر كِتَاب الْإِيمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "2514",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2515",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ ‏ ‏أُبِّرَتْ ‏ ‏فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث اِبْن عُمَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْبُيُوع , وَلَمْ يَذْكُر جَوَاب الشَّرْط اِكْتِفَاء بِمَا فِي الْخَبَر. ‏"
    },
    {
        "id": "2516",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏جَاءَتْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏تَسْتَعِينُهَا فِي ‏ ‏كِتَابَتِهَا ‏ ‏وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ ‏ ‏كِتَابَتِهَا ‏ ‏شَيْئًا قَالَتْ لَهَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ ‏ ‏كِتَابَتَكِ ‏ ‏وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا وَقَالُوا إِنْ شَاءَتْ أَنْ ‏ ‏تَحْتَسِبَ ‏ ‏عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونَ لَنَا وَلَاؤُكِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَهَا ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي فَإِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2517",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَامِرًا ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنِي ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا فَمَرَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَضَرَبَهُ فَدَعَا لَهُ فَسَارَ بِسَيْرٍ لَيْسَ يَسِيرُ مِثْلَهُ ثُمَّ قَالَ بِعْنِيهِ ‏ ‏بِوَقِيَّةٍ ‏ ‏قُلْتُ لَا ثُمَّ قَالَ بِعْنِيهِ ‏ ‏بِوَقِيَّةٍ ‏ ‏فَبِعْتُهُ فَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي فَلَمَّا قَدِمْنَا أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ وَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَأَرْسَلَ عَلَى إِثْرِي قَالَ ‏ ‏مَا كُنْتُ لِآخُذَ جَمَلَكَ فَخُذْ جَمَلَكَ ذَلِكَ فَهُوَ مَالُكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُغِيرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏أَفْقَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ظَهْرَهُ إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُغِيرَةَ ‏ ‏فَبِعْتُهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏وَغَيْرُهُ ‏ ‏لَكَ ظَهْرُهُ إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏شَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏وَلَكَ ظَهْرُهُ حَتَّى تَرْجِعَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏أَفْقَرْنَاكَ ظَهْرَهُ إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏تَبَلَّغْ عَلَيْهِ إِلَى أَهْلِكَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَابْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏اشْتَرَاهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِوَقِيَّةٍ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏وَغَيْرِهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ ‏ ‏وَهَذَا يَكُونُ ‏ ‏وَقِيَّةً ‏ ‏عَلَى حِسَابِ الدِّينَارِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ ‏ ‏وَلَمْ يُبَيِّنْ الثَّمَنَ ‏ ‏مُغِيرَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏وَابْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏وَأَبُو الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏وَقِيَّةُ ‏ ‏ذَهَبٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏اشْتَرَاهُ بِطَرِيقِ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏أَحْسِبُهُ قَالَ بِأَرْبَعِ ‏ ‏أَوَاقٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو نَضْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏اشْتَرَاهُ بِعِشْرِينَ دِينَارًا ‏ ‏وَقَوْلُ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏بِوَقِيَّةٍ ‏ ‏أَكْثَرُ ‏ ‏الِاشْتِرَاطُ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ عِنْدِي قَالَهُ ‏ ‏أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت عَامِرًا ) ‏ ‏هُوَ الشَّعْبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ كَانَ يَسِير عَلَى جَمَل لَهُ قَدْ أَعْيَا ) ‏ ‏أَيْ تَعِبَ , فِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر عَنْ زَكَرِيَّا عِنْد مُسْلِم \" أَنَّهُ كَانَ يَسِير عَلَى جَمَل فَأَعْيَا فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبهُ \" أَيْ يُطْلِقهُ وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنْ يَجْعَلهُ سَائِبَة لَا يَرْكَبهُ أَحَد كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّة لِأَنَّهُ لَا يَجُوز فِي الْإِسْلَام , فَفِي أَوَّل رِوَايَة مُغِيرَة عَنْ الشَّعْبِيّ فِي الْجِهَاد \" غَزَوْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَلَاحَقَ بِي وَتَحْتِي نَاضِح لِي قَدْ أَعْيَا فَلَا يَكَاد يَسِير \" وَالنَّاضِح بِنُونٍ وَمُعْجَمَة ثُمَّ مُهْمَلَة هُوَ الْجَمَل الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِنَضْحِهِ بِالْمَاءِ حَال سَقْيه. وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِين هَذِهِ الْغَزْوَة كَمَا سَيَأْتِي بَعْد هَذَا , وَوَقَعَ عِنْد الْبَزَّار مِنْ طَرِيق أَبِي الْمُتَوَكِّل عَنْ جَابِر أَنَّ الْجَمَل كَانَ أَحْمَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبَهُ فَدَعَا لَهُ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالْفَاءِ فِيهِمَا كَأَنَّهُ عَقَّبَ الدُّعَاء لَهُ بِضَرْبِهِ. وَلِمُسْلِمٍ وَأَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ وَدَعَا لَهُ \" وَفِي رِوَايَة يُونُس بْن بُكَيْرٍ عَنْ زَكَرِيَّا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَضَرَبَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَا لَهُ فَمَشَى مِشْيَة مَا مَشَى قَبْل ذَلِكَ مِثْلهَا \" وَفِي رِوَايَة مُغِيرَة الْمَذْكُورَة \" فَزَجَرَهُ وَدَعَا لَهُ \" وَفِي رِوَايَة عَطَاء وَغَيْره عَنْ جَابِر الْمُتَقَدِّمَة فِي الْوَكَالَة \" فَمَرَّ بِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قُلْت : جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : مَا لَك ؟ قُلْت : إِنِّي عَلَى جَمَل ثِفَال. فَقَالَ : أَمَعَك قَضِيب ؟ قُلْت : نَعَمْ. قَالَ : أَعْطِنِيهِ , فَأَعْطَيْته فَضَرَبَهُ فَزَجَرَهُ فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَان مِنْ أَوَّل الْقَوْم \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَأَزْحَفَ فَزَجَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْبَسَطَ حَتَّى كَانَ أَمَام الْجَيْش \" وَفِي رِوَايَة وَهْب بْن كَيْسَانَ عَنْ جَابِر الْمُتَقَدِّمَة فِي الْبُيُوع \" فَتَخَلَّفَ. فَنَزَلَ فَحَجَنَهُ بِمِحْجَنَةٍ ثُمَّ قَالَ : اِرْكَبْ , فَرَكِبْت , فَقَدْ رَأَيْته أَكُفّهُ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَعِنْد أَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَبْطَأَ بِي جَمَلِي هَذَا , قَالَ : أَنِخْهُ , وَأَنَاخَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ قَالَ : أَعْطِنِي هَذِهِ الْعَصَا - أَوْ اِقْطَعْ لِي عَصَا مِنْ شَجَرَة - فَفَعَلْت , فَأَخَذَهَا فَنَخَسَهُ بِهَا نَخَسَات فَقَالَ : اِرْكَبْ , فَرَكِبْت \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَة زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ جَابِر فَأَبْطَأَ عَلَيَّ حَتَّى ذَهَبَ النَّاس , فَجَعَلْت أَرْقُبهُ وَيُهِمّنِي شَأْنه , فَإِذَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَجَابِر ؟ قُلْت : نَعَمْ. قَالَ : مَا شَأْنك ؟ قُلْت : أَبْطَأَ عَلَيَّ جَمَلِي , فَنَفَثَ فِيهَا - أَيْ الْعَصَا - ثُمَّ مَجَّ مِنْ الْمَاء فِي نَحْره ثُمَّ ضَرَبَهُ بِالْعَصَا فَوَثَبَ \" وَلِابْنِ سَعْد مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَنَضَحَ مَاء فِي وَجْهه وَدُبُره وَضَرَبَهُ بِعُصَيَّةٍ فَانْبَعَثَ , فَمَا كِدْت أُمْسِكهُ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر عِنْد مُسْلِم \" فَكُنْت بَعْد ذَلِكَ أَحْبِس خِطَامه لِأَسْمَع حَدِيثه \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي نَضْرَة عَنْ جَابِر \" فَنَخَسَهُ ثُمَّ قَالَ : اِرْكَبْ بِسْمِ اللَّه \" زَادَ فِي رِوَايَة مُغِيرَة الْمَذْكُورَة \" فَقَالَ كَيْفَ تَرَى بَعِيرك ؟ قُلْت بِخَيْرٍ , قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتك \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ : قُلْت لَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد \" فَكَرِهْت أَنْ أَبِيعهُ \" وَفِي رِوَايَة مُغِيرَة الْمَذْكُورَة \" قَالَ أَتَبِيعُنِيهِ ؟ فَاسْتَحْيَيْت وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِح غَيْره , فَقُلْت. نَعَمْ \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَكَانَتْ لِي إِلَيْهِ حَاجَة شَدِيدَة \" وَلِأَحْمَد مِنْ رِوَايَة نُبَيْح وَهُوَ بِالنُّونِ وَالْمُوَحَّدَة وَالْمُهْمَلَة مُصَغَّر , وَفِي رِوَايَة عَطَاء قَالَ : \" بِعْنِيهِ , قُلْت بَلْ هُوَ لَك يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : بِعْنِيهِ \" زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر قَالَ : \" اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لَهُ , اللَّهُمَّ اِرْحَمْهُ \" وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيق أَبِي نَضْرَة عَنْ جَابِر \" فَقَالَ أَتَبِيعُ نَاضِحك هَذَا وَاَللَّه يَغْفِر لَك \" زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَكَانَتْ كَلِمَة تَقُولهَا الْعَرَب : اِفْعَلْ كَذَا وَاَللَّه يَغْفِر لَك \". وَلِأَحْمَد \" قَالَ سُلَيْمَان - يَعْنِي بَعْض رُوَاته - فَلَا أَدْرِي كَمْ مِنْ مَرَّة \" يَعْنِي قَالَ لَهُ وَاَللَّه يَغْفِر لَك , وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر \" اِسْتَغْفَرَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْبَعِير خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّة \" وَفِي رِوَايَة وَهْب بْن كَيْسَانَ عَنْ جَابِر عِنْد أَحْمَد \" أَتَبِيعُنِي جَمَلك هَذَا يَا جَابِر ؟ قُلْت : بَلْ أَهَبهُ لَك. قَالَ : لَا , وَلَكِنْ بِعْنِيهِ \" وَفِي كُلّ ذَلِكَ رَدّ لِقَوْلِ اِبْن التِّين إِنَّ قَوْله : \" لَا \" لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّة. ‏ ‏قَوْله : ( بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَالِم عَنْ جَابِر عِنْد أَحْمَد \" فَقَالَ بِعْنِيهِ , قُلْت : هُوَ لَك , قَالَ : قَدْ أَخَذْته بِوُقِيَّةٍ \" وَلِابْنِ سَعْد وَأَبِي عَوَانَة مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيَّ قُلْت : إِنَّ لِرَجُلٍ عَلَيَّ أُوقِيَّة مِنْ ذَهَب هُوَ لَك بِهَا , قَالَ : نَعَمْ \" وَالْوُقِيَّة مِنْ الْفِضَّة كَانَتْ فِي عُرْف ذَلِكَ الزَّمَان أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَفِي عُرْف النَّاس بَعْد ذَلِكَ عَشَرَة دَرَاهِم وَفِي عُرْف أَهْل مِصْر الْيَوْم اِثْنَا عَشَر دِرْهَمًا وَسَيَأْتِي بَيَان الِاخْتِلَاف فِي قَدْر الثَّمَن فِي آخِر الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث : ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَثْنَيْت حُمْلَانه إِلَى أَهْلِي ) ‏ ‏الْحُمْلَان بِضَمِّ الْمُهْمَلَة الْحَمْل وَالْمَفْعُول مَحْذُوف , أَيْ اِسْتَثْنَيْت حَمْله إِيَّايَ , وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ \" وَاسْتَثْنَيْت ظَهْره إِلَى أَنْ نُقْدِم \" وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق شَرِيك عَنْ مُغِيرَة \" اِشْتَرَى مِنِّي بَعِيرًا عَلَى أَنْ يُفْقِرنِي ظَهْره سَفَرِي ذَلِكَ \" وَذَكَرَ الْمُصَنِّف الِاخْتِلَاف فِي أَلْفَاظه عَلَى جَابِر , وَسَيَأْتِي بَيَانه. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا قَدِمْنَا ) ‏ ‏زَادَ مُغِيرَة عَنْ الشَّعْبِيّ كَمَا مَضَى فِي الِاسْتِقْرَاض \" فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَة اِسْتَأْذَنْته فَقَالَ : تَزَوَّجْت بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَزَادَ فِيهِ \" فَقَدِمْت الْمَدِينَة فَأَخْبَرْت خَالِي بِبَيْعِ الْجَمَل فَلَامَنِي \". وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ رِوَايَة نُبَيْح الْمَذْكُورَة \" فَأَتَيْت عَمَّتِي بِالْمَدِينَةِ فَقُلْت لَهَا : أَلَمْ تَرَيْ أَنِّي بِعْت نَاضِحنَا , فَمَا رَأَيْتهَا أَعْجَبَهَا ذَلِكَ \" وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِي بَيَان تَسْمِيَة خَاله فِي أَوَائِل الْهِجْرَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَجَزَمَ اِبْن لُقَطَة بِأَنَّهُ جَدّ بِفَتْحِ الْجِيم وَتَشْدِيد الدَّال اِبْن قَيْس , وَأَمَّا عَمَّته فَاسْمهَا هِنْد بِنْت عَمْرو , وَيَحْتَمِل أَنَّهُمَا جَمِيعًا لَمْ يُعْجِبهُمَا بَيْعه لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْده نَاضِح غَيْره. وَأَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه فِي كِتَاب الْجِهَاد بِلَفْظِ \" ثُمَّ قَالَ : اِئْتِ أَهْلك , فَتَقَدَّمْت النَّاس إِلَى الْمَدِينَة \" وَفِي رِوَايَة وَهْب بْن كَيْسَانَ فِي أَوَائِل الْبُيُوع \" وَقَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة قَبْلِي , وَقَدِمْت بِالْغَدَاةِ فَجِئْت إِلَى الْمَسْجِد فَوَجَدْته فَقَالَ : الْآن قَدِمْت ؟ قُلْت : نَعَمْ , قَالَ : فَدَعْ الْجَمَل وَادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ \" وَظَاهِرهمَا التَّنَاقُض , لِأَنَّ فِي إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ تَقَدَّمَ النَّاس إِلَى الْمَدِينَة وَفِي الْأُخْرَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ قَبْله , فَيَحْتَمِل فِي الْجَمْع بَيْنهمَا أَنْ يُقَال أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ قَوْله فَتَقَدَّمْت النَّاس أَنْ يَسْتَمِرّ سَبْقه لَهُمْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا لَحِقُوهُ بَعْد أَنْ تَقَدَّمَهُمْ إِمَّا لِنُزُولِهِ لِرَاحَةٍ أَوْ نَوْم أَوْ غَيْر ذَلِكَ , وَلَعَلَّهُ اِمْتَثَلَ أَمْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ لَا يَدْخُل لَيْلًا فَبَاتَ دُون الْمَدِينَة وَاسْتَمَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنْ دَخَلَهَا سَحَرًا وَلَمْ يَدْخُلهَا جَابِر حَتَّى طَلَعَ النَّهَار , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَيْته بِالْجَمَلِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُغِيرَة \" فَلَمَّا قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة غَدَوْت إِلَيْهِ بِالْبَعِيرِ \" وَلِأَبِي الْمُتَوَكِّل عَنْ جَابِر كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجِهَاد \" فَدَخَلْت - يَعْنِي الْمَسْجِد - إِلَيْهِ وَعَقَلْت الْجَمَل فَقُلْت : هَذَا جَمَلك , فَخَرَجَ فَجَعَلَ يُطِيف بِالْجَمَلِ وَيَقُول : جَمَلنَا , فَبَعَثَ إِلَيَّ أَوَاقٍ مِنْ ذَهَب ثُمَّ قَالَ : اِسْتَوْفَيْت الثَّمَن ؟ قُلْت نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَنَقَدَنِي ثَمَنه ثُمَّ اِنْصَرَفْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُغِيرَة الْمَاضِيَة فِي الِاسْتِقْرَاض فَأَعْطَانِي ثَمَن الْجَمَل وَالْجَمَل وَسَهْمِي مَعَ الْقَوْم \" وَفِي رِوَايَته الْآتِيَة فِي الْجِهَاد \" فَأَعْطَانِي ثَمَنه وَرَدَّهُ عَلَيَّ \" وَهِيَ كُلّهَا بِطَرِيقِ الْمَجَاز لِأَنَّ الْعَطِيَّة إِنَّمَا وَقَعَتْ لَهُ بِوَاسِطَةِ بِلَال كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَلَمَّا قَدِمْت الْمَدِينَة قَالَ لِبِلَالٍ : أَعْطِهِ أُوقِيَّة مِنْ ذَهَب وَزِدْهُ , قَالَ فَأَعْطَانِي أُوقِيَّة وَزَادَنِي قِيرَاطًا , فَقُلْت لَا تُفَارِقنِي زِيَادَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْحَدِيث , وَفِيهِ ذِكْر أَخْذ أَهْل الشَّام لَهُ يَوْم الْحَرَّة , وَتَقَدَّمَ نَحْوه فِي الْوَكَالَة لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيق عَطَاء وَغَيْره عَنْ جَابِر , وَلِأَحْمَد وَأَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق وَهْب بْن كَيْسَانَ \" فَوَاَللَّهِ مَا زَالَ يَنْمِي وَيَزِيد عِنْدنَا وَنَرَى مَكَانه مِنْ بَيْتنَا حَتَّى أُصِيبَ أَمْس فِيمَا أُصِيبَ لِلنَّاسِ يَوْم الْحَرَّة \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر عِنْد النَّسَائِيِّ \" فَقَالَ : يَا بِلَال أَعْطِهِ ثَمَنه , فَلَمَّا أَدْبَرْت دَعَانِي فَخِفْت أَنْ يَرُدّهُ عَلَيَّ فَقَالَ : هُوَ لَك \" وَفِي رِوَايَة وَهْب بْن كَيْسَانَ فِي النِّكَاح \" فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَزِن لِي أُوقِيَّة فَوَزَنَ بِلَال وَأَرْجَحَ لِي فِي الْمِيزَان , فَانْطَلَقْت حَتَّى وَلَّيْت فَقَالَ : اُدْعُ جَابِرًا , فَقُلْت. الْآن يَرُدّ عَلَيَّ الْجَمَل , وَلَمْ يَكُنْ شَيْء أَبْغَض إِلَيَّ مِنْهُ فَقَالَ : خُذْ جَمَلك وَلَك ثَمَنه \" وَهَذِهِ الرِّوَايَة مُشْكِلَة مَعَ قَوْله الْمُتَقَدِّم \" وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِح غَيْره \" وَقَوْله : \" وَكَانَتْ لِي إِلَيْهِ حَاجَة شَدِيدَة وَلَكِنِّي اِسْتَحْيَيْت مِنْهُ \" وَمَعَ تَنْدِيم خَاله لَهُ عَلَى بَيْعه , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّل الْحَال , وَكَانَ الثَّمَن أَوْفَر مِنْ قِيمَته وَعَرَفَ أَنَّهُ يُمْكِن أَنْ يَشْتَرِي بِهِ أَحْسَن مِنْهُ وَيَبْقَى لَهُ بَعْض الثَّمَن فَلِذَلِكَ صَارَ يَكْرَه رَدَّهُ عَلَيْهِ. وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي هُبَيْرَة عَنْ جَابِر \" فَلَمَّا أَتَيْته دَفَعَ إِلَيَّ الْبَعِير وَقَالَ : هُوَ لَك , فَمَرَرْت بِرَجُلٍ مِنْ الْيَهُود فَأَخْبَرْته فَجَعَلَ يَعْجَب وَيَقُول : اِشْتَرَى مِنْك الْبَعِير وَدَفَعَ إِلَيْك الثَّمَن ثُمَّ وَهَبَهُ لَك ؟ قُلْت : نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا كُنْت لِآخُذ جَمَلك , فَخُذْ جَمَلك ذَلِكَ فَهُوَ مَالِك ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا , وَقَدْ رَوَاهُ عَلِيّ بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ أَبِي نُعَيْم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" أَتَرَانِي إِنَّمَا مَاكَسْتُكَ لِآخُذ جَمَلك , خُذْ جَمَلك وَدَرَاهِمك هُمَا لَك \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" عَنْ الطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ زَكَرِيَّا , لَكِنْ قَالَ فِي آخِره \" فَهُوَ لَك \" وَعَلَيْهَا اِقْتَصَرَ صَاحِب \" الْعُمْدَة \" وَوَقَعَ لِأَحْمَد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ زَكَرِيَّا بِلَفْظِ \" قَالَهُ أَظَنَنْت حِين مَاكَسْتُكَ أَذْهَب بِجَمَلِك ؟ خُذْ جَمَلك وَثَمَنه فَهُمَا لَك \" وَهَذِهِ الرِّوَايَة وَكَذَلِكَ رِوَايَة الْبُخَارِيّ تُوَضِّح أَنَّ اللَّام فِي قَوْله \" لِآخُذ \" لِلتَّعْلِيلِ وَبَعْدهَا هَمْزَة مَمْدُودَة , وَوَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاة مُسْلِم كَمَا حَكَاهُ عِيَاض لَا بِصِيغَةِ النَّفْي , \" خُذْ \" بِصِيغَةِ الْأَمْر , وَيَلْزَم عَلَيْهِ التَّكْرَار فِي قَوْله : \" خُذْ جَمَلك \" وَقَوْله : \" مَاكَسْتُكَ \" هُوَ مِنْ الْمُمَاكَسَة أَيْ الْمُنَاقَصَة فِي الثَّمَن , وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ بَيْنهمَا مِنْ الْمُسَاوَمَة عِنْد الْبَيْع كَمَا تَقَدَّمَ , قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : هَذَا مِنْ أَحْسَن التَّكَرُّم , لِأَنَّ مَنْ بَاعَ شَيْئًا فَهُوَ فِي الْغَالِب مُحْتَاج لِثَمَنِهِ , فَإِذَا تَعَوَّضَ مِنْ الثَّمَن بَقِيَ فِي قَلْبه مِنْ الْمَبِيع أَسَف عَلَى فِرَاقه كَمَا قِيلَ : ‏ ‏وَقَدْ تَخْرُج الْحَاجَات يَا أُمّ مَالِك ‏ ‏نَفَائِس مِنْ رَبّ بِهِنَّ ضَنِين ‏ ‏فَإِذَا رُدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيع مَعَ ثَمَنه ذَهَبَ الْهَمّ عَنْهُ وَثَبَتَ فَرَحه وَقُضِيَتْ حَاجَته , فَكَيْفَ مَعَ مَا اِنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مِنْ الزِّيَادَة فِي الثَّمَن. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ شُعْبَة عَنْ مُغِيرَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مِقْسَم الضَّبِّيّ ‏ ‏( عَنْ عَامِر ) ‏ ‏هُوَ الشَّعْبِيّ ‏ ‏( عَنْ جَابِر : أَفْقَرَنِي ظَهْره ) ‏ ‏بِتَقْدِيمِ الْفَاء عَلَى الْقَاف أَيْ حَمَلَنِي عَلَى فَقَاره , وَالْفَقَار عِظَام الظَّهْر , وَرِوَايَة شُعْبَة هَذِهِ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن كَثِير عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ إِسْحَاق ) ‏ ‏أَيْ اِبْن إِبْرَاهِيم ‏ ‏( عَنْ جَرِير عَنْ مُغِيرَة : فَبِعْته عَلَى أَنَّ لِي فَقَار ظَهْره حَتَّى أَبْلُغ الْمَدِينَة ) ‏ ‏وَهَذِهِ الرِّوَايَة تَأْتِي مَوْصُولَة فِي الْجِهَاد , وَهِيَ دَالَّة عَلَى الِاشْتِرَاط , بِخِلَافِ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ مُغِيرَة فَإِنَّهَا لَا تَدُلّ عَلَيْهِ , وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ مُغِيرَة عِنْد النَّسَائِيِّ بِلَفْظٍ مُحْتَمَل قَالَ فِيهِ : \" قَالَ بِعْنِيهِ وَلَك ظَهْره حَتَّى تَقْدَم \" وَوَافَقَ زَكَرِيَّا عَلَى ذِكْر الِاشْتِرَاط فِيهِ يَسَار عَنْ الشَّعْبِيّ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه بِلَفْظِ \" فَاشْتَرَى مِنِّي بَعِيرًا عَلَى أَنَّ لِي ظَهْره حَتَّى أَقَدَمَ الْمَدِينَة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَطَاء وَغَيْره ) ‏ ‏أَيْ عَنْ جَابِر ‏ ‏( وَلَك ظَهْره إِلَى الْمَدِينَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مَوْصُولًا مُطَوَّلًا فِي الْوَكَالَة وَلَفْظه \" قَالَ بِعْنِيهِ , قُلْت : هُوَ لَك , قَالَ : قَدْ أَخَذْته بِأَرْبَعَةِ دَنَانِير وَلَك ظَهْره إِلَى الْمَدِينَة \" وَلَيْسَ فِيهَا أَيْضًا دَلَالَة عَلَى الِاشْتِرَاط. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر : شَرَطَ لِي ظَهْره إِلَى الْمَدِينَة ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق الْمُنْكَدِر بْن مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ أَبِيهِ بِهِ , وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن مُحَمَّد الْأَخْنَسِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر بِلَفْظِ \" فَبِعْته إِيَّاهُ وَشَرَطْته - أَيْ رُكُوبه - إِلَى الْمَدِينَة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ جَابِر : وَلَك ظَهْره حَتَّى تَرْجِع ) ‏ ‏وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ بِتَمَامِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْر عَنْ جَابِر : أَفْقَرْنَاك ظَهْره إِلَى الْمَدِينَة ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي الزُّبَيْر بِهِ , وَهُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" فَبِعْته مِنْهُ بِخَمْسِ أَوَاقٍ , قُلْت : عَلَى أَنَّ لِي ظَهْره إِلَى الْمَدِينَة , قَالَ : وَلَك ظَهْره إِلَى الْمَدِينَة \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوب قَالَ : \" قَدْ أَخَذْته بِكَذَا وَكَذَا وَقَدْ أَعَرْتُك ظَهْره إِلَى الْمَدِينَة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ الْأَعْمَش عَنْ سَالِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي الْجَعْد ( ‏ ‏عَنْ جَابِر تَبْلُغ بِهِ إِلَى أَهْلك ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَحْمَد وَمُسْلِم وَعَبْد بْن حُمَيْدٍ وَغَيْرهمْ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش , وَهَذَا لَفْظ عَبْد بْن حُمَيْدٍ , وَلَفْظ اِبْن سَعْد وَالْبَيْهَقِيِّ \" تَبْلُغ عَلَيْهِ إِلَى أَهْلك \" وَلَفْظ مُسْلِم \" فَتَبْلُغ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَة \" وَلَفْظ أَحْمَد \" قَدْ أَخَذْته بِوُقِيَّةٍ , اِرْكَبْهُ , فَإِذَا قَدِمْت فَائْتِنَا بِهِ \" وَهِيَ مُتَقَارِبَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّف : ‏ ‏( الِاشْتِرَاط أَكْثَر وَأَصَحّ عِنْدِي ) ‏ ‏أَيْ أَكْثَر طُرُقًا وَأَصَحّ مَخْرَجًا , وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الرُّوَاة اِخْتَلَفُوا عَنْ جَابِر فِي هَذِهِ الْوَاقِعَة هَلْ وَقَعَ الشَّرْط فِي الْعَقْد عِنْد الْبَيْع أَوْ كَانَ رُكُوبه لِلْجَمَلِ بَعْد بَيْعه إِبَاحَة مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد شِرَائِهِ عَلَى طَرِيق الْعَارِيَة , وَأَصْرَح مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ رِوَايَة النَّسَائِيِّ الْمَذْكُورَة , لَكِنْ اِخْتَلَفَ فِيهَا حَمَّاد بْن زَيْد وَسُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ , وَحَمَّاد أَعْرَف بِحَدِيثِ أَيُّوب مِنْ سُفْيَان , وَالْحَاصِل أَنَّ الَّذِينَ ذَكَرُوهُ بِصِيغَةِ الِاشْتِرَاط أَكْثَر عَدَدًا مِنْ الَّذِينَ خَالَفُوهُمْ وَهَذَا وَجْه مِنْ وُجُوه التَّرْجِيح فَيَكُون أَصَحّ , وَيَتَرَجَّح أَيْضًا بِأَنَّ الَّذِينَ رَوَوْهُ بِصِيغَةِ الِاشْتِرَاط مَعَهُمْ زِيَادَة وَهُمَا حُفَّاظ فَتَكُون حُجَّة , وَلَيْسَ رِوَايَة مَنْ لَمْ يَذْكُر الِاشْتِرَاط مُنَافِيَة لِرِوَايَةِ مَنْ ذَكَرَهُ , لِأَنَّ قَوْله : \" لَك ظَهْره \" وَ \" أَفْقَرْنَاك ظَهْره \" وَ \" تَبْلُغ عَلَيْهِ \" لَا يَمْنَع وُقُوع الِاشْتِرَاط قَبْل ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ جَابِر بِمَعْنَى الِاشْتِرَاط أَيْضًا أَبُو الْمُتَوَكِّل عِنْد أَحْمَد وَلَفْظه \" فَبِعْنِي وَلَك ظَهْره إِلَى الْمَدِينَة \" لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الْجِهَاد مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل فَلَمْ يَتَعَرَّض لِلشَّرْطِ إِثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا , وَرَوَاهُ أَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" أَتَبِيعُنِي جَمَلك ؟ قُلْت : نَعَمْ. قَالَ : أَقْدَم عَلَيْهِ الْمَدِينَة \" وَرَوَاهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي هُبَيْرَة عَنْ جَابِر بِلَفْظِ \" فَاشْتَرَى مِنِّي بَعِيرًا فَجَعَلَ لِي ظَهْره حَتَّى أَقْدَم الْمَدِينَة \" وَرَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ وَغَيْره مِنْ طَرِيق أَبِي نَضْرَة عَنْ جَابِر بِلَفْظِ \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه هُوَ نَاضِحك إِذَا أَتَيْت الْمَدِينَة \". وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ جَابِر نُبَيْح الْعَنَزِيّ عِنْد أَحْمَد فَلَمْ يَذْكُر الشَّرْط وَلَفْظه \" قَدْ أَخَذْته بِوُقِيَّةٍ , قَالَ فَنَزَلْت إِلَى الْأَرْض فَقَالَ : مَالَك ؟ قُلْت : جَمَلك. قَالَ اِرْكَبْ , فَرَكِبْت حَتَّى أَتَيْت الْمَدِينَة \" وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق وَهْب بْن كَيْسَانَ عَنْ جَابِر فَلَمْ يَذْكُر الشَّرْط قَالَ فِيهِ \" حَتَّى بَلَغَ أُوقِيَّة , قُلْت قَدْ رَضِيت , قَالَ. نَعَمْ , قُلْت : فَهُوَ لَك , قَالَ : قَدْ أَخَذْته. ثُمَّ قَالَ : يَا جَابِر هَلْ تَزَوَّجْت \" الْحَدِيث. وَمَا جَنَحَ إِلَيْهِ الْمُصَنِّف مِنْ تَرْجِيح رِوَايَة الِاشْتِرَاط هُوَ الْجَارِي عَلَى طَرِيقَة الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْل الْحَدِيث لِأَنَّهُمْ لَا يَتَوَقَّفُونَ عَنْ تَصْحِيح الْمَتْن إِذَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَاف إِلَّا إِذَا تَكَافَأَتْ الرِّوَايَات , وَهُوَ شَرْط الِاضْطِرَاب الَّذِي يُرَدّ بِهِ الْخَبَر , وَهُوَ مَفْقُود هُنَا مَعَ إِمْكَان التَّرْجِيح , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد. إِذَا اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَات وَكَانَتْ الْحُجَّة بِبَعْضِهَا دُون بَعْض تَوَقَّفَ الِاحْتِجَاج بِشَرْطِ تَعَادُل الرِّوَايَات , أَمَّا إِذَا وَقَعَ التَّرْجِيح لِبَعْضِهَا بِأَنْ تَكُون رُوَاتهَا أَكْثَر عَدَدًا أَوْ أَتْقَنَ حِفْظًا فَيَتَعَيَّن الْعَمَل بِالرَّاجِحِ , إِذْ الْأَضْعَف لَا يَكُون مَانِعًا مِنْ الْعَمَل بِالْأَقْوَى , وَالْمَرْجُوح لَا يَمْنَع التَّمَسُّك بِالرَّاجِحِ , وَقَدْ جَنَحَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى تَصْحِيح الِاشْتِرَاط لَكِنْ تَأَوَّلَهُ بِأَنَّ الْبَيْع الْمَذْكُور لَمْ يَكُنْ عَلَى الْحَقِيقَة لِقَوْلِهِ فِي آخِره \" أَتَرَانِي مَاكَسْتُكَ إِلَخْ \" قَالَ : فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّ الْقَوْل الْمُتَقَدِّم لَمْ يَكُنْ عَلَى التَّبَايُع حَقِيقَة , وَرَدَّهُ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّهُ دَعْوَى مُجَرَّدَة وَتَغْيِير وَتَحْرِيف لَا تَأْوِيل , قَالَ : وَكَيْفَ يَصْنَع قَائِله فِي قَوْله : \" بِعْته مِنْك بِأُوقِيَّةٍ \" بَعْد الْمُسَاوَمَة ؟ وَقَوْله : \" قَدْ أَخَذْته \" وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظ الْمَنْصُوصَة فِي ذَلِكَ ؟ وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ بِأَنَّ الرُّكُوب إِنْ كَانَ مِنْ مَال الْمُشْتَرِي فَالْبَيْع فَاسِد لِأَنَّهُ شَرَطَ لِنَفْسِهِ مَا قَدْ مَلَكَهُ الْمُشْتَرِي , وَإِنْ كَانَ مِنْ مَاله فَفَاسِد لِأَنَّ الْمُشْتَرِي لَمْ يَمْلِك الْمَنَافِع بَعْد الْبَيْع مِنْ جِهَة الْبَائِع , وَإِنَّمَا مَلَكَهَا لِأَنَّهَا طَرَأَتْ فِي مِلْكه. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَنْفَعَة الْمَذْكُورَة قُدِّرَتْ بِقَدْرٍ مِنْ ثَمَن الْمَبِيع وَوَقَعَ الْبَيْع بِمَا عَدَاهَا , وَنَظِيره مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ وَاسْتَثْنَى ثَمَرَتهَا , وَالْمُمْتَنِع إِنَّمَا هُوَ اِسْتِثْنَاء شَيْء مَجْهُول لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي , أَمَّا لَوْ عَلِمَاهُ مَعًا فَلَا مَانِع , فَيُحْمَل مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة عَلَى ذَلِكَ. وَأَغْرَبَ اِبْن حَزْم فَزَعَمَ أَنَّهُ يُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث أَنَّ الْبَيْع لَمْ يَتِمّ لِأَنَّ الْبَائِع بَعْد عَقَدَ الْبَيْع مُخَيَّر قَبْل التَّفَرُّق , فَلَمَّا قَالَ فِي آخِره \" أَتَرَانِي مَاكَسْتُكَ \" دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ اِخْتَارَ تَرْك الْأَخْذ , وَإِنَّمَا اِشْتَرَطَ لِجَابِرٍ رُكُوب جَمَل نَفْسه , فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّة لِمَنْ أَجَازَ الشَّرْط فِي الْبَيْع , وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا التَّأْوِيل مِنْ التَّكَلُّف. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : قَوْله : \" وَلَك ظَهْره \" وَعْد قَامَ مَقَام الشَّرْط لِأَنَّ وَعْده لَا خُلْف فِيهِ وَهِبَته لَا رُجُوع فِيهَا لِتَنْزِيهِ اللَّه تَعَالَى لَهُ عَنْ دَنَاءَة الْأَخْلَاق , فَلِذَلِكَ سَاغَ لِبَعْضِ الرُّوَاة أَنْ يُعَبِّر عَنْهُ بِالشَّرْطِ , وَلَا يَلْزَم أَنْ يَجُوز ذَلِكَ فِي حَقّ غَيْره. وَحَاصِله أَنَّ الشَّرْط لَمْ يَقَع فِي نَفْس الْعَقْد وَإِنَّمَا وَقَعَ سَابِقًا أَوْ لَاحِقًا , فَتَبَرَّعَ بِمَنْفَعَتِهِ أَوَّلًا كَمَا تَبَرَّعَ بِرَقَبَتِهِ آخِرًا. وَوَقَعَ فِي كَلَام الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّب الطَّبَرِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّة أَنَّ فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْخَبَر \" فَلَمَّا نَقَدَنِي الثَّمَن شَرَطْت حُمْلَانِي إِلَى الْمَدِينَة \" وَاسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ الشَّرْط تَأَخَّرَ عَنْ الْعَقْد , لَكِنْ لَمْ أَقِف عَلَى الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة , وَإِنْ ثَبَتَتْ فَيَتَعَيَّن تَأْوِيلهَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى \" نَقَدَنِي الثَّمَن \" أَيْ قَرَّرَهُ لِي وَاتَّفَقَا عَلَى تَعْيِينه , لِأَنَّ الرِّوَايَات الصَّحِيحَة صَرِيحَة فِي أَنَّ قَبْضه الثَّمَن إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ , وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّن تَأْوِيل رِوَايَة الطَّحَاوِيِّ \" أَتَبِيعُنِي جَمَلك هَذَا إِذَا قَدِمْنَا الْمَدِينَة بِدِينَارٍ \" الْحَدِيث , فَالْمَعْنَى أَتَبِيعُنِي بِدِينَارٍ أُوفِيكَهُ إِذَا قَدِمْنَا الْمَدِينَة. وَقَالَ الْمُهَلَّب : يَنْبَغِي تَأْوِيل مَا وَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات مِنْ ذِكْر الشَّرْط عَلَى أَنَّهُ شَرْط تَفَضُّل لَا شَرْط فِي أَصْل الْبَيْع لِيُوَافِق رِوَايَة مَنْ رَوَى \" أَفْقَرْنَاك ظَهْره \" وَ \" أَعَرْتُك ظَهْره \" وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ , قَالَ : وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الْقِصَّة جَرَتْ كُلّهَا عَلَى وَجْه التَّفَضُّل وَالرِّفْق بِجَابِرٍ , وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا قَوْل جَابِر \" هُوَ لَك , قَالَ : لَا بَلْ بِعْنِيهِ \" فَلَمْ يَقْبَل مِنْهُ إِلَّا بِثَمَنٍ رِفْقًا بِهِ , وَسَبَقَ الْإِسْمَاعِيلِيّ إِلَى نَحْو هَذَا , وَزَعَمَ أَنَّ النُّكْتَة فِي ذِكْر الْبَيْع أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يَبَرّ جَابِرًا عَلَى وَجْه لَا يَحْصُل لِغَيْرِهِ طَمَع فِي مِثْله فَبَايَعَهُ فِي جَمَله عَلَى اِسْم الْبَيْع لِيَتَوَفَّر عَلَيْهِ بِرّه وَيَبْقَى الْبَعِير قَائِمًا عَلَى مِلْكه فَيَكُون ذَلِكَ أَهْنَأ لِمَعْرُوفِهِ. قَالَ : وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَمَرَهُ بِلَالًا أَنْ يَزِيدهُ عَلَى الثَّمَن زِيَادَة مُهِمَّة فِي الظَّاهِر , فَإِنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ زِيَادَة الْإِحْسَان إِلَيْهِ مِنْ غَيْر أَنْ يَحْصُل لِغَيْرِهِ تَأْمِيل فِي نَظِير ذَلِكَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَعْنَى مَا ذَكَرَ لَكَانَ الْحَال بَاقِيًا فِي التَّأْمِيل الْمَذْكُور عِنْد رَدّه عَلَيْهِ الْبَعِير الْمَذْكُور وَالثَّمَن مَعًا , وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَالَة السَّفَر غَالِبًا تَقْتَضِي قِلَّة الشَّيْء بِخِلَافِ حَالَة الْحَضَر فَلَا مُبَالَاة عِنْد التَّوْسِعَة مِنْ طَمَع الْآمِل. وَأَقْوَى هَذِهِ الْوُجُوه فِي نَظَرِي مَا تَقَدَّمَ نَقْله عَنْ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ أَنَّهُ وَعْد حَلَّ مَحَلّ الشَّرْط. وَأَبْدَى السُّهَيْلِيّ فِي قِصَّة جَابِر مُنَاسَبَة لَطِيفَة غَيْر مَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , مُلَخَّصهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَخْبَرَ جَابِرًا بَعْد قَتْل أَبِيهِ بِأُحُدٍ أَنَّ اللَّه أَحْيَاهُ وَقَالَ : \" مَا تَشْتَهِي فَأَزِيدك \" أَكَّدَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَر بِمَا يَشْتَهِيه فَاشْتَرَى مِنْهُ الْجَمَل وَهُوَ مَطِيَّته بِثَمَنٍ مَعْلُوم , ثُمَّ وَفَّرَ عَلَيْهِ الْجَمَل وَالثَّمَن وَزَادَهُ عَلَى الثَّمَن , كَمَا اِشْتَرَى اللَّه مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ بِثَمَنٍ هُوَ الْجَنَّة ثُمَّ رَدّ عَلَيْهِمْ أَنْفُسهمْ وَزَادَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة ). ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ ‏ ‏( وَابْن إِسْحَاق عَنْ وَهْب ) ‏ ‏أَيْ اِبْن كَيْسَانَ ‏ ‏( عَنْ جَابِر ) ‏ ‏أَيْ فِي هَذَا الْحَدِيث ‏ ‏( اِشْتَرَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُوقِيَّةٍ ) ‏ ‏وَطَرِيق اِبْن إِسْحَاق وَصَلَهَا أَحْمَد وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّار مُطَوَّلَة وَفِيهَا \" قَالَ قَدْ أَخَذْته بِدِرْهَمٍ , قُلْت : إِذًا تَغْبِننِي يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : فَبِدِرْهَمَيْنِ , قُلْت : لَا , فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَع لِي حَتَّى بَلَغَ أُوقِيَّة \" الْحَدِيث , وَرِوَايَة عُبَيْد اللَّه وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْبُيُوع وَلَفْظه قَالَ : \" أَتَبِيعُ جَمَلك ؟ قُلْت نَعَمْ , فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوقِيَّةٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَتَابَعَهُ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ جَابِر ) ‏ ‏أَيْ فِي ذِكْر الْأُوقِيَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَوْصُول عِنْد الْبَيْهَقِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء وَغَيْره عَنْ جَابِر : أَخَذْته بِأَرْبَعَةِ دَنَانِير ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَوْصُول عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْوَكَالَة , ‏ ‏وَقَوْله : \" وَهَذَا يَكُون أُوقِيَّة عَلَى حِسَاب الدِّينَار بِعَشَرَةٍ \" ‏ ‏هُوَ مِنْ كَلَام الْمُصَنِّف قَصَدَ بِهِ الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ , وَهُوَ كَمَا قَالَ بِنَاء عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْأُوقِيَّةِ أَيْ مِنْ الْفِضَّة وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا , وَقَوْله : \" الدِّينَار \" مُبْتَدَأ وَقَوْله : \" بِعَشَرَة \" خَبَره أَيْ دِينَار ذَهَب بِعَشَرَةِ دَرَاهِم فِضَّة , نَسَبَ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن هَذَا الْكَلَام إِلَى رِوَايَة عَطَاء وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق لَا فِي الْبُخَارِيّ وَلَا فِي غَيْره , وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَام الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يُبَيِّن الثَّمَن مُغِيرَة عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ جَابِر , وَابْن الْمُنْكَدِر وَأَبُو الزُّبَيْر عَنْ جَابِر ) ‏ ‏اِبْن الْمُنْكَدِر مَعْطُوف عَلَى مُغِيرَة , وَأَرَادَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة لَمْ يُعَيِّنُوا الثَّمَن فِي رِوَايَتهمْ , فَأَمَّا رِوَايَة مُغِيرَة فَتَقَدَّمَتْ مَوْصُولَة فِي الِاسْتِقْرَاض وَتَأْتِي مُطَوَّلَة فِي الْجِهَاد وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْر الثَّمَن , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرهمَا , وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَيِّن يَسَار عَنْ الشَّعْبِيّ فِي رِوَايَته الثَّمَن أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيقه , وَرَوَاهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق يَسَار فَقَالَ : \" عَنْ أَبِي هُبَيْرَة عَنْ جَابِر \" وَلَمْ يُعَيِّن الثَّمَن فِي رِوَايَته أَيْضًا. وَأَمَّا اِبْن الْمُنْكَدِر فَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَلَيْسَ فِيهِ التَّعْيِين أَيْضًا. وَأَمَّا أَبُو الزُّبَيْر فَوَصَلَهُ النَّسَائِيُّ وَلَمْ يُعَيِّن الثَّمَن , لَكِنْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم فَعَيَّنَ الثَّمَن وَلَفْظه \" فَبِعْته مِنْهُ بِخَمْسِ أَوَاقٍ , قُلْت عَلَى أَنَّ لِي ظَهْره إِلَى الْمَدِينَة \" وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد , وَرُوِّينَاهُ فِي \" فَوَائِد تَمَّام \" مِنْ طَرِيق سَلَمَة بْن كُهَيْل عَنْ أَبِي الزُّبَيْر فَقَالَ فِيهِ : \" أَخَذْته مِنْك بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ الْأَعْمَش عَنْ سَالِم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي الْجَعْد ‏ ‏( عَنْ جَابِر : أُوقِيَّة ذَهَب ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَحْمَد وَمُسْلِم وَغَيْرهمَا هَكَذَا , وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد صَحِيحَة \" قَدْ أَخَذْته بِوُقِيَّةٍ \" وَلَمْ يَصِفهَا لَكِنْ مَنْ وَصَفَهَا حَافِظ فَزِيَادَته مَقْبُولَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق عَنْ سَالِم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي الْجَعْد ‏ ‏( عَنْ جَابِر بِمِائَتَيْ دِرْهَم , وَقَالَ دَاوُد بْن قَيْس عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مِقْسَم عَنْ جَابِر : اِشْتَرَاهُ بِطَرِيقِ تَبُوك , أَحْسِبهُ قَالَ بِأَرْبَعِ أَوَاقٍ ) ‏ ‏. أَمَّا رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق فَلَمْ أَقِف عَلَى مَنْ وَصَلَهَا , وَلَمْ تَخْتَلِف نُسَخ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ قَالَ فِيهَا. \" بِمِائَتَيْ دِرْهَم \". وَوَقَعَ لِلنَّوَوِيِّ أَنَّ فِي بَعْض رِوَايَات الْبُخَارِيّ \" ثَمَانمِائَةِ دِرْهَم \" وَلَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ أَصْلًا , وَلَعَلَّهُ أَرَادَ هَذِهِ الرِّوَايَة فَتَصَحَّفَتْ. وَأَمَّا رِوَايَة دَاوُدَ بْن قَيْس فَجَزَمَ بِزَمَانِ الْقِصَّة وَشَكَّ فِي مِقْدَار الثَّمَن , فَأَمَّا جَزْمه بِأَنَّ الْقِصَّة وَقَعَتْ فِي طَرِيق تَبُوك فَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل عَنْ جَابِر \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِجَابِرٍ فِي غَزْوَة تَبُوك \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل فَقَالَ : \" فِي بَعْض أَسْفَاره \" وَلَمْ يُعَيِّنهُ , وَكَذَا أَبْهَمَهُ أَكْثَر الرُّوَاة عَنْ جَابِر , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : \" كُنْت فِي سَفَر \" وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : \" كُنْت فِي غَزْوَة تَبُوك \" وَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا. وَفِي رِوَايَة أَبِي الْمُتَوَكِّل فِي الْجِهَاد \" لَا أَدْرِي غَزْوَة أَوْ عُمْرَة \" وَيُؤَيِّد كَوْنه كَانَ فِي غَزْوَة قَوْله فِي آخِر رِوَايَة أَبِي عَوَانَة عَنْ مُغِيرَة \" فَأَعْطَانِي الْجَمَل وَثَمَنه وَسَهْمِي مَعَ الْقَوْم \" لَكِنْ جَزَمَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ وَهْب بْن كَيْسَانَ فِي رِوَايَته الْمُشَار إِلَيْهَا قَبْل بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَة ذَات الرِّقَاع مِنْ نَخْل , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْوَاقِدِيّ مِنْ طَرِيق عَطِيَّة بْن عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس عَنْ جَابِر , وَهِيَ الرَّاجِحَة فِي نَظَرِي لِأَنَّ أَهْل الْمَغَازِي أَضْبَط لِذَلِكَ مِنْ غَيْرهمْ , وَأَيْضًا فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيِّ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي رُجُوعهمْ مِنْ طَرِيق مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة , وَلَيْسَتْ طَرِيق تَبُوك مُلَاقِيَة لِطَرِيقِ مَكَّة بِخِلَافِ طَرِيق غَزْوَة ذَات الرِّقَاع , وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي كَثِير مِنْ طُرُقه أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ فِي تِلْكَ الْقِصَّة \" هَلْ تَزَوَّجْت ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : أَتَزَوَّجْت بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا \" الْحَدِيث , وَفِيهِ اِعْتِذَاره بِتَزَوُّجِهِ الثَّيِّب بِأَنَّ أَبَاهُ اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَتَرَكَ أَخَوَاته فَتَزَوَّجَ ثَيِّبًا لِتُمَشِّطهُنَّ وَتَقُوم عَلَيْهِنَّ , فَأَشْعَرَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ وَفَاة أَبِيهِ , فَيَكُون وُقُوع الْقِصَّة فِي ذَات الرِّقَاع أَظْهَر مِنْ وُقُوعهَا فِي تَبُوك , لِأَنَّ ذَات الرِّقَاع كَانَتْ بَعْد أُحُد بِسَنَةٍ وَاحِدَة عَلَى الصَّحِيح , وَتَبُوك كَانَتْ بَعْدهَا بِسَبْعِ سِنِينَ وَاَللَّه أَعْلَم , لَا جُرْم جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" بِمَا قَالَ اِبْن إِسْحَاق. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو نَضْرَة عَنْ جَابِر اِشْتَرَاهُ بِعِشْرِينَ دِينَارًا ) ‏ ‏وَصَلَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق الْجُرَيْرِيّ عَنْهُ بِلَفْظِ \" فَمَا زَالَ يَزِيدنِي دِينَارًا دِينَارًا حَتَّى بَلَغَ عِشْرِينَ دِينَارًا \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي نَضْرَة فَأَبْهَمَ الثَّمَن. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَوْل الشَّعْبِيّ بِأُوقِيَّةٍ أَكْثَر ) ‏ ‏أَيْ مُوَافَقَة لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَقْوَال , وَالْحَاصِل مِنْ الرِّوَايَات أُوقِيَّة وَهِيَ رِوَايَة الْأَكْثَر , وَأَرْبَعَة دَنَانِير وَهِيَ لَا تُخَالِفهَا كَمَا تَقَدَّمَ , وَأُوقِيَّة ذَهَب وَأَرْبَع أَوَاقٍ وَخَمْس أَوَاقٍ وَمِائَتَا دِرْهَم وَعِشْرُونَ دِينَارًا هَذَا مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّف ; وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد وَالْبَزَّار مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل \" ثَلَاثَة عَشَر دِينَارًا \" وَقَدْ جَمَعَ عِيَاض وَغَيْره بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات فَقَالَ : سَبَب الِاخْتِلَاف أَنَّهُمْ رَوَوْا بِالْمَعْنَى , وَالْمُرَاد أُوقِيَّة الذَّهَب , وَالْأَرْبَع أَوَاقٍ وَالْخَمْس بِقَدْرِ ثَمَن الْأُوقِيَّة الذَّهَب , وَالْأَرْبَعَة دَنَانِير مَعَ الْعِشْرِينَ دِينَارًا مَحْمُولَة عَلَى اِخْتِلَاف الْوَزْن وَالْعَدَد , وَكَذَلِكَ رِوَايَة الْأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا مَعَ الْمِائَتَيْ دِرْهَم , قَالَ : وَكَأَنَّ الْإِخْبَار بِالْفِضَّةِ عَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْد , وَبِالذَّهَبِ عَمَّا حَصَلَ بِهِ الْوَفَاء أَوْ بِالْعَكْسِ ا ه مُلَخَّصًا. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : الْمُرَاد أُوقِيَّة ذَهَب , وَيُحْمَل عَلَيْهَا قَوْل مَنْ أَطْلَقَ , وَمَنْ قَالَ خَمْس أَوَاقٍ أَوْ أَرْبَع أَرَادَ مِنْ فِضَّة وَقِيمَتهَا يَوْمئِذٍ أُوقِيَّة ذَهَب , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَب الِاخْتِلَاف مَا وَقَعَ مِنْ الزِّيَادَة عَلَى الْأُوقِيَّة , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّعَسُّف قَالَ الْقُرْطُبِيّ : اِخْتَلَفُوا فِي ثَمَن الْجَمَل اِخْتِلَافًا لَا يَقْبَل التَّلْفِيق , وَتَكَلُّف ذَلِكَ بَعِيد عَنْ التَّحْقِيق , وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى أَمْر لَمْ يَصِحّ نَقْله وَلَا اِسْتَقَامَ ضَبْطه , مَعَ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّق بِتَحْقِيقِ ذَلِكَ حُكْم , وَإِنَّمَا تَحَصَّلَ مِنْ مَجْمُوع الرِّوَايَات أَنَّهُ بَاعَهُ الْبَعِير بِثَمَنٍ مَعْلُوم بَيْنهمَا وَزَادَهُ عِنْد الْوَفَاء زِيَادَة مَعْلُومَة , وَلَا يَضُرّ عَدَم الْعِلْم بِتَحْقِيقِ ذَلِكَ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَيْسَ اِخْتِلَافهمْ فِي قَدْر الثَّمَن بِضَارٍّ , لِأَنَّ الْغَرَض الَّذِي سَبَقَ الْحَدِيث لِأَجْلِهِ بَيَان كَرَمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَوَاضُعه وَحُنُوّهُ عَلَى أَصْحَابه وَبَرَكَة دُعَائِهِ وَغَيْر ذَلِكَ , وَلَا يَلْزَم مِنْ وَهْم بَعْضهمْ فِي قَدْر الثَّمَن تَوْهِينه لِأَصْلِ الْحَدِيث. قُلْت : وَمَا جَنَحَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ مِنْ التَّرْجِيح أَقْعَد , وَبِالرُّجُوعِ إِلَى التَّحْقِيق أَسْعَد , فَلْيُعْتَمَدْ ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏ ‏وَفِي الْحَدِيث جَوَاز الْمُسَاوَمَة لِمَنْ يَعْرِض سِلْعَته لِلْبَيْعِ , وَالْمُمَاكَسَة فِي الْمَبِيع قَبْل اِسْتِقْرَار الْعَقْد , وَابْتِدَاء الْمُشْتَرِي بِذِكْرِ الثَّمَن , وَأَنَّ الْقَبْض لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّة الْبَيْع , وَأَنَّ إِجَابَة الْكَبِير بِقَوْلِ \" لَا \" جَائِز فِي الْأَمْر الْجَائِز , وَالتَّحَدُّث بِالْعَمَلِ الصَّالِح لِلْإِتْيَانِ بِالْقِصَّةِ عَلَى وَجْههَا لَا عَلَى وَجْه تَزْكِيَة النَّفْس وَإِرَادَة الْفَخْر. ‏ ‏وَفِيهِ تَفَقُّد الْإِمَام وَالْكَبِير لِأَصْحَابِهِ وَسُؤَاله عَمَّا يَنْزِل بِهِمْ , وَإِعَانَتهمْ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ حَال أَوْ مَال أَوْ دُعَاء , وَتَوَاضُعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز ضَرْب الدَّابَّة لِلسَّيْرِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْر مُكَلَّفَة , وَمَحَلّه مَا إِذَا لَمْ يَتَحَقَّق أَنَّ ذَلِكَ مِنْهَا مِنْ فَرْط تَعَب وَإِعْيَاء. ‏ ‏وَفِيهِ تَوْقِير التَّابِع لِرَئِيسِهِ. ‏ ‏وَفِيهِ الْوَكَالَة فِي وَفَاء الدُّيُون , وَالْوَزْن عَلَى الْمُشْتَرِي , وَالشِّرَاء بِالنَّسِيئَةِ. ‏ ‏وَفِيهِ رَدّ الْعَطِيَّة قَبْل الْقَبْض لِقَوْلِ جَابِر \" هُوَ لَك , قَالَ لَا بَلْ بِعْنِيهِ \" وَفِيهِ جَوَاز إِدْخَال الدَّوَابّ وَالْأَمْتِعَة إِلَى رِحَاب الْمَسْجِد وَحَوَالَيْهِ , وَاسْتَدَلَّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى طَهَارَة أَبْوَال الْإِبِل , وَلَا حُجَّة فِيهِ. ‏ ‏وَفِيهِ الْمُحَافَظَة عَلَى مَا يُتَبَرَّك بِهِ لِقَوْلِ جَابِر. \" لَا تُفَارِقنِي الزِّيَادَة \". ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز الزِّيَادَة فِي الثَّمَن عِنْد الْأَدَاء , وَالرُّجْحَان فِي الْوَزْن لَكِنْ بِرِضَا الْمَالِك , وَهِيَ هِبَة مُسْتَأْنَفَة حَتَّى لَوْ رُدَّتْ السِّلْعَة بِعَيْبٍ مَثَلًا لَمْ يَجِب رَدّهَا , أَوْ هِيَ تَابِعَة لِلثَّمَنِ حَتَّى تُرَدّ فِيهِ اِحْتِمَال. ‏ ‏وَفِيهِ فَضِيلَة لِجَابِرٍ حَيْثُ تَرَكَ حَظّ نَفْسه وَامْتَثَلَ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِبَيْعِ جَمَله مَعَ اِحْتِيَاجه إِلَيْهِ. ‏ ‏وَفِيهِ مُعْجِزَة ظَاهِرَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَجَوَاز إِضَافَة الشَّيْء إِلَى مَنْ كَانَ مَالِكه قَبْل ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى صِحَّة الْبَيْع بِغَيْرِ تَصْرِيح بِإِيجَابٍ وَلَا قَبُول , لِقَوْلِهِ فِيهِ : \" قَالَ بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ , فَبِعْته \" وَلَمْ يَذْكُر صِيغَة. وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّ عَدَم الذِّكْر لَا يَسْتَلْزِم عَدَم الْوُقُوع , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَطَاء الْمَاضِيَة فِي الْوَكَالَة \" قَالَ بِعْنِيهِ , قَالَ قَدْ أَخَذْته بِأَرْبَعَةِ دَنَانِير \" فَهَذَا فِيهِ الْقَبُول , وَلَا إِيجَاب فِيهِ , وَفِي رِوَايَة جَرِير الْآتِيَة فِي الْجِهَاد \" قَالَ بَلْ بِعْنِيهِ , قُلْت : لِرَجُلٍ عَلَيَّ أُوقِيَّة ذَهَب فَهُوَ لَك بِهَا , قَالَ : قَدْ أَخَذْته \" فَفِيهِ الْإِيجَاب وَالْقَبُول مَعًا. وَأَبْيَن مِنْهَا رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ وَهْب بْن كَيْسَانَ عِنْد أَحْمَد \" قُلْت قَدْ رَضِيت , قَالَ : نَعَمْ , قُلْت. فَهُوَ لَك بِهَا , قَالَ. قَدْ أَخَذْته \" فَيُسْتَدَلّ بِهَا عَلَى الِاكْتِفَاء فِي صِيَغ الْعُقُود بِالْكِنَايَاتِ. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏آلَ أَمْر جَمَل جَابِر هَذَا لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ بَرَكَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَآل حَسَن , فَرَأَيْت فِي تَرْجَمَة جَابِر مِنْ \" تَارِيخ اِبْن عَسَاكِر \" بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر قَالَ : \" فَأَقَامَ الْجَمَل عِنْدِي زَمَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَعُمَر , فَعَجَزَ , فَأَتَيْت بِهِ عُمَر فَعَرَفَ قِصَّته فَقَالَ : اِجْعَلْهُ فِي إِبِل الصَّدَقَة وَفِي أَطْيَب الْمَرَاعِي , فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2518",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ قَالَ لَا فَقَالَ ‏ ‏تَكْفُونَا الْمَئُونَةَ وَنُشْرِكْكُمْ فِي الثَّمَرَةِ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ‏",
        "sharh": "أَحَدُهمَا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي تَوَافُق الْمُهَاجِرِينَ أَنْ يَكْفُوا الْأَنْصَار الْمَئُونَة وَالْعَمَل وَيُشْرِكُوهُمْ فِي الثَّمَرَة مُزَارَعَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" فَضْل الْمَنِيحَة \" فِي أَوَاخِر الْهِبَة , وَالشَّرْط الْمَذْكُور لُغَوِيّ اِعْتَبَرَهُ الشَّارِع فَصَارَ شَرْعِيًّا , لِأَنَّ تَقْدِيره إِنْ تَكْفُونَا نَقْسِم بَيْنكُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "2519",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ ‏ ‏شَطْرُ ‏ ‏مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ‏",
        "sharh": "ثَانِيهِمَا حَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصَّة مُزَارَعَة أَهْل خَيْبَر , ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْمُزَارَعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2520",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2521",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيَّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُنَّا أَكْثَرَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏حَقْلًا فَكُنَّا ‏ ‏نُكْرِي ‏ ‏الْأَرْضَ فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ‏ ‏ذِهِ فَنُهِينَا عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ نُنْهَ عَنْ الْوَرِقِ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْمُزَارَعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2522",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَبِعْ حَاضِرٌ ‏ ‏لِبَادٍ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏تَنَاجَشُوا ‏ ‏وَلَا يَزِيدَنَّ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبَنَّ عَلَى خِطْبَتِهِ وَلَا تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا ‏ ‏لِتَسْتَكْفِئَ ‏ ‏إِنَاءَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَفِيهِ \" وَلَا يَخْطُبْنَ عَلَى خِطْبَة أَخِيهِ \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب النِّكَاح , وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِهِ مِنْ الْبُيُوع فِي مَكَانه , ‏ ‏قَوْله : \" طَلَاق أُخْتهَا \" ‏ ‏أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَوْنهمَا يَصِيرَانِ ضَرَّتَيْنِ , أَوْ الْمُرَاد أُخُوَّة الْإِسْلَام لِأَنَّهَا الْغَالِب. ‏"
    },
    {
        "id": "2523",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُمَا ‏ ‏قَالَا ‏ ‏إِنَّ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏الْأَعْرَابِ ‏ ‏أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ الْخَصْمُ الْآخَرُ وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ نَعَمْ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْ قَالَ إِنَّ ابْنِي كَانَ ‏ ‏عَسِيفًا ‏ ‏عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ ‏ ‏وَتَغْرِيبُ ‏ ‏عَامٍ وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ ‏ ‏وَتَغْرِيبُ ‏ ‏عَامٍ اغْدُ يَا ‏ ‏أُنَيْسُ ‏ ‏إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا قَالَ فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرُجِمَتْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2524",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ الْمَكِّيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَتْ عَلَيَّ ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ فَقَالَتْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ اشْتَرِينِي فَإِنَّ أَهْلِي يَبِيعُونِي فَأَعْتِقِينِي قَالَتْ نَعَمْ قَالَتْ إِنَّ أَهْلِي لَا يَبِيعُونِي حَتَّى يَشْتَرِطُوا وَلَائِي قَالَتْ لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ فَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ بَلَغَهُ فَقَالَ مَا شَأْنُ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏فَقَالَ اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَلْيَشْتَرِطُوا مَا شَاءُوا قَالَتْ فَاشْتَرَيْتُهَا فَأَعْتَقْتُهَا وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَإِنْ اشْتَرَطُوا مِائَةَ شَرْطٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2525",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ التَّلَقِّي وَأَنْ يَبْتَاعَ الْمُهَاجِرُ لِلْأَعْرَابِيِّ وَأَنْ تَشْتَرِطَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا وَأَنْ ‏ ‏يَسْتَامَ ‏ ‏الرَّجُلُ عَلَى ‏ ‏سَوْمِ ‏ ‏أَخِيهِ وَنَهَى عَنْ النَّجْشِ وَعَنْ التَّصْرِيَةِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏وَعَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏نُهِيَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏نُهِينَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏وَحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏نَهَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ سَلْمَان الْأَشْجَعِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هَذَا فِي الْبُيُوع مُفَرَّقًا فِي مَوَاضِعه , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : \" وَلَا تَشْتَرِط الْمَرْأَة طَلَاق أُخْتهَا \" لِأَنَّ مَفْهُومه أَنَّهَا إِذَا اِشْتَرَطَتْ ذَلِكَ فَطَلَّقَ أُخْتهَا وَقَعَ الطَّلَاق لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَع لَمْ يَكُنْ لِلنَّهْيِ عَنْهُ مَعْنًى قَالَهُ اِبْن بَطَّال , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَا يَتَعَلَّق مِنْهُ بِالطَّلَاقِ فِي كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ مُعَاذ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُعَاذ الْعَنْبَرِيّ ‏ ‏( وَعَبْد الصَّمَد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْوَارِث , وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا تَابَعَا مُحَمَّد بْن عَرْعَرَة فِي تَصْرِيحه بِرَفْعِ الْحَدِيث إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِسْنَاد النَّهْي إِلَيْهِ صَرِيحًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ غُنْدَر وَعَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَهْدِيٍّ ‏ ‏( نُهِيَ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُمَا رَوَيَاهُ أَيْضًا عَنْ شُعْبَة فَأَبْهَمَا الْفَاعِل , وَذَكَرَهُ بِضَمِّ النُّون وَكَسْر الْهَاء. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ آدَم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي إِيَاس يَعْنِي عَنْ شُعْبَة : ‏ ‏( نُهِينَا ) ‏ ‏أَيْ وَلَمْ يُسَمِّ فَاعِل النَّهْي أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ النَّضْر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن شُمَيْلٍ ‏ ‏( وَحَجَّاج بْن مِنْهَال ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ شُعْبَة أَيْضًا ‏ ‏( نَهَى ) ‏ ‏أَيْ بِفَتْحِ النُّون وَالْهَاء وَلَمْ يُسَمِّيَا فَاعِل النَّهْي أَيْضًا. وَهَذِهِ الرِّوَايَات قَدْ وَقَعَتْ لَنَا مَوْصُولَة : فَأَمَّا رِوَايَة مُعَاذ فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَلَفْظه \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ التَّلَقِّي \" الْحَدِيث , وَأَمَّا رِوَايَة عَبْد الصَّمَد فَوَصَلَهَا مُسْلِم أَيْضًا وَقَالَ فِيهَا : \" إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى \" بِمِثْلِ حَدِيث مُعَاذ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن مُحَمَّد وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ وَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ كُلّهمْ عَنْ شُعْبَة , لَكِنْ شَكَّ أَبُو دَاوُدَ هَلْ هُوَ نُهِيَ أَوْ نَهَى , وَأَمَّا رِوَايَة غُنْدَر فَوَصَلَهَا مُسْلِم أَيْضًا قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن نَافِع حَدَّثَنَا غُنْدَر وَقَالَ فِي رِوَايَته نَهَى كَمَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيّ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق وَهْب بْن جَرِير وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق أَبِي النَّضْر كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَة. وَأَمَّا رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيٍّ فَوَصَلَهَا وَأَمَّا رِوَايَة آدَم فَرُوِّينَاهَا فِي نُسْخَته رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد عَنْهُ , أَمَّا رِوَايَة النَّضْر بْن شُمَيْلٍ فَوَصَلَهَا إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْهُ , أَمَّا رِوَايَة حَجَّاج بْن مِنْهَال فَوَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل الْقَاضِي عَنْهُ , وَقَرَنَهَا بِرِوَايَةِ حَفْص بْن عُمَر عَنْ شُعْبَة , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة عَنْ عَدِيّ بْن ثَابِت فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَمْ يَشُكّ. ‏ ‏وَقَوْله فِي هَذَا الْمَتْن : \" وَأَنْ يَبْتَاع الْمُهَاجِر لِلْأَعْرَابِيِّ \" ‏ ‏الْمُرَاد بِالْمُهَاجِرِ الْحَضَرِيّ , وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ عَلَى عُرْف ذَلِكَ الزَّمَان , وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَعْرَابِيّ إِذَا جَاءَ السُّوق لِيَبْتَاعَ شَيْئًا لَا يَتَوَكَّل لَهُ الْحَاضِر لِئَلَّا يُحْرِم أَهْل السُّوق نَفْعًا وَرِفْقًا , وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَنْصَحهُ وَيُشِير عَلَيْهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" أَنْ يَبْتَاع \" أَنْ يَبِيع فَيُوَافِق الرِّوَايَة الْمَاضِيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2526",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَغَيْرُهُمَا قَدْ ‏ ‏سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُهُ عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ إِنَّا لَعِنْدَ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ‏ { ‏قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ‏ ‏مَعِيَ صَبْرًا ‏} ‏كَانَتْ الْأُولَى نِسْيَانًا وَالْوُسْطَى شَرْطًا وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا ‏ { ‏قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ‏} { ‏لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ ‏} ‏فَانْطَلَقَا فَوَجَدَا ‏ { ‏جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ‏} ‏قَرَأَهَا ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَمَامَهُمْ مَلِكٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2527",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏جَاءَتْنِي ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏فَقَالَتْ كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ ‏ ‏أَوَاقٍ ‏ ‏فِي كُلِّ عَامٍ ‏ ‏أُوقِيَّةٌ ‏ ‏فَأَعِينِينِي فَقَالَتْ إِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ فَذَهَبَتْ ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ فَأَبَوْا عَلَيْهَا فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَالِسٌ فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكِ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ فَسَمِعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2528",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أَحْمَدَ مَرَّارُ بْنُ حَمُّويَهْ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ الْكِنَانِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا ‏ ‏فَدَعَ ‏ ‏أَهْلُ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏قَامَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏خَطِيبًا فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ عَامَلَ ‏ ‏يَهُودَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَقَالَ ‏ ‏نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ وَإِنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏خَرَجَ إِلَى مَالِهِ هُنَاكَ فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنْ اللَّيْلِ ‏ ‏فَفُدِعَتْ ‏ ‏يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَلَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُوٌّ غَيْرَهُمْ هُمْ عَدُوُّنَا وَتُهْمَتُنَا وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ فَلَمَّا أَجْمَعَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ أَحَدُ ‏ ‏بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ ‏ ‏فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتُخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَامَلَنَا عَلَى الْأَمْوَالِ وَشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَظَنَنْتَ أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏تَعْدُو بِكَ ‏ ‏قَلُوصُكَ ‏ ‏لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ فَقَالَ كَانَتْ هَذِهِ ‏ ‏هُزَيْلَةً ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَبِي الْقَاسِمِ ‏ ‏قَالَ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ فَأَجْلَاهُمْ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ الثَّمَرِ مَالًا وَإِبِلًا وَعُرُوضًا مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَحْسِبُهُ عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اخْتَصَرَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مُسَمًّى وَلَا مَنْسُوب , وَلِابْنِ السَّكَن فِي رِوَايَته عَنْ الْفَرَبْرِيّ وَوَافَقَهُ أَبُو ذَرّ \" حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد مَرَّار بْن حَمَوَيْهِ \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَتَشْدِيد الرَّاء , وَأَبُوهُ بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمِيم , قَالَ اِبْن الصَّلَاح أَهْل الْحَدِيث يَقُولُونَهَا بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الْوَاو وَفَتْح التَّحْتَانِيَّة , وَغَيْرهمْ بِفَتْحِ الْمِيم وَالْوَاو وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَآخِرهَا هَاء عِنْد الْجَمِيع , وَمَنْ قَالَهُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة الْفَوْقَانِيَّة بَدَل الْهَاء فَقَدْ غَلِطَ. ‏ ‏قُلْت : لَكِنْ وَقَعَ فِي شِعْر لِابْنِ دُرَيْدٍ مَا يَدُلّ عَلَى تَجْوِيز ذَلِكَ وَهُوَ قَوْله : \" إِنْ كَانَ نَفْطَوَيْهِ مِنْ نَسْلِي \" وَهُوَ هَمَذَانِيّ بِفَتْحِ الْمِيم ثِقَة مَشْهُور , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَكَذَا شَيْخه , وَهُوَ مَنْ فَوْقه مَدَنِيُّونَ. وَقَالَ الْحَاكِم : أَهْل بُخَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّهُ أَبُو أَحْمَد مُحَمَّد بْن يُوسُف الْبَيْكَنْدِيّ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَبُو أَحْمَد مُحَمَّد بْن عَبْد الْوَهَّاب الْفَرَّاء , فَإِنَّ أَبَا عُمَر الْمُسْتَمْلِي رَوَاهُ عَنْهُ عَنْ أَبِي غَسَّان اِنْتَهَى , وَالْمُعْتَمَد مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ عِنْد اِبْن السَّكَن وَمَنْ وَافَقَهُ , وَجَزَمَ أَبُو نُعَيْم أَنَّهُ مَرَّار الْمَذْكُور وَقَالَ : لَمْ يُسَمِّهِ الْبُخَارِيّ وَالْحَدِيث حَدِيثه. ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن هَارُون عَنْ مَرَّار. قُلْت : وَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْغَرَائِب \" مِنْ طَرِيقه , وَرَوَاهُ اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك بِغَيْرِ إِسْنَاد , وَأَخْرَجَهُ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة \". ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَلِيّ الْكَاتِب. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء وَالْمُهْمَلَتَيْنِ , الْفَدَع بِفَتْحَتَيْنِ زَوَال الْمِفْصَل , فُدِعَتْ يَدَاهُ إِذَا أُزِيلَتَا مِنْ مَفَاصِلهمَا. وَقَالَ الْخَلِيل : الْفَدَع عِوَج فِي الْمَفَاصِل , وَفِي خَلْق الْإِنْسَان الثَّابِت إِذَا زَاغَتْ الْقَدَم مِنْ أَصْلهَا مِنْ الْكَعْب وَطَرَف السَّاق فَهُوَ الْفَدَع , وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : هُوَ زَيْغ فِي الْكَفّ بَيْنهَا وَبَيْن السَّاعِد وَفِي الرِّجْل بَيْنهَا وَبَيْن السَّاق , هَذَا الَّذِي فِي جَمِيع الرِّوَايَات وَعَلَيْهَا شَرْح الْخَطَّابِيِّ وَهُوَ الْوَاقِع فِي هَذِهِ الْقِصَّة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة أَيْ فَدَغَ وَجَزَمَ بِهِ الْكَرْمَانِيُّ , وَهُوَ وَهْم لِأَنَّ الْفَدَغ بِالْمُعْجَمَةِ كَسْر الشَّيْء الْمُجَوَّف قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ , وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ لِابْنِ عُمَر فِي الْقِصَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنْ اللَّيْل ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَأَنَّ الْيَهُود سَحَرُوا عَبْد اللَّه بْن عُمَر فَالْتَوَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ , كَذَا قَالَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا ضَرَبُوهُ وَيُؤَيِّدهُ تَقْيِيده بِاللَّيْلِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة الَّتِي عَلَّقَ الْمُصَنِّف إِسْنَادهَا آخِر الْبَاب بِلَفْظِ \" فَلَمَّا كَانَ زَمَان عُمَر غَشُوا الْمُسْلِمِينَ وَأَلْقَوْا اِبْن عُمَر مِنْ فَوْق بَيْت فَفَدَعُوا يَدَيْهِ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( تُهَمَتنَا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاة وَفَتْح الْهَاء وَيَجُوز إِسْكَانهَا , أَيْ الَّذِينَ نَتَّهِمهُمْ بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ رَأَيْت إِجْلَاءَهُمْ فَلَمَّا أَجْمَعَ ) ‏ ‏أَيْ عَزَمَ , وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم : أَجْمَع عَلَى كَذَا أَيْ جَمَعَ أَمْره جَمِيعًا بَعْد أَنْ كَانَ مُفَرَّقًا , وَهَذَا لَا يَقْتَضِي حَصْر السَّبَب فِي إِجْلَاء عُمَر إِيَّاهُمْ , وَقَدْ وَقَعَ لِي فِيهِ سَبَبَانِ آخَرَانِ : أَحَدهمَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة قَالَ : مَا زَالَ عُمَر حَتَّى وَجَدَ الثَّبْت عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : \" لَا يَجْتَمِع بِجَزِيرَةِ الْعَرَب دِينَانِ \" فَقَالَ : مَنْ كَانَ لَهُ مِنْ أَهْل الْكِتَابَيْنِ عَهْد فَلْيَأْتِ بِهِ أَنْفُذهُ لَهُ , وَإِلَّا فَإِنِّي مُجْلِيكُمْ. فَأَجَلَاهُمْ. أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره. ثَانِيهمَا رَوَاهُ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة \" مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن مُحَمَّد الْأَخْنَسِيّ قَالَ : لَمَّا كَثُرَ الْعِيَال - أَيْ الْخَدَم - فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ وَقَوُوا عَلَى الْعَمَل فِي الْأَرْض أَجَلَاهُمْ عُمَر. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كُلّ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاء جُزْء عِلَّة فِي إِخْرَاجهمْ. وَالْإِجْلَاء الْإِخْرَاج عَنْ الْمَال وَالْوَطَن عَلَى وَجْه الْإِزْعَاج وَالْكَرَاهَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَحَد بَنِي أَبِي الْحُقَيْق ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَقَافَيْنِ مُصَغَّر , وَهُوَ رَأْس يَهُود خَيْبَر , وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْبُرْقَانِيّ \" فَقَالَ رَئِيسهمْ لَا تُخْرِجنَا \" وَابْن أَبِي الْحُقَيْق الْآخَر هُوَ الَّذِي زَوَّجَ صَفِيَّة بِنْت حُيَيّ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , فَقُتِلَ بِخَيْبَر وَبَقِيَ أَخُوهُ إِلَى هَذِهِ الْغَايَة. ‏ ‏قَوْله : ( تَعْدُو بِك قَلُوصك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَة : النَّاقَة الصَّابِرَة عَلَى السَّيْر وَقِيلَ الشَّابَّة وَقِيلَ أَوَّل مَا يُرْكَب مِنْ إِنَاث الْإِبِل وَقِيلَ الطَّوِيلَة الْقَوَائِم , وَأَشَارَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى إِخْرَاجهمْ مِنْ خَيْبَر وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ إِخْبَاره بِالْمُغَيَّبَاتِ قَبْل وُقُوعهَا. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" كَانَتْ هَذِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( هُزَيْلَة ) ‏ ‏تَصْغِير الْهَزْل وَهُوَ ضِدّ الْجَدّ. ‏ ‏قَوْله : ( مَالًا ) ‏ ‏تَمْيِيز لِلْقِيمَةِ , وَعَطَفَ الْإِبِل عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْعُرُوض مِنْ عَطْف الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ , أَوْ الْمُرَاد بِالْمَالِ النَّقْد خَاصَّة وَالْعُرُوض مَا عَدَا النَّقْد , وَقِيلَ مَا لَا يَدْخُلهُ الْكَيْل وَلَا يَكُون حَيَوَانًا وَلَا عَقَارًا. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ هُوَ الْعُمَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَحْسِبهُ عَنْ نَافِع ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ حَمَّادًا شَكَّ فِي وَصْله , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو يَعْلَى فِي رِوَايَته الْآتِيَة , وَزَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي قَوْله \" عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قَرِينَة تَدُلّ عَلَى أَنَّ حَمَّادًا اِقْتَصَرَ فِي رِوَايَته عَلَى مَا نَسَبَهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ قَوْل أَوْ فِعْل دُون مَا نُسِبَ إِلَى عُمَر. قُلْت : وَلَيْسَ كَمَا قَالَ , وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنَّهُ اِخْتَصَرَ مِنْ الْمَرْفُوع دُون الْمَوْقُوف , وَهُوَ الْوَاقِع فِي نَفْس الْأَمْر , فَقَدْ رُوِّينَاهُ فِي \" مُسْنَد أَبِي يَعْلَى \" وَ \" فَوَائِد الْبَغَوِيِّ \" كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد الْأَعْلَى بْن حَمَّاد عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة وَلَفْظه \" قَالَ عُمَر : مَنْ كَانَ لَهُ سَهْم بِخَيْبَر فَلْيَحْضُرْ حَتَّى نَقْسِمهَا , فَقَالَ رَئِيسهمْ لَا تُخْرِجنَا وَدَعْنَا كَمَا أَقَرَّنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر , فَقَالَ لَهُ عُمَر : أَتَرَاهُ سَقَطَ عَلَيَّ قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كَيْفَ بِك إِذَا رَقَصَتْ بِك رَاحِلَتك نَحْو الشَّام يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا , فَقَسَمَهَا عُمَر بَيْن مَنْ كَانَ شَهِدَ خَيْبَر مِنْ أَهْل الْحُدَيْبِيَة \" قَالَ الْبَغَوِيُّ هَكَذَا رَوَاهُ غَيْر وَاحِد عَنْ حَمَّاد , وَرَوَاهُ الْوَلِيد بْن صَالِح عَنْ حَمَّاد بِغَيْرِ شَكّ , قُلْت : وَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي مُسْنَد عُمَر النَّجَّار مِنْ طَرِيق هُدْبَة بْن خَالِد عَنْ حَمَّاد بِغَيْرِ شَكّ وَفِيهِ قَوْله : \" رَقَصَتْ بِك \" أَيْ أَسْرَعَتْ فِي السَّيْر , وَقَوْله : \" نَحْو الشَّام \" تَقَدَّمَ فِي الْمُزَارَعَة \" أَنَّ عُمَر أَجَلَاهُمْ إِلَى تَيْمَاء وَأَرِيحَاء \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ لِلْحُمَيْدِيِّ نِسْبَة رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة مُطَوَّلَة جِدًّا إِلَى الْبُخَارِيّ , وَكَأَنَّهُ نَقَلَ السِّيَاق مِنْ \" مُسْتَخْرَج الْبُرْقَانِيّ \" كَعَادَتِهِ وَذَهَلَ عَنْ عَزْوه إِلَيْهِ , وَقَدْ نَبَّهَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَلَى أَنَّ حَمَّادًا كَانَ يُطَوِّلهُ تَارَة وَيَرْوِيه تَارَة مُخْتَصَرًا , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى بَعْض مَا فِي رِوَايَته قَبْل , قَالَ الْمُهَلَّب : فِي الْقِصَّة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعَدَاوَة تُوَضَّح الْمُطَالَبَة بِالْجِنَايَةِ كَمَا طَالَبَ عُمَر الْيَهُود بِفَدَعِ اِبْنه , وَرَجَّحَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ : لَيْسَ لَنَا عَدُوّ غَيْرهمْ , فَعَلَّقَ الْمُطَالَبَة بِشَاهِدِ الْعَدَاوَة. وَإِنَّمَا لَمْ يَطْلُب الْقِصَاص لِأَنَّهُ فُدِعَ وَهُوَ نَائِم فَلَمْ يَعْرِف أَشْخَاصهمْ. وَفِيهِ أَنَّ أَفْعَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقْوَاله مَحْمُولَة عَلَى الْحَقِيقَة حَتَّى يَقُوم دَلِيل الْمَجَاز. ‏"
    },
    {
        "id": "2529",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ‏ ‏وَمَرْوَانَ ‏ ‏يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَمَنَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏بِالْغَمِيمِ ‏ ‏فِي خَيْلٍ ‏ ‏لِقُرَيْشٍ ‏ ‏طَلِيعَةٌ فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏حَتَّى إِذَا هُمْ ‏ ‏بِقَتَرَةِ ‏ ‏الْجَيْشِ فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا ‏ ‏لِقُرَيْشٍ ‏ ‏وَسَارَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى إِذَا كَانَ ‏ ‏بِالثَّنِيَّةِ ‏ ‏الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ فَقَالَ النَّاسُ حَلْ حَلْ ‏ ‏فَأَلَحَّتْ ‏ ‏فَقَالُوا ‏ ‏خَلَأَتْ ‏ ‏الْقَصْوَاءُ ‏ ‏خَلَأَتْ ‏ ‏الْقَصْوَاءُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا ‏ ‏خَلَأَتْ ‏ ‏الْقَصْوَاءُ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ قَالَ فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏ثَمَدٍ ‏ ‏قَلِيلِ الْمَاءِ ‏ ‏يَتَبَرَّضُهُ ‏ ‏النَّاسُ ‏ ‏تَبَرُّضًا ‏ ‏فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعَطَشُ فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ ‏ ‏بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ ‏ ‏فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ ‏ ‏خُزَاعَةَ ‏ ‏وَكَانُوا ‏ ‏عَيْبَةَ ‏ ‏نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ أَهْلِ ‏ ‏تِهَامَةَ ‏ ‏فَقَالَ إِنِّي تَرَكْتُ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ ‏ ‏وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ ‏ ‏نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏وَمَعَهُمْ ‏ ‏الْعُوذُ ‏ ‏الْمَطَافِيلُ ‏ ‏وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنْ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ وَإِنَّ ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏قَدْ نَهِكَتْهُمْ الْحَرْبُ وَأَضَرَّتْ بِهِمْ فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا وَإِلَّا فَقَدْ ‏ ‏جَمُّوا ‏ ‏وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ ‏ ‏سَالِفَتِي ‏ ‏وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ فَقَالَ ‏ ‏بُدَيْلٌ ‏ ‏سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ قَالَ فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏قَالَ إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ وَقَالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَامَ ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏فَقَالَ أَيْ قَوْمِ أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ قَالُوا بَلَى قَالَ أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ قَالُوا بَلَى قَالَ فَهَلْ تَتَّهِمُونِي قَالُوا لَا قَالَ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ ‏ ‏عُكَاظَ ‏ ‏فَلَمَّا ‏ ‏بَلَّحُوا ‏ ‏عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ لَكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ اقْبَلُوهَا وَدَعُونِي آتِيهِ قَالُوا ائْتِهِ فَأَتَاهُ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ ‏ ‏لِبُدَيْلٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏عِنْدَ ذَلِكَ أَيْ ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏أَرَأَيْتَ إِنْ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنْ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى وُجُوهًا وَإِنِّي لَأَرَى ‏ ‏أَوْشَابًا ‏ ‏مِنْ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ‏ ‏امْصُصْ ‏ ‏بِبَظْرِ اللَّاتِ أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ فَقَالَ مَنْ ذَا قَالُوا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏قَالَ أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ ‏ ‏أَجْزِكَ ‏ ‏بِهَا لَأَجَبْتُكَ قَالَ وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ ‏ ‏وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ‏ ‏قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ فَكُلَّمَا أَهْوَى ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ وَقَالَ لَهُ أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَفَعَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏رَأْسَهُ فَقَالَ مَنْ هَذَا قَالُوا ‏ ‏الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ‏ ‏فَقَالَ أَيْ ‏ ‏غُدَرُ أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ وَكَانَ ‏ ‏الْمُغِيرَةُ ‏ ‏صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَّا الْإِسْلَامَ فَأَقْبَلُ وَأَمَّا الْمَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ ثُمَّ إِنَّ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏جَعَلَ يَرْمُقُ ‏ ‏أَصْحَابَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعَيْنَيْهِ قَالَ فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ فَرَجَعَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيْ قَوْمِ وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ وَوَفَدْتُ عَلَى ‏ ‏قَيْصَرَ ‏ ‏وَكِسْرَى ‏ ‏وَالنَّجَاشِيِّ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ ‏ ‏أَصْحَابُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي كِنَانَةَ ‏ ‏دَعُونِي آتِيهِ فَقَالُوا ائْتِهِ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْحَابِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَذَا فُلَانٌ وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ فَابْعَثُوهَا لَهُ فَبُعِثَتْ لَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنْ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ رَأَيْتُ الْبُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنْ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏فَقَالَ دَعُونِي آتِيهِ فَقَالُوا ائْتِهِ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏مِكْرَزٌ ‏ ‏وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ ‏ ‏سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ ‏ ‏سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏فِي حَدِيثِهِ فَجَاءَ ‏ ‏سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏فَقَالَ هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا فَدَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْكَاتِبَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُهَيْلٌ ‏ ‏أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنْ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ وَاللَّهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا ‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ثُمَّ قَالَ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏سُهَيْلٌ ‏ ‏وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنْ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏وَلَا قَاتَلْنَاكَ وَلَكِنْ اكْتُبْ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي اكْتُبْ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏فَنَطُوفَ بِهِ فَقَالَ ‏ ‏سُهَيْلٌ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ ‏ ‏الْعَرَبُ ‏ ‏أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَكَتَبَ فَقَالَ ‏ ‏سُهَيْلٌ ‏ ‏وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا قَالَ الْمُسْلِمُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ ‏ ‏أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ ‏ ‏سُهَيْلٌ ‏ ‏هَذَا يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ قَالَ فَوَاللَّهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَجِزْهُ لِي قَالَ مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ قَالَ بَلَى فَافْعَلْ قَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلٍ قَالَ ‏ ‏مِكْرَزٌ ‏ ‏بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ قَالَ ‏ ‏أَبُو جَنْدَلٍ ‏ ‏أَيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ قَالَ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا قَالَ بَلَى قُلْتُ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا قَالَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي قُلْتُ أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏فَنَطُوفُ بِهِ قَالَ بَلَى فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ قَالَ فَأَتَيْتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا قَالَ بَلَى قُلْتُ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا قَالَ أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ وَهُوَ نَاصِرُهُ فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قُلْتُ أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏وَنَطُوفُ بِهِ قَالَ بَلَى أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ قُلْتُ لَا قَالَ فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا ‏ ‏قَالَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَصْحَابِهِ قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا قَالَ فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنْ النَّاسِ فَقَالَتْ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا ‏ ‏حَالِقَهُ ‏ ‏فَحَلَقَهُ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ‏ ‏حَتَّى بَلَغَ ‏ ‏بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ‏} ‏فَطَلَّقَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ ‏ ‏امْرَأَتَيْنِ ‏ ‏كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏وَالْأُخْرَى ‏ ‏صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ‏ ‏ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَجَاءَهُ ‏ ‏أَبُو بَصِيرٍ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَهُوَ مُسْلِمٌ ‏ ‏فَأَرْسَلُوا ‏ ‏فِي طَلَبِهِ ‏ ‏رَجُلَيْنِ ‏ ‏فَقَالُوا الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ‏ ‏ذَا الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَصِيرٍ ‏ ‏لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ فَقَالَ أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَصِيرٍ ‏ ‏أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ رَآهُ لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُتِلَ ‏ ‏وَاللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ فَجَاءَ ‏ ‏أَبُو بَصِيرٍ ‏ ‏فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَيْلُ أُمِّهِ ‏ ‏مِسْعَرَ ‏ ‏حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ قَالَ وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ ‏ ‏أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ ‏ ‏فَلَحِقَ ‏ ‏بِأَبِي بَصِيرٍ ‏ ‏فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ ‏ ‏بِأَبِي بَصِيرٍ ‏ ‏حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ ‏ ‏لِقُرَيْشٍ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ فَأَرْسَلَتْ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَيْهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ‏ ‏حَتَّى بَلَغَ ‏ ‏الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ‏} ‏وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ وَلَمْ يُقِرُّوا بِ ‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏ ‏وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ { ‏مَعَرَّةٌ ‏} ‏الْعُرُّ الْجَرَبُ ‏ { ‏تَزَيَّلُوا ‏} ‏تَمَيَّزُوا وَحَمَيْتُ الْقَوْمَ مَنَعْتُهُمْ حِمَايَةً وَأَحْمَيْتُ الْحِمَى جَعَلْتُهُ حِمًى لَا يُدْخَلُ وَأَحْمَيْتُ الْحَدِيدَ وَأَحْمَيْتُ الرَّجُلَ إِذَا أَغْضَبْتَهُ إِحْمَاءً ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏فَأَخْبَرَتْنِي ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَمْتَحِنُهُنَّ ‏ ‏وَبَلَغْنَا أَنَّهُ ‏ ‏لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدُّوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ وَحَكَمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يُمَسِّكُوا ‏ ‏بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ ‏ ‏قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ ‏ ‏وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِيِّ ‏ ‏فَتَزَوَّجَ ‏ ‏قَرِيبَةَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏وَتَزَوَّجَ الْأُخْرَى ‏ ‏أَبُو جَهْمٍ ‏ ‏فَلَمَّا أَبَى الْكُفَّارُ أَنْ يُقِرُّوا بِأَدَاءِ مَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ ‏} ‏وَالْعَقْبُ مَا يُؤَدِّي الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ هَاجَرَتْ امْرَأَتُهُ مِنْ الْكُفَّارِ فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الْكُفَّارِ اللَّائِي هَاجَرْنَ وَمَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا وَبَلَغَنَا أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ الثَّقَفِيَّ ‏ ‏قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا فِي الْمُدَّةِ فَكَتَبَ ‏ ‏الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْأَلُهُ ‏ ‏أَبَا بَصِيرٍ ‏ ‏فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ وَمَرْوَان ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْحَكَم ‏ ‏( قَالَا خَرَجَ ) ‏ ‏هَذِهِ الرِّوَايَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَرْوَان مُرْسَلَة لِأَنَّهُ لَا صُحْبَة لَهُ , وَأَمَّا الْمِسْوَر فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أَيْضًا مُرْسَلَة لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُر الْقِصَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الشُّرُوط مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة \" أَنَّهُ سَمِعَ الْمِسْوَر وَمَرْوَان يُخْبِرَانِ عَنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ بَعْض هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ سَمِعَ الْمِسْوَر وَمَرْوَان مِنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة شَهِدُوا هَذِهِ الْقِصَّة كَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ وَالْمُغِيرَة وَأُمّ سَلَمَة وَسَهْل بْن حُنَيْفٍ وَغَيْرهمْ , وَوَقَعَ فِي نَفْس هَذَا الْحَدِيث شَيْء يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عَنْ عُمَر كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي مَكَانه , وَقَدْ رَوَى أَبُو الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة هَذِهِ الْقِصَّة فَلَمْ يَذْكُر الْمِسْوَر وَلَا مَرْوَان لَكِنْ أَرْسَلَهَا , وَهِيَ كَذَلِكَ فِي \" مَغَازِي عُرْوَة بْن الزُّبَيْر \" أَخْرَجَهَا اِبْن عَائِذ فِي الْمَغَازِي لَهُ بِطُولِهَا , وَأَخْرَجَهَا الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة أَيْضًا مُقَطَّعَة. ‏ ‏قَوْله : ( زَمَن الْحُدَيْبِيَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْط الْحُدَيْبِيَة فِي الْحَجّ , وَهِيَ بِئْر سُمِّيَ الْمَكَان بِهَا , وَقِيلَ شَجَرَة حَدْبَاء صُغِّرَتْ وَسُمِّيَ الْمَكَان بِهَا. قَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ. الْحُدَيْبِيَة قَرْيَة قَرِيبَة مِنْ مَكَّة أَكْثَرهَا فِي الْحَرَم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَنْ الزُّهْرِيِّ \" خَرَجَ عَام الْحُدَيْبِيَة يُرِيد زِيَارَة الْبَيْت لَا يُرِيد قِتَالًا \" وَوَقَعَ عِنْد اِبْن سَعْد \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْم الِاثْنَيْنِ لِهِلَالِ ذِي الْقِعْدَة \" زَادَ سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة فِي الْمَغَازِي وَكَذَا فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق \" فِي بِضْع عَشْرَة مِائَة , فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَة قَلَّدَ الْهَدْي وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ , وَبَعَثَ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَة \" وَرَوَى عَبْد الْعَزِيز الْإِمَامِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة \" خَرَجَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَلْف وَثَمَانمِائَةٍ , وَبَعَثَ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَة يُدْعَى نَاجِيَة يَأْتِيه بِخَبَرِ قُرَيْش \" كَذَا سَمَّاهُ نَاجِيَة , وَالْمَعْرُوف أَنَّ نَاجِيَة اِسْم الَّذِي بَعَثَ مَعَهُ الْهَدْي كَمَا صَرَّحَ بِهِ اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره , وَأَمَّا الَّذِي بَعَثَهُ عَيْنًا لِخَبَرِ قُرَيْش فَاسْمه بُسْر بْن سُفْيَان كَذَا سَمَّاهُ اِبْن إِسْحَاق , وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة عَلَى الصَّحِيح , وَسَأَذْكُرُ الْخِلَاف فِي عَدَد أَهْل الْحُدَيْبِيَة فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيق ) ‏ ‏اِخْتَصَرَ الْمُصَنِّف صَدْر هَذَا الْحَدِيث الطَّوِيل مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسُقْهُ بِطُولِهِ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَبَقِيَّته عِنْده فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : \" وَنَبَّأَنِيهِ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ : وَسَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ أَتَاهُ عَيْنه فَقَالَ : إِنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا جُمُوعًا وَقَدْ جَمَعُوا لَك الْأَحَابِيش , وَهُمْ مُقَاتِلُوك وَصَادُّوك عَنْ الْبَيْت وَمَانِعُوك. فَقَالَ : أَشِيرُوا أَيّهَا النَّاس عَلَيَّ , أَتَرَوْنَ أَنْ أَمِيل إِلَى عِيَالهمْ وَذَرَارِيّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَصُدُّونَا عَنْ الْبَيْت , فَإِنْ يَأْتُونَا كَانَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَطَعَ عَيْنًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ , وَإِلَّا تَرَكْنَاهُمْ مَحْرُوبِينَ. قَالَ أَبُو بَكْر : يَا رَسُول اللَّه خَرَجْت عَامِدًا لِهَذَا الْبَيْت لَا تُرِيد قَتْل أَحَد وَلَا حَرْب أَحَد , تَوَجَّهَ لَهُ , فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ. قَالَ : اِمْضُوا عَلَى اِسْم اللَّه \" إِلَى هَاهُنَا سَاقَ الْبُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَزَادَ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق وَسَاقَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقه قَالَ : \" قَالَ مَعْمَر قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول : مَا رَأَيْت أَحَدًا قَطّ كَانَ أَكْثَر مُشَاوَرَة لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ا ه وَهَذَا الْقَدْر حَذَفَهُ الْبُخَارِيّ لِإِرْسَالِهِ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَع مِنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَفِي رِوَايَة أَحْمَد الْمَذْكُورَة \" حَتَّى إِذَا كَانُوا بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ قَرِيبًا مِنْ عُسْفَان \" ا ه وَغَدِير بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالْأَشْطَاط بِشِينٍ مُعْجَمَة وَطَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ جَمْع شَطّ وَهُوَ جَانِب الْوَادِي كَذَا جَزَمَ بِهِ صَاحِب \" الْمَشَارِق \" , وَوَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ أَبِي ذَرّ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَة فِيهِمَا , وَفِي رِوَايَة أَحْمَد أَيْضًا \" أَتَرَوْنَ أَنْ نَمِيل إِلَى ذَرَارِيّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعَانُوهُمْ فَنُصِيبهُمْ فَإِنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوْتُورِينَ مَحْرُوبِينَ , وَإِنْ يَجِيئُوا تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَهَا اللَّه \" وَنَحْوه لِابْنِ إِسْحَاق فِي رِوَايَته فِي الْمَغَازِي عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَالْمُرَاد أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَشَارَ أَصْحَابه هَلْ يُخَالِف الَّذِينَ نَصَرُوا قُرَيْشًا إِلَى مَوَاضِعهمْ فَيَسْبِي أَهْلهمْ , فَإِنْ جَاءُوا إِلَى نَصْرهمْ اِشْتَغَلُوا بِهِمْ وَانْفَرَدَ هُوَ وَأَصْحَابه بِقُرَيْشٍ , وَذَلِكَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَهَا اللَّه \" فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق بِتَرْكِ الْقِتَال وَالِاسْتِمْرَار عَلَى مَا خَرَجَ لَهُ مِنْ الْعُمْرَة حَتَّى يَكُون بَدْء الْقِتَال مِنْهُمْ , فَرَجَعَ إِلَى رَأْيه. وَزَادَ أَحْمَد فِي رِوَايَته \" فَقَالَ أَبُو بَكْر : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم يَا نَبِيّ اللَّه , إِنَّمَا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ إِلَخْ \" وَالْأَحَابِيش بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة وَآخِره مُعْجَمَة وَاحِدهَا أُحْبُوش بِضَمَّتَيْنِ وَهُمْ بَنُو الْهَوْن بْن خُزَيْمَةَ بْن مُدْرِكَة وَبَنُو الْحَارِث بْن عَبْد مَنَاة بْن كِنَانَة وَبَنُو الْمُصْطَلِق مِنْ خُزَاعَة كَانُوا تَحَالَفُوا مَعَ قُرَيْش قِيلَ تَحْت جَبَل يُقَال لَهُ الْحَبَشِيّ أَسْفَل مَكَّة , وَقِيلَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِتَحَبُّشِهِمْ أَيْ تَجَمُّعهمْ وَالتَّحَبُّش التَّجَمُّع وَالْحُبَاشَة الْجَمَاعَة. وَرَوَى الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي ثَابِت أَنَّ اِبْتِدَاء حِلْفهمْ مَعَ قُرَيْش كَانَ عَلَى يَد قُصَيّ بْن كِلَاب , وَاتَّفَقَ الرُّوَاة عَلَى قَوْله : \" فَإِنْ يَأْتُونَا \" مِنْ الْإِتْيَان إِلَّا اِبْن السَّكَن فَعِنْده \" فَإِنْ بَاتُّونَا \" بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاة مُشَدَّدَة وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة أَحْمَد بِلَفْظِ الْمَجِيء , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن سَعْد \" وَبَلَغَ الْمُشْرِكِينَ خُرُوجه فَأَجْمَعَ رَأْيهمْ عَلَى صَدّه عَنْ مَكَّة وَعَسْكَرُوا بِبَلْدَحَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَة بَيْنهمَا لَام سَاكِنَة ثُمَّ حَاء مُهْمَلَة مَوْضِع خَارِج مَكَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ خَالِد بْن الْوَلِيد بِالْغَمِيمِ فِي خَيْل لِقُرَيْشٍ طَلِيعَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِمَامِيّ \" فَقَالَ لَهُ عَيْنه : هَذَا خَالِد بْن الْوَلِيد بِالْغَمِيمِ \" وَالْغَمِيم بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَحَكَى عِيَاض فِيهَا التَّصْغِير , قَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ. يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد كُرَاع الْغَمِيم وَهُوَ مَوْضِع بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة ا ه , وَسِيَاق الْحَدِيث ظَاهِر فِي أَنَّهُ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْحُدَيْبِيَة فَهُوَ غَيْر كُرَاع الْغَمِيم الَّذِي وَقَعَ ذِكْره فِي الصِّيَام وَهُوَ الَّذِي بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة , وَأَمَّا الْغَمِيم هَذَا فَقَالَ اِبْن حَبِيب. هُوَ قَرِيب مِنْ مَكَان بَيْن رَابِغ وَالْجُحْفَة , وَقَدْ وَقَعَ فِي شِعْر جَرِير وَالشَّمَّاخ بِصِيغَةِ التَّصْغِير وَاَللَّه أَعْلَم. وَبَيَّنَ اِبْن سَعْد أَنَّ خَالِدًا كَانَ فِي مِائَتَيْ فَارِس فِيهِمْ عِكْرِمَة بْن أَبِي جَهْل , وَالطَّلِيعَة مُقَدِّمَة الْجَيْش. ‏ ‏قَوْله : ( فَخُذُوا ذَات الْيَمِين ) ‏ ‏أَيْ الطَّرِيق الَّتِي فِيهَا خَالِد وَأَصْحَابه. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْش فَانْطَلَقَ يَرْكُض نَذِيرًا ) ‏ ‏الْقَتَرَة بِفَتْحِ الْقَاف وَالْمُثَنَّاة الْغُبَار الْأَسْوَد. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يُخْرِجنَا عَلَى طَرِيق غَيْر طَرِيقهمْ الَّتِي هُمْ بِهَا ؟ قَالَ : فَحَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن حَزْم أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ : أَنَا يَا رَسُول اللَّه , فَسَلَكَ بِهِمْ طَرِيقًا وَعْرًا فَأُخْرِجُوا مِنْهَا بَعْد أَنْ شَقَّ عَلَيْهِمْ , وَأَفْضَوْا إِلَى أَرْض سَهْلَة , فَقَالَ لَهُمْ : اِسْتَغْفِرُوا اللَّه , فَفَعَلُوا. فَقَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لِلْحِطَّةِ الَّتِي عَرَضَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل فَامْتَنَعُوا \" قَالَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثه \" فَقَالَ : اُسْلُكُوا ذَات الْيَمِين بَيْن ظَهْرَيْ الْحَمْض فِي طَرِيق تُخْرِجهُ عَلَى ثَنِيَّة الْمِرَار مَهْبِط الْحُدَيْبِيَة \" ا ه. وَثَنِيَّة الْمِرَار بِكَسْرِ الْمِيم وَتَخْفِيف الرَّاء هِيَ طَرِيق فِي الْجَبَل تُشْرِف عَلَى الْحُدَيْبِيَة. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيّ الشَّارِح أَنَّهَا الثَّنِيَّة الَّتِي أَسْفَل مَكَّة , وَهُوَ وَهْم , وَسُمِّيَ اِبْن سَعْد الَّذِي سَلَكَ بِهِمْ حَمْزَة بْن عَمْرو الْأَسْلَمِي , وَفِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة فَقَالَ \" مَنْ رَجُل يَأْخُذ بِنَا عَنْ يَمِين الْمَحَجَّة نَحْو سَيْف الْبَحْر لَعَلَّنَا نَطْوِي مُسَلَّحَة الْقَوْم , وَذَلِكَ مِنْ اللَّيْل , فَنَزَلَ رَجُل عَنْ دَابَّته \" فَذَكَرَ الْقِصَّة. ‏ ‏قَوْله : ( بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَته , فَقَالَ النَّاس : حَلْ حَلْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام. كَلِمَة تُقَال لِلنَّاقَةِ إِذَا تَرَكَتْ السَّيْر , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنْ قُلْت حَلْ وَاحِدَة فَالسُّكُون , وَإِنْ أَعَدْتهَا نَوَّنْت فِي الْأُولَى وَسَكَّنْت فِي الثَّانِيَة , وَحَكَى غَيْره السُّكُون فِيهِمَا وَالتَّنْوِين كَنَظِيرِهِ فِي بَخٍ بَخٍ , يُقَال حَلْحَلْت فُلَانًا إِذَا أَزْعَجْته عَنْ مَوْضِعه. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَلَحَّتْ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَة أَيْ تَمَادَتْ عَلَى عَدَم الْقِيَام وَهُوَ مِنْ الْإِلْحَاح. ‏ ‏قَوْله : ( خَلَأَتْ الْقَصْوَاء ) ‏ ‏الْخَلَاء بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمَدّ لِلْإِبِلِ كَالْحِرَانِ لِلْخَيْلِ , وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : لَا يَكُون الْخَلَاء إِلَّا لِلنُّوقِ خَاصَّة. وَقَالَ اِبْن فَارِس : لَا يُقَال لِلْجَمَلِ خَلَأَ لَكِنْ أَلَحَّ. وَالْقَصْوَاء بِفَتْحِ الْقَاف بَعْدهَا مُهْمَلَة وَمَدّ. اِسْم نَاقَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقِيلَ كَانَ طَرَف أُذُنهَا مَقْطُوعًا , وَالْقَصْو قَطْع طَرَف الْأُذُن يُقَال : بَعِير أَقْصَى وَنَاقَة قُصْوَى , وَكَانَ الْقِيَاس أَنْ يَكُون بِالْقَصْرِ , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي بَعْض نُسَخ أَبِي ذَرّ , وَزَعَمَ الدَّاوُدِيّ أَنَّهَا كَانَتْ لَا تُسْبَق فَقِيلَ لَهَا الْقَصْوَاء لِأَنَّهَا بَلَغَتْ مِنْ السَّبْق أَقْصَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ ) ‏ ‏أَيْ بِعَادَةٍ , قَالَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره : فِي هَذَا الْفَصْل جَوَاز الِاسْتِتَار عَنْ طَلَائِع الْمُشْرِكِينَ وَمُفَاجَأَتهمْ بِالْجَيْشِ طَلَبًا لِغِرَّتِهِمْ , وَجَوَاز السَّفَر وَحْده لِلْحَاجَةِ وَجَوَاز التَّنْكِيب عَنْ الطَّرِيق السَّهْلَة إِلَى الْوَعِرَة لِلْمَصْلَحَةِ , وَجَوَاز الْحُكْم عَلَى الشَّيْء بِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَته وَإِنْ جَازَ أَنْ يَطْرَأ عَلَيْهِ غَيْره , فَإِذَا وَقَعَ مِنْ شَخْص هَفْوَة لَا يُعْهَد مِنْهُ مِثْلهَا لَا يُنْسَب إِلَيْهَا وَيُرَدّ عَلَى مَنْ نَسَبَهُ إِلَيْهَا , وَمَعْذِرَة مَنْ نَسَبَهُ إِلَيْهَا مِمَّنْ لَا يَعْرِف صُورَة حَاله , لِأَنَّ خَلَاء الْقَصْوَاء لَوْلَا خَارِق الْعَادَة لَكَانَ مَا ظَنَّهُ الصَّحَابَة صَحِيحًا وَلَمْ يُعَاتِبهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ لِعُذْرِهِمْ فِي ظَنّهمْ , قَالَ : وَفِيهِ جَوَاز التَّصَرُّف فِي مِلْك الْغَيْر بِالْمَصْلَحَةِ بِغَيْرِ إِذْنه الصَّرِيح إِذَا كَانَ سَبَقَ مِنْهُ مَا يَدُلّ عَلَى الرِّضَا بِذَلِكَ , لِأَنَّهُمْ قَالُوا حَلْ حَلْ فَزَجَرُوهَا بِغَيْرِ إِذْن , وَلَمْ يُعَاتِبهُمْ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَبَسَهَا حَابِس الْفِيل ) ‏ ‏زَادَ إِسْحَاق فِي رِوَايَته \" عَنْ مَكَّة \" أَيْ حَبَسَهَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ دُخُول مَكَّة كَمَا حَبَسَ الْفِيل عَنْ دُخُولهَا. وَقِصَّة الْفِيل مَشْهُورَة سَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهَا فِي مَكَانهَا , وَمُنَاسَبَة ذِكْرهَا أَنَّ الصَّحَابَة لَوْ دَخَلُوا مَكَّة عَلَى تِلْكَ الصُّورَة وَصَدَّهُمْ قُرَيْش عَنْ ذَلِكَ لَوَقَعَ بَيْنهمْ قِتَال قَدْ يُفْضِي إِلَى سَفْك الدِّمَاء وَنَهْب الْأَمْوَال كَمَا لَوْ قُدِّرَ دُخُول الْفِيل وَأَصْحَابه مَكَّة , لَكِنْ سَبَقَ فِي عِلْم اللَّه تَعَالَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّهُ سَيَدْخُلُ فِي الْإِسْلَام خَلْق مِنْهُمْ , وَيُسْتَخْرَج مِنْ أَصْلَابهمْ نَاس يُسْلِمُونَ وَيُجَاهِدُونَ , وَكَانَ بِمَكَّة فِي الْحُدَيْبِيَة جَمْع كَثِير مُؤْمِنُونَ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَان , فَلَوْ طَرَقَ الصَّحَابَة مَكَّة لَمَا أَمِنَ أَنْ يُصَاب نَاس مِنْهُمْ بِغَيْرِ عَمْد كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ تَعَالَى فِي قَوْله : ( وَلَوْلَا رِجَال مُؤْمِنُونَ ) الْآيَة , وَوَقَعَ لَلْمُهَلَّب اِسْتِبْعَاد جَوَاز هَذِهِ الْكَلِمَة وَهِيَ \" حَابِس الْفِيل \" عَلَى اللَّه تَعَالَى فَقَالَ : الْمُرَاد حَبَسَهَا أَمْر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَجُوز إِطْلَاق ذَلِكَ فِي حَقّ اللَّه فَيُقَال حَبَسَهَا اللَّه حَابِس الْفِيل وَإِنَّمَا الَّذِي يُمْكِن أَنْ يَمْنَع تَسْمِيَته سُبْحَانه وَتَعَالَى حَابِس الْفِيل وَنَحْوه , كَذَا أَجَابَ اِبْن الْمُنِير , وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى الصَّحِيح مِنْ أَنَّ الْأَسْمَاء تَوْقِيفِيَّة. وَقَدْ تَوَسَّطَ الْغَزَالِيّ وَطَائِفَة فَقَالُوا : مَحَلّ الْمَنْع مَا لَمْ يَرِد نَصّ بِمَا يُشْتَقْ مِنْهُ , شَرْط أَنْ لَا يَكُون ذَلِكَ الِاسْم الْمُشْتَقّ مُشْعِرًا بِنَقْصٍ , فَيَجُوز تَسْمِيَته الْوَاقِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَات يَوْمئِذٍ فَقَدْ رَحِمْته ) وَلَا يَجُوز تَسْمِيَته الْبِنَاء وَإِنْ وَرَدَ قَوْله تَعَالَى : ( وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ ). ‏ ‏وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة جَوَاز التَّشْبِيه مِنْ الْجِهَة الْعَامَّة وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ الْجِهَة الْخَاصَّة , لِأَنَّ أَصْحَاب الْفِيل كَانُوا عَلَى بَاطِل مَحْض وَأَصْحَاب هَذِهِ النَّاقَة كَانُوا عَلَى حَقّ مَحْض , لَكِنْ جَاءَ التَّشْبِيه مِنْ جِهَة إِرَادَة اللَّه مَنْع الْحَرَم مُطْلَقًا , أَمَّا مِنْ أَهْل الْبَاطِل فَوَاضِح , وَأَمَّا مِنْ أَهْل الْحَقّ فَلِلْمَعْنَى الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْره. وَفِيهِ ضَرْب الْمَثَل وَاعْتِبَار مَنْ بَقِيَ بِمَنْ مَضَى , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى تَعْظِيم حُرُمَات اللَّه فِي هَذِهِ الْقِصَّة تَرْك الْقِتَال فِي الْحَرَم , وَالْجُنُوح إِلَى الْمُسَالَمَة وَالْكَفّ عَنْ إِرَاقَة الدِّمَاء. وَاسْتَدَلَّ بَعْضهمْ بِهَذِهِ الْقِصَّة لِمَنْ قَالَ مِنْ الصُّوفِيَّة : عَلَامَة الْإِذْن التَّيْسِير وَعَكْسه , وَفِيهِ نَظَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) ‏ ‏فِيهِ تَأْكِيد الْقَوْل بِالْيَمِينِ فَيَكُون أَدْعَى إِلَى الْقَبُول , وَقَدْ حُفِظَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَلِف فِي أَكْثَر مِنْ ثَمَانِينَ مَوْضِعًا قَالَهُ اِبْن الْقَيِّم فِي الْهَدْي. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَسْأَلُونَنِي خُطَّة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة أَيْ خَصْلَة ‏ ‏( يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَات اللَّه ) ‏ ‏أَيْ مِنْ تَرْك الْقِتَال فِي الْحَرَم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" يَسْأَلُونَنِي فِيهَا صِلَة الرَّحِم \" وَهِيَ مِنْ جُمْلَة حُرُمَات اللَّه , وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْحُرُمَاتِ حُرْمَة الْحَرَم وَالشَّهْر وَالْإِحْرَام , قُلْت : وَفِي الثَّالِث نَظَر لِأَنَّهُمْ لَوْ عَظَّمُوا الْإِحْرَام مَا صَدُّوهُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا أَعْطَيْتهمْ إِيَّاهَا ) ‏ ‏أَيْ أَجَبْتهمْ إِلَيْهَا , قَالَ السُّهَيْلِيّ : لَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ طُرُق الْحَدِيث أَنَّهُ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّه مَعَ أَنَّهُ مَأْمُور بِهَا فِي كُلّ حَالَة , وَالْجَوَاب أَنَّهُ كَانَ أَمْرًا وَاجِبًا حَتْمًا فَلَا يَحْتَاج فِيهِ إِلَى الِاسْتِثْنَاء , كَذَا قَالَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة : ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِد الْحَرَام إِنْ شَاءَ اللَّه آمِنِينَ ) فَقَالَ : ( إِنْ شَاءَ اللَّه ) مَعَ تَحَقُّق وُقُوع ذَلِكَ تَعْلِيمًا وَإِرْشَادًا , فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَل عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاء سَقَطَ مِنْ الرَّاوِي أَوْ كَانَتْ الْقِصَّة قَبْل نُزُول الْأَمْر بِذَلِكَ , وَلَا يُعَارِضهُ كَوْن الْكَهْف مَكِّيَّة إِذْ لَا مَانِع أَنْ يَتَأَخَّر نُزُول بَعْض السُّورَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ زَجَرَهَا ) ‏ ‏أَيْ النَّاقَة ‏ ‏( فَوَثَبَتْ ) ‏ ‏أَيْ قَامَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَدَلَ عَنْهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد \" فَوَلَّى رَاجِعًا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" فَقَالَ لِلنَّاسِ اِنْزِلُوا. قَالُوا يَا رَسُول اللَّه مَا بِالْوَادِي مِنْ مَاء نَنْزِل عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى ثَمَد ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة وَالْمِيم أَيْ حُفَيْرَة فِيهَا مَاء مَثْمُود أَيْ قَلِيل , وَقَوْله : \" قَلِيل الْمَاء \" تَأْكِيد لِدَفْعِ تَوَهُّم أَنْ يُرَاد لُغَة مَنْ يَقُول إِنَّ الثَّمَد الْمَاء الْكَثِير , وَقِيلَ الثَّمَد مَا يَظْهَر مِنْ الْمَاء فِي الشِّتَاء وَيَذْهَب فِي الصَّيْف. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَبَرَّضهُ النَّاس ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ وَالتَّشْدِيد وَالضَّاد الْمُعْجَمَة هُوَ الْأَخْذ قَلِيلًا قَلِيلًا , وَالْبَرْض بِالْفَتْحِ وَالسُّكُون الْيَسِير مِنْ الْعَطَاء , وَقَالَ صَاحِب الْعَيْن : هُوَ جَمْع الْمَاء بِالْكَفَّيْنِ , وَذَكَرَ أَبُو الْأَسْوَد فِي رِوَايَته عَنْ عُرْوَة \" وَسَبَقَتْ قُرَيْش إِلَى الْمَاء فَنَزَلُوا عَلَيْهِ , وَنَزَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُدَيْبِيَة فِي حَرّ شَدِيد وَلَيْسَ بِهَا إِلَّا بِئْر وَاحِدَة \" فَذَكَرَ الْقِصَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يُلْبِثهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون اللَّام مِنْ الْإِلْبَاث , وَقَالَ اِبْن التِّين : بِفَتْحِ اللَّام وَكَسْر الْمُوَحَّدَة الثَّقِيلَة أَيْ لَمْ يَتْرُكُوهُ يَلْبَث أَيْ يُقِيم. ‏ ‏قَوْله : ( وَشُكِيَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَته ) ‏ ‏أَيْ أَخْرَجَ سَهْمًا مِنْ جَعْبَته. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَمَرَهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم عَنْ رِجَال مِنْ أَسْلَمَ أَنَّ نَاجِيَة بْن جُنْدُب الَّذِي سَاقَ الْبُدْن هُوَ الَّذِي نَزَلَ بِالسَّهْمِ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق سَلَمَة بْن الْأَكْوَع , وَفِي رِوَايَة نَاجِيَة بْن الْأَعْجَم , قَالَ اِبْن إِسْحَاق \" وَزَعَمَ بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّهُ الْبَرَاء بْن عَازِب \" وَرَوَى الْوَاقِدِيّ مِنْ طَرِيق خَالِد بْن عُبَادَةَ الْغِفَارِيِّ قَالَ : \" أَنَا الَّذِي نَزَلْت بِالسَّهْمِ \" وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُمْ تَعَاوَنُوا عَلَى ذَلِكَ بِالْحَفْرِ وَغَيْره , وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب فِي قِصَّة الْحُدَيْبِيَة \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ عَلَى الْبِئْر ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فَمَضْمَضَ وَدَعَا اللَّه ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا ثُمَّ قَالَ : دَعُوهَا سَاعَة. ثُمَّ إِنَّهُمْ اِرْتَوَوْا بَعْد ذَلِكَ \" وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يَكُون الْأَمْرَانِ مَعًا وَقَعَا. وَقَدْ رَوَى الْوَاقِدِيّ مِنْ طَرِيق أَوْس بْن خَوْلِيّ \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فِي الدَّلْو ثُمَّ أَفْرَغَهُ فِيهَا وَانْتَزَعَ السَّهْم فَوَضَعَهُ فِيهَا \" وَهَكَذَا ذَكَرَ أَبُو الْأَسْوَد فِي رِوَايَته عَنْ عُرْوَة \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَضْمَضَ فِي دَلْو وَصَبَّهُ فِي الْبِئْر وَنَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَته فَأَلْقَاهُ فِيهَا وَدَعَا فَفَارَتْ \" وَهَذِهِ الْقِصَّة غَيْر الْقِصَّة الْآتِيَة فِي الْمَغَازِي أَيْضًا مِنْ حَدِيث جَابِر قَالَ : \" عَطِشَ النَّاس بِالْحُدَيْبِيَةِ وَبَيْن يَدَيْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْوَة فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَوَضَعَ يَده فِيهَا , فَجَعَلَ الْمَاء يَفُور مِنْ بَيْن أَصَابِعه \" الْحَدِيث , وَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل قِصَّة الْبِئْر وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي هَذَا الْفَصْل مُعْجِزَات ظَاهِرَة , وَفِيهِ بَرَكَة سِلَاحه وَمَا يُنْسَب إِلَيْهِ , وَقَدْ وَقَعَ نَبْع الْمَاء مِنْ بَيْن أَصَابِعه فِي عِدَّة مَوَاطِن غَيْر هَذِهِ , وَسَيَأْتِي فِي أَوَّل غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة حَدِيث زَيْد بْن خَالِد \" أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ مَطَر بِالْحُدَيْبِيَةِ \" الْحَدِيث , وَكَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْد الْقِصَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( يَجِيش ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الْجِيم وَآخِره مُعْجَمَة أَيْ يَفُور , ‏ ‏وَقَوْله : ( بِالرِّيِّ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء وَيَجُوز فَتْحهَا. ‏ ‏وَقَوْله : ( صَدَرُوا عَنْهُ ) ‏ ‏أَيْ رَجَعُوا رُوَاء بَعْد وِرْدهمْ. زَادَ اِبْن سَعْد \" حَتَّى اِغْتَرَفُوا بِآنِيَتِهِمْ جُلُوسًا عَلَى شَفِير الْبِئْر \" وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَيْنَمَا هُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَبَيْنَا هُمْ \" ‏ ‏( كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْل ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ وَالتَّصْغِير أَيْ اِبْن وَرْقَاء بِالْقَافِ وَالْمَدّ صَحَابِيّ مَشْهُور. ‏ ‏قَوْله : ( فِي نَفَر مِنْ قَوْمه ) ‏ ‏سَمَّى الْوَاقِدِيّ مِنْهُمْ عَمْرو بْن سَالِم وَخِرَاش بْن أُمَيَّة , وَفِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة \" مِنْهُمْ خَارِجَة بْن كُرْز وَيَزِيد بْن أُمَيَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانُوا عَيْبَة نُصْح ) ‏ ‏الْعَيْبَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُوَحَّدَة مَا تُوضَع فِيهِ الثِّيَاب لِحِفْظِهَا , أَيْ أَنَّهُمْ مَوْضِع النُّصْح لَهُ وَالْأَمَانَة عَلَى سِرّه , وَنُصْح بِضَمِّ النُّون وَحَكَى اِبْن التِّين فَتْحهَا كَأَنَّهُ شَبَّهَ الصَّدْر الَّذِي هُوَ مُسْتَوْدَع السِّرّ بِالْعَيْبَةِ الَّتِي هِيَ مُسْتَوْدَع الثِّيَاب. ‏ ‏وَقَوْله : ( مِنْ أَهْل تِهَامَة ) ‏ ‏لِبَيَانِ الْجِنْس , لِأَنَّ خُزَاعَة كَانُوا مِنْ جُمْلَة أَهْل تِهَامَة وَتِهَامَة بِكَسْرِ الْمُثَنَّاة هِيَ مَكَّة وَمَا حَوْلهَا , وَأَصْلهَا مِنْ التَّهَم وَهُوَ شِدَّة الْحَرّ وَرُكُود الرِّيح وَزَادَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته \" وَكَانَتْ خُزَاعَة عَيْبَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْلِمهَا وَمُشْرِكهَا لَا يُخْفُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا كَانَ بِمَكَّة \" وَوَقَعَ عِنْد الْوَاقِدِيّ \" أَنَّ بُدَيْلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ غَزَوْت وَلَا سِلَاح مَعَك , فَقَالَ : لَمْ نَجِئْ لِقِتَالٍ. فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْر , فَقَالَ لَهُ بُدَيْل : أَنَا لَا أَتَّهِم وَلَا قَوْمِي ا ه \" وَكَانَ الْأَصْل فِي مُوَالَاة خُزَاعَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بَنِي هَاشِم فِي الْجَاهِلِيَّة كَانُوا تَحَالَفُوا مَعَ خُزَاعَة فَاسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي الْإِسْلَام. وَفِيهِ جَوَاز اِسْتِنْصَاح بَعْض الْمُعَاهَدِينَ وَأَهْل الذِّمَّة إِذَا دَلَّتْ الْقَرَائِن عَلَى نُصْحهمْ وَشَهِدَتْ التَّجْرِبَة بِإِيثَارِهِمْ أَهْل الْإِسْلَام عَلَى غَيْرهمْ وَلَوْ كَانُوا مِنْ أَهْل دِينهمْ , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز اِسْتِنْصَاح بَعْض مُلُوك الْعَدُوّ اِسْتِظْهَارًا عَلَى غَيْرهمْ , وَلَا يُعَدّ ذَلِكَ مِنْ مُوَالَاة الْكُفَّار وَلَا مُوَادَّة أَعْدَاء اللَّه بَلْ مِنْ قَبِيل اِسْتِخْدَامهمْ وَتَقْلِيل شَوْكَة جَمْعهمْ وَإِنْكَاء بَعْضهمْ بِبَعْضٍ , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ جَوَاز الِاسْتِعَانَة بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْإِطْلَاق. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : إِنِّي تَرَكْت كَعْب بْن لُؤَيّ وَعَامِر بْن لُؤَيّ ) ‏ ‏إِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى ذِكْر هَذَيْنِ لِكَوْنِ قُرَيْش الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّة أَجْمَع تَرْجِع أَنْسَابهمْ إِلَيْهِمَا , وَبَقِيَ مِنْ قُرَيْش بَنُو سَامَة بْن لُؤَيّ وَبَنُو عَوْف بْن لُؤَيّ وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّة مِنْهُمْ أَحَد , وَكَذَلِكَ قُرَيْش الظَّوَاهِر الَّذِينَ مِنْهُمْ بَنُو تَيْم بْن غَالِب وَمُحَارِب بْن فِهْر. قَالَ هِشَام بْن الْكَلْبِيّ : بَنُو عَامِر بْن لُؤَيّ وَكَعْب بْن لُؤَيّ هُمَا الصَّرِيحَانِ لَا شَكَّ فِيهِمَا , بِخِلَافِ سَامَة وَعَوْف أَيْ فَفِيهِمَا الْخَلَف. قَالَ وَهُمْ قُرَيْش الْبِطَاح , أَيْ بِخِلَافِ قُرَيْش الظَّوَاهِر. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْمَلِيح \" وَجَمَعُوا لَك الْأَحَابِيش \" بِحَاءٍ مُهْمَلَة وَمُوَحَّدَة ثُمَّ شِين مُعْجَمَة وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ التَّحَبُّش وَهُوَ التَّجَمُّع. ‏ ‏قَوْله : ( نَزَلُوا أَعْدَاد مِيَاه الْحُدَيْبِيَة ) ‏ ‏الْأَعْدَاد بِالْفَتْحِ جَمْع عِدّ بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيد وَهُوَ الْمَاء الَّذِي لَا اِنْقِطَاع لَهُ , وَغَفَلَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ هُوَ مَوْضِع بِمَكَّة , وَقَوْل بُدَيْل هَذَا يُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ بِالْحُدَيْبِيَةِ مِيَاه كَثِيرَة وَأَنَّ قُرَيْشًا سَبَقُوا إِلَى النُّزُول عَلَيْهَا فَلِهَذَا عَطِشَ الْمُسْلِمُونَ حَيْثُ نَزَلُوا عَلَى الثَّمَد الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَعَهُمْ الْعُوذ الْمَطَافِيل ) ‏ ‏الْعُوذ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا مُعْجَمَة جَمْع عَائِذ وَهِيَ النَّاقَة ذَات اللَّبَن , وَالْمَطَافِيل الْأُمَّهَات اللَّاتِي مَعَهَا أَطْفَالهَا , يُرِيد أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَهُمْ بِذَوَاتِ الْأَلْبَان مِنْ الْإِبِل لِيَتَزَوَّدُوا بِأَلْبَانِهَا وَلَا يَرْجِعُوا حَتَّى يَمْنَعُوهُ , أَوْ كَنَّى بِذَلِكَ عَنْ النِّسَاء مَعَهُنَّ الْأَطْفَال , وَالْمُرَاد أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْهُمْ بِنِسَائِهِمْ وَأَوْلَادهمْ لِإِرَادَةِ طُول الْمَقَام وَلِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى عَدَم الْفِرَار , وَيَحْتَمِل إِرَادَة الْمَعْنَى الْأَعَمّ , قَالَ اِبْن فَارِس. كُلّ أُنْثَى إِذَا وَضَعَتْ فَهِيَ إِلَى سَبْعَة أَيَّام عَائِذ وَالْجَمْع عُوذ كَأَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَعُوذ وَلَدهَا وَتَلْزَم الشُّغْل بِهِ , وَقَالَ السُّهَيْلِيّ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْوَلَد هُوَ الَّذِي يَعُوذ بِهَا لِأَنَّهَا تَعْطِف عَلَيْهِ بِالشَّفَقَةِ وَالْحُنُوّ , كَمَا قَالُوا تِجَارَة رَابِحَة وَإِنْ كَانَتْ مَرْبُوحًا فِيهَا. وَوَقَعَ عِنْد اِبْن سَعْد \" مِنْهُمْ الْعُوذ الْمَطَافِيل وَالنِّسَاء وَالصِّبْيَان \". ‏ ‏قَوْله : ( نَهِكَتْهُمْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الْهَاء , أَيْ أَبْلَغَتْ فِيهِمْ حَتَّى أَضْعَفَتْهُمْ , إِمَّا أَضْعَفَتْ قُوَّتهمْ وَإِمَّا أَضْعَفَتْ أَمْوَالهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( مَادَدْتهمْ ) ‏ ‏أَيْ جَعَلْت بَيْنِي وَبَيْنهمْ مُدَّة يُتْرَك الْحَرْب بَيْننَا وَبَيْنهمْ فِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْن النَّاس ) ‏ ‏أَيْ مِنْ كُفَّار الْعَرَب وَغَيْرهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ أَظْهَر فَإِنْ شَاءُوا ) ‏ ‏هُوَ شَرْط بَعْد الشَّرْط وَالتَّقْدِير فَإِنْ ظَهَرَ غَيْرهمْ عَلَيَّ كَفَاهُمْ الْمَئُونَة , وَإِنْ أَظْهَر أَنَا عَلَى غَيْرهمْ فَإِنْ شَاءُوا أَطَاعُونِي وَإِلَّا فَلَا تَنْقَضِي مُدَّة الصُّلْح إِلَّا وَقَدْ جَمُّعُوا , أَيْ اِسْتَرَاحُوا , وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَتَشْدِيد الْمِيم الْمَضْمُومَة أَيْ قَوُوا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوَّة \" وَإِنَّمَا رَدَّدَ الْأَمْر مَعَ أَنَّهُ جَازِم بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى سَيَنْصُرُهُ وَيُظْهِرهُ لِوَعْدِ اللَّه تَعَالَى لَهُ بِذَلِكَ , عَلَى طَرِيق التَّنَزُّل مَعَ الْخَصْم وَفَرْض الْأَمْر عَلَى مَا زَعَمَ الْخَصْم , وَلِهَذِهِ النُّكْتَة حَذَفَ الْقِسْم الْأَوَّل وَهُوَ التَّصْرِيح بِظُهُورِ غَيْره عَلَيْهِ , لَكِنْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق وَلَفْظه \" فَإِنْ أَصَابُونِي كَانَ الَّذِي أَرَادُوا \" وَلِابْنِ عَائِذ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ \" فَإِنْ ظَهَرَ النَّاس عَلَيَّ فَذَلِكَ الَّذِي يَبْتَغُونَ \" فَالظَّاهِر أَنَّ الْحَذْف وَقَعَ مِنْ بَعْض الرُّوَاة تَأَدُّبًا. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَنْفَرِد سَالِفَتِي ) ‏ ‏السَّالِفَة بِالْمُهْمَلَةِ وَكَسْر اللَّام بَعْدهَا فَاء صَفْحَة الْعُنُق , وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ الْقَتْل لِأَنَّ الْقَتِيل تَنْفَرِد مُقَدِّمَة عُنُقه. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : الْمُرَاد الْمَوْت أَيْ حَتَّى أَمُوت وَأَبْقَى مُنْفَرِدًا فِي قَبْرِي. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ أَنَّهُ يُقَاتِل حَتَّى يَنْفَرِد وَحْده فِي مُقَاتَلَتهمْ. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : لَعَلَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبَّهَ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى , أَيْ إِنَّ لِي مِنْ الْقُوَّة بِاَللَّهِ وَالْحَوْل بِهِ مَا يَقْتَضِي أَنْ أُقَاتِل عَنْ دِينه لَوْ اِنْفَرَدْت , فَكَيْفَ لَا أُقَاتِل عَنْ دِينه مَعَ وُجُود الْمُسْلِمِينَ وَكَثْرَتهمْ وَنَفَاذ بَصَائِرهمْ فِي نَصْر دِين اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَيُنْفِذَنَّ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْفَاء أَيْ لَيُمْضِيَنَّ ‏ ‏( اللَّه أَمْره ) ‏ ‏فِي نَصْر دِينه. وَحَسُنَ الْإِتْيَان بِهَذَا الْجَزْم - بَعْد ذَلِكَ التَّرَدُّد - لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُورِدهُ إِلَّا عَلَى سَبِيل الْفَرْض. وَفِي هَذَا الْفَصْل النَّدْب إِلَى صِلَة الرَّحِم , وَالْإِبْقَاء عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلهَا , وَبَذْل النَّصِيحَة لِلْقَرَابَةِ , وَمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقُوَّة وَالثَّبَات فِي تَنْفِيذ حُكْم اللَّه وَتَبْلِيغ أَمْره. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ بُدَيْل سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُول ) ‏ ‏أَيْ فَأَذِنَ لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ ) ‏ ‏سَمَّى الْوَاقِدِيّ مِنْهُمْ عِكْرِمَة بْن أَبِي جَهْل وَالْحَكَم بْن أَبِي الْعَاصِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته \" فَقَالَ لَهُمْ بُدَيْل : إِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ عَلَى مُحَمَّد , إِنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ , إِنَّمَا جَاءَ مُعْتَمِرًا. فَاتَّهَمُوهُ - أَيْ اِتَّهَمُوا بُدَيْلًا , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ مَيْله إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا إِنْ كَانَ كَمَا تَقُول فَلَا يَدْخُلهَا عَلَيْنَا عَنْوَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ عُرْوَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة عِنْد الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" وَالْبَيْهَقِيِّ فِي \" الدَّلَائِل \" وَذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن إِسْحَاق أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر \" قَالُوا لَمَّا نَزَلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ أَحَبَّ أَنْ يَبْعَث رَجُلًا مِنْ أَصْحَابه إِلَى قُرَيْش يُعْلِمهُمْ بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَدِمَ مُعْتَمِرًا , فَدَعَا عُمَر فَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ لَا عَشِيرَة لَهُ بِمَكَّة , فَدَعَا عُثْمَان فَأَرْسَلَهُ بِذَلِكَ. وَأَمَرَهُ أَنْ يُعْلِم مَنْ بِمَكَّة مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ الْفَرَج قَرِيب , فَأَعْلَمهُمْ عُثْمَان بِذَلِكَ , فَحَمَلَهُ أَبَان بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ عَلَى فَرَسه - فَذَكَرَ الْقِصَّة - فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : هَنِيئًا لِعُثْمَان , خَلَصَ إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ دُوننَا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ ظَنِّي بِهِ أَنْ لَا يَطُوف حَتَّى نَطُوف مَعًا. فَكَانَ كَذَلِكَ. قَالَ : ثُمَّ جَاءَ عُرْوَة بْن مَسْعُود \" فَذَكَرَ الْقِصَّة. وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق أَنَّ مَجِيء عُرْوَة كَانَ قَبْل ذَلِكَ , وَذَكَرَهَا مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَكَذَا أَبُو الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة قَبْل قِصَّة مَجِيء سُهَيْل بْن عَمْرو , فَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ عُرْوَة بْن مَسْعُود ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُعَتِّب بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُثَنَّاة الْمَكْسُورَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة الثَّقَفِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عِنْد أَحْمَد عُرْوَة بْن عَمْرو بْن مَسْعُود , وَالصَّوَاب الْأَوَّل وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي السِّيرَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَسْتُمْ بِالْوَلَدِ وَأَلَسْتُ بِالْوَالِدِ ؟ قَالُوا : بَلَى ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ بِالْعَكْسِ \" أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ وَأَلَسْتُ بِالْوَلَدِ \" وَهُوَ الصَّوَاب وَهُوَ الَّذِي فِي رِوَايَة أَحْمَد وَابْن إِسْحَاق وَغَيْرهمَا , وَزَادَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ أُمّ عُرْوَة هِيَ سُبَيْعَة بِنْت عَبْد شَمْس بْن عَبْد مَنَافٍ , فَأَرَادَ بِقَوْلِهِ : \" أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ \" أَنَّكُمْ حَيّ قَدْ وَلَدُونِي فِي الْجُمْلَة لِكَوْنِ أُمِّي مِنْكُمْ. وَجَرَى بَعْض الشُّرَّاح عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ فَقَالَ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ : \" أَلَسْتُمْ بِالْوَلَدِ \" أَيْ أَنْتُمْ عِنْدِي فِي الشَّفَقَة وَالنُّصْح بِمَنْزِلَةِ الْوَلَد , قَالَ : وَلَعَلَّهُ كَانَ يُخَاطِب بِذَلِكَ قَوْمًا هُوَ أَسَنّ مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَنْفَرْت أَهْل عُكَاظ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْكَاف وَآخِره مُعْجَمَة أَيْ دَعَوْتهمْ إِلَى نَصْركُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا بَلَّحُوا ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيد اللَّام الْمَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ مُهْمَلَة مَضْمُومَة أَيْ اِمْتَنَعُوا , وَالتَّبَلُّح التَّمَنُّع مِنْ الْإِجَابَة , وَبَلَّحَ الْغَرِيم إِذَا اِمْتَنَعَ مِنْ أَدَاء مَا عَلَيْهِ زَادَ اِبْن إِسْحَاق \" فَقَالُوا صَدَقْت , مَا أَنْتَ عِنْدنَا بِمُتَّهَمٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَكُمْ \". ‏ ‏( خُطَّة رُشْد ) ‏ ‏بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْمُهْمَلَة , وَالرُّشْد بِضَمِّ الرَّاء وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَبِفَتْحِهِمَا , أَيْ خَصْلَة خَيْر وَصَلَاح وَإِنْصَاف , وَبَيَّنَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته أَنَّ سَبَب تَقْدِيم عُرْوَة لِهَذَا الْكَلَام عِنْد قُرَيْش مَا رَآهُ مِنْ رَدّهمْ الْعَنِيف عَلَى مَنْ يَجِيء مِنْ عِنْد الْمُسْلِمِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَدَعُونِي آتِهِ ) ‏ ‏بِالْمَدِّ , وَهُوَ مَجْزُوم عَلَى جَوَاب الْأَمْر وَأَصْله أَئْتِهِ أَيْ أَجِيء إِلَيْهِ ‏ ‏( قَالُوا اِئْتِهِ ) ‏ ‏بِأَلِفِ وَصْل بَعْدهَا هَمْزَة سَاكِنَة ثُمَّ مُثَنَّاة مَكْسُورَة ثُمَّ هَاء سَاكِنَة وَيَجُوز كَسْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( نَحْوًا مِنْ قَوْله لِبُدَيْلٍ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن إِسْحَاق \" وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ يُرِيد حَرْبًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عُرْوَة عِنْد ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ عِنْد قَوْله : لَأُقَاتِلَنهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( اِجْتَاحَ ) ‏ ‏بِجِيمٍ ثُمَّ مُهْمَلَة أَيْ أَهْلَكَ أَصْله بِالْكُلِّيَّةِ , وَحَذَفَ الْجَزَاء مِنْ قَوْله : \" وَإِنْ تَكُنْ الْأُخْرَى \" تَأَدُّبًا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمَعْنَى وَإِنْ تَكُنْ الْغَلَبَة لِقُرَيْشٍ لَا آمَنهُمْ عَلَيْك مَثَلًا. ‏ ‏وَقَوْله : ( فَإِنِّي وَاَللَّه لَا أَرَى وُجُوهًا إِلَخْ ) ‏ ‏كَالتَّعْلِيلِ لِهَذَا الْقَدْر الْمَحْذُوف , وَالْحَاصِل أَنَّ عُرْوَة رَدَّدَ الْأَمْر بَيْن شَيْئَيْنِ غَيْر مُسْتَحْسَنَيْنِ عَادَة وَهُوَ هَلَاك قَوْمه إِنْ غَلَبَ , وَذَهَاب أَصْحَابه إِنْ غُلِبَ , لَكِنْ كُلّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ مُسْتَحْسَن شَرْعًا كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ). ‏ ‏قَوْله : ( أَشْوَابًا ) ‏ ‏بِتَقْدِيمِ الْمُعْجَمَة عَلَى الْوَاو كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَعَلَيْهَا اِقْتَصَرَ صَاحِب الْمَشَارِق , وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَوْشَابًا \" بِتَقْدِيمِ الْوَاو , وَالْأَشْوَاب الْأَخْلَاط مِنْ أَنْوَاع شَتَّى , وَالْأَوْبَاش الْأَخْلَاط مِنْ السَّفَلَة , فَالْأَوْبَاش أَخَصّ مِنْ الْأَشْوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( خَلِيقًا ) ‏ ‏بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْقَاف أَيْ حَقِيقًا وَزْنًا وَمَعْنًى , وَيُقَال خَلِيق لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْع وَلِذَلِكَ وَقَعَ صِفَة لِأَشْوَابٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَدَعُوك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الدَّال أَيْ يَتْرُكُوك , فِي رِوَايَة أَبِي الْمَلِيح عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد مَنْ سَمَّيْته \" وَكَأَنَّ بِهِمْ لَوْ قَدْ لَقِيت قُرَيْشًا قَدْ أَسْلَمُوك فَتُؤْخَذ أَسِيرًا فَأَيّ شَيْء أَشَدّ عَلَيْك مِنْ هَذَا \" وَفِيهِ أَنَّ الْعَادَة جَرَتْ أَنَّ الْجُيُوش الْمُجَمَّعَة لَا يُؤْمَن عَلَيْهَا الْفِرَار بِخِلَافِ مَنْ كَانَ مِنْ قَبِيلَة وَاحِدَة فَإِنَّهُمْ يَأْنَفُونَ الْفِرَار فِي الْعَادَة. وَمَا دَرَى عُرْوَة أَنَّ مَوَدَّة الْإِسْلَام أَعْظَم مِنْ مَوَدَّة الْقَرَابَة , وَقَدْ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ مُبَالَغَة الْمُسْلِمِينَ فِي تَعْظِيم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق ) ‏ ‏زَادَ اِبْن إِسْحَاق \" وَأَبُو بَكْر الصِّدِّيق خَلْف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِد فَقَالَ \". ‏ ‏قَوْله : ( اِمْصَصْ بِبَظْرِ اللَّاتِي ) ‏ ‏زَادَ اِبْن عَائِذ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ \" وَهِيَ - أَيْ اللَّاتِي - طَاغِيَته الَّتِي يَعْبُد \" أَيْ طَاغِيَة عُرْوَة. وَقَوْله اُمْصُصْ بِأَلِفِ وَصْل وَمُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَة بِصِيغَةِ الْأَمْر , وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ رِوَايَة الْقَابِسِيّ ضَمّ الصَّاد الْأُولَى وَخَطَّأَهَا , وَالْبَظْر بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة قِطْعَة تَبْقَى بَعْد الْخِتَان فِي فَرْج الْمَرْأَة , وَاَللَّاتِي اِسْم أَحَد الْأَصْنَام الَّتِي كَانَتْ قُرَيْش وَثَقِيف يَعْبُدُونَهَا , وَكَانَتْ عَادَة الْعَرَب الشَّتْم بِذَلِكَ لَكِنْ بِلَفْظِ الْأُمّ فَأَرَادَ أَبُو بَكْر الْمُبَالَغَة فِي سَبّ عُرْوَة بِإِقَامَةِ مَنْ كَانَ يَعْبُد مَقَام أُمّه , وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَغْضَبَهُ بِهِ مِنْ نِسْبَة الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْفِرَار , وَفِيهِ جَوَاز النُّطْق بِمَا يُسْتَبْشَع مِنْ الْأَلْفَاظ لِإِرَادَةِ زَجْر مَنْ بَدَا مِنْهُ مَا يَسْتَحِقّ بِهِ ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : فِي قَوْل أَبِي بَكْر تَخْسِيس لِلْعَدُوِّ وَتَكْذِيبهمْ وَتَعْرِيض بِإِلْزَامِهِمْ مِنْ قَوْلهمْ إِنَّ اللَّاتِي بِنْت اللَّه , تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا , بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بِنْتًا لَكَانَ لَهَا مَا يَكُون لِلْإِنَاثِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَحْنُ نَفِرّ ) ‏ ‏اِسْتِفْهَام إِنْكَار. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ ذَا ؟ قَالُوا أَبُو بَكْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" فَقَالَ : مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّد ؟ قَالَ : هَذَا اِبْن أَبِي قُحَافَة \". ‏ ‏قَوْله : ( أَمَا ) ‏ ‏هُوَ حَرْف اِسْتِفْتَاح , وَقَوْله : \" وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ \" يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْقَسَم بِذَلِكَ كَانَ عَادَة لِلْعَرَبِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْلَا يَد ) ‏ ‏أَيْ نِعْمَة , ‏ ‏وَقَوْله : ( لَمْ أَجْزِك بِهَا ) ‏ ‏أَيْ لَمْ أُكَافِئك بِهَا , زَادَ اِبْن إِسْحَاق \" وَلَكِنَّ هَذِهِ بِهَا \" أَيْ جَازَاهُ بِعَدَمِ إِجَابَته عَنْ شَتْمه بِيَدِهِ الَّتِي كَانَ أَحْسَنَ إِلَيْهِ بِهَا , وَبَيَّنَ عَبْد الْعَزِيز الْإِمَامِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْيَد الْمَذْكُورَة أَنَّ عُرْوَة كَانَ تَحَمَّلَ بِدِيَةٍ فَأَعَانَهُ أَبُو بَكْر فِيهَا بِعَوْنٍ حَسَن , وَفِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ عَشْر قَلَائِص. ‏ ‏قَوْله : ( قَائِم عَلَى رَأْس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسَّيْفِ ) ‏ ‏فِيهِ جَوَاز الْقِيَام عَلَى رَأْس الْأَمِير بِالسَّيْفِ بِقَصْدِ الْحِرَا"
    },
    {
        "id": "2530",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَتَتْهَا ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا فَقَالَتْ إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِي فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَكَّرْتُهُ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ ‏ ‏مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة بَرِيرَة قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر الْعِتْق. ‏"
    },
    {
        "id": "2531",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2532",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏قَالَ أَنْبَأَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏أَصَابَ أَرْضًا ‏ ‏بِخَيْبَرَ ‏ ‏فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا ‏ ‏بِخَيْبَرَ ‏ ‏لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُ بِهِ قَالَ ‏ ‏إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا قَالَ فَتَصَدَّقَ بِهَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ وَيُطْعِمَ غَيْرَ ‏ ‏مُتَمَوِّلٍ ‏ ‏قَالَ فَحَدَّثْتُ بِهِ ‏ ‏ابْنَ سِيرِينَ ‏ ‏فَقَالَ غَيْرَ ‏ ‏مُتَأَثِّلٍ ‏ ‏مَالًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2533",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ ابْن عُمَر مِنْ وَجْهَين : ‏ ‏قَوْله : ( مَا حَقّ اِمْرِئٍ مُسْلِم ) ‏ ‏كَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , وَسَقَطَ لَفْظ \" مُسْلِم \" مِنْ رِوَايَة أَحْمَد عَنْ إِسْحَاق بْن عِيسَى عَنْ مَالِك , وَالْوَصْف بِالْمُسْلِمِ خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِب فَلَا مَفْهُوم لَهُ , أَوْ ذُكِرَ لِلتَّهْيِيجِ لِتَقَع الْمُبَادَرَة لِامْتِثَالِهِ لِمَا يَشْعُر بِهِ مِنْ نَفْي الْإِسْلَام عَنْ تَارِك ذَلِكَ , وَوَصِيَّة الْكَافِر جَائِزَة فِي الْجُمْلَة , وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِر فِيهِ الْإِجْمَاع , وَقَدْ بَحَثَ فِيهِ السُّبْكِيّ مِنْ جِهَة أَنَّ الْوَصِيَّة شُرِعَتْ زِيَادَة فِي الْعَمَل الصَّالِح وَالْكَافِر لَا عَمَل لَهُ بَعْد الْمَوْت , وَأَجَابَ بِأَنَّهُمْ نَظَرُوا إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّة كَالْإِعْتَاقِ وَهُوَ يَصِحّ مِنْ الذِّمِّيّ وَالْحَرْبِيّ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( شَيْء يُوصِي فِيهِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَمْ يَخْتَلِف الرُّوَاة عَنْ مَالِك فِي هَذَا اللَّفْظ , وَرَوَاهُ أَيُّوب عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" لَهُ شَيْء يُرِيد أَنْ يُوصِي فِيهِ \" وَرَوَاهُ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع مِثْل أَيُّوب أَخْرَجَهُمَا مُسْلِم , وَرَوَاهُ أَحْمَد عَنْ سُفْيَان عَنْ أَيُّوب بِلَفْظِ \" حَقّ عَلَى كُلّ مُسْلِم أَنْ لَا يَبِيت لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ مَا يُوصِي فِيهِ \" الْحَدِيث. وَرَوَاهُ الشَّافِعِيّ عَنْ سُفْيَان بِلَفْظِ \" مَا حَقّ اِمْرِئِ يُؤْمِن بِالْوَصِيَّةِ \" الْحَدِيث , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : فَسَّرَهُ اِبْن عُيَيْنَةَ أَيْ يُؤْمِن بِأَنَّهَا حَقّ ا ه. وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق هِشَام بْن الْغَاز عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَبِيت لَيْلَتَيْنِ \" الْحَدِيث. وَذَكَرَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ سُلَيْمَان بْن مُوسَى عَنْ نَافِع مِثْله , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق الْحَسَن عَنْ اِبْن عُمَر مِثْله , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق رَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ مَالِك وَابْن عَوْن جَمِيعًا عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" مَا حَقّ اِمْرِئٍ مُسْلِم لَهُ مَال يُرِيد أَنْ يُوصِي فِيهِ \" وَذَكَرَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ مِنْ طَرِيق اِبْن عَوْن بِلَفْظِ \" لَا يَحِلّ لِامْرِئٍ مُسْلِم لَهُ مَال \" وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه قَالَ أَبُو عُمَر : لَمْ يُتَابِع اِبْن عَوْن عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَة. قُلْت : إِنْ عَنَى عَنْ نَافِع بِلَفْظِهَا فَمُسْلِم , وَلَكِنَّ الْمَعْنَى يُمْكِن أَنْ يَكُون مُتَّحِدًا كَمَا سَيَأْتِي. وَإِنْ عَنَى عَنْ اِبْن عُمَر فَمَرْدُود لِمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا ذَكَرَ مَنْ رَوَاهُ عَنْ اِبْن عُمَر أَيْضًا بِهَذَا اللَّفْظ , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : قَوْله : \" لَهُ مَال \" أَوْلَى عِنْدِي مِنْ قَوْل مَنْ رَوَى \" لَهُ شَيْء \" لِأَنَّ الشَّيْء يُطْلَق عَلَى الْقَلِيل وَالْكَثِير بِخِلَافِ الْمَال , كَذَا قَالَ , وَهِيَ دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا , وَعَلَى تَسْلِيمهَا فَرِوَايَة \" شَيْء \" أَشْمَل لِأَنَّهَا تَعُمّ مَا يُتَمَوَّل وَمَا لَا يُتَمَوَّل كَالْمُخْتَصَّاتِ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( يَبِيت ) ‏ ‏كَأَنَّ فِيهِ حَذْفًا تَقْدِيره أَنْ يَبِيت , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمِنْ آيَاته يُرِيكُمْ الْبَرْق ) الْآيَة. وَيَجُوز أَنْ يَكُون \" يَبِيت \" صِفَة لِمُسْلِمٍ وَبِهِ جَزَمَ الطِّيبِيُّ قَالَ : هِيَ صِفَة ثَانِيَة , وَقَوْله : \" يُوصِي فِيهِ \" صِفَة شَيْء , وَمَفْعُول \" يَبِيت \" مَحْذُوف تَقْدِيره آمِنًا أَوْ ذَاكِرًا , وَقَالَ اِبْن التِّين : تَقْدِيره مَوْعُوكًا , وَالْأَوَّل أَوْلَى لِأَنَّ اِسْتِحْبَاب الْوَصِيَّة لَا يَخْتَصّ بِالْمَرِيضِ. نَعَمْ قَالَ الْعُلَمَاء. لَا يُنْدَب أَنْ يَكْتُب جَمِيع الْأَشْيَاء الْمُحَقَّرَة وَلَا مَا جَرَتْ الْعَادَة بِالْخُرُوجِ مِنْهُ وَالْوَفَاء لَهُ عَنْ قُرْب. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْلَتَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا لِأَكْثَر الرُّوَاة , وَلِأَبِي عَوَانَة وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب \" يَبِيت لَيْلَة أَوْ لَيْلَتَيْنِ \" , وَلِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ \" يَبِيت ثَلَاث لَيَالٍ \" , وَكَأَنَّ ذِكْر اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاث لِرَفْعِ الْحَرَج لِتَزَاحُمِ أَشْغَال الْمَرْء الَّتِي يَحْتَاج إِلَى ذِكْرهَا فَفُسِحَ لَهُ هَذَا الْقَدْر لِيَتَذَكَّر مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ , وَاخْتِلَاف الرِّوَايَات فِيهِ دَالّ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّقْرِيبِ لَا لِلتَّحْدِيدِ , وَالْمَعْنَى لَا يَمْضِي عَلَيْهِ زَمَان وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا إِلَّا وَوَصِيَّته مَكْتُوبَة , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى اِغْتِفَار الزَّمَن الْيَسِير , وَكَأَنَّ الثَّلَاث غَايَة لِلتَّأْخِيرِ , وَلِذَلِكَ قَالَ اِبْن عُمَر فِي رِوَايَة سَالِم الْمَذْكُورَة \" لَمْ أَبَتْ لَيْلَة مُنْذُ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول ذَلِكَ إِلَّا وَوَصِيَّتِي عِنْدِي \" قَالَ الطِّيبِيُّ : فِي تَخْصِيص اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاث بِالذِّكْرِ تَسَامُح فِي إِرَادَة الْمُبَالَغَة , أَيْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَبِيت زَمَانًا مَا , وَقَدْ سَامَحْنَاهُ فِي اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاث فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَاوَز ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ مُحَمَّد بْن مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ الطَّائِفِيّ ‏ ‏( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار ‏ ‏( عَنْ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏يَعْنِي فِي أَصْل الْحَدِيث , وَرِوَايَة مُحَمَّد بْن مُسْلِم هَذِهِ أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَاد مِنْ طَرِيقه وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ عِمْرَانُ بْن أَبَان - يَعْنِي الْوَاسِطِيَّ - عَنْ مُحَمَّد بْن مُسْلِم , وَعِمْرَان أَخْرَجَ لَهُ النَّسَائِيُّ وَضَعَّفَهُ , قَالَ اِبْن عَدِيّ : لَهُ غَرَائِب عَنْ مُحَمَّد بْن مُسْلِم وَلَا أَعْلَم بِهِ بَأْسًا , وَلَفْظه عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ \" لَا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَبِيت لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّته مَكْتُوبَة عِنْده \" وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث مَعَ ظَاهِر الْآيَة عَلَى وُجُوب الْوَصِيَّة , وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَبُو مِجْلَز وَعَطَاء وَطَلْحَة بْن مُصَرِّف فِي آخَرِينَ , وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم , وَبِهِ قَالَ إِسْحَاق وَدَاوُد , وَاخْتَارَهُ أَبُو عَوَانَة الْإِسْفَرَايِينِيّ وَابْن جَرِير وَآخَرُونَ. وَنَسَبَ اِبْن عَبْد الْبَرّ الْقَوْل بِعَدَمِ الْوُجُوب إِلَى الْإِجْمَاع سِوَى مَنْ شَذَّ , كَذَا قَالَ , وَاسْتَدَلَّ لِعَدَمِ الْوُجُوب مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوصِ لَقُسِّمَ جَمِيع مَاله بَيْن وَرَثَته بِالْإِجْمَاعِ , فَلَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّة وَاجِبَة لَأُخْرِجَ مِنْ مَاله سَهْم يَنُوب عَنْ الْوَصِيَّة , وَأَجَابُوا عَنْ الْآيَة بِأَنَّهَا مَنْسُوخَة كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب \" كَانَ الْمَال لِلْوَلَدِ وَكَانَتْ الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ , فَنَسَخَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِد مِنْ الْأَبَوَيْنِ السُّدُس \" الْحَدِيث. وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ بِأَنَّ الَّذِي نُسِخَ الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقَارِب الَّذِينَ يَرِثُونَ وَأَمَّا الَّذِي لَا يَرِث فَلَيْسَ فِي الْآيَة وَلَا فِي تَفْسِير اِبْن عَبَّاس مَا يَقْتَضِي النَّسْخ فِي حَقّه , وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْوُجُوب عَنْ الْحَدِيث بِأَنَّ قَوْله : \" مَا حَقّ اِمْرِئٍ \" بِأَنَّ الْمُرَاد الْحَزْم وَالِاحْتِيَاط , لِأَنَّهُ قَدْ يَفْجَؤُهُ الْمَوْت وَهُوَ عَلَى غَيْر وَصِيَّة , وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَغْفُل عَنْ ذِكْر الْمَوْت وَالِاسْتِعْدَاد لَهُ , وَهَذَا عَنْ الشَّافِعِيّ , وَقَالَ غَيْره : الْحَقّ لُغَة الشَّيْء الثَّابِت , وَيُطْلَق شَرْعًا عَلَى مَا ثَبَتَ بِهِ الْحُكْم , وَالْحُكْم الثَّابِت أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا , وَقَدْ يُطْلَق عَلَى الْمُبَاح أَيْضًا لَكِنْ بِقِلَّةٍ قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ , قَالَ : فَإِنْ اِقْتَرَنَ بِهِ \" عَلَى \" أَوْ نَحْوهَا كَانَ ظَاهِرًا فِي الْوُجُوب , وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى الِاحْتِمَال , وَعَلَى هَذَا التَّقْدِير فَلَا حُجَّة فِي هَذَا الْحَدِيث لِمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ , بَلْ اِقْتَرَنَ هَذَا الْحَقّ بِمَا يَدُلّ عَلَى النَّدْب وَهُوَ تَفْوِيض الْوَصِيَّة إِلَى إِرَادَة الْمُوصِي حَيْثُ قَالَ : \" لَهُ شَيْء يُرِيد أَنْ يُوصِي فِيهِ \" فَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَة لَمَا عَلَّقَهَا بِإِرَادَتِهِ , وَأَمَّا الْجَوَاب عَنْ الرِّوَايَة الَّتِي بِلَفْظِ \" لَا يَحِلّ \" فَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون رَاوِيهَا ذَكَرَهَا وَأَرَادَ بِنَفْيِ الْحِلّ ثُبُوت الْجَوَاز بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ الَّذِي يَدْخُل تَحْته الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب وَالْمُبَاح , وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الْوَصِيَّة فَأَكْثَرهمْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبهَا فِي الْجُمْلَة , وَعَنْ طَاوُسٍ وَقَتَادَة وَالْحَسَن وَجَابِر بْن زَيْد فِي آخَرِينَ \" تَجِب لِلْقَرَابَةِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ خَاصَّة \" أَخْرَجَهُ اِبْن جَرِير وَغَيْره عَنْهُمْ , قَالُوا : فَإِنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَته لَمْ تَنْفُذ وَيُرَدّ الثُّلُث كُلّه إِلَى قَرَابَته وَهَذَا قَوْل طَاوُسٍ , وَقَالَ الْحَسَن وَجَابِر بْن زَيْد : ثُلُثَا الثُّلُث , وَقَالَ قَتَادَة : ثُلُث الثُّلُث , وَأَقْوَى مَا يَرُدّ عَلَى هَؤُلَاءِ مَا اِحْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيّ مِنْ حَدِيث عِمْرَانَ بْن حَصِين فِي قِصَّة الَّذِي أَعْتَقَ عِنْد مَوْته سِتَّة أَعْبُد لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال غَيْرهمْ , فَدَعَاهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَزَّأَهُمْ سِتَّة أَجْزَاء فَأَعْتَقَ اِثْنَيْنِ وَأَرَقّ أَرْبَعَة , قَالَ فَجَعَلَ عِتْقه فِي الْمَرَض وَصِيَّة , وَلَا يُقَال لَعَلَّهُمْ كَانُوا أَقَارِب الْمُعْتِق لِأَنَّا نَقُول لَمْ تَكُنْ عَادَة الْعَرَب أَنْ تَمْلِك مَنْ بَيْنهَا وَبَيْنه قَرَابَة , وَإِنَّمَا تَمْلِك مَنْ لَا قَرَابَة لَهُ أَوْ كَانَ مِنْ الْعَجَم , فَلَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّة تَبْطُل لِغَيْرِ الْقَرَابَة لَبَطَلَتْ فِي هَؤُلَاءِ , وَهُوَ اِسْتِدْلَال قَوِيّ وَاَللَّه أَعْلَم. وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ أَبِي ثَوْر أَنَّ الْمُرَاد بِوُجُوبِ الْوَصِيَّة فِي الْآيَة وَالْحَدِيث يَخْتَصّ بِمَنْ عَلَيْهِ حَقّ شَرْعِيّ يَخْشَى أَنْ يَضِيع عَلَى صَاحِبه إِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ كَوَدِيعَةٍ وَدَيْن لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيٍّ , قَالَ : وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ تَقْيِيده بِقَوْلِهِ : \" لَهُ شَيْء يُرِيد أَنْ يُوصِي فِيهِ \" لِأَنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى قُدْرَته عَلَى تَنْجِيزه وَلَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا. فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ ذَلِكَ سَاغَ لَهُ , وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُوصِي بِهِ سَاغَ لَهُ , وَحَاصِله يَرْجِع إِلَى قَوْل الْجُمْهُور إِنَّ الْوَصِيَّة غَيْر وَاجِبَة لِعَيْنِهَا , وَإِنَّ الْوَاجِب لِعَيْنِهِ الْخُرُوج مِنْ الْحُقُوق الْوَاجِبَة لِلْغَيْرِ سَوَاء كَانَتْ بِتَنْجِيزٍ أَوْ وَصِيَّة , وَمَحَلّ وُجُوب الْوَصِيَّة إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ تَنْجِيز مَا عَلَيْهِ وَكَانَ لَمْ يَعْلَم بِذَلِكَ غَيْره مِمَّنْ يَثْبُت الْحَقّ بِشَهَادَتِهِ , فَأَمَّا إِذَا كَانَ قَادِرًا أَوْ عَلِمَ بِهَا غَيْره فَلَا وُجُوب , وَعُرِفَ مِنْ مَجْمُوع مَا ذَكَرنَا أَنَّ الْوَصِيَّة قَدْ تَكُون وَاجِبَة وَقَدْ تَكُون مَنْدُوبَة فِيمَنْ رَجَا مِنْهَا كَثْرَة الْأَجْر , وَمَكْرُوهَة فِي عَكْسه , وَمُبَاحَة فِيمَنْ اِسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ , وَمُحَرَّمَة فِيمَا إِذَا كَانَ فِيهَا إِضْرَار كَمَا ثَبَتَ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" الْإِضْرَار فِي الْوَصِيَّة مِنْ الْكَبَائِر \" رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور مَوْقُوفًا بِإِسْنَادٍ صَحِيح , وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَرِجَاله ثِقَات , وَاحْتَجَّ اِبْن بَطَّال تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِأَنَّ اِبْن عُمَر لَمْ يُوصِ. فَلَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّة وَاجِبَة لَمَا تَرَكَهَا وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيث , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنْ ثَبَتَ عَنْ اِبْن عُمَر فَالْعِبْرَة بِمَا رَوَى لَا بِمَا رَأَى , عَلَى أَنَّ الثَّابِت عَنْهُ فِي صَحِيح مُسْلِم كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَالَ : \" لَمْ أَبَتْ لَيْلَة إِلَّا وَوَصِيَّتِي مَكْتُوبَة عِنْدِي \" وَاَلَّذِي اِحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُوصِ اِعْتَمَدَ عَلَى مَا رَوَاهُ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع قَالَ : \" قِيلَ لِابْنِ عُمَر فِي مَرَض مَوْته. أَلَا تُوصِي ؟ قَالَ : أَمَّا مَالِي فَاَللَّه يَعْلَم مَا كُنْت أَصْنَع فِيهِ , وَأَمَّا رُبَاعِيّ فَلَا أُحِبّ أَنْ يُشَارِك وَلَدِي فِيهَا أَحَد \" أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْره وَسَنَده صَحِيح , وَيُجْمَع بَيْنه وَبَيْن مَا رَوَاهُ مُسْلِم بِالْحَمْلِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَكْتُب وَصِيَّته وَيَتَعَاهَدهَا ; ثُمَّ صَارَ يُنَجِّز مَا كَانَ يُوصِي بِهِ مُعَلَّقًا , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ : \" فَاَللَّه يَعْلَم مَا كُنْت أَصْنَع فِي مَالِي \". وَلَعَلَّ الْحَامِل لَهُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثه الَّذِي سَيَأْتِي فِي الرِّقَاق \" إِذَا أَمْسَيْت فَلَا تَنْتَظِر الصَّبَاح \" الْحَدِيث , فَصَارَ يُنَجِّز مَا يُرِيد التَّصَدُّق بِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَعْلِيق , وَسَيَأْتِي فِي آخِر الْوَصَايَا أَنَّهُ وَقَفَ بَعْض دُوره , فَبِهَذَا يَحْصُل التَّوْفِيق وَاَللَّه أَعْلَم. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : \" مَكْتُوبَة عِنْده \" عَلَى جَوَاز الِاعْتِمَاد عَلَى الْكِتَابَة وَالْخَطّ وَلَوْ لَمْ يَقْتَرِن ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ , وَخَصَّ أَحْمَد وَمُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ الشَّافِعِيَّة ذَلِكَ بِالْوَصِيَّةِ لِثُبُوتِ الْخَبَر فِيهَا دُون غَيْرهَا مِنْ الْأَحْكَام , وَأَجَابَ الْجُمْهُور بِأَنَّ الْكِتَابَة ذُكِرَتْ لِمَا فِيهَا مِنْ ضَبْط الْمَشْهُود بِهِ , قَالُوا : وَمَعْنَى \" وَصِيَّته مَكْتُوبَة عِنْده \" أَيْ بِشَرْطِهَا. وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ : إِضْمَار الْإِشْهَاد فِيهِ بُعْد , وَأُجِيب بِأَنَّهُمْ اِسْتَدَلُّوا عَلَى اِشْتِرَاط الْإِشْهَاد بِأَمْرٍ خَارِج كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( شَهَادَة بَيْنكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدكُمْ الْمَوْت حِين الْوَصِيَّة ) فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى اِعْتِبَار الْإِشْهَاد فِي الْوَصِيَّة , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : ذِكْر الْكِتَابَة مُبَالَغَة فِي زِيَادَة التَّوَثُّق , وَإِلَّا فَالْوَصِيَّة الْمَشْهُود بِهَا مُتَّفَق عَلَيْهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَكْتُوبَة وَاَللَّه أَعْلَم. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : \" وَصِيَّته مَكْتُوبَة عِنْده \" عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّة تَنْفُذ إِنْ كَانَتْ عِنْد صَاحِبهَا وَلَمْ يَجْعَلهَا عِنْد غَيْره , وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَهَا عِنْد غَيْره وَارْتَجَعَهَا , وَفِي الْحَدِيث مَنْقَبَة لِابْنِ عُمَر لِمُبَادَرَتِهِ لِامْتِثَالِ قَوْل الشَّارِع وَمُوَاظَبَته عَلَيْهِ , وَفِيهِ النَّدْب إِلَى التَّأَهُّب لِلْمَوْتِ وَالِاحْتِرَاز قَبْل الْفَوْت , لِأَنَّ الْإِنْسَان لَا يَدْرِي مَتَى يَفْجَؤُهُ الْمَوْت , لِأَنَّهُ مَا مِنْ سِنّ يُفْرَض إِلَّا وَقَدْ مَاتَ فِيهِ جَمْع جَمّ ; وَكُلّ وَاحِد بِعَيْنِهِ جَائِز أَنْ يَمُوت فِي الْحَال , فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون مُتَأَهِّبًا لِذَلِكَ فَيَكْتُب وَصِيَّته , وَيَجْمَع فِيهَا مَا يَحْصُل لَهُ بِهِ الْأَجْر وَيُحْبِط عَنْهُ الْوِزْر مِنْ حُقُوق اللَّه وَحُقُوق عِبَاده , وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : \" لَهُ شَيْء \" أَوْ \" لَهُ مَال \" عَلَى صِحَّة الْوَصِيَّة بِالْمَنَافِعِ , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور. وَمَنَعَهُ اِبْن أَبِي لَيْلَى وَابْن شُبْرُمَةَ وَدَاوُد وَأَتْبَاعه , وَاخْتَارَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ. وَفِي الْحَدِيث الْحَضّ عَلَى الْوَصِيَّة وَمُطْلَقهَا يَتَنَاوَل الصَّحِيح , لَكِنَّ السَّلَف خَصُّوهَا بِالْمَرِيضِ , وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيَّد بِهِ فِي الْخَبَر لِاطِّرَادِ الْعَادَة بِهِ , وَقَوْله : \" مَكْتُوبَة \" أَعَمّ مِنْ أَنْ تَكُون بِخَطِّهِ أَوْ بِغَيْرِ خَطّه , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْأَشْيَاء الْمُهِمَّة يَنْبَغِي أَنْ تُضْبَط بِالْكِتَابَةِ لِأَنَّهَا أَثْبَت مِنْ الضَّبْط بِالْحِفْظِ لِأَنَّهُ يَخُون غَالِبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2534",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏خَتَنِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخِي ‏ ‏جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الْحَارِث ) ‏ ‏هُوَ بَغْدَادِيّ سَكَنَ نَيْسَابُور وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَشَيْخه يَحْيَى بْن أَبِي بُكَيْرٍ بِالتَّصْغِيرِ وَأَدَاة الْكُنْيَة هُوَ الْكَرْمَانِيُّ وَلَيْسَ هُوَ يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ الْمِصْرِيّ صَاحِب اللَّيْث وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السُّبَيْعِيّ وَعَمْرو بْن الْحَارِث هُوَ الْخُزَاعِيّ الْمُصْطَلِقِيّ أَخُو جُوَيْرِيَةَ بِالْجِيمِ وَالتَّصْغِير أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِسَمَاعِ أَبِي إِسْحَاق لَهُ مِنْ عَمْرو بْن الْحَارِث فِي الْخُمُس مِنْ هَذَا الْكِتَاب. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَة ) ‏ ‏أَيْ فِي الرِّقّ , وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ مَنْ ذَكَرَ مِنْ رَقِيق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيع الْأَخْبَار كَانَ إِمَّا مَاتَ وَإِمَّا أَعْتَقَهُ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى عِتْق أُمّ الْوَلَد بِنَاء عَلَى أَنَّ مَارِيَة وَالِدَة إِبْرَاهِيم اِبْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشَتْ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمَّا عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهَا مَاتَتْ فِي حَيَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا حُجَّة فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا شَيْئًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَلَا شَاة \" وَالْأَوَّل أَصَحّ , وَهِيَ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق زُهَيْر , نَعَمْ رَوَى مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرهمْ مِنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" مَا تَرَكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا شَاة وَلَا بَعِيرًا وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا بَغْلَته الْبَيْضَاء وَسِلَاحه وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَة ) ‏ ‏سَيَأْتِي ذِكْر الْبَغْلَة وَالسِّلَاح فِي آخِر الْمَغَازِي , وَأَمَّا الصَّدَقَة فَفِي رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص عَنْ أَبِي إِسْحَاق فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي \" وَأَرْضًا جَعَلَهَا لِابْنِ السَّبِيل صَدَقَة \" قَالَ اِبْن الْمُنِير : أَحَادِيث الْبَاب مُطَابِقَة لِلتَّرْجَمَةِ إِلَّا حَدِيث عَمْرو بْن الْحَارِث هَذَا فَلَيْسَ فِيهِ لِلْوَصِيَّةِ ذِكْر , قَالَ : لَكِنَّ الصَّدَقَة الْمَذْكُورَة يَحْتَمِل أَنْ تَكُون قَبْله وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مُوصًى بِهَا فَتُطَابِق التَّرْجَمَة مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّة اِنْتَهَى. وَيَظْهَر أَنَّ الْمُطَابَقَة تَحْصُل عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ لِأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمَنْفَعَةِ الْأَرْض فَصَارَ حُكْمهَا حُكْم الْوَقْف , وَهُوَ فِي هَذِهِ الصُّورَة فِي مَعْنَى الْوَصِيَّة لِبَقَائِهَا بَعْد الْمَوْت , وَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ قَصَدَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة الَّذِي هُوَ شَبِيه حَدِيث عَمْرو بْن الْحَارِث , وَهُوَ نَفْي كَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2535",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْصَى فَقَالَ لَا فَقُلْتُ كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِالْوَصِيَّةِ قَالَ أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى وَإِسْنَاده كُلّه كُوفِيُّونَ , ‏ ‏وَقَوْله : \" حَدَّثَنَا مَالِك \" ‏ ‏هُوَ اِبْن مِغْوَل , ظَاهِره أَنَّ شَيْخ الْبُخَارِيّ لَمْ يَنْسُبهُ فَلِذَلِكَ قَالَ الْبُخَارِيّ : \" هُوَ اِبْن مَغُول \" وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْوَاو , وَذَكَرَ التِّرْمِذِيّ أَنَّ مَالِك بْن مَغُول تَفَرَّدَ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى ؟ فَقَالَ : لَا ) ‏ ‏هَكَذَا أَطْلَقَ الْجَوَاب , وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ السُّؤَال وَقَعَ عَنْ وَصِيَّة خَاصَّة فَلِذَلِكَ سَاغَ نَفْيهَا , لَا أَنَّهُ أَرَادَ نَفْي الْوَصِيَّة مُطْلَقًا , لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بَعْد ذَلِكَ أَنَّهُ أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ أُمِرُوا بِالْوَصِيَّةِ ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي : هَلْ قَالَ كَيْفَ كُتِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّة , أَوْ قَالَ كَيْفَ أُمِرُوا بِهَا ؟ زَادَ الْمُصَنِّف فِي فَضَائِل الْقُرْآن \" وَلَمْ يُوصِ \" وَبِذَلِكَ يَتِمّ الِاعْتِرَاض , أَيْ كَيْفَ يُؤْمَر الْمُسْلِمُونَ بِشَيْءٍ وَلَا يَفْعَلهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ النَّوَوِيّ : لَعَلَّ اِبْن أَبِي أَوْفَى أَرَادَ لَمْ يُوصِ بِثُلُثِ مَاله لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُك بَعْده مَالًا , وَأَمَّا الْأَرْض فَقَدْ سَبَّلَهَا فِي حَيَاته , وَأَمَّا السِّلَاح وَالْبَغْلَة وَنَحْو ذَلِكَ فَقَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّهَا لَا تُورَث عَنْهُ بَلْ جَمِيع مَا يَخْلُفهُ صَدَقَة , فَلَمْ يَبْقَ بَعْد ذَلِكَ مَا يُوصِي بِهِ مِنْ الْجِهَة الْمَالِيَّة. وَأَمَّا الْوَصَايَا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمْ يُرِدْ اِبْن أَبِي أَوْفَى نَفْيهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَنْفِيّ وَصِيَّته إِلَى عَلِيّ بِالْخِلَافَةِ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ فِي حَدِيث عَائِشَة الَّذِي بَعْده , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الدَّارِمِيِّ عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَكَذَلِكَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَأَبِي عَوَانَة فِي آخِر حَدِيث الْبَاب \" قَالَ طَلْحَة فَقَالَ هُزَيْل بْن شُرَحْبِيل : أَبُو بَكْر كَانَ يَتَأَمَّر عَلَى وَصِيّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَدَّ أَبُو بَكْر أَنَّهُ كَانَ وَجَدَ عَهْدًا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَزَمَ أَنْفه بِخِزَامٍ \" وَهُزَيْل هَذَا بِالزَّايِ مُصَغَّر أَحَد كِبَار التَّابِعِينَ وَمِنْ ثِقَات أَهْل الْكُوفَة , فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْحَدِيث قَرِينَة تُشْعِر بِتَخْصِيصِ السُّؤَال بِالْوَصِيَّةِ بِالْخِلَافَةِ وَنَحْو ذَلِكَ , لَا مُطْلَق الْوَصِيَّة. قُلْت : أَخْرَجَ اِبْن حِبَّانَ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ مَالِك بْن مِغْوَل بِلَفْظٍ يُزِيل الْإِشْكَال فَقَالَ : \" سُئِلَ اِبْن أَبِي أَوْفَى : هَلْ أَوْصَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : مَا تَرَكَ شَيْئًا يُوصِي فِيهِ. قِيلَ : فَكَيْفَ أَمَرَ النَّاس بِالْوَصِيَّةِ وَلَمْ يُوصِ ؟ قَالَ : أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّه \" وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : اِسْتِبْعَاد طَلْحَة وَاضِح لِأَنَّهُ أَطْلَقَ , فَلَوْ أَرَادَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ لَخَصَّهُ بِهِ , فَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّ اللَّه كَتَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّة وَأُمِرُوا بِهَا فَكَيْفَ لَمْ يَفْعَلهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَأَجَابَهُ بِمَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ أَطْلَقَ فِي مَوْضِع التَّقْيِيد , قَالَ : وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ اِبْن أَبِي أَوْفَى وَطَلْحَة بْن مُصَرِّف كَانَا يَعْتَقِدَانِ أَنَّ الْوَصِيَّة وَاجِبَة , كَذَا قَالَ , وَقَوْل اِبْن أَبِي أَوْفَى \" أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّه \" أَيْ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ وَالْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ , وَلَعَلَّهُ أَشَارَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" تَرَكْت فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا كِتَاب اللَّه \" , وَأَمَّا مَا صَحَّ فِي مُسْلِم وَغَيْره أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَوْصَى عِنْد مَوْته بِثَلَاثٍ : لَا يَبْقَيَنَّ بِجَزِيرَةِ الْعَرَب دِينَانِ \" وَفِي لَفْظ \" أَخْرِجُوا الْيَهُود مِنْ جَزِيرَة الْعَرَب \" وَقَوْله : \" أَجِيزُوا الْوَفْد بِنَحْوِ مَا كُنْت أُجِيزهُمْ بِهِ \" وَلَمْ يَذْكُر الرَّاوِي الثَّالِثَة , وَكَذَا مَا ثَبَتَ فِي النَّسَائِيِّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. \" كَانَ آخِر مَا تَكَلَّمَ بِهِ الصَّلَاة وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ \" وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي يُمْكِن حَصْرهَا بِالتَّتَبُّعِ , فَالظَّاهِر أَنَّ اِبْن أَبِي أَوْفَى لَمْ يُرِدْ نَفْيه , وَلَعَلَّهُ اِقْتَصَرَ عَلَى الْوَصِيَّة بِكِتَابِ اللَّه لِكَوْنِهِ أَعْظَم وَأَهَمّ , وَلِأَنَّ فِيهِ تِبْيَان كُلّ شَيْء إِمَّا بِطَرِيقِ النَّصّ وَإِمَّا بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاط , فَإِذَا اِتَّبَعَ النَّاس مَا فِي الْكِتَاب عَمِلُوا بِكُلِّ مَا أَمَرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُول فَخُذُوهُ ) الْآيَة , أَوْ يَكُون لَمْ يَحْضُر شَيْئًا مِنْ الْوَصَايَا الْمَذْكُورَة أَوْ لَمْ يَسْتَحْضِرهَا حَال قَوْله , وَالْأَوْلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِالنَّفْيِ الْوَصِيَّة بِالْخِلَافَةِ أَوْ بِالْمَالِ , وَسَاغَ إِطْلَاق النَّفْي أَمَّا فِي الْأَوَّل فَبِقَرِينَةِ الْحَال وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّهُ الْمُتَبَادِر عُرْفًا , وَقَدْ صَحَّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوصِ \" أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق أَرْقَم بْن شُرَحْبِيل عَنْهُ , مَعَ أَنَّ اِبْن عَبَّاس هُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى بِثَلَاثٍ , وَالْجَمْع بَيْنهمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَوْله : \" أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّه \" الْبَاء زَائِدَة أَيْ أَمَرَ بِذَلِكَ وَأَطْلَقَ الْوَصِيَّة عَلَى سَبِيل الْمُشَاكَلَة , فَلَا مُنَافَاة بَيْن النَّفْي وَالْإِثْبَات. قُلْت : وَلَا يَخْفَى بَعْدَمَا قَالَ وَتَكَلَّفَهُ , ثُمَّ قَالَ : أَوْ الْمَنْفِيّ الْوَصِيَّة بِالْمَالِ أَوْ الْإِمَامَة , وَالْمُثْبَت الْوَصِيَّة بِكِتَابِ اللَّه , أَيْ بِمَا فِي كِتَاب اللَّه أَنْ يَعْمَل بِهِ اِنْتَهَى. وَهَذَا الْأَخِير هُوَ الْمُعْتَمَد. ‏"
    },
    {
        "id": "2536",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ ذَكَرُوا عِنْدَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ وَصِيًّا فَقَالَتْ مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ وَقَدْ ‏ ‏كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي أَوْ قَالَتْ حَجْرِي فَدَعَا بِالطَّسْتِ فَلَقَدْ ‏ ‏انْخَنَثَ ‏ ‏فِي حَجْرِي فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو بْن زُرَارَة ) ‏ ‏هُوَ النَّيْسَابُورِيّ , وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَزُرَارَة بِضَمِّ الزَّاي , وَأَمَّا عُمَر بْن زُرَارَة بِضَمِّ الْعَيْن فَهُوَ بَغْدَادِيّ وَلَمْ يُخَرِّج عَنْهُ الْبُخَارِيّ شَيْئًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن بَدَل \" عَمْرو بْن زُرَارَة \" فِي هَذَا الْحَدِيث \" إِسْمَاعِيل بْن زُرَارَة \" يَعْنِي الرَّقِّيّ , قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : لَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ , قَالَ : وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو عَبْد اللَّه بْن مَنْدَهْ فِي شُيُوخ الْبُخَارِيّ إِسْمَاعِيل بْن زُرَارَة الثَّغْرِيّ وَلَمْ يَذْكُرهُ الْكَلَابَاذِيّ وَلَا الْحَاكِم. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّة , وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخَعِيُّ , وَالْأَسْوَد هُوَ اِبْن يَزِيد خَاله. ‏ ‏قَوْله : ( ذَكَرُوا عِنْد عَائِشَة أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا كَانَ وَصِيًّا ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيّ : كَانَتْ الشِّيعَة قَدْ وَضَعُوا أَحَادِيث فِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى بِالْخِلَافَةِ لِعَلِيٍّ , فَرَدَّ عَلَيْهِمْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة ذَلِكَ , وَكَذَا مَنْ بَعْدهمْ , فَمِنْ ذَلِكَ مَا اِسْتَدَلَّتْ بِهِ عَائِشَة كَمَا سَيَأْتِي , وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ , وَلَا بَعْد أَنْ وُلِّيَ الْخِلَافَة , وَلَا ذَكَرَهُ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة يَوْم السَّقِيفَة. وَهَؤُلَاءِ تَنَقَّصُوا عَلِيًّا مِنْ حَيْثُ قَصَدُوا تَعْظِيمه , لِأَنَّهُمْ نَسَبُوهُ - مَعَ شَجَاعَته الْعُظْمَى وَصَلَابَته فِي الدِّين - إِلَى الْمُدَاهَنَة وَالتَّقِيَّة وَالْإِعْرَاض عَنْ طَلَب حَقّه مَعَ قُدْرَته عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ غَيْره : الَّذِي يَظْهَر أَنَّهُمْ ذَكَرُوا عِنْدهَا أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِالْخِلَافَةِ فِي مَرَض مَوْته فَلِذَلِكَ سَاغَ لَهَا إِنْكَار ذَلِكَ , وَاسْتَنَدَتْ إِلَى مُلَازَمَتهَا لَهُ فِي مَرَض مَوْته إِلَى أَنْ مَاتَ فِي حِجْرهَا وَلَمْ يَقَع مِنْهُ شَيْء مِنْ ذَلِكَ. فَسَاغَ لَهَا نَفْي ذَلِكَ , كَوْنه مُنْحَصِرًا فِي مَجَالِس مُعَيَّنَة لَمْ تَغِبْ عَنْ شَيْء مِنْهَا. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ بِسَنَدٍ قَوِيّ وَصَحَّحَهُ مِنْ رِوَايَة أَرْقَم بْن شُرَحْبِيل عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي أَثْنَاء حَدِيث فِيهِ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضه أَبَا بَكْر أَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ , قَالَ فِي آخِر الْحَدِيث : \" مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُوصِ \" وَسَيَأْتِي فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة عَنْ عُمَر \" مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَسْتَخْلِف \" وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد بْن قَيْس عَنْ عَمْرو بْن أَبِي سُفْيَان عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ يَوْم الْجَمَل قَالَ : \" يَا أَيّهَا النَّاس , إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْهَد إِلَيْنَا فِي هَذِهِ الْإِمَارَة شَيْئًا \" الْحَدِيث. وَأَمَّا الْوَصَايَا بِغَيْرِ الْخِلَافَة فَوَرَدَتْ فِي عِدَّة أَحَادِيث يَجْتَمِع مِنْهَا أَشْيَاء : مِنْهَا حَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَهَنَّاد بْن السَّرِيّ فِي \" الزُّهْد \" وَابْن سَعْد فِي \" الطَّبَقَات \" وَابْن خُزَيْمَةَ كُلّهمْ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي وَجَعه الَّذِي مَاتَ فِيهِ \" مَا فَعَلْت الذَّهَبِيَّة ؟ قُلْت عِنْدِي. فَقَالَ : أَنْفِقِيهَا \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي سَلَمَة مِنْ عَائِشَة نَحْوه , وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ سَهْل بْن سَعْد وَزَادَ فِيهِ \" اِبْعَثِي بِهَا إِلَى عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب لِيَتَصَدَّق بِهَا \" وَفِي \" الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاق \" رِوَايَة يُونُس بْن بُكَيْرٍ عَنْهُ حَدَّثَنِي صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة قَالَ : \" لَمْ يُوصِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد مَوْته إِلَّا بِثَلَاثٍ : لِكُلٍّ مِنْ الدَّارِيِّينَ وَالرَّهَاوِيِّينَ وَالْأَشْعَرِيِّينَ بِحَاد مِائَة وَسْق مِنْ خَيْبَر , وَأَنْ لَا يُتْرَك فِي جَزِيرَة الْعَرَب دِينَانِ , وَأَنْ يُنْفَذ بَعْث أُسَامَة \" وَأَخْرَجَ مُسْلِم فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" وَأَوْصَى بِثَلَاثٍ : أَنْ تُجِيزُوا الْوَفْد بِنَحْوِ مَا كُنْت أُجِيزهُمْ \" الْحَدِيث , وَفِي حَدِيث اِبْن أَبِي أَوْفَى الَّذِي قَبْل هَذَا \" أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّه \" وَفِي حَدِيث أَنَس عَنْهُ عِنْد النَّسَائِيِّ وَأَحْمَد وَابْن سَعْد وَاللَّفْظ لَهُ \" كَانَتْ عَامَّة وَصِيَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين حَضَرَهُ الْمَوْت الصَّلَاة وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ \" وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث عَلِيّ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ وَآخَر مِنْ رِوَايَة نُعَيْم بْن يَزِيد عَنْ عَلِيّ \" وَأَدُّوا الزَّكَاة بَعْد الصَّلَاة \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَلِحَدِيثِ أَنَس شَاهِد آخَر مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة عِنْد النَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ جَيِّد , وَأَخْرَجَ سَيْف بْن عُمَر فِي \" الْفُتُوح \" مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَذَّرَ مِنْ الْفِتَن فِي مَرَض مَوْته , وَلُزُوم الْجَمَاعَة وَالطَّاعَة \" وَأَخْرَجَ الْوَاقِدِيّ مِنْ مُرْسَل الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن أَنَّهُ أَوْصَى فَاطِمَة فَقَالَ : \" قُولِي إِذَا مُتّ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف \" قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه أَوْصِنَا - يَعْنِي فِي مَرَض مَوْته - فَقَالَ : أُوصِيكُمْ بِالسَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَأَبْنَائِهِمْ مِنْ بَعْدهمْ \" وَقَالَ : لَا يُرْوَى عَنْ عَبْد الرَّحْمَن إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد , تَفَرَّدَ بِهِ عَتِيق بْن يَعْقُوب اِنْتَهَى , وَفِيهِ مَنْ لَا يُعْرَف حَاله. وَفِي سُنَن اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث عَلِيّ قَالَ : \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَنَا مُتّ فَغَسِّلُونِي بِسَبْعِ قِرَب مِنْ بِئْر غَرْس \" وَكَانَتْ بِقُبَاء وَكَانَ يَشْرَب مِنْهَا وَسَيَأْتِي ضَبْطهَا وَزِيَادَة فِي حَالهَا فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة. وَفِي مُسْنَد الْبَزَّار وَمُسْتَدْرَك الْحَاكِم بِسَنَدٍ ضَعِيف \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ أَرْسَالًا بِغَيْرِ إِمَام \" وَمِنْ أَكَاذِيب الرَّافِضَة مَا رَوَاهُ كَثِير بْن يَحْيَى وَهُوَ مِنْ كِبَارهمْ عَنْ أَبِي عَوَانَة عَنْ الْأَجْلَح عَنْ زَيْد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن قَالَ : \" لَمَّا كَانَ الْيَوْم الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ قِصَّة طَوِيلَة فِيهَا - فَدَخَلَ عَلِيّ فَقَامَتْ عَائِشَة \" فَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ بِأَلْفِ بَاب مِمَّا يَكُون قَبْل يَوْم الْقِيَامَة , يُفْتَح كُلّ بَاب مِنْهَا أَلْف بَاب \" وَهَذَا مُرْسَل أَوْ مُعْضَل , وَلَهُ طَرِيق أُخْرَى مَوْصُولَة عِنْد اِبْن عَدِيّ فِي كِتَاب الضُّعَفَاء مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر بِسَنَدٍ وَاهٍ. وَقَوْلهَا : \" اِنْخَنَثَ \" بِالنُّونِ وَالْخَاء الْمُعْجَمَة ثُمَّ نُون مُثَلَّثَة أَيْ اِنْثَنَى وَمَالَ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة مَا يَتَعَلَّق بِشَرْحِهِ فِي بَاب الْوَفَاة مِنْ آخِر الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2537",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعُودُنِي ‏ ‏وَأَنَا ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا قَالَ يَرْحَمُ اللَّهُ ‏ ‏ابْنَ عَفْرَاءَ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قَالَ لَا قُلْتُ فَالشَّطْرُ قَالَ لَا قُلْتُ الثُّلُثُ قَالَ ‏ ‏فَالثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ ‏ ‏عَالَةً ‏ ‏يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى ‏ ‏فِي ‏ ‏امْرَأَتِكَ وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ‏ ‏ابْنَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَعَامِر بْن سَعْد شَيْخه هُوَ خَاله لِأَنَّ أُمّ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم هِيَ أُمّ كُلْثُوم بِنْت سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَسَعْد وَعَامِر زَهْرِيَّانِ مَدَنِيَّانِ تَابِعِيَّانِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مِسْعَر عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم \" حَدَّثَنِي بَعْض آل سَعْد قَالَ : مَرِضَ سَعْد \" وَقَدْ حَفِظَ سُفْيَان اِسْمه وَوَصَلَهُ فَرِوَايَته مُقَدَّمَة , وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَامِر أَيْضًا جَمَاعَة مِنْهُمْ الزُّهْرِيُّ وَتَقَدَّمَ سِيَاق حَدِيثه فِي الْجَنَائِز , وَيَأْتِي فِي الْهِجْرَة وَغَيْرهَا , وَرَوَاهُ عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص جَمَاعَة غَيْر اِبْنه عَامِر كَمَا سَأُشِيرُ إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودنِي وَأَنَا بِمَكَّة ) ‏ ‏زَادَ الزُّهْرِيُّ فِي رِوَايَته \" فِي حَجَّة الْوَدَاع مِنْ وَجَع اِشْتَدَّ بِي \" وَلَهُ فِي الْهِجْرَة \" مِنْ وَجَع أُشْفِيت مِنْهُ عَلَى الْمَوْت \" وَاتَّفَقَ أَصْحَاب الزُّهْرِيِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاع , إِلَّا اِبْن عُيَيْنَةَ فَقَالَ : \" فِي فَتْح مَكَّة \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره مِنْ طَرِيقه , وَاتَّفَقَ الْحُفَّاظ عَلَى أَنَّهُ وَهَمَ فِيهِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْفَرَائِض مِنْ طَرِيقه فَقَالَ : \" بِمَكَّة \" وَلَمْ يَذْكُر الْفَتْح , وَقَدْ وَجَدْت لِابْنِ عُيَيْنَةَ مُسْتَنَدًا فِيهِ , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ وَابْن سَعْد مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن الْقَارِي \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ فَخَلَّفَ سَعْدًا مَرِيضًا حَيْثُ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ , فَلَمَّا قَدِمَ مِنْ الْجِعِرَّانَة مُعْتَمِرًا دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَغْلُوب فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ لِي مَالًا , وَإِنِّي أُورَث كَلَالَة , أَفَأُوصِي بِمَالِي \" الْحَدِيث , وَفِيهِ : \" قُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَمَيِّت أَنَا بِالدَّارِ الَّذِي خَرَجْت مِنْهَا مُهَاجِرًا ؟ قَالَ : لَا , إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَرْفَعك اللَّه حَتَّى يَنْتَفِع بِك أَقْوَام \" الْحَدِيث , فَلَعَلَّ اِبْن عُيَيْنَةَ اِنْتَقَلَ ذِهْنه مِنْ حَدِيث إِلَى حَدِيث , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ مَرَّتَيْنِ مَرَّة عَامَ الْفَتْح وَمَرَّة عَامَ حَجَّة الْوَدَاع , فَفِي الْأُولَى لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِث مِنْ الْأَوْلَاد أَصْلًا , وَفِي الثَّانِيَة كَانَتْ لَهُ اِبْنَة فَقَطْ , فَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ يَكْرَه أَنْ يَمُوت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْجُمْلَة حَالًا مِنْ الْفَاعِل أَوْ مِنْ الْمَفْعُول , وَكُلّ مِنْهُمَا مُحْتَمَل , لِأَنَّ كُلًّا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ سَعْد كَانَ يَكْرَه ذَلِكَ , لَكِنْ إِنْ كَانَ حَالًا مِنْ الْمَفْعُول وَهُوَ سَعْد فَفِيهِ اِلْتِفَات لِأَنَّ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ يَقُول : \" وَأَنَا أَكْرَه \" , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ ثَلَاثَة مِنْ وَلَد سَعْد عَنْ سَعْد بِلَفْظِ \" فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه خَشِيت أَنْ أَمُوت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْت مِنْهَا كَمَا مَاتَ سَعْد بْن خَوْلَة \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق جَرِير بْن يَزِيد عَنْ عَامِر بْن سَعْد \" لَكِنْ الْبَائِس سَعْد بْن خَوْلَة مَاتَ فِي الْأَرْض الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق بُكَيْرٍ بْن مِسْمَار عَنْ عَامِر بْن سَعْد فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَقَالَ سَعْد : يَا رَسُول اللَّه أَمُوت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْت مِنْهَا ؟ قَالَ. لَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى \" وَسَيَأْتِي بَقِيَّة مَا يَتَعَلَّق بِكَرَاهَةِ الْمَوْت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا فِي كِتَاب الْهِجْرَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يَرْحَم اللَّه اِبْن عَفْرَاء ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة فِي رِوَايَة أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَان \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْحَم اللَّه سَعْد اِبْن عَفْرَاء ثَلَاث مَرَّات \" قَالَ الدَّاوُدِيّ : \" اِبْن عَفْرَاء \" غَيْر مَحْفُوظ , وَقَالَ الدِّمْيَاطِيّ : هُوَ وَهْم , وَالْمَعْرُوف \" اِبْن خَوْلَة \" قَالَ : وَلَعَلَّ الْوَهْم مِنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ أَحْفَظ مِنْهُ وَقَالَ فِيهِ \" سَعْد بْن خَوْلَة \" يُشِير إِلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَته بِلَفْظِ \" لَكِنَّ الْبَائِس سَعْد بْن خَوْلَة يَرْثِي لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّة \" قُلْت. وَقَدْ ذَكَرْت آنِفًا مَنْ وَافَقَ الزُّهْرِيَّ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَاب الْمَغَازِي وَذَكَرُوا أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَمَاتَ فِي حَجَّة الْوَدَاع , وَقَالَ بَعْضهمْ فِي اِسْمه \" خَوْلِيّ \" بِكَسْرِ اللَّام وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة وَاتَّفَقُوا عَلَى سُكُون الْوَاو , وَأَغْرَبَ اِبْن التِّين فَحَكَى عَنْ الْقَابِسِيّ فَتْحهَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ فِي الْفَرَائِض \" قَالَ سُفْيَان وَسَعْد بْن خَوْلَة رَجُل مِنْ بَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ \" ا ه. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ ثُمَّ لِأَبِي رُهْم بْن عَبْد الْعُزَّى مِنْهُمْ , وَقِيلَ كَانَ مِنْ الْفُرْس الَّذِينَ نَزَلُوا الْيَمَن , وَسَيَأْتِي شَيْء مِنْ خَبَره فِي غَزْوَة بَدْر مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي حَدِيث سُبَيْعَة الْأَسْلَمِيَّة , وَيَأْتِي شَرْح حَدِيث سُبَيْعَة فِي كِتَاب الْعَدَد مِنْ آخِر كِتَاب النِّكَاح , وَجَزَمَ اللَّيْث بْن سَعْد فِي تَارِيخه عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب بِأَنَّ سَعْد بْن خَوْلَة مَاتَ فِي حَجَّة الْوَدَاع وَهُوَ الثَّابِت فِي الصَّحِيح , خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ مَاتَ فِي مُدَّة الْهُدْنَة مَعَ قُرَيْش سَنَة سَبْع , وَجَوَّزَ أَبُو عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْخِصَال الْكَاتِب الْمَشْهُور فِي حَوَاشِيه عَلَى الْبُخَارِيّ أَنَّ الْمُرَاد بِابْنِ عَفْرَاء عَوْف بْن الْحَارِث أَخُو مُعَاذ وَمُعَوِّذ أَوْلَاد عَفْرَاء وَهِيَ أُمّهمْ , وَالْحِكْمَة فِي ذِكْره مَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ قَالَ يَوْم بَدْر \" مَا يُضْحِك الرَّبّ مِنْ عَبْده ؟ قَالَ. أَنْ يَغْمِس يَده فِي الْعَدُوّ حَاسِرًا , فَأَلْقَى الدِّرْع الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ \" قَالَ : فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَمَّا رَأَى اِشْتِيَاق سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص لِلْمَوْتِ وَعَلِمَ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى يَلِي الْوِلَايَات ذَكَرَ اِبْن عَفْرَاء وَحُبّه لِلْمَوْتِ وَرَغْبَته فِي الشَّهَادَة كَمَا يَذْكُر الشَّيْء بِالشَّيْءِ فَذَكَرَ سَعْد بْن خَوْلَة لِكَوْنِهِ مَاتَ بِمَكَّة وَهِيَ دَار هِجْرَته وَذَكَرَ اِبْن عَفْرَاء مُسْتَحْسِنًا لِمِيتَتِهِ ا ه مُلَخَّصًا. وَهُوَ مَرْدُود بِالتَّنْصِيصِ عَلَى قَوْله : \" سَعْد اِبْن عَفْرَاء \" فَانْتَفَى أَنْ يَكُون الْمُرَاد عَوْف وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْ طُرُق حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص أَنَّهُ كَانَ رَاغِبًا فِي الْمَوْت , بَلْ فِي بَعْضهَا عَكْس ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ \" بَكَى فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا يُبْكِيك ؟ فَقَالَ : خَشِيت أَنْ أَمُوت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْت مِنْهَا كَمَا مَاتَ سَعْد بْن خَوْلَة \" وَهُوَ عِنْد النَّسَائِيِّ , وَأَيْضًا فَمَخْرَج الْحَدِيث مُتَّحِد وَالْأَصْل عَدَم التَّعَدُّد , فَالِاحْتِمَال بَعِيد لَوْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ عَوْف اِبْن عَفْرَاء وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ التَّيْمِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِأُمِّهِ اِسْمَانِ خَوْلَة وَعَفْرَاء ا ه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَحَدهمَا اِسْمًا وَالْآخَر لَقَبًا أَوْ أَحَدهمَا اِسْم أُمّه وَالْآخَر اِسْم أَبِيهِ أَوْ وَالْآخَر اِسْم جَدَّة لَهُ , وَالْأَقْرَب أَنَّ عَفْرَاء اِسْم أُمّه وَالْآخَر اِسْم أَبِيهِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَنَّهُ خَوْلَة أَوْ خَوْلِيّ , وَقَوْل الزُّهْرِيِّ فِي رِوَايَته \" يَرْثِي لَهُ إِلَخْ \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : زَعَمَ أَهْل الْحَدِيث أَنَّ قَوْله : \" يَرْثِي إِلَخْ \" مِنْ كَلَام الزُّهْرِيِّ , وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ وَغَيْره : هُوَ مُدْرَج مِنْ قَوْل الزُّهْرِيِّ. قُلْت : وَكَأَنَّهُمْ اِسْتَنَدُوا إِلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيِّ فَإِنَّهُ فَصَّلَ ذَلِكَ , لَكِنْ وَقَعَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الدَّعَوَات عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد فِي آخِره \" لَكِنَّ الْبَائِس سَعْد بْن خَوْلَة , قَالَ سَعْد : رَثَى لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ \" فَهَذَا صَرِيح فِي وَصْله فَلَا يَنْبَغِي الْجَزْم بِإِدْرَاجِهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَائِشَة بِنْت سَعْد عَنْ أَبِيهَا فِي الطِّبّ مِنْ الزِّيَادَة \" ثُمَّ وَضَعَ يَده عَلَى جَبْهَتِي ثُمَّ مَسَحَ وَجْهِي وَبَطْنِي ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اِشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَته , قَالَ : فَمَا زِلْت أَجِد بَرْدهَا \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَذْكُورَة \" قُلْت فَادْعُ اللَّه أَنْ يَشْفِينِي , فَقَالَ : اللَّهُمَّ اِشْفِ سَعْدًا ثَلَاث مَرَّات \". ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت يَا رَسُول اللَّه أُوصِي بِمَالِي كُلّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَائِشَة بِنْت سَعْد عَنْ أَبِيهَا فِي الطِّبّ \" أَفَأَتَصَدَّق بِثُلُثَيْ مَالِي \" وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ , فَأَمَّا التَّعْبِير بِقَوْلِهِ : \" أَفَأَتَصَدَّق \" فَيَحْتَمِل التَّنْجِيز وَالتَّعْلِيق بِخِلَافِ \" أَفَأُوصِي \" لَكِنَّ الْمَخْرَج مُتَّحِد فَيُحْمَل عَلَى التَّعْلِيق لِلْجَمْعِ بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ : \" أَتَصَدَّق \" مَنْ جَعَلَ تَبَرُّعَات الْمَرِيض مِنْ الثُّلُث , وَحَمَلُوهُ عَلَى الْمُنَجَّزَة وَفِيهِ نَظَر لِمَا بَيَّنْته , وَأَمَّا الِاخْتِلَاف فِي السُّؤَال فَكَأَنَّهُ سَأَلَ أَوَّلًا عَنْ الْكُلّ ثُمَّ سَأَلَ عَنْ الثُّلُثَيْنِ ثُمَّ سَأَلَ عَنْ النِّصْف ثُمَّ سَأَلَ عَنْ الثُّلُث , وَقَدْ وَقَعَ مَجْمُوع ذَلِكَ فِي رِوَايَة جَرِير بْن يَزِيد عِنْد أَحْمَد وَفِي رِوَايَة بُكَيْرٍ بْن مِسْمَار عِنْد النَّسَائِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ عَامِر بْن سَعْد , وَكَذَا لَهُمَا مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ وَمِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْد , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" قُلْت فَالشَّطْر \" هُوَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى قَوْله : \" بِمَالِي كُلّه \" أَيْ فَأُوصِي بِالنِّصْفِ , وَهَذَا رَجَّحَهُ السُّهَيْلِيّ , وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِير فِعْل أَيْ أُسَمِّي الشَّطْر أَوْ أُعَيِّن الشَّطْر , وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى تَقْدِير أَيَجُوزُ الشَّطْر. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت الثُّلُث ؟ قَالَ فَالثُّلُث , وَالثُّلُث كَثِير ) ‏ ‏كَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ فِي الْهِجْرَة \" قَالَ الثُّلُث يَا سَعْد , وَالثُّلُث كَثِير \" وَفِي رِوَايَة مُصْعَب بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ عِنْد مُسْلِم \" قُلْت فَالثُّلُث ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَالثُّلُث كَثِير \" وَفِي رِوَايَة عَائِشَة بِنْت سَعْد عَنْ أَبِيهَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" قَالَ : الثُّلُث , وَالثُّلُث كَبِير أَوْ كَثِير \" وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمَيّ عَنْ سَعْد وَفِيهِ \" فَقَالَ : أَوْصَيْت ؟ فَقُلْت : نَعَمْ. قَالَ : بِكَمْ ؟ قُلْت : بِمَالِي كُلّه. قَالَ : فَمَا تَرَكْت لِوَلَدِك \" ؟ وَفِيهِ \" أَوْصِ بِالْعُشْرِ , قَالَ فَمَا زَالَ يَقُول وَأَقُول , حَتَّى قَالَ : أَوْصِ بِالثُّلُثِ وَالثُّلُث كَثِير أَوْ كَبِير \" يَعْنِي بِالْمُثَلَّثَةِ أَوْ بِالْمُوَحَّدَةِ , وَهُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي وَالْمَحْفُوظ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات بِالْمُثَلَّثَةِ , وَمَعْنَاهُ كَثِير بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا دُونه , وَسَأَذْكُرُ الِاخْتِلَاف فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْد هَذَا , وَقَوْله : \" قَالَ الثُّلُث وَالثُّلُث كَثِير \" بِنَصْبِ الْأَوَّل عَلَى الْإِغْرَاء , أَوْ بِفِعْلٍ مُضْمَر نَحْو عَيَّنَ الثُّلُث , وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف أَوْ الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر مَحْذُوف وَالتَّقْدِير يَكْفِيك الثُّلُث أَوْ الثُّلُث كَافٍ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله : \" وَالثُّلُث كَثِير \" مَسُوقًا لِبَيَانِ الْجَوَاز بِالثُّلُثِ وَأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُنْقِص عَنْهُ وَلَا يَزِيد عَلَيْهِ وَهُوَ مَا يَبْتَدِرهُ الْفَهْم , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِبَيَانِ أَنَّ التَّصَدُّق بِالثُّلُثِ هُوَ الْأَكْمَل أَيْ كَثِير أَجْره , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ كَثِير غَيْر قَلِيل قَالَ الشَّافِعِيّ رَحِمه اللَّه \" وَهَذَا أَوْلَى مَعَانِيه \" يَعْنِي أَنَّ الْكَثْرَة أَمْر نِسْبِيّ , وَعَلَى الْأَوَّل عَوَّلَ اِبْن عَبَّاس كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّك أَنْ تَدَع ) ‏ ‏بِفَتْحِ \" أَنْ \" عَلَى التَّعْلِيل وَبِكَسْرِهَا عَلَى الشَّرْطِيَّة , قَالَ النَّوَوِيّ : هُمَا صَحِيحَانِ صُورِيَّانِ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَا مَعْنَى لِلشَّرْطِ هُنَا لِأَنَّهُ يَصِير لَا جَوَاب لَهُ وَيَبْقَى \" خَيْر \" لَا رَافِع لَهُ. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : سَمِعْنَاهُ مِنْ رُوَاة الْحَدِيث بِالْكَسْرِ , وَأَنْكَرَهُ شَيْخنَا عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد - يَعْنِي اِبْن الْخَشَّاب - وَقَالَ : لَا يَجُوز الْكَسْر لِأَنَّهُ لَا جَوَاب لَهُ لِخُلُوِّ لَفْظ \" خَيْر \" مِنْ الْفَاء وَغَيْرهَا مِمَّا اُشْتُرِطَ فِي الْجَوَاب , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا مَانِع مِنْ تَقْدِيره وَقَالَ اِبْن مَالِك : جَزَاء الشَّرْط قَوْله : \" خَيْر \" أَيْ فَهُوَ خَيْر , حَذْف الْفَاء جَائِز وَهُوَ كَقِرَاءَةِ طَاوُسٍ : \" وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْيَتَامَى قُلْ أصلح لَهُمْ خَيْر \" قَالَ : وَمَنْ خَصَّ ذَلِكَ بِالشِّعْرِ بَعُدَ عَنْ التَّحْقِيق , وَضَيَّقَ حَيْثُ لَا تَضْيِيق , لِأَنَّهُ كَثِير فِي الشِّعْر قَلِيل فِي غَيْره , وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي الشِّعْر فِيمَا أَنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ : ‏ ‏مَنْ يَفْعَل الْحَسَنَات اللَّه يَشْكُرهَا ‏ ‏أَيْ فَاَللَّه يَشْكُرهَا , وَإِلَى الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِالشِّعْرِ قَالَ : وَنَظِيره قَوْله فِي حَدِيث اللُّقَطَة \" فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا وَإِلَّا اِسْتَمْتِعْ بِهَا \" بِحَذْفِ الْفَاء , وَقَوْله فِي حَدِيث اللِّعَان \" الْبَيِّنَة وَإِلَّا حَدّ فِي ظَهْرك \". ‏ ‏قَوْله : ( وَرَثَتك ) ‏ ‏قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : إِنَّمَا عَبَّرَ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَفْظِ الْوَرَثَة وَلَمْ يَقُلْ أَنْ تَدَع بِنْتك مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمئِذٍ إِلَّا اِبْنَة وَاحِدَة لِكَوْنِ الْوَارِث حِينَئِذٍ لَمْ يَتَحَقَّق , لِأَنَّ سَعْدًا إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِنَاء عَلَى مَوْته فِي ذَلِكَ الْمَرَض وَبَقَائِهَا بَعْده حَتَّى تَرِثهُ , وَكَانَ مِنْ الْجَائِز أَنْ تَمُوت هِيَ قَبْله فَأَجَابَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلَامٍ كُلِّيّ مُطَابِق لِكُلِّ حَالَة وَهِيَ قَوْله : \" وَرَثَتك \" وَلَمْ يَخُصّ بِنْتًا مِنْ غَيْرهَا , وَقَالَ الْفَاكِهِيّ شَارِح الْعُمْدَة : إِنَّمَا عَبَّرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ اِطَّلَعَ عَلَى أَنَّ سَعْدًا سَيَعِيشُ وَيَأْتِيه أَوْلَاد غَيْر الْبِنْت الْمَذْكُورَة فَكَانَ كَذَلِكَ , وَوُلِدَ لَهُ بَعْد ذَلِكَ أَرْبَعَة بَنِينَ وَلَا أَعْرِف أَسْمَاءَهُمْ , وَلَعَلَّ اللَّه أَنْ يَفْتَح بِذَلِكَ. قُلْت : وَلَيْسَ قَوْله : \" أَنْ تَدَع بِنْتك \" مُتَعَيِّنًا لِأَنَّ مِيرَاثه لَمْ يَكُنْ مُنْحَصِرًا فِيهَا , فَقَدْ كَانَ لِأَخِيهِ عُتْبَة بْن أَبِي وَقَّاص أَوْلَاد إِذْ ذَاكَ مِنْهُمْ هَاشِم بْن عُتْبَة الصَّحَابِيّ الَّذِي قُتِلَ بِصِفِّين , وَسَأَذْكُرُ بَسْط ذَلِكَ , فَجَازَ التَّعْبِير بِالْوَرَثَةِ لِتَدْخُل الْبِنْت وَغَيْرهَا مِمَّنْ يَرِث لَوْ وَقَعَ مَوْته إِذْ ذَاكَ أَوْ بَعْد ذَلِكَ. أَمَّا قَوْل الْفَاكِهِيّ إِنَّهُ وُلِدَ لَهُ بَعْد ذَلِكَ أَرْبَعَة بَنِينَ وَإِنَّهُ لَا يَعْرِف أَسْمَاءَهُمْ فَفِيهِ قُصُور شَدِيد , فَإِنَّ أَسْمَاءَهُمْ فِي رِوَايَة هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَامِر وَمُصْعَب وَمُحَمَّد ثَلَاثَتهمْ عَنْ سَعْد , وَوَقَعَ ذِكْر عُمَر بْن سَعْد فِيهِ فِي مَوْضِع آخَر , وَلَمَّا وَقَعَ ذِكْر هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيث عِنْد مُسْلِم اِقْتَصَرَ الْقُرْطُبِيّ عَلَى ذِكْر الثَّلَاثَة , وَوَقَعَ فِي كَلَام بَعْض شُيُوخنَا تَعَقُّب عَلَيْهِ بِأَنَّ لَهُ أَرْبَعَة مِنْ الذُّكُور غَيْر الثَّلَاثَة وَهُمْ عُمَر وَإِبْرَاهِيم وَيَحْيَى وَإِسْحَاق , وَعَزَا ذِكْرهمْ لِابْنِ الْمَدِينِيّ وَغَيْره , وَفَاته أَنَّ اِبْن سَعْد ذَكَرَ لَهُ مِنْ الذُّكُور غَيْر السَّبْعَة أَكْثَر مِنْ عَشَرَة وَهُمْ عَبْد اللَّه وَعَبْد الرَّحْمَن وَعَمْرو وَعِمْرَان وَصَالِح وَعُثْمَان وَإِسْحَاق الْأَصْغَر وَعُمَر الْأَصْغَر وَعُمَيْر مُصَغَّرًا وَغَيْرهمْ , وَذَكَرَ لَهُ مِنْ الْبَنَات ثِنْتَيْ عَشْرَة بِنْتًا. وَكَأَنَّ اِبْن الْمَدِينِيّ اِقْتَصَرَ عَلَى ذِكْر مَنْ رَوَى الْحَدِيث مِنْهُ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( عَالَة ) ‏ ‏أَيْ فُقَرَاء وَهُوَ جَمْع عَالٍ وَهُوَ الْفَقِير وَالْفِعْل مِنْهُ عَالَ يُعِيل إِذَا اِفْتَقَرَ. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَكَفَّفُونَ النَّاس ) ‏ ‏أَيْ يَسْأَلُونَ النَّاس بِأَكُفِّهِمْ , يُقَال تَكَفَّفَ النَّاس وَاسْتَكَفَّ إِذَا بَسَطَ كَفّه لِلسُّؤَالِ , أَوْ سَأَلَ مَا يَكُفّ عَنْهُ الْجُوع , أَوْ سَأَلَ كَفًّا كَفًّا مِنْ طَعَام. ‏ ‏وَقَوْله : فِي أَيْدِيهمْ ‏ ‏أَيْ بِأَيْدِيهِمْ أَوْ سَأَلُوا بِأَكُفِّهِمْ وَضْع الْمَسْئُول فِي أَيْدِيهمْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَعْدًا قَالَ : \" وَأَنَا ذُو مَال \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة عَائِشَة بِنْت سَعْد فِي الطِّبّ , وَهَذَا اللَّفْظ يُؤْذِن بِمَالٍ كَثِير , وَذُو الْمَال إِذَا تَصَدَّقَ بِثُلُثِهِ أَوْ بِشَطْرِهِ وَأَبْقَى ثُلُثه بَيْن اِبْنَته وَغَيْرهَا لَا يَصِيرُونَ عَالَة , لَكِنَّ الْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ خَرَجَ عَلَى التَّقْدِير لِأَنَّ بَقَاء الْمَال الْكَثِير إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيل التَّقْدِير وَإِلَّا فَلَوْ تَصَدَّقَ الْمَرِيض بِثُلُثَيْهِ مَثَلًا ثُمَّ طَالَتْ حَيَاته وَنَقَصَ وَفَنِيَ الْمَال فَقَدْ تُجْحِف الْوَصِيَّة بِالْوَرَثَةِ , فَرَدَّ الشَّارِع الْأَمْر إِلَى شَيْء مُعْتَدِل وَهُوَ الثُّلُث. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّك مَهْمَا أَنْفَقْت مِنْ نَفَقَة فَإِنَّهَا صَدَقَة ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله : \" إِنَّك أَنْ تَدَع \" وَهُوَ عِلَّة لِلنَّهْيِ عَنْ الْوَصِيَّة بِأَكْثَر مِنْ الثُّلُث , كَأَنَّهُ قِيلَ لَا تَفْعَل لِأَنَّك إِنْ مُتّ تَرَكْت وَرَثَتك أَغْنِيَاء وَإِنْ عِشْت تَصَدَّقْت وَأَنْفَقْت فَالْأَجْر حَاصِل لَك فِي الْحَالَيْنِ , وَقَوْله : \" فَإِنَّهَا صَدَقَة \" كَذَا أَطْلَقَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ \" وَإِنَّك لَنْ تُنْفِق نَفَقَة تَبْتَغِي بِهَا وَجْه اللَّه إِلَّا أُجِرْت بِهَا \" مُقَيَّدَة بِابْتِغَاءِ وَجْه اللَّه , وَعَلَّقَ حُصُول الْأَجْر بِذَلِكَ وَهُوَ الْمُعْتَبَر , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ أَجْر الْوَاجِب يَزْدَاد بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ الْإِنْفَاق عَلَى الزَّوْجَة وَاجِب وَفِي فِعْله الْأَجْر , فَإِذَا نَوَى بِهِ اِبْتِغَاء وَجْه اللَّه اِزْدَادَ أَجْره بِذَلِكَ قَالَهُ اِبْن أَبِي جَمْرَة , قَالَ : وَنُبِّهَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى غَيْرهَا مِنْ وُجُوه الْبِرّ وَالْإِحْسَان. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى اللُّقْمَة ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى نَفَقَة وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأ وَ \" تَجْعَلهَا \" الْخَبَر , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حُكْم نَفَقَة الزَّوْجَة فِي كِتَاب النَّفَقَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَوَجْه تَعَلُّق قَوْله : \" وَإِنَّك لَنْ تُنْفِق نَفَقَة إِلَخْ \" بِقِصَّةِ الْوَصِيَّة أَنَّ سُؤَال سَعْد يُشْعِر بِأَنَّهُ رَغَّبَ فِي تَكْثِير الْأَجْر فَلَمَّا مَنَعَهُ الشَّارِع مِنْ الزِّيَادَة عَلَى الثُّلُث قَالَ لَهُ عَلَى سَبِيل التَّسْلِيَة إِنَّ جَمِيع مَا تَفْعَلهُ فِي مَالِك مِنْ صَدَقَة نَاجِزَة وَمِنْ نَفَقَة وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَة تُؤْجَر بِهَا إِذَا اِبْتَغَيْت بِذَلِكَ وَجْه اللَّه تَعَالَى , وَلَعَلَّهُ خَصَّ الْمَرْأَة بِالذِّكْرِ لِأَنَّ نَفَقَتهَا مُسْتَمِرَّة بِخِلَافِ غَيْرهَا , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِيهِ أَنَّ الثَّوَاب فِي الْإِنْفَاق مَشْرُوط بِصِحَّةِ النِّيَّة وَابْتِغَاء وَجْه اللَّه , وَهَذَا عُسْر إِذَا عَارَضَهُ مُقْتَضَى الشَّهْوَة , فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحْصُل الْغَرَض مِنْ الثَّوَاب حَتَّى يَبْتَغِي بِهِ وَجْه اللَّه , وَسَبَقَ تَخْلِيص هَذَا الْمَقْصُود مِمَّا يَشُوبهُ , قَالَ : وَقَدْ يَكُون فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَات إِذَا أُدِّيَتْ عَلَى قَصْد أَدَاء الْوَاجِب اِبْتِغَاء وَجْه اللَّه أُثِيب عَلَيْهَا , فَإِنَّ قَوْله : \" حَتَّى مَا تَجْعَل فِي فِي اِمْرَأَتك \" لَا تَخْصِيص لَهُ بِغَيْرِ الْوَاجِب وَلَفْظَة \" حَتَّى \" هُنَا تَقْتَضِي الْمُبَالَغَة فِي تَحْصِيل هَذَا الْأَجْر بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنَى , كَمَا يُقَال جَاءَ الْحَاجّ حَتَّى الْمُشَاة. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَسَى اللَّه أَنْ يَرْفَعك ) ‏ ‏أَيْ يُطِيل عُمْرك , وَكَذَلِكَ اِتَّفَقَ , فَإِنَّهُ عَاشَ بَعْد ذَلِكَ أَزِيد مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَة بَلْ قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ , لِأَنَّهُ مَاتَ سَنَة خَمْس وَخَمْسِينَ مِنْ الْهِجْرَة وَقِيلَ سَنَة ثَمَان وَخَمْسِينَ وَهُوَ الْمَشْهُور , فَيَكُون عَاشَ بَعْد حَجَّة الْوَدَاع خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ أَوْ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَنْتَفِع بِك نَاس وَيَضُرّ بِك آخَرُونَ ) ‏ ‏أَيْ يَنْتَفِع بِك الْمُسْلِمُونَ بِالْغَنَائِمِ مِمَّا سَيَفْتَحُ اللَّه عَلَى يَدَيْك مِنْ بِلَاد الشِّرْك , وَيَضُرّ بِك الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَهْلَكُونَ عَلَى يَدَيْك. وَزَعَمَ اِبْن التِّين أَنَّ الْمُرَاد بِالنَّفْعِ بِهِ مَا وَقَعَ مِنْ الْفُتُوح عَلَى يَدَيْهِ كَالْقَادِسِيَّةِ وَغَيْرهَا , وَبِالضَّرَرِ مَا وَقَعَ مِنْ تَأْمِير وَلَده عُمَر بْن سَعْد عَلَى الْجَيْش الَّذِينَ قَتَلُوا الْحُسَيْن بْن عَلِيّ وَمَنْ مَعَهُ , وَهُوَ كَلَام مَرْدُود لِتَكَلُّفِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَة تَحْمِل عَلَى إِرَادَة الضَّرَر الصَّادِر مِنْ وَلَده , وَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ هُوَ الضَّرَر الْمَذْكُور بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُفَّار. ‏ ‏وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق بُكَيْر بْن عَبْد اللَّه بْن الْأَشَجّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ عَامِر بْن سَعْد عَنْ مَعْنَى قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا فَقَالَ : لَمَّا أُمِّرَ سَعْد عَلَى الْعِرَاق أُتِيَ بِقَوْمٍ اِرْتَدُّوا فَاسْتَتَابَهُمْ فَتَابَ بَعْضهمْ وَامْتَنَعَ بَعْضهمْ فَقَتَلَهُمْ , فَانْتَقَعَ بِهِ مَنْ تَابَ وَحَصَلَ الضَّرَر لِلْآخَرِينَ. قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : \" لَعَلَّ \" وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّرَجِّي لَكِنَّهَا مِنْ اللَّه لِلْأَمْرِ الْوَاقِع , وَكَذَلِكَ إِذَا وَرَدَتْ عَلَى لِسَان رَسُوله غَالِبًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمئِذٍ إِلَّا اِبْنَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ وَنَحْوه فِي رِوَايَة عَائِشَة بِنْت سَعْد أَنَّ سَعْدًا قَالَ : \" وَلَا يَرِثنِي إِلَّا اِبْنَة وَاحِدَة \" قَالَ النَّوَوِيّ وَغَيْره : مَعْنَاهُ لَا يَرِثنِي مِنْ الْوَلَد أَوْ مِنْ خَوَاصّ الْوَرَثَة أَوْ مِنْ النِّسَاء , وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ لِسَعْدٍ عَصَبَات لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي زُهْرَة وَكَانُوا كَثِيرًا. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَرِثنِي مِنْ أَصْحَاب الْفُرُوض , أَوْ خَصَّهَا بِالذِّكْرِ عَلَى تَقْدِير لَا يَرِثنِي مِمَّنْ أَخَاف عَلَيْهِ الضَّيَاع وَالْعَجْز إِلَّا هِيَ , أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا تَرِث جَمِيع الْمَال , أَوْ اِسْتَكْثَرَ لَهَا نِصْف التَّرِكَة. وَهَذِهِ الْبِنْت زَعَمَ بَعْض مِنْ أَدْرَكْنَاهُ أَنَّ اِسْمهَا عَائِشَة , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهِيَ غَيْر عَائِشَة بِنْت سَعْد الَّتِي رَوَتْ هَذَا الْحَدِيث عِنْده فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه وَفِي الطِّبّ , وَهِيَ تَابِعِيَّة عَمَّرَتْ حَتَّى أَدْرَكَهَا مَالِك وَرَوَى عَنْهَا وَمَاتَتْ سَنَة مَائَة وَسَبْعَة عَشْرَ , لَكِنْ لَمْ يَذْكُر أَحَد مِنْ النَّسَّابِينَ لِسَعْدٍ بِنْتًا تُسَمَّى عَائِشَة غَيْر هَذِهِ , وَذَكَرُوا أَنَّ أَكْبَر بَنَاته أُمّ الْحَكَم الْكُبْرَى وَأُمّهَا بِنْت شِهَاب بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث بْن زُهْرَة , وَذَكَرُوا لَهُ بَنَات أُخْرَى أُمَّهَاتهنَّ مُتَأَخِّرَات الْإِسْلَام بَعْد الْوَفَاة النَّبَوِيَّة , فَالظَّاهِر أَنَّ الْبِنْت الْمُشَار إِلَيْهَا هِيَ أُمّ الْحَكَم الْمَذْكُورَة لِتَقَدُّمِ تَزْوِيج سَعْد بِأُمِّهَا , وَلَمْ أَرَ مَنْ حَرَّرَ ذَلِكَ , وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ مَشْرُوعِيَّة زِيَارَة الْمَرِيض لِلْإِمَامِ فَمَنْ دُونه , وَتَتَأَكَّد بِاشْتِدَادِ الْمَرَض , وَفِيهِ وَضْع الْيَد عَلَى جَبْهَة الْمَرِيض وَمَسْح وَجْهه وَمَسْح الْعُضْو الَّذِي يُؤْلِمهُ وَالْفَسْح لَهُ فِي طُول الْعُمْر , وَجَوَاز إِخْبَار الْمَرِيض بِشِدَّةِ مَرَضه وَقُوَّة أَلَمه إِذَا لَمْ يَقْتَرِن بِذَلِكَ شَيْء مِمَّا يُمْنَع أَوْ يُكْرَه مِنْ التَّبَرُّم وَعَدَم الرِّضَا بَلْ حَيْثُ يَكُون ذَلِكَ لِطَلَبِ دُعَاء أَوْ دَوَاء وَرُبَّمَا اُسْتُحِبَّ , وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الِاتِّصَاف بِالصَّبْرِ الْمَحْمُود , وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاء الْمَرَض كَانَ الْإِخْبَار بِهِ بَعْد الْبُرْء أَجْوَز , وَأَنَّ أَعْمَال الْبِرّ وَالطَّاعَة إِذَا كَانَ مِنْهَا مَا لَا يُمْكِن اِسْتِدْرَاكه قَامَ غَيْره فِي الثَّوَاب وَالْأَجْر مَقَامه , وَرُبَّمَا زَادَ عَلَيْهِ , وَذَلِكَ أَنَّ سَعْدًا خَافَ أَنْ يَمُوت بِالدَّارِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا فَيَفُوت عَلَيْهِ بَعْض أَجْر هِجْرَته , فَأَخْبَرَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ إِنْ تَخَلَّفَ عَنْ دَار هِجْرَته فَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا مِنْ حَجّ أَوْ جِهَاد أَوْ غَيْر ذَلِكَ كَانَ لَهُ بِهِ أَجْر يُعَوِّض مَا فَاتَهُ مِنْ الْجِهَة الْأُخْرَى , وَفِيهِ إِبَاحَة جَمْع الْمَال بِشَرْطِهِ لِأَنَّ التَّنْوِين فِي قَوْله : \" وَأَنَا ذُو مَال \" لِلْكَثْرَةِ وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه صَرِيحًا \" وَأَنَا ذُو مَال كَثِير \" وَالْحَثّ عَلَى صِلَة الرَّحِم وَالْإِحْسَان إِلَى الْأَقَارِب , وَأَنَّ صِلَة الْأَقْرَب أَفْضَل مِنْ صِلَة الْأَبْعَد , وَالْإِنْفَاق فِي وُجُوه الْخَيْر لِأَنَّ الْمُبَاح إِذَا قُصِدَ بِهِ وَجْه اللَّه صَارَ طَاعَة ; وَقَدْ نُبِّهَ عَلَى ذَلِكَ بِأَقَلّ الْحُظُوظ الدُّنْيَوِيَّة الْعَادِيَة وَهُوَ وَضْع اللُّقْمَة فِي فَم الزَّوْجَة إِذْ لَا يَكُون ذَلِكَ غَالِبًا إِلَّا عِنْد الْمُلَاعَبَة وَالْمُمَازَحَة وَمَعَ ذَلِكَ فَيُؤْجَر فَاعِله إِذَا قَصَدَ بِهِ قَصْدًا صَحِيحًا , فَكَيْفَ بِمَا هُوَ فَوْق ذَلِكَ , وَفِيهِ مَنْع نَقْل الْمَيِّت مِنْ بَلَد إِلَى بَلَد إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوعًا لَأَمَرَ بِنَقْلِ سَعْد بْن خَوْلَة قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ , وَبِأَنَّ مَنْ لَا وَارِث لَهُ تَجُوز لَهُ الْوَصِيَّة بِأَكْثَر مِنْ الثُّلُث لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" أَنْ تَذَر وَرَثَتك أَغْنِيَاء \" فَمَفْهُومه أَنَّ مَنْ لَا وَارِث لَهُ لَا يُبَالِي بِالْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ لِأَنَّهُ لَا يَتْرُك وَرَثَة يَخْشَى عَلَيْهِمْ الْفَقْر , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ تَعْلِيلًا مَحْضًا وَإِنَّمَا فِيهِ تَنْبِيه عَلَى الْأَحَظّ الْأَنْفَع , وَلَوْ كَانَ تَعْلِيلًا مَحْضًا لَاقْتَضَى جَوَاز الْوَصِيَّة بِأَكْثَر مِنْ الثُّلُث لِمَنْ كَانَتْ وَرَثَته أَغْنِيَاء , وَلَنَفَذَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ إِجَازَتهمْ وَلَا قَائِل بِذَلِكَ , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون تَعْلِيلًا مَحْضًا فَهُوَ لِلنَّقْصِ عَنْ الثُّلُث لَا لِلزِّيَادَةِ عَلَيْهِ , فَكَأَنَّهُ لَمَّا شَرَعَ الْإِيصَاء بِالثُّلُثِ وَأَنَّهُ لَا يُعْتَرَض بِهِ عَلَى الْمُوصِي إِلَّا أَنَّ الِانْحِطَاط عَنْهُ أَوْلَى وَلَا سِيَّمَا لِمَنْ يَتْرُك وَرَثَة غَيْر أَغْنِيَاء , فَنَبَّهَ سَعْدًا عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ سَدّ الذَّرِيعَة لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" وَلَا تَرُدّهُمْ عَلَى أَعْقَابهمْ \" لِئَلَّا يَتَذَرَّع بِالْمَرَضِ أَحَد لِأَجْلِ حُبّ الْوَطَن قَالَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ. ‏ ‏وَفِيهِ تَقْيِيد مُطْلَق الْقُرْآن بِالسُّنَّةِ لِأَنَّهُ قَالَ سُبْحَانه وَتَعَالَى : ( مِنْ بَعْد وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن ) فَأَطْلَقَ , وَقَيَّدَتْ السُّنَّة الْوَصِيَّة بِالثُّلُثِ , وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ لَا يَنْبَغِي لَهُ الرُّجُوع فِيهِ وَلَا فِي شَيْء مِنْهُ مُخْتَارًا , وَفِيهِ التَّأَسُّف عَلَى فَوْت مَا يَحْصُل الثَّوَاب , وَفِيهِ حَدِيث \" مَنْ سَاءَتْهُ سَيِّئَة \" وَأَنَّ مَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ بَادَرَ إِلَى جَبْره بِغَيْرِ ذَلِكَ وَفِيهِ تَسْلِيَة مَنْ فَاتَهُ أَمْر مِنْ الْأُمُور بِتَحْصِيلِ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ لِمَا أَشَارَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدٍ مِنْ عَمَله الصَّالِح بَعْد ذَلِكَ , ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز التَّصَدُّق بِجَمِيعِ الْمَال لِمَنْ عُرِفَ بِالصَّبْرِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ تَلْزَمهُ نَفَقَته وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الزَّكَاة , ‏ ‏وَفِيهِ الِاسْتِفْسَار عَنْ الْمُحْتَمَل إِذَا اِحْتَمَلَ وُجُوهًا لِأَنَّ سَعْدًا لَمَّا مُنِعَ مِنْ الْوَصِيَّة بِجَمِيعِ الْمَال اِحْتَمَلَ عِنْده الْمَنْع فِيمَا دُونه وَالْجَوَاز فَاسْتَفْسَرَ عَمَّا دُون ذَلِكَ , ‏ ‏وَفِيهِ النَّظَر فِي مَصَالِح الْوَرَثَة , وَأَنَّ خِطَاب الشَّارِع لِلْوَاحِدِ يَعُمّ مِنْ كَانَ بِصِفَتِهِ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ لِإِطْبَاقِ الْعُلَمَاء عَلَى الِاحْتِجَاج بِحَدِيثِ سَعْد هَذَا وَإِنْ كَانَ الْخِطَاب إِنَّمَا وَقَعَ لَهُ بِصِيغَةِ الْإِفْرَاد , وَلَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَصّ بِسَعْدٍ وَمَنْ كَانَ فِي مِثْل حَاله مِمَّنْ يَخْلُف وَارِثًا ضَعِيفًا أَوْ كَانَ مَا يَخْلُفهُ قَلِيلًا لِأَنَّ الْبِنْت مِنْ شَأْنهَا أَنْ يُطْمَع فِيهَا , وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ مَال لَمْ يُرْغَب فِيهَا , ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ مَالًا قَلِيلًا فَالِاخْتِيَار لَهُ تَرْك الْوَصِيَّة وَإِبْقَاء الْمَال لِلْوَرَثَةِ , وَاخْتَلَفَ السَّلَف فِي ذَلِكَ الْقَلِيل كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْوَصَايَا , وَاسْتَدَلَّ بِهِ التَّيْمِيُّ لِفَضْلِ الْغَنِيّ عَلَى الْفَقِير وَفِيهِ نَظَر , ‏ ‏وَفِيهِ مُرَاعَاة الْعَدْل بَيْن الْوَرَثَة وَمُرَاعَاة الْعَدْل فِي الْوَصِيَّة , وَفِيهِ أَنَّ الثُّلُث فِي حَدّ الْكَثْرَة , وَقَدْ اِعْتَبَرَهُ بَعْض الْفُقَهَاء فِي غَيْر الْوَصِيَّة , وَيَحْتَاج الِاحْتِجَاج بِهِ إِلَى ثُبُوت طَلَب الْكَثْرَة فِي الْحُكْم الْمُعَيَّن , وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : \" وَلَا يَرِثنِي إِلَّا اِبْنَة لِي \" مَنْ قَالَ بِالرَّدِّ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَام لِلْحَصْرِ فِي قَوْله : \" لَا يَرِثنِي إِلَّا اِبْنَة \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَاد مِنْ ذَوِي الْفُرُوض كَمَا تَقَدَّمَ , وَمَنْ قَالَ بِالرَّدِّ لَا يَقُول بِظَاهِرِهِ لِأَنَّهُمْ يُعْطُونَهَا فَرْضهَا ثُمَّ يَرُدُّونَ عَلَيْهَا الْبَاقِي , وَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهَا تَرِث الْجَمِيع اِبْتِدَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "2538",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَوْ ‏ ‏غَضَّ ‏ ‏النَّاسُ إِلَى الرُّبْعِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَة فَإِنَّ قُتَيْبَة لَمْ يَلْحَق الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا هِشَام \" وَلَيْسَ لِعُرْوَةَ بْن الزُّبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ غَضَّ النَّاس ) ‏ ‏بِمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ نَقَصَ , وَ \" لَوْ \" لِلتَّمَنِّي فَلَا يَحْتَاج إِلَى جَوَاب , أَوْ شَرْطِيَّة وَالْجَوَاب مَحْذُوف , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان بِلَفْظِ \" كَانَ أَحَبّ إِلَيَّ \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه وَمِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن عَبْدَةَ أَيْضًا وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد عَنْ سُفْيَان بِلَفْظِ \" كَانَ أَحَبّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى الرُّبُع ) ‏ ‏زَادَ الْحُمَيْدِيّ \" فِي الْوَصِيَّة \" وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَد عَنْ وَكِيع عَنْ هِشَام بِلَفْظِ \" وَدِدْت أَنَّ النَّاس غَضُّوا مِنْ الثُّلُث إِلَى الرُّبُع فِي الْوَصِيَّة \" الْحَدِيث , وَفِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر عَنْ هِشَام عِنْد مُسْلِم \" لَوْ أَنَّ النَّاس غَضُّوا مِنْ الثُّلُث إِلَى الرُّبُع \". ‏ ‏قَوْله : ( لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ) ‏ ‏هُوَ كَالتَّعْلِيلِ لِمَا اِخْتَارَهُ مِنْ النُّقْصَان عَنْ الثُّلُث , وَكَأَنَّ اِبْن عَبَّاس أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ وَصْفه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثُّلُث بِالْكَثْرَةِ , وَقَدْ قَدَّمْنَا الِاخْتِلَاف فِي تَوْجِيه ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ كَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ , وَالْمَعْرُوف فِي مَذْهَب الشَّافِعِيّ اِسْتِحْبَاب النَّقْص عَنْ الثُّلُث , وَفِي شَرْح مُسْلِم لِلنَّوَوِيِّ : إِنْ كَانَ الْوَرَثَة فُقَرَاء اُسْتُحِبَّ أَنْ يَنْقُص مِنْهُ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاء فَلَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَالثُّلُث كَثِير ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" كَثِير أَوْ كَبِير \" بِالشَّكِّ هَلْ هِيَ بِالْمُوَحَّدَةِ أَوْ بِالْمُثَلَّثَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2539",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَرْوَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرِضْتُ فَعَادَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا يَرُدَّنِي عَلَى ‏ ‏عَقِبِي ‏ ‏قَالَ لَعَلَّ اللَّهَ يَرْفَعُكَ وَيَنْفَعُ بِكَ نَاسًا قُلْتُ أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ وَإِنَّمَا لِي ‏ ‏ابْنَةٌ ‏ ‏قُلْتُ أُوصِي بِالنِّصْفِ قَالَ النِّصْفُ كَثِيرٌ قُلْتُ فَالثُّلُثِ قَالَ ‏ ‏الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ قَالَ فَأَوْصَى النَّاسُ بِالثُّلُثِ وَجَازَ ذَلِكَ لَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم ) ‏ ‏هُوَ الْحَافِظ الْمَعْرُوف بِصَاعِقَة وَهُوَ مِنْ أَقْرَان الْبُخَارِيّ وَأَكْبَر مِنْهُ قَلِيلًا. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَرْوَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة الْفَزَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هَاشِم بْن هَاشِم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُتْبَة بْن أَبِي وَقَّاص , وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد دَرَجَتَيْنِ , لِأَنَّهُ يَرْوِي عَنْ مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم وَمَكِّيّ يَرْوِي عَنْ هَاشِم الْمَذْكُور , وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِب سَعْد لَهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد حَدِيث عَنْ مَكِّيّ عَنْ هَاشِم عَنْ عَامِر بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه اُدْعُ اللَّه أَنْ لَا يَرُدّنِي عَلَى عَقِبِي ) ‏ ‏هُوَ إِشَارَة إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَرَاهِيَة الْمَوْت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهه وَشَرْحه فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله : ( لَعَلَّ اللَّه يَرْفَعك ) ‏ ‏زَادَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" فِي رِوَايَته مِنْ وَجْه آخَر عَنْ زَكَرِيَّا بْن عَدِيّ \" يَعْنِي يُقِيمك مِنْ مَرَضك \". ‏ ‏قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة ( قُلْت أُوصِي بِالنِّصْفِ ؟ قَالَ : النِّصْف كَثِير ) ‏ ‏لَمْ أَرَ فِي غَيْرهَا مِنْ طُرُقه وَصْف النِّصْف بِالْكَثْرَةِ , وَإِنَّمَا فِيهَا \" قَالَ لَا فِي كُلّه , وَلَا فِي ثُلُثَيْهِ \" وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِشْكَال إِلَّا مِنْ جِهَة وَصْف النِّصْف بِالْكَثْرَةِ وَوَصْف الثُّلُث بِالْكَثْرَةِ فَكَيْفَ اِمْتَنَعَ النِّصْف دُون الثُّلُث ؟ وَجَوَابه أَنَّ الرِّوَايَة الْأُخْرَى الَّتِي فِيهَا جَوَاب النِّصْف دَلَّتْ عَلَى مَنْع النِّصْف وَلَمْ يَأْتِ مِثْلهَا فِي الثُّلُث بَلْ اِقْتَصَرَ عَلَى وَصْفه بِالْكَثْرَةِ , وَعُلِّلَ بِأَنَّ إِبْقَاء الْوَرَثَة أَغْنِيَاء أَوْلَى , وَعَلَى هَذَا فَقَوْله : \" الثُّلُث \" خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف تَقْدِيره مُبَاح , وَدَلَّ قَوْله : \" وَالثُّلُث كَثِير \" عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُنْقِص مِنْهُ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَأَوْصَى النَّاس بِالثُّلُثِ فَجَازَ ذَلِكَ لَهُمْ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ مِنْ قَوْل سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ قَوْل مَنْ دُونه وَاَللَّه أَعْلَم , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ قَصَدَ بِذَلِكَ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ النَّقْص مِنْ الثُّلُث فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس لِلِاسْتِحْبَابِ لَا لِلْمَنْعِ مِنْهُ جَمْعًا بَيْن الْحَدِيثَيْنِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2540",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ ‏ ‏زَمْعَةَ ‏ ‏مِنِّي فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏فَقَالَ ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ فَقَامَ ‏ ‏عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏فَقَالَ أَخِي وَابْنُ أَمَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ‏ ‏فَتَسَاوَقَا ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ لَكَ يَا ‏ ‏عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ‏ ‏الْوَلَدُ ‏ ‏لِلْفِرَاشِ ‏ ‏وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ‏ ‏احْتَجِبِي مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ ‏ ‏بِعُتْبَةَ ‏ ‏فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2541",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَسَّانُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ يَهُودِيًّا ‏ ‏رَضَّ ‏ ‏رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقِيلَ لَهَا مَنْ فَعَلَ بِكِ أَفُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا فَجِيءَ بِهِ فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى اعْتَرَفَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الْجَارِيَة الَّتِي رَضَّ الْيَهُودِيّ رَأْسهَا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْقِصَاص إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2542",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَرْقَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُن وَالرُّبُع ) ‏ ‏أَيْ فِي حَالَيْنِ وَكَذَلِكَ لِلزَّوْجِ , قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء : كَانَتْ هَذِهِ الْوَصِيَّة فِي أَوَّل الْإِسْلَام وَاجِبَة لِوَالِدَيْ الْمَيِّت وَأَقْرِبَائِهِ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنْ الْمُسَاوَاة وَالتَّفْضِيل , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْفَرَائِض , وَقِيلَ كَانَتْ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ دُون الْأَوْلَاد فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَرِثُونَ مَا يَبْقَى بَعْد الْوَصِيَّة , وَأَغْرَبَ اِبْن شُرَيْح فَقَالَ كَانُوا مُكَلَّفِينَ بِالْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِمِقْدَارِ الْفَرِيضَة الَّتِي فِي عِلْم اللَّه قَبْل أَنْ يُنْزِلهَا ; وَاشْتَدَّ إِنْكَار إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. وَقِيلَ إِنَّ الْآيَة مَخْصُوصَة لِأَنَّ الْأَقْرَبِينَ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا وُرَّاثًا , وَكَانَتْ الْوَصِيَّة وَاجِبَة لِجَمِيعِهِمْ فَخَصَّ مِنْهَا مَنْ لَيْسَ بِوَارِثٍ بِآيَةِ الْفَرَائِض وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" لَا وَصِيَّة لِوَارِثٍ \" وَبَقِيَ حَقّ مَنْ لَا يَرِث مِنْ الْأَقْرَبِينَ مِنْ الْوَصِيَّة عَلَى حَاله قَالَهُ طَاوُسٌ وَغَيْره , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ قَبْل. وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِين نَاسِخ آيَة ( الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) فَقِيلَ آيَة الْفَرَائِض وَقِيلَ الْحَدِيث الْمَذْكُور , وَقِيلَ دَلَّ الْإِجْمَاع عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّن دَلِيله. وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ \" لَا وَصِيَّة لِوَارِثٍ \" بِأَنَّهُ لَا تَصِحّ الْوَصِيَّة لِلْوَارِثِ أَصْلًا كَمَا تَقَدَّمَ , وَعَلَى تَقْدِير نَفَاذهَا مِنْ الثُّلُث لَا تَصِحّ الْوَصِيَّة لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُث وَلَوْ أَجَازَتْ الْوَرَثَة , وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ وَدَاوُد , وَقَوَّاهُ السُّبْكِيّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّة أَعْبُد فَإِنَّ فِيهِ عِنْد مُسْلِم \" فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا شَدِيدًا \" وَفَسَّرَ الْقَوْل الشَّدِيد فِي رِوَايَة أُخْرَى بِأَنَّهُ قَالَ : \" لَوْ عَلِمْت ذَلِكَ مَا صَلَّيْت عَلَيْهِ \" وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ رَاجَعَ الْوَرَثَة فَدَلَّ عَلَى مَنْعه مُطْلَقًا , وَبِقَوْلِهِ فِي حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص : \" وَكَانَ بَعْد ذَلِكَ الثُّلُث جَائِزًا \" فَإِنَّ مَفْهُومه أَنَّ الزَّائِد عَلَى الثُّلُث لَيْسَ بِجَائِزٍ , وَبِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَعَ سَعْدًا مِنْ الْوَصِيَّة بِالشَّطْرِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ صُورَة الْإِجَازَة وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَهُ بِالزِّيَادَةِ الْمُتَقَدِّمَة وَهِيَ قَوْله : \" إِلَّا أَنْ يَشَاء الْوَرَثَة \" فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فَهِيَ حُجَّة وَاضِحَة. وَاحْتَجُّوا مِنْ جِهَة الْمَعْنَى بِأَنَّ الْمَنْع إِنَّمَا كَانَ فِي الْأَصْل لِحَقِّ الْوَرَثَة , فَإِذَا أَجَازُوهُ لَمْ يَمْتَنِع وَاخْتَلَفُوا بَعْد ذَلِكَ فِي وَقْت الْإِجَازَة فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُمْ إِنْ أَجَازُوا فِي حَيَاة الْمُوصِي كَانَ لَهُمْ الرُّجُوع مَتَى شَاءُوا , وَإِنْ أَجَازُوا بَعْده نَفَذَ , وَفَصَّلَ الْمَالِكِيَّة فِي الْحَيَاة بَيْن مَرَض الْمَوْت وَغَيْره فَأَلْحَقُوا مَرَض الْمَوْت بِمَا بَعْده , وَاسْتَثْنَى بَعْضهمْ مَا إِذَا كَانَ الْمُجِيز فِي عَائِلَة الْمُوصِي وَخَشِيَ مِنْ اِمْتِنَاعه اِنْقِطَاع مَعْرُوفه عَنْهُ لَوْ عَاشَ فَإِنَّ لِمِثْلِ هَذَا الرُّجُوع , وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَة لَيْسَ لَهُمْ الرُّجُوع مُطْلَقًا وَاتَّفَقُوا عَلَى اِعْتِبَار كَوْن الْمُوصِي لَهُ وَارِثًا بِيَوْمِ الْمَوْت حَتَّى لَوْ أَوْصَى لِأَخِيهِ الْوَارِث حَيْثُ لَا يَكُون لَهُ اِبْن يَحْجُب الْأَخ الْمَذْكُور فَوُلِدَ لَهُ اِبْن قَبْل مَوْته يَحْجُب الْأَخ فَالْوَصِيَّة لِلْأَخِ الْمَذْكُور صَحِيحَة , وَلَوْ أَوْصَى لِأَخِيهِ وَلَهُ اِبْن فَمَاتَ الِابْن قَبْل مَوْت الْمُوصِي فَهِيَ وَصِيَّة لِوَارِثٍ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَنْع وَصِيَّة مَنْ لَا وَارِث لَهُ سِوَى بَيْت الْمَال لِأَنَّهُ يَنْتَقِل إِرْثًا لِلْمُسْلِمِينَ , وَالْوَصِيَّة لِلْوَارِثِ بَاطِلَة , وَهُوَ وَجْه ضَعِيف جِدًّا حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْن , وَيَلْزَم قَائِله أَنْ لَا يُجِيز الْوَصِيَّة لِلذِّمِّيِّ أَوْ يُقَيِّد مَا أَطْلَقَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2543",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ ‏ ‏أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : \" قَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه أَيّ الصَّدَقَة أَفْضَل ؟ قَالَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيح \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الزَّكَاة مِنْ وَجْه آخَر , وَبَيَّنْت هُنَاكَ اِخْتِلَاف أَلْفَاظه. وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ هُنَاكَ فِي جَمِيع إِسْنَاده بَدَل الْعَنْعَنَة هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تَصَدَّقَ ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ الصَّاد عَلَى حَذْف إِحْدَى التَّاءَيْنِ , وَأَصْله أَنْ تَتَصَدَّق. وَبِالتَّشْدِيدِ عَلَى إِدْغَامهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تُمْهِل ) ‏ ‏بِالْإِسْكَانِ عَلَى أَنَّهُ نَهْي , وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ نَفْي , وَيَجُوز النَّصْب. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ ) ‏ ‏الظَّاهِر أَنَّ هَذَا الْمَذْكُور عَلَى سَبِيل الْمِثَال , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : فُلَان الْأَوَّل وَالثَّانِي الْمُوصَى لَهُ وَفُلَان الْأَخِير الْوَارِث لِأَنَّهُ إِنْ شَاءَ أَبْطَلَهُ وَإِنْ شَاءَ أَجَازَهُ , وَقَالَ غَيْره : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْجَمِيعِ مَنْ يُوصَى لَهُ وَإِنَّمَا أَدْخَلَ \" كَانَ \" فِي الثَّالِث إِشَارَة إِلَى تَقْدِير الْقَدْر لَهُ بِذَلِكَ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْأَوَّل الْوَارِث وَالثَّانِي الْمُوَرِّث وَالثَّالِث الْمُوصَى لَهُ. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بَعْضهَا وَصِيَّة وَبَعْضهَا إِقْرَارًا , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك عَنْ سُفْيَان عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قُلْت اِصْنَعُوا لِفُلَانٍ كَذَا وَتَصَدَّقُوا بِكَذَا \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث بُسْر بْن جِحَاش وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَأَبُوهُ بِكَسْرِ الْجِيم وَتَخْفِيف الْمُهْمَلَة وَآخِره شِين مُعْجَمَة عِنْد أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ وَاللَّفْظ لِابْنِ مَاجَهْ \" بَزَقَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَفّه ثُمَّ وَضَعَ إِصْبَعه السَّبَّابَة وَقَالَ. يَقُول اللَّه أَنَّى يُعْجِزنِي اِبْن آدَم , وَقَدْ خَلَقْتُك مِنْ قَبْل مِنْ مِثْل هَذِهِ , فَإِذَا بَلَغَتْ نَفْسك إِلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى حَلْقه - قُلْت أَتَصَدَّق , وَأَنَّى أَوَان الصَّدَقَة \" وَزَادَ فِي رِوَايَة أَبِي الْيَمَان \" حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُك وَعَدَلْتُك مَشَيْت بَيْن بَرْدَيْنِ وَلِلْأَرْضِ مِنْك وَئِيد , فَجَمَعْت وَمَنَعْت , حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ قُلْت لِفُلَانٍ كَذَا وَتَصَدَّقُوا بِكَذَا \" وَفِي الْحَدِيث أَنَّ تَنْجِيز وَفَاء الدَّيْن وَالتَّصَدُّق فِي الْحَيَاة وَفِي الصِّحَّة أَفْضَل مِنْهُ بَعْد الْمَوْت وَفِي الْمَرَض , وَأَشَارَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : \" وَأَنْتَ صَحِيح حَرِيص تَأْمُل الْغِنَى إِلَخْ \" لِأَنَّهُ فِي حَال الصِّحَّة يَصْعُب عَلَيْهِ إِخْرَاج الْمَال غَالِبًا لِمَا يُخَوِّفهُ بِهِ الشَّيْطَان وَيُزَيِّن لَهُ مِنْ إِمْكَان طُول الْعُمْر وَالْحَاجَة إِلَى الْمَال كَمَا قَالَ تَعَالَى ( الشَّيْطَان يَعِدكُمْ الْفَقْر ) الْآيَة , وَأَيْضًا فَإِنَّ الشَّيْطَان رُبَّمَا زَيَّنَ لَهُ الْحَيْف فِي الْوَصِيَّة أَوْ الرُّجُوع عَنْ الْوَصِيَّة فَيَتَمَحَّض تَفْضِيل الدِّقَّة النَّاجِزَة , قَالَ بَعْض السَّلَف عَنْ بَعْض أَهْل التَّرَف : يَعْصُونَ اللَّه فِي أَمْوَالهمْ مَرَّتَيْنِ : يَبْخَلُونَ بِهَا وَهِيَ فِي أَيْدِيهمْ يَعْنِي فِي الْحَيَاة , وَيُسْرِفُونَ فِيهَا إِذَا خَرَجَتْ عَنْ أَيْدِيهمْ , يَعْنِي بَعْد الْمَوْت. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَن وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء مَرْفُوعًا قَالَ : \" مَثَل الَّذِي يُعْتِق وَيَتَصَدَّق عِنْد مَوْته مِثْل الَّذِي يُهْدِي إِذَا شَبِعَ \" , وَهُوَ يَرْجِع إِلَى مَعْنَى حَدِيث الْبَاب , وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا \" لَأَنْ يَتَصَدَّق الرَّجُل فِي حَيَاته وَصِحَّته بِدِرْهَمٍ خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّق عِنْد مَوْته بِمِائَةٍ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2544",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2545",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ لِي يَا ‏ ‏حَكِيمُ ‏ ‏إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ فَمَنْ أَخَذَهُ ‏ ‏بِسَخَاوَةِ ‏ ‏نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ ‏ ‏بِإِشْرَافِ ‏ ‏نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏الْيَدِ السُّفْلَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَكِيمٌ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا ‏ ‏أَرْزَأُ ‏ ‏أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا فَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَدْعُو ‏ ‏حَكِيمًا ‏ ‏لِيُعْطِيَهُ الْعَطَاءَ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا ثُمَّ إِنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ فَلَمْ ‏ ‏يَرْزَأْ ‏ ‏حَكِيمٌ ‏ ‏أَحَدًا مِنْ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث حَكِيم بْن حِزَام \" إِنَّ هَذَا الْمَال خَضِر حُلْو \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي كِتَاب الزَّكَاة , قَالَ اِبْن الْمُنِير : وَجْه دُخُوله فِي هَذَا الْبَاب مِنْ جِهَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَهَّدَهُ فِي قَبُول الْعَطِيَّة , وَجَعَلَ يَد الْآخِذ سُفْلَى تَنْفِيرًا عَنْ قَبُولهَا , وَلَمْ يَقَع مِثْل ذَلِكَ فِي تَقَاضِي الدَّيْن , فَالْحَاصِل أَنَّ قَابِض الْوَصِيَّة يَده سُفْلَى وَقَابِض الدَّيْن مُسْتَوْفٍ لِحَقِّهِ , إِمَّا أَنْ تَكُون يَده عُلْيَا بِمَا تَفَضَّلَ بِهِ مِنْ الْقَرْض , وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُون يَده سُفْلَى فَيَتَحَقَّق بِذَلِكَ تَقْدِيم الدَّيْن عَلَى الْوَصِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "2546",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّخْتِيَانِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث \" كُلّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُول عَنْ رَعِيَّته \" مِنْ طَرِيق سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر فِي الْعِتْق , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ خَالَفَ الطَّحَاوِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة أَصْحَابه فَذَكَرَ اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء نَحْو مَا سَبَقَ , ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الصَّحِيح مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجَمَاعَة , وَصَرَّحَ بِتَزْيِيفِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة وَزُفَر وَأَبِي يُوسُف وَمُحَمَّد فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي شَرْح مُغَلْطَاي أَنَّ الْبُخَارِيّ قَالَ هُنَا : \" وَقَالَ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر أَخْبَرَنِي عَبْد الْعَزِيز عَنْ إِسْحَاق عَنْ أَنَس فِي قِصَّة بَيْرُحَاء \" وَنُقِلَتْ عَنْ أَبِي الْعَبَّاس الطَّرْقِيّ أَنَّ الْبُخَارِيّ وَصَلَهُ عَنْ الْحَسَن بْن شَوْكَر عَنْ إِسْمَاعِيل , وَقَالَ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن : إِنَّ هَذَا وَهْم , وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" بَاب مَنْ تَصَدَّقَ إِلَى وَكِيله \" كَمَا سَيَأْتِي. ‏"
    },
    {
        "id": "2547",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ قَالَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ‏} ‏جَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُنَادِي يَا ‏ ‏بَنِي فِهْرٍ ‏ ‏يَا ‏ ‏بَنِي عَدِيٍّ ‏ ‏لِبُطُونِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ‏} ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا مَعْشَرَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف قِصَّة أَبِي طَلْحَة مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس , أَوْرَدَهَا مُخْتَصَرَة , وَسَتَأْتِي بِتَمَامِهَا فِي \" بَاب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا وَلَمْ يُبَيِّن الْحُدُود \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن عَبَّاس لَمَّا نَزَلَتْ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك الْأَقْرَبِينَ ) جَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِي : يَا بَنِي فِهْر , يَا بَنِي عَدِيّ. لِبُطُونٍ مِنْ قُرَيْش ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ وَصَلَهُ فِي مَنَاقِب قُرَيْش وَتَفْسِير سُورَة الشُّعَرَاء بِتَمَامِهِ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَأَوْرَدَ فِي آخِر الْجَنَائِز طَرَفًا مِنْهُ فِي قِصَّة أَبِي لَهَب مَوْصُولَة , وَسَيَأْتِي شَرْحه وَشَرْح الَّذِي بَعْده فِي تَفْسِير سُورَة الشُّعَرَاء إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : لَمَّا نَزَلَتْ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك الْأَقْرَبِينَ ) قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مَعْشَر قُرَيْش ) ‏ ‏هُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث وَصَلَهُ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "2548",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ‏} ‏قَالَ يَا مَعْشَرَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا ‏ ‏اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا يَا ‏ ‏بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ‏ ‏لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا يَا ‏ ‏عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا ‏ ‏صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا ‏ ‏فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ‏ ‏سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : \" قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك الْأَقْرَبِينَ ) قَالَ : يَا مَعْشَر قُرَيْش , أَوْ كَلِمَة نَحْوهَا \" ‏ ‏الْحَدِيث بِطُولِهِ , وَمَوْضِع الشَّاهِد مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" وَيَا صَفِيَّة وَيَا فَاطِمَة \" فَإِنَّهُ سَوَّى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ بَيْن عَشِيرَته فَعَمَّهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ خَصَّ بَعْض الْبُطُون , ثُمَّ ذَكَرَ عَمّه الْعَبَّاس وَعَمَّته صَفِيَّة وَابْنَته فَدَلَّ عَلَى دُخُول النِّسَاء فِي الْأَقَارِب وَعَلَى دُخُول الْفُرُوع أَيْضًا , وَعَلَى عَدَم التَّخْصِيص بِمَنْ يَرِث وَلَا بِمَنْ كَانَ مُسْلِمًا. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَفْظ الْأَقْرَبِينَ صِفَة لَازِمَة لِلْعَشِيرَةِ , وَالْمُرَاد بِعَشِيرَتِهِ قَوْمه وَهُمْ قُرَيْش , وَقَدْ رَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ قُرَيْشًا فَقَالَ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك الْأَقْرَبِينَ ) يَعْنِي قَوْمه \" وَعَلَى هَذَا فَيَكُون قَدْ أُمِرَ بِإِنْذَارِ قَوْمه فَلَا يَخْتَصّ ذَلِكَ بِالْأَقْرَبِ مِنْهُمْ دُون الْأَبْعَد , فَلَا حُجَّة فِيهِ فِي مَسْأَلَة الْوَقْف لِأَنَّ صُورَتهَا مَا إِذَا وَقَفَ عَلَى قَرَابَته أَوْ عَلَى أَقْرَب النَّاس إِلَيْهِ مَثَلًا , وَالْآيَة تَتَعَلَّق بِإِنْذَارِ الْعَشِيرَة فَافْتَرَقَا وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : لَعَلَّهُ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَة فَهِمَ بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْمِيم الْإِنْذَار فَلِذَلِكَ عَمَّهُمْ اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَوَّلًا خَصَّ اِتِّبَاعًا بِظَاهِرِ الْقَرَابَة ثُمَّ عَمَّ لِمَا عِنْده مِنْ الدَّلِيل عَلَى التَّعْمِيم لِكَوْنِهِ أُرْسِلَ إِلَى النَّاس كَافَّة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏يَجُوز فِي يَا عَبَّاس وَفِي يَا صَفِيَّة وَفِي يَا فَاطِمَة الضَّمّ وَالنَّصْب. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ أَصْبُغ عَنْ اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" عَنْ أَصْبُغ , وَهُوَ عِنْد مُسْلِم عَنْ حَرْمَلَة عَنْ اِبْن وَهْب. ‏"
    },
    {
        "id": "2549",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ لَهُ ‏ ‏ارْكَبْهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ ارْكَبْهَا وَيْلَكَ أَوْ وَيْحَكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2550",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ‏ ‏ارْكَبْهَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ ارْكَبْهَا وَيْلَكَ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2551",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏يَقُولُ أَنْبَأَنَا ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏أُمِّي ‏ ‏تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا قَالَ ‏ ‏نَعَمْ قَالَ فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ ‏ ‏حَائِطِيَ ‏ ‏الْمِخْرَافَ ‏ ‏صَدَقَةٌ عَلَيْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَابْن شَبُّويَةَ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَلَام \". ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي يَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُسْلِم سَمَّاهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي رِوَايَته عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْهُ , وَهُوَ مَكِّيّ أَصْله مِنْ الْبَصْرَة , وَوَهَمَ الطَّرْقِيّ فِي زَعْمه أَنَّهُ اِبْن حَكِيم , وَلَيْسَ لِيَعْلَى بْن مُسْلِم عَنْ عِكْرِمَة فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع , وَرِجَال الْإِسْنَاد مَا بَيْن مَكِّيّ وَبَصْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ سَعْد بْن عُبَادَةَ ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ الْخَزْرَجِيّ سَيِّد الْخَزْرَج , وَسَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَنَّ سَعْد بْن عُبَادَةَ أَخِي بَنِي سَاعِدَة \" وَبَنُو سَاعِدَةَ بَطْن مِنْ الْخَزْرَج شَهِير. ‏ ‏قَوْله ( تُوُفِّيَتْ أُمّه وَهُوَ غَائِب عَنْهَا ) ‏ ‏هِيَ عَمْرَة بِنْت مَسْعُود , وَقِيلَ سَعْد بْن قَيْس بْن عَمْرو أَنْصَارِيَّة خَزْرَجِيَّة , ذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّهَا أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ وَمَاتَتْ سَنَة خَمْس وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة دَوْمَة الْجَنْدَل وَابْنهَا سَعْد بْن عُبَادَةَ مَعَهُ , قَالَا فَلَمَّا رَجَعُوا جَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى عَلَى قَبْرهَا , وَعَلَى هَذَا فَهَذَا الْحَدِيث مُرْسَل صَحَابِيّ لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ حِينَئِذٍ مَعَ أَبَوَيْهِ بِمَكَّة ; وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ سَعْد بْن عُبَادَةَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( الْمِخْرَاف ) ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّله وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَآخِره فَاء أَيْ الْمَكَان الْمُثْمِر , سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا يَخْرُف مِنْهُ أَيْ يَجْنِي مِنْ الثَّمَرَة , تَقُول شَجَرَة مِخْرَاف وَمِثْمَار قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق \" الْمِخْرَف \" بِغَيْرِ أَلِف وَهُوَ اِسْم الْحَائِط الْمَذْكُور , وَالْحَائِط الْبُسْتَان. ‏"
    },
    {
        "id": "2552",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي ‏ ‏بِخَيْبَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّ مَنْ تَوْبَتِي إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا طَرَف مِنْ حَدِيث كَعْب بْن مَالِك فِي قِصَّة تَخَلُّفه عَنْ غَزْوَة تَبُوك , وَسَيَأْتِي الْحَدِيث بِطُولِهِ فِي كِتَاب الْمَغَازِي مَعَ اِسْتِيفَاء شَرْحه. وَشَاهِد التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْله : \" أَمْسِكْ عَلَيْك بَعْض مَالِك \" فَإِنَّهُ ظَاهِر فِي أَمْره بِإِخْرَاجِ بَعْض مَاله وَإِمْسَاك بَعْض مَاله مِنْ غَيْر تَفْصِيل بَيْن أَنْ يَكُون مَقْسُومًا أَوْ مَشَاعًا , فَيَحْتَاج مَنْ مَنَعَ وَقْف الشَّارِع إِلَى دَلِيل الْمَنْع وَاَللَّه أَعْلَم. وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى كَرَاهَة التَّصَدُّق بِجَمِيعِ الْمَال ; وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الزَّكَاة , وَيَأْتِي شَيْء مِنْهُ فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2553",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نُسِخَتْ وَلَا وَاللَّهِ مَا نُسِخَتْ وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ هُمَا وَالِيَانِ وَالٍ يَرِثُ وَذَاكَ الَّذِي يَرْزُقُ وَوَالٍ لَا يَرِثُ فَذَاكَ الَّذِي يَقُولُ بِالْمَعْرُوفِ يَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2554",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ أُمِّي ‏ ‏افْتُلِتَتْ ‏ ‏نَفْسُهَا وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا قَالَ ‏ ‏نَعَمْ تَصَدَّقْ عَنْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اُفْتُلِتَتْ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاة بَعْد الْفَاء السَّاكِنَة وَكَسْر اللَّام أَيْ أُخِذَتْ فَلْتَة أَيْ بَغْتَة , ‏ ‏وَقَوْله : ( نَفْسهَا ) ‏ ‏بِالضَّمِّ عَلَى الْأَشْهَر , وَبِالْفَتْحِ أَيْضًا وَهُوَ مَوْت الْفَجْأَة , وَالْمُرَاد بِالنَّفْسِ هُنَا الرُّوح. ‏ ‏قَوْله : ( وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ ) ‏ ‏بِضَمِّ هَمْزَة \" أُرَاهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز مِنْ وَجْه آخَر عَنْ هِشَام بِلَفْظِ \" وَأَظُنّهَا \" وَهُوَ يُشْعِر بِأَنَّ رِوَايَة اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك عِنْد النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ \" وَإِنَّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ \" تَصْحِيف وَظَاهِره أَنَّهَا لَمْ تَتَكَلَّم فَلَمْ تَتَصَدَّق , لَكِنْ فِي الْمُوَطَّأ عَنْ سَعِيد بْن عَمْرو بْن شُرَحْبِيل بْن سَعِيد بْن سَعْد بْن عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ : \" خَرَجَ سَعْد بْن عُبَادَةَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْض مَغَازِيه وَحَضَرَتْ أُمّه الْوَفَاة بِالْمَدِينَةِ , قِيلَ لَهَا أَوْصِي , فَقَالَتْ : فِيمَ أُوصِي ؟ الْمَال مَال سَعْد , فَتُوُفِّيَتْ قَبْل أَنْ يَقْدَم سَعْد \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , فَإِنْ أَمْكَنَ تَأْوِيل رِوَايَة الْبَاب بِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهَا لَمْ تَتَكَلَّم أَيْ بِالصَّدَقَةِ \" وَلَوْ تَكَلَّمَتْ لَتَصَدَّقَتْ \" أَيْ فَكَيْفَ أَمْضِي ذَلِكَ ؟ أَوْ يُحْمَل عَلَى أَنَّ سَعْدًا مَا عَرَفَ بِمَا وَقَعَ مِنْهَا , فَإِنَّ الَّذِي رَوَى هَذَا الْكَلَام فِي الْمُوَطَّأ هُوَ سَعِيد بْن سَعْد بْن عُبَادَةَ أَوْ وَلَده شُرَحْبِيل مُرْسَلًا , فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ يَتَّحِد رَاوِي الْإِثْبَات وَرَاوِي النَّفْي فَيُمْكِن الْجَمْع بَيْنهمَا بِذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( أَفَأَتَصَدَّق عَنْهَا ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة فِي الْجَنَائِز \" فَهَلْ لَهَا أَجْر إِنْ تَصَدَّقْت عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ \" وَلِبَعْضِهِمْ \" أَتَصَدَّق عَلَيْهَا أَوْ أَصْرِفهُ عَلَى مَصْلَحَتهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "2555",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أُمِّي ‏ ‏مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ فَقَالَ اقْضِهِ عَنْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ سَعْد بْن عُبَادَةَ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ مَالِك وَتَابَعَهُ اللَّيْث وَبَكْر بْن وَائِل وَغَيْرهمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَقَالَ سُلَيْمَان بْن كَثِير عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ سَعْد بْن عُبَادَةَ \" أَنَّهُ اِسْتَفْتَى \" جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَد سَعْد , أَخْرَجَ جَمِيع ذَلِكَ النَّسَائِيُّ , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ وَمِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ , وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّ اِبْن عَبَّاس لَمْ يُدْرِك الْقِصَّة , فَتَعَيَّنَ تَرْجِيح رِوَايَة مَنْ زَادَ فِيهِ \" عَنْ سَعْد بْن عُبَادَةَ \" وَيَكُون اِبْن عَبَّاس قَدْ أَخَذَهُ عَنْهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَخَذَهُ عَنْ غَيْره وَيَكُون قَوْل مَنْ قَالَ : \" عَنْ سَعْد بْن عُبَادَةَ \" لَمْ يَقْصِد بِهِ الرِّوَايَة , وَإِنَّمَا أَرَادَ عَنْ قِصَّة سَعْد بْن عُبَادَةَ فَتَتَّحِد الرِّوَايَتَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَلَيْهَا نَذْر , فَقَالَ : اِقْضِهِ عَنْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة قُتَيْبَة عَنْ مَالِك \" لَمْ تَقْضِهِ \" وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن كَثِير الْمَذْكُورَة \" أَفَيُجْزِئ عَنْهَا أَنْ أَعْتِق عَنْهَا ؟ قَالَ : أَعْتِقْ عَنْ أُمّك \" فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة بَيَان مَا هُوَ النَّذْر الْمَذْكُور , وَهُوَ أَنَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَعْتِق رَقَبَة فَمَاتَتْ قَبْل أَنْ تَفْعَل , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون نَذَرَتْ نَذْرًا مُطْلَقًا غَيْر مُعَيَّن فَيَكُون فِي الْحَدِيث حُجَّة لِمَنْ أَفْتَى فِي النَّذْر الْمُطْلَق بِكَفَّارَةِ يَمِين , وَالْعِتْق أَعْلَى كَفَّارَات الْأَيْمَان , فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ أَنْ يُعْتِق عَنْهَا. وَحَكَى اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ النَّذْر الَّذِي كَانَ عَلَى وَالِدَة سَعْد صِيَام , وَاسْتَنَدَ إِلَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمُتَقَدِّم فِي الصَّوْم \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْم \" الْحَدِيث , ثُمَّ رَدَّهُ بِأَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات عَنْ اِبْن عَبَّاس \" جَاءَتْ اِمْرَأَة فَقَالَتْ : إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ \". قُلْت : وَالْحَقّ أَنَّهَا قِصَّة أُخْرَى , وَقَدْ أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي كِتَاب الصِّيَام. وَفِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد : جَوَاز الصَّدَقَة عَنْ الْمَيِّت , وَأَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعهُ بِوُصُولِ ثَوَاب الصَّدَقَة إِلَيْهِ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِنْ الْوَلَد , وَهُوَ مُخَصِّص لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ) وَيَلْتَحِق بِالصَّدَقَةِ الْعِتْق عَنْهُ عِنْد الْجُمْهُور خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عِنْد الْمَالِكِيَّة , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي غَيْر الصَّدَقَة مِنْ أَعْمَال الْبِرّ هَلْ تَصِل إِلَى الْمَيِّت كَالْحَجِّ وَالصَّوْم ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي الصِّيَام. وَفِيهِ أَنَّ تَرْك الْوَصِيَّة جَائِز لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذُمّ أُمّ سَعْد عَلَى تَرْك الْوَصِيَّة قَالَهُ اِبْن الْمُنْذِر , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْإِنْكَار عَلَيْهَا قَدْ تَعَذَّرَ لِمَوْتِهَا وَسَقَطَ عَنْهَا التَّكْلِيف , وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَة إِنْكَار ذَلِكَ لَوْ كَانَ مُنْكَرًا لِيَتَّعِظ غَيْرهَا مِمَّنْ سَمِعَهُ , فَلَمَّا أُقِرَّ عَلَى ذَلِكَ دَلَّ عَلَى الْجَوَاز. وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَة عَلَيْهِ مِنْ اِسْتِشَارَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمُور الدِّين , وَفِيهِ الْعَمَل بِالظَّنِّ الْغَالِب , وَفِيهِ الْجِهَاد فِي حَيَاة الْأُمّ وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ اِسْتَأْذَنَهَا , وَفِيهِ السُّؤَال عَنْ التَّحَمُّل وَالْمُسَارَعَة إِلَى عَمَل الْبِرّ وَالْمُبَادَرَة إِلَى بِرّ الْوَالِدَيْنِ , وَأَنَّ إِظْهَار الصَّدَقَة قَدْ يَكُون خَيْرًا مِنْ إِخْفَائِهَا وَهُوَ عِنْد اِغْتِنَام صِدْق النِّيَّة فِيهِ , وَأَنَّ لِلْحَاكِمِ تَحَمُّل الشَّهَادَة فِي غَيْر مَجْلِس الْحُكْم , نَبَّهَ عَلَى أَكْثَر ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى , وَفِي بَعْضه نَظَر لَا يَخْفَى , وَكَلَامه عَلَى أَصْل الْحَدِيث وَهُوَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه أَبْسَط مِنْ هَذَا الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "2556",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقُولُ أَنْبَأَنَا ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏أَخَا ‏ ‏بَنِي سَاعِدَةَ ‏ ‏تُوُفِّيَتْ ‏ ‏أُمُّهُ ‏ ‏وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا فَهَلْ يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا قَالَ ‏ ‏نَعَمْ قَالَ فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ ‏ ‏حَائِطِيَ ‏ ‏الْمِخْرَافَ ‏ ‏صَدَقَةٌ عَلَيْهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2557",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ { ‏وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ ‏} ‏قَالَتْ ‏ ‏هِيَ الْيَتِيمَةُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا وَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَدْنَى مِنْ سُنَّةِ نِسَائِهَا فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏ثُمَّ اسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ‏} ‏قَالَتْ فَبَيَّنَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْيَتِيمَةَ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ وَمَالٍ رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا وَلَمْ يُلْحِقُوهَا بِسُنَّتِهَا بِإِكْمَالِ الصَّدَاقِ فَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبَةً عَنْهَا فِي قِلَّةِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ تَرَكُوهَا وَالْتَمَسُوا غَيْرَهَا مِنْ النِّسَاءِ قَالَ فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْهَا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا فِيهَا إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا الْأَوْفَى مِنْ الصَّدَاقِ وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2558",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَارُونُ بْنُ الْأَشْعَثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏بَنِي هَاشِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ثَمْغٌ وَكَانَ نَخْلًا فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالًا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَصَدَقَتُهُ تِلْكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي الرِّقَابِ وَالْمَسَاكِينِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ ‏ ‏يُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ ‏ ‏مُتَمَوِّلٍ ‏ ‏بِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُمَر : ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا هَارُون بْن الْأَشْعَث ) ‏ ‏هُوَ الْهَمْدَانِيُّ بِسُكُونِ الْمِيم أَصْله مِنْ الْكُوفَة ثُمَّ سَكَنَ بُخَارَى , وَلَمْ يُخَرِّج عَنْهُ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْكِتَاب سِوَى هَذَا الْمَوْضِع , وَوَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات كَرِوَايَةِ النَّسَفِيِّ \" حَدَّثَنَا هَارُون \" غَيْر مَنْسُوب , فَزَعَمَ اِبْن عَدِيّ أَنَّهُ هَارُون بْن يَحْيَى الْمَكِّيّ الزُّبَيْرِيّ وَلَمْ يُعْرَف مِنْ حَاله شَيْء , وَالْمُعْتَمَد مَا وَقَعَ عِنْد أَبِي ذَرّ وَغَيْره مَنْسُوبًا. ‏ ‏قَوْله : ( تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ إِطْلَاق الْعَامّ عَلَى الْخَاصّ لِأَنَّ الْمُرَاد بِالْمَالِ هُنَا الْأَرْض الَّتِي لَهَا غَلَّة. ‏ ‏قَوْله : ( يُقَال لَهُ ثَمْغ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْمِيم بَعْدهَا مُعْجَمَة , وَمِنْهُمْ مَنْ فَتَحَ الْمِيم حَكَاهُ الْمُنْذِرِيُّ , قَالَ أَبُو عُبَيْد الْبَكْرِيّ هِيَ أَرْض تِلْقَاء الْمَدِينَة كَانَتْ لِعُمَر. قُلْت : وَسَأَذْكُرُ فِي \" بَاب الْوَقْف كَيْفَ يُكْتَب \" كَيْفِيَّة مَصِيره إِلَى عُمَر مَعَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( فَصَدَقَته تِلْكَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَلِغَيْرِهِ \" ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا جُنَاح عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُل مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ ) ‏ ‏قَالَ الْمُهَلَّب : شَبَّهَ الْبُخَارِيّ الْوَصِيّ بِنَاظِرِ الْوَقْف , وَوَجْه الشَّبَه أَنَّ النَّظَر لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْفُقَرَاء وَغَيْرهمْ كَالنَّظَرِ لِلْيَتَامَى , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّ الْوَاقِف هُوَ الْمَالِك لِمَنَافِع مَا وَقَفَهُ , فَإِنْ شَرَطَ لِمَنْ يَلِي نَظَره شَيْئًا سَاغَ لَهُ ذَلِكَ , وَالْمُوصِي لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ وَلَده يَمْلِكُونَ الْمَال بَعْده بِقِسْمَةِ اللَّه لَهُمْ فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ كَالْوَاقِفِ اه. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُوصِي إِذَا جَعَلَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْكُل مِنْ مَال الْمُوصَى عَلَيْهِمْ لَا يَصِحّ ذَلِكَ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ سَائِغ إِذَا عَيَّنَهُ , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفَ السَّلَف فِيمَا إِذَا أَوْصَى وَلَمْ يُعَيِّن لِلْمُوصِي شَيْئًا هَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذ بِقَدْرِ عَمَله أَمْ لَا ؟ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَجْه الْمُطَابَقَة هُوَ مِنْ جِهَة أَنَّ الْقَصْد أَنَّ الْوَصِيّ يَأْخُذ مِنْ مَال الْيَتِيم أَجْره بِدَلِيلِ قَوْل عُمَر \" لَا جُنَاح عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2559",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ { ‏وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ‏} ‏قَالَتْ ‏ ‏أُنْزِلَتْ فِي وَالِي ‏ ‏الْيَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ) الْآيَة , قَالَتْ عَائِشَة : أُنْزِلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيم , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" فِي وَالِي مَال الْيَتِيم إِلَخْ \" وَقَدْ قَدَّمْت بَيَان الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ , يَأْتِي بَقِيَّة شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2560",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الْمَدَنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْغَيْثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اجْتَنِبُوا السَّبْعَ ‏ ‏الْمُوبِقَاتِ ‏ ‏قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2561",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَأَخَذَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏غُلَامٌ ‏ ‏كَيِّسٌ ‏ ‏فَلْيَخْدُمْكَ قَالَ فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ‏ ‏مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2562",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏مَالًا مِنْ نَخْلٍ أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ ‏ ‏بَيْرُحَاءَ ‏ ‏مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَلَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ‏} ‏قَامَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ ‏ { ‏لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ‏} ‏وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ ‏ ‏بَيْرُحَاءَ ‏ ‏وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ فَقَالَ ‏ ‏بَخْ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏رَايِحٌ شَكَّ ‏ ‏ابْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ قَالَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏أَفْعَلُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏رَايِحٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَكْثَر الْأَنْصَار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَكْثَر أَنْصَارِيّ \" أَيْ أَكْثَر كُلّ وَاحِد مِنْ الْأَنْصَار , وَالْإِضَافَة إِلَى الْمُفْرَد النَّكِرَة عِنْد إِرَادَة التَّفْضِيل سَائِغ. ‏ ‏قَوْله ( مَالًا مِنْ نَخْل ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز الْمَاجِشُون عَنْ إِسْحَاق تَسْمِيَة حَدَائِق أَبِي طَلْحَة قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلهَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز \" وَيَسْتَظِلّ فِيهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( بَيْرُحَاء ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ ضَبْطهَا فِي الزَّكَاة , وَمِنْهُ عِنْد مُسْلِم \" بَرِيحَاء \" بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَكَسْر الرَّاء وَتَقْدِيمهَا عَلَى التَّحْتَانِيَّة السَّاكِنَة ثُمَّ حَاء مُهْمَلَة , وَرَجَّحَ هَذَا صَاحِب الْفَائِق وَقَالَ : هِيَ وَزْن فَعِيلَاء مِنْ الْبَرَاح وَهِيَ الْأَرْض الظَّاهِرَة الْمُنْكَشِفَة , وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ بَارِيحَاء وَهُوَ بِإِشْبَاعِ الْمُوَحَّدَة وَالْبَاقِي مِثْله , وَوَهَمَ مَنْ ضَبَطَهُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَفَتْح الْهَمْزَة , فَإِنَّ أَرْيِحَاء مِنْ الْأَرْض الْمُقَدَّسَة , وَيَحْتَمِل إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا أَنْ تَكُون سُمِّيَتْ بِاسْمِهَا قَالَ عِيَاض : رِوَايَة الْمَغَارِبَة إِعْرَاب الرَّاء وَالْقَصْر فِي حَاء , وَخَطَأ هَذَا الصُّورِيّ , وَقَالَ الْبَاجِيّ : أَدْرَكْت أَهْل الْعِلْم وَمِنْهُمْ أَبُو ذَرّ يَفْتَحُونَ الرَّاء فِي كُلّ حَال , زَادَ الصُّورِيّ وَكَذَلِكَ الْبَاء أَيْ أَوَّله , وَقَدْ قَدَّمْت فِي الزَّكَاة أَنَّهُ اِنْتَهَى الْخِلَاف فِي النُّطْق بِهَا إِلَى عَشَرَة أَوْجُه , وَنَقَلَ أَبُو عَلِيّ الصَّدَفِيّ عَنْ أَبِي ذَرّ الْهَرَوِيِّ أَنَّهُ جَزَمَ أَنَّهَا مُرَكَّبَة مِنْ كَلِمَتَيْنِ بِيرَ كَلِمَة وَحَاء كَلِمَة ثُمَّ صَارَتْ كَلِمَة وَاحِدَة , وَاخْتُلِفَ فِي حَاء هَلْ هِيَ اِسْم رَجُل أَوْ اِمْرَأَة أَوْ مَكَان أُضِيفَتْ إِلَيْهِ الْبِئْر أَوْ هِيَ كَلِمَة زَجْر لِإِبِلٍ وَكَأَنَّ الْإِبِل كَانَتْ تَرْعَى هُنَاكَ وَتُزْجَر بِهَذِهِ اللَّفْظَة فَأُضِيفَتْ الْبِئْر إِلَى اللَّفْظَة الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله ( بَخْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة , وَقَدْ تُنَوَّن مَعَ التَّثْقِيل وَالتَّخْفِيف بِالْكَسْرِ وَالرَّفْع وَالسُّكُون وَيَجُوز التَّنْوِين لُغَات , وَلَوْ كُرِّرَتْ فَالِاخْتِيَار أَنْ تُنَوَّنَ الْأُولَى وَتُسَكَّن الثَّانِيَة , وَقَدْ يُسَكَّنَانِ جَمِيعًا كَمَا قَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏بَخْ بَخْ لِوَالِدِهِ وَلِلْمَوْلُودِ ‏ ‏وَمَعْنَاهَا تَفْخِيم الْأَمْر وَالْإِعْجَاب بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَابِح أَوْ رَايِح شَكَّ اِبْن مَسْلَمَة ) ‏ ‏أَيْ الْقَعْنَبِيّ أَيْ هَلْ هُوَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ أَوْ بِالْمُوَحَّدَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَفْعَل ) ‏ ‏بِضَمِّ اللَّام عَلَى أَنَّهُ قَوْل أَبِي طَلْحَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَة ) ‏ ‏فِيهِ تَعْيِين أَحَد الِاحْتِمَالَيْنِ فِي رِوَايَة غَيْره حَيْثُ وَقَعَ فِيهَا \" أَفْعَل فَقَسَمَهَا \" فَإِنَّهُ اِحْتَمَلَ الْأَوَّل وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون أَفْعَل صِيغَة أَمْر وَفَاعِل قَسَمَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَانْتَفَى هَذَا الِاحْتِمَال الثَّانِي بِهَذِهِ الرِّوَايَة. وَذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي رَوَاهُ عَنْ الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِك فَقَالَ فِي رِوَايَته \" فَقَسَمَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَقَارِبه وَبَنِي عَمّه \" , قَالَ وَقَوْله : \" فِي أَقَارِبه \" أَيْ أَقَارِب أَبِي طَلْحَة , قُلْت : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس كَمَا تَقَدَّمَ , وَكَذَا فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة : \" فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ضَعْهَا فِي قَرَابَتك , فَجَعَلَهَا حَدَائِق بَيْن حَسَّان بْن ثَابِت وَأُبَيّ بْن كَعْب \" لَفْظ إِسْحَاق أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَده عَنْهُ , وَحَدِيث ثَابِت نَحْوه , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : إِضَافَة الْقَسْم إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ سَائِغًا شَائِعًا فِي لِسَان الْعَرَب عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ الْآمِر بِهِ لَكِنْ أَكْثَر الرُّوَاة لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ , وَالصَّوَاب رِوَايَة مَنْ قَالَ \" فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي أَقَارِبه وَبَنِي عَمّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة ثَابِت الْمُتَقَدِّمَة \" فَجَعَلَهَا لِحَسَّان وَأُبَيّ \" وَكَذَا فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ إِسْحَاق كَمَا تَرَى , وَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَنْصَارِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ثُمَامَة , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ : أَقَلّ مَنْ يُعْطَى مِنْ الْأَقَارِب إِذَا لَمْ يَكُونُوا مُنْحَصِرِينَ اِثْنَانِ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْمَاجِشُونِ عَنْ إِسْحَاق الْمُتَقَدِّمَة \" فَجَعَلَهَا أَبُو طَلْحَة فِي ذِي رَحِمه وَكَانَ مِنْهُمْ حَسَّان وَأُبَيّ بْن كَعْب \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَى غَيْرهمَا مَعَهُمَا , ثُمَّ رَأَيْت فِي مُرْسَل أَبِي بَكْر بْن حَزْم الْمُتَقَدِّم \" فَرَدَّهُ عَلَى أَقَارِبه أُبَيّ بْن كَعْب وَحَسَّان بْن ثَابِت وَأَخِيهِ - أَوْ اِبْن أَخِيهِ - شَدَّاد بْن أَوْس وَنُبَيْط بْن جَابِر فَتَقَاوَمُوهُ , فَبَاعَ حَسَّان حِصَّته مِنْ مُعَاوِيَة بِمِائَةِ أَلْف دِرْهَم \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي أُوَيْس ‏ ‏( وَعَبْد اللَّه بْن يُوسُف وَيَحْيَى بْن يَحْيَى عَنْ مَالِك ) ‏ ‏أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَاد ‏ ‏( رَايِح ) ‏ ‏أَيْ بِالتَّحْتَانِيَّةِ , وَقَدْ وَصَلَ حَدِيث إِسْمَاعِيل فِي التَّفْسِير وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن يُوسُف فِي الزَّكَاة وَحَدِيث يَحْيَى بْن يَحْيَى فِي الْوَكَالَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيه الرِّوَايَتَيْنِ فِي كِتَاب الزَّكَاة. وَفِي قِصَّة أَبِي طَلْحَة مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ أَنَّ مُنْقَطِع الْآخِر فِي الْوَقْف يُصْرَف لِأَقْرَب النَّاس إِلَى الْوَاقِف , وَأَنَّ الْوَقْف لَا يَحْتَاج فِي اِنْعِقَاده إِلَى قَبُول الْمَوْقُوف عَلَيْهِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الْمَالِكِيَّة عَلَى صِحَّة الصَّدَقَة الْمُطْلَقَة ثُمَّ يُعَيِّنهَا الْمُتَصَدِّق لِمَنْ يُرِيد , وَاسْتَدَلَّ بِهِ لِلْجُمْهُورِ فِي أَنَّ مَنْ أَوْصَى أَنْ يُفَرَّق ثُلُث مَاله حَيْثُ أَرَى اللَّه الْوَصِيّ صَحَّتْ وَصِيَّته وَيُفَرِّقهُ الْوَصِيّ فِي سَبِيل الْخَيْر وَلَا يَأْكُل مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يُعْطِي مِنْهُ وَارِثًا لِلْمَيِّتِ , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو ثَوْر وِفَاقًا لِلْحَنَفِيَّةِ فِي الْأَوَّل دُون الثَّانِي. وَفِيهِ جَوَاز التَّصَدُّق مِنْ الْحَيّ فِي غَيْر مَرَض الْمَوْت بِأَكْثَر مِنْ ثُلُث مَاله لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَفْصِل أَبَا طَلْحَة عَنْ قَدْر مَا تَصَدَّقَ بِهِ وَقَالَ لِسَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاص \" الثُّلُث كَثِير \" وَفِيهِ تَقْدِيم الْأَقْرَب مِنْ الْأَقَارِب عَلَى غَيْرهمْ , وَفِيهِ جَوَاز إِضَافَة حُبّ الْمَال إِلَى الرَّجُل الْفَاضِل الْعَالِم وَلَا نَقْص عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ الْإِنْسَان ( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْر لَشَدِيدِ ) وَالْخَيْر هُنَا الْمَال اِتِّفَاقًا , وَفِيهِ اِتِّخَاذ الْحَوَائِط وَالْبَسَاتِين وَدُخُول أَهْل الْفَضْل وَالْعِلْم فِيهَا وَالِاسْتِظْلَال بِظِلِّهَا وَالْأَكْل مِنْ ثَمَرهَا وَالرَّاحَة وَالتَّنَزُّه فِيهَا , وَقَدْ يَكُون ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْأَجْر إِذَا قَصَدَ بِهِ إِجْمَام النَّفْس مِنْ تَعَب الْعِبَادَة وَتَنْشِيطهَا لِلطَّاعَةِ , وَفِيهِ كَسْب الْعَقَار , وَإِبَاحَة الشُّرْب مِنْ دَار الصَّدِيق وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا إِذَا عَلِمَ طِيب نَفْسه , وَفِيهِ إِبَاحَة اِسْتِعْذَاب الْمَاء وَتَفْضِيل بَعْضه عَلَى بَعْض , وَفِيهِ التَّمَسُّك بِالْعُمُومِ لِأَنَّ أَبَا طَلْحَة فَهِمَ مِنْ قَوْله تَعَالَى : ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) تَنَاوَلَ ذَلِكَ بِجَمِيعِ أَفْرَاده , فَلَمْ يَقِف حَتَّى يَرِد عَلَيْهِ الْبَيَان عَنْ شَيْء بِعَيْنِهِ بَلْ بَدَرَ إِلَى إِنْفَاق مَا يُحِبّهُ , وَأَقَرَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ. اِسْتَدَلَّ بِهِ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِك مِنْ أَنَّ الصَّدَقَة تَصِحّ بِالْقَوْلِ مِنْ قَبْل الْقَبْض , فَإِنْ كَانَتْ لِمُعَيَّنٍ اِسْتَحَقَّ الْمُطَالَبَة بِقَبْضِهَا , وَإِنْ كَانَتْ لِجِهَةٍ عَامَّة خَرَجَتْ عَنْ مِلْك الْقَائِل وَكَانَ لِلْإِمَامِ صَرْفه فِي سَبِيل الصَّدَقَة , وَكُلّ هَذَا مَا إِذَا لَمْ يَظْهَر مُرَاد الْمُتَصَدِّق فَإِنْ ظَهَرَ اُتُّبِعَ. وَفِيهِ جَوَاز تَوَلِّي الْمُتَصَدِّق قَسْم صَدَقَته , وَفِيهِ جَوَاز أَخْذ الْغَنِيّ مِنْ صَدَقَة التَّطَوُّع إِذَا حَصَلَ لَهُ بِغَيْرِ مَسْأَلَة , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّة الْحَبْس وَالْوَقْف خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ وَأَبْطَلَهُ , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون صَدَقَة أَبِي طَلْحَة تَمْلِيكًا وَهُوَ ظَاهِر سِيَاق الْمَاجِشُونِ عَنْ إِسْحَاق كَمَا تَقَدَّمَ , وَفِيهِ زِيَادَة الصَّدَقَة فِي التَّطَوُّع عَلَى قَدْر نِصَاب الزَّكَاة خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَهَا بِهِ , وَفِيهِ فَضِيلَة لِأَبِي طَلْحَة لِأَنَّ الْآيَة تَضَمَّنَتْ الْحَثّ عَلَى الْإِنْفَاق مِنْ الْمَحْبُوب فَتَرَقَّى هُوَ إِلَى إِنْفَاق أَحَبّ الْمَحْبُوب فَصَوَّبَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْيه وَشَكَرَ عَنْ رَبّه فِعْله , ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَخُصّ بِهَا أَهْله , وَكَنَّى عَنْ رِضَاهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ : \" بَخْ \". وَفِيهِ أَنَّ الْوَقْف يَتِمّ بِقَوْلِ الْوَاقِف جَعَلْت هَذَا وَقْفًا , وَتَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ قَبْل أَبْوَاب , وَأَنَّ الصَّدَقَة عَلَى الْجِهَة الْعَامَّة لَا تَحْتَاج إِلَى قَبُول مُعَيَّن بَلْ لِلْإِمَامِ قَبُولهَا مِنْهُ وَوَضْعهَا فِيمَا يَرَاهُ كَمَا فِي قِصَّة أَبِي طَلْحَة. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَر فِي الْقَرَابَة مَنْ يَجْمَعهُ وَالْوَاقِف أَب مُعَيَّن لَا رَابِع وَلَا غَيْره , لِأَنَّ أُبَيًّا إِنَّمَا يَجْتَمِع مَعَ أَبِي طَلْحَة فِي الْأَب السَّادِس , وَأَنَّهُ لَا يَجِب تَقْدِيم الْقَرِيب عَلَى الْقَرِيب الْأَبْعَد , لِأَنَّ حَسَّانًا وَأَخَاهُ أَقْرَب إِلَى أَبِي طَلْحَة مِنْ أُبَيّ وَنُبَيْط , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَشْرَكَ مَعَهُمَا أُبَيًّا وَنُبَيْط بْن جَابِر , وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِب الِاسْتِيعَاب لِأَنَّ بَنِي حَرَام الَّذِي اِجْتَمَعَ فِيهِ أَبُو طَلْحَة وَحَسَّان كَانُوا بِالْمَدِينَةِ كَثِيرًا فَضْلًا عَنْ عَمْرو بْن مَالِك الَّذِي يَجْمَع أَبَا طَلْحَة وَأُبَيًّا. ‏"
    },
    {
        "id": "2563",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أُمَّهُ ‏ ‏تُوُفِّيَتْ أَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا قَالَ ‏ ‏نَعَمْ قَالَ فَإِنَّ لِي ‏ ‏مِخْرَافًا ‏ ‏وَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس ‏ ‏( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏هُوَ سَعْد بْن عُبَادَةَ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2564",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏بَنِي النَّجَّارِ ‏ ‏ثَامِنُونِي ‏ ‏بِحَائِطِكُمْ ‏ ‏هَذَا قَالُوا لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ ‏",
        "sharh": "وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة بِنَاء الْمَسْجِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَاد مُطَوَّلًا فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد مِنْ أَوَائِل كِتَاب الصَّلَاة , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا مَا اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلهمْ \" لَا نَطْلُب ثَمَنه إِلَّا إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ \" فَإِنَّ ظَاهِره أَنَّهُمْ تَصَدَّقُوا بِالْأَرْضِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَقَبِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ , فَفِيهِ دَلِيل لِمَا تَرْجَمَ لَهُ , وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ أَنَّ أَبَا بَكْر دَفَعَ ثَمَن الْأَرْض لِمَالِكِهَا مِنْهُمْ وَقَدْره عَشَرَة دَنَانِير فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَتْ الْحُجَّة لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة تَقْرِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِر قَوْلهمْ ذَلِكَ , فَلَوْ كَانَ وَقْف الْمَشَاع لَا يَجُوز لَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَبَيَّنَ لَهُمْ الْحُكْم , وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّة عَلَى أَنَّ حُكْم الْمَسْجِد يَثْبُت لِلْبِنَاءِ إِذَا وَقَعَ بِصُورَةِ الْمَسْجِد وَلَوْ لَمْ يُصَرِّح الْبَانِي بِذَلِكَ , وَعَنْ بَعْض الْمَالِكِيَّة إِنْ أُذِّنَ فِيهِ ثَبَتَ لَهُ حُكْم الْمَسْجِد , وَعَنْ الْحَنَفِيَّة إِنْ أُذِنَ لِلْجَمَاعَةِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ ثَبَتَ وَالْمَسْأَلَة مَشْهُورَة , وَلَا يَثْبُت عِنْد الْجُمْهُور إِلَّا إِنْ صَرَّحَ الْبَانِي بِالْوَقْفِيَّةِ أَوْ ذَكَرَ صِيغَة مُحْتَمَلَة وَنَوَى مَعَهَا. وَجَزَمَ بَعْض الشَّافِعِيَّة بِمِثْلِ مَا نُقِلَ عَنْ الْحَنَفِيَّة لَكِنْ فِي الْمَوَات خَاصَّة , وَالْحَقّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب مَا يَدُلّ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ وَلَا نَفْيه وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( لَا نَطْلُب ثَمَنه إِلَّا إِلَى اللَّه ) ‏ ‏أَيْ لَا نَطْلُب ثَمَنه مِنْ أَحَد لَكِنْ هُوَ مَصْرُوف إِلَى اللَّه , فَالِاسْتِثْنَاء عَلَى هَذَا التَّقْدِير مُنْقَطِع , أَوْ التَّقْدِير لَا نَطْلُب ثَمَنه إِلَّا مَصْرُوفًا إِلَى اللَّه , فَهُوَ مُتَّصِل. ‏"
    },
    {
        "id": "2565",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَصَابَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏بِخَيْبَرَ ‏ ‏أَرْضًا فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ قَالَ ‏ ‏إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا فَتَصَدَّقَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ ‏ ‏مُتَمَوِّلٍ ‏ ‏فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسَدَّد حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع ) ‏ ‏كَذَا اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّد عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْع وَبِشْر بْن الْمُفَضَّل وَيَحْيَى الْقَطَّانِ ثَلَاثَتهمْ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَوْن , وَقَدْ زَعَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ اِبْن عَوْن تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ نَافِع , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَة صَخْر بْن جُوَيْرِيَة عَنْ نَافِع كَمَا تَقَدَّمَ قَبْل أَبْوَاب , وَأَخْرَجَهُ مُخْتَصَرًا وَأَحْمَد وَالدَّارَقُطْنِيُّ مُطَوَّلًا مِنْ رِوَايَة أَيُّوب , وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ , وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر الْأَكْبَر الْمُصَغَّر , وَأَحْمَد وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عُمَر الْأَصْغَر الْمُكَبَّر كُلّهمْ عَنْ نَافِع , وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَتهمْ مِنْ الْفَوَائِد مُفَصَّلًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ نَافِع ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَنْصَارِيّ عَنْ اِبْن عَوْن الْمَاضِيَة فِي آخِر الشُّرُوط عَنْ اِبْن عَوْن \" أَنْبَأَنِي نَافِع \" وَالْإِنْبَاء بِمَعْنَى الْإِخْبَار عِنْد الْمُتَقَدِّمِينَ جَزْمًا , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الطَّحَاوِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَوْن \" أَخْبَرَنِي نَافِع \" وَالْأَنْصَارِيّ الْمَذْكُور أَحَد شُيُوخ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ عَنْهُ عِدَّة أَحَادِيث بِغَيْرِ وَاسِطَة مِنْهَا حَدِيث أَبِي بَكْر فِي أَنْصِبَة الزَّكَاة , وَأَخْرَجَ عَنْهُ فِي مَوَاضِع بِوَاسِطَةٍ , وَكَانَ الْأَنْصَارِيّ الْمَذْكُور قَاضِي الْبَصْرَة وَقَدْ تَمَذْهَبَ لِلْكُوفِيِّينَ فِي الْأَوْقَاف , وَصَنَّفَ فِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث جُزْءًا مُفْرَدًا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ أَصَابَ عُمَر ) ‏ ‏كَذَا لِأَكْثَر الرُّوَاة عَنْ نَافِع , ثُمَّ عَنْ اِبْن عَوْن جَعَلُوهُ فِي مُسْنَد اِبْن عُمَر , لَكِنْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق الْفَزَارِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَوْن , وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق الْفَزَارِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَوْن , وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن سَالِم عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر كِلَاهُمَا عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَد عُمَر , وَالْمَشْهُور الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( بِخَيْبَر أَرْضًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة صَخْر بْن جُوَيْرِيَة أَنَّ اِسْمهَا ثَمْغ , وَكَذَا لِأَحْمَد مِنْ رِوَايَة أَيُّوب \" أَنَّ عُمَر أَصَابَ أَرْضًا مِنْ يَهُود بَنِي حَارِثَة يُقَال لَهَا ثَمْغ \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة سَعِيد بْن سَالِم الْمَذْكُورَة , وَكَذَا لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيق الدَّرَاوَرْدِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد , وَرَوَى عُمَر بْن شَبَّة بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم \" أَنَّ عُمَر رَأَى فِي الْمَنَام ثَلَاث لَيَالٍ أَنْ يَتَصَدَّق بِثَمْغ \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر \" جَاءَ عُمَر فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أَصَبْت مَالًا لَمْ أُصِبْ مَالًا مِثْله قَطُّ \" كَانَ لِي مِائَة رَأْس فَاشْتَرَيْت بِهَا مِائَة سَهْم مِنْ خَيْبَر مِنْ أَهْلهَا \" فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون ثَمْغ مِنْ جُمْلَة أَرَاضِي خَيْبَر وَأَنَّ مِقْدَارهَا كَانَ مِقْدَار مِائَة سَهْم مِنْ السِّهَام الَّتِي قَسَمَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن مَنْ شَهِدَ خَيْبَر , وَهَذِهِ الْمِائَة السَّهْم غَيْر الْمِائَة السَّهْم الَّتِي كَانَتْ لِعُمَر بْن الْخَطَّاب بِخَيْبَر الَّتِي حَصَلَهَا مِنْ جُزْئِهِ مِنْ الْغَنِيمَة وَغَيْره , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي صِفَة كِتَاب وَقْف عُمَر مِنْ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره , وَذَكَرَ عُمَر بْن شَبَّة بِإِسْنَادٍ ضَعِيف عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب أَنَّ قِصَّة عُمَر هَذِهِ كَانَتْ فِي سَنَة سَبْع مِنْ الْهِجْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْفَس مِنْهُ ) ‏ ‏أَيْ أَجْوَد , وَالنَّفِيس الْجَيِّد الْمُغْتَبَط بِهِ , يُقَال نَفُسَ بِفَتْحِ النُّون وَضَمّ الْفَاء نَفَاسَة , وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : سُمِّيَ نَفِيسًا لِأَنَّهُ يَأْخُذ بِالنَّفْسِ , وَفِي رِوَايَة صَخْر بْن جُوَيْرِيَة \" إِنِّي اِسْتَفَدْت مَالًا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيس فَأَرَدْت أَنْ أَتَصَدَّق بِهِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُرْسَل أَبِي بَكْر بْن حَزْم أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَام الْأَمْر بِذَلِكَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِلدَّارَقُطْنِيِّ إِسْنَادهَا ضَعِيف \" أَنَّ عُمَر قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي نَذَرْت أَنْ أَتَصَدَّق بِمَالِي \" وَلَمْ يَثْبُت هَذَا وَإِنَّمَا كَانَ صَدَقَة تَطَوُّع كَمَا سَأُوَضِّحُهُ مِنْ حِكَايَة لَفْظ كِتَاب الْوَقْف الْمَذْكُور إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَيْفَ تَأْمُرنِي بِهِ ) ‏ ‏؟ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد \" أَنَّ عُمَر اِسْتَشَارَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنْ يَتَصَدَّق \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ شِئْت حَبَسْت أَصْلهَا وَتَصَدَّقْت بِهَا ) ‏ ‏أَيْ بِمَنْفَعَتِهَا , وَبَيَّنَ ذَلِكَ مَا فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر \" اِحْبِسْ أَصْلهَا وَسَبِّلْ ثَمَرَتهَا \" وَفِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد \" تَصَدَّقْ بِثَمَرِهِ وَحَبِّسْ أَصْله \". ‏ ‏قَوْله : ( فَتَصَدَّقَ عُمَر أَنَّهُ لَا يُبَاع أَصْلهَا وَلَا يُوهَب وَلَا يُورَث ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَلَا تَبْتَاع \" زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع \" حَبِيس مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض \" كَذَا لِأَكْثَر الرُّوَاة عَنْ نَافِع , وَلَمْ يَخْتَلِف فِيهِ عَنْ اِبْن عَوْن إِلَّا مَا وَقَعَ عِنْد الطَّحَاوِيِّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن سُفْيَان الْجَحْدَرِيِّ عَنْ اِبْن عَوْن فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ صَخْر بْن جُوَيْرِيَة الْآتِي , وَالْجَحْدَرِيّ إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ صَخْر لَا عَنْ اِبْن عَوْن , قَالَ السُّبْكِيّ : اِغْتَبَطْت بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ نَافِع عِنْد الْبَيْهَقِيِّ \" تَصَدَّقْ بِثَمَرِهِ وَحَبِّسْ أَصْله لَا يُبَاع وَلَا يُورَث \" وَهَذَا ظَاهِره أَنَّ الشَّرْط مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ بَقِيَّة الرِّوَايَات فَإِنَّ الشَّرْط فِيهَا ظَاهِره أَنَّهُ مِنْ كَلَام عُمَر , قُلْت : قَدْ تَقَدَّمَ قَبْل خَمْسَة أَبْوَاب مِنْ طَرِيق صَخْر بْن جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ , لَا يُبَاع وَلَا يُوهَب وَلَا يُورَث , وَلَكِنْ يُنْفَق ثَمَره \" وَهِيَ أَتَمّ الرِّوَايَات وَأَصْرَحهَا فِي الْمَقْصُود فَعَزْوُهَا إِلَى الْبُخَارِيّ أَوْلَى , وَقَدْ عَلَّقَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْمُزَارَعَة بِلَفْظِ \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَر : تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاع وَلَا يُوهَب وَلَكِنْ لِيُنْفِق ثَمَره فَتَصَدَّقَ بِهِ \" وَحَكَيْت هُنَاكَ أَنَّ الدَّاوُدِيّ الشَّارِح أَنْكَرَ هَذَا اللَّفْظ , وَلَمْ يَظْهَر لِي إِذْ ذَاكَ سَبَب إِنْكَاره , ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ بِسَبَبِ التَّصْرِيح بِرَفْعِ الشَّرْط إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَى أَنَّهُ وَلَوْ كَانَ الشَّرْط مِنْ قَوْل عُمَر فَمَا فَعَلَهُ إِلَّا لِمَا فَهِمَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ لَهُ \" اِحْبِسْ أَصْلهَا وَسَبِّلْ ثَمَرَتهَا \" وَقَوْله : \" تَصَدَّقْ \" صِيغَة أَمْر وَقَوْله : \" فَتَصَدَّقَ \" بِصِيغَةِ : الْفِعْل الْمَاضِي. ‏ ‏قَوْله : ( فِي سَبِيل اللَّه وَفِي الرِّقَاب وَالْمَسَاكِين وَالضَّيْف وَابْن السَّبِيل ) ‏ ‏جَمِيع هَؤُلَاءِ الْأَصْنَاف إِلَّا الضَّيْف هُمْ الْمَذْكُورُونَ فِي آيَة الزَّكَاة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانهمْ فِي كِتَاب الزَّكَاة. ‏ ‏وَقَوْله : \" وَلِذِي الْقُرْبَى \" ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي مَنْ ذُكِرَ فِي الْخَمْس كَمَا سَيَأْتِي بَيَانهمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِمْ قُرْبَى الْوَاقِف , وَبِهَذَا الثَّانِي جَزَمَ الْقُرْطُبِيّ , وَالضَّيْف مَعْرُوف وَهُوَ مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ يُرِيد الْقِرَى وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ فِي الْهِبَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَأْكُل مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ قَبْل أَبْوَاب , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : جَرَتْ الْعَادَة بِأَنَّ الْعَامِل يَأْكُل مِنْ ثَمَرَة الْوَقْف , حَتَّى لَوْ اِشْتَرَطَ الْوَاقِف أَنَّ الْعَامِل لَا يَأْكُل مِنْهُ يُسْتَقْبَح ذَلِكَ مِنْهُ , وَالْمُرَاد بِالْمَعْرُوفِ الْقَدْر الَّذِي جَرَتْ بِهِ الْعَادَة , وَقِيلَ الْقَدْر الَّذِي يَدْفَع بِهِ الشَّهْوَة , وَقِيلَ الْمُرَاد أَنْ يَأْخُذ مِنْهُ بِقَدْرِ عَمَله , وَالْأُولَى أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ يُطْعِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة صَخْر \" أَوْ يُؤْكِل \" بِإِسْكَانِ الْوَاو وَهِيَ بِمَعْنَى يُطْعِم. ‏ ‏قَوْله : ( غَيْر مُتَمَوِّل فِيهِ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْأَنْصَارِيّ الْمَاضِيَة فِي آخِر الشُّرُوط \" غَيْر مُتَمَوِّل بِهِ \" وَالْمَعْنَى غَيْر مُتَّخِذ مِنْهَا مَالًا أَيْ مِلْكًا , وَالْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَتَمَلَّك شَيْئًا مِنْ رِقَابهَا , وَ \" مَالًا \" مَنْصُوب عَلَى التَّمْيِيز , وَزَادَ الْأَنْصَارِيّ وَسُلَيْم قَالَ : فَحَدَّثْت بِهِ اِبْن سِيرِينَ فَقَالَ : \" غَيْر مُتَأَثِّل مَالًا \" وَالْقَائِل \" فَحَدَّثْت بِهِ \" هُوَ اِبْن عَوْن رَاوِيه عَنْ نَافِع , بَيَّنَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ اِبْن عَوْن قَالَ : ذَكَرْت حَدِيث نَافِع لِابْنِ سِيرِينَ فَذَكَرَهُ , زَادَ سُلَيْم : قَالَ اِبْن عَوْن : وَأَنْبَأَنِي مَنْ قَرَأَ هَذَا الْكِتَاب أَنَّ فِيهِ \" غَيْر مُتَأَثِّل مَالًا \" وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُلَيَّة عَنْ اِبْن عَوْن \" حَدَّثَنِي رَجُل أَنَّهُ قَرَأَهَا فِي قِطْعَة أَدِيم أَحْمَر \" قَالَ اِبْن عُلَيَّة : وَأَنَا قَرَأْتهَا عِنْد اِبْن عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر كَذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ صِفَة كِتَاب وَقْف عُمَر مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ قَالَ : \" نَسَخَهَا لِي عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَمِيد بْن عَبْد اللَّه اِبْن عُمَر \" فَذَكَرَهُ وَفِيهِ \" غَيْر مُتَأَثِّل \" وَالْمُتَأَثِّل بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَة مُشَدَّدَة بَيْنهمَا هَمْزَة هُوَ الْمُتَّخِذ , وَالتَّأَثُّل اِتِّخَاذ أَصْل الْمَال حَتَّى كَأَنَّهُ عِنْده قَدِيم , وَأَثَلَة كُلّ شَيْء أَصْله , قَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏وَقَدْ يُدْرِك الْمَجْد الْمُؤَثَّل أَمْثَالِي ‏ ‏وَاشْتِرَاط نَفْي التَّأَثُّل يُقَوِّي مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ قَالَ : الْمُرَاد مِنْ قَوْله : \" يَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ \" حَقِيقَة الْأَكْل لَا الْأَخْذ مِنْ مَال الْوَقْف بِقَدْرِ الْعِمَالَة قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ , وَزَادَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب فَذَكَرَ الْحَدِيث , قَالَ حَمَّاد : وَزَعَمَ عَمْرو بْن دِينَار أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنْ يُهْدِي إِلَى عَبْد اللَّه بْن صَفْوَان مِنْ صَدَقَة عُمَر , وَكَذَا رَوَاهُ عُمَر بْن شَبَّة مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عُمَر ; وَزَادَ عُمَر بْن شَبَّة عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ اِبْن عَوْن فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث \" وَأَوْصَى بِهَا عُمَر إِلَى حَفْصَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ إِلَى الْأَكَابِر مِنْ آل عُمَر \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ , وَفِي رِوَايَة أَيُّوب عَنْ نَافِع عِنْد أَحْمَد \" يَلِيه ذَوُو الرَّأْي مِنْ آل عُمَر \" فَكَأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا شَرَطَ أَنَّ النَّظَر فِيهِ لِذَوِي الرَّأْي مِنْ أَهْله ثُمَّ عَيَّنَ عِنْد وَصِيَّته لِحَفْصَةَ , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ عُمَر بْن شَبَّة عَنْ أَبِي غَسَّان الْمَدَنِيّ قَالَ : هَذِهِ نُسْخَة صَدَقَة عُمَر أَخَذْتهَا مِنْ كِتَابه الَّذِي عِنْد آل عُمَر فَنَسَخْتهَا حَرْفًا حَرْفًا \" هَذَا مَا كَتَبَ عَبْد اللَّه عُمَر أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فِي ثَمْغ , أَنَّهُ إِلَى حَفْصَة مَا عَاشَتْ تُنْفِق ثَمَره حَيْثُ أَرَاهَا اللَّه , فَإِنْ تُوُفِّيَتْ فَإِلَى ذَوِي الرَّأْي مِنْ أَهْلهَا \". ‏ ‏قُلْت : فَذَكَرَ الشَّرْط كُلّه نَحْو الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث الْمَرْفُوع ثُمَّ قَالَ : \" وَالْمِائَة وَسْق الَّذِي أَطْعَمَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهَا مَعَ ثَمْغ عَلَى سُنَنه الَّذِي أَمَرَتْ بِهِ , وَإِنْ شَاءَ وَلِيّ ثَمْغ أَنْ يَشْتَرِي مِنْ ثَمَره رَقِيقًا يَعْمَلُونَ فِيهِ فَعَلَ. وَكَتَبَ مُعَيْقِيب وَشَهِدَ عَبْد اللَّه بْن الْأَرْقَم \" وَكَذَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَته نَحْو هَذَا. وَذَكَرَا جَمِيعًا كِتَابًا آخَر نَحْو هَذَا الْكِتَاب , وَفِيهِ مِنْ الزِّيَادَة \" وَصِرْمَة بْن الْأَكْوَع وَالْعَبْد الَّذِي فِيهِ صَدَقَة كَذَلِكَ \" وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ عُمَر إِنَّمَا كَتَبَ كِتَاب وَقْفه فِي خِلَافَته لِأَنَّ مُعَيْقِيبًا كَانَ كَاتِبه فِي زَمَن خِلَافَته , وَقَدْ وَصَفَهُ فِيهِ بِأَنَّهُ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَقَفَهُ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّفْظِ وَتَوَلَّى هُوَ النَّظَر عَلَيْهِ إِلَى أَنْ حَضَرَتْهُ الْوَصِيَّة فَكَتَبَ حِينَئِذٍ الْكِتَاب , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَخَّرَ وَقْفِيَّته وَلَمْ يَقَع مِنْهُ قَبْل ذَلِكَ إِلَّا اِسْتِشَارَته فِي كَيْفِيَّته. وَقَدْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ وَابْن عَبْد الْبَرّ مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ : \" قَالَ عُمَر : لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْت صَدَقَتِي لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَرَدَدْتهَا \" فَهَذَا يَشْعُر بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي وَأَنَّهُ لَمْ يُنَجِّز الْوَقْف إِلَّا عِنْد وَصِيَّته. وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ بِقَوْلِ عُمَر هَذَا لِأَبِي حَنِيفَة وَزُفَر فِي أَنَّ إِيقَاف الْأَرْض لَا يَمْنَع مِنْ الرُّجُوع فِيهَا , وَأَنَّ الَّذِي مَنَعَ عُمَر مِنْ الرُّجُوع كَوْنه ذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَرِهَ أَنْ يُفَارِقهُ عَلَى أَمْر ثُمَّ يُخَالِفهُ إِلَى غَيْره , وَلَا حُجَّة فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا أَنَّهُ مُنْقَطِع لِأَنَّ اِبْن شِهَاب لَمْ يَدْرِك عُمَر , ‏ ‏ثَانِيهمَا أَنَّهُ يَحْتَمِل مَا قَدَّمْته , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عُمَر كَانَ يَرَى بِصِحَّةِ الْوَقْف وَلُزُومه إِلَّا إِنْ شَرَطَ الْوَاقِف الرُّجُوع فَلَهُ أَنْ يَرْجِع. وَقَدْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ عَلِيّ مِثْل ذَلِكَ فَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْوَقْف غَيْر لَازِم مَعَ إِمْكَان هَذَا الِاحْتِمَال وَإِنْ ثَبَتَ هَذَا الِاحْتِمَال كَانَ حُجَّة لِمَنْ قَالَ بِصِحَّةِ تَعْلِيق الْوَقْف وَهُوَ عِنْد الْمَالِكِيَّة وَبِهِ قَالَ اِبْن سُرَيْج وَقَالَ : تَعُود مَنَافِعه بَعْد الْمُدَّة الْمُعَيَّنَة إِلَيْهِ ثُمَّ إِلَى وَرَثَته , فَلَوْ كَانَ التَّعْلِيق مَآلًا صَحَّ اِتِّفَاقًا كَمَا لَوْ قَالَ وَقَفْته عَلَى زَيْد سَنَة ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاء , وَحَدِيث عُمَر هَذَا أَصْل فِي مَشْرُوعِيَّة الْوَقْف , قَالَ أَحْمَد : \" حَدَّثَنَا حَمَّاد هُوَ اِبْن خَالِد حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه هُوَ الْعُمَرِيّ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : أَوَّل صَدَقَة - أَيْ مَوْقُوفَة - كَانَتْ فِي الْإِسْلَام صَدَقَة عُمَر \" وَرَوَى عُمَر بْن شَبَّة عَنْ عَمْرو بْن سَعْد بْن مُعَاذ قَالَ : \" سَأَلْنَا عَنْ أَوَّل حَبْس فِي الْإِسْلَام فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ : صَدَقَة عُمَر , وَقَالَ الْأَنْصَار : صَدَقَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي إِسْنَاده الْوَاقِدِيّ. ‏ ‏وَفِي مَغَازِي الْوَاقِدِيّ أَنَّ أَوَّل صَدَقَة مَوْقُوفَة كَانَتْ فِي الْإِسْلَام أَرَاضِي مُخَيْرِيق بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّر الَّتِي أَوْصَى بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَقَفَهَا النَّبِيّ , قَالَ التِّرْمِذِيّ : لَا نَعْلَم بَيْن الصَّحَابَة وَالْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْل الْعِلْم خِلَافًا فِي جَوَاز وَقْف الْأَرَضِينَ , وَجَاءَ عَنْ شُرَيْح أَنَّهُ أَنْكَرَ الْحَبْس , وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة لَا يَلْزَم , وَخَالَفَهُ جَمِيع أَصْحَابه إِلَّا زُفَر بْن الْهُذَيْلِ فَحَكَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ عِيسَى بْن أَبَانٍ قَالَ : كَانَ أَبُو يُوسُف يُجِيز بَيْع الْوَقْف , فَبَلَغَهُ حَدِيث عُمَر هَذَا فَقَالَ : مَنْ سَمِعَ هَذَا مِنْ اِبْن عَوْن ؟ فَحَدَّثَهُ بِهِ اِبْن عُلَيَّة , فَقَالَ : هَذَا لَا يَسَع أَحَدًا خِلَافه , وَلَوْ بَلَغَ أَبَا حَنِيفَة. لَقَالَ بِهِ فَرَجَعَ عَنْ بَيْع الْوَقْف حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ لَا خِلَاف فِيهِ بَيْن أَحَد اه. وَمَعَ حِكَايَة الطَّحَاوِيِّ هَذَا فَقَدْ اِنْتَصَرَ كَعَادَتِهِ فَقَالَ : قَوْله فِي قِصَّة عُمَر \" حَبِّسْ الْأَصْل وَسَبِّلْ الثَّمَرَة \" لَا يَسْتَلْزِم التَّأْبِيد , بَلْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ مُدَّة اِخْتِيَاره لِذَلِكَ اه. وَلَا يَخْفَى ضَعْف هَذَا التَّأْوِيل , وَلَا يَفْهَم مِنْ قَوْله : \" وَقَفْت وَحَبَسْت \" إِلَّا التَّأْبِيد حَتَّى يُصَرِّح بِالشَّرْطِ عِنْد مَنْ يَذْهَب إِلَيْهِ , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَى الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا \" حَبِيس مَا دَامَتْ السَّمَوَات وَالْأَرْض \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : رَدّ الْوَقْف مُخَالِف لِلْإِجْمَاعِ فَلَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ , وَأَحْسَن مَا يُعْتَذَر بِهِ عَمَّنْ رَدَّهُ مَا قَالَهُ أَبُو يُوسُف فَإِنَّهُ أَعْلَم بِأَبِي حَنِيفَة مِنْ غَيْره. وَأَشَارَ الشَّافِعِيّ إِلَى أَنَّ الْوَقْف مِنْ خَصَائِص أَهْل الْإِسْلَام , أَيْ وَقْف الْأَرَاضِي وَالْعَقَار , قَالَ : وَلَا نَعْرِف أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْجَاهِلِيَّة , وَحَقِيقَة الْوَقْف شَرْعًا وُرُود صِيغَة تَقْطَع تَصَرُّف الْوَاقِف فِي رَقَبَة الْمَوْقُوف الَّذِي يَدُوم الِانْتِفَاع بِهِ , وَتُثْبِت صَرْف مَنْفَعَته فِي جِهَة خَيْر. ‏ ‏وَفِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد جَوَاز ذِكْر الْوَلَد أَبَاهُ بِاسْمِهِ الْمُجَرَّد مِنْ غَيْر كُنْيَة وَلَا لَقَب , ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز إِسْنَاد الْوَصِيَّة , وَالنَّظَر عَلَى الْوَقْف لِلْمَرْأَةِ وَتَقْدِيمهَا عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَقْرَانهَا مِنْ الرِّجَال ; ‏ ‏وَفِيهِ إِسْنَاد النَّظَر إِلَى مَنْ لَمْ يُسَمِّ إِذَا وُصِفَ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَة تُمَيِّزهُ , وَأَنَّ الْوَاقِف يَلِي النَّظَر عَلَى وَقْفه إِذَا لَمْ يُسْنِدهُ لِغَيْرِهِ , قَالَ الشَّافِعِيّ : لَمْ يَزَلْ الْعَدَد الْكَثِير مِنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ يَلُونَ أَوْقَافهمْ , نَقَلَ ذَلِكَ الْأُلُوف عَنْ الْأُلُوف لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. ‏ ‏وَفِيهِ اِسْتِشَارَة أَهْل الْعِلْم وَالدِّين وَالْفَضْل فِي طُرُق الْخَيْر سَوَاء كَانَتْ دِينِيَّة أَوْ دُنْيَوِيَّة , وَأَنَّ الْمُشِير يُشِير بِأَحْسَن مَا يَظْهَر لَهُ فِي جَمِيع الْأُمُور. ‏ ‏وَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِعُمَر لِرَغْبَتِهِ فِي اِمْتِثَال قَوْله تَعَالَى : ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) , ‏ ‏وَفِيهِ فَضْل الصَّدَقَة الْجَارِيَة , وَصِحَّة شُرُوط الْوَاقِف وَاتِّبَاعه فِيهَا , وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَط تَعْيِين الْمَصْرِف لَفْظًا. ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّ الْوَقْف لَا يَكُون إِلَّا فِيمَا لَهُ أَصْل يَدُوم الِانْتِفَاع بِهِ , فَلَا يَصِحّ وَقْف مَا لَا يَدُوم الِانْتِفَاع بِهِ كَالطَّعَامِ. ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْوَقْف لَفْظ الصَّدَقَة سَوَاء قَالَ : تَصَدَّقْت بِكَذَا أَوْ جَعَلْته صَدَقَة حَتَّى يُضِيف إِلَيْهَا شَيْئًا آخَر لِتَرَدُّد الصَّدَقَة بَيْن أَنْ تَكُون تَمْلِيك الرَّقَبَة أَوْ وَقَفَ الْمَنْفَعَة فَإِذَا أَضَافَ إِلَيْهَا مَا يُمَيِّز أَحَد الْمُحْتَمَلَيْنِ صَحَّ , بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ وَقَفْت أَوْ حَبَسْت فَإِنَّهُ صَرِيح فِي ذَلِكَ عَلَى الرَّاجِح , وَقِيلَ الصَّرِيح الْوَقْف خَاصَّة , ‏ ‏وَفِيهِ نَظَر لِثُبُوتِ التَّحْبِيس فِي قِصَّة عُمَر هَذِهِ , نَعَمْ لَوْ قَالَ تَصَدَّقْت بِكَذَا عَلَى كَذَا وَذَكَرَ جِهَة عَامَّة صَحَّ , وَتَمَسَّكَ مَنْ أَجَازَ الِاكْتِفَاء بِقَوْلِهِ تَصَدَّقْت بِهَذَا بِمَا وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَاب مِنْ قَوْله : \" فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَر \" وَلَا حُجَّة فِي ذَلِكَ لِمَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّهُ أَضَافَ إِلَيْهَا \" لَا تُبَاع وَلَا تُوهَب \" وَيَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يَكُون قَوْله : \" فَتَصَدَّقَ بِهَا \" عُمَر \" رَاجِعًا إِلَى الثَّمَرَة عَلَى حَذْف مُضَاف أَيْ فَتَصَدَّقَ بِثَمَرَتِهَا فَلَيْسَ فِيهِ مُتَعَلِّق لِمَنْ أَثْبَتَ الْوَقْف بِلَفْظِ الصَّدَقَة مُجَرَّدًا وَبِهَذَا الِاحْتِمَال الثَّانِي جَزَمَ الْقُرْطُبِيّ. ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز الْوَقْف عَلَى الْأَغْنِيَاء لِأَنَّ ذَوِي الْقُرْبَى وَالضَّيْف لَمْ يُقَيَّد بِالْحَاجَةِ وَهُوَ الْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة. ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَشْتَرِط لِنَفْسِهِ جُزْءًا مِنْ رِيع الْمَوْقُوف لِأَنَّ عُمَر شَرَطَ لِمَنْ وَلِيَ وَقْفه أَنْ يَأْكُل مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ إِنْ كَانَ هُوَ النَّاظِر أَوْ غَيْره فَدَلَّ عَنْ صِحَّة الشَّرْط , وَإِذَا جَازَ فِي الْمُبْهَم الَّذِي تُعَيِّنهُ الْعَادَة كَانَ فِيمَا يُعَيِّنهُ هُوَ أَجْوَز , وَيَسْتَنْبِط مِنْهُ صِحَّة الْوَقْف عَلَى النَّفْس وَهُوَ قَوْل اِبْن أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُف وَأَحْمَد فِي الْأَرْجَح عَنْهُ , وَقَالَ بِهِ مِنْ الْمَالِكِيَّة اِبْن شَعْبَان , وَجُمْهُورهمْ عَلَى الْمَنْع إِلَّا إِذَا اِسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ شَيْئًا يَسِيرًا بِحَيْثُ لَا يُتَّهَم أَنَّهُ قَصَدَ حِرْمَان وَرَثَته , وَمِنْ الشَّافِعِيَّة اِبْن سُرَيْج وَطَائِفَة , وَصَنَّفَ فِيهِ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ جُزْءًا ضَخْمًا وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقِصَّةِ عُمَر هَذِهِ , وَبِقِصَّةِ رَاكِب الْبَدَنَة , وَبِحَدِيثِ أَنَس فِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَ صَفِيَّة وَجَعَلَ عِتْقهَا صَدَاقهَا , وَوَجْه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَنَّهُ أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكه بِالْعِتْقِ وَرَدَّهَا إِلَيْهِ بِالشَّرْطِ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي النِّكَاح. وَبِقِصَّةِ عُثْمَان الْآتِيَة بَعْد أَبْوَاب. وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث الْبَاب \" سَبِّلْ الثَّمَرَة \" وَتَسْبِيل الثَّمَرَة تَمْلِيكهَا لِلْغَيْرِ وَالْإِنْسَان لَا يَتَمَكَّن مِنْ تَمْلِيك نَفْسه لِنَفْسِهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اِمْتِنَاع ذَلِكَ غَيْر مُسْتَحِيل وَمَنَعَهُ تَمْلِيكه لِنَفْسِهِ إِنَّمَا هُوَ لِعَدَمِ الْفَائِدَة وَالْفَائِدَة فِي الْوَقْف حَاصِلَة لِأَنَّ اِسْتِحْقَاقه إِيَّاهُ مِلْكًا غَيْر اِسْتِحْقَاقه إِيَّاهُ وَقْفًا وَلَا سِيَّمَا إِذَا ذَكَرَ لَهُ مَالًا آخَر فَإِنَّهُ حُكْم آخَر يُسْتَفَاد مِنْ ذَلِكَ الْوَقْف , وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الَّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب أَنَّ عُمَر اِشْتَرَطَ لِنَاظِرِ وَقْفه أَنْ يَأْكُل مِنْهُ بِقَدْرِ عِمَالَته وَلِذَلِكَ مَنَعَهُ أَنْ يَتَّخِذ لِنَفْسِهِ مِنْهُ مَالًا فَلَوْ كَانَ يُؤْخَذ مِنْهُ صِحَّة الْوَقْف عَلَى النَّفْس لَمْ يَمْنَعهُ مِنْ الِاتِّخَاذ , وَكَأَنَّهُ اِشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ أَمْرًا لَوْ سَكَتَ عَنْهُ لَكَانَ يَسْتَحِقّهُ لِقِيَامِهِ , وَهَذَا عَلَى أَرْجَح قَوْلَيْ الْعُلَمَاء أَنَّ الْوَاقِف إِذَا لَمْ يَشْتَرِط لِلنَّاطِرِ قَدْر عَمَله جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذ بِقَدْرِ عَمَله , وَلَوْ اِشْتَرَطَ الْوَاقِف لِنَفْسِهِ النَّظَر وَاشْتَرَطَ أُجْرَة فَفِي صِحَّة هَذَا الشَّرْط عِنْد الشَّافِعِيَّة خِلَاف , كَالْهَاشِمِيِّ إِذَا عَمِلَ فِي الزَّكَاة هَلْ يَأْخُذ مِنْ سَهْم الْعَامِلِينَ ؟ وَالرَّاجِح الْجَوَاز , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث عُثْمَان الْآتِي بَعْد , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الْوَقْف عَلَى الْوَارِث فِي مَرَض الْمَوْت فَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُث رَدّ وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ لَزِمَ , وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد لِأَنَّ عُمَر جَعَلَ النَّظَر بَعْده لِحَفْصَةَ وَهِيَ مِمَّنْ يَرِثهُ وَجَعَلَ لِمَنْ وَلِيَ وَقْفه أَنْ يَأْكُل مِنْهُ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ وَقْف عُمَر صَدَرَ مِنْهُ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَلَّذِي أَوْصَى بِهِ إِنَّمَا هُوَ شَرْط النَّظَر , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْوَاقِف إِذَا شَرَطَ لِلنَّاظِرِ شَيْئًا أَخَذَهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطهُ لَهُ لَمْ يَجُزْ إِلَّا إِنْ دَخَلَ فِي صِفَة أَهْل الْوَقْف كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين. فَإِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ وَرَضُوا بِذَلِكَ جَازَ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ تَعْلِيق الْوَقْف لَا يَصِحّ لِأَنَّ قَوْله : \" حَبِّسْ الْأَصْل \" يُنَاقِض تَأْقِيتَهُ , وَعَنْ مَالِك وَابْن سُرَيْج يَصِحّ , وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : \" لَا تُبَاع \" عَلَى أَنَّ الْوَقْف لَا يُنَاقِل بِهِ , وَعَنْ أَبِي يُوسُف أَنَّ شَرْط الْوَاقِف أَنَّهُ إِذَا تَعَطَّلَتْ مَنَافِعه بِيعَ وَصُرِفَ ثَمَنه فِي غَيْره وَيُوقَف فِي مَا سُمِّيَ فِي الْأَوَّل , وَكَذَا إِنْ شَرَطَ الْبَيْع إِذَا رَأَى الْحَظّ فِي نَقْله إِلَى مَوْضِع آخَر. وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى وَقْف الْمَشَاع لِأَنَّ الْمِائَة سَهْم الَّتِي كَانَتْ لِعُمَر بِخَيْبَر لَمْ تَكُنْ مُنْقَسِمَة. ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّهُ لَا سِرَايَة فِي الْأَرْض الْمَوْقُوفَة بِخِلَافِ الْعِتْق وَلَمْ يُنْقَل أَنَّ الْوَقْف سَرَى مِنْ حِصَّة عُمَر إِلَى غَيْرهَا مِنْ بَاقِي الْأَرْض , وَحَكَى بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ بَعْض الشَّافِعِيَّة أَنَّهُ حَكَمَ فِيهِ بِالسِّرَايَةِ وَهُوَ شَاذّ مُنْكَر. وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ خَيْبَر فُتِحَتْ عَنْوَة , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2566",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَجَدَ مَالًا ‏ ‏بِخَيْبَرَ ‏ ‏فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ قَالَ ‏ ‏إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَذِي الْقُرْبَى وَالضَّيْفِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2567",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو التَّيَّاحِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏بَنِي النَّجَّارِ ‏ ‏ثَامِنُونِي ‏ ‏بِحَائِطِكُمْ ‏ ‏هَذَا قَالُوا لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا الْأَصِيلِيّ فَنَسَبه فَقَالَ : \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن مَنْصُور \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن شَبُّويَةَ \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق هُوَ اِبْن مَنْصُور \" , وَأَمَّا عَبْد الصَّمَد فَهُوَ اِبْن عَبْد الْوَارِث , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْمَسْجِدِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِبِنَاءِ الْمَسْجِد \" وَسَتَأْتِي بَقِيَّة مَبَاحِث الْحَدِيث فِي أَوَائِل الْهِجْرَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2568",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَعْطَاهَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا رَجُلًا فَأُخْبِرَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَنَّهُ قَدْ وَقَفَهَا يَبِيعُهَا فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَبْتَاعَهَا فَقَالَ ‏ ‏لَا تَبْتَعْهَا وَلَا تَرْجِعَنَّ فِي صَدَقَتِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2569",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": "وَرَدَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" لَا تَقْسِم وَرَثَتِي دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا , مَا تَرَكْت بَعْد نَفَقَة نِسَائِي وَمُؤْنَة عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَة \" وَهُوَ دَالّ عَلَى مَشْرُوعِيَّة أُجْرَة الْعَامِل عَلَى الْوَقْف , وَالْمُرَاد بِالْعَامِلِ فِي هَذَا الْحَدِيث الْقَيِّم عَلَى الْأَرْض وَالْأَجِير وَنَحْوهمَا أَوْ الْخَلِيفَة بَعْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَوَهَمَ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمُرَاد بِهِ أُجْرَة حَافِر قَبْره. ‏ ‏وَقَوْله : \" لَا تَقْتَسِم وَرَثَتِي \" ‏ ‏بِإِسْكَانِ الْمِيم عَلَى النَّهْي وَبِضَمِّهَا عَلَى النَّفْي وَهُوَ الْأَشْهَر وَبِهِ يَسْتَقِيم الْمَعْنَى حَتَّى لَا يُعَارِض مَا تَقَدَّمَ عَنْ عَائِشَة وَغَيْرهَا أَنَّهُ لَمْ يَتْرُك صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَالًا يُورَث عَنْهُ , وَتَوْجِيه رِوَايَة النَّهْي أَنَّهُ لَمْ يَقْطَع بِأَنَّهُ لَا يَخْلُف شَيْئًا بَلْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا فَنَهَاهُمْ عَنْ قِسْمَة مَا يَخْلُف إِنْ اِتَّفَقَ أَنَّهُ خَلَفَ , وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَرَثَتِي \" سَمَّاهُمْ وَرَثَة بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ بِالْقُوَّةِ , لَكِنْ مَنَعَهُمْ مِنْ الْمِيرَاث الدَّلِيل الشَّرْعِيّ وَهُوَ قَوْله : \" لَا نُورَث مَا تَرَكْنَا صَدَقَة \" وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْخُمُس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2570",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏اشْتَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ يَأْكُلَ مَنْ وَلِيَهُ وَيُؤْكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ ‏ ‏مُتَمَوِّلٍ ‏ ‏مَالًا ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ الْمُصَنِفُ حَدِيث اِبْن عُمَر فِي وَقْف عُمَر مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى قَبْل بِبَابٍ , وَقَدْ اِعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّ الْمَحْفُوظ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع \" أَنَّ عُمَر \" لَيْسَ فِيهِ اِبْن عُمَر , ثُمَّ أَوْرَدَهُ كَذَلِكَ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن حَرْب وَغَيْر وَاحِد عَنْ حَمَّاد. قُلْت : لَكِنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَهُ عَنْ قُتَيْبَة عَنْهُ , وَقُتَيْبَة مِنْ الْحُفَّاظ , وَقَدْ تَابَعَهُ يُونُس بْن مُحَمَّد عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد فَوَصَلَهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ مُطَوَّلًا , وَوَصَلَهُ أَيْضًا يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْ أَيُّوب أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَقَالَ الْحُمَيْدِيّ : لَمْ أَقِف عَلَى طَرِيق قُتَيْبَة فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ , وَهُوَ ذُهُول شَدِيد مِنْهُ , فَإِنَّهُ ثَابِت فِي جَمِيع النُّسَخ. ‏"
    },
    {
        "id": "2571",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏بَنِي النَّجَّارِ ‏ ‏ثَامِنُونِي ‏ ‏بِحَائِطِكُمْ ‏ ‏قَالُوا لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2572",
        "content": "‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ آدَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي سَهْمٍ ‏ ‏مَعَ ‏ ‏تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ‏ ‏وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ ‏ ‏فَمَاتَ ‏ ‏السَّهْمِيُّ ‏ ‏بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ ‏ ‏فَقَدُوا ‏ ‏جَامًا ‏ ‏مِنْ فِضَّةٍ ‏ ‏مُخَوَّصًا ‏ ‏مِنْ ذَهَبٍ فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَقَالُوا ابْتَعْنَاهُ مِنْ ‏ ‏تَمِيمٍ ‏ ‏وَعَدِيٍّ ‏ ‏فَقَامَ ‏ ‏رَجُلَانِ ‏ ‏مِنْ أَوْلِيَائِهِ فَحَلَفَا ‏ { ‏لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا ‏} ‏وَإِنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ قَالَ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لِي عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْمَدِينِيّ , كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَالْأَكْثَر , وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ \" وَقَالَ عَلِيّ \" بِحَذْفِ الْمُحَاوَرَة , وَكَذَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم , لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي التَّارِيخ فَقَالَ : \" حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ \" وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي مَا قَرَّرْته غَيْر مَرَّة مِنْ أَنَّهُ يُعَبِّر بِقَوْلِهِ : \" وَقَالَ لِي \" فِي الْأَحَادِيث الَّتِي سَمِعَهَا , لَكِنْ حَيْثُ يَكُون فِي إِسْنَادهَا عِنْده نَظَر أَوْ حَيْثُ تَكُون مَوْقُوفَة , وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَبِّر بِهَا فِيمَا أَخَذَهُ فِي الْمُذَاكَرَة أَوْ بِالْمُنَاوَلَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيل. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن أَبِي زَائِدَة ) ‏ ‏هُوَ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , وَمُحَمَّد بْن أَبِي الْقَاسِم يُقَال لَهُ الطَّوِيل وَلَا يُعْرَف اِسْم أَبِيهِ , وَثَّقَهُ يَحْيَى بْن مَعِين وَأَبُو حَاتِم وَتَوَقَّفَ فِيهِ الْبُخَارِيّ مَعَ كَوْنه أَخْرَجَ حَدِيثه هَذَا هُنَا , فَرَوَى النَّسَفِيُّ عَنْ الْبُخَارِيّ قَالَ : لَا أَعْرِف مُحَمَّد بْن أَبِي الْقَاسِم هَذَا كَمَا يَنْبَغِي. وَفِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ : كَمَا أَشْتَهِي. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَيْضًا أَبُو أُسَامَة : وَكَانَ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه - يَعْنِي اِبْن الْمَدِينِيّ - اِسْتَحْسَنَهُ. وَزَادَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ أَنَّ الْفَرَبْرِيّ قَالَ : قُلْت لِلْبُخَارِيّ رَوَاهُ غَيْر مُحَمَّد بْن أَبِي الْقَاسِم ؟ قَالَ : لَا. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو أُسَامَة أَيْضًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ , وَرَوَى عُمَر الْبُجَيْرِيّ - بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْجِيم مُصَغَّرًا - عَنْ الْبُخَارِيّ نَحْو هَذَا وَزَادَ : قِيلَ لَهُ رَوَاهُ - يَعْنِي هَذَا الْحَدِيث - غَيْر مُحَمَّد بْن أَبِي الْقَاسِم ؟ فَقَالَ : لَا , وَهُوَ غَيْر مَشْهُور. قُلْت : وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ وَلَا لِشَيْخِهِ عَبْد الْمَلِك بْن سَعِيد بْن جُبَيْر غَيْر هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَرِجَال الْإِسْنَاد مَا بَيْن عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه وَابْن عَبَّاس كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجَ رَجُل مِنْ بَنِي سَهْم ) ‏ ‏هُوَ بُزَيْل بِمُوَحَّدَةٍ وَزَاي مُصَغَّر , وَكَذَا ضَبَطَهُ اِبْن مَاكُولَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ تَمِيم نَفْسه عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالطَّبَرِيّ بُدَيْل بِدَال بَدَل الزَّاي , وَرَأَيْته فِي نُسْخَة صَحِيحَة مِنْ تَفْسِير الطَّبَرِيِّ بُرَيْل بِرَاءٍ بِغَيْرِ نُقْطَة , وَلِابْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيق السُّدِّيّ عَنْ الْكَلْبِيّ بُدَيْل بْن أَبِي مَارِيَة , وَمِثْله فِي رِوَايَة عِكْرِمَة وَغَيْره عِنْد الطَّبَرِيِّ مُرْسَلًا لَكِنَّهُ لَمْ يُسَمِّهِ , وَوَهَمَ مَنْ قَالَ فِيهِ بُدَيْل بْن وَرْقَاء فَإِنَّهُ خُزَاعِيّ وَهَذَا سَهْمِيّ , وَكَذَا وَهَمَ مَنْ ضَبَطَهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ بِسَنَدِهِ فِي تَفْسِيره. ‏ ‏قَوْله : ( مَعَ تَمِيم الدَّارِيّ ) ‏ ‏أَيْ الصَّحَابِيّ الْمَشُور وَذَلِكَ قَبْل أَنْ يُسْلِم تَمِيم كَمَا سَيَأْتِي , وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مُرْسَل الصَّحَابِيّ لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس لَمْ يَحْضُر هَذِهِ الْقِصَّة , وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْض الطُّرُق أَنَّهُ رَوَاهَا عَنْ تَمِيم نَفْسه , بَيَّنَ ذَلِكَ الْكَلْبِيّ فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة فَقَالَ : \" عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ تَمِيم الدَّارِيّ قَالَ : بَرِئَ النَّاس مِنْ هَذِهِ الْآيَة غَيْرِي وَغَيْر عَدِيّ بْن بَدَّاء. وَكَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ مُخْتَلِفَانِ إِلَى الشَّام قَبْل الْإِسْلَام فَأَتَيَا الشَّام فِي تِجَارَتهمَا وَقَدِمَ عَلَيْهِمَا مَوْلًى لِبَنِي سَهْم \" وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْقِصَّة وَقَعَتْ قَبْل الْإِسْلَام ثُمَّ تَأَخَّرَتْ الْمُحَاكَمَة حَتَّى أَسْلَمُوا كُلّهمْ فَإِنَّ فِي الْقِصَّة مَا يُشْعِر بِأَنَّ الْجَمِيع تَحَاكَمُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَعَلَّهَا كَانَتْ بِمَكَّة سَنَة الْفَتْح. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَدِيّ بْن بَدَّاء ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الْمُهْمَلَة مَعَ الْمَدّ , لَمْ تَخْتَلِف الرِّوَايَات فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا رَأَيْته فِي \" كِتَاب الْقَضَاء لِلْكَرَابِيسِيّ \" فَإِنَّهُ سَمَّاهُ الْبَدَّاء بْن عَاصِم , وَأَخْرَجَهُ عَنْ مُعَلَّى بْن مَنْصُور عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , وَوَقَعَ عِنْد الْوَاقِدِيّ أَنَّ عَدِيّ بْن بَدَّاء كَانَ أَخَا تَمِيم الدَّارِيّ فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ أَوْ مِنْ الرَّضَاعَة , لَكِنْ فِي تَفْسِير مُقَاتِل بْن حِبَّانَ \" أَنَّ رَجُلَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ مِنْ أَهْل دَارَيْنِ أَحَدهمَا تَمِيم وَالْآخَر يَمَانِيّ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَمَاتَ السَّهْمِيّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ \" فَمَرِضَ السَّهْمِيّ فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُبَلِّغَا مَا تَرَكَ أَهْله , قَالَ تَمِيم : فَلَمَّا مَاتَ أَخَذْنَا مِنْ تَرِكَته جَامًا وَهُوَ أَعْظَم تِجَارَته فَبِعْنَاهُ بِأَلِفِ دِرْهَم فَاقْتَسَمْتهَا أَنَا وَعَدِيّ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَة أَنَّ السَّهْمِيّ الْمَذْكُور مَرِضَ فَكَتَبَ وَصِيَّته بِيَدِهِ ثُمَّ دَسَّهَا فِي مَتَاعه ثُمَّ أَوْصَى إِلَيْهِمَا , فَلَمَّا مَاتَ فَتَحَا مَتَاعه ثُمَّ قَدِمَا عَلَى أَهْله فَدَفَعَا إِلَيْهِمْ مَا أَرَادَا , فَفَتَحَ أَهْله مَتَاعه فَوَجَدُوا الْوَصِيَّة وَفَقَدُوا أَشْيَاء فَسَأَلُوهُمَا عَنْهَا فَجَحَدَا , فَرَفَعُوهُمَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة إِلَى قَوْله : ( مِنْ الْآثِمِينَ ) , فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( جَامًا ) بِالْجِيمِ وَتَخْفِيف الْمِيم أَيْ إِنَاء. ‏ ‏قَوْله : ( مَخُوصًا ) ‏ ‏بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَوَاو ثَقِيلَة بَعْدهَا مُهْمَلَة أَيْ مَنْقُوشًا فِيهِ صِفَة الْخُوص , وَوَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ أَبِي دَاوُد \" مَخُوضًا \" بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة أَيْ مُمَوَّهًا وَالْأَوَّل أَشْهَر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَة \" إِنَاء مِنْ فِضَّة مَنْقُوش بِذَهَبٍ \" وَزَادَ فِي رِوَايَته أَنَّ تَمِيمًا وَعَدِيًّا لَمَّا سُئِلَا عَنْهُ قَالَا اِشْتَرَيْنَاهُ مِنْهُ , فَارْتَفَعُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ : ( فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اِسْتَحَقَّا إِثْمًا ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ عَنْ تَمِيم \" فَلَمَّا أَسْلَمْت تَأَثَّمْت , فَأَتَيْت أَهْله فَأَخْبَرْتهمْ الْخَبَر وَأَدَّيْت إِلَيْهِمْ خَمْسمِائَةِ دِرْهَم وَأَخْبَرْتهمْ أَنَّ عِنْد صَاحِبِي مِثْلهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاء السَّهْمِيّ ) ‏ ‏أَيْ الْمَيِّت , وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ \" فَقَامَ عَمْرو بْن الْعَاصِ وَرَجُل آخَر مِنْهُمْ \" وَسَمَّى مُقَاتِل بْن سُلَيْمَان فِي تَفْسِير الْآخَر الْمُطَّلِب بْن أَبِي وَدَاعَة وَهُوَ سَهْمِيّ أَيْضًا , لَكِنَّهُ سَمَّى الْأَوَّل عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ , وَكَذَا جَزَمَ بِهِ يَحْيَى بْن سَلَام فِي تَفْسِيره , وَقَوْل مَنْ قَالَ عَمْرو بْن الْعَاصِ أَظْهَر , وَاَللَّه أَعْلَم. وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث لِجَوَازِ رَدّ الْيَمِين عَلَى الْمُدَّعِي فَيَحْلِف وَيَسْتَحِقّ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن سُرَيْج الشَّافِعِيّ الْمَشْهُور لِلْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين , وَتَكَلَّفَ فِي اِنْتِزَاعه فَقَالَ : إِنَّ قَوْله تَعَالَى : ( فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اِسْتَحَقَّا إِثْمًا ) لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُقِرَّا أَوْ يَشْهَد عَلَيْهِمَا شَاهِدَانِ أَوْ شَاهِد وَامْرَأَتَانِ أَوْ شَاهِد وَاحِد , قَالَ : وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْإِقْرَار بَعْد الْإِنْكَار لَا يُوجِب يَمِينًا عَلَى الطَّالِب , وَكَذَلِكَ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ وَمَعَ الشَّاهِد وَالْمَرْأَتَيْنِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا شَاهِد وَاحِد فَلِذَلِكَ اِسْتَحَقَّ الطَّالِبَانِ يَمِينهمَا مَعَ الشَّاهِد الْوَاحِد. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ الْقِصَّة وَرَدَتْ مِنْ طُرُق مُتَعَدِّدَة فِي سَبَب النُّزُول لَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَشْهَد , بَلْ فِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ فَسَأَلَهُمْ الْبَيِّنَة فَلَمْ يَجِدُوا فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ - أَيْ عَدِيًّا - بِمَا يَعْظُم عَلَى أَهْل دِينه. وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى جَوَاز شَهَادَة الْكُفَّار بِنَاء عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْغَيْرِ الْكُفَّار وَالْمَعْنَى ( مِنْكُمْ ) أَيْ مِنْ أَهْل دِينكُمْ ( أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْركُمْ ) أَيْ مِنْ غَيْر أَهْل دِينكُمْ , وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَمَنْ تَبِعَهُ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَقُول بِظَاهِرِهَا فَلَا يُجِيز شَهَادَة الْكُفَّار عَلَى الْمُسْلِمِينَ , وَإِنَّمَا يُجِيز شَهَادَة بَعْض الْكُفَّار عَلَى بَعْض , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَة دَلَّتْ بِمَنْطُوقِهَا عَلَى قَبُول شَهَادَة الْكَافِر عَلَى الْمُسْلِم , وَبِإِيمَائِهَا عَلَى قَبُول شَهَادَة الْكَافِر عَلَى الْكَافِر بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , ثُمَّ دَلَّ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ شَهَادَة الْكَافِر عَلَى الْمُسْلِم غَيْر مَقْبُولَة فَبَقِيَتْ شَهَادَة الْكَافِر عَلَى الْكَافِر عَلَى حَالهَا , وَخَصَّ جَمَاعَة الْقَبُول بِأَهْلِ الْكِتَاب وَبِالْوَصِيَّةِ وَبِفَقْدِ الْمُسْلِم حِينَئِذٍ , مِنْهُمْ اِبْن عَبَّاس وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَشُرَيْح وَابْن سِيرِينَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْد وَأَحْمَد , وَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا بِظَاهِرِ الْآيَة , وَقَوَّى ذَلِكَ عِنْدهمْ حَدِيث الْبَاب فَإِنَّ سِيَاقه مُطَابِق لِظَاهِرِ الْآيَة , وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْغَيْرِ الْعَشِيرَة وَالْمَعْنَى : مِنْكُمْ أَوْ مِنْ عَشِيرَتكُمْ , أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْركُمْ أَوْ مِنْ غَيْر عَشِيرَتكُمْ وَهُوَ قَوْل الْحَسَن , وَاحْتَجَّ لَهُ النَّحَّاس بِأَنَّ لَفْظ \" آخَر \" لَا بُدّ أَنْ يُشَارِك الَّذِي قَبْله فِي الصِّفَة حَتَّى لَا يَسُوغ أَنْ تَقُول مَرَرْت بِرَجُلٍ كَرِيم وَلَئِيم آخَر , فَعَلَى هَذَا فَقَدْ وُصِفَ الِاثْنَانِ بِالْعَدَالَةِ فَيَتَعَيَّن أَنْ يَكُون الْآخَرَانِ كَذَلِكَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا وَإِنْ سَاغَ فِي الْآيَة الْكَرِيمَة لَكِنَّ الْحَدِيث دَلَّ عَلَى خِلَاف ذَلِكَ , وَالصَّحَابِيّ إِذَا حَكَى سَبَب النُّزُول كَانَ ذَلِكَ فِي حُكْم الْحَدِيث الْمَرْفُوع اِتِّفَاقًا , وَأَيْضًا فَفِيمَا قَالَ رَدّ الْمُخْتَلَف فِيهِ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِأَنَّ اِتِّصَاف الْكَافِر بِالْعَدَالَةِ مُخْتَلَف فِيهِ وَهُوَ فَرْع قَبُول شَهَادَته فَمَنْ قَبِلَهَا وَصَفَهُ بِهَا وَمَنْ لَا فَلَا , وَاعْتَرَضَ أَبُو حِبَّانَ عَلَى الْمِثَال الَّذِي ذَكَرَهُ النَّحَّاس بِأَنَّهُ غَيْر مُطَابِق فَلَوْ قُلْت جَاءَنِي رَجُل مُسْلِم وَآخَر كَافِر صَحَّ بِخِلَافِ مَا لَوْ قُلْت جَاءَنِي رَجُل مُسْلِم وَكَافِر آخَر , وَالْآيَة مِنْ قَبِيل الْأَوَّل لَا الثَّانِي , لِأَنَّ قَوْله أَوْ آخَرَانِ مِنْ جِنْس قَوْله اِثْنَانِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صِفَة ( رَجُلَانِ ) فَكَأَنَّهُ قَالَ فَرَجُلَانِ اِثْنَانِ وَرَجُلَانِ آخَرَانِ , وَذَهَبَ جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة وَأَنَّ نَاسِخهَا قَوْله تَعَالَى : ( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاء ) وَاحْتَجُّوا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى رَدّ شَهَادَة الْفَاسِق , وَالْكَافِر شَرّ مِنْ الْفَاسِق. وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ النَّسْخ لَا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ وَأَنَّ الْجَمْع بَيْن الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاء أَحَدهمَا , وَبِأَنَّ سُورَة الْمَائِدَة مِنْ آخِر مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن حَتَّى صَحَّ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَعَمْرو بْن شُرَحْبِيل وَجَمْع مِنْ السَّلَف أَنَّ سُورَة الْمَائِدَة مُحْكَمَة , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِيمَنْ مَاتَ مُسَافِرًا وَلَيْسَ عِنْده أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ اِتُّهِمَا اُسْتُحْلِفَا \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَاله ثِقَات , وَأَنْكَرَ أَحْمَد عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة , وَصَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنَّهُ عَمِلَ بِذَلِكَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ رِجَاله ثِقَات عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : حَضَرَتْ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْوَفَاة بِدُقُوقَا وَلَمْ يَجِد أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْل الْكِتَاب , فَقَدِمَا الْكُوفَة بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّته فَأَخْبَرَ الْأَشْعَرِيّ فَقَالَ : هَذَا لَمْ يَكُنْ بَعْد الَّذِي كَانَ فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَحْلَفَهُمَا بَعْد الْعَصْر مَا خَانَا وَلَا كَذَبَا وَلَا كَتَمَا وَلَا بَدَّلَا وَأَمْضَى شَهَادَتهمَا , وَرَجَّحَ الْفَخْر الرَّازِيُّ وَسَبَقَهُ الطَّبَرِيُّ لِذَلِكَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) خِطَاب لِلْمُؤْمِنِينَ , فَلَمَّا قَالَ : ( أَوْ آخَرَانِ ) وَصَحَّ أَنَّهُ أَرَادَ غَيْر الْمُخَاطَبِينَ فَتَعَيَّنَ أَنَّهُمَا مِنْ غَيْر الْمُؤْمِنِينَ , وَأَيْضًا فَجَوَاز اِسْتِشْهَاد الْمُسْلِم لَيْسَ مَشْرُوطًا بِالسَّفَرِ وَأَنَّ أَبَا مُوسَى حَكَمَ بِذَلِكَ فَلَمْ يُنْكِرهُ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة فَكَانَ حُجَّة , وَذَهَبَ الْكَرَابِيسِيّ ثُمَّ الطَّبَرِيُّ وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالشَّهَادَةِ فِي الْآيَة الْيَمِين , قَالَ : وَقَدْ سَمَّى اللَّه الْيَمِين شَهَادَة فِي آيَة اللِّعَان , وَأَيَّدُوا ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الشَّاهِد لَا يَلْزَمهُ أَنْ يَقُول أَشْهَد بِاَللَّهِ وَأَنَّ الشَّاهِد لَا يَمِين عَلَيْهِ أَنَّهُ شَهِدَ بِالْحَقِّ , قَالُوا فَالْمُرَاد بِالشَّهَادَةِ الْيَمِين لِقَوْلِهِ : ( فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ ) أَيْ يَحْلِفَانِ , فَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُمَا حَلَفَا عَلَى الْإِثْم رَجَعَتْ الْيَمِين عَلَى الْأَوْلِيَاء , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْيَمِين لَا يُشْتَرَط فِيهَا عَدَد وَلَا عَدَالَة , بِخِلَافِ الشَّهَادَة , وَقَدْ اِشْتَرَطَا فِي هَذِهِ الْقِصَّة فَقَوِيَ حَمْلهَا عَلَى أَنَّهَا شَهَادَة. وَأَمَّا اِعْتِلَال مَنْ اِعْتَلَّ فِي رَدّهَا بِأَنَّهَا تُخَالِف الْقِيَاس وَالْأُصُول لِمَا فِيهَا مِنْ قَبُول شَهَادَة الْكَافِر وَحَبْس الشَّاهِد وَتَحْلِيفه وَشَهَادَة الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ وَاسْتِحْقَاقه بِمُجَرَّدِ الْيَمِين فَقَدْ أَجَابَ مَنْ قَالَ بِهِ بِأَنَّهُ حُكْم بِنَفْسِهِ مُسْتَغْنًى عَنْ نَظِيره , وَقَدْ قُبِلَتْ شَهَادَة الْكَافِر فِي بَعْض الْمَوَاضِع كَمَا فِي الطِّبّ , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالْحَبْسِ السِّجْن وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْإِمْسَاك لِلْيَمِينِ لِيَحْلِف بَعْد الصَّلَاة , وَأَمَّا تَحْلِيف الشَّاهِد فَهُوَ مَخْصُوص بِهَذِهِ الصُّورَة عِنْد قِيَام الرِّيبَة , وَأَمَّا شَهَادَة الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ وَاسْتِحْقَاقه بِمُجَرَّدِ الْيَمِين فَإِنَّ الْآيَة تَضَمَّنَتْ نَقْل الْأَيْمَان إِلَيْهِمْ عِنْد ظُهُور اللَّوْث بِخِيَانَةِ الْوَصِيَّيْنِ , فَيَشْرَع لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا وَيَسْتَحِقَّا كَمَا يُشْرَع لِمُدَّعِي الدَّم فِي الْقَسَامَة أَنْ يَحْلِف وَيَسْتَحِقّ , فَلَيْسَ هُوَ مِنْ شَهَادَة الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ بَلْ مِنْ بَاب الْحُكْم لَهُ بِيَمِينِهِ الْقَائِمَة مَقَام الشَّهَادَة لِقُوَّةِ جَانِبه , وَأَيّ فَرْق بَيْن ظُهُور اللَّوْث فِي صِحَّة الدَّعْوَى بِالدَّمِ وَظُهُوره فِي صِحَّة الدَّعْوَى بِالْمَالِ ؟ وَحَكَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ بَعْضهمْ قَالَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( اِثْنَانِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ ) الْوَصِيَّانِ , قَالَ : وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( شَهَادَة بَيْنكُمْ ) مَعْنَى الْحُضُور لِمَا يُوصِيهِمَا بِهِ الْمُوصِي. ‏"
    },
    {
        "id": "2573",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ ‏ ‏عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فِرَاسٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏الشَّعْبِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا فَلَمَّا حَضَرَ ‏ ‏جِدَادُ ‏ ‏النَّخْلِ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا كَثِيرًا وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ قَالَ ‏ ‏اذْهَبْ ‏ ‏فَبَيْدِرْ ‏ ‏كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَتِهِ فَفَعَلْتُ ثُمَّ دَعَوْتُهُ فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا ‏ ‏بَيْدَرًا ‏ ‏ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ادْعُ أَصْحَابَكَ فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَأَنَا وَاللَّهِ رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَلَا أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ فَسَلِمَ وَاللَّهِ ‏ ‏الْبَيَادِرُ ‏ ‏كُلُّهَا حَتَّى أَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ‏ ‏الْبَيْدَرِ ‏ ‏الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَأَنَّه لَمْ يَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏أُغْرُوا بِي ‏ ‏يَعْنِي هِيجُوا بِي ‏ { ‏فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَابِق , أَوْ الْفَضْل بْن يَعْقُوب عَنْهُ ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ هُنَا بِالشَّكِّ , وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن سَابِق الْبَغْدَادِيّ مَوْلَى بَنِي تَمِيم بِوَاسِطَةٍ مِنْ أَوَّل حَدِيث فِي الْجِهَاد وَهُوَ عَقِب هَذَا سَوَاء وَفِي الْمَغَازِي وَالنِّكَاح وَالْأَشْرِبَة , وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَة إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع مَعَ التَّرَدُّد فِي ذَلِكَ , وَأَمَّا الْفَضْل بْن يَعْقُوب فَتَقَدَّمَ ذِكْره فِي الْبُيُوع , وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَيْضًا فِي الْجِزْيَة وَغَيْرهَا , وَشَيْبَان هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , وَفِرَاس بِكَسْرِ الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء. وَحَدِيث جَابِر الْمَذْكُور يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , وَقَدْ سَبَقَ فِي الصُّلْح وَالِاسْتِقْرَاض وَفِي الْهِبَة وَغَيْرهَا , وَقَوْله فِيهِ : \" اِذْهَبْ فَبَيْدِرْ \" بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا دَال مَكْسُورَة بِصِيغَةِ فِعْل الْأَمْر , أَيْ اِجْعَلْ كُلّ صِنْف فِي بَيْدَر - أَيْ جَرِين - يَخُصّهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيّ \" فَبَادِرْ \". وَقَوْله : \" وَلَا أُرْجِع إِلَى أَخَوَاتِي تَمْرَة \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنَزْعِ الْخَافِض , وَلِلْكُشْمِيهَنِي \" بِتَمْرَةٍ \" بِإِثْبَاتِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه \" أُغْرُوا بِي \" يَعْنِي هَيِّجُوا بِي ( فَأَغْرَيْنَا بَيْنهمْ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء ) ) ‏ ‏وَقَعَ هَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَحْده وَأُغْرُوا بِضَمِّ الْهَمْزَة مَبْنِيّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , يُقَال أَغْرَى بِكَذَا إِذَا لَهِجَ بِهِ وَأَوْلَعَ , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي \" الْمَجَاز \" فِي قَوْله تَعَالَى : ( فَأَغْرَيْنَا بَيْنهمْ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء ) : الْإِغْرَاء التَّهْيِيج وَالْإِفْسَاد , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْوَصَايَا وَمَا مَعَهُ مِنْ أَبْوَاب الْوَقْف مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى سِتِّينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا ثَمَانِيَة عَشَر طَرِيقًا وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اِثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِص ثَمَانِيَة عَشَر حَدِيثًا وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث عَمْرو بْن الْحَارِث \" مَا تَرَكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَانَ الْمَال لِلْوَلَدِ \" , وَحَدِيثه \" هُمَا وَالِيَانِ \" وَحَدِيثه فِي قِصَّة تَمِيم الدَّارِيّ , وَحَدِيث الدَّيْن قَبْل الْوَصِيَّة , وَأَمَّا حَدِيث \" لَا صَدَقَة إِلَّا عَنْ ظَهْر غِنًى \" فَمَذْكُور عِنْد مُسْلِم بِالْمَعْنَى , وَأَمَّا حَدِيث عُثْمَان فِي بِئْر رُومَة فَمَا هُوَ عِنْده لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الشُّرْب مُخْتَصَرًا مُعَلَّقًا , وَأَغْفَلَهُ الْمِزِّيّ فِي الْأَطْرَاف هُنَا وَهُنَاكَ. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ اِثْنَانِ وَعِشْرُونَ أَثَرًا. وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2574",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْوَلِيدَ بْنَ الْعَيْزَارِ ‏ ‏ذَكَرَ عَنْ ‏ ‏أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" أَيّ الْعَمَل أَفْضَل \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْمَوَاقِيت , وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ فِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث : إِنْ أَوْقَعَ الصَّلَاة فِي مِيقَاتهَا كَانَ الْجِهَاد مُقَدَّمًا عَلَى بِرّ الْوَالِدَيْنِ , وَإِنْ أَخَّرَهَا كَانَ الْبِرّ مُقَدَّمًا عَلَى الْجِهَاد. وَلَا أَعْرِف لَهُ فِي ذَلِكَ مُسْتَنَدًا , فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ تَقْدِيم الصَّلَاة عَلَى الْجِهَاد وَالْبِرّ لِكَوْنِهَا لَازِمَة لِلْمُكَلَّفِ فِي كُلّ أَحْيَانه , وَتَقْدِيم الْبِرّ عَلَى الْجِهَاد لِتَوَقُّفِهِ عَلَى إِذْن الْأَبَوَيْنِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : إِنَّمَا خَصَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الثَّلَاثَة بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا عُنْوَان عَلَى مَا سِوَاهَا مِنْ الطَّاعَات , فَإِنَّ مَنْ ضَيَّعَ الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة حَتَّى يَخْرُج وَقْتهَا مِنْ غَيْر عُذْر مَعَ خِفَّة مُؤْنَتهَا عَلَيْهِ وَعَظِيم فَضْلهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَع , وَمَنْ لَمْ يَبَرّ وَالِدَيْهِ مَعَ وُفُور حَقّهمَا عَلَيْهِ كَانَ لِغَيْرِهِمَا أَقَلّ بِرًّا , وَمَنْ تَرَكَ جِهَاد الْكُفَّار مَعَ شِدَّة عَدَاوَتهمْ لِلدِّينِ كَانَ لِجِهَادِ غَيْرهمْ مِنْ الْفُسَّاق أَتْرَك , فَظَهَرَ أَنَّ الثَّلَاثَة تَجْتَمِع فِي أَنَّ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لِمَا سِوَاهَا أَحْفَظ , وَمَنْ ضَيَّعَهَا كَانَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَع. ‏"
    },
    {
        "id": "2575",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا ‏ ‏اسْتُنْفِرْتُمْ ‏ ‏فَانْفِرُوا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح \" وَسَيَأْتِي شَرْحه بَعْد أَبْوَاب فِي \" بَاب وُجُوب النَّفِير \". ‏"
    },
    {
        "id": "2576",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلَا نُجَاهِدُ قَالَ ‏ ‏لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ ‏ ‏مَبْرُورٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" جِهَادكُنَّ الْحَجّ \" , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْحَجّ , وَوَجْه دُخُوله فِي هَذَا الْبَاب مِنْ تَقْرِيره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهَا : \" نَرَى الْجِهَاد أَفْضَل الْأَعْمَال \". ‏"
    },
    {
        "id": "2577",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَفَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو حَصِينٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ذَكْوَانَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ ‏ ‏يَعْدِلُ ‏ ‏الْجِهَادَ قَالَ ‏ ‏لَا أَجِدُهُ قَالَ هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا ‏ ‏تَفْتُرَ ‏ ‏وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ قَالَ وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏إِنَّ فَرَسَ الْمُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب , وَلِلْأَصِيلِيّ وَابْن عَسَاكِر \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن مَنْصُور \" وَأَمَّا أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ فَقَالَ : لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا لِأَحَدٍ , وَهُوَ إِمَّا اِبْن رَاهْوَيْهِ أَوْ اِبْن مَنْصُور. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَا أَجِدهُ ) ‏ ‏هُوَ جَوَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَوْله : \" قَالَ هَلْ تَسْتَطِيع \" كَلَام مُسْتَأْنَف. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ \" قِيلَ : مَا يَعْدِل الْجِهَاد ؟ قَالَ : لَا تَسْتَطِيعُونَهُ : فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة كُلّ ذَلِكَ يَقُول : لَا تَسْتَطِيعُونَهُ. وَقَالَ فِي الثَّالِثَة : مَثَل الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ نَحْو هَذَا الْحَدِيث مِنْ حَدِيث سَهْل بْن مُعَاذ بْن أَنَس عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ فِي آخِره \" لَمْ يَبْلُغ الْعُشْر مِنْ عَمَله \" وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَمَنْ يَسْتَطِيع ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ سُفْيَان \" قَالَ لَا أَسْتَطِيع ذَلِكَ \" وَهَذِهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيل اللَّه تَقْتَضِي أَنْ لَا يَعْدِل الْجِهَاد شَيْء مِنْ الْأَعْمَال , وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِيدَيْنِ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا \" مَا الْعَمَل فِي أَيَّام أَفْضَل مِنْهُ فِي هَذِهِ - يَعْنِي أَيَّام الْعَشْر - قَالُوا : وَلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه ؟ قَالَ : وَلَا الْجِهَاد \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عُمُوم حَدِيث الْبَاب خُصَّ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْفَضْل الَّذِي فِي حَدِيث الْبَاب مَخْصُوصًا بِمَنْ خَرَجَ قَاصِدًا الْمُخَاطَرَة بِنَفْسِهِ وَمَاله فَأُصِيبَ كَمَا فِي بَقِيَّة حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" خَرَجَ يُخَاطِر بِنَفْسِهِ وَمَاله فَلَمْ يَرْجِع بِشَيْءٍ \" فَمَفْهُومه أَنَّ مَنْ رَجَعَ بِذَلِكَ لَا يَنَال الْفَضِيلَة الْمَذْكُورَة. لَكِنْ يُشْكِل عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي آخِر حَدِيث الْبَاب \" وَتَوَكَّلَ اللَّه لِلْمُجَاهِدِ إِلَخْ \" وَيُمْكِن أَنْ يُجَاب بِأَنَّ الْفَضْل الْمَذْكُور أَوَّلًا خَاصّ بِمَنْ لَمْ يَرْجِع , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُون لِمَنْ يَرْجِع أَجْر فِي الْجُمْلَة كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الَّذِي بَعْده. وَأَشَدّ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْإِشْكَال مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ وَأَحْمَد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء مَرْفُوعًا \" أَلَّا أُنَبِّئكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْد مَلِيككُمْ وَأَرْفَعهَا فِي دَرَجَاتكُمْ وَخَيْر لَكُمْ مِنْ إِنْفَاق الذَّهَب وَالْوَرِق وَخَيْر لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقهمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقكُمْ ؟ قَالُوا بَلَى. قَالَ : ذِكْر اللَّه \" فَإِنَّهُ ظَاهِر فِي أَنَّ الذِّكْر بِمُجَرَّدِهِ أَفْضَل مِنْ أَبْلَغ مَا يَقَع لِلْمُجَاهِدِ وَأَفْضَل مِنْ الْإِنْفَاق مَعَ مَا فِي الْجِهَاد وَالنَّفَقَة مِنْ النَّفْع الْمُتَعَدِّي. قَالَ عِيَاض : اِشْتَمَلَ حَدِيث الْبَاب عَلَى تَعْظِيم أَمْر الْجِهَاد , لِأَنَّ الصِّيَام وَغَيْره مِمَّا ذَكَرَ مِنْ فَضَائِل الْأَعْمَال قَدْ عَدَلَهَا كُلّهَا الْجِهَاد حَتَّى صَارَتْ جَمِيع حَالَات الْمُجَاهِد وَتَصَرُّفَاته الْمُبَاحَة مُعَادِلَة لِأَجْرِ الْمُوَاظِب عَلَى الصَّلَاة وَغَيْرهَا , وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا تَسْتَطِيع ذَلِكَ \" وَفِيهِ أَنَّ الْفَضَائِل لَا تُدْرَك بِالْقِيَاسِ وَإِنَّمَا هِيَ إِحْسَان مِنْ اللَّه تَعَالَى لِمَنْ شَاءَ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْجِهَاد أَفْضَل الْأَعْمَال مُطْلَقًا لِمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الْقِيَاس يَقْتَضِي أَنْ يَكُون الْجِهَاد أَفْضَل الْأَعْمَال الَّتِي هِيَ وَسَائِل لِأَنَّ الْجِهَاد وَسِيلَة إِلَى إِعْلَان الدِّين وَنَشْره وَإِخْمَاد الْكُفْر وَدَحْضه , فَفَضِيلَته بِحَسْب فَضِيلَة ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو هُرَيْرَة إِنَّ فَرَس الْمُجَاهِد لَيَسْتَنّ ) ‏ ‏أَيْ يَمْرَح بِنَشَاطٍ , وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ هُوَ أَنْ يَرْفَع يَدَيْهِ وَيَطْرَحهُمَا مَعًا , وَقَالَ غَيْره أَنْ يَلِج فِي عَدْوه مُقْبِلًا أَوْ مُدْبِرًا. وَفِي الْمَثَل \" اِسْتَنَّتْ الْفِصَال حَتَّى الْقَرْعَى \" يُضْرَب لِمَنْ يَتَشَبَّه بِمَنْ هُوَ فَوْقه , وَقَوْله ‏ ‏\" فِي طَوْله \" ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْوَاو وَهُوَ الْحَبْل الَّذِي يَشُدّ بِهِ الدَّابَّة وَيُمْسِك طَرَفه وَيُرْسِل فِي الْمَرْعَى , وَقَوْله ‏ ‏\" فَيَكْتُب لَهُ حَسَنَات \" ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول ثَانٍ أَيْ يَكْتُب لَهُ الِاسْتِنَان حَسَنَات , وَهَذَا الْقَدْر ذَكَرَهُ أَبُو حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي صَالِح هَكَذَا مَوْقُوفًا , وَسَيَأْتِي بَعْد بِضْعَة وَأَرْبَعِينَ بَابًا فِي \" بَاب الْخَيْل ثَلَاثًا \" مِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِح مَرْفُوعًا \" وَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2578",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ قَالُوا ثُمَّ مَنْ قَالَ مُؤْمِنٌ فِي ‏ ‏شِعْبٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الشِّعَابِ ‏ ‏يَتَّقِي اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قِيلَ يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَبَا ذَرّ سَأَلَهُ عَنْ نَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَيّ النَّاس أَفْضَل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن يَسَار مُرْسَلًا , وَوَصَلَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ اِبْن عَبَّاس \" خَيْر النَّاس مَنْزِلًا \" وَفِي رِوَايَة لِلْحَاكِمِ \" أَيّ النَّاس أَكْمَلُ إِيمَانًا \" وَكَأَنَّ الْمُرَاد بِالْمُؤْمِنِ مَنْ قَامَ بِمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِيَام بِهِ ثُمَّ حَصَّلَ هَذِهِ الْفَضِيلَة , وَلَيْسَ الْمُرَاد مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى الْجِهَاد وَأَهْمَلَ الْوَاجِبَات الْعَيْنِيَّة , وَحِينَئِذٍ فَيَظْهَر فَضْل الْمُجَاهِد لِمَا فِيهِ مِنْ بَذْل نَفْسه وَمَاله لِلَّهِ تَعَالَى , وَلِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْع الْمُتَعَدِّي , وَإِنَّمَا كَانَ الْمُؤْمِن الْمُعْتَزِل يَتْلُوهُ فِي الْفَضِيلَة لِأَنَّ الَّذِي يُخَالِط النَّاس لَا يَسْلَم مِنْ اِرْتِكَاب الْآثَام فَقَدْ لَا يَفِي هَذَا بِهَذَا , وَهُوَ مُقَيَّد بِوُقُوعِ الْفِتَن. ‏ ‏قَوْله : ( مُؤْمِن فِي شِعْب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ \" رَجُل مُعْتَزِل \". ‏ ‏قَوْله : ( يَتَّقِي اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" يَعْبُد اللَّه \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" مُعْتَزِل فِي شِعْب يُقِيم الصَّلَاة وَيُؤْتِي الزَّكَاة وَيَعْتَزِل شُرُور النَّاس \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِم وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي ذِئَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ رَجُلًا مَرَّ بِشِعْبٍ فِيهِ عَيْن عَذْبَة , فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ : لَوْ اِعْتَزَلْت , ثُمَّ اِسْتَأْذَنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَا تَفْعَل , فَإِنَّ مَقَام أَحَدكُمْ فِي سَبِيل اللَّه أَفْضَل مِنْ صَلَاته فِي بَيْته سَبْعِينَ عَامًا \" وَفِي الْحَدِيث فَضْل الِانْفِرَاد لِمَا فِيهِ مِنْ السَّلَامَة مِنْ الْغِيبَة وَاللَّغْو وَنَحْو ذَلِكَ , وَأَمَّا اِعْتِزَال النَّاس أَصْلًا فَقَالَ الْجُمْهُور : مَحَلّ ذَلِكَ عِنْد وُقُوع الْفِتَن كَمَا سَيَأْتِي بَسْطه فِي كِتَاب الْفِتَن , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ رِوَايَة بَعَجَة بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان يَكُون خَيْر النَّاس فِيهِ مَنْزِلَة مَنْ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسه فِي سَبِيل اللَّه يَطْلُب الْمَوْت فِي مَظَانّه , وَرَجُل فِي شِعْب مِنْ هَذِهِ الشِّعَاب يُقِيم الصَّلَاة وَيُؤْتِي الزَّكَاة وَيَدْعُ النَّاس إِلَّا مِنْ خَيْر \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَابْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق أُسَامَة بْن زَيْد اللَّيْثِيّ عَنْ بَعَجَة , وَهُوَ بِمُوَحَّدَةٍ وَجِيم مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنهمَا مُهْمَلَة سَاكِنَة , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : إِنَّمَا أَوْرَدْت هَذِهِ الْأَحَادِيث بِذِكْرِ الشِّعْب وَالْجَبَل لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْأَغْلَب يَكُون خَالِيًا مِنْ النَّاس , فَكُلّ مَوْضِع يَبْعُد عَلَى النَّاس فَهُوَ دَاخِل فِي هَذَا الْمَعْنَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2579",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ ‏ ‏وَتَوَكَّلَ ‏ ‏اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَثَل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللَّه وَاَللَّه أَعْلَم بِمَنْ يُجَاهِد فِي سَبِيله ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى اِعْتِبَار الْإِخْلَاص , وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى بَعْد اِثْنَيْ عَشَر بَابًا. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَثَلِ الصَّائِم الْقَائِم ) ‏ ‏, وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" كَمَثَلِ الصَّائِم الْقَائِم الْقَانِت بِآيَاتِ اللَّه لَا يَفْتُر مِنْ صَلَاة وَلَا صِيَام , زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" الْخَاشِع الرَّاكِع السَّاجِد \" وَفِي الْمُوَطَّأ وَابْن حِبَّانَ \" كَمَثَلِ الصَّائِم الْقَائِم الدَّائِم الَّذِي لَا يَفْتُر مِنْ صِيَام وَلَا صَلَاة حَتَّى يَرْجِع , وَلِأَحْمَد وَالْبَزَّار مِنْ حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير مَرْفُوعًا \" مَثَل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللَّه كَمَثَلِ الصَّائِم نَهَاره الْقَائِم لَيْله \" وَشَبَّهَ حَال الصَّائِم الْقَائِم بِحَالِ الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللَّه فِي نَيْل الثَّوَاب فِي كُلّ حَرَكَة وَسُكُون لِأَنَّ الْمُرَاد مِنْ الصَّائِم الْقَائِم مِنْ لَا يَفْتُر سَاعَة عَنْ الْعِبَادَة فَأَجْره مُسْتَمِرّ , وَكَذَلِكَ الْمُجَاهِد لَا تَضِيع سَاعَة مِنْ سَاعَاته بِغَيْرِ ثَوَاب لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث \" أَنَّ الْمُجَاهِد لَتَسْتَنّ فَرَسه فَيُكْتَب لَهُ حَسَنَات \" وَأَصْرَح مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبهُمْ ظَمَأ وَلَا نَصَب ) الْآيَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَوَكَّلَ اللَّه إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ مُفْرَدًا فِي كِتَاب الْإِيمَان مِنْ طَرِيق أَبِي زُرْعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَسِيَاقه أَتَمّ , وَلَفْظه \" اِنْتَدَبَ اللَّه \" , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" تَضَمَّنَ اللَّه لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيله لَا يُخْرِجهُ إِلَّا إِيمَان بِي \" وَفِيهِ اِلْتِفَات وَإِنَّ فِيهِ اِنْتِقَالًا مِنْ ضَمِير الْحُضُور إِلَى ضَمِير الْغَيْبَة. وَقَالَ اِبْن مَالِك : فِيهِ حَذْف الْقَوْل وَالِاكْتِفَاء بِالْمَقُولِ , وَهُوَ سَائِغ شَائِع سَوَاء كَانَ حَالًا أَوْ غَيْر حَال , فَمِنْ الْحَال قَوْله تَعَالَى ( وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبّنَا وَسِعْت ) أَيْ قَائِلِينَ رَبّنَا , وَهَذَا مِثْله أَيْ قَائِلًا لَا يُخْرِجهُ إِلَخْ , وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الطُّرُق عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي سِيَاقه , فَرَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق الْأَعْرَج عَنْهُ بِلَفْظِ \" تَكَفَّلَ اللَّه لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيله لَا يُخْرِجهُ مِنْ بَيْته إِلَّا جِهَاد فِي سَبِيله وَتَصْدِيق كَلِمَته \" وَسَيَأْتِي كَذَلِكَ مِنْ طَرِيق أَبِي الزِّنَاد فِي كِتَاب الْخُمُس , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ أَبِي الزِّنَاد فِي كِتَاب الْخُمُس , وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي الزِّنَاد بِلَفْظِ \" لَا يُخْرِجهُ إِلَّا الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه وَتَصْدِيق كَلِمَاته \" , نَعَمْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر , فَوَقَعَ فِي رِوَايَته التَّصْرِيح بِأَنَّهُ مِنْ الْأَحَادِيث الْإِلَهِيَّة , وَلَفْظه \" عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبّه قَالَ : أَيّمَا عَبْد مِنْ عِبَادِي خَرَجَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيل اِبْتِغَاء مَرْضَاتِي ضَمِنْت لَهُ إِنْ رَجَعْته أَنْ أَرْجِعهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ أَجْر أَوْ غَنِيمَة \" الْحَدِيث رِجَاله ثِقَات , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عُبَادَةَ بِلَفْظِ \" يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : الْمُجَاهِد فِي سَبِيلِي هُوَ عَلَيَّ ضَامِن إِنْ رَجَّعْته رَجَّعْته بِأَجْرٍ أَوْ غَنِيمَة \" الْحَدِيث وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ , وَقَوْله \" تَضَمَّنَ اللَّه وَتَكَفَّلَ اللَّه وَانْتَدَبَ اللَّه \" بِمَعْنًى وَاحِد , وَمُحَصِّله تَحْقِيق الْوَعْد الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ اللَّه اِشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّة ) وَذَلِكَ التَّحْقِيق عَلَى وَجْه الْفَضْل مِنْهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى , وَقَدْ عَبَّرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى بِتَفْضِيلِهِ بِالثَّوَابِ بِلَفْظِ الضَّمَان وَنَحْوه مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَة الْمُخَاطَبِينَ فِيمَا تَطْمَئِنّ بِهِ نُفُوسهمْ , وَقَوْله \" لَا يُخْرِجهُ إِلَّا الْجِهَاد \" نَصَّ عَلَى اِشْتِرَاط خُلُوص النِّيَّة فِي الْجِهَاد , وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِيهِ بَعْد أَحَد عَشَر بَابًا , وَقَوْله \" فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِن \" أَيْ مَضْمُون , أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ ذُو ضَمَان. ‏ ‏قَوْله : ( بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلهُ الْجَنَّة ) ‏ ‏أَيْ بِأَنْ يُدْخِلهُ الْجَنَّة إِنْ تَوَفَّاهُ , فِي رِوَايَة أَبِي زُرْعَة الدِّمَشْقِيّ عَنْ أَبِي الْيَمَان \" أَنْ تَوَفَّاهُ \" بِالشَّرْطِيَّةِ وَالْفِعْل الْمَاضِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَهُوَ أَوْضَح. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يُدْخِلهُ الْجَنَّة ) أَيْ بِغَيْرِ حِسَاب وَلَا عَذَاب , أَوْ الْمُرَاد أَنْ يُدْخِلهُ الْجَنَّة سَاعَة مَوْته , كَمَا وَرَدَ \" أَنَّ أَرْوَاح الشُّهَدَاء تَسْرَح فِي الْجَنَّة \" وَبِهَذَا التَّقْرِير يَنْدَفِع إِيرَاد مَنْ قَالَ : ظَاهِر الْحَدِيث التَّسْوِيَة بَيْن الشَّهِيد وَالرَّاجِع سَالِمًا لِأَنَّ حُصُول الْأَجْر يَسْتَلْزِم دُخُول الْجَنَّة , وَمُحَصَّل الْجَوَاب أَنَّ الْمُرَاد بِدُخُولِ الْجَنَّة دُخُول خَاصّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ يَرْجِعهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله , وَهُوَ مَنْصُوب بِالْعَطْفِ عَلَى يَتَوَفَّاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( مَعَ أَجْر أَوْ غَنِيمَة ) ‏ ‏أَيْ مَعَ أَجْر خَالِص إِنْ لَمْ يَغْنَم شَيْئًا أَوْ مَعَ غَنِيمَة خَالِصَة مَعَهَا أَجْر , وَكَأَنَّهُ سَكَتَ عَنْ الْأَجْر الثَّانِي الَّذِي مَعَ الْغَنِيمَة لِنَقْصِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَجْر الَّذِي بِلَا غَنِيمَة , وَالْحَامِل عَلَى هَذَا التَّأْوِيل أَنَّ ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُ إِذَا غَنِمَ لَا يَحْصُل لَهُ أَجْر , وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا بَلْ الْمُرَاد أَوْ غَنِيمَة مَعَهَا أَجْر أَنْقَص مِنْ أَجْر مَنْ لَمْ يَغْنَم , لِأَنَّ الْقَوَاعِد تَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْد عَدَم الْغَنِيمَة أَفْضَل مِنْهُ وَأَتَمّ أَجْرًا عِنْد وُجُودهَا , فَالْحَدِيث صَرِيح فِي نَفْي الْحِرْمَان وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي نَفْي الْجَمْع. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْمُجَاهِد إِمَّا يَسْتَشْهِد أَوْ لَا , وَالثَّانِي لَا يَنْفَكّ مِنْ أَجْر أَوْ غَنِيمَة ثُمَّ إِمْكَان اِجْتِمَاعهمَا , فَهِيَ قَضِيَّة مَانِعَة الْخُلُوّ لَا الْجَمْع , وَقَدْ قِيلَ فِي الْجَوَاب عَنْ هَذَا الْإِشْكَال : إِنَّ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاو , وَبِهِ جَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَالْقُرْطُبِيّ وَرَجَّحَهَا التُّورْبَشْتِيُّ , وَالتَّقْدِير بِأَجْرٍ وَغَنِيمَة. وَقَدْ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَوَاهُ كَذَلِكَ عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى عَنْ مُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي الزِّنَاد , وَقَدْ رَوَاهُ جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ وَجَمَاعَة عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى فَقَالُوا : أَجْر أَوْ غَنِيمَة بِصِيغَةِ أَوْ , وَقَدْ رَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ بِلَفْظِ \" أَوْ غَنِيمَة \" وَلَمْ يُخْتَلَف عَلَيْهِ إِلَّا فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ عَنْهُ فَوَقَعَ فِيهِ بِلَفْظِ \" وَغَنِيمَة \" وَرِوَايَة يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ عَنْ مَالِك فِيهَا مَقَال. وَوَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِالْوَاوِ أَيْضًا وَكَذَا مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن مِينَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بِلَفْظِ : \" بِمَا نَالَ مِنْ أَجْر وَغَنِيمَة \" فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الرِّوَايَات مَحْفُوظَة تَعَيَّنَ الْقَوْل بِأَنَّ \" أَوْ \" فِي هَذَا الْحَدِيث بِمَعْنَى الْوَاو كَمَا هُوَ مَذْهَب نُحَاة الْكُوفِيِّينَ , لَكِنْ فِيهِ إِشْكَال صَعْب لِأَنَّهُ يَقْتَضِي مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنْ يَكُون الضَّمَان وَقَعَ بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ لِكُلِّ مَنْ رَجَعَ , وَقَدْ لَا يَتَّفِق ذَلِكَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْغُزَاة يَرْجِع بِغَيْرِ غَنِيمَة , فَمَا فَرَّ مِنْهُ الَّذِي اِدَّعَى أَنَّ \" أَوْ \" بِمَعْنَى الْوَاو وَقَعَ فِي نَظِيره لِأَنَّهُ يَلْزَم عَلَى ظَاهِرهَا أَنَّ مَنْ رَجَعَ بِغَنِيمَةٍ بِغَيْرِ أَجْر , كَمَا يَلْزَم عَلَى أَنَّهَا بِمَعْنَى الْوَاو أَنَّ كُلّ غَازٍ يُجْمَع لَهُ بَيْن الْأَجْر وَالْغَنِيمَة مَعًا , وَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ مَرْفُوعًا \" مَا مِنْ غَازِيَة تَغْزُو فِي سَبِيل اللَّه فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَة إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرهمْ مِنْ الْآخِرَة وَيَبْقَى لَهُمْ الثُّلُث , فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَة تَمَّ لَهُمْ أَجْرهمْ \" وَهَذَا يُؤَيِّد التَّأْوِيل الْأَوَّل وَأَنَّ الَّذِي يَغْنَم يَرْجِع بِأَجْرٍ لَكِنَّهُ أَنْقَص مِنْ أَجْر مَنْ لَمْ يَغْنَم , فَتَكُون الْغَنِيمَة فِي مُقَابَلَة جُزْء مِنْ أَجْر الْغَزْو , فَإِذَا قُوبِلَ أَجْر الْغَانِم بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الدُّنْيَا وَتَمَتُّعه بِأَجْرِ مَنْ لَمْ يَغْنَم مَعَ اِشْتِرَاكهمَا فِي التَّعَب وَالْمَشَقَّة كَانَ أَجْر مَنْ غَنِمَ دُون أَجْر مَنْ لَمْ يَغْنَم , وَهَذَا مُوَافِق لِقَوْلِ خَبَّاب فِي الْحَدِيث الصَّحِيح الْآتِي \" فَمِنَّا مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَأْكُل مِنْ أَجْره شَيْئًا \" الْحَدِيث. وَاسْتَشْكَلَ بَعْضهمْ نَقْص ثَوَاب الْمُجَاهِد بِأَخْذِهِ الْغَنِيمَة , وَهُوَ مُخَالِف لِمَا يَدُلّ عَلَيْهِ أَكْثَر الْأَحَادِيث , وَقَدْ اِشْتَهَرَ تَمَدُّح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِلِّ الْغَنِيمَة وَجَعَلَهَا مِنْ فَضَائِل أُمَّته , فَلَوْ كَانَتْ تُنْقِص الْأَجْر مَا وَقَعَ التَّمَدُّح بِهَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون أَجْر أَهْل بَدْر أَنْقَص مِنْ أَجْر أَهْل أُحُد مَثَلًا مَعَ أَنَّ أَهْل بَدْر أَفْضَل بِالِاتِّفَاقِ. وَسَبَقَ إِلَى هَذَا الْإِشْكَال اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَحَكَاهُ عِيَاض وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضهمْ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ ضَعَّفَ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَة حُمَيْدٍ بْن هَانِئ وَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ , وَهَذَا مَرْدُود لِأَنَّهُ ثِقَة يُحْتَجّ بِهِ عِنْد مُسْلِم , وَقَدْ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن يُونُس وَغَيْرهمَا وَلَا يُعْرَف فِيهِ تَجْرِيح لِأَحَدٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ نَقْص الْأَجْر عَلَى غَنِيمَة أُخِذَتْ عَلَى غَيْر وَجْههَا , وَظُهُور فَسَاد هَذَا الْوَجْه يُغْنِي عَنْ الْإِطْنَاب فِي رَدّه , إِذْ لَوْ كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ ثُلُث الْأَجْر وَلَا أَقَلّ مِنْهُ , وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ نَقْص الْأَجْر عَلَى مَنْ قَصَدَ الْغَنِيمَة فِي اِبْتِدَاء جِهَاده وَحَمَلَ تَمَامه عَلَى مَنْ قَصَدَ الْجِهَاد مَحْضًا , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ صَدْر الْحَدِيث مُصَرِّح بِأَنَّ الْمُقْسِم رَاجِع إِلَى مَنْ أَخْلَصَ لِقَوْلِهِ فِي أَوَّله \" لَا يُخْرِجهُ إِلَّا إِيمَان بِي وَتَصْدِيق بِرُسُلِي \". وَقَالَ عِيَاض : الْوَجْه عِنْدِي إِجْرَاء الْحَدِيثَيْنِ عَلَى ظَاهِرهمَا وَاسْتِعْمَالهمَا عَلَى وَجْههمَا. وَلَمْ يُجِبْ عَنْ الْإِشْكَال الْمُتَعَلِّق بِأَهْلِ بَدْر. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : لَا تَعَارُض بَيْن الْحَدِيثَيْنِ , بَلْ الْحُكْم فِيهِمَا جَارٍ عَلَى الْقِيَاس لِأَنَّ الْأُجُور تَتَفَاوَت بِحَسَبِ زِيَادَة الْمَشَقَّة فِيمَا كَانَ أَجْره بِحَسَبِ مَشَقَّته , إِذْ لِلْمَشَقَّةِ دُخُول فِي الْأَجْر , وَإِنَّمَا الْمُشْكِل الْعَمَل الْمُتَّصِل بِأَخْذِ الْغَنَائِم , يَعْنِي فَلَوْ كَانَتْ تُنْقِص الْأَجْر لَمَا كَانَ السَّلَف الصَّالِح يُثَابِرُونَ عَلَيْهَا , فَيُمْكِن أَنْ يُجَاب بِأَنَّ أَخْذهَا مِنْ جِهَة تَقْدِيم بَعْض الْمَصَالِح الْجُزْئِيَّة عَلَى بَعْض لِأَنَّ أَخْذ الْغَنَائِم أَوَّل مَا شَرَعَ كَانَ عَوْنًا عَلَى الدِّين وَقُوَّة لِضُعَفَاء الْمُسْلِمِينَ , وَهِيَ مَصْلَحَة عُظْمَى يُغْتَفَر لَهَا بَعْض النَّقْص فِي الْأَجْر مِنْ حَيْثُ هُوَ. وَأَمَّا الْجَوَاب عَمَّنْ اِسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِحَالِ أَهْل بَدْر فَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُون التَّقَابُل بَيْن كَمَالِ الْأَجْر وَنُقْصَانه لِمَنْ يَغْزُو بِنَفْسِهِ إِذَا لَمْ يَغْنَم أَوْ يَغْزُو فَيَغْنَم , فَغَايَته أَنَّ حَال أَهْل بَدْر مَثَلًا عِنْد عَدَم الْغَنِيمَة أَفْضَل مِنْهُ عِنْد وُجُودهَا وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ أَنْ يَكُون حَالهمْ أَفْضَل مِنْ حَال غَيْرهمْ مِنْ جِهَة أُخْرَى , وَلَمْ يَرِد فِيهِمْ نَصّ أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَغْنَمُوا كَانَ أَجْرهمْ بِحَالِهِ مِنْ غَيْر زِيَادَة , وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه مَغْفُورًا لَهُمْ وَأَنَّهُمْ أَفْضَل الْمُجَاهِدِينَ أَنْ لَا يَكُون وَرَاءَهُمْ مَرْتَبَة أُخْرَى. وَأَمَّا الِاعْتِرَاض بِحِلِّ الْغَنَائِم فَغَيْر وَارِد , إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ الْحِلّ ثُبُوت وَفَاء الْأَجْر لِكُلِّ غَازٍ , وَالْمُبَاح فِي الْأَصْل لَا يَسْتَلْزِم الثَّوَاب بِنَفْسِهِ , لَكِنْ ثَبَتَ أَنَّ أَخْذ الْغَنِيمَة وَاسْتِيلَاءَهَا مِنْ الْكُفَّار يَحْصُل الثَّوَاب , وَمَعَ ذَلِكَ فَمَعَ صِحَّة ثُبُوت الْفَضْل فِي أَخْذ الْغَنِيمَة وَصِحَّة التَّمَدُّح بِأَخْذِهَا لَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلّ غَازٍ يَحْصُل لَهُ مِنْ أَجْر غَزَاته نَظِير مَنْ لَمْ يَغْنَم شَيْئًا الْبَتَّة قُلْت : وَاَلَّذِي مَثَّلَ بِأَهْلِ بَدْر أَرَادَ التَّهْوِيل , وَإِلَّا فَالْأَمْر عَلَى مَا تَقَرَّرَ آخِرًا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنهمْ مَعَ أَخْذ الْغَنِيمَة أَنْقَص أَجْرًا مِمَّا لَوْ لَمْ يَحْصُل لَهُمْ أَجْر الْغَنِيمَة أَنْ يَكُونُوا فِي حَال أَخْذهمْ الْغَنِيمَة مَفْضُولِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ بَعْدهمْ كَمَنْ شَهِدَ أُحُدًا لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَغْنَمُوا شَيْئًا بَلْ أَجْر الْبَدْرِيّ فِي الْأَصْل أَضْعَاف أَجْر مَنْ بَعْده , مِثَال ذَلِكَ أَنْ يَكُون لَوْ فُرِضَ أَنَّ أَجْر الْبَدْرِيّ بِغَيْرِ غَنِيمَة سَتّمَائَةٍ وَأَجْر الْأُحُدِيّ مَثَلًا بِغَيْرِ غَنِيمَة مِائَة فَإِذَا نَسَبنَا ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو كَانَ لِلْبَدْرِيِّ لِكَوْنِهِ أَخَذَ الْغَنِيمَة مِائَتَانِ وَهِيَ ثُلُث السِّتّمِائَةِ فَيَكُون أَكْثَر أَجْرًا مِنْ الْأُحُدِيّ , وَإِنَّمَا اِمْتَازَ أَهْل بَدْر بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا أَوَّل غَزْوَة شَهِدَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِتَال الْكُفَّار وَكَانَ مَبْدَأ اِشْتِهَار الْإِسْلَام وَقُوَّة أَهْله , فَكَانَ لِمَنْ شَهِدَهَا مِثْل أَجْر مَنْ شَهِدَ الْمَغَازِي الَّتِي بَعْدهَا جَمِيعًا , فَصَارَتْ لَا يُوَازِيهَا شَيْء فِي الْفَضْل وَاَللَّه أَعْلَم. وَاخْتَارَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ الْمُرَاد بِنَقْصِ أَجْر مَنْ غَنِمَ أَنَّ الَّذِي لَا يَغْنَم يَزْدَاد أَجْره لِحُزْنِهِ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ الْغَنِيمَة , كَمَا يُؤْجَر مَنْ أُصِيبَ بِمَا لَهُ فَكَانَ الْأَجْر لِمَا نَقَصَ عَنْ الْمُضَاعَفَة بِسَبَبِ الْغَنِيمَة عِنْد ذَلِكَ كَالنَّقْصِ مِنْ أَصْل الْأَجْر , وَلَا يَخْفَى مُبَايَنَة هَذَا التَّأْوِيل لِسِيَاقِ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْره. وَذَكَرَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ لِلتَّعْبِيرِ بِثُلُثَيْ الْأَجْر فِي حَدِيث عَبْد اللَّه اِبْن عَمْرو حِكْمَة لَطِيفَة بَالِغَة وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه أَعَدَّ لِلْمُجَاهِدِينَ ثَلَاث كَرَامَات : دُنْيَوِيَّتَانِ وَأُخْرَوِيَّة , فَالدُّنْيَوِيَّتَانِ السَّلَامَة وَالْغَنِيمَة وَالْأُخْرَوِيَّة دُخُول الْجَنَّة , فَإِذَا رَجَعَ سَالِمًا غَانِمًا فَقَدْ حَصَلَ لَهُ ثُلُثَا مَا أَعَدَّ اللَّه لَهُ وَبَقِيَ لَهُ عِنْد اللَّه الثُّلُث , وَإِنْ رَجَعَ بِغَيْرِ غَنِيمَة عَوَّضَهُ اللَّه عَنْ ذَلِكَ ثَوَابًا فِي مُقَابَلَة مَا فَاتَهُ , وَكَأَنَّ مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّهُ يُقَال لِلْمُجَاهِدِ : إِذَا فَاتَ عَلَيْك شَيْء مِنْ أَمْر الدُّنْيَا عَوَّضْتُك عَنْهُ ثَوَابًا. وَأَمَّا الثَّوَاب الْمُخْتَصّ بِالْجِهَادِ فَهُوَ حَاصِل لِلْفَرِيقَيْنِ مَعًا , قَالَ : وَغَايَة مَا فِيهِ عَدّ مَا يَتَعَلَّق بِالنِّعْمَتَيْنِ الدُّنْيَوِيَّتَيْنِ أَجْرًا بِطَرِيقِ الْمَجَاز وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الْفَضَائِل لَا تُدْرَك دَائِمًا بِالْقِيَاسِ , بَلْ هِيَ بِفَضْلِ اللَّه. وَفِيهِ اِسْتِعْمَال التَّمْثِيل فِي الْأَحْكَام , وَأَنَّ الْأَعْمَال الصَّالِحَة لَا تَسْتَلْزِم الثَّوَاب لِأَعْيَانِهَا , وَإِنَّمَا تَحْصُل بِالنِّيَّةِ الْخَالِصَة إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2580",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْخُلُ عَلَى ‏ ‏أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ ‏ ‏فَتُطْعِمُهُ وَكَانَتْ ‏ ‏أُمُّ حَرَامٍ ‏ ‏تَحْتَ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ‏ ‏فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ قَالَتْ فَقُلْتُ وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ‏ ‏ثَبَجَ ‏ ‏هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ ‏ ‏أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ شَكَّ ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهمْ فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة أُمّ حَرَام , وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْل أُمّ حَرَام : اُدْعُ اللَّه أَنْ يَجْعَلنِي مِنْهُمْ , فَدَعَا لَهَا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى اِسْتِيفَاء شَرْحه فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَهُوَ ظَاهِر فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ فِي حَقّ النِّسَاء , وَيُؤْخَذ مِنْهُ حُكْم الرِّجَال بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَأَغْرَبَ اِبْن التِّين فَقَالَ : لَيْسَ فِي الْحَدِيث تَمَنِّي الشَّهَادَة وَإِنَّمَا فِيهِ تَمَنِّي الْغَزْو , وَيُجَاب بِأَنَّ الشَّهَادَة هِيَ الثَّمَرَة الْعُظْمَى الْمَطْلُوبَة فِي الْغَزْو , وَأُمّ حَرَام بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ هِيَ خَالَة أَنَس , وَلَمْ يُخْتَلَف عَلَى مَالِك فِي إِسْنَاده , لَكِنْ رَوَاهُ بِشْر بْن عُمَر عَنْهُ فَقَالَ \" عَنْ أَنَس عَنْ أُمّ حَرَام \" وَهُوَ مُوَافِق رِوَايَة مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّانَ عَنْ أَنَس الَّتِي سَتَأْتِي. ‏"
    },
    {
        "id": "2581",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِلَال بْن عَلِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن فُلَيْح عَنْ أَبِيهِ \" حَدَّثَنِي هِلَال \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَطَاء بْن يَسَار ) ‏ ‏كَذَا لِأَكْثَر الرُّوَاة عَنْ فُلَيْح , وَقَالَ أَبُو عَامِر الْعَقَدِيّ \" عَنْ فُلَيْح عَنْ هِلَال عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَمْرَة \" بَدَل عَطَاء بْن يَسَار أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَإِسْحَاق فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْهُ , وَهُوَ وَهْم مِنْ فُلَيْح فِي حَال تَحْدِيثه لِأَبِي عَامِر , وَعِنْد فُلَيْح بِهَذَا الْإِسْنَاد حَدِيث غَيْر هَذَا سَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْد هَذَا لَعَلَّهُ اِنْتَقَلَ ذِهْنه مِنْ حَدِيث إِلَى حَدِيث , وَقَدْ نَبَّهَ يُونُس بْن مُحَمَّد فِي رِوَايَته عَنْ فُلَيْح عَلَى أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا شَكَّ فِيهِ , فَأَخْرَجَ أَحْمَد عَنْ يُونُس عَنْ فُلَيْح عَنْ هِلَال عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَمْرَة وَعَطَاء بْن يَسَار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث , قَالَ فُلَيْح : وَلَا أَعْلَمهُ إِلَّا اِبْن أَبِي عَمْرَة , قَالَ يُونُس : ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ فُلَيْح فَقَالَ عَطَاء ابْن يَسَار وَلَمْ يَشُكّ اِنْتَهَى. وَكَأَنَّهُ رَجَعَ إِلَى الصَّوَاب فِيهِ. وَلَمْ يَقِف اِبْن حِبَّانَ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّة فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي عَامِر , وَاَللَّه الْهَادِي إِلَى الصَّوَاب. وَقَدْ وَافَقَ فُلَيْحًا عَلَى رِوَايَته إِيَّاهُ عَنْ هِلَال عَنْ عَطَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مُحَمَّد بْن جُحَادَة عَنْ عَطَاء أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَته مُخْتَصَرًا , وَرَوَاهُ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ عَطَاء بْن يَسَار فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ : فَقَالَ هِشَام بْن سَعْد وَحَفْص بْن مَيْسَرَة وَالدَّرَاوَرْدِيّ عَنْهُ عَنْ عَطَاء عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ , وَقَالَ هَمَّام عَنْ زَيْد عَنْ عَطَاء عَنْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَرَجَّحَ رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيّ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى رِوَايَة هَمَّام , وَلَمْ يَتَعَرَّض لِرِوَايَةِ هِلَال مَعَ أَنَّ بَيْن عَطَاء بْن يَسَار وَمُعَاذ اِنْقِطَاعًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَصَامَ رَمَضَان إِلَخْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال لَمْ يَذْكُر الزَّكَاة وَالْحَجّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ. قُلْت : بَلْ سَقَطَ ذِكْره عَلَى أَحَد الرُّوَاة , فَقَدْ ثَبَتَ الْحَجّ فِي التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث مُعَاذ بْن جَبَل وَقَالَ فِيهِ \" لَا أَدْرِي أَذَكَرَ الزَّكَاة أَمْ لَا \" , وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَدِيث لَمْ يُذْكَر لِبَيَانِ الْأَرْكَان فَكَانَ الِاقْتِصَار عَلَى مَا ذَكَرَ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَكَرِّر غَالِبًا , وَأَمَّا الزَّكَاة فَلَا تَجِب إِلَّا عَلَى مَنْ لَهُ مَال بِشَرْطِهِ , وَالْحَجّ فَلَا يَجِب إِلَّا مَرَّة عَلَى التَّرَاخِي. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ جَلَسَ فِي بَيْته ) ‏ ‏فِيهِ تَأْنِيس لِمَنْ حُرِمَ الْجِهَاد وَأَنَّهُ لَيْسَ مَحْرُومًا مِنْ الْأَجْر , بَلْ لَهُ مِنْ الْإِيمَان وَالْتِزَام الْفَرَائِض مَا يُوَصِّلهُ إِلَى الْجَنَّة وَإِنْ قَصُرَ عَنْ دَرَجَة الْمُجَاهِدِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏الَّذِي خَاطَبَهُ بِذَلِكَ هُوَ مُعَاذ بْن جَبَل كَمَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ , أَوْ أَبُو الدَّرْدَاء كَمَا وَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ , وَأَصْله فِي النَّسَائِيِّ لَكِنْ قَالَ فِيهِ \" فَقُلْنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ فِي الْجَنَّة مِائَة دَرَجَة ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : هَذَا الْجَوَاب مِنْ أُسْلُوب الْحَكِيم , أَيْ بَشِّرْهُمْ بِدُخُولِهِمْ الْجَنَّة بِمَا ذَكَرَ مِنْ الْأَعْمَال وَلَا تَكْتَفِ بِذَلِكَ بَلْ بَشِّرْهُمْ بِالدَّرَجَاتِ , وَلَا تَقْتَنِع بِذَلِكَ بَلْ بَشِّرْهُمْ بِالْفِرْدَوْسِ الَّذِي هُوَ أَعْلَاهَا. قُلْت : لَوْ لَمْ يَرِد الْحَدِيث إِلَّا كَمَا وَقَعَ هُنَا لَكَانَ مَا قَالَ مُتَّجَهًا , لَكِنْ وَرَدَتْ فِي الْحَدِيث زِيَادَة دَلَّتْ عَلَى أَنَّ قَوْله \" فِي الْجَنَّة مِائَة دَرَجَة \" تَعْلِيل لِتَرْكِ الْبِشَارَة الْمَذْكُورَة , فَعِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة مُعَاذ الْمَذْكُورَة \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَلَا أُخْبِر النَّاس ؟ قَالَ ذَرْ النَّاس يَعْلَمُونَ , فَإِنَّ فِي الْجَنَّة مِائَة دَرَجَة \" فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَاد لَا تُبَشِّر النَّاس بِمَا ذَكَرْته مِنْ دُخُول الْجَنَّة لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ الْأَعْمَال الْمَفْرُوضَة عَلَيْهِ فَيَقِفُوا عِنْد ذَلِكَ وَلَا يَتَجَاوَزُوهُ إِلَى مَا هُوَ أَفْضَل مِنْهُ مِنْ الدَّرَجَات الَّتِي تَحْصُل بِالْجِهَادِ , وَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَة فِي قَوْله \" أَعَدَّهَا اللَّه لِلْمُجَاهِدِينَ \" وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا كَانَ فِيهِ تَعَقُّب أَيْضًا عَلَى قَوْل بَعْض شُرَّاح الْمَصَابِيح : سِوَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه وَبَيْن عَدَمه وَهُوَ الْجُلُوس فِي الْأَرْض الَّتِي وُلِدَ الْمَرْء فِيهَا , وَوَجْه التَّعَقُّب أَنَّ التَّسْوِيَة لَيْسَتْ كُلّ عُمُومهَا وَإِنَّمَا هِيَ فِي أَصْل دُخُول الْجَنَّة لَا فِي تَفَاوُت الدَّرَجَات كَمَا قَرَّرْته , وَاَللَّه أَعْلَم. وَلَيْسَ فِي هَذَا السِّيَاق مَا يَنْفِي أَنْ يَكُون فِي الْجَنَّة دَرَجَات أُخْرَى أُعِدَّتْ لِغَيْرِ الْمُجَاهِدِينَ دُون دَرَجَة الْمُجَاهِدِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن جُحَادَة عِنْد التِّرْمِذِيّ \" مَا بَيْن كُلّ دَرَجَتَيْنِ مِائَة عَام \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" خَمْسمِائَةِ عَام \" فَإِنْ كَانَتَا مَحْفُوظَتَيْنِ كَانَ اِخْتِلَاف الْعَدَد بِالنِّسْبَةِ إِلَى اِخْتِلَاف السَّيْر , زَادَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" لَوْ أَنَّ الْعَالَمِينَ اِجْتَمَعُوا فِي إِحْدَاهُنَّ لَوَسِعَتْهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَوْسَط الْجَنَّة وَأَعْلَى الْجَنَّة ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْأَوْسَطِ هُنَا الْأَعْدَل وَالْأَفْضَل كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطًا ) فَعَلَى هَذَا فَعَطَفَ الْأَعْلَى عَلَيْهِ لِلتَّأْكِيدِ , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْمُرَاد بِأَحَدِهَا الْعُلُوّ الْحِسِّيّ وَبِالْآخَرِ الْعُلُوّ الْمَعْنَوِيّ. وَقَالَ اِبْن حِبَّانَ : الْمُرَاد بِالْأَوْسَطِ السَّعَة , وَبِالْأَعْلَى الْفَوْقِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( أُرَاهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة , وَهُوَ شَكّ مِنْ يَحْيَى بْن صَالِح شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَقَدْ رَوَاهُ غَيْره عَنْ فُلَيْح فَلَمْ يَشُكّ مِنْهُمْ يُونُس بْن مُحَمَّد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( وَمِنْهُ تُفَجَّر أَنْهَار الْجَنَّة ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْفِرْدَوْس , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الضَّمِير لِلْعَرْشِ , فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت عِنْد التِّرْمِذِيّ \" وَالْفِرْدَوْس أَعْلَاهَا دَرَجَة وَمِنْهَا - أَيْ مِنْ الدَّرَجَة الَّتِي فِيهَا الْفِرْدَوْس - تُفَجَّر أَنْهَار الْجَنَّة الْأَرْبَعَة وَمِنْ فَوْقهَا يَكُون عَرْش الرَّحْمَن \" وَرَوَى إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَة عَنْهُ قَالَ \" الْفِرْدَوْس أَوْسَط الْجَنَّة وَأَفْضَلهَا \" وَهُوَ يُؤَيِّد التَّفْسِير الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مُحَمَّد بْن فُلَيْح عَنْ أَبِيهِ وَفَوْقه عَرْش الرَّحْمَن ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ مُحَمَّدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِيهِ بِإِسْنَادِهِ هَذَا فَلَمْ يَشُكّ كَمَا شَكَّ يَحْيَى بْن صَالِح بَلْ جَزَمَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ \" وَفَوْقه عَرْش الرَّحْمَن \" قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْحَسَن الْقَابِسِيّ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن فُلَيْح \" وَهُوَ وَهْم لِأَنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يُدْرِكهُ. قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ رِوَايَة مُحَمَّد بْن فُلَيْح لِهَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب التَّوْحِيد عَنْ إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر عَنْهُ بِتَمَامِهِ , وَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْحه هُنَاكَ وَرِجَال إِسْنَاده كُلّهمْ مَدَنِيُّونَ. وَالْفِرْدَوْس هُوَ الْبُسْتَان الَّذِي يَجْمَع كُلّ شَيْء , وَقِيلَ هُوَ الَّذِي فِيهِ الْعِنَب , وَقِيلَ هُوَ بِالرُّومِيَّةِ وَقِيلَ بِالْقِبْطِيَّةِ وَقِيلَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ وَبِهِ جَزَمَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج , وَفِي الْحَدِيث فَضِيلَة ظَاهِرَة لَلْمُجَاهِدِينَ , وَفِيهِ عِظَم الْجَنَّة وَعِظَم الْفِرْدَوْس مِنْهَا , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ دَرَجَة الْمُجَاهِد قَدْ يَنَالهَا غَيْر الْمُجَاهِد إِمَّا بِالنِّيَّةِ الْخَالِصَة أَوْ بِمَا يُوَازِيه مِنْ الْأَعْمَال الصَّالِحَة لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْجَمِيع بِالدُّعَاءِ بِالْفِرْدَوْسِ بَعْد أَنْ أَعْلَمهُمْ أَنَّهُ أَعَدَّ لِلْمُجَاهِدِينَ , وَقِيلَ فِيهِ جَوَاز الدُّعَاء بِمَا لَا يَحْصُل لِلدَّاعِي لِمَا ذَكَرْته , وَالْأَوَّل أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2582",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَمُرَةَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا قَالَا أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل ‏ ‏وَجَرِير ‏ ‏هُوَ اِبْن حَازِم , وَحَدِيث سَمُرَة تَقَدَّمَ بِطُولِهِ فِي الْجَنَائِز , وَهَذِهِ الْقِطْعَة شَاهِدَة لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور قَبْله وَمُفَسِّرَة , لِأَنَّ الْمُرَاد بِالْأَوْسَطِ الْأَفْضَل لِوَصْفِهِ دَارَ الشُّهَدَاء فِي حَدِيث سَمُرَة بِأَنَّهَا أَحْسَن وَأَفْضَل. ‏"
    },
    {
        "id": "2583",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَغَدْوَةٌ ‏ ‏فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ‏ ‏رَوْحَةٌ ‏ ‏خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عَنْ حُمَيْدٍ \" سَمِعْت أَنَس بْن مَالِك \" وَهُوَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَغَدْوَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ الْغَدْوَة بِزِيَادَةِ أَلِف فِي أَوَّله بِصِيغَةِ التَّعْرِيف وَالْأَوَّل أَشْهَر وَاللَّام لِلْقَسَمِ. ‏ ‏قَوْله : ( خَيْر مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنْ يَكُون مِنْ بَاب تَنْزِيل الْمَغِيب مَنْزِلَة الْمَحْسُوس تَحْقِيقًا لَهُ فِي النَّفْس لِكَوْنِ الدُّنْيَا مَحْسُوسَة فِي النَّفْس مُسْتَعْظَمَة فِي الطِّبَاع فَلِذَلِكَ وَقَعَتْ الْمُفَاضَلَة بِهَا , وَإِلَّا فَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ جَمِيع مَا فِي الدُّنْيَا لَا يُسَاوِي ذَرَّة مِمَّا فِي الْجَنَّة. وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ هَذَا الْقَدْر مِنْ الثَّوَاب خَيْر مِنْ الثَّوَاب الَّذِي يَحْصُل لِمَنْ لَوْ حَصَلَتْ لَهُ الدُّنْيَا كُلّهَا لَأَنْفَقَهَا فِي طَاعَة اللَّه تَعَالَى. قُلْت : وَيُؤَيِّد هَذَا الثَّانِي مَا رَوَاهُ اِبْن الْمُبَارَك فِي كِتَاب الْجِهَاد مِنْ مُرْسَل الْحَسَن قَالَ \" بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْشًا فِيهِمْ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة , فَتَأَخَّرَ لِيَشْهَد الصَّلَاة مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقْت مَا فِي الْأَرْض مَا أَدْرَكْت فَضْل غَدْوَتهمْ \" وَالْحَاصِل أَنَّ الْمُرَاد تَسْهِيل أَمْر الدُّنْيَا وَتَعْظِيم أَمْر الْجِهَاد , وَأَنَّ مَنْ حَصَلَ لَهُ مِنْ الْجَنَّة قَدْر سَوْط يَصِير كَأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ أَمْر أَعْظَم مِنْ جَمِيع مَا فِي الدُّنْيَا فَكَيْفَ بِمَنْ حَصَلَ مِنْهَا أَعْلَى الدَّرَجَات , وَالنُّكْتَة فِي ذَلِكَ أَنَّ سَبَب التَّأْخِير عَنْ الْجِهَاد الْمَيْل إِلَى سَبَب مِنْ أَسْبَاب الدُّنْيَا فَنَبَّهَ هَذَا الْمُتَأَخِّر أَنَّ هَذَا الْقَدْر الْيَسِير مِنْ الْجَنَّة أَفْضَل مِنْ جَمِيع مَا فِي الدُّنْيَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2584",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَقَابُ قَوْسٍ ‏ ‏فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ وَقَالَ ‏ ‏لَغَدْوَةٌ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏رَوْحَةٌ ‏ ‏فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَمْرَة ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَاب قَوْس فِي الْجَنَّة ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَنَس فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" لَقَاب قَوْس أَحَدكُمْ \" وَهُوَ الْمُطَابِق لِتَرْجَمَةِ هَذَا الْبَاب. ‏ ‏قَوْله : ( خَيْر مِمَّا تَطْلُع عَلَيْهِ الشَّمْس وَتَغْرُب ) ‏ ‏هُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي الَّذِي قَبْله \" خَيْر مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "2585",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الرَّوْحَةُ ‏ ‏وَالْغَدْوَةُ ‏ ‏فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( الرَّوْحَة وَالْغَدْوَة فِي سَبِيل اللَّه أَفْضَل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ سُفْيَان \" غَدْوَة أَوْ رَوْحَة فِي سَبِيل اللَّه خَيْر مِنْ الدُّنْيَا \" وَالْمَعْنَى وَاحِد , وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي غَسَّان عَنْ أَبِي حَازِم \" لَرَوْحَة \" بِزِيَادَةِ لَام الْقَسَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2586",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ , ‏ ‏وَمُعَاوِيَة بْن عَمْرو ‏ ‏هُوَ الْأَزْدِيّ , وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ يَرْوِي عَنْهُ تَارَة بِوَاسِطَةٍ كَمَا هُنَا وَتَارَة بِلَا وَاسِطَة كَمَا فِي كِتَاب الْجُمُعَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ الْفَزَارِيّ إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد. ‏"
    },
    {
        "id": "2587",
        "content": "‏ ‏قَالَ وَسَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَرَوْحَةٌ ‏ ‏فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ‏ ‏غَدْوَةٌ ‏ ‏خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ‏ ‏وَلَقَابُ قَوْسِ ‏ ‏أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ ‏ ‏يَعْنِي سَوْطَهُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلَأَتْهُ رِيحًا وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ‏",
        "sharh": "وَقَوْله فِي الْبَاب ‏ ‏\" وَلَقَاب قَوْس أَحَدكُمْ \" ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْح , \" الْقَاب \" فِي الَّذِي قَبْله , وَقَوْله هُنَا ‏ ‏\" أَوْ مَوْضِع قِيد يَعْنِي سَوْطه \" ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي هَلْ قَالَ قَاب أَوْ قِيد , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَهُوَ الْمِقْدَار. وَقَوْله \" يَعْنِي سَوْطه \" تَفْسِير لِلْقِيدِ غَيْر مَعْرُوف , وَلِهَذَا جَزَمَ بَعْضهمْ بِأَنَّهُ تَصْحِيف وَأَنَّ الصَّوَاب \" قِدّ \" بِكَسْرِ الْقَاف وَتَشْدِيد الدَّال وَهُوَ السَّوْط الْمُتَّخَذ مِنْ الْجِلْد. ‏ ‏قُلْت : وَدَعْوَى الْوَهْم فِي التَّفْسِير أَسَهْل مِنْ دَعْوَى التَّصْحِيف فِي الْأَصْل وَلَا سِيَّمَا وَالْقِيد بِمَعْنَى الْقَاب كَمَا بَيَّنْته , وَالْمَقْصُود مِنْ ذَلِكَ لِهَذِهِ التَّرْجَمَة الْأَخِير , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ , \" وَلِنَصِيفِهَا \" ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الصَّاد الْمُهْمَلَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ فَاءَ هُوَ الْخِمَار بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمِيم , قَالَ الْمُهَلَّب : إِنَّمَا أَوْرَدَ حَدِيث أَنَس هَذَا لِيُبَيِّن الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْله يَتَمَنَّى الشَّهِيد أَنْ يَرْجِع إِلَى الدُّنْيَا لِيُقْتَل مَرَّة أُخْرَى فِي سَبِيل اللَّه , لِكَوْنِهِ يَرَى مِنْ الْكَرَامَة بِالشَّهَادَةِ فَوْق مَا فِي نَفْسه , إِذْ كُلّ وَاحِدَة يُعْطَاهَا مِنْ الْحُور الْعِين لَوْ اِطَّلَعَتْ عَلَى الدُّنْيَا لَأَضَاءَتْ كُلّهَا اِنْتَهَى. وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق شَهْر بْن حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" ذُكِرَ الشَّهِيد عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَا تَجِفّ الْأَرْض مِنْ دَم الشَّهِيد حَتَّى تَبْتَدِرهُ زَوْجَاته مِنْ الْحُور الْعِين وَفِي يَد كُلّ وَاحِدَة مِنْهَا حُلَّة خَيْر مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا \" وَلِأَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت مَرْفُوعًا \" أَنَّ لِلشَّهِيدِ عِنْد اللَّه سَبْع خِصَال \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَيُزَوَّج اِثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَة مِنْ الْحُور الْعِين \" إِسْنَاده حَسَن , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث الْمِقْدَام بْن مَعْدِيكَرِب وَصَحَّحَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2588",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ ‏ ‏سَرِيَّةٍ ‏ ‏تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة ) ‏ ‏هَذَا الْحَدِيث رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب هُنَا وَأَبُو زُرْعَة بْن عَمْرو فِي \" بَاب الْجِهَاد مِنْ الْإِيمَان \" مِنْ كِتَاب الْإِيمَان , وَأَبُو صَالِح وَهُوَ فِي \" بَاب الْجَعَائِل وَالْحُمْلَان \" فِي أَثْنَاء كِتَاب الْجِهَاد , وَالْأَعْرَج وَهُوَ فِي كِتَاب التَّمَنِّي , وَهَمَّام وَهُوَ عِنْد مُسْلِم وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَة كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ مِنْ زِيَادَة فَائِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيب أَنْفُسهمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي زُرْعَة وَأَبِي صَالِح \" لَوْلَا أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمَّتِي \" وَرِوَايَة الْبَاب تُفَسِّر الْمُرَاد بِالْمَشَقَّةِ الْمَذْكُورَة وَهِيَ أَنَّ نُفُوسهمْ لَا تَطِيب بِالتَّخَلُّفِ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى التَّأَهُّب لِعَجْزِهِمْ عَنْ آلَة السَّفَر مِنْ مَرْكُوب وَغَيْره وَتَعَذُّر وُجُوده عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة هَمَّام وَلَفْظه \" لَكِنْ لَا أَجِد سَعَة فَأَحْمِلهُمْ , وَلَا يَجِدُونَ سَعَة فَيَتَّبِعُونِي , وَلَا تَطِيب أَنْفُسهمْ أَنْ يَقْعُدُوا بَعْدِي \" وَفِي رِوَايَة أَبِي زُرْعَة عِنْد مُسْلِم نَحْوه , وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ وَفِيهِ \" وَلَوْ خَرَجْت مَا بَقِيَ أَحَد فِيهِ خَيْر إِلَّا اِنْطَلَقَ مَعِي , وَذَلِكَ يَشُقّ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ \" , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح مِنْ الزِّيَادَة \" وَيَشُقّ عَلَيَّ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْت ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي زُرْعَة الْمَذْكُورَة بِلَفْظِ \" وَلَوَدِدْت أَنِّي أُقْتَلُ \" بِحَذْفِ الْقَسَم , وَهُوَ مُقَدَّر لِمَا بَيَّنَتْهُ هَذِهِ الرِّوَايَة , فَظَهَرَ أَنَّ اللَّام لَام الْقَسَم وَلَيْسَتْ بِجَوَابِ لَوْلَا , وَفَهِمَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّ قَوْله \" لَوَدِدْت \" مَعْطُوف عَلَى قَوْله \" مَا قَعَدْت \" فَقَالَ : يَجُوز حَذْف اللَّام وَإِثْبَاتهَا مِنْ جَوَاب لَوْلَا , وَجَعَلَ الْوِدَادَة مُمْتَنِعَة خَشْيَة وُجُود الْمَشَقَّة لَوْ وُجِدَتْ , وَتَقْدِير الْكَلَام عِنْده : لَوْلَا أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمَّتِي لَوَدِدْت أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيل اللَّه. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّف اِسْتِشْكَال ذَلِكَ وَالْجَوَاب عَنْهُ , وَقَدْ بَيَّنَتْ رِوَايَة الْبَاب أَنَّهَا جُمْلَة مُسْتَأْنَفَة وَأَنَّ اللَّام جَوَاب الْقَسَم. ثُمَّ النُّكْتَة فِي إِيرَاد هَذِهِ الْجُمْلَة عَقِب ثُلُث إِرَادَة تَسْلِيَة الْخَارِجِينَ فِي الْجِهَاد عَنْ مُرَافَقَته لَهُمْ , وَكَأَنَّهُ قَالَ : الْوَجْه الَّذِي يَسِيرُونَ لَهُ فِيهِ مِنْ الْفَضْل مَا أَتَمَنَّى لِأَجْلِهِ أَنِّي أُقْتَلُ مَرَّات , فَمهمَا فَاتَكُمْ مِنْ مُرَافَقَتِي وَالْقُعُود مَعِي مِنْ الْفَضْل يَحْصُل لَكُمْ مِثْله أَوْ فَوْقه مِنْ فَضْل الْجِهَاد , فَرَاعَى خَوَاطِر الْجَمِيع. وَقَدْ خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْض الْمَغَازِي وَتَخَلَّفَ عَنْهُ الْمُشَار إِلَيْهِمْ , وَكَانَ ذَلِكَ حَيْثُ رَجَحَتْ مَصْلَحَة خُرُوجه عَلَى مُرَاعَاة حَالهمْ , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي \" بَاب مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْر \". ‏ ‏قَوْله : ( أُقْتَلُ فِي سَبِيل اللَّه ) ‏ ‏اِسْتَشْكَلَ بَعْض الشُّرَّاح صُدُور هَذَا التَّمَنِّي مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عِلْمه بِأَنَّهُ لَا يُقْتَل , وَأَجَابَ اِبْن التِّين بِأَنَّ ذَلِكَ لَعَلَّهُ كَانَ قَبْل نُزُول قَوْله تَعَالَى ( وَاَللَّه يَعْصِمك مِنْ النَّاس ) وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ فَإِنَّ نُزُولهَا كَانَ فِي أَوَائِل مَا قَدِمَ الْمَدِينَة , وَهَذَا الْحَدِيث صَرَّحَ أَبُو هُرَيْرَة بِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنَّمَا قَدِمَ أَبُو هُرَيْرَة فِي أَوَائِل سَنَة سَبْع مِنْ الْهِجْرَة , وَاَلَّذِي يَظْهَر فِي الْجَوَاب أَنَّ تَمَنِّي الْفَضْل وَالْخَيْر لَا يَسْتَلْزِم الْوُقُوع , فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَدِدْت لَوْ أَنَّ مُوسَى صَبَرَ \" كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانه , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب التَّمَنِّي نَظَائِر لِذَلِكَ , وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ الْمُبَالَغَة فِي بَيَان فَضْل الْجِهَاد وَتَحْرِيض الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ , قَالَ اِبْن التِّين : وَهَذَا أَشْبَه. وَحَكَى شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن أَنَّ بَعْض النَّاس زَعَمَ أَنَّ قَوْله \" وَلَوَدِدْت \" مُدْرَج مِنْ كَلَام أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : وَهُوَ بَعِيد , قَالَ النَّوَوِيّ : فِي هَذَا الْحَدِيث الْحَضّ عَلَى حُسْن النِّيَّة , وَبَيَان شِدَّة شَفَقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّته وَرَأْفَته بِهِمْ وَاسْتِحْبَاب طَلَب الْقَتْل فِي سَبِيل اللَّه , وَجَوَاز قَوْل وَدِدْت حُصُول كَذَا مِنْ الْخَيْر وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَحْصُل. وَفِيهِ تَرْك بَعْض الْمَصَالِح لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَة أَوْ أَرْجَح أَوْ لِدَفْعِ مَفْسَدَة , وَفِيهِ جَوَاز تَمَنِّي مَا يَمْتَنِع فِي الْعَادَة , وَالسَّعْي فِي إِزَالَة الْمَكْرُوه عَنْ الْمُسْلِمِينَ. وَفِيهِ أَنَّ الْجِهَاد عَلَى الْكِفَايَة إِذْ لَوْ كَانَ عَلَى الْأَعْيَان مَا تَخَلَّفَ عَنْهُ أَحَد قُلْت : وَفِيهِ نَظَر , لِأَنَّ الْخِطَاب إِنَّمَا يَتَوَجَّه لِلْقَادِرِ , وَأَمَّا الْعَاجِز فَمَعْذُور , وَقَدْ قَالَ سُبْحَانه ( غَيْر أُولِي الضَّرَر ) وَأَدِلَّة كَوْن الْجِهَاد فَرْض كِفَايَة تُؤْخَذ مِنْ غَيْر هَذَا , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي \" بَاب وُجُوب النَّفِير \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2589",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَطَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَخَذَ الرَّايَةَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا ‏ ‏جَعْفَرٌ ‏ ‏فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ‏ ‏فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ وَقَالَ مَا يَسُرُّنَا أَنَّهُمْ عِنْدَنَا قَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏أَوْ قَالَ مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يُوسُف بْن يَعْقُوب الصَّفَّار ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيد الْفَاء , كُوفِيّ ثِقَة يُكَنَّى أَبَا يَعْقُوب , لَمْ يُخَرِّج عَنْهُ الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَرِجَال الْإِسْنَاد مِنْ شَيْخه إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة فَصَاعِدًا بَصْرِيُّونَ , وَسَيَأْتِي شَرْح الْمَتْن فِي غَزْوَة مُؤْتَة مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي , وَوَجْه دُخُوله فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة مِنْ قَوْله \" مَا يَسُرّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدنَا \" أَيْ لَمَّا رَأَوْا مِنْ الْكَرَامَة بِالشَّهَادَةِ فَلَا يُعْجِبهُمْ أَنْ يَعُودُوا إِلَى الدُّنْيَا كَمَا كَانُوا مِنْ غَيْر أَنْ يَسْتَشْهِدُوا مَرَّة أُخْرَى , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَحْصُل الْجَمْع بَيْن حَدِيثَيْ الْبَاب , وَدَلِيل مَا ذَكَرْته مِنْ الِاسْتِثْنَاء مَا سَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب مِنْ حَدِيث أَنَس أَيْضًا مَرْفُوعًا \" مَا أَحَد يَدْخُل الْجَنَّة يُحِبّ أَنْ يَرْجِع إِلَى الدُّنْيَا إِلَّا الشَّهِيد \" الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "2590",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالَتِهِ ‏ ‏أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏نَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ فَقُلْتُ مَا أَضْحَكَكَ قَالَ ‏ ‏أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ هَذَا الْبَحْرَ الْأَخْضَرَ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ قَالَتْ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا ثُمَّ نَامَ الثَّانِيَةَ فَفَعَلَ مِثْلَهَا فَقَالَتْ مِثْلَ قَوْلِهَا فَأَجَابَهَا مِثْلَهَا فَقَالَتْ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا ‏ ‏عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ‏ ‏غَازِيًا أَوَّلَ مَا رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ مَعَ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ فَنَزَلُوا ‏ ‏الشَّأْمَ ‏ ‏فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا ‏ ‏فَصَرَعَتْهَا ‏ ‏فَمَاتَتْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُمّ حَرَام وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ شَرْحه يَأْتِي فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان : وَالشَّاهِد مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّة لِتَرْكَبهَا فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ \" , مَعَ دُعَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا أَنْ تَكُون مِنْ الْأَوَّلِينَ وَأَنَّهُمْ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّة فِي الْجَنَّة , وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة \" فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتهَا \" لَا يُعَارِض قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَقُرِّبَتْ لِتَرْكَبهَا فَصَرَعَتْهَا \" لِأَنَّ التَّقْدِير فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّة لِتَرْكَبهَا فَرَكِبَتْهَا فَصَرَعَتْهَا. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَرَوَى اِبْن وَهْب مِنْ حَدِيث عُقْبَةَ بْن عَامِر مَرْفُوعًا \" مَنْ صُرِعَ عَنْ دَابَّته فِي سَبِيل اللَّه فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيد \" فَكَأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي التَّرْجَمَة. قُلْت : هُوَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ وَإِسْنَاده حَسَن قَالَ : وَفِي حَدِيث أُمّ حَرَام أَنَّ حُكْم الرَّاجِع مِنْ الْغَزْو حُكْم الذَّاهِب إِلَيْهِ فِي الثَّوَاب. وَيَحْيَى الْمَذْكُور فِي هَذَا الْإِسْنَاد هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ , وَفِي الْإِسْنَاد تَابِعِيَّانِ هُوَ وَشَيْخه وَصَحَابِيَّانِ أَنَس وَخَالَته , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" أَوَّل مَا رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْر مَعَ مُعَاوِيَة \" ‏ ‏كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَة ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ فِي خِلَافَة عُثْمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "2591",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرُ الْحَوْضِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَقْوَامًا مِنْ ‏ ‏بَنِي سُلَيْمٍ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏بَنِي عَامِرٍ ‏ ‏فِي سَبْعِينَ فَلَمَّا قَدِمُوا قَالَ لَهُمْ ‏ ‏خَالِي ‏ ‏أَتَقَدَّمُكُمْ فَإِنْ أَمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّه ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَإِلَّا كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيبًا فَتَقَدَّمَ فَأَمَّنُوهُ فَبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ ‏ ‏أَوْمَئُوا ‏ ‏إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ فُزْتُ وَرَبِّ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏ثُمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ إِلَّا ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏أَعْرَجَ صَعِدَ الْجَبَلَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏فَأُرَاهُ آخَرَ مَعَهُ ‏ ‏فَأَخْبَرَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ فَكُنَّا نَقْرَأُ أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ فَدَعَا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا عَلَى ‏ ‏رِعْلٍ ‏ ‏وَذَكْوَانَ ‏ ‏وَبَنِي لَحْيَانَ ‏ ‏وَبَنِي عُصَيَّةَ ‏ ‏الَّذِينَ عَصَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "أَحَدُهُمَا حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة قَتْل خَاله وَهُوَ حَرَام بْن مِلْحَان وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْمَغَازِي فِي غَزْوَة بِئْر مَعُونَة , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" عَنْ إِسْحَاق \" ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة. ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِر ) ‏ ‏قَالَ الدِّمْيَاطِيّ : هُوَ وَهْم , فَإِنَّ بَنِي سُلَيْمٍ مَبْعُوث إِلَيْهِمْ , وَالْمَبْعُوث هُمْ الْقُرَّاء وَهُمْ مِنْ الْأَنْصَار. قُلْت : التَّحْقِيق أَنَّ الْمَبْعُوث إِلَيْهِمْ بَنُو عَامِر , وَأَمَّا بَنُو سُلَيْمٍ فَغَدَرُوا بِالْقُرَّاءِ الْمَذْكُورِينَ , وَالْوَهْم فِي هَذَا السِّيَاق مِنْ حَفْص بْن عُمَر شَيْخ الْبُخَارِيّ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ هُوَ فِي الْمَغَازِي عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ هَمَّام فَقَالَ \" بَعَثَ أَخًا لِأُمِّ سُلَيْمٍ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا , وَكَانَ رَئِيس الْمُشْرِكِينَ عَامِر بْن الطُّفَيْل \" الْحَدِيث , وَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى هُنَاكَ , فَلَعَلَّ الْأَصْل \" بَعَثَ أَقْوَامًا مَعَهُمْ أَخُو أُمّ سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِر \" فَصَارَتْ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ , وَقَدْ تَكَلَّفَ لِتَأْوِيلِهِ بَعْض الشُّرَّاح فَقَالَ : يُحْمَل عَلَى أَنَّ أَقْوَامًا مَنْصُوب بِنَزْعِ الْخَافِض أَيْ بَعَثَ إِلَى أَقْوَام مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ مُنْضَمِّينَ إِلَى بَنِي عَامِر وَحَذَفَ مَفْعُول بَعَثَ اِكْتِفَاء بِصِفَةِ الْمَفْعُول عَنْهُ , أَوْ \" فِي \" زَائِدَة وَيَكُون \" سَبْعِينَ \" مَفْعُول بَعَثَ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون \" مِنْ \" لَيْسَتْ بَيَانِيَّة بَلْ اِبْتِدَائِيَّة , أَيْ بَعَثَ أَقْوَامًا وَلَمْ يَصِفهُمْ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَوْ مِنْ جِهَة بَنِي سُلَيْمٍ اِنْتَهَى. وَهَذَا أَقْرَب مِنْ التَّوْجِيه الْأَوَّل وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِمَا مِنْ التَّكَلُّف. ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِر الْحَدِيث \" عَلَى رِعْل \" ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدهَا لَام هُمْ بَطْن مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ , وَكَذَا بَعْض مَنْ ذَكَرَ مَعَهُمْ ; وَسَيَأْتِي الْحَدِيث فِي أَوَاخِر الْجِهَاد أَنَّهُ دَعَا عَلَى أَحْيَاء مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ حَيْثُ قَتَلُوا الْقُرَّاء , وَهُوَ أَصْرَح فِي الْمَقْصُود. ‏"
    },
    {
        "id": "2592",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ فَقَالَ ‏ ‏هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ‏ ‏وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جُنْدُبٍ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب مَا يَجُوز مِنْ الشِّعْر \" مِنْ كِتَاب الْأَدَب , وَوَقَعَ فِيهِ بِلَفْظِ \" نُكِبَتْ إِصْبَعه \" وَهُوَ الْمُوَافِق لِلتَّرْجَمَةِ , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ فِيهَا إِلَى حَدِيث مُعَاذ الَّذِي أُشِير إِلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَفِي الْبَاب مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ مَرْفُوعًا \" مَنْ وَقَصَهُ فَرَسه أَوْ بَعِيره فِي سَبِيل اللَّه أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّة أَوْ مَاتَ عَلَى أَيِّ حَتْف شَاءَ اللَّه فَهُوَ شَهِيد \". ‏"
    },
    {
        "id": "2593",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَا ‏ ‏يُكْلَمُ ‏ ‏أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ ‏ ‏يُكْلَمُ ‏ ‏فِي سَبِيلِهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَا يُكْلَم ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الْكَاف وَفَتْح اللَّام أَيْ يُجْرَح. ‏ ‏قَوْله : ( أَحَد ) ‏ ‏قَيَّدَهُ فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِالْمُسْلِمِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّه أَعْلَم بِمَنْ يُكْلَم فِي سَبِيله ) ‏ ‏جُمْلَة مُعْتَرِضَة قَصَدَ بِهَا التَّنْبِيه عَلَى شَرْطِيَّة الْإِخْلَاص فِي نَيْل هَذَا الثَّوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَاللَّوْن لَوْن الدَّم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة الْمَاضِيَة فِي كِتَاب الطَّهَارَة \" تَكُون يَوْم الْقِيَامَة كَهَيْئَتِهَا إِذَا طُعِنَتْ تُفَجَّر دَمًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَالرِّيح رِيح الْمِسْك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هَمَّام \" وَالْعَرْف \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا فَاء وَهُوَ الرَّائِحَة , وَلِأَصْحَابِ السُّنَن وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث مُعَاذ بْن جَبَل \" مَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيل اللَّه أَوْ نُكِبَ نَكْبَة فَإِنَّهَا تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة كَأَغْزَر مَا كَانَتْ , لَوْنهَا الزَّعْفَرَان وَرِيحهَا الْمِسْك \" وَعُرِفَ بِهَذِهِ الزِّيَادَة أَنَّ الصِّفَة الْمَذْكُورَة لَا تَخْتَصّ بِالشَّهِيدِ بَلْ هِيَ حَاصِلَة لِكُلِّ مَنْ جُرِحَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهَذَا الْجَرْح هُوَ مَا يَمُوت صَاحِبه بِسَبَبِهِ قَبْل اِنْدِمَاله لَا مَا يَنْدَمِل فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ أَثَر الْجِرَاحَة وَسَيَلَان الدَّم يَزُول , وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ أَنْ يَكُون لَهُ فَضْل فِي الْجُمْلَة , لَكِنَّ الظَّاهِر أَنَّ الَّذِي \" يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة وَجُرْحه يَثْعَب دَمًا \" مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا وَجُرْحه كَذَلِكَ , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ عِنْد اِبْن حِبَّانَ فِي حَدِيث مُعَاذ الْمَذْكُور \" عَلَيْهِ طَابِع الشُّهَدَاء \" وَقَوْله \" كَأَغْزَر مَا كَانَتْ \" لَا يُنَافِي قَوْله \" كَهَيْئَتِهَا \" لِأَنَّ الْمُرَاد لَا يُنْقَص شَيْئًا بِطُولِ الْعَهْد , قَالَ الْعُلَمَاء : الْحِكْمَة فِي بَعْثه كَذَلِكَ أَنْ يَكُون مَعَهُ شَاهِد بِفَضِيلَتِهِ بِبَذْلِهِ نَفْسه فِي طَاعَة اللَّه تَعَالَى. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الشَّهِيد يُدْفَن بِدِمَائِهِ وَثِيَابه وَلَا يُزَال عَنْهُ الدَّم بِغُسْلٍ وَلَا غَيْره , لِيَجِيءَ يَوْم الْقِيَامَة كَمَا وَصَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ غَسْل الدَّم فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا يُبْعَث كَذَلِكَ , وَيُغْنِي عَنْ الِاسْتِدْلَال لِتَرْكِ غُسْل الشَّهِيد فِي هَذَا الْحَدِيث قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شُهَدَاء أُحُد \" زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ \" كَمَا سَيَأْتِي بَسْطه فِي مَكَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2594",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏قَالَ لَهُ ‏ ‏سَأَلْتُكَ كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ فَزَعَمْتَ أَنَّ الْحَرْبَ ‏ ‏سِجَالٌ ‏ ‏وَدُوَلٌ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَةُ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ الْمُصَنِّف طَرَفًا مِنْ حَدِيث أَبِي سُفْيَان فِي قِصَّة هِرَقْل , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب بَدْء الْوَحْي , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" فَزَعَمْت أَنَّ الْحَرْب بَيْنكُمْ سِجَال أَوْ دُوَل \" , وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : التَّحْقِيق أَنَّهُ مَا سَاقَ حَدِيث هِرَقْل إِلَّا لِقَوْلِهِ \" وَكَذَلِكَ الرُّسُل تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُون لَهُمْ الْعَاقِبَة \" قَالَ : فَبِذَلِكَ يَتَحَقَّق أَنَّ لَهُمْ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ , إِنْ اِنْتَصَرُوا فَلَهُمْ الْعَاجِلَة وَالْعَاقِبَة وَإِنْ اِنْتَصَرَ عَدُوّهُمْ فَلِلرُّسُلِ الْعَاقِبَة اِنْتَهَى. وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِم نَفْي التَّقْدِير الْأَوَّل وَلَا يُعَارِضهُ , بَلْ الَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْأَوَّل أَوْلَى لِأَنَّهُ مِنْ نَقْل أَبِي سُفْيَان عَنْ حَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمَّا الْآخَر فَمِنْ قَوْل هِرَقْل مُسْتَنِدًا فِيهِ إِلَى مَا تَلَقَّفَهُ مِنْ الْكُتُب. ‏ ‏( نُكْتَة ) : ‏ ‏أَفَادَ الْقَزَّاز أَنَّ دَال \" دُوَل \" مُثَلَّثَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2595",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْخُزَاعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زِيَادٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَابَ عَمِّي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ ‏ ‏عَنْ قِتَالِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ لَئِنْ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ ‏ ‏يَعْنِي أَصْحَابَهُ وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ ‏ ‏يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ ‏ ‏الْجَنَّةَ وَرَبِّ ‏ ‏النَّضْرِ ‏ ‏إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا ‏ ‏أُخْتُهُ ‏ ‏بِبَنَانِهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ ‏ { ‏مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ‏} ‏إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَقَالَ إِنَّ أُخْتَهُ وَهِيَ تُسَمَّى ‏ ‏الرُّبَيِّعَ ‏ ‏كَسَرَتْ ‏ ‏ثَنِيَّةَ ‏ ‏امْرَأَةٍ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْقِصَاصِ فَقَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ‏ ‏ثَنِيَّتُهَا ‏ ‏فَرَضُوا ‏ ‏بِالْأَرْشِ ‏ ‏وَتَرَكُوا الْقِصَاصَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ ‏ ‏لَأَبَرَّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعِيد الْخُزَاعِيّ ) ‏ ‏هُوَ بَصْرِيّ يُلَقَّب بَمَرْدَوَيْهِ مَاله فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي غَزْوَة خَيْبَر , وَعَبْد الْأَعْلَى هُوَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى السَّامِيّ بِالْمُهْمَلَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلْت أَنَسًا ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ وَعَطَفَ عَلَيْهِ الطَّرِيق الْأُخْرَى فَأَشْعَرَ بِأَنَّ السِّيَاق لَهَا , وَأَفَادَتْ رِوَايَة عَبْد الْأَعْلَى تَصْرِيح حُمَيْدٍ لَهُ بِالسَّمَاعِ مِنْ أَنَس فَأُمِنَ تَدْلِيسه. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زِيَاد ) ‏ ‏لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات , وَزَعَمَ الْكَلَابَاذِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّهُ اِبْن عَبْد اللَّه الْبَكَّائِيّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الْكَاف , وَهُوَ صَاحِب اِبْن إِسْحَاق وَرَاوِي الْمَغَازِي عَنْهُ , وَلَيْسَ لَهُ ذِكْر فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( غَابَ عَمِّي أَنَس بْن النَّضْر ) ‏ ‏زَادَ ثَابِت عَنْ أَنَس \" الَّذِي سُمِّيت بِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ قِتَال بَدْر ) ‏ ‏زَادَ ثَابِت \" فَكَبُرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَوَّل قِتَال ) ‏ ‏أَيْ لِأَنَّ بَدْرًا أَوَّل غَزْوَة خَرَجَ فِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ مُقَاتِلًا , وَقَدْ تَقَدَّمَهَا غَيْرهَا لَكِنْ مَا خَرَجَ فِيهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ مُقَاتِلًا. ‏ ‏قَوْله : ( لَئِنْ اللَّه أَشْهَدَنِي ) ‏ ‏أَيْ أَحْضَرَنِي. ‏ ‏قَوْله : ( لَيَرَيَنَّ اللَّه مَا أَصْنَع ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ النُّون لِلتَّأْكِيدِ , وَاللَّام جَوَاب الْقَسَم الْمُقَدَّر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة ثَابِت عِنْد مُسْلِم \" لَيَرَانِي اللَّه \" بِتَخْفِيفِ النُّون بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة , وَقَوْله \" مَا أَصْنَع \" أَعْرَبَهُ النَّوَوِيّ بَدَلًا مِنْ ضَمِير الْمُتَكَلِّم , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن طَلْحَة عَنْ حُمَيْدٍ الْآتِيَة فِي الْمَغَازِي \" لَيَرَيَنَّ اللَّه مَا أُجِدّ \" وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الْجِيم وَتَشْدِيد الدَّال , أَوْ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَضَمّ الْجِيم مَأْخُوذ مِنْ الْجِدّ ضِدّ الْهَزْل , وَزَادَ ثَابِت \" وَهَابَ أَنْ يَقُول غَيْرهَا \" أَيْ خَشِيَ أَنْ يَلْتَزِم شَيْئًا فَيَعْجِز عَنْهُ فَأَبْهَمَ , وَعُرِفَ مِنْ السِّيَاق أَنَّ مُرَاده أَنَّهُ يُبَالِغ فِي الْقِتَال وَعَدَم الْفِرَار. ‏ ‏قَوْله : ( وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ حُمَيْدٍ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَانْهَزَمَ النَّاس \" وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي غَزْوَة أُحُد. ‏ ‏قَوْله : ( أَعْتَذِر ) ‏ ‏أَيْ مِنْ فِرَار الْمُسْلِمِينَ ‏ ‏( وَأَبْرَأ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ فِعْل الْمُشْرِكِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ تَقَدَّمَ ) ‏ ‏أَيْ نَحْو الْمُشْرِكِينَ ‏ ‏( فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْد بْن مُعَاذ ) ‏ ‏زَادَ ثَابِت عَنْ أَنَس \" مُنْهَزِمًا \" كَذَا فِي مُسْنَد الطَّيَالِسِيّ , وَوَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مَكَانهَا \" مَهْيَمْ \" وَهُوَ تَصْحِيف فِيمَا أَظُنّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : يَا سَعْد بْن مُعَاذ , الْجَنَّة وَرَبّ النَّضْر ) ‏ ‏كَأَنَّهُ يُرِيد وَالِده , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد اِبْنه فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ اِبْن يُسَمَّى النَّضْر وَكَانَ إِذْ ذَاكَ صَغِيرًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب \" فَوَاَللَّهِ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن بَكْر عَنْ حُمَيْدٍ عِنْد الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة عَنْهُ \" وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , وَالظَّاهِر أَنَّهُ قَالَ بَعْضهَا وَالْبَقِيَّة بِالْمَعْنَى , وَقَوْله \" الْجَنَّة \" بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِير عَامِل نَصْب أَيْ أُرِيدَ الْجَنَّة أَوْ نَحْوه , وَيَجُوز الرَّفْع أَيْ هِيَ مَطْلُوبِي. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي أَجِد رِيحهَا ) ‏ ‏أَيْ رِيح الْجَنَّة ‏ ‏( مِنْ دُون أُحُد ) ‏ ‏, وَفِي رِوَايَة ثَابِت , ( وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّة أَجِدهَا دُون أُحُد ) قَالَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى الْحَقِيقَة وَأَنَّهُ وَجَدَ رِيح الْجَنَّة حَقِيقَة أَوْ وَجَدَ رِيحًا طَيِّبَة ذَكَّرَهُ طِيبهَا بِطِيبِ رِيح الْجَنَّة , وَيَجُوز أَنْ يَكُون أَرَادَ أَنَّهُ اِسْتَحْضَرَ الْجَنَّة الَّتِي أُعِدَّتْ لِلشَّهِيدِ فَتَصَوَّرَ أَنَّهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِع الَّذِي يُقَاتِل فِيهِ فَيَكُون الْمَعْنَى إِنِّي لَأَعْلَم أَنَّ الْجَنَّة تُكْتَسَب فِي هَذَا الْمَوْضِع فَاشْتَاقَ لَهَا. وَقَوْله ( وَاهًا ) قَالَهُ إِمَّا تَعَجُّبًا وَإِمَّا تَشَوُّقًا إِلَيْهَا , فَكَأَنَّهُ لَمَّا اِرْتَاحَ لَهَا وَاشْتَاقَ إِلَيْهَا صَارَتْ لَهُ قُوَّة مَنْ اِسْتَنْشَقَهَا حَقِيقَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سَعْد : فَمَا اِسْتَطَعْت يَا رَسُول اللَّه مَا صَنَعَ أَنَس ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال يُرِيد مَا اِسْتَطَعْت أَنْ أَصِف مَا صَنَعَ أَنَس مِنْ كَثْرَة مَا أَغْنَى وَأَبْلَى فِي الْمُشْرِكِينَ. ‏ ‏قُلْت : وَقَعَ عِنْد يَزِيد بْن هَارُون عَنْ حُمَيْدٍ \" فَقُلْت أَنَا مَعَك فَلَمْ اِسْتَطِعْ أَنْ أَصْنَع مَا صَنَعَ. وَظَاهِره أَنَّهُ نَفَى اِسْتِطَاعَة إِقْدَامه الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ حَتَّى وَقَعَ لَهُ مَا وَقَعَ مِنْ الصَّبْر عَلَى تِلْكَ الْأَهْوَال بِحَيْثُ وَجَدَ فِي جَسَده مَا يَزِيد عَلَى الثَّمَانِينَ مِنْ طَعْنَة وَضَرْبَة وَرَمْيَة , فَاعْتَرَفَ سَعْد بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُقْدِم إِقْدَامه وَلَا يَصْنَع صَنِيعه , وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا تَأَوَّلَهُ اِبْن بَطَّال. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَجَدْنَا بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن بَكْر \" قَالَ أَنَس فَوَجَدْنَاهُ بَيْن الْقَتْلَى وَبِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( بِضْعًا وَثَمَانِينَ ) ‏ ‏لَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات بَيَان هَذَا الْبِضْع وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَا بَيْن الثَّلَاث وَالتِّسْع , ‏ ‏وَقَوْله : ( ضَرْبَة بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَة بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَة بِسَهْمٍ ) ‏ ‏أَوْ هُنَا لِلتَّقْسِيمِ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون بِمَعْنَى الْوَاو , وَتَفْصِيل مِقْدَار كُلّ وَاحِدَة مِنْ الْمَذْكُورَات غَيْر مُعَيَّن. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ مُثِلَ بِهِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْر الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيفهَا وَقَدْ تُشَدَّد وَهُوَ مِنْ الْمُثْلَة بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الْمُثَلَّثَة وَهُوَ قَطْع الْأَعْضَاء مِنْ أَنْف وَأُذُن وَنَحْوهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا عَرَفَهُ أَحَد إِلَّا أُخْته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة ثَابِت \" فَقَالَتْ عَمَّتِي الرُّبَيِّع بِنْت النَّضْر أُخْته : فَمَا عَرَفْت أَخِي إِلَّا بِبَنَانِهِ \" زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَكَانَ حَسَن الْبَنَان \" وَالْبَنَان الْإِصْبَع , وَقِيلَ طَرَف الْإِصْبَع. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن طَلْحَة الْمَذْكُورَة بِالشَّكِّ \" بِبَنَانِهِ أَوْ بِشَامَةٍ \" بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَالْأُولَى أَكْثَر. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَنَس : كُنَّا نَرَى أَوْ نَظُنّ ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِد , وَفِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ حُمَيْدٍ \" فَكُنَّا نَقُول \" وَكَذَا لِعَبْدِ اللَّه بْن بَكْر ; وَفِي رِوَايَة أَحْمَد بْن سِنَان عَنْ يَزِيد \" وَكَانُوا يَقُولُونَ \" أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْهُ , وَكَأَنَّ التَّرَدُّد فِيهِ مِنْ حُمَيْدٍ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة ثَابِت \" وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة \" بِالْجَزْمِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ إِنَّ أُخْته ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا عِنْد الْجَمِيع وَلَمْ يُعَيِّن الْقَائِل , وَهُوَ أَنَس بْن مَالِك رَاوِي الْحَدِيث , وَالضَّمِير فِي قَوْله \" أُخْته \" لِلنَّضْرِ بْن أَنَس , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فَاعِل \" قَالَ \" وَاحِدًا مِنْ الرُّوَاة دُون أَنَس وَلَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِينه , وَلَا اِسْتَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الْحَدِيث هُنَا , وَهِيَ تُسَمَّى الرُّبَيِّع , بِالتَّشْدِيدِ أَيْ أُخْت أَنَس بْن النَّضْر وَهِيَ عَمَّة أَنَس بْن مَالِك , وَسَيَأْتِي شَرْح قِصَّتهَا فِي كِتَاب الْقِصَاص. وَفِي قِصَّة أَنَس بْن النَّضْر مِنْ الْفَوَائِد جَوَاز بَذْل النَّفْس فِي الْجِهَاد , وَفَضْل الْوَفَاء بِالْعَهْدِ وَلَوْ شَقَّ عَلَى النَّفْس حَتَّى يَصِل إِلَى إِهْلَاكهَا , وَأَنَّ طَلَب الشَّهَادَة فِي الْجِهَاد لَا يَتَنَاوَلهُ النَّهْي عَنْ الْإِلْقَاء إِلَى التَّهْلُكَة. وَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِأَنَس بْن النَّضْر وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ صِحَّة الْإِيمَان وَكَثْرَة التَّوَقِّي وَالتَّوَرُّع وَقُوَّة الْيَقِين. قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : مِنْ أَبْلَغ الْكَلَام وَأَفْصَحه قَوْل أَنَس بْن النَّضْر فِي حَقّ الْمُسْلِمِينَ \" أَعْتَذِر إِلَيْك \" وَفِي حَقّ الْمُشْرِكِينَ \" أَبْرَأ إِلَيْك \" فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا مَعَ تَغَايُرهمَا فِي الْمَعْنَى , وَسَيَأْتِي فِي غَزْوَة أُحُد مِنْ الْمَغَازِي بَيَان مَا وَقَعَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ هُنَا مِنْ اِنْهِزَام بَعْض الْمُسْلِمِينَ وَرُجُوعهمْ وَعَفْو اللَّه عَنْهُمْ , رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَقَوْله أَجْمَعِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2596",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏أُرَاهُ عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَسَخْتُ الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ فَفَقَدْتُ آيَةً مِنْ سُورَةِ ‏ ‏الْأَحْزَابِ ‏ ‏كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ بِهَا فَلَمْ أَجِدْهَا إِلَّا مَعَ ‏ ‏خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ وَهُوَ قَوْلُهُ ‏ { ‏مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَأَخُوهُ هُوَ أَبُو بَكْر عَبْد الْحَمِيد , وَسُلَيْمَان هُوَ اِبْن بِلَال أُرَاهُ عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي عَتِيق هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة أَيْ أَظُنّهُ , وَهُوَ قَوْل إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ خَارِجَة بْن زَيْد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن ثَابِت , وَلِلزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث شَيْخ آخَر وَهُوَ عُبَيْد بْن السَّبَّاق , لَكِنْ اِخْتَلَفَ خَارِجَة وَعُبَيْد فِي تَعْيِين الْآيَة الَّتِي ذَكَرَ زَيْد أَنَّهُ وَجَدَهَا مَعَ خُزَيْمَةَ فَقَالَ خَارِجَة : إِنَّهَا قَوْله تَعَالَى ( مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَال صَدَقُوا ) وَقَالَ عُبَيْد إِنَّهَا قَوْله تَعَالَى ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَنْفُسكُمْ ) وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا بِالْإِسْنَادَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَكَأَنَّهُمَا جَمِيعًا صَحَّا عِنْده , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ شُعَيْبًا حَدَّثَ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِالْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا , وَكَذَلِكَ رَوَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ جَمِيعًا إِبْرَاهِيم بْن سَعْد كَمَا سَيَأْتِي فِي فَضَائِل الْقُرْآن , وَفِي رِوَايَة عُبَيْد بْن السَّبَّاق زِيَادَات لَيْسَتْ فِي رِوَايَة خَارِجَة , وَانْفَرَدَ خَارِجَة بِوَصْفِ خُزَيْمَةَ بِأَنَّهُ \" الَّذِي جَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَته شَهَادَة رَجُلَيْنِ \" وَسَأَذْكُرُ مَا فِي هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ بَحْث فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالسِّيَاق الَّذِي سَاقَهُ هُنَا لِابْنِ أَبِي عَتِيق , وَأَمَّا سِيَاق شُعَيْب فَسَيَأْتِي بَيَانه فِي تَفْسِير الْأَحْزَاب وَقَالَ فِيهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" أَخْبَرَنِي خَارِجَة \" وَتَأْتِي بَقِيَّة مَبَاحِثه فِي فَضَائِل الْقُرْآن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2597",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الْفَزَارِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مُقَنَّعٌ ‏ ‏بِالْحَدِيدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُ أَوْ أُسْلِمُ قَالَ ‏ ‏أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ فَقُتِلَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم ) ‏ ‏هُوَ الْحَافِظ الْمَعْرُوف بِصَاعِقَة , ‏ ‏وَإِسْرَائِيل ‏ ‏هُوَ اِبْن يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق السُّبَيْعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق أَنَّهُ مِنْ الْأَنْصَار ثُمَّ مِنْ بَنِي النَّبِيتِ بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ مُثَنَّاة فَوْق وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَمْكَنَ تَفْسِيره بِعَمْرِو بْن ثَابِت بْن وَقَش بِفَتْحِ الْوَاو وَالْقَاف بَعْدهَا مُعْجَمَة وَهُوَ الْمَعْرُوف بِأَصْرَم بْن عَبْد الْأَشْهَل , فَإِنَّ بَنِي عَبْد الْأَشْهَل بَطْن مِنْ الْأَنْصَار مِنْ الْأَوْس وَهُمْ غَيْر بَنِي النَّبِيتِ , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي قِصَّة عَمْرو بْن ثَابِت بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ كَانَ يَقُول \" أَخْبَرُونِي عَنْ رَجُل دَخَلَ الْجَنَّة لَمْ يُصَلِّ صَلَاة ؟ ثُمَّ يَقُول : هُوَ عَمْرو بْن ثَابِت \" قَالَ اِبْن إِسْحَاق قَالَ الْحُصَيْن بْن مُحَمَّد : قُلْت لِمَحْمُودِ بْن لَبِيد : كَيْفَ كَانَتْ قِصَّته ؟ قَالَ : كَانَ يَأْبَى الْإِسْلَام , فَلَمَّا كَانَ يَوْم أُحُد بَدَا لَهُ فَأَخَذَ سَيْفه حَتَّى أَتَى الْقَوْم فَدَخَلَ فِي عَرْض النَّاس فَقَاتَلَ حَتَّى وَقَعَ جَرِيحًا , فَوَجَدَهُ قَوْمه فِي الْمَعْرَكَة فَقَالُوا : مَا جَاءَ بِك ؟ أَشَفَقَة عَلَى قَوْمك , أَمْ رَغْبَة فِي الْإِسْلَام ؟ قَالَ : بَلْ رَغْبَة فِي الْإِسْلَام , قَاتَلْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ مِنْ أَهْل الْجَنَّة \" وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" كَانَ عَمْرو يَأْبَى الْإِسْلَام لِأَجْلِ رِبًا كَانَ لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة , فَلَمَّا كَانَ يَوْم أُحُد قَالَ : أَيْنَ قَوْمِي ؟ قَالُوا بِأُحُدٍ , فَأَخَذَ سَيْفه وَلَحِقَهُمْ , فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا : إِلَيْك عَنَّا , قَالَ : إِنِّي قَدْ أَسْلَمْت , فَقَاتَلَ حَتَّى جُرِحَ , فَجَاءَهُ سَعْد بْن مُعَاذ فَقَالَ : خَرَجْت غَضَبًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ , ثُمَّ مَاتَ فَدَخَلَ الْجَنَّة وَمَا صَلَّى صَلَاة. فَيُجْمَع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ الَّذِينَ رَأَوْهُ وَقَالُوا لَهُ : إِلَيْك عَنَّا , نَاس غَيْر قَوْمه , وَأَمَّا قَوْمه فَمَا شَعَرُوا بِمَجِيئِهِ حَتَّى وَجَدُوهُ فِي الْمَعْرَكَة. وَيُجْمَع بَيْنهمَا وَبَيْن حَدِيث الْبَاب بِأَنَّهُ جَاءَ أَوَّلًا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَشَارَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ , فَرَآهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَالُوا لَهُ إِلَيْك عَنَّا. وَيُؤَيِّد هَذَا الْجَمْع قَوْله لَهُمْ \" قَاتَلْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَكَأَنَّ قَوْمه وَجَدُوهُ بَعْد ذَلِكَ فَقَالُوا لَهُ مَا قَالُوا. وَيُؤَيِّد الْجَمْع أَيْضًا مَا وَقَعَ فِي سِيَاق حَدِيث الْبَرَاء عِنْد النَّسَائِيِّ , فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق نَحْو رِوَايَة إِسْرَائِيل وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَوْ أَنِّي حَمَلْت عَلَى الْقَوْم فَقَاتَلْت حَتَّى أُقْتَلَ أَكَانَ خَيْرًا لِي وَلَمْ أُصَلِّ صَلَاة ؟ قَالَ نَعَمْ \" وَنَحْوه لِسَعِيدِ بْن مَنْصُور مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي إِسْحَاق وَزَادَ فِي أَوَّله أَنَّهُ قَالَ \" أَخَيْر لِي أَنْ أُسْلِم ؟ قَالَ نَعَمْ : فَأَسْلَمَ \" فَإِنَّهُ مُوَافِق لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَة \" إِنَّهُ دَخَلَ الْجَنَّة وَمَا صَلَّى لِلَّهِ صَلَاة \" وَأَمَّا كَوْنه مِنْ بَنِي عَبْد الْأَشْهَل وَنُسِبَ فِي رِوَايَة مُسْلِم إِلَى بَنِي النَّبِيتِ فَيُمْكِن أَنْ يُحْمَل عَلَى أَنَّ لَهُ فِي بَنِي النَّبِيتِ نِسْبَة مَا , فَإِنَّهُمْ إِخْوَة بَنِي عَبْد الْأَشْهَل يَجْمَعهُمْ الِانْتِسَاب إِلَى الْأَوْس. ‏ ‏قَوْله : ( مُقَنَّع ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَالنُّون مُشَدَّدَة , وَهُوَ كِنَايَة عَنْ تَغْطِيَة وَجْهه بِآلَةِ الْحَرْب. ‏ ‏قَوْله : ( وَأُجِرَ كَثِيرًا ) ‏ ‏بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاء أَيْ أُجِرَ أَجْرًا كَثِيرًا , وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْأَجْر الْكَثِير قَدْ يَحْصُل بِالْعَمَلِ الْيَسِير فَضْلًا مِنْ اللَّه وَإِحْسَانًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2598",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو أَحْمَدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ ‏ ‏وَهِيَ ‏ ‏أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ ‏ ‏أَتَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ ‏ ‏حَارِثَةَ ‏ ‏وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏أَصَابَهُ سَهْمٌ ‏ ‏غَرْبٌ ‏ ‏فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ قَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أُمَّ حَارِثَةَ ‏ ‏إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏جَزَمَ الْكَلَابَاذِيّ وَتَبِعَهُ غَيْر وَاحِد بِأَنَّهُ الذُّهْلِيُّ , وَهُوَ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه , نَسَبَهُ الْبُخَارِيّ إِلَى جَدّه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك الْمُخَرَّمِيّ بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ اِبْن السَّكَن نَسَبَهُ مِنْ قِبَل نَفْسه وَإِلَّا فَمَا قَالَهُ هُوَ الْمُعْتَمَد. وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي التَّوْحِيد مِنْ صَحِيحه عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ عَنْ حُسَيْن بْن مُحَمَّد وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَاد. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أُمّ الرُّبَيِّع بِنْت الْبَرَاء ) ‏ ‏كَذَا لِجَمِيعِ رُوَاة الْبُخَارِيّ , وَقَالَ بَعْد ذَلِكَ \" وَهِيَ أُمّ حَارِثَة بْن سُرَاقَة \" وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَد , وَالْأَوَّل وَهْم نَبَّهَ عَلَيْهِ غَيْر وَاحِد مِنْ آخِرهمْ الدِّمْيَاطِيّ فَقَالَ : قَوْله أُمّ الرُّبَيِّع بِنْت الْبَرَاء وَهْم , وَإِنَّمَا هِيَ الرُّبَيِّع بِنْت النَّضْر عَمَّة أَنَس بْن مَالِك بْن النَّضْر بْن ضَمْضَم بْن عَمْرو , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر قَتْل أَخِيهَا أَنَس بْن النَّضْر وَذَكَرَهَا فِي آخِر حَدِيثه قَرِيبًا وَهِيَ أُمّ حَارِثَة بْن سُرَاقَة بْن الْحَارِث بْن عَدِيّ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْن النَّجَّار ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق وَمُوسَى بْن عُقْبَةَ وَغَيْرهمَا فِيمَنْ شَهِدَ بَدْرًا , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ رَمَاهُ حِبَّانَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة ثَقِيلَة اِبْن الْعَرِقَة - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الرَّاء بَعْدهَا قَاف - وَهُوَ عَلَى حَوْض فَأَصَابَ نَحْره فَمَاتَ. قُلْت : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ الْمَذْكُورَة أَنَّ الرُّبَيِّع بِنْت الْبَرَاء بِحَذْفِ \" أُمّ \" فَهَذَا أَشْبَهَ بِالصَّوَابِ , لَكِنْ لَيْسَ فِي نَسَب الرُّبَيِّع بِنْت النَّضْر أَحَد اِسْمه الْبَرَاء فَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ \" الرُّبَيِّع عَمَّة الْبَرَاء \" فَإِنَّ الْبَرَاء بْن مَالِك أَخُو أَنَس بْن مَالِك فَكُلّ مِنْهُمَا اِبْن أَخِيهَا أَنَس بْن النَّضْر , وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة فَقَالَ \" عَنْ أَنَس أَنَّ الرُّبَيِّع بِنْت النَّضْر أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ اِبْنهَا حَارِثَة بْن سُرَاقَة أُصِيبَ يَوْم بَدْر \" الْحَدِيث , وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ \" اِنْطَلَقَ حَارِثَة اِبْن عَمَّتِي فَجَاءَتْ عَمَّتِي أُمّه \" وَحَكَى أَبُو نُعَيْم الْأَصْبَهَانِيّ أَنَّ الْحَكَم بْن عَبْد الْمَلِك رَوَاهُ عَنْ قَتَادَة كَذَلِكَ وَقَالَ \" حَارِثَة بْن سُرَاقَة \" قَالَ اِبْن الْأَثِير فِي \" جَامِع الْأُصُول \" الَّذِي وَقَعَ فِي كُتُب النَّسَب وَالْمَغَازِي وَأَسْمَاء الصَّحَابَة أَنَّ أُمّ حَارِثَة هِيَ الرُّبَيِّع بِنْت النَّضْر عَمَّة أَنَس , وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ لَا وَهْم لِلْبُخَارِيّ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ إِلَّا الِاقْتِصَار عَلَى قَوْل أَنَس ( أَنَّ أُمّ حَارِثَة بْن سُرَاقَة ) قَالَ فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي رِوَايَة الْفَرَبْرِيّ حَاشِيَة لِبَعْضِ الرُّوَاة غَيْر صَحِيحَة فَأُلْحِقَتْ بِالْمَتْنِ اِنْتَهَى. وَقَدْ رَاجَعْت أَصْل النَّسَفِيِّ مِنْ نُسْخَة اِبْن عَبْد الْبَرّ فَوَجَدْتهَا مُوَافِقَة لِرِوَايَةِ الْفَرَبْرِيّ فَالنُّسْخَة الَّتِي وَقَعَتْ لِلْكَرْمَانِيِّ نَاقِصَة وَادِّعَاء الزِّيَادَة فِي مِثْل هَذَا الْكِتَاب مَرْدُود عَلَى قَائِله , وَالظَّاهِر أَنَّ لَفْظ أُمّ وَبِنْت وَهْم كَمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهه قَرِيبًا , وَالْخَطْب فِيهِ سَهْل وَلَا يَقْدَح ذَلِكَ فِي صِحَّة الْحَدِيث وَلَا فِي ضَبْط رُوَاته. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة الَّتِي ضَبَطَ فِيهَا اِسْم الرُّبَيِّع بِنْت النَّضْر وَهْم فِي اِسْم اِبْنهَا فَسَمَّاهُ \" الْحَارِث \" بَدَل \" حَارِثَة \". وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث أَبَان عَنْ قَتَادَة فَقَالَ : أَنَّ أُمّ حَارِثَة لَمْ تَرِد أَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس , وَسَيَأْتِي كَذَلِكَ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس. ثُمَّ شَرَعَ الْكَرْمَانِيُّ فِي إِبْدَاء اِحْتِمَالَات بَعِيدَة مُتَكَلَّفَة لِتَوْجِيهِ الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْبُخَارِيّ فَقَالَ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون لِلرُّبَيِّعِ اِبْن يُسَمَّى الرَّبِيع يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ مِنْ زَوْج آخَر غَيْر سُرَاقَة يُسَمَّى الْبَرَاء وَأَنْ يَكُون \" بِنْت الْبَرَاء \" خَبَرًا لِأَنَّ وَضَمِير \" هِيَ \" رَاجِع إِلَى الرُّبَيِّع وَأَنْ يَكُون \" بِنْت \" صِفَة لِوَالِدَةِ الرُّبَيِّع فَأَطْلَقَ الْأُمّ عَلَى الْجَدَّة تَجَوُّزًا وَأَنْ تَكُون إِضَاقَة الْأُمّ إِلَى الرُّبَيِّع لِلْبَيَانِ أَيْ الْأُمّ الَّتِي هِيَ الرُّبَيِّع وَبِنْت مُصَحَّف مِنْ عَمَّة , قَالَ : وَارْتِكَاب بَعْض هَذِهِ التَّكَلُّفَات أَوْلَى مِنْ تَخْطِئَة الْعُدُول الْأَثْبَات. قُلْت : إِنَّمَا اِخْتَارَ الْبُخَارِيّ رِوَايَة شَيْبَانَ عَلَى رِوَايَة سَعِيد لِتَصْرِيحِ شَيْبَانَ فِي رِوَايَته بِتَحْدِيثِ أَنَس لِقَتَادَةَ , وَلِلْبُخَارِيِّ حِرْص عَلَى مِثْل ذَلِكَ إِذَا وَقَعَتْ الرِّوَايَة عَنْ مُدَلِّس أَوْ مُعَاصِر , وَقَدْ قَالَ هُوَ فِي تَسْمِيَة مَنْ شَهِدَ بَدْرًا \" وَحَارِثَة اِبْن الرُّبَيِّع وَهُوَ حَارِثَة بْن سُرَاقَة \" فَلَمْ يَعْتَمِد عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة شَيْبَانَ أَنَّهُ حَارِثَة بْن أُمّ الرُّبَيِّع بَلْ جَزَمَ بِالصَّوَابِ , وَالرُّبَيِّع أُمّه وَسُرَاقَة أَبُوهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَصَابَهُ سَهْم غَرَب ) ‏ ‏أَيْ لَا يُعْرَف رَامِيه , أَوْ لَا يُعْرَف مِنْ أَيْنَ أَتَى , أَوْ جَاءَ عَلَى غَيْر قَصْد مِنْ رَامِيه قَالَهُ أَبُو عُبَيْد وَغَيْره. وَالثَّابِت فِي الرِّوَايَة بِالتَّنْوِينِ وَسُكُون الرَّاء , وَأَنْكَرَهُ اِبْن قُتَيْبَة فَقَالَ : كَذَا تَقُولهُ الْعَامَّة وَالْأَجْوَد فَتْح الرَّاء وَالْإِضَافَة , وَحَكَى الْهَرَوِيُّ عَنْ اِبْن زَيْد : أَنْ جَاءَ مِنْ حَيْثُ لَا يُعْرَف فَهُوَ بِالتَّنْوِينِ وَالْإِسْكَان , وَإِنْ عُرِفَ رَامِيه لَكِنْ أَصَابَ مَنْ لَمْ يَقْصِد فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ وَفَتْح الرَّاء , قَالَ : وَذَكَرَهُ الْأَزْهَرِيّ بِفَتْحِ الرَّاء لَا غَيْر , وَحَكَى اِبْن دُرَيْدٍ وَابْن فَارِس وَالْقَزَّاز وَصَاحِب الْمُنْتَهَى وَغَيْرهمْ الْوَجْهَيْنِ مُطْلَقًا , وَقَالَ اِبْن سِيده : أَصَابَهُ سَهْم غَرَب وَغَرَب إِذَا لَمْ يَدْرِ مَنْ رَمَاهُ , وَقِيلَ إِذَا أَتَاهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي , وَقِيلَ إِذَا قَصَدَ غَيْره فَأَصَابَهُ , قَالَ وَقَدْ يُوصَف بِهِ. قُلْت : فَحَصَلْنَا مِنْ هَذَا عَلَى أَرْبَعَة أَوْجُه. وَقِصَّة حَارِثَة مُنَزَّلَة عَلَى الثَّانِي فَإِنَّ الَّذِي رَمَاهُ قَصَدَ غِرَّته فَرَمَاهُ وَحَارِثَة لَا يَشْعُر بِهِ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة ثَابِت عِنْد أَحْمَد أَنَّ حَارِثَة خَرَجَ نَظَّارًا , زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه : مَا خَرَجَ لِقِتَالٍ. ‏ ‏قَوْله : ( اِجْتَهَدَتْ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاء ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَقَرَّهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا أَيْ فَيُؤْخَذ مِنْهُ الْجَوَاز. قُلْت : كَانَ ذَلِكَ قَبْل تَحْرِيم النَّوْح فَلَا دَلَالَة فِيهِ , فَإِنَّ تَحْرِيمه كَانَ عَقِب غَزْوَة أُحُد , وَهَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ عَقِب غَزْوَة بَدْر. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة \" اِجْتَهَدَتْ فِي الدُّعَاء \" بَدَل قَوْله \" فِي الْبُكَاء \" وَهُوَ خَطَأ , وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي بَعْض النُّسَخ دُون بَعْض , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ الْآتِيَة فِي صِفَة الْجَنَّة مِنْ الرِّقَاق وَعِنْد النَّسَائِيِّ \" فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّة لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ \" وَهُوَ دَالّ عَلَى صِحَّة الرِّوَايَة بِلَفْظِ الْبُكَاء , وَقَالَ فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ هَذِهِ \" وَإِلَّا فَسَتَرَى مَا أَصْنَعهُ \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة حَمَّاد عَنْ ثَابِت عِنْد أَحْمَد. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّهَا جِنَان فِي الْجَنَّة ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة , \" أَنَّهَا جِنَان فِي جَنَّة \" وَفِي رِوَايَة أَبَان عِنْد أَحْمَد \" أَنَّهَا جِنَان كَثِيرَة فِي جَنَّة \" وَفِي رِوَايَة حُمَيْدٍ الْمَذْكُورَة \" أَنَّهَا جِنَان كَثِيرَة \" فَقَطْ , وَالضَّمِير فِي قَوْله \" إِنَّهَا جِنَان \" يُفَسِّرهُ مَا بَعْده , وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ : هِيَ الْعَرَب تَقُول مَا شَاءَتْ , وَالْقَصْد بِذَلِكَ التَّفْخِيم وَالتَّعْظِيم , وَمَضَى الْكَلَام عَلَى \" الْفِرْدَوْس \" قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2599",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ ‏ ‏لِلْمَغْنَمِ ‏ ‏وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ ‏ ‏لِلذِّكْرِ ‏ ‏وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ ‏ ‏لِيُرَى مَكَانُهُ ‏ ‏فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُرَّة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ أَبِي مُوسَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة فِي فَرْض الْخُمُس \" سَمِعْت أَبَا وَائِل حَدَّثَنَا أَبَا مُوسَى \". ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ رَجُل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غُنْدَر الْمَذْكُورَة \" قَالَ أَعْرَابِيّ \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى وَهْم مَا وَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْه آخَر \" عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُول اللَّه \" فَذَكَرَهُ , فَإِنَّ أَبَا مُوسَى وَإِنْ جَازَ أَنْ يُبْهِم نَفْسه لَكِنْ لَا يَصِفهَا بِكَوْنِهِ أَعْرَابِيًّا , وَهَذَا الْأَعْرَابِيّ يَصْلُح أَنْ يُفَسَّر بِلَاحِقِ بْن ضُمَيْرَة , وَحَدِيثه عِنْد أَبِي مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي \" الصَّحَابَة \" مِنْ طَرِيق عُفَيْر بْن مَعْدَان \" سَمِعْت لَاحِق بْن ضُمَيْرَة الْبَاهِلِيّ قَالَ : وَفَدْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْته عَنْ الرَّجُل يَلْتَمِس الْأَجْر وَالذِّكْر فَقَالَ : لَا شَيْء لَهُ \" الْحَدِيث , وَفِي إِسْنَاده ضَعْف , وَرُوِّينَا فِي \" فَوَائِد أَبِي بَكْر بْن أَبِي الْحَدِيد \" بِإِسْنَادٍ ضَعِيف , عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه كُلّ بَنِي سَلَمَة يُقَاتِل فَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِل رِيَاء الْحَدِيث فَلَوْ صَحَّ لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون مُعَاذ أَيْضًا سَأَلَ عَمَّا سَأَلَ عَنْهُ الْأَعْرَابِيّ , لِأَنَّ سُؤَال مُعَاذ خَاصّ وَسُؤَال الْأَعْرَابِيّ عَامّ , وَمُعَاذ أَيْضًا لَا يُقَال لَهُ أَعْرَابِيّ فَيُحْمَل عَلَى التَّعَدُّد. ‏ ‏قَوْله : ( الرَّجُل يُقَاتِل لِلْمَغْنَمِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَنْصُور عَنْ أَبِي وَائِل الْمَاضِيَة فِي الْعِلْم \" فَقَالَ مَا الْقِتَال فِي سَبِيل اللَّه ؟ فَإِنَّ أَحَدنَا يُقَاتِل \". ‏ ‏قَوْله : ( وَالرَّجُل يُقَاتِل لِلذِّكْرِ ) ‏ ‏أَيْ لِيُذْكَر بَيْن النَّاس وَيَشْتَهِر بِالشَّجَاعَةِ وَهِيَ رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل الْآتِيَة فِي التَّوْحِيد حَيْثُ قَالَ \" وَيُقَاتِل شَجَاعَة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَالرَّجُل يُقَاتِل لِيَرَى مَكَانه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" وَيُقَاتِل رِيَاء \" فَمَرْجِع الَّذِي قَبْله إِلَى السُّمْعَة وَمَرْجِع هَذَا إِلَى الرِّيَاء وَكِلَاهُمَا مَذْمُوم , وَزَادَ فِي رِوَايَة مَنْصُور وَالْأَعْمَش \" وَيُقَاتِل حَمِيَّة \" أَيْ لِمَنْ يُقَاتِل لِأَجْلِهِ مِنْ أَهْل أَوْ عَشِيرَة أَوْ صَاحِب , وَزَادَ فِي رِوَايَة مَنْصُور \" وَيُقَاتِل غَضَبًا \" أَيْ لِأَجْلِ حَظّ نَفْسه , وَيَحْتَمِل أَنْ يُفَسَّر الْقِتَال لِلَّحْمِيَّةِ بِدَفْعِ الْمَضَرَّة , وَالْقِتَال غَضَبًا بِجَلْبِ الْمَنْفَعَة , فَالْحَاصِل مِنْ رِوَايَاتهمْ أَنَّ الْقِتَال يَقَع بِسَبَبِ خَمْسَة أَشْيَاء : طَلَب الْمَغْنَم , وَإِظْهَار الشَّجَاعَة , وَالرِّيَاء , وَالْحَمِيَّة , وَالْغَضَب , وَكُلّ مِنْهَا يَتَنَاوَلهُ الْمَدْح وَالذَّمّ , فَلِهَذَا لَمْ يَحْصُل الْجَوَاب بِالْإِثْبَاتِ وَلَا بِالنَّفْيِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَة اللَّه هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيل اللَّه ) ‏ ‏الْمُرَاد بِكَلِمَةِ اللَّه دَعْوَة اللَّه إِلَى الْإِسْلَام , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَكُون فِي سَبِيل اللَّه إِلَّا مَنْ كَانَ سَبَب قِتَاله طَلَب إِعْلَاء كَلِمَة اللَّه فَقَطْ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ أَضَافَ إِلَى ذَلِكَ سَبَبًا مِنْ الْأَسْبَاب الْمَذْكُورَة أَخَلَّ بِذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ لَا يُخِلّ إِذَا حَصَلَ ضِمْنًا لَا أَصْلًا وَمَقْصُودًا وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الطَّبَرِيُّ فَقَالَ : إِذَا كَانَ أَصْل الْبَاعِث هُوَ الْأَوَّل لَا يَضُرّهُ مَا عَرَضَ لَهُ بَعْد ذَلِكَ , وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُور , لَكِنْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ بِإِسْنَادٍ جَيِّد قَالَ \" جَاءَ رَجُل فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه : أَرَأَيْت رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِس الْأَجْر وَالذِّكْر مَاله ؟ قَالَ لَا شَيْء لَهُ , فَأَعَادَهَا ثَلَاثًا كُلّ ذَلِكَ يَقُول : لَا شَيْء لَهُ , ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّه لَا يَقْبَل مِنْ الْعَمَل إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهه \" وَيُمْكِن أَنْ يُحْمَل هَذَا عَلَى مَنْ قَصَدَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا عَلَى حَدّ وَاحِد فَلَا يُخَالِف الْمُرَجَّح أَوَّلًا , فَتَصِير الْمَرَاتِب خَمْسًا : أَنْ يَقْصِد الشَّيْئَيْنِ مَعًا , أَوْ يَقْصِد أَحَدهمَا صَرْفًا أَوْ يَقْصِد أَحَدهمَا وَيَحْصُل الْآخَر ضِمْنًا , فَالْمَحْذُور أَنْ يَقْصِد غَيْر الْإِعْلَاء , فَقَدْ يَحْصُل الْإِعْلَاء ضِمْنًا , وَقَدْ لَا يَحْصُل وَيَدْخُل تَحْته مَرْتَبَتَانِ , وَهَذَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي مُوسَى , وَدُونه أَنْ يَقْصِدهُمَا مَعًا فَهُوَ مَحْذُور أَيْضًا عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ , وَالْمَطْلُوب أَنْ يَقْصِد الْإِعْلَاء صَرْفًا , وَقَدْ يَحْصُل غَيْر الْإِعْلَاء وَقَدْ لَا يَحْصُل فَفِيهِ مَرْتَبَتَانِ أَيْضًا , قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْبَاعِث الْأَوَّل قَصْد إِعْلَاء كَلِمَة اللَّه لَمْ يَضُرّهُ مَا اِنْضَافَ إِلَيْهِ ا ه. وَيَدُلّ عَلَى أَنَّ دُخُول غَيْر الْإِعْلَاء ضِمْنًا لَا يَقْدَح فِي الْإِعْلَاء إِذَا كَانَ الْإِعْلَاء هُوَ الْبَاعِث الْأَصْلِيّ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ عَبْد اللَّه بْن حَوَالَة قَالَ \" بَعَثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَقْدَامنَا لِنَغْنَم , فَرَجَعْنَا وَلَمْ نَغْنَم شَيْئًا , فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَا تَكِلهُمْ إِلَى \" الْحَدِيث. وَفِي إِجَابَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا ذَكَرَ غَايَة الْبَلَاغَة وَالْإِيجَاز , وَهُوَ مِنْ جَوَامِع كَلِمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِأَنَّهُ لَوْ أَجَابَهُ بِأَنَّ جَمِيع مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ فِي سَبِيل اللَّه اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون مَا عَدَا ذَلِكَ كُلّه فِي سَبِيل اللَّه وَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَعَدَلَ إِلَى لَفْظ جَامِع عَدَلَ بِهِ عَنْ الْجَوَاب عَنْ مَاهِيَّة الْقِتَال إِلَى حَال الْمُقَاتِل فَتَضَمَّنَ الْجَوَاب وَزِيَادَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الضَّمِير فِي قَوْله \" فَهُوَ \" رَاجِعًا إِلَى الْقِتَال الَّذِي فِي ضِمْن قَاتَلَ أَيْ فَقِتَاله قِتَال فِي سَبِيل اللَّه , وَاشْتَمَلَ طَلَب إِعْلَاء كَلِمَة اللَّه عَلَى طَلَب رِضَاهُ وَطَلَب ثَوَابه وَطَلَب دَحْض أَعْدَائِهِ وَكُلّهَا مُتَلَازِمَة. وَالْحَاصِل مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْقِتَال مَنْشَؤُهُ الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة وَالْقُوَّة الْغَضَبِيَّة وَالْقُوَّة الشَّهْوَانِيَّة , وَلَا يَكُون فِي سَبِيل اللَّه إِلَّا الْأَوَّل , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا عَدَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَفْظ جَوَاب السَّائِل لِأَنَّ الْغَضَب وَالْحَمِيَّة قَدْ يَكُونَانِ لِلَّهِ فَعَدَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ إِلَى لَفْظ جَامِع فَأَفَادَ دَفْع الْإِلْبَاس وَزِيَادَة الْإِفْهَام , وَفِيهِ بَيَان أَنَّ الْأَعْمَال إِنَّمَا تُحْتَسَب بِالنِّيَّةِ الصَّالِحَة , وَأَنَّ الْفَضْل الَّذِي وَرَدَ فِي الْمُجَاهِد يَخْتَصّ بِمَنْ ذُكِرَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض مَبَاحِثه فِي أَوَاخِر كِتَاب الْعِلْم. وَفِيهِ جَوَاز السُّؤَال عَنْ الْعِلَّة وَتَقَدَّمَ الْعِلْم عَلَى الْعَمَل , وَفِيهِ ذَمّ الْحِرْص عَلَى الدُّنْيَا وَعَلَى الْقِتَال لِحَظِّ النَّفْس فِي غَيْر الطَّاعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2600",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو عَبْسٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : نَسَبه الْأَصِيلِيّ بْن مَنْصُور. قُلْت : وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن زَيْد الْخَطَّابِيِّ نَزِيل حَرَّان عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُبَارَك الْمَذْكُور , لَكِنْ زَادَ فِي آخِر الْمَتْن قَوْله \" فَتَمَسّهَا النَّار أَبَدًا \" فَالظَّاهِر أَنَّهُ اِبْن مَنْصُور , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ أَبَا نُعَيْم أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ إِسْحَاق بْن مَنْصُور , وَيَزِيد الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد بِالزَّايِ , وَعَبَايَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة , وَأَبُو عَبْس بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَة هُوَ اِبْن جَبْر بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْمُوَحَّدَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَا اِغْبَرَّتَا ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بِالتَّثْنِيَةِ وَهُوَ لُغَة , وَلِلْبَاقِينَ \" مَا اِغْبَرَّتْ \" وَهُوَ الْأَفْصَح , زَادَ أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" سَاعَة مِنْ نَهَار \". ‏ ‏وَقَوْله \" فَتَمَسّهُ النَّار \" ‏ ‏بِالنَّصْبِ , وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَسّ يَنْتَفِي بِوُجُودِ الْغُبَار الْمَذْكُور , وَفِي ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى عَظِيم قَدْر التَّصَرُّف فِي سَبِيل اللَّه , فَإِذَا كَانَ مُجَرَّد مَسّ الْغُبَار لِلْقَدَمِ يُحَرِّم عَلَيْهَا النَّار فَكَيْفَ بِمَنْ سَعَى وَبَذَلَ جَهْده وَاسْتَنْفَدَ وُسْعه ؟ وَلِلْحَدِيثِ شَوَاهِد : مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء مَرْفُوعًا \" مَنْ اِغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيل اللَّه بَاعَدَ اللَّه مِنْهُ النَّار مَسِيرَة أَلْف عَام لِلرَّاكِبِ الْمُسْتَعْجِل \" وَأَخْرَجَ اِبْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث جَابِر أَنَّهُ كَانَ فِي غَزَاة فَقَالَ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث الْبَاب , قَالَ : فَتَوَاثَبَ النَّاس عَنْ دَوَابّهمْ , فَمَا رُؤِيَ أَكْثَر مَاشِيًا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْم. ‏"
    },
    {
        "id": "2601",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ لَهُ ‏ ‏وَلِعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏ائْتِيَا ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي ‏ ‏حَائِطٍ ‏ ‏لَهُمَا يَسْقِيَانِهِ فَلَمَّا رَآنَا جَاءَ فَاحْتَبَى وَجَلَسَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏كُنَّا نَنْقُلُ ‏ ‏لَبِنَ ‏ ‏الْمَسْجِدِ ‏ ‏لَبِنَةً ‏ ‏لَبِنَةً ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عَمَّارٌ ‏ ‏يَنْقُلُ ‏ ‏لَبِنَتَيْنِ ‏ ‏لَبِنَتَيْنِ ‏ ‏فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَسَحَ عَنْ رَأْسِهِ الْغُبَارَ وَقَالَ ‏ ‏وَيْحَ ‏ ‏عَمَّارٍ ‏ ‏تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ ‏ ‏الْبَاغِيَةُ ‏ ‏عَمَّارٌ ‏ ‏يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي قِصَّة عَمَّار فِي بِنَاء الْمَسْجِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب التَّعَاوُن فِي بِنَاء الْمَسْجِد \" فِي أَوَائِل الصَّلَاة , وَفِيهِ مَا يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ \" فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِط لَهُمَا \" وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا قَوْله \" وَمَرَّ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ عَنْ رَأْسه الْغُبَار \". ‏"
    },
    {
        "id": "2602",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ فَأَتَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏وَقَدْ ‏ ‏عَصَبَ ‏ ‏رَأْسَهُ الْغُبَارُ فَقَالَ ‏ ‏وَضَعْتَ السِّلَاحَ فَوَاللَّهِ مَا وَضَعْتُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَيْنَ قَالَ هَا هُنَا ‏ ‏وَأَوْمَأَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏بَنِي قُرَيْظَةَ ‏ ‏قَالَتْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيث عَائِشَة فِي اِغْتِسَاله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْخَنْدَق , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي. وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" وَوَضَعَ \" أَيْ السِّلَاح وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَنَسَبَهُ أَبُو ذَرّ فَقَالَ \" اِبْن سَلَام \" ‏ ‏وَقَوْله \" عَصَبَ \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالتَّخْفِيف أَيْ أَحَاطَ بِهِ فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْل الْعِصَابَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2603",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ ‏ ‏بِئْرِ مَعُونَةَ ‏ ‏ثَلَاثِينَ غَدَاةً عَلَى ‏ ‏رِعْلٍ ‏ ‏وَذَكْوَانَ ‏ ‏وَعُصَيَّةَ ‏ ‏عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏أُنْزِلَ فِي الَّذِينَ قُتِلُوا ‏ ‏بِبِئْرِ مَعُونَةَ ‏ ‏قُرْآنٌ قَرَأْنَاهُ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الَّذِينَ قُتِلُوا فِي بِئْر مَعُونَة أَوْرَدَهَا مُخْتَصَرَة , وَسَتَأْتِي بِتَمَامِهَا فِي الْمَغَازِي , وَأَشَارَ بِإِيرَادِ الْآيَة إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه كَمَا سَأَذْكُرُهُ هُنَاكَ فِي آخِره عِنْد قَوْله \" فَأَنْزَلَ فِيهِمْ بَلِّغُوا قَوْمنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ , زَادَ عُمَر بْن يُونُس عَنْ إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة فِيهِ \" فَنُسِخَ بَعْدَمَا قَرَأْنَاهُ زَمَانًا وَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( وَلَا تَحْسَبَن الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه ) الْآيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2604",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اصْطَبَحَ ‏ ‏نَاسٌ الْخَمْرَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ فَقِيلَ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ قَالَ لَيْسَ هَذَا فِيهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر \" اِصْطَبَحَ نَاس الْخَمْر يَوْم أُحُد ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاء \" سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي أَنَّ وَالِد جَابِر كَانَ مِنْ جُمْلَة مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِمْ , قَالَ اِبْن الْمُنِير : مُطَابَقَته لِلتَّرْجَمَةِ فِيهِ عُسْر , إِلَّا أَنْ يَكُون مُرَاده أَنَّ الْخَمْر الَّتِي شَرِبُوهَا يَوْمئِذٍ لَمْ تَضُرّهُمْ لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَثْنَى عَلَيْهِمْ بَعْد مَوْتهمْ وَرَفَعَ عَنْهُمْ الْخَوْف وَالْحُزْن , وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَتْ يَوْمئِذٍ مُبَاحَة. ‏ ‏قُلْت : وَيُمْكِن أَنْ يَكُون أَوْرَدَهُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَحَد الْأَقْوَال فِي سَبَب نُزُول الْآيَة الْمُتَرْجِم بِهَا , فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث جَابِر أَيْضًا أَنَّ اللَّه لَمَّا كَلَّمَ وَالِد جَابِر وَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِع إِلَى الدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ \" يَا رَبّ بَلِّغْ مَنْ وَرَائِي , فَأَنْزَلَ اللَّه ( وَلَا تَحْسَبَن الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه ) الْآيَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ لِسُفْيَان \" مِنْ آخِر ذَلِكَ الْيَوْم \" قَالَ : لَيْسَ هَذَا فِيهِ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ فِي الْحَدِيث \" فَقُتِلُوا شُهَدَاء مِنْ آخِر ذَلِكَ الْيَوْم \" فَأَنْكَرَ ذَلِكَ سُفْيَان , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْقَوَارِيرِيّ عَنْ سُفْيَان بِهَذِهِ الزِّيَادَة وَلَكِنْ بِلَفْظِ \" اِصْطَبَحَ قَوْم الْخَمْر أَوَّل النَّهَار وَقُتِلُوا آخِر النَّهَار شُهَدَاء \" فَلَعَلَّ سُفْيَان كَانَ نَسِيَهُ ثُمَّ تَذَكَّرَ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الْمَغَازِي عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد عَنْ سُفْيَان بِدُونِ الزِّيَادَة , وَأَخْرَجَهُ فِي تَفْسِير الْمَائِدَة عَنْ صَدَقَة بْن الْفَضْل عَنْ سُفْيَان بِإِثْبَاتِهَا , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْحه فِي كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2605",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏جِيءَ بِأَبِي إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ وَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ فَنَهَانِي قَوْمِي فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ فَقِيلَ ‏ ‏ابْنَةُ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أُخْتُ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لِمَ تَبْكِي أَوْ ‏ ‏لَا تَبْكِي مَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِصَدَقَةَ ‏ ‏أَفِيهِ حَتَّى رُفِعَ ‏ ‏قَالَ رُبَّمَا قَالَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِصَدَقَةَ ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ الْمُصَنِّف , وَصَدَقَة هُوَ اِبْن الْفَضْل شَيْخه فِيهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ عَنْ سُفْيَان وَفِي آخِره \" حَتَّى رَفَعَ \" وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيّ وَجَمَاعَة عَنْ سُفْيَان. ‏"
    },
    {
        "id": "2606",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنْ الْكَرَامَةِ ‏",
        "sharh": "قَوْل شُعْبَة فِي الْإِسْنَاد ‏ ‏( سَمِعْت قَتَادَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي خَالِد الْأَحْمَر عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَة وَحُمَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَنَس أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَحَد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي خَالِد \" مَا مِنْ نَفْس \". ‏ ‏قَوْله : ( يَدْخُل الْجَنَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي خَالِد \" لَهَا عِنْد اللَّه خَيْر \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَهُ مَا عَلَى الْأَرْض مِنْ شَيْء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي خَالِد \" وَأَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( لِمَا يَرَى مِنْ الْكَرَامَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي خَالِد \" لِمَا يَرَى مِنْ فَضْل الشَّهَادَة \" , وَلَمْ يَقُلْ عَشْر مَرَّات , وَكَأَنَّ أَبَا خَالِد سَاقَهُ عَلَى لَفْظ حُمَيْدٍ وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا الْحَدِيث أَجَلّ مَا جَاءَ فِي فَضْل الشَّهَادَة , قَالَ : وَلَيْسَ فِي أَعْمَال الْبِرّ مَا تُبْذَل فِيهِ النَّفْس غَيْر الْجِهَاد فَلِذَلِكَ عَظُمَ فِيهِ الثَّوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "2607",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَكَانَ كَاتِبَهُ ‏ ‏قَالَ كَتَبَ إِلَيْهِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏الْأُوَيْسِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ , ‏ ‏وَأَبُو إِسْحَاق ‏ ‏هُوَ الْفَزَارِيُّ ‏ ‏وَعُمَر بْن عُبَيْد اللَّه ‏ ‏أَيْ اِبْن مَعْمَر هُوَ التَّيْمِيُّ وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى حَرْب الْخَوَارِج. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ كَاتِبه ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ سَالِمًا كَانَ كَاتِب عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى. ‏ ‏قَالَ ( كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى ) ‏ ‏الضَّمِير لِعُمَر بْن عُبَيْد اللَّه , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي التَّتَبُّع : أَخْرَجَا حَدِيث مُوسَى بْن عُقْبَةَ عَنْ أَبِي النَّضْر مَوْلَى عُمَر بْن عُبَيْد اللَّه قَالَ \" كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى فَقَرَأْته \" الْحَدِيث. وَقَالَ أَبُو النَّضْر لَمْ يَسْمَع مِنْ اِبْن أَبِي أَوْفَى فَهُوَ حُجَّة فِي رِوَايَة الْمُكَاتَبَة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ شَرْط الرِّوَايَة بِالْمُكَاتَبَةِ عِنْد أَهْل الْحَدِيث أَنْ تَكُون الرِّوَايَة صَادِرَة إِلَى الْمَكْتُوب إِلَيْهِ , وَابْن أَبِي أَوْفَى لَمْ يَكْتُب إِلَى سَالِم إِنَّمَا كَتَبَ إِلَى عُمَر بْن عُبَيْد اللَّه فَعَلَى هَذَا تَكُون رِوَايَة سَالِم لَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى مِنْ صُوَر الْوِجَادَة , وَيُمْكِن أَنْ يُقَال : الظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة سَالِم عَنْ مَوْلَاهُ عُمَر بْن عُبَيْد اللَّه بِقِرَاءَتِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ كَاتَبَهُ أُبَيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ فَيَصِير حِينَئِذٍ مِنْ صُوَر الْمُكَاتَبَة , وَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى مَنْ صَنَّفَ فِي رِجَال الصَّحِيحَيْنِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا لِعُمَر بْن عُبَيْد اللَّه تَرْجَمَة , وَقَدْ ذَكَرَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَذَكَرَ لَهُ رِوَايَة عَنْ بَعْض التَّابِعِينَ وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ جَرْحًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّة ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا , وَذَكَرَ طَرَفًا مِنْهُ أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَاد بَعْد أَبْوَاب فِي \" بَاب الصَّبْر عِنْد الْقِتَال \" وَأَخْرَجَهُ بَعْد أَبْوَاب كَثِيرَة فِي \" بَاب تَأْخِير الْقِتَال حَتَّى تَزُول الشَّمْس \" بِهَذَا الْإِسْنَاد مُطَوَّلًا , ثُمَّ أَخْرَجَهُ بَعْد أَبْوَاب أَيْضًا مُطَوَّلًا مِنْ وَجْه آخَر فِي النَّهْي عَنْ تَمَنِّي لِقَاء الْعَدُوّ , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى شَرْحه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ الْأُوَيْسِيّ عَنْ اِبْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَةَ ) ‏ ‏قُلْت : الْأُوَيْسِيّ هُوَ عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه أَحَد شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ بِهَذَا الْحَدِيث مَوْصُولًا خَارِج الصَّحِيح , وَرُوِّينَاهُ فِي كِتَاب الْجِهَاد لِابْنِ أَبِي عَاصِم قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْبُخَارِيّ بِهِ , وَقَدْ رَوَاهُ عُمَر بْن شَبَّة عَنْ الْأُوَيْسِيّ فَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم الْخَنْدَق. قَالَ الْمُهَلَّب : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث جَوَاز الْقَوْل بِأَنَّ قَتْلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّة , لَكِنْ عَلَى الْإِجْمَال لَا عَلَى التَّعْيِين. ‏"
    },
    {
        "id": "2608",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ وَاقِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ وَقَالَ وَجَدْنَاهُ بَحْرًا ‏",
        "sharh": "عَنْ أَنَس قَالَ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْجَع النَّاس , وَسَيَأْتِي شَرْحه بَعْد عِشْرِينَ بَابًا , وَمَضَى بَعْض شَرْحه فِي آخِر الْهِبَة. ‏ ‏وَقَوْله \" وَجَدْنَاهُ بَحْرًا \" ‏ ‏أَيْ وَاسِع الْجَرْي. ‏"
    },
    {
        "id": "2609",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ‏ ‏أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَعَهُ النَّاسُ ‏ ‏مَقْفَلَهُ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏فَعَلِقَهُ ‏ ‏النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى ‏ ‏سَمُرَةٍ ‏ ‏فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ فَوَقَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَعْطُونِي رِدَائِي لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ ‏ ‏الْعِضَاهِ ‏ ‏نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث جُبَيْر بْن مُطْعِم فِي مَقْفَله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُنَيْنٍ , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله فِي آخِره \" ثُمَّ لَا تَجِدُونَنِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا \" وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب فَرْض الْخُمُس. وَعُمَر بْن مُحَمَّد بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْر الزُّهْرِيِّ , وَقَدْ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ , وَهَذَا مِثَال لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ شَرْط الْبُخَارِيّ أَنْ لَا يَرْوِي الْحَدِيث الَّذِي يُخْرِجهُ أَقَلّ مِنْ اِثْنَيْنِ عَنْ أَقَلّ مِنْ اِثْنَيْنِ , فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيث مَا رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّد بْن جُبَيْر غَيْر وَلَده عُمَر , ثُمَّ مَا رَوَاهُ عَنْ عُمَر غَيْر الزُّهْرِيِّ , هَذَا مَعَ تَفَرُّد الزُّهْرِيِّ بِالرِّوَايَةِ عَنْ عُمَر مُطْلَقًا , وَقَدْ سَمِعَ الزُّهْرِيُّ مِنْ مُحَمَّد بْن جُبَيْر أَحَادِيث , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع هَذَا مِنْهُ فَحَمَلَهُ عَنْ وَلَده وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" مَقْفَله \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم , وَسُكُون الْقَاف وَفَتْح الْفَاء وَبِاللَّامِ يَعْنِي زَمَان رُجُوعه , ‏ ‏وَقَوْله فَعَلِقَتْ ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْر اللَّام الْخَفِيفَة بَعْدهَا قَاف , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَطَفِقَتْ \" وَهُوَ بِوَزْنِهِ وَمَعْنَاهُ. ‏ ‏وَقَوْله \" اِضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَة \" ‏ ‏أَيْ أَلْجَئُوهُ وَإِلَى شَجَرَة مِنْ شَجَر الْبَادِيَة ذَات شَوْك , ‏ ‏وَقَوْله \" فَخَطِفَتْ \" ‏ ‏بِكَسْرِ الطَّاء , ‏ ‏وَقَوْله \" الْعِضَاه \" ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُعْجَمَة خَفِيفَة وَفِي آخِره هَاء هُوَ شَجَر ذُو شَوْك , يُقْرَأ فِي الْوَصْل وَفِي الْوَقْف بِالْهَاءِ , ‏ ‏وَقَوْله \" نَعَمْ \" ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَالْعَيْن كَذَا لِأَبِي ذَرّ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ اِسْم كَانَ. وَ \" عَدَد \" بِالنَّصْبِ خَبَر مُقَدَّم , وَلِغَيْرِهِ , \" نِعَمًا \" بِالنَّصْبِ إِمَّا عَلَى التَّمْيِيز وَإِمَّا عَلَى أَنَّهُ الْخَبَر وَعَدَد هُوَ الِاسْم , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2610",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيَّ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُ الْمُعَلِّمُ الْغِلْمَانَ الْكِتَابَةَ وَيَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ‏ ‏فَحَدَّثْتُ بِهِ ‏ ‏مُصْعَبًا ‏ ‏فَصَدَّقَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَعْد وَهُوَ اِبْن أَبِي وَقَّاص فِي التَّعَوُّذ مِنْ الْجُبْن وَغَيْره وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الدَّعَوَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِره \" فَحَدَّثْت بِهِ مُصْعَبًا فَصَدَّقَهُ \" ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر , وَمُصْعَب هُوَ اِبْن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , وَأَغْرَبَ الْمِزِّيّ فَقَالَ فِي الْأَطْرَاف فِي رِوَايَة عَمْرو بْن مَيْمُون هَذِهِ عَنْ سَعْد : لَمْ يَذْكُر الْبُخَارِيّ مُصْعَبًا وَذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ , كَذَا قَالَ , وَهُوَ ثَابِت عِنْد الْبُخَارِيّ فِي جَمِيع الرِّوَايَات. ‏ ‏وَقَوْله فِي أَوَّله \" كَانَ سَعْد يُعَلِّم بَنِيهِ \" ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِينهمْ , وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّد بْن سَعْد فِي الطَّبَقَات أَوْلَاد سَعْد فَذَكَرَ مِنْ الذُّكُور أَرْبَعَة عَشَر نَفْسًا وَمِنْ الْإِنَاث سَبْع عَشْرَة وَرَوَى عَنْهُ الْحَدِيث مِنْهُمْ خَمْسَة : عَامِر وَمُحَمَّد وَمُصْعَب وَعَائِشَة وَعُمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "2611",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس بْن مَالِك فِي التَّعَوُّذ مِنْ الْعَجْز وَالْكَسَل وَغَيْرهمَا وَسَيَأْتِي شَرْحه أَيْضًا فِي الدَّعَوَات , وَالْفَرْق بَيْن الْعَجْز وَالْكَسَل أَنَّ الْكَسَل تَرْك الشَّيْء مَعَ الْقُدْرَة عَلَى الْأَخْذ فِي عَمَله , وَالْعَجْز عَدَم الْقُدْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2612",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ صَحِبْتُ ‏ ‏طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَسَعْدًا ‏ ‏وَالْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ ‏ ‏وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ ‏ ‏طَلْحَةَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ يَوْمِ ‏ ‏أُحُدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَاتِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل , ‏ ‏وَمُحَمَّد بْن يُوسُف ‏ ‏هُوَ الْكِنْدِيّ وَهُوَ سَبْط لِلسَّائِبِ الْمَذْكُور , ‏ ‏وَالسَّائِب ‏ ‏صَحَابِيّ صَغِير اِبْن صَحَابِيَّيْنِ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ إِلَّا قُتَيْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَعْدًا ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي وَقَّاص. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا سَمِعْت أَحَدًا مِنْهُمْ يُحَدِّث عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ عَنْ السَّائِب \" صَحِبْت سَعْد بْن مَالِك مِنْ الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة فَمَا سَمِعْته يُحَدِّث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَدِيثِ وَاحِد \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ , وَسَعْد بْن مَالِك هُوَ اِبْن أَبِي وَقَّاص , وَأَخْرَجَ آدَم بْن أَبِي إِيَاس فِي الْعِلْم لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه فَقَالَ فِيهِ \" صَحِبْت سَعْدًا كَذَا وَكَذَا سَنَة \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا أَنِّي سَمِعْت طَلْحَة يُحَدِّث عَنْ يَوْم أُحُد ) ‏ ‏لَمْ يُعَيِّن مَا حَدَّثَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن خَصِيفَة عَنْ السَّائِب بْن يَزِيد عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ طَلْحَة أَنَّهُ ظَاهِر بَيْن دِرْعَيْنِ يَوْم أُحُد , قَالَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره : كَانَ كَثِير مِنْ كِبَار الصَّحَابَة لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَشْيَة الْمَزِيد وَالنُّقْصَان , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي الْعِلْم , وَأَمَّا تَحْدِيث طَلْحَة فَهُوَ جَائِز إِذَا أَمِنَ الرِّيَاء وَالْعُجْب , وَيَتَرَقَّى إِلَى الِاسْتِحْبَاب إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَقْتَدِي بِفِعْلِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2613",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ ‏ ‏لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا ‏ ‏اسْتُنْفِرْتُمْ ‏ ‏فَانْفِرُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح ) ‏ ‏أَيْ فَتْح مَكَّة , قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : كَانَتْ الْهِجْرَة فَرْضًا فِي أَوَّل الْإِسْلَام عَلَى مَنْ أَسْلَمَ لِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَدِينَةِ وَحَاجَتهمْ إِلَى الِاجْتِمَاع , فَلَمَّا فَتَحَ اللَّه مَكَّة دَخَلَ النَّاس فِي دِين اللَّه أَفْوَاجًا فَسَقَطَ فَرْض الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة وَبَقِيَ فَرْض الْجِهَاد وَالنِّيَّة عَلَى مَنْ قَامَ بِهِ أَوْ نَزَلَ بِهِ عَدُوّ اِنْتَهَى. وَكَانَتْ الْحِكْمَة أَيْضًا فِي وُجُوب الْهِجْرَة عَلَى مَنْ أَسْلَمَ لِيَسْلَم مِنْ أَذَى ذَوِيهِ مِنْ الْكُفَّار فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُعَذِّبُونَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ يَرْجِع عَنْ دِينه , وَفِيهِمْ نَزَلَتْ ( إِنَّ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَة ظَالِمِي أَنْفُسهمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْض , قَالُوا أَلَم تَكُنْ أَرْض اللَّه وَاسِعَة فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ) الْآيَة , وَهَذِهِ الْهِجْرَة بَاقِيَة الْحُكْم فِي حَقّ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَار الْكُفْر وَقَدَرَ عَلَى الْخُرُوج مِنْهَا , وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق بَهْز بْن حَكِيم بْن مُعَاوِيَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه مَرْفُوعًا \" لَا يَقْبَل اللَّه مِنْ مُشْرِك عَمَلًا بَعْدَمَا أَسْلَمَ أَوْ يُفَارِق الْمُشْرِكِينَ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث سَمُرَة مَرْفُوعًا \" أَنَا بَرِيء مِنْ كُلّ مُسْلِم يُقِيم بَيْن أَظْهُر الْمُشْرِكِينَ \" وَهَذَا مَحْمُول عَلَى مَنْ لَمْ يَأْمَن عَلَى دِينه , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي أَبْوَاب الْهِجْرَة مِنْ أَوَّل كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنْ جِهَاد وَنِيَّة ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ وَغَيْره : هَذَا الِاسْتِدْرَاك يَقْتَضِي مُخَالَفَة حُكْم مَا بَعْده لِمَا قَبْله , وَالْمَعْنَى أَنَّ الْهِجْرَة الَّتِي هِيَ مُفَارَقَة الْوَطَن الَّتِي كَانَتْ مَطْلُوبَة عَلَى الْأَعْيَان إِلَى الْمَدِينَة اِنْقَطَعَتْ إِلَّا أَنَّ الْمُفَارَقَة بِسَبَبِ الْجِهَاد بَاقِيَة , وَكَذَلِكَ الْمُفَارَقَة بِسَبَبِ نِيَّة صَالِحَة كَالْفِرَارِ مِنْ دَار الْكُفْر وَالْخُرُوج فِي طَلَب الْعِلْم وَالْفِرَار بِالدِّينِ مِنْ الْفِتَن وَالنِّيَّة فِي جَمِيع ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ : يُرِيد أَنَّ الْخَبَر الَّذِي اِنْقَطَعَ بِانْقِطَاعِ الْهِجْرَة يُمْكِن تَحْصِيله بِالْجِهَادِ وَالنِّيَّة الصَّالِحَة , وَإِذَا أَمَرَكُمْ الْإِمَام بِالْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَاد وَنَحْوه مِنْ الْأَعْمَال الصَّالِحَة فَاخْرُجُوا إِلَيْهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْله \" وَلَكِنْ جِهَاد \" مَعْطُوف عَلَى مَحَلّ مَدْخُول \" لَا هِجْرَة \" أَيْ الْهِجْرَة مِنْ الْوَطَن إِمَّا لِلْفِرَارِ مِنْ الْكُفَّار أَوْ إِلَى الْجِهَاد أَوْ إِلَى غَيْر ذَلِكَ كَطَلَبِ الْعِلْم , فَانْقَطَعَتْ الْأُولَى وَبَقِيَ الْأُخْرَيَانِ فَاغْتَنَمُوهُمَا وَلَا تَقَاعَدُوا عَنْهُمَا , بَلْ إِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا. ‏ ‏قُلْت : وَلَيْسَ الْأَمْر فِي اِنْقِطَاع الْهِجْرَة مِنْ الْفِرَار مِنْ الْكُفَّار عَلَى مَا قَالَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِير ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الْهِجْرَة هِيَ الْخُرُوج مِنْ دَارَ الْحَرْب إِلَى دَار الْإِسْلَام , كَانَتْ فَرْضًا فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَمَرَّتْ بَعْده لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسه , وَاَلَّتِي اِنْقَطَعَتْ أَصْلًا هِيَ الْقَصْد إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ كَانَ. وَفِي الْحَدِيث بِشَارَة بِأَنَّ مَكَّة تَبْقَى دَارَ إِسْلَام أَبَدًا. وَفِيهِ وُجُوب تَعْيِين الْخُرُوج فِي الْغَزْو عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ الْإِمَام , وَأَنَّ الْأَعْمَال تُعْتَبَر بِالنِّيَّاتِ. ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : ‏ ‏قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة مَا مُحَصِّله : إِنَّ هَذَا الْحَدِيث يُمْكِن تَنْزِيله عَلَى أَحْوَال السَّالِك لِأَنَّهُ أَوَّلًا يُؤْمَر بِهِجْرَةٍ مَأْلُوفه حَتَّى يَحْصُل لَهُ الْفَتْح , فَإِذَا لَمْ يَحْصُل لَهُ أَمْر بِالْجِهَادِ وَهُوَ مُجَاهَدَة النَّفْس وَالشَّيْطَان مَعَ النِّيَّة الصَّالِحَة فِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2614",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي الزِّنَاد ) ‏ ‏كَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ , وَلِمَالِك فِيهِ إِسْنَاد آخَر رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( يَضْحَك اللَّه إِلَى رَجُلَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد \" أَنَّ اللَّه يَعْجَب مِنْ رَجُلَيْنِ \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الضَّحِك الَّذِي يَعْتَرِي الْبَشَر عِنْدَمَا يَسْتَخِفّهُمْ الْفَرَح أَوْ الطَّرَب غَيْر جَائِز عَلَى اللَّه تَعَالَى , وَإِنَّمَا هَذَا مَثَل ضُرِبَ لِهَذَا الصَّنِيع الَّذِي يَحِلّ مَحَلّ الْإِعْجَاب عِنْد الْبَشَر فَإِذَا رَأَوْهُ أَضْحَكهُمْ , , وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَار عَنْ رِضَا اللَّه بِفِعْلِ أَحَدهمَا وَقَبُوله لِلْآخَرِ وَمُجَازَاتهمَا عَلَى صَنِيعهمَا بِالْجَنَّةِ ثُمَّ اِخْتِلَاف حَالَيْهِمَا , قَالَ : وَقَدْ تَأَوَّلَ الْبُخَارِيّ الضَّحِك فِي مَوْضِع آخَر عَلَى مَعْنَى الرَّحْمَة وَهُوَ قَرِيب , وَتَأْوِيله عَلَى مَعْنَى الرِّضَا أَقْرَب , فَإِنَّ الضَّحِك يَدُلّ عَلَى الرِّضَا وَالْقَبُول , قَالَ : وَالْكِرَام يُوصَفُونَ عِنْدَمَا يَسْأَلهُمْ السَّائِل بِالْبِشْرِ وَحُسْن اللِّقَاء , فَيَكُون الْمَعْنَى فِي قَوْله \" يَضْحَك اللَّه \" أَيْ يُجْزِل الْعَطَاء. قَالَ وَقَدْ يَكُون مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُعَجِّبَ اللَّهُ مَلَائِكَتَهُ وَيُضْحِكَهُمْ مِنْ صَنِيعهمَا , وَهَذَا يَتَخَرَّج عَلَى الْمَجَاز وَمِثْله فِي الْكَلَام يَكْثُر. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : أَكْثَر السَّلَف يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَأْوِيل مِثْل هَذَا وَيُمِرُّونَهُ كَمَا جَاءَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى فِي مِثْل هَذَا الْإِمْرَار اِعْتِقَاد أَنَّهُ لَا تُشْبِه صِفَات اللَّه صِفَات الْخَلْق , وَمَعْنَى الْإِمْرَار عَدَم الْعِلْم بِالْمُرَادِ مِنْهُ مَعَ اِعْتِقَاد التَّنْزِيه. قُلْت : وَيَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالضَّحِكِ الْإِقْبَال بِالرِّضَا تَعْدِيَته بِإِلَى تَقُول : ضَحِكَ فُلَان إِلَى فُلَان إِذَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِ طَلِق الْوَجْه مُظْهِرًا لِلرِّضَا عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( يَدْخُلَانِ الْجَنَّة ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" قَالُوا كَيْفَ يَا رَسُول اللَّه \" ؟. ‏ ‏قَوْله : ( يُقَاتِل هَذَا فِي سَبِيل اللَّه فَيُقْتَل ) ‏ ‏زَادَ هَمَّام فَيَلِج الْجَنَّة , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث عِنْد أَهْل الْعِلْم أَنَّ الْقَاتِل الْأَوَّل كَانَ كَافِرًا. قُلْت : وَهُوَ الَّذِي اِسْتَنْبَطَهُ الْبُخَارِيّ فِي تَرْجَمَته , وَلَكِنْ لَا مَانِع أَنْ يَكُون مُسْلِمًا لِعُمُومِ قَوْله \" ثُمَّ يَتُوب اللَّه عَلَى الْقَاتِل \" كَمَا لَوْ قَتَلَ مُسْلِم مُسْلِمًا عَمْدًا بِلَا شُبْهَة ثُمَّ تَابَ الْقَاتِل وَاسْتُشْهِدَ فِي سَبِيل اللَّه , وَإِنَّمَا يَمْنَع دُخُول مِثْل هَذَا مَنْ يَذْهَب إِلَى أَنَّ قَاتِل الْمُسْلِم عَمْدًا لَا تُقْبَل لَهُ تَوْبَة , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام \" ثُمَّ يَتُوب اللَّه عَلَى الْآخَر فَيَهْدِيه إِلَى الْإِسْلَام \" وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَلَى أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" قِيلَ كَيْفَ ؟ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : يَكُون أَحَدهمَا كَافِرًا فَيَقْتُل الْآخَر ثُمَّ يُسْلِم فَيَغْزُو فَيُقْتَل \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَتُوب اللَّه عَلَى الْقَاتِل فَيُسْتَشْهَد ) ‏ ‏زَادَ هَمَّام \" فَيَهْدِيه إِلَى الْإِسْلَام , ثُمَّ يُجَاهِد فِي سَبِيل اللَّه فَيُسْتَشْهَد \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : يُسْتَفَاد مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ كُلّ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيل اللَّه فَهُوَ فِي الْجَنَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "2615",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏بِخَيْبَرَ ‏ ‏بَعْدَ مَا افْتَتَحُوهَا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْهِمْ لِي فَقَالَ ‏ ‏بَعْضُ ‏ ‏بَنِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏لَا تُسْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏هَذَا قَاتِلُ ‏ ‏ابْنِ قَوْقَلٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏وَاعَجَبًا لِوَبْرٍ تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قَدُومِ ضَأْنٍ يَنْعَى عَلَيَّ قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْرَمَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيَّ وَلَمْ يُهِنِّي عَلَى يَدَيْهِ قَالَ فَلَا أَدْرِي أَسْهَمَ لَهُ أَمْ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَحَدَّثَنِيهِ ‏ ‏السَّعِيدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏السَّعِيدِيُّ ‏ ‏هُوَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ ‏ ‏الْعَاصِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ فِي الْمَغَازِي عَنْ سُفْيَان \" سَمِعْت الزُّهْرِيَّ وَسَأَلَهُ إِسْمَاعِيل اِبْن أُمَيَّة \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان \" سَمِعْت إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة يَسْأَل الزُّهْرِيَّ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عَنْبَسَةَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون النُّون ( ‏ ‏اِبْن سَعِيد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْعَاصِ بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ اِبْن أُمَيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ التَّصْرِيح بِسَمَاعِ عَنْبَسَةَ لَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ بَعْض بَنِي سَعِيد بْن الْعَاصِ لَا تُسْهِم لَهُ ) ‏ ‏هُوَ أَبَان بْن سَعِيد كَمَا بَيَّنَتْهُ رِوَايَة الزُّبَيْدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت هَذَا قَاتِل اِبْن قَوْقَل ) ‏ ‏بِقَافَيْنِ وَزْن جَعْفَر يَعْنِي النُّعْمَان بْن مَالِك بْن ثَعْلَبَة بْن أَصْرَم بِمُهْمَلَتَيْنِ وَزْن أَحْمَد بْن فَهْم بْن ثَعْلَبَة بْن غَنْم بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون بَعْدهَا مِيم اِبْن عَمْرو بْن عَوْف الْأَنْصَارِيّ الْأَوْسِيّ , وَقَوْقَل لَقَب ثَعْلَبَة وَقِيلَ لَقَب أَصْرَم , وَقَدْ يُنْسَب النُّعْمَان إِلَى جَدّه فَيُقَال النُّعْمَان بْن قَوْقَل , وَلَهُ ذِكْر فِي حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم قَالَ \" جَاءَ النُّعْمَان بْن قَوْقَل فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت إِذَا صَلَّيْت الْمَكْتُوبَات \" الْحَدِيث. وَرَوَى الْبَغَوِيُّ فِي الصَّحَابَة \" أَنَّ النُّعْمَان بْن قَوْقَل قَالَ يَوْم أُحُد : أَقْسَمْت عَلَيْك يَا رَبّ أَنْ لَا تَغِيب الشَّمْس حَتَّى أَطَأ بِعَرْجَتِي فِي الْجَنَّة. فَاسْتُشْهِدَ ذَلِكَ الْيَوْم , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ رَأَيْته فِي الْجَنَّة \" \" وَذَكَرَ بَعْض أَهْل الْمَغَازِي أَنَّ صَفْوَان بْن أُمَيَّة هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ , وَهُوَ مَرْجُوح بِهَذَا الْحَدِيث الَّذِي فِي الْبُخَارِيّ , وَلَعَلَّهُمَا جَمِيعًا اِشْتَرَكَا فِي قَتْله , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْح حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هَذَا فِي كِتَاب الْمَغَازِي , وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا قَوْل أَبَان \" أَكْرَمَهُ اللَّه عَلَى يَدَيَّ وَلَمْ يُهِنِّي عَلَى يَدَيْهِ \" وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ النُّعْمَان اُسْتُشْهِدَ بِيَدِ أَبَان فَأَكْرَمَهُ اللَّه بِالشَّهَادَةِ وَلَمْ يُقْتَل أَبَان عَلَى كُفْره فَيَدْخُل النَّار , وَهُوَ الْمُرَاد بِالْإِهَانَةِ , بَلْ عَاشَ أَبَان حَتَّى تَابَ وَأَسْلَمَ , وَكَانَ إِسْلَامه قَبْل خَيْبَر بَعْد الْحُدَيْبِيَة , وَقَالَ ذَلِكَ الْكَلَام بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ , وَهُوَ مُوَافِق لِمَا تَضَمَّنَتْهُ التَّرْجَمَة , ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ قُدُوم ضَأْن ) ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَقَعَ لِلْجَمِيعِ هُنَا بِالنُّونِ , إِلَّا فِي رِوَايَة الْهَمْدَانِيِّ فَبِاللَّامِ وَهُوَ الصَّوَاب وَهُوَ السِّدْر الْبَرِّيّ , قُلْت وَسَيَأْتِي فِي غَزْوَة خَيْبَر بِأَبْسَط مِنْ هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا أَدْرِي أَسْهَمَ لَهُ أَمْ لَمْ يُسْهِم ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي غَزْوَة خَيْبَر فِي آخِره \" فَقَالَ لَهُ يَا أَبَان اِجْلِسْ , وَلَمْ يَقْسِم لَهُمْ \" وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ : إِنَّ مَنْ حَضَرَ بَعْد فَرَاغ الْوَقْعَة وَلَوْ كَانَ خَرَجَ مَدَدًا لَهُمْ أَنْ لَا يُشَارِك مَنْ حَضَرَهَا وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَعِنْد الْكُوفِيِّينَ يُشَارِكهُمْ , وَأَجَابَ عَنْهُمْ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَرْسَلَ إِلَى نَجْد قَبْل أَنْ يَشْرَع فِي التَّجْهِيز إِلَى خَيْبَر فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْسِم لَهُ , وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ الْخُرُوج مَعَ الْجَيْش فَعَاقَهُ عَائِق ثُمَّ لَحِقَهُمْ فَإِنَّهُ الَّذِي يَقْسِم لَهُ كَمَا أَسْهَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُثْمَان وَغَيْره مِمَّنْ لَمْ يَحْضُر الْوَقْعَة , لَكِنْ كَانُوا مِمَّنْ أَرَادَ الْخُرُوج مَعَهُ فَعَاقَهُمْ عَنْ ذَلِكَ عَوَائِق شَرْعِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده \" عَنْ سُفْيَان وَحَدَّثَنِيهِ السَّعِيدِيّ أَيْضًا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر \" عَنْ سُفْيَان سَمِعْت السَّعِيدِيّ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنِيهِ السَّعِيدِيّ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله \" حَدَّثَنَا الزُّهْرِيِّ \" وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله : ( السَّعِيدِيّ هُوَ عَمْرو إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ كَلَام الْبُخَارِيّ , وَوَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه \" فَذَكَرَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2616",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏لَا يَصُومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ أَجْلِ الْغَزْوِ فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ أَرَهُ مُفْطِرًا إِلَّا يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَا يَصُوم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْوَلِيد عِنْد أَبِي نُعَيْم وَعَلِيّ بْن الْجَعْد كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَا يَكَاد يَصُوم \" وَفِي رِوَايَة عَاصِم بْن عَلِيّ عَنْ شُعْبَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" كَانَ قَلَّمَا يَصُوم \" , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّفْي فِي رِوَايَة آدَم لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقه , وَقَدْ وَافَقَ آدَم سُلَيْمَان بْن حَرْب عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا يَوْم فِطْر أَوْ أَضْحَى ) ‏ ‏أَيْ فَكَانَ لَا يَصُومهُمَا , وَالْمُرَاد بِيَوْمِ الْأَضْحَى مَا تَشْرَع فِيهِ الْأُضْحِيَّة فَيَدْخُل أَيَّام التَّشْرِيق , وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة إِشْعَار بِأَنَّ أَبَا طَلْحَة لَمْ يَكُنْ يُلَازِم الْغَزْر بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنَّمَا تَرَكَ التَّطَوُّع بِالصَّوْمِ لِأَجْلِ الْغَزْو خَشْيَة أَنْ يُضْعِفهُ عَنْ الْقِتَال , مَعَ أَنَّهُ فِي آخِر عُمْره رَجَعَ إِلَى الْغَزْو , فَرَوَى اِبْن سَعْد وَالْحَاكِم وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس \" أَنَّ أَبَا طَلْحَة قَرَأَ ( اِنْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ) فَقَالَ : اِسْتَنْفَرَنَا اللَّه شُيُوخًا وَشُبَّانًا جَهِّزُونِي , فَقَالَ لَهُ بَنُوهُ : نَحْنُ نَغْزُو عَنْك , فَأَبَى فَجَهَّزُوهُ , فَغَزَا فِي الْبَحْر فَمَاتَ , فَدَفَنُوهُ بَعْد سَبْعَة أَيَّام وَلَمْ يَتَغَيَّر \" قَالَ الْمُهَلَّب : مَثَّلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُجَاهِد بِالصَّائِمِ لَا يُفْطِر , يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْجِهَاد فَلِذَلِكَ قَدَّمَهُ أَبُو طَلْحَة عَلَى الصَّوْم , فَلَمَّا تَوَطَّأَ الْإِسْلَام وَعَلِمَ أَنَّهُ صَارَ فِي سَعَة أَرَادَ أَنْ يَأْخُذ حَظّه مِنْ الصَّوْم إِذْ فَاتَهُ الْغَزْو , وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِصِيَامِ الدَّهْر بَأْسًا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ عِنْد الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس \" أَنَّ أَبَا طَلْحَة أَقَامَ بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ سَنَة لَا يُفْطِر إِلَّا يَوْم فِطْر أَوْ أَضْحَى \". وَعَلَى الْحَاكِم فِيهِ مَأْخَذَانِ ‏ ‏أَحَدهمَا أَنَّ أَصْله فِي الْبُخَارِيّ فَلَا يُسْتَدْرَك , ‏ ‏ثَانِيهمَا أَنَّ الزِّيَادَة فِي مِقْدَار حَيَاته بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَلَط فَإِنَّهُ لَمْ يُقِمْ بَعْده سِوَى ثَلَاث أَوْ أَرْبَع وَعِشْرِينَ سَنَة. فَلَعَلَّهَا كَانَتْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ فَتَغَيَّرَتْ. ‏"
    },
    {
        "id": "2617",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ الْمَطْعُونُ ‏ ‏وَالْمَبْطُونُ ‏ ‏وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الشُّهَدَاء خَمْسَة - ثُمَّ قَالَ - وَالشَّهِيد فِي سَبِيل اللَّه ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : يَلْزَم مِنْهُ حَمْل الشَّيْء عَلَى نَفْسه لِأَنَّ قَوْله \" خَمْسَة \" خَبَر لِلْمُبْتَدَأِ وَالْمَعْدُود بَعْده بَيَان لَهُ , وَأَجَابَ بِأَنَّهُ مِنْ بَاب قَوْل الشَّاعِر \" أَنَا أَبُو النَّجْم وَشِعْرِي شِعْرِي \". وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالشَّهِيدِ فِي سَبِيل اللَّه الْمَقْتُول , فَكَأَنَّهُ قَالَ وَالْمَقْتُول فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالشَّهِيدِ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة جَابِر بْن عَتِيك \" الشُّهَدَاء سَبْعَة سِوَى الْقَتِيل فِي سَبِيل اللَّه \" وَيَجُوز أَنْ يَكُون الشَّهِيد مُكَرَّرًا فِي كُلّ وَاحِد مِنْهَا فَيَكُون مِنْ التَّفْصِيل بَعْد الْإِجْمَال وَالتَّقْدِير الشُّهَدَاء خَمْسَة الشَّهِيد كَذَا وَالشَّهِيد كَذَا إِلَى آخِره. ‏"
    },
    {
        "id": "2618",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2619",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ‏} ‏دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَيْدًا ‏ ‏فَجَاءَ بِكَتِفٍ فَكَتَبَهَا وَشَكَا ‏ ‏ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏ ‏ضَرَارَتَهُ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي ‏ ‏الضَّرَرِ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2620",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ ‏ ‏جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ ‏ ‏فَأَخْبَرَنَا أَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمْلَى عَلَيْهِ ‏ { ‏لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ‏} { ‏وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏} ‏قَالَ فَجَاءَهُ ‏ ‏ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏ ‏وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنَّ تَرُضَّ فَخِذِي ثُمَّ ‏ ‏سُرِّيَ ‏ ‏عَنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏غَيْرُ أُولِي ‏ ‏الضَّرَرِ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2621",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏كَتَبَ فَقَرَأْتُهُ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2622",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏فَإِذَا ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارُ ‏ ‏يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ ‏ ‏النَّصَبِ ‏ ‏وَالْجُوعِ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ ‏ ‏الْآخِرَهْ ‏ ‏فَاغْفِرْ ‏ ‏لِلْأَنْصَارِ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرَهْ ‏ ‏فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ ‏ ‏نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا ‏ ‏مُحَمَّدَا ‏ ‏عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2623",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَعَلَ ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارُ ‏ ‏يَحْفِرُونَ ‏ ‏الْخَنْدَقَ ‏ ‏حَوْلَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ عَلَى مُتُونِهِمْ وَيَقُولُونَ ‏ ‏نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا ‏ ‏مُحَمَّدَا ‏ ‏عَلَى الْإِسْلَامِ مَا بَقِينَا أَبَدَا ‏ ‏وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُجِيبُهُمْ وَيَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنَّه لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ ‏ ‏الْآخِرَهْ ‏ ‏فَبَارِكْ فِي ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرَهْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2624",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْقُلُ وَيَقُولُ ‏ ‏لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2625",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ الْأَحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ وَقَدْ ‏ ‏وَارَى ‏ ‏التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ وَهُوَ يَقُولُ ‏ ‏لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ‏ ‏وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا ‏ ‏فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ‏ ‏وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏الْأُلَى ‏ ‏قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ‏ ‏إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2626",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏حَدَّثَهُمْ قَالَ ‏ ‏رَجَعْنَا مِنْ ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيُّ , وَقَرَنَ رِوَايَته بِرِوَايَةِ حَمَّاد بْن زَيْد مَعَ أَنَّ فِي رِوَايَة زُهَيْر تَعْيِين الْغَزْوَة وَتَصْرِيح أَنَس بِالتَّحْدِيثِ , وَفِي كُلّ مِنْهُمَا فَائِدَة لَيْسَتْ فِي رِوَايَة حَمَّاد لَكِنَّهُ أَرَادَ أَنَّ زُهَيْرًا لَمْ يَنْفَرِد بِقَوْلِهِ \" عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" وَقَدْ تَابَعَهُمَا عَلَى تَرْك الْوَاسِطَة بَيْن حُمَيْدٍ وَأَنْسَ مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان وَجَمَاعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2627",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ أَقْوَامًا ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏خَلْفَنَا مَا سَلَكْنَا ‏ ‏شِعْبًا ‏ ‏وَلَا وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏الْأَوَّلُ أَصَحُّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( خَلْفَنَا ) ‏ ‏بِسُكُونِ اَللَّامِ أَيْ وَرَاءَنَا وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِتَشْدِيدِ اَللَّامِ وَسُكُونِ اَلْفَاءِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ حَبَسَهُمْ اَلْعُذْرُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اَلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ حَمَّادِ بْن ِزَيْدٍ \" إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ فِيهِ بِالنِّيَّةِ \" وَلِابْنِ حِبَّانَ وَأَبِي عَوَانَةَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ \" إِلَّا شَرَكُوكُمْ فِي اَلْأَجْرِ \" بَدَلَ قَوْل \" إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ \" وَالْمُرَادُ بِالْعُذْرِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَرَضِ وَعَدَمُ اَلْقُدْرَةِ عَلَى اَلسَّفَرِ وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ \" حَبَسَهُمُ اَلْمَرَضُ \" وَكَأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى اَلْأَغْلَبِ ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُوسَى ) ‏ ‏أَيْ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏( حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ) ‏ ‏هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ اَلْمُصَنِّفُ ‏ ‏( اَلْأَوَّلُ عِنْدِي أَصَحُّ ) ‏ ‏يَعْنِي حَذْفَ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ مِنْ اَلْإِسْنَادِ وَقَدْ خَالَفَهُ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : حَمَّاد عَالِم بِحَدِيثِ حُمَيدٍ مُقَدَّم فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ اِنْتَهَى. ‏ ‏قُلْت : وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِتَصْرِيحِ حُمَيدٍ بِتَحْدِيث أَنَس لَهُ كَمَا تَرَاهُ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْر وَكَذَلِكَ قَالَ مُعْتَمِر. ‏ ‏قُلْت : وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَا مَحْفُوظَيْنِ فَلَعَلَّ حُمَيدًا سَمِعَهُ مِنْ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ ثُمَّ لَقِيَ أنَسًا فَحَدَّثَهُ بِهِ أَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَنَسٍ فَثَبَّتَهُ فِيهِ اِبْنُهُ مُوسَى وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ سِيَاق حَمَّاد عَنْ حُمَيدٍ أَتَمُّ مِنْ سِيَاق زُهَيْر وَمَنْ وَافَقَهُ عَنْ حُمَيد فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل بِالْإِسْنَادِ اَلْمَذْكُورِ بِلَفْظ \" لَقَدْ تَرَكْتُمْ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مِنْ مَسِيرٍ وَلَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ فِيهِ. قَالُوا : يَا رَسُول اَللَّهِ وَكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَنَا وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ؟ قَالَ : حَبَسَهُمْ اَلْعُذْرُ وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهُ أَحْمَد عَنْ عَفَّانَ عَنْ حَمَّاد وَأَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي كَامِل عَنْ حَمَّاد فَلَمْ يَذْكُرْ فِي اَلْإِسْنَادِ حُمَيدًا. نَعَم أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ اِبْن أَبِي عَدِيّ عَنْ حُمَيدٍ عَنْ أَنَس نَحْوَ سِيَاق حَمَّاد إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ اَلنَّفَقَةَ قَالَ اَلْمُهَلَّبُ : يَشْهَدُ لِهَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ تَعَالَى ( لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي اَلضَّرَر )الْآيَة فَإِنَّهُ فَاضَلَ بَيْنَ اَلْمُجَاهِدِينَ وَالْقَاعِدِينَ ثُمَّ اِسْتَثْنَى أُولِي اَلضَّرَرِ مِنْ اَلْقَاعِدِينَ فَكَأَنَّهُ أَلْحَقَهُمْ بِالْفَاضِلِينَ. وَفِيهِ أَنَّ اَلْمَرْءَ يَبْلُغُ بِنِيَّتِهِ أَجْرَ الْعَامِلِ إِذَا مَنَعَهُ اَلْعُذْر عَنْ اَلْعَمَلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2628",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏أَنَّهُمَا سَمِعَا ‏ ‏النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ ‏ ‏سَبْعِينَ خَرِيفًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اَلْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏وَسُهَيْل بْن أَبِي صَالِح ) ‏ ‏لَمْ يُخْرِجْ لَهُ اَلْبُخَارِيّ مَوْصُولًا إِلَّا هَذَا وَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِ لِأَنَّهُ قَرَنَهُ بِيَحْيَى بْن سَعِيد وَقَدْ اِخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ عَلَى سُهَيْل فَرَوَاهُ اَلْأَكْثَر عَنْهُ هَكَذَا وَخَالَفَهُمْ شُعْبَة فَرَوَاهُ عَنْهُ عَنْ صَفْوَان بْن يَزِيد عَنْ أَبِي سَعِيد أَخْرَجَهُ اَلنَّسَائِيُّ وَلَعَلَّ لِسُهَيْل فِيهِ شَيْخَيْنِ. وَأَخْرَجَهُ اَلنَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ سُهَيْل عَنْ اَلْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد وَوَهَمَ فِيهِ أَبُو مُعَاوِيَة وَإِنَّمَا يَرْوِيه اَلْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة لَا عَنْ أَبِي سَعِيد وَإِنَّمَا رَوَاهُ سُهَيْل مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ لَا عَنْ الْمَقْبُرِيّ. كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اَلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن عَبْد اَلرَّحْمَن عَنْ سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ أَنَس بْن عِيَاض عَنْ سُهَيْل. ‏ ‏قَوْله : ( سَبْعِينَ خَرِيفًا ) ‏ ‏الْخَرِيف زَمَان مَعْلُوم مِنْ السَّنَةِ وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا اَلْعَام وَتَخْصِيص اَلْخَرِيفِ بِالذِّكْرِ دُونَ بَقِيَّةِ اَلْفُصُولِ - اَلصَّيْف وَالشِّتَاء وَالرَّبِيع - لِأَنَّ اَلْخَرِيفَ أَزْكَى اَلْفُصُول لِكَوْنِهِ يُجْنَى فِيهِ اَلثِّمَارُ. وَنَقَلَ اَلْفَاكِهَانِيّ أَنَّ اَلْخَرِيفَ يَجْتَمِعُ فِيهِ اَلْحَرَارَة وَالْبُرُودَة وَالرُّطُوبَة وَالْيُبُوسَة دُونَ غَيْرِهِ وَرُدَّ بِأَنَّ اَلرَّبِيع كَذَلِكَ. قَالَ اَلْقُرْطُبِيّ. وَرَدَ ذِكْرُ اَلسَّبْعِينَ لِإِرَادَة اَلتَّكْثِير كَثِيرا اِنْتَهَى. وَيُؤَيِّدُه أَنَّ اَلنَّسَائِيَّ أَخْرَجَ اَلْحَدِيث اَلْمَذْكُور عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر وَالطَّبَرَانِيّ عَنْ عَمْرو بْن عَبَسَةَ وَأَبُو يَعْلَى عَنْ مُعَاذ بْن أَنَس فَقَالُوا جَمِيعًا فِي رِوَايَاتِهِمْ ( مِائَة عَام ‏"
    },
    {
        "id": "2629",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دَعَاهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ أَيْ ‏ ‏فُلُ هَلُمَّ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَاكَ الَّذِي ‏ ‏لَا تَوَى ‏ ‏عَلَيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ ‏",
        "sharh": "عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ اَلصَّوْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ يَأْتِي اَلْكَلَامُ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْلِهِ \" أَيْ فُل \" فِي فَضْل أَبِي بَكْر وَأَنَّ اَلْخَطَّابِيَّ جَزَمَ أَنَّهُ تَرْخِيمٌ مِنْ فُلَان وَجَزَمَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ لُغَةٌ فِيهِ وَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَنْ لَمْ يَرَ اَلْوُضُوءَ إِلَّا مِنْ اَلْمَخْرَجَيْن \" اَلتَّنْبِيه عَلَى وَهْمِ اَلْقَابِسِيّ فِي قَوْلِهِ \" سَعِيد بْن حَفْص \" ‏ ‏وَقَوْله \" زَوْجَيْنِ \" ‏ ‏أَيْ شَيْئَيْنِ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِمَّا يُنْفَقُ وَالزَّوْجُ يُطْلَقُ عَلَى اَلْوَاحِدِ وَعَلَى اَلِاثْنَيْنِ وَهُوَ هُنَا عَلَى اَلْوَاحِدِ جَزْمًا ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" كُلُّ خَزَنَة بَاب \" ‏ ‏كَأَنَّهُ مِنْ اَلْمَقْلُوبِ لِأَنَّ اَلْمُرَادَ خَزَنَةُ كُلّ بَاب قَالَ اَلْمُهَلَّبُ فِي هَذَا اَلْحَدِيثِ : إِنَّ اَلْجِهَادَ أَفْضَلُ اَلْأَعْمَالِ لِأَنَّ اَلْمُجَاهِدَ يُعْطَى أَجْر اَلْمُصَلِّي وَالصَّائِم وَالْمُتَصَدِّق وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِأَنَّ بَابَ اَلرَّيَّان لِلصَّائِمِينَ وَقَدْ ذُكِرَ فِي هَذَا اَلْحَدِيثِ أَنَّ اَلْمُجَاهِدَ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ اَلْأَبْوَابِ كُلّهَا بِإِنْفَاق قَلِيل اَلْمَالِ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ اِنْتَهَى. وَمَا جَرَى فِيهِ عَلَى ظَاهِرِ اَلْحَدِيثِ يَرُدُّهُ مَا قَدَّمْتُهُ فِي اَلصِّيَامِ مِنْ زِيَادَةٍ فِي اَلْحَدِيثِ لِأَحْمَدَ حَيْثُ قَالَ فِيهِ \" لِكُلِّ أَهْلِ عَمَل بَاب يُدْعَونَ بِذَلِكَ اَلْعَمَلِ \" وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اَلْمُرَادَ بِسَبِيلِ اَللَّهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ اَلْجِهَادِ وَغَيْره مِنْ اَلْأَعْمَالِ اَلصَّالِحَةِ ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" لَا تَوَى عَلَيْهِ \" ‏ ‏بِالْمُثَنَّاةِ وَالْأَكْثَر أَنَّهُ مَقْصُور وَحَكَى اِبْن فَارِس اَلْمَدّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2630",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِلَالٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا ‏ ‏أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ ثُمَّ ذَكَرَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا فَبَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا وَثَنَّى بِالْأُخْرَى فَقَامَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْنَا يُوحَى إِلَيْهِ وَسَكَتَ النَّاسُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرَ ثُمَّ إِنَّهُ مَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ ‏ ‏الرُّحَضَاءَ ‏ ‏فَقَالَ أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا أَوَخَيْرٌ هُوَ ثَلَاثًا إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِالْخَيْرِ وَإِنَّهُ كُلَّمَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ ‏ ‏حَبَطًا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏يُلِمُّ ‏ ‏إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ كُلَّمَا أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ الشَّمْسَ ‏ ‏فَثَلَطَتْ ‏ ‏وَبَالَتْ ثُمَّ رَتَعَتْ وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ بِحَقِّهِ فَهُوَ كَالْآكِلِ الَّذِي لَا يَشْبَعُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد \" إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَات اَلْأَرْض \" وَسَيَأْتِي شَرْحُه مُسْتَوْفًى فِي اَلرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ \" فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ \" فَإِنَّهُ مُطَابِقٌ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ وَقَدْ رَوَى اَلنَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ خُرَيْمٍ بِالرَّاءِ مُصَغَّر ابْن فَاتِك بِفَاءٍ وَمُثَنَّاة مَكْسُورَةٍ رَفَعَهُ \" مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اَللَّهِ كُتِبَ لَهُ سَبْعمِائَة ضِعْف \" قُلْت : وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى \" مَثَلُ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ كَمَثَل حَبَّة \" اَلْآيَة. ‏ ‏وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ اَلرِّوَايَةِ \" وَإِنَّهُ كُلُّ مَا يُنْبِتُ اَلرَّبِيع يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ \" ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلَهِ وَكَسْر اَللَّام وَتَشْدِيدِ اَلْمِيمِ أَيْ يُقَرِّبُ مِنْ اَلْقَتْلِ. ‏ ‏وَقَوْله \" أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا اِمْتَدَّتْ \" ‏ ‏وَقَع فِي اَلسِّيَاقِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ إِلَّا آكِلَةُ اَلْخَضِر أَكَلَتْ وَقَدْ بَيَّنَ فِي اَلرِّوَايَةِ اَلْأُخْرَى وَكَذَا أَثْبَتَهُ اَلْأَصِيلِيّ هُنَا وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ وَكَذَا سَقَطَ قَوْلُهُ \" حَبَطًا \" وَهُوَ بِفَتْح اَلْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة وَهُوَ اِنْتِفَاخُ اَلْبَطْنِ مِنْ كَثْرَةِ اَلْأَكْلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2631",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُسَيْنُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اَلْحُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ اَلْمُعَلِّمُ نَسَبَهُ اَلطَّبَرَانِيّ عَنْ حَفْص بْن عُمَر عَنْ أَبِي مَعْمَر وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ مُسْلِم فِي رِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ ‏ ‏وَيَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير وَفِي اَلْإِسْنَادِ ثَلَاثَة مِنْ اَلتَّابِعِينَ فِي نَسَق هُوَ وَأَبُو سَلَمَة وَبُسْرٌ وَهُوَ بِضَمِّ اَلْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ اَلْمُهْمَلَةِ وَقَدْ سَمِعَ أَبُو سَلَمَةَ مِنْ زَيْد بْن خَالِد وَحَدَّثَ عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ وَحَدَّثَ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ فِي غَيْرِ هَذَا عِنْد أَبِي دَاوُد وَاَلتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ وَغَيْرِهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَدْ غَزَا ) ‏ ‏قَالَ اِبْنُ حِبَّانَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي اَلْأَجْرِ وَإِنْ لَمْ يَغْزُ حَقِيقَة ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ بُسْرِ بْن سَعِيد بِلَفْظِ \" كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْر أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مَنْ أَجْرِهِ شَيْء \" وَلِابْن مَاجَهْ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ نَحْوه بِلَفْظ \" مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا حَتَّى يَسْتَقِلَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَرْجِعَ \" وَأَفَادَتْ فَائِدَتَيْنِ ‏ ‏إِحْدَاهُمَا أَنَّ اَلْوَعْدَ اَلْمَذْكُورَ مُرَتَّبٌ عَلَى تَمَامِ اَلتَّجْهِيزِ وَهُوَ اَلْمُرَادُ بِقَوْلِهِ \" حَتَّى يَسْتَقِلَّ \". ‏ ‏ثَانِيهمَا أَنَّهُ يَسْتَوِي مَعَهُ فِي اَلْأَجْرِ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ تِلْكَ اَلْغَزْوَةُ. ‏ ‏وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيد \" أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بَعْثًا وَقَالَ : لِيَخْرُج مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ رَجُل وَالْأَجْر بَيْنَهُمَا \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" ثُمَّ قَالَ لِلْقَاعِدِ : وَأَيُّكُمْ خَلَفَ اَلْخَارِجَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِخَيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ اَلْخَارِجِ \" فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اَلْغَازِيَ إِذَا جَهَّزَ نَفْسَهُ أَوْ قَامَ بِكِفَايَة مَنْ يَخْلُفُهُ بَعْدَهُ كَانَ لَهُ اَلْأَجْر مَرَّتَيْنِ وَقَالَ اَلْقُرْطُبِيّ : لَفْظَة \" نِصْف \" يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ مُقْحَمَة أَيْ مَزِيدَة مِنْ بَعْضِ اَلرُّوَاةِ وَقَدْ اِحْتَجَّ بِهَا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ اَلْمُرَادَ بِالْأَحَادِيثِ اَلَّتِي وَرَدَتْ بِمِثْلِ ثَوَابِ الْفِعْلِ حُصُولُ أَصْلِ اَلْأَجْرِ لَهُ بِغَيْرِ تَضْعِيفٍ وَأَنَّ اَلتَّضْعِيفَ يَخْتَصُّ بِمَنْ بَاشَرَ اَلْعَمَل قَالَ اَلْقُرْطُبِيّ : وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي هَذَا اَلْحَدِيثِ لِوَجْهَيْنِ : ‏ ‏أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مَحَلّ اَلنِّزَاعِ لِأَنَّ اَلْمَطْلُوبَ إِنَّمَا هُوَ أَنَّ اَلدَّالَّ عَلَى اَلْخَيْرِ مَثَلًا هَلْ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ مَعَ اَلتَّضْعِيف أَوْ بِغَيْرِ تَضْعِيف ؟ وَحَدِيث اَلْبَابِ إِنَّمَا يَقْتَضِي اَلْمُشَارَكَةَ وَالْمُشَاطَرَةَ فَافْتَرَقَا. ‏ ‏ثَانِيهمَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ اِحْتِمَالِ كَوْنٍ لَفَظَة \" نِصْف \" زَائِدَة. ‏ ‏قُلْت : وَلَا حَاجَةَ لِدَعْوَى زِيَادَتِهَا بَعْدَ ثُبُوتِهَا فِي اَلصَّحِيحِ ; وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي تَوْجِيهِهَا أَنَّهَا أُطْلِقَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَجْمُوعِ اَلثَّوَابِ اَلْحَاصِلِ لِلْغَازِي وَالْخَالِفِ لَهُ بِخَيْر فَإِنَّ اَلثَّوَابَ إِذَا اِنْقَسَمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِثْلُ مَا لِلْآخَرِ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ اَلْحَدِيثَيْنِ. وَأَمَّا مَنْ وَعَدَ بِمِثْلِ ثَوَابِ اَلْعَمَلِ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْهُ إِذَا كَانَتْ لَهُ فِيهِ دَلَالَة أَوْ مُشَارَكَة أَوْ نِيَّة صَالِحَة فَلَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ فِي عَدَمِ اَلتَّضْعِيفِ لِكُلِّ أَحَدٍ , وَصَرْف اَلْخَبَر عَنْ ظَاهِرِهِ يَحْتَاجُ إِلَى مُسْتَنَد وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَ اَلْقَائِلِ أَنَّ اَلْعَامِلَ يُبَاشِرُ اَلْمَشَقَّة بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ اَلدَّالِّ وَنَحْوِه لَكِنَّ مَنْ يُجَهِّزُ اَلْغَازِيَ بِمَالِهِ مَثَلًا وَكَذَا مَنْ يَخْلُفُهُ فِيمَنْ يَتْرُكُ بَعْدَهُ يُبَاشِرُ شَيْئًا مِنْ اَلْمَشَقَّةِ أَيْضًا فَإِنَّ اَلْغَازِيَّ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ اَلْغَزْو إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُكْفَى ذَلِكَ اَلْعَمَلُ فَصَارَ كَأَنَّهُ يُبَاشِرُ مَعَهُ اَلْغَزْوَ بِخِلَافِ مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى اَلنِّيَّةِ مَثَلًا وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَسَتَكُونُ لَنَا عَوْدَةٌ إِلَى اَلْبَحْثِ فِي هَذَا اَلْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ \" قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَد تَعْدِلُ ثُلُثَ اَلْقُرْآنِ \" فِي شَرْحِ فَضَائِلِ اَلْقُرْآنِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2632",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْتًا ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏غَيْرَ بَيْتِ ‏ ‏أُمِّ سُلَيْمٍ ‏ ‏إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي أَرْحَمُهَا قُتِلَ ‏ ‏أَخُوهَا ‏ ‏مَعِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِسْحَاق بْن عَبْد اَللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي طَلْحَة وَفِي رِوَايَةِ عَمْرو بْن عَاصِم عَنْ هَمَّام \" أَخْبَرَنَا إِسْحَاق بْن عَبْد اَللَّه بْن أَبِي طَلْحَة \" أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْدٍ عَنْهُ وَعِنْدَ اَلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق حِبَّانَ بْن هِلَال عَنْ هَمَّام \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق \". ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بِالْمَدِينَةِ بَيْتًا غَيْر بَيْتٍ أَمْ سَلِيم ) ‏ ‏قَالَ اَلْحُمَيْدِيّ : لَعَلَّهُ أَرَادَ عَلَى اَلدَّوَامِ وَإِلَّا فَقَدَ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمّ حَرَام. وَقَالَ اِبْن اَلتِّينِ : يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ اَلدُّخُولُ عَلَى أُمِّ سَلِيم وَإِلَّا فَقَدَ دَخَلَ عَلَى أُخْتِهَا أُمِّ حَرَام وَلَعَلَّهَا أَيْ أَمُّ سَلِيم كَانْت شَقِيقَة اَلْمَقْتُولِ أَوْ وَجَدَتْ عَلَيْهِ أَكْثَر مِنْ أُمّ حَرَام. قُلْت : لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا اَلتَّأْوِيلِ فَإِنَّ بَيْت أُمّ حَرَام وَأُمّ سَلِيم وَاحِد وَلَا مَانِع أَنْ تَكُونَ اَلْأُخْتَانِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ كَبِيرٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِيهِ مَعْزِل فَنُسِبَ تَارَةً إِلَى هَذِهِ وَتَارَةً إِلَى هَذِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ لَهُ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِ اَلْقَائِلِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي أَرْحَمُهَا قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي ) ‏ ‏هَذِهِ الْعِلَّةُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا فِي هَذِهِ اَلْقِصَّةِ فِي كُتَّاب اَلِاسْتِئْذَان إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ \" أَخُوهَا \" حَرَام بْن مِلْحَانَ اَلَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُه فِي \" بَابٍ مَنْ يُنْكَبُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ \" وَسَتَأْتِي قِصَّة قَتْلِهِ فِي غَزْوَةِ بِئْر مَعُونَة مِنْ كِتَاب اَلْمَغَازِي وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" مَعِي \" أَيْ مَعَ عَسْكَرِي أَوْ عَلَى أَمْرِي وَفِي طَاعَتِي لِأَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَشْهَدْ بِئْر مَعُونَة وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالذَّهَابِ إِلَيْهَا وَغَفَلَ اَلْقُرْطُبِيّ فَقَالَ : قُتِلَ أَخُوهَا مَعَهُ فِي بَعْضِ حُرُوبِهِ وَأَظُنُّهُ يَوْمَ أُحُد وَلَمْ يُصِبْ فِي ظَنِّهِ وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ اِبْن اَلْمُنِير : مُطَابَقَةُ حَدِيثِ أَنَس لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِ \" أَوْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ \" لِأَنَّ ذَلِكَ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَالنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْبُرُ قَلْب أُمِّ سَلِيم بِزِيَارَتِهَا وَيُعَلِّلُ ذَلِكَ بِأَنَّ أَخَاهَا قُتِلَ مَعَهُ فَفِيهِ أَنَّهُ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَذَلِكَ مِنْ حُسْنِ عَهْدِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2633",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَذَكَرَ يَوْمَ ‏ ‏الْيَمَامَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ ‏ ‏وَقَدْ ‏ ‏حَسَرَ ‏ ‏عَنْ فَخِذَيْهِ وَهُوَ ‏ ‏يَتَحَنَّطُ ‏ ‏فَقَالَ يَا عَمِّ مَا يَحْبِسُكَ أَنْ لَا تَجِيءَ قَالَ الْآنَ يَا ابْنَ أَخِي وَجَعَلَ ‏ ‏يَتَحَنَّطُ ‏ ‏يَعْنِي مِنْ ‏ ‏الْحَنُوطِ ‏ ‏ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ ‏ ‏انْكِشَافًا ‏ ‏مِنْ النَّاسِ فَقَالَ هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا حَتَّى نُضَارِبَ الْقَوْمَ ‏ ‏مَا هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُوسَى بْن أَنَس ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَالِك. ‏ ‏قَوْلُه : ( ذَكَرَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْحَموِي وَلِلْبَاقِينَ \" وَذَكَرَهُ \" بِزِيَادَة اَلْوَاو وَ هِيَ لِلْحَالِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَوْم اَلْيَمَامَة ) ‏ ‏أَيْ حِينَ حَاصَرَتْ اَلْمُسْلِمُونَ مُسَيْلِمَةَ اَلْكَذَّاب وَأَتْبَاعَهُ فِي خِلَافَةٍ أَبِي بَكْر اَلصَّدِيق. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَى أَنَس بْن مَالِك ثَابِت بْن قَيْس ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى اَلْمَفْعُولِيَّةِ قَالَ اَلْحُمَيْدِيّ كَذَا قَالَ لَمْ يَقُلْ عَنْ أَنَس وَأَخْرَجَه الْبُرْقَانِيّ مِنْ وَجْه آخَرَ فَقَالَ \" عَنْ مُوسَى بْن أَنَس عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَيْت ثَابِت بْن قَيْس \". قُلْت : وَصَلَهُ اَلطَّبَرِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ اِبْن أَبِي زَائِدَة عَنْ اِبْنِ عَوْن وَقَالَ اِبْن سَعْد فِي اَلطَّبَقَاتِ \" حَدَّثَنَا اَلْأَنْصَارِي حَدَّثَنَا اِبْنُ عَوْنٍ حَدَّثَنَا مُوسَى بْن أَنَس عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْم اَلْيَمَامَةَ جِئْت إِلَى ثَابِت بْن قَيْس بْن شِمَاس \" فَذَكَرَهُ وَأَخْرَجَهُ اَلْحَاكِمُ فِي \" اَلْمُسْتَدْرَك \" مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ اَلْأَنْصَارِيِّ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ حَسَرَ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ أَيْ كَشَفَ وَزْنُه وَمَعْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( يَا عَمّ ) ‏ ‏إِنَّمَا دَعَاهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ أَسَنَّ مِنْهُ وَلِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلَة اَلْخَزْرَج ‏ ‏قَوْله : ( مَا يَحْبِسُك ) ‏ ‏أَيْ يُؤَخِّرُكَ وَفِي رِوَايَةِ اَلْأَنْصَارِي \" فَقُلْت يَا عَمّ أَلَا تَرَى مَا يَلْقَى اَلنَّاسُ \" زَاد مُعَاذ بْن مُعَاذ عَنْ اِبْنِ عَوْنٍ عِنْدَ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَلَا تَجِئْ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ خَلِيفَةٌ فِي تَارِيخِهِ عَنْ مُعَاذ وَقَالَ فِي جَوَابِهِ \" بَلَى يَا اِبْن أَخِي اَلْآنَ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَلَّا ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ وَتَجِيءُ بِالنَّصْبِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَعَلَ يَتَحَنَّطُ يَعْنِي مِنْ اَلْحَنُوطِ ) ‏ ‏كَذَا فِي اَلْأَصْلِ وَكَأَنَّ قَائِلَهَا أَرَادَ دَفْعَ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهَا مِنْ اَلْحِنْطَةِ وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ اَلْأَنْصَارِي اَلْمَذْكُورَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرَ مِنْ اَلنَّاسِ اِنْكِشَافًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن أَبِي زَائِدَة \" فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ فِي اَلصَّفِّ وَالنَّاسُ يَنْكَشِفُونَ \" أَيْ يَنْهَزِمُونَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا ) ‏ ‏أَيْ اِفْسَحُوا لِي حَتَّى أُقَاتِلَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ بَلْ كَانَ اَلصَّفّ لَا يَنْحَرِفُ عَنْ مَوْضِعِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" عَوّدَكُمْ أَقْرَانَكُمْ \" أَيْ نُظَرَاؤُكُمْ وَهُوَ جَمْعٌ قِرْنٍ بِكَسْر اَلْقَافِ وَهُوَ اَلَّذِي يُعَادِلُ اَلْآخَر فِي اَلشِّدَّةِ وَالْقِرْنُ بِكَسْرِ اَلْقَافِ مَنْ يُعَادِلُ فِي اَلسِّنِّ وَأَرَادَ ثَابِت بِقَوْلِهِ هَذَا تَوْبِيخ اَلْمُنْهَزِمِينَ أَيْ عَوَّدْتُمْ نُظَرَاءَكُمْ فِي اَلْقُوَّةِ مِنْ عَدُّوِكُمْ اَلْفِرَارَ مِنْهُمْ حَتَّى طَمِعُوا فِيكُمْ وَزَاد مُعَاذ بْن مُعَاذ اَلْأَنْصَارِيّ وَابْن أَبِي زَائِدَة فِي رِوَايَتِهِمَا \" فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِل \". ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ حَمَّاد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي سَلَمَة ‏ ‏( عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَس ) ‏ ‏كَذَا قَالَ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَصْلِ اَلْحَدِيثِ وَإِلَّا فَرِوَايَة حَمَّاد أَتَمّ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْن أَنَس وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْنُ سَعْد والطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ وَلَفْظُهُ \" أَنَّ ثَابِت بْن قَيْس بْن شِمَاسٍ جَاءَ يَوْم اَلْيَمَامَة وَقَدْ تَحَنَّطَ وَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ يُكَفَّنُ فِيهِمَا وَقَدْ اِنْهَزَمَ اَلْقَوْمُ فَقَالَ : اَللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْك مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ اَلْمُشْرِكُونَ وَاعْتَذِرُ إِلَيْك مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ - ثُمَّ قَالَ - بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ مُنْذُ اَلْيَوْمِ خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَاعَةً فَحَمَلَ فَقَاتَل حَتَّى قُتِلَ وَكَانَتْ دِرْعُهُ قَدْ سُرِقَتْ فَرَآهُ رَجُلٌ فِيمَا يَرَى اَلنَّائِم فَقَالَ : إِنَّهَا فِي قَدْرٍ تَحْتَ إِكَافٍ بِمَكَانِ كَذَا فَأَوْصَاهُ بِوَصَايَا فَوَجَدُوا اَلدِّرْعَ كَمَا قَالَ وَأَنْفَذُوا وَصَايَاهُ \". وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ قِصَّة اَلدِّرْع وَالْوَصِيَّة مُطَوَّلَةً مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ بِنْت ثَابِت بْن قَيْس اَلْمَذْكُورَةِ وَفِيهَا \" أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْق بَعْض رَقِيقِه \" وَسَمَّى اَلْوَاقِدِيُّ فِي كِتَاب اَلرِّدَّة مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ وَهُمْ سَعْدٌ وَسَالِمٌ وَأَفَادَ اَلْوَاقِدِيُّ أَنَّ رَائِيَ اَلْمَنَام هُوَ بِلَال اَلْمُؤَذِّن قَالَ اَلْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ : فِيهِ جَوَازُ اِسْتِهْلَاك اَلنَّفْس فِي اَلْجِهَادِ وَتَرْكِ اَلْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ وَالتَّهْيِئَةِ لِلْمَوْتِ بِالتَّحَنُّطِ وَالتَّكْفِينِ وَفِيهِ قُوَّةُ ثَابِت بْن قَيْس وَصِحَّة يَقِينه وَنِيَّتِه وَفِيهِ اَلتَّدَاعِي إِلَى اَلْحَرْبِ وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهَا وَتَوْبِيخ مَنْ يَفِرُّ وَفِيهِ اَلْإِشَارَةُ إِلَى مَا كَانَ اَلصَّحَابَة عَلَيْهِ فِي عَهْدِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اَلشَّجَاعَةِ وَالثَّبَاتِ فِي اَلْحَرْبِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ اَلْفَخِذَ لَيْسَتْ عَوْرَة وَقَدْ مَضَى اَلْبَحْث فِيهِ فِي أَوَائِل كِتَابِ اَلصَّلَاةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2634",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ يَوْمَ الْأَحْزَابِ قَالَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏أَنَا ثُمَّ قَالَ مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ قَالَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏أَنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ ‏ ‏حَوَارِيًّا ‏ ‏وَحَوَارِيَّ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اَلثَّوْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ اَلْقَوْمِ يَوْمَ اَلْأَحْزَابِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةٍ وَهْبِ بْن كِيسَانِ عَنْ جَابِر عِنْدَ اَلنَّسَائِيِّ \" لَمَّا اِشْتَدَّ اَلْأَمْرُ يَوْم بَنِي قُرَيْظَة قَالَ رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِهِمْ \" اَلْحَدِيث وَفِيهِ أَنَّ اَلزُّبَيْرَ تُوَجَّهَ إِلَى ذَلِكَ ثَلَاث مَرَّات وَمِنْهُ يَظْهَرُ اَلْمُرَاد بِالْقَوْمِ فِي رِوَايَةِ اِبْن اَلْمُنْكَدِر وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي اَلْمَغَازِي وَأَنَّ اَلْأَحْزَابَ مِنْ قُرَيْش وَغَيْرِهِمْ لَمَّا جَاءُوا إِلَى اَلْمَدِينَةِ وَحَفَرَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اَلْخَنْدَقَ بَلَغَ اَلْمُسْلِمِينَ أَنَّ بَنِي قُرَيْظَة مِنْ اَلْيَهُودِ نَقَضُوا اَلْعَهْد اَلَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اَلْمُسْلِمِينَ وَوَافَقُوا قُرَيْشًا عَلَى حَرْبِ اَلْمُسْلِمِينَ وَسَيَأْتِي اَلْكَلَام عَلَى شَرْح \" اَلْحَوَارِيّ \" فِي اَلْمَنَاقِبِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2635",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَدَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏النَّاسَ قَالَ ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏أَظُنُّهُ يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏فَانْتَدَبَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ ‏ ‏فَانْتَدَبَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ ‏ ‏فَانْتَدَبَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ ‏ ‏حَوَارِيًّا ‏ ‏وَإِنَّ ‏ ‏حَوَارِيَّ ‏ ‏الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله \" نَدَبَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اَلنَّاسَ قَالَ صَدَقَةُ أَظُنُّهُ يَوْمَ اَلْخَنْدَقِ \" ‏ ‏صَدَقَةُ هُوَ اِبْنُ اَلْفَضْلِ شَيْخُ اَلْبُخَارِيّ فِيهِ وَمَا ظَنَّهُ هُوَ اَلْوَاقِعُ فَقَدْ رَوَاهُ اَلْحُمَيْدِيّ عَنْ ابْن عُيَيْنَةَ فَقَالَ فِيهِ \" يَوْمَ اَلْخَنْدَقِ \" وَلَمْ يَشُكّ. فِي اَلْحَدِيثِ جَوَاز اِسْتِعْمَالِ اَلتَّجَسُّسِ فِي اَلْجِهَادِ وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِلزُّبَيْرِ وَقُوَّة قَلْبِهِ وَصِحَّةُ يَقِينه وَفِيهِ جَوَازُ سَفَرِ اَلرَّجُلِ وَحْدَهُ وَأَنَّ اَلنَّهْيَ فِي اَلسَّفَرِ وَحْدَهُ إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ لَا تَدْعُو اَلْحَاجَة إِلَى ذَلِكَ وَسَيَأْتِي مَزِيد بَحْثٍ فِي ذَلِكَ فِي أَوَاخِرَ اَلْجِهَادِ فِي \" بَاب اَلسَّيْر وَحْدَهُ \". وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ اَلْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ طَلِيعَة اَللُّصُوص اَلْمُحَارِبِينَ يُقْتَلُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُبَاشِرْ قَتْلًا وَلَا سَلْبًا وَفِي أَخْذِهِ مِنْ هَذَا اَلْحَدِيثِ تَكَلُّفٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "2636",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَنَا أَنَا وَصَاحِبٍ لِي ‏ ‏أَذِّنَا وَأَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2637",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْخَيْلُ فِي ‏ ‏نَوَاصِيهَا ‏ ‏الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "الأَوْل حَدِيثُ اِبْن عُمَر ‏ ‏قَوْله : ( الْخَيْل فِي نَوَاصِيهَا اَلْخَيْر ) ‏ ‏كَذَا فِي الْمُؤَطَّأِ لَيْسَ فِيهِ \" مَعْقُودٌ \" وَوَقَعَ بِإِثْبَاتِهَا عِنْدَ اَلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْد اَللَّه بْن نَافِع عَنْ مَالِك وَسَيَأْتِي فِي عَلَامَاتِ اَلنُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اَللَّهِ بْن عُمَر عَنْ نَافِعٍ بِإِثْبَاتِهَا وَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2638",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏وَابْنِ أَبِي السَّفَرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي ‏ ‏نَوَاصِيهَا ‏ ‏الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هُشَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عُرْوَةَ بْن اَلْجَعْد ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حُصَينٍ ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ هُوَ اِبْن عَبْد اَلرَّحْمَنِ ‏ ‏وَابْنِ أَبِي اَلسَّفَر ) ‏ ‏بِفَتْحِ اَلْمُهْمِلَةِ وَالْفَاء هُوَ عَبْدُ اَللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُرْوَة بْن اَلْجَعْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ زَكَرِيَّا عَنْ اَلشَّعْبِيِّ \" حَدَّثَنَا عُرْوَةُ \" وَهُوَ فِي اَلْبَابِ اَلَّذِي بَعْدَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ حَرْب ‏ ‏( عَنْ شُعْبَةٍ عَنْ عُرْوَة بْن أَبِي اَلْجَعْدِ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْب خَالَفَ حَفْصَ بْنَ عُمَر فِي اِسْمٍ وَالِدٍ عُرْوَة فَقَالَ حَفْص \" عُرْوَة بْن اَلْجَعْد \" وَقَالَ سُلَيْمَان \" عُرْوَة بْن أَبِي اَلْجَعْد وَطَرِيق سُلَيْمَانَ وَصَلَهَا اَلطَّبَرَانِيّ عَنْ أَبِي مُسْلِم الْكَجِّيِّ عَنْهُ وَأَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيم فِي اَلْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ قَالَ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ : قَالَ أَكْثَر اَلرُّوَاةِ عَنْ شُعْبَة \" عُرْوَة بْن اَلْجَعْد \" إِلَّا سُلَيْمَان وَابْن أَبِي عَدِيّ. قُلْت : رِوَايَةُ اِبْن أَبِي عَدِيّ عِنْدَ اَلنَّسَائِيِّ وَتَابَعَهُمَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيم أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْهُ وَلِشُعْبَةَ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ فَقَالَ فِيهِ \" عُرْوَة بْنُ اَلْجَعْدِيّ \" أَيْضًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقٍ غُنْدَر عَنْهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْعَيْزَارِ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ عُرْوَةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَابَعه مُسَدَّد عَنْ هُشَيم عَنْ حُصَيْنٍ إِلَخْ ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي مُسْنَد مُسَدَّد رِوَايَة مُعَاذ فِي اَلْمُثَنَّى عَنْهُ وَقَالَ فِيهِ \" عُرْوَة بْن أَبِي اَلْجَعْد \" كَمَا قَالَ اَلْبُخَارِيّ وَلَكِنْ رَوَاهُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ عَنْ هَشِيمٍ فَقَالَ \" عُرْوَة الْبَارِقِي \" وَكَذَا قَالَ زَكَرِيَّا فِي اَلْبَابِ اَلَّذِي بَعْدَهُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ فُضَيْلٍ وَابْن إِدْرِيس عَنْ حُصَيْن وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ جَرِير عَنْ حُصَيْنٍ فَقَالَ \" عُرْوَة بْن اَلْجَعْد \" وَصَوَّبَ اِبْن اَلْمَدِينِي أَنَّهُ \" عُرْوَة بْن أَبِي اَلْجَعْد \" وَذَكَرَ اِبْنُ أَبِي حَاتِم أَنَّ اِسْمِ أَبِي اَلْجَعْدِ سَعَدُ وَأَمَّا الرَّشَاطِيُّ فَقَالَ : هُوَ عُرْوَةُ بْن عِيَاض بْن أَبِي اَلْجَعْد نُسِبَ فِي اَلرِّوَايَةِ إِلَى جَدِّهِ قَالَ : وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ فُتُوحَ اَلشَّام وَنَزَلَهَا ثُمَّ نَقَلَهُ عُثْمَان إِلَى اَلْكُوفَةِ. قُلْت : وَيَأْتِي فِي عَلَامَاتِ اَلنُّبُوَّةِ أَنَّهُ كَانَ يَرْبُطُ اَلْخَيْل اَلْكَثِيرَة حَتَّى قَالَ اَلرَّاوِي : رَأَيْت فِي دَارِهِ سَبْعِينَ فَرَسًا. وَلِمُسَدَّد فِي هَذَا اَلْحَدِيثِ شَيْخ آخَرُ سَيَأْتِي فِي \" بَابِ حِلِّ اَلْغَنَائِمِ \" عَنْهُ عَنْ خَالِدٍ وَهُوَ اَلطَّحَّانُ عَنْ حُصَيْنٍ وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا عُرْوَة الْبَارِقِيُّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْن إِدْرِيس عَنْ حُصَيْنٍ فِي هَذَا اَلْحَدِيثِ مِنْ اَلزِّيَادَةِ \" وَالْإِبِلُ عِزّ لِأَهْلِهَا وَالْغَنَمِ بَرَكَة \" أَخْرَجَهُ الْبَرْقَانِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ اَلْحُمَيْدِيّ. وَالْبَارِقِيُّ بِالْمُوَحَّدَةِ وَكَسْر اَلرَّاءِ بَعْدَهَا قَاف نِسْبَة إِلَى بَارِق جَبَلٌ بِالْيَمَنِ وَقِيلَ مَاءٌ بِالسَّرَاةِ نَزَلَهُ بَنُو عَدِيّ بْن حَارِثَة بْن عُمَر. وَقَبِيلَةٌ مِنْ الْأَزْدِ وَلُقِّب بِهِ مِنْهُمْ سَعْد بْن عَدَيّ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ بَارِق وَزَعَم الرَّشَاطِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى ذِي بَارِق قَبِيلَة مِنْ ذِي رَعَيْنَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2639",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اَلْقَطَّانُ ‏ ‏وَأَبُو التَّيَّاح ) ‏ ‏بِمُثَنَّاة وَتَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة وَآخِره مُهْمَلَةُ وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( اَلْبَرَكَة فِي نَوَاصِي اَلْخَيْلِ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ مَحْذُوفٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ اَلْمَجْرُور وَأَوْلَى مَا يُقَدَّرُ مَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فَقَدْ أَخْرَجَهُ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِم بْنِ عَلِيّ بْن شُعْبَة بِلَفْظ \" اَلْبَرَكَة تَنْزِلُ فِي نَوَاصِي اَلْخَيْلِ \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ اِبْن مَهْدِيّ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظ \" اَلْخَيْر مَعْقُود فِي نَوَاصِي اَلْخَيْلِ \" وَسَيَأْتِي فِي عَلَامَاتِ اَلنُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِ خَالِد بْن اَلْحَارِث عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظٍ حَدِيث عُرْوَة الْبَارِقِيِّ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ \" إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ \" قَالَ عِيَاض إِذَا كَانَ فِي نَوَاصِيهَا اَلْبَرَكَةُ فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا شُؤْمٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اَلشُّؤْم اَلْآتِي ذِكْرُهُ فِي غَيْرِ اَلْخَيْلِ الَّتِي ارْتَبَطَتْ لِلْجِهَادِ وَأَنَّ اَلْخَيْلَ اَلَّتِي أُعِدَّتْ لَهُ هِيَ اَلْمَخْصُوصَةُ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَة أَوْ يُقَالُ اَلْخَيْرُ وَالشَّرّ يُمْكِنُ اِجْتِمَاعُهُمَا فِي ذَاتِ وَاحِدَة فَإِنَّهُ فَسَرَّ اَلْخَيْر بِالْأَجْرِ وَالْمَغْنَم وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اَلْفَرَس مِمَّا يَتَشَاءَمُ بِهِ. قُلْت : وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ ‏ ‏قَوْله : ( اَلْخَيْل اَلْمُرَادُ بِهَا مَا يُتَّخَذُ لِلْغَزْوِ بِأَنْ يُقَاتَلَ عَلَيْهِ أَوْ يُرْتَبَط لِأَجْلِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِي اَلْحَدِيثِ اَلْآتِي بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابِ \" اَلْخَيْلُ ثَلَاثَة \" اَلْحَدِيث فَقَدْ رَوَى أَحْمَد مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاء بِنْتِ يَزِيد مَرْفُوعًا \" اَلْخَيْل فِي نَوَاصِيهَا اَلْخَيْر مَعْقُود إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ فَمَنْ رَبَطَهَا عُدَّةً فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ اِحْتِسَابًا كَانَ شِبَعُهَا وَجُوعُهَا وَرِيُّهَا وَظَمَؤُهَا وَأَرْوَاثُهَا وَأَبْوَالهَا فَلَاحًا فِي مَوَازِينِهِ يَوْم اَلْقِيَامَةِ \" الْحَدِيث وَلِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ زَكَرِيَّا كَمَا فِي الْبَابِ اَلَّذِي يَلِيه \" اَلْأَجْر وَالْمَغْنَم \" وَقَوْلُه اَلْأَجْر بَدَل مِنْ قَوْلِهِ اَلْخَيْر أَوْ هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأ مَحْذُوف أَيْ هُوَ اَلْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة جَرِير عَنْ حُصَيْن \" قَالُوا : بِمَ ذَاكَ يَا رَسُول اَللَّهِ ؟ قَالَ : اَلْأَجْرُ وَالْمَغْنَم \" قَالَ الطِّيبِيّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اَلْخَيْر اَلَّذِي فُسِّرَ بِالْأَجْرِ وَالْمَغْنَم اِسْتِعَارَة لِظُهُورِهِ وَمُلَازَمَتِهِ وَخَصَّ اَلنَّاصِيَة لِرَفْعَةِ قَدْرِهَا وَكَأَنَّهُ شَبَّهَهُ لِظُهُورِهِ بِشَيْءٍ مَحْسُوسٍ مَعْقُودٍ عَلَى مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ فَنُسِبَ اَلْخَيْرُ إِلَى لَازِم اَلْمُشَبَّه بِهِ وَذَكَرَ اَلنَّاصِيَةَ تَجْرِيدًا لِلِاسْتِعَارَةِ وَالْمُرَاد بِالنَّاصِيَةِ هُنَا اَلشَّعْر الْمُسْتَرْسِل عَلَى اَلْجَبْهَةِ قَالَهُ اَلْخَطَّابِيّ وَغَيْره. قَالُوا : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُ كَنَّي بِالنَّاصِيَةِ عَنْ جَمِيعِ ذَاتِ اَلْفَرَسِ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ مُبَارَكُ اَلنَّاصِيَة وَيُبْعِدُهُ لَفْظ اَلْحَدِيثِ اَلثَّالِثِ وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيث جَرِير قَالَ \" رَأَيْت رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْوِي نَاصِيَة فَرَسِهِ بِإِصْبَعِهِ وَيَقُولُ \" فَذَكَرَ اَلْحَدِيث فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اَلنَّاصِيَةُ خُصَّتْ بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا اَلْمُقْدَّمُ مِنْهَا إِشَارَة إِلَى أَنَّ اَلْفَضْلَ فِي اَلْإِقْدَامِ بِهَا عَلَى اَلْعَدُوِّ دُونَ اَلْمُؤَخَّرِ لِمَا فِيهِ مِنْ اَلْإِشَارَةِ إِلَى اَلْأَدْبَارِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ اَلَّذِي وَرَدَ فِيهَا مِنْ اَلشُّؤْمِ عَلَى غَيْرِ ظَاهِره لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اَلْمُرَاد هُنَا جِنْسُ اَلْخَيْل أَيْ أَنَّهَا بِصَدَدِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا اَلْخَيْرُ فَأَمَّا مَنْ ارْتَبَطَهَا لِعَمَلٍ غَيْرِ صَالِحٍ فَحُصُول اَلْوِزْرِ لَطَرِيَانِ ذَلِكَ اَلْأَمْر اَلْعَارِض وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي مَكَانِهِ بَعْدَ أَبْوَاب. قَالَ عِيَاض : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ وَجِيز لَفَظَه مِنْ اَلْبَلَاغَة وَالْعُذُوبَةِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فِي اَلْحُسْنِ مَعَ الْجِنَاسِ اَلسَّهْلِ اَلَّذِي بَيْنَ اَلْخَيْلِ وَالْخَيْرِ. قَالَ اَلْخَطَّابِيّ : وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اَلْمَالَ اَلَّذِي يُكْتَسَبُ بِاِتِّخَاذِ اَلْخَيْلِ مِنْ خَيْر وُجُوه اَلْأَمْوَالِ وَأَطْيَبهَا وَالْعَرَب تُسَمِّي اَلْمَال خَيْرًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي اَلْوَصَايَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنْ تَرَكَ خَيَرًا اَلْوَصِيَّةُ) وَقَالَ اِبْن عَبْدِ الْبَرّ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَفْضِيل الْخَيْل عَلَى غَيْرِهَا مِنْ اَلدَّوَابِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ غَيْرِهَا مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ وَفِي اَلنَّسَائِيِّ عَنْ أَنَس بْن مَالِك \" لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبّ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اَلْخَيْلِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2640",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي ‏ ‏نَوَاصِيهَا ‏ ‏الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2641",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏طَلْحَةُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدًا الْمَقْبُرِيَّ ‏ ‏يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن حَفْص ) ‏ ‏هُوَ اَلْمَرْوَزِيُّ قَالَ اَلْبُخَارِيّ فِي اَلتَّارِيخِ : لَقِيَتُهُ بِعَسْقَلَانَ سَنَة سَبْع عَشْرَة. قُلْت : وَمَا أَخْرَجَ عَنْهُ غَيْر هَذَا اَلْحَدِيث وَآخَرَ فِي مَنَاقِبَ اَلزُّبَيْر مَوْقُوفًا وَآخَرَ فِي آخِر كِتَابِ اَلْقَدَرِ قَرَنَهُ فِيهِ بِبِشْر بْن مُحَمَّد وَقَدْ تَعَقَّبَ اِبْن أَبِي حَاتِم تَسْمِيَته عَلَى اَلْبُخَارِيِّ فِي اَلْجُزْءِ اَلَّذِي جَمَعَ فِيهِ أَوْهَامَهُ وَقَالَ : اَلصَّوَابُ أَنَّهُ اِبْن اَلْحُسَيْن بْن نَشِيط بِفَتْحِ اَلنُّونِ وَكَسْر اَلْمُعْجَمَة بِوَزْنٍ عَظِيمٍ قَالَ : وَقَدْ لَقِيَهُ أَبِي بِعَسْقَلَانَ سَنَة سَبْع عَشْرَة. قُلْت : فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَفْص اِسْم جَدِّهِ وَقَدْ وَقَعَ لِلْبُخَارِيِّ نِسْبَة بَعْضِ مَشَايِخِهِ إِلَى أَجْدَادِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا طَلْحَة بْن أَبِي سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اَلْمِصْرِيُّ نَزِيل اَلْإِسْكَنْدَرِيَّة وَكَانَ أَصْلُه مِنْ اَلْمَدِينَةِ وَلَيْسَ لَهُ فِي اَلْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا اَلْمَوْضِعِ بَلْ قَالَ أَبُو سَعِيد بْن يُونُس : مَا رَوَى حَدِيثًا مُسْنَدًا غَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ ) ‏ ‏أَيْ اَلَّذِي وَعَدَ بِهِ مِنْ اَلثَّوَابِ عَلَى ذَلِكَ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اَلْمَعَادِ كَمَا أَنَّ فِي لَفْظِ اَلْإِيمَانِ إِشَارَةً إِلَى اَلْمَبْدَأِ. ‏ ‏وَقَوْله \" شِبَعَهُ \" ‏ ‏بِكَسْرٍ أَوَّلِهِ أَيْ مَا يُشْبَعُ بِهِ ‏ ‏وَكَذَا قَوْله \" رِيَّهُ \" ‏ ‏بِكَسْرِ اَلرَّاءِ وَتَشْدِيد اَلتَّحْتَانِيَّة وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَسْمَاء بِنْت يَزِيد اَلَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ فِي اَلْبَابِ اَلْمَاضِي \" وَمَنْ رَبَطَهَا رِيَاء وَسُمْعَة \" اَلْحَدِيث وَقَالَ فِيهِ \" فَإِنَّ شِبَعَهَا وَجُوعَهَا إِلَخْ خُسْرَانٌ فِي مَوَازِينِهِ \" قَالَ اَلْمُهَلَّب وَغَيْرُهُ : فِي هَذَا اَلْحَدِيثِ جَوَاز وَقْفِ اَلْخَيْلِ لِلْمُدَافَعَةِ عَنْ اَلْمُسْلِمِينَ وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ جَوَاز وَقْف غَيْر اَلْخَيْلِ مِنْ اَلْمَنْقُولَاتِ وَمِنْ غَيْرِ اَلْمَنْقُولَاتِ مِنْ بَاب اَلْأَوْلَى. ‏ ‏وَقَوْله \" وَرَوَثَهُ \" ‏ ‏يُرِيدُ ثَوَابَ ذَلِكَ لَا أَنَّ اَلْأَرْوَاثَ بِعَيْنِهَا تُوزَنُ وَفِيهِ أَنَّ اَلْمَرْءَ يُؤْجَرُ بِنِيَّتِهِ كَمَا يُؤْجَرُ اَلْعَامِلُ وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذِكْرِ اَلشَّيْءِ اَلْمُسْتَقْذَرِ بِلَفْظِهِ لِلْحَاجَةِ لِذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا اَلْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ اَلْحَسَنَاتِ تُقْبَلُ مِنْ صَاحِبِهَا لِتَنْصِيصِ اَلشَّارِعِ عَلَى أَنَّهَا فِي مِيزَانِه بِخِلَافِ غَيْرِهَا فَقَدْ لَا تُقْبَلُ فَلَا تَدْخُلُ اَلْمِيزَانَ وَرَوَى اِبْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيث تَمِيم اَلدَّارِي مَرْفُوعًا \" مَنْ اِرْتَبَطَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ ثُمَّ عَالَجَ عَلَفَهُ بِيَدِهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ حَبَّةٍ حَسَنَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "2642",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَخَلَّفَ ‏ ‏أَبُو قَتَادَةَ ‏ ‏مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ حَتَّى رَآهُ ‏ ‏أَبُو قَتَادَةَ ‏ ‏فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ يُقَالُ لَهُ الْجَرَادَةُ فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا فَتَنَاوَلَهُ فَحَمَلَ فَعَقَرَهُ ثُمَّ أَكَلَ فَأَكَلُوا فَنَدِمُوا فَلَمَّا أَدْرَكُوهُ قَالَ ‏ ‏هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ قَالَ مَعَنَا رِجْلُهُ فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَكَلَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي قَتَادَة فِي قِصَّة صَيْد اَلْحِمَارِ اَلْوَحْشِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ فِي كِتَابِ الْحَجّ وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" فَرَكِبَ فَرَسًا يُقَالُ لَهُ اَلْجَرَادَة \" وَهُوَ بِفَتْحِ اَلْجِيمِ وَتَخْفِيفِ اَلرَّاءِ وَالْجَرَادُ اسْم جِنْس. وَوَقَعَ فِي اَلسِّيرَةِ لِابْن هِشَام أَنَّ اسْمَ فَرَسِ أَبِي قَتَادَةَ اَلْحَزْوَة أَيْ بِفَتْحِ اَلْمُهْمِلَةِ وَسُكُون اَلزَّايِ بَعْدَهَا وَاو فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا اِسْمَانِ وَإِمَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا تَصَحَّف وَاَلَّذِي فِي اَلصَّحِيحِ هُوَ اَلْمُعْتَمَدُ. ‏ ‏وَمُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏شَيْخ اَلْبُخَارِيّ فِيهِ هُوَ اَلْمُقَدِّمِيُّ وَحَكَى أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَة أَبِي زَيْد اَلْمَرْوَزِيّ \" مُحَمَّد بْن بَكْر \" وَهُوَ غَلَط. ‏"
    },
    {
        "id": "2643",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْنُ بْنُ عِيسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏حَائِطِنَا ‏ ‏فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏اللُّحَيْفُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏بَعْضُهُمُ ‏ ‏اللُّخَيْفُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل وَهُوَ اِبْن سَعْد اَلسَّاعِدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( يُقَالُ لَهُ اللُّحَيْف ) ‏ ‏يَعْنِي بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّصْغِير قَالَ اِبْن قُرْقُولٍ : وَضَبَطُوهُ عَنْ اِبْن سِرَاج بِوَزْنِ رَغِيف. قُلْت : وَرَجَّحَهُ اَلدِّمْيَاطِيُّ وَبِهِ جَزَمَ الْهَرَوِيُّ وَقَالَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِطُولِ ذَنَبِهِ فَعِيلَ بِمَعْنَى فَاعِل وَكَأَنَّهُ يُلْحِفُ اَلْأَرْض بِذَنَبِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ بَعْضُهُمْ اللُّخَيْف ) ‏ ‏بِالْخَاء اَلْمُعْجَمَةِ وَحَكَوْا فِيهِ اَلْوَجْهَيْنِ وَهَذِهِ رِوَايَة عَبْدِ اَلْمُهَيْمِنِ بْن عَبَّاس بْن سَهْل وَهُوَ أَخُو أُبَيِّ بْن عَبَّاس وَلَفْظه عِنْدَ اِبْن مَنْدَه \" كَانَ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ سَعْد بْن سَعْد وَالِد سَهْل ثَلَاثَة أَفْرَاس فَسَمِعَتُ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَمِّيهِنَّ لِزَاز - بِكَسْرِ اَللَّامِ وَبِزَايَيْنِ اَلْأَوْلَى خَفِيفَة - وَالظَّرِبُ بِفَتْحِ اَلْمُعْجَمَة وَكَسْرِ اَلرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَة واللُّخَيْفُ \" وَحَكَى سِبْط اِبْن اَلْجَوْزِيِّ أَنَّ اَلْبُخَارِيَّ قَيَّدَهُ بِالتَّصْغِيرِ وَالْمُعْجَمَةِ قَالَ : وَكَذَا حَكَاهُ اِبْن سَعْد عَنْ اَلْوَاقِدِيِّ وَقَالَ : أَهْدَاهُ لَهُ رَبِيعَة بْن أَبِي اَلْبَرَاء مَالِك بْن عَامِر اَلْعَامِرِيّ وَأَبُوهُ اَلَّذِي يُعْرَفُ بِمُلَاعِب اَلْأَسِنَّة اِنْتَهَى. وَوَقَعَ عِنْدَ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ : أَهْدَاهُ لَهُ فَرْوَة بْن عَمْرو. وَحَكَى اِبْن اَلْأَثِيرِ فِي اَلنِّهَايَةِ أَنَّهُ رُوِي بِالْجِيمِ بَدَلَ اَلْخَاء اَلْمُعْجَمَة وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ صَاحِبُ اَلْمُغِيثِ ثُمَّ قَالَ : فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ سَهْمٌ عَرِيضُ اَلنَّصْل كَأَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسُرْعَتِهِ. وَحَكَى اِبْنُ اَلْجَوْزِيِّ أَنَّهُ رُوِيَ بِالنُّونِ بَدَل اَللَّام مِنْ اَلنَّحَافَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2644",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏يَحْيَى بْنَ آدَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاذٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏عُفَيْرٌ فَقَالَ يَا ‏ ‏مُعَاذُ ‏ ‏هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ قَالَ لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا ‏",
        "sharh": "حَدِيث مُعَاذ بْن جَبَل ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون ) ‏ ‏هُوَ اَلْأَوْدِيُّ بِفَتْحِ اَلْهَمْزَةِ وَسُكُون اَلْوَاوِ مِنْ كِبَارِ اَلتَّابِعِينَ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ أَدْرَكَ اَلْجَاهِلِيَّةَ فِي أَخْبَارِ اَلْجَاهِلِيَّةِ. ‏ ‏وَأَبُو إِسْحَاق ) ‏ ‏اَلرَّاوِي عَنْهُ هُوَ السَّبَيْعِيّ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَّا اَلصَّحَابِيّ ‏ ‏وَأَبُو اَلْأَحْوَص ) ‏ ‏شَيْخ يَحْيَى بْن آدَم فِيهِ كُنْت أَظُنُّ أَنَّهُ سَلَامٌ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ اِبْن سَلِيم وَعَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ كَلَام اَلْمِزِّيِّ لَكِنْ أَخْرَجَ هَذَا اَلْحَدِيثُ اَلنَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اَللَّه بْن اَلْمُبَارَكِ اَلْمَخْزُومِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن آدَم شَيْخ شَيْخ اَلْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ \" عَنْ عَمَّار بْن زُرَيْق عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" وَالْبُخَارِيّ أَخْرَجَهُ لِيَحْيَى بْن آدَم عَنْ أَبِي اَلْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاق وَكُنْيَة عَمَّار بْن زُرَيْق أَبُو اَلْأَحْوَص فَهُوَ هُوَ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر اِبْن أَبِي شَيْبَة وَأَبُو دَاوُد عَنْ هَنَّاد بْن اَلسَّرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي اَلْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاق وَأَبُو اَلْأَحْوَصِ هَذَا هُوَ سَلَام بْن سَلِيم فَإِنَّ أَبَا بَكْر وَهَنَّادًا أَدْرَكَاهُ وَلَمْ يُدْرِكَا عَمَّارًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت رِدْف اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْر ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاء مُصَغَّر مَأْخُوذ مِنْ اَلْعَفْرِ وَهُوَ لَوْنُ اَلتُّرَابِ كَأَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِلَوْنِهِ وَالْعُفْرَةِ حُمْرَة يُخَالِطُهَا بَيَاض وَهُوَ تَصْغِيرُ أَعْفَرَ أَخْرَجُوهُ عَنْ بِنَاءِ أَصْلِهِ كَمَا قَالُوا سُوَيْد فِي تَصْغِيرِ أَسْوَدَ وَوَهَمَ مَنْ ضَبَطَهُ بِالْغَيْنِ اَلْمُعْجَمَةِ وَهُوَ غَيْرُ اَلْحِمَارِ اَلْآخَرِ اَلَّذِي يُقَالُ لَهُ يَعْفُورُ وَزَعَمَ اِبْن عَبْدُوس أَنَّهُمَا وَاحِد وَقَوَّاهُ صَاحِبُ اَلْهَدْيِ وَرَدَّه اَلدِّمْيَاطِيّ فَقَالَ : عُفَيْرٌ أَهْدَاهُ اَلْمُقَوْقِس وَيَعْفُورُ أَهْدَاهُ فَرْوَة بْن عَمْرو وَقِيلَ بِالْعَكْسِ. وَيَعْفُور بِسُكُونِ اَلْمُهْمِلَةِ وَضَمِّ اَلْفَاءِ هُوَ اِسْمُ وَلَد اَلظَّبْي كَأَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسُرْعَتِهِ. قَالَ اَلْوَاقِدِيُّ : نَفَقَ يَعْفُور مُنْصَرَف اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّةِ اَلْوَدَاعِ وَبِهِ جَزَمَ اَلنَّوَوِيُّ عَنْ اِبْنِ اَلصَّلَاحِ وَقِيلَ طَرَحَ نَفْسَهُ فِي بِئْرِ يَوْمٍ مَاتَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ ذَكَرَهُ اِبْن حَبَانِ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّد بْن مَرْثَد فِي اَلضُّعَفَاءِ وَفِيهِ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنِمَهُ مِنْ خَيْبَرَ وَأَنَّهُ كَلَّمَ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ كَانَ لِيَهُودِيٍّ وَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ جَدِّهِ سِتُّونَ حِمَارًا لِرُكُوبِ اَلْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ : وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ غَيْرِي وَأَنْتَ خَاتَمُ اَلْأَنْبِيَاءِ فَسَمَّاهُ يَعْفُورًا. وَكَانَ يَرْكَبُهُ فِي حَاجَتِهِ وَيُرْسِلُهُ إِلَى اَلرَّجُلِ فَيَقْرَعُ بَابَهُ بِرَأْسِهِ فَيَعْرِفُ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَيْهِ فَلَمَّا مَاتَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَى بِئْرِ أَبِي اَلْهَيْثَم بْن اَلتِّيهَانِ فَتَرَدَّى فِيهَا فَصَارَتْ قَبْرَهُ قَالَ اِبْنُ حِبَّانَ : لَا أَصْلَ لَهُ وَلَيْسَ سَنَدُهُ بِشَيْء. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَنْ تَعْبُدُوا \" بِحَذْف اَلْمَفْعُول. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَتَّكِلُوا ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاة وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِسُكُونِ اَلنُّونِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ فِي أَوَاخِرَ كِتَابِ اَلْعِلْمِ وَسَيَأْتِي هَذَا اَلْحَدِيثُ فِي اَلرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ أَنَس بْن مَالِك عَنْ مُعَاذ وَلَمْ يُسَمِّ فِيهِ اَلْحِمَارُ وَنَسْتَكْمِلُ بَقِيَّةَ اَلْكَلَامِ عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. وَتَقَدَّمَ فِي اَلْعِلْمِ مِنْ حَدِيثِ أَنَس بْن مَالِك أَيْضًا لَكِنْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه وَهَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اَللَّهِ عَلَى اَلْعِبَادِ فَهُمَا حَدِيثَانِ وَوَهَمَ اَلْحُمَيْدِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ حَيْثُ جَعَلُوهُمَا حَدِيثًا وَاحِدًا. نَعَمْ وَقَعَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَنْعهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ اَلنَّاسِ لِئَلَّا يَتَكَلَّمُوا وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَا حَدِيثًا وَاحِدًا. وَزَادَ فِي اَلْحَدِيثِ اَلَّذِي فِي اَلْعِلْمِ \" فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا \" وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ هُنَا وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2645",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ فَزَعٌ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَسًا لَنَا يُقَالُ لَهُ مَنْدُوبٌ فَقَالَ ‏ ‏مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ وَإِنْ وَجَدْنَاهُ ‏ ‏لَبَحْرًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي فَرَس أَبِي طَلْحَة وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرَ اَلْهِبَةِ مَعَ شَرْحِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ هُنَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2646",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي سَالِم ) ‏ ‏كَذَا صَرَّحَ شُعَيْب عَنْ اَلزُّهْرِيِّ بِإِخْبَارِ سَالِمٍ لَهُ وَشَذَّ اِبْن أَبِي ذِئْب فَأَدْخَلَ بَيْنَ اَلزُّهْرِيِّ وَسَالِم مُحَمَّد بْن زُبَيْد بْن قُنْقُذ وَاقْتَصَرَ شُعَيْب عَلَى سَالِم وَتَابَعَهُ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْد أَبِي عَوَانَة وَكَذَا عُثْمَان بْن عُمَر عَنْ يُونُسَ عَنْ اَلزُّهْرِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي اَلطِّبِّ وَكَذَا قَالَ أَكْثَر أَصْحَابِ سُفْيَان عَنْهُ عَنْ اَلزُّهْرِيِّ وَنَقَلَ اَلتِّرْمِذِيُّ عَنْ اِبْنِ اَلْمَدِينِي وَالْحُمَيْدِيِّ أَنَّ سُفْيَان كَانَ يَقُولُ : لَمْ يَرْوِ اَلزُّهْرِيّ هَذَا اَلْحَدِيث إِلَّا عَنْ سَالِمٍ اِنْتَهَى. وَكَذَا قَالَ أَحْمَد عَنْ سُفْيَان : إِنَّمَا نَحْفَظُهُ عَنْ سَالِم. لَكِنَّ هَذَا اَلْحَصْرَ مَرْدُود فَقَدْ حَدَّثَ بِهِ مَالِك عَنْ اَلزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم وَحَمْزَة اِبْنِي عَبْد اَللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِمَا وَمَالك مِنْ كِبَارِ اَلْحُفَّاظِ وَلَا سِيَّمَا فِي حَدِيثِ اَلزُّهْرِيِّ وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان نَفْسِهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَاَلتِّرْمِذِيّ عَنْهُ وَهُوَ يَقْتَضِي رُجُوعَ سُفْيَان عَمَّا سَبَقَ مِنْ اَلْحَصْرِ. وَأَمَّا اَلتِّرْمِذِيُّ فَجَعَلَ رِوَايَةَ اِبْن أَبِي عُمَر هَذِهِ مَرْجُوحَة وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا أَيْضًا يُونُسُ مِنْ رِوَايَةِ اِبْنِ وَهْبٍ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي اَلطِّبِّ وَصَالِح بْن كَيسَان عِنْدَ مُسْلِم وَأَبُو أُوَيْس عِنْدَ أَحْمَد وَيَحْيَى بْن سَعِيد وَابْن أَبِي عَتِيق وَمُوسَى بْن عَقَبَة ثَلَاثَتُهُمْ عِنْدَ اَلنَّسَائِيِّ كُلُّهمْ عَنْ اَلزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا وَرَوَاهُ إِسْحَاق اِبْن رَاشِد عَنْ اَلزُّهْرِيِّ فَاقْتَصَرَ عَلَى حَمْزَة أَخْرَجَهُ اَلنَّسَائِيّ وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَة وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق عُقَيْل وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ شَبِيب بْن سَعِيد كِلَاهُمَا عَنْ اَلزُّهْرِيِّ وَرَوَاهُ اَلْقَاسِم بْن مَبْرُور عَنْ يُونُسَ فَاقْتَصَرَ عَلَى حَمْزَة أَخْرَجَهُ اَلنَّسَائِيّ أَيْضًا. وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ رَبَاح بْن زَيْد عَنْ مَعْمَر مُقْتَصِرًا عَلَى حَمْزَة وَأَخْرَجَهُ اَلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ عَبْد اَلْوَاحِد عَنْ مَعْمَر فَاقْتَصَرَ عَلَى سَالِم فَالظَّاهِر أَنَّ اَلزُّهْرِيَّ يَجْمَعُهُمَا تَارَةً وَيُفْرِدُ أَحَدَهُمَا أُخْرَى وَقَدْ رَوَاهُ إِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْد اَلرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ اَلزُّهْرِيِّ فَقَالَ : عَنْ سَالِمٍ أَوْ حَمْزَةَ أَوْ كِلَاهُمَا وَلَهُ أَصْلٌ عَنْ حَمْزَة مِنْ غَيْرِ رِوَايَة اَلزُّهْرِيّ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عُتْبَة بْن مُسْلِم عَنْهُ وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا اَلشُّؤْمُ ) ‏ ‏بِضَمّ اَلْمُعْجَمَة وَسُكُون اَلْهَمْزَةِ وَقَدْ تُسَهَّلُ فَتَصِيرُ وَاوًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي ثَلَاثٍ ) ‏ ‏يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوف تَقْدِيرِه كَائِن قَالَهُ اِبْنُ اَلْعَرَبِيِّ قَالَ : وَالْحَصْرُ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اَلْعَادَةِ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اَلْخِلْقَةِ اِنْتَهَى. وَقَالَ غَيْره : إِنَّمَا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِطُول مُلَازَمَتِهَا وَقَدْ رَوَاهُ مَالِك وَسُفْيَان وَسَائِرُ اَلرُّوَاةِ بِحَذْف \" إِنَّمَا \" لَكِنْ فِي رِوَايَةِ عُثْمَان بْن عُمَر \" لَا عَدْوَى وَلَا طِيرَةَ وَإِنَّمَا اَلشُّؤْمُ فِي اَلثَّلَاثَةِ \" قَالَ مُسْلِم لَمْ يَذْكُرْ أَحَد فِي حَدِيثِ اِبْن عُمَر \" لَا عَدْوَى \" إِلَّا عُثْمَان بْن عُمَر. قُلْت : وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ اَلَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ لَكِنْ قَالَ فِيهِ \" إِنْ تَكُنْ اَلطِّيرَة فِي شَيْء \" اَلْحَدِيث وَالطِّيرَة وَالشُّؤْم بِمَعْنَى وَاحِدٍ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي أَوَاخِرَ شَرْحِ اَلطِّبِّ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى وَظَاهِر اَلْحَدِيثِ أَنَّ اَلشُّؤْمَ وَالطِّيرَةَ فِي هَذِهِ اَلثَّلَاثَةِ قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : وَوَجْهُهُ أَنَّ أَهْلَ اَلْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ فَنَهَاهُمْ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْلَمَهُمْ أَنْ لَا طِيرَةَ فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهَوا بَقِيَتْ اَلطِّيرَة فِي هَذِهِ اَلْأَشْيَاءِ اَلثَّلَاثَةِ. قُلْت : فَمَشَى اِبْنُ قُتَيْبَة عَلَى ظَاهِرِهِ وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ مَنْ تَشَاءَمَ بِشَيْءٍ مِنْهَا نَزَلَ بِهِ مَا يَكْرَهُ قَالَ اَلْقُرْطُبِيّ : وَلَا يَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ يَحْمِلُهُ عَلَى مَا كَانَتْ اَلْجَاهِلِيَّةُ تَعْتَقِدُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ بِذَاته فَإِنَّ ذَلِكَ خَطَأ وَإِنَّمَا عَنِيَ أَنَّ هَذِهِ اَلْأَشْيَاءَ هِيَ أَكْثَرُ مَا يَتَطَيَّرُ بِهِ اَلنَّاسُ فَمَنْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ شَيْء أُبِيحُ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَسْتَبْدِلَ بِهِ غَيْرَهُ قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُمَر اَلْعَسْقَلَانِيّ - وَهُوَ اِبْن مُحَمَّد اِبْن زَيْد بْن عَبْد اَللَّه بْن عُمَر - عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر كَمَا سَيَأْتِي فِي اَلنِّكَاحِ بِلَفْظ \" ذَكَرُوا الشُّؤْم فَقَالَ : إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي \" وَلِمُسْلِم \" إِنْ يَكْ مِنْ اَلشُّؤْمِ شَيْءٌ حَقٌّ \" وَفِي رِوَايَة عُتْبَة بْن مُسْلِم \" إِنْ كَانَ اَلشُّؤْم فِي شَيْء \" وَكَذَا فِي حَدِيثِ جَابِر عِنْد مُسْلِم وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ سَهْل بْن سَعْد ثَانِي حَدِيثِي اَلْبَاب وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ اَلْجَزْمِ بِذَلِكَ بِخِلَافِ رِوَايَة اَلزُّهْرِيّ قَالَ اِبْن اَلْعَرَبِيِّ : مَعْنَاهُ إِنْ كَانَ خَلَقَ اَللَّهُ اَلشُّؤْم فِي شَيْءٍ مِمَّا جَرَى مِنْ بَعْضِ اَلْعَادَةِ فَإِنَّمَا يَخْلُقُهُ فِي هَذِهِ اَلْأَشْيَاءِ قَالَ اَلْمَازِرِيُّ : مُجْمَلُ هَذِهِ اَلرِّوَايَةِ إِنْ يَكُنْ اَلشُّؤْم حَقًّا فَهَذِهِ اَلثَّلَاث أَحَقُّ بِهِ بِمَعْنَى أَنَّ اَلنُّفُوسَ يَقَعُ فِيهَا اَلتَّشَاؤُم بِهَذِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَقَعُ بِغَيْرِهَا. وَجَاءَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا أَنْكَرَتْ هَذَا اَلْحَدِيثَ فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ اَلطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّد بْن رَاشِد عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ : قِيلَ لِعَائِشَة إِنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ \" قَالَ رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اَلشُّؤْم فِي ثَلَاثَة \" فَقَالَتْ : لَمْ يَحْفَظْ إِنَّهُ دَخَلَ وَهُوَ يَقُولُ \" قَاتَلَ اَللَّهُ اَلْيَهُودَ يَقُولُونَ اَلشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَة \" فَسَمِعَ آخِرَ اَلْحَدِيث وَلَمْ يَسْمَعْ أَوَّله. قُلْت : وَمَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَة فَهُوَ مُنْقَطِع لَكِنْ رَوَى أَحْمَد وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق قَتَادَة عَنْ أَبِي حَسَّان \" أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ دَخَلَا عَلَى عَائِشَة فَقَالَا : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ \" إِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اَلطِّيرَةُ فِي اَلْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ \" فَغَضِبَتْ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَتْ : مَا قَالَهُ وَإِنَّمَا قَالَ \" إِنَّ أَهْلَ اَلْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ مِنْ ذَلِكَ \" اِنْتَهَى , وَلَا مَعْنَى لِإِنْكَار ذَلِكَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَة مَعَ مُوَافَقَةِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ اَلصَّحَابَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ وَقَدْ تَأَوَّلَهُ غَيْرُهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ سِيقَ لِبَيَانِ اِعْتِقَادِ اَلنَّاسِ فِي ذَلِكَ لَا أَنَّهُ إِخْبَارٌ مِنْ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثُبُوتٍ ذَلِكَ وَسِيَاق اَلْأَحَادِيثِ اَلصَّحِيحَةِ اَلْمُتَقَدِّمِ ذِكْرهَا يُبْعِدُ هَذَا اَلتَّأْوِيلَ. قَالَ اِبْن اَلْعَرَبِيِّ : هَذَا جَوَاب سَاقِط لِأَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُبْعَثْ لِيُخْبِر اَلنَّاس عَنْ مُعْتَقَدَاتِهِم اَلْمَاضِيَةِ وَالْحَاصِلَةِ وَإِنَّمَا بُعِثَ لِيُعَلِّمَهُمْ مَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَعْتَقِدُوهُ اِنْتَهَى : وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَكِيم بْن مُعَاوِيَة قَالَ \" سَمِعَتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا شُؤْمَ وَقَدْ يَكُونُ اَلْيُمْنُ فِي اَلْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ \" فَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْف ثُمَّ مُخَالَفَته لِلْأَحَادِيثِ اَلصَّحِيحَةِ. وَقَالَ عَبْد اَلرَّزَّاق فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ سَمِعْتُ مَنْ يُفَسِّرُ هَذَا اَلْحَدِيثَ يَقُولُ : شُؤْمُ اَلْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ وَلُود وَشُؤْم اَلْفَرَسِ إِذَا لَمْ يَغْزُ عَلَيْهِ وَشُؤْم اَلدَّار جَارُ اَلسَّوْءِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي اَلطِّبِّ عَنْ اِبْن اَلْقَاسِم عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ : كَمْ مِنْ دَارِ سَكَنَهَا نَاس فَهَلَكُوا. قَالَ اَلْمَازِرِيُّ : فَيَحْمِلُهُ مَالِك عَلَى ظَاهِرِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّ قَدَرَ اَللَّهِ رُبَمَا اِتَّفَقَ مَا يُكْرَهُ عِنْدَ سُكْنَى اَلدَّارِ فَتَصِيرُ فِي ذَلِكَ كَالسَّبَبِ فَتَسَامَحَ فِي إِضَافَةِ اَلشَّيْءِ إِلَيْهِ اِتِّسَاعًا. وَقَالَ اِبْن اَلْعَرَبِيِّ : لَمْ يُرِدْ مَالِك إِضَافَةَ اَلشُّؤْم إِلَى اَلدَّارِ وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَة عَنْ جَرْيِ اَلْعَادَةِ فِيهَا فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ اَلْخُرُوجُ عَنْهَا صِيَانَة لِاعْتِقَادِهِ عَنْ اَلتَّعَلُّقِ بِالْبَاطِلِ. وَقِيلَ : مَعْنَى اَلْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ اَلْأَشْيَاءَ يَطُولُ تَعْذِيبُ اَلْقَلْبِ بِهَا مَعَ كَرَاهَةِ أَمْرِهَا لِمُلَازَمَتِهَا بِالسُّكْنَى وَالصُّحْبَةِ وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ اَلْإِنْسَانُ اَلشُّؤْم فِيهَا فَأَشَارَ اَلْحَدِيثُ إِلَى اَلْأَمْرِ بِفِرَاقِهَا لِيَزُولَ اَلتَّعْذِيبُ. قُلْت : وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْنُ اَلْعَرَبِيِّ فِي تَأْوِيلِ كَلَامِ مَالِكٍ أَوْلَى وَهُوَ نَظِيرُ اَلْأَمْرِ بِالْفِرَارِ مِنْ اَلْمَجْذُومِ مَعَ صِحَّةِ نَفْي اَلْعَدْوَى وَالْمُرَاد بِذَلِكَ حَسْم اَلْمَادَّة وَسَدّ اَلذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يُوَافِقَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ اَلْقَدَر فَيَعْتَقِدُ مَنْ وَقَعَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ اَلْعَدْوَى أَوْ مِنْ اَلطِّيرَةِ فَيَقَعُ فِي اِعْتِقَادِ مَا نُهِيَ عَنْ اِعْتِقَادِهِ فَأُشِيرَ إِلَى اِجْتِنَابِ مِثْلِ ذَلِكَ. وَالطَّرِيقُ فِيمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فِي اَلدَّارِ مَثَلًا أَنْ يُبَادِرَ إِلَى اَلتَّحَوُّلِ مِنْهَا لِأَنَّهُ مَتَى اِسْتَمَرَّ فِيهَا رُبَّمَا حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى اِعْتِقَادِ صِحَّةِ اَلطِّيرَةِ وَالتَّشَاؤُم. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِم مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاق بْن طَلْحَة عَنْ أَنَس \" قَالَ رَجُل : يَا رَسُول اَللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي دَارٍ كَثِير فِيهَا عَدَدنَا وَأَمْوَالنَا فَتُحَوِّلْنَا إِلَى أُخْرَى فَقَلَّ فِيهَا ذَلِكَ فَقَالَ : ذَرُوهَا ذَمِيمَة \" وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيث فَرْوَة بْن مُسَيْكٍ بِالْمُهْلَةِ مُصَغَّرًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ السَّائِلُ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْد اَللَّه بْن شَدَّاد بْن اَلْهَادِ أَحَد كِبَار اَلتَّابِعِينَ وَلَهُ رِوَايَةٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ عِنْدَ عَبْد اَلرَّزَّاق قَالَ ابْن اَلْحَرْبِيّ وَرَوَاهُ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد مُنْقَطِعًا قَالَ : وَالدَّارُ اَلْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِهِ كَانَتْ دَار مُكْمِل بِضَمِّ اَلْمِيمِ وَسُكُون اَلْكَافِ وَكَسْرِ اَلْمِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ - وَهُوَ اِبْن عَوْف أَخُو عَبْد اَلرَّحْمَن اِبْن عَوْف - قَالَ : وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهَا وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا لَكِنَّ اَلْخَالِقَ جَلَّ وَعَلَا جَعَلَ ذَلِكَ وَفْقًا لِظُهُور قَضَائِهِ وَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا لِئَلَّا يَقَعُ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ فَيَسْتَمِرُّ اِعْتِقَادُهُمْ. قَالَ اِبْن اَلْعَرَبِيِّ : وَأَفَادَ وَصْفُهَا بِكَوْنِهَا ذَمِيمَة جَوَاز ذَلِكَ وَأَنَّ ذِكْرَهَا بِقَبِيح مَا وَقَعَ فِيهَا سَائِغ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهَا وَلَا يَمْتَنِعَ ذَمّ مَحَلّ اَلْمَكْرُوه وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْهُ شَرْعًا كَمَا يُذَمُّ اَلْعَاصِي عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِقَضَاءِ اَللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ اَلْخَطَّابِيّ : هُوَ اِسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ اَلْجِنْسِ وَمَعْنَاهُ إِبْطَال مَذْهَبِ اَلْجَاهِلِيَّةِ فِي اَلتَّطَيُّرِ فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَتْ لِأَحَدِكُمْ دَار يَكْرَهُ سُكْنَاهَا أَوْ اِمْرَأَةٌ يَكْرَهُ صُحْبَتهَا أَوْ فَرَسٌ يَكْرَهُ سَيْرَهُ فَلْيُفَارِقْهُ. قَالَ وَقِيلَ إِنَّ شُؤْمَ اَلدَّار ضِيقُهَا وَسُوءُ جِوَارهَا وَشُؤْمَ اَلْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَلِدَ وَشُؤْمَ اَلْفَرَسِ أَنْ لَا يُغَزَى عَلَيْهِ. وَقِيلَ اَلْمَعْنَى مَا جَاءَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ رَوَاهُ اَلدِّمْيَاطِيُّ فِي اَلْخَيْلِ \" إِذَا كَانَ اَلْفَرَس ضَرُوبًا فَهُوَ مَشْئُومٌ وَإِذَا حَنَّتْ اَلْمَرْأَة إِلَى بَعْلِهَا اَلْأَوَّلِ فَهِيَ مَشْئُومَة وَإِذَا كَانَتْ اَلدَّار بَعِيدَة مِنْ اَلْمَسْجِدِ لَا يُسْمَعُ مِنْهَا اَلْأَذَانَ فَهِيَ مَشْئُومَة. وَقِيلَ : كَانَ قَوْلُهُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ اَلْأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى \" مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَاب \" اَلْآيَة حَكَاهُ ابْن عَبْد اَلْبَرّ وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ لَا سِيَّمَا مَعَ إِمْكَانِ اَلْجَمْعِ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَرَدَ فِي نَفْسِ هَذَا اَلْخَبَرِ نَفْيُ اَلتَّطَيُّر ثُمَّ إِثْبَاتُهُ فِي اَلْأَشْيَاءِ اَلْمَذْكُورَةِ. وَقِيلَ يُحْمَلُ اَلشُّؤْم عَلَى قِلَّةِ اَلْمُوَافَقَة وَسُوءِ اَلطِّبَاعِ وَهُوَ كَحَدِيثِ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ رَفَعَه ( مِنْ سَعَادَةِ اَلْمَرْءِ اَلْمَرْأَة اَلصَّالِحَة وَالْمَسْكَن اَلصَّالِحُ وَالْمَرْكَبُ اَلْهَنِيء. وَمِنْ شَقَاوَةِ اَلْمَرْءِ اَلْمَرْأَة اَلسُّوءُ وَالْمَسْكَن اَلسُّوْء وَالْمَرْكَب اَلسُّوْء أَخْرَجَهُ أَحْمَد. وَهَذَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ اَلْأَجْنَاسِ اَلْمَذْكُورَةِ دُونَ بَعْض وَبِهِ صَرَّحَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ فَقَالَ : يَكُونُ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْم وَذَلِكَ كُلُّه بِقَدَرِ اَللَّهِ. وَقَالَ اَلْمُهَلَّب مَا حَاصِله : أَنَّ اَلْمُخَاطَبَ بِقَوْلِهِ \" اَلشُّؤْم فِي ثَلَاثَة \" مَنْ اِلْتَزَمَ اَلتَّطَيُّر وَلَمْ يَسْتَطِعْ صَرْفَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ لَهُمْ : إِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ اَلْأَشْيَاءِ اَلَّتِي تُلَازِمُ فِي غَالِب اَلْأَحْوَالِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاتْرُكُوهَا عَنْكُمْ وَلَا تُعَذِّبُوا أَنْفُسَكُمْ بِهَا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَصْدِيرُهُ اَلْحَدِيث بِنَفْي اَلطِّيرَة. وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ اِبْنُ حِبَّانَ عَنْ أَنَس رَفَعَهُ \" لَا طِيرَةَ وَالطِّيرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ وَإِنْ تَكُنْ فِي شَيْءٍ فَفِي اَلْمَرْأَةِ \" اَلْحَدِيث وفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَة عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْد عَنْ عُبَيْدِ اَللَّهِ بْن أَبِي بَكْر عَنْ أَنَس , وَعُتْبَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَةٌ إِلَى بَقِيَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّطَيُّرِ وَالْفَأْلِ فِي آخِر كِتَاب اَلطِّبِّ حَيْثُ ذَكَرَهُ اَلْمُصَنِّفُ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏اِتَّفَقَتْ اَلطُّرْقُ كُلُّهَا عَلَى اَلِاقْتِصَارِ عَلَى اَلثَّلَاثَةِ اَلْمَذْكُورَةِ وَوَقَعَ عِنْدَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَةِ عَبْد اَلرَّزَّاق اَلْمَذْكُورَة : قَالَ مَعْمَرٌ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ \" وَالسَّيْف \" قَالَ أَبُو عُمَر : رَوَاهُ جُوَيْرِيَة عَنْ مَالِكٍ عَنْ اَلزُّهْرِيِّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ أُمّ سَلَمَةَ عَنْ أُمّ سَلَمَةَ قَلْتُ : أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِي فِي \" غَرَائِبَ مَالِكٍ \" وَإِسْنَاده صَحِيح إِلَى اَلزُّهْرِيِّ وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ جُوَيْرِيَّة بَلْ تَابَعَهُ سَعِيد بْن دَاوُدَ عَنْ مَالِكٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِي أَيْضًا قَالَ : وَالْمُبْهَمُ اَلْمَذْكُور هُوَ أَبُو عُبَيْدَة بْن عَبْد اَللَّه بْن زَمْعَة سَمَّاهُ عَبْد اَلرَّحْمَن بْن إِسْحَاق عَنْ اَلزُّهْرِيِّ فِي رِوَايَتِهِ. قُلْت : أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ هَذَا اَلْوَجْهِ مَوْصُولًا فَقَالَ \" عَنْ اَلزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة بْن عَبْد اَللَّه بْن زَمْعَة عَنْ زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة عَنْ أُمّ سَلَمَة أَنَّهَا حَدَّثَتْ بِهَذِهِ اَلثَّلَاثَةِ وَزَادَتْ فِيهِنَّ وَالسَّيْف \" وَأَبُو عُبَيْدَة اَلْمَذْكُورُ هُوَ اِبْن بِنْت أُمّ سَلَمَة أُمّه زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة وَقَدْ رَوَى اَلنَّسَائِيّ حَدِيث اَلْبَابِ مِنْ طَرِيقِ اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ اَلزُّهْرِيِّ فَأَدْرَجَ فِيهِ اَلسَّيْف وَخَالَفَ فِيهِ فِي اَلْإِسْنَادِ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2647",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ سَلَمَة بْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي اَلْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيعِ اَلنُّسَخِ وَكَذَا هُوَ فِي اَلْمُوَطَّأِ لَكِنْ زَاد فِي آخِرِهِ \" يَعْنِي اَلشُّؤْم \" وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بْن عُمَر عَنْ مَالِك وَمُحَمَّد بْن سُلَيْمَان اَلْحَرَّانِيّ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظ \" إِنْ كَانَ اَلشُّؤْم فِي شَيْءٍ فَفِي اَلْمَرْأَةِ إِلَخْ \" أَخْرَجَهُمَا الدَّارَقُطْنِي لَكِنْ لَمْ يَقُلْ إِسْمَاعِيلُ فِي شَيْء وَأَخْرَجَهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ هِشَام بْن سَعْد عَنْ أَبِي حَازِم قَالَ \" ذَكَرُوا اَلشُّؤْم عِنْدَ سَهْل بْن سَعْد فَقَالَ \" فَذَكَرَهُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2648",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ ‏ ‏وِزْرٌ ‏ ‏فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ فِي ‏ ‏مَرْجٍ ‏ ‏أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي ‏ ‏طِيَلِهَا ‏ ‏ذَلِكَ مِنْ ‏ ‏الْمَرْجِ ‏ ‏أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ ‏ ‏طِيَلَهَا ‏ ‏فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا ‏ ‏أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ أَرْوَاثُهَا وَآثَارُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِئَاءً ‏ ‏وَنِوَاءً ‏ ‏لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ ‏ ‏وِزْرٌ ‏ ‏عَلَى ذَلِكَ وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْحُمُرِ فَقَالَ مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ ‏ ‏الْفَاذَّةُ ‏ { ‏فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم ) ‏ ‏اَلْإِسْنَادُ كُلُّه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( اَلْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةٍ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" اَلْخَيْلُ ثَلَاثَة \" وَوَجْه اَلْحَصْرِ فِي اَلثَّلَاثَةِ أَنَّ اَلَّذِي يَقْتَنِي اَلْخَيْل إِمَّا أَنْ يَقْتَنِيَهَا لِلرُّكُوبِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ وَكُلّ مِنْهُمَا إِمَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ فِعْلُ طَاعَة اَللَّهِ وَهُوَ اَلْأَوَّلُ وَمَعْصِيَتُهُ وَهُوَ اَلْأَخِيرُ أَوْ يَتَجَرَّدُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ اَلثَّانِي. ‏ ‏قَوْله : ( فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ اَلرَّاوِي وَالْمَرْج مَوْضِع اَلْكَلَأ وَأَكْثَر مَا يُطْلَقُ عَلَى اَلْمَوْضِعِ اَلْمُطَمَئِنِّ وَالرَّوْضَةُ أَكْثَر مَا يُطْلَقُ فِي اَلْمَوْضِعِ اَلْمُرْتَفِعِ وَقَدْ مَضَى اَلْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ \" أَرْوَاثُهَا وَآثَارُهَا \" قَبْلَ بَابَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ) ‏ ‏بِكَسْرِ اَلطَّاءِ اَلْمُهْمَلَةِ وَفَتْح اَلتَّحْتَانِيَّة بَعْدَهَا لَامٌ هُوَ اَلْحَبَل اَلَّذِي تُرْبَطُ بِهِ وَيُطَوَّلُ لَهَا لِتَرْعَى وَيُقَالُ لَهُ طُوَلٌ بِالْوَاو اَلْمَفْتُوحَةِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ اَلْجِهَادِ وَتَقَدَّمَ تَفْسِير اَلِاسْتِنَان هُنَاكَ. ‏ ‏وَقَوْله \" وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا \" ‏ ‏فِيهِ أَنَّ اَلْإِنْسَانَ يُؤَجَرُ عَلَى اَلتَّفَاصِيلِ اَلَّتِي تَقَعُ فِي فِعْل اَلطَّاعَة إِذَا قَصَدَ أَصْلهَا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ تِلْكَ اَلتَّفَاصِيل وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْض اَلشُّرَّاحِ فَقَالَ اِبْن اَلْمُنِير : قِيلَ إِنَّمَا أَجْرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْت لَا يَنْتَفِعُ بِشُرْبِهَا فِيهِ فَيَغْتَمّ صَاحِبُهَا بِذَلِكَ فَيُؤَجَرُ وَقِيلَ إِنِّ اَلْمُرَادَ حَيْثُ تَشْرَبُ مِنْ مَاءِ اَلْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَيَغْتَمّ صَاحِبُهَا لِذَلِكَ فَيُؤَجَرُ وَكُلُّ ذَلِكَ عُدُول عَنْ اَلْقَصْدِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَجُل رَبَطَهَا فَخْرًا ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ بِحَذْف أَحَد اَلثَّلَاثَة وَهُوَ مَنْ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ فِي عَلَامَاتِ اَلنُّبُوَّةِ وَتَقَدَّمَ تَامًّا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَالِكٍ فِي أَوَاخِرَ كِتَابٍ اَلشُّرْب وَقَوْله \" تَغَنِّيًا \" بِفَتْح اَلْمُثَنَّاة وَالْمُعْجَمَة ثُمَّ نَونٍ ثَقِيلَة مَكْسُورَة وَتَحْتَانِيَّة أَيْ اِسْتِغْنَاء عَنْ اَلنَّاسِ تَقُولُ تَغَنَّيْت بِمَا رَزَقَنِي اَللَّه تَغَنِّيًا وَتَغَانَيْت تَغَانِيًا وَاسْتَغْنَيْت اِسْتِغْنَاءً كُلُّهَا بِمَعْنَى وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي فَضَائِلِ اَلْقُرْآنِ فِي اَلْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ \" لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَقَوْله \" تَعَفُّفًا \" أَيْ عَنْ اَلسُّؤَالِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَطْلُبُ بِنِتَاجِهَا أَوْ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ أُجْرَتِهَا مِمَّنْ يَرْكَبُهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ اَلْغِنَى عَنْ اَلنَّاسِ وَالتَّعَفُّف عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عِنْد مُسْلِم \" وَأَمَّا اَلَّذِي هِيَ لَهُ سِتْر فَالرَّجُل يَتَّخِذُهَا تَعَفُّفًا وَتَكَرُّمًا وَتَجَمُّلًا وَقَوْلُهُ \" وَلَمْ يَنْسَ حَقّ اَللَّهِ فِي رِقَابِهَا \" قِيلَ اَلْمُرَاد حُسْنُ مِلْكِهَا وَتَعَهُّد شِبَعِهَا وَرِيِّهَا وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهَا فِي اَلرُّكُوبِ وَإِنَّمَا خَصَّ رِقَابَهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا تُسْتَعَارُ كَثِيرًا فِي اَلْحُقُوقِ اَللَّازِمَةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) وَهَذَا جَوَاب مَنْ لَمْ يُوجِبْ اَلزَّكَاة فِي اَلْخَيْلِ وَهُوَ قَوْلُ اَلْجُمْهُورِ وَقِيلَ اَلْمُرَاد بِالْحَقِّ إِطْرَاقُ فَحْلِهَا وَالْحَمْل عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ هُوَ قَوْل اَلْحَسَن وَالشَّعْبِيّ وَمُجَاهِد وَقِيلَ اَلْمُرَاد بِالْحَقِّ اَلزَّكَاة وَهُوَ قَوْلُ حَمَّاد وَأَبِي حَنِيفَة وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ وَفُقَهَاء اَلْأَمْصَارِ قَالَ أَبُو عُمَر : لَا أَعْلَمَ أَحَدًا سَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَخْرًا أَيْ تَعَاظُمًا وَقَوْلَهُ \" وَرِيَاءً \" أَيَّ إِظْهَارًا لِلطَّاعَة وَالْبَاطِن بِخِلَافٍ ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُهَيْلٍ اَلْمَذْكُورَةِ \" وَأَمَّا اَلَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ فَاَلَّذِي يَتَّخِذُهَا أَشَرًا وَبَطَرًا وَبَذَخًا وَرِيَاءً لِلنَّاسِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَنِوَاءً لِأَهْلِ اَلْإِسْلَامِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ اَلنُّونِ وَالْمَدِّ هُوَ مَصْدَرٌ تَقُولُ نَاوَأْتُ اَلْعَدُوَّ مُنَاوَأَةً وَنِوَاءً وَأَصْلُهُ مَنْ نَاءَ إِذَا نَهَضَ وَيُسْتَعْمَلُ فِي اَلْمُعَادَاةِ قَالَ اَلْخَلِيل : نَاوَأَتُ اَلرَّجُلَ نَاهَضْتُهُ بِالْعَدَاوَةِ وَحَكَى عِيَاض عَنْ الدَّاوُدِيِّ اَلشَّارِح أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ \" وَنَوَى \" بِفَتْحِ اَلنُّونِ وَالْقَصْرِ قَالَ : وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ قَلَّتْ حَكَاهُ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ فَإِنَّ ثَبْت فَمَعْنَاهُ : وَبُعْدًا لِأَهْلِ اَلْإِسْلَامِ أَيْ مِنْهُمْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ اَلْوَاوَ فِي قَوْلِهِ وَرِيَاء وَنِوَاءً بِمَعْنَى. \" أَوْ \" لِأَنَّ هَذِهِ اَلْأَشْيَاءَ قَدْ تَفْتَرِقُ فِي اَلْأَشْخَاصِ , وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَذْمُوم عَلَى حِدَتِهِ وَفِي هَذَا اَلْحَدِيثِ بَيَان أَنَّ اَلْخَيْلَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي نَوَاصِيهَا اَلْخَيْر وَالْبَرَكَة إِذَا كَانَ اِتِّخَاذُهَا فِي اَلطَّاعَةِ أَوْ فِي اَلْأُمُورِ اَلْمُبَاحَةِ وَإِلَّا فَهِيَ مَذْمُومَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَسُئِلَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ اَلسَّائِلِ صَرِيحًا وَسَيَأْتِي مَا قِيلَ فِيهِ فِي كُتَّاب اَلِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ اَلْحُمُرِ فَقَالَ : مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ اَلْآيَةُ اَلْجَامِعَةُ اَلْفَاذَّةُ ) ‏ ‏بِالْفَاء وَتَشْدِيد اَلْمُعْجَمَة سَمَّاهَا جَامِعَةً لِشُمُولِهَا لِجَمِيعِ اَلْأَنْوَاعِ مِنْ طَاعَة وَمَعْصِيَة وَسَمَّاهَا فَاذَّة لِانْفِرَادِهَا فِي مَعْنَاهَا قَالَ اِبْن اَلتِّينِ : وَالْمُرَادُ أَنَّ اَلْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَنْ عَمِلَ فِي اِقْتِنَاء اَلْحَمِير طَاعَة رَأَى ثَوَاب ذَلِكَ وَإِنْ عَمِلَ مَعْصِيَةً رَأَى عِقَاب ذَلِكَ قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ تَعْلِيم اَلِاسْتِنْبَاط وَالْقِيَاس لِأَنَّهُ شَبَّهَ مَا لَمْ يَذْكُرْ اَللَّهُ حُكْمَهُ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ اَلْحُمُرُ بِمَا ذَكَرَهُ مَنْ عَمِلَ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرّ إِذْ كَانَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا قَالَ : وَهَذَا نَفْس اَلْقِيَاسِ اَلَّذِي يُنْكِرُهُ مَنْ لَا فَهْمَ عِنْدِهِ. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن اَلْمُنِير بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ اَلْقِيَاسِ فِي شَيْء وَإِنَّمَا هُوَ اِسْتِدْلَالٌ بِالْعُمُومِ وَإِثْبَاتٌ لِصِيغَتِهِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ أَوْ وَقَفَ. وَفِيهِ تَحْقِيقٌ لِإِثْبَاتِ اَلْعَمَلِ بِظَوَاهِرَ اَلْعُمُوم وَأَنَّهَا مُلْزَمَة حَتَّى يَدُلَّ دَلِيل اَلتَّخْصِيص وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اَلْفَرْقِ بَيْنَ اَلْحُكْمِ اَلْخَاصِّ اَلْمَنْصُوصِ وَالْعَامِّ اَلظَّاهِر وَأَنَّ اَلظَّاهِرَ دُونَ اَلْمَنْصُوصِ فِي اَلدَّلَالَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2649",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَقِيلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ ‏ ‏قَالَ أَتَيْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ حَدِّثْنِي بِمَا ‏ ‏سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ سَافَرْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو عَقِيلٍ ‏ ‏لَا أَدْرِي غَزْوَةً أَوْ عُمْرَةً ‏ ‏فَلَمَّا أَنْ أَقْبَلْنَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ إِلَى أَهْلِهِ فَلْيُعَجِّلْ قَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏فَأَقْبَلْنَا وَأَنَا عَلَى جَمَلٍ لِي ‏ ‏أَرْمَكَ ‏ ‏لَيْسَ فِيهِ ‏ ‏شِيَةٌ ‏ ‏وَالنَّاسُ خَلْفِي فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ قَامَ عَلَيَّ فَقَالَ لِي ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏جَابِرُ ‏ ‏اسْتَمْسِكْ فَضَرَبَهُ بِسَوْطِهِ ضَرْبَةً فَوَثَبَ الْبَعِيرُ مَكَانَهُ فَقَالَ أَتَبِيعُ الْجَمَلَ قُلْتُ نَعَمْ فَلَمَّا قَدِمْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَدَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَسْجِدَ فِي طَوَائِفِ أَصْحَابِهِ فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ وَعَقَلْتُ الْجَمَلَ فِي نَاحِيَةِ الْبَلَاطِ فَقُلْتُ لَهُ هَذَا جَمَلُكَ فَخَرَجَ فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْجَمَلِ وَيَقُولُ الْجَمَلُ جَمَلُنَا فَبَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوَاقٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ أَعْطُوهَا ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏ثُمَّ قَالَ اسْتَوْفَيْتَ الثَّمَنَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ الثَّمَنُ وَالْجَمَلُ لَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم وَتَقَدَّمَ هَذَا اَلْحَدِيث بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ فِي اَلْمَظَالِمِ مُخْتَصَرًا وَسَاقَهُ هُنَا تَامًّا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ مُسْتَوْفَاة فِي اَلشُّرُوطِ. ‏ ‏قَوْله : ( أُمّ عَمْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَوْ \" بَدَل \" أُمّ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيُعَجِّلْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِهَنِيّي \" فَلْيَتَعَجَّلْ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَرْمَكَ ) ‏ ‏بِرَاءٍ وَكَافٍ وَزْنِ أَحْمَر وَالْمُرَاد بِهِ مَا خَالَطَ حُمْرَتَه سَوَاد. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ فِيهَا شِيَة ) ‏ ‏بِكَسْر اَلْمُعْجَمَة وَفَتْح اَلتَّحْتَانِيَّة اَلْخَفِيفَة أَيْ عَلَامَة وَالْمُرَاد أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لُمْعَةٌ مِنْ غَيْرِ لَوْنِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ لَيْسَ فِيهِ عَيْب وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ \" وَالنَّاس خَلْفِي فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ قَامَ عَلَيَّ \" لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ كَانَ قَوِيًّا فِي سَيْرِهِ لَا عَيْبَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ حَتَّى كَأَنَّهُ صَارَ قُدَّامَ اَلنَّاسِ. فَطَرَأَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ اَلْوُقُوفُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ قَامَ عَلَيَّ ) ‏ ‏أَيْ وَقَفَ فَلَمْ يَسِرْ مِنْ اَلتَّعَبِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2650",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَزَعٌ فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَسًا ‏ ‏لِأَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ مَنْدُوبٌ فَرَكِبَهُ وَقَالَ ‏ ‏مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ وَإِنْ وَجَدْنَاهُ ‏ ‏لَبَحْرًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي فَرَسٍ أَبِي طَلْحَة وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا وَأَنَّ شَرْحَهُ سَبَقَ فِي كِتَابِ اَلْهِبَة وَأَحْمَد بْن مُحَمَّد شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ اَلْمَرْوَزِيُّ وَلَقَبُهُ مَرْدَوَيْهِ وَاسْمُ جَدِّهِ مُوسَى وَقَالَ الدَّارَقُطْنِي هُوَ اَلَّذِي لَقَّبَهُ شِبْوَيْهِ وَاسْم جَدِّهِ ثَابِتُ وَالْأَوَّل أَكْثَر. ‏"
    },
    {
        "id": "2651",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏يُسْهَمُ لِلْخَيْلِ ‏ ‏وَالْبَرَاذِينِ ‏ ‏مِنْهَا لِقَوْلِهِ ‏ { ‏وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا ‏} ‏وَلَا يُسْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مَالِك : يُسْهَمُ لِلْخَيْلِ وَالْبَرَاذِين ) ‏ ‏جَمْع بِرْذَوْن بِكَسْرِ اَلْمُوَحَّدَةِ وَسُكُون اَلرَّاءِ وَفَتْح اَلْمُعْجَمَة وَالْمُرَاد اَلْجُفَاةُ اَلْخِلْقَةِ مِنْ اَلْخَيْلِ وَأَكْثَرُ مَا تُجْلَبُ مِنْ بِلَادِ اَلرُّومِ وَلَهَا جَلَدٌ عَلَى اَلسَّيْرِ فِي اَلشِّعَابِ وَالْجِبَالِ وَالْوَعْرِ بِخِلَاف اَلْخَيْل اَلْعَرَبِيَّة. ‏ ‏قَوْلُهُ : لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِير لِتَرْكَبُوهَا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : وَجْهُ اَلِاحْتِجَاجِ بِالْآيَةِ أَنَّ اَللَّهَ تَعَالَى اِمْتَنَّ بِرُكُوبِ اَلْخَيْلِ وَقَدْ أَسْهَمَ لَهَا رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاسْمُ اَلْخَيْلِ يَقَعُ عَلَى اَلْبِرْذَوْنِ وَالْهَجِين بِخِلَافِ اَلْبِغَال وَالْحَمِير وَكَأَنَّ اَلْآيَةَ اِسْتَوْعَبَتْ مَا يَرْكَبُ مِنْ هَذَا اَلْجِنْسِ لِمَا يَقْتَضِيه اَلِامْتِنَانُ فَلَمَّا لَمْ يَنُصُّ عَلَى اَلْبِرْذَوْنِ وَالْهَجِينِ فِيهَا دَلَّ عَلَى دُخُولِهَا فِي اَلْخَيْلِ. قُلْت : وَإِنَّمَا ذَكَرَ اَلْهَجِين لِأَنَّ مَالِكًا ذَكَرَ هَذَا اَلْكَلَام فِي اَلْمُوَطَّأِ وَفِيهِ \" وَالْهَجِينِ \" وَالْمُرَادِ بِالْهَجِينِ مَا يَكُونُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ عَرَبِيًّا وَالْآخَرُ غَيْرَ عَرَبِيّ وَقِيلَ اَلْهَجِين اَلَّذِي أَبَوْهُ فَقَطْ عَرَبِيّ وَأَمَّا اَلَّذِي أَمُّهُ فَقَطْ عَرَبِيَّة فَيُسَمَّى اَلْمُقْرِف. وَعَنْ أَحْمَدَ : اَلْهَجِينُ اَلْبِرْذَوْن. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ فِي اَلْحُكْمِ. وَقَدْ وَقَعَ لِسَعِيد بْن مَنْصُور وَفِي اَلْمَرَاسِيل لِأَبِي دَاوُدَ عَنْ مَكْحُول \" أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَجَّنَ اَلْهَجِين يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَرَّبَ اَلْعِرَابَ فَجَعَلَ لِلْعَرَبِيِّ سَهْمَيْنِ وَلِلْهَجِينِ سَهْمًا وَهَذَا مُنْقَطِع وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى اَلشَّافِعِيّ فِي \" اَلْأُمِّ \" وَسَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيقِ عَلِيّ بْن اَلْأَقْمَرِ قَالَ \" أَغَارَتْ اَلْخَيْلُ فَأَدْرَكَتْ اَلْعِرَابُ وَتَأَخَّرَتْ الْبَرَاذِنُ فَقَامَ اِبْن اَلْمُنْذِر اَلْوَادِعِيّ فَقَالَ : لَا أَجْعَلُ مَا أَدْرَكَ كَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَر فَقَالَ : هَبِلَتْ اَلْوَادِعِيُّ أُمُّه لَقَدْ أَذْكَرَتْ بِهِ أَمْضَوْهَا عَلَى مَا قَالَ. فَكَانَ أَوَّل مَنْ أَسْهَمَ لِلْبَرَاذِينِ دُونَ سِهَام اَلْعِرَابِ \" وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ شَاعِرُهُمْ : ‏ ‏وَمِنَّا اَلَّذِي قَدْ سَنَّ فِي اَلْخَيْلِ سُنَّة ‏ ‏وَكَانَتْ سَوَاء قَبْلَ ذَاكَ سِهَامُهَا ‏ ‏وَهَذَا مُنْقَطِع أَيْضًا وَقَدْ أَخَذَ أَحْمَدُ بِمُقْتَضَى حَدِيث مَكْحُول فِي اَلْمَشْهُورِ عَنْهُ كَالْجَمَاعَةِ وَعَنْهُ إِنْ بَلَغَتْ اَلْبَرَاذِين مَبَالِغ اَلْعَرَبِيَّة سَوَّى بَيْنَهُمَا وَإِلَّا فُضِّلَتْ اَلْعَرَبِيَّةُ وَاخْتَارَهَا الْجَوْزَجَانِيُّ وَغَيْره. وَعَنْ اَللَّيْثِ : يُسْهَمُ لِلْبِرْذَوْنِ وَالْهَجِين دُونَ سَهْمِ اَلْفَرَسِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يُسْهَمُ لِأَكْثَرِ مِنْ فَرَسِ ) ‏ ‏هُوَ بَقِيَّةُ كَلَامِ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلُ اَلْجُمْهُورِ وَقَالَ اَللَّيْثُ وَأَبُو يُوسُف وَأَحْمَد وَإِسْحَاق : يُسْهَمُ لِفَرَسَيْنِ لَا لِأَكْثَر , وَفِي ذَلِكَ حَدِيث أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِي بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ \" أَسْهَمَ لِي رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفَرَسِي أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ وَلِي سَهْمًا فَأَخَذَتُ خَمْسَة أَسْهُم \" قَالَ اَلْقُرْطُبِيّ : وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّهُ يُسْهَمُ لِأَكْثَرِ مِنْ فَرَسَيْنِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ سُلَيْمَان بْن مُوسَى أَنَّهُ يُسْهَمُ لِكُلِّ فَرَس سَهْمَانِ بَالِغًا مَا بَلَغَتْ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا أَيْ غَيْرِ سَهْمَيْ اَلْفَرَسِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْدِ اَللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر اَلْعُمَرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا ) ‏ ‏أَيْ غَيْرِ سَهْمَيْ اَلْفَرَسِ فَيَصِيرُ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَسَيَأْتِي فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ أَنَّ نَافِعًا فَسَّرَهُ كَذَلِكَ وَلَفْظُهُ \" إِذَا كَانَ مَعَ اَلرَّجُلِ فَرَسٌ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فَرَسٌ فَلَهُ سَهْمٌ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ عُبَيْدِ اَللَّهِ بْن عُمَر بِلَفْظ أَسْهَمَ لِرَجُلٍ وَلِفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُم سَهْمًا لَهُ وَسَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ \" وَبِهَذَا اَلتَّفْسِيرِ يَتَبَيَّنُ أَنْ لَا وَهْمَ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَد بْن مَنْصُور اَلرَّمَادِيُّ عَنْ أَبِي بَكْر اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي أُسَامَة وَابْن نُمَيْرٍ كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اَللَّهِ بْن عُمَر فِيمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِي بِلَفْظ \" أَسْهَمَ لِلْفَارِسِ سَهْمَيْنِ \" قَالَ الدَّارَقُطْنِي عَنْ شَيْخِهِ أَبِي بَكْر اَلنَّيْسَابُورِيّ : وَهَمَ فِيهِ اَلرَّمَادِيّ وَشَيْخُهُ. قُلْت : لَا لِأَنَّ اَلْمَعْنَى أَسْهَم لِلْفَارِسِ بِسَبَبِ فَرَسِهِ سَهْمَيْنِ غَيْرَ سَهْمِهِ اَلْمُخْتَصِّ بِهِ وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة فِي مُصَنَّفِهِ وَمُسْنَدِهِ بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ فَقَالَ \" لِلْفَرَسِ \" وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي عَاصِم فِي كِتَاب اَلْجِهَاد لَهُ عَنْ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَكَأَنَّ اَلرَّمَادِيَّ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ أَبِي أُسَامَة وَابْن نُمَيْرٍ مَعًا بِلَفْظ \" أَسْهَم لِلْفَرَسِ \" وَعَلَى هَذَا اَلتَّأْوِيلِ أَيْضًا يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ نَعِيمُ بْن حَمَّاد عَنْ اِبْن اَلْمُبَارَك عَنْ عُبَيْدِ اَللَّهِ مِثْلَ رِوَايَةِ اَلرَّمَادِيّ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِي وَقَدْ رَوَاهُ عَلَيُّ اِبْن اَلْحَسَن بْن شَقِيق وَهُوَ أَثْبَتُ مِنْ نَعِيمٍ عَنْ اِبْن اَلْمُبَارَك بِلَفْظ \" أَسْهَمَ لِلْفَرَسِ \" وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ هَذِهِ اَلرِّوَايَةِ بَعْض مَنْ اِحْتَجَّ لِأَبِي حَنِيفَة فِي قَوْلِهِ : إِنْ لِلْفَرَسِ سَهْمًا وَاحِدًا وَلِرَاكِبِهِ سَهْمٌ آخَرُ فَيَكُونُ لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ فَقَطْ وَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا. وَاحْتَجَّ لَهُ أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ مُجَمَّع بْن جَارِيَةَ بِالْجِيمِ وَالتَّحْتَانِيَّة فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ فِي قِصَّةِ خَيْبَرَ قَالَ \" فَأَعْطَى لِلْفَارِسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ وَلَوْ ثَبَتَ يُحْمَلُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ اَلْأَمْرَيْنِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ اَلرِّوَايَتَيْنِ أَولَى وَلَا سِيَّمَا وَالْأَسَانِيدُ الْأُولَى أثْبَتُ وَمَعَ رُوَاتِهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَمْرَة \" أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِكُلِّ إِنْسَان سَهْمًا فَكَانَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث اَلزُّبَيْر \" أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لَهُ أَرْبَعَة أَسْهُم سَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ وَسَهْمًا لَهُ وَسَهْمًا لِقَرَابَتِهِ قَالَ مُحَمَّد بْن سَحْنُون : اِنْفَرَدَ أَبُو حَنِيفَة بِذَلِكَ دُونَ فُقَهَاءِ اَلْأَمْصَارِ وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَكْرَهَ أَنَّ أُفَضِّلَ بَهِيمَة عَلَى مُسْلِم وَهِيَ شُبْهَةٌ ضَعِيفَةٌ لِأَنَّ اَلسِّهَامَ فِي اَلْحَقِيقَةِ كُلَّهَا لِلرَّجُلِ. قُلْت : لَوْ لَمْ يَثْبُتْ اَلْخَبَرُ لَكَانَتْ اَلشُّبْهَة قَوِيَّة لِأَنَّ اَلْمُرَادَ اَلْمُفَاضَلَة بَيْنَ اَلرَّاجِلِ وَالْفَارِسِ فَلَوْلَا اَلْفَرَسُ مَا اِزْدَادَ اَلْفَارِسُ سَهْمَيْنِ عَنْ اَلرَّاجِلِ فَمَنْ جَعَلَ لِلْفَارِسِ سَهْمَيْنِ فُقَدَ سَوَّى بَيْنِ اَلْفَرَسِ وَبَيْنَ اَلرَّجُلِ وَقَدْ تُعُقِّبَ هَذَا أَيْضًا لِأَنَّ اَلْأَصْلَ عَدَم اَلْمُسَاوَاةِ بَيْنَ اَلْبَهِيمَةِ وَالْإِنْسَانِ فَلَمَّا خَرَجَ هَذَا عَنْ اَلْأَصْلِ بِالْمُسَاوَاةِ فَلْتَكُنْ اَلْمُفَاضَلَة كَذَلِكَ وَقَدْ فَضَّلَ اَلْحَنَفِيَّةَ اَلدَّابَّةِ عَلَى اَلْإِنْسَانِ فِي بَعْضِ اَلْأَحْكَامِ فَقَالُوا : لَوْ قَتَلَ كَلْبُ صَيْدٍ قِيمَته أَكْثَر مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ أَدَّاهَا فَإِنْ قَتَلَ عَبْدًا مُسْلِمًا لَمْ يُؤَدّ فِيهِ إِلَّا دُونَ عَشْرَةٍ آلْاف دِرْهَم. وَالْحَقُّ أَنَّ اَلِاعْتِمَادَ فِي ذَلِكَ عَلَى اَلْخَبَرِ وَلَمْ يَنْفَرِدْ أَبُو حَنِيفَة بِمَا قَالَ فَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيّ وَأَبِي مُوسَى لَكِنَّ اَلثَّابِتَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيّ كَالْجُمْهُورِ مِنْ حَيْثُ اَلْمَعْنَى بِأَنَّ اَلْفَرَسَ يَحْتَاجُ إِلَى مُؤْنَةٍ لِخِدْمَتِهَا وَعَلَفِهَا وَبِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا مِنْ اَلْغِنَى فِي اَلْحَرْبِ مَا لَا يَخْفَى وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ اَلْمُشْرِكَ إِذَا حَضَرَ اَلْوَقْعَة وَقَاتَلَ مَعَ اَلْمُسْلِمِينَ يُسْهَمُ لَهُ وَبِهِ قَالَ بَعْض اَلتَّابِعِينَ كَالشَّعْبِيِّ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ إِذْ لَمْ يُرِدْ هُنَا صِيغَة عُمُومٍ وَاسْتَدَلَّ لِلْجُمْهُورِ بِحَدِيث \" لَمْ تُحَلَّ اَلْغَنَائِم لِأَحَدٍ قَبْلَنَا \" وَسَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ. وَفِي اَلْحَدِيثِ حَضٌّ عَلَى اِكْتِسَابِ اَلْخَيْل وَاِتِّخَاذِهَا لِلْغَزْوِ لِمَا فِيهَا مِنْ اَلْبَرَكَةِ وَإِعْلَاءِ اَلْكَلِمَةِ وَإِعْظَام اَلشَّوْكَة كَمَا قَالَ تَعَالَى ( وَمِنْ رِبَاطِ اَلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اَللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ خَرَجَ إِلَى اَلْغَزْوِ وَمَعَهُ فَرَسٌ فَمَاتَ قَبْل حُضُور اَلْقِتَال فَقَالَ مَالِك : يَسْتَحِقُّ سَهْمَ اَلْفَرَسِ. وَقَالَ اَلشَّافِعِيّ وَالْبَاقُونَ : لَا يُسْهَمُ لَهُ إِلَّا إِذَا حَضَرَ اَلْقِتَالَ فَلَوْ مَاتَ اَلْفَرَسُ فِي اَلْحَرْبِ اِسْتَحَقَّ صَاحِبُهُ وَإِنْ مَاتَ صَاحِبُهُ اِسْتَمَرَّ اِسْتِحْقَاقُهُ وَهُوَ لِلْوَرَثَةِ. وَعَنْ اَلْأَوْزَاعِيّ فِيمَنْ وَصَلَ إِلَى مَوْضِعِ اَلْقِتَالِ فَبَاعَ فَرَسَهُ : يُسْهَمُ لَهُ لَكِنْ يَسْتَحِقُّ اَلْبَائِعُ مِمَّا غَنِمُوا قَبْلَ اَلْعَقْدِ وَالْمُشْتَرِي مِمَّا بَعْدَهُ وَمَا اِشْتَبَهَ قُسِّمَ. وَقَالَ غَيْرُهُ : يُوقَفُ حَتَّى يَصْطَلِحَا. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة : مَنْ دَخَلَ أَرْضَ اَلْعَدُوِّ رَاجِلًا لَا يُقْسَمُ لَهُ إِلَّا سَهْمُ رَاجِلٍ وَلَوْ اِشْتَرَى فَرَسًا وَقَاتَلَ عَلَيْهِ. وَاخْتَلَفَ فِي غُزَاةِ اَلْبَحْرِ إِذَا كَانَ مَعَهُمْ خَيْلٌ فَقَالَ اَلْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ : يُسْهَمُ لَهُ. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏هَذَا اَلْحَدِيث يَذْكُرُهُ اَلْأُصُولِيُّونَ فِي مَسَائِلِ اَلْقِيَاسِ فِي مَسْأَلَة اَلْإِيمَاء أَيْ إِذَا اِقْتَرَنَ اَلْحُكْمُ بِوَصْفٍ لَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ اَلْوَصْفَ لِلتَّعْلِيلِ لَمْ يَقَعْ اَلِاقْتِرَانُ فَلَمَّا جَاءَ سِيَاق وَاحِد أَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا دَلَّ عَلَى اِفْتِرَاقِ اَلْحُكْم. ‏"
    },
    {
        "id": "2652",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏قَالَ لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَفِرَّ إِنَّ ‏ ‏هَوَازِنَ ‏ ‏كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا فَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ يَفِرَّ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ ‏ ‏آخِذٌ بِلِجَامِهَا وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَنَا النَّبِيُّ لَا ‏ ‏كَذِبْ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2653",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ ‏ ‏إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي ‏ ‏الْغَرْزِ ‏ ‏وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ‏ ‏ذِي الْحُلَيْفَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر \" أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي اَلْغَرْزِ أَهَلَّ \" اَلْحَدِيث وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ مِنْ اَلْغَرْزِ وَأَمَّا اَلرِّكَابُ فَأَلْحَقَهُ بِهِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ \" اِقْطَعُوا اَلرَّكْب وَثِبُوا عَلَى اَلْخَيْلِ وَثْبًا \" لَيْسَ عَلَى مَنْعِ اِتِّخَاذ اَلرُّكُب أَصْلًا وَإِنَّمَا أَرَادَ تَدْرِيبَهُمْ عَلَى رُكُوبِ اَلْخَيْلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2654",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏اسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى فَرَسٍ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَقْبَلَهُمْ عَلَى فَرَس عُرْي مَا عَلَيْهِ سَرْج فِي عُنُقِهِ سَيْف \" وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ اَلْحَدِيثِ اَلَّذِي تَقَدَّمُ فِي أَنَّهُ اِسْتَعَارَ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد وَفِي أَوَّلِهِ \" فَزِعَ أَهْلُ اَلْمَدِينَةِ لَيْلَة فَتَلَقَّاهُمْ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى اَلصَّوْتِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ بِغَيْرِ سَرْج \" وَفِي رِوَايَةِ لَهُ \" وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَة \" وَقَدْ سَبَقَ فِي \" بَابِ اَلشَّجَاعَةِ فِي اَلْحَرْبِ \" فِي حَدِيث أَوَّلُهُ \" كَانَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ اَلنَّاسِ وَأَشْجَعَ اَلنَّاسِ \" بَعْض هَذَا اَلْحَدِيثِ وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي الْهِبَةِ وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اَلتَّوَاضُعِ وَالْفُرُوسِيَّةِ اَلْبَالِغَةِ فَإِنَّ اَلرُّكُوبَ اَلْمَذْكُورَ لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا مَنْ أَحْكَمَ اَلرُّكُوب وَأَدْمَنَ عَلَى اَلْفُرُوسِيَّةِ وَفِيهِ تَعْلِيقُ اَلسَّيْفِ فِي اَلْعُنُقِ إِذَا اِحْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ أَعْوَنَ لَهُ وَفِي اَلْحَدِيثِ مَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْفَارِسِ أَنْ يَتَعَاهَدَ اَلْفُرُوسِيَّة وَيُرَوِّضَ طِبَاعه عَلَيْهَا لِئَلَّا يَفْجَأهُ شِدَّة فَيَكُونُ قَدْ اِسْتَعَدَّ لَهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2655",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَهْلَ الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَزِعُوا مَرَّةً فَرَكِبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَسًا ‏ ‏لِأَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَقْطِفُ ‏ ‏أَوْ كَانَ فِيهِ ‏ ‏قِطَافٌ ‏ ‏فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ ‏ ‏وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا ‏ ‏بَحْرًا ‏ ‏فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" أَنَّ أَهْلَ اَلْمَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً فَرَكِبَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَة كَانَ يَقْطِفُ \" اَلْحَدِيثُ ‏ ‏وَقَوْله \" يَقْطِفُ \" ‏ ‏بِكَسْرِ اَلطَّاءِ وَبِضَمِّهَا وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي اَلْهِبَةِ ‏ ‏وَقَوْله \" أَوْ كَانَ فِيهِ قِطَافٌ \" ‏ ‏شَكٌّ مِنْ اَلرَّاوِي وَسَيَأْتِي فِي \" بَابِ اَلسُّرْعَةِ وَالرَّكْضِ \" مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَس بِلَفْظ \" فَرَكِبَ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَة بَطِيئًا ‏ ‏وَقَوْله \" لَا يُجَارَى \" ‏ ‏بِضَمّ أَوَّله زَادَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيّ \" قَالَ أَبُو عَبْد اَللَّه أَيْ لَا يُسَابَقُ \" لِأَنَّهُ لَا يُسْبَقُ فِي اَلْجَرْيِ وَفِيهِ بَرَكَةُ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِهِ رَكِبَ مَا كَانَ بَطِيئًا فَصَارَ سَابِقًا وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ اَلْمَذْكُورَةِ \" فَمَا سُبِقَ بَعْدَ ذَلِكَ اَلْيَوْمِ \" ‏"
    },
    {
        "id": "2656",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَجْرَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا ‏ ‏ضُمِّرَ ‏ ‏مِنْ الْخَيْلِ مِنْ ‏ ‏الْحَفْيَاءِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ ‏ ‏وَأَجْرَى مَا لَمْ ‏ ‏يُضَمَّرْ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الثَّنِيَّةِ ‏ ‏إِلَى مَسْجِدِ ‏ ‏بَنِي زُرَيْقٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏وَكُنْتُ فِيمَنْ أَجْرَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏الْحَفْيَاءِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ ‏ ‏خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٌ وَبَيْنَ ‏ ‏ثَنِيَّةَ ‏ ‏إِلَى مَسْجِدِ ‏ ‏بَنِي زُرَيْقٍ ‏ ‏مِيلٌ ‏",
        "sharh": "وَقَوْلُهُ فِي اَلطَّرِيقِ اَلْأُولَى ( مِنْ الْحَفْيَاءِ ) بِفَتْحِ اَلْمُهْمِلَةِ وَسُكُونِ اَلْفَاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّة وَمَدّ : مَكَانٌ خَارِجُ اَلْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةٍ وَيَجُوزُ اَلْقَصْرُ وَحَكَى اَلْحَازِمِيُّ تَقْدِيمَ اَلْيَاءِ اَلتَّحْتَانِيَّةِ عَلَى اَلْفَاءِ وَحَكَى عِيَاض ضَمَّ أَوَّلِهِ وَخَطَّأَهُ وَقَوْلُهُ فِيهَا \" أَجْرَى \" قَالَ فِي اَلَّتِي تَلِيهَا \" سَابَقَ \" وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَقَالَ فِيهَا \" قَالَ اِبْن عُمَر وَكُنْت فِيمَنْ أَجْرَى \" وَقَالَ فِي اَلرِّوَايَةِ اَلَّتِي تَلِيهَا \" وَأَنَّ عَبْد اَللَّه بْن عُمَر كَانَ مِمَّنْ سَابَقَ بِهَا \" وَسُفْيَان \" فِي اَلرِّوَايَةِ اَلْأُولَى هُوَ اَلثَّوْرِيُّ وَشَيْخُه عُبَيِد اَللَّه \" بِالتَّصْغِيرِ هُوَ اِبْن عُمَرَ اَلْعُمَرِيُّ وَالطَّرِيق اَلثَّانِيَة عَنْ اَللَّيْثِ مُخْتَصَرَةٌ وَقَدْ أَخْرَجَهَا تَامَّة اَلنَّسَائِيّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ اَللَّيْثِ وَهُوَ عِنْد مُسْلِم لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ وَقَوْله فِي اَلْأُولَى \" قَالَ عَبْد اَللَّه قَالَ سُفْيَان حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اَللَّهِ \" فَعَبْدُ اَللَّه هُوَ اِبْنُ اَلْوَلِيدِ اَلْعَدَنِيِّ كَذَا رَوَيْنَاهُ فِي جَامِع سُفْيَان اَلثَّوْرِيِّ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْهُ وَأَرَادَ بِذَلِكَ تَصْرِيح اَلثَّوْرِيّ عَنْ شَيْخِهِ بِالتَّحْدِيثِ وَوَهَمَ مَنْ قَالَ فِيهِ : وَقَالَ أَبُو عَبْد اَللَّه وَزَاد اَلْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاق وَهُوَ اَلْأَزْرَقُ عَنْ اَلثَّوْرِيِّ فِي آخِرِهِ \" قَالَ اِبْن عُمَر وَكُنْت فِيمَنْ أَجْرَى فَوَثَبَ بِي فَرَسِي جِدَارًا \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ وَقَالَ فِيهِ ( فَسَبَقْتُ اَلنَّاسَ فَطَفَفَ بِي اَلْفَرَسُ مَسْجِدَ بَنِي زُرَيْق أَيْ جَاوَزَ بِيَ اَلْمَسْجِد اَلَّذِي كَانَ هُوَ اَلْغَايَةُ وَأَصْلُ اَلتَّطْفِيف مُجَاوَزَةُ اَلْحَدِّ. وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ اَلثَّانِيَةِ \" قَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّه \" هُوَ اَلْمُصَنِّفُ وَقَوْلُهُ \" أَمَدًا : غَايَة. فَطَالَ عَلَيْهِمْ اَلْأَمَدُ \" وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَحْدِه وَهُوَ تَفْسِيرٌ أَبِي عُبَيْدَة فِي \" اَلْمَجَازِ \" وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ اَللُّغَةِ قَالَ اَلنَّابِغَة : سَبْقُ اَلْجَوَاد إِذَا اِسْتَوْلَى عَلَى اَلْأَمَدِ. وَمُعَاوِيَة فِي اَلرِّوَايَةِ اَلثَّالِثَةِ هُوَ اِبْن عَمْرو الْأَزْدِيُّ وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ اَلْفَزَارِيّ وَقَوْله فِيهَا \" قَالَ سُفْيَان \" هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ اَلْمَذْكُورِ وَلَمْ يَسْنِدْ سُفْيَان ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ مُوسَى بْن عَقَبَة فِي اَلرِّوَايَةِ اَلثَّالِثَةِ إِلَّا أَنَّ سُفْيَان قَالَ فِي اَلْمَسَافَةِ اَلَّتِي بَيْن الْحَفْيَاءِ وَالثَّنِيَّةِ خَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ وَقَالَ مُوسَى سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ وَهُوَ اِخْتِلَافٌ قَرِيبٌ وَقَالَ سُفْيَان فِي اَلْمَسَافَةِ اَلثَّانِيَةِ مِيل أَوْ نَحْوُهُ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ اَلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اَللَّهِ بْن عُمَر إِدْرَاجُ ذَلِكَ فِي نَفْسِ اَلْخَبَرِ وَالْخَبَرِ بِالسِّتَّةِ وَبِالْمِيلِ قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا تَرْجَمَ لِطَرِيق اَللَّيْث بِالْإِضْمَارِ وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ \" سَابَقَ بَيْنَ اَلْخَيْلِ اَلَّتِي لَمْ تُضْمِرْ \" ; لِيُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى تَمَامِ اَلْحَدِيثِ. وَقَالَ اِبْن اَلْمُنِير : لَا يَلْتَزِمُ ذَلِكَ فِي تَرَاجِمِهِ بَلْ رُبَّمَا تَرْجَمَ مُطْلَقًا لِمَا قَدْ يَكُونُ ثَابِتًا وَلِمَا قَدْ يَكُونُ مَنْفِيًّا فَمَعْنَى قَوْلِهِ \" إِضْمَار اَلْخَيْل لِلسَّبْقِ \" أَيْ هَلْ هُوَ شَرْطٌ أَمْ لَا ؟ فَبَيَّنَ بِالرِّوَايَةِ اَلَّتِي سَاقَهَا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَوْ كَانَ غَرَضُهُ اَلِاقْتِصَار اَلْمُجَرَّد لَكَانَ اَلِاقْتِصَار عَلَى اَلطَّرَفِ اَلْمُطَابِقِ لِلتَّرْجَمَةِ أَوْلَى لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِلنُّكْتَةِ اَلْمَذْكُورَةِ وَأَيْضًا فَلِإِزَالَةِ اِعْتِقَادِ أَنَّ اَلتَّضْمِيرَ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَشَقَّةِ سَوْقِهَا وَالْخَطَرِ فِيهِ فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ بَلْ مَشْرُوعٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ : وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامِهِ وَكَلَامِ اِبْنِ بَطَّالٍ بَلْ أَفَادَ اَلنُّكْتَة فِي اَلِاقْتِصَارِ. ‏ ‏قَوْله : ( أُضْمِرَتْ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَقَوْلُهُ \" لَمْ تُضْمِرْ \" بِسُكُونِ اَلضَّادِ اَلْمُعْجَمَة وَالْمُرَاد بِهِ أَنْ تُعْلَفَ اَلْخَيْلُ حَتَّى تَسْمَنَ وَتَقْوَى ثُمَّ يُقَلَّلُ عَلَفُهَا بِقَدْر اَلْقُوتِ وَتُدْخَلُ بَيْتًا وَتُغَشَّى بِالْجِلَالِ حَتَّى تَحْمَى فَتَعْرَقَ فَإِذَا جَفَّ عَرَقُهَا خَفَّ لَحَمُهَا وَقَوِيَتْ عَلَى اَلْجَرْيِ وَفِي اَلْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّة اَلْمُسَابَقَةِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ اَلْعَبَثِ بَلْ مِنْ اَلرِّيَاضَةِ اَلْمَحْمُودَةِ اَلْمُوصِلَةِ إِلَى تَحْصِيل اَلْمَقَاصِد فِي اَلْغَزْوِ وَالِانْتِفَاعِ بِهَا عِنْدَ اَلْحَاجَةِ وَهِيَ دَائِرَةٌ بَيْنَ اَلِاسْتِحْبَابِ وَالْإِبَاحَةِ بِحَسَبِ اَلْبَاعِث عَلَى ذَلِكَ قَالَ اَلْقُرْطُبِيّ : لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ اَلْمُسَابَقَةِ عَلَى اَلْخَيْلِ وَغَيْرهَا مِنْ اَلدَّوَابِّ وَعَلَى اَلْأَقْدَامِ وَكَذَا اَلتَّرَامِي بِالسِّهَامِ وَاسْتِعْمَال اَلْأَسْلِحَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ اَلتَّدْرِيبِ عَلَى اَلْحَرْبِ وَفِيهِ جَوَاز إِضْمَار اَلْخَيْل وَلَا يَخْفَى اِخْتِصَاص اِسْتِحْبَابِهَا بِالْخَيْلِ اَلْمُعَدَّةِ لِلْغَزْوِ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ اَلْإِعْلَام بِالِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ عِنْدَ اَلْمُسَابَقَةِ وَفِيهِ نِسْبَةُ اَلْفِعْلِ إِلَى اَلْآمِرِ بِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ \" سَابَقَ \" أَيْ أَمَرَ أَوْ أَبَاحَ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي هَذَا اَلْحَدِيثِ لِلْمُرَاهَنَةِ عَلَى ذَلِكَ لَكِنْ تَرْجَمَ اَلتِّرْمِذِيُّ لَهُ \" بَاب اَلْمُرَاهَنَةِ عَلَى اَلْخَيْلِ \" وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اَللَّهَ بْن عُمَر اَلْمُكَبِّر عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر \" أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَ بَيْنَ اَلْخَيْلِ وَرَاهَنَ \" وَقَدْ أَجْمَعَ اَلْعُلَمَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى جَوَازِ اَلْمُسَابَقَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَكِنْ قَصَرَهَا مَالِك وَالشَّافِعِيّ عَلَى اَلْخُفِّ وَالْحَافِرِ وَالنَّصْلِ وَخَصَّهُ بَعْضُ اَلْعُلَمَاءِ بِالْخَيْلِ وَأَجَازَهُ عَطَاء فِي كُلِّ شَيْء وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهَا بِعِوضٍ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ اَلْمُتَسَابِقَيْن كَالْإِمَامِ حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ مَعَهُمْ فَرَس وَجَوَّزَ اَلْجُمْهُور أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِ اَلْجَانِبَيْنِ مِنْ اَلْمُتَسَابِقَيْن وَكَذَا إِذَا كَانَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ مُحَلِّلٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخْرِجُ مِنْ عِنْدِهِ شَيْئًا لِيُخْرِجَ اَلْعَقْدَ عَنْ صُورَةِ اَلْقِمَارِ \" وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ مِنْهُمَا سَبْقًا فَمَنْ غَلَبَ أَخَذَ اَلسَّبْقَيْنِ فَاتَّفَقُوا عَلَى مَنْعِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ فِي اَلْمُحَلِّلِ أَنْ يَكُونَ لَا يَتَحَقَّقُ اَلسَّبْق فِي مَجْلِس اَلسَّبْق وَفِيهِ أَنَّ اَلْمُرَادَ بِالْمُسَابَقَةِ بِالْخَيْلِ كَوْنُهَا مَرْكُوبَةً لَا مُجَرَّدَ إِرْسَالِ اَلْفَرَسَيْنِ بِغَيْرٍ رَاكِبٍ لِقَوْلِهِ فِي اَلْحَدِيثِ \" وَأَنْ عَبَدَ اَللَّهَ بْن عُمَر كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا \" كَذَا اِسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ اَلَّذِي لَا يَشْتَرِطُ اَلرُّكُوب لَا يَمْنَعُ صُورَة اَلرُّكُوب وَإِنَّمَا اِحْتَجَّ اَلْجُمْهُور بِأَنَّ اَلْخَيْلَ لَا تَهْتَدِي بِأَنْفُسِهَا لِقَصْدِ اَلْغَايَةِ بِغَيْرٍ رَاكِبٍ وَرُبَّمَا نَفَرَتْ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ اَلِاهْتِدَاءَ لَا يَخْتَصُّ بِالرُّكُوبِ فَلَوْ أَنَّ اَلْفَرَسَ كَانَ مَاهِرًا فِي اَلْجَرْيِ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ مَعَ كُلِّ فَرَسٍ سَاعٍ يَهْدِيهَا إِلَى اَلْغَايَةِ لَأَمْكَنَ وَفِيهِ جَوَازُ إِضَافَةِ اَلْمَسْجِدِ إِلَى قَوْمٍ مَخْصُوصِينَوَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ اَلْبُخَارِيّ بِذَلِكَ فِي كِتَاب اَلصَّلَاة وَفِيهِ جَوَازُ مُعَامَلَة اَلْبَهَائِم عِنْدَ اَلْحَاجَةِ بِمَا يَكُونُ تَعْذِيبًا لَهَا فِي غَيْرِ اَلْحَاجَةِ كَالْإِجَاعَةِ وَالْإِجْرَاءِ وَفِيهِ تَنْزِيلُ اَلْخَلْقِ مَنَازِلَهُمْ لِأَنَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَايَرَ بَيْنَ مَنْزِلَةِ اَلْمُضْمَر وَغَيْرِ اَلْمُضْمَرِ وَلَوْ خَلَطَهُمَا لِأَتْعَب غَيْرَ اَلْمُضْمَرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2657",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ ‏ ‏تُضَمَّرْ ‏ ‏وَكَانَ أَمَدُهَا مِنْ ‏ ‏الثَّنِيَّةِ ‏ ‏إِلَى مَسْجِدِ ‏ ‏بَنِي زُرَيْقٍ ‏ ‏وَأَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏كَانَ سَابَقَ بِهَا ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏أَمَدًا غَايَةً ‏ { ‏فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2658",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَابَقَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ ‏ ‏أُضْمِرَتْ ‏ ‏فَأَرْسَلَهَا مِنْ ‏ ‏الْحَفْيَاءِ ‏ ‏وَكَانَ أَمَدُهَا ‏ ‏ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِمُوسَى ‏ ‏فَكَمْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ ‏ ‏تُضَمَّرْ ‏ ‏فَأَرْسَلَهَا مِنْ ‏ ‏ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ ‏ ‏وَكَانَ أَمَدُهَا مَسْجِدَ ‏ ‏بَنِي زُرَيْقٍ ‏ ‏قُلْتُ فَكَمْ بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏مِمَّنْ سَابَقَ فِيهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2659",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَتْ نَاقَةُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُقَالُ لَهَا الْعَضْبَاءُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَمْرو الْأَزْدِيُّ وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ اَلْفَزَارِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2660",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَاقَةٌ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ لَا تُسْبَقُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏أَوْ لَا تَكَادُ تُسْبَقُ ‏ ‏فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى ‏ ‏قَعُودٍ ‏ ‏فَسَبَقَهَا فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ فَقَالَ ‏ ‏حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ ‏ ‏طَوَّلَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( طَوَّلَهُ مُوسَى عَنْ حَمَّاد عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَس ) ‏ ‏أَيْ رَوَاهُ مُطَوَّلًا وَهَذَا اَلتَّعْلِيق وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيّ وَحْدَهُ هُنَا وَمُوسَى هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيُّ وَحَمَّاد هُوَ اِبْنُ سَلَمَة وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ مِنْ عَدَّا الْهَرَوِيِّ بَعْدَ سِيَاقِ رِوَايَةِ زُهَيْرٍ وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل اَلْمَذْكُورِ وَلَيْسَ سِيَاقه بِأَطْوَل مِنْ سِيَاق زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة عَنْ حُمَيْد نَعَمْ هُوَ أَطْوَل مِنْ سِيَاقٍ أَبِي إِسْحَاق اَلْفَزَارِيّ فَتَتَرَجَّحُ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَكَأَنَّهُ اِعْتَمَدَ رِوَايَةَ أَبِي إِسْحَاق لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ اَلتَّصْرِيحِ بِسَمَاع حُمَِْيدٍ مِنْ أَنَس وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ رُوِي مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيق ثَابِت ثُمَّ وَجَدَهُ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ أَيْضًا مُطَوَّلًا فَأَخْرَجَهُ وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تُسْبَقُ قَالَ حُمَِيْدٌ أَوْ لَا تَكَادُ تُسْبَقُ ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْهُ وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ اَلْمَذْكُورِ وَفِي بَقِيَّةِ اَلرِّوَايَاتِ بِغَيْرِ شَكٍّ ‏ ‏وَقَوْلِهِ : ( أَنْ لَا يَرْتَفِعُ شَيْءٌ مِنْ اَلدُّنْيَا ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيل \" أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا \" وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ فِي اَلرِّقَاقِ وَكَذَا قَالَ النُّفَيْلِيّ عَنْ زُهَيْر عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عِنْدَ اَلنَّسَائِيِّ \" أَنْ لَا يَرْفَع شَيْء نَفْسَهُ فِي اَلدُّنْيَا \" وَقَوْله فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَسَبَقَهَا \" فِي رِوَايَةِ اِبْنِ اَلْمُبَارَك وَغَيْرِهِ عَنْ حُمَيْدٍ عِنْد أَبِي نُعَيم \" فَسَابَقَهَا فَسَبَقَهَا \" وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَة \" سَابَقَ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيّ \" وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِ هَذَا اَلْأَعْرَابِيِّ بَعْدَ اَلتَّتَبُّعِ اَلشَّدِيدِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى قَعُودٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ اَلْقَافِ مَا اِسْتَحَقَّ اَلرُّكُوبَ مِنْ اَلْإِبِلِ قَالَ اَلْجَوْهَرِيّ هُوَ اَلْبِكْر حَتَّى يُرْكَبَ وَأَقَلّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ اِبْنَ سَنَتَيْنِ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ اَلسَّادِسَة فَيُسَمَّى جَمَلًا. وَقَالَ اَلْأَزْهَرِيّ : لَا يُقَالُ إِلَّا لِلذَّكَرِ وَلَا يُقَالُ لِلْأُنْثَى قَعُودَةٌ وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهَا قَلُوصٌ قَالَ : وَقَدْ حَكَى اَلْكِسَائِيّ فِي \" اَلنَّوَادِرِ \" قَعُودَةٌ لِلْقَلُوصِ , وَكَلَام اَلْأَكْثَر عَلَى خِلَافِهِ وَقَالَ اَلْخَلِيل : اَلْقَعُودَةُ مِنْ اَلْإِبِلِ مَا يُقْعِدُهُ اَلرَّاعِي لِحَمْلِ مَتَاعِهِ وَالْهَاءِ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى عَرَفَهُ ) ‏ ‏أَيْ عَرَفَ أَثَرَ اَلْمَشَقَّةِ وَفِي رِوَايَةِ اَلْمُصَنِّفِ فِي اَلرِّقَاقِ \" فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وُجُوهِهِمْ وَقَالُوا سُبِقَتْ اَلْعَضْبَاءُ \" اَلْحَدِيث. وَالْعَضْبَاءُ بِفَتْحِ اَلْمُهْمِلَةِ وَسُكُون اَلْمُعْجَمَة بَعْدَهَا مُوَحَّدَة وَمَدٌّ هِيَ اَلْمَقْطُوعَةُ اَلْأُذُن أَوْ اَلْمَشْقُوقَةُ وَقَالَ اِبْن فَارِس : كَانَ ذَلِكَ لَقَبًا لَهَا لِقَوْلِهِ تُسَمَّى اَلْعَضْبَاء. وَلِقَوْلِهِ \" يُقَالُ لَهَا اَلْعَضْبَاء \" وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ صِفَتهَا لَمْ يَحْتَجْ لِذَلِكَ وَقَالَ اَلزَّمَخْشَرِيّ : اَلْعَضْبَاءُ مَنْقُول مِنْ قَوْلِهِمْ نَاقَة عَضْبَاء أَيْ قَصِيرَةُ اَلْيَدِ وَاخْتَلَفَ هَلْ اَلْعَضْبَاءُ هِيَ اَلْقَصْوَاءُ أَوْ غَيْرُهَا فَجَزَمَ اَلْحَرْبِيّ بِالْأَوَّلِ وَقَالَ : تُسَمَّى اَلْعَضْبَاء وَالْقَصْوَاء وَالْجَدْعَاءُ وَرَوَى ذَلِكَ اِبْن سَعْد عَنْ اَلْوَاقِدِيّ. وَقَالَ غَيْرُهُ بِالثَّانِي وَقَالَ : اَلْجَدْعَاءُ كَانَتْ شَهْبَاءَ وَكَانَ لَا يَحْمِلُهُ عِنْدَ نُزُول اَلْوَحَى غَيْرُهَا وَذُكِرَ لَهُ عِدَّةُ نُوقٍ غَيْر هَذِهِ تَتَبَّعَهَا مَنْ اِعْتَنَى بِجَمْعِ اَلسِّيرَةِ. وَفِي اَلْحَدِيثِ اِتِّخَاذ اَلْإِبِل لِلرُّكُوبِ وَالْمُسَابَقَةِ عَلَيْهَا وَفِيهِ اَلتَّزْهِيدُ فِي اَلدُّنْيَا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهَا لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا اِتَّضَعَ. وَفِيهِ اَلْحَثُّ عَلَى اَلتَّوَاضُعِ. وَفِيهِ حُسْنُ خُلُقِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَوَاضُعه وَعَظَمَته فِي صُدُورِ أَصْحَابِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2661",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا تَرَكَهَا صَدَقَةً ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَمْرو بْن اَلْحَارِث وَهُوَ أَخُو جُوَيْرِيَة أُمّ اَلْمُؤْمِنِينَ قَالَ \" مَا تَرَكَ رَسُول اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بَغْلَتَهُ اَلْبَيْضَاءَ \" اَلْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ اَلْوَصَايَا وَأَنَّ شَرْحَهُ يَأْتِي فِي اَلْوَفَاةِ آخِرَ اَلْمَغَازِي. ‏"
    },
    {
        "id": "2662",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا ‏ ‏أَبَا عُمَارَةَ ‏ ‏وَلَّيْتُمْ يَوْمَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏قَالَ لَا وَاللَّهِ مَا وَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَكِنْ وَلَّى سَرَعَانُ النَّاسِ فَلَقِيَهُمْ ‏ ‏هَوَازِنُ ‏ ‏بِالنَّبْلِ وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ ‏ ‏وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏آخِذٌ بِلِجَامِهَا وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَنَا النَّبِيُّ لَا ‏ ‏كَذِبْ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اَلْبَرَاء فِي قِصَّةِ حُنَيْنٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا وَفِيهِ \" وَالنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ \" وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي اَلْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ اِتِّخَاذِ اَلْبِغَالِ وَإِنْزَاءِ اَلْحُمُرِ عَلَى اَلْخَيْلِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَلَيٍّ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ اَلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ فَقَالَ اَلطَّحَاوِيّ : أَخَذَ بِهِ قَوْم فَحَرَّمُوا ذَلِكَ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ اَلْحَضُّ عَلَى تَكْثِير اَلْخَيْل لِمَا فِيهَا مِنْ اَلثَّوَابِ وَكَأَنَّ اَلْمُرَادَ اَلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ اَلثَّوَابَ اَلْمُرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2663",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْجِهَادِ فَقَالَ ‏ ‏جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِيهِ ( وَقَالَ عَبْد اَللَّه بْن اَلْوَلِيدَ ) ‏ ‏هُوَ اَلْعَدَنِيُّ وَرِوَايَتُهُ مَوْصُولَة فِي \" جَامِع سُفْيَان \" وَقَوْلُهُ فِي اَلطَّرِيقِ اَلْأُخْرَى \" وَعَنْ حَبِيب بْن أَبِي عَمْرَة \" هُوَ مَوْصُولٌ مِنْ رِوَايَةِ قَبِيصَةَ اَلْمَذْكُورَة وَالْحَاصِل أَنَّ عِنْدَهُ فِيهِ عَنْ سُفْيَان إِسْنَادَيْنِ وَقَدْ وَصَلَهُ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقٍ هَنَّادِ بْن اَلسَّرِيِّ عَنْ قَبِيصَةَ كَذَلِكَ. ‏ ‏وَقَالَ اِبْن بَطَّال دَلَّ حَدِيث عَائِشَة عَلَى أَنَّ اَلْجِهَادَ غَيْر وَاجِبٍ عَلَى اَلنِّسَاءِ وَلَكِنْ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ \" جِهَادكُنَّ اَلْحَجّ \" أَنَّهُ لَيْسَ لَهُنَّ أَنْ يَتَطَوَّعْنَ بِالْجِهَادِ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِنَّ وَاجِبًا لِمَا فِيهِ مِنْ مُغَايَرَةِ اَلْمَطْلُوب مِنْهُنَّ مِنْ اَلسِّتْرِ وَمُجَانَبَةِ اَلرِّجَالِ فَلِذَلِكَ كَانَ اَلْحَجُّ أَفْضَلَ لَهُنَّ مِنْ اَلْجِهَادِ. ‏ ‏قُلْت : وَقَدْ لَمَّحَ اَلْبُخَارِيّ بِذَلِكَ فِي إِيرَادِهِ اَلتَّرْجَمَة مُجْمَلَة وَتَعْقِيبِهَا بِالتَّرَاجُمِ اَلْمُصَرِّحَةِ بِخُرُوجِ اَلنِّسَاءِ إِلَى اَلْجِهَادِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2664",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَأَلَهُ نِسَاؤُهُ عَنْ الْجِهَادِ فَقَالَ ‏ ‏نِعْمَ الْجِهَادُ الْحَجُّ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2665",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الْفَزَارِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏ابْنَةِ مِلْحَانَ ‏ ‏فَاتَّكَأَ عِنْدَهَا ثُمَّ ضَحِكَ فَقَالَتْ لِمَ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ الْأَخْضَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَثَلُهُمْ مَثَلُ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مِنْهُمْ ثُمَّ عَادَ فَضَحِكَ فَقَالَتْ لَهُ مِثْلَ أَوْ مِمَّ ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَتْ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ وَلَسْتِ مِنْ الْآخِرِينَ قَالَ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَتَزَوَّجَتْ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ‏ ‏فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ مَعَ ‏ ‏بِنْتِ قَرَظَةَ ‏ ‏فَلَمَّا ‏ ‏قَفَلَتْ ‏ ‏رَكِبَتْ دَابَّتَهَا ‏ ‏فَوَقَصَتْ ‏ ‏بِهَا فَسَقَطَتْ عَنْهَا فَمَاتَتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ \" قَالَ أَنَس فَتَزَوَّجَتْ عُبَادَة بْن اَلصَّامِت \" ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهَا تَزَوَّجَتْهُ بَعْدَ هَذِهِ اَلْمَقَالَةِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاق عَنْ أَنَس فِي أَوَّلِ اَلْجِهَادِ بِلَفْظ \" وَكَانَتْ أُمّ حَرَام تَحْتَ عُبَادَة بْن اَلصَّامِت فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ زَوْجَتَهُ فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَهَذَا جَوَاب اِبْنِ اَلتِّينِ وَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ قَوْلَه فِي رِوَايَةِ إِسْحَاق \" وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَة \" جُمْلَةً مُعْتَرَضَةً أَرَادَ اَلرَّاوِي وَصْفَهَا بِهِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِحَالٍ مِنْ اَلْأَحْوَالِ وَظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَهَذَا اَلثَّانِي أَوْلَى لِمُوَافَقَةِ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّانَ عَنْ أَنَس عَلَى أَنَّ عُبَادَةَ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد اِثْنَى عَشَر بَابًا وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ \" فَرَكِبَتْ اَلْبَحْرَ مَعَ بِنْتِ قَرَظَة \" هِيَ زَوْجُ مُعَاوِيَة وَاسْمُهَا فَاخِتَةُ وَقِيلَ كَنُودٌ وَكَانَتْ تَحْتَ عُتْبَةَ اِبْن سَهْل قَبْلَ مُعَاوِيَة وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُعَاوِيَة تَزَوَّجُ اَلْأُخْتَيْنِ وَاحِدَةً بَعْد أُخْرَى وَهَذِهِ رِوَايَة اِبْنِ وَهْبٍ فِي مُوطَآتِهِ عَنْ اِبْنِ لَهِيعَةَ عَمَّنْ سَمِعَ قَالَ : وَمُعَاوِيَةُ أَوَّلُ مَنْ رَكِبَ اَلْبَحْرَ لِلْغُزَاةِ وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَان وَأَبُوهَا قَرَظَةُ بِفَتْحِ اَلْقَافِ وَالرَّاءِ وَالظَّاءِ اَلْمُعْجَمَةِ هُوَ اِبْنُ عَبْدِ عَمْروِ بْنِ نَوْفَلِ بْن عَبْد مُنَافٍ وَهِيَ قُرَشِيَّةٌ نَوْفَلِيَّةٌ وَظَنَّ بَعْضُ اَلشُّرَّاحِ أَنَّهَا بَنَتُ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبِ اَلْأَنْصَارِيّ فَوَهَمَ وَاَلَّذِي قُلْتُهُ صَرَّحَ بِهِ خَلِيفَة بْنُ خَيَّاطٍ فِي تَارِيخِهِ وَزَادَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَاَلْبَلَاذِرِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَيْضًا وَذَكَرَ أَنَّ قَرَظَةَ بْنَ عَبْدِ عَمْروٍ مَاتَ كَافِرًا فَيَكُونُ لَهَا هِيَ رُؤْيَة وَكَذَا لِأَخِيهَا مُسْلِم بْن قَرَظَة اَلَّذِي قُتِلَ يَوْمَ اَلْجَمَلِ مَعَ عَائِشَة ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ يَتَعَلَّقَانِ بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ ) : ‏ ‏أَحَدُهُمَا وَقَع فِي هَذَا اَلْإِسْنَادِ \" حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق هُوَ اَلْفَزَارِيّ عَنْ عَبْد اَللَّه بْن عَبْد اَلرَّحْمَن اَلْأَنْصَارِيّ \" هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ اَلرِّوَايَاتِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا أَحَد وَزَعَمَ أَبُو مَسْعُود فِي \" اَلْأَطْرَافِ \" أَنَّهُ سَقَطَ بَيْنَهُمَا \" زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةُ \" وَأَقَرَّهُ اَلْمِزِّيُّ عَلَى ذَلِكَ وَقَوَّاهُ بِأَنَّ اَلْمُسَيِّبَ بْن وَاضِحٍ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق اَلْفَزَارِيّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ أَبِي طُوَالَةَ وَقَدْ قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجِيَانِيُّ : تَأَمَّلْتُهُ فِي \" اَلسِّيَرِ لِأَبِي إِسْحَاق اَلْفَزَارِيّ \" فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا زَائِدَةَ ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْد اَلْمَلِك بْن حَبِيب عَنْهُ عَنْ أَبِي طُوَالَةَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا زَائِدَةٌ وَرِوَايَة اَلْمُسَيِّب بْنِ وَاضِحِ خَطَأٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يَقْتَضِي بِزِيَادَتِهِ عَلَى خَطَأِ مَا وَقَعَ فِي اَلصَّحِيحِ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ أَخْرَجَهُ اَلْإِمَامُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُعَاوِيَة بْن عَمْرو شَيْخ اَلْبُخَارِيّ فِيهِ كَمَا أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيّ سَوَاءٌ لَيْسَ فِيهِ زَائِدَة وَسَبَب اَلْوَهْمِ مِنْ أَبِي مَسْعُود أَنَّ مُعَاوِيَة بْن عَمْرو رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ زَائِدَةَ عَنْ أَبِي طُوَالَة فَظَنَّ أَبُو مَسْعُود أَنَّهُ عِنْدَ مُعَاوِيَة بْن عَمْرو عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ زَائِدَة وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ عِنْدَهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق وَزَائِدَة مَعًا جَمَعَهُمَا تَارَة وَفَرَّقَهُمَا أُخْرَى أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ عَاطِفًا لِرِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ زَائِدَة وَأَخْرَجَهُ اَلْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ مُعَاوِيَة بْن عَمْرو عَنْ زَائِدَةَ وَحْدَهُ بِهِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَعْفَرٍ اَلصَّائِغ عَنْ مُعَاوِيَة فَوَضَحَتْ صِحَّةُ مَا وَقَعَ فِي اَلصَّحِيحِ وَلِلَّهِ اَلْحَمْد ‏ ‏ثَانِيهُمَا : هَذَا اَلْحَدِيثُ رَوَاهُ عَنْ أَنَس إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة وَمُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّانَ وَأَبُو طُوَالَةَ فَقَالَ إِسْحَاق فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَنَس \" كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ عَلَى أُمّ حَرَام \" وَقَالَ أَبُو طُوَالَةَ فِي رِوَايَتِهِ \" دَخَلَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بِنْت مِلْحَانَ \" وَكِلَاهُمَا ظَاهِر فِي أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ وَأَمَّا مُحَمَّد بْن يَحْيَى فَقَالَ \" عَنْ أَنَس عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مِنْ مُسْنَد أُمّ حَرَام وَهُوَ اَلْمُعْتَدُّ وَكَأَنَّ أَنَسًا لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ فَحَمَلَهُ عَنْ خَالَتِهِ وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أُمِّ حَرَامٍ عُمَيْرُ بْن اَلْأَسْوَد أَيْضًا كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَاب ٍ, وَقَدْ أَحَالَ اَلْمِزِّيُّ بِرِوَايَةِ أَبِي طُوَالَةَ فِي مُسْنَدِ أَنَس عَلَى مُسْنَدِ أُمِّ حَرَام وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاق بْنِ أَبِي طَلْحَة فَأَوْهَمَ خِلَافَ اَلْوَاقِعِ اَلَّذِي حَرَّرْتُهُ وَاَللَّهُ اَلْهَادِي. ‏"
    },
    {
        "id": "2666",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ ‏ ‏وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏كُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ الْحَدِيثِ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ يَخْرُجُ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2667",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ يَوْمُ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَلَقَدْ رَأَيْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَأُمَّ سُلَيْمٍ ‏ ‏وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا ‏ ‏تَنْقُزَانِ ‏ ‏الْقِرَبَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏غَيْرُهُ ‏ ‏تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ ‏ ‏عَلَى مُتُونِهِمَا ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآَنِهَا ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ أَنَس \" لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ اِنْهَزَمَ اَلنَّاسُ \" ‏ ‏اَلْحَدِيثُ وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ \" وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْر وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي اَلْمَغَازِي بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا اَلسِّيَاقِ وَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" خَدَم سُوقِهِمَا \" ‏ ‏بِفَتْحِ اَلْخَاءِ اَلْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ اَلْمُهْمَلَة وَهِيَ اَلْخَلَاخِيلُ وَهَذِهِ كَانَتْ قَبْلَ اَلْحِجَابِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِلنَّظَرِ ‏ ‏وَقَوْله \" تَنْقُزَانِ \" ‏ ‏بِضَمِّ اَلْقَافِ بَعْدَهَا زَايٌ ‏ ‏وَ \" اَلْقِرَبَ \" ‏ ‏بِكَسْرِ اَلْقَافِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ قِرْبَةٍ ‏ ‏وَقَوْله \" وَقَالَ غَيْره تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ \" ‏ ‏يَعْنِي بِاللَّامِ دُونَ الزَّايِ وَهِيَ رِوَايَةُ جَعْفَرِ بْنِ مَهْرَانَ عَنْ عَبْد الْوَارِث أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَقَوْلُهُ \" تَنْقُزَانِ \" قَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ تُسْرِعَانِ الْمَشْيَ كَالْهَرْوَلَةِ وَقَالَ عِيَاضٌ : قِيلَ مَعْنَى تَنْقُزَانِ تَثِبَانِ وَالنَّقْزُ : الْوَثْبُ وَالْقَفْزُ كِنَايَة عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ وَضَبَطُوا الْقِرَبَ بِالنَّصْبِ وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بِخِلَافِ رِوَايَةٍ تَنْقُلَانِ قَالَ : وَكَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ يَقْرَؤُهُ بِرَفْع الْقِرَبِ عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ حَالٌ وَقَدْ خَرَّجَ رِوَايَةَ النَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِض كَأَنَّهُ قَالَ تَثِبَانِ بِالْقِرَبِ قَالَ : وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ تُنْقِزَانِ بِضَمّ أَوَّلِهِ أَيْ تُحَرِّكَانِ الْقِرَبَ لِشِدَّةِ عَدْوِهِمَا وَتَصِحُّ عَلَى هَذَا رِوَايَة النَّصْب وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : أَحْسَبُ الرِّوَايَةَ \" تَزْفِرَانِ \" بَدَل تَنْقُزَانِ وَالزَّفْر حَمْلُ الْقِرَبِ الثِّقَال كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2668",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَسَمَ ‏ ‏مُرُوطًا ‏ ‏بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَبَقِيَ ‏ ‏مِرْطٌ ‏ ‏جَيِّدٌ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْطِ هَذَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الَّتِي عِنْدَكَ يُرِيدُونَ ‏ ‏أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أُمُّ سَلِيطٍ ‏ ‏أَحَقُّ ‏ ‏وَأُمُّ سَلِيطٍ ‏ ‏مِنْ نِسَاءِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَإِنَّهَا كَانَتْ ‏ ‏تَزْفِرُ ‏ ‏لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏تَزْفِرُ ‏ ‏تَخِيطُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ ثَعْلَبَة بْنُ أَبِي مَالِك ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" عَنْ ثَعْلَبَة الْقُرَظِيّ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَة مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ \" قَالَ اِبْنُ مَعِين لَهُ رِوَايَةٌ وَقَالَ اِبْن سَعْد قَدِمَ أَبُو مَالِك وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَامٍ مِنْ الْيَمَنِ وَهُوَ مِنْ كِنْدَةٍ فَتَزَوَّجَ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي قُرَيْظَة فَعُرِفَ بِهِمْ وَحَالَفَ الْأَنْصَارِ. ‏ ‏قُلْت : وَكَانَتْ الْيَهُودِيَّةُ قَدْ فَشَتْ فِي الْيَمِينِ فَلِذَلِكَ صَاهَرَهُمْ أَبُو مَالِك وَكَأَنَّهُ قُتِلَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَقَدْ ذَكَرَ مُصْعَبُ الزُّبَيْرِيُّ أَنَّ ثَعْلَبَة مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ أُثْبِتَ قَوْلُهُ فَتُرِكَ , وَكَانَ ثَعْلَبَةُ إِمَامَ قَوْمِهِ وَلَهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عِنْدَ اِبْن مَاجَه لَكِنْ جَزَمَ أَبُو حَاتِم بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ وَقَدْ صَرَّحَ الزُّهْرِيّ عَنْهُ بِالْإِخْبَارِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ سَيَأْتِي فِي \" بَاب لِوَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( يُرِيدُونَ أُمّ كُلْثُوم ) ‏ ‏كَانَ عُمَرُ قَدْ تَزَوَّجَ أُمّ كُلْثُوم بِنْت عَلِيّ وَأُمَّهَا فَاطِمَةَ وَلِهَذَا قَالُوا لَهَا بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ قَدْ وَلَدَتْ فِي حَيَاتِهِ وَهِيَ أَصْغَرُ بَنَاتِ فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَامُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أُمّ سَلِيط ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِفَتْحِ الْمُهْمِلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَزْن رَغِيف وَلَمْ أَرَ لَهَا فِي كُتُبِ مَنْ صَنَّفَ فِي الصَّحَابَةِ ذِكْرًا إِلَّا فِي الِاسْتِيعَابِ فَذَكَرَهَا مُخْتَصَرَة بِالَّذِي هُنَا وَقَدْ ذَكَرَهَا اِبْن سَعْد فِي طَبَقَاتِ النِّسَاءِ وَقَالَ : هِيَ أُمّ قَيْس بِنْت عُبَيْدِ بْنِ زِيَادِ بْنِ ثَعْلَبَة مَنْ بَنِي مَازِن تَزَوَّجَهَا أَبُو سَلِيط بْنُ أَبِي حَارِثَة عَمْرو بْن قَيْس مَنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ النَّجَّار فَوَلَدَتْ لَهُ سَلِيطًا وَفَاطِمَة يَعْنِي فَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهَا أُمّ سَلِيط وَذُكِرَ أَنَّهَا شَهِدَتْ خَيْبَر وَحُنَيْنًا وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِ شُهُودِهَا أُحُدًا وَهُوَ ثَابِتٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَذُكِرَ فِي تَرْجَمَةِ أُمِّ عِمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ شَبِيهًا بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَرَ لَكِن فِيهِ \" فَقَالَ بَعْضُهُمْ أَعْطِهِ صَفِيَّة بِنْتَ أَبِي عُبَيْد زَوْج عَبْد اللَّه بْن عُمَر \" وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا \" لَقَدْ سَمِعَتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا اِلْتَفَتُّ يَمِينًا وَلَا شَمَالًا يَوْمَ أُحُد إِلَّا وَأَنَا أَرَاهَا تُقَاتِل دُونِي \" فَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْقِصَّةَ تَعَدَّدَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( تَزْفِرُ ) ‏ ‏بِفَتْحٍ أَوَّلَهُ وَسُكُون الزَّايِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ تَحْمِلُ وَزْنًا وَمَعْنَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : تَزْفِرُ تَخِيطُ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَحْدَهُ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ وَإِنَّمَا الزَّفْرُ الْحَمْل وَهُوَ بِوَزْنِهِ وَمَعْنَاهُ قَالَ الْخَلِيل : \" زَفَرَ بِالْحَمْلِ زَفْرًا نَهَضَ بِهِ \" وَالزَّفْرُ أَيْضًا الْقِرْبَة نَفْسُهَا وَقِيلَ إِذَا كَانَتْ مَمْلُوءَةً مَاءً وَيُقَالُ لِلْإِمَاءِ إِذَا حَمَلْنَ الْقِرَبَ زَوَافِرُ وَالزَّفْر أَيْضًا الْبَحْرُ الْفَيَّاضُ وَقِيلَ الزَّافِر الَّذِي يُعِيِنُ فِي حَمْلِ الْقِرْبَةِ. قُلْت : وَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ ؟ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ قَالَ عَبْد اللَّه تَزْفِرُ تَحَمِلُ وَقَالَ أَبُو صَالِح كَاتِبُ اللَّيْثِ : تَزْفِرُ تَخْرِزُ. قُلْت : فَلَعَلَّ هَذَا مُسْتَنَد الْبُخَارِيّ فِي تَفْسِيرِهِ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي غَزْوَةِ أُحُد إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2669",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَسْقِي وَنُدَاوِي الْجَرْحَى وَنَرُدُّ الْقَتْلَى إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الرُّبَيِّعِ ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ وَأَبُوهَا مُعَوِّذ بِالتَّشْدِيدِ أَيْضًا وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ لَهَا وَلِأَبِيهَا صُحْبَة. ‏ ‏قَوْلُه : ( كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْقِي ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ فِي الْأَوَّلِ مُخْتَصَرًا وَأَوْرَدَهُ فِي الَّذِي بَعْدَهُ وَسِيَاقه أَتَمّ وَأَوْفَى بِالْمَقْصُودِ وَزَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى خَالِدَ بْنَ ذَكْوَان \" وَلَا نُقَاتِلُ \" وَفِيهِ جَوَازُ مُعَالَجَة الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة الرَّجُل الْأَجْنَبِيّ لِلضَّرُورَةِ قَالَ اِبْن بَطَّال : وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِذَوَات الْمَحَارِمِ ثُمَّ بِالْمُتَجَالَّاتِ مِنْهُنَّ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْجُرْحِ لَا يُلْتَذُّ بِلَمْسِهِ بَلْ يَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْجِلْدُ فَإِنْ دَعَتْ الضَّرُورَة لِغَيْرِ الْمُتَجَالَّاتِ فَلْيَكُنْ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ وَلَا مَسٍّ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ اِتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا مَاتَتْ وَلَمْ تُوجَدْ اِمْرَأَة تُغَسِّلُهَا أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُبَاشِرُ غُسْلَهَا بِالْمَسِّ بَلْ يُغَسِّلُهَا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ كَالزُّهْرِيِّ وَفِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ تُيَمَّمُ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ تُدْفَنُ كَمَا هِيَ قَالَ اِبْن الْمُنِير : الْفَرْقُ بَيْنَ حَال الْمُدَاوَاة وَتَغْسِيل الْمَيِّتِ أَنَّ الْغُسْلَ عِبَادَةٌ وَالْمُدَاَوةُ ضَرُورَة وَالضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2670",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَسْقِي الْقَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ وَنَرُدُّ الْجَرْحَى وَالْقَتْلَى إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2671",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رُمِيَ ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ ‏ ‏فِي رُكْبَتِهِ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ قَالَ انْزِعْ هَذَا السَّهْمَ فَنَزَعْتُهُ ‏ ‏فَنَزَا ‏ ‏مِنْهُ الْمَاءُ فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ اغْفِرْ ‏ ‏لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2672",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَهِرَ فَلَمَّا قَدِمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْتَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِي صَالِحًا يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ سِلَاحٍ فَقَالَ مَنْ هَذَا فَقَالَ أَنَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏جِئْتُ لِأَحْرُسَكَ وَنَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "أَحَدُهمَا عَنْ عَائِشَة : ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيُّ وَعَبْدُ اللَّه بْن عَامِر بْن رَبِيعَة هُوَ الْعَنَزِيُّ لَهُ رِوَايَةٌ وَلِأَبِيهِ صُحْبَة. ‏ ‏قَوْلُه : ( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهِرَ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ : لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ ) ‏ ‏هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ زَمَان السَّهَرِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ السَّهَرَ كَانَ قَبْلَ الْقُدُومِ وَالْقَوْلِ بَعْدَهُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد وَقَالَ فِيهِ \" سَهَر رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقْدِمَهُ الْمَدِينَةَ لَيْلَةً فَقَالَ \" فَذَكَرَهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّ السَّهَرَ وَالْقَوْلَ مَعًا كَانَا بَعْدَ الْقُدُومِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاق الْفَزَارِيّ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بِلَفْظ \" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ يَسْهَرُ مِنْ اللَّيْلِ \" وَلَيْسَ الْمُرَاد بِقُدُومِهِ الْمَدِينَة أَوَّل قُدُومِهِ إِلَيْهَا مِنْ الْهِجْرَةِ لِأَنَّ عَائِشَةَ إِذْ ذَاكَ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ وَلَا كَانَ سَعْد أَيْضًا مِمَّنْ سَبَقَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بِلَفْظ \" أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهِرَ ذَات لَيْلَةٍ وَهِيَ إِلَى جَنْبِهِ قَالَتْ فَقُلْت : مَا شَأْنُكَ يَا رَسُول اللَّهِ \" الْحَدِيث وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْن شَقِيق عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : \" وَاللَّهُ يَعْصِمُك مِنْ النَّاسِ \" وَإِسْنَادُهُ حَسُنٌ وَاخْتَلَفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( جِئْت لِأَحْرُسَكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اللَّيْث الْمَذْكُورَةِ \" فَقَالَ وَقْع فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجِئْت أَحْرُسُهُ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَنَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَاد الْمُصَنِّفِ فِي التَّمَنِّي مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَال عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد \" حَتَّى سَمِعْنَا غَطِيطَهُ \" وَفِي الْحَدِيثِ الْأَخْذُ بِالْحَذَرِ وَالِاحْتِرَاسِ مِنْ الْعَدُوِّ وَأَنَّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَحْرُسُوا سُلْطَانَهُمْ خَشْيَةِ الْقَتْلِ وَفِيهِ الثَّنَاءُ عَلَى مَنْ تَبَرَّعَ بِالْخَيْرِ وَتَسْمِيَتُهُ صَالِحًا وَإِنَّمَا عَانَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ مَعَ قُوَّةٍ تَوَكُّلِهِ لِلِاسْتِنَانِ بِهِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا اِشْتَدَّ الْبَأْسُ كَانَ أَمَامَ الْكُلِّ وَأَيْضًا فَالتَّوَكُّل لَا يُنَافِي تَعَاطِي الْأَسْبَابِ لِأَنَّ التَّوَكُّلَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَهِيَ عَمَلُ الْبَدَنِ وَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَامُ ( وَلَكِنْ لِيَطَمَئِنَّ قَلْبِي ) وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ \" اِعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ \" قَالَ اِبْن بَطَّال : نُسِخَ ذَلِكَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَة ; وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يُنَافِي الْحِرَاسَةَ كَمَا أَنَّ إِعْلَامَ اللَّهِ نَصْرَ دِينِهِ وَإِظْهَارَهُ مَا يَمْنَعُ الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ وَإِعْدَادِ الْعُدَدِ وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ الْعِصْمَةُ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالْإِضْلَالِ أَوْ إِزْهَاقِ الرُّوحِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2673",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَعِسَ ‏ ‏عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ‏ ‏وَالْقَطِيفَةِ ‏ ‏وَالْخَمِيصَةِ ‏ ‏إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ ‏ ‏لَمْ يَرْفَعْهُ ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏وَمُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏وَزَادَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَعِسَ ‏ ‏عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ ‏ ‏الْخَمِيصَةِ ‏ ‏إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ ‏ ‏تَعِسَ ‏ ‏وَانْتَكَسَ ‏ ‏وَإِذَا ‏ ‏شِيكَ ‏ ‏فَلَا ‏ ‏انْتَقَشَ ‏ ‏طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ ‏ ‏بِعِنَانِ ‏ ‏فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏ ‏أَشْعَثَ ‏ ‏رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ فِي ‏ ‏السَّاقَةِ ‏ ‏كَانَ فِي ‏ ‏السَّاقَةِ ‏ ‏إِنْ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ ‏ ‏شَفَعَ ‏ ‏لَمْ ‏ ‏يُشَفَّعْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ { ‏فَتَعْسًا ‏ } ‏كَأَنَّهُ يَقُولُ فَأَتْعَسَهُمْ اللَّهُ ‏ { ‏طُوبَى ‏} ‏فُعْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ طَيِّبٍ وَهِيَ يَاءٌ حُوِّلَتْ إِلَى الْوَاوِ وَهِيَ مِنْ يَطِيبُ ‏",
        "sharh": "ثَانِيهمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَزَادَ لَنَا عَمْرو ) ‏ ‏اِبْن مَرْزُوقٍ هَكَذَا وَعَمْرو هُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيّ وَقَدْ صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ مِنْهُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى وَجَمِيعُ الْإِسْنَادِ سِوَاهُ مَدَنِيُّونَ وَفِيهِ تَابِعِيَّانِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَار وَأَبُو صَالِح وَالْمُرَاد بِالزِّيَادَةِ قَوْله فِي آخِرِهِ \" تَعِسَ وَانْتَكَسَ إِلَخْ \" وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيقٍ أَبِي مُسْلِم الْكَجِّيِّ وَغَيْره عَنْ عَمْرو بْن مَرْزُوق وَسَيَأْتِي مَزِيدًا لِهَذَا فِي التَّمَنِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ ) ‏ ‏الْحَدِيث سَيَأْتِي بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ وَنَذْكُرُ شَرْحَهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ \" طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ \" الْحَدِيث لِقَوْلِهِ \" إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَعِسَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْرِ الْمُهْمِلَةِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَهُوَ ضِدُّ سَعِدَ تَقُولُ تَعِسَ فُلَانٌ أَيْ شَقِيَ وَقِيلَ مَعْنَى التَّعَس الْكَبُّ عَلَى الْوَجْهِ قَالَ الْخَلِيل : التَّعَسُ أَنْ يَعْثُرَ فَلَا يَفِيقُ مِنْ عَثْرَتِهِ وَقِيلَ التَّعَسُ الشَّرُّ وَقِيلَ الْبُعْدُ وَقِيلَ الْهَلَاكُ وَقِيلَ التَّعَسُ أَنْ يَخِرَّ عَلَى وَجْهِهِ وَالنَّكَسُ أَنْ يَخِرَّ عَلَى رَأْسِهِ وَقِيلَ تَعِسَ أَخْطَأَ حُجَّتَهُ وَبُغْيَتَهُ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" وَانْتَكَسَ \" ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ عَاوَدَهُ الْمَرَضُ وَقِيلَ إِذَا سَقَطَ اِشْتَغَلَ بِسَقْطَتِهِ حَتَّى يَسْقُطَ أُخْرَى وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ \" اِنْتَكَشَ \" بِالْمُعْجَمَةِ وَفَسَّرَهُ بِالرُّجُوعِ وَجَعَلَهُ دُعَاءً لَهُ لَا عَلَيْهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ ) ‏ ‏شِيك : بِكَسْر الْمُعْجَمَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدَهَا كَافٌ وَانْتَقَشَ : بِالْقَاف وَالْمُعْجَمَةِ وَالْمَعْنَى إِذَا أَصَابَتْهُ الشَّوْكَةُ فَلَا وَجَدَ مَنْ يُخْرِجُهَا مِنْهُ بِالْمِنْقَاشِ تَقُولُ نَقَشْتُ الشَّوْكَ إِذَا اِسْتَخْرَجْتَهُ وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الْقَافِ وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ لَكِنْ مَعَ ذِكْرِ الشَّوْكَةِ تَقْوَى رِوَايَةُ الْقَافِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ عَنْ أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيّ \" وَإِذَا شِيتَ \" بِمُثَنَّاة فَوْقَانِيَّة بَدَل الْكَاف وَهُوَ تَغْيِيرٌ فَاحِشٌ وَفِي الدُّعَاءِ بِذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى عَكْسِ مَقْصُودِهِ لِأَنَّ مَنْ عَثَرَ فَدَخَلَتْ فِي رِجْلِهِ الشَّوْكَة فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُخْرِجُهَا يَصِيرُ عَاجِزًا عَنْ الْحَرَكَةِ وَالسَّعْيِ فِي تَحْصِيل الدُّنْيَا وَفِي قَوْلِهِ \" طُوبَى لِعَبْدٍ إِلَخْ \" إِشَارَةٌ إِلَى الْحَضِّ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَشْعَث ) ‏ ‏صِفَة لِعَبْدٍ وَهُوَ مَجْرُورٌ بِالْفَتْحَةِ لِعَدَمِ الصَّرْفِ وَ \" رَأْسُهُ \" بِالرَّفْعِ الْفَاعِلِ قَالَ الطِّيبِي \" أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّة قَدَّمَاهُ \" حَالَانِ مِنْ قَوْلِهِ \" لِعَبْد \" لِأَنَّهُ مَوْصُوفٌ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَجُوزُ الرَّفْعُ وَلَمْ يُوَجِّهْهُ وَقَالَ غَيْرُهُ : وَيَجُوزُ فِي أَشْعَثَ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ رَأْسٍ أَيْ رَأْسُهُ أَشْعَث وَكَذَا قَوْله \" مُغْبَرَّة قَدَمَاهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَة كَانَ فِي السَّاقَة ) ‏ ‏هَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي اِتَّحَدَ فِيهَا الشَّرْطُ وَالْجَزَاء لَفْظًا لَكِنَّ الْمَعْنَى مُخْتَلِف وَالتَّقْدِيرَ إِنْ كَانَ الْمُهِمّ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِيهَا , وَقِيلَ مَعْنَى \" فَهُوَ فِي الْحِرَاسَةِ \" أَيْ فَهُوَ فِي ثَوَاب الْحِرَاسَة وَقِيلَ هُوَ لِلتَّعْظِيمِ أَيْ إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ فَهُوَ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ وَالْمُرَاد مِنْهُ لَازِمُهُ أَيْ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِلَوَازِمِهِ وَيَكُونُ مُشْتَغِلًا بِخُوَيْصِةِ عَمِلِهِ وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيِّ : الْمَعْنَى أَنَّهُ خَامِلُ الذِّكْرِ لَا يَقْصِدُ السُّمُوَّ فَإِنْ اتَّفَقَ لَهُ السَّيْرُ سَارَ ; فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ اِسْتَمَرَّ فِيهَا وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَة اِسْتَمَرَّ فِيهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنْ اِسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ ) ‏ ‏فِيهِ تَرْكُ حُبِّ الرِّيَاسَةِ وَالشُّهْرَةِ وَفَضْلُ الْخُمُولِ وَالتَّوَاضُعِ وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَعْسًا كَأَنَّهُ يَقُولُ فَأَتْعَسَهُمْ اللَّهُ ) ‏ ‏وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَهِيَ عَلَى عَادَة الْبُخَارِيّ فِي شَرْحِ اللَّفْظَةِ الَّتِي تُوَافِقُ مَا فِي الْقُرْآنِ بِتَفْسِيرِهَا وَهَكَذَا قَالَ أَهْل التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( طُوبَى فُعْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ طَيِّبٍ وَهِيَ يَاءٌ حُوِّلَتْ إِلَى الْوَاوِ وَهُوَ مِنْ يَطِيبُ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيّ أَيْضًا وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمُرَادُ الدُّعَاءُ لَهُ بِالْجَنَّةِ لِأَنَّ طُوبَى أَشْهَرُ شَجَرِهَا وَأَطْيَبُهُ فَدَعَا لَهُ أَنْ يَنَالَهَا , وَدُخُولُ الْجَنَّةِ مَلْزُوم نَيْلِهَا. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏وَرَدَ فِي فَضْلِ الْحِرَاسَةِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيِّ مِنْهَا حَدِيث عُثْمَان مَرْفُوعًا \" حَرْسُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ يُقَامُ لَيْلُهَا وَيُصَامُ نَهَارُهَا \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ مُعَاذ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا \" مَنْ حَرَسَ وَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ مُتَطَوِّعًا لَمْ يَرَ النَّارَ بِعَيْنِهِ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ , وَحَدِيثُ أَبِي رَيْحَانَةَ مَرْفُوع \" حُرِّمَتْ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَنَحْوُهُ لِلتِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْن حَيْدَةَ وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَس وَإِسْنَادُهَا حَسَنٌ وَلِلْحَاكِمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْوُهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2674",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَحِبْتُ ‏ ‏جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَكَانَ يَخْدُمُنِي وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏إِنِّي رَأَيْتُ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏يَصْنَعُونَ شَيْئًا لَا أَجِدُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا أَكْرَمْتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ) ‏ ‏بِمُهْمِلَتَيْنِ وَقَدْ ذَكَرَ الطَّبَرَانِيّ فِي \" الْأَوْسَطِ \" أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ شُعْبَة وَهُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخٍ الْبُخَارِيّ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ الْبَاقُونَ بِوَاسِطَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( صَحِبَتُ جَرِيرَ بْنِ عَبْدِ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَلَيٍّ عَنْ مُحَمَّد بْن عَرْعَرَةَ \" خَرَجَ مَعَ جَرِير بْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيِّ فِي سَفَر \". ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ يَخْدُمُنِي وَهُوَ أَكْبَرُ مَنْ أَنِسٍ ) ‏ ‏فِيهِ اِلْتِفَات أَوْ تَجْرِيد لِأَنَّهُ قَالَ \" مِنْ أَنِس \" وَلَمْ يَقُلْ مِنِّي وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمَثْنَى عَنْ اِبْنِ عَرْعَرَة \" وَكَانَ جَرِير أَكْبَرَ مِنْ أَنَس \" وَلَعَلَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مِنْ قَوْلِ ثَابِتٍ وَزَادَ مُسْلِم عَنْ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ \" فَقُلْت لَا تَفْعَل \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَصْنَعُونَ شَيْئًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ نَصْرٍ \" يَصْنَعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا \" أَيْ مِنْ التَّعْظِيمِ وَأَبْهَمَ ذَلِكَ مُبَالَغَة فِي تَكْثِيرِ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا أَجِدُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا أَكْرَمْتُهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ نَصْرٍ \" آلَيْتُ - أَيْ حَلَفْتُ - أَنْ لَا أَصْحَب أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا خَدْمَتُهُ \" وَفِي رِوَايَةٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْنِ عَرْعَرَةَ \" لَا أَزَالُ أُحِبُّ الْأَنْصَارَ \" وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الْأَنْصَارِ وَفَضْلُ جَرِير وَتَوَاضُعُهُ وَمَحَبَّتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ فِي غَيْرِ مَظِنَّتِهَا , وَأَلْيَقُ الْمَوَاضِعِ بِهَا الْمَنَاقِب. ‏"
    },
    {
        "id": "2675",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏أَخْدُمُهُ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَاجِعًا وَبَدَا لَهُ ‏ ‏أُحُدٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ ‏ ‏لَابَتَيْهَا ‏ ‏كَتَحْرِيمِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ‏ ‏صَاعِنَا ‏ ‏وَمُدِّنَا ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَنَسٍ أَيْضًا \" خَرَجَتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ أَخْدِمُهُ \" وَسَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ بَعْدَ بَابَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2676",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّاءَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَكْثَرُنَا ظِلًّا الَّذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا ‏ ‏الرِّكَابَ ‏ ‏وَامْتَهَنُوا ‏ ‏وَعَالَجُوا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَنَسٍ أَيْضًا : وَعَاصِمٌ هُوَ اِبْن سُلَيْمَانَ وَمُوَرِّقٌ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ , وَهُمَا تَابِعِيَّانِ فِي نَسَق وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَاصِمٍ \" فِي سَفَرٍ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ قَالَ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَكْثَرُنَا ظِلًّا مَنْ يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ \" وَأَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ \" وَزَادَ \" وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَصْنَعُوا شَيْئًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَسَقَطَ الصُّوَّام أَيْ عَجَزُوا عَنْ الْعَمَلِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ ) ‏ ‏أَيْ أَثَارُوا الْإِبِل لِخِدْمَتِهَا وَسَقْيِهَا وَعَلَفِهَا , وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" فَضَرَبُوا الْأَخْبِيَةَ وَسَقَوْا الرِّكَابَ \". ‏ ‏قَوْله : ( بِالْأَجْرِ ) ‏ ‏أَيْ الْوَافِرِ وَلَيْسَ الْمُرَاد نَقْص أَجْر الصُّوَّام بَلْ الْمُرَاد أَنَّ الْمُفْطِرِينَ حَصَلَ لَهُمْ أَجْرُ عَمَلِهِمْ وَمِثْلُ أَجْرِ الصُّوَّامِ لِتَعَاطِيهمْ أَشْغَالَهَمْ وَأَشْغَالَ الصُّوَّامِ فَلِذَلِكَ قَالَ \" بِالْأَجْرِ كُلِّهِ \" لِوُجُودِ الصِّفَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِتَحْصِيلِ الْأَجْرِ مِنْهُمْ قَالَ اِبْن أَبِي صُفْرَة : فِيهِ أَنَّ أَجْرَ الْخِدْمَةِ فِي الْغَزْوِ أَعْظَمَ مِنْ أَجْرِ الصِّيَامِ. قُلْت : وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى الْمُعَاوَنَةِ فِي الْجِهَادِ وَعَلَى أَنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ أَوْلَى مِنْ الصِّيَامِ وَأَنَّ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ جَائِز خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا يَنْعَقِدُ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ كَوْنِهِ إِذْ ذَاكَ كَانَ صَوْم فَرْضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِي غَيْر مَظِنَّتِهَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الصِّيَامِ وَاقْتَصَرَ عَلَى إِيرَادِهِ هُنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2677",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُلُّ ‏ ‏سُلَامَى ‏ ‏عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْن نَصْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن نَصْر نُسِبَ لِجَدِّهِ السَّعْدِيِّ وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ وَفَتْحِ أَوَّلِهِ وَقِيلَ بِالضَّمِّ وَالْمُعْجَمَة. ‏ ‏وَقَوْلُهُ ( كُلَّ يَوْمٍ ) ‏ ‏مَنْصُوب عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ : ( يُعِينُ ) ‏ ‏يَأْتِي تَوْجِيهُهُ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ : ( يُحَامِلُهُ ) ‏ ‏أَيْ يُسَاعِدُهُ فِي الرُّكُوبِ وَفِي الْحَمْلِ عَلَى الدَّابَّةِ قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : وَبَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي \" بَابِ مَنْ أَخَذَ بِالرِّكَابِ \" أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ أَعَانَ صَاحِبَ الدَّابَّةِ عَلَيْهَا حَيْثُ قَالَ \" وَيُعِينُ الرَّجُل عَلَى دَابَّتِهِ \" قَالَ : وَإِذَا أَجَّرَ مَنْ فَعَل ذَلِكَ بِدَابَّة غَيْرِهِ فَإِذَا حَمَلَ غَيْرَهُ عَلَى دَابَّةِ نَفْسِه اِحْتِسَابًا كَانَ أَعْظَم أَجْرًا. ‏ ‏وَقَوْله : ( دَلُّ الطَّرِيقِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الدَّالِّ أَيْ بَيَانُهُ لِمَنْ اِحْتَاجَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِمَعْنَى الدَّلَالَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2678",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا النَّضْرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رِبَاطُ ‏ ‏يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا ‏ ‏وَالرَّوْحَةُ ‏ ‏يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ‏ ‏الْغَدْوَةُ ‏ ‏خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ ) ‏ ‏هُوَ هَاشِم بْن الْقَاسِم وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ سَمِعَ وَهِيَ تُحْذَفُ مِنْ الْخَطِّ كَثِيرًا. ‏ ‏قَوْله : ( خَيْر مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ هَذَا مُخْتَصَرًا بِلَفْظ \" وَمَا فِيهَا \" وَالتَّعْبِير بِقَوْلِهِ \" وَمَا عَلَيْهَا \" أَبْلَغُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ هُنَاكَ فِي حَدِيثِ الرَّوْحَةِ وَالْغَدْوَةِ وَكَذَا عَلَى حَدِيث \" مَوْضِع سَوْطِ أَحَدِكُمْ \" لَكِنْ مِنْ حَدِيثِ أَنَس وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ سَهْل بْن سَعْد أَيْضًا فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيّ وَابْنِ حِبَّانَ \" رِبَاطُ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَة خَيْر مِنْ صِيَامِ شَهْر وَقِيَامَه \" وَلِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ عَنْ عُثْمَان \" رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْر مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ \" قَالَ اِبْن بَزِيزَةَ : وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْإِعْلَامِ بِالزِّيَادَةِ فِي الثَّوَابِ عَنْ الْأَوَّلِ أَوْ بِاخْتِلَافِ الْعَامِلِينَ. ‏ ‏قُلْت : أَوْ بِاخْتِلَافِ الْعَمَلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ وَلَا يُعَارِضَانِ حَدِيث الْبَابِ أَيْضًا لِأَنَّ صِيَامَ شَهْر وَقِيَامَهُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2679",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِأَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏الْتَمِسْ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَخَرَجَ بِي ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏مُرْدِفِي وَأَنَا غُلَامٌ رَاهَقْتُ ‏ ‏الْحُلُمَ ‏ ‏فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا نَزَلَ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ ‏ ‏وَضَلَعِ ‏ ‏الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ ثُمَّ قَدِمْنَا ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ ‏ ‏وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِنَفْسِهِ فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا ‏ ‏سَدَّ الصَّهْبَاءِ ‏ ‏حَلَّتْ فَبَنَى بِهَا ثُمَّ صَنَعَ ‏ ‏حَيْسًا ‏ ‏فِي ‏ ‏نِطَعٍ ‏ ‏صَغِيرٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏صَفِيَّةَ ‏ ‏ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ فَتَضَعُ ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏نَظَرَ إِلَى ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ثُمَّ نَظَرَ إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ ‏ ‏لَابَتَيْهَا ‏ ‏بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ) ‏ ‏قِيلَ هُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَا مَانِعَ مِنْ وُقُوعٍ مِثْلِ ذَلِكَ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الْمَحَبَّةَ فِي بَعْضِ الْجَمَادَاتِ وَقِيلَ هُوَ عَلَى الْمَجَازِ وَالْمُرَادُ أَهْلُ أُحُد عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ وَقَالَ الشَّاعِرِ : ‏ ‏وَمَا حُبّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلْبِي ‏ ‏وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَن الدِّيَارَا ‏"
    },
    {
        "id": "2680",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَتْنِي ‏ ‏أُمُّ حَرَامٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَوْمًا فِي بَيْتِهَا فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُضْحِكُكَ قَالَ ‏ ‏عَجِبْتُ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ أَنْتِ مِنْهُمْ ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَيَقُولُ أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ فَتَزَوَّجَ بِهَا ‏ ‏عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ‏ ‏فَخَرَجَ بِهَا إِلَى الْغَزْوِ فَلَمَّا رَجَعَتْ قُرِّبَتْ دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَوَقَعَتْ فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ وَقَدْ سَبَقَ الْحَدِيثُ قَرِيبًا وَأَنَّ شَرْحَهُ سَيَأْتِي فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَانِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2681",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ رَأَى ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ ) ‏ ‏أَيْ أَبُو مُصَرِّفٍ. ‏ ‏وَقَوْله : ( عَنْ طَلْحَةَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْنِ مُصَرِّفٍ وَهُوَ وَالِدُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ الرَّاوِي عَنْهُ ‏ ‏وَ \" مُصْعَب بْن سَعْد \" ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏وَقَوْله : ( رَأَى سَعْدَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ وَالِد مُصَعَب الرَّاوِي عَنْهُ ثُمَّ إِنَّ صُورَةَ هَذَا السِّيَاق مُرْسَل لِأَنَّ مُصْعَبًا يُدْرِكُ زَمَان هَذَا الْقَوْل لَكِنْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ أَبِيهِ وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ عَنْ مُصْعَبٍ بِالرِّوَايَةِ لَهُ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذ بْن هَانِئ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن طَلْحَة فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْمَرْفُوع دُونَ مَا فِي أَوَّلِهِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقٍ مِسْعَرٍ عَنْ طَلْحَة بْن مُصَرِّف عَنْ مُصْعَب عَنْ أَبِيهِ وَلَفْظُهُ \" أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ \" الْحَدِيثُ وَرَوَاهُ عَمْرو بْن مُرَّةَ عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا أَيْضًا لَكِنَّهُ اِخْتَصَرَهُ وَلَفْظُهُ \" يُنْصُرُ الْمُسْلِمُونَ بِدُعَاءِ الْمُسْتَضْعَفِينَ \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي تَرْجَمَتِهِ فِي \" الْحِلْيَةِ \" مِنْ رِوَايَةِ عَبْد السَّلَام بْن حَرْبٍ عَنْ أَبِي خَالِد الدَّالَانِيّ عَنْ عَمْرو بْن مُرَّةَ وَقَالَ : غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْروٍ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْد السَّلَام. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَى أَيْ ظَنَّ وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَائِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى مَنْ دُونَهُ ) ‏ ‏زَاد النَّسَائِيّ \" مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَيْ بِسَبَبِ شَجَاعَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ \" إِنَّمَا نَصَرَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعَفَتِهِمْ بِدَعَوَاتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ \" وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ بِلَفْظِ \" إِنَّمَا تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ بِضُعَفَائِكُمْ \" قَالَ اِبْن بَطَّال : تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّ الضُّعَفَاءَ أَشَدُّ إِخْلَاصًا فِي الدُّعَاءِ وَأَكْثَرُ خُشُوعًا فِي الْعِبَادَةِ لِخَلَاءِ قُلُوبِهِمْ عَنْ التَّعَلُّقِ بِزُخْرُفِ الدُّنْيَا وَقَالَ الْمُهَلَّب : أَرَادَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ حَضَّ سَعْدٍ عَلَى التَّوَاضُعِ وَنَفْي الزَّهْوِ عَلَى غَيْرِهِ وَتَرْكِ اِحْتِقَارِ الْمُسْلِمِ فِي كُلِّ حَالَةٍ , وَقَدْ رَوَى عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيقٍ مَكْحُولٍ فِي قِصَّة سَعْد هَذِهِ زِيَادَةٌ مَعَ إِرْسَالِهَا فَقَالَ \" قَالَ سَعْد يَا رَسُول اللَّهِ أَرَأَيْت رَجُلًا يَكُونُ حَامِيَةَ الْقَوْمِ وَيَدْفَعُ عَنْ أَصْحَابِهِ أَيُكُونُ نَصِيبُه كَنَصِيبِ غَيْرِهِ \" ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِالْفَضْلِ إِرَادَةُ الزِّيَادَةِ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَأَعْلَمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ سِهَامَ الْقَاتِلَةِ سَوَاءٌ فَإِنْ كَانَ الْقَوِيّ يَتَرَجَّحُ بِفَضْلِ شَجَاعَتِهِ فَإِنَّ الضَّعِيفَ يَتَرَجَّحُ بِفَضْلِ دُعَائِهِ وَإِخْلَاصِهِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ السِّرُّ فِي تَعَقُّبِ الْمُصَنِّفِ لَهُ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيد الثَّانِي. ‏"
    },
    {
        "id": "2682",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَأْتِي زَمَانٌ يَغْزُو ‏ ‏فِئَامٌ ‏ ‏مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيُقَالُ نَعَمْ فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ ‏ ‏أَصْحَابَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيُقَالُ نَعَمْ فَيُفْتَحُ ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ صَاحِبَ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيُقَالُ نَعَمْ فَيُفْتَحُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْروٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار ‏ ‏وَجَابِر ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عَبْد اللَّه وَرِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي سَعِيد مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَغْزُو فِئَامٌ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَبِهَمْزَةٍ عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ وَيَجُوزُ تَسْهِيلهَا أَيْ جَمَاعَةٌ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَفَضَائِل الصَّحَابَة قَالَ اِبْن بَطَّال : هُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَر \" خَيْرُكُمْ قَرْنِيّ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ \" لِأَنَّهُ يُفْتَحُ لِلصَّحَابَةِ لِفَضْلِهِمْ ثُمَّ لِلتَّابِعِينَ لِفَضْلِهِمْ لِتَابِعيِهِمْ لِفَضْلِهِمْ قَالَ وَلِذَلِكَ كَانَ الصَّلَاحُ وَالْفَضْلُ وَالنَّصْرُ لِلطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ أَقَلُّ فَكَيْفَ بِمَنْ بَعَدَهُمْ وَاللَّه الْمُسْتَعَان. ‏"
    },
    {
        "id": "2683",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي ‏ ‏أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ ‏ ‏شَاذَّةً ‏ ‏وَلَا ‏ ‏فَاذَّةً ‏ ‏إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ فَقَالَ مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ ‏ ‏فُلَانٌ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ الْقَوْمِ أَنَا صَاحِبُهُ قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ ‏ ‏وَذُبَابَهُ ‏ ‏بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَقُلْتُ أَنَا لَكُمْ بِهِ فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الْأَرْضِ ‏ ‏وَذُبَابَهُ ‏ ‏بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَ ذَلِكَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي قِصَّةِ الَّذِي بَالَغَ فِي الْقِتَالِ حَتَّى قَالَ الْمُسْلِمُونَ : مَا أَجَزَّأَ أَحَد مَا أَجَزَّأَ ثُمَّ كَانَ آخِرَ أَمْرِهِ أَنَّ قَتْلَ نَفْسِهِ وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفً فِي الْمَغَازِي حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف وَوَجْهُ أَخْذِ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ أَنَّهُمْ شَهِدُوا رُجْحَانَهُ فِي أَمْرِ الْجِهَادِ فَلَوْ كَانَ قُتِلَ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَشْهَدُوا لَهُ بِالشَّهَادَةِ وَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُقَاتِلْ لِلَّهِ وَإِنَّمَا قَاتَلَ غَضَبًا لِقَوْمِهِ فَلَا يُطْلَقُ عَلَى كُلّ مَقْتُولٍ فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ شَهِيدٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ هَذَا وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ يُعْطَى حُكْمَ الشُّهَدَاءِ فِي الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ وَلِذَلِكَ أَطْبَقَ السَّلَف عَلَى تَسْمِيَةِ الْمَقْتُولِينَ فِي بَدْرٍ وَأُحُد وَغَيْرِهِمَا شُهَدَاء وَالْمُرَاد بِذَلِكَ الْحُكْمُ الظَّاهِر الْمَبْنِيّ عَلَى الظَّنِّ الْغَالِبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوِى سَعِيد بْن مَنْصُور بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ \" لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَبُوكَ قَالَ : لَا يَخْرُجُ مَعَنَا إِلَّا مُقَوَّىً فَخَرَجَ رَجُلٌ عَلَى بَكْرٍ ضَعِيف فُوقِصَ فَمَاتَ فَقَالَ النَّاس : الشَّهِيدُ الشَّهِيدُ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا بِلَال نَادِ إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا عَاصٍ \" وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الشَّهِيدَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ \" وَلَمْ يَتَبَيَّنْ مِنْهُ إِلَّا قَتْلَ نَفْسِهِ وَهُوَ بِذَلِكَ عَاصٍ لَا كَافِر لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِطَّلَعَ عَلَى كُفْرِهِ فِي الْبَاطِنِ أَوْ أَنَّهُ اِسْتَحَلَّ قَتْلَ نَفْسِهِ وَقَدْ يُتَعَجَّبُ مِنْ الْمُهَلَّبِ حَيْثُ قَالَ : إِنْ حَدِيثَ الْبَابِ ضِدُّ مَا تَرْجَمَ بِهِ الْبُخَارِيّ لِأَنَّهُ قَالَ \" لَا يُقَالُ فَلَانَ شَهِيد \" وَالْحَدِيث فِيهِ ضِدُّ الشَّهَادَةِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَأَمَّلْ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا قَرَّرْتُهُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2684",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى نَفَرٍ مِنْ ‏ ‏أَسْلَمَ ‏ ‏يَنْتَضِلُونَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ارْمُوا ‏ ‏بَنِي إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا وَأَنَا مَعَ ‏ ‏بَنِي فُلَانٍ ‏ ‏قَالَ فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ قَالُوا كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَعِ ‏ ‏قَوْله : ( مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ بَنِي أَسْلَمَ الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة وَهِيَ بِلَفْظ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ مِنْ السَّلَامَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَنْتَضِلُونَ ) ‏ ‏بِالضَّاد الْمِعْجَنَة أَيْ يَتَرَامونَ وَالتَّنَاضُل التَّرَامِي لِلسَّبْقِ وَفَضُلَ فَلَانٌ فَلَانَا إِذَا غَلَبَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانِ ) ‏ ‏فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ عِنْدَ اِبْنِ حِبَّانَ وَالْبَزَّارِ \" وَأَنَا مَعَ اِبْنِ الْأَذْرَعِ \" اِنْتَهَى وَاسْم اِبْنِ الْأَذْرَعِ مِحْجَنٌ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ حَمْزَة بْن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْد الطَّبَرَانِيّ قَالَ فِيهِ \" وَأَنَا مَعَ مِحْجَنِ بْنِ الْأَذْرَعِ \" وَمَثَلُهُ فِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ أَخْرَجَهُ السَّرَاجُ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ اِبْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْهُ وَهُوَ صَحَابِيٌّ مَعْرُوفٌ لَهُ حَدِيثٌ آخَرُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ لِلْبُخَارِيِّ وَفِي أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَقِيلَ اِسْمُ اِبْنِ الْأَذْرَعِ سَلَمَةُ حَكَاهُ اِبْنُ مَنْدَهْ قَالَ : وَالْأَذْرَعُ لَقَبٌ وَاسْمهُ ذَكْوَانُ وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالُوا كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ ) ‏ ‏اِسْم قَائِلِ ذَلِكَ مِنْهُمْ نَضْلَةُ الْأَسْلَمِيّ ذَكَرَهُ اِبْنُ إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَنْ سُفْيَانَ بْنِ فَرْوَة الْأَسْلَمِيّ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ قَالُوا \" بَيْنَا مِحْجَنُ بْنُ الْأَذْرعِ يُنَاضِلُ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهُ نَضْلَةُ فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَقَالَ نَضْلَةُ وَأَلْقَى قَوْسَهُ مِنْ يَدِهِ : وَاللَّه لَا أَرْمِي مَعَهُ وَأَنْتَ مَعَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّامِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُرْوَة \" وَأَنَا مَعَ جَمَاعَتِكُمْ \" وَالْمُرَاد بِالْمَعِيَّةِ مَعِيَّةُ الْقَصْدِ إِلَى الْخَيْرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَامَ مَقَامَ الْمُحَلِّلِ فَيَخْرُج السَّبْقُ مِنْ عِنْدِهِ وَلَا يَخْرُجُ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ خَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْإِمَامِ قَالَ الْمُهَلَّب يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ صَارَ السُّلْطَان عَلَيْهِ فِي جُمْلَةِ الْمُنَاضِلِينَ لَهُ أَنْ لَا يَتَعَرَّض لِذَلِكَ كَمَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ حَيْثُ أَمْسَكُوا لِكَوْنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ خَشْيَةَ أَنْ يَغْلِبُوهُمْ فَيَكُون النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ الْغَلَب فَأَمْسَكُوا عَنْ ذَلِكَ تَأَدُّبًا مَعَهُ اِنْتَهَى. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي أَمْسَكُوا لَهُ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي هَذَا بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَمْسَكُوا لَمَّا اِسْتَشْعَرُوا مِنْ قُوَّةِ قُلُوبِ أَصْحَابِهِمْ بِالْغَلَبَةِ حَيْثُ صَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْوُجُوهِ الْمُشْعِرَةِ بِالنَّصْرِ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمْزَةَ بْن عَمْرو عِنْد الطَّبَرَانِيّ \" فَقَالُوا مَنْ كُنْتُ مَعَهُ فَقَدْ غَلَبَ \" وَكَذَا فِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاق \" فَقَالَ نَضْلَةُ : لَا نَغْلِبُ مَنْ كُنْتَ مَعَهُ \" وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْيَمَنَ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَيَأْتِي فِي مَنَاقِبِ قُرَيْش مِنْ أَنَّهُ اِسْتِدْلَالٌ بِالْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ وَفِيهِ أَنَّ الْجَدَّ الْأَعْلَى يُسَمَّى أَبًا وَفِيهِ التَّنْوِيهُ بِذِكْرِ الْمَاهِرِ فِي صِنَاعَتِهِ بِبَيَانِ فَضْلِهِ وَتَطْيِيب قُلُوب مَنْ هُمْ دُونَهُ وَفِيهِ حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْرِفَته بِأُمُورِ الْحَرْبِ وَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى اِتِّبَاع خِصَال الْآبَاءِ الْمَحْمُودَةِ وَالْعَمَلِ بِمِثْلِهَا وَفِيهِ حُسْن أَدَبِ الصَّحَابَةِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2685",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏حِينَ صَفَفَنَا ‏ ‏لِقُرَيْشٍ ‏ ‏وَصَفُّوا لَنَا ‏ ‏إِذَا ‏ ‏أَكْثَبُوكُمْ ‏ ‏فَعَلَيْكُمْ بِالنَّبْلِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي أُسَيْدٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ السَّرْخَسِيّ وَحْدَهُ بِفَتْحِهَا وَهُوَ خَطَأٌ ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" إِذَا أَكْثَبُوكُمْ \" ‏ ‏كَذَا فِي نُسَخِ الْبُخَارِيّ بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ وَالْكَثَبُ بِفَتْحَتَيْنِ الْقُرْبُ فَالْمَعْنَى إِذَا دَنَوْا مِنْكُمْ وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الَّذِي يَلِيقُ بِالدُّنُوِّ الْمُطَاعَنَةُ بِالرُّمْحِ وَالْمُضَارَبَةُ بِالسَّيْفِ وَأَمَّا الَّذِي يَلِيقُ بِرَمْيِ النَّبْلِ فَالْبُعْدُ وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ مَعْنَى أَكْثَبُوكُمْ كَاثَرُوكُمْ قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ النَّبْلَ إِذَا رُمِي فِي الْجَمْعِ لَمْ يُخْطِئْ غَالِبًا فَفِيهِ رَدْعٌ لَهُمْ وَقَدْ تُعُقِبَّ هَذَا التَّفْسِير بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ وَتَفْسِيرُ الْكَثَبِ بِالْكَثْرَةِ غَرِيبٌ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَدْ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد حَيْثُ زَادَ فِي آخِرِهِ \" وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ \" وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ \" وَلَا تَسُلُّوا السُّيُوف حَتَّى يَغْشَوْكُمْ \" فَظَهَرَ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِتَرْك الرَّمْي وَالْقِتَالِ حَتَّى يَقْرُبُوا لِأَنَّهُمْ إِذَا رَمَوْهُمْ عَلَى بُعْدٍ قَدْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِمْ وَتَذْهَبُ فِي غَيْرِ مَنْفَعَةٍ وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ \" وَاسْتَبْقُوْا نَبْلَكُمْ \" وَعَرَّفَ بِقَوْلِهِ \" وَلَا تَسُلُّوا السُّيُوف حَتَّى يَغْشَوْكُمْ \" أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْبِ الْمَطْلُوبِ فِي الرَّمْيِ قُرْبٌ نِسْبِىٌّ بِحَيْثُ تَنَالُهُمْ السِّهَام لِأَقْرَب قَرِيب بِحَيْثُ يَلْتَحِمُونَ مَعَهُمْ وَالنَّبْلُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ نَبْلَة وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى نِبَالِ وَهِيَ السِّهَامُ الْعَرَبِيَّةُ اللِّطَافِ ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ اِخْتِلَافٌ سَأُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "2686",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا ‏ ‏الْحَبَشَةُ ‏ ‏يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِحِرَابِهِمْ دَخَلَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَأَهْوَى إِلَى الْحَصَى ‏ ‏فَحَصَبَهُمْ ‏ ‏بِهَا فَقَالَ دَعْهُمْ يَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" بَيْنَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْحَدِيثُ وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذِكْرُ الْحِرَابَ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي \" بَابِ أَصْحَابِ الْحِرَابِ فِي الْمَسْجِدِ \" مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَذَكَرْنَا فَوَائِدَهُ هُنَاكَ وَفِي كِتَاب الْعِيدَيْنِ قَالَ اِبْنَ التِّينِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَمُرُ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ رَآهُمْ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ رَآهُمْ وَاسْتَحْيَا أَنْ يَمْنَعَهُمْ وَهَذَا أَوْلَى لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ \" وَهُمْ يَلْعَبُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". قُلْت : وَهَذَا لَا يَمْنَعُ الِاحْتِمَال الْمَذْكُورَ أَوَّلًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنْكَارُهُ لِهَذَا شَبِيه إِنْكَارِهِ عَلَى الْمُغَنِّيَتَيْنِ وَكَانَ مِنْ شِدَّتِهِ فِي الدِّينِ يُنْكِرُ خِلَافَ الْأُولَى وَالْجِدّ فِي الْجُمْلَةِ أَوْلَى مِنْ اللَّعِبِ الْمُبَاحِ وَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ بِصَدَدِ بَيَانِ الْجَوَازِ ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" زَادَ عَلَيٌّ حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِهَنِيّ \" زَادَنَا عَلَيٌّ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2687",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏يَتَتَرَّسُ ‏ ‏مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِتُرْسٍ ‏ ‏وَاحِدٍ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏حَسَنَ الرَّمْيِ فَكَانَ إِذَا رَمَى تَشَرَّفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ نَبْلِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" كَانَ أَبُو طَلْحَة يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتُرْسٍ وَاحِدٍ \" الْحَدِيث أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَسَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي الْمَنَاقِبِ فِي غَزْوَةِ أُحُد قِيلَ إِنَّ الرَّامِيَ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَسْتُرُهُ لِشَغْلِهِ يَدَيْهِ جَمِيعًا بِالرَّمْي فَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْرُسُهُ بِتُرْسِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2688",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كُسِرَتْ ‏ ‏بَيْضَةُ ‏ ‏النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى رَأْسِهِ وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ ‏ ‏رَبَاعِيَتُهُ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏يَخْتَلِفُ بِالْمَاءِ فِي ‏ ‏الْمِجَنِّ ‏ ‏وَكَانَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏تَغْسِلُهُ فَلَمَّا رَأَتْ الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى الْمَاءِ كَثْرَةً عَمَدَتْ إِلَى حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا وَأَلْصَقَتْهَا عَلَى جُرْحِهِ ‏ ‏فَرَقَأَ ‏ ‏الدَّمُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ سَهْلٍ وَهُوَ اِبْنُ سَعْدٍ \" لَمَّا كُسِرَتْ بَيْضَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِهِ \" الْحَدِيثِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُه \" وَكَانَ عَلِيّ يَخْتَلِفُ بِالْمَاءِ فِي الْمِجَنِّ \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ طَرِيق أُخْرَى قَرِيبًا وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي غَزْوَةِ أُحُد إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2689",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ أَمْوَالُ ‏ ‏بَنِي النَّضِيرِ ‏ ‏مِمَّا ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِمَّا لَمْ ‏ ‏يُوجِفْ ‏ ‏الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا ‏ ‏رِكَابٍ ‏ ‏فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَاصَّةً وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عُمَرَ \" كَانَتْ أَمْوَال بَنِي النَّضِير مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَى رَسُولِهِ \" الْحَدِيثِ ذَكَرَ مِنْهُ طَرَفًا وَسَيَأْتِي شَرْحُه مُسْتَوْفًى فِي كِتَابٍ فَرْضِ الْخُمُسِ وَفِي الْفَرَائِضِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ هُنَا \" ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ عِدَّةً لِأَنَّ الْمِجَنَّ مِنْ جُمْلَةِ آلَاتِ السِّلَاح كَمَا رَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ اِبْن عُمَر \" أَنَّهُ كَانَتْ عِنْدَهُ دَرَقَةٌ فَقَالَ : لَوْلَا أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِي اِحْبِسْ سِلَاحَك لَأَعْطَيْت هَذِهِ الدَّرَقَة لِبَعْص أَوْلَادِي \". ‏"
    },
    {
        "id": "2690",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُفَدِّي رَجُلًا بَعْدَ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ \" اِرْمِ فَدَاك أَبِي وَأُمِّي \" وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفىً فِي الْمَنَاقِبِ وَفِي غَزْوَةِ أُحُد ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" حَدَّثَنَا قَبِيصَة \" ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏وَسُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ وَزَعَمَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" أَنَّ لَفْظ قَبِيصَة هُنَا تَصْحِيف مِمَّنْ دَوَّنَ الْبُخَارِيّ وَأَنَّ الصَّوَابَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَعَلَى هَذَا فَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ لِأَنَّ قُتَيْبَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ الثَّوْرِيِّ لَكِنْ لَا أَعْرِفُ لِإِنْكَارِهِ مَعْنًى إِذْ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ السُّفْيَانَيْنِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِي هُنَا عَنْ مُسَدَّد عَنْ يَحْيَى أَيْضًا وَدُخُول هَذَا الْحَدِيث هُنَا غَيْر ظَاهِرٍ لِأَنَّهُ لَا يُوَافِقُ وَاحِدًا مِنْ رُكْنَيْ التَّرْجَمَة وَقَدْ أَثْبَتَ اِبْن شَبُّويَةَ فِي رِوَايَتِهِ قَبْلَهُ لَفْظ \" بَاب \" بِغَيْرِ تَرْجَمَة وَلَهُ مُنَاسَبَةٌ بِالتَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْلَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الرَّامِيَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ شَيْءٍ يَقِي بِهِ عَنْ نَفْسِهِ سِهَامَ مَنْ يُرَامِيه وَفِي حَدِيثِ عَلِيّ جَوَاز التَّفْدِيَة وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ وَبَيَان مَا يُعَارِضُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2691",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعِنْدِي ‏ ‏جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ ‏ ‏بُعَاثَ ‏ ‏فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ فَدَخَلَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏دَعْهُمَا فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا قَالَتْ وَكَانَ يَوْمُ عِيدٍ يَلْعَبُ ‏ ‏السُّودَانُ ‏ ‏بِالدَّرَقِ ‏ ‏وَالْحِرَابِ فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَإِمَّا قَالَ تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ فَقَالَتْ نَعَمْ فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَيَقُولُ دُونَكُمْ ‏ ‏بَنِي أَرْفِدَةَ ‏ ‏حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ حَسْبُكِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَاذْهَبِي ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ وَهْبٍ ‏ ‏فَلَمَّا غَفَلَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَافِ \" وَأَغْفَلَ ذَلِكَ فِي \" التَّهْذِيبِ \" وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْعِيدَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ عَنْ اِبْنِ وَهْبٍ وَبَيَّنَتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ فِي أَبِيهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْبَابِ \" قَالَ أَحْمَدُ \" يَعْنِي عَنْ اِبْنِ وَهْبٍ بِهَذَا السَّنَدِ ‏ ‏وَقَوْلُهُ فِيهِ \" فَقَالَ دَعْهُمَا فَلَمَّا غَفَلَ غَمْزَتُهُمَا فَخَرَجَتَا \" ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ \" عَمَدَ \" بَدَلَ \" غَفَلَ \" وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيّ قَالَ عِيَاض : وَرِوَايَة الْأَكْثَر هِيَ الْوَجْه. ‏"
    },
    {
        "id": "2692",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ ‏ ‏أَهْلُ الْمَدِينَةِ ‏ ‏لَيْلَةً فَخَرَجُوا نَحْوَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ ‏ ‏اسْتَبْرَأَ ‏ ‏الْخَبَرَ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ ‏ ‏لِأَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عُرْيٍ وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ ‏ ‏لَمْ ‏ ‏تُرَاعُوا ‏ ‏لَمْ ‏ ‏تُرَاعُوا ‏ ‏ثُمَّ قَالَ وَجَدْنَاهُ ‏ ‏بَحْرًا ‏ ‏أَوْ قَالَ إِنَّهُ ‏ ‏لَبَحْرٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَابِ الْفَرَسِ الْعَرِي \" وَ \" بَاب الشَّجَاعَةِ فِي الْحَرْبِ \" وَسِيَاقه هُنَا أَتَمّ وَسَبَقَ شَرْحه فِي الْهِبَةِ وَالْغَرَضِ مِنْهُ هُنَا قَوْله \" وَفِي عُنُقِهِ السَّيْف \" فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ \" لَمْ تُرَاعُوا \" وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيِّ والْكُشْمِهَنِيّ مَرَّتَيْنِ قَالَ اِبْن الْمُنِير : مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ مِنْ هَذِهِ التَّرَاجِمِ أَنْ يُبَيِّنَ زِيّ السَّلَف فِي آلَةِ الْحَرْبِ وَمَا سَبَقَ اِسْتِعْمَاله فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَكُونَ أَطْيَب لِلنَّفْسِ وَأَنْفَى لِلْبِدْعَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2693",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا أُمَامَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَقَدْ فَتَحَ الْفُتُوحَ قَوْمٌ مَا كَانَتْ حِلْيَةُ سُيُوفِهِمْ الذَّهَبَ وَلَا الْفِضَّةَ إِنَّمَا كَانَتْ حِلْيَتُهُمْ ‏ ‏الْعَلَابِيَّ ‏ ‏وَالْآنُكَ ‏ ‏وَالْحَدِيدَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَتُ سُلَيْمَان بْن حَبِيب ) ‏ ‏هُوَ الْمُحَارِبِيّ قَاضِي دِمَشْقَ فِي زَمَنِ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَغَيْره وَمَاتَ سَنَة عِشْرِينَ أَوْ بَعْدَهَا وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ فَتَحَ الْفُتُوح قَوْم ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ لِتَحْدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بِذَلِكَ سَبَب وَهُوَ \" دَخَلْنَا عَلَى أَبِي أُمَامَةَ فَرَأَى فِي سُيُوفِنَا شَيْئًا مِنْ حِلْيَة فِضَّة فَغَضِبَ وَقَالَ \" فَذَكَرَهُ وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بِحِمْصٍ وَزَادَ فِيهِ \" لَأَنْتُمْ أَبْخَلُ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ الرَّجُل مِنْكُمْ الدِّرْهَمَ يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِسَبْعمِائَةٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُمْسِكُونَ \" وَأَخْرَجَهُ هِشَام بْن عَمَّار فِي فَوَائِدِهِ وَالطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيقِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُلَيْمَانَ اِبْن حَبِيب قَالَ نَزَلْنَا حِمْص قَافِلِينَ مِنْ الرُّومِ فَإِذَا عَبْد اللَّه بْن أَبَى زَكَرِيَّا وَمَكْحُول فَانْطَلَقْنَا إِلَى أَبِي أُمَامَةَ فَإِذَا شَيْخٌ هَرِمٌ فَلَمَّا تَكَلَّمَ إِذَا رَجُل يَبْلُغُ حَاجَتَهُ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ وَأَنْتُمْ تُبَلِّغُونَ عَنَّا ثُمَّ نَظَرَ إِلَى سُيُوفِنَا فَإِذَا فِيهَا شَيْء مِنْ الْفِضَّةِ فَغَضِبَ حَتَّى اِشْتَدَّ غَضَبُهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( الْعَلَابِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْلَة وَتَخْفِيفِ اللَّام وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْع عِلْبَاء بِسُكُونِ اللَّامِ وَقَدْ فَسَّرَهُ الْأَوْزَاعِيّ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" فَقَالَ : الْعَلَابِيُّ الْجُلُود الْخَام الَّتِي لَيْسَتْ بِمَدْبُوغَةٍ وَقَالَ غَيْرُه : الْعَلَابِيُّ الْعَصَب تُؤْخَذُ رَطْبَةً فَيُشَدُّ بِهَا جُفُونُ السُّيُوفِ وَتُلْوَى عَلَيْهَا فَتَجِفُّ وَكَذَلِكَ تُلَوَى رَطْبَة عَلَى مَا يُصْدَعُ مِنْ الرِّمَاحِ وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : هِيَ عَصَبُ الْعُنُقِ وَهِيَ أَمْتَنُ مَا يَكُونُ مِنْ عَصَبِ الْبَعِير وَزَعَم الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الْعَلَابِيّ ضَرْبٌ مِنْ الرَّصَاصِ فَأَخْطَأَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقَزَّازُ فِي \" شَرْحِ غَرِيبِ الْجَامِعِ \" وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَآهُ قُرِنَ بِالْآنُك ظَنَّهُ ضَرْبًا مِنْهُ وَزَاد هِشَام بْن عَمَّار فِي رِوَايَتِهِ \" وَالْحَدِيدِ \" وَزَادَ فِيهِ أَشْيَاءَ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْجِهَادِ ‏ ‏وَالْآنُك ‏ ‏بِالْمَدِّ وَضَمِّ النُّونِ بَعْدَهَا كَافٌ وَهُوَ الرَّصَاصُ وَهُوَ وَاحِدٌ لَا جَمْعَ لَهُ وَقِيلَ هُوَ الرَّصَاص الْخَالِصُ وَزَعَمَ الدَّاودِيُّ أَنَّ الْآنُك الْقَصْدِير وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيِّ : الْآنُك الرَّصَاصُ الْقَلْعِيِّ وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ مَنْسُوب إِلَى الْقَلْعَةِ مَوْضِع بِالْبَادِيَةِ يُنْسَبُ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَتُنْسَبُ إِلَيْهِ السُّيُوفُ أَيْضًا فَيُقَالُ سُيُوفٌ قَلْعِيَّةٌ وَكَأَنَّهُ مَعْدِنٌ يُوجَدُ فِيهِ الْحَدِيد وَالرَّصَاص ‏ ‏وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ تَحْلِيَةَ السُّيُوفِ وَغَيْرهَا مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ أَوْلَى وَأَجَابَ مَنْ أَبَاحَهَا بِأَنَّ تَحْلِيَةَ السُّيُوفِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنَّمَا شُرِعَ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ وَكَانَ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ غِنْيَة لِشِدَّتِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ فِي إِيمَانِهِمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "2694",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ ‏ ‏وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَ ‏ ‏أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏فَلَمَّا ‏ ‏قَفَلَ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَفَلَ ‏ ‏مَعَهُ فَأَدْرَكَتْهُمْ ‏ ‏الْقَائِلَةُ ‏ ‏فِي وَادٍ كَثِيرِ ‏ ‏الْعِضَاهِ ‏ ‏فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَحْتَ ‏ ‏سَمُرَةٍ ‏ ‏وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ وَنِمْنَا نَوْمَةً فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ هَذَا ‏ ‏اخْتَرَطَ ‏ ‏عَلَيَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ ‏ ‏صَلْتًا ‏ ‏فَقَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي فَقُلْتُ اللَّهُ ثَلَاثًا وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2695",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سُئِلَ عَنْ جُرْحِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏فَقَالَ جُرِحَ وَجْهُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكُسِرَتْ ‏ ‏رَبَاعِيَتُهُ ‏ ‏وَهُشِمَتْ ‏ ‏الْبَيْضَةُ ‏ ‏عَلَى رَأْسِهِ فَكَانَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏تَغْسِلُ الدَّمَ ‏ ‏وَعَلِيٌّ ‏ ‏يُمْسِكُ فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّ الدَّمَ لَا يَزِيدُ إِلَّا كَثْرَةً أَخَذَتْ حَصِيرًا فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا ثُمَّ أَلْزَقَتْهُ فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2696",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا سِلَاحَهُ وَبَغْلَةً بَيْضَاءَ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَمْرو بْن الْحَارِث الْخُزَاعِيّ \" مَا تَرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ عِنْدَ مَوْتِهِ - إِلَّا سِلَاحه \" الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْوَصَايَا وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الْمَغَازِي وَزَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ مُنَاسَبَتَهُ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَبِعْ فِيهِ شَيْئًا مِنْ سِلَاحِهِ وَلَوْ كَانَ رَهَنَ دِرْعَهُ وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِكَسْرِ السِّلَاحِ بَيْعُه وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2697",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ ‏ ‏وَأَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَدْرَكَتْهُمْ ‏ ‏الْقَائِلَةُ ‏ ‏فِي وَادٍ كَثِيرِ ‏ ‏الْعِضَاهِ ‏ ‏فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي ‏ ‏الْعِضَاهِ ‏ ‏يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ فَنَزَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ هَذَا ‏ ‏اخْتَرَطَ ‏ ‏سَيْفِي فَقَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ قُلْتُ اللَّهُ ‏ ‏فَشَامَ ‏ ‏السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2698",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبَى بَعْضٌ فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏فِي الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ مِثْلُ حَدِيثِ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏قَالَ هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي قَتَادَة فِي قِصَّةِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ بِإِسْنَادَيْنِ لِمَالِك وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْحَجِّ وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْلُهُ \" فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا \". ‏"
    },
    {
        "id": "2699",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي قُبَّةٍ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ فَأَخَذَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏بِيَدِهِ فَقَالَ حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ وَهُوَ فِي الدِّرْعِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ ‏ { ‏سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ‏} ‏وَقَالَ ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ وَهُوَ فِي الدِّرْعِ ‏ ‏وَقَوْلُه فِيهِ \" حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّابِ \" ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ ‏ ‏وَقَوْله \" وَقَالَ وُهَيْب \" ‏ ‏يَعْنِي اِبْنَ خَالِدٍ ‏ ‏\" حَدَّثَنَا خَالِدٌ : يَوْمَ بَدْرٍ \" ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ وُهَيْب بْن خَالِد رَوَاهُ عَنْ خَالِدٍ وَهُوَ الْحَذَّاءُ شَيْخُ عَبْدِ الْوَهَّاب فِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فَزَاد بَعْدَ قَوْلِهِ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ \" يَوْمَ بَدْر \" وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْن عَبْد اللَّه بْن حَوْشَبٍ عَنْ عَبْد الْوَهَّاب كَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيّ فَلَعَلَّ مُحَمَّدَ اِبْن الْمُثَنَّى شَيْخ الْبُخَارِيّ لَمْ يَحْفَظْهَا وَرِوَايَةُ وُهَيْب وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْقَمَرِ وَيَأْتِي بَيَانُ مَا اِسْتَشْكَلَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَهُوَ مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَةِ لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2700",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ ‏ ‏يَهُودِيٍّ ‏ ‏بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏دِرْعٌ مِنْ حَدِيدٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُعَلًّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏رَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَائِشَةَ \" تُوفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُه مَرْهُونَةٌ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ يَعْلَى حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ : دِرْعٌ مِنْ حَدِيدِ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنّ يَعْلَى وَهُوَ اِبْنُ عُبَيْدٍ رَوَاهُ عَنْ الْأَعْمَشِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ فَزَادَ أَنَّ الدِّرْعَ كَانَتْ مِنْ حَدِيد وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي السَّلَمِ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُعَلَّى عَنْ عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ مُعَلَّى بْن أَسَدٍ رَوَاهُ عَنْ عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد فَقَالَ فِيهِ أَيْضًا \" رَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيد \" وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الِاسْتِقْرَاضِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِهِ مُسْتَوْفىً فِي كِتَاب الرَّهْن. ‏"
    },
    {
        "id": "2701",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدْ اضْطَرَّتْ أَيْدِيَهُمَا إِلَى ‏ ‏تَرَاقِيهِمَا ‏ ‏فَكُلَّمَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَتِهِ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ وَكُلَّمَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ انْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا وَتَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ ‏ ‏وَانْضَمَّتْ ‏ ‏يَدَاهُ إِلَى ‏ ‏تَرَاقِيهِ ‏ ‏فَسَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا فَلَا تَتَّسِعُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبَا هُرَيْرَة فِي الْبَخِيلِ الْمُتَصَدِّقِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الزَّكَاة وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا ذِكْر الْجُبَّتَيْنِ فَإِنَّهُ رُوِيَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِذِكْرِ الْقَمِيصِ فِي التَّرْجَمَةِ وَرُوِيَ بِالنُّونِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلدِّرْعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ اِخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِي ذَلِكَ هُنَاكَ وَالْجُبَّة بِالْمُوَحَّدَةِ مَا قُطِعَ مِنْ الثِّيَابِ مُشَمَّرًا قَالَهُ فِي الْمَطَالِعِ وَمَحَلُّ اِسْتِشْهَادِهِ لِلتَّرْجَمَةِ - وَإِنْ كَانَ الْمُمَثَّلُ بِهِ فِي الْمَثَلِ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودَهُ فَضْلًا عَنْ مَشْرُوعِيَّتِهِ - مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَثَّلَ بِدِرْع الْكَرِيم فَتَشْبِيهُ الْكَرِيم الْمَحْمُود بِالدِّرْعِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الدِّرْعَ مَحْمُودٌ وَمَوْضِع الشَّاهِدِ مِنْهُ دِرْعُ الْكَرِيم لَا دِرْعُ الْبَخِيل وَكَأَنَّهُ أَقَامَ الْكَرِيمَ مَقَامَ الشُّجَاعِ لِتَلَازمهمَا غَالِبًا وَكَذَلِكَ ضِدَّهُمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2702",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى مُسْلِمٍ هُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِحَاجَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ فَلَقِيتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ فَكَانَا ضَيِّقَيْنِ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتُ فَغَسَلَهُمَا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَعَلَى خُفَّيْهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2703",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏حَدَّثَهُمْ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَخَّصَ ‏ ‏لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏وَالزُّبَيْرِ ‏ ‏فِي قَمِيصٍ مِنْ حَرِيرٍ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2704",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ‏ ‏وَالزُّبَيْرَ ‏ ‏شَكَوَا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعْنِي الْقَمْلَ ‏ ‏فَأَرْخَصَ لَهُمَا فِي الْحَرِيرِ فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2705",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏حَدَّثَهُمْ قَالَ ‏ ‏رَخَّصَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ‏ ‏فِي حَرِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَخَّصَ أَوْ رُخِّصَ لَهُمَا لِحِكَّةٍ بِهِمَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2706",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْكُلُ مِنْ كَتِفٍ ‏ ‏يَحْتَزُّ ‏ ‏مِنْهَا ثُمَّ دُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَزَادَ فَأَلْقَى السِّكِّينَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2707",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَيْرَ بْنَ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيَّ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ أَتَى ‏ ‏عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ‏ ‏وَهُوَ نَازِلٌ فِي سَاحَةِ ‏ ‏حِمْصَ ‏ ‏وَهُوَ فِي بِنَاءٍ لَهُ وَمَعَهُ ‏ ‏أُمُّ حَرَامٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَيْرٌ ‏ ‏فَحَدَّثَتْنَا ‏ ‏أُمُّ حَرَامٍ ‏ ‏أَنَّهَا ‏ ‏سَمِعَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ ‏ ‏أَوْجَبُوا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أُمُّ حَرَامٍ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا فِيهِمْ قَالَ أَنْتِ فِيهِمْ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ ‏ ‏قَيْصَرَ ‏ ‏مَغْفُورٌ لَهُمْ فَقُلْتُ أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ خَالِد بْن مَعْدَانَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمِلَةِ وَالْإِسْنَادُ كُلُّه شَامِيُّونَ ‏ ‏وَإِسْحَاق بْن يَزِيد ‏ ‏شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ هُوَ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد الْفَرَادِيسِيُّ نُسِبَ لِجَدِّهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عُمَيْر بْن الْأَسْوَد الْعَنَسِي ) ‏ ‏بِالنُّونِ وَالْمُهْمَلَة وَهُوَ شَامِيٌّ قَدِيمٌ يُقَالُ اِسْمه عَمْرو وَعُمَيْر بِالتَّصْغِيرِ لَقَبُهُ وَكَانَ عَابِدًا مُخَضْرَمًا وَكَانَ عُمَر يُثَنِي عَلَيْهِ وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَة وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْن أَبِي عِيَاضٍ عَمْرو بْن الْأَسْوَد وَالرَّاجِح التَّفْرِقَة وَأُمُّ حَرَام بِمُهْمَلَتَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي أَوَائِل الْجِهَادِ فِي حَدِيثِ أَنَس وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهَا أَنَس هَذَا الْحَدِيث أَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ وَأَخْرَجَ الْحَسَنُ بْن سُفْيَان هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ هِشَام بْن عَمَّار عَنْ يَحْيَى بْن حَمْزَة بِسَنَدِ الْبُخَارِيّ وَزَادَ فِي آخِرِهِ \" قَالَ هِشَام رَأَيْت قَبْرَهَا بِالسَّاحِلِ \". ‏ ‏قَوْله : ( يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَر ) ‏ ‏يَعْنِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة قَالَ الْمُهَلَّب : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَة لِمُعَاوِيَة لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ وَمَنْقَبَةٌ لِوَلَدِهِ يَزِيد لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا مَدِينَةَ قَيْصَرَ وَتَعَقَّبَهُ اِبْنُ التِّينِ وَابْن الْمُنِير بِمَا حَاصِلُه : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ دُخُولِهِ فِي ذَلِكَ الْعُمُومِ أَنْ لَا يَخْرُجُ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ إِذْ لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَغْفُورٌ لَهُمْ مَشْرُوط بِأَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْمَغْفِرَةِ حَتَّى لَوْ اِرْتَدَّ وَاحِد مِمَّنْ غَزَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الْعُمُومِ اِتِّفَاقًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَغْفُورٌ لِمَنْ وُجِدَ شَرْطُ الْمَغْفِرَةِ فِيهِ مِنْهُمْ وَأَمَّا قَوْلُ اِبْنِ التِّينِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَحْضُرْ مَعَ الْجَيْشِ فَمَرْدُود إِلَّا أَنْ يُرِيدَ لَمْ يُبَاشِرْ الْقِتَال فَيُمْكِنُ فَإِنَّهُ كَانَ أَمِيرُ ذَلِكَ الْجَيْشِ بِالِاتِّفَاقِ وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَدِينَة قَيْصَر الْمَدِينَة الَّتِي كَانَ بِهَا يَوْمَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ وَهِيَ حِمْص وَكَانَتْ دَارَ مَمْلَكَتِه إِذْ ذَاكَ وَهَذَا يَنْدَفِعُ بِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنْ الَّذِينَ يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَنَّ أُمّ حَرَام فِيهِمْ وَحِمْصُ كَانَتْ قَدْ فُتِحَتْ قَبْلَ الْغَزْوَةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا أُمَّ حَرَام وَاللَّه أَعْلَمُ. قُلْت : وَكَانَتْ غَزْوَةُ يَزِيدَ الْمَذْكُورَة فِي سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَفِي تِلْكَ مَاتَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيّ فَأَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ عِنْدَ بَابِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَأَنْ يُعْفَى قَبْرُه فَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَيُقَالُ إِنَّ الرُّومَ صَارُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَسْقُونَ بِهِ وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا التَّرْغِيب فِي سُكْنَى الشَّام ‏ ‏وَقَوْله \" قَدْ أَوْجَبُوا \" ‏ ‏أَيْ فَعَلُوا فِعْلًا وَجَبَتْ لَهُمْ بِهِ الْجَنَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "2708",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تُقَاتِلُونَ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏حَتَّى يَخْتَبِيَ أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الْحَجَرِ فَيَقُولُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْفَرَوِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ مَنْسُوب إِلَى جَدِّهِ أَبِي فَرْوَةِ وَإِسْحَاق هَذَا غَيْر إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه اِبْن أَبِي فَرْوَة الضَّعِيف وَهُوَ - أَعْنِي إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه - عَمّ وَالِد هَذَا وَإِسْحَاق هَذَا رُبَّمَا رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيّ بِوَاسِطَةٍ وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا حَدَّثَ بِهِ مَالِك خَارِج الْمُوَطَّأ وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ إِسْحَاق الْمَذْكُورُ بَلْ تَابَعَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَمَعْن اِبْن عِيسَى وَسَعِيد بْن دَاوُد وَالْوَلِيد بْن مُسْلِم أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي \" غَرَائِبَ مَالِكٍ \" وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ طَرِيق ابْن وَهْبٍَ فَقَطْ. ‏ ‏قَوْله : ( تُقَاتِلُونَ ) ‏ ‏فِيهِ جَوَاز مُخَاطَبَةِ الشَّخْص وَالْمُرَاد غَيْره مِمَّنْ يَقُولُ وَيَعْتَقِدُ اِعْتِقَادَهُ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ \" تُقَاتِلُونَ \" مُخَاطَبَة الْمُسْلِمِينَ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْخِطَابَ الشِّفَاهِيّ يَعُمُّ الْمُخَاطَبِينَ وَمَنْ بَعَدَهُمْ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ فِي حُكْمِ الْغَائِبِينَ : هَلْ وَقَعَ بِتِلْكَ الْمُخَاطَبَةِ نَفْسِهَا أَوْ بِطَرِيق الْإِلْحَاق ؟ وَهَذَا الْحَدِيثُ يُؤَيِّدُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بَقَاءِ دِينِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ الَّذِي يُقَاتِلُ الدَّجَّالَ وَيَسْتَأْصِلُ الْيَهُودَ الَّذِينَ هُمْ تَبَعُ الدَّجَّالِ عَلَى مَا وَرَدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا مُسْتَوْفًى فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2709",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ وَرَاءَهُ الْيَهُودِيُّ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2710",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْحَسَنَ ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ ‏ ‏أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ‏ ‏أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا يَنْتَعِلُونَ نِعَالَ الشَّعَرِ وَإِنَّ مِنْ ‏ ‏أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ‏ ‏أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا عِرَاضَ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ ‏ ‏الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ ‏",
        "sharh": "أَحَدُهُمَا حَدِيث عَمْرو بْن تَغْلِبَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَسُكُونِ الْمُعْجَمَة وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَالْحَسَنُ هُوَ الْبَصْرِيُّ وَالْإِسْنَاد كُلُّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أَشْرَاط السَّاعَة ) ‏ ‏زَاد الْكُشْمِهَنِيّ فِي أَوَّلِهِ \" أَنَّ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَنْتَعِلُونَ نِعَال الشَّعْر ) ‏ ‏هَذَا وَالْحَدِيث الَّذِي بَعْدَهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الَّذِينَ يَنْتَعِلُونَ الشَّعْر غَيْرُ التُّرْكِ وَقَدْ وَقَعَ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ أَصْحَابَ بَابَك كَانَتْ نِعَالُهمْ الشَّعْر. قُلْت : بَابَك بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَآخِرُه كَافٌ يُقَالُ لَهُ الْخُرَّمِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَكَانَ مِنْ طَائِفَةٍ مِنْ الزَّنَادِقَةِ اِسْتَبَاحُوا الْمُحَرَّمَات وَقَامَتْ لَهُمْ شَوْكَة كَبِيرَة فِي أَيَّام الْمَأْمُون وَغَلَبُوا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ بِلَادِ الْعَجَمِ كَطَبَرِسْتَان وَالرَّيّ إِلَى أَنْ قُتِلَ بَابَك الْمَذْكُورُ فِي أَيَّام الْمُعْتَصِم وَكَانَ خُرُوجُه فِي سَنَة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ أَوْ قَبْلَهَا وَقَتْلُهُ فِي سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( الْمِجَانُّ ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَتَشْدِيد النُّونِ جَمْع مِجَنٍّ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَبْلَ أَبْوَابٍ ‏ ‏وَالْمِطْرَقَة ) ‏ ‏الَّتِي أَلْبَسَتْ الْأَطْرِقَةُ مِنْ الْجُلُودِ وَهِيَ الْأَغْشِيَةُ تَقُولُ طَارَقْتُ بَيْنَ النَّعْلَيْنِ أَيْ جَعَلَتُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : هِيَ الَّتِي أُطْرِقَتْ بِالْعَصَبِ أَيْ أُلْبِسَتْ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2711",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا ‏ ‏التُّرْكَ ‏ ‏صِغَارَ الْأَعْيُنِ حُمْرَ الْوُجُوهِ ‏ ‏ذُلْفَ ‏ ‏الْأُنُوفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ ‏ ‏الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ ‏ ‏وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ ‏",
        "sharh": "ثَانِيهُمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة فِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2712",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ ‏ ‏الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَزَادَ فِيهِ ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رِوَايَةً ‏ ‏صِغَارَ الْأَعْيُنِ ‏ ‏ذُلْفَ ‏ ‏الْأُنُوفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ ‏ ‏الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان وَزَاد فِيهِ أَبُو الزِّنَادِ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن عُبَادَة عَنْ سُفْيَانَ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا. ‏ ‏قَوْله : ( رِوَايَة ) ‏ ‏هُوَ عِوَضٌ عَنْ قَوْلِهِ \" عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن عَبَّاد عَنْ سُفْيَان بِلَفْظ \" عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَوَقَعَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ الْأَعْرَجِ بِلَفْظِ \" قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَادَ فِيهِ \" حُمْرَ الْوُجُوهِ \" وَلَمْ يَذْكُرْ \" صِغَارَ الْأَعْيُنِ \" ‏ ‏وَقَوْله \" ذُلْفَ الْأُنُوف \" ‏ ‏أَيْ صِغَارِهَا وَالْعَرَبُ تَقُولُ أَمْلَحُ النَّسَاءِ الذُّلْفُ وَقِيلَ الذُّلْفُ الِاسْتِوَاء فِي طَرَف الْأَنْفِ وَقِيلَ قِصَرُ الْأَنْفِ وَانْبِطَاحُهُ وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2713",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏وَسَأَلَهُ رَجُلٌ أَكُنْتُمْ فَرَرْتُمْ يَا ‏ ‏أَبَا عُمَارَةَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏قَالَ لَا وَاللَّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ ‏ ‏حُسَّرًا ‏ ‏لَيْسَ بِسِلَاحٍ فَأَتَوْا قَوْمًا رُمَاةً جَمْعَ ‏ ‏هَوَازِنَ ‏ ‏وَبَنِي نَصْرٍ ‏ ‏مَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ فَأَقْبَلُوا هُنَالِكَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَابْنُ عَمِّهِ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏يَقُودُ بِهِ فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏أَنَا النَّبِيُّ لَا ‏ ‏كَذِبْ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ‏ ‏ثُمَّ صَفَّ أَصْحَابَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء فِي قِصَّةِ حُنَيْنٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ وَوَقَعَ فِي آخِرِهِ \" ثُمَّ صَف أَصْحَابه وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ وَاسْتَنْصَرَ أَيْ اِسْتَنْصَرَ اللَّهَ بَعْدَ أَنْ رَمَى الْكَفَّار بِالتُّرَابِ وَسَيَأْتِي شَرْح ذَلِكَ مُسْتَوْفَى فِي كُتَّاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2714",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلَى \" لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ وَزَعَمَ الْأَصِيلِيّ أَنَّهُ اِبْن حَسَّانَ وَرَام بِذَلِكَ تَضْعِيف الْحَدِيث فَأَخْطَأَ مِنْ وَجْهَيْنِ وَتَجَاسَرَ الْكَرْمَانِيّ فَقَالَ : الْمُنَاسِبُ أَنَّهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَسَيَأْتِي شَرْح هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِيهِ الدُّعَاءُ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَمْلَأَ اللَّه بُيُوتَهُمْ وَقُبُورهمْ نَارًا وَلَيْسَ فِيهِ الدُّعَاء عَلَيْهِمْ بِالْهَزِيمَةِ لَكِنْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ لَفْظ الزَّلْزَلَةِ لِأَنَّ فِي إِحْرَاقِ بُيُوتِهِمْ غَايَةُ التَّزَلْزُلِ لِنُفُوسِهِمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "2715",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ ذَكْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْعُو فِي الْقُنُوتِ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ ‏ ‏الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ ‏ ‏عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِنِي ‏ ‏يُوسُفَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الدُّعَاءِ فِي الْقُنُوتِ وَفِيهِ \" اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَك عَلَى مُضَر \" وَدُخُولُهُ فِي التَّرْجَمَةِ بِطَرِيق الْعُمُوم لِأَنَّ شِدَّةَ الْوَطْأَةِ يَدْخُلُ تَحْتَهَا مَا تَرْجَمَ بِهِ فَإِنَّ الْمُرَادَ اُشْدُدْ عَلَيْهِمْ الْبَأْسَ وَالْعُقُوبَةَ وَالْأَخْذَ الشَّدِيدَ وَابْنُ ذَكْوَانَ الْمَذْكُورَ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ أَبُو الزِّنَادِ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي كِتَابِ الْوَتَرِ وَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2716",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اللَّهُمَّ اهْزِمْ الْأَحْزَابَ اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْنِ أَبِي أَوْفَى وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ وَالْمُرَادُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِمْ إِذَا اِنْهَزَمُوا أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ لَهُمْ قَرَارٌ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : أَرَادَ أَنْ تَطِيشَ عُقُولُهُمْ وَتَرْعَدَ أَقْدَامُهُمْ عِنْدَ اللِّقَاءِ فَلَا يَثْبُتُوا وَقَدْ ذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ زِيَادَةً فِي هَذَا الدُّعَاءِ وَسَيَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا فِي \" بَاب لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ \" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2717",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي فِي ظِلِّ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏وَنَاسٌ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَنُحِرَتْ جَزُورٌ بِنَاحِيَةِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَأَرْسَلُوا فَجَاءُوا مِنْ ‏ ‏سَلَاهَا ‏ ‏وَطَرَحُوهُ عَلَيْهِ فَجَاءَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏فَأَلْقَتْهُ عَنْهُ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ عَلَيْكَ ‏ ‏بِقُرَيْشٍ ‏ ‏اللَّهُمَّ عَلَيْكَ ‏ ‏بِقُرَيْشٍ ‏ ‏اللَّهُمَّ عَلَيْكَ ‏ ‏بِقُرَيْشٍ ‏ ‏لِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ ‏ ‏وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ ‏ ‏وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ فِي قَلِيبِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏قَتْلَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏وَنَسِيتُ السَّابِعَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أُمَيَّةُ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أُبَيٌّ ‏ ‏وَالصَّحِيحُ ‏ ‏أُمَيَّةُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فِي قِصَّة الْجَزُور الَّتِي نُحِرَتْ بِمَكَّةَ وَفِيهِ \" اللَّهُمَّ عَلَيْك بِقُرَيْش \" وَفِيهِ مَا قَرَّرْتُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ وَكَأَنَّهُ لَمَّا حَدَّثَ سُفْيَانُ بِهَذَا الْحَدِيثِ كَانَ نَسِيَ السَّابِعَ ‏ ‏وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ \" قَالَ يُوسُفُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ : أُمَيَّةُ بْنُ خَلَف وَقَالَ شُعْبَةُ : أُمَيَّةُ أَوْ أُبَيُّ وَالصَّحِيحُ أُمَيَّةُ \" ‏ ‏أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ أَبَا إِسْحَاق حَدَّثَ بِهِ مَرَّةً فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وَهَذِهِ رِوَايَةُ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ هُنَا وَحَدَّثَ بِهِ أُخْرَى فَقَالَ أُمَيَّةُ وَهِيَ رِوَايَةُ شُعْبَةَ وَحَدَّثَ بِهِ أُخْرَى فَشَكّ فِيهِ وَيُوسُفَ الْمَذْكُورِ هُوَ اِبْن إِسْحَاق بْن أَبِي إِسْحَاق نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ وَقَدْ وَصَلَ الْمُصَنِّف حَدِيثه بِطُولِهِ فِي الطَّهَارَةِ وَطَرِيق شُعْبَة وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف أَيْضًا فِي كِتَابِ الْمَبْعَثِ وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي الطَّهَارَةِ أَنَّ إِسْرَائِيلَ رَوَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ فَسَمَّى السَّابِعَ وَذَكَرْتُ مَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2718",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا ‏ ‏السَّامُ ‏ ‏عَلَيْكَ فَلَعَنْتُهُمْ فَقَالَ ‏ ‏مَا لَكِ قُلْتُ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ فَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّةِ الْيَهُودِ وَفِيهِ \" فَلَم تَسْمَعِي مَا قُلْت وَعَلَيْكُمْ \" وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي آخِرِهِ \" يُسْتَجَابُ لَنَا فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِينَا \" وَقَدْ ذَكَرَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ هُنَا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الدُّعَاءِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ خَشِيَ الدَّاعِي أَنَّهُمْ يَدْعُونَ عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2719",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَتَبَ إِلَى ‏ ‏قَيْصَرَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ ‏ ‏الْأَرِيسِيِّينَ ‏",
        "sharh": "طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاسٍ فِي شَأْنِ هِرَقْل وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْدَ بَابَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْنِ شِهَاب بِطُولِهِ ; وَإِسْحَاق شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ اِبْنُ مَنْصُور وَهَذِهِ الطَّرِيق أَهْمَلَهَا الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَإِرْشَادُهُمْ مِنْهُ ظَاهِرٌ وَأَمَّا تَعْلِيمُهُمْ الْكِتَابَ فَكَأَنَّهُ اِسْتَنْبَطَهُ مَنْ كَوْنِهِ كَتَبَ إِلَيْهِمْ بَعْضَ الْقُرْآنِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَكَأَنَّهُ سَلَّطَهُمْ عَلَى تَعْلِيمِهِ إِذْ لَا يَقْرَءُونَهُ حَتَّى يُتَرْجَمَ لَهُمْ وَلَا يُتَرْجَمَ لَهُمْ حَتَّى يَعْرِفَ الْمُتَرْجِمُ كَيْفِيَّةَ اِسْتِخْرَاجِهِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا اِخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ فَمَنَعَ مَالِكٌ مِنْ تَعْلِيمِ الْكَافِرِ الْقُرْآنَ وَرَخَّصَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيّ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الرَّاجِحَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَنْ يُرْجَى مِنْهُ الرَّغْبَةُ فِي الدِّينِ وَالدُّخُولِ فِيهِ مَعَ الْأَمْنِ مِنْهُ أَنْ يَتَسَلَّطَ بِذَلِكَ إِلَى الطَّعْنِ فِيهِ وَبَيْنَ مَنْ يَتَحَقَّقُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْجَحُ فِيهِ أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إِلَى الطَّعْنِ فِي الدِّينِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُفَرَّقُ أَيْضًا بَيْنَ الْقَلِيلِ مِنْهُ وَالْكَثِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل كِتَاب الْحَيْض. ‏"
    },
    {
        "id": "2720",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏طُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏دَوْسًا ‏ ‏عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا فَقِيلَ هَلَكَتْ ‏ ‏دَوْسٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ اهْدِ ‏ ‏دَوْسًا ‏ ‏وَأْتِ بِهِمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2721",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَكْتُبَ إِلَى ‏ ‏الرُّومِ ‏ ‏قِيلَ لَهُ إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَخْتُومًا ‏ ‏فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ وَنَقَشَ فِيهِ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَنَسٍ فِي اِتِّخَاذِ الْخَاتَمِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب اللِّبَاس. ‏"
    },
    {
        "id": "2722",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏يَدْفَعُهُ عَظِيمُ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏فَلَمَّا قَرَأَهُ ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏حَرَّقَهُ ‏ ‏فَحَسِبْتُ أَنَّ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَدَعَا عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ كِتَابَهُ إِلَى كِسْرَى \" وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرَ الْمَغَازِي وَفِيهِ أَنَّ الْمَبْعُوثَ بِهِ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيّ وَنَذْكُرُ هُنَاكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِكِسْرَى وَمَا الْمُرَادُ بِعَظِيمِ الْبَحْرِينِ وَفِي الْحَدِيثِ الدُّعَاءُ إِلَى الْإِسْلَامِ بِالْكَلَامِ وَالْكِتَابَةِ وَأَنَّ الْكِتَابَةَ تَقُومُ مَقَام النُّطْقِ وَفِيهِ إِرْشَادُ الْمُسْلِمِ إِلَى الْكَافِرِ وَأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بَيْنَ الْمُلُوكِ بِتَرْك قَتْل الرُّسُلِ وَلِهَذَا مَزَّقَ كِسْرَى الْكِتَابَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلرَّسُولِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2723",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَتَبَ إِلَى ‏ ‏قَيْصَرَ ‏ ‏يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَيْهِ مَعَ ‏ ‏دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ‏ ‏وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ ‏ ‏بُصْرَى ‏ ‏لِيَدْفَعَهُ إِلَى ‏ ‏قَيْصَرَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏قَيْصَرُ ‏ ‏لَمَّا كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ جُنُودَ ‏ ‏فَارِسَ ‏ ‏مَشَى مِنْ ‏ ‏حِمْصَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏إِيلِيَاءَ ‏ ‏شُكْرًا لِمَا أَبْلَاهُ اللَّهُ فَلَمَّا جَاءَ ‏ ‏قَيْصَرَ ‏ ‏كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ حِينَ قَرَأَهُ الْتَمِسُوا لِي هَا هُنَا أَحَدًا مِنْ قَوْمِهِ لِأَسْأَلَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏ ‏فِي رِجَالٍ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏قَدِمُوا تِجَارًا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبَيْنَ كُفَّارِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏فَوَجَدَنَا رَسُولُ ‏ ‏قَيْصَرَ ‏ ‏بِبَعْضِ ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏فَانْطُلِقَ بِي وَبِأَصْحَابِي حَتَّى قَدِمْنَا ‏ ‏إِيلِيَاءَ ‏ ‏فَأُدْخِلْنَا عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِ مُلْكِهِ وَعَلَيْهِ التَّاجُ وَإِذَا حَوْلَهُ عُظَمَاءُ ‏ ‏الرُّومِ ‏ ‏فَقَالَ لِتَرْجُمَانِهِ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ قَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ نَسَبًا قَالَ مَا قَرَابَةُ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ فَقُلْتُ هُوَ ابْنُ عَمِّي وَلَيْسَ فِي الرَّكْبِ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ‏ ‏غَيْرِي فَقَالَ ‏ ‏قَيْصَرُ ‏ ‏أَدْنُوهُ وَأَمَرَ بِأَصْحَابِي فَجُعِلُوا خَلْفَ ظَهْرِي عِنْدَ كَتِفِي ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لِأَصْحَابِهِ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا الرَّجُلَ عَنْ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَإِنْ كَذَبَ فَكَذِّبُوهُ قَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏وَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَنْ يَأْثُرَ أَصْحَابِي عَنِّي الْكَذِبَ لَكَذَبْتُهُ حِينَ سَأَلَنِي عَنْهُ وَلَكِنِّي اسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَأْثُرُوا الْكَذِبَ عَنِّي فَصَدَقْتُهُ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُ كَيْفَ نَسَبُ هَذَا الرَّجُلِ فِيكُمْ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَبْلَهُ قُلْتُ لَا فَقَالَ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ عَلَى الْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ لَا قَالَ فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ قُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ فَيَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ قُلْتُ لَا وَنَحْنُ الْآنَ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ نَحْنُ نَخَافُ أَنْ يَغْدِرَ قَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏وَلَمْ يُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا أَنْتَقِصُهُ بِهِ لَا أَخَافُ أَنْ تُؤْثَرَ عَنِّي غَيْرُهَا قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ أَوْ قَاتَلَكُمْ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ كَانَتْ حَرْبُهُ وَحَرْبُكُمْ قُلْتُ كَانَتْ ‏ ‏دُوَلًا ‏ ‏وَسِجَالًا ‏ ‏يُدَالُ ‏ ‏عَلَيْنَا الْمَرَّةَ ‏ ‏وَنُدَالُ ‏ ‏عَلَيْهِ الْأُخْرَى قَالَ فَمَاذَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ قَالَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَانَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَفَافِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ فَقَالَ لِتَرْجُمَانِهِ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ لَهُ قُلْ لَهُ إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فِيكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ ذُو نَسَبٍ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ قُلْتُ رَجُلٌ ‏ ‏يَأْتَمُّ ‏ ‏بِقَوْلٍ قَدْ قِيلَ قَبْلَهُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا فَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تَخْلِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا يَغْدِرُونَ وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ وَقَاتَلَكُمْ فَزَعَمْتَ أَنْ قَدْ فَعَلَ وَأَنَّ حَرْبَكُمْ وَحَرْبَهُ تَكُونُ ‏ ‏دُوَلًا ‏ ‏وَيُدَالُ ‏ ‏عَلَيْكُمْ الْمَرَّةَ ‏ ‏وَتُدَالُونَ ‏ ‏عَلَيْهِ الْأُخْرَى وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى وَتَكُونُ لَهَا الْعَاقِبَةُ وَسَأَلْتُكَ بِمَاذَا يَأْمُرُكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَفَافِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ قَالَ وَهَذِهِ صِفَةُ النَّبِيِّ قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ وَلَكِنْ لَمْ أَظُنَّ أَنَّهُ مِنْكُمْ وَإِنْ يَكُ مَا قُلْتَ حَقًّا فَيُوشِكُ أَنْ يَمْلِكَ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَلَوْ أَرْجُو أَنْ أَخْلُصَ إِلَيْهِ ‏ ‏لَتَجَشَّمْتُ ‏ ‏لُقِيَّهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ قَدَمَيْهِ قَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُرِئَ فَإِذَا فِيهِ ‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏عَظِيمِ ‏ ‏الرُّومِ ‏ ‏سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ ‏ ‏الْأَرِيسِيِّينَ ‏ ‏وَ ‏ { ‏يَا ‏ ‏أَهْلَ الْكِتَابِ ‏ ‏تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏فَلَمَّا أَنْ قَضَى مَقَالَتَهُ عَلَتْ أَصْوَاتُ الَّذِينَ حَوْلَهُ مِنْ عُظَمَاءِ ‏ ‏الرُّومِ ‏ ‏وَكَثُرَ لَغَطُهُمْ فَلَا أَدْرِي مَاذَا قَالُوا وَأُمِرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا فَلَمَّا أَنْ خَرَجْتُ مَعَ أَصْحَابِي وَخَلَوْتُ بِهِمْ قُلْتُ لَهُمْ لَقَدْ ‏ ‏أَمِرَ ‏ ‏أَمْرُ ‏ ‏ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ ‏ ‏هَذَا مَلِكُ ‏ ‏بَنِي الْأَصْفَرِ ‏ ‏يَخَافُهُ قَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا زِلْتُ ذَلِيلًا مُسْتَيْقِنًا بِأَنَّ أَمْرَهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ قَلْبِي الْإِسْلَامَ وَأَنَا كَارِهٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَيْصَر وَفِيهِ حَدِيثٌ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ وَالْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفَى وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ وَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2724",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ فَقَامُوا يَرْجُونَ لِذَلِكَ أَيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا وَكُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَى فَقَالَ أَيْنَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَقِيلَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَأَمَرَ فَدُعِيَ لَهُ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ مَكَانَهُ حَتَّى كَأَنَّه لَمْ يَكُنْ بِهِ شَيْءٌ فَقَالَ نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ ‏ ‏حُمْرِ النَّعَمِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي إِعْطَاء عَلَي الرَّايَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الْمَغَازِي وَالْغَرَضِ مِنْهُ قَوْله \" تَمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2725",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبِحَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ بَعْدَ مَا يُصْبِحُ فَنَزَلْنَا ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏لَيْلًا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا غَزَا بِنَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي تَرْكِ الْإِغَارَةِ عَلَى مَنْ سَمِعَ مِنْهُمْ الْأَذَانَ ذَكَرَه مِنْ وَجْهَيْنِ وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ أَيْضًا وَهُوَ دَالٌّ عَلَى جَوَازِ قِتَال مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَة بِغَيْرِ دَعْوَة فَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْن حَدِيث سَهْل الَّذِي قَبْلَهُ بِأَنَّ الدَّعْوَةَ مُسْتَحَبَّة لَا شَرْط وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْحُكْمِ بِالدَّلِيلِ لِكَوْنِهِ كَفّ عَنْ الْقِتَالِ بِمُجَرَّدِ سَمَاعِ الْأَذَانِ وَفِيهِ الْأَخْذ بِالْأَحْوَطِ فِي أَمْر الدُّعَاء لِأَنَّهُ كَفَّ عَنْهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَعَ اِحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونُ ذَاكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَوَقَعَ هُنَا \" فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ يَهُودُ خَيْبَر بِمِسَاحِيِّهِمْ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَس عِنْد مُسْلِم \" فَأَتَيْنَاهُمْ حِينَ بَزَغَتْ الشَّمْسُ \" وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمْ وَصَلُوا أَوَّلَ الْبَلَدِ عِنْدَ الصُّبْحِ فَنَزَلُوا فَصَلُوا فَتَوَجَّهُوا وَأَجْرَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسَهُ حِينَئِذٍ فِي زُقَاقِ خَيْبَر كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَوَصَلَ فِي آخِرِ الزُّقَاقِ إِلَى أَوَّلِ الْحُصُونِ حِينَ بَزَغَتْ الشَّمْسُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2726",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ إِلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَجَاءَهَا لَيْلًا وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَوْمًا بِلَيْلٍ لَا يُغِيرُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ ‏ ‏يَهُودُ ‏ ‏بِمَسَاحِيهِمْ ‏ ‏وَمَكَاتِلِهِمْ ‏ ‏فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَاللَّهِ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَالْخَمِيسُ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ ‏ ‏خَيْبَرُ ‏ ‏إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ‏ { ‏فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2727",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَابْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه الْحَدِيث وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيهَا تَرْجَمَ لَهُ أَوَّلًا حَيْثُ قَالَ \" وَعَلَامَ تُقَاتِلُونَ \" وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ اِبْن عُمَر لَكِنْ فِي حَدِيثِ اِبْن عُمَر زِيَادَة إِقَامَة الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَقَدْ وَرَدَتْ الْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ زَائِدًا بَعْضُهَا عَلَى بَعْض فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة الِاقْتِصَار عَلَى قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَفِي حَدِيثِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْد مُسْلِم \" حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسُولَ اللَّه \" وَفِي حَدِيثِ اِبْن عُمَر مَا ذَكَرَتُ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَاضِي فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ \" فَإِذَا صَلَّوْا وَاسْتَقْبَلُوا وَأَكَلُوا ذَبِيحَتنَا \" قَالَ الطَّبَرِيّ وَغَيْره : أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَهُ فِي حَالَةِ قِتَالِهِ لِأَهْلِ الْأَوْثَانِ الَّذِينَ لَا يُقِرُّونَ بِالتَّوْحِيدِ وَأَمَّا الثَّانِي فَقَالَهُ فِي حَالَةِ قِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَعْتَرِفُونَ بِالتَّوْحِيدِ وَيَجْحَدُونَ نُبُوَّتَهُ عُمُومًا أَوْ خُصُوصًا وَأَمَّا الثَّالِث فَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ وَشَهِدَ بِالتَّوْحِيدِ وَبِالنُّبُوَّةِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِالطَّاعَاتِ أَنَّ حُكْمَهُمْ أَنْ يُقَاتَلُوا حَتَّى يُذْعِنُوا إِلَى ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ عُمَر وَابْن عُمَر عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَي مِثْل حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة أَمَّا رِوَايَةُ عُمَرَ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الزَّكَاةِ وَأَمَّا رِوَايَةُ اِبْن عُمَر فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْإِيمَانِ ‏"
    },
    {
        "id": "2728",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَكَانَ قَائِدَ ‏ ‏كَعْبٍ ‏ ‏مِنْ بَنِيهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا ‏ ‏وَرَّى ‏ ‏بِغَيْرِهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2729",
        "content": "‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلَّا ‏ ‏وَرَّى ‏ ‏بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ ‏ ‏غَزْوَةُ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏فَغَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا وَاسْتَقْبَلَ غَزْوَ عَدُوٍّ كَثِيرٍ فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ وَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2730",
        "content": "‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَانَ يَقُولُ ‏ ‏لَقَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْرُجُ إِذَا خَرَجَ فِي سَفَرٍ إِلَّا يَوْمَ الْخَمِيسِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2731",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فِي ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2732",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏رَكْعَتَيْنِ وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2733",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّهَا سَمِعَتْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَلَا نُرَى إِلَّا الْحَجَّ فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَسَعَى بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏أَنْ يَحِلَّ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقَالَ نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ أَزْوَاجِهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ ‏ ‏لِلقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَتَتْكَ وَاللَّهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَمْرَة عَنْ عَائِشَة فِي ذَلِكَ , وَقَدْ مَضَى الْكَلَام عَلَيْهِمَا فِي كِتَاب الْحَجّ , وَفِيهِ اِسْتِعْمَال الْفَصِيح فِي التَّارِيخ وَهُوَ مَا دَامَ فِي النِّصْف الْأَوَّل مِنْ الشَّهْر يُؤَرِّخ بِمَا خَلَا , وَإِذَا دَخَلَ النِّصْف الثَّانِي يُؤَرِّخ بِمَا بَقِيَ , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة \" أَنَّهُ خَرَجَ لِخَمْسٍ بَقَيْنَ \" لِأَنَّ ذَا الْحَجَّة كَانَ أَوَّله الْخَمِيس لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَة كَانَتْ الْجُمْعَة فَيَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون خَرَجَ يَوْم الْجُمْعَة , وَلَا يَصِحّ ذَلِكَ لِقَوْلِ أَنَس فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْر بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا ثُمَّ خَرَجَ \" وَأُجِيب بِأَنَّ الْخُرُوج كَانَ يَوْم السَّبْت , وَإِنَّمَا قَالَ الصَّحَابَة \" لِخَمْسٍ بَقَيْنَ \" بِنَاء عَلَى الْعَدَد , لِأَنَّ ذَا الْقَعْدَة كَانَ أَوَّله الْأَرْبِعَاء فَاتَّفَقَ إِنْ جَاءَ نَاقِصًا , فَجَاءَ أَوَّل ذِي الْحَجَّة الْخَمِيس , فَظَهَرَ أَنَّ الَّذِي كَانَ بَقِيَ مِنْ الشَّهْر أَرْبَع لَا خَمْس , كَذَا أَجَابَ بِهِ جَمْع مِنْ الْعُلَمَاء , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الَّذِي قَالَ لِخَمْسٍ بَقَيْنَ أَرَادَ ضَمَّ يَوْم الْخُرُوج إِلَى مَا بَقِيَ لِأَنَّ التَّأَهُّب وَقَعَ فِي أَوَّله وَإِنْ اِتَّفَقَ التَّأْخِير إِلَى أَنْ صُلِّيَتْ الظُّهْر , فَكَأَنَّهُمْ لَمَّا تَأَهَّبُوا بَاتُوا لَيْلَة السَّبْت عَلَى سَفَر اِعْتَدُّوا بِهِ مِنْ جُمْلَة أَيَّام السَّفَر. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2734",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ ‏ ‏الْكَدِيدَ ‏ ‏أَفْطَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَسَاقَ الْحَدِيثَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏هَذَا قَوْلُ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَإِنَّمَا يُقَالُ بِالْآخِرِ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2735",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ حَقٌّ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمَعْصِيَةِ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ , وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظ الرِّوَايَة الثَّانِيَة , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَسَاقَهُ هُنَا بِلَفْظِ الرِّوَايَة الْأُولَى , وَقَيّد التَّرْجَمَة هُنَاكَ بِمَا وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ , وَقَوْله \" فَلَا سَمْع وَلَا طَاعَة \" بِالْفَتْحِ فِيهِمَا , وَالْمُرَاد نَفْي الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة لَا الْوُجُودِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "2736",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْأَعْرَجَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ ) ‏ ‏الْحَدِيث طَرَف مِنْ حَدِيث سَبَقَ بَيَانه فِي كِتَاب الْجُمْعَة , وَسَبَقَ فِي الطَّهَارَة أَنَّ عَادَتَهُ فِي إِيرَاد هَذِهِ النُّسْخَة - وَهِيَ شُعَيْب عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة - أَنْ يُصَدِّر بِأَوَّلِ حَدِيث فِيهَا وَيَعْطِف الْبَاقِي عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ سَمِعَهَا هَكَذَا , وَأَنَّ مُسْلِمًا فِي نُسْخَة مَعْمَر عَنْ هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة سَلَكَ طَرِيقًا نَحْو هَذِهِ , فَإِنَّهُ يَقُول فِي أَوَّل كُلّ حَدِيث مِنْهَا : فَذَكَر أَحَادِيث مِنْهَا وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْت وَكَيْت. وَتَكَلَّفَ اِبْن الْمُنِير فَقَالَ : وَجْه مُطَابَقَة التَّرْجَمَة لِقَوْلِهِ ( نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ ) الْإِشَارَة إِلَى أَنَّهُ الْإِمَام وَأَنَّهُ يَجِب عَلَى كُلّ أَحَد أَنْ يُقَاتِل عَنْهُ وَيَنْصُرهُ , لِأَنَّهُ وَإِنْ تَأَخَّرَ فِي الزَّمَان لَكِنَّهُ مُتَقَدِّم فِي أَخْذ الْعَهْد عَلَى كُلّ مَنْ تَقَدَّمَهُ أَنَّهُ إِنْ أَدْرَكَ زَمَانه أَنْ يُؤْمِن بِهِ وَيَنْصُرهُ , فَهُمْ فِي الصُّورَة أَمَامه وَفِي الْحَقِيقَة خَلْفه فَنَاسَبَ ذَلِكَ قَوْله \" يُقَاتَل مَنْ وَرَائِهِ لِأَنَّهُ أَعَمّ مِنْ أَنْ يُرَاد بِهَا الْخَلْف أَوْ الْأَمَام. ‏"
    },
    {
        "id": "2737",
        "content": "‏ ‏وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ ‏ ‏مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ يُطِعْ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي وَإِنَّمَا الْإِمَامُ ‏ ‏جُنَّةٌ ‏ ‏يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "وَبِالْإِسْنَادِ السَّابِق \" مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه \" ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ \" ‏ ‏كَذَا هُنَا , قِيلَ اِسْتَعْمَلَ الْقَوْل بِمَعْنَى الْفِعْل حَيْثُ قَالَ \" فَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ \" كَذَا قَالَ بَعْض الشُّرَّاح , وَلَيْسَ بِظَاهِر فَإِنَّهُ قَسِيم قَوْله : \" فَإِنْ أَمَر \" فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد وَأَنْ أَمَر , وَالتَّعْبِير عَنْ الْأَمْر بِالْقَوْلِ لَا إِشْكَال فِيهِ. وَقِيلَ مَعْنَى \" قَالَ \" هُنَا حَكَمَ , ثُمَّ قِيلَ إِنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ الْقَيْل بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَهُوَ الْمَلِك الَّذِي يَنْفُذ حُكْمه بِلُغَةِ حِمْيَر , وَقَوْله \" فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ \" أَيْ وِزْرًا وَحَذَفَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى طَرِيق الِاكْتِفَاء لِدَلَالَةِ مُقَابِله عَلَيْهِ , وَقَدْ ثَبَتَ فِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون \" مِنْ \" فِي قَوْله \" فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ \" تَبْعِيضِيَّة , أَيْ فَإِنَّ عَلَيْهِ بَعْض مَا يَقُول , وَفِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ \" مُنَّة \" بِضَمِّ الْمِيم وَتَشْدِيد النُّون بَعْدهَا هَاء تَأْنِيث , وَهُوَ تَصْحِيف بِلَا رَيْب ; وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ أَبُو ذَرّ. ‏ ‏وَقَوْله \" إِنَّمَا الْإِمَام جُنَّة \" ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيم أَيْ سُتْرَة , لِأَنَّهُ يَمْنَع الْعَدُوّ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ وَيَكُفّ أَذَى بَعْضهمْ عَنْ بَعْض , وَالْمُرَاد بِالْإِمَامِ كُلّ قَائِم بِأُمُورِ النَّاس وَاللَّه أَعْلَم. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْحه فِي كِتَاب الْأَحْكَام. ‏"
    },
    {
        "id": "2738",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏رَجَعْنَا مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ ‏ ‏فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي ‏ ‏بَايَعْنَا ‏ ‏تَحْتَهَا كَانَتْ رَحْمَةً مِنْ اللَّهِ فَسَأَلْتُ ‏ ‏نَافِعًا ‏ ‏عَلَى أَيِّ شَيْءٍ ‏ ‏بَايَعَهُمْ ‏ ‏عَلَى الْمَوْتِ قَالَ لَا بَلْ ‏ ‏بَايَعَهُمْ ‏ ‏عَلَى الصَّبْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عُمَر \" رَجَعْنَا مِنْ الْعَام الْمُقْبِل فَمَا اِجْتَمَعَ مِنَّا اِثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَة الَّتِي بَايَعْنَا - أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحْتهَا \" ‏ ‏أَيْ فِي عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَأَلْنَا نَافِعًا ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ جُوَيْرِيَةُ بْن أَسْمَاء الرَّاوِي عَنْهُ , وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّ هَذَا مِنْ قَوْل نَافِع وَلَيْسَ بِمُسْنَد , وَأُجِيب بِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّ نَافِعًا إِنَّمَا جَزَمَ بِمَا أَجَابَ بِهِ لِمَا فَهِمَهُ عَنْ مَوْلَاهُ اِبْن عُمَر فَيَكُون مُسْنَدًا بِهَذِهِ الطَّرِيقَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2739",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ زَمَنُ ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ لَهُ إِنَّ ‏ ‏ابْنَ حَنْظَلَةَ ‏ ‏يُبَايِعُ ‏ ‏النَّاسَ عَلَى الْمَوْتِ فَقَالَ لَا ‏ ‏أُبَايِعُ ‏ ‏عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد أَيْ اِبْن عَاصِم الْأَنْصَارِيّ الْمَازِنِي. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا كَانَ زَمَن الْحَرَّة ) ‏ ‏أَيْ الْوَقْعَة الَّتِي كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي زَمَن يَزِيد بْن مُعَاوِيَة سَنَة ثَلَاث وَسِتِّينَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اِبْن حَنْظَلَة ) ‏ ‏أَيْ عَبْد اللَّه بْن حَنْظَلَة بْن أَبِي عَامِر الَّذِي يُعْرَف أَبُوهُ بِغَسِيلِ الْمَلَائِكَة , وَالسَّبَب فِي تَلْقِيبه بِذَلِكَ أَنَّهُ قُتِلَ بِأُحُدِ وَهُوَ جُنُب فَغَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَة , وَعَلَقَتْ اِمْرَأَته تِلْكَ اللَّيْلَة بِابْنِهِ عَبْد اللَّه بْن حَنْظَلَة , فَمَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَهُ سَبْع سِنِينَ وَقَدْ حَفِظَ عَنْهُ. وَأَتَى الْكَرْمَانِيُّ بِأُعْجُوبَةٍ فَقَالَ : اِبْن حَنْظَلَة هُوَ الَّذِي كَانَ يَأْخُذ الْبَيْعَة لِيَزِيدَ بْن مُعَاوِيَة , وَالْمُرَاد بِهِ نَفْس يَزِيد لِأَنَّ جَدّه أَبَا سُفْيَان كَانَ يُكَنَّى أَيْضًا أَبَا حَنْظَلَة فَيَكُون التَّقْدِير أَنَّ اِبْن أَبِي حَنْظَلَة , ثُمَّ حُذِفَ لَفْظ أَبِي تَخْفِيفًا أَوْ يَكُون نُسِبَ إِلَى عَمّه حَنْظَلَة بْن أَبِي سُفْيَان اِسْتِخْفَافًا وَاسْتِهْجَانًا وَاسْتِبْشَاعًا بِهَذِهِ الْكَلِمَة الْمُرَّة اِنْتَهَى. وَلَقَدْ أَطَالَ رَحِمَهُ اللَّه فِي غَيْر طَائِل , وَأَتَى بِغَيْرِ الصَّوَاب. وَلَوْ رَاجَعَ مَوْضِعًا آخَر مِنْ الْبُخَارِيّ لِهَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ لَرَأَى فِيهِ مَا نَصُّهُ \" لَمَّا كَانَ يَوْم الْحَرَّة وَالنَّاس يُبَايِعُونَ لِعَبْدِ اللَّه بْن حَنْظَلَة , فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد : عَلَام يُبَايِع حَنْظَلَة النَّاس ؟ \" الْحَدِيث. وَهَذَا الْمَوْضِع فِي أَثْنَاء غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي , فَهَذَا يَرُدّ اِحْتِمَاله الثَّانِي , وَأَمَّا اِحْتِمَاله الْأَوَّل فَيَرُدّهُ اِتِّفَاق أَهْل النَّقْل عَلَى أَنَّ الْأَمِير الَّذِي كَانَ مِنْ قِبَلِ يَزِيد بْن مُعَارِيَة اِسْمه مُسْلِم بْن عُقْبَة لَا عَبْد اللَّه بْن حَنْظَلَة , وَأَنَّ اِبْن حَنْظَلَة كَانَ الْأَمِير عَلَى الْأَنْصَار , وَأَنَّ عَبْد اللَّه بْن مُطِيع كَانَ الْأَمِير عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَأَنَّهُمَا قُتِلَا جَمِيعًا فِي تِلْكَ الْوَقْعَة. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَان. ‏ ‏قَوْله : ( لَا أُبَايِع عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِيهِ إِيمَاء إِلَى أَنَّهُ بَايَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ بِصَرِيح , وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ الْمُصَنِّف بِحَدِيثِ سَلَمَة بْن الْأَكْوَع لِتَصْرِيحِهِ فِيهِ بِذَلِكَ. قَالَ اِبْن الْمُنِير : وَالْحِكْمَة فِي قَوْل الصَّحَابِيّ إِنَّهُ لَا يَفْعَل ذَلِكَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَحَقًّا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كُلّ مُسْلِم أَنْ يَقِيَه بِنَفْسِهِ , وَكَانَ فَرْضًا عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرُّوا عَنْهُ حَتَّى يَمُوتُوا دُونه , وَذَلِكَ بِخِلَافِ غَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "2740",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَايَعْتُ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ الشَّجَرَةِ فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ يَا ‏ ‏ابْنَ الْأَكْوَعِ ‏ ‏أَلَا ‏ ‏تُبَايِعُ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ قَدْ ‏ ‏بَايَعْتُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَيْضًا ‏ ‏فَبَايَعْتُهُ ‏ ‏الثَّانِيَةَ فَقُلْتُ لَهُ يَا ‏ ‏أَبَا مُسْلِمٍ ‏ ‏عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ ‏ ‏تُبَايِعُونَ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ قَالَ عَلَى الْمَوْتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث سَلَمَة فَقَوْله \" فَقُلْت لَهُ يَا أَبَا مُسْلِم \" ‏ ‏هِيَ كُنْيَة سَلَمَة بْن الْأَكْوَع , وَالْقَائِل \" فَقُلْت \" الرَّاوِي عَنْهُ وَهُوَ يَزِيد بْن أَبِي عُبَيْد مَوْلَاه , وَهَذَا الْحَدِيث أَحَد ثُلَاثِيَّات الْبُخَارِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي الْأَحْكَام أَيْضًا وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ اِبْن الْمُنِير : الْحِكْمَة فِي تَكْرَاره الْبَيْعَة لِسَلِمَة أَنَّهُ كَانَ مِقْدَامًا فِي الْحَرْب فَأَكَّد عَلَيْهِ الْعَقْد اِحْتِيَاطًا. قُلْت : أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ يُقَاتِل قِتَال الْفَارِس وَالرَّاجِل فَتَعَدَّدَتْ الْبَيْعَة بِتَعَدُّدِ الصِّفَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2741",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏نَحْنُ الَّذِينَ ‏ ‏بَايَعُوا ‏ ‏مُحَمَّدَا ‏ ‏عَلَى الْجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدَا ‏ ‏فَأَجَابَهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ ‏ ‏الْآخِرَهْ ‏ ‏فَأَكْرِمْ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرَهْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" كَانَتْ الْأَنْصَار يَوْم الْخَنْدَق تَقُول : ‏ ‏نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا ‏ ‏عَلَى الْجِهَاد مَا بَقِينَا أَبَدًا ‏ ‏وَهُوَ ظَاهِر فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي أَوَائِل الْجِهَاد , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2742",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاشِعٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏وَأَخِي ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏بَايِعْنَا ‏ ‏عَلَى الْهِجْرَةِ فَقَالَ ‏ ‏مَضَتْ الْهِجْرَةُ لِأَهْلِهَا فَقُلْتُ عَلَامَ ‏ ‏تُبَايِعُنَا ‏ ‏قَالَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مُجَاشِعٍ وَهُوَ اِبْن مَسْعُود , وَأَخُوهُ اِسْمه مُجَالَد بِجِيم , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة الْفَتْح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2743",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَقَدْ أَتَانِي الْيَوْمَ رَجُلٌ فَسَأَلَنِي عَنْ أَمْرٍ مَا دَرَيْتُ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ فَقَالَ أَرَأَيْتَ رَجُلًا مُؤْدِيًا نَشِيطًا يَخْرُجُ مَعَ أُمَرَائِنَا فِي الْمَغَازِي فَيَعْزِمُ عَلَيْنَا فِي أَشْيَاءَ لَا نُحْصِيهَا فَقُلْتُ لَهُ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ إِلَّا أَنَّا ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَعَسَى أَنْ لَا يَعْزِمَ عَلَيْنَا فِي أَمْرٍ إِلَّا مَرَّةً حَتَّى نَفْعَلَهُ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَزَالَ بِخَيْرٍ مَا اتَّقَى اللَّهَ وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ سَأَلَ رَجُلًا فَشَفَاهُ مِنْهُ وَأَوْشَكَ أَنْ لَا تَجِدُوهُ وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا أَذْكُرُ مَا غَبَرَ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا ‏ ‏كَالثَّغْبِ ‏ ‏شُرِبَ صَفْوُهُ وَبَقِيَ كَدَرُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَسْعُود , وَهَذَا الْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَانِي الْيَوْم رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اسْمِه. ‏ ‏قَوْله : ( مُؤْدِيًا ) ‏ ‏بِهَمْزَةٍ سَاكِنَة وَتَحْتَانِيَّة خَفِيفَة أَيْ كَامِل الْأَدَاء أَيْ أَدَاة الْحَرْب , وَلَا يَجُوز حَذْف الْهَمْزَة مِنْهُ لِئَلَّا يَصِير مِنْ أَوْدَى إِذَا هَلَكَ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مَعْنَاهُ قَوِيًّا , وَكَأَنَّهُ فَسَرَّهُ بِاللَّازِمِ. ‏ ‏وَقَوْله \" نَشِيطًا \" ‏ ‏بِنُونِ وَبِمُعْجَمَة مِنْ النَّشَاط. ‏ ‏قَوْله : ( نَخْرُج مَعَ أُمَرَائِنَا ) ‏ ‏كَذَا فِي الرِّوَايَة بِالنُّونِ مِنْ قَوْله نَخْرُج , وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ رَجُلًا أَحَدنَا , أَوْ هُوَ مَحْذُوف الصِّفَة أَيْ رَجُلًا مِنَّا , وَعَلَى هَذَا عَوَّلَ الْكَرْمَانِيُّ لِأَنَّ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ يَقُول مَعَ اِمْرَأَته , وَفِيهِ حِينَئِذٍ اِلْتِفَات. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون بِالتَّحْتَانِيَّةِ بَدَل النُّون وَفِيهِ أَيْضًا اِلْتِفَات. ‏ ‏قَوْله : ( لَا نُحْصِيهَا ) ‏ ‏أَيْ لَا نُطِيقهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ) وَقِيلَ لَا نَدْرِي أَهِيَ طَاعَة أَمْ مَعْصِيَة , وَالْأَوَّل مُطَابِق لِمَا فَهِمَ الْبُخَارِيّ فَتَرْجَمَ بِهِ , وَالثَّانِي مُوَافِق لِقَوْلِ اِبْن مَسْعُود \" وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسه شَيْء سَأَلَ رَجُلًا فَشَفَاهُ مِنْهُ \" , أَيْ مِنْ تَقْوَى اللَّه أَنْ لَا يَقْدُم الْمَرْء عَلَى مَا يَشُكّ فِيهِ حَتَّى يَسْأَل مَنْ عِنْده عِلْم فَيَدُلّهُ عَلَى مَا فِيهِ شِفَاؤُهُ. ‏ ‏وَقَوْله \" شَكَّ نَفْسه فِي شَيْء \" ‏ ‏مِنْ الْمَقْلُوب , إِذْ التَّقْدِير : وَإِذَا شَكَّ نَفْسه فِي شَيْء , أَوْ ضَمّنَ شَكَّ مَعْنَى لَصِقَ , وَالْمُرَاد بِالشَّيْءِ مَا يَتَرَدَّد فِي جَوَازه وَعَدَمه. ‏ ‏وَقَوْله \" حَتَّى يَفْعَلهُ \" ‏ ‏غَايَة لِقَوْلِهِ \" لَا يَعْزِم \" أَوْ لِلْعَزْمِ الَّذِي يَتَعَلَّق بِهِ الْمُسْتَثْنَى وَهُوَ مَرَّة. وَالْحَاصِل أَنَّ الرَّجُل سَأَلَ اِبْن مَسْعُود عَنْ حُكْم طَاعَة الْأَمِير فَأَجَابَهُ اِبْن مَسْعُود بِالْوُجُوبِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُون الْمَأْمُور بِهِ مُوَافِقًا لِتَقْوَى اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( مَا غَبَرَ ) ‏ ‏بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَة مَفْتُوحَتَيْنِ أَيْ مَضَى , وَهُوَ مِنْ الْأَضْدَاد يُطْلَق عَلَى مَا مَضَى وَعَلَى مَا بَقِيَ , وَهُوَ هُنَا مُحْتَمَل لِلْأَمْرَيْنِ. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : هُوَ بِالْمَاضِي هُنَا أَشْبَهَ كَقَوْلِهِ \" مَا أَذْكُر \". ‏ ‏وَالثَّغْب ‏ ‏بِمُثَلَّثَةِ مَفْتُوحَة وَمُعْجَمَة سَاكِنَة وَيَجُوز فَتْحهَا. قَالَ الْقَزَّاز : وَهُوَ أَكْثَر , وَهُوَ الْغَدِير يَكُون فِي ظِلّ فَيَبْرُد مَاؤُهُ وَيَرُوق , وَقِيلَ هُوَ مَا يَحْتَفِرهُ السَّيْل فِي الْأَرْض الْمُنْخَفِضَة فَيَصِير مِثْل الْأُخْدُود فَيَبْقَى الْمَاء فِيهِ فَتَصْفِقهُ الرِّيح فَيَصِير صَافِيًا بَارِدًا , وَقِيلَ هُوَ نَفْرُم فِي صَخْرَة يَبْقَى فِيهَا الْمَاء كَذَلِكَ ; فَشَبَّهَ مَا مَضَى مِنْ الدُّنْيَا بِمَا شُرِبَ مِنْ صَفْوه , وَمَا بَقِيَ مِنْهَا بِمَا تَأَخَّرَ مِنْ كَدَرِهِ. وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي زَمَان اِبْن مَسْعُود وَقَدْ مَاتَ هُوَ قَبْل مَقْتَل عُثْمَان وَوُجُود تِلْكَ الْفِتَن الْعَظِيمَة فَمَاذَا يَكُون اِعْتِقَاده فِيمَا جَاءَ بَعْد ذَلِكَ وَهَلُمَّ جَرَّا ؟ ‏ ‏وَفِي الْحَدِيث أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ وُجُوب طَاعَة الْإِمَام , وَأَمَّا تَوَقُّف اِبْن مَسْعُود عَنْ خُصُوص جَوَابه وَعُدُوله إِلَى الْجَوَاب الْعَامّ فَلِلْإِشْكَالِ الَّذِي وَقَعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ , وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي بَقِيَّة حَدِيثه , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ التَّوَقُّف فِي الْإِفْتَاء فِيمَا أُشْكِلَ مِنْ الْأَمْر كَمَا لَوْ أَنَّ بَعْض الْأَجْنَاد اِسْتَفْتَى أَنَّ السُّلْطَان عَيَّنَهُ فِي أَمْر مَخُوف بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَكَلَّفَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُطِيق , فَمَنْ أَجَابَهُ بِوُجُوبِ طَاعَة الْإِمَام أَشْكَلَ الْأَمْر لِمَا وَقَعَ مِنْ الْفَسَاد , وَإِنْ أَجَابَهُ بِجَوَازِ الِامْتِنَاع أَشْكَلَ الْأَمْر لِمَا قَدْ يُفْضِي بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْفِتْنَة , فَالصَّوَاب التَّوَقُّف عَنْ الْجَوَاب فِي ذَلِكَ وَأَمْثَاله. وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "2744",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَكَانَ كَاتِبًا لَهُ ‏ ‏قَالَ كَتَبَ إِلَيْهِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَقَرَأْتُهُ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ ‏ ‏لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى بِمَعْنَى مَا تَرْجَمَ بِهِ ; لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ \" إِذَا لَمْ يُقَاتِل أَوَّل النَّهَار \" وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه , فَعِنْد أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة بِهَذَا الْإِسْنَاد \" أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبّ أَنْ يَنْهَض إِلَى عَدُوّهُ عِنْد زَوَال الشَّمْس \" وَلِسَعِيدِ بْن مَنْصُور مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن أَبِي أَوْفَى \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمْهِل إِذَا زَالَتْ الشَّمْس ثُمَّ يَنْهَض إِلَى عَدُوّهُ \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْجِزْيَة مِنْ حَدِيث النُّعْمَان بْن مُقْرِن \" كَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِل أَوَّل النَّهَار اِنْتَظَرَ حَتَّى تَهُبّ الْأَرْوَاح وَتَحْضُر الصَّلَوَات \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّانَ مِنْ وَجْه آخَر وَصَحَّحَاهُ , وَفِي رِوَايَتهمْ \" حَتَّى تَزُول الشَّمْس وَتَهُبّ الْأَرْوَاح وَيَنْزِل النَّصْر \" فَيَظْهَر أَنَّ فَائِدَة التَّأْخِير لِكَوْنِ أَوْقَات الصَّلَاة مَظِنَّة إِجَابَة الدُّعَاء , وَهُبُوب الرِّيح قَدْ وَقَعَ النَّصْر بِهِ فِي الْأَحْزَاب فَصَارَ مَظِنَّة لِذَلِكَ وَاللَّه أَعْلَم. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث النُّعْمَان بْن مُقْرِن مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ لَكِنْ فِيهِ اِنْقِطَاع , وَلَفْظه يُوَافِق مَا قُلْته قَالَ \" غَزَوْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْر أَمْسَكَ حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس فَإِذَا طَلَعَتْ قَاتَلَ , فَإِذَا اِنْتَصَفَ النَّهَار أَمْسَكَ حَتَّى تَزُول الشَّمْس فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْس قَاتَلَ , فَإِذَا دَخَلَ وَقْت الْعَصْر أَمْسَكَ حَتَّى يُصَلِّيهَا ثُمَّ يُقَاتِل , وَكَانَ يُقَال : عِنْد ذَلِكَ تَهِيج رِيَاح النَّصْر وَيَدْعُو الْمُؤْمِنُونَ لِجُيُوشِهِمْ فِي صَلَاتهمْ \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه زِيَادَة فِي الدُّعَاء , وَسَيَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا فِي \" بَاب لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدُوّ \" مَعَ بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى شَرْحه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2745",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فَتَلَاحَقَ ‏ ‏بِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا عَلَى ‏ ‏نَاضِحٍ ‏ ‏لَنَا قَدْ أَعْيَا فَلَا يَكَادُ يَسِيرُ فَقَالَ لِي مَا لِبَعِيرِكَ قَالَ قُلْتُ عَيِيَ قَالَ فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَزَجَرَهُ وَدَعَا لَهُ فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيْ الْإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ فَقَالَ لِي كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ قَالَ قُلْتُ بِخَيْرٍ قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ قَالَ أَفَتَبِيعُنِيهِ قَالَ فَاسْتَحْيَيْتُ وَلَمْ يَكُنْ لَنَا ‏ ‏نَاضِحٌ ‏ ‏غَيْرُهُ قَالَ فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَبِعْنِيهِ فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنَّ لِي ‏ ‏فَقَارَ ‏ ‏ظَهْرهِ حَتَّى أَبْلُغَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏قَالَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي عَرُوسٌ فَاسْتَأْذَنْتُهُ فَأَذِنَ لِي فَتَقَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏حَتَّى أَتَيْتُ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَلَقِيَنِي ‏ ‏خَالِي ‏ ‏فَسَأَلَنِي عَنْ الْبَعِيرِ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ فَلَامَنِي قَالَ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ ‏ ‏هَلْ تَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا فَقُلْتُ تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا فَقَالَ هَلَّا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوُفِّيَ وَالِدِي أَوْ اسْتُشْهِدَ وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِثْلَهُنَّ فَلَا تُؤَدِّبُهُنَّ وَلَا تَقُومُ عَلَيْهِنَّ فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وَتُؤَدِّبَهُنَّ قَالَ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏غَدَوْتُ عَلَيْهِ بِالْبَعِيرِ فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ وَرَدَّهُ عَلَيَّ قَالَ ‏ ‏الْمُغِيرَةُ ‏ ‏هَذَا فِي قَضَائِنَا حَسَنٌ لَا نَرَى بِهِ بَأْسًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي قِصَّة جَمَله وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الشُّرُوط , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله \" إِنِّي عَرُوس فَاسْتَأْذَنْته فَأَذِنَ لِي \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِتَزْوِيجِهِ فِي النِّكَاح. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَوْله فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث \" قَالَ الْمُغِيرَة : هَذَا فِي قَضَائِنَا حَسَن لَا نَرَى بِهِ بَأْسًا \" ‏ ‏هَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَى الْمُغِيرَة , وَهُوَ اِبْن مَقْسَم الضَّبِّيُّ أَحَد فُقَهَاء الْكُوفَة , وَمُرَاده بِذَلِكَ مَا وَقَعَ مِنْ جَابِر مِنْ اِشْتِرَاط رُكُوب جَمَله إِلَى الْمَدِينَة. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : مُرَاده جَوَاز زِيَادَة الْغَرِيم عَلَى حَقّه , وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ خَاصًّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة لَمْ تَرِد فِي هَذِهِ الطَّرِيق هُنَا , وَهُوَ كَمَا قَالَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2746",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَزَعٌ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَسًا ‏ ‏لِأَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ وَإِنْ وَجَدْنَاهُ ‏ ‏لَبَحْرًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2747",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَزِعَ النَّاسُ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَسًا ‏ ‏لِأَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏بَطِيئًا ثُمَّ خَرَجَ يَرْكُضُ وَحْدَهُ فَرَكِبَ النَّاسُ يَرْكُضُونَ خَلْفَهُ فَقَالَ ‏ ‏لَمْ تُرَاعُوا إِنَّهُ ‏ ‏لَبَحْرٌ ‏ ‏فَمَا سُبِقَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2748",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ ‏ ‏سَأَلَ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏يَقُولُ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏آشْتَرِيهِ فَقَالَ ‏ ‏لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُمَر فِي قِصَّة الْفَرَس الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ يُبَاع , الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْهِبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2749",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَا تَبْتَعْهُ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي هَذِهِ الْقِصَّة نَفْسهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2750",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ ‏ ‏سَرِيَّةٍ ‏ ‏وَلَكِنْ لَا أَجِدُ حَمُولَةً وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ وَيَشُقُّ عَلَيَّ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي وَلَوَدِدْتُ أَنِّي قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقُتِلْتُ ثُمَّ أُحْيِيتُ ثُمَّ قُتِلْتُ ثُمَّ أُحْيِيتُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي التَّحْرِيض عَلَى الْغَزْو وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْجِهَاد. وَوَجْه دُخُول قِصَّة فَرَس عُمَر مِنْ جِهَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ الْمَحْمُول عَلَيْهِ عَلَى التَّصَرُّف فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْره فَدَلَّ عَلَى تَقْوِيَة مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ طَاوُسٌ مِنْ أَنَّ لِلْآخِذِ التَّصَرُّف فِي الْمَأْخُوذ. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : كُلُّ مَنْ أَخَذَ مَالًا مِنْ بَيْت الْمَال عَلَى عَمَل إِذَا أَهْمَل الْعَمَل يَرُدّ مَا أَخَذَ , وَكَذَا الْأَخْذ عَلَى عَمَل لَا يَتَأَهَّل لَهُ , وَيَحْتَاج إِلَى تَأْوِيل مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عُمَر فِي الْأَمْر الْمَذْكُور بِأَنْ يُحْمَل عَلَى الْكَرَاهَة , وَقَدْ قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب مَنْ أَعَانَ بِشَيْءٍ فِي الْغَزْو فَإِنَّهُ لِلَّذِي يُعْطَاهُ إِذَا بَلَغَ رَأْس الْمَغْزَى , أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره وَرَوَى مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ اِبْن عُمَر \" إِذَا بَلَغْت وَادِي الْقُرَى فَشَأْنك بِهِ \" أَيْ تَصَرَّفَ فِيهِ , وَهُوَ قَوْل اللَّيْث وَالثَّوْرِيّ. وَوَجْه دُخُول حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ مُتَعَلِّق بِالرُّكْنِ الثَّانِي مِنْ التَّرْجَمَة وَهُوَ الْحُمْلَانُ فِي سَبِيل اللَّه لِقَوْلِهِ أَوَّلًا \" وَلَا أَجِد مَا أَحْمِلهُمْ عَلَيْهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2751",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَزْوَةَ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏فَحَمَلْتُ عَلَى ‏ ‏بَكْرٍ ‏ ‏فَهُوَ أَوْثَقُ أَعْمَالِي فِي نَفْسِي فَاسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا فَقَاتَلَ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏فَعَضَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ وَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَهْدَرَهَا فَقَالَ ‏ ‏أَيَدْفَعُ يَدَهُ إِلَيْكَ فَتَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث صَفْوَان بْن يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ , وَهُوَ يَعْلَى بْن أُمَيَّة قَالَ \" غَزَوْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَة تَبُوك \" الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْقِصَاص ; وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" فَاسْتَأْجَرْت أَجِيرًا \" قَالَ الْمُهَلَّبُ : اِسْتَنْبَطَ الْبُخَارِيّ مِنْ هَذَا الْحَدِيث جَوَاز اِسْتِئْجَار الْحُرّ فِي الْجِهَادِ , وَقَدْ خَاطَبَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسه ) الْآيَة فَدَخَلَ الْأَجِير فِي هَذَا الْخِطَاب , قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيث أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يَعْلَى بْن أُمَيَّة أَوْضَح مِنْ الَّذِي هُنَا وَلَفْظه \" أَذَّنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَزْو وَأَنَا شَيْخ لَيْسَ لِي خَادِم , فَالْتَمَسْت أَجِيرًا يَكْفِينِي وَأُجْرِي لَهُ سَهْمِي , فَوَجَدْت رَجُلًا , فَلَمَّا دَنَا الرَّحِيل أَتَانِي فَقَالَ : مَا أَدْرَى مَا سَهْمك وَمَا يَبْلُغ , فَسِمّ لِي شَيْئًا كَانَ السَّهْم أَوْ لَمْ يَكُنْ , فَسَمَّيْت لَهُ ثَلَاثَة دَنَانِير \" الْحَدِيث. ‏ ‏وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَهُوَ أَوْثَق أَعْمَالِي \" ‏ ‏; فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ أَحْمَالِي بِالْمُهْمَلَةِ , وَلِلْمُسْتَمْلِيّ بِالْجِيمِ , وَالَّذِي قَاتَلَ الْأَجِير هُوَ يَعْلَى بْن أُمَيَّة نَفْسه كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏الْأَوَّل وَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ بَيْن أَثَر عَطِيَّة بْن قَيْس وَحَدِيث يَعْلَى بْن أُمَيَّة \" بَاب اِسْتِعَارَة الْفَرَس فِي الْغَزْو \" , وَهُوَ خَطَأ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم أَنْ يَخْلُو بَاب الْأَجِير مِنْ حَدِيث مَرْفُوع , وَلَا مُنَاسَبَة بَيْنه وَبَيْن حَدِيث يَعْلَى بْن أُمَيَّة , وَكَأَنَّهُ وَجَدَ هَذِهِ التَّرْجَمَة فِي الطُّرَّة خَالِيَة عَنْ حَدِيث فَظَنَّ أَنَّ هَذَا مَوْضِعهَا. وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَحُكْمهَا حُكْم التَّرْجَمَة الْمَاضِيَة قَرِيبًا وَهِيَ \" بَاب الْخُرُوج فِي الْفَزَع وَحْده \" وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُورِد فِيهِ حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة فَرَس أَبِي طَلْحَة أَيْضًا فَلَمْ يَتَّفِق ذَلِكَ , وَيُقَوِّي هَذَا أَنَّ اِبْن شَبُّويَةَ جَعَلَ هَذِهِ التَّرْجَمَة مُسْتَقِلَّة قَبْل \" بَاب الْأَجِير \" بِغَيْرِ حَدِيث , وَأَوْرَدَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ عَقِب بَاب الْأَجِير وَقَالَ : لَمْ يَذْكُر فِيهَا حَدِيثًا. ثَانِيهمَا : وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ تَقْدِيم \" بَاب الْجَعَائِل \" وَمَا بَعْده إِلَى هُنَا وَأَخَّرَ ذَلِكَ الْبَاقُونَ وَقَدَّمُوا عَلَيْهِ \" بَاب مَا قِيلَ فِي لِوَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". وَالْخَطْب فِيهِ قَرِيب. ‏"
    },
    {
        "id": "2752",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَكَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرَادَ الْحَجَّ ‏ ‏فَرَجَّلَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ ثَعْلَبَة بْن أَبِي مَالِك ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ذِكْره فِي \" بَاب حَمْل النِّسَاء الْقِرَب فِي الْغَزْو \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ قَيْس بْن سَعْد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُبَادَةَ الصَّحَابِيّ اِبْن الصَّحَابِيّ وَهُوَ سَيِّد الْخَزْرَج اِبْن سَيِّدهمْ , وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِنْ حَدِيث أَنَس فِي الْأَحْكَام أَنَّهُ كَانَ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْزِلَةِ صَاحِب الشُّرْطَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ صَاحِب لِوَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي يَخْتَصّ بِالْخَزْرَجِ مِنْ الْأَنْصَار , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَغَازِيه يَدْفَع إِلَى رَأْس كُلّ قَبِيلَة لِوَاء يُقَاتِلُونَ تَحْته. وَأَخْرَجَ أَحْمَد بِإِسْنَادٍ قَوِي مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ رَايَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ تَكُون مَعَ عَلِيّ , وَرَايَة الْأَنْصَار مَعَ سَعْد اِبْن عُبَادَةَ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( أَرَادَ الْحَجّ فَرَجَّلَ ) ‏ ‏هُوَ بِتَشْدِيدِ الْجِيم وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَهَا بِالْمُهْمَلَةِ , وَاقْتَصَرَ الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا الْقَدْر مِنْ الْحَدِيث لِأَنَّهُ مَوْقُوف وَلَيْسَ مِنْ غَرَضه فِي هَذَا الْبَاب وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنَّ قَيْس بْن سَعْد كَانَ صَاحِب اللِّوَاء النَّبَوِيّ وَلَا يَتَقَرَّر فِي ذَلِكَ إِلَّا بِإِذْنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَهَذَا الْقَدْر هُوَ الْمَرْفُوع مِنْ الْحَدِيث تَامًّا وَهُوَ الَّذِي يَحْتَاج إِلَيْهِ هُنَا , وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ الْحَدِيث تَامًّا مِنْ طَرِيق اللَّيْث الَّتِي أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّف مِنْهَا فَقَالَ بَعْد قَوْله فَرَجَّلَ أَحَد شِقَّيْ رَأْسه \" فَقَامَ غُلَام لَهُ فَقَلَّدَ هَدْيه , فَنَظَرَ قَيْس هَدْيه وَقَدْ قُلِّدَ فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ وَلَمْ يُرَجِّل شِقّ رَأْسه الْآخَر \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ الزُّهْرِيّ بِتَمَامِهِ نَحْوه , وَفِي ذَلِكَ مَصِير مِنْ قَيْس بْن سَعْد إِلَى أَنَّ الَّذِي يُرِيد الْإِحْرَام إِذَا قَلَّدَ هَدْيه يَدْخُل فِي حُكْم الْمُحْرِم. وَقَرَأْت فِي كَلَام بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ بَعْض الشَّارِحِينَ تَحَيَّرَ فِي شَرْح الْقَدْر الَّذِي وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ , وَتَكَلَّفَ لَهُ وُجُوهًا عَجِيبَة , فَلْيَنْظُرْ الْمُرَاد بِالشَّارِحِ الْمَذْكُور فَإِنِّي لَمْ أَقِف عَلَيْهِ. ثُمَّ رَأَيْت مَا نَقَلَهُ الْمُتَأَخِّر الْمَذْكُور فِي كَلَام صَاحِب \" الْمَطَالِع \" وَأَبْهَمَ الشَّارِح الَّذِي تَحَيَّرَ وَقَالَ : إِنَّهُ حَمَّلَ الْكَلَام مَا لَا يَحْتَمِلهُ. وَذَكَر الدِّمْيَاطِيّ فِي الْحَاشِيَة أَنَّ الْبُخَارِيّ ذَكَرَ بَقِيَّة الْحَدِيث فِي آخِر الْكِتَاب وَلَيْسَ فِي الْكِتَاب شَيْء مِنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2753",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏تَخَلَّفَ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَكَانَ بِهِ رَمَدٌ فَقَالَ أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَخَرَجَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا فِي صَبَاحِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ ‏ ‏أَوْ قَالَ لَيَأْخُذَنَّ ‏ ‏غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ‏ ‏أَوْ قَالَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏ ‏يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِذَا نَحْنُ ‏ ‏بِعَلِيٍّ ‏ ‏وَمَا نَرْجُوهُ فَقَالُوا هَذَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع فِي قِصَّة عَلِيّ يَوْم خَيْبَر , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْمَغَازِي , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَة غَدًا رَجُلًا يُحِبّهُ اللَّه وَرَسُوله \" فَإِنَّهُ مُشْعِر بِأَنَّ الرَّايَة لَمْ تَكُنْ خَاصَّة بِشَخْصٍ مُعَيّنٍ بَلْ كَانَ يُعْطِيهَا فِي كُلّ غَزْوَة لِمَنْ يُرِيد , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ بِلَفْظِ \" إِنِّي دَافِع اللِّوَاء إِلَى رَجُل يُحِبّهُ اللَّه وَرَسُوله \" الْحَدِيث , وَهَذَا مُشْعِر بِأَنَّ الرَّايَة وَاللِّوَاء سَوَاءٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "2754",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْعَبَّاسَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لِلْزُّبَيْرِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏هَا هُنَا أَمَرَكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ تَرْكُزَ الرَّايَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث نَافِع بْن جُبَيْر \" سَمِعْت الْعَبَّاس - أَيْ اِبْن عَبْد الْمُطَلِّب - يَقُول لِلزُّبَيْرِ أَيْ اِبْن الْعَوَّام : هَاهُنَا أَمَرَك النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُرْكِز الرَّايَة \" وَهُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِي غَزْوَة الْفَتْح , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفَى هُنَاكَ , وَأُبَيِّن هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مَا فِي سِيَاقه مِنْ صُورَة الْإِرْسَال وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ , وَأُبَيِّن تَعْيِين الْمَكَان الْمُشَار إِلَيْهِ وَأَنَّهُ الْحَجُونَ , وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَضَمَّ الْجِيم الْخَفِيفَة , قَالَ الطَّبَرِيُّ : فِي حَدِيث عَلِيٍّ أَنَّ الْإِمَام يُؤَمِّر عَلَى الْجَيْش مَنْ يُوثَق بِقُوَّتِهِ وَبَصِيرَته وَمَعْرِفَته , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْحه فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَالَ الْمُهَلَّب : وَفِي حَدِيث الزُّبَيْر أَنَّ الرَّايَة لَا تُرْكَز إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَام , لِأَنَّهَا عَلَامَة عَلَى مَكَانه فَلَا يَتَصَرَّف فِيهَا إِلَّا بِأَمْرِهِ. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث اِسْتِحْبَاب اِتِّخَاذ الْأَلْوِيَة فِي الْحَرْب. وَأَنَّ اللِّوَاء يَكُون مَعَ الْأَمِير أَوْ مَن يُقِيمهُ لِذَلِكَ عِنْد الْحَرْب , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث أَنَس \" أَخَذَ الرَّايَة زَيْد بْن حَارِثَة فَأُصِيب , ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَر فَأُصِيب \" الْحَدِيث , وَيَأْتِي تَمَام شَرْحه فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2755",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بُعِثْتُ ‏ ‏بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ ‏ ‏وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ فَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنْتُمْ ‏ ‏تَنْتَثِلُونَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي أَوَّله \" بُعِثْت بِجَوَامِع الْكَلِم \" وَفِيهِ \" وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ , وَبَيْنَا أَنَا نَائِم أُوتِيت بِمَفَاتِيح خَزَائِن الْأَرْض \" وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفَى فِي كِتَاب التَّعْبِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَجَوَامِع الْكَلِم الْقُرْآن فَإِنَّهُ تَقَع فِيهِ الْمَعَانِي الْكَثِيرَة بِالْأَلْفَاظِ الْقَلِيلَة , وَكَذَلِكَ يَقَع فِي الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة الْكَثِير مِنْ ذَلِكَ. وَمَفَاتِيح خَزَائِن الْأَرْض الْمُرَاد مِنْهَا مَا يُفْتَح لِأُمَّتِهِ مِنْ بَعْده مِنْ الْفُتُوح , وَقِيلَ الْمَعَادِن , وَقَوْل أَبِي هُرَيْرَة \" وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا \" بِوَزْنِ تَفْتَعِلُونَهَا - مِنْ النَّثْل بِالنُّونِ وَالْمُثَلَّثَة - أَيْ تَسْتَخْرِجُونَهَا , تَقُول نَثَلْت الْبِئْر إِذَا اِسْتَخْرَجْت تُرَابهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2756",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏أَرْسَلَ إِلَيْهِ وَهُمْ ‏ ‏بِإِيلِيَاءَ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ ‏ ‏الصَّخَبُ ‏ ‏فَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ ‏ ‏أَمِرَ ‏ ‏أَمْرُ ‏ ‏ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ ‏ ‏إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ ‏ ‏بَنِي الْأَصْفَرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سُفْيَان فِي قِصَّة هِرَقْل ذَكَرَ طَرَفًا مِنْهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِطُولِهِ فِي بَدْء الْوَحْي , وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْله \" أَنَّهُ يَخَافهُ مَلِك بَنِي الْأَصْفَر \" لِأَنَّهُ كَانَ بَيْن الْمَدِينَة وَبَيْن الْمَكَان الَّذِي كَانَ قَيْصَر يَنْزِل فِيهِ مُدَّة شَهْر أَوْ نَحْوه. ‏"
    },
    {
        "id": "2757",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏وَحَدَّثَتْنِي أَيْضًا ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏صَنَعْتُ سُفْرَةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَيْتِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَتْ فَلَمْ نَجِدْ لِسُفْرَتِهِ وَلَا لِسِقَائِهِ مَا نَرْبِطُهُمَا بِهِ فَقُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا أَجِدُ شَيْئًا أَرْبِطُ بِهِ إِلَّا ‏ ‏نِطَاقِي ‏ ‏قَالَ فَشُقِّيهِ بِاثْنَيْنِ فَارْبِطِيهِ بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ وَبِالْآخَرِ السُّفْرَةَ فَفَعَلْتُ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ ‏ ‏ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر فِي تَسْمِيَتهَا ذَات النِّطَاقَيْنِ , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْلهَا \" فَلَمْ تَجِد لِسُفْرَتِهِ وَلَا لِسِقَائِهِ مَا تَرْبِطهُمَا بِهِ \" فَإِنَّهُ ظَاهِر فِي حَمْل آلَة الزَّاد فِي السَّفَر , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى شَرْحه فِي أَبْوَاب الْهِجْرَة. وَالنِّطَاق بِكَسْرِ النُّون مَا تَشُدُّ بِهِ الْمَرْأَة وَسَطهَا لِيَرْتَفِع بِهِ ثَوْبهَا مِنْ الْأَرْض عِنْد الْمِهْنَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2758",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر \" كُنَّا نَتَزَوَّد لُحُوم الْأَضَاحِيّ \" الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْأَضَاحِيّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2759",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏حَتَّى إِذَا كَانُوا ‏ ‏بِالصَّهْبَاءِ ‏ ‏وَهِيَ مِنْ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَهِيَ أَدْنَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَصَلَّوْا الْعَصْرَ فَدَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْأَطْعِمَةِ فَلَمْ يُؤْتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا ‏ ‏بِسَوِيقٍ ‏ ‏فَلُكْنَا فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا وَصَلَّيْنَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث سُوَيْد بْن النُّعْمَان وَفِيهِ \" فَدَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَطْعِمَةِ \" وَفِي رِوَايَة مَالِك \" بِالْأَزْوَادِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَة مَعَ الْكَلَام عَلَيْهِ , ‏ ‏وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَلُكْنَا \" ‏ ‏بِضَمِّ اللَّام أَيْ أَدَرْنَا اللُّقْمَة فِي الْفَم , ‏ ‏وَقَوْله \" وَشَرِبْنَا \" ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَا أُرَاهُ مَحْفُوظًا إِلَّا إِنْ كَانَ أَرَادَ الْمَضْمَضَة , كَذَا قَالَ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون بَعْضهمْ اِسْتَفَّ السَّوِيق وَبَعْضهمْ جَعَلَهُ فِي الْمَاء وَشَرِبَهُ فَلَا إِشْكَال. ‏"
    },
    {
        "id": "2760",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَفَّتْ أَزْوَادُ النَّاسِ ‏ ‏وَأَمْلَقُوا ‏ ‏فَأَتَوْا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي نَحْرِ إِبِلِهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ فَلَقِيَهُمْ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْدَ إِبِلِكُمْ فَدَخَلَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَقَاؤُهُمْ بَعْدَ إِبِلِهِمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَادِ فِي النَّاسِ يَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ فَدَعَا وَبَرَّكَ عَلَيْهِ ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأَوْعِيَتِهِمْ ‏ ‏فَاحْتَثَى ‏ ‏النَّاسُ حَتَّى فَرَغُوا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَلَمَة وَهُوَ اِبْن الْأَكْوَع \" خَفَّتْ أَزْوَاد النَّاس وَأَمْلَقُوا , فَأَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَحْر إِبِلهمْ \" الْحَدِيث. وَهُوَ ظَاهِر فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ. ‏ ‏وَقَوْله : ( أَمْلَقُوا ) ‏ ‏أَيْ فَنِيَ زَادُهُمْ , وَمَعْنَى أَمْلَقَ اِفْتَقَرَ , وَقَدْ يَأْتِي مُتَعَدِّيًا بِمَعْنَى أَفْنَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَحْر إِبِلهمْ ) ‏ ‏أَيْ بِسَبَبِ نَحْر إِبِلهمْ , أَوْ فِيهِ حَذْف تَقْدِيره فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي نَحْر إِبِلهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( نَادِ فِي النَّاس يَأْتُونَ ) ‏ ‏أَيْ فَهُمْ يَأْتُونَ , وَلِذَلِكَ رَفَعَهُ , وَزَادَ فِي الشَّرِكَة \" فَبُسِطَ لِذَلِكَ نِطَع \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِيهِ أَرْبَع لُغَات فَتْح النُّون وَكَسْرهَا وَفَتْح الطَّاء وَسُكُونهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَرّك ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ أَيْ دَعَا بِالْبَرَكَةِ ‏ ‏وَقَوْله ( عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَلَيْهِ \" أَيْ عَلَى الطَّعَام , وَمِثْلُهُ فِي الشَّرِكَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَاحْتَثَى النَّاس ) ‏ ‏بِمُهْمَلَة سَاكِنَة ثُمَّ مُثَنَّاة ثُمَّ مُثَلَّثَة أَيْ أَخَذُوا حَثْيَة حَثْيَة. ‏ ‏وَقَوْله : ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْهَد ) ‏ ‏إِلَى آخِر الشَّهَادَتَيْنِ أَشَارَ إِلَى أَنَّ ظُهُور الْمُعْجِزَة مِمَّا يُؤَيِّد الرِّسَالَة. ‏ ‏وَفِي الْحَدِيث حُسْن خُلُق رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِجَابَته إِلَى مَا يَلْتَمِس مِنْهُ أَصْحَابه , وَإِجْرَاؤُهُمْ عَلَى الْعَادَة الْبَشَرِيَّة فِي الِاحْتِيَاج إِلَى الزَّاد فِي السَّفَر , وَمَنْقَبَة ظَاهِرَة لِعُمَر دَالَّة عَلَى قُوَّة يَقِينه بِإِجَابَةِ دُعَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى حُسْن نَظَره لِلْمُسْلِمِينَ. عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي إِجَابَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ عَلَى نَحْر إِبِلهمْ مَا يَتَحَتَّم أَنَّهُمْ يَبْقَوْنَ بِلَا ظَهْر , لِاحْتِمَالِ أَنْ يَبْعَث اللَّه لَهُمْ مَا يَحْمِلهُمْ مِنْ غَنِيمَة وَنَحْوهَا , لَكِنْ أَجَابَ عُمَر إِلَى مَا أَشَارَ بِهِ لِتَعْجِيلِ الْمُعْجِزَة بِالْبَرَكَةِ الَّتِي حَصَلَتْ فِي الطَّعَام. ‏ ‏وَقَدْ وَقَعَ لِعُمَر شَبِيه بِهَذِهِ الْقِصَّة فِي الْمَاء , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره , وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , وَقَوْل عُمَر \" مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْد إِبِلكُمْ \" أَيْ لِأَنَّ تَوَالِي الْمَشْي رُبَّمَا أَفْضَى إِلَى الْهَلَاك , وَكَأَنَّ عُمَر أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ النَّهْي عَنْ الْحُمُر الْأَهْلِيَّة يَوْم خَيْبَر اِسْتِبْقَاء لِظُهُورِهَا , قَالَ اِبْن بَطَّال : اِسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْض الْفُقَهَاء أَنَّهُ يَجُوز لِلْإِمَامِ فِي الْغَلَاء إِلْزَام مَنْ عِنْده مَا يَفْضُل عَنْ قُوته أَنْ يُخْرِجهُ لِلْبَيْعِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ صَلَاح النَّاس , وَفِي حَدِيث سَلَمَة جَوَاز الْمَشُورَة عَلَى الْإِمَام بِالْمَصْلَحَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّم مِنْهُ الِاسْتِشَارَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2761",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا وَنَحْنُ ثَلَاثُ مِائَةٍ نَحْمِلُ زَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا فَفَنِيَ زَادُنَا حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا يَأْكُلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَةً قَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَأَيْنَ كَانَتْ التَّمْرَةُ تَقَعُ مِنْ الرَّجُلِ قَالَ لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَقَدْنَاهَا حَتَّى أَتَيْنَا الْبَحْرَ فَإِذَا حُوتٌ قَدْ قَذَفَهُ الْبَحْرُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَا أَحْبَبْنَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي قِصَّة الْعَنْبَر مُقْتَصِرًا عَلَى بَعْضه , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" وَنَحْنُ ثَلَاثمِائَةِ نَحْمِل زَادَنَا عَلَى رِقَابنَا \" وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفَى فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي. ‏"
    },
    {
        "id": "2762",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ يَرْجِعُ أَصْحَابُكَ بِأَجْرِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَلَمْ أَزِدْ عَلَى الْحَجِّ فَقَالَ لَهَا ‏ ‏اذْهَبِي وَلْيُرْدِفْكِ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَأَمَرَ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنْ يُعْمِرَهَا مِنْ ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏فَانْتَظَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِأَعْلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏حَتَّى جَاءَتْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2763",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ أُرْدِفَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَأُعْمِرَهَا مِنْ ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2764",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ رَدِيفَ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏وَإِنَّهُمْ لَيَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2765",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَفْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى إِكَافٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ وَأَرْدَفَ ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏وَرَاءَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2766",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَقْبَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ أَعْلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏عَلَى رَاحِلَتِهِ مُرْدِفًا ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏وَمَعَهُ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏وَمَعَهُ ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ ‏ ‏مِنْ الْحَجَبَةِ حَتَّى أَنَاخَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِفْتَاحِ الْبَيْتِ فَفَتَحَ وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَعَهُ ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏وَعُثْمَانُ ‏ ‏فَمَكَثَ فِيهَا نَهَارًا طَوِيلًا ثُمَّ خَرَجَ فَاسْتَبَقَ النَّاسُ وَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ فَوَجَدَ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏وَرَاءَ الْبَابِ قَائِمًا فَسَأَلَهُ أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَشَارَ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى مِنْ سَجْدَةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن عُمَر فِي صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَعْبَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة وَفِي الْحَجّ , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله فِي أَوَّله \" أَقْبَلَ يَوْم الْفَتْح مُرْدِفًا أُسَامَة بْن زَيْد \" لَكِنَّهُ كَانَ يَوْمئِذٍ رَاكِبًا عَلَى رَاحِلَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2767",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُلُّ ‏ ‏سُلَامَى ‏ ‏مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ ‏ ‏الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ ‏ ‏وَيُمِيطُ ‏ ‏الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق ) ‏ ‏كَذَا هُوَ غَيْر مَنْسُوب , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب فَضْل مَنْ حَمَلَ مَتَاع صَاحِبه فِي السَّفَر \" عَنْ إِسْحَاق بْن نَصْر عَنْ عَبْد الرَّزَّاق لَكِنَّ سِيَاقه مُغَايِر لِسِيَاقِهِ هُنَا , وَتَقَدَّمَ فِي الصُّلْح عَنْ إِسْحَاق بْن مَنْصُور عَنْ عَبْد الرَّزَّاق مُقْتَصِرًا عَلَى بَعْضه , وَهُوَ أَشْبَه بِسِيَاقِهِ هُنَا فَلْيُفَسَّر بِهِ هَذَا الْمُهْمَل هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( كُلّ سُلَامَى ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف اللَّام أَيْ أُنْمُلَة , وَقِيلَ كُلّ عَظْم مُجَوَّف صَغِير , وَقِيلَ هُوَ فِي الْأَصْل عَظْم يَكُون فِي فِرْسِن الْبَعِير وَاحِده وَجَمْعه سَوَاء , وَقِيلَ جَمْعه سُلَامِيَّات : وَقَوْله \" كُلّ يَوْم عَلَيْهِ صَدَقَة \" بِنَصَبِ كُلّ عَلَى الظَّرْفِيَّة وَقَوْله \" عَلَيْهِ \" مُشْكِل , قَالَ اِبْن مَالِك : الْمَعْهُود فِي \" كُلّ \" إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى نَكِرَة مِنْ خَبَر وَتَمْيِيز وَغَيْرهمَا أَنْ تَجِيء عَلَى وَفْق الْمُضَاف كَقَوْلَةِ تَعَالَى ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) وَهُنَا جَاءَ عَلَى وَفْق \" كُلّ \" فِي قَوْله \" كُلّ سُلَامَى عَلَيْهِ صَدَقَة \" وَكَانَ الْقِيَاس أَنْ يَقُول عَلَيْهَا صَدَقَة , لِأَنَّ السُّلَامَى مُؤَنَّثَة , لَكِنْ دَلَّ مَجِيئُهَا فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى الْجَوَاز , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ضَمَّنَ السُّلَامَى مَعْنَى الْعَظْم أَوْ الْمِفْصَل فَأَعَادَ الضَّمِير عَلَيْهِ كَذَلِكَ , وَالْمَعْنَى عَلَى كُلّ مُسْلِم مُكَلَّف بِعَدَدِ كُلّ مَفْصِل مِنْ عِظَامه صَدَقَة لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيل الشُّكْر لَهُ بِأَنْ جَعَلَ عِظَامه مَفَاصِل يَتَمَكَّن بِهَا مِنْ الْقَبْض وَالْبَسْط. وَخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِمَا فِي التَّصَرُّف بِهَا مِنْ دَقَائِق الصَّنَائِع الَّتِي اُخْتُصَّ بِهَا الْآدَمِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( يَعْدِل ) ‏ ‏فَاعِله الشَّخْص الْمُسْلِم الْمُكَلَّف وَهُوَ مُبْتَدَأ عَلَى تَقْدِير الْعَدْل نَحْو \" تَسْمَع بِالْمُعَيْدِيّ خَيْر مِنْ أَنْ تَرَاهُ \" وَقَدْ قَالَ سُبْحَانه وَتَعَالَى ( وَمِنْ آيَاته يُرِيكُمْ الْبَرْقَ ). ‏ ‏قَوْله : ( وَيُعِين الرَّجُل عَلَى دَابَّته فَيَحْمِل عَلَيْهَا ) ‏ ‏هُوَ مَوْضِع التَّرْجَمَة , فَإِنَّ قَوْله \" فَيَحْمِل عَلَيْهَا \" أَعَمّ مِنْ أَنْ يُرِيد يَحْمِل عَلَيْهَا الْمَتَاع أَوْ الرَّاكِب. ‏ ‏وَقَوْله \" أَوْ يَرْفَع عَلَيْهَا مَتَاعه \" ‏ ‏إِمَّا شَكّ مِنْ الرَّاوِي أَوْ تَنْوِيع , وَحَمْل الرَّاكِب أَعَمّ مِنْ أَنْ يَحْمِلهُ كَمَا هُوَ أَوْ بِعَيْنِهِ فِي الرُّكُوب فَتَصِحّ التَّرْجَمَة. قَالَ اِبْن الْمُنِير : لَا تُؤْخَذ التَّرْجَمَة مِنْ مُجَرَّد صِيغَة الْفِعْل فَإِنَّهُ مُطْلَق , بَلْ مِنْ جِهَة عُمُوم الْمَعْنَى , وَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث الْعَبَّاس فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ قَالَ \" وَأَنَا آخِذ بِرِكَابِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُمِيط الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي \" بَاب إِمَاطَة الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق \" مِنْ هَذَا الْوَجْه مُعَلَّقًا , وَحَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ بَعْض مَنْ تَقَدَّمَهُ أَنَّ هَذَا مِنْ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة مَوْقُوف , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الْفَضَائِل لَا تُدْرَك بِالْقِيَاسِ , وَإِنَّمَا تُؤْخَذ تَوْقِيفًا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2768",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مَالِك فِي ذَلِكَ وَهُوَ بِلَفْظِ \" نَهَى أَنْ يُسَافَر بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْض الْعَدُوّ \" وَأَوْرَدَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ مَالِك وَزَادَ \" مَخَافَة أَنْ يَنَالهُ الْعَدُوّ \" رَوَاهُ اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك فَقَالَ \" خَشْيَة أَنْ يَنَالهُ الْعَدُوّ \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ الْقُعْنُبِيِّ عَنْ مَالِك فَقَالَ : قَالَ مَالِك أَرَاهُ \" مَخَافَة \" فَذَكَرَهُ , قَالَ أَبُو عُمَر : كَذَا قَالَ يَحْيَى بْن يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيّ وَيَحْيَى بْن بَكِير , وَأَكْثَر الرُّوَاة عَنْ مَالِك جَعَلُوا التَّعْلِيل مِنْ كَلَامه وَلَمْ يَرْفَعُوهُ ; وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ اِبْن وَهْب تَفَرَّدَ بِرَفْعِهَا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا قَدَّمْته مِنْ رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ , وَهَذِهِ الزِّيَادَة رَفَعَهَا اِبْن إِسْحَاق أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجهَا مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ نَافِع , وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق أَيُّوب بِلَفْظِ \" فَإِنِّي لَا آمَن أَنْ يَنَالهُ الْعَدُوّ \" فَصَحَّ أَنَّهُ مَرْفُوع وَلَيْسَ بِمُدْرَجٍ , وَلَعَلَّ مَالِكًا كَانَ يَجْزِم بِهِ , ثُمَّ صَارَ يَشُكّ فِي رَفْعه فَجَعَلَهُ مِنْ تَفْسِير نَفْسه. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : أَجْمَع الْفُقَهَاء أَنْ لَا يُسَافَر بِالْمُصْحَفِ فِي السَّرَايَا وَالْعَسْكَر الصَّغِير الْمَخُوف عَلَيْهِ , وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَبِير الْمَأْمُون عَلَيْهِ : فَمَنَعَ مَالِك أَيْضًا مُطْلَقًا , وَفَصَّلَ أَبُو حَنِيفَة , وَأَدَارَ الشَّافِعِيَّة الْكَرَاهَة مَعَ الْخَوْف وُجُودًا وَعَدَمًا. وَقَالَ بَعْضهمْ كَالْمَالِكِيَّةِ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَنْع بَيْع الْمُصْحَف مِنْ الْكَافِر لِوُجُودِ الْمَعْنَى الْمَذْكُور فِيهِ وَهُوَ التَّمَكُّن مِنْ الِاسْتِهَانَة بِهِ , وَلَا خِلَاف فِي تَحْرِيم ذَلِكَ وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَاف هَلْ يَصِحّ لَوْ وَقَعَ وَيُؤْمَر بِإِزَالَةِ مِلْكه عَنْهُ أَمْ لَا ؟ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَنْع تَعَلُّم الْكَافِر الْقُرْآن : فَمَنَعَ مَالِك مُطْلَقًا , وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّة مُطْلَقًا , وَعَنْ الشَّافِعِيّ قَوْلَانِ , وَفَصَّلَ بَعْض الْمَالِكِيَّة بَيْن الْقَلِيل لِأَجْلِ مَصْلَحَة قِيَام الْحُجَّة عَلَيْهِمْ فَأَجَازَهُ , وَبَيْن الْكَثِير فَمَنَعَهُ. وَيُؤَيِّدهُ قِصَّة هِرَقْل حَيْثُ كَتَبَ إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْض الْآيَات , وَقَدْ سَبَقَ فِي \" بَاب هَلْ يُرْشِد بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا \" وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيّ الِاتِّفَاق عَلَى جَوَاز الْكِتَابَة إِلَيْهِمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اِدَّعَى اِبْن بَطَّال أَنَّ تَرْتِيب هَذَا الْبَاب وَقَعَ فِيهِ غَلَط مِنْ النَّاسِخ , وَأَنَّ الصَّوَاب أَنْ يُقَدِّم حَدِيث مَالِك قَبْل قَوْله \" وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ مُحَمَّد بْن بِشْر إِلَخْ \" قَالَ : وَإِنَّمَا اِحْتَاجَ إِلَى الْمُتَابَعَة لِأَنَّ بَعْض النَّاس زَادَ فِي الْحَدِيث \" مَخَافَة أَنْ يَنَالهُ الْعَدُوّ \" وَلَمْ تَصِحّ هَذِهِ الزِّيَادَة عِنْد مَالِك وَلَا عِنْد الْبُخَارِيّ اِنْتَهَى. وَمَا اِدَّعَاهُ مِنْ الْغَلَط مَرْدُود , فَإِنَّهُ اِسْتَنَدَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّم شَيْء يُشَار إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ كَذَلِكَ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ لِأَنَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ \" كَذَلِكَ \" إِلَى لَفْظ التَّرْجَمَة كَمَا بَيَّنَهُ مِنْ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ , وَأَمَّا مَا اِدَّعَاهُ مِنْ سَبَب الْمُتَابَعَة فَلَيْسَ كَمَا قَالَ , فَإِنَّ لَفْظ الْكَرَاهِيَة تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّد بْن بِشْر , وَمُتَابَعَة اِبْن إِسْحَاق لَهُ إِنَّمَا هِيَ فِي أَصْل الْحَدِيث لَكِنَّهُ أَفَادَ أَنَّ الْمُرَاد بِالْقُرْآنِ الْمُصْحَف لَا حَامِل الْقُرْآن. ‏"
    },
    {
        "id": "2769",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَبَّحَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَقَدْ خَرَجُوا ‏ ‏بِالْمَسَاحِي ‏ ‏عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا هَذَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَالْخَمِيسُ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَالْخَمِيسُ ‏ ‏فَلَجَئُوا إِلَى الْحِصْنِ فَرَفَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَيْهِ وَقَالَ ‏ ‏اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ ‏ ‏خَيْبَرُ ‏ ‏إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ‏ { ‏فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ‏} ‏وَأَصَبْنَا حُمُرًا فَطَبَخْنَاهَا فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ فَأُكْفِئَتْ الْقُدُورُ بِمَا فِيهَا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏رَفَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة خَيْبَر وَفِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" اللَّه أَكْبَر خَرِبَتْ خَيْبَر \" وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْمَغَازِي , وَالَّذِي نَادَى بِالنَّهْيِ عَنْ لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة هُوَ أَبُو طَلْحَة كَمَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم , ‏ ‏وَقَوْله \" تَابَعَهُ عَلِيّ عَنْ سُفْيَان \" ‏ ‏يَعْنِي عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ شَيْخه , وَسَيَأْتِي فِي عَلَامَات النُّبُوَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "2770",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ ‏ ‏ارْبَعُوا ‏ ‏عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى ‏ ‏جَدُّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِرْبَعُوا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة أَيْ اُرْفُقُوا , قَالَ الطَّبَرِيُّ : فِيهِ كَرَاهِيَة رَفْع الصَّوْت بِالدُّعَاءِ وَالذِّكْر , وَبِهِ قَالَ عَامَّة السَّلَف مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ اِنْتَهَى. وَتَصَرُّف الْبُخَارِيّ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِالتَّكْبِيرِ عِنْد الْقِتَال , وَأَمَّا رَفْع الصَّوْت فِي غَيْره فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الصَّلَاة حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ رَفْع الصَّوْت بِالذِّكْرِ كَانَ عَلَى الْعَهْد النَّبَوِيّ إِذَا اِنْصَرَفُوا مِنْ الْمَكْتُوبَة , وَتَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2771",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2772",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا ‏ ‏تَصَوَّبْنَا ‏ ‏سَبَّحْنَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2773",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا ‏ ‏قَفَلَ ‏ ‏مِنْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ الْغَزْوِ يَقُولُ كُلَّمَا أَوْفَى عَلَى ‏ ‏ثَنِيَّةٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏فَدْفَدٍ ‏ ‏كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَالِحٌ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ أَلَمْ يَقُلْ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ لَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏( وَالْفَدْفَد ) ‏ ‏بِفَاءَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنهمَا مُهْمَلَة هِيَ الْأَرَصّ الْغَلِيظَة ذَات الْحَصَى وَقِيلَ الْمُسْتَوِيَة وَقِيلَ الْمَكَان الْمُرْتَفِع الصُّلُب. ‏ ‏وَقَوْله \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه حَدَّثَنِي عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة \" ‏ ‏زَعَمَ أَبُو مَسْعُود أَنَّ عَبْد اللَّه هُوَ اِبْن صَالِح , وَتَعَقَّبَهُ الْجَيَّانِيّ بِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن عَبْد اللَّه بْن يُوسُف وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَسَالِم الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده هُوَ اِبْن أَبِي الْجَعْد , وَأَمَّا سَالِم الْمَذْكُور فِي الَّذِي بَعْده فَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه اِبْن عُمَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اِبْن عُمَر فِي أَوَاخِر الْحَجّ , وَالْغَرَض مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر قَوْله فِيهِ \" كُلَّمَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّة أَوْ فَدْفَد كَبَّرَ ثَلَاثًا \" قَالَ الْمُهَلَّب : تَكْبِيره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد الِارْتِفَاع اِسْتِشْعَار لِكِبْرِيَاء اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَعِنْدَمَا يَقَع عَلَيْهِ الْعَيْن مِنْ عَظِيم خَلْقه أَنَّهُ أَكْبَر مِنْ كُلّ شَيْء , وَتَسْبِيحه فِي بُطُون الْأَوْدِيَة مُسْتَنْبَط مِنْ قِصَّة يُونُس فَإِنَّ بِتَسْبِيحِهِ فِي بَطْن الْحُوت نَجَّاهُ اللَّه مِنْ الظُّلُمَات فَسَبَّحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بُطُون الْأَوْدِيَة لِيُنْجِيَهُ اللَّه مِنْهَا , وَقِيلَ مُنَاسَبَة التَّسْبِيح فِي الْأَمَاكِن الْمُنْخَفِضَة مِنْ جِهَة أَنَّ التَّسْبِيح هُوَ التَّنْزِيه فَنَاسَبَ تَنْزِيه اللَّه عَنْ صِفَات الِانْخِفَاض كَمَا نَاسَبَ تَكْبِيره عِنْد الْأَمَاكِن الْمُرْتَفِعَة , وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن جِهَتَيْ الْعُلُوّ وَالسُّفَّل مُحَال عَلَى اللَّه أَنْ لَا يُوصَف بِالْعُلُوِّ لِأَنَّ وَصْفه بِالْعُلُوِّ مِنْ جِهَة الْمَعْنَى وَالْمُسْتَحِيل كَوْن ذَلِكَ مِنْ جِهَة الْحِسّ , وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي صِفَته الْعَالِي وَالْعَلِيّ وَالْمُتَعَالِي وَلَمْ يَرِد ضِدّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْء عِلْمًا جَلَّ وَعَزَّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2774",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْعَوَّامُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ السَّكْسَكِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا بُرْدَةَ ‏ ‏وَاصْطَحَبَ هُوَ ‏ ‏وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ فَكَانَ ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏يَصُومُ فِي السَّفَرِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا مُوسَى ‏ ‏مِرَارًا يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا الْعَوَّام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَوْشَبٍ بِمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُعْجَمَة وَزْن جَعْفَر. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت أَبَا بُرْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاصْطَحَبَ هُوَ وَيَزِيد بْن أَبِي كَبْشَة فِي سَفَر ) ‏ ‏أَيْ مَعَ يَزِيد , وَيَزِيد بْن أَبِي كَبْشَة هَذَا شَامِيّ , وَاسْم أَبِيهِ حَيْوِيلٌ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَكَسْر الْوَاو بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة أُخْرَى سَاكِنَة ثُمَّ لَام , وَهُوَ ثِقَة وَلِيَ خَرَاج السَّنْدِ لِسُلَيْمَان بْن عَبْد الْمَلِك وَمَاتَ فِي خِلَافَته , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ ذِكْر إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ يَزِيد يَصُوم فِي السَّفَر ) ‏ ‏, فِي رِوَايَة هُشَيْمٍ عَنْ الْعَوَّام بْن حَوْشَبٍ \" وَكَانَ يَزِيد بْن أَبِي كَبْشَة يَصُوم الدَّهْر \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هُشَيْمٍ عَنْ الْعَوَّام عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول غَيْر مَرَّة وَلَا مَرَّتَيْنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا مَرَض الْعَبْد أَوْ سَافَرَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هُشَيْمٍ \" إِذَا كَانَ الْعَبْد يَعْمَل عَمَلًا صَالِحًا فَشَغَلَهُ عَنْ ذَلِكَ مَرَض \". ‏ ‏قَوْله : ( كُتِبَ لَهُ مِثْل مَا كَانَ يَعْمَل مُقِيمًا صَحِيحًا ) ‏ ‏هُوَ مِنْ اللَّفّ وَالنَّشْر الْمَقْلُوب , فَالْإِقَامَة فِي مُقَابِل السَّفَر وَالصِّحَّة فِي مُقَابِل الْمَرَض , وَهُوَ فِي حَقّ مَنْ كَانَ يَعْمَل طَاعَة فَمَنَعَ مِنْهَا وَكَانَتْ نِيَّته لَوْلَا الْمَانِع أَنْ يَدُوم عَلَيْهَا كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق الْعَوَّام بْن حَوْشَبٍ بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي رِوَايَة هُشَيْمٍ , وَعِنْده فِي آخِره \" كَأَصْلَح مَا كَانَ يَعْمَل وَهُوَ صَحِيح مُقِيم \" وَوَقَعَ أَيْضًا فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ مَرْفُوعًا \" إِنَّ الْعَبْد إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقَة حَسَنَة مِنْ الْعِبَادَة ثُمَّ مَرِض قِيلَ لِلْمَلَكِ الْمُوَكَّل بِهِ اُكْتُبْ لَهُ مِثْل عَمَله إِذَا كَانَ طَلِيقًا حَتَّى أُطْلِقهُ أَوْ أَكْفِتهُ إِلَى \" أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَأَحْمَد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث أَنَس رَفَعَهُ \" إِذَا اِبْتَلَى اللَّه الْعَبْد الْمُسْلِم بِبَلَاءٍ فِي جَسَده قَالَ اللَّه : اُكْتُبْ لَهُ صَالِح عَمَله الَّذِي كَانَ يَعْمَلهُ , فَإِنْ شَفَاهُ غَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ , وَإِنْ قَبَضَهُ غَفَرَ لَهُ وَرَحِمه \" وَلِرِوَايَةِ إِبْرَاهِيم السَّكْسَكِي عَنْ أَبِي بُرْدَة مُتَابَع أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه بِلَفْظِ \" إِنَّ اللَّه يَكْتُب لِلْمَرِيضِ أَفْضَل مَا كَانَ يَعْمَل فِي صِحَّته مَا دَامَ فِي وَثَاقه \" الْحَدِيث , وَفِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد النَّسَائِيِّ \" مَا مِنْ اِمْرِئٍ تَكُون لَهُ صَلَاة مِنْ اللَّيْل يَغْلِبهُ عَلَيْهَا نَوْم أَوْ وَجَع إِلَّا كُتِبَ لَهُ أَجْر صَلَاته وَكَانَ نَوْمه عَلَيْهِ صَدَقَة \" قَالَ اِبْن بَطَّال : وَهَذَا كُلّه فِي النَّوَافِل , وَأَمَّا صَلَاة الْفَرَائِض فَلَا تَسْقُط بِالسَّفَرِ وَالْمَرَض وَاللَّه أَعْلَم. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّهُ تَحَجَّرَ وَاسِعًا , وَلَا مَانِع مِنْ دُخُول الْفَرَائِض فِي ذَلِكَ , بِمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا عَجَزَ عَنْ الْإِتْيَان بِهَا عَلَى الْهَيْئَة الْكَامِلَة أَنْ يَكْتُب لَهُ أَجْر مَا عَجَزَ عَنْهُ , كَصَلَاةِ الْمَرِيض جَالِسًا يَكْتُب لَهُ أَجْر الْقَائِم اِنْتَهَى. وَلَيْسَ اِعْتِرَاضه بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِد , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَرِيض وَالْمُسَافِر إِذَا تَكَلَّفَ الْعَمَل كَانَ أَفْضَل مِنْ عَمَله وَهُوَ صَحِيح مُقِيم. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث تَعَقُّب عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَعْذَار الْمُرَخِّصَة لِتَرْك الْجَمَاعَة تُسْقِط الْكَرَاهَة وَالْإِثْم خَاصَّة مِنْ غَيْر أَنْ تَكُون مُحَصِّلَة لِلْفَضِيلَةِ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح الْمُهَذَّب \" وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الرُّويَانِيّ فِي \" التَّلْخِيص \" , وَيَشْهَد لِمَا قَالَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَن وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِد فَوَجَدَ النَّاس قَدْ صَلَّوْا أَعْطَاهُ اللَّه مِثْل أَجْر مَنْ صَلَّى وَحَضَرَ , لَا يَنْقُص ذَلِكَ مِنْ أَجْره شَيْئًا \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم وَإِسْنَاده قَوِيّ , وَقَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِير فِي \" الْحَلَبِيَّات \" : مَنْ كَانَتْ عَادَته أَنْ يُصَلِّيَ جَمَاعَة فَتَعَذَّرَ فَانْفَرَدَ كُتِبَ لَهُ ثَوَاب الْجَمَاعَة ; وَمَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَادَة لَكِنْ أَرَادَ الْجَمَاعَة فَتَعَذَّرَ فَانْفَرَدَ يُكْتَب لَهُ ثَوَاب قَصْدِهِ لَا ثَوَاب الْجَمَاعَة , لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَصْده الْجَمَاعَة لَكِنَّهُ قَصْد مُجَرَّد , وَلَوْ كَانَ يَتَنَزَّل مَنْزِلَة مَنْ صَلَّى جَمَاعَة كَانَ دُون مَنْ جَمَعَ وَالْأَوْلَى سَبْقهَا فِعْل , وَيَدُلّ لِلْأَوَّلِ حَدِيث الْبَاب , وَلِلثَّانِي أَنَّ أَجْر الْفِعْل يُضَاعَف وَأَجْر الْقَصْد لَا يُضَاعَف بِدَلِيلِ \" مَنْ هَمَّ بِحَسَنَة كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَة وَاحِدَة \" كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب الرِّقَاق , قَالَ وَيُمْكِن أَنْ يُقَال : إِنَّ الَّذِي صَلَّى مُنْفَرِدًا وَلَوْ كُتِبَ لَهُ أَجْر صَلَاة الْجَمَاعَة لِكَوْنِهِ اِعْتَادَهَا فَيُكْتَب لَهُ ثَوَاب صَلَاة مُنْفَرِد بِالْأَصَالَةِ وَثَوَاب مُجْمَع بِالْفَضْلِ. اِنْتَهَى مُلَخَّصَا ‏"
    },
    {
        "id": "2775",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَدَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏النَّاسَ يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏فَانْتَدَبَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏نَدَبَهُمْ ‏ ‏فَانْتَدَبَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏نَدَبَهُمْ ‏ ‏فَانْتَدَبَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ ‏ ‏حَوَارِيًّا ‏ ‏وَحَوَارِيَّ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏الْحَوَارِيُّ ‏ ‏النَّاصِرُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي اِنْتِدَاب الزُّبَيْر وَحْده , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب هَلْ يَبْعَث الطَّلِيعَة وَحْده \" وَتَعَقَّبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : لَا أَعْلَم هَذَا الْحَدِيث كَيْف يَدْخُل فِي هَذَا الْبَاب , وَقَرَّرَهُ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الزُّبَيْر اِنْتَدَبَ أَنْ لَا يَكُون سَارَ مَعَهُ غَيْره مُتَابِعًا لَهُ. ‏ ‏قُلْت : لَكِنْ قَدْ وَرَدَ مِنْ وَجْه آخَر مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الزُّبَيْر تَوَجَّهَ وَحْده , وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِب الزُّبَيْر مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ , وَفِيهِ \" قُلْت يَا أَبَت رَأَيْتُك تَخْتَلِف , فَقَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ بَنِي قُرَيْظَة فَانْطَلَقْت \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان الْحَوَارِيّ النَّاصِر ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول عَنْ الْحُمَيْدِيِّ عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2776",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَوْ يَعْلَم النَّاس مَا فِي الْوَحْدَة مَا أَعْلَم مَا سَارَ رَاكِب بِلَيْلٍ وَحْده ) ‏ ‏سَاقَهُ عَلَى لَفْظ أَبِي نُعَيْم , وَقَوْله \" مَا أَعْلَم \" أَيْ الَّذِي أَعْلَمهُ مِنْ الْآفَات الَّتِي تَحْصُل مِنْ ذَلِكَ. وَالْوَحْدَة بِفَتْحِ الْوَاو وَيَجُوز كَسْرهَا وَمَنَعَهُ بَعْضهمْ. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏أَحَدُهُمَا قَالَ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" : قَالَ الْبُخَارِيّ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد عَنْ عَاصِم بْن مُحَمَّد بِهِ , وَقَالَ بَعْده \" وَأَبُو نُعَيْم عَنْ عَاصِم \" وَلَمْ يَقُلْ حَدَّثَنَا أَبُو نَعِيم , وَلَا فِي كِتَاب حَمَّاد بْن شَاكِر حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم اِنْتَهَى. وَالَّذِي وَقَعَ لَنَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات عَنْ الْفَرْبَرِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ \" حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم \" وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ فَقَالَ \" حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد \" فَسَاقَ الْإِسْنَاد ثُمَّ قَالَ \" وَحَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد وَأَبُو نُعَيْم قَالَا حَدَّثَنَا عَاصِم \" فَذَكَرَهُ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم الْأَصْبِهَانِيّ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" فَقَالَ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن مَرْزُوق عَنْ عَاصِم بْن مُحَمَّد \" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي نُعَيْم وَأَبِي الْوَلِيد \" فَلَعَلَّ لَفْظ حَدَّثَنَا فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم سَقَطَ مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن شَاكِر وَحْده. ثَانِيهمَا ذَكَرَ التِّرْمِذِيّ أَنَّ عَاصِم بْن مُحَمَّد تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيث , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ عُمَر بْن مُحَمَّد أَخَاهُ قَدْ رَوَاهُ مَعَهُ عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. قَالَ اِبْن الْمُنِير : السَّيْر لِمَصْلَحَةِ الْحَرْب أَخُصّ مِنْ السَّفَر , وَالْخَبَر وَرَدَ فِي السَّفَر فَيُؤْخَذ مِنْ حَدِيث جَابِر جَوَاز السَّفَر مُنْفَرِدًا لِلضَّرُورَةِ وَالْمَصْلَحَة الَّتِي لَا تَنْتَظِم إِلَّا بِالِانْفِرَادِ كَإِرْسَالِ الْجَاسُوس وَالطَّلِيعَة , وَالْكَرَاهَة لِمَا عَدَا ذَلِكَ. وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون حَالَة الْجَوَاز مُقَيَّدَة بِالْحَاجَةِ عِنْد الْأَمْن وَحَالَة الْمَنْع مُقَيَّدَة بِالْخَوْفِ حَيْثُ لَا ضَرُورَة , وَقَدْ وَقَعَ فِي كُتُب الْمَغَازِي بَعْثُ كُلّ مِنْ حُذَيْفَة وَنَعِيم بْن مَسْعُود وَعَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ وَخَوَّات بْن جُبَيْر وَعَمْرو بْن أُمَيَّة وَسَالِم بْن عُمَيْر وَبَسْبَسَة فِي عِدَّة مَوَاطِن وَبَعْضهَا فِي الصَّحِيح , وَتَقَدَّمَ فِي الشُّرُوط شَيْء مِنْ ذَلِكَ ; وَيَأْتِي فِي بَاب الْجَاسُوس بَعْد قَلِيل. ‏"
    },
    {
        "id": "2777",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ سُئِلَ ‏ ‏أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏يَقُولُ وَأَنَا أَسْمَعُ فَسَقَطَ عَنِّي ‏ ‏عَنْ مَسِيرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَ فَكَانَ يَسِيرُ ‏ ‏الْعَنَقَ ‏ ‏فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً ‏ ‏نَصَّ ‏ ‏وَالنَّصُّ ‏ ‏فَوْقَ ‏ ‏الْعَنَقِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد فِي سَيْر الْعَنَق , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفَى فِي الْحَجّ , ‏ ‏وَقَوْله \" قَالَ سُئِلَ أُسَامَة بْن زَيْد كَانَ يَحْيَى يَقُول وَأَنَا أَسْمَع فَسَقَطَ عَنِّي \" ‏ ‏الْقَائِل ذَلِكَ هُوَ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق بُنْدَار وَالدَّوْرَقِيّ وَغَيْرهمَا عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد وَقَالَ فِيهِ \" سُئِلَ أُسَامَة وَأَنَا شَاهِده \" ‏"
    },
    {
        "id": "2778",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ مَعَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏بِطَرِيقِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَبَلَغَهُ عَنْ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏شِدَّةُ وَجَعٍ فَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ‏ ‏وَالْعَتَمَةَ ‏ ‏يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَقَالَ ‏ ‏إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي جَمْعه بَيْن الصَّلَاتَيْنِ لَمَّا بَلَغَهُ وَجَع صَفِيَّة بِنْت أَبِي عُبَيْد وَهِيَ زَوْجَته , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الْعُمْرَة بِهَذَا الْإِسْنَاد مَعَ الْكَلَام عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2779",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ ‏ ‏نَهْمَتَهُ ‏ ‏فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" السَّفَر قِطْعَة مِنْ الْعَذَاب \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الْعُمْرَة , ‏ ‏وَقَوْله \" نَهِمَته \" ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون عَلَى الْمَشْهُور أَيْ رَغْبَته , قَالَ الْمُهَلَّب : تَعَجُّله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة لِيُرِيحَ نَفْسه وَيُفْرِح أَهْله , وَتَعَجُّله إِلَى الْمُزْدَلِفَة لِيُعَجِّل الْوُقُوف بِالْمَشْعَرِ الْحَرَام , وَتَعَجُّل اِبْن عُمَر إِلَى زَوْجَته لَيُدْرِك مِنْ حَيَاتهَا مَا يُمْكِنهُ أَنْ تَعْهَد إِلَيْهِ بِمَا لَا تَعْهَد إِلَى غَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "2780",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَا تَبْتَعْهُ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2781",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَابْتَاعَهُ أَوْ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله \" اِبْتَاعَهُ أَوْ أَضَاعَهُ \" ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ \" اِبْتَاعَهُ \" لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِهِ وَإِنَّمَا عَرَضَهُ لِلْبَيْعِ , فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فِي الْأَصْل بَاعَهُ فَهُوَ بِمَعْنَى عَرَضَهُ لِلْبَيْعِ. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2782",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ ‏ ‏وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ ‏ ‏أَحَيٌّ وَالِدَاكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت أَبَا الْعَبَّاس الشَّاعِر وَكَانَ لَا يُتَّهَم فِي حَدِيثه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي \" بَاب صَوْم دَاوُدَ \" مِنْ كِتَاب الصِّيَام , وَقَدْ خَالَفَ الْأَعْمَش شُعْبَة فَرَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ حَبِيب اِبْن أَبِي ثَابِت عَنْ عَبْد اللَّه بْن بَابَاه عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , فَلَعَلَّ لِحَبِيبٍ فِيهِ إِسْنَادَيْنِ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ بَكْر بْن بَكَّارٍ رَوَاهُ عَنْ شُعْبَة عَنْ حَبِيب عَنْ عَبْد اللَّه بْن بَابَاهُ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ رَجُل ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يَكُون هُوَ جَاهِمَة بْن الْعَبَّاس بْن مِرْدَاس , فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ وَأَحْمَد مِنْ طَرِيق مُعَاوِيَة بْن جَاهِمَة \" أَنَّ جَاهِمَة جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه أَرَدْت الْغَزْو وَجِئْت لِأَسْتَشِيرَك , فَقَالَ هَلْ لَك مِنْ أُمّ ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ اِلْزَمْهَا \" الْحَدِيث , وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ مُحَمَّد بْن طَلْحَة بْن رُكَانَة عَنْ مُعَاوِيَة بْن جَاهِمَة السُّلَمِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْتَأْذِنهُ فِي الْجِهَاد \" فَذَكَرَهُ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي إِسْنَاده عَلَى مُحَمَّد بْن طَلْحَة اِخْتِلَافًا كَثِيرَا بَيَّنْته فِي تَرْجَمَة جَاهِمَة مِنْ كِتَابَيَّ فِي الصَّحَابَة. ‏ ‏قَوْله : ( فِيهِمَا فَجَاهِدْ ) ‏ ‏أَيْ خَصِّصْهُمَا بِجِهَادِ النَّفْس فِي رِضَاهُمَا , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز التَّعْبِير عَنْ الشَّيْء بِضِدِّهِ إِذَا فُهِمَ الْمَعْنَى , لِأَنَّ صِيغَة الْأَمْر فِي قَوْله \" فَجَاهِدْ \" ظَاهِرهَا إِيصَال الضَّرَر الَّذِي كَانَ يَحْصُل لِغَيْرِهِمَا لَهُمَا , وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا قَطْعًا , وَإِنَّمَا الْمُرَاد إِيصَال الْقَدْر الْمُشْتَرَك مِنْ كُلْفَة الْجِهَاد وَهُوَ تَعَب الْبَدَن وَالْمَال , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ كُلّ شَيْء يُتْعِب النَّفْس يُسَمَّى جِهَادًا , وَفِيهِ أَنَّ بِرّ الْوَالِد قَدْ يَكُون أَفْضَل مِنْ الْجِهَاد , وَأَنَّ الْمُسْتَشَار يُشِير بِالنَّصِيحَةِ الْمَحْضَة , وَأَنَّ الْمُكَلَّف يَسْتَفْضِل عَنْ الْأَفْضَل فِي أَعْمَال الطَّاعَة لِيَعْمَل بِهِ لِأَنَّهُ سَمِعَ فَضْل الْجِهَاد فَبَادَرَ إِلَيْهِ , ثُمَّ لَمْ يَقْنَع حَتَّى اِسْتَأْذَنَ فِيهِ فَدُلَّ عَلَى مَا هُوَ أَفْضَل مِنْهُ فِي حَقّه , وَلَوْلَا السُّؤَال مَا حَصَلَ لَهُ الْعِلْم بِذَلِكَ. وَلِمُسْلِمٍ وَسَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق نَاعِم مَوْلَى أُمّ سَلَمَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة قَالَ \" اِرْجِعْ إِلَى وَالِدَيْك فَأَحْسِنْ صُحْبَتهمَا \" وَلِأَبِي دَاوُدَ وَابْن حِبَّانَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" اِرْجِعْ فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتهمَا \" وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ \" اِرْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإِنْ أَذِنَا لَك فَجَاهِدْ , وَإِلَّا فَبِرّهمَا \" وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ. قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء : يَحْرُم الْجِهَاد إِذَا مَنَعَ الْأَبَوَانِ أَوْ أَحَدهمَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَا مُسْلِمَيْنِ , لِأَنَّ بِرّهمَا فَرْض عَيْن عَلَيْهِ وَالْجِهَاد فَرْض كِفَايَة , فَإِذَا تَعَيَّنَ الْجِهَاد فَلَا إِذْن. وَيَشْهَد لَهُ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ أَفْضَل الْأَعْمَال , قَالَ : الصَّلَاة. قَالَ ثُمَّ مَهْ ؟ قَالَ الْجِهَاد. قَالَ فَإِنَّ لِي وَالِدَيْنِ , فَقَالَ آمُرك بِوَالِدَيْك خَيْرًا. فَقَالَ وَالَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَأُجَاهِدَنَّ وَلأَتْرُكَنَّهُما قَالَ فَأَنْتَ أَعْلَم \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى جِهَاد فَرْض الْعَيْن تَوْفِيقًا بَيْن الْحَدِيثَيْنِ , وَهَلْ يَلْحَق الْجَدّ وَالْجَدَّة بِالْأَبَوَيْنِ فِي ذَلِكَ ؟ الْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة نَعَمْ وَالْأَصَحّ أَيْضًا أَنْ لَا يُفَرَّق بَيْن الْحُرّ وَالرَّقِيق فِي ذَلِكَ لِشُمُولِ طَلَب الْبِرّ , فَلَوْ كَانَ الْوَلَد رَقِيقًا فَأَذِنَ لَهُ سَيِّده لَمْ يُعْتَبَر إِذْن أَبَوَيْهِ , وَلَهُمَا الرُّجُوع فِي الْإِذْن إِلَّا إِنْ حَضَرَ الصَّفّ , وَكَذَا لَوْ شَرَطَا أَنْ لَا يُقَاتِل فَحَضَرَ الصَّفّ فَلَا أَثَر لِلشَّرْطِ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيم السَّفَر بِغَيْرِ إِذْن لِأَنَّ الْجِهَاد إِذَا مُنِعَ مَعَ فَضِيلَته فَالسَّفَر الْمُبَاح أَوْلَى نَعَمْ إِنْ كَانَ سَفَره لِتَعَلُّمِ فَرْض عَيْن حَيْثُ يَتَعَيَّن السَّفَر طَرِيقًا إِلَيْهِ فَلَا مَنْع , وَإِنْ كَانَ فَرْض كِفَايَة فَفِيهِ خِلَاف. وَفِي الْحَدِيث فَضْل بِرّ الْوَالِدَيْنِ وَتَعْظِيم حَقّهمَا وَكَثْرَة الثَّوَاب عَلَى بِرّهمَا , وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2783",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ ‏ ‏فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَسُولًا ‏ ‏أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ ‏ ‏وَتَرٍ ‏ ‏أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم , ‏ ‏وَعَبَّاد بْن تَمِيم ‏ ‏هُوَ الْمَازِنِيّ , وَهُوَ وَشَيْخه وَالرَّاوِي عَنْهُ أَنْصَارِيِّونَ مَدَنِيُّونَ , وَعَبْد اللَّه وَعَبَّاد تَابِعِيَّانِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَا بَشِير الْأَنْصَارِيّ أَخْبَرَهُ ) ‏ ‏لَيْسَ لِأَبِي بَشِير وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة ثُمَّ مُعْجَمَة فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَقَدْ ذَكَره الْحَاكِم أَبُو أَحْمَد فِيمَنْ لَا يُعْرَف اِسْمه , وَقِيلَ اِسْمه قَيْس بْن عَبْد الْحُرَيْرِ بِمُهْمَلَات مُصَغَّر اِبْن عَمْرو , ذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن سَعْد وَسَاقَ نَسَبَهُ إِلَى مَازِن الْأَنْصَارِيّ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة عُثْمَان بْن عُمَر عَنْ مَالِك عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ نِسْبَة أَبِي بَشِير سَاعِدِيًّا , فَإِنْ كَانَ قَيْس يُكَنَّى أَبَا بَشِير أَيْضًا فَهُوَ غَيْر صَاحِب هَذَا الْحَدِيث , وَأَبُو بَشِير الْمَازِنِيّ هَذَا عَاشَ إِلَى بَعْد السِّتِّينَ وَشَهِدَ الْحَرَّة وَجُرِحَ بِهَا وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي بَعْض أَسْفَاره ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِينهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه حَسِبْت أَنَّهُ قَالَ ) ‏ ‏عَبْد اللَّه هُوَ اِبْن أَبِي بَكْر الرَّاوِي , وَكَأَنَّهُ شَكَّ فِي هَذِهِ الْجُمْلَة , وَلَمْ أَرَهَا مِنْ طَرِيقه إِلَّا هَكَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَرْسَلَ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : فِي رِوَايَة رَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ مَالِك \" أَرْسَلَ مَوْلَاهُ زَيْدًا \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَهُوَ زَيْد بْن حَارِثَة فِيمَا يَظْهَر لِي. ‏ ‏قَوْله : ( فِي رَقَبَة بَعِير قِلَادَة مِنْ وَتْر أَوْ قِلَادَة ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِلَفْظِ \" أَوْ \" وَهِيَ لِلشَّكِّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ عَنْ الْقُعْنُبِيِّ بِلَفْظِ \" وَلَا قِلَادَة \" وَهُوَ مِنْ عَطْف الْعَامّ عَلَى الْخَاصّ , وَبِهَذَا جَزَمَ الْمُهَلَّب , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل مَا رُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْقِلَادَة فَقَالَ : مَا سَمِعْت بِكَرَاهَتِهَا إِلَّا فِي الْوَتْر , وَقَوْله وَتْر بِالْمُثَنَّاةِ فِي جَمِيع الرِّوَايَات , قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : رُبَّمَا صَحَّفَ مَنْ لَا عِلْم لَهُ بِالْحَدِيثِ فَقَالَ وَبَر بِالْمُوَحَّدَةِ. قُلْت : حَكَى اِبْن التِّين أَنَّ الدَّاوُدِيّ جَزَمَ بِذَلِكَ وَقَالَ : هُوَ مَا يُنْتَزَع عَنْ الْجِمَال يُشْبِه الصُّوف , قَالَ اِبْن التِّين : فَصَحَّفَ. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : وَفِي الْمُرَاد بِالْأَوْتَارِ ثَلَاثَة أَقْوَال : أَحَدهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَلِّدُونَ الْإِبِل أَوْتَار الْقَسِّيّ لِئَلَّا تُصِيبهَا الْعَيْن بِزَعْمِهِمْ , فَأُمِرُوا بِقَطْعِهَا إِعْلَامًا بِأَنَّ الْأَوْتَار لَا تَرُدّ مِنْ أَمْر اللَّه شَيْئًا , وَهَذَا قَوْل مَالِك. قُلْت : وَقَعَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِالْحَدِيثِ مِنْ كَلَامه فِي الْمُوَطَّأ وَعِنْد مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرهمَا , قَالَ مَالِك : أَرَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْل الْعَيْن , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر رَفَعَهُ \" مَنْ عَلّقَ تَمِيمَة فَلَا أَتَمَّ اللَّه لَهُ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا , وَالتَّمِيمَة مَا عُلِّقَ مِنْ الْقَلَائِد خَشْيَة الْعَيْن وَنَحْو ذَلِكَ , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : إِذَا اِعْتَقَدَ الَّذِي قَلَّدَهَا أَنَّهَا تَرُدّ الْعَيْن فَقَدْ ظَنَّ أَنَّهَا تَرُدّ الْقَدَر وَذَلِكَ لَا يَجُوز اِعْتِقَاده. ثَانِيهَا النَّهْي عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا تَخْتَنِق الدَّابَّة بِهَا عِنْد شِدَّة الرَّكْض , وَيُحْكَى ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّد بْن الْحَسَن صَاحِب أَبِي حَنِيفَة , وَكَلَام أَبِي عُبَيْد يُرَجِّحهُ فَإِنَّهُ قَالَ : نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الدَّوَابّ تَتَأَذَّى بِذَلِكَ وَيَضِيق عَلَيْهَا نَفَسهَا وَرَعْيهَا , وَرُبَّمَا تَعَلَّقَتْ بِشَجَرَةٍ فَاخْتَنَقَتْ أَوْ تَعَوَّقَتْ عَنْ السَّيْر. ثَالِثهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَلِّقُونَ فِيهَا الْأَجْرَاس حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَعَلَيْهِ يَدُلّ تَبْوِيب الْبُخَارِيّ , وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث أُمّ حَبِيبَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ مَرْفُوعًا \" لَا تَصْحَب الْمَلَائِكَة رُفْقَة فِيهَا جَرَس \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة أَيْضًا , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن عُمَر الْمَذْكُور بِلَفْظِ \" لَا تُبْقِيَنَّ قِلَادَة مِنْ وَتَر وَلَا جَرَس فِي عُنُق بَعِير إِلَّا قُطِعَ \". قُلْت : وَلَا فَرْق بَيْن الْإِبِل وَغَيْرهَا فِي ذَلِكَ , إِلَّا عَلَى الْقَوْل الثَّالِث فَلَمْ تَجْر الْعَادَة بِتَعْلِيقِ الْأَجْرَاس فِي رِقَاب الْخَيْل , وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي وَهْب الْحَسَّانِي رَفَعَهُ \" اِرْبِطُوا الْخَيْل وَقُلِّدُوهَا , وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَار \" فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا اِخْتِصَاص لِلْإِبِلِ , فَلَعَلَّ التَّقْيِيد بِهَا فِي التَّرْجَمَة لِلْغَالِبِ. وَقَدْ حَمَلَ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ الْأَوْتَار فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى مَعْنَى الثَّأْر فَقَالَ : مَعْنَاهُ لَا تَطْلُبُوا بِهَا ذُحُول الْجَاهِلِيَّة , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَهُوَ تَأْوِيل بَعِيد. وَقَالَ الثَّوْرِيّ : ضَعِيف. وَإِلَى نَحْو قَوْل النَّضْر جَنَحَ وَكِيع فَقَالَ : الْمَعْنَى لَا تَرْكَبُوا الْخَيْل فِي الْفِتَن , فَإِنَّ مَنْ رَكِبَهَا لَمْ يَسْلَم أَنْ يَتَعَلَّق بِهِ وَتْر يَطْلُب بِهِ. وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَوْتَارِ جَمْع الْوَتَر بِالتَّحْرِيكِ لَا الْوَتْر بِالْإِسْكَانِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيث رُوَيْفِعِ بْن ثَابِت رَفَعَهُ \" مَنْ عَقَدَ لِحْيَته أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيء مِنْهُ \" فَإِنَّهُ عِنْد الرُّوَاة أَجْمَع بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة , وَالْجَرَس بِفَتْحِ الْجِيم وَالرَّاء ثُمَّ مُهْمَلَة مَعْرُوف , وَحَكَى عِيَاض إِسْكَان الرَّاء , وَالتَّحْقِيق أَنَّ الَّذِي بِالْفَتْحِ اِسْم الْآلَة وَبِالْإِسْكَانِ اِسْم الصَّوْت. وَرَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" الْجَرَس مِزْمَار الشَّيْطَان \" وَهُوَ دَال عَلَى أَنَّ الْكَرَاهِيَة فِيهِ لِصَوْتِهِ لِأَنَّ فِيهَا شَبَهًا بِصَوْتِ النَّاقُوس وَشَكْله , قَالَ النَّوَوِيّ وَغَيْره : الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ النَّهْي لِلْكَرَاهَةِ وَأَنَّهَا كَرَاهَة تَنْزِيه , وَقِيلَ لِلتَّحْرِيمِ , وَقِيلَ يَمْنَع مِنْهُ قَبْل الْحَاجَة , وَيَجُوز إِذَا وَقَعَتْ الْحَاجَة. وَعَنْ مَالِك تَخْتَصّ الْكَرَاهَة مِنْ الْقَلَائِد بِالْوَتَرِ , وَيَجُوز بِغَيْرِهَا إِذَا لَمْ يَقْصِد دَفْع الْعَيْن. هَذَا كُلّه فِي تَعْلِيق التَّمَائِم وَغَيْرهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ قُرْآن وَنَحْوه , فَأَمَّا مَا فِيهِ ذِكْر اللَّه فَلَا نَهْي فِيهِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُجْعَل لِلتَّبَرُّكِ بِهِ وَالتَّعَوُّذ بِأَسْمَائِهِ وَذِكْره , وَكَذَلِكَ لَا نَهْي عَمَّا يُعَلَّق لِأَجْلِ الزِّينَة مَا لَمْ يَبْلُغ الْخُيَلَاء أَوْ السَّرَف. وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيق الْجَرَس أَيْضًا. ثَالِثهَا يَجُوز بِقَدْرِ الْحَاجَة , وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ الصَّغِير مِنْهَا دُون الْكَبِير. وَأَغْرَبَ اِبْن حِبَّانَ فَزَعَمَ أَنَّ الْمَلَائِكَة لَا تَصْحَب الرُّفْقَة الَّتِي يَكُون فِيهَا الْجَرَس إِذَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2784",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْبَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا وَخَرَجَتْ امْرَأَتِي حَاجَّةً قَالَ اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَفِيهِ قَوْله \" اِذْهَبْ فَاحْجُجْ مَعَ اِمْرَأَتك \" ‏ ‏وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الْمُحْصَر مِنْ الْحَجّ , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْحَجّ فِي حَقّ مِثْله أَفْضَل مِنْ الْجِهَاد لِأَنَّهُ اِجْتَمَعَ لَهُ مَعَ حَجّ التَّطَوُّع فِي حَقّه تَحْصِيل حَجّ الْفَرْض لِامْرَأَتِهِ وَكَانَ اِجْتِمَاع ذَلِكَ لَهُ أَفْضَل مِنْ مُجَرَّد الْجِهَاد الَّذِي يَحْصُل الْمَقْصُود مِنْهُ بِغَيْرِهِ , وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة كِتَابَة الْجَيْش وَنَظَر الْإِمَام لِرَعِيَّتِهِ بِالْمَصْلَحَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2785",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏وَالزُّبَيْرَ ‏ ‏وَالْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا ‏ ‏رَوْضَةَ خَاخٍ ‏ ‏فَإِنَّ بِهَا ‏ ‏ظَعِينَةً ‏ ‏وَمَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ فَإِذَا نَحْنُ ‏ ‏بِالظَّعِينَةِ ‏ ‏فَقُلْنَا أَخْرِجِي الْكِتَابَ فَقَالَتْ مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ فَقُلْنَا ‏ ‏لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ ‏ ‏عِقَاصِهَا ‏ ‏فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِذَا فِيهِ مِنْ ‏ ‏حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ ‏ ‏إِلَى أُنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ مَكَّةَ ‏ ‏يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏حَاطِبُ ‏ ‏مَا هَذَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً ‏ ‏مُلْصَقًا ‏ ‏فِي ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏لَهُمْ قَرَابَاتٌ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَقَدْ صَدَقَكُمْ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ قَالَ إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَأَيُّ إِسْنَادٍ هَذَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ فِي قِصَّة حَاطِب اِبْن أَبِي بَلْتَعَةَ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة الْمُمْتَحَنَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَنَذْكُر فِيهِ الْمَرْأَة وَتَسْمِيَة مَنْ عُرِفَ مِمَّنْ كَاتَبَهُ حَاطِب مِنْ أَهْل مَكَّة : ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" رَوْضَة خَاخٍ \" ‏ ‏بِمَنْقُوطَتَيْنِ مِنْ فَوْق , وَالظَّعِينَة بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَة الْمَرْأَة , ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِره \" قَالَ سُفْيَان وَأَيّ إِسْنَاد هَذَا \" ‏ ‏أَيْ عَجَبًا لِجَلَالَةِ رِجَاله وَصَرِيح اِتِّصَاله ‏"
    },
    {
        "id": "2786",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏أُتِيَ بِأُسَارَى وَأُتِيَ ‏ ‏بِالْعَبَّاسِ ‏ ‏وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَهُ قَمِيصًا فَوَجَدُوا قَمِيصَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ‏ ‏يَقْدُرُ عَلَيْهِ فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِيَّاهُ فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَمِيصَهُ الَّذِي أَلْبَسَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر أُتِيَ بِأَسَارَى ) ‏ ‏مِنْ الْمُشْرِكِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأُتِيَ بِالْعَبَّاسِ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب. ‏ ‏قَوْله : ( يَقْدُر عَلَيْهِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الدَّال , وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبَّاس كَانَ بَيْن الطُّول , وَكَذَلِكَ كَانَ عَبْد اللَّه اِبْن أُبَيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصه الَّذِي أَلْبَسهُ ) ‏ ‏أَيْ لِعَبْدِ اللَّه بْن أُبَيّ عِنْد دَفْنه , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز وَمَا يُحْتَمَل فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِدْرَاج , ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث \" قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ كَانَتْ لَهُ \" ‏ ‏أَيْ لِعَبْدِ اللَّه بْن أُبَيّ. ‏ ‏وَقَوْله \" يَد \" ‏ ‏أَيْ نِعْمَة , وَهُوَ مُحَصِّل مَا سَبَقَ مِنْ قَوْله فِي الْجَنَائِز \" كَانُوا يَرَوْنَ إِلَخْ \" ‏"
    },
    {
        "id": "2787",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى ‏ ‏فَغَدَوْا ‏ ‏كُلُّهُمْ يَرْجُوهُ فَقَالَ أَيْنَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَقِيلَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ فَقَالَ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ ‏ ‏عَلَى رِسْلِكَ ‏ ‏حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ ‏ ‏حُمْرُ النَّعَمِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2788",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" عَجِبَ اللَّه مِنْ قَوْم يَدْخُلُونَ الْجَنَّة فِي السَّلَاسِل \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد بِلَفْظِ \" يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّة بِالسَّلَاسِلِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيه الْعَجَب فِي حَقّ اللَّه فِي أَوَائِل الْجِهَاد وَأَنَّ مَعْنَاهُ الرِّضَا وَنَحْو ذَلِكَ , قَالَ اِبْن الْمُنِير : إِنْ كَانَ الْمُرَاد حَقِيقَة وَضْع السَّلَاسِل فِي الْأَعْنَاق فَالتَّرْجَمَة مُطَابِقَة , وَإِنْ كَانَ الْمُرَاد الْمَجَاز عَنْ الْإِكْرَاه فَلَيْسَتْ مُطَابِقَة. ‏ ‏قُلْت : الْمُرَاد بِكَوْنِ السَّلَاسِل فِي أَعْنَاقهمْ مُقَيَّد بِحَالَةِ الدُّنْيَا , فَلَا مَانِع مِنْ حَمْله عَلَى حَقِيقَته , وَالتَّقْدِير يَدْخُلُونَ الْجَنَّة , وَكَانُوا قَبْل أَنْ يُسْلِمُوا فِي السَّلَاسِل , وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير آل عِمْرَان مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي قَوْله تَعَالَى ( كُنْتُمْ خَيْر أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) قَالَ \" خَيْر النَّاس لِلنَّاسِ يَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِل فِي أَعْنَاقهمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَام \" , قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ أُسِرُوا وَقُيِّدُوا , فَلَمَّا عَرَفُوا صِحَّة الْإِسْلَام دَخَلُوا طَوْعًا فَدَخَلُوا الْجَنَّة , فَكَانَ الْإِكْرَاه عَلَى الْأَسْر وَالتَّقْيِيد هُوَ السَّبَب الْأَوَّل , وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى الْإِكْرَاه التَّسَلْسُل , وَلَمَّا كَانَ هُوَ السَّبَب فِي دُخُول الْجَنَّة أَقَامَ الْمُسَبَّب مَقَام السَّبَب. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالسَّلْسَلَةِ الْجَذْب الَّذِي يَجْذِبهُ الْحَقّ مَنْ خَلْصِ عِبَاده مِنْ الضَّلَالَة إِلَى الْهُدَى وَمِنْ الْهُبُوط فِي مَهَاوِي الطَّبِيعَة إِلَى الْعُرُوج لِلدَّرَجَاتِ , لَكِنَّ الْحَدِيث فِي تَفْسِير آل عِمْرَان يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْحَقِيقَة. وَنَحْوه مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي الطُّفَيْل رَفَعَهُ \" رَأَيْت نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يُسَاقُونَ إِلَى الْجَنَّة فِي السَّلَاسِل كَرْهًا. قُلْت : يَا رَسُول اللَّه مَنْ هُمْ ؟ قَالَ قَوْم مِنْ الْعَجَم يَسْبِيهِمْ الْمُهَاجِرُونَ فَيُدْخِلُونَهُمْ فِي الْإِسْلَام مُكْرَهِينَ \" وَأَمَّا إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فَمَنَعَ حَمْله عَلَى حَقِيقَة التَّقْيِيد وَقَالَ : الْمَعْنَى يُقَادُونَ إِلَى الْإِسْلَام مُكْرَهِينَ فَيَكُون ذَلِكَ سَبَب دُخُولهمْ الْجَنَّة , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ ثَمَّ سِلْسِلَة. وَقَالَ غَيْره : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد الْمُسْلِمِينَ الْمَأْسُورِينَ عِنْد أَهْل الْكُفْر يَمُوتُونَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُقْتَلُونَ فَيُحْشَرُونَ كَذَلِكَ , وَعَبَّرَ عَنْ الْحَشْر بِدُخُولِ الْجَنَّة لِثُبُوتِ دُخُولهمْ عَقِبه. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2789",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَالِحُ بْنُ حَيٍّ أَبُو حَسَنٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الشَّعْبِيَّ ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْأَمَةُ فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَعْلِيمَهَا وَيُؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ أَدَبَهَا ثُمَّ يُعْتِقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا فَلَهُ أَجْرَانِ وَمُؤْمِنُ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏الَّذِي كَانَ مُؤْمِنًا ثُمَّ آمَنَ بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَهُ أَجْرَانِ وَالْعَبْدُ الَّذِي يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏الشَّعْبِيُّ ‏ ‏وَأَعْطَيْتُكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِي أَهْوَنَ مِنْهَا إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي بُرْدَة وَأَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُول \" ثَلَاثَة يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ \" الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْعِتْق , قَالَ الْمُهَلَّب : جَاءَ النَّصّ فِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة لِيُنَبِّه بِهِ عَلَى سَائِر مَنْ أَحْسَن فِي مَعْنَيَيْنِ فِي أَيّ فِعْل كَانَ مِنْ أَفْعَال الْبِرّ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْعِلْم , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَا يَتَعَلَّق لِمَنْ يُعْتِق الْأَمَة ثُمَّ يَتَزَوَّجهَا فِي كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ اِبْن الْمُنِير : مُؤْمِن أَهْل الْكِتَاب لَا بُدّ أَنْ يَكُون مُؤْمِنًا بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا أَخَذَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَهْد وَالْمِيثَاق , فَإِذَا بُعِثَ فَإِيمَانه مُسْتَمِرّ فَكَيْف يَتَعَدَّد إِيمَانه حَتَّى يَتَعَدَّد أَجْره. ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ إِيمَانه الْأَوَّل بِأَنَّ الْمَوْصُوف بِكَذَا رَسُول , وَالثَّانِي بِأَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الْمَوْصُوف فَظَهَرَ التَّغَايُر فَثَبَتَ التَّعَدُّد اِنْتَهَى. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون تَعَدُّد أَجْره لِكَوْنِهِ لَمْ يُعَانِد كَمَا عَانَدَ غَيْره مِمَّنْ أَضَلَّهُ اللَّه عَلَى عِلْم , فَحَصَلَ لَهُ الْأَجْر الثَّانِي بِمُجَاهَدَتِهِ نَفْسه عَلَى مُخَالَفَة أَنْظَاره. ‏"
    },
    {
        "id": "2790",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرَّ ‏ ‏بِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْأَبْوَاءِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏بِوَدَّانَ ‏ ‏وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ قَالَ هُمْ مِنْهُمْ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الصَّعْبُ ‏ ‏فِي الذَّرَارِيِّ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏يُحَدِّثُنَا عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَمِعْنَاهُ مِنَ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الصَّعْبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هُمْ مِنْهُمْ وَلَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيِّ \" أَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( فَسُئِلَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم السَّائِل , ثُمَّ وَجَدْت فِي صَحِيح اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ الصَّعْب قَالَ \" سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ أَنَقْتُلُهُمْ مَعَهُمْ ؟ قَالَ نَعَمْ \" فَظَهَرَ أَنَّ الرَّاوِي هُوَ السَّائِل. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَهْل الدَّار ) ‏ ‏أَيْ الْمَنْزِل , هَكَذَا فِي الْبُخَارِيّ وَغَيْره , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ مِنْ مُسْلِم \" سُئِلَ عَنْ الذَّرَارِيّ \" قَالَ عِيَاض : الْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب. وَوَجَّهَ النَّوَوِيّ الثَّانِي وَهُوَ وَاضِح. ‏ ‏قَوْله : ( هُمْ مِنْهُمْ ) ‏ ‏أَيْ فِي الْحُكْم تِلْكَ الْحَالَة , وَلَيْسَ الْمُرَاد إِبَاحَة قَتْلهمْ بِطَرِيقِ الْقَصْد إِلَيْهِمْ , بَلْ الْمُرَاد إِذَا لَمْ يُمْكِن الْوُصُول إِلَى الْآبَاء إِلَّا بِوَطْءِ الذُّرِّيَّة فَإِذَا أُصِيبُوا لِاخْتِلَاطِهِمْ بِهِمْ جَازَ قَتْلهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَمِعْته يَقُول ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِأَبِي ذَرّ \" فَسَمِعْته \" بِالْفَاءِ وَالْأَوَّل أَوْضَح , وَقَوْله \" لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ \" تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشُّرْب , ‏ ‏وَقَوْله \" وَعَنْ الزُّهْرِيِّ \" ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّل , وَكَانَ اِبْن عُيَيْنَةَ يُحَدِّث بِهَذَا الْحَدِيث مَرَّتَيْنِ مَرَّة مُجَرَّدًا هَكَذَا وَمَرَّة يَذْكُر فِيهِ سَمَاعه إِيَّاهُ أَوَّلًا مِنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَذْكُر سَمَاعه إِيَّاهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ. وَنُنَبِّه عَلَى نُكْتَة فِي الْمَتْن , وَهِيَ أَنَّ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار قَالَ \" هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ \" وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ قَالَ \" هُمْ مِنْهُمْ \" وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته عَنْ جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ وَهُوَ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَذَكَر الْحَدِيث وَقَالَ \" قَالَ عَلِيّ : رَدَّدَهُ سُفْيَان فِي هَذَا الْمَجْلِس مَرَّتَيْنِ \". وَقَوْله فِي سِيَاق هَذَا الْبَاب \" عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" يُوهِم أَنَّ رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار عَنْ الزُّهْرِيِّ هَكَذَا بِطَرِيقِ الْإِرْسَال وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْض الشُّرَّاح , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْعَبَّاس بْن يَزِيد حَدَّثَنَا سُفْيَان قَالَ \" كَانَ عَمْرو يُحَدِّثنَا قَبْل أَنْ يَقْدُم الْمَدِينَة الزُّهْرِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ الصَّعْب , قَالَ سُفْيَان فَقَدِمَ عَلَيْنَا الزُّهْرِيِّ فَسَمِعْتُهُ يُعِيدهُ وَيُبْدِيه \" فَذَكَر الْحَدِيث , وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي طَرِيق جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ عَنْ عَلِيّ عَنْ سُفْيَان \" وَكَانَ الزُّهْرِيِّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيث قَالَ : وَأَخْبَرَنِي اِبْن كَعْب بْن مَالِك عَنْ عَمّه أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ إِلَى اِبْن أَبِي الْحَقِيق نَهَى عَنْ قَتْل النِّسَاء وَالصَّبِيَّانِ \" اِنْتَهَى , وَهَذَا الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَكَأَنَّ الزُّهْرِيَّ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى نَسْخ حَدِيث الصَّعْب , وَقَالَ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا يَجُوز قَتْل النِّسَاء وَالصِّبْيَان بِحَالِ حَتَّى لَوْ تَتَرَّسَ أَهْل الْحَرْب بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَان أَوْ تَحَصَّنُوا بِحِصْن أَوْ سَفِينَة وَجَعَلُوا مَعَهُمْ النِّسَاء وَالصِّبْيَان لَمْ يَجُزْ رَمْيهمْ وَلَا تَحْرِيقهمْ. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن حِبَّانَ فِي حَدِيث الصَّعْب زِيَادَة فِي آخِره \" ثُمَّ نَهَى عَنْهُمْ يَوْم حُنَيْنٍ \" وَهِيَ مُدْرَجَة فِي حَدِيث الصَّعْب , وَذَلِكَ بَيِّن فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِره \" قَالَ سُفْيَان قَالَ الزُّهْرِيُّ : ثُمَّ نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد ذَلِكَ عَنْ قَتْل النِّسَاء وَالصِّبْيَان \" وَيُؤَيِّد كَوْن النَّهْي فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ مَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث رِيَاح بْن الرَّبِيع الْآتِي \" فَقَالَ لِأَحَدِهِمْ : اِلْحَقْ خَالِدًا فَقُلْ لَهُ لَا تَقْتُل ذُرِّيَّة وَلَا عَسِيفًا \" وَالْعَسِيف بِمُهْمَلَتَيْنِ وَفَاء الْأَجِير وَزْنًا وَمَعْنًى , وَخَالِد أَوَّل مَشَاهِده مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَة الْفَتْح , وَفِي ذَلِكَ الْعَام كَانَتْ غَزْوَة حُنَيْنٍ , وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر قَالَ \" لَمَّا دَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة أُتِيَ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَة فَقَالَ مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِل وَنَهَى \" فَذَكَر الْحَدِيث , وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي \" الْمَرَاسِيل \" عَنْ عِكْرِمَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى اِمْرَأَةً مَقْتُولَة بِالطَّائِفِ فَقَالَ : أَلَمْ أَنْهَ عَنْ قَتْل النِّسَاء , مَنْ صَاحِبهَا ؟ فَقَالَ رَجُل : أَنَا يَا رَسُول اللَّه أَرْدَفْتهَا فَأَرَادَتْ أَنْ تَصْرَعنِي فَتَقْتُلنِي فَقَتَلْتهَا , فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُوَارَى \" وَيُحْتَمَل فِي هَذِهِ التَّعَدُّد , وَالَّذِي جَنَحَ إِلَيْهِ غَيْرهمْ الْجَمْع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَالْكُوفِيِّينَ , وَقَالُوا : إِذَا قَاتَلَتْ الْمَرْأَة جَازَ قَتْلهَا. وَقَالَ اِبْن حَبِيب مِنْ الْمَالِكِيَّة : لَا يَجُوز الْقَصْد إِلَى قَتْلهَا إِلَّا إِنْ بَاشَرَتْ الْقَتْل وَقَصَدَتْ إِلَيْهِ. قَالَ : وَكَذَلِكَ الصَّبِيّ الْمُرَاهِق. وَيُؤَيِّد قَوْل الْجُمْهُور مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث رِيَاح بْن الرَّبِيع وَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاء وَالتَّحْتَانِيَّة التَّمِيمِيّ قَالَ \" كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة , فَرَأَى النَّاس مُجْتَمَعِينَ , فَرَأَى اِمْرَأَة مَقْتُولَة فَقَالَ : مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِل \" فَإِنَّ مَفْهُومه أَنَّهَا لَوْ قَاتَلَتْ لَقُتِلَتْ , وَاتَّفَقَ الْجَمِيع كَمَا نَقَل اِبْن بَطَّال وَغَيْره عَلَى مَنْع الْقَصْد إِلَى قَتْل النِّسَاء وَالْوَلَدَانِ , أَمَّا النِّسَاء فَلِضَعْفِهِنَّ , وَأَمَّا الْوَلَدَان فَلِقُصُورِهِمْ عَنْ فِعْل الْكُفْر , وَلِمَا فِي اِسْتِبْقَائِهِمْ جَمِيعًا مِنْ الِانْتِفَاع بِهِمْ إِمَّا بِالرِّقِّ أَوْ بِالْفِدَاءِ فِيمَنْ يَجُوز أَنْ يُفَادَى بِهِ , وَحَكَى الْحَازِمِيُّ قَوْلًا بِجَوَازِ قَتْل النِّسَاء وَالصِّبْيَان عَلَى ظَاهِر حَدِيث الصَّعْب , وَزَعَمَ أَنَّهُ نَاسِخ لِأَحَادِيث النَّهْي , وَهُوَ غَرِيب , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى قَتْل الْمَرْأَة الْمُرْتَدَّة فِي كِتَاب الْقِصَاص. وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى جَوَاز الْعَمَل بِالْعَامِّ حَتَّى يَرِد الْخَاصّ , لِأَنَّ الصَّحَابَة تَمَسَّكُوا بِالْعُمُومَاتِ الدَّالَّة عَلَى قَتْل أَهْل الشِّرْك , ثُمَّ نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْل النِّسَاء وَالصِّبْيَان فَخَصَّ ذَلِكَ الْعُمُوم , وَيُحْتَمَل أَنْ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْخِطَاب إِلَى وَقْت الْحَاجَة. وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ الرَّدّ عَلَى مَنْ يَتَخَلَّى عَنْ النِّسَاء وَغَيْرهنَّ مِنْ أَصْنَاف الْأَمْوَال زُهْدًا لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَحْصُل مِنْهُمْ الضَّرَر فِي الدِّين لَكِنْ يُتَوَقَّف تَجَنُّبهمْ عَلَى حُصُول ذَلِكَ الضَّرَر , فَمَتَى حَصَلَ اِجْتَنَبَتْ وَإِلَّا فَلْيَتَنَاوَلْ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2791",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَقْتُولَةً ‏ ‏فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2792",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَكُمْ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وُجِدَتْ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَإِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ‏ ‏شَيْخه فِيهِ هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي مُسْنَده بِهَذَا السِّيَاق وَزَادَ فِي آخِره \" فَأَقَرَّ بِهِ أَبُو أُسَامَة وَقَالَ : نَعَمْ \" وَعَلَى هَذَا فَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَنْ قَالَ فِيهِ إِنّ مَنْ قَالَ لِشَيْخِهِ حَدَّثَكُمْ فُلَان فَسَكَتَ جَازَ ذَلِكَ مَعَ الْقَرِينَة لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيق الْأُخْرَى أَنَّهُ لَمْ يَسْكُت , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَحْكَامه فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد قَالَ \" نَهْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْل النِّسَاء وَالصِّبْيَان وَقَالَ : هُمَا لِمَنْ غَلَبَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2793",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُكَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَعْثٍ فَقَالَ ‏ ‏إِنْ وَجَدْتُمْ ‏ ‏فُلَانًا ‏ ‏وَفُلَانًا ‏ ‏فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ بُكَيْر ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَة وَكَافٍ مُصَغَّر , وَلِأَحْمَد عَنْ هِشَام بْن الْقَاسِم عَنْ اللَّيْث \" حَدَّثَنِي بُكَير اِبْن عَبْد اللَّه بْن الْأَشَجّ \" فَأَفَادَ نِسْبَته وَتَصْرِيحه بِالتَّحْدِيثِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الطُّرُق عَنْ اللَّيْث لَيْسَ بَيْن سُلَيْمَان بْن يَسَار وَأَبِي هُرَيْرَة فِيهِ أَحَد , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الْحَارِث وَغَيْره عَنْ بُكَيْر , وَمَضَى قَبْل أَبْوَاب مُعَلَّقًا , وَخَالَفَهُمْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فَرَوَاهُ فِي السِّيرَة عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ بُكَيْر فَأَدْخَلَ بَيْن سُلَيْمَان وَأَبِي هُرَيْرَة رَجُلًا وَهُوَ أَبُو إِسْحَاق الدَّوْسِيُّ , وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ وَابْن السَّكَن وَابْن حِبَّانَ فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق , وَأَشَارَ التِّرْمِذِيّ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَة , وَنَقَلَ عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّ رِوَايَة اللَّيْث أَصَحّ , وَسُلَيْمَان قَدْ صَحَّ سَمَاعه مِنْ أَبِي هُرَيْرَة , يَعْنِي وَهُوَ غَيْر مُدَلِّس فَتَكُون رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد. ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْث فَقَالَ إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا ) ‏ ‏زَادَ التِّرْمِذِيّ عَنْ قُتَيْبَة بِهَذَا الْإِسْنَاد \" رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْش \" وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّة أَنَا فِيهَا قُلْت : وَكَانَ أَمِير السَّرِيَّة الْمَذْكُورَة حَمْزَة بْن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقه بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ لَكِنْ قَالَ فِي رِوَايَته \" إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ \" هَكَذَا بِالْإِفْرَادِ , وَكَذَلِكَ رَوَيْنَاهُ فِي \" فَوَائِد عَلِيّ بْن حَرْب \" عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيحٍ مُرْسَلًا وَسَمَّاهُ هَبَّار بْن الْأَسْوَد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق إِنْ وَجَدْتُمْ هَبَّار اِبْن الْأَسْوَد وَالرَّجُل الَّذِي سَبَقَ مِنْهُ إِلَى زَيْنَب مَا سَبَقَ فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ \" يَعْنِي زَيْنَب بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ زَوْجهَا أَبُو الْعَاصِ بْن الرَّبِيع لَمَّا أَسَرَهُ الصَّحَابَة ثُمَّ أَطْلَقَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَة شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُجَهِّز لَهُ لِبِنْتِهِ زَيْنَب فَجَهَّزَهَا , فَتَبِعَهَا هَبَّار بْن الْأَسْوَد وَرَفِيقه فَنَخَسَا بَعِيرهَا فَأُسْقِطَتْ وَمَرِضَتْ مِنْ ذَلِكَ , وَالْقِصَّة مَشْهُورَة عِنْد اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره , وَقَالَ فِي رِوَايَته \" وَكَانَا نَخَسَا بِزَيْنَب بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين خَرَجَتْ مِنْ مَكَّة \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح \" أَنَّ هَبَّار بْن الْأَسْوَد أَصَابَ زَيْنَب بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ وَهِيَ فِي خِدْرهَا فَأُسْقِطَتْ , فَبَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّة فَقَالَ : إِنْ وَجَدْتُمُوهُ فَاجْعَلُوهُ بَيْن حُزْمَتَيْ حَطَبٍ ثُمَّ أَشْعِلُوا فِيهِ النَّار \" ثُمَّ قَالَ \" إِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنْ اللَّه , لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّب بِعَذَابِ اللَّه \" الْحَدِيث , فَكَأَنَّ إِفْرَاد هَبَّار بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ كَانَ الْأَصْل فِي ذَلِكَ وَالْآخَر كَانَ تَبَعًا لَهُ , وَسَمَّى اِبْن السَّكَن فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق الرَّجُل الْآخَر نَافِع بْن عَبْد قَيْس , وَبِهِ جَزَمَ اِبْن هِشَام فِي \" زَوَائِد السِّيرَة \" عَلَيْهِ , وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ مُسْنَد الْبَزَّار أَنَّهُ خَالِد بْن عَبْد قَيْس فَلَعَلَّهُ تَصَحُّف عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا هُوَ نَافِع , كَذَلِكَ هُوَ فِي النُّسَخ الْمُعْتَمَدَة مِنْ مُسْنَد الْبَزَّار , وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهُ اِبْن بَشْكُوَالٍ مِنْ مُسْنَد الْبَزَّار , وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّد بْن عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة فِي تَارِيخه مِنْ طَرِيق اِبْن لَهِيعَة كَذَلِكَ. قُلْت : وَقَدْ أَسْلَمَ هَبَّار هَذَا , فَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي نَجِيح الْمَذْكُورَة \" فَلَمْ تُصِبْهُ السَّرِيَّة وَأَصَابَهُ الْإِسْلَام فَهَاجَرَ \" فَذَكَر قِصَّة إِسْلَامه , وَلَهُ حَدِيث عِنْد الطَّبَرَانِيِّ وَآخَر عِنْد اِبْن مَنْدَهْ , وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه لِسُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْهُ رِوَايَة فِي قِصَّة جَرَتْ لَهُ مَعَ عُمَر فِي الْحَجّ , وَعَاشَ هَبَّار هَذَا إِلَى خِلَافَة مُعَاوِيَة , وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَاء وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة. وَلَمْ أَقِف لِرَفِيقِهِ عَلَى ذِكْر فِي الصَّحَابَة فَلَعَلَّهُ مَاتَ قَبْل أَنْ يُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أَرَدْنَا الْخُرُوج ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ الْغَد \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث \" فَأَتَيْنَاهُ نُوَدِّعهُ حِين أَرَدْنَا الْخُرُوج \" وَفِي رِوَايَة اِبْن لَهِيعَة \" فَلَمَّا وَدَّعَنَا \" وَفِي رِوَايَة حَمْزَة الْأَسْلَمِيّ \" فَوَلَّيْت فَنَادَانِي فَرَجَعْت \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ النَّار لَا يُعَذِّب بِهَا إِلَّا اللَّه ) ‏ ‏هُوَ خَبَر بِمَعْنَى النَّهْي , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن لَهِيعَة \" وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي \" وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" ثُمَّ رَأَيْت أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّب بِالنَّارِ إِلَّا اللَّه \" وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود رَفَعَهُ \" أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّب بِالنَّارِ إِلَّا رَبّ النَّار \" وَفِي الْحَدِيث قِصَّة. وَاخْتَلَفَ السَّلَف فِي التَّحْرِيق : فَكَرِهَ ذَلِكَ عُمَر وَابْن عَبَّاس وَغَيْرهمَا مُطْلَقًا سَوَاء كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْر أَوْ فِي حَال مُقَاتَلَة أَوْ كَانَ قِصَاصًا , وَأَجَازَهُ عَلِيٌّ وَخَالِد بْن الْوَلِيد وَغَيْرهمَا , وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِالْقِصَاصِ قَرِيبًا. وَقَالَ الْمُهَلَّب : لَيْسَ هَذَا النَّهْي عَلَى التَّحْرِيم بَلْ عَلَى سَبِيل التَّوَاضُع , وَيَدُلّ عَلَى جَوَاز التَّحْرِيق فِعْل الصَّحَابَة , وَقَدْ سَمَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُن الْعُرَنِيِّينَ بِالْحَدِيدِ الْمَحْمِيّ , وَقَدْ حَرَقَ أَبُو بَكْر الْبُغَاة بِالنَّارِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَة , وَحَرَقَ خَالِد بْن الْوَلِيد بِالنَّارِ نَاسًا مِنْ أَهْل الرِّدَّة , وَأَكْثَر عُلَمَاء الْمَدِينَة يُجِيزُونَ تَحْرِيق الْحُصُون وَالْمَرَاكِب عَلَى أَهْلهَا قَالَهُ النَّوَوِيّ وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير وَغَيْره : لَا حُجَّة فِيمَا ذُكِرَ لِلْجَوَازِ , لِأَنَّ قِصَّة الْعُرَنِيِّينَ كَانَتْ قِصَاصًا أَوْ مَنْسُوخَة كَمَا تَقَدَّمَ. وَتَجْوِيز الصَّحَابِيّ مُعَارَض بِمَنْعِ صَحَابِيّ آخَر , وَقِصَّة الْحُصُون وَالْمَرَاكِب مُقَيَّدَة بِالضَّرُورَةِ إِلَى ذَلِكَ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلظُّفْرِ بِالْعَدُوِّ , وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِأَنْ لَا يَكُون مَعَهُمْ نِسَاء وَلَا صِبْيَان كَمَا تَقَدَّمَ , وَأَمَّا حَدِيث الْبَاب فَظَاهِر النَّهْي فِيهِ التَّحْرِيم , وَهُوَ نَسْخ لِأَمْرِهِ الْمُتَقَدِّم سَوَاء كَانَ بِوَحْيٍ إِلَيْهِ أَوْ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَنْ قَصَد إِلَى ذَلِكَ فِي شَخْص بِعَيْنِهِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَذْهَب مَالِك فِي أَصْل الْمَسْأَلَة وَفِي التَّدْخِين وَفِي الْقِصَاص بِالنَّارِ , وَفِي الْحَدِيث جَوَاز الْحُكْم بِالشَّيْءِ اِجْتِهَادًا ثُمَّ الرُّجُوع عَنْهُ , وَاسْتِحْبَاب ذِكْر الدَّلِيل عِنْد الْحُكْم لِرَفْعِ الْإِلْبَاس وَالِاسْتِنَابَة فِي الْحُدُود وَنَحْوهَا , وَأَنَّ طُول الزَّمَان لَا يَرْفَع الْعُقُوبَة عَمَّنْ يَسْتَحِقّهَا. وَفِيهِ كَرَاهَة قَتْل مِثْل الْبُرْغُوث بِالنَّارِ. وَفِيهِ نَسْخ السُّنَّة بِالسُّنَّةِ وَهُوَ إِنْفَاق. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة تَوْدِيع الْمُسَافِر لِأَكَابِر أَهْل بَلَده , وَتَوْدِيع أَصْحَابه لَهُ أَيْضًا. وَفِيهِ جَوَاز نَسْخ الْحُكْم قَبْل الْعَمَل بِهِ أَوْ قَبْل التَّمَكُّن مِنْ الْعَمَل بِهِ , وَهُوَ اِتِّفَاق إِلَّا عَنْ بَعْض الْمُعْتَزِلَة فِيمَا حَكَاهُ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَة غَيْر الْمَسْأَلَة الْمَشْهُورَة فِي الْأُصُول فِي وُجُوب الْعَمَل بِالنَّاسِخِ قَبْل الْعِلْم بِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَائِل الصَّلَاة فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْإِسْرَاء. وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ إِنْ تَمَكَّنُوا مِنْ الْعِلْم بِهِ ثَبَتَ حُكْمه فِي حَقّهمْ اِتِّفَاقًا , فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا فَالْجُمْهُور أَنَّهُ لَا يَثْبُت , وَقِيلَ يَثْبُت فِي الذِّمَّة كَمَا لَوْ كَانَ نَائِمًا وَلَكِنَّهُ مَعْذُور. ‏"
    },
    {
        "id": "2794",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَرَّقَ قَوْمًا فَبَلَغَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَيُّوب ) ‏ ‏صَرَّحَ الْحُمَيْدِيُّ عَنْ سُفْيَان بِتَحْدِيثِ أَيُّوب لَهُ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عَلِيًّا حَرَقَ قَوْمًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ الْمَذْكُورَة \" أَنَّ عَلِيًّا أَحْرَقَ الْمُرْتَدِّينَ \" يَعْنِي الزَّنَادِقَة. وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر وَمُحَمَّد بْن عَبَّاد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ جَمِيعًا عَنْ سُفْيَان قَالَ \" رَأَيْت عَمْرو بْن دِينَار وَأَيُّوب وَعَمَّارًا الدُّهْنِيّ اِجْتَمَعُوا فَتَذَّكَّرُوا الَّذِينَ حَرَقَهُمْ عَلِيّ , فَقَالَ أَيُّوب \" فَذَكَرَ الْحَدِيث \" فَقَالَ عَمَّار لَمْ يَحْرُقهُمْ , وَلَكِنْ حَفَرَ لَهُمْ حَفَائِر وَخَرَقَ بَعْضهَا إِلَى بَعْض ثُمَّ دَخَّنَ عَلَيْهِمْ , فَقَالَ عَمْرو بْن دِينَار قَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏لِتَرْمِ بِي الْمَنَايَا حَيْثُ شَاءَتْ ‏ ‏إِذَا لَمْ تَرْمِ بِي فِي الْحُفْرَتَيْنِ ‏ ‏إِذَا مَا أَجَّجُوا حَطَبًا وَنَارًا ‏ ‏هُنَاكَ الْمَوْت نَقْدًا غَيْر دَيْن ‏ ‏اِنْتَهَى. وَكَأَنَّ عَمْرو بْن دِينَار أَرَادَ بِذَلِكَ الرَّدّ عَلَى عَمَّار الدُّهْنِيّ فِي إِنْكَاره أَصْل التَّحْرِيق. ثُمَّ وَجَدْت فِي الْجُزْء الثَّالِث مِنْ حَدِيث أَبِي طَاهِر الْمُخْلِص \" حَدَّثَنَا لُوَيْنٌ حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ \" فَذَكَرَهُ عَنْ أَيُّوب وَحْده , ثُمَّ أَوْرَدَهُ عَنْ عَمَّار وَحْده , قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ : فَذَكَرْته لِعَمْرِو بْن دِينَار فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ \" فَأَيْنَ قَوْله : أَوْقَدْت نَارِي وَدَعَوْت قَنْبَرًا \" فَظَهَرَ بِهَذَا صِحَّة مَا كُنْت ظَنَنْته , وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ فِي آخِر الْحُدُود مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة قَالَ \" أُتِيَ عَلِيّ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ \" وَلِأَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِقَوْمٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَة وَمَعَهُمْ كُتُبٌ , فَأَمَرَ بِنَارٍ فَأُجِّجَتْ ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ وَكُتُبَهمْ \" وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن عُبَيْد عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" كَانَ نَاس يَعْبُدُونَ الْأَصْنَام فِي السِّرّ وَيَأْخُذُونَ الْعَطَاء , فَأَتَى بِهِمْ عَلِيٌّ فَوَضَعَهُمْ فِي السِّجْن وَاسْتَشَارَ النَّاس , فَقَالُوا : اُقْتُلْهُمْ , فَقَالَ : لَا بَلْ أَصْنَع بِهِمْ كَمَا صُنِعَ بِأَبِينَا إِبْرَاهِيم , فَحَرَقَهُمْ بِالنَّارِ \". ‏ ‏قَوْله : ( لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّه ) ‏ ‏هَذَا أَصْرَحُ فِي النَّهْي مِنْ الَّذِي قَبْله , وَزَادَ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ أَيُّوب فِي آخِره \" فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ : وَيْح اِبْن عَبَّاس \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى قَوْله \" مَنْ بَدَّلَ دِينه فَاقْتُلُوهُ \" فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2795",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَهْطًا مِنْ ‏ ‏عُكْلٍ ‏ ‏ثَمَانِيَةً قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاجْتَوَوْا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْغِنَا ‏ ‏رِسْلًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلَّا أَنْ تَلْحَقُوا ‏ ‏بِالذَّوْدِ ‏ ‏فَانْطَلَقُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا ‏ ‏الذَّوْدَ ‏ ‏وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ فَأَتَى ‏ ‏الصَّرِيخُ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَعَثَ الطَّلَبَ فَمَا ‏ ‏تَرَجَّلَ ‏ ‏النَّهَارُ حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ بِهَا وَطَرَحَهُمْ ‏ ‏بِالْحَرَّةِ ‏ ‏يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو قِلَابَةَ ‏ ‏قَتَلُوا وَسَرَقُوا وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَسَعَوْا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الْعُرَنِيِّينَ , وَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِالرِّعَاءِ لَكِنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس قَالَ \" إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُن الْعُرَنِيِّينَ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُن الرِّعَاء \" قَالَ اِبْن بَطَّال : وَلَوْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ لَكَانَ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قِصَّة الْعُرَنِيِّينَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , لِأَنَّهُ جَازَ سَمْل أَعْيُنهمْ وَهُوَ تَعْذِيب بِالنَّارِ وَلَوْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ فَجَوَازه إِنْ فَعَلُوهُ أَوْلَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفَى فِي كِتَاب الطَّهَارَة فِي \" بَاب أَبْوَال الْإِبِل \" وَهُوَ فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الْوُضُوء قُبَيْل كِتَاب الْغُسْل. ‏ ‏وَقَوْله \" حَدَّثَنَا مُعَلَّى \" ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَهُوَ اِبْن أَسَد , وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ وَآخَرِينَ. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" أَبْغِنَا رِسْلًا \" ‏ ‏أَيْ أَعِنَّا عَلَى طَلَبه , وَالرِّسْل بِكَسْرِ الرَّاء الدَّرّ مِنْ اللَّبَن. ‏ ‏( وَالذَّوْد ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا مُهْمَلَة : الثَّلَاث مِنْ الْإِبِل إِلَى الْعَشْرَة , ‏ ‏( وَالصَّرِيخ ) ‏ ‏صَوْت الْمُسْتَغِيث. ‏ ‏( وَتَرَجَّلَ ) ‏ ‏بِالْجِيمِ : أَيْ اِرْتَفَعَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2796",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنْ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ ‏",
        "sharh": "قَوْله : ( بَاب ) كَذَا لَهُمْ بِغَيْرِ تَرْجَمَة , وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَاب قَبْله , وَالْمُنَاسَبَة بَيْنهمَا أَنْ لَا يَتَجَاوَز بِالتَّحْرِيقِ حَيْثُ يَجُوز إِلَى مَنْ لَمْ يَسْتَوْجِب ذَلِكَ , فَإِنَّهُ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي تَحْرِيق قَرْيَة النَّمَل , وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه ( أَنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَيْهِ فَهَلَّا نَمْلَة وَاحِدَة ) فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَوْ حَرَقَ الَّتِي قَرَصَتْهُ وَحْدهَا لَمَا عُوتِبَ , وَلَا يَخْفَى أَنَّ صِحَّة الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ مُتَوَقِّفَة عَلَى أَنَّ شَرْع مَنْ قَبْلنَا هَلْ هُوَ شَرْع لَنَا ؟ وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى شَرْحه مُسْتَوْفَى فِي بَدْء الْخَلْق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2797",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ‏ ‏ذِي الْخَلَصَةِ ‏ ‏وَكَانَ بَيْتًا فِي ‏ ‏خَثْعَمَ ‏ ‏يُسَمَّى ‏ ‏كَعْبَةَ الْيَمَانِيَةِ ‏ ‏قَالَ فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ ‏ ‏أَحْمَسَ ‏ ‏وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ قَالَ وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُخْبِرُهُ فَقَالَ رَسُولُ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْوَفُ أَوْ أَجْرَبُ قَالَ فَبَارَكَ فِي خَيْلِ ‏ ‏أَحْمَسَ ‏ ‏وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث جَرِير فِي قِصَّة ذِي الْخَلَصَة ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَاللَّام وَالْمُهْمَلَة وَحُكِيَ تَسْكِين اللَّام , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي. ) ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" كَعْبَة الْيَمَانِيَّة \" ) ‏ ‏أَيْ كَعْبَة الْجِهَة الْيَمَانِيَّة عَلَى رَأْي الْبَصْرِيِّينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2798",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَرَّقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَخْلَ ‏ ‏بَنِي النَّضِيرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عُمَر \" حَرَّقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَخْل بَنِي النَّضِير \" ‏ ‏أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا هَكَذَا , وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي الْمَغَازِي مَعَ شَرْحه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى جَوَاز التَّحْرِيق وَالتَّخْرِيب فِي بِلَاد الْعَدُوّ , وَكَرِهَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْث وَأَبُو ثَوْر , وَاحْتَجُّوا بِوَصِيَّةِ أَبِي بَكْر لِجُيُوشِهِ أَنْ لَا يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ , وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ النَّهْي مَحْمُول عَلَى الْقَصْد لِذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إِذَا أَصَابُوا ذَلِكَ فِي خِلَال الْقِتَال كَمَا وَقَعَ فِي نَصْبِ الْمَنْجَنِيق عَلَى الطَّائِف , وَهُوَ نَحْو مَا أَجَابَ بِهِ فِي النَّهْي عَنْ قَتْل النِّسَاء وَالصِّبْيَان , وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم , وَنَحْو ذَلِكَ الْقَتْل بِالتَّغْرِيقِ. وَقَالَ غَيْره : إِنَّمَا نَهَى أَبُو بَكْر جُيُوشه عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ تِلْكَ الْبِلَاد سَتُفْتَحُ فَأَرَادَ إِبْقَاءَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2799",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَهْطًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏لِيَقْتُلُوهُ فَانْطَلَقَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْهُمْ فَدَخَلَ حِصْنَهُمْ قَالَ فَدَخَلْتُ فِي مَرْبِطِ دَوَابَّ لَهُمْ قَالَ وَأَغْلَقُوا بَابَ الْحِصْنِ ثُمَّ إِنَّهُمْ فَقَدُوا حِمَارًا لَهُمْ فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَهُ فَخَرَجْتُ فِيمَنْ خَرَجَ أُرِيهِمْ أَنَّنِي أَطْلُبُهُ مَعَهُمْ فَوَجَدُوا الْحِمَارَ فَدَخَلُوا وَدَخَلْتُ وَأَغْلَقُوا بَابَ الْحِصْنِ لَيْلًا فَوَضَعُوا الْمَفَاتِيحَ فِي ‏ ‏كَوَّةٍ ‏ ‏حَيْثُ أَرَاهَا فَلَمَّا نَامُوا أَخَذْتُ الْمَفَاتِيحَ فَفَتَحْتُ بَابَ الْحِصْنِ ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ يَا ‏ ‏أَبَا رَافِعٍ ‏ ‏فَأَجَابَنِي فَتَعَمَّدْتُ الصَّوْتَ فَضَرَبْتُهُ فَصَاحَ فَخَرَجْتُ ثُمَّ جِئْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ كَأَنِّي مُغِيثٌ فَقُلْتُ يَا ‏ ‏أَبَا رَافِعٍ ‏ ‏وَغَيَّرْتُ صَوْتِي فَقَالَ مَا لَكَ لِأُمِّكَ الْوَيْلُ قُلْتُ مَا شَأْنُكَ قَالَ لَا أَدْرِي مَنْ دَخَلَ عَلَيَّ فَضَرَبَنِي قَالَ فَوَضَعْتُ سَيْفِي فِي بَطْنِهِ ثُمَّ تَحَامَلْتُ عَلَيْهِ حَتَّى قَرَعَ الْعَظْمَ ثُمَّ خَرَجْتُ وَأَنَا دَهِشٌ فَأَتَيْتُ سُلَّمًا لَهُمْ لِأَنْزِلَ مِنْهُ فَوَقَعْتُ ‏ ‏فَوُثِئَتْ ‏ ‏رِجْلِي فَخَرَجْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ مَا أَنَا بِبَارِحٍ حَتَّى أَسْمَعَ النَّاعِيَةَ فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى سَمِعْتُ نَعَايَا ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏تَاجِرِ ‏ ‏أَهْلِ الْحِجَازِ ‏ ‏قَالَ فَقُمْتُ وَمَا بِي قَلَبَةٌ حَتَّى أَتَيْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرْنَاهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2800",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ آدَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَهْطًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏فَدَخَلَ عَلَيْهِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ ‏ ‏بَيْتَهُ لَيْلًا فَقَتَلَهُ وَهُوَ نَائِمٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2801",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ الْيَرْبُوعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏كُنْتُ كَاتِبًا لَهُ ‏ ‏قَالَ كَتَبَ إِلَيْهِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏حِينَ خَرَجَ إِلَى ‏ ‏الْحَرُورِيَّةِ ‏ ‏فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ ‏ ‏لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَا تَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدُوّ وَسَلُوا اللَّه الْعَافِيَة فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : حِكْمَة النَّهْي أَنَّ الْمَرْء لَا يَعْلَم مَا يَئُول إِلَيْهِ الْأَمْر , وَهُوَ نَظِير سُؤَال الْعَافِيَة مِنْ الْفِتَن , وَقَدْ قَالَ الصِّدِّيق \" لَأَنْ أُعَافَى فَأَشْكُر أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُبْتَلَى فَأَصْبِر \" وَقَالَ غَيْره : إِنَّمَا نَهَى عَنْ تَمَّنِي لِقَاء الْعَدُوّ لِمَا فِيهِ مِنْ صُورَة الْإِعْجَاب وَالْإِتْكَال عَلَى النُّفُوس وَالْوُثُوق بِالْقُوَّةِ وَقِلَّة الِاهْتِمَام بِالْعَدُوِّ , وَكُلّ ذَلِكَ يُبَايِن الِاحْتِيَاط وَالْأَخْذ بِالْحَزْمِ. وَقِيلَ يُحْمَل النَّهْي عَلَى مَا إِذَا وَقَعَ الشَّكّ فِي الْمَصْلَحَة أَوْ حُصُول الضَّرَر , وَإِلَّا فَالْقِتَال فَضِيلَة وَطَاعَة. وَيُؤَيِّد الْأَوَّل تَعْقِيب النَّهْي بِقَوْلِهِ \" وَسَلُوا اللَّه الْعَافِيَة \" وَأَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير مُرْسَلًا \" لَا تَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدُوّ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ عَسَى أَنْ تُبْتَلَوْا بِهِمْ \" وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : لَمَّا كَانَ لِقَاء الْمَوْت مِنْ أَشَقّ الْأَشْيَاء عَلَى النَّفْس وَكَانَتْ الْأُمُور الْغَائِبَة لَيْسَتْ كَالْأُمُورِ الْمُحَقَّقَة لَمْ يُؤْمَن أَنْ يَكُون عِنْد الْوُقُوع كَمَا يَنْبَغِي فَيُكْرَه التَّمَنِّي لِذَلِكَ وَلِمَا فِيهِ لَوْ وَقَعَ مِنْ اِحْتِمَال أَنْ يُخَالِف الْإِنْسَان مَا وَعَدَ مِنْ نَفْسه , ثُمَّ أُمِر بِالصَّبْرِ عِنْد وُقُوع الْحَقِيقَة اِنْتَهَى. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى مَنْع طَلَب الْمُبَارزَة , وَهُوَ رَأْي الْحَسَن الْبَصْرِيّ , وَكَانَ عَلِيّ يَقُول : لَا تَدْعُ إِلَى الْمُبَارَزَة , فَإِذَا دُعِيت فَأَجِب تُنْصَر , لِأَنَّ الدَّاعِي بَاغٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل عَلِيّ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ مُنْزِل الْكِتَاب إِلَخْ ) ‏ ‏أَشَارَ بِهَذَا الدُّعَاء إِلَى وُجُوه النَّصْر عَلَيْهِمْ , فَبِالْكِتَابِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبهُمْ اللَّه بِأَيْدِيكُمْ ) وَبِمُجْرِيَ السَّحَاب إِلَى الْقُدْرَة الظَّاهِرَة فِي تَسْخِير السَّحَاب حَيْثُ يُحَرِّك الرِّيح بِمَشِيئَةِ اللَّه تَعَالَى , وَحَيْثُ يَسْتَمِرّ فِي مَكَانه مَعَ هُبُوب الرِّيح , وَحَيْثُ تُمْطِر تَارَة وَأُخْرَى لَا تُمْطِر , فَأَشَارَ بِحَرَكَتِهِ إِلَى إِعَانَة الْمُجَاهِدِينَ فِي حَرَكَتهمْ فِي الْقِتَال , وَبِوُقُوفِهِ إِلَى إِمْسَاك أَيْدِي الْكُفَّار عَنْهُمْ , وَبِإِنْزَالِ الْمَطَر إِلَى غَنِيمَة مَا مَعَهُمْ حَيْثُ يَتَّفِق قَتْلهمْ , وَبِعَدَمِهِ إِلَى هَزِيمَتهمْ حَيْثُ لَا يَحْصُل الظُّفْر بِشَيئ مِنْهُمْ , وَكُلّهَا أَحْوَال صَالِحَة لِلْمُسْلِمِينَ. وَأَشَارَ بِهَازِمِ الْأَحْزَاب إِلَى التَّوَسُّل بِالنِّعْمَةِ السَّابِقَة , وَإِلَى تَجْرِيد التَّوَكُّل , وَاعْتِقَاد أَنَّ اللَّه هُوَ الْمُنْفَرِد بِالْفِعْلِ. وَفِيهِ التَّنْبِيه عَلَى عِظَم هَذِهِ النِّعَم الثَّلَاث , فَإِنَّ بِإِنْزَالِ الْكِتَاب حَصَلَتْ النِّعْمَة الْأُخْرَوِيَّة وَهِيَ الْإِسْلَام , وَبِإِجْرَاءِ السَّحَاب حَصَلَتْ النِّعْمَة الدُّنْيَوِيَّة وَهِيَ الرِّزْق , وَبِهَزِيمَةِ الْأَحْزَاب حَصَلَ حِفْظ النِّعْمَتَيْنِ , وَكَأَنَّهُ قَالَ : اللَّهُمَّ كَمَا أَنْعَمْت بِعَظِيمِ النِّعْمَتَيْنِ الْأُخْرَوِيَّة وَالدُّنْيَوِيَّة وَحَفِظْتهمَا فَأَبْقِهِمَا. وَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا أَيْضًا فَقَالَ \" اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبّنَا وَرَبّهمْ , وَنَحْنُ عَبِيدك وَهُمْ عَبِيدك نَوَاصِينَا وَنَوَاصِيهمْ بِيَدِك , فَاهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ \" وَلِسَعِيدِ بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْحُبُلِيِّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا نَحْوه لَكِنْ بِصِيغَةِ الْأَمْر عَطْفًا عَلَى قَوْله ( وَسَلُوا اللَّه الْعَافِيَة : فَإِنْ بُلِيتُمْ بِهِمْ فَقُولُوا اللَّهُمَّ ) فَذَكَرَهُ وَزَادَ ( وَغُضُّوا أَبْصَاركُمْ وَاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ عَلَى بَرَكَة اللَّه ). ‏"
    },
    {
        "id": "2802",
        "content": "‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ ‏ ‏كُنْتُ كَاتِبًا ‏ ‏لِعُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَأَتَاهُ كِتَابُ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُوسَى بْن عُقْبَة إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الْإِسْنَاد الْمَاضِي , وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَنَّهُ عِنْده بِالْإِسْنَادِ الْوَاحِد عَلَى وَجْهَيْنِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا , وَهَذَا مَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَاقْتَصَرَ غَيْره لِهَذَا الْمَتْن الْمُخْتَصَر عَلَى الْإِسْنَاد الْمَذْكُور وَلَمْ يَسُوقُوهُ مُطَوَّلًا وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو عَامِر ) ‏ ‏هُوَ الْعَقَدِيّ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَعَلَّهُ عَبْد اللَّه بْن بَرَّاد الْأَشْعَرِيّ , كَذَا قَالَ وَلَمْ يُصِبْ , فَإِنَّهُ مَا لِابْنِ بَرَّاد رِوَايَة عَنْ الْمُغِيرَة. وَقَدْ وَصَلَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْرهمْ مِنْ طُرُق عَنْ أَبِي عَامِر الْعَقَدِيّ عَنْ مُغِيرَة بِهِ , وَفِي الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب الدُّعَاء عِنْد اللِّقَاء وَالِاسْتِنْصَار , وَوَصِيَّة الْمُقَاتِلِينَ بِمَا فِيهِ صَلَاح أَمْرهمْ , وَتَعْلِيمهمْ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ , وَسُؤَال اللَّه تَعَالَى بِصِفَاتِهِ الْحُسْنَى وَبِنِعَمِهِ السَّالِفَة , وَمُرَاعَاة نَشَاط النُّفُوس لِفِعْلِ الطَّاعَة , وَالْحَثّ عَلَى سُلُوك الْأَدَب وَغَيْر ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2803",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَلَكَ ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏ثُمَّ لَا يَكُونُ ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏بَعْدَهُ ‏ ‏وَقَيْصَرٌ ‏ ‏لَيَهْلِكَنَّ ثُمَّ لَا يَكُونُ ‏ ‏قَيْصَرٌ ‏ ‏بَعْدَهُ وَلَتُقْسَمَنَّ كُنُوزُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏ ‏وَسَمَّى ‏ ‏الْحَرْبَ خَدْعَةً ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2804",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ بُورُ بْنُ أَصْرَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْحَرْبَ خَدْعَةً ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2805",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْحَرْبُ خَدْعَةٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2806",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ ‏ ‏لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ‏ ‏فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّ هَذَا ‏ ‏يَعْنِي النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏عَنَّانَا ‏ ‏وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ قَالَ وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ قَالَ فَإِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ قَالَ فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2807",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ ‏ ‏لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأْذَنْ لِي فَأَقُولَ قَالَ قَدْ فَعَلْتُ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث طَرَف مِنْ حَدِيث جَابِر فِي قِصَّة قَتْل كَعْب اِبْن الْأَشْرَف , وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَإِنَّمَا فَتَكُوا بِهِ لِأَنَّهُ نَقَضَ الْعَهْد , وَأَعَانَ عَلَى حَرْب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَجَاهُ , وَلَمْ يَقَع لِأَحَد مِمَّنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ تَأْمِين لَهُ بِالتَّصْرِيحِ , وَإِنَّمَا أَوْهَمُوهُ ذَلِكَ وَآنَسُوهُ حَتَّى تَمَكَّنُوا مِنْ قَتْله. ‏"
    },
    {
        "id": "2808",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏وَهُوَ يَنْقُلُ التُّرَابَ حَتَّى ‏ ‏وَارَى ‏ ‏التُّرَابُ شَعَرَ صَدْرِهِ وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ الشَّعَرِ وَهُوَ ‏ ‏يَرْتَجِزُ ‏ ‏بِرَجَزِ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ‏ ‏وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا ‏ ‏فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ‏ ‏وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا ‏ ‏إِنَّ الْأَعْدَاءَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ‏ ‏إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا ‏ ‏يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله هُنَا فِي حَدِيث الْبَرَاء \" إِنَّ الْعِدَا قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا \" ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب التَّمَنِّي عَقِب كِتَاب الْأَحْكَام وَكَأَنَّ الْمُصَنِّف أَشَارَ فِي التَّرْجَمَة بِقَوْلِهِ \" وَرَفْع الصَّوْت فِي حَفْر الْخَنْدَق \" إِلَى أَنَّ كَرَاهَة رَفْع الصَّوْت فِي الْحَرْب مُخْتَصَّة بِحَالَةِ الْقِتَال , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق قَيْس بْن عَبَّاد قَالَ \" كَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُونَ الصَّوْت عِنْد الْقِتَال \". ‏"
    },
    {
        "id": "2809",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ إِدْرِيسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ إِنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَرِير \" مَا حَجَبَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْت \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْمَنَاقِب , ‏ ‏وَقَوْله \" إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي \" ‏ ‏فِيهِ اِلْتِفَات مِنْ التَّكَلُّم إِلَى الْغِيبَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ عَلَى الْأَصْل بِلَفْظِ \" فِي وَجْهِي \" ‏ ‏وَقَوْله \" وَلَقَدْ شَكَوْت إِلَيْهِ أَنِّي لَا أَثْبُت عَلَى الْخَيْل \" ‏ ‏هُوَ مَوْضِع التَّرْجَمَة وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب حَرْق الدُّور وَالنَّخِيل \" وَيَأْتِي شَرْحه فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْله \" هَادِيا مُهْدِيًا \" ‏ ‏زَعَمَ اِبْن بَطَّال أَنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا قَالَ : لِأَنَّهُ لَا يَكُون هَادِيًا لِغَيْرِهِ إِلَّا بَعْد أَنْ يَهْتَدِي هُوَ فَيَكُون مُهْدِيًا اِنْتَهَى , وَلَيْسَتْ هُنَا صِيغَة تَرْتِيب. ‏"
    },
    {
        "id": "2810",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلُوا ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بِأَيِّ شَيْءٍ دُووِيَ جُرْحُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ مَا بَقِيَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي كَانَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏يَجِيءُ بِالْمَاءِ فِي ‏ ‏تُرْسِهِ ‏ ‏وَكَانَتْ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏تَغْسِلُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ ثُمَّ حُشِيَ بِهِ جُرْحُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2811",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏وَأَبَا مُوسَى ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا ‏ ‏وَتَطَاوَعَا ‏ ‏وَلَا تَخْتَلِفَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى وَفِيهِ \" وَلَا تَخْتَلِفَا \" وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي مَكَانه مِنْ أَوَاخِر الْمَغَازِي. ‏"
    },
    {
        "id": "2812",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يُحَدِّثُ قَالَ ‏ ‏جَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏الرَّجَّالَةِ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ فَهَزَمُوهُمْ قَالَ فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ وَأَسْوُقُهُنَّ رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ فَقَالَ أَصْحَابُ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏الْغَنِيمَةَ أَيْ قَوْمِ الْغَنِيمَةَ ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ فَمَا تَنْتَظِرُونَ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالُوا وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمْ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ أَصَابُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏أَرْبَعِينَ وَمِائَةً سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا فَقَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏أَفِي الْقَوْمِ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُجِيبُوهُ ثُمَّ قَالَ أَفِي الْقَوْمِ ‏ ‏ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ‏ ‏ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ أَفِي الْقَوْمِ ‏ ‏ابْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا فَمَا مَلَكَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏نَفْسَهُ فَقَالَ كَذَبْتَ وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ قَالَ يَوْمٌ بِيَوْمِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَالْحَرْبُ ‏ ‏سِجَالٌ ‏ ‏إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ ‏ ‏مُثْلَةً ‏ ‏لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي ثُمَّ أَخَذَ ‏ ‏يَرْتَجِزُ ‏ ‏أُعْلُ ‏ ‏هُبَلْ ‏ ‏أُعْلُ ‏ ‏هُبَلْ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا تُجِيبُوا لَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ قَالَ إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا تُجِيبُوا لَهُ قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء فِي قِصَّة غُزَاة أُحُد , وَالْغَرَض مِنْهُ أَنَّ الْهَزِيمَة وَقَعَتْ بِسَبَبِ مُخَالَفَة الرُّمَاة لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا تَبْرَحُوا مِنْ مَكَانكُمْ \" وَسَيَأْتِي شَرْحه أَيْضًا مُسْتَوْفَى فِي الْكَلَام عَلَى غَزْوَة أُحُد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2813",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ قَالَ وَقَدْ فَزِعَ ‏ ‏أَهْلُ الْمَدِينَةِ ‏ ‏لَيْلَةً سَمِعُوا صَوْتًا قَالَ فَتَلَقَّاهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى فَرَسٍ ‏ ‏لِأَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عُرْيٍ وَهُوَ ‏ ‏مُتَقَلِّدٌ ‏ ‏سَيْفَهُ فَقَالَ ‏ ‏لَمْ ‏ ‏تُرَاعُوا ‏ ‏لَمْ ‏ ‏تُرَاعُوا ‏ ‏ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَجَدْتُهُ ‏ ‏بَحْرًا ‏ ‏يَعْنِي الْفَرَسَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي فَرَس أَبِي طَلْحَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر الْهِبَة , وَتَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْجِهَاد مِرَارًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2814",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ ‏ ‏خَرَجْتُ مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏ذَاهِبًا نَحْوَ ‏ ‏الْغَابَةِ ‏ ‏حَتَّى إِذَا كُنْتُ ‏ ‏بِثَنِيَّةِ الْغَابَةِ ‏ ‏لَقِيَنِي غُلَامٌ ‏ ‏لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏قُلْتُ وَيْحَكَ مَا بِكَ قَالَ أُخِذَتْ ‏ ‏لِقَاحُ ‏ ‏النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْتُ مَنْ أَخَذَهَا قَالَ ‏ ‏غَطَفَانُ ‏ ‏وَفَزَارَةُ ‏ ‏فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ أَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ ‏ ‏لَابَتَيْهَا ‏ ‏يَا ‏ ‏صَبَاحَاهْ يَا ‏ ‏صَبَاحَاهْ ثُمَّ انْدَفَعْتُ حَتَّى أَلْقَاهُمْ وَقَدْ أَخَذُوهَا فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَقُولُ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏ابْنُ الْأَكْوَعِ ‏ ‏وَالْيَوْمُ يَوْمُ ‏ ‏الرُّضَّعْ ‏ ‏فَاسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوا فَأَقْبَلْتُ بِهَا أَسُوقُهَا فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ وَإِنِّي أَعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا سِقْيَهُمْ فَابْعَثْ فِي إِثْرِهِمْ فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏ابْنَ الْأَكْوَعِ ‏ ‏مَلَكْتَ ‏ ‏فَأَسْجِحْ ‏ ‏إِنَّ الْقَوْمَ ‏ ‏يُقْرَوْنَ ‏ ‏فِي قَوْمِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله \" يَا صَبَاحَاهُ \" ‏ ‏هُوَ مُنَادَى مُسْتَغَاث , وَالْأَلِف لِلِاسْتِغَاثَةِ وَالْهَاء لِلسَّكْتِ , وَكَأَنَّهُ نَادَى النَّاس اِسْتِغَاثَة بِهِمْ فِي وَقْت الصَّبَاح. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : الْهَاء لِلنُّدْبَةِ وَرُبَّمَا سَقَطَتْ فِي الْوَصْل , وَقَدْ ثَبَتَتْ فِي الرِّوَايَة فَيُوقَف عَلَيْهَا بِالسُّكُونِ. ‏ ‏وَكَانَتْ عَادَتهمْ يُغِيرُونَ فِي وَقْت الصَّبَاح , فَكَأَنَّهُ قَالَ : تَأَهَّبُوا لِمَا دَهَمَكُمْ صَبَاحًا. ‏ ‏وَقَوْله \" الرُّضَّع \" ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَة بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَالْمُرَاد بِهِمْ اللِّئَام أَيْ الْيَوْم يَوْم هَلَاك اللِّئَام. ‏ ‏وَقَوْله \" فَأَسْجِحْ \" ‏ ‏بِهَمْزَةِ قَطْع أَيْ أَحْسِنْ أَوْ اُرْفُقْ. ‏ ‏وَقَوْله \" يُقْرَوْنَ \" ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَالتَّخْفِيف مِنْ الْقِرَى , وَالرَّاء مَفْتُوحَة وَمَضْمُومَة , وَقِيلَ : مَعْنَى الضَّمّ يَجْمَعُونَ الْمَاء وَاللَّبَن , وَقِيلَ : يَغْزُونَ بِغَيْنٍ مُعْجَمَة وَزَاي وَهُوَ تَصْحِيف. قَالَ اِبْن الْمُنِير : مَوْضِع هَذِهِ التَّرْجَمَة أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَة لَيْسَتْ مِنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة الْمَنْهِيّ عَنْهَا لِأَنَّهَا اِسْتِغَاثَة عَلَى الْكُفَّار. ‏"
    },
    {
        "id": "2815",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا عُمَارَةَ ‏ ‏أَوَلَّيْتُمْ يَوْمَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْبَرَاءُ ‏ ‏وَأَنَا أَسْمَعُ أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يُوَلِّ يَوْمَئِذٍ كَانَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏آخِذًا ‏ ‏بِعِنَانِ ‏ ‏بَغْلَتِهِ فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ نَزَلَ فَجَعَلَ يَقُولُ ‏ ‏أَنَا النَّبِيُّ لَا ‏ ‏كَذِبْ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ‏ ‏قَالَ فَمَا رُئِيَ مِنْ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب فِي ثَبَات النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم حُنَيْنٍ ‏ ‏وَقَوْله \" أَنَا النَّبِيّ لَا كَذِب أَنَا اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب \" ‏ ‏, وَسَيَأْتِي شَرْحه فِيَّ غَزْوَة حُنَيْنٍ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2816",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُمَامَةَ هُوَ ابْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ ‏بَنُو قُرَيْظَةَ ‏ ‏عَلَى حُكْمِ ‏ ‏سَعْدٍ هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ ‏ ‏بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا دَنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ قَالَ فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ قَالَ لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي نُزُول بَنِي قُرَيْظَة عَلَى حُكْم سَعْد بْن مَعَاذ , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي غَزْوَة بَنِي قُرَيْظَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ اِبْن الْمُنِير : يُسْتَفَاد مِنْ الْحَدِيث لُزُوم حُكْم الْمُحَكَّم بِرِضَا الْخَصْمَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2817",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ ‏ ‏الْمِغْفَرُ ‏ ‏فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ ‏ ‏ابْنَ خَطَلٍ ‏ ‏مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فَقَالَ اقْتُلُوهُ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث أَنَس فِي قَتْل اِبْن خَطَلٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر الْحَجّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِمَام يَتَخَيَّر - مُتَّبِعًا مَا هُوَ الْأَحَظُّ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ - بَيْن قَتْل الْأَسِير , أَوْ الْمَنّ عَلَيْهِ بِفِدَاءٍ , أَوْ بِغَيْرِ فَدَاءٍ , أَوْ اِسْتِرْقَاقه. ‏"
    },
    {
        "id": "2818",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ ‏ ‏وَهُوَ حَلِيفٌ ‏ ‏لِبَنِي زُهْرَةَ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَشَرَةَ ‏ ‏رَهْطٍ ‏ ‏سَرِيَّةً ‏ ‏عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏جَدَّ ‏ ‏عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا ‏ ‏بِالْهَدَأَةِ ‏ ‏وَهُوَ بَيْنَ ‏ ‏عُسْفَانَ ‏ ‏وَمَكَّةَ ‏ ‏ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ ‏ ‏هُذَيْلٍ ‏ ‏يُقَالُ لَهُمْ ‏ ‏بَنُو لَحْيَانَ ‏ ‏فَنَفَرُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَتَيْ رَجُلٍ كُلُّهُمْ رَامٍ فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمْ تَمْرًا تَزَوَّدُوهُ مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالُوا هَذَا تَمْرُ ‏ ‏يَثْرِبَ ‏ ‏فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ فَلَمَّا رَآهُمْ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى ‏ ‏فَدْفَدٍ ‏ ‏وَأَحَاطَ بِهِمْ الْقَوْمُ فَقَالُوا لَهُمْ انْزِلُوا وَأَعْطُونَا بِأَيْدِيكُمْ وَلَكُمْ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ وَلَا نَقْتُلُ مِنْكُمْ أَحَدًا قَالَ ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏أَمِيرُ السَّرِيَّةِ أَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ لَا أَنْزِلُ الْيَوْمَ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا ‏ ‏عَاصِمًا ‏ ‏فِي سَبْعَةٍ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ مِنْهُمْ ‏ ‏خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏وَابْنُ دَثِنَةَ ‏ ‏وَرَجُلٌ ‏ ‏آخَرُ فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَأَوْثَقُوهُمْ فَقَالَ ‏ ‏الرَّجُلُ الثَّالِثُ ‏ ‏هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ وَاللَّهِ لَا أَصْحَبُكُمْ إِنَّ لِي فِي هَؤُلَاءِ لَأُسْوَةً يُرِيدُ الْقَتْلَى فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَأَبَى فَقَتَلُوهُ فَانْطَلَقُوا ‏ ‏بِخُبَيْبٍ ‏ ‏وَابْنِ دَثِنَةَ ‏ ‏حَتَّى بَاعُوهُمَا ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏بَعْدَ وَقْعَةِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَابْتَاعَ ‏ ‏خُبَيْبًا ‏ ‏بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏خُبَيْبٌ ‏ ‏هُوَ قَتَلَ ‏ ‏الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَلَبِثَ ‏ ‏خُبَيْبٌ ‏ ‏عِنْدَهُمْ أَسِيرًا ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏بِنْتَ الْحَارِثِ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ فَأَخَذَ ابْنًا لِي وَأَنَا غَافِلَةٌ حِينَ أَتَاهُ قَالَتْ فَوَجَدْتُهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا ‏ ‏خُبَيْبٌ ‏ ‏فِي وَجْهِي فَقَالَ تَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ ‏ ‏خُبَيْبٍ ‏ ‏وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ فِي يَدِهِ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ وَمَا ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏مِنْ ثَمَرٍ وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّهُ لَرِزْقٌ مِنْ اللَّهِ رَزَقَهُ ‏ ‏خُبَيْبًا ‏ ‏فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ ‏ ‏الْحَرَمِ ‏ ‏لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ قَالَ لَهُمْ ‏ ‏خُبَيْبٌ ‏ ‏ذَرُونِي أَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَطَوَّلْتُهَا اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا ‏ ‏مَا أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ‏ ‏عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي ‏ ‏وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ‏ ‏يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ ‏ ‏شِلْوٍ ‏ ‏مُمَزَّعِ ‏ ‏فَقَتَلَهُ ‏ ‏ابْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏خُبَيْبٌ ‏ ‏هُوَ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لِكُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا فَاسْتَجَابَ اللَّهُ ‏ ‏لِعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏يَوْمَ أُصِيبَ فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ وَمَا أُصِيبُوا وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ كُفَّارِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ وَكَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَبُعِثَ عَلَى ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏مِثْلُ ‏ ‏الظُّلَّةِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الدَّبْرِ ‏ ‏فَحَمَتْهُ مِنْ رَسُولِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْطَعَ مِنْ لَحْمِهِ شَيْئًا ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي بَعْث عَاصِم بْن ثَابِت وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي لِحْيَان , وَقِصَّة قَتْل خُبَيْبِ اِبْن عَدِيّ , وَسَيَأْتِي شَرْحهَا مُسْتَوْفَى فِي الْمَغَازِي , وَفِيهَا مَا تَرْجَمَ لَهُ مِنْ الْأُمُور الثَّلَاثَة , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" فَأَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه بْن عِيَاض الْقَائِل \" ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي هُوَ اِبْن شِهَاب كَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحه هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2819",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فُكُّوا الْعَانِيَ ‏ ‏يَعْنِي الْأَسِيرَ وَأَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏\" فَكُّوا الْعَانِي \" ‏ ‏أَيْ الْأَسِير , كَذَا وَقَعَ فِي تَفْسِير الْعَانِي فِي الْحَدِيث , وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون وَزْن الْقَاضِي , وَالتَّفْسِير مِنْ قِبَل جَرِير أَوْ قُتَيْبَة , وَإِلَّا فَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّف فِي الطِّبّ مِنْ طَرِيق أَبِي عَوَانَة عَنْ مَنْصُور فَلَمْ يَذْكُرهُ , وَأَخْرَجَهُ فِي الْأَطْعِمَة مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ مَنْصُور وَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ سُفْيَان : الْعَانِي الْأَسِير \" قَالَ اِبْن بَطَّال : فِكَاك الْأَسِير وَاجِب عَلَى الْكِفَايَة , وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور. وَقَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ : مِنْ بَيْت الْمَال. وَرُوِيَ عَنْ مَالِك أَيْضًا وَقَالَ أَحْمَد يُفَادَى بِالرُّءُوسِ , وَأَمَّا بِالْمَالِ فَلَا أَعْرِفهُ. وَلَوْ كَانَ عِنْد الْمُسْلِمِينَ أَسَارَى وَعِنْد الْمُشْرِكِينَ أَسَارَى وَاتَّفَقُوا عَلَى الْمُفَادَاة تَعَيَّنَتْ , وَلَمْ تَجُزْ مُفَادَاة أَسَارَى الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2820",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُطَرِّفٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَامِرًا ‏ ‏حَدَّثَهُمْ عَنْ ‏ ‏أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِعَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنْ الْوَحْيِ إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ‏ ‏وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ‏ ‏مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قُلْتُ وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ قَالَ ‏ ‏الْعَقْلُ ‏ ‏وَفَكَاكُ ‏ ‏الْأَسِيرِ وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ \" قُلْت لِعَلِيٍّ : هَلْ عِنْدكُمْ شَيْء مِنْ الْوَحْي \" الْحَدِيث , وَقَدْ مَضَى شَرْحه فِي كِتَاب الْعِلْم , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة مَا فِيهِ فِي الدِّيَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2821",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رِجَالًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ فَلْنَتْرُكْ لِابْنِ أُخْتِنَا ‏ ‏عَبَّاسٍ ‏ ‏فِدَاءَهُ فَقَالَ ‏ ‏لَا تَدَعُونَ مِنْهَا دِرْهَمًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَالٍ مِنْ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏فَجَاءَهُ ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ ‏ ‏عَقِيلًا ‏ ‏فَقَالَ خُذْ فَأَعْطَاهُ فِي ثَوْبِهِ ‏",
        "sharh": "أَوَّلهَا : حَدِيث أَنَس فِي اِسْتِئْذَان الْأَنْصَار أَنْ يَتْرُكُوا لِلْعَبَّاسِ فِدَاءَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيرَاده فِي كِتَاب الْعِتْق. ثَانِيهَا حَدِيثه قَالَ \" أُتِيَ بِمَالِ مِنْ الْبَحْرَيْنِ , فَقَالَ الْعَبَّاس : أَعْطِنِي فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وَعَقِيلًا \" وَأَوْرَدَهُ مُعَلَّقًا مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمّ مِنْهُ فِي الْمَسَاجِد وَبَيَان مَنْ وَصَلَهُ. ‏ ‏وَقَوْله \" فَاَدْيُت نَفْسِي وَعَقِيلًا \" ‏ ‏يُرِيد اِبْن أَبِي طَالِب وَيُقَال إِنَّهُ أُسِرَ مَعَهُمَا أَيْضًا الْحَارِث بْن نَوْفَل بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَأَنَّ الْعَبَّاس اِفْتَدَاهُ أَيْضًا. وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق كَيْفِيَّة ذَلِكَ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن بَطَّال عَلَى جَوَاز إِعْطَاء بَعْض الْأَصْنَاف مِنْ الزَّكَاة , وَلَا دَلَالَة فِيهِ لِأَنَّ الْمَال لَمْ يَكُنْ مِنْ الزَّكَاة , وَعَلَى تَقْدِير كَوْنه مِنْهَا فَالْعَبَّاس لَيْسَ مِنْ أَهْل الزَّكَاة. فَإِنْ قِيلَ إِنَّمَا أَعْطَاهُ مِنْ سَهْم الْغَارِمِينَ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْكَرْمَانِيُّ فَقَدْ تَعَقَّبَ , وَلَكِنَّ الْحَقّ أَنَّ الْمَال الْمَذْكُور كَانَ مِنْ الْخَرَاج أَوْ الْجِزْيَة وَهُمَا مِنْ مَال الْمَصَالِح , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي كِتَاب الْجِزْيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2822",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏وَكَانَ جَاءَ فِي أُسَارَى ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ ‏ ‏بِالطُّورِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جُبَيْر بْن مُطْعِم \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأ فِي الْمَغْرِب بِالطُّورِ \" ذَكَرَهُ لِقَوْلِهِ فِيهِ \" وَكَانَ جَاءَ فِي أَسَارَى بَدْر \" أَيْ فِي طَلَب فِدَاء أَسَارَى بَدْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْمَتْن فِي الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة فِي غَزْوَة بَدْر مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2823",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْعُمَيْسِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَيْنٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ ‏ ‏انْفَتَلَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ فَقَتَلَهُ فَنَفَّلَهُ سَلَبَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَبُو الْعُمَيْسِ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِيَاس ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَتَخْفِيف التَّحْتَانِيَّة , وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيِّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي نُعَيْم عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ \" حَدَّثَنَا إِيَاس \". ‏ ‏قَوْله : ( أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَيْن مِنْ الْمُشْرِكِينَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عِكْرِمَة اِبْن عَمَّار عَنْ إِيَاس عِنْد مُسْلِم أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَة هَوَازِن , وَسُمِّيَ الْجَاسُوس عَيْنًا لِأَنَّ جُلّ عَمَله بِعَيْنِهِ , أَوْ لِشِدَّةِ اِهْتِمَامه بِالرُّؤْيَةِ وَاسْتِغْرَاقه فِيهَا كَأَنَّ جَمِيع بَدَنه صَارَ عَيْنًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَلَسَ عِنْد أَصْحَابه يَتَحَدَّث ثُمَّ اِنْفَتَلَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن عَوْن عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ \" فَلَمَّا طَعِمَ اِنْسَلَّ \" وَفِي رِوَايَة عِكْرِمَة عِنْد مُسْلِم \" فَقَيَّدَ الْجَمَل ثُمَّ تَقَدَّمَ يَتَغَدَّى مَعَ الْقَوْم وَجَعَلَ يَنْظُر , وَفِينَا ضَعْفَة وَرِقَّة فِي الظَّهْر , إِذْ خَرَجَ يَشْتَدّ \". ‏ ‏قَوْله : ( اُطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْحِمَّانِيِّ عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ \" أَدْرِكُوهُ فَإِنَّهُ عَيْن \" زَادَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ الْحَسَن بْن عَلِيّ عَنْ أَبِي نُعَيْم فِيهِ \" فَسَبَقْتهمْ إِلَيْهِ فَقَتَلْته \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَتَلْته فَنَفَلَهُ سَلَبَهُ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَفِيهِ اِلْتِفَات مِنْ ضَمِير الْمُتَكَلِّم إِلَى الْغَيْبَة , وَكَانَ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ يَقُول فَنَفَلَنِي وَهِيَ رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ وَزَادَ \" هُوَ وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة بْن عَمَّار الْمَذْكُور \" فَاتَّبَعَهُ رَجُل مِنْ أَسْلَمَ عَلَى نَاقَة وَرْقَاء , فَخَرَجْت أَعْدُو حَتَّى أَخَذْت بِخِطَامِ الْجَمَل فَأَنَخْته , فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَته بِالْأَرْضِ اخْتَرَطَّتُ سَيْفِي فَأَضْرِب رَأْسه فَبَدَرَ , فَجِئْت بِرَاحِلَتِهِ وَمَا عَلَيْهَا أَقُودهَا , فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ قَتَلَ الرَّجُل ؟ قَالُوا : اِبْن الْأَكْوَع , قَالَ : لَهُ سَلَبه أَجْمَع \" وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ \" قَتْل عُيُون الْمُشْرِكِينَ \" وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ رِوَايَة عِكْرِمَة الْبَاعِث عَلَى قَتْله وَأَنَّهُ اِطَّلَعَ عَلَى عَوْرَة الْمُسْلِمِينَ وَبَادَرَ لِيُعْلِم أَصْحَابه فَيَغْتَنِمُونَ غِرَّتهمْ , وَكَانَ فِي قَتْله مَصْلَحَة لِلْمُسْلِمِينَ قَالَ النَّوَوِيّ فِيهِ قَتْل الْجَاسُوس الْحَرْبِيّ الْكَافِر وَهُوَ بِاتِّفَاق , وَأَمَّا الْمُعَاهَد وَالذِّمِّيّ فَقَالَ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ : يَنْتَقِض عَهْده بِذَلِكَ. وَعِنْد الشَّافِعِيَّة خِلَاف. أَمَّا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي عَهْده فَيَنْتَقِض اِتِّفَاقًا. وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ قَالَ إِنَّ السَّلَب كُلّه لِلْقَاتِلِ , وَأَجَابَ مَنْ قَالَ لَا يَسْتَحِقّ ذَلِكَ إِلَّا بِقَوْلِ الْإِمَام أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى أَحَد الْأَمْرَيْنِ بَلْ هُوَ مُحْتَمَل لَهُمَا , لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن رَبِيعَة عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ بِلَفْظِ \" قَامَ رَجُل فَأَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ عَيْن لِلْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : مَنْ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبه , قَالَ فَأَدْرَكْته فَقَتَلْته , فَنَفَلَنِي سَلَبَهُ \" فَهَذَا يُؤَيِّد الِاحْتِمَال الثَّانِي , بَلْ قَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَوْ قَالَ الْقَاتِل يَسْتَحِقّ السَّلَب بِمُجَرَّدِ الْقَتْل لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَهُ سَلَبه أَجْمَع \" مَزِيد فَائِدَة , وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون هَذَا الْحُكْم إِنَّمَا ثَبَتَ مِنْ حِينَئِذٍ , وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْخِطَاب لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ) عَامّ فِي كُلّ غَنِيمَة , فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد ذَلِكَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ أَنَّ السَّلَب لِلْقَاتِلِ سَوَاء قَيَّدْنَا ذَلِكَ بِقَوْلِ الْإِمَام أَمْ لَا , وَأَمَّا قَوْل مَالِك \" لَمْ يَبْلُغنِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ إِلَّا يَوْم حُنَيْنٍ \" فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ اِبْتِدَاء هَذَا الْحُكْم كَانَ يَوْم حُنَيْنٍ فَهُوَ مَرْدُود لَكِنْ عَلَى غَيْر مَالِك مِمَّنْ مَنَعَهُ , فَإِنَّ مَالِكًا إِنَّمَا نَفَى الْبَلَاغ , وَقَدْ ثَبَتَ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَوْف بْن مَالِك أَنَّهُ قَالَ لِخَالِدِ بْن الْوَلِيد فِي غَزْوَة مُؤْتَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ ) وَكَانَتْ مُؤْتَة قَبْل حُنَيْنٍ بِالِاتِّفَاقِ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِيهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْفُل جَمِيع مَا أَخَذَتْهُ السَّرِيَّة مِنْ الْغَنِيمَة لِمَنْ يَرَاهُ مِنْهُمْ , وَهَذَا يَتَوَقَّف عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَنِيمَة إِلَّا ذَلِكَ السَّلَب. قُلْت : وَمَا أَبَدَاهُ اِحْتِمَالًا هُوَ الْوَاقِع , فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عِكْرِمَة بْن عَمَّار أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَة هَوَازِن وَقَدْ اُشْتُهِرَ مَا وَقَعَ فِيهَا بَعْد ذَلِكَ مِنْ الْغَنَائِم. قَالَ اِبْن الْمُنِير : تَرْجَمَ بِالْحَرْبِيِّ إِذَا دَخَلَ بِغَيْرِ أمَان وَأَوْرَدَ الْحَدِيث الْمُتَعَلِّق بِعَيْنِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ جَاسُوسهمْ , وَحُكْم الْجَاسُوس مُخَالِف لِحُكْمِ الْحَرْبِيّ الْمُطْلَق الدَّاخِل بِغَيْرِ أَمَانٍ , فَالدَّعْوَى أَعَمّ مِنْ الدَّلِيل. وَأُجِيب بِأَنَّ الْجَاسُوس الْمَذْكُور أَوْهَمَ أَنَّهُ مِمَّنْ لَهُ أَمَان , فَلَمَّا قَضَى حَاجَته مِنْ التَّجسِيسِ اِنْطَلَقَ مُسْرِعًا فَفَطِنَ لَهُ فَظَهَرَ أَنَّهُ حَرْبِيّ دَخَلَ بِغَيْرِ أَمَانٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2824",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَّا طَاقَتَهُمْ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ قِصَّة قَتْل عُمَر بْن الْخَطَّاب وَهُوَ قَوْله \" وَأُوصِيه بِذِمَّةِ اللَّه وَذِمَّة رَسُوله \" الْحَدِيث وَسَيَأْتِي مَبْسُوطًا فِي الْمَنَاقِب , وَقَدْ تَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنْ عَدَم الِاسْتِرْقَاق , وَأَجَابَ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ ‏ ‏قَوْله ( وَأُوصِيه بِذِمَّةِ اللَّه ) ‏ ‏فَإِنَّ مُقْتَضَى الْوَصِيَّة بِالْإِشْفَاقِ أَنْ لَا يَدْخُلُوا فِي الِاسْتِرْقَاق , وَالَّذِي قَالَ أَنَّهُمْ يُسْتَرَقُّونَ إِذَا نَقَضُوا الْعَهْد اِبْن الْقَاسِم وَخَالَفَهُ أَشْهَب وَالْجُمْهُور , وَمَحِلّ ذَلِكَ إِذَا سَبَى الْحَرْبِيّ الذِّمِّيّ ثُمَّ أَسَرَ الْمُسْلِمُونَ الذِّمِّيّ. وَأَغْرَب اِبْن قُدَامَةَ فَحَكَى الْإِجْمَاع , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِع عَلَى خِلَاف اِبْن الْقَاسِم , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ اِطَّلَعَ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ تَرْجَمَ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2825",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ ثُمَّ بَكَى حَتَّى ‏ ‏خَضَبَ ‏ ‏دَمْعُهُ الْحَصْبَاءَ فَقَالَ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَجَعُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَقَالَ ‏ ‏ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا فَتَنَازَعُوا وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ فَقَالُوا هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ ‏ ‏جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ‏ ‏وَأَجِيزُوا ‏ ‏الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ ‏ ‏أُجِيزُهُمْ ‏ ‏وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَكَّةُ ‏ ‏وَالْمَدِينَةُ ‏ ‏وَالْيَمَامَةُ ‏ ‏وَالْيَمَنُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يَعْقُوبُ ‏ ‏وَالْعَرْجُ ‏ ‏أَوَّلُ ‏ ‏تِهَامَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله : ( حَدَّثَنَا قَبِيصَة ) ‏ ‏كَذَا لِأَكْثَر الرُّوَاة عَنْ الْفَرْبَرِيّ وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ , وَلَمْ يَقَع فِي الْكِتَاب لَقَبِيصَةَ رِوَايَة عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ إِلَّا هَذِهِ وَرِوَايَته فِيهِ عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ كَثِيرَة جِدًّا , وَحَكَى الْجَيَّانِيّ عَنْ رِوَايَة اِبْن السَّكَن عَنْ الْفَرْبَرِيّ فِي هَذَا \" قُتَيْبَة \" بَدَل قَبِيصَة , وَرِوَايَته عَنْ قُتَيْبَة لِهَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ سَتَأْتِي فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي , وَقُتَيْبَة مَشْهُور بِالرِّوَايَةِ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ دُون قَبِيصَة وَالْحَدِيث حَدِيث اِبْن عُيَيْنَةَ لَا الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ يَعْقُوب بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عِيسَى الزُّهْرِيِّ , وَأَثَره هَذَا وَصَلَهُ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي كِتَاب أَحْكَام الْقُرْآن عَنْ أَحْمَد بْن الْمُعَدَّل عَنْ يَعْقُوب , وَأَخْرَجَهُ يَعْقُوب بْن شَبَّة عَنْ أَحْمَد بْن الْمُعَدَّل عَنْ يَعْقُوب اِبْن مُحَمَّد عَنْ مَالِك بْن أَنَس مِثْله , وَقَالَ الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ فِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة \" أُخْبِرْتُ عَنْ مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ : جَزِيرَة الْعَرَب الْمَدِينَة. قَالَ الزُّبَيْر : قَالَ غَيْره جَزِيرَة الْعَرَب مَا بَيْن الْعُذَيْبِ إِلَى حَضَر مَوْت , قَالَ الزُّبَيْر : وَهَذَا أَشْبَه , وَحَضَرَ مَوْت آخِر الْيَمَن , وَقَالَ الْخَلِيل بْن أَحْمَد : سُمِّيَتْ جَزِيرَة الْعَرَب لِأَنَّ بَحْر فَارِس وَبَحْر الْحَبَشَة وَالْفُرَات وَدِجْلَة أَحَاطَتْ بِهَا , وَهِيَ أَرْض الْعَرَب وَمَعْدِنُهَا. وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : هِيَ مَا لَمْ يَبْلُغهُ مُلْك فَارِس مِنْ أَقْصَى عَدَن إِلَى أَطْرَاف الشَّام. وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : مَنْ أَقْصَى عَدَن إِلَى رِيف الْعِرَاق طُولًا وَمِنْ جِدَّة وَمَا وَالَاهَا مِنْ السَّاحِل إِلَى أَطْرَاف الشَّام عَرْضًا ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يَعْقُوب وَالْعَرْج أَوَّل تِهَامَة ) ‏ ‏الْعَرْج بِفَتْحِ الْمُهْلَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا جِيم مَوْضِع بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة , وَهُوَ غَيْر الْعَرَج بِفَتْحِ الرَّاء الَّذِي مِنْ الطَّائِف. وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ جَزِيرَة الْعَرَب مَا بَيْن أَقْصَى عَدَن أَبْيَن إِلَى رِيف الْعِرَاق طُولًا وَمِنْ جَدَّة وَمَا وَالَاهَا إِلَى أَطْرَاف الشَّام عَرْضًا , وَسُمِّيَتْ جَزِيرَة الْعَرَب لِإِحَاطَةِ الْبِحَار بِهَا , يَعْنِي بَحْر الْهِنْد وَبَحْر الْقُلْزُم وَبَحْر فَارِس وَبَحْر الْحَبَشَة , وَأُضِيفَتْ إِلَى الْعَرَب لِأَنَّهَا كَانَتْ بِأَيْدِيهِمْ قَبْل الْإِسْلَام وَبِهَا أَوْطَانهمْ وَمَنَازِلهمْ , لَكِنْ الَّذِي يُمْنَع الْمُشْرِكُونَ مِنْ سُكْنَاهُ مِنْهَا الْحِجَاز خَاصَّة وَهُوَ مَكَّة وَالْمَدِينَة وَالْيَمَامَة مَا وَالَاهَا , لَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يُطْلَق عَلَيْهِ اِسْم جَزِيرَة الْعَرَب , لِاتِّفَاقِ الْجَمِيع عَلَى أَنَّ الْيَمَن لَا يُمْنَعُونَ مِنْهَا مَعَ أَنَّهَا مِنْ جُمْلَة جَزِيرَة الْعَرَب , هَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور. وَعَنْ الْحَنَفِيَّة يَجُوز مُطْلَقًا إِلَّا الْمَسْجِد , وَعَنْ مَالِك يَجُوز دُخُولهمْ الْحَرَم لِلتِّجَارَةِ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ لَا يَدْخُلُونَ الْحَرَم أَصْلًا إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَام لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "2826",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَجَدَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏حُلَّةَ ‏ ‏إِسْتَبْرَقٍ ‏ ‏تُبَاعُ فِي السُّوقِ فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ الْحُلَّةَ فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَلِلْوُفُودِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا ‏ ‏خَلَاقَ ‏ ‏لَهُ أَوْ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا ‏ ‏خَلَاقَ ‏ ‏لَهُ فَلَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِجُبَّةِ ‏ ‏دِيبَاجٍ ‏ ‏فَأَقْبَلَ بِهَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏حَتَّى أَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا ‏ ‏خَلَاقَ ‏ ‏لَهُ أَوْ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا ‏ ‏خَلَاقَ ‏ ‏لَهُ ثُمَّ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ فَقَالَ تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا بَعْضَ حَاجَتِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2827",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏انْطَلَقَ فِي ‏ ‏رَهْطٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏ابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ ‏ ‏أُطُمِ ‏ ‏بَنِي مَغَالَةَ ‏ ‏وَقَدْ قَارَبَ يَوْمَئِذٍ ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏يَحْتَلِمُ فَلَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ظَهْرَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَاذَا تَرَى قَالَ ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خُلِطَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا قَالَ ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏هُوَ الدُّخُّ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اخْسَأْ ‏ ‏فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عُمَر اِنْطَلَقَ إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا الْحَدِيث فِيهِ ثَلَاث قِصَص أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّف تَامَّة : فِي الْجَنَائِز مِنْ طَرِيق يُونُس , وَهُنَا مِنْ طَرِيق مَعْمَر , وَفِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق شُعَيْب , وَاقْتَصَرَ فِي الشَّهَادَات عَلَى الثَّانِيَة , وَذَكَرَهَا أَيْضًا فِيمَا مَضَى مِنْ الْجِهَاد مِنْ وَجْه آخَر , وَاقْتَصَرَ فِي الْفِتَن عَلَى الثَّالِثَة , وَقَدْ مَضَى شَرْح أَكْثَر مُفْرَدَاته فِي الْجَنَائِز. ‏ ‏وَقَوْله \" قِبَل اِبْن صَيَّاد \" ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْمُوَحَّدَة أَيْ إِلَى جِهَته , ‏ ‏وَقَوْله ( وَقَدْ قَارَبَ اِبْن صَيَّاد يَوْمئِذٍ يَحْتَلِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس وَشُعَيْب \" وَقَدْ قَارَبَ اِبْن صَيَّاد الْحُلُم \" وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَاعْتَرَضَ بِهِ فَقَالَ : لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه غُلَامًا أَنْ يَكُون لَمْ يَحْتَلِم. ‏ ‏قَوْله : ( أَشْهَد أَنَّك رَسُول الْأُمِّيِّينَ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ الْيَهُود الَّذِينَ كَانَ اِبْن صَيَّاد مِنْهُمْ كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِبَعْثَةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنْ يَدَّعُونَ أَنَّهَا مَخْصُوصَة بِالْعَرَبِ , وَفَسَاد حُجَّتهمْ وَاضِح جِدًّا , لِأَنَّهُمْ إِذَا أَقَرُّوا بِأَنَّهُ رَسُول اللَّه اِسْتَحَالَ أَنْ يَكْذِب عَلَى اللَّه , فَإِذَا اِدَّعَى أَنَّهُ رَسُوله إِلَى الْعَرَب وَإِلَى غَيْرهَا تَعَيَّنَ صِدْقه , فَوَجَبَ تَصْدِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اِبْن صَيَّاد أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُول اللَّه ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد التِّرْمِذِيّ \" فَقَالَ أَتَشْهَدُ أَنْتَ أَنِّي رَسُول اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنْت بِاللَّهِ وَرُسُله ) ‏ ‏وَلِلْمُسْتَمْلِيّ \" وَرَسُوله \" بِالْإِفْرَادِ , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" آمَنْت بِاللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله وَالْيَوْم الْآخِر \" قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير , إِنَّمَا عَرَضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِسْلَام عَلَى اِبْن صَيَّاد بِنَاء عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الدَّجَّال الْمُحَذَّر مِنْهُ. قُلْت : وَلَا يَتَعَيَّن ذَلِكَ , بَلْ الَّذِي يَظْهَر أَنَّ أَمْره كَانَ مُحْتَمَلًا فَأَرَادَ اِخْتِبَاره بِذَلِكَ فَإِنْ أَجَابَ غَلَبَ تَرْجِيح أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ , وَإِنْ لَمْ يُجِبْ تَمَادِي الِاحْتِمَال , أَوْ أَرَادَ بِاسْتِنْطَاقِهِ إِظْهَار كَذِبه الْمُنَافِي لِدَعْوَى النُّبُوَّة , وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَاد أَجَابَهُ بِجَوَابٍ مُنْصِف فَقَالَ \" آمَنْت بِاللَّهِ وَرُسُله \". وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : كَانَ اِبْن صَيَّاد عَلَى طَرِيقَة الْكَهَنَة يُخْبِر بِالْخَبَرِ فَيَصِحّ تَارَة وَيَفْسُد أُخْرَى , فَشَاعَ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْزِل فِي شَأْنه وَحَيّ , فَأَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُلُوك طَرِيقَة يَخْتَبِر حَاله بِهَا , أَيْ فَهُوَ السَّبَب فِي اِنْطِلَاق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ , وَقَدْ رَوَى أَحَد مِنْ حَدِيث جَابِر قَالَ \" وَلَدَتْ اِمْرَأَة مِنْ الْيَهُود غُلَامًا مَمْسُوحَة عَيْنه , وَالْأُخْرَى طَالِعَة نَاتِئَة , فَأَشْفَقَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُون هُوَ الدَّجَّال \". وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرَة مَرْفُوعًا \" يَمْكُث أَبُو الدَّجَّال وَأُمّه ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَد لَهُمَا ثُمَّ يُولَد لَهُمَا غُلَام أَضَرّ شَيْء وَأَقَلّه مَنْفَعَة , قَالَ وَنَعَتَهُمَا فَقَالَ : أَمَّا أَبُوهُ فَطَوِيل ضَرْب اللَّحْم كَأَنَّ أَنْفه مِنْقَار , وَأَمَّا أُمّه فَرْضَاخِيَّةٌ \" أَيْ بِفَاءِ مَفْتُوحَة وَرَاء سَاكِنَة وَبِمُعْجَمَتَيْنِ , وَالْمَعْنَى أَنَّهَا ضَخْمَة طَوِيلَة الْيَدَيْنِ \" قَالَ فَسَمِعْنَا بِمَوْلُودٍ بِتِلْكَ الصِّفَة , فَذَهَبْت أَنَا وَالزُّبَيْر بْن الْعَوَّام حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبَوَيْهِ - يَعْنِي اِبْن صَيَّاد - فَإِذَا هُمَا بِتِلْكَ الصِّفَة \" وَلِأَحْمَد وَالْبَزَّار مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ قَالَ \" بَعَثَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُمّه فَقَالَ : سَلْهَا كَمْ حَمَلَتْ بِهِ ؟ فَقَالَتْ حَمَلْت بِهِ اِثَّنَى عَشَر شَهْرًا , فَلَمَّا وَقَعَ صَاحَ صِيَاح الصَّبِيّ اِبْن شَهْر \" اِنْتَهَى , فَكَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْل فِي إِرَادَة اِسْتِكْشَاف أَمْره. ‏ ‏قَوْله : ( مَاذَا تَرَى قَالَ اِبْن صَيَّاد يَأْتِينِي صَادِق وَكَاذِب ) ‏ ‏فِي حَدِيث جَابِر عِنْد التِّرْمِذِيّ وَنَحْوه لِمُسْلِمِ \" فَقَالَ أَرَى حَقًّا وَبَاطِلًا , وَأَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاء \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْده \" أَرَى صَادِقَيْنِ وَكَاذِبًا \" وَلِأَحْمَد \" أَرَى عَرْشًا عَلَى الْبَحْر حَوْله الْحِيتَان \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لُبِسَ ) ‏ ‏بِضَمِّ اللَّام وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة الْمَكْسُورَة بَعْدهَا مُهْمَلَة أَيْ خُلِطَ , وَفِي حَدِيث أَبِي الطُّفَيْل عِنْد أَحْمَد فَقَالَ \" تَعُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرّ هَذَا \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي قَدْ خَبَّأْت لَك خِبْئًا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَبِفَتْحِهَا وَسُكُون الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا هَمْز , وَبِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ هَمْز أَيْ أَخْفَيْت لَك شَيْئًا. ‏ ‏قَوْله : ( هُوَ الدُّخّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُعْجَمَة , وَحَكَى صَاحِب الْمُحْكَم الْفَتْح , وَوَقَعَ عِنْد الْحَاكِم \" الزَّخّ \" بِفَتْحِ الزَّاي بَدَل الدَّالّ وَفَسَّرَهُ بِالْجِمَاعِ , وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّة عَلَى تَغْلِيظه فِي ذَلِكَ , وَيَرُدّهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ الْمَذْكُور \" فَأَرَادَ أَنْ يَقُول الدُّخَان فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَقَالَ الدُّخّ \" , وَلِلْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث زَيْد اِبْن حَارِثَة قَالَ \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَّأَ لَهُ سُورَة الدُّخَّان \" وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ السُّورَة وَأَرَادَ بَعْضهَا , فَإِنَّ عِنْد أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق فِي حَدِيث الْبَاب \" وَخَبَّأْت لَهُ : يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِينٍ \" وَأَمَّا جَوَاب اِبْن صَيَّاد بِالدُّخِّ فَقِيلَ إِنَّهُ اِنْدَهَشَ فَلَمْ يَقَع مِنْ لَفْظ الدُّخَان إِلَّا عَلَى بَعْضه , وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْآيَة حِينَئِذٍ كَانَتْ مَكْتُوبَة فِي يَد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَهْتَدِ اِبْن صَيَّاد مِنْهَا إِلَّا لِهَذَا الْقَدْر النَّاقِص عَلَى طَرِيقَة الْكَهَنَة , وَلِهَذَا قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَنْ تَعْدُو قَدْرك \" أَيْ قَدْر مِثْلك مِنْ الْكُهَّان الَّذِينَ يَحْفَظُونَ مِنْ إِلْقَاء شَيَاطِينهمْ مَا يَحْفَظُونَهُ مُخْتَلَطًا صِدْقه بِكَذِبِهِ. وَحَكَى أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ أَنَّ السِّرّ فِي اِمْتِحَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِهَذِهِ الْآيَة الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ عِيسَى ابْن مَرْيَم يَقْتُل الدَّجَّال بِجَبَلِ الدُّخَّان , فَأَرَادَ التَّعْرِيض , لِابْنِ الصَّيَّاد بِذَلِكَ وَاسْتَبْعَدَ الْخَطَّابِيُّ مَا تَقَدَّمَ وَصَوَّبَ أَنَّهُ أَخَبَأَ لَهُ الدُّخّ وَهُوَ نَبْت يَكُون بَيْن الْبَسَاتِين , وَسَبَب اِسْتِبْعَاده لَهُ أَنَّ الدُّخَان لَا يُخَبَّأ فِي الْيَد وَلَا الْكُمّ. ثُمَّ قَالَ : إِلَّا أَنْ يَكُون خَبَّأَ لَهُ اِسْم الدُّخَان فِي ضَمِيره , وَعَلَى هَذَا فَيُقَال : كَيْف اِطَّلَعَ اِبْن صَيَّاد أَوْ شَيْطَانه عَلَى مَا فِي الضَّمِير ؟ وَيُمْكِن أَنْ يُجَاب بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحَدَّثَ مَعَ نَفْسه أَوْ أَصْحَابه بِذَلِكَ قَبْل أَنْ يَخْتَبِرهُ فَاسْتَرَقَ الشَّيْطَان ذَلِكَ أَوْ بَعْضه. ‏ ‏قَوْله : ( اِخْسَأْ ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِي كِتَاب الْأَدَب فِي بَابٍ مُفْرَدٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَنْ تَعْدُو قَدْرك ) ‏ ‏أَيْ لَنْ تُجَاوِز مَا قَدَّرَ اللَّه فِيك أَوْ مِقْدَار أَمْثَالك مِنْ الْكُهَّان. قَالَ الْعُلَمَاء : اِسْتَكْشَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْره لِيُبَيِّن لِأَصْحَابِهِ تَمْوِيهه لِئَلَّا يَلْتَبِس حَاله عَلَى ضَعِيف لَمْ يَتَمَكَّن فِي الْإِسْلَام وَمُحَصِّل مَا أَجَابَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ عَلَى طَرِيق الْفَرْض وَالتَّنَزُّل : إِنْ كُنْت صَادِقًا فِي دَعْوَاك الرِّسَالَة وَلَمْ يَخْتَلِط عَلَيْك الْأَمْر آمَنْت بِك. وَإِنْ كُنْت كَاذِبًا وَخُلِطَ عَلَيْك الْأَمْر فَلَا. وَقَدْ ظَهَرَ كَذِبك وَالْتِبَاس الْأَمْر عَلَيْك فَلَا تَعْدُو قَدْرك. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ يَكُنْ هُوَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْميهَنِيّ \" إِنْ يَكُنْهُ \" عَلَى وَصْل الضَّمِير , وَاخْتَارَ اِبْن مَالِك جَوَازه , ثُمَّ الضَّمِير لِغَيْرِ مَذْكُور لَفْظًا , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد أَحْمَد \" أَنْ يَكُون هُوَ الَّذِي تَخَاف فَلَنْ تَسْتَطِيعهُ \" وَفِي مُرْسَل عُرْوَة عِنْد الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة \" إِنْ يَكُنْ هُوَ الدَّجَّال \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَنْ تُسَلَّط عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي حَدِيث جَابِر \" فَلَسْت بِصَاحِبِهِ , إِنَّمَا صَاحِبه عِيسَى ابْن مَرْيَم \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْر لَك فِي قَتْله ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَإِنَّمَا لَمْ يَأْذَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْله مَعَ اِدِّعَائِهِ النُّبُوَّة بِحَضْرَتِهِ لِأَنَّهُ كَانَ غَيْر بَالِغ , وَلِأَنَّهُ كَانَ مِنْ جُمْلَة أَهْل الْعَهْد , قُلْت : الثَّانِي هُوَ الْمُتَعَيَّن , وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيث جَابِر عِنْد أَحْمَد , وَفِي مُرْسَل عُرْوَة \" فَلَا يَحِلّ لَك قَتْله \" ثُمَّ إِنَّ فِي السُّؤَال عِنْدِي نَظَرًا , لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح بِدَعْوَى النُّبُوَّة , وَإِنَّمَا أَوْهَمَ أَنَّهُ يَدَّعِي الرِّسَالَة , وَلَا يَلْزَم مِنْ دَعْوَى الرِّسَالَة دَعْوَى النُّبُوَّة , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( إِنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِين عَلَى الْكَافِرِينَ ) الْآيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2828",
        "content": "‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏انْطَلَقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏يَأْتِيَانِ النَّخْلَ الَّذِي فِيهِ ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏حَتَّى إِذَا دَخَلَ النَّخْلَ ‏ ‏طَفِقَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ وَهُوَ يَخْتِلُ ‏ ‏ابْنَ صَيَّادٍ ‏ ‏أَنْ يَسْمَعَ مِنْ ‏ ‏ابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ‏ ‏وَابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِي ‏ ‏قَطِيفَةٍ ‏ ‏لَهُ فِيهَا ‏ ‏رَمْزَةٌ ‏ ‏فَرَأَتْ أُمُّ ‏ ‏ابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ فَقَالَتْ ‏ ‏لِابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏أَيْ ‏ ‏صَافِ ‏ ‏وَهُوَ اسْمُهُ فَثَارَ ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن عُمَر اِنْطَلَقَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأُبَيّ بْن كَعْب ) ‏ ‏هَذِهِ هِيَ الْقِصَّة الثَّانِيَة مِنْ هَذَا الْحَدِيث , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّل , وَقَدْ أَفْرَدَهَا أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَادِ حَدِيث الْبَاب , وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر \" ثُمَّ جَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَنَفَر مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار وَأَنَا مَعَهُمْ \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي الطُّفَيْل أَنَّهُ حَضَرَ ذَلِكَ أَيْضًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز شَرْح مَا فِي هَذَا الْفَصْل مِنْ الْمُفْرَدَات وَبَيَان اِخْتِلَاف الرُّوَاة. و ‏ ‏قَوْله \" طَفِقَ \" ‏ ‏أَيْ جَعَلَ ‏ ‏وَ \" يَتَّقِي \" ‏ ‏أَيْ يَسْتَتِر و ‏ ‏\" يَخْتَلْ \" ‏ ‏أَيْ يَسْمَع فِي خُفْيَة. وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر \" رَجَاء أَنْ يَسْمَع مِنْ كَلَامه شَيْئًا لِيَعْلَم أَصَادِق هُوَ أَمْ كَاذِب \". ‏ ‏قَوْله ( أَيْ صَافٍ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةِ وَفَاء وَزْن بَاغٍ , زَادَ فِي رِوَايَة يُونُس \" هَذَا مُحَمَّد \" وَفِي حَدِيث جَابِر \" فَقَالَتْ يَا عَبْد اللَّه هَذَا أَبُو الْقَاسِم قَدْ جَاءَ \" وَكَأَنَّ الرَّاوِي عَبَّرَ بِاسْمِهِ الَّذِي تَسَمَّى بِهِ فِي الْإِسْلَام , وَأَمَّا اِسْمه الْأَوَّل فَهُوَ صَافٍ. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ تَرَكْته بَيَّنَ ) ‏ ‏أَيْ أَظْهَر لَنَا مِنْ حَاله مَا نَطَّلِع بِهِ عَلَى حَقِيقَته , وَالضَّمِير لِأُمِّ اِبْن صَيَّاد , أَيْ لَوْ لَمْ تُعْلِمهُ بِمَجِيئِنَا لَتَمَادَى عَلَى مَا كَانَ فِيهِ فَسَمِعْنَا مَا يَسْتَكْشِف بِهِ أَمْره. وَغَفَلَ بَعْض الشُّرَّاح فَجَعَلَ الضَّمِير لِلزَّمْزَمَةِ , أَيْ لَوْ لَمْ يَتَكَلَّم بِهَا لِفَهْمِنَا كَلَامه لَكِنَّ عَدَم فَهْمنَا لِمَا يَقُول كَوْنه يُهَمْهِم , كَذَا قَالَ. وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد. ‏"
    },
    {
        "id": "2829",
        "content": "‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ ‏ ‏الدَّجَّالَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ لَقَدْ أَنْذَرَهُ ‏ ‏نُوحٌ ‏ ‏قَوْمَهُ وَلَكِنْ سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ سَالِم قَالَ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏هَذِهِ هِيَ الْقِصَّة الثَّالِثَة وَهِيَ مَوْصُولَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَفْرَدَهَا أَحْمَد أَيْضًا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِي الْفِتَن. وَفِي قِصَّة اِبْن صَيَّاد اِهْتِمَام الْإِمَام بِالْأُمُورِ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا الْفَسَاد وَالتَّنْقِيب عَلَيْهَا , وَإِظْهَار كَذِب الْمُدَّعِي الْبَاطِل وَامْتِحَانه بِمَا يَكْشِف حَاله وَالتَّجَسُّس عَلَى أَهْل الرَّيْب , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْتَهِد فِيمَا لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِيهِ. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَمْر اِبْن صَيَّاد اِخْتِلَافًا كَثِيرًا سَأَسْتَوْفِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث جَابِر \" أَنَّهُ كَانَ يَحْلِف أَنَّ اِبْن صَيَّاد هُوَ الدَّجَّال \" حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِيهِ الرَّدّ عَلَى مَنْ يَدَّعِي الرَّجْعَة إِلَى الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَر \" إِنْ يَكُنْ هُوَ الَّذِي تَخَاف مِنْهُ فَلَنْ تَسْتَطِيعهُ \" لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنَّ الْمَيِّت يَرْجِع إِلَى الدُّنْيَا لَمَا كَانَ بَيْن قَتْل عُمَر لَهُ حِينَئِذٍ وَكَوْن عِيسَى ابْن مَرْيَم هُوَ الَّذِي يَقْتُلهُ بَعْد ذَلِكَ مُنَافَاة. وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2830",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا فِي حَجَّتِهِ قَالَ ‏ ‏وَهَلْ تَرَكَ لَنَا ‏ ‏عَقِيلٌ ‏ ‏مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا ‏ ‏بِخَيْفِ ‏ ‏بَنِي كِنَانَةَ ‏ ‏الْمُحَصَّبِ ‏ ‏حَيْثُ قَاسَمَتْ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏عَلَى الْكُفْرِ وَذَلِكَ أَنَّ ‏ ‏بَنِي كِنَانَةَ ‏ ‏حَالَفَتْ ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏عَلَى ‏ ‏بَنِي هَاشِمٍ ‏ ‏أَنْ لَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يُؤْوُوهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏وَالْخَيْفُ ‏ ‏الْوَادِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَحْمُود ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غَيْلَان , ‏ ‏وَقَوْله \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه \" ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَهَذِهِ رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَحْده وَلِلْبَاقِينَ \" عَبْد الرَّزَّاق \" بَدَل عَبْد اللَّه , وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نَعَيْم. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَيْنَ تَنْزِل غَدًا ) ‏ ‏الْحَدِيث ذُكِرَ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب تَوْرِيث دُور مَكَّة وَشِرَائِهَا \" مِنْ كِتَاب الْحَجّ بِتَمَامِهِ وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ , وَفِيهِ مَا تَرْجَمَ لَهُ هُنَا , لَكِنَّهُ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ مَكَّة فُتِحَتْ عَنْوَة وَالْمَشْهُور عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا , وَسَيَأْتِي تَحْرِير مَبَاحِث ذَلِكَ فِي غَزْوَة الْفَتْح مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَيُمْكِن أَنْ يُقَال : لَمَّا أَقَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقِيلًا عَلَى تَصَرُّفه فِيمَا كَانَ لِأَخَوَيْهِ عَلِيّ وَجَعْفَر وَلِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الدُّور وَالرِّبَاع بِالْبَيْعِ وَغَيْره وَلَمْ يُغَيِّر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَلَا اِنْتَزَعَهَا مِمَّنْ هِيَ فِي يَده لَمَّا ظَفَر كَانَ فِي ذَلِكَ دَلَالَة عَلَى تَقْرِير مَنْ بِيَدِهِ دَار أَوْ أَرْض إِذَا أَسْلَمَ وَهِيَ فِي يَده بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مُرَاد الْبُخَارِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَّ عَلَى أَهْل مَكَّة بِأَمْوَالِهِمْ وَدُورهمْ مِنْ قَبْل أَنْ يُسْلِمُوا , فَتَقْرِير مَنْ أَسْلَمَ يَكُون بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي كِنَانَة حَالَفَتْ قُرَيْشًا عَلَى بَنِي هَاشِم أَنْ لَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يُؤْوُوهُمْ ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْقَدْر مَعْطُوفًا عَلَى حَدِيث أُسَامَة وَذَكَر الْخَطِيب أَنَّ هَذَا مُدْرَج فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن عَنْ عَمْرو أَبِي عُثْمَان عَنْ أُسَامَة , وَإِنَّمَا هُوَ عِنْد الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَذَلِكَ أَنَّ اِبْن وَهْب رَوَاهُ عَنْ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ فَفَصَلَ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ. وَرَوَى مُحَمَّد بْن أَبِي حَفْصَة عَنْ الزُّهْرِيِّ الْحَدِيث الْأَوَّل فَقَطْ , وَرَوَى شُعَيْب وَالنُّعْمَان بْن رَاشِد وَإِبْرَاهِيم بْن سَعْد وَالْأَوْزَاعِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ الْحَدِيث الثَّانِي فَقَطْ , لَكِنْ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. قُلْت : أَحَادِيث الْجَمِيع عِنْد الْبُخَارِيّ , وَطَرِيق اِبْن وَهْب عِنْده لِحَدِيثِ أُسَامَة فِي الْحَجّ , وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة فِي التَّوْحِيد , وَأَخْرَجَهُمَا مُسْلِم مَعًا فِي الْحَجّ وَقَدْ قَدَّمْت فِي الْكَلَام عَنْ حَدِيث أُسَامَة فِي الْحَجّ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ إِدْرَاج أَيْضًا وَاللَّه الْمُسْتَعَان. ‏"
    },
    {
        "id": "2831",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى ‏ ‏هُنَيًّا ‏ ‏عَلَى الْحِمَى فَقَالَ يَا ‏ ‏هُنَيُّ ‏ ‏اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَأَدْخِلْ رَبَّ ‏ ‏الصُّرَيْمَةِ ‏ ‏وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ‏ ‏ابْنِ عَوْفٍ ‏ ‏وَنَعَمَ ‏ ‏ابْنِ عَفَّانَ ‏ ‏فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ وَإِنَّ رَبَّ ‏ ‏الصُّرَيْمَةِ ‏ ‏وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَأْتِنِي بِبَنِيهِ فَيَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا لَا أَبَا لَكَ فَالْمَاءُ وَالْكَلَأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنْ الذَّهَبِ ‏ ‏وَالْوَرِقِ ‏ ‏وَايْمُ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ إِنَّهَا لَبِلَادُهُمْ فَقَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب اِسْتَعْمَلَ مَوْلَى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا ) ‏ ‏بِالنُّونِ مُصَغَّر بِغَيْرِ هَمْز وَقَدْ يُهْمَز , وَهَذَا الْمَوْلَى لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَة مَعَ إِدْرَاكه , وَقَدْ وَجَدْت لَهُ رِوَايَة عَنْ أَبِي بَكْر وَعُمْر وَعَمْرو بْن الْعَاصِ , رَوَى عَنْهُ اِبْنه عُمَيْر وَشَيْخ مِنْ الْأَنْصَار وَغَيْرهمَا , وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَة ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى عَلِيّ لَمَّا قُتِلَ عَمَّار , ثُمَّ وَجَدْت فِي كِتَاب مَكَّة لِعُمَر بْن شَبَّة أَنَّ آل هَنِيٍّ يَنْتَسِبُونَ فِي هَمْدَانَ وَهُمْ مُوَالَى آل عُمَر , اِنْتَهَى. وَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْفُضَلَاء النُّبَهَاء الْمَوْثُوق بِهِمْ لَمَا اِسْتَعْمَلَهُ عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى الْحِمَى ) ‏ ‏, بَيْن اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق عُمَيْر بْن هَنِيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى حِمَى الرِّبْذَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض ذَلِكَ فِي كِتَاب الشُّرْب. ‏ ‏قَوْله : ( اُضْمُمْ جَنَاحك عَنْ الْمُسْلِمِينَ ) ‏ ‏أَيْ اُكْفُفْ يَدك عَنْ ظُلْمهمْ , وَفِي رِوَايَة مَعْن بْن عِيسَى عَنْ مَالِك عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِب \" اُضْمُمْ جَنَاحك لِلنَّاسِ \" وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَاهُ اُسْتُرْهُمْ بِجَنَاحِك , وَهُوَ كِنَايَة عَنْ الرَّحْمَة وَالشَّفَقَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَاتَّقِ دَعْوَة الْمُسْلِمِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأَبِي نُعَيْم \" دَعْوَة الْمَظْلُوم \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَدْخِلْ ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ مَفْتُوحَة وَمُعْجَمَة مَكْسُورَة , وَالصُّرَيْمَة بِالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّر وَكَذَا الْغَنِيمَة أَيْ صَاحِب الْقِطْعَة الْقَلِيلَة مِنْ الْإِبِل وَالْغَنَم , وَمُتَعَلِّق الْإِدْخَال مَحْذُوف وَالْمُرَاد الْمَرْعَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِيَّايَ ) ‏ ‏فِيهِ تَحْذِير الْمُتَكَلِّم نَفْسه , وَهُوَ شَاذّ عِنْد النُّحَاة , كَذَا قِيلَ , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ الشُّذُوذ فِي لَفْظه , وَإِلَّا فَالْمُرَاد فِي التَّحْقِيق إِنَّمَا هُوَ تَحْذِير الْمُخَاطَب , وَكَأَنَّهُ بِتَحْذِيرِ نَفْسه حَذَّرَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَيَكُون أَبْلَغَ , وَنَحْوه نَهْي الْمَرْء نَفْسه وَمُرَاده نَهْي مَنْ يُخَاطِبهُ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي بَاب الْغُلُول. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" اِبْن عَوْف \" ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن , ‏ ‏وَابْن عَفَّانَ ‏ ‏هُوَ عُثْمَان , وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ عَلَى طَرِيق الْمِثَال لِكَثْرَةِ نِعَمهمَا لِأَنَّهُمَا كَانَا مِنْ مَيَاسِير الصَّحَابَة , وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ مَنْعهمَا الْبَتَّة , وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْعَ الْمَرْعَى إِلَّا نِعَم أَحَد الْفَرِيقَيْنِ فَنِعَم الْمُقِلِّينَ أَوْلَى , فَنَهَاهُ عَنْ إِيثَارهمَا عَلَى غَيْرهمَا أَوْ تَقْدِيمهمَا قَبْل غَيْرهمَا , وَقَدْ بَيَّنَ حِكْمَة ذَلِكَ فِي نَفْس الْخَبَر. ‏ ‏قَوْله : ( بِبَيْتِهِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَنَّاةِ قَبْلهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة بِلَفْظِ مُفْرَد الْبَيْت , وَلِلكُشْمِيهَنيّ بِنُونِ قَبْل التَّحْتَانِيَّة بِلَفْظِ جَمْع الْبَنِينَ , وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب. ‏ ‏قَوْله : ( يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ) ‏ ‏حَذَف الْمَقُول لِدَلَالَةِ السِّيَاق عَلَيْهِ , وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّن فِي لَفْظ , وَالتَّقْدِير يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَنَا فَقِير , يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَنَا أَحَقّ وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَفَتَارِكهمْ أَنَا ) ‏ ‏اِسْتِفْهَام إِنْكَار وَمَعْنَاهُ لَا أَتْرُكهُمْ مُحْتَاجِينَ , ‏ ‏وَقَوْله \" لَا أَبَا لَك \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْمُوَحَّدَة , وَظَاهِره الدُّعَاء عَلَيْهِ , لَكِنَّهُ عَلَى مَجَازه لَا عَلَى حَقِيقَته , وَهُوَ بِغَيْرِ تَنْوِين لِأَنَّهُ صَارَ شَبِيهًا بِالْمُضَافِ وَإِلَّا فَالْأَصْل لَا أَبَالك , وَالْحَاصِل أَنَّهُمْ لَوْ مُنِعُوا مِنْ الْمَاء وَالْكَلَأ لَهَلَكَتْ مَوَاشِيهمْ فَاحْتَاجَ إِلَى تَعْوِيضهمْ بِصَرْفِ الذَّهَب وَالْفِضَّة لَهُمْ لِسَدِّ خُلَّتهمْ , وَرُبَّمَا عَارَضَ ذَلِكَ الِاحْتِيَاج إِلَى النَّقْد فِي صَرْفه فِي مَهَمٍّ آخَر. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّهُمْ لَيُرَوْنَ ) ‏ ‏بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّة أَوَّله بِمَعْنَى الظَّنّ , وَبِفَتْحِهَا بِمَعْنَى الِاعْتِقَاد. ‏ ‏وَقَوْله \" أَنِّي قَدْ ظَلَمَتْهُمْ \" ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين يُرِيد أَرْبَاب الْمَوَاشِي الْكَثِيرَة , كَذَا قَالَ , وَالَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ أَرَادَ أَرْبَاب الْمَوَاشِي الْقَلِيلَة لِأَنَّهُمْ الْمُعَظَّم وَالْأَكْثَر وَهُمْ أَهْل تِلْكَ الْبِلَاد مِنْ بِوَادِي الْمَدِينَة , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْل عُمَر \" إِنَّهَا لَبِلَادهمْ \" وَإِنَّمَا سَاغَ لِعُمَر ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مَوَاتًا فَحَمَاهُ لِنِعَمِ الصَّدَقَة لِمَصْلَحَةِ عُمُوم الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن سَعْد فِي الطَّبَقَات \" عَنْ مَعَن بْن عِيسَى عَنْ مَالِك عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ عَامِر بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ عُمَر أَتَاهُ رَجُل مِنْ أَهْل الْبَادِيَة فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ بِلَادنَا قَاتَلْنَا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة وَأَسْلَمْنَا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَام , ثُمَّ تُحْمَى عَلَيْنَا ؟ فَجَعَلَ عُمَر يَنْفُخ وَيَفْتِل شَارِبه \" وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك بِنَحْوِهِ وَزَادَ \" فَلَمَّا رَأَى الرَّجُل ذَلِكَ أَلَحَّ عَلَيْهِ , فَلَمَّا أَكْثَر عَلَيْهِ قَالَ : الْمَال مَال اللَّه وَالْعِبَاد عِبَاد اللَّه , مَا أَنَا بِفَاعِل \" وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : لَمْ يَدْخُل اِبْن عَفَّانَ وَلَا اِبْن عَوْف فِي قَوْله \" قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة \" فَالْكَلَام عَائِد عَلَى عُمُوم أَهْل الْمَدِينَة لَا عَلَيْهِمَا وَاللَّه أَعْلَم. وَقَالَ الْمُهَلَّب : إِنَّمَا قَالَ عُمَر ذَلِكَ لِأَنَّ أَهْل الْمَدِينَة أَسْلَمُوا عَفْوًا وَكَانَتْ أَمْوَالهمْ لَهُمْ , وَلِهَذَا سَاوَمَ بَنِي النَّجَّار بِمَكَانِ مَسْجِده , قَالَ فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل الصُّلْح فَهُوَ أَحَقّ بِأَرْضِهِ , وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل الْعَنْوَة فَأَرْضه فَيْء لِلْمُسْلِمِينَ , لِأَنَّ أَهْل الْعَنْوَة غُلِبُوا عَلَى بِلَادهمْ كَمَا غُلِبُوا عَلَى أَمْوَالهمْ بِخِلَافِ أَهْل الصُّلْح فِي ذَلِكَ. وَفِي نَقْل الِاتِّفَاق نَظَر لِمَا بَيَّنَّا أَوَّل الْبَاب , وَهُوَ وَمَنْ بَعْده حَمَلُوا الْأَرْض عَلَى أَرْض أَهْل الْمَدِينَة الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلهَا عَلَيْهَا وَهِيَ فِي مِلْكهمْ , وَلَيْسَ الْمُرَاد ذَلِكَ هُنَا , وَإِنَّمَا حَمَى عَمَر بَعْض الْمَوَات مِمَّا فِيهِ نَبَات مِنْ غَيْر مُعَالَجَة أَحَد وَخَصَّ إِبِل الصَّدَقَة وَخُيُول الْمُجَاهِدِينَ , وَأَذِنَ لِمَنْ كَانَ مُقِلًّا أَن يَرْعَى فِيهِ مَوَاشِيَه رِفْقًا بِهِ , فَلَا حُجَّة فِيهِ لِلْمُخَالِفِ. ‏ ‏وَأَمَّا قَوْله \" يَرَوْنَ أَنِّي ظَلَمْتُهُمْ \" فَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَوْلَى بِهِ ; لَا أَنَّهُمْ مُنِعُوا حَقّهمْ الْوَاجِب لَهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْلَا الْمَال الَّذِي أَحْمِل عَلَيْهِ فِي سَبِيل اللَّه ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْإِبِل الَّتِي كَانَ يَحْمِل عَلَيْهَا مَنْ لَا يَجِد مَا يَرْكَب , وَجَاءَ عَنْ مَالِك أَنَّ عِدَّة مَا كَانَ فِي الْحِمَى فِي عَهْد عُمَر بَلَغَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ إِبِل وَخَيْل وَغَيْرهَا , وَفِي الْحَدِيث مَا كَانَ فِيهِ عُمَر مِنْ الْقُوَّة وَجَوْدَة النَّظَر وَالشَّفَقَة عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا الْحَدِيث لَيْسَ فِي الْمُوَطَّأ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" هُوَ حَدِيث غَرِيب صَحِيح. ‏"
    },
    {
        "id": "2832",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ بِالْإِسْلَامِ مِنْ النَّاسِ فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفًا وَخَمْسَ مِائَةِ رَجُلٍ فَقُلْنَا نَخَافُ وَنَحْنُ أَلْفٌ وَخَمْسُ مِائَةٍ فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا ابْتُلِينَا حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي وَحْدَهُ وَهُوَ خَائِفٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏فَوَجَدْنَاهُمْ خَمْسَ مِائَةٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏مَا بَيْنَ سِتِّ مِائَةٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الْفِرْيَابِيُّ , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( اُكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ بِالْإِسْلَامِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبَا مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عِنْد مُسْلِم \" اِحْصُوا \" بَدَل اُكْتُبُوا , وَهِيَ أَعَمّ مِنْ اكْتُبُوا , وَقَدْ يُفَسَّر اِحْصُوا بِاكْتُبُوا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْنَا نَخَاف ) ‏ ‏هُوَ اِسْتِفْهَام تَعَجُّب وَحُذِفَتْ مِنْهُ أَدَاة الِاسْتِفْهَام وَهِيَ مُقَدَّرَة , وَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَة فِي رِوَايَته \" فَقَالَ إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا \" وَكَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عِنْد تَرَقُّب مَا يُخَاف مِنْهُ , وَلَعَلَّهُ كَانَ عِنْد خُرُوجهمْ إِلَى أُحُد أَوْ غَيْرهَا. ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْح اِبْن التِّين الْجَزْم بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْد حَفْر الْخَنْدَق. وَحَكَى الدَّاوُدِيُّ اِحْتِمَال أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَمَّا كَانُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ لِأَنَّهُ قَدْ اِخْتَلَفَ فِي عَدَدهمْ هَلْ كَانُوا أَلْفًا وَخَمْسمِائَة أَوْ أَلْفًا وَأَرْبَعمِائَة أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا سَيَأْتِي فِي مَكَانه وَأَمَّا قَوْل حُذَيْفَة \" فَلَقَدْ رَأَيْتنَا اُبْتُلِينَا إِلَخْ \" فَيُشْبِه أَنْ يَكُون أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي أَوَاخِر خِلَافَة عُثْمَان مِنْ وِلَايَة بَعْض أُمَرَاء الْكُوفَة كَالْوَلِيدِ بْن عُقْبَة حَيْثُ كَانَ يُؤَخِّر الصَّلَاة أَوْ لَا يُقِيمهَا عَلَى وَجْههَا , وَكَانَ بَعْض الْوَرِعِينَ يُصَلِّي وَحْده سِرًّا ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ خَشْيَة مِنْ وُقُوع الْفِتْنَة , وَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ حِين أَتَمَّ عُثْمَان الصَّلَاة فِي السَّفَر وَكَانَ بَعْضهمْ يَقْصُر سِرًّا وَحْده خَشْيَة الْإِنْكَار عَلَيْهِ , وَوَهَمَ مَنْ قَالَ إِنْ ذَلِكَ كَانَ أَيَّام قَتْل عُثْمَان لِأَنَّ حُذَيْفَة لَمْ يَحْضُر ذَلِكَ , وَفِي ذَلِكَ عَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة مِنْ الْإِخْبَار بِالشَّيْءِ قَبْل وُقُوعه , وَقَدْ وَقَعَ أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ بَعْد حُذَيْفَة فِي زَمَن الْحَجَّاج وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبَدَان عَنْ أَبِي حَمْزَة عَنْ الْأَعْمَش فَوَجَدْنَاهُمْ خَمْسمِائَة ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ أَبَا حَمْزَة خَالَفَ الثَّوْرَيَّ عَنْ الْأَعْمَش فِي هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا السَّنَد فَقَالَ خَمْسمِائَة وَلَمْ يَذْكُر الْأَلْف. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو مُعَاوِيَة مَا بَيْن سِتّمِائَة إِلَى سَبْعمِائَة ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ أَبَا مُعَاوِيَة خَالَفَ الثَّوْرَيَّ أَيْضًا عَنْ الْأَعْمَش بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي الْعِدَّة , وَطَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة هَذِهِ وَصَلَهَا مُسْلِم وَأَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ , وَكَأَنَّ رِوَايَة الثَّوْرِيِّ رَجَحَتْ عِنْد الْبُخَارِيّ فَلِذَلِكَ اِعْتَمَدَهَا لِكَوْنِهِ أَحْفَظهُمْ مُطْلَقًا وَزَادَ عَلَيْهِمْ , وَزِيَادَة الثِّقَة الْحَافِظ مُقَدَّمَة , وَأَبُو مُعَاوِيَة وَإِنْ كَانَ أَحْفَظ أَصْحَاب الْأَعْمَش بِخُصُوصِهِ وَلِذَلِكَ اِقْتَصَرَ مُسْلِم عَلَى رِوَايَته لَكِنَّهُ لَمْ يَجْزِم بِالْعَدَدِ فَقَدَّمَ الْبُخَارِيّ رِوَايَة الثَّوْرِيّ لِزِيَادَتِهَا بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ الِاثْنَيْنِ وَلِجَزْمِهَا بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَة , وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأُمَوِيّ وَأَبَا بَكْر بْن عَيَّاش وَافَقَا أَبَا حَمْزَة فِي قَوْله خَمْسمِائَة فَتَتَعَارَض الْأَكْثَرِيَّة وَالْأَحْفَظِيَّةِ فَلَا يَخْفَى بَعْد ذَلِكَ التَّرْجِيح بِالزِّيَادَةِ , وَبِهَذَا يَظْهَر رُجْحَان نَظَر الْبُخَارِيّ عَلَى غَيْره. وَسَلَكَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِح طَرِيق الْجَمْع فَقَالَ : لَعَلَّهُمْ كُتِبُوا مَرَّات فِي مَوَاطِن. وَجَمَع بَعْضهمْ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْأْلْفِ وَخَمْسمِائَة جَمِيع مَنْ أَسْلَمَ مِنْ رَجُل وَامْرَأَة وَعَبْد وَصَبِيّ , وَبِمَا بَيْن السِّتّمِائَةِ إِلَى السَّبْعمِائَةِ الرِّجَال خَاصَّة وَبِالْخَمْسِمِائَةِ الْمُقَاتِلَة خَاصَّة. وَهُوَ أَحْسَن مِنْ الْجَمْع الْأَوَّل وَإِنْ كَانَ بَعْضهمْ أَبْطَلَهُ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى أَلْف وَخَمْسمِائَة رَجُل لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُون الرَّاوِي أَرَادَ بِقَوْلِهِ رَجُل نَفْس , وَجَمَعَ بَعْضهمْ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْخَمْسِمِائَةِ الْمُقَاتِلَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة خَاصَّة , وَبِمَا بَيْن السِّتّمِائَةِ إِلَى السَّبْعمِائَةِ هُمْ وَمَنْ لَيْسَ بِمُقَاتِل , وَبِالْأَلْفِ وَخَمْسمِائَة هُمْ وَمَنْ حَوْلهمْ مِنْ أَهْل الْقُرَى وَالْبَوَادِي. قُلْت : وَيَخْدِش فِي وُجُوه هَذِهِ الِاحْتِمَالَات كُلّهَا اِتِّحَاد مَخْرَج الْحَدِيث وَمَدَاره عَلَى الْأَعْمَش بِسَنَدِهِ وَاخْتِلَاف أَصْحَابه عَلَيْهِ فِي الْعَدَد الْمَذْكُور وَاللَّه أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة كِتَابَة دَوَاوِين الْجُيُوش , وَقَدْ يَتَعَيَّن ذَلِكَ عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَى تَمْيِيز مَنْ يَصْلُح لِلْمُقَاتَلَةِ. بِمَنْ لَا يَصْلُح , وَفِيهِ وُقُوع الْعُقُوبَة عَلَى الْإِعْجَاب بِالْكَثْرَةِ وَهُوَ نَحْو قَوْله تَعَالَى ( وَيَوْم حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثَرْتُكُمْ ) الْآيَة. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : مَوْضِع التَّرْجَمَة مِنْ الْفِقْه أَنْ لَا يَتَخَيَّل أَنَّ كِتَابَة الْجَيْش وَإِحْصَاء عِدَده يَكُون ذَرِيعَة لِارْتِفَاعِ الْبَرَكَة , بَلْ الْكِتَابَة الْمَأْمُور بِهَا لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّة , وَالْمُؤَاخَذَة الَّتِي وَقَعَتْ فِي حُنَيْنٍ كَانَتْ مِنْ جِهَة الْإِعْجَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "2833",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْبَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا وَامْرَأَتِي حَاجَّةٌ قَالَ ‏ ‏ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" قَالَ رَجُل يَا رَسُول اللَّه إِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَة كَذَا \" وَهُوَ يُرَجِّح الرِّوَايَة الْأُولَى بِلَفْظِ \" اُكْتُبُوا \" لِأَنَّهَا مُشْعِرَة بِأَنَّهُ كَانَ مِنْ عَادَتهمْ كِتَابَة مَنْ يَتَعَيَّن لِلْخُرُوجِ فِي الْمَغَازِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث فِي الْحَجّ مُسْتَوْفى. ‏"
    },
    {
        "id": "2834",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لِرَجُلٍ ‏ ‏مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الَّذِي قُلْتَ لَهُ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَإِنَّهُ قَدْ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا وَقَدْ مَاتَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى النَّارِ قَالَ فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ ‏ ‏يَرْتَابَ ‏ ‏فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا فَلَمَّا كَانَ مِنْ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ثُمَّ أَمَرَ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏فَنَادَى بِالنَّاسِ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2835",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَخَذَ الرَّايَةَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا ‏ ‏جَعْفَرٌ ‏ ‏فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ‏ ‏فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ عَلَيْهِ وَمَا يَسُرُّنِي أَوْ قَالَ مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا وَقَالَ وَإِنَّ عَيْنَيْهِ لَتَذْرِفَانِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة أَخْذ خَالِد الرَّايَة فِي يَوْم مُؤْتَة , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَهُوَ ظَاهِر فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ بِهِ أَيْضًا. قَالَ اِبْن الْمُنِير : يُؤْخَذ مِنْ حَدِيث الْبَاب أَنَّ مَنْ يُعَيَّن لِوِلَايَةٍ وَتَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَة الْإِمَام أَنَّ الْوِلَايَة تَثْبُت لِذَلِكَ الْمُعَيَّن شَرْعًا وَتَجِب طَاعَته حُكْمًا. كَذَا قَالَ , وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّه مَا إِذَا اِتَّفَقَ الْحَاضِرُونَ عَلَيْهِ. قَالَ : وَيُسْتَفَاد مِنْهُ صِحَّة مَذْهَب مَالِك فِي أَنَّ الْمَرْأَة إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَيّ إِلَّا السُّلْطَان فَتَعَذَّرَ إِذْن السُّلْطَان أَنْ يُزَوِّجهَا الْآحَاد , وَكَذَا إِذَا غَابَ إِمَام الْجُمْعَة قَدَّمَ النَّاس لِأَنْفُسِهِمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "2836",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَاهُ ‏ ‏رِعْلٌ ‏ ‏وَذَكْوَانُ ‏ ‏وَعُصَيَّةُ ‏ ‏وَبَنُو لَحْيَانَ ‏ ‏فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا وَاسْتَمَدُّوهُ عَلَى قَوْمِهِمْ فَأَمَدَّهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِسَبْعِينَ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏كُنَّا نُسَمِّيهِمْ الْقُرَّاءَ يَحْطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ فَانْطَلَقُوا بِهِمْ حَتَّى بَلَغُوا ‏ ‏بِئْرَ مَعُونَةَ ‏ ‏غَدَرُوا بِهِمْ وَقَتَلُوهُمْ فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى ‏ ‏رِعْلٍ ‏ ‏وَذَكْوَانَ ‏ ‏وَبَنِي لَحْيَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏وَحَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏أَنَّهُمْ قَرَءُوا بِهِمْ قُرْآنًا أَلَا بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا بِأَنَّا قَدْ لَقِيَنَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ بَعْدُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة بِئْر مَعُونَة وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي , وَهُوَ ظَاهِر فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ أَيْضًا. قَالَ اِبْن الْمُنِير : وَفِيهِ أَنَّ الِاجْتِهَاد وَالْعَمَل بِالظَّاهِرِ لَا يَضُرّ صَاحِبه أَنْ يَقَع التَّخَلُّف مِمَّنْ ظَنَّ بِهِ الْوَفَاء. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ الدِّمْيَاطِيّ : قَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيق ‏ ‏\" أَتَاهُ رِعْلٌ وَذِكْوَان وَعُصَيَّة وَلِحْيَان \" ‏ ‏وَهْمٌ , لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا أَصْحَاب بِئْر مَعُونَة وَإِنَّمَا هُمْ أَصْحَاب الرَّجِيع , وَهُوَ كَمَا قَالَ , وَسَأُبَيِّنُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2837",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ ذَكَرَ لَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ ‏ ‏إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏وَعَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ذَكَرَ لَنَا أَنَس بْن مَالِك عَنْ أَبِي طَلْحَة ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ قَتَادَةُ , وَرَوَاهُ ثَابِت عَنْ أَنَس بِغَيْرِ ذِكْر أَبِي طَلْحَة , وَهَذِهِ الطَّرِيق عَنْ رَوْح بْن عُبَادَة عَنْ سَعِيد وَهُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة مُخْتَصَرَة. وَقَدْ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّف فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة بَدْر عَنْ شَيْخ آخَر عَنْ رَوْح بِأَتَمّ مِنْ هَذَا السِّيَاق , وَيَأْتِي شَرْحه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ مُعَاذ وَعَبْد الْأَعْلَى عَنْ قَتَادَةَ إِلَخْ ) ‏ ‏أَمَّا مُتَابَعَة مُعَاذ وَهُوَ اِبْن مُعَاذ الْعَنْبَرِيّ فَوَصَلَهَا أَصْحَاب السُّنَن الثَّلَاثَة مِنْ طَرِيقه وَلَفْظه \" أَحَبّ أَنْ يُقِيم بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثًا \" وَأَمَّا مُتَابَعَة عَبْد الْأَعْلَى وَهُوَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى السَّامِيّ بِالْمُهْمَلَةِ فَوَصَلَهَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ وَمِنْ طَرِيق الْإِسْمَاعِيلِيّ. وَأَخْرَجَهَا مُسْلِم عَنْ يُوسُف بْن حَمَّاد عَنْهُ , قَالَ الْمُهَلَّب : حِكْمَة الْإِقَامَة لِإِرَاحَةِ الظَّهْر وَالْأَنْفُس , وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحِلّه إِذَا كَانَ فِي أَمْن مِنْ عَدُوّ وَطَارِق , وَالِاقْتِصَار عَلَى ثَلَاث يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْأَرْبَعَة إِقَامَة. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : إِنَّمَا كَانَ يُقِيم لِيُظْهِر تَأْثِير الْغَلَبَة وَتَنْفِيذ الْأَحْكَام وَقِلَّة الِاحْتِفَال , فَكَأَنَّهُ يَقُول : مَنْ كَانَتْ فِيهِ قُوَّة مِنْكُمْ فَلْيَرْجِعْ إِلَيْنَا. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنْ تَقَع ضِيَافَة الْأَرْض الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا الْمَعَاصِي بِإِيقَاعِ الطَّاعَة فِيهَا بِذِكْرِ اللَّه وَإِظْهَار شِعَار الْمُسْلِمِينَ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي حُكْم الضِّيَافَة نَاسَبَ أَنْ يُقِيم عَلَيْهَا ثَلَاثًا لِأَنَّ الضِّيَافَة ثَلَاثَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2838",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏أَخْبَرَهُ قَالَ ‏ ‏اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْجِعْرَانَةِ ‏ ‏حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏",
        "sharh": "وَحَدِيث أَنَس \" اِعْتَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجِعِرَّانَة حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِم حُنَيْنٍ \" وَهُوَ طَرَف مِنْ حَدِيثه الْمُتَقَدِّم فِي الْحَجّ بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَسَيَأْتِي فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة أَيْضًا بِتَمَامِهِ , وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ ظَاهِر فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2839",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدًا ‏ ‏لِابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَبَقَ ‏ ‏فَلَحِقَ ‏ ‏بِالرُّومِ ‏ ‏فَظَهَرَ عَلَيْهِ ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏فَرَدَّهُ عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَأَنَّ فَرَسًا ‏ ‏لِابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَارَ فَلَحِقَ ‏ ‏بِالرُّومِ ‏ ‏فَظَهَرَ عَلَيْهِ فَرَدُّوهُ عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏عَارَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَيْرِ وَهُوَ حِمَارُ وَحْشٍ أَيْ هَرَبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه عَار ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ ‏ ‏( مُشْتَقّ مِنْ الْعِير وَهُوَ حِمَار وَحْش , أَيْ هَرَبَ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : أَرَادَ أَنَّهُ فَعَلَ فِعْلَهُ فِي النِّفَار. وَقَالَ الْخَلِيل : يُقَال عَار الْفَرَس وَالْكَلْب عِيَارًا أَيْ أَفَلَتْ وَذَهَبَ. وَقَالَ الطَّبَرِيّ : يُقَال ذَلِكَ لِلْفَرَسِ إِذَا فَعَلَهُ مَرَّة بَعْد مَرَّة , وَمِنْهُ قِيلَ لِلْبَطَّالِ مِنْ الرِّجَال الَّذِي لَا يَثْبُت عَلَى طَرِيقه : عِيَار , وَمِنْهُ سَهْم عَايِرْ إِذَا كَانَ لَا يَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَتَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2840",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏كَانَ عَلَى فَرَسٍ يَوْمَ لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ وَأَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏بَعَثَهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَأَخَذَهُ الْعَدُوُّ فَلَمَّا هُزِمَ الْعَدُوُّ رَدَّ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏فَرَسَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2841",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْنَا ‏ ‏بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ فَصَاحَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَا أَهْلَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏قَدْ صَنَعَ ‏ ‏سُؤْرًا ‏ ‏فَحَيَّ ‏ ‏هَلًا بِكُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي قِصَّة بَرَكَة الطَّعَام الَّذِي صَنَعَهُ بِالْخَنْدَقِ , وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ بِهَذَا الْإِسْنَاد مَعَ شَرْحه فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" أَنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُورًا وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْوَاو قَالَ الطَّبَرِيُّ : السُّوَر بِغَيْرِ هَمْز الصَّنِيع مِنْ الطَّعَام الَّذِي يُدْعَى إِلَيْهِ وَقِيلَ الطَّعَام مُطْلَقًا , وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَقِيلَ بِالْحَبَشِيَّةِ , وَبِالْهَمْزِ بَقِيَّة الشَّيْء وَالْأَوَّل هُوَ الْمُرَاد هُنَا. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : السُّور كَلِمَة بِالْفَارِسِيَّةِ. قِيلَ لَهُ أَلَيْسَ هُوَ الْفَضْلَة ؟ قَالَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْء فَضَلَ ذَلِكَ مِنْهُ , إِنَّمَا هُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ مِنْ أَتَى دَعْوَة. وَأَشَارَ الْمُصَنِّف إِلَى ضَعْف مَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي كَرَاهَة الْكَلَام بِالْفَارِسِيَّةِ كَحَدِيثِ \" كَلَام أَهْل النَّار بِالْفَارِسِيَّةِ \" وَكَحَدِيثِ \" مَنْ تَكَلَّمَ بِالْفَارِسِيَّةِ زَادَتْ فِي خُبْثه وَنَقَصَتْ مِنْ مُرُوءَته \" أَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكِه وَسَنَده وَاهٍ , وَأَخْرَجَ فِيهِ أَيْضًا عَنْ عُمَر رَفْعه \" مَنْ أَحْسَن الْعَرَبِيَّة فَلَا يَتَكَلَّمْنَ بِالْفَارِسِيَّةِ فَإِنَّهُ يُورَث النِّفَاق \" الْحَدِيث وَسَنَده وَاهٍ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2842",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَنَهْ ‏ ‏سَنَهْ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَهِيَ بِالْحَبَشِيَّةِ حَسَنَةٌ قَالَتْ فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ ‏ ‏فَزَبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعْهَا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبْلِي وَأَخْلِفِي ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِفِي ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِفِي قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَبَقِيَتْ حَتَّى ذَكَرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُمّ خَالِد بِنْت خَالِد , وَسَيَأْتِي بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي كِتَاب الْأَدَب , وَيَأْتِي شَرْحه فِي اللِّبَاس , وَالْغَرَض مِنْهُ ‏ ‏قَوْله \" سَنَه سَنَه \" ‏ ‏وَهُوَ بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْهَاء , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" سِنَاه \" بِزِيَادَةِ أَلْف وَالْهَاء فِيهِمَا لِلسَّكْتِ وَقَدْ تُحْذَف , قَالَ اِبْن قُرْقُولٍ : هُوَ بِفَتْحِ النُّون الْخَفِيفَة عِنْد أَبِي ذَرٍّ وَشَدَّدَهَا الْبَاقُونَ وَهِيَ بِفَتْحِ أَوَّله لِلْجَمِيعِ إِلَّا الْقَابِسِيّ فَكَسَرَهُ. ‏ ‏قَوْله فِي آخِره ( قَالَ عَبْد اللَّه فَبَقِيَتْ حَتَّى ذَكَرَ ) ‏ ‏أَيْ ذَكَرَ الرَّاوِي مِنْ بَقَائِهَا أَمَدًا طَوِيلًا , وَفِي نُسْخَة الصَّغَانِيِّ وَغَيْرهَا \" حَتَّى ذَكَرَت \" وَلِبَعْضِهِمْ \" حَتَّى دَكَن \" بِمُهْمَلَةِ وَآخِره نُون أَيْ اِتَّسَخَ , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَدَب. وَوَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيِّ هُنَا مِنْ الزِّيَادَة فِي آخِر الْبَاب \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه هُوَ الْمُصَنِّف : ( لَمْ تَعِشْ اِمْرَأَة مِثْل مَا عَاشَتْ هَذِهِ يَعْنِي أُمّ خَالِد ). قُلْت : وَإِدْرَاك مُوسَى بْن عُقْبَة دَالّ عَلَى طُول عُمْرهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَلْقَ مِنْ الصَّحَابَة غَيْرهَا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏خَالِد بْن سَعِيد الْمَذْكُور فِي السَّنَد شَيْخ عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن الْمُبَارَك هُوَ خَالِد بْن سَعِيد بْن عَمْرو بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ أَخُو إِسْحَاق بْن سَعِيد وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَقَدْ كَرَّرَهُ عَنْهُ كَمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ. وَفِي طَبَقَته خَالِد بْن سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم الْمَدَنِيّ لَكِنْ لَمْ يُخْرِج لَهُ الْبُخَارِيّ وَلَا لِابْنِ الْمُبَارَك عَنْهُ رِوَايَة , وَأَوْهَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ شَيْخ اِبْن الْمُبَارَك هُنَا هُوَ خَالِد بْن الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام. وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ ؟ بَلْ لَمْ أَرَ لِخَالِدِ بْن الزُّبَيْر رِوَايَة فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُب السِّتَّة. ثُمَّ رَاجَعْت كَلَامه فَعَلِمْت مُرَاده فَإِنَّهُ قَالَ : لَفْظ خَالِد الْمَذْكُور هُنَا ثَلَاث مِرَار , وَالثَّانِي غَيْر الْأَوَّل , وَهُوَ خَالِد بْن الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام , وَالثَّالِث غَيْر الثَّانِي وَهُوَ خَالِد بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ , فَقَوْله \" وَالثَّانِي \" يُوهِم أَنَّ الْمُرَاد خَالِد بْن سَعِيد وَإِنَّمَا مُرَاده خَالِد الْمَذْكُور فِي كُنْيَة أُمّ خَالِد , وَكَانَ يُغْنِي عَنْ هَذَا التَّطْوِيل أَنْ يَقُول : إِنَّ أُمّ خَالِد سَمَّتْ وَلَدهَا بِاسْمِ وَالِدهَا , وَكَانَ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام تَزَوَّجَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ خَالِد بْن الزُّبَيْر , فَهَذَا يُوَضِّح الْمُرَاد مَعَ مَزِيد الْفَائِدَة. وَالَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ لَيْسَ تَحْته كَبِير أَمْرٍ , فَإِنَّ خَالِد بْن سَعِيد الرَّاوِي عَنْ أُمّ خَالِد لَا يَظُنّ أَحَد أَنَّهُ أَبُوهَا إِلَّا مَنْ يَقِف مَعَ مُجَرَّد التَّجْوِيز الْعَقْلِيّ , فَإِنَّ مِنْ الْمَقْطُوع بِهِ عِنْد الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك مَا أَدْرَكَهَا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَرْوِي عَنْ أَبِيهَا , وَأَبُوهَا اُسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر أَوْ عُمَر فَانْحَصَرَتْ الْفَائِدَة فِي التَّنْبِيه عَلَى سَبَب كُنْيَة أُمّ خَالِد. ‏"
    },
    {
        "id": "2843",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ‏ ‏أَخَذَ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْفَارِسِيَّةِ ‏ ‏كِخْ كِخْ أَمَا تَعْرِفُ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ( أَنَّ الْحَسَن بْن عَلِيّ أَخَذَ تَمْرَة مِنْ تَمْر الصَّدَقَة ) ‏ ‏الْحَدِيث وَالْغَرَض مِنْهُ ‏ ‏قَوْله \" كِخْ كِخْ \" ‏ ‏وَهِيَ كَلِمَة زَجْر لِلصَّبِيِّ عَمَّا يُرِيد فِعْله , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر كِتَاب الزَّكَاة وَقَدْ نَازَعَ الْكَرْمَانِيُّ فِي كَوْن الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة عَجَمِيَّة , لِأَنَّ الْأَوَّل يَجُوز أَنْ يَكُون مِنْ تَوَافُق اللُّغَتَيْنِ , وَالثَّانِي يَجُوز أَنْ يَكُون أَصْله \" حَسَنَة \" فَحَذَفَ أَوَّله إِيجَازًا , وَالثَّالِث مِنْ أَسْمَاء الْأَصْوَات وَقَدْ أَجَابَ عَنْ الْأَخِير اِبْن الْمُنِير فَقَالَ : وَجْه مُنَاسَبَته أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاطَبَهُ بِمَا يَفْهَمهُ مِمَّا لَا يَتَكَلَّم بِهِ الرَّجُل مَعَ الرَّجُل , فَهُوَ كَمُخَاطَبَةِ الْعَجَمِيّ بِمَا يَفْهَمهُ مِنْ لُغَته. قُلْت : وَبِهَذَا يُجَاب عَنْ الْبَاقِي , وَيُزَاد بِأَنَّ تَجْوِيزه حَذْف أَوَّل حَرْف مِنْ الْكَلِمَة لَا يُعْرَف , وَتَشْبِيهه بِقَوْلِهِ \" كَفَى بِالسَّيْفِ \" لَا يُتَّجَه , لِأَنَّ حَذْف الْأَخِير مَعْهُود فِي التَّرْخِيم , وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2844",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَيَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو زُرْعَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ ‏ ‏الْغُلُولَ ‏ ‏فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ قَالَ ‏ ‏لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ‏ ‏ثُغَاءٌ ‏ ‏عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ ‏ ‏حَمْحَمَةٌ ‏ ‏يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ ‏ ‏رُغَاءٌ ‏ ‏يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ وَعَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ أَوْ عَلَى رَقَبَتِهِ ‏ ‏رِقَاعٌ ‏ ‏تَخْفِقُ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَيَّانَ ‏ ‏فَرَسٌ لَهُ ‏ ‏حَمْحَمَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَيَحْيَى ‏ ‏هُوَ الّقَطَّانُ , ‏ ‏وَأَبُو حَيَّان ‏ ‏هُوَ يَحْيَى بْن سَعِيد التَّيْمِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا أُلْفِيَنَّ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَبِالْفَاءِ أَيْ لَا أَجِد , هَكَذَا الرِّوَايَة لِلْأَكْثَرِ بِلَفْظِ النَّفْي الْمُؤَكَّد وَالْمُرَاد بِهِ النَّهْي وَبِالْفَاءِ وَكَذَا عِنْد الْحَمَوِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ , لَكِنْ رُوِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبِالْقَافِ مِنْ اللِّقَاء وَكَذَا لِبَعْضِ رُوَاة مُسْلِم وَالْمَعْنَى قَرِيب. وَمِنْهُمْ مَنْ حَذَفَ الْأَلِف عَلَى أَنَّ اللَّام لِلْقَسَمِ وَفِي تَوْجِيهه تَكَلُّف , وَالْمَعْرُوف أَنَّهُ بِلَفْظِ النَّفْي الْمُرَاد بِهِ النَّهْي , وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ نَهْي الْمَرْء نَفْسه فَلَيْسَ الْمُرَاد ظَاهِره , وَإِنَّمَا الْمُرَاد نَهْي مَنْ يُخَاطِبهُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَبْلُغ. ‏ ‏قَوْله : ( أَحَدَكُمْ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم ( يَجِيء يَوْمَ الْقِيَامَة وَعَلَى رَقَبَته ) وَهُوَ حَال مِنْ الضَّمِير فِي يَجِيء , وَ \" شَاة \" فَاعِل الظَّرْف لِاعْتِمَادِهِ أَيْ هِيَ حَالَة شَنِيعَة وَلَا يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ أَرَاكُمْ عَلَيْهَا يَوْم الْقِيَامَة. وَفِي حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت فِي السُّنَن \" إِيَّاكُمْ وَالْغُلُول , فَإِنَّهُ عَار عَلَى أَهْله يَوْم الْقِيَامَة. ‏ ‏قَوْله : ( شَاة لَهَا ثُغَاء ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمُعْجَمَة وَبِالْمَدِّ صَوْت الشَّاة يُقَال ثَغَتْ تَثْغُو , وَقَوْله فَرَس لَهُ حَمْحَمَة يَأْتِي فِي آخِر الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( لَا أَمْلِك لَك شَيْئًا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْمَغْفِرَة , لِأَنَّ الشَّفَاعَة أَمْرهَا إِلَى اللَّه , ‏ ‏وَقَوْله \" قَدْ بَلَّغْتُك \" ‏ ‏أَيْ فَلَيْسَ لَك عُذْر بَعْد الْإِبْلَاغ , وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْرَزَ هَذَا الْوَعِيد فِي مَقَام الزَّجْر وَالتَّغْلِيظ وَإِلَّا فَهُوَ فِي الْقِيَامَة صَاحِب الشَّفَاعَة فِي مُذْنِبِي الْأُمَّة. ‏ ‏قَوْله : ( بَعِير لَهُ رُغَاء ) ‏ ‏بِضَمِّ الرَّاء وَتَخْفِيف الْمُعْجَمَة وَبِالْمَدِّ صَوْت الْبَعِير. ‏ ‏قَوْله : ( صَامَت ) ‏ ‏أَيْ الذَّهَب وَالْفِضَّة , وَقِيلَ مَا لَا رُوح فِيهِ مِنْ أَصْنَاف الْمَال. ‏ ‏وَقَوْله \" رِقَاع تَخْفِق \" ‏ ‏أَيْ تَتَقَعْقَع وَتَضْطَرِب إِذَا حَرَّكَتْهَا الرِّيَاح , وَقِيلَ مَعْنَاهُ تَلْمَع وَالْمُرَاد بِهَا الثِّيَاب قَالَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ , وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ : الْمُرَاد بِهَا مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوق الْمَكْتُوبَة فِي الرِّقَاع , وَاسْتَبْعَدَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ لِأَنَّ الْحَدِيث سِيقَ لِذِكْرِ الْغُلُول الْحِسِّيّ فَحَمْله عَلَى الثِّيَاب أَنْسَب , وَزَادَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" نَفْس لَهَا صِيَاح \" وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّفْسِ مَا يَغُلّهُ مِنْ الرَّقِيق مِنْ اِمْرَأَة أَوْ صَبِيّ قَالَ الْمُهَلَّب : هَذَا الْحَدِيث وَعِيد لِمَنْ أَنْفَذه اللَّه عَلَيْهِ مِنْ أَهْل الْمَعَاصِي , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْحَمْل الْمَذْكُور لَا بُدّ مِنْهُ عُقُوبَة لَهُ بِذَلِكَ لِيَفْتَضِح عَلَى رُءُوس الْأَشْهَاد , وَأَمَّا بَعْد ذَلِكَ فَإِلَى اللَّه الْأَمْر فِي تَعْذِيبه أَوْ الْعَفْو عَنْهُ , وَقَالَ غَيْره : هَذَا الْحَدِيث يُفَسِّر قَوْله عَزَّ وَجَلَّ ( يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) أَيْ يَأْتِ بِهِ حَامِلًا لَهُ عَلَى رَقَبَته , وَلَا يُقَال إِنَّ بَعْضَ مَا يُسْرَق مِنْ النَّقْد أَخَفّ مِنْ الْبَعِير مَثَلًا وَالْبَعِير أَرْخَص ثَمَنًا فَكَيْف يُعَاقَب الْأَخَفّ جِنَايَة بِالْأَثْقَلِ وَعَكْسه ؟ لِأَنَّ الْجَوَاب أَنَّ الْمُرَاد بِالْعُقُوبَةِ بِذَلِكَ فَضِيحَة الْحَامِل عَلَى رُءُوس الْأَشْهَاد فِي ذَلِكَ الْمَوْقِف الْعَظِيم لَا بِالثِّقَلِ وَالْخِفَّة , قَالَ بْن الْمُنِير : أَظُنّ الْأُمَرَاء فَهِمُوا تَجْرِيس السَّارِق وَنَحْوه مِنْ هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح بَعْض هَذَا الْحَدِيث فِي أَوَائِل الزَّكَاة. ‏ ‏( تَكْمِيل ) ‏ ‏قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلَى الْغَالّ أَنْ يُعِيد مَا غَلَّ قَبْل الْقِسْمَة , وَأَمَّا بَعْدهَا فَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْث وَمَالك : يَدْفَع إِلَى الْإِمَام خُمُسه وَيَتَصَدَّق بِالْبَاقِي , وَكَانَ الشَّافِعِيّ لَا يَرَى بِذَلِكَ وَيَقُول إِنْ كَانَ مَلَكَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّق بِهِ , وَإِنْ كَانَ لَمْ يَمْلِكهُ فَلَيْسَ لَهُ الصَّدَقَة بِمَالِ غَيْره , قَالَ : وَالْوَاجِب أَنْ يَدْفَعهُ إِلَى الْإِمَام كَالْأَمْوَالِ الضَّائِعَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَيُّوب عَنْ أَبِي حَيَّان فَرَس لَهُ حَمْحَمَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ \" فَرَس لَهُ حَمْحَمَة \" بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنهمَا مِيم سَاكِنَة ثُمَّ مِيم قَبْل الْهَاء , وَهُوَ صَوْت الْفَرَس عِنْد الْعَلَف , وَهُوَ دُون الصَّهِيل. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى ( عَلَى رَقَبَته لَهُ حَمْحَمَة ) بِحَذْفِ لَفْظ فَرَس , وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَأَبِي عَلِيّ بْن شَبُّويَةَ فَعَلَى هَذَا تَكُون فَائِدَة ذِكْر طَرِيق أَيُّوب التَّنْصِيص عَلَى ذِكْر الْفَرَس. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ أَيُّوب وَصَلَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق حَمَّاد وَمِنْ طَرِيق عَبْد الْوَارِث جَمِيعًا عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي حَيَّان عَنْ أَبِي زُرْعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَمْ يَسُقْ لَفْظهَا , وَقَدْ رَوَيْنَاهَا فِي كِتَاب الزَّكَاة لِيُوسُف الْقَاضِي بِالْحَدِيثِ بِتَمَامِهِ وَفِيهِ \" وَيَجِيء رَجُل عَلَى عُنُقه فَرَس لَهُ حَمْحَمَة \" وَرَأَيْت فِي بَعْض النُّسَخ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى \" فَرَس لَهُ حَمْحَةٌ بِمِيم وَاحِدَة وَلَا مَعْنَى لَهُ , فَإِنْ كَانَ مَضْبُوطًا فَكَأَنَّهُ نَبَّهَ بِهَذِهِ الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة عَلَى وَجْه الصَّوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "2845",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏كِرْكِرَةُ ‏ ‏فَمَاتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ فِي النَّارِ فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ ‏ ‏غَلَّهَا ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏كَرْكَرَةُ ‏ ‏يَعْنِي بِفَتْحِ الْكَافِ وَهُوَ مَضْبُوطٌ كَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , وَكَذَا هُوَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ عَنْ هِشَام بْن عَمَّار عَنْ سُفْيَان. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى ثَقَل ) ‏ ‏بِمُثَلَّثَةٍ وَقَاف مَفْتُوحَتَيْنِ : الْعِيَال وَمَا يَثْقُل حَمْله مِنْ الْأَمْتِعَة. ‏ ‏قَوْله : ( كِرْكِرَة ) ‏ ‏ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ كَانَ أَسْوَد يُمْسِك دَابَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقِتَال , وَرَوَى أَبُو سَعِيد النَّيْسَابُورِيّ فِي \" شَرَف الْمُصْطَفَى \" أَنَّهُ كَانَ نُوبِيًّا أَهْدَاهُ لَهُ هَوْذَة بْن عَلِيّ الْحَنَفِيّ صَاحِب الْيَمَامَة فَأَعْتَقَهُ , وَذَكَرَ الْبَلَاذُريُّ أَنَّهُ مَاتَ فِي الرِّقّ أَوْ اُخْتُلِفَ فِي ضَبْطه فَذَكَر عِيَاض أَنَّهُ يُقَال بِفَتْحِ الْكَافَيْنِ وَبِكَسْرِهِمَا , وَقَالَ النَّوَوِيّ إِنَّمَا اِخْتَلَفَ فِي كَافه الْأُولَى وَأَمَّا الثَّانِيَة فَمَكْسُورَة اِتِّفَاقًا , وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيّ إِلَى الْخِلَاف فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي آخِر الْحَدِيث \" قَالَ اِبْن سَلَام كَرْكَرَة \" وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ شَيْخه مُحَمَّد بْن سَلَام رَوَاهُ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِفَتْحِ الْكَاف , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْأَصِيلِيّ فِي رِوَايَته فَقَالَ : يَعْنِي بِفَتْحِ الْكَاف وَاللَّه أَعْلَم. قَالَ عِيَاض : هُوَ لِلْأَكْثَرِ بِالْفَتْحِ فِي رِوَايَة عَلِيّ وَبِالْكَسْرِ فِي رِوَايَة اِبْن سَلَام وَعِنْد الْأَصِيلِيّ بِالْكَسْرِ فِي الْأَوَّل , وَقَالَ الْقَابِسِيّ : لَمْ يَكُنْ عِنْد الْمَرْوَزِيِّ فِيهِ ضَبْط إِلَّا أَنِّي أَعْلَم أَنَّ الْأَوَّل خِلَاف الثَّانِي. ‏ ‏وَفِي الْحَدِيث تَحْرِيم قَلِيل الْغُلُول وَكَثِيره. ‏ ‏وَقَوْله \" هُوَ فِي النَّار \" ‏ ‏أَيْ يُعَذَّب عَلَى مَعْصِيَته , أَوْ الْمُرَاد هُوَ فِي النَّار إِنْ لَمْ يَعْفُ اللَّه عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2846",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏رَافِعٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ وَأَصَبْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ فَعَجِلُوا فَنَصَبُوا الْقُدُورَ فَأَمَرَ بِالْقُدُورِ ‏ ‏فَأُكْفِئَتْ ‏ ‏ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ ‏ ‏فَنَدَّ ‏ ‏مِنْهَا بَعِيرٌ وَفِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ فَقَالَ ‏ ‏هَذِهِ الْبَهَائِمُ لَهَا ‏ ‏أَوَابِدُ ‏ ‏كَأَوَابِدِ ‏ ‏الْوَحْشِ فَمَا ‏ ‏نَدَّ ‏ ‏عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا فَقَالَ جَدِّي إِنَّا نَرْجُو أَوْ نَخَافُ أَنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا ‏ ‏مُدًى ‏ ‏أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ فَقَالَ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ ‏ ‏فَمُدَى ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2847",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ‏ ‏ذِي الْخَلَصَةِ ‏ ‏وَكَانَ بَيْتًا فِيهِ ‏ ‏خَثْعَمُ ‏ ‏يُسَمَّى ‏ ‏كَعْبَةَ الْيَمَانِيَةِ ‏ ‏فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةٍ مِنْ ‏ ‏أَحْمَسَ ‏ ‏وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي فَقَالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا فَأَرْسَلَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُبَشِّرُهُ فَقَالَ رَسُولُ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏لِرَسُولِ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ فَبَارَكَ عَلَى خَيْلِ ‏ ‏أَحْمَسَ ‏ ‏وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏بَيْتٌ فِي ‏ ‏خَثْعَمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَرِير فِي قِصَّةِ ذِي الْخَلَصَةِ , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي , وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْله فِي آخِرِهِ ‏ ‏\" فَأَرْسَلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُهُ \" ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِرِهِ ‏ ‏\" قَالَ مُسَدَّد بَيْت فِي خَثْعَم \" ‏ ‏يُرِيدُ أَنْ مُسَدَّدًا رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان بِالْإِسْنَادِ الَّذِي سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عَنْ يَحْيَى فَقَالَ : بَدَلَ قَوْله \" وَكَانَ بَيْتًا فِي خَثْعَم \" وَهَذِهِ الرِّوَايَة هِيَ الصَّوَاب. وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ عَنْ يَحْيَى فَقَالَ \" بَيْتًا لِخَثْعَم \" وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَة مُسَدَّد. ‏"
    },
    {
        "id": "2848",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ فَتْحِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا ‏ ‏اسْتُنْفِرْتُمْ ‏ ‏فَانْفِرُوا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب وُجُوب النَّفِير \" فِي أَوَائِل الْجِهَادِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2849",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏مُجَاشِعٌ ‏ ‏بِأَخِيهِ ‏ ‏مُجَالِدِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ هَذَا ‏ ‏مُجَالِدٌ ‏ ‏يُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ فَقَالَ ‏ ‏لَا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَلَكِنْ أُبَايِعُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مُجَاشِع بْن مَسْعُود وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْبَيْعَة فِي الْحَرْبِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2850",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏وَابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَطَاءً ‏ ‏يَقُولُ ذَهَبْتُ مَعَ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ ‏ ‏بِثَبِيرٍ ‏ ‏فَقَالَتْ لَنَا ‏ ‏انْقَطَعَتْ الْهِجْرَةُ مُنْذُ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة ‏ ‏\" اِنْقَطَعَتْ الْهِجْرَة مُنْذُ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ مَكَّة \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي \" بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ \" أَوَّل الْمَغَازِي. ‏"
    },
    {
        "id": "2851",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ الطَّائِفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُصَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَكَانَ عُثْمَانِيًّا فَقَالَ ‏ ‏لِابْنِ عَطِيَّةَ ‏ ‏وَكَانَ عَلَوِيًّا إِنِّي لَأَعْلَمُ مَا الَّذِي جَرَّأَ ‏ ‏صَاحِبَكَ ‏ ‏عَلَى الدِّمَاءِ ‏ ‏سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏بَعَثَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالزُّبَيْرَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ائْتُوا رَوْضَةَ كَذَا وَتَجِدُونَ بِهَا امْرَأَةً أَعْطَاهَا ‏ ‏حَاطِبٌ ‏ ‏كِتَابًا فَأَتَيْنَا الرَّوْضَةَ فَقُلْنَا الْكِتَابَ قَالَتْ لَمْ يُعْطِنِي فَقُلْنَا ‏ ‏لَتُخْرِجِنَّ أَوْ لَأُجَرِّدَنَّكِ فَأَخْرَجَتْ مِنْ ‏ ‏حُجْزَتِهَا ‏ ‏فَأَرْسَلَ إِلَى ‏ ‏حَاطِبٍ ‏ ‏فَقَالَ لَا تَعْجَلْ وَاللَّهِ مَا كَفَرْتُ وَلَا ازْدَدْتُ لِلْإِسْلَامِ إِلَّا حُبًّا وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَّا وَلَهُ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِي أَحَدٌ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ فَإِنَّهُ قَدْ نَافَقَ فَقَالَ مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَهَذَا الَّذِي جَرَّأَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَتَبَ مَعَهَا حَاطِب إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ , وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَة فِي رُؤْيَة الشَّعْر مِنْ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى \" فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا \" وَهِيَ ذَوَائِبُهَا الْمَضْفُورَةُ , وَفِي التَّجْرِيدِ مِنْ قَوْلِ عَلِيّ \" لَأُجَرِّدَنَّك \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَابِ الْجَاسُوسِ \" مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيّ , وَيَأْتِي شَرْحه فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ. ‏ ‏وَقَوْله فِي الْإِسْنَادِ ( عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ السُّلَمِيُّ. ‏ ‏وَقَوْله ( وَكَانَ عُثْمَانِيًّا ) ‏ ‏أَيْ يُقَدِّمُ عُثْمَان عَلَى عَلِيّ فِي الْفَضْلِ ‏ ‏وَقَوْله ( فَقَالَ لِابْنِ عَطِيَّة ) ‏ ‏هُوَ حِبَّان بِكَسْر الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَيَأْتِي فِي اِسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" وَكَانَ عَلَوِيًّا \" ‏ ‏أَيْ : يُقَدِّمُ عَلِيًّا فِي الْفَضْلِ عَلَى عُثْمَان وَهُوَ مَذْهَبٌ مَشْهُورٌ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِالْكُوفَةِ. قَالَ اِبْن الْمُنِير : لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَان هَلْ كَانَتْ الْمَرْأَة مُسْلِمَة أَوْ ذِمِّيَّة لَكِنْ لَمَّا اِسْتَوَى حُكْمُهَا فِي تَحْرِيمِ النَّظَرِ لِغَيْر حَاجَةٍ شَمَلَهُمَا الدَّلِيل. وَقَالَ اِبْن التِّينِ : إِنْ كَانَتْ مُشْرِكَة لَمْ تُوَافِقْ التَّرْجَمَة , وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا كَانَتْ ذَات عَهْدٍ فَحُكْمُهَا حُكْمُ أَهْلِ الذِّمَّةِ. ‏ ‏وَقَوْله \" فَأَخْرَجَتْ مِنْ حُجْزَتِهَا \" ‏ ‏كَذَا هُنَا بِحَذْف الْمَفْعُول , وَفِي الْأُخْرَى \" فَأَخْرَجَتْهُ \" وَالْحُجْزَة بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُون الْجِيمِ بَعْدَهَا زَاي : مَعْقِد الْإِزَار وَالسَّرَاوِيل , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ \" مِنْ حُزَّتهَا \" بِحَذْفِ الْجِيمِ. قِيلَ هِيَ لُغَةٌ عَامِّيَّةٌ وَتَقَدَّمَ فِي \" بَابِ الْجَاسُوسِ \" أَنَّهَا أَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا , وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا أَخْرَجَتْهُ مِنْ حُجْزَتِهَا فَأَخْفَتْهُ فِي عِقَاصِهَا ثُمَّ اُضْطُرَّتْ إِلَى إِخْرَاجِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ , أَوْ بِأَنْ تَكُونَ عَقِيصَتهَا طَوِيلَة بِحَيْثُ تَصِلُ إِلَى حُجْزَتِهَا فَرَبَطَتْهُ فِي عَقِيصَتِهَا وَغَرَزَتْهُ بِحُجْزَتِهَا وَهَذَا الِاحْتِمَال أَرْجَح. وَأَجَابَ بَعْضهمْ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا كِتَابَانِ إِلَى طَائِفَتَيْنِ , أَوْ الْمُرَاد بِالْحُجْزَةِ الْعُقْدَة مُطْلَقًا , وَتَكُونُ رِوَايَةُ الْعَقِيصَة أَوْضَحَ مِنْ رِوَايَة الْحُجْزَة , أَوْ الْمُرَاد بِالْحُجْزَةِ الْحَبْل لِأَنَّ الْحَجْزَ هُوَ شَدُّ وَسَط يَدَيْ الْبَعِير بِحَبْلٍ ثُمَّ يُخَالِفُ فَتُعْقَدُ رِجْلَاهُ ثُمَّ يُشَدُّ طَرَفَاهُ إِلَى حِقْوَيْهِ , وَيُسَمَّى أَيْضًا الْحِجَاز. ‏"
    },
    {
        "id": "2852",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏وَحُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏لِابْنِ جَعْفَرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏أَتَذْكُرُ إِذْ تَلَقَّيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَا وَأَنْتَ ‏ ‏وَابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَعَمْ فَحَمَلَنَا وَتَرَكَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْأَسْوَدِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بْن أَبِي الْأَسْوَدِ , وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن حُمَيْد الْأَسْوَدُ , وَحُمَيْد جَدُّهُ يُكَنَّى أَبَا الْأَسْوَدِ وَهُوَ الَّذِي قَرَنَهُ بـِ يَزِيد بْن زُرَيْع فَنُسِبَ تَارَةً إِلَى جَدِّهِ وَأُخْرَى إِلَى جَدِّ أَبِيهِ , وَمَا لِحُمَيْد بْن الْأَسْوَدِ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَر فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ , وَقَرَنَهُ فِيهِ أَيْضًا بِـ يَزِيد بْن زُرَيْع. وَعَبْد اللَّه شَيْخ الْبُخَارِيّ يُكَنَّى أَبَا بَكْر وَهُوَ بِهَا أَشْهَرُ , وَكَانَ مِنْ الْحُفَّاظِ , وَهُوَ اِبْنُ أُخْت عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن الزُّبَيْر لِابْن جَعْفَر ) ‏ ‏كُلّ مِنْهُمَا يُسَمَّى عَبْد اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ نَعَمْ فَحَمَلَنَا وَتَرَكَك ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ الْقَائِلَ \" فَحَمَلَنَا \" هُوَ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر , وَأَنَّ الْمَتْرُوكَ هُوَ اِبْن الزُّبَيْر وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَة وَابْن عُلَيَّة كِلَاهُمَا عَنْ حَبِيب بْن الشَّهِيدِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَقْلُوبًا وَلَفْظه ( قَالَ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر لِابْن الزُّبَيْر جَعَلَ الْمُسْتَفْهِمَ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر وَالْقَائِل \" فَحَمَلَنَا \" عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَالَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ أَصَحُّ , وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" لَمَّا قَدِمَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ اِسْتَقْبَلَتْهُ أُغَيْلِمَة مِنْ بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَر خَلْفَهُ \" فَإِنَّ اِبْن جَعْفَر مِنْ بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب بِخِلَافِ اِبْن الزُّبَيْر وَإِنْ كَانَ عَبْد الْمُطَّلِب جَدّ أَبِيهِ لَكِنَّهُ جَدُّهُ لِأُمِّهِ , وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ خَالِد بْن سَارَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَلَهُ خَلْفَهُ , وَحَمَلَ قَثْم بْن عَبَّاس بَيْنَ يَدَيْهِ , وَقَدْ حَكَى اِبْن التِّينِ عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ قَالَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ حِفْظ الْيَتِيمِ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب كَانَ مَاتَ فَعَطَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَلَدِهِ عَبْد اللَّه فَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ كَمَا قَالَ , وَأَغْرَبَ اِبْنُ التِّينِ فَقَالَ : إِنَّ فِي الْحَدِيثِ النَّصَّ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَلَ اِبْن عَبَّاس وَابْن الزُّبَيْر وَلَمْ يَحْمِلْ اِبْن جَعْفَر. قَالَ : وَلَعَلَّ الدَّاوُدِيّ ظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ \" فَحَمَلَنَا وَتَرَكَك \" مِنْ كَلَامِ اِبْن جَعْفَر وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَذَا قَالَ وَالَّذِي قَالَهُ الدَّاوُدِيّ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاق الْبُخَارِيّ فَمَا أَدْرِي كَيْفَ قَالَ اِبْن التِّينِ إِنَّهُ نَصٌّ فِي خِلَافِهِ , وَقَدْ نَبَّهَ عِيَاض عَلَى أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ هُوَ الصَّوَابُ قَالَ : وَتَأْوِيل رِوَايَة مُسْلِم أَنْ يُجْعَلَ الضَّمِير فِي \" حَمَلَنَا \" لِابْن جَعْفَر فَيَكُون الْمَتْرُوك اِبْن الزُّبَيْر. قَالَ وَوَقَعَ عَلَى الصَّوَابِ أَيْضًا عِنْدَ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَابْن أَبِي خَيْثَمَة وَغَيْرِهِمَا. قُلْت : وَقَدْ رَوَى أَحْمَد الْحَدِيث عَنْ اِبْن عُلَيَّة فَبَيَّنَ سَبَبَ الْوَهْمِ وَلَفْظه مِثْل مُسْلِم لَكِنْ زَاد بَعْدَ قَوْلِهِ ( قَالَ نَعَمْ : قَالَ فَحَمَلَنَا قَالَ أَحْمَد \" وَحَدَّثَنَا بِهِ مَرَّة أُخْرَى فَقَالَ فِيهِ : قَالَ نَعَمْ فَحَمَلَنَا \" يَعْنِي وَأَسْقَطَ \" قَالَ \" الَّتِي بَعْدَ نَعَمْ. قُلْت : وَبِإِثْبَاتِهَا تُوَافِقُ رِوَايَةَ الْبُخَارِيّ وَبِحَذْفِهَا تُخَالِفُهَا وَاللَّه أَعْلَمُ. وَفِي حَدِيثِ اِبْن جَعْفَر أَيْضًا جَوَاز الْفَخْر بِمَا يَقَعُ مِنْ إِكْرَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَثُبُوت الصُّحْبَة لَهُ وَلِابْن الزُّبَيْر - وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي السِّنِّ - وَقَدْ حَفِظَا غَيْر هَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2853",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏ذَهَبْنَا نَتَلَقَّى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَ الصِّبْيَانِ إِلَى ‏ ‏ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث السَّائِب بْن يَزِيد فِي الْمُلَاقَاةِ وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي , وَوَقَعَ لِابْنِ التِّينِ هُنَا فِي الْمُرَادِ بِثُنَيَّة الْوَدَاع شَيْء رَدَّهُ عَلَيْهِ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقَّن , وَالصَّوَاب مَعَ اِبْنِ التِّينِ ‏"
    },
    {
        "id": "2854",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ إِذَا ‏ ‏قَفَلَ ‏ ‏كَبَّرَ ثَلَاثًا قَالَ ‏ ‏آيِبُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَائِبُونَ عَابِدُونَ حَامِدُونَ لِرَبِّنَا سَاجِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي قَوْلِهِ \" آيِبُونَ تَائِبُونَ \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2855",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَقْفَلَهُ مِنْ ‏ ‏عُسْفَانَ ‏ ‏وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى رَاحِلَتِهِ وَقَدْ أَرْدَفَ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ ‏ ‏فَعَثَرَتْ نَاقَتُهُ فَصُرِعَا جَمِيعًا فَاقْتَحَمَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ ‏ ‏عَلَيْكَ الْمَرْأَةَ فَقَلَبَ ثَوْبًا عَلَى وَجْهِهِ وَأَتَاهَا فَأَلْقَاهُ عَلَيْهَا وَأَصْلَحَ لَهُمَا مَرْكَبَهُمَا فَرَكِبَا ‏ ‏وَاكْتَنَفْنَا ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا أَشْرَفْنَا عَلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى دَخَلَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة وُقُوع صَفِيَّة عَنْ النَّاقَةِ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ الثَّانِي مِنْهُمَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ وَحْدَهُ , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقْفَلَهُ مِنْ عُسْفَان \" ‏ ‏قَالَ الدِّمْيَاطِيّ هَذَا وَهْم لِأَنَّ غَزْوَة عُسْفَان إِلَى بَنِي لُحْيَانَ كَانَتْ سَنَة سِتٍّ , وَإِرْدَاف صَفِيَّة كَانَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ سَنَة سَبْعٍ , وَجَوَّزَ بَعْضهمْ أَنْ يَكُونَ فِي طَرِيقِ خَيْبَرَ مَكَان يُقَالُ لَهُ عُسْفَان وَهُوَ مَرْدُودٌ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الرَّاوِيَ أَضَافَ الْمَقْفَل إِلَى عُسْفَان لِأَنَّ غَزْوَةَ خَيْبَرَ كَانَتْ عَقِبَهَا وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِالْإِقَامَةِ الْمُتَخَلِّلَةِ بَيْنَ الْغَزْوَتَيْنِ ; لِتَقَارُبِهِمَا , وَهَذَا كَمَا قِيلَ فِي حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَعِ الْآتِي فِي تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ فِي غَزْوَة أَوْطَاس , وَإِنَّمَا كَانَ تَحْرِيم الْمُتْعَةِ بِمَكَّةَ فَأَضَافَهَا إِلَى أَوْطَاس ; لِتَقَارُبِهِمَا , وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2856",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ ‏ ‏وَأَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏مُرْدِفَهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَثَرَتْ النَّاقَةُ ‏ ‏فَصُرِعَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْمَرْأَةُ وَإِنَّ ‏ ‏أَبَا طَلْحَةَ ‏ ‏قَالَ أَحْسِبُ قَالَ اقْتَحَمَ عَنْ بَعِيرِهِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ هَلْ أَصَابَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ لَا وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْمَرْأَةِ فَأَلْقَى ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَصَدَ قَصْدَهَا فَأَلْقَى ثَوْبَهُ عَلَيْهَا فَقَامَتْ الْمَرْأَةُ فَشَدَّ لَهُمَا عَلَى رَاحِلَتِهِمَا فَرَكِبَا فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِظَهْرِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏أَوْ قَالَ أَشْرَفُوا عَلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى دَخَلَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2857",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏ادْخُلْ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2858",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏وَعَمِّهِ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَعْبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ضُحًى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2859",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏نَحَرَ جَزُورًا أَوْ بَقَرَةً ‏ ‏زَادَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَارِبٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏اشْتَرَى مِنِّي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعِيرًا بِوَقِيَّتَيْنِ وَدِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ فَلَمَّا قَدِمَ ‏ ‏صِرَارًا ‏ ‏أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَذُبِحَتْ فَأَكَلُوا مِنْهَا فَلَمَّا قَدِمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْمَسْجِدَ فَأُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَوَزَنَ لِي ثَمَنَ الْبَعِيرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي قِصَّة بَيْع جَمَلِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَارِبٍ عَنْهُ بِاخْتِصَار , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" فَلَمَّا قَدِمَ صِرَارًا أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَذُبِحَتْ فَأَكَلُوا مِنْهَا \" الْحَدِيث , وَصِرَار بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّخْفِيفِ وَوَهَمَ مَنْ ذَكَرَهُ بِمُعْجَمَة أَوَّله , وَهُوَ مَوْضِعٌ بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْهَا مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ , قَوْله فِي أَوَّلِ السَّنَد ‏ ‏\" حَدَّثَنَا مُحَمَّد \" ‏ ‏هُوَ اِبْنُ سَلَام , وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ وَكِيع , وَمِمَّنْ يُسَمَّى مُحَمَّدًا مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , وَمُحَمَّد بْن الْعَلَاء , وَغَيْرهمَا , وَلَكِنْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ حَيْثُ يُطْلِقُ مُحَمَّدًا لَا يُرِيدُ إِلَّا الذُّهْلِيّ , أَوْ اِبْن سَلَام , وَيُعْرَفُ تَعْيِين أَحَدِهِمَا مِنْ مَعْرِفَةِ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏وَقَوْله \" زَاد مُعَاذ \" ‏ ‏أَيْ : اِبْن مُعَاذ الْعَنْبَرِيّ وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْد مُسْلِم , وَأَرَادَ الْبُخَارِيّ بِإِيرَاد طَرِيق أَبِي الْوَلِيدِ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ طَرَفٌ مِنْ الْحَدِيثِ , وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ اِعْتِرَاض مَنْ قَالَ إِنَّ حَدِيثَ أَبِي الْوَلِيدِ لَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ , وَأَنَّ اللَّائِقَ بِهِ الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَ شُعْبَة عَنْ مُحَارِب , فَرَوَى وَكِيع طَرَفًا مِنْهُ وَهُوَ ذَبْحُ الْبَقَرَةِ عِنْدَ قُدُومِ الْمَدِينَةِ , وَرَوَى أَبُو الْوَلِيدِ وَسُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْهُ طَرَفًا مِنْهُ وَهُوَ أَمْرُهُ جَابِرًا بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقُدُومِ , وَرَوَى عَنْهُ مُعَاذ جَمِيعه وَفِيهِ قِصَّة الْبَعِير وَذِكْر ثَمَنه لَكِنْ بِاخْتِصَار , وَقَدْ تَابَعَ كُلًّا مِنْ هَؤُلَاءِ عَنْ شُعْبَة فِي سِيَاقِهِ جَمَاعَة. ‏ ‏( خَاتِمَة ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْجِهَاد مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى هُنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى ثَلَاثمِائَة وَسِتَّة وَسَبْعِينَ حَدِيثًا الْمُعَلَّق مِنْهَا أَرْبَعُونَ طَرِيقًا , وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَتَانِ وَسِتَّة وَسِتُّونَ , وَالْخَالِص مِائَة وَعَشَرَة أَحَادِيثَ وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" الْجَنَّة مِائَة دَرَجَة \" وَحَدِيثه \" لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا \" , وَحَدِيث جَابِر \" اصْطَبَحَ نَاس الْخَمْر وَحَدِيث الْمُغِيرَةِ \" بَلَّغَنَا نَبِيُّنَا \" وَحَدِيث سَهْل بْن حُنَيْف فِي قَوْلِ عُمَر , وَحَدِيث السَّائِب بْن يَزِيد عَنْ طَلْحَة , وَحَدِيث أَنَس عَنْ أَبِي طَلْحَة , وَحَدِيثِهِ فِي قِصَّةِ ثَابِت بْن قَيْس , وَحَدِيث سَهْل فِي أَسْمَاءِ الْخَيْلِ وَحَدِيثِ أَنَس فِي : الْعَضْبَاءُ لَا تُسْبَقُ , وَحَدِيث سَعْدٍ \" إِنَّمَا تُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ \" وَحَدِيث سَلَمَة \" اِرْمُوا وَأَنَا مَعَ اِبْن الْأَدْرَع وَحَدِيث أَبِي أُسَيْد , \" إِذَا أَكْثَبُوكُمْ \" وَحَدِيث أَبِي أُمَامَة فِي حِلْيَة السُّيُوف , وَحَدِيث اِبْن عُمَر \" بُعِثْت بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ \" وَحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس فِي الدُّعَاءِ بِبَدْر لَكِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر , وَحَدِيث عَمْرو بْن تَغْلِب فِي قِتَالِ التُّرْكِ , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ فِي التَّحْرِيقِ , وَحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود فِيمَا غَبَرَ مِنْ الدُّنْيَا , وَحَدِيث قَيْس بْن سَعْد فِي التَّرْجِيلِ , وَحَدِيث الْعَبَّاس فِي الرَّايَةِ , وَحَدِيث جَابِر فِي التَّسْبِيحِ , وَحَدِيث أَبِي مُوسَى \" إِذَا مَرِضَ الْعَبْد \" وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي السَّيْرِ وَحْدَهُ , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَسَارَى , وَحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس مَعَ عَلِيّ , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ قَتْل خُبَيْب , وَفِيهِ حَدِيثُ بِنْت عِيَاض وَحَدِيث سَلَمَة فِي عَيْنِ الْمُشْرِكِينَ , وَحَدِيثِ عُمَرَ فِي هني , وَحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فِي قِصَّة الْغَالّ , وَحَدِيث السَّائِب بْن يَزِيد فِي الْمُلَاقَاةِ. وَفِيهِ مِنْ الْآثَارِ عَنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ سَبْعَة وَعِشْرُونَ أَثَرًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2860",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمْتُ مِنْ سَفَرٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ‏ ‏صِرَارٌ ‏ ‏مَوْضِعٌ نَاحِيَةً ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2861",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ‏ ‏عَلَيْهِمَا السَّلَام ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ لِي ‏ ‏شَارِفٌ ‏ ‏مِنْ نَصِيبِي مِنْ الْمَغْنَمِ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْطَانِي ‏ ‏شَارِفًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْخُمُسِ ‏ ‏فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ ‏ ‏أَبْتَنِيَ ‏ ‏بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ ‏ ‏بَنِي قَيْنُقَاعَ ‏ ‏أَنْ يَرْتَحِلَ ‏ ‏مَعِيَ فَنَأْتِيَ ‏ ‏بِإِذْخِرٍ ‏ ‏أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ الصَّوَّاغِينَ وَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي ‏ ‏وَلِيمَةِ ‏ ‏عُرْسِي فَبَيْنَا أَنَا أَجْمَعُ ‏ ‏لِشَارِفَيَّ ‏ ‏مَتَاعًا مِنْ ‏ ‏الْأَقْتَابِ ‏ ‏وَالْغَرَائِرِ ‏ ‏وَالْحِبَالِ ‏ ‏وَشَارِفَايَ ‏ ‏مُنَاخَتَانِ ‏ ‏إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏رَجَعْتُ حِينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ فَإِذَا ‏ ‏شَارِفَايَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏اجْتُبَّ ‏ ‏أَسْنِمَتُهُمَا ‏ ‏وَبُقِرَتْ ‏ ‏خَوَاصِرُهُمَا ‏ ‏وَأُخِذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ حِينَ رَأَيْتُ ذَلِكَ الْمَنْظَرَ مِنْهُمَا فَقُلْتُ مَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَالُوا فَعَلَ ‏ ‏حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فِي شَرْبٍ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعِنْدَهُ ‏ ‏زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ‏ ‏فَعَرَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي وَجْهِي الَّذِي لَقِيتُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا لَكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ عَدَا ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏عَلَى نَاقَتَيَّ ‏ ‏فَأَجَبَّ ‏ ‏أَسْنِمَتَهُمَا ‏ ‏وَبَقَرَ ‏ ‏خَوَاصِرَهُمَا ‏ ‏وَهَا هُوَ ذَا فِي بَيْتٍ مَعَهُ شَرْبٌ فَدَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِرِدَائِهِ فَارْتَدَى ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ‏ ‏حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنُوا لَهُمْ فَإِذَا هُمْ شَرْبٌ ‏ ‏فَطَفِقَ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَلُومُ ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏فِيمَا فَعَلَ فَإِذَا ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏ثَمِلَ ‏ ‏مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ فَنَظَرَ ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏صَعَّدَ ‏ ‏النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى رُكْبَتِهِ ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى سُرَّتِهِ ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَدْ ‏ ‏ثَمِلَ ‏ ‏فَنَكَصَ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى عَقِبَيْهِ ‏ ‏الْقَهْقَرَى ‏ ‏وَخَرَجْنَا مَعَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب فِي قِصَّة الشَّارِفِينَ ‏ ‏قَوْله : ( كَانَتْ لِي شَارِف مِنْ نَصِيبِي مِنْ الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ ) ‏ ‏الشَّارِف الْمُسِنّ مِنْ النُّوقِ , وَلَا يُقَالُ لِلذَّكَرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ , وَحَكَى إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ جَوَازه , قَالَ عِيَاض : جَمْعُ فَاعِلٍ عَلَى فُعُلٍ بِضَمَّتَيْنِ قَلِيل ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنْ الْخُمُسِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخُمُسَ شُرِعَ يَوْمَ بَدْر , وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْل السِّيَر أَنَّ الْخُمُسَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ بَدْر , وَقَدْ ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَة قَالَ : قِيلَ إِنَّهُ أَوَّلُ يَوْمٍ فُرِضَ فِيهِ الْخُمُس , قَالَ : وَقِيلَ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ , قَالَ : لَمْ يَأْتِ مَا فِيهِ بَيَان شَافٍ وَإِنَّمَا جَاءَ صَرِيحًا فِي غَنَائِم حُنَيْن قَالَ اِبْن بَطَّال : وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَحْتَاجُ قَوْلُ عَلِيّ إِلَى تَأْوِيل. قَالَ : وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِي سَرِيَّة عَبْد اللَّه بْن جَحْش الَّتِي كَانَتْ فِي رَجَب قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ , وَأَنَّ اِبْن إِسْحَاق قَالَ : ذَكَرَ لِي بَعْض آلِ جَحْش أَنَّ عَبْد اللَّه قَالَ لِأَصْحَابِهِ إِنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا غَنِمْنَا الْخُمُسَ , وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ اللَّه الْخُمُسَ , فَعَزَلَ لَهُ الْخُمُس , وَقَسَّمَ سَائِر الْغَنِيمَة بَيْنَ أَصْحَابِهِ , قَالَ فَوَقَعَ رِضَا اللَّهِ بِذَلِكَ , قَالَ فَيُحْمَلُ قَوْلُ عَلِيّ \" وَكَانَ قَدْ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنْ الْخُمُسِ \" أَيْ : مِنْ الَّذِي حَصَلَ مِنْ سَرِيَّة عَبْد اللَّه بْن جَحْش. قُلْت : وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي الْمَغَازِي \" وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ الْخُمُسِ يَوْمئِذٍ \" وَالْعَجَب أَنَّ اِبْن بَطَّال عَزَا هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِأَبِي دَاوُد وَجَعَلَهَا شَاهِدَة لِمَا تَأَوَّلَهُ , وَغَفَلَ عَنْ كَوْنِهَا فِي الْبُخَارِيِّ الَّذِي شَرَحَهُ وَعَنْ كَوْنِ ظَاهِرِهَا شَاهِدًا عَلَيْهِ لَا لَهُ , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا نَقَلَهُ أَهْل السِّيَر صَرِيحًا فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي غَنَائِم بَدْرٍ خُمُس , وَالْعَجَب أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي غَنِيمَةِ السَّرِيَّةِ الَّتِي قَبْل بَدْر الْخُمُس وَيَقُولُ إِنَّ اللَّهَ رَضِيَ بِذَلِكَ وَيَنْفِيه فِي يَوْمِ بَدْرٍ مَعَ أَنَّ الْأَنْفَالَ الَّتِي فِيهَا التَّصْرِيح بِفَرْض الْخُمُس نَزَلَ غَالِبُهَا فِي قِصَّةِ بَدْرٍ , وَقَدْ جَزَمَ الدَّاوُدِيّ الشَّارِح بِأَنَّ آيَة الْخُمُس نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْر , وَقَالَ السُّبْكِيّ : نَزَلَتْ الْأَنْفَالُ فِي بَدْرٍ وَغَنَائِمِهَا وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ آيَة قِسْمَة الْغَنِيمَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ تَفْرِقَة الْغَنَائِم ; لِأَنَّ أَهْل السِّيَر نَقَلُوا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَّمَهَا عَلَى السَّوَاءِ وَأَعْطَاهَا لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَة أَوْ غَابَ لِعُذْرٍ تَكَرُّمًا مِنْهُ ; لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ كَانَتْ أَوَّلًا بِنَصِّ أَوَّلِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : وَلَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى مَا قَالَ أَهْل السِّيَر حَدِيث عَلِيّ يَعْنِي : حَدِيث الْبَابِ حَيْثُ قَالَ \" وَأَعْطَانِي شَارِفًا مِنْ الْخُمُسِ يَوْمئِذٍ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ فِيهَا خُمُسٌ. قُلْت : وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ قِسْمَة غَنَائِم بَدْر وَقَعَتْ عَلَى السَّوَاءِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْخُمُس لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قِصَّةِ سَرِيَّة عَبْد اللَّه بْن جَحْش , وَأَفَادَتْ آيَة الْأَنْفَال - وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ ) إِلَى آخِرِهَا - بَيَان مَصْرِف الْخُمُس لَا مَشْرُوعِيَّةَ أَصْل الْخُمُس , وَاللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عَنْ أَهْل السِّيَر فَأَخْرَجَهُ اِبْن إِسْحَاق بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت قَالَ \" فَلَمَّا اِخْتَلَفْنَا فِي الْغَنِيمَةِ وَسَاءَتْ أَخْلَاقُنَا اِنْتَزَعَهَا اللَّه مِنَّا فَجَعَلَهَا لِرَسُولِهِ , فَقَسَمهَا عَلَى النَّاسِ عَنْ سَوَاء \" أَيْ : عَلَى سَوَاء , سَاقَهُ مُطَوَّلًا , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِهِ , وَصَحَّحَهُ اِبْن حَيَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ اِبْن إِسْحَاق ‏ ‏قَوْله : ( أَبْتَنِي بِفَاطِمَة ) ‏ ‏أَيْ : أَدْخُلُ بِهَا , وَالْبِنَاء الدُّخُول بِالزَّوْجَةِ , وَأَصْلُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ بُنِيَتْ لَهُ قُبَّة فَخَلَا فِيهَا بِأَهْلِهِ , وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ دُخُولِ عَلِيّ بِفَاطِمَة , وَهَذَا الْحَدِيث يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ عَقِبَ وَقْعَةِ بَدْرٍ , وَلَعَلَّهُ كَانَ فِي شَوَّالَ سَنَة اِثْنَتَيْنِ , فَإِنَّ وَقْعَةَ بَدْر كَانْت فِي رَمَضَان مِنْهَا , وَقِيلَ تَزَوَّجَهَا فِي السَّنَةِ الْأُولَى وَلَعَلَّ قَائِل ذَلِكَ أَرَادَ الْعَقْدَ , وَنَقَلَ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ كَانَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ اِثْنَتَيْنِ , وَقِيلَ فِي رَجَب , وَقِيلَ فِي ذِي الْحِجَّةِ , قُلْت : وَهَذَا الْأَخِيرُ يُشْبِهُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى شَهْر الدُّخُول بِهَا , وَقِيلَ تَأَخَّرَ دُخُوله بِهَا إِلَى سَنَة ثَلَاث , فَدَخَلَ بِهَا بَعْدَ وَقْعَة أُحُد , حَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَفِيهِ بُعْد ‏ ‏قَوْله : ( وَاعَدْت رَجُلًا صَوَّاغًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّشْدِيدِ , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْن جُرَيْج فِي الشُّرْبِ طَابِع بِمُهْمَلَتَيْنِ وَمُوَحَّدَة , وَطَالِعٌ بِلَامٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِأَيْ : مَنْ يَدُلُّهُ وَيُسَاعِدُهُ , وَقَدْ يُقَالُ إِنَّهُ اِسْمُ الصَّائِغِ الْمَذْكُورِ , كَذَا قَالَ بَعْضهمْ وَفِيهِ بُعْد ‏ ‏قَوْله : ( مُنَاخَتَانِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَهُوَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى لِأَنَّهُمَا نَاقَتَانِ وَفِي رِوَايَةٍ كَرِيمَةٍ \" مُنَاخَانِ \" بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الشَّارِف ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ ‏ ‏قَوْله : ( فَرَجَعْت حِينَ جَمَعْت مَا جَمَعْت ) ‏ ‏زَاد فِي رِوَايَةِ اِبْن جُرَيْج عَنْ اِبْن شِهَاب فِي الشُّرْبِ \" وَحَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَّلِب يَشْرَبُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ \" أَيْ : الَّذِي أَنَاخَ الشَّارِفَيْنِ بِجَانِبِهِ \" وَمَعَهُ قَيْنَة \" بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدَهَا نُون هِيَ الْجَارِيَةُ الْمُغَنِّيَة \" فَقَالَتْ : أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاء \" وَالشُّرُفِ جَمْع شَارِف كَمَا تَقَدَّمَ , وَالنِّوَاء - بِكَسْرِ النُّونِ وَالْمَدِّ مُخَفَّفًا - جَمْعُ نَاوِيَة وَهِيَ النَّاقَةُ السَّمِينَةُ , وَحَكَى الْخَطَّابِيّ أَنَّ اِبْن جَرِير الطَّبَرِيّ رَوَاهُ \" ذَا الشَّرَفِ \" بِفَتْحِ الشِّينِ , وَفَسَّرَهُ بِالرِّفْعَةِ , وَجَعَلَهُ صِفَة لِحَمْزَة , وَفَتْحِ نُون النِّوَاء وَفَسَّرَهُ بِالْبُعْدِ أَيْ : الشَّرَفِ الْبَعِيدِ أَيْ : مَنَالُهُ بَعِيد , قَالَ الْخَطَّابِيّ : وَهُوَ خَطَأٌ وَتَصْحِيفٌ وَحَكَى الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ أَبَا يَعْلَى حَدَّثَهُ بِهِ مِنْ طَرِيقِ اِبْن جُرَيْج فَقَالَ \" الثِّوَاء \" بِالثَّاء الْمُثَلَّثَةِ , قَالَ فَلَمْ نَضْبُطْهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ , وَالْأَصِيلِيّ النَّوَى بِالْقَصْرِ وَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا , وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : النِّوَاءُ الْخِبَاء , وَهَذَا أَفْحَشُ فِي الْغَلَطِ وَحَكَى الْمَرْزُبَانِيّ فِي مُعْجَمِ الشُّعَرَاءِ أَنَّ هَذَا الشِّعْرَ لِعَبْد اللَّه بْن السَّائِبِ بْن أَبِي السَّائِب الْمَخْزُومِيّ جَدِّ أَبِي السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ الْمَدَنِيِّ , وَبَقِيَّتُهُ \" وَهُنَّ مُعَقَّلَاتٌ بِالْفِنَاءِ \" ‏ ‏ضَعْ السِّكِّين فِي اللَّبَّاتِ مِنْهَا ‏ ‏وَضَرِّجْهُنَّ حَمْزَةُ بِالدِّمَاءِ ‏ ‏وَعَجِّلْ مِنْ أَطَايِبهَا لِشَرْب ‏ ‏قَدِيدًا مِنْ طَبِيخٍ أَوْ شِوَاء ‏ ‏وَالشَّرْب بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَة جَمْعُ شَارِب , كَتَاجِرٍ وَتَجْر , وَالْفِنَاءِ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ : الْجَانِبُ أَيْ : جَانِبُ الدَّارِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا , وَالْقَدِيدُ اللَّحْمُ الْمَطْبُوخُ , وَالتَّضْرِيجُ بِمُعْجَمَة وَجِيم : التَّلْطِيخُ , فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَقَدْ عَرَفَ بَعْض الْمُبْهَم فِي قَوْلِهِ \" فِي شَرْبٍ مِنْ الْأَنْصَارِ \" لَكِنَّ الْمَخْزُومِيَّ لَيْسَ مِنْ الْأَنْصَارِ , وَكَأَنَّ قَائِل ذَلِكَ أَطْلَقَهُ عَلَيْهِمْ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَأَرَادَ الَّذِي نَظَّمَ هَذَا الشِّعْرَ , وَأَمَرَ الْقَيْنَة أَنْ تُغَنِّيَ بِهِ أَنْ يَبْعَثَ هِمَّة حَمْزَة لِمَا عَرَفَ مِنْ كَرَمِهِ عَلَى نَحْر النَّاقَتَيْنِ لِيَأْكُلُوا مِنْ لَحْمِهِمَا وَكَأَنَّهُ قَالَ : اِنْهَضْ إِلَى الشُّرُفِ فَانْحَرْهَا , وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ مِنْ بَقِيَّةِ الشِّعْرِ وَفِي قَوْلِهَا \" لِلشُّرُفِ \" بِصِيغَةِ الْجَمْعِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِلَّا ثِنْتَانِ دَلَالَة عَلَى جَوَازِ إِطْلَاق صِيغَة الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ وَقَوْله \" يَا حَمْزَة \" تَرْخِيم \" وَهُوَ بِفَتْحِ الزَّايِ , وَيَجُوزُ ضَمُّهَا ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ أَجَبْت ) ‏ ‏وَقَعَ مِثْله فِي رِوَايَةِ عَنْبَسَة فِي الْمَغَازِي وَهُوَ بِضَمّ أَوَّله , وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ هُنَا \" قَدْ جُبْت \" بِضَمِّ الْجِيمِ بِغَيْرِ أَلِفٍ أَيْ قَطَعْت , وَهُوَ الصَّوَابُ , وَعِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ \" قَدْ اِجْتَبْت \" وَهُوَ صَوَابٌ أَيْضًا , وَالْجَبُّ الِاسْتِئْصَال فِي الْقَطْعِ ‏ ‏قَوْله : ( وَأُخِذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا ) ‏ ‏زَاد اِبْن جُرَيْج \" قُلْت لِابْن شِهَاب : وَمِنْ السَّنَامِ , قَالَ : قَدْ جَبَّ أَسْنِمَتهمَا \" وَالسَّنَام مَا عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ وَقَوْله \" بَقَرَ \" بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْقَاف أَيْ : شَقَّ ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنِي حِينَ رَأَيْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" حَيْثُ رَأَيْت \" وَالْمُرَاد أَنَّهُ بَكَى مِنْ شِدَّةِ الْقَهْرِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ وَفِي رِوَايَةِ اِبْن جُرَيْج \" رَأَيْت مَنْظَرًا أَفْظَعَنِي \" بِفَاءٍ وَظَاءٍ مُشَالَةٍ مُعْجَمَةٍ ,أَيْ : نَزَلَ بِي أَمْر مُفْظِع أَيْ : مُخِيف مَهُول , وَذَلِكَ لِتَصَوُّرِهِ تَأَخُّرَ الِابْتِنَاء بِزَوْجَتِهِ بِسَبَبِ فَوَاتِ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَيْهِ , أَوْ لِخَشْيَةِ أَنْ يُنْسَبَ فِي حَقِّهَا إِلَى تَقْصِيرٍ لَا لِمُجَرَّدِ فَوَات النَّاقَتَيْنِ ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَدْخُلَ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ مُبَالَغَة فِي اِسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ ‏ ‏قَوْله : ( فَطَفِقَ يَلُومُ حَمْزَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن جُرَيْج \" فَدَخَلَ عَلَى حَمْزَة فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ \" ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن جُرَيْج \" لِآبَائِي \" قِيلَ أَرَادَ أَنَّ أَبَاهُ عَبْد الْمُطَّلِب جَدّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِعَلِيّ أَيْضًا , وَالْجَدّ يُدْعَى سَيِّدًا , وَحَاصِله أَنَّ حَمْزَة أَرَادَ الِافْتِخَارَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى عَبْد الْمُطَّلِبِ مِنْهُمْ ‏ ‏قَوْله : ( الْقَهْقَرَى ) ‏ ‏هُوَ الْمَشْيُ إِلَى خَلْف , وَكَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ خَشْيَة أَنْ يَزْدَادَ عَبَث حَمْزَة فِي حَال سُكْره فَيَنْتَقِلُ مِنْ الْقَوْلِ إِلَى الْفِعْلِ فَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ مَا يَقَعُ مِنْ حَمْزَة بِمَرْأَى مِنْهُ لِيَدْفَعهُ إِنْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْء ‏ ‏قَوْله : ( وَخَرَجْنَا مَعَهُ ) ‏ ‏زَاد اِبْن جُرَيْج \" وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ \" أَيْ وَلِذَلِكَ لَمْ يُؤَاخِذْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمْزَة بِقَوْلِهِ , وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ رَدٌّ عَلَى مَنْ اِحْتَجَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ طَلَاقَ السَّكْرَانِ لَا يَقَعُ فَإِنَّهُ إِذَا عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ كَانَ تَرْك الْمُؤَاخَذَة لِكَوْنِهِ لَمْ يُدْخِلْ عَلَى نَفْسِهِ الضَّرَر , وَالَّذِي يَقُولُ يَقَعُ طَلَاقُ السَّكْرَانِ يَحْتَجُّ بِأَنَّهُ أَدْخَلَ عَلَى نَفْسِهِ السُّكْر وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ فَعُوقِبَ بِإِمْضَاء الطَّلَاق عَلَيْهِ , فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِإِثْبَات ذَلِكَ وَلَا نَفْيه قَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَد بْن صَالِح يَقُولُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَرْبَع وَعِشْرُونَ سُنَّةً قُلْت : وَفِيهِ أَنَّ الْغَانِمَ يُعْطَى مِنْ الْغَنِيمَةِ مِنْ جِهَتَيْنِ : مِنْ الْأَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ بِحَقّ الْغَنِيمَة , وَمِنْ الْخُمُسِ إِذَا كَانَ مِمَّنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ , وَأَنَّ لِمَالِكِ النَّاقَةِ الِانْتِفَاعَ بِهَا فِي الْحَمْلِ عَلَيْهَا وَفِيهِ الْإِنَاخَةُ عَلَى بَابِ الْغَيْرِ إِذَا عَرَفَ رِضَاهُ بِذَلِكَ وَعَدَمَ تَضَرُّرِهِ بِهِ , وَأَنَّ الْبُكَاءَ الَّذِي يَجْلُبُهُ الْحُزْن غَيْر مَذْمُوم , وَأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ لَا يَمْلِكُ دَمْعه , إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْغَيْظ وَفِيهِ مَا رُكِّبَ فِي الْإِنْسَانِ مِنْ الْأَسَفِ عَلَى فَوْتِ مَا فِيهِ نَفْعه وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ , وَأَنَّ اِسْتِعْدَاءَ الْمَظْلُوم عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ وَإِخْبَارَهُ بِمَا ظَلَمَ بِهِ خَارِج عَنْ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ , وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ , وَجَوَازُ الِاجْتِمَاعِ فِي الشُّرْبِ الْمُبَاحِ , وَجَوَازُ تَنَاوُلِ مَا يُوضَعُ بَيْنَ أَيْدِي الْقَوْمِ , وَجَوَاز الْغِنَاءِ بِالْمُبَاحِ مِنْ الْقَوْلِ , وَإِنْشَاد الشِّعْرِ وَالِاسْتِمَاع مِنْ الْأَمَةِ , وَالتَّخَيُّر فِيمَا يَأْكُلُهُ , وَأَكْل الْكَبِدِ وَإِنْ كَانَتْ دَمًا وَفِيهِ أَنَّ السُّكْرَ كَانَ مُبَاحًا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ , وَهُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ السُّكْرَ لَمْ يُبَحْ قَطُّ , وَيُمْكِنْ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى السُّكْرِ الَّذِي مَعَهُ التَّمْيِيز مِنْ أَصْلِهِ وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة وَلِيمَة الْعُرْسِ , وَسَيَأْتِي شَرْحهَا فِي النِّكَاحِ , وَمَشْرُوعِيَّة الصِّيَاغَة وَالتَّكَسُّب بِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْبُيُوعِ , وَجَوَاز جَمْعِ الْإِذْخِر وَغَيْره مِنْ الْمُبَاحَاتِ وَالتَّكَسُّب بِذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الشُّرْبِ وَفِيهِ الِاسْتِعَانَةُ فِي كُلِّ صِنَاعَةٍ بِالْعَارِفِ بِهَا , قَالَ الْمُهَلَّب : وَفِيهِ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِأَنَّ جِنَايَةَ ذَوِي الرَّحِمِ مُغْتَفَرَة قُلْت : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ اِبْن أَبِي شَيْبَة رَوَى عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَغْرَمَ حَمْزَة ثَمَن النَّاقَتَيْنِ , وَفِيهِ عِلَّة تَحْرِيم الْخَمْرِ , وَفِيهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى بَيْت مَنْ بَلَغَهُ أَنَّهُمْ عَلَى مُنْكَرٍ لِيُغَيِّرهُ , وَقَالَ غَيْره : فِيهِ حِلُّ تَذْكِيَة الْغَاصِب ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَا بَقَرَ خَوَاصِرهمَا وَجَبَّ أَسْنِمَتهمَا إِلَّا بَعْدَ التَّذْكِيَةِ الْمُعْتَبَرَة , وَفِيهِ سُنَّة الِاسْتِئْذَان فِي الدُّخُولِ , وَأَنَّ الْإِذْنَ لِلرَّئِيسِ يَشْمَلُ أَتْبَاعَهُ لِأَنَّ زَيْد بْن حَارِثَة وَعَلِيًّا دَخَلَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ اِسْتَأْذَنَ فَأَذِنُوا لَهُ , وَأَنَّ السَّكْرَانَ يُلَامُ إِذَا كَانَ يَعْقِلُ اللَّوْم , وَأَنَّ لِلْكَبِيرِ فِي بَيْتِهِ أَنْ يُلْقِيَ رِدَاءَهُ تَخْفِيفًا , وَأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ لِقَاء أَتْبَاعه يَكُونُ عَلَى أَكْمَلِ هَيْئَةٍ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى حَمْزَة أَخَذَ رِدَاءَهُ وَأَنَّ الصَّاحِيَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخَاطِبَ السَّكْرَان , وَأَنَّ الذَّاهِبَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ زَائِل الْعَقْلِ لَا يُوَلِّيه ظَهْره كَمَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عِظَمِ قَدَر عَبْد الْمُطَّلِب , وَجَوَاز الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ لِقَوْلِ حَمْزَة هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي ؟ وَمُرَادُهُ كَالْعَبِيدِ وَنُكْتَة التَّشْبِيه أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَهُ فِي الْخُضُوعِ لَهُ , وَجَوَاز تَصَرُّفِهِ فِي مَالِهِمْ فِي حُكْمِ الْعَبِيدِ وَفِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَائِلِينَ قُلْت : وَفِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الِانْتِزَاعَاتِ نَظَر وَاللَّه أَعْلَمُ ‏"
    },
    {
        "id": "2862",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَأَلَتْ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ‏ ‏بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِمَّا ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ فَغَضِبَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَهَجَرَتْ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلَمْ تَزَلْ مُهَاجِرَتَهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سِتَّةَ أَشْهُرٍ قَالَتْ وَكَانَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏تَسْأَلُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَفَدَكٍ ‏ ‏وَصَدَقَتَهُ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَأَبَى ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَلَيْهَا ذَلِكَ وَقَالَ لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ فَأَمَّا صَدَقَتُهُ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَدَفَعَهَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏وَأَمَّا ‏ ‏خَيْبَرُ ‏ ‏وَفَدَكٌ ‏ ‏فَأَمْسَكَهَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَقَالَ هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي ‏ ‏تَعْرُوهُ ‏ ‏وَنَوَائِبِهِ وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ قَالَ فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏اعْتَرَاكَ افْتَعَلْتَ مِنْ عَرَوْتُهُ فَأَصَبْتُهُ وَمِنْهُ يَعْرُوهُ وَاعْتَرَانِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّةِ فَاطِمَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَالِحِ ) ‏ ‏هُوَ ابْن كَيْسَان ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ فَاطِمَة سَأَلَتْ أَبَا بَكْر ) ‏ ‏زَاد مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" وَالْعَبَّاس أَتَيَا أَبَا بَكْر \" وَسَيَأْتِي فِي الْفَرَائِضِ ‏ ‏قَوْله : ( مَا تَرَكَ ) ‏ ‏هُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ \" مِيرَاثهَا \" وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِمَّا تَرَكَ \" وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَرَأَ قَوْله \" لَا يُورَثُ \" بِالتَّحْتَانِيَّةِ أَوَّله وَ \" صَدَقَة \" بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ , وَهِيَ دَعْوَى مِنْ بَعْضِ الرَّافِضَةِ فَادَّعَى أَنَّ الصَّوَابَ فِي قِرَاءَةِ هَذَا الْحَدِيثِ هَكَذَا , وَالَّذِي تَوَارَدَ عَلَيْهِ أَهْل الْحَدِيثِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ ‏ ‏\" لَا نُورَثُ \" ‏ ‏بِالنُّونِ وَ \" صَدَقَة \" بِالرَّفْعِ وَأَنَّ لِلْكَلَامِ جُمْلَتَيْنِ وَ \" مَا تَرَكْنَا \" فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِدَاءِ وَ \" صَدَقَة \" خَبَرُهُ , وَيُؤَيِّدُهُ وُرُوده فِي بَعْضِ طُرُقِ الصَّحِيحِ ‏ ‏\" مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَة \" ‏ ‏وَقَدْ اِحْتَجَّ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى بَعْضِ الْإِمَامِيَّةِ بِأَنَّ أَبَا بَكْر اِحْتَجَّ بِهَذَا الْكَلَامِ عَلَى فَاطِمَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِيمَا اِلْتَمَسَتْ مِنْهُ مِنْ الَّذِي خَلَفَهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَرَاضِي وَهُمَا مِنْ أَفْصَح الْفُصَحَاءِ وَأَعْلَمهمْ بِمَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ , وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا يَقْرَؤُهُ الرَّافِضِيّ لَمْ يَكُنْ فِيمَا اِحْتَجَّ بِهِ أَبُو بَكْر حُجَّة وَلَا كَانَ جَوَابه مُطَابِقًا لِسُؤَالِهَا , وَهَذَا وَاضِح لِمَنْ أَنْصَفَ ‏ ‏قَوْله : ( مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَيَانه قَرِيبًا ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مَعْمَر \" سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَهُوَ يَرُدُّ تَأْوِيلَ الدَّاوُدِيّ الشَّارِح فِي قَوْلِهِ إِنَّ فَاطِمَة حَمَلَتْ كَلَام أَبِي بَكْر عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ , وَلِذَلِكَ غَضِبَتْ , وَمَا قَدَّمْتهُ مِنْ التَّأْوِيلِ أَوْلَى ‏ ‏قَوْله : ( فَغَضِبَتْ فَاطِمَة فَهَجَرَتْ أَبَا بَكْر فَلَمْ تَزَلْ مُهَاجِرَته ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مَعْمَر \" فَهَجَرَتْهُ فَاطِمَة فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى مَاتَ \" وَوَقَعَ عِنْدَ عُمَر بْن شَبَّة مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَعْمَر \" فَلَمْ تُكَلِّمْهُ فِي ذَلِكَ الْمَالِ \" , وَكَذَا نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ فَاطِمَة لِأَبِي بَكْر وَعُمَر لَا أُكَلِّمُكُمَا أَيْ فِي هَذَا الْمِيرَاثِ , وَتَعَقَّبَهُ الشَّاشِيّ بِأَنَّ قَرِينَة قَوْله \" غَضِبَتْ \" تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا اِمْتَنَعَتْ مِنْ الْكَلَامِ جُمْلَة وَهَذَا صَرِيح الْهَجْر , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ أَبِي الطُّفَيْل قَالَ \" أَرْسَلَتْ فَاطِمَة إِلَى أَبِي بَكْر : أَنْتَ وَرِثْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ أَهْلُهُ ؟ قَالَ : لَا بَلْ أَهْله , قَالَتْ : فَأَيْنَ سَهْم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : \" إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَطْعَمَ نَبِيًّا طُعْمَة ثُمَّ قَبَضَهُ جَعَلَهَا لِلَّذِي يَقُومُ مِنْ بَعْدِهِ , فَرَأَيْت أَنْ أَرُدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَالَتْ : فَأَنْتَ وَمَا سَمِعْته \" فَلَا يُعَارِضُ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ صَرِيح الْهِجْرَان , وَلَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِذَلِكَ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فَفِيهِ لَفْظَةٌ مُنْكَرَةٌ , وَهِيَ قَوْلُ أَبِي بَكْر \" بَلْ أَهْله \" فَإِنَّهُ مُعَارِضٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ \" أَنَّ النَّبِيَّ لَا يُورَثُ \" نَعَمْ رَوَى الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ \" أَنَّ أَبَا بَكْر عَادَ فَاطِمَة , فَقَالَ لَهَا عَلِيّ : هَذَا أَبُو بَكْر يَسْتَأْذِنُ عَلَيْك قَالَتْ : أَتُحِبُّ أَنْ آذَنَ لَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ , فَأَذِنَتْ لَهُ , فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَتَرَضَّاهَا حَتَّى رَضِيَتْ \" وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَإِسْنَاده إِلَى الشَّعْبِيِّ صَحِيح , وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ فِي جَوَازِ تَمَادِي فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَامُ عَلَى هَجْرِ أَبِي بَكْر وَقَدْ قَالَ بَعْض الْأَئِمَّةِ : إِنَّمَا كَانَتْ هِجْرَتهَا اِنْقِبَاضًا عَنْ لِقَائِهِ وَالِاجْتِمَاعِ بِهِ , وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْهِجْرَانِ الْمُحَرَّمِ ; لِأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَلْتَقِيَا فَيُعْرِضُ هَذَا وَهَذَا , وَكَأَنَّ فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام لَمَّا خَرَجَتْ غَضْبَى مِنْ عِنْدِ أَبِي بَكْر تَمَادَتْ فِي اِشْتِغَالِهَا بِحُزْنِهَا , ثُمَّ بِمَرَضِهَا. ‏ ‏وَأَمَّا سَبَبُ غَضَبِهَا مَعَ اِحْتِجَاجِ أَبِي بَكْر بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَلِاعْتِقَادِهَا تَأْوِيل الْحَدِيثِ عَلَى خِلَافِ مَا تَمَسَّكَ بِهِ أَبُو بَكْر وَكَأَنَّهَا اِعْتَقَدَتْ تَخْصِيص الْعُمُوم فِي قَوْلِهِ \" لَا نُورَثُ \" وَرَأَتْ أَنَّ مَنَافِعَ مَا خَلَّفَهُ مِنْ أَرْضٍ وَعَقَارٍ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تُورَثَ عَنْهُ , وَتَمَسَّكَ أَبُو بَكْر بِالْعُمُومِ , وَاخْتَلَفَا فِي أَمْرٍ مُحْتَمَلٍ لِلتَّأْوِيلِ فَلَمَّا صَمَّمَ عَلَى ذَلِكَ اِنْقَطَعَتْ عَنْ الِاجْتِمَاعِ بِهِ لِذَلِكَ , فَإِنْ ثَبَتَ حَدِيث الشَّعْبِيّ أَزَالَ الْإِشْكَال وَأَخْلَقُ بِالْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ لِمَا عُلِمَ مِنْ وُفُور عَقْلهَا وَدِينهَا عَلَيْهَا السَّلَامُ , وَسَيَأْتِي فِي الْفَرَائِضِ زِيَادَة فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ , وَيَأْتِي الْكَلَام فِيهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ \" جَاءَتْ فَاطِمَة إِلَى أَبِي بَكْر فَقَالَتْ : مَنْ يَرِثُك ؟ قَالَ : أَهْلِي وَوَلَدِي , قَالَتْ فَمَا لِي لَا أَرِثُ أَبِي ؟ قَالَ أَبُو بَكْر : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا نُورَثُ , وَلَكِنِّي أَعُولُ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُولُهُ \" ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ فَاطِمَة تَسْأَلُ أَبَا بَكْر نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَيْبَرَ وَفَدَك وَصَدَقَته بِالْمَدِينَةِ ) ‏ ‏هَذَا يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا لَمْ تَطْلُبْ مِنْ جَمِيعِ مَا خَلَّفَ , وَإِنَّمَا طَلَبَتْ شَيْئًا مَخْصُوصًا , فَأَمَّا خَيْبَرُ فَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الْمَذْكُورَةِ \" وَسَهْمُهُ مِنْ خَيْبَرَ \" , وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى سَهْلِ بْن أَبِي خَيْثَمَة قَالَ \" قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ نِصْفُهَا لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَته , وَنِصْفُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ : قَسَّمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا \" وَرَوَاهُ بِمَعْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى عَنْ بَشِير بْن يَسَار مُرْسَلًا لَيْسَ فِيهِ سَهْل. ‏ ‏وَأَمَّا فَدَك وَهِيَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْمُهْمَلَة بَعْدَهَا كَافٌ : بَلَدٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاث مَرَاحِلَ , وَكَانَ مِنْ شَأْنِهَا مَا ذَكَرَ أَصْحَابُ الْمَغَازِي قَاطِبَةً أَنَّ أَهْل فَدَكَ كَانُوا مِنْ يَهُود , فَلَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَر أَرْسَلَ أَهْلُ فَدَكَ يَطْلُبُونَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَتْرُكُوا الْبَلَدَ وَيَرْحَلُوا , وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ وَغَيْره قَالُوا \" بَقِيَتْ بَقِيَّة مِنْ خَيْبَرَ تَحَصَّنُوا , فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ وَيُسَيِّرَهُمْ فَفَعَلَ , فَسَمِعَ بِذَلِكَ أَهْل فَدَكَ فَنَزَلُوا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ , وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة \" , وَلِأَبِي دَاوُد أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَر عَنْ اِبْن شِهَاب \" صَالَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ فَدَكَ وَقُرًى سَمَّاهَا وَهُوَ يُحَاصِرُ قَوْمًا آخَرِينَ \" يَعْنِي بَقِيَّة أَهْلِ خَيْبَرَ وَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ فَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب بْن مَالِك عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ قِصَّةَ بَنِي النَّضِير فَقَالَ فِي آخِرِهِ \" وَكَانَتْ نَخْل بَنِي النَّضِير لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً أَعْطَاهَا إِيَّاهُ فَقَالَ ( مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ) الْآيَة قَالَ فَأَعْطَى أَكْثَرهَا لِلْمُهَاجِرِينَ , وَبَقِيَ مِنْهَا صَدَقَة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي فِي أَيْدِي بَنِي فَاطِمَة \" , وَرَوَى عُمَر بْن شَبَّة مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ \" كَانَتْ صَدَقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ أَمْوَالًا لِمُخَيْرِيق بِالْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ مُصَغَّرًا , وَكَانَ يَهُودِيًّا مِنْ بَقَايَا بَنِي قَيْنُقَاعَ نَازِلًا بِبَنِي النَّضِير , فَشَهِدَ أُحُدًا فَقُتِلَ بِهِ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مُخَيْرِيقٌ سَابِق يَهُودَ , وَأَوْصَى مُخَيْرِيقٌ بِأَمْوَالِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَمِنْ طَرِيق الْوَاقِدِيّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَعْب قَالَ \" قَالَ مُخَيْرِيق إِنْ أُصِبْت فَأَمْوَالِي لِمُحَمَّد يَضَعُهَا حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ \" فَهِيَ عَامَّة صَدَقَة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ : وَكَانَتْ أَمْوَال مُخَيْرِيق فِي بَنِي النَّضِير , وَعَلَى هَذِهِ فَقَوْله فِي الْحَدِيثِ الْآتِي \" وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ اللَّه عَلَى رَسُولِهِ مَنْ بَنِي النَّضِير \" شَمِلَ جَمِيع ذَلِكَ ‏ ‏قَوْله : ( لَسْت تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْت بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ الْآتِيَة فِي الْمَنَاقِبِ \" وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَات رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَهَذَا تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ : إِنَّ سَهْم النَّبِيّ يَصْرِفُهُ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ لِمَنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُهُ لَهُ , وَمَا بَقِيَ مِنْهُ يُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ , وَعَنْ الشَّافِعِيِّ يُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ وَهُوَ لَا يُنَافِي الَّذِي قَبْلَهُ وَفِي وَجْه : هُوَ لِلْإِمَامِ وَقَالَ مَالِك وَالثَّوْرِيّ : يَجْتَهِدُ فِيهِ الْإِمَامُ وَقَالَ أَحْمَد يُصْرَفُ فِي الْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ وَقَالَ اِبْن جَرِير يُرَدُّ إِلَى الْأَرْبَعَةِ قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : كَانَ أَحَقّ النَّاسِ بِهَذَا الْقَوْلِ مَنْ يُوجِبُ قَسْمَ الزَّكَاةَ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَصْنَافِ , فَإِنْ فُقِدَ صِنْفٌ رُدَّ عَلَى الْبَاقِينَ يَعْنِي الشَّافِعِيّ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة يُرَدُّ مَعَ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى إِلَى الثَّلَاثَةِ , وَقِيلَ : يُرَدُّ خُمُس الْخُمُسِ مِنْ الْغَنِيمَةِ إِلَى الْغَانِمِينَ وَمِنْ الْفَيْءِ إِلَى الْمَصَالِحِ ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَّا صَدَقَتُهُ ) ‏ ‏أَيْ : صَدَقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَوْله : ( فَدَفَعَهَا عُمَر إِلَى عَلِيّ وَعَبَّاس ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيه ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَّا خَيْبَرُ ) ‏ ‏أَيْ : الَّذِي كَانَ يَخُصُّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا ‏ ‏( وَفَدَك فَأَمْسَكَهَا عُمَر ) ‏ ‏أَيْ : لَمْ يَدْفَعْهَا لِغَيْرِهِ , وَبَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ وَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ صَدَقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخْتَصُّ بِمَا كَانَ مَنْ بَنِي النَّضِير , وَأَمَّا سَهْمُهُ مِنْ خَيْبَرَ وَفَدَك فَكَانَ حُكْمُهُ إِلَى مَنْ يَقُومُ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَكَانَ أَبُو بَكْر يُقَدِّمُ نَفَقَة نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرهَا مِمَّا كَانَ يَصْرِفُهُ فَيَصْرِفُهُ مِنْ خَيْبَرَ وَفَدَك , وَمَا فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ لِمَقْلِهِ فِي الْمَصَالِحِ وَعَمِلَ عُمَرُ بَعْدَهُ بِذَلِكَ , فَلَمَّا كَانَ عُثْمَان تَصَرَّفَ فِي فَدَك بِحَسَبِ مَا رَآهُ , فَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ بْن مِقْسَمٍ قَالَ \" جَمَعَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز بَنِي مَرْوَانَ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُنْفِقُ مِنْ فَدَكَ عَلَى بَنِي هَاشِم وَيُزَوِّجُ أَيِّمَهمْ , وَأَنَّ فَاطِمَة سَأَلَتْهُ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهَا فَأَبَى , وَكَانَتْ كَذَلِكَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَعُمَر , ثُمَّ أَقْطَعَهَا مَرْوَان يَعْنِي فِي أَيَّام عُثْمَان \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا أَقْطَعَ عُثْمَان فَدَك لِمَرْوَانَ لِأَنَّهُ تَأَوَّلَ أَنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ , فَاسْتَغْنَى عُثْمَان عَنْهَا بِأَمْوَالِهِ فَوَصَلَ بِهَا بَعْضَ قَرَابَتِهِ , وَيَشْهَدُ لِصَنِيعِ أَبِي بَكْر حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَرْفُوعُ الْآتِي بَعْدَ بَابٍ بِلَفْظ \" مَا تَرَكْت بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَة \" فَقَدْ عَمِلَ أَبُو بَكْر وَعُمَر بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ الَّذِي قَامَ لَهُمَا , وَسَيَأْتِي تَمَام الْبَحْثِ فِي قَوْلِهِ \" لَا نُورَثُ \" فِي كِتَاب الْفَرَائِض إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ ‏قَوْله : ( فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ ) ‏ ‏هُوَ كَلَام الزُّهْرِيّ أَيْ : حِينِ حَدَّثَ بِذَلِكَ ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ : الْمُصَنِّفِ ‏ ‏( اِعْتَرَاك : اِفْتَعَلْت ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَلَعَلَّهُ كَانَ \" افْتَعَلَكَ \" وَكَذَا وَقَعَ فِي \" الْمَجَازِ \" لِأَبِي عُبَيْدَة وَقَوْله \" مِنْ عُرْوَتِهِ فَأَصَبْته وَمِنْهُ يَعْرُوهُ وَاعْتَرَانِي \" أَرَادَ بِذَلِكَ شَرْحَ قَوْلِهِ \" يَعْرُوهُ \" وَبَيَّنَ تَصَارِيفَهُ , وَأَنَّ مَعْنَاهُ الْإِصَابَة كَيْفَمَا تَصَرَّفَ , وَأَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنْ نَقُولُ إِلَّا اِعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ) وَهَذِهِ عَادَة الْبُخَارِيّ يُفَسِّرُ اللَّفْظَة الْغَرِيبَة مِنْ الْحَدِيثِ بِتَفْسِيرِ اللَّفْظَةِ الْغَرِيبَةِ مِنْ الْقُرْآنِ ‏"
    },
    {
        "id": "2863",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى ‏ ‏مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فَقَالَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي حِينَ مَتَعَ النَّهَارُ إِذَا رَسُولُ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏يَأْتِينِي فَقَالَ أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى رِمَالِ سَرِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ ‏ ‏أَدَمٍ ‏ ‏فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسْتُ فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏مَالِ ‏ ‏إِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ قَوْمِكَ أَهْلُ أَبْيَاتٍ وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ ‏ ‏بِرَضْخٍ ‏ ‏فَاقْبِضْهُ فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أَمَرْتَ بِهِ غَيْرِي قَالَ اقْبِضْهُ أَيُّهَا الْمَرْءُ فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ أَتَاهُ حَاجِبُهُ ‏ ‏يَرْفَا ‏ ‏فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏وَالزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏يَسْتَأْذِنُونَ قَالَ نَعَمْ فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا فَسَلَّمُوا وَجَلَسُوا ثُمَّ جَلَسَ ‏ ‏يَرْفَا ‏ ‏يَسِيرًا ثُمَّ قَالَ هَلْ لَكَ فِي ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ فَأَذِنَ لَهُمَا فَدَخَلَا فَسَلَّمَا فَجَلَسَا فَقَالَ ‏ ‏عَبَّاسٌ ‏ ‏يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ مَالِ ‏ ‏بَنِي النَّضِيرِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏الرَّهْطُ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏تَيْدَكُمْ ‏ ‏أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَفْسَهُ قَالَ الرَّهْطُ قَدْ قَالَ ذَلِكَ فَأَقْبَلَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ أَنْشُدُكُمَا اللَّهَ أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ قَالَ ذَلِكَ قَالَا قَدْ قَالَ ذَلِكَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏وَمَا ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏قَدِيرٌ ‏} ‏فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا ‏ ‏احْتَازَهَا ‏ ‏دُونَكُمْ وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ قَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَبَثَّهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ فَعَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِذَلِكَ حَيَاتَهُ أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ قَالُوا نَعَمْ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لِعَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَبَضَهَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَكُنْتُ أَنَا وَلِيَّ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِي أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَا عَمِلَ فِيهَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ثُمَّ جِئْتُمَانِي تُكَلِّمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ جِئْتَنِي يَا ‏ ‏عَبَّاسُ ‏ ‏تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ وَجَاءَنِي هَذَا يُرِيدُ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏يُرِيدُ نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا فَقُلْتُ لَكُمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ فَلَمَّا بَدَا لِي أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمَا قُلْتُ إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبِمَا عَمِلَ فِيهَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَبِمَا عَمِلْتُ فِيهَا مُنْذُ وَلِيتُهَا فَقُلْتُمَا ادْفَعْهَا إِلَيْنَا فَبِذَلِكَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ قَالَ الرَّهْطُ نَعَمْ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ قَالَا نَعَمْ قَالَ فَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ فَوَاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ فَإِنِّي أَكْفِيكُمَاهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُمَرَ مَعَ الْعَبَّاس وَعَلِيّ , وَقَعَ قَبْلَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ قِصَّة فَدَك , وَكَأَنَّهَا تَرْجَمَةٌ لِحَدِيثٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَاب , وَقَدْ بَيَّنْت أَمْر فَدَك فِي الَّذِي قَبْلَهُ ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن مُحَمَّد الْفَرَوِيّ ) ‏ ‏هُوَ شَيْخ الْبُخَارِيّ الَّذِي تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي \" بَابِ قِتَال الْيَهُود \" وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصُّلْحِ , وَفِي رِوَايَةِ اِبْن شَبَّوَيْهِ عَنْ الْفَرَبْرِيّ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الْفَرَوِيّ \" وَهُوَ مَقْلُوب , وَحَكَى عِيَاض عَنْ رِوَايَة الْقَابِسِيّ مِثْله قَالَ : وَهُوَ وَهْمٌ. قُلْت : وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا رَوَاهُ مَالِكٌ خَارِج الْمُوَطَّأ وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ لَطِيفَة مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ مِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ اِبْنُ الصَّلَاحِ وَهِيَ تَشَابُهُ الطَّرَفَيْنِ , مِثَاله مَا وَقَعَ هُنَا : اِبْن شِهَاب عَنْ مَالِكٍ وَعَنْهُ مَالِك , الْأَعْلَى اِبْن أَوْس وَالْأَدْنَى اِبْن أَنَس ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ مُحَمَّد بْن جُبَيْر ) ‏ ‏أَيْ : اِبْنِ مُطْعِم ‏ ‏( قَدْ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ : الْآتِي ذِكْره ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقْت حَتَّى أَدْخُلَ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِصِيغَة الْمُضَارَعَة فِي مَوْضِعِ الْمَاضِي فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَهِيَ مُبَالَغَةٌ لِإِرَادَةِ اِسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ , وَيَجُوزُ ضَمّ \" أَدْخُلَ \" عَلَى أَنَّ حَتَّى عَاطِفَة , أَيْ اِنْطَلَقْت فَدَخَلْت , وَالْفَتْح عَلَى أَنْ حَتَّى بِمَعْنَى إِلَى أَنْ ‏ ‏قَوْله : ( مَالِك بْن أَوْس ) ‏ ‏اِبْن الْحَدَثَانِ بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْمُثَلَّثَة , وَهُوَ نَصْرِيّ بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ , وَأَبُوهُ صَحَابِيّ , وَأَمَّا هُوَ فَقَدْ ذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ , وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم وَغَيْره لَا تَصِحُّ لَهُ صُحْبَة , وَحَكَى اِبْن أَبِي خَيْثَمَة عَنْ مُصْعَبٍ , أَوْ غَيْرِهِ أَنَّهُ رَكِبَ الْخَيْلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قُلْت : فَعَلَى هَذَا لَعَلَّهُ لَمْ يَدْخُلْ الْمَدِينَةَ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا وَقَعَ لِقَيْس بْن أَبِي حَازِم : دَخَلَ أَبُوهُ وَصَحْبٌ وَتَأَخَّرَ هُوَ مَعَ إِمْكَانِ ذَلِكَ , وَقَدْ تَشَارَكَ أَيْضًا فِي أَنَّهُ قِيلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِنَّهُ أَخَذَ عَنْ الْعَشَرَةِ وَلَيْسَ لِمَالِك بْن أَوْس هَذَا فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَر فِي الْبُيُوعِ , وَفِي صَنِيعِ اِبْن شِهَاب ذَلِكَ أَصْلٌ فِي طَلَبِ عُلُوّ الْإِسْنَاد لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَنِعْ بِالْحَدِيثِ عَنْهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ لِيُشَافِههُ بِهِ , وَفِيهِ حِرْصُ اِبْن شِهَاب عَلَى طَلَبِ الْحَدِيثِ وَتَحْصِيلِهِ ‏ ‏( تَنْبِيه : ‏ ‏ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الزُّهْرِيَّ تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ , فَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْكَرَابِيسِيّ : أَنْكَرَهُ قَوْمٌ وَقَالُوا هَذَا مِنْ مُسْتَنْكَرِ مَا رَوَاهُ اِبْن شِهَاب , قَالَ : فَإِنْ كَانُوا عَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْدٍ فَهَيْهَاتَ , وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا فَهُوَ جَهْل , فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ مَالِك بْن أَوْس عِكْرِمَة بْن خَالِد , وَأَيُّوب بْن خَالِد , وَمُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء وَغَيْرهمْ ‏ ‏قَوْله : ( حِينَ مَتَعَ النَّهَار ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُثَنَّاةِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَة أَيْ : عَلَا وَامْتَدَّ , وَقِيلَ هُوَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق جُوَيْرِيَّة عَنْ مَالِك \" حِينَ تَعَالَى النَّهَار \" وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْدَ عُمَر بْن شَبَّة \" بَعْدَمَا اِرْتَفَعَ النَّهَار \" ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا رَسُول عُمَرَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ يَرْفَأُ الْحَاجِب الْآتِي ذِكْرُهُ ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى رِمَال سَرِير ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاءِ وَقَدْ تُضَمُّ , وَهُوَ مَا يُنْسَجُ مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : هُوَ السَّرِيرُ الَّذِي يُعْمَلُ مِنْ الْجَرِيدِ , وَفِي رِوَايَة جُوَيْرِيَّة \" فَوَجَدْتهُ فِي بَيْتِهِ جَالِسًا عَلَى سَرِير مُفْضِيًا إِلَى رِمَالِهِ , أَيْ لَيْسَ تَحْتَهُ فِرَاش , وَالْإِفْضَاء إِلَى الشَّيْءِ لَا يَكُونُ بِحَائِل , وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَادَةَ أَنْ يَكُونَ عَلَى السَّرِيرِ فِرَاش ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ يَا مَالُ ) ‏ ‏كَذَا هُوَ بِالتَّرْخِيمِ أَيْ : مَالِك , وَيَجُوزُ فِي اللَّامِ الْكَسْر عَلَى الْأَصْلِ , وَالضَّمّ عَلَى أَنَّهُ صَارَ اِسْمًا مُسْتَقِلًّا فَيُعْرَبُ إِعْرَاب الْمُنَادَى الْمُفْرَد ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ قَوْمِك ) ‏ ‏أَيْ : مِنْ بَنِي نَصْر بْن مُعَاوِيَة بْن بَكْر بْن هَوَازِن وَفِي رِوَايَة جُوَيْرِيَّة عِنْد مُسْلِم \" دُفّ أَهْل أَبْيَات \" أَيْ : وَرَدَ جَمَاعَةٌ بِأَهْلِيهِمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ يَسِيرُونَ قَلِيلًا قَلِيلًا , وَالدَّفِيف السَّيْر اللَّيِّن , وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَصَابَهُمْ جَدْب فِي بِلَادِهِمْ فَانْتَجَعُوا الْمَدِينَة ‏ ‏قَوْله : ( بِرَضْخٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُون الْمُعْجَمَة بَعْدَهَا خَاء مُعْجَمَة أَيْ : عَطِيَّةٍ غَيْرِ كَثِيرَة وَلَا مُقَدَّرَة ) ‏ ‏وَقَوْله : ( لَوْ أَمَرْت بِهِ غَيْرِي ) ‏ ‏قَالَهُ تَحَرُّجًا مِنْ قَبُولِ الْأَمَانَةِ , وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا جَرَى لَهُ فِيهِ اِكْتِفَاء بِقَرِينَةِ الْحَالِ , وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَبَضَهُ لِعَزْمِ عُمَرَ عَلَيْهِ ثَانِي مَرَّة ‏ ‏قَوْله : ( أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا ) ‏ ‏بِفَتْح التَّحْتَانِيَّة وَسُكُون الرَّاءِ بَعْدَهَا فَاء مُشَبَّعَة بِغَيْرِ هَمْزٍ وَقَدْ تُهْمَزُ وَهِيَ رِوَايَتُنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ , وَيَرْفَا هَذَا كَانَ مِنْ مَوَالِي عُمَرَ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَلَا تُعْرَفُ لَهُ صُحْبَة , وَقَدْ حَجَّ مَعَ عُمَرَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْر , وَلَهُ ذِكْرٌ فِي حَدِيثِ اِبْن عُمَر , قَالَ \" قَالَ عُمَرُ لِمَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ يَرْفَا إِذَا جَاءَ طَعَامُ يَزِيد بْن أَبِي سُفْيَان فَأَعْلِمْنِي \" فَذَكَرَ قِصَّةً وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ يَرْفَا قَالَ \" قَالَ لِي عُمَر : إِنِّي أَنْزَلْت نَفْسِي مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَنْزِلَة مَالِ الْيَتِيمِ \" وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ عَاشَ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَة ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ لَك فِي عُثْمَان ) ‏ ‏أَيْ : اِبْن عَفَّان ‏ ‏( وَعَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏, وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طَرَفِهِ زِيَادَةً عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورِينَ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ , وَعُمَر بْن شَبَّة مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ اِبْن شِهَاب وَزَاد فِيهَا \" وَطَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّهِ \" وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِيِّ عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْدَ عُمَر بْن شَبَّة أَيْضًا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْبُخْتِرِيّ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ قَالَ \" دَخَلَ الْعَبَّاس وَعَلِيّ \" فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا وَفِيهَا ذُكِرَ طَلْحَة لَكِنْ لَمْ يُذْكَرْ عُثْمَان ‏ ‏قَوْله : ( فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ شُعَيْب فِي الْمَغَازِي \" فَأَدْخَلَهُمْ \" ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ : هَلْ لَك فِي عَلِيّ وَعَبَّاس ) ‏ ‏زَاد شُعَيْب يَسْتَأْذِنَانِ ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عَبَّاس يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ اِقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا ) ‏ ‏زَاد شُعَيْب وَيُونُس \" فَاسْتَبَّ عَلِيّ وَعَبَّاس \" وَفِي رِوَايَة عَقِيل عَنْ اِبْن شِهَاب فِي الْفَرَائِضِ \" اِقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الظَّالِمِ ; اِسْتَبَّا \" وَفِي رِوَايَة جُوَيْرِيَّة \" وَبَيْنَ هَذَا الْكَاذِبِ الْآثِمِ الْغَادِرِ الْخَائِنِ \" وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ الطُّرُقِ أَنَّهُ صَدَرَ مِنْ عَلِيّ فِي حَقِّ الْعَبَّاس شَيْء بِخِلَافِ مَا يُفْهِمُ قَوْله فِي رِوَايَة عَقِيل \" اِسْتَبَّا \" وَاسْتَصْوَبَ الْمَازِرِيّ صَنِيع مَنْ حَذَفَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ : لَعَلَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ وَهَمَ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة , فَأَجْوَدُ مَا تُحْمَلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَبَّاس قَالَهَا دَلَالًا عَلَى عَلِيّ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ , فَأَرَادَ رَدْعَهُ عَمَّا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُخْطِئٌ فِيهِ , وَأَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ يَتَّصِفُ بِهَا لَوْ كَانَ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ عَنْ عَمْد , قَالَ : وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ بِمَحْضَر الْخَلِيفَة وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ , وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ إِنْكَار لِذَلِكَ مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ تَشَدُّدِهِمْ فِي إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ ‏ ‏قَوْله : ( وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ اللَّه عَلَى رَسُولِهِ مِنْ مَالِ بَنِي النَّضِير ) ‏ ‏يَأْتِي الْقَوْل فِيهِ قَرِيبًا ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ الرَّهْط ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" فَقَالَ الْقَوْم \" وَزَادَ \" فَقَالَ مَالِك بْن أَوْس : يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا قَدَّمُوهُمْ لِذَلِكَ \" قُلْت : وَرَأَيْت فِي رِوَايَةِ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي مُسْنَدِ اِبْن أَبِي عُمَر \" فَقَالَ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام : اِقْضِ بَيْنَهُمَا \" فَأَفَادَتْ تَعْيِين مَنْ بَاشَرَ سُؤَالَ عُمَرَ فِي ذَلِكَ ‏ ‏قَوْله : ( تَئِيدَكُمْ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَكَسْرِ التَّحْتَانِيَّةِ مَهْمُوزٌ , وَفَتْحِ الدَّالِ , قَالَ اِبْنُ التِّينِ أَصْلهَا تَيْدُكُمْ , وَالتُّؤَدَة : الرِّفْقُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيّ بِكَسْرِ أَوَّله وَضَمِّ الدَّالِ وَهُوَ اِسْمُ فِعْلٍ كَرُوَيْدًا أَيْ اِصْبِرُوا وَأَمْهِلُوا وَعَلَى رِسْلِكُمْ وَقِيلَ إِنَّهُ مَصْدَر تَادَ يَتِيدُ , كَمَا يُقَالُ سِيرُوا سَيْركُمْ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فِي اللُّغَةِ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّل مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة عَقِيل وَشُعَيْب \" أَتِيدُوا \" أَيْ : تَمَهَّلُوا وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِم وَأَبِي دَاوُد وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ بِشْر بْن عُمَر عَنْ مَالِك \" فَقَالَ عُمَر أَيْتِدُ \" بِلَفْظِ الْأَمْرِ لِلْمُفْرَدِ ‏ ‏قَوْله : ( أَنْشُدُكُمَا أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" قَالَا نَعَمْ \" وَمَعْنَى أَنْشُدُكُمَا أَسْأَلُكُمَا رَافِعًا نَشْدِي أَيْ : صَوْتِي ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" بِخَاصَّةٍ لَمْ يُخَصَّصْ بِهَا غَيْرُهُ \" وَفِي رِوَايَةِ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ اِبْن شِهَاب فِي التَّفْسِيرِ \" كَانَتْ أَمْوَال بَنِي النَّضِير مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَى رَسُولِهِ , فَكَانَتْ لَهُ خَاصَّة , وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَةٍ ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّة فِي سَبِيلِ اللَّهِ \" وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَان عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ الْآتِيَة فِي النَّفَقَاتِ \" كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبِيعُ نَخْل بَنِي النَّضِير وَيَحْبِسُ لِأَهْلِهِ فَوْت سَنَتِهِمْ \" أَيْ : ثَمَر النَّخْلِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيقِ أُسَامَة بْن زَيْد عَنْ اِبْن شِهَاب \" كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاث صَفَايَا : بَنُو النَّضِير , وَخَيْبَرُ , وَفَدَكُ فَأَمَّا بَنُو النَّضِير فَكَانَتْ حَبْسًا لِنَوَائِبِهِ , وَأَمَّا فَدَكُ فَكَانَتْ حَبْسًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ , وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَسَّمَ جُزْءًا لِنَفَقَةِ أَهْلِهِ , وَمَا فَضَلَ مِنْهُ جَعَلَهُ فِي فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ \" وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقَسِّمَ فِي فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَفِي مُشْتَرِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاع , وَذَكَرَ مُفَسِّرٌ لِرِوَايَةِ مَعْمَر عِنْد مُسْلِم وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ مِنْهُ مَجْعَل مَال اللَّهِ وَزَادَ أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَةِ أَبِي الْبُخْتَرِيّ الْمَذْكُورَةِ \" وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِفَضْلِهِ \" وَهَذَا لَا يُعَارِضُ حَدِيث عَائِشَة \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ وَدِرْعه مَرْهُونَة عَلَى شَعِير \" لِأَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ كَانَ يَدَّخِرُ لِأَهْلِهِ قُوت سَنَتِهِمْ ثُمَّ فِي طُولِ السَّنَةِ يَحْتَاجُ لِمَنْ يَطْرُقُهُ إِلَى إِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْهُ فَيُخْرِجُهُ , فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُعَوِّضَ مَنْ يَأْخُذُ مِنْهَا عِوَضه , فَلِذَلِكَ اِسْتَدَانَ ‏ ‏قَوْله : ( مَا اِجْتَازَهَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَزَايٍ مُعْجَمَةٍ , وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَة , هَذَا ظَاهِر فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُخْتَصًّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِلَّا أَنَّهُ وَاسَى بِهِ أَقْرِبَاءَهُ وَغَيْرَهُمْ بِحَسَبِ حَاجَتِهِمْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بْن خَالِد عَنْ مَالِك بْن أَوْس عِنْدَ النَّسَائِيِّ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ لِعَلِيّ وَعَبَّاس : أَنْشُدُكُمَا اللَّه هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ ؟ ) ‏ ‏زَاد فِي رِوَايَة عَقِيل \" قَالَا نَعَمْ \" ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْر : أَنَا وَلِيّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْر , فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَاد فِي رِوَايَة عَقِيل \" وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ - وَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيّ وَعَبَّاس - تَزْعُمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْر كَذَا وَكَذَا \" وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْب \" كَمَا تَقُولَانِ \" وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ الزِّيَادَةِ \" فَجِئْتُمَا , تَطْلُبُ مِيرَاثَك مِنْ اِبْنِ أَخِيك , وَيَطْلُبُ هَذَا مِيرَاث اِمْرَأَته مِنْ أَبِيهَا , فَقَالَ أَبُو بَكْر قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَة فَرَأَيْتُمَا كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا خَائِنًا \" وَكَأَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً فَيُصَرِّحُ , وَتَارَةً فَيُكَنِّي , وَكَذَلِكَ مَالِك وَقَدْ حَذَفَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ بِشْر بْن عُمَر عَنْهُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْره وَهُوَ نَظِيرُ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِ الْعَبَّاس لِعَلِيٍّ وَهَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ عَنْ أَبِي بَكْر حُذِفَتْ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاق الْفَرَوِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ بِشْر بْن عُمَر عَنْهُ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَعَمْرو بْن مَرْزُوق وَسَعِيد بْن دَاوُد كِلَاهُمَا عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ مَالِكٍ عَلَى مَا قَالَ جُوَيْرِيَّة عَنْ مَالِكٍ , وَاجْتِمَاعُ هَؤُلَاءِ عَنْ مَالِكٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ حَفِظُوهُ , وَهَذَا الْقَدْرُ الْمَحْذُوفُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاق ثَبَتَ مِنْ رِوَايَتِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْحَدِيثِ , لَكِنْ جَعَلَ الْقِصَّةَ فِيهِ لِعُمَرَ حَيْثُ قَالَ \" جِئْتَنِي يَا عَبَّاس تَسْأَلُنِي نَصِيبك مِنْ اِبْنِ أَخِيك \" وَفِيهِ \" فَقُلْت لَكُمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ \" فَاشْتَمَلَ هَذَا الْفَصْلُ عَلَى مُخَالَفَةِ إِسْحَاق لِبَقِيَّةِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي كَوْنِهِمْ جَعَلُوا الْقِصَّةَ عِنْد أَبِي بَكْر وَجَعَلُوا الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْر مِنْ رِوَايَةِ عُمَر عَنْهُ \" وَإِسْحَاق الْفَرَوِيّ حَمَلَ الْقِصَّةَ عِنْدَ عُمَرَ وَجَعَلَ الْحَدِيث الْمَرْفُوع مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ وَاسِطَةِ أَبِي بَكْر وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْب عَنْ اِبْن شِهَاب نَظِير مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاق الْفَرَوِيّ سَوَاء , وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْدَ عُمَر بْن شَبَّة وَأَمَّا رِوَايَة عَقِيل الْآتِيَة فِي الْفَرَائِضِ فَاقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ عِنْدَ عُمَرَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ أَصْلًا , وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ لِسِيَاق إِسْحَاق الْفَرَوِيّ أَصْلًا , فَلَعَلَّ الْقِصَّتَيْنِ مَحْفُوظَتَانِ , وَاقْتَصَرَ بَعْض الرُّوَاةِ عَلَى مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنْ الشُّرَّاحِ لِبَيَانِ ذَلِكَ , وَفِي ذَلِكَ إِشْكَال شَدِيد وَهُوَ أَنَّ أَصْلَ الْقِصَّةِ صَرِيح فِي أَنَّ الْعَبَّاس وَعَلِيًّا قَدْ عَلِمَا بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" لَا نُورَثُ \" فَإِنْ كَانَا سَمِعَاهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ يَطْلُبَانِهِ مِنْ أَبِي بَكْر ؟ وَإِنْ كَانَا إِنَّمَا سَمِعَاهُ مِنْ أَبِي بَكْر أَوْ فِي زَمَنِهِ بِحَيْثُ أَفَادَ عِنْدَهُمَا الْعِلْم بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَطْلُبَانِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ عُمَر ؟ وَالَّذِي يَظْهَرُ - وَاللَّه أَعْلَمُ - حَمْلُ الْأَمْر فِي ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي حَقِّ فَاطِمَة وَأَنَّ كُلًّا مِنْ عَلِيّ وَفَاطِمَة وَالْعَبَّاس اِعْتَقَدَ أَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ \" لَا نُورَثُ \" مَخْصُوص بِبَعْضِ مَا يَخْلُفُهُ دُونَ بَعْض , وَلِذَلِكَ نَسَبَ عُمَر إِلَى عَلِيّ وَعَبَّاس أَنَّهُمَا كَانَا يَعْتَقِدَانِ ظُلْم مَنْ خَالَفَهُمَا فِي ذَلِكَ. ‏ ‏وَأَمَّا مُخَاصَمَةُ عَلِيّ وَعَبَّاس بَعْدَ ذَلِكَ ثَانِيًا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِيمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِهِ : لَمْ يَكُنْ فِي الْمِيرَاثِ , إِنَّمَا تَنَازَعَا فِي وِلَايَةِ الصَّدَقَةِ , وَفِي صَرْفِهَا كَيْفَ تُصْرَفُ ؟ كَذَا قَالَ لَكِنْ فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ وَعُمَر بْن شَبَّة مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْبُخْتَرِيّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا أَرَادَ أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ , وَلَفْظه فِي آخِرِهِ \" ثُمَّ جِئْتُمَانِي الْآنَ تَخْتَصِمَانِ : يَقُولُ هَذَا أُرِيدُ نَصِيبِي مِنْ اِبْنِ أَخِي , وَيَقُولُ هَذَا أُرِيدُ نَصِيبِي مِنْ اِمْرَأَتِي , وَاللَّهِ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا إِلَّا بِذَلِكَ \" أَيْ : إِلَّا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَسْلِيمِهَا لَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْوِلَايَةِ وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَة بْن خَالِد عَنْ مَالِك بْن أَوْس نَحْوَهُ وَفِي السُّنَنِ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ \" أَرَادَا أَنَّ عُمَرَ يُقَسِّمُهَا لِيَنْفَرِد كُلّ مِنْهُمَا بِنَظَرِ مَا يَتَوَلَّاهُ , فَامْتَنَعَ عُمَر مِنْ ذَلِكَ وَأَرَادَ أَنْ لَا يَقَعَ عَلَيْهَا اِسْمُ قَسْمٍ وَلِذَلِكَ أَقْسَمَ عَلَى ذَلِكَ \" وَعَلَى هَذَا اِقْتَصَرَ أَكْثَر الشُّرَّاحِ وَاسْتَحْسَنُوهُ , وَفِيهِ مِنْ النَّظَرِ مَا تَقَدَّمَ وَأَعْجَب مِنْ ذَلِكَ جَزْم اِبْنِ الْجَوْزِيِّ ثُمَّ الشَّيْخ مُحْيِي الدِّين بِأَنَّ عَلِيًّا وَعَبَّاسًا لَمْ يَطْلُبَا مِنْ عُمَرَ إِلَّا ذَلِكَ , مَعَ أَنَّ السِّيَاقَ صَرِيح فِي أَنَّهُمَا جَاءَاهُ مَرَّتَيْنِ فِي طَلَبِ شَيْءٍ وَاحِدٍ , لَكِنَّ الْعُذْرَ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ وَالنَّوَوِيّ أَنَّهُمَا شَرَحَا اللَّفْظَ الْوَارِدَ فِي مُسْلِمٍ دُونَ اللَّفْظِ الْوَارِدِ فِي الْبُخَارِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏وَأَمَّا قَوْلُ عَمَرَ \" جِئْتَنِي يَا عَبَّاس تَسْأَلُنِي نَصِيبك مِنْ اِبْنِ أَخِيك \" فَإِنَّمَا عَبَّرَ بِذَلِكَ لِبَيَان قِسْمَة الْمِيرَاثِ كَيْفَ يُقْسَمُ أَنْ لَوْ كَانَ هُنَاكَ مِيرَاث , لَا أَنَّهُ أَرَادَ الْغَضَّ مِنْهُمَا بِهَذَا الْكَلَامِ وَزَاد الْإِمَامِيُّ عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْدَ عُمَر بْن شَبَّة فِي آخِرِهِ \" فَأَصْلِحَا أَمْرَكُمَا وَإِلَّا لَمْ يَرْجِعْ وَاللَّهِ إِلَيْكُمَا فَقَامَا وَتَرَكَا الْخُصُومَة وَأُمْضِيَتْ صَدَقَة \" وَزَاد شُعَيْب فِي آخِرِهِ \" قَالَ اِبْن شِهَاب فَحَدَّثْت بِهِ عُرْوَة فَقَالَ : صَدَقَ مَالِك بْن أَوْس , أَنَا سَمِعْت عَائِشَة تَقُولُ \" فَذَكَرَ حَدِيثًا قَالَ \" وَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَة بِيَدِ عَلِيّ مَنَعَهَا عَبَّاسًا فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا ثُمَّ كَانَتْ بِيَدِ الْحَسَنِ ثُمَّ بِيَدِ الْحُسَيْن ثُمَّ بِيَدِ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن , وَالْحَسَن بْن الْحَسَن ثُمَّ بِيَدِ زَيْد بْن الْحَسَن , وَهِيَ صَدَقَة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقًّا \" وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ مِثْلَهُ , وَزَاد فِي آخِرِهِ : قَالَ مَعْمَر ثُمَّ كَانَتْ بِيَد عَبْد اللَّه بْن حَسَن حَتَّى وَلَّى هَؤُلَاءِ - يَعْنِي بَنِي الْعَبَّاس - فَقَبَضُوهَا وَزَادَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي أَنَّ إِعْرَاضَ الْعَبَّاس عَنْهَا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَان , قَالَ عُمَر بْن شَبَّة : سَمِعْت أَبَا غَسَّان هُوَ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الْمَدَنِيُّ يَقُولُ : إِنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ الْيَوْمَ بِيَدِ الْخَلِيفَةِ يَكْتُبُ فِي عَهْدِهِ يُوَلِّي عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِهِ مَنْ يَقْبِضُهَا , وَيُفَرِّقُهَا فِي أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةَ قُلْت : كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ , ثُمَّ تَغَيَّرَتْ الْأُمُورُ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ‏ ‏وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَصْرِف الْفَيْء فَقَالَ مَالِك : الْفَيْءُ وَالْخُمُسُ سَوَاءٌ يُجْعَلَانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَيُعْطِي الْإِمَامُ أَقَارِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَسَبِ اِجْتِهَاده. وَفَرَّقَ الْجُمْهُور بَيْنَ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ وَبَيْنَ الْفَيْءِ فَقَالَ : الْخُمُسُ مَوْضُوع فِيمَا عَيَّنَهُ اللَّه فِيهِ مِنْ الْأَصْنَافِ الْمُسَمَّيْنَ فِي آيَةِ الْخُمُسِ مِنْ سُورَةِ الْأَنْفَالِ لَا يَتَعَدَّى بِهِ إِلَى غَيْرِهِمْ , وَأَمَّا الْفَيْءُ فَهُوَ الَّذِي يَرْجِعُ النَّظَرُ فِي مَصْرِفِهِ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَة , وَانْفَرَدَ الشَّافِعِيّ كَمَا قَالَ اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْفَيْءَ يُخَمَّسُ , وَأَنَّ أَرْبَعَة أَخْمَاسه لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَهُ خُمُسُ الْخُمُسِ كَمَا فِي الْغَنِيمَةِ , وَأَرْبَعَة أَخْمَاسِ الْخُمُسِ لِمُسْتَحِقِّ نَظِيرِهَا مِنْ الْغَنِيمَةِ , وَقَالَ الْجُمْهُور : مَصْرِف الْفَيْء كُلّه إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ عُمَرَ \" فَكَانَتْ هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة \" وَتَأَوَّلَ الشَّافِعِيّ قَوْل عُمَرَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّهُ يُرِيدُ الْأَخْمَاس الْأَرْبَعَة قَالَ اِبْن بَطَّال : مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ حَدِيثِ عَائِشَة فِي قِصَّةِ فَاطِمَة فِي \" بَابِ فَرْضِ الْخُمُس \" أَنَّ الَّذِي سَأَلَتْ فَاطِمَة أَنْ تَأْخُذَهُ مِنْ جُمْلَتِهِ خَيْبَرُ , وَالْمُرَاد بِهِ سَهْمه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا وَهُوَ الْخُمُسُ وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي بِلَفْظ \" مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ , وَفَدَكَ , وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ \" وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ كُلِّ قَبِيلَةِ كَبِيرُهُمْ ; لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِاسْتِحْقَاقِ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ , وَأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَادِيَ الرَّجُل الشَّرِيف الْكَبِير بِاسْمِهِ وَبِالتَّرْخِيمِ حَيْثُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ تَنْقِيصه , وَفِيهِ اِسْتِعْفَاءُ الْمَرْء مِنْ الْوِلَايَةِ وَسُؤَالُهُ الْإِمَام ذَلِكَ بِالرِّفْقِ , وَفِيهِ اِتِّخَاذُ الْحَاجِبِ , وَالْجُلُوس بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ , وَالشَّفَاعَة عِنْدَهُ فِي إِنْفَاذ حُكْم وَتَبْيِين الْحَاكِمِ وَجْه حُكْمِهِ وَفِيهِ إِقَامَةُ الْإِمَامِ مَنْ يَنْظُرُ عَلَى الْوَقْفِ نِيَابَة عَنْهُ , وَالتَّشْرِيك بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فِي ذَلِكَ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ جَوَاز أَكْثَرَ مِنْهُمَا بِحَسَبِ الْمَصْلَحَة وَفِيهِ جَوَاز الِادِّخَار خِلَافًا لِقَوْلِ مَنْ أَنْكَرَهُ مِنْ مُشَدِّدِي الْمُتَزَهِّدِينَ , وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ وَفِيهِ جَوَازُ اِتِّخَاذِ الْعَقَارِ , وَاسْتِغْلَال مَنْفَعَته وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَاز اِتِّخَاذِ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا النَّمَاءُ , وَالْمَنْفَعَةُ مِنْ زِرَاعَةٍ وَتِجَارَةٍ وَغَيْر ذَلِكَ وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا قَامَ عِنْدَهُ الدَّلِيلُ صَارَ إِلَيْهِ وَقَضَى بِمُقْتَضَاهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِهِ , وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ , وَأَنَّ الْأَتْبَاعَ إِذَا رَأَوْا مِنْ الْكَبِيرِ اِنْقِبَاضًا لَمْ يُفَاتِحُوهُ حَتَّى يُفَاتِحَهُمْ بِالْكَلَامِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ الْفَيْءِ وَلَا خُمُسَ الْغَنِيمَةِ إِلَّا قَدْر حَاجَتِهِ وَحَاجَة مَنْ يُمَوِّنُه , وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ لَهُ فِيهِ التَّصَرُّف بِالْقَسْمِ , وَالْعَطِيَّةِ وَقَالَ آخَرُونَ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مِلْكَ رَقَبَة مَا غَنِمَهُ , وَإِنَّمَا مَلَّكَهُ مَنَافِعه , وَجَعَلَ لَهُ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهِ , وَكَذَلِكَ الْقَائِم بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَقَالَ اِبْن الْبَاقِلَّانِيّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُورَثُ : اِحْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَاكُمْ ) قَالَ : أَمَّا مَنْ أَنْكَرَ الْعُمُوم فَلَا اِسْتِغْرَاقَ عِنْدَهُ لِكُلِّ مَنْ مَاتَ أَنَّهُ يُورَثُ , وَأَمَّا مَنْ أَثْبَتَهُ فَلَا يُسَلِّمُ دُخُولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ , وَلَوْ سَلَّمَ دُخُولَهُ لَوَجَبَ تَخْصِيصُهُ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ , وَخَبَر الْآحَادِ يُخَصِّصُ وَإِنْ كَانَ لَا يَنْسَخُ , فَكَيْفَ بِالْخَبَرِ إِذَا جَاءَ مِثْلَ مَجِيءِ هَذَا الْخَبَرِ وَهُوَ \" لَا نُورَثُ \" ‏"
    },
    {
        "id": "2864",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ ‏ ‏فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا هَذَا الْحَيَّ مِنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ ‏ ‏بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏فَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَأْخُذُ بِهِ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا قَالَ ‏ ‏آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَعَقَدَ بِيَدِهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَأَنْ تُؤَدُّوا لِلَّهِ ‏ ‏خُمُسَ ‏ ‏مَا غَنِمْتُمْ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ ‏ ‏الدُّبَّاءِ ‏ ‏وَالنَّقِيرِ ‏ ‏وَالْحَنْتَمِ ‏ ‏وَالْمُزَفَّتِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّةِ وَفْدِ عَبْد الْقَيْسِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَاب الْإِيمَان , وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ هُنَاكَ \" أَدَاء الْخُمُسِ مِنْ الْإِيمَانِ \" وَهُوَ عَلَى قَاعِدَتِهِ فِي تَرَادُف الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالدِّينِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْإِيمَان مِنْ شَرْحِ ذَلِكَ مَا فِيهِ كِفَايَة , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْخُمُسِ بَيَان مَا يَتَعَلَّقُ لَهُ ‏"
    },
    {
        "id": "2865",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏\" لَا تَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي أَوَاخِرِ الْوَقْفِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَرْحِهِ قَبْلُ بِبَابٍ وَسَيَأْتِي بَقِيَّة مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهُ بِالْمِيرَاثِ فِي الْفَرَائِضِ , وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ ‏ ‏\" عَامِلِي \" ‏ ‏فَقِيلَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ , وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ الَّذِي يُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ وَقِيلَ : يُرِيدُ بِذَلِكَ الْعَامِلَ عَلَى النَّخْلِ , وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرِيّ وَابْنُ بَطَّالٍ , وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : الْمُرَادُ بِعَامِلِهِ حَافِر قَبْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ , وَقَالَ اِبْن دِحْيَةَ فِي الْخَصَائِصِ : الْمُرَادُ بِعَامِلِهِ خَادِمه وَقِيلَ الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ , وَقِيلَ الْعَامِلُ فِيهَا كَالْأَجِيرِ , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ دِينَار \" كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَقِيلَ هُوَ تَنْبِيهٌ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظ ‏ ‏\" دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا \" ‏ ‏وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ وَتَابَعَهُ عَلَيْهَا سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أُجْرَة الْقَسَّام ‏"
    },
    {
        "id": "2866",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَا فِي بَيْتِي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الشَّعِير الَّذِي كَانَ فِي رَفِّهَا فَكَالَتْهُ فَفَنِيَ , وَسَيَأْتِي بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ وَشَرْحِهِ فِي الرَّقَاقِ , وَتَقَدَّمَ الْإِلْمَام بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي \" بَابِ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الْكَيْلِ \" أَوَائِل الْبُيُوعِ قَالَ اِبْن الْمُنِير : وَجْه دُخُول حَدِيث عَائِشَة فِي التَّرْجَمَةِ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَخَذَ الشَّعِيرَ مِنْهَا ‏"
    },
    {
        "id": "2867",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا سِلَاحَهُ وَبَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَأَرْضًا تَرَكَهَا صَدَقَةً ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي إِسْحَاق وَهُوَ السَّبِيعِيّ عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث ‏ ‏\" مَا تَرَكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا سِلَاحَهُ \" ‏ ‏الْحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْوَصَايَا وَأَنَّ شَرْحَهُ يَأْتِي مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي وَوَقَعَ عِنْدَ الْقَابِسِيِّ فِي أَوَّلِهِ ‏ ‏\" حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَان \" ‏ ‏فَسَقَطَ عَلَيْهِ شَيْخ الْبُخَارِيّ مُسَدَّدٌ وَلَا بُدَّ مِنْهُ , نَبَّهَ عَلَيْهِ الْجِيَانِيّ , وَلَوْ كَانَ عَلَى ظَاهِرِ مَا عِنْدَهُ لَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ يَحْيَى هُوَ اِبْن مُوسَى أَوْ اِبْن جَعْفَر وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ ‏"
    },
    {
        "id": "2868",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏وَمُحَمَّدٌ ‏ ‏قَالَا أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏وَيُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة ‏ ‏\" اِسْتَأْذَنَ أَزْوَاجه أَنْ يَمْرَضَ فِي بَيْتِي \" ‏ ‏ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا ‏"
    },
    {
        "id": "2869",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَيْتِي وَفِي ‏ ‏نَوْبَتِي ‏ ‏وَبَيْن ‏ ‏سَحْرِي ‏ ‏وَنَحْرِي ‏ ‏وَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ قَالَتْ دَخَلَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏بِسِوَاكٍ فَضَعُفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْهُ فَأَخَذْتُهُ فَمَضَغْتُهُ ثُمَّ ‏ ‏سَنَنْتُهُ ‏ ‏بِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثهَا ‏ ‏\" تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي وَفِي نَوْبَتِي \" ‏ ‏وَفِيهِ ذِكْرُ السِّوَاكِ مَعَ عَبْد الرَّحْمَن , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ‏"
    },
    {
        "id": "2870",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا ‏ ‏جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَزُورُهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ مَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى إِذَا بَلَغَ قَرِيبًا مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرَّ بِهِمَا رَجُلَانِ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏نَفَذَا ‏ ‏فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏رِسْلِكُمَا ‏ ‏قَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث صَفِيَّة بِنْت حُيَيّ أَنَّهَا جَاءَتْ تَزُورُهُ وَهُوَ مُعْتَكِف , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْلهَا فِيهِ ‏ ‏\" عِنْدَ بَابِ أُمّ سَلَمَة \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الِاعْتِكَافِ ‏"
    },
    {
        "id": "2871",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ارْتَقَيْتُ ‏ ‏فَوْقَ بَيْتِ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ ‏ ‏الشَّأْمِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر ‏ ‏\" اِرْتَقَيْت فَوْقَ بَيْت حَفْصَة \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الطَّهَارَةِ ‏"
    },
    {
        "id": "2872",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ ‏ ‏حُجْرَتِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَائِشَة كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَوَاقِيتِ ‏"
    },
    {
        "id": "2873",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَطِيبًا فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هُنَا الْفِتْنَةُ ثَلَاثًا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن عُمَر ‏ ‏\" الْفِتْنَة هَاهُنَا \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الْفِتَنِ , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله ‏ ‏\" وَأَشَارَ نَحْو مَسْكَن عَائِشَة \" ‏ ‏وَاعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّ ذِكْرَ الْمَسْكَنِ لَا يُنَاسِبُ مَا قَصَدَ ; لِأَنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الْمَالِك وَالْمُسْتَعِير وَغَيْرهمَا ‏"
    },
    {
        "id": "2874",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ ابْنَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ عِنْدَهَا وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ إِنْسَانٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُرَاهُ فُلَانًا لِعَمِّ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏مِنْ الرَّضَاعَةِ ‏ ‏الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة ‏ ‏\" أَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْت إِنْسَانٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْت حَفْصَة \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي الشَّهَادَاتِ , وَيَأْتِي شَرْحه فِي الرِّضَاعِ ‏ ‏( تَنْبِيه : ‏ ‏وَقَعَ فِي سِيَاقِهِ فِي الشَّهَادَاتِ زِيَادَة عَلَى سَبِيلِ الْوَهْمِ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ , وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيّ عَنْ شَيْخِهِ , وَقَدْ ضَرَبَ عَلَيْهَا فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي ذَرٍّ , وَالصَّوَابُ حَذْفُهَا , وَلَفْظُ الزِّيَادَة \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّهِ أَرَاهُ فُلَانًا لِعَمّ حَفْصَة مِنْ الرَّضَاعَةِ فَقَالَتْ عَائِشَة \" فَهَذَا الْقَدْر زَائِد وَالصَّوَاب حَذْفه كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ , قَالَ الطَّبَرِيّ : قِيلَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلَّكَ كُلًّا مِنْ أَزْوَاجِهِ الْبَيْتَ الَّذِي هِيَ فِيهِ فَسَكَنَ بَعْدَهُ فِيهِنَّ بِذَلِكَ التَّمْلِيكِ , وَقِيلَ إِنَّمَا لَمْ يُنَازِعْهُنَّ فِي مَسَاكِنِهِنَّ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَئُونَتِهِنَّ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَثْنَاهَا لَهُنَّ مِمَّا كَانَ بِيَدِهِ أَيَّام حَيَاتِهِ حَيْثُ قَالَ \" مَا تَرَكْت بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي \" قَالَ : وَهَذَا أَرْجَح , وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ وَرَثَتَهُنَّ لَمْ يَرِثْنَ عَنْهُنَّ مَنَازِلَهُنَّ , وَلَوْ كَانَتْ الْبُيُوت مِلْكًا لَهُنَّ لَانْتَقَلَتْ إِلَى وَرَثَتِهِنَّ , وَفِي تَرْكِ وَرَثَتِهِنَّ حُقُوقهمْ مِنْهَا دَلَالَة عَلَى ذَلِكَ , وَلِهَذَا زِيدَتْ بُيُوتُهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بَعْدَ مَوْتِهِنَّ لِعُمُومِ نَفْعِهِ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا فَعَلَ فِيمَا كَانَ يُصْرَفُ لَهُنَّ مِنْ النَّفَقَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَادَّعَى الْمُهَلَّب أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حَبَسَ عَلَيْهِنَّ بُيُوتهنَّ , ثُمَّ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ حَبَسَ دَارًا جَازَ لَهُ أَنْ يَسْكُنَ مِنْهَا فِي مَوْضِعٍ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنَيِّر بِمَنْع أَصْل الدَّعْوَى ثُمَّ عَلَى التَّنَزُّلِ لَا يُوَافِقُ ذَلِكَ مَذْهَبه إِلَّا إِنْ صَرَّحَ بِالِاسْتِثْنَاءِ , وَمِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ ؟. ‏"
    },
    {
        "id": "2875",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثُمَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَمَّا اسْتُخْلِفَ بَعَثَهُ إِلَى ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏وَكَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ ‏ ‏وَخَتَمَهُ بِخَاتَمِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ نَقْشُ الْخَاتَمِ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏سَطْرٌ وَرَسُولُ سَطْرٌ وَاللَّهِ سَطْرٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي الْخَاتَمِ , وَالْغَرَضِ مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" أَنَّ أَبَا بَكْر خَتَمَ الْكِتَابَ بِخَاتَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَإِنَّهُ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ \" وَمَا اِسْتَعْمَلَ الْخُلَفَاء مِنْ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ فِيهِ مِنْ الزِّيَادَةِ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْر , وَفِي يَدِ عُمَرَ بَعْدَهُ وَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ يَدِ عُثْمَان , وَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ‏"
    },
    {
        "id": "2876",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَخْرَجَ إِلَيْنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏نَعْلَيْنِ ‏ ‏جَرْدَاوَيْنِ ‏ ‏لَهُمَا ‏ ‏قِبَالَانِ ‏ ‏فَحَدَّثَنِي ‏ ‏ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ‏ ‏بَعْدُ عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّهُمَا نَعْلَا النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَنَس \" أَنَّهُ أَخْرَجَ نَعْلَيْنِ جَرْدَاوَيْنِ \" ‏ ‏بِالْجِيمِ أَيْ لَا شَعْرَ عَلَيْهِمَا , وَقِيلَ خِلْقَتَيْنِ ‏ ‏قَوْله : ( لَهُمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَهَا \" ‏ ‏( قِبَالَانِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ ‏ ‏قَوْله : ( فَحَدَّثَنِي ثَابِت ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ عِيسَى بْن طِهْمَان رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ أَنَس , وَكَأَنَّهُ رَأَى النَّعْلَيْنِ مَعَ أَنَسٍ , وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ نِسْبَتهمَا فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ ثَابِت عَنْ أَنَس , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي اللِّبَاسِ أَيْضًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2877",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏كِسَاءً مُلَبَّدًا ‏ ‏وَقَالَتْ ‏ ‏فِي هَذَا نُزِعَ رُوحُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏إِزَارًا غَلِيظًا مِمَّا يُصْنَعُ ‏ ‏بِالْيَمَنِ ‏ ‏وَكِسَاءً مِنْ هَذِهِ الَّتِي يَدْعُونَهَا الْمُلَبَّدَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَوْله : ( كِسَاءً مُلَبَّدًا ) ‏ ‏أَيْ : ثَخِنٌ وَسَطُهُ وَصَفِقٌ حَتَّى صَارَ يُشْبِهُ اللُّبَد , وَيُقَالُ الْمُرَاد هُنَا الْمُرَقَّع ‏ ‏قَوْله : ( وَزَاد سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُغِيرَة ‏ ‏( عَنْ حُمَيْدٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن هِلَال , وَصَلَهُ مُسْلِم عَنْ شَيْبَانَ بْن فَرُّوخٍ عَنْ سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة بِهِ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْحِهِ فِي كِتَاب اللِّبَاس أَيْضًا ‏"
    },
    {
        "id": "2878",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْكَسَرَ فَاتَّخَذَ مَكَانَ ‏ ‏الشَّعْبِ ‏ ‏سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏رَأَيْتُ الْقَدَحَ وَشَرِبْتُ فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَمْزَة ) ‏ ‏هُوَ السُّكَّرِيُّ ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَاصِمٍ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيّ بِإِسْقَاطِ اِبْنِ سِيرِينَ وَهُوَ خَطَأٌ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار فِي مُسْنَدِهِ عَنْ الْبُخَارِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَ لَا نَعْلَمُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ عَاصِمٍ هَكَذَا إِلَّا أَبَا حَمْزَة , وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : خَالَفَهُ شَرِيكٌ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَنَس لَمْ يَذْكُرْ اِبْن سِيرِينَ , وَالصَّحِيح قَوْل أَبِي حَمْزَة , قُلْت : قَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَاصِمٍ فَفَصَلَ بَعْضه عَنْ أَنَس وَبَعْضه عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَس , وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي الْأَشْرِبَة , وَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو عَلِيّ الْجِيَانِيّ وَسَيَأْتِي بَيَانه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ قَدَحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْكَسَرَ فَاِتَّخَذَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِضَمّ الْمُثَنَّاة عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ , وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ بِفَتْحِهَا عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ , وَالضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ لِأَنَسٍ , وَجَزَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِالثَّانِي , وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةٍ بِلَفْظ \" فَجَعَلْت مَكَانَ الشُّعَبِ سِلْسِلَة \" وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فَجَعَلْت بِضَمِّ الْجِيمِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ فَرَجَعَ إِلَى الِاحْتِمَالِ لِإِبْهَام الْجَاعِل ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَاصِم ) ‏ ‏هُوَ الْأَحْوَلُ الرَّاوِي ‏ ‏( رَأَيْت الْقَدَحَ , وَشَرِبْت فِيهِ ) ‏"
    },
    {
        "id": "2879",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْوَلِيدَ بْنَ كَثِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤَلِيِّ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏ابْنَ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏مِنْ عِنْدِ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ‏ ‏مَقْتَلَ ‏ ‏حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَقِيَهُ ‏ ‏الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ تَأْمُرُنِي بِهَا فَقُلْتُ لَهُ لَا فَقَالَ لَهُ فَهَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ وَايْمُ اللَّهِ لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِمْ أَبَدًا حَتَّى تُبْلَغَ نَفْسِي إِنَّ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏خَطَبَ ‏ ‏ابْنَةَ ‏ ‏أَبِي جَهْلٍ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا ‏ ‏وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏مِنِّي وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا ثُمَّ ذَكَرَ ‏ ‏صِهْرًا ‏ ‏لَهُ مِنْ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ‏ ‏فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ قَالَ حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ ‏ ‏بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ ‏ ‏أَبَدًا ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ فِي خِطْبَةِ عَلِيٍّ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي النِّكَاحِ , وَالْغَرَضُ مِنْهُ مَا دَارَ بَيْنَ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فِي أَمْرِ سَيْفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَرَادَ الْمِسْوَرُ بِذَلِكَ صِيَانَةَ سَيْفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِئَلَّا يَأْخُذَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهُ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّيْفِ الْمَذْكُورِ ذُو الْفَقَارِ الَّذِي تَنَفَّلَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَرَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ الْمِسْوَرِ لِقِصَّةِ خِطْبَةِ بِنْتِ أَبِي جَهْلٍ عِنْدَ طَلَبِهِ لِلسَّيْفِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْتَرِزُ عَمَّا يُوجِبُ وُقُوعَ التَّكْدِيرِ بَيْنَ الْأَقْرِبَاءِ , أَيْ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ تُعْطِيَنِي السَّيْفَ حَتَّى لَا يَحْصُلَ بَيْنَك وَبَيْنَ أَقْرِبَائِك كُدُورَةٌ بِسَبَبِهِ , أَوْ كَمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُرَاعِي جَانِبَ بَنِي عَمِّهِ الْعَبْشَمِيِّينَ فَأَنْتَ أَيْضًا رَاعِ جَانِبَ بَنِي عَمِّك النَّوْفَلِيِّينَ لِأَنَّ الْمِسْوَرَ نَوْفَلِيٌّ , كَذَا قَالَ , وَالْمِسْوَرُ زُهْرِيٌّ لَا نَوْفَلِيٌّ , قَالَ : أَوْ كَمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ رَفَاهِيَةَ خَاطِرِ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ فَأَنَا أَيْضًا أُحِبُّ رَفَاهِيَةَ خَاطِرِك لِكَوْنِك اِبْنَ اِبْنِهَا فَأَعْطِنِي السَّيْفَ حَتَّى أَحْفَظَهُ لَك قُلْت : وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمَا قَبْلَهُ ظَاهِرُ التَّكَلُّفِ , وَسَأَذْكُرُ إِشْكَالًا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمَنَاقِبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ‏"
    },
    {
        "id": "2880",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُنْذِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَوْ كَانَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏ذَاكِرًا ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏ذَكَرَهُ يَوْمَ جَاءَهُ نَاسٌ فَشَكَوْا ‏ ‏سُعَاةَ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فَقَالَ لِي ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏اذْهَبْ إِلَى ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فَأَخْبِرْهُ أَنَّهَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمُرْ ‏ ‏سُعَاتَكَ ‏ ‏يَعْمَلُونَ فِيهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ أَغْنِهَا عَنَّا فَأَتَيْتُ بِهَا ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ضَعْهَا حَيْثُ أَخَذْتَهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُنْذِرًا الثَّوْرِيَّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ‏ ‏قَالَ أَرْسَلَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏خُذْ هَذَا الْكِتَابَ فَاذْهَبْ بِهِ إِلَى ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فَإِنَّ فِيهِ أَمْرَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الصَّدَقَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ثِقَةٌ عَابِدٌ مَشْهُورٌ , وَهُوَ وَشَيْخُهُ مُنْذِرُ بْنُ يَعْلَى أَبُو يَعْلَى الثَّوْرِيُّ كُوفِيَّانِ قَرِينَانِ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَوْ كَانَ عَلِيٌّ ذَاكِرًا عُثْمَانَ ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ قُتَيْبَةَ \" ذَاكِرًا عُثْمَانَ بِسُوءٍ \" وَرَوَى اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ \" حَدَّثَنِي مُنْذِرٌ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ اِبْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَنَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ مِنْ عُثْمَانَ فَقَالَ : مَهْ , فَقُلْنَا لَهُ أَكَانَ أَبُوك يَسُبُّ عُثْمَانَ ؟ فَقَالَ مَا سَبَّهُ , وَلَوْ سَبَّهُ يَوْمًا لَسَبَّهُ يَوْمَ جِئْته \" فَذَكَرَهُ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( جَاءَهُ نَاسٌ فَشَكَوْا سُعَاةَ عُثْمَانَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الشَّاكِي وَلَا الْمَشْكُوِّ وَالسُّعَاةُ جَمْعُ سَاعٍ وَهُوَ الْعَامِلُ الَّذِي يَسْعَى فِي اِسْتِخْرَاجِ الصَّدَقَةِ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَيَحْمِلُهَا إِلَى الْإِمَامِ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَ لِي عَلِيٌّ : اِذْهَبْ إِلَى عُثْمَانَ فَأَخْبِرْهُ أَنَّهَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ الصَّحِيفَةَ الَّتِي أَرْسَلَ بِهَا إِلَى عُثْمَانَ مَكْتُوبٌ فِيهَا بَيَانُ مَصَارِفِ الصَّدَقَاتِ , وَقَدْ بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ \" خُذْ هَذَا الْكِتَابَ فَإِنَّ فِيهِ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّدَقَةِ \" وَفِي رِوَايَةِ اِبْنِ أَبِي شَيْبَةَ \" خُذْ كِتَابَ السُّعَاةِ فَاذْهَبْ بِهِ إِلَى عُثْمَانَ \" ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَغْنِهَا ) ‏ ‏بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ وَكَسْرِ النُّونِ أَيْ اِصْرِفْهَا تَقُولُ : أَغْنِ وَجْهَك عَنِّي أَيْ اِصْرِفْهُ , وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ : ( لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) أَيْ يَصُدُّهُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ غَيْرِهِ , وَيُقَالُ قَوْلُهُ \" اِغْنَهَا عَنَّا \" بِأَلِفِ وَصْلٍ مِنْ الثُّلَاثِيِّ وَهِيَ كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا التَّرْكُ وَالْإِعْرَاضُ , وَمِنْهُ ( وَاسْتَغْنَى اللَّهُ ) أَيْ تَرَكَهُمْ اللَّهُ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ اِسْتَغْنَى عَنْ شَيْءٍ تَرَكَهُ تَقُولُ غَنِيَ فُلَانٌ عَنْ كَذَا فَهُوَ غَانٍ بِوَزْنِ عَلِمَ فَهُوَ عَالِمٌ , وَفِي رِوَايَةِ اِبْنِ أَبِي شَيْبَةَ \" لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ \" وَقِيلَ كَانَ عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَ عُثْمَانَ فَاسْتَغْنَى عَنْ النَّظَرِ فِي الصَّحِيفَةِ , وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي \" الْجَمْعِ \" : قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَةَ : لَمْ يَجِدْ عَلِيٌّ بُدًّا حِينَ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْهُ أَنْ يُنْهِيَهُ إِلَيْهِ , وَنَرَى أَنَّ عُثْمَانَ إِنَّمَا رَدَّهُ لِأَنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا مِنْ ذَلِكَ فَاسْتَغْنَى عَنْهُ , وَيُسْتَفَادُ مِنْ الْحَدِيثِ بَذْلُ النَّصِيحَةِ لِلْأُمَرَاءِ وَكَشْفُ أَحْوَالِ مَنْ يَقَعُ مِنْهُ الْفَسَادُ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ وَلِلْإِمَامِ التَّنْقِيبُ عَنْ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ مَا طُعِنَ بِهِ عَلَى سُعَاتِهِ , أَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ وَكَانَ التَّدْبِيرُ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ الْإِنْكَارِ , أَوْ كَانَ الَّذِي أَنْكَرَهُ مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ لَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَلِذَلِكَ عَذَرَهُ عَلِيٌّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ بِسُوءٍ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَخْبَرْته فَقَالَ : ضَعْهَا حَيْثُ أَخَذْتهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْنِ أَبِي شَيْبَةَ \" ضَعْهُ مَوْضِعَهُ \" ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ فِي \" كِتَابِ النَّوَادِرِ \" لَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ , وَالْحُمَيْدِيُّ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ وَأَرَادَ بِرِوَايَتِهِ هَذِهِ بَيَانَ تَصْرِيحِ سُفْيَانَ بِالتَّحْدِيثِ , وَكَذَا التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ مِنْ مُنْذِرٍ , وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ عَلَى تَعْيِينِ مَا كَانَ فِي الصَّحِيفَةِ , لَكِنْ أَخْرَجَ الْخَطَّابِيُّ فِي \" غَرِيبِ الْحَدِيثِ \" مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ قَالَ \" بَعَثَ عَلِيٌّ إِلَى عُثْمَانَ بِصَحِيفَةٍ فِيهَا : لَا تَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ مِنْ الرَّخَّةِ وَلَا مِنْ النُّخَّةِ \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : النُّخَّةُ بِنُونٍ وَمُعْجَمَةٍ أَوَّلًا الْغَنَمُ , وَالرَّخَّةُ بِرَاءٍ وَمُعْجَمَةٍ أَيْضًا أَوْلَادُ الْإِبِلِ اِنْتَهَى وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ لَكِنَّهُ مِمَّا يُحْتَمَلُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2881",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏اشْتَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ الرَّحَى مِمَّا تَطْحَنُ فَبَلَغَهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُتِيَ بِسَبْيٍ فَأَتَتْهُ تَسْأَلُهُ خَادِمًا فَلَمْ تُوَافِقْهُ فَذَكَرَتْ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏فَجَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَتْ ذَلِكَ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏لَهُ فَأَتَانَا وَقَدْ دَخَلْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْنَا لِنَقُومَ فَقَالَ عَلَى مَكَانِكُمَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي فَقَالَ أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَاهُ ‏ ‏إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَكَبِّرَا اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمَا مِمَّا سَأَلْتُمَاهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَلِيٍّ ‏ ‏\" أَنَّ فَاطِمَةَ اِشْتَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ الرَّحَى مِمَّا تَطْحَنُ , فَبَلَغَهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِسَبْيٍ , فَأَتَتْهُ تَسْأَلُهُ خَادِمًا \" ‏ ‏فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ ‏ ‏\" أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا \" ‏ ‏فَذَكَرَ الذِّكْرَ عِنْدَ النَّوْمِ , وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَلَا الْأَرَامِلِ , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَعَادَتِهِ , وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مُطَوَّلًا وَفِيهِ \" وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكُمْ وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تُطْوَى بُطُونُهُمْ مِنْ الْجُوعِ لَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ , وَلَكِنْ أَبِيعُهُمْ وَأُنْفِقُ عَلَيْهِمْ أَثْمَانَهُمْ \" وَفِي حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ الْحَسَنِ الضَّمْرِيِّ عَنْ ضُبَاعَةَ أَوْ أُمِّ الْحَكَمِ بِنْتِ الزُّبَيْرِ قَالَتْ \" أَصَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيًا , فَذَهَبْت أَنَا وَأُخْتِي فَاطِمَةُ نَسْأَلُهُ , فَقَالَ سَبَقَكُمَا يَتَامَى بَدْرٍ \" الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَتَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ فِي الْهِبَةِ \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ فَاطِمَةَ أَنْ تُرْسِلَ السِّتْرَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ بِهِمْ حَاجَةٌ \" قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي : هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَسِّمَ الْخُمُسَ حَيْثُ يَرَى ; لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ اِسْتِحْقَاقٌ لِلْغَانِمِينَ , وَالَّذِي يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ هُوَ الْخُمُسُ , وَقَدْ مَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْنَتَهُ وَأَعَزَّ النَّاسِ عَلَيْهِ مِنْ أَقْرَبِيهِ وَصَرَفَهُ إِلَى غَيْرِهِمْ , وَقَالَ نَحْوَهُ الطَّبَرِيُّ : لَوْ كَانَ سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى قِسْمًا مَفْرُوضًا لَأَخْدَمَ اِبْنَتَهُ وَلَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ شَيْئًا اِخْتَارَهُ اللَّهُ لَهَا وَامْتَنَّ بِهِ عَلَى ذَوِي الْقُرْبَى , وَكَذَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَزَادَ : وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَخَذَا بِذَلِكَ وَقَسَمَا جَمِيعَ الْخُمُسِ وَلَمْ يَجْعَلَا لِذَوِي الْقُرْبَى مِنْهُ حَقًّا مَخْصُوصًا بِهِ بَلْ بِحَسَبِ مَا يَرَى الْإِمَامُ , وَكَذَلِكَ فَعَلَ عَلِيٌّ قُلْت : فِي الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ هَذَا نَظَرٌ , لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ الْفَيْءِ , وَأَمَّا خُمُسُ الْخُمُسِ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ اِبْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيٍّ قَالَ \" قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ رَأَيْت أَنْ تُوَلِّينِي حَقَّنَا مِنْ هَذَا الْخُمُسِ \" الْحَدِيثَ , وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ \" وَلَّانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُمُسَ الْخُمُسِ فَوَضَعْته مَوَاضِعَهُ حَيَاتَهُ \" الْحَدِيثَ , فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ قِصَّةُ فَاطِمَةَ وَقَعَتْ قَبْلَ فَرْضِ الْخُمُسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ بَعِيدٌ , لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ) الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ , وَقَدْ مَضَى قَرِيبًا أَنَّ الصَّحَابَةَ أَخْرَجُوا الْخُمُسَ مِنْ أَوَّلِ غَنِيمَةٍ غَنِمُوهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ حِصَّةَ خُمُسِ الْخُمُسِ - وَهُوَ حَقُّ ذَوِي الْقُرْبَى مِنْ الْفَيْءِ الْمَذْكُورِ - لَمْ يَبْلُغْ قَدْرَ الرَّأْسِ الَّذِي طَلَبَتْهُ فَاطِمَةُ فَكَانَ حَقُّهَا مِنْ ذَلِكَ يَسِيرًا جِدًّا , يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَوْ أَعْطَاهَا الرَّأْسَ أَثَّرَ فِي حَقِّ بَقِيَّةِ الْمُسْتَحِقِّينَ مِمَّنْ ذُكِرَ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُؤْثِرَ بَعْضَ مُسْتَحِقِّي الْخُمُسِ عَلَى بَعْضٍ , وَيُعْطِيَ الْأَوْكَدَ فَالْأَوْكَدَ وَيُسْتَفَادُ مِنْ الْحَدِيثِ حَمْلُ الْإِنْسَانِ أَهْلَهُ عَلَى مَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ نَفْسَهُ مِنْ التَّقَلُّلِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالْقُنُوعِ بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ الصَّابِرِينَ فِي الْآخِرَةِ قُلْت : وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ التَّرْجَمَةِ , وَأَمَّا مَعَ الِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرْته أَخِيرًا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ ذِكْرِ الْإِيثَارِ عَدَمُ وُقُوعِ الِاشْتِرَاكِ فِي الشَّيْءِ , فَفِي تَرْكِ الْقِسْمَةِ وَإِعْطَاءِ أَحَدِ الْمُسْتَحِقِّينَ دُونَ الْآخَرِ إِيثَارُ الْآخِذِ عَلَى الْمَمْنُوعِ , فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الِاسْتِحْقَاقِ وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ ‏"
    },
    {
        "id": "2882",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏وَمَنْصُورٍ ‏ ‏وَقَتَادَةَ ‏ ‏سَمِعُوا ‏ ‏سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وُلِدَ ‏ ‏لِرَجُلٍ ‏ ‏مِنَّا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏غُلَامٌ فَأَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏فِي حَدِيثِ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏إِنَّ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ حَمَلْتُهُ عَلَى عُنُقِي فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَفِي حَدِيثِ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏وُلِدَ لَهُ غُلَامٌ فَأَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي فَإِنِّي إِنَّمَا جُعِلْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حُصَيْنٌ ‏ ‏بُعِثْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَالِمًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏أَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ ‏ ‏الْقَاسِمَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ سُلَيْمَانَ ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَشُ , وَبَيَّنَ الْبُخَارِيُّ الِاخْتِلَافَ عَلَى شُعْبَةَ : هَلْ أَرَادَ الْأَنْصَارِيُّ أَنْ يُسَمِّيَ اِبْنَهُ مُحَمَّدًا أَوْ الْقَاسِمَ , وَأَشَارَ إِلَى تَرَجُّحِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ الْقَاسِمَ بِرِوَايَةِ سُفْيَانَ - وَهُوَ الثَّوْرِيُّ - لَهُ عَنْ الْأَعْمَشِ فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ , وَيَتَرَجَّحُ أَنَّهُ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْإِنْكَارُ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَيْهِ إِلَّا حَيْثُ لَزِمَ مِنْ تَسْمِيَةِ وَلَدِهِ الْقَاسِمَ أَنْ يَصِيرَ يُكَنَّى أَبَا الْقَاسِمِ , وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ شُعْبَةُ فِي حَدِيثِ مَنْصُورٍ إِنَّ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ : حَمَلْته عَلَى عُنُقِي ) ‏ ‏هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ عَنْ الْأَنْصَارِيِّ , بِخِلَافِ رِوَايَةِ غَيْرِهِ فَإِنَّهَا مِنْ مُسْنَدِ جَابِرٍ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ حُصَيْنٌ بُعِثْت قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ حُصَيْنٍ أَيْضًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَمْرٌو ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ مَرْزُوقٍ وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ , وَطَرِيقُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" وَكَأَنَّ شُعْبَةَ كَانَ تَارَةً يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ دُونَ بَعْضٍ وَتَارَةً يَجْمَعُهُمْ وَيَفْصِلُ أَلْفَاظَهُمْ , ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" لَا تَكْنُوا \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَلَا تَكَنَّوْا \" بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2883",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ ‏ ‏الْقَاسِمَ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏لَا نَكْنِيكَ ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏وَلَا نُنْعِمُكَ عَيْنًا ‏ ‏فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ ‏ ‏الْقَاسِمَ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏لَا نَكْنِيكَ ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏وَلَا نُنْعِمُكَ عَيْنًا ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحْسَنَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ الْأَعْمَشِ \" لَا نُكَنِّيك وَلَا نُنَعِّمْك عَيْنًا \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْجَزْمِ فِيهِمَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَمَعْنَى قَوْلِهِ \" لَا نُنَعِّمْك عَيْنًا \" لَا نُكْرِمْك وَلَا تَقَرُّ عَيْنُك بِذَلِكَ , وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ الزِّيَادَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَنْصَارِيٍّ : سَمِّ اِبْنَك عَبْدَ الرَّحْمَنِ \" ‏"
    },
    {
        "id": "2884",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا ‏ ‏يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَاللَّهُ الْمُعْطِي وَأَنَا ‏ ‏الْقَاسِمُ ‏ ‏وَلَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ , وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ ‏ ‏\" مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ صَدْرِهِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ , وَيَأْتِي شَرْحُ الْأَخِيرِ مِنْهُ فِي الِاعْتِصَامِ , وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ ‏ ‏\" وَاللَّهُ الْمُعْطِي وَأَنَا الْقَاسِمُ \" ‏ ‏وَهَذَا مُطَابِقٌ لِأَحَادِيثِ الْبَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2885",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِلَالٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ فُلَيْحٍ فِي أَوَّلِهِ \" وَاللَّهُ الْمُعْطِي \" وَالْمَعْنَى لَا أَتَصَرَّفُ فِيكُمْ بِعَطِيَّةٍ وَلَا مَنْعٍ بِرَأْيِي , وَقَوْلُهُ \" إِنَّمَا أَنَا الْقَاسِمُ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْت \" أَيْ لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ \" إِنْ أَنَا إِلَّا خَازِنٌ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2886",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي عَيَّاشٍ وَاسْمُهُ نُعْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَوْلَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ رِجَالًا ‏ ‏يَتَخَوَّضُونَ ‏ ‏فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ) ) ‏ ‏هُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ) ‏ ‏زَادَ الْمُسْتَمْلِي \" اِبْنَ أَبِي أَيُّوبَ \" ‏ ‏وَأَبُو الْأَسْوَدِ ) ‏ ‏هُوَ النَّوْفَلِيُّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ يَتِيمُ عُرْوَةَ , ‏ ‏وَالنُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ ) ‏ ‏بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُعْجَمَةِ أَنْصَارِيٌّ , وَهُوَ زُرَقِيٌّ , وَبِذَلِكَ وَصَفَهُ الدَّوْرَقِيُّ , وَاسْمُ أَبِي عَيَّاشٍ عُبَيْدٌ , وَقِيلَ زَيْدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الصَّامِتِ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ خَوْلَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِنْتِ ثَامِرٍ الْأَنْصَارِيَّةِ , وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ \" الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ , وَإِنَّ رِجَالًا \" وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ سَمِعْت خَوْلَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَكَانَتْ تَحْتَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ \" إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ , مَنْ أَصَابَهُ بِحَقِّهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ , وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ فِيمَا شَاءَتْ نَفْسُهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا النَّارُ \" قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ , وَأَبُو الْوَلِيدِ اِسْمُهُ عُبَيْدٌ قُلْت : فَرَّقَ غَيْرُ وَاحِدٍ بَيْنَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَامِرٍ وَبَيْنَ خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ , وَقِيلَ إِنَّ قَيْسَ بْنَ قَهْدٍ بِالْقَافِ لَقَبُهُ ثَامِرٌ وَبِذَلِكَ جَزَمَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ , فَعَلَى هَذَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ , وَقَوْلُهُ \" خَضِرَةٌ \" أُنِّثَ عَلَى تَأْوِيلِ الْغَنِيمَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ \" مِنْ مَالِ اللَّهِ \" وَيُحْتَمَلُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ \" خَضِرَةٌ \" أَيْ مُشْتَهَاةٌ , وَالنُّفُوسُ تَمِيلُ إِلَى ذَلِكَ وَقَوْلُهُ \" مِنْ مَالِ اللَّهِ \" مُظْهَرٌ أُقِيمَ مَقَامَ الْمُضْمَرِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي التَّخَوُّضُ فِي مَالِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي , وَقَوْلُهُ \" لَيْسَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا النَّارُ \" حُكْمٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ وَهُوَ الْخَوْضُ فِي مَالِ اللَّهِ , فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِالْغَلَبَةِ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَتَخَوَّضُونَ ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَتَيْنِ ‏ ‏( فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ) ‏ ‏أَيْ يَتَصَرَّفُونَ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِالْبَاطِلِ , وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْقِسْمَةِ وَبِغَيْرِهَا , وَبِذَلِكَ تُنَاسِبُ التَّرْجَمَةَ ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ خَوْلَةَ لِلتَّرْجَمَةِ خَفِيَّةٌ , وَيُمْكِنُ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْ قَوْلِهِ \" يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ \" أَيْ بِغَيْرِ قِسْمَةِ حَقٍّ , وَاللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا لَكِنْ خَصَّصْنَاهُ بِالْقِسْمَةِ لِتُفْهَمَ مِنْهُ التَّرْجَمَةُ قُلْت : وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى قَيْدِ الِاعْتِذَارِ لِأَنَّ قَوْلَهُ \" بِغَيْرِ \" يَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الصُّورَةُ الْمَذْكُورَةُ فَيَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى شَرْطِيَّةِ الْقِسْمَةِ فِي أَمْوَالِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ بِحُكْمِ الْعَدْلِ وَاتِّبَاعِ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِإِيرَادِهِ تَخْوِيفَ مَنْ يُخَالِفُ ذَلِكَ وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى بِهِ مُنَاسَبَةً , لَكِنْ لَا يَلْزَمُ اِطِّرَادُ ذَلِكَ , وَأَنَّ مَنْ أَخَذَ مِنْ الْغَنَائِمِ شَيْئًا بِغَيْرِ قَسْمِ الْإِمَامِ كَانَ عَاصِيًا وَفِيهِ رَدْعُ الْوُلَاةِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ الْمَالِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ أَوْ يَمْنَعُوهُ مِنْ أَهْلِهِ ‏"
    },
    {
        "id": "2887",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُصَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي ‏ ‏نَوَاصِيهَا ‏ ‏الْخَيْرُ الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ فِي الْخَيْلِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْجِهَادِ , وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ ‏ ‏\" الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ \" ‏"
    },
    {
        "id": "2888",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا هَلَكَ ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏فَلَا ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ ‏ ‏قَيْصَرُ ‏ ‏فَلَا ‏ ‏قَيْصَرَ ‏ ‏بَعْدَهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ \" إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ , وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ ‏ ‏\" لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ \" ‏ ‏وَقَدْ أُنْفِقَتْ كُنُوزُهُمَا فِي الْمَغَانِمِ ‏"
    },
    {
        "id": "2889",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَرِيرًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا هَلَكَ ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏فَلَا ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ ‏ ‏قَيْصَرُ ‏ ‏فَلَا ‏ ‏قَيْصَرَ ‏ ‏بَعْدَهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مِثْلُهُ , ‏ ‏وَإِسْحَاقُ ‏ ‏هُوَ اِبْنُ رَاهْوَيْهِ ‏ ‏وَجَرِيرٌ ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ‏ ‏وَعَبْدُ الْمَلِكِ ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عُمَيْرٍ وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ إِسْحَاقَ هَذَا مَنْسُوبًا لِأَحَدٍ مِنْ الرُّوَاةِ , لَكِنْ وَجَدْنَاهُ بَعْدَهُ فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بِهَذَا السِّيَاقِ , فَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ الْمُرَادُ ‏"
    },
    {
        "id": "2890",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَيَّارٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ الْفَقِيرُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ ‏ ‏\" أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي التَّيَمُّمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2891",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ \" تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ , وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ ‏ ‏\" مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ \" ‏ ‏. ‏"
    },
    {
        "id": "2892",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَزَا ‏ ‏نَبِيٌّ ‏ ‏مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ ‏ ‏يَبْنِيَ ‏ ‏بِهَا وَلَمَّا ‏ ‏يَبْنِ ‏ ‏بِهَا وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا وَلَا أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ ‏ ‏خَلِفَاتٍ ‏ ‏وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا فَغَزَا فَدَنَا مِنْ ‏ ‏الْقَرْيَةِ ‏ ‏صَلَاةَ الْعَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلشَّمْسِ إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ فَجَاءَتْ ‏ ‏يَعْنِي النَّارَ لِتَأْكُلَهَا فَلَمْ تَطْعَمْهَا فَقَالَ إِنَّ فِيكُمْ ‏ ‏غُلُولًا ‏ ‏فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ فَقَالَ فِيكُمْ ‏ ‏الْغُلُولُ ‏ ‏فَلْيُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ فَقَالَ فِيكُمْ ‏ ‏الْغُلُولُ ‏ ‏فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا فَجَاءَتْ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا ‏",
        "sharh": "حَدِيثُهُ فِي قِصَّةِ النَّبِيِّ الَّذِي غَزَا الْقَرْيَةَ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ اِبْنِ الْمُبَارَكِ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ , لَكِنْ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ \" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ اِبْنِ الْمُبَارَكِ أَوْ غَيْرِهِ \" وَهَذَا الشَّكُّ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَبِي نُعَيْمٍ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ أَبِي يَعْلَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ اِبْنِ الْمُبَارَكِ وَحْدَهُ بِهِ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( غَزَا نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ) ‏ ‏أَيْ أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ , وَهَذَا النَّبِيُّ هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُون كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَبَيَّنَ تَسْمِيَةَ الْقَرْيَةِ كَمَا سَيَأْتِي , وَقَدْ وَرَدَ أَصْلُهُ مِنْ طَرِيقٍ مَرْفُوعَةٍ صَحِيحَةٍ أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ \" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ لِبَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ بْنِ نُون لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ \" وَأَغْرَبَ اِبْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ فِي \" بَابِ اِسْتِئْذَانِ الرَّجُلِ الْإِمَامَ \" : فِي هَذَا الْمَعْنَى حَدِيثٌ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ فِي غَزْوَةٍ خَرَجَ إِلَيْهَا \" لَا يَتْبَعُنِي مَنْ مَلَكَ بُضْعَ اِمْرَأَةٍ وَلَمْ يَبْنِ بِهَا , أَوْ بَنَى دَارًا وَلَمْ يَسْكُنْهَا \" وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مُسْنَدًا , لَكِنْ أَخْرَجَ الْخَطِيبُ فِي \" ذَمِّ النُّجُومِ \" لَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حُذَيْفَةَ وَالْبُخَارِيّ فِي \" الْمُبْتَدَأِ \" لَهُ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ \" سَأَلَ قَوْمٌ يُوشَعَ مِنْهُ أَنْ يُطْلِعَهُمْ عَلَى بَدْءِ الْخَلْقِ وَآجَالِهِمْ , فَأَرَاهُمْ ذَلِكَ فِي مَاءٍ مِنْ غَمَامَةٍ أَمْطَرَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ , فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَعْلَمُ مَتَى يَمُوتُ , فَبَقُوا عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَاتَلَهُمْ دَاوُدُ عَلَى الْكُفْرِ , فَأَخْرَجُوا إِلَى دَاوُدَ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَكَانَ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ دَاوُدَ وَلَا يُقْتَلُ مِنْهُمْ , فَشَكَا إِلَى اللَّهِ وَدَعَاهُ فَحُبِسَتْ عَلَيْهِمْ الشَّمْسُ فَزِيدَ فِي النَّهَارِ فَاخْتَلَطَتْ الزِّيَادَةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ , فَاخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ حِسَابُهُمْ \" قُلْت : وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا , وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ أَحْمَدَ أَوْلَى , فَإِنَّ رِجَالَ إِسْنَادِهِ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ , فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لَمْ تُحْبَسْ إِلَّا لِيُوشَعَ , وَلَا يُعَارِضُهُ مَا ذَكَرَهُ اِبْنُ إِسْحَاقَ فِي \" الْمُبْتَدَأِ \" مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَمَرَ مُوسَى بِالْمَسِيرِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ تَابُوتَ يُوسُفَ فَلَمْ يُدَلَّ عَلَيْهِ حَتَّى كَادَ الْفَجْرُ أَنْ يَطْلُعَ , وَكَانَ وَعَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ , فَدَعَا رَبَّهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الطُّلُوعَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ فَفَعَلَ , لِأَنَّ الْحَصْرَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي حَقِّ يُوشَعَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَا يَنْفِي أَنْ يُحْبَسَ طُلُوعُ الْفَجْرِ لِغَيْرِهِ , وَقَدْ اِشْتَهَرَ حَبْسُ الشَّمْسِ لِيُوشَعَ حَتَّى قَالَ أَبُو تَمَّامٍ فِي قَصِيدَةٍ : ‏ ‏فَوَاللَّهِ لَا أَدْرِي أَأَحْلَامُ نَائِمٍ ‏ ‏أَلَمَّتْ بِنَا أَمْ كَانَ فِي الرَّكْبِ يُوشَعُ ‏ ‏وَلَا يُعَارِضُهُ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ يُونُسُ بْنُ بَكِيرٍ فِي زِيَادَاتِهِ فِي مَغَازِي اِبْنِ إِسْحَاقَ \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَخْبَرَ قُرَيْشًا صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ رَأَى الْعِيرَ الَّتِي لَهُمْ وَأَنَّهَا تَقْدُمُ مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ , فَدَعَا اللَّهَ فَحُبِسَتْ الشَّمْسُ حَتَّى دَخَلَتْ الْعِيرُ \" وَهَذَا مُنْقَطِعٌ , لَكِنْ وَقَعَ فِي \" الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ \" مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الشَّمْسَ فَتَأَخَّرَتْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ \" وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ , وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ الْحَصْرَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا مَضَى لِلْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تُحْبَسْ الشَّمْسُ إِلَّا لِيُوشَعَ وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أَنَّهَا تُحْبَسُ بَعْدَ ذَلِكَ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْكَبِيرِ \" وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِلِ \" عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لَمَّا نَامَ عَلَى رُكْبَةِ عَلِيٍّ فَفَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَرُدَّتْ الشَّمْسُ حَتَّى صَلَّى عَلِيٌّ ثُمَّ غَرَبَتْ , وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ وَقَدْ أَخْطَأَ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ بِإِيرَادِهِ لَهُ فِي \" الْمَوْضُوعَاتِ \" وَكَذَا اِبْنُ تَيْمِيَّةَ فِي \" كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الرَّوَافِضِ \" فِي زَعْمِ وَضْعِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا مَا حَكَى عِيَاضٌ أَنَّ الشَّمْسَ رُدَّتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ لَمَّا شُغِلُوا عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَرَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ - كَذَا قَالَ وَعَزَّاهُ لِلطَّحَاوِيِّ , وَالَّذِي رَأَيْته فِي \" مُشْكِلِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ \" مَا قَدَّمْت ذِكْرَهُ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ فَإِنْ ثَبَتَ مَا قَالَ فَهَذِهِ قِصَّةٌ ثَالِثَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَجَاءَ أَيْضًا أَنَّهَا حُبِسَتْ لِمُوسَى لَمَّا حَمَلَ تَابُوتَ يُوسُفَ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا وَجَاءَ أَيْضًا أَنَّهَا حُبِسَتْ لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَهُوَ فِيمَا ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ ثُمَّ الْبَغَوِيُّ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ \" قَالَ لِي عَلِيٌّ : مَا بَلَغَك فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ( رُدُّوهَا عَلَيَّ ) ؟ فَقُلْت : قَالَ لِي كَعْبٌ : كَانَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَرَسًا عَرَضَهَا , فَغَابَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ , فَأَمَرَ بِرَدِّهَا فَضَرَبَ سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهَا , فَسَلَبَهُ اللَّهُ مُلْكَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِأَنَّهُ ظَلَمَ الْخَيْلَ بِقَتْلِهَا , فَقَالَ عَلِيٌّ : كَذَبَ كَعْبٌ , وَإِنَّمَا أَرَادَ سُلَيْمَانُ جِهَادَ عَدُوِّهِ فَتَشَاغَلَ بِعَرْضِ الْخَيْلِ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالشَّمْسِ بِإِذْنِ اللَّهِ لَهُمْ : رُدُّوهَا عَلَيَّ , فَرَدُّوهَا عَلَيْهِ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا , وَأَنَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ لَا يَظْلِمُونَ وَلَا يَأْمُرُونَ بِالظُّلْمِ قُلْت : أَوْرَدَ هَذَا الْأَثَرَ جَمَاعَةٌ سَاكِتِينَ عَلَيْهِ جَازِمِينَ بِقَوْلِهِمْ \" قَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ قُلْت لِعَلِيٍّ \" وَهَذَا لَا يَثْبُتُ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ , وَالثَّابِتُ عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمُؤَنَّثَ فِي قَوْلِهِ : ( رُدُّوهَا ) لِلْخَيْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بُضْعَ اِمْرَأَةٍ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ الْبُضْعُ يُطْلَقُ عَلَى الْفَرْجِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْجِمَاعِ , وَالْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ لَائِقَةٌ هُنَا , وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْمَهْرِ وَعَلَى الطَّلَاقِ , وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : قَالَ اِبْنُ السِّكِّيتِ الْبُضْع النِّكَاحُ يُقَالُ مَلَكَ فُلَانٌ بُضْعَ فُلَانَةَ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا ) ‏ ‏أَيْ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا لَكِنَّ التَّعْبِيرَ بِلَمَّا يُشْعِرُ بِتَوَقُّعِ ذَلِكَ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَمَّا يَدْخُلْ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَأَبِي عَوَانَةَ وَابْنِ حِبَّانَ \" لَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ بَنَى دَارًا وَلَمْ يَسْكُنْهَا أَوْ تَزَوَّجَ اِمْرَأَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا \" وَفِي التَّقْيِيدِ بِعَدَمِ الدُّخُولِ مَا يُفْهِمُ أَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَلَا يَخْفَى فَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ , وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ رُبَّمَا اِسْتَمَرَّ تَعَلُّقُ الْقَلْبِ , لَكِنْ لَيْسَ هُوَ كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ غَالِبًا ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا ) ‏ ‏فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ \" وَلَمَّا يَرْفَعْ سَقُفُهَا \" وَهُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَالْفَاءِ لِتُوَافِقَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ , وَوَهَمَ مَنْ ضَبَطَ بِالْإِسْكَانِ وَتَكَلَّفَ فِي تَوْجِيهِ الضَّمِيرِ الْمُؤَنَّثِ لِلسُّقُفِ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَوْ خَلِفَاتٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا فَاءٌ خَفِيفَةٌ جَمْعُ خَلِفَةٍ وَهِيَ الْحَامِلُ مِنْ النُّوقِ , وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ النُّوقِ , وَ \" أَوْ \" فِي قَوْلِهِ غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ لِلتَّنْوِيعِ وَيَكُونُ قَدْ حُذِفَ وَصْفُ الْغَنَمِ بِالْحَمْلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ , أَوْ هُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ لِأَنَّ الْغَنَمَ يَقِلُّ صَبْرُهَا فَيُخْشَى عَلَيْهَا الضَّيَاعُ بِخِلَافِ النُّوقِ فَلَا يُخْشَى عَلَيْهَا إِلَّا مَعَ الْحَمْلِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ \" أَوْ \" لِلشَّكِّ أَيْ هَلْ قَالَ غَنَمًا بِغَيْرِ صِفَةٍ أَوْ خَلِفَاتٍ أَيْ بِصِفَةِ أَنَّهَا حَوَامِلُ , كَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ , وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لِلتَّنْوِيعِ , فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ \" وَلَا رَجُلٌ لَهُ غَنَمٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ خَلِفَاتٌ \" ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْوَاوِ وَهُوَ مَصْدَرُ وَلَدَ وِلَادًا وَوِلَادَةً ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَغَزَا ) ‏ ‏أَيْ بِمَنْ تَبِعَهُ مِمَّنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِتِلْكَ الصِّفَةِ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَدَنَا مِنْ الْقَرْيَةِ ) ‏ ‏هِيَ أَرِيحَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ وَمُهْمَلَةٌ مَعَ الْقَصْرِ , سَمَّاهَا الْحَاكِمُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ كَعْبٍ , وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ \" فَأَدْنَى لِلْقَرْيَةِ \" أَيْ قَرَّبَ جُيُوشَهُ لَهَا ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَ لِلشَّمْسِ إِنَّك مَأْمُورَةٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ \" فَلَقِيَ الْعَدُوَّ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ \" وَبَيَّنَ الْحَاكِمُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ كَعْبٍ سَبَبَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ \" أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى الْقَرْيَةِ وَقْتَ عَصْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ , فَكَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ وَيَدْخُلَ اللَّيْلُ \" وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ مَعْنَى قَوْلِهِ \" وَأَنَا مَأْمُورٌ \" وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَأْمُورِينَ أَنَّ أَمْرَ الْجَمَادَاتِ أَمْرُ تَسْخِيرٍ وَأَمْرَ الْعُقَلَاءِ أَمْرُ تَكْلِيفٍ , وَخِطَابُهُ لِلشَّمْسِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فِيهَا تَمْيِيزًا وَإِدْرَاكًا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْفِتَنِ فِي سُجُودِهَا تَحْتَ الْعَرْشِ وَاسْتِئْذَانِهَا مِنْ أَنْ تَطْلُعَ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ اِسْتِحْضَارِهِ فِي النَّفْسِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحَوُّلُهَا عَنْ عَادَتِهَا إِلَّا بِخَرْقِ الْعَادَةِ , وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ الشَّاعِرِ ‏ ‏شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى ‏ ‏وَمِنْ ثَمَّ قَالَ \" اللَّهُمَّ اِحْبِسْهَا \" وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ \" اللَّهُمَّ إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ وَإِنِّي مَأْمُورٌ فَاحْبِسْهَا عَلَيَّ حَتَّى تَقْضِيَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ , فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ \" ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اللَّهُمَّ اِحْبِسْهَا عَلَيْنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ \" اللَّهُمَّ اِحْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئًا \" وَهُوَ مَنْصُوبٌ نَصْبَ الْمَصْدَرِ , أَيْ قَدْرَ مَا تَنْقَضِي حَاجَتُنَا مِنْ فَتْحِ الْبَلَدِ , قَالَ عِيَاضٌ : اُخْتُلِفَ فِي حَبْسِ الشَّمْسِ هُنَا , فَقِيلَ رُدَّتْ عَلَى أَدْرَاجِهَا , وَقِيلَ وُقِفَتْ , وَقِيلَ بُطِّئَتْ حَرَكَتُهَا , وَكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ وَالثَّالِثُ أَرْجَحُ عِنْدَ اِبْنِ بَطَّالٍ وَغَيْرِهِ وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَةِ هَارُونَ بْنِ يُوسُفَ الرَّمَادِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَابِعَ عَشَرَ حُزَيْرَانَ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ النَّهَارُ فِي غَايَةِ الطُّولِ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى \" فَوَاقَعَ الْقَوْمَ فَظَفِرَ \" ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ فَجَاءَتْ يَعْنِي النَّارَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ \" فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا فَأَقْبَلَتْ النَّارُ \" زَادَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ \" وَكَانُوا إِذَا غَنِمُوا غَنِيمَةً بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا النَّارَ فَتَأْكُلُهَا \" ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَمْ تَطْعَمْهَا ) ‏ ‏أَيْ لَمْ تَذُقْ لَهَا طَعْمًا , وَهُوَ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَ إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا ) ‏ ‏هُوَ السَّرِقَةُ مِنْ الْغَنِيمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ فَلَزِقَتْ ) ‏ ‏فِيهِ حَذْفٌ يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ أَيْ فَبَايَعُوهُ فَلَزِقَتْ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى \" فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ \" وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ \" رَجُلَانِ \" بِالْجَزْمِ , قَالَ اِبْنُ الْمُنِيرِ جَعَلَ اللَّهُ عَلَامَةَ الْغُلُولِ إِلْزَاقَ يَدِ الْغَالِّ , وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهَا يَدٌ عَلَيْهَا حَقٌّ يُطْلَبُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهُ , أَوْ أَنَّهَا يَدٌ يَنْبَغِي أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهَا وَيُحْبَسَ صَاحِبُهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ الْحَقَّ إِلَى الْإِمَامِ , وَهُوَ مِنْ جِنْسِ شَهَادَةِ الْيَدِ عَلَى صَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِيكُمْ الْغُلُولُ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ \" فَقَالَا أَجَلْ غَلَلْنَا \" ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا , فَجَاءَتْ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ \" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ : إِنَّ اللَّهَ أَطْعَمَنَا الْغَنَائِمَ رَحْمَةً رُحِمْنَاهَا وَتَخْفِيفًا خَفَّفَهُ عَنَّا \" ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ \" لَمَّا رَأَى مِنْ ضَعْفِنَا \" وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ إِظْهَارَ الْعَجْزِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَوْجِبُ ثُبُوتَ الْفَضْلِ , وَفِيهِ اِخْتِصَاصُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِحِلِّ الْغَنِيمَةِ وَكَانَ اِبْتِدَاءُ ذَلِكَ مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ وَفِيهَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ) فَأَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ الْغَنِيمَةَ , وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ , وَقَدْ قَدَّمْت فِي أَوَائِلِ فَرْضِ الْخُمُسِ أَنَّ أَوَّلَ غَنِيمَةٍ خُمِّسَتْ غَنِيمَةُ السَّرِيَّةِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ , وَذَلِكَ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ , وَيُمْكِنُ الْجَمْحُ بِمَا ذَكَرَ اِبْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَ غَنِيمَةَ تِلْكَ السَّرِيَّةِ حَتَّى رَجَعَ مِنْ بَدْرٍ فَقَسَمَهَا مَعَ غَنَائِمِ بَدْرٍ قَالَ الْمُهَلَّبُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ فِتَنَ الدُّنْيَا تَدْعُو النَّفْسَ إِلَى الْهَلَعِ وَمَحَبَّةِ الْبَقَاءِ , لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ بُضْعَ اِمْرَأَةٍ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَوْ دَخَلَ بِهَا وَكَانَ عَلَى قُرْبٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ قَلْبَهُ مُتَعَلِّقٌ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا وَيَجِدُ الشَّيْطَانُ السَّبِيلَ إِلَى شَغْلِ قَلْبِهِ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الطَّاعَةِ , وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْمَرْأَةِ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا , وَهُوَ كَمَا قَالَ , لَكِنْ تَقَدَّمَ مَا يُعَكِّرُ عَلَى إِلْحَاقِهِ بِمَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ بِمَا قَبْلَهُ , وَيَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِنْ الزِّيَادَةِ \" أَوْ لَهُ حَاجَةٌ فِي الرُّجُوعِ \" وَفِيهِ أَنَّ الْأُمُورَ الْمُهِمَّةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُفَوَّضَ إِلَّا لِحَازِمٍ فَارِغِ الْبَالِ لَهَا , لِأَنَّ مَنْ لَهُ تَعَلُّقٌ رُبَّمَا ضَعُفَتْ عَزِيمَتُهُ وَقَلَّتْ رَغْبَتُهُ فِي الطَّاعَةِ , وَالْقَلْبُ إِذَا تَفَرَّقَ ضَعُفَ فِعْلُ الْجَوَارِحِ وَإِذَا اِجْتَمَعَ قَوِيَ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ مَضَى كَانُوا يَغْزُونَ وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَ أَعْدَائِهِمْ وَأَسْلَابَهُمْ , لَكِنْ لَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا بَلْ يَجْمَعُونَهَا , وَعَلَامَةُ قَبُولِ غَزْوِهِمْ ذَلِكَ أَنْ تَنْزِلَ النَّارُ مِنْ السَّمَاءِ فَتَأْكُلَهَا , وَعَلَامَةُ عَدَمِ قَبُولِهِ أَنْ لَا تَنْزِلَ وَمِنْ أَسْبَابِ عَدَمِ الْقَبُولِ أَنْ يَقَعَ فِيهِمْ الْغُلُولُ , وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ وَرَحِمَهَا لِشَرَفِ نَبِيِّهَا عِنْدَهُ فَأَحَلَّ لَهُمْ الْغَنِيمَةَ , وَسَتَرَ عَلَيْهِمْ الْغُلُولَ , فَطَوَى عَنْهُمْ فَضِيحَةَ أَمْرِ عَدَمِ الْقَبُولِ , فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى نِعَمِهِ تَتْرَى وَدَخَلَ فِي عُمُومِ أَكْلِ النَّارِ الْغَنِيمَةُ وَالسَّبْيُ , وَفِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ إِهْلَاكُ الذُّرِّيَّةِ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنْ النِّسَاءِ , وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ , وَيَلْزَم اِسْتِثْنَاؤُهُمْ مِنْ تَحْرِيمِ الْغَنَائِمِ عَلَيْهِمْ , وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُمْ كَانَتْ لَهُمْ عَبِيدٌ وَإِمَاءٌ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ السَّبْيُ لَمَا كَانَ لَهُمْ أَرِقَّاءُ وَيَشْكُلُ عَلَى الْحَصْرِ أَنَّهُ كَانَ السَّارِقُ يَسْتَرِقُ كَمَا فِي قِصَّةِ يُوسُفَ , وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ وَفِيهِ مُعَاقَبَةُ الْجَمَاعَةِ بِفِعْلِ سُفَهَائِهَا وَفِيهِ أَنَّ أَحْكَامَ الْأَنْبِيَاءِ قَدْ تَكُونُ بِحَسَبِ الْأَمْرِ الْبَاطِنِ كَمَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ , وَقَدْ تَكُونُ بِحَسَبِ الْأَمْرِ الظَّاهِرِ كَمَا فِي حَدِيثِ \" إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ \" الْحَدِيثَ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْنُ بَطَّالٍ عَلَى جَوَازِ إِحْرَاقِ أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ وَقَدْ نُسِخَ بِحِلِّ الْغَنَائِمِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ , وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ اِسْتَنْبَطَ مِنْ إِحْرَاقِ الْغَنِيمَةِ بِأَكْلِ النَّارِ جَوَازَ إِحْرَاقِ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ السَّبِيلُ إِلَى أَخْذِهَا غَنِيمَةً , وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَمْ يَرِدْ التَّصْرِيحُ بِنَسْخِهِ فَهُوَ مُحْتَمَلٌ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخُهُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ قِتَالَ آخِرِ النَّهَارِ أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِهِ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ إِنَّمَا وَقَعَ اِتِّفَاقًا كَمَا تَقَدَّمَ , نَعَمْ فِي قِصَّةِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقْرِنٍ مَعَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي قِتَالِ الْفُرْسِ التَّصْرِيحُ بِاسْتِحْبَابِ الْقِتَالِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وَتَهُبُّ الرِّيَاحُ , فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ يُغْنِي عَنْ هَذَا ‏"
    },
    {
        "id": "2893",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا ‏ ‏قَسَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا صَدَقَةُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْفَضْلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ سَنَدًا وَمَتْنًا فِي الْمُزَارَعَةِ , وَوَجْهُ أَخْذِهِ مِنْ التَّرْجَمَةِ أَنَّ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا قَدْ صَرَّحَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْأَثَرُ إِلَّا أَنَّهُ عَارَضَ عِنْدَهُ حُسْنَ النَّظَرِ لِآخِرِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَرْضِ خَاصَّةً فَوَقَفَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَضَرَبَ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ الَّذِي يَجْمَعُ مَصْلَحَتَهُمْ , وَتَأَوَّلَ قَوْلَهُ تَعَالَى ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ) الْآيَةَ , وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي \" كِتَابِ الْأَمْوَالِ \" مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضْرِبٍ عَنْ عُمَرَ \" أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقْسِمَ السَّوَادَ , فَشَاوَرَ فِي ذَلِكَ , فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : دَعْهُمْ يَكُونُوا مَادَّةً لِلْمُسْلِمِينَ , فَتَرَكَهُمْ \" وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ \" أَنَّ عُمَرَ أَرَادَ قِسْمَةَ الْأَرْضِ , فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ : إِنْ قَسَمْتهَا صَارَ الرِّيعُ الْعَظِيمُ فِي أَيْدِي الْقَوْمِ يَبْتَدِرُونَ فَيَصِيرُ إِلَى الرَّجُلِ الْوَاحِدِ أَوْ الْمَرْأَةِ , وَيَأْتِي الْقَوْمُ يَسُدُّونَ مِنْ الْإِسْلَامِ مَسَدًّا فَلَا يَجِدُونَ شَيْئًا فَانْظُرْ أَمْرًا يَسَعُ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ , فَاقْتَضَى رَأْيُ عُمَرَ تَأْخِيرَ قَسْمِ الْأَرْضِ , وَضَرَبَ الْخَرَاجَ عَلَيْهَا لِلْغَانِمِينَ وَلِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُمْ \" فَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى اِخْتِصَاصِ الْغَانِمِينَ بِهِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْجَيْشَ إِذَا فَصَلُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَدَدًا لِجَيْشٍ آخَرَ فَوَافَوْهُمْ بَعْدَ الْفَتْحِ أَنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ مَعَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ , وَاحْتَجَّ بِمَا قَسَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَشْعَرِيِّينَ لَمَّا قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرٍ مِنْ خَيْبَرَ , وَبِمَا قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْوَقْعَةَ كَعُثْمَانَ فِي بَدْرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ , فَأَمَّا قِصَّةُ الْأَشْعَرِيِّينَ فَسَيَأْتِي سِيَاقُهَا فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ , وَالْجَوَابُ عَنْهَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ , وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ مِثْلِ قِصَّةِ عُثْمَانَ فَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْهَا بِأَجْوِبَةٍ : ‏ ‏أَحَدُهَا أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ لَا بِمَنْ كَانَ مِثْلَهُ , ‏ ‏ثَانِيهَا أَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَتْ الْغَنِيمَةُ كُلُّهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ نُزُولِ ( يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ ) ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ) فَصَارَتْ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ لِلْغَانِمِينَ ‏ ‏ثَالِثُهَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ فَرْضِ الْخُمُسِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ إِعْطَاءٌ مِنْ الْخُمُسِ , وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ الْمُصَنِّفُ كَمَا سَيَأْتِي ‏ ‏رَابِعُهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَنْ كَانَ فِي حَاجَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَنْفَعَةِ الْجَيْشِ أَوْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَيُسْهَمُ لَهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ , وَهَذَا مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : لَمْ يَقْسِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ إِلَّا فِي خَيْبَرَ , فَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُجْعَلُ أَصْلًا يُقَاسُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَسَمَ لِأَصْحَابِ السَّفِينَةِ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ , وَلِذَلِكَ أَعْطَى الْأَنْصَارَ عِوَضَ مَا كَانُوا أَعْطُوا الْمُهَاجِرِينَ أَوَّلَ مَا قَدِمُوا عَلَيْهِمْ قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَطَابَ أَنْفُسَ أَهْلِ الْغَنِيمَةِ بِمَا أَعْطَى الْأَشْعَرِيِّينَ وَغَيْرَهُمْ , وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْغَنِيمَةِ الْمَنْقُولَةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُزَارَعَةِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي الْأَرْضِ الَّتِي يَمْلِكُهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً , قَالَ اِبْنُ الْمُنْذِرِ : ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ عُمَرَ اِسْتَطَابَ أَنْفُسَ الْغَانِمِينَ الَّذِينَ اِفْتَتَحُوا أَرْضَ السَّوَادِ , وَأَنَّ الْحُكْمَ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ أَنْ تُقْسَمَ كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِتَعْلِيلِ عُمَرَ بِقَوْلِهِ \" لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ \" , لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : مَعْنَاهُ لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا اِسْتَطَبْت أَنْفُسَ الْغَانِمِينَ , وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ ‏ ‏\" كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ \" ‏ ‏فَإِنَّهُ يُرِيدُ بَعْضَ خَيْبَرَ لَا جَمِيعَهَا , قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ , وَأَشَارَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَسَمَ خَيْبَرَ عَزَلَ نِصْفَهَا لِنَوَائِبِهِ وَمَا يَنْزِلُ بِهِ , وَقَسَمَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ , فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُمَّالٌ فَدَفَعُوهَا إِلَى الْيَهُودِ لِيَعْمَلُوهَا عَلَى نِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا \" الْحَدِيثَ , وَالْمُرَادُ بِالَّذِي عَزَلَهُ مَا اُفْتُتِحَ صُلْحًا , وَبِالَّذِي قَسَمَهُ مَا اُفْتُتِحَ عَنْوَةً , وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ اِبْنُ الْمُنِيرِ : تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ بِأَنَّ الْغَنِيمَةَ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ , وَأَخْرَجَ قَوْلَ عُمَرَ الْمُقْتَضِيَ لِوَقْفِ الْأَرْضِ الْمَغْنُومَةِ وَهَذَا ضِدُّ مَا تَرْجَمَ بِهِ , ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ الْمُطَابِقَ لِتَرْجَمَتِهِ قَوْلُ عُمَرَ \" كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ \" فَأَوْمَأَ الْبُخَارِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ الْقِسْمَةِ النَّاجِزَةِ , وَالْحُجَّةُ فِيهِ أَنَّ الْآتِيَ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ الْحَاضِرَةِ , بِدَلِيلِ أَنَّ الَّذِي يَغِيبُ عَنْ الْوَقْعَةِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , قُلْت : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَرَادَ التَّوْفِيقَ بَيْنَ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ الْغَنِيمَةَ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ , وَبَيْنَ مَا جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ يَرَى أَنْ تُوقَفَ الْأَرْضُ , بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى أَنَّ عُمُومَهُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الْأَرْضِ , قَالَ اِبْنُ الْمُنِيرِ : وَجْهُ اِحْتِجَاجِ عُمَرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ) أَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ فَيَحْصُلُ اِشْتِرَاكُ مَنْ ذُكِرَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالْجُمْلَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( يَقُولُونَ ) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ فَهِيَ كَالشَّرْطِ لِلِاسْتِحْقَاقِ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ فِي حَالِ الِاسْتِغْفَارِ , وَلَوْ أَعْرَبْنَاهَا اِسْتِئْنَافِيَّةً لَلَزِمَ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ يَكُونُ مُسْتَغْفِرًا لَهُمْ وَالْوَاقِعُ بِخِلَافِهِ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ , وَاخْتُلِفَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي أَبْقَاهَا عُمَرُ بِغَيْرِ قِسْمَةٍ , فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ وَقَفَهَا لِنَوَائِب الْمُسْلِمِينَ وَأَجْرَى فِيهَا الْخَرَاجَ وَمَنَعَ بَيْعَهَا وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : أَبْقَاهَا مِلْكًا لِمَنْ كَانَ بِهَا مِنْ الْكَفَرَةِ وَضَرَبَ عَلَيْهِمْ الْخَرَاجَ , وَقَدْ اِشْتَدَّ نَكِيرُ كَثِيرٍ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ , وَلِبَسْطِهَا مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2894",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَعْرَابِيٌّ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الرَّجُلُ يُقَاتِلُ ‏ ‏لِلْمَغْنَمِ ‏ ‏وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ ‏ ‏لِيُذْكَرَ ‏ ‏وَيُقَاتِلُ ‏ ‏لِيُرَى مَكَانُهُ ‏ ‏مَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ أَبِي مُوسَى \" قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ \" ‏ ‏الْحَدِيثَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَثْنَاءِ الْجِهَادِ , قَالَ اِبْنُ الْمُنِيرِ : أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ قَصْدَ الْغَنِيمَةِ لَا يَكُونُ مُنَافِيًا لِلْأَجْرِ وَلَا مُنْقِصًا إِذَا قَصَدَ مَعَهُ إِعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ , لِأَنَّ السَّبَبَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْحَصْرَ , وَلِهَذَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ الْوَاحِدُ بِأَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ , وَلَوْ كَانَ قَصْدُ الْغَنِيمَةِ يُنَافِي قَصْدَ الْإِعْلَاءِ لَمَا جَاءَ الْجَوَابُ عَامًّا وَلَقَالَ مَثَلًا : مَنْ قَاتَلَ لِلْمَغْنَمِ فَلَيْسَ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قُلْت : وَمَا اِدَّعَى أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بُعْدٌ , وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ النَّقْصَ مِنْ الْأَجْرِ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ كَمَا تَقَدَّمَ تَحْرِيرُ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ , فَلَيْسَ مَنْ قَصَدَ إِعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ مَحْضًا فِي الْأَجْرِ مِثْلَ مَنْ ضَمَّ إِلَى هَذَا الْقَصْدِ قَصْدًا آخَرَ مِنْ غَنِيمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَقَالَ اِبْنُ الْمُنِيرِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ قَاتَلَ لِلْمَغْنَمِ - يَعْنِي خَاصَّةً - فَلَيْسَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهَذَا لَا أَجْرَ لَهُ أَلْبَتَّةَ , فَكَيْفَ يُتَرْجِمُ لَهُ بِنَقْصِ الْأَجْرِ ؟ وَجَوَابُهُ مَا قَدَّمْته. ‏"
    },
    {
        "id": "2895",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُهْدِيَتْ لَهُ ‏ ‏أَقْبِيَةٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏دِيبَاجٍ ‏ ‏مُزَرَّرَةٌ بِالذَّهَبِ فَقَسَمَهَا فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا ‏ ‏لِمَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ ‏ ‏فَجَاءَ وَمَعَهُ ابْنُهُ ‏ ‏الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ‏ ‏فَقَامَ عَلَى الْبَاب فَقَالَ ادْعُهُ لِي فَسَمِعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَوْتَهُ فَأَخَذَ ‏ ‏قَبَاءً ‏ ‏فَتَلَقَّاهُ بِهِ وَاسْتَقْبَلَهُ بِأَزْرَارِهِ فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا الْمِسْوَرِ ‏ ‏خَبَأْتُ هَذَا لَكَ يَا ‏ ‏أَبَا الْمِسْوَرِ ‏ ‏خَبَأْتُ هَذَا لَكَ ‏ ‏وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شِدَّةٌ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏ابْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ‏ ‏قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَقْبِيَةٌ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُرْسَلٌ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ عَنْ اِبْنِ أَبِي مُلَيْكَة عَنْ الْمِسْوَرِ , وَهُوَ وَهْمٌ , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ فِي آخِرِهِ \" رَوَاهُ اِبْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ \" أَيْ مِثْلَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى , قَالَ وَقَالَ حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ اِبْنِ أَبِي مُلَيْكَة عَنْ الْمِسْوَرِ , وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ عَنْ اِبْنِ أَبِي مُلَيْكَة \" فَاتَّفَقَ اِثْنَانِ عَنْ أَيُّوبَ عَلَى إِرْسَالِهِ وَوَصَلَهُ ثَالِثٌ عَنْ أَيُّوبَ , وَوَافَقَهُ الْآخَرُ عَنْ شَيْخِهِمْ , وَاعْتَمَدَ الْبُخَارِيُّ الْمَوْصُولَ لِحِفْظِ مَنْ وَصَلَهُ , وَرِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ تَأْتِي مَوْصُولَةً فِي الْأَدَبِ , وَرِوَايَةُ حَاتِمِ بْنِ وَرْدَانَ تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَةً فِي الشَّهَادَاتِ , وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَةً فِي الْهِبَةِ وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُهْدِيَتْ لَهُ أَقْبِيَةٌ \" وَقَوْلُهُ فِيهِ \" خَبَّأْت لَك هَذَا \" وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ , قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : مَا أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَحَلَالٌ لَهُ أَخْذُهُ لِأَنَّهُ فَيْءٌ , وَلَهُ أَنْ يَهَبَ مِنْهُ مَا شَاءَ وَيُؤْثِرَ بِهِ مَنْ شَاءَ كَالْفَيْءِ , وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُهْدِيَ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَمِيرَهُمْ , وَقَدْ مَضَى مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2896",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏النَّخَلَاتِ حَتَّى افْتَتَحَ ‏ ‏قُرَيْظَةَ ‏ ‏وَالنَّضِيرَ ‏ ‏فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ أَنَسٍ \" كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّخَلَاتِ حَتَّى اِفْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ \" ‏ ‏وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي بِتَمَامِهِ مَعَ بَيَانِ الْكَيْفِيَّةِ الْمُتَرْجَمِ بِهَا فِي الْمَغَازِي , وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ الْهِبَةِ. وَمُحَصَّلُ الْقِصَّةِ أَنَّ أَرْضَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَكَانَتْ لَهُ خَالِصَةً , لَكِنَّهُ آثَرَ بِهَا الْمُهَاجِرِينَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُعِيدُوا إِلَى الْأَنْصَارِ مَا كَانُوا وَاسُوهُمْ بِهِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِمْ الْمَدِينَةَ وَلَا شَيْءَ لَهُمْ , فَاسْتَغْنَى الْفَرِيقَانِ جَمِيعًا بِذَلِكَ , ثُمَّ فُتِحَتْ قُرَيْظَةُ لَمَّا نَقَضُوا الْعَهْدَ فَحُوصِرُوا فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَقَسَمَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَصْحَابِهِ وَأَعْطَى مِنْ نَصِيبِهِ فِي نَوَائِبِهِ - أَيْ فِي نَفَقَاتِ أَهْلِهِ وَمَنْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ - وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ عُمَرَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مُخْتَصَرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2897",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏أَحَدَّثَكُمْ ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا وَقَفَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏يَوْمَ الْجَمَلِ دَعَانِي فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ يَا بُنَيِّ إِنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلَّا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ وَإِنِّي لَا ‏ ‏أُرَانِي إِلَّا سَأُقْتَلُ الْيَوْمَ مَظْلُومًا وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي أَفَتُرَى يُبْقِي دَيْنُنَا مِنْ مَالِنَا شَيْئًا فَقَالَ يَا بُنَيِّ بِعْ مَالَنَا فَاقْضِ دَيْنِي وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ وَثُلُثِهِ لِبَنِيهِ ‏ ‏يَعْنِي بَنِي ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏يَقُولُ ثُلُثُ الثُّلُثِ ‏ ‏فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا فَضْلٌ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَثُلُثُهُ لِوَلَدِكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏وَكَانَ بَعْضُ وَلَدِ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَدْ وَازَى بَعْضَ ‏ ‏بَنِي الزُّبَيْرِ ‏ ‏خُبَيْبٌ ‏ ‏وَعَبَّادٌ ‏ ‏وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ بَنِينَ وَتِسْعُ بَنَاتٍ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ وَيَقُولُ يَا بُنَيِّ إِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ فِي شَيْءٍ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلَايَ قَالَ فَوَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ يَا أَبَةِ مَنْ مَوْلَاكَ قَالَ اللَّهُ قَالَ فَوَاللَّهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلَّا قُلْتُ يَا مَوْلَى ‏ ‏الزُّبَيْرِ ‏ ‏اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ فَيَقْضِيهِ فَقُتِلَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَلَمْ يَدَعْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِلَّا أَرَضِينَ مِنْهَا ‏ ‏الْغَابَةُ ‏ ‏وَإِحْدَى عَشْرَةَ دَارًا ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏وَدَارَيْنِ ‏ ‏بِالْبَصْرَةِ ‏ ‏وَدَارًا ‏ ‏بِالْكُوفَةِ ‏ ‏وَدَارًا ‏ ‏بِمِصْرَ ‏ ‏قَالَ وَإِنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الَّذِي عَلَيْهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِ بِالْمَالِ فَيَسْتَوْدِعُهُ إِيَّاهُ فَيَقُولُ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏لَا وَلَكِنَّهُ سَلَفٌ فَإِنِّي ‏ ‏أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ وَمَا وَلِيَ إِمَارَةً قَطُّ وَلَا جِبَايَةَ خَرَاجٍ وَلَا شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي غَزْوَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ مَعَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏وَعُثْمَانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَحَسَبْتُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَوَجَدْتُهُ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ قَالَ فَلَقِيَ ‏ ‏حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي كَمْ عَلَى أَخِي مِنْ الدَّيْنِ فَكَتَمَهُ فَقَالَ مِائَةُ أَلْفٍ فَقَالَ ‏ ‏حَكِيمٌ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا أُرَى أَمْوَالَكُمْ تَسَعُ لِهَذِهِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَفَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَتْ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ قَالَ مَا أُرَاكُمْ تُطِيقُونَ هَذَا فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِينُوا بِي قَالَ وَكَانَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏اشْتَرَى ‏ ‏الْغَابَةَ ‏ ‏بِسَبْعِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ فَبَاعَهَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّ مِائَةِ أَلْفٍ ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى ‏ ‏الزُّبَيْرِ ‏ ‏حَقٌّ فَلْيُوَافِنَا ‏ ‏بِالْغَابَةِ ‏ ‏فَأَتَاهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏وَكَانَ لَهُ عَلَى ‏ ‏الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَرْبَعُ مِائَةِ أَلْفٍ فَقَالَ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏إِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكُمْ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏لَا قَالَ فَإِنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُمُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إِنْ أَخَّرْتُمْ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏لَا قَالَ قَالَ فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةً فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏لَكَ مِنْ هَاهُنَا إِلَى هَاهُنَا قَالَ فَبَاعَ مِنْهَا فَقَضَى دَيْنَهُ فَأَوْفَاهُ وَبَقِيَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ فَقَدِمَ عَلَى ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏وَعِنْدَهُ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَابْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏كَمْ قُوِّمَتْ ‏ ‏الْغَابَةُ ‏ ‏قَالَ كُلُّ سَهْمٍ مِائَةَ أَلْفٍ قَالَ كَمْ بَقِيَ قَالَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ قَالَ ‏ ‏الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ قَالَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ فَقَالَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏كَمْ بَقِيَ فَقَالَ سَهْمٌ وَنِصْفٌ قَالَ قَدْ أَخَذْتُهُ بِخَمْسِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ قَالَ وَبَاعَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏نَصِيبَهُ مِنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏بِسِتِّ مِائَةِ أَلْفٍ فَلَمَّا فَرَغَ ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ قَالَ ‏ ‏بَنُو الزُّبَيْرِ ‏ ‏اقْسِمْ بَيْنَنَا مِيرَاثَنَا قَالَ لَا وَاللَّهِ لَا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ حَتَّى أُنَادِيَ بِالْمَوْسِمِ أَرْبَعَ سِنِينَ أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى ‏ ‏الزُّبَيْرِ ‏ ‏دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَلْنَقْضِهِ قَالَ فَجَعَلَ كُلَّ سَنَةٍ يُنَادِي بِالْمَوْسِمِ فَلَمَّا مَضَى أَرْبَعُ سِنِينَ قَسَمَ بَيْنَهُمْ قَالَ فَكَانَ ‏ ‏لِلزُّبَيْرِ ‏ ‏أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَرَفَعَ الثُّلُثَ فَأَصَابَ كُلَّ امْرَأَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ فَجَمِيعُ مَالِهِ خَمْسُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الْجَمَلِ ) ‏ ‏يُرِيدُ الْوَقْعَةَ الْمَشْهُورَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمَنْ مَعَهُ وَبَيْنَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَمَنْ مَعَهَا وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ الزُّبَيْرُ , وَنُسِبَتْ الْوَقْعَةُ إِلَى الْجَمَلِ لِأَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ الصَّحَابِيَّ الْمَشْهُورَ كَانَ مَعَهُمْ فَأَرْكَبَ عَائِشَةَ عَلَى جَمَلٍ عَظِيمٍ اِشْتَرَاهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ - وَقِيلَ ثَمَانِينَ وَقِيلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ - فَوَقَفَتْ بِهِ فِي الصَّفِّ , فَلَمْ يَزَلْ الَّذِينَ مَعَهَا يُقَاتِلُونَ حَوْلَ الْجَمَلِ حَتَّى عُقِرَ الْجَمَلُ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ الْهَزِيمَةُ , هَذَا مُلَخَّصُ الْقِصَّةِ , وَسَيَأْتِي الْإِلْمَامُ بِشَيْءٍ مِنْ سَبَبِهَا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى : وَكَانَ ذَلِكَ فِي جُمَادَى الْأُولَى أَوْ الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( لَا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلَّا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ ) ‏ ‏قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : مَعْنَاهُ ظَالِمٌ عِنْدَ خَصْمِهِ مَظْلُومٌ عِنْدَ نَفْسِهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ كَانَ يَتَأَوَّلُ أَنَّهُ عَلَى الصَّوَابِ , وَقَالَ اِبْنُ التِّينِ : مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ إِمَّا صَحَابِيٌّ مُتَأَوِّلٌ فَهُوَ مَظْلُومٌ وَإِمَّا غَيْرُ صَحَابِيٍّ قَاتَلَ لِأَجْلِ الدُّنْيَا فَهُوَ ظَالِمٌ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : إِنْ قِيلَ جَمِيعُ الْحُرُوبِ كَذَلِكَ فَالْجَوَابُ أَنَّهَا أَوَّلُ حَرْبٍ وَقَعَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. قُلْت : وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ \" أَوْ \" لِلشَّكِّ مِنْ الرَّاوِي , وَأَنَّ الزُّبَيْرَ إِنَّمَا قَالَ أَحَدَ اللَّفْظَيْنِ , أَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَالْمَعْنَى لَا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلَّا ظَالِمٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ يُعَجِّلُ لِلظَّالِمِ مِنْهُمْ الْعُقُوبَةَ , أَوْ لَا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلَّا مَظْلُومٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ يُعَجِّلُ لَهُ الشَّهَادَةَ , وَظَنَّ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ أَنَّهُ يُقْتَلُ مَظْلُومًا إِمَّا لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ كَانَ مُصِيبًا وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا سَمِعَ عَلِيٌّ وَهُوَ قَوْلُهُ لَمَّا جَاءَهُ قَاتِلُ الزُّبَيْرِ \" بَشِّرْ قَاتِلَ اِبْنِ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ \" وَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ , وَوَقَعَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُخْتَصَرًا قَالَ \" وَاللَّهِ لَئِنْ قُتِلْت لَأُقْتَلَن مَظْلُومًا , وَاللَّهِ مَا فَعَلْت وَمَا فَعَلْت \" يَعْنِي شَيْئًا مِنْ الْمَعَاصِي. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَإِنِّي لَا أُرَانِي ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مِنْ الظَّنِّ , وَيَجُوزُ فَتْحُهَا بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ , وَظَنُّهُ أَنَّهُ سَيُقْتَلُ مَظْلُومًا قَدْ تَحَقَّقَ لِأَنَّهُ قُتِلَ غَدْرًا بَعْدَ أَنْ ذَكَرَهُ عَلِيٌّ فَانْصَرَفَ عَنْ الْقِتَالِ فَنَامَ بِمَكَانٍ فَفَتَكَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُسَمَّى عَمْرَو بْنَ جُرْمُوزٍ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ زَايٌ , فَرَوَى اِبْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ \" إِنَّا لَمَعَ عَلِيٍّ لَمَّا اِلْتَقَى الصَّفَّانِ فَقَالَ : أَيْنَ الزُّبَيْرُ ؟ فَجَاءَ الزُّبَيْرُ , فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى يَدِ عَلِيٍّ يُشِيرُ بِهَا إِذْ وَلَّى الزُّبَيْرُ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْقِتَالُ \" وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّ عَلِيًّا ذَكَّرَ الزُّبَيْرَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ لَتُقَاتِلَن عَلِيًّا وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ , فَرَجَعَ لِذَلِكَ. وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ وَخَلِيفَةُ فِي تَارِيخِهِمَا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ جَاوَانَ بِالْجِيمِ قَالَ : فَانْطَلَقَ الزُّبَيْرُ مُنْصَرِفًا فَقَتَلَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ بِوَادِي السِّبَاعِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ عَثَّامٍ \" اُنْظُرْ يَا بُنَيَّ دَيْنِي , فَإِنِّي لَا أَدَعُ شَيْئًا أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْهُ \" ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ ) ‏ ‏أَيْ ثُلُثِ مَالِهِ ‏ ‏( وَثُلُثِهِ ) ‏ ‏أَيْ ثُلُثِ الثُّلُثِ , وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْخَبَرِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا فَضْلٌ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَثُلُثُهُ لِوَلَدِك ) ‏ ‏قَالَ الْمُهَلَّبُ : مَعْنَاهُ ثُلُثُ ذَلِكَ الْفَضْلِ الَّذِي أَوْصَى بِهِ مِنْ الثُّلُثِ لِبَنِيهِ , كَذَا قَالَ , وَهُوَ كَلَامٌ مَعْرُوفٌ مِنْ خَارِجٍ لَكِنَّهُ لَا يُوَضِّحُ اللَّفْظَ الْوَارِدَ , وَضَبَطَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ \" فَثَلِّثْهُ لِوَلَدِك \" بِتَشْدِيدِ اللَّامِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنْ التَّثْلِيثِ وَهُوَ أَقْرَبُ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( قَالَ هِشَامٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عُرْوَةَ رَاوِي الْخَبَرَ , وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَكَانَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ ) ‏ ‏أَيْ اِبْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏( قَدْ وَازَى ) ‏ ‏بِالزَّايِ أَيْ سَاوَى , وَفِيهِ اِسْتِعْمَالُ وَازَى بِالْوَاوِ خِلَافًا لِلْجَوْهَرِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ يُقَالُ آزَى بِالْهَمْزِ وَلَا يُقَالُ وَازَى وَالْمُرَادُ أَنَّهُ سَاوَاهُمْ فِي السِّنِّ. قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَاوَى بَنُو عَبْدِ اللَّهِ فِي أَنْصِبَائِهِمْ مِنْ الْوَصِيَّةِ أَوْلَادَ الزُّبَيْرِ فِي أَنْصِبَائِهِمْ مِنْ الْمِيرَاثِ , قَالَ : \" وَهَذَا أَوْلَى \" وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ كَثْرَةِ أَوْلَادِ الزُّبَيْرِ مَعْنًى. قُلْت : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَظْهَرْ مِقْدَارُ الْمَالِ الْمَوْرُوثِ وَلَا الْمُوصَى بِهِ , وَأَمَّا قَوْلُهُ \" لَا يَكُونُ لَهُ مَعْنًى \" فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إِنَّمَا خَصَّ أَوْلَادَ عَبْدِ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِمْ لِأَنَّهُمْ كَبِرُوا وَتَأَهَّلُوا حَتَّى سَاوَوْا أَعْمَامَهُمْ فِي ذَلِكَ , فَجَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا مِنْ الْمَالِ لِيَتَوَفَّرَ عَلَى أَبِيهِمْ حِصَّتُهُ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" خُبَيْب \" ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَتَيْنِ مُصَغَّرٌ وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَبِهِ كَانَ يُكَنِّيهِ مَنْ لَا يُرِيدُ تَعْظِيمَهُ لِأَنَّهُ كُنِّيَ فِي الْأَوَّلِ بِكُنْيَةِ جَدِّهِ لِأُمِّهِ أَبِي بَكْرٍ , ) ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" خُبَيْبٌ وَعَبَّادٌ \" ‏ ‏بِالرَّفْعِ أَيْ هُمْ خُبَيْبٌ وَعَبَّاد وَغَيْرُهُمَا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا كَالْمِثَالِ وَإِلَّا فَفِي أَوْلَادِهِ أَيْضًا مَنْ سَاوَى بَعْضَ وَلَدِ الزُّبَيْرِ فِي السِّنِّ , وَيَجُوزُ جَرُّهُ عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لِلْبَعْضِ ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" وَلَهُ \" ‏ ‏أَيْ لِلزُّبَيْرِ وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَجَعَلَهُ ضَمِيرًا لِعَبْدِ اللَّهِ فَلَا يُغْتَرُّ بِهِ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" تِسْعَةُ بَنِينَ وَتِسْعُ بَنَاتٍ \" ‏ ‏فَأَمَّا أَوْلَادُ عَبْدِ اللَّهِ إِذْ ذَاكَ فَهُمْ خُبَيْبٌ وَعَبَّاد وَقَدْ ذُكِرَا , وَهَاشِمٌ وَثَابِتٌ , وَأَمَّا سَائِرُ وَلَدِهِ فَوُلِدُوا بَعْدَ ذَلِكَ , وَأَمَّا أَوْلَادُ الزُّبَيْرِ فَالتِّسْعَةُ الذُّكُورُ هُمْ عَبْدُ اللَّهِ وَعُرْوَةُ وَالْمُنْذِرُ أُمُّهُمْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ , وَعُمَرُ وَخَالِدٌ أُمُّهُمَا أُمُّ خَالِدٍ بِنْتُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ , وَمُصْعَبٌ وَحَمْزَةُ أُمُّهُمَا الرَّبَابُ بِنْتُ أَنِيفٍ , وَعُبَيْدَةُ وَجَعْفَرٌ أُمُّهُمَا زَيْنَبُ بِنْتُ بِشْرٍ , وَسَائِرُ وَلَدِ الزُّبَيْرِ غَيْرِ هَؤُلَاءِ مَاتُوا قَبْلَهُ وَالتِّسْعُ الْإِنَاثُ هُنَّ خَدِيجَةُ الْكُبْرَى وَأُمُّ الْحَسَنِ وَعَائِشَةُ أُمُّهُنَّ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ , وَحَبِيبَةُ وَسَوْدَةُ وَهِنْدٌ أُمُّهُنَّ أُمُّ خَالِدٍ , وَرَمْلَةُ أُمُّهَا الرَّبَابُ , وَحَفْصَةُ أُمُّهَا زَيْنَبُ , وَزَيْنَبُ أُمُّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( إِلَّا أَرْضِينَ مِنْهَا الْغَابَةُ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَصَوَابُهُ \" مِنْهُمَا \" بِالتَّثْنِيَةِ. وَالْغَابَةُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ أَرْضٌ عَظِيمَةٌ شَهِيرَةٌ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَدَارًا بِمِصْرَ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مِصْرَ فُتِحَتْ صُلْحًا , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِنَا فُتِحَتْ عَنْوَةً اِمْتِنَاعُ بِنَاءِ أَحَدِ الْغَانِمِينَ وَلَا غَيْرِهِمْ فِيهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ ( لَا وَلَكِنَّهُ سَلَفٌ ) ‏ ‏أَيْ مَا كَانَ يَقْبِضُ مِنْ أَحَدٍ وَدِيعَةً إِلَّا إِنْ رَضِيَ صَاحِبُهَا أَنْ يَجْعَلَهَا فِي ذِمَّتِهِ , وَكَانَ غَرَضُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْشَى عَلَى الْمَالِ أَنْ يُضَيَّعَ فَيُظَنَّ بِهِ التَّقْصِيرُ فِي حِفْظِهِ فَرَأَى أَنْ يَجْعَلَهُ مَضْمُونًا فَيَكُونُ أَوْثَقَ لِصَاحِبِ الْمَالِ وَأَبْقَى لِمُرُوءَتِهِ. زَادَ اِبْنُ بَطَّالٍ : وَلِيَطِيبَ لَهُ رِبْحُ ذَلِكَ الْمَالِ. قُلْت : وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ كُلًّا مِنْ عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَمُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ وَأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَالْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو أَوْصَى إِلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَمَا وَلِيَ إِمَارَةً قَطُّ إِلَخْ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ كَثْرَةَ مَالِهِ مَا حَصَلَتْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِظَنِّ السَّوْءِ بِأَصْحَابِهَا. بَلْ كَانَ كَسْبُهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَنَحْوِهَا. وَقَدْ رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ لَهُ أَلْفُ مَمْلُوكٍ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِ الْخَرَاجَ , وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ مِثْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ) ‏ ‏هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. وَ ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَحَسَبْت ) ‏ ‏بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ الْحِسَابِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَلَقِيَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ , وَعَبْدَ اللَّهِ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ. قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : إِنَّمَا قَالَ لَهُ مِائَةُ أَلْفٍ وَكَتَمَ الْبَاقِيَ لِئَلَّا يَسْتَعْظِمَ حَكِيمٌ مَا اِسْتَدَانَ بِهِ الزُّبَيْرُ فَيَظُنُّ بِهِ عَدَمَ الْحَزْمِ وَبِعَبْدِ اللَّهِ عَدَمَ الْوَفَاءِ بِذَلِكَ فَيَنْظُرُ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ , فَلَمَّا اِسْتَعْظَمَ حَكِيمٌ أَمْرَ مِائَةِ أَلْفٍ اِحْتَاجَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ الْجَمِيعَ وَيُعَرِّفَهُ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى وَفَائِهِ , وَكَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ اِبْنَ عَمِّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : لَيْسَ فِي قَوْلِهِ مِائَةُ أَلْفٍ وَكِتْمَانِهِ الزَّائِدَ كَذِبٌ , لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِبَعْضِ مَا عَلَيْهِ وَهُوَ صَادِقٌ قُلْت : لَكِنْ مَنْ يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ الْعَدَدِ يَرَاهُ إِخْبَارًا بِغَيْرِ الْوَاقِعِ , وَلِهَذَا قَالَ اِبْنُ التِّينِ فِي قَوْلِهِ \" فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاسْتَعِينُوا بِي \" مَعَ قَوْلِهِ فِي الْأَوَّلِ \" مَا أَرَاكُمْ تُطِيقُونَ هَذَا \" بَعْضُ التَّجَوُّزِ , وَكَذَا فِي كِتْمَانِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مَا كَانَ عَلَى أَبِيهِ , وَقَدْ رَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ بَذَلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِائَةَ أَلْفٍ إِعَانَةً لَهُ عَلَى وَفَاءِ دَيْنِ أَبِيهِ فَامْتَنَعَ , فَبَذَلَ لَهُ مِائَتَيْ أَلْفٍ فَامْتَنَعَ إِلَى أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ ثُمَّ قَالَ : لَمْ أُرِدْ مِنْك هَذَا , وَلَكِنْ تَنْطَلِقُ مَعِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ. فَانْطَلَقَ مَعَهُ وَبِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَسْتَشْفِعُ بِهِمْ عَلَيْهِ , فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ , قَالَ : أَجِئْت بِهَؤُلَاءِ تَسْتَشْفِعُ بِهِمْ عَلَيَّ ؟ هِيَ لَك. قَالَ : لَا أُرِيدُ ذَلِكَ. قَالَ فَأَعْطِنِي بِهَا نَعْلَيْك هَاتَيْنِ أَوْ نَحْوَهَا , قَالَ : لَا أُرِيدُ. قَالَ فَهِيَ عَلَيْك إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : فَحُكْمُك. قَالَ : أُعْطِيَك بِهَا أَرْضًا. فَقَالَ نَعَمْ. فَأَعْطَاهُ. قَالَ فَرَغِبَ مُعَاوِيَةُ فِيهَا فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَكَانَ الزُّبَيْرُ اِشْتَرَى الْغَابَةَ بِسَبْعِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ فَبَاعَهَا عَبْدُ اللَّهِ ) ‏ ‏أَيْ اِبْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏( بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ ) ‏ ‏كَأَنَّهُ قَسَمَهَا سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمُعَاوِيَةَ إِنَّهَا قُوِّمَتْ كُلُّ سَهْمٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ) ) ‏ ‏أَيْ اِبْنُ أَبِي طَالِبٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ) ‏ ‏أَيْ اِبْنُ الزُّبَيْرِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَبَاعَ مِنْهَا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْغَابَةِ وَالدُّورِ لَا مِنْ الْغَابَةِ وَحْدَهَا لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ الدَّيْنَ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ وَأَنَّهُ بَاعَ الْغَابَةَ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ , وَقَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ بَاعَ نَصِيبَ الزُّبَيْرِ مِنْ الْغَابَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فِي دَيْنِهِ , فَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي تَرْجَمَةِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَنْ عَمِّهِ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ \" سَمِعْت أَبِي يَقُولُ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قُتِلَ أَبِي وَتَرَكَ دَيْنًا كَثِيرًا , فَأَتَيْت حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَسْتَعِينُ بِرَأْيِهِ وَأَسْتَشِيرُهُ فَذَكَرَ قِصَّةً وَفِيهَا : فَقَالَ اِبْنُ أَخِي ذَكَرْت دَيْنَ أَبِيك فَإِنْ كَانَ تَرَكَ مِائَةَ أَلْفٍ فَنِصْفُهَا عَلَيَّ , قُلْت أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ , إِلَى أَنْ قَالَ : لِلَّهِ أَنْتَ ! كَمْ تَرَكَ أَبُوك ؟ قَالَ فَذَكَرْت لَهُ أَنَّهُ تَرَكَ أَلْفَيْ أَلْفٍ قَالَ : مَا أَرَادَ أَبُوك إِلَّا أَنْ يَدَعَنَا عَالَةً. قُلْت فَإِنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً وَإِنَّمَا جِئْت أَسْتَشِيرُك فِيهَا بِسَبْعِمِائَةِ أَلْفٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَلَهُ شِرْكٌ فِي الْغَابَةِ , فَقَالَ : اِذْهَبْ فَقَاسِمْهُ فَإِنْ سَأَلَك الْبَيْعَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَلَا تَبِعْهُ ثُمَّ أَعْرِضْ عَلَيْهِ فَإِنْ رَغِبَ فَبِعْهُ , قَالَ فَجِئْت فَجَعَلَ أَمْرَ الْقِسْمَةِ إِلَيَّ فَقَسَمْتهَا وَقُلْت : اِشْتَرِ مِنِّي إِنْ شِئْت , فَقَالَ : قَدْ كَانَ لِي دَيْنٌ وَقَدْ أَخَذْتهَا مِنْك بِهِ , قَالَ قُلْت : هِيَ لَك , فَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ فَاشْتَرَاهَا كُلَّهَا مِنْهُ بِأَلْفَيْ أَلْفٍ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِإِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْمُعْظَمِ , فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ بَقِيَ مِنْهَا بِغَيْرِ بَيْعٍ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا فَيَكُونُ الْحَاصِلُ مِنْ ثَمَنِهَا إِذْ ذَاكَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَةَ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا خَاصَّةً فَيَبْقَى مِنْ الدَّيْنِ أَلْفُ أَلْفٍ وَخَمْسُونَ أَلْفًا , وَكَأَنَّهُ بَاعَ بِهَا شَيْئًا مِنْ الدُّورِ , وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ \" تُوُفِّيَ الزُّبَيْرُ وَتَرَكَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ أَلْفَيْ أَلْفٍ فَضَمِنَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَأَدَّاهَا , وَلَمْ تَقَعْ فِي التَّرِكَةِ دَارُهُ الَّتِي بِمَكَّةَ وَلَا الَّتِي بِالْكُوفَةِ وَلَا الَّتِي بِمِصْرَ \" هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا \" فَأَفَادَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ دَارٌ بِمَكَّةَ وَلَمْ يَقَعْ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا أَوَّلْته , لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ وَدَارَانِ بِالْبَصْرَةِ غَيْرَ مَا ذُكِرَ وَرَوَى أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجِ فِي تَارِيخِهِ \" حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي السَّفَرِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ - يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ مَكَّةَ فَاسْتَقَرَّ عِنْدَهُ أَيْ ثَبَتَ قَتْلُ الزُّبَيْرِ نَظَرَ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَجَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فَقَالَ : إِنَّهُ كَانَ لِي عَلَى أَخِي شَيْءٌ وَلَا أَحْسِبُهُ تَرَكَ بِهِ وَفَاءً أَفَتُحِبُّ أَنْ أَجْعَلَهُ فِي حِلٍّ ؟ فَقَالَ لَهُ اِبْنُ الزُّبَيْرِ : وَكَمْ هُوَ ؟ قَالَ : أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ قَالَ : فَإِنَّهُ تَرَكَ بِهَا وَفَاءً بِحَمْدِ اللَّهِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ ) ‏ ‏أَيْ فِي خِلَافَتِهِ , وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ أَخَّرَ الْقِسْمَةَ أَرْبَعَ سِنِينَ اِسْتِبْرَاءً لِلدَّيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فَيَكُونُ آخِرُ الْأَرْبَعِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى مُعَاوِيَةَ , فَلَعَلَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْغَابَةِ كَانَ اِبْنُ الزُّبَيْرِ أَخَذَهُ مِنْ حِصَّتِهِ أَوْ مِنْ نَصِيبِ أَوْلَادِهِ , وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ دَارَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ , وَلَا يَمْنَعُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ \" فَلَمَّا فَرَغَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ \" لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ وِفَادَتِهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ كَانَتْ بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ , وَمَا اِتَّصَلَ بِهِ مِنْ تَأَخُّرِ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ لِاسْتِبْرَاءِ بَقِيَّةِ مَنْ لَهُ دَيْنٌ , ثُمَّ وَفَدَ بَعْدَ ذَلِكَ , وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ الْمُتَقَدِّمُ وَتَكُونُ وِفَادَتُهُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي خِلَافَتِهِ جَزْمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَقَالَ اِبْنُ زَمَعَةَ ) ‏ ‏هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏( قَدْ أَخَذْت سَهْمًا مِائَةَ أَلْفٍ ) ‏ ‏هُوَ بِنَصْبِ مِائَةٍ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَبَاعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ ) ‏ ‏أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ ) ‏ ‏( بِسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ ) ‏ ‏أَيْ فَرَبِحَ مِائَتَيْ أَلْفٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَكَانَ لِلزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ) ‏ ‏أَيْ مَاتَ عَنْهُنَّ , وَهُنَّ أُمُّ خَالِدٍ وَالرَّبَابُ وَزَيْنَبُ الْمَذْكُورَاتُ قَبْلُ , وَعَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدٍ أُخْتُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَحَدِ الْعَشَرَةِ , وَأَمَّا أَسْمَاءُ وَأُمُّ كُلْثُومٍ فَكَانَ طَلَّقَهُمَا , وَقِيلَ أَعَادَ أَسْمَاءَ وَطَلَّقَ عَاتِكَةَ فَقُتِلَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ فَصُولِحَتْ كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَرَفَعَ الثُّلُثَ ) ‏ ‏أَيْ الْمُوصَى بِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَأَصَابَ كُلَّ اِمْرَأَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ ) ‏ ‏هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الثَّمَنَ كَانَ أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةِ أَلْفٍ ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَجَمِيع مَالِهِ خَمْسُونَ أَلْف أَلْف وَمِائَتَا أَلْف ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم مِنْ طَرِيق أَبِي مَسْعُود الرَّاوِي عَنْ أَبِي أُسَامَة أَنَّ مِيرَاث الزُّبَيْر قُسِمَ عَلَى خَمْسِينَ أَلْفِ أَلْفِ وَمِائَتَيْ أَلْفِ وَنَيِّف , زَادَ عَلَى رِوَايَة إِسْحَاق وَنَيِّف , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لِكُلِّ زَوْجَة أَلْف أَلْف وَمِائَتَا أَلْف فَنَصِيب الْأَرْبَع أَرْبَعَة آلَاف أَلْف وَثَمَانمِائَةِ أَلْف وَهَذَا هُوَ الثَّمَن , وَيَرْتَفِع مَنْ ضَرَبَهُ فِي ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ أَلْف أَلْف وَأَرْبَعمِائَةِ أَلْف وَهَذَا الْقَدْر هُوَ الثُّلُثَانِ , فَإِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ الثُّلُث الْمُوصَى بِهِ وَهُوَ قَدْر نِصْف الثُّلُثَيْنِ وَجُمْلَته تِسْعَة عَشَرَ أَلْف أَلْف وَمِائَتَا أَلْف كَانَ جُمْلَة مَالِهِ عَلَى هَذَا سَبْعَة وَخَمْسِينَ أَلْف أَلْف وَسِتّمِائَةِ أَلْف. وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ قَدِيمًا اِبْنِ بَطَّال وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ , لَكِنَّهُ وَهَمَ فَقَالَ : وَتِسْعمِائَةِ أَلْف. وَتَعَقَّبَهُ اِبْنُ الْمُنِير فَقَالَ : الصَّوَاب وَسِتّمِائَةِ أَلْف , وَهُوَ كَمَا قَالَ اِبْنِ التِّين : نَقَصَ عَنْ التَّحْرِير سَبْعَة آلَاف أَلْف وَأَرْبَعمِائَةِ أَلْف يَعْنِي خَارِجًا عَنْ قَدْر الدَّيْن , وَهُوَ كَمَا قَالَ , وَهَذَا تَفَاوُت شَدِيد فِي الْحِسَاب , وَقَدْ سَاقَ الْبَلَاذِرِيُّ فِي تَارِيخه هَذَا الْحَدِيث عَنْ الْحُسَيْن بْن عَلِيّ بْن الْأَسْوَد عَنْ أَبِي أُسَامَة بِسَنَدِهِ فَقَالَ فِيهِ \" وَكَانَ لِلزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوَة فَأَصَابَ كُلّ اِمْرَأَة مِنْ ثَمَنِ عَقَارَاته أَلْف أَلْف وَمِائَة أَلْف , وَكَانَ الثَّمَن أَرْبَعَة آلَافِ أَلْف وَأَرْبَعمِائَةِ أَلْف , وَكَانَ ثُلُثَا الْمَال الَّذِي اِقْتَسَمَهُ الْوَرَثَة خَمْسَة وَثَلَاثِينَ أَلْف أَلْف وَمِائَتَيْ أَلْف , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْنُ سَعْد عَنْ أَبِي أُسَامَة , فَعَلَى هَذَا إِذَا اِنْضَمَّ إِلَيْهِ نِصْفه وَهُوَ سَبْعَة عَشَر أَلْف وَأَلْف وَسِتّمِائَةِ أَلْف كَانَ جَمِيع الْمَال اِثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ أَلْف أَلْف وَثَمَانمِائَةِ أَلْف فَيَزِيد عَمَّا وَقَعَ فِي الْحَدِيث أَلْفَيْ أَلْف وَسِتّمِائَةِ أَلْف وَهُوَ أَقْرَب مِنْ الْأَوَّل فَلَعَلَّ الْمُرَاد أَنَّ الْقَدْر الْمَذْكُور وَهُوَ أَنَّ لِكُلِّ زَوْجَة أَلْف أَلْف وَمِائَة أَلْف كَانَ لَوْ قُسِمَ الْمَال كُلّه بِغَيْرِ وَفَاءِ الدَّيْن لَكِنْ خَرَجَ الدَّيْن مِنْ حِصَّة كُلّ أَحَد مِنْهُمْ فَيَكُونُ الَّذِي يُورَث مَا عَدَا ذَلِكَ , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَخِفّ الْوَهْم فِي الْحِسَاب وَيَبْقَى التَّفَاوُت أَرْبَعمِائَةِ أَلْف فَقَطْ. لَكِنْ رَوَى اِبْن سَعْد بِسَنَدٍ آخَر ضَعِيف عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّ تَرِكَة الزُّبَيْر بَلَغَتْ أَحَدًا أَوْ اِثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ أَلْف أَلْف وَهَذَا أَقْرَب مِنْ الْأَوَّل , لَكِنَّهُ أَيْضًا لَا تَحْرِير فِيهِ , وَكَأَنَّ الْقَوْم أَتَوْا مِنْ عَدَم إِلْقَاء الْبَال لِتَحْرِيرِ الْحِسَاب , إِذْ الْغَرَض فِيهِ ذِكْر الْكَثْرَة الَّتِي نَشَأَتْ عَنْ الْبَرَكَة فِي تَرِكَة الزُّبَيْر إِذْ خَلَفَ دَيْنًا كَثِيرًا وَلَمْ يَخْلُف إِلَّا الْعَقَار الْمَذْكُور , وَمَعَ ذَلِكَ فَبُورِكَ فِيهِ حَتَّى تَحَصَّلَ مِنْهُ هَذَا الْمَال الْعَظِيم. وَقَدْ جَرَتْ لِلْعَرَبِ عَادَة بِإِلْغَاءِ الْكُسُور تَارَة وَجَبْرهَا أُخْرَى فَهَذَا مِنْ ذَاكَ , وَقَدْ وَقَعَ إِلْغَاء الْكُسُور فِي هَذِهِ الْقِصَّة فِي عِدَّة رِوَايَات بِصِفَاتٍ مُخْتَلِفَة , فَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ هِشَام عِنْد أَبِي نُعَيْم \" بَلَغَ ثَمَن نِسَاء الزُّبَيْر أَلْف أَلْف , وَتَرَكَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْن أَلْفَيْ أَلْف \" وَفِي رِوَايَة عَثَّام بْن عَلِيّ عَنْ هِشَام عِنْد يَعْقُوب بْن سُفْيَان \" أَنَّ الزُّبَيْر قَالَ لِابْنِهِ : اُنْظُرْ دَيْنِي وَهُوَ أَلْف أَلْف وَمِائَتَا أَلْف \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام أَنَّ قِيمَة مَا تَرَكَهُ الزُّبَيْر كَانَ خَمْسِينَ أَلْف أَلْف وَفِي رِوَايَة السِّرَاج أَنَّ جُمْلَة مَا حَصَلَ مِنْ عَقَاره نَيِّفِ وَأَرْبَعُونَ أَلْف أَلْف , وَعِنْد اِبْنِ سَعْد مِنْ حَدِيث اِبْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ مِيرَاثه قُسِمَ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْف أَلْف , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي النَّوَادِر عَنْ سُفْيَان عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , وَفِي الْمُجَالَسَة لِلدِّينَوَرِيِّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عُبَيْد عَنْ أَبِي أُسَامَة أَنَّ الزُّبَيْر تَرَكَ مِنْ الْعُرُوض قِيمَة خَمْسِينَ أَلْف أَلْف , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ الرُّوَاة لَمْ يَقْصِدُوا إِلَى التَّحْرِير الْبَالِغ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ حَكَى عِيَاض عَنْ اِبْنِ سَعْد مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ : فَعَلَى هَذَا يَصِحّ قَوْله إِنَّ جَمِيع الْمَال خَمْسُونَ أَلْف أَلْف وَيَبْقَى الْوَهْم فِي قَوْله وَمِائَتَا أَلْف , قَالَ فَإِنَّ الصَّوَاب أَنْ يَقُول مِائَة أَلْف وَاحِدَة , قَالَ وَعَلَى هَذَا فَقَدْ وَقَعَ فِي الْأَصْل الْوَهْم فِي لَفْظ مِائَتَا أَلْف حَيْثُ وَقَعَ فِي نَصِيب الزَّوْجَات , وَفِي الْجُمْلَة فَإِنَّمَا الصَّوَاب مِائَة أَلْف وَاحِدَة حَيْثُ وَقَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. قُلْت : وَهُوَ غَلَط فَاحِش يُتَعَجَّب مِنْ وُقُوع مِثْله فِيهِ مَعَ تَيَقُّظه لِلْوَهْمِ الَّذِي فِي الْأَصْل وَتَفَرُّغ بَالِهِ لِلْجَمْعِ وَالْقِسْمَة , وَذَلِكَ أَنَّ نَصِيب كُلّ زَوْجَة إِذَا كَانَ أَلْف أَلْف وَمِائَة أَلْف لَا يَصِحّ مَعَهُ أَنْ يَكُون جَمِيع الْمَال خَمْسِينَ أَلْف أَلْف وَمِائَة أَلْف , بَلْ إِنَّمَا يَصِحّ أَنْ يَكُونُ جَمِيع الْمَال خَمْسِينَ أَلْف أَلْف وَمِائَة أَلْف إِذَا كَانَ نَصِيب كُلّ زَوْجَة أَلْف أَلْف وَثَلَاثَة وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا وَسَبْعمِائَةٍ وَخَمْسِينَ عَلَى التَّحْرِير , وَقَرَأْت بِخَطِّ الْقُطْب الْحَلَبِيّ عَنْ الدِّمْيَاطِيّ أَنَّ الْوَهْم إِنَّمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عِنْد الْبُخَارِيّ فِي قَوْله فِي نَصِيب كُلّ زَوْجَة إِنَّهُ أَلْف أَلْف وَمِائَتَا أَلْف وَأَنَّ الصَّوَاب أَنَّهُ أَلْف أَلْف سَوَاء بِغَيْرِ كَسْر , وَإِذَا اِخْتَصَّ الْوَهْم بِهَذِهِ اللَّفْظَة وَحْدهَا خَرَجَ بَقِيَّة مَا فِيهِ عَلَى الصِّحَّة لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُون الثَّمَن أَرْبَعَة آلَافِ أَلْف فَيَكُونُ ثَمَنًا مِنْ أَصْل اِثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ , وَإِذَا اِنْضَمَّ إِلَيْهِ الثُّلُث صَارَ ثَمَانِيَة وَأَرْبَعِينَ , وَإِذَا اِنْضَمَّ إِلَيْهَا الدَّيْن صَارَ الْجَمِيع خَمْسِينَ أَلْف أَلْف وَمِائَتَيْ أَلْف , فَلَعَلَّ بَعْض رُوَاته لَمَّا وَقَعَ لَهُ ذِكْر مِائَتَا أَلْف عِنْد الْجُمْلَة ذَكَرَهَا عِنْد نَصِيب كُلّ زَوْجَة سَهْوًا , وَهَذَا تَوْجِيه حَسَن , وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَى أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمَعْرِفَة \" مِنْ طَرِيق أَبِي مَعْشَر عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" وَرِثَتْ كُلّ اِمْرَأَة لِلزُّبَيْرِ رُبُع الثَّمَن أَلْف أَلْف دِرْهَم \" وَقَدْ وَجَّهَهُ الدِّمْيَاطِيّ أَيْضًا بِأَحْسَن مِنْهُ فَقَالَ مَا حَاصِله : أَنَّ قَوْله فَجَمِيع مَال الزُّبَيْر خَمْسُونَ أَلْف أَلْف وَمِائَتَا أَلْف صَحِيح وَالْمُرَاد بِهِ قِيمَة مَا خَلَفَهُ عِنْد مَوْته , وَأَنَّ الزَّائِد عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ تِسْعَة آلَافِ وَسِتّمِائَةِ أَلْف بِمُقْتَضَى مَا يَحْصُل مِنْ ضَرْب أَلْف أَلْف وَمِائَتَيْ أَلْف وَهُوَ رُبُع الثَّمَن فِي ثَمَانِيَة مَعَ ضَمّ الثُّلُث كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَدْر الدَّيْن حَتَّى يَرْتَفِع مِنْ الْجَمِيع تِسْعَة وَخَمْسُونَ أَلْف أَلْف وَثَمَانمِائَةِ أَلْف حَصَلَ هَذَا الزَّائِد مِنْ نَمَاء الْعَقَار وَالْأَرَاضِي فِي الْمُدَّة الَّتِي أَخَّرَ فِيهَا عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر قَسْم التَّرِكَة اِسْتِبْرَاء لِلدَّيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَهَذَا التَّوْجِيه فِي غَايَة الْحُسْن لِعَدَمِ تَكَلُّفه وَتَبْقِيَة الرِّوَايَة الصَّحِيحَة عَلَى وَجْههَا , وَقَدْ تَلَقَّاهُ الْكَرْمَانِيُّ فَذَكَرَ مُلَخَّصًا وَلَمْ يَنْسُبهُ لِقَائِلِهِ وَلَعَلَّهُ مِنْ تَوَارُد الْخَوَاطِر وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ فِي النَّسَب فِي تَرْجَمَة عَاتِكَة وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" أَنَّ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر صَالَحَ عَاتِكَة بِنْتِ زَيْد عَنْ نَصِيبهَا مِنْ الثَّمَن عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفًا فَقَدْ اِسْتَشْكَلَهُ الدِّمْيَاطِيّ وَقَالَ : بَيْنه وَبَيْن مَا فِي الصَّحِيح بَوْن بَعِيد , وَالْعَجَب مِنْ الزُّبَيْر كَيْفَ مَا تَصَدَّى لِتَحْرِيرِ ذَلِكَ. قُلْت : وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يَكُونَ الْقَدْر الَّذِي صُولِحَتْ بِهِ قَدْر ثُلُثَيْ الْعُشْر مِنْ اِسْتِحْقَاقهَا وَكَانَ ذَلِكَ بِرِضَاهَا , وَرَدَّ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر بَقِيَّة اِسْتِحْقَاقهَا عَلَى مَنْ صَالَحَهَا لَهُ , وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَصْل الْجُمْلَة , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْوَاقِدِيّ عَنْ أَبِي بَكْر بْنِ أَبِي سَبْرَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قِيمَة مَا تَرَكَ الزُّبَيْر أَحَد وَخَمْسُونَ أَلْف أَلْف فَلَا يُعَارِض مَا تَقَدَّمَ لِعَدَمِ تَحْرِيره , وَقَالَ اِبْنُ عُيَيْنَةَ قُسِمَ مَال الزُّبَيْر عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْف أَلْف أَخْرَجَهُ اِبْنُ سَعْد , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى إِلْغَاء الْكَسْر. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد نَدْب الْوَصِيَّة عِنْد حُضُور أَمْر يُخْشَى مِنْهُ الْفَوْت , وَأَنَّ لِلْوَصِيِّ تَأْخِير قِسْمَة الْمِيرَاث حَتَّى تُوَفَّى دُيُون الْمَيِّت وَتُنَفَّذ وَصَايَاهُ إِنْ كَانَ لَهُ ثُلُث , وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَبْرِئ أَمْر الدُّيُون وَأَصْحَابهَا قَبْل الْقِسْمَة , وَأَنْ يُؤَخِّرهَا بِحَسَبِ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اِجْتِهَاده , وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ يَتَوَقَّف عَلَى إِجَازَة الْوَرَثَة وَإِلَّا فَمَنْ طَلَبَ الْقِسْمَة بَعْد وَفَاءِ الدَّيْن الَّذِي وَقَعَ الْعِلْم بِهِ وَصَمَّمَ عَلَيْهَا أُجِيبَ إِلَيْهَا وَلَمْ يَتَرَبَّص بِهِ اِنْتِظَار شَيْء مُتَوَهَّم , فَإِذَا ثَبَتَ بَعْد ذَلِكَ شَيْء اُسْتُعِيدَ مِنْهُ , وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ ضَعْف مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّة لِمَالِك حَيْثُ قَالَ : إِنَّ أَجَل الْمَفْقُود أَرْبَع سِنِينَ , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ اِبْنَ الزُّبَيْر إِنَّمَا اِخْتَارَ التَّأْخِير أَرْبَعَ سِنِينَ لِأَنَّ الْمُدُن الْوَاسِعَة الَّتِي يُؤْتَى الْحِجَاز مِنْ جِهَتهَا إِذْ ذَاكَ كَانَتْ أَرْبَعًا : الْيَمَن وَالْعِرَاق وَالشَّام وَمِصْر , فَبَنَى عَلَى أَنَّ كُلّ قُطْر لَا يَتَأَخَّر أَهْله فِي الْغَالِب عَنْ الْحَجّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَة أَعْوَام فَيَحْسُن اِسْتِيعَابهمْ فِي مُدَّة الْأَرْبَع , وَمِنْهُمْ فِي طُولِ الْمُدَّة يَبْلُغ الْخَبَر مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ الْأَقْطَار. وَقِيلَ لِأَنَّ الْأَرْبَع هِيَ الْغَايَة فِي الْآحَاد بِحَسَبِ مَا يُمْكِن أَنْ يَتَرَكَّب مِنْهُ الْعَشَرَات لِأَنَّ فِيهَا وَاحِدًا وَاثْنَيْنِ وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَمَجْمُوع ذَلِكَ عَشَرَة , وَاخْتَارَ الْمَوْسِم لِأَنَّهُ مَجْمَع النَّاس مِنْ الْآفَاق , وَفِيهِ جَوَاز التَّرَبُّص بِوَفَاءِ الدَّيْن إِذَا لَمْ تَكُنْ التَّرِكَة نَقْدًا وَلَمْ يَخْتَرْ صَاحِبِ الدَّيْن إِلَّا النَّقْد , وَفِيهِ جَوَاز الْوَصِيَّة لِلْأَحْفَادِ إِذَا كَانَ مَنْ يَحْجُبهُمْ مِنْ الْآبَاء مَوْجُودًا , وَفِيهِ أَنَّ الِاسْتِدَانَة لَا تُكْرَه لِمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاء , وَفِيهِ جَوَاز شِرَاء الْوَارِث مِنْ التَّرِكَة , وَأَنَّ الْهِبَة لَا تُمْلَك إِلَّا بِالْقَبْضِ , وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُخْرِج الْمَال عَنْ مِلْك الْأَوَّل لِأَنَّ اِبْنَ جَعْفَر عَرَضَ عَلَى اِبْنِ الزُّبَيْر أَنْ يُحِلّهُمْ مِنْ دَيْنه الَّذِي كَانَ عَلَى الزُّبَيْر فَامْتَنَعَ اِبْنُ الزُّبَيْر. وَفِيهِ بَيَان جُود اِبْنِ جَعْفَر لِسَمَاحَتِهِ بِهَذَا الْمَال الْعَظِيم , وَأَنَّ مَنْ عَرَضَ عَلَى شَخْص أَنْ يَهَبهُ شَيْئًا فَامْتَنَعَ أَنَّ الْوَاهِب لَا يُعَدّ رَاجِعًا فِي هِبَته , وَأَمَّا اِمْتِنَاع اِبْنِ الزُّبَيْر فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ بَقِيَّة الْوَرَثَة وَافَقُوهُ عَلَى ذَلِكَ وَعَلِمَ أَنَّ غَيْر الْبَالِغِينَ يَنْفُذُونَ لَهُ ذَلِكَ إِذَا بَلَغُوا , وَأَجَابَ اِبْنُ بَطَّال بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْأَمْر الْمَحْكُوم بِهِ عِنْد التَّشَاحّ , وَإِنَّمَا يُؤْمَر بِهِ فِي شَرَفِ النُّفُوس وَمَحَاسِن الْأَخْلَاق ا ه. وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ اِبْنَ الزُّبَيْر تَحَمَّلَ بِالدَّيْنِ كُلّه عَلَى ذِمَّته وَالْتَزَمَ وَفَاءَهُ وَرَضِيَ الْبَاقُونَ بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ قَرِيبًا , لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَرْضَوْا لَمْ يُفِدْهُمْ تَرْك بَعْض أَصْحَاب الدَّيْن دَيْنه لِنَقْصِ الْمَوْجُود فِي تِلْكَ الْحَالَة عَنْ الْوَفَاء لِظُهُورِ قِلَّته وَعِظَم كَثْرَة الدَّيْن , وَفِيهِ مُبَالَغَة الزُّبَيْر فِي الْإِحْسَان لِأَصْدِقَائِهِ لِأَنَّهُ رَضِيَ أَنْ يَحْفَظ لَهُمْ وَدَائِعهمْ فِي غَيْبَتهمْ , وَيَقُوم بِوَصَايَاهُمْ عَلَى أَوْلَادهمْ بَعْد مَوْتهمْ , وَلَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ حَتَّى اِحْتَاطَ لِأَمْوَالِهِمْ وَدِيعَة أَوْ وَصِيَّة بِأَنْ كَانَ يَتَوَصَّل إِلَى تَصْيِيرهَا فِي ذِمَّته مَعَ عَدَم اِحْتِيَاجه إِلَيْهَا غَالِبًا , وَإِنَّمَا يَنْقُلهَا مِنْ الْيَد لِلذِّمَّةِ مُبَالَغَة فِي حِفْظهَا لَهُمْ. وَفِي قَوْل اِبْنِ بَطَّال الْمُتَقَدِّم كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ \" لِيَطِيبَ لَهُ رِبْح ذَلِكَ الْمَال \" نَظَرًا لِأَنَّهُ يَتَوَقَّف عَلَى ثُبُوت أَنَّهُ كَانَ يَتَصَرَّف فِيهِ بِالتِّجَارَةِ وَأَنَّ كَثْرَة مَالِهِ إِنَّمَا زَادَتْ بِالتِّجَارَةِ , وَالَّذِي يَظْهَر خِلَاف ذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الَّذِي خَلَفَهُ حَال مَوْته يَفِي بِالدَّيْنِ وَيَزِيد عَلَيْهِ , وَالْوَاقِع أَنَّهُ كَانَ دُون الدُّيُون بِكَثِيرِ إِلَّا أَنَّ اللَّه تَعَالَى بَارَكَ فِيهِ بِأَنْ أَلْقَى فِي قَلْب مَنْ أَرَادَ شِرَاء الْعَقَار الَّذِي خَلَفَهُ الرَّغْبَة فِي شِرَائِهِ حَتَّى زَادَ عَلَى قِيمَته أَضْعَافًا مُضَاعَفَة , ثُمَّ سَرَتْ تِلْكَ الْبَرَكَة إِلَى عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر لِمَا ظَهَرَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق حَتَّى رَبِحَ فِي نَصِيبه مِنْ الْأَرْض مَا أَرْبَحَهُ مُعَاوِيَة. وَفِيهِ أَنْ لَا كَرَاهَة فِي الِاسْتِكْثَار مِنْ الزَّوْجَات وَالْخَدَم. وَقَالَ اِبْنِ الْجَوْزِيّ : فِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ كَرِهَ جَمْع الْأَمْوَال الْكَثِيرَة مِنْ جَهَلَة الْمُتَزَهِّدِينَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا الْكَلَام لَا يُنَاسِب مَقَامه مِنْ حَيْثُ كَوْنه لَهَجًا بِالْوَعْظِ , فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ الْوَاعِظ التَّحْرِيض عَلَى الزُّهْد فِي الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّل مِنْهَا , وَكَوْن مِثْل هَذَا لَا يُكْرَه لِلزُّبَيْرِ وَأَنْظَاره لَا يَطَّرِد. وَفِيهِ بَرَكَة الْعَقَار وَالْأَرْض لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْع الْعَاجِل وَالْآجِل بِغَيْرِ كَثِير تَعَب وَلَا دُخُول فِي مَكْرُوه كَاللَّغْوِ الْوَاقِع فِي الْبَيْع وَالشِّرَاء , وَفِيهِ إِطْلَاق اللَّفْظ الْمُشْتَرَك لِمَنْ يُظَنّ بِهِ مَعْرِفَة الْمُرَاد , وَالِاسْتِفْهَام لِمَنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ , لِأَنَّ الزُّبَيْر قَالَ لِابْنِهِ \" اِسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلَايَ \" وَالْمَوْلَى لَفْظ مُشْتَرَك فَجَوَّزَ اِبْنُ الزُّبَيْر أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بَعْض عُتَقَائِهِ مَثَلًا فَاسْتَفْهَمَهُ فَعَرَفَ حِينَئِذٍ مُرَاده , وَفِيهِ مَنْزِلَة الزُّبَيْر عِنْد نَفْسه , وَأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة كَانَ فِي غَايَة الْوُثُوق بِاللَّهِ وَالْإِقْبَال عَلَيْهِ وَالرِّضَا بِحُكْمِهِ وَالِاسْتِعَانَة بِهِ , وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي نَفْسه مُحِقًّا مُصِيبًا فِي الْقِتَال وَلِذَلِكَ قَالَ \" إِنَّ أَكْبَر هَمّه دَيْنه \" وَلَوْ كَانَ يَعْتَقِد أَنَّهُ غَيْر مُصِيب أَوْ أَنَّهُ آثِم بِاجْتِهَادِهِ ذَلِكَ لَكَانَ اِهْتِمَامه بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ أَمْر الْقِتَال أَشَدّ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ اِعْتَمَدَ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِد يُؤْجَر عَلَى اِجْتِهَاده وَلَوْ أَخْطَأَ. وَفِيهِ شِدَّة أَمْر الدَّيْن , لِأَنَّ مِثْل الزُّبَيْر مَعَ مَا سَبَقَ لَهُ مِنْ السَّوَابِق وَثَبَتَ لَهُ مِنْ الْمَنَاقِب رَهِبَ مِنْ وُجُوه مُطَالَبَة مَنْ لَهُ فِي جِهَته حَقّ بَعْد الْمَوْت. وَفِيهِ اِسْتِعْمَال التَّجَوُّز فِي كَثِير مِنْ الْكَلَام كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي قَوْله \" أَرْبَع سِنِينَ فِي الْمَوَاسِم \" لِأَنَّهُ إِنَّ عَدَّ مَوْسِم سَنَة سِتّ وَثَلَاثِينَ فَلَمْ يُؤَخِّر ذَلِكَ إِلَّا ثَلَاث سِنِينَ وَنِصْفًا , وَإِنْ لَمْ يَعُدّهُ فَقَدْ أَخَّرَ ذَلِكَ أَرْبَع سِنِينَ وَنِصْفًا , فَفِيهِ إِلْغَاء الْكَسْر أَوْ جَبْره. وَفِيهِ قُوَّة نَفْسِ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر لِعَدَمِ قَبُوله مَا سَأَلَهُ حَكِيم بْن حِزَام مِنْ الْمُعَاوَنَة , وَمَا سَأَلَهُ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر مِنْ الْمُحَالَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2898",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ مَوْهَبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا تَغَيَّبَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ ‏ ‏بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَتْ مَرِيضَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏وَسَهْمَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ إِسْمَاعِيلَ , وَقَوْلُهُ عُثْمَانُ بْنُ مَوْهَبٍ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ , قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ : وَقَعَ فِي نُسْخَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ - يَعْنِي الْأَصِيلِيَّ - عَنْ الْجُرْجَانِيِّ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ غَلَطٌ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ مُخْتَصَرًا فِي قِصَّةِ تَخَلُّفِ عُثْمَانَ عَنْ بَدْرٍ , وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَلَى الصَّوَابِ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابٍ : الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ \" ‏"
    },
    {
        "id": "2899",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ وَزَعَمَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ ‏ ‏وَمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَاهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ ‏ ‏هَوَازِنَ ‏ ‏مُسْلِمِينَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْتَظَرَ آخِرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ ‏ ‏قَفَلَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الطَّائِفِ ‏ ‏فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا ‏ ‏عُرَفَاؤُكُمْ ‏ ‏أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ ‏ ‏عُرَفَاؤُهُمْ ‏ ‏ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ سَبْيِ ‏ ‏هَوَازِنَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ الْمِسْوَرِ وَقَدْ نَبَّهْت عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ فِي الْوَكَالَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2900",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏قَالَ وَحَدَّثَنِي ‏ ‏الْقَاسِمُ بْنُ عَاصِمٍ الْكُلَيْبِيُّ ‏ ‏وَأَنَا لِحَدِيثِ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏أَحْفَظُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَهْدَمٍ ‏ ‏قَالَ كُنَّا عِنْدَ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏فَأُتِيَ ذَكَرَ دَجَاجَةً وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي تَيْمِ اللَّهِ ‏ ‏أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مِنْ ‏ ‏الْمَوَالِي ‏ ‏فَدَعَاهُ لِلطَّعَامِ فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ لَا آكُلُ فَقَالَ هَلُمَّ فَلْأُحَدِّثْكُمْ عَنْ ذَاكَ إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏نَفَرٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَشْعَرِيِّينَ ‏ ‏نَسْتَحْمِلُهُ فَقَالَ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ وَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِنَهْبِ ‏ ‏إِبِلٍ فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ أَيْنَ ‏ ‏النَّفَرُ ‏ ‏الْأَشْعَرِيُّونَ ‏ ‏فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ‏ ‏ذَوْدٍ ‏ ‏غُرِّ ‏ ‏الذُّرَى ‏ ‏فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا مَا صَنَعْنَا لَا يُبَارَكُ لَنَا فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا إِنَّا سَأَلْنَاكَ أَنْ تَحْمِلَنَا فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا أَفَنَسِيتَ قَالَ لَسْتُ أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ‏ ‏وَتَحَلَّلْتُهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ فِي عَاصِمٍ الْكُلَيْبِيِّ ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ , وَالْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ أَيُّوبُ , بَيَّنَ ذَلِكَ عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَتَى ذِكْرُ دَجَاجَةٍ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ \" فَأَتَى \" بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي مِنْ الْإِتْيَانِ وَ \" ذِكْرُ \" بِكَسْرِ الذَّالِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَ \" دَجَاجَةٍ \" بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ عَلَى الْإِضَافَةِ وَكَذَا لِلنَّسَفِيِّ , وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ \" فَأُتِيَ \" بِضَمِّ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَ \" ذَكَرَ \" بِفَتْحَتَيْنِ وَ \" دَجَاجَةً \" بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِينِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ , كَأَنَّ الرَّاوِيَ لَمْ يَسْتَحْضِرْ اللَّفْظَ كُلَّهُ وَحَفِظَ مِنْهُ لَفْظَ دَجَاجَةٍ , قَالَ عِيَاضٌ : وَهَذَا أَشْبَهُ لِقَوْلِهِ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى \" فَأُتِيَ بِلَحْمِ دَجَاجٍ \" وَلِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ \" فَدَعَاهُ لِلطَّعَامِ \" أَيْ الَّذِي فِي الدَّجَاجَةِ , وَسَيَأْتِي فِي النُّذُورِ بِلَفْظِ \" فَأُتِيَ بِطَعَامٍ فِيهِ دَجَاجٌ \" وَهُوَ الْمُرَادُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ نِسْبَةٌ إِلَى بَطْنٍ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِهِ مُسْتَوْفًى فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ , وَأُبِينَ هُنَاكَ مَا قِيلَ فِي اِسْمِهِ وَمُنَاسَبَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ فَلَمْ يَجِدْ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ , ثُمَّ حَضَرَ شَيْءٌ مِنْ الْغَنَائِمِ فَحَمَلَهُمْ مِنْهَا , وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَهُمْ عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِالْخُمُسِ , وَإِذَا كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِالتَّنْجِيزِ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقٍ فَكَذَا لَهُ التَّصَرُّفُ بِتَنْجِيزِ مَا عَلَّقَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2901",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً فَكَانَتْ سِهَامُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا ‏ ‏وَنُفِّلُوا ‏ ‏بَعِيرًا بَعِيرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَعَثَ سَرِيَّةً ) ‏ ‏ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمَغَازِي بَعْدَ غَزْوَةِ الطَّائِفِ , وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَكَانِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قِبَلَ نَجْدٍ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَتَهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً ) ‏ ‏فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ \" فَأَصَبْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَكَانَتْ سِهَامُهُمْ ) ‏ ‏أَيْ أَنْصِبَاؤُهُمْ , وَالْمُرَادُ أَنَّهُ بَلَغَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ هَذَا الْقَدْرَ , وَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الْأَنْصِبَاءِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ غَلَطٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اِثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا ) ‏ ‏وَهَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ بِالشَّكِّ وَالِاخْتِصَارِ وَإِيهَامِ الَّذِي نَفَلَهُمْ , وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ إِسْحَاقَ مِنْ نَافِعٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَلَفْظُهُ \" فَخَرَجْت فِيهَا فَأَصَبْنَا نِعَمًا كَثِيرًا وَأَعْطَانَا أَمِيرُنَا بَعِيرًا بَعِيرًا لِكُلِّ إِنْسَانٍ , ثُمَّ قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَسَمَ بَيْنَنَا غَنِيمَتَنَا فَأَصَابَ كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا اِثْنَا عَشَرَ بَعِيرًا بَعْدَ الْخُمُسِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ نَافِعٍ وَلَفْظُهُ \" بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَيْشٍ قِبَلَ نَجْدٍ وَأَتْبَعْت سَرِيَّةً مِنْ الْجَيْشِ , وَكَانَ سُهْمَانُ الْجَيْشِ اِثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا اِثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا , وَنَفَلَ أَهْلَ السَّرِيَّةِ بَعِيرًا بَعِيرًا , فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا \". وَأَخْرَجَهُ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ \" إِنَّ ذَلِكَ الْجَيْشَ كَانَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ \" قَالَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : اِتَّفَقَ جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَلَى رِوَايَتِهِ بِالشَّكِّ , إِلَّا الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ شُعَيْبٍ وَمَالِكٍ جَمِيعًا فَلَمْ يَشُكَّ , وَكَأَنَّهُ حَمَلَ رِوَايَةَ مَالِكٍ عَلَى رِوَايَةِ شُعَيْبٍ. قُلْت : وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ بِغَيْرِ شَكٍّ , فَكَأَنَّهُ أَيْضًا حَمَلَ رِوَايَةَ مَالِكٍ عَلَى رِوَايَةِ اللَّيْثِ. قَالَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِ نَافِعٍ \" اِثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا \" بِغَيْرِ شَكٍّ لَمْ يَقَعْ الشَّكُّ فِيهِ إِلَّا مِنْ مَالِكٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا ) ‏ ‏بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي مِنْ غَيْرِ مُسَمًّى , وَالنَّفَلُ زِيَادَةٌ يُزَادُهَا الْغَازِي عَلَى نَصِيبِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ , وَمِنْهُ نَفْلُ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَا عَدَا الْفَرْضَ. وَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي الْقَسْمِ وَالتَّنْفِيلِ هَلْ كَانَا جَمِيعًا مِنْ أَمِيرِ ذَلِكَ الْجَيْشِ أَوْ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ أَحَدِهِمَا , فَرِوَايَةُ اِبْنِ إِسْحَاقَ صَرِيحَةٌ أَنَّ التَّنْفِيلَ كَانَ مِنْ الْأَمِيرِ وَالْقَسْمَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَظَاهِرُ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْ أَمِيرِ الْجَيْشِ , وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُقَرِّرًا لِذَلِكَ. مُجِيزًا لَهُ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ \" وَلَمْ يُغَيِّرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَهُ أَيْضًا \" وَنَفَلَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعِيرًا بَعِيرًا \" ; وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّقْرِيرِ فَتَجْتَمِعُ الرِّوَايَتَانِ , قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ نَفَلَهُمْ فَأَجَازَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَازَتْ نِسْبَتُهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْجَيْشَ إِذَا اِنْفَرَدَ مِنْهُ قِطْعَةٌ فَغَنِمُوا شَيْئًا كَانَتْ الْغَنِيمَةُ لِلْجَمِيعِ , قَالَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ , أَيْ إِذَا خَرَجَ الْجَيْشُ جَمِيعُهُ ثُمَّ اِنْفَرَدَتْ مِنْهُ قِطْعَةٌ اِنْتَهَى. وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْجَيْشَ الْقَاعِدَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا يُشَارِكُ الْجَيْشَ الْخَارِجَ إِلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ , بَلْ قَالَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : إِنَّ الْحَدِيثَ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُنْقَطِعَ مِنْ الْجَيْشِ عَنْ الْجَيْشِ الَّذِي فِيهِ الْإِمَامُ يَنْفَرِدُ بِمَا يَغْنَمُهُ , قَالَ : وَإِنَّمَا قَالُوا بِمُشَارَكَةِ الْجَيْشِ لَهُمْ إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ يَلْحَقُهُمْ عَوْنُهُ وَغَوْثُهُ لَوْ اِحْتَاجُوا اِنْتَهَى. وَهَذَا الْقَيْدُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ السَّرِيَّةَ جَمِيعَ مَا غَنِمَتْهُ دُونَ بَقِيَّةِ الْجَيْشِ مُطْلَقًا , وَقِيلَ إِنَّهُ اِنْفَرَدَ بِذَلِكَ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّنْفِيلِ , وَمَعْنَاهُ تَخْصِيصُ مَنْ لَهُ أَثَرٌ فِي الْحَرْبِ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَالِ , لَكِنَّهُ خَصَّهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ مَنْ بَعْدَهُ , نَعَمْ وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ بِشَرْطٍ مِنْ أَمِيرِ الْجَيْشِ كَأَنْ يُحَرِّضَ عَلَى الْقِتَالِ وَيَعِدَ بِأَنْ يُنَفِّلَ الرُّبُعَ إِلَى الثُّلُثِ قَبْلَ الْقَسْمِ , وَاعْتُلَّ بِأَنَّ الْقِتَالَ حِينَئِذٍ يَكُونُ لِلدُّنْيَا , قَالَ فَلَا يَجُوزُ مِثْلُ هَذَا اِنْتَهَى. وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ أَوْ مِنْ الْخُمُسِ أَوْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ أَوْ مِمَّا عَدَا الْخُمُس عَلَى أَقْوَالٍ , وَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ , وَنَقَلَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ شَاذٌّ عِنْدَهُمْ. قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : وَحَدِيثُ الْبَابِ يَرُدُّ عَلَى هَذَا لِأَنَّهُمْ نُفِّلُوا نِصْفَ السُّدُسِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ وَهَذَا وَاضِحٌ , وَقَدْ زَادَهُ اِبْنُ الْمُنِيرِ إِيضَاحًا فَقَالَ : لَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُمْ كَانُوا مِائَةً لَكَانَ قَدْ حَصَلَ لَهُمْ أَلْفٌ وَمِائَتَا بَعِيرٍ وَيَكُونُ الْخُمُسُ مِنْ الْأَصْلِ ثَلَاثَمِائَةِ بَعِيرٍ وَخُمُسُهَا سِتُّونَ , وَقَدْ نَطَقَ الْحَدِيثُ بِأَنَّهُمْ نُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا فَتَكُونُ جُمْلَةُ مَا نُفِّلُوا مِائَةَ بَعِيرٍ , وَإِذَا كَانَ خُمُسُ الْخُمُسِ سِتِّينَ لَمْ يَفِ كُلُّهُ بِبَعِيرٍ بَعِيرٍ لِكُلٍّ مِنْ الْمِائَةِ , وَهَكَذَا كَيْفَمَا فَرَضْت الْعَدَدَ. قَالَ : وَقَدْ أَلْجَأَ هَذَا الْإِلْزَامُ بَعْضَهُمْ فَادَّعَى أَنَّ جَمِيعَ مَا حَصَلَ لِلْغَانِمِينَ كَانَ اِثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا فَقِيلَ لَهُ فَيَكُونُ خُمُسُهَا ثَلَاثَةَ أَبْعِرَةٍ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ السَّرِيَّةُ كُلُّهَا ثَلَاثَةَ رِجَالٍ كَذَا قِيلَ , قَالَ اِبْنُ الْمُنِيرِ : وَهُوَ سَهْوٌ عَلَى التَّفْرِيغِ الْمَذْكُورِ , بَلْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ رَجُلٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّفَلَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ. وَقَالَ اِبْنُ التِّينِ : قَدْ اِنْفَصَلَ مَنْ قَالَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ النَّفَلَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ بِأَوْجُهٍ : ‏ ‏مِنْهَا أَنَّ الْغَنِيمَةَ لَمْ تَكُنْ كُلُّهَا أَبْعِرَةً بَلْ كَانَ فِيهَا أَصْنَافٌ أُخْرَى , فَيَكُونُ التَّنْفِيلُ وَقَعَ مِنْ بَعْضِ الْأَصْنَافِ دُونَ بَعْضٍ , ‏ ‏ثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ نَفَلَهُمْ مِنْ سَهْمِهِ مِنْ هَذِهِ الْغُزَاةِ وَغَيْرِهَا فَضَمَّ هَذَا إِلَى هَذَا فَلِذَلِكَ زَادَتْ الْعَدَّةُ , ‏ ‏ثَالِثُهَا أَنْ يَكُونَ نَفَلَ بَعْضَ الْجَيْشِ دُونَ بَعْضٍ. قَالَ : وَظَاهِرُ السِّيَاقِ يَرُدُّ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ. قَالَ وَقَدْ جَاءَ أَنَّهُمْ كَانُوا عَشَرَةً , وَأَنَّهُمْ غَنِمُوا مِائَةً وَخَمْسِينَ بَعِيرًا فَخَرَجَ مِنْهَا الْخُمُسُ وَهُوَ ثَلَاثُونَ وَقَسَّمَ عَلَيْهِمْ الْبَقِيَّةَ فَحَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ اِثْنَا عَشَرَ بَعِيرًا ثُمَّ نُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا فَعَلَى هَذَا فَقَدْ نُفِّلُوا ثُلُثَ الْخُمُسِ. قُلْت : إِنْ ثَبَتَ هَذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ رَدٌّ لِلِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ نُفِّلُوا سِتَّةً مِنْ الْعَشَرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمْ : النَّفَلُ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ لَا نَفَلَ إِلَّا مِنْ الْخُمُسِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَكْثَرُ مَا رُوِيَ مِنْ الْأَخْبَارِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفَلَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ. وَالَّذِي يَقْرَبُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْخُمُسِ لِأَنَّهُ أَضَافَ الِاثْنَيْ عَشَرَ إِلَى سُهْمَانِهِمْ , فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ قَدْ تَقَرَّرَ لَهُمْ اِسْتِحْقَاقُهُ مِنْ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ الْمُوَزَّعَةِ عَلَيْهِمْ فَيَبْقَى لِلنَّفَلِ مِنْ الْخُمُسِ. قُلْت : وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ قَالَ \" بَلَغَنِي عَنْ اِبْنِ عُمَرَ قَالَ : نَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً بَعَثَهَا قِبَلَ نَجْدٍ مِنْ إِبِلٍ جَاءُوا بِهَا نَفَلًا سِوَى نَصِيبِهِمْ مِنْ الْمَغْنَمِ \" لَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ وَسَاقَهُ الطَّحَاوِيُّ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" مَا لِيَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسُ , وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ \" وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ حَسَنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا سِوَى الْخُمُسِ لِلْمُقَاتِلَةِ. وَرَوَى مَالِكٌ أَيْضًا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ \" كَانَ النَّاسُ يُعْطَوْنَ النَّفَلَ مِنْ الْخُمُسِ. قُلْت : وَظَاهِرُهُ اِتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إِنْ أَرَادَ الْإِمَامُ تَفْضِيلَ بَعْضِ الْجَيْشِ لِمَعْنًى فِيهِ فَذَلِكَ مِنْ الْخُمُسِ لَا مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ , وَإِنْ اِنْفَرَدَتْ قِطْعَةٌ فَأَرَادَ أَنْ يُنَفِّلَهَا مِمَّا غَنِمَتْ دُونَ سَائِرِ الْجَيْشِ فَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْخُمُسِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثِ اِنْتَهَى. وَهَذَا الشَّرْطُ قَالَ بِهِ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَتَحَدَّدُ , بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ , وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ( قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ) فَفَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَهَا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا يُنَفِّلُ مِنْ أَوَّلِ الْغَنِيمَةِ , وَلَا يُنَفِّلُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً. وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ. وَحَدِيثُ الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ اِبْنِ إِسْحَاقَ يَدُلُّ لِمَا قَالُوا وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَعَيُّنِ قِسْمَةِ أَعْيَانِ الْغَنِيمَةِ لَا أَثْمَانِهَا , وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ ذَلِكَ اِتِّفَاقًا أَوْ بَيَانًا لِلْجَوَازِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِيهِ أَقْوَالٌ ثَالِثُهَا التَّخْيِيرُ , وَفِيهِ أَنَّ أَمِيرَ الْجَيْشِ إِذَا فَعَلَ مَصْلَحَةً لَمْ يَنْقُضْهَا الْإِمَامُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2902",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُنَفِّلُ ‏ ‏بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنْ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً سِوَى قِسْمِ عَامَّةِ الْجَيْشِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْنِ عُمَرَ ‏ ‏\" كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنْ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الْجَيْشِ \" ‏ ‏. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَزَادَ فِي آخِرِهِ : وَالْخُمُسُ وَاجِبٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ , وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ النَّفَلَ مِنْ الْخُمُسِ لَا مِنْ غَيْرِهِ , بَلْ هُوَ مُحْتَمِلٌ لِكُلٍّ مِنْ الْأَقْوَالِ. نَعَمْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ بَعْضِ السَّرِيَّةِ بِالتَّنْفِيلِ دُونَ بَعْضٍ , قَالَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : لِلْحَدِيثِ تَعَلُّقٌ بِمَسَائِلِ الْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ , وَهُوَ مَوْضِعٌ دَقِيقُ الْمَأْخَذِ , وَوَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِهِ أَنَّ التَّنْفِيلَ يَقَعُ لِلتَّرْغِيبِ فِي زِيَادَةِ الْعَمَلِ وَالْمُخَاطَرَةِ فِي الْجِهَادِ , وَلَكِنْ لَمْ يَضُرَّهُمْ ذَلِكَ قَطْعًا لِكَوْنِهِ صَدَرَ لَهُمْ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمَقَاصِدِ الْخَارِجَةِ عَنْ مَحْضِ التَّعَبُّدِ لَا تَقْدَحُ فِي الْإِخْلَاصِ , لَكِنَّ ضَبْطَ قَانُونِهَا وَتَمْيِيزَهَا مِمَّا تَضُرُّ مُدَاخَلَتُهُ مُشْكِلٌ جِدًّا. ‏"
    },
    {
        "id": "2903",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ ‏ ‏بِالْيَمَنِ ‏ ‏فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمْ أَحَدُهُمَا ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏وَالْآخَرُ ‏ ‏أَبُو رُهْمٍ ‏ ‏إِمَّا قَالَ فِي بِضْعٍ ‏ ‏وَإِمَّا قَالَ فِي ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ ‏ ‏أَوْ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ ‏ ‏رَجُلًا مِنْ قَوْمِي فَرَكِبْنَا سَفِينَةً فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى ‏ ‏النَّجَاشِيِّ ‏ ‏بِالْحَبَشَةِ ‏ ‏وَوَافَقْنَا ‏ ‏جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ فَقَالَ ‏ ‏جَعْفَرٌ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَنَا هَاهُنَا وَأَمَرَنَا بِالْإِقَامَةِ فَأَقِيمُوا مَعَنَا فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ افْتَتَحَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَأَسْهَمَ لَنَا أَوْ قَالَ فَأَعْطَانَا مِنْهَا وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ إِلَّا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا مَعَ ‏ ‏جَعْفَرٍ ‏ ‏وَأَصْحَابِهِ قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فِي مَجِيئِهِمْ مِنْ الْحَبَشَةِ وَفِي آخِرِهِ \" وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ , إِلَّا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ , وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي , وَالْغَرَضُ مِنْهُ هَذَا الْكَلَامُ الْأَخِيرُ. قَالَ اِبْنُ الْمُنِيرِ : أَحَادِيثُ الْبَابِ مُطَابِقَةٌ لِمَا تَرْجَمَ بِهِ , إِلَّا هَذَا الْأَخِيرَ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَسَمَ لَهُمْ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ لَا مِنْ الْخُمُسِ , إِذْ لَوْ كَانَ مِنْ الْخُمُسِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِذَلِكَ خُصُوصِيَّةٌ , وَالْحَدِيثُ نَاطِقٌ بِهَا , قَالَ : لَكِنَّ وَجْهَ الْمُطَابَقَةِ أَنَّهُ إِذَا جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَنْفُذَ اِجْتِهَادُهُ فِي الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْغَانِمِينَ فَيَقْسِمُ مِنْهَا لِمَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْوَقْعَةَ , فَلَأَنْ يَنْفُذَ اِجْتِهَادُهُ فِي الْخُمُسِ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّهُ مُعَيَّنٌ وَإِنْ اِسْتَحَقَّهُ صِنْفٌ مَخْصُوصٌ أَوْلَى. وَقَالَ اِبْنُ التِّينِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَعْطَاهُمْ بِرِضَا بَقِيَّةِ الْجَيْشِ اِنْتَهَى. وَهَذَا جَزَمَ بِهِ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَعْطَاهُمْ مِنْ الْخُمُسِ , وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي \" كِتَابِ الْأَمْوَالِ \" وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِتَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ , وَأَمَّا قَوْلُ اِبْنِ الْمُنِيرِ لَوْ كَانَ مِنْ الْخُمُسِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَخْصِيصٌ فَظَاهِرٌ , لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْخُمُسِ وَخَصَّهُمْ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْطَى مِنْ الْخُمُسِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَعْطَاهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْغَنِيمَةِ لِكَوْنِهِمْ وَصَلُوا قَبْلَ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ وَبَعْدَ حَوْزِهَا , وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ. وَهَذَا الِاحْتِمَالُ يَتَرَجَّحُ بِقَوْلِهِ \" أَسْهَمَ لَهُمْ \" لِأَنَّ الَّذِي يُعْطَى مِنْ الْخُمُسِ لَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ أَسْهَمَ لَهُ إِلَّا تَجَوُّزًا , وَلِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَقْتَضِي الِافْتِخَارَ وَيَسْتَدْعِي الِاخْتِصَاصَ بِمَا لَمْ يَقَعْ لِغَيْرِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2904",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ قَدْ جَاءَنِي مَالُ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا فَلَمْ يَجِئْ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا جَاءَ مَالُ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏أَمَرَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مُنَادِيًا فَنَادَى مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَيْنٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنَا فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا ‏ ‏فَحَثَا ‏ ‏لِي ثَلَاثًا ‏ ‏وَجَعَلَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏يَحْثُو بِكَفَّيْهِ جَمِيعًا ثُمَّ قَالَ لَنَا هَكَذَا قَالَ لَنَا ‏ ‏ابْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏وَقَالَ مَرَّةً فَأَتَيْتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَسَأَلْتُ فَلَمْ يُعْطِنِي ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَلَمْ يُعْطِنِي ثُمَّ أَتَيْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقُلْتُ سَأَلْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي ثُمَّ سَأَلْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي ثُمَّ سَأَلْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي فَإِمَّا أَنْ تُعْطِيَنِي وَإِمَّا أَنْ تَبْخَلَ عَنِّي قَالَ قُلْتَ تَبْخَلُ عَنِّي مَا مَنَعْتُكَ مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَحَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏فَحَثَا لِي حَثْيَةً وَقَالَ عُدَّهَا فَوَجَدْتُهَا خَمْسَ مِائَةٍ قَالَ فَخُذْ مِثْلَهَا مَرَّتَيْنِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏ابْنَ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنْ الْبُخْلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَلِيٌّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ , وَسُفْيَانُ هُوَ اِبْنُ عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي أَوَّلِ \" بَابِ الْجِزْيَةِ \" مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَأَنَّهُ مِنْ الْجِزْيَةِ , لَكِنْ فِيهِ \" فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ \" فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الَّذِي وَعَدَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَابِرًا كَانَ بَعْدَ السَّنَةِ الَّتِي قَدِمَ فِيهَا أَبُو عُبَيْدَةَ بِالْمَالِ , وَظَهَرَ بِذَلِكَ جِهَةُ الْمَالِ الْمَذْكُورِ وَأَنَّهُ مِنْ الْجِزْيَةِ , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ قَوْلِ اِبْنِ بَطَّالٍ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْخُمُسِ أَوْ مِنْ الْفَيْءِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادَى ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِلَالًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَحَثَى لِي ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مَرَّةً ) ‏ ‏الْقَائِلُ هُوَ سُفْيَانُ بِهَذَا السَّنَدِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي الْهِبَةِ بِالسَّنَدِ الْأَوَّلِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ إِلَى آخِرِهَا , وَتَقَدَّمَتْ الزِّيَادَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي الْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ إِلَى قَوْلِهِ \" خُذْ مِثْلَيْهَا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ سُفْيَانُ ) ‏ ‏هُوَ مُتَّصِلٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ , وَعَمْرٌو هُوَ اِبْنُ دِينَارٍ , وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَيْ اِبْنُ الْحُسَيْنِ بْنُ عَلِيٍّ. وَظَهَرَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ الْمُنْكَدِرِ \" فَحَثَى لِي ثَلَاثًا \" لَكِنَّ قَوْلَهُ \" فَحَثَى لِي حَثْيَةً \" مَعَ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا \" وَجَعَلَ سُفْيَانُ يَحْثُو بِكَفَّيْهِ \" يَقْتَضِي أَنَّ الْحَثْيَةَ مَا يُؤْخَذُ بِالْيَدَيْنِ جَمِيعًا , وَالَّذِي قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ الْحَثْيَةَ مَا يَمْلَأُ الْكَفَّ , وَالْحَفْنَةُ مَا يَمْلَأُ الْكَفَّيْنِ. نَعَمْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ أَنَّ الْحَثْيَةَ وَالْحَفْنَةَ بِمَعْنًى \" وَهَذَا الْحَدِيثُ شَاهِدٌ لِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ \" حَثْيَةً \" مِنْ حَثَى يَحْثِي , وَيَجُوزُ حَثْوَةً مِنْ حَثَا يَحْثُو وَهُمَا لُغَتَانِ , وَقَوْلُهُ \" تَبْخَلُ عَنِّي \" أَيْ مِنْ جِهَتِي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ يَعْنِي اِبْنَ الْمُنْكَدِرِ ) ‏ ‏الَّذِي قَالَ \" وَقَالَ \" هُوَ سُفْيَانُ الَّذِي قَالَ \" يَعْنِي \" هُوَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنْ الْبُخْلِ ) ‏ ‏قَالَ عِيَاضٌ : كَذَا وَقَعَ \" أَدْوَى \" غَيْرَ مَهْمُوزٍ , مِنْ دَوَى إِذَا كَانَ بِهِ مَرَضٌ فِي جَوْفِهِ , وَالصَّوَابُ أَدْوَأُ بِالْهَمْزِ لِأَنَّهُ مِنْ الدَّاءِ , فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ سَهَّلُوا الْهَمْزَةَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" وَقَالَ اِبْنُ الْمُنْكَدِرِ فِي حَدِيثِهِ \" فَظَهَرَ بِذَلِكَ اِتِّصَالُهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ فَإِنَّهَا تُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ اِبْنِ الْمُنْكَدِرِ وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ \" أَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنْ الْبُخْلِ \" , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكَفَالَةِ تَوْجِيهُ وَفَاءِ أَبِي بَكْرٍ لِعِدَّاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَا فِي كِتَابِ الْهِبَةِ , وَأَنَّ وَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجُوزُ إِخْلَافُهُ فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الضَّمَانِ فِي الصِّحَّةِ , وَقِيلَ : إِنَّمَا فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ عَلَى سَبِيلِ التَّطَوُّعِ , وَلَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ ذَلِكَ , وَمَا تَقَدَّمَ فِي \" بَابِ مَنْ أُمِرَ بِإِنْجَازِ الْوَعْدِ \" مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ أَوْلَى , وَأَنَّ جَابِرًا لَمْ يَدَّعِ أَنَّ لَهُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُطَالِبْهُ أَبُو بَكْرٍ بِبَيِّنَةٍ وَوَفَى ذَلِكَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ الْمَوْكُولِ الْأَمْرِ فِيهِ إِلَى اِجْتِهَادِ الْإِمَامِ , وَعَلَى ذَلِكَ يَحُومُ الْمُصَنِّفُ وَبِهِ تَرْجَمَ , وَإِنَّمَا أَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ إِعْطَاءَ جَابِرٍ حَتَّى قَالَ لَهُ مَا قَالَ إِمَّا لِأَمْرٍ أَهَمَّ مِنْ ذَلِكَ , أَوْ خَشْيَةَ أَنْ يَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى الْحِرْصِ عَلَى الطَّلَبِ , أَوْ لِئَلَّا يَكْثُرَ الطَّالِبُونَ لِمِثْلِ ذَلِكَ , وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْمَنْعَ عَلَى الْإِطْلَاقِ , وَلِهَذَا قَالَ \" مَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَك \" وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ الْجِزْيَةِ بَيَانُ الْخِلَافِ فِي مَصْرِفِهَا , وَظَاهِرُ إِيرَادِ الْبُخَارِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَا أَنَّ مَصْرِفَهَا عِنْدَهُ مَصْرِفُ الْخُمُسِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2905",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْسِمُ غَنِيمَةً ‏ ‏بِالْجِعْرَانَةِ ‏ ‏إِذْ قَالَ لَهُ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏اعْدِلْ فَقَالَ لَهُ لَقَدْ ‏ ‏شَقِيتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا قُرَّةُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ثُمَّ هَاءٍ , وَفِي الْإِسْنَادِ بَصْرِيَّانِ هُوَ وَالرَّاوِي عَنْهُ , وَحِجَازِيَّانِ شَيْخُهُ وَالضَّحَّاكُ , وَقَدْ خَالَفَ زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ مُسْلِمَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ فِيهِ فَقَالَ : \" عَنْ قُرَّةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ \" بَدَلَ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ , وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ ; وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ أَرْجَحُ فَقَدْ وَافَقَ شَيْخَهُ عَلَى ذَلِكَ عَنْ قُرَّةَ عُثْمَانُ بْنُ عَمْرٍو عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ , فَاتِّفَاقُ هَؤُلَاءِ الْحُفَّاظِ الثَّلَاثَةِ أَرْجَحُ مِنْ اِنْفِرَادِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ عَنْهُمْ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عِنْدَ قُرَّةَ عَنْ شَيْخَيْنِ بِدَلِيلِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ زِيَادَةً عَلَى مَا فِي رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ عَنْ قُرَّةَ عَنْ عَمْرٍو , وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي اِسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْمَعْنَى , وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بَيَانُ تَسْمِيَةِ الْقَائِلِ الْمَذْكُورِ , ‏ ‏وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ \" لَقَدْ شَقِيت \" ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ لِلْأَكْثَرِ وَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ , وَالشَّرْطُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ لَا يَعْدِلُ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ الشَّقَاءُ , بَلْ هُوَ عَادِلٌ فَلَا يَشْقَى. وَحَكَى عِيَاضٌ فَتْحَهَا وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَحَكَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ رِوَايَةِ شَيْخِهِ الْمَنِيعِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ عَنْ قُرَّةَ , وَالْمَعْنَى لَقَدْ شَقِيت أَيْ ضَلَلْت أَنْتَ أَيّهَا التَّابِعُ حَيْثُ تَقْتَدِي بِمَنْ لَا يَعْدِلُ , أَوْ حَيْثُ تَعْتَقِدُ فِي نَبِيِّك هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي لَا يَصْدُرُ عَنْ مُؤْمِنٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "2906",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فِي أُسَارَى ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏لَوْ كَانَ ‏ ‏الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ ‏ ‏حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ \" لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ حَيًّا وَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتهمْ لَهُ , قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : وَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ شَيْءٍ لَوْ وَقَعَ لَفَعَلَهُ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنَّ عَلَى الْأَسَارَى بِغَيْرِ فِدَاءٍ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْغَنَائِمَ لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُ الْغَانِمِينَ عَلَيْهَا إِلَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَبِهِ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَمْلِكُونَ بِنَفْسِ الْغَنِيمَةِ , وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَسْتَطِيبُ أَنْفُسَ الْغَانِمِينَ , وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ فَلَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ. وَلِلْفَرِيقَيْنِ اِحْتِجَاجَاتٌ أُخْرَى وَأَجْوِبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ أُطِلْ بِهَا هُنَا لِأَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا , وَاسْتَبْعَدَ اِبْنُ الْمُنِيرِ الْحَمْلَ الْمَذْكُورَ فَقَالَ : إِنَّ طِيبَ قُلُوبِ الْغَانِمِينَ بِذَلِكَ مِنْ الْعُقُودِ الِاخْتِيَارِيَّةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُذْعِنَ بَعْضُهُمْ , فَكَيْفَ بَتَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ يُعْطِيهِ إِيَّاهُمْ مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ مَوْقُوفٌ عَلَى اِخْتِيَارِ مَنْ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْمَحَ ؟ قُلْت : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا كَانَ بِاعْتِبَارِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ أَنَّ الْغَنِيمَةَ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَصَرَّفُ فِيهَا حَيْثُ شَاءَ , وَفَرْضُ الْخُمُسِ إِنَّمَا نَزَلَ بَعْدَ قِسْمَةِ غَنَائِمِ بَدْرٍ كَمَا تَقَرَّرَ فَلَا حُجَّةَ إِذًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ أَنْكَرَ الدَّاوُدِيُّ دُخُولَ التَّخْمِيسِ فِي أَسَارَى بَدْرٍ فَقَالَ : لَمْ يَقَعْ فِيهِمْ غَيْرُ أَمْرَيْنِ إِمَّا الْمَنُّ بِغَيْرِ فِدَاءٍ وَإِمَّا الْفِدَاءُ بِمَالٍ , وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَلَّمَ أَوْلَادَ الْأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ , وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ , وَلَمْ يَأْتِ بِطَائِلٍ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ شَيْءٍ أَوْ شَيْئَيْنِ مِمَّا خُيِّرَ فِيهِ مَنْعُ التَّخْيِيرِ , وَقَدْ قَتَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَغَيْرَهُ , وَادِّعَاؤُهُ أَنَّ قُرَيْشًا لَا يَدْخُلُونَ تَحْتَ الرِّقِّ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ , وَإِلَّا فَأَصْلُ الْخِلَافِ هَلْ يُسْتَرَقُّ الْعَرَبِيُّ أَوْ لَا ثَابِتٌ مَشْهُورٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ \" النَّتْنَى \" بِنُونَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا سَاكِنَةٌ مَقْصُورٌ جَمْعُ نَتِنٍ أَوْ نَتِينٍ كَزَمِنٍ وَزَمْنَى أَوْ جَرِيحٍ وَجَرْحَى , وَرُوِيَ بِمُهْمَلَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ , وَأَبْعَدَ مَنْ جَعَلَهُ هُوَ الصَّوَابَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2907",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَشَيْتُ أَنَا ‏ ‏وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَ ‏ ‏بَنِي الْمُطَّلِبِ ‏ ‏وَتَرَكْتَنَا وَنَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا ‏ ‏بَنُو الْمُطَّلِبِ ‏ ‏وَبَنُو هَاشِمٍ ‏ ‏شَيْءٌ وَاحِدٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَزَادَ قَالَ ‏ ‏جُبَيْرٌ ‏ ‏وَلَمْ يَقْسِمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏لِبَنِي نَوْفَلٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَبْدُ شَمْسٍ ‏ ‏وَهَاشِمٌ ‏ ‏وَالْمُطَّلِبُ ‏ ‏إِخْوَةٌ لِأُمٍّ وَأُمُّهُمْ ‏ ‏عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏نَوْفَلٌ ‏ ‏أَخَاهُمْ لِأَبِيهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ اِبْنِ الْمُسَيَّبِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ \" وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ) ‏ ‏فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ \" أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَشَيْت أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ \" فِيمَا قَسَمَ مِنْ الْخُمُسِ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ \" وَلَهُمَا مِنْ رِوَايَةِ اِبْنِ إِسْحَاقَ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ \" وَضَعَ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَتَرَكَ بَنِي نَوْفَلٍ وَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَإِنَّمَا اِخْتَصَّ جُبَيْرٌ وَعُثْمَانُ بِذَلِكَ لِأَنَّ عُثْمَانَ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَجُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ , وَعَبْدُ شَمْسٍ وَنَوْفَلٌ وَهَاشِمٌ وَالْمُطَّلِبُ سَوَاءٌ الْجَمِيعُ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ. فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمَا ‏ ‏\" وَنَحْنُ وَهُمْ مِنْك بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ \" ‏ ‏أَيْ فِي الِانْتِسَابِ إِلَى عَبْدِ مَنَاف. وَوَقَعَ فِي عَبْدِ مَنَاف. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الْمَذْكُورَةِ \" وَقَرَابَتُنَا وَقَرَابَتُهُمْ مِنْك وَاحِدَةٌ , وَلَهُ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ إِسْحَاقَ \" فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلَاءِ بَنُو هَاشِمٍ لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَك اللَّهُ مِنْهُمْ , فَمَا بَالُ إِخْوَانِنَا بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتهمْ وَتَرَكْتنَا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( شَيْءٌ وَاحِدٌ ) ‏ ‏لِلْأَكْثَرِ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْهَمْزَةِ , وَقَالَ عِيَاضٌ , رَوَيْنَاهُ هَكَذَا فِي الْبُخَارِيِّ بِغَيْرِ خِلَافٍ اِنْتَهَى. وَقَدْ وَجَدْته فِي أَصْلِي هُنَا مِنْ رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَفِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَفِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ مِنْ رِوَايَتِهِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ , وَكَذَلِكَ كَانَ يَرْوِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَحْدَهُ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ أَجْوَدُ فِي الْمَعْنَى , وَحَكَاهَا عِيَاضٌ رِوَايَةً خَارِجَ الصَّحِيحِ وَقَالَ : الصَّوَابُ رِوَايَةُ الْكَافَّةِ لِقَوْلِهِ فِيهِ \" وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ \" وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى الِاخْتِلَاطِ وَالِامْتِزَاجِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ لَا عَلَى التَّمْثِيلِ وَالتَّنْظِيرِ. وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ إِسْحَاقَ الْمَذْكُورَةِ وَلَفْظُهُ \" فَقَالَ : إِنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لَمْ نَفْتَرِقْ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ , وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ , وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ \" شَيْءٌ أَحَدٌ \" بِغَيْرِ وَاوٍ بِهَمْزِ الْأَلِفِ , فَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى , وَقِيلَ لِأَحَدٍ الَّذِي يَنْفَرِدُ بِشَيْءٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَالْوَاحِدُ أَوَّلُ الْعَدَدِ , وَقِيلَ الْأَحَدُ الْمُنْفَرِدُ بِالْمَعْنَى وَالْوَاحِدُ الْمُنْفَرِدُ بِالذَّاتِ , وَقِيلَ الْأَحَدُ لِنَفْيِ مَا يُذْكَرُ مَعَهُ مِنْ الْعَدَدِ وَالْوَاحِدُ اِسْمٌ لِمِفْتَاحِ الْعَدَدِ مِنْ جِنْسِهِ , وَقِيلَ لَا يُقَالُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى , حَكَاهُ جَمِيعَهُ عِيَاضٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ ) ‏ ‏أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ‏ ‏( وَزَادَ قَالَ جُبَيْرٌ وَلَمْ يَقْسِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ ) ‏ ‏هُوَ عِنْدِي مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ أَيْضًا عَنْ اللَّيْثِ فَهُوَ مُتَّصِلٌ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا , وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَغَازِي عَنْ يَحْيَى بْنِ بَكِيرٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ يُونُسَ بِتَمَامِهِ , وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ \" وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقْسِمُ الْخُمُسَ نَحْوَ قَسْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعْطِي قُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ عُمَرُ يُعْطِيهِمْ مِنْهُ وَعُثْمَانُ بَعْدَهُ \" وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ بَيْنَ الذُّهْلِيِّ فِي \" جَمْعِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ \" أَنَّهَا مُدْرَجَةٌ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ , وَأَخْرَجَ ذَلِكَ مُفَصَّلًا مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ يُونُسَ , وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي حَذْفِ الْبُخَارِيِّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مَعَ ذِكْرِهِ لِرِوَايَةِ يُونُسَ. وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ شِهَابٍ عَنْ يَزِيدَ عَنْ هُرْمُزٍ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ فِي سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى قَالَ \" هُوَ لِقُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَهُ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ كَانَ عُمَرُ عَرَضَ عَلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا رَأَيْنَاهُ دُونَ حَقِّنَا , فَرَدَدْنَاهُ \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ \" وَقَدْ كَانَ عُمَرُ دَعَانَا أَنْ يَنْكِحَ أَيِّمَنَا وَيَخْدُمَ عَائِلَنَا وَيَقْضِيَ عَنْ غَارِمِنَا فَأَبَيْنَا إِلَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ لَنَا , قَالَ فَتَرَكْنَاهُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اِبْنُ إِسْحَاقَ إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ , ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ \" ‏ ‏أَيْ اِبْنِ هِلَالٍ مِنْ بَنِي سَلِيمٍ. ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" وَكَانَ نَوْفَلٌ أَخَاهُمْ لِأَبِيهِمْ \" ) ‏ ‏لَمْ يُسَمِّ أُمَّهُ وَهِيَ وَاقِدَةُ بِالْقَافِ بِنْتُ أَبِي عَدِيٍّ وَاسْمُهُ نَوْفَلُ بْنُ عُبَادَةَ , مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ صَعْصَعَةَ. وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي النَّسَبِ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ لِهَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ الْبَدْرَانِ , وَلِعَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ الْأَبْهَرَانِ , وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَيْنَ هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ اِئْتِلَافًا سَرَى فِي أَوْلَادِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا , وَلِهَذَا لَمَّا كَتَبَتْ قُرَيْشٌ الصَّحِيفَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَحَصَرُوهُمْ فِي الشِّعْبِ دَخَلَ بَنُو الْمُطَّلِبِ مَعَ بَنِي هَاشِمٍ وَلَمْ تَدْخُلْ بَنُو نَوْفَلٍ وَبَنُو عَبْدِ شَمْسٍ , وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْمَبْعَثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى لِبَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ خَاصَّةً دُونَ بَقِيَّةِ قَرَابَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قُرَيْشٍ , وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ هُمْ بَنُو هَاشِمٍ خَاصَّةً , وَبِهِ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْكُوفِيِّينَ , وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ لِإِلْحَاقِ بَنِي الْمُطَّلِبِ بِهِمْ , وَقِيلَ هُمْ قُرَيْشٌ كُلُّهَا لَكِنْ يُعْطِي الْإِمَامُ مِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ , وَبِهَذَا قَالَ أَصْبَغُ , وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ , وَفِيهِ تَوْهِينُ قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَعْطَاهُمْ بِعِلَّةِ الْحَاجَةِ إِذْ لَوْ أَعْطَاهُمْ بِعِلَّةِ الْحَاجَةِ لَمْ يَخُصَّ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ , وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ بِسَبَبِ النُّصْرَةِ وَمَا أَصَابَهُمْ بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ مِنْ بَقِيَّةِ قَوْمِهِمْ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا , وَالْمُلَخَّصُ أَنَّ الْآيَةَ نَصَّتْ عَلَى اِسْتِحْقَاقِ قُرْبَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ مُتَحَقَّقَةٌ فِي بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ لِأَنَّهُ شَقِيقٌ , وَفِي بَنِي نَوْفَلٍ إِذَا لَمْ تُعْتَبَرْ قَرَابَةُ الْأُمِّ. وَاخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ فِي سَبَبِ إِخْرَاجِهِمْ فَقِيلَ : الْعِلَّةُ الْقَرَابَةُ مَعَ النُّصْرَةِ فَلِذَلِكَ دَخَلَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ وَلَمْ يَدْخُلْ بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنُو نَوْفَلٍ لِفِقْدَانِ جُزْءِ الْعِلَّةِ أَوْ شَرْطِهَا ; وَقِيلَ : الِاسْتِحْقَاقُ بِالْقَرَابَةِ , وَوُجِدَ بِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ مَانِعٌ لِكَوْنِهِمْ اِنْحَازُوا عَنْ بَنِي هَاشِمٍ وَحَارَبُوهُمْ. وَالثَّالِثُ أَنَّ الْقُرْبَى عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ. قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : وَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ خُمُسَ الْخُمُسِ يُقْسَمُ بَيْنَ ذَوِي الْقُرْبَى لَا يُفَضَّلُ غَنِيٌّ عَلَى فَقِيرٍ , وَأَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. قُلْت : وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَا ذُكِرَ لَا إِثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا , أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّهُ قَسَمَ خُمُسَ الْخُمُسِ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَفْضِيلٍ وَلَا عَدَمِهِ , وَإِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ فَالْأَصْلُ فِي الْقِسْمَةِ إِذَا أُطْلِقَتْ التَّسْوِيَةُ وَالتَّعْمِيمُ , فَالْحَدِيثُ إِذًا حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ لَا عَلَيْهِ. وَيُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إِلَى التَّعْمِيمِ بِأَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ نَائِبَهُ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ يَضْبِطُ مَنْ فِيهِ وَيَجُوزُ النَّقْلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ لِلْحَاجَةِ , وَقِيلَ لَا بَلْ يَخْتَصُّ كُلُّ نَاحِيَةٍ بِمَنْ فِيهَا. وَأَمَّا الثَّانِي فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِكَيْفِيَّةِ الْقَسْمِ , لَكِنَّ ظَاهِرَهُ التَّسْوِيَةُ وَبِهَا قَالَ الْمُزَنِيُّ وَطَائِفَةٌ , فَيَحْتَاجُ مَنْ جَعَلَ سَبِيلَهُ سَبِيلَ الْمِيرَاثِ إِلَى دَلِيلٍ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى تَعْمِيمِ ذَوِي الْقُرْبَى فِي قِسْمَةِ سَهْمِهِمْ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الْيَتَامَى فَيَخُصُّ الْفُقَرَاءَ مِنْهُمْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ , وَعَنْ مَالِكٍ يَعُمُّهُمْ فِي الْإِعْطَاءِ , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَخُصُّ الْفُقَرَاءَ مِنْ الصِّنْفَيْنِ , وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ لَمَّا مُنِعُوا الزَّكَاةَ عُمُّوا بِالسَّهْمِ وَلِأَنَّهُمْ أُعْطُوا بِجِهَةِ الْقَرَابَةِ إِكْرَامًا لَهُمْ , بِخِلَافِ الْيَتَامَى فَإِنَّهُمْ أُعْطُوا لِسَدِّ الْخُلَّةِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ , فَإِنَّ ذَوِي الْقُرْبَى لَفْظٌ عَامٌّ خُصَّ بِبَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ , قَالَ اِبْنُ الْحَاجِبِ : وَلَمْ يُنْقَلْ اِقْتِرَانٌ إِجْمَالِيٌّ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2908",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَإِذَا أَنَا ‏ ‏بِغُلَامَيْنِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ ‏ ‏أَبَا جَهْلٍ ‏ ‏قُلْتُ نَعَمْ مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي قَالَ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ فَغَمَزَنِي الْآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَهَا ‏ ‏فَلَمْ أَنْشَبْ ‏ ‏أَنْ نَظَرْتُ إِلَى ‏ ‏أَبِي جَهْلٍ ‏ ‏يَجُولُ فِي النَّاسِ قُلْتُ أَلَا إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي سَأَلْتُمَانِي فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلَاهُ ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ ‏ ‏أَيُّكُمَا قَتَلَهُ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَا قَتَلْتُهُ فَقَالَ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا قَالَا لَا فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ كِلَاكُمَا قَتَلَهُ سَلَبُهُ ‏ ‏لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ‏ ‏وَكَانَا ‏ ‏مُعَاذَ بْنَ عَفْرَاءَ ‏ ‏وَمُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏يُوسُفُ ‏ ‏صَالِحًا ‏ ‏وَإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَبَاهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي قِصَّةِ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ , وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ \" كِلَاكُمَا قَتَلَهُ , سَلَبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ \" فَقَدْ اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ إِعْطَاءَ الْقَاتِلِ السَّلَبَ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ , وَقَرَّرَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَجِبُ لِلْقَاتِلِ لَكَانَ السَّلَبُ مُسْتَحَقًّا بِالْقَتْلِ وَلَكَانَ جَعَلَهُ بَيْنَهُمَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي قَتْلِهِ , فَلَمَّا خَصَّ بِهِ أَحَدَهُمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ بِالْقَتْلِ وَإِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ فِي السِّيَاقِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ السَّلَبَ يَسْتَحِقُّهُ مَنْ أَثْخَنَ فِي الْقَتْلِ وَلَوْ شَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي الضَّرْبِ أَوْ الطَّعْنِ , قَالَ الْمُهَلَّبُ : نَظَرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّيْفَيْنِ وَاسْتِلَالُهُ لَهُمَا هُوَ لِيَرَى مَا بَلَغَ الدَّمُ مِنْ سَيْفَيْهِمَا وَمِقْدَارَ عُمْقِ دُخُولِهِمَا فِي جِسْمِ الْمَقْتُولِ لِيَحْكُمَ بِالسَّلَبِ لِمَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ أَبْلَغُ , وَلِذَلِكَ سَأَلَهُمَا أَوَّلًا هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا أَمْ لَا ؟ لِأَنَّهُمَا لَوْ مَسَحَاهُمَا لَمَا تَبَيَّنَ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا قَالَ كِلَاكُمَا قَتَلَهُ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا هُوَ الَّذِي أَثْخَنَهُ لِيُطَيِّبَ نَفْسَ الْآخَرِ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : أَقُولُ إِنَّ الْأَنْصَارِيَّيْنِ ضَرَبَاهُ فَأَثْخَنَاهُ وَبَلَغَا بِهِ الْمَبْلَغَ الَّذِي يُعْلَمُ مَعَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَقَاؤُهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ إِلَّا قَدْرَ مَا يُطْفَأُ , وَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ \" كِلَاكُمَا قَتَلَهُ \" عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَصَلَ إِلَى قَطْعِ الْحَشْوَةِ وَإِبَانَتِهَا أَوْ بِمَا يُعْلَمُ أَنَّ عَمَلَ كُلٍّ مِنْ سَيْفَيْهِمَا كَعَمَلِ الْآخَرِ , غَيْرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا سَبَقَ بِالضَّرْبِ فَصَارَ فِي حُكْمِ الْمُثَبِّتِ لِجِرَاحِهِ حَتَّى وَقَعَتْ بِهِ ضَرْبَةُ الثَّانِي فَاشْتَرَكَا فِي الْقَتْلِ , إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا قَتَلَهُ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَالْآخَرُ قَتَلَهُ وَهُوَ مُثَبِّتٌ فَلِذَلِكَ قَضَى بِالسَّلَب لِلسَّابِقِ إِلَى إِثْخَانِهِ , وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ مَعَ قَوْلِ اِبْنِ مَسْعُودٍ إِنَّهُ قَتَلَهُ , وَتَأْتِي كَيْفِيَّةُ الْجَمْعِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدِيثَةٍ ) ‏ ‏بِالْجَرِّ صِفَةٌ لِلْغُلَامَيْنِ ‏ ‏وَ \" أَسْنَانُهُمَا \" ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَيْنَ أَضْلُعٍ مِنْهُمَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ اللَّامِ جَمْعُ ضِلْعٍ , وَرُوِيَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ الضَّلَاعَةِ وَهِيَ الْقُوَّةُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ وَحْدَهُ \" بَيْنَ أَصْلُح مِنْهُمَا \" بِالصَّادِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَنَسَبَهُ اِبْنُ بَطَّالٍ لِمُسَدَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ , وَقَدْ خَالَفَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ وَمُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ اِبْنِ سَنْجَرٍ وَعَفَّانَ عِنْدَ اِبْنِ أَبِي شَيْبَةَ يَعْنِي كُلَّهُمْ عَنْ يُوسُفَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالُوا \" أَضْلُعٍ \" بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ , قَالَ وَاجْتِمَاعُ ثَلَاثَةٍ مِنْ الْحُفَّاظِ أَوْلَى مِنْ اِنْفِرَادِ وَاحِدٍ اِنْتَهَى. وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْخِلَافَ عَلَى الرُّوَاةِ عَنْ الْفَرَبْرِيِّ فَلَا يَلِيقُ الْجَزْمُ بِأَنَّ مُسَدَّدًا نَطَقَ بِهِ هَكَذَا , وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو يَعْلَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيِّ وَبِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ وَغَيْرِهِمَا كُلُّهُمْ عَنْ يُوسُفَ كَالْجَمَاعَةِ ; وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَفَّانَ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا يُفَارِقُ سَوَادَهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ السِّينِ وَهُوَ الشَّخْصُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا ) ‏ ‏أَيْ الْأَقْرَبُ أَجَلًا , وَقِيلَ إِنَّ لَفْظَ الْأَعْجَلِ تَحْرِيفٌ وَإِنَّمَا هُوَ الْأَعْجَزُ , وَهُوَ الَّذِي يَقَعُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرًا , وَالصَّوَابُ مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ لِوُضُوحِ مَعْنَاهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ مُحَمَّدٌ ) هُوَ ) ‏ ‏الْمُصَنِّفُ ‏ ‏( سَمِعَ يُوسُفَ ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْنَ الْمَاجِشُونِ ‏ ‏( صَالِحًا ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الْمَذْكُورَ فِي الْإِسْنَادِ ‏ ‏( وَسَمِعَ إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ) ‏ ‏وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لِأَبِي ذَرٍّ وَأَبِي الْوَقْتِ هُنَا , وَتَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلُهُ وَبَيَّنْت هُنَاكَ سَمَاعَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أَبِيهِ وَأَمَّا سَمَاعُ يُوسُفَ مِنْ صَالِحٍ فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَفَّانَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ. وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الَّذِي أَدْخَلَ بَيْنَ يُوسُفَ وَصَالِحٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَجُلًا لَمْ يَضْبِطْ , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ , وَالرَّجُلُ هُوَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يُوسُفُ سَمِعَهُ مِنْ صَالِحٍ وَثَبَّتَهُ فِيهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2909",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَفْلَحَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُحَمَّدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَدَرْتُ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ حَتَّى ضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي فَلَحِقْتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَقُلْتُ مَا بَالُ النَّاسِ قَالَ أَمْرُ اللَّهِ ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا وَجَلَسَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ ‏ ‏سَلَبُهُ ‏ ‏فَقُمْتُ فَقُلْتُ مَنْ يَشْهَدُ لِي ثُمَّ جَلَسْتُ ثُمَّ قَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ ‏ ‏سَلَبُهُ ‏ ‏فَقُمْتُ فَقُلْتُ مَنْ يَشْهَدُ لِي ثُمَّ جَلَسْتُ ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ مِثْلَهُ فَقُمْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا لَكَ يَا ‏ ‏أَبَا قَتَادَةَ ‏ ‏فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ رَجُلٌ صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏وَسَلَبُهُ ‏ ‏عِنْدِي فَأَرْضِهِ عَنِّي فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَاهَا اللَّهِ إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعْطِيكَ ‏ ‏سَلَبَهُ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَدَقَ فَأَعْطَاهُ فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَابْتَعْتُ بِهِ ‏ ‏مَخْرَفًا ‏ ‏فِي ‏ ‏بَنِي سَلِمَةَ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ ‏ ‏تَأَثَّلْتُهُ ‏ ‏فِي الْإِسْلَامِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي , ‏ ‏وَقَوْلُهُ فِيهِ \" عَنْ اِبْنِ أَفْلَحَ \" ‏ ‏نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ , وَهُوَ عُمَرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ , وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ وَكُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ إِلَّا الرَّاوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَقَدْ نَزَلَهَا , ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" فَاسْتَدْبَرْت \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَاسْتَدَرْت \" بِغَيْرِ مُوَحَّدَةٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَ رَجُلٌ : صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ , وَسَلَبُهُ عِنْدِي ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى دُخُولِ مَنْ لَا يُسْهَمُ لَهُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ \" مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا \" وَعَنْ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ , وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ لَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ إِلَّا مَنْ اِسْتَحَقَّ السَّهْمَ لِأَنَّهُ قَالَ إِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ السَّهْمَ فَلَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَعُورِضَ بِأَنَّ السَّهْمَ عُلِّقَ عَلَى الْمَظِنَّةِ , وَالسَّلَبُ يُسْتَحَقُّ بِالْفِعْلِ فَهُوَ أَوْلَى , وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ فِي كُلِّ حَالٍ حَتَّى قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يَسْتَحِقُّهُ وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ مُنْهَزِمًا , وَقَالَ أَحْمَدُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا بِالْمُبَارَزَةِ , وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ إِذَا اِلْتَقَى الزَّحْفَانِ فَلَا سَلَبَ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ لِلْقَاتِلِ الَّذِي أَثْخَنَهُ بِالْقَتْلِ دُونَ مَنْ ذَهَبَ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي قِصَّةِ اِبْنِ مَسْعُودٍ مَعَ أَبِي جَهْلٍ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ السَّلَبَ يَسْتَحِقُّهُ الْقَاتِلُ مِنْ كُلِّ مَقْتُولٍ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ اِمْرَأَةً , وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ , وَقَالَ الْجُمْهُورُ : شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ مَنْ اِدَّعَى السَّلَبَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ , وَالْحُجَّةُ فِيهِ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ \" فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَا يُقْبَلُ , وَسِيَاقُ أَبِي قَتَادَةَ يَشْهَدُ لِذَلِكَ , وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ لِأَبِي قَتَادَةَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي \" مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ \" أَنَّ أَوْسَ بْنَ خَوْلِيٍّ شَهِدَ لِأَبِي قَتَادَةَ , وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَصِحَّ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّهُ الْقَاتِلُ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ , وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيِّنَةِ هُنَا الَّذِي أَقَرَّ لَهُ أَنَّ السَّلَبَ عِنْدَهُ فَهُوَ شَاهِدٌ , وَالشَّاهِدُ الثَّانِي وُجُودُ السَّلَبِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ وَلِذَلِكَ جُعِلَ لَوَثًا فِي \" بَابِ الْقَسَامَةِ \" , وَقِيلَ إِنَّمَا اِسْتَحَقَّهُ أَبُو قَتَادَةَ بِإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ , وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إِنَّمَا يُفِيدُ إِذَا كَانَ الْمَالُ مَنْسُوبًا لِمَنْ هُوَ بِيَدِهِ فَيُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ , وَالْمَالُ هُنَا مَنْسُوبٌ لِجَمِيعِ الْجَيْشِ. وَنَقَلَ اِبْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ هُنَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ يُكْتَفَى بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2910",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ لِي يَا ‏ ‏حَكِيمُ ‏ ‏إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ فَمَنْ أَخَذَهُ ‏ ‏بِسَخَاوَةِ ‏ ‏نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ ‏ ‏بِإِشْرَافِ ‏ ‏نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى قَالَ ‏ ‏حَكِيمٌ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا ‏ ‏أَرْزَأُ ‏ ‏أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا فَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَدْعُو ‏ ‏حَكِيمًا ‏ ‏لِيُعْطِيَهُ الْعَطَاءَ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا ثُمَّ إِنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ فَلَمْ ‏ ‏يَرْزَأْ ‏ ‏حَكِيمٌ ‏ ‏أَحَدًا مِنْ النَّاسِ شَيْئًا بَعْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى تُوُفِّيَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث حَكِيم بْن حِزَام ‏ ‏\" سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِي \" ‏ ‏الْحَدِيث بِطُولِهِ , وَفِيهِ قِصَّته مَعَ عُمَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الزَّكَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "2911",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَ عَلَيَّ اعْتِكَافُ يَوْمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ‏ ‏فَأَمَرَهُ أَنْ يَفِيَ بِهِ قَالَ وَأَصَابَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏جَارِيَتَيْنِ مِنْ سَبْيِ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏فَوَضَعَهُمَا فِي بَعْضِ بُيُوتِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏قَالَ فَمَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى سَبْيِ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏فَجَعَلُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏انْظُرْ مَا هَذَا فَقَالَ مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى السَّبْيِ قَالَ اذْهَبْ فَأَرْسِلْ الْجَارِيَتَيْنِ قَالَ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏وَلَمْ يَعْتَمِرْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْجِعْرَانَةِ ‏ ‏وَلَوْ اعْتَمَرَ لَمْ يَخْفَ عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مِنْ الْخُمُسِ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏فِي النَّذْرِ وَلَمْ يَقُلْ يَوْمٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي نَذْر عُمَر فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِيهِ \" وَأَصَابَ عُمَر جَارِيَتَيْنِ مِنْ سَبْي حُنَيْنٍ وَهُوَ مَوْضِع التَّرْجَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ نَافِع أَنَّ عُمَر قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّهُ كَانَ عَلَيَّ اِعْتِكَاف يَوْم ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع مُرْسَلًا لَيْسَ فِيهِ اِبْن عُمَر , وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي أَنَّ الْبُخَارِيّ نَقَلَ أَنَّ بَعْضهمْ رَوَاهُ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد مَوْصُولًا , وَهُوَ عِنْد مُسْلِم وَابْن خُزَيْمَةَ لَكِنْ فِي الْقِصَّة الثَّالِثَة الْمُتَعَلِّقَة بِعُمْرَةِ الْجِعِرَّانَةِ لَا فِي جَمِيع الْحَدِيث , وَذَكَرَ هُنَا أَنَّ مَعْمَرًا وَصَلَهُ أَيْضًا عَنْ أَيُّوب , وَرِوَايَة مَعْمَر وَصَلَهَا فِي الْمَغَازِي وَهُوَ فِي قِصَّة النَّذْر فَقَطْ , وَذَكَرَ فِي الْمَغَازِي أَيْضًا أَنَّ حَمَّاد بْن سَلَمَة رَوَاهُ مَوْصُولًا , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ وَاضِحًا أَيْضًا هُنَاكَ وَأَنَّهُ أَيْضًا فِي النَّذْر فَقَطْ , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَا يَتَعَلَّق مِنْهُ بِالنَّذْرِ فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَالَّذِي قَدَّمْته اِتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمِيع رُوَاة الْبُخَارِيّ إِلَّا الْجُرْجَانِيَّ فَقَالَ \" عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" وَهُوَ وَهْم مِنْهُ , وَيَظْهَر ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّف الْبُخَارِيّ هُنَا , وَهُوَ فِي الْمَغَازِي , وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيِّ , وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : حَدِيث حَمَّاد بْن زَيْد مُرْسَل وَحَدِيث جَرِير بْن حَازِم مَوْصُول , وَحَمَّاد أَثْبَتُ فِي أَيُّوب مِنْ جَرِير , فَأَمَّا رِوَايَة مَعْمَر الْمَوْصُولَة فَهِيَ فِي قِصَّة النَّذْر فَقَطْ دُون قِصَّة الْجَارِيَتَيْنِ , قَالَ : وَقَدْ رَوَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوب حَدِيث الْجَارِيَتَيْنِ فَوَصَلَهُ عَنْهُ قَوْم وَأَرْسَلَهُ آخَرُونَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَهُ ) ‏ ‏, فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم عِنْد مُسْلِم أَنَّ سُؤَاله لِذَلِكَ وَقَعَ وَهُوَ بِالْجِعِرَّانَةِ بَعْدَ أَنْ رَجَعَ إِلَى الطَّائِف. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَصَابَ عُمَر جَارِيَتَيْنِ مِنْ سَبْي حُنَيْنٍ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ هَوَازِن , لَمْ أَرَ مَنْ سَمَّاهُمَا , وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مَوْصُولًا أَنَّ عُمَر قَالَ , فَذَكَرَ حَدِيث النَّذْر , قَالَ \" فَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَكِفَ فَلَمْ أَعْتَكِفْ حَتَّى كَانَ بَعْدَ حُنَيْنٍ , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي جَارِيَة , فَبَيْنَا أَنَا مُعْتَكِف إِذْ سَمِعْت تَكْبِيرًا \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّبْي ) ‏ ‏سَتَأْتِي صِفَة ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي , وَفِي هَذَا السِّيَاق حَذْف تَقْدِيره فَنَظَرَ أَوْ سَأَلَ عَنْ سَبَب سَعْيهمْ فِي السِّكَك فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ لِعُمَرَ , وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ الْمَذْكُورَة \" فَقُلْت مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا السَّبْي أَسْلَمُوا فَأَرْسَلَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقُلْت وَالْجَارِيَة فَأَرْسَلَهَا \" ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِذْهَبْ فَأَرْسِلْ الْجَارِيَتَيْنِ ) ) ‏ ‏يُسْتَفَاد مِنْهُ الْأَخْذ بِخَبَرِ الْوَاحِد. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏اِتَّفَقَتْ الرِّوَايَات كُلُّهَا عَلَى أَنَّ قَوْله \" وَرَوَاهُ مَعْمَر \" بِفَتْحِ الْمِيمَيْنِ بَيْنهمَا مُهْمَلَة سَاكِنَة , وَحَكَى بَعْض الشُّرَّاح أَنَّهُ بِضَمِّ الْمِيم وَبَعْد الْعَيْن مُثَنَّاة مَفْتُوحَة ثُمَّ مِيم مَكْسُورَة وَهُوَ تَصْحِيف. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ نَافِع : وَلَمْ يَعْتَمِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجِعِرَّانَةِ وَلَوْ اِعْتَمَرَ لَمْ يَخْفَ عَلَى عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو النُّعْمَان شَيْخ الْبُخَارِيّ مُرْسَلًا , وَوَصَلَهُ مُسْلِم وَابْن خُزَيْمَةَ جَمِيعًا عَنْ أَحْمَد بْن عَبَدَة عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد فَقَالَ فِي رِوَايَته عَنْ نَافِع \" ذَكَرَ عِنْد اِبْن عُمَر عُمْرَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجِعِرَّانَةِ فَقَالَ : لَمْ يَعْتَمِر مِنْهَا \" وَقَدْ ذَكَرْت فِي أَبْوَاب الْعُمْرَة الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي اِعْتِمَاره مِنْ الْجِعِرَّانَةِ , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْجِهَاد فِي \" بَاب مَنْ قَسَمَ الْغَنِيمَة فِي غَزْوِهِ \" أَيْضًا حَدِيث أَنَس فِي ذَلِكَ , وَذَكَرْت فِي أَبْوَاب الْعُمْرَة سَبَب خَفَاء عُمْرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجِعِرَّانَةِ عَلَى كَثِير مِنْ أَصْحَابه فَلْيُرَاجَعْ مِنْهُ , وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ. قَالَ اِبْن التِّين : لَيْسَ كُلّ مَا عَلِمَهُ اِبْن عُمَر حَدَّثَ بِهِ نَافِعًا , وَلَا كُلّ مَا حَدَّثَ بِهِ نَافِعًا حَفِظَهُ. قُلْت : وَهَذَا يَرُدُّهُ رِوَايَة مُسْلِم الَّتِي ذَكَرْتهَا , فَإِنَّ حَاصِله أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يَعْرِفهَا وَلَمْ يُحَدِّث بِهَا نَافِعًا. وَدَلَّتْ رِوَايَة مُسْلِم عَلَى أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يَنْفِيهَا. قَالَ \" وَلَيْسَ كُلّ مَا عَلِمَهُ اِبْن عُمَر لَمْ يَدْخُل عَلَيْهِ فِيهِ نِسْيَان \" اِنْتَهَى. وَهَذَا أَيْضًا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ عَرَفَ بِهَا وَنَسِيَهَا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَمْ يَعْرِف بِهَا لَا هُوَ وَلَا عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2912",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَوْمًا وَمَنَعَ آخَرِينَ فَكَأَنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي أُعْطِي قَوْمًا أَخَافُ ‏ ‏ظَلَعَهُمْ ‏ ‏وَجَزَعَهُمْ وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْخَيْرِ وَالْغِنَى مِنْهُمْ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ ‏ ‏مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حُمْرَ النَّعَمِ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْحَسَنَ ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُتِيَ بِمَالٍ ‏ ‏أَوْ بِسَبْيٍ ‏ ‏فَقَسَمَهُ بِهَذَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَمْرو بْن تَغْلِبَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَكَسْر اللَّام بَعْدهَا مُوَحَّدَة وَهُوَ النَّمَرِيُّ بِفَتْحِ النُّون وَالْمِيم. ‏ ‏قَوْله : ( أَخَافَ ظَلْعهمْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الظَّاء الْمُعْجَمَة الْمُشَالَة وَاللَّام وَبِالْمُهْمَلَةِ أَيْ اِعْوِجَاجهمْ ‏ ‏( وَجَزَعهمْ ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالزَّاي بِوَزْنِهِ , وَأَصْل الظَّلْع الْمَيْل , وَأُطْلِقَ هُنَا عَلَى مَرَضِ الْقَلْبِ وَضَعْف الْيَقِين. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْغَنَاء ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة ثُمَّ النُّون وَمَدّ وَهُوَ الْكِفَايَة , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْكَسْرِ وَالْقَصْر بِلَفْظِ ضِدّ الْفَقْر , ‏ ‏وَقَوْله \" بِكَلِمَةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ) ‏ ‏أَيْ الَّتِي قَالَهَا فِي حَقّه وَهِيَ إِدْخَاله إِيَّاهُ فِي أَهْل الْخَيْر وَالْغَنَاء , وَقِيلَ الْمُرَاد الْكَلِمَة الَّتِي قَالَهَا فِي حَقّ غَيْره , فَالْمَعْنَى لَا أُحِبُّ أَنْ يَكُون لِي حُمُر النَّعَم بَدَلًا مِنْ الْكَلِمَة الْمَذْكُورَة الَّتِي لِي أَوْ يَكُون لِي ذَلِكَ , وَتُقَالُ تِلْكَ الْكَلِمَة فِي حَقِّي. ‏ ‏قَوْله : ( زَادَ أَبُو عَاصِم عَنْ جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَازِم , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي أَوَاخِر الْجُمُعَة عَنْ مُحَمَّد بْن مَعْمَر عَنْ أَبِي عَاصِم , وَهُوَ مِنْ الْمَوَاضِع الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيّ قَدْ يُعَلِّقُ عَنْ بَعْض شُيُوخه مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِيهِ وَاسِطَة مِثْل هَذَا , فَإِنَّ أَبَا عَاصِم شَيْخه وَقَدْ عَلَّقَ عَنْهُ هَذَا هُنَا , وَلَمَّا سَاقَهُ مَوْصُولًا أَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْن أَبِي عَاصِم وَاسِطَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ بِسَبْيِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِشَيْءِ \" وَهُوَ أَشْمَلُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2913",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي أُعْطِي ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏أَتَأَلَّفُهُمْ لِأَنَّهُمْ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي عَطِيَّة الْمُؤَلَّفِينَ يَوْم حُنَيْنٍ , ذَكَرَهُ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ فَقَدْ ذَكَرَهُ هُنَاكَ مِنْ أَرْبَعَة أَوْجُه عَنْ أَنَس. ‏"
    },
    {
        "id": "2914",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ نَاسًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ أَمْوَالِ ‏ ‏هَوَازِنَ ‏ ‏مَا ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏فَطَفِقَ ‏ ‏يُعْطِي رِجَالًا مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏الْمِائَةَ مِنْ الْإِبِلِ فَقَالُوا يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعْطِي ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏وَيَدَعُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَحُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَقَالَتِهِمْ فَأَرْسَلَ إِلَى ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ ‏ ‏أَدَمٍ ‏ ‏وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ أَحَدًا غَيْرَهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ مَا كَانَ حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ قَالَ لَهُ فُقَهَاؤُهُمْ أَمَّا ذَوُو آرَائِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعْطِي ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏وَيَتْرُكُ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ ‏ ‏أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ وَتَرْجِعُوا إِلَى ‏ ‏رِحَالِكُمْ ‏ ‏بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَاللَّهِ مَا ‏ ‏تَنْقَلِبُونَ ‏ ‏بِهِ خَيْرٌ مِمَّا ‏ ‏يَنْقَلِبُونَ ‏ ‏بِهِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَضِينَا فَقَالَ لَهُمْ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي ‏ ‏أَثَرَةً ‏ ‏شَدِيدَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْحَوْضِ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَلَمْ نَصْبِرْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2915",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ‏ ‏أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَعَهُ النَّاسُ مُقْبِلًا مِنْ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏عَلِقَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْأَعْرَابُ ‏ ‏يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى ‏ ‏سَمُرَةٍ ‏ ‏فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَعْطُونِي رِدَائِي فَلَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ ‏ ‏الْعِضَاهِ ‏ ‏نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث جُبَيْر بْن مُطْعِم , وَإِبْرَاهِيم فِي إِسْنَاده هُوَ اِبْن سَعْد , وَصَالِح هُوَ اِبْن كَيْسَانَ , وَعُمَر بْن مُحَمَّد بْن جُبَيْر تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَائِل الْجِهَاد فِي \" بَاب الشَّجَاعَة فِي الْحَرْب \" مَعَ الْكَلَام عَلَى بَعْض شَرْح الْمَتْن , ‏ ‏وَقَوْله \" مَقْفَله مِنْ حُنَيْنٍ \" ‏ ‏أَيْ مَرْجِعُهُ , كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ , وَوَقَعَ لِغَيْرِهِ هُنَا \" مُقْبِلًا \" وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى الْحَال. ‏ ‏وَ \" السَّمُرَة \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَضَمّ الْمِيم شَجَرَة طَوِيلَة مُتَفَرِّقَة الرَّأْس قَلِيلَة الظِّلّ صَغِيرَة الْوَرَق وَالشَّوْك صُلْبَة الْخَشَب قَالَهُ اِبْن التِّين , وَقَالَ الْقَزَّاز : وَالْعِضَاه شَجَر الشَّوْك كَالطَّلْحِ وَالْعَوْسَج وَالسِّدْر , وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : السَّمُرَةُ هِيَ الْعِضَاه , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَرَق السَّمُرَةِ أَثْبَت وَظِلّهَا أَكْثَف , وَيُقَال هِيَ شَجَرَة الطَّلْح. وَاخْتُلِفَ فِي وَاحِدَة الْعِضَاه فَقِيلَ عَضَةٌ بِفَتْحَتَيْنِ مِثْل شَفَة وَشِفَاه , وَالْأَصْل عَضْهَة وَشَفَهَة فَحُذِفَتْ الْهَاء , وَقِيلَ وَاحِدهَا عِضَاهَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَطَفْت رِدَاءَهُ ) ‏ ‏فِي مُرْسَل عَمْرو بْن سَعِيد عِنْد عُمَر بْن شَبَّة فِي كِتَاب مَكَّة \" حَتَّى عَدَلُوا بِنَاقَتِهِ عَنْ الطَّرِيق , فَمَرَّ بِسَمُرَاتٍ فَانْتَهَسْنَ ظَهْره وَانْتَزَعْنَ رِدَاءَهُ فَقَالَ : نَاوِلُونِي رِدَائِي \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث جُبَيْر بْن مُطْعِم وَفِيهِ \" فَنَزَلَ وَنَزَلَ النَّاس مَعَهُ , فَأَقْبَلَتْ هَوَازِن فَقَالُوا : جِئْنَا نَسْتَشْفِع بِالْمُؤْمِنِينَ إِلَيْك , وَنَسْتَشْفِع بِك إِلَى الْمُؤْمِنِينَ \" فَذَكَرَ الْقِصَّة. وَفِيهِ ذَمُّ الْخِصَال الْمَذْكُورَة وَهِيَ الْبُخْل وَالْكَذِب وَالْجُبْن , وَأَنَّ إِمَام الْمُسْلِمِينَ لَا يَصْلُح أَنْ يَكُون فِيهِ خَصْلَة مِنْهَا. وَفِيهِ مَا كَانَ فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْحِلْم وَحُسْن الْخُلُق وَسِعَة الْجُود وَالصَّبْر عَلَى جُفَاة الْأَعْرَاب. وَفِيهِ جَوَاز وَصْف الْمَرْء نَفْسه بِالْخِصَالِ الْحَمِيدَة عِنْد الْحَاجَة كَخَوْفِ ظَنِّ أَهْل الْجَهْل بِهِ خِلَاف ذَلِكَ , وَلَا يَكُون ذَلِكَ مِنْ الْفَخْر الْمَذْمُوم. وَفِيهِ رِضَا السَّائِل لِلْحَقِّ بِالْوَعْدِ إِذَا تَحَقَّقَ عَنْ الْوَاعِد التَّنْجِيز. وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَام مُخَيَّر فِي قَسْم الْغَنِيمَة إِنْ شَاءَ بَعْد فَرَاغ الْحَرْب وَإِنْ شَاءَ بَعْد ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2916",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَلَيْهِ ‏ ‏بُرْدٌ ‏ ‏نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ ثُمَّ قَالَ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ ‏ ‏أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الْأَعْرَابِيّ الَّذِي جَبَذَ رِدَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي مَعْنَى الَّذِي قَبْله. وَنَجْرَان بِنُونِ وَجِيم وَزْن شَعْبَان بَلْدَة مَشْهُورَة , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الْأَدَب , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ \". ‏"
    },
    {
        "id": "2917",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ يَوْمُ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏آثَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُنَاسًا فِي الْقِسْمَةِ فَأَعْطَى ‏ ‏الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ ‏ ‏مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَعْطَى ‏ ‏عُيَيْنَةَ ‏ ‏مِثْلَ ذَلِكَ وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏فَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ قَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا وَمَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ‏ ‏رَحِمَ اللَّهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود قَالَ ‏ ‏\" لَمَّا كَانَ يَوْم حُنَيْنٍ آثَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَاسًا فِي الْقِسْمَة \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَعُيَيْنَةُ بِمُهْمَلَةٍوَتَحْتَانِيَّة مُصَغَّرًا هُوَ اِبْن حِصْن الْفَزَارِيُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2918",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ أَنْقُلُ ‏ ‏النَّوَى ‏ ‏مِنْ أَرْضِ ‏ ‏الزُّبَيْرِ ‏ ‏الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى رَأْسِي وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ ‏ ‏فَرْسَخٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَقْطَعَ ‏ ‏الزُّبَيْرَ ‏ ‏أَرْضًا مِنْ أَمْوَالِ ‏ ‏بَنِي النَّضِيرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر ‏ ‏\" كُنْت أَنْقُل النَّوَى مِنْ أَرْض الزُّبَيْر \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب النِّكَاح بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاق , وَيَأْتِي شَرْحه هُنَاكَ. ) ‏ ‏وَقَوْله \" وَقَالَ أَبُو ضَمْرَة \" ‏ ‏هُوَ أَنَس بْن عِيَاض , ‏ ‏وَهِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , وَالْغَرَض بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان فَائِدَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا أَنَّ أَبَا ضَمْرَة خَالَفَ أَبَا أُسَامَة فِي وَصْله فَأَرْسَلَهُ , ثَانِيَتهمَا أَنَّ فِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة تَعْيِين الْأَرْض الْمَذْكُورَة وَأَنَّهَا كَانَتْ مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَى رَسُوله مِنْ أَمْوَال بَنِي النَّضِير فَأَقْطَعَ الزُّبَيْر مِنْهَا , وَبِذَلِكَ يَرْتَفِع اِسْتِشْكَال الْخَطَّابِيِّ حَيْثُ قَالَ : لَا أَدْرِي كَيْفَ أَقْطَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْض الْمَدِينَة وَأَهْلهَا قَدْ أَسْلَمُوا رَاغِبِينَ فِي الدِّين , إِلَّا أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَا وَقَعَ مِنْ الْأَنْصَار أَنَّهُمْ جَعَلُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَا يَبْلُغهُ الْمَأْمَن مِنْ أَرْضهمْ , فَأَقْطَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ شَاءَ مِنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2919",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏أَجْلَى ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏مِنْ أَرْضِ ‏ ‏الْحِجَازِ ‏ ‏وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْلِ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏مِنْهَا وَكَانَتْ الْأَرْضُ لَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهَا ‏ ‏لِلْيَهُودِ ‏ ‏وَلِلرَّسُولِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فَسَأَلَ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَتْرُكَهُمْ عَلَى أَنْ يَكْفُوا الْعَمَلَ وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا فَأُقِرُّوا حَتَّى أَجْلَاهُمْ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فِي إِمَارَتِهِ إِلَى ‏ ‏تَيْمَاءَ ‏ ‏وَأَرِيحَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي مُعَامَلَة أَهْل خَيْبَر , وَفِيهِ قِصَّة إِجْلَاء عُمَر لَهُمْ بِاخْتِصَارِ , وَقَدْ مَرَّ شَرْحه فِي كِتَاب الْمُزَارَعَة , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" نَتْرُككُمْ \" ‏ ‏مِنْ التَّرْك , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" نُقِرّكُمْ \" مِنْ التَّقْرِير. ‏ ‏وَقَوْله هُنَا \" وَكَانَتْ الْأَرْض لَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهَا لِلْيَهُودِ وَلِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُسْلِمِينَ \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن \" لَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِلْمُسْلِمِينَ \" ; فَقَدْ قِيلَ إِنَّ هَذَا هُوَ الصَّوَاب , وَقَالَ اِبْن أَبِي صُفْرَة وَالَّذِي فِي الْأَصْل صَحِيح أَيْضًا , قَالَ : وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" لَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهَا \" أَيْ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى فَتْح أَكْثَرهَا قَبْل أَنْ يَسْأَلهُ الْيَهُود أَنْ يُصَالِحُوهُ فَكَانَتْ لِلْيَهُودِ , فَلَمَّا صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يُسَلِّمُوا لَهُ الْأَرْض كَانَتْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَلَى حَذْف مُضَاف أَيْ ثَمَرَة الْأَرْض , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْأَرْضِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمُفْتَتَحَة وَغَيْر الْمُفْتَتَحَة , وَالْمُرَاد بِظُهُورِهِ عَلَيْهَا غَلَبَتُهُ لَهُمْ فَكَانَ حِينَئِذٍ بَعْض الْأَرْض لِلْيَهُودِ وَبَعْضهَا لِلرَّسُولِ وَلِلْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : أَحَادِيث الْبَاب مُطَابِقَة لِلتَّرْجَمَةِ إِلَّا هَذَا الْأَخِير فَلَيْسَ فِيهِ لِلْعَطَاءِ ذِكْر , وَلَكِنْ فِيهِ ذِكْر جِهَات مُطَابِقَة لِلتَّرْجَمَةِ قَدْ عُلِمَ مِنْ مَكَان آخَر أَنَّهَا كَانَتْ جِهَات عَطَاء , فَبِهَذِهِ الطَّرِيق تَدْخُل تَحْت التَّرْجَمَة , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2920",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَرَمَى إِنْسَانٌ ‏ ‏بِجِرَابٍ ‏ ‏فِيهِ شَحْمٌ ‏ ‏فَنَزَوْتُ ‏ ‏لِآخُذَهُ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاء وَزْن مُحَمَّد , وَفِي رِوَايَة بَهْزِ بْن أَسَد عَنْ شُعْبَة عِنْد مُسْلِم \" سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل \" وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ حُمَيْدِ بْن هِلَال \" حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل \" وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَمَى إِنْسَان ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة \" دُلِّيَ بِجِرَابِ يَوْم خَيْبَر فَالْتَزَمْته \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِجِرَابِ ) ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْجِيم. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَوْت ) ‏ ‏بِالنُّونِ وَالزَّاي أَيْ وَثَبْت مُسْرِعًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْنِ الْمُغِيرَة \" فَالْتَزَمْته \" فَقُلْت لَا أُعْطِي الْيَوْم أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا \" وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن وَهْب بِسَنَدٍ مُعْضِل \" أَنَّ صَاحِب الْمَغَانِم كَعْب بْن عَمْرو بْن زَيْد الْأَنْصَارِيّ أَخَذَ مِنْهُ الْجِرَاب , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلِّ بَيْنه وَبَيْن جِرَابه \" وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ مَعْنَى قَوْله \" فَاسْتَحْيَيْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَعَلَّهُ اِسْتَحْيَا مِنْ فِعْله ذَلِكَ وَمِنْ قَوْله مَعًا , وَمَوْضِع الْحُجَّة مِنْهُ عَدَم إِنْكَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بَلْ فِي رِوَايَة مُسْلِم مَا يَدُلّ عَلَى رِضَاهُ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ \" فَإِذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَبَسِّمًا \" وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي آخِره \" فَقَالَ هُوَ لَك \" وَكَأَنَّهُ عَرَفَ شِدَّة حَاجَته إِلَيْهِ فَسَوَّغَ لَهُ الِاسْتِئْثَار بِهِ. ‏ ‏وَفِي قَوْله \" فَاسْتَحْيَيْت \" ‏ ‏إِشَارَة إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ تَوْقِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمِنْ مُعَانَاة التَّنَزُّه عَنْ خَوَارِم الْمُرُوءَة. وَفِيهِ جَوَاز أَكْل الشُّحُوم الَّتِي تُوجَد عِنْد الْيَهُود , وَكَانَتْ مُحَرَّمَة عَلَى الْيَهُود , وَكَرِهَهَا مَالِك. وَعَنْ أَحْمَد تَحْرِيمهَا , وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَاب مُفْرَد فِي كِتَاب الذَّبَائِح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2921",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر ‏ ‏\" كُنَّا نُصِيب فِي مَغَازِينَا الْعَسَل وَالْعِنَب فَنَأْكُلهُ وَلَا نَرْفَعهُ \" ‏ ‏رَوَاهُ يُونُس بْن مُحَمَّد عِنْد أَبِي نُعَيْم وَأَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد فَزَادَ فِيهِ \" وَالْفَوَاكِه \" وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُبَارَك عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد بِلَفْظِ \" كُنَّا نُصِيب الْعَسَل وَالسَّمْن فِي الْمَغَازِي فَنَأْكُلهُ \" وَمِنْ طَرِيق جَرِير بْن حَازِم عَنْ أَيُّوب بِلَفْظِ \" أَصَبْنَا طَعَامًا وَأَغْنَامًا يَوْم الْيَرْمُوك فَلَمْ يُقَسَّم \" وَهَذَا الْمَوْقُوف لَا يُغَايِر الْأَوَّل لِاخْتِلَافِ السِّيَاق , وَلِلْأَوَّلِ حُكْم الْمَرْفُوع لِلتَّصْرِيحِ بِكَوْنِهِ فِي زَمَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمَّا يَوْم الْيَرْمُوك فَكَانَ بَعْده فَهُوَ مَوْقُوف يُوَافِق الْمَرْفُوع. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا نَرْفَعهُ ) أَيْ وَلَا نَحْمِلهُ عَلَى سَبِيل الِادِّخَار , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد وَلَا نَرْفَعهُ إِلَى مُتَوَلِّي أَمْر الْغَنِيمَة أَوْ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَسْتَأْذِنهُ فِي أَكْله اِكْتِفَاء بِمَا سَبَقَ مِنْهُ مِنْ الْإِذْن. ‏"
    },
    {
        "id": "2922",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ ‏ ‏لَيَالِيَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَقَعْنَا فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَانْتَحَرْنَاهَا فَلَمَّا غَلَتِ الْقُدُورُ ‏ ‏نَادَى مُنَادِي ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَكْفِئُوا الْقُدُورَ فَلَا تَطْعَمُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَقُلْنَا إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ ‏ ‏قَالَ وَقَالَ آخَرُونَ حَرَّمَهَا ‏ ‏أَلْبَتَّةَ ‏ ‏وَسَأَلْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏حَرَّمَهَا ‏ ‏أَلْبَتَّةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه اِبْن أَبِي أَوْفَى فِي ذَبْحهمْ الْحُمُر الْأَهْلِيَّة يَوْم خَيْبَر , وَفِيهِ الْأَمْر بِإِرَاقَتِهَا , وَفِيهِ اِخْتِلَافهمْ فِي سَبَب النَّهْي هَلْ هُوَ لِكَوْنِهَا لَمْ تُخَمَّس أَوْ لِتَحْرِيمِ الْحُمُر الْأَهْلِيَّة , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الذَّبَائِح , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا أَنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّ عَادَتهمْ جَرَتْ بِالْإِسْرَاعِ إِلَى الْمَأْكُولَات وَانْطِلَاق الْأَيْدِي فِيهَا وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا قَدِمُوا بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ , وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرهُمْ بِإِرَاقَةِ لُحُوم الْحُمُر إِلَّا لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّس , وَأَمَّا حَدِيث ثَعْلَبَة بْن الْحَكَم قَالَ \" أَصَبْنَا يَوْم خَيْبَر غَنَمًا \" فَذَكَرَ الْأَمْر بِإِكْفَائِهَا وَفِيهِ \" فَإِنَّهَا لَا تَحِلّ النُّهْبَة \" قَالَ اِبْن الْمُنْذِر إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ مَا وَقَعَ مِنْ النُّهْبَة , لِأَنَّ أَكْل نَعَم أَهْل الْحَرْب غَيْر جَائِز. وَمِنْ أَحَادِيث الْبَاب حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى أَيْضًا \" أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْم خَيْبَر , فَكَانَ الرَّجُل يَجِيء فَيَأْخُذ مِنْهُ مِقْدَار مَا يَكْفِيه ثُمَّ يَنْصَرِف \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم وَالطَّحَاوِيُّ وَلَفْظه \" فَيَأْخُذ مِنْهُ حَاجَته \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أَوْفَى رَاوِي الْحَدِيث , وَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الشَّيْبَانِيِّ بِلَفْظِ \" قَالَ اِبْن أَبِي أَوْفَى فَتَحَدَّثْنَا \" فَذَكَرَ نَحْوه , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ \" فَتَحَدَّثْنَا بَيْنَنَا \" أَيْ الصَّحَابَة. ‏ ‏وَقَوْله \" وَقَالَ آخَرُونَ \" ‏ ‏أَيْ مِنْ الصَّحَابَة. وَالْحَاصِل أَنَّ الصَّحَابَة اِخْتَلَفُوا فِي عِلَّة النَّهْي عَنْ لَحْم الْحُمُر هَلْ هُوَ لِذَاتِهَا أَوْ لِعَارِضٍ , وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي فِي هَذَا الْحَدِيث قَوْل مَنْ قَالَ : لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُل الْعُذْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَأَلْت سَعِيد بْن جُبَيْر ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ الشَّيْبَانِيُّ وَرِوَايَة الشَّيْبَانِيِّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر لِغَيْرِ هَذَا الْحَدِيث عِنْد النَّسَائِيِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2923",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَمْرًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ جَالِسًا مَعَ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏وَعَمْرِو بْنِ أَوْسٍ ‏ ‏فَحَدَّثَهُمَا ‏ ‏بَجَالَةُ ‏ ‏سَنَةَ سَبْعِينَ عَامَ حَجَّ ‏ ‏مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ ‏ ‏عِنْدَ دَرَجِ ‏ ‏زَمْزَمَ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ كَاتِبًا ‏ ‏لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَمِّ ‏ ‏الْأَحْنَفِ ‏ ‏فَأَتَانَا كِتَابُ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ ‏ ‏فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنْ ‏ ‏الْمَجُوسِ ‏ ‏وَلَمْ يَكُنْ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَخَذَ ‏ ‏الْجِزْيَةَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْمَجُوسِ ‏ ‏حَتَّى شَهِدَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخَذَهَا مِنْ ‏ ‏مَجُوسِ ‏ ‏هَجَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت عَمْرًا ) ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت جَالِسًا مَعَ جَابِر بْن زَيْد ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الشَّعْثَاء الْبَصْرِيّ ‏ ‏( وَعَمْرو بْن أَوْس ) ‏ ‏هُوَ الثَّقَفِيّ الْمُتَقَدِّم ذِكْر رِوَايَته عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر فِي الْحَجّ وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فِي التَّهَجُّد , وَلَيْسَتْ لَهُ هُنَا رِوَايَة , بَلْ ذَكَرَهُ عَمْرو بْن دِينَار لِيُبَيِّنَ أَنَّ بَجَالَةَ لَمْ يَقْصِدهُ بِالتَّحَدُّثِ وَإِنَّمَا حَدَّثَ غَيْره فَسَمِعَهُ هُوَ , وَهَذَا وَجْه مِنْ وُجُوه التَّحَمُّل بِالِاتِّفَاقِ , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفُوا هَلْ يَسُوغُ أَنْ يَقُول \" حَدَّثَنَا \" ؟ وَالْجُمْهُور عَلَى الْجَوَاز , وَمَنَعَ مِنْهُ النَّسَائِيُّ وَطَائِفَة قَلِيلَة , وَقَالَ الْبَرْقَانِيُّ : يَقُول \" سَمِعْت فُلَانًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَحَدَّثَهُمَا بَجَالَةُ ) ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَالْجِيم الْخَفِيفَة تَابِعِيّ شَهِير كَبِير تَمِيمِيّ بَصْرِيّ وَهُوَ اِبْن عَبَدَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة , وَيُقَال فِيهِ عَبْد بِالسُّكُونِ بِلَا هَاء , وَمَالَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( عَام حَجَّ مُصْعَب بْن الزُّبَيْر بِأَهْلِ الْبَصْرَة ) ‏ ‏أَيْ وَحَجَّ حِينَئِذٍ بَجَالَةُ مَعَهُ , وَبِذَلِكَ صَرَّحَ أَحْمَد فِي رِوَايَته عَنْ سُفْيَان , وَكَانَ مُصْعَب أَمِيرًا عَلَى الْبَصْرَة مِنْ قِبَلِ أَخِيهِ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر. وَقُتِلَ مُصْعَب بَعْد ذَلِكَ بِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت كَاتِبًا لِجَزْءٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الزَّاي بَعْدهَا هَمْزَة هَكَذَا يَقُولهُ الْمُحَدِّثُونَ , وَضَبَطَهُ أَهْل النَّسَب بِكَسْرِ الزَّاي بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ هَمْزَة. وَمَنْ قَالَهُ بِلَفْظِ التَّصْغِير فَقَدْ صَحَّفَ. وَهُوَ اِبْن مُعَاوِيَة بْنُ حِصْن بْن عُبَادَةَ التَّمِيمِيّ السَّعْدِيّ , عَمّ الْأَحْنَف بْن قَيْس. وَهُوَ مَعْدُود فِي الصَّحَابَة. وَكَانَ عَامِل عُمَر عَلَى الْأَهْوَاز. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ أَنَّهُ كَانَ عَلَى تَنَادُرَ ( قُلْت ) هِيَ مِنْ قُرَى الْأَهْوَاز. وَذَكَرَ الْبَلَاذِرِيُّ أَنَّهُ عَاشَ إِلَى خِلَافَة مُعَاوِيَة , وَوَلِيَ لِزِيَادِ بَعْض عَمَله. ‏ ‏قَوْله : ( قَبْل مَوْته بِسَنَةٍ ) ‏ ‏كَانَ ذَلِكَ سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ , لِأَنَّ عُمَر قُتِلَ سَنَة ثَلَاث. ‏ ‏قَوْله : ( فَرِّقُوا بَيْن كُلّ ذِي مَحْرَم مِنْ الْمَجُوس ) ‏ ‏زَادَ مُسَدَّد وَأَبُو يَعْلَى فِي رِوَايَتهمَا \" اُقْتُلُوا كُلّ سَاحِر قَالَ : فَقَتَلْنَا فِي يَوْم ثَلَاث سَوَاحِر , وَفَرَّقْنَا بَيْن الْمَحَارِم مِنْهُمْ , وَصَنَعَ طَعَامًا فَدَعَاهُمْ وَعَرَضَ السَّيْف عَلَى فَخِذَيْهِ , فَأَكَلُوا بِغَيْرِ زَمْزَمَة \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَرَادَ عُمَر بِالتَّفْرِقَةِ بَيْن الْمَحَارِم مِنْ الْمَجُوس مَنْعهمْ مِنْ إِظْهَار ذَلِكَ وَإِفْشَاء عُقُودهمْ بِهِ , وَهُوَ كَمَا شَرَطَ عَلَى النَّصَارَى أَنْ لَا يُظْهِرُوا صَلِيبَهُمْ. قُلْت قَدْ رَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ وَجْه آخَر عَنْ بَجَالَةَ مَا يُبَيِّن سَبَب ذَلِكَ وَلَفْظه \" أَنْ فَرِّقُوا بَيْن الْمَجُوس وَبَيْن مَحَارِمهمْ كَيْمَا نُلْحِقهُمْ بِأَهْلِ الْكِتَاب \" فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْد عُمَر شَرْط فِي قَبُول الْجِزْيَة مِنْهُمْ , وَأَمَّا الْأَمْر بِقَتْلِ السَّاحِر فَهُوَ مِنْ مَسَائِل الْخِلَاف , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور الْمَذْكُورَة مِنْ الزِّيَادَة \" وَاقْتُلُوا كُلّ سَاحِر وَكَاهِن \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حُكْم السَّاحِر فِي \" بَاب هَلْ يُعْفَى عَنْ الذِّمِّيّ إِذَا سَحَرَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَكُنْ عُمَر أَخَذَ الْجِزْيَة مِنْ الْمَجُوس حَتَّى شَهِدَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف ) ‏ ‏قُلْت : إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ جُمْلَة كِتَاب عُمَر فَهُوَ مُتَّصِل وَتَكُون فِيهِ رِوَايَة عُمَر عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَبِذَلِكَ وَقَعَ التَّصْرِيح فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَلَفْظه \" فَجَاءَنَا كِتَاب عُمَر : اُنْظُرْ مَجُوس مَنْ قَبْلك فَخُذْ مِنْهُمْ الْجِزْيَة , فَإِنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْنَ عَوْف أَخْبَرَنِي \" فَذَكَرَهُ. لَكِنَّ أَصْحَاب الْأَطْرَاف ذَكَرُوا هَذَا الْحَدِيث فِي تَرْجَمَة بَجَالَة بْن عَبَدَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْنِ عَوْف , وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق قُشَيْرِ بْن عَمْرو عَنْ بَجَالَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" جَاءَ رَجُل مِنْ مَجُوس هَجَرَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا خَرَجَ قُلْت لَهُ : مَا قَضَى اللَّه وَرَسُوله فِيكُمْ ؟ قَالَ. شَرّ , الْإِسْلَام أَوْ الْقَتْل. قَالَ : وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف : قَبِلَ مِنْهُمْ الْجِزْيَة. قَالَ اِبْن عَبَّاس فَأَخَذَ النَّاس بِقَوْلِ عَبْد الرَّحْمَن وَتَرَكُوا مَا سَمِعْت \" ; وَعَلَى هَذَا فَبَجَالَةُ يَرْوِيه عَنْ اِبْن عَبَّاس سَمَاعًا وَعَنْ عُمَر كِتَابَة كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَرَوَى أَبُو عُبَيْد بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ حُذَيْفَة \" لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت أَصْحَابِي أَخَذُوا الْجِزْيَة مِنْ الْمَجُوس مَا أَخَذْتهَا \" وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ عُمَر قَالَ : لَا أَدْرِي مَا أَصْنَع بِالْمَجُوسِ ؟ فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف : أَشْهَدُ لَسَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْل الْكِتَاب \" وَهَذَا مُنْقَطِع مَعَ ثِقَة رِجَاله , وَرَوَاهُ اِبْن الْمُنْذِر وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْغَرَائِب \" مِنْ طَرِيق أَبِي عَلِيّ الْحَنَفِيّ عَنْ مَالِك فَزَادَ فِيهِ \" عَنْ جَدّه \" وَهُوَ مُنْقَطِع أَيْضًا لِأَنَّ جَدّه عَلِيّ بْن الْحُسَيْن لَمْ يَلْحَق عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَلَا عُمَر , فَإِنْ كَانَ الضَّمِير فِي قَوْله \" عَنْ جَدّه \" يَعُود عَلَى مُحَمَّد بْن عَلِيّ فَيَكُون مُتَّصِلًا لِأَنَّ جَدّه الْحُسَيْن بْن عَلِيّ سَمِعَ مِنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَمِنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث مُسْلِم بْن الْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي آخِر حَدِيث بِلَفْظِ \" سُنُّوا بِالْمَجُوسِ سُنَّة أَهْل الْكِتَاب \" قَالَ أَبُو عُمَر : هَذَا مِنْ الْكَلَام الْعَامّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصّ , لِأَنَّ الْمُرَاد سُنَّة أَهْل الْكِتَاب فِي أَخْذ الْجِزْيَة فَقَطْ. قُلْت : وَقَعَ فِي آخِر رِوَايَة أَبِي عَلِيّ الْحَنَفِيّ \" قَالَ مَالِك فِي الْجِزْيَة : وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ سُنَّة أَهْل الْكِتَاب عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْل كِتَاب \" لَكِنْ رَوَى الشَّافِعِيّ وَعَبْد الرَّزَّاق وَغَيْرهمَا بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ عَلِيّ \" كَانَ الْمَجُوس أَهْل كِتَاب يَقْرَءُونَهُ وَعِلْم يَدْرُسُونَهُ , فَشَرِبَ أَمِيرهمْ الْخَمْر فَوَقَعَ عَلَى أُخْته , فَلَمَّا أَصْبَحَ دَعَا أَهْل الطَّمَع فَأَعْطَاهُمْ وَقَالَ : إِنَّ آدَم كَانَ يُنْكِح أَوْلَاده بَنَاته , فَأَطَاعُوهُ وَقَتَلَ مَنْ خَالَفَهُ فَأَسْرَى عَلَى كِتَابهمْ وَعَلَى مَا فِي قُلُوبهمْ مِنْهُ فَلَمْ يَبْقَ عِنْدهمْ مِنْهُ شَيْء \" وَرَوَى عَبْد بْن حُمَيْدٍ فِي تَفْسِير سُورَة الْبُرُوج بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ اِبْن أَبْزَى \" لَمَّا هَزَمَ الْمُسْلِمُونَ أَهْل فَارِس قَالَ عُمَر : اِجْتَمِعُوا. فَقَالَ : إِنَّ الْمَجُوس لَيْسُوا أَهْل كِتَاب فَنَضَع عَلَيْهِمْ , وَلَا مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان فَنُجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامهمْ فَقَالَ عَلِيّ : بَلْ هُمْ أَهْل كِتَاب \" فَذَكَرَ نَحْوه لَكِنْ قَالَ \" وَقَعَ عَلَى اِبْنَته \" وَقَالَ فِي آخِره \" فَوَضَعَ الْأُخْدُود لِمَنْ خَالَفَهُ \" فَهَذَا حُجَّة لِمَنْ قَالَ كَانَ لَهُمْ كِتَاب , وَأَمَّا قَوْل اِبْن بَطَّال : لَوْ كَانَ لَهُمْ كِتَاب وَرُفِعَ لَرُفِعَ حُكْمه وَلَمَّا اِسْتَثْنَى حِلّ ذَبَائِحهمْ وَنِكَاح نِسَائِهِمْ , فَالْجَوَاب أَنَّ الِاسْتِثْنَاء وَقَعَ تَبَعًا لِلْأَثَرِ الْوَارِد فِي ذَلِكَ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ شُبْهَة تَقْتَضِي حَقْن الدَّم , بِخِلَافِ النِّكَاح فَإِنَّهُ مِمَّا يُحْتَاط لَهُ. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : لَيْسَ تَحْرِيم نِسَائِهِمْ وَذَبَائِحهمْ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ , وَلَكِنَّ الْأَكْثَر مِنْ أَهْل الْعِلْم عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيث قَبُول خَبَر الْوَاحِد , وَأَنَّ الصَّحَابِيّ الْجَلِيل قَدْ يَغِيب عَنْهُ عِلْم مَا اِطَّلَعَ عَلَيْهِ غَيْره مِنْ أَقْوَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْكَامه , وَأَنَّهُ لَا نَقْص عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ التَّمَسُّك بِالْمَفْهُومِ لِأَنَّ عُمَر فَهِمَ مِنْ قَوْله \" أَهْل الْكِتَاب \" اِخْتِصَاصهمْ بِذَلِكَ حَتَّى حَدَّثَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف بِإِلْحَاقِ الْمَجُوس بِهِمْ فَرَجَعَ إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2924",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏وَهُوَ حَلِيفٌ ‏ ‏لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ‏ ‏وَكَانَ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏يَأْتِي ‏ ‏بِجِزْيَتِهَا ‏ ‏وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ صَالَحَ أَهْلَ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ ‏ ‏فَقَدِمَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏ ‏بِمَالٍ مِنْ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏فَسَمِعَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏بِقُدُومِ ‏ ‏أَبِي عُبَيْدَةَ ‏ ‏فَوَافَتْ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا صَلَّى بِهِمْ الْفَجْرَ انْصَرَفَ فَتَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ أَظُنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ ‏ ‏أَبَا عُبَيْدَةَ ‏ ‏قَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ قَالُوا أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَاللَّهِ ‏ ‏لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْأَنْصَارِيّ ) ‏ ‏الْمَعْرُوف عِنْد أَهْل الْمَغَازِي أَنَّهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِهِ هُنَا ‏ ‏\" وَهُوَ حَلِيف لِبَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ \" ‏ ‏لِأَنَّهُ يُشْعِر بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْل مَكَّة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون وَصَفَهُ بِالْأَنْصَارِيِّ بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ , وَلَا مَانِع أَنْ يَكُون أَصْله مِنْ الْأَوْس وَالْخَزْرَج وَنَزَلَ مَكَّة وَحَالَفَ بَعْض أَهْلهَا فَبِهَذَا الِاعْتِبَار يَكُون أَنْصَارِيًّا مُهَاجِرِيًّا , ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ لَفْظَة الْأَنْصَارِيّ وَهْم , وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهَا شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ , وَرَوَاهُ أَصْحَاب الزُّهْرِيّ كُلّهمْ عَنْهُ بِدُونِهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا , وَهُوَ مَعْدُود فِي أَهْل بَدْر بِاتِّفَاقِهِمْ , وَوَقَعَ عِنْد مُوسَى بْن عُقْبَة فِي الْمَغَازِي أَنَّهُ عُمَيْر بْن عَوْف بِالتَّصْغِيرِ , وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاق مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ الزُّهْرِيّ بِغَيْرِ تَصْغِير , وَكَأَنَّهُ كَانَ يُقَال فِيهِ بِالْوَجْهَيْنِ , وَقَدْ فَرَّقَ الْعَسْكَرِيّ بَيْن عُمَيْر بْن عَوْف وَعَمْرو بْن عَوْف وَالصَّوَاب الْوَحْدَة. ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح إِلَى الْبَحْرَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ الْبَلَد الْمَشْهُور بِالْعِرَاقِ , وَهِيَ بَيْن الْبَصْرَة وَهَجَرَ , ‏ ‏وَقَوْله \" يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا \" ‏ ‏أَيْ بِجِزْيَةِ أَهْلهَا , وَكَانَ غَالِب أَهْلهَا إِذْ ذَاكَ الْمَجُوس , فَفِيهِ تَقْوِيَة لِلْحَدِيثِ الَّذِي قَبْله , وَمِنْ ثَمَّ تَرْجَمَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ \" أَخْذ الْجِزْيَة مِنْ الْمَجُوس \" , وَذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد قِسْمَة الْغَنَائِم بِالْجِعِرَّانَةِ أَرْسَلَ الْعَلَاء إِلَى الْمُنْذِر بْن سَاوَى عَامِل الْبَحْرَيْنِ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام فَأَسْلَمَ وَصَالَحَ مَجُوس تِلْكَ الْبِلَاد عَلَى الْجِزْيَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ صَالَحَ أَهْل الْبَحْرَيْنِ ) ‏ ‏كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَة الْوُفُود سَنَة تِسْع مِنْ الْهِجْرَة , وَالْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ صَحَابِيّ شَهِير وَاسْم الْحَضْرَمِيّ عَبْد اللَّه بْن مَالِك بْن رَبِيعَة , وَكَانَ مِنْ أَهْل حَضْرَمَوْت فَقَدِمَ مَكَّة فَخَالَفَ بِهَا بَنِي مَخْزُوم , وَقِيلَ كَانَ اِسْم الْحَضْرَمِيّ فِي الْجَاهِلِيَّة زهرمز , وَذَكَرَ عُمَر بْنُ شَبَّة فِي \" كِتَاب مَكَّة \" عَنْ أَبِي غَسَّان عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن عِمْرَانَ أَنَّ كِسْرَى لَمَّا أَغَارَ بَنُو تَمِيم وَبَنُو شَيْبَانَ عَلَى مَاله أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا عَلَيْهِمْ زهرمز فَكَانَتْ وَقْعَة ذِي قَار فَقَتَلُوا الْفُرْس وَأَسَرُوا أَمِيرهمْ , فَاشْتَرَاهُ صَخْر بْن رَزِين الدَّيْلِيّ فَسَرَقَهُ مِنْهُ رَجُل مِنْ حَضْرَمَوْت فَتَبِعَهُ صَخْر حَتَّى اِفْتَدَاهُ مِنْهُ فَقَدِمَ بِهِ مَكَّة , وَكَانَ صَنَّاعًا فَعُتِقَ وَأَقَامَ بِمَكَّة وَوُلِدَ لَهُ أَوْلَاد نُجَبَاء وَتَزَوَّجَ أَبُو سُفْيَان اِبْنَته الصَّعْبَة فَصَارَتْ دَعْوَاهُمْ فِي آل حَرْب , ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عُبَيْد اللَّه بْن عُثْمَان وَالِد طَلْحَة أَحَد الْعَشَرَة فَوَلَدَتْ لَهُ طَلْحَة. قَالَ وَقَالَ غَيْر عَبْد الْعَزِيز أَنَّ كُلْثُوم اِبْن رَزِين أَوْ أَخَاهُ الْأَسْوَد خَرَجَ تَاجِرًا فَرَأَى بِحَضْرَمَوْت عَبْدًا فَارِسًا نَجَّارًا يُقَال لَهُ زهرمز فَقَدِمَ بِهِ مَكَّة ثُمَّ اِشْتَرَاهُ مِنْ مَوْلَاهُ وَكَانَ حِمْيَرِيًّا يُكَنَّى أَبَا رِفَاعَةَ فَأَقَامَ بِمَكَّة فَصَارَ يُقَال لَهُ الْحَضْرَمِيّ حَتَّى غَلَبَ عَلَى اِسْمه , فَجَاوَرَ أَبَا سُفْيَان وَانْقَطَعَ إِلَيْهِ , وَكَانَ آل رَزِين حُلَفَاء لِحَرْبِ بْن أُمَيَّة , وَأَسْلَمَ الْعَلَاء قَدِيمًا وَمَاتَ الثَّلَاثَة الْمَذْكُورُونَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْعَلَاء بِالْيَمَنِ وَعَمْرو بْن عَوْف فِي خِلَافَة عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الصَّلَاة بَيَان الْمَال الْمَذْكُور وَقَدْره وَقِصَّة الْعَبَّاس فِي الْأَخْذ مِنْهُ وَهِيَ الَّتِي ذُكِرَتْ هُنَا أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَمِعَتْ الْأَنْصَار بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَة فَوَافَقَتْ صَلَاة الصُّبْح ) ‏ ‏يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَجْتَمِعُونَ فِي كُلّ الصَّلَوَات فِي التَّجْمِيع إِلَّا لِأَمْرِ يَطْرَأ , وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِي مَسَاجِدهمْ , إِذْ كَانَ لِكُلِّ قَبِيلَة مَسْجِد يَجْتَمِعُونَ فِيهِ , فَلِأَجْلِ ذَلِكَ عَرَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ اِجْتَمَعُوا لِأَمْرٍ , وَدَلَّتْ الْقَرِينَة عَلَى تَعْيِين ذَلِكَ الْأَمْر وَهُوَ اِحْتِيَاجهمْ إِلَى الْمَال لِلتَّوْسِعَةِ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُون لِلْمُهَاجِرِينَ مِثْل ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ مِنْ حَدِيث أَنَس , فَلَمَّا قَدِمَ الْمَال رَأَوْا أَنَّ لَهُمْ فِيهِ حَقًّا. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون وَعَدَهُمْ بِأَنْ يُعْطِيهِمْ مِنْهُ إِذَا حَضَرَ , وَقَدْ وَعَدَ جَابِرًا بَعْد هَذَا أَنْ يُعْطِيه مِنْ مَال الْبَحْرَيْنِ فَوَفَّى لَهُ أَبُو بَكْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَعَرَّضُوا لَهُ ) ‏ ‏أَيْ سَأَلُوهُ بِالْإِشَارَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالُوا أَجَلْ يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏قَالَ الْأَخْفَش : أَجَلْ فِي الْمَعْنَى مِثْل نَعَمْ , لَكِنَّ نَعَمْ يَحْسُن أَنْ تُقَال جَوَاب الِاسْتِفْهَام , وَأَجَلْ أَحْسَن مِنْ نَعَمْ فِي التَّصْدِيق. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَبْشِرُوا ) ‏ ‏أَمْر مَعْنَاهُ الْإِخْبَار بِحُصُولِ الْمَقْصُود. ‏ ‏قَوْله : ( فَتُنَافِسُوهَا ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ طَلَب الْعَطَاء مِنْ الْإِمَام لَا غَضَاضَة فِيهِ , وَفِيهِ الْبُشْرَى مِنْ الْإِمَام لِأَتْبَاعِهِ وَتَوْسِيع أَمَلهمْ مِنْهُ , وَفِيهِ مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة إِخْبَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يُفْتَح عَلَيْهِمْ , وَفِيهِ أَنَّ الْمُنَافَسَة فِي الدُّنْيَا قَدْ تَجُرّ إِلَى هَلَاك الدِّين. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ عِنْد مُسْلِم مَرْفُوعًا \" تَتَنَافَسُونَ , ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ , ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ , ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ \" أَوْ نَحْو ذَلِكَ , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ كُلّ خَصْلَة مِنْ الْمَذْكُورَات مُسَبَّبَة عَنْ الَّتِي قَبْلهَا , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2925",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ ‏ ‏وَزِيَادُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏النَّاسَ فِي أَفْنَاءِ الْأَمْصَارِ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ فَأَسْلَمَ ‏ ‏الْهُرْمُزَانُ ‏ ‏فَقَالَ إِنِّي مُسْتَشِيرُكَ فِي مَغَازِيَّ هَذِهِ قَالَ نَعَمْ مَثَلُهَا وَمَثَلُ مَنْ فِيهَا مِنْ النَّاسِ مِنْ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ مَثَلُ طَائِرٍ لَهُ رَأْسٌ وَلَهُ جَنَاحَانِ وَلَهُ رِجْلَانِ فَإِنْ كُسِرَ أَحَدُ الْجَنَاحَيْنِ نَهَضَتْ الرِّجْلَانِ بِجَنَاحٍ وَالرَّأْسُ فَإِنْ كُسِرَ الْجَنَاحُ الْآخَرُ نَهَضَتْ الرِّجْلَانِ وَالرَّأْسُ وَإِنْ ‏ ‏شُدِخَ ‏ ‏الرَّأْسُ ذَهَبَتْ الرِّجْلَانِ وَالْجَنَاحَانِ وَالرَّأْسُ فَالرَّأْسُ ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏وَالْجَنَاحُ ‏ ‏قَيْصَرُ ‏ ‏وَالْجَنَاحُ الْآخَرُ ‏ ‏فَارِسُ ‏ ‏فَمُرْ الْمُسْلِمِينَ ‏ ‏فَلْيَنْفِرُوا ‏ ‏إِلَى ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏بَكْرٌ ‏ ‏وَزِيَادٌ ‏ ‏جَمِيعًا عَنْ ‏ ‏جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَنَدَبَنَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْنَا ‏ ‏النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ ‏ ‏حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَرْضِ الْعَدُوِّ وَخَرَجَ عَلَيْنَا عَامِلُ ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَقَامَ تَرْجُمَانٌ فَقَالَ لِيُكَلِّمْنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَقَالَ ‏ ‏الْمُغِيرَةُ ‏ ‏سَلْ عَمَّا شِئْتَ قَالَ مَا أَنْتُمْ قَالَ نَحْنُ أُنَاسٌ مِنْ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ وَبَلَاءٍ شَدِيدٍ نَمَصُّ الْجِلْدَ وَالنَّوَى مِنْ الْجُوعِ وَنَلْبَسُ الْوَبَرَ وَالشَّعَرَ وَنَعْبُدُ الشَّجَرَ وَالْحَجَرَ فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرَضِينَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَجَلَّتْ عَظَمَتُهُ إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا ‏ ‏الْجِزْيَةَ ‏ ‏وَأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي نَعِيمٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَطُّ وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ فَقَالَ ‏ ‏النُّعْمَانُ ‏ ‏رُبَّمَا أَشْهَدَكَ اللَّهُ مِثْلَهَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ يُنَدِّمْكَ وَلَمْ يُخْزِكَ وَلَكِنِّي شَهِدْتُ الْقِتَالَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ انْتَظَرَ حَتَّى تَهُبَّ ‏ ‏الْأَرْوَاحُ ‏ ‏وَتَحْضُرَ الصَّلَوَاتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع النُّسَخ بِسُكُونِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْمُثَنَّاة وَكَسْر الْمِيم , وَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْتَخْرَج الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره فِي هَذَا الْحَدِيث , وَزَعَمَ الدِّمْيَاطِيّ أَنَّ الصَّوَاب الْمُعَمَّر بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمِيم الْمَفْتُوحَة بِغَيْرِ مُثَنَّاة قَالَ : لِأَنَّ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر الرَّقِّيّ لَا يَرْوِي عَنْ الْمُعْتَمِر الْبَصْرِيّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِكَافٍ فِي رَدّ الرِّوَايَات الصَّحِيحَة , وَهَبْ أَنَّ أَحَدهمَا لَمْ يَدْخُل بَلَد الْآخَر أَمَا يَجُوز أَنْ يَكُونَا اِلْتَقَيَا مَثَلًا فِي الْحَجّ أَوْ فِي الْغَزْو ؟ وَمَا ذَكَرَهُ مُعَارَض بِمِثْلِهِ , فَإِنَّ الْمُعَمَّر بْن سُلَيْمَان رَقِّيٌّ وَسَعِيد بْن عُبَيْد اللَّه بَصْرِيّ فَمَهْمَا اُسْتُبْعِدَ مِنْ لِقَاء الرَّقِّيّ الْبَصْرِيّ جَاءَ مِثْله فِي لِقَاء الرَّقِّيّ لِلْبَصْرِيِّ , وَأَيْضًا فَالَّذِينَ جَمَعُوا رِجَال الْبُخَارِيّ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِمْ الْمُعَمَّر بْن سُلَيْمَان الرَّقِّيّ وَأَطْبَقُوا عَلَى ذِكْر الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ الْبَصْرِيّ , وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَحَكَى أَنَّهُ قِيلَ : الصَّوَاب فِي هَذَا مُعَمَّر بْن رَاشِد يَعْنِي شَيْخ عَبْد الرَّزَّاق. قُلْت : وَهَذَا هُوَ الْخَطَأ بِعَيْنِهِ , فَلَيْسَتْ لِعَبْدِ اللَّه بْن جَعْفَر الرَّقِّيّ عَنْ مُعَمَّر بْن رَاشِد رِوَايَة أَصْلًا , وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ثُمَّ رَأَيْت سَلَفَ الدِّمْيَاطِيّ فِيمَا جَزَمَ بِهِ فَقَالَ اِبْن قُرْقُولٍ فِي الْمَطَالِع : وَقَعَ فِي التَّوْحِيد وَفِي الْجِزْيَة عَنْ الْفَضْل بْن يَعْقُوب عَنْ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر عَنْ مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ سَعِيد بْن عُبَيْد اللَّه كَذَا لِلْجَمِيعِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ , قَالُوا وَهُوَ وَهْم , وَإِنَّمَا هُوَ الْمُعَمَّر بْن سُلَيْمَان الرَّقِّيّ , وَكَذَا كَانَ فِي أَصْل الْأَصِيلِيِّ فَزَادَ فِيهِ التَّاء وَأَصْلَحَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ , قَالَ الْأَصِيلِيُّ : الْمُعْتَمِر هُوَ الصَّحِيح , وَقَالَ غَيْره : الْمُعَمَّر هُوَ الصَّحِيح وَالرَّقِّيّ لَا يَرْوِي عَنْ الْمُعْتَمِر , قَالَ : وَلَمْ يَذْكُر الْحَاكِم وَلَا الْبَاجِيُّ فِي رِجَال الْبُخَارِيّ الْمُعَمَّر بْن سُلَيْمَان , بَلْ قَالَ الْبَاجِيُّ فِي تَرْجَمَة عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر : يَرْوِي عَنْ الْمُعْتَمِر , وَلَمْ يَذْكُر لَهُ الْبُخَارِيّ عَنْهُ رِوَايَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عُبَيْد اللَّه الثَّقَفِيّ ) ) ‏ ‏هُوَ اِبْن جُبَيْر بْن حَيَّة الْمَذْكُور بَعْدُ , وَزِيَاد بْن جُبَيْر شَيْخه هُوَ اِبْن عَمّه. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جُبَيْر بْن حَيَّة ) ‏ ‏هُوَ جَدّ زِيَاد وَحَيَّة أَبُوهُ بِمُهْمَلَة وَتَحْتَانِيَّة مُثْقَلَة , وَهُوَ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ , وَاسْم جَدّه مَسْعُود بْن مُعْتِب بِمُهْمَلَة وَمُثَنَّاة ثُمَّ مُوَحَّدَة , وَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّهُ فِي الصَّحَابَة وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي بِبَعِيدٍ , لِأَنَّ مَنْ شَهِدَ الْفُتُوح فِي وَسَط خِلَافَة عُمَر يَكُون فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُمَيَّزًا , وَقَدْ نَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي سَنَة حَجَّة الْوَدَاع مِنْ قُرَيْش وَثَقِيف أَحَدٌ إِلَّا أَسْلَمَ وَشَهِدَهَا وَهَذَا مِنْهُمْ , وَهُوَ مِنْ بَيْت كَبِير فَإِنَّ عَمّه عُرْوَة بْن مَسْعُود كَانَ رَئِيس ثَقِيف فِي زَمَانه وَالْمُغِيرَة بْن شُعْبَة اِبْن عَمّه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق مُبَارَك بْن فَضَالَةَ عَنْ زِيَاد بْن جُبَيْر \" حَدَّثَنِي أَبِي \" وَلِسَعِيدِ حَفِيده رِوَايَة أُخْرَى فِي الْأَشْرِبَة وَالتَّوْحِيد , وَعَمّه زِيَاد بْن جُبَيْر تَقَدَّمَتْ لَهُ رِوَايَات أُخْرَى فِي الصَّوْم وَالْحَجّ , وَذَكَرَ أَبُو الشَّيْخ أَنَّ جُبَيْر بْن حَيَّة وَلِيَ إِمْرَة أَصْبَهَانَ وَمَاتَ فِي خِلَافَة عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان. ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَ عُمَر النَّاس فِي أَفْنَاء الْأَمْصَار ) ‏ ‏أَيْ فِي مَجْمُوع الْبِلَاد الْكِبَار , وَالْأَفْنَاء بِالْفَاءِ وَالنُّون مَمْدُود جَمْع فِنْوٍ بِكَسْرِ الْفَاء وَسُكُون النُّون , وَيُقَال فُلَان مِنْ أَفْنَاء النَّاس إِذَا لَمْ تُعَيَّن قَبِيلَته. وَالْمِصْر الْمَدِينَة الْعَظِيمَة , وَوَقَعَ عِنْد الْكَرْمَانِيِّ \" الْأَنْصَار \" بِالنُّونِ بَدَلَ الْمِيم وَشَرَحَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : وَفِي بَعْضهَا الْأَمْصَار. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَسْلَمَ الْهُرْمُزَانُ ) ‏ ‏فِي السِّيَاق اِخْتِصَار كَثِير لِأَنَّ إِسْلَام الْهُرْمُزَانِ كَانَ بَعْد قِتَال كَثِير بَيْنه وَبَيْن الْمُسْلِمِينَ بِمَدِينَةِ تَسْتُرَ , ثُمَّ نَزَلَ عَلَى حُكْم عُمَر فَأَسَرَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى عُمَر مَعَ أَنَس فَأَسْلَمَ فَصَارَ عُمَر يُقَرِّبهُ وَيَسْتَشِيرهُ , ثُمَّ اِتَّفَقَ أَنَّ عُبَيْد اللَّه - بِالتَّصْغِيرِ - بْنَ عُمَر بْن الْخَطَّاب اِتَّهَمَهُ بِأَنَّهُ وَاطَأَ أَبَا لُؤْلُؤَة عَلَى قَتْل عُمَر فَعَدَا عَلَى الْهُرْمُزَانِ فَقَتَلَهُ بَعْد قَتْل عُمَر , وَسَتَأْتِي قِصَّة إِسْلَام الْهُرْمُزَانِ بَعْد عَشَرَة أَبْوَاب. وَهُوَ بِضَمِّ الْهَاء وَسُكُون الرَّاء وَضَمّ الْمِيم بَعْدهَا زَاي , وَكَانَ مِنْ زُعَمَاء الْفُرْس. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي مُسْتَشِيرك فِي مَغَازِيَّ ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ , وَهَذِهِ إِشَارَة إِلَى مَا فِي قَصْده , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق مَعْقِل بْن يَسَار \" أَنَّ عُمَر شَاوَرَ الْهُرْمُزَان فِي فَارِس وَأَصْبَهَانَ وَأَذْرَبِيجَان \" أَيْ بِأَيِّهَا يَبْدَأ , وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ اِسْتَشَارَهُ فِي جِهَات مَخْصُوصَة , وَالْهُرْمُزَان كَانَ مِنْ أَهْل تِلْكَ الْبِلَاد وَكَانَ أَعْلَم بِأَحْوَالِهَا مِنْ غَيْره , وَعَلَى هَذَا فَفِي قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب \" فَالرَّأْس كِسْرَى وَالْجَنَاح قَيْصَر وَالْجَنَاح الْآخَر فَارِس \" نَظَر , لِأَنَّ كِسْرَى هُوَ رَأْس أَهْل فَارِس , وَأَمَّا قَيْصَر صَاحِب الرُّوم فَلَمْ يَكُنْ كِسْرَى رَأْسًا لَهُمْ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق مُبَارَك بْن فَضَالَة الْمَذْكُورَة قَالَ \" فَإِنَّ فَارِس الْيَوْم رَأْس وَجَنَاحَانِ \" وَهَذَا مُوَافِق لِرِوَايَةِ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَهُوَ أَوْلَى , لِأَنَّ قَيْصَر كَانَ بِالشَّامِ ثُمَّ بِبِلَادِ الشِّمَال وَلَا تَعَلُّق لَهُمْ بِالْعِرَاقِ وَفَارِس وَالْمَشْرِق. وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَل كِسْرَى رَأْس الْمُلُوك وَهُوَ مَلِك الْمَشْرِق وَقَيْصَر مَلِك الرُّوم دُونه وَلِذَلِكَ جَعَلَهُ جَنَاحَانِ لَكَانَ الْمُنَاسِب أَنْ يَجْعَل الْجَنَاح الثَّانِي مَا يُقَابِلهُ مِنْ جِهَة الْيَمِين كَمُلُوكِ الْهِنْد وَالصِّين مَثَلًا , لَكِنْ دَلَّتْ الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِلَّا أَهْل بِلَاده الَّتِي هُوَ عَالِم بِهَا , وَكَأَنَّ الْجُيُوش إِذْ ذَاكَ كَانَتْ بِالْبِلَادِ الثَّلَاثَة , وَأَكْثَرهَا وَأَعْظَمهَا بِالْبَلْدَةِ الَّتِي فِيهَا كِسْرَى لِأَنَّهُ كَانَ رَأْسهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمُرْ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَنْفِرُوا إِلَى كِسْرَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُبَارَك أَنَّ الْهُرْمُزَان قَالَ \" فَاقْطَعْ الْجَنَاحَيْنِ يَلِنْ لَك الرَّأْس \" فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عُمَر فَقَالَ \" بَلْ اِقْطَعْ الرَّأْس أَوَّلًا \" فَيُحْتَمَل أَنَّهُ لَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ عَادَ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالصَّوَابِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْنَا النُّعْمَان بْن مُقَرِّن ) ‏ ‏بِالْقَافِ وَتَشْدِيد الرَّاء وَهُوَ الْمُزَنِيُّ , وَكَانَ مِنْ أَفَاضِل الصَّحَابَة هَاجَرَ هُوَ وَإِخْوَة لَهُ سَبْعَة وَقِيلَ عَشَرَة , وَقَالَ اِبْن مَسْعُود \" إِنَّ لِلْإِيمَانِ بُيُوتًا , وَإِنَّ بَيْت آل مُقَرِّن مِنْ بُيُوت الْإِيمَان \" وَكَانَ النُّعْمَان قَدِمَ عَلَى عُمَر بِفَتْحِ الْقَادِسِيَّة فَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة الْمَذْكُورَة \" فَدَخَلَ عُمَر الْمَسْجِد فَإِذَا هُوَ بِالنُّعْمَانِ يُصَلِّي فَقَعَدَ , فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : إِنِّي مُسْتَعْمِلك , قَالَ أَمَّا جَابِيًا فَلَا , وَلَكِنْ غَازِيًا , قَالَ : فَإِنَّك غَازٍ , فَخَرَجَ مَعَهُ الزُّبَيْر وَحُذَيْفَة وَابْن عَمْرو وَالْأَشْعَث وَعَمْرو بْن مَعْدِي كَرِبَ \" وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ الْمَذْكُورَة \" فَأَرَادَ عُمَر الْمَسِير بِنَفْسِهِ , ثُمَّ بَعَثَ النُّعْمَان وَمَعَهُ اِبْن عُمَر وَجَمَاعَة , وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى أَنْ يَسِير بِأَهْلِ الْبَصْرَة , وَإِلَى حُذَيْفَة أَنْ يَسِير بِأَهْلِ الْكُوفَة , حَتَّى يَجْتَمِعُوا بِنَهَاوَنْد , وَهِيَ بِفَتْحِ النُّون وَالْهَاء وَالْوَاو وَسُكُون الثَّانِيَة , قَالَ : وَإِذَا اِلْتَقَيْتُمْ فَأَمِيركُمْ النُّعْمَان بْن مُقَرِّن \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَرْضِ الْعَدُوّ ) ‏ ‏وَقَدْ عُرِفَ مِنْ رِوَايَة الطَّبَرِيِّ أَنَّهَا نَهَاوَنْد. ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجَ عَلَيْنَا عَامِل كِسْرَى ) ‏ ‏سَمَّاهُ مُبَارَك بْن فَضَالَة فِي رِوَايَته بُنْدَار , وَعِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة أَنَّهُ ذُو الْجَنَاحَيْنِ , فَلَعَلَّ أَحَدهمَا لَقَبه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ تُرْجُمَان ) ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ مِنْ الزِّيَادَة \" فَلَمَّا اِجْتَمَعُوا أَرْسَلَ بُنْدَار إِلَيْهِمْ أَنْ أَرْسِلُوا إِلَيْنَا رَجُلًا نُكَلِّمهُ , فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ الْمُغِيرَة \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" وَكَانَ بَيْنهمْ نَهْر. فَسَرَّحَ إِلَيْهِمْ الْمُغِيرَة , فَعَبَرَ النَّهْر , فَشَاوَرَ ذُو الْجَنَاحَيْنِ أَصْحَابه كَيْفَ نَقْعُد لِلرَّسُولِ ؟ فَقَالُوا لَهُ : اُقْعُدْ فِي هَيْئَة الْمَلِك وَبَهْجَته , فَقَعَدَ عَلَى سَرِيره وَوَضَعَ التَّاج عَلَى رَأْسه وَقَامَ أَبْنَاء الْمُلُوك حَوْلَ سِمَاطَيْنِ عَلَيْهِمْ أَسَاوِر الذَّهَب وَالْقِرَطَة وَالدِّيبَاج , قَالَ فَأَذِنَ لِلْمُغِيرَةِ فَأَخَذَ بِضَبْعَيْهِ رَجُلَانِ وَمَعَهُ رُمْحه وَسَيْفه , فَجَعَلَ يَطْعَن بِرُمْحِهِ فِي بُسُطهمْ لِيَتَطَيَّرُوا \" وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ \" قَالَ الْمُغِيرَة : فَمَضَيْت وَنَكَّسْت رَأْسِي فَدَفَعْت فَقُلْت لَهُمْ : إِنَّ الرَّسُول لَا يُفْعَل بِهِ هَذَا \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَنْتُمْ ) ‏ ‏هَكَذَا خَاطَبَهُ بِصِيغَةِ مَنْ لَا يَعْقِل اِحْتِقَارًا لَهُ , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" فَقَالَ إِنَّكُمْ مَعْشَر الْعَرَب أَصَابَكُمْ جُوع وَجَهْد فَجِئْتُمْ , فَإِنْ شِئْتُمْ مِرْنَاكُمْ \" بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الرَّاء أَيْ أَعْطَيْنَاكُمْ الْمِيرَة أَيْ الزَّاد وَرَجَعْتُمْ \". وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ \" إِنَّكُمْ مَعْشَر الْعَرَب أَطْوَل النَّاس جُوعًا وَأَبْعَد النَّاس مِنْ كُلّ خَيْر , وَمَا مَنَعَنِي أَنْ آمُر هَؤُلَاءِ الْأَسَاوِرَة أَنْ يَنْتَظِمُوكُمْ بِالنِّشَابِ إِلَّا تَنَجُّسًا لِجِيَفِكُمْ \" قَالَ \" فَحَمِدْت اللَّه وَأَثْنَيْت عَلَيْهِ ثُمَّ قُلْت : مَا أَخْطَأْت شَيْئًا مِنْ صِفَتنَا , كَذَلِكَ كُنَّا , حَتَّى بَعَثَ اللَّه إِلَيْنَا رَسُوله \". ‏ ‏قَوْله : ( نَعْرِف أَبَاهُ وَأُمّه ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" فِي شَرَف مِنَّا , أَوْسَطنَا حَسَبًا , وَأَصْدَقنَا حَدِيثًا \" ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَنَا نَبِيّنَا رَسُول رَبّنَا أَنْ نُقَاتِلكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّه وَحْده أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَة ) ‏ ‏هَذَا الْقَدْر هُوَ الَّذِي يُحْتَاج إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَاب , وَفِيهِ إِخْبَار الْمُغِيرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقِتَالِ الْمَجُوس حَتَّى يُؤَدُّوا الْجِزْيَة , فَفِيهِ دَفْع لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف تَفَرَّدَ بِذَلِكَ , وَزَادَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ \" وَإِنَّا وَاللَّهِ لَا نَرْجِع إِلَى ذَلِكَ الشَّقَاء حَتَّى نَغْلِبكُمْ عَلَى مَا فِي أَيْدِيكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ النُّعْمَان ) ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مُخْتَصَرًا , قَالَ اِبْن بَطَّال : قَوْل النُّعْمَان لِلْمُغِيرَةِ \" رُبَّمَا أَشْهَدَك اللَّه مِثْلهَا \" أَيْ مِثْل هَذِهِ الشِّدَّة , ) ‏ ‏وَقَوْله \" فَلَمْ يُنَدِّمك \" ‏ ‏أَيْ مَا لَقِيت مَعَهُ مِنْ الشِّدَّة ‏ ‏\" وَلَمْ يُحْزِنك \" ‏ ‏أَيْ لَوْ قُتِلْت مَعَهُ لِعِلْمِك بِمَا تَصِير إِلَيْهِ مِنْ النَّعِيم وَثَوَاب الشَّهَادَة , قَالَ وَقَوْله ‏ ‏\" وَلَكِنِّي شَهِدْت إِلَخْ \" ‏ ‏كَلَام مُسْتَأْنَف وَابْتِدَاء قِصَّة أُخْرَى ا ه. وَقَدْ بَيَّنَ مُبَارَك بْن فَضَالَة فِي رِوَايَته عَنْ زِيَاد بْن جُبَيْر اِرْتِبَاط كَلَام النُّعْمَان بِمَا قَبْله , وَبِسِيَاقِهِ يَتَبَيَّن أَنَّهُ لَيْسَ قِصَّة مُسْتَأْنَفَة , وَحَاصِله أَنَّ الْمُغِيرَة أَنْكَرَ عَلَى النُّعْمَان تَأْخِير الْقِتَال فَاعْتَذَرَ النُّعْمَان بِمَا قَالَهُ , وَمَا أَوَّلَ بِهِ قَوْله \" فَلَمْ يُنَدِّمك إِلَخْ \" فِيهِ أَيْضًا نَظَر , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ \" فَلَمْ يُنَدِّمك \" أَيْ عَلَى التَّأَنِّي وَالصَّبْر حَتَّى تَزُول الشَّمْس , وَقَوْله \" وَلَمْ يُحْزِنك \" شَرْحه عَلَى أَنَّهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون مِنْ الْحُزْن وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة بِغَيْرِ نُون وَهُوَ أَوْجَه لِوِفَاقِ مَا قَبْله , وَهُوَ نَظِير مَا تَقَدَّمَ فِي وَفْد عَبْد الْقَيْس \" غَيْر خَزَايَا وَلَا نَدَامَى \" وَلَفْظ مُبَارَك مُلَخَّصًا أَنَّهُمْ \" أَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ إِمَّا أَنْ تَعْبُرُوا إِلَيْنَا النَّهْر أَوْ نَعْبُر إِلَيْكُمْ , قَالَ النُّعْمَان اُعْبُرُوا إِلَيْهِمْ , قَالَ فَتَلَاقَوْا وَقَدْ قَرَنَ بَعْضهمْ بَعْضًا وَأَلْقَوْا حَسَك الْحَدِيد خَلْفهمْ لِئَلَّا يَفِرُّوا , قَالَ فَرَأَى الْمُغِيرَة كَثْرَتهمْ فَقَالَ لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فَشَلًا أَنَّ عَدُوّنَا يَتْرُكُونَ يَتَأَهَّبُونَ , أَمَا وَاللَّهِ لَوْ كَانَ الْأَمْر إِلَيَّ لَقَدْ أَعْجَلْتهمْ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" فَصَافَفْنَاهُمْ , فَرَشَقُونَا حَتَّى أَسْرَعُوا فِينَا , فَقَالَ الْمُغِيرَة لِلنُّعْمَانِ إِنَّهُ قَدْ أَسْرَعَ فِي النَّاس فَلَوْ حَمَلْت , فَقَالَ النُّعْمَان : إِنَّك لَذُو مَنَاقِب , وَقَدْ شَهِدْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلهَا \" وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ \" قَدْ كَانَ اللَّه أَشْهَدَك أَمْثَالهَا , وَاللَّهِ مَا مَنَعَنِي أَنْ أَنَاجِزهمْ إِلَّا شَيْء شَهِدْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَهُبّ الْأَرْوَاح ) ‏ ‏جَمْع رِيح وَأَصْله الْوَاو , لَكِنْ لَمَّا اِنْكَسَرَ مَا قَبْل الْوَاو السَّاكِنَة اِنْقَلَبَتْ يَاء وَالْجَمْع يَرُدّ الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا , وَقَدْ حَكَى اِبْن جِنِّيّ جَمْع رِيح عَلَى أَرْيَاح. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَحْضُر الصَّلَوَات ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" وَتَزُول الشَّمْس \" وَهُوَ بِالْمَعْنَى ; وَزَادَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ \" وَيَطِيب الْقِتَال \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" وَيَنْزِل النَّصْر \" وَزَادَ مَعًا وَاللَّفْظ لِمُبَارَكِ بْن فَضَالَة عَنْ زِيَاد بْن جُبَيْر \" فَقَالَ النُّعْمَان : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك أَنْ تَقَرّ عَيْنِي الْيَوْم بِفَتْحٍ يَكُون فِيهِ عِزّ الْإِسْلَام وَذُلّ الْكُفْر وَالشَّهَادَة لِي \" ثُمَّ قَالَ \" إِنِّي هَازّ اللِّوَاء فَتَيَسَّرُوا لِلْقِتَالِ \" , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" فَلْيَقْضِ الرَّجُل حَاجَته وَلْيَتَوَضَّأْ , ثُمَّ هَازّه الثَّانِيَة فَتَأَهَّبُوا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" فَلْيَنْظُرْ الرَّجُل إِلَى نَفْسه وَيَرْمِي مِنْ سِلَاحه , ثُمَّ هَازّه الثَّالِثَة فَاحْمِلُوا , وَلَا يَلْوِيَن أَحَد عَلَى أَحَد , وَلَوْ قُتِلْت , فَإِنْ قُتِلْت فَعَلَى النَّاس حُذَيْفَة. قَالَ فَحَمَلَ وَحَمَلَ النَّاس , فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا يَوْمَئِذٍ يُرِيد أَنْ يَرْجِع إِلَى أَهْله حَتَّى يُقْتَل أَوْ يَظْفَر. فَثَبَتُوا لَنَا , ثُمَّ اِنْهَزَمُوا , فَجَعَلَ الْوَاحِد يَقَع عَلَى الْآخَر فَيَقْتُل سَبْعَة , وَجَعَلَ الْحَسَك الَّذِي جَعَلُوهُ خَلْفهمْ يَعْقِرهُمْ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" وَوَقَعَ ذُو الْجَنَاحَيْنِ عَنْ بَغْلَة شَهْبَاء فَانْشَقَّ بَطْنه , فَفَتَحَ اللَّه عَلَى الْمُسْلِمِينَ \" وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ \" وَجَعَلَ النُّعْمَان يَتَقَدَّم بِاللِّوَاءِ , فَلَمَّا تَحَقَّقَ الْفَتْح جَاءَتْهُ نَشَّابَة فِي خَاصِرَته فَصَرَعَتْهُ , فَسَجَّاهُ أَخُوهُ مَعْقِل ثَوْبًا وَأَخَذَ اللِّوَاء , وَرَجَعَ النَّاس فَنَزَلُوا وَبَايَعُوا حُذَيْفَة , فَكَتَبَ بِالْفَتْحِ إِلَى عُمَر مَعَ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ \" قُلْت : وَسَمَّاهُ سَيْف فِي \" الْفُتُوح \" طَرِيف بْن سَهْم , وَعِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن زَيْد بْن جَدْعَان عَنْ أَبِي عُثْمَان هُوَ النَّهْدِيُّ أَنَّهُ ذَهَبَ بِالْبِشَارَةِ إِلَى عُمَر , فَيُمْكِن أَنْ يَكُونَا تَرَافَقَا , وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَنَة تِسْع عَشْرَة وَقِيلَ سَنَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ , وَفِي الْحَدِيث مَنْقَبَة لِلنُّعْمَانِ وَمَعْرِفَة الْمُغِيرَة بِالْحَرْبِ وَقُوَّة نَفْسه وَشَهَامَته وَفَصَاحَته وَبَلَاغَته , وَلَقَدْ اِشْتَمَلَ كَلَامه هَذَا الْوَجِيز عَلَى بَيَان أَحْوَالهمْ الدُّنْيَوِيَّة مِنْ الْمَطْعَم وَالْمَلْبَس وَنَحْوهمَا , وَعَلَى أَحْوَالهمْ الدِّينِيَّة أَوَّلًا وَثَانِيًا , وَعَلَى مُعْتَقَدهمْ مِنْ التَّوْحِيد وَالرِّسَالَة وَالْإِيمَان بِالْمِعَادِ , وَعَلَى بَيَان مُعْجِزَات الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِخْبَاره بِالْمُغَيَّبَاتِ وَوُقُوعهَا كَمَا أَخْبَرَ , وَفِيهِ فَضْل الْمَشُورَة وَأَنَّ الْكَبِير لَا نَقْص عَلَيْهِ فِي مُشَاوَرَة مَنْ هُوَ دُونه , وَأَنَّ الْمَفْضُول قَدْ يَكُون أَمِيرًا عَلَى الْأَفْضَل , لِأَنَّ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام كَانَ فِي جَيْش عَلَيْهِ فِيهِ النُّعْمَان بْن مُقَرِّن وَالزُّبَيْر أَفْضَل مِنْهُ اِتِّفَاقًا , وَمِثْله تَأْمِير عَمْرو بْن الْعَاصِ عَلَى جَيْش فِيهِ أَبُو بَكْر وَعُمَر كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي , وَفِيهِ ضَرْب الْمَثَل وَجَوْدَة تَصَوُّر الْهُرْمُزَان وَلِذَلِكَ اِسْتَشَارَهُ عُمَر , وَتَشْبِيه لِغَائِبِ الْمَجُوس بِحَاضِرِ مَحْسُوس لِتَقْرِيبِهِ إِلَى الْفَهْم , وَفِيهِ الْبُدَاءَة بِقِتَالِ الْأَهَمّ فَالْأَهَمّ , وَبَيَان مَا كَانَ الْعَرَب عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة مِنْ الْفَقْر وَشَظَف الْعَيْش , وَالْإِرْسَال إِلَى الْإِمَام بِالْبِشَارَةِ , وَفَضْل الْقِتَال بَعْد زَوَال الشَّمْس عَلَى مَا قَبْله , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْجِهَاد , وَلَا يُعَارِضهُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُغِير صَبَاحًا لِأَنَّ هَذَا عِنْد الْمُصَافَفَةِ وَذَاكَ عِنْد الْغَارَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2926",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏وَأَهْدَى ‏ ‏مَلِكُ ‏ ‏أَيْلَةَ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَسَاهُ بُرْدًا وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ \" غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبُوك فَأَهْدَى مَلِك أَيْلَةَ بَغْلَة \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي كِتَاب الزَّكَاة , ‏ ‏وَقَوْله \" وَكَسَاهُ بُرْدًا \" ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالْوَاوِ , وَلِأَبِي ذَرٍّ بِالْفَاءِ وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّ فَاعِل كَسَا هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ‏ ‏وَقَوْله \" بِبَحْرِهِمْ \" ‏ ‏أَيْ بِقَرْيَتِهِمْ , قَالَ اِبْن الْمُنِير : لَمْ يَقَع فِي لَفْظ الْحَدِيث عِنْد الْبُخَارِيّ صِيغَة الْأَمَان وَلَا صِيغَة الطَّلَب لَكِنَّهُ بَنَاهُ عَلَى الْعَادَة فِي أَنَّ الْمَلِك الَّذِي أَهْدَى إِنَّمَا طَلَب إِبْقَاء مُلْكه , وَإِنَّمَا يَبْقَى مُلْكه بِبَقَاءِ رَعِيَّته , فَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا أَنَّ مُوَادَعَته مُوَادَعَة لِرَعِيَّتِهِ. قُلْت : وَهَذَا الْقَدْر لَا يَكْفِي فِي مُطَابَقَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ , لِأَنَّ الْعَادَة بِذَلِكَ مَعْرُوفَة مِنْ غَيْر الْحَدِيث , وَإِنَّمَا جَرَى الْبُخَارِيّ عَلَى عَادَته فِي الْإِشَارَة إِلَى بَعْض طُرُق الْحَدِيث الَّذِي يُورِدهُ , وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة فَقَالَ \" لَمَّا اِنْتَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَبُوك أَتَاهُ بِحَنَّةَ بْن رُؤْبَة صَاحِب أَيْلَةَ فَصَالَحَهُ وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَة , وَكَتَبَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا فَهُوَ عِنْدهمْ : بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم. هَذِهِ أَمَنَة مِنْ اللَّه وَمُحَمَّد النَّبِيّ رَسُول اللَّه لِـ بِحَنَّةِ بْن رُؤْبَة وَأَهْل أَيْلَةَ \" فَذَكَرَهُ. قَالَ اِبْن بَطَّال : الْعُلَمَاء مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْإِمَام إِذَا صَالَحَ مَلِك الْقَرْيَة أَنَّهُ يَدْخُل فِي ذَلِكَ الصُّلْح بَقِيَّتهمْ , وَاخْتَلَفُوا فِي عَكْس ذَلِكَ هُوَ مَا إِذَا اِسْتَأْمَنَ لِطَائِفَة مُعَيَّنَة هَلْ يَدْخُل هُوَ فِيهِمْ ؟ فَذَهَبَ الْأَكْثَر إِلَى أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ تَعْيِينه لَفْظًا , وَقَالَ أَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ : لَا يَحْتَاج إِلَى ذَلِكَ , بَلْ يَكْتَفِي بِالْقَرِينَةِ , لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذ الْأَمَان لِغَيْرِهِ إِلَّا وَهُوَ يَقْصِد إِدْخَال نَفْسه. ‏"
    },
    {
        "id": "2927",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو جَمْرَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جُوَيْرِيَةَ بْنَ قُدَامَةَ التَّمِيمِيَّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قُلْنَا أَوْصِنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ ‏ ‏أُوصِيكُمْ بِذِمَّةِ اللَّهِ فَإِنَّهُ ذِمَّةُ نَبِيِّكُمْ وَرِزْقُ عِيَالِكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَة ) ‏ ‏هُوَ بِالْجِيمِ وَالرَّاء الضُّبَعِيُّ صَاحِب اِبْن عَبَّاس , ‏ ‏وَجُوَيْرِيَةُ بْن قُدَامَةَ ‏ ‏بِالْجِيمِ مُصَغَّر مَالَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع , وَهُوَ مُخْتَصَر مِنْ حَدِيث طَوِيل فِي قِصَّة مَقْتَل عُمَر , وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَة زَائِدَة فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث عُمَر الْمَذْكُور فِي مَنَاقِبه , وَقِيلَ إِنَّ جُوَيْرِيَةَ هَذَا هُوَ جَارِيَة بْن قُدَامَةَ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور , وَقَدْ بَيَّنْت فِي كِتَابِي فِي الصَّحَابَة مَا يُقَوِّيهِ , فَإِنْ ثَبَتَ وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( أُوصِيكُمْ بِذِمَّةِ اللَّه فَإِنَّهُ ذِمَّة نَبِيّكُمْ وَرِزْق عِيَالكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَمْرو بْن مَيْمُون \" وَأُوصِيه بِذِمَّةِ اللَّه وَذِمَّة رَسُوله أَنْ يُوَفِّي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ , وَأَنْ يُقَاتِل مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا إِلَّا طَاقَتهمْ \" قُلْت : وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَة أَنْ لَا يُؤْخَذ مِنْ أَهْل الْجِزْيَة إِلَّا قَدْر مَا يُطِيق الْمَأْخُوذ مِنْهُ. وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" وَرِزْق عِيَالكُمْ \" أَيْ مَا يُؤْخَذ مِنْهُمْ مِنْ الْجِزْيَة وَالْخَرَاج , قَالَ الْمُهَلَّب : فِي الْحَدِيث الْحَضّ عَلَى الْوَفَاء بِالْعَهْدِ , وَحُسْن النَّظَر فِي عَوَاقِب الْأُمُور , وَالْإِصْلَاح لِمَعَانِي الْمَال وَأُصُول الِاكْتِسَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "2928",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏لِيَكْتُبَ لَهُمْ ‏ ‏بِالْبَحْرَيْنِ ‏ ‏فَقَالُوا لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَكْتُبَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏بِمِثْلِهَا فَقَالَ ‏ ‏ذَاكَ لَهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ يَقُولُونَ لَهُ قَالَ فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي ‏ ‏أَثَرَةً ‏ ‏فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2929",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَجَاءَ مَالُ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِدَةٌ فَلْيَأْتِنِي فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ كَانَ قَالَ لِي لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏لَأَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا فَقَالَ لِي احْثُهُ ‏ ‏فَحَثَوْتُ ‏ ‏حَثْيَةً فَقَالَ لِي عُدَّهَا فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُ مِائَةٍ فَأَعْطَانِي أَلْفًا وَخَمْسَ مِائَةٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَالٍ مِنْ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏فَقَالَ انْثُرُوهُ فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ جَاءَهُ ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي إِنِّي ‏ ‏فَادَيْتُ ‏ ‏نَفْسِي ‏ ‏وَفَادَيْتُ ‏ ‏عَقِيلًا ‏ ‏قَالَ خُذْ ‏ ‏فَحَثَا ‏ ‏فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَقَالَ ‏ ‏أْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ قَالَ لَا قَالَ فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ قَالَ لَا فَنَثَرَ مِنْهُ ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَرْفَعْهُ فَقَالَ فَمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَيَّ قَالَ لَا قَالَ فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ قَالَ لَا فَنَثَرَ مِنْهُ ثُمَّ احْتَمَلَهُ عَلَى ‏ ‏كَاهِلِهِ ‏ ‏ثُمَّ انْطَلَقَ فَمَا زَالَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2930",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏عَبْد الْوَاحِد ‏ ‏شَيْخ شَيْخه هُوَ اِبْن زِيَاد , ‏ ‏وَالْحَسَن بْنُ عَمْرو ‏ ‏هُوَ الْفُقَيْمِيُّ بِالْفَاءِ وَالْقَاف مُصَغَّرًا كُوفِيّ ثِقَة مَالَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي الْأَدَب. ‏ ‏قَوْله : ( مُجَاهِد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْعَاصِ , كَذَا قَالَ عَبْد الْوَاحِد عَنْ الْحَسَن بْن عَمْرو , وَتَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَة عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَعَمْرو بْن عَبْد الْغَفَّار الْفُقَيْمِيُّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة رَوَوْهُ هَكَذَا , وَخَالَفَهُمْ مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة فَرَوَاهُ عَنْ الْحَسَن بْن عَمْرو فَزَادَ فِيهِ رَجُلًا بَيْن مُجَاهِد وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَهُوَ جُنَادَةُ بْن أَبِي أُمَيَّة أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقه النَّسَائِيُّ , وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ رِوَايَة مَرْوَان لِأَجْلِ هَذِهِ الزِّيَادَة , لَكِنَّ سَمَاع مُجَاهِد مِنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو ثَابِت , وَلَيْسَ بِمُدَلِّس فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مُجَاهِد سَمِعَهُ أَوَّلًا مِنْ جُنَادَةَ ثُمَّ لَقِيَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , أَوْ سَمِعَاهُ مَعًا وَثَبَتَهُ فِيهِ جُنَادَةُ فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو تَارَة وَحَدَّثَ بِهِ عَنْ جُنَادَةَ أُخْرَى , وَلَعَلَّ السِّرّ فِي ذَلِكَ مَا وَقَعَ بَيْنهمَا مِنْ زِيَادَة أَوْ اِخْتِلَاف لَفْظ فَإِنَّ لَفْظ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقه \" مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا مِنْ أَهْل الذِّمَّة لَمْ يَجِد رِيح الْجَنَّة \" فَقَالَ \" مِنْ أَهْل الذِّمَّة \" وَلَمْ يَقُلْ مُعَاهَدًا وَهُوَ بِالْمَعْنَى , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" بِغَيْرِ حَقّ \" كَمَا تَقَدَّمَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْجَمِيع \" أَرْبَعِينَ عَامًا \" إِلَّا عَمْرو بْن عَبْد الْغَفَّار فَقَالَ \" سَبْعِينَ \" وَوَقَعَ مِثْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد التِّرْمِذِيّ. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏أَحَدهمَا اِتَّفَقَتْ النُّسَخ عَلَى أَنَّ الْحَدِيث مِنْ مُسْنَد عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ , إِلَّا مَا رَوَاهُ الْأَصِيلِيُّ عَنْ الْجُرْجَانِيِّ عَنْ الْفَرَبْرِيِّ فَقَالَ \" عَبْد اللَّه بْن عُمَر \" بِضَمِّ الْعَيْن بِغَيْرِ وَاو , وَهُوَ تَصْحِيف نَبَّهَ عَلَيْهِ الْجَيَّانِيُّ. ثَانِيهمَا قَوْله \" لَمْ يَرَحْ \" بِفَتْحِ الْيَاء وَالرَّاء وَأَصْله يَرَاح أَيْ وَجَدَ رِيح , وَحَكَى اِبْن التِّين ضَمَّ أَوَّله وَكَسْر الرَّاء , قَالَ : وَالْأَوَّل أَجْوَد وَعَلَيْهِ الْأَكْثَر , وَحَكَى اِبْن الْجَوْزِيّ ثَالِثَة وَهُوَ فَتْح أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه مِنْ رَاحَ يُرِيح , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2931",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏انْطَلِقُوا إِلَى ‏ ‏يَهُودَ ‏ ‏فَخَرَجْنَا حَتَّى جِئْنَا ‏ ‏بَيْتَ الْمِدْرَاسِ ‏ ‏فَقَالَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ فَمَنْ يَجِدْ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْيَهُودِ \" أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا \" وَسَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاق فِي كِتَاب الْإِكْرَاه وَفِي الِاعْتِصَام , وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِنَسَبِ الْيَهُود الْمَذْكُورِينَ وَالظَّاهِر أَنَّهُمْ بَقَايَا مِنْ الْيَهُود تَأَخَّرُوا بِالْمَدِينَةِ بَعْد إِخْلَاء بَنِي قَيْنُقَاع وَقُرَيْظَة وَالنَّضِير وَالْفَرَاغ مِنْ أَمْرهمْ , لِأَنَّهُ كَانَ قَبْل إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة , وَإِنَّمَا جَاءَ أَبُو هُرَيْرَة بَعْد فَتْح خَيْبَر كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ كُلّه فِي الْمَغَازِي , وَقَدْ أَقَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُود خَيْبَر عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِي الْأَرْض كَمَا تَقَدَّمَ , وَاسْتَمَرُّوا إِلَى أَنْ أَجَلَاهُمْ عُمَر , وَيُحْتَمَل وَاللَّهُ أَعْلَم أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد أَنْ فَتَحَ مَا بَقِيَ مِنْ خَيْبَر هَمَّ بِإِجْلَاءِ مَنْ بَقِيَ مِمَّنْ صَالَحَ مِنْ الْيَهُود ثُمَّ سَأَلُوهُ أَنْ يُبْقِيَهُمْ لِيَعْمَلُوا فِي الْأَرْض فَبَقَّاهُمْ , أَوْ كَانَ قَدْ بَقِيَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الْيَهُود الْمَذْكُورِينَ طَائِفَة اِسْتَمَرُّوا فِيهَا مُعْتَمِدِينَ عَلَى الرِّضَا بِإِبْقَائِهِمْ لِلْعَمَلِ فِي أَرْض خَيْبَر ثُمَّ مَنَعَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سُكْنَى الْمَدِينَة أَصْلًا وَاللَّهُ أَعْلَم , بَلْ سِيَاق كَلَام الْقُرْطُبِيّ فِي شَرْح مُسْلِم يَقْتَضِي أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ بَنُو النَّضِير , وَلَكِنْ لَا يَصِحّ ذَلِكَ لِتَقَدُّمِهِ عَلَى مَجِيء أَبِي هُرَيْرَة , وَأَبُو هُرَيْرَة يَقُول فِي هَذَا الْحَدِيث إِنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ‏ ‏وَبَيْت الْمِدْرَاس ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّله هُوَ الْبَيْت الَّذِي يُدْرَس فِيهِ كِتَابهمْ , أَوْ الْمُرَاد بِالْمِدْرَاسِ الْعَالِم الَّذِي يَدْرُس كِتَابهمْ , وَالْأَوَّل أَرْجَح لِأَنَّ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" حَتَّى أَتَى الْمِدْرَاس \" ‏ ‏وَقَوْله \" أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا \" ‏ ‏مِنْ الْجِنَاس الْحَسَن لِسُهُولَةِ لَفْظه وَعَدَم تَكَلُّفه , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيره فِي كِتَاب هِرَقْل \" أَسْلِمْ تَسْلَمْ \" ‏ ‏وَقَوْله \" اِعْلَمُوا \" ‏ ‏جُمْلَة مُسْتَأْنَفَة كَأَنَّهُمْ قَالُوا فِي جَوَاب قَوْله أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا : لِمَ قُلْت هَذَا وَكَرَّرْته ؟ فَقَالَ : اِعْلَمُوا أَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ فَإِنْ أَسْلَمْتُمْ سَلِمْتُمْ مِنْ ذَلِكَ وَمِمَّا هُوَ أَشَقُّ مِنْهُ. وَقَوْلهمْ \" قَدْ بَلَّغْت \" كَلِمَة مَكْر وَمُدَاجَاة لِيُدَافِعُوهُ بِمَا يُوهِمهُ ظَاهِرهَا وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ذَلِكَ أُرِيدُ \" أَيْ التَّبْلِيغ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَنْ يَجِدْ مِنْكُمْ بِمَالِهِ ) ‏ ‏مِنْ الْوِجْدَان أَيْ يَجِد مُشْتَرِيًا , أَوْ مِنْ الْوَجْد أَيْ الْمَحَبَّة أَيْ يُحِبّهُ , وَالْغَرَض أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَشُقّ عَلَيْهِ فِرَاق شَيْء مِنْ مَاله مِمَّا يَعْسُر تَحْوِيله فَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعه. ‏"
    },
    {
        "id": "2932",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَحْوَلِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى قُلْتُ يَا ‏ ‏أَبَا عَبَّاسٍ ‏ ‏مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ قَالَ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَجَعُهُ فَقَالَ ‏ ‏ائْتُونِي بِكَتِفٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا فَتَنَازَعُوا وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ فَقَالُوا مَا لَهُ ‏ ‏أَهَجَرَ ‏ ‏اسْتَفْهِمُوهُ فَقَالَ ذَرُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ فَأَمَرَهُمْ بِثَلَاثٍ قَالَ أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ ‏ ‏جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ‏ ‏وَأَجِيزُوا ‏ ‏الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ ‏ ‏أُجِيزُهُمْ ‏ ‏وَالثَّالِثَةُ خَيْرٌ إِمَّا أَنْ سَكَتَ عَنْهَا وَإِمَّا أَنْ قَالَهَا فَنَسِيتُهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏هَذَا مِنْ قَوْلِ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِيمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد وَفَاته , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَة الْعَرَب \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْجُرْجَانِيِّ \" أَخْرِجُوا الْيَهُود \" وَالْأَوَّل أَثْبَتُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد حَدَّثَنَا اِبْن عُيَيْنَةَ ) ‏ ‏مُحَمَّد هَذَا هُوَ اِبْن سَلَام , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْوُضُوء فِي حَدِيث آخَر \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَلَام حَدَّثَنَا اِبْن عُيَيْنَةَ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى شَرْح الْمَتْن فِي الْوَفَاة آخِر الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ الطَّبَرِيُّ : فِيهِ أَنَّ عَلَى الْإِمَام إِخْرَاجَ كُلّ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ دِين الْإِسْلَام مِنْ كُلّ بَلَد غَلَبَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَة إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ ضَرُورَة إِلَيْهِمْ كَعَمَلِ الْأَرْض وَنَحْو ذَلِكَ , وَعَلَى ذَلِكَ أَقَرَّ عُمَر مَنْ أَقَرَّ بِالسَّوَادِ وَالشَّام , وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصّ بِجَزِيرَةِ الْعَرَب بَلْ يَلْتَحِق بِهَا مَا كَانَ عَلَى حُكْمهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2933",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا فُتِحَتْ ‏ ‏خَيْبَرُ ‏ ‏أُهْدِيَتْ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ ‏ ‏يَهُودَ ‏ ‏فَجُمِعُوا لَهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَبُوكُمْ قَالُوا فُلَانٌ فَقَالَ كَذَبْتُمْ بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ قَالُوا صَدَقْتَ قَالَ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا فَقَالَ لَهُمْ مَنْ أَهْلُ النَّارِ قَالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اخْسَئُوا فِيهَا وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا ثُمَّ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏قَالَ هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا قَالُوا نَعَمْ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ قَالُوا أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة الْيَهُود فِي سَمِّ الشَّاة بَعْد فَتْح خَيْبَر , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي , وَلَمْ يَجْزِم الْبُخَارِيّ بِالْحُكْمِ إِشَارَة إِلَى مَا وَقَعَ مِنْ الِاخْتِلَاف فِي مُعَاقَبَة الْمَرْأَة الَّتِي أَهْدَتْ السُّمَّ , وَسَيَأْتِي بَسْطه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2934",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ الْقُنُوتِ قَالَ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَقُلْتُ إِنَّ ‏ ‏فُلَانًا ‏ ‏يَزْعُمُ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَقَالَ كَذَبَ ثُمَّ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي سُلَيْمٍ ‏ ‏قَالَ بَعَثَ أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ يَشُكُّ فِيهِ مِنْ الْقُرَّاءِ إِلَى أُنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَعَرَضَ لَهُمْ هَؤُلَاءِ فَقَتَلُوهُمْ وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَهْدٌ فَمَا رَأَيْتُهُ وَجَدَ عَلَى أَحَدٍ مَا وَجَدَ عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي الْقُنُوت , وَقَدْ سَبَقَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْوِتْر. ‏ ‏وَقَوْله : ( حَدَّثَنَا ثَابِت بْن يَزِيد ) ‏ ‏أَوَّله تَحْتَانِيَّة , وَوَهَمَ مَنْ قَالَ فِيهِ زَيْد بِغَيْرِ يَاء , وَعَاصِم شَيْخه هُوَ الْأَحْوَل , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2935",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا مُرَّةَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ ‏ ‏وَفَاطِمَةُ ‏ ‏ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقُلْتُ أَنَا ‏ ‏أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَقَالَ مَرْحَبًا ‏ ‏بِأُمِّ هَانِئٍ ‏ ‏فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ‏ ‏ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا ‏ ‏أُمَّ هَانِئٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أُمُّ هَانِئٍ ‏ ‏وَذَلِكَ ضُحًى ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُمّ هَانِئ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الصَّلَاة مَا يَتَعَلَّق بِالْمُرَادِ بِفُلَانِ اِبْن هُبَيْرَة وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ فَوَائِده , وَوَقَعَ هُنَا لِلدَّاوُدِيِّ الشَّارِح وَهْم , فَإِنَّهُ قَالَ : قَوْله عَام الْحُدَيْبِيَة وَهْم مِنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف وَالَّذِي قَالَهُ غَيْره يَوْم الْفَتْح , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ الرِّوَايَات كُلّهَا عَلَى خِلَاف مَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا يَوْم الْفَتْح عَلَى الصَّوَاب. قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى جَوَاز أَمَان الْمَرْأَة , إِلَّا شَيْئًا ذَكَرَهُ عَبْد الْمَلِك - يَعْنِي اِبْن الْمَاجِشُونِ صَاحِب مَالِك - لَا أَحْفَظ ذَلِكَ عَنْ غَيْره قَالَ : إِنَّ أَمْر الْأَمَان إِلَى الْإِمَام , وَتَأَوَّلَ مَا وَرَدَ مِمَّا يُخَالِف ذَلِكَ عَلَى قَضَايَا خَاصَّة , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَفِي قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ \" دَلَالَة عَلَى إِغْفَال هَذَا الْقَائِل اِنْتَهَى. وَجَاءَ عَنْ سَحْنُونٍ مِثْل قَوْل اِبْن الْمَاجِشُونِ فَقَالَ : هُوَ إِلَى الْإِمَام , إِنْ أَجَازَهُ جَازَ وَإِنْ رَدَّهُ رُدَّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2936",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ خَطَبَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ فَقَالَ فِيهَا الْجِرَاحَاتُ وَأَسْنَانُ الْإِبِلِ ‏ ‏وَالْمَدِينَةُ ‏ ‏حَرَمٌ مَا بَيْنَ ‏ ‏عَيْرٍ ‏ ‏إِلَى كَذَا فَمَنْ ‏ ‏أَحْدَثَ ‏ ‏فِيهَا ‏ ‏حَدَثًا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏آوَى ‏ ‏فِيهَا ‏ ‏مُحْدِثًا ‏ ‏فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ‏ ‏صَرْفٌ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏عَدْلٌ ‏ ‏وَمَنْ ‏ ‏تَوَلَّى ‏ ‏غَيْرَ ‏ ‏مَوَالِيهِ ‏ ‏فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ ‏ ‏وَذِمَّةُ ‏ ‏الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ فَمَنْ ‏ ‏أَخْفَرَ ‏ ‏مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2937",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرٌ هُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْطَلَقَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ‏ ‏وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ فَتَفَرَّقَا فَأَتَى ‏ ‏مُحَيِّصَةُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏يَتَشَمَّطُ ‏ ‏فِي دَمِهِ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ ثُمَّ قَدِمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَانْطَلَقَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ ‏ ‏وَمُحَيِّصَةُ ‏ ‏وَحُوَيِّصَةُ ‏ ‏ابْنَا ‏ ‏مَسْعُودٍ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَهَبَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏يَتَكَلَّمُ فَقَالَ ‏ ‏كَبِّرْ ‏ ‏كَبِّرْ وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ فَسَكَتَ فَتَكَلَّمَا فَقَالَ تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ أَوْ صَاحِبَكُمْ قَالُوا وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ قَالَ ‏ ‏فَتُبْرِيكُمْ ‏ ‏يَهُودُ ‏ ‏بِخَمْسِينَ فَقَالُوا كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ عِنْدِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة فِي قِصَّة عَبْد اللَّه بْنِ سَهْل وَقَتْله بِخَيْبَر. وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" اِنْطَلَقَ إِلَى خَيْبَر وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْح \" وَفَهِمَ الْمُهَلَّب مِنْ قَوْله فِي آخِره \" فَعَقَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْده \" أَنَّهُ يُوَافِق قَوْله فِي التَّرْجَمَة \" وَالْمُصَالَحَة مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ \" فَقَالَ : إِنَّمَا وَدَاهُ مِنْ عِنْده اِسْتِئْلَافًا لِلْيَهُودِ وَطَمَعًا فِي دُخُولهمْ فِي الْإِسْلَام. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ يَرُدّهُ مَا فِي نَفْس الْحَدِيث مِنْ غَيْر هَذِهِ الطَّرِيق \" فَكَرِهَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْطِل دَمه \" فَإِنَّهُ مُشْعِر بِأَنَّ سَبَب إِعْطَائِهِ دِيَته مِنْ عِنْده كَانَ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ أَهْله. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون كُلّ مِنْهُمَا سَبَبًا لِذَلِكَ. وَبِهَذَا تَتِمّ التَّرْجَمَة. وَأَمَّا أَصْل الْمَسْأَلَة فَاخْتُلِفَ فِيهِ. فَقَالَ الْوَلِيد بْن مُسْلِم سَأَلْت الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ مُوَادَعَة إِمَام الْمُسْلِمِينَ أَهْل الْحَرْب عَلَى مَال يُؤَدُّونَهُ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : لَا يَصْلُح ذَلِكَ إِلَّا عَنْ ضَرُورَة كَشَغْلِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ حَرْبهمْ. وَقَالَ لَا بَأْس أَنْ يُصَالِحهُمْ عَلَى غَيْر شَيْء يُؤَدُّونَهُ إِلَيْهِمْ كَمَا وَقَعَ فِي الْحُدَيْبِيَة. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِذَا ضَعُفَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ قِتَال الْمُشْرِكِينَ جَازَتْ لَهُمْ مُهَادَنَتهمْ عَلَى غَيْر شَيْء يُعْطُونَهُمْ , لِأَنَّ الْقَتْل لِلْمُسْلِمِينَ شَهَادَة , وَإِنَّ الْإِسْلَام أَعَزّ مِنْ أَنْ يُعْطَى الْمُشْرِكُونَ عَلَى أَنْ يُكَفِّروا عَنْهُمْ , إِلَّا فِي حَالَة مَخَافَة اِصْطِلَام الْمُسْلِمِينَ لِكَثْرَةِ الْعَدُوّ , لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الضَّرُورَات , وَكَذَلِكَ إِذَا أُسِرَ رَجُل مُسْلِم فَلَمْ يُطْلَق إِلَّا بِفِدْيَة جَازَ. وَأَمَّا قَوْل الْمُصَنِّف \" وَإِثْم مَنْ لَمْ يَفِ بِالْعَهْدِ \" فَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب مَا يُشْعِر بِهِ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الْقَسَامَة مِنْ كِتَاب الدِّيَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَوْلُهُ فِي نَسَب مُحَيِّصَةَ بْن مَسْعُود \" اِبْن زَيْد \" يُقَال إِنَّ الصَّوَاب \" كَعْب \" بَدَل زَيْد. ‏"
    },
    {
        "id": "2938",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏كَانُوا تِجَارًا ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏ ‏فِي الْمُدَّةِ الَّتِي ‏ ‏مَادَّ ‏ ‏فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ ‏ ‏فِي كُفَّارِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2939",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُحِرَ ‏ ‏حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث طَرَف مِنْ حَدِيث عَائِشَة ‏ ‏\" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُحِرَ \" ‏ ‏وَأَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَقِيَّة الْقِصَّة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عُوفِيَ أَمَرَ بِالْبِئْرِ فَرُدِمَتْ وَقَالَ : كَرِهْت أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاس شَرًّا \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى شَرْحه مُسْتَوْفٍ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف تَامًّا فِي كِتَاب الطِّبّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2940",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏بُسْرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا إِدْرِيسَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ ‏ ‏أَدَمٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ مَوْتِي ثُمَّ فَتْحُ ‏ ‏بَيْتِ الْمَقْدِسِ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ ‏ ‏كَقُعَاصِ ‏ ‏الْغَنَمِ ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنْ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏إِلَّا دَخَلَتْهُ ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ‏ ‏بَنِي الْأَصْفَرِ ‏ ‏فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ ‏ ‏غَايَةً ‏ ‏تَحْتَ كُلِّ ‏ ‏غَايَةٍ ‏ ‏اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت بُسْر بْن عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة , وَالْإِسْنَاد كُلّه شَامِيُّونَ إِلَّا شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَفِي تَصْرِيح عَبْد اللَّه بْن الْعَلَاء بِالسَّمَاعِ لَهُ مِنْ بُسْر دَلَالَة عَلَى أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق دُحَيْمٍ عَنْ الْوَلِيد عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْعَلَاء عَنْ زَيْد بْن وَاقِد عَنْ بُسْر بْن عُبَيْد اللَّه , فَزَادَ فِي الْإِسْنَاد زَيْد بْن وَاقِد فَهُوَ مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْرهمْ مِنْ طُرُق لَيْسَ فِيهَا زَيْد بْن وَاقِد. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة تَبُوك وَهُوَ فِي قُبَّة مِنْ أَدَم ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْمُؤَمَّل بْن الْفَضْل عَنْ الْوَلِيد عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" فَسَلَّمْت فَرَدَّ. فَقَالَ اُدْخُلْ. فَقُلْت : أَكُلِّي يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : كُلّك. فَدَخَلْت \" فَقَالَ الْوَلِيد قَالَ عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاتِكَة إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مِنْ صِغَر الْقُبَّة \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( سِتًّا ) ‏ ‏أَيْ سِتّ عَلَامَات لِقِيَامِ السَّاعَة , أَوْ لِظُهُورِ أَشْرَاطهَا الْمُقْتَرِبَة مِنْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ مُوْتَانِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الْوَاو , قَالَ الْقَزَّاز : هُوَ الْمَوْت. وَقَالَ غَيْره الْمَوْت الْكَثِير الْوُقُوع , وَيُقَال بِالضَّمِّ لُغَة تَمِيم وَغَيْرهمْ يَفْتَحُونَهَا. وَيُقَال لِلْبَلِيدِ مَوْتَان الْقَلْب بِفَتْحِ الْمِيم وَالسُّكُون , وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : يَغْلَط بَعْض الْمُحَدِّثِينَ فَيَقُول مَوَتَان بِفَتْحِ الْمِيم وَالْوَاو , وَإِنَّمَا ذَاكَ اِسْم الْأَرْض الَّتِي لَمْ تُحْيَا بِالزَّرْعِ وَالْإِصْلَاح. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن السَّكَن \" ثُمَّ مَوْتَتَانِ \" بِلَفْظِ التَّثْنِيَة وَحِينَئِذٍ فَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيم. ‏ ‏قَوْله : ( كَعُقَاصِ الْغَنَم ) ‏ ‏بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْقَاف وَآخِره مُهْمَلَة , هُوَ دَاء يَأْخُذ الدَّوَابّ فَيَسِيل مِنْ أُنُوفهَا شَيْء فَتَمُوت فَجْأَة. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : وَمِنْهُ أَخَذَ الْإِقْعَاص وَهُوَ الْقَتْل مَكَانه. وَقَالَ اِبْن فَارِس : الْعِقَاص دَاء يَأْخُذ فِي الصَّدْر كَأَنَّهُ يَكْسِر الْعُنُق. وَيُقَال إِنَّ هَذِهِ الْآيَة ظَهَرَتْ فِي طَاعُون عِمَوَاسٍ فِي خِلَافَة عُمَر وَكَانَ ذَلِكَ بَعْد فَتْح بَيْت الْمَقْدِس. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ اِسْتِفَاضَة الْمَال ) ‏ ‏أَيْ كَثْرَته , وَظَهَرَتْ فِي خِلَافَة عُثْمَان عِنْد تِلْكَ الْفُتُوح الْعَظِيمَة , وَالْفِتْنَة الْمُشَار إِلَيْهَا اُفْتُتِحَتْ بِقَتْلِ عُثْمَان , وَاسْتَمَرَّتْ الْفِتَن بَعْده , وَالسَّادِسَة لَمْ تَجِئْ بَعْدُ. ‏ ‏قَوْله : ( هُدْنَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَاء وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدهَا نُون هِيَ الصُّلْح عَلَى تَرْك الْقِتَال بَعْد التَّحَرُّك فِيهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَنِي الْأَصْفَر ) ‏ ‏هُمْ الرُّوم. ‏ ‏قَوْله : ( غَايَة ) ‏ ‏أَيْ رَايَة , وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا غَايَة الْمُتَّبِع إِذَا وَقَفَتْ وَقَفَ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث ذِي مِخْبَرٍ بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْمُوَحَّدَة عِنْد أَبِي دَاوُدَ فِي نَحْو هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ \" رَايَة \" بَدَل غَايَة. ‏ ‏وَفِي أَوَّله \" سَتُصَالِحُونَ الرُّوم صُلْحًا أَمْنًا , ثُمَّ تَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا فَتُنْصَرُونَ , ثُمَّ تَنْزِلُونَ مَرْجًا فَيَرْفَع رَجُل مِنْ أَهْل الصَّلِيب الصَّلِيب فَيَقُول غَلَبَ الصَّلِيب , فَيَغْضَب رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَقُوم إِلَيْهِ فَيَدْفَعهُ , فَعِنْد ذَلِكَ تَغْدِر الرُّوم وَيَجْتَمِعُونَ لِلْمَلْحَمَةِ فَيَأْتُونَ \" فَذَكَرَهُ. وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" إِذَا وَقَعَتْ الْمَلَاحِم بَعَثَ اللَّه بَعْثًا مِنْ الْمَوَالِي يُؤَيِّد اللَّه بِهِمْ الدِّين \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث مُعَاذ بْن جَبَل مَرْفُوعًا \" الْمَلْحَمَة الْكُبْرَى وَفَتْح الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَخُرُوج الدَّجَّال فِي سَبْعَة أَشْهُر \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُسْر رَفَعَهُ \" بَيْن الْمَلْحَمَة وَفَتْح الْمَدِينَة سِتّ سِنِينَ , وَيَخْرُج الدَّجَّال فِي السَّابِعَة \" وَإِسْنَاده أَصَحّ مِنْ إِسْنَاد حَدِيث مُعَاذ , قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : رَوَاهُ بَعْضهمْ \" غَابَة \" بِمُوَحَّدَةِ بَدَل التَّحْتَانِيَّة وَالْغَابَة الْأَجَمَة كَأَنَّهُ شَبَّهَ كَثْرَة الرِّمَاح بِالْأَجَمَةِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْغَابَة الْغَيْضَة , فَاسْتُعِيرَتْ لِلرَّايَاتِ تُرْفَع لِرُؤَسَاء الْجَيْش لِمَا يُشْرَع مَعَهَا مِنْ الرِّمَاح , وَجُمْلَة الْعَدَد الْمُشَار إِلَيْهِ تِسْعمِائَةِ أَلْف وَسِتُّونَ أَلْفًا , وَلَعَلَّ أَصْلَهُ أَلْف أَلْف فَأُلْغِيَتْ كُسُوره. وَوَقَعَ مِثْله فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث ذِي مِخْبَرٍ وَلَفْظه \" فَيَجْتَمِعُونَ لِلْمَلْحَمَةِ , فَيَأْتُونَ تَحْت ثَمَانِينَ غَابَة تَحْت كُلّ غَابَة اِثْنَا عَشَرَ أَلْفًا \" , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم قَالَ : تَذَاكَرْنَا هَذَا الْحَدِيث وَشَيْخنَا مِنْ شُيُوخ الْمَدِينَة فَقَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيَّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي هَذَا الْحَدِيث مَكَان فَتْح بَيْت الْمَقْدِس \" عُمْرَان بَيْت الْمَقْدِس \" قَالَ : الْمُهَلَّب فِيهِ أَنَّ الْغَدْر مِنْ أَشْرَاط السَّاعَة. وَفِيهِ أَشْيَاء مِنْ عَلَامَات النُّبُوَّة قَدْ ظَهَرَ أَكْثَرهَا. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : أَمَّا قِصَّة الرُّوم فَلَمْ يَجْتَمِع إِلَى الْآن وَلَا بَلَغَنَا أَنَّهُمْ غَزَوْا فِي الْبَرّ فِي هَذَا الْعَدَد فَهِيَ مِنْ الْأُمُور الَّتِي لَمْ تَقَع بَعْدُ. وَفِيهِ بِشَارَة وَنِذَارَة , وَذَلِكَ أَنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَاقِبَة لِلْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَثْرَة ذَلِكَ الْجَيْش , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ عَدَد جُيُوش الْمُسْلِمِينَ سَيَكُونُ أَضْعَاف مَا هُوَ عَلَيْهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ عَوْف بْن مَالِك فِي هَذَا الْحَدِيث \" أَنَّ عَوْف بْن مَالِك قَالَ لِمُعَاذٍ فِي طَاعُون عِمَوَاسٍ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِي : اُعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَة , فَقَدْ وَقَعَ مِنْهُنَّ ثَلَاث , يَعْنِي مَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَتْح بَيْت الْمَقْدِس وَالطَّاعُون , قَالَ وَبَقِيَ ثَلَاث فَقَالَ لَهُ مُعَاذ : أَنَّ لِهَذَا أَهْلًا \". وَوَقَعَ فِي الْفِتَن لِنُعَيْمِ بْن حَمَّاد أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة تَكُون فِي زَمَن الْمَهْدِيّ عَلَى يَد مَلِك مِنْ آلِ هِرَقْل. ‏"
    },
    {
        "id": "2941",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏عُرْيَانٌ وَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ وَإِنَّمَا قِيلَ الْأَكْبَرُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ ‏ ‏فَنَبَذَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُشْرِكٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏\" بَعَثَنِي أَبُو بَكْر فِيمَنْ يُؤَذِّن يَوْم النَّحْر بِمِنًى \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْحَجّ وَأَنَّهُ سَيُشْرَحُ فِي تَفْسِير بَرَاءَة , قَالَ الْمُهَلَّب : خَشَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدْرَ الْمُشْرِكِينَ فَلِذَلِكَ بَعَثَ مَنْ يُنَادِي بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2942",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْبَعُ ‏ ‏خِلَالٍ ‏ ‏مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْنِ عَمْرو فِي عَلَامَات الْمُنَافِق وَهُوَ ظَاهِر فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ , وَقَدْ مَضَى شَرْحه فِي كِتَاب الْإِيمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "2943",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا كَتَبْنَا عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا الْقُرْآنَ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏حَرَامٌ مَا بَيْنَ ‏ ‏عَائِرٍ ‏ ‏إِلَى كَذَا فَمَنْ ‏ ‏أَحْدَثَ ‏ ‏حَدَثًا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏آوَى ‏ ‏مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ‏ ‏عَدْلٌ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏صَرْفٌ ‏ ‏وَذِمَّةُ ‏ ‏الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ ‏ ‏يَسْعَى ‏ ‏بِهَا ‏ ‏أَدْنَاهُمْ ‏ ‏فَمَنْ ‏ ‏أَخْفَرَ ‏ ‏مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ‏ ‏صَرْفٌ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏عَدْلٌ ‏ ‏وَمَنْ ‏ ‏وَالَى ‏ ‏قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ ‏ ‏مَوَالِيهِ ‏ ‏فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ‏ ‏صَرْفٌ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏عَدْلٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا فَقِيلَ لَهُ وَكَيْفَ تَرَى ذَلِكَ كَائِنًا يَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ إِي وَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏بِيَدِهِ عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ قَالُوا عَمَّ ذَاكَ قَالَ تُنْتَهَكُ ‏ ‏ذِمَّةُ ‏ ‏اللَّهِ ‏ ‏وَذِمَّةُ ‏ ‏رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَشُدُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قُلُوبَ ‏ ‏أَهْلِ الذِّمَّةِ ‏ ‏فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيٍّ ‏ ‏\" مَا كَتَبْنَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا الْقُرْآن \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ قَرِيبًا , وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْله \" مَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا \" وَهُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء أَيْ نَقَضَ عَهْدَهُ. ‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ تَكَرَّرَ نَقْل الْخِلَاف فِي هَذِهِ الصِّيغَة هَلْ تَقُوم مَقَام الْعَنْعَنَة فَتُحْمَل عَلَى السَّمَاع أَوْ لَا تُحْمَل عَلَى السَّمَاع , إِلَّا مِمَّنْ جَرَتْ عَادَته أَنْ يَسْتَعْمِلهَا فِيهِ ؟ وَبِهَذَا الْأَخِير جَزَمَ الْخَطِيب. وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عَبَّاس عَنْ أَبِي مُوسَى مِثْله , وَوَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ الْبُخَارِيّ \" حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى \" وَالْأَوَّل هُوَ الصَّحِيح وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم وَغَيْرهمَا , ‏ ‏( وَإِسْحَاق بْن سَعِيد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَمْرو بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ , وَقَدْ وَافَقَهُ أَخُوهُ خَالِد بْنُ سَعِيد أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه بِنَحْوِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا ) ‏ ‏مِنْ الْجِبَايَة بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَة وَبَعْد الْأَلِف تَحْتَانِيَّة , أَيْ لَمْ تَأْخُذُوا مِنْ الْجِزْيَة وَالْخَرَاج شَيْئًا. ‏ ‏قَوْله : ( تُنْتَهَك ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ تَتَنَاوَل مِمَّا لَا يَحِلّ مِنْ الْجَوْر وَالظُّلْم. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهمْ ) ‏ ‏أَيْ يَمْتَنِعُونَ مِنْ أَدَاء الْجِزْيَة , قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : أَخْرَجَ مُسْلِم مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفْعه \" مَنَعَتْ الْعِرَاق دِرْهَمًا وَقَفِيزهَا \" وَسَاقَ الْحَدِيث بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي , وَالْمُرَاد بِهِ مَا يُسْتَقْبَل مُبَالَغَة فِي الْإِشَارَة إِلَى تَحَقُّق وُقُوعه , وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِر أَيْضًا مَرْفُوعًا \" يُوشِك أَهْل الْعِرَاق أَنْ لَا يُجْتَبَى إِلَيْهِمْ بَعِير وَلَا دِرْهَم , قَالُوا : مِمَّ ذَلِكَ ؟ قَالَ : مِنْ قِبَل الْعَجَم يَمْنَعُونَ ذَلِكَ \" وَفِيهِ عِلْم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة , وَالتَّوْصِيَة بِالْوَفَاءِ لِأَهْلِ الذِّمَّة لِمَا فِي الْجِزْيَة الَّتِي تُؤْخَذ مِنْهُمْ مِنْ نَفْع الْمُسْلِمِينَ , وَفِيهِ التَّحْذِير مِنْ ظُلْمهمْ وَأَنَّهُ مَتَى وَقَعَ ذَلِكَ نَقَضُوا الْعَهْد فَلَمْ يَجْتَبِ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ شَيْئًا فَتَضِيق أَحْوَالهمْ. وَذَكَرَ اِبْن حَزْم أَنَّ بَعْض الْمَالِكِيَّة اِحْتَجَّ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَنَعَتْ الْعِرَاق دِرْهَمًا \" الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْأَرْض الْمَغْنُومَة لَا تُقَسَّم وَلَا تُبَاع وَأَنَّ الْمُرَاد بِالْمَنْعِ مَنْع الْخَرَاج , وَرَدَّهُ بِأَنَّ الْحَدِيث وَرَدَ فِي الْإِنْذَار بِمَا يَكُون مِنْ سُوء الْعَاقِبَة وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَيُمْنَعُونَ حُقُوقهمْ فِي آخِر الْأَمْر , وَكَذَلِكَ وَقَعَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2944",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْأَعْمَشَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏شَهِدْتَ ‏ ‏صِفِّينَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ ‏ ‏فَسَمِعْتُ ‏ ‏سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ ‏ ‏أَبِي جَنْدَلٍ ‏ ‏وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَرَدَدْتُهُ وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرِ أَمْرِنَا هَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا هُوَ بِلَا تَرْجَمَة عِنْد الْجَمِيع , وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ : أَحَدهمَا عَنْ سَهْل بْن حُنَيْفٍ فِي قِصَّة الْحُدَيْبِيَة , وَذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ , وَالطَّرِيق الْأُولَى مِنْهُمَا مُخْتَصَرَة , وَقَدْ سَاقَهُ مِنْهَا بِتَمَامِهِ فِي الِاعْتِصَام , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى فَوَائِده فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْمِسْوَر فِي كِتَاب الشُّرُوط , وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق مِنْهُ بِصِفِّينَ فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْل سَهْل بْن حُنَيْفٍ ‏ ‏\" يَوْم أَبِي جَنْدَل \" ‏ ‏أَرَادَ بِهِ يَوْم الْحُدَيْبِيَة , وَإِنَّمَا نَسَبَهُ لِأَبِي جَنْدَل لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَشَدّ مِنْ قِصَّته كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه , وَعَبْد الْعَزِيز بْن سِيَاه فِي إِسْنَاده بِالْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة خَفِيفَة وَبِالْهَاءِ وَصْلًا وَوَقْفًا , وَهُوَ مَصْرُوف مَعَ أَنَّهُ أَعْجَمِيّ , وَكَأَنَّهُ لَيْسَ بِعَلَمٍ عِنْدهمْ. وَإِنَّمَا قَالَ سَهْل بْن حُنَيْفٍ لِأَهْلِ صِفِّينَ مَا قَالَ لَمَّا ظَهَرَ مِنْ أَصْحَاب عَلِيٍّ كَرَاهِيَة التَّحْكِيم فَأَعْلَمَهُمْ بِمَا جَرَى يَوْم الْحُدَيْبِيَة مِنْ كَرَاهَة أَكْثَر النَّاس لِلصُّلْحِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَأَعْقَبَ خَيْرًا كَثِيرًا وَظَهَرَ أَنَّ رَأْيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصُّلْح أَتَمّ وَأَحْمَد مِنْ رَأْيهمْ فِي الْمُنَاجَزَة , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة فَوَائِده فِي كِتَاب التَّفْسِير وَالِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2945",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ آدَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏بِصِفِّينَ ‏ ‏فَقَامَ ‏ ‏سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ‏ ‏فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا فَجَاءَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ فَقَالَ ‏ ‏بَلَى فَقَالَ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ قَالَ بَلَى قَالَ فَعَلَامَ نُعْطِي ‏ ‏الدَّنِيَّةَ ‏ ‏فِي دِينِنَا أَنَرْجِعُ وَلَمَّا ‏ ‏يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَقَالَ يَا ‏ ‏ابْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا فَانْطَلَقَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏إِلَى آخِرِهَا فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَفَتْحٌ هُوَ قَالَ نَعَمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2946",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَدِمَتْ عَلَيَّ ‏ ‏أُمِّي ‏ ‏وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمُدَّتِهِمْ مَعَ أَبِيهَا فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏أُمِّي ‏ ‏قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ ‏ ‏رَاغِبَةٌ ‏ ‏أَفَأَصِلُهَا قَالَ ‏ ‏نَعَمْ صِلِيهَا ‏",
        "sharh": "وَالثَّانِي حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر فِي وُفُود أُمّهَا , وَوَجْه تَعَلُّق الْأَوَّل مِنْ جِهَة مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْر قُرَيْش فِي نَقْضِهَا الْعَهْد مِنْ الْغَلَبَة عَلَيْهِمْ وَقَهْرهمْ بِفَتْحِ مَكَّة , فَإِنَّهُ يُوَضِّح أَنَّ مَآل الْغَدْر مَذْمُوم وَمُقَابِل ذَلِكَ مَمْدُوح , وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّن تَعَلُّق الْحَدِيث الثَّانِي , وَوَجْهه أَنَّ عَدَم الْغَدْر اِقْتَضَى جَوَاز صِلَة الْقَرِيب وَلَوْ كَانَ عَلَى غَيْر دِين الْوَاصِل , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَسْمَاء فِي الْهِبَة مَشْرُوحًا. ‏"
    },
    {
        "id": "2947",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْبَرَاءُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ أَرْسَلَ إِلَى ‏ ‏أَهْلِ مَكَّةَ ‏ ‏يَسْتَأْذِنُهُمْ لِيَدْخُلَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُقِيمَ بِهَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ وَلَا يَدْعُوَ مِنْهُمْ أَحَدًا قَالَ فَأَخَذَ يَكْتُبُ الشَّرْطَ بَيْنهُمْ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَكَتَبَ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ فَقَالُوا لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ نَمْنَعْكَ وَلَبَايَعْنَاكَ ‏ ‏وَلكِنِ اكْتُبْ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَنَا وَاللَّهِ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَأَنَا وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ وَكَانَ لَا يَكْتُبُ قَالَ فَقَالَ ‏ ‏لِعَلِيٍّ ‏ ‏امْحَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا أَمْحَاهُ أَبَدًا قَالَ فَأَرِنِيهِ قَالَ فَأَرَاهُ إِيَّاهُ فَمَحَاهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِهِ فَلَمَّا دَخَلَ وَمَضَتْ الْأَيَّامُ أَتَوْا ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏فَقَالُوا مُرْ صَاحِبَكَ فَلْيَرْتَحِلْ فَذَكَرَ ذَلِكَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ نَعَمْ ثُمَّ ارْتَحَلَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ الْبَرَاء فِي الْعُمْرَة وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصُّلْح , وَسَيَأْتِي شَرْح مَا يَتَعَلَّق بِكِتَابَةِ الصُّلْح مِنْهُ فِي كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2948",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِذْ جَاءَ ‏ ‏عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ ‏ ‏بِسَلَى جَزُورٍ ‏ ‏فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى جَاءَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏فَأَخَذَتْ مِنْ ظَهْرِهِ وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ عَلَيْكَ ‏ ‏الْمَلَا مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏اللَّهُمَّ عَلَيْكَ ‏ ‏أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ ‏ ‏وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ ‏ ‏وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ ‏ ‏فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ غَيْرَ ‏ ‏أُمَيَّةَ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أُبَيٍّ ‏ ‏فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا ضَخْمًا فَلَمَّا جَرُّوهُ تَقَطَّعَتْ ‏ ‏أَوْصَالُهُ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ يُلْقَى فِي الْبِئْرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي دُعَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي جَهْل بْن هِشَام وَغَيْره مِنْ قُرَيْش وَفِيهِ ‏ ‏\" فَلَقَدْ رَأَيْتهمْ قُتِلُوا يَوْم بَدْر فَأُلْقُوا فِي بِئْر \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي \" بَاب الطَّهَارَة \" وَمَضَى شَرْحه أَيْضًا. وَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مَزِيد لِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2949",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَحَدُهُمَا يُنْصَبُ وَقَالَ الْآخَرُ يُرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن مَسْعُود وَأَنَس مَعًا \" لِكُلِّ غَادِر لِوَاء \". ‏ ‏وَقَوْله \" وَعَنْ ثَابِت \" ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ شُعْبَة بَيَّنَهُ مُسْلِم فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ شُعْبَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي خَلِيفَة عَنْ أَبِي الْوَلِيد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا \" قَالَ فِي مَوْضِعَيْنِ : وَبِهَذَا يُرَدّ عَلَى مَنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُون ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْله \" عَنْ أَبِي الْوَلِيد \" فَيَكُون مِنْ رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ ثَابِت , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَلَمْ يُرَقِّم الْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيب فِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ ثَابِت رَقْم الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَحَدهمَا يُنْصَب وَقَالَ الْآخَر - يُرَى - يَوْم الْقِيَامَة يُعْرَف بِهِ ) ‏ ‏لَيْسَ فِي رِوَايَة مُسْلِم الْمَذْكُورَة يُنْصَب وَلَا يُرَى , وَقَدْ زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق غُنْدُر عَنْ شُعْبَة \" يُقَال هَذِهِ غَدْرَة فُلَان \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" يُرْفَع لَهُ بِقَدْرِ غَدْرَته \" وَلَهُ مِنْ حَدِيثه مِنْ وَجْه آخَر \" عِنْد اِسْته \" قَالَ اِبْن الْمُنِير كَأَنَّهُ عُومِلَ بِنَقِيضِ قَصْده لِأَنَّ عَادَة اللِّوَاء أَنْ يَكُون عَلَى الرَّأْس فَنُصِبَ عِنْد السُّفْل زِيَادَة فِي فَضِيحَته , لِأَنَّ الْأَعْيُن غَالِبًا تَمْتَدّ إِلَى الْأَلْوِيَة فَيَكُون ذَلِكَ سَبَبًا لِامْتِدَادِهَا إِلَى الَّتِي بَدَتْ لَهُ ذَلِكَ الْيَوْم فَيَزْدَاد بِهَا فَضِيحَته. ‏"
    },
    {
        "id": "2950",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ بِغَدْرَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يُنْصَب يَوْم الْقِيَامَة بِغَدْرَتِهِ ) ‏ ‏أَيْ بِقَدْرِ غَدْرَته كَمَا فِي رِوَايَة مُسْلِم , قَالَ الْقُرْطُبِيّ هَذَا خِطَاب مِنْهُ لِلْعَرَبِ بِنَحْرِ مَا كَانَتْ تَفْعَل , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ لِلْوَفَاءِ رَايَة بَيْضَاء , وَلِلْغَدْرِ رَايَة سَوْدَاء , لِيَلُومُوا الْغَادِر وَيَذُمُّوهُ , فَاقْتَضَى الْحَدِيث وُقُوع مِثْل ذَلِكَ لِلْغَادِرِ لِيَشْتَهِر بِصِفَتِهِ فِي الْقِيَامَة فَيَذُمّهُ أَهْل الْمَوْقِف , وَأَمَّا الْوَفَاء فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْء وَلَا يَبْعُد أَنْ يَقَعَ كَذَلِكَ , وَقَدْ ثَبَتَ لِوَاء الْحَمْد لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِير الْغَدْر قَرِيبًا وَالْكَلَام عَلَى اللِّوَاء وَمَا الْفَرْق بَيْنه وَبَيْن الرَّايَة فِي بَاب مُفْرَد فِي كِتَاب الْجِهَاد. وَفِي الْحَدِيث غِلَظ تَحْرِيم الْغَدْر لَا سِيَّمَا مِنْ صَاحِب الْوِلَايَة الْعَامَّة لِأَنَّ غَدْره يَتَعَدَّى ضَرَره إِلَى خَلْق كَثِير , وَلِأَنَّهُ غَيْر مُضْطَرّ إِلَى الْغَدْر لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْوَفَاء , وَقَالَ عِيَاض : الْمَشْهُور أَنَّ هَذَا الْحَدِيث وَرَدَ فِي ذَمّ الْإِمَام إِذَا غَدَرَ فِي عُهُوده لِرَعِيَّتِهِ أَوْ لِمُقَاتِلَتِهِ أَوْ لِلْإِمَامَةِ الَّتِي تَقَلَّدَهَا وَالْتَزَمَ الْقِيَام بِهَا , فَمَتَى خَانَ فِيهَا أَوْ تَرَكَ الرِّفْق فَقَدْ غَدَرَ بِعَهْدِهِ. وَقِيلَ الْمُرَاد نَهْي الرَّعِيَّة عَنْ الْغَدْر بِالْإِمَامِ فَلَا تَخْرُج عَلَيْهِ وَلَا تَتَعَرَّض لِمَعْصِيَتِهِ لِمَا يَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْفِتْنَة. قَالَ : وَالصَّحِيح الْأَوَّل. قُلْت : وَلَا أَدْرِي مَا الْمَانِع مِنْ حَمْل الْخَبَر عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي مَزِيد بَيَان لِذَلِكَ فِي كِتَاب الْفِتَن حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِيهِ أَتَمَّ مِمَّا هُنَا وَأَنَّ الَّذِي فَهِمَهُ اِبْن عَمْرو رَاوِي الْحَدِيث هُوَ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَم. وَفِيهِ أَنَّ النَّاس يُدْعَوْنَ يَوْم الْقِيَامَة بِآبَائِهِمْ لِقَوْلِهِ فِيهِ \" هَذِهِ غَدْرَة فُلَان اِبْن فُلَان \" وَهِيَ رِوَايَة اِبْن عُمَر الْآتِيَة فِي الْفِتَن , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ بِأُمَّهَاتِهِمْ فَقَدْ يُخَصّ هَذَا مِنْ الْعُمُوم. وَتَمَسَّكَ بِهِ قَوْم فِي تَرْك الْجِهَاد مَعَ وُلَاة الْجَوْر الَّذِينَ يَغْدِرُونَ كَمَا حَكَاهُ الْبَاجِيُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "2951",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ فَتْحِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا ‏ ‏اسْتُنْفِرْتُمْ ‏ ‏فَانْفِرُوا وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا ‏ ‏يُعْضَدُ ‏ ‏شَوْكُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلَا ‏ ‏يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ ‏ ‏إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا وَلَا ‏ ‏يُخْتَلَى خَلَاهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ قَالَ إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح سَاقَهُ بِتَمَامِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر الْجِهَاد وَبَاقِيه فِي الْحَجّ , وَفِي تَعَلُّقه بِالتَّرْجَمَةِ غُمُوض , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَجْهه أَنَّ مَحَارِم اللَّه عُهُوده إِلَى عِبَاده , فَمَنْ اِنْتَهَكَ مِنْهَا شَيْئًا كَانَ غَادِرًا , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَتَحَ مَكَّة أَمَّنَ النَّاس , ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْقِتَال بِمَكَّة حَرَام , فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُمْ آمِنُونَ مِنْ أَنْ يَغْدِر بِهِمْ أَحَد فِيمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ الْأَمَان. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : وَجْهه أَنَّ النَّصّ عَلَى أَنَّ مَكَّة اُخْتُصَّتْ بِالْحُرْمَةِ إِلَّا فِي السَّاعَة الْمُسْتَثْنَاة لَا يَخْتَصّ بِالْمُؤْمِنِ الْبَرّ فِيهَا \" إِذْ كُلّ بُقْعَة كَذَلِكَ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا اِخْتَصَّتْ بِمَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يُمْكِن أَنْ يُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" وَإِذَا اِسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا \" إِذْ مَعْنَاهُ لَا تَغْدِرُوا بِالْأَئِمَّةِ وَلَا تُخَالِفُوهُمْ , لِأَنَّ إِيجَاب الْوَفَاء بِالْخُرُوجِ مُسْتَلْزِم لِتَحْرِيمِ الْغَدْر , أَوْ أَشَارَ إِلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَغْدِر بِاسْتِحْلَالِ الْقِتَال بِمَكَّة , بَلْ كَانَ بِإِحْلَالِ اللَّه لَهُ سَاعَة , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا جَازَ لَهُ. قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ مِنْ سَبَب الْفَتْح الَّذِي ذُكِرَ فِي الْحَدِيث وَهُوَ غَدْر قُرَيْش بِخُزَاعَةَ حُلَفَاءِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَحَارَبُوا مَعَ بَنِي بَكْر حُلَفَاء قُرَيْش , فَأَمَدَّتْ قُرَيْش بَنِي بَكْر وَأَعَانُوهُمْ عَلَى خُزَاعَةَ وَبَيَّتُوهُمْ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَة ; وَفِي ذَلِكَ يَقُول شَاعِرهمْ يُخَاطِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ‏ ‏إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوك الْمَوْعِدَا ‏ ‏وَنَقَضُوا مِيثَاقك الْمُؤَكَّدَا ‏ ‏وَسَيَأْتِي شَرْح ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي مُفَصَّلًا , فَكَانَ عَاقِبَة نَقْضِ قُرَيْش الْعَهْد بِمَا فَعَلُوهُ أَنْ غَزَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى فَتَحُوا مَكَّة وَاضْطَرُّوا إِلَى طَلَب الْأَمَان وَصَارُوا بَعْد الْعِزّ وَالْقُوَّة فِي غَايَة الْوَهَن إِلَى أَنْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَام وَأَكْثَرهمْ لِذَلِكَ كَارِه , وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَة \" بِالْبَرِّ \" إِلَى الْمُسْلِمِينَ \" وَبِالْفَاجِرِ \" إِلَى خُزَاعَة لِأَنَّ أَكْثَرهمْ إِذْ ذَاكَ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ بَعْدُ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَتْ أَحَادِيث فَرْض الْخُمُس وَالْجِزْيَة وَالْمُوَادَعَة - وَهِيَ فِي التَّحْقِيق بَقَايَا الْجِهَاد , وَإِنَّمَا أَفْرَدَهَا زِيَادَة فِي الْإِيضَاح , كَمَا أُفْرِدَتْ الْعُمْرَة وَجَزَاء الصَّيْد مِنْ كِتَاب الْحَجّ - مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى مِائَة وَسِتَّة عَشَر حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا سَبْعَة عَشَر طَرِيقًا وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهَا وَفِيمَا مَضَى سَبْعَة وَسِتُّونَ حَدِيثًا وَالْبَقِيَّة خَالِصَة , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث أَنَس فِي صِفَة نَقْش الْخَاتَم , وَحَدِيثه فِي النَّعْلَيْنِ , وَحَدِيثه فِي الْقَدَح , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعكُمْ \" وَحَدِيث خَوْلَة \" إِنَّ رِجَالًا يَخُوضُونَ \" وَحَدِيث تَرِكَة الزُّبَيْر وَحَدِيث سُؤَال هَوَازِن مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب , وَحَدِيث إِعْطَاء جَابِر مِنْ تَمْر خَيْبَر , وَحَدِيث اِبْن عُمَر \" لَمْ يَعْتَمِر مِنْ الْجِعِرَّانَةِ \" , وَحَدِيثه \" كُنَّا نُصِيب فِي مَغَازِينَا الْعَسَل \" فَهَذِهِ فِي الْخُمُس , وَحَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فِي الْمَجُوس , وَحَدِيث عُمَر فِيهِ , وَحَدِيث اِبْن عَمْرو \" مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا \" وَحَدِيث اِبْن شِهَاب فِيمَنْ سَحَرَ , وَحَدِيث عَوْف فِي الْمَلَاحِم , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" كَيْف أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا \". وَفِيهَا مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدَهُمْ عِشْرُونَ أَثَرًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2952",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ نَفَرٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏أَبْشِرُوا قَالُوا بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ فَجَاءَهُ ‏ ‏أَهْلُ الْيَمَنِ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏أَهْلَ الْيَمَنِ ‏ ‏اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا ‏ ‏بَنُو تَمِيمٍ ‏ ‏قَالُوا قَبِلْنَا فَأَخَذَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحَدِّثُ بَدْءَ الْخَلْقِ وَالْعَرْشِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا ‏ ‏عِمْرَانُ ‏ ‏رَاحِلَتُكَ تَفَلَّتَتْ لَيْتَنِي لَمْ أَقُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ صَفْوَان بْن مُحْرِز عَنْ عِمْرَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَاصِم عَنْ سُفْيَان فِي الْمَغَازِي \" حَدَّثَنَا صَفْوَان حَدَّثَنَا عِمْرَان \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( جَاءَ نَفَر مِنْ بَنِي تَمِيم ) ‏ ‏يَعْنِي وَفْدهمْ وَسَيَأْتِي بَيَان وَقْت قُدُومهمْ وَمَنْ عُرِفَ مِنْهُمْ فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي ‏ ‏قَوْله : ( أَبْشِرُوا ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ قَطْع مِنْ الْبِشَارَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالُوا بَشَّرْتنَا ) ‏ ‏الْقَائِل ذَلِكَ مِنْهُمْ الْأَقْرَع بْن حَابِس , ذَكَرَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَتَغَيَّرَ وَجْهه ) ‏ ‏إِمَّا لِلْأَسَفِ عَلَيْهِمْ كَيْفَ آثَرُوا الدُّنْيَا , وَإِمَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَحْضُرهُ مَا يُعْطِيهِمْ فَيَتَأَلَّفهُمْ بِهِ , أَوْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَجَاءَهُ أَهْل الْيَمَن ) ‏ ‏هُمْ الْأَشْعَرِيُّونَ قَوْم أَبِي مُوسَى , وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ حَدِيث عِمْرَان هَذَا وَفِيهِ مَا يَسْتَأْنِس بِهِ لِذَلِكَ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْمُرَاد بِأَهْلِ الْيَمَن هُنَا نَافِع بْن زَيْد الْحِمْيَرِيّ مَعَ مَنْ وَفَدَ مَعَهُ مِنْ أَهْل حِمْيَر , وَقَدْ ذَكَرْت مُسْتَنَد ذَلِكَ فِي \" بَاب قُدُوم الْأَشْعَرِيِّينَ وَأَهْل الْيَمَن \" وَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي عَطْف أَهْل الْيَمَن عَلَى الْأَشْعَرِيِّينَ مَعَ أَنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ مِنْ جُمْلَة أَهْل الْيَمَن , لَمَّا كَانَ زَمَان قُدُوم الطَّائِفَتَيْنِ مُخْتَلِفًا وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا قِصَّة غَيْر قِصَّة الْآخَرِينَ وَقَعَ الْعَطْف. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اِقْبَلُوا الْبُشْرَى ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَالْقَصْر أَيْ اِقْبَلُوا مِنِّي مَا يَقْتَضِي أَنْ تُبَشَّرُوا إِذَا أَخَذْتُمْ بِهِ بِالْجَنَّةِ , كَالْفِقْهِ فِي الدِّين وَالْعَمَل بِهِ , وَحَكَى عِيَاض أَنَّ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ \" الْيُسْرَى \" بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَة , قَالَ : وَالصَّوَاب الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذْ لَمْ يَقْبَلهَا ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" أَنْ لَمْ يَقْبَلهَا \" وَهُوَ بِفَتْحِ \" أَنْ \" أَيْ مِنْ أَجْل تَرْكهمْ لَهَا وَيُرْوَى بِكَسْرِ إِنْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّث بَدْء الْخَلْق وَالْعَرْش ) ‏ ‏, أَيْ عَنْ بَدْء الْخَلْق وَعَنْ حَال الْعَرْش , وَكَأَنَّهُ ضَمَّنَ \" يُحَدِّث \" مَعْنَى يُذَكِّر , وَكَأَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ أَحْوَال هَذَا الْعَالَم وَهُوَ الظَّاهِر , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونُوا سَأَلُوا عَنْ أَوَّل جِنْس الْمَخْلُوقَات , فَعَلَى الْأَوَّل يَقْتَضِي السِّيَاق أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ أَوَّل شَيْء خَلَقَ مِنْهُ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَعَلَى الثَّانِي يَقْتَضِي أَنَّ الْعَرْش وَالْمَاء تَقَدَّمَ خَلْقهمَا قَبْل ذَلِكَ , وَوَقَعَ فِي قِصَّة نَافِع بْن زَيْد \" نَسْأَلك عَنْ أَوَّل هَذَا الْأَمْر \". ‏"
    },
    {
        "id": "2953",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ ‏ ‏أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَقَلْتُ نَاقَتِي بِالْبَابِ فَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏فَقَالَ اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏قَالُوا قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْيَمَنِ ‏ ‏فَقَالَ اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا ‏ ‏أَهْلَ الْيَمَنِ ‏ ‏إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا ‏ ‏بَنُو تَمِيمٍ ‏ ‏قَالُوا قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالُوا جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ قَالَ ‏ ‏كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَنَادَى مُنَادٍ ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا ‏ ‏ابْنَ الْحُصَيْنِ ‏ ‏فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا هِيَ يَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ فَوَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا ‏ ‏وَرَوَى ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَقَبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَقَامًا فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالُوا جِئْنَا نَسْأَلك ) ‏ ‏كَذَا الْكُشْمِيهَنِيُّ , وَلِغَيْرِهِ \" جِئْنَاك لِنَسْأَلك \" وَزَادَ فِي التَّوْحِيد \" وَنَتَفَقَّهُ فِي الدِّين \" وَكَذَا هِيَ فِي قِصَّة نَافِع بْن زَيْد الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا آنِفًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ هَذَا الْأَمْر ) ‏ ‏أَيْ الْحَاضِر الْمَوْجُود , وَالْأَمْر يُطْلَق وَيُرَاد بِهِ الْمَأْمُور وَيُرَاد بِهِ الشَّأْن وَالْحُكْم وَالْحَثّ عَلَى الْفِعْل غَيْر ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَانَ اللَّه وَلَمْ يَكُنْ شَيْء غَيْره ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة فِي التَّوْحِيد \" وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ \" وَفِي رِوَايَة غَيْر الْبُخَارِيّ \" وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ \" وَالْقِصَّة مُتَّحِدَة فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَة وَقَعَتْ بِالْمَعْنَى , وَلَعَلَّ رَاوِيهَا أَخَذَهَا مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَائِهِ فِي صَلَاة اللَّيْل - كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس - \" أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَك شَيْءٌ \" لَكِنَّ رِوَايَةَ الْبَاب أَصْرَح فِي الْعَدَم , وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْء غَيْره لَا الْمَاء وَلَا الْعَرْش وَلَا غَيْرهمَا , لِأَنَّ كُلّ ذَلِكَ غَيْر اللَّه تَعَالَى \" وَيَكُونُ قَبْلَهُ \" وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ \" مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَلَقَ الْمَاء سَابِقًا ثُمَّ خَلَقَ الْعَرْش عَلَى الْمَاء , وَقَدْ وَقَعَ فِي قِصَّة نَافِع بْن زَيْد الْحِمْيَرِيّ بِلَفْظِ \" كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ الْقَلَمَ فَقَالَ : اُكْتُبْ مَا هُوَ كَائِن , ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ \" فَصَرَّحَ بِتَرْتِيبِ الْمَخْلُوقَات بَعْد الْمَاء وَالْعَرْش. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء , وَكَتَبَ فِي الذِّكْر كُلَّ شَيْء , وَخَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض ) ‏ ‏هَكَذَا جَاءَتْ هَذِهِ الْأُمُور الثَّلَاثَة مَعْطُوفَة بِالْوَاوِ , وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي التَّوْحِيد \" ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض \" وَلَمْ يَقَع بِلَفْظِ \" ثُمَّ \" إِلَّا فِي ذِكْر خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مَرْفُوعًا \" أَنَّ اللَّه قَدَّرَ مَقَادِير الْخَلَائِق قَبْل أَنْ يَخْلُق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ أَلْف سَنَة وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء \" وَهَذَا الْحَدِيث يُؤَيِّد رِوَايَة مَنْ رَوَى \" ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض \" بِاللَّفْظِ الدَّالّ عَلَى التَّرْتِيب. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُب فِي هَذَا الْحَدِيث \" كَانَ اللَّه وَلَا شَيْء مَعَهُ , وَهُوَ الْآن عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ \" وَهِيَ زِيَادَة لَيْسَتْ فِي شَيْء مِنْ كُتُب الْحَدِيث , نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْعَلَّامَة تَقِيّ الدِّين بْن تَيْمِيَّةَ , وَهُوَ مُسَلَّم فِي قَوْله , \" وَهُوَ الْآن \" إِلَى آخِره , وَأَمَّا لَفْظ \" وَلَا شَيْء مَعَهُ \" فَرِوَايَة الْبَاب بِلَفْظِ \" وَلَا شَيْء غَيْره \" بِمَعْنَاهَا. وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَة نَافِع بْن زَيْد الْحِمْيَرِيّ الْمَذْكُور \" كَانَ اللَّهُ لَا شَيْءَ غَيْرَهُ \" بِغَيْرِ وَاو. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ فَصْل مُسْتَقِلّ لِأَنَّ الْقَدِيم مَنْ لَمْ يَسْبِقهُ شَيْء , وَلَمْ يُعَارِضهُ فِي الْأَوَّلِيَّة , لَكِنْ أَشَارَ بِقَوْلِهِ \" وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ \" إِلَى أَنَّ الْمَاء وَالْعَرْش كَانَا مَبْدَأ هَذَا الْعَالَم لِكَوْنِهِمَا خُلِقَا قَبْل خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض , وَلَمْ يَكُنْ تَحْت الْعَرْش إِذْ ذَاكَ إِلَّا الْمَاء. وَمُحَصَّل الْحَدِيث أَنَّ مُطْلَق قَوْله \" وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ \" مُقَيَّد بِقَوْلِهِ \" وَلَمْ يَكُنْ شَيْء غَيْره \" وَالْمُرَاد ب كَانَ فِي الْأَوَّل الْأَزَلِيَّة وَفِي الثَّانِي الْحُدُوث بَعْد الْعَدَم. وَقَدْ رَوَى أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي رَزِين الْعُقَيْلِيِّ مَرْفُوعًا \" أَنَّ الْمَاء خُلِقَ قَبْل الْعَرْش \" وَرَوَى السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيره بِأَسَانِيد مُتَعَدِّدَة \" أَنَّ اللَّه لَمْ يَخْلُق شَيْئًا مِمَّا خَلَقَ قَبْل الْمَاء \" وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت مَرْفُوعًا \" أَوَّل مَا خَلَقَ اللَّه الْقَلَم , ثُمَّ قَالَ اُكْتُبْ , فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" فَيُجْمَع بَيْنه وَبَيْن مَا قَبْله بِأَنَّ أَوَّلِيَّة الْقَلَم بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عَدَا الْمَاء وَالْعَرْش أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا مِنْهُ صَدَرَ مِنْ الْكِتَابَة , أَيْ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ اُكْتُبْ أَوَّل مَا خُلِقَ , وَأَمَّا حَدِيث \" أَوَّل مَا خَلَقَ اللَّه الْعَقْل \" فَلَيْسَ لَهُ طَرِيق ثَبْت , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوته فَهَذَا التَّقْدِير الْأَخِير هُوَ تَأْوِيله وَاللَّهُ أَعْلَم. وَحَكَى أَبُو الْعَلَاء الْهَمْدَانِيُّ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَيْنِ فِي أَيّهمَا خُلِقَ أَوَّلًا الْعَرْش أَوْ الْقَلَم ؟ قَالَ : وَالْأَكْثَر عَلَى سَبْق خَلْق الْعَرْش , وَاخْتَارَ اِبْن جَرِير وَمَنْ تَبِعَهُ الثَّانِي , وَرَوَى اِبْن أَبِي حَازِم مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" خَلَقَ اللَّه اللَّوْح الْمَحْفُوظ مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام , فَقَالَ لِلْقَلَمِ قَبْل أَنْ يَخْلُق الْخَلْق وَهُوَ عَلَى الْعَرْش : اُكْتُبْ , فَقَالَ وَمَا أَكْتُب ؟ قَالَ عِلْمِي فِي خَلْقِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" ذَكَرَهُ فِي تَفْسِير سُورَة سُبْحَان , وَلَيْسَ فِيهِ سَبْق خَلْق الْقَلَم عَلَى الْعَرْش , بَلْ فِيهِ سَبْق الْعَرْش. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْأَسْمَاء وَالصِّفَات \" مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" أَوَّل مَا خَلَقَ اللَّه الْقَلَم فَقَالَ لَهُ اُكْتُبْ , فَقَالَ : يَا رَبّ وَمَا أَكْتُب ؟ قَالَ أَكْتُب الْقَدَر , فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِن مِنْ ذَلِكَ الْيَوْم إِلَى قِيَام السَّاعَة \" وَأَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ أَبِي عَوَانَة عَنْ أَبِي بِشْر عَنْ مُجَاهِد قَالَ \" بَدْء الْخَلْق الْعَرْش وَالْمَاء وَالْهَوَاء , وَخَلَقْت الْأَرْض مِنْ الْمَاء \" وَالْجَمْع بَيْن هَذِهِ الْآثَار وَاضِح. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَكَتَبَ ) أَيْ قَدَّرَ ( فِي الذِّكْر ) أَيْ فِي مَحَلّ الذِّكْر أَيْ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ ( كُلّ شَيْء ) أَيْ مِنْ الْكَائِنَات , وَفِي الْحَدِيث جَوَاز السُّؤَال عَنْ مَبْدَأ الْأَشْيَاء وَالْبَحْث عَنْ ذَلِكَ وَجَوَاز جَوَاب الْعَالِم بِمَا يَسْتَحْضِرهُ مِنْ ذَلِكَ , وَعَلَيْهِ الْكَفّ إِنْ خَشِيَ عَلَى السَّائِل مَا يَدْخُل عَلَى مُعْتَقِده. وَفِيهِ أَنَّ جِنْس الزَّمَان وَنَوْعه حَادِث , وَأَنَّ اللَّه أَوْجَدَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَات بَعْد أَنْ لَمْ تَكُنْ , لَا عَنْ عَجْز عَنْ ذَلِكَ بَلْ مَعَ الْقُدْرَة. وَاسْتَنْبَطَ بَعْضهمْ مِنْ سُؤَال الْأَشْعَرِيِّينَ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّ الْكَلَام فِي أُصُول الدِّين وَحُدُوث الْعِلْم مُسْتَمِرَّانِ فِي ذُرِّيَّتهمْ حَتَّى ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي أَبِي الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن عَسَاكِر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَنَادَى مُنَادٍ ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" فَجَاءَ رَجُل فَقَالَ : يَا عِمْرَان \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ذَهَبَتْ نَاقَتك يَا اِبْن الْحُصَيْن ) ‏ ‏أَيْ اِنْفَلَتَتْ , وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى \" فَجَاءَ رَجُل فَقَالَ : يَا عِمْرَان رَاحِلَتك \" أَيْ أَدْرِكْ رَاحِلَتك فَهُوَ بِالنَّصْبِ , أَوْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتك فَهُوَ بِالرَّفْعِ , وَيُؤَيِّدهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمِ هَذَا الرَّجُل. وَقَوْله \" تَفَلَّتَتْ \" بِالْفَاءِ أَيْ شَرَدَتْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِذَا هِيَ يَقْطَع ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله ‏ ‏( دُونهَا السَّرَاب ) ‏ ‏بِالضَّمِّ أَيْ يَحُول بَيْنِي وَبَيْن رُؤْيَتهَا , وَالسَّرَاب بِالْمُهْمَلَةِ مَعْرُوف , وَهُوَ مَا يُرَى نَهَارًا فِي الْفَلَاة كَأَنَّهُ مَاءٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَوَاللَّهِ لَوَدِدْت أَنِّي كُنْت تَرَكْتهَا ) ‏ ‏فِي التَّوْحِيد \" أَنَّهَا ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ \" يَعْنِي لِأَنَّهُ قَامَ قَبْل أَنْ يُكْمِل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثه فِي ظَنّه , فَتَأَسَّفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ. وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْحِرْص عَلَى تَحْصِيل الْعِلْم. وَقَدْ كُنْت كَثِير التَّطَلُّب لِتَحْصِيلِ مَا ظَنَّ عِمْرَان أَنَّهُ فَاتَهُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة إِلَى أَنْ وَقَفْت عَلَى قِصَّة نَافِع بْن زَيْد الْحِمْيَرِيّ فَقَوِيَ فِي ظَنِّيّ أَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ شَيْء مِنْ هَذَا الْقِصَّة بِخُصُوصِهَا لِخُلُوِّ قِصَّة نَافِع بْن زَيْد عَنْ قَدْر زَائِد عَلَى حَدِيث عِمْرَان , إِلَّا أَنَّ فِي آخِره بَعْد قَوْله وَمَا فِيهِنَّ \" وَاسْتَوَى عَلَى عَرْشه عَزَّ وَجَلَّ \". الْحَدِيث الثَّانِي حَدِيث عُمَر قَالَ \" قَامَ فِينَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامًا فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْء الْخَلْق حَتَّى دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة مَنَازِلهمْ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَرَوَى عِيسَى عَنْ رَقَبَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ مِنْهُ رَجُل فَقَالَ اِبْن الْفَلَكِيّ : يَنْبَغِي أَنْ يَكُون بَيْن عِيسَى وَرَقَبَة أَبُو حَمْزَة , وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو مَسْعُود , وَقَالَ الطَّرْقِيّ : سَقَطَ أَبُو حَمْزَة مِنْ كِتَاب الْفَرَبْرِيِّ وَثَبَتَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن شَاكِر فَعِنْده عَنْ الْبُخَارِيّ \" رَوَى عِيسَى عَنْ أَبِي حَمْزَة عَنْ رَقَبَة قَالَ \" وَكَذَا قَالَ اِبْن رُمَيْح عَنْ الْفَرَبْرِيِّ , قُلْت : وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" وَهُوَ يَرْوِي الصَّحِيح عَنْ الْجُرْجَانِيِّ عَنْ الْفَرَبْرِيِّ , فَالِاخْتِلَاف فِيهِ حِينَئِذٍ عَنْ الْفَرَبْرِيِّ , ثُمَّ رَأَيْته أَسْقَطَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة النَّسَفِيِّ , لَكِنْ جَعَلَ بَيْن عِيسَى وَرَقَبَة ضَبَّة , وَيَغْلِب عَلَى الظَّنّ أَنَّ أَبَا حَمْزَة أَلْحَقَ فِي رِوَايَة الْجُرْجَانِيِّ وَقَدْ وَصَفُوهُ بِقِلَّةِ الْإِتْقَان , وَعِيسَى الْمَذْكُور هُوَ اِبْن مُوسَى الْبُخَارِيّ وَلَقَبه غُنْجَارٌ بِمُعْجَمَةٍ مَضْمُومَة ثُمَّ نُون سَاكِنَة ثُمَّ جِيم , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ وَصَلَ الْحَدِيث الْمَذْكُور مِنْ طَرِيق عِيسَى الْمَذْكُور عَنْ أَبِي حَمْزَة وَهُوَ مُحَمَّد بْنُ مَيْمُون السُّكَّرِيّ عَنْ رَقَبَة الطَّبَرَانِيِّ فِي مُسْنَد رَقَبَة الْمَذْكُور , وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَالْقَاف وَالْمُوَحَّدَة الْخَفِيفَة اِبْن مَصْقَلَةَ بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَة وَقَدْ تُبَدَّل سِينًا بَعْدهَا قَاف , وَلَمْ يَنْفَرِد بِهِ عِيسَى فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن شَقِيق عَنْ أَبِي حَمْزَة نَحْوه , لَكِنْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة ) ‏ ‏هِيَ غَايَة قَوْله \" أَخْبَرَنَا \" أَيْ أَخْبَرَنَا عَنْ مُبْتَدَأ الْخَلْق شَيْئًا بَعْد شَيْء إِلَى أَنْ اِنْتَهَى الْإِخْبَار عَنْ حَال الِاسْتِقْرَار فِي الْجَنَّة وَالنَّار , وَوَضَعَ الْمَاضِي مَوْضِع الْمُضَارِع مُبَالَغَة لِلتَّحَقُّقِ الْمُسْتَفَاد مِنْ خَبَر الصَّادِق , وَكَانَ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ يَقُول : حَتَّى يَدْخُل , وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَخْبَرَ فِي الْمَجْلِس الْوَاحِد بِجَمِيعِ أَحْوَال الْمَخْلُوقَات مُنْذُ اُبْتُدِئَتْ إِلَى أَنْ تَفْنَى إِلَى أَنْ تُبْعَث , فَشَمِلَ ذَلِكَ الْإِخْبَار عَنْ الْمَبْدَأ وَالْمَعَاش وَالْمَعَاد , فِي تَيْسِير إِيرَاد ذَلِكَ كُلّه فِي مَجْلِس وَاحِد مِنْ خَوَارِق الْعَادَة أَمْر عَظِيم , وَيَقْرَب ذَلِكَ مَعَ كَوْن مُعْجِزَاته لَا مِرْيَة فِي كَثْرَتهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُعْطِيَ جَوَامِع الْكَلِم , وَمِثْل هَذَا مِنْ جِهَة أُخْرَى مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ قَالَ \" خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي يَده كِتَابَانِ , فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَده الْيُمْنَى : هَذَا كِتَاب مِنْ رَبّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاء أَهْل الْجَنَّة وَأَسْمَاء آبَائِهِمْ وَقَبَائِلهمْ ثُمَّ أَجْمَلَ عَلَى آخِرهمْ فَلَا يُزَاد فِيهِمْ وَلَا يُنْقَص مِنْهُمْ أَبَدًا ; ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَاله مِثْله فِي أَهْل النَّار , وَقَالَ فِي آخِر الْحَدِيث \" فَقَالَ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا ثُمَّ قَالَ فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنْ الْعِبَاد , فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير \" وَإِسْنَاده حَسَن. وَوَجْه الشَّبَه بَيْنهمَا أَنَّ الْأَوَّل فِيهِ تَيْسِير الْقَوْل الْكَثِير فِي الزَّمَن الْقَلِيل , وَهَذَا فِيهِ تَيْسِير الْجُرْم الْوَاسِع فِي الظَّرْف الضَّيِّق , وَظَاهِر قَوْله فَنَبَذَهُمَا بَعْد قَوْله وَفِي يَده كِتَابَانِ أَنَّهُمَا كَانَا مَرْئِيَّيْنِ لَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَلِحَدِيثِ الْبَاب شَاهِد مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة سَيَأْتِي فِي كِتَاب الْقَدَر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَمِنْ حَدِيث أَبِي زَيْد الْأَنْصَارِيّ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَمُسْلِم قَالَ \" صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة الصُّبْح , فَصَعِدَ الْمِنْبَر فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتْ الظُّهْر , ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى بِنَا الظُّهْر. ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَر فَخَطَبَنَا ثُمَّ صَلَّى الْعَصْر كَذَلِكَ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس , فَحَدَّثَنَا بِمَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِن , فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا \" لَفْظ أَحْمَد. وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيثه مُطَوَّلًا , وَتَرْجَمَ لَهُ \" بَاب مَا قَامَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" ثُمَّ سَاقَهُ بِلَفْظِ \" صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا صَلَاة الْعَصْر ثُمَّ قَامَ يُحَدِّثنَا فَلَمْ يَدَع شَيْئًا يَكُون إِلَى قِيَام السَّاعَة إِلَّا أَخْبَرَنَا بِهِ , حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ \" ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيث وَقَالَ : حَسَن. وَفِي الْبَاب عَنْ حُذَيْفَة وَأَبِي زَيْد بْن أَخْطَبَ وَأَبِي مَرْيَم وَالْمُغِيرَة بْن شُعْبَة اِنْتَهَى. وَلَمْ يَقَع لَهُ حَدِيث عُمَر حَدِيث الْبَاب وَهُوَ عَلَى شَرْطه , وَأَفَادَ حَدِيث أَبِي زَيْد بَيَان الْمَقَام الْمَذْكُور زَمَانًا وَمَكَانًا فِي حَدِيث عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَأَنَّهُ كَانَ عَلَى الْمِنْبَر مِنْ أَوَّل النَّهَار إِلَى أَنْ غَابَتْ الشَّمْس , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "2954",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أَحْمَدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُرَاهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ ‏يَشْتِمُنِي ابْنُ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي وَيُكَذِّبُنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ إِنَّ لِي وَلَدًا وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي أَحْمَد ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر الزُّبَيْرِيّ وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَشْتِمنِي اِبْن آدَم ) ‏ ‏بِكَسْرِ التَّاء مِنْ \" يَشْتِمنِي \" وَالشَّتْم هُوَ الْوَصْف بِمَا يَقْتَضِي النَّقْص , وَلَا شَكَّ أَنَّ دَعْوَى الْوَلَد لِلَّهِ يَسْتَلْزِم الْإِمْكَان الْمُسْتَدْعِي لِلْحُدُوثِ , وَذَلِكَ غَايَة النَّقْص فِي حَقّ الْبَارِي سُبْحَانه وَتَعَالَى , وَالْمُرَاد مِنْ الْحَدِيث هُنَا قَوْله لَيْسَ يُعِيدنِي كَمَا بَدَأَنِي وَهُوَ قَوْل مُنْكِرِي الْبَعْث مِنْ عُبَّاد الْأَوْثَان. ‏"
    },
    {
        "id": "2955",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ ‏ ‏إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَمَّا قَضَى اللَّه الْخَلْق ) ‏ ‏أَيْ خَلَقَ الْخَلْق كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ) أَوْ الْمُرَاد أَوْجَدَ جِنْسه , وَقَضَى يُطْلَق بِمَعْنَى حَكَمَ وَأَتْقَنَ وَفَرَغَ وَأَمْضَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَتَبَ فِي كِتَابه ) ‏ ‏أَيْ أَمَرَ الْقَلَم أَنْ يَكْتُب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت قَرِيبًا \" فَقَالَ لِلْقَلَمِ اُكْتُبْ \" فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِن \" وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْكِتَابِ اللَّفْظ الَّذِي قَضَاهُ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ). ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَهُوَ عِنْده فَوْق الْعَرْش ) ‏ ‏قِيلَ مَعْنَاهُ دُون الْعَرْش , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ) , وَالْحَامِل عَلَى هَذَا التَّأْوِيل اِسْتِبْعَاد أَنْ يَكُون شَيْء مِنْ الْمَخْلُوقَات فَوْق الْعَرْش , وَلَا مَحْذُور فِي إِجْرَاء ذَلِكَ عَلَى ظَاهِره لِأَنَّ الْعَرْش خَلْق مِنْ خَلْق اللَّه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" فَهُوَ عِنْدَهُ \" أَيْ ذِكْره أَوْ عِلْمه فَلَا تَكُون الْعِنْدِيَّة مَكَانِيَّة بَلْ هِيَ إِشَارَة إِلَى كَمَال كَوْنه مَخْفِيًّا عَنْ الْخَلْق مَرْفُوعًا عَنْ حَيِّز إِدْرَاكهمْ , وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ بَعْضهمْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظ \" فَوْقَ \" زَائِد كَقَوْلِهِ : ( فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ ) وَالْمُرَاد اِثْنَتَانِ فَصَاعِدًا , وَلَمْ يَتَعَقَّبهُ وَهُوَ مُتَعَقَّب , لِأَنَّ مَحَلّ دَعْوَى الزِّيَادَة مَا إِذَا بَقِيَ الْكَلَام مُسْتَقِيمًا مَعَ حَذْفهَا كَمَا فِي الْآيَة , وَأَمَّا فِي الْحَدِيث فَإِنَّهُ يَبْقَى مَعَ الْحَذْف , فَهُوَ عِنْده الْعَرْش وَذَلِكَ غَيْر مُسْتَقِيم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّ رَحْمَتِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ إِنَّ عَلَى أَنَّهَا بَدَل مِنْ كَتَبَ , وَبِكَسْرِهَا عَلَى حِكَايَة مَضْمُون الْكِتَاب ‏ ‏قَوْلُهُ : ( غَلَبَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ أَبِي الزِّنَاد فِي التَّوْحِيد \" سَبَقَتْ \" بَدَل غَلَبَتْ , وَالْمُرَاد مِنْ الْغَضَب لَازِمه وَهُوَ إِرَادَة إِيصَال الْعَذَاب إِلَى مَنْ يَقَع عَلَيْهِ الْغَضَب , لِأَنَّ السَّبْق وَالْغَلَبَة بِاعْتِبَارِ التَّعَلُّق , أَيْ تَعَلُّق الرَّحْمَة غَالِب سَابِق عَلَى تَعَلُّق الْغَضَب , لِأَنَّ الرَّحْمَة مُقْتَضَى ذَاته الْمُقَدَّسَة وَأَمَّا الْغَضَب فَإِنَّهُ مُتَوَقِّف عَلَى سَابِقَة عَمَل مِنْ الْعَبْد الْحَادِث , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَنْدَفِع اِسْتِشْكَال مَنْ أَوْرَدَ وُقُوع الْعَذَاب قَبْل الرَّحْمَة فِي بَعْض الْمَوَاطِن , كَمَنْ يَدْخُل النَّار مِنْ الْمُوَحِّدِينَ ثُمَّ يَخْرُج بِالشَّفَاعَةِ وَغَيْرهَا. وَقِيلَ مَعْنَى الْغَلَبَة الْكَثْرَة وَالشُّمُول , تَقُول غَلَبَ عَلَى فُلَان الْكَرَم أَيْ أَكْثَر أَفْعَاله , وَهَذَا كُلّه بِنَاء عَلَى أَنَّ الرَّحْمَة وَالْغَضَب مِنْ صِفَات الذَّات , وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء الرَّحْمَة وَالْغَضَب مِنْ صِفَات الْفِعْل لَا مِنْ صِفَات الذَّات , وَلَا مَانِع مِنْ تَقَدُّم بَعْض الْأَفْعَال عَلَى بَعْض فَتَكُون الْإِشَارَة بِالرَّحْمَةِ إِلَى إِسْكَان آدَم الْجَنَّة أَوَّل مَا خُلِقَ مَثَلًا وَمُقَابِلهَا مَا وَقَعَ مِنْ إِخْرَاجه مِنْهَا , وَعَلَى ذَلِكَ اِسْتَمَرَّتْ أَحْوَال الْأُمَم بِتَقْدِيمِ الرَّحْمَة فِي خَلْقهمْ بِالتَّوَسُّعِ عَلَيْهِمْ مِنْ الرِّزْق وَغَيْره , ثُمَّ يَقَع بِهِمْ الْعَذَاب عَلَى كُفْرهمْ. وَأَمَّا مَا أَشْكَلَ مِنْ أَمْر مَنْ يُعَذَّب مِنْ الْمُوَحِّدِينَ فَالرَّحْمَة سَابِقَة فِي حَقّهمْ أَيْضًا , وَلَوْلَا وُجُودهَا لَخُلِّدُوا أَبَدًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ فِي سَبْق الرَّحْمَة إِشَارَة إِلَى أَنَّ قِسْط الْخَلْق مِنْهَا أَكْثَر مِنْ قِسْطهمْ مِنْ الْغَضَب وَأَنَّهَا تَنَالهُمْ مِنْ غَيْر اِسْتِحْقَاق وَأَنَّ الْغَضَب لَا يَنَالهُمْ إِلَّا بِاسْتِحْقَاقٍ , فَالرَّحْمَة تَشْمَل الشَّخْص جَنِينًا وَرَضِيعًا وَفَطِيمًا وَنَاشِئًا قَبْل أَنْ يَصْدُر مِنْهُ شَيْء مِنْ الطَّاعَة , وَلَا يَلْحَقهُ الْغَضَب إِلَّا بَعْد أَنْ يَصْدُر عَنْهُ مِنْ الذُّنُوب مَا يَسْتَحِقّ مَعَهُ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2956",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ ‏ ‏فَدَخَلَ عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ فَقَالَتْ يَا ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏اجْتَنِبْ الْأَرْضَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَائِشَة ‏ ‏\" مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْر \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْمَظَالِم. ‏"
    },
    {
        "id": "2957",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْمَعْنَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ أَيْضًا , وَعَبْد اللَّه فِي إِسْنَاده هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَالرَّاوِي عَنْهُ بِشْر بْن مُحَمَّد مَرْوَزِيٌّ سَمِعَ مِنْ اِبْن الْمُبَارَك بِخُرَاسَان , وَهُوَ يُؤَيِّد الْبَحْث الَّذِي قَدَّمْته مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن هَذَا الْحَدِيث لَيْسَ فِي كُتُب اِبْن الْمُبَارَك بِخُرَاسَان أَنْ لَا يَكُون حَدَّثَ بِهِ هُنَاكَ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون بِشْر صَحِبَ اِبْن الْمُبَارَك فَسَمِعَهُ مِنْهُ بِالْبَصْرَةِ فَيَصِحّ أَنَّهُ لَمْ يُحَدِّث بِهِ إِلَّا بِالْبَصْرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2958",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي بَكْرَة \" أَنَّ الزَّمَان قَدْ اِسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ \" وَسَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاق فِي آخِر الْمَغَازِي فِي الْكَلَام عَلَى حِجَّة الْوَدَاع , وَيَأْتِي شَرْحه فِي تَفْسِير بَرَاءَة , وَمَضَى شَرْح أَكْثَره فِي الْعِلْم وَبَعْضه فِي الْحَجّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ اِبْن أَبِي بَكْرَة عَنْ أَبِي بَكْرَة ) ‏ ‏اِسْم اِبْن أَبِي بَكْرَة عَبْد الرَّحْمَن كَمَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب رُبَّ مُبَلَّغ أَوْعَى مِنْ سَامِع \" فِي كِتَاب الْعِلْم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَيُّوب , وَذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ نُسْخَة الْأَصِيلِيِّ هُنَا عَنْ اِبْن أَبِي بَكْرَة وَثَبَتَ لِسَائِرِ الرُّوَاة عَنْ الْفَرَبْرِيِّ , قُلْت : وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ عَنْ الْبُخَارِيّ , قَالَ الْجَيَّانِيُّ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ هُنَا عَنْ أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْرَة , وَهُوَ وَهْم فَاحِش. قُلْت : وَافَقَ الْأَصِيلِيُّ لَكِنْ صَحَّفَ \" عَنْ \" فَصَارَتْ \" اِبْن \" فَلِذَلِكَ وَصَفَهُ بِفُحْشِ الْوَهْم وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيث بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور هُنَا فِي \" بَاب حِجَّة الْوَدَاع \" مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي عَلَى الصَّوَاب لِلْجَمَاعَةِ أَيْضًا حَتَّى الْأَصِيلِيِّ , وَاسْتَمَرَّ الْقَابِسِيّ عَلَى وَهْمه فَقَالَ هُنَاكَ أَيْضًا \" عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْرَة \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَهَيْئَتِهِ ) ‏ ‏الْكَاف صِفَة مَصْدَر مَحْذُوف تَقْدِيره اِسْتَدَارَ اِسْتِدَارَة مِثْل صِفَته يَوْم خَلَقَ السَّمَاء. وَالزَّمَان اِسْم لِقَلِيلِ الْوَقْت وَكَثِيره , وَزَعَمَ يُوسُف بْن عَبْد الْمَلِك فِي كِتَابه \" تَفْضِيل الْأَزْمِنَة \" أَنَّ هَذِهِ الْمَقَالَة صَدَرَتْ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْر مَارْس وَهُوَ آذَار وَهُوَ بَرْمَهَات بِالْقِبْطِيَّةِ , وَفِيهِ يَسْتَوِي اللَّيْل وَالنَّهَار عِنْد حُلُول الشَّمْس بُرْج الْحَمَل. ‏"
    },
    {
        "id": "2959",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ‏ ‏أَنَّهُ خَاصَمَتْهُ ‏ ‏أَرْوَى ‏ ‏فِي حَقٍّ زَعَمَتْ أَنَّهُ انْتَقَصَهُ لَهَا إِلَى ‏ ‏مَرْوَانَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏أَنَا أَنْتَقِصُ مِنْ حَقِّهَا شَيْئًا أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَعِيد بْن زَيْد فِي قِصَّته مَعَ أَرْوَى بِنْت أُنَيْسٍ فِي مُخَاصَمَتهَا لَهُ فِي الْأَرْض , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه مُسْتَوْفَاة فِي كِتَاب الْمَظَالِم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اِبْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ هِشَام ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُرْوَة ‏ ‏( عَنْ أَبِيهِ قَالَ لِي سَعِيد بْن زَيْد ) ‏ ‏أَرَادَ الْمُصَنِّف بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان لِقَاء عُرْوَة سَعِيدًا , وَقَدْ لَقِيَ عُرْوَة مَنْ هُوَ أَقْدَم وَفَاة مِنْ سَعِيد كَوَالِدِهِ الزُّبَيْر وَعَلِيّ وَغَيْرهمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2960",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَبِي ذَرٍّ ‏ ‏حِينَ غَرَبَتْ الشَّمْسُ ‏ ‏أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَسْتَأْذِنَ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلَ مِنْهَا وَتَسْتَأْذِنَ فَلَا يُؤْذَنَ لَهَا يُقَالُ لَهَا ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ‏ { ‏وَالشَّمْسُ تَجْرِي ‏ ‏لِمُسْتَقَرٍّ ‏ ‏لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي ذَرّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ) وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِير سُورَة يس , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا بَيَان سَيْر الشَّمْس فِي كُلّ يَوْم وَلَيْلَة , وَظَاهِره مُغَايِر لِقَوْلِ أَهْل الْهَيْئَة أَنَّ الشَّمْس مُرَصَّعَة فِي الْفَلَك , فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي يَسِير هُوَ الْفَلَك وَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَسِير وَتَجْرِي , وَمِثْله قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى ( كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) أَيْ يَدُورُونَ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : أَنْكَرَ قَوْم سُجُودهَا وَهُوَ صَحِيح مُمْكِن , وَتَأَوَّلَهُ قَوْم عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ التَّسْخِير الدَّائِم , وَلَا مَانِع أَنْ تَخْرُج عَنْ مَجْرَاهَا فَتَسْجُد ثُمَّ تَرْجِع. قُلْت : إِنْ أَرَادَ بِالْخُرُوجِ الْوُقُوف فَوَاضِح , وَإِلَّا فَلَا دَلِيل عَلَى الْخُرُوج , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالسُّجُودِ سُجُود مَنْ هُوَ مُوَكَّل بِهَا مِنْ الْمَلَائِكَة , أَوْ تَسْجُد بِصُورَةِ الْحَال فَيَكُون عِبَارَة عَنْ الزِّيَادَة فِي الِانْقِيَاد وَالْخُضُوع فِي ذَلِكَ الْحِين. ‏"
    },
    {
        "id": "2961",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ الدَّانَاجُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ‏ ‏مُكَوَّرَانِ ‏ ‏يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْد اللَّه الدَّانَاجِ ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ النُّون وَآخِره جِيم هُوَ لَقَبه وَمَعْنَاهُ الْعَالِم بِلُغَةِ الْفُرْس , وَهُوَ فِي الْأَصْل دَانَاهُ فَعُرِّبَ , وَعَبْد اللَّه الْمَذْكُور تَابِعِيّ صَغِير , وَاسْم أَبِيهِ فَيْرُوز , وَذَكَرَ الْبَزَّار أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَوَقَعَ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق يُونُس بْن مُحَمَّد عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْنِ الْمُخْتَار عَنْهُ سَمِعْت أَبَا سَلَمَة يُحَدِّث فِي زَمَن خَالِد الْقَسْرِيّ فِي هَذَا الْمَسْجِد وَجَاءَ الْحَسَن أَيْ الْبَصْرِيّ فَجَلَسَ إِلَيْهِ , فَقَالَ أَبُو سَلَمَة : حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَة \" فَذَكَرَهُ , وَمِثْله أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَقَالَ \" فِي مَسْجِد الْبَصْرَة \" وَلَمْ يَقُلْ خَالِد الْقَسْرِيّ , وَأَخْرَجَهُ الْخَطَّابِيُّ مِنْ طَرِيق يُونُس بِهَذَا الْإِسْنَاد فَقَالَ \" فِي زَمَن خَالِد بْن عَبْد اللَّه أَيْ اِبْن أَسِيدٍ أَيْ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَهُوَ أَصَحّ فَإِنَّ خَالِدًا هَذَا كَانَ قَدْ وَلِيَ الْبَصْرَة لِعَبْدِ الْمَلِك قَبْل الْحَجَّاج بِخِلَافِ خَالِد الْقَسْرِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مُكَوَّرَانِ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْبَزَّار وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ \" فِي النَّار , فَقَالَ الْحَسَن : وَمَا ذَنْبهمَا ؟ فَقَالَ أَبُو سَلَمَة أُحَدِّثك عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُول وَمَا ذَنْبهمَا \" قَالَ الْبَزَّار لَا يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه اِنْتَهَى. وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيث أَنَس وَفِيهِ \" لِيَرَاهُمَا مَنْ عَبَدَهُمَا \" كَمَا قَالَ تَعَالَى ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ). وَأَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه مُخْتَصَرًا. وَأَخْرَجَ اِبْن وَهْب فِي \" كِتَاب الْأَهْوَال \" عَنْ عَطَاء بْن يَسَار فِي قَوْله تَعَالَى ( وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ) قَالَ : يُجْمَعَانِ يَوْم الْقِيَامَة ثُمَّ يُقْذَفَانِ فِي النَّار , وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوه مَوْقُوفًا أَيْضًا , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَيْسَ الْمُرَاد بِكَوْنِهِمَا فِي النَّار تَعْذِيبهمَا بِذَلِكَ , وَلَكِنَّهُ تَبْكِيت لِمَنْ كَانَ يَعْبُدهُمَا فِي الدُّنْيَا لِيَعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَتهمْ لَهُمَا كَانَتْ بَاطِلًا. ‏ ‏وَقِيلَ إِنَّهُمَا خُلِقَا مِنْ النَّار فَأُعِيدَا فِيهَا. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَا يَلْزَم مِنْ جَعْلهمَا فِي النَّار تَعْذِيبهمَا , فَإِنَّ لِلَّهِ فِي النَّار مَلَائِكَة وَحِجَارَة وَغَيْرهَا لِتَكُونَ لِأَهْلِ النَّار عَذَابًا وَآلَة مِنْ آلَات الْعَذَاب وَمَا شَاءَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ , فَلَا تَكُون هِيَ مُعَذَّبَة. وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي \" غَرِيب الْحَدِيث \" لِمَا وُصِفَا بِأَنَّهُمَا يَسْبَحَانِ فِي قَوْله : ( كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) وَأَنَّ كُلّ مَنْ عَبَدَ مِنْ دُون اللَّه إِلَّا مَنْ سَبَقَتْ لَهُ الْحُسْنَى يَكُون فِي النَّار وَكَانَا فِي النَّار يُعَذَّب بِهِمَا أَهْلهمَا بِحَيْثُ لَا يَبْرَحَانِ مِنْهُمَا فَصَارَا كَأَنَّهُمَا ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2962",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ شُرُوحُهُ فِي كِتَاب الْكُسُوف. ‏"
    },
    {
        "id": "2963",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ شُرُوحُهُ فِي كِتَاب الْكُسُوف. ‏"
    },
    {
        "id": "2964",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ قَامَ فَكَبَّرَ وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَقَامَ كَمَا هُوَ فَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً وَهِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهِيَ أَدْنَى مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ سَلَّمَ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ‏ ‏إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ شُرُوحُهُ فِي كِتَاب الْكُسُوف. ‏"
    },
    {
        "id": "2965",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ \" عَنْ أَبِي مَسْعُود \" ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول بِأَدَاةِ الْكُنْيَة , وَهُوَ أَبُو مَسْعُود الْبَدْرِيّ , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ \" عَنْ اِبْن مَسْعُود \" بِالْمُوَحَّدَةِ وَالنُّون وَهُوَ تَصْحِيف. ‏"
    },
    {
        "id": "2966",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نُصِرْتُ ‏ ‏بِالصَّبَا ‏ ‏وَأُهْلِكَتْ ‏ ‏عَادٌ ‏ ‏بِالدَّبُورِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ الْحَكَم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُتَيْبَة بِالْمُثَنَّاةِ وَالْمُوَحَّدَة مُصَغَّر. ‏ ‏قَوْله : ( نُصِرْت بِالصَّبَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة مَقْصُور هِيَ الرِّيح الشَّرْقِيَّة , وَالدَّبُور بِفَتْحِ أَوَّله وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة الْمَضْمُومَة مُقَابِلهَا , يُشِير صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي قِصَّة الْأَحْزَاب ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ) وَرَوَى الشَّافِعِيّ بِإِسْنَاد فِيهِ اِنْقِطَاع أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" نُصِرْت بِالصَّبَا , وَكَانَتْ عَذَابًا عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلنَا \" وَقِيلَ إِنَّ الصَّبَا هِيَ الَّتِي حَمَلَتْ رِيح قَمِيص يُوسُف إِلَى يَعْقُوب قَبْل أَنْ يَصِل إِلَيْهِ , قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذَا الْحَدِيث تَفْضِيل بَعْض الْمَخْلُوقَات عَلَى بَعْض , وَفِيهِ إِخْبَار الْمَرْء عَنْ نَفْسه بِمَا فَضَّلَهُ اللَّه بِهِ عَلَى سَبِيل التَّحَدُّث بِالنِّعْمَةِ لَا عَلَى الْفَخْر , وَفِيهِ الْإِخْبَار عَنْ الْأُمَم الْمَاضِيَة وَإِهْلَاكهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "2967",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا رَأَى ‏ ‏مَخِيلَةً ‏ ‏فِي السَّمَاءِ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ وَدَخَلَ وَخَرَجَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ فَإِذَا أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ ‏ ‏سُرِّيَ ‏ ‏عَنْهُ فَعَرَّفَتْهُ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ ‏ { ‏فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَائِشَة وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الِاسْتِسْقَاء , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ ( مَخِيلَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَكَسْر الْمُعْجَمَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة هِيَ السَّحَابَة الَّتِي يُخَال فِيهَا الْمَطَر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِذَا أَمْطَرَتْ السَّمَاء سُرِّيَ عَنْهُ ) ‏ ‏فِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُقَال أَمْطَرَتْ إِلَّا فِي الْعَذَاب , وَأَمَّا الرَّحْمَة فَيُقَال مَطَرَتْ , وَقَوْله \" سُرِّيَ عَنْهُ \" بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الرَّاء بِلَفْظِ الْمَجْهُول أَيْ كُشِفَ عَنْهُ. وَفِي الْحَدِيث تَذَكُّر مَا يَذْهَل الْمَرْء عَنْهُ مِمَّا وَقَعَ لِلْأُمَمِ الْخَالِيَة , وَالتَّحْذِير مِنْ السَّيْر فِي سَبِيلهمْ خَشْيَة مِنْ وُقُوع مِثْل مَا أَصَابَهُمْ. وَفِيهِ شَفَقَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّته وَرَأْفَته بِهِمْ كَمَا وَصَفَهُ اللَّه تَعَالَى. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَخْشَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعَذَّب الْقَوْم وَهُوَ فِيهِمْ مَعَ قَوْله تَعَالَى ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) وَالْجَوَاب أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ بَعْد هَذِهِ الْقِصَّة , وَيَتَعَيَّن الْحَمْل عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْآيَة دَلَّتْ عَلَى كَرَامَة لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَفْعه فَلَا يُتَخَيَّل اِنْحِطَاط دَرَجَته أَصْلًا. قُلْت : وَيُعَكِّر عَلَيْهِ أَنَّ آيَة الْأَنْفَال كَانَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْل بَدْر , وَفِي حَدِيث عَائِشَة إِشْعَار بِأَنَّهُ كَانَ يُوَاظِب عَلَى ذَلِكَ مِنْ صَنِيعه , كَانَ إِذَا رَأَى فَعَلَ كَذَا. وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَاب أَنْ يُقَال إِنَّ فِي آيَة الْأَنْفَال اِحْتِمَال التَّخْصِيص بِالْمَذْكُورِينَ أَوْ بِوَقْتِ دُون وَقْت أَوْ مَقَام الْخَوْف يَقْتَضِي غَلَبَة عَدَم الْأَمْن مِنْ مَكْر اللَّه , وَأَوْلَى مِنْ الْجَمِيع أَنْ يُقَال خَشَى عَلَى مَنْ لَيْسَ هُوَ فِيهِمْ أَنْ يَقَع بِهِمْ الْعَذَاب , أَمَّا الْمُؤْمِن فَشَفَقَته عَلَيْهِ لِإِيمَانِهِ , وَأَمَّا الْكَافِر فَلِرَجَاءِ إِسْلَامه , وَهُوَ بُعِثَ رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "2968",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏ح ‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏وَهِشَامٌ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا عِنْدَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ ‏ ‏وَذَكَرَ ‏ ‏يَعْنِي رَجُلًا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ ‏ ‏فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَشُقَّ مِنْ النَّحْرِ إِلَى ‏ ‏مَرَاقِّ الْبَطْنِ ‏ ‏ثُمَّ غُسِلَ الْبَطْنُ بِمَاءِ ‏ ‏زَمْزَمَ ‏ ‏ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا وَأُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ الْبُرَاقُ فَانْطَلَقْتُ مَعَ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قِيلَ مَنْ مَعَكَ قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ ابْنٍ وَنَبِيٍّ فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قِيلَ مَنْ مَعَكَ قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قِيلَ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏وَيَحْيَى ‏ ‏فَقَالَا مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ قِيلَ مَنْ هَذَا قِيلَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قِيلَ مَنْ مَعَكَ قِيلَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ قَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قِيلَ مَنْ مَعَكَ قِيلَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قِيلَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى ‏ ‏إِدْرِيسَ ‏ ‏فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قِيلَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْنَا عَلَى ‏ ‏هَارُونَ ‏ ‏فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ فَأَتَيْنَا عَلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ قِيلَ مَنْ هَذَا قِيلَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قِيلَ مَنْ مَعَكَ قِيلَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ فَلَمَّا جَاوَزْتُ بَكَى فَقِيلَ مَا أَبْكَاكَ قَالَ يَا رَبِّ هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَفْضَلُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ قِيلَ مَنْ هَذَا قِيلَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قِيلَ مَنْ مَعَكَ قِيلَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ ابْنٍ وَنَبِيٍّ فَرُفِعَ لِي ‏ ‏الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ‏ ‏فَسَأَلْتُ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏فَقَالَ هَذَا ‏ ‏الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ‏ ‏يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ وَرُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فَإِذَا نَبِقُهَا كَأَنَّهُ ‏ ‏قِلَالُ ‏ ‏هَجَرَ ‏ ‏وَوَرَقُهَا كَأَنَّهُ آذَانُ الْفُيُولِ فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ فَسَأَلْتُ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏فَقَالَ أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ ‏ ‏النِّيلُ ‏ ‏وَالْفُرَاتُ ‏ ‏ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جِئْتُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ مَا صَنَعْتَ قُلْتُ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً قَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْكَ ‏ ‏عَالَجْتُ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏أَشَدَّ ‏ ‏الْمُعَالَجَةِ ‏ ‏وَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ فَرَجَعْتُ فَسَأَلْتُهُ فَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ ثُمَّ ثَلَاثِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عِشْرِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عَشْرًا فَأَتَيْتُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ مِثْلَهُ فَجَعَلَهَا خَمْسًا فَأَتَيْتُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ مَا صَنَعْتَ قُلْتُ جَعَلَهَا خَمْسًا فَقَالَ مِثْلَهُ قُلْتُ سَلَّمْتُ بِخَيْرٍ فَنُودِيَ إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي وَأَجْزِي الْحَسَنَةَ عَشْرًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْإِسْرَاء أَوْرَدَهُ بِطُولِهِ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ أَنَس عَنْ مَالِك بْن صَعْصَعَة , وَسَأَذْكُرُ شَرْحه فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة قُبَيْل أَبْوَاب الْهِجْرَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا مَا يَتَعَلَّق بِالْمَلَائِكَةِ , وَقَدْ سَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظ خَلِيفَة , وَهُنَاكَ عَلَى لَفْظ هُدْبَة بْن خَالِد , وَسَأُبَيِّنُ مَا بَيْنهمَا مِنْ التَّفَاوُت إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْله \" بِطَسْتِ مِنْ ذَهَبَ مَلْآن \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَلْأَى \" وَالتَّذْكِير بِاعْتِبَارِ الْإِنَاء وَالتَّأْنِيث بِاعْتِبَارِ الطَّسْت لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَة , وَوَجَدْت بِخَطِّ الدِّمْيَاطِيّ \" مُلِئَ \" بِضَمِّ الْمِيم عَلَى لَفْظ الْفِعْل الْمَاضِي , فَعَلَى هَذَا لَا تَغَايُر بَيْنه وَبَيْن قَوْله \" مَلْآن \" ‏ ‏وَقَوْله \" مَرَاقّ الْبَطْن \" ‏ ‏بِفَتْح الْمِيم وَتَخْفِيف الرَّاء وَتَشْدِيد الْقَاف هُوَ مَا سَفَلَ مِنْ الْبَطْن وَرَقَّ مِنْ جِلْده , وَأَصْله مَرَاقِقُ , وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مَوْضِع رِقَّة الْجِلْد. ‏ ‏وَقَوْله \" بِدَابَّةِ أَبْيَض \" ‏ ‏ذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنه مَرْكُوبًا , ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِره \" وَقَالَ هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ إِلَخْ \" ‏ ‏يُرِيد أَنَّ هَمَّامًا فَصَّلَ فِي سِيَاقه قِصَّة الْبَيْت الْمَعْمُور مِنْ قِصَّة الْإِسْرَاء , فَرَوَى أَصْل الْحَدِيث عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس , وَقِصَّة الْبَيْت عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَن , وَأَمَّا سَعِيد وَهُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة وَهِشَام وَهُوَ الدَّسْتُوَائِيّ فَأَدْرَجَا قِصَّة الْبَيْت الْمَعْمُور فِي حَدِيث أَنَس , وَالصَّوَاب رِوَايَة هَمَّام وَهِيَ مَوْصُولَة هُنَا عَنْ هُدْبَة عَنْهُ , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مُعَلَّقَة , فَقَدْ رَوَى الْحَسَن بْن سُفْيَان فِي مُسْنَده الْحَدِيث بِطُولِهِ عَنْ هُدْبَة فَاقْتَصَّ الْحَدِيث إِلَى قَوْله \" فَرَفَعَ لِي الْبَيْت الْمَعْمُور \" قَالَ قَتَادَةَ \" فَحَدَّثَنَا الْحَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ رَأَى الْبَيْت الْمَعْمُور يَدْخُلهُ كُلّ يَوْم سَبْعُونَ أَلْف مَلَك وَلَا يَعُودُونَ فِيهِ \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان وَأَبِي يَعْلَى وَالْبَغَوِيِّ وَغَيْر وَاحِد كُلّهمْ عَنْ هُدْبَة بِهِ مُفَصَّلًا , وَعُرِفَ بِذَلِكَ مُرَاد الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ \" فِي الْبَيْت الْمَعْمُور \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" الْبَيْت الْمَعْمُور مَسْجِد فِي السَّمَاء بِحِذَاءِ الْكَعْبَة لَوْ خَرَّ لَخَرَّ عَلَيْهَا , يَدْخُلهُ سَبْعُونَ أَلْف مَلَك كُلّ يَوْم إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا \" وَهَذَا وَمَا قَبْله يُشْعِر بِأَنَّ قَتَادَةَ كَانَ تَارَة يُدْرِج قِصَّة الْبَيْت الْمَعْمُور فِي حَدِيث أَنَس وَتَارَة يَفْصِلهَا , وَحِين يَفْصِلهَا تَارَة يَذْكُر سَنَدهَا وَتَارَة يُبْهِمهُ , وَقَدْ رَوَى إِسْحَاق فِي مُسْنَده وَالطَّبَرِيُّ وَغَيْر وَاحِد مِنْ طَرِيق خَالِد بْن عُرْعُرَة عَنْ عَلِيّ \" أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ السَّقْف الْمَرْفُوع قَالَ : السَّمَاء , وَعَنْ الْبَيْت الْمَعْمُور قَالَ : بَيْت فِي السَّمَاء بِحِيَالِ الْبَيْت حُرْمَته فِي السَّمَاء كَحُرْمَةِ هَذَا فِي الْأَرْض , يَدْخُلهُ كُلّ يَوْم سَبْعُونَ أَلْف مَلَك وَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة لِلطَّبَرِيِّ أَنَّ السَّائِل عَنْ ذَلِكَ هُوَ عَبْد اللَّه بْن الْكَوَّا وَلِابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوه وَزَادَ \" وَهُوَ عَلَى مِثْل الْبَيْت الْحَرَام لَوْ سَقَطَ لَسَقَطَ عَلَيْهِ \" مِنْ حَدِيث عَائِشَة , وَنَحْوه بِإِسْنَاد صَالِح , وَمِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو نَحْوه بِإِسْنَاد ضَعِيف وَهُوَ عِنْد الْفَاكِهِيّ فِي \" كِتَاب مَكَّة \" بِإِسْنَاد صَحِيح عَنْهُ لَكِنْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ , وَرَوَى اِبْن مَرْدُوَيْهِ أَيْضًا وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا نَحْو حَدِيث عَلِيّ وَزَادَ \" وَفِي السَّمَاء نَهْر يُقَال لَهُ نَهْر الْحَيَوَان يَدْخُلهُ جِبْرِيل كُلّ يَوْم فَيَغْمِس ثُمَّ يَخْرُج فَيَنْتَفِض فَيَخِرّ عَنْهُ سَبْعُونَ أَلْف قَطْرَة يَخْلُق اللَّه مِنْ كُلّ قَطْرَة مَلَكًا , فَهُمْ الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِيهِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ \" وَإِسْنَاده ضَعِيف , وَقَدْ رَوَى اِبْن الْمُنْذِر نَحْوه بِدُونِ ذِكْر النَّهْر مِنْ طَرِيق صَحِيحَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة لَكِنْ مَوْقُوفًا , وَجَاءَ عَنْ الْحَسَن وَمُحَمَّد بْن عَبَّاد بْن جَعْفَر أَنَّ الْبَيْت الْمَعْمُور هُوَ الْكَعْبَة , وَالْأَوَّل أَكْثَر وَأَشْهَر , وَأَكْثَر الرِّوَايَات أَنَّهُ فِي السَّمَاء السَّابِعَة. وَجَاءَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا أَنَّهُ فِي السَّمَاء الرَّابِعَة. وَبِهِ جَزَمَ شَيْخنَا فِي الْقَامُوس , وَقِيلَ هُوَ فِي السَّمَاء السَّادِسَة , وَقِيلَ هُوَ تَحْت الْعَرْش , وَقِيلَ إِنَّهُ بِنَاء آدَم لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْض ثُمَّ رُفِعَ زَمَن الطُّوفَان , وَكَأَنَّ هَذَا شَبَّهَهُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ الْكَعْبَة , وَيُسَمَّى الْبَيْت الْمَعْمُور الضِّرَاح وَالضَّرِيح. ‏"
    },
    {
        "id": "2969",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ ‏ ‏إِنَّ أَحَدَكُمْ ‏ ‏يُجْمَعُ ‏ ‏خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ ‏ ‏عَلَقَةً ‏ ‏مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ ‏ ‏مُضْغَةً ‏ ‏مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود ‏ ‏\" حَدَّثَنَا الصَّادِق الْمَصْدُوق \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْقَدَر ; وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله فِيهِ ‏ ‏\" ثُمَّ يَبْعَث اللَّه مَلَكًا وَيُؤْمَر بِأَرْبَعِ كَلِمَات \" ‏ ‏فَإِنَّ فِيهِ أَنَّ الْمَلَك مُوَكَّل بِمَا ذُكِرَ عِنْد تَصْوِير الْآدَمِيّ , وَسَيَأْتِي مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَاف هُنَاكَ , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" الصَّادِق \" أَيْ فِي قَوْله وَ \" الْمَصْدُوق \" أَيْ فِيمَا وَعَدَهُ بِهِ رَبّه. ‏"
    },
    {
        "id": "2970",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَخْلَدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فَيُنَادِي ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ مَوْصُولَة وَمُعَلَّقَة وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظ الْمُعَلَّقَة ; وَهِيَ مُتَابَعَة أَبِي عَاصِم , وَقَدْ وَصَلَهَا فِي الْأَدَب عَنْ عَمْرو بْن عَلِيّ عَنْ أَبِي عَاصِم , وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظه هُنَا , وَهُوَ أَحَد الْمَوَاضِع الَّتِي يُسْتَدَلّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُعَلِّق عَنْ بَعْض مَشَايِخه مَا هُوَ عِنْده عَنْهُ بِوَاسِطَة , لِأَنَّ أَبَا عَاصِم مِنْ شُيُوخه. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا أَحَبَّ اللَّه الْعَبْد إِلَخْ ) ‏ ‏زَادَ رُوح بْن عُبَادَةَ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ فِي آخِره عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَإِذَا أَبْغَض فَمِثْل ذَلِكَ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ رُوح بِدُونِ الزِّيَادَة , وَسَيَأْتِي تَمَام شَرْحه فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2971",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهَا ‏ ‏سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ ‏ ‏وَهُوَ السَّحَابُ ‏ ‏فَتَذْكُرُ الْأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ ‏ ‏فَتَسْتَرِقُ ‏ ‏الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى ‏ ‏الْكُهَّانِ ‏ ‏فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي مَرْيَم ) ‏ ‏قَالَ الْجَيَّانِيُّ : مُحَمَّد هَذَا هُوَ الذُّهْلِيُّ , كَذَا قَالَ , وَقَدْ قَالَ أَبُو ذَرّ بَعْد أَنْ سَاقَهُ : مُحَمَّد هَذَا هُوَ الْبُخَارِيّ , وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَح عِنْدِي , فَإِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبَا نُعَيْم لَمْ يَجِدَا الْحَدِيث مِنْ غَيْر رِوَايَة الْبُخَارِيّ فَأَخْرَجَاهُ عَنْهُ , وَلَوْ كَانَ عِنْد غَيْر الْبُخَارِيّ لَمَّا ضَاقَ عَلَيْهِمَا مَخْرَجه , وَنِصْف هَذَا الْإِسْنَاد الْأَعْلَى مَدَنِيُّونَ وَنِصْفه الْأَدْنَى مِصْرِيُّونَ , وَلِلَّيْثِ فِي هَذَا الْحَدِيث شَيْخ آخَر سَيَأْتِي فِي صِفَة إِبْلِيس قَرِيبًا , وَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الطِّبّ , ‏ ‏وَقَوْله \" الْعَنَان \" ‏ ‏هُوَ السَّحَاب وَزْنًا وَمَعْنَى وَوَاحِده عَنَانَةٌ كَسَحَابَة كَذَلِكَ , وَقَوْله وَهُوَ السَّحَاب مِنْ تَفْسِير بَعْض الرُّوَاة أَدْرَجَهُ فِي الْخَبَر. ‏"
    },
    {
        "id": "2972",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏وَالْأَغَرِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ الْمَلَائِكَةُ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوْا الصُّحُفَ وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْجُمُعَة. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" عَنْ أَبِي سَلَمَة \" ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , ‏ ‏وَقَوْله \" وَالْأَغَرّ \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُعْجَمَةِ وَالرَّاء الثَّقِيلَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْأَعْرَج بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة السَّاكِنَة وَآخِره جِيم , وَالْأَوَّل أَرْجَح فَإِنَّهُ مَشْهُور مِنْ رِوَايَة الْأَغَرّ , نَعَمْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ الْأَعْرَج وَحْده. وَرِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة وَسَعِيد بْن الْمُسَيَّب وَأَبِي عَبْد اللَّه الْأَغَرّ ثَلَاثَتهمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , أَفَادَهُ الْجَيَّانِيُّ عَنْ اِبْن السَّكَن قَالَ : وَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيث حَدِيث الْأَغَرّ لَا الْأَعْرَج. ‏ ‏قُلْت : بَلْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَة الْأَعْرَج أَيْضًا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عُقَيْل , وَمِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الْحَارِث كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَظَهَرَ أَنَّ الزُّهْرِيّ حَمَلَهُ عَنْ جَمَاعَة , وَكَانَ تَارَة يُفْرِدهُ عَنْ بَعْضهمْ وَتَارَة يَذْكُرهُ عَنْ اِثْنَيْنِ مِنْهُمْ وَتَارَة عَنْ ثَلَاثَة , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَة مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ الْأَغَرّ وَحْده , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة شُعَيْب بْنِ أَبِي حَمْزَة عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة وَالْأَغَرّ جَمَعَ بَيْنهمَا كَإِبْرَاهِيم بْن سَعْد , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد وَحْده , وَرَوَاهُ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ اِبْن سَلَمَة وَحْده. ‏"
    },
    {
        "id": "2973",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرَّ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ ‏ ‏وَحَسَّانُ ‏ ‏يُنْشِدُ فَقَالَ كُنْتُ أُنْشِدُ فِيهِ وَفِيهِ ‏ ‏مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ ‏ ‏ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَقَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَجِبْ عَنِّي اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ ‏ ‏بِرُوحِ الْقُدُسِ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الدُّعَاء لِحَسَّان , وَالْغَرَض مِنْهُ ذِكْر رُوح الْقُدُس , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْمَسَاجِد مِنْ كِتَاب الصَّلَاة وَبَيَّنْت أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيَّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَوْ عَنْ حَسَّان وَأَنَّهُ لَمْ يَحْضُر مُرَاجَعَته لِحَسَّان. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عَبْد الْجَبَّار بْن الْعَلَاء عَنْ سُفْيَان قَالَ : مَا حَفِظْت عَنْ الزُّهْرِيّ إِلَّا عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَعَلَى هَذَا فَكَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة حَدَّثَ سَعِيدًا بِالْقِصَّةِ بَعْد وُقُوعهَا بِمُدَّةٍ , وَلِهَذَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : سِيَاق الْبُخَارِيّ صُورَته صُورَة الْإِرْسَال , وَهُوَ كَمَا قَالَ , وَقَدْ ظَهَرَ الْجَوَاب عَنْهُ بِهَذِهِ الرِّوَايَة. ‏"
    },
    {
        "id": "2974",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِحَسَّانَ ‏ ‏اهْجُهُمْ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏هَاجِهِمْ ‏ ‏وَجِبْرِيلُ ‏ ‏مَعَكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب فِي ذِكْر حَسَّان أَيْضًا وَالْغَرَض مِنْهُ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِرُوحِ الْقُدُس فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله جِبْرِيل , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْأَدَب , ‏ ‏وَقَوْله \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَسَّان \" ‏ ‏يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ مُسْنَد الْبَرَاء بْن عَازِب , وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْعٍ بْن سَعِيد فَجَعَلَهُ مِنْ رِوَايَة الْبَرَاء عَنْ حَسَّان. ‏"
    },
    {
        "id": "2975",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حُمَيْدَ بْنَ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى غُبَارٍ سَاطِعٍ فِي سِكَّةِ ‏ ‏بَنِي غَنْمٍ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏مَوْكِبَ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس ‏ ‏\" كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى غُبَار سَاطِع فِي سِكَّة بَنِي غَنْم \" ‏ ‏السِّكَّة بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَالتَّشْدِيد الزُّقَاق , وَبَنُو غَنْم بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون بَطْن مِنْ الْخَزْرَج. وَهُمْ بَنُو غَنْم بْن مَالِك النَّجَّار. مِنْهُمْ أَبُو أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ وَآخَرُونَ. وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَاد بِهِمْ هُنَا بَنُو غَنْم حَيّ مِنْ بَنِي تَغْلِب بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْمُعْجَمَة فَإِنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا بِالْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( زَادَ مُوسَى مَوْكِب جِبْرِيل ) ‏ ‏مُوسَى هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيُّ. وَمُرَاده أَنَّهُ رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ جَرِير بْن حَازِم بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فَزَادَ فِي الْمَتْن هَذِهِ الزِّيَادَة. وَطَرِيق مُوسَى هَذِهِ مَوْصُولَة فِي الْمَغَازِي عَنْهُ وَهُوَ مِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُعَلِّق عَنْ بَعْض مَشَايِخه مَا سَمِعَهُ مِنْهُ فَلَمْ يَطَّرِد لَهُ فِي ذَلِكَ عَمَل مُسْتَمِرّ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ أَبِي عَاصِم وَمُوسَى مِنْ مَشَايِخه , وَقَدْ عَلَّقَ عَنْ أَبِي عَاصِم مَا أَخَذَهُ عَنْهُ بِوَاسِطَة , وَعَلَّقَ عَنْ مُوسَى مَا أَخَذَهُ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَة , فَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ قَالَ : كُلّ مَا يُعَلِّقهُ عَنْ مَشَايِخه مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمْ , وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ الَّذِي يَذْكُر عَنْ مَشَايِخه مِنْ ذَلِكَ يَكُون مِمَّا حَمَلَهُ عَنْهُمْ بِالْمُنَاوَلَةِ لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِي الْمَغَازِي بِتَحْدِيثِ مُوسَى لَهُ بِهَذَا الْحَدِيث , فَلَوْ كَانَ مُنَاوَلَة لَمْ يُصَرِّح بِالتَّحْدِيثِ. وَقَوْله \" مَوْكِب جِبْرِيل \" يَجُوز فِيهِ الْحَرَكَات الثَّلَاث كَنَظَائِرِهِ , وَرَجَّحَ اِبْن التِّين الْخَفْض. وَإِسْحَاق الْمَذْكُور فِي الرِّوَايَة الْأُولَى هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ كَمَا بَيَّنَهُ اِبْن السَّكَن وَجَزَمَ بِهِ الْكَلَابَاذِيُّ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْح الْمَتْن فِي كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2976",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فَرْوَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ‏ ‏سَأَلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ قَالَ ‏ ‏كُلُّ ذَاكَ ‏ ‏يَأْتِينِي الْمَلَكُ أَحْيَانًا فِي مِثْلِ ‏ ‏صَلْصَلَةِ ‏ ‏الْجَرَسِ ‏ ‏فَيَفْصِمُ ‏ ‏عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ وَيَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ أَحْيَانًا رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَائِشَة ‏ ‏\" أَنَّ الْحَارِث بْن هِشَام سَأَلَ عَنْ كَيْفِيَّة مَجِيء الْوَحْي \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَّل الْكِتَاب , وَقَدَّمْت أَنَّ عَامِر بْن صَالِح الزُّبَيْرِيّ رَوَاهُ عَنْ هِشَام فَجَعَلَهُ مِنْ رِوَايَة عَائِشَة عَنْ الْحَارِث بْن هِشَام , وَإِنِّي وَجَدْت لَهُ مُتَابِعًا عَلَى ذَلِكَ عِنْد اِبْن مَنْدَهْ , وَهُوَ يَتَضَمَّن الرَّدّ عَلَى الْحَاكِم حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ عَامِر بْن صَالِح تَفَرَّدَ بِالزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَة , وَالْمُتَابِع الْمَذْكُور أَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث عَنْ هِشَام عَنْ عَائِشَة عَنْ الْحَارِث بْن هِشَام قَالَ \" سَأَلْت \". ‏"
    },
    {
        "id": "2977",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ أَيْ ‏ ‏فُلُ هَلُمَّ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏ذَاكَ الَّذِي لَا ‏ ‏تَوَى ‏ ‏عَلَيْهِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏\" مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَّل الْجِهَاد وَالْغَرَض مِنْهُ ذِكْر خَزَنَة الْجَنَّة ‏ ‏وَقَوْله فِي الْإِسْنَاد \" حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" ‏ ‏قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي الْجِهَاد : أَدْخَلَ الْأَوْزَاعِيُّ بَيْن يَحْيَى وَأَبِي سَلَمَة فِي هَذَا الْحَدِيث مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيَّ. ‏ ‏قُلْت : رِوَايَته عَنْهُ عِنْد النَّسَائِيِّ , وَيَحْيَى مَعْرُوف بِالرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي سَلَمَة فَلَعَلَّ مُحَمَّدًا أَثْبَتَهُ فِي هَذَا الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "2978",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَهَا ‏ ‏يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ فَقَالَتْ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ تَرَى مَا لَا أَرَى تُرِيدُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَائِشَة فِي سَلَام جِبْرِيل , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْمَنَاقِب , وَإِسْمَاعِيل شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس وَسُلَيْمَان هُوَ اِبْن بِلَال , وَيُونُس هُوَ اِبْن يَزِيد الْأَيْلِيُّ , وَقَدْ خَالَفَهُ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ فِي إِسْنَاده فَقَالَ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ : هَذَا خَطَأ وَالصَّوَاب رِوَايَة يُونُس. ‏"
    },
    {
        "id": "2979",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِجِبْرِيلَ ‏ ‏أَلَا تَزُورُنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا قَالَ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن عَبَّاس فِي نُزُول قَوْله تَعَالَى ‏ ‏( وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّك ) ‏ ‏وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة مَرْيَم , وَسِيَاقه هُنَا عَلَى لَفْظ وَكِيع , وَيَحْيَى الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ اِبْن مُوسَى , وَيُقَال اِبْن جَعْفَر وَعُمَر بْن ذَرّ بِضَمِّ الْعَيْن اِتِّفَاقًا , وَغَلِطَ مَنْ قَالَ فِيهِ عَمْرو. ‏"
    },
    {
        "id": "2980",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقْرَأَنِي ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏عَلَى حَرْفٍ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْأَحْرُف السَّبْعَة , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي فَضَائِلِ الْقُرْآن. ‏"
    },
    {
        "id": "2981",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ يَلْقَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏بِهَذَا الْإِسْنَادِ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏ ‏وَرَوَى ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَفَاطِمَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُعَارِضُهُ ‏ ‏الْقُرْآنَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن عَبَّاس فِي مُدَارَسَة جِبْرِيل فِي رَمَضَان , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الصِّيَام , ‏ ‏وَقَوْله \" وَعَنْ عَبْد اللَّه أَخْبَرَنَا مَعْمَر بِهَذَا الْإِسْنَاد \" ‏ ‏هُوَ مَوْصُول عَنْ مُحَمَّد بْن مُقَاتِل وَكَأَنَّ اِبْن الْمُبَارَك كَانَ يَفْصِل الرِّوَايَة فِيهِ عَنْ شَيْخَيْهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِير ذَلِكَ فِي بَدْء الْوَحْي. ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَة وَفَاطِمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جِبْرِيل كَانَ يُعَارِضهُ الْقُرْآن \" ‏ ‏أَمَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَوَصَلَهُ فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَيَأْتِي شَرْحه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَأَمَّا حَدِيث فَاطِمَة فَوَصَلَهُ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة وَيَأْتِي شَرْحه هُنَاكَ أَيْضًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2982",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَمَا إِنَّ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏قَدْ نَزَلَ فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا مَسْعُودٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَزَلَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ يَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي مَسْعُود فِي صَلَاة جِبْرِيل بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي أَوَائِل الصَّلَاة , ‏ ‏وَقَوْله \" فَصَلَّى أَمَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة مِنْ أَمَام , وَحَكَى اِبْن مَالِك أَنَّهُ رُوِيَ بِالْكَسْرِ وَاسْتَشْكَلَهُ , لِأَنَّ \" إِمَام \" مَعْرِفَة وَالْمَوْضِع مَوْضِع الْحَال فَوَجَبَ جَعْله نَكِرَة بِالتَّأْوِيلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "2983",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ النَّارَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي ذَرّ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَضْمُومًا إِلَى حَدِيث آخَر فِي كِتَاب الِاسْتِقْرَاض , وَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي الِاسْتِئْذَان وَيَأْتِي شَرْحه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْله هُنَا \" قَالَ وَإِنْ زَنَى \" ‏ ‏لَمْ يُعَيِّن الْقَائِل , وَبَيَّنَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَة أَنَّهُ أَبُو ذَرّ الرَّاوِي , ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِره \" قَالَ وَإِنْ \" ‏ ‏فِيهِ دَلَالَة عَلَى جَوَاز حَذْف فِعْل الشَّرْط وَالِاكْتِفَاء بِحَرْفِهِ , قَالَهُ اِبْن مَالِك , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ يَتَبَيَّن بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ هَذَا مِنْ تَصَرُّف بَعْض الرُّوَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "2984",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ ‏ ‏كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ يُصَلُّونَ ‏ ‏بَاب ‏ ‏إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ وَالْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏\" الْمَلَائِكَة يَتَعَاقَبُونَ \" ‏ ‏تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي أَوَائِلِ الصَّلَاة. ‏ ‏حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏\" إِذَا قَالَ أَحَدكُمْ آمِينَ \" ‏ ‏الْحَدِيث وَهُوَ بِإِسْنَادِ الَّذِي قَبْله عَنْ أَبِي الْيَمَان عَنْ شُعَيْب عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْهُ , وَوَقَعَ فِي كَثِير مِنْ النُّسَخ هُنَا \" بَاب إِذَا قَالَ أَحَدكُمْ \" إِلَى آخِر الْحَدِيث فَصَارَ تَرْجَمَة بِغَيْرِ حَدِيث وَصَارَتْ الْأَحَادِيث الَّتِي تَتْلُوهُ لَا تَعَلُّق لَهَا بِهِ فَأَشْكَلَ أَمْره جِدًّا , وَسَقَطَ لَفْظ \" بَاب \" مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ فَخَفَّ الْإِشْكَال لَكِنْ لَوْ قَالَ وَبِهَذَا الْإِسْنَاد أَوْ وَبِهِ قَالَ أَوْ نَحْو ذَلِكَ لَزَالَ الْإِشْكَال , وَقَدْ صَنَعَ ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَإِنَّهُ سَاقَ حَدِيث \" يَتَعَاقَبُونَ \" فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ \" وَبِهَذَا الْإِسْنَاد إِذَا قَالَ أَحَدكُمْ \" فَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ أَبِي الزِّنَاد كَذَلِكَ , وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ هَذَا الْحَدِيث وَمَا بَعْده مِنْ الْأَحَادِيث بَقِيَّة تَرْجَمَة ذِكْر الْمَلَائِكَة وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "2985",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَخْلَدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏نَافِعًا ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏حَشَوْتُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وِسَادَةً فِيهَا تَمَاثِيلُ كَأَنَّهَا ‏ ‏نُمْرُقَةٌ ‏ ‏فَجَاءَ فَقَامَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَجَعَلَ يَتَغَيَّرُ وَجْهُهُ فَقُلْتُ مَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏مَا بَالُ هَذِهِ الْوِسَادَةِ قَالَتْ وِسَادَةٌ جَعَلْتُهَا لَكَ لِتَضْطَجِعَ عَلَيْهَا قَالَ أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَأَنَّ مَنْ صَنَعَ الصُّورَةَ يُعَذَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَائِشَة ‏ ‏\" حَشَوْت وِسَادَة \" ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع وَيَأْتِي شَرْحه فِي اللِّبَاس , وَمُحَمَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ هُوَ اِبْن سَلَام , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْل أَبْوَاب حَدِيث آخَر قَالَ فِيهِ \" حَدَّثَنَا اِبْن سَلَام حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْن يَزِيد \". ‏"
    },
    {
        "id": "2986",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا طَلْحَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةُ تَمَاثِيلَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "2987",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏بُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏وَمَعَ ‏ ‏بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ الْخَوْلَانِيُّ ‏ ‏الَّذِي كَانَ فِي حَجْرِ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدَّثَهُمَا ‏ ‏زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا طَلْحَةَ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ قَالَ ‏ ‏بُسْرٌ ‏ ‏فَمَرِضَ ‏ ‏زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏فَعُدْنَاهُ فَإِذَا نَحْنُ فِي بَيْتِهِ بِسِتْرٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ فَقُلْتُ ‏ ‏لِعُبَيْدِاللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ ‏ ‏أَلَمْ يُحَدِّثْنَا فِي التَّصَاوِيرِ فَقَالَ إِنَّهُ قَالَ إِلَّا ‏ ‏رَقْمٌ ‏ ‏فِي ثَوْبٍ أَلَا سَمِعْتَهُ قُلْتُ لَا قَالَ بَلَى قَدْ ذَكَرَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي طَلْحَة , وَشَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ هُوَ أَحْمَد بْن صَالِح كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَمْ يَذْكُر الْأَوْزَاعِيُّ اِبْن عَبَّاس فِي إِسْنَاده , يَعْنِي حَيْثُ رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه , قَالَ : وَالْقَوْل قَوْل مَنْ أَثْبَتَهُ , قَالَ : وَرَوَاهُ سَالِم أَبُو النَّضْر عَنْ عُبَيْد اللَّه نَحْو رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ. قُلْت : هُوَ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي النَّضْر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه قَالَ \" دَخَلْت عَلَى أَبِي طَلْحَة \" نَحْوه , وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ فَأَثْبَتَ اِبْن عَبَّاس تَارَة وَأَسْقَطَهُ تَارَة وَرَجَّحَ رِوَايَة مَنْ أَثْبَتَهُ , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2988",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَعَدَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي عَمْرو ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَظَنَّ بَعْضهمْ أَنَّهُ اِبْن الْحَارِث , وَهُوَ خَطَأ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِك سَالِمًا وَالصَّوَاب عُمَر بِضَمِّ الْعَيْن بِغَيْرِ وَاو , وَهُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ , وَكَذَا وَقَعَ فِي اللِّبَاس عَنْ يَحْيَى بْن سُلَيْمَان بِهَذَا الْإِسْنَاد , ‏ ‏وَقَوْله \" وَعَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيل فَقَالَ إِنَّا لَا نَدْخُل \" ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا وَسَاقَهُ فِي اللِّبَاس بِتَمَامِهِ , وَسَيَأْتِي شَرْحه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "2989",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏\" إِذَا قَالَ الْإِمَام سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ \" ‏ ‏تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي صِفَةِ الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "2990",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ وَالْمَلَائِكَةُ تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ مَا لَمْ يَقُمْ مِنْ صَلَاتِهِ أَوْ ‏ ‏يُحْدِثْ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏\" أَحَدكُمْ فِي صَلَاة مَا دَامَتْ الصَّلَاة تَحْبِسهُ \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا أَيْضًا فِي صِفَة الصَّلَاة , وَابْن فُلَيْحٍ هُوَ مُحَمَّد , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ اِبْن أَفْلَحَ وَهُوَ تَصْحِيف. ‏"
    },
    {
        "id": "2991",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ { ‏وَنَادَوْا يَا ‏ ‏مَالِكُ ‏ } ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏فِي قِرَاءَةِ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَنَادَوْا يَا ‏ ‏مَالِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , ‏ ‏وَعَمْرو ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , ‏ ‏وَعَطَاء ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاح , ‏ ‏وَصَفْوَان اِبْن يَعْلَى ‏ ‏أَيْ اِبْن أُمَيَّة , وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق وَهُمْ مَكِّيُّونَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَقْرَأ عَلَى الْمِنْبَر وَنَادَوْا يَا مَالُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ : ( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ ) وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي التَّفْسِير. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ ‏ ‏( فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَسْعُود ‏ ‏( وَنَادَوْا يَا مَالُ ) ‏ ‏يَعْنِي بِغَيْرِ كَافٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "2992",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدَّثَتْهُ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ ‏ ‏الْعَقَبَةِ ‏ ‏إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ‏ ‏ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ ‏ ‏فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا ‏ ‏بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ ‏ ‏فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏الْأَخْشَبَيْنِ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ عَائِشَة أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" هَلْ أَتَى عَلَيْكُمْ يَوْم أَشَدّ مِنْ يَوْم أُحُد \" ‏ ‏الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اِبْن عَبْد يَالِيلَ ) ‏ ‏بِتَحْتَانِيَّةِ وَبَعْد الْأَلِف لَام مَكْسُورَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ لَام ‏ ‏( اِبْن عَبْد كُلَالٍ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام وَآخِره لَام وَاسْمه كِنَانَة , وَالَّذِي فِي الْمَغَازِي أَنَّ الَّذِي كَلَّمَهُ هُوَ عَبْد يَالِيلَ نَفْسه , وَعِنْد أَهْل النَّسَب أَنَّ عَبْد كُلَالٍ أَخُوهُ لَا أَبُوهُ وَأَنَّهُ عَبْد يَالِيلَ بْن عَمْرو بْن عُمَيْر بْن عَوْف , وَيُقَال اِسْم اِبْن عَبْد يَالِيلَ مَسْعُود وَلَهُ أَخ أَعْمَى لَهُ ذِكْر فِي السِّيرَة فِي قَذْف النُّجُوم عِنْد الْمَبْعَث النَّبَوِيّ , وَكَانَ اِبْن عَبْد يَالِيلَ مِنْ أَكَابِر أَهْل الطَّائِف مِنْ ثَقِيف , وَقَدْ رَوَى عَبْد بْن حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيره مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى ( عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) قَالَ نَزَلَتْ فِي عُتْبَةَ بْن رَبِيعَة وَابْن عَبْد يَالِيلَ الثَّقَفِيّ , وَمِنْ طَرِيق قَتَادَةَ قَالَ : هُمَا الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة وَعُرْوَة بْن مَسْعُود , وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُجَاهِد وَقَالَ فِيهِ : يَعْنِي كِنَانَة وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ قَالَ : هُمَا الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة وَكِنَانَة بْن عَبْد بْن عَمْرو بْن عُمَيْر عَظِيم أَهْل الطَّائِف. وَقَدْ ذَكَرَ مُوسَى بْن عُقْبَة وَابْن إِسْحَاق أَنَّ كِنَانَة بْن عَبْد يَالِيلَ وَفَدَ مَعَ وَفْد الطَّائِف سَنَة عَشْر فَأَسْلَمُوا , وَذَكَرَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي الصَّحَابَة لِذَلِكَ , لَكِنْ ذَكَرَ الْمَدِينِيّ أَنَّ الْوَفْد أَسْلَمُوا إِلَّا كِنَانَة فَخَرَجَ إِلَى الرُّوم وَمَاتَ بِهَا بَعْد ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَذَكَرَ مُوسَى بْن عُقْبَة فِي الْمَغَازِي عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِب تَوَجَّهَ إِلَى الطَّائِف رَجَاء أَنْ يُؤْوُوهُ , فَعَمَدَ إِلَى ثَلَاثَة نَفَر مِنْ ثَقِيف وَهُمْ سَادَتهمْ وَهُمْ إِخْوَة عَبْد يَالِيلَ وَحَبِيب وَمَسْعُود بَنُو عَمْرو فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسه وَشَكَا إِلَيْهِمْ مَا اِنْتَهَكَ مِنْهُ قَوْمه فَرَدُّوا عَلَيْهِ أَقْبَح رَدّ , وَكَذَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق بِغَيْرِ إِسْنَاد مُطَوَّلًا , وَذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي شَوَّال سَنَة عَشْر مِنْ الْمَبْعَث وَأَنَّهُ كَانَ بَعْد مَوْت أَبِي طَالِب وَخَدِيجَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَلَى وَجْهِي ) ‏ ‏أَيْ عَلَى الْجِهَة الْمُوَاجِهَة لِي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِقَرْنِ الثَّعَالِب ) ‏ ‏هُوَ مِيقَات أَهْل نَجْد وَيُقَال لَهُ قَرْن الْمَنَازِل أَيْضًا , وَهُوَ عَلَى يَوْم وَلَيْلَة مِنْ مَكَّة , وَقَرْن كُلّ جَبَل صَغِير مُنْقَطِع مِنْ جَبَل كَبِير , وَحَكَى عِيَاض أَنَّ بَعْض الرُّوَاة ذَكَرَهُ بِفَتْح الرَّاء قَالَ : هُوَ غَلَط , وَحَكَى الْقَابِسِيّ أَنَّ مَنْ سَكَّنَ الرَّاء أَرَادَ الْجَبَل وَمَنْ حَرَّكَهَا أَرَادَ الطَّرِيق الَّتِي بِقُرْب مِنْهُ , وَأَفَادَ اِبْن سَعْد أَنَّ مُدَّة إِقَامَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالطَّائِفِ كَانَتْ عَشَرَة أَيَّام. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَلَك الْجِبَال ) ‏ ‏أَيْ الْمُوَكَّل بِهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّد , فَقَالَ : ذَلِكَ فِيمَا شِئْت إِنْ شِئْت ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ شَيْخَيْهِ , وَلَهُ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِثْله إِلَّا أَنَّهُ قَالَ \" فَمَا شِئْت \". وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ مِقْدَام بْن دَاوُدَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف شَيْخ الْبُخَارِيّ فَقَالَ \" يَا مُحَمَّد إِنَّ اللَّه بَعَثَنِي إِلَيْك وَأَنَا مَلَك الْجِبَال لِتَأْمُرنِي بِأَمْرِك فِيمَا شِئْت إِنْ شِئْت \" قَوْله \" ذَلِكَ \" مُبْتَدَأ وَخَبَره مَحْذُوف تَقْدِيره كَمَا عَلِمْت أَوْ كَمَا قَالَ جِبْرِيل , وَقَوْله \" مَا شِئْت \" اِسْتِفْهَام وَجَزَاؤُهُ مُقَدَّر أَيْ إِنْ شِئْت فَعَلْت. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الْأَخْشَبَيْنِ ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَتَيْنِ هُمَا جَبَلَا مَكَّة أَبُو قُبَيْسٍ وَالَّذِي يُقَابِلهُ وَكَأَنَّهُ قُعَيْقِعَان , وَمَالَ الصَّغَانِيّ بَلْ هُوَ الْجَبَل الْأَحْمَر الَّذِي يُشْرِف عَلَى قُعَيْقِعَان , وَوَهَمَ مَنْ قَالَ هُوَ ثَوْر كَالْكَرْمَانِيّ , وَسُمِّيَا بِذَلِكَ لِصَلَابَتِهِمَا وَغِلَظ حِجَارَتهمَا , وَالْمُرَاد بِإِطْبَاقِهِمَا أَنْ يَلْتَقِيَا عَلَى مَنْ بِمَكَّة , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد أَنَّهُمَا يَصِيرَانِ طَبَقًا وَاحِدًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَلْ أَرْجُو ) ‏ ‏كَذَا لِأَكْثَرِهِمْ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَنَا أَرْجُو \" وَفِي هَذَا الْحَدِيث بَيَان شَفَقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْمه , وَمَزِيد صَبْره وَحَمْله , وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْت لَهُمْ ) وَقَوْله ( وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ). ‏"
    },
    {
        "id": "2993",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ ‏ ‏عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ‏ { ‏فَكَانَ ‏ ‏قَابَ قَوْسَيْنِ ‏ ‏أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ‏} ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏رَأَى ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن مَسْعُود فِي ‏ ‏قَوْله تَعَالَى ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ ) ‏ ‏وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم. ‏"
    },
    {
        "id": "2994",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ { ‏لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ‏} ‏قَالَ ‏ ‏رَأَى ‏ ‏رَفْرَفًا ‏ ‏أَخْضَرَ سَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُهُ فِي ‏ ‏قَوْله تَعَالَى ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) ‏ ‏وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَر \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيِّ وَالْمُسْتَمْلِي \" خَضِرًا \" وَهُوَ بِفَتْح أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه مَصْرُوفًا يَقُولُونَ أَخْضَر خَضِر كَمَا قَالُوا : أَعْوَر عَوَر , وَلِبَعْضِهِمْ بِسُكُونِ ثَانِيه بِلَفْظِ التَّأْنِيث , وَيَحْتَاج إِلَى ثُبُوت أَنَّ الرَّفْرَف يُؤَنَّث , وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ جَمْع رَفْرَفَة فَعَلَى هَذَا فَيُتَّجَه. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ تَبَعًا لِلْخَطَّابِيِّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون جِبْرِيل بَسَطَ أَجْنِحَته كَمَا يُبْسَط الثَّوْب , وَهَذَا لَا يَخْفَى بُعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "2995",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏أَنْبَأَنَا ‏ ‏الْقَاسِمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَنْ زَعَمَ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ وَلَكِنْ قَدْ ‏ ‏رَأَى ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏فِي صُورَتِهِ وَخَلْقُهُ سَادٌّ مَا بَيْنَ الْأُفُقِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ عَائِشَة مِنْ رِوَايَة الْقَاسِم عَنْهَا قَالَتْ \" مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَم \" ‏ ‏أَيْ دَخَلَ فِي أَمْر عَظِيم , أَوْ الْخَبَر مَحْذُوف. ‏"
    },
    {
        "id": "2996",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْأَشْوَعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَأَيْنَ قَوْلُهُ ‏ { ‏ثُمَّ دَنَا ‏ ‏فَتَدَلَّى ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏قَابَ قَوْسَيْنِ ‏ ‏أَوْ أَدْنَى ‏} ‏قَالَتْ ‏ ‏ذَاكَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ وَإِنَّهُ أَتَاهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ فَسَدَّ ‏ ‏الْأُفُقَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَائِشَة مِنْ رِوَايَة مَسْرُوق قَالَ \" قُلْت لِعَائِشَة : فَأَيْنَ قَوْله ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى \" ‏ ‏الْحَدِيث نَحْوه , ‏ ‏وَمُحَمَّد بْن يُوسُف ‏ ‏شَيْخه فِيهِ هُوَ الْبَيْكَنْدِيُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيُّ , ‏ ‏وَابْن أَشْوَع ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ وَزْن أَحْمَد وَاسْمه سَعِيد بْن عَمْرو بْن أَشْوَع نِسْبَة لِجَدِّهِ , وَلِلْأَكْثَرِ اِبْن الْأَشْوَعِ , وَوَهَمَ مَنْ قَالَ هُنَا عَنْ أَبِي الْأَشْوَعِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ كُنْيَته , وَسَيَأْتِي شَرْحه أَيْضًا فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم. ‏"
    },
    {
        "id": "2997",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَمُرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي قَالَا الَّذِي يُوقِدُ النَّارَ ‏ ‏مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ ‏ ‏وَأَنَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏وَهَذَا ‏ ‏مِيكَائِيلُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث سَمُرَة \" رَأَيْت اللَّيْلَة رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي \" ‏ ‏ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا , وَقَدْ مَضَى مُطَوَّلًا فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز , وَالْمَقْصُود مِنْهُ ذِكْر مَالِك خَازِن النَّار وَجِبْرِيل وَمِيكَائِيل. ‏"
    },
    {
        "id": "2998",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏وَأَبُو حَمْزَةَ ‏ ‏وَابْنُ دَاوُدَ ‏ ‏وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة \" إِذَا دَعَا الرَّجُل اِمْرَأَته إِلَى فِرَاشه \" ‏ ‏الْحَدِيثَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ شُعْبَة وَأَبُو حَمْزَة وَابْن دَاوُدَ وَأَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش ) ‏ ‏أَيْ عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَأَمَّا مُتَابَعَة شُعْبَة فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي النِّكَاح وَسَيَأْتِي شَرْح الْمَتْن هُنَاكَ. وَأَمَّا مُتَابَعَة أَبِي حَمْزَة فَلَمْ أَجِدهَا , وَأَمَّا مُتَابَعَة اِبْن دَاوُدَ وَهُوَ عَبْد اللَّه الْخُرَيْبِيّ بِالْمُعْجَمَةِ وَالرَّاء وَالْمُوَحَّدَة مُصَغَّر فَوَصَلَهَا مُسَدَّد فِي مُسْنَده الْكَبِير عَنْهُ , وَأَمَّا مُتَابَعَة أَبِي مُعَاوِيَة فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقه. ‏"
    },
    {
        "id": "2999",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏فَتَرَ ‏ ‏عَنِّي الْوَحْيُ فَتْرَةً فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي ‏ ‏بِحِرَاءٍ ‏ ‏قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ‏ ‏فَجُئِثْتُ ‏ ‏مِنْهُ حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ ‏ ‏زَمِّلُونِي ‏ ‏زَمِّلُونِي ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏يَا أَيُّهَا ‏ ‏الْمُدَّثِّرُ ‏ ‏قُمْ فَأَنْذِرْ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏وَالرِّجْزُ الْأَوْثَانُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ جَابِر فِي فَتْرَة الْوَحْي , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي بَدْء الْوَحْي. ‏"
    },
    {
        "id": "3000",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏ح ‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَالِيَةِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ لَيْلَةَ ‏ ‏أُسْرِيَ ‏ ‏بِي ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏طُوَالًا ‏ ‏جَعْدًا ‏ ‏كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ ‏ ‏شَنُوءَةَ ‏ ‏وَرَأَيْتُ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏مَرْبُوعًا ‏ ‏مَرْبُوعَ ‏ ‏الْخَلْقِ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ ‏ ‏سَبِطَ ‏ ‏الرَّأْسِ وَرَأَيْتُ ‏ ‏مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ ‏ ‏وَالدَّجَّالَ ‏ ‏فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ ‏ { ‏فَلَا تَكُنْ فِي ‏ ‏مِرْيَةٍ ‏ ‏مِنْ لِقَائِهِ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَحْرُسُ الْمَلَائِكَةُ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الدَّجَّالِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3001",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَإِنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي عَرْض مَقْعَد الْمَيِّت عَلَيْهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز , وَهُوَ مِنْ أَوْضَح الْأَدِلَّة عَلَى مَقْصُود التَّرْجَمَة , ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِره : \" فَمِنْ أَهْل النَّار \" ‏ ‏زَادَ إِبْرَاهِيم بْن شَرِيك عَنْ أَحْمَد بْن يُونُس شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" حَتَّى يَبْعَثهُ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة أَيْضًا وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْجَنَائِز. ‏"
    },
    {
        "id": "3002",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي رَجَاء وَهُوَ الْعُطَارِدِيّ عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ فِي أَكْثَر أَهْل الْجَنَّة , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الرِّقَاق مَعَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى أَبِي رَجَاء , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله : \" اِطَّلَعْت فِي الْجَنَّة \" فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا مَوْجُودَة حَالَة اِطِّلَاعه , وَهُوَ مَقْصُود التَّرْجَمَة. وَ \" سَلْم \" بِفَتْح الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام وَ \" زَرِير \" بِوَزْنِ عَظِيم أَوَّله زَاي بَعْدهَا رَاء وَآخِره رَاء أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3003",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ فَقَالُوا ‏ ‏لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا فَبَكَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَقَالَ أَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة الْقَصْر الَّذِي رَأَى لِعُمَر فِي الْجَنَّة , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي مَنَاقِبه , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : \" رَأَيْتنِي فِي الْجَنَّة \" وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَنَامًا لَكِنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء حَقّ , وَمِنْ ثَمَّ أَعْمَلَ حُكْم غَيْرَة عُمَر حَتَّى اِمْتَنَعَ مِنْ دُخُول الْقَصْر وَقَدْ رَوَى أَحْمَد مِنْ حَدِيث مُعَاذ قَالَ : \" إِنَّ عُمَر مِنْ أَهْل الْجَنَّة , وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَا يَرَى فِي يَقَظَته أَوْ نَوْمه سَوَاء , ‏ ‏وَأَنَّهُ قَالَ : بَيْنَا أَنَا فِي الْجَنَّة إِذْ رَأَيْت فِيهَا جَارِيَة فَقُلْت : لِمَنْ هَذِهِ ؟ فَقِيلَ : لِعُمَر بْن الْخَطَّاب \" ‏ ‏. ‏"
    },
    {
        "id": "3004",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا عِمْرَانَ الْجَوْنِيَّ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْخَيْمَةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ طُولُهَا فِي السَّمَاءِ ثَلَاثُونَ مِيلًا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا لِلْمُؤْمِنِ أَهْلٌ لَا يَرَاهُمْ الْآخَرُونَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ ‏ ‏وَالْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عِمْرَانَ ‏ ‏سِتُّونَ مِيلًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ أَبِي مُوسَى \" الْخَيْمَة دُرَّة مُجَوَّفَة طُولهَا \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلسَّرَخْسِيِّ وَالْمُسْتَمْلِي \" دُرّ مُجَوَّف طُوله \" وَقَعَ عِنْدهمَا بِصِيغَةِ الْمُذَكَّر , وَوَجْهه أَنَّ الْمَقْصُود مَعْنَى الْخَيْمَة وَهُوَ الشَّيْء السَّاتِر وَنَحْو ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي تَفْسِير سُورَة الرَّحْمَن , ‏ ‏وَقَوْله : \" وَقَالَ أَبُو عَبْد الصَّمَد وَالْحَارِث بْن عُبَيْد عَنْ أَبِي عِمْرَان سِتُّونَ مِيلًا \" ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُمَا رَوَيَا هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد فَقَالَا \" سِتُّونَ \" بَدَل قَوْل هَمَّام \" ثَلَاثُونَ \" وَطَرِيق أَبِي عَبْد الصَّمَد وَهُوَ عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد الصَّمَد الْعَمِّيّ وَصَلَهُمَا الْمُؤَلِّف هُنَاكَ , وَطَرِيق الْحَارِث بْن عُبَيْد وَهُوَ اِبْن قُدَامَةَ وَصَلَهَا مُسْلِم وَلَفْظه \" إِنَّ لِلْعَبْدِ فِي الْجَنَّة لَخَيْمَة مِنْ لُؤْلُؤَة مُجَوَّفَة طُولهَا سِتُّونَ مِيلًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "3005",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ اللَّهُ ‏ ‏أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ‏ { ‏فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ ‏ ‏قُرَّةِ أَعْيُنٍ ‏ }",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة فِيمَا أُعِدّ لِأَهْلِ الْجَنَّة سَيَأْتِي شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة السَّجْدَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3006",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوَّلُ ‏ ‏زُمْرَةٍ ‏ ‏تَلِجُ ‏ ‏الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا ‏ ‏يَتَغَوَّطُونَ ‏ ‏آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ أَمْشَاطُهُمْ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ‏ ‏وَمَجَامِرُهُمْ ‏ ‏الْأَلُوَّةُ ‏ ‏وَرَشْحُهُمْ ‏ ‏الْمِسْكُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنْ الْحُسْنِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة فِي صِفَة أَهْل الْجَنَّة أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ , وَقَدْ ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيق ثَالِثَة سَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب أَيْضًا , وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضه فِي صِفَة آدَم مِنْ وَجْه رَابِع. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَوَّل زُمْرَة ) ‏ ‏أَيْ جَمَاعَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( صُورَتهمْ عَلَى صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر ) ‏ ‏أَيْ فِي الْإِضَاءَة , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي الرِّقَاق بِلَفْظِ \" يَدْخُل الْجَنَّة مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا تُضِيء وُجُوههمْ إِضَاءَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر \" وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة هُنَا : \" وَالَّذِينَ عَلَى أَثَرهمْ كَأَشَدّ كَوْكَب إِضَاءَة \" زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة أُخْرَى \" ثُمَّ هُمْ بَعْد ذَلِكَ مَنَازِل \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ ) ‏ ‏زَادَ فِي صِفَة آدَم \" وَلَا يَبُولُونَ وَلَا يَتْفُلُونَ \" وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" لَا يَسْقَمُونَ \" وَقَدْ اِشْتَمَلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْي جَمِيع صِفَات النَّقْص عَنْهُمْ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث جَابِر : \" يَأْكُل أَهْل الْجَنَّة وَيَشْرَبُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ طَعَامهمْ , ذَلِكَ جُشَاء كَرِيحِ الْمِسْك \" وَكَأَنَّهُ مُخْتَصَر مِمَّا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم قَالَ : \" جَاءَ رَجُل مِنْ أَهْل الْكِتَاب فَقَالَ : يَا أَبَا الْقَاسِم تَزْعُم أَنَّ أَهْل الْجَنَّة يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ , قَالَ نَعَمْ , إِنَّ أَحَدهمْ لَيُعْطَى قُوَّة مِائَة رَجُل فِي الْأَكْل وَالشُّرْب وَالْجِمَاع , قَالَ : الَّذِي يَأْكُل وَيَشْرَب تَكُون لَهُ الْحَاجَة وَلَيْسَ فِي الْجَنَّة أَذًى , قَالَ : تَكُون حَاجَة أَحَدهمْ رَشْحًا يُفِيض مِنْ جُلُودهمْ كَرَشْحِ الْمِسْك \" وَسَمَّى الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَته هَذَا السَّائِل ثَعْلَبَة بْن الْحَارِث , قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : لَمَّا كَانَتْ أَغْذِيَة أَهْل الْجَنَّة فِي غَايَة اللَّطَافَة وَالِاعْتِدَال لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَذًى وَلَا فَضْلَة تُسْتَقْذَر , بَلْ يَتَوَلَّد عَنْ تِلْكَ الْأَغْذِيَة أَطْيَب رِيح وَأَحْسَنه. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( آنِيَتهمْ فِيهَا الذَّهَب ) ‏ ‏زَادَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" وَالْفِضَّة \" وَقَالَ فِي الْأَمْشَاط عَكْس ذَلِكَ , وَكَأَنَّهُ اِكْتَفَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِذِكْرِ أَحَدهمَا عَنْ الْآخَر فَإِنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الصِّنْفَانِ لِكُلٍّ مِنْهُمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَحَد الصِّنْفَيْنِ لِبَعْضِهِمْ وَالْآخَر لِلْبَعْضِ الْآخَر , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا \" جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبَ آنِيَتهمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّة آنِيَتهمَا وَمَا فِيهِمَا \" الْحَدِيث مُتَّفَق عَلَيْهِ , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا إِنَّ أَدْنَى أَهْل الْجَنَّة دَرَجَة لَمَنْ يَقُوم عَلَى رَأْسه عَشَرَة آلَاف خَادِم بِيَدِ كُلّ وَاحِد صَحْفَتَانِ وَاحِدَة مِنْ ذَهَبَ وَالْأُخْرَى مِنْ فِضَّة الْحَدِيث. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏: الْمُشْط بِتَثْلِيثِ الْمِيم وَالْأَفْصَح ضَمّهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَمَجَامِرهمْ الْأَلُوَّة ) ‏ ‏الْأَلُوَّة الْعُود الَّذِي يُبَخَّر بِهِ , قِيلَ جُعِلَتْ مَجَامِرهمْ نَفْس الْعُود , لَكِنْ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" وَوُقُود مَجَامِرهمْ الْأَلُوَّة \" فَعَلَى هَذَا فِي رِوَايَة الْبَاب تَجَوُّز , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الصَّغَانِيِّ بَعْد قَوْله الْأَلُوَّة. قَالَ أَبُو الْيَمَان يَعْنِي الْعُود \" وَالْمَجَامِر جَمْع مِجْمَرَة وَهِيَ الْمِبْخَرَة سُمِّيَتْ مِجْمَرَة لِأَنَّهَا يُوضَع فِيهَا الْجَمْر لِيَفُوحَ بِهِ مَا يُوضَع فِيهَا مِنْ الْبَخُور , وَالْأَلُوَّة بِفَتْح الْهَمْزَة وَيَجُوز ضَمّهَا وَبِضَمِّ اللَّام وَتَشْدِيد الْوَاو وَحَكَى اِبْن التِّين كَسْر الْهَمْزَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَالْهَمْزَة أَصْلِيَّة وَقِيلَ زَائِدَة , قَالَ الْأَصْمَعِيّ أَرَاهَا فَارِسِيَّة عُرِّبَتْ. وَقَدْ يُقَال إِنَّ رَائِحَة الْعُود إِنَّمَا تَفُوح بِوَضْعِهِ فِي النَّار وَالْجَنَّة لَا نَار فِيهَا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بَعْد تَخْرِيج الْحَدِيث الْمَذْكُور : يُنْظَر هَلْ فِي الْجَنَّة نَار ؟ وَيُجَاب بِاحْتِمَالِ أَنْ يَشْتَعِل بِغَيْرِ نَار بَلْ بِقَوْلِهِ : كُنْ , وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مِجْمَرَة بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ فِي الْأَصْل , وَيُحْتَمَل أَنْ يَشْتَعِل بِنَارٍ لَا ضَرَر فِيهَا وَلَا إِحْرَاق , أَوْ يَفُوح بِغَيْرِ اِشْتِعَال , وَنَحْو ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود مَرْفُوعًا \" إِنَّ الرَّجُل فِي الْجَنَّة لَيَشْتَهِي الطَّيْر فَيَخِرّ بَيْن يَدَيْهِ مَشْوِيًّا \" وَفِيهِ الِاحْتِمَالَات الْمَذْكُورَة , وَفْد ذَكَرَ نَحْو ذَلِكَ اِبْن الْقَيِّم فِي الْبَاب الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ \" حَادِي الْأَرْوَاح \" وَزَادَ فِي الطَّيْر أَوْ يُشْوَى خَارِج الْجَنَّة أَوْ بِأَسْبَابٍ قُدِّرَتْ لِإِنْضَاجِهِ وَلَا تَتَعَيَّن النَّار , قَالَ : وَقَرِيب مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : ( هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ) وَهِيَ لَا شَمْس فِيهَا , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَدْ يُقَال أَيّ حَاجَة لَهُمْ إِلَى الْمُشْط وَهُمْ مُرْد وَشُعُورهمْ لَا تَتَّسِخ ؟ وَأَيّ حَاجَة لَهُمْ إِلَى الْبَخُور وَرِيحهمْ أَطْيَب مِنْ الْمِسْك ؟ قَالَ : وَيُجَاب بِأَنَّ نَعِيم أَهْل الْجَنَّة مِنْ أَكْل وَشُرْب وَكِسْوَة وَطِيب وَلَيْسَ عَنْ أَلَم جُوع أَوْ ظَمَأ أَوْ عُرْي أَوْ نَتْن , وَإِنَّمَا هِيَ لَذَّات مُتَتَالِيَة وَنِعَم مُتَوَالِيَة , وَالْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُنَعَّمُونَ بِنَوْعِ مَا كَانُوا يَتَنَعَّمُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّ تَنَعُّم أَهْل الْجَنَّة عَلَى هَيْئَة تَنَعُّم أَهْل الدُّنْيَا إِلَّا مَا بَيْنهمَا مِنْ التَّفَاضُل فِي اللَّذَّة , وَدَلَّ الْكِتَاب وَالسُّنَّة عَلَى أَنَّ نَعِيمهمْ لَا اِنْقِطَاع لَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ نِسَاء الدُّنْيَا , فَقَدْ رَوَى أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا فِي صِفَة أَدْنَى أَهْل الْجَنَّة مَنْزِلَة \" وَإِنَّ لَهُ مِنْ الْحُور الْعِين لَاثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَة سِوَى أَزْوَاجه مِنْ الدُّنْيَا \" وَفِي سَنَده شَهْر بْن حَوْشَبٍ وَفِيهِ مَقَال , وَلِأَبِي يَعْلَى فِي حَدِيث الصُّوَر الطَّوِيل مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي حَدِيث مَرْفُوع \" فَيَدْخُل الرَّجُل عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَة مِمَّا يُنْشِئ اللَّه وَزَوْجَتَيْنِ مِنْ وَلَد آدَم \" , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد رَفْعه \" إِنَّ أَدْنَى أَهْل الْجَنَّة الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْف خَادِم وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَة \" وَقَالَ غَرِيب , وَمِنْ حَدِيث الْمِقْدَام بْن مَعْدِي كَرِبَ عِنْده \" لِلشَّهِيدِ سِتّ خِصَال \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَيَتَزَوَّج ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَة مِنْ الْحُور الْعِين \" وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَالدَّارِمِيّ رَفْعه \" مَا أَحَد يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا زَوَّجَهُ اللَّه ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِنْ الْحُور الْعِين وَسَبْعِينَ وَثِنْتَيْنِ مِنْ أَهْل الدُّنْيَا \" وَسَنَده ضَعِيف جِدًّا , وَأَكْثَر مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخ فِي \" الْعَظَمَة \" وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْبَعْث \" مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى رَفْعه \" إِنَّ الرَّجُل مِنْ أَهْل الْجَنَّة لَيُزَوَّج خَمْسمِائَةِ حَوْرَاء أَوْ أَنَّهُ لَيُفْضِي إِلَى أَرْبَعَة آلَاف بِكْر وَثَمَانِيَة آلَاف ثَيِّب \" وَفِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ , وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" إِنَّ الرَّجُل مِنْ أَهْل الْجَنَّة لَيُفْضِي إِلَى مِائَة عَذْرَاء \" وَقَالَ اِبْن الْقَيِّم : لَيْسَ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة زِيَادَة عَلَى زَوْجَتَيْنِ سِوَى مَا فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى \" إِنَّ فِي الْجَنَّة لِلْمُؤْمِنِ لَخَيْمَة مِنْ لُؤْلُؤَة لَهُ فِيهَا أَهْلُونَ يَطُوف عَلَيْهِمْ \". قُلْت : الْحَدِيث الْأَخِير صَحَّحَهُ الضِّيَاء , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد مُسْلِم فِي صِفَة أَدْنَى أَهْل الْجَنَّة ثُمَّ يَدْخُل عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ أَقَلّ مَا لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ , وَقَدْ أَجَابَ بَعْضهمْ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون التَّثْنِيَة تَنْظِيرًا لِقَوْلِهِ جَنَّتَانِ وَعَيْنَانِ وَنَحْو ذَلِكَ , أَوْ الْمُرَاد تَثْنِيَة التَّكْثِير وَالتَّعْظِيم نَحْو لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَاسْتَدَلَّ أَبُو هُرَيْرَة بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ النِّسَاء فِي الْجَنَّة أَكْثَر مِنْ الرِّجَال كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن سِيرِينَ عَنْهُ , وَهُوَ وَاضِح لَكِنْ يُعَارِضهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث الْكُسُوف الْمُتَقَدِّم \" رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَر أَهْل النَّار \" وَيُجَاب بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ أَكْثَرِيَّتهنَّ فِي النَّار نَفْي أَكْثَرِيَّتهنَّ فِي الْجَنَّة , لَكِنْ يَشْكُل عَلَى ذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيث الْآخَر اِطَّلَعْت فِي الْجَنَّة فَرَأَيْت أَقَلّ سَاكِنهَا النِّسَاء , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الرَّاوِي رَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَهِمَهُ مِنْ أَنَّ كَوْنهنَّ أَكْثَر سَاكِنِي النَّار يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُنَّ أَقَلّ سَاكِنِي الْجَنَّة , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِم لِمَا قَدَّمْته , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي أَوَّل الْأَمْر قَبْل خُرُوج الْعُصَاة مِنْ النَّار بِالشَّفَاعَةِ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏: قَالَ النَّوَوِيّ كَذَا وَقَعَ زَوْجَتَانِ بِتَاءِ التَّأْنِيث وَهِيَ لُغَة تَكَرَّرَتْ فِي الْحَدِيث وَالْأَكْثَر خِلَافهَا وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآن , وَذَكَرَ أَبُو حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ أَنَّ الْأَصْمَعِيّ كَانَ يُنَكِّر زَوْجَة وَيَقُول إِنَّمَا هِيَ زَوْج , قَالَ فَأَنْشَدْنَاهُ قَوْل الْفَرَزْدَق : ‏ ‏وَإِنَّ الَّذِي يَسْعَى لِيُفْسِد زَوْجَتِي ‏ ‏لَسَاعٍ إِلَى أَسَد الشَّرَى يَسْتَنِيلهَا ‏ ‏قَالَ فَسَكَتَ. ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ شَوَاهِد أُخْرَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مُخّ سُوقهمَا مِنْ وَرَاء اللَّحْم ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الثَّالِثَة \" وَالْعَظْم \" , وَالْمُخّ بِضَمِّ الْمِيم وَتَشْدِيد الْمُعْجَمَة مَا فِي دَاخِل الْعَظْم , وَالْمُرَاد بِهِ وَصْفهَا بِالصَّفَاءِ الْبَالِغ وَأَنَّ مَا فِي دَاخِل الْعَظْم لَا يَسْتَتِر بِالْعَظْمِ وَاللَّحْم وَالْجِلْد. وَوَقَعَ عِنْد التِّرْمِذِيّ \" لَيُرَى بَيَاض سَاقهَا مِنْ وَرَاء سَبْعِينَ حُلَّة حَتَّى يُرَى مُخّهَا \" وَنَحْوه لِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيث أَبُو سَعِيد وَزَادَ \" يَنْظُر وَجْهه فِي خَدّهَا أَصْفَى مِنْ الْمِرْآة \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَلْب وَاحِد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَكْثَر بِالْإِضَافَةِ , وَلِلْمُسْتَمْلِي بِالتَّنْوِينِ \" قَلْب وَاحِد \" وَهُوَ مِنْ التَّشْبِيه الَّذِي حُذِفَتْ أَدَاته أَيْ كَقَلْبِ رَجُل وَاحِد , وَقَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ : \" لَا تَحَاسُد بَيْنهمْ وَلَا اِخْتِلَاف \" أَيْ أَنَّ قُلُوبهمْ طَهُرَتْ عَنْ مَذْمُوم الْأَخْلَاق. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يُسَبِّحُونَ اللَّه بُكْرَة وَعَشِيًّا ) ‏ ‏أَيْ قَدْرهمَا , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذَا التَّسْبِيح لَيْسَ عَنْ تَكْلِيف وَإِلْزَام , وَقَدْ فَسَّرَهُ جَابِر فِي حَدِيثه عِنْد مُسْلِم بِقَوْلِهِ : \" يُلْهَمُونَ التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير كَمَا يُلْهَمُون النَّفَس \" وَوَجْه التَّشْبِيه أَنَّ تَنَفُّس الْإِنْسَان لَا كُلْفَة عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا بُدّ لَهُ مِنْهُ , فَجَعَلَ تَنَفُّسهمْ تَسْبِيحًا , وَسَبَبه أَنَّ قُلُوبهمْ تَنَوَّرَتْ بِمَعْرِفَةِ الرَّبّ سُبْحَانه وَامْتَلَأَتْ بِحُبِّهِ , وَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْره. وَقَدْ وَقَعَ فِي خَبَر ضَعِيف \" إِنَّ تَحْت الْعَرْش سِتَارَة مُعَلَّقَة فِيهِ ثُمَّ تُطْوَى , فَإِذَا نُشِرَتْ كَانَتْ عَلَامَة الْبُكُور , وَإِذَا طُوِيَتْ كَانَتْ عَلَامَة الْعَشِيّ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3007",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَوَّلُ ‏ ‏زُمْرَةٍ ‏ ‏تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَالَّذِينَ عَلَى إِثْرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ لَحْمِهَا مِنْ الْحُسْنِ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا لَا ‏ ‏يَسْقَمُونَ ‏ ‏وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَبْصُقُونَ آنِيَتُهُمْ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَأَمْشَاطُهُمْ الذَّهَبُ وَوَقُودُ ‏ ‏مَجَامِرِهِمْ ‏ ‏الْأَلُوَّةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏يَعْنِي الْعُودَ وَرَشْحُهُمْ الْمِسْكُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ ‏الْإِبْكَارُ أَوَّلُ الْفَجْرِ ‏ ‏وَالْعَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ ‏ ‏أُرَاهُ ‏ ‏تَغْرُبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ فِي آخِر الرِّوَايَة : ( قَالَ مُجَاهِد : الْإِبْكَار أَوَّل الْفَجْر وَالْعَشِيّ مَيْل الشَّمْس إِلَى أَنْ - أُرَاهُ - تَغْرُب ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل , وَكَأَنَّ الْمُصَنِّف شَكَّ فِي لَفْظ تَغْرُب فَأَدْخَلَ قَبْلهَا أُرَاهُ وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة أَيْ أَظُنّهُ فَهِيَ جُمْلَة مُعْتَرِضَة بَيْن أَنْ وَالْفِعْل , وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ وَالطَّبَرِيُّ وَغَيْره مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد بِلَفْظِ \" إِلَى أَنْ تَغِيب \" وَهُوَ بِالْمَعْنَى الَّذِي ظَنَّهُ الْمُصَنِّف , قَالَ الطَّبَرِيُّ \" الْإِبْكَار \" مَصْدَر تَقُول أَبْكَرَ فُلَان فِي حَاجَته يُبَكِّر إِبْكَارًا إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْن طُلُوع الْفَجْر إِلَى وَقْت الضُّحَى , وَأَمَّا الْعَشِيّ فَمِنْ بَعْد الزَّوَال قَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏فَلَا الظِّلّ مِنْ بَرْد الضُّحَى يَسْتَطِيعهُ ‏ ‏وَلَا الْفَيْء مِنْ بَرْد الْعَشِيّ يَذُوق ‏ ‏قَالَ : وَالْفَيْء يَكُون مِنْ عِنْد زَوَال الشَّمْس وَيَتَنَاهَى بِمَغِيبِهَا. وَانْظُرْ الْحَدِيث السَّابِق. ‏"
    },
    {
        "id": "3008",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيَدْخُلَنَّ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ سَبْعُ مِائَةِ أَلْفٍ لَا يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ سَهْل بْن سَعْد فِي عَدَد مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3009",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جُبَّةُ ‏ ‏سُنْدُسٍ ‏ ‏وَكَانَ يَنْهَى عَنْ الْحَرِيرِ فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏بِيَدِهِ ‏ ‏لَمَنَادِيلُ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ‏ ‏فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَنَس ‏ ‏\" أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَنَّة سُنْدُس \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب اللِّبَاس وَمَضَى مُعْظَمه فِي كِتَاب الْهِبَة , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا ذِكْر مَنَادِيل سَعْد بْن مُعَاذ فِي الْجَنَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "3010",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِثَوْبٍ مِنْ حَرِيرٍ فَجَعَلُوا يَعْجَبُونَ مِنْ حُسْنِهِ وَلِينِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَنَادِيلُ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ‏ ‏فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ الْبَرَاء بْن عَازِب فِي ذَلِكَ , وَذَكَرَهُ عَقِب حَدِيث أَنَس لِأَنَّ فِي حَدِيث أَنَس تَعَجَّبَ النَّاس مِنْهَا , وَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَدِيث الْبَرَاء حَيْثُ وَقَعَ فِيهِ ‏ ‏\" فَجَعَلُوا يَعْجَبُونَ مِنْ حُسْنه وَلِينه \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي شَرْحه أَيْضًا فِي اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3011",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ سَهْل بْن سَعْد \" مَوْضِع سَوْط فِي الْجَنَّة خَيْر مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَّل الْجِهَاد مِنْ حَدِيث أَنَس. ‏"
    },
    {
        "id": "3012",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ أَنَس : \" إِنَّ فِي الْجَنَّة لَشَجَرَة \" ‏ ‏. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا رَوْح بْن عَبْد الْمُؤْمِن ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْح الرَّاء وَهُوَ بَصْرِيّ مَشْهُور وَكَذَا بَقِيَّة رِجَال الْإِسْنَاد وَسَعِيد هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة , وَلَيْسَ لِرَوْحِ بْن عَبْد الْمُؤْمِن فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ وَزَادَ فِي آخِر الْحَدِيث \" وَإِنْ شِئْتُمْ فَاقْرَءُوا وَظِلّ مَمْدُود \". ‏"
    },
    {
        "id": "3013",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ‏ { ‏وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ‏} ‏وَلَقَابُ قَوْسِ ‏ ‏أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة فِي ذَلِكَ , وَفِيهِ الزِّيَادَة الْمُشَار إِلَيْهَا , وَفِيهِ ‏ ‏\" وَلَقَاب قَوْس \" ‏ ‏وَهَذَا الْأَخِير تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد مِنْ الْكَلَام عَلَيْهِ , وَالشَّجَرَة الْمَذْكُورَة قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : يُقَال إِنَّهَا طُوبَى ( قُلْت ) وَشَاهِد ذَلِكَ فِي حَدِيث عُتْبَةَ بْن عَبْد السُّلَمِيّ عِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ وَابْن حِبَّان , فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّمَا نُكِّرَتْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى اِخْتِلَاف جِنْسهَا بِحَسَبِ شَهَوَات أَهْل الْجَنَّة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَسِير الرَّاكِب ) ‏ ‏أَيْ أَيّ رَاكِب فُرِضَ , وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْوَسَط الْمُعْتَدِل , ‏ ‏وَقَوْله : \" فِي ظِلّهَا \" ‏ ‏أَيْ فِي نَعِيمهَا وَرَاحَتهَا وَمِنْهُ قَوْلهمْ عَيْش ظَلِيل , وَقِيلَ : مَعْنَى ظِلّهَا نَاحِيَتهَا وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى اِمْتِدَادهَا وَمِنْهُ قَوْلهمْ أَنَا فِي ظِلّك أَيْ نَاحِيَتك , قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَالْمُحْوِج إِلَى هَذَا التَّأْوِيل أَنَّ الظِّلّ فِي عُرْف أَهْل الدُّنْيَا مَا يَقِي مِنْ حَرّ الشَّمْس وَأَذَاهَا وَلَيْسَ فِي الْجَنَّة شَمْس وَلَا أَذَى , وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم وَابْن أَبِي الدُّنْيَا فِي صِفَة الْجَنَّة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الظِّلّ الْمَمْدُود شَجَرَة فِي الْجَنَّة عَلَى سَاق قَدْر مَا يَسِير الرَّاكِب الْمُجِدّ فِي ظِلّهَا مِائَة عَام مِنْ كُلّ نَوَاحِيهَا فَيَخْرُج أَهْل الْجَنَّة يَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلّهَا فَيَشْتَهِي بَعْضهمْ اللَّهْو فَيُرْسِل اللَّه رِيحًا فَيُحَرِّك تِلْكَ الشَّجَرَة بِكُلِّ لَهْو كَانَ فِي الدُّنْيَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3014",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوَّلُ ‏ ‏زُمْرَةٍ ‏ ‏تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَالَّذِينَ عَلَى آثَارِهِمْ كَأَحْسَنِ كَوْكَبٍ ‏ ‏دُرِّيٍّ ‏ ‏فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ لَا تَبَاغُضَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَحَاسُدَ لِكُلِّ امْرِئٍ زَوْجَتَانِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ شَرْحه قَرِيبًا مِنْ هَذَا الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "3015",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَمَّا مَاتَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ الْبَرَاء \" لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيم - يَعْنِي اِبْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّة \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْجَنَائِز. ‏"
    },
    {
        "id": "3016",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ ‏ ‏الدُّرِّيَّ ‏ ‏الْغَابِرَ ‏ ‏فِي ‏ ‏الْأُفُقِ ‏ ‏مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي سَعِيد فِي تَفَاضُل أَهْل الْجَنَّة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ صَفْوَان بْن سُلَيْمٍ ) ‏ ‏عِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك أَخْبَرَنِي صَفْوَان , وَهَذَا مِنْ صَحِيح أَحَادِيث مَالِك الَّتِي لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّأ , وَوَهَمَ أَيُّوب بْن سُوَيْدٍ فَرَوَاهُ عَنْ مَالِك عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ بَدَل صَفْوَان ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْغَرَائِب \" وَكَأَنَّهُ دَخَلَ لَهُ إِسْنَاد حَدِيث فِي إِسْنَاد حَدِيث , فَإِنَّ رِوَايَة مَالِك عَنْ زَيْد بَدَل صَفْوَان , فَهَذَا السَّنَد وَقَفْت عَلَيْهِ فِي حَدِيث آخَر سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الرِّقَاق وَفِي التَّوْحِيد. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَعِيد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة فُلَيْحٍ عَنْ هِلَال بْن عَلِيّ عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ وَابْن خُزَيْمَةَ , وَنَقَلَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْغَرَائِب \" عَنْ الذُّهْلِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَسْت أَدْفَع حَدِيث فُلَيْحٍ , يَجُوز أَنْ يَكُون عَطَاء بْن يَسَار حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي سَعِيد , وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة اِنْتَهَى. وَقَدْ رَوَاهُ أَيُّوب بْن سُوَيْدٍ عَنْ مَالِك فَقَالَ عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ سَهْل بْن سَعْد ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْغَرَائِب \" وَقَالَ إِنَّهُ وَهَمَ فِيهِ أَيْضًا , قُلْت وَلَكِنَّهُ لَهُ أَصْل مِنْ حَدِيث سَهْل بْن سَعْد عِنْد مُسْلِم وَيَأْتِي أَيْضًا فِي \" بَاب صِفَة أَهْل الْجَنَّة وَالنَّار \" فِي الرِّقَاق مِنْ حَدِيث سَهْل أَيْضًا لَكِنَّهُ مُخْتَصَر عِنْد الشَّيْخَيْنِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَتَرَاءَوْنَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة لِمُسْلِم \" يَرَوْنَ \" وَالْمَعْنَى أَنَّ أَهْل الْجَنَّة تَتَفَاوَت مَنَازِلهمْ بِحَسَبِ دَرَجَاتهمْ فِي الْفَضْل , حَتَّى إِنَّ أَهْل الدَّرَجَات الْعُلَا لَيَرَاهُمْ مَنْ هُوَ أَسْفَل مِنْهُمْ كَالنُّجُومِ. وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيث بِقَوْلِهِ : \" لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنهمْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الدُّرِّيّ ) ‏ ‏هُوَ النَّجْم الشَّدِيد الْإِضَاءَة , وَقَالَ الْفَرَّاء : هُوَ النَّجْم الْعَظِيم الْمِقْدَار , وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الرَّاء الْمُشَدَّدَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة وَقَدْ تُسَكَّن وَبَعْدهَا هَمْزَة وَمَدّ وَقَدْ يُكْسَر أَوَّله عَلَى الْحَالَيْنِ فَتِلْكَ أَرْبَع لُغَات , ثُمَّ قِيلَ إِنَّ الْمَعْنَى مُخْتَلِف , فَبِالتَّشْدِيدِ كَأَنَّهُ مَنْسُوب إِلَى الدُّرّ لِبَيَاضِهِ وَضِيَائِهِ , وَبِالْهَمْزِ كَأَنَّهُ مَأْخُوذ مِنْ دَرَأَ أَيْ دَفَعَ لِانْدِفَاعِهِ عِنْد طُلُوعه. وَنَقَلَ اِبْن الْجَوْزِيّ عَنْ الْكِسَائِيّ تَثْلِيث الدَّال قَالَ : فَبِالضَّمِّ نِسْبَة إِلَى الدُّرّ وَبِالْكَسْرِ الْجَارِي وَبِالْفَتْحِ اللَّامِع. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الْغَابِر ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَة الْمُوَطَّأ الْغَايِر بِالتَّحْتَانِيَّةِ بَدَل الْمُوَحَّدَة , قَالَ عِيَاض كَأَنَّهُ الدَّاخِل فِي الْغُرُوب. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ \" الْغَارِب \" وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي , قَالَ عِيَاض : مَعْنَاهُ الَّذِي يَبْعُد لِلْغُرُوبِ , وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْغَائِب , وَلَكِنْ لَا يَحْسُن هُنَا لِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّ بُعْده عَنْ الْأَرْض كَبُعْدِ غُرَف الْجَنَّة عَنْ رَبَضِهَا فِي رَأْي الْعَيْن , وَالرِّوَايَة الْأُولَى هِيَ الْمَشْهُورَة. وَمَعْنَى الْغَابِر هُنَا الذَّاهِب , وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيث بِقَوْلِهِ : \" مِنْ الْمَشْرِق إِلَى الْمَغْرِب \" وَالْمُرَاد بِالْأُفُقِ السَّمَاء وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ الْأُفُق مِنْ الْمَشْرِق أَوْ الْمَغْرِب , قَالَ الْقُرْطُبِيّ مِنْ الْأُولَى لِابْتِدَاءِ الْغَايَة أَوْ هِيَ لِلظَّرْفِيَّةِ , وَمِنْ الثَّانِيَة مُبَيِّنَة لَهَا , وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا تَرِد لِانْتِهَاءِ الْغَايَة أَيْضًا قَالَ : وَهُوَ خُرُوج عَنْ أَصْلهَا وَلَيْسَ مَعْرُوفًا عِنْد أَكْثَر النَّحْوِيِّينَ , قَالَ : وَوَقَعَ فِي نُسَخ الْبُخَارِيّ \" إِلَى الْمَشْرِق \" وَهُوَ أَوْضَح , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَهْل بْن سَهْل عِنْد مُسْلِم \" كَمَا تَرَاءَوْنَ الْكَوْكَب الدُّرِّيّ فِي الْأُفُق الشَّرْقِيّ أَوْ الْغَرْبِيّ \" وَاسْتَشْكَلَهُ اِبْن التِّين وَقَالَ : إِنَّمَا تَغُور الْكَوَاكِب فِي الْمَغْرِب خَاصَّة فَكَيْفَ وَقَعَ ذِكْر الْمَشْرِق ؟ وَهَذَا مُشْكِل عَلَى رِوَايَة الْغَايِر بِالتَّحْتَانِيَّةِ , وَأَمَّا بِالْمُوَحَّدَةِ فَالْغَابِر يُطْلَق عَلَى الْمَاضِي وَالْبَاقِي فَلَا إِشْكَال. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ بَلَى ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيّ : بَلَى حَرْف جَوَاب وَتَصْدِيق , وَالسِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ يَكُون الْجَوَاب بِالْإِضْرَابِ عَنْ الْأَوَّل وَإِيجَاب الثَّانِي , فَلَعَلَّهَا كَانَتْ بَلْ فَغُيِّرَتْ بِبَلَى , وَقَوْله : \" رِجَال \" خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف تَقْدِيره وَهُمْ رِجَال , أَيْ تِلْكَ الْمَنَازِل مَنَازِل رِجَال آمَنُوا. قُلْت : حَكَى اِبْن التِّين أَنَّ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" بَلْ \" بَدَل بَلَى , وَيُمْكِن تَوْجِيه \" بَلَى \" بِأَنَّ التَّقْدِير نَعَمْ هِيَ مَنَازِل الْأَنْبِيَاء بِإِيجَابِ اللَّه تَعَالَى لَهُمْ ذَلِكَ. وَلَكِنْ قَدْ يَتَفَضَّل اللَّه تَعَالَى عَلَى غَيْرهمْ بِالْوُصُولِ إِلَى تِلْكَ الْمَنَازِل. وَقَالَ اِبْن التِّين يُحْتَمَل أَنْ تَكُون بَلَى جَوَاب النَّفْي فِي قَوْلهمْ لَا يَبْلُغهَا غَيْرهمْ , وَكَأَنَّهُ قَالَ : بَلَى يَبْلُغهَا رِجَال غَيْرهمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ ) ‏ ‏أَيْ حَقّ تَصْدِيقهمْ وَإِلَّا لَكَانَ كُلّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَصَدَّقَ رُسُله وَصَلَ إِلَى تِلْكَ الدَّرَجَة وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون التَّنْكِير فِي قَوْله رِجَال يُشِير إِلَى نَاس مَخْصُوصِينَ مَوْصُوفِينَ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَة , وَلَا يَلْزَم أَنْ يَكُون كُلّ مَنْ وُصِفَ بِهَا كَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون لِمَنْ بَلَغَ تِلْكَ الْمَنَازِل صِفَة أُخْرَى , وَكَأَنَّهُ سَكَتَ عَنْ الصِّفَة الَّتِي اِقْتَضَتْ لَهُمْ ذَلِكَ , وَالسِّرّ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ يَبْلُغهَا مَنْ لَهُ عَمَل مَخْصُوص , وَمَنْ لَا عَمَل لَهُ كَانَ بُلُوغهَا إِنَّمَا هُوَ بِرَحْمَةِ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي سَعِيد \" وَإِنَّ أَبَا بَكْر وَعُمَر لَمِنْهُمْ وَأَنْعَمَا \" , وَرَوَى التِّرْمِذِيّ أَيْضًا عَنْ عَلِيّ مَرْفُوعًا \" إِنَّ فِي الْجَنَّة لَغُرَفًا تُرَى ظُهُورهَا مِنْ بُطُونهَا وَبُطُونهَا مِنْ ظُهُورهَا. فَقَالَ أَعْرَابِيّ لِمَنْ هِيَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : هِيَ لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَام وَأَدَامَ الصِّيَام , وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نِيَام \" , وَقَالَ اِبْن التِّين : قِيلَ إِنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَبْلُغُونَ دَرَجَات الْأَنْبِيَاء. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ يَعْنِي أَنَّهُمْ يَبْلُغُونَ هَذِهِ الْمَنَازِل الَّتِي وَصَفَ , وَأَمَّا مَنَازِل الْأَنْبِيَاء فَإِنَّهَا فَوْق ذَلِكَ. قُلْت : وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ \" قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , وَأَقْوَام آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُوله \" هَكَذَا فِيهِ بِزِيَادَةِ الْوَاو الْعَاطِفَة فَفَسَدَ تَأْوِيل الدَّاوُدِيّ , وَاللَّهُ الْمُسْتَعَان. وَيُحْتَمَل أَنْ يُقَال : إِنَّ الْغُرَف الْمَذْكُورَة لِهَذِهِ الْأُمَّة , وَأَمَّا مَنْ دُونهمْ فَهُمْ الْمُوَحِّدُونَ مِنْ غَيْرهمْ , أَوْ أَصْحَاب الْغُرَف الَّذِينَ دَخَلُوا الْجَنَّة مِنْ أَوَّل وَهْلَة , وَمَنْ دُونهمْ مَنْ دَخَلَ بِالشَّفَاعَةِ. وَيُؤَيِّد الَّذِي قَبْله قَوْله فِي صِفَتهمْ \" هُمْ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ \" وَتَصْدِيق جَمِيع الْمُرْسَلِينَ إِنَّمَا يَتَحَقَّق لِأُمَّةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ مَنْ قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ صَدَّقَ بِمَنْ سَيَجِيءُ مِنْ بَعْده مِنْ الرُّسُل فَهُوَ بِطَرِيقِ التَّوَقُّع لَا بِطَرِيقِ الْوَاقِع , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3017",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3018",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُهَاجِرٍ أَبِي الْحَسَنِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ فَقَالَ ‏ ‏أَبْرِدْ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏أَبْرِدْ ‏ ‏حَتَّى ‏ ‏فَاءَ ‏ ‏الْفَيْءُ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏لِلتُّلُولِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏أَبْرِدُوا ‏ ‏بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ ‏ ‏فَيْحِ ‏ ‏جَهَنَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي ذَرّ فِي الْأَمْر بِالْإِبْرَادِ , وَفِيهِ قِصَّة وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْمَوَاقِيت مِنْ كِتَاب الصَّلَاة , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : \" فَإِنَّ شِدَّة الْحَرّ مِنْ فَيْح جَهَنَّم \". ‏"
    },
    {
        "id": "3019",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ذَكْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبْرِدُوا ‏ ‏بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ ‏ ‏فَيْحِ ‏ ‏جَهَنَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي سَعِيد فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ فِيهِ قِصَّة وَقَدْ تَقَدَّمَ كَذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3020",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ ‏ ‏الزَّمْهَرِيرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة : \" اِشْتَكَتْ النَّار إِلَى رَبّهَا \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ كَذَلِكَ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّة عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ أَنَّ جَهَنَّمَ مَوْجُودَة الْآنَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3021",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ هُوَ الْعَقَدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ أُجَالِسُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَأَخَذَتْنِي الْحُمَّى فَقَالَ أَبْرِدْهَا عَنْكَ بِمَاءِ ‏ ‏زَمْزَمَ ‏ ‏فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْحُمَّى مِنْ ‏ ‏فَيْحِ ‏ ‏جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ ‏ ‏أَوْ قَالَ بِمَاءِ ‏ ‏زَمْزَمَ ‏ ‏شَكَّ ‏ ‏هَمَّامٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ اِبْن عَبَّاس فِي أَنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْح جَهَنَّمَ ‏ ‏. ‏"
    },
    {
        "id": "3022",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الْحُمَّى مِنْ ‏ ‏فَوْرِ ‏ ‏جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا عَنْكُمْ بِالْمَاءِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ رَافِع بْن خَدِيج فِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3023",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْحُمَّى مِنْ ‏ ‏فَيْحِ ‏ ‏جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَائِشَة فِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3024",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْحُمَّى مِنْ ‏ ‏فَيْحِ ‏ ‏جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن عُمَر فِي ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي شَرْح الْجَمِيع فِي الطِّبّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3025",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قَالَ فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( نَاركُمْ جُزْء ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته \" جُزْء وَاحِد \". ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة لِأَحْمَد \" مِنْ مِائَة جُزْء \" وَالْجَمْع بِأَنَّ الْمُرَاد الْمُبَالَغَة فِي الْكَثْرَة لَا الْعَدَد الْخَالِص أَوْ الْحُكْم لِلزَّائِدِ , زَادَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" لِكُلِّ جُزْء مِنْهَا حَرّهَا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَة ) ‏ ‏\" إِنْ \" هِيَ الْمُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة أَيْ إِنَّ نَار الدُّنْيَا كَانَتْ مُجْزِئَةً لِتَعْذِيبِ الْعُصَاة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا وَالْمَعْنَى عَلَى نِيرَان الدُّنْيَا , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فُضِّلَتْ عَلَيْهَا \" أَيْ عَلَى النَّار , قَالَ الطِّيبِيُّ مَا مُحَصَّله : إِنَّمَا أَعَادَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِكَايَة تَفْضِيل نَار جَهَنَّم عَلَى نَار الدُّنْيَا إِشَارَة إِلَى الْمَنْع مِنْ دَعْوَى الْإِجْزَاء , أَيْ لَا بُدّ مِنْ الزِّيَادَة لِيَتَمَيَّز مَا يَصْدُر مِنْ الْخَالِق مِنْ الْعَذَاب عَلَى مَا يَصْدُر مِنْ خَلْقه. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِثْل حَرّهَا ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد وَابْن حِبَّان مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا اِنْتَفَعَ بِهَا أَحَد \" وَنَحْوه لِلْحَاكِمِ وَابْن مَاجَهْ عَنْ أَنَس وَزَادَا \" فَإِنَّهَا لَتَدْعُو اللَّه أَنْ لَا يُعِيدهَا فِيهَا \" وَفِي \" الْجَامِع لِابْنِ عُيَيْنَةَ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ \" هَذِهِ النَّار ضُرِبَتْ بِمَاءِ الْبَحْر سَبْع مَرَّات وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا اِنْتَفَعَ بِهَا أَحَد \" ‏"
    },
    {
        "id": "3026",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَطَاءً ‏ ‏يُخْبِرُ عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ { ‏وَنَادَوْا يَا ‏ ‏مَالِكُ ‏ }",
        "sharh": "حَدِيثُ يَعْلَى بْن أُمَيَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي \" بَاب الْمَلَائِكَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "3027",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ قِيلَ ‏ ‏لِأُسَامَةَ ‏ ‏لَوْ أَتَيْتَ ‏ ‏فُلَانًا ‏ ‏فَكَلَّمْتَهُ قَالَ إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ وَلَا أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالُوا وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ ‏ ‏فَتَنْدَلِقُ ‏ ‏أَقْتَابُهُ ‏ ‏فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ ‏ ‏بِرَحَاهُ ‏ ‏فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ ‏ ‏وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أُسَامَة بْن زَيْد , ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ أَتَيْت فُلَانًا فَكَلَّمْته ) ‏ ‏هُوَ عُثْمَان كَمَا فِي صَحِيح مُسْلِم , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ وَبَيَان السَّبَب فِيهِ فِي كِتَاب الْفِتَن , وَكَذَا طَرِيق غُنْدُر عَنْ شُعْبَة الَّتِي عَلَّقَهَا الْمُصَنِّف هُنَا فَقَدْ وَصَلَهَا هُنَاكَ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3028",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سُحِرَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏كَتَبَ إِلَيَّ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَهُ وَوَعَاهُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سُحِرَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا وَدَعَا ثُمَّ قَالَ أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا فِيهِ شِفَائِي أَتَانِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ مَا وَجَعُ الرَّجُلِ قَالَ ‏ ‏مَطْبُوبٌ ‏ ‏قَالَ وَمَنْ ‏ ‏طَبَّهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ ‏ ‏قَالَ فِيمَا ذَا قَالَ فِي مُشُطٍ ‏ ‏وَمُشَاقَةٍ ‏ ‏وَجُفِّ ‏ ‏طَلْعَةٍ ‏ ‏ذَكَرٍ قَالَ فَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي ‏ ‏بِئْرِ ذَرْوَانَ ‏ ‏فَخَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏حِينَ رَجَعَ نَخْلُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ فَقُلْتُ اسْتَخْرَجْتَهُ فَقَالَ لَا أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا ثُمَّ دُفِنَتْ الْبِئْرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ عَائِشَة قَالَتْ : \" سُحِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الطِّبّ , وَوَجْه إِيرَاده هُنَا مِنْ جِهَة أَنَّ السِّحْر إِنَّمَا يَتِمّ بِاسْتِعَانَةِ الشَّيَاطِين عَلَى ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي إِيضَاح ذَلِكَ هُنَاكَ , وَقَدْ أَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَى بَعْض الشُّرَّاح. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّيْث كَتَبَ إِلَيَّ هِشَام بْن عُرْوَة إِلَخْ ) ‏ ‏رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي نُسْخَة عِيسَى بْن حَمَّاد رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن أَبِي دَاوُدَ عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3029",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ مَكَانَهَا عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة فِي عَقْد الشَّيْطَان عَلَى رَأْس النَّائِم , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي صَلَاة اللَّيْل , وَأَخُو إِسْمَاعِيل هُوَ أَبُو بَكْر عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي أُوَيْس , وَوَهَمَ مَنْ سَمَّاهُ عَبْد اللَّه. ‏"
    },
    {
        "id": "3030",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلٌ نَامَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ قَالَ ‏ ‏ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ أَوْ قَالَ فِي أُذُنِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن مَسْعُود فِي بَوْل الشَّيْطَان فِي أُذُن النَّائِم عَنْ الصَّلَاة , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي صَلَاة اللَّيْل أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3031",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَا إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ وَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَرُزِقَا وَلَدًا لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن عَبَّاس فِي النَّدْب إِلَى التَّسْمِيَة عِنْد الْجِمَاع , يَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3032",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ وَلَا ‏ ‏تَحَيَّنُوا ‏ ‏بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ أَوْ الشَّيْطَانِ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن عُمَر فِي النَّهْي عَنْ الصَّلَاة عِنْد طُلُوع الشَّمْس , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الصَّلَاة , ‏ ‏وَالْقَائِل : \" لَا أَدْرِي أَيّ ذَلِكَ قَالَ هِشَام \" ‏ ‏هُوَ عَبْدَةُ بْن سُلَيْمَان الرَّاوِي عَنْهُ , ‏ ‏وَقَوْله : \" حَاجِب الشَّمْس \" ‏ ‏هُوَ طَرَف قُرْصهَا الَّذِي يَبْدُو عِنْد طُلُوع الشَّمْس وَيَبْقَى عِنْد الْغُرُوب , وَقَرْنَا الشَّيْطَان جَانِبَا رَأْسه , يُقَال إِنَّهُ يَنْتَصِب فِي مُحَاذَاة مَطْلَع الشَّمْس حَتَّى إِذَا طَلَعَتْ كَانَتْ بَيْن جَانِبَيْ رَأْسه لِتَقَع السَّجْدَة لَهُ إِذَا سَجَدَ عَبَدَةُ الشَّمْس لَهَا وَكَذَا عِنْد غُرُوبهَا , وَعَلَى هَذَا فَقَوْله : \" تَطْلُع بَيْن قَرْنَيْ الشَّيْطَان \" أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُشَاهِد الشَّمْس عِنْد طُلُوعهَا , فَلَوْ شَاهَدَ الشَّيْطَان لَرَآهُ مُنْتَصِبًا عِنْدهَا. وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ رَدَّ عَلَى أَهْل الْهَيْئَة الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الشَّمْس فِي السَّمَاء الرَّابِعَة وَالشَّيَاطِين قَدْ مُنِعُوا مِنْ وُلُوج السَّمَاء , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا , وَالْحَقّ أَنَّ الشَّمْس فِي الْفُلْك الرَّابِع , وَالسَّمَوَات السَّبْع عِنْد أَهْل الشَّرْع غَيْر الْأَفْلَاك خِلَافًا لِأَهْلِ الْهَيْئَة. وَمُحَمَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ هُوَ اِبْن سَلَام ثَبْت كَذَلِكَ عِنْد اِبْن السَّكَن وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم وَالْجَيَّانِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3033",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ شَيْءٌ وَهُوَ ‏ ‏يُصَلِّي فَلْيَمْنَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيَمْنَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَليُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ ‏ ‏يَحْثُو ‏ ‏مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ ‏ ‏آيَةَ الْكُرْسِيِّ ‏ ‏لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي سَعِيد فِي الْإِذْن بِقَتْلِ الْمَارّ بَيْن يَدَيْ الْمُصَلِّي تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الصَّلَاة. وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي حِفْظ زَكَاة رَمَضَان , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْوَكَالَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3034",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ \" يَأْتِي الشَّيْطَان \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَنْ خَلَقَ رَبّك فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ ) ‏ ‏أَيْ عَنْ الِاسْتِرْسَال مَعَهُ فِي ذَلِكَ , بَلْ يَلْجَأ إِلَى اللَّه فِي دَفْعه , وَيَعْلَم أَنَّهُ يُرِيد إِفْسَاد دِينه وَعَقْله بِهَذِهِ الْوَسْوَسَة , فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَهِد فِي دَفْعهَا بِالِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهَا , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَجْه هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الشَّيْطَان إِذَا وَسْوَسَ بِذَلِكَ فَاسْتَعَاذَ الشَّخْص بِاللَّهِ مِنْهُ وَكَفّ عَنْ مُطَاوَلَته فِي ذَلِكَ اِنْدَفَعَ , قَالَ : وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ تَعَرَّضَ أَحَد مِنْ الْبَشَر بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُمْكِن قَطْعه بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَان , قَالَ : وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ الْآدَمِيّ يَقَع مِنْهُ الْكَلَام بِالسُّؤَالِ وَالْجَوَاب وَالْحَال مَعَهُ مَحْصُور , فَإِذَا رَاعَى الطَّرِيقَة وَأَصَابَ الْحُجَّة اِنْقَطَعَ , وَأَمَّا الشَّيْطَان فَلَيْسَ لِوَسْوَسَتِهِ اِنْتِهَاء , بَلْ كُلَّمَا أُلْزِمَ حُجَّة زَاغَ إِلَى غَيْرهَا إِلَى أَنْ يُفْضِيَ بِالْمَرْءِ إِلَى الْحِيرَة , نَعُوذ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : عَلَى أَنَّ قَوْله مَنْ خَلَقَ رَبّك كَلَام مُتَهَافِت يَنْقُض آخِرُهُ أَوَّلَهُ لِأَنَّ الْخَالِق يَسْتَحِيل أَنْ يَكُون مَخْلُوقًا , ثُمَّ لَوْ كَانَ السُّؤَال مُتَّجِهًا لَاسْتَلْزَمَ التَّسَلْسُل وَهُوَ مُحَال , وَقَدْ أَثْبَتَ الْعَقْل أَنَّ الْمُحْدَثَات مُفْتَقِرَة إِلَى مُحْدِث. فَلَوْ كَانَ هُوَ مُفْتَقِرًا إِلَى مُحْدِث لَكَانَ مِنْ الْمُحْدَثَات , اِنْتَهَى. وَالَّذِي نَحَا إِلَيْهِ مِنْ التَّفْرِقَة بَيْن وَسْوَسَة الشَّيْطَان وَمُخَاطَبَة الْبَشَر فِيهِ نَظَر , لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي مُسْلِم مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيث \" لَا يَزَال النَّاس يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَال هَذَا خَلْق اللَّه الْخَلْق فَمَنْ خَلَقَ اللَّه ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ آمَنْت بِاللَّهِ \" فَسَوَّى فِي الْكَفّ عَنْ الْخَوْض فِي ذَلِكَ بَيْن كُلّ سَائِل عَنْ ذَلِكَ مِنْ بَشَر وَغَيْره. وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : سَأَلَنِي عَنْهَا اِثْنَانِ , وَكَانَ السُّؤَال عَنْ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ وَاهِيًا لَمْ يَسْتَحِقّ جَوَابًا , أَوْ الْكَفّ عَنْ ذَلِكَ نَظِير الْأَمْر بِالْكَفِّ عَنْ الْخَوْض فِي الصِّفَات وَالذَّات. قَالَ الْمَازِرِيّ : الْخَوَاطِر عَلَى قِسْمَيْنِ : فَاَلَّتِي لَا تَسْتَقِرّ وَلَا يَجْلِبهَا شُبْهَة هِيَ الَّتِي تَنْدَفِع بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا , وَعَلَى هَذَا يَنْزِل الْحَدِيث , وَعَلَى مِثْلهَا يَنْطَلِق اِسْم وَسْوَسَة , وَأَمَّا الْخَوَاطِر الْمُسْتَقِرَّة النَّاشِئَة عَنْ الشُّبْهَة فَهِيَ الَّتِي لَا تَنْدَفِع إِلَّا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَال وَقَالَ الطِّيبِيُّ : إِنَّمَا أَمَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ وَالِاشْتِغَال بِأَمْر آخَر وَلَمْ يَأْمُر بِالتَّأَمُّلِ وَالِاحْتِجَاج لِأَنَّ الْعِلْم بِاسْتِغْنَاءِ اللَّه جَلَّ وَعَلَا عَنْ الْمُوجِد أَمْر ضَرُورِيّ لَا يَقْبَل الْمُنَاظَرَة , وَلِأَنَّ الِاسْتِرْسَال فِي الْفِكْر فِي ذَلِكَ لَا يَزِيد الْمَرْء إِلَّا حِيرَة , وَمَنْ هَذَا حَاله فَلَا عِلَاج لَهُ إِلَّا الْمَلْجَأ إِلَى اللَّه تَعَالَى وَالِاعْتِصَام بِهِ , وَفِي الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى ذَمّ كَثْرَة السُّؤَال عَمَّا لَا يَعْنِي الْمَرْء وَعَمَّا هُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ , وَفِيهِ عِلْم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة لِإِخْبَارِهِ بِوُقُوعِ مَا سَيَقَعُ فَوَقَعَ , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي كِتَاب الِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3035",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي أَنَسٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏التَّيْمِيِّينَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ ‏ ‏وَسُلْسِلَتْ ‏ ‏الشَّيَاطِينُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة : \" إِذَا دَخَلَ رَمَضَان صُفِّدَتْ الشَّيَاطِين \" تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الصِّيَام. ‏"
    },
    {
        "id": "3036",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِفَتَاهُ ‏ ‏آتِنَا غَدَاءَنَا ‏ { ‏قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا ‏ ‏أَنْسَانِيهِ ‏ ‏إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ‏} ‏وَلَمْ يَجِدْ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏النَّصَبَ ‏ ‏حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أُبَيِّ بْن كَعْب فِي قِصَّة مُوسَى وَالْخَضِر سَيَأْتِي شَرْحه فِي التَّفْسِير. ‏"
    },
    {
        "id": "3037",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُشِيرُ إِلَى الْمَشْرِقِ فَقَالَ ‏ ‏هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي طُلُوع الْفِتْنَة مِنْ قِبَل الْمَشْرِق , سَيَأْتِي شَرْحه فِي الْفِتَن , وَحَاصِله أَنَّ مَنْشَأ الْفِتَن مِنْ جِهَة الْمَشْرِق وَكَذَا وَقَعَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3038",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا ‏ ‏اسْتَجْنَحَ ‏ ‏اللَّيْلُ ‏ ‏أَوْ قَالَ ‏ ‏جُنْحُ ‏ ‏اللَّيْلِ ‏ ‏فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ وَأَغْلِقْ بَابَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ‏ ‏وَأَوْكِ سِقَاءَكَ ‏ ‏وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ‏ ‏وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ ‏ ‏وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئًا ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ جَابِر , وَمُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ الْمَذْكُور فِي السَّنَد هُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَحَدَّثَ عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا اِسْتَجْنَحَ اللَّيْل أَوْ كَانَ جُنْح اللَّيْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَوْ قَالَ جُنْح اللَّيْل \" وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيم وَبِكَسْرِهَا , وَالْمَعْنَى إِقْبَاله بَعْد غُرُوب الشَّمْس , يُقَال جَنَحَ اللَّيْل أَقْبَلَ وَاسْتَجْنَحَ حَانَ جُنْحه أَوْ وَقَعَ وَحَكَى عِيَاض أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" اِسْتَنْجَعَ \" بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة بَدَل الْحَاء وَهُوَ تَصْحِيف , وَعِنْد الْأَصِيلِيِّ \" أَوَّل اللَّيْل \" بَدَل قَوْله أَوْ كَانَ جُنْح اللَّيْل , وَ \" كَانَ \" فِي قَوْله : \" وَكَانَ جُنْح اللَّيْل \" تَامَّة أَيْ حَصَلَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَخَلُّوهُمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة , وَلِلسَّرَخْسِيِّ بِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَة , قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : إِنَّمَا خِيفَ عَلَى الصِّبْيَان فِي تِلْكَ السَّاعَة لِأَنَّ النَّجَاسَة الَّتِي تَلُوذ بِهَا الشَّيَاطِين مَوْجُودَة مَعَهُمْ غَالِبًا , وَالذِّكْر الَّذِي يُحْرَز مِنْهُمْ مَفْقُود مِنْ الصِّبْيَان غَالِبًا وَالشَّيَاطِين عِنْد اِنْتِشَارهمْ يَتَعَلَّقُونَ بِمَا يُمْكِنهُمْ التَّعَلُّق بِهِ , فَلِذَلِكَ خِيفَ عَلَى الصِّبْيَان فِي ذَلِكَ الْوَقْت. وَالْحِكْمَة فِي اِنْتِشَارهمْ حِينَئِذٍ أَنَّ حَرَكَتهمْ فِي اللَّيْل أَمْكَن مِنْهَا لَهُمْ فِي النَّهَار , لِأَنَّ الظَّلَام أَجْمَع لِلْقُوَى الشَّيْطَانِيَّة مِنْ غَيْره , وَكَذَلِكَ كُلّ سَوَاد. وَلِهَذَا قَالَ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ \" فَمَا يَقْطَع الصَّلَاة ؟ قَالَ : الْكَلْب الْأَسْوَد شَيْطَان \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَغْلِقْ بَابك ) ‏ ‏هُوَ خِطَاب لِمُفْرَدٍ , وَالْمُرَاد بِهِ كُلّ أَحَد , فَهُوَ عَامّ بِحَسَبِ الْمَعْنَى , وَلَا شَكَّ أَنَّ مُقَابَلَة الْمُفْرَد بِالْمُفْرَدِ تُفِيد التَّوْزِيع , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3039",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ فَقَامَ مَعِي ‏ ‏لِيَقْلِبَنِي ‏ ‏وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَسْرَعَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى رِسْلِكُمَا ‏ ‏إِنَّهَا ‏ ‏صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ‏ ‏فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا أَوْ قَالَ شَيْئًا ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ صَفِيَّة تَقَدَّمَ فِي الِاعْتِكَاف , وَفِيهِ : \" إِنَّ اللَّه جَعَلَ لِلشَّيْطَانِ قُوَّة عَلَى التَّوَصُّل إِلَى بَاطِن الْإِنْسَان \" وَقِيلَ : وَرَدَ عَلَى سَبِيل الِاسْتِعَارَة أَيْ أَنَّ وَسْوَسَته تَصِل فِي مَسَامّ الْبَدَن مِثْل جَرْي الدَّم مِنْ الْبَدَن. ‏"
    },
    {
        "id": "3040",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ فَأَحَدُهُمَا احْمَرَّ وَجْهُهُ وَانْتَفَخَتْ ‏ ‏أَوْدَاجُهُ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ لَوْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ فَقَالُوا لَهُ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَقَالَ وَهَلْ بِي جُنُونٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ سُلَيْمَان بْن صُرَد فِي الِاسْتِعَاذَة , يَأْتِي فِي الْأَدَب. وَالْوَدَج بِفَتْح الدَّال وَبِالْجِيمِ عِرْق فِي الْعُنُق. ‏"
    },
    {
        "id": "3041",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنِي فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ ‏ ‏قَالَ وَحَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن عَبَّاس تَقَدَّمَ ضِمْن أَحَادِيث الْبَاب , ‏ ‏وَقَوْله : \" قَالَ وَحَدَّثَنَا الْأَعْمَش \" ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ شُعْبَة فَلَهُ فِيهِ شَيْخَانِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3042",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَبَابَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي فَشَدَّ عَلَيَّ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ عَلَيَّ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَذَكَرَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبُو هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مَحْمُود ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غَيْلَان , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي أَوَاخِر الصَّلَاة , ‏ ‏وَقَوْله هُنَا : \" فَذَكَرَهُ \" ‏ ‏أَيْ ذَكَرَ تَمَام الْحَدِيث , وَتَمَامه هُنَاكَ \" فَذَعْته وَلَقَدْ هَمَمْت أَنْ أُوَثِّقهُ إِلَى سَارِيَة \" الْحَدِيث. وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ شَرْح قَوْله \" فَذَعْته \" وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة فَوَائِده فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي تَرْجَمَة سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى إِمْكَان رُؤْيَة الْجِنّ فِي أَوَّل الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا. وَفِي الْحَدِيث إِبَاحَة رَبْط مَنْ يُخْشَى هَرَبه مِمَّنْ فِي قَتْله حَقّ , وَفِيهِ إِبَاحَة الْعَمَل الْيَسِير فِي الصَّلَاة , وَأَنَّ الْمُخَاطَبَة فِيهَا إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الطَّلَب مِنْ اللَّه لَا تُعَدّ كَلَامًا فَلَا يَقْطَع الصَّلَاة , لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث : \" أَعُوذ بِاللَّهِ مِنْك \" كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3043",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ فَإِذَا قُضِيَ أَقْبَلَ فَإِذَا ‏ ‏ثُوِّبَ ‏ ‏بِهَا أَدْبَرَ فَإِذَا قُضِيَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَقَلْبِهِ فَيَقُولُ اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا حَتَّى لَا يَدْرِيَ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا فَإِذَا لَمْ يَدْرِ ثَلَاثًا صَلَّى أَوْ أَرْبَعًا سَجَدَ ‏ ‏سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة \" إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَان \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر الصَّلَاة فِي الْكَلَام عَلَى سُجُود السَّهْو. ‏"
    },
    {
        "id": "3044",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُلُّ بَنِي ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ ‏ ‏عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ‏ ‏ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُهُ ‏ ‏\" كُلّ بَنِي آدَم يَطْعَن الشَّيْطَان فِي جَنْبه بِإِصْبَعَيْهِ \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي تَرْجَمَة عِيسَى اِبْن مَرْيَم مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , ‏ ‏وَقَوْله : \" فِي جَنْبه \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْإِفْرَادِ , وَلِأَبِي ذَرّ الْجُرْجَانِيِّ \" جَنْبَيْهِ \" بِالتَّثْنِيَةِ , وَذَكَرَ عِيَاض أَنَّ فِي كِتَابه مِنْ رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ \" جَنْبه \" بِالْإِفْرَادِ لَكِنْ بِيَاء مُثَنَّاة مِنْ تَحْت بَدَل الْمُوَحَّدَة قَالَ : وَهُوَ تَصْحِيف قُلْت : لَعَلَّ نُقْطَته سَقَطَتْ مِنْ الْقَلَم فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدّ ذَلِكَ رِوَايَة , وَاللَّهُ الْمُسْتَعَان. وَالْمُرَاد بِالْحِجَابِ الْجِلْدَة الَّتِي فِيهَا الْجَنِين أَوْ الثَّوْب الْمَلْفُوف عَلَى الطِّفْل. ‏"
    },
    {
        "id": "3045",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمْتُ ‏ ‏الشَّأْمَ ‏ ‏فَقُلْتُ مَنْ هَا هُنَا قَالُوا ‏ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَفِيكُمْ ‏ ‏الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ ‏ ‏مِنْ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُغِيرَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏عَمَّارًا ‏ ‏قَالَ وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا الْأَسْوَدِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمَلَائِكَةُ تَتَحَدَّثُ فِي الْعَنَانِ ‏ ‏وَالْعَنَانُ الْغَمَامُ ‏ ‏بِالْأَمْرِ يَكُونُ فِي الْأَرْضِ فَتَسْمَعُ الشَّيَاطِينُ الْكَلِمَةَ ‏ ‏فَتَقُرُّهَا ‏ ‏فِي أُذُنِ ‏ ‏الْكَاهِنِ ‏ ‏كَمَا تُقَرُّ الْقَارُورَةُ فَيَزِيدُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذِبَةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاء فِي فَضْل عَمَّار , أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا مِنْ وَجْهَيْنِ , وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي الْمَنَاقِب , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : ‏ ‏\" الَّذِي أَجَارَهُ اللَّه مِنْ الشَّيْطَان \" ‏ ‏فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّ لَهُ مَزِيَّة بِذَلِكَ عَلَى غَيْره , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ لِلشَّيْطَانِ تَسَلُّطًا عَلَى مَنْ لَمْ يُجِرْهُ اللَّه مِنْهُ. ‏ ‏وَحَدِيثُ عَائِشَة فِي ذِكْر الْكُهَّان أَوْرَدَهُ مُعَلَّقًا عَنْ اللَّيْث , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي صِفَة الْمَلَائِكَة , وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق أَبِي حَاتِم الرَّازِيِّ عَنْ أَبِي صَالِح كَاتِب اللَّيْث عَنْهُ وَقَالَ : يُقَال إِنَّ الْبُخَارِيّ حَمَلَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن صَالِح. ‏"
    },
    {
        "id": "3046",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ هَا ضَحِكَ الشَّيْطَانُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة فِي التَّثَاؤُب , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الْأَدَب وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ هَلْ هُوَ عِنْده عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَا وَاسِطَة أَوْ بِوَاسِطَةِ أَبِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3047",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا كَانَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ فَصَاحَ إِبْلِيسُ أَيْ عِبَادَ اللَّهِ ‏ ‏أُخْرَاكُمْ ‏ ‏فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ ‏ ‏فَاجْتَلَدَتْ ‏ ‏هِيَ وَأُخْرَاهُمْ فَنَظَرَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ ‏ ‏الْيَمَانِ ‏ ‏فَقَالَ أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أَبِي أَبِي فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ فَقَالَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏فَمَا زَالَتْ فِي ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏مِنْهُ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَائِشَة فِي قِصَّة قَتْل وَالِد حُذَيْفَة , وَسَيَأْتِي شَرْحهَا فِي غَزْوَة أُحُد. ‏"
    },
    {
        "id": "3048",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَشْعَثَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏سَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْتِفَاتِ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ ‏ ‏هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَائِشَة فِي الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "3049",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْمُغِيرَةِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلُمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ \" الرُّؤْيَا الصَّالِحَة مِنْ اللَّه , وَالْحُلْم مِنْ الشَّيْطَان \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَأَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي التَّعْبِير , وَفَائِدَة الطَّرِيق الثَّانِيَة وَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى أَعْلَى مِنْهَا التَّصْرِيح فِيهَا بِتَحْدِيثِ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَةَ لِيَحْيَى بْن أَبِي كَثِير. ‏"
    },
    {
        "id": "3050",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ ‏ ‏عَدْلَ ‏ ‏عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ ‏ ‏حِرْزًا ‏ ‏مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة فِي فَضْل قَوْل لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الدَّعَوَات , ‏"
    },
    {
        "id": "3051",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعِنْدَهُ ‏ ‏نِسَاءٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَضْحَكُ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ ثُمَّ قَالَ أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْنَ نَعَمْ أَنْتَ ‏ ‏أَفَظُّ ‏ ‏وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا ‏ ‏فَجًّا ‏ ‏إِلَّا سَلَكَ ‏ ‏فَجًّا ‏ ‏غَيْرَ ‏ ‏فَجِّكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ سَعْد \" اِسْتَأْذَنَ عُمَر عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْده نِسْوَة \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الْمَنَاقِب , ‏"
    },
    {
        "id": "3052",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا اسْتَيْقَظَ أُرَاهُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ ‏ ‏فَلْيَسْتَنْثِرْ ‏ ‏ثَلَاثًا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة فِي الْأَمْر بِالِاسْتِنْثَارِ , وَفِيهِ ‏ ‏\" فَإِنَّ الشَّيْطَان يَبِيت عَلَى خَيْشُومه \" ‏ ‏وَالْخَيْشُوم بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَبِسُكُونِ الْيَاء التَّحْتَانِيَّة وَضَمّ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو هُوَ الْأَنْف , وَقِيلَ : الْمَنْخِر , ‏ ‏وَقَوْله : \" فَلْيَسْتَنْثِرْ \" ‏ ‏أَكْثَر فَائِدَة مِنْ قَوْله : \" فَلْيَسْتَنْشِقْ \" لِأَنَّ الِاسْتِنْثَار يَقَع عَلَى الِاسْتِنْشَاق بِغَيْرِ عَكْس , فَقَدْ يَسْتَنْشِق وَلَا يَسْتَنْثِر , وَالِاسْتِنْثَار مِنْ تَمَام فَائِدَة الِاسْتِنْشَاق , لِأَنَّ حَقِيقَة الِاسْتِنْشَاق جَذْب الْمَاء بِرِيحِ الْأَنْف إِلَى أَقْصَاهُ وَالِاسْتِنْثَار إِخْرَاج ذَلِكَ الْمَاء , وَالْمَقْصُود مِنْ الِاسْتِنْشَاق تَنْظِيف دَاخِل الْأَنْف وَالِاسْتِنْثَار يُخْرِج ذَلِكَ الْوَسَخ مَعَ الْمَاء فَهُوَ مِنْ تَمَام الِاسْتِنْشَاق , وَقِيلَ : إِنَّ الِاسْتِنْثَار مَأْخُوذ مِنْ النَّثْرَة وَهِيَ طَرَف الْأَنْف , وَقِيلَ : الْأَنْف نَفْسه , فَعَلَى هَذَا فَمَنْ اِسْتَنْشَقَ , فَقَدْ اِسْتَنْثَرَ لِأَنَّهُ يَصْدُق أَنَّهُ تَنَاوَلَ الْمَاء بِأَنْفِهِ أَوْ بِطَرَفِ أَنْفه , وَفِيهِ نَظَر. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ هَذَا يَقَع لِكُلِّ نَائِم وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَخْصُوصًا بِمَنْ لَمْ يَحْتَرِس مِنْ الشَّيْطَان بِشَيْء مِنْ الذِّكْر , لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور قَبْل حَدِيث سَعْد فَإِنَّ فِيهِ \" فَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَان \" وَكَذَلِكَ آيَة الْكُرْسِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ \" وَلَا يَقْرَبك شَيْطَان \" وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِنَفْيِ الْقُرْب هُنَا أَنَّهُ لَا يَقْرَب مِنْ الْمَكَان الَّذِي يُوَسْوِس فِيهِ وَهُوَ الْقَلْب فَيَكُون مَبِيته عَلَى الْأَنْف لِيَتَوَصَّل مِنْهُ إِلَى الْقَلْب إِذَا اِسْتَيْقَظَ , فَمَنْ اِسْتَنْثَرَ مَنَعَهُ مِنْ التَّوَصُّل إِلَى مَا يَقْصِد مِنْ الْوَسْوَسَة , فَحِينَئِذٍ فَالْحَدِيث مُتَنَاوِل لِكُلِّ مُسْتَيْقِظ. ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِنْشَاق مِنْ سُنَن الْوُضُوء اِتِّفَاقًا لِكُلِّ مَنْ اِسْتَيْقَظَ أَوْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا , وَقَالَتْ طَائِفَة بِوُجُوبِهِ فِي الْغُسْل وَطَائِفَة بِوُجُوبِهِ فِي الْوُضُوء أَيْضًا , وَهَلْ تَتَأَدَّى السُّنَّة بِمُجَرَّدِهِ بِغَيْرِ اِسْتِنْثَار أَمْ لَا خِلَاف ؟ وَهُوَ مَحَلّ بَحْث وَتَأَمُّل. وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهَا لَا تَتِمّ إِلَّا بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3053",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ لَهُ ‏ ‏إِنِّي أَرَاك تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ وَبَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3054",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّه سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ ‏ ‏اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَاقْتُلُوا ذَا ‏ ‏الطُّفْيَتَيْنِ ‏ ‏وَالْأَبْتَرَ ‏ ‏فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً لِأَقْتُلَهَا فَنَادَانِي ‏ ‏أَبُو لُبَابَةَ ‏ ‏لَا تَقْتُلْهَا فَقُلْتُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ قَالَ إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ وَهِيَ الْعَوَامِرُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏فَرَآنِي ‏ ‏أَبُو لُبَابَةَ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ ‏ ‏وَالزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏صَالِحٌ ‏ ‏وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ ‏ ‏وَابْنُ مُجَمِّعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَآنِي ‏ ‏أَبُو لُبَابَةَ ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏",
        "sharh": "\" 5123 \" حَدِيثُ أَبِي لُبَابَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ ) ‏ ‏تَثْنِيَة طُفْيَة بِضَمِّ الطَّاء الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْفَاء وَهِيَ خُوصَة الْمُقَل , وَالطَّفْيُ خُوص الْمُقَل , شَبَّهَ بِهِ الْخَطّ الَّذِي عَلَى ظَهْر الْحَيَّة , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : يُقَال أَنَّ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ جِنْس مِنْ الْحَيَّات يَكُون عَلَى ظَهْره خَطَّانِ أَبْيَضَانِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَالْأَبْتَر ) ‏ ‏هُوَ مَقْطُوع الذَّنَب , زَادَ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ أَنَّهُ أَزْرَق اللَّوْن لَا تَنْظُر إِلَيْهِ حَامِل إِلَّا أَلْقَتْ , وَقِيلَ : الْأَبْتَر الْحَيَّة الْقَصِيرَة الذَّنَب , قَالَ الدَّاوُدِيُّ : هُوَ الْأَفْعَى الَّتِي تَكُون قَدْر شِبْر أَوْ أَكْثَر قَلِيلًا , وَقَوْله : \" وَالْأَبْتَر \" يَقْتَضِي التَّغَايُر بَيْن ذِي الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَر ; وَوَقَعَ فِي الطَّرِيق الْآتِيَة \" لَا تَقْتُلُوا الْحَيَّات إِلَّا كُلّ أَبْتَر ذِي طُفْيَتَيْنِ \" وَظَاهِره اِتِّحَادهمَا , لَكِنْ لَا يَنْفِي الْمُغَايَرَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَر ) ‏ ‏أَيْ يَمْحُوَانِ نُوره , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ اِبْن عُمَر \" وَيُذْهِب الْبَصَر \" وَفِي حَدِيث عَائِشَة \" فَإِنَّهُ يَلْتَمِس الْبَصَر \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَل ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْح الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة الْجَنِين , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ اِبْن عُمَر الْآتِيَة بَعْد أَحَادِيث \" فَإِنَّهُ يُسْقِط الْوَلَد \" وَفِي حَدِيث عَائِشَة الْآتِي بَعْد أَحَادِيث : \" وَيُصِيب الْحَبَل \" وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْهَا \" وَيُذْهِب الْحَبَل \" وَكُلّهَا بِمَعْنًى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر , وَفِي رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ الَّتِي يَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا \" قَالَ اِبْن عُمَر : فَكُنْت لَا أَتْرُك حَيَّة إِلَّا قَتَلْتهَا , حَتَّى طَارَدْت حَيَّة مِنْ ذَوَات الْبُيُوت \" الْحَدِيث , ‏ ‏وَقَوْله : \" أُطَارِد \" ‏ ‏أَيْ أَتْبَع وَأَطْلُب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَنَادَانِي أَبُو لُبَابَة ) ‏ ‏بِضَمِّ اللَّام وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ صَحَابِيّ مَشْهُور اِسْمه بَشِير بِفَتْح الْمُوَحَّدَة وَكَسْر الْمُعْجَمَة وَقِيلَ : مُصَغَّر وَقِيلَ : بِتَحْتَانِيَّة وَمُهْمَلَة مُصَغَّر وَقِيلَ : رِفَاعَة وَقِيلَ : بَلْ اِسْمه كُنْيَته وَرِفَاعَة وَبَشِير أَخَوَاهُ , وَاسْم جَدّه زَنْبَر بِزَاي وَنُون وَمُوَحَّدَة وَزْن جَعْفَر , وَهُوَ أَوْسِيّ مِنْ بَنِي أُمَيَّة بْن زَيْد , وَشَذَّ مَنْ قَالَ اِسْمه مَرْوَان , وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح إِلَّا هَذَا الْحَدِيث , وَكَانَ أَحَد النُّقَبَاء وَشَهِدَ أُحُدًا , وَيُقَال شَهِدَ بَدْرًا , وَاسْتَعْمَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَدِينَة , وَكَانَتْ مَعَهُ رَايَة قَوْمه يَوْم الْفَتْح , وَمَاتَ فِي أَوَّل خِلَافَة عُثْمَان عَلَى الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّهُ نَهَى بَعْد ذَلِكَ عَنْ ذَوَات الْبُيُوت ) ‏ ‏أَيْ اللَّاتِي يُوجَدْنَ فِي الْبُيُوت , وَظَاهِره التَّعْمِيم فِي جَمِيع الْبُيُوت , وَعَنْ مَالِك تَخْصِيصه بِبُيُوتِ أَهْل الْمَدِينَة , وَقِيلَ : يَخْتَصّ بِبُيُوتِ الْمُدُن دُون غَيْرهَا , وَعَلَى كُلّ قَوْل فَتُقْتَل فِي الْبَرَارِي وَالصَّحَارِي مِنْ غَيْر إِنْذَار , وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن الْمُبَارَك أَنَّهَا الْحَيَّة الَّتِي تَكُون كَأَنَّهَا فِضَّة وَلَا تَلْتَوِي فِي مِشْيَتهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَهِيَ الْعَوَامِر ) ‏ ‏هُوَ كَلَام الزُّهْرِيّ أُدْرِجَ فِي الْخَبَر , وَقَدْ بَيَّنَهُ مَعْمَر فِي رِوَايَته عَنْ الزُّهْرِيّ فَسَاقَ الْحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ الزُّهْرِيّ وَهِيَ الْعَوَامِر \" قَالَ أَهْل اللُّغَة عُمَّار الْبُيُوت سُكَّانهَا مِنْ الْجِنّ , وَتَسْمِيَتهنَّ عَوَامِر لِطُولِ لُبْثهنَّ فِي الْبُيُوت مَأْخُوذ مِنْ الْعُمْر وَهُوَ طُول الْبَقَاء , وَعِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد مَرْفُوعًا \" إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوت عَوَامِر , فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهِ ثَلَاثًا , فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ \" وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالثَّلَاثِ فَقِيلَ ثَلَاث مَرَّات , وَقِيلَ ثَلَاثَة أَيَّام , وَمَعْنَى قَوْله حَرِّجُوا عَلَيْهِنَّ أَنْ يُقَال لَهُنَّ أَنْتُنَّ فِي ضِيق وَحَرَج إِنْ لَبِثْت عِنْدنَا أَوْ ظَهَرْت لَنَا أَوْ عُدْت إِلَيْنَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر : فَرَآنِي أَبُو لُبَابَة أَوْ زَيْد بْن الْخَطَّاب ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ مَعْمَر رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد عَلَى الشَّكّ فِي اِسْم الَّذِي لَقِيَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَرِوَايَته هَذِهِ أَخْرَجَهَا مُسْلِم وَلَمْ يَسُقْ لَفْظهَا , وَسَاقَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَتَابَعَهُ يُونُس ) ‏ ‏أَيْ اِبْن يَزِيد , وَابْن عُيَيْنَةَ أَيْ سُفْيَان , وَإِسْحَاق الْكَلْبِيّ وَالزُّبَيْدِيّ , أَيْ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة تَابَعُوا مَعْمَرًا عَلَى رِوَايَته الْمَذْكُورَة. فَأَمَّا رِوَايَة يُونُس فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَلَمْ يَسُقْ لَفْظهَا وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَة , وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ فَأَخْرَجَهَا أَحْمَد وَالْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْهُ , وَوَصَلَهَا مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقه , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَكَانَ اِبْن عُمَر يَقْتُل كُلّ حَيَّة وَجَدَهَا , فَأَبْصَرَهُ أَبُو لُبَابَة بْن عَبْد الْمُنْذِر أَوْ زَيْد بْن الْخَطَّاب \" وَأَمَّا رِوَايَة إِسْحَاق وَهُوَ اِبْن يَحْيَى الْكَلْبِيّ فَرَوَيْنَاهَا فِي نُسْخَته , وَأَمَّا رِوَايَة الزُّبَيْدِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بْن الْوَلِيد الْحِمْصِيُّ فَوَصَلَهَا مُسْلِم , وَفِي رِوَايَته \" قَالَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر : فَكُنْت لَا أَتْرُك حَيَّة أَرَاهَا إِلَّا قَتَلْتهَا \" وَزَادَ فِي رِوَايَته \" قَالَ الزُّهْرِيّ وَنَرَى ذَلِكَ مِنْ سُمِّيَّتِهَا \". ‏ ‏وَقَوْلُهُ : ( وَقَالَ صَالِح وَابْن أَبِي حَفْصَة وَابْن مُجَمِّع إِلَخْ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة رَوَوْا الْحَدِيث عَنْ الزُّهْرِيّ فَجَمَعُوا فِيهِ بَيْن أَبِي لُبَابَة وَزَيْد بْن الْخَطَّاب , فَأَمَّا رِوَايَة صَالِح وَهُوَ اِبْن كَيْسَانَ فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَلَمْ يَسُقْ لَفْظهَا وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَة , وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن أَبِي حَفْصَة وَاسْمه مُحَمَّد فَرَوَيْنَاهَا فِي نُسْخَته مِنْ طَرِيق أَبِي أَحْمَد بْن عَدِيّ مَوْصُولَة , وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن مُجَمِّع وَهُوَ إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْن مُجَمِّع بِالْجِيمِ وَتَشْدِيد الْمِيم الْأَنْصَارِيّ الْمَدَنِيّ فَوَصَلَهَا الْبَغَوِيُّ وَابْن السَّكَن فِي \" كِتَاب الصَّحَابَة \" قَالَ اِبْن السَّكَن لَمْ أَجِد مَنْ جَمَعَ بَيْن أَبِي لُبَابَة وَزَيْد بْن الْخَطَّاب إِلَّا اِبْن مُجَمِّع هَذَا وَجَعْفَر بْن بَرْقَانَ , وَفِي رِوَايَتهمَا عَنْ الزُّهْرِيّ مَقَال. اِنْتَهَى. وَغَفَلَ عَمَّا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ وَهُوَ عِنْده عَنْ الْفَرَبْرِيِّ عَنْهُ فَسُبْحَان مَنْ لَا يَذْهَل , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ لَمْ تَقَع لَهُ مَوْصُولَة مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي حَفْصَة وَصَالِح , فَصَارَ مَنْ رَوَاهُ بِالْجَمْعِ أَرْبَعَة , لَكِنْ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُقَارِب الْخَمْسَة الَّذِينَ رَوَوْهُ بِالشَّكِّ إِلَّا صَالِح بْن كَيْسَانَ , وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه مِنْ وَجْه آخَر أَنَّ الَّذِي رَأَى اِبْن عُمَر هُوَ أَبُو لُبَابَة بِغَيْرِ شَكّ , وَهُوَ يُرَجِّح مَا جَنَحَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ مِنْ تَقْدِيمه لِرِوَايَةِ هِشَام بْن يُوسُف عَنْ مَعْمَر الْمُقْتَصِرَة عَلَى ذِكْر أَبِي لُبَابَة , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَلَيْسَ لِزَيْدِ بْن الْخَطَّاب - أَخِي عُمَر - رِوَايَة فِي الصَّحِيح إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الْجِنّ لَا تَتَمَثَّل بِذِي الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَر , فَلِذَلِكَ أَذِنَ فِي قَتْلهمَا. وَسَيَأْتِي التَّعَقُّب عَلَيْهِ بَعْد قَلِيل. وَفِي الْحَدِيث النَّهْي عَنْ قَتْل الْحَيَّات الَّتِي فِي الْبُيُوت إِلَّا بَعْد الْإِنْذَار , إِلَّا أَنْ يَكُون أَبْتَر أَوْ ذَا طُفْيَتَيْنِ فَيَجُوز قَتْله بِغَيْرِ إِنْذَار , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد مُسْلِم الْإِذْن فِي قَتْل غَيْرهمَا بَعْد الْإِنْذَار , وَفِيهِ : \" فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِر \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَالْأَمْر فِي ذَلِكَ لِلْإِرْشَادِ , نَعَمْ مَا كَانَ مِنْهَا مُحَقَّق الضَّرَر وَجَبَ دَفْعه. ‏"
    },
    {
        "id": "3055",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُوشِكَ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا ‏ ‏شَعَفَ ‏ ‏الْجِبَالِ ‏ ‏وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ‏ ‏يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ \" يُوشِك أَنْ يَكُون خَيْر مَال الْمُسْلِم \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْإِيمَان , وَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْفِتَن. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏الْأَوَّل : ذَكَرَ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" تَبَعًا لِأَبِي مَسْعُود أَنَّ الْبُخَارِيّ أَوْرَدَ الْحَدِيث مِنْ هَذِهِ الطَّرِيق فِي الْجِزْيَة , وَهُوَ وَهْم , وَإِنَّمَا هُوَ فِي بَدْء الْخَلْق. ‏ ‏الثَّانِي : وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَات قَبْل حَدِيث أَبِي سَعِيد هَذَا \" بَاب خَيْر مَال الْمُسْلِم غَنَم يَتْبَع بِهَا شَعَف الْجِبَال \" وَسَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَة مِنْ رِوَايَة النَّسَفِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا , وَهُوَ اللَّائِق بِالْحَالِ , لِأَنَّ الْأَحَادِيث الَّتِي تَلِي حَدِيث أَبِي سَعِيد لَيْسَ فِيهَا مَا يَتَعَلَّق بِالْغَنَمِ إِلَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "3056",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ ‏ ‏وَالْفَدَّادِينَ ‏ ‏أَهْلِ الْوَبَرِ وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رَأْس الْكُفْر نَحْو الْمَشْرِق ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" قِبَل الْمَشْرِق \" وَهُوَ بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْمُوَحَّدَة أَيْ مِنْ جِهَته , وَفِي ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى شِدَّة كُفْر الْمَجُوس , لِأَنَّ مَمْلَكَة الْفُرْس وَمَنْ أَطَاعَهُمْ مِنْ الْعَرَب كَانَتْ مِنْ جِهَة الْمَشْرِق بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَدِينَة , وَكَانُوا فِي غَايَة الْقَسْوَة وَالتَّكَبُّر وَالتَّجَبُّر حَتَّى مَزَّقَ مُلْكهمْ كِتَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه , وَاسْتَمَرَّتْ الْفِتَن مِنْ قِبَل الْمَشْرِق كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه وَاضِحًا فِي الْفِتَن. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَالْفَخْر ) ‏ ‏بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة مَعْرُوف , وَمِنْهُ الْإِعْجَاب بِالنَّفْسِ , ‏ ‏( وَالْخُيَلَاء ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَفَتْح التَّحْتَانِيَّة وَالْمَدّ : الْكِبْر وَاحْتِقَار الْغَيْر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الْفَدَّادِينَ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الدَّال عِنْد الْأَكْثَر , وَحَكَى أَبُو عُبَيْد عَنْ أَبِي عَمْرو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّهُ خَفَّفَهَا وَقَالَ : إِنَّهُ جَمْع فَدَّان , وَالْمُرَاد بِهِ الْبَقَر الَّتِي يُحْرَث عَلَيْهَا , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْفَدَّان آلَة الْحَرْث وَالسِّكَّة , فَعَلَى الْأَوَّل فَالْفَدَّادُونَ جَمْع فَدَّان وَهُوَ مَنْ يَعْلُو صَوْته فِي إِبِله وَخَيْله وَحَرْثه وَنَحْو ذَلِكَ , وَالْفَدِيد هُوَ الصَّوْت الشَّدِيد , وَحَكَى الْأَخْفَش وَوَهَّاهُ أَنَّ الْمُرَاد بِالْفَدَّادِينَ مَنْ يَسْكُن الْفَدَافِد جَمْع فَدْفَد وَهِيَ الْبَرَارِي وَالصَّحَارِي , وَهُوَ بَعِيد. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى أَنَّ الْفَدَّادِينَ هُمْ أَصْحَاب الْإِبِل الْكَثِيرَة مِنْ الْمِائَتَيْنِ إِلَى الْأَلْف , وَعَلَى مَا حَكَاهُ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيُّ مِنْ التَّخْفِيف فَالْمُرَاد أَصْحَاب الْفَدَّادِينَ عَلَى حَذْف مُضَاف , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل لَفْظ الْحَدِيث الَّذِي بَعْده \" وَغِلَظ الْقُلُوب فِي الْفَدَّادِينَ عِنْد أُصُول أَذْنَاب الْإِبِل , وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس : الْفَدَّادُونَ هُمْ الرُّعَاة وَالْجَمَّالُونَ , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا ذَمَّ هَؤُلَاءِ لِاشْتِغَالِهِمْ بِمُعَالَجَةِ مَا هُمْ فِيهِ عَنْ أُمُور دِينهمْ وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى قَسَاوَة الْقَلْب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَهْل الْوَبَر ) ‏ ‏بِفَتْح الْوَاو وَالْمُوَحَّدَة , أَيْ لَيْسُوا مِنْ أَهْل الْمَدَر , لِأَنَّ الْعَرَب تُعَبِّر عَنْ أَهْل الْحَضَر بِأَهْلِ الْمُدَر وَعَنْ أَهْل الْبَادِيَة بِأَهْلِ الْوَبَر , وَاسْتَشْكَلَ بَعْضهمْ ذِكْر الْوَبَر بَعْد ذِكْر الْخَيْل وَقَالَ : إِنَّ الْخَيْل لَا وَبَرَ لَهَا , وَلَا إِشْكَال فِيهِ لِأَنَّ الْمُرَاد مَا بَيَّنْته. وَقَوْله فِي آخِر الْحَدِيث : \" فِي رَبِيعَة وَمُضَر \" أَيْ الْفَدَّادِينَ مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَالسَّكِينَة ) ‏ ‏تُطْلَق عَلَى الطُّمَأْنِينَة وَالسُّكُون وَالْوَقَار وَالتَّوَاضُع. قَالَ اِبْن خَالَوَيْهِ لَا نَظِير لَهَا أَيْ فِي وَزْنهَا إِلَّا قَوْلهمْ عَلَى فُلَان ضَرِيبَة أَيْ خَرَاج مَعْلُوم , وَإِنَّمَا خَصَّ أَهْل الْغَنَم بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ غَالِبًا دُون أَهْل الْإِبِل فِي التَّوَسُّع وَالْكَثْرَة وَهُمَا مِنْ سَبَب الْفَخْر وَالْخُيَلَاء , وَقِيلَ : أَرَادَ بِأَهْلِ الْغَنَم أَهْل الْيَمَن لِأَنَّ غَالِب مَوَاشِيهمْ الْغَنَم , بِخِلَافِ رَبِيعَة وَمُضَر فَإِنَّهُمْ أَصْحَاب إِبِل , وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أُمّ هَانِئ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا اِتَّخِذِي الْغَنَم فَإِنَّ فِيهَا بَرَكَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "3057",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِهِ نَحْوَ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏الْإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا أَلَا إِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي ‏ ‏الْفَدَّادِينَ ‏ ‏عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي ‏ ‏رَبِيعَةَ ‏ ‏وَمُضَرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي مَسْعُود. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الّقَطَّانُ , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَشَارَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ نَحْو الْيَمَن فَقَالَ : الْإِيمَان ) ‏ ‏فِيهِ تَعَقُّب عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : \" يَمَان \" الْأَنْصَار , لِكَوْنِ أَصْلهمْ مِنْ أَهْل الْيَمَن لِأَنَّ فِي إِشَارَته إِلَى جِهَة الْيَمَن مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ أَهْلهَا حِينَئِذٍ لَا الَّذِينَ كَانَ أَصْلهمْ مِنْهَا , وَسَبَب الثَّنَاء عَلَى أَهْل الْيَمَن إِسْرَاعهمْ إِلَى الْإِيمَان وَقَبُولهمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبُولهمْ الْبُشْرَى حِين لَمْ تَقْبَلهَا بَنُو تَمِيم فِي أَوَّل بَدْء الْخَلْق , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْحه فِي أَوَّل الْمَنَاقِب , وَبَيَان الِاخْتِلَاف بِقَوْلِهِ : \" الْإِيمَان يَمَان \" ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" قَرْنَا الشَّيْطَان \" ‏ ‏أَيْ جَانِبَا رَأْسه , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : ضُرِبَ الْمَثَل بِقَرْنَيْ الشَّيْطَان فِيمَا لَا يُحْمَد مِنْ الْأُمُور , وَقَوْله : \" أَرَقّ أَفْئِدَة \" أَيْ إِنَّ غِشَاء قَلْب أَحَدهمْ رَقِيق , وَإِذَا رَقَّ الْغِشَاء أَسْرَعَ نُفُوذ الشَّيْء إِلَى مَا وَرَاءَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3058",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ جَعْفَر بْن رَبِيعَة ) ‏ ‏هَذَا الْحَدِيث مِمَّا اِتَّفَقَ الْأَئِمَّة الْخَمْسَة أَصْحَاب الْأُصُول عَلَى إِخْرَاجه عَنْ شَيْخ وَاحِد وَهُوَ قُتَيْبَة بِهَذَا الْإِسْنَاد. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاح الدِّيَكَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَفَتْح التَّحْتَانِيَّة جَمْع دِيك وَهُوَ ذَكَر الدَّجَاج , وَلِلدِّيكِ خَصِيصَة لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِنْ مَعْرِفَة الْوَقْت اللَّيْلِيّ , فَإِنَّهُ يُقَسِّط أَصْوَاته فِيهَا تَقْسِيطًا لَا يَكَاد يَتَفَاوَت , وَيُوَالِي صِيَاحه قَبْل الْفَجْر وَبَعْده لَا يَكَاد يُخْطِئ , سَوَاء أَطَالَ اللَّيْل أَمْ قَصُرَ , وَمِنْ ثَمَّ أَفْتَى بَعْض الشَّافِعِيَّة بِاعْتِمَادِ الدِّيك الْمُجَرَّب فِي الْوَقْت , وَيُؤَيِّدهُ الْحَدِيث الَّذِي سَأَذْكُرُهُ عَنْ زَيْد بْن خَالِد. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا ) ‏ ‏بِفَتْح اللَّام , قَالَ عِيَاض : كَانَ السَّبَب فِيهِ رَجَاء تَأْمِين الْمَلَائِكَة عَلَى دُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارهمْ لَهُ وَشَهَادَتهمْ لَهُ بِالْإِخْلَاصِ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ اِسْتِحْبَاب الدُّعَاء عِنْد حُضُور الصَّالِحِينَ تَبَرُّكًا بِهِمْ , وَصَحَّحَ اِبْن حِبَّان - وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَد - مِنْ حَدِيث زَيْد بْن خَالِد رَفَعَهُ \" لَا تَسُبُّوا الدِّيك فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الصَّلَاة \" وَعِنْد الْبَزَّار مِنْ هَذَا الْوَجْه سَبَب قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَأَنَّ دِيكًا صَرَخَ فَلَعَنَهُ رَجُل فَقَالَ ذَلِكَ , قَالَ الْحَلِيمِيُّ : يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ كُلّ مَنْ اُسْتُفِيدَ مِنْهُ الْخَيْر لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَبّ وَلَا أَنْ يُسْتَهَان بِهِ , بَلْ يُكْرَم وَيُحْسَن إِلَيْهِ. قَالَ : وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْله : \" فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الصَّلَاة \" أَنْ يَقُول بِصَوْتِهِ حَقِيقَة صَلُّوا أَوْ حَانَتْ الصَّلَاة , بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَادَة جَرَتْ بِأَنَّهُ يَصْرُخ عِنْد طُلُوع الْفَجْر وَعِنْد الزَّوَال فِطْرَة فَطَرَهُ اللَّه عَلَيْهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهَاق الْحَمِير ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث جَابِر \" وَنُبَاح الْكِلَاب \" ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا ) ‏ ‏رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي رَافِع رَفَعَهُ \" لَا يَنْهَق الْحِمَار حَتَّى يَرَى شَيْطَانًا أَوْ يَتَمَثَّل لَهُ شَيْطَان , فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّه وَصَلُّوا عَلَيَّ \" قَالَ عِيَاض : وَفَائِدَة الْأَمْر بِالتَّعَوُّذِ لِمَا يُخْشَى مِنْ شَرّ الشَّيْطَان وَشَرّ وَسْوَسَته , فَيُلْجَأ إِلَى اللَّه فِي دَفْع ذَلِكَ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ : يُتَعَلَّمُ مِنْ الدِّيك خَمْس خِصَال : حُسْن الصَّوْت , وَالْقِيَام فِي السَّحَر , وَالْغَيْرَة , وَالسَّخَاء , وَكَثْرَة الْجِمَاع. ‏"
    },
    {
        "id": "3059",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا كَانَ ‏ ‏جُنْحُ ‏ ‏اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا ‏ ‏قَالَ وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏نَحْوَ مَا أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏وَلَمْ يَذْكُرْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ جَابِر أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْه آخَر , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي أَثْنَاء هَذَا الْبَاب , وَالْقَائِل \" قَالَ وَأَخْبَرَنِي عَمْرو \" هُوَ اِبْن جُرَيْجٍ , وَإِسْحَاق الْمَذْكُور فِي أَوَّله هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ كَمَا عِنْد أَبِي نُعَيْم , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون اِبْن مَنْصُور , وَقَدْ أَهْمَلَ الْمِزِّيّ فِي الْأَطْرَاف تَبَعًا لِخَلَفٍ عَزَوْهُ إِلَى هَذَا الْمَوْضِع ‏"
    },
    {
        "id": "3060",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ وَإِنِّي لَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَارَ إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الْإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْ وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْ فَحَدَّثْتُ ‏ ‏كَعْبًا ‏ ‏فَقَالَ أَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ لِي مِرَارًا فَقُلْتُ أَفَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ خَالِد ) ‏ ‏هُوَ الْحَذَّاء , وَمُحَمَّد هُوَ اِبْن سِيرِينَ , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَإِنِّي لَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَأْر ) ‏ ‏بِإِسْكَانِ الْهَمْزَة , وَعِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اِبْن سِيرِينَ بِلَفْظِ \" الْفَأْرَة مُسِخَ , وَآيَة ذَلِكَ أَنَّهُ يُوضَع بَيْن يَدَيْهَا لَبَن الْغَنَم فَتَشْرَبَهُ , وَيُوضَع بَيْن يَدَيْهَا لَبَن الْإِبِل فَلَا تَشْرَبهُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَحَدَّثْت كَعْبًا ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ أَبُو هُرَيْرَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقَالَ لَهُ كَعْب أَنْتَ سَمِعْت هَذَا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقُلْت أَفَأَقْرَأ التَّوْرَاة ) ‏ ‏هُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم أَفَأُنْزِلَتْ عَلَيَّ التَّوْرَاة , وَفِيهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة لَمْ يَكُنْ يَأْخُذ عَنْ أَهْل الْكِتَاب , وَأَنَّ الصَّحَابِيّ الَّذِي يَكُون كَذَلِكَ إِذَا أَخْبَرَ بِمَا لَا مَجَال لِلرَّأْيِ وَالِاجْتِهَاد فِيهِ يَكُون لِلْحَدِيثِ حُكْم الرَّفْع , وَفِي سُكُوت كَعْب عَنْ الرَّدّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَة دَلَالَة عَلَى تَوَرُّعه , وَكَأَنَّهُمَا جَمِيعًا لَمْ يَبْلُغهُمَا حَدِيث اِبْن مَسْعُود , قَالَ : \" وَذُكِرَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير فَقَالَ : إِنَّ اللَّه لَمْ يَجْعَل لِلْمَسْخِ نَسْلًا وَلَا عَقِبًا , وَقَدْ كَانَتْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير قَبْل ذَلِكَ \" وَعَلَى هَذَا يُحْمَل قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" لَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَأْر \" وَكَأَنَّهُ كَانَ يَظُنّ ذَلِكَ ثُمَّ أُعْلِمَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ هِيَ , قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : إِنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيث وَإِلَّا فَالْقِرَدَة وَالْخَنَازِير هِيَ الْمَمْسُوخ بِأَعْيَانِهَا تَوَالَدَتْ. قُلْت : الْحَدِيث صَحِيح , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي أَوَاخِر أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "3061",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِلْوَزَغِ ‏ ‏الْفُوَيْسِقُ وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ ‏ ‏وَزَعَمَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَرَ بِقَتْلِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ عَائِشَة : \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْوَزَغِ فُوَيْسِق وَلَمْ أَسْمَعهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ \" ‏ ‏هُوَ قَوْل عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا , قَالَ اِبْن التِّين : هَذَا لَا حُجَّة فِيهِ , لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ عَدَم سَمَاعهَا عَدَم الْوُقُوع , وَقَدْ حَفِظَ غَيْرهَا كَمَا تَرَى. قُلْت : قَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَة مِنْ وَجْه آخَر عِنْد أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ أَنَّهُ كَانَ فِي بَيْتهَا رُمْح مَوْضُوع , فَسُئِلَتْ فَقَالَتْ : نَقْتُل بِهِ الْوَزَغ , فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَنَا أَنَّ إِبْرَاهِيم لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّار لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْض دَابَّة إِلَّا أَطْفَأَتْ عَنْهُ النَّار , إِلَّا الْوَزَغ فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْفُخ عَلَيْهِ فَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهَا اِنْتَهَى. وَالَّذِي فِي الصَّحِيح أَصَحّ , وَلَعَلَّ عَائِشَة سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ بَعْض الصَّحَابَة. وَأَطْلَقَتْ لَفْظ أَخْبَرَنَا مَجَازًا أَيْ أَخْبَرَ الصَّحَابَة , كَمَا قَالَ ثَابِت الْبُنَانِيُّ \" خَطَبَنَا عِمْرَان \" وَأَرَادَ أَنَّهُ خَطَبَ أَهْل الْبَصْرَة , فَإِنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْهُ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَزَعَمَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون عُرْوَة فَيَكُون مُتَّصِلًا فَإِنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعْد , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون عَائِشَة فَيَكُون مِنْ رِوَايَة الْقَرِين عَنْ قَرِينه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ قَوْل الزُّهْرِيّ فَيَكُون مُنْقَطِعًا , وَهَذَا الِاحْتِمَال الْأَخِير أَرْجَح فَإِنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ أَخْرَجَهُ فِي الْغَرَائِب مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس وَمَالِك مَعًا عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْوَزَغِ فُوَيْسِق \" وَعَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغ \" وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَابْن حِبَّان حَدِيث عَائِشَة مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب , لَيْسَ عِنْدهمْ حَدِيث سَعْد , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَد وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عَامِر بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا \" وَكَأَنَّ الزُّهْرِيَّ وَصَلَهُ لِمَعْمَر وَأَرْسَلَهُ لِيُونُس , وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الشُّرَّاح وَلَا مِنْ أَصْحَاب الْأَطْرَاف فَلِلَّهِ الْحَمْدُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3062",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ شَرِيكٍ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَرَهَا بِقَتْلِ ‏ ‏الْأَوْزَاغِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ أُمّ شَرِيك \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَوْزَاغ \" ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَسَيَأْتِي بِأَتَمّ مِنْ هَذَا فِي قِصَّة إِبْرَاهِيم مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الَّذِي قَبْله حَدِيث عَائِشَة بِأَتَمّ مِنْهُ , وَأُمّ شَرِيك اِسْمهَا غُزَيَّةُ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ مُصَغَّر , وَقِيلَ : غُزَيْلَةُ , يُقَال هِيَ عَامِرِيَّة قُرَشِيَّة , وَيُقَال أَنْصَارِيَّة وَيُقَال دَوْسِيَّةٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "3063",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْتُلُوا ذَا ‏ ‏الطُّفْيَتَيْنِ ‏ ‏فَإِنَّهُ يَلْتَمِسُ الْبَصَرَ وَيُصِيبُ الْحَبَلَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ‏ ‏أَبَا أُسَامَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَائِشَة فِي قَتْل ذِي الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَر , أَوْرَدَهُ بِإِسْنَادَيْنِ إِلَيْهَا فِي كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا ‏ ‏قَوْلُهُ فِي أَوَّل طَرِيقَيْ حَدِيث عَائِشَة : ( تَابَعَهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ حَمَّادًا تَابَعَ أَبَا أُسَامَة فِي رِوَايَته إِيَّاهُ عَنْ هِشَام , وَاسْم أَبِي أُسَامَة أَيْضًا حَمَّاد , وَرِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة وَصَلَهَا أَحْمَد عَنْ عَفَّانَ عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3064",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِقَتْلِ ‏ ‏الْأَبْتَرِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُ يُصِيبُ الْبَصَرَ وَيُذْهِبُ الْحَبَلَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3065",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي يُونُسَ الْقُشَيْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏كَانَ يَقْتُلُ الْحَيَّاتِ ثُمَّ نَهَى قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَدَمَ حَائِطًا لَهُ فَوَجَدَ فِيهِ سِلْخَ حَيَّةٍ فَقَالَ انْظُرُوا أَيْنَ هُوَ فَنَظَرُوا فَقَالَ اقْتُلُوهُ فَكُنْتُ أَقْتُلُهَا لِذَلِكَ فَلَقِيتُ ‏ ‏أَبَا لُبَابَةَ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقْتُلُوا ‏ ‏الْجِنَّانَ ‏ ‏إِلَّا كُلَّ ‏ ‏أَبْتَرَ ‏ ‏ذِي ‏ ‏طُفْيَتَيْنِ ‏ ‏فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الْوَلَدَ وَيُذْهِبُ الْبَصَرَ فَاقْتُلُوهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن عُمَر فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي لُبَابَة أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر فِي أَوَّل الْبَاب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي يُونُس الْقُشَيْرِيِّ ) ‏ ‏هُوَ حَاتِم بْن أَبِي صَغِيرَة , وَهُوَ بَصْرِيّ وَمَنْ دُونه , وَأَمَّا مَنْ فَوْقه فَمَدَنِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يَقْتُل الْحَيَّات ثُمَّ نَهَى ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْح النُّون , وَفَاعِل نَهَى هُوَ اِبْن عُمَر , وَقَدْ بَيَّنَ بَعْد ذَلِكَ سَبَب نَهْيه عَنْ ذَلِكَ. وَكَانَ اِبْن عُمَر أَوَّلًا يَأْخُذ بِعُمُومِ أَمْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْحَيَّات. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعًا \" اُقْتُلُوا الْحَيَّات , فَمَنْ تَرَكَهُنَّ مَخَافَة ثَأْرهنَّ فَلَيْسَ مِنِّي \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدَمَ حَائِطًا لَهُ فَوَجَدَ فِيهِ سِلْخ حَيَّة ) ‏ ‏هُوَ بِكَسْرِ السِّين الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا مُعْجَمَة وَهُوَ جِلْدهَا , كَذَا وَقَعَ هُنَا مَرْفُوعًا , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر مَوْقُوفًا فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ نَافِع \" أَنَّ أَبَا لُبَابَة كَلَّمَ اِبْن عُمَر لِيَفْتَح لَهُ بَابًا فِي دَاره يَسْتَقْرِب بِهَا إِلَى الْمَسْجِد , فَوَجَدَ الْغِلْمَان جِلْد جَانّ. فَقَالَ اِبْن عُمَر : اِلْتَمِسُوهُ فَاقْتُلُوهُ , فَقَالَ أَبُو لُبَابَة : لَا تَقْتُلُوهُ \" وَمِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد وَعُمَر بْن نَافِع عَنْ نَافِع نَحْوه. وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُونَ الْقِصَّة وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ. وَيَدُلّ لِذَلِكَ قَوْل اِبْن عُمَر فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" وَكُنْت أَقْتُلهَا لِذَلِكَ \" وَهُوَ الْقَائِل \" فَلَقِيت أَبَا لُبَابَة \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا تَقْتُلُوا الْجِنَّان إِلَّا كُلّ ذِي طُفْيَتَيْنِ ) ‏ ‏إِنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلًا فَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَر لَيْسَ مِنْ الْجِنَّان , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مُنْقَطِعًا , أَيْ لَكِنَّ كُلّ ذِي طُفْيَتَيْنِ فَاقْتُلُوهُ وَالْجِنَّان بِكَسْرِ الْجِيم وَتَشْدِيد النُّون جَمْع جَانّ وَهِيَ الْحَيَّة الصَّغِيرَة , وَقِيلَ : الرَّقِيقَة الْخَفِيفَة , وَقِيلَ الدَّقِيقَة الْبَيْضَاء , الْحَادِي عَشَر حَدِيث عَائِشَة وَابْن عُمَر فِي الْخَمْس الَّتِي لَا جُنَاح عَلَى الْمُحْرِم فِي قَتْلهنَّ , وَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة \" الْحُدَيَّا \" وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" الْحَدَأَة \" وَالْحُدَيَّا بِصِيغَةِ التَّصْغِير , وَقَدْ أَنْكَرَ ثَابِت فِي الدَّلَائِل هَذِهِ الصِّيغَة وَقَالَ الصَّوَاب الْحُدَيْأَة أَوْ الْحَدِّيَّة أَيْ بِهَمْزَةٍ وَزِيَادَة هَاء أَوْ بِالتَّشْدِيدِ بِغَيْرِ هَمْز , قَالَ : وَالصَّوَاب أَنَّ الْحُدَيْأَة لَيْسَ مِنْ هَذَا , وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ التَّحَدِّي يَقُولُونَ : فُلَان يَتَحَدَّى فُلَانًا أَيْ يُنَازِعهُ وَيُغَالِبهُ , وَعَنْ اِبْن أَبِي حَاتِم , أَهْل الْحِجَاز يَقُولُونَ لِهَذَا الطَّائِر الْحُدَيَّا وَيَجْمَعُونَهُ الْحَدَادِيّ , وَكِلَاهُمَا خَطَأ. وَأَمَّا الْأَزْهَرِيّ فَصَوَّبَهُ وَقَالَ : الْحُدَيْأَة تَصْغِير الْحُدَيّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3066",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ الْحَيَّاتِ فَحَدَّثَهُ ‏ ‏أَبُو لُبَابَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ قَتْلِ ‏ ‏جِنَّانِ ‏ ‏الْبُيُوتِ فَأَمْسَكَ عَنْهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3067",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي ‏ ‏الْحَرَمِ ‏ ‏الْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ ‏ ‏وَالْحُدَيَّا وَالْغُرَابُ وَالْكَلْبُ ‏ ‏الْعَقُورُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3068",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ مَنْ قَتَلَهُنَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ الْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ ‏ ‏الْعَقُورُ ‏ ‏وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3069",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏رَفَعَهُ قَالَ ‏ ‏خَمِّرُوا ‏ ‏الْآنِيَةَ ‏ ‏وَأَوْكُوا ‏ ‏الْأَسْقِيَةَ ‏ ‏وَأَجِيفُوا ‏ ‏الْأَبْوَابَ ‏ ‏وَاكْفِتُوا ‏ ‏صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ الْعِشَاءِ فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ فَإِنَّ ‏ ‏الْفُوَيْسِقَةَ ‏ ‏رُبَّمَا اجْتَرَّتْ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏وَحَبِيبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏فَإِنَّ لِلشَّيَاطِينِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ جَابِر : ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا كَثِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شِنْظِيرٍ - بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون بَعْدهَا ظَاء مُعْجَمَة - بَصْرِيّ قَدْ قَالَ فِيهِ اِبْن مَعِين : لَيْسَ بِشَيْء , قَالَ الْحَاكِم : مُرَاده بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ الْحَدِيث مَا يَشْتَغِل بِهِ. وَقَدْ قَالَ فِيهِ اِبْن مَعِين مَرَّة : صَالِح , وَكَذَا قَالَ أَحْمَد. وَقَالَ اِبْن عَدِيّ : أَرْجُو أَنْ تَكُون أَحَادِيثه مُسْتَقِيمَة. قُلْت وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ تُوبِعَ عَلَيْهِ كَمَا تَرَاهُ فِي آخِر الْحَدِيث , وَآخَر فِي السَّلَام عَلَى الْمُصَلِّي , وَلَهُ مُتَابِع عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رَفَعَهُ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( خَمِّرُوا الْآنِيَة ) ‏ ‏أَيْ غَطُّوهَا. وَمَضَى فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي صِفَة إِبْلِيس \" وَخَمِّرْ إِنَاءَك وَاذْكُرْ اِسْمَ اللَّه وَلَوْ أَنْ تَعْرِض عَلَيْهِ شَيْئًا \" وَهُوَ بِضَمِّ الرَّاء وَبِكَسْرِهَا وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي الْأَشْرِبَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَوْكِئُوا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْكَاف بَعْدهَا هَمْزَة أَيْ اُرْبُطُوهَا وَشُدُّوهَا , وَالْوِكَاء اِسْم مَا يُسَدّ بِهِ فَم الْقِرْبَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَجِيفُوا ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالْفَاء أَيْ أَغْلِقُوهَا تَقُول : أَجَفْت الْبَاب إِذَا أَغْلَقْته. وَقَالَ الْقَزَّاز : تَقُول جَفَأْت الْبَاب أَغْلَقْته. قَالَ اِبْن التِّين : لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ هَكَذَا غَيْره , وَفِيهِ نَظَر فَإِنَّ أَجِيفُوا لَامه فَاء , وَجَفَأْت لَامه هَمْزَة. زَادَ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة \" وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَاب وَاذْكُرُوا اِسْم اللَّه , فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَفْتَح بَابًا مُغْلَقًا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَاكْفِتُوا ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ وَصْل وَكَسْر الْفَاء وَيَجُوز ضَمّهَا بَعْدهَا مُثَنَّاة أَيْ ضُمُّوهُمْ إِلَيْكُمْ , وَالْمَعْنَى اِمْنَعُوهُمْ مِنْ الْحَرَكَة فِي ذَلِكَ الْوَقْت. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عِنْد الْمَسَاء ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة فِي هَذَا الْبَاب \" إِذَا جَنَحَ اللَّيْل أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ لِلْجِنِّ اِنْتِشَارًا وَخَطَفَةً ) ‏ ‏بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالطَّاء الْمُهْمَلَة وَالْفَاء , فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة \" فَإِنَّ الشَّيَاطِين تَنْتَشِر حِينَئِذٍ وَإِذَا ذَهَبَتْ سَاعَة مِنْ اللَّيْل \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَإِذَا ذَهَبَ \" وَكَأَنَّهُ ذَكَّرَهُ بِاعْتِبَارِ الْوَقْت. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَة ) ‏ ‏هِيَ الْفَأْرَة قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِير ذَلِكَ فِي الْحَجّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اِجْتَرَّتْ ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَتَشْدِيد الرَّاء , فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" رُبَّمَا جَرَّتْ \" وَسَيَأْتِي فِي الِاسْتِئْذَان حَدِيث اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا \" لَا تَتْرُكُوا النَّار فِي بُيُوتكُمْ حِين تَنَامُون \" قَالَ النَّوَوِيّ هَذَا عَامّ يَدْخُل فِيهِ نَار السِّرَاج وَغَيْره , وَأَمَّا الْقَنَادِيل الْمُعَلَّقَة فَإِنْ خِيفَ بِسَبَبِهَا حَرِيق دَخَلَتْ فِي ذَلِكَ , وَإِنْ حَصَلَ الْأَمْن مِنْهَا كَمَا هُوَ الْغَالِب فَلَا بَأْس بِهَا لِانْتِفَاءِ الْعِلَّة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : جَمِيع أَوَامِر هَذَا الْبَاب مِنْ بَاب الْإِرْشَاد إِلَى الْمَصْلَحَة وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون لِلنَّدْبِ , وَلَا سِيَّمَا فِي حَقّ مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ بِنِيَّةِ اِمْتِثَال الْأَمْر. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : ظَنَّ قَوْم أَنَّ الْأَمْر بِغَلْقِ الْأَبْوَاب عَامّ فِي الْأَوْقَات كُلّهَا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ مُقَيَّد بِاللَّيْلِ ; وَكَأَنَّ اِخْتِصَاص اللَّيْل بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّهَار غَالِبًا مَحَلّ التَّيَقُّظ بِخِلَافِ اللَّيْل , وَالْأَصْل فِي جَمِيع ذَلِكَ يَرْجِع إِلَى الشَّيْطَان فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسُوق الْفَأْرَة إِلَى حَرْق الدَّار. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ وَحَبِيب عَنْ عَطَاء فَإِنَّ لِلشَّيْطَانِ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ اِبْن جُرَيْجٍ وَحَبِيبًا - وَهُوَ الْمُعَلَّم - رَوَيَا هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَطَاء عَنْ عَائِشَة كَمَا رَوَاهُ كَثِير بْن شِنْظِيرٍ , إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا فِي رِوَايَتهمَا \" فَإِنَّ لِلشَّيْطَانِ \" بَدَل قَوْل كَثِير فِي رِوَايَته \" فَإِنَّ لِلْجِنِّ \" وَرِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ قَدْ تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَة فِي أَوَائِل هَذَا الْبَاب , وَرِوَايَة حَبِيب وَصَلَهَا أَحْمَد وَأَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ حَبِيب الْمَذْكُور. ‏"
    },
    {
        "id": "3070",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ آدَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي غَارٍ فَنَزَلَتْ ‏ ‏وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ‏ ‏فَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ إِذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ مِنْ جُحْرِهَا فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا فَسَبَقَتْنَا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا فَقَال رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏مِثْلَهُ قَالَ وَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُغِيرَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَفْصٌ ‏ ‏وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن مَسْعُود فِي قِصَّة الْحَيَّة : ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَعَنْ إِسْرَائِيل عَنْ الْأَعْمَش ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ يَحْيَى بْن آدَم رَوَاهُ عَنْ إِسْرَائِيل عَنْ شَيْخَيْنِ أَفْرَدَهُمَا , وَلَمْ يَخْتَلِف عَلَيْهِ فِي أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم وَهُوَ النَّخَعِيُّ عَنْ عَلْقَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( رَطْبَة ) ‏ ‏أَيْ غَضَّة طَرِيَّة فِي أَوَّل مَا تَلَاهَا وَوُصِفَتْ هِيَ بِالرُّطُوبَةِ , وَالْمُرَاد بِالرُّطُوبَةِ رُطُوبَة فِيهِ أَيْ أَنَّهُمْ أَخَذُوهَا عَنْهُ قَبْل أَنْ يَجِفّ رِيقه مِنْ تِلَاوَتهَا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون وَصَفَهَا بِالرُّطُوبَةِ لِسُهُولَتِهَا , وَالْأَوَّل أَشْبَه. ‏ ‏وَقَوْله \" وُقِيَتْ شَرَّكُمْ وَوُقِيتُمْ شَرَّهَا \" ‏ ‏أَيْ قَتْلكُمْ إِيَّاهَا هُوَ شَرّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا وَإِنْ كَانَ خَيْرًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ , وَفِيهِ جَوَاز قَتْل الْحَيَّة فِي الْحَرَم , وَجَوَاز قَتْلهَا فِي جُحْرهَا , وَالْجُحْر بِضَمِّ الْجِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة مَعْرُوف. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَتَابَعَهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ مُغِيرَة ) ‏ ‏أَيْ عَنْ إِبْرَاهِيم , وَطَرِيق أَبِي عَوَانَة سَتَأْتِي فِي تَفْسِير ( الْمُرْسَلَات ). ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ حَفْص ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غِيَاث ‏ ‏( وَأَبُو مُعَاوِيَة وَسُلَيْمَان بْن قُرْم عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة خَالَفُوا إِسْرَائِيل فَجَعَلُوا \" الْأَسْوَد \" بَدَل عَلْقَمَة. وَرِوَايَة حَفْص وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْحَجّ , وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة فَأَخْرَجَهَا أَحْمَد عَنْهُ وَهِيَ عِنْد مُسْلِم , وَأَمَّا رِوَايَة سُلَيْمَان بْن قُرْم فَلَمْ أَقِف عَلَيْهَا مَوْصُولَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3071",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ ‏ ‏خَشَاشِ ‏ ‏الْأَرْضِ ‏ ‏قَالَ وَحَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن عُمَر وَأَبِي هُرَيْرَة مَعًا , وَهُوَ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ اِبْن عُمَر الْعُمْرِيّ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر وَعَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَالْقَائِل \" قَالَ \" وَ \" حَدَّثَنَا \" عُبَيْد اللَّه هُوَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الْمَذْكُور وَهُوَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى الْبَصْرِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( دَخَلَتْ اِمْرَأَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَنَّهَا حِمْيَرِيَّة , وَفِي أُخْرَى أَنَّهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَكَذَا لِمُسْلِم , وَلَا تَضَادَّ بَيْنهمَا لِأَنَّ طَائِفَة مِنْ حِمْيَر كَانُوا قَدْ دَخَلُوا فِي الْيَهُودِيَّة فَنُسِبَتْ إِلَى دِينهَا تَارَة وَإِلَى قَبِيلَتهَا أُخْرَى , وَقَدْ وَقَعَ مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ فِي \" كِتَاب الْبَعْث لِلْبَيْهَقِيِّ \" وَأَبْدَاهُ عِيَاض اِحْتِمَالًا , وَأَغْرَبَ النَّوَوِيّ فَأَنْكَرَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي هِرَّة ) ‏ ‏أَيْ بِسَبَبِ هِرَّة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم مِنْ جَرَّا هِرَّة وَهُوَ بِمَعْنَاهُ , وَجَرَّا بِفَتْح الْجِيم وَتَشْدِيد الرَّاء مَقْصُور وَيَجُوز فِيهِ الْمَدّ , وَالْهِرَّة أُنْثَى السِّنَّوْر وَالْهِرّ الذَّكَر , وَيُجْمَع الْهِرّ عَلَى هِرَرَة كَقِرْدٍ وَقِرَدَة وَتُجْمَع الْهِرَّة عَلَى هِرَر كَقِرْبَةِ وَقِرَب. وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر الْمَاضِي فِي الْكُسُوف \" وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّار فَرَأَيْت فِيهَا اِمْرَأَة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل تُعَذَّب فِي هِرَّة لَهَا \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ خَشَاش الْأَرْض ) ‏ ‏بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَيَجُوز ضَمّهَا وَكَسْرهَا وَبِمُعْجَمَتَيْنِ بَيْنهمَا أَلِف الْأُولَى خَفِيفَة , وَالْمُرَاد هَوَامّ الْأَرْض وَحَشَرَاتهَا مِنْ فَأْرَة وَنَحْوهَا , وَحَكَى النَّوَوِيّ أَنَّهُ رُوِيَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة , وَالْمُرَاد نَبَات الْأَرْض , قَالَ : وَهُوَ ضَعِيف أَوْ غَلَط , وَظَاهِر هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْمَرْأَة عُذِّبَتْ بِسَبَبِ قَتْل هَذِهِ الْهِرَّة بِالْحَبْسِ , قَالَ عِيَاض : يُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْمَرْأَة كَافِرَة فَعُذِّبَتْ بِالنَّارِ حَقِيقَة , أَوْ بِالْحِسَابِ لِأَنَّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَاب عُذِّبَ. ثُمَّ يُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْمَرْأَة كَافِرَة فَعُذِّبَتْ بِكُفْرِهَا وَزِيدَتْ عَذَابًا بِسَبَبِ ذَلِكَ , أَوْ مُسْلِمَة وَعُذِّبَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ. قَالَ النَّوَوِيّ : الَّذِي يَظْهَر أَنَّهَا كَانَتْ مُسْلِمَة وَإِنَّمَا دَخَلَتْ النَّار بِهَذِهِ الْمَعْصِيَة , كَذَا قَالَ , وَيُؤَيِّد كَوْنهَا كَافِرَة مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْبَعْث وَالنُّشُور \" وَأَبُو نُعَيْم فِي \" تَارِيخ أَصْبَهَانَ \" مِنْ حَدِيث عَائِشَة وَفِيهِ قِصَّة لَهَا مَعَ أَبِي هُرَيْرَة , وَهُوَ بِتَمَامِهِ عِنْد أَحْمَد , وَفِيهِ جَوَاز اِتِّخَاذ الْهِرَّة وَرِبَاطهَا إِذَا لَمْ يُهْمِل إِطْعَامهَا وَسَقْيهَا , وَيَلْتَحِق بِذَلِكَ غَيْر الْهِرَّة مِمَّا فِي مَعْنَاهَا , وَأَنَّ الْهِرّ لَا يُمْلَك , وَإِنَّمَا يَجِب إِطْعَامه عَلَى مَنْ حَبَسَهُ , كَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ , وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ وُجُوب نَفَقَة الْحَيَوَان عَلَى مَالِكه , كَذَا قَالَ النَّوَوِيّ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَر أَنَّهَا كَانَتْ فِي مِلْكهَا , لَكِنْ فِي قَوْله \" هِرَّة لَهَا \" كَمَا هِيَ رِوَايَة هَمَّام مَا يَقْرَب مِنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3072",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَزَلَ ‏ ‏نَبِيٌّ ‏ ‏مِنْ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ فَأَمَرَ ‏ ‏بِجَهَازِهِ ‏ ‏فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة : ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( نَزَلَ نَبِيّ مِنْ الْأَنْبِيَاء ) ‏ ‏قِيلَ هُوَ الْعُزَيْر , وَرَوَى الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي \" النَّوَادِر \" أَنَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ فِي \" مَعَانِي الْأَخْبَار \" وَالْقُرْطُبِيّ فِي التَّفْسِير. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَدَغَتْهُ ) ‏ ‏بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة أَيْ قَرَصَتْهُ , وَلَيْسَ هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعَيْن الْمُهْمَلَة فَإِنَّ ذَاكَ مَعْنَاهُ الْإِحْرَاق. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ ) ‏ ‏بِفَتْح الْجِيم وَيَجُوز كَسْرهَا بَعْدهَا زَاي أَيْ مَتَاعه. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأُحْرِقَ ) ‏ ‏أَيْ بَيْت النَّمْل , وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ الْمَاضِيَة فِي الْجِهَاد فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْل فَأُحْرِقَتْ , وَقَرْيَة النَّمْل مَوْضِع اِجْتِمَاعهنَّ , وَالْعَرَب تُفَرِّق فِي الْأَوْطَان فَيَقُولُونَ لِمَسْكَنِ الْإِنْسَان وَطَن , وَلِمَسْكَنِ الْإِبِل عَطَن , وَلِلْأَسَدِ عَرِين وَغَابَة , وَلِلظَّبْيِ كِنَاس , وَلِلضَّبِّ وِجَار , وَلِلطَّائِرِ عُشّ , وَلِلزُّنْبُورِ كَوْر , وَلِلْيَرْبُوعِ نَافِق , وَلِلنَّمْلِ قَرْيَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَهَلَّا نَمْلَة وَاحِدَة ) ‏ ‏يَجُوز فِيهِ النَّصْب عَلَى تَقْدِير عَامِل مَحْذُوف تَقْدِيره فَهَلَّا أَحْرَقْتَ نَمْلَة وَاحِدَة وَهِيَ الَّتِي آذَتْك بِخِلَافِ غَيْرهَا فَلَمْ يَصْدُر مِنْهَا جِنَايَة. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى جَوَاز إِحْرَاق الْحَيَوَان الْمُؤْذِي بِالنَّارِ مِنْ جِهَة أَنَّ شَرْع مَنْ قَبْلنَا شَرْع لَنَا إِذَا لَمْ يَأْتِ فِي شَرْعنَا مَا يَرْفَعهُ وَلَا سِيَّمَا إِنْ وَرَدَ عَلَى لِسَان الشَّارِع مَا يُشْعِر بِاسْتِحْسَانِ ذَلِكَ , لَكِنْ وَرَدَ فِي شَرْعنَا النَّهْي عَنْ التَّعْذِيب بِالنَّارِ , قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا الْحَدِيث مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْع ذَلِكَ النَّبِيّ جَوَاز قَتْل النَّمْل وَجَوَاز التَّعْذِيب بِالنَّارِ , فَإِنَّهُ لَمْ يَقَع عَلَيْهِ الْعَتْب فِي أَصْل الْقَتْل وَلَا فِي الْإِحْرَاق بَلْ فِي الزِّيَادَة عَلَى النَّمْلَة الْوَاحِدَة , وَأَمَّا فِي شَرْعنَا فَلَا يَجُوز إِحْرَاق الْحَيَوَان بِالنَّارِ إِلَّا فِي الْقِصَاص بِشَرْطِهِ , وَكَذَا لَا يَجُوز عِنْدنَا قَتْل النَّمْل لِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس فِي السُّنَن \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قَتْل النَّمْلَة وَالنَّحْلَة \" اِنْتَهَى , وَقَدْ قَيَّدَ غَيْره كَالْخَطَّابِيِّ النَّهْي عَنْ قَتْله مِنْ النَّمْل بِالسُّلَيْمَانِيِّ , وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : النَّمْل الصَّغِير الَّذِي يُقَال لَهُ الذَّرّ يَجُوز قَتْله , وَنَقَلَهُ صَاحِب \" الِاسْتِقْصَاء \" عَنْ الصَّيْمَرِيِّ وَبِهِ جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ. وَفِي قَوْله أَنَّ الْقَتْل وَالْإِحْرَاق كَانَ جَائِزًا فِي شَرْع ذَلِكَ النَّبِيّ نَظَر , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُعَاتَب أَصْلًا وَرَأْسًا إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَذَى طَبْعه. وَقَالَ عِيَاض : فِي هَذَا الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى جَوَاز قَتْل كُلّ مُؤْذٍ. وَيُقَال إِنَّ لِهَذِهِ الْقِصَّة سَبَبًا , وَهُوَ أَنَّ النَّبِيّ مَرَّ عَلَى قَرْيَة أَهْلَكَهَا اللَّه تَعَالَى بِذُنُوبِ أَهْلهَا فَوَقَفَ مُتَعَجِّبًا فَقَالَ : يَا رَبّ قَدْ كَانَ فِيهِمْ صِبْيَان وَدَوَابّ وَمَنْ لَمْ يَقْتَرِف ذَنْبًا , ثُمَّ نَزَلَ تَحْت شَجَرَة فَجَرَتْ لَهُ هَذِهِ الْقِصَّة , فَنَبَّهَهُ اللَّه جَلَّ وَعَلَا عَلَى أَنَّ الْجِنْس الْمُؤْذِي يُقْتَل وَإِنْ لَمْ يُؤْذِ , وَتُقْتَل أَوْلَاده وَإِنْ لَمْ تَبْلُغ الْأَذَى اِنْتَهَى. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر وَإِنْ ثَبَتَتْ هَذِهِ الْقِصَّة تَعَيَّنَ الْمَصِير إِلَيْهِ. وَالْحَاصِل أَنَّهُ لَمْ يُعَاتَب إِنْكَارًا لِمَا فَعَلَ بَلْ جَوَابًا لَهُ وَإِيضَاحًا لِحِكْمَةِ شُمُول الْهَلَاك لِجَمِيعِ أَهْل تِلْكَ الْقَرْيَة , فَضَرَبَ لَهُ الْمَثَل بِذَلِكَ أَيْ إِذَا اِخْتَلَطَ مَنْ يَسْتَحِقّ الْإِهْلَاك بِغَيْرِهِ وَتَعَيَّنَ إِهْلَاك الْجَمِيع طَرِيقًا إِلَى إِهْلَاك الْمُسْتَحِقّ جَازَ إِهْلَاك الْجَمِيع , وَلِهَذَا نَظَائِر كَتَتَرُّسِ الْكُفَّار بِالْمُسْلِمِينَ وَغَيْر ذَلِكَ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَم. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ النَّمْل غَيْر مُكَلَّف فَكَيْفَ أُشِيرَ فِي الْحَدِيث إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَحْرَقَ نَمْلَة وَاحِدَة جَازَ مَعَ أَنَّ الْقِصَاص إِنَّمَا يَكُون بِالْمِثْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) ثُمَّ أَجَابَ بِتَجْوِيزِ أَنَّ التَّحْرِيقَ كَانَ جَائِزًا عِنْده , ثُمَّ قَالَ يَرُدّ عَلَى قَوْلنَا كَانَ جَائِرًا لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا ذُمَّ عَلَيْهِ. وَأَجَابَ بِأَنَّهُ قَدْ يُذَمّ الرَّفِيع الْقَدْر عَلَى خِلَاف الْأَوْلَى اِنْتَهَى. وَالتَّعْبِير بِالذَّمِّ فِي هَذَا لَا يَلِيق بِمَقَامِ النَّبِيّ , فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَبَّر بِالْعِتَابِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث أَنَّ هَذَا النَّبِيّ إِنَّمَا عَاتَبَهُ اللَّه حَيْثُ اِنْتَقَمَ لِنَفْسِهِ بِإِهْلَاكِ جَمْع آذَاهُ مِنْهُ وَاحِد , وَكَانَ الْأَوْلَى بِهِ الصَّبْر وَالصَّفْح , وَكَأَنَّهُ وَقَعَ لَهُ أَنَّ هَذَا النَّوْع مُؤْذٍ لِبَنِي آدَم وَحُرْمَة بَنِي آدَم أَعْظَم مِنْ حُرْمَة الْحَيَوَان , فَلَوْ اِنْفَرَدَ هَذَا النَّظَر وَلَمْ يَأْتِ إِلَيْهِ التَّشَفِّي لَمْ يُعَاتَب. قَالَ : وَالَّذِي يُؤَيِّد هَذَا التَّمَسُّك بِأَصْلِ عِصْمَة الْأَنْبِيَاء وَأَنَّهُمْ أَعْلَم بِاللَّهِ وَبِأَحْكَامِهِ مِنْ غَيْرهمْ وَأَشَدّهمْ لَهُ خَشْيَة اِنْتَهَى. ‏ ‏( تَكْمِلَةٌ ) : ‏ ‏النَّمْلَة وَاحِدَة النَّمْل وَجَمْع الْجَمْع نِمَال. وَالنَّمْل أَعْظَم الْحَيَوَانَات حِيلَة فِي طَلَب الرِّزْق. وَمِنْ عَجِيب أَمْره أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ شَيْئًا وَلَوْ قَلَّ أَنْذَرَ الْبَاقِينَ , وَيَحْتَكِر فِي زَمَن الصَّيْف لِلشِّتَاءِ , وَإِذَا خَافَ الْعَفَن عَلَى الْحَبّ أَخْرَجَهُ إِلَى ظَاهِر الْأَرْض وَإِذَا حَفَرَ مَكَانه اِتَّخَذَهَا تَعَارِيج لِئَلَّا يَجْرِي إِلَيْهَا مَاء الْمَطَر , وَلَيْسَ فِي الْحَيَوَان مَا يَحْمِل أَثْقَل مِنْهُ غَيْره , وَالَّذِي فِي النَّمْل كَالزُّنْبُورِ فِي النَّحْل. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أُمَّة مِنْ الْأُمَم مُسَبِّحَة ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَيَوَان يُسَبِّح اللَّه تَعَالَى حَقِيقَة , وَيَتَأَيَّد بِهِ قَوْل مَنْ حَمَلَ قَوْله ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) عَلَى الْحَقِيقَة. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْحَمْلَ عَلَى الْمَجَاز بِأَنْ يَكُون سَبَبًا لِلتَّسْبِيحِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3073",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالْأُخْرَى شِفَاءً ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة فِي الذُّبَاب إِذَا وَقَعَ فِي الْإِنَاء , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الطِّبّ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏: وَقَعَ قَبْل هَذَا الْحَدِيث فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ بَعْض شُيُوخه \" بَاب إِذَا وَقَعَ الذُّبَاب \" وَسَاقَهُ بِلَفْظِ الْحَدِيث , وَحُذِفَ عِنْد الْبَاقِينَ وَهُوَ أَوْلَى فَإِنَّ الْأَحَادِيث الَّتِي بَعْده لَا تَعَلُّق لَهَا بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيره. ‏"
    },
    {
        "id": "3074",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏وَابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غُفِرَ لِامْرَأَةٍ ‏ ‏مُومِسَةٍ ‏ ‏مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ ‏ ‏رَكِيٍّ ‏ ‏يَلْهَثُ قَالَ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ فَنَزَعَتْ خُفَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا فَنَزَعَتْ لَهُ مِنْ الْمَاءِ فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة فِي الْمَرْأَة الَّتِي سَقَتْ الْكَلْب. وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي أَوَاخِر أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي تَرْجَمَة عِيسَى اِبْن مَرْيَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3075",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَفِظْتُهُ مِنَ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏كَمَا أَنَّكَ هَا هُنَا ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي طَلْحَة فِي الصُّورَة , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب اللِّبَاس. ‏"
    },
    {
        "id": "3076",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ اِبْن عُمَر قَالَ \" أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَاب \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الصَّيْد. ‏"
    },
    {
        "id": "3077",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا يَنْقُصْ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ ‏ ‏قِيرَاطٌ ‏ ‏إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة \" مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا يَنْقُص مِنْ عَمَله \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْمُزَارَعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3078",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ الشَّنَئِيَّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ ‏ ‏قِيرَاطٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏السَّائِبُ ‏ ‏أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِي وَرَبِّ هَذِهِ الْقِبْلَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ سُفْيَان بْن أَبِي زُهَيْر فِي الْمَعْنَى , وَسَبَقَ شَرْحه هُنَاكَ أَيْضًا. ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب بَدْء الْخَلْق مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى مِائَة وَسِتِّينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا اِثْنَانِ وَعِشْرُونَ طَرِيقًا وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَلَاثَة وَتِسْعُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِص سَبْعَة وَسِتُّونَ حَدِيثًا , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ فِي بَدْء الْخَلْق , وَحَدِيث عُمَر فِيهِ , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" تُكَوَّر الشَّمْس وَالْقَمَر \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي زِيَارَة جِبْرِيل , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْكَلْب , وَحَدِيث يَعْلَى بْن أُمَيَّة \" وَنَادَوْا يَا مَال \" وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي رُؤْيَة جِبْرِيل , وَحَدِيث عَائِشَة فِي الرُّؤْيَة , وَحَدِيث عِمْرَان \" اِطَّلَعْت فِي الْجَنَّة \" وَحَدِيث سَهْل فِي دَرَجَات الْجَنَّة , وَحَدِيث أَنَس \" فِي الْجَنَّة شَجَرَة \" وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِيهِ , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْحُمَّى , وَحَدِيث عَائِشَة فِي قَتْل وَالِد حُذَيْفَة , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِذَا وَقَعَ الذُّبَاب فِي الْإِنَاء \" وَفِيهِ عَنْ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدهمْ أَرْبَعُونَ أَثَرًا. وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3079",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَلَقَ اللَّهُ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ثُمَّ قَالَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة \" خَلَقَ اللَّه آدَم وَطُوله سِتُّونَ ذِرَاعًا \" كَذَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَعَبْد اللَّه الرَّاوِي عَنْ مَعْمَر هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَقَدْ رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر فَقَالَ \" خَلَقَ اللَّه آدَم عَلَى صُورَته وَطُوله سِتُّونَ ذِرَاعًا , \" وَهَذِهِ الرِّوَايَة تَأْتِي فِي أَوَّل الِاسْتِئْذَان , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَة فِي أَثْنَاء كِتَاب الْعِتْق , وَهَذِهِ الرِّوَايَة تُؤَيِّد قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّ الضَّمِير لِآدَم , وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْجَدَهُ عَلَى الْهَيْئَة الَّتِي خَلَقَهُ عَلَيْهَا لَمْ يَنْتَقِل فِي النَّشْأَة أَحْوَالًا وَلَا تَرَدَّدَ فِي الْأَرْحَام أَطْوَارًا كَذُرِّيَّتِهِ بَلْ خَلَقَهُ اللَّه رَجُلًا كَامِلًا سَوِيًّا مِنْ أَوَّل مَا نَفَخَ فِيهِ الرُّوح , ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ \" وَطُوله سِتُّونَ ذِرَاعًا \" فَعَادَ الضَّمِير أَيْضًا عَلَى آدَم , وَقِيلَ مَعْنَى قَوْله \" عَلَى صُورَته : أَيْ لَمْ يُشَارِكهُ فِي خَلْقه أَحَد , إِبْطَالًا لِقَوْلِ أَهْل الطَّبَائِع. وَخُصَّ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى , وَاللَّهُ أَعْلَم ‏ ‏قَوْلُهُ : ( سِتُّونَ ذِرَاعًا ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يُرِيد بِقَدْرِ الذِّرَاع الْمُتَعَارَف يَوْمئِذٍ عِنْد الْمُخَاطَبِينَ , وَالْأَوَّل أَظْهَر لِأَنَّ ذِرَاع كُلّ أَحَد بِقَدْرِ رُبُعه فَلَوْ كَانَ بِالذِّرَاعِ الْمَعْهُود لَكَانَتْ يَده قَصِيرَة فِي جَنْب طُول جَسَده ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ اِذْهَبْ فَسَلِّمْ ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحه فِي أَوَّل الِاسْتِئْذَان. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَكُلّ مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة عَلَى صُورَة آدَم ) ‏ ‏أَيْ عَلَى صِفَته , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ صِفَات النَّقْص مِنْ سَوَاد وَغَيْره تَنْتِفِي عِنْد دُخُول الْجَنَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي \" بَاب صِفَة الْجَنَّة \" وَزَادَ عَبْد الرَّزَّاق فِي رِوَايَته هُنَا \" وَطُوله سِتُّونَ ذِرَاعًا \" وَإِثْبَات الْوَاو فِيهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّم أَنَّ قَوْله \" طُوله \" تَفْسِير لِقَوْلِهِ \" عَلَى صُورَة آدَم \" وَعَلَى هَذَا فَقَوْله \" طُوله \" إِلَخْ \" مِنْ الْخَاصّ بَعْد الْعَامّ , وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيَّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" كَانَ طُول آدَم سِتِّينَ ذِرَاعًا فِي سَبْعَة أَذْرُع عَرْضًا \" وَأَمَّا مَا رَوَى عَبْد الرَّزَّاق مِنْ وَجْه آخَر مَرْفُوعًا \" أَنَّ آدَم لَمَّا أُهْبِطَ كَانَتْ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْض وَرَأْسه فِي السَّمَاء , فَحَطَّهُ اللَّه إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعًا \" فَظَاهِره أَنَّهُ كَانَ مُفْرِط الطُّول فِي اِبْتِدَاء خَلْقه , وَظَاهِر الْحَدِيث الصَّحِيح أَنَّهُ خُلِقَ فِي اِبْتِدَاء الْأَمْر عَلَى طُول سِتِّينَ ذِرَاعًا وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب مَرْفُوعًا \" أَنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم رَجُلًا طِوَالًا كَثِير شَعْر الرَّأْس كَأَنَّهُ نَخْلَة سُحُوق \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُص حَتَّى الْآن ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ كُلّ قَرْن يَكُون نَشَأْته فِي الطُّول أَقْصَر مِنْ الْقَرْن الَّذِي قَبْله , فَانْتَهَى تَنَاقُص الطُّول إِلَى هَذِهِ الْأُمَّة وَاسْتَقَرَّ الْأَمْر عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن التِّين قَوْله \" فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْق يَنْقُص \" أَيْ كَمَا يَزِيد الشَّخْص شَيْئًا فَشَيْئًا , وَلَا يَتَبَيَّن ذَلِكَ فِيمَا بَيْن السَّاعَتَيْنِ وَلَا الْيَوْمَيْنِ حَتَّى إِذَا كَثُرَتْ الْأَيَّام تَبَيَّنَ , فَكَذَلِكَ هَذَا الْحُكْم فِي النَّقْص , وَيَشْكُل عَلَى هَذَا مَا يُوجَد الْآن مِنْ آثَار الْأُمَم السَّالِفَة كَدِيَارِ ثَمُود فَإِنَّ مَسَاكِنهمْ تَدُلّ عَلَى أَنَّ قَامَاتهمْ لَمْ تَكُنْ مُفْرِطَة الطُّول عَلَى حَسَب مَا يَقْتَضِيه التَّرْتِيب السَّابِق , وَلَا شَكَّ أَنَّ عَهْدهمْ قَدِيم , وَأَنَّ الزَّمَان الَّذِي بَيْنهمْ وَبَيْن آدَم دُون الزَّمَان الَّذِي بَيْنهمْ وَبَيْن أَوَّل هَذِهِ الْأُمَّة , وَلَمْ يَظْهَر لِي إِلَى الْآن مَا يُزِيل هَذَا الْإِشْكَال. ‏"
    },
    {
        "id": "3080",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ أَوَّلَ ‏ ‏زُمْرَةٍ ‏ ‏يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً لَا يَبُولُونَ وَلَا ‏ ‏يَتَغَوَّطُونَ ‏ ‏وَلَا يَتْفِلُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ أَمْشَاطُهُمْ الذَّهَبُ ‏ ‏وَرَشْحُهُمْ ‏ ‏الْمِسْكُ ‏ ‏وَمَجَامِرُهُمْ ‏ ‏الْأَلُوَّةُ ‏ ‏الْأَنْجُوجُ ‏ ‏عُودُ الطِّيبِ وَأَزْوَاجُهُمْ الْحُورُ الْعِينُ عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة فِي صِفَة الْجَنَّة وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب صِفَة الْجَنَّة \" ‏ ‏وَقَوْله \" الْأَلَنْجُوج ‏ ‏\" بِفَتْح الْهَمْزَة وَاللَّام وَسُكُون النُّون بِجِيمَيْنِ الْأُولَى مَضْمُومَة وَالْوَاو سَاكِنَة : هُوَ الْعُود الَّذِي يُتَبَخَّر بِهِ , وَلَفْظ الْأَلَنْجُوج هُنَا تَفْسِير الْأَلُوَّة , وَالْعُود تَفْسِير التَّفْسِير , ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِره \" عَلَى خَلْق رَجُل وَاحِد \" ‏ ‏هُوَ بِفَتْح أَوَّل خَلْق لَا بِضَمِّهِ , ‏ ‏وَقَوْله \" سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاء \" ‏ ‏أَيْ فِي الْعُلُوّ وَالِارْتِفَاع. ‏"
    },
    {
        "id": "3081",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ سُلَيْمٍ ‏ ‏قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ الْغَسْلُ إِذَا احْتَلَمَتْ قَالَ ‏ ‏نَعَمْ إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ فَضَحِكَتْ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏فَقَالَتْ تَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبِمَ يُشْبِهُ الْوَلَدُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أُمّ سَلَمَة فِي سُؤَالهَا عَنْ غُسْل الْمَرْأَة إِذَا اِحْتَلَمَتْ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الطَّهَارَة , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله فِي آخِره \" فَبِمَ يُشْبِه الْوَلَد \". ‏"
    },
    {
        "id": "3082",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْفَزَارِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَلَغَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ ‏ ‏مَقْدَمُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ قَالَ مَا أَوَّلُ ‏ ‏أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ‏ ‏وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ إِلَى أَخْوَالِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَبَّرَنِي بِهِنَّ آنِفًا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قَالَ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏ذَاكَ عَدُوُّ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَّا أَوَّلُ ‏ ‏أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ‏ ‏فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ وَأَمَّا الشَّبَهُ فِي الْوَلَدِ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَشِيَ الْمَرْأَةَ فَسَبَقَهَا مَاؤُهُ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ وَإِذَا سَبَقَ مَاؤُهَا كَانَ الشَّبَهُ لَهَا قَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏قَوْمٌ ‏ ‏بُهُتٌ ‏ ‏إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ ‏ ‏بَهَتُونِي ‏ ‏عِنْدَكَ فَجَاءَتْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏وَدَخَلَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏الْبَيْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالُوا أَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا وَأَخْبَرُنَا وَابْنُ أَخْيَرِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالُوا أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَخَرَجَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ فَقَالُوا شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا وَوَقَعُوا فِيهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَنَس فِي قِصَّة إِسْلَام عَبْد اللَّه بْن سَلَام , وَسَيَأْتِي بِأَتَمّ مِنْ هَذَا السِّيَاق فِي أَوَائِل الْهِجْرَة , وَالْغَرَض مِنْهُ بَيَان سَبَب الشَّبَه , وَقَدْ عَلَّلَهُ هُنَا بِالسَّبْقِ , وَفِي حَدِيث ثَوْبَان عِنْد مُسْلِم بِالْعُلُوِّ , وَسَأَذْكُرُ وَجْه الْجَمْع بَيْنهمَا فِي الْمَكَان الْمَذْكُور إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3083",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏لَوْلَا ‏ ‏بَنُو إِسْرَائِيلَ ‏ ‏لَمْ ‏ ‏يَخْنَزْ ‏ ‏اللَّحْمُ وَلَوْلَا ‏ ‏حَوَّاءُ ‏ ‏لَمْ تَخُنَّ أُنْثَى زَوْجَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة : ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوه ) ‏ ‏لَمْ يَسْبِق لِلْمَتْنِ الْمَذْكُور طَرِيق يَعُود عَلَيْهَا هَذَا الضَّمِير , وَكَأَنَّهُ يُشِير بِهِ إِلَى أَنَّ اللَّفْظ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ شَيْخه هُوَ بِمَعْنَى اللَّفْظ الَّذِي سَاقَهُ , فَكَأَنَّهُ كَتَبَ مِنْ حِفْظه وَتَرَدَّدَ فِي بَعْضه , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيِّ بَعْد قَوْله \" نَحْوه \" يَعْنِي وَلَمْ أَرَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُبَارَك عَنْ مَعْمَر إِلَّا عِنْد الْمُصَنِّف , وَسَيَأْتِي عِنْده فِي ذِكْر مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر بِهَذَا اللَّفْظ , إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِي آخِره \" الدَّهْر \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيل لَمْ يَخْنَز اللَّحْم ) ‏ ‏يَخْنَز بِفَتْح أَوَّله وَسُكُون الْخَاء وَكَسْر النُّون وَبِفَتْحِهَا أَيْضًا بَعْدهَا زَاي أَيْ يُنْتِن , وَالْخَنَز التَّغَيُّر وَالنَّتْنُ , قِيلَ أَصْله أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيل اِدَّخَرُوا لَحْم السَّلْوَى وَكَانُوا نُهُوا عَنْ ذَلِكَ فَعُوقِبُوا بِذَلِكَ حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ وَذَكَرَهُ غَيْره عَنْ قَتَادَةَ وَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيل سَنُّوا اِدِّخَار اللَّحْم حَتَّى أَنْتَنَ لَمَا اُدُّخِرَ فَلَمْ يُنْتِن , وَرَوَى أَبُو نُعَيْم فِي \" الْحِلْيَة \" عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه قَالَ : فِي بَعْض الْكُتُب لَوْلَا أَنِّي كَتَبْت الْفَسَاد عَلَى الطَّعَام لَخَزَنَهُ الْأَغْنِيَاءُ عَنْ الْفُقَرَاءِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَوْلَا حَوَّاء ) ‏ ‏أَيْ اِمْرَأَة آدَم وَهِيَ بِالْمَدِّ , قِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أُمّ كُلّ حَيّ , وَسَيَأْتِي صِفَة خَلْقهَا فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده , ‏ ‏وَقَوْله \" لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجهَا \" ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى مَا وَقَعَ مِنْ حَوَّاء فِي تَزْيِينهَا لِآدَم الْأَكْل مِنْ الشَّجَرَة حَتَّى وَقَعَ فِي ذَلِكَ , فَمَعْنَى خِيَانَتهَا أَنَّهَا قَبِلَتْ مَا زَيَّنَ لَهَا إِبْلِيس حَتَّى زَيَّنَتْهُ لِآدَم , وَلَمَّا كَانَتْ هِيَ أُمّ بَنَات آدَم أَشْبَهَهَا بِالْوِلَادَةِ وَنَزَعَ الْعِرْق فَلَا تَكَاد اِمْرَأَة تَسْلَم مِنْ خِيَانَة زَوْجهَا بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقَوْلِ , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالْخِيَانَةِ هُنَا اِرْتِكَاب الْفَوَاحِش حَاشَا وَكَلَّا , وَلَكِنْ لَمَّا مَالَتْ إِلَى شَهْوَة النَّفْس مِنْ أَكْل الشَّجَرَة وَحَسَّنَتْ ذَلِكَ لِآدَم عَدَّ ذَلِكَ خِيَانَة لَهُ , وَأَمَّا مَنْ جَاءَ بَعْدهَا مِنْ النِّسَاء فَخِيَانَة كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ بِحَسَبِهَا. وَقَرِيب مِنْ هَذَا حَدِيث \" جَحَدَ آدَم فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّته \" وَفِي الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى تَسْلِيَة الرِّجَال فِيمَا يَقَع لَهُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ بِمَا وَقَعَ مِنْ أُمّهنَّ الْكُبْرَى , وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ طَبْعهنَّ فَلَا يُفْرَط فِي لَوْم مَنْ وَقَعَ مِنْهَا شَيْء مِنْ غَيْر قَصْد إِلَيْهِ أَوْ عَلَى سَبِيل النُّدُور , وَيَنْبَغِي , لَهُنَّ أَنْ لَا يَتَمَكَّن بِهَذَا فِي الِاسْتِرْسَال فِي هَذَا النَّوْع بَلْ يَضْبِطْنَ أَنْفُسهنَّ وَيُجَاهِدْنَ هَوَاهُنَّ , وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3084",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو كُرَيْبٍ ‏ ‏وَمُوسَى بْنُ حِزَامٍ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْسَرَةَ الْأَشْجَعِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( مُوسَى بْن حِزَام ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا زَاي خَفِيفَة , وَهُوَ تِرْمِذِيّ نَزَلَ بَلْخ , وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْره , وَكَانَ زَاهِدًا عَالِمًا بِالسُّنَّةِ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ , إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ مَيْسَرَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عِمَارَة الْأَشْجَعِيّ الْكُوفِيّ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي النِّكَاح مِنْ وَجْه آخَر. وَلَهُ حَدِيث آخَر فِي تَفْسِير آلِ عِمْرَان. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اِسْتَوْصُوا ) ‏ ‏قِيلَ مَعْنَاهُ تَوَاصَوْا بِهِنَّ , وَالْبَاء لِلتَّعْدِيَةِ وَالِاسْتِفْعَال بِمَعْنَى الْإِفْعَال كَالِاسْتِجَابَةِ بِمَعْنَى الْإِجَابَة , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : السِّين لِلطَّلَبِ وَهُوَ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ اُطْلُبُوا الْوَصِيَّة مِنْ أَنْفُسكُمْ فِي حَقّهنَّ , أَوْ اُطْلُبُوا الْوَصِيَّة مِنْ غَيْركُمْ بِهِنَّ كَمَنْ يَعُود مَرِيضًا فَيُسْتَحَبّ لَهُ أَنْ يَحُثَّهُ عَلَى الْوَصِيَّة وَالْوَصِيَّة بِالنِّسَاءِ آكَد لِضَعْفِهِنَّ وَاحْتِيَاجهنَّ إِلَى مَنْ يَقُوم بِأَمْرِهِنَّ , وَقِيلَ مَعْنَاهُ اِقْبَلُوا وَصِيَّتِي فِيهِنَّ وَاعْمَلُوا بِهَا وَارْفُقُوا بِهِنَّ وَأَحْسِنُوا عِشْرَتهنَّ. قُلْت : وَهَذَا أَوْجَه الْأَوْجُهِ فِي نَظَرِي , وَلَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا قَالَ الطِّيبِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( خُلِقَتْ مِنْ ضِلَع ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَفَتْح اللَّام وَيَجُوز تَسْكِينهَا , قِيلَ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ حَوَّاء خُلِقَتْ مِنْ ضِلَع آدَم الْأَيْسَر وَقِيلَ مِنْ ضِلْعه الْقَصِير , أَخْرَجَهُ اِبْن إِسْحَاق وَزَادَ \" الْيُسْرَى مِنْ قَبْل أَنْ يَدْخُل الْجَنَّة وَجُعِلَ مَكَانه لَحْم \" وَمَعْنَى خُلِقَتْ أَيْ أُخْرِجَتْ كَمَا تَخْرُج النَّخْلَة مِنْ النَّوَاة , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَرْأَة خُلِقَتْ مِنْ مَبْلَغ ضِلْع فَهِيَ كَالضِّلْعِ , زَادَ فِي رِوَايَة الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" لَنْ تَسْتَقِيم لَك عَلَى طَرِيقَة \" ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ أَعْوَج شَيْء فِي الضِّلْع أَعْلَاهُ ) ‏ ‏قِيلَ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ أَعْوَج مَا فِي الْمَرْأَة لِسَانهَا , وَفِي اِسْتِعْمَال أَعْوَج اِسْتِعْمَال لِأَفْعَل فِي الْعُيُوب وَهُوَ شَاذّ , وَفَائِدَة هَذِهِ الْمُقَدِّمَة أَنَّ الْمَرْأَة خُلِقَتْ مِنْ ضِلْع أَعْوَج فَلَا يُنْكَر اِعْوِجَاجهَا , أَوْ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّهَا لَا تَقْبَل التَّقْوِيم كَمَا أَنَّ الضِّلْع لَا يَقْبَلهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمهُ كَسَرْته ) ‏ ‏قِيلَ هُوَ ضَرْب مَثَل لِلطَّلَاقِ أَيْ إِنْ أَرَدْت مِنْهَا أَنْ تَتْرُك اِعْوِجَاجهَا أَفْضَى الْأَمْر إِلَى فِرَاقهَا , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" وَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمهَا كَسَرْتهَا , وَكَسْرهَا طَلَاقهَا \" وَيُسْتَفَاد مِنْ حَدِيث الْبَاب أَنَّ الضِّلْع مُذَكَّر خِلَافًا لِمَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ مُؤَنَّث وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ مُسْلِم وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّ التَّأْنِيث فِي رِوَايَته لِلْمَرْأَةِ , وَقِيلَ إِنَّ الضِّلْع يُذَكَّر وَيُؤَنَّث وَعَلَى هَذَا فَاللَّفْظَانِ صَحِيحَانِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3085",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ‏ ‏إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ ‏ ‏عَلَقَةً ‏ ‏مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ ‏ ‏مُضْغَةً ‏ ‏مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن مَسْعُود \" يُجْمَع خَلْق أَحَدكُمْ فِي بَطْن أُمّه \" ‏ ‏الْحَدِيث بِتَمَامِهِ , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْقَدَر مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَمُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْله فِيهَا \" ذُرِّيَّته \" فَإِنَّ فِيهِ بَيَانَ خَلْق ذُرِّيَّة آدَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3086",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ فِي الرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ يَا رَبِّ ‏ ‏نُطْفَةٌ ‏ ‏يَا رَبِّ ‏ ‏عَلَقَةٌ ‏ ‏يَا رَبِّ ‏ ‏مُضْغَةٌ ‏ ‏فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهَا قَالَ يَا رَبِّ أَذَكَرٌ يَا رَبِّ أُنْثَى يَا رَبِّ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَمَا الرِّزْقُ فَمَا الْأَجَلُ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَنَس فِي ذَلِكَ وَسَيَأْتِي أَيْضًا هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3087",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏يَرْفَعُهُ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا ‏ ‏لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ كُنْتَ ‏ ‏تَفْتَدِي ‏ ‏بِهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَقَدْ سَأَلْتُكَ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَنَسٍ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَرْفَعهُ ) ‏ ‏هِيَ لَفْظَة يَسْتَعْمِلهَا الْمُحَدِّثُونَ فِي مَوْضِع قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْو ذَلِكَ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول لِأَهْوَن أَهْل النَّار عَذَابًا ) ‏ ‏يُقَال هُوَ أَبُو طَالِب , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي أَوَاخِر كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَمُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْله \" وَأَنْتَ فِي صُلْب آدَم \" فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى قَوْله تَعَالَى ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّك مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) الْآيَةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3088",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏الْأَوَّلِ ‏ ‏كِفْلٌ ‏ ‏مِنْ دَمِهَا لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن مَسْعُود \" لَا تُقْتَل نَفْس ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى آدَم الْأَوَّل كِفْل مِنْ دَمهَا \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الْقِصَاص , وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِيُلَمِّح بِقِصَّةِ اِبْنَيْ آدَم حَيْثُ قَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ , وَلَمْ يَصِحّ عَلَى شَرْطه شَيْء مِنْ قِصَّتهمَا , وَفِيمَا قَصَّهُ اللَّه عَلَيْنَا فِي الْقُرْآن مِنْ ذَلِكَ كِفَايَة عَنْ غَيْره. وَاخْتُلِفَ فِي اِسْم الْقَاتِل فَالْمَشْهُور قَابِيل بِوَزْنِ الْمَقْتُول لَكِنَّ أَوَّله هَاء وَقِيلَ اِسْم الْمَقْتُول \" قِينٌ \" بِلَفْظِ الْحَدَّاد وَقِيلَ \" قَايِنٌ \" بِزِيَادَةِ أَلِف. وَذَكَرَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيره عَنْ مَشَايِخه بِأَسَانِيدِهِ أَنَّ سَبَب قَتْل قَابِيل لِأَخِيهِ هَابِيل أَنَّ آدَم كَانَ يُزَوِّج ذَكَر كُلّ بَطْن مِنْ وَلَده بِأُنْثَى الْآخَر , وَأَنَّ أُخْت قَابِيل كَانَتْ أَحْسَن مِنْ أُخْت هَابِيل فَأَرَادَ قَابِيل أَنْ يَسْتَأْثِر بِأُخْتِهِ فَمَنَعَهُ آدَم , فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِ أَمَرَهُمَا أَنْ يُقَرِّبَا قُرْبَانًا فَقَرَّبَ قَابِيل حُزْمَة مِنْ زَرْع وَكَانَ صَاحِب زَرْع , وَقَرَّبَ هَابِيل جَذَعَة سَمِينَة وَكَانَ صَاحِب مَوَاشٍ , فَنَزَلَتْ نَار فَأَكَلَتْ قُرْبَان هَابِيل دُون قَابِيل , وَكَانَ ذَلِكَ سَبَب الشَّرّ بَيْنهمَا وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور. وَنَقَلَ الثَّعْلَبِيّ بِسَنَدٍ وَاهٍ عَنْ جَعْفَر الصَّادِق أَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُون آدَم زَوَّجَ اِبْنًا لَهُ بِابْنَةٍ لَهُ وَإِنَّمَا زَوَّجَ قَابِيل جِنِّيَّة وَزَوَّجَ هَابِيل حُورِيَّة فَغَضِبَ قَابِيل فَقَالَ : يَا بُنَيَّ مَا فَعَلْته إِلَّا بِأَمْرِ اللَّه , فَقَرِّبَا قُرْبَانًا. وَهَذَا لَا يَثْبُت عَنْ جَابِر وَلَا عَنْ غَيْره , وَيَلْزَم مِنْهُ أَنَّ بَنِي آدَم مِنْ ذُرِّيَّة إِبْلِيس لِأَنَّهُ أَبُو الْجِنّ كُلّهمْ أَوْ مِنْ ذُرِّيَّة الْحُور الْعِين وَلَيْسَ لِذَلِكَ أَصْل وَلَا شَاهِد. ‏"
    },
    {
        "id": "3089",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ ‏ ‏الدَّجَّالَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي لَأُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ لَقَدْ أَنْذَرَ ‏ ‏نُوحٌ ‏ ‏قَوْمَهُ وَلَكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن عُمَر فِي ذِكْر الدَّجَّال وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الْفِتَن , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله فِيهِ : \" وَلَقَدْ أَنْذَرَ نُوحٌ قَوْمَهُ \" وَخَصَّ نُوحًا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَوَّل مَنْ ذَكَرَهُ , وَهُوَ أَوَّل الرُّسُل الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْله تَعَالَى : ( شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ). ‏"
    },
    {
        "id": "3090",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا عَنْ ‏ ‏الدَّجَّالِ ‏ ‏مَا حَدَّثَ بِهِ نَبِيٌّ قَوْمَهُ إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ بِمِثَالِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَالَّتِي يَقُولُ إِنَّهَا الْجَنَّةُ هِيَ النَّارُ وَإِنِّي أُنْذِرُكُمْ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ ‏ ‏نُوحٌ ‏ ‏قَوْمَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة فِي الْمَعْنَى كَذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3091",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَجِيءُ ‏ ‏نُوحٌ ‏ ‏وَأُمَّتُهُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ‏ ‏هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ لَا مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ فَيَقُولُ ‏ ‏لِنُوحٍ ‏ ‏مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأُمَّتُهُ فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ ‏ ‏وَهُوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ‏ { ‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ‏} ‏وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي سَعِيد فِي شَهَادَة أُمَّةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنُوحٍ بِالتَّبْلِيغِ , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة , وَيَأْتِي فِي تَفْسِير سُورَة نُوح بَيَان السَّبَب فِي عِبَادَة قَوْم نُوح الْأَصْنَام. ‏"
    },
    {
        "id": "3092",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَيَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي دَعْوَةٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ ‏ ‏فَنَهَسَ ‏ ‏مِنْهَا ‏ ‏نَهْسَةً ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَنَا سَيِّدُ الْقَوْمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَلْ تَدْرُونَ بِمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُبْصِرُهُمْ النَّاظِرُ وَيُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وَتَدْنُو مِنْهُمْ الشَّمْسُ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ إِلَى مَا بَلَغَكُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ أَبُوكُمْ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ يَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا فَيَقُولُ رَبِّي غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَنَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى ‏ ‏نُوحٍ ‏ ‏فَيَأْتُونَ ‏ ‏نُوحًا ‏ ‏فَيَقُولُونَ يَا ‏ ‏نُوحُ ‏ ‏أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ نَفْسِي نَفْسِي ائْتُوا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَأْتُونِي فَأَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ فَيُقَالُ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏ارْفَعْ رَأْسَكَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ ‏ ‏تُعْطَهْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ‏ ‏لَا أَحْفَظُ سَائِرَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة فِي الشَّفَاعَة ‏ ‏قَوْلُهُ فِيهِ : ( دُعْوَة ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله الْوَلِيمَة. ‏ ‏وَقَوْله : ( فَرَفَعْت إِلَيْهِ الذِّرَاع ) ‏ ‏أَيْ ذِرَاع الشَّاة وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي الْأَطْعِمَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَنَهَسَ ) ‏ ‏بِنُونٍ وَمُهْمَلَة أَيْ أَخَذَ مِنْهَا بِأَطْرَافِ أَسْنَانه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ فِي الْمُعْجَمَة وَهُوَ قَرِيب مِنْ الْمُهْمَلَة , ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنَا سَيِّد النَّاس يَوْم الْقِيَامَة ) ‏ ‏خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِظُهُورِ ذَلِكَ لَهُ يَوْمَئِذٍ حَيْثُ تَكُون الْأَنْبِيَاء كُلّهمْ تَحْت لِوَائِهِ وَيَبْعَثهُ اللَّه الْمَقَام الْمَحْمُود كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي الرِّقَاق مَعَ تَتِمَّة شَرْح الْحَدِيث إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله : ‏ ‏\" فَيَقُولُونَ يَا نُوح أَنْتَ أَوَّل الرُّسُل إِلَى أَهْل الْأَرْض , وَسَمَّاك اللَّه عَبْدًا شَكُورًا \" ‏ ‏فَأَمَّا كَوْنه أَوَّل الرُّسُل فَقَدْ اُسْتُشْكِلَ بِأَنَّ آدَم كَانَ نَبِيًّا وَبِالضَّرُورَةِ تَعْلَم أَنَّهُ كَانَ عَلَى شَرِيعَة مِنْ الْعِبَادَة وَأَنَّ أَوْلَاده أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْهُ فَعَلَى هَذَا فَهُوَ رَسُول إِلَيْهِمْ فَيَكُون هَذَا أَوَّل رَسُول , فَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْأَوَّلِيَّة فِي قَوْل أَهْل الْمَوْقِف لِنُوحٍ مُقَيَّدَة بِقَوْلِهِمْ إِلَى أَهْل الْأَرْض لِأَنَّهُ فِي زَمَن آدَم لَمْ يَكُنْ لِلْأَرْضِ أَهْل أَوْ لِأَنَّ رِسَالَة آدَم إِلَى بَنِيهِ كَانَتْ كَالتَّرْبِيَةِ لِلْأَوْلَادِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ رَسُول أُرْسِلَ إِلَى بَنِيهِ وَغَيْرهمْ مِنْ الْأُمَم الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مَعَ تَفَرُّقهمْ فِي عِدَّة بِلَاد , وَآدَم إِنَّمَا أُرْسِلَ إِلَى بَنِيهِ فَقَطْ وَكَانُوا. مُجْتَمِعِينَ فِي بَلْدَة وَاحِدَة , وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضهمْ بِإِدْرِيس , وَلَا يَرِد لِأَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي كَوْنه جَدّ نُوح كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ هَذَا فِي أَوَّل كِتَاب التَّيَمُّم فِيمَا يَتَعَلَّق بِخُصُوصِيَّةِ نَبِيّنَا بِعُمُومِ الْبَعْثَة عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيع الْأَنْبِيَاء الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَأَمَّا قَوْلهمْ \" وَسَمَّاك اللَّه عَبْدًا شَكُورًا \" فَإِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ) وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق بِسَنَدٍ مَقْطُوعٍ \" إِنَّ نُوحًا كَانَ إِذَا ذَهَبَ إِلَى الْغَائِط قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي لَذَّتَهُ , وَأَبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ , وَأَذْهَب عَنِّي أَذَاهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3093",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو أَحْمَدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَرَأَ ‏ { ‏فَهَلْ مِنْ ‏ ‏مُدَّكِرٍ ‏ } ‏مِثْلَ قِرَاءَةِ الْعَامَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ اِبْن مَسْعُود فِي قِرَاءَة ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) ‏ ‏وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير اِقْتَرَبَتْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3094",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَنْبَسَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَبُو ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَنَزَلَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ ‏ ‏زَمْزَمَ ‏ ‏ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ فَلَمَّا جَاءَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏لِخَازِنِ السَّمَاءِ افْتَحْ قَالَ مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قَالَ مَعَكَ أَحَدٌ قَالَ مَعِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قَالَ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ فَافْتَحْ فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا إِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى فَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ‏ ‏وَالِابْنِ الصَّالِحِ قُلْتُ مَنْ هَذَا يَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قَالَ هَذَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ‏ ‏نَسَمُ ‏ ‏بَنِيهِ فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى ثُمَّ عَرَجَ بِي ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لِخَازِنِهَا افْتَحْ فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُ فَفَتَحَ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ ‏ ‏إِدْرِيسَ ‏ ‏وَمُوسَى ‏ ‏وَعِيسَى ‏ ‏وَإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَلَمْ يُثْبِتْ لِي كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا ‏ ‏وَإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فِي السَّادِسَةِ وَقَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَلَمَّا مَرَّ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏بِإِدْرِيسَ ‏ ‏قَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا ‏ ‏إِدْرِيسُ ‏ ‏ثُمَّ مَرَرْتُ ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏فَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏ثُمَّ مَرَرْتُ ‏ ‏بِعِيسَى ‏ ‏فَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏ثُمَّ مَرَرْتُ ‏ ‏بِإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ‏ ‏وَالِابْنِ الصَّالِحِ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏قَالَ وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ حَزْمٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَأَبَا حَيَّةَ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏كَانَا يَقُولَانِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏عُرِجَ ‏ ‏بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ ‏ ‏صَرِيفَ ‏ ‏الْأَقْلَامِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ حَزْمٍ ‏ ‏وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏مَا الَّذِي فَرَضَ عَلَى أُمَّتِكَ قُلْتُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً قَالَ فَرَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَوَضَعَ ‏ ‏شَطْرَهَا ‏ ‏فَرَجَعْتُ إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ رَاجِعْ رَبَّكَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَوَضَعَ ‏ ‏شَطْرَهَا ‏ ‏فَرَجَعْتُ إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَقَالَ هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ فَرَجَعْتُ إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ رَاجِعْ رَبَّكَ فَقُلْتُ قَدْ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى بِي السِّدْرَةَ الْمُنْتَهَى فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا ‏ ‏جَنَابِذُ ‏ ‏اللُّؤْلُؤِ وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3095",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نُصِرْتُ ‏ ‏بِالصَّبَا ‏ ‏وَأُهْلِكَتْ ‏ ‏عَادٌ ‏ ‏بِالدَّبُورِ ‏ ‏قَالَ وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نُعْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِذُهَيْبَةٍ فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ ‏ ‏الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ ثُمَّ الْمُجَاشِعِيِّ ‏ ‏وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ ‏ ‏وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ ‏ ‏ثُمَّ أَحَدِ ‏ ‏بَنِي نَبْهَانَ ‏ ‏وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ ‏ ‏ثُمَّ أَحَدِ ‏ ‏بَنِي كِلَابٍ ‏ ‏فَغَضِبَتْ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏وَالْأَنْصَارُ ‏ ‏قَالُوا يُعْطِي ‏ ‏صَنَادِيدَ ‏ ‏أَهْلِ نَجْدٍ ‏ ‏وَيَدَعُنَا قَالَ إِنَّمَا ‏ ‏أَتَأَلَّفُهُمْ ‏ ‏فَأَقْبَلَ رَجُلٌ ‏ ‏غَائِرُ ‏ ‏الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ ‏ ‏الْوَجْنَتَيْنِ ‏ ‏نَاتِئُ ‏ ‏الْجَبِينِ ‏ ‏كَثُّ ‏ ‏اللِّحْيَةِ مَحْلُوقٌ فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏فَقَالَ مَنْ يُطِعْ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُ أَيَأْمَنُنِي اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَلَا تَأْمَنُونِي فَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَتْلَهُ أَحْسِبُهُ ‏ ‏خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏فَمَنَعَهُ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ إِنَّ مِنْ ‏ ‏ضِئْضِئِ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏فِي عَقِبِ هَذَا ‏ ‏قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا ‏ ‏يُجَاوِزُ ‏ ‏حَنَاجِرَهُمْ ‏ ‏يَمْرُقُونَ ‏ ‏مِنْ الدِّينِ ‏ ‏مُرُوقَ ‏ ‏السَّهْمِ مِنْ ‏ ‏الرَّمِيَّةِ ‏ ‏يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ ‏ ‏الْأَوْثَانِ ‏ ‏لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ‏ ‏عَادٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن عَبَّاس وَفِيهِ ‏ ‏\" وَأُهْلِكَتْ عَاد بِالدَّبُورِ \" ‏ ‏وَوَرَدَ فِي صِفَة إِهْلَاكهمْ بِالرِّيحِ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَفَعَاهُ \" مَا فَتَحَ اللَّه عَلَى عَاد مِنْ الرِّيح إِلَّا مَوْضِع الْخَاتَم , فَمَرَّتْ بِأَهْلِ الْبَادِيَة فَحَمَلَتْهُمْ وَمَوَاشِيهمْ وَأَمْوَالهمْ بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض , فَرَآهُمْ الْحَاضِرَة فَقَالُوا : هَذَا عَارِض مُمْطِرنَا , فَأَلْقَتْهُمْ عَلَيْهِمْ فَهَلَكُوا جَمِيعًا \" وَحَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ فِي ذِكْر الْخَوَارِج. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اِبْن كَثِير عَنْ سُفْيَان ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا , وَأَوْرَدَهُ. فِي تَفْسِير بَرَاءَة قَائِلًا : \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كَثِير \" فَوَصَلَهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَسُقْهُ بِتَمَامِهِ وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى طَرَف مِنْ أَوَّله وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله : \" لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْل عَاد \" أَيْ قَتْلًا لَا يُبْقِي مِنْهُمْ أَحَدًا , إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى : ( فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ) وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَقْتُلهُمْ بِالْآلَةِ الَّتِي قُتِلَتْ بِهَا عَاد بِعَيْنِهَا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ الْإِضَافَة إِلَى الْفَاعِل وَيُرَاد بِهِ الْقَتْل الشَّدِيد الْقَوِيّ , إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمْ مَوْصُوفُونَ بِالشِّدَّةِ وَالْقُوَّة , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي طَرِيق أُخْرَى \" قَتْل ثَمُود \". ‏"
    },
    {
        "id": "3096",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ ‏ { ‏فَهَلْ مِنْ ‏ ‏مُدَّكِرٍ ‏ }",
        "sharh": "حَدِيثُ عَبْد اللَّه \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأ : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ \" وَسَيَأْتِي فِي التَّفْسِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3097",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَتْهُ عَنْ ‏ ‏أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيْلٌ ‏ ‏لِلْعَرَبِ ‏ ‏مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ ‏ ‏رَدْمِ ‏ ‏يَأْجُوجَ ‏ ‏وَمَأْجُوجَ ‏ ‏مِثْلُ هَذِهِ وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا قَالَتْ ‏ ‏زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ إِذَا كَثُرَ ‏ ‏الْخَبَثُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ زَيْنَب بِنْت جَحْش فِي ذِكْر رَدْم يَأْجُوج وَمَأْجُوج , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي آخِر كِتَاب الْفِتَن. ‏"
    },
    {
        "id": "3098",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَتَحَ اللَّهُ مِنْ ‏ ‏رَدْمِ ‏ ‏يَأْجُوجَ ‏ ‏وَمَأْجُوجَ ‏ ‏مِثْلَ هَذَا وَعَقَدَ بِيَدِهِ تِسْعِينَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة نَحْوه بِاخْتِصَارٍ وَيَأْتِي هُنَاكَ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3099",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ‏ ‏يَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ فَيَقُولُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ قَالَ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ ‏ { ‏وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ‏} ‏قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ قَالَ أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ ‏ ‏يَأْجُوجَ ‏ ‏وَمَأْجُوجَ ‏ ‏أَلْفًا ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي سَعِيد فِي بَعْث النَّار , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي أَوَاخِر الرِّقَاق. وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا ذِكْر يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَالْإِشَارَة إِلَى كَثْرَتهمْ وَأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ نَحْو عُشْر عُشْر الْعُشْر وَأَنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّة آدَم رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ خِلَاف ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3100",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً ‏ ‏غُرْلًا ‏ ‏ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ‏} ‏وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَيَقُولُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ ‏ { ‏وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏}",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن عَبَّاس فِي صِفَة الْحَشْر , وَالْمَقْصُود مِنْهُ ‏ ‏قَوْله : \" وَأَوَّل مَنْ يُكْسَى يَوْم الْقِيَامَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام \" ‏ ‏وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْأَسْمَاء \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا : \" أَوَّل مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيم حُلَّة مِنْ الْجَنَّة , وَيُؤْتَى بِكُرْسِيٍّ فَيُطْرَح عَنْ يَمِين الْعَرْش , وَيُؤْتَى بِي فَأُكْسَى حُلَّة لَا يَقُوم لَهَا الْبَشَر \" وَيُقَال إِنَّ الْحِكْمَة فِي خُصُوصِيَّة إِبْرَاهِيم بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ أُلْقِيَ فِي النَّار عُرْيَانًا , وَقِيلَ : لِأَنَّهُ أَوَّل مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيل. وَلَا يَلْزَم مِنْ خُصُوصِيَّته عَلَيْهِ السَّلَام بِذَلِكَ تَفْضِيله عَلَى نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ الْمَفْضُول قَدْ يَمْتَاز بِشَيْءٍ يُخَصّ بِهِ وَلَا يَلْزَم مِنْهُ الْفَضِيلَة الْمُطْلَقَة. وَيُمْكِن أَنْ يُقَال لَا يَدْخُل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْمُتَكَلِّم لَا يَدْخُل فِي عُمُوم خِطَابه. وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي أَوَاخِر الرِّقَاق. وَقَدْ ثَبَتَ لِإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام أَوَّلِيَّات أُخْرَى كَثِيرَة : مِنْهَا أَوَّل مَنْ ضَافَ الضَّيْف , وَقَصَّ الشَّارِب وَاخْتَتَنَ وَرَأَى الشَّيْب وَغَيْر ذَلِكَ , وَقَدْ أَتَيْت عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ فِي كِتَابِي \" إِقَامَة الدَّلَائِل عَلَى مَعْرِفَة الْأَوَائِل \" وَسَيَأْتِي شَرْح حَدِيث الْبَاب مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3101",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَبْدُ الْحَمِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَلْقَى ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏آزَرَ ‏ ‏يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ ‏ ‏آزَرَ ‏ ‏قَتَرَةٌ ‏ ‏وَغَبَرَةٌ فَيَقُولُ لَهُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي فَيَقُولُ أَبُوهُ فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ فَيَقُولُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ‏ ‏إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ ثُمَّ يُقَالُ يَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ ‏ ‏بِذِيخٍ ‏ ‏مُلْتَطِخٍ فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة \" يَلْقَى إِبْرَاهِيم أَبَاهُ آزَرَ يَوْم الْقِيَامَة \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي تَفْسِير الشُّعَرَاء إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3102",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏بُكَيْرًا ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْبَيْتَ فَوَجَدَ فِيهِ صُورَةَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَصُورَةَ ‏ ‏مَرْيَمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَمَا لَهُمْ فَقَدْ سَمِعُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ هَذَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏مُصَوَّرٌ فَمَا لَهُ ‏ ‏يَسْتَقْسِمُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن عَبَّاس فِي رُؤْيَة الصُّوَر فِي الْبَيْت أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ , وَقَدْ مَضَى أَيْضًا فِي الْحَجّ , وَيَأْتِي شَرْحه فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْأَزْلَامِ فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3103",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي الْبَيْتِ لَمْ يَدْخُلْ حَتَّى أَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ وَرَأَى ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَإِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَلَيْهِمَا السَّلَام ‏ ‏بِأَيْدِيهِمَا ‏ ‏الْأَزْلَامُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏قَاتَلَهُمْ اللَّهُ وَاللَّهِ إِنْ اسْتَقْسَمَا ‏ ‏بِالْأَزْلَامِ ‏ ‏قَطُّ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3104",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ قَالَ ‏ ‏أَتْقَاهُمْ فَقَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ قَالَ ‏ ‏فَيُوسُفُ ‏ ‏نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ قَالَ فَعَنْ مَعَادِنِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏تَسْأَلُونِ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏وَمُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة \" قِيلَ يَا رَسُول اللَّه مَنْ أَكْرَم النَّاس \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي قِصَّة يَعْقُوب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو أُسَامَة وَمُعْتَمِر عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُمَا خَالَفَا يَحْيَى الْقَطَّان فِي الْإِسْنَاد فَلَمْ يَقُولَا فِيهِ \" عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ \" وَرِوَايَة أَبِي أُسَامَة وَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي قِصَّة يُوسُف , وَرِوَايَة مُعْتَمِر وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي قِصَّة يَعْقُوب. ‏"
    },
    {
        "id": "3105",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُؤَمَّلٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَمُرَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ طَوِيلٍ لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا وَإِنَّهُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ سَمُرَة فِي الْمَنَام الطَّوِيل الَّذِي تَقَدَّمَ مَعَ بَعْض شَرْحه فِي آخِر الْجَنَائِز , ذَكَرَ مِنْهُ هُنَا طَرَفًا وَهُوَ ‏ ‏قَوْله : \" فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُل طَوِيل لَا أَكَاد أَرَى رَأْسه طُولًا وَإِنَّهُ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي كِتَاب التَّعْبِير. ‏"
    },
    {
        "id": "3106",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏وَذَكَرُوا لَهُ ‏ ‏الدَّجَّالَ ‏ ‏بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ أَوْ ‏ ‏ك ‏ ‏ف ‏ ‏ر قَالَ لَمْ أَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ ‏ ‏أَمَّا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ وَأَمَّا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَجَعْدٌ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ ‏ ‏مَخْطُومٍ ‏ ‏بِخُلْبَةٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن عَبَّاس وَقَدْ سَبَقَ فِي الْحَجّ وَيَأْتِي شَرْحه فِي ذِكْر الدَّجَّال وَغَيْره , وَالْغَرَض مِنْهُ ‏ ‏قَوْله : \" أَمَّا إِبْرَاهِيم فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبكُمْ \" ‏ ‏وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى نَفْسه فَإِنَّهُ كَانَ أَشْبَه النَّاس بِإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام. ‏"
    },
    {
        "id": "3107",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اخْتَتَنَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً ‏ ‏بِالْقَدُّومِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏بِالْقَدُومِ ‏ ‏مُخَفَّفَةً ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَجْلَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة \" اِخْتَتَنَ إِبْرَاهِيم وَهُوَ اِبْن ثَمَانِينَ سَنَة بِالْقَدُّومِ \" ‏ ‏رَوَيْنَاهُ بِالتَّشْدِيدِ عَنْ الْأَصِيلِيِّ وَالْقَابِسِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة غَيْرهمَا بِالتَّخْفِيفِ , قَالَ النَّوَوِيّ : لَمْ يَخْتَلِف الرُّوَاة عِنْد مُسْلِم فِي التَّخْفِيف , وَأَنْكَرَ يَعْقُوب بْن شَيْبَة التَّشْدِيد أَصْلًا , وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِهِ فَقِيلَ : هُوَ اِسْم مَكَان , وَقِيلَ اِسْم آلَة النَّجَّار , فَعَلَى الثَّانِي هُوَ بِالتَّخْفِيفِ لَا غَيْرُ , وَعَلَى الْأَوَّل فَفِيهِ اللُّغَتَانِ , هَذَا قَوْل الْأَكْثَر وَعَكَسَهُ الدَّاوُدِيُّ , وَقَدْ أَنْكَرَ اِبْن السِّكِّيت التَّشْدِيد فِي الْآلَة , ثُمَّ اُخْتُلِفَ فَقِيلَ هِيَ قَرْيَة بِالشَّامِ , وَقِيلَ ثَنِيَّة بِالسَّرَاةِ , وَالرَّاجِح أَنَّ الْمُرَاد فِي الْحَدِيث الْآلَة , فَقَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن رَبَاح قَالَ : \" أُمِرَ إِبْرَاهِيم بِالْخِتَانِ , فَاخْتَتَنَ بِقَدُّوم فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ , فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنْ عَجِلْت قَبْل أَنْ نَأْمُرك بِآلَتِهِ , فَقَالَ : يَا رَبّ كَرِهْت أَنْ أُؤَخِّر أَمْرك \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَان حَدَّثَنَا شُعَيْب حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَاد وَقَالَ بِالْقَدُومِ مُخَفَّفَة ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُ رَوَى الْحَدِيث الْمَذْكُور بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَوَّلًا وَصَرَّحَ بِتَخْفِيفِ الدَّال , وَهَذَا يُؤَيِّد رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ وَالْقَابِسِيّ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ تَقْدِيم رِوَايَة أَبِي الْيَمَان بَعْد رِوَايَة قُتَيْبَة , وَالَّذِي هُنَا هُوَ الْمُعْتَمَد. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق عَنْ أَبِي الزِّنَاد وَتَابَعَهُ عَجْلَان عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَرَوَاهُ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏أَمَّا مُتَابَعَة عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق فَوَصَلَهَا مُسَدَّد فِي مُسْنَده عَنْ بِشْر بْن الْمُفَضَّل عَنْهُ وَلَفْظه \" اِخْتَتَنَ إِبْرَاهِيم بَعْدَمَا مَرَّتْ بِهِ ثَمَانُونَ وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ \" وَأَمَّا مُتَابَعَة عَجْلَان فَوَصَلَهَا أَحْمَد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ اِبْن عَجْلَان مِثْل رِوَايَة قُتَيْبَة , وَأَمَّا رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو فَوَصَلَهَا أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَده مِنْ هَذَا الْوَجْه وَلَفْظه \" اِخْتَتَنَ إِبْرَاهِيم عَلَى رَأْس ثَمَانِينَ سَنَة وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ \" فَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الرِّوَايَات عَلَى أَنَّهُ كَانَ اِبْن ثَمَانِينَ سَنَة عِنْد اِخْتِتَانه. وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأ مَوْقُوفًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. وَعِنْد اِبْن حِبَّان مَرْفُوعًا \" أَنَّ إِبْرَاهِيم اِخْتَتَنَ وَهُوَ اِبْن مِائَة وَعِشْرِينَ سَنَة \" وَالظَّاهِر أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ الْمَتْن شَيْء فَإِنَّ هَذَا الْقَدْر هُوَ مِقْدَار عُمُره , وَوَقَعَ فِي آخِر \" كِتَاب الْعَقِيقَة لِأَبِي الشَّيْخ \" مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيَّب مَوْصُولًا مَرْفُوعًا مِثْله وَزَادَ \" وَعَاشَ بَعْد ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَة \" فَعَلَى هَذَا يَكُون عَاشَ مِائَتَيْ سَنَة وَاللَّهُ أَعْلَم. وَجَمَعَ بَعْضهمْ بِأَنَّ الْأَوَّل حُسِبَ مِنْ مَبْدَأ نُبُوَّته وَالثَّانِي مِنْ مَبْدَأ مَوْلِده. ‏"
    },
    {
        "id": "3108",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ الرُّعَيْنِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَكْذِبْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏إِلَّا ثَلَاثًا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمْ يَكْذِبْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلُهُ ‏ { ‏إِنِّي ‏ ‏سَقِيمٌ ‏ } ‏وَقَوْلُهُ ‏ { ‏بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ‏} ‏وَقَالَ بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ ‏ ‏وَسَارَةُ ‏ ‏إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنْ الْجَبَابِرَةِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ مَنْ هَذِهِ قَالَ أُخْتِي فَأَتَى ‏ ‏سَارَةَ ‏ ‏قَالَ يَا ‏ ‏سَارَةُ ‏ ‏لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي فَلَا تُكَذِّبِينِي فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ فَقَالَ ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ فَدَعَتْ اللَّهَ فَأُطْلِقَ ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ فَقَالَ ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ فَأَخْدَمَهَا ‏ ‏هَاجَرَ ‏ ‏فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ ‏ ‏يُصَلِّي فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ مَهْيَا قَالَتْ رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ أَوْ الْفَاجِرِ فِي نَحْرِهِ وَأَخْدَمَ ‏ ‏هَاجَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن تَلِيد ) ‏ ‏بِفَتْح الْمُثَنَّاة وَكَسْر اللَّام وَبَعْد التَّحْتَانِيَّة السَّاكِنَة مُهْمَلَة الرُّعَيْنِيُّ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَنُون مُصَغَّر مِصْرِيّ مَشْهُور , وَأَيُّوب هُوَ السِّخْتِيَانِيّ , وَمُحَمَّد هُوَ اِبْن سِيرِينَ. وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَيُّوب وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب , وَلَمْ يَقَع التَّصْرِيح بِرَفْعِهِ فِي رِوَايَته , وَقَدْ رَوَاهُ فِي النِّكَاح عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد فَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظه , وَلَمْ يَقَع رَفْعُهُ هُنَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ وَلَا كَرِيمَة , وَهُوَ الْمُعْتَمَد فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد , وَكَذَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر غَيْر مَرْفُوع , وَالْحَدِيث فِي الْأَصْل مَرْفُوع كَمَا فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم وَكَمَا فِي رِوَايَة هِشَام بْن حَسَّان عَنْ اِبْن سِيرِينَ عِنْد النَّسَائِيِّ وَالْبَزَّار وَابْن حِبَّان وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع مِنْ رِوَايَة الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا , وَلَكِنَّ اِبْن سِيرِينَ كَانَ غَالِبًا لَا يُصَرِّح بِرَفْعِ كَثِير مِنْ حَدِيثه. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَمْ يَكْذِب إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَّا ثَلَاث كَذَبَات ) ‏ ‏قَالَ أَبُو الْبَقَاء : الْجَيِّد أَنْ يُقَال بِفَتْح الذَّال فِي الْجَمْع لِأَنَّهُ جَمْع كَذْبَة بِسُكُونِ الذَّال وَهُوَ اِسْم لَا صِفَة لِأَنَّك تَقُول كَذَبَ كَذْبَة كَمَا تَقُول رَكَعَ رَكْعَة وَلَوْ كَانَ صِفَة لَكَانَ فِي الْجَمْع , وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا الْحَصْر مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي زُرْعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي حَدِيث الشَّفَاعَة الطَّوِيل فَقَالَ فِي قِصَّة إِبْرَاهِيم : وَذَكَرَ كَذَبَاته , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق أُخْرَى مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَالَ فِي آخِره , وَزَادَ فِي قِصَّة إِبْرَاهِيم وَذَكَرَ قَوْله فِي الْكَوْكَب : ( هَذَا رَبِّي ) وَقَوْله لِآلِهَتِهِمْ : ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ) وَقَوْله : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) اِنْتَهَى. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : ذِكْر الْكَوْكَب يَقْتَضِي أَنَّهَا أَرْبَع , وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ بِصِيغَةِ الْحَصْر فَيَحْتَاج فِي ذِكْر الْكَوْكَب إِلَى تَأْوِيل. قُلْت : الَّذِي يَظْهَر أَنَّهَا وَهْم مِنْ بَعْض الرُّوَاة فَإِنَّهُ ذَكَرَ قَوْله فِي الْكَوْكَب بَدَل قَوْله فِي سَارَةَ , وَالَّذِي اِتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الطُّرُق ذِكْر سَارَةَ دُون الْكَوْكَب , وَكَأَنَّهُ لَمْ يُعَدَّ مَعَ أَنَّهُ أَدْخَل مِنْ ذِكْر سَارَةَ لِمَا نُقِلَ أَنَّهُ قَالَهُ فِي حَال الطُّفُولِيَّة فَلَمْ يَعُدّهَا لِأَنَّ حَال الطُّفُولِيَّة لَيْسَتْ بِحَالِ تَكْلِيف وَهَذِهِ طَرِيقَة اِبْن إِسْحَاق , وَقِيلَ : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بَعْد الْبُلُوغ لَكِنَّهُ قَالَهُ عَلَى طَرِيق الِاسْتِفْهَام الَّذِي يُقْصَد بِهِ التَّوْبِيخ , وَقِيلَ قَالَهُ عَلَى طَرِيق الِاحْتِجَاج عَلَى قَوْمه تَنْبِيه عَلَى أَنَّ الَّذِي يَتَغَيَّر لَا يَصْلُح لِلرُّبُوبِيَّةِ وَهَذَا قَوْل الْأَكْثَر إِنَّهُ قَالَ تَوْبِيخًا لِقَوْمِهِ أَوْ تَهَكُّمًا بِهِمْ وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَلِهَذَا لَمْ يُعَدّ ذَلِكَ فِي الْكَذَبَات وَأَمَّا إِطْلَاقه الْكَذِب عَلَى الْأُمُور الثَّلَاثَة فَلِكَوْنِهِ قَالَ قَوْلًا يَعْتَقِدهُ السَّامِع كَذِبًا لَكِنَّهُ إِذَا حُقِّقَ لَمْ يَكُنْ كَذِبًا لِأَنَّهُ مِنْ بَاب الْمَعَارِيض الْمُحْتَمِلَة لِلْأَمْرَيْنِ فَلَيْسَ بِكَذِبٍ مَحْض , فَقَوْله : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) يُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَرَادَ إِنِّي سَقِيمٌ أَيْ سَأُسْقَمُ وَاسْم الْفَاعِل يُسْتَعْمَل بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَل كَثِيرًا , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ إِنِّي سَقِيمٌ بِمَا قُدِّرَ عَلَيَّ مِنْ الْمَوْت أَوْ سَقِيم الْحُجَّة عَلَى الْخُرُوج مَعَكُمْ , وَحَكَى النَّوَوِيّ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ كَانَ تَأْخُذهُ الْحُمَّى فِي ذَلِكَ الْوَقْت , وَهُوَ بَعِيد لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كَذِبًا لَا تَصْرِيحًا وَلَا تَعْرِيضًا , وَقَوْله : ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ) قَالَ الْقُرْطُبِيّ هَذَا قَالَهُ تَمْهِيدًا لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ الْأَصْنَام لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ وَقَطْعًا لِقَوْمِهِ فِي قَوْلهمْ إِنَّهَا تَضُرّ وَتَنْفَع , وَهَذَا الِاسْتِدْلَال يَتَجَوَّز فِيهِ الشَّرْط الْمُتَّصِل , وَلِهَذَا أَرْدَفَ قَوْله : ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ) بِقَوْلِهِ : ( فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ) قَالَ اِبْن قُتَيْبَة مَعْنَاهُ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ فَقَدْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا , فَالْحَاصِل أَنَّهُ مُشْتَرَط بِقَوْلِهِ : ( إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ) أَوْ أَنَّهُ أَسْنَدَ إِلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ السَّبَب. وَعَنْ الْكِسَائِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقِف عِنْد قَوْله بَلْ فَعَلَهُ أَيْ فَعَلَهُ مَنْ فَعَلَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ ثُمَّ يَبْتَدِئ كَبِيرهمْ هَذَا وَهَذَا خَبَر مُسْتَقِلّ ثُمَّ يَقُول فَاسْأَلُوهُمْ إِلَى آخِره , وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه. وَقَوْله \" هَذِهِ أُخْتِي \" يُعْتَذَر عَنْهُ بِأَنَّ مُرَاده أَنَّهَا أُخْته فِي الْإِسْلَام كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا , قَالَ اِبْن عُقَيْل : دَلَالَة الْعَقْل تَصْرِف ظَاهِر إِطْلَاق الْكَذِب عَلَى إِبْرَاهِيم , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَقْل قَطَعَ بِأَنَّ الرَّسُول يَنْبَغِي أَنْ يَكُون مَوْثُوقًا بِهِ لِيُعْلَم صِدْق مَا جَاءَ بِهِ عَنْ اللَّه , وَلَا ثِقَة مَعَ تَجْوِيز الْكَذِب عَلَيْهِ , فَكَيْفَ مَعَ وُجُود الْكَذِب مِنْهُ , إِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ بِصُورَةِ الْكَذِب عِنْد السَّامِع , وَعَلَى تَقْدِيره فَلَمْ يَصْدُر ذَلِكَ مِنْ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام - يَعْنِي إِطْلَاق الْكَذِب عَلَى ذَلِكَ - إِلَّا فِي حَال شِدَّة الْخَوْف لِعُلُوِّ مَقَامه , وَإِلَّا فَالْكَذِب الْمَحْض فِي مِثْل تِلْكَ الْمَقَامَات يَجُوز , وَقَدْ يَجِب لِتَحَمُّلِ أَخَفّ الضَّرَرَيْنِ دَفْعًا لِأَعْظَمِهِمَا , وَأَمَّا تَسْمِيَته إِيَّاهَا كَذَبَات فَلَا يُرِيد أَنَّهَا تُذَمّ , فَإِنَّ الْكَذِب وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا مُخِلًّا لَكِنَّهُ قَدْ يَحْسُن فِي مَوَاضِع وَهَذَا مِنْهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَات اللَّه ) ‏ ‏خَصَّهُمَا بِذَلِكَ لِأَنَّ قِصَّة سَارَةَ وَإِنْ كَانَتْ أَيْضًا فِي ذَات اللَّه لَكِنْ تَضَمَّنَتْ حَظًّا لِنَفْسِهِ وَنَفْعًا لَهُ بِخِلَافِ الثِّنْتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَإِنَّهُمَا فِي ذَات اللَّه مَحْضًا , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام بْن حَسَّان الْمَذْكُورَة \" إِنَّ إِبْرَاهِيم لَمْ يَكْذِب قَطُّ إِلَّا ثَلَاث كَذَبَات كُلّ ذَلِكَ فِي ذَات اللَّه \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ أَحْمَد \" وَاللَّهِ إِنْ جَادَلَ بِهِنَّ إِلَّا عَنْ دِين اللَّه \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَيْنَا هُوَ ذَات يَوْم وَسَارَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَوَاحِدَة فِي شَأْن سَارَةَ \" فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْض جَبَّار وَمَعَهُ سَارَةَ وَكَانَتْ أَحْسَن النَّاس وَاسْم الْجَبَّار الْمَذْكُور عَمْرو بْن اِمْرِئِ الْقَيْس بْن سَبَأ وَإِنَّهُ كَانَ عَلَى مِصْر , ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ وَهُوَ قَوْل اِبْن هِشَام فِي \" التِّيجَان \" وَقِيلَ : اِسْمه صَادُوقٌ وَحَكَاهُ اِبْن قُتَيْبَة وَكَانَ عَلَى الْأُرْدُنّ , وَقِيلَ : سِنَان بْن عِلْوَان بْن عُبَيْد بْن عَرِيج بْن عِمْلَاق بْن لَاوِدِ بْن سَام بْن نُوح حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ وَيُقَال إِنَّهُ أَخُو الضَّحَّاك الَّذِي مَلَكَ الْأَقَالِيم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقِيلَ لَهُ إِنَّ هَذَا رَجُل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" إِنَّ هَاهُنَا رَجُلًا \" وَفِي كِتَاب التِّيجَان أَنَّ قَائِل ذَلِكَ رَجُل كَانَ إِبْرَاهِيم يَشْتَرِي مِنْهُ الْقَمْح فَنَمَّ عَلَيْهِ عِنْد الْمَلِك , وَذَكَرَ أَنَّ مِنْ جُمْلَة مَا قَالَهُ لِلْمَلِكِ إِنِّي رَأَيْتهَا تَطْحَن , وَهَذَا هُوَ السَّبَب فِي إِعْطَاء الْمَلِك لَهَا هَاجَرَ فِي آخِر الْأَمْر وَقَالَ إِنَّ هَذِهِ لَا تَصْلُح أَنْ تَخْدِم نَفْسهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ أَحْسَن النَّاس ) ‏ ‏فِي صَحِيح مُسْلِم فِي حَدِيث الْإِسْرَاء الطَّوِيل مِنْ رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس فِي ذِكْر يُوسُف أُعْطِيَ شَطْر الْحُسْن , زَادَ أَبُو يَعْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْه أُعْطِيَ يُوسُف وَأُمّه شَطْر الْحُسْن يَعْنِي سَارَةَ , وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج الْمَاضِيَة فِي أَوَاخِر الْبُيُوع \" هَاجَرَ إِبْرَاهِيم بِسَارَةَ فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَة فِيهَا مَلِك أَوْ جَبَّار , فَقِيلَ : دَخَلَ إِبْرَاهِيم بِامْرَأَةٍ هِيَ مِنْ أَحْسَن النِّسَاء \" وَاخْتُلِفَ فِي وَالِد سَارَةَ مَعَ الْقَوْل بِأَنَّ اِسْمه هَارَان فَقِيلَ : هُوَ مَلِك حَرَّان وَإِنَّ إِبْرَاهِيم تَزَوَّجَهَا لَمَّا هَاجَرَ مِنْ بِلَاد قَوْمه إِلَى حَرَّان وَقِيلَ : هِيَ اِبْنَة أَخِيهِ وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة حَكَاهُ اِبْن قُتَيْبَة وَالنَّقَّاش وَاسْتُبْعِدَ , وَقِيلَ : بَلْ هِيَ بِنْت عَمّه , وَتُوَافِق الِاسْمَانِ , وَقَدْ قِيلَ فِي اِسْم أَبِيهَا تَوْبَل. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ مَنْ هَذِهِ قَالَ أُخْتِي فَأَتَى سَارَةَ فَقَالَ يَا سَارَةُ لَيْسَ عَلَى وَجْه الْأَرْض إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِر فِي أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْهَا أَوَّلًا ثُمَّ أَعْلَمَهَا بِذَلِكَ لِئَلَّا تَكْذِبهُ عِنْده , وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن حَسَّان أَنَّهُ قَالَ لَهَا : \" إِنَّ هَذَا الْجَبَّار إِنْ يَعْلَم أَنَّك اِمْرَأَتِي يَغْلِبنِي عَلَيْك فَإِنْ سَأَلَك فَأَخْبِرِيهِ أَنَّك أُخْتِي , وَأَنَّك أُخْتِي فِي الْإِسْلَام , فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضه رَآهَا بَعْض أَهْل الْجَبَّار فَأَتَاهُ فَقَالَ : لَقَدْ قَدِمَ أَرْضك اِمْرَأَة لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُون إِلَّا لَك , فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا \" الْحَدِيث فَيُمْكِن أَنْ يُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ إِبْرَاهِيم أَحَسَّ بِأَنَّ الْمَلِك سَيَطْلُبُهَا مِنْهُ فَأَوْصَاهَا بِمَا أَوْصَاهَا , فَلَمَّا وَقَعَ مَا حَسِبَهُ أَعَادَ عَلَيْهَا الْوَصِيَّة. وَاخْتُلِفَ فِي السَّبَب الَّذِي حَمَلَ إِبْرَاهِيم عَلَى هَذِهِ الْوَصِيَّة مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الظَّالِم يُرِيد اِغْتِصَابهَا عَلَى نَفْسهَا أُخْتًا كَانَتْ أَوْ زَوْجَة , فَقِيلَ : كَانَ مِنْ دِين ذَلِكَ الْمَلِك أَنْ لَا يَتَعَرَّض إِلَّا لِذَوَاتِ الْأَزْوَاج , كَذَا قِيلَ , وَيَحْتَاج إِلَى تَتِمَّة وَهُوَ أَنَّ إِبْرَاهِيم أَرَادَ دَفْع أَعْظَم الضَّرَرَيْنِ بِارْتِكَابِ أَخَفّهمَا , وَذَلِكَ أَنَّ اِغْتِصَاب الْمَلِك إِيَّاهَا وَاقِع لَا مَحَالَة , لَكِنْ إِنْ عَلِمَ أَنَّ لَهَا زَوْجًا فِي الْحَيَاة حَمَلَتْهُ الْغَيْرَة عَلَى قَتْله وَإِعْدَامه أَوْ حَبْسه وَإِضْرَاره , بِخِلَافِ مَا إِذَا عَلِمَ أَنَّ لَهَا أَخًا فَإِنَّ الْغَيْرَة حِينَئِذٍ تَكُون مِنْ قِبَل الْأَخ خَاصَّة لَا مِنْ قِبَل الْمَلِك فَلَا يُبَالِي بِهِ. وَقِيلَ : أَرَادَ إِنْ عَلِمَ أَنَّك اِمْرَأَتِي أَلْزَمَنِي بِالطَّلَاقِ , وَالتَّقْرِير الَّذِي قَرَّرْته جَاءَ صَرِيحًا عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيره مِنْ طَرِيقه. وَقِيلَ : مِنْ دِين الْمَلِك أَنَّ الْأَخ أَحَقّ بِأَنْ تَكُون أُخْته زَوْجَته مِنْ غَيْره فَلِذَلِكَ قَالَ هِيَ أُخْتِي اِعْتِمَادًا عَلَى مَا يَعْتَقِدهُ الْجَبَّار فَلَا يُنَازِعهُ فِيهَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ هِيَ أُخْتِي وَأَنَا زَوْجهَا فَلِمَ اِقْتَصَرَ عَلَى قَوْله هِيَ أُخْتِي ؟ وَأَيْضًا فَالْجَوَاب إِنَّمَا يُفِيد لَوْ كَانَ الْجَبَّار يُرِيد أَنْ يَتَزَوَّجهَا لَا أَنْ يَغْتَصِبهَا نَفْسهَا. وَذَكَرَ الْمُنْذِرِيُّ فِي \" حَاشِيَة السُّنَن \" عَنْ بَعْض أَهْل الْكِتَاب أَنَّهُ كَانَ مِنْ رَأْي الْجَبَّار الْمَذْكُور أَنَّ مَنْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَة لَا يَقْرَبهَا حَتَّى يَقْتُل زَوْجهَا فَلِذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيم هِيَ أُخْتِي , لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ عَادِلًا خَطَبَهَا مِنْهُ ثُمَّ يَرْجُو مُدَافَعَته عَنْهَا , وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا خَلَصَ مِنْ الْقَتْل , وَلَيْسَ هَذَا بِبَعِيدٍ مِمَّا قَرَّرْته أَوَّلًا , وَهَذَا أُخِذَ مِنْ كَلَام اِبْن الْجَوْزِيّ فِي \" مُشْكِل الصَّحِيحَيْنِ \" فَإِنَّهُ نَقَلَهُ عَنْ بَعْض عُلَمَاء أَهْل الْكِتَاب أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ بِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَيْسَ عَلَى وَجْه الْأَرْض مُؤْمِن غَيْرِي وَغَيْرك ) ‏ ‏يَشْكُل عَلَيْهِ كَوْن لُوط كَانَ مَعَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَآمَنَ لَهُ لُوط ) , وَيُمْكِن أَنْ يُجَاب بِأَنَّ مُرَاده بِالْأَرْضِ الْأَرْض الَّتِي وَقَعَ لَهُ فِيهَا مَا وَقَعَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ لُوط إِذْ ذَاكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ ) ‏ ‏كَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , وَفِي بَعْضهَا \" ذَهَبَ يُنَاوِلهَا يَده \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقَامَ إِبْرَاهِيم إِلَى الصَّلَاة , فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْمَلِك لَمْ يَتَمَالَك أَنْ بَسَطَ يَده إِلَيْهَا فَقَبَضَتْ يَده قَبْضَة شَدِيدَة \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج مِنْ الزِّيَادَة \" فَقَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي \" وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة : \" فَغُطَّ \" هُوَ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة فِي أَوَّله , وَقَوْله : حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ يَعْنِي أَنَّهُ اِخْتَنَقَ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ مَصْرُوع , قِيلَ : الْغَطّ صَوْت النَّائِم مِنْ شِدَّة النَّفْخ , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ ضُبِطَ فِي بَعْض الْأُصُول \" فَغَطَّ \" بِفَتْح الْغَيْن وَالصَّوَاب ضَمّهَا , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُ عُوقِبَ تَارَة بِقَبْضِ يَده وَتَارَة بِانْصِرَاعِهِ. وَقَوْله : \" فَدَعَتْ \" مِنْ الدُّعَاء فِي رِوَايَة الْأَعْرَج الْمَذْكُورَة وَلَفْظه \" فَقَالَتْ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْت تَعْلَم أَنِّي آمَنْت بِك وَبِرَسُولِك وَأَحْصَنْت فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّط عَلَيَّ الْكَافِر \" وَيُجَاب عَنْ قَوْلهَا \" إِنْ كُنْت \" مَعَ كَوْنهَا قَاطِعَة بِأَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى يَعْلَم ذَلِكَ بِأَنَّهَا ذَكَرَتْهُ عَلَى سَبِيل الْفَرْض هَضْمًا لِنَفْسِهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَ اِدْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرّك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقَالَ لَهَا اِدْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِق يَدَيَّ فَفَعَلَتْ \" فِي رِوَايَة أَبِي الزِّنَاد الْمَذْكُورَة \" قَالَ أَبُو سَلَمَة قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : قَالَتْ اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يَقُولُوا هِيَ الَّتِي قَتَلَتْهُ قَالَ فَأُرْسِلَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقَبَضَتْ أَشَدَّ مِنْ الْقَبْضَة الْأُولَى \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَدَعَا بَعْض حَجَبَتِهِ ) ‏ ‏بِفَتْح الْمُهْمَلَة وَالْجِيم وَالْمُوَحَّدَة جَمْع حَاجِب , فِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا \" وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّك لَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ , إِنَّمَا أَتَيْتنِي بِشَيْطَانٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلَّا شَيْطَانًا , أَرْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيم \" وَهَذَا يُنَاسِب مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الصَّرْع , وَالْمُرَاد بِالشَّيْطَانِ الْمُتَمَرِّد مِنْ الْجِنّ , وَكَانُوا قَبْل الْإِسْلَام يُعَظِّمُونَ أَمْر الْجِنّ جِدًّا وَيَرَوْنَ كُلّ مَا وَقَعَ مِنْ الْخَوَارِق مِنْ فِعْلهمْ وَتَصَرُّفهمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ ) ‏ ‏أَيْ وَهَبَهَا لَهَا لِتَخْدُمهَا لِأَنَّهُ أَعْظَمهَا أَنْ تَخْدِم نَفْسهَا. وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي وَأَعْطِهَا آجَرَ \" ذَكَرَهَا بِهَمْزَةٍ بَدَل الْهَاء , وَهِيَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة الْأَعْرَج وَالْجِيم مَفْتُوحَة عَلَى كُلّ حَال وَهِيَ اِسْم سُرْيَانِيّ , وَيُقَال إِنَّ أَبَاهَا كَانَ مِنْ مُلُوك الْقِبْط وَإِنَّهَا مِنْ حَفْن بِفَتْح الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْفَاء قَرْيَة بِمِصْرَ , قَالَ الْيَعْقُوبِيّ : كَانَتْ مَدِينَة اِنْتَهَى , وَهِيَ الْآن كَفْر مِنْ عَمَل أَنِصْنَا بِالْبَرِّ الشَّرْقِيّ مِنْ الصَّعِيد فِي مُقَابَلَة الْأَشْمُونِيِّينَ , وَفِيهَا آثَار عَظِيمَة بَاقِيَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَتَتْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة \" فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيم \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَهِيم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" مَهْيًا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن \" مَهِين \" بِنُونِ وَهِيَ بَدَل الْمِيم , وَكَأَنَّ الْمُسْتَمْلِي لَمَّا سَمِعَهَا بِنُونِ ظَنَّهَا نُون تَنْوِين , وَيُقَال إِنَّ الْخَلِيل أَوَّل مَنْ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَة وَمَعْنَاهَا مَا الْخَبَرُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رَدَّ اللَّه كَيْد الْكَافِر - أَوْ الْفَاجِر - فِي نَحْره ) ‏ ‏هَذَا مَثَل تَقُولهُ الْعَرَب لِمَنْ أَرَادَ أَمْرًا بَاطِلًا فَلَمْ يَصِل إِلَيْهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَعْرَج. أَشَعَرْت أَنَّ اللَّه كَبَتَ الْكَافِر وَأَخْدَمَ وَلِيدَة \" أَيْ جَارِيَة لِلْخِدْمَةِ , وَكَبَتَ بِفَتْح الْكَاف وَالْمُوَحَّدَة ثُمَّ مُثَنَّاة أَيْ رَدَّهُ خَاسِئًا , وَيُقَال أَصْله \" كَبَد \" أَيْ بَلَغَ الْهَمُّ كَبِدَهُ ثُمَّ أُبْدِلَتْ الدَّال مُثَنَّاة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون \" وَأَخْدَمَ \" مَعْطُوفًا عَلَى \" كَبَتَ \" وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فَاعِل أَخْدَمَ هُوَ الْكَافِر فَيَكُون اِسْتِئْنَافًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : تِلْكَ أُمّكُمْ يَا بَنِي مَاء السَّمَاء ) ‏ ‏كَأَنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ الْعَرَب لِكَثْرَةِ مُلَازَمَتهمْ لِلْفَلَوَاتِ الَّتِي بِهَا مَوَاقِع الْقَطْر لِأَجْلِ رَعْي دَوَابّهمْ , فَفِيهِ تَمَسُّك لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَرَب كُلّهمْ مِنْ وَلَد إِسْمَاعِيل , وَقِيلَ : أَرَادَ بِمَاءِ السَّمَاء زَمْزَم لِأَنَّ اللَّه أَنْبَعَهَا لِهَاجَرَ فَعَاشَ وَلَدهَا بِهَا فَصَارُوا كَأَنَّهُمْ أَوْلَادهَا قَالَ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه : كُلّ مَنْ كَانَ مِنْ وَلَد إِسْمَاعِيل يُقَال لَهُ مَاء السَّمَاء , لِأَنَّ إِسْمَاعِيل وَلَد هَاجَرَ وَقَدْ رُبِّيَ بِمَاءِ زَمْزَم وَهِيَ مِنْ مَاء السَّمَاء. وَقِيلَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِخُلُوصِ نَسَبهمْ وَصَفَائِهِ فَأَشْبَهَ مَاء السَّمَاء وَعَلَى هَذَا فَلَا مُتَمَسِّك فِيهِ , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِمَاءِ السَّمَاء عَامِر وَلَد عَمْرو بْن عَامِر بْن بُقْيَا بْن حَارِثَة بْن الْغِطْرِيف وَهُوَ جَدّ الْأَوْس وَالْخَزْرَج , قَالُوا : إِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا قُحِطَ النَّاس أَقَامَ لَهُمْ مَاله مَقَام الْمَطَر , وَهَذَا أَيْضًا عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْعَرَب كُلّهَا مِنْ وَلَد إِسْمَاعِيل , وَسَيَأْتِي زِيَادَة فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي أَوَائِل الْمَنَاقِب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة أُخُوَّة الْإِسْلَام وَإِبَاحَة الْمَعَارِيض , وَالرُّخْصَة فِي الِانْقِيَاد لِلظَّالِمِ وَالْغَاصِب , وَقَبُول صِلَة الْمَلِك الظَّالِم , وَقَبُول هَدِيَّة الْمُشْرِك , وَإِجَابَة الدُّعَاء بِإِخْلَاصِ النِّيَّة , وَكِفَايَة الرَّبّ لِمَنْ أَخْلَصَ فِي الدُّعَاء بِعَمَلِهِ الصَّالِح , وَسَيَأْتِي نَظِيره فِي قِصَّة أَصْحَاب الْغَار. وَفِيهِ اِبْتِلَاء الصَّالِحِينَ لِرَفْعِ دَرَجَاتهمْ , وَيُقَال إِنَّ اللَّه كَشَفَ لِإِبْرَاهِيم حَتَّى رَأَى حَال الْمَلِك مَعَ سَارَةَ مُعَايَنَة وَإِنَّهُ لَمْ يَصِل مِنْهَا إِلَى شَيْء , ذُكِرَ ذَلِكَ فِي \" التِّيجَان \" وَلَفْظه \" فَأَمَرَ بِإِدْخَالِ إِبْرَاهِيم وَسَارَّة عَلَيْهِ ثُمَّ نَحَّى إِبْرَاهِيم إِلَى خَارِج الْقَصْر وَقَامَ إِلَى سَارَةَ , فَجَعَلَ اللَّه الْقَصْر لِإِبْرَاهِيم كَالْقَارُورَةِ الصَّافِيَة فَصَارَ يَرَاهُمَا وَيَسْمَع كَلَامهمَا \" وَفِيهِ أَنَّ مَنْ نَابَهُ أَمْر مُهِمّ مِنْ الْكَرْب يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْزَع إِلَى الصَّلَاة. وَفِيهِ أَنَّ الْوُضُوء كَانَ مَشْرُوعًا لِلْأُمَمِ قَبْلنَا وَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِهَذِهِ الْأُمَّة وَلَا بِالْأَنْبِيَاءِ , لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ سَارَةَ , وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "3109",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَوْ ‏ ‏ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏عَنْهُ أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ شَرِيكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَرَ بِقَتْلِ ‏ ‏الْوَزَغِ ‏ ‏وَقَالَ كَانَ يَنْفُخُ عَلَى ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى أَوْ اِبْن سَلَام عَنْهُ ) ‏ ‏كَأَنَّ الْبُخَارِيّ شَكَّ فِي سَمَاعه لَهُ مِنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى - وَهُوَ مِنْ أَكْبَر مَشَايِخه - وَتَحَقَّقَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّد بْن سَلَام عَنْهُ فَأَوْرَدَهُ هَكَذَا , وَقَدْ وَقَعَ لَهُ نَظِير هَذَا فِي أَمَاكِن عَدِيدَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن جُبَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شَيْبَة بْن عُثْمَان الْحَجَبِيّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه حِجَازِيُّونَ مِنْ اِبْن جُرَيْجٍ فَصَاعِدًا , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان وَأَبِي عَاصِم عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" أَخْبَرَنِي عَبْد الْحَمِيد \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أُمّ شَرِيك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَاصِم \" إِحْدَى نِسَاء بَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ \" وَلَفْظ الْمَتْن أَنَّهَا اِسْتَأْمَرَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْل الْوَزَغَات فَأَمَرَ بِقَتْلِهِنَّ وَلَمْ يَذْكُر الزِّيَادَة , وَالْوَزَغَات بِالْفَتْحِ جَمْع وَزَغَة وَهِيَ بِالْفَتْحِ أَيْضًا , وَذَكَرَ بَعْض الْحُكَمَاء أَنَّ الْوَزَغ أَصَمّ , وَأَنَّهُ لَا يَدْخُل فِي مَكَان فِيهِ زَعْفَرَان , وَأَنَّهُ يُلَقِّح بِفِيهِ , وَأَنَّهُ يَبِيض , وَيُقَال لِكِبَارِهَا سَامٌّ أَبْرَصُ وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْمِيم. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغ وَقَالَ كَانَ يَنْفُخ عَلَى إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَأَحْمَد \" أَنَّ إِبْرَاهِيم لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّار لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْض دَابَّة إِلَّا أَطْفَأَتْ عَنْهُ , إِلَّا الْوَزَغ فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْفُخ عَلَيْهِ , فَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "3110",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ ‏ ‏يَلْبِسُوا ‏ ‏إِيمَانَهُمْ ‏ ‏بِظُلْمٍ ‏ } ‏قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ قَالَ ‏ ‏لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ ‏ { ‏لَمْ ‏ ‏يَلْبِسُوا ‏ ‏إِيمَانَهُمْ ‏ ‏بِظُلْمٍ ‏ } ‏بِشِرْكٍ أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ ‏ { ‏يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ اِبْن مَسْعُود \" لَمَّا نَزَلَ : الَّذِي آمَنُوا وَلَمْ يُلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ \" ‏ ‏الْحَدِيث , مَضَى شَرْحه فِي كِتَاب الْإِيمَان , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : كَذَا أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيث فِي تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم , وَلَا أَعْلَم فِيهِ شَيْئًا مِنْ قِصَّة إِبْرَاهِيم , كَذَا قَالَ , وَخَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ حِكَايَة عَنْ قَوْل إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام لِأَنَّهُ سُبْحَانه لَمَّا فَرَغَ مِنْ حِكَايَة قَوْل إِبْرَاهِيم فِي الْكَوْكَب وَالْقَمَر وَالشَّمْس ذَكَرَ مُحَاجَّة قَوْمه لَهُ , ثُمَّ حَكَى أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : ( وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ) فَهَذَا كُلّه عَنْ إِبْرَاهِيم , وَقَوْله : ( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) خِطَاب لِقَوْمِهِ , ثُمَّ قَالَ ( الَّذِينَ آمَنُوا ) إِلَخْ يَعْنِي أَنَّ الَّذِينَ هُمْ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ هُمْ الَّذِينَ آمَنُوا , وَقَالَ بَعْد ذَلِكَ : ( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ) فَظَهَرَ تَعَلُّق ذَلِكَ بِتَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيم , وَرَوَى الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" مِنْ حَدِيث عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ) قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي إِبْرَاهِيم وَأَصْحَابه , وَاقْتَصَرَ الْكَرْمَانِيُّ عَلَى قَوْله : مُنَاسَبَة هَذَا الْحَدِيث لِقِصَّةِ إِبْرَاهِيم اِتِّصَال هَذِهِ الْآيَة بِقَوْلِهِ : ( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ). ‏"
    },
    {
        "id": "3111",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَيَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمًا بِلَحْمٍ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي ‏ ‏وَيُنْفِذُهُمْ ‏ ‏الْبَصَرُ وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْهُمْ ‏ ‏فَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ ‏ ‏فَيَأْتُونَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَيَقُولُونَ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ الْأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ ‏ ‏فَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ ‏ ‏نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة فِي الشَّفَاعَة , ذَكَرَ طَرَفًا مِنْهُ , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْل أَهْل الْمَوْقِف لِإِبْرَاهِيم : أَنْتَ نَبِيّ اللَّه وَخَلِيله مِنْ الْأَرْض. وَوَقَعَ عِنْد إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَمِنْ طَرِيقه الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي زُرْعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَيَقُولُونَ يَا إِبْرَاهِيم أَنْتَ خَلِيل الرَّحْمَن قَدْ سَمِعَ بِخُلَّتِك أَهْل السَّمَاوَات وَالْأَرْض \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي مَعْنَى الْخُلَّة , وَيَأْتِي شَرْح حَدِيث الشَّفَاعَة فِي الرِّقَاق. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْمُؤَلِّف فِي التَّوْحِيد وَفِي غَيْره وَسَيَأْتِي. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِيِّ قَبْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هَذَا مَا صُورَته \" يَزِفُّونَ النَّسْلَانِ فِي الْمَشْي \" وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْبَاقِينَ \" بَاب \" بِغَيْرِ تَرْجَمَة , وَسَقَطَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَة النَّسَفِيِّ , وَوَهَمَ مَنْ وَقَعَ عِنْده \" بَاب يَزِفُّونَ النَّسْلَانِ \" فَإِنَّهُ كَلَام لَا مَعْنَى لَهُ , وَالَّذِي يَظْهَر تَرْجِيح مَا وَقَعَ عِنْد الْمُسْتَمْلِي , وَقَوْله : \" بَاب \" بِغَيْرِ تَرْجَمَة يَقَع عِنْدهمْ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَاب , وَتَعَلُّقه بِمَا قَبْله وَاضِح فَإِنَّ الْكُلّ مِنْ تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم , وَأَمَّا تَفْسِير هَذِهِ الْكَلِمَة مِنْ الْقُرْآن فَإِنَّهَا مِنْ جُمْلَة قِصَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ قَوْمه حِين كَسَّرَ أَصْنَامهمْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ) قَالَ مُجَاهِد : الْوَزِيف النَّسْلَانِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ قَالَ : \" رَجَعَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى آلِهَتهمْ فَإِذَا هِيَ فِي بَهْو عَظِيم مُسْتَقْبِل بَاب الْبَهْو صَنَم عَظِيم إِلَى جَنْبه أَصْغَر مِنْهُ بَعْضهَا إِلَى جَنْب بَعْض , فَإِذَا هُمْ قَدْ جَعَلُوا طَعَامًا بَيْن يَدَيْ الْأَصْنَام وَقَالُوا : إِذَا رَجَعْنَا وَحْدنَا الْآلِهَة بَرَّكَتْ فِي طَعَامنَا فَأَكَلْنَا , فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ إِبْرَاهِيم قَالَ : ( أَلَا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ ) فَأَخَذَ حَدِيدَة فَبَقَرَ كُلّ صَنَم فِي حَافَّتَيْهِ ثُمَّ عَلَّقَ الْفَأْس فِي الصَّنَم الْأَكْبَر ثُمَّ خَرَجَ , فَلَمَّا رَجَعُوا جَمَعُوا لِإِبْرَاهِيم الْحَطَب حَتَّى أَنَّ الْمَرْأَة لَتَمْرَض فَتَقُول لَئِنْ عَافَانِي اللَّه لَأَجْمَعَن لِإِبْرَاهِيم حَطَبًا. فَلَمَّا جَمَعُوا لَهُ وَأَكْثَرُوا مِنْ الْحَطَب وَأَرَادُوا إِحْرَاقه قَالَتْ السَّمَاء وَالْأَرْض وَالْجِبَال وَالْمَلَائِكَة : رَبّنَا خَلِيلك إِبْرَاهِيم يُحْرَق ؟ قَالَ : أَنَا أَعْلَم بِهِ , وَإِنْ دَعَاكُمْ فَأَغِيثُوهُ. فَقَالَ إِبْرَاهِيم : اللَّهُمَّ أَنْتَ الْوَاحِد فِي السَّمَاء وَأَنَا الْوَاحِد فِي الْأَرْض لَيْسَ أَحَد فِي الْأَرْض يَعْبُدك غَيْرِي , حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ \" اِنْتَهَى. وَأَظُنّ الْبُخَارِيّ إِنْ كَانَتْ التَّرْجَمَة مَحْفُوظَة أَشَارَ إِلَى هَذَا الْقَدْر فَإِنَّهُ يُنَاسِب قَوْلهمْ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة \" أَنْتَ خَلِيلُ اللَّهِ مِنْ الْأَرْضِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3112",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَرْحَمُ اللَّهُ ‏ ‏أُمَّ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏لَوْلَا أَنَّهَا عَجِلَتْ لَكَانَ ‏ ‏زَمْزَمُ ‏ ‏عَيْنًا مَعِينًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَّا ‏ ‏كَثِيرُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏فَحَدَّثَنِي قَالَ ‏ ‏إِنِّي ‏ ‏وَعُثْمَانَ بْنَ أَبِي سُلَيْمانَ ‏ ‏جُلُوسٌ مَعَ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏فَقَالَ مَا هَكَذَا حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَلَكِنَّهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقْبَلَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏بِإِسْمَاعِيلَ ‏ ‏وَأُمِّهِ ‏ ‏عَلَيْهِمْ السَّلَام ‏ ‏وَهِيَ تُرْضِعُهُ مَعَهَا شَنَّةٌ لَمْ يَرْفَعْهُ ثُمَّ جَاءَ بِهَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏وَبِابْنِهَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏",
        "sharh": "قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد بْن جُبَيْر ) وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن الشَّاعِر عَنْ وَهْب بْن جَرِير زِيَادَة \" أُبَيِّ بْن كَعْب \" , وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَحْمَد بْن سَعِيد شَيْخ الْبُخَارِيّ بِإِسْقَاطِ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد بْن جُبَيْر وَزِيَادَة أُبَيِّ بْن كَعْب , قَالَ النَّسَائِيُّ : قَالَ أَحْمَد بْن سَعِيد قَالَ وَهْب وَحَدَّثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَذْكُر أُبَيّ بْن كَعْب , فَوَضَحَ أَنَّ وَهْب بْن جَرِير كَانَ إِذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ لَمْ يَذْكُر عَبْد اللَّه بْن سَعِيد وَذَكَرَ أُبَيّ بْن كَعْب , وَإِذَا رَوَاهُ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد ذَكَرَ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد وَلَمْ يَذْكُر أُبَيّ بْن كَعْب. وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ أَيْضًا \" قَالَ وَهْب بْن جَرِير أَتَيْت سَلَام بْن كَعْب \" وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ أَيْضًا : \" قَالَ وَهْب بْن جَرِير أَتَيْت سَلَام بْن أَبِي مُطِيع فَحَدَّثْته بِهَذَا عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد فَأَنْكَرَهُ إِنْكَارًا شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ لِي : فَأَبُوك مَا يَقُول ؟ قُلْت : يَقُول عَنْ أَيُّوب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فَقَالَ : قَدْ غَلِطَ , إِنَّمَا هُوَ أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة بْن خَالِد \" اِنْتَهَى. وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنْ يَكُون لِأَيُّوبَ فِيهِ عِدَّة طُرُق , فَإِنَّ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة مِنْ كِبَار الْحُفَّاظ وَقَدْ قَالَ فِيهِ : \" عَنْ أَيُّوب نُبِّئْت عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" وَلَمْ يَذْكُر أُبَيًّا , وَهُوَ مِمَّا يُؤَيِّد رِوَايَة الْبُخَارِيّ , أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ إِسْمَاعِيل أَحَدهمَا هَكَذَا وَالْآخَر قَالَ فِيهِ : ‏ ‏\" عَنْ أَيُّوب عَنْ عَبْد اللَّه بْنِ سَعِيد بْن جُبَيْر \" ‏ ‏وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر بِلَا وَاسِطَة كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ كَمَا تَرَى , وَقَدْ عَابَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَلَى الْبُخَارِيّ إِخْرَاجه رِوَايَة أَيُّوب لِاضْطِرَابِهَا , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ اِعْتِمَاد الْبُخَارِيّ فِي سِيَاق الْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ عَلَى رِوَايَة مَعْمَر عَنْ كَثِير بْن كَثِير عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , وَإِنْ كَانَ أَخْرَجَهُ مَقْرُونًا بِأَيُّوبَ فَرِوَايَة أَيُّوب إِمَّا عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر بِلَا وَاسِطَة أَوْ بِوَاسِطَةِ وَلَده عَبْد اللَّه. وَلَا يَسْتَلْزِم ذَلِكَ قَدْحًا لِثِقَةِ الْجَمِيع , فَظَهَرَ أَنَّهُ اِخْتِلَاف لَا يَضُرّ لِأَنَّهُ يَدُور عَلَى ثِقَات حُفَّاظ : إِنْ كَانَ بِإِثْبَاتِ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد بْن جُبَيْر وَأُبَيّ بْن كَعْب فَلَا كَلَام , وَإِنْ كَانَ بِإِسْقَاطِهِمَا فَأَيُّوب قَدْ سَمِعَ مِنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , وَأَمَّا اِبْن عَبَّاس فَإِنْ كَانَ لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مِنْ مُرْسَل الصَّحَابَة وَلَمْ يَعْتَمِد الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا الْإِسْنَاد الْخَالِص كَمَا تَرَى. وَقَدْ سَبَقَ إِلَى الِاعْتِذَار عَنْ الْبُخَارِيّ وَرَدّ كَلَام الْإِسْمَاعِيلِيّ بِنَحْوِ هَذَا الْحَافِظ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيُّ فِي \" تَقْيِيد الْمُهْمَل \". ‏ ‏وَقَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْأَنْصَارِيّ حَدَّثَنَا اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ أَمَّا كَثِير بْن كَثِير فَحَدَّثَنِي قَالَ إِنِّي وَعُثْمَان بْن أَبِي سُلَيْمَان جُلُوس مَعَ سَعِيد بْن جُبَيْر فَقَالَ : مَا هَكَذَا حَدَّثَنِي اِبْن عَبَّاس , وَلَكِنَّهُ قَالَ : أَقْبَلَ إِبْرَاهِيم بِإِسْمَاعِيل وَأُمّه عَلَيْهِمْ السَّلَام وَهِيَ تُرْضِعهُ مَعَهَا شَنَّة , لَمْ يَرْفَعهُ ) ‏ ‏اِنْتَهَى , هَكَذَا سَاقَهُ مُخْتَصَرًا مُعَلَّقًا , وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" عَنْ فَارُوق الْخَطَّابِيِّ عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن مُعَاوِيَة عَنْ الْأَنْصَارِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه , لَكِنَّهُ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا أَيْضًا , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" كِتَاب مَكَّة \" عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ وَزَادَ فِي رِوَايَته \" إِنِّي وَعُثْمَان وَعُمَر بْن أَبِي سُلَيْمَان وَعُثْمَان بْن حَبَشِيّ جُلُوس مَعَ سَعِيد بْن جُبَيْر \" فَكَأَنَّهُ كَانَ عِنْد الْأَنْصَارِيّ كَذَلِكَ. وَقَدْ رَوَاهُ الْأَزْرَقِيّ مِنْ طَرِيق مُسْلِم بْن خَالِد الزِّنْجِيّ وَالْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن جُعْشُم كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ فَبَيَّنَ فِيهِ سَبَب قَوْل سَعِيد بْن جُبَيْر \" مَا هَكَذَا حَدَّثَنِي اِبْن عَبَّاس \" وَلَفْظه \" عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ كَثِير بْن كَثِير قَالَ : كُنْت أَنَا وَعُثْمَان بْن أَبِي سُلَيْمَان وَعَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حُسَيْن فِي أُنَاس مَعَ سَعِيد بْن جُبَيْر بِأَعْلَى الْمَسْجِد لَيْلًا فَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : سَلُونِي قَبْل أَنْ لَا تَرَوْنِي , فَسَأَلَهُ الْقَوْم فَأَكْثَرُوا , فَكَانَ مِمَّا سُئِلَ عَنْهُ أَنْ قَالَ رَجُل : أَحَقّ مَا سَمِعْنَا فِي الْمَقَام مَقَام إِبْرَاهِيم أَنَّ إِبْرَاهِيم حِين جَاءَ مِنْ الشَّام حَلَفَ لِامْرَأَتِهِ أَنْ لَا يَنْزِل بِمَكَّة حَتَّى يَرْجِع فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ اِمْرَأَة إِسْمَاعِيل الْمَقَام فَوَضَعَ رِجْله عَلَيْهِ لَا يَنْزِل , فَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : لَيْسَ هَكَذَا حَدَّثَنَا اِبْن عَبَّاس وَلَكِنْ \" فَسَاقَ الْحَدِيث بِطُولِهِ. وَأَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيّ عَنْ اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِلَفْظِ \" فَقَالَ : يَا مَعْشَر الشَّبَاب سَلُونِي , فَإِنِّي قَدْ أَوْشَكْت أَنْ أَذْهَبَ مِنْ بَيْن أَظْهُركُمْ. فَأَكْثَرَ النَّاس مَسْأَلَته , فَقَالَ لَهُ رَجُل : أَصْلَحَك اللَّه أَرَأَيْت هَذَا الْمَقَام هُوَ كَمَا كُنَّا نَتَحَدَّث ؟ قَالَ : وَمَا كُنْت تَتَحَدَّث ؟ قَالَ : كُنَّا نَقُول إِنَّ إِبْرَاهِيم حِين جَاءَ عَرَضَتْ عَلَيْهِ اِمْرَأَة إِسْمَاعِيل النُّزُول فَأَبَى أَنْ يَنْزِل فَجَاءَتْهُ بِذَا الْحَجَر فَوَضَعَتْهُ لَهُ , فَقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طُرُق عَنْ مَعْمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "3113",
        "content": "‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ ‏ ‏وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ ‏ ‏يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ ‏ ‏أُمِّ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا ‏ ‏لَتُعَفِّيَ ‏ ‏أَثَرَهَا عَلَى ‏ ‏سَارَةَ ‏ ‏ثُمَّ جَاءَ بِهَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏وَبِابْنِهَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ ‏ ‏زَمْزَمَ ‏ ‏فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ ‏ ‏قَفَّى ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ ‏ ‏أُمُّ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا فَقَالَتْ لَهُ أَاللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا قَالَ نَعَمْ قَالَتْ إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا ثُمَّ رَجَعَتْ فَانْطَلَقَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ ‏ ‏الثَّنِيَّةِ ‏ ‏حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ رَبِّ ‏ { ‏إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ ‏ ‏بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ‏ ‏حَتَّى بَلَغَ ‏ ‏يَشْكُرُونَ ‏} ‏وَجَعَلَتْ ‏ ‏أُمُّ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏تُرْضِعُ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى أَوْ قَالَ ‏ ‏يَتَلَبَّطُ ‏ ‏فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَتْ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ ‏ ‏الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَهَبَطَتْ مِنْ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتْ الْوَادِيَ ثُمَّ أَتَتْ ‏ ‏الْمَرْوَةَ ‏ ‏فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى ‏ ‏الْمَرْوَةِ ‏ ‏سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَتْ صَهٍ تُرِيدُ نَفْسَهَا ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا فَقَالَتْ قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ ‏ ‏غِوَاثٌ ‏ ‏فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ ‏ ‏زَمْزَمَ ‏ ‏فَبَحَثَ ‏ ‏بِعَقِبِهِ ‏ ‏أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ فَجَعَلَتْ ‏ ‏تُحَوِّضُهُ ‏ ‏وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنْ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَرْحَمُ اللَّهُ ‏ ‏أُمَّ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏لَوْ تَرَكَتْ ‏ ‏زَمْزَمَ ‏ ‏أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنْ الْمَاءِ لَكَانَتْ ‏ ‏زَمْزَمُ ‏ ‏عَيْنًا مَعِينًا قَالَ فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ لَا تَخَافُوا ‏ ‏الضَّيْعَةَ ‏ ‏فَإِنَّ هَا هُنَا ‏ ‏بَيْتَ اللَّهِ ‏ ‏يَبْنِي هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ وَكَانَ ‏ ‏الْبَيْتُ ‏ ‏مُرْتَفِعًا مِنْ الْأَرْضِ ‏ ‏كَالرَّابِيَةِ ‏ ‏تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ ‏ ‏جُرْهُمَ ‏ ‏أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ ‏ ‏جُرْهُمَ ‏ ‏مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ ‏ ‏كَدَاءٍ ‏ ‏فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَرَأَوْا طَائِرًا ‏ ‏عَائِفًا ‏ ‏فَقَالُوا إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ فَأَرْسَلُوا ‏ ‏جَرِيًّا ‏ ‏أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا قَالَ ‏ ‏وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عِنْدَ الْمَاءِ فَقَالُوا أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ فَقَالَتْ نَعَمْ وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ قَالُوا نَعَمْ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَلْفَى ذَلِكَ ‏ ‏أُمَّ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏وَهِيَ تُحِبُّ الْإِنْسَ فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ وَشَبَّ الْغُلَامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَمَاتَتْ ‏ ‏أُمُّ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏فَجَاءَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏بَعْدَمَا تَزَوَّجَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ فَلَمْ يَجِدْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ نَحْنُ بِشَرٍّ نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ فَشَكَتْ إِلَيْهِ قَالَ فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ فَلَمَّا جَاءَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا فَقَالَ هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ قَالَتْ نَعَمْ جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ قَالَ فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ قَالَتْ نَعَمْ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ قَالَ ذَاكِ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى فَلَبِثَ عَنْهُمْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ فَقَالَتْ خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا قَالَ كَيْفَ أَنْتُمْ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ مَا طَعَامُكُمْ قَالَتْ اللَّحْمُ قَالَ فَمَا شَرَابُكُمْ قَالَتْ الْمَاءُ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ قَالَ فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ قَالَ فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ فَلَمَّا جَاءَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ قَالَتْ نَعَمْ أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ قَالَ فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ قَالَتْ نَعَمْ هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ قَالَ ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ‏ ‏وَإِسْمَاعِيلُ ‏ ‏يَبْرِي ‏ ‏نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ ‏ ‏زَمْزَمَ ‏ ‏فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ قَالَ فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ قَالَ وَتُعِينُنِي قَالَ وَأُعِينُكَ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا وَأَشَارَ إِلَى ‏ ‏أَكَمَةٍ ‏ ‏مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنْ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏فَجَعَلَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ ‏ ‏وَإِبْرَاهِيمُ ‏ ‏يَبْنِي حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي ‏ ‏وَإِسْمَاعِيلُ ‏ ‏يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَهُمَا يَقُولَانِ ‏ { ‏رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏} ‏قَالَ فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏وَهُمَا يَقُولَانِ ‏ { ‏رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَوَّل مَا اِتَّخَذَ النِّسَاء الْمِنْطَق ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفَتْح الطَّاء هُوَ مَا يُشَدّ بِهِ الْوَسَط , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ النُّطُق بِضَمِّ النُّون وَالطَّاء وَهُوَ جَمْع مِنْطَق , وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّ سَارَةَ كَانَتْ وَهَبَتْ هَاجَرَ لِإِبْرَاهِيم فَحَمَلَتْ مِنْهُ بِإِسْمَاعِيل , فَلَمَّا وَلَدَتْهُ غَارَتْ مِنْهَا فَحَلَفَتْ لَتَقْطَعَنَّ مِنْهَا ثَلَاثَة أَعْضَاء فَاِتَّخَذَتْ هَاجَر مِنْطَقًا فَشَدَّتْ بِهِ وَسَطهَا وَهَرَبَتْ وَجَرَّتْ ذَيْلهَا لِتُخْفِي أَثَرهَا عَلَى سَارَةَ , وَيُقَال إِنَّ إِبْرَاهِيم شَفَعَ فِيهَا وَقَالَ لِسَارَةَ : حَلِّلِي يَمِينك بِأَنْ تَثْقُبِي أُذُنَيْهَا وَتَخْفِضِيهَا وَكَانَتْ أَوَّل مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُلَيَّة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَوَّل مَا أَحَدَّتْ الْعَرَب جَرّ الذُّيُول عَنْ أُمّ إِسْمَاعِيل \" وَذَكَرَ الْحَدِيث. وَيُقَال إِنَّ سَارَةَ اِشْتَدَّتْ بِهَا الْغَيْرَة فَخَرَجَ إِبْرَاهِيم بِإِسْمَاعِيل وَأُمّه إِلَى مَكَّة لِذَلِكَ. وَرَوَى اِبْن إِسْحَاق عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد وَغَيْره \" إِنَّ اللَّه لَمَّا بَوَّأَ لِإِبْرَاهِيم مَكَان الْبَيْت خَرَجَ بِإِسْمَاعِيل وَهُوَ طِفْل صَغِير وَأُمّه , قَالَ وَحُمِلُوا فِيمَا حَدَّثْت عَلَى الْبُرَاق \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى وَضَعَهُمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَوَضَعَهُمَا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عِنْد دَوْحَة ) ‏ ‏بِفَتْح الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْوَاو ثُمَّ مُهْمَلَة : الشَّجَرَة الْكَبِيرَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : وَهُوَ الْمَعْرُوف , وَسَيَأْتِي شَرْح أَمْرهَا فِي أَوَائِل السِّيرَة النَّبَوِيَّة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي أَعْلَى الْمَسْجِد ) ‏ ‏أَيْ مَكَان الْمَسْجِد , لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ بُنِيَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَسِقَاء فِيهِ مَاء ) ‏ ‏السِّقَاء بِكَسْرِ أَوَّله قِرْبَة صَغِيرَة , وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن نَافِع عَنْ كَثِير الَّتِي بَعْد هَذِهِ الرِّوَايَة \" وَمَعَهَا شَنَّة \" بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد النُّون وَهِيَ الْقِرْبَة الْعَتِيقَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ وَلَّى رَاجِعًا إِلَى الشَّام. وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" فَانْصَرَفَ إِبْرَاهِيم إِلَى أَهْله بِالشَّامِ وَتَرَكَ إِسْمَاعِيل وَأُمّه عِنْد الْبَيْت \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَتَبِعَتْهُ أُمّ إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" فَأَدْرَكَتْهُ بِكِدَاء \" وَفِي رِوَايَة عُمَر بْن شَبَّة مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهَا \" نَادَتْهُ ثَلَاثًا فَأَجَابَهَا فِي الثَّالِثَة , فَقَالَتْ لَهُ : مَنْ أَمَرَك بِهَذَا ؟ قَالَ : اللَّه \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِذَنْ لَا يُضَيِّعنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَطَاء بْن السَّائِب \" فَقَالَتْ لَنْ يُضَيِّعنَا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" فَقَالَتْ حَسْبِي \" وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن نَافِع عَنْ كَثِير الْمَذْكُورَة بَعْد هَذَا الْحَدِيث فِي الْبَاب \" فَقَالَتْ رَضِيت بِاللَّهِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْد الثَّنِيَّة ) ‏ ‏بِفَتْح الْمُثَلَّثَة وَكَسْر النُّون وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة , وَقَوْله : \" مِنْ طَرِيق كَدَاءِ \" بِفَتْحِ الْكَاف مَمْدُود هُوَ الْمَوْضِع الَّذِي دَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة مِنْهُ وَهُوَ مَعْرُوف وَقَدْ مَضَى الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْحَجّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ \" الْبَنِيَّة \" بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَل الْمُثَلَّثَة وَهُوَ تَصْحِيف , وَضَبَطَ اِبْن الْجَوْزِيّ كُدَى بِالضَّمِّ وَالْقَصْر وَقَالَ : هِيَ الَّتِي بِأَسْفَل مَكَّة عِنْد قُعَيْقِعَان , قَالَ : لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الْحَدِيث أَنَّهُمْ نَزَلُوا بِأَسْفَل مَكَّة. قُلْت : وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَانِعٍ أَنْ يَرْجِع مِنْ أَعْلَى مَكَّة , فَالصَّوَاب مَا وَقَعَ فِي الْأُصُول بِفَتْح الْكَاف وَالْمَدّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْت مِنْ ذُرِّيَّتِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" رَبِّ إِنِّي أَسْكَنْت \" وَالْأَوَّل هُوَ الْمُوَافِق لِلتِّلَاوَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاء عَطِشَتْ ) ‏ ‏زَادَ الْفَاكِهِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي جَهْم \" فَانْقَطَعَ لَبَنهَا \" وَفِي رِوَايَة \" وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ حِينَئِذٍ اِبْن سَنَتَيْنِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَتْ تَنْظُر إِلَيْهِ يَتَلَوَّى أَوْ قَالَ يَتَلَبَّط ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يَتَلَمَّظ \" وَهِيَ رِوَايَة مَعْمَر أَيْضًا , وَمَعْنَى يَتَلَبَّط وَهُوَ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَة يَتَمَرَّغ وَيَضْرِب بِنَفْسِهِ الْأَرْض , وَيَقْرُب مِنْهَا رِوَايَة عَطَاء بْن السَّائِب \" فَلَمَّا ظَمِئَ إِسْمَاعِيل جَعَلَ يَضْرِب الْأَرْض بِعَقِبَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن نَافِع \" كَأَنَّهُ يَنْشَغ لِلْمَوْتِ \" وَهُوَ بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون النُّون وَفَتْح الْمُعْجَمَة بَعْدهَا غَيْن مُعْجَمَة أَيْ يَشْهَق وَيَعْلُو صَوْته وَيَنْخَفِض كَاَلَّذِي يُنَازِع. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ اِسْتَقْبَلَتْ الْوَادِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَطَاء بْن السَّائِب \" وَالْوَادِي يَوْمَئِذٍ عَمِيق \" وَفِي حَدِيث أَبِي جَهْم \" تَسْتَغِيث رَبَّهَا وَتَدْعُوهُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي أَصَابَهُ الْجَهْد وَهُوَ الْأَمْر الْمُشِقُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( سَبْع مَرَّات ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي جَهْم \" وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّل مَا سُعِيَ بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة \" وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن نَافِع \" أَنَّهَا كَانَتْ فِي كُلّ مَرَّة تَتَفَقَّد إِسْمَاعِيل وَتَنْظُر مَا حَدَثَ لَهُ بَعْدهَا \" وَقَالَ فِي رِوَايَته : \" فَلَمْ تُقِرّهَا نَفْسُهَا \" وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْقَاف , وَنَفْسهَا بِالرَّفْعِ الْفَاعِل أَيْ لَمْ تَتْرُكهَا نَفْسهَا مُسْتَقِرَّة فَتُشَاهِدهُ فِي حَال الْمَوْت فَرَجَعَتْ , وَهَذَا فِي الْمَرَّة الْأَخِيرَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَتْ صَهٍ ) ‏ ‏بِفَتْح الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْهَاء وَبِكَسْرِهَا مُنَوَّنَة , كَأَنَّهَا خَاطَبَتْ نَفْسهَا فَقَالَتْ لَهَا اُسْكُتِي , وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن نَافِع وَابْن جُرَيْجٍ \" فَقَالَتْ أَغِثْنِي إِنْ كَانَ عِنْدك خَيْر \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنْ كَانَ عِنْدك غَوَاثٍ ) ‏ ‏بِفَتْح أَوَّله لِلْأَكْثَرِ وَتَخْفِيف الْوَاو وَآخِره مُثَلَّثَة , قِيلَ : وَلَيْسَ فِي الْأَصْوَات فَعَالٍ بِفَتْح أَوَّله غَيْره , وَحَكَى اِبْن الْأَثِير ضَمَّ أَوَّله وَالْمُرَاد بِهِ عَلَى هَذَا الْمُسْتَغِيث , وَحَكَى اِبْن قُرْقُولٍ كَسْره أَيْضًا وَالضَّمّ رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَجَزَاء الشَّرْط مَحْذُوف تَقْدِيره فَأَغِثْنِي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن نَافِع وَابْن جُرَيْجٍ فَإِذَا جِبْرِيل , وَفِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد الطَّبَرِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ \" فَنَادَاهَا جِبْرِيل فَقَالَ : مَنْ أَنْتِ ؟ قَالَتْ : أَنَا هَاجَرُ أُمُّ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ : فَإِلَى مَنْ وَكَلَكُمَا ؟ قَالَتْ : إِلَى اللَّهِ. قَالَ : وَكَلَكُمَا إِلَى كَافٍ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ , أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن نَافِع \" فَقَالَ بِعَقِبِهِ هَكَذَا , وَغَمَزَ عَقِبه عَلَى الْأَرْض \" وَهِيَ تُعَيِّن أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِعَقِبِهِ. وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" فَرَكَضَ جِبْرِيل بِرِجْلِهِ \" وَفِي حَدِيث عَلِيّ \" فَفَحَصَ الْأَرْض بِإِصْبَعِهِ فَنَبَعَتْ زَمْزَم \" وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته \" فَزَعَمَ الْعُلَمَاء أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَ أَنَّهَا هَمْزَة جِبْرِيل \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى ظَهَرَ الْمَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" فَفَاضَ الْمَاء \" وَفِي رِوَايَة اِبْن نَافِع \" فَانْبَثَقَ الْمَاء \" وَهِيَ بِنُونٍ وَمُوَحَّدَة وَمُثَلَّثَة وَقَالَ أَيْ تَفَجَّرَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَتْ تُحَوِّضهُ ) ‏ ‏بِحَاءٍ مُهْمَلَة وَضَاد مُعْجَمَة وَتَشْدِيد أَيْ تَجْعَلهُ مِثْل الْحَوْض , وَفِي رِوَايَة اِبْن نَافِع \" فَدَهَشَتْ أُمّ إِسْمَاعِيل فَجَعَلَتْ تَحْفِر \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ رِوَايَة اِبْن نَافِع \" تَحْفِن \" بِنُونٍ بَدَل الرَّاء وَالْأَوَّل أَصْوَب , فَفِي رِوَايَة عَطَاء بْن السَّائِب \" فَجَعَلَتْ تَفْحَص الْأَرْض بِيَدَيْهَا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَتَقُول بِيَدِهَا هَكَذَا ) ‏ ‏هُوَ حِكَايَة فِعْلهَا , وَهَذَا مِنْ إِطْلَاق الْقَوْل عَلَى الْفِعْل , وَفِي حَدِيث عَلِيّ \" فَجَعَلَتْ تَحْبِس الْمَاء فَقَالَ دَعِيهِ فَإِنَّهَا رُوَاء \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَوْ تَرَكْت زَمْزَم , أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ تَغْرِف مِنْ زَمْزَم ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَفِي رِوَايَة اِبْن نَافِع \" لَوْ تَرَكْته \" وَهَذَا الْقَدْر صَرَّحَ اِبْن عَبَّاس بِرَفْعِهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ جَمِيع الْحَدِيث مَرْفُوع. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَيْنًا مَعِينًا ) ‏ ‏أَيْ ظَاهِرًا جَارِيًا عَلَى وَجْه الْأَرْض , وَفِي رِوَايَة اِبْن نَافِع \" كَانَ الْمَاء ظَاهِرًا \" فَعَلَى هَذَا فَقَوْله مَعِينًا صِفَة الْمَاء فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ , وَمَعِين بِفَتْح أَوَّله إِنْ كَانَ مِنْ عَانَهُ فَهُوَ بِوَزْنِ مَفْعِل وَأَصْله مَعْيُونٌ فَحُذِفَتْ الْوَاو , وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَعِين وَهُوَ الْمُبَالَغَة فِي الطَّلَب فَهُوَ بِوَزْنِ فَعِيل , قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : كَانَ ظُهُور زَمْزَم نِعْمَة مِنْ اللَّه مَحْضَة بِغَيْرِ عَمَل عَامِل , فَلَمَّا خَالَطَهَا تَحْوِيط هَاجَرَ دَاخَلَهَا كَسْب الْبَشَر فَقَصُرَتْ عَلَى ذَلِكَ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ تَوْجِيه تَذْكِير مَعِين , مَعَ أَنَّ الْمَوْصُوف وَهُوَ الْمَعِين مُؤَنَّث. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا تَخَافُوا الضَّيْعَة ) ‏ ‏بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة أَيْ الْهَلَاك , وَفِي حَدِيث أَبِي جَهْم \" لَا تَخَافِي أَنْ يَنْفَد الْمَاء \" وَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْوَازِع عَنْ أَيُّوب عِنْد الْفَاكِهِيّ \" لَا تَخَافِي عَلَى أَهْل هَذَا الْوَادِي ظَمَأ فَإِنَّهَا عَيْن يَشْرَب بِهَا ضِيفَان اللَّه \" زَادَ فِي حَدِيث أَبِي جَهْم \" فَقَالَتْ بَشَّرَك اللَّهُ بِخَيْرٍ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ هَذَا بَيْت اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَإِنَّ هَاهُنَا بَيْتَ اللَّهِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَبْنِي هَذَا الْغُلَام ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ الْمَفْعُول , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" يَبْنِيه \" زَادَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته \" وَأَشَارَ لَهَا إِلَى الْبَيْت وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مَدَرَة حَمْرَاء فَقَالَ : هَذَا بَيْت اللَّه الْعَتِيق , وَاعْلَمِي أَنَّ إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل يَرْفَعَانِهِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَكَانَ الْبَيْت مُرْتَفِعًا مِنْ الْأَرْض كَالرَّابِيَةِ ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُثَنَّاة , وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ قَالَ : \" لَمَّا كَانَ زَمَن الطُّوفَان رُفِعَ الْبَيْت , وَكَانَ الْأَنْبِيَاء يَحُجُّونَهُ وَلَا يَعْلَمُونَ مَكَانه حَتَّى بَوَّأَهُ اللَّه لِإِبْرَاهِيم وَأَعْلَمَهُ مَكَانه \" وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مَرْفُوعًا \" بَعَثَ اللَّه جِبْرِيل إِلَى آدَم فَأَمَرَهُ بِبِنَاءِ الْبَيْت فَبَنَاهُ آدَم , ثُمَّ أَمَرَهُ بِالطَّوَافِ بِهِ وَقِيلَ لَهُ أَنْتَ أَوَّل النَّاس وَهَذَا أَوَّل بَيْت وُضِعَ لِلنَّاسِ \" وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء \" أَنَّ آدَم أَوَّل مَنْ بَنَى الْبَيْت , وَقِيلَ : بَنَتْهُ الْمَلَائِكَة قَبْله \" وَعَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه \" أَوَّل مَنْ بَنَاهُ شِيثُ بْن آدَم \" وَالْأَوَّل أَثْبَت , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ آخِر شَرْح هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَكَانَتْ ) ‏ ‏أَيْ هَاجَرُ ‏ ‏( كَذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى الْحَال الْمَوْصُوفَة , وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَذِي بِمَاءِ زَمْزَم فَيَكْفِيهَا عَنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الرَّاء وَسُكُون الْفَاء ثُمَّ قَاف وَهُمْ الْجَمَاعَة الْمُخْتَلِطُونَ سَوَاء كَانُوا فِي سَفَر أَمْ لَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ جُرْهُم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن قَحْطَان بْن عَامِر بْن شَالِخٍ بْن أرفخشد بْن سَام بْن نُوح , وَقِيلَ اِبْن يَقْطُن , قَالَ اِبْن إِسْحَاق \" وَكَانَ جُرْهُم وَأَخُوهُ قَطُورَا أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ عِنْد تَبَلْبُل الْأَلْسُن , وَكَانَ رَئِيس جُرْهُم مِضَاض بْن عَمْرو وَرَئِيس قَطُورَا السُّمَيْدِع وَيُطْلَق عَلَى الْجَمِيع جُرْهُم \" وَفِي رِوَايَة عَطَاء بْن السَّائِب \" وَكَانَتْ جُرْهُم يَوْمئِذٍ بِوَادٍ قَرِيب مِنْ مَكَّة , وَقِيلَ : إِنَّ أَصْلهمْ مِنْ الْعَمَالِقَة \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيق كَدَاء فَنَزَلُوا فِي أَسْفَل مَكَّة ) ‏ ‏وَقَعَ فِي جَمِيع الرِّوَايَات بِفَتْح الْكَاف وَالْمَدّ , وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضهمْ بِأَنَّ كَدَاء بِالْفَتْحِ وَالْمَدّ فِي أَعْلَى مَكَّة , وَأَمَّا الَّذِي فِي أَسْفَل مَكَّة فَبِالضَّمِّ وَالْقَصْر , يَعْنِي فَيَكُون الصَّوَاب هُنَا بِالضَّمِّ وَالْقَصْر , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَا مَانِع أَنْ يَدْخُلُوهَا مِنْ الْجِهَة الْعُلْيَا وَيَنْزِلُوا مِنْ الْجِهَة السُّفْلَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاء هُوَ الَّذِي يَحُوم عَلَى الْمَاء وَيَتَرَدَّد وَلَا يَمْضِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا ) ‏ ‏بِفَتْح الْجِيم وَكَسْر الرَّاء وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة أَيْ رَسُولًا , وَقَدْ يُطْلَق عَلَى الْوَكِيل وَعَلَى الْأَجِير , قِيلَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى مُرْسِله أَوْ مُوَكِّله , أَوْ لِأَنَّهُ يَجْرِي مُسْرِعًا فِي حَوَائِجه , وَقَوْله : \" جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ \" شَكّ مِنْ الرَّاوِي ( هَلْ أَرْسَلُوا وَاحِدًا أَوْ اِثْنَيْنِ , وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن نَافِع \" فَأَرْسَلُوا رَسُولًا \" وَيَحْتَمِل الزِّيَادَة عَلَى الْوَاحِد وَيَكُون الْإِفْرَاد بِاعْتِبَارِ الْجِنْس لِقَوْلِهِ \" فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ \" بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْإِفْرَاد بِاعْتِبَارِ الْمَقْصُود بِالْإِرْسَالِ وَالْجَمْع بِاعْتِبَارِ مَنْ يَتْبَعهُ مِنْ خَادِم وَنَحْوه. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَلْفَى ذَلِكَ ) ‏ ‏بِالْفَاءِ أَيْ وَجَدَ ‏ ‏( أُمَّ إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة ‏ ‏( وَهِيَ تُحِبّ الْأُنْسَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة ضِدّ الْوَحْشَة , وَيَجُوز الْكَسْر أَيْ تُحِبّ جِنْسَهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَشَبَّ الْغُلَام ) ‏ ‏أَيْ إِسْمَاعِيل. وَفِي حَدِيث أَبِي جَهْم \" وَنَشَأَ إِسْمَاعِيل بَيْن وِلْدَانهمْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّة مِنْهُمْ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ لِسَان أُمّه وَأَبِيهِ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا , وَفِيهِ تَضْعِيف لِقَوْلِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" بِلَفْظِ \" أَوَّل مَنْ نَطَقَ بِالْعَرَبِيَّةِ إِسْمَاعِيل \" وَرَوَى الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ فِي النَّسَب مِنْ حَدِيث عَلِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ : \" أَوَّل مَنْ فَتَقَ اللَّه لِسَانه بِالْعَرَبِيَّةِ الْمُبِينَة إِسْمَاعِيل \" وَبِهَذَا الْقَيْد يُجْمَع بَيْن الْخَبَرَيْنِ فَتَكُون أَوَّلِيَّته فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ الزِّيَادَة فِي الْبَيَان لَا الْأَوَّلِيَّة الْمُطْلَقَة فَيَكُون بَعْد تَعَلُّمه أَصْل الْعَرَبِيَّة مِنْ جُرْهُم أَلْهَمَهُ اللَّه الْعَرَبِيَّة الْفَصِيحَة الْمُبِينَة فَنَطَقَ بِهَا , وَيَشْهَد لِهَذَا مَا حَكَاهُ اِبْن هِشَام عَنْ الشَّرْقِيّ بْن قَطَامِيّ \" إِنَّ عَرَبِيَّة إِسْمَاعِيل كَانَتْ أَفْصَح مِنْ عَرَبِيَّة يَعْرُب بْن قَحْطَان وَبَقَايَا حِمْيَر وَجُرْهُم \" وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْأَوَّلِيَّة فِي الْحَدِيث مُقَيَّدَة بِإِسْمَاعِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَقِيَّة إِخْوَته مِنْ وَلَد إِبْرَاهِيم فَإِسْمَاعِيل أَوَّل مَنْ نَطَقَ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ وَلَد إِبْرَاهِيم , وَقَالَ اِبْن دُرَيْدٍ فِي \" كِتَاب الْوِشَاح \" أَوَّل مَنْ نَطَقَ بِالْعَرَبِيَّةِ يَعْرُب بْن قَحْطَان ثُمَّ إِسْمَاعِيل. قُلْت : وَهَذَا لَا يُوَافِق مَنْ قَالَ إِنَّ الْعَرَب كُلّهَا مِنْ وَلَد إِسْمَاعِيل وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ فِي أَوَائِل السِّيرَة النَّبَوِيَّة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَنْفَسهمْ ) ‏ ‏بِفَتْح الْفَاء بِلَفْظِ أَفْعَل التَّفْضِيل مِنْ النَّفَاسَة أَيْ كَثُرَتْ رَغْبَتهمْ فِيهِ , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَأَنِسَهُمْ \" بِغَيْرِ فَاء مِنْ الْأُنْس , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : أَنْفَسهمْ أَيْ رَغْبَتهمْ فِي مُصَاهَرَته لِنَفَاسَتِهِ عِنْدهمْ , وَقَالَ اِبْن الْأَثِير : أَنْفَسهمْ , عَطْفًا عَلَى قَوْله : تَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّة أَيْ رَغَّبَهُمْ فِيهِ إِذْ صَارَ نَفِيسًا عِنْدهمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( زَوَّجُوهُ اِمْرَأَة مِنْهُمْ ) ‏ ‏حَكَى الْأَزْرَقِيّ عَنْ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ اِسْمهَا عِمَارَة بِنْت سَعْد بْن أُسَامَة , وَفِي حَدِيث جَهْم أَنَّهَا بِنْت صَدَى وَلَمْ يُسَمِّهَا , وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّ اِسْمهَا جُدَيّ بِنْت سَعْد , وَعِنْد عُمَر بْن شَبَّة أَنَّ اِسْمهَا حُبَّى بِنْت أَسْعَد بْن عَمْلَقَ , وَعِنْد الْفَاكِهِيّ عَنْ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ خَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا فَزَوَّجَهَا مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَاتَتْ ) ‏ ‏هَاجَر أَيْ فِي خِلَال ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَجَاءَ إِبْرَاهِيم بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَطَاء بْن السَّائِب \" فَقَدِمَ إِبْرَاهِيم وَقَدْ مَاتَتْ هَاجَر \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يُطَالِع تَرِكَته ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء أَيْ يَتَفَقَّد حَال مَا تَرَكَهُ هُنَاكَ , وَضَبَطَهَا بَعْضهمْ بِالسُّكُونِ وَقَالَ : التَّرِكَة بِالْكَسْرِ بَيْض النَّعَام وَيُقَال لَهَا التَّرِيكَة , قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا حِين تَبِيض تَتْرُك بَيْضهَا وَتَذْهَب ثُمَّ تَعُود تَطْلُبهُ فَتَحْضُن مَا وَجَدَتْ سَوَاء كَانَ هُوَ أَمْ غَيْره , وَفِيهَا ضَرَبَ الشَّاعِر الْمَثَل بِقَوْلِهِ : ‏ ‏كَتَارِكَةٍ بَيْضهَا بِالْعَرَاءِ ‏ ‏وَحَاضِنَة بَيْض أُخْرَى صَبَاحًا ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : هَذَا يُشْعِر بِأَنَّ الذَّبِيح إِسْحَاق لِأَنَّ الْمَأْمُور بِذَبْحِهِ كَانَ عِنْدَمَا بَلَغَ السَّعْي , وَقَدْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيث \" إِنَّ إِبْرَاهِيم تَرَكَ إِسْمَاعِيل رَضِيعًا وَعَادَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُتَزَوِّج \" فَلَوْ كَانَ هُوَ الْمَأْمُور بِذَبْحِهِ لَذُكِرَ فِي الْحَدِيث أَنَّهُ عَادَ إِلَيْهِ فِي خِلَال ذَلِكَ بَيْن زَمَان الرَّضَاع وَالتَّزْوِيج , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث نَفْي هَذَا الْمَجِيء , فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون جَاءَ وَأُمِرَ بِالذَّبْحِ وَلَمْ يَذْكُر فِي الْحَدِيث. قُلْت : وَقَدْ جَاءَ ذِكْر مَجِيئِهِ بَيْن الزَّمَانَيْنِ فِي خَبَر آخَر , فَفِي حَدِيث أَبِي جَهْم \" كَانَ إِبْرَاهِيم يَزُور هَاجَرَ كُلّ شَهْر عَلَى الْبُرَاق يَغْدُو غَدْوَة فَيَأْتِي مَكَّة ثُمَّ يَرْجِع فَيُقِيل فِي مَنْزِله بِالشَّامِ \" وَرَوَى الْفَاكِهِيّ مِنْ حَدِيث عَلِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ نَحْوه وَأَنَّ إِبْرَاهِيم كَانَ يَزُور إِسْمَاعِيل وَأُمّه عَلَى الْبُرَاق , فَعَلَى هَذَا فَقَوْله : \" فَجَاءَ إِبْرَاهِيم بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيل \" أَيْ بَعْد مَجِيئِهِ قَبْل ذَلِكَ مِرَارًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَتْ خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا ) ‏ ‏أَيْ يَطْلُب لَنَا الرِّزْق , وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" وَكَانَ عَيْش إِسْمَاعِيل الصَّيْد يَخْرُج فَيَتَصَيَّد \" وَفِي حَدِيث أَبِي جَهْم \" وَكَانَ إِسْمَاعِيل يَرْعَى مَاشِيَته وَيَخْرُج مُتَنَكِّبًا قَوْسه فَيَرْمِي الصَّيْد \" وَفِي حَدِيث اِبْن إِسْحَاق \" وَكَانَتْ مَسَارِحه الَّتِي يَرْعَى فِيهَا السِّدْرَة إِلَى السِّرّ مِنْ نَوَاحِي مَكَّة \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشهمْ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة عَطَاء بْن السَّائِب \" وَقَالَ هَلْ عِنْدَك ضِيَافَةٌ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقَالَتْ : نَحْنُ بِشَرٍّ , نَحْنُ فِي ضِيق وَشِدَّة , فَشَكَتْ إِلَيْهِ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي جَهْم \" فَقَالَ لَهَا : هَلْ مِنْ مَنْزِل ؟ قَالَتْ : لَا هَا اللَّه إِذَنْ , قَالَ : فَكَيْفَ عَيْشكُمْ ؟ قَالَ : فَذَكَرَتْ جَهْدًا فَقَالَتْ : أَمَّا الطَّعَام فَلَا طَعَام , وَأَمَّا الشَّاء فَلَا تَحْلُب إِلَّا الْمِصْر - أَيْ الشَّخْب - وَأَمَّا الْمَاء فَعَلَى مَا تَرَى مِنْ الْغِلَظ \" اِنْتَهَى. وَالشَّخْب بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة ثُمَّ مُوَحَّدَة السَّيَلَان. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( جَاءَنَا شَيْخ كَذَا وَكَذَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَطَاء بْن السَّائِب كَالْمُسْتَخِفَّةِ بِشَأْنِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَتَبَة بَابك ) ‏ ‏بِفَتْح الْمُهْمَلَة وَالْمُثَنَّاة وَالْمُوَحَّدَة كِنَايَة عَنْ الْمَرْأَة , وَسَمَّاهَا بِذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِنْ الصِّفَات الْمُوَافِقَة لَهَا وَهُوَ حِفْظ الْبَاب وَصَوْن مَا هُوَ دَاخِله وَكَوْنهَا مَحَلّ الْوَطْء. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ تَغْيِير عَتَبَة الْبَاب يَصِحّ أَنْ يَكُون مِنْ كِنَايَات الطَّلَاق كَأَنْ يَقُول مَثَلًا غَيَّرْت عَتَبَة بَابِي أَوْ عَتَبَة بَابِي مُغَيَّرَة وَيَنْوِي بِذَلِكَ الطَّلَاق فَيَقَع , أَخْبَرْت بِذَلِكَ عَنْ شَيْخنَا الْإِمَام الْبُلْقِينِيّ , وَتَمَامه التَّفْرِيع عَلَى شَرْع مَنْ قَبْلنَا إِذَا حَكَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْكِرهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ اِمْرَأَة أُخْرَى ) ‏ ‏ذَكَرَ الْوَاقِدِيّ وَتَبِعَهُ الْمَسْعُودِيّ ثُمَّ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ اِسْمهَا سَامَة بِنْت مُهَلْهَل بْن سَعْد , وَقِيلَ : اِسْمهَا عَاتِكَة , وَرَأَيْت فِي نُسْخَة قَدِيمَة مِنْ \" كِتَاب مَكَّة لِعُمَر بْن شَبَّة \" أَنَّهَا بَشَامَة بِنْت مُهَلْهَل بْن سَعْد بْن عَوْف وَهِيَ مَضْبُوطَة بَشَامَة بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَة خَفِيفَة قَالَ : وَقِيلَ اِسْمهَا جَدَّة بِنْت الْحَارِث بْن مِضَاض , وَحَكَى اِبْن سَعْد عَنْ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ اِسْمهَا رِعْلَة بِنْت مِضَاض بْن عَمْرو الْجُرْهُمِيَّة , وَعَنْ اِبْن الْكَلْبِيّ أَنَّهَا رِعْلَة بِنْت يَشْجُب بْن يَعْرُب بْن لَوْذَان بْن جُرْهُم , وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْمُخْتَلِف \" أَنَّ اِسْمهَا السَّيِّدَة بِنْت مِضَاض وَحَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ أَيْضًا. وَفِي حَدِيث أَبِي جَهْم \" وَنَظَرَ إِسْمَاعِيل إِلَى بِنْت مِضَاض بْن عَمْرو فَأَعْجَبَتْهُ فَخَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا فَتَزَوَّجَهَا \" وَحَكَى مُحَمَّد بْن سَعْد الْجَوَّانِيّ أَنَّ اِسْمهَا هَالَة بِنْت الْحَارِث وَقِيلَ : الْحُنَفَاء وَقِيلَ سَلْمَى , فَحَصَلْنَا مِنْ اِسْمهَا عَلَى ثَمَانِيَة أَقْوَال وَمِنْ أَبِيهَا عَلَى أَرْبَعَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَة ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي جَهْم \" نَحْنُ فِي خَيْر عَيْش بِحَمْدِ اللَّه , وَنَحْنُ فِي لَبَن كَثِير وَلَحْم كَثِير وَمَاء طَيِّب \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مَا طَعَامكُمْ ؟ قَالَتْ اللَّحْم , قَالَ : فَمَا شَرَابكُمْ ؟ قَالَتْ الْمَاء ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي جَهْم ذَكَرَ اللَّبَن مَعَ اللَّحْم وَالْمَاء. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْم وَالْمَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن نَافِع \" اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي طَعَامهمْ وَشَرَابهمْ , قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرَكَة بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيم \" وَفِيهِ حَذْف تَقْدِيره فِي طَعَام أَهْل مَكَّة وَشَرَابهمْ بَرَكَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَد بِغَيْرِ مَكَّة إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَا يَخْلُوَانِ \" بِالتَّثْنِيَةِ. قَالَ اِبْن الْقُوطِيَّة : خَلَوْت بِالشَّيْءِ وَاخْتَلَيْت إِذَا لَمْ أَخْلِط بِهِ غَيْره , وَيُقَال أَخْلَى الرَّجُل اللَّبَن إِذَا لَمْ يَشْرَب غَيْره. وَفِي حَدِيث أَبِي جَهْم \" لَيْسَ أَحَد يَخْلُو عَلَى اللَّحْم وَالْمَاء بِغَيْرِ مَكَّة إِلَّا اِشْتَكَى بَطْنه \" وَزَادَ فِي حَدِيثه وَكَذَا فِي حَدِيث عَطَاء بْن السَّائِب نَحْوه \" فَقَالَتْ اِنْزِلْ رَحِمَك اللَّه فَاطْعَمْ وَاشْرَبْ. ‏ ‏قَالَ : إِنِّي لَا أَسْتَطِيع النُّزُول. قَالَتْ : فَإِنِّي أَرَاك أَشْعَث أَفَلَا أَغْسِل رَأْسك وَأَدْهُنهُ ؟ قَالَ : بَلَى إِنْ شِئْت. فَجَاءَتْهُ بِالْمَقَامِ , وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَبْيَض مِثْل الْمَهَاة , وَكَانَ فِي بَيْت إِسْمَاعِيل مُلْقَى فَوَضَعَ قَدَمه الْيُمْنَى وَقَدَّمَ إِلَيْهَا شِقّ رَأْسه وَهُوَ عَلَى دَابَّته فَغَسَلَتْ شِقّ رَأْسه الْأَيْمَن , فَلَمَّا فَرَغَ حَوَّلَتْ لَهُ الْمَقَام حَتَّى وَضَعَ قَدَمه الْيُسْرَى وَقَدَّمَ إِلَيْهَا بِرَأْسِهِ فَغَسَلَتْ شِقّ رَأْسه الْأَيْسَر , فَالْأَثَر الَّذِي فِي الْمَقَام مِنْ ذَلِكَ ظَاهِر فِيهِ مَوْضِع الْعَقِب وَالْأُصْبُع \" وَعِنْد الْفَاكِهِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ رَجُل عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" إِنَّ سَارَةَ دَاخَلَتْهَا غَيْرَة , قَالَ لَهَا إِبْرَاهِيم : لَا أَنْزِل حَتَّى أَرْجِع إِلَيْك \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة عَطَاء بْن السَّائِب عِنْد عُمَر بْن شَبَّة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَطَاء أَنَّ السَّائِب \" فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيل وَجَدَ رِيح أَبِيهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ : هَلْ جَاءَك أَحَد ؟ قَالَتْ نَعَمْ شَيْخ أَحْسَن النَّاس وَجْهًا وَأَطْيَبهمْ رِيحًا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يُثَبِّت عَتَبَة بَابه ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيث أَبِي جَهْم \" فَإِنَّهَا صَلَاح الْمَنْزِل \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنْ أُمْسِكك ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيث أَبِي جَهْم \" وَلَقَدْ كُنْت عَلَيَّ كَرِيمَة وَقَدْ اِزْدَدْت عَلَيَّ كَرَامَة , فَوَلَدَتْ لِإِسْمَاعِيل عَشَرَة ذُكُور \" زَادَ مَعْمَر فِي رِوَايَته \" فَسَمِعْت رَجُلًا يَقُول : كَانَ إِبْرَاهِيم يَأْتِي عَلَى الْبُرَاق \" يَعْنِي فِي كُلّ مَرَّة , وَفِي رِوَايَة عُمَر بْن شَبَّة \" وَأُعْجِبَ إِبْرَاهِيم بِجَدَّة بِنْت الْحَارِث فَدَعَا لَهَا بِالْبَرَكَةِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَبْرِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْمُوَحَّدَة , وَالنَّبْل بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْمُوَحَّدَة السَّهْم قَبْل أَنْ يُرَكَّب فِيهِ نَصْله وَرِيشه , وَهُوَ السَّهْم الْعَرَبِيّ. وَوَقَعَ عِنْد الْحَاكِم مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن نَافِع فِي هَذَا الْحَدِيث \" يَصْلُح بَيْتًا لَهُ \" وَكَأَنَّهُ تَصْحِيف , وَالَّذِي فِي الْبُخَارِيّ هُوَ الْمُوَافِق لِغَيْرِهَا مِنْ الرِّوَايَات. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( دَوْحَة ) ‏ ‏هِيَ الَّتِي نَزَلَ إِسْمَاعِيل وَأُمّه تَحْتهَا أَوَّل قُدُومهمَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن نَافِع مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَع الْوَالِد بِالْوَلَدِ وَالْوَلَد بِالْوَالِدِ ) ‏ ‏يَعْنِي مِنْ الِاعْتِنَاق وَالْمُصَافَحَة وَتَقْبِيل الْيَد وَنَحْو ذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر قَالَ سَمِعْت رَجُلًا يَقُول : بَكَيَا حَتَّى أَجَابَهُمَا الطَّيْر , وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ تَبَاعَدَ لِقَاؤُهُمَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّه أَمَرَنِي بِأَمْرٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن نَافِع \" إِنَّ رَبَّك أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي جَهْم عِنْد الْفَاكِهِيّ \" أَنَّ عُمْر إِبْرَاهِيم كَانَ يَوْمئِذٍ مِائَة سَنَة وَعُمْر إِسْمَاعِيل ثَلَاثِينَ سَنَة \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَتُعِيننِي ؟ قَالَ وَأُعِينك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَأُعِينك \" بِالْفَاءِ , وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن نَافِع \" إِنَّ اللَّه قَدْ أَمَرَنِي أَنْ تُعِيننِي عَلَيْهِ قَالَ إِنْ أَفْعَلَ \" بِنَصْبِ اللَّام قَالَ اِبْن التِّين : يُحْتَمَل أَنْ يُقَال أَمَرَهُ اللَّه أَنْ يَبْنِي أَوَّلًا وَحْده ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يُعِينهُ إِسْمَاعِيل , قَالَ فَيَكُون الْحَدِيث الثَّانِي مُتَأَخِّرًا بَعْد الْأَوَّل. قُلْت : وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه , بَلْ الْجَمْع بَيْنهمَا مُمْكِن بِأَنْ يَكُون أَمَرَهُ أَنْ يَبْنِي وَأَنَّ إِسْمَاعِيل يُعِينهُ , فَقَالَ إِبْرَاهِيم لِإِسْمَاعِيل : إِنَّ اللَّه أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِي الْبَيْت وَتُعِيننِي. وَتَخَلَّلَ بَيْن قَوْله أَبْنِي الْبَيْت وَبَيْن قَوْله وَتُعِيننِي قَوْل إِسْمَاعِيل فَاصْنَعْ مَا أَمَرَك رَبُّك. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْكَاف وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي أَوَائِل الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث , وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ حَدِيث عُثْمَان \" فَبَنَاهُ إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَلَيْسَ مَعَهُمَا يَوْمئِذٍ غَيْرهمَا \" يَعْنِي فِي مُشَارَكَتهمَا فِي الْبِنَاء , وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ نَزَلَ الْجُرْهُمِيُّونَ مَعَ إِسْمَاعِيل. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رَفَعَا الْقَوَاعِد مِنْ الْبَيْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب عَنْ سَعِيد عَنْ اِبْن عَبَّاس \" الْقَوَاعِد الَّتِي رَفَعَهَا إِبْرَاهِيم كَانَتْ قَوَاعِد الْبَيْت قَبْل ذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة مُجَاهِد عِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم \" أَنَّ الْقَوَاعِد كَانَتْ فِي الْأَرْض السَّابِعَة \" وَمِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" رَفَعَ الْقَوَاعِد الَّتِي كَانَتْ قَوَاعِد الْبَيْت قَبْل ذَلِكَ \" وَمِنْ طَرِيق عَطَاء قَالَ : \" قَالَ آدَم يَا رَبّ إِنِّي لَا أَسْمَع أَصْوَات الْمَلَائِكَة , قَالَ اِبْنِ لِي بَيْتًا ثُمَّ اُحْفُفْ بِهِ كَمَا رَأَيْت الْمَلَائِكَة تَحُفّ بَيْتِي الَّذِي فِي السَّمَاء \" وَفِي حَدِيث عُثْمَان وَأَبِي جَهْم \" فَبَلَغَ إِبْرَاهِيم مِنْ الْأَسَاس أَسَاس آدَم وَجَعَلَ طُوله فِي السَّمَاء تِسْعَة أَذْرُع وَعَرْضه فِي الْأَرْض - يَعْنِي دُوره - ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا \" وَكَانَ ذَلِكَ بِذِرَاعِهِمْ , وَزَادَ أَبُو جَهْم \" وَأَدْخَلَ الْحَجَر فِي الْبَيْت , وَكَانَ قَبْل ذَلِكَ زَرْبًا لِغَنَمِ إِسْمَاعِيل , وَإِنَّمَا بَنَاهُ بِحِجَارَةٍ بَعْضهَا عَلَى بَعْض وَلَمْ يَجْعَل لَهُ سَقْفًا وَجَعَلَ لَهُ بَابًا وَحَفَرَ لَهُ بِئْرًا عِنْد بَابه خِزَانَة لِلْبَيْتِ يُلْقَى فِيهَا مَا يُهْدَى لِلْبَيْتِ \" وَفِي حَدِيثه أَيْضًا \" أَنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَى إِبْرَاهِيم أَنْ اِتَّبِعْ السَّكِينَة , فَحَلَّقَتْ عَلَى مَوْضِع الْبَيْت كَأَنَّهَا سَحَابَة , فَحَفَرَا يُرِيدَانِ أَسَاس آدَم الْأَوَّل \" وَفِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد الطَّبَرِيِّ وَالْحَاكِم \" رَأَى عَلَى رَأْسه فِي مَوْضِع الْبَيْت مِثْل الْغَمَامَة فِيهِ مِثْل الرَّأْس فَكَلَّمَهُ فَقَالَ : يَا إِبْرَاهِيم اِبْنِ عَلَى ظِلِّي - أَوْ عَلَى قَدْرِي - وَلَا تَزِدْ وَلَا تَنْقُص , وَذَلِكَ حِين يَقُول اللَّه ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ ) الْآيَةَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( جَاءَ بِهَذَا الْحَجَر ) ‏ ‏يَعْنِي الْمَقَام , وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن نَافِع \" حَتَّى اِرْتَفَعَ الْبِنَاء وَضَعُفَ الشَّيْخ عَنْ نَقْل الْحِجَارَة فَقَامَ عَلَى حَجَر الْمَقَام \" زَادَ فِي حَدِيث عُثْمَان \" وَنَزَلَ عَلَيْهِ الرُّكْن وَالْمَقَام فَكَانَ إِبْرَاهِيم يَقُوم عَلَى الْمَقَام يَبْنِي عَلَيْهِ وَيَرْفَعهُ لَهُ إِسْمَاعِيل , فَلَمَّا بَلَغَ الْمَوْضِع الَّذِي فِيهِ الرُّكْن وَضَعَهُ يَوْمئِذٍ مَوْضِعه وَأَخَذَ الْمَقَام فَجَعَلَهُ لَاصِقًا بِالْبَيْتِ , فَلَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيم مِنْ بِنَاء الْكَعْبَة جَاءَ جِبْرِيل فَأَرَاهُ الْمَنَاسِك كُلّهَا , ثُمَّ قَامَ إِبْرَاهِيم عَلَى الْمَقَام فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس أَجِيبُوا رَبّكُمْ , فَوَقَفَ إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل تِلْكَ الْمَوَاقِف , وَحَجَّهُ إِسْحَاق وَسَارَةُ مِنْ بَيْت الْمَقْدِس , ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيم إِلَى الشَّام فَمَاتَ بِالشَّامِ \" وَرَوَى الْفَاكِهِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" قَامَ إِبْرَاهِيم عَلَى الْحَجَر فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجّ , فَأَسْمَعَ مَنْ فِي أَصْلَاب الرِّجَال وَأَرْحَام النِّسَاء , فَأَجَابَهُ مَنْ آمَنَ وَمَنْ كَانَ سَبَقَ فِي عِلْم اللَّه أَنَّهُ يَحُجّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ \" وَفِي حَدِيث أَبِي جَهْم \" ذَهَبَ إِسْمَاعِيل إِلَى الْوَادِي يَطْلُب حَجَرًا , فَنَزَلَ جِبْرِيل بِالْحَجَرِ الْأَسْوَد , وَقَدْ كَانَ رُفِعَ إِلَى السَّمَاء حِين غَرِقَتْ الْأَرْض , فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيل فَرَأَى الْحَجَر الْأَسْوَد قَالَ مِنْ أَيْنَ هَذَا , مَنْ جَاءَك بِهِ ؟ قَالَ إِبْرَاهِيم : مَنْ لَمْ يَكِلنِي إِلَيْك وَلَا إِلَى حَجَرك \" وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ نَحْوه , وَأَنَّهُ كَانَ بِالْهِنْدِ وَكَانَ يَاقُوتَة بَيْضَاء مِثْل الثَّغَامَة. وَهِيَ بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْمُعْجَمَة طَيْر أَبْيَض كَبِير , وَرَوَى الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي بِشْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" وَاللَّهِ مَا بَنَيَاهُ بِقِصَّةٍ وَلَا مَدَر , وَلَا كَانَ لَهُمَا مِنْ السَّعَة وَالْأَعْوَان مَا يَسْقُفَانِهِ \" وَمِنْ حَدِيث عَلِيّ \" كَانَ إِبْرَاهِيم يَبْنِي كُلّ يَوْم سَافًا \" وَمِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ عِنْده وَعِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم \" أَنَّهُ كَانَ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَة أَجْبُل : مِنْ حِرَاء وَثَبِيرٍ وَلُبْنَان وَجَبَل الطُّور وَجَبَل الْخَمْر \" قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : جَبَل الْخَمْر - يَعْنِي بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة - هُوَ جَبَل بَيْت الْمَقْدِس. وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء \" إِنَّ آدَم بَنَاهُ مِنْ خَمْسَة أَجْبُل : حِرَاء وَطُور زَيْتَا وَطُور سَيْنَاء وَالْجُودِيّ وَلُبْنَان , وَكَانَ رَبْضه مِنْ حِرَاء \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن طَلْحَة التَّيْمِيِّ قَالَ : \" سَمِعْت أَنَّهُ أَسَّسَ الْبَيْت مِنْ سِتَّة أَجْبُل : مِنْ أَبِي قُبَيْسٍ وَمِنْ الطُّور وَمِنْ قُدْس وَمِنْ وَرْقَان وَمِنْ رَضْوَى وَمِنْ أُحُد \". ‏"
    },
    {
        "id": "3114",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ بَيْنَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَبَيْنَ أَهْلِهِ مَا كَانَ خَرَجَ ‏ ‏بِإِسْمَاعِيلَ ‏ ‏وَأُمِّ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏وَمَعَهُمْ ‏ ‏شَنَّةٌ ‏ ‏فِيهَا مَاءٌ فَجَعَلَتْ ‏ ‏أُمُّ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏تَشْرَبُ مِنْ ‏ ‏الشَّنَّةِ ‏ ‏فَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا حَتَّى قَدِمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَوَضَعَهَا تَحْتَ دَوْحَةٍ ثُمَّ رَجَعَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏إِلَى أَهْلِهِ فَاتَّبَعَتْهُ ‏ ‏أُمُّ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَتَّى لَمَّا بَلَغُوا ‏ ‏كَدَاءً ‏ ‏نَادَتْهُ مِنْ وَرَائِهِ يَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏إِلَى مَنْ تَتْرُكُنَا قَالَ إِلَى اللَّهِ قَالَتْ رَضِيتُ بِاللَّهِ قَالَ فَرَجَعَتْ فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنْ ‏ ‏الشَّنَّةِ ‏ ‏وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا حَتَّى لَمَّا فَنِيَ الْمَاءُ قَالَتْ لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَدًا قَالَ فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتْ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ هَلْ تُحِسُّ أَحَدًا فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا فَلَمَّا بَلَغَتْ الْوَادِيَ سَعَتْ وَأَتَتْ ‏ ‏الْمَرْوَةَ ‏ ‏فَفَعَلَتْ ذَلِكَ أَشْوَاطًا ثُمَّ قَالَتْ لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ تَعْنِي الصَّبِيَّ فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ فَإِذَا هُوَ عَلَى حَالِهِ كَأَنَّهُ ‏ ‏يَنْشَغُ ‏ ‏لِلْمَوْتِ فَلَمْ تُقِرَّهَا نَفْسُهَا فَقَالَتْ لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَدًا فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتْ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا حَتَّى أَتَمَّتْ سَبْعًا ثُمَّ قَالَتْ لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ فَإِذَا هِيَ بِصَوْتٍ فَقَالَتْ أَغِثْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ فَإِذَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قَالَ فَقَالَ ‏ ‏بِعَقِبِهِ ‏ ‏هَكَذَا وَغَمَزَ ‏ ‏عَقِبَهُ ‏ ‏عَلَى الْأَرْضِ قَالَ ‏ ‏فَانْبَثَقَ ‏ ‏الْمَاءُ فَدَهَشَتْ ‏ ‏أُمُّ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏فَجَعَلَتْ ‏ ‏تَحْفِزُ ‏ ‏قَالَ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ تَرَكَتْهُ كَانَ الْمَاءُ ظَاهِرًا قَالَ فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنْ الْمَاءِ وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا قَالَ فَمَرَّ نَاسٌ مِنْ ‏ ‏جُرْهُمَ ‏ ‏بِبَطْنِ الْوَادِي فَإِذَا هُمْ بِطَيْرٍ كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَاكَ وَقَالُوا مَا يَكُونُ الطَّيْرُ إِلَّا عَلَى مَاءٍ فَبَعَثُوا رَسُولَهُمْ فَنَظَرَ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ فَأَتَاهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ فَأَتَوْا إِلَيْهَا فَقَالُوا يَا ‏ ‏أُمَّ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَكُونَ مَعَكِ أَوْ نَسْكُنَ مَعَكِ فَبَلَغَ ابْنُهَا فَنَكَحَ فِيهِمْ امْرَأَةً قَالَ ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا ‏ ‏لِإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَقَالَ لِأَهْلِهِ إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي قَالَ فَجَاءَ فَسَلَّمَ فَقَالَ أَيْنَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ ذَهَبَ يَصِيدُ قَالَ قُولِي لَهُ إِذَا جَاءَ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ قَالَ أَنْتِ ذَاكِ فَاذْهَبِي إِلَى أَهْلِكِ قَالَ ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا ‏ ‏لِإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَقَالَ لِأَهْلِهِ إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي قَالَ فَجَاءَ فَقَالَ أَيْنَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ ذَهَبَ يَصِيدُ فَقَالَتْ أَلَا تَنْزِلُ فَتَطْعَمَ وَتَشْرَبَ فَقَالَ وَمَا طَعَامُكُمْ وَمَا شَرَابُكُمْ قَالَتْ طَعَامُنَا اللَّحْمُ وَشَرَابُنَا الْمَاءُ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ قَالَ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَرَكَةٌ بِدَعْوَةِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ قَالَ ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا ‏ ‏لِإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَقَالَ لِأَهْلِهِ إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي فَجَاءَ فَوَافَقَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏مِنْ وَرَاءِ ‏ ‏زَمْزَمَ ‏ ‏يُصْلِحُ نَبْلًا لَهُ فَقَالَ يَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏إِنَّ رَبَّكَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا قَالَ أَطِعْ رَبَّكَ قَالَ إِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ قَالَ إِذَنْ أَفْعَلَ أَوْ كَمَا قَالَ قَالَ فَقَامَا فَجَعَلَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏يَبْنِي ‏ ‏وَإِسْمَاعِيلُ ‏ ‏يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَيَقُولَانِ ‏ { ‏رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏} ‏قَالَ حَتَّى ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ وَضَعُفَ الشَّيْخُ عَنْ نَقْلِ الْحِجَارَةِ فَقَامَ عَلَى حَجَرِ الْمَقَامِ فَجَعَلَ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَيَقُولَانِ ‏ { ‏رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو عَامِر ) ‏ ‏هُوَ الْعَقَدِيّ ‏ ‏وَإِبْرَاهِيم بْن نَافِع ‏ ‏هُوَ الْمَخْزُومِيّ الْمَكِّيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَمَّا كَانَ بَيْن إِبْرَاهِيم وَبَيْن أَهْله ) ‏ ‏يَعْنِي سَارَةَ ‏ ‏( مَا كَانَ ) ‏ ‏يَعْنِي مِنْ غَيْرَة سَارَةَ لَمَّا وَلَدَتْ هَاجَر إِسْمَاعِيل , وَقَدْ مَضَتْ بَقِيَّة شَرْح الْحَدِيث ضِمْن الَّذِي قَبْله. ‏"
    },
    {
        "id": "3115",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلَ قَالَ ‏ ‏الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ‏ ‏الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى ‏ ‏قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ ‏ ‏فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد , وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيُّ هُوَ اِبْن يَزِيد بْن شَرِيك وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ \" كُنْت أَنَا وَأَبِي نَجْلِس فِي الطَّرِيق فَيَعْرِض عَلَيَّ الْقُرْآن وَأَعْرِض عَلَيْهِ , فَقَرَأَ الْقُرْآن فَسَجَدَ , فَقُلْت تَسْجُد فِي الطَّرِيق ؟ قَالَ : نَعَمْ سَمِعْت أَبَا ذَرّ \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَيّ مَسْجِد وُضِعَ فِي الْأَرْض أَوَّلُ ) ‏ ‏بِضَمِّ اللَّام قَالَ أَبُو الْبَقَاء : وَهِيَ ضَمَّة بِنَاء لِقَطْعِهِ عَنْ الْإِضَافَة مِثْل قَبْلُ وَبَعْدُ , وَالتَّقْدِير أَوَّل كُلّ شَيْء , وَيَجُوز الْفَتْح مَصْرُوفًا وَغَيْر مَصْرُوف. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَيٌّ ) ‏ ‏بِالتَّنْوِينِ وَتَرَكَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" أَيّ الْأَعْمَال أَفْضَل \" وَهَذَا الْحَدِيث يُفَسِّر الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لِلَّذِي بِبَكَّةَ ) وَيَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْبَيْتِ بَيْت الْعِبَادَة لَا مُطْلَق الْبُيُوت , وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا عَنْ عَلِيّ أَخْرَجَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَابْن أَبِي حَاتِم وَغَيْرهمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ قَالَ \" كَانَتْ الْبُيُوت قَبْله , وَلَكِنَّهُ كَانَ أَوَّل بَيْت وُضِعَ لِعِبَادَةِ اللَّه \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الْمَسْجِد الْأَقْصَى ) ‏ ‏يَعْنِي مَسْجِد بَيْت الْمَقْدِس , وَقِيلَ لَهُ الْأَقْصَى لِبُعْدِ الْمَسَافَة بَيْنه وَبَيْن الْكَعْبَة , وَقِيلَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَرَاءَهُ مَوْضِع عِبَادَة , وَقِيلَ لِبُعْدِهِ عَنْ الْأَقْذَار وَالْخَبَائِث , وَالْمَقْدِس الْمُطَهَّر عَنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَرْبَعُونَ سَنَة ) ‏ ‏قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : فِيهِ إِشْكَال , لِأَنَّ إِبْرَاهِيم بَنَى الْكَعْبَة وَسُلَيْمَان بَنَى بَيْت الْمَقْدِس وَبَيْنهمَا أَكْثَر مِنْ أَلْف سَنَة اِنْتَهَى , وَمُسْتَنَده فِي أَنَّ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ الَّذِي بَنَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ \" أَنَّ سُلَيْمَان لَمَّا بَنَى بَيْت الْمَقْدِس سَأَلَ اللَّه تَعَالَى خِلَالًا ثَلَاثًا \" الْحَدِيث , وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث رَافِع بْن عُمَيْرَةَ \" أَنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام اِبْتَدَأَ بِبِنَاءِ بَيْت الْمَقْدِس , ثُمَّ أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : إِنِّي لَأَقْضِي بِنَاءَهُ عَلَى يَد سُلَيْمَان \" وَفِي الْحَدِيث قِصَّة , قَالَ : وَجَوَابه أَنَّ الْإِشَارَة إِلَى أَوَّل الْبِنَاء وَوَضْع أَسَاس الْمَسْجِد وَلَيْسَ إِبْرَاهِيم أَوَّل مَنْ بَنَى الْكَعْبَة وَلَا سُلَيْمَان أَوَّل مَنْ بَنَى بَيْت الْمَقْدِس , فَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ أَوَّل مَنْ بَنَى الْكَعْبَة آدَم ثُمَّ اِنْتَشَرَ وَلَده فِي الْأَرْض , فَجَائِز أَنْ يَكُون بَعْضهمْ قَدْ وَضَعَ بَيْت الْمَقْدِس ثُمَّ بَنَى إِبْرَاهِيم الْكَعْبَة بِنَصِّ الْقُرْآن , وَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّ الْحَدِيث لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيم وَسُلَيْمَان لَمَّا بَنَيَا الْمَسْجِدَيْنِ اِبْتَدَآ وَضْعهمَا لَهُمَا , بَلْ ذَلِكَ تَجْدِيد لِمَا كَانَ أَسَّسَهُ غَيْرهمَا. قُلْت : وَقَدْ مَشَى اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه عَلَى ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ : فِي هَذَا الْخَبَر رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ بَيْن إِسْمَاعِيل وَدَاوُدَ أَلْف سَنَة , وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَكَانَ بَيْنهمَا أَرْبَعُونَ سَنَة وَهَذَا عَيْن الْمُحَال لِطُولِ الزَّمَان - بِالِاتِّفَاقِ - بَيْن بِنَاء إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام الْبَيْت وَبَيْن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام. ثُمَّ إِنَّ فِي نَصّ الْقُرْآن أَنَّ قِصَّة دَاوُدَ فِي قَتْل جَالُوت كَانَتْ بَعْد مُوسَى بِمُدَّةٍ. وَقَدْ تَعَقَّبَ الْحَافِظ الضِّيَاء بِنَحْوِ مَا أَجَابَ بِهِ اِبْن الْجَوْزِيّ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُشْبِه أَنْ يَكُون الْمَسْجِد الْأَقْصَى أَوَّل مَا وَضَعَ بِنَاءَهُ بَعْض أَوْلِيَاء اللَّه قَبْل دَاوُدَ وَسُلَيْمَان ثُمَّ دَاوُدُ وَسُلَيْمَان فَزَادَا فِيهِ وَوَسَّعَاهُ فَأُضِيفَ إِلَيْهِمَا بِنَاؤُهُ , قَالَ : وَقَدْ يُنْسَب هَذَا الْمَسْجِد إِلَى إِيلِيَاء فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون هُوَ بَانِيه أَوْ غَيْره , وَلَسْت أُحَقِّق لِمَ أُضِيفَ إِلَيْهِ ؟ قُلْت : الِاحْتِمَال الَّذِي ذَكَرَهُ أَوَّلًا مُوَجَّه , وَقَدْ رَأَيْت لِغَيْرِهِ أَنَّ أَوَّل مَنْ أَسَّسَ الْمَسْجِد الْأَقْصَى آدَم عَلَيْهِ السَّلَام وَقِيلَ الْمَلَائِكَة وَقِيلَ سَام بْن نُوح عَلَيْهِ السَّلَام وَقِيلَ يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام , فَعَلَى الْأَوَّلَيْنِ يَكُون مَا وَقَعَ مِمَّنْ بَعْدهمَا تَجْدِيدًا كَمَا وَقَعَ فِي الْكَعْبَة , وَعَلَى الْأَخِيرَيْنِ يَكُون الْوَاقِع مِنْ إِبْرَاهِيم أَوْ يَعْقُوب أَصْلًا وَتَأْسِيسًا وَمِنْ دَاوُدَ تَجْدِيدًا لِذَلِكَ وَابْتِدَاء بِنَاء فَلَمْ يَكْمُل عَلَى يَده حَتَّى أَكْمَلَهُ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام , لَكِنَّ الِاحْتِمَال الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ أَوْجَهُ. وَقَدْ وَجَدْت مَا يَشْهَد لَهُ وَيُؤَيِّد قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ آدَم هُوَ الَّذِي أَسَّسَ كُلًّا مِنْ الْمَسْجِدَيْنِ , فَذَكَرَ اِبْن هِشَام فِي \" كِتَاب التِّيجَان \" أَنَّ آدَم لَمَّا بَنَى الْكَعْبَة أَمَرَهُ اللَّه بِالسَّيْرِ إِلَى بَيْت الْمَقْدِس وَأَنْ يَبْنِيه فَبَنَاهُ وَنَسَكَ فِيهِ , وَبِنَاء آدَم لِلْبَيْتِ مَشْهُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّ الْبَيْت رُفِعَ زَمَن الطُّوفَان حَتَّى بَوَّأَهُ اللَّه لِإِبْرَاهِيم. وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : وَضَعَ اللَّه الْبَيْت مَعَ آدَم لَمَّا هَبَطَ , فَفَقَدَ أَصْوَات الْمَلَائِكَة وَتَسْبِيحهمْ , فَقَالَ اللَّه لَهُ : يَا آدَم إِنِّي قَدْ أُهْبِطْت بَيْتًا يُطَاف بِهِ كَمَا يُطَاف حَوْل عَرْشِي فَانْطَلِقْ إِلَيْهِ , فَخَرَجَ آدَم إِلَى مَكَّة ; وَكَانَ قَدْ هَبَطَ بِالْهِنْدِ وَمُدَّ لَهُ فِي خَطْوه فَأَتَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ \" وَقِيلَ إِنَّهُ لَمَّا صَلَّى إِلَى الْكَعْبَة أُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى بَيْت الْمَقْدِس فَاِتَّخَذَ فِيهِ مَسْجِدًا وَصَلَّى فِيهِ لِيَكُونَ قِبْلَة لِبَعْضِ ذُرِّيَّته. وَأَمَّا ظَنّ الْخَطَّابِيِّ أَنَّ إِيلِيَاء اِسْم رَجُل فَفِيهِ نَظَر , بَلْ هُوَ اِسْم الْبَلَد فَأُضِيفَ إِلَيْهِ الْمَسْجِد كَمَا يُقَال مَسْجِد الْمَدِينَة وَمَسْجِد مَكَّة. وَقَالَ أَبُو عُبَيْد الْبِكْرِيّ فِي \" مُعْجَم الْبُلْدَان \" : إِيلِيَاء مَدِينَة بَيْت الْمَقْدِس فِيهِ ثَلَاث لُغَات : مَدّ آخِره وَقَصْره وَحَذْف الْيَاء الْأُولَى , قَالَ الْفَرَزْدَق : ‏ ‏لَوَى اِبْن أَبِي الرَّقْرَاق عَيْنَيْهِ بَعْدَمَا ‏ ‏دَنَا مِنْ أَعَالِي إِيلِيَاء وَغَوْرَا ‏ ‏وَعَلَى مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ يُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يُقَال : إِنَّهَا سُمِّيَتْ بِاسْمِ بَانِيهَا كَغَيْرِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَصَلَهُ ) ‏ ‏بِهَاءٍ سَاكِنَة وَهِيَ هَاء السَّكْت , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ الْفَضْل فِيهِ ) ‏ ‏أَيْ فِي فِعْل الصَّلَاة إِذَا حَضَرَ وَقْتهَا , زَادَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَعْمَش فِي آخِره \" وَالْأَرْض لَك مَسْجِد \" أَيْ لِلصَّلَاةِ فِيهِ , وَفِي \" جَامِع سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ \" عَنْ الْأَعْمَش \" فَإِنَّ الْأَرْض كُلّهَا مَسْجِد \" أَيْ صَالِحَة لِلصَّلَاةِ فِيهَا. وَيُخَصّ هَذَا الْعُمُوم بِمَا وَرَدَ فِيهِ النَّهْي وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3116",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُطَّلِبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَلَعَ لَهُ ‏ ‏أُحُدٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ اللَّهُمَّ إِنَّ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَرَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ ‏ ‏لَابَتَيْهَا ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَنَس مَوْصُولًا وَعَبْد اللَّه بْن زَيْد مُعَلَّقًا فِي حَرَم الْمَدِينَة وَذِكْر أُحُد , وَالْغَرَض مِنْهُمَا ذِكْر إِبْرَاهِيم وَأَنَّهُ حَرَم مَكَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِمَا فِي أَوَاخِر الْحَجّ , وَتَقَدَّمَ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد مَوْصُولًا هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3117",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَخْبَرَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوْا ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَقَالَ لَوْلَا ‏ ‏حِدْثَانُ ‏ ‏قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏لَئِنْ كَانَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ ‏ ‏الْحِجْرَ ‏ ‏إِلَّا أَنَّ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَائِشَة فِي قِصَّة بِنَاء الْكَعْبَة , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَثْنَاء الْحَجّ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِسْمَاعِيل : عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس رَوَى الْحَدِيث الْمَذْكُور عَنْ مَالِك مَا رَوَاهُ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف فَقَالَ بَدَل قَوْل عَبْد اللَّه بْن يُوسُف إِنَّ أَبَا بَكْر أَخْبَرَ \" أَنَّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر أَخْبَرَ \" وَأَبُو بَكْر جَدّ عَبْد اللَّه الْمَذْكُور هُوَ الصِّدِّيق , وَقَدْ سَاقَ الْمُصَنِّف حَدِيث إِسْمَاعِيل فِي التَّفْسِير وَلَفْظه \" عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر \" وَهُوَ الْوَاقِع , وَكَأَنَّهُ عِنْد التَّعْلِيق نَسَبَهُ لِجَدِّهِ , وَأَغْفَلَ الْمِزِّيُّ ذِكْر هَذَا التَّعْلِيق فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "3118",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُمْ ‏ ‏قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُولُوا ‏ ‏اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَبَارِكْ عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي صِفَة الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الدَّعَوَات. وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله فِيهِ ‏ ‏\" كَمَا صَلَّيْت عَلَى إِبْرَاهِيم \" ‏"
    },
    {
        "id": "3119",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو فَرْوَةَ مُسْلِمُ بْنُ سَالِمٍ الْهَمْدَانِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏قَالَ لَقِيَنِي ‏ ‏كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ بَلَى فَأَهْدِهَا لِي فَقَالَ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ قَالَ قُولُوا ‏ ‏اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَعَلَى آلِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَعَلَى آلِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَعَلَى آلِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏كَمَا بَارَكْتَ عَلَى ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَعَلَى آلِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ كَعْب بْن عُجْرَة فِي صِفَة الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الدَّعَوَات أَيْضًا , وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي أَوَاخِر تَفْسِير الْأَحْزَاب , وَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَوَهَمَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَاف فَعَزَا رِوَايَة كَعْب بْن عُجْرَة هَذِهِ إِلَى الصَّلَاة فَقَالَ : رَوَى الْبُخَارِيّ فِي الصَّلَاة عَنْ قَيْس بْن حَفْص وَمُوسَى بْن إِسْمَاعِيل كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد إِلَى آخِر كَلَامه , وَاغْتَرَّ بِذَلِكَ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقَّن فَإِنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى شَرْح هَذَا الْحَدِيث هُنَا أَحَالَ بِشَرْحِهِ عَلَى الصَّلَاة وَقَالَ : تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة , وَكَأَنَّهُ تَبِعَ شَيْخه مَغْلَطَاي فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَذَلِكَ صَنَعَ , وَلَمْ يَتَقَدَّم هَذَا الْحَدِيث عِنْد الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الصَّلَاة أَصْلًا , وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "3120",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِنْهَالِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعَوِّذُ ‏ ‏الْحَسَنَ ‏ ‏وَالْحُسَيْنَ ‏ ‏وَيَقُولُ ‏ ‏إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏وَإِسْحَاقَ ‏ ‏أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ ‏ ‏وَهَامَّةٍ ‏ ‏وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ ‏ ‏لَامَّةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن عَبَّاس فِي التَّعْوِيذ بِكَلِمَاتِ اللَّه التَّامَّة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا جَرِير ) ‏ ‏لِعُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة فِيهِ شَيْخ آخَر أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ عِمْرَان بْن مُوسَى وَإِبْرَاهِيم بْن مُوسَى قَالَا حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا جَرِير , وَأَبُو حَفْص الْأَبَّار فَرَّقَهُمَا عَنْ مَنْصُور. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ مَنْصُور ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر ‏ ‏( عَنْ الْمِنْهَال ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَمْرو , وَالْإِسْنَاد إِلَى سَعِيد بْن جُبَيْر كُوفِيُّونَ , وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عَنْ الْمِنْهَال فَقَالَ \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث \" بَدَل سَعِيد , وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي حَفْص الْأَبَّار عَنْ الْأَعْمَش وَمَنْصُور فَحَمَلَ رِوَايَة الْأَعْمَش عَلَى رِوَايَة مَنْصُور , وَالصَّوَاب التَّفْصِيل , وَلِذَلِكَ لَمْ يُخَرِّج رِوَايَة الْأَبَّار. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّ أَبَاكُمَا ) ‏ ‏يُرِيد إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام وَسَمَّاهُ أَبًا لِكَوْنِهِ جَدًّا عَلَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِكَلِمَاتِ اللَّه ) ‏ ‏قِيلَ الْمُرَاد بِهَا كَلَامه عَلَى الْإِطْلَاق , وَقِيلَ أَقْضِيَته , وَقِيلَ مَا وَعَدَ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّك الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ) وَالْمُرَاد بِهَا قَوْله تَعَالَى ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ) الْمُرَاد بِالتَّامَّةِ الْكَامِلَة وَقِيلَ النَّافِعَة وَقِيلَ الشَّافِيَة وَقِيلَ الْمُبَارَكَة وَقِيلَ الْقَاضِيَة الَّتِي تَمْضِي وَتَسْتَمِرّ وَلَا يَرُدّهَا شَيْء وَلَا يَدْخُلهَا نَقْص وَلَا عَيْب , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانَ أَحْمَد يَسْتَدِلّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ كَلَام اللَّه غَيْر مَخْلُوق , وَيَحْتَجّ بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسْتَعِيذ بِمَخْلُوقٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ كُلّ شَيْطَان ) ‏ ‏يَدْخُل تَحْته شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَهَامَّة ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ وَاحِدَة الْهَوَامّ ذَوَات السَّمُوم , وَقِيلَ كُلّ مَا لَهُ سُمٌّ يَقْتُل فَأَمَّا مَا لَا يَقْتُل سُمّه فَيُقَال لَهُ السَّوَامّ , وَقِيلَ الْمُرَاد كُلّ نَسَمَة تَهُمُّ بِسُوءٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَمِنْ كُلّ عَيْن لَامَّة ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُرَاد بِهِ كُلّ دَاء وَآفَة تُلِمّ بِالْإِنْسَانِ مِنْ جُنُون وَخَبَل. وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : أَصْله مِنْ أَلْمَمْت إِلْمَامًا , وَإِنَّمَا قَالَ \" لَامَّة \" لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا ذَات لَمَم , وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : يَعْنِي أَنَّهَا تَأْتِي فِي وَقْت بَعْد وَقْت , وَقَالَ لَامَّة لِيُؤَاخِيَ لَفْظ هَامَّة لِكَوْنِهِ أَخَفّ عَلَى اللِّسَان. ‏"
    },
    {
        "id": "3121",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏إِذْ قَالَ ‏ { ‏رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوْ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ‏} ‏وَيَرْحَمُ اللَّهُ ‏ ‏لُوطًا ‏ ‏لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ ‏ ‏يُوسُفُ ‏ ‏لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن وَسَعِيد بْن الْمُسَيَّب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ \" أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة وَسَعِيد \" كَذَا قَالَ يُونُس بْن يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيّ , وَرَوَاهُ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيّ فَقَالَ \" إِنَّ سَعِيد بْن الْمُسَيَّب وَأَبَا عُبَيْدَة أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَسَيَأْتِي ذَلِكَ لِلْمُصَنِّفِ قَرِيبًا , وَتَابَعَ مَالِكًا أَبُو أُوَيْس عَنْ الزُّهْرِيّ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيقه , وَرَجَحَ ذَلِكَ عِنْد النَّسَائِيِّ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ جَنَحَ إِلَى تَصْحِيح الطَّرِيقَيْنِ فَأَخْرَجَهُمَا مَعًا , وَهُوَ نَظَر صَحِيح , لِأَنَّ الزُّهْرِيّ صَاحِب حَدِيث , وَهُوَ مَعْرُوف بِالرِّوَايَةِ عَنْ هَؤُلَاءِ فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمْ جَمِيعًا , ثُمَّ هُوَ مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي حَدَّثَ بِهَا مَالِك خَارِج الْمُوَطَّأ وَاشْتُهِرَ أَنَّ جُوَيْرِيَةَ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ , وَلَكِنْ تَابَعَهُ سَعِيد بْن دَاوُدَ عَنْ مَالِك أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِب مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( نَحْنُ أَحَقّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏سَقَطَ لَفْظ الشَّكّ مِنْ بَعْض الرِّوَايَات. وَاخْتَلَفَ السَّلَف فِي الْمُرَاد بِالشَّكِّ هُنَا , فَحَمَلَهُ بَعْضهمْ عَلَى ظَاهِره وَقَالَ : كَانَ ذَلِكَ قَبْل النُّبُوَّة , وَحَمَلَهُ أَيْضًا الطَّبَرِيُّ عَلَى ظَاهِره وَجَعَلَ سَبَبه حُصُول وَسْوَسَة الشَّيْطَان , لَكِنَّهَا لَمْ تَسْتَقِرّ وَلَا زَلْزَلَتْ الْإِيمَان الثَّابِت , وَاسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَعَبْد بْنُ حُمَيْدٍ وَابْن أَبِي حَاتِم وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز الْمَاجِشُونِ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : أَرْجَى آيَة فِي الْقُرْآن ‏ ‏( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ) ‏ ‏الْآيَة , قَالَ اِبْن عَبَّاس : هَذَا لِمَا يَعْرِض فِي الصُّدُور وَيُوَسْوِس بِهِ الشَّيْطَان , فَرَضِيَ اللَّه مِنْ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام بِأَنْ قَالَ : بَلَى. وَمِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوه , وَمِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيَّب عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوه , وَهَذِهِ طُرُق يَشُدّ بَعْضهَا بَعْضًا وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ عَطَاء فَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ \" سَأَلْت عَطَاء عَنْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ : دَخَلَ قَلْب إِبْرَاهِيم بَعْض مَا يَدْخُل قُلُوب النَّاس فَقَالَ ذَلِكَ \" وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ قَالَ \" ذُكِرَ لَنَا أَنَّ إِبْرَاهِيم أَتَى عَلَى دَابَّة تَوَزَّعَتْهَا الدَّوَابّ وَالسِّبَاع \" وَمِنْ طَرِيق حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ \" بَلَغَنِي أَنَّ إِبْرَاهِيم أَتَى عَلَى جِيفَة حِمَار عَلَيْهِ السِّبَاع وَالطَّيْر فَعَجِبَ وَقَالَ : رَبّ لَقَدْ عَلِمْت لَتَجْمَعَنَّهَا , وَلَكِنْ رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى \" وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَأْوِيل ذَلِكَ , فَرَوَى الطَّبَرِيُّ وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ قَالَ \" لَمَّا اِتَّخَذَ اللَّه إِبْرَاهِيم خَلِيلًا اِسْتَأْذَنَهُ مَلَك الْمَوْت أَنْ يُبَشِّرهُ فَأَذِنَ لَهُ \" فَذَكَرَ قِصَّة مَعَهُ فِي كَيْفِيَّة قَبْض رُوح الْكَافِر وَالْمُؤْمِن , قَالَ \" فَقَامَ إِبْرَاهِيم يَدْعُو رَبّه : رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى حَتَّى أَعْلَم أَنِّي خَلِيلك \" وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق أَبِي الْعَوَّام عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ \" لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِالْخُلَّةِ \" وَمِنْ طَرِيق قَيْس بْن مُسْلِم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ \" لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أَنِّي خَلِيلك \" وَمِنْ طَرِيق الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس \" لِأَعْلَم أَنَّك أَجَبْت دُعَائِي \". وَمِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن اِبْن طَلْحَة عَنْهُ \" لِأَعْلَم أَنَّك تُجِيبنِي إِذَا دَعَوْتُك \". وَإِلَى هَذَا الْأَخِير جَنَحَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر الْبَاقِلَّانِيّ , وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ الشَّارِح أَنَّهُ قَالَ : طَلَبَ إِبْرَاهِيم ذَلِكَ لِتَذْهَب عَنْهُ شِدَّة الْخَوْف , قَالَ اِبْن التِّين : وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنِ ; وَقِيلَ كَانَ سَبَب ذَلِكَ أَنَّ نُمْرُودَ لَمَّا قَالَ لَهُ مَا رَبُّك ؟ قَالَ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ , فَذَكَرَ مَا قَصَّ اللَّه مِمَّا جَرَى بَيْنهمَا , فَسَأَلَ إِبْرَاهِيم بَعْد ذَلِكَ رَبّه أَنْ يُرِيه كَيْفِيَّة إِحْيَاء الْمَوْتَى مِنْ غَيْر شَكّ مِنْهُ فِي الْقُدْرَة , وَلَكِنْ أَحَبَّ ذَلِكَ وَاشْتَاقَ إِلَيْهِ فَأَرَادَ أَنْ يَطْمَئِنّ قَلْبه بِحُصُولِ مَا أَرَادَهُ , أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ اِبْن إِسْحَاق. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق الْحَكَم بْن أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : الْمُرَاد لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّك تُحْيِي الْمَوْتَى. وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَقْدِرنِي عَلَى إِحْيَاء الْمَوْتَى فَتَأَدَّبَ فِي السُّؤَال. وَقَالَ اِبْن الْحِصَار : إِنَّمَا سَأَلَ أَنْ يُحْيِي اللَّه الْمَوْتَى عَلَى يَدَيْهِ فَلِهَذَا قِيلَ لَهُ فِي الْجَوَاب ( فَصُرْهُنَّ إِلَيْك ). وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ بَعْض مَنْ لَا تَحْصِيل عِنْده أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : ( قَلْبِي ) رَجُلًا صَالِحًا كَانَ يَصْحَبهُ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ , وَأَبْعَد مِنْهُ مَا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ الْمُفَسِّر عَنْ بَعْض الصُّوفِيَّة أَنَّهُ سَأَلَ مِنْ رَبّه أَنْ يُرِيه كَيْف يُحْيِي الْقُلُوب , وَقِيلَ أَرَادَ طُمَأْنِينَة النَّفْس بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّة , وَقِيلَ مَحَبَّة الْمُرَاجَعَة فِي السُّؤَال. ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" نَحْنُ أَحَقّ بِالشَّكِّ \" فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ نَحْنُ أَشَدّ اِشْتِيَاقًا إِلَى رُؤْيَة ذَلِكَ مِنْ إِبْرَاهِيم , وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِذَا لَمْ نَشُكّ نَحْنُ فَإِبْرَاهِيم أَوْلَى أَنْ لَا يَشُكّ , أَيْ لَوْ كَانَ الشَّكّ مُتَطَرِّفًا إِلَى الْأَنْبِيَاء لَكُنْت أَنَا أَحَقّ بِهِ مِنْهُمْ , وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَمْ أَشُكّ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَشُكّ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا مِنْهُ , أَوْ مِنْ قَبْل أَنْ يُعْلِمهُ اللَّه بِأَنَّهُ أَفْضَل مِنْ إِبْرَاهِيم , وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي حَدِيث أَنَس عِنْد مُسْلِم \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا خَيْر الْبَرِّيَّة , قَالَ ذَاكَ إِبْرَاهِيم \" وَقِيلَ إِنَّ سَبَب هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْآيَة لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ بَعْض النَّاس : شَكَّ إِبْرَاهِيم وَلَمْ يَشُكّ نَبِيّنَا فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ : نَحْنُ أَحَقّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم , وَأَرَادَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَة فِي الْمُخَاطَبَة لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْفَع عَنْ آخَر شَيْئًا قَالَ : مَهْمَا أَرَدْت أَنْ تَقُولهُ لِفُلَانٍ فَقُلْهُ لِي , وَمَقْصُوده لَا تَقُلْ ذَلِكَ وَقِيلَ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ نَحْنُ أُمَّته الَّذِينَ يَجُوز عَلَيْهِمْ الشَّكّ وَأَخْرَجَهُ هُوَ مِنْهُ بِدَلَالَةِ الْعِصْمَة. وَقِيلَ : مَعْنَاهُ هَذَا الَّذِي تَرَوْنَ أَنَّهُ شَكّ أَنَا أَوْلَى بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَكٍّ إِنَّمَا هُوَ طَلَب لِمَزِيدِ الْبَيَان. وَحَكَى بَعْض عُلَمَاء الْعَرَبِيَّة أَنَّ أَفْعَل رُبَّمَا جَاءَتْ لِنَفْيِ الْمَعْنَى عَنْ الشَّيْئَيْنِ نَحْو قَوْله تَعَالَى ( أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ) أَيْ لَا خَيْرَ فِي الْفَرِيقَيْنِ , وَنَحْو قَوْل الْقَائِل : الشَّيْطَانُ خَيْرٌ مِنْ فُلَان أَيْ لَا خَيْر فِيهِمَا , فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْله \" نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم \" لَا شَكَّ عِنْدنَا جَمِيعًا. وَقَالَ اِبْن عَطِيَّة : تَرْجَمَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيره فَقَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ شَكَّ إِبْرَاهِيم فِي الْقُدْرَة. وَذَكَرَ أَثَر اِبْن عَبَّاس وَعَطَاء , قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَمَحْمَل قَوْل اِبْن عَبَّاس عِنْدِي \" أَنَّهَا أَرْجَى آيَة \" لِمَا فِيهَا مِنْ الْإِدْلَال عَلَى اللَّه وَسُؤَال الْأَحْيَاء فِي الدُّنْيَا , أَوْ لِأَنَّ الْإِيمَان يَكْفِي فِيهِ الْإِجْمَال وَلَا يَحْتَاج إِلَى تَنْقِير وَبَحْث. قَالَ : وَمَحْمَل قَوْل عَطَاء \" دَخَلَ قَلْب إِبْرَاهِيم بَعْض مَا يَدْخُل قُلُوب النَّاس \" أَيْ مِنْ طَلَب الْمُعَايَنَة. قَالَ وَأَمَّا الْحَدِيث فَمَبْنِيّ عَلَى نَفْي الشَّكّ , وَالْمُرَاد بِالشَّكِّ فِيهِ الْخَوَاطِر الَّتِي لَا تَثْبُت , وَأَمَّا الشَّكّ الْمُصْطَلَح وَهُوَ التَّوَقُّف بَيْن الْأَمْرَيْنِ مِنْ غَيْر مَزِيَّة لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَر فَهُوَ مَنْفِيّ عَنْ الْخَلِيل قَطْعًا لِأَنَّهُ يَبْعُد وُقُوعه مِمَّنْ رَسَخَ الْإِيمَان فِي قَلْبه فَكَيْفَ بِمَنْ بَلَغَ رُتْبَة النُّبُوَّة. قَالَ : وَأَيْضًا فَإِنَّ السُّؤَال لَمَّا وَقَعَ بِكَيْفَ دَلَّ عَلَى حَال شَيْء مِنْ مَوْجُود مُقَرَّر عِنْد السَّائِل وَالْمَسْئُول , كَمَا تَقُول كَيْفَ عِلْم فُلَان ؟ فَكَيْفَ فِي الْآيَة سُؤَال عَنْ هَيْئَة الْإِحْيَاء لَا عَنْ نَفْس الْإِحْيَاء فَإِنَّهُ ثَابِت مُقَرَّر. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : إِنَّمَا صَارَ أَحَقّ مِنْ إِبْرَاهِيم لِمَا عَانَى مِنْ تَكْذِيب قَوْمه وَرَدّهمْ عَلَيْهِ وَتَعَجُّبهمْ مِنْ أَمْر الْبَعْث فَقَالَ : أَنَا أَحَقّ أَنْ أَسْأَل مَا سَأَلَ إِبْرَاهِيم , لِعَظِيمِ مَا جَرَى لِي مَعَ قَوْمِي الْمُنْكِرِينَ لِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَلِمَعْرِفَتِي بِتَفْضِيلِ اللَّه لِي , وَلَكِنْ لَا أَسْأَل فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ ) ‏ ‏الِاسْتِفْهَام لِلتَّقْرِيرِ , وَوَجْهه أَنَّهُ طَلَب الْكَيْفِيَّة وَهُوَ مُشْعِر بِالتَّصْدِيقِ بِالْإِحْيَاءِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) ‏ ‏أَيْ لِيَزِيدَ سُكُونًا بِالْمُشَاهَدَةِ الْمُنْضَمَّة إِلَى اِعْتِقَاد الْقَلْب , لِأَنَّ تَظَاهُر الْأَدِلَّة أَسْكَن لِلْقُلُوبِ , وَكَأَنَّهُ قَالَ أَنَا مُصَدِّق , وَلَكِنْ لِلْعِيَانِ لَطِيف مَعْنَى. وَقَالَ عِيَاض : لَمْ يَشُكّ إِبْرَاهِيم بِأَنَّ اللَّه يُحْيِي الْمَوْتَى , وَلَكِنْ أَرَادَ طُمَأْنِينَة الْقَلْب وَتَرْك الْمُنَازَعَة لِمُشَاهَدَةِ الْإِحْيَاء فَحَصَلَ لَهُ الْعِلْم الْأَوَّل بِوُقُوعِهِ , وَأَرَادَ الْعِلْم الثَّانِي بِكَيْفِيَّتِهِ وَمُشَاهَدَته , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ سَأَلَ زِيَادَة الْيَقِين وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَوَّل شَكّ لِأَنَّ الْعُلُوم قَدْ تَتَفَاوَت فِي قُوَّتهَا فَأَرَادَ التَّرَقِّي مِنْ عِلْم الْيَقِين إِلَى عَيْن الْيَقِين وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَيَرْحَم اللَّه لُوطًا إِلَخْ ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ قَرِيبًا فِي تَرْجَمَة لُوط. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَوْ لَبِثْت فِي السِّجْن طُول مَا لَبِثَ , يُوسُف لَأَجَبْت الدَّاعِي ) ‏ ‏أَيْ أَسْرَعْت الْإِجَابَة فِي الْخُرُوج مِنْ السِّجْن وَلَمَا قَدَّمْت طَلَب الْبَرَاءَة , فَوَصَفَهُ بِشِدَّةِ الصَّبْر حَيْثُ لَمْ يُبَادِر بِالْخُرُوجِ وَإِنَّمَا قَالَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَاضُعًا , وَالتَّوَاضُع لَا يَحُطّ مَرْتَبَة الْكَبِير بَلْ يَزِيدهُ رِفْعَة وَجَلَالًا , وَقِيلَ هُوَ مِنْ جِنْس قَوْله \" لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ \" وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ قَالَهُ قَبْل أَنْ يَعْلَم أَنَّهُ أَفْضَل مِنْ الْجَمِيع , وَسَيَأْتِي تَكْمِلَة لِهَذَا الْحَدِيث فِي قِصَّة يُوسُف. ‏"
    },
    {
        "id": "3122",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى نَفَرٍ مِنْ ‏ ‏أَسْلَمَ ‏ ‏يَنْتَضِلُونَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ارْمُوا ‏ ‏بَنِي إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ قَالَ فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ قَالَ ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ سَلَمَة بْن الْأَكْوَع \" اِرْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيل \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب التَّحْرِيض عَلَى الرَّمْي \" مِنْ كِتَاب الْجِهَاد , وَاحْتَجَّ بِهِ الْمُصَنِّف عَلَى أَنَّ الْيَمَن مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيل كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَائِل الْمَنَاقِب مَعَ الْكَلَام عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَنَا مَعَ اِبْن فُلَان ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَان \" وَكَذَا هُوَ فِي الْجِهَاد , وَقِيلَ وَالصَّوَاب الْأَوَّل لِقَوْلِهِ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" وَأَنَا مَعَ اِبْن الْأَدْرَع \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَسْمِيَة اِبْن الْأَدْرَع فِي الْجِهَاد , وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِير مِنْ أَخْبَار إِسْمَاعِيل فِيمَا مَضَى قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3123",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏الْمُعْتَمِرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قِيلَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ قَالَ ‏ ‏أَكْرَمُهُمْ أَتْقَاهُمْ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ قَالَ فَأَكْرَمُ النَّاسِ ‏ ‏يُوسُفُ ‏ ‏نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ قَالَ فَعَنْ مَعَادِنِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏تَسْأَلُونِي قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ الْإِمَام الْمَشْهُور. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( سَمِعَ الْمُعْتَمِر ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُ سَمِعَ الْمُعْتَمِر وَهُمْ يَحْذِفُونَ \" أَنَّهُ \" خَطًّا كَمَا يَحْذِفُونَ قَالَ خَطًّا وَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتهمَا لَفْظًا. وَعُبَيْد اللَّه هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَكْرَمهمْ أَتْقَاهُمْ ) ‏ ‏هُوَ مُوَافِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ). ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالُوا يَا نَبِيّ اللَّه لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلك , قَالَ : فَأَكْرَم النَّاس يُوسُف ) ‏ ‏الْجَوَاب الْأَوَّل مِنْ جِهَة الشَّرَف بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة , وَالثَّانِي مِنْ جِهَة الشَّرَف بِالنَّسَبِ الصَّالِح. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَفَعَنْ مَعَادِن الْعَرَب ) ‏ ‏أَيْ أُصُولهمْ الَّتِي يُنْسَبُونَ إِلَيْهَا وَيَتَفَاخَرُونَ بِهَا , وَإِنَّمَا جُعِلَتْ مَعَادِن لِمَا فِيهَا مِنْ الِاسْتِعْدَاد الْمُتَفَاوِت , أَوْ شَبَّهَهُمْ بِالْمَعَادِنِ لِكَوْنِهِمْ أَوْعِيَة الشَّرَف كَمَا أَنَّ الْمَعَادِن أَوْعِيَة لِلْجَوَاهِرِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَخِيَاركُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة خِيَاركُمْ فِي الْإِسْلَام إِذَا فَقِهُوا ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يُرِيد بِقَوْلِهِ \" خِيَاركُمْ \" جَمْع خَيْر , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد أَفْعَل التَّفْضِيل تَقُول فِي الْوَاحِد خَيْر وَأَخْيَر ثُمَّ الْقِسْمَة رُبَاعِيَّة , فَإِنَّ الْأَفْضَل مَنْ جَمَعَ بَيْن الشَّرَف فِي الْجَاهِلِيَّة وَالشَّرَف فِي الْإِسْلَام وَكَانَ شَرَفهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة بِالْخِصَالِ الْمَحْمُودَة مِنْ جِهَة مُلَاءَمَة الطَّبْع وَمُنَافَرَته خُصُوصًا بِالِانْتِسَابِ إِلَى الْآبَاء الْمُتَّصِفِينَ بِذَلِكَ , ثُمَّ الشَّرَف فِي الْإِسْلَام بِالْخِصَالِ الْمَحْمُودَة شَرْعًا , ثُمَّ أَرْفَعهُمْ مَرْتَبَة مَنْ أَضَافَ إِلَى ذَلِكَ النَّفَقَة فِي الدِّين , وَمُقَابِل ذَلِكَ مَنْ كَانَ مَشْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّة وَاسْتَمَرَّ مَشْرُوفًا فِي الْإِسْلَام فَهَذَا أَدْنَى الْمَرَاتِب ; وَالْقِسْم الثَّالِث مَنْ شَرَفَ الْإِسْلَام وَفَقِهَ وَلَمْ يَكُنْ شَرِيفًا فِي الْجَاهِلِيَّة , وَدُونه مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَتَفَقَّه , وَالْقِسْم الرَّابِع مَنْ كَانَ شَرِيفًا فِي الْجَاهِلِيَّة ثُمَّ صَارَ مَشْرُوفًا فِي الْإِسْلَام فَهَذَا دُون الَّذِي قَبْله , فَإِنْ تَفَقَّهَ فَهُوَ أَعْلَى رُتْبَة مِنْ الشَّرِيف الْجَاهِل. ‏"
    },
    {
        "id": "3124",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَغْفِرُ اللَّهُ ‏ ‏لِلُوطٍ ‏ ‏إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَغْفِر اللَّه لِلُوطٍ إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى , وَيُشِير صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْله تَعَالَى : ( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) وَيُقَال إِنَّ قَوْم لُوط لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَد يَجْتَمِع مَعَهُ فِي نَسَبه لِأَنَّهُمْ مِنْ سَدُوم وَهِيَ مِنْ الشَّام وَكَانَ أَصْل إِبْرَاهِيم وَلُوط مِنْ الْعِرَاق , فَلَمَّا هَاجَرَ إِبْرَاهِيم إِلَى الشَّام هَاجَرَ مَعَهُ لُوط , فَبَعَثَ اللَّه لُوطًا إِلَى أَهْل سَدُوم فَقَالَ : لَوْ أَنَّ لِي مَنَعَة وَأَقَارِب وَعَشِيرَة لَكُنْت أَسْتَنْصِر بِهِمْ عَلَيْكُمْ لِيَدْفَعُوا عَنْ ضِيفَانِي , وَلِهَذَا جَاءَ فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" قَالَ لُوط لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ , قَالَ فَإِنْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْن شَدِيد وَلَكِنَّهُ عَنَى عِشْرَته فَمَا بَعَثَ اللَّه نَبِيًّا إِلَّا فِي ذِرْوَة مِنْ قَوْمه \" زَادَ اِبْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَلَمْ تَرَ إِلَى قَوْل شُعَيْب : وَلَوْلَا رَهْطك لَرَجَمْنَاك \" وَقِيلَ مَعْنَى قَوْله \" لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْن شَدِيد \" أَيْ إِلَى عَشِيرَته , لَكِنَّهُ لَمْ يَأْوِ إِلَيْهِمْ وَأَوَى إِلَى اللَّه اِنْتَهَى. وَالْأَوَّل أَظْهَر لِمَا بَيَّنَّاهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : يَجُوز أَنَّهُ لَمَّا اِنْدَهَشَ بِحَالِ الْأَضْيَاف قَالَ ذَلِكَ , أَوْ أَنَّهُ اِلْتَجَأَ إِلَى اللَّه فِي بَاطِنه وَأَظْهَرَ هَذَا الْقَوْل لِلْأَضْيَافِ اِعْتِذَارًا , وَسَمَّى الْعَشِيرَة رُكْنًا لِأَنَّ الرُّكْن يُسْتَنَد إِلَيْهِ وَيُمْتَنَع بِهِ فَشَبَّهَهُمْ بِالرُّكْنِ مِنْ الْجَبَل لِشِدَّتِهِمْ وَمَنْعَتهمْ , وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده تَفْسِير الرُّكْن بِلَفْظٍ آخَر. ‏"
    },
    {
        "id": "3125",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أَحْمَدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَرَأَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏فَهَلْ مِنْ ‏ ‏مُدَّكِرٍ ‏ }",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" قَرَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ \" ‏ ‏يَعْنِي بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي تَفْسِير الْقَمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "3126",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَذَكَرَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ قَالَ ‏ ‏انْتَدَبَ ‏ ‏لَهَا رَجُلٌ ذُو عِزٍّ وَمَنَعَةٍ فِي قَوْمِهِ ‏ ‏كَأَبِي زَمْعَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَبْد اللَّه بْن زَمَعَة فِي ذِكْر عَاقِر النَّاقَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَمَنَعَة ) ‏ ‏بِفَتْح الْمِيم وَالنُّون وَالْمُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي قَوْمه ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَالسَّرَخْسِيّ \" فِي قُوَّة \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَأَبِي زَمَعَة ) ‏ ‏هُوَ الْأَسْوَد بْن عَبْد الْمُطَّلِب بْن أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي التَّفْسِير حَيْثُ سَاقَهُ الْمُصَنِّف مُطَوَّلًا , وَلَيْسَ لِعَبْدِ اللَّه بْن زَمَعَة فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَهُوَ يَشْتَمِل عَلَى ثَلَاثَة أَحَادِيث وَقَدْ فَرَّقَهَا فِي النِّكَاح وَغَيْره , وَعَاقِر النَّاقَة اِسْمه قِدَار بْن سَالِف , قِيلَ : كَانَ أَحْمَر أَزْرَق أَصْهَب. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِي \" الْمُبْتَدَأ \" وَغَيْر وَاحِد أَنَّ سَبَب عَقْرهمْ النَّاقَة أَنَّهُمْ كَانُوا اِقْتَرَحُوهَا عَلَى صَالِح عَلَيْهِ السَّلَام فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ بَعْد أَنْ تَعَنَّتُوا فِي وَصْفهَا , فَأَخْرَجَ اللَّه لَهُ نَاقَة مِنْ صَخْرَة بِالصِّفَةِ الْمَطْلُوبَة , فَآمَنَ بَعْض وَكَفَرَ بَعْض , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَتْرُكُوا النَّاقَة تَرْعَى حَيْثُ شَاءَتْ وَتَرِد الْمَاء يَوْمًا بَعْد يَوْم , وَكَانَتْ إِذَا وَرَدَتْ تَشْرَب مَاء الْبِئْر كُلّه , وَكَانُوا يَرْفَعُونَ حَاجَتهمْ مِنْ الْمَاء فِي يَوْمهمْ لِلْغَدِ , ثُمَّ ضَاقَ بِهِمْ الْأَمْر فِي ذَلِكَ فَانْتَدَبَ تِسْعَة رَهْط - مِنْهُمْ قِدَار الْمَذْكُور فَبَاشَرَ عَقْرهَا , فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ صَالِحًا عَلَيْهِ السَّلَام أَعْلَمَهُمْ بِأَنَّ الْعَذَاب سَيَقَعُ بِهِمْ بَعْد ثَلَاثَة أَيَّام. , فَوَقَعَ كَذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي كِتَابه. وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ \" إِنَّ النَّاقَة كَانَتْ تَرِد يَوْمهَا فَتَشْرَب جَمِيع الْمَاء وَيَحْتَلِبُونَ مِنْهَا مِثْل الَّذِي كَانَتْ تَشْرَب \" وَفِي سَنَده إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش وَفِي رِوَايَته عَنْ غَيْر الشَّامِيِّينَ ضَعْف وَهَذَا مِنْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3127",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ بْنِ حَيَّانَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَ ‏ ‏الْحِجْرَ ‏ ‏فِي ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا فَقَالُوا قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا وَاسْتَقَيْنَا فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِينَ ‏ ‏وَيُهَرِيقُوا ذَلِكَ الْمَاءَ ‏ ‏وَيُرْوَى عَنْ ‏ ‏سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ‏ ‏وَأَبِي الشُّمُوسِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَرَ بِإِلْقَاءِ الطَّعَامِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو ذَرٍّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ اعْتَجَنَ بِمَائِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن عُمَر فِي بِئْر ثَمُود : ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِين وَيَهْرَقُوا ذَلِكَ الْمَاء ) ‏ ‏بَيَّنَ فِي رِوَايَة نَافِع عَقِب هَذَا عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يُهْرِيقُوا مَا اِسْتَقَوْا مِنْ بِيَارِهَا وَأَنْ يَعْلِفُوا الْإِبِل الْعَجِين. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَيُرْوَى عَنْ سَبْرَة بْن مَعْبَد وَأَبِي الشُّمُوس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِإِلْقَاءِ الطَّعَام ) ‏ ‏أَمَّا حَدِيث سَبْرَة بْن مَعْبَد فَوَصَلَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن الرَّبِيع بْن سَبْرَة بْن مَعْبَد عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه سَبْرَة - وَهُوَ بِفَتْح الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة - الْجُهَنِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ حِين رَاحَ مِنْ الْحِجْر : مَنْ كَانَ عَجَنَ مِنْكُمْ مِنْ هَذَا الْمَاء عَجِينه أَوْ حَاسَ بِهِ حَيْسًا فَلْيُلْقِهِ \" وَلَيْسَ لِسَبْرَةَ بْن مَعْبَد فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ أَغْفَلَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَاف كَاَلَّذِي بَعْده , وَأَمَّا حَدِيث أَبِي الشُّمُوس - وَهُوَ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة وَهُوَ بَكْرِيّ لَا يُعْرَف اِسْمه - فَوَصَلَ حَدِيثه الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيق سُلَيْم بْن مَطِير عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ قَالَ : \" كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة تَبُوك - فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ - فَأَلْقَى ذُو الْعَجِين عَجِينه وَذُو الْحَيْس حَيْسه \" وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي عَاصِم مِنْ هَذَا الْوَجْه وَزَادَ \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه قَدْ حَسِيت حَيْسَة أَفَأُلْقِمهَا رَاحِلَتِي ؟ قَالَ نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو ذَرّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ اِعْتَجَنَ بِمَائِهِ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْبَزَّار مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن قُدَامَةَ عَنْهُ \" أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة تَبُوك فَأَتَوْا عَلَى وَادٍ فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكُمْ بِوَادٍ مَلْعُون فَأَسْرِعُوا , وَقَالَ : مَنْ اِعْتَجَنَ عَجِينه أَوْ طَبَخَ قِدْرًا فَلْيَكُبَّهَا \" الْحَدِيث وَقَالَ : لَا أَعْلَمهُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "3128",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْضَ ‏ ‏ثَمُودَ ‏ ‏الْحِجْرَ ‏ ‏فَاسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا وَاعْتَجَنُوا بِهِ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ ‏ ‏يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا وَأَنْ يَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ فِي آخِر حَدِيث نَافِع ( وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْر الَّتِي كَانَ تَرِدهَا النَّاقَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" الَّتِي كَانَتْ تَرِدهَا النَّاقَة \" وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة زِيَادَة عَلَى الرِّوَايَات الْمَاضِيَة. وَسُئِلَ شَيْخنَا الْإِمَام الْبُلْقِينِيّ : مِنْ أَيْنَ عُلِمَتْ تِلْكَ الْبِئْر ؟ فَقَالَ : بِالتَّوَاتُرِ , إِذْ لَا يُشْتَرَط فِيهِ الْإِسْلَام اِنْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَهَا بِالْوَحْيِ , وَيُحْمَل كَلَام الشَّيْخ عَلَى مَنْ سَيَجِيءُ بَعْد ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيث كَرَاهَة الِاسْتِقَاء مِنْ بِيَارِ ثَمُود , وَيَلْتَحِق بِهَا نَظَائِرهَا مِنْ الْآبَار وَالْعُيُون الَّتِي كَانَتْ لِمَنْ هَلَكَ بِتَعْذِيبِ اللَّه تَعَالَى عَلَى كُفْره. وَاخْتُلِفَ فِي الْكَرَاهَة الْمَذْكُورَة هَلْ هِيَ لِلتَّنْزِيهِ أَوْ لِلتَّحْرِيمِ ؟ وَعَلَى التَّحْرِيم هَلْ يَمْتَنِع صِحَّة التَّطَهُّر مِنْ ذَلِكَ الْمَاء أَمْ لَا ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِير مِنْ مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْخَسْف وَالْعَذَاب \" مِنْ أَوَائِل الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ أُسَامَة ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن زَيْد اللَّيْثِيّ ‏ ‏( عَنْ نَافِع ) ‏ ‏أَيْ عَنْ اِبْن عُمَر , رُوِّينَا هَذِهِ الطَّرِيق مَوْصُولَة فِي حَدِيث حَرْمَلَة عَنْ اِبْن وَهْب قَالَ : \" أَخْبَرَنَا أُسَامَة بْن زَيْد \" فَذَكَرَ مِثْل حَدِيث عُبَيْد اللَّه وَهُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ وَفِي آخِره \" وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى بِئْر نَاقَة صَالِح وَيَسْتَقُوا مِنْهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "3129",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا مَرَّ ‏ ‏بِالْحِجْرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ ثُمَّ ‏ ‏تَقَنَّعَ ‏ ‏بِرِدَائِهِ وَهُوَ عَلَى الرَّحْلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ مُقَاتِلٍ , ‏ ‏وَعَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْمُبَارَكِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ. \" أَنْفُسَهُمْ \" وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَسَاكِنَ ثَمُودَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ هُوَ كَصِفَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ وَرَدَ فِيهِمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3130",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا وَهْبٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ‏ ‏وَيُونُسُ ‏ ‏هُوَ اِبْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , لَكِنْ زَعَمَ اِبْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ \" إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ \" بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ قَالَ : وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْيَاءَ الْأُولَى مَكْسُورَةٌ فِي الْأَصْلِ فَاسْتُثْقِلَتْ الْكَسْرَةُ وَحُذِفَتْ إِحْدَى الْيَاءَيْنِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ ) ‏ ‏أَيْ كَرَاهِيَةَ أَوْ خَشْيَةَ أَنْ يُصِيبَكُمْ , وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ لِئَلَّا يُصِيبَكُمْ , وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ \" إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَتَبَاكَوْا خَشْيَةَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ \". وَرَوَى أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : \" لَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجَرِ قَالَ : لَا تَسْأَلُوا الْآيَاتِ , فَقَدْ سَأَلَهَا قَوْمُ صَالِحٍ , وَكَانَتْ النَّاقَةُ تَرِدُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ وَتَصْدُرُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ , فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ , وَكَانَتْ تَشْرَبُ يَوْمًا وَيَشْرَبُونَ لَبَنَهَا يَوْمًا فَعَقَرُوهَا فَأَخَذَتْهُمْ صَيْحَةٌ أَهْمَدَ اللَّهُ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَهُوَ أَبُو رِغَالٍ , فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمَهُ \" وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَبُو رِغَالٍ هُوَ الْجَدُّ الْأَعْلَى لِثَقِيفٍ , وَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ هَذَا الْبَابُ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ مُتَأَخِّرًا عَنْ هَذَا الْمَوْضِعِ بِعِدَّةِ أَبْوَابٍ , وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ هُنَا , وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ مَا حَكَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ أَنَّ نُسْخَةَ الْأَصْلِ مِنْ الْبُخَارِيِّ كَانَتْ وَرَقًا غَيْرَ مَحْبُوكٍ , فَرُبَّمَا وُجِدَتْ الْوَرَقَةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا فَنُسِخَتْ عَلَى مَا وُجِدَتْ فَوَقَعَ فِي بَعْضِ التَّرَاجِمِ إِشْكَالٌ بِحَسَبِ ذَلِكَ , وَإِلَّا فَقَدْ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثَمُودَ كَانُوا بَعْدَ عَادٍ كَمَا كَانَ عَادٌ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "3131",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ قَالَ ‏ ‏أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ قَالَ فَأَكْرَمُ النَّاسِ ‏ ‏يُوسُفُ ‏ ‏نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ قَالَ فَعَنْ ‏ ‏مَعَادِنِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏تَسْأَلُونِي النَّاسُ ‏ ‏مَعَادِنُ ‏ ‏خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي \" أَكْرَمِ النَّاسِ \" ‏ ‏أَيْ أَصْلًا , ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. ‏ ‏ثَانِيهِمَا : قَالَ فِيهِ : \" أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ \" وَهُوَ اِبْنُ سُلَيْمَانَ. وَوَقَعَ فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" لِأَبِي نُعَيْمٍ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدَةَ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3132",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَهَا مُرِي ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالَتْ إِنَّهُ رَجُلٌ أَسِيفٌ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ رَقَّ فَعَادَ فَعَادَتْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ ‏ ‏إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدَيثُ عَائِشَةَ \" مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ , وَأَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا , وَالْغَرَضُ مِنْهُ ‏ ‏قَوْلُهُ : \" إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ \" ‏ ‏. ‏"
    },
    {
        "id": "3133",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الرَّبِيعُ بْنُ يَحْيَى الْبَصْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرِضَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَجُلٌ كَذَا فَقَالَ مِثْلَهُ فَقَالَتْ مِثْلَهُ فَقَالَ مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏فَأَمَّ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حُسَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَائِدَةَ ‏ ‏رَجُلٌ رَقِيقٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْنَادِ \" حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ يَحْيَى \" ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ , وَزَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ \" الْبَصْرِيِّ \" وَوَقَعَ فِي نُسْخَةٍ \" حَدَّثَنَا النَّضْرُ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ \" وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ تَصْحِيفٌ مِنْ \" الْبَصْرِيِّ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مُنَاسَبَتِهِ هُنَاكَ , وَقَدْ قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى قِصَّةَ يُوسُفَ مُطَوَّلَةً فِي سُورَةٍ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا قِصَّةً لِغَيْرِهِ , وَقَدْ رَوَى اِبْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا \" رَحِمَ اللَّهُ يُوسُفَ , لَوْلَا الْكَلِمَةُ الَّتِي قَالَهَا - اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّك - مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ \" ‏"
    },
    {
        "id": "3134",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ ‏ ‏عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ ‏ ‏الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي ‏ ‏يُوسُفَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ \" اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الصَّلَاةِ أَيْضًا , وَالْغَرَضُ مِنْهُ ‏ ‏قَوْلُهُ : \" اِجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ \" ‏ ‏الْمُرَادُ بِسِنِي يُوسُفَ مَا قَصَّهُ اللَّهُ مِنْ ذِكْرِ السِّنِينَ الْمُجْدِبَةِ فِي زَمَانِهِ , وَيُقَالُ اِسْمُ الْمَلِكِ الَّذِي رَأَى الرُّؤْيَا الرَّيَّانُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ ذُرِّيَّةِ لاوذ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "3135",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ هُوَ ابْنُ أَخِي جُوَيْرِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبَا عُبَيْدٍ ‏ ‏أَخْبَرَاهُ عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَرْحَمُ اللَّهُ ‏ ‏لُوطًا ‏ ‏لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ ‏ ‏يُوسُفُ ‏ ‏ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي لَأَجَبْتُهُ ‏",
        "sharh": "حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذِكْرِ لُوطٍ وَيُوسُفِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3136",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُصَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أُمَّ رُومَانَ ‏ ‏وَهِيَ ‏ ‏أُمُّ عَائِشَةَ ‏ ‏عَمَّا قِيلَ فِيهَا مَا قِيلَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏بَيْنَمَا أَنَا مَعَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏جَالِسَتَانِ إِذْ وَلَجَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَهِيَ تَقُولُ فَعَلَ اللَّهُ بِفُلَانٍ وَفَعَلَ قَالَتْ فَقُلْتُ لِمَ قَالَتْ إِنَّهُ ‏ ‏نَمَى ذِكْرَ الْحَدِيثِ فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَيُّ حَدِيثٍ فَأَخْبَرَتْهَا قَالَتْ فَسَمِعَهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ نَعَمْ فَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا فَمَا أَفَاقَتْ إِلَّا وَعَلَيْهَا حُمَّى بِنَافِضٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا لِهَذِهِ قُلْتُ حُمَّى أَخَذَتْهَا مِنْ أَجْلِ حَدِيثٍ تُحُدِّثَ بِهِ فَقَعَدَتْ فَقَالَتْ وَاللَّهِ لَئِنْ حَلَفْتُ لَا تُصَدِّقُونِي وَلَئِنْ اعْتَذَرْتُ لَا تَعْذِرُونِي فَمَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ ‏ ‏يَعْقُوبَ ‏ ‏وَبَنِيهِ فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ مَا أَنْزَلَ فَأَخْبَرَهَا فَقَالَتْ بِحَمْدِ اللَّهِ لَا بِحَمْدِ أَحَدٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أُمِّ رُومَانَ وَالِدَةِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ , أَوْرَدَهُ ‏ ‏لِقَوْلِ عَائِشَةَ فِيهِ : \" فَمَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ يَعْقُوبَ وَبَنِيهِ \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ النُّورِ فِي سِيَاقِ قِصَّةِ الْإِفْكِ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ \" وَالْتَمَسْت اِسْمَ يَعْقُوبَ فَلَمْ أَجِدْهُ , فَقُلْت : مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ \" وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا قِيلَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ التَّعْلِيلِ بِالِانْقِطَاعِ , وَالْجَوَابُ عَنْهُ فِي غَزْوَة بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3137",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرَأَيْتِ قَوْلَهُ ‏ { ‏حَتَّى إِذَا ‏ ‏اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ ‏ ‏كُذِّبُوا ‏ } ‏أَوْ ‏ { ‏كُذِبُوا ‏} ‏قَالَتْ بَلْ كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَقَدْ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ وَمَا هُوَ بِالظَّنِّ فَقَالَتْ يَا ‏ ‏عُرَيَّةُ ‏ ‏لَقَدْ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ قُلْتُ فَلَعَلَّهَا أَوْ ‏ { ‏كُذِبُوا ‏} ‏قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا وَأَمَّا هَذِهِ الْآيَةُ قَالَتْ هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ وَطَالَ عَلَيْهِمْ الْبَلَاءُ وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمْ النَّصْرُ حَتَّى إِذَا ‏ ‏اسْتَيْأَسَتْ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وَظَنُّوا أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ { ‏اسْتَيْأَسُوا ‏} ‏اسْتَفْعَلُوا مِنْ يَئِسْتُ ‏ { ‏مِنْهُ ‏} ‏مِنْ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ { ‏لَا ‏ ‏تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ‏} ‏مَعْنَاهُ الرَّجَاءُ ‏",
        "sharh": "حَدَيثُ عَائِشَةَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( حَتَّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ) وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي آخِرِ تَفْسِيرِ سُورَةِ يُوسُفَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اِسْتَيْأَسُوا اِسْتَفْعَلُوا مِنْ يَئِسْت مِنْهُ مِنْ يُوسُفَ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ \" اِفْتَعَلُوا \" وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ. وَفِي تَفْسِيرِ اِبْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ إِسْحَاقَ ( فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا ) أَيْ لَمَّا حَصَلَ لَهُمْ الْيَأْسُ مِنْ يُوسُفَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ مَعْنَاهُ مِنْ الرَّجَاءِ ) ‏ ‏وَرَوَى اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ \" لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ أَيْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏مُطَابَقَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ وُقُوعُ الْآيَةِ فِي سُورَةِ يُوسُفَ وَدُخُولُهُ هُوَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ : ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَك إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ) وَكَانَ مُقَامُهُ فِي السِّجْنِ تِلْكَ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ إِلَى أَنْ جَاءَهُ النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ الْيَأْسِ , لِأَنَّهُ أَمَرَ الْفَتَى الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ أَنْ يَذْكُرَ قِصَّتَهُ وَأَنَّهُ حُبِسَ ظُلْمًا , فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ وَفِي مِثْلِ هَذَا يَحْصُلُ الْيَأْسُ فِي الْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3138",
        "content": "‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَلَيْهِمْ السَّلَام ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ اِبْنِ عُمَرَ \" الْكَرِيمُ اِبْنُ الْكَرِيمِ \" ‏ ‏الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَبْلَ هَذَا. ‏ ‏وَعَبْدَةُ ‏ ‏شَيْخُ الْمُصَنِّفِ هُوَ اِبْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ , ‏ ‏وَعَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ , ‏ ‏وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "3139",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَلَيْهِمْ السَّلَام ‏",
        "sharh": "قَوْلُهُ : ( بَاب أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ ) كَذَا ثَبَتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ هُنَا وَهِيَ مُكَرَّرَةٌ كَمَا سَبَقَ قَرِيبًا , وَالصَّوَابُ أَنَّ حَدِيثَهَا تِلْوَ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهَا وَهِيَ مِنْ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ , ‏ ‏وَقَوْلُهُ \" أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ \" ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ \" يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ \" وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ \" قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ السَّيِّدُ ؟ قَالَ : يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ , قَالُوا : فَمَا فِي أُمَّتِك سَيِّدٌ ؟ قَالَ رَجُلٌ أُعْطِيَ مَالًا حَلَالًا وَرُزِقَ سَمَاحَةً \" وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "3140",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ بَيْنَمَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قَالَ بَلَى يَا رَبِّ وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( بَيْنَا أَيُّوبُ ) ‏ ‏أَصْلُ \" بَيْنَا \" بَيْنَ أُشْبِعَتْ الْفَتْحَةُ , وَيَغْتَسِلُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ الْجَرِّ بِإِضَافَةِ بَيْنَ إِلَيْهِ وَالْعَامِلُ \" خَرَّ عَلَيْهِ \" أَوْ هُوَ مُقَدَّرٌ وَخَرَّ مُفَسِّرٌ لَهُ , وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ \" لَمَّا عَافَى اللَّهُ أَيُّوبَ أَمْطَرَ عَلَيْهِ جَرَادًا مِنْ ذَهَبٍ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عُرْيَانًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي كِتَابِ الْغُسْلِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( خَرَّ عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ سَقَطَ عَلَيْهِ , ‏ ‏وَقَوْلُهُ : ( رِجْلُ جَرَادٍ ) ‏ ‏أَيْ جَمَاعَةُ جَرَادٍ , وَالْجَرَادُ اِسْمُ جَمْعٍ وَاحِدُهُ جَرَادَةٌ كَتَمْرٍ وَتَمْرَةٍ , وَحَكَى اِبْنُ سِيَدهْ أَنَّهُ يُقَالُ لِلذَّكَرِ جَرَادٌ وَلِلْأُنْثَى جَرَادَةٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَحْثِي ) ‏ ‏بِالْمُثَلَّثَةِ أَيْ يَأْخُذُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا , وَفِي رِوَايَةِ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ \" يَلْتَقِطُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي ثَوْبِهِ ) ‏ ‏فِي حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ اِبْنِ أَبِي حَاتِمٍ \" فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَنْشُرُ طَرَفَ ثَوْبِهِ فَيَأْخُذُ الْجَرَادَ فَيَجْعَلُهُ فِيهِ فَكُلَّمَا اِمْتَلَأَتْ نَاحِيَةٌ نَشَرَ نَاحِيَةً \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَنَادَاهُ رَبُّهُ ) ‏ ‏يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِإِلْهَامٍ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ بَلَى ) ‏ ‏أَيْ أَغْنَيْتنِي. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي ) ‏ ‏بِالْقَصْرِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَخَبَرُ لَا قَوْلُهُ لِي أَوْ قَوْلُهُ عَنْ بَرَكَتِك , وَفِي رِوَايَةِ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ \" فَقَالَ وَمَنْ يَشْبَعُ مِنْ رَحْمَتِك \" أَوْ قَالَ : \" مِنْ فَضْلِك \". وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْحِرْصِ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ مِنْ الْحَلَالِ فِي حَقِّ مَنْ وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ بِالشُّكْرِ عَلَيْهِ , وَفِيهِ تَسْمِيَةُ الْمَالِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ بَرَكَةً , وَفِيهِ فَضْلُ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَبَاحِثِ هَذِهِ الْخَصْلَةِ الْأَخِيرَةِ فِي الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْخَطَّابِيُّ جَوَازَ أَخْذِ النُّثَارِ فِي الْأَمْلَاكِ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْنُ التِّينِ فَقَالَ : هُوَ شَيْءٌ خَصَّ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ أَيُّوبَ , وَهُوَ بِخِلَافِ النُّثَارِ فَإِنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْآدَمِيِّ فَيُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّرَفِ , وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أُذِنَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ إِنْ ثَبَتَ الْخَبَرُ , وَيُسْتَأْنَسُ فِيهِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ شَيْءٌ , فَاكْتَفَى بِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي عَلَى شَرْطِهِ. وَأَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي قِصَّتِهِ مَا أَخْرَجَهُ اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ \" أَنَّ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اُبْتُلِيَ فَلَبِثَ فِي بَلَائِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً , فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانِهِ فَكَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ , فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ : لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا عَظِيمًا وَإِلَّا لَكُشِفَ عَنْهُ هَذَا الْبَلَاءُ , فَذَكَرَهُ الْآخَرُ لِأَيُّوبَ , يَعْنِي فَحَزِنَ وَدَعَا اللَّهَ حِينَئِذٍ فَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ وَأَمْسَكَتْ اِمْرَأَتُهُ بِيَدِهِ فَلَمَّا فَرَغَ أَبْطَأَتْ عَلَيْهِ , فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ اُرْكُضْ بِرِجْلِك , فَضَرَبَ بِرِجْلِهِ الْأَرْضَ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَاغْتَسَلَ مِنْهَا فَرَجَعَ صَحِيحًا , فَجَاءَتْ اِمْرَأَتُهُ فَلَمْ تَعْرِفْهُ , فَسَأَلْته عَنْ أَيُّوبَ فَقَالَ : إِنِّي أَنَا هُوَ , وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ : أَحَدُهُمَا : لِلْقَمْحِ وَالْآخَرُ : لِلشَّعِيرِ , فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُ سَحَابَةً فَأَفْرَغَتْ فِي أَنْدَرِ الْقَمْحِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ , وَفِي أَنْدَرِ الشَّعِيرِ الْفِضَّةَ حَتَّى فَاضَ \". وَرَوَى اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ \" فَكَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةً مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ , فَجَاءَتْ اِمْرَأَتُهُ فَلَمْ تَعْرِفْهُ فَقَالَتْ : يَا عَبْدَ اللَّهِ هَلْ أَبْصَرْت الْمُبْتَلَى الَّذِي كَانَ هُنَا , فَلَعَلَّ الذِّئَابَ ذَهَبَتْ بِهِ ؟ فَقَالَ : وَيْحَك أَنَا هُوَ \" وَرَوَى اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ نَحْوَ حَدِيثِ أَنَسٍ , وَفِي آخِرِهِ \" قَالَ فَسَجَدَ وَقَالَ : وَعِزَّتِك لَا أَرْفَعُ رَأْسِي حَتَّى تَكْشِفَ عَنِّي فَكَشَفَ عَنْهُ \" وَعَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ \" رَدَّ اللَّهُ عَلَى اِمْرَأَتِهِ شَبَابَهَا حَتَّى وَلَدَتْ لَهُ سِتَّةً وَعِشْرِينَ وَلَدًا ذَكَرًا \" وَذَكَرَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي \" الْمُبْتَدَأِ \" قِصَّةً مُطَوَّلَةً جِدًّا وَحَاصِلُهَا أَنَّهُ كَانَ بِحُورَانَ , وَكَانَ لَهُ الْبَثْنِيَّةُ سَهْلُهَا وَجَبَلُهَا , وَلَهُ أَهْلٌ وَمَالٌ كَثِيرٌ وَوَلَدٌ , فَسُلِبَ ذَلِكَ كُلُّهُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَهُوَ يَصْبِرُ وَيَحْتَسِبُ , ثُمَّ اُبْتُلِيَ فِي جَسَدِهِ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْبَلَاءِ حَتَّى أُلْقِيَ خَارِجًا مِنْ الْبَلَدِ , فَرَفَضَهُ النَّاسُ إِلَّا اِمْرَأَتَهُ , فَبَلَغَ مِنْ أَمْرِهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَخْدُمُ بِالْأُجْرَةِ وَتُطْعِمُهُ إِلَى أَنْ تَجَنَّبَهَا النَّاسُ خَشْيَةَ الْعَدْوَى فَبَاعَتْ إِحْدَى ضَفِيرَتِهَا مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْأَشْرَافِ وَكَانَتْ طَوِيلَةً حَسَنَةً فَاشْتَرَتْ لَهُ بِهِ طَعَامًا طَيِّبًا , فَلَمَّا أَحْضَرَتْهُ لَهُ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَهُ حَتَّى تُخْبِرَهُ مِنْ أَيْنَ لَهَا ذَلِكَ , فَكَشَفَتْ عَنْ رَأْسِهَا , فَاشْتَدَّ حُزْنُهُ وَقَالَ حِينَئِذٍ : ( رَبِّ إِنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) فَعَافَاهُ اللَّهُ تَعَالَى , وَرَوَى اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ أَيُّوبَ أَوَّلُ مَنْ أَصَابَهُ الْجُدَرِيُّ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ أَنَّ إِبْلِيسَ أَتَى اِمْرَأَتَهُ فَقَالَ لَهَا : إِنْ أَكَلَ أَيُّوبُ وَلَمْ يُسَمِّ عُوفِيَ فَعَرَضْت ذَلِكَ عَلَى أَيُّوبَ فَحَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا مِائَةً , فَلَمَّا ) عُوفِيَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَأْخُذَ عُرْجُونًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَضَرَبَهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً , وَقِيلَ : بَلْ قَعَدَ إِبْلِيسُ عَلَى الطَّرِيقِ فِي صُورَةِ طَبِيبٍ فَقَالَ لَهَا : إِذَا دَاوَيْته فَقَالَ أَنْتَ شَفَيْتنِي قَنَعْت بِذَلِكَ , فَعَرَضَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَغَضِبَ وَكَانَ مَا كَانَ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ اِسْمَهَا لِيَا بِنْتُ يَعْقُوبَ , وَقِيلَ : رَحْمَةُ بِنْتُ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ , وَقِيلَ : بِنْتُ إِفْرَائِيم أَوْ مِيشَا بْنِ يُوسُفَ , وَأَفَادَ اِبْنُ خَالَوَيْهِ أَنَّهُ يُقَالُ لَهَا أُمُّ زَيْدٍ وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ بَلَائِهِ فَقِيلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً كَمَا تَقَدَّمَ , وَقِيلَ ثَلَاثُ سِنِينَ وَهَذَا قَوْلُ وَهْبٍ , وَقِيلَ : سَبْعُ سِنِينَ وَهُوَ عَنْ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ , وَقِيلَ : إِنَّ اِمْرَأَتَهُ قَالَتْ لَهُ : أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لِيُعَافِيَك فَقَالَ : قَدْ عِشْت صَحِيحًا سَبْعِينَ سَنَةً أَفَلَا أَصْبِرُ سَبْعَ سِنِينَ ؟ وَالصَّحِيحُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَبِثَ فِي بَلَائِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ مُدَّةَ عُمْرِهِ كَانَتْ ثَلَاثًا وَتِسْعِينَ سَنَةً فَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ عَاشَ بَعْدَ أَنْ عُوفِيَ عَشْرَ سِنِينَ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3141",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَرَجَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَانْطَلَقَتْ بِهِ إِلَى ‏ ‏وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ ‏ ‏وَكَانَ رَجُلًا تَنَصَّرَ يَقْرَأُ الْإِنْجِيلَ بِالْعَرَبِيَّةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏وَرَقَةُ ‏ ‏مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ ‏ ‏وَرَقَةُ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏النَّامُوسُ ‏ ‏الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏وَإِنْ أَدْرَكَنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ‏ ‏النَّامُوسُ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي يُطْلِعُهُ بِمَا يَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ بِتَمَامِهِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ , وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ : \" النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( النَّامُوسُ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي يُطْلِعُهُ بِمَا يَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ) ‏ ‏هُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَنْ خَصَّهُ بِسِرِّ الْخَيْرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3142",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدَّثَهُمْ عَنْ ‏ ‏لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ فَإِذَا ‏ ‏هَارُونُ ‏ ‏قَالَ هَذَا ‏ ‏هَارُونُ ‏ ‏فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏وَعَبَّادُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ , وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ , وَاقْتَصَرَ مِنْهُ هُنَا عَلَى قَوْلِهِ : \" حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ فَإِذَا هَارُونُ \" الْحَدِيثَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ خَاصَّةً , ثُمَّ قَالَ : تَابَعَهُ ثَابِتٌ وَعَبَّادُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ عَنْ أَنَسٍ , وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَيْنِ تَابَعَا قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ فِي ذِكْرِ هَارُونَ فِي السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ لَا فِي جَمِيعِ الْحَدِيثِ , بَلْ وَلَا فِي الْإِسْنَادِ , فَإِنَّ رَاوِيَةَ ثَابِتٍ مَوْصُولَةٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْهُ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ , نَعَمْ فِيهَا ذِكْرُ هَارُونَ فِي السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ , وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ وَهُوَ بَصْرِيٌّ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَوَافَقَ ثَابِتًا فِي أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لِأَنَسٍ فِيهِ شَيْخًا , وَقَدْ وَافَقَهُمَا شَرِيكٌ عَنْ أَنَسٍ فِي ذَلِكَ وَفِي كَوْنِ هَارُونَ فِي الْخَامِسَةِ , وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ فِي أَثْنَاءِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ. وَأَمَّا قَتَادَةَ فَقَالَ : عَنْ أَنَسٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ , وَأَمَّا الزُّهْرِيُّ فَقَالَ : عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ كَمَا مَضَى فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ , وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ هَارُونَ أَصْلًا , وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالْمُتَابَعَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3143",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي ‏ ‏رَأَيْتُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏وَإِذَا هُوَ رَجُلٌ ضَرْبٌ رَجِلٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ ‏ ‏شَنُوءَةَ ‏ ‏وَرَأَيْتُ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ ‏ ‏رَبْعَةٌ ‏ ‏أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ ‏ ‏دِيمَاسٍ ‏ ‏وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهِ ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الْآخَرِ خَمْرٌ فَقَالَ اشْرَبْ أَيَّهُمَا شِئْتَ فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ فَقِيلَ أَخَذْتَ الْفِطْرَةَ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ \" رَأَيْت مُوسَى إِذَا هُوَ رَجُلٌ ضَرْبٌ \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أَيْ نَحِيفٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رَجِلٌ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ دَهِينُ الشَّعْرِ مُسْتَرْسِلُهُ ; وَقَالَ اِبْنُ السَّكَنِ : شَعْرٌ رَجِلٌ أَيْ غَيْرُ جَعْدٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ ثُمَّ هَاءُ تَأْنِيثٍ : حَيٌّ مِنْ الْيَمَنِ يُنْسَبُونَ إِلَى شَنُوءَةَ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الْأَزْدِ , وَلَقَبُ شَنُوءَةَ لِشَنَآنٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ , وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ شَنُوئِيٌّ بِالْهَمْزِ بَعْدَ الْوَاوِ وَبِالْهَمْزِ بِغَيْرِ وَاوٍ , قَالَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِك رَجُلٌ فِيهِ شَنُوءَةٌ أَيْ تَقَزُّزٌ , وَالتَّقَزُّزُ بِقَافٍ وَزَايَيْنِ التَّبَاعُدُ مِنْ الْأَدْنَاسِ , قَالَ الدَّاوُدِيُّ رِجَالُ الْأَزْدِ مَعْرُوفُونَ بِالطُّولِ اِنْتَهَى. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ \" كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزُّطِّ \" وَهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالطُّولِ وَالْأُدْمَةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَرَأَيْت عِيسَى ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ بِهِ ) أَيْ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ , وَزَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ \" وَرَأَيْت جِبْرِيلَ فَإِذَا أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا دِحْيَةُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أُتِيت بِإِنَاءَيْنِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , ‏"
    },
    {
        "id": "3144",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا الْعَالِيَةِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ مَتَّى ‏ ‏وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ وَذَكَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ فَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏طُوَالٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ ‏ ‏شَنُوءَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏جَعْدٌ مَرْبُوعٌ ‏ ‏وَذَكَرَ ‏ ‏مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ ‏ ‏وَذَكَرَ ‏ ‏الدَّجَّالَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ \" سَمِعْت أَبَا الْعَالِيَةِ \" ‏ ‏هُوَ الرِّيَاحِيُّ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ وَاسْمُهُ رُفَيْعٌ بِالْفَاءِ مُصَغَّرٌ , وَرَوَى عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ آخَرُ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَهُوَ الْبَرَّاءُ بِالتَّشْدِيدِ نِسْبَةً إِلَى بَرْيِ السِّهَامِ , وَاسْمُهُ زِيَادُ بْنُ فَيْرُوزَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ , وَحَدِيثُهُ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ سَبَقَ فِي تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي تَرْجَمَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيُّ \" لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي \" عَلَى الْحِكَايَةِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ أَفْرَدَهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ فَجَعَلُوهُ حَدِيثَيْنِ : ‏ ‏أَحَدُهُمَا : يَتَعَلَّقُ بِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ , ‏ ‏وَالثَّانِي حَدِيثٌ آخَرُ. وَقَوْلُهُ : \" فَقَالَ : مُوسَى آدَمُ طُوَالٌ \" زَعَمَ اِبْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا \" آدَمُ جَسِيمٌ طُوَالٌ \" وَلَمْ أَرَ لَفْظَ \" جَسِيمٍ \" فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَقَوْلُهُ آدَمُ بِالْمَدِّ أَيْ أَسْمَرُ , وَطُوَالٌ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3145",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا ‏ ‏يَعْنِي عَاشُورَاءَ فَقَالُوا هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ وَهُوَ يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏وَأَغْرَقَ آلَ ‏ ‏فِرْعَوْنَ ‏ ‏فَصَامَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏شُكْرًا لِلَّهِ فَقَالَ ‏ ‏أَنَا أَوْلَى ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏مِنْهُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ‏",
        "sharh": "حَدَيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ فِي صَوْمِ عَاشُورَاءَ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3146",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏النَّاسُ ‏ ‏يَصْعَقُونَ ‏ ‏يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا أَنَا ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ ‏ ‏بِصَعْقَةِ ‏ ‏الطُّورِ ‏",
        "sharh": "حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ ( حَدِيثُ الصَّعْقِ إِنَّمَا هُوَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ) وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3147",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْلَا ‏ ‏بَنُو إِسْرَائِيلَ ‏ ‏لَمْ ‏ ‏يَخْنَزْ ‏ ‏اللَّحْمُ وَلَوْلَا ‏ ‏حَوَّاءُ ‏ ‏لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ ‏",
        "sharh": "حَدَيثُهُ \" لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزْ اللَّحْمُ \" وَسَبَقَ شَرْحُهُ فِي تَرْجَمَةِ آدَمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3148",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏تَمَارَى ‏ ‏هُوَ ‏ ‏وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسٍ الْفَزَارِيُّ ‏ ‏فِي صَاحِبِ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏هُوَ ‏ ‏خَضِرٌ ‏ ‏فَمَرَّ بِهِمَا ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏فَدَعَاهُ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ إِنِّي ‏ ‏تَمَارَيْتُ ‏ ‏أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَذْكُرُ شَأْنَهُ قَالَ نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَيْنَمَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فِي مَلَإٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ قَالَ لَا فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏بَلَى عَبْدُنَا ‏ ‏خَضِرٌ ‏ ‏فَسَأَلَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏السَّبِيلَ إِلَيْهِ فَجُعِلَ لَهُ الْحُوتُ آيَةً وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ فَكَانَ يَتْبَعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ ‏ ‏لِمُوسَى ‏ ‏فَتَاهُ ‏ { ‏أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا ‏ ‏أَنْسَانِيهِ ‏ ‏إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ‏} ‏فَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا ‏ ‏قَصَصًا ‏ } ‏فَوَجَدَا ‏ ‏خَضِرًا ‏ ‏فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3149",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏نَوْفًا الْبَكَالِيَّ ‏ ‏يَزْعُمُ أَنَّ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏صَاحِبَ ‏ ‏الْخَضِرِ ‏ ‏لَيْسَ هُوَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏إِنَّمَا هُوَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏آخَرُ فَقَالَ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَامَ خَطِيبًا فِي ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فَقَالَ أَنَا فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ بَلَى لِي عَبْدٌ ‏ ‏بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ قَالَ أَيْ رَبِّ وَمَنْ لِي بِهِ ‏ ‏وَرُبَّمَا قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏أَيْ رَبِّ وَكَيْفَ لِي بِهِ ‏ ‏قَالَ تَأْخُذُ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ فِي ‏ ‏مِكْتَلٍ ‏ ‏حَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ ‏ ‏وَرُبَّمَا قَالَ فَهُوَ ‏ ‏ثَمَّهْ ‏ ‏وَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي ‏ ‏مِكْتَلٍ ‏ ‏ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ ‏ ‏يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ‏ ‏حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا فَرَقَدَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فَخَرَجَ فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ ‏ { ‏فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ ‏ ‏سَرَبًا ‏ } ‏فَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ فَصَارَ مِثْلَ ‏ ‏الطَّاقِ ‏ ‏فَقَالَ هَكَذَا مِثْلُ ‏ ‏الطَّاقِ ‏ ‏فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ ‏ { ‏قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا ‏ ‏نَصَبًا ‏ } ‏وَلَمْ يَجِدْ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏النَّصَبَ ‏ ‏حَتَّى جَاوَزَ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ قَالَ لَهُ فَتَاهُ ‏ { ‏أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا ‏ ‏أَنْسَانِيهِ ‏ ‏إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ‏} ‏فَكَانَ لِلْحُوتِ ‏ ‏سَرَبًا ‏ ‏وَلَهُمَا عَجَبًا قَالَ لَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏ذَلِكَ مَا كُنَّا ‏ ‏نَبْغِي ‏ ‏فَارْتَدَّا ‏ ‏عَلَى آثَارِهِمَا ‏ ‏قَصَصًا ‏ } ‏رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَرَدَّ عَلَيْهِ فَقَالَ وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ قَالَ أَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي ‏ { ‏مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ‏} ‏قَالَ يَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لَا تَعْلَمُهُ وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ قَالَ هَلْ أَتَّبِعُكَ ‏ { ‏قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ‏ ‏مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏إِمْرًا ‏} ‏فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ كَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ فَعَرَفُوا ‏ ‏الْخَضِرَ ‏ ‏فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ ‏ ‏نَوْلٍ ‏ ‏فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ جَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ قَالَ لَهُ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏يَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنْ الْبَحْرِ إِذْ أَخَذَ الْفَأْسَ فَنَزَعَ لَوْحًا قَالَ فَلَمْ يَفْجَأْ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏إِلَّا وَقَدْ قَلَعَ لَوْحًا ‏ ‏بِالْقَدُّومِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏مَا صَنَعْتَ قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ ‏ ‏نَوْلٍ ‏ ‏عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا ‏ { ‏لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا ‏ ‏إِمْرًا ‏ ‏قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ‏ ‏مَعِيَ صَبْرًا قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ‏} ‏فَكَانَتْ الْأُولَى مِنْ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏نِسْيَانًا فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ الْبَحْرِ مَرُّوا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ فَأَخَذَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏بِرَأْسِهِ فَقَلَعَهُ بِيَدِهِ هَكَذَا ‏ ‏وَأَوْمَأَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ كَأَنَّهُ يَقْطِفُ شَيْئًا ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ‏ ‏مَعِيَ صَبْرًا قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ‏} ‏مَائِلًا ‏ ‏أَوْمَأَ بِيَدِهِ هَكَذَا ‏ ‏وَأَشَارَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏كَأَنَّهُ يَمْسَحُ شَيْئًا إِلَى فَوْقُ فَلَمْ أَسْمَعْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏يَذْكُرُ ‏ ‏مَائِلًا ‏ ‏إِلَّا مَرَّةً ‏ ‏قَالَ قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا عَمَدْتَ إِلَى ‏ ‏حَائِطِهِمْ ‏ { ‏لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ‏} ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَدِدْنَا أَنَّ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏كَانَ صَبَرَ فَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَرْحَمُ اللَّهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏لَوْ كَانَ صَبَرَ لَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا وَقَرَأَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ لِي ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ قِيلَ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏حَفِظْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَسْمَعَهُ مِنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏أَوْ تَحَفَّظْتَهُ مِنْ إِنْسَانٍ فَقَالَ مِمَّنْ أَتَحَفَّظُهُ وَرَوَاهُ أَحَدٌ عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏غَيْرِي سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3150",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ ابْنُ الْأَصْبِهَانِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا سُمِّيَ ‏ ‏الْخَضِرَ ‏ ‏أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ \" إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ \" ‏ ‏وَتَعَلُّقُهُ بِالْبَابِ ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ ذِكْرِ الْخَضِرِ فِيهِ , وَقَدْ زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : الْفَرْوُ الْحَشِيشُ الْأَبْيَضُ وَمَا أَشْبَهَهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ : أَظُنُّ هَذَا تَفْسِيرًا مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ اِنْتَهَى. وَجَزَمَ بِذَلِكَ عِيَاضٌ. وَقَالَ الْحَرْبِيُّ : الْفَرْوَةُ مِنْ الْأَرْضِ قِطْعَةٌ يَابِسَةٌ مِنْ حَشِيشٍ , وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. وَعَنْ اِبْنِ الْأَعْرَابِيِّ : الْفَرْوَةُ أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَيْسَ فِيهَا نَبَاتٌ , وَبِهَذَا جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ , وَحُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ الْخَضِرُ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى اِخْضَرَّ مَا حَوْلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3151",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِيلَ ‏ ‏لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ { ‏ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا ‏ ‏حِطَّةٌ ‏ } ‏فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى ‏ ‏أَسْتَاهِهِمْ ‏ ‏وَقَالُوا حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ ‏",
        "sharh": "قَوْلُهُ : ( بَابٌ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ , وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ , وَتَعَلُّقُهُ بِهِ ظَاهِرٌ , وَأَوْرَدَ فِيهِ أَحَادِيثَ : ‏ ‏حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ \" قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اُدْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ الْأَعْرَافِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3152",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏وَمُحَمَّدٍ ‏ ‏وَخِلَاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا ‏ ‏سِتِّيرًا لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏فَقَالُوا مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ وَإِمَّا آفَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا ‏ ‏لِمُوسَى ‏ ‏فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الْحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ فَأَخَذَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَصَاهُ وَطَلَبَ الْحَجَرَ فَجَعَلَ يَقُولُ ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلَإٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ وَقَامَ الْحَجَرُ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ ‏ ‏وَطَفِقَ ‏ ‏بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ فَوَاللَّهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ ‏ ‏لَنَدَبًا ‏ ‏مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ ‏ ‏وَجِيهًا ‏ }",
        "sharh": "حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏\" إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ التَّحْتَانِيَّةِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا أُخْرَى مُثَقَّلَةٌ بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِنْ الْحَيَاءِ ‏ ‏وَقَوْلُهُ : \" سَتِيرًا \" ‏ ‏بِوَزْنِهِ مِنْ السِّتْرِ , وَيُقَالُ سِتِّيرًا بِالتَّشْدِيدِ. ‏ ‏قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ ( حَدَّثَنَا عَوْفٌ ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْرَابِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ وَخَلَّاسٍ ) ‏ ‏أَمَّا الْحَسَنُ فَهُوَ الْبَصْرِيُّ وَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَهُوَ اِبْنُ سِيرِينَ وَسَمَاعُهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَابِتٌ , فَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ رَوْحٍ عَنْ عَوْفٍ عَنْ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَمَّا خِلَاسُ فَبِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ هُوَ اِبْنُ عُمَرَ بَصْرِيٌّ , يُقَالُ إِنَّهُ كَانَ عَلَى شُرْطَةِ عَلِيٍّ , وَحَدِيثُهُ عَنْهُ فِي التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ , وَجَزَمَ يَحْيَى القَطَّانُ بِأَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْهُ مِنْ صَحِيفَتِهِ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ : لَمْ يَسْمَعْ خِلَاسٌ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ كَانَ يَحْيَى القَطَّانُ يَقُولُ : رِوَايَتُهُ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ كِتَابٍ , وَقَدْ سَمِعَ مِنْ عَمَّارٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قُلْت : إِذَا ثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنْ عَمَّارٍ وَكَانَ عَلَى شُرْطَةِ عَلِيٍّ كَيْفَ يَمْتَنِعُ سَمَاعُهُ مِنْ عَلِيٍّ ؟ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : يُقَالُ وَقَعَتْ عِنْدَهُ صَحِيفَةٌ عَنْ عَلِيٍّ , وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ , يَعْنِي فِي عَلِيٍّ. وَقَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ : كَانَ يَحْيَى القَطَّانُ يَتَوَقَّى أَنْ يُحَدِّثَ عَنْ خِلَاسٍ عَنْ عَلِيٍّ خَاصَّةً. وَأَطْلَقَ بَقِيَّةُ الْأَئِمَّةِ تَوْثِيقَهُ. قُلْت : وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ لَهُ مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ , وَأَعَادَهُ سَنَدًا وَمَتْنًا فِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ. وَلَهُ عَنْهُ حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مَقْرُونًا أَيْضًا بِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَوَهَمَ الْمِزِّيُّ فَنَسَبَهُ إِلَى الصَّوْمِ. وَأَمَّا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْحُفَّاظِ النُّقَّادِ , وَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَهُوَ مَحْكُومٌ بِوَهْمِهِ عِنْدَهُمْ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سِوَى هَذَا مَقْرُونًا. وَلَهُ حَدِيثٌ آخَرُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مَقْرُونًا بِابْنِ سِيرِينَ , وَثَالِثٌ ذَكَرَهُ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ فِي الْإِيمَانِ مَقْرُونًا بِابْنِ سِيرِينَ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اِسْتِحْيَاءً مِنْهُ ) ‏ ‏هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ اِغْتِسَالَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عُرَاةً بِمَحْضَرٍ مِنْهُمْ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِهِمْ. وَإِنَّمَا اِغْتَسَلَ مُوسَى وَحْدَهُ اِسْتِحْيَاءً. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَإِمَّا أُدْرَةٌ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَبِفَتْحَتَيْنِ أَيْضًا فِيمَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْغُسْلِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ الْهَيْثَمِ عَنْ عَوْفٍ الْجَزْمُ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّهُ آدَرُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ثِيَابًا أَيْ ثِيَابًا لَهُ , وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ , وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَاءَ عُرْيَانًا. وَعَلَيْهِ بَوَّبَ الْمُصَنِّفُ فِي الْغُسْلِ \" مَنْ اِغْتَسَلَ عُرْيَانًا \" وَقَدْ قَدَّمْت تَوْجِيهَهُ فِي كِتَابِ الْغُسْلِ , وَنَقَلَ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّ مُوسَى نَزَلَ إِلَى الْمَاءِ مُؤْتَزِرًا , فَلَمَّا خَرَجَ تَتَبَّعَ الْحَجَرَ وَالْمِئْزَرُ مُبْتَلٌّ بِالْمَاءِ عَلِمُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِ أَنَّهُ غَيْرُ آدَرُ , لِأَنَّ الْأُدْرَةَ تَبِينُ تَحْتَ الثَّوْبِ الْمَبْلُولِ بِالْمَاءِ اِنْتَهَى. هَذَا إِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ قَالَهُ اِحْتِمَالًا فَيُحْتَمَلُ لَكِنّ الْمَنْقُول يُخَالِفُهُ , لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" أَنَّ مُوسَى كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَاءَ لَمْ يُلْقِ ثَوْبَهُ حَتَّى يُوَارِي عَوْرَتَهُ فِي الْمَاءِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَدَا بِثَوْبِهِ ) ‏ ‏بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مَضَى مُسْرِعًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثَوْبِيَ حَجَرُ , ثَوْبِيَ حَجَرُ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ مِنْ ثَوْبِي أَيْ أَعْطِنِي ثَوْبِي , أَوْ رُدَّ ثَوْبِي , وَحَجَرُ بِالضَّمِّ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ , وَتَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ بِلَفْظِ ثَوْبِي يَا حَجَرُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ اِبْنِ مَرْدَوَيْهِ وَابْنِ خُزَيْمَةَ \" وَأَعْدَلَهُ صُورَةً \" وَفِي رِوَايَتِهِ \" فَقَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَاتَلَ اللَّهُ الْأَفَّاكِينَ وَكَانَتْ بَرَاءَتُهُ \" وَفِي رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ الْمَذْكُورَةِ \" فَرَأَوْهُ كَأَحْسَنِ الرِّجَالِ خَلْقًا , فَبَرَّأَهُ مِمَّا قَالُوا \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَقَامَ حَجَرٌ فَأَخَذَ بِثَوْبِهِ ) ‏ ‏قُلْت كَذَا فِيهِ , وَفِي \" مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ \" شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ \" وَقَامَ الْحَجَرُ \" بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَوَاَللَّهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَبًا ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ أَنَّهُ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ , بَيَّنَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ فِي الْغُسْلِ أَنَّهُ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ الْمَذْكُورِ \" سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً \" وَوَقَعَ عِنْدَ اِبْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْجَزْمُ بِسِتِّ ضَرَبَاتٍ. ‏ ‏قَوْلُ : ( فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ) ‏ ‏لَمْ يَقَعْ هَذَا فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ , وَرَوَى اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : \" قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ آذَوْا مُوسَى ) الْآيَةَ , قَالَ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَقُولُونَ : إِنَّ مُوسَى آدَرُ , فَانْطَلَقَ مُوسَى إِلَى النَّهَرِ يَغْتَسِلُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الْمَذْكُورَةِ قَرِيبًا فِي آخِرِهِ \" فَرَأَوْهُ لَيْسَ كَمَا قَالُوا ; فَأَنْزَلَ تَعَالَى : لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ آذَوْا مُوسَى \" وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْمَشْيِ عُرْيَانًا لِلضَّرُورَةِ , وَقَالَ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ : لَمَّا كَانَ مُوسَى فِي خَلْوَةٍ وَخَرَجَ مِنْ الْمَاءِ فَلَمْ يَجِدْ ثَوْبَهُ تَبِعَ الْحَجَرَ بِنَاءً عَلَى أَنْ لَا يُصَادِف أَحَدًا وَهُوَ عُرْيَانُ , فَاتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ قَوْمٌ فَاجْتَازَ بِهِمْ , كَمَا أَنَّ جَوَانِبَ الْأَنْهَارِ وَإِنْ خَلَتْ غَالِبًا لَا يُؤْمَنُ وُجُودُ قَوْمٍ قَرِيبًا مِنْهَا , فَبَنَى الْأَمْرَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَاهُ أُحُدٌ لِأَجْلِ خَلَاءِ الْمَكَانِ , فَاتَّفَقَ رُؤْيَةُ مَنْ رَآهُ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ اِسْتَمَرَّ يَتْبَعُ الْحَجَرَ عَلَى مَا فِي الْخَبَرِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ فِيهِمْ مَنْ قَالَ فِيهِ مَا قَالَ. وَبِهَذَا تَظْهَرُ الْفَائِدَةُ , وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ الْوُقُوفُ عَلَى قَوْمٍ مِنْهُمْ فِي الْجُمْلَةِ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الْمَوْقِعَ وَفِيهِ جَوَازُ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ لِذَلِكَ مِنْ مُدَاوَاةٍ أَوْ بَرَاءَةٍ مِنْ عَيْبٍ , كَمَا لَوْ اِدَّعَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ الْبَرَصَ لِيَفْسَخَ النِّكَاحَ فَأَنْكَرَ. وَفِيهِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ فِي خَلْقِهِمْ وَخُلُقِهِمْ عَلَى غَايَةِ الْكَمَالِ , وَأَنَّ مَنْ نَسَبَ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى نَقْصٍ فِي خِلْقَتِهِ فَقَدْ آذَاهُ وَيُخْشَى عَلَى فَاعِلِهِ الْكُفْرُ. وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ , وَأَنَّ الْآدَمِيَّ يَغْلِبُ عَلَيْهِ طِبَاعُ الْبَشَرِ , لِأَنَّ مُوسَى عَلِمَ أَنَّ الْحَجَرَ مَا سَارَ بِثَوْبِهِ إِلَّا بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ , وَمَعَ ذَلِكَ عَامَلَهُ مُعَامَلَةَ مَنْ يَعْقِلُ حَتَّى ضَرَبَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بَيَانَ مُعْجِزَةٍ أُخْرَى لِقَوْمِهِ بِتَأْثِيرِ الضَّرْبِ بِالْعَصَا فِي الْحَجَرِ. وَفِيهِ مَا كَانَ فِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى الْجُهَّالِ وَاحْتِمَالِ أَذَاهُمْ , وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَاقِبَةَ لَهُمْ عَلَى مَنْ آذَاهُمْ , وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالطَّحَاوِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ نَزَلَتْ فِي طَعْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مُوسَى بِسَبَبِ هَارُونَ لِأَنَّهُ تَوَجَّهَ مَعَهُ إِلَى زِيَارَةٍ فَمَاتَ هَارُونُ فَدَفَنَهُ مُوسَى , فَطَعَنَ فِيهِ بَعْضُ بَنِي إِسْرَائِيل , وَقَالُوا : أَنْتَ قَتَلْته , فَبَرَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ رَفَعَ لَهُمْ جَسَدَ هَارُونَ وَهُوَ مَيِّتٌ فَخَاطَبَهُمْ بِأَنَّهُ مَاتَ. وَفِي الْإِسْنَادِ ضَعْفٌ وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَرِيقَيْنِ مَعًا لِصِدْقِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا آذَى مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3153",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَسَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَسْمًا فَقَالَ رَجُلٌ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَغَضِبَ حَتَّى رَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏يَرْحَمُ اللَّهَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيثُ اِبْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ \" إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ \" ‏ ‏وَالْغَرَضُ مِنْهُ ذِكْرُ مُوسَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ فَرْضِ الْخُمْسِ مِنْ الْجِهَادِ فِي \" بَابِ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ \" وُعِّينَ هُنَاكَ مَوْضِعُ شَرْحِهِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3154",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَجْنِي ‏ ‏الْكَبَاثَ ‏ ‏وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ قَالُوا أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ قَالَ وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3155",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَلَيْهِمَا السَّلَام ‏ ‏فَلَمَّا جَاءَهُ ‏ ‏صَكَّهُ ‏ ‏فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ قَالَ ‏ ‏ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعَرَةٍ سَنَةٌ قَالَ أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَاذَا قَالَ ثُمَّ الْمَوْتُ قَالَ فَالْآنَ قَالَ فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ ‏ ‏الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ‏ ‏رَمْيَةً بِحَجَرٍ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ ‏ ‏الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ ‏ ‏قَالَ وَأَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ مُوسَى مَعَ مَلَكِ الْمَوْتِ. أَوْرَدَهُ مَوْقُوفًا مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ عَنْهُ , ثُمَّ عَقَّبَهُ بِرِوَايَةِ هَمَّامٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ , وَقَدْ رَفَعَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْهُ رِوَايَةَ طَاوُسٍ أَيْضًا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ ) ‏ ‏أَيْ ضَرَبَهُ عَلَى عَيْنِهِ , وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ \" جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : أَجِبْ رَبَّك , فَلَطَمَ مُوسَى عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا \" وَفِي رِوَايَةِ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّبَرِيِّ \" كَانَ مَلَكُ الْمَوْتِ يَأْتِي النَّاسَ عِيَانًا , فَأَتَى مُوسَى فَلَطَمَهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ ) ‏ ‏زَادَ هَمَّامٌ \" وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي , فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ \" وَفِي رِوَايَةِ عَمَّارٍ \" فَقَالَ يَا رَبِّ عَبْدُك مُوسَى فَقَأَ عَيْنِي , وَلَوْلَا كَرَامَتُهُ عَلَيْك لَشَقَقْت عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي يُونُسَ \" فَقُلْ لَهُ الْحَيَاةَ تُرِيدُ ؟ فَإِنْ كُنْت تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَك \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَلَى مَتْنِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ هُوَ الظَّهْرُ , وَقِيلَ : مُكْتَنَفُ الصُّلْبِ بَيْنَ الْعَصَبِ وَاللَّحْمِ , وَفِي رِوَايَةِ عَمَّارٍ عَلَى جِلْدِ ثَوْرٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَهُ بِمَا غَطَّى يَدَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( ثُمَّ الْمَوْتُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي يُونُسَ \" قَالَ فَالْآنَ يَا رَبِّ مِنْ قَرِيبٍ \" وَفِي رِوَايَةِ عَمَّارٍ \" فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ مَا بَعْدَ هَذَا ؟ قَالَ : الْمَوْتُ قَالَ : فَالْآنَ \" وَالْآنَ ظَرْفُ زَمَانٍ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ , وَهُوَ اِسْمٌ لِزَمَانِ الْحَالِ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ وَبَيَانُهُ فِي الْجَنَائِزِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَوْ كُنْت ثَمَّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( مِنْ جَانِبِ الطَّرِيقِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَالْكُشْمِيهَنِيّ \" إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ \" وَهِيَ رِوَايَةُ هَمَّامٍ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( تَحْتَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَتِهِمَا \" عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ \" وَهِيَ رِوَايَةُ هَمَّامٍ أَيْضًا , وَالْكَثِيبُ بِالْمُثَلَّثَةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ وَزْنُ عَظِيمٍ : الرَّمْلُ الْمُجْتَمِعُ , وَزَعَمَ اِبْنُ حِبَّانَ أَنَّ قَبْرَ مُوسَى بِمَدْيَنَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ , وَتَعَقَّبَهُ الضِّيَاءُ بِأَنَّ أَرْضَ مَدْيَنَ لَيْسَتْ قَرِيبَةً مِنْ الْمَدِينَةِ وَلَا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ , قَالَ وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَنْ قَبْرٍ بِأَريحَاءَ عِنْدَهُ كَثِيبٌ أَحْمَرُ أَنَّهُ قَبْرُ مُوسَى , وَأَريحَاءُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ , وَزَادَ عَمَّارٌ فِي رِوَايَتِهِ \" فَشَمَّهُ شَمَّةً فَقَبَضَ رُوحَهُ , وَكَانَ يَأْتِي النَّاسَ خُفْيَةً \" يَعْنِي بَعْدَ ذَلِكَ , وَيُقَالُ إِنَّهُ أَتَاهُ بِتُفَّاحَةٍ مِنْ الْجَنَّةِ فَشَمَّهَا فَمَاتَ. وَذَكَرَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ مُوسَى لَمَّا دَنَتْ وَفَاتُهُ مَشَى هُوَ وَفَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ فَجَاءَتْ رِيحٌ سَوْدَاءُ , فَظَنَّ يُوشَعُ أَنَّهَا السَّاعَةُ فَالْتَزَمَ مُوسَى , فَانْسَلَّ مُوسَى مِنْ تَحْتِ الْقَمِيصِ , فَأَقْبَلَ يُوشَعُ بِالْقَمِيصِ. وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَوَلَّوْا دَفْنَهُ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ , وَأَنَّهُ عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَالَ وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ , وَوَهَمَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُعَلَّقٌ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ , وَمُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ كَذَلِكَ , وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ : \" نَحْوُهُ \" أَيْ إِنَّ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ بِمَعْنَى رِوَايَتِهِ عَنْ اِبْنِ طَاوُسٍ لَا بِلَفْظِهِ , وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِيمَا مَضَى , قَالَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ : أَنْكَرَ بَعْضُ الْمُبْتَدَعَةِ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالُوا إِنْ كَانَ مُوسَى عَرَفَهُ فَقَدْ اِسْتَخَفَّ بِهِ , وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْرِفْهُ فَكَيْفَ لَمْ يُقْتَصَّ لَهُ مِنْ فَقْءِ عَيْنِهِ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ مَلَكَ الْمَوْتِ لِمُوسَى وَهُوَ يُرِيدُ قَبْضَ رُوحِهِ حِينَئِذٍ , وَإِنَّمَا بَعَثَهُ إِلَيْهِ اِخْتِبَارًا وَإِنَّمَا لَطَمَ مُوسَى مَلَكَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ رَأَى آدَمِيًّا دَخَلَ دَارَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَلَكُ الْمَوْتِ , وَقَدْ أَبَاحَ الشَّارِعُ فَقْءَ عَيْنِ النَّاظِرِ فِي دَارِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ إِذْنٍ , وَقَدْ جَاءَتْ الْمَلَائِكَةُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِلَى لُوطٍ فِي صُورَةِ آدَمِيِّينَ فَلَمْ يَعْرِفَاهُمْ اِبْتِدَاءً , وَلَوْ عَرَفَهُمْ إِبْرَاهِيمُ لَمَا قَدَّمَ لَهُمْ الْمَأْكُولَ , وَلَوْ عَرَفَهُمْ لُوطٌ لَمَا خَافَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِهِ. وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ عَرَفَهُ فَمِنْ أَيْنَ لِهَذَا الْمُبْتَدِعِ مَشْرُوعِيَّةُ الْقِصَاصِ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْبَشَرِ ؟ ثُمَّ مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ طَلَبَ الْقِصَاصَ مِنْ مُوسَى فَلَمْ يَقْتَصَّ لَهُ ؟ وَلَخَّصَ الْخَطَّابِيُّ كَلَامَ اِبْنِ خُزَيْمَةَ وَزَادَ فِيهِ أَنَّ مُوسَى دَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ لِمَا رُكِّبَ فِيهِ مِنْ الْحِدَّةِ , وَأَنَّ اللَّهَ رَدَّ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ لِيَعْلَمَ مُوسَى أَنَّهُ جَاءَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلِهَذَا اِسْتَسْلَمَ حِينَئِذٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمُوسَى فِي هَذِهِ اللَّطْمَةِ اِمْتِحَانًا لِلْمَلْطُومِ. وَقَالَ غَيْرُهُ إِنَّمَا لَطَمَهُ لِأَنَّهُ جَاءَ لِقَبْضِ رُوحِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخَيِّرَهُ , لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ , فَلِهَذَا لَمَّا خَيَّرَهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ أَذْعَنَ , قِيلَ : وَهَذَا أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَعُودُ أَصْلُ السُّؤَالِ فَيُقَالُ : لِمَ أَقْدَمَ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَى قَبْضِ نَبِيِّ اللَّهِ وَأَخَلَّ بِالشَّرْطِ ؟ فَيَعُودُ الْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ اِمْتِحَانًا. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : \" فَقَأَ عَيْنَهُ \" أَيْ أَبْطَلَ حُجَّتَهُ , وَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ \" فَرَدَّ اللَّهُ عَيْنَهُ \" وَبِقَوْلِهِ : \" لَطَمَهُ وَصَكَّهُ \" وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ قَرَائِنِ السِّيَاقِ. وَقَالَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ : إِنَّمَا فَقَأَ مُوسَى الْعَيْنَ الَّتِي هِيَ تَخْيِيلٌ وَتَمْثِيلٌ وَلَيْسَتْ عَيْنًا حَقِيقَةً , وَمَعْنَى رَدَّ اللَّهُ عَيْنَهُ أَيْ أَعَادَهُ إِلَى خِلْقَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ , وَقِيلَ عَلَى ظَاهِرِهِ , وَرَدَّ اللَّهُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ عَيْنَهُ الْبَشَرِيَّةَ لِيَرْجِعَ إِلَى مُوسَى عَلَى كَمَالِ الصُّورَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَقْوَى فِي اِعْتِبَارِهِ , وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَجَوَّزَ اِبْنُ عَقِيلٍ أَنْ يَكُونَ مُوسَى أُذِنَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِمَلَكِ الْمَوْتِ وَأُمِرَ مَلَكُ الْمَوْتِ بِالصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا أُمِرَ مُوسَى بِالصَّبْرِ عَلَى مَا يَصْنَعُ الْخَضِرُ. وَفِيهِ أَنَّ الْمَلَكَ يَتَمَثَّلُ بِصُورَةِ الْإِنْسَانِ , وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ. وَفِيهِ فَضْلُ الدَّفْنِ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي الْجَنَائِزِ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : \" فَلَك بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ \" عَلَى أَنَّ الَّذِي بَقِيَ مِنْ الدُّنْيَا كَثِيرٌ جِدًّا لِأَنَّ عَدَدَ الشَّعْرِ الَّذِي تُوَارِيهِ الْيَدُ قَدْرَ الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ مُوسَى وَبَعْثَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ وَأَكْثَر. وَاسْتُدِلَّ لَهُ عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ فِي الْعُمُرِ وَقَدْ قَالَ بِهِ قَوْمٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ) أَنَّهُ زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ فِي الْحَقِيقَةِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ : وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ : ( مِنْ عُمُرِهِ ) لِلْجِنْسِ لَا لِلْعَيْنِ , أَيْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِ آخَرَ , وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ عِنْدِي ثَوْبٌ وَنِصْفُهُ أَيْ وَنِصْفُ ثَوْبٍ آخَرَ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ أَيْ وَمَا يَذْهَبُ مِنْ عُمْرِهِ , فَالْجَمِيعُ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْجَوَابُ عَنْ قِصَّةِ مُوسَى أَنَّ أَجَلَهُ قَدْ كَانَ قَرُبَ حُضُورُهُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا مِقْدَارُ مَا دَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ مِنْ الْمُرَاجَعَتَيْنِ , فَأُمِرَ بِقَبْضِ رُوحِهِ أَوَّلًا مَعَ سَبْقِ عِلْمِ اللَّهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ إِلَّا بَعْدَ الْمُرَاجَعَةِ وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَى ذَلِكَ أَوَّلًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3156",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏فَقَالَ الْمُسْلِمُ وَالَّذِي اصْطَفَى ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْعَالَمِينَ فِي قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ وَالَّذِي اصْطَفَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَلَى الْعَالَمِينَ فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ يَدَهُ فَلَطَمَ الْيَهُودِيَّ فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ فَقَالَ ‏ ‏لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَإِنَّ النَّاسَ ‏ ‏يَصْعَقُونَ ‏ ‏فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏بَاطِشٌ ‏ ‏بِجَانِبِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ) ‏ ‏كَذَا قَالَ شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ. وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَقَدْ جَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي التَّوْحِيدِ إِشَارَةً إِلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ , وَلَهُ أَصْلٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْهُ وَسَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ , وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ , وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْهُ , وَرَوَاهُ - مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَبُو سَعِيدٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْإِشْخَاصِ بِتَمَامِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اِسْتَبَّ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ سَبَبُ ذَلِكَ , وَأَوَّلُ حَدِيثِهِ \" بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَةً أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ فَقَالَ : لَا وَالَّذِي اِصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ \" وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِ هَذَا الْيَهُودِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ , وَزَعَمَ اِبْنُ بَشْكُوَالَ أَنَّهُ فِنْحَاصُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَمُهْمَلَتَيْنِ وَعَزَاهُ لِابْنِ إِسْحَاقَ , وَالَّذِي ذَكَرَهُ اِبْنُ إِسْحَاقَ لِفِنْحَاصَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي لَطْمِهِ إِيَّاهُ قِصَّةٌ أُخْرَى فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ) الْآيَةَ. وَأَمَّا كَوْنُ اللَّاطِمِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ هُوَ الصِّدِّيقَ فَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِيمَا أَخْرَجَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي \" كِتَابِ الْبَعْثِ \" مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ , وَابْنِ جُدْعَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : \" كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ كَلَامٌ فِي شَيْءٍ \" فَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ \" فَقَالَ الْيَهُودِيُّ وَالَّذِي اِصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ فَلَطَمَهُ الْمُسْلِمُ \" الْحَدِيثَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ الْيَهُودِيَّ ) ‏ ‏أَيْ عِنْدَ سَمَاعِهِ قَوْلَ الْيَهُودِيِّ : \" وَالَّذِي اِصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ \" وَإِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ لِمَا فَهِمَهُ مِنْ عُمُومِ لَفْظِ الْعَالَمِينَ فَدَخَلَ فِيهِ مُحَمَّدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ الْمُسْلِمِ أَنَّ مُحَمَّدًا أَفْضَلُ , وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ الضَّارِبَ قَالَ لِلْيَهُودِيِّ حِينَ قَالَ ذَلِكَ \" أَيْ خَبِيثُ عَلَى مُحَمَّدٍ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَطَمَ الْيَهُودِيَّ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى كَذِبِهِ عِنْدَهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ \" فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ \" وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ \" فَلَطَمَ عَلَى الْيَهُودِيِّ \" وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ \" فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَلَطَمَ وَجْهَهُ وَقَالَ : أَتَقُولُ هَذَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا \" وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ الَّذِي ضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ , وَهَذَا يُعَكِّرُ عَلَى قَوْلِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ , إِلَّا إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْأَنْصَارِ الْمَعْنَى الْأَعَمَّ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَنْصَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطْعًا , بَلْ هُوَ رَأْسُ مَنْ نَصَرَهُ وَمُقَدَّمُهُمْ وَسَابِقُهُمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَخْبَرَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ \" فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ \" وَفِي رِوَايَةِ اِبْنِ الْفَضْلِ \" فَقَالَ - أَيْ الْيَهُودِيُّ - يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا فَمَا بَالُ فُلَانٍ لَطَمَ وَجْهِي ؟ فَقَالَ : لِمَ لَطَمْت وَجْهَهُ ؟ - فَذَكَرَهُ - فَغَضَب النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ \" وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ \" فَقَالَ : اُدْعُوهُ لِي , فَجَاءَ فَقَالَ : أَضْرَبْته ؟ قَالَ : سَمِعْته بِالسُّوقِ يَحْلِفُ \" فَذَكَرَ الْقِصَّةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْنِ الْفَضْلِ \" فَقَالَ لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ \" وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ. لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمِ بْنِ سَعْدٍ \" فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأُصْعَقُ مَعَهُمْ , فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ \" لَمْ يُبَيِّنْ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ مَحَلَّ الْإِفَاقَةِ مِنْ أَيِّ الصَّعْقَتَيْنِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ \" فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّوَرِ فَيُصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ , ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ \" وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَوَّلُ مَنْ يُبْعَثُ \" وَالْمُرَادُ بِالصَّعْقِ غَشْيٌ يَلْحَقُ مَنْ سَمِعَ صَوْتًا أَوْ رَأَى شَيْئًا يُفْزَعُ مِنْهُ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الْإِفَاقَةَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ , وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَفْسِيرِ الزُّمَرِ بِلَفْظِ \" إِنِّي أَوَّلُ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ \" وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ \" فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ \" كَذَا وَقَعَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي كِتَابِ الْإِشْخَاصِ , وَوَقَعَ فِي غَيْرِهَا \" فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ \" وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ , وَجَزَمَ الْمِزِّيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ اِبْنُ الْقَيِّمِ فِي \" كِتَابِ الرُّوحِ \" أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ وَهْمٌ مِنْ رَاوِيهِ وَأَنَّ الصَّوَابَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ \" فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ \" وَأَنَّ كَوْنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ صَحِيحٌ , لَكِنَّهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ قِصَّةُ مُوسَى اِنْتَهَى. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ النَّفْخَةَ الْأُولَى يَعْقُبُهَا الصَّعْقُ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ أَحْيَائِهِمْ وَأَمْوَاتِهِمْ , وَهُوَ الْفَزَعُ كَمَا وَقَعَ فِي سُورَةِ النَّمْلِ ( فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) ثُمَّ يَعْقُبُ ذَلِكَ الْفَزَعُ لِلْمَوْتَى زِيَادَةً فِيمَا هُمْ فِيهِ وَلِلْأَحْيَاءِ مَوْتًا , ثُمَّ يُنْفَخُ الثَّانِيَةُ لِلْبَعْثِ فَيُفِيقُونَ أَجْمَعِينَ , فَمَنْ كَانَ مَقْبُورًا اِنْشَقَّتْ عَنْهُ الْأَرْضُ فَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ , وَمَنْ لَيْسَ بِمَقْبُورٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ مُوسَى مِمَّنْ قُبِرَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا , فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" مَرَرْت عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ \" أَخْرَجَهُ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورَيْنِ وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا قَرَّرْته. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ كَوْنُ جَمِيعِ الْخَلْقِ يُصْعَقُونَ مَعَ أَنَّ الْمَوْتَى لَا إِحْسَاسَ لَهُمْ , فَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّ الَّذِينَ يُصْعَقُونَ هُمْ الْأَحْيَاءُ , وَأَمَّا الْمَوْتَى فَهُمْ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) أَيْ إِلَّا مَنْ سَبَقَ لَهُ الْمَوْتُ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُصْعَقُ , وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْقُرْطُبِيُّ. وَلَا يُعَارِضُهُ مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مُوسَى مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّهُ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنْ كَانُوا فِي صُورَةِ الْأَمْوَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْلِ الدُّنْيَا , وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ لِلشُّهَدَاءِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَرْفَعُ رُتْبَةً مِنْ الشُّهَدَاءِ وَوَرَدَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الشُّهَدَاءَ مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّهُ أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ عِيَاضٌ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ صَعْقَةَ فَزَعٍ بَعْدَ الْبَعْثِ حِينَ تَنْشَقُّ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ , وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّهُ صَرَّحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ قَبْرِهِ يَلْقَى مُوسَى وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَرْشِ , وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ نَفْخَةِ الْبَعْثِ اِنْتَهَى. وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ صَرِيحًا كَمَا تَقَدَّمَ : \" إِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ فَأُصْعَقُ مَعَهُمْ \" إِلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ , قَالَ : وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ : \" أَفَاقَ \" لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ أَفَاقَ مِنْ الْغَشْيِ وَبُعِثَ مِنْ الْمَوْتِ , وَكَذَا عَبَّرَ عَنْ صَعْقَةِ الطُّورِ بِالْإِفَاقَةِ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَوْتًا بِلَا شَكٍّ , وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ كُلُّهُ ظَهَرَ صِحَّةُ الْحَمْلِ عَلَى أَنَّهَا غَشْيَةٌ تَحْصُلُ لِلنَّاسِ فِي الْمَوْقِفِ. هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ وَتَعَقُّبِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ ) لَمْ تَخْتَلِفْ الرِّوَايَاتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي إِطْلَاقِ الْأَوَّلِيَّةِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ \" فَأَكُونُ فِي أَوَّلِ مَنْ يُفِيقُ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي كَامِلٍ , وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ كِلَاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ , فَعُرِفَ أَنَّ إِطْلَاقَ الْأَوَّلِيَّةِ فِي غَيْرِهَا مَحْمُولٌ عَلَيْهَا , وَسَبَبُهُ التَّرَدُّدُ فِي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا سَيَأْتِي , وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ سَائِرُ مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ , كَحَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ رَفَعَهُ \" أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ \" وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ ) ‏ ‏أَيْ آخِذٌ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَرْشِ بِقُوَّةٍ , وَالْبَطْشُ الْأَخْذُ بِقُوَّةٍ , وَفِي رِوَايَةِ اِبْنِ الْفَضْلِ \" فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ \" وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ \" آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ \" وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مِمَّنْ صُعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّهُ ) ‏ ‏أَيْ فَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ صُعِقَ , أَيْ فَإِنْ كَانَ أَفَاقَ قَبْلِي فَهِيَ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّهُ فَلَمْ يُصْعَقْ فَهِيَ فَضِيلَةٌ أَيْضًا. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ \" فَلَا أَدْرِي كَانَ فِيمَنْ صُعِقَ - أَيْ فَأَفَاقَ قَبْلِي - أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ الْأُولَى \" أَيْ الَّتِي صُعِقَهَا لَمَّا سَأَلَ الرُّؤْيَةَ , وَبَيَّنَ ذَلِكَ اِبْنُ الْفَضْلِ فِي رِوَايَتِهِ بِلَفْظِ \" أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ \" وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ : \" أَوْ كَانَ مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّهُ \" أَنَّ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ الْفَضْلِ وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بَيَانَ السَّبَبِ فِي اِسْتِثْنَائِهِ , وَهُوَ أَنَّهُ حُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ فَلَمْ يُكَلَّفْ بِصَعْقَةٍ أُخْرَى. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : \" مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّهُ \" قَوْلُهُ : ( إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ فَقَالَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : \" اِسْتَثْنَى اللَّهُ \" أَيْ جَعَلَهُ ثَانِيًا , كَذَا قَالَ , وَهُوَ غَلَطٌ شَنِيعٌ. وَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ فِي \" كِتَابِ الْبَعْثِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا \" فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّهُ أَنْ لَا تُصِيبَهُ النَّفْخَةُ أَوْ بُعِثَ قَبْلِي \" وَزَعَمَ اِبْنُ الْقَيِّمِ فِي \" كِتَابِ الرُّوحِ \" أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَهُوَ قَوْلُهُ : \" أَكَانَ مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّهُ \" وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ , وَالْمَحْفُوظُ \" أَوْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ \" قَالَ : لِأَنَّ الَّذِينَ اِسْتَثْنَى اللَّهُ قَدْ مَاتُوا مِنْ صَعْقَةِ النَّفْخَةِ لَا مِنْ الصَّعْقَةِ الْأُخْرَى , فَظَنَّ بَعْضُ الرُّوَاةِ أَنَّ هَذِهِ صَعْقَةُ النَّفْخَةِ وَأَنَّ مُوسَى دَاخِلٌ فِيمَنْ اِسْتَثْنَى اللَّهُ , قَالَ : وَهَذَا لَا يَلْتَئِمُ عَلَى سِيَاقِ الْحَدِيثِ , فَإِنَّ الْإِقَامَةَ حِينَئِذٍ هِيَ إِفَاقَةُ الْبَعْثِ فَلَا يَحْسُنُ التَّرَدُّدُ فِيهَا , وَأَمَّا الصَّعْقَةُ الْعَامَّةُ فَإِنَّهَا تَقَعُ إِذَا جَمَعَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لِفَصْلِ الْقَضَاءِ فَيُصْعَقُ الْخَلْقُ حِينَئِذٍ جَمِيعًا إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ , وَوَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : \" وَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ \" وَهَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ مِمَّنْ صُعِقَ , وَتَرَدَّدَ فِي مُوسَى هَلْ صُعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلَهُ أَمْ لَمْ يُصْعَقْ ؟ قَالَ : وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الصَّعْقَةُ الْأُولَى لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَزَمَ بِأَنَّهُ مَاتَ , وَتَرَدَّدَ فِي مُوسَى هَلْ مَاتَ أَمْ لَا , وَالْوَاقِعُ أَنَّ مُوسَى قَدْ كَانَ مَاتَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا صَعْقَةُ فَزَعٍ لَا صَعْقَةُ مَوْتٍ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ اِبْنِ مَرْدَوَيْهِ \" أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , فَأَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِي , فَآتِي قَائِمَةَ الْعَرْشِ فَأَجِدُ مُوسَى قَائِمًا عِنْدَهَا فَلَا أَدْرِي , أَنَفَضَ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّهُ \" وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ \" أَنَفَضَ التُّرَابَ قَبْلِي \" تَجْوِيزَ الْمَعِيَّةِ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْقَبْرِ أَوْ هِيَ كِنَايَةٌ عَنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْقَبْرِ , وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِمُوسَى كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏( تَكْمِيلٌ ) : ‏ ‏زَعَمَ اِبْنُ حَزْمٍ أَنَّ النَّفَخَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَرْبَعٌ : ‏ ‏الْأُولَى : نَفْخَةُ إِمَاتَةٍ يَمُوتُ فِيهَا مَنْ بَقِيَ حَيًّا فِي الْأَرْضِ , ‏ ‏وَالثَّانِيَةُ نَفْخَةُ إِحْيَاءٍ يَقُومُ بِهَا كُلُّ مَيِّتٍ وَيُنْشَرُونَ مِنْ الْقُبُورِ وَيُجْمَعُونَ لِلْحِسَابِ , ‏ ‏وَالثَّالِثَةُ نَفْخَةُ فَزَعٍ وَصَعْقٍ يُفِيقُونَ مِنْهَا كَالْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ لَا يَمُوتُ مِنْهَا أَحَدٌ , ‏ ‏وَالرَّابِعَةُ : نَفْخَةُ إِفَاقَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْغَشْيِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِ الثِّنْتَيْنِ أَرْبَعًا لَيْسَ بِوَاضِحٍ بَلْ هُمَا نَفْخَتَانِ فَقَطْ , وَوَقَعَ التَّغَايُرُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِاعْتِبَارِ مَنْ يَسْتَمِعُهُمَا , ‏ ‏فَالْأُولَى : يَمُوتُ بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيُغْشَى عَلَى مَنْ لَمْ يَمُتْ مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّهُ , ‏ ‏وَالثَّانِيَةُ : يَعِيشُ بِهَا مَنْ مَاتَ وَيُفِيقُ بِهَا مَنْ غُشِيَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي نَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ : إِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ بِرَأْيِهِ لَا مَنْ يَقُولُهُ بِدَلِيلٍ أَوْ مَنْ يَقُولُهُ بِحَيْثُ يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَفْضُولِ أَوْ يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَةِ وَالتَّنَازُعِ , أَوْ الْمُرَادُ لَا تُفَضِّلُوا بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْفَضَائِلِ بِحَيْثُ لَا يُتْرَكُ لِلْمَفْضُولِ فَضِيلَةٌ , فَالْإِمَامُ مَثَلًا إِذْ قُلْنَا إِنَّهُ أَفْضَل مِنْ الْمُؤَذِّن لَا يَسْتَلْزِم نَقْص فَضِيلَة الْمُؤَذِّن بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَذَان , وَقِيلَ : النَّهْي عَنْ التَّفْضِيل إِنَّمَا هُوَ فِي حَقّ النُّبُوَّة نَفْسهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) وَلَمْ يَنْهَ عَنْ تَفْضِيل بَعْض الذَّوَات عَلَى بَعْض لِقَوْلِهِ : ( تِلْكَ الرُّسُل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ). وَقَالَ الْحَلِيمِيّ الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَنْ التَّخْيِير إِنَّمَا هِيَ فِي مُجَادَلَة أَهْل الْكِتَاب وَتَفْضِيل بَعْض الْأَنْبِيَاء عَلَى بَعْض بِالْمُخَايَرَةِ , لِأَنَّ الْمُخَايَرَة إِذَا وَقَعَتْ بَيْن أَهْل دِينَيْنِ لَا يُؤْمَن أَنْ يَخْرُج أَحَدُهُمَا إِلَى اِزْدِرَاء بِالْآخَرِ فَيُفْضِي إِلَى الْكُفْر , فَأَمَّا إِذَا كَانَ التَّخْيِير مُسْتَنِدًا إِلَى مُقَابَلَة الْفَضَائِل لِتَحْصِيلِ الرُّجْحَان فَلَا يَدْخُل فِي النَّهْي , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي قِصَّة يُونُس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3157",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏احْتَجَّ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏وَمُوسَى ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏أَنْتَ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنْ الْجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏أَنْتَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏الَّذِي ‏ ‏اصْطَفَاكَ ‏ ‏اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَحَجَّ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏مَرَّتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدَيث أَبِي هُرَيْرَة \" اِحْتَجَّ آدَم وَمُوسَى \" ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْقَدَر , وَالْغَرَض مِنْهُ شَهَادَة آدَم لِمُوسَى أَنَّ اللَّه اِصْطَفَاهُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏: قَوْله : \" ثُمَّ تَلُومنِي \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيم الْمُشَدَّدَة , وَوَقَعَ لِلْأَصِيلِيّ وَالْمُسْتَمْلِي بِالْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيم. ‏"
    },
    {
        "id": "3158",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمًا قَالَ ‏ ‏عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ فَقِيلَ هَذَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فِي قَوْمِهِ ‏",
        "sharh": "حَدَيث اِبْن عَبَّاس فِي عَرْض الْأُمَم , أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ مَعَ شَرْحه فِي الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَفِيهِ أَنَّ أُمَّةَ مُوسَى أَكْثَرُ الْأُمَمِ بَعْدَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3159",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا ‏ ‏آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ‏ ‏وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ‏ ‏وَإِنَّ فَضْلَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ ‏ ‏الثَّرِيدِ ‏ ‏عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيِّ ) ‏ ‏مُرَّة وَالِد عَمْرو غَيْر مُرَّة شَيْخه , وَهُوَ عَمْرو بْن مُرَّة بْن عُبَيْد اللَّه بْن طَارِق الْجَمَلِيّ - بِفَتْحِ الْجِيم وَالْمِيم - الْمُرَادِيّ , ثِقَةٌ عَابِد مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْأَطْعِمَة عَمْرو بْن مُرَّة الْجَمَلِيّ , وَأَمَّا شَيْخه مُرَّة فَهُوَ اِبْن شَرَاحِيل , مُخَضْرَم ثِقَة عَابِد أَيْضًا مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ , يُقَال لَهُ مُرَّة الطَّيِّب وَمُرَّة الْخَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( كَمُلَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَبِفَتْحِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَكْمُل مِنْ النِّسَاء إِلَّا آسِيَة اِمْرَأَة فِرْعَوْن وَمَرْيَم بِنْت عِمْرَان ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَصْر عَلَى أَنَّهُمَا نَبِيَّتَانِ لِأَنَّ أَكْمَلَ النَّوْع الْإِنْسَانِيّ الْأَنْبِيَاء ثُمَّ الْأَوْلِيَاء وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء , فَلَوْ كَانَتَا غَيْر نَبِيَّتَيْنِ لَلَزِمَ أَلَّا يَكُون فِي النِّسَاء وَلِيَّة وَلَا صِدِّيقَة وَلَا شَهِيدَة , وَالْوَاقِع أَنَّ هَذِهِ الصِّفَات فِي كَثِير مِنْهُنَّ مَوْجُودَة فَكَأَنَّهُ قَالَ وَلَمْ يُنَبَّأ مِنْ النِّسَاء إِلَّا فُلَانَة وَفُلَانَة , وَلَوْ قَالَ لَمْ تَثْبُت صِفَة الصِّدِّيقِيَّة أَوْ الْوِلَايَة أَوْ الشَّهَادَة إِلَّا لِفُلَانَةَ وَفُلَانَة لَمْ يَصِحّ لِوُجُودِ ذَلِكَ فِي غَيْرهنَّ , إِلَّا أَنْ يَكُون الْمُرَاد فِي الْحَدِيث كَمَال غَيْر الْأَنْبِيَاء فَلَا يَتِمّ الدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد مِنْ تَقَدُّم زَمَانه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ يَتَعَرَّض لِأَحَدِ مِنْ نِسَاء زَمَانه إِلَّا لِعَائِشَة , وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِأَفْضَلِيَّةِ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا عَلَى غَيْرهَا لِأَنَّ فَضْل الثَّرِيد عَلَى غَيْره مِنْ الطَّعَام إِنَّمَا هُوَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَيْسِير الْمُؤْنَة وَسُهُولَة الْإِسَاغَة , وَكَانَ أَجَلّ أَطْعِمَتهمْ يَوْمئِذٍ , وَكُلّ هَذِهِ الْخِصَال لَا تَسْتَلْزِم ثُبُوت الْأَفْضَلِيَّة لَهُ مِنْ كُلّ جِهَة , فَقَدْ يَكُون مَفْضُولًا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ مِنْ جِهَات أُخْرَى. وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الزِّيَادَة بَعْد قَوْله : وَمَرْيَم اِبْنَة عِمْرَان \" وَخَدِيجَة بِنْت خُوَيْلِد وَفَاطِمَة بِنْت مُحَمَّد \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ يُوسُف بْن يَعْقُوب الْقَاضِي عَنْ عَمْرو بْن مَرْزُوق عَنْ شُعْبَة بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور هُنَا , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْحِلْيَة \" فِي تَرْجَمَة عَمْرو بْن مُرَّة أَحَد رُوَاته عِنْد الطَّبَرَانِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَأَخْرَجَهُ الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِيره مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن مَرْزُوق بِهِ , وَقَدْ وَرَدَ مِنْ طَرِيق صَحِيح مَا يَقْتَضِي أَفْضَلِيَّة خَدِيجَة وَفَاطِمَة عَلَى غَيْرهمَا وَذَلِكَ فِيمَا سَيَأْتِي فِي قِصَّة مَرْيَم مِنْ حَدِيث عَلِيّ بِلَفْظِ \" خَيْر نِسَائِهَا خَدِيجَة \" وَجَاءَ فِي طَرِيق أُخْرَى مَا يَقْتَضِي أَفْضَلِيَّة خَدِيجَة وَفَاطِمَة وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ وَأَحْمَد وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ فِي \" كِتَاب الزُّهْد \" وَالْحَاكِم كُلّهمْ مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ كُرَيْب عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَفْضَل نِسَاء أَهْل الْجَنَّة خَدِيجَة بِنْت خُوَيْلِد وَفَاطِمَة بِنْت مُحَمَّد وَمَرْيَم بِنْت عِمْرَان وَآسِيَة اِمْرَأَة فِرْعَوْن \" وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي \" الْأَوْسَط لِلطَّبَرَانِيّ \" وَلِأَحْمَد فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد رَفَعَهُ \" فَاطِمَة سَيِّدَة نِسَاء أَهْل الْجَنَّة إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَم بِنْت عِمْرَان \" وَإِسْنَاده حَسَن , وَإِنْ ثَبَتَ فَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ قَالَ إِنّ آسِيَة اِمْرَأَة فِرْعَوْن لَيْسَتْ نَبِيَّة , وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِب فَاطِمَة قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا إِنَّهَا سَيِّدَة نِسَاء أَهْل الْجَنَّة مَعَ مَزِيد بَسْط لِهَذِهِ الْمَسْأَلَة هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَة زِيَادَة فِيمَا يَتَعَلَّق بِالثَّرِيدِ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الصَّحِيح أَنَّ مَرْيَم نَبِيَّة لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهَا بِوَاسِطَةِ الْمَلَك , وَأَمَّا آسِيَة فَلَمْ يَرِد مَا يَدُلّ عَلَى نُبُوَّتهَا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَا يَلْزَم مِنْ لَفْظَة الْكَمَال ثُبُوت نُبُوَّتهَا لِأَنَّهُ يُطْلَق لِتَمَامِ الشَّيْء وَتَنَاهِيهِ فِي بَابه , فَالْمُرَاد بُلُوغهَا النِّهَايَة فِي جَمِيع الْفَضَائِل الَّتِي لِلنِّسَاءِ. قَالَ : وَقَدْ نُقِلَ الْإِجْمَاع عَلَى عَدَم نُبُوَّة النِّسَاء , كَذَا قَالَ , وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْأَشْعَرِيّ أَنَّ مِنْ النِّسَاء مِنْ نُبِّئَ وَهُنَّ سِتّ : حَوَّاء وَسَارَة وَأُمّ مُوسَى وَهَاجَر وَآسِيَة وَمَرْيَم , وَالضَّابِط عِنْده أَنَّ مَنْ جَاءَهُ الْمَلَك عَنْ اللَّه بِحُكْم مِنْ أَمْر أَوْ نَهْي أَوْ بِإِعْلَامِ مِمَّا سَيَأْتِي فَهُوَ نَبِيّ , وَقَدْ ثَبَتَ مَجِيء الْمَلَك لِهَؤُلَاءِ بِأُمُورِ شَتَّى مِنْ ذَلِكَ مِنْ عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِالْإِيحَاءِ لِبَعْضِهِنَّ فِي الْقُرْآن. وَذَكَر اِبْن حَزْم فِي \" الْمِلَل وَالنِّحَل \" أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَة لَمْ يَحْدُث التَّنَازُع فِيهَا إِلَّا فِي عَصْره بِقُرْطُبَة , وَحَكَى عَنْهُمْ أَقْوَالًا ثَالِثهَا الْوَقْف , قَالَ : وَحُجَّة الْمَانِعِينَ قَوْله تَعَالَى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك إِلَّا رِجَالًا ) قَالَ : وَهَذَا لَا حُجَّة فِيهِ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَدَّعِ فِيهِنَّ الرِّسَالَة , وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي النُّبُوَّة فَقَطْ. قَالَ : وَأَصْرَح مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ قِصَّة مَرْيَم , وَفِي قِصَّة أُمّ مُوسَى مَا يَدُلّ عَلَى ثُبُوت ذَلِكَ لَهَا مِنْ مُبَادَرَتهَا بِإِلْقَاءِ وَلَدهَا فِي الْبَحْر بِمُجَرَّدِ الْوَحْي إِلَيْهَا بِذَلِكَ , قَالَ : وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى بَعْد أَنْ ذَكَرَ مَرْيَم وَالْأَنْبِيَاء بَعْدهَا ( أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ ) فَدَخَلَتْ فِي عُمُومه وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْ فَضَائِل آسِيَة اِمْرَأَة فِرْعَوْن أَنَّهَا اِخْتَارَتْ الْقَتْل عَلَى الْمُلْك وَالْعَذَاب فِي الدُّنْيَا عَلَى النَّعِيم الَّذِي كَانَتْ فِيهِ , وَكَانَتْ فِرَاسَتهَا فِي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام صَادِقَة حِين قَالَتْ : ( قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ) ‏"
    },
    {
        "id": "3160",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ مَتَّى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3161",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَالِيَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ مَتَّى ‏ ‏وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3162",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اللَّيْثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ فَقَالَ لَا وَالَّذِي اصْطَفَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَلَى الْبَشَرِ فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَامَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ وَقَالَ تَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَلَى الْبَشَرِ وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا فَمَا بَالُ فُلَانٍ لَطَمَ وَجْهِي فَقَالَ لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ فَذَكَرَهُ فَغَضِبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ‏ ‏فَيَصْعَقُ ‏ ‏مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ فَإِذَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏آخِذٌ بِالْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الطُّورِ ‏ ‏أَمْ بُعِثَ قَبْلِي وَلَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ مَتَّى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3163",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ مَتَّى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3164",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خُفِّفَ عَلَى ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏الْقُرْآنُ فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَجُ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوَابُّهُ وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدَيث هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : \" خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآن \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" الْقِرَاءَة \" قِيلَ : الْمُرَاد بِالْقُرْآنِ الْقِرَاءَة , وَالْأَصْل فِي هَذِهِ اللَّفْظَة الْجَمْع وَكُلّ شَيْء جَمَعْته فَقَدْ قَرَأْته , وَقِيلَ : الْمُرَاد الزَّبُور وَقِيلَ : التَّوْرَاة , وَقِرَاءَة كُلّ نَبِيّ تُطْلَق عَلَى كِتَابه الَّذِي أُوحِيَ إِلَيْهِ , وَإِنَّمَا سَمَّاهُ قُرْآنًا لِلْإِشَارَةِ إِلَى وُقُوع الْمُعْجِزَة بِهِ كَوُقُوعِ الْمُعْجِزَة بِالْقُرْآنِ أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِب \" الْمَصَابِيح \" وَالْأَوَّل أَقْرَب , وَإِنَّمَا تَرَدَّدُوا بَيْن الزَّبُور وَالتَّوْرَاة لِأَنَّ الزَّبُور كُلّه مَوَاعِظ , وَكَانُوا يَتَلَقَّوْنَ الْأَحْكَام مِنْ التَّوْرَاة. قَالَ قَتَادَة : كُنَّا نَتَحَدَّث أَنَّ الزَّبُور مِائَة وَخَمْسُونَ سُورَة كُلّهَا مَوَاعِظ وَثَنَاء , لَيْسَ فِيهِ حَلَال وَلَا حَرَام وَلَا فَرَائِض وَلَا حُدُود , بَلْ كَانَ اِعْتِمَاده عَلَى التَّوْرَاة , أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَغَيْره. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الْبَرَكَة قَدْ تَقَع فِي الزَّمَن الْيَسِير حَتَّى يَقَع فِيهِ الْعَمَل الْكَثِير. قَالَ النَّوَوِيّ : أَكْثَر مَا بَلَغَنَا مِنْ ذَلِكَ مِنْ كَانَ يَقْرَأ أَرْبَع خَتَمَات بِاللَّيْلِ وَأَرْبَعًا بِالنَّهَارِ , وَقَدْ بَالَغَ بَعْض الصُّوفِيَّة فِي ذَلِكَ فَادَّعَى شَيْئًا مُفْرِطًا , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( بِدَوَابِّهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة الْآتِيَة \" بِدَابَّتِهِ \" بِالْإِفْرَادِ , وَكَذَا هُوَ فِي التَّفْسِير , وَيُحْمَل الْإِفْرَاد عَلَى الْجِنْس , أَوْ الْمُرَاد بِهَا مَا يَخْتَصّ بِرُكُوبِهِ , وَبِالْجَمْعِ مَا يُضَاف إِلَيْهَا مِمَّا يَرْكَبهُ أَتْبَاعه. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَقْرَأ الْقُرْآن قَبْل أَنْ تُسْرَج ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُوسَى \" فَلَا تُسْرَج حَتَّى يَقْرَأ الْقُرْآن \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَأْكُل إِلَّا مِنْ عَمَل يَده ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل الْبُيُوع وَأَنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ أَفْضَل الْمَكَاسِب , وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّة الْإِجَارَة مِنْ جِهَة أَنَّ عَمَل الْيَد أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون لِلْغَيْرِ أَوْ لِلنَّفْسِ , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ الَّذِي كَانَ يَعْمَلهُ دَاوُدُ بِيَدِهِ هُوَ نَسْج الدُّرُوع , وَأَلَانَ اللَّه لَهُ الْحَدِيد , فَكَانَ يَنْسِج الدُّرُوع وَيَبِيعهَا وَلَا يَأْكُل إِلَّا مِنْ ثَمَن ذَلِكَ مَعَ كَوْنه كَانَ مِنْ كِبَار الْمُلُوك , قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( وَشَدَدْنَا مُلْكه ) , وَفِي حَدِيث الْبَاب أَيْضًا مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ , وَأَنَّهُ مَعَ سِعَته بِحَيْثُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ دَوَابّ تُسْرَج إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَب وَيَتَوَلَّى خِدْمَتهَا غَيْره , وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يَتَوَرَّع وَلَا يَأْكُل إِلَّا مِمَّا يَعْمَل بِيَدِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ مُوسَى بْن عَقَبَة عَنْ صَفْوَان بْن سُلَيْمٍ إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب خَلْق أَفْعَال الْعِبَاد عَنْ أَحْمَد بْن أَبِي عَمْرو عَنْ أَبِيهِ - وَهُوَ حَفْص بْن عَبْد اللَّه - عَنْ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3165",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنِّي أَقُولُ وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ قُلْتُ قَدْ قُلْتُهُ قَالَ إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ فَقُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ قَالَ قُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَذَلِكَ صِيَامُ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ قُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "حَدَيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ فِي مُرَاجَعَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِيَام اللَّيْل وَصِيَام النَّهَار , أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَلَاة اللَّيْل , وَالْغَرَض مِنْهُ ‏ ‏قَوْله : \" صِيَام دَاوُدَ \" ‏ ‏. ‏"
    },
    {
        "id": "3166",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَبَّاسِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَمْ أُنَبَّأْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ فَقُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ ‏ ‏هَجَمَتْ ‏ ‏الْعَيْنُ ‏ ‏وَنَفِهَتْ ‏ ‏النَّفْسُ صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ ‏ ‏أَوْ كَصَوْمِ الدَّهْرِ ‏ ‏قُلْتُ إِنِّي أَجِدُ بِي ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏يَعْنِي قُوَّةً ‏ ‏قَالَ فَصُمْ صَوْمَ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3167",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3168",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْعَوَّامَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَسْجُدُ فِي ‏ ‏ص ‏ ‏فَقَرَأَ ‏ { ‏وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏وَسُلَيْمَانَ ‏ } ‏حَتَّى أَتَى ‏ { ‏فَبِهُدَاهُمُ ‏ ‏اقْتَدِهْ ‏} ‏فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏نَبِيُّكُمْ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ ‏",
        "sharh": "حَدَيث اِبْن عَبَّاس فِي السُّجُود فِي ص أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ , وَمُحَمَّد شَيْخه فِي الطَّرِيق الْأُولَى هُوَ اِبْن سَلَام , وَالْعَوَّام هُوَ اِبْن حَوْشَبٍ بِمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُعْجَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَسْجَدُ ) ‏ ‏بِنُون , وَلِلكُشمِيهَنيّ وَالْمُسْتَمْلِي أَأَسْجَد , وَسَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث فِي التَّفْسِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3169",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ ‏ ‏ص ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عَزَائِمِ ‏ ‏السُّجُودِ وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْجُدُ فِيهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3170",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏رَبِّ ‏ { ‏هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ‏} ‏فَرَدَدْتُهُ ‏ ‏خَاسِئًا ‏ { ‏عِفْرِيتٌ ‏} ‏مُتَمَرِّدٌ مِنْ إِنْسٍ أَوْ جَانٍّ مِثْلُ زِبْنِيَةٍ جَمَاعَتُهَا الزَّبَانِيَةُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي تَفَلُّت الْعِفْرِيت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( تَفَلَّتَ عَلَيَّ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ اللَّام أَيْ تَعَرَّضَ لِي فَلْتَة أَيْ بَغْتَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( الْبَارِحَة ) ‏ ‏أَيْ اللَّيْلَة الْخَالِيَة الزَّائِلَة , وَالْبَارِح الزَّائِل وَيُقَال مِنْ بَعْد الزَّوَال إِلَى آخَر النَّهَار الْبَارِحَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرْت دَعْوَة أَخِي سُلَيْمَان ) ‏ ‏أَيْ قَوْله : ( وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) وَفِي هَذِهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ تَرَكَهُ رِعَايَة لِسُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون خُصُوصِيَّة سُلَيْمَان اِسْتِخْدَام الْجِنّ فِي جَمِيع مَا يُرِيدهُ لَا فِي هَذَا الْقَدْر فَقَطْ , وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ أَصْحَاب سُلَيْمَان كَانُوا يَرَوْنَ الْجِنّ فِي أَشْكَالهمْ وَهَيْئَتهمْ حَال تَصَرُّفهمْ , قَالَ : وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ) فَالْمُرَاد الْأَكْثَر الْأَغْلَب مِنْ أَحْوَال بَنِي آدَم , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ نَفْي رُؤْيَة الْإِنْس لِلْجِنِّ عَلَى هَيْئَتهمْ لَيْسَ بِقَاطِع مِنْ الْآيَة بَلْ ظَاهِرهَا أَنَّهُ مُمْكِن , فَإِنَّ نَفْي رُؤْيَتنَا إِيَّاهُمْ مُقَيَّد بِحَالِ رُؤْيَتهمْ لَنَا وَلَا يَنْفِي إِمْكَان رُؤْيَتنَا لَهُمْ فِي غَيْر تِلْكَ الْحَالَة , وَيُحْتَمَل الْعُمُوم. وَهَذَا الَّذِي فَهِمَهُ أَكْثَر الْعُلَمَاء حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيّ : مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَرَى الْجِنّ أَبْطَلْنَا شَهَادَته , وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( عِفْرِيت مُتَمَرِّد مِنْ إِنْس أَوْ جَانّ مِثْل زِبْنِيَة جَمَاعَته زَبَانِيَة ) ‏ ‏الزَّبَانِيَة فِي الْأَصْل اِسْم أَصْحَاب الشُّرْطَة , مُشْتَقّ مِنْ الزَّبْن وَهُوَ الدَّفْع , وَأُطْلِقَ عَلَى الْمَلَائِكَة , ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ الْكُفَّار فِي النَّار , وَوَاحِد الزَّبَانِيَة زِبْنِيَة وَقِيلَ : زَبْنِي وَقِيلَ : زَابِن وَقِيلَ : زَبَانِي وَقَالَ قَوْم لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه وَقِيلَ وَاحِده زِبْنِيت وَزْن عِفْرِيت , وَيُقَال عِفْرِيَة لُغَة مُسْتَقِلَّة لَيْسَتْ مَأْخُوذَة مِنْ عِفْرِيت , وَمُرَاد الْمُصَنِّف بِقَوْلِهِ : \" مِثْل زِبْنِيَة \" أَيْ أَنَّهُ قِيلَ فِي عِفْرِيت عِفْرِيَة , وَهِيَ قِرَاءَة رُوِيَتْ فِي الشَّوَاذّ عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَعَنْ أَبِي رَجَاء الْعُطَارِدِيّ وَأَبِي السِّمَال بِالْمُهْمَلَةِ وَاللَّام , وَقَالَ ذُو الرُّمَّة : ‏ ‏كَأَنَّهُ كَوْكَب فِي إِثْر عِفْرِيَة ‏ ‏مُصَوِّب فِي ظَلَام اللَّيْل مُنْتَصِب ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِير مِنْ بَيَان أَحْوَال الْجِنّ فِي \" بَاب صِفَة إِبْلِيس وَجُنُوده \" مِنْ بَدْء الْخَلْق. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : الْجِنّ عَلَى مَرَاتِب , فَالْأَصْل جِنِّيّ , فَإِنْ خَالَطَ الْإِنْس قِيلَ : عَامِر , وَمَنْ تَعَرَّضَ مِنْهُمْ لِلصِّبْيَانِ قِيلَ : أَرْوَاح , وَمِنْ زَادَ فِي الْخُبْث قِيلَ شَيْطَان , فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ قِيلَ : مَارِد , فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ قِيلَ : عِفْرِيت. وَقَالَ الرَّاغِب : الْعِفْرِيت مِنْ الْجِنّ هُوَ الْعَارِم الْخَبِيث , وَإِذَا بُولِغَ فِيهِ قِيلَ عِفْرِيت نِفْرِيت. وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : الْعِفْرِيت الْمُوثَق الْخَلْق , وَأَصْله مِنْ الْعَفَر وَهُوَ التُّرَاب , وَرَجُل عِفِرّ بِكَسْرِ أَوَّله وَثَانِيه وَتَثْقِيل ثَالِثه إِذَا بُولِغَ فِيهِ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3171",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ‏ ‏لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ وَلَمْ تَحْمِلْ شَيْئًا إِلَّا وَاحِدًا سَاقِطًا أَحَدُ شِقَّيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ قَالَهَا لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏تِسْعِينَ ‏ ‏وَهُوَ أَصَحُّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ الْحِزَامِيّ وَلَيْسَ بِالْمَخْزُومِيِّ , وَاسْم جَدّ الْحِزَامِيّ عَبْد اللَّه بْن خَالِد بْن حِزَام , وَاسْم جَدّ الْمَخْزُومِيّ الْحَارِث بْن عَبْد اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ لَأَطَّوَّفَن اللَّيْلَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي \" لِأُطِيفَن \" وَهُمَا لُغَتَانِ. طَافَ بِالشَّيْءِ وَأَطَافَ بِهِ إِذَا دَارَ حَوْله وَتَكَرَّرَ عَلَيْهِ , وَهُوَ هُنَا كِنَايَة عَنْ الْجِمَاع , وَاللَّام جَوَاب الْقَسَم وَهُوَ مَحْذُوف , أَيْ وَاَللَّه لَأَطَّوَّفَن , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي آخِره \" لَمْ يَحْنَث \" لِأَنَّ الْحِنْث لَا يَكُون إِلَّا عَنْ قَسَم , وَالْقَسَم لَا بُدّ لَهُ مِنْ مُقْسَم بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى سَبْعِينَ اِمْرَأَة ) ‏ ‏كَذَا هُنَا مِنْ رِوَايَة مُغِيرَة , وَفِي رِوَايَة شُعَيْب كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور \" فَقَالَ تِسْعِينَ \" وَقَدْ ذَكَرَالْمُصَنِّف ذَلِكَ عَقِب هَذَا الْحَدِيث وَرَجَّحَ تِسْعِينَ بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاة عَلَى سَبْعِينَ وَذَكَر أَنَّ اِبْن أَبِي الزِّنَاد رَوَاهُ كَذَلِكَ. قُلْت : وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد فَقَالَ : \" سَبْعِينَ \" وَسَيَأْتِي فِي كَفَّارَة الْأَيْمَان مِنْ طَرِيقه وَلَكِنْ رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان فَقَالَ : \" سَبْعِينَ \" بِتَقْدِيمِ السِّين , وَكَذَا هُوَ فِي \" مُسْنَد الْحُمَيْدِيّ \" عَنْ سُفْيَان , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة وَرْقَاء عَنْ أَبِي الزِّنَاد , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِي الزِّنَاد قَالَ : \" مِائَة اِمْرَأَة \" وَكَذَا قَالَ طَاوُسٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور , مِنْ رِوَايَة مَعْمَر , وَكَذَا قَالَ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ رِوَايَة هِشَام بْن حُجَيْر عَنْ طَاوُسٌ \" تِسْعِينَ \" وَسَيَأْتِي فِي كَفَّارَة الْأَيْمَان , وَرَوَاهُ مُسْلِم عَنْ عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق فَقَالَ : \" سَبْعِينَ \" وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد مِنْ رِوَايَة أَيُّوب عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" كَانَ لِسُلَيْمَان سِتُّونَ اِمْرَأَة \" وَرَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق هِشَام عَنْ اِبْن سِيرِينَ فَقَالَ : \" مِائَة اِمْرَأَة \" وَكَذَا قَالَ عِمْرَان بْن خَالِد عَنْ اِبْن سِيرِينَ عِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ , وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن رَبِيعَة عَنْ الْأَعْرَج فَقَالَ : \" مِائَة اِمْرَأَة أَوْ تِسْع وَتِسْعُونَ \" عَلَى الشَّكّ , فَمُحَصَّل الرِّوَايَات سِتُّونَ وَسَبْعُونَ وَتِسْعُونَ وَتِسْع وَتِسْعُونَ وَمِائَة , وَالْجَمْع بَيْنهَا أَنَّ السِّتِّينَ كُنَّ حَرَائِر وَمَا زَادَ عَلَيْهِنَّ كُنَّ سِرَارِي أَوْ بِالْعَكْسِ , وَأَمَّا السَّبْعُونَ فَلِلْمُبَالَغَةِ , وَأَمَّا التِّسْعُونَ وَالْمِائَة فَكُنَّ دُون الْمِائَة وَفَوْق التِّسْعِينَ فَمَنْ قَالَ تِسْعُونَ أَلْغَى الْكَسْر وَمِنْ قَالَ مِائَة جَبَرَهُ وَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ التَّرَدُّد فِي رِوَايَة جَعْفَر , وَأَمَّا قَوْل بَعْض الشُّرَّاح : لَيْسَ فِي ذِكْر الْقَلِيل نَفْي الْكَثِير وَهُوَ مِنْ مَفْهُوم الْعَدَد وَلَيْسَ بِحُجَّة عِنْد الْجُمْهُور فَلَيْسَ بِكَافٍ فِي هَذَا الْمَقَام , وَذَلِكَ أَنَّ مَفْهُوم الْعَدَد مُعْتَبَر عِنْد كَثِيرِينَ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ حَكَى وَهْب بْن مُنَبِّه فِي \" الْمُبْتَدَأ \" أَنَّهُ كَانَ لِسُلَيْمَان أَلْف اِمْرَأَة ثَلَاثمِائَةِ مَهِيرَة وَسَبْعمِائَةِ سُرِّيَّة , وَنَحْوه مِمَّا أَخْرَجَ الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" مِنْ طَرِيق أَبِي مَعْشَر عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ لِسُلَيْمَان أَلْف بَيْت مِنْ قَوَارِير عَلَى الْخَشَب فِيهَا ثَلَثمِائَةِ صربحة وَسَبْعمِائَةِ سُرِّيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( تَحْمِل كُلّ اِمْرَأَة فَارِسًا يُجَاهِد فِي سَبِيل اللَّه ) ‏ ‏هَذَا قَالَهُ عَلَى سَبِيل التَّمَنِّي لِلْخَيْرِ , وَإِنَّمَا جَزَمَ بِهِ لِأَنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ الرَّجَاء , لِكَوْنِهِ قَصَدَ بِهِ الْخَيْر وَأَمْر الْآخِرَة لَا لِغَرَضِ الدُّنْيَا. قَالَ بَعْض السَّلَف : نَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى آفَة التَّمَنِّي وَالْإِعْرَاض عَنْ التَّفْوِيض , قَالَ : وَلِذَلِكَ نَسِيَ الِاسْتِثْنَاء لِيَمْضِيَ فِيهِ الْقَدْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُ صَاحِبه : إِنْ شَاءَ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ طَاوُسٍ الْآتِيَة \" فَقَالَ لَهُ الْمَلَك \" وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن حُجَيْر \" فَقَالَ لَهُ صَاحِبه , قَالَ سُفْيَان يَعْنِي الْمَلَك \" وَفِي هَذَا إِشْعَار بِأَنَّ تَفْسِير صَاحِبه بِالْمَلَكِ لَيْسَ بِمَرْفُوعِ , لَكِنْ فِي \" مُسْنَد الْحُمَيْدِيّ \" عَنْ سُفْيَان \" فَقَالَ لَهُ صَاحِبه أَوْ الْمَلَك \" بِالشَّكِّ , وَمِثْلهَا لِمُسْلِمِ , وَفِي الْجُمْلَة فَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ فَسَّرَ صَاحِبه بِأَنَّهُ الَّذِي عِنْده عِلْم مِنْ الْكِتَاب , وَهُوَ آصِف بِالْمَدِّ وَكَسْر الْمُهْمَلَة بَعْدهَا فَاءَ اِبْن بَرْخِيَا بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الرَّاء وَكَسْر الْمُعْجَمَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي قَوْله : \" فَقَالَ لَهُ صَاحِبه أَوْ الْمَلَك \" إِنْ كَانَ صَاحِبه فَيَعْنِي بِهِ وَزِيره مِنْ الْإِنْس وَالْجِنّ , وَإِنْ كَانَ الْمَلَك فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَأْتِيه بِالْوَحْيِ , وَقَالَ : وَقَدْ أَبْعَد مَنْ قَالَ الْمُرَاد بِهِ خَاطِره. وَقَالَ النَّوَوِيّ : قِيلَ : الْمُرَاد بِصَاحِبِهِ الْمَلَك , وَهُوَ الظَّاهِر مِنْ لَفْظه , وَقِيلَ : الْقَرِين , وَقِيلَ : صَاحِب لَهُ آدَمِيّ. قُلْت : لَيْسَ بَيْن قَوْله صَاحِبه وَالْمَلَك مُنَافَاة , إِلَّا أَنَّ لَفْظَة \" صَاحِبه \" أَعَمّ , فَمِنْ ثَمَّ نَشَأَ لَهُمْ الِاحْتِمَال , وَلَكِنّ الشَّكّ لَا يُؤَثِّر فِي الْجَزْم , فَمَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ الْمَلَك حُجَّة عَلَى مَنْ لَمْ يَجْزِم. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَقُلْ ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : بُيِّنَ فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى بِقَوْلِهِ : \" فَنَسِيَ \". قُلْت : هِيَ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ شَيْخه , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر قَالَ : \" وَنَسِيَ أَنْ يَقُول إِنْ شَاءَ اللَّه \" وَمَعْنَى قَوْله : \" فَلَمْ يَقُلْ \" أَيْ بِلِسَانِهِ لَا أَنَّهُ أَبَى أَنْ يُفَوِّض إِلَى اللَّه بَلْ كَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا فِي قَلْبه , لَكِنَّهُ اِكْتَفَى بِذَلِكَ أَوَّلًا وَنَسِيَ أَنْ يُجْرِيه عَلَى لِسَانه لَمَّا قِيلَ لَهُ لِشَيْءِ عَرَضَ لَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَطَافَ بِهِنَّ ) فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَة , \" فَأَطَافَ بِهِنَّ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهه. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا وَاحِدًا سَاقِطًا أَحَد شِقَّيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" فَلَمْ يَحْمِل مِنْهُنَّ إِلَّا اِمْرَأَة وَاحِدَة جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُل \" وَفِي رِوَايَة أَيُّوب عَنْ اِبْن سِيرِينَ \" وَلَدَتْ شِقّ غُلَام \" وَفِي رِوَايَة هِشَام عَنْهُ \" نِصْف إِنْسَان \" وَهِيَ رِوَايَة مَعْمَر , حَكَى النَّقَّاش فِي تَفْسِيره أَنَّ الشِّقّ الْمَذْكُور هُوَ الْجَسَد الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيّه , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل غَيْر وَاحِد مِنْ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ الْمُرَاد بِالْجَسَدِ الْمَذْكُور شَيْطَان وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَالنَّقَّاش صَاحِب مَنَاكِير. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ قَالَهَا لَجَاهَدُوا فِي سَبِيل اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّه \" وَزَادَ فِي آخِره \" فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن سِيرِيَ \" لَوْ اِسْتَثْنَى لَحَمَلَتْ كُلّ اِمْرَأَة مِنْهُنَّ فَوَلَدَتْ فَارِسًا يُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه \" وَفِي رِوَايَة طَاوُسٍ \" لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّه لَمْ يَحْنَث وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ \" كَذَا عِنْد الْمُصَنِّف مِنْ رِوَايَة هِشَام بْن حُجَيْر , وَعِنْد أَحْمَد وَمُسْلِم مِثْله مِنْ رِوَايَة مَعْمَر , وَعِنْد الْمُصَنِّف مِنْ طَرِيق مَعْمَر \" وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ \" وَقَوْله : \" دَرَكًا \" بِفَتْحَتَيْنِ مِنْ الْإِدْرَاك وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَا تَخَاف دَرَكًا ) أَيْ لَحَاقًا , وَالْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ يَحْصُل لَهُ مَا طَلَبَ وَلَا يَلْزَم مِنْ إِخْبَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فِي حَقّ سُلَيْمَان فِي هَذِهِ الْقِصَّة أَنْ يَقَع ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ اِسْتَثْنَى فِي أُمْنِيَّته , بَلْ فِي الِاسْتِثْنَاء رُجُوّ الْوُقُوع وَفِي تَرْك الِاسْتِثْنَاء خَشْيَة عَدَم الْوُقُوع , وَبِهَذَا يُجَاب عَنْ قَوْل مُوسَى لِلْخَضِرِ ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّه صَابِرًا ) مَعَ قَوْل الْخَضِر لَهُ آخِرًا ( ذَلِكَ تَأْوِيل مَا لَمْ تَسْطَع عَلَيْهِ صَبْرًا ) وَفِي الْحَدِيث فَضْل فِعْل الْخَيْر وَتَعَاطِي أَسْبَابه , وَأَنْ كَثِيرًا مِنْ الْمُبَاح وَالْمَلَاذّ يَصِير مُسْتَحَبًّا بِالنِّيَّةِ وَالْقَصْد. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الِاسْتِثْنَاء لِمَنْ قَالَ سَأَفْعَلُ كَذَا , وَأَنَّ إِتْبَاع الْمَشِيئَة الْيَمِين يَرْفَع حُكْمهَا , وَهُوَ مُتَّفَق عَلَيْهِ بِشَرْطِ الِاتِّصَال , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور مَعَ بَسْط فِيهِ. وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ قَالَ : الِاسْتِثْنَاء إِذَا عَقَبَ الْيَمِين وَلَوْ تَخَلَّلَ بَيْنهمَا شَيْء يَسِير لَا يَضُرّ , فَإِنَّ الْحَدِيث دَلَّ عَلَى أَنَّ سُلَيْمَان لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّه عَقِبَ قَوْل الْمَلَك لَهُ قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّه لَأَفَادَ مَنْعَ التَّخَلُّل بَيْن كَلَامَيْهِ بِمِقْدَارِ كَلَام الْمَلَك , وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْمَلَك قَالَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاء كَلَام سُلَيْمَان , وَهُوَ اِحْتِمَال مُمْكِن يَسْقُط بِهِ الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور. وَفِيهِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاء لَا يَكُون إِلَّا بِاللَّفْظِ وَلَا يَكْفِي فِيهِ النِّيَّة. وَهُوَ اِتِّفَاق إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْض الْمَالِكِيَّة. وَفِيهِ مَا خَصَّ بِهِ الْأَنْبِيَاء مِنْ الْقُوَّة عَلَى الْجِمَاع الدَّالّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّة الْبِنْيَة وَقُوَّة الْفُحُولِيَّة وَكَمَال الرُّجُولِيَّة مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الِاشْتِغَال بِالْعِبَادَةِ وَالْعُلُوم. وَقَدْ وَقَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ أَبْلَغ الْمُعْجِزَة لِأَنَّهُ مَعَ اِشْتِغَاله بِعِبَادَةِ رَبّه وَعُلُومه وَمُعَالَجَة الْخَلْق كَانَ مُتَقَلِّلًا مِنْ الْمَآكِل وَالْمَشَارِب الْمُقْتَضِيَة لِضَعْفِ الْبَدَن عَلَى كَثْرَة الْجِمَاع , وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يَطُوف عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَة بِغُسْلِ وَاحِد وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَة اِمْرَأَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْغُسْل , وَيُقَال إِنَّ كُلّ مَنْ كَانَ أَتْقَى لِلَّهِ فَشَهْوَته أَشَدّ لِأَنَّ الَّذِي لَا يَتَّقِي يَتَفَرَّج بِالنَّظَرِ وَنَحْوه. وَفِيهِ جَوَاز الْإِخْبَار عَنْ الشَّيْء وَوُقُوعه فِي الْمُسْتَقْبَل بِنَاء عَلَى غَلَبَة الظَّنّ فَإِنَّ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام جَزَمَ بِمَا قَالَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ وَحْي وَإِلَّا لَوَقَعَ , كَذَا قِيلَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَا يَظُنّ بِسُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ قَطَعَ بِذَلِكَ عَلَى رَبّه إِلَّا مَنْ جَهِلَ حَال الْأَنْبِيَاء وَأَدَبهمْ مَعَ اللَّه تَعَالَى. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : فَإِنْ قِيلَ مِنْ أَيْنَ لِسُلَيْمَان أَنْ يُخْلَق مِنْ مَائِهِ هَذَا الْعَدَد فِي لَيْلَة ؟ لَا جَائِز أَنْ يَكُون بِوَحْيِ لِأَنَّهُ مَا وَقَعَ , وَلَا جَائِز أَنْ يَكُون الْأَمْر فِي ذَلِكَ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْإِرَادَة لِلَّهِ وَالْجَوَاب أَنَّهُ مِنْ جِنْس التَّمَنِّي عَلَى اللَّه وَالسُّؤَال لَهُ أَنْ يَفْعَل وَالْقَسَم عَلَيْهِ كَقَوْلِ أَنَس بْن النَّضْر \" وَاَللَّه لَا يُكْسَر سِنّهَا \" وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لَمَّا أَجَابَ اللَّه دَعَوْته أَنْ يَهَب لَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَد مِنْ بَعْده كَانَ هَذَا عِنْده مِنْ جُمْلَة ذَلِكَ فَجَزَمَ بِهِ. وَأَقْرَب الِاحْتِمَالَات مَا ذَكَرْته أَوَّلًا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون أُوحِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ مُقَيَّدًا بِشَرْطِ الِاسْتِثْنَاء فَنَسِيَ الِاسْتِثْنَاء فَلَمْ يَقَع ذَلِكَ لِفِقْدَانِ الشَّرْط , وَمِنْ ثَمَّ سَاغَ لَهُ أَوَّلًا أَنْ يَحْلِف. وَأَبْعَدَ مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الْحَلِف عَلَى غَلَبَة الظَّنّ. وَفِيهِ جَوَاز السَّهْو عَلَى الْأَنْبِيَاء , وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَح فِي عُلُوّ مَنْصِبهمْ , وَفِيهِ جَوَاز الْإِخْبَار عَنْ الشَّيْء أَنَّهُ سَيَقَعُ وَمُسْتَنَد الْمُخْبِر الظَّنّ مَعَ وُجُود الْقَرِينَة الْقَوِيَّة لِذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَاز إِضْمَار الْمُقْسَم بِهِ فِي الْيَمِين لِقَوْلِهِ : \" لَأَطَّوَّفَن \" مَعَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : \" لَمْ يَحْنَث \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اِسْم اللَّه فِيهِ مُقَدَّر , فَإِنْ قَالَ أُحُد بِجَوَازِ ذَلِكَ فَالْحَدِيث حُجَّة لَهُ بِنَاء عَلَى أَنَّ شَرْع مَنْ قَبْلنَا شَرْع لَنَا إِذَا وَرَدَ تَقْرِيره عَلَى لِسَان الشَّارِع , وَإِنْ وَقَعَ الِاتِّفَاق عَلَى عَدَم الْجَوَاز فَيَحْتَاج إِلَى تَأْوِيله كَأَنْ يُقَال لَعَلَّ التَّلَفُّظ بِاسْمِ اللَّه وَقَعَ فِي الْأَصْل وَإِنْ لَمْ يَقَع فِي الْحِكَايَة , وَذَلِكَ لَيْسَ بِمُمْتَنِع , فَإِنَّ مَنْ قَالَ : وَاَللَّه لَأَطَّوَّفَن يَصْدُق أَنَّهُ قَالَ لَأَطَّوَّفَن فَإِنَّ اللَّافِظ بِالْمُرَكَّبِ لَافِظ بِالْمُفْرَدِ , وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ قَالَ : لَا يُشْتَرَط التَّصْرِيح بِمُقْسَمِ بِهِ مُعَيَّن , فَمَنْ قَالَ أَحْلِف أَوْ أَشْهَد وَنَحْو ذَلِكَ فَهُوَ يَمِين وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّة , وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّة بِالنِّيَّةِ , وَقَالَ بَعْض الشَّافِعِيَّة لَيْسَتْ بِيَمِين مُطْلَقًا. وَفِيهِ جَوَاز اِسْتِعْمَال لَوْ وَلَوْلَا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب مُفْرَد عَقَدَهُ لَهُ الْمُصَنِّف فِي أَوَاخِر الْكِتَاب. وَفِيهِ اِسْتِعْمَال الْكِنَايَة فِي اللَّفْظ الَّذِي يُسْتَقْبَح ذِكْره لِقَوْلِهِ \" لَأَطَّوَّفَن \" بَدَل قَوْله لَأُجَامِعَن. ‏"
    },
    {
        "id": "3172",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ قَالَ ‏ ‏الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ‏ ‏قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ثُمَّ ‏ ‏الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى ‏ ‏قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَالَ أَرْبَعُونَ ثُمَّ قَالَ حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ وَالْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ يَزِيد بْن شَرِيك. ‏ ‏قَوْله : ( أَيّ مَسْجِد وُضِعَ أَوَّل ) ‏ ‏تَقَدَّم التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي أَثْنَاء قِصَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام وَقَوْله : \" أَدْرَكَتْك الصَّلَاة \" أَيْ وَقْت الصَّلَاة , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى الْمُحَافَظَة عَلَى الصَّلَاة فِي أَوَّل وَقْتهَا , وَيَتَضَمَّن ذَلِكَ النَّدْب إِلَى مَعْرِفَة الْأَوْقَات. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمَكَان الْأَفْضَل لِلْعِبَادَةِ إِذَا لَمْ يَحْصُل لَا يُتْرَك الْمَأْمُور بِهِ لِفَوَاتِهِ بَلْ يُفْعَل الْمَأْمُور فِي الْمَفْضُول لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهُ فَهِمَ عَنْ أَبِي ذَرّ مِنْ تَخْصِيصه السُّؤَال عَنْ أَوَّل مَسْجِد وُضِعَ أَنَّهُ يُرِيد تَخْصِيص صَلَاته فِيهِ فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ إِيقَاع الصَّلَاة إِذَا حَضَرَتْ لَا يَتَوَقَّف عَلَى الْمَكَان الْأَفْضَل. وَفِيهِ فَضِيلَة الْأُمَّة الْمُحَمَّدِيَّة لِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْأُمَم قَبْلهمْ كَانُوا لَا يُصَلُّونَ إِلَّا فِي مَكَان مَخْصُوص وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي كِتَاب التَّيَمُّم. وَفِيهِ الزِّيَادَة عَلَى السُّؤَال فِي الْجَوَاب لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ لِلسَّائِلِ فِي ذَلِكَ مَزِيد فَائِدَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3173",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ تَقَعُ فِي النَّارِ وَقَالَ كَانَتْ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ وَقَالَتْ الْأُخْرَى إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ فَتَحَاكَمَتَا إِلَى ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى فَخَرَجَتَا عَلَى ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ‏ ‏فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا فَقَالَتْ الصُّغْرَى لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ إِلَّا يَوْمَئِذٍ وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا ‏ ‏الْمُدْيَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الْإِسْنَاد : ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْرَج , وَهُوَ كَذَلِكَ فِي نُسْخَة شُعَيْب عَنْ أَبِي الزِّنَاد عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَثَلِي وَمَثَل النَّاس كَمَثَلِ رَجُل اِسْتَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْفَرَاش وَهَذِهِ الدَّوَابّ تَقَع فِي النَّار , وَقَالَ كَانَتْ اِمْرَأَتَانِ مَعَهُمَا اِبْنَاهُمَا ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ , وَمُرَاده الْحَدِيث الثَّانِي فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَدْخُل فِي تَرْجَمَة سُلَيْمَان , وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ مَا قَبْله - وَهُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث طَوِيل - لِكَوْنِهِ سَمِعَ نُسْخَة شُعَيْب عَنْ أَبِي الزِّنَاد , وَهَذَا الْحَدِيث مُقَدَّم عَلَى الْآخَر , وَسَمِعَ الْإِسْنَاد فِي السَّابِق دُون الَّذِي يَلِيه فَاحْتَاجَ أَنْ يَذْكُر شَيْئًا مِنْ لَفْظ الْحَدِيث الْأَوَّل لِأَجْلِ الْإِسْنَاد , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَة لِلْمُصَنِّفِ مِثْل هَذَا الصَّنِيع فَذَكَرَ مِنْ هَذِهِ النُّسْخَة بِعَيْنِهَا حَدِيث \" لَا يَبُولَن أَحَدكُمْ فِي الْمَاء الدَّائِم \" وَذَكَرَ قَبْله طَرَفًا مِنْ حَدِيث \" نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ \" وَلَمَّا ذَكَرَ فِي الْجُمُعَة حَدِيث \" نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ \" لَمْ يَضُمّ مَعَهُ شَيْئًا , وَذَكَرَ فِي الْجِهَاد حَدِيث \" مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه \" الْحَدِيث فَقَالَ قَبْله : \" نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ \" أَيْضًا , وَذَكَرَ فِي الدِّيَات حَدِيث \" لَوْ اِطَّلَعَ عَلَيْك رَجُل \" وَقَدَّمَ ذَلِكَ قَبْله أَيْضًا , لَكِنَّهُ أَوْرَدَ حَدِيث الْمَرْأَتَيْنِ فِي الْفَرَائِض وَلَمْ يَضُمّ مَعَهُ فِي أَوَّله شَيْئًا مِنْ الْحَدِيث الْآخَر وَكَذَا فِي بَقِيَّة هَذِهِ النُّسْخَة فَلَمْ يَطَّرِد لِلْمُصَنِّفِ فِي ذَلِكَ عَمَل , وَكَأَنَّهُ حَيْثُ ضَمَّ إِلَيْهِ شَيْئًا أَرَادَ الِاحْتِيَاط , وَحَيْثُ لَمْ يَضُمّ نَبَّهَ عَلَى الْجَوَاز وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مُسْلِم فَإِنَّهُ فِي نُسْخَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة يُنَبِّه عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع الْإِسْنَاد فِي كُلّ حَدِيث مِنْهَا فَإِنَّهُ يَسُوق الْإِسْنَاد إِلَى أَبِي هُرَيْرَة ثُمَّ يَقُول : فَذَكَرَ أَحَادِيث مِنْهَا كَذَا وَكَذَا. وَصَنِيعه فِي ذَلِكَ حَسَن جِدًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لَمْ أَرَ الْحَدِيث الْأَوَّل تَامًّا فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ , وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْحُمَيْدِيّ فِي \" الْجَمْع \" مِنْ طَرِيق شُعَيْب هَذِهِ وَسَاقَ الْمَتْن بِتَمَامِهِ وَقَالَ : إِنَّهُ لَفْظ الْبُخَارِيّ وَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة مُغِيرَة وَسُفْيَان عَنْ أَبِي الزِّنَاد بِهِ , وَمِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَكَذَلِكَ أَطْلَقَ الْمِزِّيُّ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَهُ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , فَإِنْ كَانَ عَنَى هَذَا الْمَوْضِع فَلَيْسَ هُوَ فِيهِ بِتَمَامِهِ , وَإِنْ كَانَ عَنَى مَوْضِعًا آخَر فَلَمْ أَرَهُ فِيهِ. ثُمَّ وَجَدْته فِي \" بَاب الِانْتِهَاء عَنْ الْمَعَاصِي \" مِنْ كِتَاب الرِّقَاق , وَيَأْتِي شَرْحه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( مَثَلِي ) أَيْ فِي دُعَائِي النَّاس إِلَى الْإِسْلَام الْمُنْقِذ لَهُمْ مِنْ النَّار وَمَثَل مَا تُزَيِّن لَهُمْ أَنْفُسهمْ مِنْ التَّمَادِي عَلَى الْبَاطِل ( كَمَثَلِ رَجُل إِلَخْ ) وَالْمُرَاد تَمْثِيل الْجُمْلَة بِالْجُمْلَةِ لَا تَمْثِيل فَرْد بِفَرْد. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَوْقَدَ ) ‏ ‏أَيْ أَوْقَدَ , وَزِيَادَة السِّين وَالتَّاء لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ عَالَجَ إِيقَادهَا وَسَعَى فِي تَحْصِيل آلَاتهَا. وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم \" مَثَلِي وَمَثَلكُمْ كَمَثَلِ رَجُل أَوْقَدَ نَارًا \" زَادَ أَحْمَد وَمُسْلِم مِنْ رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلَ الْفَرَاش ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء وَالشِّين الْمُعْجَمَة مَعْرُوف وَيُطْلَق الْفِرَاش أَيْضًا عَلَى غَوْغَاء الْجَرَاد الَّذِي يَكْثُر وَيَتَرَاكَم. وَقَالَ فِي \" الْمُحْكَم \" الْفَرَاش دَوَابّ مِثْل الْبَعُوض وَاحِدَتهَا فَرَاشَة , وَقَدْ شَبَّهَ اللَّه تَعَالَى النَّاس فِي الْمَحْشَر بِالْفِرَاشِ الْمَبْثُوث أَيْ فِي الْكَثْرَة وَالِانْتِشَار وَالْإِسْرَاع إِلَى الدَّاعِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَهَذِهِ الدَّوَابّ تَقَع فِي النَّار ) ‏ ‏قُلْت : مِنْهَا الْبَرْغَش وَالْبَعُوض , وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر \" فَجَعَلَ الْجَنَابِذ وَالْفِرَاش \" وَالْجَنَابِذ جَمْع جُنْبُذ وَهُوَ عَلَى الْقَلْب , وَالْمَعْرُوف الْجَنَادِب جَمْع جُنْدُب بِفَتْحِ الدَّال وَضَمّهَا وَالْجِيم مَضْمُومَة وَقَدْ تُكْسَر , وَهُوَ عَلَى خِلْقَة الْجَرَادَة يَصِرّ فِي اللَّيْل صَرَّا شَدِيدًا , وَقِيلَ : إِنّ ذَكَرَ الْجَرَادِ يُسَمَّى أَيْضًا الْجُنْدُب. ‏ ‏قَوْله : ( تَقَع فِي النَّار ) كَذَا فِيهِ , وَإِنَّمَا هُوَ فِي نُسْخَة شُعَيْب كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" : \" وَهَذِهِ الدَّوَابّ الَّتِي تَقَعْنَ فِي النَّار تَقَعْنَ فِيهَا \" قَالَ النَّوَوِيّ : مَقْصُود الْحَدِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَ الْمُحَالِفِينَ لَهُ بِالْفَرَاشِ وَتَسَاقُطهمْ فِي نَار الْآخِرَة بِتَسَاقُطِ الْفِرَاش فِي نَار الدُّنْيَا مَعَ حِرْصهمْ عَلَى الْوُقُوع فِي ذَلِكَ وَمَنْعه إِيَّاهُمْ , وَالْجَامِع بَيْنهمَا اِتِّبَاع الْهَوَى وَضَعْف التَّمْيِيز وَحِرْص كُلّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى هَلَاك نَفْسه. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : هَذَا مِثْل كَثِير الْمَعَانِي , وَالْمَقْصُود أَنَّ الْخَلْق لَا يَأْتُونَ مَا يَجُرّهُمْ إِلَى النَّار عَلَى قَصْد الْهَلَكَة , وَإِنَّمَا يَأْتُونَهُ عَلَى قَصْد الْمَنْفَعَة وَاتِّبَاع الشَّهْوَة , كَمَا أَنَّ الْفَرَاش يَقْتَحِم النَّار لَا لِيَهْلَك فِيهَا بَلْ لِمَا يُعْجِبهُ مِنْ الضِّيَاء. وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهَا لَا تُبْصِر بِحَالِ وَهُوَ بَعِيد , وَإِنَّمَا قِيلَ إِنَّهَا تَكُون فِي ظُلْمَة فَإِذَا رَأَتْ الضِّيَاء اِعْتَقَدَتْ أَنَّهَا كُوَّة يَظْهَر مِنْهَا النُّور فَتَقْصِدهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ فَتَحْتَرِق وَهِيَ لَا تَشْعُر. وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ لِضَعْفِ بَصَرهَا فَتَظُنّ أَنَّهَا فِي بَيْت مُظْلِم وَأَنَّ السِّرَاج مَثَلًا كُوَّة فَتَرْمِي بِنَفْسِهَا إِلَيْهِ وَهِيَ مِنْ شِدَّة طَيَرَانهَا تُجَاوِزهُ فَتَقَع فِي الظُّلْمَة فَتَرْجِع إِلَى أَنْ تَحْتَرِق. وَقِيلَ : إِنَّهَا تَتَضَرَّر بِشِدَّةِ النُّور فَتَقْصِد إِطْفَاءَهُ فَلِشِدَّةِ جَهْلهَا تُوَرِّط نَفْسهَا فِيمَا لَا قُدْرَة لَهَا عَلَيْهِ , ذَكَرَ مُغَلْطَاي أَنَّهُ سَمِعَ بَعْض مَشَايِخ الطِّبّ يَقُولهُ. وَقَالَ الْغَزَالِيّ : التَّمْثِيل وَقَعَ عَلَى صُورَة الْإِكْبَاب عَلَى الشَّهَوَات مِنْ الْإِنْسَان بِإِكْبَابِ الْفَرَاش عَلَى التَّهَافُت فِي النَّار , وَلَكِنّ جَهْل الْآدَمِيّ أَشَدّ مِنْ جَهْل الْفَرَاش ; لِأَنَّهَا بِاغْتِرَارِهَا بِظَوَاهِر الضَّوْء إِذَا اِحْتَرَقَتْ اِنْتَهَى عَذَابهَا فِي الْحَال , وَالْآدَمِيّ يَبْقَى فِي النَّار مُدَّة طَوِيلَة أَوْ أَبْدًا وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ كَانَتْ اِمْرَأَتَانِ ) ‏ ‏لَيْسَ فِي سِيَاق الْبُخَارِيّ تَصْرِيح بِرَفْعِهِ , وَهُوَ مَرْفُوع عِنْده عَنْ أَبِي الْيَمَان عَنْ شُعَيْب فِي أَوَاخِر كِتَاب الْفَرَائِض أَوْرَدَهُ هُنَاكَ , وَكَذَا هُوَ فِي نُسْخَة شُعَيْب عِنْد الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْره , وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ , مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن عَيَّاش عَنْ شُعَيْب \" حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَاد مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة يُحَدِّث بِهِ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَيْنَمَا اِمْرَأَتَانِ \". قُلْت : وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم وَاحِدَة مِنْ هَاتَيْنِ الْمَرْأَتَيْنِ وَلَا عَلَى اِسْم وَاحِد مِنْ اِبْنَيْهِمَا فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَحَاكَمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَتَحَاكَمَتَا \" وَفِي نُسْخَة شُعَيْب \" فَاخْتَصَمَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى إِلَخْ ) ‏ ‏قِيلَ : كَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْفُتْيَا مِنْهُمَا لَا الْحُكْم , وَلِذَلِكَ سَاغَ لِسُلَيْمَان أَنْ يَنْقُضهُ. وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّ فِي لَفْظ الْحَدِيث أَنَّهُ قَضَى بِأَنَّهُمَا تَحَاكَمَا , وَبِأَنَّ فُتْيَا النَّبِيّ وَحُكْمه سَوَاء فِي وُجُوب تَنْفِيذ ذَلِكَ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : إِنَّمَا كَانَ مِنْهُمَا عَلَى سَبِيل الْمُشَاوَرَة فَوَضَح لِدَاوُدَ صِحَّة رَأْي سُلَيْمَان فَأَمْضَاهُ. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : اِسْتَوَيَا عِنْد دَاوُدَ فِي الْيَد , فَقَدَّمَ الْكُبْرَى لِلسِّنِّ. وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيّ وَحَكَى أَنَّهُ قِيلَ : كَانَ مِنْ شَرْع دَاوُدَ أَنْ يَحْكُم لِلْكُبْرَى قَالَ : وَهُوَ فَاسِد لِأَنَّ الْكِبَر وَالصِّغَر وَصْف طَرْدِيّ كَالطُّولِ وَالْقِصَر وَالسَّوَاد وَالْبَيَاض , وَلَا أَثَر لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي التَّرْجِيح , قَالَ : وَهَذَا مِمَّا يَكَاد يَقْطَع بِفَسَادِهِ. قَالَ : وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَال إِنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام قَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى لِسَبَب اِقْتَضَى بِهِ عِنْده تَرْجِيح قَوْلهَا , إِذْ لَا بَيِّنَة لِوَاحِدَة مِنْهُمَا , وَكَوْنه لَمْ يُعَيِّن فِي الْحَدِيث اِخْتِصَارًا لَا يَلْزَم مِنْهُ عَدَم وُقُوعه , فَيُحْتَمَل أَنْ يُقَال : إِنَّ الْوَلَد الْبَاقِي كَانَ فِي يَد الْكُبْرَى وَعَجَزَتْ الْأُخْرَى عَنْ إِقَامَة الْبَيِّنَة قَالَ : وَهَذَا تَأْوِيل حَسَن جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة وَلَيْسَ فِي السِّيَاق مَا يَأْبَاهُ وَلَا يَمْنَعهُ , فَإِنْ قِيلَ فَكَيْف سَاغَ لِسُلَيْمَان نَقْض حُكْمه ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهُ لَمْ يَعْمَد إِلَى نَقْضِ الْحُكْم , وَإِنَّمَا اِحْتَالَ بِحِيلَة لَطِيفَة أَظْهَرَتْ مَا فِي نَفْس الْأَمْر , وَذَلِكَ أَنَّهُمَا لَمَّا أَخْبَرَتَا سُلَيْمَان بِالْقِصَّةِ فَدَعَا بِالسِّكِّينِ لِيَشُقّهُ بَيْنهمَا , وَلَمْ يَعْزِم عَلَى ذَلِكَ فِي الْبَاطِن , وَإِنَّمَا أَرَادَ اِسْتِكْشَاف الْأَمْر , فَحَصَلَ مَقْصُوده لِذَلِكَ لِجَزَعِ الصُّغْرَى الدَّالّ عَلَى عَظِيم الشَّفَقَة , وَلَمْ يَلْتَفِت إِلَى إِقْرَارهَا بِقَوْلِهَا هُوَ اِبْن الْكُبْرَى لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا آثَرَتْ حَيَاته , فَظَهَرَ لَهُ مِنْ قَرِينَة شَفَقَة الصُّغْرَى وَعَدَمهَا فِي الْكُبْرَى - مَعَ مَا اِنْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ الْقَرِينَة الدَّالَّة عَلَى صِدْقهَا - مَا هَجَمَ بِهِ عَلَى الْحُكْم لِلصُّغْرَى. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام مِمَّنْ يَسُوغ لَهُ أَنْ يَحْكُم بِعِلْمِهِ , أَوْ تَكُون الْكُبْرَى فِي تِلْكَ الْحَالَة اِعْتَرَفَتْ بِالْحَقِّ لَمَّا رَأَتْ مِنْ سُلَيْمَان الْجِدّ وَالْعَزْم فِي ذَلِكَ. وَنَظِير هَذِهِ الْقِصَّة مَا لَوْ حَكَمَ حَاكِم عَلَى مُدَّعٍ مُنْكِر بِيَمِين , فَلَمَّا مَضَى لِيُحَلِّفهُ حَضَرَ مَنْ اِسْتَخْرَجَ مِنْ الْمُنْكِر مَا اِقْتَضَى إِقْرَاره بِمَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِف عَلَى جَحْده , فَإِنَّهُ وَالْحَالَة هَذِهِ يَحْكُم عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ سَوَاء كَانَ ذَلِكَ قَبْل الْيَمِين أَوْ بَعْدهَا , وَلَا يَكُون ذَلِكَ مِنْ نَقْضِ الْحُكْم الْأَوَّل , وَلَكِنْ مِنْ بَاب تَبَدُّل الْأَحْكَام بِتَبَدُّلِ الْأَسْبَاب. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : اِسْتَنْبَطَ سُلَيْمَان لَمَّا رَأَى الْأَمْر مُحْتَمَلًا فَأَجَادَ , وَكِلَاهُمَا حَكَمَ بِالِاجْتِهَادِ , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دَاوُدُ حَكَمَ بِالنَّصِّ لَمَا سَاغَ لِسُلَيْمَان أَنْ يَحْكُم بِخِلَافِهِ. وَدَلَّتْ هَذِهِ الْقِصَّة عَلَى أَنَّ الْفِطْنَة وَالْفَهْم مَوْهِبَة مِنْ اللَّه لَا تَتَعَلَّق بِكِبَرِ سِنّ وَلَا صِغَره. وَفِيهِ أَنَّ الْحَقّ فِي جِهَة وَاحِدَة , وَأَنَّ الْأَنْبِيَاء يَسُوغ لَهُمْ الْحُكْم بِالِاجْتِهَادِ وَإِنْ كَانَ وُجُود النَّصّ مُمْكِنًا لَدَيْهِمْ بِالْوَحْيِ , لَكِنّ فِي ذَلِكَ زِيَادَة فِي أُجُورهمْ , وَلِعِصْمَتِهِمْ مِنْ الْخَطَأ فِي ذَلِكَ إِذْ لَا يُقِرُّونَ لِعِصْمَتِهِمْ عَلَى الْبَاطِل. وَقَالَ النَّوَوِيّ : إِنَّ سُلَيْمَان فَعَلَ ذَلِكَ تَحَيُّلًا عَلَى إِظْهَار الْحَقّ , فَكَانَ كَمَا لَوْ اِعْتَرَفَ الْمَحْكُوم لَهُ بَعْد الْحُكْم أَنَّ الْحَقّ لِخَصْمِهِ. وَفِيهِ اِسْتِعْمَال الْحِيَل فِي الْأَحْكَام لِاسْتِخْرَاجِ الْحُقُوق , وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إِلَّا بِمَزِيدِ الْفِطْنَة وَمُمَارَسَة الْأَحْوَال. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَفْعَل يَرْحَمك اللَّه ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق وَرْقَاء عَنْ أَبِي الزِّنَاد \" لَا , يَرْحَمك اللَّه \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ يَنْبَغِي عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة أَنْ يَقِف قَلِيلًا بَعْد \" لَا \" حَتَّى يَتَبَيَّن لِلسَّامِعِ أَنَّ الَّذِي بَعْده كَلَام مُسْتَأْنَف ; لِأَنَّهُ إِذَا وَصَلَهُ بِمَا بَعْده يَتَوَهَّم السَّامِع أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ دُعَاء لَهُ , وَيَزُول الْإِيهَام فِي مِثْل هَذَا بِزِيَادَةِ وَاو كَأَنْ يَقُول : لَا وَيَرْحَمك اللَّه. وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ قَالَ : إِنَّ الْأُمّ تَسْتَلْحِق , وَالْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ أَنَّهُ لَا يَصِحّ , وَقَدْ تَعَرَّضَ الْمُصَنِّف لِذَلِكَ فِي أَوَاخِر كِتَاب الْفَرَائِض , وَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ) ‏ ‏يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ إِلَيْهِ وَلَيْسَ تَعْلِيقًا , وَقَدْ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق وَرْقَاء عَنْ أَبِي الزِّنَاد , وَالْمُدْيَة مُثَلَّثَة الْمِيم قِيلَ : لِلسِّكِّينِ , ذَلِكَ لِأَنَّهَا تَقْطَع مَدَى حَيَاة الْحَيَوَان , وَالسِّكِّين تُذَكَّر وَتُؤَنَّث , قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا تُسَكِّن حَرَكَة الْحَيَوَان. ‏"
    },
    {
        "id": "3174",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ ‏ ‏يَلْبِسُوا ‏ ‏إِيمَانَهُمْ ‏ ‏بِظُلْمٍ ‏ } ‏قَالَ ‏ ‏أَصْحَابُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي نُزُول قَوْله تَعَالَى : ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُلْبِسُوا إِيمَانهمْ بِظُلْمِ ) ‏ ‏وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي تَفْسِير الْأَنْعَام أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ , وَإِسْحَاق شَيْخه فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \". ‏"
    },
    {
        "id": "3175",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ ‏ ‏يَلْبِسُوا ‏ ‏إِيمَانَهُمْ ‏ ‏بِظُلْمٍ ‏ } ‏شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ قَالَ ‏ ‏لَيْسَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ‏ { ‏يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3176",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدَّثَهُمْ عَنْ ‏ ‏لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَعِيسَى ‏ ‏وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ قَالَ هَذَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَعِيسَى ‏ ‏فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا ثُمَّ قَالَا مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ الْمُصَنِّف طَرَفًا مِنْ حَدِيث الْإِسْرَاء مِنْ رِوَايَة أَنَس عَنْ مَالِك بْن صَعْصَعَة وَالْغَرَض مِنْهُ ذِكْر يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , وَقَالَ فِيهِ وَفِي عِيسَى اِبْن مَرْيَم إِنَّهُمَا اِبْنَا خَالَة وَزَكَرِيَّا هُوَ اِبْن أدن وَيُقَال اِبْن شَبْوِي وَيُقَال اِبْن بارخيا وَيُقَال اِبْن أُبَيّ اِبْن بارخيا , وَمَرْيَم بِنْت عِمْرَان بْن نَاشِي , وَهُمَا مِنْ ذُرِّيَّة سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَام , وَاسْم أُمّ مَرْيَم حِنَة بِمُهْمَلَةِ وَنُون بِنْت فاقود وَاسْم أُخْتهَا وَالِدَة يَحْيَى إِيشَاع قَالَ اِبْن إِسْحَاق فِي \" الْمُبْتَدَأ \" كَانَتْ حِنَة عِنْد عِمْرَان وَأُخْتهَا عِنْد زَكَرِيَّا وَكَانَتْ حِنَة أَمْسَكَ عَنْهَا الْوَلَد ثُمَّ حَمَلَتْ بِمَرْيَم فَمَاتَ عِمْرَان وَهِيَ حَامِل. وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم : سَمِعْت مَالِك بْن أَنَس يَقُول : بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى اِبْن مَرْيَم وَيَحْيَى بْن زَكَرِيَّا كَانَ حَمْلُهمَا جَمِيعًا , فَبَلَغَنِي أَنَّ أُمّ يَحْيَى قَالَتْ لِمَرْيَم : إِنِّي أَرَى مَا فِي بَطْنِي يَسْجُد لِمَا فِي بَطْنك , قَالَ مَالِك : أَرَاهُ لِفَضْلِ عِيسَى عَلَى يَحْيَى. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ : وُلِد يَحْيَى قَبْل عِيسَى بِسِتَّةِ أَشْهُر. ‏ ‏وَاخْتُلِفَ فِي قَوْله : ( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) فَقِيلَ نُبِيء وَهُوَ اِبْن تِسْع سِنِينَ وَقِيلَ أَقَلّ مِنْ ذَلِكَ , وَالْمُرَاد بِالْحُكْمِ الْفَهْم فِي الدِّين , قَالَ اِبْن إِسْحَاق : كَانَ زَكَرِيَّا وَابْنه آخِر مَنْ بُعِثَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل قَبْل عِيسَى , وَقَالَ أَيْضًا : أَرَادَ بَنُو إِسْرَائِيل قَتْل زَكَرِيَّا فَفَرَّ مِنْهُمْ , فَمَرَّ بِشَجَرَة فَانْفَلَقَتْ لَهُ فَدَخَلَ فِيهَا فَالْتَأَمَتْ عَلَيْهِ , فَأَخَذَ الشَّيْطَان بِهُدْبَةِ ثَوْبه فَرَأَوْهَا فَوَضَعُوا الْمِنْشَار عَلَى الشَّجَرَة فَنَشَرُوهَا حَتَّى قَطَعُوهُ مِنْ وَسَطه فِي جَوْفهَا. وَأَمَّا يَحْيَى فَقُتِلَ بِسَبَبِ اِمْرَأَة أَرَادَ مَلِكهمْ أَنْ يَتَزَوَّجهَا , فَقَالَ لَهُ يَحْيَى : إِنَّهَا لَا تَحِلّ لَك لِكَوْنِهَا كَانَتْ بِنْت اِمْرَأَته , فَتَوَصَّلَتْ إِلَى الْمَلِك حَتَّى قَتَلَ يَحْيَى , قَالَ اِبْن إِسْحَاق : كَانَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ يُرْفَع عِيسَى. وَرَوَى أَصْل هَذِهِ الْقِصَّة الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , وَرَوَى أَيْضًا مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ دَم يَحْيَى كَانَ يَفُور حَتَّى قَتَلَ عَلَيْهِ بُخْتُنَصّر مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل سَبْعِينَ أَلْفًا فَسَكَنَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3177",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَا مِنْ بَنِي ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ ‏ ‏مَرْيَمَ ‏ ‏وَابْنِهَا ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ { ‏وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ) ‏ ‏كَذَا قَالَ أَكْثَر أَصْحَاب الزُّهْرِيّ , وَقَالَ السُّدِّيُّ : عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلِمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا مِنْ بَنِي آدَم مَوْلُود إِلَّا يَمَسّهُ الشَّيْطَان حِين يُولَد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة الْمَاضِيَة فِي \" بَاب صِفَة إِبْلِيس \" بَيَان الْمَسّ الْمَذْكُور لَفْظه \" كُلّ بَنِي آدَم يَطْعَن الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِين يُولَد , غَيْر عِيسَى اِبْن مَرْيَم ذَهَبَ يَطْعَن فَطَعَنَ فِي الْحِجَاب \" أَيْ فِي الْمَشِيمَة الَّتِي فِيهَا الْوَلَد قَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذَا الطَّعْن مِنْ الشَّيْطَان هُوَ اِبْتِدَاء التَّسْلِيط , فَحَفِظَ اللَّه مَرْيَم وَابْنهَا مِنْهُ بِبَرَكَةِ دَعْوَة أُمّهَا حَيْثُ قَالَتْ : ( إِنِّي أُعِيذُهَا بِك وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم ) وَلَمْ يَكُنْ لِمَرْيَم ذُرِّيَّة غَيْر عِيسَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عِنْد مُسْلِم \" إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَان \" بِنُون وَخَاء مُعْجَمَة ثُمَّ مُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَسْتَهِلّ صَارِخًا مِنْ مَسّ الشَّيْطَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر الْمَذْكُورَة \" مِنْ نَخْسَة الشَّيْطَان \" أَيْ سَبَب صُرَاخ الصَّبِيّ أَوَّل مَا يُولَد الْأَلَم مِنْ مَسّ الشَّيْطَان إِيَّاهُ , وَالِاسْتِهْلَال الصِّيَاح. ‏ ‏قَوْله : ( غَيْر مَرْيَم وَابْنهَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي \" بَاب إِبْلِيس \" بِذِكْرِ عِيسَى خَاصَّة فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَسّ وَذَاكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطَّعْن فِي الْجَنْب , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَاكَ قَبْل الْإِعْلَام بِمَا زَادَ , وَفِيهِ بُعْد لِأَنَّهُ حَدِيث وَاحِد , وَقَدْ رَوَاهُ خِلَاس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" كُلّ بَنِي آدَم قَدْ طَعَنَ الشَّيْطَانُ فِيهِ حِين وُلِدَ , غَيْر عِيسَى وَأُمّه جَعَلَ اللَّه دُون الطَّعْنَة حِجَابًا فَأَصَابَ الْحِجَاب وَلَمْ يُصِبْهُمَا \" وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ بَعْض الرُّوَاة حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَر , وَالزِّيَادَة مِنْ الْحَافِظ مَقْبُولَة , وَأَمَّا قَوْل بَعْضهمْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ الْعَطْف التَّفْسِيرِيّ وَالْمَقْصُود الِابْن كَقَوْلِك أَعْجَبَنِي زَيْد وَكَرَمه فَهُوَ تَعَسُّف شَدِيد. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة : وَإِنِّي أُعِيذهَا بِك إِلَخْ ) ‏ ‏فِيهِ بَيَان لِأَنَّ فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة إِدْرَاجًا وَأَنَّ تِلَاوَة الْآيَة مَوْقُوفَة عَلَى أَبِي هُرَيْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3178",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏خَيْرُ نِسَائِهَا ‏ ‏مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ ‏ ‏وَخَيْرُ نِسَائِهَا ‏ ‏خَدِيجَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا النَّضْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شُمَيْلٍ , ‏ ‏وَهِشَام ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , ‏ ‏وَعَبْد اللَّه بْن جَعْفَر ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي طَالِب. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : رَوَاهُ أَصْحَاب هِشَام بْن عُرْوَة عَنْهُ هَكَذَا ; وَخَالَفَهُمْ اِبْن جُرَيْجٍ وَابْن إِسْحَاق فَرَوَيَاهُ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر زَادَ فِي الْإِسْنَاد عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , وَالصَّوَاب إِسْقَاطه , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( خَيْر نِسَائِهَا مَرْيَم ) ‏ ‏أَيْ نِسَاء أَهْل الدُّنْيَا فِي زَمَانهَا , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ مَرْيَم خَيْر نِسَائِهَا لِأَنَّهُ يَصِير كَقَوْلِهِمْ زَيْد أَفْضَل إِخْوَانه , وَقَدْ صَرَّحُوا بِمَنْعِهِ , فَهُوَ كَمَا لَوْ قِيلَ فُلَان أَفْضَل الدُّنْيَا. وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ \" أَفْضَل نِسَاء أَهْل الْجَنَّة \" فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى خَيْر نِسَاء أَهْل الْجَنَّة مَرْيَم , وَفِي رِوَايَة \" خَيْر نِسَاء الْعَالَمِينَ \" وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَاصْطَفَاك عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ ) وَظَاهِره أَنَّ مَرْيَم أَفْضَل مِنْ جَمِيع النِّسَاء وَهَذَا لَا يَمْتَنِع عِنْد مَنْ يَقُول إِنَّهَا نَبِيَّة. وَأَمَّا مَنْ قَالَ لَيْسَتْ بِنَبِيَّةِ فَيَحْمِلهُ عَلَى عَالَمِي زَمَانهَا , وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الزَّجَّاج وَجَمَاعَة وَاخْتَارَهُ الْقُرْطُبِيّ ; وَيُحْتَمَل أَيْضًا أَنْ يُرَاد نِسَاء بَنِي إِسْرَائِيل أَوْ نِسَاء تِلْكَ الْأُمَّة أَوْ \" مِنْ \" فِيهِ مُضْمَرَة وَالْمَعْنَى أَنَّهَا مِنْ جُمْلَة النِّسَاء الْفَاضِلَات , وَيَدْفَعُ ذَلِكَ حَدِيث أَبِي مُوسَى الْمُتَقَدِّم بِصِيغَةِ الْحَصْر أَنَّهُ لَمْ يَكْمُل مِنْ النِّسَاء غَيْرهَا وَغَيْر آسِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَخَيْر نِسَائِهَا خَدِيجَة ) ‏ ‏أَيْ نِسَاء هَذِهِ الْأُمَّة قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : خَدِيجَة أَفْضَل نِسَاء الْأُمَّة مُطْلَقًا لِهَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخَر قِصَّة مُوسَى حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي ذِكْر مَرْيَم وَآسِيَة وَهُوَ يَقْتَضِي فَضْلهمَا عَلَى غَيْرهمَا مِنْ النِّسَاء , وَدَلَّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ مَرْيَم أَفْضَل مِنْ آسِيَة وَأَنَّ خَدِيجَة أَفْضَل نِسَاء هَذِهِ الْأُمَّة , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّض فِي الْحَدِيث الْأَوَّل لِنِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّة حَيْثُ قَالَ : وَلَمْ يَكْمُل مِنْ النِّسَاء , أَيْ مِنْ نِسَاء الْأُمَّة الْمَاضِيَة , إِلَّا إِنْ حَمَلْنَا الْكَمَال عَلَى النُّبُوَّة فَيَكُون عَلَى إِطْلَاقه. وَعِنْد النَّسَائِيّ بِإِسْنَادِ صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَفْضَل نِسَاء أَهْل الْجَنَّة خَدِيجَة وَفَاطِمَة وَمَرْيَم وَآسِيَة \" وَعِنْد التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَنَس \" حَسْبك مِنْ نِسَاء الْعَالَمِينَ \" فَذَكَرَهُنَّ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ مَلَك فَبَشَّرَهُ أَنَّ فَاطِمَة سَيِّدة نِسَاء أَهْل الْجَنَّة \" وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي تَرْجَمَة خَدِيجَة مِنْ مَنَاقِب الصَّحَابَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3179",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُرَّةَ الْهَمْدَانِيَّ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَضْلُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ ‏ ‏الثَّرِيدِ ‏ ‏عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا ‏ ‏مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ‏ ‏وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نِسَاءُ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ أَحْنَاهُ عَلَى طِفْلٍ وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ ‏ ‏وَلَمْ تَرْكَبْ ‏ ‏مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ‏ ‏بَعِيرًا قَطُّ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "حَدَيث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي فَضْل مَرْيَم وَآسِيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي آخَر قِصَّة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام. ‏ ‏وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي فَضْل نِسَاء قُرَيْش. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن وَهْب إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ مُسْلِم عَنْ حَرْمَلَة عَنْ اِبْن وَهْب , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ حَرْمَلَة , وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مَوْصُولًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن وَهْب فِي النِّكَاح , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذَا تَفْضِيل لِنِسَاءِ قُرَيْش عَلَى نِسَاء الْعَرَب خَاصَّة , لِأَنَّهُمْ أَصْحَاب الْإِبِل غَالِبًا , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْحه فِي كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَحْنَاهُ ) ‏ ‏أَشْفَقه , حَنَى يَحْنُو وَيُحْنِي مِنْ الثُّلَاثِيّ , وَأَحْنَى يُحْنِي مِنْ الرُّبَاعِيّ : أَشْفَقَ عَلَيْهِ وَعَطَفَ , وَالْحَانِيَة الَّتِي تَقُوم بِوَلَدِهَا بَعْد مَوْت الْأَب , قَالَ : وَحَنَتْ الْمَرْأَة عَلَى وَلَدهَا إِذَا لَمْ تَتَزَوَّج بَعْد مَوْت الْأَب. قَالَ اِبْن التِّين : فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلَيْسَتْ بِحَانِيَة. قَالَ الْحَسَن فِي الْحَانِيَة الَّتِي لَهَا وَلَد وَلَا تَتَزَوَّج. وَفِي بَعْض الْكُتُب : أَحْنَى بِتَشْدِيدِ النُّون وَالتَّنْوِين حَكَاهُ اِبْن التِّين وَقَالَ : لَعَلَّهُ مَأْخُوذ مِنْ الْحَنَان بِفَتْحِ وَتَخْفِيف وَهُوَ الرَّحْمَة , وَحَنَتْ الْمَرْأَة إِلَى وَلَدهَا وَإِلَى زَوْجهَا سَوَاء كَانَ بِصَوْت أَمْ لَا , وَمِنْ الَّذِي بِالصَّوْتِ حَنِين الْجِذْع وَأَصْله تَرْجِيع صَوْت النَّاقَة عَلَى أَثَر وَلَدهَا , وَكَانَ الْقِيَاس أَحْنَاهُنَّ لَكِنْ جَرَى لِسَان الْعَرَب بِالْإِفْرَادِ , وَقَوْله : \" وَلَمْ تَرْكَب مَرْيَم بَعِيرًا قَطّ \" إِشَارَة إِلَى أَنَّ مَرْيَم لَمْ تَدْخُل فِي هَذَا التَّفْضِيل بَلْ هُوَ خَاصّ بِمَنْ يَرْكَب الْإِبِل , وَالْفَضْل الْوَارِد فِي خَدِيجَة وَفَاطِمَة وَعَائِشَة هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيع النِّسَاء إِلَّا مَنْ قِيلَ إِنَّهَا نَبِيَّة , فَإِنْ ثَبَتَ فِي حَقّ اِمْرَأَة أَنَّهَا نَبِيَّة فَهِيَ خَارِجَة بِالشَّرْعِ لِأَنَّ دَرَجَة النُّبُوَّة لَا شَيْء بَعْدهَا , وَإِنْ لَمْ يَثْبُت فَيَحْتَاج مَنْ يُخْرِجهُنَّ إِلَى دَلِيل خَاصّ لِكُلٍّ مِنْهُنَّ , فَأَشَارَ أَبُو هُرَيْرَة إِلَى أَنَّ مَرْيَم لَمْ تَدْخُل فِي هَذَا الْعُمُوم , لِأَنَّهُ قَيَّدَ أَصْل الْفَضْل بِمَنْ يَرْكَب الْإِبِل وَمَرْيَم لَمْ تَرْكَب بَعِيرًا قَطّ. وَقَدْ اِعْتَرَضَ بَعْضهمْ فَقَالَ : كَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة ظَنَّ أَنَّ الْبَعِير لَا يَكُون إِلَّا مِنْ الْإِبِل , وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ بَلْ يُطْلَق الْبَعِير عَلَى الْحِمَار. وَقَالَ اِبْن خَالَوَيْهِ : لَمْ تَكُنْ إِخْوَة يُوسُف رُكْبَانًا إِلَّا عَلَى أَحْمِرَة , وَلَمْ يَكُنْ عِنْدهمْ إِبِل , وَإِنَّمَا كَانَتْ تَحْمِلهُمْ فِي أَسْفَارهمْ وَغَيْرهَا الْأَحْمِرَة , وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد هُنَا : الْبَعِير الْحِمَار , وَهِيَ لُغَة حَكَاهَا الكواشي , وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : ( اِصْطَفَاك عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ ) عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ نَبِيَّة , وَيُؤَيِّد ذِكْرهَا فِي سُورَة مَرْيَم بِمِثْلِ مَا ذُكِرَ بِهِ الْأَنْبِيَاء , وَلَا يَمْنَع وَصْفهَا بِأَنَّهَا صِدِّيقَة فَإِنَّ يُوسُف وُصِفَ بِذَلِكَ مَعَ كَوْنه نَبِيًّا , وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْأَشْعَرِيّ أَنَّ فِي النِّسَاء نَبِيَّات. وَجَزَمَ اِبْن حَزْم بِسِتّ : حَوَّاء وَسَارَة وَهَاجَر وَأُمّ مُوسَى وَآسِيَة وَمَرْيَم , وَلَمْ يَذْكُر الْقُرْطُبِيّ سَارَة وَلَا هَاجَر , وَنَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ فِي آخِر \" الرَّوْض \" عَنْ أَكْثَر الْفُقَهَاء , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الصَّحِيح أَنَّ مَرْيَم نَبِيَّة , وَقَالَ عِيَاض : الْجُمْهُور عَلَى خِلَافه. وَذَكَر النَّوَوِيّ فِي \" الْأَذْكَار \" عَنْ إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ نَقَلَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ مَرْيَم لَيْسَتْ نَبِيَّة , وَنَسَبَهُ فِي \" شَرْح الْمُهَذَّب \" لِجَمَاعَة , وَجَاءَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ لَيْسَ فِي النِّسَاء نَبِيَّة وَلَا فِي الْجِنّ , وَقَالَ السُّبْكِيّ : اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَلَمْ يَصِحّ عِنْدِي فِي ذَلِكَ شَيْء. ‏ ‏قَوْله : ( يَقُول أَبُو هُرَيْرَة عَلَى أَثَر ذَلِكَ : وَلَمْ تَرْكَب مَرْيَم بِنْت عِمْرَان بَعِيرًا قَطّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَأَبِي يَعْلَى \" وَقَدْ عَلِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَرْيَم لَمْ تَرْكَب بَعِيرًا قَطّ \" أَرَادَ أَبُو هُرَيْرَة بِذَلِكَ أَنَّ مَرْيَم لَمْ تَدْخُل فِي النِّسَاء الْمَذْكُورَات بِالْخَيْرِيَّةِ لِأَنَّهُ قَيَّدَهُنَّ بِرُكُوبِ الْإِبِل وَمَرْيَم لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ يَرْكَب الْإِبِل , وَكَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّهَا أَفْضَل النِّسَاء مُطْلَقًا. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ وَإِسْحَاق الْكَلْبِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ ) ‏ ‏أَمَّا مُتَابَعَة اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم فَوَصَلَهَا أَبُو أَحْمَد بْن عَدِيّ فِي الْكَامِل مِنْ طَرِيق الدَّرَاوُرْدِيّ عَنْهُ , وَأَمَّا مُتَابَعَة إِسْحَاق الْكَلْبِيّ فَوَصَلَهَا الزُّهْرِيّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" عَنْ يَحْيَى بْن صَالِح عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3180",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَوْزَاعِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَادَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى ‏ ‏مَرْيَمَ ‏ ‏وَرُوحٌ مِنْهُ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ جَابِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُنَادَةَ ‏ ‏وَزَادَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أَيَّهَا شَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْ الْوَلِيد \" حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَادَةَ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الصَّامِت , فِي رِوَايَة اِبْن الْمَدِينِيّ الْمَذْكُورَة \" حَدَّثَنِي عُبَادَةُ \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ جُنَادَةَ \" حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْن الصَّامِت \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَّ عِيسَى عَبْد اللَّه وَرَسُوله ) ‏ ‏زَادَ اِبْن الْمَدِينِيّ فِي رِوَايَته \" وَابْن أَمَته \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَقْصُود هَذَا الْحَدِيث التَّنْبِيه عَلَى مَا وَقَعَ لِلنَّصَارَى مِنْ الضَّلَال فِي عِيسَى وَأُمّه , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ مَا يُلَقَّنهُ النَّصْرَانِيّ إِذَا أَسْلَمَ , قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا حَدِيث عَظِيم الْمَوْقِع , وَهُوَ مِنْ أَجْمَع الْأَحَادِيث الْمُشْتَمِلَة عَلَى الْعَقَائِد ; فَإِنَّهُ جُمِع فِيهِ مَا يَخْرُج عَنْهُ جَمِيع مِلَل الْكُفْر عَلَى اِخْتِلَاف عَقَائِدهمْ وَتَبَاعُدهمْ. وَقَالَ غَيْره : فِي ذِكْر عِيسَى تَعْرِيض بِالنَّصَارَى وَإِيذَان بِأَنَّ إِيمَانهمْ مَعَ قَوْلهمْ بِالتَّثْلِيثِ شِرْك مَحْض , وَكَذَا قَوْله : \" عَبْده \" وَفِي ذِكْر \" رَسُوله \" تَعْرِيض بِالْيَهُودِ فِي إِنْكَارهمْ رِسَالَته وَقَذْفه بِمَا هُوَ مُنَزَّه عَنْهُ وَكَذَا أُمّه , وَفِي قَوْله : \" وَابْن أَمَته \" تَشْرِيف لَهُ , وَكَذَا تَسْمِيَته بِالرُّوحِ وَوَصْفه بِأَنَّهُ \" مِنْهُ \" كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ ) فَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَائِن مِنْهُ كَمَا أَنَّ مَعْنَى الْآيَة الْأُخْرَى أَنَّهُ سَخَّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاء كَائِنَة مِنْهُ , أَيْ أَنَّهُ مُكَوِّن كُلّ ذَلِكَ وَمُوجِده بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَته. ‏ ‏وَقَوْله : ( وَكَلِمَته ) ‏ ‏إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ حُجَّة اللَّه عَلَى عِبَاده أَبْدَعَهُ مِنْ غَيْر أَب وَأَنْطَقَهُ فِي غَيْر أَوَانه وَأَحْيَا الْمَوْتَى عَلَى يَده , وَقِيلَ : سُمِّيَ كَلِمَة اللَّه لِأَنَّهُ أَوْجَدَهُ بِقَوْلِهِ كُنْ , فَلَمَّا كَانَ بِكَلَامِهِ سُمِّيَ بِهِ كَمَا يُقَال سَيْف اللَّه وَأَسَد اللَّه , وَقِيلَ : لَمَّا قَالَ فِي صِغَره إِنِّي عَبْد اللَّه , وَأَمَّا تَسْمِيَته بِالرُّوحِ فَلَمَّا كَانَ أَقْدَرَهُ عَلَيْهِ مِنْ إِحْيَاء الْمَوْتَى , وَقِيلَ : لِكَوْنِهِ ذَا رُوح وُجِدَ مِنْ غَيْر جُزْء مِنْ ذِي رُوح. وَقَوْله : \" أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة مِنْ أَيْ أَبْوَاب الْجَنَّة شَاءَ \" يَقْتَضِي دُخُوله الْجَنَّة وَتَخْيِيره فِي الدُّخُول مِنْ أَبْوَابهَا , وَهُوَ بِخِلَافِ ظَاهِر حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَاضِي فِي بَدْء الْخَلْق فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ لِكُلِّ دَاخِل الْجَنَّة بَابًا مُعَيَّنًا يَدْخُل مِنْهُ , قَالَ : وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ فِي الْأَصْل مُخَيَّر , لَكِنَّهُ يَرَى أَنَّ الَّذِي يَخْتَصّ بِهِ أَفْضَل فِي حَقّه فَيَخْتَارهُ فَيَدْخُلهُ مُخْتَارًا لَا مَجْبُورًا وَلَا مَمْنُوعًا مِنْ الدُّخُول مِنْ غَيْره. قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فَاعِل شَاءَ هُوَ اللَّه , وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّه يُوَفِّقهُ لِعَمَلٍ يُدْخِلهُ بِرَحْمَةِ اللَّه مِنْ الْبَاب الْمُعَدّ لِعَامِلِ ذَلِكَ الْعَمَل. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الْوَلِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُسْلِم , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ دَاوُدَ بْن رَشِيد عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ اِبْن جَابِر وَحَدَّهُ بِهِ وَلَمْ يَذْكُر الْأَوْزَاعِيُّ , وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جُنَادَةَ وَزَادَ ) ‏ ‏أَيْ عَنْ جُنَادَةَ عَنْ عُبَادَة بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور وَزَادَ فِي آخِره , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِالزِّيَادَةِ وَلَفْظه \" أَدْخَلَهُ اللَّه مِنْ أَيّ أَبْوَاب الْجَنَّة الثَّمَانِيَة شَاءَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي صِفَة الْجَنَّة مِنْ بَدْء الْخَلْق , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِدُخُولِ جَمِيع الْمُوَحِّدِينَ الْجَنَّة فِي كِتَاب الْإِيمَان بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته. وَمَعْنَى قَوْله : \" عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَل \" أَيْ مِنْ صَلَاح أَوْ فَسَاد , لَكِنّ أَهْل التَّوْحِيد لَا بُدّ لَهُمْ مِنْ دُخُول الْجَنَّة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله : \" عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَل \" أَيْ يَدْخُل أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة عَلَى حَسَب أَعْمَال كُلّ مِنْهُمْ فِي الدَّرَجَات. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ وَحْده فَقَالَ فِي آخِره : \" أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَل \" بَدَل قَوْله فِي رِوَايَة اِبْن جَابِر : \" مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة الثَّمَانِيَة أَيّهَا شَاءَ \" وَبَيَّنَهُ مُسْلِم فِي رِوَايَته , وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْحَدِيث قِطْعَة مِنْ طَرِيق الصُّنَابِحِيِّ عَنْ عُبَادَةَ \" مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوله حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ النَّار \" وَهُوَ يُؤَيِّد مَا سَيَأْتِي ذِكْره فِي الرِّقَاق فِي شَرْح حَدِيث أَبِي ذَرّ أَنَّ بَعْض الرُّوَاة يَخْتَصِر الْحَدِيث , وَأَنَّ الْمُتَعَيِّن عَلَى مَنْ يَتَكَلَّم عَلَى الْأَحَادِيث أَنْ يَجْمَع طُرُقهَا ثُمَّ يَجْمَع أَلْفَاظ الْمُتُون إِذَا صَحَّتْ الطُّرُق وَيَشْرَحهَا عَلَى أَنَّهُ حَدِيث وَاحِد , فَإِنَّ الْحَدِيث أَوْلَى مَا فُسِّرَ بِالْحَدِيثِ. قَالَ الْبَيْضَاوِيّ فِي قَوْله \" عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَل \" دَلِيل عَلَى الْمُعْتَزِلَة مِنْ وَجْهَيْنِ : دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْعَاصِي يُخَلَّد فِي النَّار وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَتُبْ يَجِب دُخُوله فِي النَّار , لِأَنَّ قَوْله : \" عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَل \" حَال مِنْ قَوْله : \" أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة \" وَالْعَمَل حِينَئِذٍ غَيْر حَاصِل , وَلَا يُتَصَوَّر ذَلِكَ فِي حَقّ مَنْ مَاتَ قَبْل التَّوْبَة إِلَّا إِذَا أُدْخِلَ الْجَنَّة قَبْل الْعُقُوبَة. وَأَمَّا مَا ثَبَتَ مِنْ لَازِم أَحَادِيث الشَّفَاعَة أَنَّ بَعْض الْعُصَاة يُعَذَّب ثُمَّ يَخْرُج فَيُخَصّ بِهِ هَذَا الْعُمُوم , وَإِلَّا فَالْجَمِيع تَحْت الرَّجَاء , كَمَا أَنَّهُمْ تَحْت الْخَوْف. وَهَذَا مَعْنَى قَوْل أَهْل السُّنَّة : إِنَّهُمْ فِي خَطَر الْمَشِيئَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3181",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏وَكَانَ فِي ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏جُرَيْجٌ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي جَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَقَالَ أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي فَقَالَتْ اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ ‏ ‏الْمُومِسَاتِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏جُرَيْجٌ ‏ ‏فِي صَوْمَعَتِهِ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقَالَتْ مِنْ ‏ ‏جُرَيْجٍ ‏ ‏فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ قَالَ الرَّاعِي قَالُوا نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ لَا إِلَّا مِنْ طِينٍ وَكَانَتْ امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنًا لَهَا مِنْ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ فَقَالَتْ اللَّهُمَّ اجْعَلْ ابْنِي مِثْلَهُ فَتَرَكَ ثَدْيَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكِبِ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهَا يَمَصُّهُ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمَصُّ إِصْبَعَهُ ثُمَّ مُرَّ بِأَمَةٍ فَقَالَتْ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ فَتَرَكَ ثَدْيَهَا فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا فَقَالَتْ لِمَ ذَاكَ فَقَالَ الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنْ الْجَبَابِرَةِ وَهَذِهِ الْأَمَةُ يَقُولُونَ سَرَقْتِ زَنَيْتِ وَلَمْ تَفْعَلْ ‏",
        "sharh": "حَدَيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة جُرَيْجٍ الرَّاهِب وَغَيْره , وَالْغَرَض مِنْهُ ذِكْر الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي الْمَهْد , وَأَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَة عِيسَى أَنَّهُ أَوَّلهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَتَكَلَّم فِي الْمَهْد إِلَّا ثَلَاثَة ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِي هَذَا الْحَصْر نَظَر , إِلَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَعْلَم الزِّيَادَة عَلَى ذَلِكَ , وَفِيهِ بُعْد , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون كَلَام الثَّلَاثَة الْمَذْكُورِينَ مُقَيَّدًا بِالْمَهْدِ وَكَلَام غَيْرهمْ مِنْ الْأَطْفَال بِغَيْرِ مَهْد , لَكِنَّهُ يُعَكِّر عَلَيْهِ أَنَّ فِي رِوَايَة اِبْن قُتَيْبَة أَنَّ الصَّبِيّ الَّذِي طَرَحَتْهُ أُمّه فِي الْأُخْدُود كَانَ اِبْن سَبْعَة أَشْهُر , وَصُرِّحَ بِالْمَهْدِ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى النَّوَوِيّ فِي قَوْله : إِنْ صَاحِب الْأُخْدُود لَمْ يَكُنْ فِي الْمَهْد , وَالسَّبَب فِي قَوْله هَذَا مَا وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد أَحْمَد وَالْبَزَّار وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم \" لَمْ يَتَكَلَّم فِي الْمَهْد إِلَّا أَرْبَعَة \" فَلَمْ يَذْكُر الثَّالِث الَّذِي هُنَا وَذَكَرَ شَاهِد يُوسُف وَالصَّبِيّ الرَّضِيع الَّذِي قَالَ لِأُمِّهِ وَهِيَ مَاشِطَة بِنْت فِرْعَوْن لَمَّا أَرَادَ فِرْعَوْن إِلْقَاء أُمّه فِي النَّار \" اِصْبِرِي يَا أُمّه فَإِنَّا عَلَى الْحَقّ \". وَأَخْرَجَ الْحَاكِم نَحْوه مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , فَيَجْتَمِع مِنْ هَذَا خَمْسَة. وَوَقَعَ ذِكْر شَاهِد يُوسُف أَيْضًا فِي حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ لَكِنَّهُ مَوْقُوف , وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ مُرْسَل هِلَال بْن يَسَاف مِثْل حَدِيث اِبْن عَبَّاس إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر اِبْن الْمَاشِطَة. وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث صُهَيْب فِي قِصَّة أَصْحَاب الْأُخْدُود \" أَنَّ اِمْرَأَة جِيءَ بِهَا لَتُلْقَى فِي النَّار أَوْ لِتَكْفُر , وَمَعَهَا صَبِيّ يَرْضِع , فَتَقَاعَسَتْ , فَقَالَ لَهَا : يَا أُمّه اِصْبِرِي فَإِنَّك عَلَى الْحَقّ \" وَزَعَمَ الضَّحَّاك فِي تَفْسِيره أَنَّ يَحْيَى تَكَلَّمَ فِي الْمَهْد أَخْرَجَهُ الثَّعْلَبِيّ. فَإِنْ ثَبَتَ صَارُوا سَبْعَة. وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيره أَنَّ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل تَكَلَّمَ فِي الْمَهْد. وَفِي \" سِيَر الْوَاقِدِيّ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ أَوَائِل مَا وُلِدَ. وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَارَك الْيَمَامَة وَقِصَّته فِي \" دَلَائِل النُّبُوَّة لِلْبَيْهَقِيّ \" مِنْ حَدِيث مُعْرِض بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَلَى أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي شَاهِد يُوسُف : فَقِيلَ كَانَ صَغِيرًا , وَهَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ اِبْن عَبَّاس وَسَنَده ضَعِيف , وَبِهِ قَالَ الْحَسَن وَسَعِيد بْن جُبَيْر. وَأَخْرَجَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَمُجَاهِد أَنَّهُ كَانَ ذَا لِحْيَة. وَعَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَن أَيْضًا كَانَ حَكِيمًا مِنْ أَهْلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل رَجُل يُقَال لَهُ جُرَيْجٌ ) ‏ ‏بِجِيمَيْنِ مُصَغَّر , وَقَدْ رَوَى حَدِيثه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مُحَمَّد بْن سِيرِينَ كَمَا هُنَا , وَتَقَدَّمَ فِي الْمَظَالِم مِنْ طَرِيقه بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَالْأَعْرَج كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الصَّلَاة , وَأَبُو رَافِع وَهُوَ عِنْد مُسْلِم وَأَحْمَد , وَأَبُو سَلَمَة وَهُوَ عِنْد أَحْمَد , وَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَة عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ , وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَة كُلّ مِنْهُمْ مِنْ الْفَائِدَة. وَأَوَّل حَدِيث أَبِي سَلَمَة \" كَانَ رَجُل فِي بَنِي إِسْرَائِيل تَاجِرًا , وَكَانَ يَنْقُص مَرَّة وَيَزِيد أُخْرَى. فَقَالَ : مَا فِي هَذِهِ التِّجَارَة خَيْر , لَأَلْتَمِسَن تِجَارَة هِيَ خَيْر مِنْ هَذِهِ , فَبَنَى صَوْمَعَة وَتَرَهَّبَ فِيهَا , وَكَانَ يُقَال لَهُ جُرَيْجٌ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَعْد عِيسَى اِبْن مَرْيَم , وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَتْبَاعه لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ اِبْتَدَعُوا التَّرَهُّب وَحَبْس النَّفْس فِي الصَّوَامِع. وَالصَّوْمَعَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْوَاو هِيَ الْبِنَاء الْمُرْتَفِع الْمُحَدَّد أَعْلَاهُ , وَوَزْنهَا فَوْعَلَة مِنْ صَمَعْت إِذَا دَقَقْت لِأَنَّهَا دَقِيقَة الرَّأْس. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَتْ أُمّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَجَاءَتْهُ أُمّه \" وَفِي رِوَايَة أَبِي رَافِع \" كَانَ جُرَيْجٌ يَتَعَبَّد فِي صَوْمَعَته فَأَتَتْهُ أُمّه \" وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق عَلَى اِسْمهَا. وَفِي حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ \" وَكَانَتْ أُمّه تَأْتِيه فَتُنَادِيه فَيُشْرِف عَلَيْهَا فَيُكَلِّمهَا , فَأَتَتْهُ يَوْمًا وَهُوَ فِي صَلَاته \" وَفِي رِوَايَة أَبِي رَافِع عِنْد أَحْمَد \" فَأَتَتْهُ أُمّه ذَات يَوْم فَنَادَتْهُ قَالَتْ : أَيْ جُرَيْج أَشْرِفْ عَلَيَّ أُكَلِّمك , أَنَا أُمّك \". ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَتْهُ فَقَالَ أُجِيبهَا أَوْ أُصَلِّي ) ‏ ‏زَادَ الْمُصَنِّف فِي الْمَظَالِم بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا \" فَأَبَى أَنْ يُجِيبهُمَا \" وَمَعْنَى قَوْله أُمِّي وَصَلَاتِي أَيْ اِجْتَمَعَ عَلَيَّ إِجَابَة أُمِّي وَإِتْمَام صَلَاتِي فَوَفِّقْنِي لِأَفْضَلِهِمَا , وَفِي رِوَايَة أَبِي رَافِع \" فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي , فَوَضَعَتْ يَدهَا عَلَى حَاجِبهَا فَقَالَتْ : يَا جُرَيْج , فَقَالَ : يَا رَبّ أُمِّي وَصَلَاتِي , فَاخْتَارَ صَلَاته , فَرَجَعَتْ. ثُمَّ أَتَتْهُ فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي فَقَالَتْ : يَا جُرَيْج أَنَا أُمّك فَكَلِّمْنِي , فَقَالَ مِثْله \" فَذَكَرَهُ. وَفِي حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ أَنَّهَا جَاءَتْهُ ثَلَاث مَرَّات تُنَادِيه فِي كُلّ مَرَّة ثَلَاث مَرَّات , وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَقَالَ أُمِّي وَصَلَاتِي لِرَبِّي , أُوثِر صَلَاتِي عَلَى أُمِّي , ذَكَرَهُ ثَلَاثًا \" وَكُلّ ذَلِكَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ فِي نَفْسه لَا أَنَّهُ نَطَقَ بِهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون نَطَقَ بِهِ عَلَى ظَاهِره لِأَنَّ الْكَلَام كَانَ مُبَاحًا عِنْدهمْ , وَكَذَلِكَ كَانَ فِي صَدْر الْإِسْلَام , وَقَدْ قَدَّمْت فِي أَوَاخِر الصَّلَاة ذِكْر حَدِيث يَزِيد بْن حَوْشَبٍ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ \" لَوْ كَانَ جُرَيْج عَالِمًا لَعَلِمَ أَنَّ إِجَابَة أُمّه أَوْلَى مِنْ صَلَاته \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوه الْمُومِسَات ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" حَتَّى يَنْظُر فِي وُجُوه الْمَيَامِيس \" وَمِثْله فِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة وَفِي رِوَايَة أَبِي رَافِع \" حَتَّى تَرَيْهِ الْمُومِسَة \" بِالْإِفْرَادِ , وَفِي حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ \" فَغَضِبَتْ فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ لَا يَمُوتَن جُرَيْجٌ حَتَّى يَنْظُر فِي وُجُوه الْمُومِسَات \" وَالْمُومِسَات جَمْع مُومِسَة بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الْوَاو وَكَسْر الْمِيم بَعْدهَا مُهْمَلَة وَهِيَ الزَّانِيَة وَتُجْمَع عَلَى مَوَامِيس بِالْوَاوِ , وَجُمِعَ فِي الطَّرِيق الْمَذْكُورَة بِالتَّحْتَانِيَّةِ , وَأَنْكَرَهُ اِبْن الْخَشَّاب أَيْضًا وَوَجَّهَهُ غَيْره كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الصَّلَاة وَجَوَّزَ صَاحِب \" الْمَطَالِع \" فِيهِ الْهَمْزَة بَدَل الْيَاء بَلْ أَثْبَتَهَا رِوَايَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" فَقَالَتْ أَبَيْت أَنْ تُطْلِع إِلَيَّ وَجْهك , لَا أَمَاتَك اللَّه حَتَّى تَنْظُر فِي وَجْهك زَوَانِي الْمَدِينَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَتَعَرَّضَتْ لَهُ اِمْرَأَة فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى , فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنْته مِنْ نَفْسهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وَهْب بْن جَرِير بْن حَازِم عَنْ أَبِيهِ عِنْد أَحْمَد \" فَذَكَرَ بَنُو إِسْرَائِيل عِبَادَة جُرَيْجٍ , فَقَالَتْ بَغِيّ مِنْهُمْ : إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ , قَالُوا قَدْ شِئْنَا. فَأَتَتْهُ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِت إِلَيْهَا , فَأَمْكَنَتْ نَفْسهَا مِنْ رَاعٍ كَانَ يُؤْوِي غَنَمه إِلَى أَصْل صَوْمَعَة جُرَيْجٍ \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذِهِ الْمَرْأَة , لَكِنْ فِي حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ أَنَّهَا كَانَتْ بِنْت مَلِك الْقَرْيَة , وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" وَكَانَتْ تَأْوِي إِلَى صَوْمَعَته رَاعِيَة تَرْعَى الْغَنَم \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة أَبِي رَافِع عِنْد أَحْمَد , وَفِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة \" وَكَانَ عِنْد صَوْمَعَته رَاعِي ضَأْن وَرَاعِيَة مِعْزًى \" وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات بِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ دَارَ أَبِيهَا بِغَيْرِ عِلْم أَهْلهَا مُتَنَكِّرَة وَكَانَتْ تَعْمَل الْفَسَاد إِلَى أَنْ اِدَّعَتْ أَنَّهَا تَسْتَطِيع أَنْ تَفْتِن جُرَيْجًا فَاحْتَالَتْ بِأَنْ خَرَجَتْ فِي صُورَة رَاعِيَة لِيُمْكِنهَا أَنْ تَاوِي إِلَى ظِلّ صَوْمَعَته لِتَتَوَصَّل بِذَلِكَ إِلَى فِتْنَته. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَلَدَتْ غُلَامًا ) ‏ ‏فِيهِ حَذْف تَقْدِيره فَحَمَلَتْ حَتَّى اِنْقَضَتْ أَيَّامهَا فَوَلَدَتْ , وَكَذَا قَوْله : \" فَقَالَتْ مِنْ جُرَيْجٍ \" فِيهِ حَذْف تَقْدِيره فَسُئِلَتْ مِمَّنْ هَذَا ؟ فَقَالَتْ مِنْ جُرَيْجٍ , وَفِي رِوَايَة أَبِي رَافِع التَّصْرِيح بِذَلِكَ وَلَفْظه \" فَقِيلَ لَهَا مِمَّنْ هَذَا ؟ فَقَالَتْ هُوَ مِنْ صَاحِب الدَّيْر \" وَزَادَ فِي رِوَايَة أَحْمَد \" فَأُخِذَتْ , وَكَانَ مَنْ زَنَى مِنْهُمْ قُتِلَ فَقِيلَ لَهَا مِمَّنْ هَذَا ؟ قَالَتْ هُوَ مِنْ صَاحِب الصَّوْمَعَة \" زَادَ الْأَعْرَج \" نَزَلَ إِلَيَّ مِنْ صَوْمَعَته \" وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" فَقِيلَ لَهَا مَنْ صَاحِبك ؟ قَالَتْ جُرَيْجٌ الرَّاهِب , نَزَلَ إِلَيَّ فَأَصَابَنِي \" زَادَ أَبُو سَلَمَة فِي رِوَايَته \" فَذَهَبُوا إِلَى الْمَلِك فَأَخْبَرُوهُ , قَالَ : أَدْرِكُوهُ فَأَتَوْنِي بِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَته وَأَنْزَلُوهُ ) ‏ ‏, وَفِي رِوَايَة أَبِي رَافِع \" فَأَقْبَلُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهمْ إِلَى الدَّيْر فَنَادَوْهُ فَلَمْ يُكَلِّمهُمْ , فَأَقْبَلُوا يَهْدِمُونَ دَيْره \" وَفِي حَدِيث عِمْرَان \" فَمَا شَعَرَ حَتَّى سَمِعَ بِالْفُؤُوسِ فِي أَصْل صَوْمَعَته فَجَعَلَ يَسْأَلهُمْ : وَيْلكُمْ مَا لَكُمْ ؟ فَلَمْ يُجِيبُوهُ , فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَخَذَ الْحَبْل فَتَدَلَّى \". ‏ ‏قَوْله : ( وَسَبُّوهُ ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد عَنْ وَهْب بْنِ جَرِير \" وَضَرَبُوهُ , فَقَالَ : مَا شَأْنكُمْ ؟ قَالُوا : إِنَّك زَنَيْت بِهَذِهِ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي رَافِع عِنْده \" فَقَالُوا أَيْ جُرَيْج اِنْزِلْ , فَأَبَى يُقْبِل عَلَى صَلَاته , فَأَخَذُوا فِي هَدْم صَوْمَعَته , فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ فَجَعَلُوا فِي عُنُقه وَعُنُقهَا حَبْلًا وَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِمَا فِي النَّاس \" , وَفِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة \" فَقَالَ لَهُ الْمَلِك : وَيْحك يَا جُرَيْج , كُنَّا نَرَاك خَيْر النَّاس فَأَحْبَلْت هَذِهِ , اِذْهَبُوا بِهِ فَاصْلُبُوهُ \" وَفِي حَدِيث عِمْرَان \" فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ وَيَقُولُونَ : مُرَاءٍ تُخَادِع النَّاس بِعَمَلِك \" وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" فَلَمَّا مَرُّوا بِهِ نَحْو بَيْت الزَّوَانِي خَرَجْنَ يَنْظُرْنَ فَتَبَسَّمَ , فَقَالُوا : لَمْ يَضْحَك , حَتَّى مَرَّ بِالزَّوَانِي \". ‏ ‏قَوْله : ( فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة وَهْب بْن جَرِير \" فَقَامَ وَصَلَّى وَدَعَا \" وَفِي حَدِيث عِمْرَان \" قَالَ فَتَوَلَّوْا عَنِّي , فَتَوَلَّوْا عَنْهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَتَى الْغُلَام فَقَالَ : مَنْ أَبُوك يَا غُلَام ؟ فَقَالَ : الرَّاعِي ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة وَهْب بْن جَرِير \" فَطَعَنَهُ بِإِصْبَعِهِ فَقَالَ : بِاَللَّهِ يَا غُلَام مَنْ أَبُوك ؟ فَقَالَ : أَنَا اِبْن الرَّاعِي \" وَفِي مُرْسَل الْحَسَن عِنْد اِبْن الْمُبَارَك فِي \" الْبِرّ وَالصِّلَة \" أَنَّهُ \" سَأَلَهُمْ أَنْ يُنْظِرُوهُ فَأَنْظَرُوهُ , فَرَأَى فِي الْمَنَام مَنْ أَمَرَه أَنْ يَطْعَن فِي بَطْن الْمَرْأَة فَيَقُول : أَيَّتُهَا السَّخْلَة مَنْ أَبُوك ؟ فَفَعَلَ , فَقَالَ : رَاعِي الْغَنَم \" وَفِي رِوَايَة أَبِي رَافِع \" ثُمَّ مَسَحَ رَأْس الصَّبِيّ فَقَالَ : مَنْ أَبُوك ؟ قَالَ رَاعِي الضَّأْن \" وَفِي رِوَايَته عِنْد أَحْمَد \" فَوَضَعَ إِصْبَعه عَلَى بَطْنهَا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة \" فَأُتِيَ بِالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيّ وَفَمه فِي ثَدْيهَا فَقَالَ لَهُ جُرَيْج : يَا غُلَام مَنْ أَبُوك ؟ فَنَزَعَ الْغُلَام فَاهُ مِنْ الثَّدْي وَقَالَ أَبِي رَاعِي الضَّأْن \" وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" فَلَمَّا أُدْخِلَ عَلَى مَلِكهمْ قَالَ جُرَيْج : أَيْنَ الصَّبِيّ الَّذِي وَلَدَتْهُ ؟ فَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ مَنْ أَبُوك ؟ قَالَ : فُلَان , سَمَّى أَبَاهُ \". قُلْت وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الرَّاعِي , وَيُقَال إِنَّ اِسْمه صُهَيْب , وَأَمَّا الِابْن فَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الصَّلَاة بِلَفْظِ \" فَقَالَ يَا أَبَا بَوْس \" وَتَقَدَّمَ شَرْحه أَوَاخِر الصَّلَاة وَأَنَّهُ لَيْسَ اِسْمه كَمَا زَعَمَ الدَّاوُدِيُّ وَإِنَّمَا الْمُرَاد بِهِ الصَّغِير , وَفِي حَدِيث عِمْرَان \" ثُمَّ اِنْتَهَى إِلَى شَجَرَة فَأَخَذَ مِنْهَا غُصْنًا ثُمَّ أَتَى الْغُلَام وَهُوَ فِي مَهْده فَضَرَبَهُ بِذَلِكَ الْغُصْن فَقَالَ : مَنْ أَبُوك \" وَوَقَعَ فِي \" التَّنْبِيه لِأَبِي اللَّيْث السَّمَرْقَنْدِيّ \" بِغَيْرِ إِسْنَاد أَنَّهُ قَالَ لِلْمَرْأَةِ : أَيْنَ أَصَبْتُك ؟ قَالَتْ : تَحْت شَجَرَة , فَأَتَى تِلْكَ الشَّجَرَة فَقَالَ : يَا شَجَرَة أَسْأَلك بِالَّذِي خَلَقَك مَنْ زَنَى بِهَذِهِ الْمَرْأَة ؟ فَقَالَ كُلّ غُصْن مِنْهَا : رَاعِي الْغَنَم. وَيُجْمَع بَيْن هَذَا الِاخْتِلَاف بِوُقُوعِ جَمِيع مَا ذُكِرَ بِأَنَّهُ مَسَحَ رَأْس الصَّبِيّ , وَوَضَعَ إِصْبَعه عَلَى بَطْن أُمّه , وَطَعَنَهُ بِإِصْبَعِهِ , وَضَرَبَهُ بِطَرَفِ الْعَصَا الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ. وَأَبْعَدَ مَنْ جَمَعَ بَيْنهَا بِتَعَدُّدِ الْقِصَّة وَأَنَّهُ اِسْتَنْطَقَهُ وَهُوَ فِي بَطْنهَا مَرَّة قَبْل أَنْ تَلِد ثُمَّ اِسْتَنْطَقَهُ بَعْد أَنْ وُلِدَ , زَادَ فِي رِوَايَة وَهْب بْن جَرِير \" فَوَثَبُوا إِلَى جُرَيْجٍ فَجَعَلُوا يُقَبِّلُونَهُ \" وَزَادَ الْأَعْرَج فِي رِوَايَته \" فَأَبْرَأَ اللَّه جُرَيْجًا وَأَعْظَمَ النَّاس أَمْر جُرَيْجٍ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة \" فَسَبَّحَ النَّاس وَعَجِبُوا \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالُوا نَبْنِي صَوْمَعَتك مِنْ ذَهَب , قَالَ : لَا إِلَّا مِنْ طِين ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة وَهْب بْن جَرِير \" اِبْنُوهَا مِنْ طِين كَمَا كَانَتْ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي رَافِع \" فَقَالُوا نَبْنِي مَا هَدَمْنَا مِنْ دَيْرك بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة , قَالَ : لَا وَلَكِنْ أَعِيدُوهُ كَمَا كَانَ , فَفَعَلُوا \" وَفِي نَقْل أَبِي اللَّيْث \" فَقَالَ لَهُ الْمَلِك نَبْنِيهَا مِنْ ذَهَب , قَالَ : لَا. قَالَ مِنْ فِضَّة. قَالَ : لَا إِلَّا مِنْ طِين \" زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة \" فَرَدُّوهَا فَرَجَعَ فِي صَوْمَعَته , فَقَالُوا لَهُ : بِاللَّهِ مِمَّ ضَحِكْت ؟ فَقَالَ مَا ضَحِكْت إِلَّا مِنْ دَعْوَة دَعَتْهَا عَلَيَّ أُمِّي \" وَفِي الْحَدِيث إِيثَار إِجَابَة الْأُمّ عَلَى صَلَاة التَّطَوُّع لِأَنَّ الِاسْتِمْرَار فِيهَا نَافِلَة وَإِجَابَة الْأُمّ وَبِرّهَا وَاجِب , قَالَ النَّوَوِيّ وَغَيْره : إِنَّمَا دَعَتْ عَلَيْهِ فَأُجِيبَتْ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنهُ أَنْ يُخَفِّف وَيُجِيبهَا , لَكِنْ لَعَلَّهُ خَشِيَ أَنْ تَدْعُوهُ إِلَى مُفَارَقَة صَوْمَعَته وَالْعَوْد إِلَى الدُّنْيَا وَتَعَلُّقَاتهَا , كَذَا قَالَ النَّوَوِيّ , وَفِيهِ نَظَر لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ تَأْتِيه فَيُكَلِّمهَا , وَالظَّاهِر أَنَّهَا كَانَتْ تَشْتَاق إِلَيْهِ فَتَزُورهُ وَتَقْتَنِع بِرُؤْيَتِهِ وَتَكْلِيمه , وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُخَفِّف ثُمَّ يُجِيبهَا لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَنْقَطِع خُشُوعه. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الصَّلَاة مِنْ حَدِيث يَزِيد بْن حَوْشَبٍ عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْ كَانَ جُرَيْج فَقِيهًا لَعَلِمَ أَنَّ إِجَابَة أُمّه أَوْلَى مِنْ عِبَادَة رَبّه \" أَخْرَجَهُ الْحَسَن بْن سُفْيَان , وَهَذَا إِذَا حُمِلَ عَلَى إِطْلَاقه اُسْتُفِيدَ مِنْهُ جَوَاز قَطْع الصَّلَاة مُطْلَقًا لِإِجَابَةِ نِدَاء الْأُمّ نَفْلًا كَانَتْ أَوْ فَرْضًا , وَهُوَ وَجْه فِي مَذْهَب الشَّافِعِيّ حَكَاهُ الرُّويَانِيّ , وَقَالَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ : هَذَا مَحْمُود عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا فِي شَرْعهمْ , وَفِيهِ نَظَر قَدَّمْته فِي أَوَاخِر الصَّلَاة , وَالْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنَّ الصَّلَاة إِنْ كَانَتْ نَفْلًا وَعَلِمَ تَأَذِّي الْوَالِد بِالتَّرْكِ وَجَبَتْ الْإِجَابَة وَإِلَّا فَلَا , وَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا وَضَاقَ الْوَقْت لَمْ تَجِب الْإِجَابَة , وَإِنْ لَمْ يَضِقْ وَجَبَ عِنْد إِمَام الْحَرَمَيْنِ. وَخَالَفَهُ غَيْره لِأَنَّهَا تَلْزَم بِالشُّرُوعِ , وَعِنْد الْمَالِكِيَّة أَنَّ إِجَابَة الْوَالِد فِي النَّافِلَة أَفْضَل مِنْ التَّمَادِي فِيهَا , وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيد أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصّ بِالْأُمِّ دُون الْأَب , وَعِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ مُرْسَل مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر مَا يَشْهَد لَهُ وَقَالَ بِهِ مَكْحُول , وَقِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ مِنْ السَّلَف غَيْره. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا عِظَم بِرّ الْوَالِدَيْنِ وَإِجَابَة دُعَائِهِمَا وَلَوْ كَانَ الْوَلَد مَعْذُورًا ; لَكِنْ يَخْتَلِف الْحَال فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ الْمَقَاصِد. وَفِيهِ الرِّفْق بِالتَّابِعِ إِذَا جَرَى مِنْهُ مَا يَقْتَضِي التَّأْدِيب لِأَنَّ أُمّ جُرَيْجٍ مَعَ غَضَبهَا مِنْهُ لَمْ تَدْعُ عَلَيْهِ إِلَّا بِمَا دَعَتْ بِهِ خَاصَّة , وَلَوْلَا طَلَبهَا الرِّفْق بِهِ لَدَعَتْ عَلَيْهِ بِوُقُوعِ الْفَاحِشَة أَوْ الْقَتْل. وَفِيهِ أَنَّ صَاحِب الصِّدْق مَعَ اللَّه لَا تَضُرّهُ الْفِتَن. وَفِيهِ قُوَّة يَقِين جُرَيْجٍ الْمَذْكُور وَصِحَّة رَجَائِهِ , لِأَنَّهُ اِسْتَنْطَقَ الْمَوْلُود مَعَ كَوْن الْعَادَة أَنَّهُ لَا يَنْطِق ; وَلَوْلَا صِحَّة رَجَائِهِ بِنُطْقِهِ مَا اِسْتَنْطَقَهُ. وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْرَيْنِ إِذَا تَعَارَضَا بُدِئَ بِأَهَمِّهِمَا , وَأَنَّ اللَّه يَجْعَل لِأَوْلِيَائِهِ عِنْد اِبْتِلَائِهِمْ مَخَارِج , وَإِنَّمَا يَتَأَخَّر ذَلِكَ عَنْ بَعْضهمْ فِي بَعْض الْأَوْقَات تَهْذِيبًا وَزِيَادَة لَهُمْ فِي الثَّوَاب. وَفِيهِ إِثْبَات كَرَامَات الْأَوْلِيَاء , وَوُقُوع الْكَرَامَة لَهُمْ بِاخْتِيَارِهِمْ وَطَلَبهمْ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون جُرَيْجٌ كَانَ نَبِيًّا فَتَكُون مُعْجِزَة , كَذَا قَالَ , وَهَذَا الِاحْتِمَال لَا يَتَأَتَّى فِي حَقّ الْمَرْأَة الَّتِي كَلَّمَهَا وَلَدهَا الْمُرْضَع كَمَا فِي بَقِيَّة الْحَدِيث. وَفِيهِ جَوَاز الْأَخْذ بِالْأَشَدِّ فِي الْعِبَادَة لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسه قُوَّة عَلَى ذَلِكَ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيل كَانَ مِنْ شَرْعهمْ أَنَّ الْمَرْأَة تَصْدُق فِيمَا تَدَّعِيه عَلَى الرِّجَال مِنْ الْوَطْء وَيَلْحَق بِهِ الْوَلَد , وَأَنَّهُ لَا يَنْفَعهُ جَحْد ذَلِكَ إِلَّا بِحُجَّة تَدْفَع قَوْلهَا. وَفِيهِ أَنَّ مُرْتَكِب الْفَاحِشَة لَا تَبْقَى لَهُ حُرْمَة , وَأَنَّ الْمَفْزَع فِي الْأُمُور الْمُهِمَّة إِلَى اللَّه يَكُون بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ فِي الصَّلَاة. وَاسْتَدَلَّ بَعْض الْمَالِكِيَّة بِقَوْلِ جُرَيْجٍ \" مَنْ أَبُوك يَا غُلَام \" بِأَنَّ مَنْ زَنَى بِامْرَأَةِ فَوَلَدَتْ بِنْتًا لَا يَحِلّ لَهُ التَّزَوُّج بِتِلْكَ الْبِنْت خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَلِابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ الْمَالِكِيَّة. وَوَجْه الدَّلَالَة أَنَّ جُرَيْجًا نَسَبَ اِبْن الزِّنَا لِلزَّانِي وَصَدَّقَ اللَّه نِسْبَته بِمَا خَرَقَ لَهُ مِنْ الْعَادَة فِي نُطْق الْمَوْلُود بِشَهَادَتِهِ لَهُ بِذَلِكَ , وَقَوْله أَبِي فُلَان الرَّاعِي , فَكَانَتْ تِلْكَ النِّسْبَة صَحِيحَة فَيَلْزَم أَنْ يَجْرِي بَيْنهمَا أَحْكَام الْأُبُوَّة وَالْبُنُوَّة , خَرَجَ التَّوَارُث وَالْوَلَاء بِدَلِيل فَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى حُكْمه. وَفِيهِ أَنَّ الْوُضُوء لَا يَخْتَصّ بِهَذِهِ الْأُمَّة خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا الَّذِي يَخْتَصّ بِهَا الْغُرَّة وَالتَّحْجِيل فِي الْآخِرَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّة إِبْرَاهِيم أَيْضًا مِثْل ذَلِكَ فِي خَبَر سَارَة مَعَ الْجَبَّار وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ اِمْرَأَة ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ , وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا وَلَا عَلَى اِسْم اِبْنهَا وَلَا عَلَى اِسْم أَحَد مِمَّنْ ذُكِرَ فِي الْقِصَّة الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ مَرَّ بِهَا رَاكِب ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة خِلَاس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد \" فَارِس مُتَكَبِّر \". ‏ ‏قَوْله : ( ذُو شَارَة ) ‏ ‏بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة أَيْ صَاحِب حُسْن وَقِيلَ : صَاحِب هَيْئَة وَمَنْظَر وَمَلْبَس حَسَن يُتَعَجَّب مِنْهُ وَيُشَار إِلَيْهِ , وَفِي رِوَايَة خِلَاس \" ذُو شَارَة حَسَنَة \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو هُرَيْرَة كَأَنِّي أَنْظُر ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَفِيهِ الْمُبَالَغَة فِي إِيضَاح الْخَبَر بِتَمْثِيلِهِ بِالْفِعْلِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ مُرَّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( بِأُمَّةِ ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد عَنْ وَهْب بْن جَرِير \" تَضْرِب \" وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة الْآتِيَة فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل \" تُجَرَّر وَيُلْعَب بِهَا \" وَهِيَ بِجِيمِ مَفْتُوحَة بَعْدهَا رَاء ثَقِيلَة ثُمَّ رَاء أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ سَأَلَتْ الْأُمّ اِبْنهَا عَنْ سَبَب كَلَامه. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الرَّاكِب جَبَّار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد \" فَقَالَ يَا أُمَّتَاهُ , أَمَّا الرَّاكِب ذُو الشَّارَة فَجَبَّار مِنْ الْجَبَابِرَة \" وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج فَإِنَّهُ كَافِر. ‏ ‏قَوْله : ( يَقُولُونَ سَرَقْت زَنَيْت ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُثَنَّاة فِيهِمَا عَلَى الْمُخَاطَبَة وَبِسُكُونِهَا عَلَى الْخَبَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ تَفْعَل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد \" يَقُولُونَ سَرَقْت وَلَمْ تَسْرِق , زَنَيْت وَلَمْ تَزْنِ , وَهِيَ تَقُول حَسْبِي اللَّه \" وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" يَقُولُونَ لَهَا تَزْنِي وَتَقُول حَسْبِي اللَّه , وَيَقُولُونَ لَهَا تَسْرِق وَتَقُول حَسْبِي اللَّه \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة خِلَاس الْمَذْكُورَة أَنَّهَا كَانَتْ حَبَشِيَّة أَوْ زِنْجِيَّة وَأَنَّهَا مَاتَتْ فَجَرُّوهَا حَتَّى أَلْقَوْهَا , وَهَذَا مَعْنَى قَوْله فِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" تُجَرَّر \". وَفِي الْحَدِيث أَنَّ نُفُوس أَهْل الدُّنْيَا تَقِف مَعَ الْخَيَال الظَّاهِر فَتَخَاف سُوء الْحَال , بِخِلَافِ أَهْل التَّحْقِيق فَوُقُوفهمْ مَعَ الْحَقِيقَة الْبَاطِنَة فَلَا يُبَالُونَ بِذَلِكَ مَعَ حُسْن السَّرِيرَة كَمَا قَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَنْ أَصْحَاب قَارُون حَيْثُ خَرَجَ عَلَيْهِمْ ( يَا لَيْتَ لَنَا مِثْل مَا أُوتِيَ قَارُون وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم وَيْلكُمْ ثَوَاب اللَّه خَيْر ). وَفِيهِ أَنَّ الْبَشَر طُبِعُوا عَلَى إِيثَار الْأَوْلَاد عَلَى الْأَنْفُس بِالْخَيْرِ لِطَلَبِ الْمَرْأَة الْخَيْر لِابْنِهَا وَدَفْع الشَّرّ عَنْهُ وَلَمْ تَذْكُر نَفْسهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3182",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ لَقِيتُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ فَنَعَتَهُ فَإِذَا رَجُلٌ حَسِبْتُهُ قَالَ مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ ‏ ‏شَنُوءَةَ ‏ ‏قَالَ وَلَقِيتُ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ ‏ ‏دِيمَاسٍ ‏ ‏يَعْنِي الْحَمَّامَ وَرَأَيْتُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ قَالَ وَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا لَبَنٌ وَالْآخَرُ فِيهِ خَمْرٌ فَقِيلَ لِي خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ فَقِيلَ لِي هُدِيتَ الْفِطْرَةَ أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ ‏ ‏غَوَتْ ‏ ‏أُمَّتُكَ ‏",
        "sharh": "حَدَيث أَبِي هُرَيْرَة فِي ذِكْر مُوسَى وَعِيسَى وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّة مُوسَى مِنْ هَذَا الْوَجْه , لَكِنْ زَادَ هُنَا إِسْنَادًا آخَر فَقَالَ \" حَدَّثَنَا مَحْمُود وَهُوَ اِبْن غَيْلَان عَنْ عَبْد الرَّزَّاق \" وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظه , وَكَانَ سَاقَهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظ هِشَام بْن يُوسُف , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَإِذَا رَجُل حَسِبْته قَالَ مُضْطَرِب \" الْقَائِل \" حَسِبْته \" هُوَ عَبْد الرَّزَّاق , وَالْمُضْطَرِب الطَّوِيل غَيْر الشَّدِيد , وَقِيلَ الْخَفِيف اللَّحْم , وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَة هِشَام بِلَفْظِ \" ضُرِبَ \" وَفُسِّرَ بِالنَّحِيفِ , وَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا. وَقَالَ اِبْن التِّين : هَذَا الْوَصْف مُغَايِر لِقَوْلِهِ بَعْد هَذَا \" إِنَّهُ جَسِيم \" يَعْنِي فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ , وَقَالَ : وَالَّذِي وَقَعَ نَعْته بِأَنَّهُ جَسِيم إِنَّمَا هُوَ الدَّجَّال. وَقَالَ عِيَاض : رِوَايَة مَنْ قَالَ \" ضَرْب \" أَصَحّ مِنْ رِوَايَة مَنْ قَالَ \" مُضْطَرِب \" لِمَا فِيهَا مِنْ الشَّكّ , قَالَ وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" جَسِيم \" وَهُوَ ضِدّ الضَّرْب , إِلَّا أَنْ يُرَاد بِالْجَسِيمِ الزِّيَادَة فِي الطُّول , وَقَالَ التَّيْمِيُّ : لَعَلَّ بَعْض لَفْظ هَذَا الْحَدِيث دَخَلَ فِي بَعْض , لِأَنَّ الْجَسِيم إِنَّمَا وَرَدَ فِي صِفَة الدَّجَّال لَا فِي صِفَة مُوسَى اِنْتَهَى. وَالَّذِي يَتَعَيَّن الْمَصِير إِلَيْهِ مَا جَوَّزَهُ عِيَاض أَنَّ الْمُرَاد بِالْجَسِيمِ فِي صِفَة مُوسَى الزِّيَادَة فِي الطُّول , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ \" كَأَنَّهُ مِنْ رِجَال الزُّطّ \" وَهُمْ طِوَال غَيْر غِلَاظ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث الْإِسْرَاء وَهُوَ فِي بَدْء الْخَلْق \" رَأَيْت مُوسَى جَعْدًا طُوَالًا \" وَاسْتَنْكَرَهُ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : لَا أَرَاهُ مَحْفُوظًا لِأَنَّ الطَّوِيل لَا يُوصَف بِالْجَعْدِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمَا لَا يَتَنَافَيَانِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْجُعُودَة فِي صِفَة مُوسَى جُعُودَة الْجِسْم وَهُوَ اِكْتِنَازه وَاجْتِمَاعه لَا جُعُودَة الشَّعْر لِأَنَّهُ جَاءَ أَنَّهُ كَانَ رَجِل الشَّعْر. ‏ ‏قَوْله فِي صِفَة عِيسَى : ( رَبْعَة ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَيَجُوز فَتْحهَا وَهُوَ الْمَرْبُوع , وَالْمُرَاد أَنَّهُ لَيْسَ بِطَوِيلِ جِدًّا وَلَا قَصِير جِدًّا بَلْ وَسَط , وَقَوْله : \" مِنْ دِيمَاس \" هُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَآخِره مُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( يَعْنِي الْحَمَّام ) ‏ ‏هُوَ تَفْسِير عَبْد الرَّزَّاق , وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي رِوَايَة هِشَام , وَالدِّيمَاس فِي اللُّغَة السِّرْب , وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى الْكِنّ , وَالْحَمَّام مِنْ جُمْلَة الْكِنّ. الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ وَصْفه بِصَفَاءِ اللَّوْن وَنَضَارَة الْجِسْم وَكَثْرَة مَاء الْوَجْه حَتَّى كَأَنَّهُ كَانَ فِي مَوْضِع كِنّ فَخَرَجَ مِنْهُ وَهُوَ عَرْقَان , وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة اِبْن عُمَر بَعْد هَذَا \" يَنْطِف رَأْسه مَاء \" وَهُوَ مُحْتَمَل لِأَنْ يُرَاد الْحَقِيقَة , وَأَنَّهُ عَرَقَ حَتَّى قَطَرَ الْمَاء مِنْ رَأْسه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون كِنَايَة عَنْ مَزِيد نَضَارَة وَجْهه , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن آدَم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ \" يَقْطُر رَأْسه مَاء وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَل \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَتَيْت بِإِنَاءَيْنِ ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْكَلَام عَلَى الْإِسْرَاء فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3183",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَيْتُ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏ومُوسَى ‏ ‏وَإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَأَمَّا ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏فَأَحْمَرُ ‏ ‏جَعْدٌ ‏ ‏عَرِيضُ الصَّدْرِ وَأَمَّا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَآدَمُ ‏ ‏جَسِيمٌ ‏ ‏سَبْطٌ ‏ ‏كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزُّطِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عُثْمَان بْن الْمُغِيرَة ) ‏ ‏هُوَ الثَّقَفِيّ مَوْلَاهُمْ الْكُوفِيّ وَيُقَال لَهُ عُثْمَان بْن أَبِي زُرْعَة , وَهُوَ ثِقَة مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِدِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع الرِّوَايَات الَّتِي وَقَعَتْ لَنَا مِنْ نُسَخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ تَعَقَّبَهُ أَبُو ذَرّ فِي رِوَايَته فَقَالَ : كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع الرِّوَايَات الْمَسْمُوعَة عَنْ الْفَرَبْرِيّ \" مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر \". قَالَ : وَلَا أَدْرِي أَهَكَذَا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيّ أَوْ غَلِطَ فِيهِ الْفَرَبْرِيّ لِأَنِّي رَأَيْته فِي جَمِيع الطُّرُق عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير وَغَيْره عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس , ثُمَّ سَاقَهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى حَنْبَل بْن إِسْحَاق قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كَثِير , وَقَالَ فِيهِ اِبْن عَبَّاس. قَالَ : وَكَذَا رَوَاهُ عُثْمَان بْن سَعِيد الدَّارِمِيِّ عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير قَالَ : وَتَابَعَهُ نَصْر بْن عَلِيّ عَنْ أَبِي أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ عَنْ إِسْرَائِيل , وَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ إِسْرَائِيل اِنْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" عَنْ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَحْمَد بْن مُسْلِم الْخُزَاعِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير وَقَالَ : رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير فَقَالَ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق نَصْر بْن عَلِيّ عَنْ أَبِي أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ عَنْ إِسْرَائِيل فَقَالَ اِبْن عَبَّاس اِنْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَهْ فِي \" كِتَاب الْإِيمَان \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَيُّوب بْن الضَّرِيس وَمُوسَى بْن سَعِيد الدَّنْدَانِيّ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير فَقَالَ فِيهِ اِبْن عَبَّاس ثُمَّ قَالَ : قَالَ الْبُخَارِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير عَنْ اِبْن عُمَر وَالصَّوَاب عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَالَ أَبُو مَسْعُود فِي \" الْأَطْرَاف \" إِنَّمَا رَوَاهُ النَّاس عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير فَقَالَ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ فِي سَائِر النُّسَخ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر وَهُوَ غَلَط , قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ أَصْحَاب إِسْرَائِيل مِنْهُمْ يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة وَإِسْحَاق بْن مَنْصُور وَالنَّضْر بْن شُمَيْلٍ وَآدَم بْن أَبِي إِيَاس وَغَيْرهمْ عَنْ إِسْرَائِيل فَقَالُوا اِبْن عَبَّاس قَالَ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ اِبْن عَوْن عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس اِنْتَهَى. وَرِوَايَة اِبْن عَوْن تَقَدَّمَتْ فِي تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام , وَلَكِنْ لَا ذِكْر لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِيهَا. وَأَخْرَجَهَا مُسْلِم عَنْ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهَا وَلَيْسَ فِيهَا لِعِيسَى ذِكْر إِنَّمَا فِيهَا ذِكْر إِبْرَاهِيم وَمُوسَى حَسْب. وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل التَّيْمِيُّ : وَيَقَع فِي خَاطِرِي أَنَّ الْوَهْم فِيهِ مِنْ غَيْر الْبُخَارِيّ فَإِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق نَصْر بْن عَلِيّ عَنْ أَبِي أَحْمَد وَقَالَ فِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَلَمْ يُنَبِّه عَلَى أَنَّ الْبُخَارِيّ قَالَ فِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر , فَلَوْ كَانَ وَقَعَ كَذَلِكَ لَنَبَّهَ عَلَيْهِ كَعَادَتِهِ , وَالَّذِي يَرْجِع أَنَّ الْحَدِيث لِابْنِ عَبَّاس لَا لِابْنِ عُمَر مَا سَيَأْتِي مِنْ إِنْكَار اِبْن عُمَر عَلَى مَنْ قَالَ إِنّ عِيسَى أَحْمَر وَحَلَّفَهُ عَلَى ذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة مُجَاهِد هَذِهِ \" فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَر جَعْد \" فَهَذَا يُؤَيِّد أَنَّ الْحَدِيث لِمُجَاهِدِ عَنْ اِبْن عَبَّاس لَا عَنْ اِبْن عُمَر , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( سَبِط ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة أَيْ لَيْسَ بِجَعْدِ , وَهَذَا نَعْت لِشَعْرِ رَأْسه. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنَّهُ مِنْ رِجَال الزُّطّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الزَّاي وَتَشْدِيد الْمُهْمَلَة جِنْس مِنْ السُّودَان , وَقِيلَ : هُمْ نَوْع مِنْ الْهُنُود وَهُمْ طِوَال الْأَجْسَام مَعَ نَحَافَة فِيهَا , وَقَدْ زَعَمَ اِبْن التِّين أَنَّ قَوْله فِي صِفَة مُوسَى \" جَسِيم \" , مُخَالِف لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى فِي تَرْجَمَته \" ضَرْب مِنْ الرِّجَال \" أَيْ خَفِيف اللَّحْم قَالَ فَلَعَلَّ رَاوِي الْحَدِيث دَخَلَ لَهُ بَعْض لَفْظه فِي بَعْض , لِأَنَّ الْجَسِيم وَرَدَ فِي صِفَة الدَّجَّال. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا مَانِع أَنْ يَكُون مَعَ كَوْنه خَفِيف اللَّحْم جَسِيمًا بِالنِّسْبَةِ لِطُولِهِ , فَلَوْ كَانَ غَيْر طَوِيل لَاجْتَمَعَ لَحْمه وَكَانَ جَسِيمًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3184",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏ذَكَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمًا بَيْنَ ظَهْرَيْ النَّاسِ ‏ ‏الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ أَلَا إِنَّ ‏ ‏الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ‏ ‏أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ وَأَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فِي الْمَنَامِ فَإِذَا رَجُلٌ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏كَأَحْسَنِ مَا يُرَى مِنْ ‏ ‏أُدْمِ ‏ ‏الرِّجَالِ تَضْرِبُ ‏ ‏لِمَّتُهُ ‏ ‏بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ رَجِلُ الشَّعَرِ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ وَهُوَ يَطُوفُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالُوا هَذَا ‏ ‏الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏ثُمَّ رَأَيْتُ رَجُلًا وَرَاءَهُ ‏ ‏جَعْدًا ‏ ‏قَطِطًا ‏ ‏أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ ‏ ‏بِابْنِ قَطَنٍ ‏ ‏وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ يَطُوفُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا ‏ ‏الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏",
        "sharh": "حَدَيث اِبْن عُمَر فِي ذِكْر عِيسَى وَالدَّجَّال , أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق نَافِع عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ مَوْصُولَة وَمُعَلَّقَة , وَمِنْ طَرِيق سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُقْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْن ظَهْرَانَيْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الظَّاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْهَاء بِلَفْظِ التَّثْنِيَة أَيْ جَالِسًا فِي وَسَط النَّاس , وَالْمُرَاد أَنَّهُ جَلَسَ بَيْنهمْ مُسْتَظْهِرًا لَا مُسْتَخْفِيًا , وَزِيدَتْ فِيهِ الْأَلِف وَالنُّون تَأْكِيدًا , أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ ظَهْرًا مِنْهُ قُدَّامه وَظَهْرًا خَلْفه وَكَأَنَّهُمْ حُفُّوا بِهِ مِنْ جَانِبَيْهِ فَهَذَا أَصْله , ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى اِسْتَعْمَلَ فِي الْإِقَامَة بَيْن قَوْم مُطْلَقًا , وَلِهَذَا زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ لَفْظَة ظَهْرَانَيْ فِي هَذَا الْمَوْضِع زَائِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَّا إِنَّ الْمَسِيح الدَّجَّال أَعْوَرُ الْعَيْن الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنه عِنَبَة طَافِيَة ) ‏ ‏أَيْ بَارِزَة , وَهُوَ مِنْ طَفَا الشَّيْء يَطْفُو بِغَيْرِ هَمْز إِذَا عَلَا عَلَى غَيْره وَشَبَّهَهَا بِالْعِنَبَةِ الَّتِي تَقَع فِي الْعُنْقُود بَارِزَة عَنْ نَظَائِرهَا , وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي كِتَاب الْفِتَن. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَرَانِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة , ذُكِرَ بِلَفْظِ الْمُضَارَعَة مُبَالَغَة فِي اِسْتِحْضَار صُورَة الْحَال. ‏ ‏قَوْله : ( آدَم ) ‏ ‏بِالْمَدِّ أَيْ أَسْمَر. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَحْسَن مَا يُرَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ نَافِع الْآتِيَة فِي كِتَاب اللِّبَاس \" كَأَحْسَن مَا أَنْتَ رَاءٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( تَضْرِب لِمَّته ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام أَيْ شَعْر رَأْسه , وَيُقَال لَهُ إِذَا جَاوَزَ شَحْمَة الْأُذُنَيْنِ وَأَلَمَّ بِالْمَنْكِبَيْنِ لِمَّة , وَإِذَا جَاوَزَتْ الْمَنْكِبَيْنِ فَهِيَ جُمَّة وَإِذَا قَصُرَتْ عَنْهُمَا فَهِيَ وَفْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( رَجِل الشَّعْر ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْجِيم أَيْ قَدْ سَرَّحَهُ وَدَهَنَهُ , وَفِي رِوَايَة مَالِك \" لَهُ لِمَّة قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ تَقْطُر مَاء \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يُرِيد أَنَّهَا تَقْطُر مِنْ الْمَاء الَّذِي سَرَّحَهَا بِهِ أَوْ أَنَّ الْمُرَاد الِاسْتِنَارَة وَكُنِّيَ بِذَلِكَ عَنْ مَزِيد النَّظَافَة وَالنَّضَارَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَالِم الْآتِيَة فِي نَعْت عِيسَى \" أَنَّهُ آدَم سَبِط الشَّعْر \" وَفِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله فِي نَعْت عِيسَى \" أَنَّهُ جَعْد \" وَالْجَعْد ضِدّ السَّبِط فَيُمْكِن أَنْ يُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ سَبِط الشَّعْر وَوَصْفه لِجُعُودَةِ فِي جِسْمه لَا شَعْره وَالْمُرَاد بِذَلِكَ اِجْتِمَاعه وَاكْتِنَازه , وَهَذَا الِاخْتِلَاف نَظِير الِاخْتِلَاف فِي كَوْنه آدَم أَوْ أَحْمَر , وَالْأَحْمَر عِنْد الْعَرَب الشَّدِيد الْبَيَاض مَعَ الْحُمْرَة , وَالْآدَم الْأَسْمَر , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن الْوَصْفَيْنِ بِأَنَّهُ اِحْمَرَّ لَوْنه بِسَبَبٍ كَالتَّعَبِ وَهُوَ فِي الْأَصْل أَسْمَر , وَقَدْ وَافَقَ أَبُو هُرَيْرَة عَلَى أَنَّ عِيسَى أَحْمَر فَظَهَرَ أَنَّ اِبْن عُمَر أَنْكَرَ شَيْئًا حَفِظَهُ غَيْره , وَأَمَّا قَوْل الدَّاوُدِيُّ أَنَّ رِوَايَة مَنْ قَالَ \" آدَم \" أَثْبَت فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ اِتِّفَاق أَبِي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس عَلَى مُخَالَفَة اِبْن عُمَر. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن آدَم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي نَعْت عِيسَى \" أَنَّهُ مَرْبُوع إِلَى الْحُمْرَة وَالْبَيَاض \" وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهمَا , وَفِي رِوَايَة مَالِك مُتَّكِئًا عَلَى عَوَاتِق رَجُلَيْنِ وَالْعَوَاتِق جَمْع عَاتِق وَهُوَ مَا بَيْن الْمَنْكِب وَالْعُنُق. ‏ ‏قَوْله : ( قَطَطًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَالْمُهْمَلَة بَعْدهَا مِثْلهَا هَذَا هُوَ الْمَشْهُور , وَقَدْ تُكْسَر الطَّاء الْأُولَى , وَالْمُرَاد بِهِ شِدَّة جُعُودَة الشَّعْر , وَيُطْلَق فِي وَصْف الرَّجُل وَيُرَاد بِهِ الذَّمّ يُقَال جَعْد الْيَدَيْنِ وَجَعْد الْأَصَابِع أَيْ بَخِيل , وَيُطْلَق عَلَى الْقَصِير أَيْضًا , وَأَمَّا إِذَا أُطْلِقَ فِي الشَّعْر فَيَحْتَمِل الذَّمّ وَالْمَدْح. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَشْبَه مَنْ رَأَيْت بِابْنِ قَطَن ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَالْمُهْمَلَة يَأْتِي فِي الطَّرِيق الَّتِي تَلِي هَذِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ ‏ ‏( عَنْ نَافِع ) ‏ ‏أَيْ عَنْ اِبْن عُمَر , وَرِوَايَته وَصَلَهَا أَحْمَد وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة وَمُحَمَّد بْن بِشْر جَمِيعًا عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر فِي ذِكْر الْمَسِيح الدَّجَّال فَقَطْ إِلَى قَوْله \" عِنَبَة طَافِيَة \" وَلَمْ يَذْكُر مَا بَعْده , وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّهُ يُطْلِق الْمُتَابَعَة وَيُرِيد أَصْل الْحَدِيث لَا جَمِيع مَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3185",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا وَاللَّهِ مَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِعِيسَى ‏ ‏أَحْمَرُ وَلَكِنْ قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ ‏ ‏بِالْكَعْبَةِ ‏ ‏فَإِذَا رَجُلٌ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏سَبْطُ الشَّعَرِ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً أَوْ ‏ ‏يُهَرَاقُ ‏ ‏رَأْسُهُ مَاءً فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا ‏ ‏ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ ‏ ‏جَعْدُ ‏ ‏الرَّأْسِ أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا هَذَا ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏وَأَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ‏ ‏ابْنُ قَطَنٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏خُزَاعَةَ ‏ ‏هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد الْمَكِّيّ ) ‏ ‏هُوَ الْأَزْرَقِيّ وَاسْم جَدّه الْوَلِيد بْن عُقْبَة , وَوَهَمَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ الْقَوَّاس وَاسْم جَدّ الْقَوَّاس عَوْن. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَالِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( لَا وَاَللَّه مَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِيسَى أَحْمَر ) ‏ ‏اللَّام فِي قَوْله \" لِعِيسَى \" بِمَعْنَى عَنْ وَهِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْجَمْع بَيْن مَا أَنْكَرَهُ اِبْن عُمَر وَأَثْبَتَهُ غَيْره , وَفِيهِ جَوَاز الْيَمِين عَلَى غَلَبَة الظَّنّ لِأَنَّ اِبْن عُمَر ظَنَّ أَنَّ الْوَصْف اِشْتَبَهَ عَلَى الرَّاوِي وَأَنَّ الْمَوْصُوف بِكَوْنِهِ أَحْمَر إِنَّمَا هُوَ الدَّجَّال لَا عِيسَى , وَقُرْب ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُقَال لَهُ الْمَسِيح وَهِيَ صِفَة مَدْح لِعِيسَى وَصِفَة ذَمّ لِلدَّجَّالِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَكَأَنَّ اِبْن عُمَر قَدْ سَمِعَ سَمَاعًا جَزْمًا فِي وَصْف عِيسَى أَنَّهُ آدَم فَسَاغَ لَهُ الْحَلِف عَلَى ذَلِكَ لَمَّا غَلَبَ عَلَى ظَنّه أَنَّ مَنْ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ أَحْمَر وَاهِم. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَا أَنَا نَائِم أَطُوف بِالْكَعْبَةِ ) ‏ ‏هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ رُؤْيَته لِلْأَنْبِيَاءِ فِي هَذِهِ الْمَرَّة غَيْر الْمَرَّة الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , فَإِنَّ تِلْكَ كَانَتْ لَيْلَة الْإِسْرَاء وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ فِي الْإِسْرَاء إِنَّ جَمِيعه مَنَام , لَكِن الصَّحِيح أَنَّهُ كَانَ فِي الْيَقِظَة , وَقِيلَ : كَانَ مَرَّتَيْنِ أَوْ مِرَارًا كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانه , وَمِثْله مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" لَيْلَة أُسْرِيَ بِي وَضَعْت قَدَمِي حَيْثُ يَضَع الْأَنْبِيَاء أَقْدَامهمْ مِنْ بَيْت الْمَقْدِس , فَعُرِضَ عَلَيَّ عِيسَى اِبْن مَرْيَم \" الْحَدِيث , قَالَ عِيَاض : رُؤْيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث إِنْ كَانَ مَنَامًا فَلَا إِشْكَال فِيهِ , وَإِنْ كَانَ فِي الْيَقِظَة فَفِيهِ إِشْكَال. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجّ وَيَأْتِي فِي اللِّبَاس مِنْ رِوَايَة اِبْن عَوْن عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الزِّيَادَة \" وَأَمَّا مُوسَى فَرَجُل آدَم جَعْد عَلَى جَمَل أَحْمَر مَخْطُوم بِخُلْبَةِ , كَأَنِّي أَنْظُر إِلَيْهِ إِذَا اِنْحَدَرَ فِي الْوَادِي \" وَهَذَا مِمَّا يَزِيد الْإِشْكَال. وَقَدْ قِيلَ عَنْ ذَلِكَ أَجْوِبَة : أَحَدهَا أَنَّ الْأَنْبِيَاء أَفْضَل مِنْ الشُّهَدَاء وَالشُّهَدَاء أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ فَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاء فَلَا يَبْعُد أَنْ يُصَلُّوا وَيَحُجُّوا وَيَتَقَرَّبُوا إِلَى اللَّه بِمَا اِسْتَطَاعُوا مَا دَامَتْ الدُّنْيَا وَهِيَ دَارَ تَكْلِيف بَاقِيَة. ‏ ‏ثَانِيهَا : أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ حَالهمْ الَّتِي كَانُوا فِي حِيَاتهمْ عَلَيْهَا فَمَثَلُوا لَهُ كَيْف كَانُوا وَكَيْف كَانَ حَجّهمْ وَتَلْبِيَتهمْ , وَلِهَذَا قَالَ أَيْضًا فِي رِوَايَة أَبِي الْعَالِيَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد مُسْلِم \" كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى مُوسَى , وَكَأَنِّي أَنْظُر إِلَى يُونُس \". ‏ ‏ثَالِثهَا : أَنْ يَكُون أَخْبَرَ عَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمْرهمْ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ. فَلِهَذَا أَدْخَلَ حَرْف التَّشْبِيه فِي الرِّوَايَة , وَحَيْثُ أَطْلَقَهَا فَهِيَ مَحْمُولَة عَلَى ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ كِتَابًا لَطِيفًا فِي حَيَاة الْأَنْبِيَاء فِي قُبُورهمْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث أَنَس \" الْأَنْبِيَاء أَحْيَاء فِي قُبُورهمْ يُصَلُّونَ \" أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَهُوَ مِنْ رِجَال الصَّحِيح عَنْ الْمُسْتَلِم بْن سَعِيد , وَقَدْ وَثَّقَهُ أَحْمَد وَابْن حِبَّانَ عَنْ الْحَجَّاج الْأَسْوَد وَهُوَ اِبْن أَبِي زِيَاد الْبَصْرِيّ وَقَدْ وَثَّقَهُ أَحْمَد وَابْن مُعِين عَنْ ثَابِت عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَده مِنْ هَذَا الْوَجْه وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّار لَكِنْ وَقَعَ عِنْده عَنْ حَجَّاج الصَّوَّاف وَهُوَ وَهْم وَالصَّوَاب الْحَجَّاج الْأَسْوَد كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن قُتَيْبَة عَنْ الْمُسْتَلِم , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَابْن عَدِيّ , وَالْحَسَن بْن قُتَيْبَة ضَعِيف. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى أَحَد فُقَهَاء الْكُوفَة عَنْ ثَابِت بِلَفْظِ آخَر قَالَ : \" إِنَّ الْأَنْبِيَاء لَا يُتْرَكُونَ فِي قُبُورهمْ بَعْد أَرْبَعِينَ لَيْلَة وَلَكِنَّهُمْ يُصَلُّونَ بَيْن يَدَيْ اللَّه حَتَّى يُنْفَخ فِي الصُّوَر \" وَمُحَمَّد سَيِّئ الْحِفْظ. وَذَكَرَ الْغَزَالِيّ ثُمَّ الرَّافِعِيّ حَدِيثًا مَرْفُوعًا \" أَنَا أَكْرَم عَلَى رَبِّي مِنْ أَنْ يَتْرُكنِي فِي قَبْرِي بَعْد ثَلَاث وَلَا أُصَلِّي لَهُ \" إِلَّا إِنْ أُخِذَ مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي لَيْلَى هَذِهِ وَلَيْسَ الْأَخْذ بِجَيِّدِ لِأَنَّ رِوَايَة اِبْن أَبِي لَيْلَى قَابِلَة لِلتَّأْوِيلِ , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنْ صَحَّ فَالْمُرَاد أَنَّهُمْ لَا يُتْرَكُونَ يُصَلُّونَ إِلَّا هَذَا الْمِقْدَار ثُمَّ يَكُونُونَ مُصَلِّينَ بَيْن يَدَيْ اللَّه , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَشَاهِد الْحَدِيث الْأَوَّل مَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَنَس رَفَعَهُ \" مَرَرْت بِمُوسَى لَيْلَة أُسْرِيَ بِي عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِي قَبْره \" وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس , فَإِنْ قِيلَ هَذَا خَاصّ بِمُوسَى قُلْنَا قَدْ وَجَدْنَا لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْفَضْل عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" لَقَدْ رَأَيْتنِي فِي الْحِجْر وَقُرَيْش تَسْأَلنِي عَنْ مَسْرَايَ \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَقَدْ رَأَيْتنِي فِي جَمَاعَة مِنْ الْأَنْبِيَاء فَإِذَا مُوسَى قَائِم يُصَلِّي , فَإِذَا رَجُل ضَرْب كَأَنَّهُ وَفِيهِ : وَإِذَا عِيسَى اِبْن مَرْيَم قَائِم يُصَلِّي أَقْرَب النَّاس بِهِ شَبَهًا عُرْوَة بْن مَسْعُود , وَإِذَا إِبْرَاهِيم قَائِم يُصَلِّي أَشْبَهَ النَّاس بِهِ صَاحِبكُمْ , فَحَانَتْ الصَّلَاة فَأَمَمْتهمْ \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَفِي حَدِيث سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ لَقِيَهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِس فَحَضَرَتْ الصَّلَاة فَأَمَّهُمْ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ اِجْتَمَعُوا فِي بَيْت الْمَقْدِس. وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ وَمَالك بْن صَعْصَعَة فِي قِصَّة الْإِسْرَاء أَنَّهُ لَقِيَهُمْ بِالسَّمَوَاتِ , وَطُرُق ذَلِكَ صَحِيحَة , فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ رَأَى مُوسَى قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْره , ثُمَّ عَرَجَ بِهِ هُوَ وَمِنْ ذُكِرَ مِنْ الْأَنْبِيَاء إِلَى السَّمَاوَات فَلَقِيَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ اِجْتَمَعُوا فِي بَيْت الْمَقْدِس فَحَضَرَتْ الصَّلَاة فَأَمَّهُمْ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ : وَصَلَاتهمْ فِي أَوْقَات مُخْتَلِفَة وَفِي أَمَاكِن مُخْتَلِفَة لَا يَرُدّهُ الْعَقْل , وَقَدْ ثَبَتَ بِهِ النَّقْل , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى حَيَاتهمْ. قُلْت : وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمْ أَحْيَاء مِنْ حَيْثُ النَّقْل فَإِنَّهُ يُقَوِّيه مِنْ حَيْثُ النَّظَر كَوْن الشُّهَدَاء أَحْيَاء بِنَصِّ الْقُرْآن , وَالْأَنْبِيَاء أَفْضَل مِنْ الشُّهَدَاء. وَمِنْ شَوَاهِد الْحَدِيث مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ وَقَالَ فِيهِ : \" وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتكُمْ تَبْلُغنِي حَيْثُ كُنْتُمْ \" سَنَده صَحِيح , وَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخ فِي \" كِتَاب الثَّوَاب \" بِسَنَد جَيِّد بِلَفْظِ \" مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْد قَبْرِي سَمِعْته , وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا بُلِّغْته \" وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره عَنْ أَوْس بْن أَوْس رَفَعَهُ فِي فَضْل يَوْم الْجُمُعَة \" فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاة فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتكُمْ مَعْرُوضَة عَلَيَّ. قَالُوا يَا رَسُول اللَّه وَكَيْف تُعْرَض صَلَاتنَا عَلَيْك وَقَدْ أَرِمْت ؟ قَالَ : إِنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَى الْأَرْض أَنْ تَأْكُل أَجْسَاد الْأَنْبِيَاء \" وَمِمَّا يُشْكِل عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" مَا مِنْ أَحَد يُسَلِّم عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّه عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدّ عَلَيْهِ السَّلَام \" وَرُوَاته ثِقَات. وَوَجْه الْإِشْكَال فِيهِ أَنَّ ظَاهِره أَنَّ عَوْد الرُّوح إِلَى الْجَسَد يَقْتَضِي اِنْفِصَالهَا عَنْهُ وَهُوَ الْمَوْت , وَقَدْ أَجَابَ الْعُلَمَاء عَنْ ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ : ‏ ‏أَحَدهَا : أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" رَدَّ اللَّه عَلَيَّ رُوحِيّ \" أَنَّ رَدَّ رُوحه كَانَتْ سَابِقَة عَقِب دَفْنه لَا أَنَّهَا تُعَاد ثُمَّ تُنْزَع ثُمَّ تُعَاد. ‏ ‏الثَّانِي : سَلَّمْنَا , لَكِنْ لَيْسَ هُوَ نَزْع مَوْت بَلْ لَا مَشَقَّة فِيهِ. ‏ ‏الثَّالِث : أَنَّ الْمُرَاد بِالرُّوحِ الْمَلَك الْمُوَكَّل بِذَلِكَ. ‏ ‏الرَّابِع : الْمُرَاد بِالرُّوحِ النُّطْق فَتَجُوز فِيهِ مِنْ جِهَة خِطَابنَا بِمَا نَفْهَمهُ. ‏ ‏الْخَامِس : أَنَّهُ يَسْتَغْرِق فِي أُمُور الْمَلَأ الْأَعْلَى , فَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهْمه لِيُجِيبَ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ ذَلِكَ مِنْ جِهَة أُخْرَى , وَهُوَ أَنَّهُ يَسْتَلْزِم اِسْتِغْرَاق الزَّمَان كُلّه فِي ذَلِكَ لِاتِّصَالِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَيْهِ فِي أَقْطَار الْأَرْض مِمَّنْ لَا يُحْصَى كَثْرَة , وَأُجِيبَ بِأَنَّ أُمُور الْآخِرَة لَا تُدْرَك بِالْعَقْلِ , وَأَحْوَال الْبَرْزَخ أَشْبَهَ بِأَحْوَالِ الْآخِرَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( سَبِط الشَّعْر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مَا فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( يُهَادَى ) ‏ ‏أَيْ يَمْشِي مُتَمَايِلًا بَيْنهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( يَنْطِف ) ‏ ‏بِكَسْرِ الطَّاء الْمُهْمَلَة أَيْ يَقْطُر وَمِنْهُ النُّطْفَة ; كَذَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ , وَقَالَ غَيْره النُّطْفَة الْمَاء الصَّافِي. وَقَوْله : \" أَوْ يُهَرَاق \" هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي. ‏ ‏قَوْله : ( أَعْوَر عَيْنه الْيُمْنَى ) ‏ ‏كَذَا هُوَ بِالْإِضَافَةِ وَعَيْنه بِالْجَرِّ لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ مِنْ إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صِفَته وَهُوَ جَائِز عِنْد الْكُوفِيِّينَ وَتَقْدِيره عِنْد الْبَصْرِيِّينَ عَيْن صَفْحَة وَجْهه الْيُمْنَى , وَرَوَاهُ الْأَصِيلِيّ \" عَيْنه \" بِالرَّفْعِ كَأَنَّهُ وَقَفَ عَلَى وَصْفه أَنَّهُ أَعْوَر وَابْتَدَأَ الْخَبَر عَنْ صِفَة عَيْنه فَقَالَ : \" عَيْنه كَأَنَّهَا كَذَا \" وَأَبْرَزَ الضَّمِير. وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ يَصِير كَأَنَّهُ قَالَ عَيْنه كَأَنَّ عَيْنه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون رُفِعَ عَلَى الْبَدَل مِنْ الضَّمِير فِي أَعْوَر الرَّاجِع عَلَى الْمَوْصُوف وَهُوَ بَدَل بَعْض مِنْ كُلّ , وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : لَا يَجُوز أَنْ يَرْتَفِع بِالصِّفَةِ كَمَا تُرْفَع الصِّفَة الْمُشَبَّهَة بِاسْمِ الْفَاعِل لِأَنَّ أَعْوَر لَا يَكُون نَعْتًا إِلَّا لِمُذَكَّرٍ , وَيَجُوز أَنْ تَكُون عَيْنه مُرْتَفِعَة بِالِابْتِدَاءِ وَمَا بَعْدهَا الْخَبَر , وَقَوْله : \" كَأَنَّ عِنَبَة طَافِيَة \" بِالنَّصْبِ عَلَى اِسْم كَأَنَّ وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره كَأَنَّ فِي وَجْهه , وَشَاهِده قَوْل الشَّاعِر ‏ ‏إِنْ مَحِلًّا وَإِنَّ مُرْتَحِلًا ‏ ‏أَيْ إِنَّ لَنَا مَحَلًّا وَإِنَّ لَنَا مُرْتَحِلًا. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنَّ عِنَبَة طَافِيَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ وَلِغَيْرِهِ \" كَأَنَّ عَيْنه عِنَبَة طَافِيَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطه قَبْل. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَقْرَب النَّاس بِهِ شَبَهًا اِبْن قَطَن , قَالَ الزُّهْرِيّ ) ‏ ‏أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور ‏ ‏( رَجُل ) ‏ ‏أَيْ اِبْن قَطَن ‏ ‏( مِنْ خُزَاعَة هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّة ) ‏ ‏. قُلْت : اِسْمه عَبْد الْعُزَّى بْن قَطَن بْن عَمْرو بْن جُنْدُب بْن سَعِيد بْن عَائِذ بْن مَالِك بْن الْمُصْطَلِق , وَأُمّه هَالَة بِنْت خُوَيْلِد , أَفَادَهُ الدِّمْيَاطِيّ قَالَ : وَقَالَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ أَكْثَم بْن أَبِي الْجَوْن وَأَنَّهُ قَالَ : \" يَا رَسُول اللَّه هَلْ يَضُرّنِي شَبَهه ؟ قَالَ : لَا , أَنْتَ مُسْلِم وَهُوَ كَافِر \" حَكَاهُ عَنْ اِبْن سَعْد , وَالْمَعْرُوف فِي الَّذِي شَبَّهَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَم بْن عَمْرو بْن لُحَيّ جَدّ خُزَاعَة لَا الدَّجَّال ; كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَغَيْره , وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّ الدَّجَّال لَا يَدْخُل الْمَدِينَة وَلَا مَكَّة \" أَيْ فِي زَمَن خُرُوجه , وَلَمْ يَرِد بِذَلِكَ نَفْي دُخُوله فِي الزَّمَن الْمَاضِي , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3186",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَنَا أَوْلَى النَّاسِ ‏ ‏بِابْنِ مَرْيَمَ ‏ ‏وَالْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ ‏ ‏عَلَّاتٍ ‏ ‏لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ ‏",
        "sharh": "حَدَيث أَبِي هُرَيْرَة فِي ذِكْر عِيسَى اِبْن مَرْيَم , أَوْرَدَهُ مِنْ ثَلَاثَة طُرُق : طَرِيقَيْنِ مَوْصُولَيْنِ وَطَرِيقَة مُعَلَّقَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَا أَوْلَى النَّاس بِابْنِ مَرْيَم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَمْرَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" بِعِيسَى اِبْن مَرْيَم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة \" أَيْ أَخَصّ النَّاس بِهِ وَأَقْرَبهمْ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ بَشَّرَ بِأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ بَعْده. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ التَّوْفِيق بَيْن هَذَا الْحَدِيث وَبَيْن قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّ أَوْلَى النَّاس بِإِبْرَاهِيم الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيّ ) إِنَّ الْحَدِيثَ وَارِد فِي كَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَتْبُوعًا وَالْآيَة وَارِدَة فِي كَوْنه تَابِعًا , كَذَا قَالَ. وَمَسَاق الْحَدِيث كَمَسَاقِ الْآيَة فَلَا دَلِيل عَلَى هَذِهِ التَّفْرِقَة. وَالْحَقّ أَنَّهُ لَا مُنَافَاة لِيُحْتَاجَ إِلَى الْجَمْع , فَكَمَا أَنَّهُ أَوْلَى النَّاس بِإِبْرَاهِيم كَذَلِكَ هُوَ أَوْلَى النَّاس بِعِيسَى , ذَاكَ مِنْ جِهَة قُوَّة الِاقْتِدَاء بِهِ وَهَذَا مِنْ جِهَة قُوَّة قُرْب الْعَهْد بِهِ ‏ ‏قَوْله : ( وَالْأَنْبِيَاء أَوْلَاد عَلَّات ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن الْمَذْكُورَة \" وَالْأَنْبِيَاء إِخْوَة لِعَلَّاتِ \" وَالْعَلَّات بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة الضَّرَائِر , وَأَصْله أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ اِمْرَأَة ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْرَى كَأَنَّهُ عَلَّ مِنْهَا , وَالْعَلَل الشُّرْب بَعْد الشُّرْب , وَأَوْلَاد الْعَلَّات الْإِخْوَة مِنْ الْأَب وَأُمَّهَاتهمْ شَتَّى , وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن فَقَالَ : \" أُمَّهَاتهمْ شَتَّى وَدِينهمْ وَاحِد \" وَهُوَ مِنْ بَاب التَّفْسِير كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنَّ الْإِنْسَان خُلِقَ هَلُوعًا , إِذَا مَسَّهُ الشَّرّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْر مَنُوعًا ) وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ أَصْل دِينهمْ وَاحِد وَهُوَ التَّوْحِيد وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ فُرُوع الشَّرَائِع , وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّ أَزْمِنَتهمْ مُخْتَلِفَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنه نَبِيّ ) ‏ ‏هَذَا أَوْرَدَهُ كَالشَّاهِدِ لِقَوْلِهِ إِنَّهُ أَقْرَب النَّاس إِلَيْهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن آدَم \" وَأَنَا أَوْلَى النَّاس بِعِيسَى لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنه نَبِيّ \" , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُبْعَث بَعْد عِيسَى أَحَد إِلَّا نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّ الرُّسُل الثَّلَاثَة الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَى أَصْحَاب الْقَرْيَة الْمَذْكُورَة قِصَّتهمْ فِي سُورَة يس كَانُوا مِنْ أَتْبَاع عِيسَى , وَأَنَّ جرجيس وَخَالِد بْن سِنَان كَانَا نَبِيَّيْنِ وَكَانَا بَعْد عِيسَى , وَالْجَوَاب أَنَّ هَذَا الْحَدِيث يُضَعِّف مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ صَحِيح بِلَا تَرَدُّد وَفِي غَيْره مَقَال , أَوْ الْمُرَاد أَنَّهُ لَمْ يُبْعَث بَعْد عِيسَى نَبِيّ بِشَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّة , وَإِنَّمَا بُعِثَ بَعْده مَنْ بُعِثَ بِتَقْرِيرِ شَرِيعَة عِيسَى , وَقِصَّة خَالِد بْن سِنَان أَخْرَجَهَا الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَلَهَا طُرُق جَمَعْتهَا فِي تَرْجَمَته فِي كِتَابِي فِي الصَّحَابَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3187",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَا أَوْلَى النَّاسِ ‏ ‏بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ‏ ‏فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ ‏ ‏لِعَلَّاتٍ ‏ ‏أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3188",
        "content": "‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَى ‏ ‏عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏رَجُلًا يَسْرِقُ فَقَالَ لَهُ أَسَرَقْتَ قَالَ كَلَّا وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَقَالَ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ عَيْنِي ‏",
        "sharh": "حَدَيث أَبِي هُرَيْرَة \" رَأَى عِيسَى رَجُلًا يَسْرِق \" الْحَدِيث أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ مَوْصُولَة وَمُعَلَّقَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ النَّسَائِيّ عَنْ أَحْمَد بْن حَفْص بْن عَبْد اللَّه النَّيْسَابُورِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيم , وَأَحْمَد مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( كَلَّا وَالَّذِي لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشّمِيهَنِيّ \" إِلَّا هُوَ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن طَهْمَان عِنْد النَّسَائِيّ \" فَقَالَ لَا وَالَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَذَّبْت عَيْنَيَّ ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّثْنِيَة , وَلِبَعْضِهِمْ بِالْإِفْرَادِ , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" كَذَبَتْ \" بِالتَّخْفِيفِ وَفَتْح الْمُوَحَّدَة وَ \" عَيْنِي \" بِالْإِفْرَادِ فِي مَحَلّ رَفْع , وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَكَذَّبْت نَفْسِي \" وَفِي رِوَايَة اِبْن طَهْمَان \" وَكَذَّبْت بَصَرِي \" قَالَ اِبْن التِّين : قَالَ عِيسَى ذَلِكَ عَلَى الْمُبَالَغَة فِي تَصْدِيق الْحَالِف. وَأَمَّا قَوْله \" وَكَذَّبْت عَيْنِي \" فَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَة التَّكْذِيب , وَإِنَّمَا أَرَادَ كَذَّبْت عَيْنِي فِي غَيْر هَذَا , قَالَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ , وَفِيهِ بُعْد. وَقِيلَ : إِنَّهُ أَرَادَ بِالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيب ظَاهِر الْحُكْم لَا بَاطِن الْأَمْر وَإِلَّا فَالْمُشَاهَدَة أَعْلَى الْيَقِين فَكَيْف يُكَذِّب عَيْنه وَيُصَدِّق قَوْل الْمُدَّعِي ؟ وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون رَآهُ مَدّ يَده إِلَى الشَّيْء فَظَنَّ أَنَّهُ تَنَاوَلَهُ , فَلَمَّا حَلَفَ لَهُ رَجَعَ عَنْ ظَنّه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَاهِر قَوْل عِيسَى لِلرَّجُلِ \" سَرَقْت \" أَنَّهُ خَبَر جَازِم عَمَّا فَعَلَ الرَّجُل مِنْ السَّرِقَة لِكَوْنِهِ رَآهُ أَخَذَ مَالًا مِنْ حِرْز فِي خُفْيَة. وَقَوْل الرَّجُل كَلَّا نَفْي لِذَلِكَ ثُمَّ أَكَّدَهُ بِالْيَمِينِ , وَقَوْل عِيسَى : \" آمَنْت بِاَللَّهِ وَكَذَّبْت عَيْنَيَّ \" أَيْ صَدَّقْت مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ وَكَذَّبْت مَا ظَهَرَ لِي مِنْ كَوْن الْأَخْذ الْمَذْكُور سَرِقَة فَإِنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الرَّجُل أَخَذَ مَا لَهُ فِيهِ حَقّ , أَوْ مَا أُذِنَ لَهُ صَاحِبه فِي أَخْذه , أَوْ أَخَذَهُ لِيُقَلِّبهُ وَيَنْظُر فِيهِ وَلَمْ يَقْصِد الْغَصْب وَالِاسْتِيلَاء. قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عِيسَى كَانَ غَيْر جَازِم بِذَلِكَ , وَإِنَّمَا أَرَادَ اِسْتِفْهَامه بِقَوْلِهِ سَرَقْت ؟ وَتَكُون أَدَاة الِاسْتِفْهَام مَحْذُوفَة وَهُوَ سَائِغ كَثِير اِنْتَهَى. وَاحْتِمَال الِاسْتِفْهَام بَعِيد مَعَ جَزْمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ عِيسَى رَأَى رَجُلًا يَسْرِق , وَاحْتِمَال كَوْنه يَحِلّ لَهُ الْأَخْذ بَعِيد أَيْضًا بِهَذَا الْجَزْم بِعَيْنِهِ , وَالْأَوَّل مَأْخُوذ مِنْ كَلَام الْقَاضِي عِيَاض , وَقَدْ تَعَقَّبَهُ اِبْن الْقَيِّم فِي كِتَابه \" إِغَاثَة اللَّهْفَان \" فَقَالَ : هَذَا تَأْوِيل مُتَكَلَّف , وَالْحَقّ أَنَّ اللَّه كَانَ فِي قَلْبه أَجَلّ مِنْ أَنْ يَحْلِف بِهِ أَحَد كَاذِبًا , فَدَارَ الْأَمْر بَيْن تُهْمَة الْحَالِف وَتُهْمَة بَصَره فَرَدَّ التُّهْمَة إِلَى بَصَره , كَمَا ظَنَّ آدَم صِدْق إِبْلِيس لَمَّا حَلَفَ لَهُ أَنَّهُ لَهُ نَاصِح. قُلْت : وَلَيْسَ بِدُونِ تَأْوِيل الْقَاضِي فِي التَّكَلُّف , وَالتَّشْبِيه غَيْر مُطَابِق وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى دَرْء الْحَدّ بِالشُّبْهَةِ , وَعَلَى مَنْع الْقَضَاء بِالْعِلْمِ , وَالرَّاجِح عِنْد الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَابِلَة مَنْعه مُطْلَقًا , وَعِنْد الشَّافِعِيَّة جَوَازه إِلَّا فِي الْحُدُود وَهَذِهِ الصُّورَة مِنْ ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي بَسْطه فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3189",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏يَقُولُ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا ‏ ‏تُطْرُونِي ‏ ‏كَمَا أَطْرَتْ ‏ ‏النَّصَارَى ‏ ‏ابْنَ مَرْيَمَ ‏ ‏فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ‏",
        "sharh": "حَدَيث اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر , هُوَ مِنْ رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَنْ الصَّحَابِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تُطْرُونِي ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله , وَالْإِطْرَاء الْمَدْح بِالْبَاطِلِ تَقُول أَطْرَيْت فُلَانًا مَدَحْته فَأَفْرَطْت فِي مَدْحه. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى اِبْن مَرْيَم ) ‏ ‏أَيْ فِي دَعْوَاهُمْ فِيهِ الْإِلَهِيَّة وَغَيْر ذَلِكَ , وَهَذَا الْحَدِيث طَرَف مِنْ حَدِيث السَّقِيفَة , وَقَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّف مُطَوَّلًا فِي كِتَاب الْمُحَارِبِينَ , وَذَكَرَ مِنْهُ قِطَعًا مُتَفَرِّقَة فِيمَا مَضَى وَيَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا فِي مَكَانهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3190",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏صَالِحُ بْنُ حَيٍّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا مِنْ أَهْلِ ‏ ‏خُرَاسَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِلشَّعْبِيِّ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏الشَّعْبِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَدَّبَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا آمَنَ ‏ ‏بِعِيسَى ‏ ‏ثُمَّ آمَنَ بِي فَلَهُ أَجْرَانِ وَالْعَبْدُ إِذَا اتَّقَى رَبَّهُ وَأَطَاعَ مَوَالِيَهُ فَلَهُ أَجْرَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْل خُرَاسَان قَالَ لِلشَّعْبِيِّ , فَقَالَ الشَّعْبِيّ ) ‏ ‏حَذَفَ السُّؤَال وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي رِوَايَة حِبَّان بْن مُوسَى عَنْ اِبْن الْمُبَارَك فَقَالَ : \" إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْل خُرَاسَان قَالَ لِلشَّعْبِيِّ : إِنَّا نَقُول عِنْدنَا إِنَّ الرَّجُل إِذَا أَعْتَقَ أُمّ وَلَده ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَهُوَ كَالرَّاكِبِ بَدَنَته , فَقَالَ الشَّعْبِيّ \" فَذَكَرَهُ , أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا أَدَّبَ الرَّجُل أَمَته ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي النِّكَاح. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا آمَنَ الرَّجُل بِعِيسَى ثُمَّ آمَنَ بِي فَلَهُ أَجْرَانِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مَبَاحِث ذَلِكَ فِي كِتَاب الْعِلْم مُسْتَوْفَاة , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْن عِيسَى وَبَيْن نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْعَبْد إِذَا اِتَّقَى رَبّه إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي كِتَاب الْعِتْق. ‏"
    },
    {
        "id": "3191",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ‏} ‏فَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏ثُمَّ يُؤْخَذُ بِرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِي ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ أَصْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى ‏ ‏أَعْقَابِهِمْ ‏ ‏مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ ‏ ‏عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ‏ { ‏وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفَرَبْرِيُّ ‏ ‏ذُكِرَ عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَبِيصَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هُمْ الْمُرْتَدُّونَ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى عَهْدِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَقَاتَلَهُمْ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدَيث اِبْن عَبَّاس \" إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّه حُفَاة \" ‏ ‏الْحَدِيث وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي أَوَاخِر الرِّقَاق , وَالْغَرَض مِنْهُ ذِكْر عِيسَى اِبْن مَرْيَم فِي ‏ ‏قَوْله : ( وَكُنْت عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْت فِيهِمْ ) ‏ ‏. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الْفَرَبْرِيّ ذُكِرَ عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْبُخَارِيّ ‏ ‏( عَنْ قَبِيصَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُقْبَة أُحُد شُيُوخ الْبُخَارِيّ , أَيْ إِنَّهُ حَمَلَ قَوْله : ‏ ‏\" مِنْ أَصْحَابِي \" ‏ ‏أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ قَبْل الرِّدَّة لَا أَنَّهُمْ مَاتُوا عَلَى ذَلِكَ , وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ اِرْتَدَّ سُلِبَ اِسْم الصُّحْبَة لِأَنَّهَا نِسْبَة شَرِيفَة إِسْلَامِيَّة فَلَا يَسْتَحِقّهَا مَنْ اِرْتَدَّ بَعْد أَنَّ اِتَّصَفَ بِهَا , وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ الْحَدِيث الْمَذْكُور عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى عَنْ إِسْحَاق عَنْ قَبِيصَة عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3192",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ‏ ‏ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ ‏ ‏الْجِزْيَةَ ‏ ‏وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ‏ { ‏وَإِنْ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ‏}",
        "sharh": "حَدَيث \" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَن أَنْ يَنْزِل فِيكُمْ اِبْن مَرْيَم \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْنِ رَاهْوَيْهِ , وَإِنَّمَا جَزَمْت بِذَلِكَ مَعَ تَجْوِيز أَبِي عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّ يَكُون هُوَ أَوْ إِسْحَاق بْن مَنْصُور لِتَعْبِيرِهِ بِقَوْلِهِ أَخْبَرَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم لِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَة يَعْتَمِدهَا إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ كَمَا عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ عَادَته أَنَّهُ لَا يَقُول إِلَّا \" أَخْبَرَنَا \" وَلَا يَقُول \" حَدَّثَنَا \" وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" هَذَا الْحَدِيث مِنْ مُسْنَد إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَقَالَ : \" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ إِسْحَاق \". ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا أَبِي ) ‏ ‏هُوَ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف. ‏ ‏قَوْله : ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) ‏ ‏فِيهِ الْحَلِف فِي الْخَبَر مُبَالَغَة فِي تَأْكِيده. ‏ ‏قَوْله : ( لَيُوشِكَن ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة أَيْ لَيَقْرَبَن أَيْ لَا بُدّ مِنْ ذَلِكَ سَرِيعًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَنْزِل فِيكُمْ ) ‏ ‏أَيْ فِي هَذِهِ الْأُمَّة , \" فَإِنَّهُ خِطَاب لِبَعْضِ الْأُمَّة مِمَّنْ لَا يُدْرِك نُزُوله. ‏ ‏قَوْله : ( حَكَمًا ) ‏ ‏أَيْ حَاكِمًا , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَنْزِل حَاكِمًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَة فَإِنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَة بَاقِيَة لَا تُنْسَخ , بَلْ يَكُون عِيسَى حَاكِمًا مِنْ حُكَّام هَذِهِ الْأُمَّة. وَفِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْد مُسْلِم \" حَكَمًا مُقْسِطًا \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن شِهَاب \" إِمَامًا مُقْسِطًا \" وَالْمُقْسِط الْعَادِل بِخِلَافِ الْقَاسِط فَهُوَ الْجَائِر. وَلِأَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَقْرِئُوهُ مِنْ رَسُول اللَّه السَّلَام \" وَعِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" وَيَمْكُث عِيسَى فِي الْأَرْض أَرْبَعِينَ سَنَة \" وَلِلطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل \" يَنْزِل عِيسَى اِبْن مَرْيَم مُصَدِّقًا بِمُحَمَّدِ عَلَى مِلَّته \". ‏ ‏قَوْله : ( فَيَكْسِر الصَّلِيب وَيَقْتُل الْخِنْزِير ) ‏ ‏أَيْ يُبْطِل دِين النَّصْرَانِيَّة بِأَنْ يَكْسِر الصَّلِيب حَقِيقَة وَيُبْطِل مَا تَزْعُمهُ النَّصَارَى مِنْ تَعْظِيمه , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ تَحْرِيم اِقْتِنَاء الْخِنْزِير وَتَحْرِيم أَكْله وَأَنَّهُ نَجَس , لِأَنَّ الشَّيْء الْمُنْتَفَع بِهِ لَا يُشْرَع إِتْلَافه , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَاخِر الْبُيُوع. وَوَقَعَ لِلطَّبَرَانِيّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَيَكْسِر الصَّلِيب وَيَقْتُل الْخِنْزِير وَالْقِرْد \" زَادَ فِيهِ الْقِرْد وَإِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ , وَعَلَى هَذَا فَلَا يَصِحّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى نَجَاسَة عَيْن الْخِنْزِير لِأَنَّ الْقِرْد لَيْسَ بِنَجَسِ الْعَيْن اِتِّفَاقًا , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَيْضًا تَغْيِير الْمُنْكَرَات وَكَسْر آلَة الْبَاطِل. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَطَاء بْن مِينَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" وَلَتَذْهَبَن الشَّحْنَاء وَالتَّبَاغُض وَالتَّحَاسُد \". ‏ ‏قَوْله : ‏ ‏( وَيَضَع الْحَرْب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" الْجِزْيَة \" , وَالْمَعْنَى أَنَّ الدِّين يَصِير وَاحِدًا فَلَا يَبْقَى أَحَد مِنْ أَهْل الذِّمَّة يُؤَدِّي الْجِزْيَة , وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَال يَكْثُر حَتَّى لَا يَبْقَى مَنْ يُمْكِن صَرْف مَال الْجِزْيَة لَهُ فَتُتْرَك الْجِزْيَة اِسْتِغْنَاء عَنْهَا. وَقَالَ عِيَاض : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِوَضْعِ الْجِزْيَة تَقْرِيرهَا عَلَى الْكُفَّار مِنْ غَيْر مُحَابَاة , وَيَكُون كَثْرَة الْمَال بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ وَقَالَ : الصَّوَاب أَنَّ عِيسَى لَا يَقْبَل إِلَّا الْإِسْلَام. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ عِنْد أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَتَكُون الدَّعْوَى وَاحِدَة \" قَالَ النَّوَوِيّ : وَمَعْنَى وَضْع عِيسَى الْجِزْيَة مَعَ أَنَّهَا مَشْرُوعَة فِي هَذِهِ الشَّرِيعَة أَنَّ مَشْرُوعِيَّتهَا مُقَيَّدَة بِنُزُولِ عِيسَى لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْخَبَر , وَلَيْسَ عِيسَى بِنَاسِخِ لِحُكْمِ الْجِزْيَة بَلْ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُبَيِّن لِلنَّسْخِ بِقَوْلِهِ هَذَا , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَإِنَّمَا قَبِلْنَاهَا قَبْل نُزُول عِيسَى لِلْحَاجَةِ إِلَى الْمَال بِخِلَافِ زَمَن عِيسَى فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاج فِيهِ إِلَى الْمَال فَإِنَّ الْمَال فِي زَمَنه يَكْثُر حَتَّى لَا يَقْبَلهُ أَحَد , وَيُحْتَمَل أَنْ يُقَال إِنَّ مَشْرُوعِيَّة قَبُولهَا مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى لِمَا فِي أَيْدِيهمْ مِنْ شُبْهَة الْكِتَاب وَتَعَلُّقهمْ بِشَرْعِ قَدِيم بِزَعْمِهِمْ , فَإِذَا نَزَلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام زَالَتْ الشُّبْهَة بِحُصُولِ مُعَايَنَته فَيَصِيرُونَ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَان فِي اِنْقِطَاع حُجَّتهمْ وَانْكِشَاف أَمْرهمْ , فَنَاسَبَ أَنْ يُعَامَلُوا مُعَامَلَتهمْ فِي عَدَم قَبُول الْجِزْيَة مِنْهُمْ. هَكَذَا ذَكَرَهُ بَعْض مَشَايِخنَا اِحْتِمَالًا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَفِيض الْمَال ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الْفَاء وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَة أَيْ يَكْثُر , وَفِي رِوَايَة عَطَاء بْن مِينَاء الْمَذْكُور \" وَلَيَدْعُوَنّ إِلَى الْمَال فَلَا يَقْبَلهُ أَحَد \" وَسَبَب كَثْرَته نُزُول الْبَرَكَات وَتَوَالِي الْخَيْرَات بِسَبَبِ الْعَدْل وَعَدَم الظُّلْم وَحِينَئِذٍ تُخْرِج الْأَرْض كُنُوزهَا وَتَقِلّ الرَّغَبَات فِي اِقْتِنَاء الْمَال لِعِلْمِهِمْ بِقُرْبِ السَّاعَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَكُون السَّجْدَة الْوَاحِدَة خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ) ‏ ‏أَيْ إِنَّهُمْ حِينَئِذٍ لَا يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللَّه إِلَّا بِالْعِبَادَةِ , لَا بِالتَّصَدُّقِ بِالْمَالِ , وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاس يَرْغَبُونَ عَنْ الدُّنْيَا حَتَّى تَكُون السَّجْدَة الْوَاحِدَة أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَقَدْ رَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَبِي حَفْصَة عَنْ الزُّهْرِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي هَذَا الْحَدِيث \" حَتَّى تَكُون السَّجْدَة وَاحِدَة لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة : وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( وَإِنَّ مِنْ أَهْل الْكِتَاب إِلَّا لَيُؤْمِنَنّ بِهِ قَبْل مَوْته ) الْآيَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : إِنَّمَا تَلَا أَبُو هُرَيْرَة هَذِهِ الْآيَة لِلْإِشَارَةِ إِلَى مُنَاسَبَتهَا لِقَوْلِهِ : \" حَتَّى تَكُون السَّجْدَة الْوَاحِدَة خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا \" فَإِنَّهُ يُشِير بِذَلِكَ إِلَى صَلَاح النَّاس وَشِدَّة إِيمَانهمْ وَإِقْبَالهمْ عَلَى الْخَيْر , فَهُمْ لِذَلِكَ يُؤْثِرُونَ الرَّكْعَة الْوَاحِدَة عَلَى جَمِيع الدُّنْيَا. وَالسَّجْدَة تُطْلَق وَيُرَاد بِهَا الرَّكْعَة , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الصَّلَاة حِينَئِذٍ تَكُون أَفْضَل مِنْ الصَّدَقَة لِكَثْرَةِ الْمَال إِذْ ذَاكَ وَعَدَم الِانْتِفَاع بِهِ حَتَّى لَا يَقْبَلهُ أَحَد. قَوْله فِي الْآيَة : ( وَإِنْ ) بِمَعْنَى مَا , أَيْ لَا يَبْقَى أَحَد مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَهُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى إِذَا نَزَلَ عِيسَى إِلَّا آمَنَ بِهِ , وَهَذَا مَصِير مِنْ أَبِي هُرَيْرَة إِلَى أَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله : ( إِلَّا لَيُؤْمِنَنّ بِهِ ) وَكَذَلِكَ فِي قَوْله : ( قَبْل مَوْته ) عَوْد عَلَى عِيسَى , أَيْ إِلَّا لَيُؤْمِنَنّ بِعِيسَى قَبْل مَوْت عِيسَى , وَبِهَذَا جَزَمَ اِبْن عَبَّاس فِيمَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْهُ بِإِسْنَادِ صَحِيح , وَمِنْ طَرِيق أَبِي رَجَاء عَنْ الْحَسَن قَالَ قَبْل مَوْت عِيسَى : وَاَللَّه إِنَّهُ الْآن لَحَيّ وَلَكِنْ إِذَا نَزَلَ آمِنُوا بِهِ أَجْمَعُونَ , وَنَقَلَهُ عَنْ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم وَرَجَّحَهُ اِبْن جَرِير وَغَيْره. وَنَقَلَ أَهْل التَّفْسِير فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا أُخَر وَأَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله : \" بِهِ \" يَعُود لِلَّهِ أَوْ لِمُحَمَّد , وَفِي \" مَوْته \" يَعُود عَلَى الْكِتَابِيّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ , وَقِيلَ : عَلَى عِيسَى. وَرَوَى اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" لَا يَمُوت يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ حَتَّى يُؤْمِن بِعِيسَى , فَقَالَ لَهُ عِكْرِمَة : أَرَأَيْت إِنْ خَرَّ مِنْ بَيْت أَوْ اِحْتَرَقَ أَوْ أَكَلَهُ السَّبُع ؟ قَالَ : لَا يَمُوت حَتَّى يُحَرِّك شَفَتَيْهِ بِالْإِيمَانِ بِعِيسَى \" وَفِي إِسْنَاده خُصَيْفٌ وَفِيهِ ضَعْف. وَرَجَّحَ جَمَاعَة هَذَا الْمَذْهَب بِقِرَاءَةِ أُبَيّ بْن كَعْب \" إِلَّا لَيُؤْمِنَنّ بِهِ قَبْل مَوْتهمْ \" أَيْ أَهْل الْكِتَاب. قَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى الْآيَة عَلَى هَذَا لَيْسَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب أَحَد يَحْضُرهُ الْمَوْت إِلَّا آمَنَ عِنْد الْمُعَايَنَة قَبْل خُرُوج رُوحه بِعِيسَى وَأَنَّهُ عَبْد اللَّه وَابْن أَمَته , وَلَكِنْ لَا يَنْفَعهُ هَذَا الْإِيمَان فِي تِلْكَ الْحَالَة كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدهمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْت الْآن ) قَالَ : وَهَذَا الْمَذْهَب أَظْهَر لِأَنَّ الْأَوَّل يَخُصّ الْكِتَابِيّ الَّذِي يُدْرِك نُزُول عِيسَى , وَظَاهِر الْقُرْآن عُمُومه فِي كُلّ كِتَابِيّ فِي زَمَن نُزُول عِيسَى وَقَبْله. قَالَ الْعُلَمَاء : الْحِكْمَة فِي نُزُول عِيسَى دُون غَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء الرَّدّ عَلَى الْيَهُود فِي زَعْمهمْ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ , فَبَيَّنَ اللَّه تَعَالَى كَذِبهمْ وَأَنَّهُ الَّذِي يَقْتُلهُمْ , أَوْ نُزُوله لِدُنُوِّ أَجَله لِيُدْفَن فِي الْأَرْض , إِذْ لَيْسَ لِمَخْلُوقٍ مِنْ التُّرَاب أَنْ يَمُوت فِي غَيْرهَا. وَقِيلَ : إِنَّهُ دَعَا اللَّه لَمَّا رَأَى صِفَة مُحَمَّد وَأُمَّته أَنْ يَجْعَلهُ مِنْهُمْ فَاسْتَجَابَ اللَّه دُعَاءَهُ وَأَبْقَاهُ حَتَّى يَنْزِل فِي آخِر الزَّمَان مُجَدِّدًا لِأَمْرِ الْإِسْلَام , فَيُوَافِق خُرُوج الدَّجَّال , فَيَقْتُلهُ , وَالْأَوَّل أَوْجَه. وَرَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر فِي مُدَّة إِقَامَة عِيسَى بِالْأَرْضِ بَعْد نُزُوله أَنَّهَا سَبْع سِنِينَ , وَرَوَى نُعَيْم بْن حَمَّاد فِي \" كِتَاب الْفِتَن \" مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ عِيسَى إِذْ ذَاكَ يَتَزَوَّج فِي الْأَرْض وَيُقِيم بِهَا تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَة , وَبِإِسْنَاد فِيهِمْ مُبْهَم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة يُقِيم بِهَا أَرْبَعِينَ سَنَة , وَرَوَى أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَاد صَحِيح مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن آدَم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْله مَرْفُوعًا. وَفِي هَذَا الْحَدِيث \" يَنْزِل عِيسَى عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصَّرَانِ فَيَدُقّ الصَّلِيب وَيَقْتُل الْخِنْزِير وَيَضَع الْجِزْيَة وَيَدْعُو النَّاس إِلَى الْإِسْلَام , وَيُهْلِك اللَّه فِي زَمَانه الْمِلَل كُلّهَا إِلَّا الْإِسْلَام , وَتَقَع الْأَمَنَة فِي الْأَرْض حَتَّى تَرْتَع الْأُسُود مَعَ الْإِبِل وَتَلْعَب الصِّبْيَان بِالْحَيَّاتِ - وَقَالَ فِي آخِره - ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ \" وَرَوَى أَحْمَد وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق حَنْظَلَة بْن عَلِيّ الْأَسْلَمِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" لَيُهِلَّن اِبْن مَرْيَم بِفَجِّ الرَّوْحَاء بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَة \" الْحَدِيث , وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه : يَنْزِل عِيسَى فَيَقْتُل الْخِنْزِير وَيُمْحِي الصَّلِيب وَتُجْمَع لَهُ الصَّلَاة وَيُعْطِي الْمَال حَتَّى لَا يُقْبَل وَيَضَع الْخَرَاج , وَيَنْزِل الرَّوْحَاء فَيَحُجّ مِنْهَا أَوْ يَعْتَمِر أَوْ يَجْمَعهُمَا وَتَلَا أَبُو هُرَيْرَة ( وَإِنْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب إِلَّا لَيُؤْمِنَنّ بِهِ ) الْآيَة. قَالَ حَنْظَلَة قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : يُؤْمِن بِهِ قَبْل مَوْت عِيسَى. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَوْت عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَبْل رَفْعه , وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى : ( إِنِّي مُتَوَفِّيك وَرَافِعك ) فَقِيلَ عَلَى ظَاهِره , وَعَلَى هَذَا فَإِذَا نَزَلَ إِلَى الْأَرْض وَمَضَتْ الْمُدَّة الْمُقَدَّرَة لَهُ يَمُوت ثَانِيًا. وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْله : ( مُتَوَفِّيك ) مِنْ الْأَرْض , فَعَلَى هَذَا لَا يَمُوت إِلَّا فِي آخِر الزَّمَان. وَاخْتُلِفَ فِي عُمُره حِين رُفِعَ فَقِيلَ اِبْن ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَقِيلَ مِائَة وَعِشْرِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3193",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ‏ ‏ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏وَالْأَوْزَاعِيُّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ نَافِع مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيّ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو مُحَمَّد بْن عَيَّاش الْأَقْرَع , قَالَ اِبْن حِبَّانَ هُوَ مَوْلَى اِمْرَأَة مِنْ غِفَار وَقِيلَ لَهُ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ لِمُلَازِمَتِهِ لَهُ. قُلْت : وَلَيْسَ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي الصَّحِيح سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( كَيْف أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ اِبْن مَرْيَم فِيكُمْ وَإِمَامكُمْ مِنْكُمْ ) ‏ ‏سَقَطَ قَوْله : \" فِيكُمْ \" مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عُقَيْل وَالْأَوْزَاعِيُّ ) ‏ ‏يَعْنِي تَابَعَا يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب فِي هَذَا الْحَدِيث , فَأَمَّا مُتَابَعَة عُقَيْل فَوَصَلَهَا اِبْن مَنْدَهْ فِي \" كِتَاب الْإِيمَان \" مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْهُ وَلَفْظه مِثْل سِيَاق أَبِي ذَرّ سَوَاء , وَأَمَّا مُتَابَعَة الْأَوْزَاعِيِّ فَوَصَلَهَا اِبْن مَنْدَهْ أَيْضًا وَابْن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْبَعْث \" وَابْن الْأَعْرَابِيّ فِي مُعْجَمه مِنْ طُرُق عَنْهُ وَلَفْظه مِثْل رِوَايَة يُونُس , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ اِبْن شِهَاب بِلَفْظِ \" وَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ \" قَالَ الْوَلِيد بْن مُسْلِم : فَقُلْت لِابْنِ أَبِي ذِئْب إِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ حَدَّثَنَا عَنْ الزُّهْرِيّ فَقَالَ : \" وَإِمَامكُمْ مِنْكُمْ \" قَالَ اِبْن أَبِي ذِئْب أَتَدْرِي مَا أَمَّكُمْ مِنْكُمْ ؟ قُلْت تُخْبِرنِي , قَالَ : فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبّكُمْ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اِبْن اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ عَنْ عَمّه بِلَفْظِ \" كَيْف بِكُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمْ اِبْن مَرْيَم فَأَمَّكُمْ \" وَعِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث جَابِر فِي قِصَّة الدَّجَّال وَنُزُول عِيسَى \" وَإِذَا هُمْ بِعِيسَى , فَيُقَال تَقَدَّمَ يَا رُوح اللَّه , فَيَقُول لِيَتَقَدَّمْ إِمَامكُمْ فَلْيُصَلِّ بِكُمْ \" وَلِابْنِ مَاجَهْ فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ الطَّوِيل فِي الدَّجَّال قَالَ : \" وَكُلّهمْ أَيْ الْمُسْلِمُونَ بِبَيْتِ الْمَقْدِس وَإِمَامهمْ رَجُل صَالِح قَدْ تَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ , إِذْ نَزَلَ عِيسَى فَرَجَعَ الْإِمَام يَنْكُص لِيَتَقَدَّم عِيسَى , فَيَقِف عِيسَى بَيْن كَتِفَيْهِ ثُمَّ يَقُول : تَقَدَّمْ فَإِنَّهَا لَك أُقِيمَتْ \" وَقَالَ أَبُو الْحَسَن الْخَسْعِيّ الْآبِدِيّ فِي مَنَاقِب الشَّافِعِيّ : تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار بِأَنَّ الْمَهْدِيّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة وَأَنَّ عِيسَى يُصَلِّي خَلْفه , ذَكَرَ ذَلِكَ رَدًّا لِلْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَنَس وَفِيهِ \" وَلَا مَهْدِيّ إِلَّا عِيسَى \" وَقَالَ أَبُو ذَرّ الْهَرَوِيُّ : حَدَّثَنَا الْجَوْزَقِيّ عَنْ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَ : مَعْنَى قَوْله : \" وَإِمَامكُمْ مِنْكُمْ \" يَعْنِي أَنَّهُ يَحْكُم بِالْقُرْآنِ لَا بِالْإِنْجِيلِ. وَقَالَ اِبْن التِّين : مَعْنَى قَوْله : \" وَإِمَامكُمْ مِنْكُمْ \" أَنَّ الشَّرِيعَة الْمُحَمَّدِيَّة مُتَّصِلَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَأَنَّ فِي كُلّ قَرْن طَائِفَة مِنْ أَهْل الْعِلْم. وَهَذَا وَالَّذِي قَبْله لَا يُبَيِّن كَوْن عِيسَى إِذَا نَزَلَ يَكُون إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون عِيسَى إِمَامًا فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَصِير مَعَكُمْ بِالْجَمَاعَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة. قَالَ الطِّيبِيُّ : الْمَعْنَى يَؤُمّكُمْ عِيسَى حَال كَوْنه فِي دِينكُمْ. وَيُعَكِّر عَلَيْهِ قَوْله فِي حَدِيث آخَر عِنْد مُسْلِم \" فَيُقَال لَهُ : صَلِّ لَنَا , فَيَقُول : لَا , إِنْ بَعْضكُمْ عَلَى بَعْض أُمَرَاء تَكْرِمَة لِهَذِهِ الْأُمَّة \" وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : لَوْ تَقَدَّمَ عِيسَى إِمَامًا لَوَقَعَ فِي النَّفْس إِشْكَال وَلَقِيلَ : أَتُرَاهُ تَقَدَّمَ نَائِبًا أَوْ مُبْتَدِئًا شَرْعًا , فَصَلَّى مَأْمُومًا لِئَلَّا يَتَدَنَّس بِغُبَارِ الشُّبْهَة وَجْه قَوْله : \" لَا نَبِيّ بَعْدِي \". وَفِي صَلَاة عِيسَى خَلْف رَجُل مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة مَعَ كَوْنه فِي آخِر الزَّمَان وَقُرْب قِيَام السَّاعَة دَلَالَة لِلصَّحِيحِ مِنْ الْأَقْوَال أَنَّ الْأَرْض لَا تَخْلُو عَنْ قَائِم لِلَّهِ بِحُجَّةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3194",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏لِحُذَيْفَةَ ‏ ‏أَلَا تُحَدِّثُنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ مَعَ ‏ ‏الدَّجَّالِ ‏ ‏إِذَا خَرَجَ مَاءً وَنَارًا فَأَمَّا الَّذِي يَرَى النَّاسُ أَنَّهَا النَّارُ فَمَاءٌ بَارِدٌ وَأَمَّا الَّذِي يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ فَنَارٌ تُحْرِقُ فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَرَى أَنَّهَا نَارٌ فَإِنَّهُ عَذْبٌ بَارِدٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ رَجُلًا كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَتَاهُ الْمَلَكُ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ فَقِيلَ لَهُ هَلْ عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ قَالَ مَا أَعْلَمُ قِيلَ لَهُ انْظُرْ قَالَ مَا أَعْلَمُ شَيْئًا غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا وَأُجَازِيهِمْ فَأُنْظِرُ الْمُوسِرَ وَأَتَجَاوَزُ عَنْ الْمُعْسِرِ فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ ‏ ‏فَقَالَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ رَجُلًا حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ الْحَيَاةِ أَوْصَى أَهْلَهُ إِذَا أَنَا مُتُّ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا وَأَوْقِدُوا فِيهِ نَارًا حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي ‏ ‏فَامْتُحِشَتْ ‏ ‏فَخُذُوهَا فَاطْحَنُوهَا ثُمَّ انْظُرُوا يَوْمًا رَاحًا فَاذْرُوهُ فِي الْيَمِّ فَفَعَلُوا فَجَمَعَهُ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏وَأَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَاكَ وَكَانَ نَبَّاشًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله : \" حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل \" ‏ ‏هَذَا هُوَ الصَّوَاب. وَلِبَعْضِهِمْ \" حَدَّثَنَا مُسَدَّد \" بَدَل \" مُوسَى \" وَلَيْسَ بِصَوَاب لِأَنَّ رِوَايَة مُسَدَّد سَتَأْتِي فِي آخِر هَذَا الْبَاب مَوْصُولَة , وَرِوَايَة مُوسَى مُعَلَّقَة مِنْ أَجْل كَلِمَة اِخْتَلَفَا فِيهَا عَلَى أَبِي عَوَانَة وَكَلَام أَبِي عَلِيّ الْغَسَّانِيّ يُوهِم أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ هُنَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَوْله : \" حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِك \" هُوَ اِبْن عُمَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُقْبَة بْن عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ أَبُو مَسْعُود الْأَنْصَارِيّ الْمَعْرُوف بِالْبَدْرِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ مَعَ الدَّجَّال إِذَا خَرَجَ مَاء ) ‏ ‏الْحَدِيث يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْفِتَن , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا إِيرَاد مَا يَلِيه وَهُوَ قِصَّة الرَّجُل الَّذِي كَانَ يُبَايِع النَّاس , وَقِصَّة الرَّجُل الَّذِي أَوْصَى بَنِيهِ أَنْ يُحَرِّقُوهُ. فَأَمَّا قِصَّة الَّذِي كَانَ يُبَايِع النَّاس فَقَدْ أَوْرَدَهَا أَيْضًا فِي أَوَاخِر هَذَا الْبَاب مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَثْنَاء كِتَاب الْبُيُوع , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة : \" كُنْت أُبَايِع النَّاس فِي الدُّنْيَا وَأُجَازِيهِمْ , أَيْ أُقَاضِيهِمْ , وَالْمُجَازَاة الْمُقَاضَاة , أَيْ آخُذ مِنْهُمْ وَأُعْطِي. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَأُجَازِفُهُمْ \" بِالْجِيمِ وَالزَّاي وَالْفَاء. وَفِي أُخْرَى بِالْمُهْمَلَةِ وَالرَّاء , وَكِلَاهُمَا تَصْحِيف لَا يَظْهَر , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قِصَّة الَّذِي أَوْصَى بَنِيهِ أَنْ يُحَرِّقُوهُ فَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِي أَوَاخِر هَذَا الْبَاب حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف مُفْرَدًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَامْتُحِشَت ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاة وَكَسْر الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُعْجَمَة أَيْ اِحْتَرَقَتْ , وَلِبَعْضِهِمْ بِوَزْنِ اِحْتَرَقَتْ وَهُوَ أَشْبَه. ‏ ‏وَقَوْله : ( ثُمَّ اُنْظُرُوا يَوْمًا رَاحًا ) ‏ ‏أَيْ شَدِيد الرِّيح. ‏ ‏قَوْله فِي آخِره : ( قَالَ عُقْبَة بْن عَمْرو , وَأَنَا سَمِعْته ) ‏ ‏يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏( يَقُول ذَاكَ , وَكَانَ نَبَّاشًا ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ الَّذِي سَمِعَهُ أَبُو مَسْعُود هُوَ الْحَدِيث الْأَخِير فَقَطْ , لَكِنْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر أَنَّهُ سَمِعَ الْجَمِيع , فَإِنَّهُ أَوْرَدَ فِي الْفِتَن قِصَّة الَّذِي كَانَ يُبَايِع النَّاس مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة , وَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ أَبُو مَسْعُود وَأَنَا سَمِعْته \" وَكَذَلِكَ قَالَ فِي حَدِيث الَّذِي أَوْصَى بَنِيهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر هَذَا الْبَاب , وَقَوْله : \" وَكَانَ نَبَّاشًا \" ظَاهِره أَنَّهُ مِنْ زِيَادَة أَبِي مَسْعُود فِي الْحَدِيث , لَكِنْ أَوْرَدَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَة قَالَ : \" تُوُفِّيَ رَجُل كَانَ نَبَّاشًا فَقَالَ لِوَلَدِهِ أَحْرِقُونِي \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْله : وَكَانَ نَبَّاشًا مِنْ رِوَايَة حُذَيْفَة وَأَبِي مَسْعُود مَعًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِلطَّبَرَانِيّ بِلَفْظِ \" بَيْنَمَا حُذَيْفَة وَأَبُو مَسْعُود جَالِسَيْنِ فَقَالَ أَحَدهمَا : سَمِعَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : إِنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل كَانَ يَنْبُش الْقُبُور \" فَذَكَرَهُ , وَعَرَفَ مِنْهَا وَجْه دُخُوله فِي هَذَا الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "3195",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏وَيُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَفِقَ ‏ ‏يَطْرَحُ ‏ ‏خَمِيصَةً ‏ ‏عَلَى وَجْهِهِ فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ ‏ ‏لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا نُزِلَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله , وَفِي نُسْخَة عِنْد أَبِي ذَرّ بِفَتْحَتَيْنِ ‏ ‏( بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏يَعْنِي الْمَوْت أَوْ مَلَك الْمَوْت , وَنَقَلَ النَّوَوِيّ أَنَّهُ فِي مُسْلِم لِلْأَكْثَرِ بِالضَّمِّ , وَفِي رِوَايَة بِزِيَادَةِ مُثَنَّاة يَعْنِي الْمَنِيَّة , أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمّ مِنْ هَذَا فِي الصَّلَاة. وَيَأْتِي شَرْحه فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَالْغَرَض مِنْهُ ذَمّ الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي اِتِّخَاذهمْ قُبُور أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِد , وَعَبْد اللَّه الَّذِي فِي الْإِسْنَاد هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏"
    },
    {
        "id": "3196",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فُرَاتٍ الْقَزَّازِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ قَاعَدْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏خَمْسَ سِنِينَ ‏ ‏فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏بَنُو إِسْرَائِيلَ ‏ ‏تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ فُرَات الْقَزَّاز ) ‏ ‏بِقَافِ وَزَايَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ فُرَات بِضَمِّ الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء آخِره مُثَنَّاة اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , وَأَبُو حَازِم هُوَ سَلْمَان الْأَشْجَعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( تَسُوسهُمْ الْأَنْبِيَاء ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا ظَهَرَ فِيهِمْ فَسَاد بَعَثَ اللَّه لَهُمْ نَبِيًّا لَهُمْ يُقِيم أَمْرهمْ وَيُزِيل مَا غَيَّرُوا مِنْ أَحْكَام التَّوْرَاة , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَا بُدّ لِلرَّعِيَّةِ مِنْ قَائِم بِأُمُورِهَا يَحْمِلهَا عَلَى الطَّرِيق الْحَسَنَة وَيُنْصِف الْمَظْلُوم مِنْ الظَّالِم. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي ) ‏ ‏أَيْ فَيَفْعَل مَا كَانَ أُولَئِكَ يَفْعَلُونَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَيَكُونُ خُلَفَاء ) ‏ ‏أَيْ بَعْدِي , ‏ ‏وَقَوْله : ( فَيَكْثُرُونَ ) ‏ ‏بِالْمُثَلَّثَةِ وَحَكَى عِيَاض أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ تَصْحِيف , وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْمُرَاد إِكْبَار قَبِيح فِعْلهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فُوا ) ‏ ‏فِعْل أَمْر بِالْوَفَاءِ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا بُويِعَ الْخَلِيفَة بَعْد خَلِيفَة فَبَيْعَة الْأَوَّل صَحِيحَة يَجِب الْوَفَاء بِهَا وَبَيْعَة الثَّانِي بَاطِلَة , قَالَ النَّوَوِيّ : سَوَاء عَقَدُوا لِلثَّانِي عَالِمِينَ بِعَقْدِ الْأَوَّل أَمْ لَا , سَوَاء كَانُوا فِي بَلَد وَاحِد أَوْ أَكْثَر. سَوَاء كَانُوا فِي بَلَد الْإِمَام الْمُنْفَصِل أَمْ لَا. هَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور , وَقِيلَ : تَكُون لِمَنْ عُقِدَتْ لَهُ فِي بَلَد الْإِمَام دُون غَيْره , وَقِيلَ : يُقْرَع بَيْنهمَا قَالَ : وَهُمَا قَوْلَانِ فَاسِدَانِ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِي هَذَا الْحَدِيث حُكْم بَيْعَة الْأَوَّل وَأَنَّهُ يَجِب الْوَفَاء بِهَا , وَسَكَتَ عَنْ بَيْعَة الثَّانِي. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي حَدِيث عَرْفَجَة فِي صَحِيح مُسْلِم حَيْثُ قَالَ : \" فَاضْرِبُوا عُنُق الْآخَر \". ‏ ‏قَوْله : ( أَعْطُوهُمْ حَقّهمْ ) ‏ ‏أَيْ أَطِيعُوهُمْ وَعَاشِرُوهُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة , فَإِنَّ اللَّه يُحَاسِبهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ بِكُمْ , وَسَتَأْتِي تَتِمَّة الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِل كِتَاب الْفِتَن. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ اللَّه سَائِلهمْ عَمَّا اِسْتَرْعَاهُمْ ) ‏ ‏هُوَ كَحَدِيثِ اِبْن عُمَر الْمُتَقَدِّم \" كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّته \" وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي الْحَدِيث تَقْدِيم أَمْر الدِّين عَلَى أَمْر الدُّنْيَا لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْر بِتَوْفِيَةِ حَقّ السُّلْطَان لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْلَاء كَلِمَة الدِّين وَكَفّ الْفِتْنَة وَالشَّرّ ; وَتَأْخِير أَمْر الْمُطَالَبَة بِحَقِّهِ لَا يُسْقِطهُ , وَقَدْ وَعَدَهُ اللَّه أَنَّهُ يُخْلِصهُ وَيُوَفِّيه إِيَّاهُ وَلَوْ فِي الدَّار الْآخِرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3197",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏قَالَ فَمَنْ ‏",
        "sharh": "حَدَيث أَبِي سَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( لَتَتَّبِعُنَّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْعَيْن وَتَشْدِيد النُّون ‏ ‏( سَنَن ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة أَيْ طَرِيق ( ‏ ‏مَنْ قَبْلكُمْ ) ‏ ‏أَيْ الَّذِينَ قَبْلكُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( جُحْر ) ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة ‏ ‏( ضَبّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة دُوَيْبَّة مَعْرُوفَة يُقَال خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الضَّبّ يُقَال لَهُ قَاضِي الْبَهَائِم. وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ التَّخْصِيص إِنَّمَا وَقَعَ لِجُحْرِ الضَّبّ لِشِدَّةِ ضِيقه وَرَدَاءَته , وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لِاقْتِفَائِهِمْ آثَارهمْ وَاتِّبَاعهمْ طَرَائِقهمْ لَوْ دَخَلُوا فِي مِثْل هَذَا الضَّيِّق الرَّدِيء لَتَبِعُوهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَمَنْ ) ‏ ‏؟ هُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَارِيّ , أَيْ لَيْسَ الْمُرَاد غَيْرهمْ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الِاعْتِصَام. ‏"
    },
    {
        "id": "3198",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ فَذَكَرُوا ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏فَأُمِرَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدَيث أَنَس \" ذَكَرُوا النَّار وَالنَّاقُوس \" ‏ ‏الْحَدِيث أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ مَضَى شَرْحه تَامًّا فِي كِتَاب الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "3199",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏كَانَتْ تَكْرَهُ أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ فِي خَاصِرَتِهِ وَتَقُولُ إِنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏تَفْعَلُهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدَيث عَائِشَة \" كَانَتْ تَكْرَه أَنْ يَجْعَل الْمُصَلِّي يَده فِي خَاصِرَته وَتَقُول إِنَّ الْيَهُودَ تَفْعَلهُ \" ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن الْفُرَات عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" إِنَّهَا كَرِهَتْ الِاخْتِصَار فِي الصَّلَاة وَقَالَتْ : إِنَّمَا يَفْعَل ذَلِكَ الْيَهُود \" وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن هَارُون عَنْ سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد , يَعْنِي وَضْع الْيَد عَلَى الْخَاصِرَة فِي الصَّلَاة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي أَوَاخِر الصَّلَاة فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" نَهَى عَنْ الْخَصْر فِي الصَّلَاة \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش ) ‏ ‏وَصَلَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيقه. ‏"
    },
    {
        "id": "3200",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنْ الْأُمَمِ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى ‏ ‏قِيرَاطٍ ‏ ‏قِيرَاطٍ ‏ ‏فَعَمِلَتْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى ‏ ‏قِيرَاطٍ ‏ ‏قِيرَاطٍ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى ‏ ‏قِيرَاطٍ ‏ ‏قِيرَاطٍ ‏ ‏فَعَمِلَتْ ‏ ‏النَّصَارَى ‏ ‏مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى ‏ ‏قِيرَاطٍ ‏ ‏قِيرَاطٍ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى ‏ ‏قِيرَاطَيْنِ ‏ ‏قِيرَاطَيْنِ ‏ ‏أَلَا فَأَنْتُمْ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى ‏ ‏قِيرَاطَيْنِ ‏ ‏قِيرَاطَيْنِ ‏ ‏أَلَا لَكُمْ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ فَغَضِبَتْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏فَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً قَالَ اللَّهُ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ فَإِنَّهُ فَضْلِي أُعْطِيهِ مَنْ شِئْتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عُمَر \" مَثَلكُمْ وَمَثَل الْيَهُود وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اِسْتَعْمَلَ عُمَّالًا \" ‏ ‏الْحَدِيث , تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "3201",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَعَنَ اللَّهُ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ ‏ ‏فَجَمَّلُوهَا ‏ ‏فَبَاعُوهَا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏وَأَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدَيث عُمَر \" قَاتَلَ اللَّه فُلَانًا \" ‏ ‏أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَامًّا فِي كِتَاب الْبُيُوع فِي أَوَاخِره مَعَ شَرْحه. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ جَابِر وَأَبُو هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏يَعْنِي فِي تَحْرِيم شُحُوم الْمَيْتَة دُون الْقِصَّة , فَأَمَّا حَدِيث جَابِر فَوَصَلَهُ الْمُصَنِّف فِي أَوَاخِر الْبُيُوع وَفِيهِ غَيْر ذَلِكَ , وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ. وَأَمَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَوَصَلَهُ الْمُصَنِّف فِي أَوَاخِر الْبُيُوع أَيْضًا مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3202",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي كَبْشَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي كَبْشَة السَّلُوليِّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ذِكْره فِي كِتَاب الْهِبَة فِي حَدِيث آخَر , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَة ) ‏ ‏قَالَ الْمُعَافَيّ النَّهْرَوَانِيّ فِي \" كِتَاب الْجَلِيس \" لَهُ : الْآيَة فِي اللُّغَة تُطْلَق عَلَى ثَلَاثَة مَعَانٍ : الْعَلَامَة الْفَاصِلَة , وَالْأُعْجُوبَة الْحَاصِلَة , وَالْبَلِيَّة النَّازِلَة. فَمِنْ الْأَوَّل قَوْله تَعَالَى : ( آيَتك أَلَّا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا ) وَمِنْ الثَّانِي ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة ) وَمِنْ الثَّالِث جَعَلَ الْأَمِير فُلَانًا الْيَوْم آيَة. وَيُجْمَع بَيْن هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَة أَنَّهُ قِيلَ لَهَا آيَة لِدَلَالَتِهَا وَفَصْلهَا وَإِبَانَتهَا. وَقَالَ فِي الْحَدِيث \" وَلَوْ آيَة \" أَيْ وَاحِدَة لِيُسَارِع كُلّ سَامِع إِلَى تَبْلِيغ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْآي وَلَوْ قَلَّ لِيَتَّصِل بِذَلِكَ نَقْل جَمِيع مَا جَاءَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ا ه كَلَامه. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل وَلَا حَرَج ) ‏ ‏أَيْ لَا ضِيق عَلَيْكُمْ فِي الْحَدِيث عَنْهُمْ لِأَنَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّجْر عَنْ الْأَخْذ عَنْهُمْ وَالنَّظَر فِي كُتُبهمْ ثُمَّ حَصَلَ التَّوَسُّع فِي ذَلِكَ , وَكَأَنَّ النَّهْي وَقَعَ قَبْل اِسْتِقْرَار الْأَحْكَام الْإِسْلَامِيَّة وَالْقَوَاعِد الدِّينِيَّة خَشْيَة الْفِتْنَة , ثُمَّ لَمَّا زَالَ الْمَحْذُور وَقَعَ الْإِذْن فِي ذَلِكَ لِمَا فِي سَمَاع الْأَخْبَار الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَانهمْ مِنْ الِاعْتِبَار , وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْله \" لَا حَرَج \" : لَا تَضِيق صُدُوركُمْ بِمَا تَسْمَعُونَهُ عَنْهُمْ مِنْ الْأَعَاجِيب فَإِنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُمْ كَثِيرًا , وَقِيلَ : لَا حَرَج فِي أَنَّ لَا تُحَدِّثُوا عَنْهُمْ لِأَنَّ قَوْله أَوَّلًا : \" حَدِّثُوا \" صِيغَة أَمْر تَقْتَضِي الْوُجُوب فَأَشَارَ إِلَى عَدَم الْوُجُوب وَأَنَّ الْأَمْر فِيهِ لِلْإِبَاحَةِ بِقَوْلِهِ : \" وَلَا حَرَج \" أَيْ فِي تَرْك التَّحْدِيث عَنْهُمْ. وَقِيلَ : الْمُرَاد رَفْع الْحَرَج عَنْ حَاكِي ذَلِكَ لِمَا فِي أَخْبَارهمْ مِنْ الْأَلْفَاظ الشَّنِيعَة نَحْو قَوْلهمْ ( اِذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّك فَقَاتِلَا ) وَقَوْلهمْ : ( اِجْعَلْ لَنَا إِلَهًا ) وَقِيلَ : الْمُرَاد بِبَنِي إِسْرَائِيل أَوْلَاد إِسْرَائِيل نَفْسه وَهُمْ أَوْلَاد يَعْقُوب , وَالْمُرَاد حَدِّثُوا عَنْهُمْ بِقِصَّتِهِمْ مَعَ أَخِيهِمْ يُوسُف , وَهَذَا أَبْعَد الْأَوْجُه. وَقَالَ مَالِك الْمُرَاد جَوَاز التَّحَدُّث عَنْهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْر حَسَن , أَمَّا مَا عُلِمَ كَذِبه فَلَا. وَقِيلَ : الْمَعْنَى حَدِّثُوا عَنْهُمْ بِمِثْلِ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآن وَالْحَدِيث الصَّحِيح. وَقِيلَ : الْمُرَاد جَوَاز التَّحَدُّث عَنْهُمْ بِأَيِّ صُورَة وَقَعَتْ مِنْ اِنْقِطَاع أَوْ بَلَاغ لِتَعَذُّرِ الِاتِّصَال فِي التَّحَدُّث عَنْهُمْ , بِخِلَافِ الْأَحْكَام الْإِسْلَامِيَّة فَإِنَّ الْأَصْل فِي التَّحَدُّث بِهَا الِاتِّصَال , وَلَا يَتَعَذَّر ذَلِكَ لِقُرْبِ الْعَهْد. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : مِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُجِيز التَّحَدُّث بِالْكَذِبِ , فَالْمَعْنَى حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل بِمَا لَا تَعْلَمُونَ كَذِبه , وَأَمَّا مَا تُجَوِّزُونَهُ فَلَا حَرَج عَلَيْكُمْ فِي التَّحَدُّث بِهِ عَنْهُمْ وَهُوَ نَظِير قَوْله : \" إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْل الْكِتَاب فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ \" وَلَمْ يَرِدْ الْإِذْن وَلَا الْمَنْع مِنْ التَّحَدُّث بِمَا يُقْطَع بِصِدْقِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْعِلْم , وَذَكَرْت عَدَد مَنْ رَوَاهُ وَصِفَة مَخَارِجه بِمَا يُغْنِي عَنْ الْإِعَادَة. وَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى تَغْلِيظ الْكَذِب عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِر , حَتَّى بَالَغَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ فَحَكَمَ بِكُفْرِ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ , وَكَلَام الْقَاضِي أَبِي بَكْر بْن الْعَرَبِيّ يَمِيل إِلَيْهِ. وَجَهِلَ مَنْ قَالَ مِنْ الْكَرَّامِيَّة وَبَعْض الْمُتَزَهِّدَة إِنَّ الْكَذِب عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُوز فِيمَا يَتَعَلَّق بِتَقْوِيَةِ أَمْر الدِّين وَطَرِيقَة أَهْل السُّنَّة وَالتَّرْغِيب وَالتَّرْهِيب , وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ الْوَعِيد وَرَدَ فِي حَقّ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ لَا فِي الْكَذِب لَهُ , وَهُوَ اِعْتِلَال بَاطِل ; لِأَنَّ الْمُرَاد بِالْوَعِيدِ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ الْكَذِب سَوَاء كَانَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ , وَالدِّين بِحَمْدِ اللَّه كَامِل غَيْر مُحْتَاج إِلَى تَقْوِيَته بِالْكَذِبِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3203",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ ) ‏ ‏يَقْتَضِي مَشْرُوعِيَّة الصَّبْغ , وَالْمُرَاد بِهِ صَبْغ شَيْب اللِّحْيَة وَالرَّأْس , وَلَا يُعَارِضهُ مَا وَرَدَ مِنْ النَّهْي عَنْ إِزَالَة الشَّيْب لِأَنَّ الصَّبْغ لَا يَقْتَضِي الْإِزَالَة. ثُمَّ إِنَّ الْمَأْذُون فِيهِ مُقَيَّد بِغَيْرِ السَّوَاد , لِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" غَيِّرُوهُ وَجَنِّبُوهُ السَّوَاد \" وَلِأَبِي دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا \" يَكُون قَوْم فِي آخِر الزَّمَان يُخَضِّبُونَ كَحَوَاصِل الْحَمَام لَا يَجِدُونَ رِيح الْجَنَّة \" وَإِسْنَاده قَوِيّ , إِلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي رَفْعه وَوَقْفه , وَعَلَى تَقْدِير تَرْجِيح وَقْفه فَمِثْله لَا يُقَال بِالرَّأْيِ فَحُكْمه الرَّفْع , وَلِهَذَا اِخْتَارَ النَّوَوِيّ أَنَّ الصَّبْغ بِالسَّوَادِ يُكْرَه كَرَاهِيَة تَحْرِيم. وَعَنْ الْحَلِيمِيّ أَنَّ الْكَرَاهَة خَاصَّة بِالرِّجَالِ دُون النِّسَاء فَيَجُوز ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ لِأَجْلِ زَوْجهَا. وَقَالَ مَالِك : الْحِنَّاء وَالْكَتْم وَاسِع , وَالصَّبْغ بِغَيْرِ السَّوَاد أَحَبّ إِلَيَّ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمُجَاهِد اِتِّفَاقًا , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالصَّبْغِ فِي هَذَا الْحَدِيث صَبْغ الثِّيَاب وَلَا خَضْب الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بِالْحِنَّاءِ مَثَلًا لِأَنَّ الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَا يَتْرُكُونَ ذَلِكَ , وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّة بِتَحْرِيمِ لُبْس الثِّيَاب الْمُزَعْفَرَة لِلرَّجُلِ وَبِتَحْرِيمِ خَضْب الرِّجَال أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ إِلَّا لِلتَّدَاوِي , وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3204",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فِي هَذَا الْمَسْجِدِ وَمَا نَسِينَا مُنْذُ حَدَّثَنَا وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ ‏ ‏جُنْدُبٌ ‏ ‏كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ فَمَا ‏ ‏رَقَأَ ‏ ‏الدَّمُ حَتَّى مَاتَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ ‏بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَعْمَر , نَسَبَهُ اِبْن السَّكَن عَنْ الْفَرَبْرِيّ , وَقِيلَ : هُوَ الذُّهْلِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَجَّاج ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مِنْهَال وَجَرِير هُوَ اِبْن حَازِم وَالْحَسَن هُوَ الْبَصْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي هَذَا الْمَسْجِد ) ‏ ‏هُوَ مَسْجِد الْبَصْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا نَسِينَا مُنْذُ حَدَّثَنَا ) ‏ ‏أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى تَحَقُّقِه لِمَا حَدَّثَ بِهِ وَقُرْب عَهْده بِهِ وَاسْتِمْرَار ذِكْره لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُون جُنْدُب كَذَبَ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الصَّحَابَة عُدُول , وَأَنَّ الْكَذِب مَأْمُون مِنْ قِبَلهمْ وَلَا سِيَّمَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلكُمْ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( بِهِ جُرْح ) ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيم وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا مُهْمَلَة , وَتَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز بِلَفْظِ بِهِ جِرَاح وَهُوَ بِكَسْرِ الْجِيم , وَذَكَرَهُ بَعْضهمْ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَآخِره جِيم وَهُوَ تَصْحِيف , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَنَّ رَجُلًا خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَة \" وَهِيَ بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون الرَّاء : حَبَّة تَخْرُج فِي الْبَدَن , وَكَأَنَّهُ كَانَ بِهِ جُرْح ثُمَّ صَارَ قَرْحَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَزِعَ ) ‏ ‏أَيْ فَلَمْ يَصْبِر عَلَى أَلَم تِلْكَ الْقَرْحَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَده ) ‏ ‏السِّكِّين تُذَكَّر وَتُؤَنَّث , وَقَوْله : \" حَزَّ \" بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالزَّاي هُوَ الْقَطْع بِغَيْرِ إِبَانَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَلَمَّا آذَتْهُ اِنْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَته فَنَكَأَهَا \" وَهُوَ بِالنُّونِ وَالْهَمْز أَيْ نَخَسَ مَوْضِع الْجُرْح , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يَكُون فَجَرَ الْجُرْح بِذُبَابَةِ السَّهْم فَلَمْ يَنْفَعهُ فَحَزَّ مَوْضِعه بِالسِّكِّينِ , وَدَلَّتْ رِوَايَة الْبُخَارِيّ عَلَى أَنَّ الْجُرْح كَانَ فِي يَده. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا رَقَأَ الدَّم ) ‏ ‏بِالْقَافِ وَالْهَمْز أَيْ لَمْ يَنْقَطِع. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ ) ‏ ‏هُوَ كِنَايَة عَنْ اِسْتِعْجَال الْمَذْكُور الْمَوْت , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ. وقَوْله : \" حَرَّمْت عَلَيْهِ الْجَنَّة \" جَارٍ مَجْرَى التَّعْلِيل لِلْعُقُوبَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا اِسْتَعْجَلَ الْمَوْت بِتَعَاطِي سَبَبه مِنْ إِنْفَاذ مَقَاتِله فَجَعَلَ لَهُ فِيهِ اِخْتِيَارًا عَصَى اللَّه بِهِ فَنَاسَبَ أَنْ يُعَاقِبهُ. وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ حَزَّهَا لِإِرَادَةِ الْمَوْت لَا لِقَصْدِ الْمُدَاوَاة الَّتِي يَغْلِب عَلَى الظَّنّ الِانْتِفَاع بِهَا. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ قَوْله : \" بَادَرَنِي بِنَفْسِهِ \" وَقَوْله : \" حَرَّمْت عَلَيْهِ الْجَنَّة \" لِأَنَّ الْأَوَّل يَقْتَضِي أَنْ يَكُون مَنْ قُتِلَ فَقَدْ مَاتَ قَبْل أَجَله لِمَا يُوهِمهُ سِيَاق الْحَدِيث مِنْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْتُل نَفْسه كَانَ قَدْ تَأَخَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْت وَعَاشَ , لَكِنَّهُ بَادَرَ فَتَقَدَّمَ , وَالثَّانِي يَقْتَضِي تَخْلِيد الْمُوَحِّد فِي النَّار. وَالْجَوَاب عَنْ الْأَوَّل أَنَّ الْمُبَادَرَة مِنْ حَيْثُ التَّسَبُّب فِي ذَلِكَ وَالْقَصْد لَهُ وَالِاخْتِيَار , وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَة لِوُجُودِ صُورَتهَا , وَإِنَّمَا اِسْتَحَقَّ الْمُعَاقَبَة لِأَنَّ اللَّه لَمْ يُطْلِعهُ عَلَى اِنْقِضَاء أَجَله فَاخْتَارَ هُوَ قَتْل نَفْسه فَاسْتَحَقَّ الْمُعَاقَبَة لِعِصْيَانِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر : قَضَاء اللَّه مُطْلَق وَمُقَيَّد بِصِفَة , فَالْمُطْلَق يَمْضِي عَلَى الْوَجْه بِلَا صَارِف , وَالْمُقَيَّد عَلَى الْوَجْهَيْنِ , مِثَاله أَنْ يُقَدِّر لِوَاحِد أَنَّ يَعِيش عِشْرِينَ سَنَة إِنْ قَتَلَ نَفْسه وَثَلَاثِينَ سَنَة إِنْ لَمْ يَقْتُل وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَعْلَم بِهِ الْمَخْلُوق كَمَلَكِ الْمَوْت مَثَلًا , وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْم اللَّه فَإِنَّهُ لَا يَقَع إِلَّا مَا عَلِمَهُ. وَنَظِير ذَلِكَ الْوَاجِب الْمُخَيَّر فَالْوَاقِع مِنْهُ مَعْلُوم عِنْد اللَّه وَالْعَبْد مُخَيَّر فِي أَيّ الْخِصَال يَفْعَل , وَالْجَوَاب عَنْ الثَّانِي مِنْ أَوْجُه : ‏ ‏أَحَدهَا : أَنَّهُ كَانَ اِسْتَحَلَّ ذَلِكَ الْفِعْل فَصَارَ كَافِرًا. ‏ ‏ثَانِيهَا : كَانَ كَافِرًا فِي الْأَصْل وَعُوقِبَ بِهَذِهِ الْمَعْصِيَة زِيَادَة عَلَى كُفْره. ‏ ‏ثَالِثهَا : أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْجَنَّة حُرِّمَتْ عَلَيْهِ فِي وَقْت مَا كَالْوَقْتِ الَّذِي يَدْخُل فِيهِ السَّابِقُونَ أَوْ الْوَقْت الَّذِي يُعَذَّب فِيهِ الْمُوَحِّدُونَ فِي النَّار ثُمَّ يَخْرُجُونَ. ‏ ‏رَابِعهَا : أَنَّ الْمُرَاد جَنَّة مُعَيَّنَة كَالْفِرْدَوْسِ مَثَلًا. ‏ ‏خَامِسهَا : أَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ عَلَى سَبِيل التَّغْلِيظ وَالتَّخْوِيف وَظَاهِره غَيْر مُرَاد. ‏ ‏سَادِسهَا : أَنَّ التَّقْدِير حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّة إِنْ شِئْت اِسْتِمْرَار ذَلِكَ. ‏ ‏سَابِعهَا : قَالَ النَّوَوِيّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ شَرْع مَنْ مَضَى أَنَّ أَصْحَاب الْكَبَائِر يَكْفُرُونَ بِفِعْلِهَا. وَفِي الْحَدِيث تَحْرِيم قَتْل النَّفْس سَوَاء كَانَتْ نَفْس الْقَاتِل أَمْ غَيْره , وَقَتْل الْغَيْر يُؤْخَذ تَحْرِيمه مِنْ هَذَا الْحَدِيث بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَفِيهِ الْوُقُوف عِنْد حُقُوق اللَّه وَرَحْمَته بِخَلْقِهِ حَيْثُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ قَتْل نُفُوسهمْ وَأَنَّ الْأَنْفُس مِلْك اللَّه. وَفِيهِ التَّحْدِيث عَنْ الْأُمَم الْمَاضِيَة وَفَضِيلَة الصَّبْر عَلَى الْبَلَاء وَتَرْك التَّضَجُّر مِنْ الْآلَام لِئَلَّا يُفْضِي إِلَى أَشَدّ مِنْهَا. وَفِيهِ تَحْرِيم تَعَاطِي الْأَسْبَاب الْمُفْضِيَة إِلَى قَتْل النَّفْس. وَفِيهِ التَّنْبِيه عَلَى أَنَّ حُكْم السِّرَايَة عَلَى مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ اِبْتِدَاء الْقَتْل. وَفِيهِ الِاحْتِيَاط فِي التَّحْدِيث وَكَيْفِيَّة الضَّبْط لَهُ وَالتَّحَفُّظ فِيهِ بِذِكْرِ الْمَكَان وَالْإِشَارَة إِلَى ضَبْط الْمُحَدِّث لِمَنْ حَدَّثَهُ لِيَرْكَن السَّامِع لِذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3205",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ ثَلَاثَةً فِي ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى بَدَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَأَتَى الْأَبْرَصَ فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ قَالَ فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا فَقَالَ أَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الْإِبِلُ ‏ ‏أَوْ قَالَ الْبَقَرُ هُوَ شَكَّ فِي ذَلِكَ إِنَّ الْأَبْرَصَ وَالْأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا الْإِبِلُ وَقَالَ الْآخَرُ الْبَقَرُ ‏ ‏فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ فَقَالَ يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا وَأَتَى الْأَقْرَعَ فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ شَعَرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ قَالَ فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا قَالَ فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الْبَقَرُ قَالَ فَأَعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلًا وَقَالَ يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا وَأَتَى الْأَعْمَى فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ يَرُدُّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ قَالَ فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ قَالَ فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الْغَنَمُ فَأَعْطَاهُ شَاةً وَالِدًا فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ إِبِلٍ وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ غَنَمٍ ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ تَقَطَّعَتْ ‏ ‏بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي فَقَالَ لَهُ إِنَّ الْحُقُوقَ كَثِيرَةٌ فَقَالَ لَهُ كَأَنِّي أَعْرِفُكَ أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ فَقَالَ لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ فَقَالَ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا فَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا فَقَالَ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ وَتَقَطَّعَتْ ‏ ‏بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي فَقَالَ قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرِي وَفَقِيرًا فَقَدْ أَغْنَانِي فَخُذْ مَا شِئْتَ فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ فَقَالَ أَمْسِكْ مَالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ السَّرْمَارِيّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَيَجُوز كَسْرهَا وَبَعْدهَا رَاء سَاكِنَة نِسْبَة إِلَى سَرْمَارَة مِنْ قُرَى بُخَارَى , الزَّاهِد الْمُجَاهِد وَهُوَ مِنْ أَقْرَان الْبُخَارِيّ , مَاتَ سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله فِي السَّنَد الثَّانِي ( وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن رَجَاء ) ‏ ‏يُقَال إِنْ مُحَمَّدًا هَذَا هُوَ الذُّهْلِيُّ , وَيُقَال إِنَّهُ الْمُصَنِّف نَفْسه كَمَا قِيلَ فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء فِي اللُّقَطَة وَعِدَّة مَوَاضِع بِغَيْرِ وَاسِطَة , لَكِنْ جَزَمَ أَبُو ذَرّ بِأَنَّهُ عِنْد الْمُصَنِّف عَنْ مُحَمَّد غَيْر مَنْسُوب عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء وَجَوَّزَ أَنَّهُ الذُّهْلِيُّ وَسَاقَهُ عَنْ الْجَوْزَقِيّ عَنْ مَكِّيّ بْن عَبْدَان عَنْ الذُّهْلِيِّ بِطُولِهِ , وَكَذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن الْعَبَّاس عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى , وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد حَدِيث آخَر أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ بِهَذَيْنِ السَّنَدَيْنِ سَوَاء إِلَى أَبِي هُرَيْرَة , وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيّ لِإِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَمْرَة سِوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي طَلْحَة صَرَّحَ بِهِ شَيْبَان فِي رِوَايَته عَنْ هَمَّام عِنْد مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( بَدَا لِلَّهِ ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ الدَّال الْمُهْمَلَة بِغَيْرِ هَمْز أَيْ سَبَقَ فِي عِلْم اللَّه فَأَرَادَ إِظْهَاره , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ بَعْد أَنْ كَانَ خَافِيًا لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَال فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ شَيْبَانَ بْن فَرُّوخ عَنْ هَمَّام بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظِ \" أَرَادَ اللَّه أَنْ يَبْتَلِيهِمْ \" , فَلَعَلَّ التَّغْيِير فِيهِ مِنْ الرُّوَاة , مَعَ أَنَّ فِي الرِّوَايَة أَيْضًا نَظَرًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُرِيدًا وَالْمَعْنَى أَظْهَر اللَّه ذَلِكَ فِيهِمْ. وَقِيلَ : مَعْنَى أَرَادَ قَضَى. وَقَالَ صَاحِب \" الْمَطَالِع \" ضَبَطْنَاهُ عَلَى مُتْقِنِي شُيُوخنَا بِالْهَمْزِ أَيْ اِبْتَدَأَ اللَّه أَنْ يَبْتَلِيهِمْ , قَالَ : وَرَوَاهُ كَثِير مِنْ الشُّيُوخ بِغَيْرِ هَمْز وَهُوَ خَطَأ اِنْتَهَى. وَسَبَقَ إِلَى التَّخْطِئَة أَيْضًا الْخَطَّابِيُّ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ لِأَنَّهُ مُوَجَّه كَمَا تَرَى , وَأَوْلَى مَا يُحْمَل عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَاد قَضَى اللَّه أَنْ يَبْتَلِيهِمْ , وَأَمَّا الْبَدْء الَّذِي يُرَاد بِهِ تَغَيُّر الْأَمْر عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَلَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَذِرَنِي النَّاس ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَالذَّال الْمُعْجَمَة الْمَكْسُورَة أَيْ اِشْمَأَزُّوا مِنْ رُؤْيَتِي , وَفِي رِوَايَة حَكَاهَا الْكَرْمَانِيُّ \" قَذِرُونِي النَّاس \" وَهِيَ عَلَى لُغَة أَكَلُونِي الْبَرَاغِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَسَحَهُ ) ‏ ‏أَيْ مَسَحَ عَلَى جِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ وَأَيّ الْمَال ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِحَذْفِ الْوَاو. ‏ ‏قَوْله : ( الْإِبِل , أَوْ قَالَ الْبَقَر , هُوَ شَكّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَبْرَص وَالْأَقْرَع قَالَ أَحَدهمَا الْإِبِل وَقَالَ الْآخَر الْبَقَر ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد مُسْلِم عَنْ شَيْبَانَ بْن فَرُّوخ عَنْ هَمَّام التَّصْرِيح بِأَنَّ الَّذِي شَكَّ فِي ذَلِكَ هُوَ إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة رَاوِي الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُعْطِيَ نَاقَة عُشَرَاء ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي تَمَنَّى الْإِبِل , وَالْعُشَرَاء بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَفَتْح الشِّين الْمُعْجَمَة مَعَ الْمَدّ هِيَ الْحَامِل الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا فِي حَمْلهَا عَشْرَة أَشْهُر مِنْ يَوْم طَرَقَهَا الْفَحْل , وَقِيلَ : يُقَال لَهَا ذَلِكَ إِلَى أَنْ تَلِد وَبَعْدَمَا تَضَع , وَهِيَ مِنْ أَنْفَس الْمَال. ‏ ‏قَوْله : ( يُبَارَك لَك فِيهَا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ \" يُبَارَك \" بِضَمِّ أَوَّله. وَفِي رِوَايَة شَيْبَانَ \" بَارَكَ اللَّه \" بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي وَإِبْرَاز الْفَاعِل. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَسَحَهُ ) ‏ ‏أَيْ مَسَحَ عَلَى عَيْنَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( شَاة وَالِدًا ) ‏ ‏أَيْ ذَات وَلَد وَيُقَال حَامِل. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْتَجَ هَذَانِ ) ‏ ‏أَيْ صَاحِب الْإِبِل وَالْبَقَر ‏ ‏( وَوَلَّدَ هَذَا ) ‏ ‏أَيْ صَاحِب الشَّاة , وَهُوَ بِتَشْدِيدِ اللَّام , وَأَنْتَجَ فِي مِثْل هَذَا شَاذّ وَالْمَشْهُور فِي اللُّغَة نُتِجَتْ النَّاقَة بِضَمِّ النُّون وَنَتَجَ الرَّجُل النَّاقَة أَيْ حَمَلَ عَلَيْهَا الْفَحْل , وَقَدْ سُمِعَ أَنْتَجَتْ الْفَرَس إِذَا وَلَدَتْ فَهِيَ نَتُوج. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَص فِي صُورَته ) ‏ ‏أَيْ فِي الصُّورَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لَمَّا اِجْتَمَعَ بِهِ وَهُوَ أَبْرَص لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي إِقَامَة الْحُجَّة عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَجُل مِسْكِين ) ‏ ‏زَادَ شَيْبَان وَابْن سَبِيل ‏ ‏( تَقَطَّعَتْ بِهِ الْحِبَال فِي سَفَره ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِي الْحِبَال فِي سَفَرِي \" وَالْحِبَال بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة خَفِيفَة جَمْع حَبْل أَيْ الْأَسْبَاب الَّتِي يَقْطَعُهَا فِي طَلَب الرِّزْق , وَقِيلَ الْعَقَبَات , وَقِيلَ الْحَبْل هُوَ الْمُسْتَطِيل مِنْ الرَّمْل. وَلِبَعْضِ رُوَاة مُسْلِم \" الْحِيَال \" بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّة جَمْع حِيلَة , أَيْ لَمْ يَبْقَ لِي حِيلَة , وَلِبَعْضِ رُوَاة الْبُخَارِيّ \" الْجِبَال \" بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَة وَهُوَ تَصْحِيف. قَالَ اِبْن التِّين قَوْل الْمَلَك لَهُ \" رَجُل مِسْكِين إِلَخْ \" أَرَادَ أَنَّك كُنْت هَكَذَا , وَهُوَ مِنْ الْمَعَارِيض وَالْمُرَاد بِهِ ضَرْب الْمَثَل لِيَتَيَقَّظ الْمُخَاطَب. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَبَلَّغ عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَتَبَلَّغ بِهِ \" وَأَتَبَلَّغ بِالْغَيْن الْمُعْجَمَة مِنْ الْبُلْغَة وَهِيَ الْكِفَايَة وَالْمَعْنَى أَتَوَصَّل بِهِ إِلَى مُرَادِي. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ وَرِثْت لِكَابِرِ عَنْ كَابِر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" كَابِرًا عَنْ كَابِر \" وَفِي رِوَايَة شَيْبَانَ \" إِنَّمَا وَرِثْت هَذَا الْمَال كَابِرًا عَنْ كَابِر \" أَيْ كَبِير عَنْ كَبِير فِي الْعِزّ وَالشَّرَف. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ إِنْ كُنْت كَاذِبًا فَصَيَّرَك اللَّهُ ) ‏ ‏أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَة فِي الدُّعَاء عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَخُذْ مَا شِئْت ) ‏ ‏زَادَ شَيْبَان \" وَدَعْ مَا شِئْت \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا أَجْهَدُك الْيَوْم بِشَيْء أَخَذْتَهُ لِلَّهِ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْبُخَارِيّ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمِيم , كَذَا قَالَ عِيَاض إِنَّ رُوَاة الْبُخَارِيّ لَمْ تَخْتَلِف فِي ذَلِكَ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ , وَالْمَعْنَى لَا أَحْمَدك عَلَى تَرْك شَيْء تَحْتَاج إِلَيْهِ مِنْ مَالِي , كَمَا قَالَ الشَّاعِر ‏ ‏وَلَيْسَ عَلَى طُول الْحَيَاة تَنَدُّم ‏ ‏أَيْ فَوْت طُول الْحَيَاة , وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَأَكْثَر رِوَايَات مُسْلِم \" لَا أُجْهِدك \" بِالْجِيمِ وَالْهَاء أَيْ لَا أَشُقّ عَلَيْك فِي رَدّ شَيْء تَطْلُبهُ مِنِّي أَوْ تَأْخُذهُ , قَالَ عِيَاض : لَمْ يَتَّضِح هَذَا الْمَعْنَى لِبَعْضِ النَّاس فَقَالَ لَعَلَّهُ \" لَا أَحُدّك \" بِمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الدَّال بِغَيْرِ مِيم أَيْ لَا أَمْنَعك , قَالَ : وَهَذَا تَكَلُّف اِنْتَهَى. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَوْله : \" أُحَمِّدك \" بِتَشْدِيدِ الْمِيم أَيْ لَا أَطْلُب مِنْك الْحَمْد , مِنْ قَوْلهمْ فُلَان يَتَحَمَّد عَلَى فُلَان أَيْ يَمْتَنّ عَلَيْهِ , أَيْ لَا أَمْتَنّ عَلَيْك. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّمَا اُبْتُلِيتُمْ ) ‏ ‏أَيْ اُمْتُحِنْتُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَدْ رَضِيَ عَنْك ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ فِي رَضِيَ وَسَخِطَ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ مَا مُحَصَّله : كَانَ مِزَاج الْأَعْمَى أَصَحّ مِنْ مِزَاج رَفِيقَيْهِ , لِأَنَّ الْبَرَص مَرَض يَحْصُل مِنْ فَسَاد الْمِزَاج وَخَلَل الطَّبِيعَة وَكَذَلِكَ الْقَرَع , بِخِلَافِ الْعَمَى فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِم ذَلِكَ بَلْ قَدْ يَكُون مِنْ أَمْر خَارِج فَلِهَذَا حَسُنَتْ طِبَاع الْأَعْمَى وَسَاءَتْ طِبَاع الْآخَرَيْنِ. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز ذِكْر مَا اِتَّفَقَ لِمَنْ مَضَى لِيَتَّعِظ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ وَلَا يَكُون ذَلِكَ غِيبَة فِيهِمْ , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي تَرْك تَسْمِيَتهمْ , وَلَمْ يُفْصِح بِمَا اِتَّفَقَ لَهُمْ بَعْد ذَلِكَ , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْأَمْر فِيهِمْ وَقَعَ كَمَا قَالَ الْمَلَك. وَفِيهِ التَّحْذِير مِنْ كُفْرَان النِّعَم وَالتَّرْغِيب فِي شُكْرهَا وَالِاعْتِرَاف بِهَا وَحَمْد اللَّه عَلَيْهَا , وَفِيهِ فَضْل الصَّدَقَة وَالْحَثّ عَلَى الرِّفْق بِالضُّعَفَاءِ وَإِكْرَامهمْ وَتَبْلِيغهمْ مَآرِبهمْ , وَفِيهِ الزَّجْر عَنْ الْبُخْل , لِأَنَّهُ حَمَلَ صَاحِبه عَلَى الْكَذِب , وَعَلَى جَحْد نِعْمَة اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3206",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَمْشُونَ إِذْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ ‏ ‏فَأَوَوْا ‏ ‏إِلَى غَارٍ فَانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا هَؤُلَاءِ لَا يُنْجِيكُمْ إِلَّا الصِّدْقُ فَليَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَجِيرٌ عَمِلَ لِي عَلَى فَرَقٍ مِنْ أَرُزٍّ فَذَهَبَ وَتَرَكَهُ وَأَنِّي عَمَدْتُ إِلَى ذَلِكَ الْفَرَقِ فَزَرَعْتُهُ فَصَارَ مِنْ أَمْرِهِ أَنِّي اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَأَنَّهُ أَتَانِي يَطْلُبُ أَجْرَهُ فَقُلْتُ لَهُ اعْمِدْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ فَسُقْهَا فَقَالَ لِي إِنَّمَا لِي عِنْدَكَ فَرَقٌ مِنْ أَرُزٍّ فَقُلْتُ لَهُ اعْمِدْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ فَإِنَّهَا مِنْ ذَلِكَ ‏ ‏الْفَرَقِ ‏ ‏فَسَاقَهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا فَانْسَاحَتْ عَنْهُمْ الصَّخْرَةُ فَقَالَ الْآخَرُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ فَكُنْتُ آتِيهِمَا كُلَّ لَيْلَةٍ بِلَبَنِ غَنَمٍ لِي فَأَبْطَأْتُ عَلَيْهِمَا لَيْلَةً فَجِئْتُ وَقَدْ رَقَدَا وَأَهْلِي وَعِيَالِي ‏ ‏يَتَضَاغَوْنَ ‏ ‏مِنْ الْجُوعِ فَكُنْتُ لَا أَسْقِيهِمْ حَتَّى يَشْرَبَ أَبَوَايَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَهُمَا فَيَسْتَكِنَّا لِشَرْبَتِهِمَا فَلَمْ أَزَلْ أَنْتَظِرُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا فَانْسَاحَتْ عَنْهُمْ الصَّخْرَةُ حَتَّى نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ الْآخَرُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي ابْنَةُ عَمٍّ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَأَنِّي رَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ إِلَّا أَنْ آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَطَلَبْتُهَا حَتَّى قَدَرْتُ فَأَتَيْتُهَا بِهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهَا فَأَمْكَنَتْنِي مِنْ نَفْسِهَا فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا فَقَالَتْ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ فَقُمْتُ وَتَرَكْتُ الْمِائَةَ دِينَارٍ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَمَا ثَلَاثَة نَفَر مِمَّنْ كَانَ قَبْلكُمْ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم وَاحِد مِنْهُمْ , وَفِي حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي الدُّعَاء أَنَّ ثَلَاثَة نَفَر مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل. ‏ ‏قَوْله : ( يَمْشُونَ ) ‏ ‏فِي حَدِيث عُقْبَة وَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد اِبْن حِبَّانَ وَالْبَزَّار أَنَّهُمْ خَرَجُوا يَرْتَادُونَ لِأَهْلَيْهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَوَوْا إِلَى غَار ) ‏ ‏يَجُوز قَصْر أَلِف \" أَوَوْا \" وَمَدّهَا. وَفِي حَدِيث أَنَس عِنْد أَحْمَد وَأَبِي يَعْلَى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ \" فَدَخَلُوا غَارًا فَسَقَطَ عَلَيْهِمْ حَجَر مُتَجَافٍ حَتَّى مَا يَرَوْنَ مِنْهُ حُصَاصَةً \" وَفِي رِوَايَة سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ \" حَتَّى أَوَوْا الْمَبِيت إِلَى غَار \" كَذَا لِلْمُصَنِّفِ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" حَتَّى أَوَاهُمْ الْمَبِيت \" وَهُوَ أَشْهَر فِي الِاسْتِعْمَال , وَالْمَبِيت فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مَنْصُوب عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَتَوْجِيهه أَنَّ دُخُول الْغَار مِنْ فِعْلهمْ فَحَسُنَ أَنْ يُنْسَب الْإِيوَاء إِلَيْهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏أَيْ بَاب الْغَار , وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع فِي الْمُزَارَعَة فَانْحَطَّتْ عَلَى فَم غَارهمْ صَخْرَة مِنْ الْجَبَل فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ وَيَأْتِي فِي الْأَدَب بِلَفْظِ \" فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ \" وَفِيهِ حَذْف الْمَفْعُول وَالتَّقْدِير نَفْسهَا أَوْ الْمَنْفَذ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة سَالِم \" فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَة مِنْ الْجَبَل فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَار , زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير مِنْ وَجْه آخَر \" إِذْ وَقَعَ حَجَر مِنْ الْجَبَل مِمَّا يَهْبِط مِنْ خَشْيَة اللَّه حَتَّى سَدَّ فَم الْغَار \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَدْعُ كُلّ رَجُل مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَم أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة الْمَذْكُورَة \" اُنْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَة لِلَّهِ \" وَمِثْله لِمُسْلِم , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" خَالِصَة اُدْعُوا اللَّه بِهَا \" وَمِنْ طَرِيقه فِي الْبُيُوع \" اُدْعُوا اللَّه بِأَفْضَل عَمَل عَمِلْتُمُوهُ \" وَفِي رِوَايَة سَالِم \" إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّه بِصَالِحِ أَعْمَالكُمْ \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَأَنَس جَمِيعًا \" فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْض عَفَا الْأَثَر وَوَقَعَ الْحَجَر وَلَا يَعْلَم بِمَكَانِكُمْ إِلَّا اللَّه , اُدْعُوا اللَّه بِأَوْثَق أَعْمَالكُمْ \" وَفِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد الْبَزَّار \" تَفَكَّرُوا فِي أَحْسَن أَعْمَالكُمْ فَادْعُوا اللَّه بِهَا لَعَلَّ اللَّه يُفَرِّج عَنْكُمْ \". وَفِي حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير \" إِنَّكُمْ لَنْ تَجِدُوا شَيْئًا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَدْعُو كُلّ اِمْرِئِ مِنْكُمْ بِخَيْرِ عَمَل عَمِلَه قَطُّ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنْ كُنْت تَعْلَم ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَالنَّسَفِيّ وَأَبِي الْوَقْت لَمْ يَذْكُر الْقَائِل , وَلِلْبَاقِينَ \" فَقَالَ وَاحِد مِنْهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ إِنْ كُنْت تَعْلَم ) ‏ ‏فِيهِ إِشْكَال لِأَنَّ الْمُؤْمِن يَعْلَم قَطْعًا أَنَّ اللَّه يَعْلَم ذَلِكَ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي عَمَله ذَلِكَ هَلْ لَهُ اِعْتِبَار عِنْد اللَّه أَمْ لَا , وَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَ عَمَلِي ذَلِكَ مَقْبُولًا فَأَجِبْ دُعَائِي , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَظْهَر أَنَّ قَوْله \" اللَّهُمَّ \" عَلَى بَابهَا فِي النِّدَاء , وَقَدْ تَرَدَّدَ بِمَعْنَى تَحَقَّقَ الْجَوَاب كَمَنْ سَأَلَ آخَر عَنْ شَيْء كَأَنْ يَقُول رَأَيْت زَيْدًا فَيَقُول اللَّهُمَّ نَعَمْ , وَقَدْ تُرَدّ أَيْضًا لِنُدْرَةِ الْمُسْتَثْنَى كَأَنْ يَقُول شَيْئًا ثُمَّ يَسْتَثْنِي مِنْهُ فَيَقُول اللَّهُمَّ إِلَّا إِنْ كَانَ كَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى فَرَق ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء وَالرَّاء بَعْدهَا قَاف وَقَدْ تُسَكَّن الرَّاء. وَهُوَ مِكْيَال يَسَع ثَلَاثَة آصُع ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أُرْز ) ‏ ‏فِيهِ سِتّ لُغَات فَتْح الْأَلِف وَضَمّهَا مَعَ ضَمّ الرَّاء وَبِضَمِّ الْأَلِف مَعَ سُكُون الرَّاء وَتَشْدِيد الزَّاي وَتَخْفِيفهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُزَارَعَة أَنَّهُ فَرَق ذُرَة , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ بَيَان الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ اِسْتَأْجَرَ أَكْثَر مِنْ وَاحِد , وَكَانَ بَعْضهمْ بِفَرَقِ ذُرَة وَبَعْضهمْ بِفَرَقِ أُرْز. وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة سَالِم \" اِسْتَأْجَرْت أُجَرَاء فَأَعْطَيْتهمْ أَجْرهمْ غَيْر رَجُل وَاحِد تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ \" وَفِي حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير نَحْوه كَمَا سَأَذْكُرُهُ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي الدُّعَاء \" اِسْتَأْجَرْت قَوْمًا كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ بِنِصْفِ دِرْهَم , فَلَمَّا فَرَغُوا أَعْطَيْتهمْ أُجُورهمْ , فَقَالَ أَحَدهمْ : وَاَللَّه لَقَدْ عَمِلْت عَمَل اِثْنَيْنِ , وَاَللَّه لَا آخُذ إِلَّا دِرْهَمًا , فَذَهَبَ وَتَرَكَهُ , فَبَذَرْت مِنْ ذَلِكَ النِّصْف دِرْهَم إِلَخْ \" وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ الْفَرَق الْمَذْكُور كَانَتْ قِيمَته نِصْف دِرْهَم إِذْ ذَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَهَبَ وَتَرَكَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة \" فَأَعْطَيْته فَأَبَى ذَاكَ أَنْ يَأْخُذ \" وَفِي رِوَايَته فِي الْمُزَارَعَة \" فَلَمَّا قَضَى عَمَله قَالَ : أَعْطِنِي حَقِّي , فَعَرَضْت عَلَيْهِ حَقّه فَرَغِبَ عَنْهُ \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَعَمِلَ لِي نِصْف النَّهَار فَأَعْطَيْته أَجْرًا فَسَخِطَهُ وَلَمْ يَأْخُذهُ \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير بَيَان السَّبَب فِي تَرْك الرَّجُل أُجْرَته وَلَفْظه \" كَانَ لِي أُجَرَاء يَعْمَلُونَ فَجَاءَنِي عُمَّال فَاسْتَأْجَرْت كُلّ رَجُل مِنْهُمْ بِأَجْر مَعْلُوم , فَجَاءَ رَجُل ذَات يَوْم نِصْف النَّهَار فَاسْتَأْجَرْته بِشَرْطِ أَصْحَابه فَعَمِلَ فِي نِصْف نَهَاره كَمَا عَمِلَ رَجُل مِنْهُمْ فِي نَهَاره كُلّه فَرَأَيْت عَلَيَّ فِي الذِّمَام أَنْ لَا أَنْقُصهُ مِمَّا اِسْتَأْجَرْت بِهِ أَصْحَابه لِمَا جَهِدَ فِي عَمَله , فَقَالَ رَجُل مِنْهُمْ تُعْطِي هَذَا مِثْل مَا أَعْطَيْتنِي ؟ فَقُلْت يَا عَبْد اللَّه لَمْ أَبْخَسك شَيْئًا مِنْ شَرْطك , وَإِنَّمَا هُوَ مَالِي أَحْكُم فِيهِ بِمَا شِئْت , قَالَ فَغَضِبَ وَذَهَبَ وَتَرَكَ أَجْره \" وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس \" فَأَتَانِي يَطْلُب أَجْره وَأَنَا غَضْبَان فَزَبَرْتُهُ فَانْطَلَقَ وَتَرَكَ أَجْره \" فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ , وَطَرِيق الْجَمْع أَنَّ الْأَجِير لَمَّا حَسَدَ الَّذِي عَمِلَ نِصْف النَّهَار وَعَاتَبَ الْمُسْتَأْجِر غَضِبَ مِنْهُ وَقَالَ لَهُ : لَمْ أَبْخَسك شَيْئًا إِلَخْ وَزَبَرَهُ فَغَضِبَ الْأَجِير وَذَهَبَ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَلِيّ \" وَتَرَكَ وَاحِد مِنْهُمْ أَجْره وَزَعَمَ أَنَّ أَجْره أَكْثَر مِنْ أُجُور أَصْحَابه \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنِّي عَمَدْت إِلَى ذَلِكَ الْفَرَق فَزَرَعْته فَصَارَ مِنْ أَمْره أَنِّي اِشْتَرَيْت ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَنْ اِشْتَرَيْت \" ‏ ‏( مِنْهُ بَقَرًا وَأَنَّهُ أَتَانِي يَطْلُب أَجْره فَقُلْت لَهُ اِعْمَدْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَر فَسُقْهَا ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة \" فَزَرَعْته حَتَّى اِشْتَرَيْت مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيهَا \" وَفِيهِ فَقَالَ : \" أَتَسْتَهْزِئُ بِي ؟ فَقُلْت : لَا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة \" فَأَخَذَهَا \" وَفِي رِوَايَة سَالِم \" فَثَمَّرْت أَجْره حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَال \" وَفِيهِ \" فَقُلْت لَهُ كُلّ مَا تَرَى مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم وَالرَّقِيق مِنْ أَجْرك \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مِنْ أَجْلك \" وَفِيهِ \" فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُك مِنْهُ شَيْئًا \" وَدَلَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى أَنَّ قَوْله فِي رِوَايَة نَافِع \" اِشْتَرَيْت بَقَرًا \" أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ غَيْرهَا وَإِنَّمَا كَانَ الْأَكْثَر الْأَغْلَب الْبَقَر فَلِذَلِكَ اِقْتَصَرَ عَلَيْهَا , وَفِي حَدِيث أَنَس وَأَبِي هُرَيْرَة جَمِيعًا \" فَجَمَعْته وَثَمَّرَته حَتَّى كَانَ مِنْهُ كُلّ الْمَال \" وَقَالَ فِيهِ : \" فَأَعْطَيْته ذَلِكَ كُلّه , وَلَوْ شِئْت لَمْ أُعْطِهِ إِلَّا الْأَجْر الْأَوَّل \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ دَفَعَ إِلَيْهِ عَشَرَة آلَاف دِرْهَم , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قِيمَة الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة , وَفِي حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير \" فَبَذَرْته عَلَى حِدَة فَأَضْعَفَ , ثُمَّ بَذَرْته فَأَضْعَفَ , حَتَّى كَثُرَ الطَّعَام \" وَفِيهِ : \" فَقَالَ أَتَظْلِمُنِي وَتَسْخَر بِي \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" ثُمَّ مَرَّتْ بِي بَقَر فَاشْتَرَيْت مِنْهَا فَصِيلَة فَبَلَغَتْ مَا شَاءَ اللَّه \" وَالْجَمْع بَيْنهمَا مُمْكِن بِأَنْ يَكُون زَرَعَ أَوَّلًا ثُمَّ اِشْتَرَى مِنْ بَعْضه بَقَرَة ثُمَّ نُتِجَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ كُنْت تَعْلَم أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتك ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة : \" اِبْتِغَاء وَجْهك \" وَكَذَا فِي رِوَايَة سَالِم , وَالْجَمْع بَيْنهمَا مُمْكِن , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" مِنْ مَخَافَتك وَابْتِغَاء مَرْضَاتك \" وَفِي حَدِيث النُّعْمَان \" رَجَاء رَحْمَتك وَمَخَافَة عَذَابك \". ‏ ‏قَوْله : ( فَفَرِّجْ عَنَّا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة \" فَافْرُجْ \" بِوَصْلِ وَضَمّ الرَّاء مِنْ الثُّلَاثِيّ , وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِهَمْزَة وَكَسْر الرَّاء مِنْ الرُّبَاعِيّ وَزَادَ فِي رِوَايَته \" فَأَفْرِجْ عَنَّا فُرْجَة نَرَى مِنْهَا السَّمَاء \" وَفِيهِ تَقْيِيد لِإِطْلَاقِ قَوْله فِي رِوَايَة سَالِم \" فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ \" وَقَوْله : \" قَالَ فَفُرِّجَ عَنْهُمْ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة \" فَفَرَّجَ اللَّه فَرَأَوْا السَّمَاء \" وَلِمُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَفَرَّجَ اللَّه مِنْهَا فُرْجَة فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( فَانْسَاخَتْ عَنْهُمْ الصَّخْرَة ) ‏ ‏أَيْ اِنْشَقَّتْ , وَأَنْكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ لِأَنَّ مَعْنَى انْسَاخَ بِالْمُعْجَمَةِ غَابَ فِي الْأَرْض , وَيُقَال انْصَاخَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَة بَدَلَ السِّين أَيْ اِنْشَقَّ مِنْ قِبَلِ نَفْسه , قَالَ : وَالصَّوَاب اِنْسَاحَتْ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة أَيْ اِتَّسَعَتْ وَمِنْهُ سَاحَة الدَّار , قَالَ وَانْصَاحَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَة بَدَل السِّين أَيْ تَصَدَّعَ , يُقَال ذَلِكَ لِلْبَرْقِ. قُلْت : الرِّوَايَة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة صَحِيحَة وَهِيَ بِمَعْنَى اِنْشَقَّتْ , وَإِنْ كَانَ أَصْله بِالصَّادِ فَالصَّاد قَدْ تُقْلَب سِينًا وَلَا سِيَّمَا مَعَ الْخَاء الْمُعْجَمَة كَالصَّخْرِ وَالسَّخْر. وَوَقَعَ فِي حَدِيث سَالِم \" فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوج \" وَفِي حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير \" فَانْصَدَعَ الْجَبَل حَتَّى رَأَوْا الضَّوْء \" وَفِي حَدِيث عَلِيّ \" فَانْصَدَعَ الْجَبَل حَتَّى طَمِعُوا فِي الْخُرُوج وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَأَنَس فَزَالَ ثُلُث الْحَجَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ الْآخَر : اللَّهُمَّ إِنْ كُنْت تَعْلَم أَنَّهُ كَانَ لِي ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِأَبِي ذَرّ بِحَذْفِ \" أَنَّهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَبَوَانِ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ التَّغْلِيب وَالْمُرَاد الْأَب وَالْأُمّ , وَصُرِّحَ بِذَلِكَ فِي حَدِيث اِبْن أَبِي أَوْفَى. ‏ ‏قَوْله : ( شَيْخَانِ كَبِيرَانِ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة عَنْ مُوسَى \" وَلِي صِبْيَة صِغَار فَكُنْت أَرْعَى عَلَيْهِمْ \" وَفِي حَدِيث عَلِيّ \" أَبَوَانِ ضَعِيفَانِ فَقِيرَانِ لَيْسَ لَهُمَا خَادِم وَلَا رَاعٍ وَلَا وَلِيّ غَيْرِي فَكُنْت أَرْعَى لَهُمَا بِالنَّهَارِ وَآوِي إِلَيْهِمَا بِاللَّيْلِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَبْطَأْت عَنْهُمَا لَيْلَة ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة سَالِم \" فَنَأَى بِي طَلَب شَيْء يَوْمًا فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح قَوْله : \" نَأَى \" وَ \" الشَّيْء \" لَمْ يُفَسَّر مَا هُوَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَقَدْ بُيِّنَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي ضَمْرَة وَلَفْظه \" وَإِنِّي نَأَى بِي ذَات يَوْم الشَّجَر \" وَالْمُرَاد أَنَّهُ اِسْتَطْرَدَ مَعَ غَنَمه فِي الرَّعْي إِلَى أَنْ بَعُدَ عَنْ مَكَانه زِيَادَة عَلَى الْعَادَة فَلِذَلِكَ أَبْطَأَ , وَفِي حَدِيث عَلِيّ \" فَإِنَّ الْكَلَأ تَنَادَى عَلَيَّ \" أَيْ تَبَاعَدَ , وَالْكَلَأ الْمَرْعَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَهْلِي وَعِيَالِي ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيُّ : يُرِيد بِذَلِكَ الزَّوْجَة وَالْأَوْلَاد وَالرَّقِيق وَالدَّوَابّ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ الدَّوَابّ لَا مَعْنَى لَهَا هُنَا. قُلْت : إِنَّمَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ ذَلِكَ فِي رِوَايَة سَالِم \" وَكُنْت لَا أَغْبِق قَبْلهمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا \" وَهُوَ مُتَّجَه فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ لَا يُقَدِّم عَلَيْهِمَا أَوْلَاده فَكَذَلِكَ لَا يُقَدِّم عَلَيْهِمَا دَوَابَّهُ مِنْ بَاب الْأَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَضَاغَوْنَ ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَتَيْنِ وَالضُّغَاء بِالْمَدِّ الصِّيَاح بِبُكَاء , وَقَوْله : \" مِنْ الْجُوع \" أَيْ بِسَبَبِ الْجُوع , وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ قَالَ لَعَلَّ الصِّيَاح كَانَ بِسَبَب غَيْر الْجُوع , وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة \" وَالصِّبْيَة يَتَضَاغَوْنَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكُنْت لَا أَسْقِيهِمْ حَتَّى يَشْرَب أَبَوَايَ , فَكَرِهْت أَنْ أُوقِظهُمَا , وَكَرِهْت أَنْ أَدَعهُمَا فَيَسْتَكِنَّا لِشَرْبَتِهِمَا ) ‏ ‏أَمَّا كَرَاهَته لِإِيقَاظِهِمَا فَظَاهِر لِأَنَّ الْإِنْسَان يَكْرَه أَنْ يُوقَظ مِنْ نَوْمه , وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَلِيّ \" ثُمَّ جَلَسْت عِنْد رُءُوسهمَا بِإِنَائِي كَرَاهِيَة أَنْ أُزَرِّقهُمَا أَوْ أُوذِيهِمَا \" وَفِي حَدِيث أَنَس \" كَرَاهِيَة أَنْ أَرُدّ وَسَنهمَا \" وَفِي حَدِيث اِبْن أَبِي أَوْفَى \" وَكَرِهْت أَنْ أُوقِظهُمَا مِنْ نَوْمهمَا فَيَشُقّ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا \" وَأَمَّا كَرَاهَته أَنْ يَدَعهُمَا فَقَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ : \" فَيَسْتَكِنَّا لِشَرْبَتِهِمَا \" أَيْ يَضْعُفَا لِأَنَّهُ عَشَاؤُهُمَا وَتَرْكُ الْعَشَاء يُهْرِم , وَقَوْله : \" يَسْتَكِنَّا \" مِنْ الِاسْتِكَانَة , وَقَوْله : \" لِشَرْبَتِهِمَا \" أَيْ لِعَدَمِ شَرْبَتهمَا فَيَصِيرَانِ ضَعِيفَيْنِ مِسْكِينَيْنِ وَالْمِسْكِين الَّذِي لَا شَيْء لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أَحَبّ النَّاس إِلَيَّ ) ‏ ‏هُوَ مُقَيَّدٌ لِإِطْلَاقِ رِوَايَة سَالِم حَيْثُ قَالَ فِيهَا : \" كَانَتْ أَحَبَّ النَّاس إِلَيَّ \" وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة كَأَشَدّ مَا يُحِبّ الرَّجُل النِّسَاء , وَالْكَاف زَائِدَة , أَوْ أَرَادَ تَشْبِيه مَحَبَّته بِأَشَدّ الْمَحَبَّات. ‏ ‏قَوْله : ( رَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسهَا ) ‏ ‏أَيْ بِسَبَب نَفْسهَا أَوْ مِنْ جِهَة نَفْسهَا , وَفِي رِوَايَة سَالِم \" فَأَرَدْتهَا عَلَى نَفْسهَا \" أَيْ لِيَسْتَعْلِيَ عَلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَبَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة \" فَقَالَتْ لَا يَنَال ذَلِكَ مِنْهَا حَتَّى \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا أَنْ آتِيهَا بِمِائَةِ دِينَار ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة سَالِم \" فَأَعْطَيْتهَا عِشْرِينَ وَمِائَة دِينَار \" وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهَا طَلَبَتْ مِنْهُ الْمِائَة فَزَادَهَا هُوَ مِنْ قِبَل نَفْسه عِشْرِينَ , أَوْ أَلْغَى غَيْر سَالِم الْكَسْر , وَوَقَعَ فِي حَدِيث النُّعْمَان وَعُقْبَة بْن عَامِر \" مِائَة دِينَار \" وَأَبْهَمَ ذَلِكَ فِي حَدِيث عَلِيّ وَأَنَس وَأَبِي هُرَيْرَة , وَقَالَ فِي حَدِيث اِبْن أَبِي أَوْفَى \" مَالًا ضَخْمًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا قَعَدْت بَيْن رِجْلَيْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَالِم \" حَتَّى إِذَا قَدَرْت عَلَيْهَا \" زَادَ فِي حَدِيث اِبْن أَبِي أَوْفَى \" وَجَلَسْت مِنْهَا مَجْلِس الرَّجُل مِنْ الْمَرْأَة \" وَفِي حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير \" فَلَمَّا كَشَفْتهَا \" وَبَيَّنَ فِي رِوَايَة سَالِم سَبَب إِجَابَتهَا بَعْد اِمْتِنَاعهَا فَقَالَ : \" فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَة - أَيْ سَنَة قَحْط - فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتهَا \" وَيُجْمَع بَيْنه وَبَيْن رِوَايَة نَافِع بِأَنَّهَا اِمْتَنَعَتْ أَوَّلًا عِفَّة وَدَافَعَتْ بِطَلَبِ الْمَال فَلَمَّا اِحْتَاجَتْ أَجَابَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَفُضّ ) ‏ ‏بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَة أَيْ لَا تَكْسِر , وَالْخَاتَم كِنَايَة عَنْ عُذْرَتهَا , وَكَأَنَّهَا كَانَتْ بِكْرًا وَكَنَّتْ عَنْ الْإِفْضَاء بِالْكَسْرِ , وَعَنْ الْفَرْج بِالْخَاتَمِ لِأَنَّ فِي حَدِيث النُّعْمَان مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ بِكْرًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة \" وَلَا تَفْتَح الْخَاتَم \" وَالْأَلِف وَاللَّام بَدَل مِنْ الضَّمِير أَيْ خَاتَمِي , وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي الْعَالِيَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي الدُّعَاء بِلَفْظِ \" إِنَّهُ لَا يَحِلّ لَك أَنْ تَفُضّ خَاتَمِي إِلَّا بِحَقِّهِ \" وَقَوْلهَا \" بِحَقِّهِ \" أَرَادَتْ بِهِ الْحَلَال , أَيْ لَا أَحِلّ لَك أَنْ تَقْرَبنِي إِلَّا بِتَزْوِيج صَحِيح , وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَلِيّ \" فَقَالَتْ أُذَكِّرك اللَّه أَنْ تَرْكَب مِنِّي مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْك قَالَ : فَقُلْت أَنَا أَحَقّ أَنْ أَخَاف رَبِّي \" وَفِي حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير فَلَمَّا أَمْكَنَتْنِي مِنْ نَفْسهَا بَكَتْ , فَقُلْت مَا يُبْكِيك ؟ قَالَتْ : فَعَلْت هَذَا مِنْ الْحَاجَة , فَقُلْت اِنْطَلِقِي \" وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْ النُّعْمَان أَنَّهَا تَرَدَّدَتْ إِلَيْهِ ثَلَاث مَرَّات تَطْلُب مِنْهُ شَيْئًا مِنْ مَعْرُوفه وَيَأْبَى عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ تُمَكِّنهُ مِنْ نَفْسهَا , فَأَجَابَتْ فِي الثَّالِثَة بَعْد أَنْ اِسْتَأْذَنَتْ زَوْجهَا فَأَذِنَ لَهَا وَقَالَ لَهَا أَغْنِي عِيَالك , قَالَ : فَرَجَعَتْ فَنَاشَدَتْنِي بِاَللَّهِ فَأَبَيْت عَلَيْهَا , فَأَسْلَمَتْ إِلَيَّ نَفْسهَا , فَلَمَّا كَشَفْتهَا اِرْتَعَدَتْ مِنْ تَحْتِي , فَقُلْت مَا لَك ؟ قَالَتْ أَخَاف اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ , فَقُلْت خِفْتِيهِ فِي الشِّدَّة وَلَمْ أَخَفْهُ فِي الرَّخَاء فَتَرَكْتهَا , وَفِي حَدِيث اِبْن أَبِي أَوْفَى \" فَلَمَّا جَلَسْت مِنْهَا مَجْلِس الرَّجُل مِنْ الْمَرْأَة ذَكَرْت النَّار فَقُمْت عَنْهَا \" وَالْجَمْع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات مُمْكِن , وَالْحَدِيث يُفَسِّر بَعْضه بَعْضًا. وَفِي هَذَا الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب الدُّعَاء فِي الْكَرْب , وَالتَّقَرُّب إِلَى اللَّه تَعَالَى بِذِكْرِ صَالِح الْعَمَل , وَاسْتِنْجَاز وَعْده بِسُؤَالِهِ. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْض الْفُقَهَاء اِسْتِحْبَاب ذِكْر ذَلِكَ فِي الِاسْتِسْقَاء , وَاسْتَشْكَلَهُ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ لِمَا فِيهِ مِنْ رُؤْيَة الْعَمَل , وَالِاحْتِقَار عِنْد السُّؤَال فِي الِاسْتِسْقَاء أَوْلَى لِأَنَّهُ مَقَام التَّضَرُّع , وَأَجَابَ عَنْ قِصَّة أَصْحَاب الْغَار بِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَشْفِعُوا بِأَعْمَالِهِمْ وَإِنَّمَا سَأَلُوا اللَّه إِنْ كَانَتْ أَعْمَالهمْ خَالِصَة وَقُبِلَتْ أَنْ يَجْعَل جَزَاءَهَا الْفَرْج عَنْهُمْ , فَتَضَمَّنَ جَوَابه تَسْلِيم السُّؤَال لَكِنْ بِهَذَا الْقَيْد وَهُوَ حَسَن , وَقَدْ تَعَرَّضَ النَّوَوِيّ لِهَذَا فَقَالَ فِي كِتَاب الْأَذْكَار \" بَاب دُعَاء الْإِنْسَان وَتَوَسُّله بِصَالِحِ عَمَله إِلَى اللَّه \" وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث , وَنَقَلَ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْن وَغَيْره اِسْتِحْبَاب ذَلِكَ فِي الِاسْتِسْقَاء ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ يُقَال إِنَّ فِيهِ نَوْعًا مِنْ تَرْك الِافْتِقَار الْمُطْلَق , وَلَكِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثْنَى عَلَيْهِمْ بِفِعْلِهِمْ فَدَلَّ عَلَى تَصْوِيب فِعْلهمْ. وَقَالَ السُّبْكِيّ الْكَبِير : ظَهَرَ لِي أَنَّ الضَّرُورَة قَدْ تُلْجِئ إِلَى تَعْجِيل جَزَاء بَعْض الْأَعْمَال فِي الدُّنْيَا وَأَنَّ هَذَا مِنْهُ , ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث رُؤْيَة عَمَل بِالْكُلِّيَّةِ لِقَوْلِ كُلّ مِنْهُمْ \" إِنْ كُنْت تَعْلَم أَنِّي فَعَلْت ذَلِكَ اِبْتِغَاء وَجْهك \" فَلَمْ يَعْتَقِد أَحَد مِنْهُمْ فِي عَمَله الْإِخْلَاص بَلْ أَحَالَ أَمْره إِلَى اللَّه , فَإِذَا لَمْ يَجْزِمُوا بِالْإِخْلَاصِ فِيهِ مَعَ كَوْنه أَحْسَن أَعْمَالهمْ فَغَيْره أَوْلَى , فَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الَّذِي يَصْلُح فِي مِثْل هَذَا أَنْ يَعْتَقِد الشَّخْص تَقْصِيره فِي نَفْسه وَيُسِيء الظَّنّ بِهَا وَيَبْحَث عَلَى كُلّ وَاحِد مِنْ عَمَله يَظُنّ أَنَّهُ أَخْلَصَ فِيهِ فَيُفَوِّض أَمْره إِلَى اللَّه وَيُعَلِّق الدُّعَاء عَلَى عِلْم اللَّه بِهِ , فَحِينَئِذٍ يَكُون إِذَا دَعَا رَاجِيًا لِلْإِجَابَةِ خَائِفًا مِنْ الرَّدّ فَإِنْ لَمْ يَغْلِب عَلَى ظَنّه إِخْلَاصه وَلَوْ فِي عَمَل وَاحِد فَلْيَقِفْ عِنْد حَدّه وَيَسْتَحْيِ أَنْ يَسْأَل بِعَمَل لَيْسَ بِخَالِص , قَالَ وَإِنَّمَا قَالُوا : \" اُدْعُوا اللَّه بِصَالِحِ أَعْمَالكُمْ \" فِي أَوَّل الْأَمْر ثُمَّ عِنْد الدُّعَاء لَمْ يُطْلِقُوا ذَلِكَ وَلَا قَالَ وَاحِد مِنْهُمْ أَدْعُوك بِعَمَلِي , وَإِنَّمَا قَالَ : \" إِنْ كُنْت تَعْلَم , ثُمَّ ذَكَرَ عَمَله اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَى كَلَام الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ الَّذِي ذَكَرْته فَهُوَ السَّابِق إِلَى التَّنْبِيه عَلَى مَا ذَكَرَهُ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ فَضْل الْإِخْلَاص فِي الْعَمَل , وَفَضْل بِرّ الْوَالِدَيْنِ وَخِدْمَتهمَا وَإِيثَارهمَا عَلَى الْوَلَد وَالْأَهْل وَتَحَمُّل الْمَشَقَّة لِأَجْلِهِمَا. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ تَرْكه أَوْلَاده الصِّغَار يَبْكُونَ مِنْ الْجُوع طُول لَيْلَتهمَا مَعَ قُدْرَته عَلَى تَسْكِين جُوعهمْ فَقِيلَ : كَانَ فِي شَرْعهمْ تَقْدِيم نَفَقَة الْأَصْل عَلَى غَيْرهمْ , وَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنَّ بُكَاءَهُمْ لَيْسَ عَنْ الْجُوع , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَرُدّهُ. وَقِيلَ : لَعَلَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ زِيَادَة عَلَى سَدّ الرَّمَق وَهَذَا أَوْلَى. وَفِيهِ فَضْل الْعِفَّة وَالِانْكِفَاف عَنْ الْحَرَام مَعَ الْقُدْرَة , وَأَنَّ تَرْك الْمَعْصِيَة يَمْحُو مُقَدِّمَات طَلَبهَا , وَأَنَّ التَّوْبَة تَجُبّ مَا قَبْلهَا. وَفِيهِ جَوَاز الْإِجَارَة بِالطَّعَامِ الْمَعْلُوم بَيْن الْمُتَآجِرَيْنِ , وَفَضْل أَدَاء الْأَمَانَة , وَإِثْبَات الْكَرَامَة لِلصَّالِحِينَ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز بَيْع الْفُضُولِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي الْبُيُوع. وَفِيهِ أَنَّ الْمُسْتَوْدَع إِذَا اِتَّجَرَ فِي مَال الْوَدِيعَة كَانَ الرِّبْح لِصَاحِبِ الْوَدِيعَة. قَالَهُ أَحْمَد , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : خَالَفَهُ الْأَكْثَر فَقَالُوا : إِذَا تَرَتَّبَ الْمَال فِي ذِمَّة الْوَدِيع وَكَذَا الْمُضَارِب كَأَنْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِغَيْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فَيَلْزَم ذِمَّته أَنَّهُ إِنْ اِتَّجَرَ فِيهِ كَانَ الرِّبْح لَهُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة الْغَرَامَة عَلَيْهِ , وَأَمَّا الرِّبْح فَهُوَ لَهُ لَكِنْ يَتَصَدَّق بِهِ. وَفَصَّلَ الشَّافِعِيّ فَقَالَ : إِنْ اِشْتَرَى فِي ذِمَّته ثُمَّ نَقَدَ الثَّمَن مِنْ مَال الْغَيْر فَالْعَقْد لَهُ وَالرِّبْح لَهُ , وَإِنْ اِشْتَرَى بِالْعَيْنِ فَالرِّبْح لِلْمَالِكِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْل الْخِلَاف فِيهِ فِي الْبُيُوع أَيْضًا. وَفِيهِ الْإِخْبَار عَمَّا جَرَى لِلْأُمَمِ الْمَاضِيَة لِيَعْتَبِر السَّامِعُونَ بِأَعْمَالِهِمْ فَيَعْمَل بِحَسَنِهَا وَيَتْرُك قَبِيحهَا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لَمْ يُخْرِج الشَّيْخَانِ هَذَا الْحَدِيث إِلَّا مِنْ رِوَايَة اِبْن عُمَر , وَجَاءَ بِإِسْنَاد صَحِيح عَنْ أَنَس أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاء مِنْ وَجْه آخَر حَسَن , وَبِإِسْنَاد حَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَهُوَ فِي صَحِيح اِبْن حِبَّانَ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَعَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير مِنْ ثَلَاثَة أَوْجُه حِسَان أَحَدهَا عِنْد أَحْمَد وَالْبَزَّار وَكُلّهَا عِنْد الطَّبَرَانِيِّ , وَعَنْ عَلِيّ وَعُقْبَة بْن عَامِر وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ وَابْن أَبِي أَوْفَى بِأَسَانِيد ضَعِيفَة , وَقَدْ اِسْتَوْعَبَ طُرُقه أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاء , وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَات كُلّهَا عَلَى أَنَّ الْقِصَص الثَّلَاثَة فِي الْأَجِير وَالْمَرْأَة وَالْأَبَوَيْنِ إِلَّا حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر فَفِيهِ بَدَل الْأَجِير أَنَّ الثَّالِث قَالَ : \" كُنْت فِي غَنَم أَرْعَاهَا فَحَضَرَتْ الصَّلَاة فَقُمْت أُصَلِّي فَجَاءَ الذِّئْب فَدَخَلَ الْغَنَم فَكَرِهْت أَنْ أَقْطَع صَلَاتِي فَصَبَرْت حَتَّى فَرَغْت \" فَلَوْ كَانَ إِسْنَاده قَوِيًّا لَحُمِلَ عَلَى تَعَدُّد الْقِصَّة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْبَاب مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه الْعُمَرِيّ عَنْ نَافِع تَقْدِيم الْأَجِير ثُمَّ الْأَبَوَيْنِ ثُمَّ الْمَرْأَة , وَخَالَفَهُ مُوسَى بْن عُقْبَة مِنْ الْوَجْهَيْنِ فَقَدَّمَ الْأَبَوَيْنِ ثُمَّ الْمَرْأَة ثُمَّ الْأَجِير , وَوَافَقَتْهُ رِوَايَة سَالِم , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَرْأَة ثُمَّ الْأَبَوَيْنِ ثُمَّ الْأَجِير , وَفِي حَدِيث أَنَس الْأَبَوَيْنِ ثُمَّ الْأَجِير ثُمَّ الْمَرْأَة , وَفِي حَدِيث النُّعْمَان الْأَجِير ثُمَّ الْمَرْأَة ثُمَّ الْأَبَوَيْنِ , وَفِي حَدِيث عَلِيّ وَابْن أَبِي أَوْفَى مَعًا الْمَرْأَة ثُمَّ الْأَجِير ثُمَّ الْأَبَوَيْنِ وَفِي اِخْتِلَافهمْ دَلَالَة عَلَى أَنَّ الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى عِنْدهمْ سَائِغَة شَائِعَة , وَأَنْ لَا أَثَر لِلتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِير فِي مِثْل ذَلِكَ , وَأَرْجَحهَا فِي نَظَرِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة لِمُوَافَقَةِ سَالِم لَهَا فَهِيَ أَصَحّ طُرُق هَذَا الْحَدِيث وَهَذَا مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَاد , وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَيُنْظَر أَيّ الثَّلَاثَة كَانَ أَنْفَع لِأَصْحَابِهِ , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ الثَّالِث لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَمْكَنَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا بِدُعَائِهِ , وَإِلَّا فَالْأَوَّل أَفَادَ إِخْرَاجهمْ مِنْ الظُّلْمَة , وَالثَّانِي أَفَادَ الزِّيَادَة فِي ذَلِكَ وَإِمْكَان التَّوَسُّل إِلَى الْخُرُوج بِأَنْ يَمُرّ مَثَلًا هُنَاكَ مَنْ يُعَالِج لَهُمْ , وَالثَّالِث هُوَ الَّذِي تَهَيَّأَ لَهُمْ الْخُرُوج بِسَبَبِهِ فَهُوَ أَنْفَعهُمْ لَهُمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون عَمَل الثَّالِث أَكْثَر فَضْلًا مِنْ عَمَل الْآخَرَيْنِ. وَيَظْهَر ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَال الثَّلَاثَة : فَصَاحِب الْأَبَوَيْنِ فَضِيلَته مَقْصُورَة عَلَى نَفْسه لِأَنَّهُ أَفَادَ أَنَّهُ كَانَ بَارًّا بِأَبَوَيْهِ , وَصَاحِب الْأَجِير نَفْعه مُتَعَدٍّ وَأَفَادَ بِأَنَّهُ كَانَ عَظِيم الْأَمَانَة , وَصَاحِب الْمَرْأَة أَفْضَلهمْ لِأَنَّهُ أَفَادَ أَنَّهُ كَانَ فِي قَلْبه خَشْيَة رَبّه , قَدْ شَهِدَ اللَّه لِمَنْ كَانَ كَذَلِكَ بِأَنَّ لَهُ الْجَنَّة حَيْثُ قَالَ : ( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَام رَبّه وَنَهَى النَّفْس عَنْ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّة هِيَ الْمَأْوَى ) وَقَدْ أَضَافَ هَذَا الرَّجُل إِلَى ذَلِكَ تَرْك الذَّهَب الَّذِي أَعْطَاهُ لِلْمَرْأَةِ فَأَضَافَ إِلَى النَّفْع الْقَاصِر النَّفْع الْمُتَعَدِّي , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ إِنَّهَا كَانَتْ بِنْت عَمّه , فَتَكُون فِيهِ صِلَة رَحِم أَيْضًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَنَة قَحْط فَتَكُون الْحَاجَة إِلَى ذَلِكَ أَحْرَى , فَيَتَرَجَّح عَلَى هَذَا رِوَايَة عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع. وَقَدْ جَاءَتْ قِصَّة الْمَرْأَة أَيْضًا أَخِيرَة فِي حَدِيث أَنَس. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3207",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَيْنَا امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنَهَا إِذْ مَرَّ بِهَا رَاكِبٌ وَهِيَ تُرْضِعُهُ فَقَالَتْ اللَّهُمَّ لَا تُمِتْ ابْنِي حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ ثُمَّ رَجَعَ فِي الثَّدْيِ وَمُرَّ بِامْرَأَةٍ تُجَرَّرُ وَيُلْعَبُ بِهَا فَقَالَتْ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ ابْنِي مِثْلَهَا فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا فَقَالَ أَمَّا الرَّاكِبُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَهَا تَزْنِي وَتَقُولُ ‏ ‏حَسْبِيَ اللَّهُ وَيَقُولُونَ تَسْرِقُ وَتَقُولُ ‏ ‏حَسْبِيَ اللَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدَيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة الْمَرْأَة الَّتِي كَانَتْ تُرْضِع وَلَدهَا فَتَكَلَّمَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي قِصَّة عِيسَى اِبْن مَرْيَم. وَعَبْد الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد هُوَ الْأَعْرَج. ‏"
    },
    {
        "id": "3208",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَمَا كَلْبٌ ‏ ‏يُطِيفُ ‏ ‏بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ ‏",
        "sharh": "حَدَيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة الْمَرْأَة الَّتِي سَقَتْ الْكَلْب. ‏ ‏قَوْله : ( يُطِيف ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله مِنْ أَطَافَ يُقَال أَطَفْت بِالشَّيْءِ إِذَا أَدَمْت الْمُرُور حَوْله. ‏ ‏قَوْله : ( بِرَكِيَّةٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْكَاف وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة : الْبِئْر مَطْوِيَّة أَوْ غَيْر مَطْوِيَّة , وَغَيْر الْمَطْوِيَّة يُقَال لَهَا جُبّ وَقَلِيب وَلَا يُقَال لَهَا بِئْر حَتَّى تُطْوَى , وَقِيلَ الرَّكِيّ الْبِئْر قَبْل أَنْ تُطْوَى فَإِذَا طُوِيَتْ فَهِيَ الطَّوَى. ‏ ‏قَوْله : ( بَغِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَكَسْر الْمُعْجَمَة هِيَ الزَّانِيَة , وَتُطْلَق عَلَى الْأَمَة مُطْلَقًا. ‏ ‏قَوْله : ( مُوقهَا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا قَاف هُوَ الْخُفّ , وَقِيلَ مَا يُلْبَس فَوْق الْخُفّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَغُفِرَ لَهَا ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ \" بِهِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث مَشْرُوحًا فِي كِتَاب الشُّرْب , لَكِنْ وَقَعَ هُنَاكَ وَفِي الطَّهَارَة أَنَّ الَّذِي سَقَى الْكَلْب رَجُل , وَأَنَّهُ سَقَاهُ فِي خُفّه , وَيَحْتَمِل تَعَدُّد الْقِصَّة , وَقَدَّمْت بَقِيَّة الْكَلَام فِي كِتَاب الشُّرْب , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3209",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏عَامَ حَجَّ عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ ‏فَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ وَكَانَتْ فِي يَدَيْ حَرَسِيٍّ فَقَالَ يَا ‏ ‏أَهْلَ الْمَدِينَةِ ‏ ‏أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ وَيَقُولُ ‏ ‏إِنَّمَا هَلَكَتْ ‏ ‏بَنُو إِسْرَائِيلَ ‏ ‏حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ ‏",
        "sharh": "حَدَيث مُعَاوِيَة : ‏ ‏قَوْله : ( عَام حَجّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب الْآتِيَة آخِر الْبَاب \" آخِر قَدْمَة قَدِمَهَا \" قُلْت : وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَة إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَهِيَ آخِر حَجَّة حَجَّهَا فِي خِلَافَته. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَنَاوَلَ قُصَّة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَاف وَتَشْدِيد الْمُهْمَلَة هِيَ شَعْر النَّاصِيَة , وَالْحَرَسِيّ مَنْسُوب إِلَى الْحَرَس وَهُوَ وَاحِد الْحُرَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْعُلَمَاء إِذْ ذَاكَ فِيهِمْ كَانُوا قَدْ قَلُّوا , وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ غَالِب الصَّحَابَة كَانُوا يَوْمَئِذٍ قَدْ مَاتُوا , وَكَأَنَّهُ رَأَى جُهَّال عَوَامّهمْ صَنَعُوا ذَلِكَ فَأَرَادَ أَنْ يُذَكِّر عُلَمَاءَهُمْ وَيُنَبِّههُمْ بِمَا تَرَكُوهُ مِنْ إِنْكَار ذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَرْك مَنْ بَقِيَ مِنْ الصَّحَابَة وَمِنْ أَكَابِر التَّابِعِينَ إِذْ ذَاكَ الْإِنْكَار إِمَّا لِاعْتِقَادِ عَدَم التَّحْرِيم مِمَّنْ بَلَغَهُ الْخَبَر فَحَمَلَهُ عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه , أَوْ كَانَ يَخْشَى مِنْ سَطْوَة الْأُمَرَاء فِي ذَلِكَ الزَّمَان عَلَى مَنْ يَسْتَبِدّ بِالْإِنْكَارِ لِئَلَّا يُنْسَب إِلَى الِاعْتِرَاض عَلَى أُولِي الْأَمْر , أَوْ كَانُوا مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغهُمْ الْخَبَر أَصْلًا , أَوْ بَلَغَ بَعْضهمْ لَكِنْ لَمْ يَتَذَكَّرُوهُ حَتَّى ذَكَّرَهُمْ بِهِ مُعَاوِيَة , فَكُلّ هَذِهِ أَعْذَار مُمْكِنَة لِمَنْ كَانَ مَوْجُودًا إِذْ ذَاكَ مِنْ الْعُلَمَاء , وَأَمَّا مَنْ حَضَرَ خُطْبَة مُعَاوِيَة وَخَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ , فَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خُطْبَة غَيْر الْجُمُعَة وَلَمْ يَتَّفِق أَنْ يَحْضُرهُ إِلَّا مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْعِلْم فَقَالَ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ , لِأَنَّ الْخِطَاب بِالْإِنْكَارِ لَا يَتَوَجَّه إِلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَ الْحُكْم وَأَقَرَّهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَقُول ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى \" يَنْهَى \" وَفَاعِل ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيل حِين اِتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ , فَلَمَّا فَعَلُوهُ كَانَ سَبَبًا لِهَلَاكِهِمْ , مَعَ مَا اِنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مِنْ اِرْتِكَابهمْ مَا اِرْتَكَبُوهُ مِنْ الْمَنَاهِي , وَسَيَأْتِي شَرْح ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3210",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏",
        "sharh": "حَدَيث أَبِي هُرَيْرَة : ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد , وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلكُمْ مِنْ الْأُمَم مُحَدَّثُونَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الدَّال الْمُهْمَلَة , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي مَنَاقِب عُمَر , فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّهُ كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي أَحَد مِنْهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّهُ عُمَر بْن الْخَطَّاب ) ‏ ‏كَذَا قَالَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَبِيل التَّوَقُّع , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ اِطَّلَعَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَائِن , وَقَدْ وَقَعَ بِحَمْدِ اللَّه مَا تَوَقَّعَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَوَقَعَ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مَا لَا يُحْصَى ذِكْره. ‏"
    },
    {
        "id": "3211",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ فِي ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ فَأَتَى رَاهِبًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ قَالَ لَا فَقَتَلَهُ فَجَعَلَ يَسْأَلُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَنَاءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي وَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا فَوُجِدَ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ ‏",
        "sharh": "حَدَيث أَبِي سَعِيد : ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي الصِّدِّيق النَّاجِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُعَاذ عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الصِّدِّيق النَّاجِي , وَاسْم أَبِي الصِّدِّيق - وَهُوَ بِكَسْرِ الصَّاد الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الدَّال الْمَكْسُورَة - بَكْر , وَاسْم أَبِيهِ عَمْرو وَقِيلَ قَيْس , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه وَلَا عَلَى اِسْم أَحَد مِنْ الرِّجَال مِمَّنْ ذُكِرَ فِي الْقِصَّة , زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق هِشَام عَنْ قَتَادَةَ عِنْد مُسْلِم \" فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَم أَهْل الْأَرْض فَدُلَّ عَلَى رَاهِب \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَى رَاهِبًا ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد رَفْع عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام , لِأَنَّ الرَّهْبَانِيَّة إِنَّمَا اِبْتَدَعَهَا أَتْبَاعه كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآن. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : لَهُ تَوْبَة ؟ ) ‏ ‏بِحَذْفِ أَدَاة الِاسْتِفْهَام , وَفِيهِ تَجْرِيد أَوْ اِلْتِفَات , لِأَنَّ حَقّ السِّيَاق أَنْ يَقُول : أَلِيَ تَوْبَة ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام \" فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَة وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَة \" وَزَادَ \" ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَم أَهْل الْأَرْض فَدُلَّ عَلَى رَجُل عَالِم وَقَالَ فِيهِ وَمِنْ يَحُول بَيْنه وَبَيْن التَّوْبَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُ رَجُل اِئْتِ قَرْيَة كَذَا وَكَذَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة هِشَام \" فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّه فَاعْبُدْ اللَّه مَعَهُمْ , وَلَا تَرْجِع إِلَى أَرْضك فَإِنَّهَا أَرْض سُوء , فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا كَانَ نِصْف الطَّرِيق أَتَاهُ مَلَك الْمَوْت , وَوَقَعَتْ لِي تَسْمِيَة الْقَرْيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ مَرْفُوعًا فِي \" الْمُعْجَم الْكَبِير لِلطَّبَرَانِيّ \" قَالَ فِيهِ إِنْ اِسْم الصَّالِحَة نَصْرَة وَاسْم الْقَرْيَة الْأُخْرَى كَفْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَاءَ ) ‏ ‏بِنُون وَمَدّ أَيْ بَعُدَ , أَوْ الْمَعْنَى مَالَ أَوْ نَهَضَ مَعَ تَثَاقُل , فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى فَمَالَ إِلَى الْأَرْض الَّتِي طَلَبَهَا , هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي هَذَا الْحَدِيث , وَحَكَى بَعْضهمْ فِيهِ فَنَأَى بِغَيْرِ مَدّ قَبْل الْهَمْز , وَبِإِشْبَاعِهَا بِوَزْنِ سَعَى تَقُول نَأَى يَنْأَى نَأْيًا بَعُدَ , وَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى فَبَعُدَ عَلَى الْأَرْض الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام عَنْ قَتَادَةَ مَا يُشْعِر بِأَنَّ قَوْله \" فَنَاءَ بِصَدْرِهِ \" إِدْرَاج , فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِر الْحَدِيث \" قَالَ قَتَادَةَ قَالَ الْحَسَن : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْت نَاءَ بِصَدْرِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَاخْتَصَمْنَ فِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِشَام مِنْ الزِّيَادَة \" فَقَالَتْ مَلَائِكَة الرَّحْمَة جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّه , وَقَالَتْ مَلَائِكَة الْعَذَاب إِنَّهُ لَمْ يَعْمَل خَيْرًا قَطّ , فَأَتَاهُ مَلَك فِي صُورَة آدَمِيّ فَجَعَلُوهُ بَيْنهمْ فَقَالَ : قِيسُوا مَا بَيْن الْأَرْضَيْنِ أَيّهمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَوْحَى اللَّه إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي ) ‏ ‏أَيْ إِلَى الْقَرْيَة الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا ‏ ‏( وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي ) ‏ ‏أَيْ الْقَرْيَة الَّتِي قَصَدَهَا. وَفِي رِوَايَة هِشَام \" فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْض الَّتِي أَرَادَ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَقْرَب بِشِبْر فَغُفِرَ لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُعَاذ عَنْ شُعْبَة \" فَجُعِلَ مِنْ أَهْلهَا \" وَفِي رِوَايَة هِشَام \" فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَة الرَّحْمَة \" وَفِي الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة التَّوْبَة مِنْ جَمِيع الْكَبَائِر حَتَّى مِنْ قَتْل الْأَنْفُس , وَيُحْمَل عَلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا قَبِلَ تَوِيَة الْقَاتِل تَكَفَّلَ بِرِضَا خَصْمه. وَفِيهِ أَنَّ الْمُفْتِي قَدْ يُجِيب بِالْخَطَأِ , وَغَفَلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَتَلَ الْأَخِير عَلَى سَبِيل التَّأَوُّل لِكَوْنِهِ أَفْتَاهُ بِغَيْرِ عِلْم لِأَنَّ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ غَيْر عَالِم بِالْحُكْمِ حَتَّى اِسْتَمَرَّ يَسْتَفْتِي , وَأَنَّ الَّذِي أَفْتَاهُ اِسْتَبْعَدَ أَنْ تَصِحّ تَوْبَته بَعْد قَتْلِه لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقّ , وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَتَلَهُ بِنَاء عَلَى الْعَمَل بِفَتْوَاهُ لِأَنَّ ذَلِكَ اِقْتَضَى عِنْده أَنْ لَا نَجَاة لَهُ فَيَئِسَ مِنْ الرَّحْمَة , ثُمَّ تَدَارَكَهُ اللَّه فَنَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ فَرَجَعَ يَسْأَل. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى قِلَّة فِطْنَة الرَّاهِب , لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ حَقّه التَّحَرُّز مِمَّنْ اِجْتَرَأَ عَلَى الْقَتْل حَتَّى صَارَ لَهُ عَادَة بِأَنْ لَا يُوَاجِههُ بِخِلَافِ مُرَاده وَأَنْ يَسْتَعْمِل مَعَهُ الْمَعَارِيض مُدَارَاة عَنْ نَفْسه , هَذَا لَوْ كَانَ الْحُكْم عِنْده صَرِيحًا فِي عَدَم قَبُول تَوْبَة الْقَاتِل فَضْلًا عَنْ أَنَّ الْحُكْم لَمْ يَكُنْ عِنْده إِلَّا مَظْنُونًا. وَفِيهِ أَنَّ الْمَلَائِكَة الْمُوَكَّلِينَ بِبَنِي آدَم يَخْتَلِف اِجْتِهَادهمْ فِي حَقّهمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَكْتُبُونَهُ مُطِيعًا أَوْ عَاصِيًا , وَأَنَّهُمْ يَخْتَصِمُونَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَقْضِي اللَّه بَيْنهمْ , وَفِيهِ فَضْل التَّحَوُّل مِنْ الْأَرْض الَّتِي يُصِيب الْإِنْسَان فِيهَا الْمَعْصِيَة لِمَا يَغْلِب بِحُكْمِ الْعَادَة عَلَى مِثْل ذَلِكَ إِمَّا لِتَذَكُّرِهِ لِأَفْعَالِهِ الصَّادِرَة قَبْل ذَلِكَ وَالْفِتْنَة بِهَا وَإِمَّا لِوُجُودِ مَنْ كَانَ يُعِينهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَحُضّهُ عَلَيْهِ , وَلِهَذَا قَالَ لَهُ الْأَخِير : وَلَا تَرْجِع إِلَى أَرْضك فَإِنَّهَا أَرْض سُوء , فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ التَّائِب يَنْبَغِي لَهُ مُفَارَقَة الْأَحْوَال الَّتِي اِعْتَادَهَا فِي زَمَن الْمَعْصِيَة , وَالتَّحَوُّل مِنْهَا كُلّهَا وَالِاشْتِغَال بِغَيْرِهَا , وَفِيهِ فَضْل الْعَالِم عَلَى الْعَابِد لِأَنَّ الَّذِي أَفْتَاهُ أَوَّلًا بِأَنْ لَا تَوْبَة لَهُ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْعِبَادَة فَاسْتَعْظَمَ وُقُوع مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الْقَاتِل مِنْ اِسْتِجْرَائِهِ عَلَى قَتْل هَذَا الْعَدَد الْكَثِير , وَأَمَّا الثَّانِي فَغَلَبَ عَلَيْهِ الْعِلْم فَأَفْتَاهُ بِالصَّوَابِ وَدَلَّهُ عَلَى طَرِيق النَّجَاة , قَالَ عِيَاض : وَفِيهِ أَنَّ التَّوْبَة تَنْفَع مِنْ الْقَتْل كَمَا تَنْفَع مِنْ سَائِر الذُّنُوب , وَهُوَ وَإِنْ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلنَا وَفِي الِاحْتِجَاج بِهِ خِلَاف لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوْضِع الْخِلَاف لِأَنَّ مَوْضِع الْخِلَاف إِذَا لَمْ يَرِد فِي شَرْعنَا تَقْرِيره وَمُوَافَقَته , أَمَّا إِذَا وَرَدَ فَهُوَ شَرْع لَنَا بِلَا خِلَاف , وَمِنْ الْوَارِد فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء ) وَحَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت فَفِيهِ بَعْد قَوْله وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْس وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمَنْهِيَّات \" فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأَمْره إِلَى اللَّه إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ \" مُتَّفَق عَلَيْهِ. قُلْت : وَيُؤْخَذ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ جِهَة تَخْفِيف الْآصَار عَنْ هَذِهِ الْأُمَّة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم , فَإِذَا شُرِعَ لَهُمْ قَبُول تَوْبَة الْقَاتِل فَمَشْرُوعِيَّتهَا لَنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي قَوْله تَعَالَى ( وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم ) الْآيَة فِي التَّفْسِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ فِي بَنِي آدَم مَنْ يَصْلُح لِلْحُكْمِ بَيْن الْمَلَائِكَة إِذَا تَنَازَعُوا , وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ أَجَازَ التَّحْكِيم , وَأَنَّ مَنْ رَضِيَ الْفَرِيقَانِ بِتَحْكِيمِهِ فَحُكْمه جَائِز عَلَيْهِمْ , وَسَيَأْتِي نَقْل الْخِلَاف فِي ذَلِكَ فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِي مَا بَعْده , وَفِيهِ أَنَّ لِلْحَاكِمِ إِذَا تَعَارَضَتْ عِنْده الْأَحْوَال وَتَعَدَّدَتْ الْبَيِّنَات أَنْ يَسْتَدِلّ بِالْقَرَائِنِ عَلَى التَّرْجِيح. ‏"
    },
    {
        "id": "3212",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ ‏ ‏بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا فَقَالَتْ إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ فَقَالَ النَّاسُ سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ فَقَالَ فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏وَمَا هُمَا ثَمَّ وَبَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ فَذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ فَطَلَبَ حَتَّى كَأَنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ هَذَا اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي فَمَنْ لَهَا ‏ ‏يَوْمَ السَّبُعِ ‏ ‏يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي فَقَالَ النَّاسُ سُبْحَانَ اللَّهِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ قَالَ فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏وَمَا هُمَا ثَمَّ ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مِسْعَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمِثْلِهِ ‏",
        "sharh": "حَدَيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة الْبَقَرَة الَّتِي تَكَلَّمَتْ : ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏هُوَ مِنْ رِوَايَة الْأَقْرَان , وَقَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيّ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَلَمَة , وَسَيَأْتِي مَعَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْمَنَاقِب. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَا رَجُل يَسُوق بَقَرَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا فَقَالَتْ إِنَّا لَمْ نُخْلَق لِهَذَا ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الدَّوَابّ لَا تُسْتَعْمَل إِلَّا فِيمَا جَرَتْ الْعَادَة بِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْلهَا إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى مُعْظَم مَا خُلِقَتْ لَهُ , وَلَمْ تُرِدْ الْحَصْر فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ غَيْر مُرَاد اِتِّفَاقًا , لِأَنَّ مِنْ أَجْل مَا خُلِقَتْ لَهُ أَنَّهَا تُذْبَح وَتُؤْكَل بِالِاتِّفَاقِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل اِبْن بَطَّال فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الْمُزَارَعَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنِّي أُؤْمِن بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْر وَعُمَر ) ‏ ‏هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَخْبَرَهُمَا بِذَلِكَ فَصَدَّقَاهُ , أَوْ أَطْلَقَ ذَلِكَ لِمَا اِطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُمَا يُصَدِّقَانِ بِذَلِكَ إِذَا سَمِعَاهُ وَلَا يَتَرَدَّدَانِ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا هُمَا ثَمَّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة أَيْ لَيْسَا حَاضِرَيْنِ , وَهُوَ مِنْ كَلَام الرَّاوِي , وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَيْنَا رَجُل ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الْخَبَر الَّذِي قَبْله بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ عَدَا الذِّئْب ) ‏ ‏بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة مِنْ الْعُدْوَان. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا اِسْتَنْقَذْتهَا مِنِّي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" اِسْتَنْقَذَهَا \" بِإِبْهَامِ الْفَاعِل. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ مِسْعَر ) ‏ ‏هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخه مُفَرَّقًا , وَالْحَاصِل أَنَّ لِسُفْيَان فِيهِ إِسْنَادَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا أَبُو الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج , وَالْآخَر مِسْعَر عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم , كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَلَمَة , وَفِي كُلّ مِنْ الْإِسْنَادَيْنِ رِوَايَة الْقَرِين عَنْ قَرِينه , لِأَنَّ الْأَعْرَج قَرِين أَبِي سَلَمَة كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ شَارَكَهُ فِي أَكْثَر شُيُوخه وَلَا سِيَّمَا أَبُو هُرَيْرَة , وَإِنْ كَانَ أَبُو سَلَمَة أَكْبَر سِنًّا مِنْ الْأَعْرَج وَسُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ قَرِين مِسْعَر , لِأَنَّهُ شَارَكَهُ فِي أَكْثَر شُيُوخه لَا سِيَّمَا سَعْد بْن إِبْرَاهِيم , وَإِنْ كَانَ مِسْعَر أَكْبَر سِنًّا مِنْ سُفْيَان. ‏"
    },
    {
        "id": "3213",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الْأَرْضَ وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْأَرْضُ إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ أَلَكُمَا وَلَدٌ قَالَ أَحَدُهُمَا لِي غُلَامٌ وَقَالَ الْآخَرُ لِي ‏ ‏جَارِيَةٌ ‏ ‏قَالَ أَنْكِحُوا الْغُلَامَ ‏ ‏الْجَارِيَةَ ‏ ‏وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدَيث أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا \" اِشْتَرَى رَجُل مِنْ رَجُل عَقَارًا \" ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهمَا وَلَا عَلَى اِسْم أَحَد مِمَّنْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة , لَكِنْ فِي \" الْمُبْتَدَأ لِوَهْبِ بْن مُنَبِّه \" أَنَّ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ هُوَ دَاوُدُ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام ; وَفِي \" الْمُبْتَدَأ لِإِسْحَاق بْن بِشْر \" أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي زَمَن ذِي الْقَرْنَيْنِ مِنْ بَعْض قُضَاته فَاَللَّه أَعْلَم. وَصَنِيع الْبُخَارِيّ يَقْتَضِي تَرْجِيح مَا وَقَعَ عِنْد وَهْب لِكَوْنِهِ أَوْرَدَهُ فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل. ‏ ‏قَوْله : ( عَقَارًا ) ‏ ‏الْعَقَار فِي اللُّغَة الْمَنْزِل وَالضَّيْعَة وَخَصَّهُ بَعْضهمْ بِالنَّخْلِ , وَيُقَال لِلْمَتَاعِ النَّفِيس الَّذِي لِلْمَنْزِلِ عَقَار أَيْضًا , وَأَمَّا عِيَاض فَقَالَ : الْعَقَار الْأَصْل مِنْ الْمَال , وَقِيلَ الْمَنْزِل وَالضَّيْعَة , وَقِيلَ مَتَاع الْبَيْت فَجَعَلَهُ خِلَافًا. وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة أَنَّهُ مَقُول بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى الْجَمِيع وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا الدَّار , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي حَدِيث وَهْب بْن مُنَبِّه. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَجَدَ الرَّجُل الَّذِي اِشْتَرَى الْعَقَار فِي عَقَاره جَرَّة فِيهَا ذَهَب , فَقَالَ لَهُ : خُذْ ذَهَبَك فَإِنَّمَا اِشْتَرَيْت مِنْك الْأَرْض وَلَمْ أَبْتَع الذَّهَب ) ‏ ‏وَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّ الْعَقْد إِنَّمَا وَقَعَ بَيْنهمَا عَلَى الْأَرْض خَاصَّة , فَاعْتَقَدَ الْبَائِع دُخُول مَا فِيهَا ضِمْنًا , وَاعْتَقَدَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَدْخُل. وَأَمَّا صُورَة الدَّعْوَى بَيْنهمَا فَوَقَعَتْ عَلَى هَذِهِ الصُّورَة وَأَنَّهُمَا لَمْ يَخْتَلِفَا فِي صُورَة الْعَقْد الَّتِي وَقَعَتْ , وَالْحُكْم فِي شَرَعْنَا عَلَى هَذَا فِي مِثْل ذَلِكَ أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْمُشْتَرِي وَأَنَّ الذَّهَب بَاقٍ عَلَى مِلْك الْبَائِع , وَيَحْتَمِل أَنَّهُمَا اِخْتَلَفَا فِي صُورَة الْعَقْد بِأَنْ يَقُول الْمُشْتَرِي لَمْ يَقَع تَصْرِيح بِبَيْعِ الْأَرْض وَمَا فِيهَا بَلْ يَبِيع الْأَرْض خَاصَّة , وَالْبَائِع يَقُول وَقَعَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ , وَالْحُكْم فِي هَذِهِ الصُّورَة أَنْ يَتَحَالَفَا وَيَسْتَرِدَّا الْمَبِيع وَهَذَا كُلّه بِنَاء عَلَى ظَاهِر اللَّفْظ أَنَّهُ وَجَدَ فِيهِ جَرَّة مِنْ ذَهَب , لَكِنْ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن بِشْر أَنَّ الْمُشْتَرِي قَالَ إِنَّهُ اِشْتَرَى دَارًا فَعَمَّرَهَا فَوَجَدَ فِيهَا كَنْزًا , وَأَنَّ الْبَائِع قَالَ لَهُ لَمَّا دَعَاهُ إِلَى أَخْذه مَا دَفَنْت وَلَا عَلِمْت , وَأَنَّهُمَا قَالَا لِلْقَاضِي : اِبْعَثْ مَنْ يَقْبِضهُ وَتَضَعهُ حَيْثُ رَأَيْت , فَامْتَنَعَ , وَعَلَى هَذَا فَحُكْم هَذَا الْمَال حُكْم الرِّكَاز فِي هَذِهِ الشَّرِيعَة إِنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ دَفِين الْجَاهِلِيَّة , وَإِلَّا فَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ دَفِين الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لُقَطَة , وَإِنْ جُهِلَ فَحُكْمه حُكْم الْمَال الضَّائِع يُوضَع فِي بَيْت الْمَال , وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَكُنْ فِي شَرْعهمْ هَذَا التَّفْصِيل فَلِهَذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِمَا حَكَمَ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْأَرْض ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي كَانَتْ لَهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بَيَان الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ وَلَفْظه \" فَقَالَ الَّذِي بَاعَ الْأَرْض : إِنَّمَا بِعْتُك الْأَرْض \" وَوَقَعَ فِي نُسَخ مُسْلِم اِخْتِلَاف , فَالْأَكْثَر رَوَوْهُ بِلَفْظِ \" فَقَالَ الَّذِي شَرَى الْأَرْض \" وَالْمُرَاد بَاعَ الْأَرْض كَمَا قَالَ أَحْمَد , وَلِبَعْضِهِمْ \" فَقَالَ الَّذِي اِشْتَرَى الْأَرْض \" وَوَهَّمَهَا الْقُرْطُبِيّ قَالَ : إِلَّا إِنْ ثَبَتَ أَنَّ لَفْظ \" اِشْتَرَى \" مِنْ الْأَضْدَاد كَشَرَى فَلَا وَهْم , وَقَوْله \" فَتَحَاكَمَا \" ظَاهِره أَنَّهُمَا حَكَّمَاهُ فِي ذَلِكَ , لَكِنْ فِي حَدِيث إِسْحَاق بْن بِشْر التَّصْرِيح بِأَنَّهُ كَانَ حَاكِمًا مَنْصُوبًا لِلنَّاسِ , فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَنْ جَوَّزَ لِلْمُتَدَاعِيَيْنِ أَنْ يُحَكِّمَا بَيْنهمَا رَجُلًا وَيَنْفُذ حُكْمه , وَهِيَ مَسْأَلَة مُخْتَلَف فِيهَا : فَأَجَازَ ذَلِكَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ بِشَرْطِ أَنْ يَكُون فِيهِ أَهْلِيَّة الْحُكْم وَأَنْ يَحْكُم بَيْنهمَا بِالْحَقِّ سَوَاء وَافَقَ ذَلِكَ رَأْي قَاضِي الْبَلَد أَمْ لَا وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيّ الْحُدُود , وَشَرْط أَبُو حَنِيفَة أَنْ لَا يُخَالِف ذَلِكَ رَأْي قَاضِي الْبَلَد , وَجَزَمَ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُر مِنْهُ حُكْم عَلَى أَحَد مِنْهُمَا , وَإِنَّمَا أَصْلَحَ بَيْنهمَا لِمَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ حُكْم الْمَال الْمَذْكُور حُكْم الْمَال الضَّائِع , فَرَأَى أَنَّهُمَا أَحَقّ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرهمَا لِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ وَرَعهمَا وَحُسْن حَالهمَا وَارْتَجَى مِنْ طِيب نَسْلهمَا وَصَلَاح ذُرِّيَّتهمَا , وَيَرُدّهُ مَا جَزَمَ بِهِ الْغَزَالِيّ فِي \" نَصِيحَة الْمُلُوك \" أَنَّهُمَا تَحَاكَمَا إِلَى كِسْرَى , فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا اِرْتَفَعَتْ الْمَبَاحِث الْمَاضِيَة الْمُتَعَلِّقَة بِالتَّحْكِيمِ لِأَنَّ الْكَافِر لَا حُجَّة لَهُ فِيمَا يَحْكُم بِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" لَقَدْ رَأَيْتنَا يَكْثُر تَمَارِينَا وَمُنَازَعَتنَا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيّهمَا أَكْثَر أَمَانَة \". ‏ ‏قَوْله : ( أَلَكُمَا وَلَد ) ‏ ‏؟ بِفَتْحِ الْوَاو وَاللَّام , وَالْمُرَاد الْجِنْس , لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل أَنْ يَكُون لِلرَّجُلَيْنِ جَمِيعًا وَلَد وَاحِد , وَالْمَعْنَى أَلِكُلِّ مِنْكُمَا وَلَد ؟ وَيَجُوز أَنْ يَكُون قَوْله \" أَلَكُمَا وُلْد \" بِضَمِّ الْوَاو وَسُكُون اللَّام وَهِيَ صِيغَة جَمْع أَيْ أَوْلَاد , وَيَجُوز كَسْر الْوَاو أَيْضًا فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَحَدهمْ لِي غُلَام ) ‏ ‏بَيَّنَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن بِشْر أَنَّ الَّذِي قَالَ لِي غُلَام هُوَ الَّذِي اِشْتَرَى الْعَقَار. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْكِحُوا الْغُلَام الْجَارِيَة وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسهمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ بِصِيغَةِ الْجَمْع فِي الْإِنْكَاح وَالْإِنْفَاق وَبِصِيغَةِ التَّثْنِيَة فِي النَّفْسَيْنِ وَفِي التَّصَدُّق , وَكَأَنَّ السِّرّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ كَانَا مَحْجُورَيْنِ وَإِنْكَاحهمَا لَا بُدّ مَعَ وَلِيّهمَا مِنْ غَيْرهمَا كَالشَّاهِدَيْنِ , وَكَذَلِكَ الْإِنْفَاق قَدْ يُحْتَاج فِيهِ إِلَى الْمُعَيَّن كَالْوَكِيلِ , وَأَمَّا تَثْنِيَة النَّفْسَيْنِ فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى اِخْتِصَاص الزَّوْجَيْنِ بِذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن بِشْر مَا يُشْعِر بِذَلِكَ وَلَفْظه \" اِذْهَبَا فَزَوِّجْ اِبْنَتك مِنْ اِبْن هَذَا وَجَهِّزُوهُمَا مِنْ هَذَا الْمَال وَادْفَعَا إِلَيْهِمَا مَا بَقِيَ يَعِيشَانِ بِهِ \" وَأَمَّا تَثْنِيَة التَّصْدِيق فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنْ يُبَاشِرَاهَا بِغَيْرِ وَاسِطَة لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَضْل , وَأَيْضًا فَهِيَ تَبَرُّع لَا يَصْدُر مِنْ غَيْر الرَّشِيد وَلَا سِيَّمَا مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ فِيهَا مِلْك. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَأَنْفِقَا عَلَى أَنْفُسكُمَا \" وَالْأَوَّل أَوْجَه وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3214",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَهُ يَسْأَلُ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الطَّاعُونِ فَقَالَ ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الطَّاعُونُ رِجْسٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ قَالَ ‏ ‏أَبُو النَّضْرِ ‏ ‏لَا يُخْرِجْكُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ ‏",
        "sharh": "حَدَيث أُسَامَة بْن زَيْد فِي الطَّاعُون وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الطِّبّ , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله فِي الْحَدِيث \" الطَّاعُون رِجْز أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل , وَوَقَعَ هُنَا \" رِجْس \" بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة بَدَل الزَّاي وَالْمَحْفُوظ بِالزَّايِ , وَوَجَّهَهُ الْقَاضِي بِأَنَّ الرِّجْس يَقَع عَلَى الْعُقُوبَة أَيْضًا , وَقَدْ قَالَ الْفَارَابِيّ وَالْجَوْهَرِيّ الرِّجْس الْعَذَاب. ‏ ‏قَوْله فِي آخِر الْحَدِيث ( فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ , قَالَ أَبُو النَّضْر : لَا يُخْرِجكُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ الْأُولَى رِوَايَة مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر وَالثَّانِيَة رِوَايَة أَبِي النَّضْر , فَأَمَّا رِوَايَة اِبْن الْمُنْكَدِر فَلَا إِشْكَال فِيهَا , وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي النَّضْر فَرِوَايَتهَا بِالنَّصْبِ كَالَّذِي هُنَا مُشْكِلَة , وَرَوَاهَا جَمَاعَة بِالرَّفْعِ وَلَا إِشْكَال فِيهَا , قَالَ عِيَاض فِي الشَّرْح : وَقَعَ لِأَكْثَر رُوَاة الْمُوَطَّأ بِالرَّفْعِ وَهُوَ بَيَّنَ أَنَّ السَّبَب الَّذِي يُخْرِجكُمْ الْفِرَار وَمُجَرَّد قَصْده لَا غَيْر ذَلِكَ , لِأَنَّ الْخُرُوج إِلَى الْأَسْفَار وَالْحَوَائِج مُبَاح , وَيُطَابِق الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ \" قَالَ وَرَوَاهُ بَعْضهمْ \" إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ \" قَالَ وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : جَاءَ بِالْوَجْهَيْنِ , وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ مَالِك , وَأَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُولُونَ دُخُول \" إِلَّا \" هُنَا بَعْد النَّفْي لِإِيجَابِ بَعْض مَا نُفِيَ قَبْل مِنْ الْخُرُوج , فَكَأَنَّهُ نَهَى عَنْ الْخُرُوج إِلَّا لِلْفِرَارِ خَاصَّة , وَهُوَ ضِدّ الْمَقْصُود فَإِنَّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ الْخُرُوج لِلْفِرَارِ خَاصَّة لَا لِغَيْرِهِ , قَالَ وَجَوَّزَ ذَلِكَ بَعْضهمْ وَجَعَلَ قَوْله \" إِلَّا \" حَالًا مِنْ الِاسْتِثْنَاء أَيْ لَا تَخْرُجُوا إِذَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجكُمْ إِلَّا لِلْفِرَارِ , قَالَ عِيَاض : وَوَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاة الْمُوَطَّأ \" لَا يُخْرِجكُمْ الْإِفْرَار \" بِأَدَاةِ التَّعْرِيف وَبَعْدهَا إِفْرَار بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَهُوَ وَهْم وَلَحْن. وَقَالَ فِي \" الْمَشَارِق \" مَا حَاصِله : يَجُوز أَنْ تَكُون الْهَمْزَة لِلتَّعْدِيَةِ يُقَال أَفَرَّهُ كَذَا مِنْ كَذَا وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِعَدِيِّ بْن حَاتِم \" إِنْ كَانَ لَا يُفِرّك مِنْ هَذَا إِلَّا مَا تَرَى \" فَيَكُون الْمَعْنَى لَا يُخْرِجكُمْ إِفْرَاره إِيَّاكُمْ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" هَذِهِ الرِّوَايَة غَلَط لِأَنَّهُ لَا يُقَال أَفَرَّ وَإِنَّمَا يُقَال فَرَّرَ , قَالَ : وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء إِدْخَال إِلَّا فِيهِ غَلَط , وَقَالَ بَعْضهمْ هِيَ زَائِدَة وَتَجُوز زِيَادَته كَمَا تُزَاد لَا , وَخَرَّجَهُ بَعْضهمْ بِأَنَّهَا لِلْإِيجَابِ فَذَكَرَ نَحْو مَا مَضَى قَالَ : وَالْأَقْرَب أَنْ تَكُون زَائِدَة , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْجَمْع بَيْن قَوْل اِبْن الْمُنْكَدِر \" لَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ \" وَبَيْن قَوْل أَبِي النَّضْر \" لَا يُخْرِجكُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ \" مُشْكِل فَإِنَّ ظَاهِره التَّنَاقُض , ثُمَّ أَجَابَ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدهَا أَنَّ غَرَض الرَّاوِي أَنَّ أَبَا النَّضْر فَسَّرَ لَا تَخْرُجُوا بِأَنَّ الْمُرَاد مِنْهُ الْحَصْر يَعْنِي الْخُرُوج الْمَنْهِيّ هُوَ الَّذِي يَكُون لِمُجَرَّدِ الْفِرَار لَا لِغَرَضٍ آخَر فَهُوَ تَفْسِير لِلْمُعَلَّلِ الْمَنْهِيّ عَنْهُ لَا لِلنَّهْيِ. قُلْت : وَهُوَ بَعِيد لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظ مِنْ كَلَام أَبِي النَّضْر زَادَهُ بَعْد الْخَبَر وَأَنَّهُ مُوَافِق لِابْنِ الْمُنْكَدِر عَلَى اللَّفْظ الْأَوَّل رِوَايَة , وَالْمُتَبَادَر خِلَاف ذَلِكَ. وَالْجَوَاب الثَّانِي كَالْأَوَّلِ وَالزِّيَادَة مَرْفُوعَة أَيْضًا فَيَكُون رَوَى اللَّفْظَيْنِ وَيَكُون التَّفْسِير مَرْفُوعًا أَيْضًا. الثَّالِث إِلَّا زَائِدَة بِشَرْطِ أَنْ تَثْبُت زِيَادَتهَا فِي كَلَام الْعَرَب. ‏"
    },
    {
        "id": "3215",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الطَّاعُونِ فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ ‏",
        "sharh": "حَدَيث عَائِشَة فِي ذَلِكَ وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الطِّبّ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3216",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏أَهَمَّهُمْ شَأْنُ ‏ ‏الْمَرْأَةِ ‏ ‏الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا ‏ ‏أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَلَّمَهُ ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ‏ ‏سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الْمَخْزُومِيَّة الَّتِي سَرَقَتْ ‏ ‏, وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْحُدُود , وَأَوْرَدَهُ هُنَا بِلَفْظِ ‏ ‏\" إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ ‏ ‏, وَفِي بَعْض طُرُقه \" إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل كَانُوا \" وَهُوَ الْمُطَابِق لِلتَّرْجَمَةِ وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3217",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ الْهِلَالِيَّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏قَرَأَ آيَةً وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ خِلَافَهَا فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ وَقَالَ ‏ ‏كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ وَلَا تَخْتَلِفُوا فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا ‏",
        "sharh": "حَدَيث اِبْن مَسْعُود فِي النَّهْي عَنْ الِاخْتِلَاف فِي الْقِرَاءَة , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي فَضَائِل الْقُرْآن. ‏"
    },
    {
        "id": "3218",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏",
        "sharh": "حَدَيث عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن مَسْعُود , وَشَقِيق هُوَ أَبُو وَائِل. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاء ضَرَبَهُ قَوْمه فَأَدْمَوْهُ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذَا النَّبِيّ صَرِيحًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام , فَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِي \" الْمُبْتَدَأ \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي تَفْسِير الشُّعَرَاء مِنْ طَرِيق إِسْحَاق قَالَ \" حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر اللَّيْثِيّ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ قَوْم نُوح كَانُوا يَبْطِشُونَ بِهِ فَيَخْنُقُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ \". قُلْت : وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي اِبْتِدَاء الْأَمْر , ثُمَّ لَمَّا يَئِسَ مِنْهُمْ قَالَ ( رَبّ لَا تَذَر عَلَى الْأَرْض مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ) وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم بَعْد تَخْرِيج هَذَا الْحَدِيث حَدِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي قِصَّة أُحُد \" كَيْف يُفْلِح قَوْم دَمَّوْا وَجْه نَبِيّهمْ \" فَأَنْزَلَ اللَّه ( لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْر شَيْءٌ ) وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْحَاكِي وَالْمَحْكِيّ مَا سَيَأْتِي. وَأَمَّا النَّوَوِيّ فَقَالَ : هَذَا النَّبِيّ الَّذِي جَرَى لَهُ مَا حَكَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ , وَقَدْ جَرَى لِنَبِيِّنَا نَحْو ذَلِكَ يَوْم أُحُد. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ يَمْسَح الدَّم عَنْ وَجْهه ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنَّ ذَلِكَ لَمَّا وَقَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ لِأَصْحَابِهِ أَنَّهُ وَقَعَ لِشَيْء آخَر قَبْله , وَذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ لَهُ يَوْم أُحُد لَمَّا شُجَّ وَجْهه وَجَرَى الدَّم مِنْهُ. فَاسْتَحْضَرَ فِي تِلْكَ الْحَالَة قِصَّة ذَلِكَ النَّبِيّ الَّذِي كَانَ قَبْله فَذَكَرَ قِصَّته لِأَصْحَابِهِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ. وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيّ فَقَالَ : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْحَاكِي وَهُوَ الْمَحْكِيّ عَنْهُ , قَالَ وَكَأَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ قَبْل وُقُوع الْقِصَّة , وَلَمْ يُسَمِّ ذَلِكَ النَّبِيّ , فَلَمَّا وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ تَعَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ الْمَعْنِيّ بِذَلِكَ. قُلْت : وَيُعَكِّر عَلَيْهِ أَنَّ التَّرْجَمَة لِبَنِي إِسْرَائِيل فَيَتَعَيَّن الْحَمْل عَلَى بَعْض أَنْبِيَائِهِمْ , وَفِي \" صَحِيح اِبْن حِبَّانَ \" مِنْ حَدِيث سَهْل بْن سَعْد ‏ ‏\" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ \" ‏ ‏قَالَ اِبْن حِبَّانَ : مَعْنَى هَذَا الدُّعَاء الَّذِي قَالَ يَوْم أُحُد لَمَّا شُجَّ وَجْهه أَيْ اِغْفِرْ لَهُمْ ذَنْبهمْ فِي شَجّ وَجْهِي , لَا أَنَّهُ أَرَادَ الدُّعَاء لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ مُطْلَقًا , إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأُجِيبَ وَلَوْ أُجِيبَ لَأَسْلَمُوا كُلّهمْ , كَذَا قَالَ , وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يَتَخَلَّف بَعْض دُعَائِهِ عَلَى بَعْض أَوْ عَنْ بَعْض , وَفِيهِ نَظَر لِثُبُوتِ \" أَعْطَانِي اِثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَة \" وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام , ثُمَّ وَجَدْت فِي \" مُسْنَد أَحْمَد \" مِنْ طَرِيق عَاصِم عَنْ أَبِي وَائِل مَا يَمْنَع تَأْوِيل الْقُرْطُبِيّ , وَيُعَيِّن الْغَزْوَة الَّتِي قَالَ فِيهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَلَفْظه \" قَسَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَائِم حُنَيْنٍ بِالْجِعْرَانَةِ قَالَ فَازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَقَالَ : إِنْ عَبْدًا مِنْ عِبَاد اللَّه بَعَثَهُ اللَّه إِلَى قَوْمه فَكَذَّبُوهُ وَشَجُّوهُ , فَجَعَلَ يَمْسَح الدَّم عَنْ جَبِينه وَيَقُول : رَبّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ , قَالَ عَبْد اللَّه فَكَأَنِّي أَنْظُر إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَح جَبْهَته يَحْكِي الرَّجُل ,. قُلْت : وَلَا يَلْزَم مِنْ هَذَا الَّذِي قَالَهُ عَبْد اللَّه أَنَّ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ أَيْضًا , بَلْ الظَّاهِر أَنَّهُ حَكَى صِفَة مَسْح جَبْهَته خَاصَّة كَمَا مَسَحَهَا ذَلِكَ النَّبِيّ , وَظَهَرَ بِذَلِكَ فَسَاد مَا زَعَمَهُ الْقُرْطُبِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3219",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَبْلَكُمْ ‏ ‏رَغَسَهُ ‏ ‏اللَّهُ مَالًا فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ قَالُوا خَيْرَ أَبٍ قَالَ فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ فَفَعَلُوا فَجَمَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ مَا حَمَلَكَ قَالَ مَخَافَتُكَ فَتَلَقَّاهُ بِرَحْمَتِهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُقْبَة بْن عَبْد الْغَافِر ) ‏ ‏بَيَّنَ فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة تِلْو هَذِهِ سَمَاع قَتَادَةَ مِنْ عُقْبَة , وَعُقْبَة الْمَذْكُور أَزْدِيّ بَصْرِيّ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيث آخَر تَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَة. وَطَرِيق مُعَاذ هَذِهِ وَصَلَهَا مُسْلِم عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ الْعَنْبَرِيّ عَنْ أَبِيهِ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَغَسَهُ اللَّه ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة بَعْدهَا سِين مُهْمَلَة أَيْ كَثَّرَ مَاله , وَقِيلَ رَغْس كُلّ شَيْء أَصْله فَكَأَنَّهُ قَالَ جَعَلَ لَهُ أَصْلًا مِنْ مَال. وَوَقَعَ فِي مُسْلِم \" رَأَسَهُ اللَّه \" بِهَمْزٍ بَدَل الْغَيْن الْمُعْجَمَة , قَالَ اِبْن التِّين : وَهُوَ غَلَط , فَإِنْ صَحَّ - أَيْ مِنْ جِهَة الرِّوَايَة - فَكَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ \" رَاشّه \" يَعْنِي بِأَلِفٍ سَاكِنَة بِغَيْرِ هَمْز وَبِشِينٍ مُعْجَمَة , وَالرِّيش وَالرِّيَاش الْمَال اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل فِي تَوْجِيه رِوَايَة مُسْلِم أَنْ يُقَال : مَعْنَى \" رَأَّسَهُ \" جَعَلَهُ رَأْسًا وَيَكُون بِتَشْدِيدِ الْهَمْزَة , ‏ ‏وَقَوْله \" مَالًا \" ‏ ‏, أَيْ بِسَبَبِ الْمَال. ‏"
    },
    {
        "id": "3220",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عُقْبَةُ ‏ ‏لِحُذَيْفَةَ ‏ ‏أَلَا تُحَدِّثُنَا مَا ‏ ‏سَمِعْتَ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ رَجُلًا حَضَرَهُ الْمَوْتُ لَمَّا أَيِسَ مِنْ الْحَيَاةِ أَوْصَى أَهْلَهُ إِذَا مُتُّ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا ثُمَّ أَوْرُوا نَارًا حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي فَخُذُوهَا فَاطْحَنُوهَا فَذَرُّونِي فِي الْيَمِّ فِي يَوْمٍ حَارٍّ أَوْ رَاحٍ فَجَمَعَهُ اللَّهُ فَقَالَ لِمَ فَعَلْتَ قَالَ خَشْيَتَكَ فَغَفَرَ لَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُقْبَةُ ‏ ‏وَأَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏فِي يَوْمٍ رَاحٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُقْبَة لِحُذَيْفَة ) ‏ ‏هُوَ عُقْبَة بْن عَمْرو أَبُو مَسْعُود الْأَنْصَارِيّ الْبَدْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيُّ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" حَدَّثَنَا مُسَدَّد \" وَصَوَّبَ أَبُو ذَرّ رِوَايَة الْأَكْثَر وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج أَنَّهُ عَنْ مُوسَى ; وَمُوسَى وَمُسَدَّد جَمِيعًا قَدْ سَمِعَا مِنْ أَبِي عَوَانَة , لَكِنَّ الصَّوَاب هُنَا مُوسَى لِأَنَّ الْمُصَنِّف سَاقَ الْحَدِيث عَنْ مُسَدَّد ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مُوسَى خَالَفَهُ فِي لَفْظَة مِنْهُ وَهِيَ قَوْله \" فِي يَوْم رَاحٍ \" فَإِنَّ فِي رِوَايَة مُسَدَّد \" يَوْم حَارّ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ سِيَاق مُوسَى فِي أَوَّل \" بَاب ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل , وَقَالَ فِيهِ \" اُنْظُرُوا يَوْمًا رَاحًا \" وَقَوْله رَاحًا أَيْ كَثِير الرِّيح , وَيُقَال ذَلِكَ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي تَخْتَرِقهُ الرِّيَاح , قَالَ الْجَوْهَرِيّ : يَوْم رَاح أَيْ شَدِيد الرِّيح , وَإِذَا كَانَ طَيِّب الرِّيح يُقَال الرَّيِّح بِتَشْدِيدِ الْيَاء. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَوْم رَاح أَيْ ذُو رِيح كَمَا يُقَال رَجُل مَال أَيْ ذُو مَال , وَأَمَّا رِوَايَة الْبَاب فَقَوْله \" فِي يَوْم حَارّ \" فَهُوَ بِتَخْفِيفِ الرَّاء , قَالَ اِبْن فَارِس : الْحَوَر رِيح تَحِنّ كَحَنِينِ الْإِبِل , وَقَدْ نَبَّهَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ. وَظَنَّ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي أَوَّل ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا رِوَايَته عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل فِي جَمِيع الطُّرُق وَهُوَ صَحِيح , لَكِنَّ مُرَاد الْجَيَّانِيّ مَا وَقَعَ هُنَا , وَهُوَ بَيِّن لِمَنْ تَأَمَّلَ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَيْر الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الَّذِي قَبْله , وَمُرَاده أَنَّ عَبْد الْمَلِك رَوَاهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور مِثْل الرِّوَايَة الَّتِي قَبْله إِلَّا فِي هَذِهِ اللَّفْظَة ; وَهَذَا يَقْتَضِي خَطَأ مَنْ أَوْرَدَهُ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى بِلَفْظِ \" رَاحٍ \" وَهِيَ رِوَايَة السَّرَخْسِيّ , وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو الْوَلِيد عَنْ أَبِي عَوَانَة فَقَالَ فِيهِ \" فِي رِيح عَاصِف \" أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الرِّقَاق. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْرُوا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْوَاو وَضَمّ الرَّاء أَيْ اِقْدَحُوا وَأَشْعِلُوا. ‏"
    },
    {
        "id": "3221",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ الرَّجُلُ يُدَايِنُ النَّاسَ فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا قَالَ فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "حَدَيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الَّذِي كَانَ يُدَايِن النَّاس , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع. ‏"
    },
    {
        "id": "3222",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَأَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَقَالَ اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏غَيْرُهُ ‏ ‏مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ رَجُل يُسْرِف عَلَى نَفْسه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة أَنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا , وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الرِّقَاق أَنَّهُ كَانَ يُسِيء الظَّنّ بِعَمَلِهِ , وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَئِر خَيْرًا , وَسَيَأْتِي نَقْل الْخِلَاف فِي تَحْرِيرهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَبْلكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا أَنَا مُتّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اِطْحَنُونِي ثُمَّ ذُرُّونِي ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء , فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمُعْجَمَة أَيْ حَضَرَهُ الْمَوْت - أَيُّ أَب كُنْت لَكُمْ ؟ قَالُوا : خَيْر أَب , قَالَ : فَإِنِّي لَمْ أَعْمَل خَيْرًا قَطُّ , فَإِذَا مُتّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اِسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُونِي \" بِفَتْحِ أَوَّله وَالتَّخْفِيف , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" ثُمَّ أَذْرُونِي \" بِزِيَادَةِ هَمْزَة مَفْتُوحَة فِي أَوَّله , فَالْأَوَّل بِمَعْنَى دَعُونِي أَيْ اُتْرُكُونِي , وَالثَّانِي مِنْ قَوْله أَذْرَتْ الرِّيح الشَّيْء إِذَا فَرَّقَتْهُ بِهُبُوبِهَا , وَهُوَ مُوَافِق لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الرِّيح ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مَا فِي رِوَايَة حُذَيْفَة مِنْ الْخِلَاف فِي هَذِهِ اللَّفْظَة , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فِي يَوْم عَاصِف \" أَيْ عَاصِف رِيحه , وَفِي حَدِيث مُعَاذ عَنْ شُعْبَة عِنْد مُسْلِم \" فِي رِيح عَاصِف \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل فِي أَوَّل الْبَاب \" حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي وَامْتُحِشْت , وَهُوَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاة وَكَسْر الْمُهْمَلَة بَعْدهَا شِين مُعْجَمَة أَيْ وَصَلَ الْحَرْق الْعِظَام , وَالْمَحْش إِحْرَاق النَّار الْجِلْد. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ يُسْتَشْكَل هَذَا فَيُقَال كَيْف يُغْفَر لَهُ وَهُوَ مُنْكِر لِلْبَعْثِ وَالْقُدْرَة عَلَى إِحْيَاء الْمَوْتَى ؟ وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَمْ يُنْكِر الْبَعْث وَإِنَّمَا جَهِلَ فَظَنَّ أَنَّهُ إِذَا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لَا يُعَاد فَلَا يُعَذَّب , وَقَدْ ظَهَرَ إِيمَانه بِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَة اللَّه. قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : قَدْ يَغْلَط فِي بَعْض الصِّفَات قَوْم مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ ; وَرَدَّهُ اِبْن الْجَوْزِيّ وَقَالَ : جَحْده صِفَة الْقُدْرَة كُفْر اِتِّفَاقًا , وَإِنَّمَا قِيلَ إِنَّ مَعْنَى قَوْله \" لَئِنْ قَدَرَ اللَّه عَلَيَّ \" أَيْ ضَيَّقَ وَهِيَ قَوْله : ( وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقه ) أَيْ ضُيِّقَ , وَأَمَّا قَوْله \" لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ \" فَمَعْنَاهُ لَعَلِّي أَفُوتهُ , يُقَال ضَلَّ الشَّيْء إِذَا فَاتَ وَذَهَبَ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ : ( لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ) وَلَعَلَّ هَذَا الرَّجُل قَالَ ذَلِكَ مِنْ شِدَّة جَزَعه وَخَوْفه كَمَا غَلِطَ ذَلِكَ الْآخَر فَقَالَ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبّك , وَيَكُون قَوْله \" لَئِنْ قَدَّرَ عَلَيَّ \" بِتَشْدِيدِ الدَّال أَيْ قَدَّرَ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبنِي لَيُعَذِّبنِي , أَوْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُثْبِتًا لِلصَّانِعِ وَكَانَ فِي زَمَن الْفَتْرَة فَلَمْ تَبْلَعهُ شَرَائِط الْإِيمَان , وَأَظْهَر الْأَقْوَال أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي حَال دَهْشَته وَغَلَبَة الْخَوْف عَلَيْهِ حَتَّى ذَهَبَ بِعَقْلِهِ لِمَا يَقُول , وَلَمْ يَقُلْهُ قَاصِدًا لِحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ بَلْ فِي حَالَة كَانَ فِيهَا كَالْغَافِلِ وَالذَّاهِل وَالنَّاسِي الَّذِي لَا يُؤَاخَذ بِمَا يَصْدُر مِنْهُ , وَأَبْعَد الْأَقْوَال قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ فِي شَرْعهمْ جَوَاز الْمَغْفِرَة لِلْكَافِرِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَ اللَّه الْأَرْض فَقَالَ اِجْمَعِي مَا فِيك مِنْهُ فَفَعَلَتْ ) ‏ ‏وَفِي حَدِيث سَلْمَان الْفَارِسِيّ عِنْد أَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحه \" فَقَالَ اللَّه لَهُ كُنْ فَكَانَ كَأَسْرَع مِنْ طَرْفَة الْعَيْن \" وَهَذَا جَمِيعه كَمَا قَالَ اِبْن عَقِيل إِخْبَار عَمَّا سَيَقَعُ لَهُ يَوْم الْقِيَامَة , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَعْضهمْ إِنَّهُ خَاطَبَ رُوحه , فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَاسِب قَوْله \" فَجَمَعَهُ اللَّه \" لِأَنَّ التَّحْرِيق وَالتَّفْرِيق إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْجَسَد وَهُوَ الَّذِي يُجْمَع وَيُعَاد عِنْد الْبَعْث. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ غَيْره خَشْيَتك ) ‏ ‏الْغَيْر الْمَذْكُور هُوَ عَبْد الرَّزَّاق , كَذَا رَوَاهُ عَنْ مَعْمَر بِلَفْظِ \" خَشْيَتك \" بَدَل مَخَافَتك , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِهَذَا , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبَى سَعِيد \" مَخَافَتك , وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة \" خَشْيَتك \". ‏ ‏قَوْله فِي آخِر حَدِيث أَبِي سَعِيد ( فَتَلْقَاهُ رَحْمَته ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ فَتَلَافَاهُ قَالَ اِبْن التِّين : أَمَّا تَلَقَّاهُ بِالْقَافِ فَوَاضِح. لَكِنْ الْمَشْهُور تَعْدِيَته بِالْبَاءِ وَقَدْ جَاءَ هُنَا بِغَيْرِ تَعْدِيَة , وَعَلَى هَذَا فَالرَّحْمَة مَنْصُوبَة عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذِكْر الرَّحْمَة وَهِيَ عَلَى هَذَا بِالرَّفْعِ , قَالَ وَأَمَّا \" تَلَافَاهُ \" بِالْفَاءِ فَلَا أَعْرِف لَهُ وَجْهًا إِلَّا أَنْ يَكُون أَصْله فَتَلَفَّفَهُ أَيْ غَشَّاهُ , فَلَمَّا اِجْتَمَعَتْ ثَلَاث فَاءَات أُبْدِلَتْ الْأَخِيرَة أَلِفًا مِثْل \" دَسَّاهَا \" كَذَا قَالَ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ مِنْ الثُّلَاثِيّ , وَالْقَوْل فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي التَّلَقِّي. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث سَلْمَان \" مِمَّا تَلَافَاهُ عِنْدهَا أَنْ غُفِرَ لَهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3223",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ‏",
        "sharh": "حَدَيث عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن عُمَر فِي الَّتِي رَبَطَتْ الْهِرَّة وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا , لَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا سَوْدَاء وَأَنَّهَا حِمْيَرِيَّة وَأَنَّهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْن ذَلِكَ , وَتَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر بَدْء الْخَلْق. ‏"
    },
    {
        "id": "3224",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زُهَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي مَسْعُود ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ مَنْصُور عَنْ عَبْد الْمَلِك فَقَالَ \" عَنْ رِبْعِيّ بْن حِرَاش عَنْ حُذَيْفَة \" حَكَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" قَالَ : وَرَوَاهُ أَبُو مَالِك الْأَشْجَعِيّ أَيْضًا عَنْ رِبْعِيّ عَنْ حُذَيْفَة , قُلْت : رِوَايَته عِنْد أَحْمَد , وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنْ يَكُون رِبْعِيّ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي مَسْعُود وَمِنْ حُذَيْفَة جَمِيعًا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاس مِنْ كَلَام النُّبُوَّة ) ‏ ‏النَّاس بِالرَّفْعِ فِي جَمِيع الطُّرُق وَيَجُوز النَّصْب أَيْ مِمَّا بَلَغَ النَّاس , وَقَوْله \" مِنْ كَلَام النُّبُوَّة \" أَيْ مِمَّا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاء , أَيْ إِنَّهُ مِمَّا نَدَبَ إِلَيْهِ الْأَنْبِيَاء وَلَمْ يُنْسَخ فِيمَا نُسِخَ مِنْ شَرَائِعهمْ , لِأَنَّهُ أَمْر أَطْبَقَتْ عَلَيْهِ الْعُقُول , وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَد وَغَيْرهمَا \" النُّبُوَّة الْأُولَى \" أَيْ الَّتِي قَبْل نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاصْنَعْ مَا شِئْت ) ‏ ‏هُوَ أَمْر بِمَعْنَى الْخَبَر , أَوْ هُوَ لِلتَّهْدِيدِ أَيْ اِصْنَعْ مَا شِئْت فَإِنَّ اللَّه يَجْزِيك , أَوْ مَعْنَاهُ اُنْظُرْ إِلَى مَا تُرِيد أَنْ تَفْعَلهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُسْتَحَيَا مِنْهُ فَافْعَلْهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُسْتَحَيَا مِنْهُ فَدَعْهُ , أَوْ الْمَعْنَى أَنَّك إِذَا لَمْ تَسْتَحِ مِنْ اللَّه مِنْ شَيْء يَجِب أَنْ لَا تَسْتَحْيِيَ مِنْهُ مِنْ أَمْر الدِّين فَافْعَلْهُ وَلَا تُبَالِ بِالْخَلْقِ , أَوْ الْمُرَاد الْحَثّ عَلَى الْحَيَاء وَالتَّنْوِيه بِفَضْلِهِ , أَيْ لَمَّا لَمْ يَجُزْ صُنْع جَمِيع مَا شِئْت لَمْ يَجُزْ تَرْك الِاسْتِحْيَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "3225",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3226",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ فَهُوَ ‏ ‏يَتَجَلْجَلُ ‏ ‏فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدَيث اِبْن عُمَر \" بَيْنَمَا رَجُل يَجُرّ إِزَاره مِنْ الْخُيَلَاء خُسِفَ بِهِ \" ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب اللِّبَاس , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ يُونُس أَيْضًا عَبْد اللَّه بْن وَهْب أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُسَافِر ‏ ‏( عَنْ الزُّهْرِيّ ) ‏ ‏أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَطَرِيق عَبْد الرَّحْمَن هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي كِتَاب اللِّبَاس. ‏"
    },
    {
        "id": "3227",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ كُلِّ أُمَّةٍ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَا مِنْ بَعْدِهِمْ فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَغَدًا ‏ ‏لِلْيَهُودِ ‏ ‏وَبَعْدَ غَدٍ ‏ ‏لِلنَّصَارَى ‏",
        "sharh": "حَدَيث أَبِي هُرَيْرَة فِي فَضْل يَوْم الْجُمُعَة , تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْجُمُعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3228",
        "content": "‏ ‏عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمٌ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3229",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا فَخَطَبَنَا فَأَخْرَجَ ‏ ‏كُبَّةً ‏ ‏مِنْ شَعَرٍ فَقَالَ مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا غَيْرَ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏وَإِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَمَّاهُ الزُّورَ ‏ ‏يَعْنِي الْوِصَالَ فِي الشَّعَرِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3230",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْكَاهِلِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ { ‏وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ‏} ‏قَالَ ‏ ‏الشُّعُوبُ الْقَبَائِلُ الْعِظَامُ وَالْقَبَائِلُ الْبُطُونُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَيَّاش الْكُوفِيّ وَكَذَا سَائِر الْإِسْنَاد , ‏ ‏وَأَبُو حُصَيْنٍ ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله هُوَ عُثْمَان بْن عَاصِم. ‏ ‏قَوْله : ( الشُّعُوب الْقَبَائِل الْعِظَام وَالْقَبَائِل الْبُطُون ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ الْمُرَاد بِلَفْظِ الْقَبَائِل فِي الْقُرْآن مَا هُوَ فِي اِصْطِلَاح أَهْل النَّسَب الْبُطُون , وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ هَذَا الْحَدِيث عَنْ خَلَّاد بْن أَسْلَمَ وَأَبِي كُرَيْب كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش بِهَذَا الْإِسْنَاد , لَكِنْ قَالَ فِي الْمَتْن \" الشُّعُوب الْجِمَاع \" أَيْ الَّذِي يَجْمَع مُتَفَرِّقَات الْبُطُون , قَالَ خَلَّاد قَالَ أَبُو بَكْر : الْقَبَائِل مِثْل بَنِي تَمِيم , وَدُونهَا الْأَفْخَاذ اِنْتَهَى. وَقَدْ قَسَّمَهَا الزُّبَيْر بْن بَكَّار فِي \" كِتَاب النَّسَب \" إِلَى شَعْب ثُمَّ قَبِيلَة ثُمَّ عِمَارَة بِكَسْرِ الْعَيْن ثُمَّ بَطْن ثُمَّ فَخِذ ثُمَّ فَصِيلَة , وَزَادَ غَيْره قَبْل الشَّعْب الْجَذْم وَبَعْد الْفَصِيلَة الْعَشِيرَة , وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ بَعْد الْعَشِيرَة الْأُسْرَة ثُمَّ الْعِتْرَة , فَمِثَال الْجَذْم عَدْنَان وَمِثَال الشَّعْب مُضَر وَمِثَال الْقَبِيلَة كِنَانَة وَمِثَال الْعِمَارَة قُرَيْش وَأَمْثِلَة مَا دُون ذَلِكَ لَا تَخْفَى. وَيَقَع فِي عِبَارَاتهمْ أَشْيَاء مُرَادِفَة لِمَا تَقَدَّمَ كَقَوْلِهِمْ حَيّ وَبَيْت وَعَقِيلَة وَأَرُومَة وَجُرْثُومَة وَرَهْط وَغَيْر ذَلِكَ , وَرَتَّبَهَا مُحَمَّد بْن أَسْعَد النَّسَّابَة الْمَعْرُوف بِالْحَرَّانِيّ جَمِيعهَا وَأَرْدَفَهَا فَقَالَ : جَذْم ثُمَّ جُمْهُور ثُمَّ شَعْب ثُمَّ قَبِيلَة ثُمَّ عِمَارَة ثُمَّ بَطْن ثُمَّ فَخِذ ثُمَّ عَشِيرَة ثُمَّ فَصِيلَة ثُمَّ رَهْط ثُمَّ أُسْرَة ثُمَّ عِتْرَة ثُمَّ ذُرِّيَّة. وَزَادَ غَيْره فِي أَثْنَائِهَا ثَلَاثَة وَهِيَ بَيْت وَحَيّ وَجِمَاع فَزَادَتْ عَلَى مَا ذَكَرَ الزُّبَيْر عَشَرَة. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : الْقَبَائِل لِلْعَرَبِ كَالْأَسْبَاطِ لِبَنِي إِسْرَائِيل , وَمَعْنَى الْقَبِيلَة الْجَمَاعَة , وَيُقَال لِكُلِّ مَا جُمِعَ عَلَى شَيْء وَاحِد قَبِيلَة أَخْذًا مِنْ قَبَائِل الشَّجَرَة وَهُوَ غُصُونهَا أَوْ مِنْ قَبَائِل الرَّأْس وَهُوَ أَعْضَاؤُهُ , سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِهَا. وَيُقَال : الْمُرَاد بِالشُّعُوبِ فِي الْآيَة بُطُون الْعَجَم وَبِالْقَبَائِلِ بُطُون الْعَرَب. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب سَبْعَة أَحَادِيث : ‏"
    },
    {
        "id": "3231",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ قَالَ ‏ ‏أَتْقَاهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ قَالَ ‏ ‏فَيُوسُفُ ‏ ‏نَبِيُّ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" قِيلَ يَا رَسُول اللَّه مَنْ أَكْرَم النَّاس ؟ قَالَ أَتْقَاهُمْ \" ‏ ‏الْحَدِيث , أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ مَضَى فِي قِصَّة يُوسُف , وَالْغَرَض مِنْهُ وَاضِح , وَإِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَى يُوسُف أَكْرَم النَّاس لِكَوْنِهِ رَابِع نَبِيّ فِي نَسَق وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ لِغَيْرِهِ , فَإِنَّهُ اِجْتَمَعَ لَهُ الشَّرَف فِي نَسَبه مِنْ وَجْهَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3232",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏كُلَيْبُ بْنُ وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَتْنِي ‏ ‏رَبِيبَةُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ لَهَا ‏ ‏أَرَأَيْتِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَكَانَ مِنْ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏قَالَتْ فَمِمَّنْ كَانَ إِلَّا مِنْ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا كُلَيْب بْن وَائِل ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ , وَرَوَاهُ عَفَّان عَنْ عَبْد الْوَاحِد فَقَالَ \" عَنْ عَاصِم بْن كُلَيْب \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَهُوَ خَطَأ مِنْ عَفَّان , وَكُلَيْب بْن وَائِل تَابِعِيّ وَسَط كُوفِيّ أَصْله مِنْ الْمَدِينَة , وَهُوَ ثِقَة عِنْد الْجَمِيع إِلَّا أَنَّ أَبَا زُرْعَة ضَعَّفَهُ بِغَيْرِ قَادِح , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَتْنِي رَبِيبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هِيَ بِنْت أُمّ سَلَمَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ مِمَّنْ كَانَ إِلَّا مِنْ مُضَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَمِمَّنْ كَانَ \" بِزِيَادَةِ فَاءَ فِي الْجَوَاب وَهُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار , أَيْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مِنْ مُضَر. ‏ ‏قَوْله : ( مُضَر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن نِزَار بْن مَعْد بْن عَدْنَان وَالنَّسَب مَا بَيْن عَدْنَان إِلَى إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم مُخْتَلَف فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي , وَأَمَّا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَدْنَان فَمُتَّفَق عَلَيْهِ. وَقَالَ اِبْن سَعْد فِي \" الطَّبَقَات \" حَدَّثَنَا هِشَام بْن الْكَلْبِيّ قَالَ \" عَلَّمَنِي أَبِي وَأَنَا غُلَام نَسَب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَهُوَ شَيْبَة الْحَمْد اِبْن هَاشِم وَاسْمه عَمْرو بْن عَبْد مَنَافٍ وَاسْمه الْمُغِيرَة بْن قُصِيّ وَاسْمه زَيْد اِبْن كِلَاب بْن مُرَّة بْن كَعْب بْن لُؤَيّ بْن غَالِب بْن فِهْر وَإِلَيْهِ جِمَاع قُرَيْش , وَمَا كَانَ فَوْق فِهْر فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ بَلْ هُوَ كِنَانِيّ , اِبْن مَالِك بْن النَّضْر وَاسْمه قَيْس بْن كِنَانَة بْن خُزَيْمَةَ بْن مُدْرِكَة وَاسْمه عَمْرو بْن إِلْيَاس بْن مُضَر. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَاد جَيِّد عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" اِسْتَقَامَ نَسَب النَّاس إِلَى مَعْد بْن عَدْنَان \" وَمُضَر بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْمُعْجَمَة يُقَال سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مُولَعًا بِشُرْبِ اللَّبَن الْمَاضِر وَهُوَ الْحَامِض , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي أَنَّهُ كَانَ لَهُ اِسْم غَيْره قَبْل أَنْ يَتَّصِف بِهَذِهِ الصِّفَة , نَعَمْ مُمْكِن أَنْ يَكُون هَذَا اِشْتِقَاقه , وَلَا يَلْزَم أَنْ يَكُون مُتَّصِفًا بِهِ حَالَة التَّسْمِيَة , وَهُوَ أَوَّل مَنْ حَدَا الْإِبِل. وَرَوَى اِبْن حَبِيب فِي تَارِيخه عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" مَاتَ عَدْنَان وَأَبُوهُ وَابْنه مَعْد وَرَبِيعَة وَمُضَر وَقَيْس وَتَمِيم وَأَسَد وَضَبَّة عَلَى الْإِسْلَام عَلَى مِلَّة إِبْرَاهِيم \" وَرَوَى الزُّبَيْر بْن بَكَّار مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" لَا تَسُبُّوا مُضَر وَلَا رَبِيعَة فَإِنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ \" , وَلِابْنِ سَعْد مِنْ مُرْسَل عَبْد اللَّه بْن خَالِد رَفَعَهُ \" لَا تَسُبُّوا مُضَر فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ بَنِي النَّضْر بْن كِنَانَة ) ‏ ‏أَيْ الْمَذْكُور , وَرَوَى أَحْمَد وَابْن سَعْد مِنْ حَدِيث الْأَشْعَث بْن قَيْس الْكِنْدِيّ قَالَ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّا نَزْعُم أَنَّكُمْ مِنَّا - يَعْنِي مِنْ الْيَمَن - فَقَالَ نَحْنُ بَنُو النَّضْر بْن كِنَانَة \" , وَرَوَى اِبْن سَعْد مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ بِإِسْنَاد فِيهِ ضَعْف مَرْفُوعًا \" أَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه , وَانْتَسَبَ حَتَّى بَلَغَ النَّضْر بْن كِنَانَة , قَالَ فَمَنْ قَالَ غَيْر ذَلِكَ فَقَدْ كَذَبَ \" اِنْتَهَى. وَإِلَى النَّضْر تَنْتَهِي أَنْسَاب قُرَيْش , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَإِلَى كِنَانَة تَنْتَهِي أَنْسَاب أَهْل الْحِجَاز , وَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث وَاثِلَة مَرْفُوعًا \" إِنَّ اللَّه اِصْطَفَى كِنَانَة مِنْ وَلَد إِسْمَاعِيل , وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَة قُرَيْشًا , وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْش بَنِي هَاشِم , وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِم \" وَلِابْنِ سَعْد مِنْ مُرْسَل أَبِي جَعْفَر الْبَاقِر : ثُمَّ اِخْتَارَ بَنِي هَاشِم مِنْ قُرَيْش ثُمَّ اِخْتَارَ بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب مِنْ بَنِي هَاشِم. ‏"
    },
    {
        "id": "3233",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏كُلَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَتْنِي ‏ ‏رَبِيبَةُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَظُنُّهَا ‏ ‏زَيْنَبَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الدُّبَّاءِ ‏ ‏وَالْحَنْتَمِ ‏ ‏وَالنَّقِيرِ ‏ ‏وَالْمُزَفَّتِ ‏ ‏وَقُلْتُ لَهَا أَخْبِرِينِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِمَّنْ كَانَ مِنْ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏كَانَ قَالَتْ فَمِمَّنْ كَانَ إِلَّا مِنْ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏كَانَ مِنْ وَلَدِ ‏ ‏النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَظُنّهَا زَيْنَب ) ‏ ‏كَأَنَّ قَائِله مُوسَى , لِأَنَّ قَيْس بْن حَفْص فِي الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا قَدْ جَزَمَ بِأَنَّهَا زَيْنَب , وَشَيْخهمَا وَاحِد. لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة حِبَّانَ بْن هِلَال عَنْ عَبْد الْوَاحِد وَقَالَ : لَا أَعْلَمهَا إِلَّا زَيْنَب , فَكَأَنَّ الشَّكّ فِيهِ مِنْ شَيْخهمْ عَبْد الْوَاحِد , كَانَ يَجْزِم بِهَا تَارَة وَيَشُكّ فِيهَا أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الدُّبَّاء ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة سَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة , وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِكَوْنِهِ سَمِعَ الْحَدِيث عَلَى هَذِهِ الصُّورَة وَهَذَا هُوَ الْمَرْفُوع مِنْهُ فَلَمْ يَرَ حَذْفه مِنْ السِّيَاق , عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَطَّرِد لَهُ فِي ذَلِكَ عَمَل : فَإِنَّهُ تَارَة يَأْتِي بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهه كَمَا صَنَعَ هُنَا , وَتَارَة يَقْتَصِر عَلَى مَوْضِع حَاجَته مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي عِدَّة مَوَاطِن. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْمُقَيَّر وَالْمُزَفَّت ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا بِالْمِيمِ وَالْقَاف الْمَفْتُوحَة , قَالَ أَبُو ذَرّ : هُوَ خَطَأ وَالصَّوَاب النَّقِير يَعْنِي بِالنُّونِ وَكَسْر الْقَاف وَهُوَ وَاضِح لِئَلَّا يَلْزَم مِنْهُ التَّكْرَار إِذَا ذُكِرَ الْمُزَفَّت. ‏"
    },
    {
        "id": "3234",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَجِدُونَ النَّاسَ ‏ ‏مَعَادِنَ ‏ ‏خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَجِدُونَ النَّاس مَعَادِن ) ‏ ‏أَيْ أُصُولًا مُخْتَلِفَة , وَالْمَعَادِن جَمْع مَعْدِن وَهُوَ الشَّيْء الْمُسْتَقِرّ فِي الْأَرْض , فَتَارَة يَكُون نَفِيسًا وَتَارَة يَكُون خَسِيسًا , وَكَذَلِكَ النَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( خِيَارهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة خِيَارهمْ فِي الْإِسْلَام ) ‏ ‏وَجْه التَّشْبِيه أَنَّ الْمَعْدِن لَمَّا كَانَ إِذَا اُسْتُخْرِجَ ظَهَرَ مَا اِخْتَفَى مِنْهُ وَلَا تَتَغَيَّر صِفَته فَكَذَلِكَ صِفَة الشَّرَف لَا تَتَغَيَّر فِي ذَاتهَا بَلْ مَنْ كَانَ شَرِيفًا فِي الْجَاهِلِيَّة فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْل الْجَاهِلِيَّة رَأْس فَإِنْ أَسْلَمَ اِسْتَمَرَّ شَرَفه وَكَانَ أَشْرَفَ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ الْمَشْرُوفِينَ فِي الْجَاهِلِيَّة , وَأَمَّا قَوْله إِذَا فَقِهُوا فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الشَّرَف الْإِسْلَامِيّ لَا يَتِمّ إِلَّا بِالتَّفَقُّهِ فِي الدِّين , وَعَلَى هَذَا فَتَنْقَسِم النَّاس أَرْبَعَة أَقْسَام مَعَ مَا يُقَابِلهَا : ‏ ‏الْأَوَّل شَرِيف فِي الْجَاهِلِيَّة أَسْلَمَ وَتَفَقَّهَ , وَيُقَابِلهُ مَشْرُوف فِي الْجَاهِلِيَّة لَمْ يُسْلِم وَلَمْ يَتَفَقَّه. ‏ ‏الثَّانِي شَرِيف فِي الْجَاهِلِيَّة أَسْلَمَ وَلَمْ يَتَفَقَّه , وَيُقَابِلهُ مَشْرُوف فِي الْجَاهِلِيَّة لَمْ يُسْلِم وَتَفَقَّهَ , ‏ ‏الثَّالِث شَرِيف فِي الْجَاهِلِيَّة لَمْ يُسْلِم وَلَمْ يَتَفَقَّه , وَيُقَابِلهُ مَشْرُوف فِي الْجَاهِلِيَّة أَسْلَمَ ثُمَّ تَفَقَّهَ. ‏ ‏الرَّابِع شَرِيف فِي الْجَاهِلِيَّة لَمْ يُسْلِم وَتَفَقَّهَ وَيُقَابِلهُ مَشْرُوف فِي الْجَاهِلِيَّة أَسْلَمَ وَلَمْ يَتَفَقَّه فَأَرْفَع الْأَقْسَام مَنْ شَرُفَ فِي الْجَاهِلِيَّة ثُمَّ أَسْلَمَ وَتَفَقَّهَ , وَيَلِيه مَنْ كَانَ مَشْرُوفًا ثُمَّ أَسْلَمَ وَتَفَقَّهَ , وَيَلِيه مَنْ كَانَ شَرِيفًا فِي الْجَاهِلِيَّة ثُمَّ أَسْلَمَ وَلَمْ يَتَفَقَّه , وَيَلِيه مَنْ كَانَ مَشْرُوفًا ثُمَّ أَسْلَمَ وَلَمْ يَتَفَقَّه. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُسْلِم فَلَا اِعْتِبَار بِهِ سَوَاء كَانَ شَرِيفًا أَوْ مَشْرُوفًا سَوَاء تَفَقَّهَ أَوْ لَمْ يَتَفَقَّه وَاَللَّه أَعْلَم. وَالْمُرَاد بِالْخِيَارِ وَالشَّرَف وَغَيْر ذَلِكَ مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِمَحَاسِن الْأَخْلَاق , كَالْكَرَمِ وَالْعِفَّة وَالْحِلْم وَغَيْرهَا , مُتَوَقِّيًا لِمَسَاوِيهَا كَالْبُخْلِ وَالْفُجُور وَالظُّلْم وَغَيْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا فَقِهُوا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَاف وَيَجُوز كَسْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَجِدُونَ خَيْر النَّاس فِي هَذَا الشَّأْن ) ‏ ‏أَيْ الْوِلَايَة وَالْإِمْرَة , وَقَوْله \" أَشَدّهمْ لَهُ كَرَاهِيَة \" أَيْ أَنَّ الدُّخُول فِي عُهْدَة الْإِمْرَة مَكْرُوه مِنْ جِهَة تَحَمُّل الْمَشَقَّة فِيهِ , وَإِنَّمَا تَشْتَدّ الْكَرَاهَة لَهُ مِمَّنْ يَتَّصِف بِالْعَقْلِ وَالدِّين , لِمَا فِيهِ مِنْ صُعُوبَة الْعَمَل بِالْعَدْلِ وَحَمْل النَّاس عَلَى رَفْع الظُّلْم , وَلِمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ مُطَالَبَة اللَّه تَعَالَى لِلْقَائِمِ بِهِ مِنْ حُقُوق عِبَاده , وَلَا يَخْفَى خَيْرِيَّة مَنْ خَافَ مَقَام رَبّه. وَأَمَّا قَوْله فِي الطَّرِيق الَّتِي بَعْد هَذِهِ \" وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْر النَّاس أَشَدّ النَّاس كَرَاهِيَة لِهَذَا الشَّأْن حَتَّى يَقَع فِيهِ \" فَإِنَّهُ قَيَّدَ الْإِطْلَاق فِي الرِّوَايَة الْأُولَى وَعَرَفَ أَنَّ مَنْ فِيهِ مُرَاده , وَأَنَّ مَنْ اِتَّصَفَ بِذَلِكَ لَا يَكُون خَيْر النَّاس عَلَى الْإِطْلَاق. وَأَمَّا قَوْله \" حَتَّى يَقَع فِيهِ \" فَاخْتُلِفَ فِي مَفْهُومه فَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ حَرِيصًا عَلَى الْإِمْرَة غَيْر رَاغِب فِيهَا إِذَا حَصَلَتْ لَهُ بِغَيْرِ سُؤَال تَزُول عَنْهُ الْكَرَاهَة فِيهَا لِمَا يُرَى مِنْ إِعَانَة اللَّه لَهُ عَلَيْهَا , فَيَأْمَن عَلَى دِينه مِمَّنْ كَانَ يَخَاف عَلَيْهِ مِنْهَا قَبْل أَنْ يَقَع فِيهَا , وَمِنْ ثَمَّ أَحَبَّ مَنْ أَحَبَّ اِسْتِمْرَار الْوِلَايَة مِنْ السَّلَف الصَّالِح حَتَّى قَاتَلَ عَلَيْهَا , وَصَرَّحَ بَعْض مَنْ عُزِلَ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ لَمْ تَسُرّهُ الْوِلَايَة بَلْ سَاءَهُ الْعَزْل. وَقِيلَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" حَتَّى يَقَع فِيهِ \" أَيْ فَإِذَا وَقَعَ فِيهِ لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يَكْرَههُ , وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَادَة جَرَتْ بِذَلِكَ وَأَنَّ مَنْ حَرَصَ عَلَى الشَّيْء وَرَغِبَ فِي طَلَبه قَلَّ أَنْ يَحْصُل لَهُ , وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ الشَّيْء وَقَلَّتْ رَغْبَته فِيهِ يَحْصُل لَهُ غَالِبًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَجِدُونَ شَرّ النَّاس ذَا الْوَجْهَيْنِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْأَدَب , فَقَدْ أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْه آخَر مُسْتَقِلًّا. ‏"
    },
    {
        "id": "3235",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُغِيرَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏النَّاسُ تَبَعٌ ‏ ‏لِقُرَيْشٍ ‏ ‏فِي هَذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ وَالنَّاسُ ‏ ‏مَعَادِنُ ‏ ‏خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الشَّأْنِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( النَّاس تَبَع لِقُرَيْشٍ ) ‏ ‏بِمَعْنَى الْأَمْر , وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله فِي رِوَايَة أُخْرَى \" قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا \" أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد صَحِيح , لَكِنَّهُ \" مُرْسَل وَلَهُ شَوَاهِد , وَقِيلَ هُوَ خَبَر عَلَى ظَاهِره , وَالْمُرَاد بِالنَّاسِ بَعْض النَّاس وَهُمْ سَائِر الْعَرَب مِنْ غَيْر قُرَيْش , وَقَدْ جَمَعْت فِي ذَلِكَ تَأْلِيفًا سَمَّيْته \" لَذَّة الْعَيْش , بِطُرُقِ الْأَئِمَّة مِنْ قُرَيْش \" وَسَأَذْكُرُ مَقَاصِده فِي كِتَاب الْأَحْكَام مَعَ إِيضَاح هَذِهِ الْمَسْأَلَة. قَالَ عِيَاض : اِسْتَدَلَّ الشَّافِعِيَّة بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى إِمَامَة الشَّافِعِيّ وَتَقْدِيمه عَلَى غَيْره , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّ الْمُرَاد بِهِ هُنَا الْخُلَفَاء. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : صَحِبَتْ الْمُسْتَدِلَّ بِهَذَا غَفْلَةٌ مُقَارِنَةٌ لِصَمِيمِ التَّقْلِيد. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مُرَاد الْمُسْتَدِلّ أَنَّ الْقُرَشِيَّة مِنْ أَسْبَاب الْفَضْل وَالتَّقَدُّم كَمَا أَنَّ مِنْ أَسْبَاب التَّقَدُّم الْوَرَع مَثَلًا , فَالْمُسْتَوِيَانِ فِي خِصَال الْفَضْل إِذَا تَمَيَّزَ أَحَدهمَا بِالْوَرَعِ مَثَلًا كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى رَفِيقه , فَكَذَلِكَ الْقُرَشِيَّة , فَثَبَتَ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى تَقَدُّم الشَّافِعِيّ وَمَزِيَّته عَلَى مَنْ سَاوَاهُ فِي الْعِلْم وَالدِّين لِمُشَارَكَتِهِ لَهُ فِي الصِّفَتَيْنِ وَتَمَيَّزَ عَلَيْهِ بِالْقُرَشِيَّةِ , وَهَذَا وَاضِح , وَلَعَلَّ الْغَفْلَة وَالْعَصَبِيَّة صَحِبَتْ الْقُرْطُبِيّ فَلِلَّهِ الْأَمْر. وَقَوْله \" كَافِرهمْ تَبَع لِكَافِرِهِمْ \" وَقَعَ مِصْدَاق ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْعَرَب كَانَتْ تُعَظِّم قُرَيْشًا فِي الْجَاهِلِيَّة بِسُكْنَاهَا الْحَرَم , فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَا إِلَى اللَّه وَقَفَ غَالِبُ الْعَرَب عَنْ اِتِّبَاعه وَقَالُوا نَنْظُر مَا يَصْنَع قَوْمه , فَلَمَّا فَتَحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة وَأَسْلَمَتْ قُرَيْش تَبِعَتهمْ الْعَرَب وَدَخَلُوا فِي دِين اللَّه أَفْوَاجًا , وَاسْتَمَرَّتْ خِلَافَة النُّبُوَّة فِي قُرَيْش , فَصَدَقَ أَنَّ كَافِرهمْ كَانَ تَبَعًا لِكَافِرِهِمْ وَصَارَ مُسْلِمهمْ تَبَعًا لِمُسْلِمِهِمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3236",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ { ‏إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ‏} ‏قَالَ فَقَالَ ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏قُرْبَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏إِلَّا وَلَهُ فِيهِ قَرَابَةٌ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ تَصِلُوا قَرَابَةً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَيْسَرَة , وَقَعَ مَنْسُوبًا فِي تَفْسِير حم عسق وَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى هُنَاكَ , وَدُخُوله فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة وَاضِح مِنْ جِهَة تَفْسِير الْمَوَدَّة الْمَطْلُوبَة فِي الْآيَة بِصِلَةِ الرَّحِم الَّتِي بَيْنه وَبَيْن قُرَيْش وَهُمْ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ , وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي مَعْرِفَة النَّسَب الَّتِي تُحَقَّقُ بِهَا صِلَة الرَّحِم , قَالَ عِكْرِمَة : كَانَتْ قُرَيْش تَصِل الْأَرْحَام فِي الْجَاهِلِيَّة , فَلَمَّا دَعَاهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى اللَّه خَالَفُوهُ وَقَاطَعُوهُ , فَأَمَرَهُمْ بِصِلَةِ الرَّحِم الَّتِي بَيْنه وَبَيْنهمْ. وَسَيَأْتِي بَيَان الِاخْتِلَاف فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ ( الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى ) فِي التَّفْسِير وَقَوْله هُنَا : \" إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ بَطْن مِنْ قُرَيْش إِلَّا وَلَهُ فِيهِ قَرَابَة فَنَزَلَتْ فِيهِ إِلَّا أَنْ تَصِلُوا قَرَابَة بَيْنِي وَبَيْنكُمْ \" كَذَا وَقَعَ هُنَا مِنْ رِوَايَة يَحْيَى , وَهُوَ القَطَّانُ عَنْ شُعْبَة , وَوَقَعَ فِي التَّفْسِير مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَهُوَ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَة فَقَالَ إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنكُمْ مِنْ الْقَرَابَة \" وَهَذِهِ الرِّوَايَة وَاضِحَة وَالْأُولَى مُشْكِلَة لِأَنَّهَا تُوهِم أَنَّ الْمَذْكُور بَعْد قَوْله \" فَنَزَلْت \" مِنْ الْقُرْآن وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَقَدْ مَشَى بَعْض الشُّرَّاح عَلَى ظَاهِره فَقَالَ : كَانَ هَذَا قُرْآنًا فَنُسِخَ , وَقَالَ غَيْره يَحْتَمِل أَنَّ هَذَا الْكَلَام مَعْنَى الْآيَة فَنُسِبَ إِلَى النُّزُول مَجَازًا , وَهُوَ كَقَوْلِ حَسَّان فِي قَصِيدَته الْمَشْهُورَة : ‏ ‏وَقَالَ اللَّه قَدْ أَرْسَلْت عَبْدًا ‏ ‏يَقُول الْحَقّ لَيْسَ بِهِ خَفَاء ‏ ‏يُرِيد أَنَّهُ مِنْ قَوْل اللَّه بِالْمَعْنَى. قُلْت : وَالَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله \" فَنَزَلَتْ \" لِلْآيَةِ الْمَسْئُول عَنْهَا وَهِيَ قَوْله : ( قُلْ لَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى ) وَقَوْله \" إِلَّا أَنْ تَصِلُوا \" كَلَام اِبْن عَبَّاس تَفْسِير لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى ) وَقَدْ أَوْضَحَتْ ذَلِكَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُعَاذ بْن مُعَاذ عَنْ شُعْبَة فَقَالَ فِي رِوَايَته \" فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَطْن مِنْ بُطُون قُرَيْش إِلَّا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ قَرَابَة فَنَزَلَتْ ( قُلْ لَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ) إِلَّا أَنْ تَصِلُوا قَرَابَتِي مِنْكُمْ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْ شُعْبَة مِثْله لَكِنْ قَالَ : إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنكُمْ مِنْ الْقَرَابَة فَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَاد ذِكْر بَعْض الْآيَة بِالْمَعْنَى عَلَى جِهَة التَّفْسِير , وَسَبَب ذَلِكَ خَفَاء مَعْنَاهَا عَلَى سَعِيد بْن جُبَيْر , وَسَيَأْتِي ذِكْر مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ فِي التَّفْسِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3237",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مِنْ هَا هُنَا جَاءَتْ الْفِتَنُ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي ‏ ‏الْفَدَّادِينَ ‏ ‏أَهْلِ الْوَبَرِ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي ‏ ‏رَبِيعَةَ ‏ ‏وَمُضَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم. ‏ ‏قَوْله : ( يَبْلُغ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذَا صَرِيح فِي رَفْعه , وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي أَنَّ الصَّحَابِيّ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ هَا هُنَا ) ‏ ‏أَيْ الْمَشْرِق. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَتْ الْفِتَن ) ‏ ‏ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي مُبَالَغَة فِي تَحَقُّق وُقُوعه وَإِنْ كَانَ الْمُرَاد أَنَّ ذَلِكَ سَيَجِيءُ. ‏ ‏قَوْله : ( نَحْو الْمَشْرِق ) ‏ ‏أَيْ وَأَشَارَ إِلَى جِهَة الْمَشْرِق , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِسْمَاعِيل \" حَدَّثَنِي قَيْس عَنْ عُقْبَة بْن عَمْرو أَبِي مَسْعُود قَالَ إِشَارَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْجَفَاء وَغِلَظ الْقُلُوب ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيّ هُمَا شَيْئَانِ لِمُسَمًّى وَاحِد كَقَوْلِهِ : ( إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه ) وَالْبَثّ هُوَ الْحُزْن , وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : الْمُرَاد بِالْجَفَاءِ أَنَّ الْقَلْب لَا يَلِين بِالْمَوْعِظَةِ وَلَا يَخْشَع لِتَذْكِرَةٍ , وَالْمُرَاد بِالْغِلَظِ أَنَّهَا لَا تَفْهَم الْمُرَاد وَلَا تَعْقِل الْمَعْنَى , وَقَدْ مَضَى فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي بَدْء الْخَلْق بِلَفْظِ \" الْقَسْوَة \" بَدَل الْجَفَاء. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْفَدَّادِينَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي بَدْء الْخَلْق , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مُنَاسَبَة هَذَا الْحَدِيث وَالَّذِي بَعْده لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ ضَرُورَة أَنَّ النَّاس بِاعْتِبَارِ الصِّفَات كَالْقَبَائِلِ , وَكَوْن الْأَتْقَى مِنْهُمْ هُوَ الْأَكْرَم اِنْتَهَى. وَلَقَدْ أَبْعَدَ النُّجْعَة , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهَا مِنْ جِهَة ذِكْر رَبِيعَة وَمُضَر , لِأَنَّ مُعْظَم الْعَرَب يَرْجِع نَسَبه إِلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ وَهُمْ كَانُوا أَجَلّ أَهْل الْمَشْرِق , وَقُرَيْش الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَد فُرُوع مُضَر فَأَمَّا أَهْل الْيَمَن فَتَعَرَّضَ لَهُمْ فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده , وَسَيَأْتِي لَهُمْ تَرْجَمَة \" مِنْ نَسَب الْعَرَب كُلّهمْ إِلَى إِسْمَاعِيل \". ‏"
    },
    {
        "id": "3238",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي ‏ ‏الْفَدَّادِينَ ‏ ‏أَهْلِ الْوَبَرِ وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ وَالْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏سُمِّيَتْ ‏ ‏الْيَمَنَ ‏ ‏لِأَنَّهَا عَنْ يَمِينِ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏وَالشَّأْمَ ‏ ‏لِأَنَّهَا عَنْ يَسَارِ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏وَالْمَشْأَمَةُ الْمَيْسَرَةُ وَالْيَدُ الْيُسْرَى الشُّؤْمَى وَالْجَانِبُ الْأَيْسَرُ الْأَشْأَمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ( وَالْإِيمَان يَمَان وَالْحِكْمَة يَمَانِيَة ) ‏ ‏ظَاهِره نِسْبَة الْإِيمَان إِلَى الْيَمَن لِأَنَّ أَصْل يَمَان يَمَنِيّ فَحَذَقَتْ يَاء النَّسَب وَعُوِّضَ بِالْأَلِفِ بَدَلهَا , وَقَوْله \" يَمَانِيَة \" هُوَ بِالتَّخْفِيفِ , وَحَكَى اِبْن السَّيِّد فِي \" الِاقْتِضَاب \" أَنَّ التَّشْدِيد لُغَة. وَحَكَى الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره أَيْضًا عَنْ سِيبَوَيْهِ جَوَاز التَّشْدِيد فِي يَمَانِي وَأَنْشَدَ : ‏ ‏يَمَانِيًّا يَظَلّ يَشُدّ كِيرًا ‏ ‏وَيَنْفُخ دَائِمًا لَهَب الشُّوَاظ ‏ ‏وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِهِ فَقِيلَ مَعْنَاهُ نِسْبَة الْإِيمَان إِلَى مَكَّة لِأَنَّ مَبْدَأَهُ مِنْهَا , وَمَكَّة يَمَانِيَّة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَدِينَة. وَقِيلَ : الْمُرَاد نِسْبَة الْإِيمَان إِلَى مَكَّة وَالْمَدِينَة وَهُمَا يَمَانِيَّتَانِ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّامِ بِنَاء عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَقَالَة صَدَرَتْ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حِينَئِذٍ بِتَبُوك , وَيُؤَيِّده قَوْله فِي حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم \" وَالْإِيمَان فِي أَهْل الْحِجَاز \" , وَقِيلَ الْمُرَاد بِذَلِكَ الْأَنْصَار لِأَنَّ أَصْلهمْ مِنْ الْيَمَن وَنُسِبَ الْإِيمَان إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا الْأَصْل فِي نَصْر الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَى جَمِيع ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَة فِي \" غَرِيب الْحَدِيث \" لَهُ. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الصَّلَاح بِأَنَّهُ لَا مَانِع مِنْ إِجْرَاء الْكَلَام عَلَى ظَاهِره , وَأَنَّ الْمُرَاد تَفْضِيل أَهْل الْيَمَن عَلَى غَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْمَشْرِق , وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ إِذْعَانهمْ إِلَى الْإِيمَان مِنْ غَيْر كَبِير مَشَقَّة عَلَى الْمُسْلِمِينَ , بِخِلَافِ أَهْل الْمَشْرِق وَغَيْرهمْ , وَمَنْ اِتَّصَفَ بِشَيْءٍ وَقَوِيَ قِيَامه بِهِ نُسِبَ إِلَيْهِ إِشْعَارًا بِكَمَالِ حَاله فِيهِ , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ نَفْي الْإِيمَان عَنْ غَيْرهمْ , وَفِي أَلْفَاظه أَيْضًا مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَقْوَامًا بِأَعْيَانِهِمْ فَأَشَارَ إِلَى مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ لَا إِلَى بَلَد مُعَيَّن , لِقَوْلِهِ فِي بَعْض طُرُقه فِي الصَّحِيح \" أَتَاكُمْ أَهْل الْيَمَن , هُمْ أَلْيَن قُلُوبًا وَأَرَقّ أَفْئِدَة الْإِيمَان يَمَان وَالْحِكْمَة يَمَانِيَة , وَرَأْس الْكُفْر قِبَل الْمَشْرِق \" وَلَا مَانِع مِنْ إِجْرَاء الْكَلَام عَلَى ظَاهِره وَحَمْل أَهْل الْيَمَن عَلَى حَقِيقَته. ثُمَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ الْمَوْجُود مِنْهُمْ حِينَئِذٍ لَا كُلّ أَهْل الْيَمَن فِي كُلّ زَمَان , فَإِنَّ اللَّفْظ لَا يَقْتَضِيه. قَالَ : وَالْمُرَاد بِالْفِقْهِ الْفَهْم فِي الدِّين , وَالْمُرَاد بِالْحِكْمَةِ الْعِلْم الْمُشْتَمِل عَلَى الْمَعْرِفَة بِاَللَّهِ اِنْتَهَى. وَقَدْ أَبْعَد الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ شَخْص خَاصّ وَهُوَ أُوَيْس الْقَرْنِيّ , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب ذِكْر قَحْطَان \" زِيَادَة فِي هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّف. ‏ ‏قَوْله : ( سُمِّيَتْ الْيَمَن لِأَنَّهَا عَنْ يَمِين الْكَعْبَة ) ‏ ‏هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة قَالَهُ فِي تَفْسِير الْوَاقِعَة , وَرَوَى عَنْ قُطْرُب قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَ الْيَمَن يَمَنًا لِيُمْنِهِ وَالشَّام شَأْمًا لِشُؤْمِهِ , وَقَالَ الْهَمْدَانِيُّ فِي \" الْأَنْسَاب \" : لَمَّا ظَعَنَتْ الْعَرَب الْعَارِبَة أَقْبَلَ بَنُو قَطَن بْن عَامِر فَتَيَامَنُوا , فَقَالَتْ الْعَرَب : تَيَامَنَتْ بَنُو قَطَن فَسُمُّوا الْيَمَن , وَتَشَاءَمَ الْآخَرُونَ فَسُمُّوا شَامًا. وَقِيلَ إِنَّ النَّاس لَمَّا تَفَرَّقَتْ أَلْسِنَتهمْ حِين تَبَلْبَلَتْ بِبَابِل أَخَذَ بَعْضهمْ عَنْ يَمِين الْكَعْبَة فَسُمُّوا يَمَنًا وَأَخَذَ بَعْضهمْ عَنْ شِمَالهَا فَسُمُّوا شَامًا , وَقِيلَ إِنَّمَا سُمِّيَتْ الْيَمَن بِيَمَن بْن قَحْطَان وَسُمِّيَتْ الشَّام بِسَامِ بْن نُوح , وَأَصْله شَام بِالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ عُرِّبَ بِالْمُهْمَلَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْمَشْأَمَة الْمَيْسَرَة إِلَخْ ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّهُمَا بِمَعْنَى , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ( وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَة مَا أَصْحَاب الْمَشْئَمَة ) : أَيْ أَصْحَاب الْمَيْسَرَة , وَيُقَال لِلْيَدِ الْيُسْرَى الشُّؤْمَى قَالَ : وَيُقَال لِلْجَانِبِ الْأَيْسَر الْأَشْأَم اِنْتَهَى , وَيُقَال : الْمُرَاد بِأَصْحَابِ الْمَشْئَمَة أَصْحَاب النَّار لِأَنَّهُمْ يَمُرّ بِهِمْ إِلَيْهَا وَهِيَ عَلَى نَاحِيَة الشِّمَال , وَيُقَال لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَتَنَاوَلُونَ كُتُبهمْ بِالشِّمَالِ , وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3239",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَلَغَ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏وَهُوَ عِنْدَهُ فِي وَفْدٍ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ ‏ ‏قَحْطَانَ ‏ ‏فَغَضِبَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏فَقَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا تُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأُولَئِكَ جُهَّالُكُمْ فَإِيَّاكُمْ وَالْأَمَانِيَّ الَّتِي تُضِلُّ أَهْلَهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ مُحَمَّد بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم يُحَدِّث ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَام الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الزُّهْرِيّ لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ الْمَذْكُور وَأَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّه شَرْح هَذِهِ الْمَسْأَلَة هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ قَحْطَان ) ‏ ‏هُوَ جِمَاع الْيَمَن , وَفِي إِنْكَار مُعَاوِيَة ذَلِكَ نَظَر لِأَنَّ الْحَدِيث الَّذِي اِسْتَدَلَّ بِهِ مُقَيَّد بِإِقَامَةِ الدِّين فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون خُرُوج الْقَحْطَانِيّ إِذَا لَمْ تُقِمْ قُرَيْش أَمْر الدِّين وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ , فَإِنَّ الْخِلَافَة لَمْ تَزَلْ فِي قُرَيْش وَالنَّاس فِي طَاعَتهمْ إِلَى أَنْ اِسْتَخَفُّوا بِأَمْرِ الدِّين فَضَعُفَ أَمْرهمْ وَتَلَاشَى إِلَى أَنْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنْ الْخِلَافَة سِوَى اِسْمهَا الْمُجَرَّد فِي بَعْض الْأَقْطَار دُون أَكْثَرهَا , وَسَيَأْتِي مِصْدَاق قَوْل عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بَعْد قَلِيل مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَقَوْل عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" يَكُون مَلِك مِنْ قَحْطَان \" بَيَّنَ نُعَيْم بْن حَمَّاد فِي كِتَاب الْفِتَن مِنْ وَجْه قَوِيّ عَنْ عَمْرو بْن عُقْبَة بْن أَوْس عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّهُ ذَكَرَ الْخُلَفَاء ثُمَّ قَالَ : \" وَرَجُل مِنْ قَحْطَان \" وَأَخْرَجَهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّد أَيْضًا مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ فِيهِ : \" وَرَجُل مِنْ قَحْطَان كُلّهمْ صَالِح \" وَرَوَى أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث ذِي مِخْمَر الْحَبَشِيّ مَرْفُوعًا \" كَانَ الْمُلْك قَبْل قُرَيْش فِي حِمْيَر وَسَيَعُودُ إِلَيْهِمْ \" وَقَالَ اِبْن التِّين : إِنْكَار مُعَاوِيَة عَلَى عَبْد اللَّه بْن عَمْرو لِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِره , وَقَدْ يَخْرُج الْقَحْطَانِيّ فِي نَاحِيَة لَا أَنَّ حُكْمه يَشْمَل الْأَقْطَار , وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ بَعِيدٌ مِنْ ظَاهِر الْخَبَر. ‏"
    },
    {
        "id": "3240",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏مَا بَقِيَ مِنْهُمْ اثْنَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عُمَر \" لَا يَزَال هَذَا الْأَمْر فِي قُرَيْش مَا بَقِيَ مِنْهُمْ اِثْنَانِ \" ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَيْسَتْ الْحُكُومَة فِي زَمَننَا لِقُرَيْشٍ فَكَيْف الْحَدِيث ؟ وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ فِي بِلَاد الْغَرْب خَلِيفَة مِنْ قُرَيْش وَكَذَا فِي مِصْر , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي فِي الْغَرْب هُوَ الْحَفْصِيّ صَاحِب تُونِس وَغَيْرهَا وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى أَبِي حَفْص رَقِيق عَبْد الْمُؤْمِن صَاحِب اِبْن تُومَرْت الَّذِي كَانَ عَلَى رَأْس الْمِائَة السَّادِسَة اِدَّعَى أَنَّهُ الْمَهْدِيّ ثُمَّ غَلَبَ أَتْبَاعه عَلَى مُعْظَم الْغَرْب وَسُمُّوا بِالْخِلَافَةِ وَهُمْ عَبْد الْمُؤْمِن وَذُرِّيَّته , ثُمَّ اِنْتَقَلَ ذَلِكَ إِلَى ذُرِّيَّة أَبِي حَفْص وَلَمْ يَكُنْ عَبْد الْمُؤْمِن مِنْ قُرَيْش ; وَقَدْ تَسَمَّى بِالْخِلَافَةِ هُوَ وَأَهْل بَيْته. وَأَمَّا أَبُو حَفْص فَلَمْ يَكُنْ يَدَّعِي أَنَّهُ مِنْ قُرَيْش فِي زَمَانه , وَإِنَّمَا اِدَّعَاهُ بَعْض وَلَده لَمَّا غَلَبُوا عَلَى الْأَمْر فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّة أَبِي حَفْص عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَلَيْسَ بِيَدِهِمْ الْآن إِلَّا الْمَغْرِب الْأَدْنَى , وَأَمَّا الْأَقْصَى فَمَعَ بَنِي الْأَحْمَر وَهُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَى الْأَنْصَار , وَأَمَّا الْأَوْسَط فَمَعَ بَنِي مَرْيَم وَهُمْ مِنْ الْبَرْبَر. وَأَمَّا قَوْله : \" فَخَلِيفَة مِنْ مِصْر \" فَصَحِيح وَلَكِنَّهُ لَا حَلَّ بِيَدِهِ وَلَا رَبْط وَإِنَّمَا لَهُ مِنْ الْخِلَافَة الِاسْم فَقَطْ , وَحِينَئِذٍ هُوَ خَبَر بِمَعْنَى الْأَمْر وَإِلَّا فَقَدْ خَرَجَ هَذَا الْأَمْر عَنْ قُرَيْش فِي أَكْثَر الْبِلَاد , وَيَحْتَمِل حَمْله عَلَى ظَاهِره وَأَنَّ الْمُتَغَلِّبِينَ عَلَى النَّظَر فِي أَمْر الرَّعِيَّة فِي مُعْظَم الْأَقْطَار وَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْر قُرَيْش لَكِنَّهُمْ مُعْتَرِفُونَ أَنَّ الْخِلَافَة فِي قُرَيْش وَيَكُون الْمُرَاد بِالْأَمْرِ مُجَرَّد التَّسْمِيَة بِالْخِلَافَةِ لَا الِاسْتِقْلَال بِالْحُكْمِ , وَالْأَوَّل أَظْهَر , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3241",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَشَيْتُ أَنَا ‏ ‏وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَ ‏ ‏بَنِي الْمُطَّلِبِ ‏ ‏وَتَرَكْتَنَا وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا ‏ ‏بَنُو هَاشِمٍ ‏ ‏وَبَنُو الْمُطَّلِبِ ‏ ‏شَيْءٌ وَاحِدٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذَهَبَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏مَعَ أُنَاسٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي زُهْرَةَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَكَانَتْ أَرَقَّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ لِقَرَابَتِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا بَنُو هَاشِم وَبَنُو الْمُطَّلِب شَيْء وَاحِد ) ‏ ‏هِيَ رِوَايَة الْأَكْثَر وَوَقَعَ لِلْحَمَوِيّ \" سِيّ وَاحِد \" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّ أَكْثَر الرِّوَايَات بِالْمُعْجَمَةِ وَأَنَّ فِيهَا أَحَد بَدَل وَاحِد. وَاسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّ لَفْظ أَحَد إِنَّمَا يُسْتَعْمَل فِي النَّفْي تَقُول مَا جَاءَنِي أَحَد , وَأَمَّا فِي الْإِثْبَات فَتَقُول جَاءَنِي وَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَد مُحَمَّد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن ‏ ‏( عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر قَالَ : ذَهَبَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر مَعَ أُنَاس مِنْ بَنِي زُهْرَة إِلَى عَائِشَة وَكَانَتْ أَرَقّ شَيْء عَلَيْهِمْ لِقَرَابَتِهِمْ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذَا طَرَف مِنْ الْحَدِيث الَّذِي أَوْرَدَهُ مَوْصُولًا بَعْده عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف عَنْ اللَّيْث وَفِيهِ بَيَان السَّبَب فِي ذَلِكَ , وَلَمْ أَرَهُ فِي جَمِيع النُّسَخ إِلَّا هَكَذَا مُعَلَّقًا , وَقَرَابَة بَنِي زُهْرَة مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجْهَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا : أَنَّهُمْ أَقَارِب أُمّه لِأَنَّهَا آمِنَة بِنْت وَهْب بْن عَبْد مُنَافٍ بْن زُهْرَة بْن كِلَاب بْن مُرَّة , ‏ ‏وَالثَّانِي : أَنَّهُمْ إِخْوَة قُصِيّ بْن كِلَاب بْن مُرَّة وَهُوَ جَدّ وَالِد جَدّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمَشْهُور عِنْد جَمِيع أَهْل النَّسَب أَنَّ زُهْرَة اِسْم الرَّجُل , وَشَذَّ اِبْن قُتَيْبَة فَزَعَمَ أَنَّهُ اِسْم اِمْرَأَته وَأَنَّ وَلَدهَا غَلَبَ عَلَيْهِمْ النَّسَب إِلَيْهَا , وَهُوَ مَرْدُود بِقَوْلِ إِمَام أَهْل النَّسَب هِشَام بْن الْكَلْبِيّ , أَنَّ اِسْم زُهْرَة الْمُغِيرَة , فَإِنْ ثَبَتَ قَوْل اِبْن قُتَيْبَة فَالْمُغِيرَة اِسْم الْأَب وَزُهْرَة اِسْم اِمْرَأَته فَنُسِبَ أَوْلَادهمَا إِلَى أُمّهمْ ثُمَّ غَلَبَ ذَلِكَ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ زُهْرَة اِسْم الْأَب فَقِيلَ زُهْرَة بْن كِلَاب , وَزُهْرَة بِضَمِّ الزَّاي بِلَا خِلَاف. ‏"
    },
    {
        "id": "3242",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏وَالْأَنْصَارُ ‏ ‏وَجُهَيْنَةُ ‏ ‏وَمُزَيْنَةُ ‏ ‏وَأَسْلَمُ ‏ ‏وَأَشْجَعُ ‏ ‏وَغِفَارُ ‏ ‏مَوَالِيَّ لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ ‏ ‏( عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف ‏ ‏( ح قَالَ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن سَعْد بْن إِبْرَاهِيم ‏ ‏( حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏أَمَّا طَرِيق أَبِي نُعَيْم فَسَيَأْتِي بِهَذَا الْمَتْن بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب مَعَ شَرْح الْحَدِيث. وَأَمَّا طَرِيق يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم فَقَالَ أَبُو مَسْعُود : حَمَلَ الْبُخَارِيّ مَتْن حَدِيث يَعْقُوب عَلَى مَتْن حَدِيث الثَّوْرِيّ , وَيَعْقُوب إِنَّمَا قَالَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الْأَعْرَج كَمَا أَخْرَجَ مُسْلِم وَلَفْظه \" غِفَار وَأَسْلَم وَمُزَيْنَة وَمَنْ كَانَ مِنْ جُهَيْنَة خَيْر عِنْد اللَّه مِنْ أَسَد وَغَطَفَان وَطَيِّئ \" اِنْتَهَى. فَحَاصِله أَنَّ رِوَايَة يَعْقُوب مُخَالِفَة لِرِوَايَةِ الثَّوْرِيّ فِي الْمَتْن وَالْإِسْنَاد ; لِأَنَّ الثَّوْرِيّ يَرْوِيه عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ الْأَعْرَج وَيَعْقُوب يَرْوِيه عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِح عَنْ الْأَعْرَج. قُلْت : وَلَمْ يُصِبْ أَبُو مَسْعُود فِيمَا جَزَمَ بِهِ فَإِنَّهُمَا حَدِيثَانِ مُتَغَايِرَانِ مَتْنًا وَإِسْنَادًا , وَرَوَى كُلًّا مِنْهُمَا إِبْرَاهِيم بْن سَعْد : ‏ ‏أَحَدهمَا : الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَهُوَ عِنْده عَنْ صَالِح عَنْ الْأَعْرَج وَالْآخَر : الَّذِي عَلَّقَهُ الْبُخَارِيّ وَهُوَ عِنْد أَبِيهِ عَنْ الْأَعْرَج ; وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ أَبُو مَسْعُود لَاقْتَضَى أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْطَأَ فِي قَوْله : \" حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنِي الْأَعْرَج \" وَكَانَ الصَّوَاب أَنْ يَقُول حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِح عَنْ الْأَعْرَج وَنِسْبَة الْبُخَارِيّ إِلَى الْوَهْم فِي ذَلِكَ لَا تُقْبَل إِلَّا بِبَيَانٍ وَاضِح قَاطِع , وَمِنْ أَيْنَ يُوجَد وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجه عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيّ , فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ نَفْسه مُعَلَّقًا وَلَمْ يَتَعَقَّبهُ , وَلَا يَلْزَم مِنْ عَدَم وُجُود هَذَا الْمَتْن بِهَذَا الْإِسْنَاد بَعْد التَّتَبُّع عَدَمه فِي نَفْس الْأَمْر , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3243",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَحَبَّ الْبَشَرِ إِلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏بَعْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِهَا وَكَانَتْ لَا تُمْسِكُ شَيْئًا مِمَّا جَاءَهَا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ إِلَّا تَصَدَّقَتْ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهَا فَقَالَتْ ‏ ‏أَيُؤْخَذُ عَلَى يَدَيَّ عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ كَلَّمْتُهُ فَاسْتَشْفَعَ إِلَيْهَا بِرِجَالٍ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَبِأَخْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَاصَّةً فَامْتَنَعَتْ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏الزُّهْرِيُّونَ ‏ ‏أَخْوَالُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْهُمْ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ‏ ‏وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ‏ ‏إِذَا اسْتَأْذَنَّا فَاقْتَحِمْ الْحِجَابَ فَفَعَلَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِعَشْرِ رِقَابٍ فَأَعْتَقَتْهُمْ ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تُعْتِقُهُمْ حَتَّى بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ فَقَالَتْ وَدِدْتُ أَنِّي جَعَلْتُ حِينَ حَلَفْتُ عَمَلًا أَعْمَلُهُ فَأَفْرُغُ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جُبَيْر بْن مُطْعِم فِي السُّؤَال عَنْ بَنِي نَوْفَل وَعَبْد شَمْس , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْخُمُس. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر أَحَبّ الْبَشَر إِلَى عَائِشَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أُخْتهَا أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر وَكَانَتْ قَدْ تَوَلَّتْ تَرْبِيَته حَتَّى كَانَتْ تُكَنَّى بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ لَا تُمْسِك شَيْئًا ) ‏ ‏أَيْ لَا تَدَّخِر شَيْئًا مِمَّا يَأْتِيهَا مِنْ الْمَال. ‏ ‏( يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذ عَلَى يَدَيْهَا ) ‏ ‏أَيْ يُحْجَر عَلَيْهَا وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي حَدِيث الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ كَمَا سَيَأْتِي بِأَوْضَح مِنْ هَذَا السِّيَاق لِهَذِهِ الْقِصَّة فِي كِتَاب الْأَدَب وَسَأَذْكُرُ شَرْحه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَتْ وَدِدْت أَنِّي جَعَلْت حِين حَلَفْت عَمَلًا أَعْمَلهُ فَأَفْرُغ مِنْهُ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِنْعِقَاد النَّذْر الْمَجْهُول , وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّة لَكِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ فِيهِ كَفَّارَة يَمِين , وَظَاهِر قَوْل عَائِشَة وَصَنِيعهَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكْفِي وَأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَكْثَر مَا يُمْكِن أَنْ يُنْذَر , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون فَعَلَتْ ذَلِكَ تَوَرُّعًا لِتَيَقُّنِ بَرَاءَة الذِّمَّة , وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ تَمَنَّتْ أَنْ يَدُوم لَهَا الْعَمَل الَّذِي عَمِلَتْهُ لِلْكَفَّارَةِ أَيْ تَصِير تَعْتِق دَائِمًا , وَكَذَا مَنْ قَالَ تَمَنَّتْ أَنَّهَا بَادَرَتْ إِلَى الْكَفَّارَة حِين حَلَفْت وَلَمْ تَكُنْ هَجَرْت عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر تِلْكَ الْمُدَّة , وَوَجْهُ بُعْدِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي السِّيَاق مَا يَقْتَضِي مَنْعهَا مِنْ الْعِتْق فَكَيْف تَتَمَنَّى مَا لَا مَانِع لَهَا مِنْ إِيقَاعه ؟ ثُمَّ أَنَّهُ يُقَيَّد بِاقْتِدَارِهَا عَلَيْهِ لَا إِلْزَامهَا بِهِ مَعَ عَدَم الِاقْتِدَار , وَأَمَّا بُعْد الثَّانِي فَلِقَوْلِهَا فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث كَمَا سَيَأْتِي إِنَّهَا كَانَتْ تَذْكُر نَذْرهَا فَتَبْكِي حَتَّى يَبُلّ دَمْعهَا خِمَارهَا , فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَظُنّ أَنَّهَا مَا وَفَّتْ بِمَا يَجِب عَلَيْهَا مِنْ الْكَفَّارَة. وَاسْتَشْكَلَ اِبْن التِّين وُقُوع الْحِنْث عَلَيْهَا بِمُجَرَّدِ دُخُول اِبْن الزُّبَيْر مَعَ الْجَمَاعَة قَالَ : إِلَّا أَنْ يَكُون لَمَّا سَلَّمُوا عِنْد دُخُولهمْ رَدَّتْ عَلَيْهِمْ السَّلَام وَهُوَ فِي جُمْلَتهمْ فَوَقَعَ الْحِنْث قَبْل أَنْ يَقْتَحِم الْحِجَاب اِنْتَهَى. وَغَفَلَ عَمَّا وَقَعَ فِي حَدِيث الْمِسْوَر الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ وَفِيهِ \" فَقَالَتْ عَائِشَة إِنِّي نَذَرْت وَالنَّذْر شَدِيد فَلَمْ يَزَالَا بِهَا حَتَّى كَلَّمْت اِبْن الزُّبَيْر \" مَعَ أَنَّ التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلَهُ اِبْن التِّين لَوْ لَمْ يَرُدّ هَذَا التَّصْرِيح لَكَانَ مُتَعَقَّبًا , وَوَجْهه أَنَّهُ يَجُوز لَهَا رَدّ السَّلَام عَلَيْهِمْ إِذَا نَوَتْ إِخْرَاجه وَلَا تَحْنَث بِذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3244",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏دَعَا ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ ‏ ‏وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ‏ ‏فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَقَالَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏لِلرَّهْطِ ‏ ‏الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ ‏ ‏إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا ذَلِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3245",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلَمَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى قَوْمٍ مِنْ ‏ ‏أَسْلَمَ ‏ ‏يَتَنَاضَلُونَ ‏ ‏بِالسُّوقِ فَقَالَ ‏ ‏ارْمُوا ‏ ‏بَنِي إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا وَأَنَا مَعَ ‏ ‏بَنِي فُلَانٍ ‏ ‏لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فَأَمْسَكُوا بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ مَا لَهُمْ قَالُوا وَكَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَ بَنِي فُلَانٍ قَالَ ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3246",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحُسَيْنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا الْأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ وَمَنْ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ ‏ ‏فَلْيَتَبَوَّأْ ‏ ‏مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا هُوَ بِلَا تَرْجَمَة وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَوَجْه تَعَلُّقه بِهِ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ظَاهِر وَهُوَ الزَّجْر عَنْ الِادِّعَاء إِلَى غَيْر الْأَب الْحَقِيقِيّ , لِأَنَّ الْيَمَن إِذَا ثَبَتَ نَسَبهمْ إِلَى إِسْمَاعِيل فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُنْسَبُوا إِلَى غَيْره , ‏ ‏وَأَمَّا الْحَدِيث الثَّالِث فَلَهُ تَعَلُّق بِأَصْلِ الْبَاب وَهُوَ أَنَّ عَبْد الْقَيْس لَيْسُوا مِنْ مُضَر , وَأَمَّا الرَّابِع فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه مِنْ الزِّيَادَة بِذِكْرِ رَبِيعَة وَمُضَر. ‏ ‏فَأَمَّا حَدِيث أَبِي ذَرّ فَقَوْله فِي الْإِسْنَاد ‏ ‏\" عَنْ الْحُسَيْن \" ‏ ‏هُوَ اِبْن وَاقِد الْمُعَلِّم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" حَدَّثَنَا حُسَيْن الْمُعَلِّم \" ‏ ‏وَقَوْله : \" عَنْ أَبِي ذَرّ \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَدَّثَنِي أَبُو ذَرّ \" وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق , ‏ ‏وَقَوْله : \" لَيْسَ مِنْ رَجُل \" ‏ ‏مِنْ زَائِدَة , وَالتَّعْبِير بِالرَّجُلِ لِلْغَالِبِ وَإِلَّا فَالْمَرْأَة كَذَلِكَ حُكْمهَا. ‏ ‏قَوْله : ( اِدَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمهُ إِلَّا كَفَرَ بِاَللَّهِ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا كَفَرَ بِاَللَّهِ وَلَمْ يَقَع قَوْله : \" بِاَللَّهِ \" فِي غَيْر رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَلَا فِي رِوَايَة مُسْلِم وَلَا الْإِسْمَاعِيلِيّ وَهُوَ أَوْلَى , وَإِنْ ثَبَتَ ذَاكَ فَالْمُرَاد مَنْ اِسْتَحَلَّ ذَلِكَ مَعَ عِلْمه بِالتَّحْرِيمِ , وَعَلَى الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة فَالْمُرَاد كُفْر النِّعْمَة , وَظَاهِر اللَّفْظ غَيْر مُرَاد وَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَى سَبِيل التَّغْلِيظ وَالزَّجْر لِفَاعِلِ ذَلِكَ , أَوْ الْمُرَاد بِإِطْلَاقِ الْكُفْر أَنَّ فَاعِله فَعَلَ فِعْلًا شَبِيهًا بِفِعْلِ أَهْل الْكُفْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الْإِيمَان , ‏ ‏وَقَوْله : \" وَمَنْ اِدَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ نَسَب فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار \" ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَمَنْ اِدَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا , وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار \" وَهُوَ أَعَمّ مِمَّا تَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة الْبُخَارِيّ , عَلَى أَنَّ لَفْظَة \" نَسَب \" وَقَعَتْ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ دُون غَيْره وَمَعَ حَذْفهَا يَبْقَى مُتَعَلِّق الْجَارّ وَالْمَجْرُور مَحْذُوفًا فَيَحْتَاج إِلَى تَقْدِير , وَلَفْظ نَسَب أَوْلَى مَا قُدِّرَ لِوُرُودِهِ فِي بَعْض الرِّوَايَات , وَقَوْله : \" فَلْيَتَبَوَّأْ \" أَيْ لِيَتَّخِذْ مَنْزِلًا مِنْ النَّار , وَهُوَ إِمَّا دُعَاء أَوْ خَبَر بِلَفْظِ الْأَمْر وَمَعْنَاهُ هَذَا جَزَاؤُهُ إِنْ جُوزِيَ , وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ , وَقَدْ يَتُوب فَيَسْقُط عَنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ فِي كِتَاب الْإِيمَان ( صَوَابه كِتَاب الْعِلْم ) فِي حَدِيث \" مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ \" وَفِي الْحَدِيث تَحْرِيم الِانْتِفَاء مِنْ النَّسَب الْمَعْرُوف وَالِادِّعَاء إِلَى غَيْره , وَقَيَّدَ فِي الْحَدِيث بِالْعِلْمِ وَلَا بُدّ مِنْهُ فِي الْحَالَتَيْنِ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا لِأَنَّ الْإِثْم إِنَّمَا يَتَرَتَّب عَلَى الْعَالِم بِالشَّيْءِ الْمُتَعَمِّد لَهُ , وَفِيهِ جَوَاز إِطْلَاق الْكُفْر عَلَى الْمَعَاصِي لِقَصْدِ الزَّجْر كَمَا قَرَّرْنَاهُ , وَيُؤْخَذ مِنْ رِوَايَة مُسْلِم تَحْرِيم الدَّعْوَى بِشَيْء لَيْسَ هُوَ لِلْمُدَّعِي , فَيَدْخُل فِيهِ الدَّعَاوِي الْبَاطِلَة كُلّهَا مَالًا وَعِلْمًا وَتَعَلُّمًا وَنَسَبًا وَحَالًا وَصَلَاحًا وَنِعْمَة وَوَلَاء وَغَيْر ذَلِكَ , وَيَزْدَاد التَّحْرِيم بِزِيَادَةِ الْمَفْسَدَة الْمُتَرَتِّبَة عَلَى ذَلِكَ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن دَقِيق الْعِيد لِلْمَالِكِيَّةِ فِي تَصْحِيحهمْ الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِب بِغَيْرِ مُسَخِّر لِدُخُولِ الْمُسَخِّر فِي دَعْوَى مَا لَيْسَ لَهُ وَهُوَ يَعْلَم أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ , وَالْقَاضِي الَّذِي يُقِيمهُ أَيْضًا يَعْلَم أَنَّ دَعْوَاهُ بَاطِلَة , قَالَ : وَلَيْسَ هَذَا الْقَانُون مَنْصُوصًا فِي الشَّرْع حَتَّى يُخَصّ بِهِ عُمُوم هَذَا الْوَعِيد , وَإِنَّمَا الْمَقْصُود إِيصَال الْحَقّ لِمُسْتَحِقِّهِ فَتَرْكُ مُرَاعَاة هَذَا الْقَدْر , وَتَحْصِيل الْمَقْصُود مِنْ إِيصَال الْحَقّ لِمُسْتَحِقِّهِ أَوْلَى مِنْ الدُّخُول تَحْت هَذَا الْوَعِيد الْعَظِيم. ‏"
    },
    {
        "id": "3247",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَرِيزٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّصْرِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ ‏ ‏الْفِرَى ‏ ‏أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ أَوْ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا لَمْ يَقُلْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَيَّاش ) ‏ ‏بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُعْجَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَرِيز ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الرَّاء وَآخِره زَاي وَهُوَ اِبْن عُثْمَان الْحِمْصِيُّ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , وَهَذَا الْإِسْنَاد مِنْ عَوَالِي الْبُخَارِيّ , وَشَيْخه عَبْد الْوَاحِد بْن عَبْد اللَّه النَّصْرِيّ بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَة بَعْدهَا صَاد مُهْمَلَة وَهُوَ دِمَشْقِيّ , وَاسْم جَدّه كَعْب بْن عُمَيْر , وَيُقَال بُسْر بْن كَعْب , وَهُوَ مِنْ بَنِي نَصْر بْن مُعَاوِيَة بْن بَكْر بْن هَوَازِن , وَهُوَ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , فَفِي الْإِسْنَاد رِوَايَة الْقَرِين عَنْ الْقَرِين , وَقَدْ وَلِيَ إِمْرَة الطَّائِف لِعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز , ثُمَّ وَلِيَ إِمْرَة الْمَدِينَة لِيَزِيدَ بْن عَبْد الْمَلِك , وَكَانَ مَحْمُودَ السِّيرَة وَمَاتَ سَنَة بِضْع وَمِائَة , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا زَيْد بْن أَسْلَمَ وَهُوَ أَكْبَر مِنْهُ سِنًّا وَلِقَاء لِلْمَشَايِخِ. لَكِنَّهُ أَدْخَلَ بَيْن عَبْد الْوَاحِد وَوَاثِلَة عَبْد الْوَهَّاب بْن بُخْت رَأَيْته فِي مُسْتَخْرَج اِبْن عَبْدَان عَلَى الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَة هِشَام بْن سَعْد عَنْ زَيْد وَهِشَام فِيهِ مَقَال , وَهَذَا عِنْدِي مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد , أَوْ هُوَ مَقْلُوب كَأَنَّهُ عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ عَبْد الْوَهَّاب بْن بُخْت عَنْ عَبْد الْوَاحِد , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ مِنْ أَعْظَم الْفِرَا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء مَقْصُور وَمَمْدُود وَهُوَ جَمْع فِرْيَة وَالْفِرْيَة الْكَذِب وَالْبُهْت تَقُول فَرَى بِفَتْحِ الرَّاء فُلَان كَذَا إِذَا اِخْتَلَقَ يَفْرِي بِفَتْحِ أَوَّله وَافْتَرَى اِخْتَلَقَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ يُرِي ) ‏ ‏بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّة أَوَّله وَكَسْر الرَّاء أَيْ يَدَّعِي أَنَّ عَيْنَيْهِ رَأَتَا فِي الْمَنَام شَيْئًا مَا رَأَتَاهُ , وَلِأَحْمَد وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ وَاثِلَة \" أَنْ يَفْتَرِي الرَّجُل عَلَى عَيْنَيْهِ فَيَقُول رَأَيْت وَلَمْ يَرَ فِي الْمَنَام شَيْئًا \". ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ يَقُول ) ‏ ‏بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة أَوَّله وَضَمّ الْقَاف وَسُكُون الْوَاو , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَالْقَاف وَتَثْقِيل الْوَاو الْمَفْتُوحَة. وَفِي الْحَدِيث تَشْدِيد الْكَذِب فِي هَذِهِ الْأُمُور الثَّلَاثَة وَهِيَ الْخَبَر عَنْ الشَّيْء أَنَّهُ رَآهُ فِي الْمَنَام وَلَمْ يَكُنْ رَآهُ , وَالِادِّعَاء إِلَى غَيْر الْأَب , وَالْكَذِب عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا هَذَا الْأَخِير فَتَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الْعِلْم , وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِالْمَنَامِ فَيَأْتِي فِي التَّعْبِير , وَأَمَّا الِادِّعَاء فَتَقَدَّمَ قَرِيبًا فِيمَا قَبْله , وَتَقَدَّمَ بَيَان الْحِكْمَة فِي التَّشْدِيد فِيهِ , وَالْحِكْمَة فِي التَّشْدِيد فِي الْكَذِب عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِح فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُخْبِر عَنْ اللَّه فَمَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ كَذَبَ عَلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَقَدْ اِشْتَدَّ النَّكِير عَلَى مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّه تَعَالَى فِي قَوْله تَعَالَى : ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ) فَسَوَّى بَيْن مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ وَبَيْن الْكَافِر , وَقَالَ : ( وَيَوْم الْقِيَامَة تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّه وُجُوههمْ مُسْوَدَّة ) وَالْآيَات فِي ذَلِكَ مُتَعَدِّدَة , وَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْض أَهْل الْجَهْل بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاس بِغَيْرِ عِلْم ) وَجَاءَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث \" مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ \" وَأَمَّا الْمَنَام فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ جُزْءًا مِنْ الْوَحْي كَانَ الْمُخْبِر عَنْهُ بِمَا لَمْ يَقَع كَالْمُخْبِرِ عَنْ اللَّه بِمَا لَمْ يُلْقِهِ إِلَيْهِ , أَوْ لِأَنَّ اللَّه يُرْسِل مَلَك الرُّؤْيَا فَيُرِي النَّائِم مَا شَاءَ , فَإِذَا أَخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْكَذِبِ يَكُون كَاذِبًا عَلَى اللَّه وَعَلَى الْمَلَك , كَمَا أَنَّ الَّذِي يَكْذِب عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْسُب إِلَيْهِ شَرْعًا لَمْ يَقُلْهُ , وَالشَّرْع غَالِبًا إِنَّمَا تَلَقَّاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى لِسَان الْمَلَك فَيَكُون الْكَاذِب فِي ذَلِكَ كَاذِبًا عَلَى اللَّه وَعَلَى الْمَلَك. ‏"
    },
    {
        "id": "3248",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جَمْرَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا مِنْ هَذَا الْحَيِّ مِنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ ‏ ‏قَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏فَلَسْنَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي كُلِّ شَهْرٍ حَرَامٍ فَلَوْ أَمَرْتَنَا بِأَمْرٍ نَأْخُذُهُ عَنْكَ وَنُبَلِّغُهُ مَنْ وَرَاءَنَا قَالَ ‏ ‏آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَى اللَّهِ خُمْسَ مَا غَنِمْتُمْ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ ‏ ‏الدُّبَّاءِ ‏ ‏وَالْحَنْتَمِ ‏ ‏وَالنَّقِيرِ ‏ ‏وَالْمُزَفَّتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" قَدِمَ وَفْد عَبْد الْقَيْس \" ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْإِيمَان , وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِالْأَشْرِبَةِ مِنْهُ فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , ‏ ‏وَقَوْله : \" عَنْ أَبِي جَمْرَة \" ‏ ‏هُوَ بِالْجِيمِ , ‏ ‏وَقَوْله : \" آمُركُمْ بِأَرْبَعَة وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعَة \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِأَرْبَعٍ \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَالشَّيْء إِذَا لَمْ يُذْكَر مُمَيِّزه يَجُوز تَذْكِيره وَتَأْنِيثه , وَمُنَاسَبَة هَذَا الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّ جُلّ الْعَرَب هُمْ رَبِيعَة وَمُضَر , وَلَا خِلَاف فِي نِسْبَتهمْ إِلَى إِسْمَاعِيل. ‏"
    },
    {
        "id": "3249",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ ‏أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا يُشِيرُ إِلَى الْمَشْرِقِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي أَنَّ الْفِتْنَة مِنْ قِبَل الْمَشْرِق , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا , وَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَمُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة ذِكْر الْمَشْرِق , وَكُلّهمْ مِنْ مُضَر وَرَبِيعَة كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وَفِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث \" وَالْإِيمَان يَمَان \" فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى ذِكْر الْأُصُول الثَّلَاثَة , فَاثْنَانِ لَا خِلَاف أَنَّهُمْ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيل وَإِنَّمَا الْخِلَاف فِي الثَّالِث. ‏"
    },
    {
        "id": "3250",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏وَالْأَنْصَارُ ‏ ‏وَجُهَيْنَةُ ‏ ‏وَمُزَيْنَةُ ‏ ‏وَأَسْلَمُ ‏ ‏وَغِفَارُ ‏ ‏وَأَشْجَعُ ‏ ‏مَوَالِيَّ لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قُرَيْش وَالْأَنْصَار ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ذِكْر قُرَيْش , وَسَيَأْتِي ذِكْر الْأَنْصَار فِي أَوَائِل الْهِجْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَوَالِيَّ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّة إِضَافَة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ أَنْصَارِي , وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِب هُنَا وَإِنْ كَانَ لِلْمَوَالِي عِدَّة مَعَانٍ , وَيُرْوَى بِتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّة وَالْمُضَاف مَحْذُوف أَيْ مَوَالِي اللَّه وَرَسُوله , وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله : \" لَيْسَ لَهُمْ مَوْلَى دُون اللَّه وَرَسُوله \" وَهَذِهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِهَؤُلَاءِ الْقَبَائِل , وَالْمُرَاد مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ , وَالشَّرَف يَحْصُل لِلشَّيْءِ إِذَا حَصَلَ لِبَعْضِهِ , قِيلَ إِنَّمَا خُصُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ بَادَرُوا إِلَى الْإِسْلَام فَلَمْ يُسْبَوْا كَمَا سُبِيَ غَيْرهمْ , وَهَذَا إِذَا سُلِّمَ يُحْمَل عَلَى الْغَالِب , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِهَذَا الْخَبَر النَّهْي عَنْ اِسْتِرْقَاقهمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ تَحْت الرِّقّ , وَهَذَا بَعِيد. ‏"
    },
    {
        "id": "3251",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ ‏غِفَارُ ‏ ‏غَفَرَ اللَّهُ لَهَا ‏ ‏وَأَسْلَمُ ‏ ‏سَالَمَهَا اللَّهُ ‏ ‏وَعُصَيَّةُ ‏ ‏عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث \" غِفَار غَفَرَ اللَّه لَهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن غُرَيْر ) ‏ ‏هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ وَالرَّاء الْمُكَرَّرَة مُصَغَّر. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( غِفَار غَفَرَ اللَّه لَهَا ) ‏ ‏هُوَ لَفْظ خَبَر يُرَاد بِهِ الدُّعَاء , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون خَبَرًا عَلَى بَابه , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي آخِره : \" وَعُصَيَّة عَصَتْ اللَّه وَرَسُوله \" وَعُصَيَّة هُمْ بَطْن مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ يُنْسَبُونَ إِلَى عُصَيَّة بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّر اِبْن خُفَاف بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَفَاءَيْنِ مُخَفَّف اِبْن اِمْرِئِ الْقَيْس بْن بُهْثَة بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْهَاء بَعْدهَا مُثَلَّثَة اِبْن سُلَيْمٍ , وَإِنَّمَا قَالَ فِيهِمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ عَاهَدُوهُ فَغَدَرُوا كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي كِتَاب الْمَغَازِي فِي غَزْوَة بِئْر مَعُونَة , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ طُرُق فِي الِاسْتِسْقَاء , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّ بَنِي غِفَار كَانُوا يَسْرِقُونَ الْحَاجّ فِي الْجَاهِلِيَّة فَدَعَا لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد أَنْ أَسْلَمُوا لِيَمْحِيَ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْعَار , وَوَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ اِسْتِعْمَال جِنَاس الِاشْتِقَاق مَا يَلَذّ عَلَى السَّمْع لِسُهُولَتِهِ وَانْسِجَامه , وَهُوَ مِنْ الِاتِّفَاقَات اللَّطِيفَة. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيْرهَا \" بَاب اِبْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُمْ \" وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيث أَنَس فِي ذَلِكَ , وَهُوَ عِنْد اِبْن ذَرّ قَبْل \" بَاب قِصَّة الْحَبَش \" وَسَيَأْتِي. وَوَقَعَ بَعْده أَيْضًا عِنْدهمْ \" بَاب قِصَّة زَمْزَم \" وَفِيهِ حَدِيث إِسْلَام أَبِي ذَرّ , وَهُوَ عِنْد أَبِي ذَرّ بَعْد \" بَاب قِصَّة خُزَاعَة \" وَسَيَأْتِي شَرْح هَذَيْنِ الْبَابَيْنِ فِي مَكَانهمَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3252",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَسْلَمُ ‏ ‏سَالَمَهَا اللَّهُ ‏ ‏وَغِفَارُ ‏ ‏غَفَرَ اللَّهُ لَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَّام , وَقَرَأْت بِخَطِّ مُغَلْطَاي : قِيلَ هُوَ اِبْن سَلَّام وَقِيلَ اِبْن يَحْيَى الذُّهْلِيُّ , وَهَذَا الثَّانِي وَهْم فَإِنَّ الذُّهْلِيَّ لَمْ يُدْرِك عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ , وَالصَّوَاب أَنَّهُ اِبْن سَلَّام كَمَا ثَبَتَ عِنْد أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن فِي غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن حَوْشَبٍ فَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيّ فِي تَفْسِير ( اِقْتَرَبَتْ ) وَفِي الْإِكْرَاه عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن حَوْشَبٍ عَنْ عَبْد اللَّه الثَّقَفِيّ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُفَسَّر بِهِ مِنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عَنْ عَبْد الْوَهَّاب فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ فَإِنَّهُ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَيُّوب ) ‏ ‏هُوَ السَّخْتِيَانِيّ , وَمُحَمَّد هُوَ اِبْن سِيرِينَ , وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْمَنِيعِيّ أَنَّ عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَيُّوب. ‏"
    },
    {
        "id": "3253",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ ‏ ‏جُهَيْنَةُ ‏ ‏وَمُزَيْنَةُ ‏ ‏وَأَسْلَمُ ‏ ‏وَغِفَارُ ‏ ‏خَيْرًا مِنْ ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏وَبَنِي أَسَدٍ ‏ ‏وَمِنْ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ ‏ ‏وَمِنْ ‏ ‏بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏خَابُوا وَخَسِرُوا فَقَالَ هُمْ خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏وَمِنْ ‏ ‏بَنِي أَسَدٍ ‏ ‏وَمِنْ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ ‏ ‏وَمِنْ ‏ ‏بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَرَأَيْتُمْ ) ‏ ‏الْمُخَاطَب بِذَلِكَ الْأَقْرَع بْن حَابِس كَمَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا. ‏ ‏قَوْله : ( خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُرّ بِضَمِّ الْمِيم وَتَشْدِيد الرَّاء اِبْن أُدّ بِضَمِّ الْأَلِف وَتَشْدِيد الدَّال اِبْن طَابِخَة بْن إِلْيَاس بْن مُضَر , وَفِيهِمْ بُطُون كَثِيرَة جِدًّا. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَنِي أَسَد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن خُزَيْمَةَ بْن مُدْرِكَة بْن إِلْيَاس بْن مُضَر , وَكَانُوا عَدَدًا كَثِيرًا , وَقَدْ ظَهَرَ مِصْدَاق ذَلِكَ عَقِب وَفَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَارْتَدَّ هَؤُلَاءِ مَعَ طُلَيْحَة بْن خُوَيْلِد , وَارْتَدَّ الَّذِينَ قَبْلهمْ وَهُمْ بَنُو تَمِيم مَعَ سَجَاح. ‏ ‏قَوْله : ( وَمِنْ بَنِي عَبْد اللَّه بْن غَطَفَان ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة ثُمَّ الْمُهْمَلَة ثُمَّ الْفَاء وَالتَّخْفِيف أَيْ اِبْن سَعْد بْن قَيْس غَيْلَان بْن مُضَر , وَكَانَ اِسْم عَبْد اللَّه بْن غَطَفَان فِي الْجَاهِلِيَّة عَبْد الْعُزَّى فَصَيَّرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد اللَّه , وَبَنُوهُ يُعْرَفُونَ بِبَنِي الْمُحَوَّلَة , ‏ ‏( وَمِنْ بَنِي عَامِر بْن صَعْصَعَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُعَاوِيَة بْن بَكْر بْن هَوَازِن , وَسَيَأْتِي نَسَب هَوَازِن فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل نَعَمْ ) ‏ ‏هُوَ الْأَقْرَع بْن حَابِس التَّمِيمِيّ كَمَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3254",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ ‏ ‏قَالَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا ‏ ‏بَايَعَكَ ‏ ‏سُرَّاقُ الْحَجِيجِ مِنْ ‏ ‏أَسْلَمَ ‏ ‏وَغِفَارَ ‏ ‏وَمُزَيْنَةَ ‏ ‏وَأَحْسِبُهُ ‏ ‏وَجُهَيْنَةَ ابْنُ أَبِي يَعْقُوبَ ‏ ‏شَكَّ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ ‏ ‏أَسْلَمُ ‏ ‏وَغِفَارُ ‏ ‏وَمُزَيْنَةُ ‏ ‏وَأَحْسِبُهُ ‏ ‏وَجُهَيْنَةُ ‏ ‏خَيْرًا مِنْ ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏وَبَنِي عَامِرٍ ‏ ‏وَأَسَدٍ ‏ ‏وَغَطَفَانَ ‏ ‏خَابُوا وَخَسِرُوا قَالَ نَعَمْ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمْ لَخَيْرٌ مِنْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي يَعْقُوب ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي يَعْقُوب نُسِبَ إِلَى جَدّه وَهُوَ بَصْرِيّ مِنْ بَنِي تَمِيم , قَالَ شُعْبَة : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي يَعْقُوب وَهُوَ سَيِّد بَنِي تَمِيم وَهُوَ ثِقَة عِنْد الْجَمِيع. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ الْأَقْرَع بْن حَابِس ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَة مَكْسُورَة وَبَعْدهَا سِين مُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا بَايَعَك سُرَّاق الْحَجِيج ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ وَبَعْد الْأَلِف تَحْتَانِيَّة , وَفِي رِوَايَة بِالْمُثَنَّاةِ وَبَعْد الْأَلِف مُوَحَّدَة. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن أَبِي يَعْقُوب شَكَّ ) ‏ ‏هُوَ مَقُول شُعْبَة وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا أَنْ لَا أَثَر لِشَكِّهِ , وَأَنَّ ذَلِكَ ثَابِت فِي الْخَبَر. ‏ ‏قَوْله : ( لَأَخْيَر مِنْهُمْ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِوَزْنِ أَفْعَل وَهِيَ لُغَة قَلِيلَة , وَالْمَشْهُورَة \" لَخَيْر مِنْهُمْ \" وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ , وَإِنَّمَا كَانُوا خَيْرًا مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَام , وَالْمُرَاد الْأَكْثَر الْأَغْلَب. ‏"
    },
    {
        "id": "3255",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَسْلَمُ ‏ ‏وَغِفَارُ ‏ ‏وَشَيْءٌ مِنْ ‏ ‏مُزَيْنَةَ ‏ ‏وَجُهَيْنَةَ ‏ ‏أَوْ قَالَ شَيْءٌ مِنْ ‏ ‏جُهَيْنَةَ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏مُزَيْنَةَ ‏ ‏خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ ‏ ‏أَوْ قَالَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَسَدٍ ‏ ‏وَتَمِيمٍ ‏ ‏وَهَوَازِنَ ‏ ‏وَغَطَفَانَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ أَسْلَم وَغِفَار ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ فَاعِل قَالَ الثَّانِي , وَهُوَ اِصْطِلَاح لِمُحَمَّدِ بْن سِيرِينَ إِذَا قَالَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : \" قَالَ \" وَلَمْ يُسَمِّ قَائِلًا وَالْمُرَاد بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْخَطِيب وَتَبِعَهُ اِبْن الصَّلَاح , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث عَنْ زُهَيْر بْن حَرْب عَنْ اِبْن عُلَيَّة عَنْ أَيُّوب فَقَالَ فِيهِ : \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ أَيُّوب. ‏ ‏قَوْله : ( وَشَيْء مِنْ مُزَيْنَة وَجُهَيْنَة ) ‏ ‏فِيهِ تَقْيِيد لِمَا أُطْلِقَ فِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة الَّذِي قَبْله , وَكَذَا فِي ‏ ‏قَوْله : \" يَوْم الْقِيَامَة \" ‏ ‏لِأَنَّ الْمُعْتَبَر بِالْخَيْرِ وَالشَّرّ إِنَّمَا يَظْهَر فِي ذَلِكَ الْوَقْت. ‏ ‏قَوْله : ( وَهَوَازِن وَغَطَفَان ) ‏ ‏أَمَّا غَطَفَان فَتَقَدَّمَ ذِكْره فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَأَمَّا هَوَازِن فَذُكِرَتْ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بَدَل بَنِي عَامِر بْن صَعْصَعَة , وَبَنُو عَامِر بْن صَعْصَعَة مِنْ بَنِي هَوَازِن مِنْ غَيْر عَكْس , فَذِكْر هَوَازِن أَشْمَل مِنْ ذِكْر بَنِي عَامِر , وَمِنْ قَبَائِل هَوَازِن غَيْر بَنِي عَامِر بَنُو نَصْر بْن مُعَاوِيَة وَبَنُو سَعْد بْن بَكْر بْن هَوَازِن وَثَقِيف وَهُوَ قَيْس بْن مُنَبِّه بْن بَكْر بْن هَوَازِن , وَالْجَمِيع يَجْمَعهُمْ هَوَازِن بْن مَنْصُور بْن عِكْرِمَة بْن خَصَفَة - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة ثُمَّ الْمُهْمَلَة ثُمَّ الْفَاء وَالتَّخْفِيف - اِبْن قَيْس. ‏"
    },
    {
        "id": "3256",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْغَيْثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏قَحْطَانَ ‏ ‏يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ ثَوْر بْن زَيْد ) ‏ ‏هُوَ الدَّيْلِيّ الْمَدَنِيّ , وَأَبُو الْغَيْث شَيْخه اِسْمه سَالِم. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يَخْرُج رَجُل مِنْ قَحْطَان ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه وَلَكِنْ جَوَّزَ الْقُرْطُبِيّ أَنْ يَكُون جهجاه الَّذِي وَقَعَ ذِكْره فِي مُسْلِم مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" لَا تَذْهَب الْأَيَّام وَاللَّيَالِي حَتَّى يَمْلِك رَجُل يُقَال لَهُ جهجاه \" أَخْرَجَهُ عَقِب حَدِيث الْقَحْطَانِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( يَسُوق النَّاس بِعَصَاهُ ) ‏ ‏هُوَ كِنَايَة عَنْ الْمُلْك , شَبَّهَهُ بِالرَّاعِي وَشَبَّهَ النَّاس بِالْغَنَمِ , وَنُكْتَة التَّشْبِيه التَّصَرُّف الَّذِي يَمْلِكهُ الرَّاعِي فِي الْغَنَم , وَهَذَا الْحَدِيث يَدْخُل فِي عَلَامَات النُّبُوَّة مِنْ جُمْلَة مَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل وُقُوعه وَلَمْ يَقَع بَعْد , وَقَدْ رَوَى نُعَيْم بْن حَمَّاد فِي الْفِتَن مِنْ طَرِيق أَرَطْأَة بْن الْمُنْذِر - أَحَد التَّابِعِينَ مِنْ أَهْل الشَّام - أَنَّ الْقَحْطَانِيّ يَخْرُج بَعْد الْمَهْدِيّ وَيَسِير عَلَى سِيرَة الْمَهْدِيّ , وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن قَيْس بْن جَابِر الصَّدَفِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه مَرْفُوعًا \" يَكُون بَعْد الْمَهْدِيّ الْقَحْطَانِيّ , وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا هُوَ دُونه \" وَهَذَا الثَّانِي مَعَ كَوْنه مَرْفُوعًا ضَعِيف الْإِسْنَاد , وَالْأَوَّل مَعَ كَوْنه مَوْقُوفًا أَصْلَح إِسْنَادًا مِنْهُ , فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ فِي زَمَن عِيسَى اِبْن مَرْيَم , لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِذَا نَزَلَ يَجِد الْمَهْدِيّ إِمَام الْمُسْلِمِينَ , وَفِي رِوَايَة أَرْطَاة بْن الْمُنْذِر \" أَنَّ الْقَحْطَانِيّ يَعِيش فِي الْمُلْك عِشْرِينَ سَنَة \" وَاسْتُشْكِلَ ذَلِكَ كَيْف يَكُون فِي زَمَن عِيسَى يَسُوق النَّاس بِعَصَاهُ وَالْأَمْر إِنَّمَا هُوَ لِعِيسَى ؟ وَيُجَاب بِجَوَازِ أَنْ يُقِيمهُ عِيسَى نَائِبًا عَنْهُ فِي أُمُور مُهِمَّة عَامَّة , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3257",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏غَزَوْنَا ‏ ‏مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ ‏ ‏ثَابَ ‏ ‏مَعَهُ نَاسٌ مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏حَتَّى كَثُرُوا وَكَانَ مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏لَعَّابٌ ‏ ‏فَكَسَعَ ‏ ‏أَنْصَارِيًّا ‏ ‏فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوْا وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا ‏ ‏لَلْأَنْصَارِ ‏ ‏وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا ‏ ‏لَلْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏فَخَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ قَالَ مَا شَأْنُهُمْ فَأُخْبِرَ ‏ ‏بِكَسْعَةِ ‏ ‏الْمُهَاجِرِيِّ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ‏ ‏أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَلَا نَقْتُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْخَبِيثَ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ غَيْر مَنْسُوب , وَهُوَ اِبْن سَلَّام كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" , وَأَبُو عَلِيّ الْجُبَّائِيّ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي \" الْوَصَايَا \" بِمِثْلِ هَذِهِ الطَّرِيق , فَعِنْد الْأَكْثَر حَدَّثَنَا مُحَمَّد غَيْر مَنْسُوب , وَعِنْد أَبِي ذَرّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَلَّام. ‏ ‏قَوْله : ( غَزَوْنَا ) ‏ ‏هَذِهِ الْغَزْوَة هِيَ غَزْوَة الْمُرَيْسِيعِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثَابَ مَعَهُ ) ‏ ‏بِمُثَلَّثَةٍ وَمُوَحَّدَة أَيْ اِجْتَمَعَ. ‏ ‏قَوْله : ( رَجُل لَعَّاب ) ‏ ‏أَيْ بَطَّال , وَقِيلَ : كَانَ يَلْعَب بِالْحِرَابِ كَمَا تَصْنَع الْحَبَشَة , وَهَذَا الرَّجُل هُوَ جهجاه بْن قَيْس الْغِفَارِيُّ وَكَانَ أَجِير عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَالْأَنْصَارِيّ هُوَ سِنَان بْن وَبْرَة حَلِيف بَنِي سَالِم الْخَزْرَجِيّ , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي تَفْسِير سُورَة الْمُنَافِقِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَسَعَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْكَاف وَالْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ ضَرَبَهُ عَلَى دُبُره. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَدَاعَوْا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِسُكُونِ الْوَاو بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَفِي بَعْض النُّسَخ عَنْ أَبِي ذَرّ \" تَدَاعَوَا \" بِفَتْحِ الْعَيْن وَالْوَاو بِصِيغَةِ التَّثْنِيَة , وَالْمَشْهُور فِي هَذَا تَدَاعَيَا بِالْيَاءِ عِوَض الْوَاو , وَكَأَنَّهُ بَقَّاهَا عَلَى أَصْلهَا بِالْوَاوِ. ‏ ‏قَوْله : ( دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَة ) ‏ ‏أَيْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة , وَقِيلَ : الْكَسْعَة , وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا نَقْتُل ) ‏ ‏بِالنُّونِ وَبِالْمُثَنَّاةِ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا الْخَبِيث لِعَبْدِ اللَّه ) ‏ ‏اللَّام بِمَعْنَى عَنْ وَالتَّقْدِير قَالَ عُمَر يُرِيد عَبْد اللَّه أَلَا نَقْتُل هَذَا الْخَبِيث ؟ وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي التَّفْسِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3258",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ سُفْيَان عَنْ زُبَيْد ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله : \" حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش \" وَهُوَ مَوْصُول وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز مِنْ رِوَايَة أَبِي نُعَيْم عَنْ سُفْيَان عَنْ زُبَيْد , وَمِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش , فَكَأَنَّهُ كَانَ عِنْد ثَابِت بْن مُحَمَّد عَنْ سُفْيَان عَنْ شَيْخه , وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ مُفَرَّقًا فَحَدَّثَ بِهِ ; فَنُقِلَ عَنْهُ كَذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3259",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ آدَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ أَبُو خُزَاعَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَمْرو بْن لُحَيّ بْن قَمَعَة بْن خِنْدِف أَبُو خُزَاعَة ) ‏ ‏أَيْ هُوَ أَبُو خُزَاعَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم عَنْ إِسْرَائِيل بِهَذَا السَّنَد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" خُزَاعَة بْن قَمْعَة بْن عَمْرو بْن خِنْدِف \" وَفِيهِ تَغْيِير بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِير ; وَعِنْده مِنْ طَرِيق أَبِي أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ عَنْ إِسْرَائِيل \" عَمْرو أَبُو خُزَاعَة بْن قَمْعَة بْن خِنْدِف \" وَهَذَا يُوَافِق الْأَوَّل لَكِنْ بِحَذْفِ لُحَيّ , وَبِأَنْ يُعْرَبَ اِبْن قَمَعَة أَعْرَاب عَمْرو لَا إِعْرَاب أَبُو خُزَاعَة , وَأَصْوَبهَا الْأَوَّل , وَهَكَذَا رَوَى أَبُو حُصَيْنٍ هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي صَالِح مُخْتَصَرًا , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ أَتَمَّ مِنْهُ وَلَفْظه \" رَأَيْت عَمْرو بْن لُحَيّ بْن قَمَعَة اِبْن خِنْدِف يَجُرّ قُصْبَهُ فِي النَّار \" وَأَوْرَدَهُ اِبْن إِسْحَاق فِي \" السِّيرَة الْكُبْرَى \" عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي صَالِح أَتَمَّ مِنْ هَذَا وَلَفْظه \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لِأَكْثَم بْن الْجَوْن : رَأَيْت عَمْرو بْن لُحَيّ يَجُرّ قُصْبَهُ فِي النَّار , لِأَنَّهُ أَوَّل مَنْ غَيَّرَ دِين إِسْمَاعِيل , فَنَصَبَ الْأَوْثَان وَسَيَّبَ السَّائِبَة وَبَحَّرَ الْبَحِيرَة وَوَصَلَ الْوَصِيلَة وَحَمَى الْحَامِي \" وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي \" الْمَعْرِفَة \" وَعِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ نَحْوه , وَلِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , لَكِنَّهُ قَالَ : \" عَمْرو بْن قَمَعَة \" فَنَسَبَهُ إِلَى جَدّه , وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" أَوَّل مَنْ غَيَّرَ دِين إِبْرَاهِيم عَمْرو بْن لُحَيّ بْن قَمَعَة بْن خِنْدِف أَبُو خُزَاعَة \" وَذَكَرَ الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة نَحْوه مُرْسَلًا وَفِيهِ \" فَقَالَ الْمِقْدَاد : يَا رَسُول اللَّه مَنْ عَمْرو بْن لُحَيّ ؟ قَالَ : أَبُو هَؤُلَاءِ الْحَيّ مِنْ خُزَاعَة \" وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ سَبَب عِبَادَة عَمْرو بْن لُحَيّ الْأَصْنَام أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الشَّام وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْعَمَالِيق وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَام فَاسْتَوْهَبَهُمْ وَاحِدًا مِنْهَا وَجَاءَ بِهِ إِلَى مَكَّة فَنَصَبَهُ إِلَى الْكَعْبَة وَهُوَ هُبَل , وَكَانَ قَبْل ذَلِكَ فِي زَمَن جُرْهُم قَدْ فَجَرَ رَجُل يُقَال لَهُ أَسَاف بِامْرَأَةٍ يُقَال لَهَا نَائِلَة فِي الْكَعْبَة فَمَسَخَهُمَا اللَّه جَلَّ وَعَلَا حَجَرَيْنِ , فَأَخَذَهُمَا عَمْرو بْن لُحَيّ فَنَصَبَهُمَا حَوْل الْكَعْبَة , فَصَارَ مَنْ يَطُوف يَتَمَسَّح بِهِمَا , يَبْدَأ بِأَسَاف وَيَخْتِم بِنَائِلَة. وَذَكَرَ مُحَمَّد بْن حَبِيب عَنْ اِبْن الْكَلْبِيّ أَنَّ سَبَب ذَلِكَ أَنَّ عَمْرو بْن لُحَيّ كَانَ لَهُ تَابِع مِنْ الْجِنّ يُقَال لَهُ أَبُو ثُمَامَة فَأَتَاهُ لَيْلَة فَقَالَ : أَجِبْ أَبَا ثُمَامَة , فَقَالَ : لَبَّيْكَ مِنْ تِهَامَة , فَقَالَ : اُدْخُلْ بِلَا مَلَامَة , فَقَالَ : ايْتِ سَيْف جُدَّة , تَجِدْ آلِهَة مُعَدَّة , فَخُذْهَا وَلَا تَهَب , وَادْعُ إِلَى عِبَادَتهَا تُجَبْ. قَالَ فَتَوَجَّهَ إِلَى جُدَّة فَوَجَدَ الْأَصْنَام الَّتِي كَانَتْ تُعْبَد فِي زَمَن نُوح وَإِدْرِيس , وَهِيَ وَدّ وَسُوَاع وَيَغُوث وَيَعُوق وَنَسْر , فَحَمَلَهَا إِلَى مَكَّة وَدَعَا إِلَى عِبَادَتهَا فَانْتَشَرَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ عِبَادَة الْأَصْنَام فِي الْعَرَب , وَسَيَأْتِي زِيَادَة شَرْح ذَلِكَ فِي تَفْسِير سُورَة نُوح إِنْ شَاءَ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3260",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ وَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ ‏ ‏وَالسَّائِبَةُ ‏ ‏الَّتِي كَانُوا ‏ ‏يُسَيِّبُونَهَا ‏ ‏لِآلِهَتِهِمْ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ ‏ ‏قَالَ وَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَيْتُ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ عَامِرِ بْنِ لُحَيٍّ الْخُزَاعِيَّ ‏ ‏يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ ‏ ‏سَيَّبَ ‏ ‏السَّوَائِبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ( عَمْرو بْن عَامِر الْخُزَاعِيّ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ نَسَبه فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد أَحْمَد وَلَفْظه \" أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِب وَعَبَدَ الْأَصْنَام عَمْرو بْن عَامِر أَبُو خُزَاعَة \" وَهَذَا مُغَايِرٌ لِمَا تَقَدَّمَ , وَكَأَنَّهُ نُسِبَ إِلَى جَدّه لِأُمِّهِ عَمْرو بْن حَارِثَة بْن عَمْرو بْن عَامِر , وَهُوَ مُغَايِر لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نِسْبَة عَمْرو بْن لُحَيّ إِلَى مُضَر , فَإِنَّ عَامِرًا هُوَ اِبْن مَاء السَّمَاء بْن سَبَأ وَهُوَ جَدّ جَدّ عَمْرو بْن لُحَيّ عِنْد مَنْ نَسَبَهُ إِلَى الْيَمَن , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون نُسِبَ إِلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّبَنِّي كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْوَصِيلَة وَالسَّائِبَة وَغَيْرهمَا فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3261",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَخْزَمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ الْقَصِيرُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو جَمْرَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَ لَنَا ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِإِسْلَامِ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏قَالَ قُلْنَا بَلَى قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو ذَرٍّ ‏ ‏كُنْتُ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏غِفَارٍ ‏ ‏فَبَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا قَدْ خَرَجَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقُلْتُ ‏ ‏لِأَخِي ‏ ‏انْطَلِقْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ كَلِّمْهُ وَأْتِنِي بِخَبَرِهِ فَانْطَلَقَ فَلَقِيَهُ ثُمَّ رَجَعَ فَقُلْتُ مَا عِنْدَكَ فَقَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَيَنْهَى عَنْ الشَّرِّ فَقُلْتُ لَهُ لَمْ تَشْفِنِي مِنْ الْخَبَرِ فَأَخَذْتُ جِرَابًا وَعَصًا ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَجَعَلْتُ لَا أَعْرِفُهُ وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ وَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ ‏ ‏زَمْزَمَ ‏ ‏وَأَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ فَمَرَّ بِي ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَقَالَ كَأَنَّ الرَّجُلَ غَرِيبٌ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَانْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِلِ قَالَ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ وَلَا أُخْبِرُهُ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ لِأَسْأَلَ عَنْهُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يُخْبِرُنِي عَنْهُ بِشَيْءٍ قَالَ فَمَرَّ بِي ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَقَالَ أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ بَعْدُ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ انْطَلِقْ مَعِي قَالَ فَقَالَ مَا أَمْرُكَ وَمَا أَقْدَمَكَ هَذِهِ الْبَلْدَةَ قَالَ قُلْتُ لَهُ إِنْ كَتَمْتَ عَلَيَّ أَخْبَرْتُكَ قَالَ فَإِنِّي أَفْعَلُ قَالَ قُلْتُ لَهُ بَلَغَنَا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ هَا هُنَا رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَأَرْسَلْتُ أَخِي لِيُكَلِّمَهُ فَرَجَعَ وَلَمْ يَشْفِنِي مِنْ الْخَبَرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَلْقَاهُ فَقَالَ لَهُ أَمَا إِنَّكَ قَدْ رَشَدْتَ هَذَا وَجْهِي إِلَيْهِ فَاتَّبِعْنِي ادْخُلْ حَيْثُ أَدْخُلُ فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ أَحَدًا أَخَافُهُ عَلَيْكَ قُمْتُ إِلَى الْحَائِطِ كَأَنِّي أُصْلِحُ نَعْلِي وَامْضِ أَنْتَ فَمَضَى وَمَضَيْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ وَدَخَلْتُ مَعَهُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ فَعَرَضَهُ فَأَسْلَمْتُ مَكَانِي فَقَالَ لِي ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏اكْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ وَارْجِعْ إِلَى بَلَدِكَ فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورُنَا فَأَقْبِلْ فَقُلْتُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَجَاءَ إِلَى الْمَسْجِدِ ‏ ‏وَقُرَيْشٌ ‏ ‏فِيهِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَقَالُوا قُومُوا إِلَى هَذَا ‏ ‏الصَّابِئِ ‏ ‏فَقَامُوا فَضُرِبْتُ لِأَمُوتَ فَأَدْرَكَنِي ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏فَأَكَبَّ عَلَيَّ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ وَيْلَكُمْ تَقْتُلُونَ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏غِفَارَ ‏ ‏وَمَتْجَرُكُمْ وَمَمَرُّكُمْ عَلَى ‏ ‏غِفَارَ ‏ ‏فَأَقْلَعُوا عَنِّي فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحْتُ الْغَدَ رَجَعْتُ فَقُلْتُ مِثْلَ مَا قُلْتُ بِالْأَمْسِ فَقَالُوا قُومُوا إِلَى هَذَا ‏ ‏الصَّابِئِ ‏ ‏فَصُنِعَ بِي مِثْلَ مَا صُنِعَ بِالْأَمْسِ وَأَدْرَكَنِي ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏فَأَكَبَّ عَلَيَّ وَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ بِالْأَمْسِ قَالَ فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ إِسْلَامِ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏رَحِمَهُ اللَّهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3262",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏فَاقْرَأْ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ ‏ { ‏قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادهمْ ) ‏ ‏أَيْ بَنَاتهمْ , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي التَّفْسِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَيُؤْخَذ مِنْ هَذِهِ الْآيَة مُطَابَقَتهَا لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْل اِبْن عَبَّاس \" إِذَا سَرَّك أَنْ تَعْرِف جَهْل الْعَرَب \". ‏"
    },
    {
        "id": "3263",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ‏} ‏جَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُنَادِي ‏ ‏يَا ‏ ‏بَنِي فِهْرٍ ‏ ‏يَا ‏ ‏بَنِي عَدِيٍّ ‏ ‏بِبُطُونِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَ ‏ ‏قَالَ لَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ‏} ‏جَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْعُوهُمْ قَبَائِلَ قَبَائِلَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا نَزَلَتْ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك الْأَقْرَبِينَ ) جَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِي يَا بَنِي فِهْر , يَا بَنِي عَدِيّ , بِبُطُونِ قُرَيْش ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لِبُطُونِ \" بِاللَّامِ بَدَل الْمُوَحَّدَة , وَنِدَاؤُهُ لِلْقَبَائِلِ مِنْ قُرَيْش قَبْل عَشِيرَته الْأَدْنَيْنَ لِيُكَرِّر إِنْذَار عَشِيرَته ; وَلِدُخُولِ قُرَيْش كُلّهَا فِي أَقَارِبه ; وَلِأَنَّ إِنْذَار الْعَشِيرَة يَقَع بِالطَّبْعِ , وَإِنْذَار غَيْرهمْ يَكُون بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لَنَا قَبِيصَة إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ , وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ قَبِيصَة. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( جَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوهُمْ قَبَائِل قَبَائِل ) ‏ ‏قَدْ فَسَّرَهُ الَّذِي قَبْله وَأَنَّهُ كَانَ يُسَمِّي رُءُوس الْقَبَائِل كَقَوْلِهِ يَا بَنِي عَدِيّ , وَأَوْضَح مِنْهُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي بَعْده حَيْثُ نَادَاهُمْ طَبَقَة بَعْد طَبَقَة إِلَى أَنْ اِنْتَهَى إِلَى عَمَّته صَفِيَّة بِنْت عَبْد الْمُطَّلِب وَهِيَ أُمّ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام وَإِلَى اِبْنَته فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام , وَسَيَأْتِي شَرْح ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي تَفْسِير سُورَة الشُّعَرَاء. وَهَذِهِ الْقِصَّة إِنْ كَانَتْ وَقَعَتْ فِي صَدْر الْإِسْلَام بِمَكَّة فَلَمْ يُدْرِكهَا اِبْن عَبَّاس لِأَنَّهُ وُلِدَ قَبْل الْهِجْرَة بِثَلَاثِ سِنِينَ , وَلَا أَبُو هُرَيْرَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ , وَفِي نِدَاء فَاطِمَة يَوْمَئِذٍ أَيْضًا مَا يَقْتَضِي تَأَخُّر الْقِصَّة لِأَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ صَغِيرَة أَوْ مُرَاهِقَة , وَإِنْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَة حَضَرَهَا فَلَا يُنَاسِب التَّرْجَمَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْد الْهِجْرَة بِمُدَّةٍ , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ مَرَّة فِي صَدْر الْإِسْلَام وَرِوَايَة اِبْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة لَهَا مِنْ مُرْسَل الصَّحَابَة , وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِق لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة دُخُولهَا فِي مُبْتَدَأ السِّيرَة النَّبَوِيَّة , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ أَبَا لَهَب كَانَ حَاضِرًا لِذَلِكَ وَهُوَ مَاتَ فِي أَيَّام بَدْر , وَمَرَّة بَعْد ذَلِكَ حَيْثُ يُمْكِن أَنْ تُدْعَى فِيهَا فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام أَوْ يَحْضُر ذَلِكَ أَبُو هُرَيْرَة أَوْ اِبْن عَبَّاس. ‏"
    },
    {
        "id": "3264",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ‏ ‏اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللَّهِ يَا ‏ ‏بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللَّهِ يَا ‏ ‏أُمَّ ‏ ‏الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ‏ ‏عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏يَا ‏ ‏فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ‏ ‏اشْتَرِيَا أَنْفُسَكُمَا مِنْ اللَّهِ لَا أَمْلِكُ لَكُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا سَلَانِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3265",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ قَالُوا لَا إِلَّا ‏ ‏ابْنُ أُخْتٍ لَنَا ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا اِبْن أُخْت لَنَا ) ‏ ‏هُوَ النُّعْمَان بْن مُقْرِن الْمُزَنِيُّ كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة فِي حَدِيث أَنَس هَذَا , وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قِصَّة أُخْرَى كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث عُتْبَة بْن غَزْوَانَ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمًا لِقُرَيْشٍ : هَلْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِنْكُمْ ؟ قَالُوا لَا , إِلَّا اِبْن أُخْتنَا عُتْبَة بْن غَزْوَانَ , فَقَالَ : اِبْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُمْ \". وَلَهُ مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن عَوْف أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ بَيْته قَالَ : \" اُدْخُلُوا عَلَيَّ وَلَا يَدْخُل عَلَيَّ إِلَّا قُرَشِيّ , فَقَالَ : هَلْ مَعَكُمْ أَحَد غَيْركُمْ ؟ قَالُوا : مَعَنَا اِبْن الْأُخْت وَالْمَوْلَى , قَالَ حَلِيف الْقَوْم مِنْهُمْ وَمَوْلَى الْقَوْم مِنْهُمْ \" , وَأَخْرَجَ أَحْمَد نَحْوه مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى وَالطَّبَرَانِيُّ نَحْوه مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏لَمْ يَذْكُر الْمُصَنِّف حَدِيث \" مَوْلَى الْقَوْم مِنْهُمْ \" مَعَ ذِكْره فِي التَّرْجَمَة , فَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ لَمْ يَقَع لَهُ حَدِيث عَلَى شَرْطه فَأَشَارَ إِلَيْهِ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ قَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْفَرَائِض مِنْ حَدِيث أَنَس وَلَفْظه \" مَوْلَى الْقَوْم مِنْ أَنْفُسهمْ \" وَالْمُرَاد بِالْمَوْلَى هُنَا الْمُعْتَق بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة أَوْ الْحَلِيف , وَأَمَّا الْمَوْلَى مِنْ أَعْلَى فَلَا يُرَاد هُنَا , وَسَيَأْتِي فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ بَيَان سَبَب حَدِيث الْبَاب , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الْبَزَّار مَضْمُون التَّرْجَمَة وَزِيَادَة عَلَيْهَا بِلَفْظِ \" مَوْلَى الْقَوْم مِنْهُمْ , وَحَلِيف الْقَوْم مِنْهُمْ , وَابْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3266",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا ‏ ‏جَارِيَتَانِ ‏ ‏فِي أَيَّامِ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏تُغَنِّيَانِ وَتُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ فَانْتَهَرَهُمَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَكَشَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ ‏ ‏دَعْهُمَا يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ أَيَّامُ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏وَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْتُرُنِي وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ فَزَجَرَهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعْهُمْ أَمْنًا ‏ ‏بَنِي أَرْفِدَةَ ‏ ‏يَعْنِي مِنْ الْأَمْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3267",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ ‏ ‏حَسَّانُ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَالَ ‏ ‏كَيْفَ بِنَسَبِي فَقَالَ ‏ ‏حَسَّانُ ‏ ‏لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنْ الْعَجِينِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذَهَبْتُ أَسُبُّ ‏ ‏حَسَّانَ ‏ ‏عِنْدَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏لَا تَسُبَّهُ فَإِنَّهُ كَانَ ‏ ‏يُنَافِحُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْدَةُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان , وَهِشَام هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَأْذَنَ حَسَّان بْن ثَابِت ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْمُنْذِر بْن عَمْرو بْن حَرَام الْأَنْصَارِيّ الْخَزْرَجِيّ , وَسَبَب هَذَا الِاسْتِئْذَان مُبَيَّن عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُهْجُوا الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُ أَشَدّ عَلَيْهِمْ مِنْ رَشْق النَّبْل , فَأَرْسَلَ إِلَى اِبْن رَوَاحَة فَقَالَ : اُهْجُهُمْ , فَهَجَاهُمْ فَلَمْ يَرْضَ , فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْب بْن مَالِك , ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّان فَقَالَ : قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَيَّ هَذَا الْأَسَد الضَّارِب بِذَنَبِهِ. ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانه فَجَعَلَ يُحَرِّكهُ ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْي الْأَدِيم , قَالَ لَا تَعْجَلْ \" وَرَوَى أَحْمَد مِنْ حَدِيث كَعْب بْن مَالِك قَالَ : \" قَالَ لَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُهْجُوا الْمُشْرِكِينَ بِالشِّعْرِ , فَإِنَّ الْمُؤْمِن يُجَاهِد بِنَفْسِهِ وَمَاله , وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ كَأَنَّمَا تَنْضَحُونَهُمْ بِالنَّبْلِ \" وَرَوَى أَحْمَد وَالْبَزَّار مِنْ حَدِيث عَمَّار بْن يَاسِر قَالَ : \" لَمَّا هَجَانَا الْمُشْرِكُونَ قَالَ لَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُولُوا لَهُمْ كَمَا يَقُولُونَ لَكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( كَيْف بِنَسَبِي فِيهِمْ ) ‏ ‏أَيْ كَيْف تَهْجُو قُرَيْشًا مَعَ اِجْتِمَاعِي مَعَهُمْ فِي نَسَب وَاحِد ؟ وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنَّ مُعْظَم طُرُق الْهَجْو الْغَضّ بِالْآبَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَأَسُلَّنك مِنْهُمْ ) ‏ ‏أَيْ لَأُخَلِّصَنَّ نَسَبك مِنْ نَسَبهمْ بِحَيْثُ يَخْتَصّ الْهَجْو بِهِمْ دُونك , وَفِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة الْمَذْكُور \" فَقَالَ : اِئْتِ أَبَا بَكْر فَإِنَّهُ أَعْلَم قُرَيْش بِأَنْسَابِهَا حَتَّى يُخَلِّص لَك نَسَبِي \" فَأَتَاهُ حَسَّان , ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : قَدْ مَحَّضَ لِي نَسَبك. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا تُسَلّ الشَّعْرَة مِنْ الْعَجِين ) ‏ ‏أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الشَّعْرَة إِذَا أُخْرِجَتْ مِنْ الْعَجِين لَا يَتَعَلَّق بِهَا مِنْهُ شَيْء لِنُعُومَتِهَا , بِخِلَافِ مَا إِذَا سُلَّتْ مِنْ الْعَسَل مَثَلًا فَإِنَّهَا قَدْ يَعْلَق بِهَا مِنْهُ شَيْء , وَأَمَّا إِذَا سُلَّتْ مِنْ الْخُبْز فَإِنَّهَا قَدْ تَنْقَطِع قَبْل أَنْ تَخْلُص. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَى عُرْوَة وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الْأَدَب عَنْ مُحَمَّد بْن سَلَّام عَنْ عَبْدَةَ بِهَذَا الْإِسْنَاد فَقَالَ فِيهِ : \" وَعَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ \" فَذَكَرَ الزِّيَادَة , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يُنَافِح ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء بَعْدهَا مُهْمَلَة وَمَعْنَاهَا يُدَافِع أَوْ يُرَامِي , قَالَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْهُ. نَفَحَتْ الدَّابَّة إِذَا رَمَحَتْ بِحَوَافِرِهَا , وَنَفَحَهُ بِالسَّيْفِ إِذَا تَنَاوَلَهُ مِنْ بَعِيد , وَأَصْل النَّفْح بِالْمُهْمَلَةِ الضَّرْب , وَقِيلَ لِلْعَطَاءِ نَفْح كَأَنَّ الْمُعْطِي يَضْرِب السَّائِل بِهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة الْمَذْكُورَة \" قَالَتْ عَائِشَة فَسَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لِحَسَّان : إِنَّ رُوح الْقُدُس لَا يَزَال يُؤَيِّدك مَا نَافَحْت عَنْ اللَّه وَرَسُوله \" قَالَتْ وَسَمِعْته يَقُول : \" هَجَاهُمْ حَسَّان فَشَفَى وَأَشْفَى \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الصَّلَاة مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِرُوحِ الْقُدُس جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الشِّعْر وَأَحْكَامه فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3268",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَعْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ أَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَأَحْمَدُ ‏ ‏وَأَنَا ‏ ‏الْمَاحِي ‏ ‏الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ وَأَنَا ‏ ‏الْحَاشِرُ ‏ ‏الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا ‏ ‏الْعَاقِبُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ مَوْصُولًا عِنْد مَعْن بْن عِيسَى عَنْ مَالِك , وَقَالَ الْأَكْثَر \" عَنْ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن جُبَيْر \" مُرْسَلًا , وَوَافَقَ مَعَنَا عَلَى وَصْله عَنْ مَالِك جُوَيْرِيَة بْن أَسْمَاء عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَمُحَمَّد بْن الْمُبَارَك وَعَبْد اللَّه بْن نَافِع عِنْد أَبُو عَوَانَة , وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْغَرَائِب \" عَنْ آخَرِينَ عَنْ مَالِك , وَقَالَ : إِنَّ أَكْثَر أَصْحَاب مَالِك أَرْسَلُوهُ. قُلْت : وَهُوَ مَعْرُوف الِاتِّصَال عَنْ غَيْر مَالِك , وَصَلَهُ يُونُس بْن يَزِيد وَعَقِيل وَمَعْمَر وَحَدِيثهمْ عِنْد مُسْلِم , وَشُعْبَة وَحَدِيثه عِنْد الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِير , وَابْن عُيَيْنَةَ عِنْد مُسْلِم أَيْضًا وَالتِّرْمِذِيّ كُلّهمْ عَنْ الزُّهْرِيّ , وَرَوَاهُ عَنْ جُبَيْر بْن مُطْعِم أَيْضًا وَلَده الْآخَر نَافِع وَفِي حَدِيثه زِيَادَة , وَعِنْد الْمُصَنِّف فِي التَّارِيخ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن سَعْد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عِنْد مُسْلِم وَالْمُصَنِّف فِي التَّارِيخ , وَعَنْ حُذَيْفَة عِنْد الْمُصَنِّف فِي التَّارِيخ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن سَعْد , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي الطُّفَيْل عِنْد اِبْن عَدِيّ , وَمِنْ مُرْسَل مُجَاهِد عِنْد اِبْن سَعْد , وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتهمْ مِنْ زِيَادَة فَائِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن جُبَيْر ) فِي رِوَايَة شُعَيْب الْمَذْكُورَة عَنْ الزُّهْرِيّ \" أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن جُبَيْر \". ‏ ‏قَوْله : ( لِي خَمْسَة أَسْمَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة نَافِع بْن جُبَيْر عِنْد اِبْن سَعْد أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان فَقَالَ لَهُ : أَتُحْصِي أَسْمَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي كَانَ جُبَيْر بْن مُطْعِم يَعُدُّهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ , هِيَ سِتّ. فَذَكَرَ الْخَمْسَة الَّتِي ذَكَرَهَا مُحَمَّد بْن جُبَيْر وَزَادَ الْخَاتَم , لَكِنْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي حَفْصَة عَنْ الزُّهْرِيّ فِي حَدِيث مُحَمَّد بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم \" وَأَنَا الْعَاقِب \" قَالَ يَعْنِي الْخَاتَم , وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة \" أَحْمَد وَمُحَمَّد وَالْحَاشِر وَالْمُقَفَّى وَنَبِيّ الرَّحْمَة \" وَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر الْحَاشِر , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ الْعَدَد لَيْسَ مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الرَّاوِي بِالْمَعْنَى , وَفِيهِ نَظَر لِتَصْرِيحِهِ فِي الْحَدِيث بِقَوْلِهِ : \" إِنَّ لِي خَمْسَة أَسْمَاء \" وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ لِي خَمْسَة أَسْمَاء أَخْتَصّ بِهَا لَمْ يُسَمَّ بِهَا أَحَد قَبْلِي , أَوْ مُعَظَّمَة أَوْ مَشْهُورَة فِي الْأُمَم الْمَاضِيَة , لَا أَنَّهُ أَرَادَ الْحَصْر فِيهَا. قَالَ عِيَاض : حَمَى اللَّه هَذِهِ الْأَسْمَاء أَنْ يُسَمَّى بِهَا أَحَد قَبْله , وَإِنَّمَا تَسَمَّى بَعْضُ الْعَرَب مُحَمَّدًا قُرْب مِيلَاده لِمَا سَمِعُوا مِنْ الْكُهَّان وَالْأَحْبَار أَنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ فِي ذَلِكَ الزَّمَان يُسَمَّى مُحَمَّدًا فَرَجُوا أَنْ يَكُونُوا هُمْ فَسَمَّوْا أَبْنَاءَهُمْ بِذَلِكَ , قَالَ : وَهُمْ سِتَّة لَا سَابِع لَهُمْ , كَذَا قَالَ , وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي \" الرَّوْض \" لَا يُعْرَف فِي الْعَرَب مَنْ تَسَمَّى مُحَمَّدًا قَبْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا ثَلَاثَة : مُحَمَّد بْن سُفْيَان بْن مُجَاشِع , وَمُحَمَّد بْن أُحَيْحَة بْن الْجُلَاح , وَمُحَمَّد بْن حُمْرَان بْن رَبِيعَة. وَسَبَقَ السُّهَيْلِيَّ إِلَى هَذَا الْقَوْل أَبُو عَبْد اللَّه بْن خَالَوَيْهِ فِي كِتَاب \" لَيْسَ \" وَهُوَ حَصْر مَرْدُود , وَقَدْ جَمَعْت أَسْمَاء مَنْ تَسَمَّى بِذَلِكَ فِي جُزْء مُفْرَد فَبَلَغُوا نَحْو الْعِشْرِينَ لَكِنْ مَعَ تَكَرُّر فِي بَعْضهمْ وَوَهْم فِي بَعْض , فَيَتَلَخَّص مِنْهُمْ خَمْسَة عَشَر نَفْسًا , وَأَشْهَرهمْ مُحَمَّد بْن عَدِيّ بْن رَبِيعَة بْن سِوَاءَة بْن جُشَم بْن سَعْد بْن زَيْد مَنَاة بْن تَمِيم التَّمِيمِيّ السَّعْدِيّ , رَوَى حَدِيثه الْبَغَوِيُّ وَابْن سَعْد وَابْن شَاهِين وَابْن السَّكَن وَغَيْرهمْ مِنْ طَرِيق الْعَلَاء بْن الْفَضْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي سَوِيَّة عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَوِيَّة عَنْ أَبِيهِ خَلِيفَة بْن عَبْدَةَ الْمَنْقَرِيِّ قَالَ : \" سَأَلْت مُحَمَّد بْن عَدِيّ بْن رَبِيعَة كَيْف سَمَّاك أَبُوك فِي الْجَاهِلِيَّة مُحَمَّدًا ؟ قَالَ سَأَلْت أَبِي عَمَّا سَأَلَتْنِي فَقَالَ : خَرَجْت رَابِع أَرْبَعه مِنْ بَنِي تَمِيم أَنَا أَحَدهمْ وَسُفْيَان بْن مُجَاشِع وَيَزِيد بْن عَمْرو بْن رَبِيعَة وَأُسَامَة بْن مَالِك , بْن حَبِيب بْن الْعَنْبَر نُرِيد اِبْن جَفْنَة الْغَسَّانِيّ بِالشَّامِ , فَنَزَلْنَا عَلَى غَدِير عِنْد دَيْر , فَأَشْرَفَ عَلَيْنَا الدَّيْرَانِيُّ فَقَالَ لَنَا : إِنَّهُ يُبْعَث مِنْكُمْ وَشِيكًا نَبِيّ فَسَارِعُوا إِلَيْهِ , فَقُلْنَا مَا اِسْمه ؟ قَالَ : مُحَمَّد. فَلَمَّا اِنْصَرَفْنَا وُلِدَ لِكُلٍّ مِنَّا وَلَد فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا لِذَلِكَ \" اِنْتَهَى وَقَالَ اِبْن سَعْد \" أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّد عَنْ مَسْلَمَة بْن مُحَارِب عَنْ قَتَادَةَ بْن السَّكَن قَالَ : كَانَ فِي بَنِي تَمِيم مُحَمَّد بْن سُفْيَان بْن مُجَاشِع , قِيلَ لِأَبِيهِ إِنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيّ فِي الْعَرَب اِسْمه مُحَمَّد فَسَمَّى اِبْنه مُحَمَّدًا \" فَهَؤُلَاءِ أَرْبَعَة لَيْسَ فِي السِّيَاق مَا يُشْعِر بِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَهُ صُحْبَة إِلَّا مُحَمَّد بْن عَدِيّ. وَقَدْ قَالَ اِبْن سَعْد لَمَّا ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَة : عِدَاده فِي أَهْل الْكُوفَة , وَذَكَرَ عَبْدَان الْمَرْوَزِيُّ أَنَّ مُحَمَّد بْن أُحَيْحَة بْن الْجُلَاح أَوَّل مَنْ تَسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّة مُحَمَّدًا , وَكَأَنَّهُ تَلَقَّى ذَلِكَ مِنْ قِصَّة تُبَّع لَمَّا حَاصَرَ الْمَدِينَة وَخَرَجَ إِلَيْهِ أُحَيْحَة الْمَذْكُور هُوَ وَالْحَبْر الَّذِي كَانَ عِنْدهمْ بِيَثْرِب فَأَخْبَرَ الْحَبْر أَنَّ هَذَا بَلَد نَبِيّ يُبْعَثُ يُسَمَّى مُحَمَّدًا فَسَمَّى اِبْنه مُحَمَّدًا. وَذَكَرَ الْبِلَاذَرِيّ مِنْهُمْ مُحَمَّد بْن عُقْبَة بْن أُحَيْحَة , فَلَا أَدْرِي أَهُمَا وَاحِد نُسِبَ مَرَّة إِلَى جَدّه أَمْ هُمَا اِثْنَانِ. وَمِنْهُمْ مُحَمَّد بْن الْبَرَاء الْبَكْرِيّ ذَكَرَهُ اِبْن حَبِيب , وَضَبَطَ الْبِلَاذَرِيّ أَبَاهُ فَقَالَ : مُحَمَّد بْن بَرّ بِتَشْدِيدِ الرَّاء لَيْسَ بَعْدهَا أَلِف اِبْن طَرِيف بْن عُتْوَارَة بْن عَامِر بْن لَيْث بْن بَكْر بْن عَبْد مَنَاة بْن كِنَانَة , وَلِهَذَا نَسَبُوهُ أَيْضًا الْعُتْوَارِيّ. وَغَفَلَ اِبْن دِحْيَة فَعَدَّ فِيهِمْ مُحَمَّد بْن عُتْوَارَة وَهُوَ هُوَ نُسِبَ لِجَدِّهِ الْأَعْلَى. وَمِنْهُمْ مُحَمَّد بْن الْيَحْمَد الْأَزْدِيّ ذَكَرَهُ الْمُفَجَّع الْبَصْرِيّ فِي كِتَاب \" الْمَعْقِد \" وَمُحَمَّد بْن خَوْلِي الْهَمْدَانِيُّ وَذَكَرَهُ اِبْن دُرَيْد. وَمِنْهُمْ مُحَمَّد بْن حِرْمَاز بْن مَالِك الْيَعْمُرِيّ ذَكَرَهُ أَبُو مُوسَى فِي الذَّيْل. وَمِنْهُمْ مُحَمَّد بْن حُمْرَان بْن أَبِي حُمْرَان وَاسْمه رَبِيعَة بْن مَالِك الْجُعْفِيُّ الْمَعْرُوف بِالشُّوَيْعِرِ ذَكَرَهُ الْمَرْزُبَانِيّ فَقَالَ : هُوَ أَحَد مَنْ سُمِّيَ مُحَمَّدًا فِي الْجَاهِلِيَّة , وَلَهُ قِصَّة مَعَ اِمْرِئِ الْقَيْس. وَمِنْهُمْ مُحَمَّد بْن خُزَاعِي بْن عَلْقَمَة بْن حِرَابَة السُّلَمِيّ مِنْ بَنِي ذَكْوَانَ ذَكَرَهُ اِبْن سَعْد عَنْ عَلِيّ بْن مُحَمَّد عَنْ سَلَمَة بْن الْفَضْل عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق قَالَ : سُمِّيَ مُحَمَّد بْن خُزَاعِي طَمَعًا فِي النُّبُوَّة. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ أَبْرَهَة الْحَبَشِيّ تَوَجَّهَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْزُو بَنِي كِنَانَة فَقَتَلُوهُ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَاب قِصَّة الْفِيل. وَذَكَرَهُ مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سُلَيْمَان الْهَرَوِيُّ فِي كِتَاب \" الدَّلَائِل \" فِيمَنْ تَسَمَّى مُحَمَّدًا فِي الْجَاهِلِيَّة. وَذَكَرَ اِبْن سَعْد لِأَخِيهِ قَيْس بْن خُزَاعِيّ يَذْكُرهُ مِنْ أَبْيَات يَقُول فِيهَا : ‏ ‏فَذَلِكُمْ ذُو التَّاج مِنَّا مُحَمَّد ‏ ‏وَرَايَته فِي حَوْمَة الْمَوْت تَخْفِق ‏ ‏وَمِنْهُمْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن مُغْفِل بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَكَسْر الْفَاء ثُمَّ لَام وَهُوَ وَالِد هُبَيْب بِمُوَحَّدَتَيْنِ مُصَغَّر وَهُوَ عَلَى شَرْط الْمَذْكُورِينَ فَإِنَّ لِوَلَدِهِ صُحْبَة وَمَاتَ هُوَ فِي الْجَاهِلِيَّة. وَمِنْهُمْ مُحَمَّد بْن الْحَارِث بْن حُدَيْج بْن حُوَيْص ذَكَرَهُ أَبُو حَاتِم السِّجِسْتَانِي فِي \" كِتَاب الْمُعَمَّرِينَ \" وَذَكَرَ لَهُ قِصَّة مَعَ عَمْرو وَقَالَ : إِنَّهُ أَحَد مَنْ سُمِّيَ فِي الْجَاهِلِيَّة مُحَمَّدًا. وَمِنْهُمْ مُحَمَّد الْفُقَيْمِيّ , وَمُحَمَّد الْأُسَيْدِيّ , ذَكَرَهُمَا اِبْن سَعْد وَلَمْ يَنْسُبهُمَا بِأَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , فَعُرِفَ بِهَذَا وَجْه الرَّدّ عَلَى الْحَصْر الَّذِي ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ , وَكَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي , وَعَجَب مِنْ السُّهَيْلِيِّ كَيْف لَمْ يَقِف عَلَى مَا ذَكَرَهُ عِيَاض مَعَ كَوْنه كَانَ قَبْله , وَقَدْ تَحَرَّرَ لَنَا مِنْ أَسْمَائِهِمْ قَدْر الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي مَرَّتَيْنِ بَلْ ثَلَاث مِرَار فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي السِّتَّة الَّذِينَ جَزَمَ بِهِمْ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة , وَهُوَ غَلَط فَإِنَّهُ وُلِدَ بَعْد مِيلَاد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُدَّةٍ فَفَضَلَ لَهُ خَمْسَة وَقَدْ خَلَصَ لَنَا خَمْسَة عَشَر وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّه بِي الْكُفْر ) ‏ ‏قِيلَ الْمُرَاد إِزَالَة ذَلِكَ مِنْ جَزِيرَة الْعَرَب , وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَقِيل وَمَعْمَر \" يَمْحُو بِي اللَّه الْكَفَرَة \" وَيُجَاب بِأَنَّ الْمُرَاد إِزَالَة الْكُفْر بِإِزَالَةِ أَهْله , وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِجَزِيرَةِ الْعَرَب لِأَنَّ الْكُفْر مَا انْمَحَا مِنْ جَمِيع الْبِلَاد , وَقِيلَ : إِنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْأَغْلَب أَوْ أَنَّهُ يَنْمَحِي بِسَبَبِهِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا إِلَى أَنْ يَضْمَحِلّ فِي زَمَن عِيسَى اِبْن مَرْيَم فَإِنَّهُ يَرْفَع الْجِزْيَة وَلَا يَقْبَل إِلَّا الْإِسْلَام , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ السَّاعَة لَا تَقُوم إِلَّا عَلَى شِرَار النَّاس ; وَيُجَاب بِجَوَازِ أَنْ يَرْتَدّ بَعْضهمْ بَعْد مَوْت عِيسَى وَتُرْسَل الرِّيح فَتَقْبِض رُوح كُلّ مُؤْمِن وَمُؤْمِنَة فَحِينَئِذٍ فَلَا يَبْقَى إِلَّا الشِّرَار , وَفِي رِوَايَة نَافِع بْن جُبَيْر \" وَأَنَا الْمَاحِي فَإِنَّ اللَّه يَمْحُو بِهِ سَيِّئَات مَنْ اِتَّبَعَهُ \" وَهَذَا يُشْبِه أَنْ يَكُون مِنْ قَوْل الرَّاوِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا الْحَاشِر الَّذِي يُحْشَر النَّاس عَلَى قَدَمِي ) ‏ ‏أَيْ عَلَى أَثَرِي أَيْ إِنَّهُ يُحْشَر قَبْل النَّاس , وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : \" يُحْشَر النَّاس عَلَى عَقِبِي \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْقَدَمِ الزَّمَان أَيْ وَقْت قِيَامِي عَلَى قَدَمِي بِظُهُورِ عَلَامَات الْحَشْر , إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بَعْده نَبِيّ وَلَا شَرِيعَة. وَاسْتُشْكِلَ التَّفْسِير بِأَنَّهُ يَقْضِي بِأَنَّهُ مَحْشُور فَكَيْف يُفَسَّر بِهِ حَاشِر وَهُوَ اِسْم فَاعِل , وَأُجِيبَ بِأَنَّ إِسْنَاد الْفِعْل إِلَى الْفَاعِل إِضَافَةٌ وَالْإِضَافَةُ تَصِحُّ بِأَدْنَى مُلَابَسَة , فَلَمَّا كَانَ لَا أُمَّة بَعْد أُمَّته لِأَنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْده نُسِبَ الْحَشْر إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يَقَع عَقِبه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَوَّل مَنْ يُحْشَر كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر \" أَنَا أَوَّل مَنْ تَنْشَقّ عَنْهُ الْأَرْض \" وَقِيلَ مَعْنَى الْقَدَم السَّبَب , وَقِيلَ الْمُرَاد عَلَى مُشَاهَدَتِي قَائِمًا لِلَّهِ شَاهِدًا عَلَى الْأُمَم. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة نَافِع بْن جُبَيْر \" وَأَنَا حَاشِر بُعِثْت مَعَ السَّاعَة \" وَهُوَ يُرَجِّح الْأَوَّل. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَوْله : \" عَلَى عَقِبِي \" بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة مُخَفَّفًا عَلَى الْإِفْرَاد , وَلِبَعْضِهِمْ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّثْنِيَة وَالْمُوَحَّدَة مَفْتُوحَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا الْعَاقِب ) ‏ ‏زَادَ يُونُس بْن يَزِيد فِي رِوَايَته عَنْ الزُّهْرِيّ \" الَّذِي لَيْسَ بَعْده نَبِيّ , وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّه رَءُوفًا رَحِيمًا \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" قَوْله : \" وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّه إِلَخْ \" مُدْرَج مِنْ قَوْل الزُّهْرِيّ. قُلْت : وَهُوَ كَذَلِكَ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا فِي آخِر سُورَة بَرَاءَة. وَأَمَّا قَوْله : \" الَّذِي لَيْسَ بَعْده نَبِيّ \" فَظَاهِره الْإِدْرَاج أَيْضًا , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَغَيْره بِلَفْظِ \" الَّذِي لَيْسَ بَعْدِي نَبِيّ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة نَافِع بْن جُبَيْر أَنَّهُ عَقِب الْأَنْبِيَاء ; وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلرَّفْعِ وَالْوَقْف. وَمِمَّا وَقَعَ مِنْ أَسْمَائِهِ فِي الْقُرْآن بِالِاتِّفَاقِ \" الشَّاهِد الْمُبَشِّر النَّذِير الْمُبِين الدَّاعِي إِلَى اللَّه السِّرَاج الْمُنِير \" وَفِيهِ أَيْضًا : \" الْمُذَكِّر وَالرَّحْمَة وَالنِّعْمَة وَالْهَادِي وَالشَّهِيد وَالْأَمِين وَالْمُزَّمِّل وَالْمُدَّثِّر \" وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ \" الْمُتَوَكِّل \" , وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْمَشْهُورَة \" الْمُخْتَار وَالْمُصْطَفَى وَالشَّفِيع الْمُشَفَّع وَالصَّادِق الْمَصْدُوق \" وَغَيْر ذَلِكَ قَالَ اِبْن دِحْيَة فِي تَصْنِيف لَهُ مُفْرَد فِي الْأَسْمَاء النَّبَوِيَّة : قَالَ بَعْضهمْ أَسْمَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَد أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى تِسْعَة وَتِسْعُونَ اِسْمًا , قَالَ : وَلَوْ بَحَثَ عَنْهَا بَاحِث لَبَلَغَتْ ثَلَاثمِائَةِ اِسْم , وَذَكَرَ فِي تَصْنِيفه الْمَذْكُور أَمَاكِنهَا مِنْ الْقُرْآن وَالْأَخْبَار وَضَبَطَ أَلْفَاظهَا وَشَرَحَ مَعَانِيهَا وَاسْتَطْرَدَ كَعَادَتِهِ إِلَى فَوَائِد كَثِيرَة , وَغَالِب الْأَسْمَاء الَّتِي ذَكَرَهَا وُصِفَ بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَرِد الْكَثِير مِنْهَا عَلَى سَبِيل التَّسْمِيَة , مِثْل عَدّه اللَّبِنَة بِفَتْحِ اللَّام وَكَسْر الْمُوَحَّدَة ثُمَّ النُّون فِي أَسْمَائِهِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُور فِي الْبَاب بَعْده فِي الْقَصْر الَّذِي مِنْ ذَهَب وَفِضَّة إِلَّا مَوْضِع لَبِنَة قَالَ : \" فَكُنْت أَنَا اللَّبِنَة \" كَذَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَفِي حَدِيث جَابِر \" مَوْضِع اللَّبِنَة \" وَهُوَ الْمُرَاد. وَنَقَلَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ عَنْ بَعْض الصُّوفِيَّة أَنَّ لِلَّهِ أَلْف اِسْم وَلِرَسُولِهِ أَلْف اِسْم , وَقِيلَ : الْحِكْمَة فِي الِاقْتِصَار عَلَى الْخَمْسَة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهَا أَشْهَر مِنْ غَيْرهَا مَوْجُودَة فِي الْكُتُب الْقَدِيمَة وَبَيْن الْأُمَم السَّالِفَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3269",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَلَعْنَهُمْ يَشْتِمُونَ ‏ ‏مُذَمَّمًا ‏ ‏وَيَلْعَنُونَ ‏ ‏مُذَمَّمًا ‏ ‏وَأَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي الزِّنَاد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة \" حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَاد \". ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا تَعْجَبُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ أَبِيهِ عِنْد الْمُصَنِّف فِي التَّارِيخ \" يَا عِبَاد اللَّه اُنْظُرُوا \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" أَلَمْ تَرَوْا كَيْف \" وَالْبَاقِي سَوَاء. ‏ ‏قَوْله : ( يَشْتُمُونَ مُذَمَّمًا ) ‏ ‏كَانَ الْكُفَّار مِنْ قُرَيْش مِنْ شِدَّة كَرَاهَتهمْ فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُسَمُّونَهُ بِاسْمِهِ الدَّالّ عَلَى الْمَدْح فَيَعْدِلُونَ إِلَى ضِدّه فَيَقُولُونَ مُذَمَّم , وَإِذَا ذَكَرُوهُ بِسُوءٍ قَالُوا فَعَلَ اللَّه بِمُذَمَّمٍ , وَمُذَمَّم لَيْسَ هُوَ اِسْمه وَلَا يُعْرَف بِهِ فَكَانَ الَّذِي يَقَع مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ مَصْرُوفًا إِلَى غَيْره. قَالَ اِبْن التِّين : اُسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ أَسْقَطَ حَدّ الْقَذْف بِالتَّعْرِيضِ وَهُمْ الْأَكْثَر خِلَافًا لِمَالِكٍ , وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي الْحَدِيث أَنَّهُ لَا شَيْء عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ بَلْ الْوَاقِع أَنَّهُمْ عُوقِبُوا عَلَى ذَلِكَ بِالْقَتْلِ وَغَيْره اِنْتَهَى. وَالتَّحْقِيق أَنَّهُ لَا حُجَّة فِي ذَلِكَ إِثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ النَّسَائِيُّ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ مُنَافٍ لِمَعْنَى الطَّلَاق وَمُطْلَق الْفُرْقَة وَقَصَدَ بِهِ الطَّلَاق لَا يَقَع , كَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ كُلِي وَقَصَدَ الطَّلَاق فَإِنَّهَا لَا تَطْلُق , لِأَنَّ الْأَكْل لَا يَصْلُح أَنْ يُفَسَّر بِهِ الطَّلَاق بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوه , كَمَا أَنَّ مُذَمَّمًا لَا يُمْكِن أَنْ يُفَسَّر بِهِ مُحَمَّد عَلَيْهِ أَفْضَل الصَّلَاة وَالسَّلَام بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوه. ‏"
    },
    {
        "id": "3270",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَرَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَكْمَلَهَا وَأَحْسَنَهَا إِلَّا مَوْضِعَ ‏ ‏لَبِنَةٍ ‏ ‏فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ وَيَقُولُونَ لَوْلَا مَوْضِعُ ‏ ‏اللَّبِنَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَثَلِي وَمَثَل الْأَنْبِيَاء كَرَجُلٍ بَنَى دَارًا ) ‏ ‏قِيلَ : الْمُشَبَّه بِهِ وَاحِد وَالْمُشَبَّه جَمَاعَة فَكَيْف صَحَّ التَّشْبِيهُ ؟ وَجَوَابه أَنَّهُ جَعَلَ الْأَنْبِيَاء كَرَجُلٍ وَاحِد , لِأَنَّهُ لَا يَتِمّ مَا أَرَادَ مِنْ التَّشْبِيه إِلَّا بِاعْتِبَارِ الْكُلّ , وَكَذَلِكَ الدَّار لَا تَتِمّ إِلَّا بِاجْتِمَاعِ الْبُنْيَان , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ التَّشْبِيه التَّمْثِيلِيّ وَهُوَ أَنْ يُوجَد وَصْف مِنْ أَوْصَاف الْمُشَبَّه وَيُشَبَّه بِمِثْلِهِ مِنْ أَحْوَال الْمُشَبَّه بِهِ , فَكَأَنَّهُ شَبَّهَ الْأَنْبِيَاء وَمَا بُعِثُوا بِهِ مِنْ إِرْشَاد النَّاس بِبَيْتٍ أُسِّسَتْ قَوَاعِده وَرُفِعَ بُنْيَانه وَبَقِيَ مِنْهُ مَوْضِع بِهِ يَتِمّ صَلَاح ذَلِكَ الْبَيْت , وَزَعَمَ اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّ اللَّبِنَة الْمُشَار إِلَيْهَا كَانَتْ فِي أُسّ الدَّار الْمَذْكُورَة وَأَنَّهَا لَوْلَا وَضْعهَا لَانْقَضَّتْ تِلْكَ الدَّار , قَالَ : وَبِهَذَا يَتِمّ الْمُرَاد مِنْ التَّشْبِيه الْمَذْكُور اِنْتَهَى. وَهَذَا إِنْ كَانَ مَنْقُولًا فَهُوَ حَسَن وَإِلَّا فَلَيْسَ بِلَازِمٍ , نَعَمْ ظَاهِر السِّيَاق أَنْ تَكُون اللَّبِنَة فِي مَكَان يَظْهَر عَدَم الْكَمَال فِي الدَّار بِفَقْدِهَا وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام عِنْد مُسْلِم \" إِلَّا مَوْضِع لَبِنَة مِنْ زَاوِيَة مِنْ زَوَايَاهَا \" فَيَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهَا مُكَمِّلَة مُحَسِّنَة وَإِلَّا لَاسْتَلْزَمَ أَنْ يَكُون الْأَمْر بِدُونِهَا كَانَ نَاقِصًا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ شَرِيعَة كُلّ نَبِيّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَامِلَة , فَالْمُرَاد هُنَا النَّظَر إِلَى الْأَكْمَل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّرِيعَة الْمُحَمَّدِيَّة مَعَ مَا مَضَى مِنْ الشَّرَائِع الْكَامِلَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْلَا مَوْضِع اللَّبِنَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَكَسْر الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا نُون وَبِكَسْرِ اللَّام وَسُكُون الْمُوَحَّدَة أَيْضًا هِيَ الْقِطْعَة مِنْ الطِّين تُعْجَن وَتُجْبَل وَتُعَدّ لِلْبِنَاءِ وَيُقَال لَهَا مَا لَمْ تُحْرَق لَبِنَة , فَإِذَا أُحْرِقَتْ فَهِيَ آجُرَّة. وَقَوْله : ( مَوْضِع اللَّبِنَة ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأ وَخَبَره مَحْذُوف أَيْ لَوْلَا مَوْضِع اللَّبِنَة يُوهِم النَّقْص لَكَانَ بِنَاء الدَّار كَامِلًا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون \" لَوْلَا \" تَحْضِيضِيَّة وَفِعْلهَا مَحْذُوف تَقْدِيره لَوْلَا أُكْمِلَ مَوْضِع اللَّبِنَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام عِنْد أَحْمَد \" أَلَا وَضَعْت هَاهُنَا لَبِنَة فَيَتِمّ بُنْيَانك \". وَفِي الْحَدِيث ضَرْب الْأَمْثَال لِلتَّقْرِيبِ لِلْأَفْهَامِ وَفَضْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَائِر النَّبِيِّينَ , وَأَنَّ اللَّه خَتَمَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ , وَأَكْمَلَ بِهِ شَرَائِع الدِّين. ‏"
    },
    {
        "id": "3271",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِنَّ ‏ ‏مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ ‏ ‏لَبِنَةٍ ‏ ‏مِنْ زَاوِيَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ ‏ ‏اللَّبِنَةُ ‏ ‏قَالَ فَأَنَا ‏ ‏اللَّبِنَةُ ‏ ‏وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3272",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب وَأَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب مِثْله ) ‏ ‏أَيْ مِثْل مَا أَخْبَرَ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة , وَقَوْل اِبْن شِهَاب مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا مُفَرَّقًا وَهُوَ مِنْ مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَعِيد أَيْضًا سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3273",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي السُّوقِ فَقَالَ رَجُلٌ يَا ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَقَدْ مَضَى فِي الْبُيُوع بِأَتَمّ مِنْهُ , وَفِيهِ أَنَّ الرَّجُل قَالَ لَهُ لَمْ أَعْنِك , وَحِينَئِذٍ نَهَى عَنْ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3274",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر وَسَالِم الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ اِبْن الْجَعْد , وَأَوْرَدَهُ أَيْضًا مُخْتَصَرًا وَقَدْ مَضَى فِي الْخُمُس بِأَتَمّ مِنْهُ أَيْضًا , ‏ ‏وَقَوْله فِي أَوَّله : \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كَثِير حَدَّثَنَا شُعْبَة \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن \" سُفْيَان \" بَدَل شُعْبَة , وَمَالَ الْجَيَّانِيّ إِلَى تَرْجِيح الْأَكْثَر فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ مَنْصُور. ‏"
    },
    {
        "id": "3275",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو الْقَاسِم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيق وَهُوَ لَطِيف , وَتَقَدَّمَ فِي الْعِلْم بِلَفْظِ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي جَوَاز التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْمَشْهُور عَنْ الشَّافِعِيّ الْمَنْع عَلَى ظَاهِر هَذِهِ الْأَحَادِيث , وَقِيلَ : يَخْتَصّ ذَلِكَ بِزَمَانِهِ , وَقِيلَ بِمَنْ تَسَمَّى بِاسْمِهِ , وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ وَتَوْجِيه هَذِهِ الْمَذَاهِب فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3276",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏رَأَيْتُ ‏ ‏السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏ابْنَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ جَلْدًا مُعْتَدِلًا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏عَلِمْتُ مَا مُتِّعْتُ بِهِ سَمْعِي وَبَصَرِي إِلَّا بِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ خَالَتِي ذَهَبَتْ بِي إِلَيْهِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ ‏ ‏أُخْتِي ‏ ‏شَاكٍ فَادْعُ اللَّهَ لَهُ قَالَ فَدَعَا لِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِغَيْرِ تَرْجَمَة كَأَبِي ذَرّ وَأَبِي زَيْد مِنْ رِوَايَة الْقَابِسِيّ عَنْهُ وَكَرِيمَة , وَكَذَا لِلنَّسَفِيّ , وَجَزَمَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَضَمَّهُ بَعْضهمْ إِلَى الْبَاب الَّذِي قَبْله وَلَا تَظْهَر مُنَاسَبَته لَهُ , وَلَا يَصْلُح أَنْ يَكُون فَصْلًا مِنْ الَّذِي قَبْله , بَلْ هُوَ طَرَف مِنْ الْحَدِيث الَّذِي بَعْده , وَلَعَلَّ هَذَا مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة , نَعَمْ وَجَّهَهُ بَعْض شُيُوخنَا بِأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ ذَا اِسْم وَكُنْيَة لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنَادَى بِشَيْءٍ مِنْهُمَا بَلْ يُقَال لَهُ يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا خَاطَبَتْهُ خَالَة السَّائِب لَمَّا أَتَتْ بِهِ إِلَيْهِ , وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه. ‏ ‏قَوْله : ( جَلْدًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون اللَّام أَيْ قَوِيًّا صُلْبًا. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن أَرْبَع وَتِسْعِينَ ) ‏ ‏يُشْعِر بِأَنَّهُ رَآهُ سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ , لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ يَوْم مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَان سِنِينَ كَمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثه , فَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ الْوَاقِدِيّ إِنَّهُ مَاتَ سَنَة إِحْدَى وَتِسْعِينَ , عَلَى أَنَّهُ يُمْكِن تَوْجِيه قَوْله , وَأَبْعَد مَنْ قَالَ مَاتَ قَبْل التِّسْعِينَ , وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ مَاتَ سَنَة سِتّ وَتِسْعِينَ وَهُوَ أَشْبَه , قَالَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ : هُوَ آخِر مَنْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَة بِالْمَدِينَةِ , وَقَالَ غَيْره بَلْ مَحْمُود بْن الرَّبِيع , وَقِيلَ : بَلْ مَحْمُود بْن لَبِيد فَإِنَّهُ مَاتَ سَنَة تِسْع وَتِسْعِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3277",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ ‏ ‏أُخْتِي ‏ ‏وَقَعَ فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ وَتَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ ‏ ‏فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتِمٍ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏الْحُجْلَةُ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏حُجَلِ الْفَرَسِ الَّذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏مِثْلَ زِرِّ ‏ ‏الْحَجَلَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ , هُوَ أَبُو ثَابِت الْمَدَنِيّ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَأَصْل شَيْخه حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل كُوفِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا , وَأَمَّا أُمّه فَاسْمهَا عُلْبَة - بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا مُوَحَّدَة - بِنْت شُرَيْح أُخْت مَخْرَمَةَ بْن شُرَيْح. ‏ ‏قَوْله : ( وَقِع ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاو وَكَسْر الْقَاف وَبِالتَّنْوِينِ أَيْ وَجِع وَزْنه وَمَعْنَاهُ , وَقَدْ مَضَى فِي الطَّهَارَة بِلَفْظِ وَجِع , وَجَاءَ بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ , وَالْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ يَشْتَكِي رِجْله كَمَا ثَبَتَ فِي غَيْر هَذَا الطَّرِيق. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَظَرْت إِلَى خَاتَم النُّبُوَّة بَيْن كَتِفَيْهِ ) ‏ ‏فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن سَرْجَس عِنْد مُسْلِم أَنَّهُ كَانَ إِلَى جِهَة كَتِفه الْيُسْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن عُبَيْد اللَّه الْحُجْلَة مِنْ حُجَل الْفَرَس الَّذِي بَيْن عَيْنَيْهِ وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن حَمْزَة مِثْل زِرّ الْحُجْلَة ) ‏ ‏قُلْت : هَكَذَا وَقَعَ , وَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْهُ شَيْء ; لِأَنَّهُ يَبْعُد مِنْ شَيْخه مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه أَنْ يُفَسِّر الْحُجْلَة وَلَمْ يَقَع لَهَا فِي سِيَاقه ذِكْر , وَكَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ مِثْل زِرّ الْحُجْلَة ثُمَّ فَسَرَّهَا , وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي أَصْل النَّسَفِيِّ تَضْبِيب بَيْن قَوْله : \" بَيْن كَتِفَيْهِ \" وَبَيْن قَوْله : \" قَالَ اِبْن عُبَيْد اللَّه \" وَأَمَّا التَّعْلِيق عَنْ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن حَمْزَة فَالْمُرَاد أَنَّهُ رَوَى هَذَا الْحَدِيث كَمَا رَوَاهُ مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه إِلَّا أَنَّهُ خَالَفَ فِي هَذِهِ الْكَلِمَة , وَسَيَأْتِي الْحَدِيث عَنْهُ مَوْصُولًا بِتَمَامِهِ فِي كِتَاب الطِّبّ. وَقَدْ زَعَمَ اِبْن التِّين أَنَّهَا فِي رِوَايَة اِبْن عُبَيْد اللَّه بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْجِيم , وَفِي رِوَايَة اِبْن حَمْزَة بِفَتْحِهِمَا , وَحَكَى اِبْن دِحْيَة مِثْله وَزَادَ فِي الْأَوَّل كَسْر الْمُهْمَلَة مَعَ ضَمّهَا , وَقِيلَ : الْفَرْق بَيْن رِوَايَة اِبْن حَمْزَة وَابْن عُبَيْد اللَّه أَنَّ رِوَايَة اِبْن عُبَيْد اللَّه بِتَقْدِيمِ الزَّاي عَلَى الرَّاء عَلَى الْمَشْهُور , وَرِوَايَة اِبْن حَمْزَة بِالْعَكْسِ بِتَقْدِيمِ الرَّاء عَلَى الزَّاي , وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ اُرْتُزَّ الشَّيْء إِذَا دَخَلَ فِي الْأَرْض , وَمِنْهُ الرَّزَّة , وَالْمُرَاد بِهَا هُنَا الْبَيْضَة يُقَال اِرْتَزَّتْ الْجَرَادَة إِذَا أَدْخَلَتْ ذَنَبَهَا فِي الْأَرْض لِتَبِيضَ , وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِالْحُجْلَةِ الطَّيْر الْمَعْرُوف , وَجَزَمَ السُّهَيْلِيُّ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْحُجْلَةِ هُنَا الْكِلَّة الَّتِي تُعَلَّق عَلَى السَّرِير وَيُزَيَّن بِهَا لِلْعَرُوسِ كَالْبَشْخَانَات , وَالزِّرّ عَلَى هَذَا حَقِيقَة لِأَنَّهَا تَكُون ذَات أَزْرَار وَعُرَى , وَاسْتُبْعِدَ قَوْل اِبْن عُبَيْد اللَّه بِأَنَّهَا مِنْ حُجَل الْفَرَس الَّذِي بَيْن عَيْنَيْهِ بِأَنَّ التَّحْجِيل إِنَّمَا يَكُون فِي الْقَوَائِم , وَأَمَّا الَّذِي فِي الْوَجْه فَهُوَ الْغُرَّة , وَهُوَ كَمَا قَالَ إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُطْلِقهُ عَلَى ذَلِكَ مَجَازًا , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا قَدْر الزِّرّ , وَإِلَّا فَالْغُرَّة لَا زِرّ لَهَا. وَجَزَمَ التِّرْمِذِيّ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْحُجْلَةِ الطَّيْر الْمَعْرُوف , وَأَنَّ الْمُرَاد بِزِرِّهَا بَيْضهَا , وَيُعَضِّدهُ مَا سَيَأْتِي أَنَّهُ مِثْل بَيْضَة الْحَمَامَة , وَقَدْ وَرَدَتْ فِي صِفَة خَاتَم النُّبُوَّة أَحَادِيث مُتَقَارِبَة لِمَا ذُكِرَ هُنَا , مِنْهَا عِنْد مُسْلِم عَنْ جَابِر بْن سَمُرَة \" كَأَنَّهُ بَيْض حَمَامَة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق سِمَاك بْن حَرْب \" كَبَيْضَةِ نَعَامَة \" وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهَا غَلَط وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن سَرْجَس \" نَظَرْت خَاتَم النُّبُوَّة جَمْعًا عَلَيْهِ خِيلَان \" وَعِنْد اِبْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" مِثْل الْبُنْدُقَة مِنْ اللَّحْم \" وَعِنْد التِّرْمِذِيّ \" كَبَضْعَةٍ نَاشِزَة مِنْ اللَّحْم \" وَعِنْد قَاسِم بْن ثَابِت مِنْ حَدِيث قُرَّة بْن إِيَاس \" مِثْل السِّلْعَة \" وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ كَأَثَرِ مِحْجَم , أَوْ كَالشَّامَةِ السَّوْدَاء أَوْ الْخَضْرَاء , أَوْ مَكْتُوب عَلَيْهَا \" مُحَمَّد رَسُول اللَّه \" أَوْ \" سِرْ فَأَنْتَ الْمَنْصُور \" أَوْ نَحْو ذَلِكَ , فَلَمْ يَثْبُت مِنْهَا شَيْء وَقَدْ أَطْنَبَ الْحَافِظ قُطْب الدِّين فِي اِسْتِيعَابهَا فِي \" شَرْح السِّيرَة \" وَتَبِعَهُ مُغَلْطَاي فِي \" الزَّهْر الْبَاسِم \" وَلَمْ يُبَيِّن شَيْئًا مِنْ حَالهَا , وَالْحَقّ مَا ذَكَرْته , وَلَا تَغْتَرّ بِمَا وَقَعَ مِنْهَا فِي صَحِيح اِبْن حِبَّانَ فَإِنَّهُ غَفَلَ حَيْثُ صَحَّحَ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : اِتَّفَقَتْ الْأَحَادِيث الثَّابِتَة عَلَى أَنَّ خَاتَم النُّبُوَّة كَانَ شَيْئًا بَارِزًا أَحْمَر عِنْد كَتِفه الْأَيْسَر قَدْره إِذَا قُلِّلَ قَدْر بَيْضَة الْحَمَامَة وَإِذَا كُبِّرَ جَمْع الْيَد وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن سَرْجَس عِنْد مُسْلِم أَنَّ خَاتَم النُّبُوَّة كَانَ بَيْن كَتِفَيْهِ عِنْد نَاغِض كَتِفه الْيُسْرَى , وَفِي حَدِيث عَبَّاد بْن عَمْرو عِنْد الطَّبَرَانِيِّ كَأَنَّهُ رُكْبَة عَنْز عَلَى طَرَف كَتِفه الْأَيْسَر وَلَكِنْ سَنَده ضَعِيف , قَالَ الْعُلَمَاء : السِّرّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَلْب فِي تِلْكَ الْجِهَة , وَقَدْ وَرَدَ فِي خَبَر مَقْطُوع أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَبّه أَنَّ يُرِيه مَوْضِع الشَّيْطَان فَرَأَى الشَّيْطَان فِي صُورَة ضُفْدَع عِنْد نُغْض كَتِفه الْأَيْسَر حِذَاء قَلْبه لَهُ خُرْطُوم كَالْبَعُوضَةِ , أَخْرَجَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِسَنَدٍ قَوِيّ إِلَى مَيْمُون بْن مِهْرَانَ عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز , فَذَكَرَ. وَذَكَرَهُ أَيْضًا صَاحِب \" الْفَائِق \" فِي مُصَنَّفه فِي م ص ر , وَلَهُ شَاهِد مَرْفُوع عَنْ أَنَس عِنْد أَبِي يَعْلَى وَابْن عَدِيّ وَلَفْظه \" إِنَّ الشَّيْطَان وَاضِع خَطْمه عَلَى قَلْب اِبْن آدَم \" الْحَدِيث , وَأَوْرَدَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ فِي \" كِتَاب الشَّرِيعَة \" مِنْ طَرِيق عُرْوَة بْن رُوَيْم \" أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام سَأَلَ رَبّه أَنْ يُرِيه مَوْضِع الشَّيْطَان مِنْ اِبْن آدَم , قَالَ فَإِذَا بِرَأْسِهِ مِثْل الْحَيَّة وَاضِع رَأْسه عَلَى تَمْرَة الْقَلْب , فَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْد رَبّه خَنَسَ , وَإِذَا غَفَلَ وَسْوَسَ \". قُلْت : وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد فِي آخِر التَّفْسِير , قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَضَعَ خَاتَم النُّبُوَّة عِنْد نُغْض كَتِفه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ مَعْصُوم مِنْ وَسْوَسَة الشَّيْطَان , وَذَلِكَ الْمَوْضِع يَدْخُل مِنْهُ الشَّيْطَان. ‏"
    },
    {
        "id": "3278",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏الْعَصْرَ ثُمَّ خَرَجَ يَمْشِي فَرَأَى ‏ ‏الْحَسَنَ ‏ ‏يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ فَحَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَقَالَ ‏ ‏بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ لَا شَبِيهٌ ‏ ‏بِعَلِيٍّ ‏ ‏وَعَلِيٌّ ‏ ‏يَضْحَكُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي بَكْر الْمُشْتَمِل عَلَى أَنَّ الْحَسَن بْن عَلِيّ كَانَ يُشْبِه جَدّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَخْبَرَنِي \" وَفِي أُخْرَى \" حَدَّثَنِي اِبْن أَبِي مُلَيْكَة \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُقْبَة بْن الْحَارِث ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَخْبَرَنِي عُقْبَة بْن الْحَارِث \". ‏ ‏قَوْله : ( صَلَّى أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الْعَصْر ثُمَّ خَرَجَ يَمْشِي ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة \" بَعْد وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَيَالٍ , وَعَلِيّ يَمْشِي إِلَى جَانِبه \". ‏ ‏قَوْله : ( بِأَبِي ) ‏ ‏فِيهِ حَذْف تَقْدِيره أَفْدِيه بِأَبِي , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَارْتَجَزَ فَقَالَ : وَابِأَبِي , شَبِيه بِالنَّبِيِّ \" وَفِي تَسْمِيَة هَذَا رَجَزًا نَظَر , لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْزُونٍ , وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى السَّجْع رَجَزًا. وَوَقَعَ مِنْ بَعْض الرُّوَاة تَغْيِير وَتَصْحِيف رِوَايَة الْأَصْل , وَلَعَلَّهَا كَانَتْ \" وَابِأَبِي وَابِأَبِي \" كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمَذْكُورَة , فَهَذَا يَكُون مِنْ مَجْزُوء الرِّجْز , لَكِنْ قَوْله : \" شَبِيه بِالنَّبِيِّ \" يَحْتَاج إِلَى شَيْء قَبْله , فَلَعَلَّهُ كَانَ شَخْص أَوْ أَنْتَ شَبِيه بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ نَحْو ذَلِكَ , وَأَمَّا الثَّالِث فَمَوْزُون. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَلِيّ يَضْحَك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَعَلِيّ يَتَبَسَّم \" أَيْ رِضًا بِقَوْلِ أَبِي بَكْر وَتَصْدِيقًا لَهُ. وَقَدْ وَافَقَ أَبَا بَكْر عَلَى أَنَّ الْحَسَن كَانَ يُشْبِه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو جُحَيْفَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَنَاقِب أَنَّ الْحُسَيْن بْن عَلِيّ كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَيَأْتِي وَجْه التَّوْفِيق بَيْنهمَا فِي الْمَنَاقِب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَأَذْكُر فِيهِ مَنْ شَارَكَهُمَا فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي الْحَدِيث فَضْل أَبِي بَكْر وَمَحَبَّته لِقَرَابَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَيَأْتِي فِي الْمَنَاقِب قَوْله : \" لَقَرَابَةُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبّ إِلَيَّ أَنْ أَصِل مِنْ قَرَابَتِي \" وَفِيهِ تَرْك الصَّبِيّ الْمُمَيِّز يَلْعَب , لِأَنَّ الْحَسَن إِذْ ذَاكَ كَانَ اِبْن سَبْع سِنِينَ , وَقَدْ سَمِعَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَفِظَ عَنْهُ , وَلَعِبه مَحْمُول عَلَى مَا يَلِيق بِمِثْلِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَان مِنْ الْأَشْيَاء الْمُبَاحَة , بَلْ عَلَى مَا فِيهِ تَمْرِين وَتَنْشِيط وَنَحْو ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3279",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏يُشْبِهُهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3280",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا جُحَيْفَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏عَلَيْهِمَا السَّلَام ‏ ‏يُشْبِهُهُ قُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏صِفْهُ لِي قَالَ ‏ ‏كَانَ أَبْيَضَ قَدْ ‏ ‏شَمِطَ ‏ ‏وَأَمَرَ لَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِثَلَاثَ عَشْرَةَ ‏ ‏قَلُوصًا ‏ ‏قَالَ فَقُبِضَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ نَقْبِضَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ. وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَابْن فُضَيْلٍ بِالتَّصْغِيرِ هُوَ مُحَمَّد. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ أَبْيَض قَدْ شَمِطَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَكَسْر الْمِيم أَيْ صَارَ سَوَاد شَعْره مُخَالِطًا لِبَيَاضِهِ وَقَدْ بَيَّنَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِي هَذَا أَنَّ مَوْضِع الشَّمَط كَانَ فِي الْعَنْفَقَة وَيُؤَيِّد ذَلِكَ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُسْر الْمَذْكُور بَعْده , وَالْعَنْفَقَة مَا بَيْن الذَّقَن وَالشَّفَة السُّفْلَى سَوَاء كَانَ عَلَيْهَا شَعْر أَمْ لَا. وَتُطْلَق عَلَى الشَّعْر أَيْضًا. وَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة زُهَيْر \" عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذِهِ مِنْهُ بَيْضَاء - وَأَشَارَ إِلَى عَنْفَقَته - قِيلَ مِثْل مَنْ أَنْتَ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : أَبْرِي النَّبْل وَأُرَيِّشُهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَرَ لَنَا ) ‏ ‏أَيْ لَهُ وَلِقَوْمِهِ مِنْ بَنِي سُوَاءَة - بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَالْمَدّ وَالْهَمْز وَآخِره هَاء تَأْنِيث - اِبْن عَامِر بْن صَعْصَعَة , وَكَانَ أَمَرَ لَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيل جَائِزَة الْوَفْد. ‏ ‏قَوْله : ( قَلُوصًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف , هِيَ الْأُنْثَى مِنْ الْإِبِل , وَقِيلَ : الشَّابَّة , وَقِيلَ : الطَّوِيلَة الْقَوَائِم. ‏ ‏وَقَوْله : ( فَقَبَضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ نَقْبِضهَا ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قُرْب وَفَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ شَهِدَ أَبُو جُحَيْفَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمه حَجَّة الْوَدَاع كَمَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ , فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ أَبَا بَكْر وَفَى لَهُمْ بِالْوَعْدِ الْمَذْكُور كَمَا صَنَعَ بِغَيْرِهِمْ. ثُمَّ وَجَدْت ذَلِكَ مَنْقُولًا صَرِيحًا , فَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور \" فَذَهَبْنَا نَقْبِضهَا فَأَتَانَا مَوْته فَلَمْ يُعْطُونَا شَيْئًا , فَلَمَّا قَامَ أَبُو بَكْر قَالَ : مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَة فَلْيَجِئْ , فَقُمْت إِلَيْهِ فَأَخْبَرْته فَأَمَرَ لَنَا بِهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي الْهِبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3281",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَهْبٍ أَبِي جُحَيْفَةَ السُّوَائِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَأَيْتُ بَيَاضًا مِنْ تَحْتِ شَفَتِهِ السُّفْلَى ‏ ‏الْعَنْفَقَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ وَهْب أَبِي جُحَيْفَةَ ) ‏ ‏هُوَ اِسْم أَبِي جُحَيْفَةَ , وَهُوَ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اِسْمه , وَكَانَ يُقَال لَهُ أَيْضًا وَهْب اللَّه وَوَهْب الْخَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَأَيْت بَيَاضًا مِنْ تَحْت شَفَته السُّفْلَى الْعَنْفَقَة ) ‏ ‏بِالْكَسْرِ عَلَى أَنَّهُ بَدَل مِنْ الشَّفَة , وَبِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ بَدَل مِنْ قَوْله : \" بَيَاضًا \" , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيل بِهَذَا الْإِسْنَاد \" مِنْ تَحْت شَفَته السُّفْلَى مِثْل مَوْضِع إِصْبَع الْعَنْفَقَة \" وَإِصْبَع فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِالتَّنْوِينِ , وَإِعْرَاب الْعَنْفَقَة كَالَّذِي قَبْله. وَفِي رِوَايَة شَبَّابَة بْن سَوَّار عَنْ إِسْرَائِيل عِنْده \" رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَابَتْ عَنْفَقَته \". ‏"
    },
    {
        "id": "3282",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِصَامُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ ‏ ‏صَاحِبَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرَأَيْتَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ شَيْخًا قَالَ كَانَ ‏ ‏فِي ‏ ‏عَنْفَقَتِهِ ‏ ‏شَعَرَاتٌ بِيضٌ ‏",
        "sharh": "وَهُوَ مِنْ ثُلَاثِيَّاتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عِصَام بْن خَالِد ) ‏ ‏هُوَ أَبُو إِسْحَاق الْحِمْصِيُّ الْحَضْرَمِيّ مِنْ كِبَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَلَيْسَ لَهُ عَنْهُ فِي الصَّحِيح غَيْره. وَأَمَّا حَرِيز فَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّهُ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَرَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون \" أَرَأَيْت \" بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي وَ \" النَّبِيّ \" بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ اِسْم كَانَ , وَالتَّقْدِير : أَخْبِرْنِي أَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْخًا ؟ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون \" أَرَأَيْت \" اِسْتِفْهَامًا مِنْهُ هَلْ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَيَكُون \" النَّبِيّ \" بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة. ‏ ‏وَقَوْله : ( كَانَ شَيْخًا ) ‏ ‏اِسْتِفْهَام ثَانٍ حُذِفَتْ مِنْهُ أَدَاة الِاسْتِفْهَام , وَيُؤَيِّد هَذَا الثَّانِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حَرِيز بْن عُثْمَان قَالَ : \" رَأَيْت عَبْد اللَّه بْن بُسْر صَاحِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِمْصٍ وَالنَّاس يَسْأَلُونَهُ , فَدَنَوْت مِنْهُ وَأَنَا غُلَام فَقُلْت : أَنْتَ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ , قُلْت : شَيْخ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ شَابّ ؟ قَالَ : فَتَبَسَّمَ \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" فَقُلْت لَهُ : أَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَبَغَ ؟ قَالَ : يَا اِبْن أَخِي لَمْ يَبْلُغ ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ كَانَ فِي عَنْفَقَته شَعَرَات بِيض ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" إِنَّمَا كَانَتْ شَعَرَات بِيض. وَأَشَارَ إِلَى عَنْفَقَته \" وَسَيَأْتِي بَعْد حَدِيثَيْنِ قَوْل أَنَس \" إِنَّمَا كَانَ شَيْء فِي صُدْغَيْهِ \" وَسَيَأْتِي وَجْه الْجَمْع بَيْنهمَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3283",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَصِفُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏رَبْعَةً ‏ ‏مِنْ الْقَوْمِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ أَزْهَرَ اللَّوْنِ لَيْسَ بِأَبْيَضَ ‏ ‏أَمْهَقَ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏لَيْسَ ‏ ‏بِجَعْدٍ ‏ ‏قَطَطٍ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏سَبْطٍ ‏ ‏رَجِلٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ فَلَبِثَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ ‏ ‏وَبِالْمَدِينَةِ ‏ ‏عَشْرَ سِنِينَ وَقُبِضَ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعَرَةً بَيْضَاءَ قَالَ ‏ ‏رَبِيعَةُ ‏ ‏فَرَأَيْتُ شَعَرًا مِنْ شَعَرِهِ فَإِذَا هُوَ أَحْمَرُ فَسَأَلْتُ فَقِيلَ احْمَرَّ مِنْ الطِّيبِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس مِنْ رِوَايَة رَبِيعَة عَنْهُ , وَهُوَ اِبْن أَبِي عَبْد الرَّحْمَن فَرُّوخ الْفَقِيه الْمَدَنِيّ الْمَعْرُوف بِرَبِيعَة الرَّأْي , وَقَدْ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا : مِنْ رِوَايَة خَالِد , وَهُوَ اِبْن يَزِيد الْجُمَحِيّ الْمِصْرِيّ , وَكَانَ مِنْ أَقْرَان اللَّيْث بْن سَعْد لَكِنَّهُ مَاتَ قَبْله , وَقَدْ أَكْثَر عَنْهُ اللَّيْث. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ رَبْعَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَسُكُون الْمُوَحَّدَة أَيْ مَرْبُوعًا , وَالتَّأْنِيث بِاعْتِبَارِ النَّفْس , يُقَال رَجُل رَبْعَة وَامْرَأَة رَبْعَة , وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور بِقَوْلِهِ : \" لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِن وَلَا بِالْقَصِيرِ \" وَالْمُرَاد بِالطَّوِيلِ الْبَائِن الْمُفْرِط فِي الطُّول مَعَ اِضْطِرَاب الْقَامَة , وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث الْبَرَاء بَعْد قَلِيل أَنَّهُ قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْبُوعًا \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الذُّهْلِيِّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" بِإِسْنَادٍ حَسَن \" كَانَ رَبْعَة وَهُوَ إِلَى الطُّول أَقْرَب \". ‏ ‏قَوْله : ( أَزْهَر اللَّوْن ) ‏ ‏أَيْ أَبْيَض مُشَرَّب بِحُمْرَةِ , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيث أَنَس مِنْ وَجْه آخَر عِنْد مُسْلِم , وَعِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور وَالطَّيَالِسِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَلِيّ قَالَ : \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْيَض مُشَرَّبًا بَيَاضه بِحُمْرَةٍ \" وَهُوَ عِنْد اِبْن سَعْد أَيْضًا عَنْ عَلِيّ , وَعَنْ جَابِر , وَعِنْد الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طُرُق عَنْ عَلِيّ , وَفِي \" الشَّمَائِل \" مِنْ حَدِيث هِنْد بْن أَبِي هَالَة أَنَّهُ أَزْهَر اللَّوْن. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ بِأَبْيَض أَمْهَق ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول , وَوَقَعَ عِنْد الدَّاوُدِيّ تَبَعًا لِرِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ \" أَمْهَق لَيْسَ بِأَبْيَض \" وَاعْتَرَضَهُ الدَّاوُدِيُّ , وَقَالَ عِيَاض : إِنَّهُ وَهْم , قَالَ : وَكَذَلِكَ رِوَايَة مَنْ رَوَى أَنَّهُ لَيْسَ بِالْأَبْيَضِ وَلَا الْآدَم لَيْسَ بِصَوَابٍ , كَذَا قَالَ , وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ فِي هَذَا الثَّانِي , لِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ لَيْسَ بِالْأَبْيَضِ الشَّدِيد الْبَيَاض وَلَا بِالْآدَمِ الشَّدِيد الْأُدْمَة , وَإِنَّمَا يُخَالِط بَيَاضه الْحُمْرَة , وَالْعَرَب قَدْ تُطْلِق عَلَى مَنْ كَانَ كَذَلِكَ أَسْمَر , وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث أَنَس عِنْد أَحْمَد وَالْبَزَّار وَابْن مَنْدَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيح وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَسْمَر \" وَقَدْ رَدَّ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَة بِقَوْلِهِ : فِي حَدِيث الْبَاب مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ رَبِيعَة \" وَلَا بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَق وَلَيْسَ بِالْآدَمِ \" وَالْجَمْع بَيْنهمَا مُمْكِن وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس فَذَكَرَ الصِّفَة النَّبَوِيَّة قَالَ : \" كَانَ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْيَض بَيَاضه إِلَى السُّمْرَة \" وَفِي حَدِيث يَزِيد الرُّقَاشِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" رَجُل بَيْن رَجُلَيْنِ جِسْمه وَلَحْمه أَحْمَر \" وَفِي لَفْظ \" أَسْمَر إِلَى الْبَيَاض \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَسَنَده حَسَن , وَتَبَيَّنَ مِنْ مَجْمُوع الرِّوَايَات أَنَّ الْمُرَاد بِالسُّمْرَةِ الْحُمْرَة الَّتِي تُخَالِط الْبَيَاض , وَأَنَّ الْمُرَاد بِالْبَيَاضِ الْمُثْبَت مَا يُخَالِطهُ الْحُمْرَة , وَالْمَنْفِيّ مَا لَا يُخَالِطهُ , وَهُوَ الَّذِي تَكْرَه الْعَرَب لَوْنه وَتُسَمِّيه أَمْهَق , وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ رِوَايَة الْمَرْوَزِيِّ \" أَمْهَق لَيْسَ بِأَبْيَض \" مَقْلُوبَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ , عَلَى أَنَّهُ يُمْكِن تَوْجِيههَا بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْأَمْهَقِ الْأَخْضَر اللَّوْن الَّذِي لَيْسَ بَيَاضه فِي الْغَايَة وَلَا سُمْرَته وَلَا حُمْرَته , فَقَدْ نُقِلَ عَنْ رُؤْبَة أَنَّ الْمَهَق خُضْرَة الْمَاء , فَهَذَا التَّوْجِيه يَتِمّ عَلَى تَقْدِير ثُبُوت الرِّوَايَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ إِطْلَاق كَوْنه أَبْيَض , وَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي الطُّفَيْل عِنْد مُسْلِم , وَفِي رِوَايَة عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" مَا أَنْسَى شِدَّة بَيَاض وَجْهه مَعَ شِدَّة سَوَاد شَعْره \" وَكَذَا فِي شِعْر أَبِي طَالِب الْمُتَقَدِّم فِي الِاسْتِسْقَاء \" وَأَبْيَض يُسْتَسْقَى الْغَمَام بِوَجْهِهِ \" وَفِي حَدِيث سُرَاقَة عِنْد اِبْن إِسْحَاق \" فَجَعَلْت أَنْظُر إِلَى سَاقه كَأَنَّهَا جُمَّارَة \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث مُحَرِّش الْكَعْبِيّ فِي عُمْرَة الْجِعْرَانَة أَنَّهُ قَالَ : \" فَنَظَرْت إِلَى ظَهْره كَأَنَّهُ سَبِيكَة فِضَّة \" وَعَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة يَصِف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : \" كَانَ شَدِيد الْبَيَاض \" أَخْرَجَهُ يَعْقُوب بْن سُفْيَان وَالْبَزَّار بِإِسْنَادٍ قَوِيّ , وَالْجَمْع بَيْنهمَا بِمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : يُقَال إِنَّ الْمُشَرَّب مِنْهُ حُمْرَة وَإِلَى السُّمْرَة مَا ضَحَّى مِنْهُ لِلشَّمْسِ وَالرِّيح , وَأَمَّا مَا تَحْت الثِّيَاب فَهُوَ الْأَبْيَض الْأَزْهَر. قُلْت : وَهَذَا ذَكَرَهُ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ عَقِب حَدِيث عَائِشَة فِي صِفَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبْسَط مِنْ هَذَا وَزَادَ \" وَلَوْنه الَّذِي لَا يَشُكّ فِيهِ الْأَبْيَض الْأَزْهَر \" وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي \" زِيَادَات عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي الْمُسْنَد \" مِنْ طَرِيق عَلِيّ \" أَبْيَض مُشَرَّب شَدِيد الْوَضَح \" فَهُوَ مُخَالِف لِحَدِيثِ أَنَس \" لَيْسَ بِالْأَمْهَقِ \" وَهُوَ أَصَحّ , وَيُمْكِن الْجَمْع بِحَمْلِ مَا فِي رِوَايَة عَلِيّ عَلَى مَا تَحْت الثِّيَاب مِمَّا لَا يُلَاقِي الشَّمْس , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ بِجَعْدٍ قَطَط وَلَا سَبِط ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الْمُوَحَّدَة , وَالْجُعُودَة فِي الشَّعْر أَنْ لَا يَتَكَسَّر وَلَا يَسْتَرْسِل وَالسُّبُوطَة ضِدّه , فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ وَسَط بَيْنهمَا. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَابْن أَبِي خَيْثَمَةَ \" وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَط , وَلَا بِالسَّبِطِ , كَانَ جَعْدًا رَجِلًا \" وَقَوْله : رَجِل بِكَسْرِ الْجِيم - وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَكِّنهَا - أَيْ مُتَسَرِّح , وَهُوَ مَرْفُوع عَلَى الِاسْتِئْنَاف , أَيْ هُوَ رَجِل. وَوَقَعَ عِنْد الْأَصِيلِي بِالْخَفْضِ وَهُوَ وَهْم لِأَنَّهُ يَصِير مَعْطُوفًا عَلَى الْمَنْفِيّ , وَقَدْ وُجِّهَ عَلَى أَنَّهُ خَفَضَهُ عَلَى الْمُجَاوَرَة , وَفِي بَعْض الرِّوَايَات بِفَتْحِ اللَّام وَتَشْدِيد الْجِيم عَلَى أَنَّهُ فِعْل مَاضٍ. ‏ ‏قَوْله : ( أُنْزِلَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" بَعَثَهُ اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ اِبْن أَرْبَعِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" عَلَى رَأْس أَرْبَعِينَ \" وَهَذَا إِنَّمَا يَتِمّ عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ بُعِثَ فِي الشَّهْر الَّذِي وُلِدَ فِيهِ , وَالْمَشْهُور عِنْد الْجُمْهُور أَنَّهُ وُلِدَ فِي شَهْر رَبِيع الْأَوَّل وَأَنَّهُ بُعِثَ فِي شَهْر رَمَضَان , فَعَلَى هَذَا يَكُون لَهُ حِين بُعِثَ أَرْبَعُونَ سَنَة وَنِصْف أَوْ تِسْع وَثَلَاثُونَ وَنِصْف , فَمَنْ قَالَ أَرْبَعِينَ أَلْغَى الْكَسْر أَوْ جَبَرَ , لَكِنْ قَالَ الْمَسْعُودِيّ وَابْن عَبْد الْبَرّ : إِنَّهُ بُعِثَ فِي شَهْر رَبِيع الْأَوَّل. فَعَلَى هَذَا يَكُون لَهُ أَرْبَعُونَ سَنَة سَوَاء. وَقَالَ بَعْضهمْ : بُعِثَ وَلَهُ أَرْبَعُونَ سَنَة وَعَشْرَة أَيَّام , وَعِنْد الْجِعَابِيّ أَرْبَعُونَ سَنَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا , وَعَنْ الزُّبَيْر بْن بَكَّار أَنَّهُ وُلِدَ فِي شَهْر رَمَضَان وَهُوَ شَاذّ , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا وَضُمَّ إِلَى الْمَشْهُور أَنَّ الْمَبْعَث فِي رَمَضَان فَيَصِحّ أَنَّهُ بُعِثَ عِنْد إِكْمَال الْأَرْبَعِينَ أَيْضًا. وَأَبْعَد مِنْهُ قَوْل مَنْ قَالَ : بُعِثَ فِي رَمَضَان وَهُوَ اِبْن أَرْبَعِينَ سَنَة وَشَهْرَيْنِ , فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ وُلِدَ فِي شَهْر رَجَب , وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ. ثُمَّ رَأَيْته كَذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي \" تَارِيخ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْعُتَقِيّ \" وَعَزَاهُ لِلْحُسَيْنِ بْن عَلِيّ وَزَادَ \" لِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَجَب \" وَهُوَ شَاذّ. وَمِنْ الشَّاذّ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : \" أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ اِبْن ثَلَاث وَأَرْبَعِينَ \" وَهُوَ قَوْل الْوَاقِدِيّ , وَتَبِعَهُ الْبِلَاذَرِيّ وَابْن أَبِي عَاصِم , وَفِي \" تَارِيخ يَعْقُوب بْن سُفْيَان \" وَغَيْره عَنْ مَكْحُول أَنَّهُ بُعِثَ بَعْد ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَبِثَ بِمَكَّة عَشْر سِنِينَ يَنْزِل عَلَيْهِ ) ‏ ‏مُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ عَاشَ سِتِّينَ سَنَة , وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ \" وَهُوَ مُوَافِق لِحَدِيثِ عَائِشَة الْمَاضِي قَرِيبًا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور , وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَا بُدّ أَنْ يَكُون الصَّحِيح أَحَدهمَا , وَجَمَعَ غَيْره بِإِلْغَاءِ الْكَسْر , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى هَذَا الْمَوْضِع فِي الْوَفَاة آخَر الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَيْسَ فِي رَأْسه وَلِحْيَته عِشْرُونَ شَعْرَة بَيْضَاء ) ‏ ‏أَيْ بَلْ دُون ذَلِكَ , وَلِابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش \" قُلْت لِرَبِيعَة : جَالَسْت أَنَسًا ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَسَمِعْته يَقُول : شَابَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِشْرِينَ شَيْبَة هَاهُنَا يَعْنِي الْعَنْفَقَة \" وَلِإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَابْن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" كَانَ شَيْب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ شَعْرَة بَيْضَاء فِي مُقَدَّمِهِ \" وَقَدْ اِقْتَضَى حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُسْر أَنَّ شَيْبه كَانَ لَا يَزِيد عَلَى عَشْر شَعَرَات لِإِيرَادِهِ بِصِيغَةِ جَمْع الْقِلَّة , لَكِنْ خُصَّ ذَلِكَ بِعَنْفَقَتِهِ , فَيُحْمَل الزَّائِد عَلَى ذَلِكَ فِي صُدْغَيْهِ كَمَا فِي حَدِيث الْبَرَاء , لَكِنْ وَقَعَ عِنْد اِبْن سَعْد بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس فِي أَثْنَاء حَدِيث قَالَ : \" وَلَمْ يَبْلُغ مَا فِي لِحْيَته مِنْ الشَّيْب عِشْرِينَ شَعْرَة \" قَالَ حُمَيْدٌ : \" وَأَوْمَأَ إِلَى عَنْفَقَته سَبْع عَشْرَة \" وَقَدْ رَوَى اِبْن سَعْد أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ \" مَا كَانَ فِي رَأْس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِحْيَته إِلَّا سَبْع عَشْرَة أَوْ ثَمَانِي عَشْرَة \" وَلِابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ حَدِيث حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" لَمْ يَكُنْ فِي لِحْيَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِشْرُونَ شَعْرَة بَيْضَاء. قَالَ حُمَيْدٌ : كُنَّ سَبْع عَشْرَة \" وَفِي مُسْنَد عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق حَمَّاد عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس \" مَا عَدَدْت فِي رَأْسه وَلِحْيَته إِلَّا أَرْبَع عَشْرَة شَعْرَة \" وَعِنْد اِبْن مَاجَهْ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس \" إِلَّا سَبْع عَشْرَة أَوْ عِشْرِينَ شَعْرَة \" وَرَوَى الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَقِيل عَنْ أَنَس قَالَ : \" لَوْ عَدَدْت مَا أَقْبَلَ عَلَيَّ مِنْ شَيْبه فِي رَأْسه وَلِحْيَته مَا كُنْت أَزِيدهُنَّ عَلَى إِحْدَى عَشْرَة شَيْبَة \" وَفِي حَدِيث الْهَيْثَم بْن زُهَيْر عِنْد \" ثَلَاثُونَ عَدَدًا \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ رَبِيعَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَأَيْت شَعْرًا مِنْ شَعْره فَإِذَا هُوَ أَحْمَر فَسَأَلْت فَقِيلَ أَحْمَر مِنْ الطِّيب ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِف الْمَسْئُول الْمُجِيب بِذَلِكَ , إِلَّا أَنَّهُ فِي رِوَايَة اِبْن عَقِيل الْمَذْكُورَة مِنْ قَبْل أَنَّ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز قَالَ لِأَنَسٍ : \" هَلْ خَضَّبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَإِنِّي رَأَيْت شَعْرًا مِنْ شَعْره قَدْ لُوِّنَ , فَقَالَ : إِنَّمَا هَذَا الَّذِي لُوِّنَ مِنْ الطِّيب الَّذِي كَانَ يُطَيَّب بِهِ شَعْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ الَّذِي غَيَّرَ لَوْنه \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَبِيعَة سَأَلَ أَنَسًا عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ. وَوَقَعَ فِي \" رِجَال مَالِك \" لِلدَّارَقُطْنِيّ وَهُوَ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : \" لَمَّا مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَضَّبَ مَنْ كَانَ عِنْده شَيْء مِنْ شَعْره لِيَكُونَ أَبْقَى لَهَا \". قُلْت : فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا اِسْتَقَامَ إِنْكَار أَنَس , وَيَقْبَل مَا أَثْبَتَهُ سِوَاهُ التَّأْوِيل , وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3284",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالْأَبْيَضِ ‏ ‏الْأَمْهَقِ ‏ ‏وَلَيْسَ ‏ ‏بِالْآدَمِ ‏ ‏وَلَيْسَ ‏ ‏بِالْجَعْدِ ‏ ‏الْقَطَطِ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏بِالسَّبْطِ ‏ ‏بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَأَقَامَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏عَشْرَ سِنِينَ ‏ ‏وَبِالْمَدِينَةِ ‏ ‏عَشْرَ سِنِينَ فَتَوَفَّاهُ اللَّهُ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3285",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن يُوسُف ) ‏ ‏أَيْ اِبْن إِسْحَاق بْن أَبِي إِسْحَاق السَّبِيعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَحْسَنه خَلْقًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة لِلْأَكْثَرِ , وَضَبَطَهُ اِبْن التِّين بِضَمِّ أَوَّله وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِنَّك لِعَلَى خُلُق عَظِيم ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ بِالشَّكِّ \" وَأَحْسَنه خَلْقًا أَوْ خُلُقًا \" وَيُؤَيِّدهُ قَوْله قَبْله \" أَحْسَن النَّاس وَجْهًا \" فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى الْحُسْن الْحِسِّيّ , فَيَكُون فِي الثَّانِي إِشَارَة إِلَى الْحُسْن الْمَعْنَوِيّ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس الَّذِي يَتَعَلَّق بِفَرَسِ أَبِي طَلْحَة الَّذِي قَالَ فِيهِ : \" إِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا \" وَهُوَ عِنْده فِي مَوَاضِع , مِنْهَا أَنَّ فِي أَوَّله فِي بَاب الشَّجَاعَة فِي الْحَرْب \" كَانَ أَحْسَن النَّاس وَأَشْجَع النَّاس وَأَجْوَد النَّاس \" فَجَمَعَ صِفَات الْقُوَى الثَّلَاث الْعَقْلِيَّة وَالْغَضَبِيَّة وَالشَّهْوَانِيَّة , فَالشَّجَاعَة تَدُلّ عَلَى الْغَضَبِيَّة , وَالْجُود يَدُلّ عَلَى الشَّهْوَانِيَّة , وَالْحُسْن تَابِع لِاعْتِدَالِ الْمِزَاج الْمُسْتَتْبِع لِصَفَاءِ النَّفْس الَّذِي بِهِ جَوْدَة الْقَرِيحَة الدَّالّ عَلَى الْعَقْل , فَوُصِفَ بِالْأَحْسَنِيَّة فِي الْجَمِيع. وَمَضَى فِي الْجِهَاد وَالْخُمُس حَدِيث جُبَيْر بْن مُطْعِم أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا \" فَأَشَارَ بِعَدَمِ الْجُبْن إِلَى كَمَالِ الْقُوَّة الْغَضَبِيَّة وَهِيَ الشَّجَاعَة , وَبِعَدَمِ الْكَذِب إِلَى كَمَالِ الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة وَهِيَ الْحِكْمَة , وَبِعَدَمِ الْبُخْل إِلَى كَمَالِ الْقُوَّة الشَّهْوَانِيَّة وَهُوَ الْجُود. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِن وَلَا بِالْقَصِيرِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي حَدِيث رَبِيعَة عَنْ أَنَس أَنَّهُ كَانَ رَبْعَة , وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ \" لَمْ يَكُنْ أَحَد يُمَاشِيه مِنْ النَّاس يُنْسَب إِلَى الطُّول إِلَّا طَالَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَرُبَّمَا اِكْتَنَفَهُ الرَّجُلَانِ الطَّوِيلَانِ فَيَطُولهُمَا , فَإِذَا فَارَقَاهُ نُسِبَا إِلَى الطُّول , وَنُسِبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الرَّبْعَة \" وَقَوْله : ( الْبَائِن ) بِالْمُوَحَّدَةِ اِسْم فَاعِل مِنْ بَانَ أَيْ ظَهَرَ عَلَى غَيْره أَوْ فَارَقَ مَنْ سِوَاهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3286",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏هَلْ ‏ ‏خَضَبَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَا إِنَّمَا كَانَ شَيْءٌ فِي ‏ ‏صُدْغَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث قَتَادَةَ \" سَأَلْت أَنَسًا : هَلْ خَضَّبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : إِنَّمَا كَانَ شَيْء فِي صُدْغَيْهِ \" ‏ ‏الصُّدْغ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الدَّال بَعْدهَا مُعْجَمَة مَا بَيْن الْأُذُن وَالْعَيْن , وَيُقَال ذَلِكَ أَيْضًا لِلشَّعْرِ الْمُتَدَلِّي مِنْ الرَّأْس فِي ذَلِكَ الْمَكَان , وَهَذَا مُغَايِر لِلْحَدِيثِ السَّابِق أَنَّ الشَّعْر الْأَبْيَض كَانَ فِي عَنْفَقَته , وَوَجْه الْجَمْع مَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس قَالَ : \" لَمْ يُخَضِّب رَسُول اللَّه وَإِنَّمَا كَانَ الْبَيَاض فِي عَنْفَقَته وَفِي الصُّدْغَيْنِ , وَفِي الرَّأْس نُبَذٌ \" أَيْ مُتَفَرِّق , وَعُرِفَ مِنْ مَجْمُوع ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي شَابَ مِنْ عَنْفَقَته أَكْثَر مِمَّا شَابَ مِنْ غَيْرهَا , وَمُرَاد أَنَس أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي شَعْره مَا يَحْتَاج إِلَى الْخِضَاب , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ : \" سَأَلْت أَنَس بْن مَالِك : أَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَضَّبَ ؟ قَالَ : لَمْ يَبْلُغ الْخِضَاب \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق حَمَّاد عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس \" لَوْ شِئْت أَنْ أَعُدّ شَمَطَات كُنَّ فِي رَأْسه لَفَعَلْت \" زَادَ اِبْن سَعْد وَالْحَاكِم \" مَا شَانَهُ بِالشَّيْبِ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة \" فَقَدْ شَمِطَ مُقَدَّم رَأْسه وَلِحْيَته , وَكَانَ إِذَا اِدَّهَنَ لَمْ يَتَبَيَّن , فَإِذَا لَمْ يَدَّهِن تَبَيَّنَ \" وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَأَصْحَاب السُّنَن مِنْ حَدِيث أَبِي رِمْثَة قَالَ \" أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ , وَلَهُ شَعْر قَدْ عَلَاهُ الشَّيْب , وَشَيْبه أَحْمَر مَخْضُوب بِالْحِنَّاءِ \" فَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِ اِبْن عُمَر \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَضِّب بِالصُّفْرَةِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجّ وَغَيْره , وَالْجَمْع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث أَنَس أَنْ يُحْمَل نَفْي أَنَس عَلَى غَلَبَة الشَّيْب حَتَّى يَحْتَاج إِلَى خِضَابه وَلَمْ يَتَّفِق أَنَّهُ رَآهُ وَهُوَ مُخَضِّب , وَيُحْمَل حَدِيث مَنْ أَثْبَتَ الْخَضْب عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ لِإِرَادَةِ بَيَان الْجَوَاز وَلَمْ يُوَاظِب عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَنَس وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَائِشَة قَالَتْ : \" مَا شَانَهُ اللَّه بِبَيْضَاء \" فَمَحْمُول عَلَى أَنَّ تِلْكَ الشَّعَرَات الْبِيض لَمْ يَتَغَيَّر بِهَا شَيْء مِنْ حُسْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَد إِنْكَار أَنَس أَنَّهُ خَضَّبَ , وَذَكَرَ حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَضِّب بِالصُّفْرَةِ وَهُوَ فِي الصَّحِيح , وَوَافَقَ مَالِك أَنَسًا فِي إِنْكَار الْخِضَاب وَتَأَوَّلَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3287",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ لَهُ شَعَرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنِهِ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ لَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏إِلَى مَنْكِبَيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء. ‏ ‏قَوْله : ( بَعِيد مَا بَيْن الْمَنْكِبَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ عَرِيض أَعْلَى الظَّهْر , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد اِبْن سَعْد \" رَحْب الصَّدْر \". ‏ ‏قَوْله : ( لَهُ شَعْر يَبْلُغ شَحْمَة أُذُنه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أُذُنَيْهِ \" بِالتَّثْنِيَةِ. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" تَكَاد جُمَّته تُصِيب شَحْمَة أُذُنَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ يُوسُف بْن أَبِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ يُوسُف بْن إِسْحَاق اِبْن أَبِي إِسْحَاق نَسَبَهُ إِلَى جَدّه. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى مَنْكِبَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ زَادَ فِي رِوَايَته عَنْ جَدّه أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء فِي هَذَا الْحَدِيث لَهُ شَعْر يَبْلُغ شَحْمَة أُذُنَيْهِ إِلَى مَنْكِبَيْهِ , وَطَرِيق يُوسُف هَذِهِ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّف قَبْل هَذَا بِحَدِيثٍ لَكِنَّهُ اِخْتَصَرَهَا , قَالَ اِبْن التِّين تَبَعًا لِلدَّاوُدِيّ : قَوْله : \" يَبْلُغ شَحْمَة أُذُنَيْهِ \" مُغَايِر لِقَوْلِهِ : \" إِلَى مَنْكِبَيْهِ \" وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّ مُعْظَم شَعْره كَانَ عِنْد شَحْمَة أُذُنه , وَمَا اِسْتَرْسَلَ مِنْهُ مُتَّصِل إِلَى الْمَنْكِب. أَوْ يُحْمَل عَلَى حَالَتَيْنِ. وَقَدْ وَقَعَ نَظِير ذَلِكَ فِي حَدِيث أَنَس عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْهُ أَنَّ شَعْره \" كَانَ بَيْن أُذُنَيْهِ وَعَاتِقه \" وَفِي حَدِيث حُمَيْدٍ عَنْهُ \" إِلَى أَنْصَاف أُذُنَيْهِ \" وَمِثْله عِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة ثَابِت عَنْهُ , وَعِنْد اِبْن سَعْد مِنْ رِوَايَة حَمَّاد عَنْ ثَابِت عَنْهُ \" لَا يُجَاوِز شَعْره أُذُنَيْهِ \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا قَدَّمْته , أَوْ عَلَى أَحْوَال مُتَغَايِرَة. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" كَانَ شَعْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوْق الْوَفْرَة وَدُون الْجُمَّة \" وَفِي حَدِيث هِنْد بْن أَبِي هَالَة فِي صِفَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَغَيْره \" فَلَا يُجَاوِز شَعْره شَحْمَة أُذُنَيْهِ إِذَا هُوَ وَفْرَة \" أَيْ جَعَلَهُ وَفْرَة , فَهَذَا الْقَيْد يُؤَيِّد الْجَمْع الْمُتَقَدِّم. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أُمّ هَانِئ قَالَتْ : \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَهُ أَرْبَع غَدَائِر \" وَرِجَاله ثِقَات. ‏"
    },
    {
        "id": "3288",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سُئِلَ ‏ ‏الْبَرَاءُ ‏ ‏أَكَانَ وَجْهُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَ السَّيْفِ قَالَ ‏ ‏لَا بَلْ مِثْلَ الْقَمَرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السَّبِيعِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( سُئِلَ الْبَرَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن يُونُس عَنْ زُهَيْر \" حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء قَالَ لَهُ رَجُل \". ‏ ‏قَوْله : ( مِثْل السَّيْف قَالَ لَا بَلْ مِثْل الْقَمَر ) ‏ ‏كَأَنَّ السَّائِل أَرَادَ أَنَّهُ مِثْل السَّيْف فِي الطُّول , فَرَدَّ عَلَيْهِ الْبَرَاء فَقَالَ : \" بَلْ مِثْل الْقَمَر \" أَيْ فِي التَّدْوِير , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ مِثْل السَّيْف فِي اللَّمَعَان وَالصِّقَال ؟ فَقَالَ : بَلْ فَوْق ذَلِكَ , وَعَدَلَ إِلَى الْقَمَر لِجَمْعِهِ الصِّفَتَيْنِ مِنْ التَّدْوِير وَاللَّمَعَان : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة زُهَيْر الْمَذْكُورَة \" أَكَانَ وَجْه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيدًا مِثْل السَّيْف \" ؟ وَهُوَ يُؤَيِّد الْأَوَّل. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ : أَكَانَ وَجْه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْل السَّيْف ؟ قَالَ : لَا بَلْ مِثْل الشَّمْس وَالْقَمَر مُسْتَدِيرًا \" وَإِنَّمَا قَالَ : \" مُسْتَدِيرًا \" لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ الصِّفَتَيْنِ , لِأَنَّ قَوْله \" مِثْل السَّيْف \" يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِهِ الطُّول أَوْ اللَّمَعَان , فَرَدَّهُ الْمَسْئُول رَدَّا بَلِيغًا. وَلَمَّا جَرَى التَّعَارُف فِي أَنَّ التَّشْبِيه بِالشَّمْسِ إِنَّمَا يُرَاد بِهِ غَالِبًا الْإِشْرَاق , وَالتَّشْبِيه بِالْقَمَرِ إِنَّمَا يُرَاد بِهِ الْمَلَاحَة دُون غَيْرهمَا , أَتَى بِقَوْلِهِ : \" وَكَانَ مُسْتَدِيرًا \" إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْبِيه بِالصِّفَتَيْنِ مَعًا : الْحُسْن وَالِاسْتِدَارَة. وَلِأَحْمَد وَابْن سَعْد وَابْن حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" مَا رَأَيْت شَيْئًا أَحْسَن مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَأَنَّ الشَّمْس تَجْرِي فِي جَبْهَته \" قَالَ الطِّيبِيُّ : شَبَّهَ جَرَيَان الشَّمْس فِي فَلَكهَا بِجَرَيَانِ الْحُسْن فِي وَجْهه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِيهِ عَكْس التَّشْبِيه لِلْمُبَالَغَةِ , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ بَاب تَنَاهِي التَّشْبِيه جَعْل وَجْهه مَقَرًّا وَمَكَانًا لِلشَّمْسِ. وَرَوَى يَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي تَارِيخه مِنْ طَرِيق يُونُس بْن أَبِي يَعْفُور عَنْ أَبِي إِسْحَاق السَّبِيعِيّ عَنْ اِمْرَأَة مِنْ هَمْدَانَ قَالَ : \" حَجَجْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقُلْت لَهَا : شَبِّهِيهِ. قَالَتْ : كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر , لَمْ أَرَ قَبْله وَلَا بَعْده مِثْله \" وَفِي حَدِيث الرُّبَيِّع بِنْت مُعَوِّذ \" لَوْ رَأَيْته لَرَأَيْت الشَّمْس طَالِعَة \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارِمِيُّ , وَفِي حَدِيث يَزِيد الرَّقَّاشِيّ الْمُتَقَدِّم قَرِيبًا عَنْ اِبْن عَبَّاس \" جَمِيل دَوَائِر الْوَجْه , قَدْ مَلَأَتْ لِحْيَته مِنْ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ حَتَّى كَادَتْ تَمْلَأ نَحْره \" وَرَوَى الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي صِفَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كَانَ أَسِيل الْخَدَّيْنِ , شَدِيد سَوَاد الشَّعْر , أَكْحَل الْعَيْنَيْنِ , أَهْدَب الْأَشْفَار \" الْحَدِيث. وَكَأَنَّ قَوْله : \" أَسِيل الْخَدَّيْنِ \" هُوَ الْحَامِل عَلَى مَنْ سَأَلَ : أَكَانَ وَجْهه مِثْل السَّيْف ؟ وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد أَبِي عُبَيْد فِي الْغَرِيب \" وَكَانَ فِي وَجْهه تَدْوِير \" قَالَ أَبُو عُبَيْد فِي شَرْحه : يُرِيد أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي غَايَة مِنْ التَّدْوِير بَلْ كَانَ فِيهِ سُهُولَة , وَهِيَ أَحْلَى عِنْد الْعَرَب. ‏"
    },
    {
        "id": "3289",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورٍ أَبُو عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ ‏ ‏بِالْمَصِّيصَةِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا جُحَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْهَاجِرَةِ إِلَى ‏ ‏الْبَطْحَاءِ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏وَزَادَ فِيهِ ‏ ‏عَوْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْمَرْأَةُ وَقَامَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَيْهِ فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ قَالَ ‏ ‏فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِي فَإِذَا هِيَ أَبْرَدُ مِنْ الثَّلْجِ وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنْ الْمِسْكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو عَلِيّ الْبَغْدَادِيّ الشَّطَوِيّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة ثُمَّ الْمُهْمَلَة , لَمْ يُخَرِّج عَنْهُ الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ شُعْبَة ) ‏ ‏هُوَ مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ فِيهِ عَوْن عَنْ أَبِيهِ أَبِي جُحَيْفَةَ ) ‏ ‏سَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيث بِزِيَادَتِهِ مِنْ وَجْه آخَر فِي آخِر الْبَاب , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ فِي أَوَائِل الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا هِيَ أَبْرَد مِنْ الثَّلْج وَأَطْيَب رَائِحَة مِنْ الْمِسْك ) ‏ ‏وَقَعَ مِثْله فِي حَدِيث جَابِر بْن يَزِيد بْن الْأَسْوَد عَنْ أَبِيهِ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ قَوِيّ , وَفِي حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة عِنْد مُسْلِم فِي أَثْنَاء حَدِيث قَالَ : \" فَمَسَحَ صَدْرِي فَوَجَدْت لِيَدِهِ بَرْدًا - أَوْ رِيحًا - كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُونَة عَطَّار \" وَفِي حَدِيث وَائِل بْن حُجْرٍ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيّ \" لَقَدْ كُنْت أُصَافِح رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ يَمَسّ جِلْدِي جِلْده - فَأَتَعَرَّفهُ بَعْد فِي يَدِي وَإِنَّهُ لَأَطْيَب رَائِحَة مِنْ الْمِسْك \" وَفِي حَدِيثه عِنْد أَحْمَد \" أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاء , فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ مَجَّ فِي الدَّلْو ثُمَّ فِي الْبِئْر فَفَاحَ مِنْهُ مِثْل رِيح الْمِسْك \" وَرَوَى مُسْلِم حَدِيث أَنَس فِي جَمْع أُمّ سُلَيْم عَرَقه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعْلهَا إِيَّاهُ فِي الطِّيب , وَفِي بَعْض طُرُقه \" وَهُوَ أَطْيَب الطِّيب \". وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة الَّذِي اِسْتَعَانَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَجْهِيز اِبْنَته \" فَلَمْ يَكُنْ عِنْده شَيْء , فَاسْتَدْعَى بِقَارُورَةٍ فَسَلَتْ لَهُ فِيهَا مِنْ عَرَقه وَقَالَ لَهُ : مُرْهَا فَلْتَطَّيَّبْ بِهِ , فَكَانَتْ إِذَا تَطَيَّبَتْ بِهِ شَمَّ أَهْل الْمَدِينَة رَائِحَة ذَلِكَ الطِّيب فَسُمُّوا بَيْت الْمُطَيَّبِينَ \" وَرَوَى أَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّار بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَنَس \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرَّ فِي طَرِيق مِنْ طُرُق الْمَدِينَة وُجِدَ مِنْهُ رَائِحَة الْمِسْك , فَيُقَال مَرَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3290",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَجْوَدَ النَّاسِ وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَد النَّاس \" ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الصِّيَام , وَالْغَرَض مِنْهُ وَصْفه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِالْجُودِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3291",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيْهَا مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ ‏ ‏الْمُدْلِجِيُّ ‏ ‏لِزَيْدٍ ‏ ‏وَأُسَامَةَ ‏ ‏وَرَأَى أَقْدَامَهُمَا إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْدَامِ مِنْ بَعْضٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الْقَائِف , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْفَرَائِض إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْلهَا : ‏ ‏\" تَبْرُق أَسَارِير وَجْهه \" ‏ ‏وَالْأَسَارِير جَمْع أَسْرَار وَهِيَ جَمْع سُرُر وَهِيَ الْخُطُوط الَّتِي تَكَوَّنَتْ فِي الْجَبْهَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3292",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏قَالَ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنْ السُّرُورِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث كَعْب بْن مَالِك وَهُوَ طَرَف مِنْ قِصَّة تَوْبَته , وَسَيَأْتِي بِطُولِهِ فِي الْمَغَازِي مُسْتَوْفًى شَرْحه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَنَارَ وَجْهه كَأَنَّهُ قِطْعَة قَمَر ) ‏ ‏أَيْ الْمَوْضِع الَّذِي يَبِين فِيهِ السُّرُور , وَهُوَ جَبِينه , فَلِذَلِكَ قَالَ : \" قِطْعَة قَمَر \" وَلَعَلَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ مُلَثَّمًا , وَيَحْتَمِل , أَنْ يَكُون يُرِيد بِقَوْلِهِ قِطْعَة قَمَر الْقَمَر نَفْسه. وَوَقَعَ فِي حَدِيث جُبَيْر بْن مُطْعِم عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" اِلْتَفَتَ إِلَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَجْهِهِ مِثْل شُقَّة الْقَمَر \" فَهَذَا مَحْمُول عَلَى صِفَته عِنْد الِالْتِفَات , وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ حَدِيث كَعْب بْن مَالِك مِنْ طُرُق فِي بَعْضهَا \" كَأَنَّهُ دَارَة قَمَر \". ‏"
    },
    {
        "id": "3293",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏قَرْنًا فَقَرْنًا حَتَّى كُنْتُ مِنْ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَمْرو مَوْلَى الْمُطَّلِب , وَاسْم أَبِي عَمْرو مَيْسَرَة. ‏ ‏قَوْله : ( بُعِثْت مِنْ خَيْر قُرُون بَنِي آدَم قَرْنًا فَقَرْنًا ) ‏ ‏الْقَرْن الطَّبَقَة مِنْ النَّاس الْمُجْتَمَعِينَ فِي عَصْر وَاحِد , وَمِنْهُمْ مَنْ حَدّه بِمِائَةِ سَنَة وَقِيلَ بِسَبْعِينَ , وَقِيلَ بِغَيْرِ ذَلِكَ. فَحَكَى الْحَرْبِيّ الِاخْتِلَاف فِيهِ مِنْ عَشَرَة إِلَى مِائَة وَعِشْرِينَ , ثُمَّ تَعَقَّبَ الْجَمِيع وَقَالَ : الَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْقَرْن كُلّ أُمَّة هَلَكَتْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهَا أَحَد. وَقَوْله : ( قَرْنًا ) بِالنَّصْبِ حَال لِلتَّفْصِيلِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى كُنْت مِنْ الْقَرْن الَّذِي كُنْت مِنْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَتَّى بُعِثْت مِنْ الْقَرْن الَّذِي كُنْت فِيهِ \" وَسَيَأْتِي فِي أَوَّل مَنَاقِب الصَّحَابَة حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ \" خَيْر النَّاس قَرْنِي \" وَالْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3294",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَسْدِلُ شَعَرَهُ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ فَكَانَ ‏ ‏أَهْلُ الْكِتَابِ ‏ ‏يَسْدِلُونَ رُءُوسَهُمْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحِبُّ مُوَافَقَةَ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأْسَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن شِهَاب أَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَنْ اِبْن شِهَاب , وَعَنْهُ فِيهِ إِسْنَاد آخِر أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ زِيَاد بْن سَعْد عَنْ أَنَس \" سَدَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاصِيَته مَا شَاءَ اللَّه , ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ \" وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَد وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ حَمَّاد بْن خَالِد عَنْ مَالِك وَأَخْطَأَ فِيهِ , وَالصَّوَاب عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : الصَّوَاب عَنْ مَالِك فِيهِ عَنْ الزُّهْرِيّ مُرْسَلًا كَمَا فِي الْمُوَطَّأ. ‏ ‏قَوْله : ( يَسْدُل شَعْره ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَكَسْر الدَّال , وَيَجُوز ضَمّهَا , أَيْ يَتْرُك شَعْر نَاصِيَته عَلَى جَبْهَته. قَالَ النَّوَوِيّ : قَالَ الْعُلَمَاء الْمُرَاد إِرْسَاله عَلَى الْجَبِين وَاِتِّخَاذه كَالْقُصَّةِ , أَيْ بِضَمِّ الْقَاف بَعْدهَا مُهْمَلَة. قَوْله : \" ثُمَّ فَرَقَ بَعْد \" بِفَتْحِ الْفَاء وَالرَّاء أَيْ أَلْقَى شَعْر رَأْسه إِلَى جَانِبَيْ رَأْسه فَلَمْ يَتْرُك مِنْهُ شَيْئًا عَلَى جَبْهَته , وَيَفْرُقُونَ بِضَمِّ الرَّاء وَبِكَسْرِهَا وَقَدْ رَوَى اِبْن إِسْحَاق عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" أَنَا فَرَقْت لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسه \" أَيْ شَعْر رَأْسه عَنْ يَافُوخه , وَمِنْ طَرِيقه أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَفِي حَدِيث هِنْد بْن أَبِي هَالَة فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ \" إِنْ اِنْفَرَقَتْ عَقِيقَته - أَيْ شَعْر رَأْسه الَّذِي عَلَى نَاصِيَته - فَرَقَ وَإِلَّا فَلَا يُجَاوِز شَعْره شَحْمَة أُذُنه \" قَالَ اِبْن قُتَيْبَة فِي غَرِيبه : الْعَقِيقَة شَعْر رَأْس الصَّبِيّ قَبْل أَنْ يُحْلَق , وَقَدْ يُطْلَق عَلَيْهِ بَعْد الْحَلْق مَجَازًا. وَقَوْله : \" كَانَ لَا يَفْرُق شَعْره إِلَّا إِذَا اِنْفَرَقَ \" مَحْمُول عَلَى مَا كَانَ أَوَّلًا لِمَا بَيَّنَهُ حَدِيث اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ يُحِبّ مُوَافَقَة أَهْل الْكِتَاب ) ‏ ‏أَيْ حَيْثُ كَانَ عُبَّاد الْأَوْثَان كَثِيرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( فِيمَا لَمْ يُؤْمَر فِيهِ بِشَيْءٍ ) ‏ ‏أَيْ فِيمَا لَمْ يُخَالِف شَرْعه لِأَنَّ أَهْل الْكِتَاب فِي زَمَانه كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِبَقَايَا مِنْ شَرَائِع الرُّسُل فَكَانَتْ مُوَافَقَتهمْ أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ مُوَافَقَة عُبَّاد الْأَوْثَان , فَلَمَّا أَسْلَمَ غَالِب عُبَّاد الْأَوْثَان أَحَبَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ مُخَالَفَة أَهْل الْكِتَاب. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ شَرْع مَنْ قَبْلنَا شَرْع لَنَا مَا لَمْ يَجِيء فِي شَرْعنَا مَا يُخَالِفهُ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ عَبَّرَ بِالْمَحَبَّةِ , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَعَبَّرَ بِالْوُجُوبِ. وَعَلَى التَّسْلِيم فَفِي نَفْس الْحَدِيث أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ آخِرًا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3295",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَيْ اِبْن الْعَاصِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَمْزَة ) ‏ ‏هُوَ السُّكَّرِيّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ سِوَى طَرَفَيْهِ وَقَدْ دَخَلَاهَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْعَاصِ , فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ جَرِير عَنْ الْأَعْمَش بِسَنَدِهِ \" دَخَلْنَا عَلَى عَبْد اللَّه بْن عَمْرو حِين قَدِمَ مَعَ مُعَاوِيَة الْكُوفَة فَذَكَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا ) ‏ ‏أَيْ نَاطِقًا بِالْفُحْشِ , وَهُوَ الزِّيَادَة عَلَى الْحَدّ فِي الْكَلَام السَّيِّئ , وَالْمُتَفَحِّش الْمُتَكَلِّف لِذَلِكَ أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفُحْش خُلُقًا وَلَا مُكْتَسِبًا , وَوَقَعَ عِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي عَبْد اللَّه الْجَدَلِيّ قَالَ \" سَأَلْت عَائِشَة عَنْ خُلُق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا , وَلَا سَخَّابًا فِي الْأَسْوَاق , وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ , وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَح \" وَتَقَدَّمَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مِنْ وَجْه آخَر بِأَتَمّ مِنْ هَذَا السِّيَاق , وَيَأْتِي فِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح , وَقَدْ رَوَى الْمُصَنِّف فِي الْأَدَب مِنْ حَدِيث أَنَس \" لَمْ يَكُنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّابًا وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّانًا , كَانَ يَقُول لِأَحَدِنَا عِنْد الْمَعْتَبَة : مَا لَهُ تَرِبَتْ جَبِينه \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يُوَاجِه أَحَدًا فِي وَجْهه بِشَيْءٍ يَكْرَههُ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَلَغَهُ عَنْ الرَّجُل الشَّيْء لَمْ يَقُلْ : مَا بَال فُلَان يَقُول ؟ وَلَكِنْ يَقُول : مَا بَال أَقْوَام يَقُولُونَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ يَقُول ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" قَالَ : وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ مِنْ خِيَاركُمْ أَحْسَنكُمْ أَخْلَاقًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَحَاسِنكُمْ وَحُسْن الْخَلْق : اِخْتِيَار الْفَضَائِل , وَتَرْك الرَّذَائِل. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" إِنَّمَا بُعِثْت لِأُتَمِّم صَالِح الْأَخْلَاق \" وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" مَكَارِم \" بَدَل \" صَالِح \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ صَفِيَّة بِنْت حُيَيّ قَالَتْ \" مَا رَأَيْت أَحَدًا أَحْسَن خُلُقًا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَعِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" كَانَ خُلُقه الْقُرْآن , يَغْضَب لِغَضَبِهِ وَيَرْضَى لِرِضَاهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3296",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة : ‏ ‏قَوْله : ( بَيْن أَمْرَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ أُمُور الدُّنْيَا , يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله \" مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا \" لِأَنَّ أُمُور الدِّين لَا إِثْم فِيهَا , وَأَبْهَمَ فَاعِل \" خَيْر \" لِيَكُونَ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون مِنْ قِبَل اللَّه أَوْ مِنْ قِبَل الْمَخْلُوقِينَ , ‏ ‏وَقَوْله \" إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرهمَا \" ‏ ‏أَيْ أَسْهَلَهُمَا. ‏ ‏وَقَوْله \" مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا \" ‏ ‏أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ الْأَسْهَل مُقْتَضِيًا لِلْإِثْمِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَخْتَار الْأَشَدّ. وَفِي حَدِيث أَنَس عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَط \" إِلَّا اِخْتَارَ أَيْسَرهمَا مَا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ فِيهِ سَخَط \" وَوُقُوع التَّخْيِير بَيْن مَا فِيهِ إِثْم وَمَا لَا إِثْم فِيهِ مِنْ قِبَل الْمَخْلُوق وَاضِح , وَأَمَّا مِنْ قِبَل اللَّه فَفِيهِ إِشْكَال لِأَنَّ التَّخْيِير إِنَّمَا يَكُون بَيْن جَائِزَيْنِ , لَكِنْ إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى مَا يُفْضِي إِلَى الْإِثْم أَمْكَنَ ذَلِكَ بِأَنْ يُخَيِّرهُ بَيْن أَنْ يَفْتَح عَلَيْهِ مِنْ كُنُوز الْأَرْض مَا يَخْشَى مِنْ الِاشْتِغَال بِهِ أَنْ لَا يَتَفَرَّغ لِلْعِبَادَةِ مَثَلًا وَبَيْن أَنْ لَا يُؤْتِيه مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا الْكَفَاف فَيَخْتَار الْكَفَاف وَإِنْ كَانَتْ السَّعَة أَمْهَلَ مِنْهُ , وَالْإِثْم عَلَى هَذَا أَمْر نِسْبِيّ لَا يُرَاد مِنْهُ مَعْنَى الْخَطِيئَة لِثُبُوتِ الْعِصْمَة لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا اِنْتَقَمَ لِنَفْسِهِ ) ‏ ‏أَيْ خَاصَّة , فَلَا يَرِد أَمْره بِقَتْلِ عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط وَعَبْد اللَّه بْن خَطَل وَغَيْرهمَا مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِيه لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَنْتَهِكُونَ حُرُمَات اللَّه , وَقِيلَ أَرَادَتْ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِم إِذَا أُوذِيَ فِي غَيْر السَّبَب الَّذِي يُخْرِج إِلَى الْكُفْر , كَمَا عَفَا عَنْ الْأَعْرَابِيّ الَّذِي جَفَا فِي رَفْع صَوْته عَلَيْهِ , وَعَنْ الْآخَر الَّذِي جَبَذَ بِرِدَائِهِ حَتَّى أَثَّرَ فِي كَتِفه , وَحَمَلَ الدَّاوُدِيُّ عَدَم الِانْتِقَام عَلَى مَا يَخْتَصّ بِالْمَالِ , قَالَ : وَأَمَّا الْعِرْض فَقَدْ اِقْتَصَّ مِمَّنْ نَالَ مِنْهُ , قَالَ : وَاقْتَصَّ مِمَّنْ لَدَّهُ فِي مَرَضه بَعْد نَهْيه عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ أَمْر بِلَدِّهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ذَلِكَ تَأَوَّلُوا أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ عَادَة الْبَشَرِيَّة مِنْ كَرَاهَة النَّفْس لِلدَّوَاءِ , كَذَا قَالَ , وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِم هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد مُطَوَّلًا وَأَوَّله \" مَا لَعَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْلِمًا بِذِكْرِ - أَيْ بِصَرِيحِ اِسْمه - وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ إِلَّا أَنْ يَضْرِب بِهَا فِي سَبِيل اللَّه , وَلَا سُئِلَ فِي شَيْء قَطُّ فَمَنَعَهُ إِلَّا أَنْ يَسْأَل مَأْثَمًا , وَلَا اِنْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْء إِلَّا أَنْ تُنْتَهَك حُرُمَات اللَّه فَيَكُون لِلَّهِ يَنْتَقِم \" الْحَدِيث. وَهَذَا السِّيَاق سِوَى صَدْر الْحَدِيث عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ بِهِ , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث أَنَس وَفِيهِ \" وَمَا اِنْتَقَمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَك حُرْمَة اللَّه , فَإِنْ اُنْتُهِكَتْ حُرْمَة اللَّه كَانَ أَشَدّ النَّاس غَضَبًا لِلَّهِ \" وَفِي الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى تَرْك الْأَخْذ بِالشَّيْءِ الْعَسِر , وَالِاقْتِنَاع بِالْيُسْرِ , وَتَرْك الْإِلْحَاح فِيمَا لَا يُضْطَرّ إِلَيْهِ. وَيُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ النَّدْب إِلَى الْأَخْذ بِالرُّخَصِ مَا لَمْ يَظْهَر الْخَطَأ , وَالْحَثّ عَلَى الْعَفْو إِلَّا فِي حُقُوق اللَّه تَعَالَى , وَالنَّدْب إِلَى الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , وَمَحَلّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى مَا هُوَ أَشَدّ مِنْهُ. وَفِيهِ تَرْك الْحُكْم لِلنَّفْسِ وَإِنْ كَانَ الْحَاكِم مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُؤْمَن مِنْهُ الْحَيْف عَلَى الْمَحْكُوم عَلَيْهِ , لَكِنْ لِحَسْمِ الْمَادَّة وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3297",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا مَسِسْتُ حَرِيرًا وَلَا ‏ ‏دِيبَاجًا ‏ ‏أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا شَمِمْتُ رِيحًا قَطُّ أَوْ ‏ ‏عَرْفًا ‏ ‏قَطُّ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ أَوْ ‏ ‏عَرْفِ ‏ ‏النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم بِمَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ ثَابِت عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا مَسِسْت ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مَكْسُورَة وَيَجُوز فَتْحهَا وَالثَّانِيَة سَاكِنَة , وَكَذَا الْقَوْل فِي مِيم شَمِمْت. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا دِيبَاجًا ) ‏ ‏هُوَ مِنْ عَطْف الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ , لِأَنَّ الدِّيبَاج نَوْع مِنْ الْحَرِير , وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَحُكِيَ فَتْحهَا , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الْفَتْح مُوَلَّد أَيْ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَلْيَن مِنْ كَفّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏قِيلَ هَذَا يُخَالِف مَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس الْآتِي فِي كِتَاب اللِّبَاس \" أَنَّهُ كَانَ ضَخْم الْيَدَيْنِ \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" وَالْقَدَمَيْنِ \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" شَثْن الْقَدَمَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ \" وَفِي حَدِيث هِنْد بْن أَبِي هَالَة الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ \" كَانَ شَثْن الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ \" أَيْ غَلِيظهمَا فِي خُشُونَة وَهَكَذَا وَصَفَهُ عَلِيّ مِنْ عِدَّة طُرُق عَنْهُ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَابْن أَبِي خَيْثَمَةَ وَغَيْرهمْ , وَكَذَا فِي صِفَة عَائِشَة لَهُ عِنْد اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ , وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ الْمُرَاد اللِّين فِي الْجِلْد وَالْغِلَظ فِي الْعِظَام فَيَجْتَمِع لَهُ نُعُومَة الْبَدَن وَقُوَّته , أَوْ حَيْثُ وُصِفَ بِاللِّينِ وَاللَّطَافَة حَيْثُ لَا يَعْمَل بِهِمَا شَيْئًا كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَصْل الْخِلْقَة , وَحَيْثُ وُصِفَ بِالْغِلَظِ وَالْخُشُونَة فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اِمْتِهَانهمَا بِالْعَمَلِ , فَإِنَّهُ يَتَعَاطَى كَثِيرًا مِنْ أُمُوره بِنَفْسِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي حَدِيث مُعَاذ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَزَّار \" أَرْدَفَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفه فِي سَفَر , فَمَا مَسِسْت شَيْئًا قَطّ أَلْيَن مِنْ جِلْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ عَرْفًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا فَاء , وَهُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله بَعْد \" أَطْيَب مِنْ رِيح أَوْ عَرْف \" وَالْعَرْف الرِّيح الطَّيِّب. وَوَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات بِفَتْحِ الرَّاء وَالْقَاف , وَ \" أَوْ \" عَلَى هَذَا لِلتَّنْوِيعِ وَالْأَوَّل هُوَ الْمَعْرُوف , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصِّيَام مِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" مِسْكَة وَلَا عَنْبَرَة أَطْيَب رَائِحَة مِنْ رِيح رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَقَوْله \" عَنْبَرَة \" ضُبِطَ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا بِسُكُونِ النُّون بَعْدهَا مُوَحَّدَة , وَالْآخَر بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة , وَالْأَوَّل مَعْرُوف , وَالثَّانِي طِيب مَعْمُول مِنْ أَخْلَاط يَجْمَعهَا الزَّعْفَرَان , وَقِيلَ هُوَ الزَّعْفَرَان نَفْسه. وَوَقَعَ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ \" وَلَا شَمَمْت مِسْكًا وَلَا عَنْبَرًا وَلَا عَبِيرًا \" ذَكَرَهُمَا جَمِيعًا وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ هَذَا فِي الْحَدِيث الْعَاشِر. وَقَوْله \" مِنْ رِيح أَوْ عَرْف \" بِخَفْضِ رِيح بِغَيْرِ تَنْوِين لِأَنَّهُ فِي حُكْم الْمُضَاف كَقَوْلِ الشَّاعِر ‏ ‏بَيْن ذِرَاعَيْ وَجَبْهَة الْأَسَد ‏ ‏وَوَقَعَ فِي أَوَّل الْحَدِيث عِنْد مُسْلِم \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْهَر اللَّوْن , كَأَنَّ عَرَقه اللُّؤْلُؤ , إِذَا مَشَى يَتَكَفَّأ , وَمَا مَسِسْت إِلَخْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3298",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي ‏ ‏خِدْرِهَا ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَابْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏مِثْلَهُ وَإِذَا كَرِهَ شَيْئًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبُو سَعِيد أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ : ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي عُتْبَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة بَعْدهَا مُوَحَّدَة , وَهُوَ مَوْلَى أَنَس , وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ عَنْ قَتَادَةَ. وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ \" عَنْ أَبِي السَّوَّار الْعَدَوِيِّ عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ بِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَشَدّ حَيَاء مِنْ الْعَذْرَاء ) ‏ ‏أَيْ الْبِكْر , ‏ ‏وَقَوْله \" فِي خِدْرهَا \" ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة أَيْ فِي سِتْرهَا , وَهُوَ مِنْ بَاب التَّتْمِيم , لِأَنَّ الْعَذْرَاء فِي الْخَلْوَة يَشْتَدّ حَيَاؤُهَا أَكْثَر مِمَّا تَكُون خَارِجَة عَنْهُ , لِكَوْنِ الْخَلْوَة مَظِنَّة وُقُوع الْفِعْل بِهَا , فَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد تَقْيِيده بِمَا إِذَا دُخِلَ عَلَيْهَا فِي خِدْرهَا لَا حَيْثُ تَكُون مُنْفَرِدَة فِيهِ , وَمَحَلّ وُجُود الْحَيَاء مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْر حُدُود اللَّه , وَلِهَذَا قَالَ لِلَّذِي اِعْتَرَفَ بِالزِّنَا أَنِكْتَهَا لَا يُكَنِّي كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي الْحُدُود. وَأَخْرَجَ الْبَزَّار هَذَا الْحَدِيث مِنْ حَدِيث أَنَس وَزَادَ فِي آخِره \" وَكَانَ يَقُول الْحَيَاء خَيْر كُلّه \" وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِل مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات , وَمَا رَأَى أَحَد عَوْرَته قَطّ , وَإِسْنَاده حَسَن. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا يَحْيَى وَابْن مَهْدِيّ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَة مِثْله ) ‏ ‏يَعْنِي سَنَدًا وَمَتْنًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي مُوسَى مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ بِسَنَدِهِ وَقَالَ فِيهِ \" سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن أَبِي عُتْبَة يَقُول سَمِعْت أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيَّ يَقُول \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن سِنَان الْقَطَّانِ قَالَ \" قُلْت لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ : يَا أَبَا سَعِيد أَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدّ حَيَاء مِنْ الْعَذْرَاء فِي خِدْرهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ عَنْ مِثْل هَذَا فَسَلْ يَا شُعْبَة \" فَذَكَرَهُ بِتَمَامِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا كَرِهَ شَيْئًا عُرِفَ فِي وَجْهه ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ اِبْن بَشَّار زَادَ هَذَا عَلَى رِوَايَة مُسَدَّد , وَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَحْده , وَأَنْ يَكُون فِي رِوَايَة يَحْيَى أَيْضًا وَلَمْ يَقَع لِمُسَدَّدٍ وَالْأَوَّل الْمُعْتَمَد فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة الْمُقَدَّمِيّ وَأَبِي خَيْثَمَةَ وَابْن خَلَّاد عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد وَلَيْسَ فِيهِ الزِّيَادَة , وَأَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي مُوسَى عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ فَذَكَرَهَا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ زُهَيْر بْن حَرْب وَأَبِي مُوسَى مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَأَحْمَد بْن سِنَان الْقَطَّانِ كُلّهمْ عَنْ اِبْن مَهْدِيّ , وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيث مُعَاذ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ حَدِيث عَلِيّ بْن الْجَعْد كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَة كَذَلِكَ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ شُعْبَة كَذَلِكَ , وَقَوْله \" عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهه , إِشَارَة إِلَى تَصْحِيح مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوَاجِه أَحَدًا بِمَا يَكْرَههُ بَلْ يَتَغَيَّر وَجْهه فَيَفْهَم أَصْحَابه كَرَاهِيَته لِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3299",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا عَابَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَعَامًا قَطُّ إِنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ الْأَشْجَعِيّ , وَاسْمه سَلْمَان , وَلَيْسَ هُوَ أَبَا حَازِم سَلَمَة بْن دِينَار صَاحِب سَهْل بْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( مَا عَابَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" مَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَابَ طَعَامًا قَطُّ \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى الطَّعَام الْمُبَاح مَا سَيَأْتِي تَقْرِير ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَطْعِمَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3300",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَسْدِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى نَرَى إِبْطَيْهِ ‏ ‏قَالَ وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَكْرٌ ‏ ‏بَيَاضَ إِبْطَيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مَالِك اِبْن بُحَيْنَة , هُوَ بِتَنْوِينِ مَالِك وَإِعْرَاب اِبْن بُحَيْنَة إِعْرَاب بْن مَالِك لِأَنَّ مَالِكًا أَبُوهُ وَبُحَيْنَة أُمّه. ‏ ‏قَوْله : ( الْأَسْدِيّ ) ‏ ‏هُوَ بِسُكُونِ الْمُهْمَلَة , وَيُقَال فِيهِ الْأَزْدِيّ بِسُكُونِ الزَّاي , وَهَذَا مَشْهُور فِي هَذِهِ النِّسْبَة يُقَال بِالزَّايِ وَبِالسِّينِ , وَغَفَلَ الدَّاوُدِيُّ فَقَرَأَهُ بِفَتْحِ السِّين ثُمَّ أَنْكَرَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الصَّلَاة , ‏ ‏وَكَذَا قَوْله : \" قَالَ اِبْن بُكَيْر \" ‏ ‏أَيْ يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن بُكَيْر ‏ ‏( حَدَّثَنَا بَكْر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُضَر بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( بَيَاض إِبْطَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ يَحْيَى , زَادَ لَفْظ \" بَيَاض \" لِأَنَّ فِي رِوَايَة قُتَيْبَة \" حَتَّى يَرَى إِبْطَيْهِ \" وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِوَصْفِ إِبْطَيْهِ بِالْبَيَاضِ فَقِيلَ : لَمْ يَكُنْ تَحْتهمَا شَعْر فَكَانَا كَلَوْنِ جَسَده , ثُمَّ قِيلَ لَمْ يَكُنْ تَحْت إِبْطَيْهِ شَعْر الْبَتَّة , وَقِيلَ كَانَ لِدَوَامِ تَعَهُّده لَهُ لَا يَبْقَى فِيهِ شَعْر , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي حَدِيث \" حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَة إِبْطَيْهِ \" وَلَا تَنَافِيَ بَيْنهمَا لِأَنَّ الْأَعْفَر مَا بَيَاضه لَيْسَ بِالنَّاصِعِ , وَهَذَا شَأْن الْمَغَابِن يَكُون لَوْنهَا فِي الْبَيَاض دُون لَوْن بَقِيَّة الْجَسَد. ‏"
    },
    {
        "id": "3301",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُمْ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي ‏ ‏الِاسْتِسْقَاءِ فَإِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏دَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَفَعَ يَدَيْهِ ‏ ‏وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي رَفْع الْيَدَيْنِ فِي الِاسْتِسْقَاء , تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعه مَشْرُوحًا , وَالْغَرَض مِنْهُ ذِكْر إِبْطَيْهِ , وَالْمُرَاد بِالْحَصْرِ فِيهِ الرَّفْع عَلَى هَيْئَة مَخْصُوصَة لَا أَصْل الرَّفْع فَإِنَّهُ ثَابِت عَنْهُ كَمَا فِي الْخَبَر الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "3302",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَوْنَ بْنَ أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏ذَكَرَ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دُفِعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏بِالْأَبْطَحِ ‏ ‏فِي قُبَّةٍ كَانَ بِالْهَاجِرَةِ خَرَجَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏فَنَادَى بِالصَّلَاةِ ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَ فَضْلَ وَضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَقَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ يَأْخُذُونَ مِنْهُ ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَ الْعَنَزَةَ وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ‏ ‏وَبِيصِ ‏ ‏سَاقَيْهِ فَرَكَزَ الْعَنَزَةَ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى , ذَكَرَ مِنْهُ طَرَفًا مُعَلَّقًا , هُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي الْمَنَاقِب فِي تَرْجَمَة أَبِي عَامِر الْأَشْعَرِيّ , وَقَدْ عَلَّقَ طَرَفًا مِنْهُ فِي الْوُضُوء أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الصَّبَّاح ) ‏ ‏هُوَ الْبَزَّار الَّذِي أَخْرَجَ عَنْهُ الْحَدِيث الَّذِي بَعْده , وَقِيلَ بَلْ هَذَا هُوَ الزَّعْفَرَانِيّ نَسَبه إِلَى جَدّه لِأَنَّهُ الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن الصَّبَّاح. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت عَوْن بْن أَبِي جُحَيْفَةَ ذَكَرَ عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ عَوْن \" سَمِعْت أَبِي \" كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( دُفِعْت ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله أَيْ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِ عَنْ غَيْر قَصْد , وَالْأَبْطَح هُوَ الَّذِي خَارِج مَكَّة يَنْزِل فِيهِ الْحَاجّ إِذَا رَجَعَ مِنْ مِنَى. ‏ ‏وَقَوْله ( وَكَانَ بِالْهَاجِرَةِ ) ‏ ‏اِسْتِئْنَاف أَوْ حَال , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر فِي هَذَا الْبَاب وَهُوَ الْحَدِيث الْعَاشِر , وَالْمُرَاد مِنْهُ ‏ ‏قَوْله \" كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى وَبِيص سَاقَيْهِ \" ‏ ‏وَالْوَبِيص بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَة الْبَرِيق وَزْنًا وَمَعْنًى. ‏"
    },
    {
        "id": "3303",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ الْبَّزَّارُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏أَلَا يُعْجِبُكَ ‏ ‏أَبُو فُلَانٍ ‏ ‏جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ حُجْرَتِي يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُسْمِعُنِي ذَلِكَ وَكُنْتُ أُسَبِّحُ فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة : ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الصَّبَّاح الْبَزَّار ) ‏ ‏بِتَقْدِيمِ الزَّاي عَلَى الرَّاء , وَهُوَ وَاسِطِيّ سَكَنَ بَغْدَاد , وَكَانَ مِنْ أَئِمَّة الْحَدِيث. ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ فَإِنَّ الْحَسَن بْن الصَّبَّاح مَا لَحِقَ الثَّوْرِيّ , وَالثَّوْرِيُّ لَا يَرْوِي عَنْ الزُّهْرِيّ إِلَّا بِوَاسِطَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ عَدَّهُ الْعَادّ لَأَحْصَاهُ ) ‏ ‏أَيْ لَوْ عَدَّ كَلِمَاته أَوْ مُفْرَدَاته أَوْ حُرُوفه لَأَطَاقَ ذَلِكَ وَبَلَغَ آخِرهَا , وَالْمُرَاد بِذَلِكَ الْمُبَالَغَة فِي التَّرْتِيل وَالتَّفْهِيم , هَذَا الْحَدِيث هُوَ الْحَدِيث الَّذِي بَعْده , اِخْتَلَفَ الرُّوَاة فِي سِيَاقه بَسْطًا وَاخْتِصَارًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي يُونُس ) ‏ ‏وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اللَّيْث. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا يُعْجِبك ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَإِسْكَان ثَانِيه مِنْ الْإِعْجَاب وَبِفَتْحِ ثَانِيه وَالتَّشْدِيد مِنْ التَّعْجِيب. ‏ ‏قَوْله : ( أَبَا فُلَان ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , قَالَ عِيَاض : هُوَ مُنَادَى بِكُنْيَتِهِ. قُلْت وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَأَذْكُرُهُ , وَإِنَّمَا خَاطَبَتْ عَائِشَة عُرْوَة بِقَوْلِهَا \" أَلَا يُعْجِبك \" وَذَكَرَتْ لَهُ الْمُتَعَجَّب مِنْهُ فَقَالَتْ \" أَبَا فُلَان \" وَحَقّ السِّيَاق أَنْ تَقُول أَبُو فُلَان بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِل , لَكِنَّهُ جَاءَ هَكَذَا عَلَى اللُّغَة الْقَلِيلَة ثُمَّ حَكَتْ وَجْه التَّعَجُّب فَقَالَتْ \" جَاءَ فَجَلَسَ إِلَخْ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِي وَكَرِيمَة \" أَبُو فُلَان \" وَلَا إِشْكَال فِيهَا. وَتَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَة مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ هُوَ أَبُو هُرَيْرَة , فَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ هَارُون بْن مَعْرُوف وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّد بْن مَنْصُور الطُّوسِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَان , لَكِنْ قَالَ \" هَارُون عَنْ سُفْيَان عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة \" وَقَالَ الطُّوسِيُّ \" عَنْ سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ سُفْيَان عَنْ هِشَام عَنْ أَبِي يَعْلَى وَعَنْ أَبِي مَعْمَر عَنْ سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق الْقَعْنَبِيّ عَنْ سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ , فَكَأَنَّ لِسُفْيَان فِيهِ شَيْخَيْنِ , وَفِي رِوَايَة الْجَمِيع أَنَّهُ أَبُو هُرَيْرَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَلَا يُعْجِبك أَبُو هُرَيْرَة , جَاءَ فَجَلَسَ \" وَلِأَحْمَد وَمُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَلَا أُعْجِبُكَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَوَقَعَ لِلْقَابِسِيِّ بِفَتْحِ الْهَمْزَة بَعْدهَا مُثَنَّاة مَفْتُوحَة فِعْل مَاضٍ مِنْ الْإِتْيَان , وَفُلَان بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِين وَهُوَ تَصْحِيف لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ مِنْ الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَنَّهُ بِصِيغَةِ الْكُنْيَة لَا بِلَفْظِ الِاسْم الْمُجَرَّد عَنْهَا , وَالْعَجَب أَنَّ الْقَابِسِيّ أَنْكَرَ عَيْن رِوَايَته , وَقَالَ عِيَاض : هِيَ الصَّوَاب لَوْلَا قَوْله بَعْده \" جَاءَ \". قُلْت : لِأَنَّهُ يَصِير تَكْرَارًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَكُنْت أُسَبِّح ) ‏ ‏أَيْ أُصَلِّي نَافِلَة , أَوْ عَلَى ظَاهِره أَيْ أَذْكُر اللَّه , وَالْأَوَّل أَوْجَه. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَوْ أَدْرَكْته لَرَدَدْت عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ لَأَنْكَرْت عَلَيْهِ وَبَيَّنْت لَهُ أَنَّ التَّرْتِيل فِي التَّحْدِيث أَوْلَى مِنْ السَّرْد. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَكُنْ يَسْرُد الْحَدِيث كَسَرْدِكُمْ ) ‏ ‏أَيْ يُتَابِع الْحَدِيث اِسْتِعْجَالًا بَعْضه إِثْر بَعْض لِئَلَّا يَلْتَبِس عَلَى الْمُسْتَمِع. زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة بْن الْمُبَارَك عَنْ يُونُس \" إِنَّمَا كَانَ حَدِيث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصْلًا , فَهْمًا تَفْهَمهُ الْقُلُوب \" وَاعْتَذَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِأَنَّهُ كَانَ وَاسِع الرِّوَايَة كَثِير الْمَحْفُوظ , فَكَانَ لَا يَتَمَكَّن مِنْ الْمَهْل عِنْد إِرَادَة التَّحْدِيث كَمَا قَالَ بَعْض الْبُلَغَاء : أُرِيدَ أَنْ أَقْتَصِر فَتَتَزَاحَم الْقَوَافِي عَلَى فِيَّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3304",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي رَمَضَانَ قَالَتْ مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ‏ ‏يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ ‏ ‏يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ ‏ ‏يُصَلِّي ثَلَاثًا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ قَالَ ‏ ‏تَنَامُ عَيْنِي وَلَا يَنَامُ قَلْبِي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3305",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يُحَدِّثُنَا عَنْ ‏ ‏لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ ‏ ‏جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ ‏ ‏وَهُوَ نَائِمٌ فِي ‏ ‏مَسْجِدِ الْحَرَامِ ‏ ‏فَقَالَ أَوَّلُهُمْ أَيُّهُمْ هُوَ فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ هُوَ خَيْرُهُمْ وَقَالَ آخِرُهُمْ خُذُوا خَيْرَهُمْ ‏ ‏فَكَانَتْ تِلْكَ فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى جَاءُوا لَيْلَةً أُخْرَى ‏ ‏فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ ‏ ‏وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَائِمَةٌ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ فَتَوَلَّاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَخِي ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْر عَبْد الْحَمِيد , وَسُلَيْمَان هُوَ اِبْن بِلَال. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَهُ ثَلَاثَة نَفَر ) ‏ ‏هُمْ مَلَائِكَة , وَلَمْ أَتَحَقَّق أَسْمَاءَهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَوَّلهمْ أَيّهمْ ) ‏ ‏هُوَ مُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ نَائِمًا بَيْن اِثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَر , وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ كَانَ نَائِمًا بَيْن عَمّه حَمْزَة وَابْن عَمّه جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَتْ تِلْكَ ) ‏ ‏أَيْ الْقِصَّة أَيْ لَمْ يَقَع فِي تِلْكَ اللَّيْلَة غَيْر مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَلَام. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى جَاءُوا إِلَيْهِ لَيْلَة أُخْرَى ) ‏ ‏أَيْ بَعْد ذَلِكَ , وَمِنْ هُنَا يَحْصُل رَفْع الْإِشْكَال فِي قَوْله \" قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ \" مَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي مَكَانه. ‏ ‏قَوْله : ( فِيمَا يَرَى قَلْبه وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمَة عَيْنَاهُ وَلَا يَنَام قَلْبه وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاء تَنَام أَعْيُنهمْ وَلَا تَنَام قُلُوبهمْ ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ مِثْل هَذَا مِنْ قَوْل عُبَيْد بْن عُمَيْر فِي أَوَائِل الطَّهَارَة , وَمِثْله لَا يُقَال مِنْ قِبَل الرَّأْي , وَهُوَ ظَاهِر فِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُمَّةِ , وَزَعَمَ الْقُضَاعِيّ أَنَّهُ مِمَّا اِخْتَصَّ بِهِ عَنْ الْأَنْبِيَاء أَيْضًا , وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ يَرُدَّانِ عَلَيْهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي التَّيَمُّم فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث عِمْرَان فِي قِصَّة الْمَرْأَة صَاحِبَة الْمَزَادَتَيْنِ مَا يَتَعَلَّق بِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ تَنَام عَيْنَاهُ وَلَا يَنَام قَلْبه , فَلْيُرَاجِعْ مِنْهُ مَنْ أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3306",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا رَجَاءٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ‏ ‏أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَسِيرٍ ‏ ‏فَأَدْلَجُوا ‏ ‏لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ وَجْهُ الصُّبْحِ ‏ ‏عَرَّسُوا ‏ ‏فَغَلَبَتْهُمْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَكَانَ لَا يُوقَظُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ مَنَامِهِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ فَاسْتَيْقَظَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَعَدَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عِنْدَ رَأْسِهِ فَجَعَلَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ حَتَّى اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَزَلَ وَصَلَّى بِنَا الْغَدَاةَ فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ يَا فُلَانُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَنَا قَالَ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ ثُمَّ صَلَّى وَجَعَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي رَكُوبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَدْ عَطِشْنَا عَطَشًا شَدِيدًا فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ إِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ ‏ ‏سَادِلَةٍ ‏ ‏رِجْلَيْهَا بَيْنَ ‏ ‏مَزَادَتَيْنِ ‏ ‏فَقُلْنَا لَهَا أَيْنَ الْمَاءُ فَقَالَتْ إِنَّهُ لَا مَاءَ فَقُلْنَا كَمْ بَيْنَ أَهْلِكِ وَبَيْنَ الْمَاءِ قَالَتْ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَقُلْنَا انْطَلِقِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ وَمَا رَسُولُ اللَّهِ فَلَمْ نُمَلِّكْهَا مِنْ أَمْرِهَا حَتَّى اسْتَقْبَلْنَا بِهَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَحَدَّثَتْهُ بِمِثْلِ الَّذِي حَدَّثَتْنَا غَيْرَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا ‏ ‏مُؤْتِمَةٌ ‏ ‏فَأَمَرَ ‏ ‏بِمَزَادَتَيْهَا ‏ ‏فَمَسَحَ فِي ‏ ‏الْعَزْلَاوَيْنِ ‏ ‏فَشَرِبْنَا عِطَاشًا أَرْبَعِينَ رَجُلًا حَتَّى رَوِينَا فَمَلَأْنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا وَإِدَاوَةٍ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا وَهِيَ تَكَادُ ‏ ‏تَنِضُّ ‏ ‏مِنْ الْمِلْءِ ثُمَّ قَالَ هَاتُوا مَا عِنْدَكُمْ فَجُمِعَ لَهَا مِنْ الْكِسَرِ وَالتَّمْرِ حَتَّى أَتَتْ أَهْلَهَا قَالَتْ لَقِيتُ أَسْحَرَ النَّاسِ أَوْ هُوَ نَبِيٌّ كَمَا زَعَمُوا فَهَدَى اللَّهُ ذَاكَ ‏ ‏الصِّرْمَ ‏ ‏بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَأَسْلَمَتْ وَأَسْلَمُوا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ فِي قِصَّة الْمَرْأَة صَاحِبَة الْمَزَادَتَيْنِ , وَالْمُعْجِزَة فِيهَا تَكْثِير الْمَاء الْقَلِيل بِبَرَكَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَاب التَّيَمُّم , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة : \" إِيه \" بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة , وَفِي بَعْض النُّسَخ \" إِيهًا \" بِالتَّنْوِينِ مَعَ الْفَتْح , وَحَكَى الْجَوْهَرِيّ جَوَاز فَتْح الْهَمْزَة فِي هَذِهِ. ‏ ‏وَقَوْله : ( مُؤْتِمَة ) ‏ ‏أَيْ ذَات أَيْتَام. ‏ ‏وَقَوْله : ( فَمَسَحَ بِالْعَزْلَاوَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فِي الْعَزْلَاوَيْنِ \" وَهُمَا تَثْنِيَة عَزْلَاء بِسُكُونِ الزَّاي وَبِالْمَدِّ وَهُوَ فَم الْقِرْبَة وَالْجَمْع عَزَالِي بِكَسْرِ اللَّام الْخَفِيفَة , وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَشَرِبْنَا عِطَاشًا أَرْبَعُونَ رَجُلًا ) ‏ ‏أَيْ وَنَحْنُ حِينَئِذٍ أَرْبَعُونَ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَرْبَعِينَ \" بِالنَّصْبِ وَتَوْجِيههَا ظَاهِر. ‏ ‏وَقَوْله : وَ \" هِيَ تَكَاد تَبِضّ \" ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُعْجَمَة ثَقِيلَة أَيْ تَسِيل , وَحَكَى عِيَاض عَنْ بَعْض الرُّوَاة بِالصَّادِ الْمُهْمَلَة مِنْ الْبَصِيص وَهُوَ اللَّمَعَان , وَمَعْنَاهُ مُسْتَبْعَد هُنَا , فِي نَفْس الْحَدِيث \" تَكَاد تَبُضُّ مِنْ الْمِلْء \" بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا هَمْزَة , فَكَوْنهَا تَكَاد تَسِيل مِنْ الْمِلْء ظَاهِر , وَأَمَّا كَوْنهَا تَلْمَع مِنْ الْمِلْء فَبَعِيد. وَقَالَ اِبْن التِّين : مَعْنَى قَوْله : \" تَبُضُّ \" بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ تُشَقّ , يُقَال بَضَّ الْمَاء مِنْ الْعَيْن إِذَا نَبَعَ , وَكَذَا بَضَّ الْعَرَق , قَالَ : وَفِيهِ رِوَايَات أُخْرَى : رُوِيَ \" تَنِضّ \" بِنُونِ وَضَاد مُعْجَمَة , وَرُوِيَ \" تَيْصَر \" بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة وَصَاد مُهْمَلَة ثُمَّ رَاء. قَالَ وَذَكَرَ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن أَنَّ مَعْنَاهُ تَنْشَقّ , قَالَ وَمِنْهُ صَيْر الْبَاب أَيْ شَقّ الْبَاب , وَرَدَّهُ اِبْن التِّين بِأَنْ صَيَّرَ عَيْنه حَرْف عِلَّة فَكَانَ يَلْزَم أَنْ يَقُول تَصَوَّرَ , وَلَيْسَ هَذَا فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات. وَرَأَيْت فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" تَنْصَب \" بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَسُكُون النُّون وَفَتْح الصَّاد الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة , فَتُوَافِق الرِّوَايَة الْأُولَى لِأَنَّهَا بِمَعْنَى تَسِيل. ‏"
    },
    {
        "id": "3307",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِإِنَاءٍ وَهُوَ ‏ ‏بِالزَّوْرَاءِ ‏ ‏فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ‏ ‏فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ قَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِأَنَسٍ ‏ ‏كَمْ كُنْتُمْ قَالَ ثَلَاثَ مِائَةٍ أَوْ زُهَاءَ ثَلَاثِ مِائَةٍ ‏",
        "sharh": "عَنْ أَنَس فِي نَبْع الْمَاء مِنْ بَيْن أَصَابِعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْرَدَهُ مِنْ أَرْبَعَة طُرُق : مِنْ رِوَايَة قَتَادَةَ وَإِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَحُمَيْد , وَتَقَدَّمَ عِنْده فِي الطَّهَارَة مِنْ رِوَايَة ثَابِت كُلّهمْ عَنْ أَنَس وَعِنْد بَعْضهمْ مَا لَيْسَ عِنْد بَعْض , وَظَهَرَ لِي مِنْ مَجْمُوع الرِّوَايَات أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ فِي مَوْطِنَيْنِ لِلتَّغَايُرِ فِي عَدَد مَنْ حَضَرَ , وَهِيَ مُغَايَرَة وَاضِحَة يَبْعُد الْجَمْع فِيهَا , وَكَذَلِكَ تَعْيِين الْمَكَان الَّذِي وَقَعَ ذَلِكَ فِيهِ ; لِأَنَّ ظَاهِر رِوَايَة الْحَسَن أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَفَر , بِخِلَافِ رِوَايَة قَتَادَةَ فَإِنَّهَا ظَاهِرَة فِي أَنَّهَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ , وَسَيَأْتِي فِي غَيْر حَدِيث أَنَس أَنَّهَا كَانَتْ فِي مَوَاطِن أُخَر. قَالَ عِيَاض : هَذِهِ الْقِصَّة رَوَاهَا الثِّقَات مِنْ الْعَدَد الْكَثِير عَنْ الْجَمّ الْغَفِير عَنْ الْكَافَّة مُتَّصِلَة بِالصَّحَابَةِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَوَاطِن اِجْتِمَاع الْكَثِير مِنْهُمْ فِي الْمَحَافِل وَمَجْمَع الْعَسَاكِر , وَلَمْ يَرِد عَنْ أَحَد مِنْهُمْ إِنْكَار عَلَى رَاوِي ذَلِكَ , فَهَذَا النَّوْع مُلْحَق بِالْقَطْعِيِّ مِنْ مُعْجِزَاته. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَضِيَّة نَبْع الْمَاء مِنْ بَيْن أَصَابِعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ فِي عِدَّة مَوَاطِن فِي مَشَاهِد عَظِيمَة , وَوَرَدَتْ مِنْ طُرُق كَثِيرَة يُفِيد مَجْمُوعهَا الْعِلْم الْقَطْعِيّ الْمُسْتَفَاد مِنْ التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ. قُلْت : أَخَذَ كَلَام عِيَاض وَتَصَرَّفَ فِيهِ , قَالَ : وَلَمْ يُسْمَع بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعْجِزَة عَنْ غَيْر نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَحَدِيث نَبْع الْمَاء جَاءَ مِنْ رِوَايَة أَنَس عِنْد الشَّيْخَيْنِ وَأَحْمَد وَغَيْرهمْ مِنْ خَمْسَة طُرُق , وَعَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه مِنْ أَرْبَعَة طُرُق , وَعَنْ اِبْن مَسْعُود عِنْد الْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقَيْنِ , وَعَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى وَالِد عَبْد الرَّحْمَن عِنْد الطَّبَرَانِيِّ , فَعَدَد هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة لَيْسَ كَمَا يُفْهَم مِنْ إِطْلَاقهمَا , وَأَمَّا تَكْثِير الْمَاء يَلْمِسهُ بِيَدٍ أَوْ يَتْفُل فِيهِ أَوْ يَأْمُر بِوَضْعِ شَيْء فِيهِ كَسَهْمٍ مِنْ كِنَانَته فَجَاءَ فِي حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَعَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب عِنْد الْبُخَارِيّ وَأَحْمَد مِنْ طَرِيقَيْنِ , وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ عِنْد مُسْلِم , وَعَنْ أَنَس عِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِل \" , وَعَنْ زِيَاد بْن الْحَارِث الصُّدَائِيّ عِنْده , وَعَنْ حِبَّانَ بْن بُحّ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الْمُهْمَلَة الصُّدَائِيّ أَيْضًا , فَإِذَا ضُمَّ هَذَا إِلَى هَذَا بَلَغَ الْكَثْرَة الْمَذْكُورَة أَوْ قَارَبَهَا. وَأَمَّا مَنْ رَوَاهَا مِنْ أَهْل الْقَرْن الثَّانِي فَهُمْ أَكْثَر عَدَدًا , وَإِنْ كَانَ شَطْر طُرُقه أَفْرَادًا. وَفِي الْجُمْلَة يُسْتَفَاد مِنْهَا الرَّدّ عَلَى اِبْن بَطَّال حَيْثُ قَالَ : هَذَا الْحَدِيث شَهِدَهُ جَمَاعَة كَثِيرَة مِنْ الصَّحَابَة إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ طَرِيق أَنَس , وَذَلِكَ لِطُولِ عُمْره وَتَطَلُّب النَّاس الْعُلُوّ فِي السَّنَد اِنْتَهَى. وَهُوَ يُنَادِي عَلَيْهِ بِقِلَّةِ الِاطِّلَاع وَالِاسْتِحْضَار لِأَحَادِيث الْكِتَاب الَّذِي شَرَحَهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَلَمْ يُسْمَع بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعْجِزَة عَنْ غَيْر نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ نَبَعَ الْمَاء مِنْ بَيْن عَظْمه وَعَصَبه وَلَحْمه وَدَمه , وَقَدْ نَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ : \" نَبَعَ الْمَاء مِنْ بَيْن أَصَابِعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْلَغ فِي الْمُعْجِزَة مِنْ نَبْع الْمَاء مِنْ الْحَجَر حَيْثُ ضَرَبَهُ مُوسَى بِالْعَصَا فَتَفَجَّرَتْ مِنْهُ الْمِيَاه , لِأَنَّ خُرُوج الْمَاء مِنْ الْحِجَارَة مَعْهُود , بِخِلَافِ خُرُوج الْمَاء مِنْ بَيْن اللَّحْم وَالدَّم \" اِنْتَهَى. وَظَاهِر كَلَامه أَنَّ الْمَاء نَبَعَ مِنْ نَفْس اللَّحْم الْكَائِن فِي الْأَصَابِع , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي حَدِيث جَابِر الْآتِي \" فَرَأَيْت الْمَاء يَخْرُج مِنْ بَيْن أَصَابِعه \" وَأَوْضَح مِنْهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" فَجَاءُوا بِشَنٍّ فَوَضَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَده عَلَيْهِ ثُمَّ فَرَّقَ أَصَابِعه فَنَبَعَ الْمَاء مِنْ أَصَابِع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْل عَصَا مُوسَى , فَإِنَّ الْمَاء تَفَجَّرَ مِنْ نَفْس الْعَصَا فَتَمَسُّكه بِهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَاء تَفَجَّرَ مِنْ بَيْن أَصَابِعه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ الْمَاء كَانَ يَنْبُع مِنْ بَيْن أَصَابِعه بِالنِّسْبَةِ إِلَى رُؤْيَة الرَّائِي , وَهُوَ فِي نَفْس الْأَمْر لِلْبَرَكَةِ الْحَاصِلَة فِيهِ يَفُور وَيَكْثُر وَكَفّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَاء , فَرَآهُ الرَّائِي نَابِعًا مِنْ بَيْن أَصَابِعه , وَالْأَوَّل أَبْلَغ فِي الْمُعْجِزَة , وَلَيْسَ فِي الْأَخْبَار مَا يَرُدّهُ وَهُوَ أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏لَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَة قَتَادَةَ إِلَّا مُعَنْعَنًا , لَكِنْ بَقِيَّة الْخَبَر تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَنَس لِقَوْلِهِ : \" قُلْت كَمْ كُنْتُمْ \" لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم عَنْ سَعِيد فَقَالَ : \" عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَن عَنْ أَنَس \" فَهَذَا لَوْ كَانَ مَحْفُوظًا اِقْتَضَى أَنَّ فِي رِوَايَة الصَّحِيح اِنْقِطَاعًا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم مِمَّنْ سَمِعَ مِنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة بَعْد الِاخْتِلَاط. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ ) ‏ ‏بِتَقْدِيمِ الزَّاي عَلَى الرَّاء وَبِالْمَدِّ مَكَان مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ عِنْد السُّوق. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ كَانَ مُرْتَفِعًا كَالْمَنَارَةِ , وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ أَمْر عُثْمَان بِالتَّأْذِينِ عَلَى الزَّوْرَاء , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ , بَلْ الْوَاقِع أَنَّ الْمَكَان الَّذِي أُمِرَ عُثْمَان بِالتَّأْذِينِ فِيهِ كَانَ بِالزَّوْرَاءِ لَا أَنَّهُ الزَّوْرَاء نَفْسهَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس \" شَهِدْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَصْحَابه عِنْد الزَّوْرَاء , أَوْ عِنْد بُيُوت الْمَدِينَة \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم. وَعِنْد أَبِي نُعَيْم مِنْ رِوَايَة شَرِيك بْن أَبِي نَمِر عَنْ أَنَس أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَحْضَرَ الْمَاء , وَأَنَّهُ أَحْضَرَهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْت أُمّ سَلَمَة , وَأَنَّهُ رَدَّهُ بَعْد فَرَاغهمْ إِلَى أُمّ سَلَمَة وَفِيهِ قَدْر مَا كَانَ فِيهِ أَوَّلًا. وَوَقَعَ عِنْده فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى قُبَاء , فَأُتِيَ مِنْ بَعْض بُيُوتهمْ بِقَدَحٍ صَغِير \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر الْآتِي التَّصْرِيح بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَفَر فَفِي رِوَايَة نُبَيْح الْعَنَزِيّ عِنْد أَحْمَد عَنْ جَابِر قَالَ : \" سَافَرْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَضَرَتْ الصَّلَاة , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا فِي الْقَوْم مِنْ طَهُور ؟ فَجَاءَ رَجُل بِفَضْلَةٍ فِي إِدَاوَة فَصَبَّهُ فِي قَدَح , فَتَوَضَّأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ إِنَّ الْقَوْم أَتَوْا بِبَقِيَّةِ الطَّهُور فَقَالُوا : تَمَسَّحُوا تَمَسَّحُوا , فَسَمِعَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : عَلَى رِسْلكُمْ , فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي الْقَدَح فِي جَوْف الْمَاء ثُمَّ قَالَ : أَسْبِغُوا الطَّهُور , قَالَ جَابِر : فَوَالَّذِي أَذْهَب بَصَرِي لَقَدْ رَأَيْت الْمَاء يَخْرُج مِنْ بَيْن أَصَابِع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَوَضَّئُوا أَجْمَعُونَ , قَالَ حَسِبْته قَالَ : كُنَّا مِائَتَيْنِ وَزِيَادَة \" وَجَاءَ عَنْ جَابِر قِصَّة أُخْرَى أَخْرَجَهَا مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ فِي أَوَاخِر الْكِتَاب فِي حَدِيث طَوِيل فِيهِ \" أَنَّ الْمَاء الَّذِي أَحْضَرُوهُ لَهُ كَانَ قَطْرَة فِي إِنَاء مِنْ جِلْد لَوْ أَفْرَغَهَا لَشَرِبَهَا يَابِس الْإِنَاء , وَأَنَّهُ لَمْ يَجِد فِي الرَّكْب قَطْرَة مَاء غَيْرهَا , قَالَ فَأَخَذَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَكَلَّمَ وَغَمَزَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ : نَادِ بِجَفْنَةِ الرَّكْب فَجِيءَ بِهَا ; فَقَالَ بِيَدِهِ فِي الْجَفْنَة فَبَسَطَهَا ثُمَّ فَرَّقَ أَصَابِعه وَوَضَعَ تِلْكَ الْقَطْرَة فِي قَعْر الْجَفْنَة فَقَالَ : خُذْ يَا جَابِر فَصُبَّ عَلَيَّ وَقُلْ بِسْمِ اللَّه , فَفَعَلْت , قَالَ : فَرَأَيْت الْمَاء يَفُور مِنْ بَيْن أَصَابِعه , ثُمَّ فَارَتْ الْجَفْنَة وَدَارَتْ حَتَّى اِمْتَلَأَتْ , فَأَتَى النَّاس فَاسْتَقَوْا حَتَّى رَوَوْا , فَرَفَعَ يَده مِنْ الْجَفْنَة وَهِيَ مَلْأَى \" وَهَذِهِ الْقِصَّة أَبْلَغ مِنْ جَمِيع مَا تَقَدَّمَ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى قِلَّة الْمَاء وَعَلَى كَثْرَة مَنْ اِسْتَقَى مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( زُهَاء ثَلَاثمِائَةِ ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ الزَّاي وَبِالْمَدِّ أَيْ قَدْر ثَلَاثمِائَةِ مَأْخُوذَة مِنْ زَهَوْت الشَّيْء إِذَا حَصَرْته. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق خَالِد بْن الْحَارِث عَنْ سَعِيد قَالَ : \" ثَلَاثمِائَةِ , بِالْجَزْمِ بِدُونِ قَوْله \" زُهَاء \" وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3308",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَالْتُمِسَ الْوَضُوءُ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِوَضُوءٍ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَهُ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ فَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ ‏ ‏فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3309",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُبَارَكٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَزْمٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْحَسَنَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَعْضِ مَخَارِجِهِ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَانْطَلَقُوا يَسِيرُونَ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلَمْ يَجِدُوا مَاءً يَتَوَضَّئُونَ فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ ثُمَّ ‏ ‏مَدَّ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ عَلَى الْقَدَحِ ثُمَّ قَالَ قُومُوا فَتَوَضَّئُوا فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ حَتَّى بَلَغُوا فِيمَا يُرِيدُونَ مِنْ الْوَضُوءِ وَكَانُوا سَبْعِينَ أَوْ نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3310",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَقَامَ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الدَّارِ مِنْ الْمَسْجِدِ يَتَوَضَّأُ وَبَقِيَ قَوْمٌ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمِخْضَبٍ ‏ ‏مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ مَاءٌ ‏ ‏فَوَضَعَ كَفَّهُ فَصَغُرَ ‏ ‏الْمِخْضَبُ ‏ ‏أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ فَضَمَّ أَصَابِعَهُ فَوَضَعَهَا فِي ‏ ‏الْمِخْضَبِ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ جَمِيعًا قُلْتُ كَمْ كَانُوا قَالَ ثَمَانُونَ رَجُلًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3311",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُصَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ يَدَيْهِ ‏ ‏رِكْوَةٌ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ ‏ ‏فَجَهِشَ ‏ ‏النَّاسُ نَحْوَهُ فَقَالَ مَا لَكُمْ قَالُوا لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ وَلَا نَشْرَبُ إِلَّا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ ‏ ‏فَوَضَعَ يَدَهُ فِي ‏ ‏الرِّكْوَةِ ‏ ‏فَجَعَلَ الْمَاءُ يَثُورُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا قُلْتُ كَمْ كُنْتُمْ قَالَ لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي نَبْع الْمَاء أَيْضًا : ‏ ‏قَوْله : ( عَطِشَ النَّاس يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن يَدَيْهِ رَكْوَة ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيق , وَوَقَعَ فِي الْأَشْرِبَة مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ سَالِم أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَمَّا حَضَرَتْ صَلَاة الْعَصْر , وَسَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْله : ( جَهَشَ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَالْهَاء بَعْدهَا مُعْجَمَة أَيْ أَسْرَعُوا لِأَخْذِ الْمَاء , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَجَهَشَ \" بِزِيَادَةِ فَاءَ فِي أَوَّله , ‏ ‏وَقَوْله : \" فَجَعَلَ الْمَاء يَثُور \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَلَّثَةٍ , وَلِلكُشمِيهَنِيِّ بِالْفَاءِ وَهُمَا بِمَعْنًى. ‏"
    },
    {
        "id": "3312",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا يَوْمَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً ‏ ‏وَالْحُدَيْبِيَةُ ‏ ‏بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا حَتَّى لَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً فَجَلَسَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏شَفِيرِ الْبِئْرِ ‏ ‏فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَجَّ فِي الْبِئْرِ فَمَكَثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ اسْتَقَيْنَا حَتَّى رَوِينَا وَرَوَتْ أَوْ صَدَرَتْ رَكَائِبُنَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء فِي تَكْثِير الْمَاء بِبِئْرِ الْحُدَيْبِيَة , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ أَيْضًا فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة وَأُبَيِّن هُنَاكَ التَّوْفِيق بَيْنه وَبَيْن حَدِيث جَابِر الَّذِي قَبْله إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْله : ( رُوِينَا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْوَاو مِنْ الرِّيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3313",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏لِأُمِّ سُلَيْمٍ ‏ ‏لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ قَالَتْ نَعَمْ فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتْ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي ‏ ‏وَلَاثَتْنِي ‏ ‏بِبَعْضِهِ ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏آرْسَلَكَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ بِطَعَامٍ فَقُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِمَنْ مَعَهُ قُومُوا فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ ‏ ‏أَبَا طَلْحَةَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أُمَّ سُلَيْمٍ ‏ ‏قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ فَقَالَتْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَانْطَلَقَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏مَعَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلُمِّي يَا ‏ ‏أُمَّ سُلَيْمٍ ‏ ‏مَا عِنْدَكِ فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَفُتَّ وَعَصَرَتْ ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏عُكَّةً ‏ ‏فَأَدَمَتْهُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي تَكْثِير الطَّعَام الْقَلِيل. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو طَلْحَة ) ‏ ‏هُوَ زَيْد بْن سَهْل الْأَنْصَارِيّ زَوْج أُمّ سُلَيْمٍ وَالِدَة أَنَس , وَقَدْ اِتَّفَقَتْ الطُّرُق عَلَى أَنَّ الْحَدِيث الْمَذْكُور مِنْ مُسْنَد أَنَس , وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة فَرَوَاهُ مُطَوَّلًا عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقه بِإِسْنَادٍ حَسَن , وَأَوَّله عَنْ أَبِي طَلْحَة قَالَ : \" دَخَلْت الْمَسْجِد فَعَرَفْت فِي وَجْه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُوع , الْحَدِيث , وَالْمُرَاد بِالْمَسْجِدِ الْمَوْضِع الَّذِي أَعَدَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّلَاةِ فِيهِ حِين مُحَاصَرَة الْأَحْزَاب لِلْمَدِينَةِ فِي غَزْوَة الْخَنْدَق. ‏ ‏قَوْله : ( ضَعِيفًا أَعْرِف فِيهِ الْجُوع ) ‏ ‏فِيهِ الْعَمَل عَلَى الْقَرَائِن. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُبَارَك بْن فَضَالَة عَنْ بَكْر بْن عَبْد اللَّه وَثَابِت عَنْ أَنَس عِنْد أَحْمَد \" أَنَّ أَبَا طَلْحَة رَأَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَاوِيًا \" , وَعِنْد أَبِي يَعْلَى مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَنَس \" أَنَّ أَبَا طَلْحَة بَلَغَهُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَام , فَذَهَبَ فَأَجَّرَ نَفْسه بِصَاعٍ مِنْ شَعِير بِعَمَلِ بَقِيَّة يَوْمه ذَلِكَ ثُمَّ جَاءَ بِهِ , الْحَدِيث , وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة وَهُوَ أَخُو إِسْحَاق رَاوِي حَدِيث الْبَاب عَنْ أَنَس عِنْد مُسْلِم وَأَبِي يَعْلَى قَالَ : \" رَأَى أَبُو طَلْحَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعًا يَتَقَلَّب ظَهْرًا لِبَطْنٍ \" وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة عِنْد مُسْلِم أَيْضًا عَنْ أَنَس قَالَ : \" جِئْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْته جَالِسًا مَعَ أَصْحَابه يُحَدِّثهُمْ وَقَدْ عَصَبَ بَطْنه بِعِصَابَةٍ , فَسَأَلْت بَعْض أَصْحَابه فَقَالُوا مِنْ الْجُوع , فَذَهَبْت إِلَى أَبِي طَلْحَة فَأَخْبَرْته , فَدَخَلَ عَلَى أُمّ سُلَيْمٍ فَقَالَ : هَلْ مِنْ شَيْء \" الْحَدِيث. وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَعْب عَنْ أَنَس عِنْد أَبِي نُعَيْم \" جَاءَ أَبُو طَلْحَة إِلَى أُمّ سُلَيْمٍ فَقَالَ : أَعْنَدك شَيْء , فَإِنِّي مَرَرْت عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُقْرِئ أَصْحَاب الصُّفَّة سُورَة النِّسَاء وَقَدْ رَبَطَ عَلَى بَطْنه حَجَرًا مِنْ الْجُوع \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِير ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَنَس عِنْد أَحْمَد قَالَ : \" عَمَدَتْ أُمّ سُلَيْمٍ إِلَى نِصْف مُدّ مِنْ شَعِير فَطَحَنَتْهُ \" وَعِنْد الْمُصَنِّف مِنْ هَذَا الْوَجْه وَمِنْ غَيْره عَنْ أَنَس أَنَّ أُمَّهُ أُمُّ سُلَيْمٍ \" عَمَدَتْ إِلَى مُدّ مِنْ شَعِير جَرَشَتْهُ ثُمَّ عَمِلَتْهُ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ أَنَس عِنْد أَحْمَد وَمُسْلِم \" أَتَى أَبُو طَلْحَة بِمُدٍّ مِنْ شَعِير فَأَمَرَ بِهِ فَصُنِعَ طَعَامًا \" وَلَا مُنَافَاة بَيْن ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون الْقِصَّة تَعَدَّدَتْ وَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَر , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يَكُون الشَّعِير فِي الْأَصْل كَانَ صَاعًا فَأَفْرَدَتْ بَعْضه لِعِيَالِهِمْ وَبَعْضه لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَدُلّ عَلَى التَّعَدُّد مَا بَيْن الْعَصِيدَة وَالْخُبْز الْمَفْتُوت الْمَلْتُوت بِالسَّمْنِ مِنْ الْمُغَايَرَة , وَقَدْ وَقَعَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ فِي شَيْء صَنَعَتْهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَزَوَّجَ زَيْنَب بِنْت جَحْش قَرِيب مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ تَكْثِير الطَّعَام وَإِدْخَال عَشَرَة عَشَرَة كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانه فِي الْوَلِيمَة مِنْ كِتَاب النِّكَاح. وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد فِي رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَنَس \" عَمَدَتْ أُمّ سُلَيْمٍ إِلَى نِصْف مُدّ مِنْ شَعِير فَطَحَنَتْهُ , ثُمَّ عَمَدَتْ إِلَى عُكَّة فِيهَا شَيْء مِنْ سَمْن فَاِتَّخَذَتْ مِنْهُ خَطِيفَة \" الْحَدِيث وَالْخَطِيفَة هِيَ الْعَصِيدَة وَزْنًا وَمَعْنًى , وَهَذَا بِعَيْنِهِ يَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَطْعِمَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَاثَتْنِي بِبَعْضِهِ ) ‏ ‏أَيْ لَفَّتْنِي بِهِ يُقَال لَاثَ الْعِمَامَة عَلَى رَأْسه أَيْ عَصَبَهَا , وَالْمُرَاد أَنَّهَا لَفَّتْ بَعْضه عَلَى رَأْسه وَبَعْضه عَلَى إِبْطه. وَوَقَعَ فِي الْأَطْعِمَة لِلْمُصَنِّفِ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس عَنْ مَالِك فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَلَفَّتْ الْخُبْز بِبَعْضِهِ وَدَسَّتْ الْخُبْز تَحْت ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ \" تَقُول دَسَّ الشَّيْء يَدُسّهُ دَسًّا إِذَا أَدْخَلَهُ فِي الشَّيْء بِقَهْرٍ وَقُوَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَة فَقُلْت نَعَمْ قَالَ بِطَعَامٍ قُلْت نَعَمْ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ مَعَهُ قُومُوا ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِمَ أَنَّ أَبَا طَلْحَة اِسْتَدْعَاهُ إِلَى مَنْزِله فَلِذَلِكَ قَالَ لِمَنْ عِنْده قُومُوا , وَأَوَّل الْكَلَام يَقْتَضِي أَنَّ أُمّ سُلَيْمٍ وَأَبَا طَلْحَة أَرْسَلَا الْخُبْز مَعَ أَنَس , فَيُجْمَع بِأَنَّهُمَا أَرَادَا بِإِرْسَالِ الْخُبْز مَعَ أَنَس أَنْ يَأْخُذهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْكُلهُ , فَلَمَّا وَصَلَ أَنَس وَرَأَى كَثْرَة النَّاس حَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَحْيَا وَظَهَرَ لَهُ أَنْ يَدْعُو النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَقُومَ مَعَهُ وَحْده إِلَى الْمَنْزِل فَيَحْصُل مَقْصُودهمْ مِنْ إِطْعَامه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ عَنْ رَأْي مَنْ أَرْسَلَهُ , عَهِدَ إِلَيْهِ إِذَا رَأَى كَثْرَة النَّاس أَنْ يَسْتَدْعِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْده خَشْيَة أَنْ لَا يَكْفِيهِمْ ذَلِكَ الشَّيْء هُوَ وَمَنْ مَعَهُ , وَقَدْ عَرَفُوا إِيثَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ لَا يَأْكُل وَحْده , وَقَدْ وَجَدْت أَنَّ أَكْثَر الرِّوَايَات تَقْتَضِي أَنَّ أَبَا طَلْحَة اِسْتَدْعَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَة , فَفِي رِوَايَة سَعْد بْن سَعِيد عَنْ أَنَس \" بَعَثَنِي أَبُو طَلْحَة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَدْعُوَهُ وَقَدْ جَعَلَ لَهُ طَعَامًا \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ أَنَس \" أَمَرَ أَبُو طَلْحَة أُمّ سُلَيْمٍ أَنْ تَصْنَع لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ خَاصَّة , ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس \" فَدَخَلَ أَبُو طَلْحَة عَلَى أُمِّي فَقَالَ : هَلْ مِنْ شَيْء ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ , عِنْدِي كِسَر مِنْ خُبْز , فَإِنْ جَاءَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْده أَشْبَعْنَاهُ , وَإِنْ جَاءَ أَحَد مَعَهُ قَلَّ عَنْهُمْ \" وَجَمِيع ذَلِكَ عِنْد مُسْلِم. وَفِي رِوَايَة مُبَارَك بْن فَضَالَة الْمَذْكُورَة أَنَّ أَبَا طَلْحَة قَالَ : \" اِعْجِنِيهِ وَأَصْلِحِيهِ عَسَى أَنْ نَدْعُو رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْكُل عِنْدنَا , فَفَعَلَتْ , فَقَالَتْ : اُدْعُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس عِنْد أَبِي نُعَيْم وَأَصْله عِنْد مُسْلِم \" فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَة : يَا أَنَس اِذْهَبْ فَقُمْ قَرِيبًا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِذَا قَامَ فَدَعْهُ حَتَّى يَتَفَرَّق أَصْحَابه , ثُمَّ اِبْتَعْهُ حَتَّى إِذَا قَامَ عَلَى عَتَبَة بَابه فَقُلْ لَهُ : إِنَّ أَبِي يَدْعُوك \". وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة عِنْد أَبِي يَعْلَى عَنْ أَنَس \" قَالَ لِي أَبُو طَلْحَة : اِذْهَبْ فَادْعُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَعِنْد الْمُصَنِّف مِنْ رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ فِي الْأَطْعِمَة عَنْ أَنَس \" ثُمَّ بَعَثَنِي إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَتَيْته وَهُوَ فِي أَصْحَابه فَدَعَوْته \" وَعِنْد أَحْمَد مِنْ رِوَايَة النَّضْر بْن أَنَس عَنْ أَبِيهِ \" قَالَتْ لِي أُمّ سُلَيْمٍ : اِذْهَبْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْ لَهُ : \" إِنْ رَأَيْت أَنْ تَغَدَّى عِنْدنَا فَافْعَلْ \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن يَحْيَى الْمَازِنِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَس عِنْد الْبَغَوِيِّ \" فَقَالَ أَبُو طَلْحَة اِذْهَبْ يَا بُنَيَّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَادْعُهُ. قَالَ فَجِئْته فَقُلْت لَهُ : إِنَّ أَبِي يَدْعُوك \" الْحَدِيث. وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَعْب \" فَقَالَ يَا بُنَيَّ اِذْهَبْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَادْعُهُ , وَلَا تَدْعُ مَعَهُ غَيْره وَلَا تَفْضَحنِي \". ‏ ‏قَوْله ( آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَة ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَة لِلِاسْتِفْهَامِ , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَعْب \" فَقَالَ لِلْقَوْمِ اِنْطَلِقُوا فَانْطَلَقُوا وَهُمْ ثَمَانُونَ رَجُلًا \" وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب \" فَلَمَّا قُلْت لَهُ إِنَّ أَبِي يَدْعُوك قَالَ لِأَصْحَابِهِ : يَا هَؤُلَاءِ تَعَالَوْا , ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَشَدَّهَا , ثُمَّ أَقْبَلَ بِأَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا دَنَوْا أَرْسَلَ يَدِي فَدَخَلْت , وَأَنَا حَزِين لِكَثْرَةِ مَنْ جَاءَ مَعَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَبُو طَلْحَة يَا أُمّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدنَا مَا نُطْعِمهُمْ ) ‏ ‏أَيْ قَدْر مَا يَكْفِيهِمْ ‏ ‏( فَقَالَتْ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ) ‏ ‏كَأَنَّهَا عَرَفَتْ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا لِيُظْهِر الْكَرَامَة فِي تَكْثِير ذَلِكَ الطَّعَام , وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى فِطْنَة أُمّ سُلَيْمٍ وَرُجْحَان عَقْلهَا. وَفِي رِوَايَة مُبَارَك بْن فَضَالَة \" فَاسْتَقْبَلَهُ أَبُو طَلْحَة فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَا عِنْدنَا إِلَّا قُرْص عَمِلَتْهُ أُمّ سُلَيْمٍ \" وَفِي رِوَايَة سَعْد بْن سَعِيد \" فَقَالَ أَبُو طَلْحَة : \" إِنَّمَا صَنَعْت لَك شَيْئًا \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ , وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن عَبْد اللَّه \" فَقَالَ أَبُو طَلْحَة : إِنَّمَا هُوَ قُرْص فَقَالَ : إِنَّ اللَّه سَيُبَارِكُ فِيهِ \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة عَمْرو بْن يَحْيَى الْمَازِنِيّ , وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب \" فَقَالَ أَبُو طَلْحَة : يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا أَرْسَلْت أَنَسًا يَدْعُوك وَحْدك , وَلَمْ يَكُنْ عِنْدنَا مَا يُشْبِع مَنْ أَرَى , فَقَالَ : اُدْخُلْ فَإِنَّ اللَّه سَيُبَارِكُ فِيمَا عِنْدك \" وَفِي رِوَايَة النَّضْر بْن أَنَس عَنْ أَبِيهِ \" فَدَخَلْت عَلَى أُمّ سُلَيْمٍ وَأَنَا مُنْدَهِش \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى أَنَّ أَبَا طَلْحَة قَالَ : \" يَا أَنَس فَضَحْتنَا \" وَلِلطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط \" فَجَعَلَ يَرْمِينِي بِالْحِجَارَةِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلُمِّي يَا أُمّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدك ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ , وَلِغَيْرِهِ \" هَلُمَّ \" وَهِيَ لُغَة حِجَازِيَّة , هَلُمَّ عِنْدهمْ لَا يُؤَنَّث وَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَع , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : ( وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ) وَالْمُرَاد بِذَلِكَ طَلَب مَا عِنْدهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَصَرَتْ أُمّ سُلَيْمٍ عُكَّة فَأَدَمَتْهُ ) ‏ ‏أَيْ صَيَّرَتْ مَا خَرَجَ مِنْ الْعُكَّة لَهُ إِدَامًا , وَالْعُكَّة بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْكَاف إِنَاء مِنْ جَلْد مُسْتَدِير يُجْعَل فِيهِ السَّمْن غَالِبًا وَالْعَسَل , وَفِي رِوَايَة مُبَارَك بْن فَضَالَة \" فَقَالَ هَلْ مِنْ سَمْن ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَة : قَدْ كَانَ فِي الْعُكَّة سَمْن , فَجَاءَ بِهَا فَجَعَلَا يَعْصِرَانِهَا حَتَّى خَرَجَ , ثُمَّ مَسَحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ سَبَّابَته ثُمَّ مَسَحَ الْقُرْص فَانْتَفَخَ وَقَالَ : بِسْمِ اللَّه , فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَع ذَلِكَ وَالْقُرْص يَنْتَفِخ حَتَّى رَأَيْت الْقُرْص فِي الْجَفْنَة يَتَمَيَّع \" وَفِي رِوَايَة سَعْد بْن سَعِيد \" فَمَسَّهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَا فِيهَا بِالْبَرَكَةِ \" وَفِي رِوَايَة النَّضْر بْن أَنَس \" فَجِئْت بِهَا فَفَتَحَ رِبَاطهَا ثُمَّ قَالَ : بِسْمِ اللَّه , اللَّهُمَّ أَعْظِمْ فِيهَا الْبَرَكَة \" وَعُرِفَ بِهَذَا الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" وَقَالَ فِيهَا مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَقُول \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ اِئْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَنْزِل أَبِي طَلْحَة وَحْده وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى وَلَفْظه \" فَلَمَّا اِنْتَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْبَاب فَقَالَ لَهُمْ اُقْعُدُوا وَدَخَلَ \" وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب \" أَدْخِلْ عَلَيَّ ثَمَانِيَة ; فَمَا زَالَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ رَجُلًا ثُمَّ دَعَانِي وَدَعَا أُمِّي وَأَبَا طَلْحَة فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا \" اِنْتَهَى. وَهَذَا يَدُلّ عَلَى تَعَدُّد الْقِصَّة , فَإِنَّ أَكْثَر الرِّوَايَات فِيهَا أَنَّهُ أَدْخَلَهُمْ عَشَرَة عَشَرَة سِوَى هَذِهِ فَقَالَ إِنَّهُ أَدْخَلَهُمْ ثَمَانِيَة ثَمَانِيَة , فَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَكَلُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُبَارَك بْن فَضَالَة \" فَوَضَعَ يَده وَسَط الْقُرْص وَقَالَ : كُلُوا بِسْمِ اللَّه , فَأَكَلُوا مِنْ حَوَالَيْ الْقَصْعَة حَتَّى شَبِعُوا \" وَفِي رِوَايَة بَكْر بْن عَبْد اللَّه \" فَقَالَ لَهُمْ كُلُوا مِنْ بَيْن أَصَابِعِي \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ خَرَجُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى \" ثُمَّ قَالَ لَهُمْ قُومُوا وَلْيَدْخُلْ عَشَرَة مَكَانكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَالْقَوْم سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ , وَفِي غَيْرهَا بِالْجَزْمِ بِالثَّمَانِينَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَعْب وَغَيْره , وَفِي رِوَايَة مُبَارَك بْن فَضَالَة \" حَتَّى أَكَلَ مِنْهُ بِضْعَة وَثَمَانُونَ رَجُلًا \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى \" حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا , ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد ذَلِكَ وَأَهْل الْبَيْت وَتَرَكُوا سُؤْرًا \" أَيْ فَضْلًا. وَفِي رِوَايَته عِنْد أَحْمَد \" قُلْت كَمْ كَانُوا ؟ قَالُوا : كَانُوا نَيِّفًا وَثَمَانِينَ قَالَ : وَأَفْضَلَ لِأَهْلِ الْبَيْت مَا يُشْبِعهُمْ \" وَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون أُلْغِيَ الْكَسْر , وَلَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ عِنْد أَحْمَد \" حَتَّى أَكَلَ مِنْهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا وَبَقِيَتْ كَمَا هِيَ \" وَهَذَا يُؤَيِّد التَّغَايُر الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ , وَأَنَّ الْقِصَّة الَّتِي رَوَاهَا اِبْن سِيرِينَ غَيْر الْقِصَّة الَّتِي رَوَاهَا غَيْره , وَزَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة \" وَأَفْضَلَ \" مَا بَلَغُوا جِيرَانهمْ \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن عَبْد اللَّه \" وَفَضَلَتْ فَضْلَة فَأَهْدَيْنَاهَا لِجِيرَانِنَا \" وَنَحْوه عِنْد أَبِي نُعَيْم مِنْ رِوَايَة عُمَارَة بْن غَزِيَّة عَنْ رَبِيعَة عَنْ أَنَس بِلَفْظِ \" حَتَّى أَهْدَتْ أُمّ سُلَيْمٍ لِجِيرَانِنَا \" وَلِمُسْلِمٍ فِي أَوَاخِر رِوَايَة سَعْد بْن سَعِيد \" حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَد إِلَّا دَخَلَ فَأَكَلَ حَتَّى شَبِعَ \" وَفِي رِوَايَة لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِيَ فَجَمَعَهُ , ثُمَّ دَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ فَعَادَ كَمَا كَانَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى شَيْء مِنْ فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد مِنْ أَوَائِل كِتَاب الصَّلَاة. ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : ‏ ‏سُئِلْت فِي مَجْلِس الْإِمْلَاء لَمَّا ذَكَرْت حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ حِكْمَة تَبْعِيضهمْ , فَقُلْت : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَرَفَ أَنَّ الطَّعَام قَلِيل وَأَنَّهُ فِي صَحْفَة وَاحِدَة فَلَا يُتَصَوَّر أَنْ يَتَحَلَّق ذَلِكَ الْعَدَد الْكَثِير , فَقِيلَ : لِمَ لَا دَخَلَ الْكُلّ وَبَعَّضَ لِمَنْ يَسَعهُ التَّحْلِيق فَكَانَ أَبْلَغ فِي اِشْتَرَاك الْجَمِيع فِي الِاطِّلَاع عَلَى الْمُعْجِزَة , بِخِلَافِ التَّبْعِيض فَإِنَّهُ يَطْرُقهُ اِحْتِمَال تَكَرُّر وَضْع الطَّعَام لِصِغَرِ الصَّحْفَة ؟ فَقُلْت : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ لِضِيقِ الْبَيْت , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3314",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَعُدُّ الْآيَاتِ بَرَكَةً وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ ‏ ‏فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ وَالْبَرَكَةُ مِنْ اللَّهِ فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه - وَهُوَ اِبْن مَسْعُود - فِي نَبْع الْمَاء أَيْضًا وَتَسْبِيح الطَّعَام. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا نَعُدّ الْآيَات ) ‏ ‏أَيْ الْأُمُور الْخَارِقَة لِلْعَادَاتِ. ‏ ‏قَوْله : ( بَرَكَة وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا ) ‏ ‏الَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدّ جَمِيع الْخَوَارِق تَخْوِيفًا , وَإِلَّا فَلَيْسَ جَمِيع الْخَوَارِق بَرَكَة , فَإِنَّ التَّحْقِيق يَقْتَضِي عَدّ بَعْضهَا بَرَكَة مِنْ اللَّه كَشِبَعِ الْخَلْق الْكَثِير مِنْ الطَّعَام الْقَلِيل وَبَعْضهَا بِتَخْوِيفٍ مِنْ اللَّه كَكُسُوفِ الشَّمْس وَالْقَمَر , كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" إِنَّ الشَّمْس وَالْقَمَر آيَتَانِ مِنْ آيَات اللَّه يُخَوِّف اللَّه بِهِمَا عِبَاده \" وَكَأَنَّ الْقَوْم الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود بِذَلِكَ تَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى : ( وَمَا نُرْسِل بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ) , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن الْقَاسِم عَنْ إِسْرَائِيل فِي أَوَّل هَذَا الْحَدِيث \" سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود بِخَسْفٍ فَقَالَ : كُنَّا أَصْحَاب مُحَمَّد نَعُدّ الْآيَات بَرَكَة , الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَر ) ‏ ‏هَذَا السَّفَر يُشْبِه أَنْ يَكُون غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة لِثُبُوتِ نَبْع الْمَاء فِيهَا كَمَا سَيَأْتِي. وَقَدْ وَقَعَ مِثْل ذَلِكَ فِي تَبُوك. ثُمَّ وَجَدْت الْبَيْهَقِيَّ فِي \" الدَّلَائِل \" جَزَمَ بِالْأَوَّلِ لَكِنْ لَمْ يُخَرِّج مَا يَصِحّ بِهِ. ثُمَّ وَجَدْت فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي \" الدَّلَائِل \" أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَة خَيْبَر , فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَلَمَة بْن كُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيم فِي هَذَا الْحَدِيث قَالَ : \" كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة خَيْبَر فَأَصَابَ النَّاس عَطَش شَدِيد , فَقَالَ : يَا عَبْد اللَّه اِلْتَمِسْ لِي مَاء , فَأَتَيْته بِفَضْلِ مَاء فِي إِدَاوَة \" الْحَدِيث , فَهَذَا أَوْلَى , وَدَلَّ عَلَى تَكَرُّر وُقُوع ذَلِكَ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اُطْلُبُوا فَضْلَة مِنْ مَاء فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاء قَلِيل ) ‏ ‏وَوَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق أَبِي الضُّحَى عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا بِمَاءٍ فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدهُ , فَأَتَاهُ بِشَنٍّ فِيهِ مَاء \" الْحَدِيث وَفِي آخِره \" فَجَعَلَ اِبْن مَسْعُود يَشْرَب وَيُكْثِر \" وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ اِبْن عَبَّاس حَمَلَهُ عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَأَنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كُلّ مِنْ اِبْن مَسْعُود وَبِلَال أَحْضَرَ الْإِدَاوَة , فَإِنَّ الشَّنّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَبِالنُّونِ هُوَ الْإِدَاوَة الْيَابِسَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَيَّ عَلَى الطَّهُور الْمُبَارَك ) ‏ ‏أَيْ هَلُمُّوا إِلَى الطَّهُور , وَهُوَ بِفَتْحِ الطَّاء , وَالْمُرَاد بِهِ الْمَاء , وَيَجُوز ضَمّهَا وَالْمُرَاد الْفِعْل أَيْ تَطَهَّرُوا. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْبَرَكَةُ مِنْ اللَّهِ ) ‏ ‏الْبَرَكَة مُبْتَدَأ وَالْخَبَر مِنْ اللَّه , وَهُوَ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْإِيجَاد مِنْ اللَّه. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَمَّار بْن زُرَيْق عَنْ إِبْرَاهِيم فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَجَعَلْت أُبَادِرهُمْ إِلَى الْمَاء أُدْخِلهُ فِي جَوْفِي لِقَوْلِهِ : \" الْبَرَكَة مِنْ اللَّه \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" فَبَسَطَ كَفّه فِيهِ فَنَبَعَتْ تَحْت يَده عَيْن , فَجَعَلَ اِبْن مَسْعُود يَشْرَب وَيُكْثِر \" وَالْحِكْمَة فِي طَلَبه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِن فَضْلَة الْمَاء لِئَلَّا يَظُنّ أَنَّهُ الْمُوجِد لِلْمَاءِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِشَارَة إِلَى أَنَّ اللَّه أَجْرَى الْعَادَة فِي الدُّنْيَا غَالِبًا بِالتَّوَالُدِ , وَأَنَّ بَعْض الْأَشْيَاء يَقَع بَيْنهَا التَّوَالُد وَبَعْضهَا لَا يَقَع , وَمِنْ جُمْلَة ذَلِكَ مَا نُشَاهِدهُ مِنْ فَوَرَان بَعْض الْمَائِعَات إِذَا خُمِّرَتْ وَتُرِكَتْ , وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَة فِي الْمَاء الصِّرْف بِذَلِكَ , فَكَانَتْ الْمُعْجِزَة بِذَلِكَ ظَاهِرَة جِدًّا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَع تَسْبِيح الطَّعَام وَهُوَ يُؤْكَل ) ‏ ‏أَيْ فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَالِبًا , وَوَقَعَ ذَلِكَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ صَرِيحًا أَخْرَجَهُ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ بُنْدَار عَنْ أَبِي أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" كُنَّا نَأْكُل مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّعَام وَنَحْنُ نَسْمَع تَسْبِيح الطَّعَام \" وَلَهُ شَاهِد أَوْرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق قَيْس بْن أَبِي حَازِم قَالَ : \" كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء وَسَلْمَان إِذَا كَتَبَ أَحَدهمَا إِلَى الْآخَر قَالَ لَهُ : بِآيَةِ الصَّحْفَة , وَذَلِكَ أَنَّهُمَا بَيْنَا هُمَا يَأْكُلَانِ فِي صَحْفَة إِذْ سَبَّحَتْ وَمَا فِيهَا \" وَذَكَرَ عِيَاض عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ قَالَ : \" مَرِضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ جِبْرِيل بِطَبَقٍ فِيهِ عِنَب وَرُطَب فَأَكَلَ مِنْهُ فَسَبَّحَ \". قُلْت وَقَدْ اِشْتَهَرَ تَسْبِيح الْحَصَى , فَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ قَالَ \" تَنَاوَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْع حَصَيَات فَسَبَّحْنَ فِي يَده حَتَّى سَمِعْت لَهُنَّ حَنِينًا , ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فِي يَد أَبِي بَكْر فَسَبَّحْنَ , ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فِي يَد عُمَر فَسَبَّحْنَ , ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فِي يَد عُثْمَان فَسَبَّحْنَ \" أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ \" فَسَمِعَ تَسْبِيحهنَّ مِنْ فِي الْحَلْقَة \" وَفِيهِ \" ثُمَّ دَفَعَهُنَّ إِلَيْنَا فَلَمْ يُسَبِّحْنَ \" مَعَ أَحَد مِنَّا \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" كَذَا رَوَاهُ صَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر - وَلَمْ يَكُنْ بِالْحَافِظِ - عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سُوَيْد بْن يَزِيد السُّلَمِيّ عَنْ أَبِي ذَرّ , وَالْمَحْفُوظ مَا رَوَاهُ شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ : \" ذَكَرَ الْوَلِيد بْن سُوَيْدٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ كَانَ كَبِير السِّنّ مِمَّنْ أَدْرَكَ أَبَا ذَرّ بِالرَّبَذَة ذَكَرَ لَهُ عَنْ أَبِي ذَرّ بِهَذَا \". ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏ذَكَرَ اِبْن الْحَاجِب عَنْ بَعْض الشِّيعَة أَنَّ اِنْشِقَاق الْقَمَر وَتَسْبِيح الْحَصَى وَحَنِين الْجِذْع وَتَسْلِيم الْغَزَالَة مِمَّا نُقِلَ آحَادًا مَعَ تَوَفُّر الدَّوَاعِي عَلَى نَقْله , وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُكَذَّب رُوَاتهَا. وَأَجَابَ بِأَنَّهُ اُسْتُغْنِيَ عَنْ نَقْلهَا تَوَاتُرًا بِالْقُرْآنِ. وَأَجَابَ غَيْره بِمَنْعِ نَقْلهَا آحَادًا , وَعَلَى تَسْلِيمه فَمَجْمُوعهَا يُفِيد الْقَطْع كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل هَذَا الْفَصْل وَالَّذِي أَقُول إِنَّهَا كُلّهَا مُشْتَهِرَة عِنْد النَّاس , وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَة فَلَيْسَتْ عَلَى حَدّ سَوَاء , فَإِنَّ حَنِين الْجِذْع وَانْشِقَاق الْقَمَر نُقِلَ كُلّ مِنْهُمَا نَقْلًا مُسْتَفِيضًا يُفِيد الْقَطْع عِنْد مَنْ يَطَّلِع عَلَى طُرُق ذَلِكَ مِنْ أَئِمَّة الْحَدِيث دُون غَيْرهمْ مِمَّنْ لَا مُمَارَسَة لَهُ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا تَسْبِيح الْحَصَى فَلَيْسَتْ لَهُ إِلَّا هَذِهِ الطَّرِيق الْوَاحِدَة مَعَ ضَعْفهَا , وَأَمَّا تَسْلِيم الْغَزَالَة فَلَمْ نَجِد لَهُ إِسْنَادًا لَا مِنْ وَجْه قَوِيّ وَلَا مِنْ وَجْه ضَعِيف , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3315",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَامِرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ إِنَّ أَبِي تَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا وَلَيْسَ عِنْدِي إِلَّا مَا يُخْرِجُ نَخْلُهُ وَلَا يَبْلُغُ مَا يُخْرِجُ سِنِينَ مَا عَلَيْهِ فَانْطَلِقْ مَعِي لِكَيْ لَا يُفْحِشَ عَلَيَّ الْغُرَمَاءُ فَمَشَى حَوْلَ ‏ ‏بَيْدَرٍ ‏ ‏مِنْ بَيَادِرِ التَّمْرِ فَدَعَا ثَمَّ آخَرَ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏انْزِعُوهُ فَأَوْفَاهُمْ الَّذِي لَهُمْ وَبَقِيَ مِثْلُ مَا أَعْطَاهُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي قِصَّة وَفَاء دَيْن أَبِيهِ , أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي مَوَاضِع أُخْرَى مُطَوَّلًا. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي زَائِدَة , وَعَامِر هُوَ الشَّعْبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَاهُ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن حَرَام بِالْمُهْمَلَتَيْنِ , وَفِي رِوَايَة مُغِيرَة عَنْ الشَّعْبِيّ فِي الْبُيُوع \" تُوُفِّيَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن حَرَام وَعَلَيْهِ دَيْن \" وَفِي رِوَايَة فِرَاس عَنْ الشَّعْبِيّ فِي الْوَصَايَا \" أَنَّ أَبَاهُ اُسْتُشْهِدَ يَوْم أُحُد وَتَرَكَ سِتّ بَنَات وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا \" وَفِي رِوَايَة وَهْب بْن كَيْسَانَ عَنْ جَابِر \" أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا لِرَجُلٍ مِنْ الْيَهُود , فَاسْتَنْظَرَهُ جَابِر فَأَبَى أَنْ يُنْظِرهُ , فَكَلَّمَ جَابِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَشْفَع لَهُ , فَكَلَّمَ الْيَهُودِيّ لِيَأْخُذ ثَمَر نَخْله بِالَّذِي لَهُ فَأَبَى \" وَفِي رِوَايَة اِبْن كَعْب بْن مَالِك فِي الِاسْتِقْرَاض وَالْهِبَة عَنْ جَابِر \" أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْم أُحُد شَهِيدًا وَعَلَيْهِ دَيْن , فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاء فِي حُقُوقهمْ , فَأَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمْته , فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا تَمْر حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي فَأَبَوْا \" وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق نُبَيْح الْعَنَزِيّ عَنْ جَابِر قَالَ : \" قَالَ لِي أَبِي : يَا جَابِر لَا عَلَيْك أَنْ يَكُون فِي قِطَارِي أَهْل الْمَدِينَة حَتَّى تَعْلَم إِلَى مَا يَصِير أَمْرنَا - فَذَكَرَ قِصَّة قَتْل أَبِيهِ وَدَفْنه قَالَ - وَتَرَكَ أَبِي عَلَيْهِ دَيْنًا مِنْ التَّمْر , فَاشْتَدَّ عَلَيَّ بَعْض غُرَمَائِهِ فِي التَّقَاضِي , فَأَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْت لَهُ وَقُلْت : فَأُحِبّ أَنْ تُعِيننِي عَلَيْهِ لَعَلَّهُ أَنْ يُنْظِرنِي طَائِفَة مِنْ تَمْره إِلَى هَذَا الصِّرَام الْمُقْبِل , قَالَ : نَعَمْ آتِيك إِنْ شَاءَ اللَّه قَرِيبًا مِنْ نِصْف النَّهَار \" فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي الضِّيَافَة وَفِيهِ \" ثُمَّ قَالَ : اُدْعُ فُلَانًا - لِغَرِيمِي الَّذِي اِشْتَدَّ فِي الطَّلَب - فَجَاءَ فَقَالَ : أَنْظِرْ جَابِرًا طَائِفَة مِنْ دَيْنك الَّذِي عَلَى أَبِيهِ إِلَى الصِّرَام الْمُقْبِل , فَقَالَ : مَا أَنَا بِفَاعِلٍ , وَاعْتَلَّ , وَقَالَ إِنَّمَا هُوَ مَالُ يَتَامَى \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَيْسَ عِنْدِي إِلَّا مَا يُخْرِجُ نَخْلُهُ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَتْرُك مَالًا إِلَّا الْبُسْتَان الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَبْلُغ مَا يُخْرِجُ نَخْلُهُ سِنِينَ ) ‏ ‏أَيْ فِي مُدَّة سِنِينَ ‏ ‏( مَا عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الدَّيْن. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَ مَعِي لِكَيْلَا يَفْحُش عَلَيَّ الْغُرَمَاء فَمَشَى ) ‏ ‏فِيهِ حَذْف تَقْدِيره : فَقَالَ نَعَمْ , فَانْطَلَقَ فَوَصَلَ إِلَى الْحَائِط فَمَشَى. وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ الرِّوَايَات الْأُخْرَى التَّصْرِيح بِمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ , فَفِي رِوَايَة مُغِيرَة \" فَقَالَ اِذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرك أَصْنَافًا , ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَيَّ , فَفَعَلْت , فَجَاءَ فَجَلَسَ عَلَى أَعْلَاهُ \" وَفِي رِوَايَة فِرَاس فِي الْبُيُوع \" اِذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرك أَصْنَافًا : الْعَجْوَة عَلَى حِدَة , وَعَذْق زَيْد عَلَى حِدَة \" وَقَوْله : عَذْق زَيْد بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة , وَزَيْد الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ اِسْم لِشَخْصٍ كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ اِبْتَدَأَ غِرَاسه فَنُسِبَ إِلَيْهِ , وَالْعَجْوَة مِنْ أَجْوَد تَمْر الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْدِرْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَكَسْر الْمُهْمَلَة وَهُوَ فِعْل أَمْر , أَيْ اِجْعَلْ التَّمْر فِي الْبَيَادِر كُلّ صِنْف فِي بَيْدَر , وَالْبَيْدَر بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَفَتْح الدَّال الْمُهْمَلَة لِلتَّمْرِ كَالْجُرْنِ لِلْحَبِّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن كَعْب بْن مَالِك \" فَغَدَا عَلَيْنَا فَطَافَ فِي النَّخْل وَدَعَا فِي تَمْره بِالْبَرَكَةِ \" وَفِي رِوَايَة الدِّيَال بْن حَرْمَلَة عَنْ جَابِر \" فَجَاءَ هُوَ وَأَبُو بَكْر وَعُمَر فَاسْتَقْرَأَ النَّخْل , يَقُوم تَحْت كُلّ نَخْلَة لَا أَدْرِي مَا يَقُول , حَتَّى مَرَّ عَلَى آخِرهَا \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ آخَر ) ‏ ‏أَيْ مَشَى حَوْل بَيْدَر آخَر فَدَعَا , وَفِي رِوَايَة فِرَاس \" فَدَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّخْل فَمَشَى فِيهَا فَقَالَ أَفْرِغُوهُ \" أَيْ أَفْرِغُوهُ مِنْ الْبَيْدَر , وَفِي رِوَايَة مُغِيرَة \" ثُمَّ قَالَ : كِلْ لِلْقَوْمِ , فَكِلْتهمْ حَتَّى أَوْفَيْتهمْ \" وَفِي رِوَايَة فِرَاس \" ثُمَّ قَالَ لِجَابِرٍ : جُدَّ فَأَوْفِ الَّذِي لَهُ , فَجَدَّهُ بَعْدَمَا رَجَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَوْفَاهُمْ الَّذِي لَهُمْ وَبَقِيَ مِثْل مَا أَعْطَاهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُغِيرَة \" وَبَقِيَ تَمْرِي وَكَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُص مِنْهُ شَيْء \" وَفِي رِوَايَة اِبْن كَعْب \" وَبَقِيَ لَنَا مِنْ تَمْرهَا بَقِيَّة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة وَهْب بْن كَيْسَانَ \" فَأَوْفَاهُ ثَلَاثِينَ وَسْقًا وَفَضَلَتْ لَهُ سَبْعَة عَشَر وَسْقًا \" , وَيُجْمَع بِالْحَمْلِ عَلَى تَعَدُّد الْغُرَمَاء , فَكَانَ أَصْل الدَّيْن كَانَ مِنْهُ لِيَهُودِيٍّ ثَلَاثُونَ وَسْقًا مِنْ صِنْف وَاحِد فَأَوْفَاهُ وَفَضْل مِنْ ذَلِكَ الْبَيْدَر سَبْعَة عَشْر وَسْقًا , وَكَانَ مِنْهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ الْيَهُودِيّ أَشْيَاء أُخَر مِنْ أَصْنَاف أُخْرَى فَأَوْفَاهُمْ وَفَضَلَ مِنْ الْمَجْمُوع قَدْر الَّذِي أَوْفَاهُ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة نُبَيْح الْعَنَزِيّ عَنْ جَابِر \" فَكِلْت لَهُ مِنْ الْعَجْوَة فَأَوْفَاهُ اللَّه وَفَضَلَ لَنَا مِنْ التَّمْر كَذَا وَكَذَا , وَكِلْت لَهُ مِنْ أَصْنَاف التَّمْر فَأَوْفَاهُ اللَّه وَفَضَلَ لَنَا مِنْ التَّمْر كَذَا وَكَذَا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة فِرَاس عَنْ الشَّعْبِيّ مَا قَدْ يُخَالِف ذَلِكَ , فَعَنْهُ \" ثُمَّ دَعَوْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّمَا أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَة \" أَيْ أَنَّهُمْ شَدَّدُوا عَلَيْهِ فِي الْمُطَالَبَة لِعَدَاوَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ طَافَ حَوْل أَعْظَمهَا بَيْدَرًا ثَلَاث مَرَّات ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : اُدْعُهُمْ , فَمَا زَالَ يَكِيل لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّه أَمَانَة وَالِدِي , وَأَنَا رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيهَا اللَّه وَلَا أَرْجِع إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ , فَسَلَّمَ اللَّه الْبَيَادِر كُلّهَا حَتَّى إِنِّي أَنْظُر إِلَى الْبَيْدَر الَّذِي عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُص مِنْهُ تَمْرَة وَاحِدَة \" وَوَجْه الْمُخَالَفَة فِيهِ أَنَّ ظَاهِره أَنَّ الْكَيْل جَمِيعه كَانَ بِحَضْرَةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ التَّمْر لَمْ يَنْقُص مِنْهُ شَيْء الْبَتَّة , وَالَّذِي مَضَى ظَاهِره أَنَّ ذَلِكَ بَعْد رُجُوعه وَأَنَّ بَعْض التَّمْر نَقَصَ , وَيُجْمَع بِأَنَّ اِبْتِدَاء الْكَيْل كَانَ بِحَضْرَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَقِيَّته كَانَ بَعْد اِنْصِرَافه , وَكَانَ بَعْض الْبَيَادِر الَّتِي أَوْفَى مِنْهَا بَعْض أَصْحَاب الدَّيْن حَيْثُ كَانَ بِحَضْرَةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْقُص مِنْهُ شَيْء الْبَتَّة , وَلَمَّا اِنْصَرَفَ بَقِيَتْ آثَار بَرَكَته فَلِذَلِكَ أَوْفَى مِنْ أَحَد الْبَيَادِر ثَلَاثِينَ وَسْقًا وَفَضَلَ سَبْعَة عَشَر. وَفِي رِوَايَة نُبَيْح مَا يُؤَيِّد ذَلِكَ , فَفِي رِوَايَته قَالَ : \" كِلْ لَهُ فَإِنَّ اللَّه سَوْفَ يُوَفِّيه \" وَفِي حَدِيثه \" فَإِذَا الشَّمْس قَدْ دَلَكَتْ فَقَالَ : الصَّلَاة يَا أَبَا بَكْر , فَانْدَفَعُوا إِلَى الْمَسْجِد فَقُلْت لَهُ - أَيْ لِلْغَرِيمِ - قَرِّبْ أَوْعِيَتك \" وَفِيهِ \" فَجِئْت أَسْعَى إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنِّي شَرَارَة , فَوَجَدْته قَدْ صَلَّى , فَأَخْبَرْته فَقَالَ : أَيْنَ عُمَر ؟ فَجَاءَ يُهَرْوِل. فَقَالَ : سَلْ جَابِرًا عَنْ تَمْره وَغَرِيمه , فَقَالَ : مَا أَنَا بِسَائِلِهِ , قَدْ عَلِمْت أَنَّ اللَّه سَيُوَفِّيهِ \" الْحَدِيث. وَقِصَّة عُمَر قَدْ وَقَعَتْ فِي رِوَايَة اِبْن كَعْب فَفِيهَا \" ثُمَّ جِئْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِعُمَر : اِسْمَعْ يَا عُمَر , قَالَ : أَلَّا نَكُون قَدْ عَلِمْنَا أَنَّك رَسُول اللَّه ؟ وَاَللَّه إِنَّك لَرَسُول اللَّه \" وَفِي رِوَايَة وَهْب \" فَقَالَ عُمَر : لَقَدْ عَلِمْت حِين مَشَى فِيهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُبَارِكَنَّ اللَّه فِيهَا \" وَقَوْله فِي رِوَايَة اِبْن كَعْب \" أَلَّا نَكُون \" بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَتَشْدِيد اللَّام فِي الرِّوَايَات كُلّهَا , وَأَصْلهَا أَنْ الْخَفِيفَة ضُمَّتْ إِلَيْهَا لَا النَّافِيَة , أَيْ هَذَا السُّؤَال إِنَّمَا يَحْتَاج إِلَيْهِ مَنْ لَا يَعْلَم أَنَّك رَسُول اللَّه فَلِذَلِكَ يَشُكّ فِي الْخَبَر فَيَحْتَاج إِلَى الِاسْتِدْلَال , وَأَمَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّك رَسُول اللَّه فَلَا يَحْتَاج إِلَى ذَلِكَ. وَزَعَمَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الرِّوَايَة فِيهِ بِتَخْفِيفِ اللَّام وَأَنَّ الْهَمْزَة فِيهِ لِلِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيّ فَأَنْكَرَ عُمَر عَدَم عِلْمه بِالرِّسَالَةِ فَأَنْتَجَ إِنْكَاره ثُبُوت عِلْمه بِهَا , وَهُوَ كَلَام مُوَجَّه , إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَة إِنَّمَا هِيَ بِالتَّشْدِيدِ , وَكَذَلِكَ ضَبَطَهَا عِيَاض وَغَيْره , وَقِيلَ : النُّكْتَة فِي اِخْتِصَاص عُمَر بِأَعْلَامِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَنِيًا بِقِصَّةِ جَابِر مُهْتَمًّا بِشَأْنِهِ مُسَاعِدًا لَهُ عَلَى وَفَاء دَيْن أَبِيهِ. وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ حَاضِرًا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَشَى فِي النَّخْل وَتَحَقَّقَ أَنَّ التَّمْر الَّذِي فِيهِ لَا يَفِي بِبَعْضِ الدَّيْن , فَأَرَادَ إِعْلَامه بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ شَاهَدَ أَوَّل الْأَمْر , بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُشَاهِد. ثُمَّ وَجَدْت ذَلِكَ صَرِيحًا فِي بَعْض طُرُقه , فَفِي رِوَايَة أَبِي الْمُتَوَكِّل عَنْ جَابِر عِنْد أَبِي نُعَيْم فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَإِذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعُمَر فَقَالَ : اِنْطَلِقْ بِنَا حَتَّى نَطُوف بِنَخْلِك هَذَا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَفِي رِوَايَة أَبِي نَضْرَة عَنْ جَابِر عِنْده فِي هَذِهِ الْقِصَّة قَالَ : \" فَأَتَاهُ هُوَ وَعُمَر فَقَالَ : يَا فُلَان خُذْ مِنْ جَابِر وَأَخِّرْ عَنْهُ فَأَبَى , فَكَادَ عُمَر يَبْطِش بِهِ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَهْ يَا عُمَر , هُوَ حَقّه. ثُمَّ قَالَ : اِذْهَبْ بِنَا إِلَى نَخْلك \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَأَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْته فَقَالَ : اِئْتِنِي بِعُمَر , فَأَتَيْته فَقَالَ : يَا عُمَر سَلْ جَابِرًا عَنْ نَخْله \" فَذَكَرَ الْقِصَّة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الدِّيَال بْن حَرْمَلَة أَنَّ أَبَا بَكْر وَعُمَر جَمِيعًا كَانَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ فَانْطَلَقَ فَأَخْبِرْ أَبَا بَكْر وَعُمَر , قَالَ فَانْطَلَقْت فَأَخْبَرْتهمَا \" الْحَدِيث , وَنَحْوه فِي رِوَايَة وَهْب بْن كَيْسَانَ عَنْ جَابِر , وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بَيْن مُخْتَلِف الرِّوَايَات فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْيَهُودِيّ الْمَذْكُور كَانَ لَهُ دَيْن مِنْ تَمْر , وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْغُرَمَاء دُيُون أُخْرَى , فَلَمَّا حَضَرَ الْغُرَمَاء وَطَالَبُوا بِحُقُوقِهِمْ وَكَالَ لَهُمْ جَابِر التَّمْر فَفَضَلَ تَمْر الْحَائِط كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُص شَيْء فَجَاءَ الْيَهُودِيّ بَعْدهمْ فَطَالَبَ بِدَيْنِهِ فَجَدَّ لَهُ جَابِر مَا بَقِيَ عَلَى النَّخَلَات فَأَوْفَاهُ حَقّه مِنْهُ وَهُوَ ثَلَاثُونَ وَسْقًا , وَفَضَلَتْ مِنْهُ سَبْعَة عَشَر , اِنْتَهَى. وَهَذَا الْجَمْع يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَفْضُل مِنْ الَّذِي فِي الْبَيَادِر شَيْء وَقَدْ صَرَّحَ فِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة أَنَّهَا فَضَلَتْ كُلّهَا كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُص مِنْهَا شَيْء , فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الطَّرِيق الَّتِي جَمَعْت بِهِ أَوْلَى , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد جَوَاز الِاسْتِنْظَار فِي الدَّيْن الْحَالّ , وَجَوَاز تَأْخِير الْغَرِيم لِمَصْلَحَةِ الْمَال الَّذِي يُوَفَّى مِنْهُ , وَفِيهِ مَشْي الْإِمَام فِي حَوَائِج رَعِيَّته , وَشَفَاعَته عِنْد بَعْضهمْ فِي بَعْض. وَفِيهِ عَلَم ظَاهِر مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة لِتَكْثِيرِ الْقَلِيل إِلَى أَنْ حَصَلَ بِهِ وَفَاء الْكَثِير وَفَضَلَ مِنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3316",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عُثْمَانَ ‏ ‏أَنَّهُ حَدَّثَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَصْحَابَ الصُّفَّةِ ‏ ‏كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ مَرَّةً مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ أَوْ كَمَا قَالَ وَأَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏جَاءَ بِثَلَاثَةٍ وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعَشَرَةٍ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏ثَلَاثَةً قَالَ فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي ‏ ‏وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ امْرَأَتِي وَخَادِمِي بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْنَ بَيْتِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَأَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ أَوْ ضَيْفِكَ قَالَ أَوَعَشَّيْتِهِمْ قَالَتْ أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ قَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ فَغَلَبُوهُمْ فَذَهَبْتُ فَاخْتَبَأْتُ فَقَالَ يَا ‏ ‏غُنْثَرُ ‏ ‏فَجَدَّعَ ‏ ‏وَسَبَّ وَقَالَ كُلُوا وَقَالَ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا قَالَ وَايْمُ اللَّهِ ‏ ‏مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ اللُّقْمَةِ إِلَّا ‏ ‏رَبَا ‏ ‏مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلُ فَنَظَرَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَإِذَا شَيْءٌ أَوْ أَكْثَرُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا أُخْتَ ‏ ‏بَنِي فِرَاسٍ ‏ ‏قَالَتْ لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِمَّا قَبْلُ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ فَأَكَلَ مِنْهَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَقَالَ إِنَّمَا كَانَ الشَّيْطَانُ ‏ ‏يَعْنِي يَمِينَهُ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَمَضَى الْأَجَلُ فَتَفَرَّقْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ غَيْرَ أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ قَالَ أَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ أَوْ كَمَا قَالَ وَغَيْرُهُ يَقُولُ فَعَرَفْنَا مِنْ الْعِرَافَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق فِي قِصَّة أَضْيَاف أَبِي بَكْر , وَالْمُرَاد مِنْهُ تَكْثِير الطَّعَام الْقَلِيل. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ سُلَيْمَان بْن طَرْخَان التَّيْمِيُّ أَحَد صِغَار التَّابِعِينَ , وَفِي رِوَايَة أَبِي النُّعْمَان عَنْ مُعْتَمِر \" حَدَّثَنَا أَبِي \" كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة. وَأَبُو عُثْمَان هُوَ النَّهْدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَصْحَاب الصُّفَّة كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاء ) ‏ ‏سَيَأْتِي ذِكْرهمْ فِي كِتَاب الرِّقَاق , وَأَنَّ الصُّفَّة مَكَان فِي مُؤَخَّر الْمَسْجِد النَّبَوِيّ مُظَلَّل أُعِدّ لِنُزُولِ الْغُرَبَاء فِيهِ مِمَّنْ لَا مَأْوَى لَهُ وَلَا أَهْل , وَكَانُوا يَكْثُرُونَ فِيهِ وَيَقِلُّونَ بِحَسَبِ مَنْ يَتَزَوَّج مِنْهُمْ أَوْ يَمُوت أَوْ يُسَافِر , وَقَدْ سَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْحِلْيَة \" فَزَادُوا عَلَى الْمِائَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ كَانَ عِنْده طَعَام اِثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ أَهْل الصُّفَّة الْمَذْكُورِينَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةٍ \" قَالَ عِيَاض : وَهُوَ غَلَط , وَالصَّوَاب رِوَايَة الْبُخَارِيّ لِمُوَافَقَتِهَا لِسِيَاقِ بَاقِي الْحَدِيث. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِره فَسَدَ الْمَعْنَى , لِأَنَّ الَّذِي عِنْده طَعَام اِثْنَيْنِ إِذَا ذَهَبَ مَعَهُ بِثَلَاثَةٍ لَزِمَ أَنْ يَأْكُلهُ فِي خَمْسَة وَحِينَئِذٍ لَا يَكْفِيهِمْ وَلَا يَسُدّ رَمَقَهُمْ , بِخِلَافِ مَا إِذَا ذَهَبَ بِوَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَأْكُلهُ فِي ثَلَاثَة , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر \" طَعَام الِاثْنَيْنِ يَكْفِي أَرْبَعَة \" أَيْ الْقَدْر الَّذِي يُشْبِع الِاثْنَيْنِ يَسُدّ رَمَق أَرْبَعَة , وَوَجَّهَهَا النَّوَوِيّ بِأَنَّ التَّقْدِير فَلْيَذْهَبْ بِمَنْ يُتِمّ مَنْ عِنْده ثَلَاثَة , أَوْ فَلْيَذْهَبْ بِتَمَامِ ثَلَاثَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ كَانَ عِنْده طَعَام أَرْبَعَة فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ أَوْ كَمَا قَالَ ) ‏ ‏أَيْ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْده مَا يَقْتَضِي أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , وَإِلَّا فَلْيَذْهَبْ بِسَادِسٍ مَعَ الْخَامِس إِنْ كَانَ عِنْده أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ. وَالْحِكْمَة فِي كَوْنه يَزِيد كُلّ أَحَد وَاحِدًا فَقَطْ أَنَّ عَيْشهمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت لَمْ يَكُنْ مُتَّسِعًا , فَمَنْ كَانَ عِنْده مَثَلًا ثَلَاثَة أَنْفُس لَا يَضِيق عَلَيْهِ أَنْ يُطْعِم الرَّابِع مِنْ قُوتهمْ , وَكَذَلِكَ الْأَرْبَعَة وَمَا فَوْقهَا , بِخِلَافِ مَا لَوْ زِيدَتْ الْأَضْيَاف بِعَدَدِ الْعِيَال فَإِنَّمَا ذَلِكَ يَحْصُل الِاكْتِفَاء فِيهِ عِنْد اِتِّسَاع الْحَال. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي النُّعْمَان \" وَإِنْ أَرْبَع فَخَامِس أَوْ سَادِس \" وَ \" أَوْ \" فِيهِ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَى \" أَوْ سَادِس \" وَإِنْ كَانَ عِنْده طَعَام خَمْس فَلْيَذْهَبْ بِسَادِسٍ , فَيَكُون مِنْ عَطْف الْجُمْلَة عَلَى الْجُمْلَة. وَقَوْله : ( وَإِنْ أَرْبَع فَخَامِس ) بِالْجَرِّ فِيهِمَا , وَالتَّقْدِير فَإِنْ كَانَ عِنْده طَعَام أَرْبَع فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ بِسَادِسٍ , فَحَذَفَ عَامِل الْجَرّ وَأَبْقَى عَمَله , كَمَا يُقَال مَرَرْت بِرَجُلِ صَالِح وَإِنْ لَا صَالِح فَطَالِح , أَيْ إِنْ لَا أَمُرّ بِصَالِحٍ فَقَدْ مَرَرْت بِطَالِحٍ , وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى حَذْف مُضَاف وَإِقَامَة الْمُضَاف إِلَيْهِ مَقَامه وَهُوَ أَوْجَه , قَالَ اِبْن مَالِك : تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيث حَذْف فِعْلَيْنِ وَعَامِلَيْ جَرّ مَعَ بَقَاء عَمَلهمَا بَعْد إِنْ وَبَعْد الْفَاء , وَالتَّقْدِير مَنْ كَانَ عِنْده طَعَام اِثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ , وَإِنْ قَامَ بِأَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ سَادِس ا ه. وَهَذَا قَالَهُ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الصَّلَاة , وَأَمَّا هَذِهِ الرِّوَايَة وَهِيَ قَوْله : \" بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ \" فَيَكُون حُذِفَ مِنْهَا شَيْء آخَر وَالتَّقْدِير أَوْ إِنْ قَامَ بِخَمْسَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِسَادِسٍ ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ أَبَا بَكْر جَاءَ بِثَلَاثَةٍ وَانْطَلَقَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشَرَةٍ ) ‏ ‏عَبَّرَ عَنْ أَبِي بَكْر بِلَفْظِ الْمَجِيء لِبُعْدِ مَنْزِله مِنْ الْمَسْجِد , وَعَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِانْطِلَاقِ لِقُرْبِهِ. وَقَوْله بَعْد ذَلِكَ \" وَأَبُو بَكْر ثَلَاثَة \" بِالنَّصْبِ لِلْأَكْثَرِ أَيْ أَخَذَ ثَلَاثَة فَلَا يَكُون قَوْله قَبْل ذَلِكَ \" جَاءَ بِثَلَاثَةٍ \" تَكْرَارًا لِأَنَّ هَذَا بَيَان لِابْتِدَاءِ مَا جَاءَ فِي نَصِيبه , وَالْأَوَّل لِبَيَانِ مَنْ أَحْضَرَهُمْ إِلَى مَنْزِله. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ ثَلَاثَة بِالرَّفْعِ وَقَدَّرَهُ وَأَبُو بَكْر أَهْله ثَلَاثَة أَيْ عَدَد أَضْيَافه , وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ عِنْده طَعَام أَرْبَعَة وَمَعَ ذَلِكَ فَأَخَذَ خَامِسًا وَسَادِسًا وَسَابِعًا فَكَأَنَّ الْحِكْمَة فِي أَخْذه وَاحِدًا زَائِدًا عَمَّا ذَكَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُؤْثِر السَّابِع بِنَصِيبِهِ إِذْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُل أَوَّلًا مَعَهُمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَأَبُو بَكْر بِثَلَاثَةٍ , فَيَكُون مَعْطُوفًا عَلَى قَوْله \" وَانْطَلَقَ النَّبِيّ \" أَيْ وَانْطَلَقَ أَبُو بَكْر بِثَلَاثَةٍ وَهِيَ رِوَايَة مُسْلِم , وَالْأَوَّل أَوْجَه , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر , قَوْله : \" فَهُوَ \" أَيْ الشَّأْن , وَقَوْله : ( أَنَا ) مُبْتَدَأ وَخَبَره مَحْذُوف يَدُلّ عَلَيْهِ السِّيَاق وَتَقْدِيره فِي الدَّار. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ اِمْرَأَتِي وَخَادِمِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَخَادِم \" بِغَيْرِ إِضَافَة , وَالْقَائِل \" هَلْ قَالَ \" هُوَ أَبُو عُثْمَان الرَّاوِي عَنْ عَبْد الرَّحْمَن كَأَنَّهُ شَكَّ فِي ذَلِكَ , ‏ ‏وَقَوْله : ( بَيْن بَيْتنَا ) ‏ ‏أَيْ خِدْمَتهَا مُشْتَرَكَة بَيْن بَيْتنَا وَبَيْت أَبِي بَكْر , وَهُوَ ظَرْف لِلْخَادِمِ , وَأُمّ عَبْد الرَّحْمَن هِيَ أُمّ رُومَان مَشْهُورَة بِكُنْيَتِهَا , وَاسْمهَا زَيْنَب وَقِيلَ : وَعْلَة بِنْت عَامِر بْن عُوَيْمِر وَقِيلَ عُمَيْرَةُ , مِنْ ذُرِّيَّة الْحَارِث بْن غُنْم بْن مَالِك بْن كِنَانَة , كَانَتْ قَبْل أَبِي بَكْر عِنْد الْحَارِث بْن سَخْبَرَة الْأَزْدِيّ فَقَدِمَ مَكَّة فَمَاتَ وَخَلَّفَ مِنْهَا اِبْنه الطُّفَيْل , فَتَزَوَّجَهَا أَبُو بَكْر فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْد الرَّحْمَن وَعَائِشَة , وَأَسْلَمَتْ أُمّ رُومَان قَدِيمًا وَهَاجَرَتْ وَمَعَهَا عَائِشَة , أَمَّا عَبْد الرَّحْمَن فَتَأَخَّرَ إِسْلَامه وَهِجْرَته إِلَى هُدْنَة الْحُدَيْبِيَة , فَقَدِمَ فِي سَنَة سَبْع أَوْ أَوَّل سَنَة ثَمَان , وَاسْم اِمْرَأَته - وَالِدَة أَكْبَر أَوْلَاده أَبِي عَتِيق مُحَمَّد - أُمَيْمَة بِنْت عَدِيّ بْن قَيْس السَّهْمِيَّة وَالْخَادِم لَمْ أَعْرِف اِسْمهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ أَبَا بَكْر تَعَشَّى عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاء ثُمَّ رَجَعَ ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الصَّلَاة \" ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّيْت الْعِشَاء \" وَفِي رِوَايَة \" حَيْثُ صَلَّيْت ثُمَّ رَجَعَ \" فَشَرَحَهُ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : هَذَا يُشْعِر بِأَنَّ تَعَشِّي أَبِي بَكْر كَانَ بَعْد الرُّجُوع إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالَّذِي تَقَدَّمَ بِعَكْسِهِ , وَالْجَوَاب أَنَّ الْأَوَّل بَيَان حَال أَبِي بَكْر فِي عَدَم اِحْتِيَاجه إِلَى الطَّعَام عِنْد أَهْله , وَالثَّانِي فِيهِ سِيَاق الْقِصَّة عَلَى التَّرْتِيب الْوَاقِع : الْأَوَّل تَعَشِّي الصِّدِّيق وَالثَّانِي تَعَشِّي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْأَوَّل مِنْ الْعَشَاء بِفَتْحِهَا أَيْ الْأَكْل , وَالثَّانِي بِكَسْرِهَا أَيْ الصَّلَاة , فَأَحَد هَذِهِ الِاحْتِمَالَات أَنَّ أَبَا بَكْر لَمَّا جَاءَ بِالثَّلَاثَةِ إِلَى مَنْزِله لَبِثَ إِلَى وَقْت صَلَاة الْعِشَاء فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَعَشَّى عِنْده , وَهَذَا لَا يَصِحّ لِأَنَّهُ يُخَالِف صَرِيح قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب \" وَإِنَّ أَبَا بَكْر تَعَشَّى عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ثُمَّ إِنَّ الَّذِي وَقَعَ عِنْد الْبُخَارِيّ بِلَفْظِ \" ثُمَّ رَجَعَ \" بِالْجِيمِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ مِنْ الرُّوَاة لِمَا سَأَذْكُرُهُ , وَظَاهِر قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" ثُمَّ رَجَعَ \" أَيْ إِلَى مَنْزِله , وَعَلَى هَذَا فَفِي قَوْله : \" فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ اللَّيْل مَا شَاءَ اللَّه \" تَكْرَار وَفَائِدَته الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ تَأَخُّره عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بِمِقْدَارِ أَنْ تَعَشَّى مَعَهُ وَصَلَّى الْعِشَاء وَمَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِله إِلَّا بَعْد أَنْ مَضَى مِنْ اللَّيْل قِطْعَة , وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبّ أَنْ يُؤَخِّر صَلَاة الْعِشَاء كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث أَبِي بَرْزَة , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" ثُمَّ رَكَعَ \" بِالْكَافِ أَيْ صَلَّى النَّافِلَة بَعْد الْعِشَاء , فَعَلَى هَذَا فَالتَّكْرَار فِي قَوْله : \" فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى \" فَقَطْ , وَفَائِدَته مَا تَقَدَّمَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا \" فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ , بِعَيْنٍ وَسِين مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ مِنْ النُّعَاس وَهُوَ أَوْجَه , وَقَالَ عِيَاض إِنَّهُ الصَّوَاب , وَبِهِ يَنْتَفِي التَّكْرَار مِنْ الْمَوَاضِع كُلّهَا إِلَّا فِي قَوْله : \" لَبِثَ \" وَسَبَبه اِخْتِلَاف تَعَلُّق اللُّبْث فَالْأَوَّل قَالَ : \" لَبِثَ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاء \" ثُمَّ قَالَ : \" فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ \" وَالْحَاصِل أَنَّهُ تَأَخَّرَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاء ثُمَّ تَأَخَّرَ حَتَّى نَعَسَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ لِيَنَامَ فَرَجَعَ أَبُو بَكْر حِينَئِذٍ إِلَى بَيْته , وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّف فِي أَبْوَاب الصَّلَاة قُبَيْل الْأَذَان \" بَاب السَّمَر مَعَ الضَّيْف وَالْأَهْل \" وَأَخَذَهُ مِنْ كَوْن أَبِي بَكْر رَجَعَ إِلَى أَهْله وَضِيفَانه بَعْد أَنْ صَلَّى الْعِشَاء مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَارَ بَيْنهمْ وَبَيْنه مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيث. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة الْجَرِيرِيّ عَنْ أَبِي عُثْمَان أَوْ أَبِي السَّلِيل عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر قَالَ : \" نَزَلَ بِنَا أَضْيَاف , وَكَانَ أَبُو بَكْر يَتَحَدَّث عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَا أَرْجِع إِلَيْك حَتَّى تَفْرُغ مِنْ ضِيَافَة هَؤُلَاءِ \" وَنَحْوه يَأْتِي فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الْجَرِيرِيّ عَنْ أَبِي عُثْمَان بِلَفْظِ \" أَنَّ أَبَا بَكْر تَضَيَّفَ رَهْطًا , فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَن : دُونك أَضْيَافك , فَإِنِّي مُنْطَلِق إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ قَبْل أَنْ أَجِيء \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْر أَحْضَرَهُمْ إِلَى مَنْزِله وَأَمَرَ أَهْله أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ وَرَجَعَ هُوَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ صَرِيح قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب \" وَإِنَّ أَبَا بَكْر جَاءَ بِثَلَاثَةٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ لَهُ اِمْرَأَته مَا حَبَسَك مِنْ أَضْيَافك ) ‏ ‏؟ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَنْ أَضْيَافك \" وَكَذَا هُوَ فِي الصَّلَاة وَرِوَايَة مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ ضَيْفك ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَالْمُرَاد بِهِ الْجِنْس لِأَنَّهُمْ ثَلَاثَة , وَاسْم الضَّيْف يُطْلَق عَلَى الْوَاحِد وَمَا فَوْقه. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : أَوْ هُوَ مَصْدَر يَتَنَاوَل الْمُثَنَّى وَالْجَمْع , كَذَا قَالَ وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوَ عَشَّيْتهمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَوَ مَا عَشَّيْتهمْ \" بِزِيَادَةِ مَا النَّافِيَة , وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ , وَالْهَمْزَة لِلِاسْتِفْهَامِ وَالْوَاو لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّر بَعْد الْهَمْزَة , وَفِي بَعْضهَا عَشَّيْتِهِمْ بِإِشْبَاعِ الْكَسْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن وَالرَّاء وَالْفَاعِل مَحْذُوف أَيْ الْخَدَم أَوْ الْأَهْل أَوْ نَحْو ذَلِكَ , ‏ ‏( فَغَلَبُوهُمْ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ آلَ أَبِي بَكْر عَرَضُوا عَلَى الْأَضْيَاف الْعَشَاء فَأَبَوْا فَعَالَجُوهُمْ فَامْتَنَعُوا حَتَّى غَلَبُوهُمْ. وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الصَّلَاة \" قَدْ عُرِّضُوا \" بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيد الرَّاء أَيْ أُطْعِمُوا مِنْ الْعِرَاضَة وَهِيَ الْهَدِيَّة , قَالَهُ عِيَاض , قَالَ وَهُوَ فِي الرِّوَايَة بِتَخْفِيفِ الرَّاء , وَحَكَى اِبْن قُرْقُول أَنَّ الْقِيَاس بِتَشْدِيدِ الرَّاء وَبِهِ جَزَمَ الْجَوْهَرِيّ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ مُوَجِّهًا لِلتَّخْفِيفِ : أَيْ عُرِضَ الطَّعَام عَلَيْهِمْ , فَحَذَفَ الْجَارّ وَوَصَلَ الْفِعْل فَهُوَ مِنْ الْقَلْب كَعَرَضْتُ النَّاقَة عَلَى الْحَوْض. وَوَقَعَ فِي الصَّلَاة \" قَدْ عَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فَامْتَنَعُوا \" وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات عَرِصُوا بِصَادٍ مُهْمَلَة , قَالَ وَلَا أَعْرِف لَهَا وَجْهًا وَوَجَّهَهَا غَيْره أَنَّهَا مِنْ قَوْلهمْ عَرَصَ إِذَا نَشِطَ , فَكَأَنَّهُ يُرِيد أَنَّهُمْ نَشِطُوا فِي الْعَزِيمَة عَلَيْهِمْ , وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه. وَفِي رِوَايَة الْجَرِيرِيّ \" فَانْطَلَقَ عَبْد الرَّحْمَن فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْده فَقَالَ : اِطْعَمُوا , قَالُوا : أَيْنَ رَبّ مَنْزِلنَا ؟ قَالَ : اِطْعَمُوا. قَالُوا : مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيء. قَالَ : اِقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ , فَإِنَّهُ إِنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا لَأَلْقَيَنَّ مِنْهُ - أَيْ شَرًّا - فَأَبَوْا \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَلَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ ؟ \" ضَبَطَهُ عِيَاض عَنْ الْأَكْثَر بِتَخْفِيفِ اللَّام عَلَى اِسْتِفْتَاح الْكَلَام , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَيَلْزَم عَلَيْهِ أَنْ تَثْبُت النُّون فِي \" تَقْبَلُونَ \" إِذْ لَا مُوجِب لِحَذْفِهَا , وَضَبَطَهَا اِبْن أَبِي جَعْفَر بِتَشْدِيدِ اللَّام وَهُوَ الْوَجْه. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ فَذَهَبْت فَاخْتَبَأْت ) ‏ ‏أَيْ خَوْفًا مِنْ خِصَام أَبِي بَكْر لَهُ وَتَغَيُّظه عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَة الْجَرِيرِيّ \" فَعَرَفْت أَنَّهُ يَجِد عَلَيَّ \" أَيْ يَغْضَب \" فَلَمَّا جَاءَ تَغَيَّبْت عَنْهُ , فَقَالَ : يَا عَبْد الرَّحْمَن , فَسَكَتَ. ثُمَّ قَالَ : يَا عَبْد الرَّحْمَن , فَسَكَتَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ يَا غُنْثَر فَجَدَّعَ وَسَبَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْجَرِيرِيّ فَقَالَ : يَا غُنْثَر أَقْسَمْت عَلَيْك إِنْ كُنْت تَسْمَع صَوْتِي لَمَا جِئْت , قَالَ فَخَرَجْت فَقُلْت وَاَللَّه مَا لِي ذَنْب , هَؤُلَاءِ أَضْيَافك فَسَلْهُمْ. قَالُوا صَدَقَك قَدْ أَتَانَا. وَقَوْله : ( فَجَدَعَ وَسَبَّ ) أَيْ دَعَا عَلَيْهِ بِالْجَدْعِ وَهُوَ قَطْع الْأُذُن أَوْ الْأَنْف أَوْ الشَّفَة , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِهِ السَّبّ , وَالْأَوَّل أَصَحّ. وَفِي رِوَايَة الْجَرِيرِيّ \" فَجَزَّعَ \" بِالزَّايِ بَدَل الدَّال أَيْ نَسَبَهُ إِلَى الْجَزَع بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْخَوْف , وَقِيلَ : الْمُجَازَعَة الْمُخَاصَمَة فَالْمَعْنَى خَاصَمَ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَنَّ أَبُو بَكْر أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن فَرَّطَ فِي حَقّ الْأَضْيَاف , فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَال أَدَّبَهُمْ بِقَوْلِهِ كُلُوا لَا هَنِيئًا , وَسَبَّ أَيْ شَتَمَ. ‏ ‏وَحَذَفَ الْمَفْعُول لِلْعِلْمِ بِهِ. قَوْله : \" غُنْثَر \" بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفَتْح الْمُثَلَّثَة , هَذِهِ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة , وَحُكِيَ ضَمّ الْمُثَلَّثَة , وَحَكَى عِيَاض عَنْ بَعْض شُيُوخه فَتْح أَوَّله مَعَ فَتْح الْمُثَلَّثَة , وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ بِلَفْظِ \" عَنْتَر \" بِلَفْظِ اِسْم الشَّاعِر الْمَشْهُور وَهُوَ الْمُهْمَلَة وَالْمُثَنَّاة الْمَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنهمَا النُّون السَّاكِنَة , وَرَوَى عَنْ أَبِي عُمَر عَنْ ثَعْلَب أَنَّ مَعْنَاهُ الذُّبَاب , وَأَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِصَوْتِهِ فَشَبَّهَهُ بِهِ حَيْثُ أَرَادَ تَحْقِيره وَتَصْغِيره. وَقَالَ غَيْره : مَعْنَى الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة الثَّقِيل الْوَخِم وَقِيلَ : الْجَاهِل وَقِيلَ : السَّفِيه وَقِيلَ اللَّئِيم , وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ الْغُثْر وَنُونه زَائِدَة , وَقِيلَ : هُوَ ذُبَاب أَزْرَق شَبَّهَهُ بِهِ لِتَحْقِيرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ كُلُوا ) ‏ ‏زَادَ فِي الصَّلَاة \" لَا هَنِيئًا \" وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسْلِم أَيْ لَا أَكَلْتُمْ هَنِيئًا وَهُوَ دُعَاء عَلَيْهِمْ , وَقِيلَ خَبَر أَيْ لَمْ تَتَهَنَّئُوا فِي أَوَّل نُضْجه , وَيُسْتَفَاد مِنْ ذَلِكَ جَوَاز الدُّعَاء عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُل مِنْهُ الْإِنْصَاف وَلَا سِيَّمَا عِنْد الْحَرَج وَالتَّغَيُّظ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَحَكَّمُوا عَلَى رَبّ الْمَنْزِل بِالْحُضُورِ مَعَهُمْ وَلَمْ يَكْتَفُوا بِوَلَدِهِ مَعَ إِذْنه لَهُمْ فِي ذَلِكَ , وَكَأَنَّ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ رَغْبَتهمْ فِي التَّبَرُّك بِمُؤَاكَلَتِهِ , وَيُقَال إِنَّهُ إِنَّمَا خَاطَبَ بِذَلِكَ أَهْله لَا الْأَضْيَاف , وَقِيلَ : لَمْ يُرِدْ الدُّعَاء وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ فَاتَهُمْ الْهَنَاء بِهِ إِذَا لَمْ يَأْكُلُوهُ فِي وَقْته. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لَا أَطْعَمهُ أَبَدًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم وَكَذَا هُوَ فِي الصَّلَاة \" فَقَالَ : وَاَللَّه لَا أَطْعَمهُ أَبَدًا \" وَفِي رِوَايَة الْجَرِيرِيّ \" فَقَالَ فَإِنَّمَا اِنْتَظَرْتُمُونِي , وَاَللَّه لَا أَطْعَمهُ أَبَدًا , فَقَالَ الْآخَر وَاَللَّه لَا نَطْعَمهُ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَقَالَ أَبُو بَكْر فَمَا مَنَعَكُمْ ؟ قَالُوا : مَكَانك. قَالَ وَاَللَّه لَا أَطْعَمهُ أَبَدًا. ثُمَّ اِتَّفَقَا فَقَالَ : لَمْ أَرَ فِي الشَّرّ كَاللَّيْلَةِ , وَيْلكُمْ مَا أَنْتُمْ ؟ لَمْ تَقْبَلُونَ عَنَّا قِرَاكُمْ. هَاتِ طَعَامك , فَوَضَعَ فَقَالَ : بِسْمِ اللَّه الْأَوَّل مِنْ الشَّيْطَان فَأَكَلَ وَأَكَلُوا \" قَالَ اِبْن التِّين : لَمْ يُخَاطِب أَبُو بَكْر أَضْيَافه بِذَلِكَ إِنَّمَا خَاطَبَ أَهْله , وَالرِّوَايَة الَّتِي ذَكَرْتهَا تَرُدّ عَلَيْهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَلَّا تَقْبَلُونَ \" وَهُوَ بِتَشْدِيدِ اللَّام لِلْأَكْثَرِ , وَلِبَعْضِهِمْ بِتَخْفِيفِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَيْمُ اللَّه ) ‏ ‏هَمْزَته هَمْزَة وَصْل عِنْد الْجُمْهُور وَقِيلَ : يَجُوز الْقَطْع , وَهُوَ مُبْتَدَأ وَخَبَره مَحْذُوف أَيْ أَيْم اللَّه قَسَمِي , وَأَصْله أَيْمَن اللَّه فَالْهَمْزَة حِينَئِذٍ هَمْزَة قَطْع لَكِنَّهَا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَال خُفِّفَتْ فَوُصِلَتْ , وَحُكِيَ فِيهَا لُغَات : أَيْمُن اللَّه مُثَلَّثَة النُّون , وَمُنُ اللَّه مُخْتَصَرَة مِنْ الْأُولَى مُثَلَّثَة النُّون أَيْضًا , وَاَيْم اللَّه كَذَلِكَ , وَمُ اللَّه كَذَلِكَ , بِكَسْرِ الْهَمْزَة أَيْضًا , وَأَم اللَّه. قَالَ اِبْن مَالِك : وَلَيْسَ الْمِيم بَدَلًا مِنْ الْوَاو وَلَا أَصْلهَا مِنْ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ. وَلَا أَيْمُن , جَمْع يَمِين خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ , وَسَيَأْتِي تَمَام هَذَا فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا رَبَا ) ‏ ‏أَيْ زَادَ , ‏ ‏وَقَوْله : ( مِنْ أَسْفَلهَا ) ‏ ‏أَيْ الْمَوْضِع الَّذِي أُخِذَتْ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَظَرَ أَبُو بَكْر فَإِذَا شَيْء أَوْ أَكْثَر ) ‏ ‏وَالتَّقْدِير فَإِذَا هِيَ شَيْء أَيْ قُدِّرَ الَّذِي كَانَ , كَذَا عِنْد الْمُصَنِّف هُنَا , وَوَقَعَ فِي الصَّلَاة \" فَإِذَا هِيَ - أَيْ الْجَفْنَة - كَمَا هِيَ \" أَيْ كَمَا كَانَتْ أَوَّلًا أَوْ أَكْثَر , وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَهُوَ الصَّوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( يَا أُخْت بَنِي فِرَاس ) ‏ ‏زَادَ فِي الصَّلَاة \" مَا هَذَا \" وَخَاطَبَ أَبُو بَكْر بِذَلِكَ اِمْرَأَته أُمّ رُومَان , وَبَنُو فِرَاس بِكَسْرِ الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وَآخِره مُهْمَلَة اِبْن غَنْم بْن مَالِك بْن كِنَانَة , وَقَالَ النَّوَوِيّ : التَّقْدِير مَا مَنْ هِيَ مِنْ بَنِي فِرَاس وَفِيهِ نَظَر , وَالْعَرَب تُطْلِق عَلَى مَنْ كَانَ مُنْتَسِبًا إِلَى قَبِيلَة أَنَّهُ أَخُوهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم \" ضِمَام أَخُو بَنِي سَعْد بْن بَكْر \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أُمّ رُومَان مِنْ ذُرِّيَّة الْحَارِث بْن غَنْم وَهُوَ أَخُو فِرَاس بْن غَنْم فَلَعَلَّ أَبَا بَكْر نَسَبَهَا إِلَى بَنِي فِرَاس لِكَوْنِهِمْ أَشْهَر مِنْ بَنِي الْحَارِث وَيَقَع فِي النَّسَب كَثِير مِنْ ذَلِكَ , وَيُنْسَبُونَ أَحْيَانًا إِلَى أَخِي جَدّهمْ , أَوْ الْمَعْنَى يَا أُخْت الْقَوْم الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى بَنِي فِرَاس , وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَارِث أَخُو فِرَاس فَأَوْلَاد كُلّ مِنْهُمَا إِخْوَة لِلْآخَرِينَ لِكَوْنِهِمْ فِي دَرَجَتهمْ , وَحَكَى عِيَاض أَنَّهُ قِيلَ فِي أُمّ رُومَان إِنَّهَا مِنْ بَنِي فِرَاس بْن غَنْم لَا مِنْ بَنِي الْحَارِث وَعَلَى هَذَا فَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّأْوِيل , وَلَمْ أَرَ فِي كِتَاب اِبْن سَعْد لَهَا نَسَبًا إِلَّا إِلَى بَنِي الْحَارِث بْن غَنْم سَاقَ لَهَا نَسَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ , فَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ لَا وَقُرَّة عَيْنِي ) ‏ ‏قُرَّة الْعَيْن يُعَبَّر بِهَا عَنْ الْمَسَرَّة وَرُؤْيَة مَا يُحِبّهُ الْإِنْسَان وَيُوَافِقهُ , يُقَال ذَلِكَ لِأَنَّ عَيْنه قَرَّتْ أَيْ سَكَنَتْ حَرَكَتهَا مِنْ التَّلَفُّت لِحُصُولِ غَرَضهَا فَلَا تَسْتَشْرِف لِشَيْءٍ آخَر , فَكَأَنَّهُ مَأْخُوذ مِنْ الْقَرَار , وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَام اللَّه عَيْنك وَهُوَ يَرْجِع إِلَى هَذَا , وَقِيلَ : بَلْ هُوَ مَأْخُوذ مِنْ الْقَرّ وَهُوَ الْبَرْد أَيْ أَنَّ عَيْنه بَارِدَة لِسُرُورِهِ , وَلِهَذَا قِيلَ دَمْعَة الْحُزْن حَارَّة , وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ فِي ضِدّه أَسْخَنَ اللَّه عَيْنه , وَإِنَّمَا حَلَفَتْ أُمّ رُومَان بِذَلِكَ لِمَا وَقَعَ عِنْدهَا مِنْ السُّرُور بِالْكَرَامَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُمْ بِبَرَكَةِ الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِقُرَّةِ عَيْنهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْسَمَتْ بِهِ , وَفِيهِ بُعْدٌ. وَ \" لَا \" فِي قَوْلهَا : \" لَا وَقُرَّة عَيْنِي \" زَائِدَة أَوْ نَافِيَة عَلَى حَذْف , تَقْدِيره لَا شَيْء غَيْر مَا أَقُول. ‏ ‏قَوْله : ( لَهِيَ ) ‏ ‏أَيْ الْجَفْنَة أَوْ الْبَقِيَّة ‏ ‏( أَكْثَرُ مِمَّا قَبْل ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَكْثَر مِنْهَا قَبْل \" وَهُوَ أَوْجَه , وَ ( أَكْثَر ) لِلْأَكْثَرِ بِالْمُثَلَّثَةِ وَلِبَعْضِهِمْ بِالْمُوَحَّدَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْر وَقَالَ إِنَّمَا كَانَ الشَّيْطَان يَعْنِي يَمِينه ) ‏ ‏كَذَا هُنَا وَفِيهِ حَذْف تَقَدَّمَهَا تَقْدِيره : وَإِنَّمَا كَانَ الشَّيْطَان الْحَامِل عَلَى ذَلِكَ , يَعْنِي الْحَامِل عَلَى يَمِينه الَّتِي حَلَفَهَا فِي قَوْله : \" وَاَللَّه لَا أَطْعَمهُ \" وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ الشَّيْطَان \" يَعْنِي يَمِينه وَهُوَ أَوْجَه. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : الضَّمِير فِي قَوْله : \" هَذِهِ اللُّقْمَة \" لِلَّتِي أَكَلَ أَيْ هَذِهِ اللُّقْمَة لِقَمْعِ الشَّيْطَان وَإِرْغَامه. لِأَنَّهُ قَصَدَ بِتَزْيِينِهِ لَهُ الْيَمِين إِيقَاع الْوَحْشَة بَيْنه وَبَيْن أَضْيَافه , فَأَخْزَاهُ أَبُو بَكْر بِالْحِنْثِ الَّذِي هُوَ خَيْر , وَظَاهِر هَذَا السِّيَاق مُخَالِف لِرِوَايَةِ الْجَرِيرِيّ , فَقَالَ عِيَاض : فِي هَذَا السِّيَاق خَطَأ وَتَقْدِيم وَتَأْخِير , ثُمَّ ذَكَرَ مَا حَاصِله أَنَّ الصَّوَاب مَا فِي رِوَايَة الْجَرِيرِيّ , وَهُوَ أَنَّ رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ هَذِهِ تَقْتَضِي أَنَّ سَبَب أَكْل أَبِي بَكْر مِنْ الطَّعَام مَا رَآهُ مِنْ الْبَرَكَة فِيهِ فَرَغِبَ فِي الْأَكْل مِنْهُ وَأَعْرَضَ عَنْ يَمِينه الَّتِي حَلَفَ لَمَّا رَجَحَ عِنْده مِنْ التَّنَاوُل مِنْ الْبَرَكَة , وَرِوَايَة الْجَرِيرِيّ تَقْتَضِي أَنَّ سَبَب أَكْله مِنْ الطَّعَام لِجَاج الْأَضْيَاف وَحَلِفهمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَطْعَمُونَ مِنْ الطَّعَام حَتَّى يَأْكُل أَبُو بَكْر , وَلَا شَكّ فِي كَوْنهَا أَوْجَه , لَكِنْ يُمْكِن رَدّ رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ إِلَيْهَا بِأَنْ يَكُون قَوْله : \" فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْر \" مَعْطُوفًا عَلَى قَوْله : \" وَاَللَّه لَا أَطْعَمهُ \" لَا عَلَى الْقِصَّة الَّتِي دَلَّتْ عَلَى بَرَكَة الطَّعَام , وَغَايَته أَنَّ حَلِف الْأَضْيَاف أَنْ لَا يَطْعَمُوهُ لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة سُلَيْمَان وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان لَا مِنْ أَبِيهِ , فَقَدْ وَقَعَ فِي الْأَدَب عِنْد الْمُصَنِّف مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي عَدِيّ عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ \" فَحَلَفَتْ الْمَرْأَة لَا تَطْعَمُهُ حَتَّى يَطْعَمُوهُ , فَقَالَ أَبُو بَكْر كَأَنَّ هَذِهِ مِنْ الشَّيْطَان , فَدَعَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا , فَجَعَلُوا لَا يَرْفَعُونَ اللُّقْمَة إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلهَا \" وَيَحْتَمِل أَنْ يُجْمَع بِأَنْ يَكُون أَبُو بَكْر أَكَلَ لِأَجْلِ تَحْلِيل يَمِينهمْ شَيْئًا , ثُمَّ لَمَّا رَأَى الْبَرَكَة الظَّاهِرَة عَادَ فَأَكَلَ مِنْهَا لِتَحْصُل لَهُ وَقَالَ كَالْمُعْتَذِرِ عَنْ يَمِينه الَّتِي حَلَفَ \" إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ الشَّيْطَان \" وَالْحَاصِل أَنَّ اللَّه أَكْرَمَ أَبَا بَكْر فَأَزَالَ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْحَرَج , فَعَادَ مَسْرُورًا , وَانْفَكَّ الشَّيْطَان مَدْحُورًا. وَاسْتَعْمَلَ الصِّدِّيق مَكَارِم الْأَخْلَاق فَحَنَّثَ نَفْسه زِيَادَة فِي إِكْرَام ضِيفَانه لِيَحْصُل مَقْصُوده مِنْ أَكْلهمْ , وَلِكَوْنِهِ أَكْثَرَ قُدْرَة مِنْهُمْ عَلَى الْكَفَّارَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْجَرِيرِيّ عِنْد مُسْلِم \" فَقَالَ أَبُو بَكْر : يَا رَسُول اللَّه بَرُّوا وَحَنِثْت , فَقَالَ : بَلْ أَنْتَ أَبَرّهمْ وَخَيْرهمْ. قَالَ : وَلَمْ يَبْلُغنِي كَفَّارَة \" وَسَقَطَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَة الْجَرِيرِيّ عِنْد الْمُصَنِّف , وَكَأَنَّ سَبَب حَذْفه لِهَذِهِ الزِّيَادَة أَنَّ فِيهَا إِدْرَاجًا بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا \" فَأُخْبِرْت - بِضَمِّ الْهَمْزَة - أَنَّهُ أَصْبَحَ فَغَدَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ \" وَقَوْله : ( أَبَرّهمْ ) أَيْ أَكْثَرهمْ بِرًّا أَيْ طَاعَة , وَقَوْله : ( وَخَيْرهمْ ) أَيْ لِأَنَّك حَنِثْت فِي يَمِينك حِنْثًا مَنْدُوبًا إِلَيْهِ مَطْلُوبًا فَأَنْتَ أَفْضَل مِنْهُمْ بِهَذَا الِاعْتِبَار , وَقَوْله : ( وَلَمْ يَبْلُغنِي كَفَّارَة ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِب الْكَفَّارَة فِي يَمِين اللِّجَاج وَالْغَضَب , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ عَدَم الذِّكْر عَدَم الْوُجُود , فَلِمَنْ أَثْبَتَ الْكَفَّارَة أَنْ يَتَمَسَّك بِعُمُومِ قَوْله : ( وَلَكِنْ يُؤَاخِذكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَان فَكَفَّارَته إِطْعَام عَشَرَة مَسَاكِين ) وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ قَبْل مَشْرُوعِيَّة الْكَفَّارَة فِي الْأَيْمَان , لَكِنْ يُعَكِّر عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيث عَائِشَة أَنَّ أَبَا بَكْر لَمْ يَكُنْ يَحْنَث فِي يَمِين حَتَّى نَزَلَتْ الْكَفَّارَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ : قَوْله : \" وَلَمْ تَبْلُغنِي كَفَّارَة \" يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يُكَفِّر قَبْل الْحِنْث , فَأَمَّا وُجُوب الْكَفَّارَة فَلَا خِلَاف فِيهِ , كَذَا قَالَ. وَقَالَ غَيْره : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبُو بَكْر لَمَّا حَلَفَ أَنْ لَا يَطْعَمهُ أَضْمَرَ وَقْتًا مُعَيَّنًا أَوْ صِفَة مَخْصُوصَة , أَيْ لَا أَطْعَمَهُ مَعَكُمْ أَوْ عِنْد الْغَضَب , وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْيَمِين هَلْ تَقْبَل التَّقْيِيد فِي النَّفْس أَمْ لَا ؟ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّف. وَقَوْل أَبِي بَكْر \" وَاَللَّه لَا أَطْعَمهُ أَبَدًا \" يَمِين مُؤَكِّدَة وَلَا تَحْتَمِل أَنْ تَكُون مِنْ لَغْو الْكَلَام وَلَا مِنْ سَبْق اللِّسَان. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصْبَحَتْ عِنْده ) ‏ ‏أَيْ الْجَفْنَة عَلَى حَالهَا , وَإِنَّمَا لَمْ يَأْكُلُوا مِنْهَا فِي اللَّيْل لِكَوْنِ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْد أَنْ مَضَى مِنْ اللَّيْل مُدَّة طَوِيلَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَفَرَّقَنَا اِثْنَا عَشَر رَجُلًا مِنْ كُلّ رَجُل مِنْهُمْ أُنَاس ) ‏ ‏كَذَا هُوَ هُنَا مِنْ التَّفْرِيق أَيْ جَعَلَهُمْ اِثْنَتَيْ عَشْرَة فِرْقَة , وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" فَقَرَيْنَا \" بِقَافٍ وَتَحْتَانِيَّة مِنْ الْقِرَى وَهُوَ الضِّيَافَة , وَلَمْ أَقِف عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( اِثْنَا عَشَر رَجُلًا ) كَذَا لِلْمُصَنِّفِ , وَعِنْد مُسْلِم اِثْنَيْ عَشَر بِالنَّصْبِ وَهُوَ ظَاهِر , وَالْأَوَّل عَلَى طَرِيق مَنْ يَجْعَل الْمُثَنَّى بِالرَّفْعِ فِي الْأَحْوَال الثَّلَاثَة وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : ( إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ) , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون \" فَفُرِّقْنَا \" بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , فَارْتَفَعَ اِثْنَا عَشَر عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأ وَخَبَره مَعَ كُلّ رَجُل مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّه أَعْلَم كَمْ مَعَ كُلّ رَجُل غَيْر أَنَّهُ بُعِثَ مَعَهُمْ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُ تَحَقَّقَ أَنَّهُ جَعَلَ عَلَيْهِمْ اِثْنَا عَشَر عَرِيفًا لَكِنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ كَانَ تَحْت يَد كُلّ عَرِيف مِنْهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِل الْكَثْرَة وَالْقِلَّة , غَيْر أَنَّهُ يَتَحَقَّق أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ - أَيْ مَعَ كُلّ نَاس - عَرِيفًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ أَوْ كَمَا قَالَ ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ أَبِي عُثْمَان فِي لَفْظ عَبْد الرَّحْمَن , وَأَمَّا الْمَعْنَى فَالْحَاصِل أَنَّ جَمِيع الْجَيْش أَكَلُوا مِنْ تِلْكَ الْجَفْنَة الَّتِي أَرْسَلَ بِهَا أَبُو بَكْر إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ تَمَام الْبَرَكَة فِي الطَّعَام الْمَذْكُور كَانَتْ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِيهَا بَيْت أَبِي بَكْر ظُهُور أَوَائِل الْبَرَكَة فِيهَا , وَأَمَّا اِنْتِهَاؤُهَا إِلَى أَنْ تَكْفِي الْجَيْش كُلّهمْ فَمَا كَانَ إِلَّا بَعْد أَنْ صَارَتْ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ظَاهِر الْخَبَر , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث سَمُرَة قَالَ : \" أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَصْعَةٍ فِيهَا ثَرِيد فَأَكَلَ وَأَكَلَ الْقَوْم , فَمَا زَالُوا يَتَدَاوَلُونَهَا إِلَى قَرِيب مِنْ الظُّهْر يَأْكُل قَوْم ثُمَّ يَقُومُونَ وَيَجِيء قَوْم فَيَتَعَاقَبُونَه , فَقَالَ رَجُل : هَلْ كَانَتْ تُمَدّ بِطَعَامٍ ؟ قَالَ : أَمَّا مِنْ الْأَرْض فَلَا إِلَّا أَنْ تَكُون كَانَتْ تُمَدّ مِنْ السَّمَاء \". قَالَ بَعْض شُيُوخنَا يَحْتَمِل أَنْ تَكُون هَذِهِ الْقَصْعَة هِيَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا فِي بَيْت أَبِي بَكْر مَا وَقَعَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ اِلْتِجَاء الْفُقَرَاء إِلَى الْمَسَاجِد عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَى الْمُوَاسَاة إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلْحَاح وَلَا إِلْحَاف وَلَا تَشْوِيش عَلَى الْمُصَلِّينَ , وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب مُوَاسَاتهمْ عِنْد اِجْتِمَاع هَذِهِ الشُّرُوط , وَفِيهِ التَّوْظِيف فِي الْمَخْمَصَة , وَفِيهِ جَوَاز الْغَيْبَة عَنْ الْأَهْل وَالْوَلَد وَالضَّيْف إِذَا أُعِدَّتْ لَهُمْ الْكِفَايَة , وَفِيهِ تَصَرُّف الْمَرْأَة فِيمَا تُقَدِّم لِلضَّيْفِ وَالْإِطْعَام بِغَيْرِ إِذْن خَاصّ مِنْ الرَّجُل , وَفِيهِ جَوَاز سَبّ الْوَالِد لِلْوَلَدِ عَلَى وَجْه التَّأْدِيب وَالتَّمْرِين عَلَى أَعْمَال الْخَيْر وَتَعَاطِيه , وَفِيهِ جَوَاز الْحَلِف عَلَى تَرْك الْمُبَاح , وَفِيهِ تَوْكِيد الرَّجُل الصَّادِق لِخَبَرِهِ بِالْقَسَمِ , وَجَوَاز الْحِنْث بَعْد عَقْد الْيَمِين , وَفِيهِ التَّبَرُّك بِطَعَامِ الْأَوْلِيَاء وَالصُّلَحَاء , وَفِيهِ عَرْض الطَّعَام الَّذِي تَظْهَر فِيهِ الْبَرَكَة عَلَى الْكِبَار وَقَبُولهمْ ذَلِكَ , وَفِيهِ الْعَمَل بِالظَّنِّ الْغَالِب لِأَنَّ أَبَا بَكْر ظَنَّ أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن فَرَّطَ فِي أَمْر الْأَضْيَاف فَبَادَرَ إِلَى سَبّه وَقَوَّى الْقَرِينَة عِنْده اِخْتِبَاؤُهُ مِنْهُ , وَفِيهِ مَا يَقَع مِنْ لُطْف اللَّه تَعَالَى بِأَوْلِيَائِهِ وَذَلِكَ أَنَّ خَاطِر أَبِي بَكْر تَشَوَّشَ وَكَذَلِكَ وَلَده وَأَهْله وَأَضْيَافه بِسَبَبِ اِمْتِنَاعهمْ مِنْ الْأَكْل , وَتَكَدَّرَ خَاطِر أَبِي بَكْر مِنْ ذَلِكَ حَتَّى اِحْتَاجَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْره مِنْ الْحَرَج بِالْحَلِفِ وَبِالْحِنْثِ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ , فَتَدَارَكَ اللَّه ذَلِكَ وَرَفَعَهُ عَنْهُ بِالْكَرَامَةِ الَّتِي أَبْدَاهَا لَهُ , فَانْقَلَبَ ذَلِكَ الْكَدَر صَفَاء وَالنَّكَد سُرُورًا وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "3317",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَصَابَ ‏ ‏أَهْلَ الْمَدِينَةِ ‏ ‏قَحْطٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ إِذْ قَامَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ ‏ ‏الْكُرَاعُ ‏ ‏هَلَكَتْ الشَّاءُ فَادْعُ اللَّهَ يَسْقِينَا فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏وَإِنَّ السَّمَاءَ لَمِثْلُ الزُّجَاجَةِ فَهَاجَتْ رِيحٌ أَنْشَأَتْ سَحَابًا ثُمَّ اجْتَمَعَ ثُمَّ أَرْسَلَتْ السَّمَاءُ ‏ ‏عَزَالِيَهَا ‏ ‏فَخَرَجْنَا نَخُوضُ الْمَاءَ حَتَّى أَتَيْنَا مَنَازِلَنَا فَلَمْ نَزَلْ نُمْطَرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَقَامَ إِلَيْهِ ذَلِكَ ‏ ‏الرَّجُلُ ‏ ‏أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتْ الْبُيُوتُ فَادْعُ اللَّهَ يَحْبِسْهُ فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا فَنَظَرْتُ إِلَى السَّحَابِ تَصَدَّعَ حَوْلَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏كَأَنَّهُ ‏ ‏إِكْلِيلٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي الِاسْتِسْقَاء وَالْمُرَاد مِنْهُ وُقُوع إِجَابَة الدُّعَاء فِي الْحَال , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الِاسْتِسْقَاء , وَأَوْرَدَهُ هُنَا مِنْ طَرِيقَيْنِ لِحَمَّادِ بْن زَيْد , فَقَوْله : ‏ ‏\" وَعَنْ يُونُس \" ‏ ‏هُوَ اِبْن عُبَيْد وَهُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله : \" عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب \" , وَحَاصِله أَنَّ حَمَّادًا سَمِعَهُ عَنْ أَنَس عَالِيًا وَنَازِلًا , وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْ ثَابِت وَحَدَّثَ عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ , وَذَكَرَ الْبَزَّار أَنَّ حَمَّادًا تَفَرَّدَ بِطَرِيقِ يُونُس بْن عُبَيْد هَذِهِ ‏ ‏قَوْله : ( وَغَيْره يَقُول فَعَرَّفَنَا ) وَهُوَ مِنْ الْعِرَافَة , وَكَذَا اِخْتَلَفَتْ الرُّوَاة عِنْد مُسْلِم هَلْ قَالَ فَرَّقَنَا أَوْ عَرَّفَنَا , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَعَرَّفَنَا \" مِنْ الْعِرَافَة وَجْهًا وَاحِدًا , وَسُمِّيَ الْعَرِيف عَرِيفًا لِأَنَّهُ يُعَرِّف الْإِمَام أَحْوَال الْعَسْكَر. وَزَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِيهِ حَذْفًا تَقْدِيره فَرَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَة فَعَرَّفَنَا , قُلْت : وَلَا يَتَعَيَّن ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُون تَعْرِيفهمْ وَإِرْسَالهمْ قَبْل الرُّجُوع إِلَى الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( هَلَكَتْ الْكُرَاع ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَحُكِيَ عَنْ رِوَايَة الْأَصِيلِيّ كَسْرهَا وَخُطِّئَ , وَالْمُرَاد بِهِ الْخَيْل , وَقَدْ يُطْلَق عَلَى غَيْرهَا مِنْ الْحَيَوَان , لَكِنَّ الْمُرَاد بِهِ هُنَا الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ غَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( كَمِثْلِ الزُّجَاجَة ) ‏ ‏أَيْ مِنْ شِدَّة الصَّفَاء لَيْسَ فِيهَا شَيْء مِنْ السَّحَاب. ‏ ‏قَوْله : ( فَهَاجَتْ رِيح أَنْشَأَتْ سَحَابًا ) ‏ ‏قَالَ بَعْض شُرَّاح الْبُخَارِيّ : هَذَا فِيهِ نَظَر , لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَال نَشَأَ السَّحَاب إِذَا اِرْتَفَعَ وَأَنْشَأَ اللَّهُ السَّحَاب لِقَوْلِهِ : ( وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ). قُلْت : الْمُرَاد فِي حَدِيث الْبَاب الثَّانِي , وَنِسْبَة الْإِنْشَاء إِلَى الرِّيح مَجَازِيَّة وَذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّه , وَالْأَصْل أَنَّ الْكُلّ بِإِنْشَاءِ اللَّه وَهُوَ كَقَوْلِهِ : ( أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق أَنَّ الرِّيح تُلَقِّح السَّحَاب. ‏ ‏قَوْله : ( عَزَالَيْهَا ) ‏ ‏بِالزَّايِ الْخَفِيفَة وَاللَّام الْمَفْتُوحَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة تَثْنِيَة عَزْلِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطهَا وَتَفْسِيرهَا قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُل أَوْ غَيْره ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاء مَا يُقَرِّبُ أَنَّهُ خَارِجَة بْن حِصْن الْفَزَارِيُّ , وَمَا يُوَضِّح أَنَّ الَّذِي قَامَ أَوَّلًا هُوَ الَّذِي قَامَ ثَانِيًا , وَأَنَّ أَنَسًا جَزَمَ بِهِ تَارَة وَشَكَّ فِيهِ أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( تَصَدَّع ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ تَتَصَدَّع وَهُوَ الْأَصْل. ‏ ‏قَوْله : ( إِكْلِيل ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْكَاف هِيَ الْعِصَابَة الَّتِي تُحِيط بِالرَّأْسِ , وَأَكْثَر مَا تُسْتَعْمَل فِيمَا إِذَا كَانَتْ الْعِصَابَة مُكَلَّلَة بِالْجَوْهَرِ وَهِيَ مِنْ سِمَات مُلُوك الْفُرْس , وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ أَصْله مَا أَحَاطَ بِالظُّفْرِ مِنْ اللَّحْم ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُلّ مَا أَحَاطَ بِشَيْءٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3318",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَفْصٍ وَاسْمُهُ عُمَرُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏أَخُو ‏ ‏أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏نَافِعًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ تَحَوَّلَ إِلَيْهِ ‏ ‏فَحَنَّ الْجِذْعُ فَأَتَاهُ فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَيْهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الْحَمِيدِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فَقَوْله فِي الطَّرِيق الْأُولَى ‏ ‏\" حَدَّثَنَا أَبُو حَفْص وَاسْمه عُمَر بْن الْعَلَاء أَخُو عَمْرو بْن الْعَلَاء \" ‏ ‏تَسْمِيَة أَبِي حَفْص لَمْ أَرَهَا إِلَّا فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ , وَالظَّاهِر أَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَمَّاهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق بُنْدَار عَنْ يَحْيَى بْن كَثِير فَقَالَ : \" حَدَّثَنَا أَبُو حَفْص بْن الْعَلَاء \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَلَمْ يُسَمِّهِ , وَقَدْ تَرَدَّدَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمَد فِي ذَلِكَ فَذَكَرَ فِي تَرْجَمَة أَبِي حَفْص فِي الْكُنَى هَذَا الْحَدِيث فَسَاقَهُ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن رَجَاء الْغُدَانِيّ \" حَدَّثَنَا أَبُو حَفْص بْن الْعَلَاء \" فَذَكَرَ حَدِيث الْبَاب وَلَمْ يَقُلْ اِسْمه عُمَر , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن عُمَر عَنْ مُعَاذ بْن الْعَلَاء بِهِ , ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان \" عَنْ مُعَاذ بْن الْعَلَاء أَبِي غَسَّان قَالَ : \" وَكَذَا ذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ أَنَّ مُعَاذ بْن الْعَلَاء يُكَنَّى أَبَا غَسَّان , قَالَ الْحَاكِم : فَاَللَّه أَعْلَم أَنَّهُمَا أَخَوَانِ أَحَدهمَا يُسَمَّى عُمَر وَالْآخَر يُسَمَّى مُعَاذًا وَحَدَّثَا مَعًا عَنْ نَافِع بِحَدِيثِ الْجِذْع أَوْ أَحَد الطَّرِيقَيْنِ غَيْر مَحْفُوظ , لِأَنَّ الْمَشْهُور مِنْ أَوْلَاد الْعَلَاء أَبُو عَمْرو صَاحِب الْقِرَاءَات وَأَبُو سُفْيَان وَمُعَاذ , فَأَمَّا أَبُو حَفْص عُمَر فَلَا أَعْرِفهُ إِلَّا فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْت : وَلَيْسَ لِمُعَاذٍ وَلَا لِعُمَر فِي الْبُخَارِيّ ذِكْر إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَأَمَّا أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء فَهُوَ أَشْهَر الْإِخْوَة وَأَجَلّهمْ , وَهُوَ إِمَام الْقِرَاءَات بِالْبَصْرَةِ , وَشَيْخ الْعَرَبِيَّة بِهَا , وَلَيْسَ لَهُ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيّ رِوَايَة وَلَا ذِكْر إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَاخْتُلِفَ فِي اِسْمه اِخْتِلَافًا كَثِيرًا وَالْأَظْهَر أَنَّ اِسْمه كُنْيَته وَأَمَّا أَخُوهُ أَبُو سُفْيَان بْن الْعَلَاء فَأَخْرَجَ حَدِيثه التِّرْمِذِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَاهُ فَمَسَحَ يَده عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن السَّكَن عَنْ مُعَاذ \" فَأَتَاهُ فَاحْتَضَنَهُ فَسَكَنَ فَقَالَ : لَوْ لَمْ أَفْعَل لَمَا سَكَنَ \" وَنَحْوه فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد الدَّارِمِيِّ بِلَفْظِ \" لَوْ لَمْ أَحْتَضِنهُ لَحَنَّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" وَلِأَبِي عَوَانَة وَابْن خُزَيْمَةَ وَأَبِي نُعَيْم فِي حَدِيث أَنَس \" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ أَلْتَزِمهُ لَمَا زَالَ هَكَذَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة حُزْنًا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَدُفِنَ \" وَأَصْله فِي التِّرْمِذِيّ دُون الزِّيَادَة , وَوَقَعَ فِي حَدِيث الْحَسَن عَنْ أَنَس : كَانَ الْحَسَن إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيث يَقُول : يَا مَعْشَر الْمُسْلِمِينَ الْخَشَبَة تَحِنّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَوْقًا إِلَى لِقَائِهِ فَأَنْتُمْ أَحَقّ أَنْ تَشْتَاقُوا إِلَيْهِ. وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد الدَّارِمِيِّ \" فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُحْفَر لَهُ وَيُدْفَن \" وَفِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد عِنْد أَبِي نُعَيْم \" فَقَالَ : أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ حَنِين هَذِهِ الْخَشَبَة ؟ فَأَقْبَلَ النَّاس عَلَيْهَا فَسَمِعُوا مِنْ حَنِينهَا حَتَّى كَثُرَ بُكَاؤُهُمْ \" ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد الْحَمِيد أَخْبَرَنَا عُثْمَان بْن عُمَر ) ‏ ‏عَبْد الْحَمِيد هَذَا لَمْ أَرَ مَنْ تَرْجَمَ لَهُ فِي رِجَال الْبُخَارِيّ , إِلَّا أَنَّ الْمِزِّيّ وَمَنْ تَبِعَهُ جَزَمُوا بِأَنَّهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ الْحَافِظ الْمَشْهُور وَقَالُوا كَانَ اِسْمه عَبْد الْحَمِيد وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ عَبْد بِغَيْرِ إِضَافَة تَخْفِيفًا , وَقَدْ رَاجَعْت الْمَوْجُود مِنْ مُسْنَده وَتَفْسِيره فَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيث فِيهِ , نَعَمْ وَجَدْته مِنْ حَدِيث رَفِيقه عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن الدَّارِمِيِّ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَده الْمَشْهُور عَنْ عُثْمَان بْن عُمَر بِهَذَا الْإِسْنَاد. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا مُعَاذ بْن الْعَلَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي عُبَيْدَة الْحَدَّاد \" عَنْ مُعَاذ بْن الْعَلَاء \" وَهُوَ أَخُو أَبِي عَمْرو بْن الْعَلَاء الْقَارِئ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ نَافِع ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْن حِبَّانَ \" سَمِعْت نَافِعًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِم ) ‏ ‏هُوَ النَّبِيل مِنْ كِبَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي رَوَّادٍ ) ‏ ‏يَعْنِي عَبْد الْعَزِيز وَرَوَّاد بِفَتْحِ الرَّاء الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْوَاو اِسْمه مَيْمُون , وَطَرِيق أَبِي عَاصِم هَذِهِ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن عُمَر عَنْ أَبِي عَاصِم مُطَوَّلًا , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ الْحَسَن بْن عَلِيّ عَنْ أَبِي عَاصِم مُخْتَصَرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3319",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى شَجَرَةٍ ‏ ‏أَوْ نَخْلَةٍ ‏ ‏فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا قَالَ إِنْ شِئْتُمْ فَجَعَلُوا لَهُ مِنْبَرًا فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دُفِعَ إِلَى الْمِنْبَرِ ‏ ‏فَصَاحَتْ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ ثُمَّ نَزَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَضَمَّهُ إِلَيْهِ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّنُ قَالَ كَانَتْ تَبْكِي عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنْ الذِّكْرِ عِنْدَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فَقَوْله فِي الطَّرِيق الْأُولَى : ‏ ‏\" كَانَ يَقُوم إِلَى شَجَرَة أَوْ نَخْلَة \" ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ عَبْد الْوَاحِد \" فَقَامَ إِلَى نَخْلَة \" وَلَمْ يَشُكّ. ‏ ‏وَقَوْله : \" فَقَالَتْ اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار أَوْ رَجُل \" ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي وَالْمُعْتَمَد الْأَوَّل , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الْجُمْعَة وَالْخِلَاف فِي اِسْمهَا وَالْكَلَام عَلَى الْمَتْن مُسْتَوْفًى. ‏ ‏قَوْله : ( دُفِعَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله بِالدَّالِ وَلِلكُشْمِيهَنِيّ بِالرَّاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَضَمَّهُ إِلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ الْجِذْع , فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَضَمَّهَا \" أَيْ الْخَشَبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3320",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ الْمَسْجِدُ مَسْقُوفًا عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَخْلٍ فَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا خَطَبَ يَقُومُ إِلَى جِذْعٍ مِنْهَا فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ وَكَانَ عَلَيْهِ ‏ ‏فَسَمِعْنَا لِذَلِكَ الْجِذْعِ صَوْتًا كَصَوْتِ ‏ ‏الْعِشَارِ ‏ ‏حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَسَكَنَتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَأَخُوهُ هُوَ أَبُو بَكْر , وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيّ , وَرِوَايَته عَنْ حَفْص مِنْ رِوَايَة الْأَقْرَان لِأَنَّهُ فِي طَبَقَته. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ الْمَسْجِد مَسْقُوفًا عَلَى جُذُوع مِنْ نَخْل ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ الْجُذُوع كَانَتْ لَهُ كَالْأَعْمِدَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُوم إِلَى جِذْع مِنْهَا ) ‏ ‏أَيْ حِين يَخْطُب , وَبِهِ صَرَّحَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ \" كَانَ إِذَا خَطَبَ يَقُوم إِلَى جِذْع \". ‏ ‏قَوْله : ( كَصَوْتِ الْعِشَار ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُعْجَمَة خَفِيفَة جَمْع عُشَرَاء تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْجُمْعَة , وَالْعُشَرَاء النَّاقَة الَّتِي اِنْتَهَتْ فِي حَمْلهَا إِلَى عَشَرَة أَشْهُر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد بْن أَيْمَن \" فَصَاحَتْ النَّخْلَة صِيَاح الصَّبِيّ \" وَفِي حَدِيث أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر عِنْد النَّسَائِيّ فِي الْكَبِير \" اِضْطَرَبَتْ تِلْكَ السَّارِيَة كَحَنِينِ النَّاقَة الْخَلُوج \" اِنْتَهَى. وَالْخَلُوج بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَضَمّ اللَّام الْخَفِيفَة وَآخِره جِيم النَّاقَة الَّتِي اُنْتُزِعَ مِنْهَا وَلَدهَا , وَفِي حَدِيث أَنَس عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ \" فَحَنَّتْ الْخَشَبَة حَنِين الْوَالِد , وَفِي رِوَايَته الْأُخْرَى عَنْ الدَّارِمِيِّ \" خَارَ ذَلِكَ الْجِذْع كَخُوَارِ الثَّوْر \" وَفِي حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب عِنْد أَحْمَد وَالدَّارِمِيّ وَابْن مَاجَهْ \" فَلَمَّا خَارَ الْجِذْع حَتَّى تَصَدَّعَ وَانْشَقَّ \" وَفِي حَدِيثه \" فَأَخَذَ أُبَيّ بْن كَعْب ذَلِكَ الْجِذْع لَمَّا هُدِمَ الْمَسْجِد فَلَمْ يَزَلْ عِنْده حَتَّى بَلِيَ وَعَادَ رُفَاتًا \" وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ دُفِنَ , لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون ظَهَرَ بَعْد الْهَدْم عِنْد التَّنْظِيف فَأَخَذَهُ أُبَيّ بْن كَعْب , وَفِي حَدِيث بُرَيْدَةَ عِنْد الدَّارِمِيِّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : \" اِخْتَرْ أَنْ أَغْرِسَكَ فِي الْمَكَان الَّذِي كُنْت فِيهِ فَتَكُون كَمَا كُنْت - يَعْنِي قَبْل أَنْ تَصِير جِذْعًا - وَإِنْ شِئْت أَنْ أَغْرِسَكَ فِي الْجَنَّة فَتَشْرَب مِنْ أَنْهَارهَا فَيَحْسُن نَبْتك وَتُثْمِر فَيَأْكُل مِنْك أَوْلِيَاء اللَّه , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِخْتَارَ أَنْ أَغْرِسهُ فِي الْجَنَّة \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : قِصَّة حَنِين الْجِذْع مِنْ الْأُمُور الظَّاهِرَة الَّتِي حَمَلَهَا الْخَلَف عَنْ السَّلَف , وَرِوَايَة الْأَخْبَار الْخَاصَّة فِيهَا كَالتَّكَلُّفِ. وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْجَمَادَات قَدْ يَخْلُق اللَّه لَهَا إِدْرَاكًا كَالْحَيَوَانِ بَلْ كَأَشْرَف الْحَيَوَان , وَفِيهِ تَأْيِيد لِقَوْلِ مَنْ يَحْمِل ( وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) عَلَى ظَاهِره. وَقَدْ نَقَلَ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي \" مَنَاقِب الشَّافِعِيّ \" عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرو بْن سَوَاد عَنْ الشَّافِعِيّ قَالَ : مَا أَعْطَى اللَّه نَبِيًّا مَا أَعْطَى مُحَمَّدًا , فَقُلْت : أَعْطَى عِيسَى إِحْيَاء الْمَوْتَى , قَالَ : أَعْطَى مُحَمَّدًا حَنِين الْجِذْع حَتَّى سُمِعَ صَوْته , فَهَذَا أَكْبَر مِنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3321",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْفِتْنَةِ فَقَالَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏أَنَا أَحْفَظُ كَمَا قَالَ قَالَ هَاتِ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ لَيْسَتْ هَذِهِ وَلَكِنْ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا قَالَ يُفْتَحُ الْبَابُ أَوْ يُكْسَرُ قَالَ لَا بَلْ يُكْسَرُ قَالَ ذَاكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ قُلْنَا عَلِمَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏الْبَابَ قَالَ نَعَمْ كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ وَأَمَرْنَا ‏ ‏مَسْرُوقًا ‏ ‏فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَنْ الْبَابُ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث حُذَيْفَة فِي ذِكْر الْفِتْنَة : ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن جَعْفَر الَّذِي يُقَال لَهُ غُنْدَر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش , وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَة أَصْل الْحَدِيث عَنْ أَبِي وَائِل - وَهُوَ شَقِيق بْن سَلَمَة - جَامِع بْن شَدَّاد أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف , فِي الصَّوْم , وَوَافَقَ شَقِيقًا عَلَى رِوَايَته عَنْ حُذَيْفَة رِبْعِيّ بْن حِرَاش أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَمُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ أَيُّكُمْ يَحْفَظ ) ‏ ‏؟ فِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ الْأَعْمَش فِي الصَّلَاة \" كُنَّا جُلُوسًا عِنْد عُمَر فَقَالَ : أَيّكُمْ \" وَالْمُخَاطَب بِذَلِكَ الصَّحَابَة , فَفِي رِوَايَة رِبْعِيّ عَنْ حُذَيْفَة \" أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ عِنْد عُمَر فَقَالَ سَأَلَ عُمَرُ أَمْسِ أَصْحَابَ مُحَمَّد أَيُّكُمْ سَمِعَ قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَة ؟ قَالَ أَنَا أَحْفَظ كَمَا قَالَ \" فِي رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي الزَّكَاة \" أَنَا أَحْفَظهُ كَمَا قَالَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ هَاتِ إِنَّك لَجَرِيءٌ ) ‏ ‏فِي الزَّكَاة \" إِنَّك عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ , فَكَيْف \". ‏ ‏قَوْله : ( فِتْنَة الرَّجُل فِي أَهْله وَمَاله وَجَاره ) ‏ ‏زَادَ فِي الصَّلَاة \" وَوَلَده \". ‏ ‏قَوْله : ( تُكَفِّرهَا الصَّلَاة وَالصَّدَقَة ) ‏ ‏زَادَ فِي الصَّلَاة \" وَالصَّوْم \" قَالَ بَعْض الشُّرَّاح : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون كُلّ وَاحِدَة مِنْ الصَّلَاة وَمَا مَعَهَا مُكَفِّرَة لِلْمَذْكُورَاتِ كُلّهَا لَا لِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهَا , وَأَنْ يَكُون مِنْ بَاب اللَّفّ وَالنَّشْر بِأَنَّ الصَّلَاة مَثَلًا مُكَفِّرَة لِلْفِتْنَةِ فِي الْأَهْل وَالصَّوْم فِي الْوَلَد إِلَخْ , وَالْمُرَاد بِالْفِتْنَةِ مَا يَعْرِض لِلْإِنْسَانِ مَعَ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْبَشَر ; أَوْ الِالْتِهَاء بِهِمْ أَوْ أَنْ يَأْتِي لِأَجْلِهِمْ بِمَا لَا يَحِلّ لَهُ أَوْ يُخِلّ بِمَا يَجِب عَلَيْهِ. وَاسْتَشْكَلَ اِبْن أَبِي حَمْزَة وُقُوع التَّفْكِير بِالْمَذْكُورَاتِ لِلْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَات وَالْإِخْلَال بِالْوَاجِبِ ; لِأَنَّ الطَّاعَات لَا تُسْقِط ذَلِكَ , فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْوُقُوع فِي الْمَكْرُوه وَالْإِخْلَال بِالْمُسْتَحَبِّ لَمْ يُنَاسِب إِطْلَاق التَّكْفِير , وَالْجَوَاب اِلْتِزَام الْأَوَّل وَأَنَّ الْمُمْتَنِع مِنْ تَكْفِير الْحَرَام وَالْوَاجِب مَا كَانَ كَبِيرَة فَهِيَ الَّتِي فِيهَا النِّزَاع , وَأَمَّا الصَّغَائِر فَلَا نِزَاع أَنَّهَا تُكَفَّر لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِر مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّر عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ ) الْآيَة , وَقَدْ مَضَى شَيْء مِنْ الْبَحْث فِي هَذَا فِي كِتَاب الصَّلَاة. وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : الْفِتْنَة بِالْأَهْلِ تَقَع بِالْمَيْلِ إِلَيْهِنَّ أَوْ عَلَيْهِنَّ فِي الْقِسْمَة وَالْإِيثَار حَتَّى فِي أَوْلَادهنَّ , وَمِنْ جِهَة التَّفْرِيط فِي الْحُقُوق الْوَاجِبَة لَهُنَّ , وَبِالْمَالِ يَقَع الِاشْتِغَال بِهِ عَنْ الْعِبَادَة أَوْ بِحَبْسِهِ عَنْ إِخْرَاج حَقّ اللَّه , وَالْفِتْنَة بِالْأَوْلَادِ تَقَع بِالْمَيْلِ الطَّبِيعِيّ إِلَى الْوَلَد وَإِيثَاره عَلَى كُلّ أَحَد , وَالْفِتْنَة بِالْجَارِ تَقَع بِالْحَسَدِ وَالْمُفَاخَرَة وَالْمُزَاحَمَة فِي الْحُقُوق وَإِهْمَال التَّعَاهُد , ثُمَّ قَالَ : وَأَسْبَاب الْفِتْنَة بِمَنْ ذُكِرَ غَيْر مُنْحَصِرَة فِيمَا ذَكَرْت مِنْ الْأَمْثِلَة , وَأَمَّا تَخْصِيص الصَّلَاة وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا بِالتَّكْفِيرِ دُون سَائِر الْعِبَادَات فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى تَعْظِيم قَدْرهَا لَا نَفْي أَنَّ غَيْرهَا مِنْ الْحَسَنَات لَيْسَ فِيهَا صَلَاحِيَّة التَّكْفِير , ثُمَّ إِنَّ التَّكْفِير الْمَذْكُور يَحْتَمِل أَنْ يَقَع بِنَفْسِ فِعْل الْحَسَنَات الْمَذْكُورَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَقَع بِالْمُوَازَنَةِ , وَالْأَوَّل أَظْهَر , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : خُصَّ الرَّجُل بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِب صَاحِب الْحُكْم فِي دَاره وَأَهْله , وَإِلَّا فَالنِّسَاء شَقَائِق الرِّجَال فِي الْحُكْم. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ التَّكْفِير لَا يَخْتَصّ بِالْأَرْبَعِ الْمَذْكُورَات , بَلْ نَبَّهَ بِهَا عَلَى مَا عَدَاهَا , وَالضَّابِط أَنَّ كُلّ مَا يَشْغَل صَاحِبه عَنْ اللَّه فَهُوَ فِتْنَة لَهُ , وَكَذَلِكَ الْمُكَفِّرَات لَا تَخْتَصّ بِمَا ذُكِرَ بَلْ نَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا عَدَاهَا , فَذَكَرَ مِنْ عِبَادَة الْأَفْعَال الصَّلَاة وَالصِّيَام , وَمِنْ عِبَادَة الْمَال الصَّدَقَة , وَمِنْ عِبَادَة الْأَقْوَال الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنْ الَّتِي تَمُوج ) ‏ ‏أَيْ الْفِتْنَة , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الصَّلَاة , وَالْفِتْنَة بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ فِعْل أَيْ أُرِيدَ الْفِتْنَة , وَيَحْتَمِل الرَّفْع أَيْ مُرَادِي الْفِتْنَة. ‏ ‏تَمُوج ‏ ‏قَوْله : ( كَمَوْجِ الْبَحْر ) ‏ ‏أَيْ تَضْطَرِب اِضْطِرَاب الْبَحْر عِنْد هَيَجَانه , وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ شِدَّة الْمُخَاصَمَة وَكَثْرَة الْمُنَازَعَة وَمَا يَنْشَأ عَنْ ذَلِكَ مِنْ الْمُشَاتَمَة وَالْمُقَاتَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لَا بَأْس عَلَيْك مِنْهَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة رِبْعِيّ \" تُعْرَض الْفِتَن عَلَى الْقُلُوب فَأَيّ قَلْب أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَة بَيْضَاء حَتَّى يَصِير أَبْيَض مِثْل الصَّفَاة لَا تَضُرّهُ فِتْنَة , وَأَيّ قَلْب أُشْرِبَهَا نَكَتَتْ فِيهِ نُكْتَة سَوْدَاء حَتَّى يَصِير أَسْوَد كَالْكُوزِ مَنْكُوسًا لَا يَعْرِف مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِر مُنْكَرًا , وَحَدَّثَتْهُ أَنَّ بَيْنهَا وَبَيْنه بَابًا مُغْلَقًا \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ بَيْنك وَبَيْنهَا بَابًا مُغْلَقًا ) ‏ ‏أَيْ لَا يَخْرُج مِنْهَا شَيْء فِي حَيَاتك , قَالَ اِبْن الْمُنِير : آثَرَ حُذَيْفَة الْحِرْص عَلَى حِفْظ السِّرّ وَلَمْ يُصَرِّح لِعُمَر بِمَا سَأَلَ عَنْهُ , وَإِنَّمَا كَنَّى عَنْهُ كِنَايَة , وَكَأَنَّهُ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي مِثْل ذَلِكَ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون حُذَيْفَة عَلِمَ أَنَّ عُمَر يُقْتَل , وَلَكِنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخَاطِبهُ بِالْقَتْلِ لِأَنَّ عُمَر كَانَ يَعْلَم أَنَّهُ الْبَاب فَأَتَى بِعِبَارَةٍ يَحْصُل بِهَا الْمَقْصُود بِغَيْرِ تَصْرِيح بِالْقَتْلِ اِنْتَهَى. وَفِي لَفْظ طَرِيق رِبْعِيّ مَا يُعَكِّر عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا سَأَذْكُرُهُ , وَكَأَنَّهُ مَثَّلَ الْفِتَن بِدَارٍ , وَمَثَّلَ حَيَاة عُمَر بِبَابٍ لَهَا مُغْلَق , وَمَثَّلَ مَوْته بِفَتْحِ ذَلِكَ الْبَاب , فَمَا دَامَتْ حَيَاة عُمَر مَوْجُودَة فَهِيَ الْبَاب الْمُغْلَق لَا يَخْرُج مِمَّا هُوَ دَاخِل تِلْكَ الدَّار شَيْء , فَإِذَا مَاتَ فَقَدْ اِنْفَتَحَ ذَلِكَ الْبَاب فَخَرَجَ مَا فِي تِلْكَ الدَّار. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يُفْتَح الْبَاب أَوْ يُكْسَر ؟ قَالَ : لَا بَلْ يُكْسَر , قَالَ : ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَق ) ‏ ‏زَادَ فِي الصِّيَام \" ذَاكَ أَجْدَر أَنْ لَا يُغْلَق إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" , قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَة أَنَّ الْغَلْق إِنَّمَا يَقَع فِي الصَّحِيح , فَأَمَّا إِذَا اِنْكَسَرَ فَلَا يُتَصَوَّر غَلْقه حَتَّى يُجْبَر اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كَنَّى عَنْ الْمَوْت بِالْفَتْحِ وَعَنْ الْقَتْل بِالْكَسْرِ وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَة رِبْعِيّ \" فَقَالَ عُمَر كَسْرًا لَا أَبَا لَك \" لَكِنْ بَقِيَّة رِوَايَة رِبْعِيّ تَدُلّ عَلَى مَا قَدَّمْته , فَإِنَّ فِيهِ \" وَحَدَّثْته أَنَّ ذَلِكَ الْبَاب رَجُل يُقْتَل , أَوْ يَمُوت \" وَإِنَّمَا قَالَ عُمَر ذَلِكَ اِعْتِمَادًا عَلَى مَا عِنْده مِنْ النُّصُوص الصَّرِيحَة فِي وُقُوع الْفِتَن فِي هَذِهِ الْأُمَّة وَوُقُوع الْبَأْس بَيْنهمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام حَدِيث جَابِر فِي قَوْله تَعَالَى ( أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض ) الْآيَة , وَقَدْ وَافَقَ حُذَيْفَة عَلَى مَعْنَى رِوَايَته هَذِهِ أَبُو ذَرّ , فَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَاله ثِقَات أَنَّهُ \" لَقِيَ عُمَر فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَغَمَزَهَا , فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرّ : أَرْسِلْ يَدِي يَا قُفْل الْفِتْنَة \" الْحَدِيث. وَفِيهِ أَنَّ أَبَا ذَرّ قَالَ \" لَا يُصِيبكُمْ فِتْنَة مَا دَامَ فِيكُمْ \" وَأَشَارَ إِلَى عُمَر. وَرَوَى الْبَزَّار مِنْ حَدِيث قُدَامَةَ بْن مَظْعُون عَنْ أَخِيهِ عُثْمَان أَنَّهُ قَالَ لَعُمَر يَا غَلْق الْفِتْنَة , فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ \" مَرَرْت وَنَحْنُ جُلُوس عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَذَا غَلْق الْفِتْنَة , لَا يَزَال بَيْنكُمْ وَبَيْن الْفِتْنَة بَاب شَدِيد الْغَلْق مَا عَاشَ \". ‏ ‏قَوْله : ( قُلْنَا عَلِمَ عُمَر الْبَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَامِع بْن شَدَّاد \" فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ : سَلْهُ أَكَانَ عُمَر يَعْلَم مَنْ الْبَاب ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : نَعَمْ \" وَفِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ وَكِيع عَنْ الْأَعْمَش \" فَقَالَ مَسْرُوق لِحُذَيْفَة : يَا أَبَا عَبْد اللَّه كَانَ عُمَر يَعْلَم \". ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا أَنَّ دُون غَد اللَّيْلَة ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ لَيْلَة غَد أَقْرَب إِلَى الْيَوْم مِنْ غَد. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي حَدَّثْته ) ‏ ‏هُوَ بَقِيَّة كَلَام حُذَيْفَة , وَالْأَغَالِيط جَمْع أُغْلُوطَة وَهُوَ مَا يُغَالَط بِهِ , أَيْ حَدَّثْته حَدِيثًا صِدْقًا مُحَقَّقًا مِنْ حَدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا عَنْ اِجْتِهَاد وَلَا رَأْي. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا عَلِمَ عُمَر أَنَّهُ الْبَاب لِأَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِرَاء أَبُو بَكْر وَعُثْمَان , فَرَجَفَ , فَقَالَ : اُثْبُتْ ; فَإِنَّمَا عَلَيْك نَبِيّ وَصِدِّيق وَشَهِيدَانِ \" أَوْ فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْل حُذَيْفَة \" بَلْ يُكْسَر \" اِنْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ عُمَر عَلِمَ الْبَاب بِالنَّصِّ كَمَا قَدَّمْت عَنْ عُثْمَان بْن مَظْعُون وَأَبِي ذَرّ , فَلَعَلَّ حُذَيْفَة حَضَرَ ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق حَدِيث عُمَر أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّث عَنْ بَدْء الْخَلْق حَتَّى دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة مَنَازِلهمْ , وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث حُذَيْفَة أَنَّهُ قَالَ \" أَنَا أَعْلَم النَّاس بِكُلِّ فِتْنَة هِيَ كَائِنَة فِيمَا بَيْنِي وَبَيْن السَّاعَة \" وَفِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مَعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَة مَاتُوا قَبْله , فَإِنْ قِيلَ إِذَا كَانَ عُمَر عَارِفًا بِذَلِكَ فَلِمَ شَكَّ فِيهِ حَتَّى سَأَلَ عَنْهُ ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ يَقَع مِثْله عِنْد شِدَّة الْخَوْف , أَوْ لَعَلَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُون نَسِيَ فَسَأَلَ مَنْ يُذَكِّرهُ , وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد. ‏ ‏قَوْله : ( فَهِبْنَا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَاء أَيْ خِفْنَا , وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى حُسْن تَأَدُّبهمْ مَعَ كِبَارهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْأَخْدَع مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ , وَكَانَ مِنْ أَخِصَّاء أَصْحَاب اِبْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَغَيْرهمَا مِنْ كِبَار الصَّحَابَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَنْ الْبَاب قَالَ عُمَر ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : تَقَدَّمَ قَوْله \" إِنَّ بَيْن الْفِتْنَة وَبَيْن عُمَر بَابًا \" فَكَيْف يُفَسِّر الْبَاب بَعْد ذَلِكَ أَنَّهُ عُمَر ؟ وَالْجَوَاب أَنَّ فِي الْأَوَّل تَجَوُّزًا وَالْمُرَاد بَيْن الْفِتْنَة وَبَيْن حَيَاة عُمَر , أَوْ بَيْن نَفْس عُمَر وَبَيْن الْفِتْنَة بَدَنه ; لِأَنَّ الْبَدَن غَيْر النَّفْس. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏غَالِب الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْبَاب مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة وَهَلُمَّ جَرًّا يَتَعَلَّق بِإِخْبَارِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْأُمُور الْآتِيَة بَعْده فَوَقَعَتْ عَلَى وَفْق مَا أَخْبَرَ بِهِ , وَالْيَسِير مِنْهَا وَقَعَ فِي زَمَانه , وَلَيْسَ فِي جَمِيعهَا مَا يَخْرُج عَنْ ذَلِكَ إِلَّا حَدِيث الْبَرَاء فِي نُزُول السَّكِينَة , وَحَدِيثه عَنْ أَبِي بَكْر فِي قِصَّة سُرَاقَة , وَحَدِيث أَنَس فِي الَّذِي اِرْتَدَّ فَلَمْ تَقْبَلهُ الْأَرْض. ‏"
    },
    {
        "id": "3322",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ وَحَتَّى تُقَاتِلُوا ‏ ‏التُّرْكَ ‏ ‏صِغَارَ الْأَعْيُنِ حُمْرَ الْوُجُوهِ ‏ ‏ذُلْفَ ‏ ‏الْأُنُوفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ ‏ ‏الْمَجَانُّ ‏ ‏الْمُطْرَقَةُ وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّهُمْ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الْأَمْرِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ وَالنَّاسُ ‏ ‏مَعَادِنُ ‏ ‏خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ زَمَانٌ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ أَهْلِهِ وَمَالِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَهُوَ يَشْتَمِل عَلَى أَرْبَعَة أَحَادِيث : أَحَدهَا قِتَال التُّرْك , وَقَدْ أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة كَمَا سَأَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ , ثَانِيهَا حَدِيث \" تَجِدُونَ مِنْ خَيْر النَّاس أَشَدّهمْ كَرَاهِيَة لِهَذَا الشَّأْن \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَّل الْمَنَاقِب , وَقَوْله فِي هَذَا الْمَوْضِع ‏ ‏\" وَتَجِدُونَ أَشَدّ النَّاس كَرَاهِيَة لِهَذَا الْأَمْر حَتَّى يَقَع فِيهِ \" ‏ ‏كَذَا وَقَعَ عِنْد أَبِي ذَرّ مُخْتَصَرًا إِلَّا فِي رِوَايَته عَنْ الْمُسْتَمْلِي فَأَوْرَدَهُ بِتَمَامِهِ وَبِهِ يَتِمّ الْمَعْنَى. ثَالِثهَا حَدِيث \" النَّاس مَعَادِن \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْمَنَاقِب أَيْضًا. رَابِعهَا حَدِيث \" يَأْتِيَن عَلَى أَحَدكُمْ زَمَان لَأَنْ يَرَانِي أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُون لَهُ مِثْل أَهْله وَمَاله , قَالَ عِيَاض : وَقَدْ وَقَعَ لِلْجَمِيعِ \" لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدكُمْ \" لَكِنْ وَقَعَ لِأَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ فِي عُرْضَة بَغْدَاد \" أَحَدهمْ \" بِالْهَاءِ , وَالصَّوَاب بِالْكَافِ , كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم اِنْتَهَى. ‏ ‏وَالْأَحَادِيث الْأَرْبَعَة تَدْخُل فِي عَلَامَات النُّبُوَّة لِإِخْبَارِهِ فِيهَا عَمَّا لَا يَقَع فَوَقَعَ كَمَا قَالَ , لَا سِيَّمَا الْحَدِيث الْأَخِير فَإِنَّ كُلّ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة بَعْد مَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَوَدّ لَوْ كَانَ رَآهُ وَفَقَدَ مِثْل أَهْله وَمَاله , وَإِنَّمَا قُلْت ذَلِكَ لِأَنَّ كُلّ أَحَد مِمَّنْ بَعْدهمْ إِلَى زَمَاننَا هَذَا يَتَمَنَّى مِثْل ذَلِكَ فَكَيْف بِهِمْ مَعَ عَظِيم مَنْزِلَته عِنْدهمْ وَمَحَبَّتهمْ فِيهِ ‏"
    },
    {
        "id": "3323",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا ‏ ‏خُوزًا ‏ ‏وَكَرْمَانَ ‏ ‏مِنْ الْأَعَاجِمِ حُمْرَ الْوُجُوهِ فُطْسَ الْأُنُوفِ صِغَارَ الْأَعْيُنِ وُجُوهُهُمْ ‏ ‏الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ ‏ ‏نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏غَيْرُهُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّزَّاقِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَوْرَدَهُ مِنْ طُرُق : ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزًا ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا زَاي : قَوْم مِنْ الْعَجَم. وَقَالَ أَحْمَد : وَهِمَ عَبْد الرَّزَّاق فَقَالَهُ بِالْجِيمِ بَدَل الْخَاء الْمُعْجَمَة. وَقَوْله ‏ ‏( وَكَرْمَان ) ‏ ‏هُوَ بِكَسْرِ الْكَاف عَلَى الْمَشْهُور. وَيُقَال بِفَتْحِهَا وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ اِبْن السَّمْعَانِيّ , ثُمَّ قَالَ : لَكِنْ اُشْتُهِرَ بِالْكَسْرِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : نَحْنُ أَعْلَم بِبَلَدِنَا. قُلْت : جَزَمَ بِالْفَتْحِ اِبْن الْجَوَالِيقِيّ وَقَبِلَهُ أَبُو عُبَيْد الْبَكْرِيّ , وَجَزَمَ بِالْكَسْرِ الْأَصِيلِيّ وَعَبْدُوس , وَتَبِعَ اِبْن السَّمْعَانِيّ يَاقُوت وَالصَّغَانِيّ , لَكِنْ نَسَبَ الْكَسْر لِلْعَامَّةِ , وَحَكَى النَّوَوِيّ الْوَجْهَيْنِ وَالرَّاء سَاكِنَة عَلَى كُلّ حَال وَتَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا \" تُقَاتِلُونَ التُّرْك \" وَاسْتُشْكِلَ لِأَنَّ خُوزًا وَكَرْمَان لَيْسَا مِنْ بِلَاد التُّرْك , أَمَّا خُوز فَمِنْ بِلَاد الْأَهْوَاز وَهِيَ مِنْ عِرَاق الْعَجَم. ‏ ‏وَقِيلَ الْخُوز صِنْف مِنْ الْأَعَاجِم , وَأَمَّا كَرْمَان فَبَلْدَة مَشْهُورَة مِنْ بِلَاد الْعَجَم أَيْضًا بَيْن خُرَاسَان وَبَحْر الْهِنْد , وَرَوَاهُ بَعْضهمْ \" وَمَحْل كَرْمَان \" بِرَاءٍ مُهْمَلَة وَبِالْإِضَافَةِ وَالْإِشْكَال بَاقٍ , وَيُمْكِن أَنْ يُجَاب بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث غَيْر حَدِيث قِتَال التُّرْك , وَيَجْتَمِع مِنْهُمَا الْإِنْذَار بِخُرُوجِ الطَّائِفَتَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ الْإِشَارَة إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي الْجِهَاد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يُقَاتِل الْمُسْلِمُونَ التُّرْك قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوههمْ الْمَجَانّ الْمُطْرَقَة , يَلْبَسُونَ الشَّعْر وَيَمْشُونَ فِي الشَّعْر \". ‏ ‏قَوْله : ( حُمْر الْوُجُوه فَطَس الْأُنُوف ) ‏ ‏الْفَطَس الِانْفِرَاش , وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا \" دُلْف الْأُنُوف \" جَمْع أَدْلُفَة بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَة وَهُوَ الْأَشْهَر , قِيلَ مَعْنَاهُ الصِّغَر , وَقِيلَ الدَّلْف الِاسْتِوَاء فِي طَرَف الْأَنْف لَيْسَ بِحَدٍّ غَلِيظ , وَقِيلَ تَشْمِير الْأَنْف عَنْ الشَّفَة الْعُلْيَا , وَدُلْف بِسُكُونِ اللَّام جَمْع فُرْطهمْ مِثْل حُمْر وَأَحْمَر , وَقِيل : الدَّلْف غِلَظ فِي الْأَرْنَبَة وَقِيلَ تَطَامُن فِيهَا , وَقِيلَ اِرْتِفَاع طَرَفه مَعَ صِغَر أَرْنَبَته , وَقِيلَ قِصَره مَعَ انْبِطَاحِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَقِيَّة الْقَوْل فِيهِ فِي أَثْنَاء الْجِهَاد. ‏ ‏قَوْله : ( وُجُوههمْ الْمَجَانّ الْمُطْرَقَة ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة \" كَأَنَّ وُجُوههمْ الْمَجَانّ الْمُطْرَقَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطه فِي أَثْنَاء الْجِهَاد فِي \" بَاب قِتَال التُّرْك \" قِيلَ إِنَّ بِلَادهمْ مَا بَيْن مَشَارِق خُرَاسَان إِلَى مَغَارِب الصِّين وَشِمَال الْهِنْد إِلَى أَقْصَى الْمَعْمُور , قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : شَبَّهَ وُجُوههمْ بِالتِّرْسَةِ لِبَسْطِهَا وَتَدْوِيرهَا وَبِالْمُطْرَقَة لِغِلَظِهَا وَكَثْرَة لَحْمهَا. ‏ ‏قَوْله : ( نِعَالهمْ الشَّعْر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ فِي أَثْنَاء الْجِهَاد فِي \" بَاب قِتَال التُّرْك \" قِيلَ الْمُرَاد بِهِ طُول شُعُورهمْ حَتَّى تَصِير أَطْرَافهَا فِي أَرْجُلهمْ مَوْضِع النِّعَال , وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّ نِعَالهمْ مِنْ الشَّعْر بِأَنْ يَجْعَلُوا نِعَالهمْ مِنْ شَعْر مَضْفُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيح بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي \" بَاب قِتَال التُّرْك \" مِنْ كِتَاب الْجِهَاد وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيق سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" يَلْبَسُونَ الشَّعْر \" وَزَعَمَ اِبْن دِحْيَة أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْقُنْدُس الَّذِي يَلْبَسُونَهُ فِي الشَّرَابِيش , قَالَ وَهُوَ جِلْد كَلْب الْمَاء. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ غَيْره عَنْ عَبْد الرَّزَّاق ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ \" تَابَعَهُ عَبْدَةُ \" وَهُوَ تَصْحِيف , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِمَامَانِ أَحْمَد وَإِسْحَاق فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ عَبْد الرَّزَّاق , وَجَعَلَهُ أَحْمَد حَدِيثَيْنِ فَصَلَ آخِره فَقَالَ \" وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تُقَاتِلُوا أَقْوَامًا نِعَالهمْ الشَّعْر \". ‏"
    },
    {
        "id": "3324",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏قَالَ أَتَيْنَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثَ سِنِينَ لَمْ أَكُنْ فِي سِنِيَّ أَحْرَصَ عَلَى أَنْ أَعِيَ الْحَدِيثَ مِنِّي فِيهِنَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ ‏ ‏بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ وَهُوَ هَذَا الْبَارِزُ وَقَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مَرَّةً وَهُمْ أَهْلُ الْبَازِرِ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ‏ ‏( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ سُفْيَان عَنْ إِسْمَاعِيل عَنْ قَيْس قَالَ \" نَزَلَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَة بِالْكُوفَةِ وَكَانَ بَيْنه وَبَيْن مَوْلَانَا قَرَابَة قَالَ سُفْيَان : وَهُمْ - أَيْ آلُ قَيْس بْن أَبِي حَازِم - مَوَالِي لِأَحْمُس , فَاجْتَمَعَتْ أَحْمُس , قَالَ قَيْس : فَأَتَيْنَاهُ نُسَلِّم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَبِي : يَا أَبَا هُرَيْرَة هَؤُلَاءِ أَنْسَابك أَتَوْك لِيُسَلِّمُوا عَلَيْك وَتُحَدِّثهُمْ , قَالَ : مَرْحَبًا بِهِمْ وَأَهْلًا صَحِبْت \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاث سِنِينَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ وَفِيهِ شَيْء , لِأَنَّهُ قَدِمَ فِي خَيْبَر سَنَة سَبْع وَكَانَتْ خَيْبَر فِي صَفَر وَمَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَبِيع الْأَوَّل سَنَة إِحْدَى عَشَرَة فَتَكُون الْمُدَّة أَرْبَع سِنِينَ وَزِيَادَة , وَبِذَلِكَ جَزَمَ حُمَيْدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِيّ قَالَ \" صَحِبْت رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَع سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَة \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَغَيْره , فَكَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة اِعْتَبَرَ الْمُدَّة الَّتِي لَازَمَ فِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُلَازَمَة الشَّدِيدَة وَذَلِكَ بَعْد قُدُومهمْ مِنْ خَيْبَر , أَوْ لَمْ يَعْتَبِر الْأَوْقَات الَّتِي وَقَعَ فِيهَا سَفَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوه وَحَجّه وَعُمَره , لِأَنَّ مُلَازَمَته لَهُ فِيهَا لَمْ تَكُنْ كَمُلَازَمَتِهِ لَهُ فِي الْمَدِينَة , أَوْ الْمُدَّة الْمَذْكُورَة بِقَيْدِ الصِّفَة الَّتِي ذَكَرَهَا مِنْ الْحِرْص , وَمَا عَدَاهَا لَمْ يَكُنْ وَقَعَ لَهُ فِيهَا الْحِرْص الْمَذْكُور , أَوْ وَقَعَ لَهُ لَكِنْ كَانَ حِرْصه فِيهَا أَقْوَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ أَكُنْ فِي سِنِيَّ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة عَلَى الْإِضَافَة أَيْ فِي سِنِي عُمْرِي , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فِي شَيْء \" بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا هَمْزَة وَاحِد الْأَشْيَاء , ‏ ‏وَقَوْله ( أَحْرَص مِنِّي ) ‏ ‏أَفْعَل تَفْضِيل وَالْمُفَضَّل عَلَيْهِ هُوَ أَبُو هُرَيْرَة , لَكِنْ بِاعْتِبَارَيْنِ , فَالْأَفْضَل الْمُدَّة الَّتِي هِيَ ثَلَاث سِنِينَ وَالْمَفْضُول بَقِيَّة عُمْره , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ إِسْمَاعِيل بِلَفْظِ \" مَا كَانَتْ أَعْقَل مِنِّي فِيهِنَّ وَلَا أَحَبَّ أَنْ أَعِي مَا يَقُول مِنْهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ هَذَا الْبَارِز وَقَالَ سُفْيَان مَرَّة وَهُمْ أَهْل الْبَازِر ) ‏ ‏وَقَعَ ضَبْط الْأُولَى بِفَتْحِ الرَّاء بَعْدهَا زَاي وَفِي الثَّانِيَة بِتَقْدِيمِ الزَّاي عَلَى الرَّاء وَالْمَعْرُوف الْأَوَّل , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن السَّكَن وَعَبْدُوس بِكَسْرِ الزَّاي وَتَقْدِيمهَا عَلَى الرَّاء وَبِهِ جَزَمَ الْأَصِيلِيّ وَابْن السَّكَن , وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِكَسْرِ الرَّاء , وَقَالَ الْقَابِسِيّ مَعْنَاهُ الْبَارِزِينَ لِقِتَالِ أَهْل الْإِسْلَام , أَيْ الظَّاهِرِينَ فِي بِرَاز مِنْ الْأَرْض كَمَا جَاءَ فِي وَصْف عَلِيّ أَنَّهُ بَارِز وَظَاهِر , وَيُقَال مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَوْم الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ , تَقُول الْعَرَب هَذَا الْبَارِز إِذَا أَشَارَتْ إِلَى شَيْء ضَارٍ , وَقَالَ اِبْن كَثِير : قَوْل سُفْيَان الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة تَقْدِيم الرَّاء عَلَى الزَّاي وَعَكْسه تَصْحِيف كَأَنَّهُ اِشْتَبَهَ عَلَى الرَّاوِي مِنْ الْبَارِز وَهُوَ السُّوق بِلُغَتِهِمْ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة وَغَيْره عَنْ إِسْمَاعِيل وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا \" وَهُمْ أَهْل الْبَارِز \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن بَشَّار عَنْ سُفْيَان وَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَهَمَ هَذَا الْبَارِز يَعْنِي الْأَكْرَاد \" وَقَالَ غَيْره : الْبَارِز الدَّيْلَم لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَسْكُنُونَ فِي بِرَاز مِنْ الْأَرْض أَوْ الْجِبَال وَهِيَ بَارِزَة عَنْ وَجْه الْأَرْض , وَقِيلَ هِيَ أَرْض فَارِس لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَل الْفَاء مُوَحَّدَة وَالزَّاي سِينًا وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ , وَقَالَ اِبْن الْأَثِير : ذَكَرَهُ أَبُو مُوسَى فِي الْبَاء وَالزَّاي , وَقِيلَ الْبَارِز نَاحِيَة قَرِيبَة مِنْ كَرْمَان بِهَا جِبَال فِيهَا أَكْرَاد فَكَأَنَّهُمْ سُمُّوا بِاسْمِ بِلَادهمْ , أَوْ هُوَ عَلَى حَذْف أَهْل , وَالَّذِي فِي الْبُخَارِيّ بِتَقْدِيمِ الرَّاء عَلَى الزَّاي وَهُمْ أَهْل فَارِس , فَكَأَنَّهُ أَبْدَلَ السِّين زَايًا أَيْ وَالْفَاء بَاء , وَقَدْ ظَهَرَ مِصْدَاق هَذَا الْخَبَر , وَقَدْ كَانَ مَشْهُورًا فِي زَمَن الصَّحَابَة حَدِيث \" اُتْرُكُوا التُّرْك مَا تَرَكُوكُمْ \" فَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث مُعَاوِيَة قَالَ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولهُ \" وَرَوَى أَبُو يَعْلَى مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُعَاوِيَة بْن خَدِيج قَالَ \" كُنْت عِنْد مُعَاوِيَة فَأَتَاهُ كِتَاب عَامِله أَنَّهُ وَقَعَ بِالتُّرْكِ وَهَزَمَهُمْ , فَغَضَب مُعَاوِيَة مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ : لَا تُقَاتِلهُمْ حَتَّى يَأْتِيك أَمْرِي , فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول إِنَّ التُّرْك تُجْلِي الْعَرَب حَتَّى تُلْحِقهَا بِمَنَابِت الشِّيح , قَالَ : فَأَنَا أَكْرَه قِتَالهمْ لِذَلِكَ \" وَقَاتَلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْك فِي خِلَافَة بَنِي أُمَيَّة , وَكَانَ مَا بَيْنهمْ وَبَيْن الْمُسْلِمِينَ , مَسْدُودًا إِلَى أَنْ فُتِحَ ذَلِكَ شَيْئًا بَعْد شَيْء وَكَثُرَ السَّبْي مِنْهُمْ وَتَنَافَسَ الْمُلُوك فِيهِمْ لِمَا فِيهِمْ مِنْ الشِّدَّة وَالْبَأْس حَتَّى كَانَ أَكْثَر عَسْكَر الْمُعْتَصِم مِنْهُمْ , ثُمَّ غَلَبَ الْأَتْرَاك عَلَى الْمُلْك فَقَتَلُوا اِبْنَة الْمُتَوَكِّل ثُمَّ أَوْلَاده وَاحِدًا بَعْد وَاحِد إِلَى أَنْ خَالَطَ الْمَمْلَكَة الدَّيْلَم , ثُمَّ كَانَ الْمُلُوك السَّامَانِيَّة مِنْ التُّرْك أَيْضًا فَمَلَكُوا بِلَاد الْعَجَم , ثُمَّ غَلَبَ عَلَى تِلْكَ الْمَمَالِك آلِ سبكتكين ثُمَّ آلُ سُلْجُوق وَامْتَدَّتْ مَمْلَكَتهمْ إِلَى الْعِرَاق وَالشَّام وَالرُّوم , ثُمَّ كَانَ بَقَايَا أَتْبَاعهمْ بِالشَّامِ وَهُمْ آلُ زِنْكِي وَأَتْبَاع هَؤُلَاءِ وَهُمْ بَيْت أَيُّوب , وَاسْتَكْثَرَ هَؤُلَاءِ أَيْضًا مِنْ التُّرْك فَغَلَبُوهُمْ عَلَى الْمَمْلَكَة بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّة وَالشَّامِيَّة وَالْحِجَازِيَّة , وَخَرَجَ عَلَى آلِ سُلْجُوق فِي الْمِائَة الْخَامِسَة الغز فَخَرَّبُوا الْبِلَاد وَفَتَكُوا فِي الْعِبَاد , ثُمَّ جَاءَتْ الطَّامَّة الْكُبْرَى بِالطَّطَر فَكَانَ خُرُوج جَنْكِز خَان بَعْد السِّتّمِائَةِ فَأُسْعِرَتْ بِهِمْ الدُّنْيَا نَارًا خُصُوصًا الْمَشْرِق بِأَسْرِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ بَلَد مِنْهُ حَتَّى دَخَلَهُ شَرّهمْ , ثُمَّ كَانَ خَرَاب بَغْدَاد وَقَتْل الْخَلِيفَة الْمُسْتَعْصِم آخِر خُلَفَائِهِمْ عَلَى أَيْدِيهمْ فِي سَنَة سِتّ وَخَمْسِينَ وَسِتّمِائَةِ , ثُمَّ لَمْ تَزَلْ بَقَايَاهُمْ يَخْرُجُونَ إِلَى أَنْ كَانَ آخِرهمْ اللَّنْك وَمَعْنَاهُ الْأَعْرَج وَأُمّه تَمُر بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَضَمّ الْمِيم وَرُبَّمَا أُشْبِعَتْ , فَطَرَقَ الدِّيَار الشَّامِيَّة وَعَاثَ فِيهَا , وَحَرَقَ دِمَشْق حَتَّى صَارَتْ خَاوِيَة عَلَى عُرُوشهَا , وَدَخَلَ الرُّوم وَالْهِنْد وَمَا بَيْن ذَلِكَ , وَطَالَتْ مُدَّته إِلَى أَنْ أَخَذَهُ اللَّه وَتَفَرَّقَ بَنُوهُ الْبِلَاد , وَظَهَرَ بِجَمِيعِ مَا أَوْرَدْته مِصْدَاق قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّ بَنِي قَنْطُورَا أَوَّل مَنْ سَلَبَ أُمَّتِي مُلْكهمْ \" وَهُوَ حَدِيث أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث مُعَاوِيَة , وَالْمُرَاد بِبَنِي قَنْطُورَا التُّرْك , وَقَنْطُورَا قَيَّدَهُ اِبْن الْجَوَالِيقِيّ فِي الْمُعَرَّب بِالْمَدِّ وَفِي كِتَاب الْبَارِع بِالْقَصْرِ , قِيلَ كَانَتْ جَارِيَة لِإِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا فَانْتَشَرَ مِنْهُمْ التُّرْك حَكَاهُ اِبْن الْأَثِير وَاسْتَبْعَدَهُ , وَأَمَّا شَيْخنَا فِي الْقَامُوس فَجَزَمَ بِهِ , وَحَكَى قَوْلًا آخَر أَنَّ الْمُرَاد بِهِمْ السُّودَان , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب قِتَال التُّرْك \" مِنْ الْجِهَاد بَقِيَّة ذَلِكَ , وَكَأَنَّهُ يُرِيد بِقَوْلِهِ \" أُمَّتِي \" أُمَّة النَّسَب لَا أُمَّة الدَّعْوَة يَعْنِي الْعَرَب وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3325",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْحَسَنَ ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ وَتُقَاتِلُونَ قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ ‏ ‏الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَمْرو بْن تَغْلِب فِي مَعْنَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَهُوَ شَاهِد قَوِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه بِمَا فِيهِ غُنْيَة , وَتَقَدَّمَ ضَبْطه فِي أَثْنَاء كِتَاب الْجِهَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "3326",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏تُقَاتِلُكُمْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَقُولُ الْحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر \" تُقَاتِلكُمْ الْيَهُود \" الْحَدِيث تَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر فِي الْجِهَاد فِي \" بَاب قِتَال الْيَهُود \". ‏ ‏قَوْله : ( تُقَاتِلكُمْ الْيَهُود فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ \" يَنْزِل الدَّجَّال هَذِهِ السَّبْخَة - أَيْ خَارِج الْمَدِينَة - ثُمَّ يُسَلِّط اللَّه عَلَيْهِ الْمُسْلِمِينَ فَيَقْتُلُونَ شِيعَته , حَتَّى إِنَّ الْيَهُودِيّ لَيَخْتَبِئ تَحْت الشَّجَرَة وَالْحَجَر فَيَقُول الْحَجَر وَالشَّجَرَة لِلْمُسْلِمِ : هَذَا يَهُودِيّ فَاقْتُلْهُ \" وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِقِتَالِ الْيَهُود وُقُوع ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ الدَّجَّال وَنَزَلَ عِيسَى , وَكَمَا وَقَعَ صَرِيحًا فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ فِي قِصَّة خُرُوج الدَّجَّال وَنُزُول عِيسَى وَفِيهِ \" وَرَاء الدَّجَّال سَبْعُونَ أَلْف يَهُودِيّ كُلّهمْ ذُو سَيْف مُحَلًّى. فَيُدْرِكهُ عِيسَى عِنْد بَاب لُدّ فَيَقْتُلهُ وَيَنْهَزِم الْيَهُود , فَلَا يَبْقَى شَيْء مِمَّا يَتَوَارَى بِهِ يَهُودِيّ إِلَّا أَنْطَقَ اللَّه ذَلِكَ الشَّيْء فَقَالَ : يَا عَبْد اللَّه - لِلْمُسْلِمِ - هَذَا يَهُودِيّ فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ , إِلَّا الْغَرْقَد فَإِنَّهَا مِنْ شَجَرهمْ \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مُطَوَّلًا وَأَصْله عِنْد أَبِي دَاوُدَ , وَنَحْوه فِي حَدِيث سَمُرَة عِنْد أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَهْ فِي كِتَاب الْإِيمَان مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح. وَفِي الْحَدِيث ظُهُور الْآيَات قُرْب قِيَام السَّاعَة مِنْ كَلَام الْجَمَاد مِنْ شَجَرَة وَحَجَر , وَظَاهِره أَنَّ ذَلِكَ يَنْطِق حَقِيقَة. وَيَحْتَمِل الْمَجَاز بِأَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُمْ لَا يُفِيدهُمْ الِاخْتِبَاء وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَفِيهِ أَنَّ الْإِسْلَام يَبْقَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَفِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" تُقَاتِلكُمْ الْيَهُود \" جَوَاز مُخَاطَبَة الشَّخْص وَالْمُرَاد مَنْ هُوَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ , لِأَنَّ الْخِطَاب كَانَ لِلصَّحَابَةِ وَالْمُرَاد مَنْ يَأْتِي بَعْدهمْ بِدَهْرٍ طَوِيل , لَكِنْ لَمَّا كَانُوا مُشْتَرِكِينَ مَعَهُمْ فِي أَصْل الْإِيمَان نَاسَبَ أَنْ يُخَاطَبُوا بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3327",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُونَ فَيُقَالُ لَهُمْ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ الرَّسُولَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَغْزُونَ فَيُقَالُ لَهُمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ الرَّسُولَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد \" يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان يَغْزُونَ فِيهِ \" الْحَدِيث يَأْتِي فِي أَوَّل مَنَاقِب الصَّحَابَة بِأَتَمّ مِنْ هَذَا السِّيَاق , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَنْ اِسْتَعَانَ بِالضُّعَفَاءِ \" مِنْ كِتَاب الْجِهَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "3328",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَعْدٌ الطَّائِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ ‏ ‏الْفَاقَةَ ‏ ‏ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ فَقَالَ يَا ‏ ‏عَدِيُّ ‏ ‏هَلْ رَأَيْتَ ‏ ‏الْحِيرَةَ ‏ ‏قُلْتُ لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا قَالَ ‏ ‏فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ ‏ ‏الظَّعِينَةَ ‏ ‏تَرْتَحِلُ مِنْ ‏ ‏الْحِيرَةِ ‏ ‏حَتَّى تَطُوفَ ‏ ‏بِالْكَعْبَةِ ‏ ‏لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ ‏ ‏طَيِّئٍ ‏ ‏الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلَادَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ ‏ ‏وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ فَلَيَقُولَنَّ لَهُ أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَقُولُ أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ قَالَ ‏ ‏عَدِيٌّ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقَّةِ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ شِقَّةَ تَمْرَةٍ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ قَالَ ‏ ‏عَدِيٌّ ‏ ‏فَرَأَيْتُ ‏ ‏الظَّعِينَةَ ‏ ‏تَرْتَحِلُ مِنْ ‏ ‏الْحِيرَةِ ‏ ‏حَتَّى تَطُوفَ ‏ ‏بِالْكَعْبَةِ ‏ ‏لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَكُنْتُ فِيمَنْ افْتَتَحَ كُنُوزَ ‏ ‏كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ ‏ ‏وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ ‏ ‏لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏أَبُو الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَعْدَانُ بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُجَاهِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَدِيًّا ‏ ‏كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : ‏ ‏قَوْله : ( أَتَاهُ رَجُل فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَة ثُمَّ أَتَاهُ آخَر ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم أَحَد مِنْهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( الظَّعِينَة ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ : الْمَرْأَة فِي الْهَوْدَج , وَهُوَ فِي الْأَصْل اِسْم لِلْهَوْدَجِ. ‏ ‏قَوْله : ( الْحِيرَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَفَتْح الرَّاء كَانَتْ بَلَد مُلُوك الْعَرَب الَّذِينَ تَحْت حُكْم آلِ فَارِس , وَكَانَ مَلِكهمْ يَوْمئِذٍ إِيَاس بْن قَبِيصَة الطَّائِيّ وَلِيَهَا مِنْ تَحْت يَد كَسْرَى بَعْد قَتْل النُّعْمَان بْن الْمُنْذِر , وَلِهَذَا قَالَ عَدِيّ بْن حَاتِم \" فَأَيْنَ دُعَّار طَيِّئ ؟ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِأَحْمَد مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عِنْد عَدِيّ بْن حَاتِم \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه فَأَيْنَ مَقَاتِب طَيِّئ وَرِجَالهَا \" وَمَقَاتِب بِالْقَافِ جَمْع مَقْتَب وَهُوَ الْعَسْكَر وَيُطْلَق عَلَى الْفُرْسَان. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَطُوف بِالْكَعْبَةِ ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عَدِيّ \" فِي غَيْر جَوَاز أَحَد \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَيْنَ دُعَّار طَيِّئ ) ‏ ‏الدُّعَّار جَمْع دَاعِر وَهُوَ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ الشَّاطِر الْخَبِيث الْمُفْسِد , وَأَصْله عُود دَاعِر إِذَا كَانَ كَثِير الدُّخَان قَالَ الْجَوَالِيقِيّ : وَالْعَامَّة تَقُولهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة فَكَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا بِهِ إِلَى مَعْنَى الْفَزَع وَالْمَعْرُوف الْأَوَّل وَالْمُرَاد قُطَّاع الطَّرِيق. وَطَيِّئ قَبِيلَة مَشْهُورَة , مِنْهَا عَدِيّ بْن حَاتِم الْمَذْكُور , وَبِلَادهمْ مَا بَيْن الْعِرَاق وَالْحِجَاز , وَكَانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيق عَلَى مَنْ مَرَّ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ جَوَاز , وَلِذَلِكَ تَعَجَّبَ عَدِيّ كَيْف تَمُرّ الْمَرْأَة عَلَيْهِمْ وَهِيَ غَيْر خَائِفَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ سَعَّرُوا الْبِلَاد ) ‏ ‏أَيْ أَوْقَدُوا نَار الْفِتْنَة , أَيْ مَلَاؤُا الْأَرْض شَرًّا وَفَسَادًا , وَهُوَ مُسْتَعَار مِنْ اِسْتِعَار النَّار وَهُوَ تَوَقُّدهَا. ‏ ‏قَوْله : ( كُنُوز كِسْرَى ) ‏ ‏وَهُوَ عَلَم عَلَى مَنْ مَلَكَ الْفُرْس , لَكِنْ كَانَتْ الْمَقَالَة فِي زَمَن كِسْرَى بْن هُرْمُز وَلِذَلِكَ اِسْتَفْهَمَ عَدِيّ بْن حَاتِم عَنْهُ , وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِعَظَمَةِ كِسْرَى فِي نَفْسه إِذْ ذَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا يَجِد أَحَدًا يَقْبَلهُ مِنْهُ ) ‏ ‏أَيْ لِعَدَمِ الْفُقَرَاء فِي ذَلِكَ الزَّمَان , تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ عِنْد نُزُول عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى مَا وَقَعَ فِي زَمَن عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ وَأَخْرَجَ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن سُفْيَان بِسَنَدِهِ إِلَى عُمَر بْن أَسِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن الْخَطَّاب قَالَ \" إِنَّمَا وَلِيَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز ثَلَاثِينَ شَهْرًا , أَلَا وَاَللَّه مَا مَاتَ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُل يَأْتِينَا بِالْمَالِ الْعَظِيم فَيَقُول اِجْعَلُوا هَذَا حَيْثُ تَرَوْنَ فِي الْفُقَرَاء , فَمَا يَبْرَح حَتَّى يَرْجِع بِمَالِهِ يَتَذَكَّر مَنْ يَضَعهُ فِيهِ فَلَا يَجِدهُ \" هَذَا الِاحْتِمَال عَلَى الْأَوَّل لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث \" وَلَئِنْ طَالَتْ بِك حَيَاة \". ‏ ‏قَوْله : ( بِشِقِّ تَمْرَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة أَيْ نِصْفهَا , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" بِشِقَّةِ تَمْرَة \" وَكَذَا اِخْتَلَفُوا فِي قَوْله بَعْده \" فَمَنْ لَمْ يَجِد شِقّ تَمْرَة \" قَالَ الْمُسْتَمْلِي \" شِقَّة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَاب الزَّكَاة. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاة لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هُوَ مَقُول عَدِيّ بْن حَاتِم , وَقَوْله ( يُخْرِج مِلْء كَفّه - أَيْ مِنْ الْمَال - فَلَا يَجِد مَنْ يَقْبَلهُ ) رِوَايَة أَحْمَد الْمَذْكُورَة \" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكُونَن الثَّالِثَة لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَهَا \" وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآمَنَ بِهِ عَدِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر كِتَاب الْحَجّ مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز سَفَر الْمَرْأَة وَحْدهَا فِي الْحَجّ الْوَاجِب وَالْبَحْث فِي ذَلِكَ وَتَوْجِيه الِاسْتِدْلَال بِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته هُنَا , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعْدَان بْن بِشْر ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة يُقَال اِسْمه سَعِيد وَسَعْدَان لَقَبُهُ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ وَلَا لِشَيْخِهِ وَلَا لِشَيْخِ شَيْخه غَيْر هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو مُجَاهِد ) ‏ ‏هُوَ سَعْد الطَّائِيّ الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الَّذِي قَبْله , وَمُحِلّ بْن خَلِيفَة فِي الْإِسْنَادَيْنِ هُوَ بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْر الْمُعْجَمَة بَعْدهَا لَام , وَقَدْ قِيلَ فِيهِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة , وَتَقَدَّمَ سِيَاق مَتْن هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الزَّكَاة وَهُوَ أَخْصَر مِنْ سِيَاق الَّذِي قَبْله , وَإِطْلَاق الْمُصَنِّف قَدْ يُوهِم أَنَّهُمَا سَوَاء وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3329",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ شُرَحْبِيلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي ‏ ‏فَرَطُكُمْ ‏ ‏وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ إِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ خَزَائِنَ مَفَاتِيحِ الْأَرْضِ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ بَعْدِي أَنْ تُشْرِكُوا وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عُقْبَة وَهُوَ اِبْن عَامِر الْجُهَنِيّ ‏ ‏: ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَبِيب , ‏ ‏وَأَبُو الْخَيْر ‏ ‏هُوَ مَرْثَد بْن عَبْد اللَّه , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا ) ‏ ‏هَذَا مِمَّا حُذِفَ فِيهِ لَفْظ \" أَنَّهُ \" وَهِيَ تُحْذَف كَثِيرًا مِنْ الْخَطّ وَلَا بُدّ مِنْ النُّطْق بِهَا وَقَلَّ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ , فَقَدْ نَبَّهُوا عَلَى حَذْف \" قَالَ \" خَطًّا , وَقَالَ اِبْن الصَّلَاح لَا بُدّ مِنْ النُّطْق بِهَا , وَفِيهِ بَحْث ذَكَرْته فِي النُّكَت , وَوَقَعَ هُنَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ بِلَفْظِ \" أَنَّ \" بَدَل \" عَنْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّى عَلَى أَهْل أُحُد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْجَنَائِز , ‏ ‏وَقَوْله ( أَلَا وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيت مَفَاتِيح خَزَائِن إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ مُوَافِق لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة وَالْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَغْنٍ عَنْ إِعَادَته , وَوَقَعَ هُنَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ \" خَزَائِن مَفَاتِيح \" عَلَى الْقَلْب , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز وَالْمَغَازِي بِلَفْظِ \" مَفَاتِيح خَزَائِن \" وَكَذَا عِنْد مُسْلِم وَالنَّسَائِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنِّي أَخَاف أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا ) ‏ ‏فِيهِ إِنْذَار بِمَا سَيَقَعُ فَوَقَعَ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ الْفُتُوح بَعْده وَآلَ الْأَمْر إِلَى أَنْ تَحَاسَدُوا وَتَقَاتَلُوا وَوَقَعَ مَا هُوَ الْمُشَاهَد الْمَحْسُوس لِكُلِّ أَحَد مِمَّا يَشْهَد بِمِصْدَاقِ خَبَره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَوَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيث إِخْبَاره بِأَنَّهُ فَرَطهمْ أَيْ سَابِقهمْ وَكَانَ كَذَلِكَ , وَأَنَّ أَصْحَابه لَا يُشْرِكُونَ بَعْده فَكَانَ كَذَلِكَ , وَوَقَعَ مَا أَنْذَرَ بِهِ مِنْ التَّنَافُس فِي الدُّنْيَا , وَتَقَدَّمَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ حَدِيث عَمْرو بْن عَوْف مَرْفُوعًا \" مَا الْفَقْر أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَط الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ \" وَحَدِيث أَبِي سَعِيد فِي مَعْنَاهُ فَوَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ وَفُتِحَتْ عَلَيْهِمْ الْفُتُوح الْكَثِيرَة وَصُبَّتْ عَلَيْهِمْ الدُّنْيَا صَبًّا , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الرِّقَاق. ‏"
    },
    {
        "id": "3330",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَشْرَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏أُطُمٍ ‏ ‏مِنْ الْآطَامِ فَقَالَ ‏ ‏هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى إِنِّي أَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ مَوَاقِعَ الْقَطْرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح بَعْضه فِي أَوَاخِر الْحَجّ , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3331",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَتْهُ أَنَّ ‏ ‏أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏حَدَّثَتْهَا عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيْلٌ ‏ ‏لِلْعَرَبِ ‏ ‏مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ ‏ ‏رَدْمِ ‏ ‏يَأْجُوجَ ‏ ‏وَمأْجُوجَ ‏ ‏مِثْلُ هَذَا وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ وَبِالَّتِي تَلِيهَا فَقَالَتْ ‏ ‏زَيْنَبُ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ إِذَا كَثُرَ ‏ ‏الْخَبَثُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث زَيْنَب بِنْت جَحْش : \" وَيْل لِلْعَرَبِ مِنْ شَرّ قَدْ اِقْتَرَبَ \" ‏ ‏وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي آخِر كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3332",
        "content": "‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَتْنِي ‏ ‏هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِنِ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْفِتَنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أُمّ سَلَمَة قَالَتْ \" اِسْتَيْقَظَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : سُبْحَان اللَّه , مَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِن \" ‏ ‏أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي كِتَاب الْفِتَن مَعَ شَرْحه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" وَعَنْ الزُّهْرِيّ \" ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى إِسْنَاد حَدِيث زَيْنَب بِنْت جَحْش وَهُوَ \" أَبُو الْيَمَان عَنْ شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ \" وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّق , فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ بِتَمَامِهِ فِي الْفِتَن عَنْ أَبِي الْيَمَان بِهَذَا الْإِسْنَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "3333",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ الْمَاجِشُونِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَتَتَّخِذُهَا فَأَصْلِحْهَا وَأَصْلِحْ ‏ ‏رُعَامَهَا ‏ ‏فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُونُ الْغَنَمُ فِيهِ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ يَتْبَعُ بِهَا ‏ ‏شَعَفَ ‏ ‏الْجِبَالِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏سَعَفَ ‏ ‏الْجِبَالِ ‏ ‏فِي مَوَاقِعِ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي سَعِيد \" يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان تَكُون الْغَنَم فِيهِ خَيْر مَال الْمُسْلِم \" ‏ ‏الْحَدِيث. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْله فِي الْإِسْنَاد \" عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن صَعْصَعَة \" ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن أَبِي صَعْصَعَة , نُسِبَ إِلَى جَدّه الْأَعْلَى , وَرِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِيهِ عَبْد اللَّه لَا عَنْ أَبِي صَعْصَعَة وَلَا غَيْره مِنْ آبَائِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاح ذَلِكَ فِي كِتَاب الْإِيمَان , ‏ ‏وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" شَعَف الْجِبَال أَوْ سَعَف الْجِبَال \" ‏ ‏بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة فِيهِمَا وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَة فِي الْأُولَى أَوْ الْمُهْمَلَة فِي الثَّانِيَة , وَاَلَّتِي بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة مَعْنَاهَا رُءُوس الْجِبَال , وَاَلَّتِي بِالْمُهْمَلَةِ مَعْنَاهَا جَرِيد النَّخْل , وَقَدْ أَشَارَ صَاحِب الْمَطَالِع إِلَى تَوْهِيمهَا , لَكِنْ يُمْكِن تَخْرِيجهَا عَلَى إِرَادَة تَشْبِيه أَعْلَى الْجَبَل بِأَعْلَى النَّخْلَة وَجَرِيد النَّخْل يَكُون غَالِبًا أَعْلَى مَا فِي النَّخْلَة لِكَوْنِهَا قَائِمَة , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3334",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ الْأُوَيْسِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي وَمَنْ ‏ ‏يُشْرِفْ ‏ ‏لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ ‏ ‏مَعَاذًا ‏ ‏فَلْيَعُذْ بِهِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ‏ ‏مِثْلَ حَدِيثِ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏هَذَا إِلَّا أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏يَزِيدُ مِنْ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا ‏ ‏وُتِرَ ‏ ‏أَهْلَهُ وَمَالَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" سَتَكُونُ فِتَن الْقَاعِد فِيهَا خَيْر مِنْ الْقَائِم \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْفِتَن. وَحَدِيث نَوْفَل بْن مُعَاوِيَة قَالَ مِثْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَسَيَأْتِي شَرْح الْمَتْن فِي الْفِتَن , وَقَوْله ( وَعَنْ الزُّهْرِيّ ) هُوَ بِإِسْنَادِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة إِلَى الزُّهْرِيّ , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّق , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا مِنْ طَرِيق صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الزُّهْرِيّ , ‏ ‏وَقَوْله ( إِلَّا أَنَّ أَبَا بَكْر ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عَبْد الرَّحْمَن شَيْخ الزُّهْرِيّ. ‏ ‏وَقَوْله ( يَزِيد مِنْ الصَّلَاة صَلَاة مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْله وَمَاله ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبُو بَكْر زَادَ هَذَا مُرْسَلًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون زَادَهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مُطِيع بْن الْأَسْوَد عَنْ نَوْفَل بْن مُعَاوِيَة , وَعَبْد الرَّحْمَن هَذَا هُوَ أَخُو عَبْد اللَّه بْن مُطِيع الَّذِي وَلِيَ الْكُوفَة , وَهُوَ مَذْكُور فِي الصَّحَابَة , وَأَمَّا عَبْد الرَّحْمَن فَتَابِعِيّ عَلَى الصَّحِيح , وَقَدْ ذَكَرَهُ اِبْن حِبَّانَ وَابْن مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَة , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَشَيْخه نَوْفَل بْن مُعَاوِيَة صَحَابِيّ قَلِيل الْحَدِيث مِنْ مُسْلِمَة الْفَتْح , عَاشَ إِلَى خِلَافَة يَزِيد بْن مُعَاوِيَة , وَيُقَال إِنَّهُ جَاوَزَ الْمِائَة , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ أَيْضًا غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَهُوَ خَال عَبْد الرَّحْمَن بْن مُطِيع الرَّاوِي عَنْهُ. قَالَ الزُّبَيْر بْن بَكَّار : اِسْم أُمّه كُلْثُوم , وَالْمُرَاد بِالصَّلَاةِ الْمَذْكُورَة صَلَاة الْعَصْر , كَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مُفَسَّرًا مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب \" عَنْ عِرَاك بْن مَالِك عَنْ نَوْفَل بْن مُعَاوِيَة سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : \" مِنْ الصَّلَاة صَلَاة \" فَذَكَرَ مِثْل لَفْظ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن وَزَادَ \" قَالَ : فَقَالَ اِبْن عُمَر : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول هِيَ صَلَاة الْعَصْر \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة فِي الْمَوَاقِيت حَدِيث بُرَيْدَةَ فِي ذَلِكَ مَشْرُوحًا , وَهُوَ شَاهِد لِصِحَّةِ قَوْل اِبْن عُمَر هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏ذَكَرَ الْبُخَارِيّ هَذِهِ الزِّيَادَة هُنَا اِسْتِطْرَادًا لِوُقُوعِهَا فِي الْحَدِيث الَّذِي أَرَادَ إِيرَاده فِي هَذَا الْبَاب , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3335",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَتَكُونُ ‏ ‏أَثَرَةٌ ‏ ‏وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" سَتَكُونُ أَثَرَة \" ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ أَيْضًا فِي الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3336",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُهْلِكُ النَّاسَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ اعْتَزَلُوهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو دَاوُدَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا زُرْعَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قُرَيْش , وَسَيَأْتِي أَيْضًا فِي الْفِتَن. ‏ ‏وَقَوْله هُنَا فِي الطَّرِيق الْأُولَى \" قَالَ مَحْمُود حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ \" ‏ ‏أَرَادَ بِذَلِكَ تَصْرِيح أَبِي التَّيَّاح بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو , وَأَبُو دَاوُدَ هَذَا هُوَ الطَّيَالِسِيّ , وَلَمْ يُخَرِّج لَهُ الْمُصَنِّف إِلَّا اِسْتِشْهَادًا , وَمَحْمُود هَذَا هُوَ اِبْن غَيْلَان أَحَد مَشَايِخه الْمَشْهُورِينَ , وَقَدْ نَزَلَ الْمُصَنِّف فِي الْإِسْنَاد الْأَوَّل دَرَجَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَبِي أُسَامَة , لِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْ الْجَمْع الْكَثِير مِنْ أَصْحَابه حَتَّى مِنْ شَيْخ شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث وَهُوَ أَبُو مَعْمَر إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم الْهُذَلِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي بَكْر وَعُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي أُسَامَة وَهُمَا مِمَّنْ أَكْثَرَ عَنْهُمَا الْبُخَارِيّ , وَكَأَنَّهُ فَاتَهُ عَنْهُمَا. وَنَزَلَ فِيهِ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ شُعْبَة دَرَجَتَيْنِ لِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابه , وَهُوَ مِنْ غَرَائِب حَدِيث شُعْبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3337",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ ‏ ‏مَرْوَانَ ‏ ‏وَأَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَسَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقُ يَقُولُ ‏ ‏هَلَاكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَرْوَانُ ‏ ‏غِلْمَةٌ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏إِنْ شِئْتَ أَنْ أُسَمِّيَهُمْ ‏ ‏بَنِي فُلَانٍ ‏ ‏وَبَنِي فُلَانٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة \" فَقَالَ مَرْوَان : غِلْمَة \" ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ تَعَجَّبَ مَرْوَان مِنْ وُقُوع ذَلِكَ مِنْ غِلْمَة , فَأَجَابَهُ أَبُو هُرَيْرَة \" إِنْ شِئْت صَرَّحْت بِأَسْمَائِهِمْ \" اِنْتَهَى , وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ الطَّرِيق الْمَذْكُورَة فِي الْفِتَن فَإِنَّهَا ظَاهِرَة فِي أَنَّ مَرْوَان لَمْ يُورِدهَا مَوْرِد التَّعَجُّب , فَإِنَّ لَفْظه هُنَاكَ \" فَقَالَ مَرْوَان : لَعْنَة اللَّه عَلَيْهِمْ غِلْمَة \" فَظَهَرَ أَنَّ فِي هَذَا الطَّرِيق اِخْتِصَارًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَتَعَجَّب مِنْ فِعْلهمْ وَيَلْعَنهُمْ مَعَ ذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3338",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ جَابِرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ ‏ ‏نَعَمْ قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ نَعَمْ وَفِيهِ ‏ ‏دَخَنٌ ‏ ‏قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا فَقَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ قَالَ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث حُذَيْفَة \" كَانَ النَّاس يَسْأَلُونَ عَنْ الْخَيْر \" ‏ ‏يَأْتِي فِي الْفِتَن مَعَ شَرْحه مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3339",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَعَلَّمَ أَصْحَابِي الْخَيْرَ وَتَعَلَّمْتُ الشَّرَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى \" تَعَلَّمَ أَصْحَابِي الْخَيْر وَتَعَلَّمْت الشَّرّ \" ‏ ‏هُوَ طَرَف مِنْ الطَّرِيق الْآخَر وَهُوَ بِمَعْنَاهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِاللَّفْظِ الْأَوَّل إِلَّا أَنَّهُ قَالَ \" كَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" بَدَل قَوْله \" كَانَ النَّاس \". ‏"
    },
    {
        "id": "3340",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ \" الْحَدِيث , أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ , وَفِي الثَّانِيَة ذِكْر الدَّجَّالِينَ , وَهُوَ حَدِيث آخَر مُسْتَقِلّ مِنْ \" صَحِيفَة هَمَّام \" , وَقَدْ أَفْرَدَهُ أَحْمَد وَمُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمْ , ‏ ‏وَقَوْله ( فِئَتَانِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء بَعْدهَا هَمْزَة مَفْتُوحَة تَثْنِيَة فِئَة أَيْ جَمَاعَة , وَوَصَفَهُمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى تَجَوَّزَ أَيْ بِالْكَثْرَةِ , وَالْمُرَاد بِهِمَا مَنْ كَانَ مَعَ عَلِيّ وَمُعَاوِيَة لَمَّا تَحَارَبَا بِصِفِّينَ , ‏ ‏وَقَوْله ( دَعْوَاهُمَا وَاحِدَة ) ‏ ‏أَيْ دِينهمَا وَاحِد لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ يَتَسَمَّى بِالْإِسْلَامِ , أَوْ الْمُرَاد أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ الْمُحِقّ , وَذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ إِذْ ذَاكَ إِمَام الْمُسْلِمِينَ وَأَفْضَلهمْ يَوْمَئِذٍ بِاتِّفَاقِ أَهْل السُّنَّة , وَلِأَنَّ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد بَايَعُوهُ بَعْد قَتْل عُثْمَان , وَتَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَته مُعَاوِيَة فِي أَهْل الشَّام , ثُمَّ خَرَجَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَمَعَهُمَا عَائِشَة إِلَى الْعِرَاق فَدَعَوْا النَّاس إِلَى طَلَب قَتَلَة عُثْمَان لِأَنَّ الْكَثِير مِنْهُمْ اِنْضَمُّوا إِلَى عَسْكَر عَلِيّ , فَخَرَجَ عَلِيّ إِلَيْهِمْ فَرَاسَلُوهُ فِي ذَلِكَ فَأَبَى أَنْ يَدْفَعهُمْ إِلَيْهِمْ إِلَّا بَعْد قِيَام دَعْوَى مِنْ وَلِيّ الدَّم وَثُبُوت ذَلِكَ عَلَى مَنْ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ , وَكَانَ بَيْنهمْ مَا سَيَأْتِي بَسْطه فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَرَحَلَ عَلِيّ بِالْعَسْكَرِ طَالِبًا الشَّام , دَاعِيًا لَهُمْ إِلَى الدُّخُول فِي طَاعَته , مُجِيبًا لَهُمْ عَنْ شُبَههمْ فِي قَتَلَة عُثْمَان بِمَا تَقَدَّمَ , فَرَحَلَ مُعَاوِيَة بِأَهْلِ الشَّام فَالْتَقَوْا بِصِفِّينَ بَيْن الشَّام وَالْعِرَاق فَكَانَتْ بَيْنهمْ مَقْتَلَة عَظِيمَة كَمَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَآلَ الْأَمْر بِمُعَاوِيَةَ وَمَنْ مَعَهُ عِنْد ظُهُور عَلِيّ عَلَيْهِمْ إِلَى طَلَب التَّحْكِيم , ثُمَّ رَجَعَ عَلِيّ إِلَى الْعِرَاق , فَخَرَجَتْ عَلَيْهِ الْحَرُورِيَّة فَقَتَلَهُمْ بِالنَّهْرَوَان وَمَاتَ بَعْد ذَلِكَ , وَخَرَجَ اِبْنه الْحَسَن بْن عَلِيّ بَعْده بِالْعَسَاكِرِ لِقِتَالِ أَهْل الشَّام وَخَرَجَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَة فَوَقَعَ بَيْنهمْ الصُّلْح كَمَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة الْآتِي فِي الْفِتَن \" إِنَّ اللَّه يُصْلِح بِهِ بَيْن فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ \" وَسَيَأْتِي بَسْط جَمِيع ذَلِكَ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يُبْعَث ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله أَيْ يَخْرُج , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالْبَعْثِ مَعْنَى الْإِرْسَال الْمُقَارِن لِلنُّبُوَّةِ , بَلْ هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِين عَلَى الْكَافِرِينَ ). ‏ ‏قَوْله : ( دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ ) ‏ ‏الدَّجْل التَّغْطِيَة وَالتَّمْوِيه , وَيُطْلَق عَلَى الْكَذِب أَيْضًا , فَعَلَى هَذَا \" كَذَّابُونَ \" تَأْكِيد. ‏ ‏وَقَوْله ( قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِالنَّصْبِ وَهُوَ عَلَى الْحَال مِنْ النَّكِرَة الْمَوْصُوفَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد \" قَرِيب \" بِالرَّفْعِ عَلَى الصِّفَة , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة الْجَزْم بِالْعَدَدِ الْمَذْكُور بِلَفْظِ \" إِنَّ بَيْن يَدَيْ السَّاعَة ثَلَاثِينَ كَذَّابًا رِجَالًا كُلّهمْ يَزْعُم أَنَّهُ نَبِيّ \" وَرَوَى أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر تَسْمِيَة بَعْض الْكَذَّابِينَ الْمَذْكُورِينَ بِلَفْظِ \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يَخْرُج ثَلَاثُونَ كَذَّابًا مِنْهُمْ مُسَيْلِمَة وَالْعَنْسِيّ وَالْمُخْتَار \". قُلْت : وَقَدْ ظَهَرَ مِصْدَاق ذَلِكَ فِي آخِر زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ مُسَيْلِمَة بِالْيَمَامَةِ , وَالْأَسْوَد الْعَنْسِي بِالْيَمَنِ , ثُمَّ خَرَجَ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر طُلَيْحَة بْن خُوَيْلِد فِي بَنِي أَسَد بْن خُزَيْمَةَ , وَسِجَاح التَّمِيمِيَّة فِي بَنِي تَمِيم , وَفِيهَا يَقُول شَبِيب بْن رِبْعِيّ وَكَانَ مُؤَدِّبهَا : ‏ ‏أَضْحَتْ نَبِيَّتنَا أُنْثَى نُطِيف بِهَا ‏ ‏وَأَصْبَحَتْ أَنْبِيَاء النَّاس ذُكْرَانًا ‏ ‏وَقُتِلَ الْأَسْوَد قَبْل أَنْ يَمُوت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُتِلَ مُسَيْلِمَة فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر , وَتَابَ طُلَيْحَة وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَام عَلَى الصَّحِيح فِي خِلَافَة عُمَر , وَنُقِلَ أَنَّ سَجَاح أَيْضًا تَابَتْ , وَأَخْبَار هَؤُلَاءِ مَشْهُورَة عِنْد الْإِخْبَارِيِّينَ. ثُمَّ كَانَ أَوَّل مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ الْمُخْتَار بْن أَبِي عُبَيْد الثَّقَفِيّ غَلَبَ عَلَى الْكُوفَة فِي أَوَّل خِلَافَة اِبْن الزُّبَيْر فَأَظْهَرَ مَحَبَّة أَهْل الْبَيْت وَدَعَا النَّاس إِلَى طَلَب قَتَلَة الْحُسَيْن فَتَبِعَهُمْ فَقَتَلَ كَثِيرًا مِمَّنْ بَاشَرَ ذَلِكَ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ فَأَحَبَّهُ النَّاس , ثُمَّ زَيَّنَ لَهُ الشَّيْطَان أَنْ اِدَّعَى النُّبُوَّة وَزَعَمَ أَنَّ جِبْرِيل يَأْتِيه , فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ رِفَاعَة بْن شَدَّاد قَالَ \" كُنْت أَبْطَنَ شَيْء بِالْمُخْتَارِ فَدَخَلْت عَلَيْهِ يَوْمًا فَقَالَ : دَخَلْت وَقَدْ قَامَ جِبْرِيل قَبْل مِنْ هَذَا الْكُرْسِيّ \" وَرَوَى يَعْقُوب بْن سُفْيَان بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّ الْأَحْنَف بْن قَيْس أَرَاهُ كِتَاب الْمُخْتَار إِلَيْهِ يَذْكُر أَنَّهُ نَبِيّ , وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي \" السُّنَن \" مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ قَالَ قُلْت لِعُبَيْدَة بْن عَمْرو : أَتَرَى الْمُخْتَار مِنْهُمْ ؟ قَالَ : أَمَا إِنَّهُ مِنْ الرُّءُوس , وَقُتِلَ الْمُخْتَار سَنَة بِضْع وَسِتِّينَ , وَمِنْهُمْ الْحَارِث الْكَذَّاب خَرَجَ فِي خِلَافَة عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان فَقُتِلَ. وَخَرَجَ فِي خِلَافَة بَنِي الْعَبَّاس جَمَاعَة , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ مَنْ اِدَّعَى النُّبُوَّة مُطْلَقًا فَإِنَّهُمْ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَة لِكَوْنِ غَالِبهمْ يَنْشَأ لَهُمْ ذَلِكَ عَنْ جُنُون أَوْ سَوْدَاء وَإِنَّمَا الْمُرَاد مَنْ قَامَتْ لَهُ شَوْكَة وَبَدَتْ لَهُ شُبْهَة كَمَنْ وَصَفْنَا , وَقَدْ أَهْلَكَ اللَّه تَعَالَى مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَبَقِيَ مِنْهُمْ مَنْ يُلْحِقهُ بِأَصْحَابِهِ وَآخِرهمْ الدَّجَّال الْأَكْبَر , وَسَيَأْتِي بَسْط كَثِير مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3341",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا أَتَاهُ ‏ ‏ذُو الْخُوَيْصِرَةِ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ فَقَالَ وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ ‏ ‏دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ ‏ ‏تَرَاقِيَهُمْ ‏ ‏يَمْرُقُونَ ‏ ‏مِنْ الدِّينِ كَمَا ‏ ‏يَمْرُقُ ‏ ‏السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ يُنْظَرُ إِلَى ‏ ‏نَصْلِهِ ‏ ‏فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى ‏ ‏رِصَافِهِ ‏ ‏فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ وَهُوَ قِدْحُهُ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى ‏ ‏قُذَذِهِ ‏ ‏فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ قَدْ سَبَقَ ‏ ‏الْفَرْثَ ‏ ‏وَالدَّمَ آيَتُهُمْ ‏ ‏رَجُلٌ أَسْوَدُ ‏ ‏إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ ‏ ‏الْبَضْعَةِ ‏ ‏تَدَرْدَرُ ‏ ‏وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ قَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَشْهَدُ أَنَّ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الَّذِي نَعَتَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي ذِكْر ذِي الْخُوَيْصِرَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَف مِنْهُ فِي قِصَّة عَاد مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَأَحَلْت عَلَى شَرْحه فِي الْمَغَازِي وَهُوَ فِي أَوَاخِرهَا مِنْ وَجْه آخَر مُطَوَّلًا , ‏ ‏وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَقَالَ عُمَر اِئْذَنْ لِي أَضْرِب عُنُقه \" ‏ ‏لَا يُنَافِي قَوْله فِي تِلْكَ الرِّوَايَة \" فَقَالَ خَالِد \" لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون كُلّ مِنْهُمَا سَأَلَ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏وَقَوْله هُنَا \" دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا \" ‏ ‏لَيْسَتْ الْفَاء لِلتَّعْلِيلِ وَإِنَّمَا هِيَ لِتَعْقِيبِ الْأَخْبَار , وَالْحُجَّة لِذَلِكَ ظَاهِرَة فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة. ‏ ‏وَقَوْله ( لَا يُجَاوِز ) ‏ ‏وَيَحْتَمِل أَنَّهُ لِكَوْنِهِ لَا تَفْقَههُ قُلُوبهمْ وَيَحْمِلُونَهُ عَلَى غَيْر الْمُرَاد بِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ تِلَاوَتهمْ لَا تَرْتَفِع إِلَى اللَّه , ‏ ‏وَقَوْله ( يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّين ) ‏ ‏إِنْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ الْإِسْلَام فَهُوَ حُجَّة لِمَنْ يُكَفِّر الْخَوَارِج , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالدِّينِ الطَّاعَة فَلَا يَكُون فِيهِ حُجَّة وَإِلَيْهِ جَنَحَ الْخَطَّابِيُّ , ‏ ‏وَقَوْله ( الرَّمِيَّة ) ‏ ‏بِوَزْنِ فَعِيلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة وَهُوَ الصَّيْد الْمَرْمِيّ , شَبَّهَ مُرُوقهمْ مِنْ الدِّين بِالسَّهْمِ الَّذِي يُصِيب الصَّيْد فَيَدْخُل فِيهِ وَيَخْرُج مِنْهُ , وَمِنْ شِدَّة سُرْعَة خُرُوجه لِقُوَّةِ الرَّامِي لَا يَعْلَق مِنْ جَسَد الصَّيْد شَيْء. ‏ ‏وَقَوْله ( يَنْظُر فِي نَصْله ) ‏ ‏أَيْ حَدِيدَة السَّهْم ‏ ‏وَ \" رِصَافه \" ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء ثُمَّ مُهْمَلَة ثُمَّ فَاء عَصَبه الَّذِي يَكُون فَوْق مَدْخَل النَّصْل , وَالرِّصَاف جَمْعٌ وَاحِدُهُ رَصَفَة بِحَرَكَاتٍ ‏ ‏وَ \" نَضِيّه \" ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَحُكِيَ ضَمّهَا وَبِكَسْرِ الْمُعْجَمَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة قَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيث بِالْقِدْحِ بِكَسْرِ الْقَاف وَسُكُون الدَّال أَيْ عُود السَّهْم قَبْل أَنْ يُرَاشَ وَيُنَصَّل , وَقِيلَ هُوَ مَا بَيْن الرِّيش وَالنَّصْل قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ , قَالَ اِبْن فَارِس : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ بُرِيَ حَتَّى عَادَ نِضْوًا أَيْ هَزِيلًا. وَحَكَى الْجَوْهَرِيّ عَنْ بَعْض أَهْل اللُّغَة أَنَّ النَّضِيّ النَّصْل , وَالْأَوَّل أَوْلَى , ‏ ‏وَ \" الْقُذَذ \" ‏ ‏بِضَمِّ الْقَاف وَمُعْجَمَتَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَة جَمْع قُذَّة وَهِيَ رِيش السَّهْم يُقَال لِكُلِّ وَاحِدَة قُذَّة , وَيُقَال هُوَ أَشْبَه بِهِ مِنْ الْقُذَّة بِالْقُذَّةِ لِأَنَّهَا تُجْعَل عَلَى مِثَال وَاحِد. ‏ ‏وَقَوْله ( آيَتهمْ ) ‏ ‏أَيْ عَلَامَتهمْ , ‏ ‏وَقَوْله ( بَضْعَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة أَيْ قِطْعَة لَحْم , ‏ ‏وَقَوْله ( تُدَرْدِر ) ‏ ‏بِدَالَيْنِ وَرَاءَيْنِ مُهْمَلَات أَيْ تَضْطَرِب , وَالدَّرْدَرَة صَوْت إِذَا اِنْدَفَعَ سُمِعَ لَهُ اِخْتِلَاط , ‏ ‏وَقَوْله ( عَلَى حِين فُرْقَة ) ‏ ‏أَيْ زَمَان فُرْقَة , وَهُوَ بِضَمِّ الْفَاء أَيْ اِفْتِرَاق , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" عَلَى خَيْر \" بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَرَاء أَيْ أَفْضَل , وَفِرْقَة بِكَسْرِ الْفَاء أَيْ طَائِفَة وَهِيَ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل حَدِيث مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي سَعِيد \" تَمْرُق مَارِقَة عِنْد فُرْقَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَقْتُلهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ \" أَخْرَجَهُ هَكَذَا مُخْتَصَرًا مِنْ وَجْهَيْنِ , وَفِي هَذَا وَفِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" تَقْتُل عَمَّارًا الْفِئَة الْبَاغِيَة \" دَلَالَة وَاضِحَة عَلَى أَنَّ عَلِيًّا وَمَنْ مَعَهُ كَانُوا عَلَى الْحَقّ وَأَنَّ مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانُوا مُخْطِئِينَ فِي تَأْوِيلهمْ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَوْله فِي آخِر الْحَدِيث \" فَأُتِيَ بِهِ \" أَيْ بِذِي الْخُوَيْصِرَة \" حَتَّى نَظَرْت إِلَيْهِ عَلَى نَعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي نَعَتَهُ \" يُرِيد مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنه أَسْوَد إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْل ثَدْي الْمَرْأَة إِلَخْ , قَالَ بَعْض أَهْل اللُّغَة : النَّعْت يَخْتَصّ بِالْمَعَانِي كَالطُّولِ وَالْقِصَر وَالْعَمَى وَالْخَرَس , وَالصِّفَة بِالْفِعْلِ كَالضَّرْبِ وَالْجُرُوح. وَقَالَ غَيْره : النَّعْت لِلشَّيْءِ الْخَاصّ وَالصِّفَة أَعَمّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3342",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَيْثَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنْ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ ‏ ‏سُفَهَاءُ ‏ ‏الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ ‏ ‏يَمْرُقُونَ ‏ ‏مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا ‏ ‏يَمْرُقُ ‏ ‏السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ فِي الْخَوَارِج وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ. ‏ ‏وَقَوْله \" سُوَيْد بْن غَفْلَة \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء , قَالَ حَمْزَة الْكِنَانِيّ صَاحِب النَّسَائِيّ : لَيْسَ يَصِحّ لِسُوَيْد عَنْ عَلِيّ غَيْره. ‏ ‏وَقَوْله ( الْحَرْب خُدْعَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطه وَشَرْحه فِي الْجِهَاد. ‏ ‏وَقَوْله ( حُدَثَاء الْأَسْنَان ) ‏ ‏أَيْ صِغَارهَا , ‏ ‏وَ \" سُفَهَاء الْأَحْلَام \" ‏ ‏أَيْ ضُعَفَاء الْعُقُول. ‏ ‏وَقَوْله ( يَقُولُونَ مِنْ قَوْل خَيْر الْبَرِيَّة ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْقُرْآن كَمَا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الَّذِي قَبْله \" يَقْرَءُونَ الْقُرْآن \" وَكَانَ أَوَّل كَلِمَة خَرَجُوا بِهَا قَوْلهمْ : لَا حَكَم إِلَّا اللَّه , وَانْتَزَعُوهَا مِنْ الْقُرْآن وَحَمَلُوهَا عَلَى غَيْر مَحْمَلهَا. ‏ ‏وَقَوْله ( فَإِنَّ فِي قَتْلهمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَإِنَّ قَتْلهمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3343",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ ‏ ‏كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ ‏ ‏صَنْعَاءَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏حَضْرَمَوْتَ ‏ ‏لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث خَبَّاب , وَسَيَأْتِي شَرْحه قَرِيبًا فِي \" بَاب مَا لَقِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه بِمَكَّة \" ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" فَيُجَاء \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْجِيمِ , وَقَالَ عِيَاض وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ بِالْحَاءِ وَالْمُهْمَلَة وَهُوَ تَصْحِيف , وَالْفَيْح الْبَاب الْوَاسِع وَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَسِير الرَّاكِب مِنْ صَنْعَاء إِلَى حَضْرَمَوْت ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد صَنْعَاء الْيَمَن , وَبَيْنهَا وَبَيْن حَضْرَمَوْت مِنْ الْيَمَن أَيْضًا مَسَافَة بَعِيدَة نَحْو خَمْسَة أَيَّام , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد صَنْعَاء الشَّام وَالْمَسَافَة بَيْنهمَا أَبْعَد بِكَثِيرٍ , وَالْأَوَّل أَقْرَب , قَالَ يَاقُوت : هِيَ قَرْيَة عَلَى بَاب دِمَشْق عِنْد بَاب الْفَرَادِيس تَتَّصِل بِالْعَقِيبَةِ. قُلْت : وَسُمِّيَتْ بِاسْمِ مَنْ نَزَلَهَا مِنْ أَهْل صَنْعَاء الْيَمَن. ‏"
    },
    {
        "id": "3344",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏قَالَ أَنْبَأَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏افْتَقَدَ ‏ ‏ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ ‏ ‏فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ فَقَالَ ‏ ‏مَا شَأْنُكَ فَقَالَ شَرٌّ كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَتَى الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ ‏ ‏مُوسَى بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏فَرَجَعَ الْمَرَّةَ الْآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَكِنْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْبَأَنِي مُوسَى بْن أَنَس ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيق أَزْهَر عَنْ اِبْن عَوْن , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب عَنْ أَزْهَر , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , وَرَوَاهُ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ يَحْيَى بْن مَعِين عَنْ أَزْهَر فَقَالَ \" عَنْ اِبْن عَوْن عَنْ ثُمَامَة بْن عَبْد اللَّه بْن أَنَس \" بَدَل مُوسَى بْن أَنَس , أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم عَنْ الطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ , وَقَالَ : لَا أَدْرِي مِمَّنْ الْوَهْم قُلْت : لَمْ أَرَهُ فِي مُسْنَد أَحْمَد , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُبَارَك عَنْ اِبْن عَوْن عَنْ مُوسَى بْن أَنَس قَالَ \" لَمَّا نَزَلَتْ ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتكُمْ ) قَعَدَ ثَابِت بْن قَيْس فِي بَيْته \" الْحَدِيث , وَهَذَا صُورَته مُرْسَل إِلَّا أَنَّهُ يُقَوِّي أَنَّ الْحَدِيث لِابْنِ عَوْن عَنْ مُوسَى لَا عَنْ ثُمَامَة. ‏ ‏قَوْله : ( اِفْتَقَدَ ثَابِت بْن قَيْس ) ‏ ‏أَيْ اِبْن شَمَّاس خَطِيب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس قَالَ \" كَانَ ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس خَطِيب الْأَنْصَار \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق حَمَّاد عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس \" فَسَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْد بْن مُعَاذ فَقَالَ : يَا أَبَا عَمْرو مَا شَأْن ثَابِت اِشْتَكَى ؟ فَقَالَ سَعْد : إِنَّهُ كَانَ لَجَارِي وَمَا عَلِمْت لَهُ بِشَكْوَى \" وَاسْتَشْكَلَ ذَلِكَ الْحُفَّاظ بِأَنَّ نُزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة كَانَ فِي زَمَن الْوَقُود بِسَبَبِ الْأَقْرَع بْن حَابِس وَغَيْره وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَة تِسْع كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِير وَسَعْد بْن مُعَاذ مَاتَ قَبْل ذَلِكَ فِي بَنِي قُرَيْظَة سَنَة خَمْس , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الَّذِي نَزَلَ فِي قِصَّة ثَابِت مُجَرَّد رَفْع الصَّوْت وَالَّذِي نَزَلَ فِي قِصَّة الْأَقْرَع أَوَّل السُّورَة وَهُوَ قَوْله : ( لَا تُقَدِّمُوا بَيْن يَدَيْ اللَّه وَرَسُوله ) وَقَدْ نَزَلَ مِنْ هَذِهِ السُّورَة سَابِقًا أَيْضًا قَوْله : ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا ) فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الصُّلْح مِنْ حَدِيث أَنَس وَفِي آخِره أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّة عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ بْن سَلُول. وَفِي السِّيَاق \" وَذَلِكَ قَبْل أَنْ يُسْلِم عَبْد اللَّه \" وَكَانَ إِسْلَام عَبْد اللَّه بَعْد وَقْعَة بَدْر , وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق زَيْد بْن الْحُبَاب \" حَدَّثَنِي أَبُو ثَابِت بْن ثَابِت بْن قَيْس قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَعَدَ ثَابِت يَبْكِي , فَمَرَّ بِهِ عَاصِم بْن عَدِيّ فَقَالَ : مَا يَبْكِيك ؟ قَالَ : أَتَخَوَّف أَنْ تَكُون هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِيَّ , فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه : أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيش حَمِيدًا \" الْحَدِيث , وَهَذَا لَا يُغَايِر أَنْ يَكُون الرَّسُول إِلَيْهِ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْد بْن مُعَاذ. وَرَوَى اِبْن الْمُنْذِر فِي تَفْسِيره مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن بَشِير عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَقَالَ سَعْد بْن عُبَادَةَ يَا رَسُول اللَّه هُوَ جَارِي \" الْحَدِيث , وَهَذَا أَشْبَه بِالصَّوَابِ لِأَنَّ سَعْد بْن عُبَادَةَ مِنْ قَبِيلَة ثَابِت بْن قَيْس فَهُوَ أَشْبَه أَنْ يَكُون جَاره مِنْ سَعْد بْن مُعَاذ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلَة أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَا أَعْلَم لَك عِلْمه ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة حَكَاهَا الْكَرْمَانِيُّ \" أَلَا \" بِلَامٍ بَدَل النُّون وَهِيَ لِلتَّنْبِيهِ , وَقَوْله \" أَعْلَم لَك \" أَيْ لِأَجْلِك وَقَوْله \" عِلْمه \" أَيْ خَبَره. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يَرْفَع صَوْته ) ‏ ‏كَذَا ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْغَيْبَة وَهُوَ اِلْتِفَات , وَكَانَ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ يَقُول : كُنْت أَرْفَعُ صَوْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَى الرَّجُل فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا ) ‏ ‏أَيْ مِثْل مَا قَالَ ثَابِت أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ ( لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتكُمْ فَوْق صَوْت النَّبِيّ ) جَلَسَ فِي بَيْته وَقَالَ : أَنَا مِنْ أَهْل النَّار , وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" فَقَالَ ثَابِت : أَنْزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعكُمْ صَوْتًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ مُوسَى بْن أَنَس ) ‏ ‏هُوَ مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَى مُوسَى , لَكِنَّ ظَاهِره أَنَّ بَاقِي الْحَدِيث مُرْسَل , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مُتَّصِلًا بِلَفْظِ \" قَالَ فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْد لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : بَلْ هُوَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( بِبِشَارَةٍ عَظِيمَة ) ‏ ‏هِيَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَحُكِيَ ضَمّهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنْ مِنْ أَهْل الْجَنَّة ) ‏ ‏قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : إِنَّمَا يَتِمّ الْغَرَض بِهَذَا الْحَدِيث أَيْ مِنْ إِيرَاده فِي \" بَاب عَلَامَة النُّبُوَّة \" بِالْحَدِيثِ الْآخَر أَيْ الَّذِي مَضَى فِي كِتَاب الْجِهَاد فِي \" بَاب التَّحَنُّط عِنْد الْقِتَال \" فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ قُتِلَ بِالْيَمَامَةِ شَهِيدًا يَعْنِي وَظَهَرَ بِذَلِكَ مِصْدَاق قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْل الْجَنَّة \" لِكَوْنِهِ اُسْتُشْهِدَ. قُلْت : وَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ إِشَارَة لِأَنَّ مَخْرَج الْحَدِيثَيْنِ وَاحِد وَاَللَّه أَعْلَم. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْبُخَارِيّ , أَشَارَ إِلَى مَا فِي بَعْض طُرُق حَدِيث نُزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة , وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ اِبْن شِهَاب عَنْ إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّد بْن ثَابِت قَالَ \" قَالَ ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أَخْشَى أَنْ أَكُون قَدْ هَلَكْت , فَقَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ نَهَانَا اللَّه أَنْ نَرْفَع أَصْوَاتنَا فَوْق صَوْتك وَأَنَا جَهِير \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيش سَعِيدًا وَتُقْتَل شَهِيدًا وَتَدْخُل الْجَنَّة \" وَهَذَا مُرْسَل قَوِيّ الْإِسْنَاد أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد عَنْ مَعْن بْن عِيسَى عَنْ مَالِك عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْغَرَائِب \" مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس عَنْ مَالِك كَذَلِكَ , وَمِنْ طَرِيق سَعِيد بْن كَثِير عَنْ مَالِك فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ إِسْمَاعِيل عَنْ ثَابِت بْن قَيْس \" وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُرْسَل لِأَنَّ إِسْمَاعِيل لَمْ يَلْحَق ثَابِتًا , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق صَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر عَنْ الزُّهْرِيّ فَقَالَ \" عَنْ مُحَمَّد بْن ثَابِت بْن قَيْس أَنَّ ثَابِتًا \" فَذَكَرَ نَحْوه , وَأَخْرَجَهُ اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ مُعْضَلًا وَلَمْ يَذْكُر فَوْقه أَحَدًا وَقَالَ فِي آخِره \" فَعَاشَ حَمِيدًا وَقُتِلَ شَهِيدًا يَوْم مُسَيْلِمَة \" وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى اِبْن سَعْد بِإِسْنَادٍ صَحِيح أَيْضًا مِنْ مُرْسَل عِكْرِمَة قَالَ \" لَمَّا نَزَلَتْ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ) الْآيَة قَالَ ثَابِت بْن قَيْس : كُنْت أَرْفَع صَوْتِي فَأَنَا مَنْ أَهْل النَّار , فَقَعَدَ فِي بَيْته \" فَذَكَرَ الْحَدِيث نَحْو حَدِيث أَنَس وَفِي آخِره \" بَلْ هُوَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة. فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْيَمَامَة اِنْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ ثَابِت : أُفٍّ لِهَؤُلَاءِ وَلِمَا يَعْبُدُونَ , وَأُفٍّ لِهَؤُلَاءِ وَلِمَا يَصْنَعُونَ , قَالَ وَرَجُل قَائِم عَلَى ثُلْمَة فَقَتَلَهُ وَقُتِلَ \" وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم فِي تَفْسِيره مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس فِي قِصَّة ثَابِت بْن قَيْس فَقَالَ فِي آخِرهَا \" قَالَ أَنَس : فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْن أَظْهُرنَا وَنَحْنُ نَعْلَم أَنَّهُ مِنْ أَهْل الْجَنَّة , فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْيَمَامَة كَانَ فِي بَعْضنَا بَعْض الِانْكِشَاف , فَأَقْبَلَ وَقَدْ تَكَفَّنَ وَتَحَنَّطَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ \" وَرَوَى اِبْن الْمُنْذِر فِي تَفْسِيره مِنْ طَرِيق عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ قَالَ : \" حَدَّثَتْنِي بِنْت ثَابِت بْن قَيْس قَالَتْ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة دَخَلَ ثَابِت بَيْته فَأَغْلَقَ بَابه - فَذَكَرَ الْقِصَّة مُطَوَّلَة وَفِيهَا قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَعِيش حَمِيدًا وَتَمُوت شَهِيدًا \" وَفِيهَا \" فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْيَمَامَة ثَبَتَ حَتَّى قُتِلَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3345",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَرَأَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏الْكَهْفَ وَفِي الدَّارِ الدَّابَّةُ فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ فَسَلَّمَ فَإِذَا ضَبَابَةٌ أَوْ سَحَابَةٌ غَشِيَتْهُ فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ اقْرَأْ فُلَانُ ‏ ‏فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ نَزَلَتْ لِلْقُرْآنِ ‏ ‏أَوْ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث الْبَرَاء \" قَرَأَ رَجُل الْكَهْف \" ‏ ‏هُوَ أُسَيْد بْن حُضَيْر كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي فَضَائِل الْقُرْآن بِأَتَمّ مِنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3346",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَبُو الْحَسَنِ الْحَرَّانِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏يَقُولُ جَاءَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ فَاشْتَرَى مِنْهُ ‏ ‏رَحْلًا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لِعَازِبٍ ‏ ‏ابْعَثْ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِي قَالَ فَحَمَلْتُهُ مَعَهُ وَخَرَجَ أَبِي يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ فَقَالَ لَهُ أَبِي يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا حِينَ ‏ ‏سَرَيْتَ ‏ ‏مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا وَمِنْ الْغَدِ حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَخَلَا الطَّرِيقُ لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَنَزَلْنَا عِنْدَهُ وَسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَكَانًا بِيَدِي يَنَامُ عَلَيْهِ وَبَسَطْتُ فِيهِ فَرْوَةً وَقُلْتُ نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي أَرَدْنَا فَقُلْتُ لَهُ لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْمَدِينَةِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏قُلْتُ أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَفَتَحْلُبُ قَالَ نَعَمْ فَأَخَذَ شَاةً فَقُلْتُ انْفُضْ الضَّرْعَ مِنْ التُّرَابِ وَالشَّعَرِ ‏ ‏وَالْقَذَى ‏ ‏قَالَ فَرَأَيْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏يَضْرِبُ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى يَنْفُضُ فَحَلَبَ فِي ‏ ‏قَعْبٍ ‏ ‏كُثْبَةً ‏ ‏مِنْ لَبَنٍ وَمَعِي ‏ ‏إِدَاوَةٌ ‏ ‏حَمَلْتُهَا لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَرْتَوِي مِنْهَا يَشْرَبُ وَيَتَوَضَّأُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ فَوَافَقْتُهُ حِينَ اسْتَيْقَظَ فَصَبَبْتُ مِنْ الْمَاءِ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ فَقُلْتُ اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ ثُمَّ قَالَ أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ قُلْتُ بَلَى قَالَ فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا مَالَتْ الشَّمْسُ وَاتَّبَعَنَا ‏ ‏سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏فَقُلْتُ أُتِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ‏ { ‏لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ‏} ‏فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا ‏ ‏أُرَى فِي جَلَدٍ مِنْ الْأَرْضِ شَكَّ ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏فَقَالَ إِنِّي أُرَاكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ فَادْعُوَا لِي فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَجَا فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هُنَا فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ قَالَ وَوَفَى لَنَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء عَنْ أَبِي بَكْر فِي قِصَّة الْهِجْرَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح بَعْضه فِي آخِر اللُّقَطَة , ‏ ‏وَقَوْله هُنَا فِي أَوَّله \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف \" ‏ ‏هُوَ الْبِيكَنْدِيّ وَهُوَ مِنْ صِغَار شُيُوخه , وَشَيْخه الْآخَر مُحَمَّد بْن يُوسُف الْفِرْيَابِيُّ أَكْبَر مِنْ هَذَا وَأَقْدَم سَمَاعًا وَقَدْ أَكْثَر الْبُخَارِيّ عَنْهُ , ‏ ‏وَأَحْمَد بْن يَزِيد ‏ ‏يُعْرَف بِالْوَرْتَنِّيسيّ , بِفَتْحِ الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وَفَتْح الْمُثَنَّاة وَتَشْدِيد النُّون الْمَكْسُورَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ مُهْمَلَة , ‏ ‏وَزُهَيْر بْن مُعَاوِيَة ‏ ‏هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيُّ قَالَ الْبَزَّار : لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيث تَامًّا عَنْ أَبِي إِسْحَاق إِلَّا زُهَيْر وَأَخُوهُ خَدِيج وَإِسْرَائِيل , وَرَوَى شُعْبَة مِنْهُ قِصَّة اللَّبَن خَاصَّة , اِنْتَهَى. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَق مُطَوَّلًا أَيْضًا حَفِيده يُوسُف بْن إِسْحَق بْن أَبِي إِسْحَق وَهُوَ فِي \" بَاب الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة \" لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِيهِ قِصَّة سُرَاقَة وَزَادَ فِيهِ قِصَّة غَيْرهَا كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ أَبُو بَكْر ) ‏ ‏أَيْ الصِّدِّيق ‏ ‏( إِلَى أَبِي ) ‏ ‏هُوَ عَازِب بْن الْحَارِث بْن عَدِيّ الْأَوْسِيّ مِنْ قُدَمَاء الْأَنْصَار. ‏ ‏قَوْله : ( فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَسُكُون الْمُهْمَلَة هُوَ لِلنَّاقَةِ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْعَثْ اِبْنك يَحْمِلهُ مَعِي , قَالَ فَحَمَلْته وَخَرَجَ أَبِي يَنْتَقِد ثَمَنه , فَقَالَ لَهُ أَبِي : يَا أَبَا بَكْر حَدِّثْنِي كَيْف صَنَعْتُمَا ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل الْآتِيَة فِي فَضْل أَبِي بَكْر \" أَنَّ عَازِبًا اِمْتَنَعَ مِنْ إِرْسَال اِبْنه مَعَ أَبِي بِكْر حَتَّى يُحَدِّثهُ أَبُو بَكْر بِالْحَدِيثِ \" وَهِيَ زِيَادَة ثِقَة مَقْبُولَة لَا تُنَافِي هَذِهِ الرِّوَايَة , بَلْ يَحْتَمِل قَوْله \" فَقَالَ لَهُ أَبِي \" أَيْ مِنْ قَبْل أَنْ أَحْمِلهُ مَعَهُ , أَوْ أَعَادَ عَازِب سُؤَال أَبِي بَكْر عَنْ التَّحْدِيث بَعْد أَنْ شَرَطَهُ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَأَجَابَهُ إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حِين سَرَيْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : نَعَمْ أَسْرَيْنَا ) ‏ ‏هَكَذَا اِسْتَعْمَلَ كُلّ مِنْهُمَا إِحْدَى اللُّغَتَيْنِ , فَإِنَّهُ يُقَال سَرَيْت وَأَسْرَيْت فِي سَيْر اللَّيْل. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْلَتنَا ) ‏ ‏أَيْ بَعْضهَا , وَذَلِكَ حِين خَرَجُوا مِنْ الْغَار كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي حَدِيث عَائِشَة فِي الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة , فَفِيهَا أَنَّهُمَا لَبِثَا فِي الْغَار ثَلَاث لَيَالٍ ثُمَّ خَرَجَا , ‏ ‏وَقَوْله : \" وَمِنْ الْغَد \" ‏ ‏فِيهِ تَجَوُّز ; لِأَنَّ السَّيْر الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ سَيْر اللَّيْل. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى قَامَ قَائِم الظَّهِيرَة ) ‏ ‏أَيْ نِصْف النَّهَار , وَسُمِّيَ قَائِمًا لِأَنَّ الظِّلّ لَا يَظْهَر حِينَئِذٍ فَكَأَنَّهُ وَاقِف , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل \" أَسْرَيْنَا لَيْلَتنَا وَيَوْمنَا حَتَّى أَظْهَرْنَا \" أَيْ دَخَلْنَا فِي وَقْت الظُّهْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَة ) ‏ ‏أَيْ ظَهَرَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ تَأْتِ عَلَيْهَا ) ‏ ‏أَيْ عَلَى الصَّخْرَة , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ \" أَيْ عَلَى الظِّلّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَسَطْت عَلَيْهِ فَرْوَة ) ‏ ‏هِيَ مَعْرُوفَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد شَيْء مِنْ الْحَشِيش الْيَابِس , لَكِنْ يُقَوِّي الْأَوَّل أَنَّ فِي رِوَايَة يُوسُف بْن إِسْحَاق \" فَفَرَشْت لَهُ فَرْوَة مَعِي \" وَفِي رِوَايَة خَدِيج فِي جُزْء لُوِين \" فَرْوَة كَانَتْ مَعِي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا أَنْفُض لَك مَا حَوْلك ) ‏ ‏يَعْنِي مِنْ الْغُبَار وَنَحْو ذَلِكَ حَتَّى لَا يُثِيرهُ عَلَيْهِ الرِّيح , وَقِيلَ : مَعْنَى النَّفْض هُنَا الْحِرَاسَة يُقَال نَفَضْت الْمَكَان إِذَا نَظَرْت جَمِيع مَا فِيهِ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل \" ثُمَّ اِنْطَلَقْت أَنْظُر مَا حَوْلِي هَلْ أَرَى مِنْ الطَّلَب أَحَدًا \". ‏ ‏قَوْله : ( لِرَجُلٍ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة أَوْ مَكَّة ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي أَيّ اللَّفْظَيْنِ قَالَ , وَكَأَنَّ الشَّكّ مِنْ أَحْمَد بْن يَزِيد فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن أَعْيَن عَنْ زُهَيْر فَقَالَ فِيهِ \" لِرَجُلٍ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة \" وَلَمْ يَشُكّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة خَدِيج \" فَسَمَّى رَجُلًا مِنْ أَهْل مَكَّة \" وَلَمْ يَشُكّ , وَالْمُرَاد بِالْمَدِينَةِ مَكَّة وَلَمْ يُرِدْ بِالْمَدِينَةِ الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنْ تُسَمَّى الْمَدِينَة وَإِنَّمَا كَانَ يُقَال لَهَا يَثْرِب , وَأَيْضًا فَلَمْ تَجْرِ الْعَادَة لِلرُّعَاةِ أَنْ يَبْعُدُوا فِي الْمُرَاعِي هَذِهِ الْمَسَافَة الْبَعِيدَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل \" فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْش سَمَّاهُ فَعَرَفْته \" وَهَذَا يُؤَيِّد مَا قَرَّرْته لِأَنَّ قُرَيْشًا لَمْ يَكُونُوا يَسْكُنُونَ الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة إِذْ ذَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَفِي غَنَمك لَبَن ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَالْمُوَحَّدَة , وَحَكَى عِيَاض أَنَّ فِي رِوَايَة \" لُبّ \" بِضَمِّ اللَّام وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة جَمْع \" لَابِن \" أَيْ ذَوَات لَبَن. ‏ ‏قَوْله : ( أَفَتَحْلُب قَالَ نَعَمْ ) ‏ ‏الظَّاهِر أَنَّ مُرَاده بِهَذَا الِاسْتِفْهَام أَمَعَك إِذْن فِي الْحَلْب لِمَنْ يَمُرّ بِك عَلَى سَبِيل الضِّيَافَة ؟ وَبِهَذَا التَّقْرِير يَنْدَفِع الْإِشْكَال الْمَاضِي فِي أَوَاخِر اللُّقَطَة وَهُوَ كَيْف اِسْتَجَازَ أَبُو بَكْر أَخْذ اللَّبَن مِنْ الرَّاعِي بِغَيْرِ إِذْن مَالِك الْغَنَم ؟ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبُو بَكْر لَمَّا عَرَفَهُ عَرَفَ رِضَاهُ بِذَلِكَ بِصَدَاقَتِهِ لَهُ أَوْ إِذْنه الْعَامّ لِذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت اُنْفُضْ الضَّرْع ) ‏ ‏أَيْ ثَدْي الشَّاة , وَفِي رِوَايَة إِسْرَائِيل الْآتِيَة \" وَأَمَرْته فَاعْتَقَلَ شَاة \" أَيْ وَضَعَ رِجْلهَا بَيْن فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ يَمْنَعهَا مِنْ الْحَرَكَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذْت قَدَحًا فَحَلَبْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة \" فَأَمَرْت الرَّاعِي فَحَلَبَ \" وَيُجْمَع بِأَنَّهُ تَجَوَّزَ فِي قَوْله : \" فَحَلَبْت \" وَمُرَاده أَمَرْت بِالْحَلْبِ. ‏ ‏قَوْله : ( كُثْبَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْكَاف وَسُكُون الْمُثَلَّثَة وَفَتْح الْمُوَحَّدَة أَيْ قَدْر قَدَح وَقِيلَ حَلْبَة خَفِيفَة , وَيُطْلَق عَلَى الْقَلِيل مِنْ الْمَاء وَاللَّبَن وَعَلَى الْجَرْعَة تَبْقَى فِي الْإِنَاء وَعَلَى الْقَلِيل مِنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب وَغَيْرهمَا مِنْ كُلّ مُجْتَمِع. ‏ ‏قَوْله : ( وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَة بْن مَالِك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل \" فَارْتَحَلْنَا وَالْقَوْم يَطْلُبُونَنَا فَلَمْ يُدْرِكنَا غَيْر سُرَاقَة بْن مَالِك بْن جُعْشُم \". ‏ ‏قَوْله : ( فَارْتَطَمَتْ ) ‏ ‏بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَة أَيْ غَاصَتْ قَوَائِمهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أُرَى ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة ‏ ‏( فِي جَلَد مِنْ الْأَرْض شَكَّ زُهَيْر ) ‏ ‏أَيْ الرَّاوِي هَلْ قَالَ هَذِهِ اللَّفْظَة أَمْ لَا , وَالْجَلَد بِفَتْحَتَيْنِ الْأَرْض الصُّلْبَة , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم أَنَّ الشَّكّ مِنْ زُهَيْر فِي قَوْل سُرَاقَة \" قَدْ عَلِمْت أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة خَدِيج بْن مُعَاوِيَة وَهُوَ أَخُو زُهَيْر \" وَنَحْنُ فِي أَرْض شَدِيدَة كَأَنَّهَا مُجَصَّصَة , فَإِذَا بِوَقْعٍ مِنْ خَلْفِي فَالْتَفَتّ فَإِذَا سُرَاقَة , فَبَكَى أَبُو بَكْر فَقَالَ : أُتِينَا يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : كَلَّا , ثُمَّ دَعَا بِدَعَوَاتٍ \" وَسَتَأْتِي قِصَّة سُرَاقَة فِي أَبْوَاب الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة مِنْ حَدِيث سُرَاقَة نَفْسه بِأَتَمّ مِنْ سِيَاق الْبَرَاء فَلِذَلِكَ أَخَّرْت شَرْحهَا إِلَى مَكَانهَا. وَفِي الْحَدِيث مُعْجِزَة ظَاهِرَة , وَفِيهِ فَوَائِد أُخْرَى يَأْتِي ذِكْرهَا فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر الصِّدِّيق. ‏"
    },
    {
        "id": "3347",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَى ‏ ‏أَعْرَابِيٍّ ‏ ‏يَعُودُهُ قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ ‏ ‏لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ قُلْتُ طَهُورٌ كَلَّا بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ أَوْ تَثُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَعَمْ إِذًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة الْأَعْرَابِيّ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْحُمَّى فَقَالَ : ‏ ‏\" حُمَّى تَفُور عَلَى شَيْخ كَبِير \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الطِّبّ , وَوَجْه دُخُوله فِي هَذَا الْبَاب أَنَّ فِي بَعْض طُرُقه زِيَادَة تَقْتَضِي إِيرَاده فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْره مِنْ رِوَايَة شُرَحْبِيل وَالِد عَبْد الرَّحْمَن فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَفِي آخِره \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا إِذَا أَبَيْت فَهِيَ كَمَا تَقُول قَضَاء اللَّه كَائِن , فَمَا أَمْسَى مِنْ الْغَد إِلَّا مَيِّتًا \" وَبِهَذِهِ الزِّيَادَة يَظْهَر دُخُول هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب. وَعَجِبْت لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ كَيْف نَبَّهَ عَلَى مِثْل ذَلِكَ فِي قِصَّة ثَابِت بْن قَيْس وَأَغْفَلَهُ هُنَا. وَوَقَعَ فِي \" رَبِيع الْأَبْرَار \" أَنَّ اِسْم هَذَا الْأَعْرَابِيّ قَيْس , فَقَالَ فِي \" بَاب الْأَمْرَاض وَالْعِلَل \" دَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَيْس بْن أَبِي حَازِم يَعُودهُ , فَذَكَرَ الْقِصَّة. وَلَمْ أَرَ تَسْمِيَته لِغَيْرِهِ , فَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ غَيْر قَيْس بْن أَبِي حَازِم أَحَد الْمُخَضْرَمِينَ , لِأَنَّ صَاحِب الْقِصَّة مَاتَ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَيْس لَمْ يَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَال إِسْلَامه فَلَا صُحْبَة لَهُ , وَلَكِنْ أَسْلَمَ فِي حَيَاته , وَلِأَبِيهِ صُحْبَة وَعَاشَ بَعْده دَهْرًا طَوِيلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3348",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ ‏ ‏الْبَقَرَةَ ‏ ‏وَآلَ ‏ ‏عِمْرَانَ ‏ ‏فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَعَادَ نَصْرَانِيًّا فَكَانَ يَقُولُ مَا يَدْرِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ ‏ ‏فَأَمَاتَهُ اللَّهُ فَدَفَنُوهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ ‏ ‏لَفَظَتْهُ ‏ ‏الْأَرْضُ فَقَالُوا هَذَا فِعْلُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَأَصْحَابِهِ لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقَوْهُ فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَقَالُوا هَذَا فِعْلُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الْأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ فَأَلْقَوْهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي الَّذِي أَسْلَمَ ثُمَّ اِرْتَدَّ فَدُفِنَ فَلَفَظَتْهُ الْأَرْض. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ رَجُل نَصْرَانِيًّا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , لَكِنْ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق ثَابِت عَنْ أَنَس \" كَانَ مِنَّا رَجُل مِنْ بَنِي النَّجَّار \". ‏ ‏قَوْله : ( فَعَادَ نَصْرَانِيًّا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة ثَابِت : \" فَانْطَلَقَ هَارِبًا حَتَّى لَحِقَ بِأَهْلِ الْكِتَاب فَرَفَعُوهُ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا يَدْرِي مُحَمَّد إِلَّا مَا كَتَبْت لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" كَانَ يَقُول مَا أَرَى يُحْسِن مُحَمَّد إِلَّا مَا كُنْت أَكْتُب لَهُ \" وَرَوَى اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْوه. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَاتَهُ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة ثَابِت \" فَمَا لَبِثَ أَنْ قَصَمَ اللَّه عُنُقه فِيهِمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَمَّا لَمْ يَرْضَ دِينهمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَفِظَتْهُ الْأَرْض ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء أَيْ طَرَحَتْهُ وَرَمَتْهُ , وَحُكِيَ فَتْح الْفَاء. ‏ ‏قَوْله : فِي آخِره ( فَأَلْقَوْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة ثَابِت \" فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "3349",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا هَلَكَ ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏فَلَا ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ ‏ ‏قَيْصَرُ ‏ ‏فَلَا ‏ ‏قَيْصَرَ ‏ ‏بَعْدَهُ وَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏\" إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْده \" ‏ ‏. ‏ ‏قَوْله : ( كِسْرَى ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْكَاف وَيَجُوز الْفَتْح , وَهُوَ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ وَلِيَ مَمْلَكَة الْفُرْس , وَقَيْصَر لَقَب لِكُلِّ مَنْ وَلِيَ مَمْلَكَة الرُّوم , قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : الْكَسْر أَفْصَح فِي كِسْرَى , وَكَانَ أَبُو حَاتِم يَخْتَارهُ , وَأَنْكَرَ الزَّجَّاج الْكَسْر عَلَى ثَعْلَب وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النِّسْبَة إِلَيْهِ كَسْرَوِيّ بِالْفَتْحِ , وَرَدَّ عَلَيْهِ اِبْن فَارِس بِأَنَّ النِّسْبَة قَدْ يُفْتَح فِيهَا مَا هُوَ فِي الْأَصْل مَكْسُور أَوْ مَضْمُوم كَمَا قَالُوا فِي بَنِي تَغْلِب بِكَسْرِ اللَّام تَغْلَبِيّ بِفَتْحِهَا , وَفِي سَلِمَة كَذَلِكَ , فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّة عَلَى تَخْطِئَة الْكَسْر , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ هَذَا مَعَ بَقَاء مَمْلَكَة الْفُرْس لِأَنَّ آخِرهمْ قُتِلَ فِي زَمَان عُثْمَان , وَاسْتُشْكِلَ أَيْضًا مَعَ بَقَاء مَمْلَكَة الرُّوم وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَاد لَا يَبْقَى كِسْرَى بِالْعِرَاقِ وَلَا قَيْصَر بِالشَّامِ , وَهَذَا مَنْقُول عَنْ الشَّافِعِيّ قَالَ : وَسَبَب الْحَدِيث أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا يَأْتُونَ الشَّام وَالْعِرَاق تُجَّارًا , فَلَمَّا أَسْلَمُوا خَافُوا اِنْقِطَاع سَفَرهمْ إِلَيْهِمَا لِدُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَام , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لَهُمْ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَتَبْشِيرًا لَهُمْ بِأَنَّ مُلْكهمَا سَيَزُولُ عَنْ الْإِقْلِيمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ. وَقِيلَ : الْحِكْمَة فِي أَنَّ قَيْصَر بَقِيَ مُلْكه وَإِنَّمَا اِرْتَفَعَ مِنْ الشَّام وَمَا وَالَاهَا وَكِسْرَى ذَهَبَ مُلْكه أَصْلًا وَرَأْسًا أَنَّ قَيْصَر لَمَّا جَاءَهُ كِتَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَهُ وَكَادَ أَنْ يُسْلِم كَمَا مَضَى بَسْط ذَلِكَ فِي أَوَّل الْكِتَاب , وَكِسْرَى لَمَّا أَتَاهُ كِتَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مَزَّقَهُ فَدَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُمَزَّق مُلْكه كُلّ مُمَزَّق فَكَانَ كَذَلِكَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ فَلَا قَيْصَر بَعْده يَمْلِك مِثْل مَا يَمْلِك , وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِالشَّامِ وَبِهَا بَيْت الْمَقْدِس الَّذِي لَا يَتِمّ لِلنَّصَارَى نُسُك إِلَّا بِهِ , وَلَا يَمْلِك عَلَى الرُّوم أَحَد إِلَّا كَانَ قَدْ دَخَلَهُ إِمَّا سِرًّا وَإِمَّا جَهْرًا , فَانْجَلَى عَنْهَا قَيْصَر وَاسْتُفْتِحَتْ خَزَائِنه وَلَمْ يَخْلُفهُ أَحَد مِنْ الْقَيَاصِرَة فِي تِلْكَ الْبِلَاد بَعْدُ , وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي \" بَاب الْحَرْب خُدْعَة \" مِنْ كِتَاب الْجِهَاد \" هَلَكَ كِسْرَى ثُمَّ لَا يَكُون كِسْرَى بَعْده , وَلَيَهْلِكَن قَيْصَر \" قِيلَ : وَالْحِكْمَة فِيهِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا هَلَكَ كِسْرَى بْن هُرْمُز كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة فِي كِتَاب الْأَحْكَام قَالَ : \" بَلَغَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْل فَارِس مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ اِمْرَأَة \" الْحَدِيث , وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا مَاتَ شِيرَوَيْهِ بْن كِسْرَى فَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ بِنْته بُورَان , وَأَمَّا قَيْصَر فَعَاشَ إِلَى زَمَن عُمَر سَنَة عِشْرِينَ عَلَى الصَّحِيح , وَقِيلَ مَاتَ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي حَارَبَ الْمُسْلِمِينَ بِالشَّامِّ وَلَده وَكَانَ يُلَقَّب أَيْضًا قَيْصَر , وَعَلَى كُلّ تَقْدِير فَالْمُرَاد مِنْ الْحَدِيث وَقَعَ لَا مَحَالَة لِأَنَّهُمَا لَمْ تَبْقَ مَمْلَكَتهمَا عَلَى الْوَجْه الَّذِي كَانَ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَرَّرْته. قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْكَلَام عَلَى الرِّوَايَة الَّتِي لَفْظهَا \" إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْده \" وَعَلَى الرِّوَايَة الَّتِي لَفْظهَا \" هَلَكَ كِسْرَى ثُمَّ لَا يَكُون كِسْرَى بَعْده \" : بَيْن اللَّفْظَيْنِ بَوْن , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يَكُون أَبُو هُرَيْرَة سَمِعَ أَحَد اللَّفْظَيْنِ قَبْل أَنْ يَمُوت كِسْرَى وَالْآخَر بَعْد ذَلِكَ , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَقَع التَّغَايُر بِالْمَوْتِ وَالْهَلَاك , فَقَوْله : \" إِذَا هَلَكَ كِسْرَى \" أَيْ هَلَكَ مُلْكه وَارْتَفَعَ , وَأَمَّا قَوْله \" مَاتَ كِسْرَى ثُمَّ لَا يَكُون كِسْرَى بَعْده \" فَالْمُرَاد بِهِ كِسْرَى حَقِيقَة ا ه. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" هَلَكَ كِسْرَى \" تَحَقُّق وُقُوع ذَلِكَ حَتَّى عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقَع بَعْد لِلْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( أَتَى أَمْرُ اللَّه فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ) وَهَذَا الْجَمْع أَوْلَى لِأَنَّ مَخْرَج الرِّوَايَتَيْنِ مُتَّحِد فَحَمْله عَلَى التَّعَدُّد عَلَى خِلَاف الْأَصْل فَلَا يُصَار إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَان هَذَا الْجَمْع , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3350",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ‏ ‏رَفَعَهُ قَالَ ‏ ‏إِذَا هَلَكَ ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏فَلَا ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏بَعْدَهُ وَذَكَرَ وَقَالَ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة ‏ ‏. ‏ ‏قَوْله : ( رَفَعَهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ الَّتِي سَأَذْكُرُهَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي فَرْض الْخُمُس مِنْ رِوَايَة جَرِير عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَر فَلَا قَيْصَر بَعْده ) كَذَا ثَبَتَ لِأَبِي ذَرّ وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ قَبِيصَة شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ مِثْل رِوَايَة الْجَمَاعَة , قَالَ : وَكَذَا قَالَ لَمْ يَذْكُر قَيْصَر وَقَالَ كُنُوزهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَذَكَرَ وَقَالَ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيل اللَّه ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ \" وَذَكَرَهُ \" وَهُوَ مُتَّجَه كَأَنَّهُ يَقُول : وَذَكَرَ الْحَدِيث , أَيْ مِثْل الَّذِي قَبْله , وَأَمَّا عَلَى رِوَايَة الْبَاقِينَ فَفِيهِ حَذْف تَقْدِيره : وَذَكَرَ كَلَامًا أَوْ حَدِيثًا , وَلَمْ تَقَع هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمَذْكُورَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3351",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ ‏ ‏عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَعَلَ يَقُولُ إِنْ جَعَلَ لِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ وَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَعَهُ ‏ ‏ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ‏ ‏وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِطْعَةُ جَرِيدٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَى ‏ ‏مُسَيْلِمَةَ ‏ ‏فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ ‏ ‏لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ ليَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ وَإِنِّي لَأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا رَأَيْتُ فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنْ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعْدِي فَكَانَ أَحَدُهُمَا ‏ ‏الْعَنْسِيَّ ‏ ‏وَالْآخَرُ ‏ ‏مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ ‏ ‏صَاحِبَ ‏ ‏الْيَمَامَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قُدُوم مُسَيْلِمَة , وَفِيهِ قَوْل اِبْن عَبَّاس \" فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَة \" فَذَكَرَ الْمَنَام , وَسَيَأْتِي شَرْح ذَلِكَ كُلّه مَبْسُوطًا فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي , وَقَدْ ذُكِرَ هُنَاكَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏"
    },
    {
        "id": "3352",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏أُرَاهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا ‏ ‏الْيَمَامَةُ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏هَجَرُ ‏ ‏فَإِذَا هِيَ ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏يَثْرِبُ ‏ ‏وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏ثُمَّ هَزَزْتُهُ بِأُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهُ خَيْرٌ فَإِذَا هُمْ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي رُؤْيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْهِجْرَةِ وَبِأُحُدٍ وَسَيَأْتِي فِي ذِكْر غَزْوَة أُحُد بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِهِ وَأَذْكُر هُنَاكَ شَرْحه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ أَفْرَدَ مَا يَتَعَلَّق مِنْهُ بِغَزْوَةِ بَدْر فِي \" بَاب فَضْل مَنْ شَهِدَ بَدْرًا \" وَشَرَحْته هُنَاكَ , وَعَلَّقَ فِي \" بَاب الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة \" أَوَّله عَنْ أَبِي مُوسَى , وَذَكَرْت شَرْحه أَيْضًا هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3353",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فِرَاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَقْبَلَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرْحَبًا بِابْنَتِي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَقُلْتُ لَهَا لِمَ تَبْكِينَ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ فَقُلْتُ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ فَقَالَتْ مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ أَسَرَّ إِلَيَّ إِنَّ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي فَبَكَيْتُ فَقَالَ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَائِشَة \" أَقْبَلَتْ فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام \" ‏ ‏الْحَدِيث فِي ذِكْر وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِعْلَامه لَهَا بِأَنَّهَا أَوَّل أَهْله لُحُوقًا بِهِ , أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ , وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي فِي الْوَفَاة مَشْرُوحًا وَأَذْكُر فِيهِ وَجْه التَّوْفِيق بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3354",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏ابْنَتَهُ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ ‏ ‏فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ ثُمَّ دَعَاهَا فَسَارَّهَا فَضَحِكَتْ قَالَتْ فَسَأَلْتُهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ سَارَّنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَبَكَيْتُ ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ أَتْبَعُهُ فَضَحِكْتُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3355",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يُدْنِي ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ فَقَالَ إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ فَسَأَلَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ‏ { ‏إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ‏} ‏فَقَالَ ‏ ‏أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ قَالَ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَانَ عُمَر يُدْنِي اِبْن عَبَّاس \" ‏ ‏الْحَدِيث فِي مَعْنَى هَذِهِ ‏ ‏الْآيَة ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّه وَالْفَتْح ) ‏ ‏وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة النَّصْر. ‏"
    },
    {
        "id": "3356",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ الْغَسِيلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِمِلْحَفَةٍ قَدْ عَصَّبَ بِعِصَابَةٍ ‏ ‏دَسْمَاءَ ‏ ‏حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَيَقِلُّ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏حَتَّى يَكُونُوا فِي النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ شَيْئًا يَضُرُّ فِيهِ قَوْمًا وَيَنْفَعُ فِيهِ آخَرِينَ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ فَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَ بِهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَيْضًا فِي خُطْبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِر عُمْره , وَفِيهِ وَصِيَّته بِالْأَنْصَارِ , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3357",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ آدَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَخْرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاتَ يَوْمٍ ‏ ‏الْحَسَنَ ‏ ‏فَصَعِدَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ ‏ ‏ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي بَكْر فِي أَنَّ الْحَسَن سَيِّد , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3358",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَعَى ‏ ‏جَعْفَرًا ‏ ‏وَزَيْدًا ‏ ‏قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ خَبَرُهُمْ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ ‏",
        "sharh": "****3357 حَدِيث أَنَس فِي قَتْل زَيْد بْن حَارِثَة وَجَعْفَر بْن أَبِي طَالِب , أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي شَرَحَ غَزْوَة مُؤْتَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3359",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلْ لَكُمْ مِنْ ‏ ‏أَنْمَاطٍ ‏ ‏قُلْتُ وَأَنَّى يَكُونُ لَنَا ‏ ‏الْأَنْمَاطُ ‏ ‏قَالَ أَمَا إِنَّهُ سَيَكُونُ لَكُمْ ‏ ‏الْأَنْمَاطُ ‏ ‏فَأَنَا أَقُولُ لَهَا ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏امْرَأَتَهُ ‏ ‏أَخِّرِي عَنِّي ‏ ‏أَنْمَاطَكِ ‏ ‏فَتَقُولُ أَلَمْ يَقُلْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّهَا سَتَكُونُ لَكُمْ ‏ ‏الْأَنْمَاطُ ‏ ‏فَأَدَعُهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي ذِكْر الْأَنْمَاط , وَهِيَ جَمْع نَمَط بِفَتَحَاتٍ مِثْل خَبَر وَأَخْبَار , وَالنَّمَط بِسَاط لَهُ خَمْل رَقِيق , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي النِّكَاح , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ لَمَّا تَزَوَّجَ , ‏ ‏وَقَوْله هُنَا : \" فَأَنَا أَقُول لَهَا \" يَعْنِي اِمْرَأَته ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل , وَسَيَأْتِي تَسْمِيَة اِمْرَأَته هُنَاكَ. وَفِي اِسْتِدْلَالهَا عَلَى جَوَاز اِتِّخَاذ الْأَنْمَاط بِإِخْبَارِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهَا سَتَكُونُ نَظَر ; لِأَنَّ الْإِخْبَار بِأَنَّ الشَّيْء سَيَكُونُ لَا يَقْتَضِي إِبَاحَته إِلَّا إِنْ اِسْتَدَلَّ الْمُسْتَدِلّ بِهِ عَلَى التَّقْرِير فَيَقُول أَخْبَرَ الشَّارِع بِأَنَّهُ سَيَكُونُ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ فَكَأَنَّهُ أَقَرَّهُ , وَقَدْ وَقَعَ قَرِيب مِنْ هَذَا فِي حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم الْمَاضِي فِي هَذَا الْبَاب فِي خُرُوج الظَّعِينَة مِنْ الْحِيرَة إِلَى مَكَّة بِغَيْرِ خَفِير , فَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض النَّاس عَلَى جَوَاز سَفَر الْمَرْأَة بِغَيْرِ مَحْرَم , وَفِيهِ مِنْ الْبَحْث مَا ذُكِرَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3360",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْطَلَقَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ‏ ‏مُعْتَمِرًا قَالَ فَنَزَلَ عَلَى ‏ ‏أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ أَبِي صَفْوَانَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏أُمَيَّةُ ‏ ‏إِذَا انْطَلَقَ إِلَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏فَمَرَّ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏نَزَلَ عَلَى ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أُمَيَّةُ ‏ ‏لِسَعْدٍ ‏ ‏انْتَظِرْ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ وَغَفَلَ النَّاسُ انْطَلَقْتُ فَطُفْتُ فَبَيْنَا ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يَطُوفُ إِذَا ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏فَقَالَ مَنْ هَذَا الَّذِي يَطُوفُ ‏ ‏بِالْكَعْبَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏تَطُوفُ ‏ ‏بِالْكَعْبَةِ ‏ ‏آمِنًا وَقَدْ آوَيْتُمْ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏وَأَصْحَابَهُ فَقَالَ نَعَمْ ‏ ‏فَتَلَاحَيَا ‏ ‏بَيْنَهُمَا فَقَالَ ‏ ‏أُمَيَّةُ ‏ ‏لسَعْدٍ ‏ ‏لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى ‏ ‏أَبِي الْحَكَمِ ‏ ‏فَإِنَّهُ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي ثُمَّ قَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي أَنْ أَطُوفَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏لَأَقْطَعَنَّ مَتْجَرَكَ ‏ ‏بِالشَّامِ ‏ ‏قَالَ فَجَعَلَ ‏ ‏أُمَيَّةُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لِسَعْدٍ ‏ ‏لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ وَجَعَلَ يُمْسِكُهُ فَغَضِبَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏فَقَالَ دَعْنَا عَنْكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلُكَ قَالَ إِيَّايَ قَالَ نَعَمْ قَالَ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏إِذَا حَدَّثَ فَرَجَعَ إِلَى ‏ ‏امْرَأَتِهِ ‏ ‏فَقَالَ أَمَا تَعْلَمِينَ مَا قَالَ لِي أَخِي الْيَثْرِبِيُّ قَالَتْ وَمَا قَالَ قَالَ زَعَمَ أَنَّه سَمِعَ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلِي قَالَتْ فَوَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قَالَ فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَجَاءَ الصَّرِيخُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَمَا ذَكَرْتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ قَالَ فَأَرَادَ أَنْ لَا يَخْرُجَ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏إِنَّكَ مِنْ أَشْرَافِ الْوَادِي فَسِرْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَسَارَ مَعَهُمْ فَقَتَلَهُ اللَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فِي إِخْبَار سَعْد بْن مُعَاذ لِأُمَيَّة بْن خَلَف أَنَّهُ سَيُقْتَلُ , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَّل الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ شَرَحَهُ الْكَرْمَانِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِ سَعْد بْن مُعَاذ لِأُمَيَّة بْن خَلَف أَنَّهُ قَاتِلُك أَيْ أَبُو جَهْل , ثُمَّ اِسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِكَوْنِ أَبِي جَهْل عَلَى دِين أُمَيَّة , ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ كَانَ السَّبَب فِي خُرُوجه وَقَتْله فَنُسِبَ قَتْله إِلَيْهِ , وَهُوَ فَهْم عَجِيب , وَإِنَّمَا أَرَادَ سَعْد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْتُل أُمَيَّة , وَسَيَأْتِي التَّصْرِيح بِذَلِكَ فِي مَكَانه بِمَا يَشْفِي الْغَلِيل إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3361",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُغِيرَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ فِي صَعِيدٍ فَقَامَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَنَزَعَ ‏ ‏ذَنُوبًا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏ذَنُوبَيْنِ ‏ ‏وَفِي بَعْضِ نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ أَخَذَهَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَاسْتَحَالَتْ بِيَدِهِ غَرْبًا ‏ ‏فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا فِي النَّاسِ ‏ ‏يَفْرِي ‏ ‏فَرِيَّهُ حَتَّى ‏ ‏ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَزَعَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏ذَنُوبًا أَوْ ‏ ‏ذَنُوبَيْنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي رُؤْيَا أَبِي بَكْر يَنْزِع ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي تَعْبِير الرُّؤْيَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي ذَلِكَ , أَوْرَدَ مِنْهُ طَرَفًا مُعَلَّقًا , وَهُوَ مَوْصُول فِي التَّعْبِير أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْه وَمِنْ غَيْره , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3362",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُنْبِئْتُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعِنْدَهُ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏فَجَعَلَ يُحَدِّثُ ثُمَّ قَامَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏مَنْ هَذَا أَوْ كَمَا قَالَ قَالَ قَالَتْ هَذَا ‏ ‏دِحْيَةُ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏ايْمُ اللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُخْبِرُ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏أَوْ كَمَا قَالَ ‏ ‏قَالَ فَقُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا قَالَ مِنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد فِي ذِكْر جِبْرِيل , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي غَزْوَة قُرَيْظَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3363",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ ‏ ‏وَامْرَأَةً ‏ ‏زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ فَقَالُوا نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ ‏ ‏أَحَدُهُمْ ‏ ‏يَدَهُ عَلَى ‏ ‏آيَةِ الرَّجْمِ ‏ ‏فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا ‏ ‏آيَةُ الرَّجْمِ ‏ ‏فَقَالُوا صَدَقَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏فِيهَا ‏ ‏آيَةُ الرَّجْمِ ‏ ‏فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرُجِمَا قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ ‏ ‏يَجْنَأُ ‏ ‏عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3364",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شِقَّتَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اشْهَدُوا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3365",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَهْلَ مَكَّةَ ‏ ‏سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً ‏ ‏فَأَرَاهُمْ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3366",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏خَلَفُ بْنُ خَالِدٍ الْقُرَشِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3367",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصْبَاحَيْنِ يُضِيئَانِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول بِغَيْرِ تَرْجَمَة , وَكَانَ مِنْ حَقّه أَنْ يَكُون قَبْل الْبَابَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْله لِأَنَّهُ مُلْحَق بِعَلَامَاتِ النُّبُوَّة وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنْهَا , لَكِنْ لَمَّا كَانَ كُلّ مِنْ الْبَابَيْنِ رَاجِعًا إِلَى الَّذِي قَبْله وَهُوَ عَلَامَات النُّبُوَّة سَهُلَ الْأَمْر فِي ذَلِكَ وَذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيث : ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هُمَا أُسَيْد بْن حُضَيْر وَعَبَّاد بْن بِشْر , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي فَضَائِل الصَّحَابَة قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3368",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَزَالُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة \" لَا يَزَال نَاس مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ \" الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3369",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ جَابِرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَيْرٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏وَهُمْ ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏وَهُمْ ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مُعَاوِيَة وَمُعَاذ فِي الْمَعْنَى , ‏ ‏وَالْوَلِيد ‏ ‏فِي الْإِسْنَاد هُوَ اِبْن مُسْلِم , ‏ ‏وَابْن جَابِر ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن جَابِر , ‏ ‏وَمَالِك بْن يُخَامِر ‏ ‏بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُعْجَمَة خَفِيفَة وَالْمِيم مَكْسُورَة وَهُوَ السَّكْسَكِيّ نَزَلَ حِمْص , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ أَعَادَهُ بِإِسْنَادٍ. وَمَتْنه فِي التَّوْحِيد , وَهُوَ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ , وَقَدْ قِيلَ إِنَّ لَهُ صُحْبَة وَلَا يَصِحّ وَيَأْتِي الْبَحْث فِي الْمُرَاد بِاَلَّذِينَ لَا يَزَالُونَ ظَاهِرِينَ قَائِمِينَ بِأَمْرِ الدِّين إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فِي كِتَاب الِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3370",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَبِيبُ بْنُ غَرْقَدَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْحَيَّ ‏ ‏يُحَدِّثُونَ عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ وَكَانَ لَوْ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ ‏ ‏جَاءَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ قَالَ سَمِعَهُ ‏ ‏شَبِيبٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏فَأَتَيْتُهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏شَبِيبٌ ‏ ‏إِنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْحَيَّ ‏ ‏يُخْبِرُونَهُ عَنْهُ ‏ ‏وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الْخَيْرُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِي الْخَيْلِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ‏ ‏قَالَ وَقَدْ رَأَيْتُ فِي دَارِهِ سَبْعِينَ فَرَسًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏يَشْتَرِي لَهُ شَاةً كَأَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُرْوَة وَهُوَ الْبَارِقِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا شَبِيب بْن غَرْقَدَة ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَمُوَحَّدَتَيْنِ وَزْن سَعِيد , وَغَرْقَدَة بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا قَاف , تَابِعِيّ صَغِير ثِقَة عِنْدهمْ , مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت الْحَيّ يَتَحَدَّثُونَ ) ‏ ‏أَيْ قَبِيلَته , وَهُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَى بَارِق جَبَل بِالْيَمَنِ نَزَلَهُ بَنُو سَعْد بْن عَدِيّ بْن حَارِثَة بْن عَمْرو بْن عَامِر مزيقيا فَنُسِبُوا إِلَيْهِ , وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُون سَمِعَهُ مِنْ جَمَاعَة أَقَلّهمْ ثَلَاثَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُرْوَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْجَعْد أَوْ اِبْن أَبِي الْجَعْد , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الصَّوَاب مِنْ ذَلِكَ فِي ذِكْر الْخَيْل مِنْ كِتَاب الْجِهَاد. ‏ ‏قَوْله : ( أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي لَبِيد عِنْد أَحْمَد وَغَيْره \" عَنْ عُرْوَة بْن أَبِي الْجَعْد قَالَ : عُرِضَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَب , فَأَعْطَانِي دِينَارًا فَقَالَ : أَيْ عُرْوَة اِئْتِ الْجَلَب فَاشْتَرِ لَنَا شَاة , قَالَ : فَأَتَيْت الْجَلَب فَسَاوَمْت صَاحِبه فَاشْتَرَيْت مِنْهُ شَاتَيْنِ بِدِينَارٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ ) ‏ ‏أَيْ وَبَقِيَ مَعَهُ دِينَار. وَفِي رِوَايَة أَبِي لَبِيد فَلَقِيَنِي رَجُل فَسَاوَمَنِي فَبِعْته شَاة بِدِينَارٍ , وَجِئْت بِالدِّينَارِ وَالشَّاة. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي لَبِيد عَنْ عُرْوَة \" فَقَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي صَفْقَة يَمِينه \" وَفِيهِ أَنَّهُ أَمْضَى لَهُ ذَلِكَ وَارْتَضَاهُ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز بَيْع الْفُضُولِيّ , وَتَوَقَّفَ الشَّافِعِيّ فِيهِ فَتَارَة قَالَ : لَا يَصِحّ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث غَيْر ثَابِت , وَهَذِهِ رِوَايَة الْمُزَنِيِّ عَنْهُ , وَتَارَة قَالَ : إِنْ صَحَّ الْحَدِيث قُلْت بِهِ , وَهَذِهِ رِوَايَة الْبُوَيْطِيّ. وَقَدْ أَجَابَ مَنْ لَمْ يَأْخُذ بِهَا بِأَنَّهَا وَاقِعَة عَيْن , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عُرْوَة كَانَ وَكِيلًا فِي الْبَيْع وَالشِّرَاء مَعًا , وَهَذَا بَحْث قَوِيّ يَقِف بِهِ الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى تَصَرُّف الْفُضُولِيّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْل الْخَطَّابِيِّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيْرهمَا : أَنَّهُ غَيْر مُتَّصِل لِأَنَّ الْحَيّ لَمْ يُسَمَّ أَحَد مِنْهُمْ فَهُوَ عَلَى طَرِيقَة بَعْض أَهْل الْحَدِيث يُسَمُّونَ مَا فِي إِسْنَاده مُبْهَم مُرْسَلًا أَوْ مُنْقَطِعًا , وَالتَّحْقِيق إِذَا وَقَعَ التَّصْرِيح بِالسَّمَاعِ أَنَّهُ مُتَّصِل فِي إِسْنَاده مُبْهَم , إِذْ لَا فَرْق فِيمَا يَتَعَلَّق بِالِاتِّصَالِ وَالِانْقِطَاع بَيْن رِوَايَة الْمَجْهُول وَالْمَعْرُوف , فَالْمُبْهَم نَظِير الْمَجْهُول فِي ذَلِكَ , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُقَال فِي إِسْنَاد صَرَّحَ كُلّ مَنْ فِيهِ بِالسَّمَاعِ مِنْ شَيْخه إِنَّهُ مُنْقَطِع وَإِنْ كَانُوا أَوْ بَعْضهمْ غَيْر مَعْرُوف. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ لَوْ اِشْتَرَى التُّرَاب لَرَبِحَ فِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي لَبِيد الْمَذْكُورَة قَالَ : \" فَلَقَدْ رَأَيْتنِي أَقِف بِكُنَاسَةِ الْكُوفَة فَأَرْبَح أَرْبَعِينَ أَلْفًا قَبْل أَنْ أَصِل إِلَى أَهْلِي \" قَالَ وَكَانَ يَشْتَرِي الْجَوَارِي وَيَبِيع. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ الْحَسَن بْن عُمَارَة ) ‏ ‏هُوَ الْكُوفِيّ أَحَد الْفُقَهَاء الْمُتَّفَق عَلَى ضَعْف حَدِيثهمْ , وَكَانَ قَاضِي بَغْدَاد فِي زَمَن الْمَنْصُور ثَانِي خُلَفَاء بَنِي الْعَبَّاس , وَمَاتَ فِي خِلَافَته سَنَة ثَلَاث أَوْ أَرْبَع وَخَمْسِينَ وَمِائَة. وَقَالَ اِبْن الْمُبَارَك : جَرَحَهُ عِنْدِي شُعْبَة وَسُفْيَان كِلَاهُمَا. وَقَالَ اِبْن حِبَّانَ : كَانَ يُدَلِّس عَنْ الثِّقَات مَا سَمِعَهُ مِنْ الضُّعَفَاء عَنْهُمْ فَالْتَصَقَتْ بِهِ تِلْكَ الْمَوْضُوعَات. قُلْت : وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَنَا بِهَذَا الْحَدِيث عَنْهُ ) ‏ ‏أَيْ عَنْ شَبِيب بْن غَرْقَدَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ ) ‏ ‏أَيْ الْحَسَن ‏ ‏( سَمِعَهُ شَبِيب عَنْ عُرْوَة فَأَتَيْته ) ‏ ‏الْقَائِل سُفْيَان وَالضَّمِير لِشَبِيبٍ , وَأَرَادَ الْبُخَارِيّ بِذَلِكَ بَيَان ضَعْف رِوَايَة الْحَسَن بْن عُمَارَة وَأَنَّ شَبِيبًا لَمْ يَسْمَع الْخَبَر مِنْ عُرْوَة وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ الْحَيّ وَلَمْ يَسْمَعهُ عَنْ عُرْوَة فَالْحَدِيث بِهَذَا ضَعِيف لِلْجَهْلِ بِحَالِهِمْ , لَكِنْ وُجِدَ لَهُ مُتَابِع عِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن زَيْد عَنْ الزُّبَيْر بْن الْخِرِّيت عَنْ أَبِي لَبِيد قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَة الْبَارِقِيّ فَذَكَرَ الْحَدِيث بِمَعْنَاهُ , وَقَدْ قَدَّمْت مَا فِي رِوَايَته مِنْ الْفَائِدَة , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث حَكِيم بْن حِزَام وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ سُفْيَان عَنْ شَبِيب عَنْ عُرْوَة وَلَمْ يَذْكُر بَيْنهمَا أَحَدًا , وَرِوَايَة عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَتْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة تَسْوِيَة , وَقَدْ وَافَقَ عَلِيًّا عَلَى إِدْخَاله الْوَاسِطَة بَيْن شَبِيب وَعُرْوَة أَحْمَد وَالْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَكَذَا مُسَدَّد عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَابْن أَبُو عُمَر وَالْعَبَّاس بْن الْوَلِيد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان يَشْتَرِي لَهُ شَاة كَأَنَّهَا أُضْحِيَّة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول أَيْضًا , وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ طُرُقه أَنَّهُ أَرَادَ أُضْحِيَّة , وَحَدِيث الْخَيْل تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْجِهَاد مُسْتَوْفًى , وَزَعَمَ اِبْن الْقَطَّانِ أَنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يُرِدْ بِسِيَاقِ هَذَا الْحَدِيث إِلَّا حَدِيث الْخَيْل وَلَمْ يُرِدْ حَدِيث الشَّاة وَبَالَغَ فِي الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ حَدِيث الشَّاة مُحْتَجًّا بِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطه لِإِبْهَامِ الْوَاسِطَة فِيهِ بَيْن شَبِيب وَعُرْوَة , وَهُوَ كَمَا قَالَ لَكِنْ لَيْسَ بِذَلِكَ مَا يَمْنَع تَخْرِيجه وَلَا مَا يَحُطّهُ عَنْ شَرْطه , لِأَنَّ الْحَيّ يَمْتَنِع فِي الْعَادَة تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِب , وَيُضَاف إِلَى ذَلِكَ وُرُود الْحَدِيث مِنْ الطَّرِيق الَّتِي هِيَ الشَّاهِد لِصِحَّةِ الْحَدِيث , وَلِأَنَّ الْمَقْصُود مِنْهُ الَّذِي يَدْخُل فِي عَلَامَات النُّبُوَّة دُعَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُرْوَةَ فَاسْتُجِيبَ لَهُ حَتَّى كَانَ لَوْ اِشْتَرَى التُّرَاب لَرَبِحَ فِيهِ. وَأَمَّا مَسْأَلَة بَيْع الْفُضُولِيّ فَلَمْ يُرِدْهَا إِذْ لَوْ أَرَادَهَا لَأَوْرَدَهَا فِي الْبُيُوع , كَذَا قَرَّرَهُ الْمُنْذِرِيُّ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَمْ يَطَّرِد لَهُ فِي ذَلِكَ عَمَل , فَقَدْ يَكُون الْحَدِيث عَلَى شَرْطه وَيُعَارِضهُ عِنْده مَا هُوَ أَوْلَى بِالْعَمَلِ بِهِ مِنْ حَدِيث آخَر فَلَا يُخْرِج ذَلِكَ الْحَدِيث فِي بَابه وَيُخْرِجهُ فِي بَاب آخَر أَخْفَى لِيُنَبِّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ صَحِيح إِلَّا أَنَّ مَا دَلَّ ظَاهِره عَلَيْهِ غَيْر مَعْمُول بِهِ عِنْده وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3371",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْخَيْلُ فِي ‏ ‏نَوَاصِيهَا ‏ ‏الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْخَيْل أَيْضًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3372",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي ‏ ‏نَوَاصِيهَا ‏ ‏الْخَيْرُ ‏",
        "sharh": "\" 5523 \" حَدِيث أَنَس فِي الْخَيْل أَيْضًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3373",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ ‏ ‏وِزْرٌ ‏ ‏فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي ‏ ‏مَرْجٍ ‏ ‏أَوْ رَوْضَةٍ وَمَا أَصَابَتْ فِي ‏ ‏طِيَلِهَا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْمَرْجِ ‏ ‏أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ ‏ ‏طِيَلَهَا ‏ ‏فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا ‏ ‏أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ أَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَسِتْرًا وَتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَظُهُورِهَا فَهِيَ لَهُ كَذَلِكَ سِتْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً ‏ ‏وَنِوَاءً ‏ ‏لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ ‏ ‏وِزْرٌ ‏ ‏وَسُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْحُمُرِ فَقَالَ مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ ‏ ‏الْفَاذَّةُ ‏ { ‏فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" الْخَيْل لِثَلَاثَةٍ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْجِهَاد , وَلَمْ يَظْهَر لِي وَجْه إِيرَاد هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي أَبْوَاب عَلَامَات النُّبُوَّة إِلَّا أَنْ يَكُون مِنْ جُمْلَة مَا أَخْبَرَ بِهِ فَوَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير هَذَا التَّوْجِيه فِي أَوَائِل الْجِهَاد فِي \" بَاب الْجِهَاد مَاضٍ مَعَ الْبَرّ وَالْفَاجِر \". ‏"
    },
    {
        "id": "3374",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏بُكْرَةً وَقَدْ خَرَجُوا ‏ ‏بِالْمَسَاحِي ‏ ‏فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَالْخَمِيسُ ‏ ‏وَأَحَالُوا إِلَى الْحِصْنِ يَسْعَوْنَ فَرَفَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَيْهِ وَقَالَ ‏ ‏اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ ‏ ‏خَيْبَرُ ‏ ‏إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قَوْله : \" اللَّه أَكْبَر خَرِبَتْ خَيْبَر \" وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي , وَوَجْه إِيرَاده هُنَا مِنْ جِهَة أَنَّهُ فُهِمَ مِنْ قَوْله : \" خَرِبَتْ خَيْبَر \" الْإِخْبَار بِذَلِكَ قَبْل وُقُوعه فَوَقَعَ كَذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3375",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي الْفُدَيْكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا فَأَنْسَاهُ قَالَ ‏ ‏ابْسُطْ رِدَاءَكَ فَبَسَطْتُ فَغَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ ثُمَّ قَالَ ضُمَّهُ فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ حَدِيثًا بَعْدُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي سَبَب عَدَم نِسْيَانه الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْعِلْم , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَتْ الْمَنَاقِب النَّبَوِيَّة مِنْ أَوَّل الْمَنَاقِب إِلَى هُنَا مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة وَمَا لَهَا حُكْم الْمَرْفُوع عَلَى مِائَة وَتِسْعَة وَتِسْعِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا سَبْعَة عَشَر طَرِيقًا وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهَا وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَة وَسَبْعُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِص مِائَة حَدِيث وَحَدِيث , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى ثَمَانِيَة وَعِشْرِينَ حَدِيثًا وَهِيَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الشُّعُوب , وَحَدِيث زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة \" مِنْ مُضَر \" وَفِي النَّبِيذ , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِير ( الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى ) وَحَدِيث مُعَاوِيَة \" إِنَّ هَذَا الْأَمْر فِي قُرَيْش \" وَحَدِيث عَائِشَة وَالْمِسْوَر فِي النَّذْر , وَحَدِيث وَاثِلَة \" مِنْ أَعْظَم الْفِرَى \" وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَسْلَم وَغِفَار خَيْر مِنْ أَسَد وَتَمِيم \" وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي عَمْرو بْن لُحَيّ , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَعْلَم جَهْل الْعَرَب \" وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْف يَصْرِف اللَّه عَنِّي شَتْم قُرَيْش \" وَحَدِيث أَبِي بَكْر الصِّدِّيق فِي قَوْله \" وَا بِأَبِي شَبِيه بِالنَّبِيِّ \" وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُسْر فِي صِفَة شَيْب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَحَدِيث الْبَرَاء \" كَانَ وَجْه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْل الْقَمَر \" وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" بُعِثْت مِنْ خَيْر قُرُون بَنِي آدَم \" , وَحَدِيث جَابِر \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَام عَيْنَاهُ وَلَا يَنَام قَلْبه \" أَوْرَدَهُ مُعَلَّقًا , وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود \" كُنَّا نَعُدّ الْآيَات بَرَكَة \" وَحَدِيث الْبَرَاء \" كُنَّا بِالْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَع عَشَرَة مِائَة وَالْحُدَيْبِيَة بِئْر فَنَزَحْنَاهَا \" الْحَدِيث , وَحَدِيث جَابِر فِي حَنِين الْجِذْع , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِيهِ , وَحَدِيث عَمْرو بْن تَغْلِب فِي قِتَال التُّرْك , وَحَدِيث خَبَّاب \" أَلَا تَسْتَنْصِر لَنَا \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الَّذِي قَالَ : \" شَيْخ كَبِير , وَبِهِ حُمَّى تَفُور \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِير ( إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه ) وَحَدِيثه فِي الْوَصِيَّة بِالْأَنْصَارِ , وَحَدِيث سَعْد بْن مُعَاذ فِي قَتْل أُمَيَّة بْن خَلَف , وَحَدِيث مُعَاذ فِي الَّذِينَ لَا يَزَالُونَ ظَاهِرِينَ بِالشَّامِ , وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ سَبْعَة آثَار , وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ ‏"
    },
    {
        "id": "3376",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو ‏ ‏فِئَامٌ ‏ ‏مِنْ النَّاسِ فَيَقُولُونَ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو ‏ ‏فِئَامٌ ‏ ‏مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ ‏ ‏أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ ‏ ‏أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِي سَعِيد , وَهُوَ مِنْ رِوَايَة صَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان فَيَغْزُو فِئَام ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء ثُمَّ تَحْتَانِيَّة بِهَمْزَةٍ وَحُكِيَ فِيهِ تَرْك الْهَمْزَة أَيْ جَمَاعَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطه فِي \" بَاب مَنْ اِسْتَعَانَ بِالضُّعَفَاءِ \" فِي أَوَائِل الْجِهَاد , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ بُطْلَان قَوْل مَنْ اِدَّعَى فِي هَذِهِ الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة الصُّحْبَة لِأَنَّ الْخَبَر يَتَضَمَّن اِسْتِمْرَار الْجِهَاد وَالْبُعُوث إِلَى بِلَاد الْكُفَّار وَأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ : هَلْ فِيكُمْ أَحَد مِنْ أَصْحَابه ؟ فَيَقُولُونَ لَا , وَكَذَلِكَ فِي التَّابِعِينَ وَفِي أَتْبَاع التَّابِعِينَ , وَقَدْ وَقَعَ كُلّ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى وَانْقَطَعَتْ الْبُعُوث عَنْ بِلَاد الْكُفَّار فِي هَذِهِ الْأَعْصَار , بَلْ اِنْعَكَسَ الْحَال فِي ذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُوم مُشَاهَد مِنْ مُدَّة مُتَطَاوِلَة وَلَا سِيَّمَا فِي بِلَاد الْأَنْدَلُس , وَضَبَطَ أَهْل الْحَدِيث آخِر مَنْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَة , وَهُوَ عَلَى الْإِطْلَاق , أَبُو الطُّفَيْل عَامِر بْن وَاثِلَة اللَّيْثِيّ كَمَا جَزَمَ بْن مُسْلِم فِي صَحِيحه , وَكَانَ مَوْته سَنَة مِائَة وَقِيلَ : سَنَة سَبْع وَمِائَة وَقِيلَ : سَنَة عَشْر وَمِائَة , وَهُوَ مُطَابِق لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل وَفَاته بِشَهْرٍ : \" عَلَى رَأْس مِائَة سَنَة لَا يَبْقَى عَلَى وَجْه الْأَرْض مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْم أَحَد \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر عِنْد مُسْلِم ذِكْر طَبَقَة رَابِعَة وَلَفْظه \" يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان يُبْعَث مِنْهُمْ الْبَعْث فَيَقُولُونَ اُنْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَيُوجَد الرَّجُل فَيُفْتَح لَهُمْ , ثُمَّ يُبْعَث الْبَعْث الثَّانِي فَيَقُولُونَ اُنْظُرُوا - إِلَى أَنْ قَالَ - ثُمَّ يَكُون الْبَعْث الرَّابِع \" وَهَذِهِ الرِّوَايَة شَاذَّة , وَأَكْثَر الرِّوَايَات مُقْتَصِرَةٌ عَلَى الثَّلَاثَة كَمَا سَأُوَضِّحُ ذَلِكَ فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. وَمِثْله حَدِيث وَاثِلَة رَفَعَهُ \" لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَآنِي وَصَاحَبَنِي , وَاَللَّه لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي وَصَاحَبَنِي \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَإِسْنَاده حَسَن. ‏"
    },
    {
        "id": "3377",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جَمْرَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عِمْرَانُ ‏ ‏فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ ‏ ‏قَرْنِهِ ‏ ‏قَرْنَيْنِ ‏ ‏أَوْ ثَلَاثًا ‏ ‏ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن السَّكَن وَأَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" وَالنَّضْر هُوَ اِبْن شُمَيْلٍ , وَأَبُو جَمْرَة بِالْجِيمِ وَالرَّاء صَاحِب اِبْن عَبَّاس وَحَدَّثَ هُنَا عَنْ تَابِعِيّ مِثْله. ‏ ‏قَوْله : ( خَيْر أُمَّتِي قَرْنِي ) ‏ ‏أَيْ أَهْل قَرْنِي , وَالْقَرْن أَهْل زَمَان وَاحِد مُتَقَارِب اِشْتَرَكُوا فِي أَمْر مِنْ الْأُمُور الْمَقْصُودَة , وَيُقَال إِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوص بِمَا إِذَا اِجْتَمَعُوا فِي زَمَن نَبِيّ أَوْ رَئِيس يَجْمَعهُمْ عَلَى مِلَّة أَوْ مَذْهَب أَوْ عَمَل , وَيُطْلَق الْقَرْن عَلَى مُدَّة مِنْ الزَّمَان , وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدهَا مِنْ عَشَرَة أَعْوَام إِلَى مِائَة وَعِشْرِينَ لَكِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِالسَّبْعِينَ وَلَا بِمِائَةٍ وَعَشَرَة , وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بِهِ قَائِل. وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيّ بَيْن الثَّلَاثِينَ وَالثَّمَانِينَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُسْر عِنْد مُسْلِم مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْقَرْن مِائَة وَهُوَ الْمَشْهُور , وَقَالَ صَاحِب الْمَطَالِع : الْقَرْن أُمَّة هَلَكَتْ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَد , وَثَبَتَتْ الْمِائَة فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُسْر وَهِيَ مَا عِنْد أَكْثَر أَهْل الْعِرَاق , وَلَمْ يَذْكُر صَاحِب \" الْمُحْكَم \" الْخَمْسِينَ وَذَكَرَ مِنْ عَشْر إِلَى سَبْعِينَ ثُمَّ قَالَ : هَذَا هُوَ الْقَدْر الْمُتَوَسِّط مِنْ أَعْمَار أَهْل كُلّ زَمَن , وَهَذَا أَعْدَل الْأَقْوَال وَبِهِ صَرَّحَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ وَقَالَ : إِنَّهُ مَأْخُوذ مِنْ الْأَقْرَان , وَيُمْكِن أَنْ يُحْمَل عَلَيْهِ الْمُخْتَلَف مِنْ الْأَقْوَال الْمُتَقَدِّمَة مِمَّنْ قَالَ إِنَّ الْقَرْن أَرْبَعُونَ فَصَاعِدًا , أَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّهُ دُون ذَلِكَ فَلَا يَلْتَئِم عَلَى هَذَا الْقَوْل وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمُرَاد بِقَرْنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيث الصَّحَابَة , وَقَدْ سَبَقَ فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْله : \" وَبُعِثْت فِي خَيْر قُرُون بَنِي آدَم \" وَفِي رِوَايَة بُرَيْدَةَ عِنْد أَحْمَد \" خَيْر هَذِهِ الْأُمَّة الْقَرْن الَّذِينَ بُعِثْت فِيهِمْ \" وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الَّذِي بَيْن الْبَعْثَة وَآخِر مَنْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَة مِائَة سَنَة وَعِشْرُونَ سَنَة أَوْ دُونهَا أَوْ فَوْقهَا بِقَلِيلٍ عَلَى الِاخْتِلَاف فِي وَفَاة أَبِي الطُّفَيْل , وَإِنْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ مِنْ بَعْد وَفَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُون مِائَة سَنَة أَوْ تِسْعِينَ أَوْ سَبْعًا وَتِسْعِينَ , وَأَمَّا قَرْن التَّابِعِينَ فَإِنْ اُعْتُبِرَ مِنْ سَنَة مِائَة كَانَ نَحْو سَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ , وَأَمَّا الَّذِينَ بَعْدهمْ فَإِنْ اُعْتُبِرَ مِنْهَا كَانَ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ , فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ مُدَّة الْقَرْن تَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ أَعْمَار أَهْل كُلّ زَمَان وَاَللَّه أَعْلَم. وَاتَّفَقُوا أَنَّ آخِر مَنْ كَانَ مِنْ أَتْبَاع التَّابِعِينَ مِمَّنْ يُقْبَل قَوْله مَنْ عَاشَ إِلَى حُدُود الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ , وَفِي هَذَا الْوَقْت ظَهَرَتْ الْبِدَع ظُهُورًا فَاشِيًّا , وَأَطْلَقَتْ الْمُعْتَزِلَة أَلْسِنَتهَا , وَرَفَعَتْ الْفَلَاسِفَة رُءُوسهَا , وَامْتُحِنَ أَهْل الْعِلْم لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ , وَتَغَيَّرَتْ الْأَحْوَال تَغَيُّرًا شَدِيدًا , وَلَمْ يَزَلْ الْأَمْر فِي نَقْص إِلَى الْآن. وَظَهَرَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِب \" ظُهُورًا بَيِّنًا حَتَّى يَشْمَل الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال وَالْمُعْتَقَدَات وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) ‏ ‏أَيْ الْقَرْن الَّذِي بَعْدهمْ وَهُمْ التَّابِعُونَ ‏ ‏( ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) ‏ ‏وَهُمْ أَتْبَاع التَّابِعِينَ , وَاقْتَضَى هَذَا الْحَدِيث أَنْ تَكُون الصَّحَابَة أَفْضَل مِنْ التَّابِعِينَ وَالتَّابِعُونَ أَفْضَل مِنْ أَتْبَاع التَّابِعِينَ , لَكِنْ هَلْ هَذِهِ الْأَفْضَلِيَّة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَجْمُوع أَوْ الْأَفْرَاد ؟ مَحَلّ بَحْث , وَإِلَى الثَّانِي نَحَا الْجُمْهُور , وَالْأَوَّل قَوْل اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ مَنْ قَاتَلَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ فِي زَمَانه بِأَمْرِهِ أَوْ أَنْفَقَ شَيْئًا مِنْ مَاله بِسَبَبِهِ لَا يَعْدِلهُ فِي الْفَضْل أَحَد بَعْده كَائِنًا مَنْ كَانَ , وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقَع لَهُ ذَلِكَ فَهُوَ مَحَلّ الْبَحْث , وَالْأَصْل فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : ( لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْل الْفَتْح وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَم دَرَجَة مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ) الْآيَة. وَاحْتَجَّ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِحَدِيثِ \" مَثَل أُمَّتِي مَثَل الْمَطَر لَا يُدْرَى أَوَّله خَيْر أَمْ آخِره \" وَهُوَ حَدِيث حَسَن لَهُ طُرُق قَدْ يَرْتَقِي بِهَا إِلَى الصِّحَّة , وَأَغْرَبَ النَّوَوِيّ فَعَزَاهُ فِي فَتَاوِيه إِلَى مُسْنَد أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَنَس بِإِسْنَادٍ ضَعِيف , مَعَ أَنَّهُ عِنْد التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادٍ أَقْوَى مِنْهُ مِنْ حَدِيث أَنَس , وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث عَمَّار , وَأَجَابَ عَنْهُ النَّوَوِيّ بِمَا حَاصِله : أَنَّ الْمُرَاد مَنْ يَشْتَبِه عَلَيْهِ الْحَال فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْل الزَّمَان الَّذِينَ يُدْرِكُونَ عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام وَيَرَوْنَ فِي زَمَانه مِنْ الْخَيْر وَالْبَرَكَة وَانْتِظَام كَلِمَة الْإِسْلَام وَدَحْض كَلِمَة الْكُفْر , فَيَشْتَبِه الْحَال عَلَى مَنْ شَاهَدَ ذَلِكَ أَيّ الزَّمَانَيْنِ خَيْر , وَهَذَا الِاشْتِبَاه مُنْدَفِعٌ بِصَرِيحِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" خَيْر الْقُرُون قَرْنِي \" وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن جُبَيْر بْن نُفَيْر أَحَد التَّابِعِينَ بِإِسْنَادٍ حَسَن قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَيُدْرِكَنَّ الْمَسِيح أَقْوَامًا إِنَّهُمْ لَمِثْلُكُمْ أَوْ خَيْر - ثَلَاثًا - وَلَنْ يُخْزِي اللَّه أُمَّة أَنَا أَوَّلهَا وَالْمَسِيح آخِرهَا \" وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة رَفَعَهُ \" تَأْتِي أَيَّام لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْر خَمْسِينَ , قِيلَ : مِنْهُمْ أَوْ مِنَّا يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : بَلْ مِنْكُمْ \" وَهُوَ شَاهِد لِحَدِيثِ \" مَثَل أُمَّتِي مَثَل الْمَطَر \" , وَاحْتَجَّ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَيْضًا بِحَدِيثِ عُمَر رَفَعَهُ \" أَفْضَل الْخَلْق إِيمَانًا قَوْم فِي أَصْلَاب الرِّجَال يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيّ وَغَيْره , لَكِنْ إِسْنَاده ضَعِيف فَلَا حُجَّة فِيهِ. وَرَوَى أَحْمَد وَالدَّارِمِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي جُمْعَة قَالَ : \" قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : يَا رَسُول اللَّه , أَأَحَد خَيْر مِنَّا ؟ أَسْلَمْنَا مَعَك , وَجَاهَدْنَا مَعَك. قَالَ : قَوْم يَكُونُونَ مِنْ بَعْدكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي \" وَإِسْنَاده حَسَن وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِم. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ السَّبَب فِي كَوْن الْقَرْن الْأَوَّل خَيْر الْقُرُون أَنَّهُمْ كَانُوا غُرَبَاء فِي إِيمَانهمْ لِكَثْرَةِ الْكُفَّار حِينَئِذٍ وَصَبْرهمْ عَلَى أَذَاهُمْ وَتَمَسُّكهمْ بِدِينِهِمْ , قَالَ : فَكَذَلِكَ أَوَاخِرهمْ إِذَا أَقَامُوا الدِّين وَتَمَسَّكُوا بِهِ وَصَبَرُوا عَلَى الطَّاعَة حِين ظُهُور الْمَعَاصِي وَالْفِتَن كَانُوا أَيْضًا عِنْد ذَلِكَ غُرَبَاء , وَزَكَتْ أَعْمَالهمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَان كَمَا زَكَتْ أَعْمَال أُولَئِكَ. وَيَشْهَد لَهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" بَدَأَ الْإِسْلَام غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ \" وَقَدْ تُعُقِّبَ كَلَام اِبْن عَبْد الْبَرّ بِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامه أَنْ يَكُون فِيمَنْ يَأْتِي بَعْد الصَّحَابَة مَنْ يَكُون أَفْضَل مِنْ بَعْض الصَّحَابَة , وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقُرْطُبِيّ , لَكِنَّ كَلَام اِبْن عَبْد الْبَرّ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاق فِي حَقّ جَمِيع الصَّحَابَة , فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِي كَلَامه بِاسْتِثْنَاءِ أَهْل بَدْر وَالْحُدَيْبِيَة. نَعَمْ وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّ فَضِيلَة الصُّحْبَة لَا يَعْدِلهَا عَمَل لِمُشَاهَدَةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمَّا مَنْ اِتَّفَقَ لَهُ الذَّبّ عَنْهُ وَالسَّبْق إِلَيْهِ بِالْهِجْرَةِ أَوْ النُّصْرَة وَضَبْط الشَّرْع الْمُتَلَقَّى عَنْهُ وَتَبْلِيغه لِمَنْ بَعْده فَإِنَّهُ لَا يَعْدِلهُ أَحَد مِمَّنْ يَأْتِي بَعْده , لِأَنَّهُ مَا مِنْ خَصْلَة مِنْ الْخِصَال الْمَذْكُورَة إِلَّا وَلِلَّذِي سَبَقَ بِهَا مِثْل أَجْر مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْده , فَظَهَرَ فَضْلهمْ. وَمُحَصَّل النِّزَاع يَتَمَحَّضُ فِيمَنْ لَمْ يَحْصُل لَهُ إِلَّا مُجَرَّد الْمُشَاهَدَة كَمَا تَقَدَّمَ , فَإِنْ جُمِعَ بَيْن مُخْتَلِف الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة كَانَ مُتَّجَهًا , عَلَى أَنَّ حَدِيث \" لِلْعَامِلِ مِنْهُمْ أَجْر خَمْسِينَ مِنْكُمْ \" لَا يَدُلّ عَلَى أَفْضَلِيَّة غَيْر الصَّحَابَة عَلَى الصَّحَابَة , لِأَنَّ مُجَرَّد زِيَادَة الْأَجْر لَا يَسْتَلْزِم ثُبُوت الْأَفْضَلِيَّة الْمُطْلَقَة , وَأَيْضًا فَالْأَجْر إِنَّمَا يَقَع تَفَاضُله بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يُمَاثِلهُ فِي ذَلِكَ الْعَمَل فَأَمَّا مَا فَازَ بِهِ مَنْ شَاهَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ زِيَادَة فَضِيلَة الْمُشَاهَدَة فَلَا يَعْدِلهُ فِيهَا أَحَد , فَبِهَذِهِ الطَّرِيق يُمْكِن تَأْوِيل الْأَحَادِيث الْمُتَقَدِّمَة , وَأَمَّا حَدِيث أَبِي جُمْعَة فَلَمْ تَتَّفِق الرُّوَاة عَلَى لَفْظه , فَقَدْ رَوَاهُ بَعْضهمْ بِلَفْظِ الْخَيْرِيَّة كَمَا تَقَدَّمَ , وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِلَفْظِ \" قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه هَلْ مِنْ قَوْم أَعْظَم مِنَّا أَجْرًا \" ؟ الْحَدِيث أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَإِسْنَاد هَذِهِ الرِّوَايَة أَقْوَى مِنْ إِسْنَاد الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة , وَهِيَ تُوَافِق حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَاب عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْد قَرْنه قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة ) ‏ ‏وَقَعَ مِثْل هَذَا الشَّكّ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَأَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم , وَفِي حَدِيث بُرَيْدَةَ عِنْد أَحْمَد , وَجَاءَ فِي أَكْثَر الطُّرُق بِغَيْرِ شَكّ , مِنْهَا عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير عِنْد أَحْمَد , وَعَنْ مَالِك عِنْد مُسْلِم عَنْ عَائِشَة \" قَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه أَيّ النَّاس خَيْر ؟ قَالَ : الْقَرْن الَّذِي أَنَا فِيهِ , ثُمَّ الثَّانِي , ثُمَّ الثَّالِث \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ وَسَمُّويَة مَا يُفَسَّر بِهِ هَذَا السُّؤَال , وَهُوَ مَا أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيق بِلَال بْن سَعْد بْن تَمِيم عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَيّ النَّاس خَيْر ؟ فَقَالَ : \" أَنَا وَقَرْنِي \" فَذَكَرَ مِثْله. وَلِلطَّيَالِسِيّ مِنْ حَدِيث عُمَر رَفَعَهُ \" خَيْر أُمَّتِي الْقَرْن الَّذِي أَنَا مِنْهُمْ , ثُمَّ الثَّانِي , ثُمَّ الثَّالِث \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَعْدَة بْن هُبَيْرَة عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة وَالطَّبَرَانِيِّ إِثْبَات الْقَرْن الرَّابِع وَلَفْظه \" خَيْر النَّاس قَرْنِي , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , ثُمَّ الْآخَرُونَ أَرْدَأ \" وَرِجَاله ثِقَات , إِلَّا أَنَّ جَعْدَة مُخْتَلَف فِي صُحْبَته وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ إِنَّ بَعْدهمْ قَوْمًا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِبَعْضِهِمْ \" قَوْم \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ النَّاسِخ عَلَى طَرِيقَة مَنْ لَا يَكْتُب الْأَلِف فِي الْمَنْصُوب , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون \" إِنَّ \" تَقْرِيرِيَّة بِمَعْنَى نَعَمْ وَفِيهِ بُعْد وَتَكَلُّف. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى تَعْدِيل أَهْل الْقُرُون الثَّلَاثَة وَإِنْ تَفَاوَتَتْ مَنَازِلهمْ فِي الْفَضْل , وَهَذَا مَحْمُول عَلَى الْغَالِب وَالْأَكْثَرِيَّة , فَقَدْ وُجِدَ فِيمَنْ بَعْد الصَّحَابَة مِنْ الْقَرْنَيْنِ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ الصِّفَات الْمَذْكُورَة الْمَذْمُومَة لَكِنْ بِقِلَّةٍ , بِخِلَافِ مَنْ بَعْد الْقُرُون الثَّلَاثَة فَإِنَّ ذَلِكَ كَثُرَ فِيهِمْ وَاشْتُهِرَ , وَفِيهِ بَيَان مَنْ تُرَدّ شَهَادَتهمْ وَهُمْ مَنْ اِتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَة , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ : \" ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِب \" أَيْ يَكْثُر. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الْمُفَاضَلَة بَيْن الصَّحَابَة قَالَهُ الْمَازَرِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي شَرْحه فِي الشَّهَادَات. ‏"
    },
    {
        "id": "3378",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي الْمَعْنَى وَفْد تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَات سَنَدًا وَمَتْنًا , وَتَقَدَّمَ مِنْ شَرْحه هُنَاكَ مَا يَتَعَلَّق بِالشَّهَادَاتِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3379",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اشْتَرَى ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عَازِبٍ ‏ ‏رَحْلًا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏لِعَازِبٍ ‏ ‏مُرْ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏فَلْيَحْمِلْ إِلَيَّ رَحْلِي فَقَالَ ‏ ‏عَازِبٌ ‏ ‏لَا حَتَّى تُحَدِّثَنَا كَيْفَ صَنَعْتَ أَنْتَ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ خَرَجْتُمَا مِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَالْمُشْرِكُونَ يَطْلُبُونَكُمْ قَالَ ارْتَحَلْنَا مِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَأَحْيَيْنَا أَوْ سَرَيْنَا لَيْلَتَنَا وَيَوْمَنَا حَتَّى أَظْهَرْنَا وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ فَرَمَيْتُ بِبَصَرِي هَلْ أَرَى مِنْ ظِلٍّ فَآوِيَ إِلَيْهِ فَإِذَا صَخْرَةٌ أَتَيْتُهَا فَنَظَرْتُ بَقِيَّةَ ظِلٍّ لَهَا فَسَوَّيْتُهُ ثُمَّ فَرَشْتُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيهِ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ اضْطَجِعْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَاضْطَجَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ انْطَلَقْتُ أَنْظُرُ مَا حَوْلِي هَلْ أَرَى مِنْ الطَّلَبِ أَحَدًا فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ إِلَى الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا فَسَأَلْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏سَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ فَقُلْتُ هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَهَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لَنَا قَالَ نَعَمْ فَأَمَرْتُهُ فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنْ الْغُبَارِ ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ فَقَالَ هَكَذَا ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالْأُخْرَى فَحَلَبَ لِي ‏ ‏كُثْبَةً ‏ ‏مِنْ لَبَنٍ وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِدَاوَةً ‏ ‏عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ ‏ ‏فَصَبَبْتُ ‏ ‏عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَافَقْتُهُ قَدْ اسْتَيْقَظَ فَقُلْتُ اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ ثُمَّ قُلْتُ قَدْ ‏ ‏آنَ الرَّحِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بَلَى فَارْتَحَلْنَا وَالْقَوْمُ يَطْلُبُونَنَا فَلَمْ يُدْرِكْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ ‏ ‏سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ ‏ ‏عَلَى فَرَسٍ لَهُ فَقُلْتُ هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ‏ { ‏لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن رَجَاء ) ‏ ‏هُوَ الْغُدَانِيّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الدَّال الْمُهْمَلَة وَبَعْد الْأَلِف نُون بَصْرِيّ ثِقَة , وَكَذَا بَقِيَّة رِجَال الْإِسْنَاد. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عَازِب : لَا حَتَّى تُحَدِّثنَا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" عَلَامَات النُّبُوَّة \" مِنْ رِوَايَة زُهَيْر عَنْ أَبِي إِسْحَاق بِلَفْظِ \" فَقَالَ لِعَازِبٍ : اِبْعَثْ اِبْنك يَحْمِلهُ مَعِي , قَالَ : فَحَمَلْته مَعَهُ وَخَرَجَ أَبِي يَنْتَقِد ثَمَنه , فَقَالَ لَهُ أَبِي : يَا أَبَا بَكْر حَدِّثْنِي \" وَظَاهِرهمَا التَّخَالُف , فَإِنَّ مُقْتَضَى رِوَايَة إِسْرَائِيل أَنَّ عَازِبًا اِمْتَنَعَ مِنْ إِرْسَال وَلَده مَعَ أَبِي بَكْر حَتَّى يُحَدِّثهُمْ , وَمُقْتَضَى رِوَايَة زُهَيْر أَنَّهُ لَمْ يُعَلِّق التَّحْدِيث عَلَى شَرْط , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ عَازِبًا اِشْتَرَطَ أَوَّلًا , وَأَجَابَهُ أَبُو بَكْر إِلَى سُؤَاله , فَلَمَّا شَرَعُوا فِي التَّوَجُّه اِسْتَنْجَزَ عَازِب مِنْهُ مَا وَعَدَهُ بِهِ مِنْ التَّحْدِيث فَفَعَلَ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ اِسْتَجَازَ أَخْذ الْأُجْرَة عَلَى التَّحْدِيث ; وَهُوَ تَمَسُّك بَاطِل , لِأَنَّ هَؤُلَاءِ اِتَّخَذُوا التَّحْدِيث بِضَاعَة , وَأَمَّا الَّذِي وَقَعَ بَيْن عَازِب وَأَبِي بَكْر فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مُقْتَضَى الْعَادَة الْجَارِيَة بَيْن التُّجَّار بِأَنَّ أَتْبَاعهمْ يَحْمِلُونَ السِّلْعَة مَعَ الْمُشْتَرِي سَوَاء أَعْطَاهُمْ أُجْرَة أَمْ لَا , كَذَا قَالَ , وَلَا رَيْب أَنَّ فِي الِاسْتِدْلَال لِلْجَوَازِ بِذَلِكَ بُعْدًا , لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أَنَّ عَازِبًا لَوْ اِسْتَمَرَّ عَلَى الِامْتِنَاع مِنْ إِرْسَال اِبْنه لَاسْتَمَرَّ أَبُو بَكْر عَلَى الِامْتِنَاع مِنْ التَّحْدِيث , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَته وَلَا عَلَى تَسْمِيَة صَاحِب الْغَنَم , إِلَّا أَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود شَيْء تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الرَّاعِي , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق عَاصِم , عَنْ زِرّ عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : \" كُنْت أَرْعَى غَنَمًا لِعُقْبَةَ بْن أَبِي مُعَيْط , فَمَرَّ بِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر فَقَالَ : يَا غُلَام هَلْ مِنْ لَبَن ؟ قُلْت : نَعَمْ , وَلَكِنِّي مُؤْتَمَن \" الْحَدِيث وَهَذَا لَا يَصْلُح أَنْ يُفَسَّر بِهِ الرَّاعِي فِي حَدِيث الْبَرَاء لِأَنَّ ذَاكَ قِيلَ لَهُ : \" هَلْ أَنْتَ حَالِب ؟ فَقَالَ : نَعَمْ \" وَهَذَا أَشَارَ بِأَنَّهُ غَيْر حَالِب , وَذَاكَ حَلَبَ مِنْ شَاة حَافِل وَهَذَا مِنْ شَاة لَمْ تُطْرَق وَلَمْ تَحْمِل , ثُمَّ إِنَّ فِي بَقِيَّة هَذَا الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قِصَّته كَانَتْ قَبْل الْهِجْرَة لِقَوْلِهِ فِيهِ : \" ثُمَّ أَتَيْته بَعْد هَذَا فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه عَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْقَوْل \" فَإِنَّ هَذَا يُشْعِر بِأَنَّهَا كَانَتْ قَبْل إِسْلَام اِبْن مَسْعُود , وَإِسْلَام اِبْن مَسْعُود كَانَ قَدِيمًا قَبْل الْهِجْرَة بِزَمَانٍ , فَبَطَلَ أَنْ يَكُون هُوَ صَاحِب الْقِصَّة فِي الْهِجْرَة , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيت ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَوْس عَنْ خَدِيج عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" قَالَ أَبُو إِسْحَاق فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ وَاَللَّه مَا سَمِعْتهَا مِنْ غَيْره \" كَأَنَّهُ يَعْنِي قَوْله : \" حَتَّى رَضِيت \" فَإِنَّهَا مُشْعِرَة بِأَنَّهُ أَمْعَنَ فِي الشُّرْب , وَعَادَته الْمَأْلُوفَة كَانَتْ عَدَم الْإِمْعَان. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ آنَ الرَّحِيل يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏أَيْ دَخَلَ وَقْته , وَتَقَدَّمَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة \" فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ ؟ قُلْت : بَلَى \" فَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ فَسَأَلَ , فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْر : بَلَى , ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ \" قَدْ آنَ الرَّحِيل \" قَالَ الْمُهَلَّب بْن أَبِي صُفْرَة : إِنَّمَا شَرِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ لَبَن تِلْكَ الْغَنَم لِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ فِي زَمَن الْمُكَارَمَة , وَلَا يُعَارِضهُ حَدِيثه \" لَا يَحْلُبَن أَحَد مَاشِيَة أَحَد إِلَّا بِإِذْنِهِ \" لِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي زَمَن التَّشَاحّ , أَوْ الثَّانِي مَحْمُول عَلَى التَّسَوُّر وَالِاخْتِلَاس وَالْأَوَّل لَمْ يَقَع فِيهِ ذَلِكَ بَلْ قَدَّمَ أَبُو بَكْر سُؤَال الرَّاعِي هَلْ أَنْتَ حَالِب ؟ فَقَالَ : نَعَمْ , كَأَنَّهُ سَأَلَهُ هَلْ أَذِنَ لَك صَاحِب الْغَنَم فِي حَلَبهَا لِمَنْ يَرِد عَلَيْك ؟ فَقَالَ : نَعَمْ أَوْ جَرَى عَلَى الْعَادَة الْمَأْلُوفَة لِلْعَرَبِ فِي إِبَاحَة ذَلِكَ وَالْإِذْن فِي الْحَلْب عَلَى الْمَارّ وَلِابْنِ السَّبِيل , فَكَانَ كُلّ رَاعٍ مَأْذُونًا لَهُ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : إِنَّمَا شَرِبَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ اِبْن سَبِيل وَلَهُ شُرْب ذَلِكَ إِذَا اِحْتَاجَ , وَلَا سِيَّمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : إِنَّمَا اِسْتَجَازَهُ لِأَنَّهُ مَال الْحَرْبِيّ , لِأَنَّ الْقِتَال لَمْ يَكُنْ فُرِضَ بَعْد وَلَا أُبِيحَتْ الْغَنَائِم. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ هَذِهِ الْمَبَاحِث فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي آخِر اللُّقَطَة , وَفِيهَا الْكَلَام عَلَى إِبَاحَة ذَلِكَ لِلْمُسَافِرِ مُطْلَقًا. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ : خِدْمَة التَّابِع الْحُرّ لِلْمَتْبُوعِ فِي يَقِظَته وَالذَّبّ عَنْهُ عِنْد نَوْمه , وَشِدَّة مَحَبَّة أَبِي بَكْر لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَدَبه مَعَهُ وَإِيثَاره لَهُ عَلَى نَفْسه , وَفِيهِ أَدَب الْأَكْل وَالشُّرْب وَاسْتِحْبَاب التَّنْظِيف لِمَا يُؤْكَل وَيُشْرَب , وَفِيهِ اِسْتِصْحَاب آلَة السَّفَر كَالْإِدَاوَةِ وَالسُّفْرَة وَلَا يَقْدَح ذَلِكَ فِي التَّوَكُّل , وَسَتَأْتِي قِصَّة سُرَاقَة فِي الْهِجْرَة مُسْتَوْفَاة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَأَوْرَدَهَا هُنَا مُخْتَصَرَة جِدًّا وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة أَتَمّ ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَوْرَدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي خَلِيفَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَزَادَ فِي آخِره \" وَمَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَة لَيْلًا , فَتَنَازَعَهُ الْقَوْم أَيّهمْ يَنْزِل عَلَيْهِ \" فَذَكَرَ الْقِصَّة مُطَوَّلَة , وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهَا مِنْ الْفَوَائِد فِي \" بَاب الْهِجْرَة \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( تُرِيحُونَ بِالْعَشِيِّ , تَسْرَحُونَ بِالْغَدَاةِ ) هُوَ تَفْسِير قَوْله تَعَالَى : ( وَلَكُمْ فِيهَا جَمَال حِين تُرِيحُونَ وَحِين تَسْرَحُونَ ) وَهُوَ تَفْسِير أَبِي عُبَيْدَة فِي \" الْمَجَاز \" وَثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْده , وَالصَّوَاب أَنْ يَثْبُت فِي حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الْهِجْرَة فَإِنَّ فِيهِ \" وَيَرْعَى عَلَيْهَا عَامِر بْن فُهَيْرَة وَيُرِيحهُمَا عَلَيْهِمَا \" فَهَذَا هُوَ مَحَلّ شَرْح هَذِهِ اللَّفْظَة بِخِلَافِ حَدِيث الْبَرَاء فَلَمْ يَجْرِ فِيهِ لِهَذِهِ اللَّفْظَة ذِكْر , وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3380",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا فِي الْغَارِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا فَقَالَ ‏ ‏مَا ظَنُّكَ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ ثَابِت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حِبَّانَ بْن هِلَال فِي التَّفْسِير عَنْ هَمَّام \" حَدَّثَنَا ثَابِت \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس عَنْ أَبِي بَكْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حِبَّانَ الْمَذْكُورَة \" حَدَّثَنَا أَنَس حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر \". ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْغَار ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة حِبَّانَ الْمَذْكُورَة \" فَرَأَيْت آثَار الْمُشْرِكِينَ \" وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ هَمَّام فِي الْهِجْرَة \" فَرَفَعْت رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِأَقْدَامِ الْقَوْم \". ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ أَنَّ أَحَدهمْ نَظَرَ تَحْت قَدَمَيْهِ ) ‏ ‏فِيهِ مَجِيء \" لَوْ \" الشَّرْطِيَّة لِلِاسْتِقْبَالِ خِلَافًا لِلْأَكْثَرِ وَاسْتَدَلَّ مَنْ جَوَّزَهُ بِمَجِيءِ الْفِعْل الْمُضَارِع بَعْدهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَوْ يُطِيعكُمْ فِي كَثِير مِنْ الْأَمْر لَعَنِتُّمْ ) , وَعَلَى هَذَا فَيَكُون قَالَهُ حَالَة وُقُوفهمْ عَلَى الْغَار , وَعَلَى الْقَوْل الْأَكْثَر يَكُون قَالَهُ بَعْد مُضِيّهمْ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى صِيَانَتهمَا مِنْهُمْ. قَوْله : \" لَوْ أَنَّ أَحَدهمْ نَظَرَ تَحْت قَدَمَيْهِ \" فِي رِوَايَة مُوسَى \" لَوْ أَنَّ بَعْضهمْ طَأْطَأَ بَصَره \" وَفِي رِوَايَة حِبَّانَ \" رَفَعَ قَدَمَيْهِ \" وَوَقَعَ مِثْله فِي حَدِيث حُبْشِيّ بْن جُنَادَةَ أَخْرَجَهُ اِبْن عَسَاكِر , وَهِيَ مُشْكِلَة فَإِنَّ ظَاهِرهَا أَنَّ بَاب الْغَار اِسْتَتَرَ بِأَقْدَامِهِمْ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ اِسْتَتَرَ بِثِيَابِهِمْ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة حِبَّانَ الْمَذْكُورَة بِلَفْظِ \" لَوْ أَنَّ أَحَدهمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْت قَدَمَيْهِ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَفَّان عَنْ هَمَّام , وَوَقَعَ فِي مَغَازِي عُرْوَة بْن الزُّبَيْر فِي قِصَّة الْهِجْرَة قَالَ : \" وَأَتَى الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْجَبَل الَّذِي فِيهِ الْغَار الَّذِي فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى طَلَعُوا فَوْقه , وَسَمِعَ أَبُو بَكْر أَصْوَاتهمْ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الْهَمّ وَالْخَوْف , فَعِنْد ذَلِكَ يَقُول لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَحْزَن إِنَّ اللَّه مَعَنَا ) وَدَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَة , وَفِي ذَلِكَ يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ( إِذْ يَقُول لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَن إِنَّ اللَّه مَعَنَا ) الْآيَة \" وَهَذَا يُقَوِّي أَنَّهُ قَالَ مَا فِي حَدِيث الْبَاب حِينَئِذٍ , وَلِذَلِكَ أَجَابَهُ بِقَوْلِهِ : ( لَا تَحْزَن ). ‏ ‏قَوْله : ( مَا ظَنّك يَا أَبَا بَكْر بِاثْنَيْنِ اللَّه ثَالِثهمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُوسَى \" فَقَالَ اُسْكُتْ يَا أَبَا بَكْر , اِثْنَانِ اللَّه ثَالِثهمَا \" وَقَوْله اِثْنَانِ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف تَقْدِيره نَحْنُ اِثْنَانِ , وَمَعْنَى ثَالِثهمَا نَاصِرهمَا وَمُعِينهمَا , وَإِلَّا فَاَللَّه ثَالِث كُلّ اِثْنَيْنِ بِعِلْمِهِ , وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي تَفْسِير بَرَاءَة. وَفِي الْحَدِيث مَنْقَبَة ظَاهِرَة لِأَبِي بَكْر , وَفِيهِ أَنَّ بَاب الْغَار كَانَ مُنْخَفِضًا إِلَّا أَنَّهُ كَانَ ضَيِّقًا , فَقَدْ جَاءَ فِي \" السِّيَر لِلْوَاقِدِيّ \" أَنَّ رَجُلًا كَشَفَ عَنْ فَرْجه وَجَلَسَ يَبُول فَقَالَ أَبُو بَكْر \" قَدْ رَآنَا يَا رَسُول اللَّه. قَالَ : لَوْ رَآنَا لَمْ يَكْشِف عَنْ فَرْجه \" وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي قِصَّة الْهِجْرَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏اُشْتُهِرَ أَنَّ حَدِيث الْبَاب تَفَرَّدَ بِهِ هَمَّام عَنْ ثَابِت , وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ التِّرْمِذِيّ وَالْبَزَّار , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن شَاهِين فِي \" الْأَفْرَاد \" مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن سُلَيْمَان عَنْ ثَابِت بِمُتَابَعَةِ هَمَّام , وَقَدْ قَدَّمْت لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيث حُبْشِيّ بْن جُنَادَةَ , وَوَجَدْت لَهُ آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \". ‏"
    },
    {
        "id": "3381",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏النَّاسَ وَقَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ قَالَ فَبَكَى ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ عَبْدٍ خُيِّرَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ الْمُخَيَّرَ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَعْلَمَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو عَامِر ) ‏ ‏هُوَ الْعَقَدِيّ ‏ ‏وَ ( فُلَيْح ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان , وَهُوَ وَمَنْ فَوْقه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد بْن حُنَيْنٍ ) تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَادِهِ فِي \" بَاب الْخَوْخَة فِي الْمَسْجِد \" فِي أَوَائِل الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( خَطَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ أَبِي النَّضْر الْآتِيَة فِي الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة \" جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَر فَقَالَ \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَاضِي تِلْو حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي \" بَاب الْخَوْخَة \" مِنْ أَوَائِل الصَّلَاة \" فِي مَرَضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث جُنْدَبٍ \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول قَبْل أَنْ يَمُوت بِخَمْسِ لَيَالٍ \" وَفِي حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب الَّذِي سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ قَرِيبًا \" إِنَّ أَحْدَث عَهْدِي بِنَبِيِّكُمْ قَبْل وَفَاته بِثَلَاثٍ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي خُطْبَة أَبِي بَكْر , وَهُوَ طَرَف مِنْ هَذَا , وَكَأَنَّ أَبَا بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَهِمَ الرَّمْز الَّذِي أَشَارَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَرِينَة ذِكْره ذَلِكَ فِي مَرَض مَوْته , فَاسْتَشْعَرَ مِنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ نَفْسه فَلِذَلِكَ بَكَى. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْن الدُّنْيَا وَبَيْن مَا عِنْده ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك الْمَذْكُورَة \" بَيْن أَنْ يُؤْتِيه مِنْ زَهْرَة الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْن مَا عِنْده \". ‏ ‏قَوْله : ( فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِنَان فِي \" بَاب الْخَوْخَة \" الْمَذْكُورَة \" فَقُلْت فِي نَفْسِي \" وَفِي رِوَايَة مَالِك \" فَقَالَ النَّاس اُنْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخ يُخْبِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَبْد , وَهُوَ يَقُول فَدَيْنَاك \" وَيُجْمَع بِأَنَّ أَبَا سَعِيد حَدَّثَ نَفْسه بِذَلِكَ فَوَافَقَ تَحْدِيث غَيْره بِذَلِكَ فَنُقِلَ جَمِيع ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ أَبُو بَكْر أَعْلَمَنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" وَكَانَ أَبُو بَكْر هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ \" أَيْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ بِالْمُرَادِ مِنْ الْكَلَام الْمَذْكُور , زَادَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِنَان \" فَقَالَ : يَا أَبَا بَكْر لَا تَبْكِ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ أَمَنَّ النَّاس عَلَيَّ فِي صُحْبَته وَمَاله أَبُو بَكْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك كَذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِنَان \" إِنَّ مِنْ أَمَنّ النَّاس عَلَيَّ \" بِزِيَادَةِ مِنْ , وَقَالَ فِيهَا \" أَبَا بَكْر \" بِالنَّصْبِ لِلْأَكْثَرِ , وَلِبَعْضِهِمْ \" أَبُو بَكْر \" بِالرَّفْعِ , وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الرَّفْع خَطَأ وَالصَّوَاب النَّصْب لِأَنَّهُ اِسْم إِنَّ , وَوَجْه الرَّفْع بِتَقْدِيرِ ضَمِير الشَّأْن أَيْ إِنَّهُ , وَالْجَار وَالْمَجْرُور بَعْده خَبَر مُقَدَّم وَأَبُو بَكْر مُبْتَدَأ مُؤَخَّر , أَوْ عَلَى أَنَّ مَجْمُوع الْكُنْيَة اِسْم فَلَا يُعْرَب مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ الْأَدَاة أَوْ \" إِنَّ \" بِمَعْنَى نَعَمْ أَوْ إِنَّ \" مِنْ \" زَائِدَة عَلَى رَأْي الْكِسَائِيّ , وَقَالَ اِبْن بَرِّيّ : يَجُوز الرَّفْع إِذَا جَعَلْت مِنْ صِفَة لِشَيْءٍ مَحْذُوف تَقْدِيره إِنَّ رَجُلًا أَوْ إِنْسَانًا مِنْ أَمَنّ النَّاس فَيَكُون اِسْم إِنَّ مَحْذُوفًا وَالْجَارّ وَالْمَجْرُور فِي مَوْضِع الصِّفَة , وَقَوْله : \" أَبُو بَكْر \" الْخَبَر , وَقَوْله \" أَمَنّ \" أَفْعَل تَفْضِيل مِنْ الْمَنّ بِمَعْنَى الْعَطَاء وَالْبَذْل , بِمَعْنَى إِنَّ أَبْذَل النَّاس لِنَفْسِهِ وَمَاله , لَا مِنْ الْمِنَّة الَّتِي تُفْسِد الصَّنِيعَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ فِي \" بَاب الْخَوْخَة \" وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَشَرَحَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْمِنَّة وَقَالَ : تَقْدِيره لَوْ كَانَ يَتَوَجَّه لِأَحَدٍ الِامْتِنَان عَلَى نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتَوَجَّهَ لَهُ , وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَقَوْله : \" أَمَنّ النَّاس \" فِي رِوَايَة الْبَاب مَا يُوَافِق حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ \" لَيْسَ أَحَد مِنْ النَّاس أَمَنّ عَلَيَّ فِي نَفْسه وَمَاله مِنْ أَبِي بَكْر \" وَأَمَّا الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا \" مِنْ \" فَإِنْ قُلْنَا زَائِدَة فَلَا تَخَالُف , وَإِلَّا فَتُحْمَل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ لِغَيْرِهِ مُشَارَكَة مَا فِي الْأَفْضَلِيَّة إِلَّا أَنَّهُ مُقَدَّم فِي ذَلِكَ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ السِّيَاق وَمَا تَأَخَّرَ , وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَا لِأَحَدٍ لَهُ عِنْدنَا يَد إِلَّا كَافَأْنَاهُ عَلَيْهَا ; مَا خَلَا أَبَا بَكْر فَإِنَّ لَهُ عِنْدنَا يَدًا يُكَافِئهُ اللَّه بِهَا يَوْم الْقِيَامَة \" فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلّ عَلَى ثُبُوت يَد لِغَيْرِهِ , إِلَّا أَنَّ لِأَبِي بَكْر رُجْحَانًا. فَالْحَاصِل أَنَّهُ حَيْثُ أَطْلَقَ أَرَادَ أَنَّهُ أَرْجَحهمْ فِي ذَلِكَ , وَحَيْثُ لَمْ يُطْلِق أَرَادَ الْإِشَارَة إِلَى مَنْ شَارَكَهُ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَوَقَعَ بَيَان ذَلِكَ فِي حَدِيث آخَر لِابْنِ عَبَّاس رَفَعَهُ نَحْو حَدِيث التِّرْمِذِيّ وَزَادَ \" مِنَّة أَعْتَقَ بِلَالًا وَمِنَّة هَاجَرَ بِنَبِيِّهِ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ , وَعَنْهُ فِي طَرِيق أُخْرَى \" مَا أَحَد أَعْظَم عِنْدِي يَدًا مِنْ أَبِي بَكْر : وَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَاله , وَأَنْكَحَنِي اِبْنَته \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ , وَفِي حَدِيث مَالِك بْن دِينَار عَنْ أَنَس رَفَعَهُ \" إِنَّ أَعْظَم النَّاس عَلَيْنَا مَنًّا أَبُو بَكْر , زَوَّجَنِي اِبْنَته , وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ. وَإِنَّ خَيْر الْمُسْلِمِينَ مَالًا أَبُو بَكْر , أَعْتَقَ مِنْهُ بِلَالًا , وَحَمَلَنِي إِلَى دَار الْهِجْرَة \" أَخْرَجَهُ اِبْن عَسَاكِر , وَأَخْرَجَ مِنْ رِوَايَة اِبْن حِبَّانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ نَحْوه , وَجَاءَ عَنْ عَائِشَة مِقْدَار الْمَال الَّذِي أَنْفَقَهُ أَبُو بَكْر , فَرَوَى اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا قَالَتْ \" أَنْفَقَ أَبُو بَكْر عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ أَلْف دِرْهَم \" وَرَوَى الزُّبَيْر بْن بَكَّار عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ مَا تَرَكَ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا \". ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ بَعْد بَاب , قَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَا يُنَافِي هَذَا قَوْل أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي ذَرّ وَغَيْرهمَا \" أَخْبَرَنِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِز لَهُمْ , وَلَا يَجُوز لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ أَنْ يَقُول أَنَا خَلِيل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِهَذَا يُقَال إِبْرَاهِيم خَلِيل اللَّه وَلَا يُقَال اللَّه خَلِيل إِبْرَاهِيم. قُلْت : وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنْ أُخُوَّة الْإِسْلَام وَمَوَدَّته ) ‏ ‏أَيْ حَاصِلَة , وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْآتِي بَعْد بَاب \" أَفْضَل \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن تَمَّام عَنْ خَالِد الْحَذَّاء بِلَفْظِ \" وَلَكِنْ أُخُوَّة الْإِيمَان وَالْإِسْلَام أَفْضَل \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيق يَعْلَى بْن حَكِيم عَنْ عِكْرِمَة بِلَفْظِ \" وَلَكِنْ خُلَّة الْإِسْلَام أَفْضَل \" وَفِيهِ إِشْكَال , فَإِنَّ الْخُلَّة أَفْضَل مِنْ أُخُوَّة الْإِسْلَام لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِم ذَلِكَ وَزِيَادَة , فَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّ مَوَدَّة الْإِسْلَام مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْضُل مِنْ مَوَدَّته مَعَ غَيْره , وَقِيلَ : أَفْضَل بِمَعْنَى فَاضِل , وَلَا يُعَكِّر عَلَى ذَلِكَ اِشْتَرَاك جَمِيع الصَّحَابَة فِي هَذِهِ الْفَضِيلَة لِأَنَّ رُجْحَان أَبِي بَكْر عُرِفَ مِنْ غَيْر ذَلِكَ , وَأُخُوَّة الْإِسْلَام وَمَوَدَّته مُتَفَاوِتَة بَيْن الْمُسْلِمِينَ فِي نَصْر الدِّين وَإِعْلَاء كَلِمَة الْحَقّ وَتَحْصِيل كَثْرَة الثَّوَاب , وَلِأَبِي بَكْر مِنْ ذَلِكَ أَعْظَمه وَأَكْثَره , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" وَلَكِنْ خُوَّة الْإِسْلَام \" بِغَيْرِ أَلِف فَقَالَ اِبْن بَطَّال : لَا أَعْرِف مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَة وَلَمْ أَجِد خُوَّة بِمَعْنَى خُلَّة فِي كَلَام الْعَرَب , وَقَدْ وَجَدْت فِي بَعْض الرِّوَايَات \" وَلَكِنْ خُلَّة الْإِسْلَام \" وَهُوَ الصَّوَاب : وَقَالَ اِبْن التِّين : لَعَلَّ الْأَلِف سَقَطَتْ مِنْ الرِّوَايَة فَإِنَّهَا ثَابِتَة فِي سَائِر الرِّوَايَات , وَوَجَّهَ اِبْن مَالِك بِأَنَّهُ نُقِلَتْ حَرَكَة الْهَمْزَة إِلَى النُّون فَحُذِفَ الْأَلِف , وَجَوَّزَ مَعَ حَذْفهَا ضَمّ نُون لَكِنْ وَسُكُونهَا , قَالَ : وَلَا يَجُوز مَعَ إِثْبَات الْهَمْزَة إِلَّا سُكُون النُّون فَقَطْ. وَفِي قَوْله : \" وَلَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا إِلَخْ \" مَنْقَبَة عَظِيمَة لِأَبِي بَكْر لَمْ يُشَارِكهُ فِيهَا أَحَد. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : \" وَلَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا \" لَوْ كُنْت أَخُصّ أَحَدًا بِشَيْءٍ مِنْ أَمْر الدِّين لَخَصَصْت أَبَا بَكْر , قَالَ : وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى كَذِب الشِّيعَة فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ خَصَّ عَلِيًّا بِأَشْيَاء مِنْ الْقُرْآنِ وَأُمُور الدِّين لَمْ يَخُصّ بِهَا غَيْره. قُلْت : وَالِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ مُتَوَقِّف عَلَى صِحَّة التَّأْوِيل الْمَذْكُور وَمَا بَعْدهَا. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَبْقَيَنَّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَبِنُونِ التَّأْكِيد , وَفِي إِضَافَة النَّهْي إِلَى الْبَاب تَجَوُّز لِأَنَّ عَدَم بَقَائِهِ لَازِم لِلنَّهْيِ عَنْ إِبْقَائِهِ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا تُبْقُوهُ حَتَّى لَا يَبْقَى. وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضهمْ بِضَمِّ أَوَّله وَهُوَ وَاضِح. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا سُدَّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة , وَفِي رِوَايَة مَالِك \" خَوْخَة \" بَدَل \" بَاب \" وَالْخَوْخَة طَاقَة فِي الْجِدَار تُفْتَح لِأَجْلِ الضَّوْء وَلَا يُشْتَرَط عُلُوّهَا , وَحَيْثُ تَكُون سُفْلَى يُمْكِن الِاسْتِطْرَاق مِنْهَا لِاسْتِقْرَابِ الْوُصُول إِلَى مَكَان مَطْلُوب , وَهُوَ الْمَقْصُود هُنَا , وَلِهَذَا أُطْلِقَ عَلَيْهَا بَاب , وَقِيلَ : لَا يُطْلَق عَلَيْهَا بَاب إِلَّا إِذَا كَانَتْ تُغْلَق. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا بَاب أَبِي بَكْر ) ‏ ‏هُوَ اِسْتِثْنَاء مُفَرَّغ , وَالْمَعْنَى لَا تُبْقُوا بَابًا غَيْر مَسْدُود إِلَّا بَاب أَبِي بَكْر فَاتْرُكُوهُ بِغَيْرِ سَدّ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَابْن بَطَّال وَغَيْرهمَا : فِي هَذَا الْحَدِيث اِخْتِصَاص ظَاهِر لِأَبِي بَكْر , وَفِيهِ إِشَارَة قَوِيَّة إِلَى اِسْتِحْقَاقه لِلْخِلَافَةِ , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي آخِر حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَقْت الَّذِي أَمَرَهُمْ فِيهِ أَنْ لَا يَؤُمّهُمْ إِلَّا أَبُو بَكْر. وَقَدْ اِدَّعَى بَعْضهمْ أَنَّ الْبَاب كِنَايَة عَنْ الْخِلَافَة وَالْأَمْر بِالسَّدِّ كِنَايَة عَنْ طَلَبهَا كَأَنَّهُ قَالَ : لَا يَطْلُبَن أَحَد الْخِلَافَة إِلَّا أَبَا بَكْر فَإِنَّهُ لَا حَرَج عَلَيْهِ فِي طَلَبهَا , وَإِلَى هَذَا جَنَحَ اِبْن حِبَّانَ فَقَالَ بَعْد أَنْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث : فِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ الْخَلِيفَة بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ حَسَمَ بِقَوْلِهِ : \" سُدُّوا عَنِّي كُلّ خَوْخَة فِي الْمَسْجِد \" أَطْمَاع النَّاس كُلّهمْ عَنْ أَنْ يَكُونُوا خُلَفَاء بَعْده. وَقَوَّى بَعْضهمْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْزِلَ أَبِي بَكْر كَانَ بِالسُّنْحِ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَة كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا بَعْد بَاب فَلَا يَكُون لَهُ خَوْخَة إِلَى الْمَسْجِد , وَهَذَا الْإِسْنَاد ضَعِيف لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن مَنْزِله كَانَ بِالسُّنْحِ أَنْ لَا يَكُون لَهُ دَارَ مُجَاوِرَة لِلْمَسْجِدِ , وَمَنْزِله الَّذِي كَانَ بِالسُّنْحِ هُوَ مَنْزِل أَصْهَاره مِنْ الْأَنْصَار , وَقَدْ كَانَ لَهُ إِذْ ذَاكَ زَوْجَة أُخْرَى وَهِيَ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْس بِالِاتِّفَاقِ وَأُمّ رُومَان عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهَا كَانَتْ بَاقِيَة يَوْمَئِذٍ. وَقَدْ تَعَقَّبَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ كَلَام اِبْن حِبَّانَ فَقَالَ : وَقَدْ ذَكَرَ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة \" أَنَّ دَارَ أَبِي بِكْر الَّتِي أَذِنَ لَهُ فِي إِبْقَاء الْخَوْخَة مِنْهَا إِلَى الْمَسْجِد كَانَتْ مُلَاصِقَة لِلْمَسْجِدِ وَلَمْ تَزَلْ بِيَدِ أَبِي بَكْر حَتَّى اِحْتَاجَ إِلَى شَيْء يُعْطِيه لِبَعْضِ مَنْ وَفَدَ عَلَيْهِ فَبَاعَهَا فَاشْتَرَتْهَا مِنْهُ حَفْصَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَرْبَعَةِ آلَاف دِرْهَم فَلَمْ تَزَلْ بِيَدِهَا إِلَى أَنْ أَرَادُوا تَوْسِيع الْمَسْجِد فِي خِلَافَة عُثْمَان فَطَلَبُوهَا مِنْهَا لِيُوَسِّعُوا بِهَا الْمَسْجِد فَامْتَنَعَتْ وَقَالَتْ : كَيْف بِطَرِيقِي إِلَى الْمَسْجِد ؟ فَقِيلَ لَهَا نُعْطِيك دَارًا أَوْسَعَ مِنْهَا وَنَجْعَل لَك طَرِيقًا مِثْلهَا , فَسَلَّمَتْ وَرَضِيَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا بَاب أَبِي بَكْر ) زَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث مُعَاوِيَة فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث بِمَعْنَاهُ \" فَإِنِّي رَأَيْت عَلَيْهِ نُورًا \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏جَاءَ فِي سَدّ الْأَبْوَاب الَّتِي حَوْل الْمَسْجِد أَحَادِيث يُخَالِف ظَاهِرهَا حَدِيث الْبَاب , مِنْهَا حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص قَالَ : \" أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَدِّ الْأَبْوَاب الشَّارِعَة فِي الْمَسْجِد وَتَرَكَ بَاب عَلِيّ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيّ وَإِسْنَاده قَوِيّ , وَفِي رِوَايَة لِلطَّبَرَانِيّ فِي \" الْأَوْسَط \" رِجَالهَا ثِقَات مِنْ الزِّيَادَة \" فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه سَدَدْت أَبْوَابنَا , فَقَالَ : مَا أَنَا سَدَدْتهَا وَلَكِنْ اللَّه سَدَّهَا \" وَعَنْ زَيْد بْن أَرْقَم قَالَ : \" كَانَ لِنَفَرٍ مِنْ الصَّحَابَة أَبْوَاب شَارِعَة فِي الْمَسْجِد , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سُدُّوا هَذِهِ الْأَبْوَاب إِلَّا بَاب عَلِيّ , فَتَكَلَّمَ نَاس فِي ذَلِكَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي وَاَللَّه مَا سَدَدْت شَيْئًا وَلَا فَتَحْته وَلَكِنْ أُمِرْت بِشَيْءٍ فَاتَّبَعْته \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَرِجَاله ثِقَات , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" أَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبْوَابِ الْمَسْجِد فَسُدَّتْ إِلَّا بَاب عَلِيّ \" وَفِي رِوَايَة \" وَأَمَرَ بِسَدِّ الْأَبْوَاب غَيْر بَاب عَلِيّ فَكَانَ يَدْخُل الْمَسْجِد وَهُوَ جُنُب لَيْسَ لَهُ طَرِيق غَيْره \" أَخْرَجَهُمَا أَحْمَد وَالنَّسَائِيّ وَرِجَالهمَا ثِقَات. وَعَنْ جَابِر بْن سَمُرَة قَالَ : \" أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَدِّ الْأَبْوَاب كُلّهَا غَيْر بَاب عَلِيّ , فَرُبَّمَا مَرَّ فِيهِ وَهُوَ جُنُب \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَعَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : \" كُنَّا نَقُول فِي زَمَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْر النَّاس ثُمَّ أَبُو بَكْر ثُمَّ عُمَر , وَلَقَدْ أُعْطِيَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ثَلَاث خِصَال لَأَنْ يَكُون لِي وَاحِدَة مِنْهُنَّ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ حُمْر النَّعَم : زَوَّجَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْنَته وَوَلَدَتْ لَهُ , وَسَدَّ الْأَبْوَاب إِلَّا بَابه فِي الْمَسْجِد , وَأَعْطَاهُ الرَّايَة يَوْم خَيْبَر \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَإِسْنَاده حَسَن. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق الْعَلَاء بْن عَرَار بِمُهْمَلَاتٍ قَالَ : \" فَقُلْت لِابْنِ عُمَر : أَخْبِرْنِي عَنْ عَلِيّ وَعُثْمَان - فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ - وَأَمَّا عَلِيّ فَلَا تَسْأَل عَنْهُ أَحَدًا وَانْظُرْ إِلَى مَنْزِلَته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَدْ سَدَّ أَبْوَابنَا فِي الْمَسْجِد وَأَقَرَّ بَابه \" وَرِجَاله رِجَال الصَّحِيح إِلَّا الْعَلَاء وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْن مَعِين وَغَيْره. وَهَذِهِ الْأَحَادِيث يُقَوِّي بَعْضهَا بَعْضًا وَكُلّ طَرِيق مِنْهَا صَالِح لِلِاحْتِجَاجِ فَضْلًا عَنْ مَجْمُوعهَا. وَقَدْ أَوْرَدَ اِبْن الْجَوْزِيّ هَذَا الْحَدِيث فِي الْمَوْضُوعَات , أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَزَيْد بْن أَرْقَم وَابْن عُمَر مُقْتَصِرًا عَلَى بَعْض طُرُقه عَنْهُمْ , وَأَعَلَّهُ بِبَعْضِ مَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ رُوَاته , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِحٍ لِمَا ذَكَرْت مِنْ كَثْرَة الطُّرُق , وَأَعَلَّهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ مُخَالِف لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة الثَّابِتَة فِي بَاب أَبِي بَكْر وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ وَضْع الرَّافِضَة قَابَلُوا بِهِ الْحَدِيث الصَّحِيح فِي بَاب أَبِي بَكْر اِنْتَهَى , وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ خَطَأ شَنِيعًا فَإِنَّهُ سَلَكَ فِي ذَلِكَ رَدّ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِتَوَهُّمِهِ الْمُعَارَضَة , مَعَ أَنَّ الْجَمْع بَيْن الْقِصَّتَيْنِ مُمْكِن , وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْبَزَّار فِي مُسْنَده فَقَالَ : وَرَدَ مِنْ رِوَايَات أَهْل الْكُوفَة بِأَسَانِيد حِسَان فِي قِصَّة عَلِيّ , وَوَرَدَ مِنْ رِوَايَات أَهْل الْمَدِينَة فِي قِصَّة أَبِي بَكْر , فَإِنْ ثَبَتَتْ رِوَايَات أَهْل الْكُوفَة فَالْجَمْع بَيْنهمَا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" لَا يَحِلّ لِأَحَدٍ أَنْ يَطْرُق هَذَا الْمَسْجِد جُنُبًا غَيْرِي وَغَيْرك \" وَالْمَعْنَى أَنَّ بَاب عَلِيّ كَانَ إِلَى جِهَة الْمَسْجِد وَلَمْ يَكُنْ لِبَيْتِهِ بَاب غَيْره فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْمَر بِسَدِّهِ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي \" أَحْكَام الْقُرْآن \" مِنْ طَرِيق الْمُطَّلِب بْن عَبْد اللَّه بْن حَنْطَب \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْذَن لِأَحَدٍ أَنْ يَمُرّ فِي الْمَسْجِد وَهُوَ جُنُب إِلَّا لِعَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب لِأَنَّ بَيْته كَانَ فِي الْمَسْجِد \" وَمُحَصَّل الْجَمْع أَنَّ الْأَمْر بِسَدِّ الْأَبْوَاب وَقَعَ مَرَّتَيْنِ , فَفِي الْأُولَى اُسْتُثْنِيَ عَلِيّ لِمَا ذَكَرَهُ , وَفِي الْأُخْرَى اُسْتُثْنِيَ أَبُو بَكْر , وَلَكِنْ لَا يَتِمّ ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ يُحْمَل مَا فِي قِصَّة عَلِيّ عَلَى الْبَاب الْحَقِيقِيّ وَمَا فِي قِصَّة أَبِي بَكْر عَلَى الْبَاب الْمَجَازِيّ وَالْمُرَاد بِهِ الْخَوْخَة كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي بَعْض طُرُقه , وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا أُمِرُوا بِسَدِّ الْأَبْوَاب سَدُّوهَا وَأَحْدَثُوا خِوَخًا يَسْتَقْرِبُونَ الدُّخُول إِلَى الْمَسْجِد مِنْهَا فَأُمِرُوا بَعْد ذَلِكَ بِسَدِّهَا , فَهَذِهِ طَرِيقَة لَا بَأْس بِهَا فِي الْجَمْع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ , وَبِهَا جَمَعَ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيُّ فِي مُشْكِل الْآثَار , وَهُوَ فِي أَوَائِل الثُّلُث الثَّالِث مِنْهُ , وَأَبُو بَكْر الْكَلَابَاذِيّ فِي \" مَعَانِي الْأَخْبَار \" وَصَرَّحَ بِأَنَّ بَيْت أَبِي بَكْر كَانَ لَهُ بَاب مِنْ خَارِج الْمَسْجِد وَخَوْخَة إِلَى دَاخِل الْمَسْجِد , وَبَيْت عَلِيّ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَاب إِلَّا مِنْ دَاخِل الْمَسْجِد , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِأَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَأَنَّهُ كَانَ مُتَأَهِّلًا لِأَنْ يَتَّخِذهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلِيلًا لَوْلَا الْمَانِع الْمُتَقَدِّم ذِكْرُهُ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ لِلْخَلِيلِ صِفَة خَاصَّة تَقْتَضِي عَدَم الْمُشَارَكَة فِيهَا , وَأَنَّ الْمَسَاجِد تُصَان عَنْ التَّطَرُّق إِلَيْهَا لِغَيْرِ ضَرُورَة مُهِمَّة , وَالْإِشَارَة بِالْعِلْمِ الْخَاصّ دُون التَّصْرِيح لِإِثَارَةِ أَفْهَام السَّامِعِينَ وَتَفَاوُت الْعُلَمَاء فِي الْفَهْم وَأَنَّ مَنْ كَانَ أَرْفَع فِي الْفَهْم اِسْتَحَقَّ أَنْ يُطْلَق عَلَيْهِ أَعْلَم , وَفِيهِ التَّرْغِيب فِي اِخْتِيَار مَا فِي الْآخِرَة عَلَى مَا فِي الدُّنْيَا , وَفِيهِ شُكْر الْمُحْسِن وَالتَّنْوِيه بِفَضْلِهِ وَالثَّنَاء عَلَيْهِ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ أَنَّ الْمُرَشَّح لِلْإِمَامَةِ يُخَصّ بِكَرَامَةٍ تَدُلّ عَلَيْهِ كَمَا وَقَعَ فِي حَقّ الصِّدِّيق فِي هَذِهِ الْقِصَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "3382",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنُخَيِّرُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال , وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْن النَّاس فِي زَمَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ نَقُول : فُلَان خَيْر مِنْ فُلَان إِلَخْ , وَفِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع الْآتِيَة فِي مَنَاقِب عُثْمَان \" كُنَّا لَا نَعْدِل بِأَبِي بَكْر أَحَدًا ثُمَّ عُمَر ثُمَّ عُثْمَان , ثُمَّ نَتْرُك أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا نُفَاضِل بَيْنهمْ \" وَقَوْله : \" لَا نَعْدِل بِأَبِي بَكْر \" أَيْ لَا نَجْعَل لَهُ مِثْلًا , وَقَوْله : \" ثُمَّ نَتْرُك أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي الْكَلَام فِيهِ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر \" كُنَّا نَقُول وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيّ : أَفْضَل أُمَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْده أَبُو بَكْر ثُمَّ عُمَر ثُمَّ عُثْمَان \" زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَة \" فَيَسْمَع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فَلَا يُنْكِرهُ \" وَرَوَى خَيْثَمَة بْن سُلَيْمَان فِي فَضَائِل الصَّحَابَة مِنْ طَرِيق سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر \" كُنَّا نَقُول : \" إِذَا ذَهَبَ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان اِسْتَوَى النَّاس , فَيَسْمَع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فَلَا يُنْكِرهُ \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي أُوَيْس عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال فِي حَدِيث الْبَاب دُون آخِره. وَفِي الْحَدِيث تَقْدِيم عُثْمَان بَعْد أَبِي بَكْر وَعُمَر , كَمَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد جُمْهُور أَهْل السُّنَّة , وَذَهَبَ بَعْض السَّلَف إِلَى تَقْدِيم عَلِيّ عَلَى عُثْمَان , وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَيُقَال إِنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ , وَقَالَ بِهِ اِبْن خُزَيْمَةَ , وَطَائِفَة قَبْله وَبَعْده , وَقِيلَ لَا يُفَضَّل أَحَدهمَا عَلَى الْآخَر قَالَهُ مَالِك فِي \" الْمُدَوَّنَة \" وَتَبِعَهُ جَمَاعَة مِنْهُمْ يَحْيَى الّقَطَّانُ , وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ اِبْن حَزْم , وَحَدِيث الْبَاب حُجَّة لِلْجُمْهُورِ , وَقَدْ طَعَنَ فِيهِ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا حَكَاهُ عَنْ هَارُون بْن إِسْحَاق قَالَ : سَمِعْت اِبْن مَعِين يَقُول : مَنْ قَالَ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ وَعَرَفَ لِعَلِيٍّ سَابِقِيَّتِهِ وَفَضْله فَهُوَ صَاحِب سُنَّة , قَالَ فَذَكَرْت لَهُ مَنْ يَقُول أَبُو بَكْر وَعُمْر وَعُثْمَان وَيَسْكُتُونَ فَتَكَلَّمَ فِيهِمْ بِكَلَامٍ غَلِيظ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اِبْن مَعِين أَنْكَرَ رَأْي قَوْم وَهُمْ الْعُثْمَانِيَّة الَّذِينَ يُغَالُونَ فِي حُبّ عُثْمَان وَيَنْتَقِصُونَ عَلِيًّا , وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَعْرِف لِعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب فَضْله فَهُوَ مَذْمُوم , وَادَّعَى اِبْن عَبْد الْبَرّ أَيْضًا أَنَّ هَذَا الْحَدِيث خِلَاف قَوْل أَهْل السُّنَّة أَنَّ عَلِيًّا أَفْضَل النَّاس بَعْد الثَّلَاثَة , فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلِيًّا أَفْضَل الْخَلْق بَعْد الثَّلَاثَة , وَدَلَّ هَذَا الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ حَدِيث اِبْن عُمَر غَلَطٌ وَإِنْ كَانَ السَّنَد إِلَيْهِ صَحِيحًا , وَتُعُقِّبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ سُكُوتهمْ إِذْ ذَاكَ عَنْ تَفْضِيله عَدَم تَفْضِيله عَلَى الدَّوَام , وَبِأَنَّ الْإِجْمَاع الْمَذْكُور إِنَّمَا حَدَثَ بَعْد الزَّمَن الَّذِي قَيَّدَهُ اِبْن عُمَر فَيَخْرُج حَدِيثه عَنْ أَنْ يَكُون غَلَطًا , وَالَّذِي أَظُنّ أَنَّ اِبْن عَبْد الْبِرّ إِنَّمَا أَنْكَرَ الزِّيَادَة الَّتِي وَقَعَتْ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر وَهِيَ قَوْل اِبْن عُمَر \" ثُمَّ نَتْرُك أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ \" لَكِنْ لَمْ يَنْفَرِد بِهَا نَافِع فَقَدْ تَابَعَهُ اِبْن الْمَاجِشُونِ أَخْرَجَهُ خَيْثَمَة مِنْ طَرِيق يُوسُف بْن الْمَاجِشُونِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر \" كُنَّا نَقُول فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان , ثُمَّ نَدَع أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا نُفَاضِل بَيْنهمْ \" وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَم مِنْ تَرْكهمْ التَّفَاضُل إِذْ ذَاكَ أَنْ لَا يَكُونُوا اِعْتَقَدُوا بَعْد ذَلِكَ تَفْضِيل عَلِيّ عَلَى مَنْ سِوَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ اِعْتَرَفَ اِبْن عُمَر بِتَقْدِيمِ عَلِيّ عَلَى غَيْره كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثه الَّذِي أَوْرَدْته فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْض الطُّرُق فِي حَدِيث اِبْن عُمَر تَقْيِيد الْخَيْرِيَّة الْمَذْكُورَة وَالْأَفْضَلِيَّة بِمَا يَتَعَلَّق بِالْخِلَافَةِ , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ اِبْن عَسَاكِر عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَسَار عَنْ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : \" إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَا كُنَّا نَقُول عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبُو بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان , يَعْنِي فِي الْخِلَافَة \" كَذَا فِي أَصْل الْحَدِيث. وَمِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" كُنَّا نَقُول فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يَكُون أَوْلَى النَّاس بِهَذَا الْأَمْر ؟ فَنَقُول : أَبُو بَكْر ثُمَّ عُمَر \". وَذَهَبَ قَوْم إِلَى أَنَّ أَفْضَل الصَّحَابَة مَنْ اُسْتُشْهِدَ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَيَّنَ بَعْضهمْ مِنْهُمْ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب. وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْعَبَّاس وَهُوَ قَوْل مَرْغُوب عَنْهُ لَيْسَ قَائِله مِنْ أَهْل السُّنَّة بَلْ وَلَا مِنْ أَهْل الْإِيمَان , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : أَفْضَلهمْ مُطْلَقًا عُمَر مُتَمَسِّكًا بِالْحَدِيثِ الْآتِي فِي تَرْجَمَته فِي الْمَنَام الَّذِي فِيهِ فِي حَقّ أَبِي بَكْر \" وَفِي نَزْعه ضَعْف \" وَهُوَ تَمَسُّك وَاهٍ. وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الِاعْتِقَاد \" بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي ثَوْر عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ قَالَ : أَجْمَعَ الصَّحَابَة وَأَتْبَاعهمْ عَلَى أَفْضَلِيَّة أَبِي بَكْر ثُمَّ عُمَر ثُمَّ عُثْمَان ثُمَّ عَلِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3383",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَخْرَجَهُ مِنْ طُرُق ثَلَاثَة : ‏ ‏الْأُولَى : ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" غَيْر رَبِّي \" وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد مُسْلِم \" وَقَدْ اِتَّخَذَ اللَّه صَاحِبكُمْ خَلِيلًا \". وَقَدْ تَوَارَدَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى نَفْي الْخُلَّة مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاس , وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ : \" إِنَّ أَحْدَث عَهْدِي بِنَبِيِّكُمْ قَبْل مَوْته بِخَمْسٍ , دَخَلْت عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُول : إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيّ إِلَّا وَقَدْ اِتَّخَذَ مِنْ أُمَّته خَلِيلًا , وَإِنَّ خَلِيلِي أَبُو بَكْر. أَلَا وَإِنَّ اللَّه اِتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اِتَّخَذَ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا \" أَخْرَجَهُ أَبُو الْحَسَن الْحَرْبِيّ فِي فَوَائِده , وَهَذَا يُعَارِضهُ مَا فِي رِوَايَة جُنْدَبٍ عِنْد مُسْلِم كَمَا قَدَّمْته أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول قَبْل أَنْ يَمُوت بِخَمْسٍ \" إِنِّي أَبْرَأ إِلَى اللَّه أَنْ يَكُون لِي مِنْكُمْ خَلِيل \" فَإِنْ ثَبَتَ حَدِيث أُبَيّ أَمْكَنَ أَنْ يُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ لَمَّا بَرِئَ مِنْ ذَلِكَ تَوَاضُعًا لِرَبِّهِ وَإِعْظَامًا لَهُ أَذِنَ اللَّه تَعَالَى لَهُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْم لِمَا رَأَى مَنْ تَشَوُّفه إِلَيْهِ وَإِكْرَامًا لِأَبِي بَكْر بِذَلِكَ , فَلَا يَتَنَافَى الْخَبَرَانِ , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ نَحْو حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب دُون التَّقْيِيد بِالْخَمْسِ , أَخْرَجَهُ الْوَاحِدِيّ فِي تَفْسِيره , وَالْخَبَرَانِ وَاهِيَانِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة خَيْثَمَةَ فِي \" فَضَائِل الصَّحَابَة \" عَنْ أَحْمَد بْن الْأَسْوَد عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم وَهُوَ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي فِي اللَّه تَعَالَى \" وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا \" وَلَكِنْ أُخُوَّة الْإِسْلَام أَفْضَل \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيههَا قَبْل بَاب. وَقَوْله : فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْن أَسَد وَمُوسَى بْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيُّ \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ الصَّوَاب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَحْده \" التَّنُوخِيّ \" وَهُوَ تَصْحِيف , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِير الْخَلِيل فِي تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَاخْتُلِفَ فِي الْمَوَدَّة وَالْخُلَّة وَالْمَحَبَّة وَالصَّدَاقَة هِيَ مُتَرَادِفَة أَوْ مُخْتَلِفَة , قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْخُلَّة أَرْفَع رُتْبَة , وَهُوَ الَّذِي يُشْعِر بِهِ حَدِيث الْبَاب , وَكَذَا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام \" لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْر رَبِّي \" فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَلِيل مِنْ بَنِي آدَم , وَقَدْ ثَبَتَتْ مَحَبَّته لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابه كَأَبِي بَكْر وَفَاطِمَة وَعَائِشَة وَالْحَسَنَيْنِ وَغَيْرهمْ , وَلَا يُعَكِّر عَلَى هَذَا اِتِّصَاف إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام بِالْخُلَّةِ وَمُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَحَبَّةِ فَتَكُون الْمَحَبَّة أَرْفَع رُتْبَة مِنْ الْخُلَّة , لِأَنَّهُ يُجَاب عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ثَبَتَ لَهُ الْأَمْرَانِ مَعًا فَيَكُون رُجْحَانه مِنْ الْجِهَتَيْنِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : الْخَلِيل هُوَ الَّذِي يُوَافِقك فِي خِلَالك وَيُسَايِرك فِي طَرِيقك , أَوْ الَّذِي يَسُدّ خَلَلك وَتَسُدّ خَلَله , أَوْ يُدَاخِلك خِلَال مَنْزِلك اِنْتَهَى. وَكَأَنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُون اِشْتِقَاقه مِمَّا ذُكِرَ. وَقِيلَ : أَصْل الْخُلَّة اِنْقِطَاع الْخَلِيل إِلَى خَلِيله , وَقِيلَ : الْخَلِيل مَنْ يَتَخَلَّلهُ سِرّك , وَقِيلَ : مَنْ لَا يَسَع قَلْبه غَيْرك , وَقِيلَ : أَصْل الْخُلَّة الِاسْتِصْفَاء , وَقِيلَ : الْمُخْتَصّ بِالْمَوَدَّةِ , وَقِيلَ : اِشْتِقَاق الْخَلِيل مِنْ الْخَلَّة بِفَتْحِ الْخَاء وَهِيَ الْحَاجَة , فَعَلَى هَذَا فَهُوَ الْمُحْتَاج إِلَى مَنْ يُخَالّهُ , وَهَذَا كُلّه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَان , أَمَّا خُلَّة اللَّه لِلْعَبْدِ فَبِمَعْنَى نَصْره لَهُ وَمُعَاوَنَته. ‏"
    },
    {
        "id": "3384",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3385",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَتَبَ ‏ ‏أَهْلُ الْكُوفَةِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏ابْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فِي الْجَدِّ فَقَالَ أَمَّا الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُهُ أَنْزَلَهُ أَبًا ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن الزُّبَيْر فِي الْمَعْنَى , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَا يَتَعَلَّق مِنْهُ بِالْجَدِّ فِي كِتَاب الْفَرَائِض إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" كَتَبَ أَهْل الْكُوفَة \" بَعْض أَهْلهَا وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة بْن مَسْعُود , وَكَانَ اِبْن الزُّبَيْر جَعَلَهُ عَلَى قَضَاء الْكُوفَة , أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : \" كُنْت عِنْد عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة , وَكَانَ اِبْن الزُّبَيْر جَعَلَهُ عَلَى الْقَضَاء فَجَاءَهُ كِتَابه : كَتَبْت تَسْأَلنِي عَنْ الْجَدّ \" فَذَكَرَهُ نَحْوه وَزَادَ بَعْد قَوْله : \" لَاِتَّخَذْت أَبَا بَكْر : وَلَكِنَّهُ أَخِي فِي الدِّين , وَصَاحِبِي فِي الْغَار \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة فِي هَذَا الْحَدِيث \" لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا سِوَى اللَّه حَتَّى أَلْقَاهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3386",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ قَالَتْ أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ كَأَنَّهَا تَقُولُ الْمَوْتَ قَالَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مُحَمَّد بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم عَنْ أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَتْ اِمْرَأَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَرَأَيْت ) ‏ ‏أَيْ أَخْبِرْنِي. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ جِئْت وَلَمْ أَجِدك , كَأَنَّهَا تَقُول الْمَوْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَزِيد بْن هَارُون عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عِنْد الْبِلَاذَرِيّ \" قَالَتْ فَإِنْ رَجَعْت فَلَمْ أَجِدك , تُعَرِّض بِالْمَوْتِ \" , وَكَذَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن مَعْمَر عَنْ إِبْرَاهِيم , وَهُوَ يُقَوِّي جَزْم الْقَاضِي عِيَاض أَنَّهُ كَلَام جَيِّد. وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ الْآتِي ذِكْرهَا فِي الْأَحْكَام \" كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْت \" وَمُرَادهَا إِنْ جِئْت فَوَجَدْتُك قَدْ مِتّ مَاذَا أَعْمَل ؟ وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِين قَائِل \" كَأَنَّهَا \" فَجَزَمَ عِيَاض بِأَنَّهُ جُبَيْر بْن مُطْعِم رَاوِي الْحَدِيث وَهُوَ الظَّاهِر , وَيَحْتَمِل مَنْ دُونه. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث عِصْمَة بْن مَالِك قَالَ : \" قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه إِلَى مَنْ نَدْفَع صَدَقَات أَمْوَالنَا بَعْدك ؟ قَالَ : إِلَى أَبِي بَكْر الصِّدِّيق \" وَهُوَ لَوْ ثَبَتَ كَانَ أَصْرَح فِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّهُ الْخَلِيفَة بَعْده , لَكِنْ إِسْنَاده ضَعِيف. وَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي مُعْجَمه مِنْ حَدِيث سَهْل بْن أَبِي خَيْثَمَةَ قَالَ : \" بَايَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيًّا فَسَأَلَهُ إِنْ أَتَى عَلَيْهِ أَجَله مَنْ يَقْضِيه ؟ فَقَالَ : أَبُو بَكْر. ثُمَّ سَأَلَهُ مَنْ يَقْضِيه بَعْده ؟ قَالَ : عُمَر \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ هَذَا الْوَجْه مُخْتَصَرًا. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ مَوَاعِيد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ عَلَى مَنْ يَتَوَلَّى الْخِلَافَة بَعْده تَنْجِيزهَا. وَفِيهِ رَدّ عَلَى الشِّيعَة فِي زَعْمهمْ أَنَّهُ نَصّ عَلَى اِسْتِخْلَاف عَلِيّ وَالْعَبَّاس , وَسَيَأْتِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي \" بَاب الِاسْتِخْلَاف \" مِنْ كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3387",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَمَّارًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَا مَعَهُ إِلَّا ‏ ‏خَمْسَةُ أَعْبُدٍ ‏ ‏وَامْرَأَتَانِ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي الطَّيِّب ) ‏ ‏هُوَ الْمَرْوَزِيُّ , بَغْدَادِيّ الْأَصْل يُكَنَّى أَبَا سُلَيْمَان وَاسْم أَبِيهِ سُلَيْمَان , وَصَفَهُ أَبُو زُرْعَة بِالْحِفْظِ , وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِم ; وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة غَيْره كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب إِسْلَام أَبِي بَكْر \". ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن مُجَالِد ) ‏ ‏بِالْجِيمِ هُوَ الْكُوفِيّ , قَوَّاهُ يَحْيَى بْن مَعِين وَجَمَاعَة , وَلَيَّنَهُ بَعْضهمْ , وَلَيْسَ لَهُ عِنْد الْبُخَارِيّ أَيْضًا غَيْر هَذَا الْحَدِيث. وَوَبَرَة بِفَتْحِ الْوَاو وَالْمُوَحَّدَة تَابِعِيّ صَغِير. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هَمَّام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث , وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق جَهْوَر بْن مَنْصُور عَنْ إِسْمَاعِيل \" سَمِعْت هَمَّام بْن الْحَارِث \" وَهُوَ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ , وَعَمَّار هُوَ اِبْن يَاسِر , وَالْإِسْنَاد مِنْ إِسْمَاعِيل فَصَاعِدًا كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا مَعَهُ ) ‏ ‏أَيْ مِمَّنْ أَسْلَمَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا خَمْسَة أَعْبُد وَامْرَأَتَانِ وَأَبُو بَكْر ) ‏ ‏أَمَّا الْأَعْبُد فَهُمْ بِلَال وَزَيْد بْن حَارِثَة وَعَامِر بْن فُهَيْرَة مَوْلَى أَبِي بَكْر , فَإِنَّهُ أَسْلَمَ قَدِيمًا مَعَ أَبِي بَكْر , وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عُرْوَة أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ كَانَ يُعَذَّب فِي اللَّه فَاشْتَرَاهُ أَبُو بَكْر وَأَعْتَقَهُ , وَأَبُو فُكَيْهَة مَوْلَى صَفْوَان بْن أُمَيَّة بْن خَلَف ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ أَسْلَمَ حِين أَسْلَمَ بِلَال فَعَذَّبَهُ أُمَيَّة فَاشْتَرَاهُ أَبُو بَكْر فَأَعْتَقَهُ. وَأَمَّا الْخَامِس فَيَحْتَمِل أَنْ يُفَسَّر بِشُقْرَان , فَقَدْ ذَكَرَ اِبْن السَّكَن فِي \" كِتَاب الصَّحَابَة \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن دَاوُدَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَّثَهُ مِنْ أَبِيهِ هُوَ وَأُمّ أَيْمَن , وَذَكَرَ بَعْض شُيُوخنَا بَدَل أَبِي فُكَيْهَة عَمَّار بْن يَاسِر وَهُوَ مُحْتَمَل , وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون مِنْهُمْ أَبُوهُ فَإِنَّ الثَّلَاثَة كَانُوا مِمَّنْ يُعَذَّب فِي اللَّه وَأُمّه أَوَّل مَنْ اُسْتُشْهِدَتْ فِي الْإِسْلَام طَعَنَهَا أَبُو جَهْل فِي قَلْبهَا بِحَرْبَةٍ فَمَاتَتْ , وَأَمَّا الْمَرْأَتَانِ فَخَدِيجَة وَالْأُخْرَى أُمّ أَيْمَن أَوْ سُمَيَّة , وَذَكَرَ بَعْض شُيُوخنَا تَبَعًا لِلدِّمْيَاطِيِّ أَنَّهَا أُمّ الْفَضْل زَوْج الْعَبَّاس , وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدِيمَة الْإِسْلَام إِلَّا أَنَّهَا لَمْ تُذْكَر فِي السَّابِقِينَ , وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَعُدَّ أَبُو رَافِع مَوْلَى الْعَبَّاس لِأَنَّهُ أَسْلَمَ حِين أَسْلَمَتْ أُمّ الْفَضْل. كَذَا عِنْد اِبْن إِسْحَاق. وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ أَبَا بَكْر أَوَّل مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْأَحْرَار مُطْلَقًا , وَلَكِنَّ مُرَاد عَمَّار بِذَلِكَ مِمَّنْ أَظْهَرَ إِسْلَامه , وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ حِينَئِذٍ جَمَاعَة مِمَّنْ أَسْلَمَ لَكِنَّهُمْ كَانُوا يُخْفُونَهُ مِنْ أَقَارِبهمْ , وَسَيَأْتِي قَوْل سَعْد إِنَّهُ كَانَ ثُلُث الْإِسْلَام , وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ اِطَّلَعَ عَلَى إِسْلَامه مِمَّنْ سَبَقَ إِسْلَامه. ‏"
    },
    {
        "id": "3388",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِذِ اللَّهِ أَبِي إِدْرِيسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الدَّرْدَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ أَقْبَلَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ ‏ ‏غَامَرَ ‏ ‏فَسَلَّمَ وَقَالَ إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ‏ ‏ابْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏شَيْءٌ فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ فَقَالَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏ثَلَاثًا ثُمَّ إِنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏نَدِمَ فَأَتَى مَنْزِلَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَسَأَلَ أَثَّمَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالُوا لَا فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَلَّمَ فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَمَعَّرُ حَتَّى أَشْفَقَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَجَثَا ‏ ‏عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ مَرَّتَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏صَدَقَ وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي مَرَّتَيْنِ فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زَيْد بْن وَاقِد ) ‏ ‏هُوَ الدِّمَشْقِيّ , ثِقَة قَلِيل الْحَدِيث , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَكُلّهمْ دِمَشْقِيُّونَ , وَبُسْر بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَبِالْمُهْمَلَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ بُسْر بْن عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الْعَلَاء بْن زَيْد عِنْد الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِير \" حَدَّثَنِي بُسْر بْن عُبَيْد اللَّه حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيس سَأَلْت أَبَا الدَّرْدَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( أَمَّا صَاحِبكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَمَّا صَاحِبك \" بِالْإِفْرَادِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَدْ غَامَرَ ) ‏ ‏بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة أَيْ خَاصَمَ , وَالْمَعْنَى دَخَلَ فِي غَمْرَة الْخُصُومَة , وَالْغَامِر الَّذِي يَرْمِي بِنَفْسِهِ فِي الْأَمْر الْعَظِيم كَالْحَرْبِ وَغَيْره. وَقِيلَ هُوَ مِنْ الْغِمْر بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْحِقْد , أَيْ صَنَعَ أَمْرًا اِقْتَضَى لَهُ أَنْ يَحْقِد عَلَى مَنْ صَنَعَهُ مَعَهُ وَيَحْقِد الْآخَر عَلَيْهِ , وَوَقَعَ فِي تَفْسِير الْأَعْرَاف فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَحْده \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه هُوَ الْمُصَنِّف : غَامَرَ أَيْ سَبَقَ أَيْ سَبَقَ بِالْخَيْرِ \" وَذَكَرَ عِيَاض أَنَّهُ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحْده عَنْ أَبِي ذَرّ , وَهُوَ تَفْسِير مُسْتَغْرَب وَالْأَوَّل أَظْهَر , وَقَدْ عَزَاهُ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ لِأَبِي عُبَيْدَة بْن الْمُثَنَّى أَيْضًا , فَهُوَ سَلَف الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَقَسِيم قَوْله : \" أَمَّا صَاحِبكُمْ \" مَحْذُوف أَيْ وَأَمَّا غَيْره فَلَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَلَّمَ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ اللَّام مِنْ السَّلَام , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن الْمُبَارَك عَنْ صَدَقَة بْن خَالِد عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي الْحِلْيَة \" حَتَّى سَلَّمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقَع فِي الْحَدِيث ذِكْر الرَّدّ وَهُوَ مِمَّا يُحْذَف لِلْعِلْمِ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ بَيْنِي وَبَيْن اِبْن الْخَطَّاب شَيْء ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي التَّفْسِير \" مُحَاوَرَة \" وَهُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة أَيْ مُرَاجَعَة , وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْد أَبِي يَعْلَى \" مُعَاتَبَة \" وَفِي لَفْظ \" مُقَاوَلَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَسْرَعْت إِلَيْهِ ) ‏ ‏فِي التَّفْسِير \" فَأَغْضَبَ أَبُو بَكْر عُمَر فَانْصَرَفَ عَنْهُ مُغْضَبًا فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْر \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ نَدِمْت ) ‏ ‏زَادَ مُحَمَّد بْن الْمُبَارَك \" عَلَى مَا كَانَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَسَأَلْته أَنْ يَغْفِر لِي ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي التَّفْسِير \" أَنْ يَسْتَغْفِر لِي فَلَمْ يَفْعَل حَتَّى أَغْلَقَ بَابه فِي وَجْهه \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَبَى عَلَيَّ ) ‏ ‏زَادَ مُحَمَّد بْن الْمُبَارَك \" فَتَبِعْته إِلَى الْبَقِيع حَتَّى خَرَجَ مِنْ دَاره \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ الْهِسِنْجَانِيّ عَنْ هِشَام بْن عَمَّار \" وَتَحَرَّزَ مِنِّي بِدَارِهِ \" وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ \" فَاعْتَذَرَ أَبُو بَكْر إِلَى عُمَر فَلَمْ يَقْبَل مِنْهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( يَغْفِر اللَّه لَك يَا أَبَا بَكْر ثَلَاثًا ) ‏ ‏أَيْ أَعَادَ هَذِهِ الْكَلِمَة ثَلَاث مَرَّات. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَمَعَّر ) ‏ ‏بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة الْمُشَدَّدَة أَيْ تَذْهَب نَضَارَته مِنْ الْغَضَب , وَأَصْله مِنْ الْعَرّ وَهُوَ الْجَرَب يُقَال أَمْعَرَ الْمَكَان إِذَا أَجْرَبَ , وَفِي بَعْض النُّسَخ \" يَتَمَغَّر \" بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة أَيْ يَحْمَرّ مِنْ الْغَضَب فَصَارَ كَالَّذِي صُبِغَ بِالْمَغْرَةِ , وَلِلْمُؤَلِّفِ فِي التَّفْسِير \" وَغَضِبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْد أَبِي يَعْلَى فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة \" فَجَلَسَ عُمَر فَأَعْرَضَ عَنْهُ - أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ تَحَوَّلَ فَجَلَسَ إِلَى الْجَانِب الْآخَر فَأَعْرَضَ عَنْهُ , ثُمَّ قَامَ فَجَلَسَ بَيْن يَدَيْهِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَا أَرَى إِعْرَاضك إِلَّا لِشَيْءٍ بَلَغَك عَنِّي , فَمَا خَيْر حَيَاتِي وَأَنْتَ مُعْرِض عَنِّي ؟ فَقَالَ : أَنْتَ الَّذِي اِعْتَذَرَ إِلَيْك أَبُو بَكْر فَلَمْ تَقْبَل مِنْهُ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة \" يَسْأَلك أَخُوك أَنْ تَسْتَغْفِر لَهُ فَلَا تَفْعَل \" فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا مِنْ مَرَّة يَسْأَلنِي إِلَّا وَأَنَا أَسْتَغْفِر لَهُ , وَمَا خَلَقَ اللَّه مِنْ أَحَد أَحَبّ إِلَيَّ مِنْهُ بَعْدك. فَقَالَ أَبُو بَكْر : وَأَنَا وَالَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْر ) ‏ ‏زَادَ مُحَمَّد بْن الْمُبَارَك \" أَنْ يَكُون مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عُمَر مَا يَكْرَه \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَثَا ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالْمُثَلَّثَة أَيْ بَرَكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّه أَنَا كُنْت أَظْلَم ) ‏ ‏فِي الْقِصَّة الْمَذْكُورَة \" وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ الَّذِي بَدَأَ \" كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْقِصَّة. ‏ ‏قَوْله : ( مَرَّتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ قَالَ ذَلِكَ الْقَوْل مَرَّتَيْنِ , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ مِنْ قَوْل أَبِي بَكْر فَيَكُون مُعَلَّقًا بِقَوْلِهِ \" كُنْت أَظْلَم \". ‏ ‏قَوْله : ( وَوَاسَانِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْده \" وَاسَانِي \" وَالْأَوَّل أَوْجَه , وَهُوَ مِنْ الْمُوَاسَاة وَهِيَ بِلَفْظِ الْمُفَاعَلَة مِنْ الْجَانِبَيْنِ , وَالْمُرَاد بِهِ أَنَّ صَاحِب الْمَال يَجْعَل يَده وَيَد صَاحِبه فِي مَاله سَوَاء. ‏ ‏قَوْله : ( تَارِكُو لِي صَاحِبِي ) ‏ ‏فِي التَّفْسِير \" تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي \" وَهِيَ الْمُوَجَّهَة حَتَّى قَالَ أَبُو الْبَقَاء : إِنَّ حَذْف النُّون مِنْ خَطَأ الرُّوَاة , لِأَنَّ الْكَلِمَة لَيْسَتْ مُضَافَة وَلَا فِيهَا أَلِف وَلَام , وَإِنَّمَا يَجُوز الْحَذْف فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ. وَوَجَّهَهَا غَيْره بِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون \" صَاحِبِي \" مُضَافًا وَفُصِلَ بَيْن الْمُضَاف إِلَيْهِ بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُور عِنَايَة بِتَقْدِيمِ لَفْظ الْإِضَافَة , وَفِي ذَلِكَ جَمْع بَيْن إِضَافَتَيْنِ إِلَى نَفْسه تَعْظِيمًا لِلصِّدِّيقِ , وَنَظِيره قِرَاءَة اِبْن عَامِر ( وَكَذَلِكَ زَيِّنْ لِلْكَثِيرِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْل أَوْلَادهمْ شُرَكَائِهِمْ ) بِنَصْبِ أَوْلَادهمْ وَخَفْض شُرَكَائِهِمْ وَفَصْل بَيْن الْمُضَافَيْنِ بِالْمَفْعُولِ , وَالثَّانِي أَنْ يَكُون اِسْتَطَالَ الْكَلَام فَحَذَفَ النُّون كَمَا يُحْذَف مِنْ الْمَوْصُول الْمُطَوَّل , وَمِنْهُ مَا ذَكَرُوهُ فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ). ‏ ‏قَوْله : ( مَرَّتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ قَالَ ذَلِكَ الْقَوْل مَرَّتَيْنِ , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن الْمُبَارَك \" ثَلَاث مَرَّات \". ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا أُوذِيَ بَعْدهَا ) ‏ ‏أَيْ لِمَا أَظْهَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ مِنْ تَعْظِيمه , وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ غَيْر رِوَايَة هِشَام بْن عَمَّار , وَوَقَعَ لِأَبِي بَكْر مَعَ رَبِيعَة بْن جَعْفَر قِصَّة نَحْو هَذِهِ : فَأَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ حَدِيث رَبِيعَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ أَرْضًا وَأَعْطَى أَبَا بَكْر أَرْضًا , قَالَ : فَاخْتَلَفَا فِي عَذْق نَخْلَة , فَقُلْت أَنَا : هِيَ فِي حَدِّي , وَقَالَ أَبُو بَكْر : هِيَ فِي حَدِّي , فَكَانَ بَيْننَا كَلَام , فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْر كَلِمَة ثُمَّ نَدِمَ فَقَالَ : رُدَّ عَلَيَّ مِثْلهَا حَتَّى يَكُون قِصَاصًا , فَأَبَيْت فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا لَك وَلِلصِّدِّيقِ - فَذَكَرَ الْقِصَّة - فَقَالَ : أَجَلْ فَلَا تَرُدّ عَلَيْهِ , وَلَكِنْ قُلْ : غَفَرَ اللَّه لَك يَا أَبَا بَكْر , فَقُلْت. فَوَلَّى أَبُو بَكْر وَهُوَ يَبْكِي \". وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد فَضْل أَبِي بَكْر عَلَى جَمِيع الصَّحَابَة , وَأَنَّ الْفَاضِل لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُغَاضِب مَنْ هُوَ أَفْضَل مِنْهُ , وَفِيهِ جَوَاز مَدْح الْمَرْء فِي وَجْهه , وَمَحَلّه إِذَا أُمِنَ عَلَيْهِ الِافْتِتَان وَالِاغْتِرَار. وَفِيهِ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ الْإِنْسَان مِنْ الْبَشَرِيَّة حَتَّى يَحْمِلهُ الْغَضَب عَلَى اِرْتِكَاب خِلَاف الْأَوْلَى , لَكِنْ الْفَاضِل فِي الدِّين يُسْرِع الرُّجُوع إِلَى الْأَوْلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقُوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِف مِنْ الشَّيْطَان تَذَكَّرُوا ) وَفِيهِ أَنَّ غَيْر النَّبِيّ وَلَوْ بَلَغَ مِنْ الْفَضْل الْغَايَة لَيْسَ بِمَعْصُومٍ. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب سُؤَال الِاسْتِغْفَار وَالتَّحَلُّل مِنْ الْمَظْلُوم , وَفِيهِ أَنَّ مَنْ غَضِبَ عَلَى صَاحِبه نَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ جَدّه وَلَمْ يُسَمِّهِ بِاسْمِهِ وَذَلِكَ مِنْ قَوْل أَبِي بَكْر لَمَّا جَاءَ وَهُوَ غَضْبَان مِنْ عُمَر \" كَانَ بَيْنِي وَبَيْن اِبْن الْخَطَّاب \" فَلَمْ يَذْكُرهُ بِاسْمِهِ , وَنَظِيره قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" إِلَّا إِنْ كَانَ اِبْن أَبِي طَالِب يُرِيد أَنْ يَنْكِح اِبْنَتهمْ \" , وَفِيهِ أَنَّ الرُّكْبَة لَيْسَتْ عَوْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3389",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ‏ ‏حَدَّثَنَا عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ ‏ ‏أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقُلْتُ مِنْ الرِّجَالِ فَقَالَ أَبُوهَا قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَعَدَّ رِجَالًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَالِد الْحَذَّاء حَدَّثَنَا ) ‏ ‏هُوَ مِنْ تَقْدِيم الِاسْم عَلَى الصِّفَة وَقَدْ اِسْتَعْمَلُوهُ كَثِيرًا , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ إِلَّا الصَّحَابِيّ , وَأَبُو عُثْمَان هُوَ النَّهْدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَهُ عَلَى جَيْش ذَات السَّلَاسِل ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْمَشْهُور أَنَّهَا بِفَتْحِ الْأُولَى عَلَى لَفْظ جَمْع السِّلْسِلَة , وَضَبَطَهُ كَذَلِكَ أَبُو عُبَيْد الْبَكْرِيّ , قِيلَ سُمِّيَ الْمَكَان بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ بِهِ رَمْل بَعْضه عَلَى بَعْض كَالسِّلْسِلَةِ , وَضَبَطَهَا اِبْن الْأَثِير بِالضَّمِّ , وَقَالَ هُوَ بِمَعْنَى السِّلْسَال أَيْ السَّهْل , وَسَيَأْتِي شَرْحهَا وَتَسْمِيَتهَا فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَيّ النَّاس أَحَبّ إِلَيْك ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة قَيْس بْن أَبِي حَازِم عَنْ عَمْرو بْن الْعَاصِ \" يَا رَسُول اللَّه فَأَحَبَّهُ \" أَخْرَجَهُ اِبْن عَسَاكِر مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ إِسْمَاعِيل عَنْ قَيْس , وَقَعَ عِنْد اِبْن سَعْد سَبَب هَذَا السُّؤَال وَأَنَّهُ وَقَعَ فِي نَفْس عَمْرو لَمَّا أَمَّرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْجَيْش وَفِيهِمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر أَنَّهُ مُقَدَّم عِنْده فِي الْمَنْزِلَة عَلَيْهِمْ فَسَأَلَهُ لِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت مِنْ الرِّجَال ) ‏ ‏فِي رِوَايَة قَيْس بْن أَبِي حَازِم عَنْ عَمْرو عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّانَ \" قُلْت إِنِّي لَسْت أَعْنِي النِّسَاء إِنِّي أَعْنِي الرِّجَال \" وَفِي حَدِيث أَنَس عِنْد اِبْن حِبَّانَ أَيْضًا \" سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَحَبّ النَّاس إِلَيْك ؟ قَالَ : عَائِشَة , قِيلَ لَهُ لَيْسَ عَنْ أَهْلك نَسْأَلك \" وَعُرِفَ بِحَدِيثِ عُمَر اِسْم السَّائِل فِي حَدِيث أَنَس. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ثُمَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب , فَعَدَّ رِجَالًا ) ‏ ‏زَادَ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْه آخَر \" فَسَكَتَ مَخَافَة أَنْ يَجْعَلنِي فِي آخِرهمْ \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن شَقِيق قَالَ : \" قُلْت لِعَائِشَة : أَيّ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَحَبّ إِلَيْهِ ؟ قَالَتْ : أَبُو بَكْر , قُلْت : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَتْ : عُمَر , قُلْت : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَتْ : أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح , قُلْت : ثُمَّ مَنْ ؟ فَسَكَتَتْ \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ فَيُمْكِن أَنْ يُفَسَّر بَعْض الرِّجَال الَّذِي أُبْهِمُوا فِي حَدِيث الْبَاب بِأَبِي عُبَيْدَة , وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير قَالَ : \" اِسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْر عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَمِعَ صَوْت عَائِشَة عَالِيًا وَهِيَ تَقُول : وَاَللَّه لَقَدْ عَلِمْت أَنَّ عَلِيًّا أَحَبّ إِلَيْك مِنْ أَبِي \" الْحَدِيث , فَيَكُون عَلِيّ مِمَّنْ أَبْهَمَهُ عَمْرو بْن الْعَاصِ , وَهُوَ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِر يُعَارِض حَدِيث عَمْرو لَكِنْ يُرَجَّح حَدِيث عَمْرو أَنَّهُ مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مِنْ تَقْرِيره , وَيُمْكِن الْجَمْع بِاخْتِلَافِ جِهَة الْمَحَبَّة : فَيَكُون فِي حَقّ أَبِي بَكْر عَلَى عُمُومه بِخِلَافِ عَلِيّ , وَيَصِحّ حِينَئِذٍ دُخُوله فِيمَنْ أَبْهَمَهُ عَمْرو , وَمَعَاذ اللَّه أَنْ نَقُول كَمَا تَقُول الرَّافِضَة مِنْ إِبْهَام عَمْرو فِيمَا رَوَى لِمَا كَانَ بَيْنه وَبَيْن عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا , فَقَدْ كَانَ النُّعْمَان مَعَ مُعَاوِيَة عَلَى عَلِيّ وَلَمْ يَمْنَعهُ ذَلِكَ مِنْ التَّحْدِيث بِمَنْقَبَةِ عَلِيّ , وَلَا اِرْتِيَاب فِي أَنَّ عَمْرًا أَفْضَل مِنْ النُّعْمَان , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3390",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَيْنَمَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً فَطَلَبَهُ ‏ ‏الرَّاعِي ‏ ‏فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ مَنْ لَهَا ‏ ‏يَوْمَ السَّبُعِ ‏ ‏يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي وَبَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَكَلَّمَتْهُ فَقَالَتْ إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا وَلَكِنِّي خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ قَالَ النَّاسُ سُبْحَانَ اللَّهِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة الذِّئْب الَّذِي كَلَّمَ الرَّاعِي , وَفِي قِصَّة الْبَقَرَة الَّتِي كَلَّمَتْ مَنْ حَمَّلَهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَا فِي إِسْنَاده فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَمَا رَاعٍ فِي غَنَمه عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْب ) ‏ ‏الْحَدِيث لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذَا الرَّاعِي , وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف الْحَدِيث فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل , وَهُوَ مُشْعِر بِأَنَّهُ عِنْده مِمَّنْ كَانَ قَبْل الْإِسْلَام , وَقَدْ وَقَعَ كَلَام الذِّئْب لِبَعْضِ الصَّحَابَة فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة , فَرَوَى أَبُو نُعَيْم فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق رَبِيعَة بْن أَوْس عَنْ أُنَيْس بْن عَمْرو عَنْ أُهْبَان بْن أَوْس قَالَ : \" كُنْت فِي غَنَم لِي , فَشَدَّ الذِّئْب عَلَى شَاة مِنْهَا , فَصِحْت عَلَيْهِ فَأَقْعَى الذِّئْب عَلَى ذَنَبه يُخَاطِبنِي وَقَالَ : مَنْ لَهَا يَوْم تَشْتَغِل عَنْهَا ؟ تَمْنَعنِي رِزْقًا رَزَقَنِيهِ اللَّه تَعَالَى , فَصَفَّقْت بِيَدِي وَقُلْت : وَاَللَّه مَا رَأَيْت شَيْئًا أَعْجَبَ مِنْ هَذَا , فَقَالَ : أَعْجَب مِنْ هَذَا , هَذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن هَذِهِ النَّخَلَات يَدْعُو إِلَى اللَّه , قَالَ فَأَتَى أُهْبَان إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ وَأَسْلَمَ \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أُهْبَان لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ كَانَ أَبُو بَكْر وَعُمَر حَاضِرَيْنِ , ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ وَأَبُو بَكْر وَعُمَر غَائِبَيْنِ , فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَإِنِّي أُومِن بِذَلِكَ وَأَبُو بَكْر وَعُمَر \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي سَلَمَة فِي الْمُزَارَعَة وَفِيهِ : \" قَالَ أَبُو سَلَمَة : وَمَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِي الْقَوْم \" أَيْ عِنْد حِكَايَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا اِطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ غَلَبَة صِدْق إِيمَانهمَا وَقُوَّة يَقِينهمَا , وَهَذَا أَلْيَق بِدُخُولِهِ فِي مَنَاقِبهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( يَوْم السَّبُع ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : يَجُوز ضَمّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُونهَا , إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَة بِالضَّمِّ , وَقَالَ الْحَرْبِيّ : هُوَ بِالضَّمِّ وَالسُّكُون وَجَزَمَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْحَيَوَان الْمَعْرُوف , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هُوَ بِالْإِسْكَانِ وَالضَّمّ تَصْحِيف , كَذَا قَالَ , وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : هُوَ بِالسُّكُونِ وَالْمُحَدِّثُونَ يَرْوُونَهُ بِالضَّمِّ وَعَلَى هَذَا - أَيْ الضَّمّ - فَالْمَعْنَى إِذَا أَخَذَهَا السَّبُع لَمْ يَقْدِر عَلَى خَلَاصهَا مِنْهُ فَلَا يَرْعَاهَا حِينَئِذٍ غَيْرِي , أَيْ إِنَّك تَهْرُب مِنْهُ وَأَكُون أَنَا قَرِيبًا مِنْهُ أَرْعَى مَا يَفْضُل لِي مِنْهَا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ مَنْ لَهَا يَوْم يَطْرُقهَا السَّبُع - أَيْ الْأَسَد - فَتَفِرّ أَنْتَ مِنْهُ فَيَأْخُذ مِنْهَا حَاجَته وَأَتَخَلَّف أَنَا لَا رَاعِي لَهَا حِينَئِذٍ غَيْرِي , وَقِيلَ : إِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ عِنْد الِاشْتِغَال بِالْفِتَنِ فَتَصِير الْغَنَم هَمَلًا فَتَنْهَبهَا السِّبَاع فَيَصِير الذِّئْب كَالرَّاعِي لَهَا لِانْفِرَادِهِ بِهَا. وَأَمَّا بِالسُّكُونِ فَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِهِ فَقِيلَ : هُوَ اِسْم الْمَوْضِع الَّذِي يَقَع فِيهِ الْحَشْر يَوْم الْقِيَامَة , وَهَذَا نَقَلَهُ الْأَزْهَرِيّ فِي \" تَهْذِيب اللُّغَة \" عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَلْقَمَة عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" يَوْم الْقِيَامَة \" وَقَدْ تُعُقِّبَ هَذَا بِأَنَّ الذِّئْب حِينَئِذٍ لَا يَكُون رَاعِيًا لِلْغَنَمِ وَلَا تَعَلُّق لَهُ بِهَا , وَقِيلَ : هُوَ اِسْم يَوْم عِيد كَانَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة يَشْتَغِلُونَ فِيهِ بِاللَّهْوِ وَاللَّعِب فَيَغْفُل الرَّاعِي عَنْ غَنَمه فَيَتَمَكَّن الذِّئْب مِنْ الْغَنَم , وَإِنَّمَا قَالَ : \" لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي \" مُبَالَغَة فِي تَمَكُّنه مِنْهَا , وَهَذَا نَقَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , وَقِيلَ : هُوَ مِنْ سَبَعْت الرَّجُل إِذَا ذَعَرْته , أَيْ مَنْ لَهَا يَوْم الْفَزَع ؟ أَوْ مَنْ أَسْبَعْته إِذَا أَهْمَلْته , أَيْ مَنْ لَهَا يَوْم الْإِهْمَال. قَالَ الْأَصْمَعِيّ : السَّبْع الْهَمَل , وَأَسْبَعَ الرَّجُل أَغْنَامه إِذَا تَرَكَهَا تَصْنَع مَا تَشَاء , وَرَجَّحَ هَذَا الْقَوْل النَّوَوِيّ. وَقِيلَ : يَوْم الْأَكْل , يُقَال سَبَعَ الذِّئْب الشَّاة إِذَا أَكَلَهَا. وَحَكَى صَاحِب \" الْمَطَالِع \" أَنَّهُ رُوِيَ بِسُكُونِ التَّحْتَانِيَّة آخِر الْحُرُوف وَفَسَّرَهُ بِيَوْمِ الضَّيَاع , يُقَال أَسْيَعْت وَأَضْيَعْت بِمَعْنًى , وَهَذَا نَقَلَهُ اِبْن دِحْيَة عَنْ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْ مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِيَوْمِ السَّبْع يَوْم الشِّدَّة كَمَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَة فَقَالَ : أَجْرَأ مِنْ سَبْع , يُرِيد أَنَّهَا مِنْ الْمَسَائِل الشِّدَاد الَّتِي يَشْتَدّ فِيهَا الْخَطْب عَلَى الْمُفْتِي , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَيْنَمَا رَجُل يَسُوق بَقَرَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْمُزَارَعَة , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي آخِره فِي الْقِصَّتَيْنِ \" فَقَالَ النَّاس آمَنَّا بِمَا آمَنَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي الْحَدِيث جَوَاز التَّعَجُّب مِنْ خَوَارِق الْعَادَات , وَتَفَاوُت النَّاس فِي الْمَعَارِف. ‏"
    },
    {
        "id": "3391",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى ‏ ‏قَلِيبٍ ‏ ‏عَلَيْهَا دَلْوٌ فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَخَذَهَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ‏ ‏فَنَزَعَ بِهَا ‏ ‏ذَنُوبًا ‏ ‏أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ ثُمَّ ‏ ‏اسْتَحَالَتْ غَرْبًا ‏ ‏فَأَخَذَهَا ‏ ‏ابْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنْ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏حَتَّى ‏ ‏ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي رُؤْيَا النَّزْع مِنْ الْقَلِيب , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي التَّعْبِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3392",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ ‏ ‏خُيَلَاءَ ‏ ‏لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ ‏ ‏خُيَلَاءَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِسَالِمٍ ‏ ‏أَذَكَرَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ قَالَ لَمْ أَسْمَعْهُ ذَكَرَ إِلَّا ثَوْبَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الزَّجْر عَنْ جَرّ الثَّوْب خُيَلَاء , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب اللِّبَاس , وَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِأَبِي بَكْر لِشُحِّهِ عَلَى دِينه , وَلِشَهَادَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يُنَافِي مَا يَكْرَه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لِسَالِمٍ ) ‏ ‏هُوَ مَقُولَة مُوسَى بْن عُقْبَة , وَسَيَأْتِي هُنَاكَ الْإِشَارَة إِلَى تَسْوِيَة اِبْن عُمَر بَيْن الثَّوْب وَالْإِزَار فِي الْحُكْم. ‏"
    },
    {
        "id": "3393",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ ‏ ‏يَعْنِي الْجَنَّةَ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصِّيَامِ وَبَابِ الرَّيَّانِ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مَا عَلَى هَذَا الَّذِي يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ وَقَالَ هَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِيمَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ أَيْ شَيْئَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ شَيْء مِنْ الْأَشْيَاء ) ‏ ‏أَيْ مِنْ أَصْنَاف الْمَال. ‏ ‏قَوْله : ( فِي سَبِيل اللَّه ) ‏ ‏أَيْ فِي طَلَب ثَوَاب اللَّه , وَهُوَ أَعَمّ مِنْ الْجِهَاد وَغَيْره مِنْ الْعِبَادَات. ‏ ‏قَوْله : ( دُعِيَ مِنْ أَبْوَاب يَعْنِي الْجَنَّة ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا وَكَأَنَّ لَفْظَة \" الْجَنَّة \" سَقَطَتْ مِنْ بَعْض الرُّوَاة فَلِأَجْلِ مُرَاعَاة الْمُحَافَظَة عَلَى اللَّفْظ زَادَ \" يَعْنِي \" , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصِّيَام مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيّ بِلَفْظِ \" مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة \" بِغَيْرِ تَرَدُّد. وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ كُلّ عَامِل يُدْعَى مِنْ بَاب ذَلِكَ الْعَمَل , وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" لِكُلِّ عَامِل بَاب مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة يُدْعَى مِنْهُ بِذَلِكَ الْعَمَل \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( يَا عَبْد اللَّه هَذَا خَيْر ) ‏ ‏لَفْظ \" خَيْر \" بِمَعْنَى فَاضِل لَا بِمَعْنَى أَفْضَل وَإِنْ كَانَ اللَّفْظ قَدْ يُوهِم ذَلِكَ , فَفَائِدَته زِيَادَة تَرْغِيب السَّامِع فِي طَلَب الدُّخُول مِنْ ذَلِكَ الْبَاب , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْجِهَاد بَيَان الدَّاعِي مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَفْظه \" دَعَاهُ خَزَنَة الْجَنَّة كُلّ خَزَنَة بَاب \" أَيْ خَزَنَة كُلّ بَاب \" أَيْ فُلُ هَلُمَّ \" , وَلَفْظَة \" فُلُ \" لُغَة فِي فُلَان , وَهِيَ بِالضَّمِّ , وَكَذَا ثَبَتَ فِي الرِّوَايَة , وَقِيلَ إِنَّهَا تَرْخِيمهَا فَعَلَى هَذَا فَتُفْتَح اللَّام. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الصَّلَاة دُعِيَ مِنْ بَاب الصَّلَاة ) ‏ ‏وَقَعَ فِي الْحَدِيث ذِكْر أَرْبَعَة أَبْوَاب مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْجِهَاد \" وَإِنَّ أَبْوَاب الْجَنَّة ثَمَانِيَة \" وَبَقِيَ مِنْ الْأَرْكَان الْحَجّ فَلَهُ بَاب بِلَا شَكّ , وَأَمَّا الثَّلَاثَة الْأُخْرَى فَمِنْهَا بَاب الْكَاظِمِينَ الْغَيْظ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاس رَوَاهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ رَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ أَشْعَث عَنْ الْحَسَن مُرْسَلًا \" إِنَّ لِلَّهِ بَابًا فِي الْجَنَّة لَا يَدْخُلهُ إِلَّا مَنْ عَفَا عَنْ مَظْلِمَة \" وَمِنْهَا الْبَاب الْأَيْمَن وَهُوَ بَاب الْمُتَوَكِّلِينَ الَّذِي يَدْخُل مِنْهُ مَنْ لَا حِسَاب عَلَيْهِ وَلَا عَذَاب , وَأَمَّا الثَّالِث فَلَعَلَّهُ بَاب الذِّكْر فَإِنَّ عِنْد التِّرْمِذِيّ مَا يُومِئ إِلَيْهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بَاب الْعِلْم وَاَللَّه أَعْلَم , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِالْأَبْوَابِ الَّتِي يُدْعَى مِنْهَا أَبْوَاب مِنْ دَاخِل أَبْوَاب الْجَنَّة الْأَصْلِيَّة لِأَنَّ الْأَعْمَال الصَّالِحَة أَكْثَر عَدَدًا مِنْ ثَمَانِيَة , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَبُو بَكْر مَا عَلَى هَذَا الَّذِي يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَاب مِنْ ضَرُورَة ) ‏ ‏زَادَ فِي الصِّيَام \" فَهَلْ يُدْعَى أَحَد مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَاب كُلّهَا \" وَفِي الْحَدِيث إِشْعَار بِقِلَّةِ مَنْ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَاب كُلّهَا , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمُرَاد مَا يُتَطَوَّع بِهِ مِنْ الْأَعْمَال الْمَذْكُورَة لَا وَاجِبَاتهَا لِكَثْرَةِ مَنْ يَجْتَمِع لَهُ الْعَمَل بِالْوَاجِبَاتِ كُلّهَا , بِخِلَافِ التَّطَوُّعَات فَقَلَّ مَنْ يَجْتَمِع لَهُ الْعَمَل بِجَمِيعِ أَنْوَاع التَّطَوُّعَات , ثُمَّ مَنْ يَجْتَمِع لَهُ ذَلِكَ إِنَّمَا يُدْعَى مِنْ جَمِيع الْأَبْوَاب عَلَى سَبِيل التَّكْرِيم لَهُ , وَإِلَّا فَدُخُوله إِنَّمَا يَكُون مِنْ بَاب وَاحِد , وَلَعَلَّهُ بَاب الْعَمَل الَّذِي يَكُون أَغْلَب عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ عُمَر \" مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَاب الْجَنَّة يَدْخُل مِنْ أَيّهَا شَاءَ \" فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِره أَنَّهُ يُعَارِضهُ , لِأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّهَا تُفْتَح لَهُ عَلَى سَبِيل التَّكْرِيم , ثُمَّ عِنْد دُخُوله لَا يَدْخُل إِلَّا مِنْ بَاب الْعِلْم الَّذِي يَكُون أَغْلَب عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏الْإِنْفَاق فِي الصَّلَاة وَالْجِهَاد وَالْعِلْم وَالْحَجّ ظَاهِر , وَأَمَّا الْإِنْفَاق فِي غَيْرهَا فَمُشْكِل , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْإِنْفَاقِ فِي الصَّلَاة فِيمَا يَتَعَلَّق بِوَسَائِلِهَا مِنْ تَحْصِيل آلَاتهَا مِنْ طَهَارَة وَتَطْهِير ثَوْب وَبَدَن وَمَكَان , وَالْإِنْفَاق فِي الصِّيَام بِمَا يُقَوِّيه عَلَى فِعْله وَخُلُوص الْقَصْد فِيهِ , وَالْإِنْفَاق فِي الْعَفْو عَنْ النَّاس يُمْكِن أَنْ يَقَع بِتَرْكِ مَا يَجِب لَهُ مِنْ حَقّ , وَالْإِنْفَاق فِي التَّوَكُّل بِمَا يُنْفِقهُ عَلَى نَفْسه فِي مَرَضه الْمَانِع لَهُ مِنْ التَّصَرُّف فِي طَلَب الْمَعَاش مَعَ الصَّبْر عَلَى الْمُصِيبَة , أَوْ يُنْفِق عَلَى مَنْ أَصَابَهُ مِثْل ذَلِكَ طَلَبًا لِلثَّوَابِ , وَالْإِنْفَاق فِي الذِّكْر عَلَى نَحْو مِنْ ذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْإِنْفَاقِ فِي الصَّلَاة وَالصِّيَام بَذْل النَّفْس فِيهِمَا , فَإِنَّ الْعَرَب تُسَمِّي مَا يَبْذُلهُ الْمَرْء مِنْ نَفْسه نَفَقَة كَمَا يُقَال أَنْفَقْت فِي طَلَب الْعِلْم عُمْرِي وَبَذَلْت فِيهِ نَفْسِي , وَهَذَا مَعْنًى حَسَن. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : زَوْجَيْنِ النَّفْس وَالْمَال لِأَنَّ الْمَال فِي الصَّلَاة وَالصِّيَام وَنَحْوهمَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ إِلَّا بِالتَّأْوِيلِ الْمُتَقَدِّم , وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ النَّفَقَة فِي الصِّيَام تَقَع بِتَفْطِيرِ الصَّائِم وَالْإِنْفَاق عَلَيْهِ , لِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِع إِلَى بَاب الصَّدَقَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَرْجُو أَنْ تَكُون مِنْهُمْ ) ‏ ‏قَالَ الْعُلَمَاء : الرَّجَاء مِنْ اللَّه وَمِنْ نَبِيّه وَاقِع , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَدْخُل الْحَدِيث فِي فَضَائِل أَبِي بَكْر. وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن حِبَّانَ فِي نَحْو هَذَا الْحَدِيث التَّصْرِيح بِالْوُقُوعِ لِأَبِي بَكْر وَلَفْظه \" قَالَ أَجَلْ وَأَنْتَ هُوَ يَا أَبَا بَكْر \" وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَنَّ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْء عُرِفَ بِهِ , وَأَنَّ أَعْمَال الْبَرّ قَلَّ أَنْ تَجْتَمِع جَمِيعهَا لِشَخْصٍ وَاحِد عَلَى السَّوَاء , وَأَنَّ الْمَلَائِكَة يُحِبُّونَ صَالِحِي بَنِي آدَم وَيَفْرَحُونَ بِهِمْ , فَإِنَّ الْإِنْفَاق كُلَّمَا كَانَ أَكْثَر كَانَ أَفْضَل , وَأَنَّ تَمَنِّي الْخَيْر فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مَطْلُوب. ‏"
    },
    {
        "id": "3394",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَاتَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏بِالسُّنْحِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏بِالْعَالِيَةِ ‏ ‏فَقَامَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَقُولُ وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ وَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ فَجَاءَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَبَّلَهُ قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ أَيُّهَا الْحَالِفُ ‏ ‏عَلَى رِسْلِكَ ‏ ‏فَلَمَّا تَكَلَّمَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏جَلَسَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَحَمِدَ اللَّهَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ وَقَالَ ‏ { ‏إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ‏} ‏وَقَالَ ‏ { ‏وَمَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى ‏ ‏أَعْقَابِكُمْ ‏ ‏وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى ‏ ‏عَقِبَيْهِ ‏ ‏فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏فَنَشَجَ ‏ ‏النَّاسُ يَبْكُونَ قَالَ وَاجْتَمَعَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ‏ ‏فِي ‏ ‏سَقِيفَةِ ‏ ‏بَنِي سَاعِدَةَ ‏ ‏فَقَالُوا مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ‏ ‏فَذَهَبَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَتَكَلَّمُ فَأَسْكَتَهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَقُولُ وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنِّي قَدْ هَيَّأْتُ كَلَامًا قَدْ أَعْجَبَنِي خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْلُغَهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏ثُمَّ تَكَلَّمَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَتَكَلَّمَ أَبْلَغَ النَّاسِ فَقَالَ فِي كَلَامِهِ نَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمْ الْوُزَرَاءُ فَقَالَ ‏ ‏حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏لَا وَلَكِنَّا الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمْ الْوُزَرَاءُ هُمْ أَوْسَطُ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏دَارًا وَأَعْرَبُهُمْ أَحْسَابًا ‏ ‏فَبَايِعُوا ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏بَلْ ‏ ‏نُبَايِعُكَ ‏ ‏أَنْتَ فَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخَذَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏بِيَدِهِ ‏ ‏فَبَايَعَهُ ‏ ‏وَبَايَعَهُ ‏ ‏النَّاسُ فَقَالَ قَائِلٌ قَتَلْتُمْ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏قَتَلَهُ اللَّهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّبَيْدِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏الْقَاسِمُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏شَخَصَ ‏ ‏بَصَرُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى ثَلَاثًا وَقَصَّ الْحَدِيثَ قَالَتْ فَمَا كَانَتْ مِنْ خُطْبَتِهِمَا مِنْ خُطْبَةٍ إِلَّا نَفَعَ اللَّهُ بِهَا لَقَدْ خَوَّفَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏النَّاسَ وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا فَرَدَّهُمْ اللَّهُ بِذَلِكَ ثُمَّ لَقَدْ بَصَّرَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏النَّاسَ الْهُدَى وَعَرَّفَهُمْ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ وَخَرَجُوا بِهِ يَتْلُونَ ‏ { ‏وَمَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الشَّاكِرِينَ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي الْوَفَاة وَقِصَّة السَّقِيفَة , وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِالْوَفَاةِ فِي مَكَانهَا فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي , وَأَمَّا السَّقِيفَة فَتَتَضَمَّن بَيْعَة أَبِي بَكْر بِالْخِلَافَةِ , وَقَدْ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّف أَيْضًا مِنْ طَرِيق اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر فِي الْحُدُود , وَذَكَرَ شَيْئًا مِنْهَا فِي الْأَحْكَام مِنْ طَرِيق أَنَس عَنْ عُمَر أَيْضًا , وَأَتَمّهَا رِوَايَة اِبْن عَبَّاس , وَسَأَذْكُرُ هُنَا مَا فِيهَا مِنْ فَائِدَة زَائِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر بِالسُّنْحِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطه فِي أَوَّل الْجَنَائِز وَأَنَّهُ بِسُكُونِ النُّون , وَضَبَطَهُ أَبُو عُبَيْد الْبَكْرِيّ بِضَمِّهَا وَقَالَ : إِنَّهُ مَنَازِل بَنِي الْحَارِث مِنْ الْخَزْرَج بِالْعَوَالِي , وَبَيْنه وَبَيْن الْمَسْجِد النَّبَوِيّ مِيل. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ شَيْخ الْمُصَنِّف فِيهِ وَهُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَقَوْله : \" يَعْنِي بِالْعَالِيَةِ \" أَرَادَ تَفْسِير قَوْل عَائِشَة بِالسُّنْحِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا كَانَ يَقَع فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ ) ‏ ‏يَعْنِي عَدَم مَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ , وَقَدْ ذَكَرَ عُمَر مُسْتَنَده فِي ذَلِكَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي مَوْضِعه. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُذِيقك اللَّه الْمَوْتَتَيْنِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل الْجَنَائِز , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَنْكَرَ الْحَيَاة فِي الْقَبْر , وَأُجِيبَ عَنْ أَهْل السُّنَّة الْمُثْبِتِينَ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَاد نَفْي الْمَوْت اللَّازِم مِنْ الَّذِي أَثْبَتَهُ عُمَر بِقَوْلِهِ \" وَلَيَبْعَثهُ اللَّه فِي الدُّنْيَا لِيَقْطَع أَيْدِي الْقَائِلِينَ بِمَوْتِهِ \" وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّض لِمَا يَقَع فِي الْبَرْزَخ , وَأَحْسَن مِنْ هَذَا الْجَوَاب أَنْ يُقَال : إِنَّ حَيَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَبْر لَا يَعْقُبهَا مَوْت بَلْ يَسْتَمِرّ حَيًّا , وَالْأَنْبِيَاء أَحْيَاء فِي قُبُورهمْ , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْحِكْمَة فِي تَعْرِيف الْمَوْتَتَيْنِ حَيْثُ قَالَ لَا يُذِيقك اللَّه الْمَوْتَتَيْنِ أَيْ الْمَعْرُوفَتَيْنِ الْمَشْهُورَتَيْنِ الْوَاقِعَتَيْنِ لِكُلِّ أَحَد غَيْر الْأَنْبِيَاء , وَأَمَّا وُقُوع الْحَلِف مِنْ عُمَر عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَبَنَاهُ عَلَى ظَنّه الَّذِي أَدَّاهُ إِلَيْهِ اِجْتِهَاده , وَفِيهِ بَيَان رُجْحَان عِلْم أَبِي بَكْر عَلَى عُمَر فَمَنْ دُونه , وَكَذَلِكَ رُجْحَانه عَلَيْهِمْ لِثَبَاتِهِ فِي مِثْل ذَلِكَ الْأَمْر الْعَظِيم. ‏ ‏قَوْله : ( أَيّهَا الْحَالِف عَلَى رِسْلك ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء أَيْ هِينَتك وَلَا تَسْتَعْجِل , وَتَقَدَّمَ فِي الطَّرِيق الَّذِي بِالْجَنَائِزِ أَنَّ أَبَا بَكْر خَرَجَ وَعُمَر يُكَلِّم النَّاس فَقَالَ : اِجْلِسْ , فَأَبَى , فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْر , فَمَالَ النَّاس إِلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَر. وَقَدْ اِعْتَذَرَ عُمَر عَنْ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب الِاسْتِخْلَاف \" مِنْ كِتَاب الْأَحْكَام. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَشِجَ النَّاس ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْمُعْجَمَة بَعْدهَا جِيم أَيْ بَكَوْا بِغَيْرِ اِنْتِحَاب , وَالنَّشْج مَا يَعْرِض فِي حَلْق الْبَاكِي مِنْ الْغُصَّة , وَقِيلَ : هُوَ صَوْت مَعَهُ تَرْجِيع كَمَا يُرَدِّد الصَّبِيّ بُكَاءَهُ فِي صَدْره. ‏ ‏قَوْله : ( وَاجْتَمَعَتْ الْأَنْصَار إِلَى سَعْد بْن عُبَادَةَ فِي سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَة ) ‏ ‏هُوَ سَعْد بْن عُبَادَةَ بْن دُلَيْم بْن حَارِثَة الْخَزْرَجِيّ ثُمَّ السَّاعِدِيّ , وَكَانَ كَبِير الْخَزْرَج فِي ذَلِكَ الْوَقْت. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِي آخِر السِّيرَة أَنَّ أُسَيْد بْن حُضَيْر فِي بَنِي عَبْد الْأَشْهَل اِنْحَازُوا إِلَى أَبِي بَكْر وَمَنْ مَعَهُ وَهَؤُلَاءِ مِنْ الْأَوْس. وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر \" تَخَلَّفَتْ عَنَّا الْأَنْصَار بِأَجْمَعِهَا فِي سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَة \" فَيُجْمَع بِأَنَّهُمْ اِجْتَمَعُوا أَوَّلًا ثُمَّ اِفْتَرَقُوا , وَذَلِكَ أَنَّ الْخَزْرَج وَالْأَوْس كَانُوا فَرِيقَيْنِ , وَكَانَ بَيْنهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة مِنْ الْحُرُوب مَا هُوَ مَشْهُور , فَزَالَ ذَلِكَ بِالْإِسْلَامِ وَبَقِيَ مِنْ ذَلِكَ شَيْء فِي النُّفُوس , فَكَأَنَّهُمْ اِجْتَمَعُوا أَوَّلًا , فَلَمَّا رَأَى أُسَيْد وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْأَوْس أَبَا بَكْر وَمَنْ مَعَهُ اِفْتَرَقُوا مِنْ الْخَزْرَج إِيثَارًا لِتَأْمِيرِ الْمُهَاجِرِينَ عَلَيْهِمْ دُون الْخَزْرَج. وَفِيهِ أَنَّ عَلِيًّا وَالزُّبَيْر وَمَنْ كَانَ مَعَهُمَا تَخَلَّفُوا فِي بَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق وَعُمَر بْن الْخَطَّاب وَأَبُو عُبَيْدَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُورَة \" فَقُلْت لَهُ : يَا أَبَا بَكْر اِنْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَاننَا مِنْ الْأَنْصَار \" وَزَادَ أَبُو يَعْلَى مِنْ رِوَايَة مَالِك عَنْ الزُّهْرِيّ فِيهِ \" فَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي مَنْزِل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَجُل يُنَادِي مِنْ وَرَاء الْجِدَار أَنْ اُخْرُجْ إِلَيَّ يَا اِبْن الْخَطَّاب , فَقُلْت : إِلَيْك عَنِّي فَإِنَّا عَنْك مَشَاغِيل يَعْنِي بِأَمْرِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ لَهُ : إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْر , فَإِنَّ الْأَنْصَار اِجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَة فَأَدْرِكُوهُمْ قَبْل أَنْ يُحْدِثُوا أَمْرًا يَكُون فِيهِ حَرْب. فَقُلْت لِأَبِي بَكْر : اِنْطَلِقْ - فَذَكَرَهُ - قَالَ فَانْطَلَقْنَا نَؤُمّهُمْ حَتَّى لَقِيَنَا رَجُلَانِ صَالِحَانِ فَقَالَا : لَا عَلَيْكُمْ أَلَا تَقْرَبُوهُمْ , وَاقْضُوا أَمْركُمْ. قَالَ فَقُلْت : وَاَللَّه لِآتِيَنهمْ , فَانْطَلَقْنَا , فَإِذَا بَيْن ظَهْرَانِيهِم رَجُل مُزَمَّل , فَقُلْت : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : \" سَعْد بْن عُبَادَةَ \" وَذَكَرَ فِي آخِر الْحَدِيث عَنْ عُرْوَة أَنَّ الرَّجُلَيْنِ الَّذِينَ لَقِيَاهُمْ هُمَا عُوَيْم بْن سَاعِدَة بْن عَبَّاس بْن قَيْس بْن النُّعْمَان مِنْ بَنِي مَالِك بْن عَوْف , وَمَعْن بْن عَدِيّ بْن الْجَعْد بْن الْعَجْلَان حَلِيفهمْ وَهُمَا مِنْ الْأَوْس أَيْضًا وَكَذَا وَقَعَتْ تَسْمِيَتهمَا فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيّ , أَخْرَجَهُ الزُّبَيْر بْن بَكَّار. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَهَبَ عُمَر يَتَكَلَّم , فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْر إِلَخْ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس \" قَالَ عُمَر : أَرَدْت أَنْ أَتَكَلَّم , وَقَدْ كُنْت زَوَّرْت - أَيْ هَيَّأْت وَحَسَّنْت - مَقَالَة أَعْجَبَتْنِي أُرِيدَ أَنْ أُقَدِّمهَا بَيْن يَدَيْ أَبِي بَكْر , وَكُنْت أُدَارِي مِنْهُ بَعْض الْحَدّ - أَيْ الْحِدَة - فَقَالَ : عَلَى رِسْلك , فَكَرِهْت أَنْ أُغْضِبهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْر فَتَكَلَّمَ أَبْلَغَ النَّاس ) ‏ ‏بِنَصْبِ أَبْلَغَ عَلَى الْحَال , وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى الْفَاعِلِيَّة , أَيْ تَكَلَّمَ رَجُل هَذِهِ صِفَته. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ النَّصْب أَوْجَه لِيَكُونَ تَأْكِيدًا لِمَدْحِهِ وَصَرْف الْوَهْم عَنْ أَنْ يَكُون أَحَد مَوْصُوفًا بِذَلِكَ غَيْره. وَفِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" قَالَ عُمَر : وَاَللَّه مَا تَرَكَ كَلِمَة أَعْجَبَتْنِي فِي تَزْوِيرِي إِلَّا قَالَهَا فِي بَدِيهَته وَأَفْضَل حَتَّى سَكَتَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ فِي كَلَامه ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن بَيَان مَا قَالَ فِي رِوَايَته \" فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْر فَلَمْ يَتْرُك شَيْئًا أُنْزِلَ فِي الْأَنْصَار وَلَا ذَكَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَأْنهمْ إِلَّا ذَكَرَهُ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس بَيَان بَعْض ذَلِكَ الْكَلَام وَهُوَ \" أَمَّا بَعْد فَمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ خَيْر فَأَنْتُمْ أَهْله , وَلَنْ تَعْرِف الْعَرَب هَذَا الْأَمْر إِلَّا لِهَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْش , وَهُمْ أَوْسَط الْعَرَب نَسَبًا وَدَارًا \" وَعَرَفَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ بَعْد فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" هُمْ أَوْسَط الْعَرَب دَارًا وَأَعْرَبهمْ أَحْسَابًا \" وَالْمُرَاد بِالدَّارِ مَكَّة , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ أَرَادَ بِالدَّارِ أَهْل الدَّار وَمِنْهُ قَوْله : \" خَيْر دُور الْأَنْصَار بَنُو النَّجَّار \" وَقَوْله : \" أَحْسَابًا \" الْحَسَب الْفِعَال الْحِسَان مَأْخُوذ مِنْ الْحِسَاب إِذَا عَدُّوا مَنَاقِبهمْ , فَمَنْ كَانَ أَكْثَر كَانَ أَعْظَم حَسَبًا , وَيُقَال النَّسَب لِلْآبَاءِ وَالْحَسَب لِلْأَفْعَالِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ حُبَاب ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَة ‏ ‏( اِبْن الْمُنْذِر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَمْرو بْن الْجَمُوح الْخَزْرَجِيّ ثُمَّ السَّلَمِيّ بِفَتْحَتَيْنِ , وَكَانَ يُقَال لَهُ ذُو الرَّأْي. ‏ ‏قَوْله : ( لَا وَاَللَّه لَا نَفْعَل , مِنَّا أَمِير وَمِنْكُمْ أَمِير ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : \" أَنَا جُدَيْلُهَا الْمُحَكَّك , وَعُذَيْقهَا الْمُرَجَّب \" وَشَرْح هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ أَنَّ الْعُذَيْق بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة تَصْغِير عَذْق وَهُوَ النَّخْلَة , وَالْمُرَجَّب بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَة أَيْ يُدَعِّم النَّخْلَة إِذَا كَثُرَ حَمْلهَا , وَالْجُدَيْل بِالتَّصْغِيرِ أَيْضًا وَبِالْجِيمِ , وَالْجَدَل عُود يُنْصَب لِلْإِبِلِ الْجَرْبَاء لِتَحْتَكّ فِيهِ , وَالْمُحَكَّك بِكَافَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَة فَأَرَادَ أَنَّهُ يُسْتَشْفَى بِرَأْيِهِ. وَوَقَعَ عِنْد اِبْن سَعْد مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد \" فَقَامَ حُبَاب بْن الْمُنْذِر وَكَانَ بَدْرِيًّا فَقَالَ : مِنَّا أَمِير وَمِنْكُمْ أَمِير , فَإِنَّا وَاَللَّه مَا نَنْفَس عَلَيْكُمْ هَذَا الْأَمْر , وَلَكِنَّا نَخَاف أَنْ يَلِيه أَقْوَام قَتَلْنَا آبَاءَهُمْ وَإِخْوَتهمْ. قَالَ فَقَالَ لَهُ عُمَر : إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَمُتْ إِنْ اِسْتَطَعْت. قَالَ فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْر فَقَالَ : نَحْنُ الْأُمَرَاء وَأَنْتُمْ الْوُزَرَاء , وَهَذَا الْأَمْر بَيْننَا وَبَيْنكُمْ. قَالَ فَبَايَعَ النَّاس وَأَوَّلهمْ بَشِير بْن سَعْد وَالِد النُّعْمَان \" وَعِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد \" فَقَامَ خَطِيب الْأَنْصَار فَقَالَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اِسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَهُ بِرَجُلٍ مِنَّا , فَتَبَايَعُوا عَلَى ذَلِكَ. فَقَامَ زَيْد بْن ثَابِت فَقَالَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّمَا الْإِمَام مِنْ الْمُهَاجِرِينَ , فَنَحْنُ أَنْصَار اللَّه كَمَا كُنَّا أَنْصَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ أَبُو بَكْر : جَزَاكُمْ اللَّه خَيْرًا فَبَايَعُوهُ \" وَوَقَعَ فِي آخِر الْمَغَازِي لِمُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّ أَبَا بَكْر قَالَ فِي خُطْبَته \" وَكُنَّا مَعْشَر الْمُهَاجِرِينَ أَوَّل النَّاس إِسْلَامًا وَنَحْنُ عَشِيرَته وَأَقَارِبه وَذَوُو رَحِمه , وَلَنْ تَصْلُح الْعَرَب إِلَّا بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْش , فَالنَّاس لِقُرَيْشٍ تَبَع , وَأَنْتُمْ إِخْوَاننَا فِي كِتَاب اللَّه , وَشُرَكَاؤُنَا فِي دِين اللَّه , وَأَحَبّ النَّاس إِلَيْنَا , وَأَنْتُمْ أَحَقّ النَّاس بِالرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّه , وَالتَّسْلِيم لِفَضِيلَةِ إِخْوَانكُمْ , وَأَنْ لَا تَحْسُدُوهُمْ عَلَى خَيْر \" وَقَالَ فِيهِ : \" إِنَّ الْأَنْصَار قَالُوا أَوَّلًا نَخْتَار رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَإِذَا مَاتَ اِخْتَرْنَا رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار , فَإِذَا مَاتَ اِخْتَرْنَا رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَذَلِكَ أَبَدًا فَيَكُون أَجْدَر أَنْ يُشْفِق الْقُرَشِيّ إِذَا زَاغَ أَنْ يَنْقَضّ عَلَيْهِ الْأَنْصَارِيّ وَكَذَلِكَ الْأَنْصَارِيّ. قَالَ فَقَالَ عُمَر : لَا وَاَللَّه لَا يُخَالِفنَا أَحَد إِلَّا قَتَلْنَاهُ , فَقَامَ حُبَاب بْن الْمُنْذِر فَقَالَ كَمَا تَقَدَّمَ وَزَادَ : وَإِنْ شِئْتُمْ كَرَّرْنَاهَا خُدْعَة \" أَيْ أَعَدْنَا الْحَرْب. قَالَ فَكَثُرَ الْقَوْل حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُون بَيْنهمْ حَرْب فَوَثَبَ عُمَر فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي بَكْر \" , وَعِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف قَالَ : \" تُوُفِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر فِي طَائِفَة مِنْ الْمَدِينَة - فَذَكَرَ الْحَدِيث قَالَ - فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْر فَقَالَ : \" وَاَللَّه لَقَدْ عَلِمْت يَا سَعْد أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَأَنْتَ قَاعِد : قُرَيْش وُلَاة هَذَا الْأَمْر , فَقَالَ لَهُ سَعْد : صَدَقْت \". ‏ ‏قَوْله : ( هُمْ أَوْسَط الْعَرَب ) ‏ ‏أَيْ قُرَيْش. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَايِعُوا عُمَر بْن الْخَطَّاب أَوْ أَبَا عُبَيْدَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر \" وَقَدْ رَضِيت لَكُمْ أَحَد هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ وَأَخَذَ بِيَدِي وَيَد أَبِي عُبَيْدَة , فَلَمْ أَكْرَه مِمَّا قَالَ غَيْرهَا \" وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ قَوْل أَبِي بَكْر هَذَا مَعَ مَعْرِفَته بِأَنَّهُ الْأَحَقّ بِالْخِلَافَةِ بِقَرِينَةِ تَقْدِيمه فِي الصَّلَاة وَغَيْر ذَلِكَ , وَالْجَوَاب أَنَّهُ اِسْتَحْيَا أَنْ يُزَكِّي نَفْسه فَيَقُول مَثَلًا رَضِيت لَكُمْ نَفْسِي , وَانْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَقْبَل ذَلِكَ , وَقَدْ أَفْصَحَ عُمَر بِذَلِكَ فِي الْقِصَّة , وَأَبُو عُبَيْدَة بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ دُون عُمَر فِي الْفَضْل بِاتِّفَاقِ أَهْل السُّنَّة , وَيَكْفِي أَبَا بَكْر كَوْنه جَعَلَ الِاخْتِيَار فِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ فَلَمْ يُنْكِر ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَد , فَفِيهِ إِيمَاء إِلَى أَنَّهُ الْأَحَقّ , فَظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامه تَصْرِيح بِتَخَلِّيهِ مِنْ الْأَمْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عُمَر : بَلْ نُبَايِعك أَنْتَ , فَأَنْتَ سَيِّدنَا وَخَيْرنَا وَأَحَبّنَا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏قَدْ أَفْرَدَ بَعْض الرُّوَاة هَذَا الْقَدْر مِنْ هَذَا الْحَدِيث , فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعِيد الْجَوْهَرِيّ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس شَيْخ الْمُصَنِّف فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَاد \" أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِأَبِي بَكْر أَنْتَ سَيِّدنَا إِلَخْ \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَهُوَ أَوْضَح مَا يَدْخُل فِي هَذَا الْبَاب مِنْ هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذَ عُمَر بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر \" قَالَ فَكَثُرَ اللَّغَط وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَات حَتَّى خَشِينَا الِاخْتِلَاف , فَقُلْت اُبْسُطْ يَدك يَا أَبَا بَكْر , فَبَسَطَ يَده فَبَايَعْته وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ ثُمَّ الْأَنْصَار \" وَفِي مَغَازِي مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب \" قَالَ فَقَامَ أُسَيْد بْن الْحُضَيْر وَبَشِير بْن سَعْد وَغَيْرهمَا مِنْ الْأَنْصَار فَبَايَعُوا أَبَا بَكْر , ثُمَّ وَثَبَ أَهْل السَّقِيفَة يَبْتَدِرُونَ الْبَيْعَة \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث سَالِم بْن عُبَيْد عِنْد الْبَزَّار فِي قِصَّة الْوَفَاة \" فَقَالَتْ الْأَنْصَار : مِنَّا أَمِير وَمِنْكُمْ أَمِير , فَقَالَ عُمَر - وَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي بَكْر - أَسَيْفَانِ فِي غِمْد وَاحِد ؟ لَا يَصْطَلِحَانِ , وَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي بَكْر فَقَالَ : مَنْ لَهُ هَذِهِ الثَّلَاثَة ؟ ( إِذْ هُمَا فِي الْغَار ) مَنْ هُمَا ؟ ( إِذْ يَقُول لِصَاحِبِهِ ) مَنْ صَاحِبه ؟ ( إِنَّ اللَّه مَعَنَا ) مَعَ مَنْ ؟ ثُمَّ بَسَطَ يَده فَبَايَعَهُ ثُمَّ قَالَ : بَايِعُوهُ , فَبَايَعَهُ النَّاس \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ قَائِل : قَتَلْتُمْ سَعْد بْن عُبَادَةَ ) ‏ ‏أَيْ كِدْتُمْ تَقْتُلُونَهُ , وَقِيلَ : هُوَ كِنَايَة عَنْ الْإِعْرَاض وَالْخِذْلَان , وَيَرُدّهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب \" فَقَالَ قَائِل مِنْ الْأَنْصَار : أَبْقُوا سَعْد بْن عُبَادَةَ لَا تَطَئُوهُ , فَقَالَ عُمَر : اُقْتُلُوهُ قَتَلَهُ اللَّه \". نَعَمْ لَمْ يُرِدْ عُمَر الْأَمْر بِقَتْلِهِ حَقِيقَة , وَأَمَّا قَوْله \" قَتَلَهُ اللَّه \" فَهُوَ دُعَاء عَلَيْهِ , وَعَلَى الْأَوَّل هُوَ إِخْبَار عَنْ إِهْمَاله وَالْإِعْرَاض عَنْهُ , وَفِي حَدِيث مَالِك \" فَقُلْت وَأَنَا مُغْضَب قَتَلَ اللَّه سَعْدًا فَإِنَّهُ صَاحِب شَرّ وَفِتْنَة \" قَالَ اِبْن التِّين : إِنَّمَا قَالَتْ الْأَنْصَار \" مِنَّا أَمِير وَمِنْكُمْ أَمِير \" عَلَى مَا عَرَفُوهُ مِنْ عَادَة الْعَرَب أَنْ لَا يَتَأَمَّر عَلَى الْقَبِيلَة إِلَّا مَنْ يَكُون مِنْهَا , فَلَمَّا سَمِعُوا حَدِيث \" الْأَئِمَّة مِنْ قُرَيْش \" رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ وَأَذْعَنُوا. قُلْت حَدِيث : \" الْأَئِمَّة مِنْ قُرَيْش \" سَيَأْتِي ذِكْر مَنْ أَخْرَجَهُ بِهَذَا اللَّفْظ فِي كِتَاب الْأَحْكَام , وَلَمْ يَقَع فِي هَذِهِ الْقِصَّة إِلَّا بِمَعْنَاهُ , وَقَدْ جَمَعْت طُرُقه عَنْ نَحْو أَرْبَعِينَ صَحَابِيًّا لَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ بَعْض فُضَلَاء الْعَصْر ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الدَّاوُدِيُّ عَلَى أَنَّ إِقَامَة الْخَلِيفَة سُنَّة مُؤَكَّدَة لِأَنَّهُمْ أَقَامُوا مُدَّة لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِمَام حَتَّى بُويِعَ أَبُو بَكْر , وَتُعُقِّبَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى فَرْضِيَّتهَا وَبِأَنَّهُمْ تَرَكُوا لِأَجْلِ إِقَامَتهَا أَعْظَم الْمُهِمَّات وَهُوَ التَّشَاغُل بِدَفْنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى فَرَغُوا مِنْهَا , وَالْمُدَّة الْمَذْكُورَة زَمَن يَسِير فِي بَعْض يَوْم يُغْتَفَر مِثْله لِاجْتِمَاعِ الْكَلِمَة , وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِ الْأَنْصَار \" مِنَّا أَمِير وَمِنْكُمْ أَمِير \" عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَخْلِف , وَبِذَلِكَ صَرَّحَ عُمَر كَمَا سَيَأْتِي ; وَوَجْه الدَّلَالَة أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ فِي مَقَام مَنْ لَا يَخَاف شَيْئًا وَلَا يَتَّقِيه , وَكَذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة \" سَأَلْت عَائِشَة : مَنْ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَخْلِفًا ؟ قَالَتْ : أَبُو بَكْر. قِيلَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَتْ : عُمَر. قِيلَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَتْ : أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح \" وَوَجَدْت فِي التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَقِيق مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَأَلَ عَائِشَة عَنْ ذَلِكَ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : لَوْ كَانَ عِنْد أَحَد مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار نَصّ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَعْيِين أَحَد بِعَيْنِهِ لِلْخِلَافَةِ لَمَا اِخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ وَلَا تَفَاوَضُوا فِيهِ , قَالَ : وَهَذَا قَوْل جُمْهُور أَهْل السُّنَّة , وَاسْتَنَدَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ نَصَّ عَلَى خِلَافَة أَبِي بَكْر بِأُصُولِ كُلِّيَّة وَقَرَائِن حَالِيَّة تَقْتَضِي أَنَّهُ أَحَقّ بِالْإِمَامَةِ وَأَوْلَى بِالْخِلَافَةِ. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضهَا فِي تَرْجَمَته , وَسَيَأْتِي بَعْضهَا فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة آخِر الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه بْن سَالِم ) ‏ ‏هُوَ الْحِمْصِيُّ الْأَشْعَرِيّ , تَقَدَّمَ ذِكْره فِي الْمُزَارَعَة , وَالزُّبَيْدِيّ هُوَ مُحَمَّد بْن الْوَلِيد صَاحِب الزُّهْرِيّ , وَعَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم أَيْ اِبْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق. وَهَذِهِ الطَّرِيق لَمْ يُورِدهَا الْبُخَارِيّ إِلَّا مُعَلَّقَة وَلَمْ يَسُقْهَا بِتَمَامِهَا , وَقَدْ وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَد الشَّامِيِّينَ , وَقَوْله : \" شَخَصَ \" بِفَتْحِ الْمُعْجَمَتَيْنِ ثُمَّ مُهْمَلَة أَيْ اِرْتَفَعَ , وَقَوْله : \" وَقَصَّ الْحَدِيث \" يَعْنِي فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْوَفَاةِ , وَقَوْل عُمَر : ( إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَنْ يَمُوت حَتَّى يَقْطَع أَيْدِي رِجَال مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَأَرْجُلهمْ ) وَقَوْل أَبِي بَكْر : ( إِنَّهُ مَاتَ ) وَتِلَاوَته الْآيَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ عَائِشَة فَمَا كَانَتْ مِنْ خُطْبَتهمَا مِنْ خُطْبَة إِلَّا نَفَعَ اللَّه بِهَا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ خُطْبَتَيْ أَبِي بَكْر وَعُمَر , وَ \" مِنْ \" الْأُولَى تَبْعِيضِيَّة أَوْ بَيَانِيَّة , وَالثَّانِيَة زَائِدَة , ثُمَّ شَرَحَتْ ذَلِكَ فَقَالَتْ : ( لَقَدْ خَوَّفَ عُمَر النَّاس ) أَيْ بِقَوْلِهِ الْمَذْكُور , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" لَقَدْ خَوَّفَ أَبُو بَكْر النَّاس \" وَهُوَ غَلَط , وَقَوْلهَا : ( وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا ) أَيْ إِنَّ فِي بَعْضهمْ مُنَافِقِينَ , وَهُمْ الَّذِينَ عَرَّضَ بِهِمْ عُمَر فِي قَوْله الْمُتَقَدِّم. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ \" وَإِنَّ فِيهِمْ لَتُقًى \" فَقِيلَ إِنَّهُ مِنْ إِصْلَاحه , وَإِنَّهُ ظَنَّ أَنَّ قَوْله : \" وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا \" تَصْحِيف فَصَيَّرَهُ \" لَتُقًى \" كَأَنَّهُ اِسْتَعْظَمَ أَنْ يَكُون فِي الْمَذْكُورِينَ نِفَاقًا. وَقَالَ عِيَاض : لَا أَدْرِي هُوَ إِصْلَاح مِنْهُ أَوْ رِوَايَة ؟ وَعَلَى الْأَوَّل فَلَا اِسْتِعْظَام , فَقَدْ ظَهَرَ فِي أَهْل الرِّدَّة ذَلِكَ , وَلَا سِيَّمَا عِنْد الْحَادِث الْعَظِيم الَّذِي أَذْهَلَ عُقُول الْأَكَابِر فَكَيْف بِضُعَفَاء الْإِيمَان , فَالصَّوَاب مَا فِي النُّسَخ اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ وَقَالَ فِيهِ \" إِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "3395",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو يَعْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي ‏ ‏أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏قُلْتُ ثُمَّ أَنْتَ قَالَ مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ مُنْذِر بْن يَعْلَى الْكُوفِيّ الثَّوْرِيّ , وَهُوَ مِمَّنْ وَافَقَتْ كُنْيَته اِسْم أَبِيهِ , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ , وَمُحَمَّد اِبْن الْحَنَفِيَّة هُوَ اِبْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , وَاسْم الْحَنَفِيَّة خَوْلَة بِنْت جَعْفَر كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِأَبِي : أَيّ النَّاس خَيْر ؟ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سُوقَة عَنْ مُنْذِر عَنْ مُحَمَّد بْن عَلِيّ \" قُلْت لِأَبِي : يَا أَبَتِي مَنْ خَيْر النَّاس بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : أَوَمَا تَعْلَم يَا بُنَيّ ؟ قُلْت : لَا , قَالَ : أَبُو بَكْر \" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَفِي رِوَايَة الْحَسَن بْن مُحَمَّد اِبْن الْحَنَفِيَّة عَنْ أَبِيهِ \" قَالَ : سُبْحَان اللَّه يَا بُنَيّ , أَبُو بَكْر \" , وَفِي رِوَايَة أَبِي جُحَيْفَةَ عِنْد أَحْمَد \" قَالَ لِي عَلِيّ : يَا أَبَا جُحَيْفَةَ أَلَا أُخْبِرك بِأَفْضَل هَذِهِ الْأُمَّة بَعْد نَبِيّهَا ؟ قُلْت : بَلَى , قَالَ : وَلَمْ أَكُنْ أَرَى أَنَّ أَحَدًا أَفْضَل مِنْهُ \" وَقَالَ فِي آخِره \" وَبَعْدهمَا آخَر ثَالِث لَمْ يُسَمِّهِ \" , وَفِي رِوَايَة لِلدَّارَقُطْنِيّ فِي الْفَضَائِل مِنْ طَرِيق أَبِي الضُّحَى عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ \" وَإِنْ شِئْتُمْ أَخْبَرْتُكُمْ بِخَيْرِ النَّاس بَعْد عُمَر \" فَلَا أَدْرِي أَسْتَحْيَا أَنْ يَذْكُر نَفْسه أَوْ شَغَلَهُ الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَخَشِيت أَنْ يَقُول عُثْمَان قُلْت : ثُمَّ أَنْتَ , قَالَ : مَا أَنَا إِلَّا رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سُوقَة \" ثُمَّ عَجِلْت لِلْحَدَاثَةِ فَقُلْت : ثُمَّ أَنْتَ يَا أَبَتِي , فَقَالَ : أَبُوك رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ \" زَادَ فِي رِوَايَة الْحَسَن بْن مُحَمَّد \" لِي مَا لَهُمْ وَعَلَيَّ مَا عَلَيْهِمْ \" وَهَذَا قَالَهُ عَلِيّ تَوَاضُعًا مَعَ مَعْرِفَته حِين الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة أَنَّهُ خَيْر النَّاس يَوْمئِذٍ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد قَتْل عُثْمَان , وَأَمَّا خَشْيَة مُحَمَّد اِبْن الْحَنَفِيَّة أَنْ يَقُول عُثْمَان فَلِأَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ يَعْتَقِد أَنَّ أَبَاهُ أَفْضَل , فَخَشِيَ أَنَّ عَلِيًّا يَقُول عُثْمَان عَلَى سَبِيل التَّوَاضُع مِنْهُ وَالْهَضْم لِنَفْسِهِ فَيَضْطَرِب حَال اِعْتِقَاده وَلَا سِيَّمَا وَهُوَ فِي سِنّ الْحَدَاثَة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة. وَرَوَى خَيْثَمَة فِي \" فَضَائِل الصَّحَابَة \" مِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن أَبِي الْجَعْد عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ , فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث وَزَادَ \" ثُمَّ قَالَ : أَلَا أُخْبِركُمْ بِخَيْرِ أُمَّتكُمْ بَعْد عُمَر ؟ ثُمَّ سَكَتَ , فَظَنَنَّا أَنَّهُ يَعْنِي نَفْسه \" وَفِي رِوَايَة عُبَيْد خَبَر عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بَعْد وَقْعَة النَّهْرَوَانِ وَكَانَتْ فِي سَنَة ثَمَان وَثَلَاثِينَ , وَزَادَ فِي آخِر حَدِيثه \" أَحْدَثنَا أُمُورًا يَفْعَل اللَّه فِيهَا مَا يَشَاء \" وَأَخْرَجَ اِبْن عَسَاكِر فِي تَرْجَمَة عُثْمَان مِنْ طَرِيق ضَعِيفَة فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ عَلِيًّا قَالَ : \" إِنَّ الثَّالِث عُثْمَان \" وَمِنْ طَرِيق أُخْرَى أَنَّ أَبَا جُحَيْفَةَ قَالَ : \" فَرَجَعْت الْمَوَالِي يَقُولُونَ : كَنَّى عَنْ عُثْمَان , وَالْعَرَب تَقُول : كَنَّى عَنْ نَفْسه \" وَهَذَا يُبَيِّن أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح بِأَحَدٍ , وَقَدْ سَبَقَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي أَيّ الرَّجُلَيْنِ أَفْضَل بَعْد أَبِي بَكْر وَعُمَر : عُثْمَان أَوْ عَلِيّ ؟ وَأَنَّ الْإِجْمَاع اِنْعَقَدَ بِآخِرِهِ بَيْن أَهْل السُّنَّة أَنَّ تَرْتِيبهمْ فِي الْفَضْل كَتَرْتِيبِهِمْ فِي الْخِلَافَة , رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" مَا مُلَخَّصه : الْفَضَائِل جَمْع فَضِيلَة , وَهِيَ الْخَصْلَة الْجَمِيلَة الَّتِي يَحْصُل لِصَاحِبِهَا بِسَبَبِهَا شَرَف وَعُلُوّ مَنْزِلَة إِمَّا عِنْد الْحَقّ وَإِمَّا عِنْد الْخَلْق , وَالثَّانِي لَا عِبْرَة بِهِ إِلَّا إِنْ أَوْصَلَ إِلَى الْأَوَّل , فَإِذَا قُلْنَا فُلَان فَاضِل فَمَعْنَاهُ أَنَّ لَهُ مَنْزِلَة عِنْد اللَّه , وَهَذَا لَا تَوَصُّل إِلَيْهِ إِلَّا بِالنَّقْلِ عَنْ الرَّسُول , فَإِذَا جَاءَ ذَلِكَ عَنْهُ إِنْ كَانَ قَطْعِيًّا قَطَعْنَا بِهِ أَوْ ظَنِّيًّا عَمِلْنَا بِهِ , وَإِذَا لَمْ نَجِد الْخَبَر فَلَا خَفَاء أَنَّا إِذَا رَأَيْنَا مَنْ أَعَانَهُ اللَّه عَلَى الْخَيْر وَيَسَّرَ لَهُ أَسْبَابه أَنَّا نَرْجُو حُصُول تِلْكَ الْمَنْزِلَة لَهُ لِمَا جَاءَ فِي الشَّرِيعَة مِنْ ذَلِكَ , قَالَ : وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْمَقْطُوع بِهِ بَيْن أَهْل السُّنَّة بِأَفْضَلِيَّةِ أَبِي بَكْر ثُمَّ عُمَر , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِيمَنْ بَعْدهمَا : فَالْجُمْهُور عَلَى تَقْدِيم عُثْمَان , وَعَنْ مَالِك التَّوَقُّف , وَالْمَسْأَلَة اِجْتِهَادِيَّة , وَمُسْتَنَدهَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة اِخْتَارَهُمْ اللَّه تَعَالَى لِخِلَافَةِ نَبِيّه وَإِقَامَة دِينه فَمَنْزِلَتهمْ عِنْده بِحَسَبِ تَرْتِيبهمْ فِي الْخِلَافَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3396",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا ‏ ‏بِالْبَيْدَاءِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏بِذَاتِ الْجَيْشِ ‏ ‏انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبِالنَّاسِ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ قَالَتْ فَعَاتَبَنِي وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى فَخِذِي فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ ‏آيَةَ التَّيَمُّمِ ‏ ‏فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ ‏ ‏أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ ‏ ‏مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي نُزُول آيَة التَّيَمُّم , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب التَّيَمُّم , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْل أُسَيْد بْن الْحُضَيْر فِي آخِره \" مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْر \" وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ ذِكْر أَلْفَاظ أُخْرَى تَدُلّ عَلَى فَضْلهمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3397",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ذَكْوَانَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ‏ ‏وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏وَمُحَاضِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت ذَكْوَانَ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو صَالِح السَّمَّان. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَعِيد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أُخْرَى سَأُبَيِّنُهَا \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَالْأَوَّل أَوْلَى كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة جَرِير وَمُحَاضِر عَنْ الْأَعْمَش - وَكَذَا فِي رِوَايَة عَاصِم عَنْ أَبِي صَالِح - ذِكْر سَبَب لِهَذَا الْحَدِيث , وَهُوَ مَا وَقَعَ فِي أَوَّله قَالَ : \" كَانَ بَيْن خَالِد بْن الْوَلِيد وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف شَيْء , فَسَبَّهُ خَالِد \" , فَذَكَرَ الْحَدِيث وَسَيَأْتِي بَيَان مَنْ أَخْرَجَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَوْ أَنَّ أَحَدكُمْ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ أَوَّلًا \" أَصْحَابِي \" أَصْحَاب مَخْصُوصُونَ , وَإِلَّا فَالْخِطَاب كَانَ لِلصَّحَابَةِ , وَقَدْ قَالَ \" لَوْ أَنَّ أَحَدكُمْ أَنْفَقَ \" وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْل الْفَتْح وَقَاتَلَ ) الْآيَة , وَمَعَ ذَلِكَ فَنَهْي بَعْض مَنْ أَدْرَكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَاطَبَهُ بِذَلِكَ عَنْ سَبّ مَنْ سَبَقَهُ يَقْتَضِي زَجْر مَنْ لَمْ يُدْرِك النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُخَاطِبهُ عَنْ سَبّ مَنْ سَبَقَهُ مِنْ بَاب الْأَوْلَى , وَغَفَلَ مَنْ قَالَ إِنَّ الْخِطَاب بِذَلِكَ لِغَيْرِ الصَّحَابَة وَإِنَّمَا الْمُرَاد مَنْ سَيُوجَدُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمَفْرُوضِينَ فِي الْعَقْل تَنْزِيلًا لِمَنْ سَيُوجَدُ مَنْزِلَة الْمَوْجُود لِلْقَطْعِ بِوُقُوعِهِ , وَوَجْه التَّعَقُّب عَلَيْهِ وُقُوع التَّصْرِيح فِي نَفْس الْخَبَر بِأَنَّ الْمُخَاطَب بِذَلِكَ خَالِد بْن الْوَلِيد وَهُوَ مِنْ الصَّحَابَة الْمَوْجُودِينَ إِذْ ذَاكَ بِالِاتِّفَاقِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْفَقَ مِثْل أَحَد ذَهَبًا ) ‏ ‏زَادَ الْبَرْقَانِيّ فِي \" الْمُصَافَحَة \" مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ الْأَعْمَش \" كُلّ يَوْم \" قَالَ : وَهِيَ زِيَادَة حَسَنَة. ‏ ‏قَوْله : ( مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ ) ‏ ‏أَيْ الْمُدّ مِنْ كُلّ شَيْء , وَالنَّصِيف بِوَزْنِ رَغِيف هُوَ النِّصْف كَمَا يُقَال عُشْر وَعَشِير وَثُمُن وَثَمِين , وَقِيلَ النَّصِيف مِكْيَال دُون الْمُدّ , وَالْمُدّ بِضَمِّ الْمِيم مِكْيَال مَعْرُوف ضُبِطَ قَدْره فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ بِفَتْحِ الْمِيم قَالَ : وَالْمُرَاد بِهِ الْفَضْل وَالطُّول , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل \" بَاب فَضَائِل الصَّحَابَة \" تَقْرِير أَفْضَلِيَّة الصَّحَابَة عَمَّنْ بَعْدهمْ , وَهَذَا الْحَدِيث دَالّ لِمَا وَقَعَ الِاخْتِيَار لَهُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ الِاخْتِلَاف وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : مَعْنَى الْحَدِيث لَا يَنَال أَحَدكُمْ بِإِنْفَاقِ مِثْل أُحُد ذَهَبًا مِنْ الْفَضْل وَالْأَجْر مَا يَنَال أَحَدهمْ بِإِنْفَاقِ مُدّ طَعَام أَوْ نَصِيفه. وَسَبَب التَّفَاوُت مَا يُقَارِن الْأَفْضَل مِنْ مَزِيد الْإِخْلَاص وَصِدْق النِّيَّة. قُلْت : وَأَعْظَم مِنْ ذَلِكَ فِي سَبَب الْأَفْضَلِيَّة عِظَم مَوْقِع ذَلِكَ لِشِدَّةِ الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ , وَأَشَارَ بِالْأَفْضَلِيَّةِ بِسَبَبِ الْإِنْفَاق إِلَى الْأَفْضَلِيَّة بِسَبَبِ الْقِتَال كَمَا وَقَعَ فِي الْآيَة ( مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْل الْفَتْح وَقَاتَلَ ) فَإِنَّ فِيهَا إِشَارَة إِلَى مَوْقِع السَّبَب الَّذِي ذَكَرْته , وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْفَاق وَالْقِتَال كَانَ قَبْل فَتْح مَكَّة عَظِيمًا لِشِدَّةِ الْحَاجَة إِلَيْهِ وَقِلَّة الْمُعْتَنَى بِهِ بِخِلَافِ مَا وَقَعَ بَعْد ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَثُرُوا بَعْد الْفَتْح وَدَخَلَ النَّاس فِي دِين اللَّه أَفْوَاجًا , فَإِنَّهُ لَا يَقَع ذَلِكَ الْمَوْقِع الْمُتَقَدِّم. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , وَعَبْد اللَّه بْن دَاوُدَ هُوَ الْخُرَيْبِيّ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَة مُصَغَّر , وَأَبُو مُعَاوِيَة هُوَ الضَّرِير , وَمُحَاضِر بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَة بِوَزْنِ مُجَاهِد , عَنْ الْأَعْمَش أَيْ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي سَعِيد , فَأَمَّا رِوَايَة جَرِير فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَابْن مَاجَهْ وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرهمْ , وَأَمَّا رِوَايَة مُحَاضِر فَرَوَيْنَاهَا مَوْصُولَة فِي \" فَوَائِد أَبِي الْفَتْح الْحَدَّاد \" مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن يُونُس الضَّبِّيّ عَنْ مُحَاضِر الْمَذْكُور فَذَكَرَهُ مِثْل رِوَايَة جَرِير , لَكِنْ قَالَ بَيْن خَالِد بْن الْوَلِيد وَبَيْن أَبِي بَكْر بَدَل عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَقَوْل جَرِير أَصَحّ , وَقَدْ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة عَاصِم عَنْ أَبِي صَالِح الْآتِي ذِكْرهَا , وَأَمَّا رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن دَاوُدَ فَوَصَلَهَا مُسَدَّد فِي مُسْنَده عَنْهُ وَلَيْسَ فِيهِ الْقِصَّة , وَكَذَا أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّد , وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة فَوَصَلَهَا أَحْمَد عِنْد هَكَذَا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَأَبِي كُرَيْب وَيَحْيَى بْن يَحْيَى ثَلَاثَتهمْ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة لَكِنْ قَالَ فِيهِ : \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" بَدَل أَبِي سَعِيد وَهُوَ وَهْمٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ خَلَف وَأَبُو مَسْعُود وَأَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ وَغَيْرهمْ , قَالَ الْمِزِّيّ : كَأَنَّ مُسْلِمًا وَهِمَ فِي حَال كِتَابَته فَإِنَّهُ بَدَأَ بِطَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَة , ثُمَّ ثَنَّى بِحَدِيثِ جَرِير فَسَاقَهُ بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنه , ثُمَّ ثَلَّثَ بِحَدِيثِ وَكِيع وَرَبَّعَ بِحَدِيثِ شُعْبَة وَلَمْ يَسُقْ إِسْنَادهمَا بَلْ قَالَ بِإِسْنَادِ جَرِير وَأَبِي مُعَاوِيَة , فَلَوْلَا أَنَّ إِسْنَاد جَرِير وَأَبِي مُعَاوِيَة عِنْده وَاحِد لَمَا أَحَالَ عَلَيْهِمَا مَعًا فَإِنَّ طَرِيق وَكِيع وَشُعْبَة جَمِيعًا تَنْتَهِي إِلَى أَبِي سَعِيد دُون أَبِي هُرَيْرَة اِتِّفَاقًا , اِنْتَهَى كَلَامه. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة أَحَد شُيُوخ مُسْلِم فِيهِ فِي مُسْنَده وَمُصَنَّفه عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة فَقَالَ : \" عَنْ أَبِي سَعِيد \" كَمَا قَالَ أَحْمَد , وَكَذَا رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيق أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ رِوَايَة عُبَيْد بْن غَنَّام عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم أَيْضًا مِنْ رِوَايَة أَحْمَد وَيَحْيَى بْن عَبْد الْحَمِيد وَأَبِي خَيْثَمَةَ وَأَحْمَد بْن جَوَّاس كُلّهمْ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة فَقَالَ : \" عَنْ أَبِي سَعِيد \" وَقَالَ بَعْده \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر وَأَبِي كُرَيْب وَيَحْيَى بْن يَحْيَى \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَهْم وَقَعَ فِيهِ مِمَّنْ دُون مُسْلِم إِذْ لَوْ كَانَ عِنْده عَنْ أَبِي هُرَيْرَة لَبَيَّنَهُ أَبُو نُعَيْم , وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ مَعَ جَزْمه فِي \" الْعِلَل \" بِأَنَّ الصَّوَاب أَنَّهُ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد لَمْ يَتَعَرَّض فِي تَتَبُّعه أَوْهَام الشَّيْخَيْنِ إِلَى رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة هَذِهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدَة فِي \" غَرِيب الْحَدِيث \" وَالْجَوْزَقِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن هَاشِم وَخَيْثَمَة مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن يَحْيَى وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْجَعْد كُلّهمْ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة فَقَالُوا : \" عَنْ أَبِي سَعِيد \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي كُرَيْب أَحَد شُيُوخ مُسْلِم فِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة فَقَالَ : \" عَنْ أَبِي سَعِيد \" كَمَا قَالَ الْجَمَاعَة , إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ عَنْ اِبْن مَاجَهْ اِخْتِلَاف : فَفِي بَعْضهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَفِي بَعْضهَا عَنْ أَبِي سَعِيد , وَالصَّوَاب عَنْ أَبِي سَعِيد لِأَنَّ اِبْن مَاجَهْ جَمَعَ فِي سِيَاقه بَيْن جَرِير وَوَكِيع وَأَبِي مُعَاوِيَة وَلَمْ يَقُلْ أَحَد فِي رِوَايَة وَكِيع وَجَرِير إِنَّهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَكُلّ مَنْ أَخْرَجَهَا مِنْ الْمُصَنِّفِينَ وَالْمُخَرِّجِينَ أَوْرَدَهُ عَنْهُمَا مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد , وَقَدْ وَجَدْته فِي نُسْخَة قَدِيمَة جِدًّا مِنْ اِبْن مَاجَهْ قُرِئَتْ فِي سَنَة بِضْع وَسَبْعِينَ وَثَلَثمِائَةِ وَهِيَ فِي غَايَة الْإِتْقَان وَفِيهَا \" عَنْ أَبِي سَعِيد \" وَاحْتِمَال كَوْن الْحَدِيث عِنْد أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة جَمِيعًا مُسْتَبْعَد , إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَمَعَهُمَا وَلَوْ مَرَّة , فَلَمَّا كَانَ غَالِب مَا وُجِدَ عَنْهُ ذِكْر أَبِي سَعِيد دُون ذِكْر أَبِي هُرَيْرَة دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي قَوْل مَنْ قَالَ عَنْهُ \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" شُذُوذًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ , وَقَدْ جَمَعَهُمَا أَبُو عَوَانَة عَنْ الْأَعْمَش ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ فِي الْعِلَل رَوَاهُ مُسَدَّد وَأَبُو كَامِل وَشَيْبَان عَنْ أَبِي عَوَانَة كَذَلِكَ , وَرَوَاهُ عَفَّان وَيَحْيَى بْن حَمَّاد عَنْ أَبِي عَوَانَة فَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ أَبَا سَعِيد , قَالَ : وَرَوَاهُ زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَكَذَلِكَ قَالَ نَصْر بْن عَلِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن دَاوُدَ , قَالَ وَالصَّوَاب مِنْ رِوَايَات الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي سَعِيد لَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ عَاصِم عَنْ أَبِي صَالِح فَقَالَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَالصَّحِيح عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي سَعِيد اِنْتَهَى , وَقَدْ سَبَقَ إِلَى ذَلِكَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ فَقَالَ فِي \" الْعِلَل \" : رَوَاهُ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي سَعِيد , وَرَوَاهُ عَاصِم عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ وَالْأَعْمَش أَثْبَت فِي أَبِي صَالِح مِنْ عَاصِم , فَعُرِفَ مِنْ كَلَامه أَنَّ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَقَدْ شَذَّ , وَكَأَنَّ سَبَب ذَلِكَ شُهْرَة أَبِي صَالِح بِالرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَيَسْبِق إِلَيْهِ الْوَهْم مِمَّنْ لَيْسَ بِحَافِظٍ , وَأَمَّا الْحُفَّاظ فَيُمَيِّزُونَ ذَلِكَ. وَرِوَايَة زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الدَّارَقُطْنِيُّ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" قَالَ : وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ الْأَعْمَش إِلَّا زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة , وَرَوَاهُ شُعْبَة وَغَيْره عَنْ الْأَعْمَش فَقَالُوا : \" عَنْ أَبِي سَعِيد \" اِنْتَهَى. وَأَمَّا رِوَايَة عَاصِم فَأَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ فِي \" الْكُبْرَى \" وَالْبَزَّار فِي مُسْنَده وَقَالَ : وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَاصِم إِلَّا زَائِدَة , وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ الْأَعْمَش فَقَالَ : \" عَنْ أَبِي سَعِيد \" أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش عِنْد عَبْد بْن حُمَيْدٍ , وَيَحْيَى بْن عِيسَى الرَّمْلِيّ عِنْد أَبِي عَوَانَة , وَأَبُو الْأَحْوَص عِنْد اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ , وَإِسْرَائِيل عِنْد تَمَّام الرَّازِيِّ. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ رِوَايَة أَبِي عَوَانَة فَقَدْ وَقَعَ لِي مِنْ رِوَايَة مُسَدَّد وَأَبِي كَامِل وَشَيْبَان عَنْهُ عَلَى الشَّكّ , قَالَ فِي رِوَايَته : \" عَنْ أَبِي سَعِيد أَوْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَأَبُو عَوَانَة كَانَ يُحَدِّث مِنْ حِفْظه فَرُبَّمَا وَهِمَ , وَحَدِيثه مِنْ كِتَابه أَثْبَت , وَمَنْ لَمْ يَشُكّ أَحَقّ بِالتَّقْدِيمِ مِمَّنْ شَكَّ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَمْلَيْت عَلَى هَذَا الْمَوْضِع جُزْءًا مُفْرَدًا لَخَّصْت مَقَاصِده هُنَا بِعَوْنِ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : ‏ ‏اُخْتُلِفَ فِي سَابّ الصَّحَابِيّ , فَقَالَ عِيَاض : ذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ يُعَزَّر , وَعَنْ بَعْض الْمَالِكِيَّة يُقْتَل , وَخَصَّ بَعْض الشَّافِعِيَّة ذَلِكَ بِالشَّيْخَيْنِ وَالْحَسَنَيْنِ فَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْن فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ , وَقَوَّاهُ السُّبْكِيّ فِي حَقّ مَنْ كَفَّرَ الشَّيْخَيْنِ , وَكَذَا مَنْ كَفَّرَ مَنْ صَرَّحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِيمَانِهِ أَوْ تَبْشِيره بِالْجَنَّةِ إِذَا تَوَاتَرَ الْخَبَر بِذَلِكَ عَنْهُ لِمَا تَضَمَّنَ مِنْ تَكْذِيب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3398",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ‏ ‏أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَقُلْتُ لَأَلْزَمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا قَالَ فَجَاءَ الْمَسْجِدَ فَسَأَلَ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا خَرَجَ وَوَجَّهَ هَا هُنَا فَخَرَجْتُ عَلَى إِثْرِهِ أَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى دَخَلَ ‏ ‏بِئْرَ أَرِيسٍ ‏ ‏فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ وَبَابُهَا مِنْ جَرِيدٍ حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَاجَتَهُ فَتَوَضَّأَ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى ‏ ‏بِئْرِ أَرِيسٍ ‏ ‏وَتَوَسَّطَ ‏ ‏قُفَّهَا ‏ ‏وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ فَقُلْتُ لَأَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْيَوْمَ فَجَاءَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَدَفَعَ الْبَابَ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏عَلَى رِسْلِكَ ‏ ‏ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَسْتَأْذِنُ فَقَالَ ‏ ‏ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَأَقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ فَدَخَلَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَهُ فِي الْقُفِّ وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ وَيَلْحَقُنِي فَقُلْتُ إِنْ يُرِدْ اللَّهُ ‏ ‏بِفُلَانٍ ‏ ‏خَيْرًا يُرِيدُ أَخَاهُ يَأْتِ بِهِ فَإِذَا إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏عَلَى رِسْلِكَ ‏ ‏ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ هَذَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏يَسْتَأْذِنُ فَقَالَ ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَجِئْتُ فَقُلْتُ ادْخُلْ وَبَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْجَنَّةِ فَدَخَلَ فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْقُفِّ عَنْ يَسَارِهِ وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ إِنْ يُرِدْ اللَّهُ ‏ ‏بِفُلَانٍ ‏ ‏خَيْرًا يَأْتِ بِهِ فَجَاءَ إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالَ ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏عَلَى رِسْلِكَ ‏ ‏فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ ادْخُلْ وَبَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُكَ فَدَخَلَ فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ فَجَلَسَ وِجَاهَهُ مِنْ الشَّقِّ الْآخَرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ شَرِيك بْن أَبِي نَمِر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه , وَأَبُو نَمِر جَدّه. ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجَ وَوَجَّهَ هَا هُنَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْوَاو وَتَشْدِيد الْجِيم أَيْ تَوَجَّهَ أَوْ وَجَّهَ نَفْسه , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِسُكُونِ الْجِيم بِلَفْظِ الِاسْم مُضَافًا إِلَى الظَّرْف أَيْ جِهَة كَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى دَخَلَ بِئْر أَرِيس ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْأَلِف وَكَسْر الرَّاء بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ مُهْمَلَة : بُسْتَان بِالْمَدِينَةِ مَعْرُوف يَجُوز فِيهِ الصَّرْف وَعَدَمه , وَهُوَ بِالْقُرْبِ مِنْ قُبَاء. وَفِي بِئْرهَا سَقَطَ خَاتَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِصْبَع عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَوَسَّطَ قُفّهَا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَاف وَتَشْدِيد الْفَاء هُوَ الدَّاكَّة الَّتِي تُجْعَل حَوْل الْبِئْر , وَأَصْله مَا غَلُظَ مِنْ الْأَرْض وَارْتَفَعَ , وَالْجَمْع قِفَاف. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُثْمَان بْن غِيَاث عَنْ أَبِي عُثْمَان عِنْد مُسْلِم \" بَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَائِط مِنْ حَوَائِط الْمَدِينَة وَهُوَ مُتَّكِئ يَنْكُت بِعُودٍ مَعَهُ بَيْن الْمَاء وَالطِّين \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لَأَكُونَنَّ بَوَّابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْم ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ اِخْتَارَ ذَلِكَ وَفَعَلَهُ مِنْ تِلْقَاء نَفْسه , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شَرِيك فِي الْأَدَب فَزَادَ فِيهِ \" وَلَمْ يَأْمُرنِي \" قَالَ اِبْن التِّين : فِيهِ أَنَّ الْمَرْء يَكُون بَوَّابًا لِلْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَأْمُرهُ , كَذَا قَالَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عُثْمَان الْآتِيَة فِي مَنَاقِب عُثْمَان عَنْ أَبِي مُوسَى \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ حَائِطًا وَأَمَرَهُ بِحِفْظِ بَاب الْحَائِط \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن حَرْمَلَة عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَقَالَ : يَا أَبَا مُوسَى اِمْلِكْ عَلَيَّ الْبَاب , فَانْطَلَقَ فَقَضَى حَاجَته وَتَوَضَّأَ , ثُمَّ جَاءَ فَقَعَدَ عَلَى قُفّ الْبِئْر \" أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه وَالرُّويَانِيّ فِي مُسْنَده , وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي عُثْمَان عَنْ أَبِي مُوسَى \" فَقَالَ لِي : يَا أَبَا مُوسَى اِمْلِكْ عَلَيَّ الْبَاب فَلَا يَدْخُلَن عَلَيَّ أَحَد \" فَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ لَمَّا حَدَّثَ نَفْسه بِذَلِكَ صَادَفَ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَحْفَظ عَلَيْهِ الْبَاب , وَأَمَّا قَوْله : \" وَلَمْ يَأْمُرنِي \" فَيُرِيد أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرهُ أَنْ يَسْتَمِرّ بَوَّابًا , وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ قَدْر مَا يَقْضِي حَاجَته وَيَتَوَضَّأ ثُمَّ اِسْتَمَرَّ هُوَ مِنْ قِبَل نَفْسه , وَسَيَأْتِي لَهُ تَوْجِيه آخَر فِي خَبَر الْوَاحِد , فَبَطَلَ أَنْ يَسْتَدِلّ بِهِ لِمَا قَالَهُ اِبْن التِّين , وَالْعَجَب أَنَّهُ نَقَلَ ذَلِكَ بَعْد عَنْ الدَّاوُدِيّ وَهَذَا مِنْ مُخْتَلَف الْحَدِيث , وَكَأَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ وَجْه الْجَمْع الَّذِي قَرَّرْته. ثُمَّ إِنَّ قَوْل أَبِي مُوسَى هَذَا لَا يُعَارِض قَوْل أَنَس أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّاب كَمَا سَبَقَ فِي كِتَاب الْجَنَائِز لِأَنَّ مُرَاد أَنَس أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّاب مُرَتَّب لِذَلِكَ عَلَى الدَّوَام. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَفَعَ الْبَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر \" فَجَاءَ رَجُل يَسْتَأْذِن \". ‏ ‏قَوْله : ( يُبَشِّرك بِالْجَنَّةِ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو عُثْمَان فِي رِوَايَته \" فَحَمِدَ اللَّه \" وَكَذَا قَالَ فِي عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ تَرَكْت أَخِي يَتَوَضَّأ وَيَلْحَقنِي ) ‏ ‏كَانَ لِأَبِي مُوسَى أَخَوَانِ أَبُو رُهْم وَأَبُو بُرْدَة , وَقِيلَ إِنَّ لَهُ أَخًا آخَر اِسْمه مُحَمَّد , وَأَشْهَرهمْ أَبُو بُرْدَة وَاسْمه عَامِر , وَقَدْ خَرَّجَ عَنْهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده حَدِيثًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا إِنْسَان يُحَرِّك الْبَاب ) ‏ ‏فِيهِ حُسْن الْأَدَب فِي الِاسْتِئْذَان , قَالَ اِبْن التِّين. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا قَبْل نُزُول قَوْله : ( لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْر بُيُوتكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا ). قُلْت : وَمَا أَبْعَدَ مَا قَالَ , فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن حَرْمَلَة \" فَجَاءَ رَجُل فَاسْتَأْذَنَ \" وَسَيَأْتِي فِي آخِر مَنَاقِب عُمَر مِنْ طَرِيق أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيّ عَنْ أَبِي مُوسَى بِلَفْظِ \" فَجَاءَ رَجُل فَاسْتَفْتَحَ \" فَعُرِفَ أَنَّ قَوْله : \" يُحَرِّك الْبَاب \" إِنَّمَا حَرَّكَهُ مُسْتَأْذِنًا لَا دَافِعًا لَهُ لِيَدْخُل بِغَيْرِ إِذْن. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : عُثْمَان , فَقُلْت : عَلَى رِسْلك , فَجِئْت إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْته , فَقَالَ : اِئْذَنْ لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عُثْمَان \" ثُمَّ جَاءَ آخَر يَسْتَأْذِن فَسَكَتَ هُنَيَّة ثُمَّ قَالَ اِئْذَنْ لَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَبَشَّرَك رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عُثْمَان \" فَحَمِدَ اللَّه ثُمَّ قَالَ : اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ \" وَفِي رِوَايَة عِنْد أَحْمَد \" فَجَعَلَ يَقُول : اللَّهُمَّ صَبْرًا , حَتَّى جَلَسَ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن حَرْمَلَة \" فَدَخَلَ وَهُوَ يَحْمَد اللَّه وَيَقُول : اللَّهُمَّ صَبْرًا \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم عِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي \" الدَّلَائِل \" قَالَ : \" بَعَثَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اِنْطَلِقْ حَتَّى تَأْتِي أَبَا بَكْر فَقُلْ لَهُ : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول لَك : أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ. ثُمَّ اِنْطَلِقْ إِلَى عُمَر كَذَلِكَ , ثُمَّ اِنْطَلِقْ إِلَى عُثْمَان كَذَلِكَ وَزَادَ : بَعْد بَلَاء شَدِيد. قَالَ فَانْطَلَقَ فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَهُمْ عَلَى الصِّفَة الَّتِي قَالَ لَهُ وَقَالَ : أَيْنَ نَبِيّ اللَّه ؟ قُلْت فِي مَكَان كَذَا وَكَذَا , فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ. وَقَالَ فِي عُثْمَان فَأَخَذَ بِيَدِي حَتَّى أَتَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ زَيْدًا قَالَ لِي كَذَا , وَالَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا تَغَنَّيْت وَلَا تَمَنَّيْت وَلَا مَسِسْت ذَكَرِي بِيَمِينِي مُنْذُ بَايَعْتُك , فَأَيّ بَلَاء يُصِيبنِي ؟ قَالَ هُوَ ذَاكَ \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ إِسْنَاده ضَعِيف , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ زَيْد بْن أَرْقَم قَبْل أَنْ يَجِيء أَبُو مُوسَى , فَلَمَّا جَاءُوا كَانَ أَبُو مُوسَى قَدْ قَعَدَ عَلَى الْبَاب فَرَاسَلَهُمْ عَلَى لِسَانه بِنَحْوِ مَا أَرْسَلَ بِهِ إِلَيْهِمْ زَيْد بْن أَرْقَم وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْت : وَوَقَعَ نَحْو قِصَّة أَبِي مُوسَى لِبِلَالٍ وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ نَافِع بْن عَبْد الْحَارِث الْخُزَاعِيّ قَالَ : \" دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَائِطًا مِنْ حَوَائِط الْمَدِينَة فَقَالَ لِبِلَالٍ : أَمْسِكْ عَلَيَّ الْبَاب , فَجَاءَ أَبُو بَكْر يَسْتَأْذِن \" فَذَكَرَ نَحْوه. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد نَحْوه. وَهَذَا إِنْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى التَّعَدُّد. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ فِيهِ وَهْمًا مِنْ بَعْض رُوَاته , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو وَفِي حَدِيثه أَنَّ نَافِع بْن عَبْد الْحَارِث هُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَأْذِن , وَهُوَ وَهْم أَيْضًا , فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ نَافِع فَذَكَرَهُ وَفِيهِ \" فَجَاءَ أَبُو بَكْر فَاسْتَأْذَنَ فَقَالَ لِأَبِي مُوسَى فِيمَا أَعْلَم اِئْذَنْ لَهُ \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي الزِّنَاد عَنْ أَبِي سَلِمَة عَنْ نَافِع بْن عَبْد الْحَارِث عَنْ أَبِي مُوسَى وَهُوَ الصَّوَاب , فَرَجَعَ الْحَدِيث إِلَى أَبِي مُوسَى وَاتَّحَدَتْ الْقِصَّة وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَشَارَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَلْوَى الْمَذْكُورَة إِلَى مَا أَصَابَ عُثْمَان فِي آخِر خِلَافَته مِنْ الشَّهَادَة يَوْم الدَّار , وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْرَح مِنْ هَذَا فَرَوَى أَحْمَد مِنْ طَرِيق كُلَيْب بْن وَائِل عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : \" ذَكَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِتْنَة , فَمَرَّ رَجُل فَقَالَ : يُقْتَل فِيهَا هَذَا يَوْمئِذٍ ظُلْمًا , قَالَ فَنَظَرْت فَإِذَا هُوَ عُثْمَان \" إِسْنَاده صَحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَلَسَ وِجَاهه ) ‏ ‏بِضَمِّ الْوَاو وَبِكَسْرِهَا أَيْ مُقَابِله. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ شَرِيك ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَاضِي. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : فَأَوَّلْتهَا قُبُورهمْ ) فِيهِ وُقُوع التَّأْوِيل فِي الْيَقِظَة وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الْفِرَاسَة وَالْمُرَاد اِجْتِمَاع الصَّاحِبَيْنِ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدَّفْن وَانْفِرَاد عُثْمَان عَنْهُمْ فِي الْبَقِيع , وَلَيْسَ الْمُرَاد خُصُوص صُورَة الْجُلُوس الْوَاقِعَة. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن حَرْمَلَة عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب \" قَالَ سَعِيد : فَأَوَّلْت ذَلِكَ اِنْتِبَاذ قَبْره مِنْ قُبُورهمْ \" وَسَيَأْتِي فِي الْفِتَن بِلَفْظِ \" اِجْتَمَعْت هَاهُنَا وَانْفَرَدَ عُثْمَان \" وَلَوْ ثَبَتَ الْخَبَر الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم عَنْ عَائِشَة فِي صِفَة الْقُبُور الثَّلَاثَة أَبُو بَكْر عَنْ يَمِينه وَعُمَر عَنْ يَسَاره لَكَانَ فِيهِ تَمَام التَّشْبِيه , وَلَكِنْ سَنَده ضَعِيف , وَعَارَضَهُ مَا هُوَ أَصَحّ مِنْهُ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن مُحَمَّد قَالَ : \" قُلْت لِعَائِشَة : يَا أُمَّاهُ اِكْشِفِي لِي عَنْ قَبْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ , فَكَشَفَتْ لِي \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَرَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَبُو بَكْر رَأْسه بَيْن كَتِفَيْهِ , وَعُمَر رَأْسه عِنْد رِجْلَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3399",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُمْ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَعِدَ ‏ ‏أُحُدًا ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏وَعُثْمَانُ ‏ ‏فَرَجَفَ بِهِمْ فَقَالَ ‏ ‏اثْبُتْ ‏ ‏أُحُدُ ‏ ‏فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الّقَطَّانُ وَسَعِيد هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة. ‏ ‏قَوْله : ( صَعِدَ أُحُدًا ) ‏ ‏هُوَ الْجَبَل الْمَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد \" حِرَاء \" وَالْأَوَّل أَصَحّ , وَلَوْلَا اِتِّحَاد الْمَخْرَج لَجَوَّزْت تَعَدُّد الْقِصَّة , ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الِاخْتِلَاف فِيهِ مِنْ سَعِيد , فَإِنِّي وَجَدْته فِي مُسْنَد الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة عَنْ رَوْح بْن عُبَادَة عَنْ سَعِيد فَقَالَ فِيهِ : \" أُحُدًا أَوْ حِرَاء \" بِالشَّكِّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ بِلَفْظِ \" حِرَاء \" وَإِسْنَاده صَحِيح , وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيث سَهْل بْن سَعْد بِلَفْظِ \" أُحُد \" وَإِسْنَاده صَحِيح , فَقَوَّى اِحْتِمَال تَعَدُّد الْقِصَّة , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْوَقْف مِنْ حَدِيث عُثْمَان أَيْضًا نَحْوه وَفِيهِ \" حِرَاء \" , وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَا يُؤَيِّد تَعَدُّد الْقِصَّة فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى حِرَاء وَمَعَهُ الْمَذْكُورُونَ هُنَا وَزَادَ مَعَهُمْ غَيْرهمْ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو بَكْر وَعُمَر ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : إِنَّمَا رَفَعَ أَبُو بَكْر عَطْفًا عَلَى الضَّمِير الْمَرْفُوع الَّذِي فِي \" صَعِدَ \" وَهُوَ جَائِز اِتِّفَاقًا لِوُجُودِ الْحَائِل وَهُوَ قَوْله : \" أُحُدًا \" وَهُوَ بِخِلَافِ قَوْله الْآتِي فِي آخِر الْبَاب \" كُنْت وَأَبُو بَكْر وَعُمَر. وَقَوْله : \" اُثْبُتْ \" وَقَعَ فِي مَنَاقِب عُمَر \" فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ اُثْبُتْ \" بِلَفْظِ الْأَمْر مِنْ الثَّبَات وَهُوَ الِاسْتِقْرَار , وَأُحُد مُنَادَى وَنِدَاؤُهُ وَخِطَابه يَحْتَمِل الْمَجَاز , وَحَمْله عَلَى الْحَقِيقَة أَوْلَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْهُ فِي قَوْله : \" أُحُد جَبَل يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ \" وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ فِي مَنَاقِب عُمَر أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ اُثْبُتْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّمَا عَلَيْك نَبِيّ وَصِدِّيق وَشَهِيدَانِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْ سَعِيد الْآتِيَة فِي مَنَاقِب عُمَر \" فَمَا عَلَيْك إِلَّا نَبِيّ أَوْ صِدِّيق أَوْ شَهِيد \" وَ \" أَوْ \" فِيهَا لِلتَّنْوِيعِ وَ \" شَهِيد \" لِلْجِنْسِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3400",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَخْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَمَا أَنَا عَلَى بِئْرٍ أَنْزِعُ مِنْهَا جَاءَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏فَأَخَذَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏الدَّلْوَ فَنَزَعَ ‏ ‏ذَنُوبًا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏ذَنُوبَيْنِ ‏ ‏وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ أَخَذَهَا ‏ ‏ابْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏مِنْ يَدِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا ‏ ‏فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنْ النَّاسِ ‏ ‏يَفْرِي ‏ ‏فَرِيَّهُ ‏ ‏فَنَزَعَ حَتَّى ‏ ‏ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَهْبٌ ‏ ‏الْعَطَنُ مَبْرَكُ الْإِبِلِ يَقُولُ حَتَّى رَوِيَتْ الْإِبِلُ فَأَنَاخَتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سَعِيد أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الرِّبَاطِيّ وَاسْم جَدّه إِبْرَاهِيم , وَأَمَّا السَّرَخْسِيّ فَكُنْيَته أَبُو جَعْفَر , وَاسْم جَدّه صَخْر. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا صَخْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن جُوَيْرِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَا أَنَا عَلَى بِئْر ) ‏ ‏أَيْ فِي الْمَنَام كَمَا تَقَدَّمَ التَّصْرِيح بِهِ فِي هَذَا الْبَاب مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" بَيْنَا أَنَا نَائِم \" وَسَبَقَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر قَبْل مَنَاقِب الصَّحَابَة بِبَابٍ \" رَأَيْت النَّاس مُجْتَمَعِينَ فِي صَعِيد وَاحِد \" وَيَأْتِي فِي مَنَاقِب عُمَر بِلَفْظِ \" رَأَيْت فِي الْمَنَام \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْزِع مِنْهَا ) ‏ ‏أَيْ أَمْلَأ الْمَاء بِالدَّلْوِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَبِالنُّونِ وَآخِره مُوَحَّدَة : الدَّلْو الْكَبِيرَة إِذَا كَانَ فِيهَا الْمَاء وَاتَّفَقَ مَنْ شَرَحَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ ذِكْر الذَّنُوب إِشَارَة إِلَى مُدَّة خِلَافَته , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ وَلِيَ سَنَتَيْنِ وَبَعْض سَنَة , فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمُرَاد لَقَالَ ذَنُوبَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة , وَالَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى مَا فُتِحَ فِي زَمَانه مِنْ الْفُتُوح الْكِبَار وَهِيَ ثَلَاثَة , وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّض فِي ذِكْر عُمَر إِلَى عَدَد مَا نَزَعَهُ مِنْ الدِّلَاء وَإِنَّمَا وَصَفَ نَزْعه بِالْعَظَمَةِ إِشَارَة إِلَى كَثْرَة مَا وَقَعَ فِي خِلَافَته مِنْ الْفُتُوحَات وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيّ تَفْسِير هَذَا الْحَدِيث فِي \" الْأُمّ \" فَقَالَ بَعْد أَنْ سَاقَهُ : وَمَعْنَى قَوْله : \" وَفِي نَزْعه ضَعْف \" قِصَر مُدَّته وَعَجَلَة مَوْته وَشُغْله بِالْحَرْبِ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ عَنْ الِافْتِتَاح وَالِازْدِيَاد الَّذِي بَلَغَهُ عُمَر فِي طُول مُدَّته , اِنْتَهَى. فَجَمَعَ فِي كَلَامه مَا تَفَرَّقَ فِي كَلَام غَيْره , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة فَقَالَ : \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَاعْبُرْهَا يَا أَبَا بَكْر , فَقَالَ إِلَيَّ الْأَمْر مِنْ بَعْدك , ثُمَّ يَلِيه عُمَر , قَالَ : كَذَلِكَ عَبَّرَهَا الْمَلَك \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ لَكِنْ فِي إِسْنَاده أَيُّوب بْن جَابِر وَهُوَ ضَعِيف. ‏ ‏قَوْله : ( وَفِي نَزْعه ضَعْف ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُ عَلَى مَهْل وَرِفْق. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّه يَغْفِر لَهُ ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا دُعَاء مِنْ الْمُتَكَلِّم , أَيْ أَنَّهُ لَا مَفْهُوم لَهُ. وَقَالَ غَيْره : فِيهِ إِشَارَة إِلَى قُرْب وَفَاة أَبِي بَكْر , وَهُوَ نَظِير قَوْله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَام ( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) فَإِنَّهَا إِشَارَة إِلَى قُرْب وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ قِلَّة الْفُتُوح فِي زَمَانه لَا صُنْع لَهُ فِيهِ , لِأَنَّ سَبَبه قِصَر مُدَّته , فَمَعْنَى الْمَغْفِرَة لَهُ رَفْع الْمَلَامَة عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَحَالَتْ فِي يَده غَرْبًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا مُوَحَّدَة , أَيْ دَلْوًا عَظِيمَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا قَاف مَفْتُوحَة وَرَاء مَكْسُورَة وَتَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة , وَالْمُرَاد بِهِ كُلّ شَيْء بَلَغَ النِّهَايَة , وَأَصْله أَرْض يَسْكُنهَا الْجِنّ ضَرَبَ بِهَا الْعَرَب الْمَثَل فِي كُلّ شَيْء عَظِيم , قِيلَ : قَرْيَة يُعْمَل فِيهَا الثِّيَاب الْبَالِغَة فِي الْحُسْن , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة مَا فِيهِ فِي مَنَاقِب عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( يَفْرِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْفَاء وَكَسْر الرَّاء وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة , وَقَوْله : \" فَرِيَّهُ \" بِفَتْحِ الْفَاء وَكَسْر الرَّاء وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة الْمَفْتُوحَة , وَرُوِيَ بِسُكُونِ الرَّاء وَخَطَّأَهُ الْخَلِيل , وَمَعْنَاهُ يَعْمَل عَمَله الْبَالِغ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي عُمَر يَنْزِع نَزْع عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى ضَرَبَ النَّاس بِعَطَنٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَآخِره نُون , هُوَ مُنَاخ الْإِبِل إِذَا شَرِبَتْ ثُمَّ صَدَرَتْ , وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِب عُمَر بِلَفْظِ \" حَتَّى رُوِيَ النَّاس وَضَرَبُوا بِعَطَنٍ \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي الطُّفَيْل بِإِسْنَادٍ حَسَن عِنْد الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيِّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" بَيْنَا أَنَا أَنْزِع اللَّيْلَة إِذْ وَرَدَتْ عَلَيَّ غَنَم سُود وَعُفْر , فَجَاءَ أَبُو بَكْر فَنَزَعَ \" فَذَكَرَهُ وَقَالَ فِي عُمَر \" فَمَلَأَ الْحِيَاض وَأَرْوَى الْوَارِدَة \" وَقَالَ فِيهِ \" فَأَوَّلْت السُّود الْعَرَب وَالْعُفْر الْعَجَم \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَهْب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن جَرِير شَيْخ شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث , وَكَلَامه هَذَا مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَقَوْله : \" يَقُول حَتَّى رَوَيْت الْإِبِل فَأَنَاخَتْ \" هُوَ مَقُول وَهْب الْمَذْكُور , وَسَيَأْتِي شَيْء مِنْ مَبَاحِثه فِي كِتَاب التَّعْبِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : أَشَارَ بِالْبِئْرِ إِلَى الدِّين الَّذِي هُوَ مَنْبَع مَاؤُهُ حَيَاة النُّفُوس وَتَمَام أَمْر الْمَعَاش وَالْمَعَاد , وَالنَّزْع مِنْهُ إِخْرَاج الْمَاء , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى إِشَاعَة أَمْره وَإِجْرَاء أَحْكَامه. وَقَوْله : \" يَغْفِر اللَّه لَهُ \" إِشَارَة إِلَى أَنَّ ضَعْفه - الْمُرَاد بِهِ الرِّفْق - غَيْر قَادِح فِيهِ , أَوْ الْمُرَاد بِالضَّعْفِ مَا وَقَعَ فِي أَيَّامه مِنْ أَمْر الرِّدَّة وَاخْتِلَاف الْكَلِمَة إِلَى أَنْ اِجْتَمَعَ ذَلِكَ فِي آخِر أَيَّامه وَتَكَمَّلَ فِي زَمَان عُمَر , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِالْقُوَّةِ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث سَمُرَة \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه رَأَيْت كَأَنَّ دَلْوًا مِنْ السَّمَاء دُلِّيَتْ , فَجَاءَ أَبُو بَكْر فَشَرِبَ شُرْبًا ضَعِيفًا. ثُمَّ جَاءَ عُمَر فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ \" الْحَدِيث , فَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى بَيَان الْمُرَاد بِالنَّزْعِ الضَّعِيف وَالنَّزْع الْقَوِيّ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3401",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْمَكِّيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنِّي لَوَاقِفٌ فِي قَوْمٍ فَدَعَوْا اللَّهَ ‏ ‏لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏وَقَدْ وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ إِذَا رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي قَدْ وَضَعَ مِرْفَقَهُ عَلَى مَنْكِبِي يَقُولُ رَحِمَكَ اللَّهُ إِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ لِأَنِّي كَثِيرًا مَا كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏وَفَعَلْتُ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏وَانْطَلَقْتُ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏فَإِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَهُمَا فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن صَالِح ) ‏ ‏هُوَ أَبُو مُحَمَّد الضَّبِّيّ الْحَزَرِيّ النَّخَّاس بِالنُّونِ وَالْخَاء الْمُعْجَمَة , وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَغَيْره , وَلَمْ يَكْتُب عَنْهُ أَحْمَد لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَاب الرَّأْي فَرَآهُ يُصَلِّي فَلَمْ تُعْجِبهُ صَلَاته , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَسَيَأْتِي مِنْ وَجْه آخَر فِي مَنَاقِب عُمَر عَنْ اِبْن أَبِي حُسَيْن , فَظَهَرَ أَنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يَحْتَجّ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت وَأَبُو بَكْر وَعُمَر ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين الْأَحْسَن عِنْد النُّحَاة أَنْ لَا يُعْطَف عَلَى الضَّمِير الْمَرْفُوع إِلَّا بَعْد تَأْكِيده , حَتَّى قَالَ بَعْضهمْ إِنَّهُ قَبِيح , لَكِنْ يَرِد عَلَيْهِمْ قَوْله تَعَالَى : ( مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا ) وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْحَائِل وَهُوَ قَوْله : \" لَا \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْعَطْف قَدْ حَصَلَ قَبْل \" لَا \" قَالَ : وَيَرِد عَلَيْهِمْ أَيْضًا هَذَا الْحَدِيث اِنْتَهَى. وَالتَّعْقِيب مَرْدُود , فَإِنَّهُ وُجِدَ فَاصِل فِي الْجُمْلَة , وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيث فَلَمْ تَتَّفِق الرُّوَاة عَلَى لَفْظه , وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِب عُمَر مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظِ \" ذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْر وَعُمَر \" فَعَطَفَ مَعَ التَّأْكِيد مَعَ اِتِّحَاد الْمَخْرَج , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة , وَسَيَأْتِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث قَرِيبًا فِي مَنَاقِب عُمَر إِنْ شَاءَ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3402",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْكُوفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَوْزَاعِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ أَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ ‏ ‏جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏يُصَلِّي ‏ ‏فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا فَجَاءَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏حَتَّى دَفَعَهُ عَنْهُ فَقَالَ ‏ { ‏أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ ‏ ‏رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَزِيد الْكُوفِيّ ) ‏ ‏قِيلَ : هُوَ أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ وَهُوَ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ , وَقَالَ الْحَاكِم وَالْكَلَابَاذِيّ : هُوَ غَيْره , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن عَنْ الْفَرَبْرِيّ \" مُحَمَّد بْن كَثِير \" وَهُوَ وَهْم نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ ; لِأَنَّ مُحَمَّد بْن كَثِير لَا تُعْرَف لَهُ رِوَايَة عَنْ الْوَلِيد , وَالْوَلِيد هُوَ اِبْن مُسْلِم , وَسَيَأْتِي الْحَدِيث فِي \" بَاب مَا لَقِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّة \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْوَلِيد وَفِيهِ تَصْرِيحه وَتَصْرِيح الْأَوْزَاعِيِّ بِالتَّحْدِيثِ , وَيَأْتِي شَرْحه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏مَاتَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِمَرَضِ السُّلّ عَلَى مَا قَالَهُ الزُّبَيْر بْن بَكَّار , وَعَنْ الْوَاقِدِيّ إِنَّهُ اِغْتَسَلَ فِي يَوْم بَارِد فَحُمَّ خَمْسَة عَشَر يَوْمًا , وَقِيلَ : بَلْ سَمَّتْهُ الْيَهُود فِي حَرِيرَة أَوْ غَيْرهَا وَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيح لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَة سَنَة ثَلَاث عَشْرَة مِنْ الْهِجْرَة , فَكَانَتْ مُدَّة خِلَافَته سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَة أَشْهُر وَأَيَّامًا , وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ , وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ اِسْتَكْمَلَ سِنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَاتَ وَهُوَ اِبْن ثَلَاث وَسِتِّينَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3403",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمَاجِشُونِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَيْتُنِي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا ‏ ‏بِالرُّمَيْصَاءِ ‏ ‏امْرَأَةِ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏وَسَمِعْتُ ‏ ‏خَشَفَةً ‏ ‏فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالَ هَذَا ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا فَقَالَ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ فَأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَلَيْكَ أَغَارُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن الْمَاجِشُونِ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَسَقَطَ لَفْظ \" اِبْن \" مِنْ رِوَايَة غَيْره , وَهُوَ عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَلَمَة الْمَدَنِيّ , وَالْمَاجِشُون لَقَب جَدّه وَتَلَقَّبَ بِهِ أَوْلَاده. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ الْأَكْثَر عَنْ اِبْن الْمَاجِشُونِ , وَرَوَاهُ صَالِح بْن مَالِك عَنْهُ \" عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" أَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي فَوَائِده فَلَعَلَّ لِعَبْدِ الْعَزِيز فِيهِ شَيْخَيْنِ , وَيُؤَيِّدهُ اِقْتِصَاره فِي حَدِيث حُمَيْدٍ عَلَى قِصَّة الْقَصْر فَقَطْ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن حِبَّانَ مِنْ وَجْه آخَر \" عَنْ حُمَيْدٍ \" كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْتنِي دَخَلْت الْجَنَّة , فَإِذَا أَنَا بِالرُّمَيْصَاءِ اِمْرَأَة أَبِي طَلْحَة ) ‏ ‏هِيَ أُمّ سُلَيْمٍ , وَالرُّمَيْصَاء بِالتَّصْغِيرِ صِفَة لَهَا لِرَمَصٍ كَانَ بِعَيْنِهَا , وَاسْمهَا سَهْلَة , وَقِيلَ رُمَيْلَة , وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ , وَقِيلَ هُوَ اِسْمهَا , وَيُقَال فِيهِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة بَدَل الرَّاء وَقِيلَ هُوَ اِسْم أُخْتهَا أُمّ حَرَام , وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ هُوَ اِسْم أُخْت أُمّ سُلَيْمٍ مِنْ الرَّضَاعَة , وَجَوَّزَ اِبْن التِّين أَنْ يَكُون الْمُرَاد اِمْرَأَة أُخْرَى لِأَبِي طَلْحَة. وَقَوْله \" رَأَيْتنِي \" بِضَمِّ الْمُثَنَّاة وَالضَّمِير مِنْ الْمُتَكَلِّم , وَهُوَ مِنْ خَصَائِص أَفْعَال الْقُلُوب. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَمِعْت خَشَفَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَالْفَاء أَيْ حَرَكَة , وَزْنًا وَمَعْنًى , وَوَقَعَ لِأَحْمَد \" سَمِعْت خَشَفًا \" يَعْنِي صَوْتًا , قَالَ أَبُو عُبَيْد : الْخَشَفَة الصَّوْت لَيْسَ بِالشَّدِيدِ , قِيلَ وَأَصْله صَوْت دَبِيب الْحَيَّة , وَمَعْنَى الْحَدِيث هُنَا مَا يُسْمَع مِنْ حِسّ وَقْع الْقَدَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : هَذَا بِلَال ) ‏ ‏وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ فِي صَلَاة اللَّيْل مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مُطَوَّلًا , وَتَقَدَّمَ مِنْ شَرْحه هُنَاكَ مَا يَتَعَلَّق بِهِ , وَتَقَدَّمَ بَعْض الْكَلَام عَلَيْهِ فِي صِفَة الْجَنَّة حَيْثُ أُورِدَ هُنَاكَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَأَيْت قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَة ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي بَعْده \" تَتَوَضَّأ إِلَى جَانِب قَصْر \" وَفِي حَدِيث أَنَس عِنْد التِّرْمِذِيّ \" قَصْر مِنْ ذَهَب \" وَالْفِنَاء بِكَسْرِ الْفَاء وَتَخْفِيف النُّون مَعَ الْمَدّ : جَانِب الدَّار. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لِمَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَقَالُوا \" وَالظَّاهِر أَنَّ الْمُخَاطَب لَهُ بِذَلِكَ جِبْرِيل أَوْ غَيْره مِنْ الْمَلَائِكَة , وَقَدْ أَفْرَدَ هَذِهِ الْقِصَّة فِي النِّكَاح وَفِي التَّعْبِير مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرْت غَيْرَتك ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي النِّكَاح \" فَأَرَدْت أَنْ أَدْخُلهُ فَلَمْ يَمْنَعنِي إِلَّا عِلْمِي بِغَيْرَتِك \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر وَعَمْرو بْن دِينَار جَمِيعًا عَنْ جَابِر فِي هَذِهِ الْقِصَّة الْأَخِيرَة \" دَخَلْت الْجَنَّة فَرَأَيْت فِيهَا قَصْرًا يُسْمَع فِي ضَوْضَاء , فَقُلْت : لِمَنْ هَذَا ؟ فَقِيلَ : لِعُمَر \" وَالضَّوْضَاء بِمُعْجَمَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنهمَا وَاو وَبِالْمَدِّ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ عُمَر بَكَى \" وَيَأْتِي فِي النِّكَاح بِلَفْظِ \" فَبَكَى عُمَر , وَهُوَ فِي الْمَجْلِس \" وَقَوْله \" بِأَبِي وَأُمِّي \" أَيْ أَفْدِيك بِهِمَا , وَقَوْله \" أَعَلَيْك أَغَارَ \" مَعْدُود مِنْ الْقَلْب , وَالْأَصْل أَعْلَيْهَا أَغَارَ مِنْك ؟ قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ الْحُكْم لِكُلِّ رَجُل بِمَا يَعْلَم مِنْ خُلُقه , قَالَ وَبُكَاء عُمَر يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سُرُورًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَشَوُّقًا أَوْ خُشُوعًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ حُمَيْدٍ مِنْ الزِّيَادَة \" فَقَالَ عُمَر : وَهَلْ رَفَعَنِي اللَّه إِلَّا بِك ؟ وَهَلْ هَدَانِي اللَّه إِلَّا بِك \" ؟ رَوَيْنَاهُ فِي \" فَوَائِد عَبْد الْعَزِيز الْحَرْبِيّ \" مِنْ هَذَا الْوَجْه وَهِيَ زِيَادَة غَرِيبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3404",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ قَالُوا ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا فَبَكَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَقَالَ أَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْمَعْنَى , ذَكَرَهُ مُقْتَصَرًا عَلَى قِصَّة رُؤْيَا الْمَرْأَة إِلَى جَانِب الْقَصْر وَزَادَ فِيهِ \" قَالُوا : لِعُمَر , فَذَكَرْت غَيْرَته فَوَلَّيْت مُدْبِرًا \" وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُرَاعَاة الصُّحْبَة , وَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِعُمَر. وَقَوْله فِيهِ ‏ ‏\" تَتَوَضَّأ \" ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره وَلَا يُنْكَر كَوْنهَا تَتَوَضَّأ حَقِيقَة لِأَنَّ الرُّؤْيَا وَقَعَتْ فِي زَمَن التَّكْلِيف , وَالْجَنَّة وَإِنْ كَانَ لَا تَكْلِيف فِيهَا فَذَاكَ فِي زَمَن الِاسْتِقْرَار بَلْ ظَاهِر قَوْله \" تَتَوَضَّأ إِلَى جَانِب قَصْر \" أَنَّهَا تَتَوَضَّأ خَارِجَة مِنْهُ , أَوْ هُوَ عَلَى غَيْر الْحَقِيقَة. وَرُؤْيَا الْمَنَام لَا تُحْمَل دَائِمًا عَلَى الْحَقِيقَة بَلْ تَحْتَمِل التَّأْوِيل , فَيَكُون مَعْنَى كَوْنهَا تَتَوَضَّأ أَنَّهَا تُحَافِظ فِي الدُّنْيَا عَلَى الْعِبَادَة , أَوْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَتَوَضَّأ أَيْ تَسْتَعْمِل الْمَاء لِأَجْلِ الْوَضَاءَة عَلَى مَدْلُوله اللُّغَوِيّ وَفِيهِ بُعْدٌ. وَأَغْرَبَ اِبْن قُتَيْبَة وَتَبِعَهُ الْخَطَّابِيُّ فَزَعَمَ أَنَّ قَوْله تَتَوَضَّأ تَصْحِيف وَتَغْيِير مِنْ النَّاسِخ , وَإِنَّمَا الصَّوَاب اِمْرَأَة شَوْهَاء , وَلَمْ يَسْتَنِد فِي هَذِهِ الدَّعْوَى إِلَّا إِلَى اِسْتِبْعَاد أَنْ يَقَع فِي الْجَنَّة وُضُوء لِأَنَّهُ لَا عَمَل فِيهَا , وَعَدَم الِاطِّلَاع عَلَى الْمُرَاد مِنْ الْخَبَر لَا يَقْتَضِي تَغْلِيط الْحُفَّاظ. ثُمَّ أَخَذَ الْخَطَّابِيُّ فِي نَقْل كَلَام أَهْل اللُّغَة فِي تَفْسِير الشَّوْهَاء فَقِيلَ هِيَ الْحَسْنَاء وَنَقَلَهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , وَإِنَّمَا تَكُون حَسْنَاء إِذَا وَصَفْت بِهَا الْفَرَس , قَالَ الْجَوْهَرِيّ : فَرَس شَوْهَاء صِفَة مَحْمُودَة وَ \" الشَّوْهَاء \" الْوَاسِعَة الْفَم وَهُوَ مُسْتَحْسَنٌ فِي الْخَيْل وَالشَّوْهَاء مِنْ النِّسَاء الْقَبِيحَة كَمَا جَزَمَ بِهِ اِبْن الْأَعْرَابِيّ وَغَيْره , وَقَدْ تَعَقَّبَ الْقُرْطُبِيّ كَلَام الْخَطَّابِيِّ لَكِنْ نَسَبَهُ إِلَى اِبْن قُتَيْبَة فَقَطْ , قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : بَدَل تَتَوَضَّأ شَوْهَاء ثُمَّ نَقَلَ أَنَّ الشَّوْهَاء تُطْلَق عَلَى الْقَبِيحَة وَالْحَسْنَاء , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَالْوُضُوء هُنَا لِطَلَبِ زِيَادَة الْحُسْن لَا لِلنَّظَافَةِ لِأَنَّ الْجَنَّة مُنَزَّهَةٌ عَنْ الْأَوْسَاخ وَالْأَقْذَار , وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب التَّعْبِير \" بَاب الْوُضُوء فِي الْمَنَام \" فَبَطَلَ مَا تَخَيَّلَهُ الْخَطَّابِيُّ , وَفِي الْحَدِيث فَضِيلَة الرُّمَيْصَاء وَأَنَّهَا كَانَتْ مُوَاظِبَة عَلَى الْعِبَادَة , كَذَا نَقَلَهُ اِبْن التِّين عَنْ غَيْره وَفِيهِ نَظَر. ‏"
    },
    {
        "id": "3405",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ أَبُو جَعْفَرٍ الْكُوفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ شَرِبْتُ ‏ ‏يَعْنِي اللَّبَنَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى الرِّيِّ يَجْرِي فِي ظُفُرِي أَوْ فِي أَظْفَارِي ثُمَّ نَاوَلْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَقَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ قَالَ الْعِلْمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الصَّلْت أَبُو جَعْفَر ) ‏ ‏هُوَ الْأُسَيْدِيّ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَلَهُ شَيْخ آخَر يُقَال لَهُ مُحَمَّد بْن الصَّلْت يُكَنَّى أَبَا يَعْلَى وَهُوَ بَصْرِيّ ; وَأَبُو جَعْفَر أَكْبَر مِنْ أَبِي يَعْلَى وَأَقْدَم سَمَاعًا. ‏ ‏قَوْله : ( شَرِبْت يَعْنِي اللَّبَن ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَسَيَأْتِي فِي التَّعْبِير عَنْ عَبْدَان عَنْ اِبْن الْمُبَارَك بِلَفْظِ \" بَيْنَا أَنَا نَائِم أُتِيت بِقَدَحٍ لَبَن فَشَرِبْت مِنْهُ \" أَيْ مِنْ ذَلِكَ اللَّبَن. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَنْظُر إِلَى الرِّيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْدَانِ \" حَتَّى أَنِّي \" وَيَجُوز فَتْح هَمْزَة أَنِّي وَكَسْرهَا وَرُؤْيَة الرِّيّ عَلَى سَبِيل الِاسْتِعَارَة كَأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الرِّيّ جِسْمًا أَضَافَ إِلَيْهِ مَا هُوَ مِنْ خَوَاصّ الْجِسْم , وَهُوَ كَوْنه مَرْئِيًّا , وَأَمَّا قَوْله \" أَنْظُر \" فَإِنَّمَا أَتَى بِهِ بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَة وَالْأَصْل أَنَّهُ مَاضٍ اِسْتِحْضَارًا لِصُورَةِ الْحَال , وَقَوْله \" أَنْظُر \" يُؤَيِّد أَنَّ قَوْله \" أَرَى \" فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْعِلْم مِنْ رُؤْيَة الْبَصَر لَا مِنْ الْعِلْم , وَالرِّيّ بِكَسْرِ الرَّاء وَيَجُوز فَتْحهَا. ‏ ‏قَوْله : ( يَجْرِي ) ‏ ‏أَيْ اللَّبَن أَوْ الرِّيّ وَهُوَ حَال. ‏ ‏قَوْله : ( فِي ظُفْرِي أَوْ أَظْفَارِي ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَفِي رِوَايَة عَبْدَان \" مِنْ أَظْفَارِي \" وَلَمْ يَشُكّ , وَكَذَا فِي رِوَايَة عَقِيل فِي الْعِلْم لَكِنْ قَالَ \" فِي أَظْفَارِي \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ نَاوَلْت عُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْدَان \" ثُمَّ نَاوَلْت فَضْلِي \" يَعْنِي عُمَر , وَفِي رِوَايَة عَقِيل فِي الْعِلْم \" ثُمَّ أَعْطَيْت فَضْلِي عُمَر بْن الْخَطَّاب \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالُوا فَمَا أَوَّلْته ) ‏ ‏أَيْ عَبَّرْته ‏ ‏( قَالَ الْعِلْم ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ أَوَّلْته الْعِلْم , وَبِالرَّفْعِ أَيْ الْمُؤَوَّل بِهِ هُوَ الْعِلْم , وَوَقَعَ فِي \" جُزْء الْحُسَيْن بْن عَرَفَة \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر \" قَالَ فَقَالُوا : هَذَا الْعِلْم الَّذِي آتَاكَهُ اللَّه , حَتَّى اِمْتَلَأْت فَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلَة فَأَخَذَهَا عُمَر , قَالَ : أَصَبْتُمْ \" وَإِسْنَاده ضَعِيف فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون بَعْضهمْ أَوَّلَ وَبَعْضهمْ سَأَلَ , وَوَجْه التَّعْبِير بِذَلِكَ مِنْ جِهَة اِشْتَرَاك اللَّبَن وَالْعِلْم فِي كَثْرَة النَّفْع , وَكَوْنهمَا سَبَبًا لِلصَّلَاحِ , فَاللَّبَن لِلْغِذَاءِ الْبَدَنِيّ وَالْعِلْم لِلْغِذَاءِ الْمَعْنَوِيّ. وَفِي الْحَدِيث فَضِيلَة عُمَر وَأَنَّ الرُّؤْيَا مِنْ شَأْنهَا أَنْ لَا تُحْمَل عَلَى ظَاهِرهَا وَإِنْ كَانَتْ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء مِنْ الْوَحْي , لَكِنْ مِنْهَا مَا يَحْتَاج إِلَى تَعْبِير وَمِنْهَا مَا يُحْمَل عَلَى ظَاهِره , وَسَيَأْتِي تَقْرِير ذَلِكَ فِي كِتَاب التَّعْبِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْمُرَاد بِالْعِلْمِ هُنَا الْعِلْم بِسِيَاسَةِ النَّاس بِكِتَابِ اللَّه وَسُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاخْتَصَّ عُمَر بِذَلِكَ لِطُولِ مُدَّته بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَبِي بَكْر , وَبِاتِّفَاقِ النَّاس عَلَى طَاعَته بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُثْمَان , فَإِنَّ مُدَّة أَبِي بَكْر كَانَتْ قَصِيرَة فَلَمْ يَكْثُر فِيهَا الْفُتُوح الَّتِي هِيَ أَعْظَم الْأَسْبَاب فِي الِاخْتِلَاف , وَمَعَ ذَلِكَ فَسَاسَ عُمَر فِيهَا - مَعَ طُول مُدَّته - النَّاس بِحَيْثُ لَمْ يُخَالِفهُ أَحَد , ثُمَّ اِزْدَادَتْ اِتِّسَاعًا فِي خِلَافَة عُثْمَان فَانْتَشَرَتْ الْأَقْوَال وَاخْتَلَفَتْ الْآرَاء وَلَمْ يَتَّفِق لَهُ مَا اِتَّفَقَ لِعُمَر مِنْ طَوَاعِيَة الْخَلْق لَهُ فَنَشَأَتْ مِنْ ثَمَّ الْفِتَن , إِلَى أَنْ أَفْضَى الْأَمْر إِلَى قَتْله , وَاسْتُخْلِفَ عَلِيّ فَمَا اِزْدَادَ الْأَمْر إِلَّا اِخْتِلَافًا وَالْفِتَن إِلَّا اِنْتِشَارًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3406",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُرِيتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي ‏ ‏أَنْزِعُ ‏ ‏بِدَلْوِ بَكْرَةٍ عَلَى ‏ ‏قَلِيبٍ ‏ ‏فَجَاءَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَنَزَعَ ‏ ‏ذَنُوبًا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏ذَنُوبَيْنِ ‏ ‏نَزْعًا ‏ ‏ضَعِيفًا وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ جَاءَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا ‏ ‏فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا ‏ ‏يَفْرِي ‏ ‏فَرِيَّهُ حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ ‏ ‏وَضَرَبُوا بِعَطَنٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏الْعَبْقَرِيُّ ‏ ‏عِتَاقُ الزَّرَابِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏الزَّرَابِيُّ ‏ ‏الطَّنَافِسُ ‏ ‏لَهَا ‏ ‏خَمْلٌ ‏ ‏رَقِيقٌ ‏ { ‏مَبْثُوثَةٌ ‏} ‏كَثِيرَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر بْن سَالِم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَهُوَ مِنْ أَقْرَان الرَّاوِي عَنْهُ , وَهُمَا مَدَنِيَّانِ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , وَأَمَّا أَبُو سَالِم فَمَعْدُود مِنْ كِبَارهمْ , وَهُوَ أَحَد الْفُقَهَاء السَّبْعَة , وَلَيْسَ لِأَبِي بَكْر بْن سَالِم فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , وَوَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ. وَلَا يُعْرَف لَهُ رَاوٍ إِلَّا عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر الْمَذْكُور , وَإِنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْمُتَابَعَات. وَقَدْ مَضَى الْحَدِيث مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم. ‏ ‏قَوْله : ( بِدَلْوِ بَكَرَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَالْكَاف عَلَى الْمَشْهُور وَحَكَى بَعْضهمْ تَثْلِيث أَوَّله , وَيَجُوز إِسْكَانهَا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد نِسْبَة الدَّلْو إِلَى الْأُنْثَى مِنْ الْإِبِل وَهِيَ الشَّابَّة , أَيْ الدَّلْو الَّتِي يُسْقَى بِهَا , وَأَمَّا بِالتَّحْرِيكِ فَالْمُرَاد الْخَشَبَة الْمُسْتَدِيرَة الَّتِي يُعَلَّق فِيهَا الدَّلْو. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن جُبَيْر : الْعَبْقَرِيّ عِتَاق الزَّرَابِيّ ) ‏ ‏وَصَلَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقه , وَكَذَا رَوَيْنَاهُ فِي \" صِفَة الْجَنَّة لِأَبِي نُعَيْم \" مِنْ طَرِيق أَبِي بِشْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ( مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَف خُضْر وَعَبْقَرِيّ حِسَان ) قَالَ : الرَّفْرَف رِيَاض الْجَنَّة , وَالْعَبْقَرِيّ الزَّرَابِيّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِي وَكَرِيمَة وَبَعْض النُّسَخ عَنْ أَبِي ذَرّ هُنَا \" قَالَ اِبْن نُمَيْر \" وَقِيلَ الْمُرَاد مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر شَيْخ الْمُصَنِّف فِيهِ , وَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِي كِتَاب التَّعْبِير , وَالْمُرَاد بِالْعِتَاقِ الْحِسَان , وَالزَّرَابِيّ جَمْع زَرْبِيَّة وَهِيَ الْبِسَاط الْعَرِيض الْفَاخِر , قَالَ فِي الْمَشَارِق : الْعَبْقَرِيّ النَّافِذ الْمَاضِي الَّذِي لَا شَيْء يَفُوقهُ , قَالَ أَبُو عُمَر : وَعَبْقَرِيّ الْقَوْم سَيِّدهمْ وَقَيِّمهمْ وَكَبِيرهمْ , وَقَالَ الْفَرَّاء : الْعَبْقَرِيّ السَّيِّد وَالْفَاخِر مِنْ الْحَيَوَان وَالْجَوْهَر وَالْبِسَاط الْمَنْقُوش , وَقِيلَ هُوَ مَنْسُوب إِلَى عَبْقَر مَوْضِع بِالْبَادِيَةِ , وَقِيلَ قَرْيَة يُعْمَل فِيهَا الثِّيَاب الْبَالِغَة الْحُسْن وَالْبُسُط , وَقِيلَ نِسْبَة إِلَى أَرْض تَسْكُنهَا الْجِنّ , تَضْرِب بِهَا الْعَرَب الْمَثَل فِي كُلّ شَيْء عَظِيم قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة , قَالَ اِبْن الْأَثِير : فَصَارُوا كُلَّمَا رَأَوْا شَيْئًا غَرِيبًا مِمَّا يَصْعُب عَمَله وَيَدُقّ أَوْ شَيْئًا عَظِيمًا فِي نَفْسه نَسَبُوهُ إِلَيْهَا فَقَالُوا عَبْقَرِيّ , ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ حَتَّى سُمِّيَ بِهِ السَّيِّد الْكَبِير. ثُمَّ اِسْتَطْرَدَ الْمُصَنِّف كَعَادَتِهِ فَذَكَرَ مَعْنَى صِفَة الزَّرَابِيّ الْوَارِدَة فِي الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى ( وَزَرَابِيّ مَبْثُوثَة ). ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد الْفَرَّاء , ذَكَرَ ذَلِكَ فِي \" كِتَاب مَعَانِي الْقُرْآن \" لَهُ , وَظَنَّ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ يَحْيَى بْن سَعِيد الّقَطَّانُ فَجَزَمَ بِذَلِكَ وَاسْتَنَدَ إِلَى كَوْن الْحَدِيث وَرَدَ مِنْ رِوَايَته كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله : ( الطَّنَافِس ) ‏ ‏هِيَ جَمْع طُنْفُسَة وَهِيَ الْبِسَاط. ‏ ‏قَوْله : ( لَهَا خَمَل ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمِيم بَعْدهَا لَام أَيْ أَهْدَاب , وَقَوْله \" رَقِيق \" أَيْ غَيْر غَلِيظَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَبْثُوثَة كَثِيرَة ) ‏ ‏هُوَ بَقِيَّة كَلَام يَحْيَى بْن زِيَاد الْمَذْكُور. ‏"
    },
    {
        "id": "3407",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْحَمِيدِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعِنْدَهُ ‏ ‏نِسْوَةٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ عَلَى صَوْتِهِ فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏قُمْنَ فَبَادَرْنَ الْحِجَابَ فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَخَلَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَضْحَكُ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَأَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْنَ نَعَمْ أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِيهًا يَا ‏ ‏ابْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا ‏ ‏فَجًّا ‏ ‏قَطُّ إِلَّا سَلَكَ ‏ ‏فَجًّا ‏ ‏غَيْرَ ‏ ‏فَجِّكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْخَطَّاب , وَفِي الْإِسْنَاد أَرْبَعَة مِنْ التَّابِعِينَ عَلَى نَسَق : قَرِينَانِ وَهُمَا صَالِح وَهُوَ اِبْن كَيْسَانَ وَابْن شِهَاب , وَقَرِيبَانِ وَهُمَا عَبْد الْحَمِيد وَمُحَمَّد بْن سَعْد وَكُلّهمْ مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَأْذَنَ عُمَر عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْده نِسْوَة مِنْ قُرَيْش ) ‏ ‏هُنَّ مِنْ أَزْوَاجه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعَهُنَّ مِنْ غَيْرهنَّ لَكِنْ قَرِينَة قَوْله : \" يَسْتَكْثِرْنَهُ \" يُؤَيِّد الْأَوَّل , وَالْمُرَاد أَنَّهُنَّ يَطْلُبْنَ مِنْهُ مِمَّا يُعْطِيهِنَّ. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُنَّ يُكْثِرْنَ الْكَلَام عِنْده , وَهُوَ مَرْدُود بِمَا وَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ فِي حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم أَنَّهُنَّ يَطْلُبْنَ النَّفَقَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَالِيَة ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ عَلَى الصِّفَة وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْحَال , وَقَوْله \" أَصْوَاتهنَّ عَلَى صَوْته \" قَالَ اِبْن التِّين : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَبْل نُزُول النَّهْي عَنْ رَفْع الصَّوْت عَلَى صَوْته , أَوْ كَانَ ذَلِكَ طَبْعهنَّ اِنْتَهَى. وَقَالَ غَيْره : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الرَّفْع حَصَلَ مِنْ مَجْمُوعهنَّ لَا أَنَّ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ كَانَ صَوْتهَا أَرْفَع مِنْ صَوْته , وَفِيهِ نَظَر. قِيلَ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِيهِنَّ جَهِيرَة , أَوْ النَّهْي خَاصّ بِالرِّجَالِ وَقِيلَ فِي حَقّهنَّ لِلتَّنْزِيهِ , أَوْ كُنَّ فِي حَال الْمُخَاصَمَة فَلَمْ يَتَعَمَّدْنَ , أَوْ وَثِقْنَ بِعَفْوِهِ. وَيَحْتَمِل فِي الْخَلْوَة مَا لَا يَحْتَمِل فِي غَيْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَضْحَكَ اللَّه سِنَّك ) ‏ ‏لَمْ يُرِدْ بِهِ الدُّعَاء بِكَثْرَةِ الضَّحِك بَلْ لَازِمه وَهُوَ السُّرُور , أَوْ نَفْي لَازِمه وَهُوَ الْحُزْن. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَهَبْنَنِي ) ‏ ‏مِنْ الْهَيْبَة أَيْ تُوَقِّرْنَنِي. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَتَيْنِ بِصِيغَةِ أَفْعَل التَّفْضِيل مِنْ الْفَظَاظَة وَالْغِلْظَة وَهُوَ يَقْتَضِي الشَّرِكَة فِي أَصْل الْفِعْل , وَيُعَارِضهُ قَوْله تَعَالَى ( وَلَوْ كُنْت فَظًّا غَلِيظ الْقَلْب لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك ) فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَظًّا وَلَا غَلِيظًا , وَالْجَوَاب أَنَّ الَّذِي فِي الْآيَة يَقْتَضِي نَفْي وُجُود ذَلِكَ لَهُ صِفَة لَازِمَة فَلَا يَسْتَلْزِم مَا فِي الْحَدِيث ذَلِكَ , بَلْ مُجَرَّد وُجُود الصِّفَة لَهُ فِي بَعْض الْأَحْوَال وَهُوَ عِنْد إِنْكَار الْمُنْكَر مَثَلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَجَوَّزَ بَعْضهمْ أَنَّ الْأَفَظّ هُنَا بِمَعْنَى الْفَظّ , وَفِيهِ نَظَر لِلتَّصْرِيحِ بِالتَّرْجِيحِ الْمُقْتَضِي لِحَمْلِ أَفْعَل عَلَى بَابه , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُوَاجِه أَحَدًا بِمَا يَكْرَه إِلَّا فِي حَقّ مِنْ حُقُوق اللَّه , وَكَانَ عُمَر يُبَالِغ فِي الزَّجْر عَنْ الْمَكْرُوهَات مُطْلَقًا وَطَلَب الْمَنْدُوبَات , فَلِهَذَا قَالَ النِّسْوَة لَهُ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِيهًا اِبْن الْخَطَّاب ) ‏ ‏قَالَ أَهْل اللُّغَة \" إِيهًا \" بِالْفَتْحِ وَالتَّنْوِين مَعْنَاهَا لَا تَبْتَدِئنَا بِحَدِيثٍ , وَبِغَيْرِ تَنْوِينَ كُفَّ مِنْ حَدِيث عَهِدْنَاهُ , وَ \" إِيهٍ \" بِالْكَسْرِ وَالتَّنْوِين مَعْنَاهَا حَدِّثْنَا مَا شِئْت وَبِغَيْرِ التَّنْوِين زِدْنَا مِمَّا حَدَّثْتنَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَتنَا بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِين. وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ بِغَيْرِ تَنْوِين وَقَالَ مَعْنَاهُ كُفَّ عَنْ لَوْمهنَّ , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْأَمْر بِتَوْقِيرِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَطْلُوب لِذَاتِهِ تُحْمَد الزِّيَادَة مِنْهُ , فَكَأَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِيه \" اِسْتِزَادَة مِنْهُ فِي طَلَب تَوْقِيره وَتَعْظِيم جَانِبه , وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ \" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِلَخْ \" فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّهُ رَضِيَ مَقَالَته وَحَمِدَ فِعَاله , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجًّا ) ‏ ‏أَيْ طَرِيقًا وَاسِعًا , وَقَوْله \" قَطّ \" تَأْكِيد لِلنَّفْيِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْر فَجِّك ) ‏ ‏فِيهِ فَضِيلَة عَظِيمَة لِعُمَر تَقْتَضِي أَنَّ الشَّيْطَان لَا سَبِيل لَهُ عَلَيْهِ , لَا أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُود الْعِصْمَة إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا فِرَار الشَّيْطَان مِنْهُ أَنْ يُشَارِكهُ فِي طَرِيق يَسْلُكهَا , وَلَا يَمْنَع ذَلِكَ مِنْ وَسْوَسَته لَهُ بِحَسَبِ مَا تَصِل إِلَيْهِ قُدْرَته. فَإِنْ قِيلَ عَدَم تَسْلِيطه عَلَيْهِ بِالْوَسْوَسَةِ يُؤْخَذ بِطَرِيقِ مَفْهُوم الْمُوَافَقَة لِأَنَّهُ إِذَا مَنَعَ مِنْ السُّلُوك فِي طَرِيق فَأَوْلَى أَنْ لَا يُلَابِسهُ بِحَيْثُ يَتَمَكَّن مِنْ وَسْوَسَته لَهُ فَيُمْكِن أَنْ يَكُون حُفِظَ مِنْ الشَّيْطَان , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ ثُبُوت الْعِصْمَة لَهُ لِأَنَّهَا فِي حَقّ النَّبِيّ وَاجِبَة وَفِي حَقّ غَيْره مُمْكِنَة , وَوَقَعَ فِي حَدِيث حَفْصَة عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي \" الْأَوْسَط \" بِلَفْظِ \" إِنَّ الشَّيْطَان لَا يَلْقَى عُمَر مُنْذُ أَسْلَمَ إِلَّا خَرَّ لِوَجْهِهِ \" وَهَذَا دَالّ عَلَى صَلَابَته فِي الدِّين , وَاسْتِمْرَار حَاله عَلَى الْجِدّ الصِّرْف وَالْحَقّ الْمَحْض , وَقَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا الْحَدِيث مَحْمُول عَلَى ظَاهِره وَأَنَّ الشَّيْطَان يَهْرُب إِذَا رَآهُ وَقَالَ عِيَاض : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَاكَ عَلَى سَبِيل ضَرْب الْمَثَل , وَأَنَّ عُمَر فَارَقَ سَبِيل الشَّيْطَان وَسَلَكَ طَرِيق السَّدَاد فَخَالَفَ كُلّ مَا يُحِبّهُ الشَّيْطَان , وَالْأَوَّل أَوْلَى , اِنْتَهَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3408",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏مَازِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ ‏ ‏عُمَرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏اِبْن سَعِيد الّقَطَّانُ , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيل كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب إِسْلَام عُمَر \" التَّصْرِيح بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا زِلْنَا أَعِزَّة مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَر ) ‏ ‏أَيْ لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْجَلَد وَالْقُوَّة فِي أَمْر اللَّه. وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن عَبْد الرَّحْمَن قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود \" كَانَ إِسْلَام عُمَر عِزًّا , وَهِجْرَته نَصْرًا , وَإِمَارَته رَحْمَة. وَاَللَّه مَا اِسْتَطَعْنَا أَنْ نُصَلِّي حَوْل الْبَيْت ظَاهِرِينَ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَر \" وَقَدْ وَرَدَ سَبَب إِسْلَامه مُطَوَّلًا فِيمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن عُثْمَان عَنْ أَنَس قَالَ \" خَرَجَ عُمَر مُتَقَلِّدًا السَّيْف , فَلَقِيَهُ رَجُل مِنْ بَنِي زُهْرَة - فَذَكَرَ قِصَّة دُخُول عُمَر عَلَى أُخْته وَإِنْكَاره إِسْلَامهَا وَإِسْلَام زَوْجهَا سَعِيد بْن زَيْد وَقِرَاءَته سُورَة طه وَرَغْبَته فِي الْإِسْلَام - فَخَرَجَ خَبَّاب فَقَالَ : أَبْشِرْ يَا عُمَر , فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُون دَعْوَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَك , قَالَ : اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَام بِعُمَر أَوْ بِعَمْرِو بْن هِشَام \" وَرَوَى أَبُو جَعْفَر بْن أَبِي شَيْبَة نَحْوه فِي تَارِيخه مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَفِي آخِره \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه فَفِيمَ الِاخْتِفَاء ؟ فَخَرَجْنَا فِي صَفَّيْنِ : أَنَا فِي أَحَدهمَا , وَحَمْزَة فِي الْآخَر , فَنَظَرْت قُرَيْش إِلَيْنَا فَأَصَابَتْهُمْ كَآبَة لَمْ يُصِبْهُمْ مِثْلهَا \" وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ طَرِيق أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَر عَنْ عُمَر مُطَوَّلًا , وَرَوَى اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ حَدِيث عُمَر نَفْسه قَالَ \" لَقَدْ رَأَيْتنِي وَمَا أَسْلَمَ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا تِسْعَة وَثَلَاثُونَ رَجُلًا فَكَمَّلْتهمْ أَرْبَعِينَ , فَأَظْهَرَ اللَّه دِينه , وَأَعَزّ الْإِسْلَام \" وَرَوَى الْبَزَّار نَحْوه مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَقَالَ فِيهِ \" فَنَزَلَ جِبْرِيل فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّبِيّ حَسْبك اللَّه وَمَنْ اِتَّبَعَك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ \" وَفِي \" فَضَائِل الصَّحَابَة \" لِخَيْثَمَة مِنْ طَرِيق أَبِي وَائِل عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ أَيِّدْ الْإِسْلَام بِعُمَر \" وَمِنْ حَدِيث عَلِيّ مِثْله بِلَفْظِ \" أَعِزَّ \" وَفِي حَدِيث عَائِشَة مِثْله أَخْرَجَهُ الْحَاكِم بِإِسْنَادٍ صَحِيح , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَام بِأَحَبّ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْك : بِأَبِي جَهْل أَوْ بِعُمَر , قَالَ فَكَانَ أَحَبُّهُمَا إِلَيْهِ عُمَر \" قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَسَن صَحِيح. قُلْت : وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ أَيْضًا , وَفِي إِسْنَاده خَارِجَة بْن عَبْد اللَّه صَدُوق فِيهِ مَقَال , لَكِنْ لَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا , وَمِنْ حَدِيث أَنَس كَمَا قَدَّمْته فِي الْقِصَّة الْمُطَوَّلَة , وَمِنْ طَرِيق أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَر عَنْ خَبَّاب , وَلَهُ شَاهِد مُرْسَل أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالْإِسْنَاد صَحِيح إِلَيْهِ , وَرَوَى اِبْن سَعْد أَيْضًا مِنْ حَدِيث صُهَيْب قَالَ \" لَمَّا أَسْلَمَ عُمَر قَالَ الْمُشْرِكُونَ اِنْتَصَفَ الْقَوْم مِنَّا \" وَرَوَى الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس نَحْوه. ‏"
    },
    {
        "id": "3409",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏وُضِعَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى سَرِيرِهِ ‏ ‏فَتَكَنَّفَهُ ‏ ‏النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَأَنَا فِيهِمْ فَلَمْ ‏ ‏يَرُعْنِي ‏ ‏إِلَّا رَجُلٌ آخِذٌ مَنْكِبِي فَإِذَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَتَرَحَّمَ عَلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏وَقَالَ مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ وَحَسِبْتُ إِنِّي كُنْتُ كَثِيرًا أَسْمَعُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏ذَهَبْتُ أَنَا ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏وَدَخَلْتُ أَنَا ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏وَخَرَجْتُ أَنَا ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي السَّنَد ( أَخْبَرَنَا عُمَر بْن سَعِيد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي حُسَيْن , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ \" سَعْد \" بِسُكُونِ الْعَيْن وَهُوَ وَهْم. حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" وُضِعَ عُمَر عَلَى سَرِيره , فَتَكَنَّفَهُ النَّاس \" بِنُونٍ وَفَاء أَيْ أَحَاطُوا بِهِ مِنْ جَمِيع جَوَانِبه , وَالْأَكْنَاف النَّوَاحِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَضَعَ عُمَر عَلَى سَرِيره ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي آخِر مَنَاقِب أَبِي بَكْر بِلَفْظِ \" إِنِّي لَوَاقِفٌ مَعَ قَوْم وَقَدْ وُضِعَ عُمَر عَلَى سَرِيره \" أَيْ لَمَّا مَاتَ , وَهِيَ جُمْلَة حَالِيَّة مِنْ عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يُرِعْنِي ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يُفْزِعنِي , وَالْمُرَاد أَنَّهُ رَآهُ بَغْتَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا رَجُل آخِذ ) ‏ ‏بِوَزْنِ فَاعِل , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَخَذَ \" بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر بِلَفْظِ \" فَقَالَ يَرْحَمك اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( أَحَبّ ) ‏ ‏يَجُوز نَصْبه وَرَفْعه , وَ \" أَنِّي \" يَجُوز فِيهِ الْفَتْح وَالْكَسْر. وَفِي هَذَا الْكَلَام أَنَّ عَلِيًّا كَانَ لَا يَعْتَقِد أَنَّ لِأَحَدٍ عَمَلًا فِي ذَلِكَ الْوَقْت أَفْضَل مِنْ عَمَل عُمَر. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَمُسَدَّد مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ نَحْو هَذَا الْكَلَام وَسَنَده صَحِيح , وَهُوَ شَاهِد جَيِّد لِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس لِكَوْنِ مَخْرَجه عَنْ آلِ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( مَعَ صَاحِبَيْك ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد مَا وَقَعَ وَهُوَ دَفْنه عِنْدهمَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالْمَعِيَّةِ مَا يَئُول إِلَيْهِ الْأَمْر بَعْد الْمَوْت مِنْ دُخُول الْجَنَّة وَنَحْو ذَلِكَ , وَالْمُرَاد بِصَاحِبَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر , وَقَوْله \" وَحَسِبْت أَنِّي \" يَجُوز فَتْح الْهَمْزَة وَكَسْرهَا , وَتَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر بِلَفْظِ \" لِأَنِّي كَثِيرًا مَا كُنْت أَسْمَع \" وَاللَّام لِلتَّعْلِيلِ , وَمَا إِبْهَامِيَّة مُؤَكِّدَة , وَكَثِيرًا ظَرْف زَمَان وَعَامِله كَانَ قُدِّمَ عَلَيْهِ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ) وَوَقَعَ لِلْأَكْثَرِ \" كَثِيرًا مِمَّا كُنْت أَسْمَع \" بِزِيَادَةِ \" مِنْ \" وَوُجِّهَتْ بِأَنَّ التَّقْدِير أَنِّي أَجِد كَثِيرًا مِمَّا كُنْت أَسْمَع. ‏"
    },
    {
        "id": "3410",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ‏ ‏ح ‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ ‏ ‏وَكَهْمَسُ بْنُ الْمِنْهَالِ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَعِدَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَمَعَهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏وَعُثْمَانُ ‏ ‏فَرَجَفَ بِهِمْ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ قَالَ ‏ ‏اثْبُتْ ‏ ‏أُحُدُ ‏ ‏فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدَانِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث \" اُثْبُتْ أُحُد \" تَقَدَّمَ شَرْحه فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لِي خَلِيفَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن خَيَّاط , وَمُحَمَّد بْن سَوَاء بِمُهْمَلَةٍ وَتَخْفِيف وَمَدّ هُوَ السَّدُوسِيّ الْبَصْرِيّ , أَخْرَجَ لَهُ هُنَا وَفِي الْأَدَب , وَكَهْمَس بِمُهْمَلَةٍ وَزْن جَعْفَر هُوَ اِبْن الْمِنْهَال سَدُوسِيّ أَيْضًا بَصْرِيّ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , وَسَعِيد هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة , وَسَقَطَ جَمِيع ذَلِكَ مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ فِي بَعْض النُّسَخ وَاقْتَصَرَ عَلَى طَرِيق يَزِيد بْن زُرَيْع. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا عَلَيْك إِلَّا نَبِيّ أَوْ صِدِّيق أَوْ شَهِيد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر بِلَفْظِ \" فَإِنَّمَا عَلَيْك نَبِيّ وَصِدِّيق وَشَهِيدَانِ \" فَتَكُون \" أَوْ \" فِي حَدِيث الْبَاب بِمَعْنَى الْوَاو , وَيَكُون لَفْظ شَهِيد لِلْجِنْسِ , وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ بِلَفْظِ \" نَبِيّ وَصِدِّيق أَوْ شَهِيد \" فَقِيلَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاو , وَقِيلَ تَغْيِير الْأُسْلُوب لِلْإِشْعَارِ بِمُغَايَرَةِ الْحَال لِأَنَّ صِفَتَيْ النُّبُوَّة وَالصِّدِّيقِيَّة كَانَتَا حَاصِلَتَيْنِ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ صِفَة الشَّهَادَة فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَقَعَتْ حِينَئِذٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "3411",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَرُ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ سَأَلَنِي ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ بَعْضِ شَأْنِهِ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ حِينَ قُبِضَ كَانَ أَجَدَّ وَأَجْوَدَ حَتَّى انْتَهَى مِنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عُمَر هُوَ اِبْن مُحَمَّد ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَرْمَلَة عَنْ اِبْن وَهْب \" حَدَّثَنِي عُمَر بْن مُحَمَّد بْن زَيْد \" أَيْ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلَنِي اِبْن عُمَر عَنْ بَعْض شَأْنه يَعْنِي عُمَر ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ اِبْن عُمَر سَأَلَ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَر عَنْ بَعْض شَأْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ مَا رَأَيْت ) ‏ ‏هُوَ مَقُول اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( أَجَدّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَالتَّشْدِيد أَفْعَل مِنْ جَدّ إِذَا اِجْتَهَدَ , وَأَجْوَد أَفْعَل مِنْ الْجُود. ‏ ‏قَوْله : ( بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْبَعْدِيَّة فِي الصِّفَات وَلَا يَتَعَرَّض فِيهِ لِلزَّمَانِ فَيَتَنَاوَل زَمَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا بَعْده , فَيُشْكِل بِأَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَبِغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَة مِمَّنْ كَانَ يَتَّصِف بِالْجُودِ الْمُفْرِط , أَوْ بَعْد مَوْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشْكِل بِأَبِي بَكْر الصِّدِّيق أَيْضًا , وَيُمْكِن تَأْوِيله بِزَمَانِ خِلَافَته , وَأَجْوَد أَفْعَل مِنْ الْجُود أَيْ لَمْ يَكُنْ أَحَد أَجَدّ مِنْهُ فِي الْأُمُور وَلَا أَجْوَد بِالْأَمْوَالِ , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى وَقْت مَخْصُوص وَهُوَ مُدَّة خِلَافَته لِيَخْرُج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى اِنْتَهَى ) ‏ ‏أَيْ إِلَى عَمَل آخِر عُمْره , وَهَذَا بِنَاء عَلَى أَنَّ فَاعِل اِنْتَهَى عُمَر , وَقَائِل ذَلِكَ اِبْن عُمَر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فَاعِل اِنْتَهَى اِبْن عُمَر أَيْ اِنْتَهَى فِي الْإِنْصَاف بَعْد أَجَدّ وَأَجْوَد حَتَّى فَرَغَ مِمَّا عِنْده , وَقَائِل ذَلِكَ نَافِع , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3412",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ السَّاعَةِ فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا قَالَ لَا شَيْءَ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبَا بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس ‏ ‏\" أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّاعَة \" ‏ ‏هُوَ ذُو الْخُوَيْصِرَة الْيَمَانِي , وَزَعَمَ اِبْن بَشْكُوَال أَنَّهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَوْ أَبُو ذَرّ. ثُمَّ سَاقَ مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه الْمَرْء يُحِبّ الْقَوْم وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ \" وَمِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه الْمَرْء يُحِبّ الْقَوْم وَلَا يَسْتَطِيع أَنْ يَعْمَل بِعَمَلِهِمْ \" وَسُؤَال هَذَيْنِ إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ الْعَمَل , وَالسُّؤَال فِي حَدِيث الْبَاب إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ السَّاعَة , فَدَلَّ عَلَى التَّعَدُّد. وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق آخَر عَنْ أَنَس أَنَّ السَّائِل عَنْ السَّاعَة أَعْرَابِيّ , وَكَذَا وَقَعَ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي مَسْعُود أَنَّ الْأَعْرَابِيّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِد قَالَ \" يَا مُحَمَّد مَتَى السَّاعَة ؟ قَالَ : وَمَا أَعَدَدْت لَهَا \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّائِل فِي حَدِيث أَنَس هُوَ الْأَعْرَابِيّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِد , وَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَة أَنَّهُ ذُو الْخُوَيْصِرَة الْيَمَانِي كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي دَلَائِل مَعْرِفَة الصَّحَابَة , وَسَيَأْتِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْأَدَب , وَالْمُرَاد مِنْهُ ذِكْر أَبِي بَكْر وَعُمَر فِي حَدِيث أَنَس هَذَا وَأَنَّهُ قَرَنَهُمَا فِي الْعَمَل بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3413",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ ‏ ‏مُحَدَّثُونَ ‏ ‏فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏رِجَالٌ يُكَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ فَإِنْ يَكُنْ مِنْ أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ ‏ ‏فَعُمَرُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏مِنْ نَبِيٍّ وَلَا مُحَدَّثٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏كَذَا قَالَ أَصْحَاب إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَة وَخَالَفَهُمْ اِبْن وَهْب فَقَالَ \" عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بِهَذَا الْإِسْنَاد عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة \" قَالَ أَبُو مَسْعُود : لَا أَعْلَم أَحَدًا تَابِع اِبْن وَهْب عَلَى هَذَا , وَالْمَعْرُوف عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد أَنَّهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة لَا عَنْ عَائِشَة , وَتَابَعَهُ زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد يَعْنِي كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف مُعَلَّقًا هُنَا , وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَجْلَان : \" عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ , قَالَ أَبُو مَسْعُود : وَهُوَ مَشْهُور عَنْ اِبْن عَجْلَان , فَكَأَنَّ أَبَا سَلَمَة سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَة وَمِنْ أَبِي هُرَيْرَة جَمِيعًا. قُلْت : وَلَهُ أَصْل مِنْ حَدِيث عَائِشَة أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي عَتِيق عَنْهَا , وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيث خِفَاف بْن إِيمَاء أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَإِذَا خَطَبَ عُمَر سَمِعَهُ يَقُول أَشْهَد أَنَّك مُكَلَّم. ‏ ‏قَوْله : ( مُحَدَّثُونَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الدَّال جَمْع مُحَدَّث , وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيله فَقِيلَ : مُلْهَم , قَالَهُ الْأَكْثَر قَالُوا : الْمُحَدَّث بِالْفَتْحِ هُوَ الرَّجُل الصَّادِق الظَّنّ , وَهُوَ مَنْ أُلْقِيَ فِي رُوعه شَيْء مِنْ قِبَل الْمَلَأ الْأَعْلَى فَيَكُون كَالَّذِي حَدَّثَهُ غَيْره بِهِ , وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو أَحْمَد الْعَسْكَرِيّ. وَقِيلَ مَنْ يَجْرِي الصَّوَاب عَلَى لِسَانه مِنْ غَيْر قَصْد , وَقِيلَ مُكَلَّم أَيْ تُكَلِّمهُ الْمَلَائِكَة بِغَيْرِ نُبُوَّة , وَهَذَا وَرَدَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا وَلَفْظه \" قِيلَ يَا رَسُول اللَّه وَكَيْف يُحَدَّث ؟ قَالَ تَتَكَلَّم الْمَلَائِكَة عَلَى لِسَانه \" رَوَيْنَاهُ فِي \" فَوَائِد الْجَوْهَرِيّ \" وَحَكَاهُ الْقَابِسِيّ وَآخَرُونَ , وَيُؤَيِّدهُ مَا ثَبَتَ فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة. وَيَحْتَمِل رَدّه إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّل أَيْ تُكَلِّمهُ فِي نَفْسه وَإِنْ لَمْ يَرَ مُكَلِّمًا فِي الْحَقِيقَة فَيَرْجِع إِلَى الْإِلْهَام , وَفَسَّرَهُ اِبْن التِّين بِالتَّفَرُّسِ , وَوَقَعَ فِي مُسْنَد \" الْحُمَيْدِيّ \" عَقِب حَدِيث عَائِشَة \" الْمُحَدَّث الْمُلْهَم بِالصَّوَابِ الَّذِي يُلْقَى عَلَى فِيهِ \" وَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اِبْن وَهْب \" مُلْهَمُونَ , وَهِيَ الْإِصَابَة بِغَيْرِ نُبُوَّة \" وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَنْ بَعْض أَصْحَاب اِبْن عُيَيْنَةَ \" مُحَدَّثُونَ يَعْنِي مُفَهَّمُونَ \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالَ إِبْرَاهِيم - يَعْنِي اِبْن سَعْد رِوَايَة - قَوْله مُحَدَّث أَيْ يُلْقَى فِي رُوعه \" اِنْتَهَى , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث \" إِنَّ اللَّه جَعَلَ الْحَقّ عَلَى لِسَان عُمَر وَقَلْبه \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر , وَأَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث بِلَال , وَأَخْرَجَهُ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث مُعَاوِيَة وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ عِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ \" يَقُول بِهِ \" بَدَل قَوْله \" وَقَلْبه \" وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث عُمَر نَفْسه. ‏ ‏قَوْله : ( زَادَ زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ سَعْد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور , وَفِي رِوَايَته زِيَادَتَانِ : إِحْدَاهُمَا بَيَان كَوْنهمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَالثَّانِيَة تَفْسِير الْمُرَاد بِالْمُحَدَّثِ فِي رِوَايَة غَيْره فَإِنَّهُ قَالَ بَدَلهَا \" يُكَلَّمُونَ مِنْ غَيْر أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( مِنْهُمْ أَحَد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مِنْ أَحَد \" وَرِوَايَة زَكَرِيَّا وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا , وَقَوْله \" وَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي \" قِيلَ لَمْ يُورِد هَذَا الْقَوْل مَوْرِد التَّرْدِيد فَإِنَّ أُمَّته أَفْضَل الْأُمَم , وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ وُجِدَ فِي غَيْرهمْ فَإِمْكَان وُجُوده فِيهِمْ أَوْلَى , وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ مَوْرِد التَّأْكِيد كَمَا يَقُول الرَّجُل : إِنْ يَكُنْ لِي صَدِيق فَإِنَّهُ فُلَان , يُرِيد اِخْتِصَاصه بِكَمَالِ الصَّدَاقَة لَا نَفْي الْأَصْدِقَاء , وَنَحْوه قَوْل الْأَجِير : إِنْ كُنْت عَمِلْت لَك فَوَفِّنِي حَقِّي , وَكِلَاهُمَا عَالِم بِالْعَمَلِ لَكِنْ مُرَاد الْقَائِل أَنَّ تَأْخِيرك حَقِّي عَمَل مَنْ عِنْده شَكّ فِي كَوْنِي عَمِلْت. وَقِيلَ الْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ وُجُودهمْ فِي بَنِي إِسْرَائِيل كَانَ قَدْ تَحَقَّقَ وُقُوعه , وَسَبَب ذَلِكَ اِحْتِيَاجهمْ حَيْثُ لَا يَكُون حِينَئِذٍ فِيهِمْ نَبِيّ , وَاحْتَمَلَ عِنْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا تَحْتَاج هَذِهِ الْأُمَّة إِلَى ذَلِكَ لِاسْتِغْنَائِهَا بِالْقُرْآنِ عَنْ حُدُوث نَبِيّ , وَقَدْ وَقَعَ الْأَمْر كَذَلِكَ حَتَّى إِنَّ الْمُحَدَّث مِنْهُمْ إِذَا تَحَقَّقَ وُجُوده لَا يَحْكُم بِمَا وَقَعَ لَهُ بَلْ لَا بُدّ لَهُ مِنْ عَرْضه عَلَى الْقُرْآن , فَإِنْ وَافَقَهُ أَوْ وَافَقَ السُّنَّة عَمِلَ بِهِ وَإِلَّا تَرَكَهُ , وَهَذَا وَإِنْ جَازَ أَنْ يَقَع لَكِنَّهُ نَادِر مِمَّنْ يَكُون أَمْره مِنْهُمْ مَبْنِيًّا عَلَى اِتِّبَاع الْكِتَاب وَالسُّنَّة , وَتَمَحَّضَت الْحِكْمَة فِي وُجُودهمْ وَكَثْرَتهمْ بَعْد الْعَصْر الْأَوَّل فِي زِيَادَة شَرَف هَذِهِ الْأُمَّة بِوُجُودِ أَمْثَالهمْ فِيهِ , وَقَدْ تَكُون الْحِكْمَة فِي تَكْثِيرهمْ مُضَاهَاة بَنِي إِسْرَائِيل فِي كَثْرَة الْأَنْبِيَاء فِيهِمْ , فَلَمَّا فَاتَ هَذِهِ الْأُمَّة كَثْرَة الْأَنْبِيَاء فِيهَا لِكَوْنِ نَبِيّهَا خَاتَم الْأَنْبِيَاء عُوِّضُوا بِكَثْرَةِ الْمُلْهَمِينَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْمُرَاد بِالْمُحَدَّثِ الْمُلْهَم الْبَالِغ فِي ذَلِكَ مَبْلَغ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصِّدْق , وَالْمَعْنَى لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلكُمْ مِنْ الْأُمَم أَنْبِيَاء مُلْهَمُونَ , فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَد هَذَا شَأْنه فَهُوَ عُمَر , فَكَأَنَّهُ جَعَلَهُ فِي اِنْقِطَاع قَرِينه فِي ذَلِكَ هَلْ نَبِيّ أَمْ لَا فَلِذَلِكَ أَتَى بِلَفْظِ \" إِنْ \" وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث \" لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيّ لَكَانَ عُمَر \" فَلَوْ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ إِنْ فِي الْآخَر عَلَى سَبِيل الْفَرْض وَالتَّقْدِير , اِنْتَهَى. وَالْحَدِيث الْمُشَار إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد , وَلَكِنْ فِي تَقْرِير الطِّيبِيّ نَظَر ; لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي نَفْس الْحَدِيث \" مِنْ غَيْر أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاء \" وَلَا يَتِمّ مُرَاده إِلَّا بِفَرْضِ أَنَّهُمْ كَانُوا أَنْبِيَاء. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن عَبَّاس : مِنْ نَبِيٍّ وَلَا مُحَدَّثٍ ) ‏ ‏أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلَا نَبِيّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى ) الْآيَة , كَأَنَّ اِبْن عَبَّاس زَادَ فِيهَا وَلَا مُحَدَّث أَخْرَجَهُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ فِي أَوَاخِر جَامِعه وَأَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقه وَإِسْنَاده إِلَى اِبْن عَبَّاس صَحِيح وَلَفْظه عَنْ عَمْرو بْن دِينَار قَالَ \" كَانَ اِبْن عَبَّاس يَقْرَأ : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلك مِنْ رَسُول وَلَا نَبِيّ وَلَا مُحَدَّث \". وَالسَّبَب فِي تَخْصِيص عُمَر بِالذِّكْرِ لِكَثْرَةِ مَا وَقَعَ لَهُ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُوَافَقَات الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآن مُطَابِقًا لَهَا , وَوَقَعَ لَهُ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَّة إِصَابَات. ‏"
    },
    {
        "id": "3414",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَا سَمِعْنَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَمَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا الذِّئْبُ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً فَطَلَبَهَا حَتَّى اسْتَنْقَذَهَا فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ لَهُ مَنْ لَهَا ‏ ‏يَوْمَ السَّبُعِ ‏ ‏لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي فَقَالَ النَّاسُ سُبْحَانَ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏وَمَا ثَمَّ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الَّذِي كَلَّمَهُ الذِّئْب , أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا بِدُونِ قِصَّة الْبَقَرَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر. ‏"
    },
    {
        "id": "3415",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ وَعُرِضَ عَلَيَّ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ اجْتَرَّهُ قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الدِّينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ أَكْثَر أَصْحَاب الزُّهْرِيّ , وَرَوَاهُ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْن سَهْل عَنْ بَعْض أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبْهَمَهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَان مِنْ رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الزُّهْرِيّ فَصَرَّحَ بِذِكْرِ أَبِي سَعِيد , وَوَقَعَ فِي التَّعْبِير مِنْ هَذَا الْوَجْه عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْن سَهْل أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْت النَّاس عُرِضُوا عَلَيَّ ) ‏ ‏الْحَدِيث وَفِيهِ \" عُرِضَ عَلَيَّ عُمَر وَعَلَيْهِ قَمِيص اِجْتَرَّهُ \" أَيْ لِطُولِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة صَالِح بِلَفْظِ \" يَجُرّهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالُوا فَمَا أَوَّلْت ذَلِكَ ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي التَّعْبِير أَنَّ السَّائِل عَنْ ذَلِكَ أَبُو بَكْر , وَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْحه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ أَنَّ عُمَر أَفْضَل مِنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَالْجَوَاب عَنْهُ تَخْصِيص أَبِي بَكْر مِنْ عُمُوم قَوْله \" عُرِضَ عَلَيَّ النَّاس \" فَلَعَلَّ الَّذِينَ عُرِضُوا إِذْ ذَاكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَبُو بَكْر , وَأَنَّ كَوْن عُمَر عَلَيْهِ قَمِيص يَجُرّهُ لَا يَسْتَلْزِم أَنْ لَا يَكُون عَلَى أَبِي بَكْر قَمِيص أَطْوَل مِنْهُ وَأَسْبَغ , فَلَعَلَّهُ كَانَ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّ الْمُرَاد كَانَ حِينَئِذٍ بَيَان فَضِيلَة عُمَر فَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3416",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا طُعِنَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏جَعَلَ يَأْلَمُ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَكَأَنَّهُ يُجَزِّعُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَئِنْ كَانَ ذَاكَ لَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ ثُمَّ صَحِبْتَ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ ثُمَّ صَحِبْتَ ‏ ‏صَحَبَتَهُمْ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُمْ وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ لَتُفَارِقَنَّهُمْ وَهُمْ عَنْكَ رَاضُونَ قَالَ ‏ ‏أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرِضَاهُ فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مَنَّ بِهِ عَلَيَّ وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَرِضَاهُ فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنْ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ مَنَّ بِهِ عَلَيَّ وَأَمَّا مَا تَرَى مِنْ جَزَعِي فَهُوَ مِنْ أَجْلِكَ وَأَجْلِ أَصْحَابِكَ وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعَ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ أَنْ أَرَاهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ اِبْن عُلَيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ اِبْن عُلَيَّة وَرَوَاهُ حَمَّاد بْن زَيْد كَمَا عَلَّقَهُ الْمُصَنِّف بَعْد فَقَالَ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة الْقَوَارِيرِيّ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد مَوْصُولًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَحْفُوظًا عَنْ الِاثْنَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا طُعِنَ عُمَر ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ بَعْد فِي أَوَاخِر مَنَاقِب عُثْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَأَنَّهُ يُجَزِّعهُ ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالزَّاي الثَّقِيلَة أَيْ يَنْسُبهُ إِلَى الْجَزَع وَيَلُومهُ عَلَيْهِ , أَوْ مَعْنَى يُجَزِّعُهُ يُزِيل عَنْهُ الْجَزَع , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبهمْ ) أَيْ أُزِيلَ عَنْهُمْ الْفَزَع , وَمِثْله مَرَّضَهُ إِذَا عَانَى إِزَالَة مَرَضه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْجُرْجَانِيّ \" وَكَأَنَّهُ جَزِعَ \" هَذَا يَرْجِع الضَّمِير فِيهِ إِلَى عُمَر بِخِلَافِ رِوَايَة الْجَمَاعَة فَإِنَّ الضَّمِير فِيهَا لِابْنِ عَبَّاس. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد \" وَقَالَ اِبْن عَبَّاس مَسِسْت جِلْد عُمَر فَقُلْت جِلْد لَا تَمَسّهُ النَّار أَبَدًا , قَالَ فَنَظَرَ إِلَيَّ نَظْرَة كُنْت أَرْثِي لَهُ مِنْ تِلْكَ النَّظْرَة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَئِنْ كَانَ ذَاكَ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَر , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَلَا كُلّ ذَلِكَ \" أَيْ لَا تُبَالِغ فِي الْجَزَع فِيمَا أَنْتَ فِيهِ , وَلِبَعْضِهِمْ : وَلَا كَانَ ذَلِكَ , وَكَأَنَّهُ دُعَاء , أَيْ لَا يَكُون مَا تَخَافهُ , أَوْ لَا يَكُون الْمَوْت بِتِلْكَ الطَّعْنَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ فَارَقْت ) ‏ ‏كَذَا بِحَذْفِ الْمَفْعُول , وَلِلكُشمِيهَنِيّ : \" ثُمَّ فَارَقْته \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ صَحِبْتهمْ فَأَحْسَنْت صُحْبَتهمْ , وَلَئِنْ فَارَقْتهمْ ) ‏ ‏يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ , وَفِي رِوَايَة بَعْضهمْ \" ثُمَّ صَحِبْت صَحَبَتَهُمْ \" بِفَتْحِ الصَّاد وَالْحَاء وَالْمُوَحَّدَة , أَيْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر , وَفِيهِ نَظَر لِلْإِتْيَانِ بِصِيغَةِ الْجَمْع مَوْضِع التَّثْنِيَة , قَالَ عِيَاض : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون \" صَحِبْت \" زَائِدَة وَإِنَّمَا هُوَ ثُمَّ صَحِبْتهمْ أَيْ الْمُسْلِمِينَ , قَالَ : وَالرِّوَايَة الْأُولَى هِيَ الْوَجْه , وَرَوَيْنَاهَا فِي أَمَالِي أَبِي الْحَسَن بْن رِزْقَوَيْهِ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر قَالَ \" لَمَّا طُعِنَ عُمَر قَالَ لَهُ اِبْن عَبَّاس \" فَذَكَرَ حَدِيثًا قَالَ فِيهِ \" وَلَمَّا أَسْلَمْت كَانَ إِسْلَامك عِزًّا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ ) ‏ ‏أَيْ عَطَاء ; وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَإِنَّمَا ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَهُوَ مِنْ أَجْلك وَمِنْ أَجْل أَصْحَابك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْحَمَوِيّ الْمُسْتَمْلِي \" أُصَيْحَابك \" بِالتَّصْغِيرِ , أَيْ مِنْ جِهَة فِكْرَته فِيمَنْ يَسْتَخْلِف عَلَيْهِمْ , أَوْ مِنْ أَجْل فِكْرَته فِي سِيرَته الَّتِي سَارَهَا فِيهِمْ , وَكَأَنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ الْخَوْف فِي تِلْكَ الْحَالَة مَعَ هَضْم نَفْسه وَتَوَاضُعه لِرَبِّهِ. ‏ ‏قَوْله : ( طِلَاع الْأَرْض ) ‏ ‏بِكَسْرِ الطَّاء الْمُهْمَلَة وَالتَّخْفِيف أَيْ مِلْأَهَا , وَأَصْل الطِّلَاع مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْس , وَالْمُرَاد هُنَا مَا يَطْلُع عَلَيْهَا وَيُشْرِف فَوْقهَا مِنْ الْمَال. ‏ ‏قَوْله : ( قَبْل أَنْ أَرَاهُ ) ‏ ‏أَيْ الْعَذَاب , وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِغَلَبَةِ الْخَوْف الَّذِي وَقَعَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْت مِنْ خَشْيَة التَّقْصِير فِيمَا يَجِب عَلَيْهِ مِنْ حُقُوق الرَّعِيَّة , أَوْ مِنْ الْفِتْنَة بِمَدْحِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ حَمَّاد بْن زَيْد ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ , وَسَيَأْتِي مَزِيد فِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي قِصَّة قَتْل عُمَر آخِر مَنَاقِب عُثْمَان. وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق أَبِي عُبَيْد مَوْلَى اِبْن عَبَّاس عَنْ اِبْن عَبَّاس فَذَكَرَ شَيْئًا مِنْ قِصَّة قَتْل عُمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "3417",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏حَائِطٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏حِيطَانِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَجَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَفَتَحْتُ لَهُ فَإِذَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَبَشَّرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَفَتَحْتُ لَهُ فَإِذَا هُوَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ فَقَالَ لِي افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ فَإِذَا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى , تَقَدَّمَ مَبْسُوطًا مَعَ شَرْحه فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر بِمَا يُغْنِي عَنْ الْإِعَادَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3418",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حَيْوَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏جَدَّهُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي حَيْوَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْوَاو بَيْنهمَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة هُوَ اِبْن شُرَيْح الْمِصْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه بْن هِشَام ) ‏ ‏أَيْ اِبْن زَهْرَة بْن عُثْمَان التَّيْمِيُّ اِبْن عَمّ طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخُذ بِيَدِ عُمَر بْن الْخَطَّاب ) ‏ ‏هُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث يَأْتِي تَمَامه فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَبَقِيَّته \" فَقَالَ لَهُ عُمَر يَا رَسُول اللَّه لَأَنْتَ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ كُلّ شَيْء \" الْحَدِيث وَقَدْ ذَكَرْت شَيْئًا مِنْ مَبَاحِثه فِي كِتَاب الْإِيمَان , وَسَيَأْتِي بَيَان الْوَقْت الَّذِي قُتِلَ فِيهِ عُمَر فِي آخِر تَرْجَمَة عُثْمَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3419",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ ‏ ‏حَائِطًا ‏ ‏وَأَمَرَنِي بِحِفْظِ بَابِ ‏ ‏الْحَائِطِ ‏ ‏فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فَقَالَ ‏ ‏ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَإِذَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏ثُمَّ جَاءَ آخَرُ يَسْتَأْذِنُ فَقَالَ ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَإِذَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏ثُمَّ جَاءَ آخَرُ يَسْتَأْذِنُ فَسَكَتَ هُنَيْهَةً ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى سَتُصِيبُهُ فَإِذَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏وَحَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ‏ ‏وَعَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ ‏ ‏سَمِعَا ‏ ‏أَبَا عُثْمَانَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏بِنَحْوِهِ ‏ ‏وَزَادَ فِيهِ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ قَاعِدًا فِي مَكَانٍ فِيهِ مَاءٌ قَدْ انْكَشَفَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ أَوْ رُكْبَتِهِ فَلَمَّا دَخَلَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏غَطَّاهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي قِصَّة الْقُفّ أَوْرَدَهَا مُخْتَصَرَة مِنْ طَرِيق أَبِي عُثْمَان عَنْ أَبِي مُوسَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحهَا فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر الصِّدِّيق. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَكَتَ هُنَيْهَة ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ أَيْ قَلِيلًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ حَمَّاد وَحَدَّثَنَا عَاصِم ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَهُوَ بَقِيَّة الْإِسْنَاد الْمُتَقَدِّم , وَحَمَّاد هُوَ اِبْن زَيْد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَحْده \" وَقَالَ حَمَّاد بْن سَلَمَة حَدَّثَنَا عَاصِم إِلَخْ \" وَالْأَوَّل أَصْوَب , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ يُوسُف الْقَاضِي عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب \" حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِي آخِره \" قَالَ حَمَّاد فَحَدَّثَنِي عَلِيّ بْن الْحَكَم وَعَاصِم أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا عُثْمَان يُحَدِّث عَنْ أَبِي مُوسَى نَحْوًا مِنْ هَذَا , غَيْر أَنَّ عَاصِمًا زَادَ , فَذَكَرَ الزِّيَادَة. وَقَدْ وَقَعَ لِي مِنْ حَدِيث حَمَّاد بْن سَلَمَة لَكِنْ عَنْ عَلِيّ بْن الْحَكَم وَحْده أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخه عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل , وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن مِنْهَال وَهُدْبَة بْن خَالِد كُلّهمْ عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَلِيّ بْن الْحَكَم وَحْده بِهِ وَلَيْسَتْ فِيهِ الزِّيَادَة , ثُمَّ وَجَدْته فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ مِثْل رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ فِيهِ عَاصِم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَاعِدًا فِي مَكَان فِيهِ مَاء قَدْ كَشَفَ عَنْ رُكْبَته , فَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَان غَطَّاهَا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : أَنْكَرَ الدَّاوُدِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَة وَقَالَ : هَذِهِ الزِّيَادَة لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْحَدِيث بَلْ دَخَلَ لِرُوَاتِهَا حَدِيث فِي حَدِيث , وَإِنَّمَا ذَلِكَ الْحَدِيث أَنَّ أَبَا بَكْر أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْته قَدْ اِنْكَشَفَ فَخِذه فَجَلَسَ أَبُو بَكْر , ثُمَّ دَخَلَ عُمَر , ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَان فَغَطَّاهَا الْحَدِيث. قُلْت : يُشِير إِلَى حَدِيث عَائِشَة \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعًا فِي بَيْته كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ , فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْر فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَة \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَان فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ , فَقَالَ : أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُل تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَة \" وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي جَوَاب عَائِشَة \" إِنَّ عُثْمَان رَجُل حَيِيّ , وَإِنِّي خَشِيت إِنْ أَذِنْت لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَة لَا يَبْلُغ إِلَيَّ فِي حَاجَته اِنْتَهَى , وَهَذَا لَا يَلْزَم مِنْهُ تَغْلِيط رِوَايَة عَاصِم , إِذْ لَا مَانِع أَنْ يَتَّفِق لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُغَطِّي ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ حِين دَخَلَ عُثْمَان , وَأَنْ يَقَع ذَلِكَ فِي مَوْطِنَيْنِ , وَلَا سِيَّمَا مَعَ اِخْتِلَاف مَخْرَج الْحَدِيثَيْنِ وَإِنَّمَا يُقَال مَا قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ حَيْثُ تَتَّفِق الْمَخَارِج فَيُمْكِن أَنْ يَدْخُل حَدِيث فِي حَدِيث لَا مَعَ اِفْتِرَاق الْمَخَارِج كَمَا فِي هَذَا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3420",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُكَلِّمَ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏لِأَخِيهِ ‏ ‏الْوَلِيدِ ‏ ‏فَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ فَقَصَدْتُ ‏ ‏لِعُثْمَانَ ‏ ‏حَتَّى خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ قُلْتُ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً وَهِيَ نَصِيحَةٌ لَكَ قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَرْءُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏أُرَاهُ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ‏ ‏فَانْصَرَفْتُ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمْ إِذْ جَاءَ رَسُولُ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ مَا نَصِيحَتُكَ فَقُلْتُ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَكُنْتَ مِمَّنْ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَهَاجَرْتَ الْهِجْرَتَيْنِ وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَأَيْتَ هَدْيَهُ وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي شَأْنِ ‏ ‏الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ أَدْرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْتُ لَا وَلَكِنْ خَلَصَ إِلَيَّ مِنْ عِلْمِهِ مَا يَخْلُصُ إِلَى الْعَذْرَاءِ فِي سِتْرِهَا قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْحَقِّ فَكُنْتُ مِمَّنْ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَآمَنْتُ بِمَا بُعِثَ بِهِ وَهَاجَرْتُ الْهِجْرَتَيْنِ كَمَا قُلْتَ وَصَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبَايَعْتُهُ فَوَاللَّهِ مَا عَصَيْتُهُ وَلَا غَشَشْتُهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مِثْلُهُ ثُمَّ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏مِثْلُهُ ثُمَّ اسْتُخْلِفْتُ أَفَلَيْسَ لِي مِنْ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لَهُمْ قُلْتُ بَلَى قَالَ فَمَا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تَبْلُغُنِي عَنْكُمْ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ شَأْنِ ‏ ‏الْوَلِيدِ ‏ ‏فَسَنَأْخُذُ فِيهِ بِالْحَقِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ دَعَا ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِدَهُ فَجَلَدَهُ ثَمَانِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَا يَمْنَعك أَنْ تُكَلِّم عُثْمَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ الْآتِيَة فِي هِجْرَة الْحَبَشَة \" أَنْ تُكَلِّم خَالك \" , وَوَجْه كَوْن عُثْمَان خَاله أَنَّ أُمّ عُبَيْد اللَّه هَذَا هِيَ أُمّ قِتَال بِنْت أُسَيْد بْن أَبِي الْعَاصِ بْن أُمَيَّة وَهِيَ بِنْت عَمّ عُثْمَان , وَأَقَارِب الْأُمّ يُطْلَق عَلَيْهِمْ أَخْوَال وَأَمَّا أُمّ عُثْمَان فَهِيَ أَرْوَى بِنْت كُرَيْز بِالتَّصْغِيرِ اِبْن رَبِيعَة بْن حَبِيب بْن عَبْد شَمْس , وَأُمّهَا أُمّ حَكِيم الْبَيْضَاء بِنْت عَبْد الْمُطَّلِب , وَهِيَ شَقِيقَة عَبْد اللَّه وَالِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُقَال إِنَّهُمَا وُلِدَا تَوْأَمًا حَكَاهُ الزُّبَيْر بْن بَكَّار , فَكَانَ اِبْن بِنْت عَمَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْن خَال وَالِدَته , وَقَدْ أَسْلَمَتْ أُمّ عُثْمَان كَمَا بَيَّنْت ذَلِكَ فِي كِتَاب الصَّحَابَة. وَرَوَى مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن الْمَخْزُومِيّ فِي كِتَاب الْمَدِينَة أَنَّهَا مَاتَتْ فِي خِلَافَة اِبْنهَا عُثْمَان وَأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ حَمَلَهَا إِلَى قَبْرهَا. وَأَمَّا أَبُوهُ فَهَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( لِأَخِيهِ ) ‏ ‏اللَّام لِلتَّعْلِيلِ أَيْ لِأَجْلِ أَخِيهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون بِمَعْنَى عَنْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فِي أَخِيهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( الْوَلِيد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُقْبَة , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة مَعْمَر , وَعُقْبَة هُوَ اِبْن أَبِي مُعَيْط بْن أَبِي عَمْرو بْن أُمَيَّة بْن عَبْد شَمْس وَكَانَ أَخ عُثْمَان لِأُمّه , وَكَانَ عُثْمَان وَلَّاهُ الْكُوفَة بَعْد عَزْل سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , فَإِنَّ عُثْمَان كَانَ وَلَّاهُ الْكُوفَة لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَة بِوَصِيَّةٍ مِنْ عُمَر كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِر تَرْجَمَة عُثْمَان فِي قِصَّة مَقْتَل عُمَر , ثُمَّ عَزَلَهُ بِالْوَلِيدِ وَذَلِكَ سَنَة خَمْس وَعِشْرِينَ , وَكَانَ سَبَب ذَلِكَ أَنَّ سَعْدًا كَانَ أَمِيرهَا وَكَانَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَلَى بَيْت الْمَال فَاقْتَرَضَ سَعْد مِنْهُ مَالًا , فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فَاخْتَصَمَا , فَبَلَغَ عُثْمَان فَغَضَب عَلَيْهِمَا وَعَزَلَ سَعْدًا , وَاسْتَحْضَرَ الْوَلِيد وَكَانَ عَامِلًا بِالْجَزِيرَةِ عَلَى عُسْر بِهَا فَوَلَّاهُ الْكُوفَة , وَذَكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَدْ أَكْثَر النَّاس فِيهِ ) ‏ ‏أَيْ فِي شَأْن الْوَلِيد أَيْ مِنْ الْقَوْل وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر وَكَانَ أَكْثَر النَّاس فِيمَا فَعَلَ بِهِ , أَيْ مِنْ تَرْكه إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهِ , وَإِنْكَارهمْ عَلَيْهِ عَزْل سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص بِهِ مَعَ كَوْن سَعْد أَحَد الْعَشَرَة وَمِنْ أَهْل الشُّورَى وَاجْتَمَعَ لَهُ مِنْ الْفَضْل وَالسُّنَن وَالْعِلْم وَالدِّين وَالسَّبْق إِلَى الْإِسْلَام مَا لَمْ يَتَّفِق شَيْء مِنْهُ لِلْوَلِيدِ بْن عُقْبَة , وَالْعُذْر لِعُثْمَان فِي ذَلِكَ أَنَّ عُمَر كَانَ عَزَلَ سَعْدًا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الصَّلَاة وَأَوْصَى عُمَر مَنْ يَلِي الْخِلَافَة بَعْده أَنْ يُوَلِّي سَعْدًا قَالَ \" لِأَنِّي لَمْ أَعْزِلهُ عَنْ خِيَانَة وَلَا عَجْز \" كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي حَدِيث مَقْتَل عُمَر قَرِيبًا , فَوَلَّاهُ عُثْمَان اِمْتِثَالًا لِوَصِيَّةِ عُمَر , ثُمَّ عَزَلَهُ لِلسَّبَبِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْره وَوَلَّى الْوَلِيد لِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ كِفَايَته لِذَلِكَ وَلِيَصِل رَحِمه , فَلَمَّا ظَهَرَ لَهُ سُوء سِيرَته عَزَلَهُ , وَإِنَّمَا أَخَّرَ إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهِ لِيَكْشِف عَنْ حَال مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ , فَلَمَّا وَضَحَ لَهُ الْأَمْر أَمَرَ بِإِقَامَةِ الْحَدّ عَلَيْهِ. وَرَوَى الْمَدَائِنِيّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ أَنَّ عُثْمَان لَمَّا شَهِدُوا عِنْده عَلَى الْوَلِيد حَبَسَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَصَدْت لِعُثْمَان حَتَّى خَرَجَ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُ جَعَلَ غَايَة الْقَصْد خُرُوج عُثْمَان. وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" حِين خَرَجَ \" وَهِيَ تُشْعِر بِأَنَّ الْقَصْد صَادَفَ وَقْت خُرُوجه , بِخِلَافِ الرِّوَايَة الْأُخْرَى فَإِنَّهَا تُشْعِر بِأَنَّهُ قَصَدَ إِلَيْهِ ثُمَّ اِنْتَظَرَهُ حَتَّى خَرَجَ , يُؤَيِّد الْأَوَّل رِوَايَة مَعْمَر \" فَانْتَصَبْت لِعُثْمَان حِين خَرَجَ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ لِي إِلَيْك حَاجَة , وَهِيَ نَصِيحَة لَك , فَقَالَ : يَا أَيّهَا الْمَرْء مِنْك ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة يُونُس. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مَعْمَر أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْك ) ‏ ‏هَذَا تَعْلِيق أَرَادَ بِهِ الْمُصَنِّف بَيَان الْخِلَاف بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ , وَرِوَايَة مَعْمَر قَدْ وَصَلَهَا فِي هِجْرَة الْحَبَشَة كَمَا قَدَّمْته وَلَفْظه هُنَاكَ \" فَقَالَ يَا أَيّهَا الْمَرْء أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْك \" قَالَ اِبْن التِّين : إِنَّمَا اِسْتَعَاذَ مِنْهُ خَشْيَة أَنْ يُكَلِّمهُ بِشَيْءٍ يَقْتَضِي الْإِنْكَار عَلَيْهِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ مَعْذُور فَيَضِيق بِذَلِكَ صَدْره. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْصَرَفْت فَرَجَعْت إِلَيْهِمَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مَعْمَر \" فَحَدَّثْتهمَا بِاَلَّذِي قُلْت لِعُثْمَان وَقَالَ لِي , فَقَالَا : قَدْ قَضَيْت الَّذِي كَانَ عَلَيْك \". ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ جَاءَ رَسُول عُثْمَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِس مَعَهُمَا إِذْ جَاءَنِي رَسُول عُثْمَان فَقَالَا لِي : قَدْ اِبْتَلَاك اللَّه , فَانْطَلَقْت \" وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق عَلَى اِسْم هَذَا الرَّسُول. ‏ ‏قَوْله : ( وَكُنْت مِمَّنْ اِسْتَجَابَ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ كُنْت عَلَى الْمُخَاطَبَة وَكَذَا هَاجَرْت وَصَحِبْت , وَأَرَادَ بِالْهِجْرَتَيْنِ الْهِجْرَة إِلَى الْحَبَشَة وَالْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة , وَسَيَأْتِي ذِكْرهمَا قَرِيبًا , وَزَادَ فِي رِوَايَة مَعْمَر \" وَرَأَيْت هَدْيه \" أَيْ هَدْي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَاء وَسُكُون الدَّال الطَّرِيقَة , وَفِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ الْآتِيَة فِي هِجْرَة الْحَبَشَة \" وَكُنْت صِهْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاس فِي شَأْن الْوَلِيد ) ‏ ‏زَادَ مَعْمَر \" اِبْن عُقْبَة \" فَحَقّ عَلَيْك أَنْ تُقِيم عَلَيْهِ الْحَدّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَدْرَكْت رَسُول اللَّه ؟ فَقُلْت لَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" فَقَالَ لِي : يَا اِبْن أُخْتِي \" وَفِي رِوَايَة صَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُمَر بْن شَبَّة \" قَالَ هَلْ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا \" وَمُرَاده بِالْإِدْرَاكِ إِدْرَاك السَّمَاع مِنْهُ وَالْأَخْذ عَنْهُ , وَبِالرُّؤْيَةِ رُؤْيَة الْمُمَيِّز لَهُ , وَلَمْ يُرِدْ هُنَا الْإِدْرَاك بِالسِّنِّ فَإِنَّهُ وُلِدَ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي فِي قِصَّة مَقْتَل حَمْزَة مِنْ حَدِيث وَحْشِيّ بْن حَرْب مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ , وَلَمْ يَثْبُت أَنَّ أَبَاهُ عَدِيّ بْن الْخِيَار قُتِلَ كَافِرًا وَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن مَاكُولَا وَغَيْره , فَإِنَّ اِبْن سَعْد ذَكَرَهُ فِي طَبَقَة الْفَتْحِيِّينَ , وَذَكَرَ الْمَدَائِنِيّ وَعُمَر بْن شَبَّة فِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة \" أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة الْمَحْكِيَّة هُنَا وَقَعَتْ لِعَدِيِّ بْن الْخِيَار نَفْسه مَعَ عُثْمَان فَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ اِبْن التِّين : إِنَّمَا اِسْتَثْبَتَ عُثْمَان فِي ذَلِكَ لِيُنَبِّههُ عَلَى أَنَّ الَّذِي ظَنَّهُ مِنْ مُخَالَفَة عُثْمَان لَيْسَ كَمَا ظَنَّهُ. قُلْت : وَيُفَسِّر الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق سِمَاك بْن حَرْب عَنْ عُبَادَةَ بْن زَاهِر \" سَمِعَتْ عُثْمَان خَطَبَ فَقَالَ : إِنَّا وَاَللَّه قَدْ صَحِبْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَر وَالْحَضَر إِنَّ نَاسًا يُعَلِّمُونِي سُنَّته عَسَى أَنْ لَا يَكُون أَحَدهمْ رَآهُ قَطُّ \". ‏ ‏قَوْله : ( خَلُصَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَضَمَّ اللَّام وَيَجُوز فَتْحهَا بَعْدهَا مُهْمَلَة أَيْ وَصَلَ , وَأَرَادَ اِبْن عَدِيّ بِذَلِكَ أَنَّ عِلْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مَكْتُومًا وَلَا خَاصًّا بَلْ كَانَ شَائِعًا حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْعَذْرَاء الْمُسْتَتِرَة , فَوُصُوله إِلَيْهِ مَعَ حِرْصه عَلَيْهِ أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَبُو بَكْر مِثْله ثُمَّ عُمَر مِثْله ) ‏ ‏يَعْنِي قَالَ فِي كُلّ مِنْهُمَا فَمَا عَصَيْته وَلَا غَشَشْته. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة مَعْمَر. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ اُسْتُخْلِفْت ) ‏ ‏بِضَمِّ التَّاء الْأُولَى وَالثَّانِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَفَلَيْسَ لِي مِنْ الْحَقّ مِثْل الَّذِي لَهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" أَفَلَيْسَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ الْحَقّ مِثْل الَّذِي كَانَ لَهُمْ عَلَيَّ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِي وَهْم يَأْتِي بَيَانه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا هَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي تَبْلُغنِي عَنْكُمْ ) ‏ ‏كَأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي سَبَب تَأْخِيره إِقَامَة الْحَدّ عَلَى الْوَلِيد , وَقَدْ ذَكَرْنَا عُذْره فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَنْ يَجْلِدهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَلَدَهُ ثَمَانِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" فَجَلَدَ الْوَلِيد أَرْبَعِينَ جَلْدَة \" وَهَذِهِ الرِّوَايَة أَصَحّ مِنْ رِوَايَة يُونُس , وَالْوَهْم فِيهِ مِنْ الرَّاوِي عَنْهُ شُبَيْب بْن سَعِيد , وَيُرَجِّح رِوَايَة مَعْمَر مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي سَاسَانِ قَالَ \" شَهِدْت عُثْمَان أَتَى بِالْوَلِيدِ وَقَدْ صَلَّى الصُّبْح رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ أَزِيدكُمْ , فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَحَدهمَا حُمْرَان يَعْنِي مَوْلَى عُثْمَان أَنَّهُ قَدْ شَرِبَ الْخَمْر , فَقَالَ عُثْمَان يَا عَلِيّ قُمْ فَاجْلِدْهُ , فَقَالَ عَلِيّ قُمْ يَا حَسَن فَاجْلِدْهُ , فَقَالَ الْحَسَن وَلِّ حَارّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارّهَا , فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ : يَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر قُمْ فَاجْلِدْهُ , فَجَلَدَهُ , وَعَلِيّ يَعُدّ , حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ فَقَالَ : أَمْسِكْ. ثُمَّ قَالَ : جَلَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ وَأَبُو بَكْر أَرْبَعِينَ وَعُمَر ثَمَانِينَ وَكُلّ ذَلِكَ سُنَّة , وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ \" اِنْتَهَى وَالشَّاهِد الْآخَر الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة قِيلَ هُوَ الصَّعْب بْن جُثَامَة الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور رَوَاهُ يَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي تَارِيخه , وَعِنْد الطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق سَيْف فِي الْفُتُوح أَنَّ الَّذِي شَهِدَ عَلَيْهِ وَلَد الصَّعْب وَاسْمه جُثَامَة كَاسْمِ جَدّه , وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أَنَّ مِمَّنْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَبَا زَيْنَب ابْن عَوْف الْأَسَدِيّ وَأَبَا مُوَرِّع الْأَسَدِيّ , وَكَذَلِكَ رَوَى عُمَر بْن شَبَّة فِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة \" بِإِسْنَادٍ حَسَن إِلَى أَبِي الضُّحَى وَقَالَ : \" لَمَّا بَلَغَ عُثْمَان قِصَّة الْوَلِيد اِسْتَشَارَ عَلِيًّا فَقَالَ : أَرَى أَنْ تَسْتَحْضِرهُ فَإِنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِمَحْضَرٍ مِنْهُ حَدَدْته , فَفَعَلَ فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَبُو زَيْنَب وَأَبُو مُوَرِّع وَجُنْدَب بْن زُهَيْر الْأَزْدِيّ وَسَعْد بْن مَالِك الْأَشْعَرِيّ \" فَذَكَرَ نَحْو رِوَايَة أَبِي سَاسَان وَفِيهِ \" فَضَرَبَهُ بِمِخْصَرَةٍ لَهَا رَأْسَانِ , فَلَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ قَالَ لَهُ : أَمْسِكْ \". وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ قَالَ : قَالَ الْحُطَيْئَة فِي ذَلِكَ : ‏ ‏شَهِدَ الْحُطَيْئَة يَوْم يَلْقَى رَبّه ‏ ‏أَنَّ الْوَلِيد أَحَقّ بِالْعُذْرِ ‏ ‏نَادَى وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتهمْ ‏ ‏أَأَزِيدُكُمْ سَفَهًا وَمَا يَدْرِي ‏ ‏فَأَتَوْا أَبَا وَهْب وَلَوْ أَذِنُوا ‏ ‏لَقَرَنْت بَيْن الشَّفْع وَالْوَتْر ‏ ‏كَفُّوا عِنَانك إِذْ جَرَيْت وَلَوْ ‏ ‏تَرَكُوا عِنَانك لَمْ تَزَلْ تَجْرِي ‏ ‏وَذَكَرَ الْمَسْعُودِيّ فِي \" الْمُرُوج \" أَنَّ عُثْمَان قَالَ لِلَّذَيْنِ شَهِدُوا : وَمَا يُدْرِيكُمْ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْر ؟ قَالُوا : هِيَ الَّتِي كُنَّا نَشْرَبهَا فِي الْجَاهِلِيَّة. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الْوَلِيد وَلِيَ الْكُوفَة خَمْس سِنِينَ , قَالُوا وَكَانَ جَوَادًا , فَوَلَّى عُثْمَان بَعْده سَعِيد بْن الْعَاصِ فَسَارَ فِيهِمْ سِيرَة عَادِلَة فَكَانَ بَعْض الْمَوَالِي يَقُول : ‏ ‏يَا وَيْلَنَا قَدْ عُزِلَ الْوَلِيد ‏ ‏وَجَاءَنَا مُجَوِّعًا سَعِيد ‏ ‏يَنْقُص فِي الصَّاع وَلَا يَزِيد ‏"
    },
    {
        "id": "3421",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَاذَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا نَعْدِلُ ‏ ‏بِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَحَدًا ثُمَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏ثُمَّ نَتْرُكُ ‏ ‏أَصْحَابَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا شَاذَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَسْوَد بْن عَامِر , وَعُبَيْد اللَّه هُوَ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ نَتْرُك أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نُفَاضِل بَيْنهمْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا لَمْ يَذْكُر اِبْن عُمَر عَلِيًّا لِأَنَّهُ أَرَادَ الشُّيُوخ وَذَوِي الْأَسْنَان الَّذِينَ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْر شَاوَرَهُمْ , وَكَانَ عَلِيّ فِي زَمَانه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيث السِّنّ. قَالَ وَلَمْ يُرِدْ اِبْن عُمَر الِازْدِرَاء بِهِ وَلَا تَأْخِيره عَنْ الْفَضِيلَة بَعْد عُثْمَان اِنْتَهَى. وَمَا اِعْتَذَرَ بِهِ مِنْ جِهَة السِّنّ بَعِيد لَا أَثَر لَهُ فِي التَّفْضِيل الْمَذْكُور , وَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى تَأْوِيل كَلَام اِبْن عُمَر هَذَا لِمَا تَقَرَّرَ عِنْد أَهْل السُّنَّة قَاطِبَة مِنْ تَقْدِيم عَلِيّ بَعْد عُثْمَان وَمِنْ تَقْدِيم بَقِيَّة الْعَشَرَة الْمُبَشَّرَة عَلَى غَيْرهمْ وَمِنْ تَقْدِيم أَهْل بَدْر عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدهَا وَغَيْر ذَلِكَ , فَالظَّاهِر أَنَّ اِبْن عُمَر إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا النَّفْي أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْتَهِدُونَ فِي التَّفْضِيل , فَيَظْهَر لَهُمْ فَضَائِل الثَّلَاثَة ظُهُورًا بَيِّنًا فَيَجْزِمُونَ بِهِ وَلَمْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ اِطَّلَعُوا عَلَى التَّنْصِيص , وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَى الْبَزَّار عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" كُنَّا نَتَحَدَّث أَنَّ أَفْضَل أَهْل الْمَدِينَة عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب \" رِجَاله مُوَثَّقُونَ , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَالَهُ اِبْن مَسْعُود بَعْد قَتْل عُمَر , وَقَدْ حُمِلَ حَدِيث اِبْن عُمَر عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِالتَّرْتِيبِ فِي التَّفْضِيل , وَاحْتَجَّ فِي التَّرْبِيع بِعَلِيٍّ بِحَدِيثِ سَفِينَة مَرْفُوعًا \" الْخِلَافَة ثَلَاثُونَ سَنَة ثُمَّ تَصِير مُلْكًا \" أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ وَغَيْره , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَا حُجَّة فِي قَوْله \" كُنَّا نَتْرُك \" لِأَنَّ الْأُصُولِيِّينَ اِخْتَلَفُوا فِي صِيغَة \" كُنَّا نَفْعَل \" لَا فِي صِيغَة كُنَّا لَا نَفْعَل لِتَصَوُّرِ تَقْرِير الرَّسُول فِي الْأَوَّل دُون الثَّانِي , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون حُجَّة فَمَا هُوَ مِنْ الْعَمَلِيَّات حَتَّى يَكْفِي فِيهِ الظَّنّ , وَلَوْ سَلَّمْنَا فَقَدْ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن عُمَر أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَقَعَ لَهُمْ فِي بَعْض أَزْمِنَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَمْنَع ذَلِكَ أَنْ يَظْهَر بَعْد ذَلِكَ لَهُمْ , وَقَدْ مَضَتْ تَتِمَّة هَذَا فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي سَلَمَة بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور , وَابْن صَالِح هَذَا هُوَ الْجُهَنِيّ كَاتِب اللَّيْث , وَقِيلَ هُوَ الْعِجْلِيُّ وَالِد أَحْمَد صَاحِب \" كِتَاب الثِّقَات \" وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ أَرَادَ بِهَذِهِ الْمُتَابَعَة إِثْبَات الطَّرِيق إِلَى عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة لِأَنَّ عَبَّاسًا الدَّوْرِيّ رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ شَاذَان فَقَالَ : \" عَنْ الْفَرَج بْن فَضَالَة عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ نَافِع \" فَكَأَنَّ لِشَاذَان فِيهِ شَيْخَيْنِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي عَمَّار وَالرَّمَادِيّ وَعُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْر وَاحِد عَنْ أَسْوَد بْن عَامِر الْمَذْكُور , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْ عَبْد الْعَزِيز عَبْدَةُ أَبُو سَلَمَة الْخُزَاعِيّ وَحُجَيْنُ بْن الْمُثَنَّى. ‏"
    },
    {
        "id": "3422",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ أَهْلِ ‏ ‏مِصْرَ ‏ ‏حَجَّ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ فَقَالُوا هَؤُلَاءِ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏قَالَ فَمَنْ الشَّيْخُ فِيهِمْ قَالُوا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ يَا ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فَرَّ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ قَالَ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَلَمْ يَشْهَدْ قَالَ نَعَمْ قَالَ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏تَعَالَ أُبَيِّنْ لَكَ أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ ‏ ‏بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَتْ مَرِيضَةً فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏وَسَهْمَهُ وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِهِ الْيُمْنَى ‏ ‏هَذِهِ يَدُ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ فَقَالَ هَذِهِ ‏ ‏لِعُثْمَانَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏اذْهَبْ بِهَا الْآنَ مَعَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل. ‏ ‏قَوْله : ( عُثْمَان هُوَ اِبْن مَوْهَب ) ‏ ‏نَسَبه إِلَى جَدّه وَهُوَ عُثْمَان بْن عَبْد اللَّه بْن مَوْهَب بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْوَاو وَفَتْح الْهَاء بَعْدهَا مُوَحَّدَة مَوْلَى بَنِي تَيْم , بَصْرِيّ تَابِعِيّ وَسَط مِنْ طَبَقَة الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَهُوَ ثِقَة بِاتِّفَاقِهِمْ , وَفِي الرُّوَاة آخَر يُقَال لَهُ عُثْمَان بْن مَوْهَب بَصْرِيّ أَيْضًا لَكِنَّهُ أَصْغَر مِنْ هَذَا , رَوَى عَنْ أَنَس , رَوَى عَنْهُ زَيْد بْن الْحُبَاب وَحْده أَخْرَجَ لَهُ النَّسَائِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ رَجُل مِنْ أَهْل مِصْر وَحَجَّ الْبَيْت ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه وَلَا عَلَى اِسْم مَنْ أَجَابَهُ مِنْ الْقَوْم وَلَا عَلَى أَسْمَاء الْقَوْم , وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة ) مِنْ سُورَة الْبَقَرَة مَا قَدْ يُقَرِّب أَنَّهُ الْعَلَاء بْن عَيْزَار , وَهُوَ بِمُهْمَلَاتٍ , وَكَذَا فِي مَنَاقِب عَلِيّ بَعْد هَذَا , وَيَأْتِي فِي سُورَة الْأَنْفَال أَنَّ الَّذِي بَاشَرَ السُّؤَال اِسْمه حَكِيم , وَعَلَيْهِ اِقْتَصَرَ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن , وَهَذَا كُلّه بِنَاء عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ فِي قِصَّة وَاحِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ فَمَنْ الشَّيْخ ) ‏ ‏أَيْ الْكَبِير ‏ ‏( فِيهِمْ ) ‏ ‏الَّذِي يَرْجِعُونَ إِلَى قَوْله. ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ تَعْلَم أَنَّ عُثْمَان فَرَّ يَوْم أُحُد إِلَخْ ) ‏ ‏الَّذِي يَظْهَر مِنْ سِيَاقه أَنَّ السَّائِل كَانَ مِمَّنْ يَتَعَصَّب عَلَى عُثْمَان فَأَرَادَ بِالْمَسَائِلِ الثَّلَاث أَنْ يُقَرِّر مُعْتَقَده فِيهِ , وَلِذَلِكَ كَبَّرَ مُسْتَحْسِنًا لَمَّا أَجَابَهُ بِهِ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن عُمَر : تَعَالَ أُبَيِّن لَك ) ‏ ‏كَأَنَّ اِبْن عُمَر فَهِمَ مِنْهُ مُرَاده لَمَّا كَبَّرَ , وَإِلَّا لَوْ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ أَوَّل سُؤَاله لَقَرَنَ الْعُذْر بِالْجَوَابِ , وَحَاصِله أَنَّهُ عَابَهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاء فَأَظْهَرَ لَهُ اِبْن عُمَر الْعُذْر عَنْ جَمِيعهَا : أَمَّا الْفِرَار فَبِالْعَفْوِ , وَأَمَّا التَّخَلُّف فَبِالْأَمْرِ , وَقَدْ حَصَلَ لَهُ مَقْصُود مَنْ شَهِدَ مِنْ تَرَتُّب الْأَمْرَيْنِ الدُّنْيَوِيّ وَهُوَ السَّهْم وَالْأُخْرَوِيّ وَهُوَ الْأَجْر , وَأَمَّا الْبَيْعَة فَكَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا , وَيَد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْر لِعُثْمَان مِنْ يَده كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عُثْمَان نَفْسه فِيمَا رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَادٍ جَيِّد أَنَّهُ عَاتَبَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَقَالَ لَهُ : لِمَ تَرْفَع صَوْتك عَلَيَّ ؟ فَذَكَرَ الْأُمُور الثَّلَاثَة , فَأَجَابَهُ بِمِثْلِ مَا أَجَابَ بِهِ اِبْن عُمَر. قَالَ فِي هَذِهِ : فَشِمَال رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْر لِي مِنْ يَمِينِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَشْهَد أَنَّ اللَّه عَفَا عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ ) ‏ ‏يُرِيد قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْم اِلْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَان بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا , وَلَقَدْ عَفَا اللَّه عَنْهُمْ إِنَّ اللَّه غَفُور حَلِيم ). ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَّا تَغَيُّبه عَنْ بَدْر فَإِنَّهُ كَانَ تَحْته بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هِيَ رُقْيَة , فَرَوَى الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" خَلَّفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَان وَأُسَامَة بْن زَيْد عَلَى رُقَيَّة فِي مَرَضهَا لَمَّا خَرَجَ إِلَى بَدْر , فَمَاتَتْ رُقَيَّة حِين وَصَلَ زَيْد بْن حَارِثَة بِالْبِشَارَةِ , وَكَانَ عُمْر رُقَيَّة لَمَّا مَاتَتْ عِشْرِينَ سَنَة , قَالَ اِبْن إِسْحَاق : وَيُقَال إِنَّ اِبْنهَا عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان مَاتَ بَعْدهَا سَنَة أَرْبَع مِنْ الْهِجْرَة وَلَهُ سِتّ سِنِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَوْ كَانَ أَحَد بِبَطْنِ مَكَّة أَعَزّ مِنْ عُثْمَان ) ‏ ‏أَيْ عَلَى مَنْ بِهَا ‏ ‏( لَبَعَثَهُ ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏( مَكَانه ) ‏ ‏أَيْ بَدَل عُثْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَان وَكَانَتْ بَيْعَة الرِّضْوَان ) ‏ ‏أَيْ بَعْد أَنْ بَعَثَهُ وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عُثْمَان لِيُعْلِمَ قُرَيْشًا أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ مُعْتَمِرًا لَا مُحَارِبًا , فَفِي غَيْبَة عُثْمَان شَاعَ عِنْدهمْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ تَعَرَّضُوا لِحَرْبِ الْمُسْلِمِينَ , فَاسْتَعَدَّ الْمُسْلِمُونَ لِلْقِتَالِ وَبَايَعَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ تَحْت الشَّجَرَة عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا وَذَلِكَ فِي غَيْبَة عُثْمَان. وَقِيلَ بَلْ جَاءَ الْخَبَر بِأَنَّ عُثْمَان قُتِلَ , فَكَانَ ذَلِكَ سَبَب الْبَيْعَة , وَسَيَأْتِي إِيضَاح ذَلِكَ فِي عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة مِنْ الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ) ‏ ‏أَيْ أَشَارَ بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( هَذِهِ يَد عُثْمَان ) ‏ ‏أَيْ بَدَلهَا , فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَده الْيُسْرَى فَقَالَ : \" هَذِهِ - أَيْ الْبَيْعَة - لِعُثْمَان \" أَيْ عَنْ عُثْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُ اِبْن عُمَر : اِذْهَبْ بِهَا الْآن مَعَك ) ‏ ‏أَيْ اِقْرِنْ هَذَا الْعُذْر بِالْجَوَابِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَك فِيمَا أَجَبْتُك بِهِ حُجَّة عَلَى مَا كُنْت تَعْتَقِدهُ مِنْ غَيْبَة عُثْمَان. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قَالَ لَهُ اِبْن عُمَر تَهَكُّمًا بِهِ , أَيْ تَوَجَّهْ بِمَا تَمَسَّكْت بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعك بَعْدَمَا بَيَّنْت لَك , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة لِمَا دَارَ بَيْنهمَا فِي ذَلِكَ فِي مَنَاقِب عَلِيّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ هُنَا عِنْد الْأَكْثَر حَدِيث أَنَس الْمَذْكُور قَبْل بِحَدِيثَيْنِ , وَالَّذِي أَوْرَدْنَاهُ هُوَ تَرْتِيب مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَالْخَطْب فِي ذَلِكَ سَهْل. ‏"
    },
    {
        "id": "3423",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُمْ قَالَ ‏ ‏صَعِدَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُحُدًا ‏ ‏وَمَعَهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏وَعُثْمَانُ ‏ ‏فَرَجَفَ وَقَالَ ‏ ‏اسْكُنْ ‏ ‏أُحُدُ ‏ ‏أَظُنُّهُ ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس ‏ ‏\" اُسْكُنْ أُحُد \" ‏ ‏بِضَمِّ الدَّال عَلَى أَنَّهُ مُنَادَى مُفْرَد , وَحُذِفَ مِنْهُ حَرْف النِّدَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر , وَمَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ حِرَاء , وَأَنَّهُ يُمْكِن الْجَمْع بِالْحَمْلِ عَلَى التَّعَدُّد , ثُمَّ وَجَدْت مَا يُؤَيِّدهُ : فَعِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِرَاء هُوَ وَأَبُو بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر , فَتَحَرَّكَتْ الصَّخْرَة , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَهُ , وَفِي رِوَايَة لَهُ \" وَسَعْد \" وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث سَعِيد بْن زَيْد عِنْد التِّرْمِذِيّ وَآخَر عَنْ عَلِيّ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3424",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ يُصَابَ بِأَيَّامٍ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏وَقَفَ عَلَى ‏ ‏حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ‏ ‏وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَيْفَ فَعَلْتُمَا أَتَخَافَانِ أَنْ تَكُونَا قَدْ حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ قَالَا حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَةٌ مَا فِيهَا كَبِيرُ فَضْلٍ قَالَ انْظُرَا أَنْ تَكُونَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ قَالَ قَالَا لَا فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لَئِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ لَأَدَعَنَّ أَرَامِلَ ‏ ‏أَهْلِ الْعِرَاقِ ‏ ‏لَا يَحْتَجْنَ إِلَى رَجُلٍ بَعْدِي أَبَدًا قَالَ فَمَا أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا رَابِعَةٌ حَتَّى أُصِيبَ قَالَ إِنِّي لَقَائِمٌ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏غَدَاةَ أُصِيبَ وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَالَ اسْتَوُوا حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلًا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ وَرُبَّمَا قَرَأَ سُورَةَ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏النَّحْلَ ‏ ‏أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ كَبَّرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ قَتَلَنِي أَوْ أَكَلَنِي الْكَلْبُ حِينَ طَعَنَهُ فَطَارَ ‏ ‏الْعِلْجُ ‏ ‏بِسِكِّينٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ لَا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا إِلَّا طَعَنَهُ حَتَّى طَعَنَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مَاتَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ طَرَحَ عَلَيْهِ ‏ ‏بُرْنُسًا ‏ ‏فَلَمَّا ظَنَّ ‏ ‏الْعِلْجُ ‏ ‏أَنَّهُ مَأْخُوذٌ نَحَرَ نَفْسَهُ وَتَنَاوَلَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَدَ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏فَقَدَّمَهُ فَمَنْ يَلِي ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَقَدْ رَأَى الَّذِي أَرَى وَأَمَّا نَوَاحِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ فَقَدُوا صَوْتَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏وَهُمْ يَقُولُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ فَصَلَّى بِهِمْ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏صَلَاةً خَفِيفَةً فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ يَا ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏انْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي فَجَالَ سَاعَةً ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ غُلَامُ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ ‏ ‏قَالَ الصَّنَعُ قَالَ نَعَمْ قَالَ قَاتَلَهُ اللَّهُ لَقَدْ أَمَرْتُ بِهِ مَعْرُوفًا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مِيتَتِي بِيَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ قَدْ كُنْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ تُحِبَّانِ أَنْ تَكْثُرَ ‏ ‏الْعُلُوجُ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏أَكْثَرَهُمْ رَقِيقًا فَقَالَ إِنْ شِئْتَ فَعَلْتُ أَيْ إِنْ شِئْتَ قَتَلْنَا قَالَ كَذَبْتَ بَعْدَ مَا تَكَلَّمُوا بِلِسَانِكُمْ وَصَلَّوْا قِبْلَتَكُمْ وَحَجُّوا حَجَّكُمْ فَاحْتُمِلَ إِلَى بَيْتِهِ فَانْطَلَقْنَا مَعَهُ وَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ تُصِبْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَ يَوْمَئِذٍ فَقَائِلٌ يَقُولُ لَا بَأْسَ وَقَائِلٌ يَقُولُ أَخَافُ عَلَيْهِ فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ ثُمَّ أُتِيَ بِلَبَنٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ فَعَلِمُوا أَنَّهُ مَيِّتٌ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَجَاءَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَيْهِ وَجَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ فَقَالَ أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ لَكَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدَمٍ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ثُمَّ وَلِيتَ فَعَدَلْتَ ثُمَّ شَهَادَةٌ قَالَ وَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَفَافٌ لَا عَلَيَّ وَلَا لِي فَلَمَّا أَدْبَرَ إِذَا إِزَارُهُ يَمَسُّ الْأَرْضَ قَالَ رُدُّوا عَلَيَّ الْغُلَامَ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي ارْفَعْ ثَوْبَكَ فَإِنَّهُ أَبْقَى لِثَوْبِكَ وَأَتْقَى لِرَبِّكَ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏انْظُرْ مَا عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ فَحَسَبُوهُ فَوَجَدُوهُ سِتَّةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا أَوْ نَحْوَهُ قَالَ إِنْ وَفَى لَهُ مَالُ آلِ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَأَدِّهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَإِلَّا فَسَلْ فِي ‏ ‏بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏فَإِنْ لَمْ تَفِ أَمْوَالُهُمْ فَسَلْ فِي ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَلَا تَعْدُهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ فَأَدِّ عَنِّي هَذَا الْمَالَ انْطَلِقْ إِلَى ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏فَقُلْ يَقْرَأُ عَلَيْكِ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏السَّلَامَ وَلَا تَقُلْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنِّي لَسْتُ الْيَوْمَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمِيرًا وَقُلْ يَسْتَأْذِنُ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ فَسَلَّمَ وَاسْتَأْذَنَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا قَاعِدَةً تَبْكِي فَقَالَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏السَّلَامَ وَيَسْتَأْذِنُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ فَقَالَتْ كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي وَلَأُوثِرَنَّ بِهِ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي فَلَمَّا أَقْبَلَ قِيلَ هَذَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَدْ جَاءَ قَالَ ارْفَعُونِي فَأَسْنَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِ فَقَالَ مَا لَدَيْكَ قَالَ الَّذِي تُحِبُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَذِنَتْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا أَنَا قَضَيْتُ فَاحْمِلُونِي ثُمَّ سَلِّمْ فَقُلْ يَسْتَأْذِنُ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَأَدْخِلُونِي وَإِنْ رَدَّتْنِي رُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَجَاءَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏وَالنِّسَاءُ تَسِيرُ مَعَهَا فَلَمَّا رَأَيْنَاهَا قُمْنَا ‏ ‏فَوَلَجَتْ ‏ ‏عَلَيْهِ فَبَكَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً وَاسْتَأْذَنَ الرِّجَالُ ‏ ‏فَوَلَجَتْ ‏ ‏دَاخِلًا لَهُمْ فَسَمِعْنَا بُكَاءَهَا مِنْ الدَّاخِلِ فَقَالُوا أَوْصِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اسْتَخْلِفْ قَالَ مَا أَجِدُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ أَوْ الرَّهْطِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ فَسَمَّى ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏وَعُثْمَانَ ‏ ‏وَالزُّبَيْرَ ‏ ‏وَطَلْحَةَ ‏ ‏وَسَعْدًا ‏ ‏وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَقَالَ يَشْهَدُكُمْ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ لَهُ فَإِنْ أَصَابَتْ الْإِمْرَةُ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏فَهُوَ ذَاكَ وَإِلَّا فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ أَيُّكُمْ مَا أُمِّرَ فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ عَنْ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ وَقَالَ أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي ‏ ‏بِالْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏الْأَوَّلِينَ أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَيَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ وَأُوصِيهِ ‏ ‏بِالْأَنْصَارِ ‏ ‏خَيْرًا ‏ { ‏الَّذِينَ ‏ ‏تَبَوَّءُوا ‏ ‏الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ ‏} ‏أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَأَنْ يُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ وَأُوصِيهِ بِأَهْلِ الْأَمْصَارِ خَيْرًا فَإِنَّهُمْ ‏ ‏رِدْءُ ‏ ‏الْإِسْلَامِ ‏ ‏وَجُبَاةُ ‏ ‏الْمَالِ وَغَيْظُ الْعَدُوِّ وَأَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُمْ إِلَّا فَضْلُهُمْ عَنْ رِضَاهُمْ وَأُوصِيهِ ‏ ‏بِالْأَعْرَابِ ‏ ‏خَيْرًا فَإِنَّهُمْ أَصْلُ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏وَمَادَّةُ الْإِسْلَامِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالِهِمْ وَيُرَدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَّا طَاقَتَهُمْ فَلَمَّا قُبِضَ خَرَجْنَا بِهِ فَانْطَلَقْنَا نَمْشِي فَسَلَّمَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ يَسْتَأْذِنُ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏قَالَتْ أَدْخِلُوهُ فَأُدْخِلَ فَوُضِعَ هُنَالِكَ مَعَ صَاحِبَيْهِ فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ دَفْنِهِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْكُمْ فَقَالَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏طَلْحَةُ ‏ ‏قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَيُّكُمَا تَبَرَّأَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ فَنَجْعَلُهُ إِلَيْهِ وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالْإِسْلَامُ لَيَنْظُرَنَّ أَفْضَلَهُمْ فِي نَفْسِهِ فَأُسْكِتَ الشَّيْخَانِ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَفَتَجْعَلُونَهُ إِلَيَّ وَاللَّهُ عَلَيَّ أَنْ لَا آلُ عَنْ أَفْضَلِكُمْ قَالَا نَعَمْ فَأَخَذَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَقَالَ لَكَ قَرَابَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْقَدَمُ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ فَاللَّهُ عَلَيْكَ لَئِنْ أَمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ وَلَئِنْ أَمَّرْتُ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏لَتَسْمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ ثُمَّ خَلَا بِالْآخَرِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ قَالَ ارْفَعْ يَدَكَ يَا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏فَبَايَعَهُ ‏ ‏فَبَايَعَ ‏ ‏لَهُ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏وَوَلَجَ ‏ ‏أَهْلُ الدَّارِ ‏ ‏فَبَايَعُوهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون ) ‏ ‏هُوَ الْأَزْدِيّ , وَهَذَا الْحَدِيث بِطُولِهِ قَدْ رَوَاهُ عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون أَيْضًا أَبُو إِسْحَاق السَّبِيعِيّ , وَرِوَايَته عِنْد أَبِي شَيْبَة وَالْحَارِث وَابْن سَعْد , وَفِي رِوَايَته زَوَائِد لَيْسَتْ فِي رِوَايَة حُصَيْنٍ. وَرَوَى بَعْض قِصَّة مَقْتَل عُمَر أَيْضًا أَبُو رَافِع وَرِوَايَته عِنْد أَبِي يَعْلَى , وَابْن حِبَّانَ وَجَابِر وَرِوَايَته عِنْد اِبْن أَبِي عُمَر , وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَرِوَايَته فِي \" الْأَوْسَط \" لِلطَّبَرَانِيّ , وَمَعْدَان بْن أَبِي طَلْحَة وَرِوَايَته عِنْد مُسْلِم , وَعِنْد كُلّ مِنْهُمْ مَا لَيْسَ لِلْآخَرِ , وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهَا وَفِي غَيْرهَا مِنْ فَائِدَة زَائِدَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْت عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَبْل أَنْ يُصَاب ) ‏ ‏أَيْ قَبْل أَنْ يُقْتَل ( بِأَيَّامٍ ) أَيْ أَرْبَعَة كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْمَدِينَةِ ) ‏ ‏أَيْ بَعْد أَنْ صَدَرَ مِنْ الْحَجّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْحَجّ , وَفِيهِ قِصَّة صُهَيْب , وَيَأْتِي فِي الْأَحْكَام بِنَحْوِ ذَلِكَ , وَكَانَ ذَلِكَ سَنَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ بِالِاتِّفَاقِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَوَقَفَ عَلَى حُذَيْفَة بْن الْيَمَان وَعُثْمَان بْن حُنَيْف قَالَ : كَيْف فَعَلْتُمَا أَتَخَافَانِ أَنْ تَكُونَا قَدْ حَمَلْتُمَا الْأَرْض مَا لَا تُطِيق ) ‏ ‏الْأَرْض الْمُشَار إِلَيْهَا هِيَ أَرْض السَّوَاد , وَكَانَ عُمَر بَعَثَهُمَا يَضْرِبَانِ عَلَيْهَا الْخَرَاج وَعَلَى أَهْلهَا الْجِزْيَة , بَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْد فِي \" كِتَاب الْأَمْوَال \" مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن مَيْمُون الْمَذْكُور , وَقَوْله \" اُنْظُرَا \" أَيْ فِي التَّحْمِيل , أَوْ هُوَ كِنَايَة عَنْ الْحَذَر لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم النَّظَر. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَا حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْن بِهَذَا الْإِسْنَاد \" فَقَالَ حُذَيْفَة لَوْ شِئْت لَأَضْعَفْت أَرْضِي \" أَيْ جَعَلْت خَرَاجهَا ضِعْفَيْنِ , وَقَالَ عُثْمَان بْن حُنَيْف : لَقَدْ حَمَّلْت أَرْضِي أَمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَة \". وَلَهُ مِنْ طَرِيق الْحَكَم عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون \" أَنَّ عُمَر قَالَ لِعُثْمَان بْن حُنَيْف : لَئِنْ زِدْت عَلَى كُلّ رَأْس دِرْهَمَيْنِ وَعَلَى كُلّ جَرِيب دِرْهَمًا وَقَفِيزًا مِنْ طَعَام لَأَطَاقُوا ذَلِكَ ; قَالَ نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي لَقَائِم ) ‏ ‏أَيْ فِي الصَّفّ نَنْتَظِر صَلَاة الصُّبْح. ‏ ‏قَوْله : ( مَا بَيْنِي وَبَيْنه ) ‏ ‏أَيْ عُمَر ‏ ‏( إِلَّا عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق \" إِلَّا رَجُلَانِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْن الصَّفَّيْنِ قَالَ : اِسْتَوُوا , حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ ) ‏ ‏أَيْ فِي الصُّفُوف , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فِيهِمْ \" أَيْ فِي أَهْلهَا ( خَلَلًا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ ) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ حُصَيْنٍ \" وَكَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِد وَأُقِيمَتْ الصَّلَاة تَأَخَّرَ بَيْن كُلّ صَفَّيْنِ فَقَالَ : اسْتَوُوا , حَتَّى لَا يَرَى خَلَلًا , ثُمَّ يَتَقَدَّم وَيُكَبِّر \" وَفِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون شَهِدَتْ عُمَر يَوْم طُعِنَ , فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أَكُون فِي الصَّفّ الْأَوَّل إِلَّا هَيْبَته , وَكَانَ رَجُلًا مَهِيبًا , وَكُنْت فِي الصَّفّ الَّذِي يَلِيه , وَكَانَ عُمَر لَا يُكَبِّر حَتَّى يَسْتَقْبِل الصَّفّ الْمُقَدَّم بِوَجْهِهِ , فَإِنْ رَأَى رَجُلًا مُتَقَدِّمًا مِنْ الصَّفّ أَوْ مُتَأَخِّرًا ضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ , فَذَلِكَ الَّذِي مَنَعَنِي مِنْهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَتَلَنِي - أَوْ أَكَلَنِي - الْكَلْب , حِين طَعَنَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" فَتَقَدَّمَ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ كَبَّرَ فَطَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَة فَقَالَ : قَتَلَنِي الْكَلْب \" فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق الْمَذْكُورَة \" فَعَرَضَ لَهُ أَبُو لُؤْلُؤَة غُلَام الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة , فَتَأَخَّرَ عُمَر غَيْر بَعِيد , ثُمَّ طَعَنَهُ ثَلَاث طَعَنَات , فَرَأَيْت عُمَر قَائِلًا بِيَدِهِ هَكَذَا يَقُول : دُونكُمْ الْكَلْب فَقَدْ قَتَلَنِي \" وَاسْم أَبِي لُؤْلُؤَة فَيْرُوز كَمَا سَيَأْتِي , فَرَوَى اِبْن سَعْد بِإِسْنَادٍ صَحِيح إِلَى الزُّهْرِيّ قَالَ \" كَانَ عُمَر لَا يَأْذَن لِسَبْيٍ قَدْ اِحْتَلَمَ فِي دُخُول الْمَدِينَة , حَتَّى كَتَبَ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة وَهُوَ عَلَى الْكُوفَة يَذْكُر لَهُ غُلَامًا عِنْده صَانِعًا وَيَسْتَأْذِنهُ أَنْ يُدْخِلهُ الْمَدِينَة وَيَقُول : إِنَّ عِنْده أَعْمَالًا تَنْفَع النَّاس , إِنَّهُ حَدَّاد نَقَّاش نَجَّار , فَأَذِنَ لَهُ , فَضَرَبَ عَلَيْهِ الْمُغِيرَة كُلّ شَهْر مِائَة , فَشَكَا إِلَى عُمَر شِدَّة الْخَرَاج , فَقَالَ لَهُ : مَا خَرَاجك بِكَثِيرٍ فِي جَنْب مَا تَعْمَل , فَانْصَرَفَ سَاخِطًا , فَلَبِثَ عُمَر لَيَالِي , فَمَرَّ بِهِ الْعَبْد فَقَالَ : أَلَمْ أُحَدَّث أَنَّك تَقُول لَوْ أَشَاء لَصَنَعْت رَحًى تَطْحَن بِالرِّيحِ ؟ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ عَابِسًا فَقَالَ : لَأَصْنَعَنَّ لَك رَحًى يَتَحَدَّث النَّاس بِهَا , فَأَقْبَلَ عُمَر عَلَى مَنْ مَعَهُ فَقَالَ : تَوَعَّدَنِي الْعَبْد. فَلَبِثَ لَيَالِي ثُمَّ اِشْتَمَلَ عَلَى خِنْجَر ذِي رَأْسَيْنِ نِصَابه وَسَطه فَكَمَنَ فِي زَاوِيَة مِنْ زَوَايَا الْمَسْجِد فِي الْغَلَس حَتَّى خَرَجَ عُمَر يُوقِظ النَّاس : الصَّلَاة الصَّلَاة , وَكَانَ عُمَر يَفْعَل ذَلِكَ , فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ عُمَر وَثَبَ إِلَيْهِ فَطَعَنَهُ ثَلَاث طَعَنَات إِحْدَاهُنَّ تَحْت السُّرَّة قَدْ خَرَقَتْ الصِّفَاق وَهِيَ الَّتِي قَتَلَتْهُ \". وَفِي حَدِيث أَبِي رَافِع \" كَانَ أَبُو لُؤْلُؤَة عَبْدًا لِلْمُغِيرَةِ , وَكَانَ يَسْتَغِلُّهُ أَرْبَعَة دَرَاهِم - أَيْ كُلّ يَوْم - فَلَقِيَ عُمَر فَقَالَ : إِنَّ الْمُغِيرَة أَثْقَل عَلَيَّ , فَقَالَ : اِتَّقِ اللَّه وَأَحْسِنْ إِلَيْهِ , وَمِنْ نِيَّة عُمَر أَنْ يَلْقَى الْمُغِيرَة فَيُكَلِّمهُ فَيُخَفِّف عَنْهُ , فَقَالَ الْعَبْد : وَسِعَ النَّاس عَدْله غَيْرِي , وَأَضْمَرَ عَلَى قَتْله , فَاصْطَنَعَ لَهُ خِنْجَرًا لَهُ رَأْسَانِ وَسَمَّهُ , فَتَحَرَّى صَلَاة الْغَدَاة حَتَّى قَامَ عُمَر فَقَالَ : أَقِيمُوا صُفُوفكُمْ , فَلَمَّا كَبَّرَ طَعَنَهُ فِي كَتِفه وَفِي خَاصِرَته فَسَقَطَ \" وَعِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَعْدَان بْن أَبِي طَلْحَة \" أَنَّ عُمَر خَطَبَ فَقَالَ : رَأَيْت دِيكًا نَقَرَنِي ثَلَاث نَقَرَات , وَلَا أَرَاهُ إِلَّا حُضُور أَجَلِي \" وَفِي رِوَايَة جُوَيْرِيَة بْن قُدَامَةَ عَنْ عُمَر نَحْوه وَزَادَ \" فَمَا مَرَّ إِلَّا تِلْكَ الْجُمْعَة حَتَّى طُعِنَ \" وَعِنْد اِبْن سَعْد مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي هِلَال قَالَ : \" بَلَغَنِي أَنَّ عُمَر \" ذَكَرَ نَحْوه وَزَادَ \" فَحَدَّثَتْهَا أَسْمَاء بِنْت عُمَيْس فَحَدَّثَتْنِي أَنَّهُ يَقْتُلنِي رَجُل مِنْ الْأَعَاجِم \" وَرَوَى عُمَر بْن شَبَّة فِي \" كِتَاب الْمَدِينَة \" مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر بِإِسْنَادٍ حَسَن \" أَنَّ عُمَر دَخَلَ بِأَبِي لُؤْلُؤَة الْبَيْت لِيُصْلِح لَهُ ضَبَّة لَهُ فَقَالَ لَهُ : مُرْ الْمُغِيرَة أَنْ يَضَع عَنِّي مِنْ خَرَاجِي , قَالَ إِنَّك لَتَكْسِب كَسْبًا كَثِيرًا فَاصْبِرْ \" الْحَدِيث. وَلِلطَّبَرَانِيّ فِي \" الْأَوْسَط \" بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ الْمُبَارَك بْن فَضَالَة عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" طَعَنَ أَبُو لُؤْلُؤَة عُمَر طَعْنَتَيْنِ \" وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر الثَّالِثَة الَّتِي قَتَلَتْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى طَعَنَ ثَلَاثَة عَشَر رَجُلًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق \" اِثْنَيْ عَشَر رَجُلًا مَعَهُ وَهُوَ ثَالِث عَشَر \" زَادَ اِبْن سَعْد مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون \" وَعَلَى عُمَر إِزَار أَصْفَر قَدْ رَفَعَهُ عَلَى صَدْره , فَلَمَّا طُعِنَ قَالَ : وَكَانَ أَمْر اللَّه قَدْرًا مَقْدُورًا \". ‏ ‏قَوْله : ( مَاتَ مِنْهُمْ سَبْعَة ) ‏ ‏أَيْ وَعَاشَ الْبَاقُونَ , وَوَقَفْت مِنْ أَسْمَائِهِمْ عَلَى كُلَيْب بْن الْبُكَيْر اللَّيْثِيّ وَلَهُ وَلِإِخْوَتِهِ عَاقِل وَعَامِر وَإِيَاس صُحْبَة , فَرَوَيْنَا فِي \" جُزْء أَبِي الْجَهْم \" بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيح إِلَى اِبْن عُمَر أَنَّهُ \" كَانَ مَعَ عُمَر صَادِرًا مِنْ الْحَجّ , فَمَرَّ بِامْرَأَةٍ فَدَفَنَهَا كُلَيْب اللَّيْثِيّ فَشَكَرَ لَهُ ذَلِكَ عُمَر وَقَالَ : أَرْجُو أَنْ يُدْخِلهُ اللَّه الْجَنَّة , قَالَ فَطَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَة لَمَّا طَعَنَ عُمَر فَمَاتَ \" وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق نَافِع نَحْوه وَمِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ \" طَعَنَ أَبُو لُؤْلُؤَة اِثْنَيْ عَشَر رَجُلًا فَمَاتَ مِنْهُمْ عُمَر وَكُلَيْب \" وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة وَيَحْيَى بْن عَبْد الرَّحْمَن فِي قِصَّة قَتْل عُمَر \" فَطَعَنَ أَبُو لُؤْلُؤَة كُلَيْب بْن الْبُكَيْر فَأَجْهَزَ عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا ) ‏ ‏وَقَعَ فِي ذَيْل الِاسْتِيعَاب لِابْنِ فَتْحُون مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن يَحْيَى الْأُمَوِيّ قَالَ : \" حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن فِي هَذِهِ الْقِصَّة قَالَ : فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُل مِنْ الْمُهَاجِرِينَ يُقَال لَهُ حِطَّان التَّمِيمِيّ الْيَرْبُوعِيّ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا \" وَهَذَا أَصَحّ مِمَّا رَوَاهُ اِبْن سَعْد بِإِسْنَادٍ ضَعِيف مُنْقَطِع قَالَ \" طَعَنَ أَبُو لُؤْلُؤَة نَفَرًا فَأَخَذَ أَبَا لُؤْلُؤَة رَهْط مِنْ قُرَيْش مِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن عَوْف وَهَاشِم بْن عُتْبَة الزُّهْرِيَّانِ وَرَجُل مِنْ بَنِي سَهْم , وَطَرَحَ عَلَيْهِ عَبْد اللَّه بْن عَوْف خَمِيصَة كَانَتْ عَلَيْهِ \" فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا حُمِلَ أَنَّ الْكُلّ اِشْتَرَكُوا فِي ذَلِكَ. وَرَوَى سَعْد عَنْ الْوَاقِدِيّ بِإِسْنَادٍ آخَر \" أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَوْف الْمَذْكُور اِحْتَزَّ رَأْس أَبِي لُؤْلُؤَة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَتَنَاوَلَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَقَدَّمَهُ ) ‏ ‏أَيْ لِلصَّلَاةِ بِالنَّاسِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّى بِهِمْ عَبْد الرَّحْمَن صَلَاة خَفِيفَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق \" بِأَقْصَر سُورَتَيْنِ فِي الْقُرْآن : إِنَّا أَعْطَيْنَاك الْكَوْثَر , وَإِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالْفَتْح \" وَزَادَ فِي رِوَايَة اِبْن شِهَاب الْمَذْكُور \" ثُمَّ غَلَبَ عُمَر النَّزْف حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ , فَاحْتَمَلْته فِي رَهْط حَتَّى أَدْخَلْته بَيْته فَلَمْ يَزَلْ فِي غَشْيَته حَتَّى أَسْفَرَ فَنَظَرَ فِي وُجُوهنَا فَقَالَ : أَصَلَّى النَّاس ؟ فَقُلْت نَعَمْ , قَالَ : لَا إِسْلَام لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاة ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى \" وَفِي رِوَايَة اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق اِبْن عُمَر قَالَ \" فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى فَقَرَأَ فِي الْأُولَى وَالْعَصْر وَفِي الثَّانِيَة يَا أَيّهَا الْكَافِرُونَ , قَالَ : وَتَسَانَدَ إِلَيَّ وَجُرْحه يَثْعَب دَمًا , إِنِّي لِأَضَع أُصْبُعِي الْوُسْطَى فَمَا تَسُدّ الْفَتْق \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا اِنْصَرَفُوا قَالَ : يَا اِبْن عَبَّاس اُنْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق \" فَقَالَ عُمَر يَا عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس اُخْرُجْ فَنَادِ فِي النَّاس : أَعَنْ مَلَأ مِنْكُمْ كَانَ هَذَا ؟ فَقَالُوا : مَعَاذ اللَّه , مَا عَلِمْنَا وَلَا اِطَّلَعْنَا \" وَزَادَ مُبَارَك بْن فَضَالَة \" فَظَنَّ عُمَر أَنَّ لَهُ ذَنْبًا إِلَى النَّاس لَا يَعْلَمهُ فَدَعَا اِبْن عَبَّاس - وَكَانَ يُحِبّهُ وَيُدْنِيه - فَقَالَ : أُحِبّ أَنْ تَعْلَم عَنْ مَلَأ مِنْ النَّاس كَانَ هَذَا ؟ فَخَرَجَ لَا يَمُرّ بِمَلَأٍ مِنْ النَّاس إِلَّا وَهُمْ يَبْكُونَ , فَكَأَنَّمَا فَقَدُوا أَبْكَار أَوْلَادهمْ , قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَرَأَيْت الْبِشْر فِي وَجْهه. ‏ ‏قَوْله : ( الصَّنَع ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون. وَفِي رِوَايَة اِبْن فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنٍ عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة وَابْن سَعْد \" الصَّنَاع \" بِتَخْفِيفِ النُّون , قَالَ أَهْل اللُّغَة رَجُل صَنَع الْيَد وَاللِّسَان وَامْرَأَة صَنَاع الْيَد , وَحَكَى أَبُو زَيْد الصَّنَاع وَالصَّنَع يَقَعَانِ مَعًا عَلَى الرَّجُل وَالْمَرْأَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَجْعَل مِيتَتِي ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُثَنَّاة أَيْ قِتْلَتِي , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَنِيَّتِي \" بِفَتْحِ الْمِيم وَكَسْر النُّون وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( رَجُل يَدَّعِي الْإِسْلَام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن شِهَاب \" فَقَالَ الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَل قَاتِلِي يُحَاجّنِي عِنْد اللَّه بِسَجْدَةٍ سَجَدَهَا لَهُ قَطّ \" وَفِي رِوَايَة مُبَارَك بْن فَضَالَة \" يُحَاجّنِي بِقَوْلِ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" , وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُسْلِم إِذَا قَتَلَ مُتَعَمِّدًا تُرْجَى لَهُ الْمَغْفِرَة خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ لَا يُغْفَر لَهُ أَبَدًا , وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" قَاتَلَهُ اللَّه , لَقَدْ أَمَرْت بِهِ مَعْرُوفًا \" أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ , وَفِي حَدِيث جَابِر \" فَقَالَ عُمَر : لَا تَعْجَلُوا عَلَى الَّذِي قَتَلَنِي , فَقِيلَ : إِنَّهُ قَتَلَ نَفْسه , فَاسْتَرْجَعَ عُمَر , فَقِيلَ لَهُ إِنَّهُ أَبُو لُؤْلُؤَة , فَقَالَ اللَّه أَكْبَر \". ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ كُنْت أَنْتَ وَأَبُوك تُحِبَّانِ أَنْ تَكْثُر الْعُلُوج بِالْمَدِينَةِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" فَقَالَ عُمَر : هَذَا مِنْ عَمَل أَصْحَابك , كُنْت أُرِيدَ أَنْ لَا يَدْخُلهَا عِلْج مِنْ السَّبْي فَغَلَبْتُمُونِي \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق أَسْلَم مَوْلَى عُمَر قَالَ \" قَالَ عُمَر مَنْ أَصَابَنِي ؟ قَالُوا أَبُو لُؤْلُؤَة وَاسْمه فَيْرُوز , قَالَ قَدْ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَجْلِبُوا عَلَيْهَا مِنْ عُلُوجهمْ أَحَدًا فَعَصَيْتُمُونِي \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة مُبَارَك بْن فَضَالَة , وَرَوَى عُمَر بْن شَبَّة مِنْ طَرِيق اِبْن سِيرِينَ قَالَ \" بَلَغَنِي أَنَّ الْعَبَّاس قَالَ لِعُمَر لَمَّا قَالَ لَا تُدْخِلُوا عَلَيْنَا مِنْ السَّبْي إِلَّا الْوُصَفَاء : إِنَّ عَمَل الْمَدِينَة شَدِيد لَا يَسْتَقِيم إِلَّا بِالْعُلُوجِ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ شِئْت فَعَلْت ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : إِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ عُمَر لَا يَأْمُر بِقَتْلِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( كَذَبْت ) ‏ ‏هُوَ عَلَى مَا أُلِفَ مِنْ شِدَّة عُمَر فِي الدِّين , لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ قَوْله \" إِنْ شِئْت فَعَلْنَا \" أَيْ قَتَلْنَاهُمْ فَأَجَابَهُ بِذَلِكَ , وَأَهْل الْحِجَاز يَقُولُونَ \" كَذَبْت \" فِي مَوْضِع أَخْطَأْت , وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ \" بَعْد أَنْ صَلَّوْا \" لِعِلْمِهِ أَنَّ الْمُسْلِم لَا يَحِلّ قَتْله , وَلَعَلَّ اِبْن عَبَّاس إِنَّمَا أَرَادَ قَتْل مَنْ لَمْ يُسْلِم مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيث أَبِي رَافِع \" لِيَنْظُر مَا قَدْر جُرْحه \" وَفِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق \" فَلَمَّا أَصْبَحَ دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّبِيب فَقَالَ : أَيّ الشَّرَاب أَحَبّ إِلَيْك ؟ قَالَ : النَّبِيذ , فَدَعَا بِنَبِيذٍ فَشَرِبَ فَخَرَجَ مِنْ جُرْحه , فَقَالَ : هَذَا صَدِيد اِئْتُونِي بِلَبَنٍ , فَأُتِيَ بِلَبَنٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِنْ جُرْحه , فَقَالَ الطَّبِيب : أَوْصِ فَإِنِّي لَا أَظُنّك إِلَّا مَيِّتًا مِنْ يَوْمك أَوْ مِنْ غَد \". ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَ مِنْ جَوْفه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مِنْ جُرْحه \" وَهِيَ أَصْوَب , وَفِي رِوَايَة أَبِي رَافِع \" فَخَرَجَ النَّبِيذ فَلَمْ يُدْرَ أَهُوَ نَبِيذ أَمْ دَم \" وَفِي رِوَايَته \" فَقَالُوا لَا بَأْس عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , فَقَالَ : إِنْ يَكُنْ الْقَتْل بَأْسًا فَقَدْ قُتِلْت \" وَفِي رِوَايَة اِبْن شِهَاب \" قَالَ : فَأَخْبَرَنِي سَالِم قَالَ : سَمِعْت اِبْن عُمَر يَقُول : فَقَالَ عُمَر : أَرْسِلُوا إِلَيَّ طَبِيب يَنْظُر إِلَى جُرْحِي , قَالَ : فَأَرْسَلُوا إِلَى طَبِيب مِنْ الْعَرَب فَسَقَاهُ نَبِيذًا فَشُبِّهَ النَّبِيذ بِالدَّمِ حِين خَرَجَ مِنْ الطَّعْنَة الَّتِي تَحْت السُّرَّة , قَالَ فَدَعَوْت طَبِيبًا آخَر مِنْ الْأَنْصَار فَسَقَاهُ لَبَنًا فَخَرَجَ اللَّبَن مِنْ الطَّعْنَة أَبْيَض فَقَالَ : اِعْهَدْ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عُمَر : صَدَقَنِي , وَلَوْ قَالَ غَيْر ذَلِكَ لَكَذَّبْته \" وَفِي رِوَايَة مُبَارَك بْن فَضَالَة \" ثُمَّ دَعَا بِشَرْبَةٍ مِنْ لَبَن فَشَرِبَهَا فَخَرَجَ مُشَاش اللَّبَن مِنْ الْجُرْحَيْنِ فَعَرَفَ أَنَّهُ الْمَوْت فَقَالَ : الْآن لَوْ أَنَّ لِي الدُّنْيَا كُلّهَا لَافْتَدَيْت بِهِ مِنْ هَوْل الْمَطْلَع , وَمَا ذَاكَ وَالْحَمْد لِلَّهِ أَنْ أَكُون رَأَيْت إِلَّا خَيْرًا \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏الْمُرَاد بِالنَّبِيذِ الْمَذْكُور تَمَرَات نُبِذَتْ فِي مَاء أَيْ نُقِعَتْ فِيهِ , كَانُوا يَصْنَعُونَ ذَلِكَ لِاسْتِعْذَابِ الْمَاء , وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِيهِ فِي الْأَشْرِبَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَاءَ النَّاس يُثْنُونَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَيْهِ \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر عِنْد اِبْن سَعْد مِنْ تَسْمِيَة مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف. وَأَنَّهُ أَجَابَهُ بِمَا أَجَابَ بِهِ غَيْره. وَرَوَى عُمَر بْن شَبَّة مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن يَسَار أَنَّ الْمُغِيرَة أَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ هَنِيئًا لَك الْجَنَّة وَأَجَابَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ. وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ أَنَّهُ مِمَّنْ دَخَلَ عَلَى عُمَر حِين طُعِنَ. وَعِنْد اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق جُوَيْرِيَة بْن قُدَامَةَ \" فَدَخَلَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة ثُمَّ أَهْل الْمَدِينَة ثُمَّ أَهْل الشَّام ثُمَّ أَهْل الْعِرَاق , فَكُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ قَوْم بَكَوْا وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَف مِنْهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه فِي الْجِزْيَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عِنْد اِبْن مُسْعَد \" وَأَتَاهُ كَعْب - أَيْ كَعْب الْأَحْبَار - فَقَالَ : أَلَمْ أَقُلْ لَك إِنَّك لَا تَمُوت إِلَّا شَهِيدًا , وَإِنَّك تَقُول مِنْ أَيْنَ وَإِنِّي فِي جَزِيرَة الْعَرَب \". ‏ ‏قَوْله : ( وَجَاءَ رَجُل شَابّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير عَنْ حُصَيْنٍ السَّابِقَة فِي الْجَنَائِز \" وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابّ مِنْ الْأَنْصَار \" وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة سِمَاك الْحَنَفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن سَعْد أَنَّهُ أَثْنَى عَلَى عُمَر فَقَالَ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قَالَ هُنَا لِلشَّابِّ , فَلَوْ [ لَا أَنَّهُ ] قَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِنَّهُ مِنْ الْأَنْصَار لَسَاغَ أَنْ يُفَسَّر الْمُبْهَم بِابْنِ عَبَّاس , لَكِنْ لَا مَانِع مِنْ تَعَدُّد الْمُثْنِينَ مَعَ اِتِّحَاد جَوَابه كَمَا تَقَدَّمَ. وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا أَنَّ فِي قِصَّة هَذَا الشَّابّ أَنَّهُ لَمَّا ذَهَبَ رَأَى عُمَر إِزَاره يَصِل إِلَى الْأَرْض فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ , وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي قِصَّة اِبْن عَبَّاس , وَفِي إِنْكَاره عَلَى اِبْن عَبَّاس مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَابَة فِي الدِّين , وَأَنَّهُ لَمْ يَشْغَلهُ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْمَوْت عَنْ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ , وَقَوْله : \" مَا قَدْ عَلِمْت \" مُبْتَدَأ وَخَبَره \" لَك \" وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن مَسْعُود فَرَوَى عُمَر بْن شَبَّة مِنْ حَدِيثه نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة وَزَادَ \" قَالَ عَبْد اللَّه يَرْحَم اللَّه عُمَر , لَمْ يَمْنَعهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ قَوْل الْحَقّ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدَم ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَكَسْرهَا فَالْأَوَّل بِمَعْنَى الْفَضْل وَالثَّانِي بِمَعْنَى السَّبْق. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ شَهَادَة ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى مَا قَدْ عَلِمْت , وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى صُحْبَة , وَيَجُوز النَّصْب عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول مُطْلَق لِفِعْلٍ مَحْذُوف وَالْأَوَّل أَقْوَى , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن جَرِير \" ثُمَّ الشَّهَادَة بَعْد هَذَا كُلّه \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا عَلَيَّ وَلَا لِي ) ‏ ‏أَيْ سَوَاء بِسَوَاءٍ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْقَى لِثَوْبِك ) ‏ ‏بِالنُّونِ ثُمَّ الْقَاف لِلْأَكْثَرِ , وَبِالْمُوَحَّدَةِ بَدَل النُّون لِلْكُشْمِيهَنِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُبَارَك بْن فَضَالَة قَالَ اِبْن عَبَّاس : وَإِنْ قُلْت ذَلِكَ فَجَزَاك خَيْرًا , أَلَيْسَ قَدْ دَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِزّ اللَّه بِك الدِّين وَالْمُسْلِمِينَ إِذْ يَخَافُونَ بِمَكَّة , فَلَمَّا أَسْلَمْت كَانَ إِسْلَامك عِزًّا , وَظَهَرَ بِك الْإِسْلَام , وَهَاجَرْت فَكَانَتْ هِجْرَتك فَتْحًا , ثُمَّ لَمْ تَغِبْ عَنْ مَشْهَد شَهْده رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِتَال الْمُشْرِكِينَ , ثُمَّ قُبِضَ وَهُوَ عَنْك رَاضٍ , وَوَازَرْت الْخَلِيفَة بَعْده عَلَى مِنْهَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبْت مَنْ أَدْبَرَ بِمَنْ أَقْبَلَ , ثُمَّ قُبِضَ الْخَلِيفَة وَهُوَ عَنْك رَاضٍ , ثُمَّ وُلِّيتَ بِخَيْرٍ مَا وَلَّى النَّاس : مَصَّرَ اللَّه بِك الْأَمْصَار , وَجَبَا بِك الْأَمْوَال , وَنَفَى بِك الْعَدُوّ , وَأَدْخَلَ بِك عَلَى أَهْل بَيْت مَنْ سَيُوسِعُهُمْ فِي دِينهمْ وَأَرْزَاقهمْ , ثُمَّ خَتَمَ لَك بِالشَّهَادَةِ , فَهَنِيئًا لَك. فَقَالَ : وَاَللَّه إِنَّ الْمَغْرُور مَنْ تَغُرُّونَهُ , ثُمَّ قَالَ : أَتَشْهَدُ لِي يَا عَبْد اللَّه عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة , فَقَالَ : نَعَمْ. فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد \" وَفِي رِوَايَة مُبَارَك بْن فَضَالَة أَيْضًا \" قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ - وَذَكَرَ لَهُ فِعْل عُمَر عِنْد مَوْته وَخَشْيَته مِنْ رَبّه فَقَالَ - : هَكَذَا الْمُؤْمِن جَمَعَ إِحْسَانًا وَشَفَقَة , وَالْمُنَافِق جَمْع إِسَاءَة وَعِزَّة , وَاَللَّه مَا وَجَدْت إِنْسَانًا اِزْدَادَ إِحْسَانًا إِلَّا وَجَدْته اِزْدَادَ مَخَافَة وَشَفَقَة , وَلَا اِزْدَادَ إِسَاءَة إِلَّا اِزْدَادَ عِزَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( يَا عَبْد اللَّه بْن عُمَر , اُنْظُرْ مَاذَا عَلَيَّ مِنْ الدَّيْن فَحَسَبُوهُ فَوَجَدُوهُ سِتَّة وَثَمَانِينَ أَلْفًا أَوْ نَحْوه ) ‏ ‏فِي حَدِيث جَابِر \" ثُمَّ قَالَ : يَا عَبْد اللَّه , أَقْسَمْت عَلَيْك بِحَقِّ اللَّه وَحَقّ عُمَر إِذَا مُتّ فَدَفَنْتنِي أَنْ لَا تَغْسِل رَأْسك حَتَّى تَبِيع مِنْ رِبَاع آل عُمَر بِثَمَانِينَ أَلْفًا فَتَضَعهَا فِي بَيْت مَال الْمُسْلِمِينَ , فَسَأَلَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , فَقَالَ : أَنْفَقْتهَا فِي حِجَج حَجَجْتهَا , وَفِي نَوَائِب كَانَتْ تَنُوبنِي \" وَعُرِفَ بِهَذَا جِهَة دَيْن عُمَر. قَالَ اِبْن التِّين : قَدْ عَلِمَ عُمَر أَنَّهُ لَا يَلْزَمهُ غَرَامَة ذَلِكَ , إِلَّا أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَعَجَّل مِنْ عَمَله شَيْء فِي الدُّنْيَا. وَوَقَعَ فِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة لِمُحَمَّدِ بْن الْحَسَن بْن زَبَالَة \" أَنَّ دَيْن عُمَر كَانَ سِتَّة وَعِشْرِينَ أَلْفًا , وَبِهِ جَزَمَ عِيَاض , الْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ وَفَّى لَهُ مَال آلِ عُمَر ) ‏ ‏كَأَنَّهُ يُرِيد نَفْسه , وَمِثْله يَقَع فِي كَلَامهمْ كَثِيرًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد رَهْطه. وَقَوْله : \" وَإِلَّا فَسَلْ فِي بَنِي عَدِيّ بْن كَعْب \" هُمْ الْبَطْن الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ , وَقُرَيْش قَبِيلَته , ‏ ‏وَقَوْله : \" لَا تَعْدُهُمْ ‏ ‏\" بِسُكُونِ الْعَيْن أَيْ لَا تَتَجَاوَزهُمْ , وَقَدْ أَنْكَرَ نَافِع مَوْلَى اِبْن عُمَر أَنْ يَكُون عَلَى عُمَر دَيْن , فَرَوَى عُمَر بْن شَبَّة فِي \" كِتَاب الْمَدِينَة \" بِإِسْنَادٍ صَحِيح أَنَّ نَافِعًا قَالَ : مِنْ أَيْنَ يَكُون عَلَى عُمَر دَيْن وَقَدْ بَاعَ رَجُل مِنْ وَرَثَته مِيرَاثه بِمِائَةِ أَلْف ؟ اِنْتَهَى. وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ يَكُون عِنْد مَوْته عَلَيْهِ دَيْن. فَقَدْ يَكُون الشَّخْص كَثِير الْمَال وَلَا يَسْتَلْزِم نَفْي الدَّيْن عَنْهُ , فَلَعَلَّ نَافِعًا أَنْكَرَ أَنْ يَكُون دَيْنه لَمْ يُقْضَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنِّي لَسْت الْيَوْم لِلْمُؤْمِنِينَ أَمِيرًا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عِنْدَمَا أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ , إِشَارَة بِذَلِكَ إِلَى عَائِشَة حَتَّى لَا تُحَابِيه لِكَوْنِهِ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَحْكَام مَا يُخَالِف ظَاهِره ذَلِكَ , فَيُحْمَل هَذَا النَّفْي عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْن التِّين أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْلَم أَنَّ سُؤَاله لَهَا بِطَرِيقِ الطَّلَب لَا بِطَرِيقِ الْأَمْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَأُوثِرَنَّهُ بِهِ الْيَوْم عَلَى نَفْسِي ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ وَبِاسْتِئْذَانِ عُمَر لَهَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ تَمْلِك الْبَيْت , وَفِيهِ نَظَر , بَلْ الْوَاقِع أَنَّهَا كَانَتْ تَمْلِك مَنْفَعَته بِالسُّكْنَى فِيهِ وَالْإِسْكَان وَلَا يُورَث عَنْهَا , وَحُكْم أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالْمُعْتَدَّاتِ لِأَنَّهُنَّ لَا يَتَزَوَّجْنَ بَعْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ هَذَا فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز , وَتَقَدَّمَ فِيهِ وَجْه الْجَمْع بَيْن قَوْل عَائِشَة \" لَأُوثِرَنَّهُ عَلَى نَفْسِي \" وَبَيْن قَوْلهَا لِابْنِ الزُّبَيْر \" لَا تَدْفِنِّي عِنْدهمْ \" بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون ظَنَّتْ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ هُنَاكَ وُسْع ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهَا إِمْكَان ذَلِكَ بَعْد دَفْن عُمَر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَادهَا بِقَوْلِهَا \" لَأُوثِرَنَّهُ عَلَى نَفْسِي \" الْإِشَارَة إِلَى أَنَّهَا لَوْ أَذِنَتْ فِي ذَلِكَ لَامْتَنَعَ عَلَيْهَا الدَّفْن هُنَاكَ لِمَكَانِ عُمَر لِكَوْنِهِ أَجْنَبِيًّا مِنْهَا بِخِلَافِ أَبِيهَا وَزَوْجهَا , وَلَا يَسْتَلْزِم ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُون فِي الْمَكَان سَعَة أَمْ لَا , وَلِهَذَا كَانَتْ تَقُول بَعْد أَنْ دُفِنَ عُمَر \" لَمْ أَضَع ثِيَابِي عَنِّي مُنْذُ دُفِنَ عُمَر فِي بَيْتِي \" أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد وَغَيْره , وَرَوَى عَنْهَا فِي حَدِيث لَا يَثْبُت أَنَّهَا اِسْتَأْذَنَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ عَاشَتْ بَعْده أَنْ تُدْفَن إِلَى جَانِبه فَقَالَ لَهَا : \" وَأَنَّى لَك بِذَلِكَ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِع إِلَّا قَبْرِي وَقَبْر أَبِي بَكْر وَعُمَر وَعِيسَى اِبْن مَرْيَم \" وَفِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة \" مِنْ وَجْه ضَعِيف عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : \" إِنَّ قُبُور الثَّلَاثَة فِي صُفَّة بَيْت عَائِشَة , وَهُنَاكَ مَوْضِع قَبْر يُدْفَن فِيهِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام \". ‏ ‏قَوْله : ( اِرْفَعُونِي ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْأَرْض , كَأَنَّهُ كَانَ مُضْطَجِعًا فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقْعِدُوهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَسْنَدَهُ رَجُل إِلَيْهِ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ اِبْن عَبَّاس وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي رِوَايَة الْمُبَارَك أَنَّ اِبْن عَبَّاس لَمَّا فَرَغَ مِنْ الثَّنَاء عَلَيْهِ قَالَ \" فَقَالَ لَهُ عُمَر : أَلْصِقْ خَدِّي بِالْأَرْضِ يَا عَبْد اللَّه بْن عُمَر , قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَوَضَعْته مِنْ فَخِذِي عَلَى سَاقِي فَقَالَ : أَلْصِقْ خَدِّي بِالْأَرْضِ , فَوَضَعْته حَتَّى وَضَعَ لِحْيَته وَخَدّه بِالْأَرْضِ فَقَالَ : وَيْلك عُمَر إِنْ لَمْ يَغْفِر اللَّه لَك \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا كَانَ شَيْء أَهَمّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏وَقَوْله : ( إِذَا مِتّ فَاسْتَأْذِنْ ) ذَكَرَ اِبْن سَعْد عَنْ مَعْن بْن عِيسَى عَنْ مَالِك أَنَّ عُمَر كَانَ يَخْشَى أَنْ تَكُون أَذِنَتْ فِي حَيَاته حَيَاء مِنْهُ وَأَنْ تَرْجِع عَنْ ذَلِكَ بَعْد مَوْته , فَأَرَادَ أَنْ لَا يُكْرِههَا عَلَى ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَاءَتْ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَة ) ‏ ‏أَيْ بِنْت عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَلَجَتْ عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ دَخَلَتْ عَلَى عُمَر فَمَكَثَتْ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَبَكَتْ \" وَذَكَرَ اِبْن سَعْد بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ الْمِقْدَام بْن مَعْد يَكْرِب أَنَّهَا قَالَتْ \" يَا صَاحِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَا صِهْر رَسُول اللَّه , يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عُمَر : لَا صَبْر لِي عَلَى مَا أَسْمَع , أُحَرِّج عَلَيْك بِمَا لِيَ عَلَيْك مِنْ الْحَقّ أَنْ تَنْدُبِينَنِي بَعْد مَجْلِسك هَذَا , فَأَمَّا عَيْنَيْك فَلَنْ أَمْلِكهُمَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَوَلَجْت دَاخِلًا لَهُمْ ) ‏ ‏أَيْ مَدْخَلًا كَانَ فِي الدَّار. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالُوا : أَوْصِ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , اِسْتَخْلِفْ ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَام مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَرَوَى اِبْن شَبَّة بِإِسْنَادٍ فِيهِ اِنْقِطَاع أَنَّ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَر قَالَ لِعُمَر حِين وَقَفَ لَمْ يُوَلِّ أَحَدًا بَعْده \" يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , مَا يَمْنَعك أَنْ تَصْنَع كَمَا صَنَعَ أَبُو بَكْر \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَطْعَنهُ أَبُو لُؤْلُؤَة , فَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَعْدَان بْن أَبِي طَلْحَة أَنَّ عُمَر قَالَ فِي خُطْبَته قَبْل أَنْ يُطْعَن \" إِنَّ أَقْوَامًا يَأْمُرُونَنِي أَنْ أَسْتَخْلِف \". ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَر أَوْ الرَّهْط ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَمَّى عَلِيًّا وَعُثْمَان إِلَخْ ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد اِبْن سَعْد مِنْ رِوَايَة اِبْن عُمَر أَنَّهُ ذَكَرَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَعُثْمَان وَعَلِيًّا , وَفِيهِ \" قُلْت لِسَالِمٍ أَبْدَأ بِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف قَبْلهمَا ؟ قَالَ : نَعَمْ \" فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الرُّوَاة تَصَرَّفُوا لِأَنَّ الْوَاو لَا تُرَتِّب , وَاقْتِصَار عُمَر عَلَى السِّتَّة مِنْ الْعَشَرَة لَا إِشْكَال فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ , وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْر وَمِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَة وَقَدْ مَاتَ قَبْل ذَلِكَ , أَمَّا سَعِيد بْن زَيْد فَهُوَ اِبْن عَمّ عُمَر فَلَمْ يُسَمِّهِ عُمَر فِيهِمْ مُبَالَغَة فِي التَّبَرِّي مِنْ الْأَمْر , وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَة الْمُدَايِنِيّ بِأَسَانِيدِهِ أَنَّ عُمَر عَدَّ سَعِيد بْن زَيْد فِيمَنْ تُوُفِّيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ , إِلَّا أَنَّهُ اِسْتَثْنَاهُ مِنْ أَهْل الشُّورَى لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُدَايِنِيّ بِأَسَانِيدِهِ قَالَ : \" فَقَالَ عُمَر : لَا أَرَب لِي فِي أُمُوركُمْ فَأَرْغَب فِيهَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ : يَشْهَدكُمْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق الْمُدَايِنِيّ بِأَسَانِيدِهِ قَالَ : \" فَقَالَ لَهُ رَجُل : اِسْتَخْلِفْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , قَالَ : وَاَللَّه مَا أَرَدْت اللَّه بِهَذَا \" وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد بِسَنَدٍ صَحِيح مِنْ مُرْسَل إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ نَحْوه قَالَ : \" فَقَالَ عُمَر : قَاتَلَك اللَّه , وَاَللَّه مَا أَرَدْت اللَّه بِهَذَا , أَسْتَخْلِف مَنْ لَمْ يُحْسِن أَنْ يُطَلِّق اِمْرَأَته \". ‏ ‏قَوْله : ( كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَة لَهُ ) ‏ ‏أَيْ لِابْنِ عُمَر , لِأَنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ أَهْل الشُّورَى فِي الْخِلَافَة أَرَادَ جَبْر خَاطِره بِأَنْ جَعَلَهُ مِنْ أَهْل الْمُشَاوَرَة فِي ذَلِكَ. وَزَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ قَوْله \" كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَة لَهُ \" مِنْ كَلَام الرَّاوِي لَا مِنْ كَلَام عُمَر , فَلَمْ أَعْرِف مِنْ أَيْنَ تَهَيَّأَ لَهُ الْجَزْم بِذَلِكَ مَعَ الِاحْتِمَال. وَذَكَرَ الْمُدَايِنِيّ أَنَّ عُمَر قَالَ لَهُمْ : \" إِذَا اِجْتَمَعَ ثَلَاثَة عَلَى رَأْي فَحَكِّمُوا عَبْد اللَّه بْن عُمَر , فَإِنْ لَمْ تَرْضَوْا بِحُكْمِهِ فَقَدِّمُوا مَنْ مَعَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ أَصَابَتْ الْإِمْرَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة , وَلِلكُشمِيهَنيّ الْإِمَارَة ( سَعْدًا ) يَعْنِي اِبْن أَبِي وَقَّاص , وَزَادَ الْمُدَايِنِيّ \" وَمَا أَظُنّ أَنْ يَلِي هَذَا الْأَمْر إِلَّا عَلِيّ أَوْ عُثْمَان فَإِنْ وَلِيَ عُثْمَان فَرَجُل فِيهِ لِين , وَإِنْ وَلِيَ عَلِيّ فَسَتَخْتَلِفُ عَلَيْهِ النَّاس , وَإِنْ وَلِيَ سَعْد وَإِلَّا فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ الْوَالِي \". ثُمَّ قَالَ لِأَبِي طَلْحَة : إِنَّ اللَّه قَدْ نَصَرَ بِكُمْ الْإِسْلَام , فَاخْتَرْ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار , وَاسْتَحِثَّ هَؤُلَاءِ الرَّهْط حَتَّى يَخْتَارُوا رَجُلًا مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ : أُوصِي الْخَلِيفَة مِنْ بَعْدِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون \" فَقَالَ اُدْعُوا لِي عَلِيًّا وَعُثْمَان وَعَبْد الرَّحْمَن وَسَعْدًا وَالزُّبَيْر , وَكَانَ طَلْحَة غَائِبًا \" قَالَ فَلَمْ يُكَلِّم أَحَدًا مِنْهُمْ غَيْر عُثْمَان وَعَلِيّ فَقَالَ : \" يَا عَلِيّ , لَعَلَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْم يَعْلَمُونَ لَك حَقّك وَقَرَابَتك مِنْ رَسُول اللَّه وَصِهْرك وَمَا آتَاك اللَّه مِنْ الْفِقْه وَالْعِلْم فَإِنْ وُلِّيت هَذَا الْأَمْر فَاتَّقِ اللَّه فِيهِ \". ثُمَّ دَعَا عُثْمَان فَقَالَ : يَا عُثْمَان \" فَذَكَرَ لَهُ نَحْو ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق فِي قِصَّة عُثْمَان \" فَإِنْ وَلَّوْكَ هَذَا الْأَمْر فَاتَّقِ اللَّه فِيهِ وَلَا تَحْمِلَنَّ بَنِي أَبِي مُعَيْط عَلَى رِقَاب النَّاس \" ثُمَّ قَالَ : \" اُدْعُوا لِي صُهَيْبًا \" فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ : \" صَلِّ بِالنَّاسِ ثَلَاث. وَلْيَحْلُلْ هَؤُلَاءِ الْقَوْم فِي بَيْت , فَإِذَا اِجْتَمَعُوا عَلَى رَجُل فَمَنْ خَالَفَ فَاضْرِبُوا عُنُقه \" فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْده قَالَ : \" إِنْ تُوَلُّوهَا الْأَجْلَح يَسْلُك بِهِمْ الطَّرِيق. فَقَالَ لَهُ اِبْنه : مَا يَمْنَعك يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ ؟ قَالَ : أَكْرَه أَنْ أَتَحَمَّلهَا حَيًّا وَمَيِّتًا \" وَقَدْ اِشْتَمَلَ هَذَا الْفَصْل عَلَى فَوَائِد عَدِيدَة , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد بِإِسْنَادٍ صَحِيح قَالَ : \" دَخَلَ الرَّهْط عَلَى عُمَر , فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : إِنِّي قَدْ نَظَرْت فِي أَمْر النَّاس فَلَمْ أَجِد عِنْد النَّاس شِقَاقًا , فَإِنْ كَانَ فَهُوَ فِيكُمْ , وَإِنَّمَا الْأَمْر إِلَيْكُمْ - وَكَانَ طَلْحَة يَوْمَئِذٍ غَائِبًا فِي أَمْوَاله - قَالَ : فَإِنْ كَانَ قَوْمكُمْ لَا يُؤَمِّرُونَ إِلَّا لِأَحَدِ الثَّلَاثَة عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَعُثْمَان وَعَلِيّ فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ فَلَا يَحْمِل قَرَابَته عَلَى رِقَاب النَّاس , قُومُوا فَتَشَاوَرُوا \" ثُمَّ قَالَ عُمَر : \" أَمْهِلُوا فَإِنْ حَدَثَ لِي حَدَث فَلْيُصَلِّ لَكُمْ صُهَيْب ثَلَاثًا فَمَنْ تَأَمَّرَ مِنْكُمْ عَلَى غَيْر مَشُورَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَاضْرِبُوا عُنُقه \". ‏ ‏قَوْله : ( بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ) ‏ ‏هُمْ مَنْ صَلَّى إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ , وَقِيلَ : مَنْ شَهِدَ بَيْعَة الرِّضْوَان , وَالْأَنْصَار سَيَأْتِي ذِكْرهمْ فِي بَاب مُفْرَد. ‏ ‏وَقَوْله : ( الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّار ) ‏ ‏أَيْ سَكَنُوا الْمَدِينَة قَبْل الْهِجْرَة , ‏ ‏وَقَوْله : ( وَالْإِيمَان ) ‏ ‏اِدَّعَى بَعْضهمْ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاء الْمَدِينَة وَهُوَ بَعِيد , وَالرَّاجِح أَنَّهُ ضُمِّنَ \" تَبَوَّءُوا \" مَعْنَى لَزِمَ أَوْ عَامِل نَصْبه مَحْذُوف وَتَقْدِيره وَاعْتَقَدُوا , أَوْ أَنَّ الْإِيمَان لِشِدَّةِ ثُبُوته فِي قُلُوبهمْ كَأَنَّهُ أَحَاطَ بِهِمْ وَكَأَنَّهُمْ نَزَلُوهُ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّهُمْ رِدْءُ الْإِسْلَام ) ‏ ‏أَيْ عَوْن الْإِسْلَام الَّذِي يَدْفَع عَنْهُ ‏ ‏( وَغَيْظُ الْعَدُوّ ) ‏ ‏أَيْ يَغِيظُونَ الْعَدُوّ بِكَثْرَتِهِمْ وَقُوَّتهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْ لَا يُؤْخَذ مِنْهُمْ إِلَّا فَضْلهمْ عَنْ رِضَاهُمْ ) ‏ ‏أَيْ إِلَّا مَا فَضَلَ عَنْهُمْ , فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَيُؤْخَذ مِنْهُمْ \" وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالهمْ ) ‏ ‏أَيْ الَّتِي لَيْسَتْ بِخِيَارِ , وَالْمُرَاد بِذِمَّةِ اللَّه أَهْل الذِّمَّة , وَالْمُرَاد بِالْقِتَالِ مِنْ وَرَائِهِمْ أَيْ إِذَا قَصَدَهُمْ عَدُوّ لَهُمْ. وَقَدْ اِسْتَوْفَى عُمَر فِي وَصِيَّته جَمِيع الطَّوَائِف لِأَنَّ النَّاس إِمَّا مُسْلِم وَإِمَّا كَافِر , فَالْكَافِر إِمَّا حَرْبِيّ وَلَا يُوصَى بِهِ وَإِمَّا ذِمِّيّ وَقَدْ ذَكَرَهُ , وَالْمُسْلِم إِمَّا مُهَاجِرِيّ وَإِمَّا أَنْصَارِيّ أَوْ غَيْرهمَا , وَكُلّهمْ إِمَّا بَدَوِيّ وَإِمَّا حَضَرِيّ , وَقَدْ بَيَّنَ الْجَمِيع. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُدَايِنِي مِنْ الزِّيَادَة \" وَأَحْسِنُوا مُؤَازَرَة مَنْ يَلِي أَمْركُمْ وَأَعِينُوهُ وَأَدُّوا إِلَيْهِ الْأَمَانَة \". ‏ ‏وَقَوْله : ( وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَّا طَاقَتهمْ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْجِزْيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقْنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَانْقَلَبْنَا أَيْ رَجَعْنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَوُضِعَ هُنَالِكَ مَعَ صَاحِبَيْهِ ) ‏ ‏اُخْتُلِفَ فِي صِفَة الْقُبُور الْمُكَرَّمَة الثَّلَاثَة , فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّ قَبْر أَبِي بَكْر وَرَاء قَبْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَبْر عُمَر وَرَاء قَبْر أَبِي بَكْر. وَقِيلَ : إِنَّ قَبْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقَدَّم إِلَى الْقِبْلَة , وَقَبْر أَبِي بَكْر حِذَاء مَنْكِبَيْهِ. وَقَبْر عُمَر حِذَاء مَنْكِبَيْ أَبِي بَكْر. وَقِيلَ : قَبْر أَبِي بَكْر عِنْد رَأْس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَبْر عُمَر عِنْد رِجْلَيْهِ. وَقِيلَ : قَبْر أَبِي بَكْر عِنْد رِجْلَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَبْر عُمَر عِنْد رِجْلَيْ أَبِي بَكْر. وَقِيلَ : غَيْر ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه وَذِكْر أَدِلَّته فِي أَوَاخِر كِتَاب الْجَنَائِز. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَوْف. ‏ ‏قَوْله : ( اِجْعَلُوا أَمْركُمْ إِلَى ثَلَاثَة ) ‏ ‏أَيْ فِي الِاخْتِيَار لِيَقِلّ الِاخْتِلَاف , كَذَا قَالَ اِبْن التِّين وَفِيهِ نَظَر , وَصَرَّحَ الْمُدَايِنِيّ فِي رِوَايَته بِخِلَافِ مَا قَالَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ طَلْحَة : قَدْ جَعَلْت أَمْرِي ) ‏ ‏فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ حَضَرَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ غَائِبًا عِنْد وَصِيَّة عُمَر , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ حَضَرَ بَعْد أَنْ مَاتَ وَقَبْل أَنْ يَتِمّ أَمْر الشُّورَى , وَهَذَا أَصَحّ مِمَّا رَوَاهُ الْمُدَايِنِيّ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُر إِلَّا بَعْد أَنْ بُويِعَ عُثْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّهُ عَلَيْهِ وَالْإِسْلَامُ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ فِيهِمَا وَالْخَبَر مَحْذُوف أَيْ عَلَيْهِ رَقِيب أَوْ نَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَيَنْظُرَن أَفْضَلهمْ فِي نَفْسه ) ‏ ‏أَيْ مُعْتَقَده , زَادَ الْمُدَايِنِيّ فِي رِوَايَة \" فَقَالَ عُثْمَان : أَنَا أَوَّل مَنْ رَضِيَ , وَقَالَ عَلِيّ : أَعْطِنِي مَوْثِقًا لَتُؤْثِرَنَّ الْحَقّ وَلَا تَخُصَّن ذَا رَحِم , قَالَ نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ أَعْطُونِي مَوَاثِيقكُمْ أَنْ تَكُونُوا مَعِي عَلَى مَنْ خَالَفَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأُسْكِت ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الْكَاف كَأَنَّ مُسْكِتًا أَسْكَتَهُمَا , وَيَجُوز فَتْح الْهَمْزَة وَالْكَاف وَهُوَ بِمَعْنَى سَكَتَ , وَالْمُرَاد بِالشَّيْخَيْنِ عَلِيّ وَعُثْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذَ بِيَدِ أَحَدهمَا ) ‏ ‏هُوَ عَلِيّ وَبَقِيَّة الْكَلَام يَدُلّ عَلَيْهِ , وَوَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَة اِبْن فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْقِدَم ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْحهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ , زَادَ الْمُدَايِنِيّ أَنَّهُ قَالَ لَهُ \" أَرَأَيْت لَوْ صُرِفَ هَذَا الْأَمْر عَنْك فَلَمْ تَحْضُر مَنْ كُنْت تَرَى أَحَقّ بِهَا مِنْ هَؤُلَاءِ الرَّهْط ؟ قَالَ : عُثْمَان \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا قَدْ عَلِمْت ) ‏ ‏صِفَة أَوْ بَدَل عَنْ الْقِدَم. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ خَلَا بِالْآخَرِ فَقَالَ لَهُ مِثْل ذَلِكَ ) ‏ ‏زَادَ الْمُدَايِنِيّ أَنَّهُ قَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لِعَلِيٍّ فَقَالَ عَلِيّ وَزَادَ فِيهِ أَنَّ سَعْدًا أَشَارَ عَلَيْهِ بِعُثْمَان , وَأَنَّهُ دَارَ تِلْكَ اللَّيَالِي كُلّهَا عَلَى الصَّحَابَة وَمَنْ وَافَى الْمَدِينَة مِنْ أَشْرَاف النَّاس لَا يَخْلُو بِرَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَّا أَمَرَهُ بِعُثْمَان. وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف قِصَّة الشُّورَى فِي كِتَاب الْأَحْكَام مِنْ رِوَايَة حُمَيْدِ بْن عَوْف عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ وَسَاقَهَا نَحْو هَذَا وَأَتَمَّ مِمَّا هُنَا , وَسَأَذْكُرُ شَرْح مَا فِيهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي قِصَّة عُمَر هَذِهِ مِنْ الْفَوَائِد شَفَقَته عَلَى الْمُسْلِمِينَ , وَنَصِيحَته لَهُمْ , وَإِقَامَته السُّنَّة فِيهِمْ , وَشِدَّة خَوْفه مِنْ رَبّه , وَاهْتِمَامه بِأَمْرِ الدِّين أَكْثَر مِنْ اِهْتِمَامه بِأَمْرِ نَفْسه , وَأَنَّ النَّه"
    },
    {
        "id": "3425",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ قَالَ فَبَاتَ النَّاسُ ‏ ‏يَدُوكُونَ ‏ ‏لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا فَقَالَ أَيْنَ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَقَالُوا يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَ بَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ ‏ ‏عَلَى رِسْلِكَ ‏ ‏حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ ‏ ‏حُمْرُ النَّعَمِ ‏",
        "sharh": "\" 5585 \" حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي قِصَّة فَتْح خَيْبَر , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الْمَغَازِي. ‏"
    },
    {
        "id": "3426",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَكَانَ بِهِ رَمَدٌ فَقَالَ أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَخَرَجَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا اللَّهُ فِي صَبَاحِهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ أَوْ لَيَأْخُذَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْ قَالَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِذَا نَحْنُ ‏ ‏بِعَلِيٍّ ‏ ‏وَمَا نَرْجُوهُ فَقَالُوا هَذَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الرَّايَةَ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع فِي الْمَعْنَى سَيَأْتِي شَرْحه فِي الْمَغَازِي. وَقَوْله : فِي الْحَدِيثَيْنِ : \" إِنَّ عَلِيًّا يُحِبّ اللَّه وَرَسُوله وَيُحِبّهُ اللَّه وَرَسُوله \" أَرَادَ بِذَلِكَ وُجُود حَقِيقَة الْمَحَبَّة , وَإِلَّا فَكُلّ مُسْلِم يَشْتَرِك مَعَ عَلِيّ فِي مُطْلَق هَذِهِ الصِّفَة. وَفِي الْحَدِيث تَلْمِيح بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ ) فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ عَلِيًّا تَامّ الِاتِّبَاع لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اِتَّصَفَ بِصِفَةِ مَحَبَّة اللَّه لَهُ , وَلِهَذَا كَانَتْ مَحَبَّته عَلَامَة الْإِيمَان وَبُغْضه عَلَامَة النِّفَاق كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَلِيّ نَفْسه قَالَ \" وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّة وَبَرَأَ النَّسَمَة إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يُحِبَّك إِلَّا مُؤْمِن وَلَا يُبْغِضك إِلَّا مُنَافِق \" وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة عِنْد أَحْمَد. ‏"
    },
    {
        "id": "3427",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا جَاءَ إِلَى ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏فَقَالَ هَذَا ‏ ‏فُلَانٌ ‏ ‏لِأَمِيرِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏يَدْعُو ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏عِنْدَ الْمِنْبَرِ قَالَ فَيَقُولُ مَاذَا قَالَ يَقُولُ لَهُ ‏ ‏أَبُو تُرَابٍ ‏ ‏فَضَحِكَ قَالَ وَاللَّهِ مَا سَمَّاهُ إِلَّا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَا كَانَ لَهُ اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ فَاسْتَطْعَمْتُ الْحَدِيثَ ‏ ‏سَهْلًا ‏ ‏وَقُلْتُ يَا ‏ ‏أَبَا عَبَّاسٍ ‏ ‏كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ دَخَلَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏ثُمَّ خَرَجَ فَاضْطَجَعَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ قَالَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَوَجَدَ رِدَاءَهُ قَدْ سَقَطَ عَنْ ظَهْرِهِ وَخَلَصَ التُّرَابُ إِلَى ظَهْرِهِ فَجَعَلَ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ ظَهْرِهِ فَيَقُولُ اجْلِسْ يَا ‏ ‏أَبَا تُرَابٍ ‏ ‏مَرَّتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو حَازِم سَلَمَة بْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى سَهْل بْن سَعْد ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا فُلَان لِأَمِيرِ الْمَدِينَة ) ‏ ‏أَيْ عَنَى أَمِير الْمَدِينَة , وَفُلَان الْمَذْكُور لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه صَرِيحًا , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" هَذَا فَكَانَ فُلَان اِبْن فُلَان \". ‏ ‏قَوْله : ( يَدْعُو عَلِيًّا عِنْد الْمِنْبَر , قَالَ فَيَقُول مَاذَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم \" يَدْعُوك لِتَسُبّ عَلِيًّا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّه مَا سَمَّاهُ إِلَّا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏يَعْنِي أَبَا تُرَاب. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَطْعَمْت الْحَدِيث سَهْلًا ) ‏ ‏أَيْ سَأَلْته أَنْ يُحَدِّثنِي , وَاسْتَعَارَ الِاسْتِطْعَام لِلْكَلَامِ لِجَامِعِ مَا بَيْنهمَا مِنْ الذَّوْق لِلطَّعَامِ الذَّوْق الْحِسِّيّ وَلِلْكَلَامِ الذَّوْق الْمَعْنَوِيّ , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَقُلْت يَا أَبَا عَبَّاس كَيْف كَانَ أَمْره \". ‏ ‏قَوْله : ( أَيْنَ اِبْن عَمّك ؟ قَالَتْ : فِي الْمَسْجِد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنه شَيْء فَغَاضَبَنِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَخَلُصَ التُّرَاب إِلَى ظَهْره ) ‏ ‏أَيْ وَصَلَ , فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَتَّى تَخَلَّصَ ظَهْره إِلَى التُّرَاب \" وَكَانَ نَامَ أَوَّلًا عَلَى مَكَان لَا تُرَاب فِيهِ ثُمَّ تَقَلَّبَ فَصَارَ ظَهْره عَلَى التُّرَاب أَوْ سَفَى عَلَيْهِ التُّرَاب. ‏ ‏قَوْله : ( اِجْلِسْ يَا أَبَا تُرَاب. مَرَّتَيْنِ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ ذَلِكَ أَوَّل مَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ , وَرَوَى اِبْن إِسْحَاق مِنْ طَرِيقه وَأَحْمَد مِنْ حَدِيث عَمَّار بْن يَاسِر قَالَ : \" نِمْت أَنَا وَعَلِيّ فِي غَزْوَة الْعَسِيرَة فِي نَخْل فَمَا أَفَقْنَا إِلَّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكنَا بِرِجْلِهِ يَقُول لِعَلِيٍّ : قُمْ يَا أَبَا تُرَاب لِمَا يَرَى عَلَيْهِ مِنْ التُّرَاب \" وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ خَاطَبَهُ بِذَلِكَ فِي هَذِهِ الْكَائِنَة الْأُخْرَى. وَيُرْوَى مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ سَبَب غَضَب عَلِيّ كَانَ لِمَا آخَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَصْحَابه وَلَمْ يُؤَاخِ بَيْنه وَبَيْن أَحَد فَذَهَبَ إِلَى الْمَسْجِد , فَذَكَرَ الْقِصَّة وَقَالَ فِي آخِرهَا \" قُمْ فَأَنْتَ أَخِي \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ , وَعِنْد اِبْن عَسَاكِر نَحْوه مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة , وَحَدِيث الْبَاب أَصَحّ , وَيَمْتَنِع الْجَمْع بَيْنهمَا لِأَنَّ قِصَّة الْمُؤَاخَاة كَانَتْ أَوَّل مَا قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة , وَتَزْوِيج عَلِيّ بِفَاطِمَة وَدُخُوله عَلَيْهَا كَانَ بَعْد ذَلِكَ بِمُدَّةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3428",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ‏ ‏قَالَ جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏فَسَأَلَهُ عَنْ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فَذَكَرَ عَنْ مَحَاسِنِ عَمَلِهِ قَالَ لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوءُكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏فَذَكَرَ مَحَاسِنَ عَمَلِهِ قَالَ هُوَ ذَاكَ بَيْتُهُ أَوْسَطُ بُيُوتِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوءُكَ قَالَ أَجَلْ قَالَ فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ انْطَلِقْ فَاجْهَدْ عَلَيَّ جَهْدَكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَلِيّ الْجُعْفِيُّ , وَأَبُو حَصِين بِفَتْحِ أَوَّله وَالْمُهْمَلَتَيْنِ , وَسَعْد بْن عُبَيْدَة بِضَمِّ الْعَيْن. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ رَجُل إِلَى اِبْن عُمَر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب عُثْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرَ عَنْ مَحَاسِن عَمَله ) ‏ ‏كَأَنَّهُ ضَمَّنَ ذَكَرَ مَعْنَى أَخْبَرَ فَعَدَّاهَا بِعَنْ , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَذَكَرَ أَحْسَن عَمَله \" وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ إِنْفَاقه فِي جَيْش الْعُسْرَة وَتَسْبِيله بِئْر رُومَة وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ عَلِيّ فَذَكَرَ مَحَاسِن أَعْمَاله ) ‏ ‏كَأَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ شُهُوده بَدْرًا وَغَيْرهَا وَفَتْح خَيْبَر عَلَى يَدَيْهِ وَقَتْله مَرْحَب وَنَحْو ذَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( هُوَ ذَاكَ , بَيْته أَوْسَط بُيُوت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ أَحْسَنهَا بِنَاء , وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ فِي وَسَطهَا وَهُوَ أَصَحّ. وَوَقَعَ عِنْد النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَقَالَ لَا تَسْأَل عَنْ عَلِيّ وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى بَيْته مِنْ بُيُوت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَهُ مِنْ رِوَايَة الْعَلَاء بْن عَيْزَار قَالَ سَأَلْت اِبْن عُمَر عَنْ عَلِيّ فَقَالَ \" اُنْظُرْ إِلَى مَنْزِله مِنْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِي الْمَسْجِد غَيْر بَيْته \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِتَرْكِ بَابه غَيْر مَسْدُود فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَرْغَمَ اللَّه بِأَنْفِك ) ‏ ‏الْبَاء زَائِدَة مَعْنَاهُ أَوْقَع اللَّه بِك السُّوء وَاشْتِقَاقه مِنْ السُّقُوط عَلَى الْأَرْض فَيُلْصَق الْوَجْه بِالرَّغَامِ وَهُوَ التُّرَاب. ‏ ‏قَوْله : ( فَاجْهَدْ عَلَى جَهْدك ) ‏ ‏أَيْ اُبْلُغْ عَلَى غَايَتك فِي حَقِّي , فَإِنَّ الَّذِي قُلْته لَك الْحَقّ , وَقَائِل الْحَقّ لَا يُبَالِي بِمَا قِيلَ فِي حَقّه مِنْ الْبَاطِل. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَطَاء الْمَذْكُورَة \" قَالَ : فَقَالَ الرَّجُل : فَإِنِّي أُبْغِضهُ , فَقَالَ لَهُ اِبْن عُمَر أَبْغَضك اللَّه تَعَالَى \". ‏"
    },
    {
        "id": "3429",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَبْيٌ فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ فَوَجَدَتْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَأَخْبَرَتْهَا فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏بِمَجِيءِ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏فَجَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَيْنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ فَقَالَ عَلَى مَكَانِكُمَا فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي وَقَالَ ‏ ‏أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَتُسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ \" إِنَّ فَاطِمَة شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ الرَّحَى \" الْحَدِيث , وَفِيهِ مَا يُقَال عِنْد النَّوْم , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الدَّعَوَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَوَجْه دُخُوله فِي مَنَاقِب عَلِيّ مِنْ جِهَة مَنْزِلَته مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدُخُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ فِي فِرَاشه بَيْنه وَبَيْن اِمْرَأَته وَهِيَ اِبْنَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ جِهَة اِخْتِيَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ مَا اِخْتَارَ لِابْنَتِهِ مِنْ إِيثَار أَمْر الْآخِرَة عَلَى أَمْر الدُّنْيَا وَرِضَاهُمَا بِذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْخُمُس بَيَان السَّبَب فِي ذَلِكَ , فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِخْتَارَ أَنْ يُوَسِّع عَلَى فُقَرَاء الصُّفَّة بِمَا قَدِمَ عَلَيْهِ , وَرَأَى لِأَهْلِهِ الصَّبْر بِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ مَزِيد الثَّوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "3430",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِعَلِيٍّ ‏ ‏أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ ‏ ‏هَارُونَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مُوسَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعْد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت إِبْرَاهِيم بْن سَعْد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي وَقَّاص. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِلِّيٍّ ) ‏ ‏بَيَّنَ سَعْد سَبَب ذَلِكَ مِنْ وَجْه آخَر أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي غَزْوَة تَبُوك مِنْ آخِر الْمَغَازِي , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُون مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسَى ) ‏ ‏أَيْ نَازِلًا مِنِّي مَنْزِلَة هَارُون مِنْ مُوسَى , وَالْبَاء زَائِدَة. وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ سَعْد \" فَقَالَ عَلِيّ : رَضِيت رَضِيت \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَلِابْنِ سَعْد مِنْ حَدِيث الْبَرَاء وَزَيْد بْن أَرْقَم فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة \" قَالَ : بَلَى يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : فَإِنَّهُ كَذَلِكَ \" وَفِي أَوَّل حَدِيثهمَا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ لِعَلِيٍّ \" لَا بُدّ أَنْ أُقِيم أَوْ تُقِيم , فَأَقَامَ عَلِيّ فَسَمِعَ نَاسًا يَقُولُونَ : إِنَّمَا خَلَّفَهُ لِشَيْءٍ كَرِهَهُ مِنْهُ , فَاتَّبَعَهُ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ , فَقَالَ لَهُ \" الْحَدِيث , وَإِسْنَاده قَوِيّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَامِر بْن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عِنْد مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ قَالَ : \" قَالَ مُعَاوِيَة لِسَعْدٍ : \" مَا مَنَعَك أَنْ تَسُبّ أَبَا تُرَاب ؟ قَالَ أَمَا مَا ذَكَرْت ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَنْ أَسُبّهُ \" فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث وَقَوْله : \" لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَة رَجُلًا يُحِبّهُ اللَّه وَرَسُوله وَقَوْله : \" لَمَّا نَزَلَتْ ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ) دَعَا عَلِيًّا وَفَاطِمَة وَالْحَسَن وَالْحُسَيْن فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي \" وَعِنْد أَبِي يَعْلَى عَنْ سَعْد مِنْ وَجْه آخَر لَا بَأْس بِهِ قَالَ لَوْ وُضِعَ الْمِنْشَار عَلَى مَفْرِقِي عَلَى أَنْ أَسُبّ عَلِيًّا مَا سَبَبْته أَبَدًا وَهَذَا الْحَدِيث أَعْنِي حَدِيث الْبَاب دُون الزِّيَادَة رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غَيْر سَعْد مِنْ حَدِيث عُمَر وَعَلِيّ نَفْسه وَأَبِي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَجَابِر بْن عَبْد اللَّه وَالْبَرَاء وَزَيْد بْن أَرْقَم وَأَبِي سَعِيد وَأَنَس وَجَابِر بْن سَمُرَة وَحُبْشِيُّ بْن جُنَادَةَ وَمُعَاوِيَة وَأَسْمَاء بِنْت عُمَيْس وَغَيْرهمْ , وَقَدْ اِسْتَوْعَبَ طُرُقه اِبْن عَسَاكِر فِي تَرْجَمَة عَلِيّ. وَقَرِيب مِنْ هَذَا الْحَدِيث فِي الْمَعْنَى حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة قَالَ : \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ : مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ ؟ قَالَ : عَاقِر النَّاقَة , قَالَ : فَمَنْ أَشْقَى الْآخِرِينَ ؟ قَالَ : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم. قَالَ : قَاتِلك \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث عَمَّار بْن يَاسِر عِنْد أَحْمَد , وَمِنْ حَدِيث صُهَيْب عِنْد الطَّبَرَانِيِّ , وَعَنْ عَلِيّ نَفْسه عِنْد أَبِي يَعْلَى بِإِسْنَادٍ لَيِّن , وَعِنْد الْبَزَّار بِإِسْنَادٍ جَيِّد , وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَاب عَلَى اِسْتِحْقَاق عَلِيّ لِلْخِلَافَةِ دُون غَيْره مِنْ الصَّحَابَة , فَإِنَّ هَارُون كَانَ خَلِيفَة مُوسَى , وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَارُون لَمْ يَكُنْ خَلِيفَة مُوسَى إِلَّا فِي حَيَاته لَا بَعْد مَوْته لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْل مُوسَى بِاتِّفَاقٍ , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّهُ مُتَّصِل بِي نَازِل مِنِّي مَنْزِلَة هَارُون مِنْ مُوسَى , وَفِيهِ تَشْبِيه مُبْهَم بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ : \" إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي \" فَعُرِفَ أَنَّ الِاتِّصَال الْمَذْكُور بَيْنهمَا لَيْسَ مِنْ جِهَة النُّبُوَّة بَلْ مِنْ جِهَة مَا دُونهَا وَهُوَ الْخِلَافَة , وَلَمَّا كَانَ هَارُون الْمُشَبَّه بِهِ إِنَّمَا كَانَ خَلِيفَة فِي حَيَاة مُوسَى دَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَخْصِيص خِلَافَة عَلِيّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَيَاتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّف مِنْ مَنَاقِب عَلِيّ أَشْيَاء فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , مِنْهَا حَدِيث عُمَر \" عَلِيّ أَقْضَانَا \" وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير الْبَقَرَة. وَلَهُ شَاهِد صَحِيح مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد الْحَاكِم , وَمِنْهَا حَدِيث قِتَاله الْبُغَاة وَهُوَ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" تَقْتُل عَمَّارًا الْفِئَة الْبَاغِيَة \" وَكَانَ عَمَّار مَعَ عَلِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي الصَّلَاة. وَمِنْهَا حَدِيث قِتَاله الْخَوَارِج وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَف بِالتَّتَبُّعِ , وَأَوْعَبُ مَنْ جَمَعَ مَنَاقِبه مِنْ الْأَحَادِيث الْجِيَاد النَّسَائِيّ فِي كِتَاب \" الْخَصَائِص \" وَأَمَّا حَدِيث \" مَنْ كُنْت مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ \" فَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ , وَهُوَ كَثِير الطُّرُق جِدًّا , وَقَدْ اِسْتَوْعَبَهَا اِبْن عُقْدَة فِي كِتَاب مُفْرَد , وَكَثِير مِنْ أَسَانِيدهَا صِحَاح وَحِسَان , وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ الْإِمَام أَحْمَد قَالَ : مَا بَلَغَنَا عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة مَا بَلَغَنَا عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ حَدِيث سَعْد مُؤَخَّرًا عَنْ حَدِيث عَلِيّ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَمُقَدَّمًا عَلَيْهِ فِي رِوَايَة الْبَاقِينَ , وَالْخَطْب فِي ذَلِكَ قَرِيب , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3431",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ فَإِنِّي أَكْرَهُ ‏ ‏الِاخْتِلَافَ حَتَّى يَكُونَ لِلنَّاسِ جَمَاعَةٌ أَوْ أَمُوتَ كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏ابْنُ سِيرِينَ ‏ ‏يَرَى أَنَّ عَامَّةَ مَا يُرْوَى عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏الْكَذِبُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبِيدَةَ بِفَتْحِ أَوَّله هُوَ اِبْن عَمْرو السَّلْمَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَلِيّ قَالَ اِقْضُوا كَمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" عَلَى \" ( مَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ ) قَبْل , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ قَوْل عَلِيّ فِي بَيْع أُمّ الْوَلَد , وَأَنَّهُ كَانَ يَرَى هُوَ وَعُمَر أَنَّهُنَّ لَا يُبَعْنَ , وَأَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ فَرَأَى أَنْ يُبَعْنَ. قَالَ عَبِيدَة : فَقُلْت لَهُ رَأْيك وَرَأْي عُمَر فِي الْجَمَاعَة أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ رَأْيك وَحْدك فِي الْفُرْقَة فَقَالَ عَلِيّ مَا قَالَ. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَتْ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد أَخْرَجَهَا اِبْن الْمُنْذِر عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ أَبِي نُعَيْم عَنْهُ وَعِنْده \" قَالَ لِي عَبِيدَة : بَعَثَ إِلَيَّ عَلِيّ وَإِلَى شُرَيْح فَقَالَ : إِنِّي أُبْغِض الِاخْتِلَاف فَاقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ \" فَذَكَرَهُ إِلَى قَوْله \" أَصْحَابِي \" قَالَ : \" فَقَبِلَ عَلِيّ قَبْل أَنْ يَكُون جَمَاعَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنِّي أَكْرَه الِاخْتِلَاف ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى النِّزَاع , قَالَ اِبْن التِّين : يَعْنِي مُخَالَفَة أَبِي بَكْر وَعُمَر. وَقَالَ غَيْره : الْمُرَاد الْمُخَالَفَة الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى النِّزَاع وَالْفِتْنَة , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله بَعْد ذَلِكَ \" حَتَّى يَكُون النَّاس جَمَاعَة \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" حَتَّى يَكُون لِلنَّاسِ جَمَاعَة \". ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ أَمُوت ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ وَيَجُوز الرَّفْع. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي ) ‏ ‏أَيْ لَا أَزَال عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَمُوت. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ اِبْن سِيرِينَ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ , وَقَدْ وَقَعَ بَيَان ذَلِكَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد وَلَفْظه عَنْ أَيُّوب \" سَمِعْت مُحَمَّدًا يَعْنِي اِبْن سِيرِينَ يَقُول لِأَبِي مَعْشَر : إِنِّي أَتَّهِمكُمْ فِي كَثِير مِمَّا تَقُولُونَ عَنْ عَلِيّ \". قُلْت : وَأَبُو مَعْشَر الْمَذْكُور هُوَ زِيَاد بْن كُلَيْب الْكُوفِيّ وَهُوَ ثِقَة مُخَرَّج لَهُ فِي صَحِيح مُسْلِم وَإِنَّمَا أَرَادَ اِبْن سِيرِينَ تُهْمَة مَنْ يَرْوِي عَنْهُ زِيَاد فَإِنَّهُ يَرْوِي عَنْ مِثْل الْحَارِث الْأَعْوَر. ‏ ‏قَوْله : ( يَرَى ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله أَيْ يَعْتَقِد ‏ ‏( أَنَّ عَامَّة ) ‏ ‏أَيْ أَكْثَر ‏ ‏( مَا يُرْوَى ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله ( عَنْ عَلِيّ الْكَذِب ) وَالْمُرَاد بِذَلِكَ مَا تَرْوِيه الرَّافِضَة عَنْ عَلِيّ مِنْ الْأَقْوَال الْمُشْتَمِلَة عَلَى مُخَالَفَة الشَّيْخَيْنِ , وَلَمْ يُرِدْ مَا يَتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة فَقَدْ رَوَى اِبْن سَعْد بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" إِذَا حَدَّثَنَا ثِقَة عَنْ عَلِيّ بِفُتْيَا لَمْ نَتَجَاوَزهَا \" ‏"
    },
    {
        "id": "3432",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ أَكْثَرَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَإِنِّي كُنْتُ ‏ ‏أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِشِبَعِ بَطْنِي حَتَّى لَا آكُلُ الْخَمِيرَ وَلَا أَلْبَسُ ‏ ‏الْحَبِيرَ ‏ ‏وَلَا يَخْدُمُنِي فُلَانٌ وَلَا فُلَانَةُ وَكُنْتُ أُلْصِقُ بَطْنِي ‏ ‏بِالْحَصْبَاءِ ‏ ‏مِنْ الْجُوعِ وَإِنْ كُنْتُ لَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الْآيَةَ هِيَ مَعِي كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي وَكَانَ أَخْيَرَ النَّاسِ لِلْمِسْكِينِ ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏كَانَ يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا ‏ ‏الْعُكَّةَ ‏ ‏الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ فَنَشُقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏هُوَ أَبُو مُصْعَب الزُّهْرِيُّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم بِهَذَا الْإِسْنَاد حَدِيث آخَر غَيْر هَذَا فِيمَا يَتَعَلَّق بِسَبَبِ كَثْرَة حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ النَّاس كَانُوا يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَة ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الرِّوَايَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْله فِي الْعِلْم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ طَرِيق أُخْرَى لَكِنَّهُ أَجَابَ بِأَنَّهُ \" لَوْلَا آيَة مِنْ كِتَاب اللَّه مَا حَدَّثْت \" وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مِثْل قَوْل اِبْن عُمَر لَمَّا ذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ يَرْوِي فِي حَدِيث \" مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَة فَلَهُ قِيرَاط \" : أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي كِتَاب الْجَنَائِز , وَاعْتِرَاف اِبْن عُمَر بَعْد ذَلِكَ لَهُ بِالْحِفْظِ. وَرَوَى الْبُخَارِيّ فِي \" التَّارِيخ \" وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ طَرِيق مَالِك بْن أَبِي عَامِر قَالَ : \" كُنْت عِنْد طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه , فَقِيلَ لَهُ : مَا نَدْرِي هَذَا الْيَمَانِيّ أَعْلَمَ بِرَسُولِ اللَّه مِنْكُمْ , أَوْ هُوَ يَقُول عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ ؟ قَالَ : فَقَالَ : وَاَللَّه مَا نَشُكّ أَنَّهُ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَع , وَعَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَم , إِنَّا كُنَّا أَقْوَامًا لَنَا بُيُوتَات وَأَهْلُونَ , وَكُنَّا نَأْتِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَفَيْ النَّهَار ثُمَّ نَرْجِع , وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة مِسْكِينًا لَا مَال لَهُ وَلَا أَهْل , إِنَّمَا كَانَتْ يَده مَعَ يَد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَانَ يَدُور مَعَهُ حَيْثُمَا دَار , فَمَا نَشُكّ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَع \" وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي مَدْخَله مِنْ طَرِيق أَشْعَث عَنْ مَوْلًى لِطَلْحَةَ قَالَ : \" كَانَ أَبُو هُرَيْرَة جَالِسًا , فَمَرَّ رَجُل بِطَلْحَةَ فَقَالَ لَهُ : لَقَدْ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَة , فَقَالَ طَلْحَة : قَدْ سَمِعْنَا كَمَا سَمِعَ , وَلَكِنَّهُ حَفِظَ وَنَسِينَا \" , وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد فِي \" بَاب أَهْل الْعِلْم وَالْفَتْوَى مِنْ الصَّحَابَة \" فِي طَبَقَاته بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ سَعِيد بْن عَمْرو بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ قَالَ : \" قَالَتْ عَائِشَة لِأَبِي هُرَيْرَة : إِنَّك لَتُحَدِّث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا مَا سَمِعْته مِنْهُ , قَالَ : شَغَلَك عَنْهُ يَا أُمّه الْمِرْآة وَالْمُكْحُلَة , وَمَا كَانَ يَشْغَلنِي عَنْهُ شَيْء \". ‏ ‏قَوْله : ( بِشِبَعِ بَطْنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" شِبَع \" أَيْ لِأَجْلِ الشِّبَع. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( حِين لَا آكُل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" حَتَّى \" وَالْأَوَّلُ أَوْجَه. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا أَلْبَس الْحَبِير ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ قَبْلهَا مُهْمَلَة مَفْتُوحَة , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" الْحَرِير \" وَالْأَوَّل أَرْجَح , وَالْحَبِير مِنْ الْبُرُد مَا كَانَ مُوَشًّى مُخَطَّطًا , يُقَال بُرْد حَبِير وَبُرْد حِبَرَة بِوَزْنِ عِنَبَة عَلَى الْوَصْف وَالْإِضَافَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَأَسْتَقْرِئ الرَّجُل ) ‏ ‏أَيْ أَطْلُب مِنْهُ الْقِرَى فَيَظُنّ أَنِّي أَطْلُب مِنْهُ الْقِرَاءَة , وَوَقَعَ بَيَان ذَلِكَ فِي رِوَايَة لِأَبِي نُعَيْم فِي \" الْحِلْيَة \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ وَجَدَ عُمَر فَقَالَ أَقْرِينِي , فَظَنَّ أَنَّهُ مِنْ الْقِرَاءَة فَأَخَذَ يُقْرِئُهُ الْقُرْآن وَلَمْ يُطْعِمهُ , قَالَ : وَإِنَّمَا أَرَدْت مِنْهُ الطَّعَام. ‏ ‏قَوْله : ( كَيْ يَنْقَلِب بِي ) ‏ ‏أَيْ يَرْجِع بِي إِلَى مَنْزِله , وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق ضَعِيفَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" إِنْ كُنْت لَأَسْأَل الرَّجُل عَنْ الْآيَة أَنَا أَعْلَم بِهَا مِنْهُ , مَا أَسْأَلهُ إِلَّا لِيُطْعِمَنِي شَيْئًا \" وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ \" وَكُنْت إِذَا سَأَلْت جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب لَمْ يُجِبْنِي حَتَّى يَذْهَب بِي إِلَى مَنْزِله \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ أَخْيَرَ ) ‏ ‏بِوَزْنِ أَفْضَل وَمَعْنَاهُ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ خَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( لِلْمَسَاكِينِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِالْإِفْرَادِ وَالْمُرَاد الْجِنْس , وَهَذَا التَّقْيِيد يُحْمَل عَلَيْهِ الْمُطْلَق الَّذِي جَاءَ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَقَالَ : \" مَا اِحْتَذَى النِّعَال وَلَا رَكِبَ الْمَطَايَا بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَل مِنْ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم بِإِسْنَادٍ صَحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( الْعُكَّة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْكَاف : ظَرْف السَّمْن , ‏ ‏وَقَوْله : ( لَيْسَ فِيهَا شَيْء ) ‏ ‏مَعَ ‏ ‏قَوْله : ( فَنَلْعَق مَا فِيهَا ) ‏ ‏لَا تَنَافِيَ بَيْنهمَا , لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّفْيِ أَيْ لَا شَيْء فِيهَا يُمْكِنُ إِخْرَاجه مِنْهَا بِغَيْرِ قَطْعِهَا , وَبِالْإِثْبَاتِ مَا يَبْقَى فِي جَوَانِبهَا. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ \" لَيَقُولَ لِامْرَأَتِهِ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ : أَطْعِمِينَا , فَإِذَا أَطْعَمَتْنَا أَجَابَنِي , وَكَانَ جَعْفَر يُحِبّ الْمَسَاكِين وَيَسْكُن إِلَيْهِمْ , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَنِّيه بِأَبِي الْمَسَاكِين \" اِنْتَهَى. وَإِنَّمَا كَانَ يُجِيبهُ عَنْ سُؤَاله مَعَ مَعْرِفَته بِأَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَهُ لِيُطْعِمهُ لِيَجْمَع بَيْن الْمَصْلَحَتَيْنِ , وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون السُّؤَال الَّذِي وَقَعَ حِينَئِذٍ وَقَعَ مِنْهُ عَلَى الْحَقِيقَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3433",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى ‏ ‏ابْنِ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ‏ ‏ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اِبْن عُمَر كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى اِبْن جَعْفَر ) ‏ ‏يَعْنِي عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق هُشَيْم عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد قَالَ : قُلْنَا لِلشَّعْبِيِّ كَانَ اِبْن جَعْفَر يُقَال لَهُ : اِبْن ذِي الْجَنَاحَيْنِ ؟ قَالَ : نَعَمْ , رَأَيْت اِبْن عُمَر أَتَاهُ يَوْمًا أَوْ لَقِيَهُ فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْك يَا اِبْن ذِي الْجَنَاحَيْنِ : ‏ ‏( السَّلَام عَلَيْك يَا اِبْن ذِي الْجَنَاحَيْنِ ) ‏ ‏كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى حَدِيث عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر قَالَ : \" قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَنِيئًا لَك أَبُوك يَطِير مَعَ الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَن , وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" رَأَيْت جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب يَطِير مَعَ الْمَلَائِكَة \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَفِي إِسْنَاده ضَعْف , لَكِنْ لَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث عَلِيّ عِنْد اِبْن سَعْد , وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" مَرَّ بِي جَعْفَر اللَّيْلَة فِي مَلَأ مِنْ الْمَلَائِكَة وَهُوَ مُخَضَّب الْجَنَاحَيْنِ بِالدَّمِ \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْط مُسْلِم , وَأَخْرَجَ أَيْضًا هُوَ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا \" دَخَلْت الْبَارِحَة الْجَنَّة فَرَأَيْت فِيهَا جَعْفَرًا يَطِير مَعَ الْمَلَائِكَة \" وَفِي طَرِيق أُخْرَى عَنْهُ \" أَنَّ جَعْفَرًا يَطِير مَعَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيلَ لَهُ جَنَاحَانِ عَوَّضَهُ اللَّه مِنْ يَدَيْهِ \" وَإِسْنَاد هَذِهِ جَيِّد , وَطَرِيق أَبِي هُرَيْرَة فِي الثَّانِيَة قَوِيٌّ إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْط مُسْلِم , وَقَدْ اِدَّعَى السُّهَيْلِيّ أَنَّ الَّذِي يَتَبَادَر مِنْ ذِكْر الْجَنَاحَيْنِ وَالطَّيَرَان أَنَّهُمَا كَجَنَاحَيْ الطَّائِر لَهُمَا رِيش , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي غَزْوَة مُؤْتَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَحْده فِي هَذَا الْمَوْضِع \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه يَعْنِي الْمُصَنِّف : يُقَال لِكُلِّ ذِي نَاحِيَتَيْنِ جَنَاحَانِ \" وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهَذَا حَمْل الْجَنَاحَيْنِ فِي قَوْل اِبْن عُمَر \" يَا اِبْن ذِي الْجَنَاحَيْنِ \" عَلَى الْمَعْنَوِيّ دُون الْحِسِّيّ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3434",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى ‏ ‏بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا قَالَ فَيُسْقَوْنَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3435",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏أَرْسَلَتْ إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيمَا ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَطْلُبُ صَدَقَةَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الَّتِي ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏وَفَدَكٍ ‏ ‏وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏مِنْ هَذَا الْمَالِ ‏ ‏يَعْنِي مَالَ اللَّهِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى الْمَأْكَلِ وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَاتِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَشَهَّدَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَضِيلَتَكَ وَذَكَرَ قَرَابَتَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَحَقَّهُمْ فَتَكَلَّمَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث عَائِشَة أَنَّ فَاطِمَة أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْر تَسْأَلهُ مِيرَاثهَا الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمّ مِنْ هَذَا مَعَ شَرْحه فِي كِتَاب الْخُمُس , وَيَأْتِي بَقِيَّته فِي آخِر غَزْوَة خَيْبَر , وَيَأْتِي هُنَاكَ بَيَان مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ الِاخْتِصَار إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا قَوْل أَبِي بَكْر \" لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي \" وَهَذَا قَالَهُ عَلَى سَبِيل الِاعْتِذَار عَنْ مَنْعه إِيَّاهَا مَا طَلَبَتْهُ مِنْ تَرِكَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3436",
        "content": "‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَاقِدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ارْقُبُوا ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي أَهْلِ بَيْتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا خَالِدٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ وَاقِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( اُرْقُبُوا مُحَمَّدًا فِي أَهْل بَيْته ) ‏ ‏يُخَاطِب بِذَلِكَ النَّاس وَيُوصِيهِمْ بِهِ , وَالْمُرَاقَبَة لِلشَّيْءِ الْمُحَافَظَة عَلَيْهِ , يَقُول اِحْفَظُوهُ فِيهِمْ فَلَا تُؤْذُوهُمْ وَلَا تُسِيئُوا إِلَيْهِمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3437",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْمِسْوَر \" فَاطِمَة بَضْعَة مِنِّي , فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي \" وَهُوَ طَرَف مِنْ قِصَّة خِطْبَة عَلِيّ اِبْنَة أَبِي جَهْل , وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي تَرْجَمَة أَبِي الْعَاصِ بْن الرَّبِيع قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3438",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏ابْنَتَهُ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهَا ‏ ‏فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ ثُمَّ دَعَاهَا فَسَارَّهَا فَضَحِكَتْ قَالَتْ فَسَأَلْتُهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ سَارَّنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَبَكَيْتُ ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ أَتْبَعُهُ فَضَحِكْتُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ \" الْحَدِيث , سَيَأْتِي شَرْحه فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة آخِر الْمَغَازِي , وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ لَمْ يَقَعَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَثَبَتَا لِغَيْرِهِ , وَلَمْ يَذْكُرهُمَا النَّسَفِيّ أَيْضًا , وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّ حَدِيث الْمِسْوَر يَأْتِي بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنه فِي مَنَاقِب فَاطِمَة , وَحَدِيث عَائِشَة مَضَى بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنه فِي عَلَامَات النُّبُوَّة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" سَمِعْت أَبِي \". ‏"
    },
    {
        "id": "3439",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَصَابَ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ‏ ‏رُعَافٌ شَدِيدٌ سَنَةَ الرُّعَافِ حَتَّى حَبَسَهُ عَنْ الْحَجِّ وَأَوْصَى فَدَخَلَ عَلَيْهِ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏قَالَ اسْتَخْلِفْ قَالَ وَقَالُوهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَمَنْ فَسَكَتَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ ‏ ‏رَجُلٌ آخَرُ ‏ ‏أَحْسِبُهُ ‏ ‏الْحَارِثَ ‏ ‏فَقَالَ اسْتَخْلِفْ فَقَالَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏وَقَالُوا فَقَالَ نَعَمْ قَالَ وَمَنْ هُوَ فَسَكَتَ قَالَ فَلَعَلَّهُمْ قَالُوا ‏ ‏الزُّبَيْرَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ قَالَ أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏إِنَّهُ لَخَيْرُهُمْ مَا عَلِمْتُ وَإِنْ كَانَ لَأَحَبَّهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَنَة الرُّعَاف ) ‏ ‏كَانَ ذَلِكَ سَنَة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" كِتَاب الْمَدِينَة \" وَأَفَادَ أَنَّ عُثْمَان كَتَبَ الْعَهْد بَعْده لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف وَاسْتَكْتُمْ ذَلِكَ حُمْرَان كَاتِبه , فَوَشَى حُمْرَان بِذَلِكَ إِلَى عَبْد الرَّحْمَن , فَعَاتَبَ عُثْمَان عَلَى ذَلِكَ , فَغَضِبَ عُثْمَان عَلَى حُمْرَان فَنَفَاهُ مِنْ الْمَدِينَة إِلَى الْبَصْرَة , وَمَاتَ عَبْد الرَّحْمَن بَعْد سِتَّة أَشْهُر , وَكَانَتْ وَفَاته سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُل مِنْ قُرَيْش ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُل آخَر أَحْسِبهُ الْحَارِث ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْحَكَم وَهُوَ أَخُو مَرْوَان رَاوِي الْخَبَر , وَوَقَعَ مَنْسُوبًا كَذَلِكَ فِي \" مَشْيَخَة يُوسُف بْن خَلِيل الْحَافِظ \" مِنْ طَرِيق سُوَيْد بْن سَعِيد عَنْ عَلِيّ بْن مُسْهِر بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب , وَقَدْ شَهِدَ الْحَارِث بْن الْحَكَم الْمَذْكُور حِصَار عُثْمَان , وَعَاشَ بَعْد ذَلِكَ إِلَى خِلَافَة مُعَاوِيَة. وَفِي \" نَسَب قُرَيْش لِلزُّبَيْرِ \" أَنَّهُ تَحَاكَمَ مَعَ خَصْم لَهُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَعَلَّهُمْ قَالُوا إِنَّهُ الزُّبَيْر ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم مَنْ قَالَ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّهُ مَا عَلِمْت ) سَيَأْتِي مَا فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّهُ كَانَ لَخَيْرهُمْ مَا عَلِمْت ) ‏ ‏مَا مَصْدَرِيَّة أَيْ فِي عِلْمِي , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مَوْصُولَة وَهُوَ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف , قَالَ الدَّاوُدِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد الْخَيْرِيَّة فِي شَيْء مَخْصُوص كَحُسْنِ الْخُلُق , وَإِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِره فَفِيهِ مَا يُبَيِّن أَنَّ قَوْل اِبْن عُمَر \" ثُمَّ نَتْرُك أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نُفَاضِل بَيْنهمْ \" لَمْ يُرِدْ بِهِ جَمِيع الصَّحَابَة , فَإِنَّ بَعْضهمْ قَدْ وَقَعَ مِنْهُ تَفْضِيل بَعْضهمْ عَلَى بَعْض وَهُوَ عُثْمَان فِي حَقّ الزُّبَيْر. قُلْت : قَوْل اِبْن عُمَر قَيَّدَهُ بِحَيَاةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُعَارِض مَا وَقَعَ مِنْهُمْ بَعْد ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3440",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏مَرْوَانَ ‏ ‏كُنْتُ عِنْدَ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏أَتَاهُ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏فَقَالَ اسْتَخْلِفْ قَالَ وَقِيلَ ذَاكَ قَالَ نَعَمْ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏قَالَ أَمَا وَاللَّهِ ‏ ‏إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ خَيْرُكُمْ ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3441",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ ‏ ‏حَوَارِيًّا ‏ ‏وَإِنَّ ‏ ‏حَوَارِيَّ ‏ ‏الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْر ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْيَاء وَفَتْحهَا كَقَوْلِهِ : ( مَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ) وَيَجُوز كَسْرهَا. وَقَدْ مَضَى تَفْسِير الْحَوَارِيّ , وَتَقَدَّمَ سَبَب هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب الطَّلِيعَة \" فِي أَوَائِل الْجِهَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "3442",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا ‏ ‏وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏فِي النِّسَاءِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا ‏ ‏بِالزُّبَيْرِ ‏ ‏عَلَى فَرَسِهِ يَخْتَلِفُ إِلَى ‏ ‏بَنِي قُرَيْظَةَ ‏ ‏مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَلَمَّا رَجَعْتُ قُلْتُ يَا أَبَتِ رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ قَالَ أَوَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ يَأْتِ ‏ ‏بَنِي قُرَيْظَةَ ‏ ‏فَيَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ فَانْطَلَقْتُ فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبَوَيْهِ فَقَالَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنْبَأَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت يَوْم الْأَحْزَاب ) ‏ ‏أَيْ لَمَّا حَاصَرَتْ قُرَيْش وَمَنْ مَعَهَا الْمُسْلِمِينَ بِالْمَدِينَةِ وَحُفِرَ الْخَنْدَق بِسَبَبِ ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي شَرْح ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَعُمَر بْن أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الْأَسَد رَبِيب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمّه أُمّ سَلَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( فِي النِّسَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عِنْد مُسْلِم \" فِي أُطُم حَسَّان \" وَلَهُ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام \" فِي الْأُطُم الَّذِي فِيهِ النِّسْوَة \" يَعْنِي نِسْوَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعِنْده فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر الْمَذْكُورَة \" وَكَانَ يُطَأْطِئ لِي مَرَّة فَأَنْظُر , وَأُطَأْطِئ لَهُ مَرَّة فَيَنْظُر , فَكُنْت أَعْرِف أَبِي إِذَا مَرَّ عَلَى فَرَسه فِي السِّلَاح \". ‏ ‏قَوْله : ( يَخْتَلِف إِلَى بَنِي قُرَيْظَة ) ‏ ‏أَيْ يَذْهَب وَيَجِيء , وَفِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا رَجَعْتُ , قُلْت : يَا أَبَت رَأَيْتُك ) ‏ ‏بَيَّنَ مُسْلِم أَنَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِدْرَاجًا , فَإِنَّهُ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ هِشَام إِلَى قَوْله \" إِلَى بَنِي قُرَيْظَة. قَالَ هِشَام : وَأَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر قَالَ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِأَبِي \" إِلَى آخِر الْحَدِيث. ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام قَالَ : \" فَسَاقَ الْحَدِيث نَحْوه , وَلَمْ يَذْكُر عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة وَلَكِنْ أَدْرَجَ الْقِصَّة فِي حَدِيث هِشَام عَنْ أَبِيهِ \" اِنْتَهَى. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَ الْقِصَّة الْأَخِيرَة مِنْ طَرِيق عَبْدَة عَنْ هِشَام عَنْ أَخِيهِ عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْ أَبِيهِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَوَهَلْ رَأَيْتنِي يَا بُنَيّ ؟ قُلْت نَعَمْ ) ‏ ‏فِيهِ صِحَّة سَمَاع الصَّغِير , وَأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّف عَلَى أَرْبَع أَوْ خَمْس , لِأَنَّ اِبْن الزُّبَيْر كَانَ يَوْمَئِذٍ اِبْن سَنَتَيْنِ وَأَشْهُر أَوْ ثَلَاث وَأَشْهُر بِحَسَبِ الِاخْتِلَاف فِي وَقْت مَوْلِده وَفِي تَارِيخ الْخَنْدَق , فَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ وُلِدَ فِي أَوَّل سَنَة مِنْ الْهِجْرَة وَكَانَتْ الْخَنْدَق سَنَة خَمْس فَيَكُون اِبْن أَرْبَع وَأَشْهُر , وَإِنْ قُلْنَا وُلِدَ سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَكَانَتْ الْخَنْدَق سَنَة أَرْبَع فَيَكُون اِبْن سَنَتَيْنِ وَأَشْهُر , إِنْ عَجَّلْنَا إِحْدَاهُمَا وَأَخَّرْنَا الْأُخْرَى فَيَكُون اِبْن ثَلَاث سِنِينَ وَأَشْهُر , وَسَأُبَيِّنُ الْأَصَحّ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَعَلَى كُلّ حَال فَقَدْ حَفِظَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُسْتَغْرَب حِفْظ مِثْله , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي \" بَاب مَتَى يَصِحّ سَمَاع الصَّغِير \" مِنْ كِتَاب الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله : ( جَمَعَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَبَوَيْهِ فَقَالَ : فِدَاك أَبِي وَأُمِّي ) ‏ ‏وَسَيَأْتِي مَا يُعَارِضهُ فِي تَرْجَمَة سَعْد قَرِيبًا وَوَجْه الْجَمْع بَيْنهمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3443",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَصْحَابَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالُوا ‏ ‏لِلزُّبَيْرِ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْيَرْمُوكِ ‏ ‏أَلَا تَشُدُّ فَنَشُدَّ مَعَكَ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَضَرَبُوهُ ضَرْبَتَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ بَيْنَهُمَا ضَرْبَةٌ ضُرِبَهَا يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏فَكُنْتُ أُدْخِلُ أَصَابِعِي فِي تِلْكَ الضَّرَبَاتِ أَلْعَبُ وَأَنَا صَغِيرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن حَفْص ) ‏ ‏هُوَ الْمَرْوَزِيُّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْره فِي الْجِهَاد ( أَنَّ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ الَّذِينَ شَهِدُوا وَقْعَة الْيَرْمُوك ‏ ‏( قَالُوا لِلزُّبَيْرِ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة أَحَد مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( يَوْم وَقْعَة الْيَرْمُوك ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَسُكُون الرَّاء وَضَمّ الْمِيم وَآخِره كَاف : مَوْضِع بِالشَّامِ , وَكَانَتْ فِيهِ وَقْعَة فِي أَوَّل خِلَافَة عُمَر , وَكَانَ النَّصْر لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الرُّوم , وَاسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ جَمَاعَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا تَشُدّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُعْجَمَة أَيْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ شَدَدْت كَذَبْتُمْ ) أَيْ تَتَأَخَّرُونَ عَمَّا أُقْدِم عَلَيْهِ فَيَخْتَلِف مَوْعِدكُمْ هَذَا , وَأَهْل الْحِجَاز يُطْلِقُونَ الْكَذِب عَلَى مَا يُذْكَر عَلَى خِلَاف الْوَاقِع. ‏ ‏قَوْله : ( فَضَرَبُوهُ ضَرْبَتَيْنِ عَلَى عَاتِقه بَيْنهمَا ضَرْبَة ضُرِبَهَا يَوْم بَدْر ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَسَيَأْتِي فِي غَزْوَة بَدْر فِي الْمَغَازِي مَا يُغَايِر ذَلِكَ وَيَأْتِي شَرْحه , وَوَجْه الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَكَانَ قَتْل الزُّبَيْر فِي شَهْر رَجَب سَنَة سِتّ وَثَلَاثِينَ , اِنْصَرَفَ مِنْ وَقْعَة الْجَمَل تَارِكًا لِلْقِتَالِ فَقَتَلَهُ عَمْرو بْن جُرْمُوز - بِضَمِّ الْجِيم وَالْمِيم بَيْنهمَا رَاءٌ سَاكِنَة وَآخِره زَاي - التَّمِيمِيّ غِيلَة , وَجَاءَ إِلَى عَلِيّ مُتَقَرِّبًا إِلَيْهِ بِذَلِكَ فَبَشَّرَهُ بِالنَّارِ , أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ طُرُق بَعْضهَا مَرْفُوع. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى تَرِكَة الزُّبَيْر وَمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ الْبَرَكَة بَعْده فِي كِتَاب الْخُمُس. ‏"
    },
    {
        "id": "3444",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَيَّامِ الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَيْرُ ‏ ‏طَلْحَةَ ‏ ‏وَسَعْدٍ ‏ ‏عَنْ حَدِيثِهِمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مُعْتَمِر عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ , وَأَبُو عُثْمَان هُوَ النَّهْدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي بَعْض تِلْكَ الْأَيَّام ) ‏ ‏يُرِيد يَوْم أُحُد , ‏ ‏وَقَوْله : ( عَنْ حَدِيثهمَا ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُمَا حَدَّثَا بِذَلِكَ , وَوَقَعَ فِي فَوَائِد أَبِي بَكْر بْن الْمُقْرِئ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ أَبِيهِ \" فَقُلْت لِأَبِي عُثْمَان : وَمَا عِلْمك بِذَلِكَ ؟ قَالَ هُمَا أَخْبَرَانِي بِذَلِكَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3445",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ يَدَ ‏ ‏طَلْحَةَ ‏ ‏الَّتِي وَقَى بِهَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ شَلَّتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا خَالِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْوَاسِطِيُّ , وَابْن أَبِي خَالِد هُوَ إِسْمَاعِيل. ‏ ‏قَوْله : ( الَّتِي وَقَى بِهَا ) ‏ ‏أَيْ يَوْم أُحُد , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ إِسْمَاعِيل عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن طَلْحَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَصَابَهُ فِي يَده سَهْم , حَدِيث أَنَس \" وَقَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرَادَ بَعْض الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَضْرِبهُ \" وَفِي مُسْنَد الطَّيَالِسِيّ مِنْ حَدِيث عَائِشَة عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق قَالَ : \" ثُمَّ أَتَيْنَا طَلْحَة - يَعْنِي يَوْم أُحُد - وَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَسَبْعِينَ جِرَاحَة , وَإِذَا قَدْ قُطِعَتْ إِصْبَعه \" وَفِي الْجِهَاد لِابْنِ الْمُبَارَك مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن طَلْحَة أَنَّ إِصْبَعه الَّتِي أُصِيبَتْ هِيَ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَام , وَجَاءَ عَنْ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن طَلْحَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : \" أُصِيبَتْ إِصْبَع طَلْحَة الْبِنْصِر مِنْ الْيُسْرَى مِنْ مَفْصِلهَا الْأَسْفَل فَشَلَّتْ , تَرَّسَ بِهَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ). ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ شَلَّتْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَيَجُوز ضَمُّهَا فِي لُغَة ذَكَرَهَا اللِّحْيَانِيّ , وَقَالَ اِبْن دَرَسْتَوَيْهِ : هِيَ خَطَأ. وَالشَّلَل نَقْص فِي الْكَفّ وَبُطْلَان لِعَمَلِهَا , وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْقَطْع كَمَا زَعَمَ بَعْضهمْ , زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن مُسْهِر وَغَيْره عَنْ إِسْمَاعِيل \" قَالَ قَيْس : كَانَ يُقَال إِنَّ طَلْحَة مِنْ حُكَمَاء قُرَيْش \" وَرَوَى الْحُمَيْدِيّ فِي الْفَوَائِد مِنْ وَجْه أَخْرَجَهُ عَنْ قَيْس بْن أَبِي حَازِم قَالَ : \" صَحِبْت طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه فَمَا رَأَيْت رَجُلًا أَعْطَى لِجَزِيلِ مَال عَنْ غَيْر مَسْأَلَة مِنْهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3446",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏جَمَعَ لِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبَوَيْهِ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( جَمَعَ لِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَوَيْهِ يَوْم أُحُد ) ‏ ‏أَيْ فِي التَّفْدِيَة , وَهِيَ قَوْله : \" فِدَاك أَبِي وَأُمِّيّ \" وَبَيَّنَهُ حَدِيث عَلِيّ \" مَا جَمَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْر سَعْد بْن مَالِك , فَإِنَّهُ جَعَلَ يَقُول لَهُ يَوْم أُحُد : اِرْمِ فِدَاك أَبِي وَأُمِّي \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد. وَفِي هَذَا الْحَصْر نَظَر لِمَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَة الزُّبَيْر أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ لَهُ أَبَوَيْهِ يَوْم الْخَنْدَق وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَمْ يَطَّلِع عَلَى ذَلِكَ , أَوْ مُرَاده بِذَلِكَ بِقَيْدِ يَوْم أُحُد , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3447",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا ‏ ‏ثُلُثُ الْإِسْلَامِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3448",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَاشِمُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ إِلَّا فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنِّي ‏ ‏لَثُلُثُ الْإِسْلَامِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَاشِمٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَا أَسْلَمَ أَحَد إِلَّا فِي الْيَوْم الَّذِي أَسْلَمْت فِيهِ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ لَمْ يُسْلِم أَحَد قَبْله لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة كَمَا سَأَذْكُرُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَقَدْ مَكَثْت سَبْعَة أَيَّام وَإِنِّي لَثُلُث الْإِسْلَام ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْقَوْل فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنِّي لَثُلُث الْإِسْلَام ) ‏ ‏قَالَ ذَلِكَ بِحَسَبِ اِطِّلَاعه , وَالسَّبَب فِيهِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَسْلَمَ فِي اِبْتِدَاء الْأَمْر كَانَ يُخْفِي إِسْلَامه , وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالِاثْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ خَدِيجَة وَأَبَا بَكْر , أَوْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْر , وَقَدْ كَانَتْ خَدِيجَة أَسْلَمَتْ قَطْعًا فَلَعَلَّهُ خَصَّ الرِّجَال , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَة الصِّدِّيق حَدِيث عَمَّار \" رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا مَعَهُ إِلَّا خَمْسَة أَعْبُد وَأَبُو بَكْر \" وَهُوَ يُعَارِض حَدِيث سَعْد , وَالْجَمْع بَيْنهمَا مَا أَشَرْت إِلَيْهِ , أَوْ يُحْمَل قَوْل سَعْد عَلَى الْأَحْرَار الْبَالِغِينَ لِيَخْرُج الْأَعْبُد الْمَذْكُورُونَ وَعَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , أَوْ لَمْ يَكُنْ اِطَّلَعَ عَلَى أُولَئِكَ , وَيَدُلّ عَلَى هَذَا الْأَخِير أَنَّهُ وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد الْأُمَوِيّ عَنْ هَاشِم بِلَفْظِ \" مَا أَسْلَمَ أَحَد قَبْلِي \" وَمِثْله عِنْد اِبْن سَعْد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَامِر بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ , وَهَذَا مُقْتَضَى رِوَايَة الْأَصِيلِيّ , وَهِيَ مُشْكِلَة ; لِأَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ قَبْله جَمَاعَة , لَكِنْ يُحْمَل ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى مَا كَانَ اِتَّصَلَ بِعِلْمِهِ حِينَئِذٍ وَقَدْ رَأَيْت فِي \" الْمَعْرِفَة لِابْنِ مَنْدَه \" مِنْ طَرِيق أَبِي بَدْر عَنْ هَاشِم بِلَفْظِ \" مَا أَسْلَمَ أَحَد فِي الْيَوْم الَّذِي أَسْلَمَتْ فِيهِ \" وَهَذَا لَا إِشْكَال فِيهِ إِذْ لَا مَانِع أَنْ لَا يُشَارِكهُ أَحَد فِي الْإِسْلَام يَوْم أَسْلَمَ , لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْخَطِيب مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَه فَأَثْبَتَ فِيهِ \" إِلَّا \" كَبَقِيَّةِ الرِّوَايَات فَتَعَيَّنَ الْحَمْل عَلَى مَا قُلْته. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَة حَدَّثَنَا هَاشِم ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْمُؤَلِّف فِي \" بَاب إِسْلَام سَعْد \" مِنْ السِّيرَة النَّبَوِيَّة وَهُوَ مِثْل رِوَايَة اِبْن أَبِي زَائِدَة هَذِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3449",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنِّي لَأَوَّلُ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَكُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا يَضَعُ الْبَعِيرُ أَوْ الشَّاةُ مَا لَهُ ‏ ‏خِلْطٌ ‏ ‏ثُمَّ أَصْبَحَتْ ‏ ‏بَنُو أَسَدٍ ‏ ‏تُعَزِّرُنِي ‏ ‏عَلَى الْإِسْلَامِ لَقَدْ خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي وَكَانُوا وَشَوْا بِهِ إِلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏قَالُوا لَا يُحْسِنُ ‏ ‏يُصَلِّي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي لَأَوَّل الْعَرَب رَمَى ) ‏ ‏كَانَ ذَلِكَ فِي سَرِيَّة عُبَيْدَة بْن الْحَارِث بْن الْمُطَّلِب , وَكَانَ الْقِتَال فِيهَا أَوَّل حَرْب وَقَعَتْ بَيْن الْمُشْرِكِينَ وَالْمُسْلِمِينَ , وَهِيَ أَوَّل سَرِيَّة بَعَثَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّنَة الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَة , بَعَثَ نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَابِغ لِيَلْقَوْا عِيرًا لِقُرَيْشٍ فَتَرَامَوْا بِالسِّهَامِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنهمْ مُسَايَفَة , فَكَانَ سَعْد أَوَّل مَنْ رَمَى , ذَكَرَ ذَلِكَ الزُّبَيْر بْن بَكَّار بِسَنَدٍ لَهُ وَقَالَ فِيهِ عَنْ سَعْد إِنَّهُ أَنْشَدَ يَوْمَئِذٍ : ‏ ‏أَلَا هَلْ أَتَى رَسُول اللَّه أَنِّي ‏ ‏حَمَيْت صَحَابَتِي بِصُدُورِ نَبْلِي ‏ ‏وَذَكَرَهَا يُونُس بْن بُكَيْر فِي زِيَادَة الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ نَحْوه , وَابْن سَعْد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعْد \" أَنَا أَوَّل مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ ثُمَّ خَرَجْنَا مَعَ عُبَيْدَة بْن الْحَارِث سِتِّينَ رَاكِبًا \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا لَهُ خِلْط ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة أَيْ لَا يَخْتَلِط بَعْضه بِبَعْضٍ مِنْ شِدَّة جَفَافه وَتَفَتُّته. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن خُزَيْمَةَ بْن مُدْرِكَة , وَكَانُوا مِمَّنْ شَكَاهُ لِعُمَر فِي الْقِصَّة الَّتِي تَقَدَّمَ بَيَانهَا فِي صِفَة الصَّلَاة , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن بَطَّال أَنَّهُ عَرَّضَ فِي ذَلِكَ بِعُمَر بْن الْخَطَّاب وَلَيْسَ بِصَوَابٍ , فَإِنَّ عُمَر مِنْ بَنِي عَدِيّ بْن كَعْب بْن لُؤَيّ لَيْسَ مِنْ بَنِي أَسَد. وَوَقَعَ عِنْد النَّوَوِيّ \" أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى \" يَعْنِي رَهْط الزُّبَيْر بْن الْعَوَامّ , وَهُوَ وَهْمٌ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( تُعَزِّرنِي عَلَى الْإِسْلَام ) ‏ ‏أَيْ تُؤَدِّبنِي , وَالْمَعْنَى تُعَلِّمنِي الصَّلَاة , أَوْ تُعَيِّرنِي بِأَنِّي لَا أُحْسِنهَا. ‏ ‏قَوْله : ( خِبْت ) ‏ ‏أَيْ إِنْ كُنْت مُحْتَاجًا إِلَى تَعْلِيمهمْ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّته مَعَ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِن يُصَلِّي فِي صِفَةِ الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( وَضَلَّ عَمَلِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد عَنْ يَعْلَى بْن عُبَيْد عَنْ إِسْمَاعِيل \" وَضَلَّ عَمَله \" بِزِيَادَةِ هَاء السَّكْت. ‏"
    },
    {
        "id": "3450",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏خَطَبَ ‏ ‏بِنْتَ ‏ ‏أَبِي جَهْلٍ ‏ ‏فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ وَهَذَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏نَاكِحٌ بِنْتَ ‏ ‏أَبِي جَهْلٍ ‏ ‏فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ ‏ ‏أَمَّا بَعْدُ أَنْكَحْتُ ‏ ‏أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ ‏ ‏فَحَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي وَإِنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏بَضْعَةٌ مِنِّي وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسُوءَهَا وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَتَرَكَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏الْخِطْبَةَ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مِسْوَرٍ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ‏ ‏فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ فَأَحْسَنَ قَالَ حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْت أَبِي جَهْل ) ‏ ‏اِسْمهَا جُوَيْرِيَة كَمَا سَيَأْتِي , وَيُقَال الْعَوْرَاء وَيُقَال جَمِيلَة , وَكَانَ عَلِيّ قَدْ أَخَذَ بِعُمُومِ الْجَوَاز , فَلَمَّا أَنْكَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَضَ عَلِيّ عَنْ الْخِطْبَة , فَيُقَال تَزَوَّجَهَا عَتَّاب بْن أُسَيْدٍ , وَإِنَّمَا خَطَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَشِيعَ الْحُكْم الْمَذْكُور بَيْن النَّاس وَيَأْخُذُوا بِهِ إِمَّا عَلَى سَبِيل الْإِيجَاب وَإِمَّا عَلَى سَبِيل الْأَوْلَوِيَّة. وَغَفَلَ الشَّرِيف الْمُرْتَضَى عَنْ هَذِهِ النُّكْتَة فَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مَوْضُوع لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَة الْمِسْوَر وَكَانَ فِيهِ اِنْحِرَاف عَنْ عَلِيّ , وَجَاءَ مِنْ رِوَايَة اِبْن الزُّبَيْر وَهُوَ أَشَدّ فِي ذَلِكَ , وَرَدُّ كَلَامه بِأَطْبَاقِ أَصْحَاب الصَّحِيح عَلَى تَخْرِيجه , وَسَيَأْتِي بَسْط مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ فِي كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَهَذَا عَلِيّ نَاكِح بِنْت أَبِي جَهْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي الْيَمَان \" وَهَذَا عَلِيّ نَاكِحًا \" بِالنَّصْبِ , وَكَذَا عِنْد مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه , أَطْلَقَتْ عَلَيْهِ اِسْم نَاكِح مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ قَصَدَ يَفْعَل , وَاخْتُلِفَ فِي اِسْم اِبْنَة أَبِي جَهْل فَرَوَى الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" جُوَيْرِيَة وَهُوَ الْأَشْهَر , وَفِي بَعْض الطُّرُق اِسْمهَا الْعَوْرَاء أَخْرَجَهُ اِبْن طَاهِر فِي \" الْمُبْهَمَات \" , وَقِيلَ اِسْمهَا الْحَنْفَاء ذَكَرَهُ اِبْن جَرِير الطَّبَرِيُّ , وَقِيلَ : جُرْهُمَة حَكَاهُ السُّهَيْلِيّ , وَقِيلَ : اِسْمهَا جَمِيلَة ذَكَرَهُ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن فِي شَرْحه. وَكَانَ لِأَبِي جَهْل بِنْت تُسَمَّى صَفِيَّة تَزَوَّجَهَا سَهْل بْن عَمْرو سَمَّاهَا اِبْن السِّكِّيت وَغَيْره وَقَالَ هِيَ الْحَيْفَاء الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي فَصَدَّقَنِي ) ‏ ‏لَعَلَّهُ كَانَ شَرَطَ عَلَى نَفْسه أَنْ لَا يَتَزَوَّج عَلَى زَيْنَب , وَكَذَلِكَ عَلِيّ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ عَلِيًّا نَسِيَ ذَلِكَ الشَّرْط فَلِذَلِكَ أَقْدَم عَلَى الْخِطْبَة , أَوْ لَمْ يَقَع عَلَيْهِ شَرْط إِذْ لَمْ يُصَرِّح بِالشَّرْطِ لَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرَاعِي هَذَا الْقَدْر فَلِذَلِكَ وَقَعَتْ الْمُعَاتَبَة , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلَّ أَنْ يُوَاجِه أَحَدًا بِمَا يُعَاب بِهِ , وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا جَهَرَ بِمُعَاتَبَةِ عَلِيّ مُبَالَغَة فِي رِضَا فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام , وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَاقِعَة بَعْد فَتْح مَكَّة , وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ تَأَخَّرَ مِنْ بَنَات النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرهَا , وَكَانَتْ أُصِيبَتْ بَعْد أُمّهَا بِإِخْوَتِهَا فَكَانَ إِدْخَال الْغَيْرَة عَلَيْهَا مِمَّا يَزِيد حُزْنهَا , وَزَادَ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَلْحَلَة - بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَلَامَيْنِ الْأُولَى سَاكِنَة - وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَته مَوْصُولًا فِي أَوَائِل فَرْض الْخُمُس مُطَوَّلًا وَفِيهِ ذِكْر بَعْض مَا يَتَعَلَّق بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3451",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ تَطْعُنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال. ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا ) ‏ ‏هُوَ الْبَعْث الَّذِي أَمَرَ بِتَجْهِيزِهِ فِي مَرَض وَفَاته وَقَالَ : \" أَنْفِذُوا بَعْثَ أُسَامَة \" فَأَنْفَذَهُ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بَعْده , وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي أَوَاخِر الْوَفَاة النَّبَوِيَّة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَطَعَنَ بَعْض النَّاس فِي إِمَارَته ) ‏ ‏سَمَّى مِمَّنْ طَعَنَ فِي ذَلِكَ عَيَّاش بْن أَبِي رَبِيعَة الْمَخْزُومِيّ كَمَا سَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي آخِر الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( تَطْعَنُونَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن يُقَال طَعَنَ يَطْعَن بِالْفَتْحِ فِي الْعِرْض وَالنَّسَب , وَبِالضَّمِّ بِالرُّمْحِ وَالْيَد , وَيُقَال هُمَا لُغَتَانِ فِيهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَة أَبِيهِ مِنْ قَبْل ) ‏ ‏يُشِير إِلَى إِمَارَة زَيْد بْن حَارِثَة فِي غَزْوَة مُؤْتَة , وَعِنْد النَّسَائِيِّ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" مَا بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْد بْن حَارِثَة فِي جَيْش قَطُّ إِلَّا أَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ \" وَفِيهِ جَوَاز إِمَارَة الْمَوْلَى وَتَوْلِيَة الصِّغَار عَلَى الْكِبَار وَالْمَفْضُول عَلَى الْفَاضِل. لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْش - الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ أُسَامَة - أَبُو بَكْر وَعُمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "3452",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيَّ ‏ ‏قَائِفٌ ‏ ‏وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَاهِدٌ ‏ ‏وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ‏ ‏مُضْطَجِعَانِ فَقَالَ إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ قَالَ ‏ ‏فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَعْجَبَهُ فَأَخْبَرَ بِهِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الْقَائِف سَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْفَرَائِض وَفِيهِ تَسْمِيَة الْقَائِف الْمَذْكُور. ‏"
    },
    {
        "id": "3453",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏أَهَمَّهُمْ شَأْنُ ‏ ‏الْمَخْزُومِيَّةِ ‏ ‏فَقَالُوا مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا ‏ ‏أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذَهَبْتُ أَسْأَلُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏الْمَخْزُومِيَّةِ ‏ ‏فَصَاحَ بِي ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏فَلَمْ تَحْتَمِلْهُ عَنْ أَحَدٍ ‏ ‏قَالَ وَجَدْتُهُ فِي كِتَابٍ كَانَ كَتَبَهُ ‏ ‏أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي مَخْزُومٍ ‏ ‏سَرَقَتْ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ يَجْتَرِئْ أَحَدٌ أَنْ يُكَلِّمَهُ فَكَلَّمَهُ ‏ ‏أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏كَانَ إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ لَوْ كَانَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏لَقَطَعْتُ يَدَهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3454",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَبَّادٍ يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَاجِشُونُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ نَظَرَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏يَوْمًا وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى رَجُلٍ يَسْحَبُ ثِيَابَهُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ فَقَالَ انْظُرْ مَنْ هَذَا لَيْتَ هَذَا عِنْدِي قَالَ لَهُ إِنْسَانٌ أَمَا تَعْرِفُ هَذَا يَا ‏ ‏أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ فَطَأْطَأَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَأْسَهُ وَنَقَرَ بِيَدَيْهِ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لَوْ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَأَحَبَّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الزَّعْفَرَانِيّ وَأَبُو عَبَّاد هُوَ يَحْيَى بْن عَبَّاد الضُّبَعِيُّ الْبَصْرِيّ , وَالْمُرَاد بِالْمَاجِشُونِ عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَلَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْتَ هَذَا عِنْدِي ) ‏ ‏أَيْ قَرِيبًا مِنِّي حَتَّى أَنْصَحهُ وَأَعِظهُ , وَقَدْ رُوِيَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة مِنْ الْعُبُودِيَّة , وَكَأَنَّهُ عَلَى مَا قِيلَ كَانَ أَسْوَد اللَّوْن. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَهُ إِنْسَان ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ رَآهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَحَبَّهُ ) ‏ ‏إِنَّمَا جَزَمَ اِبْن عُمَر بِذَلِكَ لِمَا رَأَى مِنْ مَحَبَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدِ بْن حَارِثَة وَأُمّ أَيْمَن وَذُرِّيَّتهمَا فَقَاسَ اِبْن أُسَامَة عَلَى ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3455",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏حَدَّثَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ ‏ ‏وَالْحَسَنَ ‏ ‏فَيَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَحِبَّهُمَا فَإِنِّي أُحِبُّهُمَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏نُعَيْمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُبَارَكِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَوْلًى لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْحَجَّاجَ بْنَ أَيْمَنَ بْنِ أُمِّ أَيْمَنَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏أَيْمَنُ بْنُ أُمِّ أَيْمَنَ ‏ ‏أَخَا ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏لِأُمِّهِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَرَآهُ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏لَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ فَقَالَ أَعِدْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ أَحِبَّهُمَا فَإِنِّي أُحِبُّهُمَا ) ‏ ‏هَذَا يُشْعِر بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يُحِبّ إِلَّا لِلَّهِ وَفِي اللَّه , وَلِذَلِكَ رَتَّبَ مَحَبَّة اللَّه عَلَى مَحَبَّته , وَفِي ذَلِكَ أَعْظَم مَنْقَبَة لِأُسَامَة وَالْحَسَن. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ نُعَيْم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَمَّاد. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي مَوْلًى لِأُسَامَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي الدُّنْيَا \" أَخْبَرَنِي اِبْن حَرْمَلَة مَوْلَى أُسَامَة \" وَابْن حَرْمَلَة هُوَ إِيَاس , وَيُقَال إِنَّهُ حَرْمَلَة بْن إِيَاس فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏أَيْ أَيْمَن اِبْن أُمّ أَيْمَن , وَأَبُوهُ هُوَ عُبَيْد بْن عَمْرو بْن هِلَال مِنْ بَنِي الْحُبُلِيِّ مِنْ الْخَزْرَج , وَيُقَال إِنَّهُ كَانَ حَبَشِيًّا مِنْ مَوَالِي الْخَزْرَج وَتَزَوَّجَ أُمّ أَيْمَن زَيْد بْن حَارِثَة فَوَلَدَتْ لَهُ أَيْمَن , وَاسْتُشْهِدَ أَيْمَن يَوْم حُنَيْنٍ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَنُسِبَ أَيْمَن إِلَى أُمّه لِشَرَفِهَا عَلَى أَبِيهِ وَشُهْرَتهَا عِنْد أَهْل الْبَيْت النَّبَوِيّ , وَتَزَوَّجَ زَيْد بْن حَارِثَة أُمّ أَيْمَن , وَكَانَتْ حَاضِنَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ فَوَلَدَتْ لَهُ أُسَامَة بْن زَيْد وَعَاشَتْ أُمّ أَيْمَن بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلِيلًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَآهُ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى شَيْء مُقَدَّر تَقْدِيره أَنَّ الْحَجَّاج بْن أَيْمَن دَخَلَ الْمَسْجِد فَصَلَّى فَرَآهُ اِبْن عُمَر , يُوَضِّح ذَلِكَ الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَعِدْ ) ‏ ‏أَيْ أَعِدْ صَلَاتك , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَقَالَ أَيْ اِبْن أَخِي , تَحْسَب أَنَّك قَدْ صَلَّيْت ؟ إِنَّك لَمْ تُصَلِّ , فَأَعِدْ صَلَاتك \". ‏"
    },
    {
        "id": "3456",
        "content": "‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حَرْمَلَةُ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ مَعَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏إِذْ دَخَلَ ‏ ‏الْحَجَّاجُ بْنُ أَيْمَنَ ‏ ‏فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ فَقَالَ أَعِدْ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ لِي ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏مَنْ هَذَا قُلْتُ ‏ ‏الْحَجَّاجُ بْنُ أَيْمَنَ بْنِ أُمِّ أَيْمَنَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏لَوْ رَأَى هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَأَحَبَّهُ ‏ ‏فَذَكَرَ حُبَّهُ وَمَا وَلَدَتْهُ ‏ ‏أُمُّ أَيْمَنَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏بَعْضُ أَصْحَابِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏وَكَانَتْ حَاضِنَةَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَمَا هُوَ ) ‏ ‏فِيهِ تَجْرِيد , كَأَنَّ حَرْمَلَةَ قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا , فَجَرَّدَ مِنْ نَفْسه شَخْصًا فَقَالَ : بَيْنَمَا هُوَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرَ حُبّه وَمَا وَلَدَتْهُ أُمّ أَيْمَن ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ بِوَاوِ الْعَطْف فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَالضَّمِير عَلَى هَذَا لِأُسَامَة فِي قَوْله \" فَذَكَرَ حُبّه \" أَيْ مَيْله. وَفِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" فَذَكَر حُبّه مَا وَلَدَتْهُ أُمّ أَيْمَن \" فَعَلَى هَذَا فَالضَّمِير لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَ \" مَا وَلَدَتْهُ إِلَخْ \" هُوَ الْمَفْعُول , وَالْمُرَاد بِمَا وَلَدَتْهُ أُمّ أَيْمَن مَا وَلَدَتْهُ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَنِي بَعْض أَصْحَابِي ) ‏ ‏هُوَ إِمَّا يَعْقُوب بْن سُفْيَان فَإِنَّهُ رَوَاهُ فِي تَارِيخه عَنْ سُلَيْمَان بْن عَبْد الرَّحْمَن بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَزَادَ فِيهِ \" وَكَانَتْ أُمّ أَيْمَن حَاضِنَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَمَّا الذُّهْلِيُّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي الزُّهْرِيَّات عَنْ سُلَيْمَان أَيْضًا , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" مُسْنَد الشَّامِيِّينَ \" عَنْ أَبِي عَامِر مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الصُّورِيّ عَنْ سُلَيْمَان كَذَلِكَ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم الزُّهْرِيِّ عَنْ سُلَيْمَان كَذَلِكَ , وَكَأَنَّ هَذَا الْقَدْر لَمْ يَسْمَعهُ الْبُخَارِيّ مِنْ سُلَيْمَان فَحَمَلَهُ عَنْ بَعْض أَصْحَابه فَبَيَّنَ مَا سَمِعَهُ مِمَّا لَمْ يَسْمَعهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3457",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا أَقُصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا أَعْزَبَ وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ كَقَرْنَيْ الْبِئْرِ وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ فَجَعَلْتُ أَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي لَنْ ‏ ‏تُرَاعَ ‏ ‏فَقَصَصْتُهَا عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَقَصَّتْهَا ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏نِعْمَ الرَّجُلُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏لَوْ كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي بِاللَّيْلِ قَالَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏لَا يَنَامُ مِنْ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي رُؤْيَاهُ وَفِيهِ \" نِعْمَ الرَّجُل عَبْد اللَّه لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْل \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهه فِي \" بَاب قِيَام اللَّيْل \" وَقَوْله فِي أَوَّله : ‏ ‏\" حَدَّثَنَا مُحَمَّد حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن نَصْر \" ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَحْده , وَبَيَّنَ أَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الْمُصَنِّف. وَوَقَعَ عِنْد اِبْن السَّكَن وَحْده \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن مَنْصُور \" وَقَوْله : ‏ ‏\" لَنْ تُرَعْ \" ‏ ‏كَذَا لِلْقَابِسَيِّ , قَالَ اِبْن التِّين : هِيَ لُغَة قَلِيلَة , يَعْنِي الْجَزْم بِلَنْ , قَالَ الْقَزَّاز : وَلَا أَحْفَظ لَهَا شَاهِدًا. وَرَوَى الْأَكْثَر بِلَفْظِ \" لَنْ تُرَاعَ \" وَهُوَ الْوَجْه. ‏"
    },
    {
        "id": "3458",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُخْتِهِ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَهَا ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏رَجُلٌ صَالِحٌ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ أُخْته حَفْصَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : \" إِنَّ عَبْد اللَّه رَجُل صَالِح \" وَهُوَ طَرَف مِنْ الْحَدِيث الَّذِي قَبْله , وَهَذَا الْقَدْر هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّق مِنْهُ بِمُسْنَدِ حَفْصَة , وَسَيَأْتِي فِي التَّعْبِير مِنْ طَرِيق نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ حَفْصَة مِثْله وَزَادَ \" لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْل \" وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي قِيَام اللَّيْل , وَيَأْتِي بَقِيَّة ذَلِكَ فِي التَّعْبِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3459",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمْتُ ‏ ‏الشَّأْمَ ‏ ‏فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قُلْتُ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا فَأَتَيْتُ قَوْمًا فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ فَإِذَا شَيْخٌ قَدْ جَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِي قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا ‏ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏ ‏فَقُلْتُ إِنِّي دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا فَيَسَّرَكَ لِي قَالَ مِمَّنْ أَنْتَ قُلْتُ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْكُوفَةِ ‏ ‏قَالَ أَوَلَيْسَ عِنْدَكُمْ ‏ ‏ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ ‏ ‏صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالْوِسَادِ وَالْمِطْهَرَةِ وَفِيكُمْ ‏ ‏الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ ‏ ‏مِنْ الشَّيْطَانِ ‏ ‏يَعْنِي عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ سِرِّ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ ثُمَّ قَالَ كَيْفَ يَقْرَأُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ { ‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ‏} ‏فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ ‏ { ‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ‏} ‏وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏فِيهِ إِلَى ‏ ‏فِيَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة قَالَ : قَدِمْت الشَّام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ عَنْ إِبْرَاهِيم قَالَ : \" ذَهَبَ عَلْقَمَة إِلَى الشَّام \" وَهَذَا الثَّانِي صُورَته مُرْسَل , لَكِنْ قَالَ فِي أَثْنَائِهِ \" قَالَ : قُلْت : بَلَى \" فَاقْتَضَى أَنَّهُ مَوْصُول , وَوَقَعَ فِي التَّفْسِير مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة قَالَ : \" قَدِمْت الشَّام فِي نَفَر مِنْ أَصْحَاب اِبْن مَسْعُود , فَسَمِعَ بِنَا أَبُو الدَّرْدَاء فَأَتَانَا \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَجْلِس إِلَى جَنْبِي ) ‏ ‏أَيْ يَجْعَل غَايَة مَجِيئِهِ جُلُوسه , وَعَبَّرَ بِلَفْظِ الْمُضَارِع مُبَالَغَة , زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته \" فَقُلْت : الْحَمْد لِلَّهِ , إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُون اللَّه اِسْتَجَابَ دَعْوَتِي \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالُوا أَبُو الدَّرْدَاء ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الْقَائِلِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَوَلَيْسَ عِنْدكُمْ اِبْن أُمّ عَبْد ) ‏ ‏يَعْنِي عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , وَمُرَاد أَبِي الدَّرْدَاء بِذَلِكَ أَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدِمُوا فِي طَلَب الْعِلْم , فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ عِنْدهمْ مِنْ الْعُلَمَاء مِنْ لَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُمْ إِلَى غَيْرهمْ , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْمُحَدِّث لَا يَرْحَل عَنْ بَلَده حَتَّى يَسْتَوْعِب مَا عِنْد مَشَايِخهَا. ‏ ‏قَوْله : ( صَاحِب النَّعْلَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ نَعْلَيْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ اِبْن مَسْعُود يَحْمِلهُمَا وَيَتَعَاهَدهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْوِسَاد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" صَاحِب السِّوَاك - بِالْكَافِ - أَوْ السَّوَاد \" بِالدَّالِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ هُنَا \" الْوِسَاد \" وَرِوَايَة غَيْره أَوْجَه , وَالسَّوَاد السِّرَار بِرَاءَيْنِ يُقَال سَاوَدَتْهُ سَوَادًا أَيْ سَارَرْته سِرَارًا , وَأَصْله أَدْنَى السَّوَاد وَهُوَ الشَّخْص مِنْ السَّوَاد. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْمِطْهَرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" وَالْمِطْهَر \" بِغَيْرِ هَاء , وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْلِك مِنْ الْجِهَاز غَيْر هَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة , كَذَا قَالَ , وَتَعَقَّبَ اِبْن التِّين كَلَامه فَأَصَابَ , وَقَدْ رَوَى مُسْلِم عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : \" إِذْنك عَلَيَّ أَنْ تَرْفَع الْحِجَاب وَتَسْمَع سَوَادِي \" أَيْ سِرَارِي , وَهِيَ خُصُوصِيَّة لِابْنِ مَسْعُود , وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِبه قَرِيبًا حَدِيث أَبِي مُوسَى \" قَدِمْت أَنَا وَأُخْتِي مِنْ الْيَمَن , فَمَكَثْنَا حِينًا لَا نَرَى إِلَّا أَنَّ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَجُل مِنْ أَهْل بَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِمَا نَرَى مِنْ دُخُوله وَدُخُول أُمّه \" وَالصَّوَاب مَا قَالَ غَيْر الدَّاوُدِيّ أَنَّ الْمُرَاد الثَّنَاء عَلَيْهِ بِخِدْمَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ لِشِدَّةِ مُلَازَمَته لَهُ لِأَجْلِ هَذِهِ الْأُمُور يَنْبَغِي أَنْ يَكُون عِنْده مِنْ الْعِلْم مَا يَسْتَغْنِي طَالِبه بِهِ عَنْ غَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( أَفِيكُمْ ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَام , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَفِيكُمْ \" بِوَاوِ الْعَطْفِ , وَفِي رِوَايَة شُعْبَة \" أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ مِنْكُمْ \" بِالشَّكِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3460",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُغِيرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ ذَهَبَ ‏ ‏عَلْقَمَةُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا فَجَلَسَ إِلَى ‏ ‏أَبِي الدَّرْدَاءِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏ ‏مِمَّنْ أَنْتَ قَالَ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْكُوفَةِ ‏ ‏قَالَ أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ مِنْكُمْ ‏ ‏صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ بَلَى قَالَ أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ مِنْكُمْ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعْنِي مِنْ الشَّيْطَانِ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏عَمَّارًا ‏ ‏قُلْتُ بَلَى قَالَ أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ مِنْكُمْ صَاحِبُ السِّوَاكِ وَالْوِسَادِ أَوْ السِّرَارِ قَالَ بَلَى قَالَ كَيْفَ كَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏يَقْرَأُ ‏ { ‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ‏} ‏قُلْتُ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى قَالَ مَا زَالَ بِي هَؤُلَاءِ حَتَّى كَادُوا يَسْتَنْزِلُونِي عَنْ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الَّذِي أَجَارَهُ اللَّه مِنْ الشَّيْطَان , يَعْنِي عَلَى لِسَان نَبِيّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" أَجَارَهُ اللَّه عَلَى لِسَان نَبِيّه يَعْنِي مِنْ الشَّيْطَان \" وَزَادَ فِي رِوَايَة شُعْبَة \" يَعْنِي عَمَّارًا \" وَزَعَمَ اِبْن التِّين أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" عَلَى لِسَان نَبِيّه \" قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" وَيْح عَمَّار يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّة وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّار \" وَهُوَ مُحْتَمَل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِذَلِكَ حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعًا \" مَا خُيِّرَ عَمَّار بَيْن أَمْرَيْنِ إِلَّا اِخْتَارَ أَرْشَدهمَا \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ , وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود مِثْله أَخْرَجَهُمَا الْحَاكِم , فَكَوْنه يَخْتَار أَرْشَد الْأَمْرَيْنِ دَائِمًا يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ أُجِيرَ مِنْ الشَّيْطَان الَّذِي مِنْ شَأْنه الْأَمْر بِالْغَيِّ , وَرَوَى الْبَزَّار مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مُلِئَ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ \" يَعْنِي عَمَّارًا وَإِسْنَاده صَحِيح , وَلِابْنِ سَعْد فِي \" الطَّبَقَات \" مِنْ طَرِيق الْحَسَن قَالَ : \" قَالَ عَمَّار : نَزَلْنَا مَنْزِلًا فَأَخَذْت قِرْبَتِي وَدَلْوِي لِأَسْتَقِيَ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَيَأْتِيك مَنْ يَمْنَعك مِنْ الْمَاء , فَلَمَّا كُنْت عَلَى رَأْس الْمَاء إِذَا رَجُل أَسْوَد كَأَنَّهُ مُرْسٍ , فَصَرَعْته \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَفِيهِ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ذَاكَ الشَّيْطَان \" فَلَعَلَّ اِبْن مَسْعُود أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الْقِصَّة , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْإِشَارَة بِالْإِجَازَةِ الْمَذْكُورَة إِلَى ثَبَاته عَلَى الْإِيمَان لَمَّا أَكْرَهَهُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى النُّطْق بِكَلِمَةِ الْكُفْر , فَنَزَلَتْ فِيهِ : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث آخَر \" إِنَّ عَمَّارًا مُلِئَ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ , وَالْمُشَاش بِضَمِّ الْمِيم وَمُعْجَمَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَة , وَهَذِهِ الصِّفَة لَا تَقَع إِلَّا مِمَّنْ أَجَارَهُ اللَّه مِنْ الشَّيْطَان , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْن التِّين فِي \" بَاب التَّعَاوُن فِي بِنَاء الْمَسْجِد \" مُسْتَوْفًى وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِب سِرّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَا يَعْلَم أَحَد غَيْره ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ الْمَفْعُول , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" الَّذِي لَا يَعْلَمهُ \" وَالْمُرَاد بِالسِّرِّ مَا أَعْلَمهُ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحْوَال الْمُنَافِقِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ : كَيْف يَقْرَأ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن مَسْعُود , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِهَذَا الْقَدْر مِنْ الْقِرَاءَة فِي تَفْسِير ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ) إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف وَفِيهِ زِيَادَة فِيمَا يَتَعَلَّق بِهِ عَلَى مَا هُنَا. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏تَوَارَدَ أَبُو هُرَيْرَة فِي وَصْف الْمَذْكُورِينَ مَعَ أَبِي الدَّرْدَاء بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ وَزَادَ عَلَيْهِ , فَرَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق خَيْثَمَةَ بْن عَبْد الرَّحْمَن قَالَ : \" أَتَيْت الْمَدِينَة فَسَأَلْت اللَّه أَنْ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا , فَيَسَّرَ لِي أَبَا هُرَيْرَة فَقَالَ : مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قُلْت : مِنْ الْكُوفَة , جِئْت أَلْتَمِس الْخَيْر , قَالَ : أَلَيْسَ مِنْكُمْ سَعْد بْن مَالِك مُجَاب الدَّعْوَة , وَابْن مَسْعُود صَاحِب طَهُور رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْلَيْهِ , وَحُذَيْفَة صَاحِب سِرّه , وَعَمَّار الَّذِي أَجَارَهُ اللَّه مِنْ الشَّيْطَان عَلَى لِسَان نَبِيّه , وَسَلْمَان صَاحِب الْكِتَابَيْنِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3461",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْأَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى الْبَصْرِيّ السَّامِيّ بِالْمُهْمَلَةِ مِنْ بَنِي سَامَة بْن لُؤَيّ , وَخَالِد شَيْخه هُوَ الْحَذَّاء. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ لِكُلِّ أُمَّة أَمِينًا وَإِنَّ أَمِيننَا أَيَّتهَا الْأُمَّة ) ‏ ‏صُورَته صُورَة النِّدَاء , لَكِنَّ الْمُرَاد فِيهِ الِاخْتِصَاص أَيْ أُمَّتنَا مَخْصُوصُونَ مِنْ بَيْن الْأُمَم , وَعَلَى هَذَا فَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاخْتِصَاص , وَيَجُوز الرَّفْع , وَالْأَمِين هُوَ الثِّقَة الرَّضِيّ وَهَذِهِ الصِّفَة وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرَكَة بَيْنه وَبَيْن غَيْره لَكِنَّ السِّيَاق يُشْعِر بِأَنَّ لَهُ مَزِيدًا فِي ذَلِكَ , لَكِنْ خَصَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلّ وَاحِد مِنْ الْكِبَار بِفَضِيلَةٍ وَوَصَفَهُ بِهَا , فَأَشْعَرَ بِقَدْرٍ زَائِد فِيهَا عَلَى غَيْره , كَالْحَيَاءِ لِعُثْمَان , وَالْقَضَاء لِعَلِيٍّ وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏أَوْرَدَ التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّانَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ خَالِد الْحَذَّاء بِهَذَا الْإِسْنَاد مُطَوَّلًا وَأَوَّله \" أَرْحَم أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْر , وَأَشَدّهمْ فِي أَمْر اللَّه عُمَر , وَأَصْدَقهمْ حَيَاء عُثْمَان , وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّه أُبَيٌّ , وَأَفْرَضهمْ زَيْد , وَأَعْلَمهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَام مُعَاذ , أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّة أَمِينًا \" الْحَدِيث وَإِسْنَاده صَحِيح , إِلَّا أَنَّ الْحُفَّاظ قَالُوا : إِنَّ الصَّوَاب فِي أَوَّله الْإِرْسَال وَالْمَوْصُول مِنْهُ مَا اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيّ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3462",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صِلَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَهْلِ نَجْرَانَ ‏ ‏لَأَبْعَثَنَّ ‏ ‏يَعْنِي عَلَيْكُمْ ‏ ‏يَعْنِي أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ فَأَشْرَفَ أَصْحَابُهُ فَبَعَثَ ‏ ‏أَبَا عُبَيْدَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صِلَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف اللَّام هُوَ اِبْن زُفَر وَذَكَرَ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ صِلَة بْن حُذَيْفَة وَهُوَ تَحْرِيف. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حُذَيْفَة ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" عَنْ صِلَة عَنْ اِبْن مَسْعُود \" وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( لِأَهْلِ نَجْرَان ) ‏ ‏هُمْ أَهْل بَلَد قَرِيب مِنْ الْيَمَن , وَهُمْ الْعَاقِب وَاسْمه عَبْد الْمَسِيح وَالسَّيِّد وَمَنْ مَعَهُمَا , ذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّهُمْ وَفَدُوا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَنَة تِسْع وَسَمَّاهُمْ , وَسَيَأْتِي شَرْح ذَلِكَ مُطَوَّلًا فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس عِنْد مُسْلِم \" أَنَّ أَهْل الْيَمَن قَدِمُوا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : اِبْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا يُعَلِّمنَا السُّنَّة وَالْإِسْلَام , فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي عُبَيْدَة وَقَالَ : هَذَا أَمِين هَذِهِ الْأُمَّة \" فَإِنْ كَانَ الرَّاوِي تَجَوَّزَ عَنْ أَهْل نَجْرَان بِقَوْلِهِ : \" أَهْل الْيَمَن \" لِقُرْبِ نَجْرَان مِنْ الْيَمَن وَإِلَّا فَهُمَا وَاقِعَتَانِ , وَالْأَوَّل أَرْجَح , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَأَبْعَثَنَّ حَقّ أَمِين ) فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" لَأَبْعَثَنَّ - يَعْنِي عَلَيْكُمْ - أَمِينًا حَقّ أَمِين \" وَلِمُسْلِمٍ \" لَأَبْعَثَن إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقّ أَمِين \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَشْرَفَ أَصْحَابه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَاسْتَشْرَفَ لَهَا أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي يَعْلَى \" قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَة , فَأَرْسَلَهُ مَعَهُمْ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِأَبِي يَعْلَى مِنْ طَرِيق سَالِم عَنْ أَبِيهِ \" سَمِعْت عُمَر يَقُول : مَا أَحْبَبْت الْإِمَارَة قَطُّ إِلَّا مَرَّة وَاحِدَة \" فَذَكَرَ الْقِصَّة , وَقَالَ فِي الْحَدِيث \" فَتَعَرَّضْت أَنْ تُصِيبنِي , فَقَالَ : قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "3463",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا بَكْرَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ ‏وَالْحَسَنُ ‏ ‏إِلَى جَنْبِهِ يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ مَرَّةً وَإِلَيْهِ مَرَّةً وَيَقُولُ ‏ ‏ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي بَكْرَة \" إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّد \" وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْفِتَن , وَزَادَ أَبُو ذَرّ هُنَا : أَبُو مُوسَى اِسْمه إِسْرَائِيل بْن مُوسَى مِنْ أَهْل الْبَصْرَة نَزَلَ الْهِنْد , لَمْ يَرْوِهِ عَنْ الْحَسَن غَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "3464",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُعْتَمِرُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ ‏ ‏وَالْحَسَنَ ‏ ‏وَيَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا أَوْ كَمَا قَالَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَتْ أَبِي ) ‏ ‏هُوَ سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَان ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَدَب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُعْتَمِر عَنْ أَبِيهِ سَمِعْت أَبَا تَمِيمَة يُحَدِّث عَنْ أَبِي عُثْمَان , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : كَأَنَّ سُلَيْمَان سَمِعَهُ مِنْ أَبِي تَمِيمَة عَنْ أَبِي عُثْمَان , ثُمَّ لَقِيَ أَبَا عُثْمَان فَسَمِعَهُ مِنْهُ. قُلْت : بَلْ هُمَا حَدِيثَانِ , فَإِنَّ لَفْظ سُلَيْمَان عَنْ أَبِي عُثْمَان \" اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبّهُمَا \" وَلَفْظ سُلَيْمَان عَنْ أَبِي تَمِيمَة \" إِنْ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَأْخُذنِي فَيَضَعنِي عَلَى فَخِذه وَيَضَع عَلَى الْفَخِذ الْآخَر الْحَسَن بْن عَلِيّ ثُمَّ يَضُمّهُمَا ثُمَّ يَقُول : اللَّهُمَّ اِرْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمهُمَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "3465",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أُتِيَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏بِرَأْسِ ‏ ‏الْحُسَيْنِ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏فَجُعِلَ فِي طَسْتٍ فَجَعَلَ ‏ ‏يَنْكُتُ ‏ ‏وَقَالَ فِي حُسْنِهِ شَيْئًا فَقَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏مَخْضُوبًا بِالْوَسْمَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَشْكَاب أَخُو عَلِيٍّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم ‏ ‏( عَنْ مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سِيرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( أُتِيَ عُبَيْد اللَّه بْن زِيَاد ) ‏ ‏هُوَ بِالتَّصْغِيرِ , وَزِيَاد هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ اِبْن أَبِي سُفْيَان وَكَانَ أَمِير الْكُوفَة عَنْ يَزِيد بْن مُعَاوِيَة وَقُتِلَ الْحُسَيْن فِي إِمَارَته كَمَا تَقَدَّمَ فَأُتِيَ بِرَأْسِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلَ يَنْكُت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ عَنْ أَنَس : فَجَعَلَ يَقُول بِقَضِيبٍ لَهُ فِي أَنْفه , وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم : فَجَعَلَ قَضِيبًا فِي يَده فِي عَيْنه وَأَنْفه , فَقُلْت اِرْفَعْ قَضِيبك فَقَدْ رَأَيْت فَم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْضِعه , وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس نَحْوه وَسَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ أَشْبَهَ أَهْل الْبَيْت , وَزَادَ الْبَزَّار مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس قَالَ : \" فَقُلْت لَهُ إِنِّي رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْثِم حَيْثُ تَضَع قَضِيبَك , قَالَ : \" فَانْقَبَضَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ مَخْضُوبًا ) ‏ ‏أَيْ الْحُسَيْن ‏ ‏( بِالْوَسْمَةِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاو - وَأَخْطَأَ مَنْ ضَمَّهَا - وَبِسُكُونِ الْمُهْمَلَة وَيَجُوز فَتْحهَا : نَبْت يُخْتَضَبُ بِهِ يَمِيل إِلَى سَوَاد , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3466",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَدِيٌّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏عَلَى عَاتِقِهِ يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَالْحَسَن بْن عَلِيّ ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن مَرْزُوق عَنْ شُعْبَة \" الْحَسَن أَوْ الْحُسَيْن \" بِالشَّكِّ , ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ أَكْثَر أَصْحَاب شُعْبَة رَوَوْهُ فَقَالُوا \" الْحَسَن \" بِغَيْرِ شَكّ , ثُمَّ عَدَّ مِنْهُمْ ثَمَانِيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3467",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَحَمَلَ ‏ ‏الْحَسَنَ ‏ ‏وَهُوَ يَقُولُ ‏ ‏بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ لَيْسَ شَبِيهٌ ‏ ‏بِعَلِيٍّ ‏ ‏وَعَلِيٌّ ‏ ‏يَضْحَكُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عُقْبَة بْن الْحَارِث ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الصَّحِيح , وَقَالَ زَمْعَة بْن صَالِح عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة \" كَانَتْ فَاطِمَة تُنَقِّز - بِالْقَافِ وَالزَّاي أَيْ تُرَقِّص - الْحَسَن بْن عَلِيّ \" فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَيَحْتَمِل إِنْ كَانَ حَفِظَهُ أَنْ يَكُون كُلّ مِنْ أَبِي بَكْر وَفَاطِمَة تَوَافَقَا عَلَى ذَلِكَ , أَوْ يَكُون أَبُو بَكْر عَرَفَ أَنَّ فَاطِمَة كَانَتْ تَقُول ذَلِكَ فَتَابَعَهَا عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَة. ‏ ‏قَوْله : ( بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَّل صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة قَالَ : \" وَكَانَتْ فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام تُرَقِّص الْحَسَن وَتَقُول : اِبْنِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِيٍّ \" وَفِيهِ إِرْسَال , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهَا تَوَارَدَتْ فِي ذَلِكَ مَعَ أَبِي بَكْر أَوْ تَلَقَّى ذَلِكَ أَحَدهمَا مِنْ الْآخَر. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ شَبِيهٌ بِعَلِيٍّ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن مَالِك كَذَا وَقَعَ بِرَفْعِ \" شَبِيه \" عَلَى أَنَّ لَيْسَ حَرْف عَطْف وَهُوَ مَذْهَب كُوفِيّ , قَالَ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون \" شَبِيه \" اِسْم لَيْسَ , وَيَكُون خَبَرهَا ضَمِيرًا مُتَّصِلًا حُذِفَ اِسْتِغْنَاء عَنْ لَفْظه بِنِيَّتِهِ , وَنَحْوه قَوْله فِي خُطْبَة يَوْم النَّحْر \" أَلَيْسَ ذُو الْحَجَّة \" وَقَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْله : \" بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ \" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّقْدِير هُوَ مُفَدًّى بِأَبِي شَبِيه فَيَكُون خَبَرًا بَعْد خَبَر أَوْ أَفْدِيه بِأَبِي وَشَبِيه بِالنَّبِيِّ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف. وَفِيهِ إِشْعَار بِعِلِّيَّةِ الشَّبَه لِلتَّفْدِيَةِ , وَفِي قَوْله : \" شَبِيه بِالنَّبِيِّ \" مَا قَدْ يُعَارِض قَوْل عَلِيّ فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - \" لَمْ أَرَ قَبْله وَلَا بَعْده مِثْله \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل , وَالْجَوَاب أَنْ يُحْمَل الْمَنْفِيّ عَلَى عُمُوم الشَّبَه وَالْمُثْبِت عَلَى مُعْظَمه , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3468",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ‏ ‏وَصَدَقَةُ ‏ ‏قَالَا أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏ارْقُبُوا ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي أَهْلِ بَيْتِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر عَنْ أَبِي بَكْر , تَقَدَّمَ مَتْنًا وَسَنَدًا وَشَرْحًا قَرِيبًا فِي مَنَاقِب قَرَابَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3469",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشْبَهَ بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَحْمَد وَعَبْد بْن حُمَيْدٍ جَمِيعًا عَنْ عَبْد الرَّزَّاق , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَته , وَقَصَدَ الْبُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان سَمَاع الزُّهْرِيِّ لَهُ مِنْ أَنَس. حَدِيث اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَكُنْ أَحَد أَشْبَهَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْحَسَن بْن عَلِيّ ) ‏ ‏هَذَا يُعَارِض رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ الْمَاضِيَة فِي الْحَدِيث الثَّالِث , فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَقّ الْحُسَيْن بْن عَلِيّ \" كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يَكُون أَنَس قَالَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ فِي حَيَاة الْحَسَن لِأَنَّهُ يَوْمَئِذٍ كَانَ أَشَدّ شَبَهًا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَخِيهِ الْحُسَيْن , وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ فَكَانَ بَعْد ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِر مِنْ سِيَاقه , أَوْ الْمُرَاد بِمَنْ فَضَّلَ الْحُسَيْن عَلَيْهِ فِي الشَّبَه مِنْ عَدَا الْحَسَن , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كُلّ مِنْهُمَا كَانَ أَشَدّ شَبَهًا بِهِ فِي بَعْض أَعْضَائِهِ ; فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق هَانِئ بْن هَانِئ عَنْ عَلِيّ قَالَ : \" الْحَسَن أَشْبَهَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَيْن الرَّأْس إِلَى الصَّدْر , وَالْحُسَيْن أَشْبَهَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ أَسْفَل مِنْ ذَلِكَ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَر عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ هَذِهِ \" وَكَانَ أَشْبَهَهُمْ وَجْهًا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُؤَيِّد حَدِيث عَلِيّ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاَلَّذِينَ كَانُوا يُشَبَّهُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْر الْحَسَن وَالْحُسَيْن جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب وَابْنه عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر وَقُثَم - بِالْقَافِ - اِبْن الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَأَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَمُسْلِم بْن عَقِيل بْن أَبِي طَالِب , وَمِنْ غَيْر بَنِي هَاشِم السَّائِب بْن يَزِيد الْمُطَّلِبِيّ الْجَدّ الْأَعْلَى لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيّ وَعَبْد اللَّه بْن عَامِر بْن كَرِيز الْعَبْشَمِيّ وَكَابِس بْن رَبِيعَة بْن عَدِيّ , فَهَؤُلَاءِ عَشَرَة نَظَمَ مِنْهُمْ أَبُو الْفَتْح بْن سَيِّد النَّاس خَمْسَة , أَنْشَدَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن الْمُقْرِي عَنْهُ : ‏ ‏بِخَمْسَةٍ أَشْبَهُوا الْمُخْتَار مِنْ مُضَرَ ‏ ‏يَا حُسْنَ مَا خَوَّلُوا مِنْ شَبَهه الْحَسَن ‏ ‏بِجَعْفَرٍ وَابْن عَمّ الْمُصْطَفَى قُثَم ‏ ‏وَسَائِب وَأَبِي سُفْيَان وَالْحَسَن ‏ ‏وَزَادَهُمْ شَيْخنَا أَبُو الْفَضْل بْن الْحُسَيْن الْحَافِظ اِثْنَيْنِ , وَهُمَا الْحُسَيْن وَعَبْد اللَّه بْن عَامِر بْن كَرِيز , وَنَظَمَ ذَلِكَ فِي بَيْتَيْنِ وَأَنْشَدَنَاهُمَا وَهُمَا : ‏ ‏وَسَبْعَة شُبِّهُوا بِالْمُصْطَفَى فَمَا ‏ ‏لَهُمْ بِذَلِكَ قَدْر قَدْ زَكَا وَنَمَا ‏ ‏سِبْطَا النَّبِيّ أَبُو سُفْيَان سَائِبهمْ ‏ ‏وَجَعْفَر وَابْنه ذُو الْجُود مَعْ قُثَمَا ‏ ‏وَزَادَ فِيهِمْ بَعْض أَصْحَابنَا ثَامِنًا وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر , وَنَظَمَ ذَلِكَ فِي بَيْتَيْنِ أَيْضًا , وَقَدْ زِدْت فِيهِمَا مُسْلِم بْن عَقِيل وَكَابِس بْن رَبِيعَة فَصَارُوا عَشَرَة , وَنَظَمْت ذَلِكَ فِي بَيْتَيْنِ وَهُمَا : ‏ ‏شُبِّهَ النَّبِيّ لِعَشْرٍ سَائِب وَأَبِي ‏ ‏سُفْيَان وَالْحَسَنَيْنِ الطَّاهِرَيْنِ هُمَا ‏ ‏وَجَعْفَر وَابْنه ثُمَّ اِبْن عَامِر هُمْ ‏ ‏وَمُسْلِم كَابِس يَتْلُوهُ مَعْ قُثَمَا ‏ ‏وَقَدْ وَجَدَتْ بَعْد ذَلِكَ أَنَّ فَاطِمَة اِبْنَته عَلَيْهَا السَّلَام كَانَتْ تُشْبِههُ , فَيُمْكِن أَنْ يُغَيَّر مِنْ الْبَيْت الْأَوَّل قَوْله : \" لِعَشْر \" فَيُجْعَل \" لِيَاءِ \" وَهُوَ بِالْحِسَابِ أَحَدَعَشَرَ وَيُغَيَّر \" الطَّاهِرَيْنِ هُمَا \" فَيُجْعَل \" ثُمَّ أُمّهمَا \". ثُمَّ وَجَدْت أَنَّ إِبْرَاهِيم وَلَده عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يُشْبِههُ فَيُغَيَّر قَوْله لِيَاءِ فَيُجْعَل \" لِيب \" وَبَدَل الطَّاهِرَيْنِ هُمَا \" الْخَال أُمّهمَا \" ثُمَّ وَجَدْت فِي قِصَّة جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب أَنَّ وَلَدَيْهِ عَبْد اللَّه وَعَوْفًا كَانَا يُشْبِهَانِهِ فَيُجْعَل أَوَّل الْبَيْت \" شِبْه النَّبِيّ لِيجَ \" وَالْبَيْت الثَّانِي \" وَجَعْفَر وَلَدَاهُ وَابْن عَامِرهمْ \" إِلَخْ , وَوَجَدْت مِنْ نَظْم الْإِمَام أَبِي الْوَلِيد بْن الشِّحْنَة قَاضِي حَلَبَ وَلَمْ أَسْمَعهُ مِنْهُ : ‏ ‏وَخَمْس عَشَر لَهُمْ بِالْمُصْطَفَى شَبَهٌ ‏ ‏سِبْطَاهُ وَابْنَا عَقِيل سَائِب قُثَم ‏ ‏وَجَعْفَر وَابْنه عَبْدَانِ مُسْلِم أَبُو ‏ ‏سُفْيَان كَابِس عَثْم اِبْن النِّجَاد هُمْ ‏ ‏فَزَادَ اِبْن عَقِيل الثَّانِي وَعُثْمَان وَابْن النِّجَاد , وَأَخَلَّ مَنْ ذَكَرْته بِابْنِ جَعْفَر الثَّانِي , وَأَرَادَ هُوَ بِقَوْلِهِ : \" عَبْدَانِ \" تَثْنِيَة عَبْد وَهُمَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر وَعَبْد اللَّه بْن الْحَارِث , وَلَوْ كَانَ أَرَادَ اِسْمًا مُفْرَدًا لَمْ يَتِمّ لَهُ خَمْسَة عَشْرَة. وَقَدْ تُعُقِّبَ قَوْله : \" اِبْنَا عَقِيل \" بِالتَّثْنِيَةِ مَعَ قَوْله : \" وَمُسْلِم \" لِأَنَّ مُسْلِمًا هُوَ اِبْن عَقِيل , ثُمَّ وَجَدْت الْجَوَاب عَنْهُ يُؤْخَذ مِمَّا ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَر بْن حَبِيب أَنَّ مُسْلِم بْن مُعَتِّب بْن أَبِي لَهَب مِمَّنْ كَانَ يُشْبِه , وَمُسْلِم بْن عَقِيل ذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي ثِقَاته , وَمُحَمَّد بْن عَقِيل ذَكَرَهُ الْمِزِّيّ فِي تَهْذِيبه , وَذَكَرَ فِي \" الْمُحَبَّر \" أَنَّ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث بْن نَوْفَل بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب الْمُلَقَّب بِبَهٍ كَانَ يُشْبِه , وَذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي \" الِاسْتِيعَاب \" أَيْضًا , وَأَرَادَ اِبْن الشِّحْنَة بِقَوْلِهِ : \" عَثْم \" تَرْخِيم عُثْمَان , وَاعْتَمَدَ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيث عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِابْنَتِهِ أُمّ كُلْثُوم لَمَّا زَوَّجَهَا عُثْمَان : إِنَّهُ أَشْبَهَ النَّاس بِجَدِّك إِبْرَاهِيم وَأَبِيك مُحَمَّد \" وَهُوَ حَدِيث مَوْضُوع كَمَا قَالَهُ الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة عَمْرو بْن الْأَزْهَر أَحَد رُوَاته. وَهُوَ وَشَيْخه خَالِد بْن عُمَر وَكَذَّبَهُمَا الْأَئِمَّة , وَانْفَرَدَ بِهَذَا الْحَدِيث , وَالْمَعْرُوف فِي صِفَة عُثْمَان خِلَاف ذَلِكَ , وَأَرَادَ بِابْنِ النِّجَاد عَلِيّ بْن عَلِيّ بْن النِّجَاد بْن رِفَاعَة , وَاعْتَمَدَ عَلَى مَا ذَكَرَه اِبْن سَعْد عَنْ عُثْمَان أَنَّهُ كَانَ يُشْبِه , وَهَذَا تَابِعِيّ صَغِير مُتَأَخِّر عَنْ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرهمْ فَلِذَلِكَ لَمْ أُعَوِّل عَلَيْهِ , وَعَلَى تَقْدِير اِعْتِبَاره يَكُون قَدْ فَاتَهُ مِمَّنْ وُصِفَ بِذَلِكَ الْقَاسِم بْن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَقِيل , وَإِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن بْن الْحَسَن بْن عَلِيّ وَيَحْيَى بْن الْقَاسِم بْن جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ , فَكُلّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَذْكُور فِي كُتُب الْأَنْسَاب أَنَّهُ كَانَ يُشْبِه , حَتَّى إِنَّ يَحْيَى الْمَذْكُور كَانَ يُقَال لَهُ \" الشَّبِيه \" لِأَجْلِ ذَلِكَ , وَالْمَهْدِيّ الَّذِي يَخْرُج فِي آخِر الزَّمَان جَاءَ أَنَّهُ يُشْبِه وَوَاطَأَ اِسْمه وَاسْم أَبِيهِ اِسْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْم أَبِيهِ , وَذَكَرَ اِبْن حَبِيب أَيْضًا مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب , وَهُوَ غَلَط لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الْخَبَر الَّذِي تَقَدَّمَ فِي جَعْفَر أَنَّهُ قَالَ فِي حَقّ مُحَمَّد بْن جَعْفَر شَبِيه عَمّه أَبِي طَالِب , وَقَدْ سَلِمَ اِبْن الشِّحْنَة مِنْهُ , وَقَدْ غَيَّرْت بَيْتَيَّ هَكَذَا : ‏ ‏شُبَهُ النَّبِيّ ليه سَائِب وَأَبِي ‏ ‏سُفْيَان وَالْحَسَنَيْنِ الْخَال أُمّهمَا ‏ ‏وَجَعْفَر وَلَدَيْهِ وَابْن عَامِر ‏ ‏كَابِس وَنَجْلَيْ عَقِيل بِبَهٍ قُثَمَا ‏ ‏فَاقْتَصَرْت عَلَى ثَلَاثَة عَشَر مِمَّنْ ذَكَرَهُمْ اِبْن الشِّحْنَة , وَأَبْدَلْتهمَا بِاثْنَيْنِ فَوَفَيْت عُدَّته مَعَ السَّلَامَة مِمَّا تُعُقِّبَ عَلَيْهِ , وَاَللَّه الْمُوَفِّق. وَذَكَرَ اِبْن يُونُس فِي \" تَارِيخ مِصْر \" عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة الْخَوْلَانِيَّ وَأَنَّهُ شَهِدَ فَتْح مِصْر وَأَمَرَهُ عُمَر بِأَنْ لَا يَمْشِي إِلَّا مُقَنَّعًا لِأَنَّهُ كَانَ يُشْبِه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : وَكَانَ لَهُ عِبَادَة وَفَضْل , وَفِي قِصَّة الْكَاهِنَة مَعَ أُوَيْس أَنَّهَا قَالَتْ لَهُمْ أَشْبَهَ النَّاس بِصَاحِبِ الْمَقَام - أَيْ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل - هَذَا , تُشِير إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3470",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبِي نُعْمٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏وَسَأَلَهُ عَنْ الْمُحْرِمِ قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَحْسِبُهُ يَقْتُلُ الذُّبَابَ فَقَالَ ‏ ‏أَهْلُ الْعِرَاقِ ‏ ‏يَسْأَلُونَ عَنْ الذُّبَابِ وَقَدْ قَتَلُوا ‏ ‏ابْنَ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنْ الدُّنْيَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي يَعْقُوب ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْبَصْرِيّ الضَّبِّيُّ , وَيُقَال إِنَّهُ تَمِيمِيّ , وَقَالَ شُعْبَة مَرَّة \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي يَعْقُوب وَكَانَ سَيِّد بَنِي تَمِيم \" وَهُوَ ثِقَة بِاتِّفَاقٍ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت اِبْن أَبِي نُعْم ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَهُوَ عَبْد الرَّحْمَن يُكَنَّى أَبَا الْحَكَم الْبَجَلِيَّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَأَلَهُ عَنْ الْمُحْرِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَهْدِيّ بْن مَيْمُون عَنْ اِبْن أَبِي يَعْقُوب كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَب \" وَسَأَلَهُ رَجُل \" وَرَأَيْت فِي بَعْض النُّسَخ مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ الْهَرَوِيِّ \" وَسَأَلْته \" فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة فَقَدْ عُرِفَ اِسْم السَّائِل , لَكِنْ يُبْعِدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي يَعْقُوب عِنْد التِّرْمِذِيّ \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْل الْعِرَاق سَأَلَ \" وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد \" وَأَنَا جَالِس عِنْده \" وَنَحْوهَا فِي رِوَايَة مَهْدِيّ الْمَذْكُورَة فِي الْأَدَب. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ شُعْبَة : أَحْسَبهُ يَقْتُل الذُّبَاب ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ عَنْ شُعْبَة بِغَيْرِ شَكّ , وَفِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم الْمَذْكُورَة \" سُئِلَ اِبْن عُمَر عَنْ دَم الْبَعُوض يُصِيب الثَّوْب \" وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة مَهْدِيّ بْن مَيْمُون الْمَذْكُورَة , يَحْتَمِل أَنْ يَكُون السُّؤَال وَقَعَ عَنْ الْأَمْرَيْنِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : أَهْل الْعِرَاق يَسْأَلُونَ عَنْ الذُّبَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" فَقَالَ : يَا أَهْل الْعِرَاق , تَسْأَلُونَنِي عَنْ الذُّبَاب \" أَوْرَدَ اِبْن عُمَر هَذَا مُتَعَجِّبًا مِنْ حِرْص أَهْل الْعِرَاق عَلَى السُّؤَال عَنْ الشَّيْء الْيَسِير وَتَفْرِيطهمْ فِي الشَّيْء الْجَلِيل. ‏ ‏قَوْله : ( رَيْحَانَتَايَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّثْنِيَةِ , وَلِأَبِي ذَرّ \" رَيْحَانِي \" بِالْإِفْرَادِ وَالتَّذْكِير , وَشَبَههمَا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْوَلَد يُشَمّ وَيُقَبَّل , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم \" أَنَّ الْحَسَن وَالْحُسَيْن هُمَا رَيْحَانَتَيْ \" وَعِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو الْحَسَن وَالْحُسَيْن فَيَشُمّهُمَا وَيَضُمّهُمَا إِلَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق أَبِي أَيُّوب قَالَ : \" دَخَلْت عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَسَن وَالْحُسَيْن يَلْعَبَانِ بَيْن يَدَيْهِ , فَقُلْت : أَتُحِبُّهُمَا يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : \" وَكَيْف لَا وَهُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنْ الدُّنْيَا أَشُمّهُمَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "3471",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏بِلَالًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ عُمَر يَقُول : أَبُو بَكْر سِيدنَا , وَأَعْتَقَ سَيِّدنَا , يَعْنِي بِلَالًا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : يَعْنِي أَنَّ بِلَالًا مِنْ السَّادَة , وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ أَفْضَل مِنْ عُمَر. وَقَالَ غَيْره : السَّيِّد الْأَوَّل حَقِيقَة وَالثَّانِي قَالَهُ تَوَاضُعًا عَلَى سَبِيل الْمَجَاز , أَوْ أَنَّ السِّيَادَة لَا تُثْبِت الْأَفْضَلِيَّة , فَقَالَ اِبْن عُمَر \" مَا رَأَيْت أَسْوَد مِنْ مُعَاوِيَة \" مَعَ أَنَّهُ رَأَى أَبَا بَكْر وَعُمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "3472",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا اشْتَرَيْتَنِي لِنَفْسِكَ فَأَمْسِكْنِي وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا اشْتَرَيْتَنِي لِلَّهِ فَدَعْنِي وَعَمَلَ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد ‏ ‏( عَنْ قَيْس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ بِلَالًا قَالَ لِأَبِي بَكْر ) ‏ ‏كَأَنَّ قَوْله ذَلِكَ لِأَبِي بَكْر فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ أَبِي أُسَامَة عَنْ إِسْمَاعِيل بِلَفْظِ \" قَالَ بِلَال لِأَبِي بَكْر حِين تُوُفِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعْنِي وَعَمَل اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَعَمَلِي لِلَّهِ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" فَذَرْنِي أَعْمَل لِلَّهِ \" وَذَكَر اِبْن سَعْد فِي \" الطَّبَقَات \" فِي هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ الزِّيَادَة \" أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت أَفْضَل عَمَل الْمُؤْمِن الْجِهَاد , فَأَرَدْت أَنْ أُرَابِط فِي سَبِيل اللَّه , وَأَنَّ أَبَا بَكْر قَالَ لِبِلَالٍ : أَنْشُدك اللَّه وَحَقِّي , فَأَقَامَ مَعَهُ بِلَال حَتَّى تُوُفِّيَ , فَلَمَّا مَاتَ أَذِنَ لَهُ عُمَر فَتَوَجَّهَ إِلَى الشَّام مُجَاهِدًا فَمَاتَ بِهَا فِي طَاعُون عَمْوَاس سَنَة ثَمَان عَشْرَة , وَقِيلَ : سَنَة عِشْرِينَ \" وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَتْ وَفَاته بِدِمَشْق وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِير وَبِهَذَا جَزَمَ النَّوَوِيّ , وَقِيلَ : دُفِنَ بِبَابِ كَيْسَانَ , وَقِيلَ : بِدَارِيَّا , وَقِيلَ : بِحَلَب , وَرَدَّهُ الْمُنْذِرِيّ وَقَالَ : الَّذِي مَاتَ بِحَلَب أَخُوهُ خَالِد , وَزَعَمَ اِبْن السَّمْعَانِيّ أَنَّ بِلَالًا مَاتَ بِالْمَدِينَةِ , وَغَلَّطُوهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3473",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ضَمَّنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَلِّمْهُ الْكِتَابَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏وَالْحِكْمَةُ الْإِصَابَةُ فِي غَيْرِ النُّبُوَّةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3474",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَعَى ‏ ‏زَيْدًا ‏ ‏وَجَعْفَرًا ‏ ‏وَابْنَ رَوَاحَةَ ‏ ‏لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ فَقَالَ ‏ ‏أَخَذَ الرَّايَةَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ ‏ ‏جَعْفَرٌ ‏ ‏فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ ‏ ‏ابْنُ رَوَاحَةَ ‏ ‏فَأُصِيبَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3475",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذُكِرَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عِنْدَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ذَاكَ رَجُلٌ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏فَبَدَأَ بِهِ ‏ ‏وَسَالِمٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي حُذَيْفَةَ ‏ ‏وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ‏ ‏قَالَ لَا أَدْرِي بَدَأَ ‏ ‏بِأُبَيٍّ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏بِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ذُكِرَ ) ‏ ‏بِالضَّمِّ وَلَمْ أَعْرِف اِسْم فَاعِله. ‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَسْعُودٍ , وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَيْ اِبْن الْعَاصِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَدَأَ بِهِ ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ التَّقْدِيم يُفِيد الِاهْتِمَام , ‏ ‏وَقَوْله : ( لَا أَدْرِي بَدَأَ بِأُبَيٍّ أَوْ بِمُعَاذٍ ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ الْوَاو تَقْتَضِي التَّرْتِيب ظَاهِرًا , وَتَخْصِيص هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة بِأَخْذِ الْقُرْآن عَنْهُمْ إِمَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَر ضَبْطًا لَهُ وَأَتْقَنَ لِأَدَائِهِ , أَوْ لِأَنَّهُمْ تَفَرَّغُوا لِأَخْذِهِ مِنْهُ مُشَافَهَة وَتَصُدُّوا لِأَدَائِهِ مِنْ بَعْده , فَلِذَلِكَ نُدِبَ إِلَى الْأَخْذ عَنْهُمْ , لَا أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعهُ غَيْرهمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3476",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مَسْرُوقًا ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَقَالَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا وَقَالَ اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏وَسَالِمٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي حُذَيْفَةَ ‏ ‏وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3477",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُغِيرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏دَخَلْتُ ‏ ‏الشَّأْمَ ‏ ‏فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ فَقُلْتُ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا فَرَأَيْتُ ‏ ‏شَيْخًا ‏ ‏مُقْبِلًا فَلَمَّا دَنَا قُلْتُ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ اسْتَجَابَ قَالَ مِنْ أَيْنَ أَنْتَ قُلْتُ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْكُوفَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَفَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالْوِسَادِ وَالْمِطْهَرَةِ أَوَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ الَّذِي أُجِيرَ مِنْ الشَّيْطَانِ أَوَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ كَيْفَ قَرَأَ ‏ ‏ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ ‏ { ‏وَاللَّيْلِ ‏} ‏فَقَرَأْتُ ‏ { ‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ‏} ‏وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى قَالَ أَقْرَأَنِيهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاهُ إِلَى ‏ ‏فِيَّ فَمَا زَالَ هَؤُلَاءِ حَتَّى كَادُوا يَرُدُّونِي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3478",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْنَا ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ رَجُلٍ قَرِيبِ ‏ ‏السَّمْتِ ‏ ‏وَالْهَدْيِ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى نَأْخُذَ عَنْهُ فَقَالَ ‏ ‏مَا أَعْرِفُ أَحَدًا أَقْرَبَ ‏ ‏سَمْتًا ‏ ‏وَهَدْيًا ‏ ‏وَدَلًّا ‏ ‏بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث حُذَيْفَة ‏ ‏\" مَا أَعْلَم أَقْرَب أَحَدًا سَمْتًا \" ‏ ‏أَيْ خُشُوعًا ‏ ‏\" وَهَدْيًا \" ‏ ‏أَيْ طَرِيقَة ‏ ‏\" وَدَلًّا \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالتَّشْدِيد أَيْ سِيرَة وَحَالَة وَهَيْئَة وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذ مِمَّا يَدُلّ ظَاهِر حَاله عَلَى حُسْن فِعَاله. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ اِبْن أُمّ عَبْد ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , وَكَانَتْ أُمّه تُكَنَّى أُمّ عَبْد , وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده حَدِيث أَبِي مُوسَى وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي مَنَاقِب عَمَّار , وَقَدْ رَوَى الْحَاكِم وَغَيْره مِنْ طَرِيق أَبِي وَائِل عَنْ حُذَيْفَة قَالَ : \" لَقَدْ عَلِمَ الْمَحْفُوظُونَ مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اِبْن أُمّ عَبْد مِنْ أَقْرَبهمْ إِلَى اللَّه وَسِيلَة يَوْم الْقِيَامَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "3479",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَدِمْتُ أَنَا ‏ ‏وَأَخِي ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏فَمَكُثْنَا حِينًا مَا نُرَى إِلَّا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِمَا نَرَى مِنْ دُخُولِهِ وَدُخُولِ أُمِّهِ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى : قَدِمْت أَنَا وَأَخِي ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان اِسْمه فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , ‏ ‏وَقَوْله : ( مَا نَرَى ) ‏ ‏حَال مِنْ فَاعِل مَكَثْنَا أَوْ صِفَة لِقَوْلِهِ حِينًا , وَالْحَدِيث دَالٌّ عَلَى مُلَازَمَته لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسْتَلْزِم ثُبُوت فَضْله. ‏"
    },
    {
        "id": "3480",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُعَافَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَوْتَرَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏بَعْدَ الْعِشَاءِ بِرَكْعَةٍ وَعِنْدَهُ ‏ ‏مَوْلًى ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَأَتَى ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏دَعْهُ فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْمُعَافَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عِمْرَان الْأَزْدِيّ الْمَوْصِلِيّ يُكَنَّى أَبَا مَسْعُود , وَكَانَ مِنْ الثِّقَات النُّبَلَاء , وَقَدْ لَقِيَ بَعْض التَّابِعِينَ , وَتَلْمَذَ لِسُفْيَان الثَّوْرِيّ , وَكَانَ يُلَقَّب يَاقُوتَة الْعُلَمَاء , وَكَانَ الثَّوْرِيّ شَدِيد التَّعْظِيم لَهُ , مَاتَ سَنَة خَمْس أَوْ سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع وَمَوْضِع آخَر تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاء , وَفِي الرُّوَاة آخَر يُقَال لَهُ الْمُعَافَى بْن سُلَيْمَان أَصْغَر مِنْ هَذَا , وَوَهِمَ مَنْ عَكَسَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَظْهَر مِنْ كَلَام اِبْن التِّين , وَمَاتَ الْمُعَافَى بْن سُلَيْمَان سَنَة مِائَتَيْنِ وَأَرْبَع وَثَلَاثِينَ , أَخْرَجَ لَهُ النَّسَائِيُّ وَحْده وَأَخْرَجَ لِلْمُعَافَى بْن عِمْرَان مَعَ الْبُخَارِيّ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَعِنْده مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاس ) ‏ ‏هُوَ كُرَيْب , رَوَى ذَلِكَ مُحَمَّد بْن نَصْر الْمَرْوَزِيُّ فِي \" كِتَاب الْوِتْر \" لَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد عَنْ كُرَيْب , وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس قَالَ : \" بِتّ مَعَ أَبِي عِنْد مُعَاوِيَة , فَرَأَيْته أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ , فَذَكَرْت ذَلِكَ لِأَبِي فَقَالَ : يَا بُنَيّ , هُوَ أَعْلَم \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ دَعْهُ ) ‏ ‏فِيهِ حَذْف يَدُلّ عَلَيْهِ السِّيَاق تَقْدِيره : فَأَتَى اِبْن عَبَّاس فَحَكَى لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ : دَعْهُ , وَقَوْله : \" دَعْهُ \" أَيْ اُتْرُكْ الْقَوْل فِيهِ وَالْإِنْكَار عَلَيْهِ \" فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّتْ \" أَيْ فَلَمْ يَفْعَل شَيْئًا إِلَّا بِمُسْتَنَدٍ. وَفِي قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( أَصَابَ , إِنَّهُ فَقِيه ) مَا يُؤَيِّد ذَلِكَ , وَلَا اِلْتِفَات إِلَى قَوْل اِبْن التِّين : إِنَّ الْوِتْر بِرَكْعَةٍ لَمْ يَقُلْ بِهِ الْفُقَهَاء , لِأَنَّ الَّذِي نَفَاهُ قَوْل الْأَكْثَر , وَثَبَتَ فِيهِ عِدَّة أَحَادِيث , نَعَمْ الْأَفْضَل أَنْ يَتَقَدَّمهَا شَفْع وَأَقَلّه رَكْعَتَانِ , وَاخْتُلِفَ أَيّمَا الْأَفْضَل وَصْلهمَا بِهَا أَوْ فَصْلهمَا ؟ وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى شَرْطِيَّة وَصْلهمَا وَأَنَّ الْوِتْر بِرَكْعَةٍ لَا يُجْزِئ وَشُهْرَة ذَلِكَ تُغْنِي عَنْ الْإِطَالَة فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3481",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قِيلَ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏هَلْ لَكَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏فَإِنَّهُ مَا أَوْتَرَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ قَالَ أَصَابَ إِنَّهُ فَقِيهٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3482",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً لَقَدْ صَحِبْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا ‏ ‏يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مُعَاوِيَة فِي النَّهْي عَنْ الصَّلَاة بَعْد الْعَصْر , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : \" لَقَدْ صَحِبْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَالْكَلَام عَلَى الصَّلَاة بَعْد صَلَاة الْعَصْر تَقَدَّمَ فِي مَكَانه فِي كِتَاب الصَّلَاة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏عَبَّرَ الْبُخَارِيّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة بِقَوْلِهِ ذِكْر وَلَمْ يَقُلْ فَضِيلَة وَلَا مَنْقَبَة لِكَوْنِ الْفَضِيلَة لَا تُؤْخَذ مِنْ حَدِيث الْبَاب , لِأَنَّ ظَاهِر شَهَادَة اِبْن عَبَّاس لَهُ بِالْفِقْهِ وَالصُّحْبَة دَالَّة عَلَى الْفَضْل الْكَثِير , وَقَدْ صَنَّفَ اِبْن أَبِي عَاصِم جُزْءًا فِي مَنَاقِبه , وَكَذَلِكَ أَبُو عُمَر غُلَام ثَعْلَب , وَأَبُو بَكْر النَّقَّاش وَأَوْرَدَ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي الْمَوْضُوعَات بَعْض الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرُوهَا ثُمَّ سَاقَ عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَصِحّ فِي فَضَائِل مُعَاوِيَة شَيْء , فَهَذِهِ النُّكْتَة فِي عُدُول الْبُخَارِيّ عَنْ التَّصْرِيح بِلَفْظِ مَنْقَبَة اِعْتِمَادًا عَلَى قَوْل شَيْخه , لَكِنْ بِدَقِيقِ نَظَره اِسْتَنْبَطَ مَا يَدْفَع بِهِ رُءُوس الرَّوَافِض , وَقِصَّة النَّسَائِيِّ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَة , وَكَأَنَّهُ اِعْتَمَدَ أَيْضًا عَلَى قَوْل شَيْخه إِسْحَاق , وَكَذَلِكَ فِي قِصَّة الْحَاكِم. وَأَخْرَجَ اِبْن الْجَوْزِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن حَنْبَل : سَأَلَتْ أَبِي مَا تَقُول فِي عَلِيّ وَمُعَاوِيَة ؟ فَأَطْرَقَ ثُمَّ قَالَ : اِعْلَمْ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ كَثِير الْأَعْدَاء فَفَتَّشَ أَعْدَاؤُهُ لَهُ عَيْبًا فَلَمْ يَجِدُوا , فَعَمَدُوا إِلَى رَجُل قَدْ حَارَبَهُ فَأَطْرَوْهُ كِيَادًا مِنْهُمْ لِعَلِيٍّ , فَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا اِخْتَلَقُوهُ لِمُعَاوِيَةَ مِنْ الْفَضَائِل مِمَّا لَا أَصْل لَهُ. وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضَائِل مُعَاوِيَة أَحَادِيث كَثِيرَة لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا مَا يَصِحّ مِنْ طَرِيق الْإِسْنَاد , وَبِذَلِكَ جَزَمَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرهمَا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3483",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏بِضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ عَنْهُ عَمْرو بْن دِينَار , وَتَابَعَهُ اللَّيْث وَابْن لَهِيعَة وَغَيْرهمَا رَوَاهُ أَيُّوب عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة فَقَالَ : عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ وَقَالَ. يَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن أَبِي مُلَيْكَة سَمِعَهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا , وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْره طَرِيق الْمِسْوَر , وَالْأَوَّل أَثْبَت بِلَا رَيْب لِأَنَّ الْمِسْوَر قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث قِصَّة مُطَوَّلَة قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي \" بَاب أَصْهَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". نَعَمْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن الزُّبَيْر سَمِعَ هَذِهِ الْقِطْعَة فَقَطْ أَوْ سَمِعَهَا مِنْ الْمِسْوَر فَأَرْسَلَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( بَضْعَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَحُكِيَ ضَمّهَا وَكَسْرهَا أَيْضًا وَسُكُون الْمُعْجَمَة أَيْ قِطْعَة لَحْم. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ السُّهَيْلِيّ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّهَا فَإِنَّهُ يَكْفُر , وَتَوْجِيهه أَنَّهَا تَغْضَب مِمَّنْ سَبَّهَا , وَقَدْ سَوَّى بَيْن غَضَبهَا وَغَضَبه وَمَنْ أَغْضَبهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْفُر , وَفِي هَذَا التَّوْجِيه نَظَر لَا يَخْفَى , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة مَا يَتَعَلَّق بِفَضْلِهَا فِي تَرْجَمَة وَالِدَتهَا خَدِيجَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَفِيهِ أَنَّهَا أَفْضَل بَنَات النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْره مِنْ حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة مَجِيء زَيْد بْن حَارِثَة بِزَيْنَب بِنْت رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة وَفِي آخِره \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ أَفْضَل بَنَاتِي أُصِيبَتْ فِيَّ \" فَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ بَعْض الْأَئِمَّة بِتَقْدِيرِ ثُبُوته بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُتَقَدِّمًا , ثُمَّ وَهَبَ اللَّه لِفَاطِمَةَ مِنْ الْأَحْوَال السُّنِّيَّة وَالْكَمَال مَا لَمْ يُشَارِكهَا أَحَد مِنْ نِسَاء هَذِهِ الْأُمَّة مُطْلَقًا وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ مَضَى تَقْرِير أَفْضَلِيَّتهَا فِي تَرْجَمَة مَرْيَم مِنْ حَدِيث الْأَنْبِيَاء , وَيَأْتِي أَيْضًا فِي تَرْجَمَة خَدِيجَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3484",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمًا ‏ ‏يَا ‏ ‏عَائِشَ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏يُقْرِئُكِ السَّلَامَ فَقُلْتُ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ تَرَى مَا لَا أَرَى تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَا عَائِشُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الشِّين وَيَجُوز فَتْحهَا , وَكَذَلِكَ يَجُوز ذَلِكَ فِي كُلّ اِسْم مُرَخَّم. ‏ ‏قَوْله : ( تَرَى مَا لَا أَرَى , تُرِيد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ قَوْل عَائِشَة , وَقَدْ اِسْتَنْبَطَ بَعْضهمْ مِنْ هَذَا الْحَدِيث فَضْل خَدِيجَة عَلَى عَائِشَة لِأَنَّ الَّذِي وَرَدَ فِي حَقّ خَدِيجَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : \" إِنَّ جِبْرِيل يُقْرِئك السَّلَام مِنْ رَبّك \" وَأَطْلَقَ هُنَا السَّلَام مِنْ جِبْرِيل نَفْسه , وَسَيَأْتِي تَقْرِير ذَلِكَ فِي مَنَاقِب خَدِيجَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3485",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا ‏ ‏مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ‏ ‏وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ‏ ‏وَفَضْلُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ ‏ ‏الثَّرِيدِ ‏ ‏عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى \" كَمُلَ - بِتَثْلِيثِ الْمِيم - مِنْ الرِّجَال كَثِير \" وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي قِصَّة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام عِنْد الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي ذِكْر آسِيَة اِمْرَأَة فِرْعَوْن وَتَقْرِير أَنَّ ‏ ‏قَوْله : \" وَفَضْل عَائِشَة إِلَخْ \" ‏ ‏لَا يَسْتَلْزِم ثُبُوت الْأَفْضَلِيَّة الْمُطْلَقَة , وَقَدْ أَشَارَ اِبْن حِبَّان إِلَى أَنَّ أَفْضَلِيَّتهَا الَّتِي يَدُلّ عَلَيْهَا هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره مُقَيَّدَة بِنِسَاءِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى لَا يَدْخُل فِيهَا مِثْل فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام جَمْعًا بَيْن هَذَا الْحَدِيث وَبَيْن حَدِيث \" أَفْضَل نِسَاء أَهْل الْجَنَّة خَدِيجَة وَفَاطِمَة \" الْحَدِيث , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم بِهَذَا اللَّفْظ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِب خَدِيجَة مِنْ حَدِيث عَلِيّ مَرْفُوعًا \" خَيْر نِسَائِهَا خَدِيجَة \" وَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَوْله : \" كَفَضْلِ الثَّرِيد \" زَادَ مَعْمَر مِنْ وَجْه آخَر \" مَرْثَد بِاللَّحْمِ \" وَهُوَ اِسْم الثَّرِيد الْكَامِل , وَعَلَيْهِ قَوْل الشَّاعِر : ‏ ‏إِذَا مَا الْخُبْز تَأْدِمهُ بِلَحْمٍ ‏ ‏فَذَاكَ أَمَانَة اللَّه الثَّرِيد ‏"
    },
    {
        "id": "3486",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏فَضْلُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ ‏ ‏الثَّرِيدِ ‏ ‏عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" فَضْل عَائِشَة عَلَى النِّسَاء كَفَضْلِ الثَّرِيد \" وَهُوَ طَرَف مِنْ الْحَدِيث الَّذِي قَبْله , وَكَأَنَّ الْمُصَنِّف أَخَذَ مِنْهُ لَفْظ التَّرْجَمَة فَقَالَ : \" فَضْل عَائِشَة \" وَلَمْ يَقُلْ مَنَاقِب وَلَا ذِكْر كَمَا قَالَ فِي غَيْرهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3487",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏اشْتَكَتْ فَجَاءَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَقْدَمِينَ عَلَى ‏ ‏فَرَطِ ‏ ‏صِدْقٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عَائِشَةَ اِشْتَكَتْ ) ‏ ‏أَيْ ضَعُفَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( تَقْدَمِينَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الدَّال ‏ ‏( عَلَى فَرَط ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء وَالرَّاء بَعْدهَا مُهْمَلَة وَهُوَ الْمُتَقَدِّم مِنْ كُلّ شَيْء , قَالَ اِبْن التِّين : فِيهِ أَنَّهُ قَطْع لَهَا بِدُخُولِ الْجَنَّة إِذْ لَا يَقُول ذَلِكَ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ , وَقَوْله : \" عَلَى رَسُول اللَّه \" بَدَل بِتَكْرِيرِ الْعَامِل , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي تَفْسِير سُورَة النُّور. ‏"
    },
    {
        "id": "3488",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا بَعَثَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏عَمَّارًا ‏ ‏وَالْحَسَنَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْكُوفَةِ ‏ ‏لِيَسْتَنْفِرَهُمْ ‏ ‏خَطَبَ ‏ ‏عَمَّارٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاكُمْ لِتَتَّبِعُوهُ أَوْ إِيَّاهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَمَّار ‏ ‏( إِنِّي لَأَعْلَم أَنَّهَا زَوْجَته ) ‏ ‏أَيْ زَوْجَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏( فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ) ‏ ‏وَعِنْد اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن كَثِير عَنْ أَبِيهِ \" حَدَّثَتْنَا عَائِشَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ لَهَا أَمَا تَرْضِينَ أَنْ تَكُونِي زَوْجَتِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة \" فَلَعَلَّ عَمَّارًا كَانَ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْله فِي الْحَدِيث. ‏ ‏\" لِتَتَّبِعُوهُ أَوْ إِيَّاهَا \" ‏ ‏قِيلَ : الضَّمِير لِعِلِّيٍّ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ عَمَّار يَدْعُو إِلَيْهِ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ اللَّهُ وَالْمُرَاد بِاتِّبَاعِ اللَّه اِتِّبَاع حُكْمه الشَّرْعِيّ فِي طَاعَة الْإِمَام وَعَدَم الْخُرُوج عَلَيْهِ , وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْله تَعَالَى : ( وَقَرْن فِي بُيُوتكُنَّ ) فَإِنَّهُ أَمْر حَقِيقِيّ خُوطِبَ بِهِ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلِهَذَا كَانَتْ أُمّ سَلَمَة تَقُول : لَا يُحَرِّكنِي ظَهْر بَعِير حَتَّى أَلْقَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعُذْر فِي ذَلِكَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا كَانَتْ مُتَأَوِّلَة هِيَ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر , وَكَانَ مُرَادهمْ إِيقَاع الْإِصْلَاح بَيْن النَّاس وَأَخْذ الْقِصَاص مِنْ قَتَلَة عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ , وَكَانَ رَأْي عَلِيّ الِاجْتِمَاع عَلَى الطَّاعَة وَطَلَب أَوْلِيَاء الْمَقْتُول الْقِصَاص مِمَّنْ يَثْبُت عَلَيْهِ الْقَتْل بِشُرُوطِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3489",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏قِلَادَةً فَهَلَكَتْ ‏ ‏فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ ‏ ‏فِي طَلَبِهَا فَأَدْرَكَتْهُمْ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ فَلَمَّا أَتَوْا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ فَنَزَلَتْ ‏ ‏آيَةُ التَّيَمُّمِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ‏ ‏جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الْقِلَادَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَّل كِتَاب التَّيَمُّم , قَالَ اِبْن التِّين : لَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة مَحْفُوظَة , يَعْنِي أَنَّهُمْ أَتَوْا بِالْعِقْدِ , أَيْ أَنَّ الْمَحْفُوظ قَوْلهَا : \" فَأَثَرْنَا الْبَعِير فَوَجَدْنَا الْعِقْد تَحْته \". ‏"
    },
    {
        "id": "3490",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ فِي مَرَضِهِ جَعَلَ يَدُورُ فِي نِسَائِهِ وَيَقُولُ ‏ ‏أَيْنَ أَنَا غَدًا أَيْنَ أَنَا غَدًا حِرْصًا عَلَى بَيْتِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي سَكَنَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ فِي مَرَضه جَعَلَ يَدُور , الْحَدِيثَ ) ‏ ‏وَهَذَا صُورَته مُرْسَل , وَلَكِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَوْصُول عَنْ عَائِشَة فِي آخِر الْحَدِيث حَيْثُ قَالَ : \" فَقَالَتْ عَائِشَة : فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي سَكَنَ \" وَسَيَأْتِي فِي الْوَفَاة مِنْ وَجْه آخَر مَوْصُولًا كُلّه , وَيَأْتِي سَائِر شَرْحه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَوْلهَا \" سَكَنَ \" أَيْ مَاتَ أَوْ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ الْقَوْل. قُلْت الثَّانِي هُوَ الصَّحِيح , وَالْأَوَّل خَطَأ صَرِيح , قَالَ اِبْن التِّين : فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" إِنَّهُنَّ أَذِنَّ لَهُ أَنْ يُقِيم عِنْد عَائِشَة \" فَظَاهِره يُخَالِف هَذَا , وَيُجْمَع بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُنْ أَذِنَّ لَهُ بَعْد أَنْ صَارَ إِلَى يَوْمهَا , يَعْنِي فَيَتَعَلَّق الْإِذْن بِالْمُسْتَقْبَلِ , وَهُوَ جَمْع حَسَن. ‏"
    },
    {
        "id": "3491",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَاجْتَمَعَ صَوَاحِبِي إِلَى ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏فَقُلْنَ يَا ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنَّ النَّاسَ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَإِنَّا نُرِيدُ الْخَيْرَ كَمَا تُرِيدُهُ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَمُرِي رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ أَنْ يُهْدُوا إِلَيْهِ حَيْثُ مَا كَانَ أَوْ حَيْثُ مَا دَارَ قَالَتْ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ فَأَعْرَضَ عَنِّي فَلَمَّا عَادَ إِلَيَّ ذَكَرْتُ لَهُ ذَاكَ فَأَعْرَضَ عَنِّي فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ ذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏لَا تُؤْذِينِي فِي ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي أَنَّ النَّاس كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْم عَائِشَة , وَفِيهِ \" وَاَللَّه مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْي وَأَنَا فِي لِحَاف اِمْرَأَة مِنْكُنَّ غَيْرهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْهِبَة , وَقَوْله فِي أَوَّله : ‏ ‏\" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْوَهَّاب \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ وَعَبْدُوس عَنْ أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ \" عُبَيْد اللَّه \" بِالتَّصْغِيرِ وَالصَّوَاب بِالتَّكْبِيرِ , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة : \" فَقَالَ يَا أُمّ سَلَمَة لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَة فَإِنَّهُ وَاَللَّه مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْي وَأَنَا فِي لِحَاف اِمْرَأَة مِنْكُنَّ غَيْرهَا \" وَقَعَ فِي الْهِبَة \" فَإِنَّ الْوَحْي لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْب اِمْرَأَة إِلَّا عَائِشَة , فَقُلْت : أَتُوب إِلَى اللَّه تَعَالَى \" وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَنْقَبَة عَظِيمَة لِعَائِشَة , وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضْل عَائِشَة عَلَى خَدِيجَة , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ لِأَمْرَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا : اِحْتِمَال أَنْ لَا يَكُون أَرَادَ إِدْخَال خَدِيجَة فِي هَذَا , وَأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" مِنْكُنَّ \" الْمُخَاطَبَة وَهِيَ أُمّ سَلَمَة وَمَنْ أَرْسَلَهَا أَوْ مَنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَئِذٍ مِنْ النِّسَاء , ‏ ‏وَالثَّانِي : عَلَى تَقْدِير إِرَادَة الدُّخُول فَلَا يَلْزَم مِنْ ثُبُوت خُصُوصِيَّة شَيْء مِنْ الْفَضَائِل ثُبُوت الْفَضْل الْمُطْلَق كَحَدِيثِ \" أَقْرَؤُكُمْ أُبَيّ وَأَفْرَضكُمْ زَيْد \" وَنَحْو ذَلِكَ , وَمِمَّا يُسْأَل عَنْهُ الْحِكْمَة فِي اِخْتِصَاص عَائِشَة بِذَلِكَ , فَقِيلَ لِمَكَانِ أَبِيهَا , وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُفَارِق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَغْلَب أَحْوَاله , فَسَرَى سِرّه لِابْنَتِهِ مَعَ مَا كَانَ لَهَا مِنْ مَزِيد حُبّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ : إِنَّهَا كَانَتْ تُبَالِغ فِي تَنْظِيف ثِيَابهَا الَّتِي تَنَام فِيهَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى , وَسَيَأْتِي مَزِيد لَهَا فِي تَرْجَمَة خَدِيجَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , قَالَ السُّبْكِيّ الْكَبِير : الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ أَنَّ فَاطِمَة أَفْضَل ثُمَّ خَدِيجَة ثُمَّ عَائِشَة , وَالْخِلَاف شَهِير وَلَكِنَّ الْحَقّ أَحَقّ أَنْ يُتَّبَع. وَقَالَ اِبْن تَيْمِيَة : جِهَات الْفَضْل بَيْن خَدِيجَة وَعَائِشَة مُتَقَارِبَة. وَكَأَنَّهُ رَأَى التَّوَقُّف. وَقَالَ اِبْن الْقَيِّم : إِنْ أُرِيدَ بِالتَّفْضِيلِ كَثْرَة الثَّوَاب عِنْد اللَّه فَذَاكَ أَمْر لَا يُطَّلَع عَلَيْهِ , فَإِنَّ عَمَل الْقُلُوب أَفْضَل مِنْ عَمَل الْجَوَارِح , وَإِنْ أُرِيدَ كَثْرَة الْعِلْم فَعَائِشَة لَا مَحَالَة , وَإِنْ أُرِيدَ شَرَف فَفَاطِمَة لَا مَحَالَة , وَهِيَ فَضِيلَة لَا يُشَارِكهَا فِيهَا غَيْر أَخَوَاتهَا , وَإِنْ أُرِيدَ شَرَف السِّيَادَة فَقَدْ ثَبَتَ النَّصّ لِفَاطِمَةَ وَحْدهَا. قُلْت : اِمْتَازَتْ فَاطِمَة عَنْ أَخَوَاتهَا بِأَنَّهُنَّ مُتْنَ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ , وَأَمَّا مَا اِمْتَازَتْ بِهِ عَائِشَة مِنْ فَضْل الْعِلْم فَإِنَّ لِخَدِيجَةَ مَا يُقَابِلهُ وَهِيَ أَنَّهَا أَوَّل مِنْ أَجَابَ إِلَى الْإِسْلَام وَدَعَا إِلَيْهِ وَأَعَانَ عَلَى ثُبُوته بِالنَّفْسِ وَالْمَال وَالتَّوَجُّه التَّامّ ; فَلَهَا مِثْل أَجْر مِنْ جَاءَ بَعْدهَا , وَلَا يُقَدِّر قَدْر ذَلِكَ إِلَّا اللَّه. وَقِيلَ : اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع عَلَى أَفْضَلِيَّة فَاطِمَة , وَبَقِيَ الْخِلَاف بَيْن عَائِشَة وَخَدِيجَة. ‏ ‏( فَرْعٌ ) : ‏ ‏ذَكَرَ الرَّافِعِيّ أَنَّ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَل نِسَاء هَذِهِ الْأُمَّة , فَإِنْ اِسْتَثْنَيْت فَاطِمَة لِكَوْنِهَا بَضْعَة فَأَخَوَاتهَا شَارَكْنَهَا. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ وَالْحَاكِم بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ عَائِشَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَقّ زَيْنَب اِبْنَته لَمَّا أُوذِيَتْ عِنْد خُرُوجهَا مِنْ مَكَّة \" هِيَ أَفْضَل بَنَاتِي , أُصِيبَتْ فِيَّ \" وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث خِطْبَة عُثْمَان حَفْصَة زِيَادَة فِي مُسْنَد أَبِي يَعْلَى \" تَزَوَّجَ عُثْمَان خَيْرًا مِنْ حَفْصَة , وَتَزَوَّجَ حَفْصَةَ خَيْرٌ مِنْ عُثْمَان \" وَالْجَوَاب عَنْ قِصَّة زَيْنَب تَقَدَّمَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَدَّر \" مِنْ \" وَأَنْ يُقَال كَانَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَحْصُل لِفَاطِمَة جِهَة التَّفْضِيل الَّتِي اِمْتَازَتْ بِهَا عَنْ غَيْرهَا مِنْ أَخَوَاتهَا كَمَا تَقَدَّمَ , قَالَ اِبْن التِّين : فِيهِ أَنَّ الزَّوْج لَا يَلْزَمهُ التَّسْوِيَة فِي النَّفَقَة بَلْ يُفَضِّلُ مَنْ شَاءَ بَعْد أَنْ يَقُوم لِلْأُخْرَى بِمَا يَلْزَمهُ لَهَا , قَالَ : وَيُمْكِن أَنْ لَا يَكُون فِيهَا دَلِيل لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون مِنْ خَصَائِصه , كَمَا قِيلَ : إِنَّ الْقَسْم لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا كَانَ يَتَبَرَّع ‏"
    },
    {
        "id": "3492",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِأَنَسٍ ‏ ‏أَرَأَيْتَ اسْمَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏كُنْتُمْ تُسَمَّوْنَ بِهِ أَمْ سَمَّاكُمْ اللَّهُ قَالَ بَلْ سَمَّانَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كُنَّا نَدْخُلُ عَلَى ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏فَيُحَدِّثُنَا ‏ ‏بِمَنَاقِبِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَمَشَاهِدِهِمْ وَيُقْبِلُ عَلَيَّ أَوْ عَلَى ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَزْدِ ‏ ‏فَيَقُولُ فَعَلَ قَوْمُكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَهْدِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَيْمُون. ‏ ‏قَوْله : ( غَيْلَان بْن جَرِير ) ‏ ‏هُوَ الْمِعْوَلِيّ يَكْسِر الْمِيم وَسُكُون الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْوَاو بَعْدهَا لَام , وَمِعْوَل بَطْن مِنْ الْأَزْد , وَنَسَبَهُ اِبْن حِبَّان حُبْيًا وَهُوَ وَهْم , وَهُوَ تَابِعِيّ ثِقَة قَلِيل الْحَدِيث لَيْسَ لَهُ عَنْ أَنَس شَيْء إِلَّا فِي الْبُخَارِيّ , وَتَقَدَّمَ لَهُ حَدِيث فِي الصَّلَاة وَيَأْتِي لَهُ فِي آخِر الرِّقَاق. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِأَنَسٍ أَرَأَيْت اِسْم الْأَنْصَار ) ‏ ‏يَعْنِي أَخْبِرْنِي عَنْ تَسْمِيَة الْأَوْس وَالْخَزْرَج الْأَنْصَار. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا نَدْخُل ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِغَيْرِ أَدَاة الْعَطْف , وَهُوَ مِنْ كَلَام غَيْلَان لَا مِنْ كَلَام أَنَس , وَسَيَأْتِي بَعْد قَلِيل قَبْل \" بَاب الْقَسَامَة فِي الْجَاهِلِيَّة \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مَهْدِيّ بْن مَيْمُون عَنْ غَيْلَان قَالَ : \" كُنَّا نَأْتِي أَنَس بْن مَالِك \" الْحَدِيث وَلَمْ يَذْكُر مَا قَبْله. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا نَدْخُل عَلَى أَنَس ) أَيْ بِالْبَصْرَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُقْبِلُ عَلَيَّ ) ‏ ‏أَيْ مُخَاطِبًا لِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَلَ قَوْمك كَذَا ) ‏ ‏أَيْ يَحْكِي مَا كَانَ مِنْ مَآثِرهمْ فِي الْمَغَازِي وَنَصْر الْإِسْلَام. ‏"
    },
    {
        "id": "3493",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَوْمُ ‏ ‏بُعَاثَ ‏ ‏يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ وَقُتِلَتْ ‏ ‏سَرَوَاتُهُمْ ‏ ‏وَجُرِّحُوا فَقَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي دُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يَوْم بُعَاث ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَتَخْفِيف الْمُهْمَلَة وَآخِره مُثَلَّثَة وَحَكَى الْعَسْكَرِيّ أَنَّ بَعْضهمْ رَوَاهُ عَنْ الْخَلِيل بْن أَحْمَد وَصَحَّفَهُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة , وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيّ أَنَّ الَّذِي صَحَّفَهُ اللَّيْث الرَّاوِي عَنْ الْخَلِيل , وَحَكَى الْقَزَّاز فِي \" الْجَامِع \" أَنَّهُ يُقَال بِفَتْحِ أَوَّله أَيْضًا , وَذَكَرَ عِيَاض أَنَّ الْأَصِيلِيّ رَوَاهُ بِالْوَجْهَيْنِ أَيْ بِالْعَيْنِ وَالْمُعْجَمَة. وَأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَجْهًا وَاحِدًا. وَيُقَال إِنَّ أَبَا عُبَيْدَة ذَكَرَهُ بِالْمُعْجَمَةِ أَيْضًا , وَهُوَ مَكَان - وَيُقَال حِصْن وَقِيلَ مَزْرَعَة - عِنْد بَنِي قُرَيْظَة عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ الْمَدِينَة , كَانَتْ بِهِ وَقْعَة بَيْن الْأَوْس وَالْخَزْرَج , فَقُتِلَ فِيهَا كَثِير مِنْهُمْ. وَكَانَ رَئِيس الْأَوْس فِيهِ حُضَيْر وَالِد أُسَيْدِ بْن حُضَيْر وَكَانَ يُقَال لَهُ حُضَيْر الْكَتَائِب وَبِهِ قُتِلَ , وَكَانَ رَئِيس الْخَزْرَج يَوْمَئِذٍ عَمْرو بْن النُّعْمَان الْبَيَاضِيّ فَقُتِلَ فِيهَا أَيْضًا , وَكَانَ النَّصْر فِيهَا أَوَّلًا لِلْخَزْرَجِ ثُمَّ ثَبَّتَهُمْ حُضَيْر فَرَجَعُوا وَانْتَصَرَتْ الْأَوْس وَجُرِحَ حُضَيْر يَوْمئِذٍ فَمَاتَ فِيهَا , وَذَلِكَ قَبْل الْهِجْرَة بِخَمْسِ سِنِينَ وَقِيلَ : بِأَرْبَعٍ وَقِيلَ : بِأَكْثَر وَالْأَوَّل أَصَحّ , وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَج الْأَصْبَهَانِيُّ أَنَّ سَبَب ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ قَاعِدَتهمْ أَنَّ الْأَصِيل لَا يُقْتَل بِالْحَلِيفِ , فَقَتَلَ رَجُل مِنْ الْأَوْس حَلِيفًا لِلْخَزْرَجِ , فَأَرَادُوا أَنْ يُقِيدُوهُ فَامْتَنَعُوا , فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ الْحَرْب لِأَجْلِ ذَلِكَ , فَقُتِلَ فِيهَا مِنْ أَكَابِرهمْ مَنْ كَانَ لَا يُؤْمِن , أَيْ يَتَكَبَّر وَيَأْنَف أَنْ يَدْخُل فِي الْإِسْلَام حَتَّى لَا يَكُون تَحْت حُكْم غَيْره , وَقَدْ كَانَ بَقِيَ مِنْهُمْ مِنْ هَذَا النَّحْو عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ بْن سَلُول وَقِصَّته فِي ذَلِكَ مَشْهُورَة مَذْكُورَة فِي هَذَا الْكِتَاب وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( سَرَوَاتهمْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالرَّاء وَالْوَاو أَيْ خِيَارهمْ , وَالسَّرَوَات جَمْع سَرَاة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الرَّاء , وَالسَّرَاة جَمْع سَرِيّ وَهُوَ الشَّرِيف. ‏ ‏قَوْله : ( وَجُرِحُوا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْجِيم وَالرَّاء الْمَكْسُورَة مُثَقَّلًا وَمُخَفَّفًا ثُمَّ مُهْمَلَة , وَلِلْأَصِيلِيِّ بِجِيمَيْنِ مُخَفَّفًا أَيْ اِضْطِرَاب قَوْلهمْ مِنْ قَوْلهمْ , جَرِجَ الْخَاتَمُ إِذَا جَالَ فِي الْكَفّ , وَعِنْد اِبْن أَبِي صُفْرَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة ثُمَّ جِيم مِنْ الْحَرَج وَهُوَ ضِيقُ الصَّدْر , وَلِلْمُسْتَمْلِي وَعَبْدُوس وَالْقَابِسِيّ \" وَخَرَجُوا \" بِفَتْحِ الْخَاء وَالرَّاء مِنْ الْخُرُوج , وَصَوَّبَ اِبْن الْأَثِير الْأَوَّل وَصَوَّبَ غَيْره الثَّالِث , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3494",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏يَوْمَ فَتْحِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَأَعْطَى ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ إِنَّ سُيُوفَنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَاءِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَغَنَائِمُنَا تُرَدُّ عَلَيْهِمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَعَا ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏قَالَ فَقَالَ ‏ ‏مَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكُمْ وَكَانُوا لَا يَكْذِبُونَ فَقَالُوا هُوَ الَّذِي بَلَغَكَ قَالَ أَوَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالْغَنَائِمِ إِلَى بُيُوتِهِمْ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى بُيُوتِكُمْ لَوْ سَلَكَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أَوْ شِعْبَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَوْم فَتْح مَكَّة ) ‏ ‏أَيْ عَامَ فَتْح مَكَّة , لِأَنَّ الْغَنَائِم الْمُشَار إِلَيْهَا كَانَتْ غَنَائِم حُنَيْنٍ , وَكَانَ ذَلِكَ بَعْد الْفَتْح بِشَهْرَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَعْطَى قُرَيْشًا ) ‏ ‏هِيَ جُمْلَة حَالِيَّة , وَقَوْله : \" وَسُيُوفنَا تَقْطُر مِنْ دِمَائِهِمْ \" هُوَ مِنْ الْقَلْب وَالْأَصْل وَدِمَاؤُهُمْ تَقْطُر مِنْ سُيُوفنَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون \" مِنْ \" بِمَعْنَى الْبَاء الْمُوَحَّدَة , وَبَالَغَ فِي جَعْل الدَّم قَطْر السُّيُوف , وَسَيَأْتِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "3495",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ قَالَ ‏ ‏أَبُو الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ أَنَّ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏سَلَكُوا وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ فِي وَادِي ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏مَا ظَلَمَ بِأَبِي وَأُمِّي آوَوْهُ وَنَصَرُوهُ أَوْ كَلِمَةً أُخْرَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة مَا ظَلَمَ ) ‏ ‏أَيْ مَا تَعَدَّى فِي الْقَوْل الْمَذْكُور وَلَا أَعْطَاهُمْ فَوْق حَقّهمْ , ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : \" آوَوْهُ وَنَصَرُوهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ كَلِمَة أُخْرَى ) ‏ ‏لَعَلَّ الْمُرَاد وَوَاسَوْهُ وَوَاسَوْا أَصْحَابه بِأَمْوَالِهِمْ , وَقَوْله : \" لَسَلَكْت فِي وَادِي الْأَنْصَار \" أَرَادَ بِذَلِكَ حُسْن مُوَافَقَتهمْ أَنَّهُ لِمَا شَاهَدَهُ مِنْ حُسْن الْجِوَار وَالْوَفَاء بِالْعَهْدِ , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ يَصِير تَابِعًا لَهُمْ , بَلْ هُوَ الْمَتْبُوع الْمُطَاع الْمُفْتَرِض الطَّاعَة عَلَى كُلّ مُؤْمِن. ‏"
    },
    {
        "id": "3496",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمُوا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏آخَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏إِنِّي أَكْثَرُ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏مَالًا فَأَقْسِمُ مَالِي نِصْفَيْنِ وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لِي أُطَلِّقْهَا فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا قَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ أَيْنَ سُوقُكُمْ فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ ‏ ‏بَنِي قَيْنُقَاعَ ‏ ‏فَمَا انْقَلَبَ إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَهْيَمْ ‏ ‏قَالَ تَزَوَّجْتُ قَالَ كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا قَالَ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ ‏ ‏أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ شَكَّ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَدّه ) ‏ ‏هُوَ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَهَذَا صُورَته مُرْسَل , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْبَيْع مِنْ طَرِيق ظَاهِره الِاتِّصَال. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَة آخَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَسَعْد بْن الرَّبِيع ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَمْرو بْن أَبِي زُهَيْر الْأَنْصَارِيّ الْخَزْرَجِيّ , أَحَد النُّقَبَاء , اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي , وَسَيَأْتِي شَرْح قِصَّة تَزْوِيج عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فِي الْوَلِيمَة مِنْ كِتَاب النِّكَاح , وَكَذَا حَدِيث أَنَس الَّذِي بَعْده فِي الْمَعْنَى إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3497",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏قَدِمَ عَلَيْنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَهُ وَبَيْنَ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ‏ ‏وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ فَقَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏قَدْ عَلِمَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا سَأَقْسِمُ مَالِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَطْرَيْنِ وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا حَتَّى إِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ فَلَمْ يَرْجِعْ يَوْمَئِذٍ حَتَّى أَفْضَلَ شَيْئًا مِنْ سَمْنٍ وَأَقِطٍ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَهْيَمْ ‏ ‏قَالَ تَزَوَّجْتُ ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَ مَا سُقْتَ إِلَيْهَا قَالَ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3498",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو هَمَّامٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ النَّخْلَ قَالَ ‏ ‏لَا قَالَ يَكْفُونَنَا الْمَئُونَةَ وَيُشْرِكُونَنَا فِي التَّمْرِ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ الْأَنْصَار : اِقْسِمْ بَيْننَا وَبَيْنهمْ النَّخْل ) ‏ ‏أَيْ الْمُهَاجِرِينَ , وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْمُزَارَعَة , وَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَةٌ لِلْأَنْصَارِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَشْرَكُونَنَا فِي الثَّمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فِي الْأَمْر \" أَيْ الْحَاصِل مِنْ ذَلِكَ , وَهُوَ مِنْ قَوْلهمْ أَمِرَ مَالُهُ - بِكَسْرِ الْمِيم - أَيْ كَثُرَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3499",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3500",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آيَةُ ‏ ‏الْإِيمَانِ حُبُّ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَآيَةُ ‏ ‏النِّفَاقِ بُغْضُ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3501",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ مُقْبِلِينَ قَالَ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ عُرُسٍ فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُمْثِلًا فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَسِبْت أَنَّهُ قَالَ مِنْ عُرْس ) ‏ ‏الشَّكّ فِيهِ مِنْ الرَّاوِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُمْثِلًا ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه وَكَسْر الْمُثَلَّثَة , قَالَ اِبْن التِّين : كَذَا وَقَعَ رُبَاعِيًّا. وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَهْل اللُّغَة : مَثُلَ الرَّجُل بِفَتْحِ الْمِيم وَضَمّ الْمُثَلَّثَة مُثُولًا إِذَا اِنْتَصَبَ قَائِمًا , ثُلَاثِيّ , اِنْتَهَى. وَفِي رِوَايَة تَأْتِي فِي \" النِّكَاح مُمَثَّلًا بِالتَّشْدِيدِ أَيْ مُكَلِّفًا نَفْسه ذَلِكَ فَلِذَلِكَ عَدَّى فِعْله قَالَهُ عِيَاض , وَوَقَعَ فِي النِّكَاح بِلَفْظِ \" مُمْتِنًا \" بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه وَكَسْر الْمُثَنَّاة بَعْدهَا نُون أَيْ طَوِيلًا , أَوْ هُوَ مِنْ الْمِنَّة أَيْ عَلَيْهِمْ فَيَكُون بِالتَّشْدِيدِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3502",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَكَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏إِنَّكُمْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ مَرَّتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى ( جَاءَتْ اِمْرَأَة وَمَعَهَا صَبِيّ لَهَا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَلَّمَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ أَجَابَهَا عَمَّا سَأَلَتْهُ , أَوْ اِبْتَدَأَهَا بِالْكَلَامِ تَأْنِيسًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3503",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ لِكُلِّ نَبِيٍّ أَتْبَاعٌ وَإِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاكَ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ أَتْبَاعَنَا مِنَّا فَدَعَا بِهِ ‏ ‏فَنَمَيْتُ ذَلِكَ إِلَى ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏قَالَ قَدْ زَعَمَ ذَلِكَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُرَّة كَمَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت أَبَا حَمْزَة ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي اِسْمه طَلْحَة بْن يَزِيد مَوْلَى قَرَظَة بْن كَعْب الْأَنْصَارِيّ , وَقَرَظَة بِفَتْحِ الْقَاف وَالرَّاء وَالظَّاء الْمُعْجَمَة صَحَابِيّ مَعْرُوف , وَهُوَ اِبْن كَعْب بْن ثَعْلَبَة بْن عَمْرو بْن كَعْب أَوْ عَامِر بْن زَيْد , أَنْصَارِيّ خَزْرَجِيّ , مَاتَ فِي وِلَايَة الْمُغِيرَة عَلَى الْكُوفَة لِمُعَاوِيَةَ وَذَلِكَ فِي حُدُود سَنَة خَمْسِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَجْعَل أَتْبَاعنَا مِنَّا ) ‏ ‏أَيْ يُقَال لَهُمْ الْأَنْصَار حَتَّى تَتَنَاوَلهُمْ الْوَصِيَّة بِهِمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَا بِهِ ) ‏ ‏أَيْ بِمَا سَأَلُوا , وَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِيهَا بِلَفْظِ \" فَقَالَ اللَّهُمَّ اِجْعَلْ أَتْبَاعهمْ مِنْهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَنَمَيْتُ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ نَقَلْته , وَهُوَ بِالتَّخْفِيفِ , وَأَمَّا بِتَشْدِيدِ الْمِيم فَمَعْنَاهُ أَبْلَغْتُهُ عَلَى جِهَة الْإِفْسَاد , وَقَائِل ذَلِكَ هُوَ عَمْرو بْن مُرَّة كَمَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِيهَا , وَابْن أَبِي لَيْلَى هُوَ عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ زَعَمَ ذَلِكَ زَيْد ) ‏ ‏زَادَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِيهَا \" قَالَ شُعْبَة أَظُنّهُ زَيْد بْن أَرْقَم \" وَكَأَنَّهُ اِحْتَمَلَ عِنْده أَنْ يَكُون اِبْن أَبِي لَيْلَى أَرَادَ بِقَوْلِهِ : \" قَدْ زَعَمَ ذَلِكَ زَيْد \" أَيْ زَيْد آخَر غَيْر اِبْن أَرْقَم كَزَيْدِ بْن ثَابِت , لَكِنَّ الَّذِي ظَنَّهُ شُعْبَة صَحِيح , فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْجَعْد جَازِمًا بِهِ. وَقَوْله : \" زَعَمَ \" أَيْ قَالَ كَمَا قَدَّمْنَا. مِرَارًا أَنَّ لُغَة أَهْل الْحِجَاز تُطْلَق الزَّعْم عَلَى الْقَوْل. ‏"
    },
    {
        "id": "3504",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا حَمْزَةَ ‏ ‏رَجُلًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ أَتْبَاعًا وَإِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاكَ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ أَتْبَاعَنَا مِنَّا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَتْبَاعَهُمْ مِنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏فَذَكَرْتُهُ ‏ ‏لِابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏قَالَ قَدْ زَعَمَ ذَاكَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَظُنُّهُ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَدْ زَعَمَ ذَلِكَ زَيْد ) ‏ ‏زَادَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِيهَا \" قَالَ شُعْبَة أَظُنّهُ زَيْد بْن أَرْقَم \" وَكَأَنَّهُ اِحْتَمَلَ عِنْده أَنْ يَكُون اِبْن أَبِي لَيْلَى أَرَادَ بِقَوْلِهِ : \" قَدْ زَعَمَ ذَلِكَ زَيْد \" أَيْ زَيْد آخَر غَيْر اِبْن أَرْقَم كَزَيْدِ بْن ثَابِت , لَكِنَّ الَّذِي ظَنَّهُ شُعْبَة صَحِيح , فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْجَعْد جَازِمًا بِهِ. وَقَوْله : \" زَعَمَ \" أَيْ قَالَ كَمَا قَدَّمْنَا. مِرَارًا أَنَّ لُغَة أَهْل الْحِجَاز تُطْلِق الزَّعْم عَلَى الْقَوْل. ‏"
    },
    {
        "id": "3505",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْرُ دُورِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏بَنُو النَّجَّارِ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏بَنُو الْحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏بَنُو سَاعِدَةَ ‏ ‏وَفِي كُلِّ دُورِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏خَيْرٌ فَقَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏مَا أَرَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا فَقِيلَ قَدْ فَضَّلَكُمْ عَلَى كَثِيرٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو أُسَيْدٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَذَا وَقَالَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الصَّمَد الْمُعَلَّقَة هُنَا \" سَمِعَتْ أَنَسًا \" وَسَأَذْكُرُ مَنْ وَصَلَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ السَّاعِدِيُّ , وَهُوَ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ , وَيُقَال اِسْمه مَالِك. ‏ ‏قَوْله : ( خَيْر دُور الْأَنْصَار بَنُو النَّجَّار ) ‏ ‏هُمْ مِنْ الْخَزْرَج , وَالنَّجَّار هُمْ تَيْم اللَّه , وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ ضَرَبَ رَجُلًا فَنَجَرَهُ فَقِيلَ لَهُ النَّجَّار , وَهُوَ اِبْن ثَعْلَبَة بْن عَمْرو مِنْ الْخَزْرَج. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ بَنُو عَبْد الْأَشْهَل ) ‏ ‏هُمْ مِنْ الْأَوْس , وَهُوَ عَبْد الْأَشْهَل بْن جُشَم بْن الْحَارِث بْن الْخَزْرَج الْأَصْغَر بْن عَمْرو بْن مَالِك بْن الْأَوْس بْن حَارِثَة , كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيق , وَلَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة وَأَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا أُخْبِركُمْ بِخَيْرِ دُور الْأَنْصَار ؟ قَالُوا : بَلَى. قَالَ : بَنُو عَبْد الْأَشْهَل - وَهُمْ رَهْط سَعْد بْن مُعَاذ - قَالُوا : ثُمَّ مَنْ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ثُمَّ بَنُو النَّجَّار \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِي آخِره \" قَالَ مَعْمَر : وَأَخْبَرَنِي ثَابِت وَقَتَادَة أَنَّهُمَا سَمِعَا أَنَس بْن مَالِك يَذْكُر هَذَا الْحَدِيث , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ بَنُو النَّجَّار ثُمَّ بَنُو عَبْد الْأَشْهَل \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ دُون مَا بَعْده مِنْ رِوَايَة مَعْمَر عَنْ ثَابِت وَقَتَادَة , وَأَخْرَجَ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي الزِّنَاد عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مِثْل رِوَايَة أَنَس عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ , فَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى أَبِي سَلَمَة فِي إِسْنَاده هَلْ شَيْخه فِيهِ أَبُو أُسَيْدٍ أَوْ أَبُو هُرَيْرَة , وَمَتْنه هَلْ قُدِّمَ عَبْد الْأَشْهَل عَلَى بَنِي النَّجَّار أَوْ بِالْعَكْسِ ؟ وَأَمَّا رِوَايَة أَنَس فِي تَقْدِيم بَنِي النَّجَّار فَلَمْ يُخْتَلَف عَلَيْهِ فِيهَا , وَيُؤَيِّدهَا رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن طَلْحَة عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ , وَهِيَ عِنْد مُسْلِم أَيْضًا وَفِيهَا تَقْدِيم بَنِي النَّجَّار عَلَى بَنِي عَبْد الْأَشْهَل , وَبَنُو النَّجَّار هُمْ أَخْوَال جَدّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ وَالِدَة عَبْد الْمُطَّلِب مِنْهُمْ , وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَة , فَلَهُمْ مَزِيَّة عَلَى غَيْرهمْ , وَكَانَ أَنَس مِنْهُمْ فَلَهُ مَزِيد عِنَايَة بِحِفْظِ فَضَائِلهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ بَنُو الْحَارِث بْن الْخَزْرَج ) ‏ ‏أَيْ الْأَكْبَر أَيْ اِبْن عَمْرو بْن مَالِك بْن الْأَوْس الْمَذْكُور اِبْن حَارِثَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ بَنُو سَاعِدَة ) ‏ ‏هُمْ الْخَزْرَج أَيْضًا , وَسَاعِدَة هُوَ اِبْن كَعْب بْن الْخَزْرَج الْأَكْبَر. ‏ ‏قَوْله : ( خَيْر دُور الْأَنْصَار وَفِي كُلّ دُور الْأَنْصَار خَيْر ) خَيْر الْأُولَى بِمَعْنَى أَفْضَل وَالثَّانِيَة اِسْم أَيْ الْفَضْل حَاصِل فِي جَمِيع الْأَنْصَار وَإِنْ تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ سَعْد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُبَادَةَ كَمَا فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة الَّتِي بَعْد هَذَا , وَهُوَ مِنْ بَنِي سَاعِدَة أَيْضًا , وَكَانَ كَبِيرهمْ يَوْمَئِذٍ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَرَى ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة مِنْ الرُّؤْيَة وَهِيَ مِنْ إِطْلَاقهَا عَلَى الْمَسْمُوع , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ الِاعْتِقَاد , وَيَجُوز ضَمّهَا بِمَعْنَى الظَّنّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الزِّنَاد الْمَذْكُورَة \" فَوَجَدَ سَعْد بْن عُبَادَة فِي نَفْسه فَقَالَ : خُلِّفْنَا فَكُنَّا آخِر الْأَرْبَعَة , وَأَرَادَ كَلَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ - فَقَالَ لَهُ اِبْن أَخِيهِ سَهْل : أَتَذْهَبُ لِتَرُدّ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْره وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَم , أَوَلَيْسَ حَسْبك أَنْ تَكُون رَابِع أَرْبَعَة ؟ فَرَجَعَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ قَدْ فَضَلَّكُمْ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ اِبْن أَخِيهِ الْمَذْكُور قَبْل. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد الصَّمَد إِلَخْ ) يَأْتِي مَوْصُولًا فِي مَنَاقِب سَعْد بْن عُبَادَةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3506",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ الطَّلْحِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو أُسَيْدٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏خَيْرُ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أَوْ قَالَ خَيْرُ دُورِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏بَنُو النَّجَّارِ ‏ ‏وَبَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ ‏ ‏وَبَنُو الْحَارِثِ ‏ ‏وَبَنُو سَاعِدَةَ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف ‏ ‏( بَنُو النَّجَّار وَبَنُو عَبْد الْأَشْهَل ) ‏ ‏كَذَا ذَكَرَهُ بِالْوَاوِ وَرِوَايَة أَنَس بِثُمَّ , وَكَذَا رِوَايَة اِبْن حُمَيْدٍ الْمَذْكُورَة بَعْدهَا , وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ الْوَاو قَدْ يُفْهَم مِنْهَا التَّرْتِيب , وَإِنَّمَا فُهِمَ التَّرْتِيب مِنْ جِهَة التَّقْدِيم لَا بِمُجَرَّدِ الْوَاو. ‏"
    },
    {
        "id": "3507",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ خَيْرَ دُورِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏دَارُ ‏ ‏بَنِي النَّجَّارِ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏عَبْدِ الْأَشْهَلِ ‏ ‏ثُمَّ دَارُ ‏ ‏بَنِي الْحَارِثِ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏بَنِي سَاعِدَةَ ‏ ‏وَفِي كُلِّ دُورِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏خَيْرٌ فَلَحِقَنَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبَا أُسَيْدٍ ‏ ‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيَّرَ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏فَجَعَلَنَا أَخِيرًا فَأَدْرَكَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ خُيِّرَ دُورُ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَجُعِلْنَا آخِرًا فَقَالَ أَوَلَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْ الْخِيَارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال , وَعَمْرو بْن يَحْيَى أَيْ اِبْن عُمَارَة , وَعَبَّاس بْن سَهْل أَيْ اِبْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ ) ‏ ‏هُوَ السَّاعِدِيُّ وَهُوَ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ , وَيُقَال إِنَّ اِسْمه عَبْد الرَّحْمَن , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ أَوْ أَبِي حُمَيْدٍ \". بِالشَّكِّ , وَالصَّوَاب عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ وَحْده , وَسَيَأْتِي فِي آخِر غَزْوَة تَبُوك. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَحِقَنَا سَعْد بْن عُبَادَة ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ أَبُو حُمَيْدٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : أَبَا أُسَيْدٍ ) ‏ ‏هُوَ مُنَادًى حُذِفَ مِنْهُ حَرْف النِّدَاء. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَسُول اللَّه \" وَهُوَ أَوْجَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( خَيَّرَ الْأَنْصَار ) ‏ ‏أَيْ فَضَّلَ بَيْن الْأَنْصَار بَعْضهَا عَلَى بَعْض. ‏ ‏قَوْله : ( خُيِّرَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَكَذَا قَوْله : \" فَجَعَلْنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( أَوَلَيْسَ بِحَسْبِكُمْ ) ‏ ‏بِإِسْكَانِ السِّين الْمُهْمَلَة أَيْ كَافِيكُمْ , وَهَذَا يُعَارِض ظَاهِر رِوَايَة مُسْلِم الْمُتَقَدِّمَة فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ سَعْدًا رَجَعَ عَنْ إِرَادَة مُخَاطَبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ لَمَّا قَالَ لَهُ اِبْن أَخِيهِ , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُ رَجَعَ حِينَئِذٍ عَنْ قَصْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ خَاصَّة ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا لَقِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَقْت آخَر ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ , أَوْ الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُورِدهُ مَوْرِد الْإِنْكَار وَاَلَّذِي صَدَرَ مِنْهُ وَرَدَ مَوْرِد الْمُعَاتَبَة الْمُتَلَطِّفَة وَلِهَذَا قَالَ لَهُ اِبْن أَخِيهِ فِي الْأَوَّل \" أَتَرُدُّ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْره \". ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْخِيَار ) ‏ ‏أَيْ الْأَفَاضِل لِأَنَّهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ دُونهمْ أَفْضَل , وَكَأَنَّ الْمُفَاضَلَة بَيْنهمْ وَقَعَتْ بِحَسَبِ السَّبَق إِلَى الْإِسْلَام , وَبِحَسَبِ مَسَاعِيهمْ فِي إِعْلَاء كَلِمَة اللَّه , وَنَحْو ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3508",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا قَالَ ‏ ‏سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ‏ ‏أُثْرَةً ‏ ‏فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس عَنْ أُسَيْدٍ ) ‏ ‏مُصَغَّر ‏ ‏( اِبْن حُضَيْر ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُعْجَمَة مُصَغَّر أَيْضًا , وَهُوَ مِنْ رِوَايَة صَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ , زَادَ مُسْلِم \" وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْن سَعِيد وَهِشَام بْن زَيْد عَنْ أَنَس \" بِدُونِ ذِكْر أُسَيْد بْن حُضَيْر , لَكِنْ بِاخْتِصَارِ الْقِصَّة الَّتِي هُنَا وَذَكَرَ كُلّ مِنْهُمَا قِصَّة أُخْرَى غَيْر هَذِهِ , فَحَدِيث يَحْيَى بْن سَعِيد تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَة , وَحَدِيث هِشَام يَأْتِي فِي الْمَغَازِي , وَوَقَعَ لِهَذَا الْحَدِيث قِصَّة أُخْرَى مِنْ وَجْه آخَر : فَأَخْرَجَ الشَّافِعِيّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ إِلَى أُسَيْد بْن حُضَيْر \" طُلِبَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ بَيْتَيْنِ مِنْ الْأَنْصَار , فَأَمَرَ لِكُلِّ بَيْت بِوَسْقٍ مِنْ تَمْر وَشَطْر مِنْ شَعِير , فَقَالَ أُسَيْد : \" يَا رَسُول اللَّه , جَزَاك اللَّه عَنَّا خَيْرًا. فَقَالَ : وَأَنْتُمْ فَجَزَاكُمْ اللَّه خَيْرًا يَا مَعْشَر الْأَنْصَار , وَإِنَّكُمْ لَأَعِفَّةٌ صُبُرٌ , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَة \" الْحَدِيث. وَقَوْله : \" إِنَّكُمْ لَأَعِفَّةٌ صُبُرٌ \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس عَنْ أَبِي طَلْحَة وَسَنَده ضَعِيف. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار ) لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته \" فَخَلَا بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا تَسْتَعْمِلنِي ) ‏ ‏أَيْ تَجْعَلنِي عَامِلًا عَلَى الصَّدَقَة أَوْ عَلَى بَلَد. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا اِسْتَعْمَلْت فُلَانًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , لَكِنْ ذَكَرْت فِي الْمُقَدِّمَة أَنَّ السَّائِل أُسَيْد بْن حُضَيْر وَالْمُسْتَعْمَل عَمْرو بْن الْعَاصِ , وَلَا أَدْرِي الْآنَ مِنْ أَيْنَ نَقَلْته. ‏"
    },
    {
        "id": "3509",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِلْأَنْصَارِ ‏ ‏إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ‏ ‏أَثَرَةً ‏ ‏فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي وَمَوْعِدُكُمْ الْحَوْضُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْمُثَلَّثَة , وَلِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيّ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمُثَلَّثَة وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْأَمْر يَصِير فِي غَيْرهمْ فَيَخْتَصُّونَ دُونهمْ بِالْأَمْوَالِ , وَكَانَ الْأَمْر كَمَا وَصَفَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ مَعْدُود فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ الْأُمُور الْآتِيَة فَوَقَعَ كَمَا قَالَ , وَسَيَأْتِي مَزِيد فِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْفِتَن. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد بْن أَنَس بْن مَالِك. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَوْعِدكُمْ الْحَوْض ) ‏ ‏أَيْ حَوْض النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْقِيَامَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3510",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حِينَ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى ‏ ‏الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ دَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏إِلَى أَنْ يُقْطِعَ لَهُمْ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏فَقَالُوا لَا إِلَّا أَنْ تُقْطِعَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏مِثْلَهَا قَالَ ‏ ‏إِمَّا لَا فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي فَإِنَّهُ سَيُصِيبُكُمْ بَعْدِي ‏ ‏أَثَرَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( حِينَ خَرَجَ مَعَهُ ) ‏ ‏أَيْ سَافَرَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى الْوَلِيد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان , وَكَانَ أَنَس قَدْ تَوَجَّهَ مِنْ الْبَصْرَة حِين آذَاهُ الْحَجَّاج إِلَى دِمَشْق يَشْكُوهُ إِلَى الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك فَأَنْصَفَهُ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِمَّا لَا ) ‏ ‏أَصْله إِنْ مَكْسُورَة الْهَمْزَة مُخَفَّفَة النُّون وَهِيَ الشَّرْطِيَّة وَمَا زَائِدَة وَلَا نَافِيَة فَأُدْغِمَتْ النُّون فِي الْمِيم وَحُذِفَ فِعْل الشَّرْط وَتَقْدِيره يَقْبَلُوا أَوْ تَفْعَلُوا , وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِفَتْحِ هَمْزَة إِمَّا وَهُوَ خَطَأ إِلَّا عَلَى لُغَة لِبَعْضِ بَنِي تَمِيم فَإِنَّهُمْ يَفْتَحُونَ الْهَمْزَة مِنْ إِمَّا حَيْثُ وَرَدَتْ , قَالَ عِيَاض : وَاللَّام مِنْ قَوْله : \" أَمَّا لَا \" مَفْتُوحَة عِنْد الْجُمْهُور , وَوَقَعَ عِنْد الْأَصِيلِيّ فِي الْبُيُوع مِنْ الْمُوَطَّأ وَعِنْد الطَّبَرِيّ فِي مُسْلِم بِكَسْرِ اللَّام وَالْمَعْرُوف فَتْحهَا , وَقَدْ مَنَعَ مِنْ كَسْرهَا أَبُو حَاتِم وَغَيْره وَنَسَبُوهُ إِلَى تَغْيِير الْعَامَّة , لَكِنْ هُوَ جَارٍ عَلَى مَذْهَبهمْ فِي الْإِمَالَة وَأَنْ يَجْعَل الْكَلَام كَأَنَّهُ كَلِمَة وَاحِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّهُ ) ‏ ‏الْهَاء ضَمِير الشَّأْن , وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ يَعُود عَلَى الْإِقْطَاع. ‏"
    },
    {
        "id": "3511",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِيَاسٍ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ ‏ ‏فَأَصْلِحْ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرَةَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ وَقَالَ فَاغْفِرْ ‏ ‏لِلْأَنْصَارِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3512",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏نَحْنُ الَّذِينَ ‏ ‏بَايَعُوا ‏ ‏مُحَمَّدَا ‏ ‏عَلَى الْجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدَا ‏ ‏فَأَجَابَهُمْ ‏ ‏اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ ‏ ‏الْآخِرَهْ ‏ ‏فَأَكْرِمْ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرَهْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3513",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ نَحْفِرُ ‏ ‏الْخَنْدَقَ ‏ ‏وَنَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَادِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ ‏ ‏الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ ‏ ‏لِلْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارِ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ الْمُصَنِّف حَدِيث سَهْل وَهُوَ اِبْن سَعْد بِلَفْظِ \" وَنَحْنُ نَحْفِر الْخَنْدَق \" وَفِيهِ \" فَاغْفِرْ \" وَقَوْله : ‏ ‏\" عَلَى أَكْتَادنَا \" ‏ ‏بِالْمُثَنَّاةِ جَمْع كَتَد وَهُوَ مَا بَيْن الْكَاهِل إِلَى الظَّهْر , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْمُوَحَّدَةِ , وَوَجْه بِأَنَّ الْمُرَاد نَحْمِلهُ عَلَى جُنُوبنَا مِمَّا يَلِي الْكَبِد. وَقَوْله فِيهِ : \" وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس \" هُوَ مَعْطُوف عَلَى الْإِسْنَاد الْأَوَّل , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3514",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ مَا مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أَنَا فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى ‏ ‏امْرَأَتِهِ ‏ ‏فَقَالَ أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي فَقَالَ هَيِّئِي طَعَامَكِ وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ أَوْ عَجِبَ مِنْ فَعَالِكُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَيُؤْثِرُونَ ‏ ‏عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ ‏ ‏خَصَاصَةٌ ‏ ‏وَمَنْ يُوقَ ‏ ‏شُحَّ ‏ ‏نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه وَسَيَأْتِي أَنَّهُ أَنْصَارِيّ زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ فُضَيْلِ بْن غَزْوَانَ فِي التَّفْسِير \" فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابَنِي الْجَهْد \" أَيْ الْمَشَقَّة مِنْ الْجُوع , وَفِي رِوَايَة جَرِير عَنْ فُضَيْلِ بْن غَزْوَانَ عِنْد مُسْلِم \" إِنِّي مَجْهُود \". ‏ ‏قَوْله : ( فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ ) ‏ ‏أَيْ يَطْلُب مِنْهُنَّ مَا يُضَيِّفهُ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْنَ مَا مَعَنَا ) ‏ ‏أَيْ مَا عِنْدنَا ‏ ‏( إِلَّا الْمَاء ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة جَرِير \" مَا عِنْدِي \" وَفِيهِ مَا يُشْعِر بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّل الْحَال قَبْل أَنْ يَفْتَح اللَّه لَهُمْ خَيْبَر وَغَيْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ يَضُمّ أَوْ يُضَيِّف ) ‏ ‏أَيْ مَنْ يُؤْوِي هَذَا فَيُضَيِّفهُ , وَكَأَنَّ \" أَوْ \" لِلشَّكِّ , وَفِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" أَلَا رَجُل يُضَيِّفهُ هَذِهِ اللَّيْلَة يَرْحَمهُ اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏زَعَمَ اِبْن التِّين أَنَّهُ ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس , وَقَدْ أَوْرَدَ ذَلِكَ اِبْن بَشْكُوَال مِنْ طَرِيق أَبِي جَعْفَر بْن النَّحَّاس بِسَنَدِهِ لَهُ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل النَّاجِي مُرْسَلًا , وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي \" أَحْكَام الْقُرْآن \" وَلَكِنَّ سِيَاقه يُشْعِر بِأَنَّهَا قِصَّة أُخْرَى لِأَنَّ لَفْظه \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار عَبَرَ عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام لَا يَجِد مَا يُفْطِر عَلَيْهِ وَيُصْبِح صَائِمًا حَتَّى فَطِنَ لَهُ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ ثَابِت بْن قَيْس \" فَقَصَّ الْقِصَّة , وَهَذَا لَا يَمْنَع التَّعَدُّد فِي الصَّنِيع مَعَ الضَّيْف وَفِي نُزُول الْآيَة , قَالَ اِبْن بَشْكُوَال : وَقِيلَ : هُوَ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة , وَلَمْ يَذْكُر لِذَلِكَ مُسْتَنَدًا , وَرَوَى أَبُو الْبَخْتَرِيّ الْقَاضِي أَحَد الضُّعَفَاء الْمَتْرُوكِينَ فِي \" كِتَاب صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَهُ أَنَّهُ أَبُو هُرَيْرَة رَاوِي الْحَدِيث , وَالصَّوَاب الَّذِي يَتَعَيَّن الْجَزْم بِهِ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن فُضَيْلِ بْن غَزْوَانَ عَنْ أَبِيهِ بِإِسْنَادِ الْبُخَارِيّ \" فَقَامَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ أَبُو طَلْحَة \" وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْخَطِيب لَكِنَّهُ قَالَ : أَظُنّهُ غَيْر أَبِي طَلْحَة زَيْد بْن سَهْل الْمَشْهُور , وَكَأَنَّهُ اِسْتَبْعَدَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا : أَنَّ أَبَا طَلْحَة زَيْد بْن سَهْل مَشْهُور لَا يَحْسُن أَنْ يُقَال فِيهِ \" فَقَامَ رَجُل يُقَال لَهُ أَبُو طَلْحَة \" ‏ ‏وَالثَّانِي : أَنَّ سِيَاق الْقِصَّة يُشْعِر بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْده مَا يَتَعَشَّى بِهِ هُوَ وَأَهْله حَتَّى اِحْتَاجَ إِلَى إِطْفَاء الْمِصْبَاح , وَأَبُو طَلْحَة زَيْد بْن سَهْل كَانَ أَكْثَر أَنْصَارِيّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا فَيَبْعُد أَنْ يَكُون بِتِلْكَ الصِّفَة مِنْ التَّقَلُّل , وَيُمْكِن الْجَوَاب عَنْ الِاسْتِبْعَادَيْنِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا قُوت صِبْيَانِيّ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ وَامْرَأَته تَعَشَّيَا وَكَانَ صِبْيَانهمْ حِينَئِذٍ فِي شُغْلهمْ أَوْ نِيَامًا فَأَخَّرُوا لَهُمْ مَا يَكْفِيهِمْ , أَوْ نَسَبُوا الْعَشَاء إِلَى الصِّبْيَة لِأَنَّهُمْ إِلَيْهِ أَشَدّ طَلَبًا , وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" وَنَطْوِي بُطُوننَا اللَّيْلَة \" وَفِي آخِر هَذِهِ الرِّوَايَة أَيْضًا \" فَأَصْبَحَا طَاوِيَيْنِ \" , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة وَكِيع عِنْد مُسْلِم \" فَلَمْ يَكُنْ عِنْده إِلَّا قُوته وَقُوت صِبْيَانه \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَصْبِحِي سِرَاجك ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ قَطْع أَيْ أَوْقِدِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( نَوِّمِي صِبْيَانك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" عَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلَا يُرَيَانِهِ كَأَنَّهُمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِحَذْفِ الْكَاف مِنْ كَأَنَّهُمَا , وَقَوْله : ‏ ‏\" طَاوِيَيْنِ \" ‏ ‏أَيْ بِغَيْرِ عَشَاء. ‏ ‏قَوْله : ( ضَحِكَ اللَّه اللَّيْلَة أَوْ عَجِبَ مِنْ فَعَالكُمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" مِنْ صَنِيعك \" وَفِي رِوَايَة التَّفْسِير \" مِنْ فُلَان وَفُلَانَة \" وَنِسْبَة الضَّحِك وَالتَّعَجُّب إِلَى اللَّه مَجَازِيَّة وَالْمُرَاد بِهِمَا الرِّضَا بِصَنِيعِهِمَا , وَقَوْله : \" فَعَالكُمَا \" فِي رِوَايَة \" فَعْلكُمَا \" بِالْإِفْرَادِ , قَالَ فِي الْبَارِع : الْفَعَال بِالْفَتْحِ اِسْم الْفِعْل الْحَسَن مِثْل الْجُود وَالْكَرْم , وَفِي التَّهْذِيب : الْفَعَال بِالْفَتْحِ فِعْل الْوَاحِد فِي الْخَيْر خَاصَّة يُقَال هُوَ كَرِيم الْفَعَال بِفَتْحِ الْفَاء , وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الشَّرّ , وَالْفِعَال بِالْكَسْرِ إِذَا كَانَ الْفِعْل بَيْن اِثْنَيْنِ يَعْنِي أَنَّهُ مَصْدَر فَاعِل مِثْل قَاتَلَ قِتَالًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّه : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسهمْ إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْأَصَحّ فِي سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة , وَعِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق مُحَارِب بْن دِثَار عَنْ اِبْن عُمَر \" أُهْدِي لِرَجُلٍ رَأْس شَاة فَقَالَ : إِنَّ أَخِي وَعِيَاله أَحْوَج مِنَّا إِلَى هَذَا فَبَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ , فَلَمْ يَزَلْ يَبْعَث بِهِ وَاحِد إِلَى آخَر حَتَّى رَجَعَتْ إِلَى الْأَوَّل بَعْد سَبْعَة , فَنَزَلَتْ \" وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون نَزَلَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ كُلّه , قِيلَ : فِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى نُفُوذ فِعْل الْأَب فِي الِابْن الصَّغِير وَإِنْ كَانَ مَطْوِيًّا عَلَى ضَرَر خَفِيف إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَة دِينِيَّة أَوْ دُنْيَوِيَّة , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا عُرِفَ بِالْعَادَةِ مِنْ الصَّغِير الصَّبْر عَلَى مِثْل ذَلِكَ , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3515",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَاذَانُ ‏ ‏أَخُو ‏ ‏عَبْدَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَرَّ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَالْعَبَّاسُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَهُمْ يَبْكُونَ فَقَالَ مَا يُبْكِيكُمْ قَالُوا ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنَّا فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ قَالَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ عَصَبَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ قَالَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏أُوصِيكُمْ ‏ ‏بِالْأَنْصَارِ ‏ ‏فَإِنَّهُمْ ‏ ‏كَرِشِي ‏ ‏وَعَيْبَتِي ‏ ‏وَقَدْ قَضَوْا الَّذِي عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن يَحْيَى أَبُو عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ الْيَشْكُرِيّ الْمَرْوَزِيُّ الصَّائِغ كَانَ أَحَد الْحُفَّاظ , مَاتَ قَبْل الْبُخَارِيّ بِأَرْبَعِ سِنِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا شَاذَان أَخُو عَبْدَان ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الْعَزِيز بْن عُثْمَان بْن جَبَلَةَ , وَهُوَ أَصْغَر مِنْ أَخِيهِ عَبْدَان , وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْدَان وَأَدْرَكَ شَاذَان. ‏ ‏قَوْله : ( مَرَّ أَبُو بَكْر ) ‏ ‏أَيْ الصِّدِّيق ‏ ‏( وَالْعَبَّاس ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَرَض النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَبْكُونَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ مَا يُبْكِيكُمْ ) ‏ ‏؟ لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الَّذِي خَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ هَلْ هُوَ أَبُو بَكْر أَوْ الْعَبَّاس , وَيَظْهَر لِي أَنَّهُ الْعَبَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( ذَكَرْنَا مَجْلِس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي كَانُوا يَجْلِسُونَهُ مَعَهُ , وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَرَض النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَشَوْا أَنْ يَمُوت مِنْ مَرَضه فَيَفْقِدُوا مَجْلِسه , فَبَكَوْا حُزْنًا عَلَى فَوَات ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَخَلَ ) ‏ ‏كَذَا أَفْرَدَ بَعْد أَنْ ثَنَّى , وَالْمُرَاد بِهِ مَنْ خَاطَبَهُمْ , وَقَدْ قَدَّمْت رُجْحَان أَنَّهُ الْعَبَّاس لِكَوْنِ الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة اِبْنه وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَاشِيَة بُرْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي حَاشِيَة بُرْدَةَ بِزِيَادَةِ هَاء التَّأْنِيث. ‏ ‏قَوْله : ( أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ ) ‏ ‏اِسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْض الْأَئِمَّة أَنَّ الْخِلَافَة لَا تَكُون فِي الْأَنْصَار لِأَنَّ مَنْ فِيهِمْ الْخِلَافَة يُوصُونَ وَلَا يُوصَى بِهِمْ , وَلَا دَلَالَة فِيهِ إِذْ لَا مَانِع مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( كَرِشِي وَعَيْبَتِي ) ‏ ‏أَيْ بِطَانَتِي وَخَاصَّتِي قَالَ الْقَزَّاز : ضَرَبَ الْمَثَل بِالْكَرِشِ لِأَنَّهُ مُسْتَقَرّ غِذَاء الْحَيَوَان الَّذِي يَكُون فِيهِ نَمَاؤُهُ , وَيُقَال : لِفُلَانِ كَرِش مَنْثُورَة أَيْ عِيَال كَثِيرَة , وَالْعَيْبَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة بَعْدهَا مُوَحَّدَة مَا يُحْرِز فِيهِ الرَّجُل نَفِيس مَا عِنْده , يُرِيد أَنَّهُمْ مَوْضِع سِرّه وَأَمَانَته قَالَ اِبْن دُرَيْدٍ : هَذَا مِنْ كَلَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُوجِز الَّذِي لَمْ يُسْبَق إِلَيْهِ. وَقَالَ غَيْره : الْكَرِش بِمَنْزِلَةِ الْمَعِدَة لِلْإِنْسَانِ , وَالْعَيْبَة مُسْتَوْدَع الثِّيَاب وَالْأَوَّل أَمْر بَاطِن وَالثَّانِي أَمْر ظَاهِر , فَكَأَنَّهُ ضَرَبَ الْمَثَل بِهِمَا فِي إِرَادَة اِخْتِصَاصهمْ بِأُمُورِهِ الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة , وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَكُلّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ مُسْتَوْدَع لِمَا يُخْفَى فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ قَضَوْا الَّذِي عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ ) ‏ ‏يُشِير إِلَى مَا وَقَعَ لَهُمْ لَيْلَة الْعَقَبَة مِنْ الْمُبَايَعَة , فَإِنَّهُمْ بَايَعُوا عَلَى أَنْ يُؤْوُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَنْصُرُوهُ عَلَى أَنَّ لَهُمْ الْجَنَّة , فَوَفَوْا بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3516",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ الْغَسِيلِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُتَعَطِّفًا بِهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ ‏ ‏فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَتَقِلُّ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏حَتَّى يَكُونُوا كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أَمْرًا يَضُرُّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعُهُ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْن الْغَسِيل ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن سُلَيْمَان بْن عَبْد اللَّه بْن حَنْظَلَة الْأَنْصَارِيّ , وَحَنْظَلَة هُوَ غَسِيل الْمَلَائِكَة , وَعَبْد الرَّحْمَن الْمَذْكُور يُكَنَّى أَبَا سُلَيْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( مِلْحَفَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّله. ‏ ‏قَوْله : ( مُتَعَطِّفًا بِهَا ) ‏ ‏أَيْ مُتَوَشِّحًا مُرْتَدِيًا , وَالْعِطَاف الرِّدَاء سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوَضْعِهِ عَلَى الْعِطْفَيْنِ وَهُمَا نَاحِيَتَا الْعُنُق , وَيُطْلَق عَلَى الْأَرْدِيَة مَعَاطِف. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَلَيْهِ عِصَابَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّله وَهِيَ مَا يُشَدّ بِهِ الرَّأْس وَغَيْرهَا , وَقِيلَ فِي الرَّأْس بِالتَّاءِ وَفِي غَيْر الرَّأْس يُقَال عِصَاب فَقَطْ , وَهَذَا يَرُدّهُ قَوْله فِي الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم \" عَصَبَ بَطْنه بِعِصَابَةٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( دَسْمَاء ) ‏ ‏أَيْ لِكَوْنِهَا كَلَوْنِ الدَّسَم وَهُوَ الدُّهْن , وَقِيلَ : الْمُرَاد أَنَّهَا سَوْدَاء لَكِنْ لَيْسَتْ خَالِصَة السَّوَاد , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون اِسْوَدَّتْ مِنْ الْعَرَق أَوْ مِنْ الطِّيب كَالْغَالِيَةِ. وَوَقَعَ فِي الْجُمُعَة \" دَسِمَة \" بِكَسْرِ السِّين , وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيث أَنَس الَّذِي قَبْله أَنَّهَا كَانَتْ حَاشِيَة الْبُرْد , وَالْحَاشِيَة غَالِبًا تَكُون مِنْ لَوْن غَيْر لَوْن الْأَصْل , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْعِصَابَةِ الْعِمَامَة وَمِنْهُ حَدِيث الْمَسْح عَلَى الْعَصَائِب. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَر ) ‏ ‏تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيث أَنَس الَّذِي قَبْله سَبَب ذَلِكَ , وَعُرِفَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَرَض مَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَرَّحَ بِهِ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , وَتَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَة مِنْ هَذَا الْوَجْه وَزَادَ \" وَكَانَ آخِر مَجْلِس جَلَسَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أَمْرًا يَضُرّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعهُ ) ‏ ‏قِيلَ : فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْخِلَافَة لَا تَكُون فِي الْأَنْصَار. قُلْت : وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ إِذْ لَا يَمْتَنِع التَّوْصِيَة عَلَى تَقْدِير أَنْ يَقَع الْجَوْر , وَلَا التَّوْصِيَة لِلْمَتْبُوعِ سَوَاء كَانَ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَتَجَاوَزُونَ عَنْ مُسِيئِهِمْ ) ‏ ‏أَيْ فِي غَيْر الْحُدُود وَحُقُوق النَّاس. ‏"
    },
    {
        "id": "3517",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏كَرِشِي ‏ ‏وَعَيْبَتِي ‏ ‏وَالنَّاسُ سَيَكْثُرُونَ وَيَقِلُّونَ فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي حَدِيث أَنَس ‏ ‏( وَإِنَّ النَّاس سَيَكْثُرُونَ وَيَقِلُّونَ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ الْأَنْصَار يَقِلُّونَ , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى دُخُول قَبَائِل الْعَرَب وَالْعَجَم فِي الْإِسْلَام وَهُمْ أَضْعَاف أَضْعَاف قَبِيلَة الْأَنْصَار , فَمَهْمَا فُرِضَ فِي الْأَنْصَار مِنْ الْكَثْرَة كَالتَّنَاسُلِ فُرِضَ فِي كُلّ طَائِفَة مِنْ أُولَئِكَ , فَهُمْ أَبَدًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرهمْ قَلِيل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِطَّلَعَ عَلَى أَنَّهُمْ يَقِلُّونَ مُطْلَقًا فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ لِأَنَّ الْمَوْجُودِينَ الْآنَ مِنْ ذُرِّيَّة عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب مِمَّنْ يَتَحَقَّق نَسَبه إِلَيْهِ أَضْعَاف مَنْ يُوجَد مِنْ قَبِيلَتَيْ الْأَوْس وَالْخَزْرَج مِمَّنْ يَتَحَقَّق نَسَبه وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ , وَلَا اِلْتِفَات إِلَى كَثْرَة مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ مِنْهُمْ بِغَيْرِ بُرْهَان. وَقَوْله : \" حَتَّى يَكُونُوا كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَام \" فِي عَلَامَات النُّبُوَّة \" بِمَنْزِلَةِ الْمِلْح فِي الطَّعَام \" أَيْ فِي الْقِلَّة , لِأَنَّهُ جَعَلَ غَايَة قِلَّتهمْ الِانْتِهَاء إِلَى ذَلِكَ , وَالْمِلْح بِالنِّسْبَةِ إِلَى جُمْلَة الطَّعَام جُزْء يَسِير مِنْهُ وَالْمُرَاد بِذَلِكَ الْمُعْتَدِل. ‏"
    },
    {
        "id": "3518",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حُلَّةُ حَرِيرٍ فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَمَسُّونَهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا فَقَالَ أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ ‏ ‏لَمَنَادِيلُ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ‏ ‏خَيْرٌ مِنْهَا ‏ ‏أَوْ أَلْيَنُ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏وَالزُّهْرِيُّ ‏ ‏سَمِعَا ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُلَّة حَرِير ) ‏ ‏الَّذِي أَهْدَاهَا لَهُ أُكَيْدِر دَوْمَة , كَمَا بَيَّنَهُ أَنَس فِي حَدِيثه الْمُتَقَدِّم فِي كِتَاب الْهِبَة. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ قَتَادَةُ وَالزُّهْرِيّ سَمِعَا أَنَسًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة قَتَادَةَ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْهِبَة , وَأَمَّا رِوَايَة الزُّهْرِيِّ فَوَصَلَهَا فِي اللِّبَاس , وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3519",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فَضْلُ بْنُ مُسَاوِرٍ ‏ ‏خَتَنُ ‏ ‏أَبِي عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ فَقَالَ رَجُلٌ ‏ ‏لِجَابِرٍ ‏ ‏فَإِنَّ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏يَقُولُ اهْتَزَّ السَّرِيرُ فَقَالَ إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ ضَغَائِنُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا فَضْل بْن مُسَاوِر ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَتَخْفِيف الْمُهْمَلَة , هُوَ بَصْرِيّ يُكَنَّى أَبَا الْمُسَاوِر , وَكَانَ خَتَن أَبِي عَوَانَة , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( خَتَن أَبِي عَوَانَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمُثَنَّاة أَيْ صِهْره زَوْج اِبْنَته , وَالْخَتَن يُطْلَق عَلَى كُلّ مَنْ كَانَ مِنْ أَقَارِب الْمَرْأَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ الْأَعْمَش ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الْإِسْنَاد الَّذِي قَبْله , وَهَذَا مِنْ شَأْن الْبُخَارِيّ فِي حَدِيث أَبِي سُفْيَان طَلْحَة بْن نَافِع صَاحِب جَابِرٍ لَا يُخْرِج لَهُ إِلَّا مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ أَوْ اِسْتِشْهَادًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل لِجَابِرٍ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ الْبَرَاء يَقُول : اِهْتَزَّ السَّرِير ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّهُ كَانَ بَيْن هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ ) ‏ ‏أَيْ الْأَوْس وَالْخَزْرَج. ‏ ‏قَوْله : ( ضَغَائِن ) ‏ ‏بِالضَّادِ وَالْغَيْن الْمُعْجَمَتَيْنِ جَمْع ضَغِينَة وَهِيَ الْحِقْد , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا قَالَ جَابِر ذَلِكَ لِأَنَّ سَعْدًا كَانَ مِنْ الْأَوْس وَالْبَرَاء خَزْرَجِيّ وَالْخَزْرَج لَا تُقِرّ لِلْأَوْسِ بِفَضْلٍ , كَذَا قَالَ وَهُوَ خَطَأ فَاحِش , فَإِنَّ الْبَرَاء أَيْضًا أَوْسِيّ لِأَنَّهُ اِبْن عَازِب بْن الْحَارِث بْن عَدِيّ بْن مُجَدَّعَة بْن حَارِثَة بْن الْحَارِث بْن الْخَزْرَج بْن عَمْرو بْن مَالِك بْن الْأَوْس , يَجْتَمِع مَعَ سَعْد بْن مُعَاذ فِي الْحَارِث بْن الْخَزْرَج , وَالْخَزْرَج وَالِد الْحَارِث بْن الْخَزْرَج , وَلَيْسَ هُوَ الْخَزْرَج الَّذِي يُقَابِل الْأَوْس وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى اِسْمه. نَعَمْ الَّذِي مِنْ الْخَزْرَج الَّذِينَ هُمْ مُقَابِلُو الْأَوْس جَابِر ; وَإِنَّمَا قَالَ جَابِر ذَلِكَ إِظْهَارًا لِلْحَقِّ وَاعْتِرَافًا بِالْفَضْلِ لِأَهْلِهِ , فَكَأَنَّهُ تَعَجَّبَ مِنْ الْبَرَاء كَيْف قَالَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ أَوْسِيّ , ثُمَّ قَالَ : أَنَا وَإِنْ كُنْت خَزْرَجِيًّا وَكَانَ بَيْن الْأَوْس وَالْخَزْرَج مَا كَانَ , لَا يَمْنَعنِي ذَلِكَ أَنْ أَقُول الْحَقّ , فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَالْعُذْر لِلْبَرَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِد تَغْطِيَة فَضْل سَعْد بْن مُعَاذ , وَإِنَّمَا فَهِمَ ذَلِكَ فَجَزَمَ بِهِ , هَذَا الَّذِي يَلِيق أَنْ يُظَنّ بِهِ , وَهُوَ دَالّ عَلَى عَدَم تَعَصُّبه. وَلَمَّا جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ بِمَا تَقَدَّمَ اِحْتَاجَ هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ إِلَى الِاعْتِذَار عَمَّا صَدَرَ مِنْ جَابِر فِي حَقّ الْبَرَاء وَقَالُوا فِي ذَلِكَ مَا مُحَصَّلُهُ : إِنَّ الْبَرَاء مَعْذُور لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْعَدَاوَة لِسَعْدٍ , وَإِنَّمَا فَهِمَ شَيْئًا مُحْتَمَلًا فَحَمَلَ الْحَدِيث عَلَيْهِ , وَالْعُذْر لِجَابِرٍ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْبَرَاء أَرَادَ الْغَضّ مِنْ سَعْد فَسَاغَ لَهُ أَنْ يَنْتَصِر لَهُ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ أَنْكَرَ اِبْن عُمَر مَا أَنْكَرَهُ الْبَرَاء فَقَالَ : إِنَّ الْعَرْش لَا يَهْتَزّ لِأَحَدٍ , ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَجَزَمَ بِأَنَّهُ اِهْتَزَّ لَهُ عَرْش الرَّحْمَن , أَخْرَجَ ذَلِكَ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْهُ , وَالْمُرَاد بِاهْتِزَازِ الْعَرْش اِسْتِبْشَاره وَسُرُوره بِقُدُومِ رُوحه , يُقَال لِكُلِّ مَنْ فَرِحَ بِقُدُومِ قَادِم عَلَيْهِ اِهْتَزَّ لَهُ , وَمِنْهُ اِهْتَزَّتْ الْأَرْض بِالنَّبَاتِ إِذَا اِخْضَرَّتْ وَحَسُنَتْ , وَوَقَعَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد الْحَاكِم بِلَفْظِ \" اِهْتَزَّ الْعَرْش فَرَحًا بِهِ \" لَكِنَّهُ تَأَوَّلَهُ كَمَا تَأَوَّلَهُ الْبَرَاء بْن عَازِب فَقَالَ : اِهْتَزَّ الْعَرْش فَرَحًا بِلِقَاءِ اللَّه سَعْدًا حَتَّى تَفَسَّخَتْ أَعْوَاده عَلَى عَوَاتِقنَا , قَالَ اِبْن عُمَر : يَعْنِي عَرْش سَعْد الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ , وَهَذَا مِنْ رِوَايَة عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر , وَفِي حَدِيث عَطَاء مَقَال لِأَنَّهُ مِمَّنْ اِخْتَلَطَ فِي آخِر عُمْره , وَيُعَارِض رِوَايَته أَيْضًا مَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ : \" لَمَّا حُمِلَتْ جِنَازَة سَعْد بْن مُعَاذ قَالَ الْمُنَافِقُونَ : مَا أَخَفّ جِنَازَته , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْمَلَائِكَة كَانَتْ تَحْمِلهُ \" قَالَ الْحَاكِم : الْأَحَادِيث الَّتِي تُصَرِّح بِاهْتِزَازِ عَرْش الرَّحْمَن مُخَرَّجَة فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَلَيْسَ لِمُعَارِضِهَا فِي الصَّحِيح ذِكْر , اِنْتَهَى. وَقِيلَ : الْمُرَاد بِاهْتِزَازِ الْعَرْش اِهْتِزَاز حَمَلَة الْعَرْش , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث \" إِنَّ جِبْرِيل قَالَ : مَنْ هَذَا الْمَيِّت الَّذِي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء وَاسْتَبْشَرَ بِهِ أَهْلهَا \" أَخْرَجَهُ الْحَاكِم , وَقِيلَ : هِيَ عَلَامَة نَصَبَهَا اللَّه لِمَوْتِ مَنْ يَمُوت مِنْ أَوْلِيَائِهِ لِيُشْعِر مَلَائِكَته بِفَضْلِهِ , وَقَالَ الْحَرْبِيّ : إِذَا عَظَّمُوا الْأَمْر نَسَبُوهُ إِلَى عَظِيم كَمَا يَقُولُونَ قَامَتْ لِمَوْتِ فُلَان الْقِيَامَة وَأَظْلَمَتْ الدُّنْيَا وَنَحْو ذَلِكَ , وَفِي هَذِهِ مَنْقَبَة عَظِيمَة لِسَعْدٍ , وَأَمَّا تَأْوِيل الْبَرَاء عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْعَرْشِ السَّرِيرَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَيْهِ فَلَا يَسْتَلْزِم ذَلِكَ فَضْلًا لَهُ لِأَنَّهُ يَشْرَكُهُ فِي ذَلِكَ كُلّ مَيِّت , إِلَّا أَنَّهُ يُرِيد اِهْتَزَّ حَمَلَة السَّرِير فَرَحًا بِقُدُومِهِ عَلَى رَبّه فَيُتَّجَه. وَوَقَعَ لِمَالِك نَحْو مَا وَقَعَ لِابْنِ عُمَر أَوَّلًا , فَذَكَرَ صَاحِب \" الْعُتْبِيَّة \" فِيهَا أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ : أَنْهَاك أَنْ تَقُولهُ , وَمَا يَدْعُو الْمَرْء أَنْ يَتَكَلَّم بِهَذَا وَمَا يَدْرِي مَا فِيهِ مِنْ الْغُرُور. قَالَ أَبُو الْوَلِيد بْن رُشْد فِي \" شَرْح الْعُتْبِيَّة \" إِنَّمَا نَهَى مَالِك لِئَلَّا يَسْبِق إِلَى وَهْم الْجَاهِل أَنَّ الْعَرْش إِذَا تَحَرَّكَ يَتَحَرَّك اللَّه بِحَرَكَتِهِ كَمَا يَقَع لِلْجَالِسِ مِنَّا عَلَى كُرْسِيّه , وَلَيْسَ الْعَرْش بِمُوضَعِ اِسْتِقْرَار اللَّه , تَبَارَكَ اللَّه وَتَنَزَّهَ عَنْ مُشَابَهَة خَلْقه. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ مَالِكًا مَا نَهَى عَنْهُ لِهَذَا , إِذْ لَوْ خَشِيَ مِنْ هَذَا لَمَا أَسْنَدَ فِي \" الْمُوَطَّأ \" حَدِيث \" يَنْزِل اللَّه إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا \" لِأَنَّهُ أَصْرَح فِي الْحَرَكَة مِنْ اِهْتِزَاز الْعَرْش , وَمَعَ ذَلِكَ فَمُعْتَقَد سَلَف الْأَئِمَّة وَعُلَمَاء السُّنَّة مِنْ الْخَلَف أَنَّ اللَّه مُنَزَّه عَنْ الْحَرَكَة وَالتَّحَوُّل وَالْحُلُول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء , وَيَحْتَمِل الْفَرْق بِأَنَّ حَدِيث سَعْد مَا ثَبَتَ عِنْده فَأَمَرَ بِالْكَفِّ عَنْ التَّحَدُّث بِهِ بِخِلَافِ حَدِيث النُّزُول فَإِنَّهُ ثَابِت فَرَوَاهُ وَوَكَّلَ أَمْره إِلَى فَهْم أُولِي الْعِلْم الَّذِينَ يَسْمَعُونَ فِي الْقُرْآن اِسْتَوَى عَلَى الْعَرْش , وَنَحْو ذَلِكَ. وَقَدْ جَاءَ حَدِيث اِهْتِزَاز الْعَرْش لِسَعْدِ بْن مُعَاذ عَنْ عَشَرَة مِنْ الصَّحَابَة أَوْ أَكْثَر وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ , فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3520",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُنَاسًا ‏ ‏نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ‏ ‏فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا بَلَغَ قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِدِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُومُوا إِلَى خَيْرِكُمْ أَوْ سَيِّدِكُمْ فَقَالَ يَا ‏ ‏سَعْدُ ‏ ‏إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ قَالَ فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ قَالَ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ أَوْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ أُنَاسًا نَزَلُوا عَلَى حُكْم سَعْد ) ‏ ‏هُمْ بَنُو قُرَيْظَة , وَسَيَأْتِي شَرْح ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي. وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة : \" فَلَمَّا بَلَغَ قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِد \" أَيْ الَّذِي أَعَدَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّام مُحَاصَرَته لِبَنِي قُرَيْظَة لِلصَّلَاةِ فِيهِ. وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ غَلَط مِنْ الرَّاوِي لِظَنِّهِ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَسْجِدِ الْمَسْجِد النَّبَوِيّ بِالْمَدِينَةِ وَقَالَ إِنَّ الصَّوَاب مَا وَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق شُعْبَة أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظِ \" فَلَمَّا دَنَا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" اِنْتَهَى , وَإِذَا حُمِلَ عَلَى مَا قَرَّرْته لَمْ يَكُنْ بَيْن اللَّفْظَيْنِ تَنَافٍ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ كَذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3521",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلَيْنِ ‏ ‏خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ ‏ ‏وَإِذَا نُورٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا حَتَّى تَفَرَّقَا فَتَفَرَّقَ النُّورُ مَعَهُمَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ ‏ ‏وَرَجُلًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ‏ ‏وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ رَجُلَيْنِ ) ‏ ‏ظَهَرَ مِنْ رِوَايَة مَعْمَر أَنَّ أُسَيْد بْن حُضَيْر أَحَدهمَا , وَمِنْ رِوَايَة حَمَّاد أَنَّ الثَّانِي عَبَّاد بْن بِشْر وَلِذَلِكَ جَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّف فِي التَّرْجَمَة وَأَشَارَ إِلَى حَدِيثهمَا , فَأَمَّا رِوَايَة مَعْمَر فَوَصَلَهَا عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفه عَنْهُ , وَمِنْ طَرِيقه الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ \" إِنَّ أُسَيْد بْن حُضَيْر وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار تَحَدَّثَا عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ذَهَبَ مِنْ اللَّيْل سَاعَة فِي لَيْلَة شَدِيدَة الظُّلْمَة , ثُمَّ خَرَجَا وَبِيَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا عُصَيَّة , فَأَضَاءَتْ عَصَا أَحَدهمَا حَتَّى مَشَيَا فِي ضَوْئِهَا , حَتَّى إِذَا اِفْتَرَقَتْ بِهِمَا الطَّرِيق أَضَاءَتْ عَصَا الْآخَر فَمَشَى كُلّ مِنْهُمَا فِي ضَوْء عَصَاهُ حَتَّى بَلَغَ أَهْله \" وَأَمَّا رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة فَوَصَلَهَا أَحْمَد وَالْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" بِلَفْظِ \" إِنَّ أُسَيْد بْن حُضَيْر وَعَبَّاد بْن بِشْر كَانَا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَة ظَلْمَاء حِنْدِس , فَلَمَّا خَرَجَا أَضَاءَتْ عَصَا أَحَدهمَا فَمَشَيَا فِي ضَوْئِهَا , فَلَمَّا اِفْتَرَقَتْ بِهِمَا الطَّرِيق أَضَاءَتْ عَصَا الْآخَر \". ‏ ‏قَوْله : ( عَبَّاد بْن بِشْر ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة , وَفِي رِوَايَة أَبِي الْحَسَن الْقَابِسِيّ \" بَشِير \" بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه وَزِيَادَة تَحْتَانِيَّة وَهُوَ غَلَط , وَفِي الصَّحَابَة عَبَّاد بْن بِشْر بْن قَيْظِيّ , وَعَبَّاد بْن بِشْر بْن نَهِيك , وَعَبَّاد بْن بِشْر بْن وَقْش , وَصَاحِب هَذِهِ الْقِصَّة هُوَ هَذَا الثَّالِث , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ خِلَاف ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3522",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏وَسَالِمٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي حُذَيْفَةَ ‏ ‏وَأُبَيٍّ ‏ ‏وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3523",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو أُسَيْدٍ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْرُ دُورِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏بَنُو النَّجَّارِ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏بَنُو سَاعِدَةَ ‏ ‏وَفِي كُلِّ دُورِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏خَيْرٌ فَقَالَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏وَكَانَ ذَا قِدَمٍ فِي الْإِسْلَامِ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا فَقِيلَ لَهُ قَدْ فَضَّلَكُمْ عَلَى نَاسٍ كَثِيرٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3524",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذُكِرَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏عِنْدَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏فَقَالَ ذَاكَ رَجُلٌ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏فَبَدَأَ بِهِ ‏ ‏وَسَالِمٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي حُذَيْفَةَ ‏ ‏وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ‏ ‏وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3525",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأُبَيٍّ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ‏ { ‏لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ } ‏قَالَ وَسَمَّانِي قَالَ نَعَمْ فَبَكَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُبَيِّ بْن كَعْب : إِنَّ اللَّه أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأ عَلَيْك : لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْل الْكِتَاب ) ‏ ‏زَادَ الْحَاكِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ زِرّ بْن حُبَيْشٍ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ عَلَيْهِ ( لَمْ يَكُنْ ) وَقَرَأَ فِيهَا : إِنَّ ذَات الدِّين عِنْد اللَّه الْحَنِيفِيَّة , لَا الْيَهُودِيَّة وَلَا النَّصْرَانِيَّة وَلَا الْمَجُوسِيَّة , مَنْ يَفْعَل خَيْرًا فَلَمْ يُكْفَرْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَسَمَّانِي ) ‏ ‏؟ أَيْ هَلْ نَصَّ عَلَيَّ بِاسْمِي , أَوْ قَالَ اِقْرَأْ عَلَى وَاحِد مِنْ أَصْحَابك فَاخْتَرْتنِي أَنْتَ ؟ فَلَمَّا قَالَ لَهُ \" نَعَمْ \" بَكَى إِمَّا فَرَحًا وَسُرُورًا بِذَلِكَ , وَإِمَّا خُشُوعًا وَخَوْفًا مِنْ التَّقْصِير فِي شُكْر تِلْكَ النِّعْمَة. وَفِي رِوَايَة لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ : \" نَعَمْ بِاسْمِك وَنَسَبك فِي الْمَلَأ الْأَعْلَى \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : تَعَجَّبَ أُبَيّ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ تَسْمِيَة اللَّه لَهُ وَنَصَّهُ عَلَيْهِ لِيَقْرَأ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشْرِيف عَظِيم , فَلِذَلِكَ بَكَى إِمَّا فَرَحًا وَإِمَّا خُشُوعًا. قَالَ أَبُو عُبَيْد : الْمُرَاد بِالْعَرْضِ عَلَى أُبَيّ لِيَتَعَلَّم أُبَيّ مِنْهُ الْقِرَاءَة وَيَتَثَبَّت فِيهَا , وَلِيَكُونَ عَرْض الْقُرْآن سُنَّةً , وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى فَضِيلَة أُبَيّ بْن كَعْب وَتَقَدُّمه فِي حِفْظ الْقُرْآن , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنْ يَسْتَذْكِر مِنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا بِذَلِكَ الْعَرْض. وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة التَّوَاضُع فِي أَخْذ الْإِنْسَان الْعِلْم مِنْ أَهْله وَإِنْ كَانَ دُونه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : خَصَّ هَذِهِ السُّورَة بِالذِّكْرِ لِمَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ التَّوْحِيد وَالرِّسَالَة وَالْإِخْلَاص وَالصُّحُف وَالْكُتُب الْمُنَزَّلَة عَلَى الْأَنْبِيَاء وَذِكْر الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْمَعَاد وَبَيَان أَهْل الْجَنَّة وَالنَّار مَعَ وِجَازَتِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3526",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أُبَيٌّ ‏ ‏وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ‏ ‏وَأَبُو زَيْدٍ ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِأَنَسٍ ‏ ‏مَنْ ‏ ‏أَبُو زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ أَحَدُ عُمُومَتِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( جَمَعَ الْقُرْآن ) ‏ ‏أَيْ اِسْتَظْهَرَهُ حِفْظًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو زَيْد ثُمَّ قَالَ أَنَس : هُوَ أَحَد عُمُومَتِي ) ‏ ‏ذَكَرَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ أَنَّ اِسْمه أَوْس , وَعَنْ يَحْيَى بْن مَعِين هُوَ ثَابِت بْن زَيْد , وَقِيلَ هُوَ سَعْد بْن عُبَيْد بْن النُّعْمَان وَبِذَلِكَ جَزَمَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ شَيْخه أَبِي بَكْر بْن صَدَقَة قَالَ : وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُقَال لَهُ الْقَارِئ وَكَانَ عَلَى الْقَادِسِيَّة وَاسْتُشْهِدَ بِهَا , وَهُوَ وَالِد عُمَيْر بْن سَعْد. وَعَنْ الْوَاقِدِيّ : هُوَ قَيْس بْن السَّكَن بْن قَيْس بْن زَعْوَر بْن حَرَام الْأَنْصَارِيّ النَّجَّارِيّ , وَيُرَجِّحهُ قَوْل أَنَس \" أَحَد عُمُومَتِي \" فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلَة بَنِي حَرَام , وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُعَارِض حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" اِسْتَقْرِئُوا الْقُرْآن مِنْ أَرْبَعَة \" فَذَكَرَ اِثْنَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعَة وَلَمْ يَذْكُر اِثْنَيْنِ , لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُقَال لَا يَلْزَم مِنْ الْأَمْر بِأَخْذِ الْقِرَاءَة عَنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا كُلّهمْ اِسْتَظْهَرُوهُ جَمِيعه , وَإِمَّا أَنْ لَا يُؤْخَذ بِمَفْهُومِ حَدِيث أَنَس لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ قَوْله \" جَمَعَهُ أَرْبَعَة \" أَنْ لَا يَكُون جَمَعَهُ غَيْرهمْ , فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَقَع جَمْعه لِأَرْبَعَةٍ مِنْ قَبِيلَة وَاحِدَة إِلَّا لِهَذِهِ الْقَبِيلَة وَهِيَ الْأَنْصَار , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى جَمْع الْقُرْآن فِي كِتَاب فَضَائِل الْقُرْآن. ‏"
    },
    {
        "id": "3527",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ يَوْمُ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُجَوِّبٌ بِهِ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ الْقِدِّ يَكْسِرُ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الْجَعْبَةُ مِنْ النَّبْلِ فَيَقُولُ انْشُرْهَا ‏ ‏لِأَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏فَأَشْرَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ فَيَقُولُ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا تُشْرِفْ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ وَلَقَدْ رَأَيْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَأُمَّ سُلَيْمٍ ‏ ‏وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا تُنْقِزَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآَنِهَا ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مُجَوِّب ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَكَسْر الْوَاو الْمُشَدَّدَة أَيْ مُتَرِّس عَلَيْهِ يَقِيه بِهَا , وَيُقَال لِلتُّرْسِ جَوْبَة , وَالْحَجَفَة بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيم مَفْتُوحَتَيْنِ التُّرْس. ‏ ‏قَوْله : ( شَدِيدَ الْقِدّ يَكْسِر ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنَصْبِ \" شَدِيدًا \" وَبَعْدهَا \" لِقِدٍّ \" بِلَامٍ ثُمَّ قِدٍّ , وَلِبَعْضِهِمْ بِالْإِضَافَةِ \" شَدِيد الْقِدِّ \" بِسُكُونِ اللَّام وَكَسْر الْقَاف , وَالْقِدُّ سَيْر مِنْ جِلْد غَيْر مَدْبُوغ , وَيُرِيد أَنَّهُ شَدِيد وَتَر الْقَوْس , وَبِهَذَا جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ وَتَبِعَهُ اِبْن التِّين , وَقَدْ رُوِيَ بِالْمِيمِ الْمَفْتُوحَة بَدَل الْقَاف. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة مَا يَتَعَلَّق بِهَذَا الْحَدِيث فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3528",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مَالِكًا ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَلَى مِثْلِهِ ‏} ‏الْآيَةَ قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏الْآيَةَ أَوْ فِي الْحَدِيثِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي النَّضْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي يَعْلَى عَنْ يَحْيَى بْن مَعِين عَنْ أَبِي مُسْهِر عَنْ مَالِك \" حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْر \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَامِر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَاصِم بْن مُهَجِّع عَنْ مَالِك عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ \" قَالَ سَمِعْت عَامِر بْن سَعْد \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن الطَّبَّاع عَنْ مَالِك عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ \" قَالَ : سَمِعْت أَبِي \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا سَمِعْت إِلَخْ ) ‏ ‏اِسْتَشْكَلَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ لِجَمَاعَةٍ إِنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْجَنَّة غَيْر عَبْد اللَّه بْن سَلَام. وَيَبْعُد أَنْ لَا يَطَّلِع سَعْد عَلَى ذَلِكَ. وَأُجِيب بِأَنَّهُ كَرِهَ تَزْكِيَة نَفْسه لِأَنَّهُ أَحَد الْعَشَرَة الْمُبَشَّرَة بِذَلِكَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِم ذَلِكَ أَنْ يَنْفِي سَمَاعه مِثْل ذَلِكَ فِي حَقّ غَيْره , وَيَظْهَر لِي فِي الْجَوَاب أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بَعْد مَوْت الْمُبَشَّرِينَ , لِأَنَّ عَبْد اللَّه بْن سَلَام عَاشَ بَعْدهمْ وَلَمْ يَتَأَخَّر مَعَهُ مِنْ الْعَشَرَة غَيْر سَعْد وَسَعِيد , وَيُؤْخَذ هَذَا مِنْ قَوْله : \" يَمْشِي عَلَى الْأَرْض \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن الطَّبَّاع عَنْ مَالِك عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ \" مَا سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لِحَيٍّ يَمْشِي إِنَّهُ مِنْ أَهْل الْجَنَّة \" الْحَدِيث , وَفِي رِوَايَة عَاصِم بْن مُهَجِّع عَنْ مَالِك عَنْهُ \" يَقُول لِرَجُلٍ حَيّ \" وَهُوَ يُؤَيِّد مَا قُلْته , لَكِنْ وَقَعَ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن دَاوُدَ عَنْ مَالِك مَا يُعَكِّر عَلَى هَذَا التَّأْوِيل , فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : لَا أَقُول لِأَحَدٍ مِنْ الْأَحْيَاء إِنَّهُ مِنْ أَهْل الْجَنَّة إِلَّا لِعَبْدِ اللَّه بْن سَلَام \" وَبَلَغَنِي أَنَّهُ قَالَ : \" وَسَلْمَان الْفَارِسِيّ \" لَكِنَّ هَذَا السِّيَاق مُنْكَر , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ قَدِيمًا قَبْل أَنْ يُبَشِّر غَيْره بِالْجَنَّةِ. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق مُصْعَب بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : يَدْخُل عَلَيْكُمْ رَجُل مِنْ أَهْل الْجَنَّة , فَدَخَلَ عَبْد اللَّه بْن سَلَام \" وَهَذَا يُؤَيِّد صِحَّة رِوَايَة الْجَمَاعَة , وَيُضَعِّف رِوَايَة سَعِيد بْن دَاوُدَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : لَا أَدْرِي قَالَ مَالِك الْآيَة أَوْ فِي الْحَدِيث ) ‏ ‏أَيْ لَا أَدْرِي هَلْ قَالَ مَالِك إِنَّ نُزُول هَذِهِ الْآيَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ قِبَل نَفْسه أَوْ هُوَ بِهَذَا الْإِسْنَاد ؟ وَهَذَا الشَّكّ فِي ذَلِكَ مِنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَوَهِمَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مِنْ الْقَعْنَبِيّ إِذْ لَا ذِكْر لِلْقَعْنَبِيّ هُنَا , وَلَمْ أَرَ هَذَا عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف إِلَّا عِنْد الْبُخَارِيّ , وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف أَيْضًا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه الْمُلَقَّب سِمَوَيْهِ فِي فَوَائِده وَلَمْ يَذْكُر هَذَا الْكَلَام عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف , وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق ثَالِث عَنْهُ بِلَفْظٍ آخَر مُقْتَصِرًا عَلَى الزِّيَادَة دُون الْحَدِيث وَقَالَ : إِنَّهُ وَهْم , وَرَوَى اِبْن مَنْدَهْ فِي \" الْإِيمَان \" مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن سَيَّار عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف الْحَدِيث وَالزِّيَادَة , وَقَالَ فِيهِ : قَالَ إِسْحَاق : فَقُلْت لِعَبْدِ اللَّه بْن يُوسُف إِنَّ أَبَا مُسْهِر حَدَّثَنَا بِهَذَا عَنْ مَالِك وَلَمْ يَذْكُر هَذِهِ الزِّيَادَة , قَالَ فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف : إِنَّ مَالِكًا تَكَلَّمَ بِهِ عَقِب الْحَدِيث , وَكَانَتْ مَعِي أَلْوَاحِي فَكَتَبْت. اِنْتَهَى. وَظَهَرَ بِهَذَا سَبَب قَوْله لِلْبُخَارِيِّ \" مَا أَدْرِي إِلَخْ \" , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" مِنْ طَرِيق أَبِي مُسْهِر وَعَاصِم بْن مُهَجِّع وَعَبْد اللَّه بْن وَهْب وَإِسْحَاق بْن عِيسَى , زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَسَعِيد بْن دَاوُدَ وَإِسْحَاق الْفَرْوِيّ كُلّهمْ عَنْ مَالِك بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة , قَالَ : فَالظَّاهِر أَنَّهَا مُدْرَجَة مِنْ هَذَا الْوَجْه. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ التَّصْرِيح بِأَنَّهَا مِنْ قَوْل مَالِك , إِلَّا أَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ , وَمِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن سَلَام نَفْسه عِنْد التِّرْمِذِيّ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا مِنْ طُرُق عَنْهُ , وَعِنْد اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث عَوْف بْن مَالِك أَيْضًا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن سَلَام نَفْسه , وَقَدْ اِسْتَنْكَرَ الشَّعْبِيّ فِيمَا رَوَاهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ عَنْ اِبْن عَوْن عَنْهُ نُزُولهَا فِي عَبْد اللَّه بْن سَلَام لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ وَالسُّورَة مَكِّيَّة , فَأَجَابَ اِبْن سِيرِينَ بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِع أَنْ تَكُون السُّورَة مَكِّيَّة وَبَعْضهَا مَدَنِيّ وَبِالْعَكْسِ وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو الْعَبَّاس فِي \" مَقَامَات التَّنْزِيل \" فَقَالَ : الْأَحْقَاف مَكِّيَّة إِلَّا ‏ ‏قَوْله : ( وَشَهِدَ شَاهِد ) ‏ ‏إِلَى آخِر الْآيَتَيْنِ اِنْتَهَى. وَلَا مَانِع أَنْ تَكُون جَمِيعهَا مَكِّيَّة وَتَقَع الْإِشَارَة فِيهَا إِلَى مَا سَيَقَعُ بَعْد الْهِجْرَة مِنْ شَهَادَة عَبْد اللَّه بْن سَلَام. وَرَوَى عَبْد بْن حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيره مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي مَيْمُون بْن يَامِين. وَفِي تَفْسِير الطَّبَرِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي اِبْن سَلَام وَعُمَيْر بْن وَهْب بْن يَامِين النَّضْرِيّ. وَفِي تَفْسِير مُقَاتِل اِسْمه يَامِين بْن يَامِين وَلَا مَانِع أَنْ تَكُون نَزَلَتْ فِي الْجَمِيع. ‏"
    },
    {
        "id": "3529",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَزْهَرُ السَّمَّانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ جَالِسًا فِي مَسْجِدِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَدَخَلَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏عَلَى وَجْهِهِ أَثَرُ الْخُشُوعِ فَقَالُوا هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزَ فِيهِمَا ثُمَّ خَرَجَ وَتَبِعْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّكَ حِينَ دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ ‏ ‏قَالُوا ‏ ‏هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ وَاللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ وَرَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ ذَكَرَ مِنْ سَعَتِهَا وَخُضْرَتِهَا وَسْطَهَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ فِي أَعْلَاهُ ‏ ‏عُرْوَةٌ ‏ ‏فَقِيلَ لِي ‏ ‏ارْقَ ‏ ‏قُلْتُ لَا أَسْتَطِيعُ فَأَتَانِي مِنْصَفٌ فَرَفَعَ ثِيَابِي مِنْ خَلْفِي فَرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَاهَا فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقِيلَ لَهُ اسْتَمْسِكْ فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تِلْكَ الرَّوْضَةُ الْإِسْلَامُ وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ وَتِلْكَ ‏ ‏الْعُرْوَةُ ‏ ‏عُرْوَةُ الْوُثْقَى فَأَنْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ وَذَاكَ الرَّجُلُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَصِيفٌ مَكَانَ مِنْصَفٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سِيرِينَ , وَقَيْس بْن عُبَاد بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَا يَنْبَغِي ) ‏ ‏هُوَ إِنْكَار مِنْ اِبْن سَلَام عَلَى مَنْ قَطَعَ لَهُ بِالْجَنَّةِ , فَكَأَنَّهُ مَا سَمِعَ حَدِيث سَعْد وَكَأَنَّهُمْ هُمْ سَمِعُوهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ أَيْضًا سَمِعَهُ لَكِنَّهُ كَرِهَ الثَّنَاء عَلَيْهِ بِذَلِكَ تَوَاضُعًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِنْكَارًا مِنْهُ عَلَى مَنْ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ فَهِمَ مِنْهُ التَّعَجُّب مِنْ خَبَرهمْ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا عَجَب فِيهِ بِمَا ذَكَرَهُ لَهُ مِنْ قِصَّة الْمَنَام , وَأَشَارَ بِذَلِكَ الْقَوْل إِلَى أَنْ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ إِنْكَار مَا لَا عِلْم لَهُ بِهِ إِذَا كَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ مِنْ أَهْل الصِّدْق. قَوْله : ( فَقِيلَ لِي : اِرْقَ ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" ارْقَهْ \" بِزِيَادَةِ هَاء وَهِيَ هَاء السَّكْت. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَانِي مِنْصَف ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفَتْح الصَّاد الْمُهْمَلَة بَعْدهَا فَاء , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِفَتْحِ الْمِيم , وَالْأَوَّل أَشْهَر وَهُوَ الْخَادِم. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَقِيت ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَحُكِيَ فَتْحهَا. ‏ ‏قَوْله : فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ‏ ‏( وَصِيف مَكَان مِنْصَف ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ مُعَاذًا وَهُوَ اِبْن مُعَاذ رَوَى الْحَدِيث عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَوْن كَمَا رَوَاهُ أَزْهَر السَّمَّان فَأَبْدَلَ هَذِهِ اللَّفْظَة بِهَذِهِ اللَّفْظَة وَهِيَ بِمَعْنَاهَا , وَالْوَصِيف الْخَادِم الصَّغِير غُلَامًا كَانَ أَوْ جَارِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَيْقَظْت وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ الِاسْتِيقَاظ كَانَ حَال الْأَخْذ مِنْ غَيْر فَاصِلَة , وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا بَقِيَتْ فِي يَده فِي حَال يَقَظَته , وَلَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِره لَمْ يَمْتَنِع فِي قُدْرَة اللَّه , لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَر خِلَاف ذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد أَنَّ أَثَرهَا بَقِيَ فِي يَده بَعْد الِاسْتِيقَاظ كَأَنْ يُصْبِح فَيَرَى يَده مَقْبُوضَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَذَلِكَ الرَّجُل عَبْد اللَّه بْن سَلَام ) ‏ ‏هُوَ قَوْل عَبْد اللَّه بْن سَلَام , وَلَا مَانِع مِنْ أَنْ يُخْبِر بِذَلِكَ وَيُرِيد نَفْسه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ كَلَام الرَّاوِي. ‏"
    },
    {
        "id": "3530",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَتَيْتُ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَلَقِيتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ أَلَا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وَتَمْرًا وَتَدْخُلَ فِي بَيْتٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا ‏ ‏فَاشٍ ‏ ‏إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ أَوْ حِمْلَ قَتٍّ فَلَا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا ‏ ‏وَلَمْ يَذْكُرِ ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏وَأَبُو دَاوُدَ ‏ ‏وَوَهْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بُرْدَة بْن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي بَيْتٍ ) ‏ ‏التَّنْوِين لِلتَّعْظِيمِ وَوَجْه تَعْظِيمه أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ فِيهِ وَكَانَ هَذَا الْقَدْر الْمُقْتَضِي لِإِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيث فِي مَنَاقِب اِبْن سَلَام , أَوْ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ أَمْره بِتَرْكِ قَبُوله هَدْيه الْمُسْتَقْرِض مِنْ الْوَرَع. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّك فِي أَرْض ) ‏ ‏يَعْنِي أَرْض الْعِرَاق ‏ ‏( الرِّبَا بِهَا فَاش ) ‏ ‏أَيْ شَائِع. ‏ ‏قَوْله : ( حِمْل ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة ‏ ‏( تِبْن ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة مَعْرُوف. ‏ ‏قَوْله : ( حِمْل قَتّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَتَشْدِيد الْمُثَنَّاة وَهُوَ عَلَف الدَّوَابّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّهُ رِبًا ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ رَأْي عَبْد اللَّه بْن سَلَام , وَإِلَّا فَالْفُقَهَاء عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَكُون رِبًا إِذَا شَرَطَهُ , نَعَمْ الْوَرَع تَرْكه. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَذْكُر النَّضْر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن شُمَيْلٍ ‏ ‏( وَأَبُو دَاوُدَ ) ‏ ‏أَيْ الطَّيَالِسِيّ ‏ ‏( وَوَهْب ) ‏ ‏أَيْ اِبْن جُرَيْجٍ ‏ ‏( عَنْ شُعْبَة الْبَيْت ) ‏ ‏أَيْ قَوْل سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ شُعْبَة فِي رِوَايَة \" وَيَدْخُل فِي بَيْت \" وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ بُرَيْد بْن عَبْد اللَّه أَيْ اِبْن أَبِي بُرْدَة عَنْ جَدّه أَبِي بُرْدَة فِي كِتَاب الِاعْتِصَام بِلَفْظِ \" اِنْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِل فَأَسْقِيك مِنْ قَدَح شَرِبَ مِنْهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "3531",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَيْرُ نِسَائِهَا ‏ ‏مَرْيَمُ ‏ ‏وَخَيْرُ نِسَائِهَا ‏ ‏خَدِيجَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَّام كَمَا جَزَمَ بِهِ اِبْن السَّكَن , وَعَبْدَة هُوَ اِبْن سُلَيْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي طَالِب , وَوَقَعَ عِنْد عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر \" وَهُوَ مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد لِتَصْرِيحِ عَبْدَة فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِسَمَاعِ عُرْوَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر. ‏ ‏: ( سَمِعْت عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ) زَادَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام \" بِالْكُوفَةِ \" وَاتَّفَقَ أَصْحَاب هِشَام عَلَى ذِكْر عَلِيّ فِيهِ \" , وَقَصَرَ بِهِ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فَرَوَاهُ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم لَكِنْ بِلَفْظٍ مُغَايِر لِهَذَا اللَّفْظ , فَالظَّاهِر أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ , وَفِي الْإِسْنَاد رِوَايَة تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ هِشَام عَنْ أَبِيهِ وَصَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر عَنْ عَمّه. ‏ ‏قَوْله : ( خَيْر نِسَائِهَا مَرْيَم وَخَيْر نِسَائِهَا خَدِيجَة ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الضَّمِير عَائِد عَلَى غَيْر مَذْكُور , لَكِنَّهُ يُفَسِّرهُ الْحَال وَالْمُشَاهَدَة , يَعْنِي بِهِ الدُّنْيَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الضَّمِير الْأَوَّل يَعُود عَلَى الْأُمَّة الَّتِي كَانَتْ فِيهَا مَرْيَم وَالثَّانِي عَلَى هَذِهِ الْأُمَّة. قَالَ وَلِهَذَا كَرَّرَ الْكَلَام تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ حُكْم كُلّ وَاحِدَة مِنْهَا غَيْر حُكْم الْأُخْرَى. قُلْت : وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة وَكِيع عَنْ هِشَام فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَأَشَارَ وَكِيع إِلَى السَّمَاء وَالْأَرْض \" فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّن أَنَّ الْمُرَاد نِسَاء الدُّنْيَا , وَأَنَّ الضَّمِيرَيْنِ يَرْجِعَانِ إِلَى الدُّنْيَا , وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيّ أَيْضًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَرَادَ أَنَّهُمَا خَيْر مِنْ تَحْت السَّمَاء وَفَوْق الْأَرْض مِنْ النِّسَاء , قَالَ : وَلَا يَسْتَقِيم أَنْ يَكُون تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ نِسَائِهَا لِأَنَّ هَذَا الضَّمِير لَا يَصْلُح أَنْ يَعُود إِلَى السَّمَاء , كَذَا قَالَ. وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد أَنَّ الضَّمِير الْأَوَّل يَرْجِع إِلَى السَّمَاء وَالثَّانِي إِلَى الْأَرْض إِنْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ صَدَرَ فِي حَيَاة خَدِيجَة وَتَكُون النُّكْتَة فِي ذَلِكَ أَنَّ مَرْيَم مَاتَتْ فَعُرِجَ بِرُوحِهَا إِلَى السَّمَاء , فَلَمَّا ذَكَرَهَا أَشَارَ إِلَى السَّمَاء , وَكَانَتْ خَدِيجَة إِذْ ذَاكَ فِي الْحَيَاة فَكَانَتْ فِي الْأَرْض فَلَمَّا ذَكَرَهَا أَشَارَ إِلَى الْأَرْض , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون بَعْد مَوْت خَدِيجَة فَالْمُرَاد أَنَّهُمَا خَيْر مَنْ صَعِدَ بِرُوحِهِنَّ إِلَى السَّمَاء وَخَيْر مَنْ دُفِنَ جَسَدهنَّ فِي الْأَرْض , وَتَكُون الْإِشَارَة عِنْد ذِكْر كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ قَوْله \" خَيْر نِسَائِهَا \" خَبَر مُقَدَّم وَالضَّمِير لِمَرْيَم فَكَأَنَّهُ قَالَ مَرْيَم خَيْر نِسَائِهَا أَيْ نِسَاء زَمَانهَا , وَكَذَا فِي خَدِيجَة. وَقَدْ جَزَمَ كَثِير مِنْ الشُّرَّاح أَنَّ الْمُرَاد نِسَاء زَمَانهَا لِمَا تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي قِصَّة مُوسَى وَذِكْر آسِيَة مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ \" كَمُلَ مِنْ الرِّجَال كَثِير وَلَمْ يَكْمُل مِنْ النِّسَاء إِلَّا مَرْيَم وَآسِيَة \" فَقَدْ أَثْبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيث الْكَمَال لِآسِيَةَ كَمَا أَثْبَته لِمَرْيَم , فَامْتَنَعَ حَمْل الْخَيْرِيَّة فِي حَدِيث الْبَاب عَلَى الْإِطْلَاق , وَجَاءَ مَا يُفَسِّر الْمُرَاد صَرِيحًا , فَرَوَى الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث عَمَّار بْن يَاسِر رَفَعَهُ \" لَقَدْ فُضِّلَتْ خَدِيجَة عَلَى نِسَاء أُمَّتِي كَمَا فُضِّلَتْ مَرْيَم عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ \" وَهُوَ حَدِيث حَسَن الْإِسْنَاد , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ خَدِيجَة أَفْضَل مِنْ عَائِشَة. قَالَ اِبْن التِّين : وَيَحْتَمِل أَنْ لَا تَكُون عَائِشَة دَخَلَتْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَ لَهَا عِنْد مَوْت خَدِيجَة ثَلَاث سِنِينَ , فَلَعَلَّ الْمُرَاد النِّسَاء الْبَوَالِغ. كَذَا قَالَ , وَهُوَ ضَعِيف , فَإِنَّ الْمُرَاد بِلَفْظِ النِّسَاء أَعَمّ مِنْ الْبَوَالِغ , وَمَنْ لَمْ تَبْلُغ أَعَمّ مِمَّنْ كَانَتْ مَوْجُودَة وَمِمَّنْ سَتُوجَدُ. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح وَأَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا \" أَفْضَل نِسَاء أَهْل الْجَنَّة خَدِيجَة وَفَاطِمَة وَمَرْيَم وَآسِيَة \" وَهَذَا نَصَّ صَرِيح لَا يَحْتَمِل التَّأْوِيل , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَمْ يَثْبُت فِي حَقّ وَاحِدَة مِنْ الْأَرْبَع أَنَّهَا نَبِيَّة إِلَّا مَرْيَم. وَقَدْ أَوْرَدَ اِبْن عَبْد الْبَرّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" سَيِّدَة نِسَاء الْعَالَمِينَ مَرْيَم ثُمَّ فَاطِمَة ثُمَّ خَدِيجَة ثُمَّ آسِيَة \" قَالَ : وَهَذَا حَدِيث حَسَن يَرْفَع الْإِشْكَال , قَالَ : وَمَنْ قَالَ إِنَّ مَرْيَم لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ أَوَّلَ هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره بِأَنَّ \" مِنْ \" وَإِنْ لَمْ تُذْكَر فِي الْخَبَر فَهِيَ مُرَادَة. قُلْت الْحَدِيث الثَّانِي الدَّالّ عَلَى التَّرْتِيب لَيْسَ بِثَابِتٍ , وَأَصْله عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالْحَاكِم بِغَيْرِ صِيغَة تَرْتِيب , وَقَدْ يَتَمَسَّك بِحَدِيثِ الْبَاب مَنْ يَقُول إِنَّ مَرْيَم لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ لِتَسْوِيَتِهَا فِي حَدِيث الْبَاب بِخَدِيجَة , وَلَيْسَتْ خَدِيجَة بِنَبِيَّةٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ التَّسْوِيَة فِي الْخَيْرِيَّة التَّسْوِيَة فِي جَمِيع الصِّفَات , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا قِيلَ فِي مَرْيَم فِي تَرْجَمَتهَا مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3532",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا غِرْتُ عَلَى ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا وَأَمَرَهُ اللَّهُ ‏ ‏أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِي فِي خَلَائِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اللَّيْث قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ هِشَام بْن عُرْوَة ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اللَّيْث \" حَدَّثَنِي هِشَام بْن عُرْوَة \" فَلَعَلَّ اللَّيْث لَقِيَ هِشَام بَعْد أَنْ كَتَبَ بِهِ إِلَيْهِ فَحَدَّثَهُ بِهِ , أَوْ كَانَ مِنْ مَذْهَبه إِطْلَاق \" حَدَّثَنَا \" فِي الْكِتَابَة , وَقَدْ نَقَلَ الْخَطِيب ذَلِكَ عَنْهُ فِي عُلُوم الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( مَا غِرْت عَلَى اِمْرَأَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِيهِ ثُبُوت الْغَيْرَة وَأَنَّهَا غَيْر مُسْتَنْكَر وُقُوعهَا مِنْ فَاضِلَات النِّسَاء فَضْلًا عَمَّنْ دُونهنَّ , وَأَنَّ عَائِشَة كَانَتْ تَغَار مِنْ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنْ كَانَتْ تَغَار مِنْ خَدِيجَة أَكْثَر , وَقَدْ بَيَّنَتْ سَبَب ذَلِكَ وَأَنَّهُ لِكَثْرَةِ ذِكْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهَا , وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِي هَذِهِ بِأَبْيَن مِنْ هَذَا حَيْثُ قَالَ فِيهَا : \" مِنْ كَثْرَة ذِكْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهَا \" وَأَصْل غَيْرَة الْمَرْأَة مِنْ تُخَيَّل مَحَبَّة غَيْرهَا أَكْثَر مِنْهَا , وَكَثْرَة الذِّكْر تَدُلّ عَلَى كَثْرَة الْمَحَبَّة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : مُرَادهَا بِالذِّكْرِ لَهَا مَدْحهَا وَالثَّنَاء عَلَيْهَا. ‏ ‏قُلْت : وَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة النَّضْر بْن شُمَيْلٍ عَنْ هِشَام \" مِنْ كَثْرَة ذِكْره إِيَّاهَا وَثَنَائِهِ عَلَيْهَا \" فَعَطْفُ الثَّنَاء عَلَى الذِّكْر مِنْ عَطْف الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ , وَهُوَ يَقْتَضِي حَمْل الْحَدِيث عَلَى أَعَمّ مِمَّا قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( هَلَكَتْ قَبْل أَنْ يَتَزَوَّجنِي ) ‏ ‏ذَكَرَ فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده قَدْر الْمُدَّة , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ , وَأَشَارَتْ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَة فِي زَمَانهَا لَكَانَتْ غَيْرَتهَا مِنْهَا أَشَدّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَرَهُ اللَّه أَنْ يُبَشِّرهَا إِلَخْ ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحه بَعْد هَذَا , وَهُوَ أَيْضًا مِنْ جُمْلَة أَسْبَاب الْغَيْرَة , لِأَنَّ اِخْتِصَاص خَدِيجَة بِهَذِهِ الْبُشْرَى مُشْعِر بِمَزِيدِ مَحَبَّة مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة الْفَضْل بْن مُوسَى عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة بِلَفْظِ \" مَا حُسِدَتْ اِمْرَأَةٌ قَطُّ مَا حُسِدَتْ خَدِيجَةُ حِين بَشَّرَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَب \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَح الشَّاة إِلَخْ ) ‏ ‏إِنْ مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة وَيُرَاد بِهَا تَأْكِيد الْكَلَام , وَلِهَذَا أَتَتْ بِاللَّامِ فِي قَوْلهَا \" لَيَذْبَح \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي خَلَائِلهَا ) ‏ ‏بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة جَمْع خَلِيلَة أَيْ صَدِيقَة , وَهِيَ أَيْضًا مِنْ أَسْبَاب الْغَيْرَة لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِشْعَار بِاسْتِمْرَارِ حُبّه لَهَا حَتَّى كَانَ يَتَعَاهَد صَوَاحِبَاتهَا. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْهَا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الشَّاة. ‏ ‏قَوْله : ( مَا يَسَعُهُنَّ ) ‏ ‏أَيْ مَا يَكْفِيهِنَّ كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيّ \" مَا يَتَّسِعْهُنَّ \" أَيْ يَتَّسِع لَهُنَّ , وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ \" يُشْبِعهُنَّ \" مِنْ الشِّبَع بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْمُوَحَّدَة وَلَيْسَ فِي رِوَايَته \" مَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "3533",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِيَّاهَا قَالَتْ وَتَزَوَّجَنِي بَعْدَهَا بِثَلَاثِ سِنِينَ وَأَمَرَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ الرُّؤَاسِيّ بِضَمِّ الرَّاء وَعَلَى الْوَاو هَمْزَة وَبَعْد الْأَلِفِ مُهْمَلَة ثِقَة بِاتِّفَاقٍ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي الْحُدُود. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَزَوَّجَنِي بَعْدهَا بِثَلَاثِ سِنِينَ ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ : أَرَادَتْ بِذَلِكَ زَمَن دُخُولهَا عَلَيْهِ , وَأَمَّا الْعَقْد فَتَقَدَّمَ عَلَى ذَلِكَ بِمُدَّةِ سَنَة وَنِصْف أَوْ نَحْو ذَلِكَ , كَذَا قَالَ , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب تَزْوِيج عَائِشَة \" مَا يُوَضِّح أَنَّ الْمُدَّة بَيْن الْعَقْد عَلَيْهَا وَالدُّخُول كَانَ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَرَهُ رَبّه عَزَّ وَجَلَّ أَوْ جِبْرِيل ) ‏ ‏هُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْبَاب أَنَّ الْبِشَارَة بِذَلِكَ مِنْ اللَّه كَانَتْ عَلَى لِسَان جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام. ‏"
    },
    {
        "id": "3534",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا غِرْتُ عَلَى ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏وَمَا رَأَيْتُهَا وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُكْثِرُ ذِكْرَهَا وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا ‏ ‏خَدِيجَةُ ‏ ‏فَيَقُولُ ‏ ‏إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عُمَر بْن مُحَمَّد بْن الْحَسَن حَدَّثَنَا أَبِي ) ‏ ‏هُوَ الْأَسَدِيُّ الَّذِي يُعْرَفُ بِالتَّلِّ بِالْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيد اللَّام , وَاسْم وَالِد الْحَسَن الزُّبَيْر , وَعُمَر كُوفِيّ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي الزَّكَاة , وَهُوَ مِنْ صِغَار شُيُوخه. وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ حَفْص بْن غِيَاث دَرَجَة , فَإِنَّهُ يَرْوِي الْكَثِير عَنْ وَلَده عُمَر بْن حَفْص وَغَيْره مِنْ أَصْحَاب حَفْص , وَهُنَا لَمْ يَصِل لِحَفْصٍ إِلَّا بِاثْنَيْنِ , وَبِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ هِشَام بْن عُرْوَة دَرَجَتَيْنِ فَإِنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ بَعْض أَصْحَابه وَأَخْرَجَ هَذَا فِي الصَّحِيح فِي كِتَاب الْعِتْق مِنْهُ \" حَدَّثَنَا عُبَيْد بْن مُوسَى عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة مِنْ مُسْنَد أَبِي ذَرّ \" , وَالسَّبَب فِي اِخْتِيَاره إِيرَاد هَذِهِ الطَّرِيق النَّازِلَة مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الزِّيَادَة عَلَى رِوَايَة غَيْره كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا رَأَيْتهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَلَمْ أُدْرِكهَا \" وَلَمْ أَرَ هَذِهِ اللَّفْظَة إِلَّا فِي هَذِهِ الطَّرِيق , نَعَمْ أَخْرَجَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ \" وَمَا رَأَيْتهَا قَطُّ \" وَرُؤْيَة عَائِشَة لِخَدِيجَةَ كَانَتْ مُمْكِنَة , وَأَمَّا إِدْرَاكهَا لَهَا فَلَا نِزَاع فِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ لَهَا عِنْد مَوْتهَا سِتّ سِنِينَ , كَأَنَّهَا أَرَادَتْ بِنَفْيِ الرُّؤْيَة وَالْإِدْرَاك النَّفْيَ بِقَيْدِ اِجْتِمَاعهمَا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَيْ لَمْ أَرَهَا وَأَنَا عِنْده وَلَا أَدْرَكَتْهَا كَذَلِكَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقه عِنْد أَبِي عَوَانَة \" وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْل أَنْ يَتَزَوَّجنِي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِر ذِكْرهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه الْبَهِيّ عَنْ عَائِشَة عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَة لَمْ يَسْأَم مِنْ ثَنَاء عَلَيْهَا وَاسْتِغْفَار لَهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَرُبَّمَا قُلْت إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا كُلّه زَائِد فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيث مُسْلِم وَأَبُو عَوَانَة وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق سَهْل بْن عُثْمَان وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي هِشَام الرِّفَاعِيّ كُلّهمْ عَنْ حَفْص بْن غِيَاث بِدُونِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" كَأَنْ لَمْ \" بِحَذْفِ الْهَاء مِنْ كَأَنَّهُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ ) ‏ ‏أَيْ كَانَتْ فَاضِلَة وَكَانَتْ عَاقِلَة وَنَحْو ذَلِكَ , وَعِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة \" آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاس , وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاس , وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاس , وَرَزَقَنِي اللَّه وَلَدهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَاد النِّسَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَد ) ‏ ‏وَكَانَ جَمِيع أَوْلَاد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَدِيجَة , إِلَّا إِبْرَاهِيم فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ جَارِيَته مَارِيَة , وَالْمُتَّفَق عَلَيْهِ مِنْ أَوْلَاده مِنْهَا الْقَاسِم وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى , مَاتَ صَغِيرًا قَبْل الْمَبْعَث أَوْ بَعْده , وَبَنَاته الْأَرْبَع : زَيْنَب ثُمَّ رُقْيَة ثُمَّ أُمّ كُلْثُوم ثُمَّ فَاطِمَة , وَقِيلَ : كَانَتْ أُمّ كُلْثُوم أَصْغَر مِنْ فَاطِمَة , وَعَبْد اللَّه وُلِدَ بَعْد الْمَبْعَث فَكَانَ يُقَال لَهُ الطَّاهِر وَالطَّيِّب , وَيُقَال هُمَا أَخَوَانِ لَهُ , وَمَاتَتْ الذُّكُور صِغَارًا بِاتِّفَاقٍ , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق حَفْص بْن غِيَاث هَذِهِ فِي آخِر الْحَدِيث \" قَالَتْ عَائِشَة : فَأَغْضَبْته يَوْمًا فَقُلْت خَدِيجَة , فَقَالَ : إِنِّي رُزِقْت حُبّهَا \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ كَانَ حُبّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْره مِنْ الْأَسْبَاب , وَهِيَ كَثِيرَةٌ , كُلٌّ مِنْهَا كَانَ سَبَبًا فِي إِيجَاد الْمَحَبَّة. وَمِمَّا كَافَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ خَدِيجَة فِي الدُّنْيَا أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّج فِي حَيَاتهَا غَيْرهَا , فَرَوَى مُسْلِم مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" لَمْ يَتَزَوَّج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَدِيجَة حَتَّى مَاتَتْ \" وَهَذَا مِمَّا لَا اِخْتِلَاف فِيهِ بَيْن أَهْل الْعِلْم بِالْأَخْبَارِ , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى عِظَمِ قَدْرهَا عِنْده وَعَلَى مَزِيد فَضْلهَا لِأَنَّهَا أَغْنَتْهُ عَنْ غَيْرهَا وَاخْتَصَّتْ بِهِ بِقَدْرِ مَا اِشْتَرَكَ فِيهِ غَيْرهَا مَرَّتَيْنِ , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشَ بَعْد أَنْ تَزَوَّجَهَا ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ عَامًا اِنْفَرَدَتْ خَدِيجَة مِنْهَا بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا وَهِيَ نَحْو الثُّلُثَيْنِ مِنْ الْمَجْمُوع , وَمَعَ طُول الْمُدَّة فَصَانَ قَلْبهَا فِيهَا مِنْ الْغَيْرَة وَمِنْ نَكَد الضَّرَائِر الَّذِي رُبَّمَا حَصَلَ لَهُ هُوَ مِنْهُ مَا يُشَوِّش عَلَيْهِ بِذَلِكَ , وَهِيَ فَضِيلَة لَمْ يُشَارِكهَا فِيهَا غَيْرهَا. وَمِمَّا اِخْتَصَّتْ بِهِ سَبْقهَا نِسَاء هَذِهِ الْأُمَّة إِلَى الْإِيمَان , فَسَنَّتْ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ آمَنَتْ بَعْدهَا , فَيَكُون لَهَا مِثْل أَجْرهنَّ , لِمَا ثَبَتَ \" أَنَّ مَنْ سَنَّ سُنَّة حَسَنَة \" وَقَدْ شَارَكَهَا فِي ذَلِكَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرِّجَال , وَلَا يُعْرَف قَدْر مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الثَّوَاب بِسَبَبِ ذَلِكَ إِلَّا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلَالَة لِحُسْنِ الْعَهْد , وَحِفْظ الْوُدّ , وَرِعَايَة حُرْمَة الصَّاحِب وَالْمُعَاشِر حَيًّا وَمَيِّتًا , وَإِكْرَام مَعَارِف ذَلِكَ الصَّاحِب. ‏"
    },
    {
        "id": "3535",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏بَشَّرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَعَمْ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ لَا ‏ ‏صَخَبَ ‏ ‏فِيهِ وَلَا ‏ ‏نَصَبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِعَبْدِ اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا مِمَّا حَمَلَهُ التَّابِعِيّ عَنْ الصَّحَابِيّ عَرَضًا , وَلَيْسَ هَذَا مِنْ التَّلْقِين ; لِأَنَّ التَّلْقِين لَا اِسْتِفْهَام فِيهِ وَإِنَّمَا يَقُول الطَّالِب لِلشَّيْخِ قُلْ حَدَّثَنَا فُلَان بِكَذَا فَيُحَدِّث بِهِ مِنْ غَيْر أَنْ يَكُون عَارِفًا بِحَدِيثِهِ وَلَا بِعَدَالَةِ الطَّالِب فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ لَا يَكُون ذَلِكَ الطَّالِب ضَابِطًا لِذَلِكَ الْقَدْر فَيَدُلّ عَلَى تَسَاهُل الشَّيْخ , فَلِذَلِكَ عَابُوهُ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( بَشَّرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هُوَ اِسْتِفْهَام مَحْذُوف الْأَدَاة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ نَعَمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" بَشِّرْ خَدِيجَة بِبَيْتٍ مِنْ قَصَب , قَالَ نَعَمْ إِلَخْ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة جَرِير عَنْ إِسْمَاعِيل أَنَّهُمْ قَالُوا لِعَبْدِ اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى \" حَدِّثْنَا مَا قَالَ لِخَدِيجَة : قَالَ : قَالَ : بَشِّرُوا خَدِيجَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , هَكَذَا تَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب الْعُمْرَة مِنْ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ قَصَب ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَالْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة , قَالَ اِبْن التِّين : الْمُرَاد بِهِ لُؤْلُؤَة مُجَوَّفَة وَاسِعَة كَالْقَصْرِ الْمَنِيف. قُلْت : عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اِبْن أَبِي أَوْفَى \" يَعْنِي قَصَب اللُّؤْلُؤ \" , وَعِنْده فِي \" الْكَبِير \" مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" بَيْت مِنْ لُؤْلُؤَة مُجَوَّفَة \" وَأَصْله فِي مُسْلِم , وَعِنْده فِي الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث فَاطِمَة قَالَتْ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَيْنَ أُمِّي خَدِيجَة ؟ قَالَ : فِي بَيْت مِنْ قَصَب , قُلْت أَمِنْ هَذَا الْقَصَب ؟ قَالَ : لَا مِنْ الْقَصَب الْمَنْظُوم بِالدُّرِّ وَاللُّؤْلُؤ وَالْيَاقُوت \" قَالَ السُّهَيْلِيّ : النُّكْتَة فِي قَوْله : \" مِنْ قَصَب \" وَلَمْ يَقُلْ مِنْ لُؤْلُؤ أَنَّ فِي لَفْظ الْقَصَب مُنَاسَبَة لِكَوْنِهَا أَحْرَزَتْ قَصَب السَّبَق بِمُبَادَرَتِهَا إِلَى الْإِيمَان دُون غَيْرهَا , وَلِذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْمُنَاسَبَة فِي جَمِيع هَذَا الْحَدِيث اِنْتَهَى. وَفِي الْقَصَب مُنَاسَبَة أُخْرَى مِنْ جِهَة اِسْتِوَاء أَكْثَر أَنَابِيبه , وَكَذَا كَانَ لِخَدِيجَة مِنْ الِاسْتِوَاء مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا , إِذْ كَانَتْ حَرِيصَة عَلَى رِضَاهُ بِكُلِّ مُمْكِن , وَلَمْ يَصْدُر مِنْهَا مَا يُغْضِبهُ قَطُّ كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهَا. وَأَمَّا قَوْله : \" بِبَيْتٍ \" فَقَالَ أَبُو بَكْر الْإِسْكَاف فِي \" فَوَائِد الْأَخْبَار \" : الْمُرَاد بِهِ بَيْت زَائِد عَلَى مَا أَعَدَّ اللَّه لَهَا مِنْ ثَوَاب عَمَلهَا , وَلِهَذَا قَالَ : \" لَا نَصَب فِيهِ \" أَيْ لَمْ تَتْعَب بِسَبَبِهِ. قَالَ السُّهَيْلِيّ : لِذِكْرِ الْبَيْت مَعْنًى لَطِيف لِأَنَّهَا كَانَتْ رَبَّة بَيْت قَبْل الْمَبْعَث ثُمَّ صَارَتْ رَبَّة بَيْت فِي الْإِسْلَام مُنْفَرِدَة بِهِ , فَلَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْه الْأَرْض فِي أَوَّل يَوْم بَعْث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتُ إِسْلَام إِلَّا بَيْتهَا , وَهِيَ فَضِيلَة مَا شَارَكَهَا فِيهَا أَيْضًا غَيْرهَا. قَالَ : وَجَزَاء الْفِعْل يُذْكَر غَالِبًا بِلَفْظِهِ وَإِنْ كَانَ أَشْرَفَ مِنْهُ , فَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيث بِلَفْظِ الْبَيْت دُون لَفْظ الْقَصْر اِنْتَهَى. وَفِي ذِكْر الْبَيْت مَعْنًى آخَر ; لِأَنَّ مَرْجِع أَهْل بَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهَا , لِمَا ثَبَتَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمْ الرِّجْس أَهْل الْبَيْت ) قَالَتْ أُمّ سَلَمَة \" لَمَّا نَزَلَتْ دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَة وَعَلِيًّا وَالْحَسَن وَالْحُسَيْن فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْل بَيْتِي \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره , وَمَرْجِع أَهْل الْبَيْت هَؤُلَاءِ إِلَى خَدِيجَة , لِأَنَّ الْحَسَنَيْنِ مِنْ فَاطِمَة وَفَاطِمَة بِنْتهَا , وَعَلِيّ نَشَأَ فِي بَيْت خَدِيجَة وَهُوَ صَغِير ثُمَّ تَزَوَّجَ بِنْتهَا بَعْدهَا , فَظَهَرَ رُجُوع أَهْل الْبَيْت النَّبَوِيّ إِلَى خَدِيجَة دُون غَيْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( لَا صَخَب فِيهِ وَلَا نَصَبَ ) ‏ ‏الصَّخَب بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُعْجَمَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة : الصِّيَاح وَالْمُنَازَعَة بِرَفْعِ الصَّوْت , وَالنَّصَب بِفَتْحِ النُّون وَالْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة التَّعَب. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : الصَّخَب الْعَيْب , وَالنَّصَب الْعِوَج , وَهُوَ تَفْسِير لَا تُسَاعِد عَلَيْهِ اللُّغَة. وَقَالَ السُّهَيْلِيّ : مُنَاسَبَة نَفْي هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ - أَعْنِي الْمُنَازَعَة وَالتَّعَب - أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَعَا إِلَى الْإِسْلَام أَجَابَتْ خَدِيجَة طَوْعًا فَلَمْ تُحْوِجْهُ إِلَى رَفْع صَوْت وَلَا مُنَازَعَة وَلَا تَعَب فِي ذَلِكَ , بَلْ أَزَالَتْ عَنْهُ كُلّ نَصَب , وَآنَسَتْهُ مِنْ كُلّ وَحْشَة , وَهَوَّنَتْ عَلَيْهِ كُلّ عَسِير , فَنَاسَبَ أَنْ يَكُون مَنْزِلهَا الَّذِي بَشَّرَهَا بِهِ رَبّهَا بِالصِّفَةِ الْمُقَابِلَة لِفِعْلِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3536",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ ‏ ‏خَدِيجَةُ ‏ ‏قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ ‏ ‏إِدَامٌ ‏ ‏أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ ‏ ‏فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا ‏ ‏صَخَبَ ‏ ‏فِيهِ وَلَا ‏ ‏نَصَبَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اسْتَأْذَنَتْ ‏ ‏هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ‏ ‏أُخْتُ ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏فَارْتَاعَ ‏ ‏لِذَلِكَ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ ‏ ‏هَالَةَ ‏ ‏قَالَتْ فَغِرْتُ فَقُلْتُ مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُمَارَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْقَعْقَاعِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ اِبْن نُمَيْر عَنْ اِبْن فُضَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَاد \" سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة \". ‏ ‏قَوْله : ( أَتَى جِبْرِيل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن كَثِير عِنْد الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَهُوَ بِحِرَاءَ. ‏ ‏قَوْله : ( هَذِهِ خَدِيجَة قَدْ أَتَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" قَدْ أَتَتْك \" وَمَعْنَاهُ تَوَجَّهَتْ إِلَيْك , وَأَمَّا قَوْله ثَانِيًا , \" فَإِذَا هِيَ أَتَتْك \" فَمَعْنَاهُ وَصَلَتْ إِلَيْك. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَاء فِيهِ إِدَام أَوْ طَعَام أَوْ شَرَاب ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَكَذَا عِنْد مُسْلِم , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فِيهِ إِدَام أَوْ طَعَام وَشَرَاب \" وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن كَثِير الْمَذْكُور عِنْد الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ حَيْسًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَام مِنْ رَبّهَا وَمِنِّي ) ‏ ‏زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة \" فَقَالَتْ : هُوَ السَّلَام وَمِنْهُ وَالسَّلَام وَعَلَى جِبْرِيل السَّلَام \" وِلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ : \" قَالَ جِبْرِيل لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّه يُقْرِئ خَدِيجَة السَّلَام \" يَعْنِي فَأَخْبِرْهَا \" فَقَالَتْ : إِنَّ اللَّه هُوَ السَّلَام , وَعَلَى جِبْرِيل السَّلَام وَعَلَيْك يَا رَسُول اللَّه السَّلَام وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته \" زَادَ اِبْن السُّنِّيّ مِنْ وَجْه آخَر \" وَعَلَى مَنْ سَمِعَ السَّلَام , إِلَّا الشَّيْطَان \" , قَالَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا الْقِصَّة دَلِيل عَلَى وُفُور فِقْههَا , لِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ \" وَعَلَيْهِ السَّلَام \" كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَة حَيْثُ كَانُوا يَقُولُونَ فِي التَّشَهُّد \" السَّلَام عَلَى اللَّه فَنَهَاهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : إِنَّ اللَّه هُو السَّلَام , فَقُولُوا التَّحِيَّات لِلَّهِ \" فَعَرَفَتْ خَدِيجَة لِصِحَّةِ فَهْمهَا أَنَّ اللَّه لَا يُرَدّ عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا يُرَدّ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ , لِأَنَّ السَّلَام اِسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه , وَهُوَ أَيْضًا دُعَاء بِالسَّلَامَةِ , وَكِلَاهَا لَا يَصْلُح أَنْ يُرَدّ بِهِ عَلَى اللَّه فَكَأَنَّهَا قَالَتْ : كَيْف أَقُول عَلَيْهِ السَّلَام وَالسَّلَام اِسْمه , وَمِنْهُ يُطْلَب , وَمِنْهُ يَحْصُل. فَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلِيق بِاَللَّهِ إِلَّا الثَّنَاء عَلَيْهِ فَجَعَلَتْ مَكَان رَدّ السَّلَام عَلَيْهِ الثَّنَاء عَلَيْهِ , ثُمَّ غَايَرَتْ بَيْن مَا يَلِيق بِاَللَّهِ وَمَا يَلِيق بِغَيْرِهِ فَقَالَتْ : \" وَعَلَى جِبْرِيل السَّلَام \" ثُمَّ قَالَتْ : \" وَعَلَيْك السَّلَام \" وَيُسْتَفَاد مِنْهُ رَدّ السَّلَام عَلَى مَنْ أَرْسَلَ السَّلَام وَعَلَى مَنْ بَلَّغَهُ. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ جِبْرِيل كَانَ حَاضِرًا عِنْد جَوَابهَا فَرَدَّتْ عَلَيْهِ وَعَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ : مَرَّة بِالتَّخْصِيصِ وَمَرَّة بِالتَّعْمِيمِ , ثُمَّ أَخْرَجَتْ الشَّيْطَان مِمَّنْ سَمِعَ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقّ الدُّعَاء بِذَلِكَ. قِيلَ : إِنَّمَا بَلَّغَهَا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ رَبّهَا بِوَاسِطَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِحْتِرَامًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَلِكَ وَقَعَ لَهُ لَمَّا سَلَّمَ عَلَى عَائِشَة لَمْ يُوَاجِههَا بِالسَّلَامِ بَلْ رَاسَلَهَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ وَاجَهَ مَرْيَم بِالْخِطَابِ , فَقِيلَ لِأَنَّهَا نَبِيَّة , وَقِيلَ : لِأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا زَوْج يُحْتَرَمُ مَعَهُ مُخَاطَبَتهَا. قَالَ السُّهَيْلِيّ : اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّة أَبُو بَكْر بْن دَاوُدَ عَلَى أَنَّ خَدِيجَة أَفْضَل مِنْ عَائِشَة لِأَنَّ عَائِشَة سَلَّمَ عَلَيْهَا جِبْرِيل مِنْ قِبَل نَفْسه , وَخَدِيجَة أَبْلَغَهَا السَّلَام مِنْ رَبّهَا. وَزَعَمَ اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّهُ لَا خِلَاف فِي أَنَّ خَدِيجَة أَفْضَل مِنْ عَائِشَة , وَرُدَّ بِأَنَّ الْخِلَاف ثَابِت قَدِيمًا وَإِنْ كَانَ الرَّاجِح أَفْضَلِيَّة خَدِيجَة بِهَذَا وَبِمَا تَقَدَّمَ. قُلْت : وَمِنْ صَرِيح مَا جَاءَ فِي تَفْضِيل خَدِيجَة مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" أَفْضَل نِسَاء أَهْل الْجَنَّة خَدِيجَة بِنْت خُوَيْلِد وَفَاطِمَة بِنْت مُحَمَّد \" قَالَ السُّبْكِيّ الْكَبِير كَمَا تَقَدَّمَ : لِعَائِشَة مِنْ الْفَضَائِل مَا لَا يُحْصَى , وَلَكِنَّ الَّذِي نَخْتَارهُ وَنَدِين اللَّه بِهِ أَنَّ فَاطِمَة أَفْضَل ثُمَّ خَدِيجَة ثُمَّ عَائِشَة. وَاسْتَدَلَّ لِفَضْلِ فَاطِمَة بِمَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَتهَا أَنَّهَا سَيِّدَة نِسَاء الْمُؤْمِنِينَ. قُلْت : وَقَالَ بَعْض مَنْ أَدْرَكْنَاهُ : الَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْجَمْع بَيْن الْحَدِيثِينَ أَوْلَى , وَأَنْ لَا نُفَضِّل إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى. وَسُئِلَ السُّبْكِيّ : هَلْ قَالَ أَحَد إِنَّ أَحَدًا مِنْ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْر خَدِيجَة وَعَائِشَة أَفْضَل مِنْ فَاطِمَة ؟ فَقَالَ : قَالَ بِهِ مَنْ لَا يُعْتَدّ بِقَوْلِهِ : وَهُوَ مِنْ فَضْل نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَمِيع الصَّحَابَة لِأَنَّهُنَّ فِي دَرَجَته فِي الْجَنَّة. قَالَ : وَهُوَ قَوْل سَاقِط مَرْدُود اِنْتَهَى. وَقَائِله هُوَ أَبُو مُحَمَّد بْن حَزْم وَفَسَاده ظَاهِر. قَالَ السُّبْكِيّ : وَنِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد خَدِيجَة وَعَائِشَة مُتَسَاوِيَات فِي الْفَضْل , وَهُنَّ أَفْضَل النِّسَاء لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : ( لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاء إِنْ اِتَّقَيْتُنَّ ) الْآيَة , وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ قِيلَ إِنَّهَا نَبِيَّة كَمَرْيَم , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّا نَبَّهَ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَة أَبِي يُونُس عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا وَقَعَ لَهَا نَظِير مَا وَقَعَ لِخَدِيجَةَ مِنْ السَّلَام وَالْجَوَاب , وَهِيَ رِوَايَة شَاذَّة , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ إِسْمَاعِيل بْن خَلِيل ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع النُّسَخ الَّتِي اِتَّصَلَتْ إِلَيْنَا بِصِيغَةِ التَّعْلِيق , لَكِنَّ صَنِيع الْمِزِّيّ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مَوْصُولًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ سُوَيْد بْن سَعِيد وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن شُجَاع كِلَاهُمَا عَنْ عَلِيّ بْن مُسْهِر. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَأْذَنَتْ هَالَة بِنْت خُوَيْلِد ) ‏ ‏هِيَ أُخْت خَدِيجَة , وَكَانَتْ زَوْج الرَّبِيع بْن عَبْد الْعُزَّى بْن عَبْد شَمْس وَالِد أَبِي الْعَاصِ بْن الرَّبِيع زَوْج زَيْنَب بِنْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ ذَكَرُوهَا فِي الصَّحَابَة وَهُوَ ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ هَاجَرَتْ إِلَى الْمَدِينَة لِأَنَّ دُخُولهَا كَانَ بِهَا أَيْ بِالْمَدِينَةِ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة حَيْثُ كَانَتْ عَائِشَة مَعَهُ فِي بَعْض سَفَرَاته , وَوَقَعَ عِنْد الْمُسْتَغْفِرِيّ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ هِشَام بِهَذَا السَّنَد \" قَدِمَ اِبْن لِخَدِيجَة يُقَال لَهُ هَالَة , فَسَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَائِلَته كَلَام هَالَة , فَانْتَبَهَ وَقَالَ : هَالَة هَالَة \" قَالَ الْمُسْتَغْفِرِيّ : الصَّوَاب هَالَة أُخْت خَدِيجَة اِنْتَهَى. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق تَمِيم بْن زَيْد بْن هَالَة عَنْ أَبِي هَالَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاقِد فَاسْتَيْقَظَ فَضَمَّهُ إِلَى صَدْره وَقَالَ : \" هَالَة هَالَة \" وَذَكَرَ اِبْن حِبَّان وَابْن عَبْد الْبَرّ فِي الصَّحَابَة هَالَة بْن أَبِي هَالَة التَّمِيمِيّ , فَلَعَلَّهُ كَانَ لِخَدِيجَة أَيْضًا اِبْن اِسْمه هَالَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَرَفَ اِسْتِئْذَان خَدِيجَة ) ‏ ‏أَيْ صِفَته لِشَبَهِ صَوْتهَا بِصَوْتِ أُخْتهَا فَتَذَكَّرَ خَدِيجَة بِذَلِكَ , وَقَوْله : \" اِرْتَاعَ \" مِنْ الرَّوْع بِفَتْحِ الرَّاء أَيْ فَزِعَ , وَالْمُرَاد مِنْ الْفَزَع لَازِمه وَهُوَ التَّغَيُّر. وَوَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" اِرْتَاحَ \" بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة أَيْ اِهْتَزَّ لِذَلِكَ سُرُورًا , وَقَوْله \" اللَّهُمَّ هَالَة \" فِيهِ حَذْف تَقْدِيره اِجْعَلْهَا هَالَة , فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مَنْصُوب , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف أَيْ هَذِهِ هَالَة وَعَلَى هَذَا هُوَ مَرْفُوع , وَفِي الْحَدِيث أَنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَحَبَّ مَحْبُوبَاته وَمَا يُشْبِههُ وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَمْرَاء الشِّدْقَيْنِ ) ‏ ‏بِالْجَرِّ , قَالَ أَبُو الْبَقَاء : يَجُوز فِي حَمْرَاء الرَّفْع عَلَى الْقَطْع وَالنَّصْب عَلَى الصِّفَة أَوْ الْحَال , ثُمَّ الْمَوْجُود فِي جَمِيع النُّسَخ وَفِي مُسْلِم \" حَمْرَاء \" بِالْمُهْمَلَتَيْنِ , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ رُوِيَ بِالْجِيمِ وَالزَّاي وَلَمْ يَذْكُر لَهُ مَعْنًى , وَهُوَ تَصْحِيف وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : قِيلَ : مَعْنَى حَمْرَاء الشِّدْقَيْنِ بَيْضَاء الشَّدْقَيْنِ , وَالْعَرَب تُطْلِق عَلَى الْأَبْيَض الْأَحْمَر كَرَاهَة اِسْم الْبَيَاض لِكَوْنِهِ يُشْبِه الْبَرَص , وَلِهَذَا كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لِعَائِشَة يَا حُمَيْرَاء. ثُمَّ اِسْتَبْعَدَ الْقُرْطُبِيّ هَذَا لِكَوْنِ عَائِشَة أَوْرَدَتْ هَذِهِ الْمَقَالَة مَوْرِدَ التَّنْقِيص , فَلَوْ كَانَ الْأَمْر كَمَا قِيلَ لَنَصَّتْ عَلَى الْبَيَاض لِأَنَّهُ كَانَ يَكُون أَبْلَغ فِي مُرَادهَا. قَالَ : وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ نِسْبَتهَا إِلَى كِبَر السِّنّ , لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي سِنّ الشَّيْخُوخَة مَعَ قُوَّة فِي بَدَنه يَغْلِب عَلَى لَوْنه غَالِبًا الْحُمْرَة الْمَائِلَة إِلَى السُّمْرَة , كَذَا قَالَ , وَاَلَّذِي يَتَبَادَر أَنَّ الْمُرَاد بِالشِّدْقَيْنِ مَا فِي بَاطِن الْفَم فَكَنَّتْ بِذَلِكَ عَنْ سُقُوط أَسْنَانهَا حَتَّى لَا يَبْقَى دَاخِل فَمهَا إِلَّا اللَّحْم الْأَحْمَر مِنْ اللِّثَة وَغَيْرهَا , وَبِهَذَا جَزَمَ النَّوَوِيّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ أَبْدَلَك اللَّه خَيْرًا مِنْهَا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : فِي سُكُوت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَة دَلِيل عَلَى أَفْضَلِيَّة عَائِشَة عَلَى خَدِيجَة إِلَّا أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْخَيْرِيَّةِ هُنَا حُسْن الصُّورَة وَصِغَر السِّنّ اِنْتَهَى. وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه لَمْ يُنْقَل فِي هَذِهِ الطَّرِيق أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدّ عَلَيْهَا عَدَم ذَلِكَ , بَلْ الْوَاقِع أَنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ رَدّ لِهَذِهِ الْمَقَالَة , فَفِي رِوَايَة أَبِي نَجِيح عَنْ عَائِشَة عِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" قَالَتْ عَائِشَة فَقُلْت أَبْدَلَك اللَّه بِكَبِيرَةِ السِّنّ حَدِيثَة السِّنّ , فَغَضِبَ حَتَّى قُلْت : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا أَذْكُرهَا بَعْد هَذَا إِلَّا بِخَيْرٍ \" وَهَذَا يُؤَيِّد مَا تَأَوَّلَهُ اِبْن التِّين فِي الْخَيْرِيَّة الْمَذْكُورَة , وَالْحَدِيث يُفَسِّر بَعْضه بَعْضًا. وَرَوَى أَحْمَد أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة \" فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَبْدَلَنِي اللَّه خَيْرًا مِنْهَا آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاس \" الْحَدِيث , قَالَ عِيَاض قَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء الْغَيْرَة مُسَامَحٌ لِلنِّسَاءِ مَا يَقَع فِيهَا وَلَا عُقُوبَة عَلَيْهِنَّ فِي تِلْكَ الْحَالَة لِمَا جُبِلْنَ عَلَيْهِ مِنْهَا , وَلِهَذَا لَمْ يَزْجُر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَة عَنْ ذَلِكَ. وَتَعَقَّبَهُ عِيَاض بِأَنَّ ذَلِكَ جَرَى مِنْ عَائِشَة لِصِغَرِ سِنّهَا وَأَوَّل شَبِيبَتهَا , فَلَعَلَّهَا لَمْ تَكُنْ بَلَغَتْ حِينَئِذٍ. قُلْت : وَهُوَ مُحْتَمَل مَعَ مَا فِيهِ مِنْ نَظَر , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَا تَدُلّ قِصَّة عَائِشَة هَذِهِ عَلَى أَنَّ الْغَيْرَى لَا تُؤَاخَذ بِمَا يَصْدُر مِنْهَا , لِأَنَّ الْغَيْرَة هُنَا جُزْء سَبَب , وَذَلِكَ أَنَّ عَائِشَة اجْتَمَعَ فِيهَا حِينَئِذٍ الْغَيْرَة وَصِغَر السِّنّ وَالْإِدْلَال , قَالَ فَإِحَالَة الصَّفْح عَنْهَا عَلَى الْغَيْرَة وَحْدهَا تَحَكُّمٌ , نَعَمْ الْحَامِل لَهَا عَلَى مَا قَالَتْ الْغَيْرَة لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي نَصَّتْ عَلَيْهَا بِقَوْلِهَا \" فَغِرْت \" وَأَمَّا الصَّفْح فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِأَجْلِ الْغَيْرَة وَحْدهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَهَا وَلِغَيْرِهَا مِنْ الشَّبَاب وَالْإِدْلَال. قُلْت : الْغَيْرَة مُحَقَّقَة بِتَنْصِيصِهَا , وَالشَّبَاب مُحْتَاج إِلَى دَلِيل , فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ بِنْت تِسْع وَذَلِكَ فِي أَوَّل زَمَن الْبُلُوغ , فَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْل وَقَعَ فِي أَوَائِل دُخُوله عَلَيْهَا وَهِيَ بِنْت تِسْع. وَأَمَّا إِدْلَال الْمَحَبَّة فَلَيْسَ مُوجِبًا لِلصَّفْحِ عَنْ حَقّ الْغَيْر , بِخِلَافِ الْغَيْرَة فَإِنَّمَا يَقَع الصَّفْح بِهَا لِأَنَّ مَنْ يَحْصُل لَهَا الْغَيْرَة لَا تَكُون فِي كَمَالِ عَقْلهَا , فَلِهَذَا تَصْدُر مِنْهَا أُمُور لَا تَصْدُر مِنْهَا فِي حَال عَدَم الْغَيْرَة , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3537",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَيَانٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ قَالَ ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَا حَجَبَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ مَا مَنَعَنِي مِنْ الدُّخُول إِلَيْهِ إِذَا كَانَ فِي بَيْته فَاسْتَأْذَنْت عَلَيْهِ , وَلَيْسَ كَمَا حَمَلَهُ بَعْضهمْ عَلَى إِطْلَاقه فَقَالَ كَيْف جَازَ لَهُ أَنْ يَدْخُل عَلَى مُحَرَّمٍ بِغَيْرِ حِجَاب ؟ ثُمَّ تَكَلَّفَ فِي الْجَوَاب أَنَّ الْمُرَاد مَجْلِسه الْمُخْتَصّ بِالرِّجَالِ , أَوْ أَنَّ الْمُرَاد بِالْحِجَابِ مَنْع مَا يَطْلُبهُ مِنْهُ. ‏ ‏قُلْت : وَقَوْله : \" مَا حَجَبَنِي \" يَتَنَاوَل الْجَمِيع مَعَ بُعْد إِرَادَة الْأَخِير. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ إِسْمَاعِيل \" إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي \" وَرَوَى أَحْمَد وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق الْمُغِيرَة بْن شُبَيْل عَنْ جَرِير قَالَ : \" لَمَّا دَنَوْت مِنْ الْمَدِينَة أَنَخْت ثُمَّ لَبِسْت حُلَّتِي فَدَخَلْت , فَرَمَانِي النَّاس بِالْحَدَقِ , فَقُلْت : هَلْ ذَكَرَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ , ذَكَرَك بِأَحْسَن ذِكْر فَقَالَ : يَدْخُل عَلَيْكُمْ رَجُل مِنْ خَيْر ذِي يَمَنٍ , عَلَى وَجْهه مَسْحَة مَلَكٍ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3538",
        "content": "‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏ذُو الْخَلَصَةِ ‏ ‏وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏الْكَعْبَةُ الشَّأْمِيَّةُ ‏ ‏فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ‏ ‏ذِي الْخَلَصَةِ ‏ ‏قَالَ فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ ‏ ‏أَحْمَسَ ‏ ‏قَالَ فَكَسَرْنَا وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ فَأَتَيْنَاهُ فَأَخْبَرْنَاهُ فَدَعَا لَنَا ‏ ‏وَلِأَحْمَسَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ قَيْس ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( ذُو الْخَلَصَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَاللَّام وَالصَّاد الْمُهْمَلَة وَحُكِيَ إِسْكَان اللَّام. وَقَوْله : ‏ ‏\" الْيَمَانِيَة \" ‏ ‏بِتَخْفِيفِ الْيَاء وَحُكِيَ تَشْدِيدهَا , وَقَوْله : ‏ ‏\" أَوْ الْكَعْبَة الشَّامِيَّة \" ‏ ‏اُسْتُشْكِلَ الْجَمْع بَيْن هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ , وَسَيَأْتِي جَوَابه مَعَ شَرْح هَذِهِ الْقِصَّة فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي مَعَ الْكَلَام عَلَى قَوْله الْكَعْبَة الْيَمَانِيَة أَوْ الْكَعْبَة الشَّامِيَّة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3539",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَلَمَةُ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا كَانَ يَوْمُ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ هَزِيمَةً بَيِّنَةً فَصَاحَ إِبْلِيسُ أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ ‏ ‏فَاجْتَلَدَتْ ‏ ‏أُخْرَاهُمْ فَنَظَرَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ فَنَادَى أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أَبِي أَبِي فَقَالَتْ فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ فَقَالَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ قَالَ أَبِي فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِي ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏مِنْهَا بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا هُزِمَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله , وَقَوْله : ‏ ‏\" وَأُخْرَاكُمْ \" ‏ ‏أَيْ اِقْبَلُوا أُخْرَاكُمْ أَوْ اِحْذَرُوا أُخْرَاكُمْ أَوْ اُنْصُرُوا أُخْرَاكُمْ , وَقَوْله : ‏ ‏\" اِحْتَجِزُوا \" ‏ ‏أَيْ اِنْفَصِلُوا مِنْ الْقِتَال وَامْتَنَعَ بَعْضهمْ مِنْ بَعْض , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْح هَذِهِ الْقِصَّة فِي كِتَاب الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبِي ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ هِشَام بْن عُرْوَة , نَقَلَهُ عَنْ أَبِيهِ عُرْوَة وَفَصَلَهُ مِنْ حَدِيث عَائِشَة فَصَارَ مُرْسَلًا , وَقَوْله : \" مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَة مِنْهَا \" أَيْ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَة أَيْ بِسَبَبِهَا , وَقَوْله : \" بَقِيَّة خَيْر \" يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ فِعْل الْخَيْر تَعُود بَرَكَته عَلَى صَاحِبه فِي طُول حَيَاته. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ ذِكْر جَرِير وَحُذَيْفَة مُؤَخَّرًا عَنْ ذِكْر خَدِيجَة عَلَيْهَا السَّلَام , وَفِي بَعْضهَا مُقَدَّمًا وَهُوَ أَلْيَق , فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ أَخَّرَ ذِكْر خَدِيجَة عَمْدًا لِكَوْنِ غَالِب أَحْوَالهَا مُتَعَلِّقَة بِأَحْوَالِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل الْمَبْعَث فَوَقَعَ لَهُ فِي ذَلِكَ حُسْن التَّخَلُّص مِنْ الْمَنَاقِب الَّتِي اُسْتَطْرَدَ مِنْ ذِكْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهَا , فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا رَجَعَ إِلَى بَقِيَّة سِيرَته وَمَغَازِيه , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3540",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَقِيَ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ‏ ‏بِأَسْفَلِ ‏ ‏بَلْدَحٍ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَحْيُ فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُفْرَةٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏كَانَ يَعِيبُ عَلَى ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏ذَبَائِحَهُمْ وَيَقُولُ الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ وَأَنْزَلَ لَهَا مِنْ السَّمَاءِ الْمَاءَ وَأَنْبَتَ لَهَا مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بِأَسْفَل بَلْدَحَ ) ‏ ‏هُوَ مَكَان فِي طَرِيق التَّنْعِيم بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَالْمُهْمَلَة بَيْنهمَا لَام سَاكِنَة وَآخِره مُهْمَلَة , وَيُقَال هُوَ وَادٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُدِّمَتْ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَاف. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْجُرْجَانِيّ \" فَقَدَّمَ إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُفْرَة \" قَالَ عِيَاض : الصَّوَاب الْأَوَّل , قُلْت : رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ تُوَافِق رِوَايَة الْجُرْجَانِيّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الزُّبَيْر بْن بَكَّار وَالْفَاكِهِيّ وَغَيْرهمَا , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : كَانَتْ السُّفْرَة لِقُرَيْشٍ قَدَّمُوهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبَى أَنْ يَأْكُل مِنْهَا فَقَدَّمَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدِ بْن عَمْرو فَأَبَى أَنْ يَأْكُل مِنْهَا وَقَالَ مُخَاطِبًا لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ قَدَّمُوهَا أَوَّلًا : \" إِنَّا لَا نَأْكُل مَا ذُبِحَ عَلَى أَنْصَابكُمْ \" اِنْتَهَى. وَمَا قَالَهُ مُحْتَمَل , لَكِنْ لَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ الْجَزْم بِذَلِكَ , فَإِنِّي لَمْ أَقِف عَلَيْهِ فِي رِوَايَة أَحَد. وَقَدْ تَبِعَهُ اِبْن الْمُنِير فِي ذَلِكَ وَفِيهِ مَا فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى أَنْصَابكُمْ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ جَمْع نُصُب بِضَمَّتَيْنِ وَهِيَ أَحْجَار كَانَتْ حَوْل الْكَعْبَة يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا لِلْأَصْنَامِ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْكُل مِمَّا يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا لِلْأَصْنَامِ , وَيَأْكُل مَا عَدَا ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا لَا يَذْكُرُونَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ , لِأَنَّ الشَّرْع لَمْ يَكُنْ نَزَلَ بَعْد , بَلْ لَمْ يَنْزِل الشَّرْع بِمَنْعِ أَكْل مَا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ إِلَّا بَعْد الْمَبْعَث بِمُدَّةٍ طَوِيلَة. قُلْت : وَهَذَا الْجَوَاب أَوْلَى مِمَّا اِرْتَكَبَهُ اِبْن بَطَّال , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون حَارِثَة ذَبَحَ عَلَى الْحَجْر الْمَذْكُور فَإِنَّمَا يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا ذَبَحَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ الْأَصْنَام , وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : ( وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب ) فَالْمُرَاد بِهِ مَا ذُبِحَ عَلَيْهَا لِلْأَصْنَامِ , ثُمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقِيلَ : لَمْ يَنْزِل عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَحْرِيم ذَلِكَ شَيْء. قُلْت : وَفِيهِ نَظَر , لِأَنَّهُ كَانَ قَبْل الْمَبْعَث فَهُوَ مِنْ تَحْصِيل الْحَاصِل : وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث سَعِيد بْن زَيْد الَّذِي قَدَّمْته وَهُوَ عِنْد أَحْمَد \" وَكَانَ اِبْن زَيْد يَقُول : عُذْت بِمَا عَاذَ بِهِ إِبْرَاهِيم , ثُمَّ يَخِرّ سَاجِدًا لِلْكَعْبَةِ , قَالَ : فَمَرَّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَيْد بْن حَارِثَة وَهُمَا يَأْكُلَانِ مِنْ سُفْرَة لَهُمَا فَدَعَيَاهُ فَقَالَ : يَا اِبْن أَخِي لَا آكُل مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب , قَالَ : فَمَا رُؤِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُل مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب مِنْ يَوْمه ذَلِكَ \". وَفِي حَدِيث زَيْد بْن حَارِثَة عِنْد أَبِي يَعْلَى وَالْبَزَّار وَغَيْرهمَا قَالَ : \" خَرَجْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا مِنْ مَكَّة وَهُوَ مُرْدِفِي , فَذَبَحْنَا شَاة عَلَى بَعْض الْأَنْصَاب فَأَنْضَجْنَاهَا , فَلَقِينَا زَيْد بْن عَمْرو \" فَذَكَرَ الْحَدِيث مُطَوَّلًا وَفِيهِ : \" فَقَالَ زَيْد : إِنِّي لَا آكُل مِمَّا لِمَ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ \" قَالَ الدَّاوُدِيّ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل الْمَبْعَث يُجَانِب الْمُشْرِكِينَ فِي عَادَاتهمْ , لَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَم مَا يَتَعَلَّق بِأَمْرِ الذَّبْح , وَكَانَ زَيْد قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ لَقِيَهُمْ. وَقَالَ السُّهَيْلِيّ : فَإِنْ قِيلَ فَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوْلَى مِنْ زَيْد بِهَذِهِ الْفَضِيلَة , فَالْجَوَاب أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ مِنْهَا , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون أَكَلَ فَزَيْد إِنَّمَا كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ بِرَأْيٍ يَرَاهُ لَا بِشَرْعٍ بَلَغَهُ , وَإِنَّمَا كَانَ عِنْد أَهْل الْجَاهِلِيَّة بَقَايَا مِنْ دَيْن إِبْرَاهِيم , وَكَانَ فِي شَرْع إِبْرَاهِيم تَحْرِيم الْمَيْتَة لَا تَحْرِيم مَا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا نَزَلَ تَحْرِيم ذَلِكَ فِي الْإِسْلَام , وَالْأَصَحّ أَنَّ الْأَشْيَاء قَبْل الشَّرْع لَا تُوصَف بِحِلٍّ وَلَا بِحُرْمَةٍ , مَعَ أَنَّ الذَّبَائِح لَهَا أَصْل فِي تَحْلِيل الشَّرْع , وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى نُزُول الْقُرْآن , وَلَمْ يُنْقَل أَنَّ أَحَدًا بَعْد الْمَبْعَث كَفّ عَنْ الذَّبَائِح حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَة. قُلْت : وَقَوْله إِنَّ زَيْدًا فَعَلَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ أَوْلَى مِنْ قَوْل الدَّاوُدِيّ إِنَّهُ تَلَقَّاهُ عَنْ أَهْل الْكِتَاب , فَإِنَّ حَدِيث الْبَاب بَيَّنَ فِيمَا قَالَ السُّهَيْلِيّ , وَإِنَّ ذَلِكَ قَالَهُ زَيْد بِاجْتِهَادٍ لَا بِنَقْلٍ عَنْ غَيْره , وَلَا سِيَّمَا وَزَيْد يُصَرِّح عَنْ نَفْسه بِأَنَّهُ لَمْ يَتَّبِع أَحَدًا مِنْ أَهْل الْكِتَابَيْنِ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاض فِي الْمِلَّة الْمَشْهُورَة فِي عِصْمَة الْأَنْبِيَاء قَبْل النُّبُوَّة إِنَّهَا كَالْمُمْتَنِعِ لِأَنَّ النَّوَاهِي إِنَّمَا تَكُون بَعْد تَقْرِير الشَّرْع , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى الصَّحِيح , فَعَلَى هَذَا فَالنَّوَاهِي إِذَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَة فَهِيَ مُعْتَبَرَة فِي حَقّه وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْل الْآخَر فَالْجَوَاب عَنْ قَوْله \" ذَبَحْنَا شَاة عَلَى بَعْض الْأَنْصَاب \" يَعْنِي الْحِجَارَة الَّتِي لَيْسَتْ بِأَصْنَامٍ وَلَا مَعْبُودَة , إِنَّمَا هِيَ مِنْ آلَات الْجَزَّار الَّتِي يَذْبَح عَلَيْهَا , لِأَنَّ النُّصُب فِي الْأَصْل حَجَر كَبِير , فَمِنْهَا مَا يَكُون عِنْدهمْ مِنْ جُمْلَة الْأَصْنَام فَيَذْبَحُونَ لَهُ وَعَلَى اِسْمه , وَمِنْهَا مَا لَا يُعْبَد بَلْ يَكُون مِنْ آلَات الذَّبْح فَيَذْبَح الذَّابِح عَلَيْهِ لَا لِلصَّنَمِ , أَوْ كَانَ اِمْتِنَاع زَيْد مِنْهَا حَسْمًا لِلْمَادَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ زَيْد بْن عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3541",
        "content": "‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا تَحَدَّثَ بِهِ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ‏ ‏خَرَجَ إِلَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏يَسْأَلُ عَنْ الدِّينِ وَيَتْبَعُهُ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ فَقَالَ إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ فَأَخْبِرْنِي فَقَالَ لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا أَبَدًا وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ قَالَ مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا قَالَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏وَمَا الْحَنِيفُ قَالَ دِينُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ فَخَرَجَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ ‏ ‏النَّصَارَى ‏ ‏فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَقَالَ لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ قَالَ مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ وَلَا أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ وَلَا مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ قَالَ مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا قَالَ وَمَا الْحَنِيفُ قَالَ دِينُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ فَلَمَّا رَأَى ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏قَوْلَهُمْ فِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏خَرَجَ فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏كَتَبَ إِلَيَّ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏رَأَيْتُ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ‏ ‏قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏يَقُولُ يَا مَعَاشِرَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏غَيْرِي وَكَانَ يُحْيِي ‏ ‏الْمَوْءُودَةَ ‏ ‏يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ لَا تَقْتُلْهَا أَنَا أَكْفِيكَهَا ‏ ‏مَئُونَتَهَا ‏ ‏فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ ‏ ‏مَئُونَتَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُقْبَة , وَالْخَبَر مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ , وَقَدْ شَكَّ فِيهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : مَا أَدْرِي هَذِهِ الْقِصَّة الثَّانِيَة مِنْ رِوَايَة الْفُضَيْل بْن مُوسَى أَمْ لَا. ثُمَّ سَاقَهَا مُطَوَّلَة مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُخْتَار عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة , وَكَذَا أَوْرَدَهَا الزُّبَيْر بْن بَكَّار وَالْفَاكِهِيّ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا. ‏ ‏قَوْله : ( لَا أَعْلَمهُ إِلَّا يُحَدِّث بِهِ عَنْ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏قَدْ سَاقَ الْبُخَارِيّ الْحَدِيث الْأَوَّل فِي الذَّبَائِح مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُخْتَار عَنْ مُوسَى بِغَيْرِ شَكّ , وَسَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الثَّانِي مِنْ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز الْمَذْكُور بِالشَّكِّ أَيْضًا فَكَانَ الشَّكّ فِيهِ مِنْ مُوسَى بْن عُقْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( يَسْأَل عَنْ الدِّين ) ‏ ‏أَيْ دِين التَّوْحِيد. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَتَّبِعهُ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاة بَعْدهَا مُوَحَّدَة. وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُثَنَّاة مَفْتُوحَة ثُمَّ عَيْن مُعْجَمَة أَيْ يَطْلُبهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ الْيَهُود ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَفِي حَدِيث زَيْد بْن حَارِثَة الْمَذْكُور \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِزَيْدِ بْن عَمْرو : مَا لِي أَرَى قَوْمك قَدْ شَنِفُوا عَلَيْك \" أَيْ أَبْغَضُوك , وَهُوَ بِفَتْحِ الشِّين الْمُعْجَمَة وَكَسْر النُّون بَعْدهَا فَاء \" قَالَ خَرَجْت أَبْتَغِي الدِّين فَقَدِمْت عَلَى الْأَحْبَار فَوَجَدْتهمْ يَعْبُدُونَ اللَّه وَيُشْرِكُونَ بِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ النَّصَارَى ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه أَيْضًا , وَوَقَعَ فِي حَدِيث زَيْد بْن حَارِثَة \" قَالَ لِي شَيْخ مِنْ أَحْبَار الشَّام : إِنَّك لَتَسْأَلنِي عَنْ دِينٍ مَا أَعْلَم أَحَدًا يَعْبُد اللَّه بِهِ إِلَّا شَيْخًا بِالْجَزِيرَةِ. قَالَ فَقَدِمْت عَلَيْهِ فَقَالَ : إِنَّ الَّذِي تَطْلُب قَدْ ظَهَرَ بِبِلَادِك , وَجَمِيع مَنْ رَأَيْتهمْ فِي ضَلَال \" وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَقَدْ خَرَجَ فِي أَرْضك نَبِيّ , أَوْ هُوَ خَارِج , فَارْجِعْ وَصَدِّقْهُ وَآمِنْ بِهِ. قَالَ زَيْد : فَلَمْ أَحُسّ بِشَيْءٍ بَعْد \". قُلْت : وَهَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ يَدُلّ عَلَى أَنَّ زَيْدًا رَجَعَ إِلَى الشَّام فَبَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ فَرَجَعَ وَمَاتَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا أَسْتَطِيع ) ‏ ‏أَيْ وَالْحَال أَنَّ لِي قُدْرَة عَلَى عَدَم حَمْل ذَلِكَ , كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَخْفِيفِ النُّون ضَمِير الْقَائِل , وَفِي رِوَايَة بِتَشْدِيدِ النُّون بِمَعْنَى الِاسْتِبْعَاد , وَالْمُرَاد بِغَضَبِ اللَّه إِرَادَة إِيصَال الْعِقَاب كَمَا أَنَّ الْمُرَاد بِلَعْنَةِ اللَّه الْإِبْعَاد عَنْ رَحْمَته. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا بَرَزَ ) ‏ ‏أَيْ خَارِج أَرْضهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدك أَنِّي عَلَى دِين إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة الْأُولَى وَفَتْح الثَّانِيَة. وَفِي حَدِيث سَعِيد بْن زَيْد \" فَانْطَلَقَ زَيْد وَهُوَ يَقُول : لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا , تَعَبُّدًا وَرِقًّا. ثُمَّ يَخِرّ فَيَسْجُد لِلَّهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث : كَتَبَ إِلَيَّ هِشَام ) أَيْ اِبْن عُرْوَة , وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي حَدِيث زُغْبَةَ مِنْ رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن أَبِي دَاوُدَ عَنْ عِيسَى بْن حَمَّاد وَهُوَ الْمَعْرُوف بِزُغْبَةَ عَنْ اللَّيْث , وَأَخْرَجَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة هَذَا الْحَدِيث بِتَمَامِهِ , وَأَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الزِّنَاد وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة كُلّهمْ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَا مِنْكُمْ عَلَى دِين إِبْرَاهِيم غَيْرِي ) ‏ ‏زَادَ أَبُو أُسَامَة فِي رِوَايَته \" وَكَانَ يَقُول : إِلَهِي إِلَه إِبْرَاهِيم , وَدِينِي دَيْن إِبْرَاهِيم \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي الزِّنَاد \" وَكَانَ قَدْ تَرَكَ عِبَادَة الْأَوْثَان , وَتَرَكَ أَكْل مَا يُذْبَح عَلَى النُّصُب \" فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" وَكَانَ يَقُول : اللَّهُمَّ لَوْ أَعْلَم أَحَبّ الْوُجُوه إِلَيْك لَعَبَدْتُك بِهِ , وَلَكِنِّي لَا أَعْلَمهُ , ثُمَّ يَسْجُد عَلَى الْأَرْض بِرَاحَتِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَة ) ‏ ‏هُوَ مَجَاز , وَالْمُرَاد بِإِحْيَائِهَا إِبْقَاؤُهَا. وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيث , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي الزِّنَاد \" وَكَانَ يَفْتَدِي الْمَوْءُودَة أَنْ تَقْتُل \" وَالْمَوْءُودَة مَفْعُولَة مِنْ وَأَدَ الشَّيْء إِذَا أَثْقَلَ , وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا اِسْم الْوَأْد اِعْتِبَارًا بِمَا أُرِيدَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَقَع. وَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَدْفِنُونَ الْبَنَات وَهُنَّ بِالْحَيَاةِ , وَيُقَال كَانَ أَصْلهَا مِنْ الْغَيْرَة عَلَيْهِنَّ لِمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الْعَرَب حَيْثُ سَبَى بِنْت آخَر فَاسْتَفْرَشَهَا , فَأَرَادَ أَبُوهَا أَنْ يَفْتَدِيهَا مِنْهُ فَخَيَّرَهَا فَاخْتَارَتْ الَّذِي سَبَاهَا , فَحَلَفَ أَبُوهَا لَيَقْتُلُنَّ كُلّ بِنْت تُولَد لَهُ , فَتُبِعَ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ شَرَحْت ذَلِكَ مُطَوَّلًا فِي كِتَابِي فِي \" الْأَوَائِل \" وَأَكْثَر مَنْ كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ مِنْهُمْ مِنْ الْإِمْلَاق كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) وَقِصَّة زَيْد هَذِهِ تَدُلّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الثَّانِي , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كُلّ وَاحِد مِنْ الْأَمْرَيْنِ كَانَ سَبَبًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَكْفِيك مُؤْنَتهَا ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ \" أَكْفِيكهَا مُؤْنَتهَا \" زَادَ أَبُو أُسَامَة فِي رِوَايَته \" وَسُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ زَيْد فَقَالَ : يُبْعَث يَوْم الْقِيَامَة أُمَّة وَحْده بَيْنِي وَبَيْن عِيسَى اِبْن مَرْيَم \" وَرَوَى الْبَغَوِيُّ فِي \" الصَّحَابَة \" مِنْ حَدِيث جَابِر نَحْو هَذِهِ الزِّيَادَة , وَسَاقَ لَهُ اِبْن إِسْحَاق أَشْعَارًا قَالَهَا فِي مُجَانَبَة الْأَوْثَان لَا نُطِيل بِذِكْرِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3542",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا بُنِيَتْ ‏ ‏الْكَعْبَةُ ‏ ‏ذَهَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَبَّاسٌ ‏ ‏يَنْقُلَانِ الْحِجَارَةَ فَقَالَ ‏ ‏عَبَّاسٌ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ يَقِيكَ مِنْ الْحِجَارَةِ فَخَرَّ إِلَى الْأَرْضِ ‏ ‏وَطَمَحَتْ ‏ ‏عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ ‏ ‏إِزَارِي إِزَارِي فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ ‏",
        "sharh": "قَوْله : فِي حَدِيث جَابِر ‏ ‏( لَمَّا بُنِيَتْ الْكَعْبَة ) ‏ ‏هُوَ مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة , وَلَعَلَّ جَابِرًا سَمِعَهُ مِنْ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَتَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَاب الْحَجّ. وَقَوْله : ‏ ‏\" يَقِك مِنْ الْحِجَارَة فَخَرَّ إِلَى الْأَرْض \" ‏ ‏فِيهِ حَذْف تَقْدِيره : فَفَعَلَ ذَلِكَ فَخَرَّ. وَفِي حَدِيث أَبِي الطُّفَيْل الْمَذْكُور آنِفًا \" فَبَيْنَمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْقُل الْحِجَارَة مَعَهُمْ إِذْ اِنْكَشَفَتْ عَوْرَته , فَنُودِيَ يَا مُحَمَّد غَطِّ عَوْرَتك , فَذَلِكَ فِي أَوَّل مَا نُودِيَ , فَمَا رُئِيَتْ لَهُ عَوْرَة قَبْل وَلَا بَعْد \" وَقَوْله : ‏ ‏\" طُمِحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاء \" ‏ ‏أَيْ اِرْتَفَعَتْ. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَبْعَث \" وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا ذُكِرَ لِي يُحَدِّث عَمَّا كَانَ اللَّه يَحْفَظهُ فِي صِغَره أَنَّهُ قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتنِي فِي غِلْمَان مِنْ قُرَيْش نَنْقُل حِجَارَة لِبَعْضِ مِمَّا تَلْعَب بِهِ الْغِلْمَان , كُلّنَا قَدْ تَعَرَّى وَأَخَذَ إِزَاره فَجَعَلَهُ عَلَى رَقَبَته يَحْمِل عَلَيْهِ الْحِجَارَة , إِذْ لَكَمَنِي لَاكِم مَا أَرَاهُ , ثُمَّ قَالَ : شُدَّ عَلَيْك إِزَارك , قَالَ فَشَدَدْته عَلَيَّ , ثُمَّ جَعَلْت أَحْمِل وَإِزَارِي عَلَيَّ مِنْ بَيْن أَصْحَابِي \" قَالَ السُّهَيْلِيّ : إِنَّمَا وَرَدَتْ هَذِهِ الْقِصَّة فِي بُنْيَان الْكَعْبَة , فَإِنْ صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي صِغَره فَهِيَ قِصَّة أُخْرَى : مَرَّة فِي الصِّغَر وَمَرَّة فِي حَال الِاكْتِهَال. قُلْت : وَقَدْ يُطْلَق عَلَى الْكَبِير غُلَام إِذَا فَعَلَ فِعْل الْغِلْمَان فَلَا يَسْتَحِيل اِتِّحَاد الْقِصَّة اِعْتِمَادًا عَلَى التَّصْرِيح بِالْأَوَّلِيَّةِ فِي حَدِيث أَبِي الطُّفَيْل. ‏"
    },
    {
        "id": "3543",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَوْلَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏حَائِطٌ كَانُوا يُصَلُّونَ حَوْلَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏حَتَّى كَانَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَبَنَى حَوْلَهُ حَائِطًا قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏جَدْرُهُ قَصِيرٌ فَبَنَاهُ ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَا : لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوْل الْبَيْت حَائِط ) ‏ ‏هَذَا مُرْسَل , وَقِيلَ : مُنْقَطِع ; لِأَنَّ عَمْرو بْن دِينَار وَعُبَيْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد مِنْ أَصَاغِر التَّابِعِينَ. وَأَمَّا قَوْله : \" حَتَّى كَانَ عُمَر \" فَمُنْقَطِع فَإِنَّهُمَا لَمْ يُدْرِكَا عُمَر أَيْضًا. وَأَمَّا قَوْله \" قَالَ عُبَيْد اللَّه جَدْرُهُ قَصِير \" هُوَ بِفَتْحِ الْجِيم , وَالْجُدُر وَالْجِدَار بِمَعْنًى. وَقَوْله : \" فَبَنَاهُ اِبْن الزُّبَيْر \" هَذَا الْقَدْر هُوَ الْمَوْصُول مِنْ هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد بِتَمَامِهِ وَقَالَ فِيهِ : \" وَكَانَ أَوَّل مَنْ جَعَلَ الْحَائِط عَلَى الْبَيْت عُمَر \" قَالَ عُبَيْد اللَّه وَكَانَ جَدْرُهُ قَصِيرًا حَتَّى كَانَ زَمَن اِبْن الزُّبَيْر فَزَادَ فِيهِ \" وَذَكَرَ الْفَاكِهِيّ أَنَّ الْمَسْجِد كَانَ مُحَاطًا بِالدُّورِ عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَعُمَر , فَضَاقَ عَلَى النَّاس , فَوَسَّعَهُ عُمَر وَاشْتَرَى دُورًا فَهَدَمَهَا , وَأَعْطَى مَنْ أَبَى أَنْ يَبِيع ثَمَن دَاره , ثُمَّ أَحَاطَ عَلَيْهِ بِجِدَارٍ قَصِير دُون الْقَامَة , وَرَفَعَ الْمَصَابِيح عَلَى الْجُدُر \" قَالَ : \" ثُمَّ كَانَ عُثْمَان فَزَادَ فِي سِعَته مِنْ جِهَات أُخَر , ثُمَّ وَسَّعَهُ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , ثُمَّ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور , ثُمَّ وَلَده الْمَهْدِيّ \" قَالَ : \" وَيُقَال إِنَّ اِبْن الزُّبَيْر سَقَّفَهُ أَوْ سَقَّفَ بَعْضه , ثُمَّ رَفَعَ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان جُدْرَانه وَسَقَّفَهُ بِالسَّاجِ , وَقِيلَ : بَلْ الَّذِي صَنَعَ ذَلِكَ وَلَده الْوَلِيد وَهُوَ أَثْبَت , وَكَانَ ذَلِكَ سَنَة ثَمَان وَثَمَانِينَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3544",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَصُومُهُ فَلَمَّا قَدِمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَا يَصُومُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ عَاشُورَاء ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الصِّيَام , وَذَكَرْت هُنَاكَ اِحْتِمَالًا أَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْ أَهْل الْكِتَاب , ثُمَّ وَجَدْت فِي بَعْض الْأَخْبَار أَنَّهُمْ كَانُوا أَصَابَهُمْ قَحْط ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُمْ فَصَامُوهُ شُكْرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3545",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ وَكَانُوا يُسَمُّونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا وَيَقُولُونَ إِذَا ‏ ‏بَرَا ‏ ‏الدَّبَرْ ‏ ‏وَعَفَا ‏ ‏الْأَثَرْ حَلَّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنْ ‏ ‏اعْتَمَرْ قَالَ فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ رَابِعَةً مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ وَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْحِلِّ قَالَ ‏ ‏الْحِلُّ كُلُّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانُوا يَرَوْنَ ) ‏ ‏أَيْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ أَشْهُر الْحَجّ لَا يُنْسَك فِيهَا إِلَّا بِالْحَجِّ وَأَنَّ غَيْرهَا مِنْ الْأَشْهُر لِلْعُمْرَةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3546",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ سَيْلٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَسَا مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَيَقُولُ إِنَّ هَذَا لَحَدِيثٌ لَهُ شَأْنٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن بِشْر عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا عَمْرو بْن دِينَار \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَدّه ) ‏ ‏هُوَ حَزْن بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الزَّاي وَهُوَ اِبْن أَبِي وَهْب الَّذِي قَدَّمْنَا أَنَّهُ أَشَارَ عَلَى قُرَيْش بِأَنْ تَكُون النَّفَقَة فِي بِنَاء الْكَعْبَة مِنْ مَال طَيِّبٍ. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ سَيْل فِي الْجَاهِلِيَّة فَطَبَطَقَ مَا بَيْن الْجَبَلَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ مَلَأ مَا بَيْن الْجَبَلَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي جَانِبَيْ الْكَعْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان وَيَقُول إِنَّ هَذَا الْحَدِيث لَهُ شَأْن ) ‏ ‏أَيْ قِصَّة , وَذَكَرَ مُوسَى بْن عُقْبَة أَنَّ السَّيْل كَانَ يَأْتِي مِنْ فَوْق الرَّدْم الَّذِي بِأَعْلَى مَكَّة فَيُجْرِيه , فَتَخَوَّفُوا أَنْ يَدْخُل الْمَاء الْكَعْبَة فَأَرَادُوا تَشْيِيد بُنْيَانهَا , وَكَانَ أَوَّل مَنْ طَلَعَهَا وَهَدَمَ مِنْهَا شَيْئًا الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة , وَذَكَرَ الْقِصَّة فِي بُنْيَان الْكَعْبَة قَبْل الْمَبْعَث النَّبَوِيّ. وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيّ فِي \" الْأُمّ \" بِسَنَدٍ لَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر أَنَّ كَعْبًا قَالَ لَهُ وَهُوَ يَعْمَل بِنَاء مَكَّة اُشْدُدْهُ وَأَوْثِقْهُ , فَإِنَّا نَجِد فِي الْكُتُب أَنَّ السُّيُول سَتَعْظُمُ فِي آخِر الزَّمَان ا ه. فَكَانَ الشَّأْن الْمُشَار إِلَيْهِ أَنَّهُمْ اِسْتَشْعَرُوا مِنْ ذَلِكَ السَّيْل الَّذِي لَمْ يَعْهَدُوا مِثْله أَنَّهُ مَبْدَأ السُّيُول الْمُشَار إِلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3547",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَيَانٍ أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ دَخَلَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏امْرَأَةٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَحْمَسَ ‏ ‏يُقَالُ لَهَا ‏ ‏زَيْنَبُ ‏ ‏فَرَآهَا لَا تَكَلَّمُ فَقَالَ ‏ ‏مَا لَهَا لَا تَكَلَّمُ قَالُوا حَجَّتْ مُصْمِتَةً قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَتَكَلَّمَتْ فَقَالَتْ مَنْ أَنْتَ قَالَ امْرُؤٌ مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏قَالَتْ أَيُّ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏قَالَ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏قَالَتْ مِنْ أَيِّ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏أَنْتَ قَالَ إِنَّكِ لَسَئُولٌ أَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏قَالَتْ مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الصَّالِحِ الَّذِي جَاءَ اللَّهُ بِهِ بَعْدَ الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ بَقَاؤُكُمْ عَلَيْهِ مَا اسْتَقَامَتْ بِكُمْ أَئِمَّتُكُمْ قَالَتْ وَمَا الْأَئِمَّةُ قَالَ أَمَا كَانَ لِقَوْمِكِ رُءُوسٌ وَأَشْرَافٌ يَأْمُرُونَهُمْ فَيُطِيعُونَهُمْ قَالَتْ بَلَى قَالَ فَهُمْ أُولَئِكِ عَلَى النَّاسِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( دَخَلَ ) ‏ ‏أَيْ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى اِمْرَأَة مِنْ أَحْمَسَ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ وَزْن أَحْمَد , وَهِيَ قَبِيلَة مِنْ بَجِيلَة. وَأَغْرَبَ اِبْن التِّين فَقَالَ : الْمُرَاد اِمْرَأَة مِنْ الْحَمَس وَهِيَ مِنْ قُرَيْش. ‏ ‏قَوْله : ( يُقَال لَهَا زَيْنَب بِنْت الْمُهَاجِر ) ‏ ‏رَوَى حَدِيثهَا مُحَمَّد بْن سَعْد فِي الطَّبَقَات مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن جَابِر الْأَحْمَسِيِّ عَنْ عَمَّته زَيْنَب بِنْت الْمُهَاجِر قَالَتْ : \" خَرَجْت حَاجَّة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي \" ذَيْل الصَّحَابَة \" أَنَّ اِبْن مَنْدَهْ ذَكَرَ فِي \" تَارِيخ النِّسَاء \" لَهُ أَنَّ زَيْنَب بِنْت جَابِر أَدْرَكَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَتْ عَنْ أَبِي بَكْر , وَرَوَى عَنْهَا عَبْد اللَّه بْن جَابِر وَهِيَ عَمَّته قَالَ : وَقِيلَ : هِيَ بِنْت الْمُهَاجِر بْن جَابِر , وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" أَنَّ فِي رِوَايَة شَرِيك وَغَيْره عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد فِي حَدِيث الْبَاب أَنَّهَا زَيْنَب بِنْت عَوْف , قَالَ : وَذَكَرَ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيل أَنَّهَا جَدَّة إِبْرَاهِيم بْن الْمُهَاجِر , وَالْجَمْع بَيْن هَذِهِ الْأَقْوَال مُمْكِن بِأَنَّ مَنْ قَالَ بِنْت الْمُهَاجِر نَسَبَهَا إِلَى أَبِيهَا أَوْ بِنْت جَابِر نَسَبَهَا إِلَى جَدّهَا الْأَدْنَى أَوْ بِنْت عَوْف نَسَبَهَا إِلَى جَدّ لَهَا أَعْلَى , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( مُصْمَتَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة أَيْ سَاكِتَة يُقَال أَصَمْت وَصَمَتَ بِمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلّ ) ‏ ‏يَعْنِي تَرْك الْكَلَام. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق أَنَّ الْمَرْأَة قَالَتْ لَهُ : \" كَانَ بَيْننَا وَبَيْن قَوْمك فِي الْجَاهِلِيَّة شَرّ , فَحَلَفْت إِنْ اللَّه عَافَانَا مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا أُكَلِّم أَحَدًا حَتَّى أَحُجّ , فَقَالَ : إِنَّ الْإِسْلَام يَهْدِم ذَلِكَ , فَتَكَلَّمِي \" وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ طَرِيق زَيْد بْن وَهْب عَنْ أَبِي بَكْر نَحْوه , وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِقَوْلِ أَبِي بَكْر هَذَا مَنْ قَالَ بِأَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَلَّم اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّم وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ , لِأَنَّ أَبَا بَكْر لَمْ يَأْمُرهَا بِالْكَفَّارَةِ , وَقِيَاسه أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ لَا يَتَكَلَّم لَمْ يَنْعَقِد نَذْره , لِأَنَّ أَبَا بَكْر أَطْلَقَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلّ وَأَنَّهُ مِنْ فِعْل الْجَاهِلِيَّة وَأَنَّ الْإِسْلَام هَدَمَ ذَلِكَ وَلَا يَقُول أَبُو بَكْر مِثْل هَذَا إِلَّا عَنْ تَوْقِيف فَيَكُون فِي حُكْم الْمَرْفُوع , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة أَبِي إِسْرَائِيل الَّذِي نَذَرَ أَنْ يَمْشِي وَلَا يَرْكَب وَلَا يَسْتَظِلّ وَلَا يَتَكَلَّم فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْكَب وَيَسْتَظِلّ وَيَتَكَلَّم , وَحَدِيث عَلِيّ رَفَعَهُ \" لَا يُتْم بَعْد اِحْتِلَام وَلَا صَمْت يَوْم إِلَى اللَّيْل \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحه : كَانَ مِنْ نُسُك أَهْل الْجَاهِلِيَّة الصَّمْت , فَكَانَ أَحَدهمْ يَعْتَكِف الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَيَصْمُت , فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَأُمِرُوا بِالنُّطْقِ بِالْخَيْرِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي كِتَاب الْحَجّ , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَالَ اِبْن قُدَامَةَ فِي \" الْمُغْنِي \" : لَيْسَ مِنْ شَرِيعَة الْإِسْلَام الصَّمْت عَنْ الْكَلَام , وَظَاهِر الْأَخْبَار تَحْرِيمه , وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْر وَبِحَدِيثِ عَلِيّ الْمَذْكُور قَالَ : فَإِنْ نَذَرَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمهُ الْوَفَاء بِهِ , وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي وَلَا نَعْلَم فِيهِ مُخَالِفًا ا ه. وَكَلَام الشَّافِعِيَّة يَقْتَضِي أَنَّ مَسْأَلَة النَّذْر لَيْسَتْ مَنْقُولَة , فَإِنَّ الرَّافِعِيّ ذَكَرَ فِي كِتَاب النَّذْر أَنَّ فِي تَفْسِير أَبِي نَصْر الْقُشَيْرِيِّ عَنْ الْقَفَّال قَالَ مَنْ نَذَرَ أَنْ لَا يُكَلِّم الْآدَمِيِّينَ يَحْتَمِل أَنْ يُقَال يَلْزَمهُ لِأَنَّهُ مِمَّا يُتَقَرَّب بِهِ. وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال لَا , لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيق وَالتَّشْدِيد وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْعنَا , كَمَا لَوْ نَذَرَ الْوُقُوف فِي الشَّمْس , قَالَ أَبُو نَصْر : فَعَلَى هَذَا يَكُون نَذْر الصَّمْت فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة لَا فِي شَرِيعَتنَا , ذَكَرَهُ فِي تَفْسِير سُورَة مَرْيَم عِنْد قَوْلهَا ( إِنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) وَفِي \" التَّتِمَّة \" لِأَبِي سَعِيد الْمُتَوَلِّي : مَنْ قَالَ شَرْعُ مَنْ قَبْلنَا شَرْعٌ لَنَا جَعَلَ ذَلِكَ قُرْبَةً. وَقَالَ اِبْن الرِّفْعَة فِي قَوْل الشَّيْخ أَبِي إِسْحَاق فِي \" التَّنْبِيه \" : وَيُكْرَه لَهُ صَمْت يَوْم إِلَى اللَّيْل , قَالَ فِي شَرْحه : إِذْ لَمْ يُؤْثِر ذَلِكَ بَلْ جَاءَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس النَّهْي عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ : نَعَمْ , قَدْ وَرَدَ فِي شَرْع مَنْ قَبْلنَا , فَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ شَرْع لَنَا لَمْ يُكْرَه , إِلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبّ قَالَهُ اِبْن يُونُس , قَالَ : وَفِيهِ نَظَر ; لِأَنَّ الْمَاوَرْدِيّ قَالَ : رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا صَمْت الصَّائِم تَسْبِيح , قَالَ : فَإِنْ صَحَّ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّة الصَّمْت , وَإِلَّا فَحَدِيث اِبْن عَبَّاس أَقَلّ دَرَجَاته الْكَرَاهَة. قَالَ : وَحَيْثُ قُلْنَا إِنَّ شَرْع مَنْ قَبْلنَا شَرْع لَنَا , فَذَاكَ إِذَا لَمْ يَرِد فِي شَرْعنَا مَا يُخَالِفهُ اِنْتَهَى. وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَقَدْ وَرَدَ النَّهْي , وَالْحَدِيث الْمَذْكُور لَا يَثْبُت , وَقَدْ أَوْرَدَهُ صَاحِب \" مُسْنَد الْفِرْدَوْس \" مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر وَفِي إِسْنَاده الرَّبِيع بْن بَدْر وَهُوَ سَاقِط , وَلَوْ ثَبَتَ لَمَا أَفَادَ الْمَقْصُود لِأَنَّ لَفْظه \" صَمْت الصَّائِم تَسْبِيح , وَنَوْمه عِبَادَة , وَدُعَاؤُهُ مُسْتَجَاب \" فَالْحَدِيث مُسَاق فِي أَنَّ أَفْعَال الصَّائِم كُلّهَا مَحْبُوبَة , لَا أَنَّ الصَّمْت بِخُصُوصِهِ مَطْلُوب. وَقَدْ قَالَ الرُّويَانِيّ فِي \" الْبَحْر \" فِي آخِر الصِّيَام : فَرْع : جَرَتْ عَادَة النَّاس بِتَرْكِ الْكَلَام فِي رَمَضَان , وَلَيْسَ لَهُ أَصْل فِي شَرْعنَا بَلْ فِي شَرْع مَنْ قَبْلنَا , فَيَخْرُج جَوَاز ذَلِكَ عَلَى الْخِلَاف فِي الْمَسْأَلَة اِنْتَهَى. وَلْيُتَعَجَّب مِمَّنْ نَسَبَ تَخْرِيج مَسْأَلَة النَّذْر إِلَى نَفْسه مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ , وَأَمَّا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الصَّمْت وَفَضْله كَحَدِيثِ \" مَنْ صَمَتَ نَجَا \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ , وَحَدِيث \" أَيْسَر الْعِبَادَة الصَّمْت \" أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا بِسَنَدٍ مُرْسَل رِجَاله ثِقَات , إِلَى غَيْر ذَلِكَ , فَلَا يُعَارِض مَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق مِنْ الْكَرَاهَة لِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِد فِي ذَلِكَ , فَالصَّمْت الْمُرَغَّب فِيهِ تَرْك الْكَلَام الْبَاطِل , وَكَذَا الْمُبَاح إِنْ جَرّ إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَالصَّمْت الْمَنْهِيّ عَنْهُ تَرْك الْكَلَام فِي الْحَقّ لِمَنْ يَسْتَطِيعهُ , وَكَذَا الْمُبَاح الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّكِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْكَاف. ‏ ‏قَوْله : ( لَسَئُول ) ‏ ‏أَيْ كَثِيرَة السُّؤَال , وَهَذِهِ الصِّيغَة يَسْتَوِي فِيهَا الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث. ‏ ‏قَوْله : ( مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هَذَا الْأَمْر الصَّالِح ) ‏ ‏أَيْ دِين الْإِسْلَام وَمَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَدْل وَاجْتِمَاع الْكَلِمَة وَنَصْر الْمَظْلُوم وَوَضْع كُلّ شَيْء فِي مَحَلّه. ‏ ‏قَوْله : ( مَا اِسْتَقَامَتْ بِكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَئِمَّتكُمْ ) ‏ ‏أَيْ لِأَنَّ النَّاس عَلَى دِين مُلُوكهمْ , فَمَنْ حَادَ مِنْ الْأَئِمَّة عَنْ الْحَال مَالَ وَأَمَالَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3548",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَسْلَمَتْ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ لِبَعْضِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏وَكَانَ لَهَا ‏ ‏حِفْشٌ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ قَالَتْ فَكَانَتْ تَأْتِينَا فَتَحَدَّثُ عِنْدَنَا فَإِذَا فَرَغَتْ مِنْ حَدِيثِهَا قَالَتْ ‏ ‏وَيَوْمُ الْوِشَاحِ ‏ ‏مِنْ تَعَاجِيبِ رَبِّنَا ‏ ‏أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي ‏ ‏فَلَمَّا أَكْثَرَتْ قَالَتْ لَهَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَمَا ‏ ‏يَوْمُ الْوِشَاحِ ‏ ‏قَالَتْ خَرَجَتْ ‏ ‏جُوَيْرِيَةٌ ‏ ‏لِبَعْضِ أَهْلِي وَعَلَيْهَا وِشَاحٌ مِنْ ‏ ‏أَدَمٍ ‏ ‏فَسَقَطَ مِنْهَا فَانْحَطَّتْ عَلَيْهِ ‏ ‏الْحُدَيَّا وَهِيَ تَحْسِبُهُ لَحْمًا فَأَخَذَتْهُ فَاتَّهَمُونِي بِهِ فَعَذَّبُونِي حَتَّى بَلَغَ مِنْ أَمْرِي أَنَّهُمْ طَلَبُوا فِي قُبُلِي فَبَيْنَاهُمْ حَوْلِي وَأَنَا فِي كَرْبِي إِذْ أَقْبَلَتْ ‏ ‏الْحُدَيَّا حَتَّى وَازَتْ بِرُءُوسِنَا ثُمَّ أَلْقَتْهُ فَأَخَذُوهُ فَقُلْتُ لَهُمْ هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الْمَرْأَة السَّوْدَاء , لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا , وَذَكَرَ عُمَر بْن شَبَّة فِي طَرِيق لَهُ أَنَّهَا كَانَتْ بِمَكَّة وَأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ لَهَا ذَلِكَ هَاجَرَتْ إِلَى الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ لَهَا حِفْش ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْفَاء بَعْدهَا مُعْجَمَة هُوَ الْبَيْت الضَّيِّق الصَّغِير , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْحِفْش هُوَ الدَّرَج فِي الْأَصْل ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الْبَيْت الصَّغِير لِشَبَهِهِ بِهِ فِي الضِّيق. ‏ ‏قَوْله : ( وَازَتْ ) ‏ ‏أَيْ قَابَلَتْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذِهِ الْقِصَّة فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد مِنْ كِتَاب الصَّلَاة , وَوَجْه دُخُولهَا هُنَا مِنْ جِهَة مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْل الْجَاهِلِيَّة مِنْ الْجَفَاء فِي الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3549",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَلَا مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللَّهِ فَكَانَتْ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏تَحْلِفُ بِآبَائِهَا فَقَالَ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِالْآبَاءِ , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور. ‏"
    },
    {
        "id": "3550",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏الْقَاسِمَ ‏ ‏كَانَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْ الْجَنَازَةِ وَلَا يَقُومُ لَهَا ‏ ‏وَيُخْبِرُ عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُومُونَ لَهَا يَقُولُونَ إِذَا رَأَوْهَا كُنْتِ فِي أَهْلِكِ مَا أَنْتِ مَرَّتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ الْقَاسِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَقُوم لَهَا ) ‏ ‏أَيْ الْجِنَازَة. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَقُومُونَ لَهَا ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ عَائِشَة لَمْ يَبْلُغهَا أَمْر الشَّارِع بِالْقِيَامِ لَهَا , فَرَأَتْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّة وَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَام بِمُخَالَفَتِهِمْ , وَقَدْ قَدَّمْت فِي الْجَنَائِز بَيَان الِاخْتِلَاف فِي الْمَسْأَلَة وَهَلْ نُسِخَ هَذَا الْحُكْم أَمْ لَا ؟ وَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ نُسِخَ هَلْ نُسِخَ الْوُجُوب وَبَقِيَ الِاسْتِحْبَاب أَمْ لَا ؟ أَوْ مُطْلَق الْجَوَاز ؟ وَاخْتَارَ بَعْض الشَّافِعِيَّة الْأَخِير , وَأَكْثَر الشَّافِعِيَّة الْكَرَاهَة , وَادَّعَى الْمَحَامِلِيّ فِيهِ الِاتِّفَاق , وَخَالَفَ الْمُتَوَلِّي فَقَالَ : يُسْتَحَبّ , وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيّ وَقَالَ : هَذَا مِنْ جُمْلَة الْأَحْكَام الَّتِي اِسْتَدْرَكَتْهَا عَائِشَة عَلَى الصَّحَابَة لَكِنْ كَانَ جَانِبهمْ فِيهَا أَرْجَح. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت فِي أَهْلك مَا أَنْتِ مَرَّتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ وَمَا مَوْصُولَة وَبَعْض الصِّلَة مَحْذُوف وَالتَّقْدِير : كُنْت فِي أَهْلك الَّذِي كُنْت فِيهِ أَيْ الَّذِي أَنْتِ فِيهِ الْآن كُنْت فِي الْحَيَاة مِثْله , لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ بَلْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الرُّوح إِذَا خَرَجَتْ تَطِير طَيْرًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَهْل الْخَيْر كَانَ رُوحه مِنْ صَالِحِي الطَّيْر إِلَّا فَبِالْعَكْسِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْلهمْ هَذَا دُعَاء لِلْمَيِّتِ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون \" مَا \" نَافِيَة وَلَفْظ \" مَرَّتَيْنِ \" مِنْ تَمَام الْكَلَام أَيْ لَا تَكُونِي فِي أَهْلك مَرَّتَيْنِ : الْمَرَّة الْوَاحِدَة الَّتِي كُنْت فِيهِمْ اِنْقَضَتْ وَلَيْسَتْ بِعَائِدَةٍ إِلَيْهِمْ مَرَّة أُخْرَى. وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون \" مَا \" اِسْتِفْهَامِيَّة أَيْ كُنْت فِي أَهْلك شَرِيفَة فَأَيّ شَيْء أَنْتَ الْآنَ ؟ يَقُولُونَ ذَلِكَ حُزْنًا وَتَأَسُّفًا عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3551",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا ‏ ‏يُفِيضُونَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏جَمْعٍ ‏ ‏حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ عَلَى ‏ ‏ثَبِيرٍ ‏ ‏فَخَالَفَهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُمَر فِي قَوْلهمْ \" أَشْرِقْ ثَبِير \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْحَجّ مُسْتَوْفًى , وَقَوْله : ‏ ‏\" حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْس \" ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : ضُبِطَ بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّ الرَّاء , وَالْمَعْرُوف بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْرهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3552",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَكُمْ ‏ ‏يَحْيَى بْنُ الْمُهَلَّبِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُصَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ { ‏وَكَأْسًا دِهَاقًا ‏} ‏قَالَ مَلْأَى مُتَتَابِعَةً ‏ ‏قَالَ وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ‏ ‏اسْقِنَا كَأْسًا دِهَاقًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَكُمْ يَحْيَى بْن الْمُهَلَّب ) ‏ ‏هُوَ الْبَجَلِيّ يُكَنَّى أَبَا كُدَيْنَةَ بِالتَّصْغِيرِ وَالنُّون , وَهُوَ كُوفِيّ مُوَثَّق مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( مَلْأَى مُتَتَابِعَة ) ‏ ‏كَذَا جَمَعَ بَيْنهمَا , وَهُمَا قَوْلَانِ لِأَهْلِ اللُّغَة تَقُول : أَدْهَقْت الْكَأْس إِذَا مَلَأْتهَا , وَأَدْهَقْت لَهُ إِذَا تَابَعْت لَهُ السَّقْي , وَقِيلَ : أَصْل الدَّهَق الضَّغْط , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَلَأَ الْيَد بِالْكَأْسِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهَا مُتَّسَع لِغَيْرِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : وَقَالَ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ عِكْرِمَة , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت أَبِي ) ‏ ‏هُوَ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْجَاهِلِيَّة ) ‏ ‏أَيْ وَقَعَ سَمَاعِي لِذَلِكَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّة , وَالْمُرَاد بِهَا جَاهِلِيَّة نِسْبِيَّة لَا الْمُطْلَقَة لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس لَمْ يُدْرِك مَا قَبْل الْبَعْثَة , بَلْ لَمْ يُولَد إِلَّا بَعْد الْبَعْث بِنَحْوِ عَشْر سِنِينَ , فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ سَمِعَ الْعَبَّاس يَقُول ذَلِكَ قَبْل أَنْ يُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْقِنَا كَأْسًا دِهَاقًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" سَمِعْت أَبِي يَقُول لِغُلَامِهِ : اِدْهَقْ لَنَا , أَيْ اِمْلَأْ لَنَا , أَوْ تَابِع لَنَا \" اِنْتَهَى. وَهُوَ بِمَعْنَى مَا سَاقَهُ الْبُخَارِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3553",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ ‏ ‏لَبِيدٍ ‏ ‏أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ ‏ ‏وَكَادَ ‏ ‏أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ ‏ ‏أَنْ يُسْلِمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَيْر , وَلِأَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ الثَّوْرِيّ \" حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر \". وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه عَنْ عَبْد الْمَلِك \" حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَة \" , وَلَهُ مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل عَنْ عَبْد الْمَلِك عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن \" سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة \". ‏ ‏قَوْله : ( أَصْدَقُ كَلِمَة قَالَهَا الشَّاعِر ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالْكَلِمَةِ الْبَيْت الَّذِي ذَكَرَ شَطْره , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد الْقَصِيدَة كُلّهَا , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق شُعْبَة وَزَائِدَة فَرَّقَهُمَا عَنْ عَبْد الْمَلِك بِلَفْظِ \" إِنَّ أَصْدَق بَيْت قَالَهُ الشَّاعِر \" وَلَيْسَ فِي رِوَايَة شُعْبَة \" إِنَّ \" وَوَقَعَ عِنْده فِي رِوَايَة شَرِيك عَنْ عَبْد الْمَلِك بِلَفْظِ \" أَشْعَر كَلِمَة تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَب \" فَلَوْلَا أَنَّ فِي حِفْظ شَرِيك مَقَالًا لَرَفَعَ هَذَا اللَّفْظ الْإِشْكَال الَّذِي أَبَدَاهُ السُّهَيْلِيّ عَلَى لَفْظ رِوَايَة الصَّحِيح بِلَفْظِ \" أَصْدَق \" إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ لَفْظ \" أَشْعَر \" أَنْ يَكُون أَصْدَق , نَعَمْ السُّؤَال بَاقٍ فِي التَّعْبِير بِوَصْفِ كُلّ شَيْء بِالْبُطْلَانِ مَعَ اِنْدِرَاج الطَّاعَات وَالْعِبَادَات فِي ذَلِكَ وَهِيَ حَقّ لَا مَحَالَة , وَكَذَا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَائِهِ بِاللَّيْلِ \" أَنْتَ الْحَقّ وَقَوْلك الْحَقّ وَالْجَنَّة حَقّ وَالنَّار حَقّ إِلَخْ \" وَأُجِيب عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِ الشَّاعِر مَا عَدَا اللَّه أَيْ مَا عَدَاهُ وَعَدَا صِفَاته الذَّاتِيَّة وَالْفِعْلِيَّة مِنْ رَحْمَته وَعَذَابه وَغَيْر ذَلِكَ , فَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْجَنَّة وَالنَّار , أَوْ الْمُرَاد فِي الْبَيْت بِالْبُطْلَانِ الْفِنَاء لَا الْفَسَاد , فَكُلّ شَيْء سِوَى اللَّه جَائِز عَلَيْهِ الْفِنَاء لِذَاتِهِ حَتَّى الْجَنَّة وَالنَّار , وَإِنَّمَا يَبْقَيَانِ بِإِبْقَاءِ اللَّه لَهُمَا وَخَلْق الدَّوَام لِأَهْلِهِمَا , وَالْحَقُّ عَلَى الْحَقِيقَة مَنْ لَا يَجُوز عَلَيْهِ الزَّوَال , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِثْبَات الْأَلِف وَاللَّام فِي قَوْله : \" أَنْتَ الْحَقّ وَقَوْلك الْحَقّ وَوَعَدَك الْحَقّ \" وَحَذَفَهُمَا عِنْد ذِكْر غَيْرهمَا وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي إِيرَاد الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب تَلْمِيح بِمَا وَقَعَ لِعُثْمَان بْن مَظْعُون بِسَبَبِ هَذَا الْبَيْت مَعَ نَاظِمه لَبِيد بْن رَبِيعَة قَبْل إِسْلَامه , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّة وَقُرَيْش فِي غَايَة الْأَذِيَّة لِلْمُسْلِمِينَ , فَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ صَالِح بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عُثْمَان بْن مَظْعُون أَنَّهُ \" لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْهِجْرَة الْأُولَى إِلَى الْحَبَشَة دَخَلَ مَكَّة فِي جِوَار الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة , فَلَمَّا رَأَى الْمُشْرِكِينَ يُؤْذُونَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ آمِنٌ رَدَّ عَلَى الْوَلِيد جِوَاره , فَبَيْنَمَا هُوَ فِي مَجْلِس لِقُرَيْشٍ وَقَدْ وَفَدَ عَلَيْهِمْ لَبِيد بْن رَبِيعَة فَقَعَدَ يَنْشُدهُمْ مِنْ شِعْره فَقَالَ لَبِيد \" أَلَا كُلّ شَيْء مَا خَلَا اللَّه بَاطِل \" فَقَالَ عُثْمَان بْن مَظْعُون : صَدَقْت , فَقَالَ لَبِيد \" وَكُلّ نَعِيم لَا مَحَالَة زَائِل \" فَقَالَ عُثْمَان : كَذَبْت , نَعِيم الْجَنَّة لَا يَزُول. فَقَالَ لَبِيد : مَتَى كَانَ يُؤْذَى جَلِيسكُمْ يَا مَعْشَر قُرَيْش ؟ فَقَامَ رَجُل مِنْهُمْ فَلَطَمَ عُثْمَان فَاخْضَرَّتْ عَيْنه , فَلَامَهُ الْوَلِيد عَلَى رَدّ جِوَاره فَقَالَ : قَدْ كُنْت فِي ذِمَّة مَنِيعَة , فَقَالَ عُثْمَان : إِنَّ عَيْنِي الْأُخْرَى لِمَا أَصَابَ أُخْتهَا لَفَقِيرَة , فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد : فَعُدْ إِلَى جِوَارك , فَقَالَ : بَلْ أَرْضَى بِجِوَارِ اللَّه تَعَالَى. قُلْت : وَقَدْ أَسْلَمَ لَبِيد بَعْد ذَلِكَ , وَهُوَ اِبْن رَبِيعَة بْن عَامِر بْن مَالِك بْن جَعْفَر بْن كِلَاب بْن رَبِيعَة بْن عَامِر الْعَامِرِيّ ثُمَّ الْكِلَابِيّ ثُمَّ الْجَعْفَرِيّ , يُكَنَّى أَبَا عَقِيل. وَذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَة الْبُخَارِيّ وَابْن أَبِي خَيْثَمَةَ وَغَيْرهمَا. وَقَالَ لِعُمَر لَمَّا سَأَلَهُ عَمَّا قَالَهُ مِنْ الشِّعْر فِي الْإِسْلَام : قَدْ أَبْدَلَنِي اللَّه بِالشِّعْرِ سُورَة الْبَقَرَة. ثُمَّ سَكَنَ الْكُوفَة وَمَاتَ بِهَا فِي خِلَافَة عُثْمَان , وَعَاشَ مِائَة وَخَمْسِينَ سَنَة وَقِيلَ : أَكْثَر , وَهُوَ الْقَائِل : ‏ ‏وَلَقَدْ سَئِمْت مِنْ الْحَيَاة وَطُولهَا ‏ ‏وَسُؤَال هَذَا النَّاس : كَيْف لَبِيد ؟ ‏ ‏وَهَذَا يُعَكِّر عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ شِعْرًا مُنْذُ أَسْلَمَ , إِلَّا أَنْ يُرِيد الْقِطَع الْمُطَوَّلَة لَا الْبَيْت وَالْبَيْتَيْنِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَادَ أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت أَنْ يُسْلِم ) ‏ ‏اِسْم أَبِي الصَّلْت رَبِيعَة بْن عَوْف بْن عَقِدَة بْن غِيَرَة - بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَفَتْح التَّحْتَانِيَّة - اِبْن عَوْف بْن ثَقِيف الثَّقَفِيّ , وَقِيلَ فِي نَسَبه غَيْر ذَلِكَ , أَبُو عُثْمَان. كَانَ مِمَّنْ طَلَبَ الدِّين وَنَظَرَ فِي الْكُتُب وَيُقَال إِنَّهُ مِمَّنْ دَخَلَ فِي النَّصْرَانِيَّة , وَأَكْثَرَ فِي شِعْره مِنْ ذِكْر التَّوْحِيد وَالْبَعْث يَوْم الْقِيَامَة , وَزَعَمَ الْكَلَابَاذِيّ أَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَافَرَ مَعَ أُمَيَّة , فَذَكَرَ قِصَّته وَأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ عُتْبَة بْن رَبِيعَة وَعَنْ سِنّه وَرِيَاسَته فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ مُتَّصِف بِذَلِكَ فَقَالَ : أَزَرَى بِهِ ذَلِكَ , فَغَضِبَ أَبُو سُفْيَان , فَأَخْبَرَهُ أُمَيَّة أَنَّهُ نَظَرَ فِي الْكُتُب أَنَّ نَبِيًّا يُبْعَث مِنْ الْعَرَب أَظَلّ زَمَانه , قَالَ : فَرَجَوْت أَنْ أَكُونهُ قَالَ : ثُمَّ نَظَرْت فَإِذَا هُوَ مِنْ بَنِي عَبْد مَنَافٍ , فَنَظَرْت فِيهِمْ فَلَمْ أَرَ مِثْل عُتْبَة , فَلَمَّا قُلْت لِي إِنَّهُ رَئِيس وَإِنَّهُ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ عَرَفْت أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ , قَالَ أَبُو سُفْيَان : فَمَا مَضَتْ الْأَيَّام حَتَّى ظَهَرَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت لِأُمَيَّة , قَالَ : نَعَمْ إِنَّهُ لَهُوَ , قُلْت أَفَلَا نَتَّبِعهُ ؟ قَالَ : أَسْتَحْيِي مِنْ نُسَيَّاتِ ثَقِيفٍ , إِنِّي كُنْت أَقُول لَهُنَّ إِنَّنِي أَنَا هُوَ ثُمَّ أَصِير تَابِعًا لِغُلَامٍ مِنْ بَنِي عَبْد مَنَافٍ. وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَج الْأَصْبَهَانِيُّ أَنَّهُ قَالَ عِنْد مَوْته : أَنَا أَعْلَم أَنَّ الْحَنِيفِيَّة حَقّ , وَلَكِنَّ الشَّكّ يُدَاخِلنِي فِي مُحَمَّد. وَرَوَى الْفَاكِهِيّ وَابْن مَنْدَهْ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ الْفَارِعَة بِنْت أَبِي الصَّلْت أُخْت أُمَيَّة أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْشَدَتْهُ مِنْ شِعْره فَقَالَ : آمَنَ شِعْره وَكَفَرَ قَلْبه \" وَرَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن الشَّرِيد عَنْ أَبِيهِ قَالَ : \" رَدِفْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَلْ مَعَك مِنْ شِعْر أُمَيَّة ؟ قُلْت : نَعَمْ , فَأَنْشَدْته مِائَة بَيْت , فَقَالَ : لَقَدْ كَادَ أَنْ يُسْلِم فِي شِعْره \" وَرَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ قَوِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ) قَالَ : نَزَلَتْ فِي أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت. وَرُوِيَ مِنْ أَوْجُه أُخْرَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي بَلْعَام الْإِسْرَائِيلِيّ وَهُوَ الْمَشْهُور. وَعَاشَ أُمَيَّة حَتَّى أَدْرَكَ وَقْعَة بَدْر وَرَثَى مَنْ قُتِلَ بِهَا مِنْ الْكُفَّار كَمَا سَيَأْتِي مِنْ ذَلِكَ فِي أَبْوَاب الْهِجْرَة , وَمَاتَ أُمَيَّة بَعْد ذَلِكَ سَنَة تِسْع , وَقِيلَ : مَاتَ سَنَة اِثْنَتَيْنِ ذَكَرَهُ سَبْط اِبْن الْجَوْزِيّ , وَاعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ عَنْ اِبْن هِشَام : أَنَّ أُمَيَّة قَدِمَ مِنْ الشَّام عَلَى أَنْ يَأْخُذ مَاله مِنْ الطَّائِف وَيُهَاجِر إِلَى الْمَدِينَة , فَنَزَلَ فِي طَرِيقه بِبَدْرٍ , قِيلَ لَهُ : أَتَدْرِي مِنْ فِي الْقَلِيب ؟ قَالَ لَا , قِيلَ : فِيهِ عُتْبَة وَشَيْبَة وَهُمَا اِبْنَا خَالك وَفُلَان وَفُلَان , فَشَقَّ ثِيَابه وَجَدَعَ نَاقَته وَبَكَى وَرَجَعَ إِلَى الطَّائِف فَمَاتَ بِهَا. قُلْت : وَلَا يَلْزَم مِنْ قَوْله فَمَاتَ بِهَا أَنْ يَكُون مَاتَ فِي تِلْكَ السَّنَة. وَأَغْرَبَ الْكَلَابَاذِيّ فَقَالَ : إِنَّهُ مَاتَ فِي حِصَار الطَّائِف. فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَذَلِكَ سَنَة ثَمَان , وَلِمَوْتِهِ قِصَّة طَوِيلَة أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرهمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3554",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏غُلَامٌ يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ أَتَدْرِي مَا هَذَا فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَمَا هُوَ قَالَ كُنْتُ ‏ ‏تَكَهَّنْتُ ‏ ‏لِإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا أُحْسِنُ ‏ ‏الْكِهَانَةَ ‏ ‏إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ فَأَدْخَلَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَأَخُوهُ أَبُو بَكْر عَبْد الْحَمِيد , وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَفِيهِ رِوَايَة الْقَرِين عَنْ الْقَرِين وَرِوَايَة الْأَكْبَر سِنًّا عَنْ الْأَصْغَر مِنْهُ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" مِنْ طَرِيق جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ عَنْ أَحْمَد بْن مُحَمَّد الْمُقَدِّمِيّ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس بِهَذَا السَّنَد , لَكِنْ قَالَ فِيهِ عَنْ عُبَيْد بْن عُمَر بَدَل عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم , فَلَعَلَّ لِيَحْيَى بْن سَعِيد فِيهِ شَيْخَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ لِأَبِي بَكْر غُلَام ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَوَقَعَ لِأَبِي بَكْر مَعَ النُّعَيْمَان بْن عَمْرو أَحَد الْأَحْرَار مِنْ الصَّحَابَة قِصَّة ذَكَرَهَا عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَادٍ صَحِيح \" أَنَّهُمْ نَزَلُوا بِمَاءٍ , فَجَعَلَ النُّعَيْمَان يَقُول لَهُمْ : يَكُون كَذَا , فَيَأْتُونَهُ بِالطَّعَامِ فَيُرْسِلهُ إِلَى أَصْحَابه , فَبَلَغَ أَبَا بَكْر فَقَالَ : أَرَانِي آكُل كِهَانَة النُّعَيْمَان مُنْذُ الْيَوْم , ثُمَّ أَدْخَلَ يَده فِي حَلْقه فَاْسَتَقَاءَهُ \" وَفِي \" الْوَرَع لِأَحْمَد \" عَنْ إِسْمَاعِيل عَنْ أَيُّوب عَنْ اِبْن سِيرِينَ \" لَمْ أَعْلَم أَحَدًا اسْتَقَاءَ مِنْ طَعَام غَيْر أَبِي بَكْر فَإِنَّهُ أُتِيَ بِطَعَامٍ فَأَكَلَ ثُمَّ قِيلَ لَهُ جَاءَ بِهِ اِبْن النُّعَيْمَان , قَالَ فَأَطْعَمْتُمُونِي كِهَانَة اِبْن النُّعَيْمَان , ثُمَّ اسْتَقَاءَ \" وَرِجَاله ثِقَات لَكِنَّهُ مُرْسَل , وَلِأَبِي بَكْر قِصَّة أُخْرَى فِي نَحْو هَذَا أَخْرَجَهَا يَعْقُوب بْن أَبِي شَيْبَة فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق نُبَيْح الْعَنْزِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ : \" كُنَّا نَنْزِل رِفَاقًا , فَنَزَلْت فِي رُفْقَة فِيهَا أَبُو بَكْر عَلَى أَهْل أَبْيَات فِيهِنَّ اِمْرَأَة حُبْلَى وَمَعَنَا رَجُل , فَقَالَ لَهَا : أُبَشِّرك أَنْ تَلِدِي ذَكَرًا , قَالَتْ نَعَمْ , فَسَجَعَ لَهَا أَسْجَاعًا. فَأَعْطَتْهُ شَاة فَذَبَحَهَا وَجَلَسْنَا نَأْكُل , فَلَمَّا عَلِمَ أَبُو بَكْر بِالْقِصَّةِ قَامَ فَتَقَايَأَ كُلّ شَيْء أَكَلَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( يُخْرِج لَهُ الْخَرَاج ) ‏ ‏أَيْ يَأْتِيه بِمَا يَكْسِبهُ , وَالْخَرَاج مَا يُقَرِّرهُ السَّيِّد عَلَى عَبْده مِنْ مَال يُحْضِرهُ لَهُ مِنْ كَسْبه. ‏ ‏قَوْله : ( يَأْكُل مِنْ خَرَاجه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ قَيْس بْن أَبِي حَازِم \" كَانَ لِأَبِي بَكْر غُلَام , فَكَانَ يَجِيء بِكَسْبِهِ فَلَا يَأْكُل مِنْهُ حَتَّى يَسْأَلهُ , فَأَتَاهُ لَيْلَة بِكَسْبِهِ فَأَكَلَ مِنْهُ وَلَمْ يَسْأَلهُ , ثُمَّ سَأَلَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت تَكَهَّنْت لِإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّة ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِف اِسْمه وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ عِوَض تَكَهُّنِي لَهُ , قَالَ اِبْن التِّين : إِنَّمَا اسْتَقَاءَ أَبُو بَكْر تَنَزُّهًا ; لِأَنَّ أَمْر الْجَاهِلِيَّة وُضِعَ وَلَوْ كَانَ فِي الْإِسْلَام لَغَرِمَ مِثْل مَا أَكَلَ أَوْ قِيمَته وَلَمْ يَكْفِهِ الْقَيْء , كَذَا قَالَ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ أَبَا بَكْر إِنَّمَا قَاءَ لِمَا ثَبَتَ عِنْده مِنْ النَّهْي عَنْ حُلْوَانِ الْكَاهِن , وَحُلْوَانُ الْكَاهِن مَا يَأْخُذهُ عَلَى كِهَانَته , وَالْكَاهِن مَنْ يُخْبِر بِمَا سَيَكُونُ عَنْ غَيْر دَلِيل شَرْعِيّ , وَكَانَ ذَلِكَ قَدْ كَثُرَ فِي الْجَاهِلِيَّة خُصُوصًا قَبْل ظُهُور النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3555",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لُحُومَ الْجَزُورِ إِلَى حَبَلِ الْحَبَلَةِ قَالَ وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ تَحْمِلَ الَّتِي نُتِجَتْ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي حَبَل الْحَبَلَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْبُيُوع , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" إِنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة \". ‏"
    },
    {
        "id": "3556",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَهْدِيٌّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏كُنَّا نَأْتِي ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏فَيُحَدِّثُنَا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَكَانَ يَقُولُ لِي فَعَلَ قَوْمُكَ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وَفَعَلَ قَوْمُكَ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس الَّذِي تَقَدَّمَ فِي أَوَّل مَنَاقِب الْأَنْصَار , وَأَدْخَلَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ \" فَعَلَ قَوْمك كَذَا يَوْم كَذَا \" لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يُشِير بِهِ إِلَى وَقَائِعهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة كَمَا يَحْتَمِل أَنْ يُشِير بِهِ إِلَى وَقَائِعهمْ فِي الْإِسْلَام أَوْ لِمَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ , وَخَاطَبَ أَنَس غَيْلَان بِأَنَّ الْأَنْصَار قَوْمه , وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْأَنْصَار , لَكِنْ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ النِّسْبِيَّة الْأَعَمِّيَّة إِلَى الْأَزْد فَإِنَّهَا تَجْمَعهُمْ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3557",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَطَنٌ أَبُو الْهَيْثَمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو يَزِيدَ الْمَدَنِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ أَوَّلَ ‏ ‏قَسَامَةٍ ‏ ‏كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَفِينَا ‏ ‏بَنِي هَاشِمٍ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي هَاشِمٍ ‏ ‏اسْتَأْجَرَهُ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏مِنْ فَخِذٍ أُخْرَى فَانْطَلَقَ مَعَهُ فِي إِبِلِهِ فَمَرَّ رَجُلٌ بِهِ مِنْ ‏ ‏بَنِي هَاشِمٍ ‏ ‏قَدْ انْقَطَعَتْ عُرْوَةُ ‏ ‏جُوَالِقِهِ ‏ ‏فَقَالَ أَغِثْنِي بِعِقَالٍ أَشُدُّ بِهِ عُرْوَةَ ‏ ‏جُوَالِقِي ‏ ‏لَا تَنْفِرُ الْإِبِلُ فَأَعْطَاهُ عِقَالًا فَشَدَّ بِهِ عُرْوَةَ ‏ ‏جُوَالِقِهِ ‏ ‏فَلَمَّا نَزَلُوا عُقِلَتْ الْإِبِلُ إِلَّا بَعِيرًا وَاحِدًا فَقَالَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ مَا شَأْنُ هَذَا الْبَعِيرِ لَمْ يُعْقَلْ مِنْ بَيْنِ الْإِبِلِ قَالَ لَيْسَ لَهُ عِقَالٌ قَالَ فَأَيْنَ عِقَالُهُ قَالَ فَحَذَفَهُ بِعَصًا كَانَ فِيهَا أَجَلُهُ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏فَقَالَ أَتَشْهَدُ الْمَوْسِمَ قَالَ مَا أَشْهَدُ وَرُبَّمَا شَهِدْتُهُ قَالَ هَلْ أَنْتَ مُبْلِغٌ عَنِّي رِسَالَةً مَرَّةً مِنْ الدَّهْرِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَكَتَبَ إِذَا أَنْتَ شَهِدْتَ الْمَوْسِمَ فَنَادِ يَا آلَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَإِذَا أَجَابُوكَ فَنَادِ يَا آلَ ‏ ‏بَنِي هَاشِمٍ ‏ ‏فَإِنْ أَجَابُوكَ فَسَلْ عَنْ ‏ ‏أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَأَخْبِرْهُ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي فِي عِقَالٍ وَمَاتَ ‏ ‏الْمُسْتَأْجَرُ ‏ ‏فَلَمَّا قَدِمَ ‏ ‏الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ ‏ ‏أَتَاهُ ‏ ‏أَبُو طَالِبٍ ‏ ‏فَقَالَ مَا فَعَلَ صَاحِبُنَا قَالَ مَرِضَ فَأَحْسَنْتُ الْقِيَامَ عَلَيْهِ فَوَلِيتُ دَفْنَهُ قَالَ قَدْ كَانَ أَهْلَ ذَاكَ مِنْكَ فَمَكُثَ حِينًا ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي أَوْصَى إِلَيْهِ أَنْ يُبْلِغَ عَنْهُ وَافَى الْمَوْسِمَ فَقَالَ يَا آلَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏قَالُوا هَذِهِ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏قَالَ يَا آلَ ‏ ‏بَنِي هَاشِمٍ ‏ ‏قَالُوا هَذِهِ ‏ ‏بَنُو هَاشِمٍ ‏ ‏قَالَ أَيْنَ ‏ ‏أَبُو طَالِبٍ ‏ ‏قَالُوا هَذَا ‏ ‏أَبُو طَالِبٍ ‏ ‏قَالَ أَمَرَنِي ‏ ‏فُلَانٌ ‏ ‏أَنْ أُبْلِغَكَ رِسَالَةً أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ فِي عِقَالٍ فَأَتَاهُ ‏ ‏أَبُو طَالِبٍ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ اخْتَرْ مِنَّا إِحْدَى ثَلَاثٍ إِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَدِّيَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ فَإِنَّكَ قَتَلْتَ صَاحِبَنَا وَإِنْ شِئْتَ حَلَفَ خَمْسُونَ مِنْ قَوْمِكَ إِنَّكَ لَمْ تَقْتُلْهُ فَإِنْ أَبَيْتَ قَتَلْنَاكَ بِهِ فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالُوا نَحْلِفُ فَأَتَتْهُ ‏ ‏امْرَأَةٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي هَاشِمٍ ‏ ‏كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَدْ وَلَدَتْ لَهُ فَقَالَتْ يَا ‏ ‏أَبَا طَالِبٍ ‏ ‏أُحِبُّ أَنْ تُجِيزَ ‏ ‏ابْنِي ‏ ‏هَذَا بِرَجُلٍ مِنْ الْخَمْسِينَ وَلَا تُصْبِرْ يَمِينَهُ حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ فَفَعَلَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا طَالِبٍ ‏ ‏أَرَدْتَ خَمْسِينَ رَجُلًا أَنْ يَحْلِفُوا مَكَانَ مِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ يُصِيبُ كُلَّ رَجُلٍ بَعِيرَانِ هَذَانِ بَعِيرَانِ فَاقْبَلْهُمَا عَنِّي وَلَا تُصْبِرْ يَمِينِي حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ فَقَبِلَهُمَا وَجَاءَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ فَحَلَفُوا قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْ الثَّمَانِيَةِ وَأَرْبَعِينَ عَيْنٌ ‏ ‏تَطْرِفُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا قَطَن ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَالْمُهْمَلَة ثُمَّ نُون هُوَ اِبْن كَعْب الْقُطَعِيّ بِضَمِّ الْقَاف الْبَصْرِيّ , ثِقَة عِنْدهمْ , وَشَيْخه أَبُو يَزِيد الْمَدَنِيّ بَصْرِيّ أَيْضًا وَيُقَال لَهُ الْمَدِينِيّ بِزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّة , وَلَعَلَّ أَصْله كَانَ مِنْ الْمَدِينَة , وَلَكِنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَحَد مِنْ أَهْل الْمَدِينَة , وَسُئِلَ عَنْهُ مَالِك فَلَمْ يَعْرِفهُ وَلَا يَعْرِف اِسْمه وَقَدْ وَثَّقَهُ اِبْن مَعِين وَغَيْره , وَلَا لَهُ وَلَا لِلرَّاوِي عَنْهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ أَوَّل قَسَامَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَتَخْفِيف الْمُهْمَلَة الْيَمِين , وَهِيَ فِي عُرْف الشَّرْع حَلِفٌ مُعَيَّنٌ عِنْد التُّهْمَةِ بِالْقَتْلِ عَلَى الْإِثْبَات أَوْ النَّفْي. وَقِيلَ : هِيَ مَأْخُوذَة مِنْ قِسْمَة الْأَيْمَان عَلَى الْحَالِفِينَ. وَسَيَأْتِي بَيَان الِاخْتِلَاف فِي حُكْمهَا فِي كِتَاب الدِّيَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله : ‏ ‏( لَفِينَا بَنِي هَاشِم ) ‏ ‏اللَّام لِلتَّأْكِيدِ وَبَنِي هَاشِم مَجْرُور عَلَى الْبَدَل مِنْ الضَّمِير الْمَجْرُور , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون نَصْبًا عَلَى التَّمْيِيز , أَوْ عَلَى النِّدَاء بِحَذْفِ الْأَدَاة. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ رَجُل مِنْ بَنِي هَاشِم ) ‏ ‏هُوَ عَمْرو بْن عَلْقَمَة بْن الْمُطَّلِب بْن عَبْد مَنَافٍ , جَزَمَ بِذَلِكَ الزُّبَيْر بْن بَكَّار فِي هَذِهِ الْقِصَّة فَكَأَنَّهُ نَسَبَ هَذِهِ الرِّوَايَة إِلَى بَنِي هَاشِم مَجَازًا لِمَا كَانَ بَيْن بَنِي هَاشِم وَبَنِي الْمُطَّلِب مِنْ الْمَوَدَّة وَالْمُؤَاخَاة وَالْمُنَاصَرَة , وَسَمَّاهُ اِبْن الْكَلْبِيّ عَامِرًا. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَأْجَرَهُ رَجُل مِنْ قُرَيْش مِنْ فَخِذ أُخْرَى ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَأَبِي ذَرّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي مَعْمَر شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ. وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيْرهَا \" اِسْتَأْجَرَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْش \" وَهُوَ مَقْلُوب , وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب. وَالْفَخِذ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَقَدْ تُسَكَّن. وَجَزَمَ الزُّبَيْر بْن بَكَّار بِأَنْ اِسْتَأْجَرَ الْمَذْكُور هُوَ خِدَاش - بِمُعْجَمَتَيْنِ وَدَال مُهْمَلَة - اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَيْس الْعَامِرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَرَّ بِهِ ) ‏ ‏أَيْ بِالْأَجِيرِ ( رَجُل مِنْ بَنِي هَاشِم ) لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. وَقَوْله : ( عُرْوَة جُوَالَقِهِ ) بِضَمِّ الْجِيم وَفَتْح اللَّام الْوِعَاء مِنْ جُلُود وَثِيَاب وَغَيْرهَا , فَارِسِيّ مُعَرَّب , وَأَصْله كَوَالِهِ : وَجَمْعه جَوَالِيق وَحُكِيَ جُوَالِق بِحَذْفِ التَّحْتَانِيَّة , وَالْعِقَال الْحَبْل. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَيْنَ عِقَاله ؟ قَالَ فَحَذَفَهُ ) ‏ ‏كَذَا فِي النُّسَخ وَفِيهِ حَذْف يَدُلّ عَلَيْهِ سِيَاق الْكَلَام , وَقَدْ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ الْفَاكِهِيّ \" فَقَالَ مَرَّ بِي رَجُل مِنْ بَنِي هَاشِم قَدْ اِنْقَطَعَ عُرْوَة جُوَالَقِهِ , وَاسْتَغَاثَ بِي فَأَعْطَيْته , فَحَذَفَهُ \" أَيْ رَمَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ فِيهَا أَجَله ) ‏ ‏أَيْ أَصَابَ مَقْتَله. وَقَوْله : \" فَمَاتَ \" أَيْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْت , بِدَلِيلِ قَوْله : \" فَمَرَّ بِهِ رَجُل مِنْ أَهْل الْيَمَن قَبْل أَنْ يَقْضِي وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذَا الْمَارّ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَشْهَدُ الْمَوْسِم ) ‏ ‏أَيْ مَوْسِم الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَتَبَ ) ‏ ‏بِالْمُثَنَّاةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَة وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرّ وَالْأَصِيلِيّ بِضَمِّ الْكَاف وَسُكُون النُّون ثُمَّ الْمُثَنَّاة وَالْأَوَّل أَوْجَه , وَفِي رِوَايَة الزُّبَيْر بْن بَكَّار \" فَكَتَبَ إِلَى أَبِي طَالِب يُخْبِرهُ بِذَلِكَ وَمَاتَ مِنْهَا \" وَفِي ذَلِكَ يَقُول أَبُو طَالِب : أَفِي فَضْل حَبْل لَا أَبَا لَك ضَرَبَهُ بِمِنْسَأَةٍ , قَدْ جَاءَ حَبْل أَوْ أَحْبُل ‏ ‏قَوْله : ( يَا آلَ قُرَيْش ) ‏ ‏بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَة وَبِحَذْفِهَا عَلَى الِاسْتِغَاثَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَتَلَنِي فِي عِقَال ) ‏ ‏أَيْ بِسَبَبِ عِقَال. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَاتَ الْمُسْتَأْجَر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم أَيْ بَعْد أَنْ أَوْصَى الْيَمَانِيّ بِمَا أَوْصَاهُ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَلِيت ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام , وَفِي رِوَايَة اِبْن الْكَلْبِيّ \" فَقَالَ أَصَابَهُ قَدَرُهُ , فَصَدَّقُوهُ وَلَمْ يَظُنُّوا بِهِ غَيْر ذَلِكَ \" وَقَوْله : \" وَافَى الْمَوْسِم أَيْ أَتَاهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( يَا بَنِي هَاشِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" يَا آلَ بَنِي هَاشِم \". ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ أَبُو طَالِب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَيْنَ أَبُو طَالِب \" زَادَ اِبْن الْكَلْبِيّ \" فَأَخْبَرَهُ بِالْقِصَّةِ وَخِدَاش يَطُوف بِالْبَيْتِ لَا يَعْلَم بِمَا كَانَ , فَقَامَ رِجَال مِنْ بَنِي هَاشِم إِلَى خِدَاش فَضَرَبُوهُ وَقَالُوا : قَتَلْت صَاحِبنَا , فَجَحَدَ \". ‏ ‏قَوْله : ( اِخْتَرْ مِنَّا إِحْدَى ثَلَاث ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ تَكُون هَذِهِ الثَّلَاث كَانَتْ مَعْرُوفَة بَيْنهمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون شَيْئًا اِخْتَرَعَهُ أَبُو طَالِب. وَقَالَ اِبْن التِّين : لَمْ يُنْقَل أَنَّهُمْ تَشَاوَرُوا فِي ذَلِكَ وَلَا تَدَافَعُوا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ الْقَسَامَة قَبْل ذَلِكَ. كَذَا قَالَ , وَفِيهِ نَظَر ; لِقَوْلِ اِبْن عَبَّاس رَاوِي الْحَدِيث \" أَنَّهَا أَوَّل قَسَامَة \" وَيُمْكِن أَنْ يَكُون مُرَاد اِبْن عَبَّاس الْوُقُوع وَإِنْ كَانُوا يَعْرِفُونَ الْحُكْم قَبْل ذَلِكَ , وَحَكَى الزُّبَيْر بْن بَكَّار أَنَّهُمْ تَحَاكَمُوا فِي ذَلِكَ إِلَى الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة فَقَضَى أَنْ يَحْلِف خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِر عِنْد الْبَيْت مَا قَتَلَهُ خِدَاش , وَهَذَا يُشْعِر بِالْأَوَّلِيَّةِ مُطْلَقًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَتْهُ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي هَاشِم ) ‏ ‏هِيَ زَيْنَب بِنْت عَلْقَمَة أُخْت الْمَقْتُول ( كَانَتْ تَحْت رَجُل مِنْهُمْ ) هُوَ عَبْد الْعُزَّى بْن أَبِي قَيْس الْعَامِرِيّ , وَاسْم وَلَدهَا مِنْهُ حُوَيْطِب بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّر , وَذَكَرَ ذَلِكَ الزُّبَيْر. وَقَدْ عَاشَ حُوَيْطِب بَعْد هَذَا دَهْرًا طَوِيلًا , وَلَهُ صُحْبَة , وَسَيَأْتِي حَدِيثه فِي كِتَاب الْأَحْكَام. وَنِسْبَتهَا إِلَى بَنِي هَاشِم مَجَازِيَّة وَالتَّقْدِير كَانَتْ زَوْجًا لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِم. وَيَحْتَمِل قَوْلهَا فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا أَيْ غَيْر حُوَيْطِب. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تُجِيز اِبْنِي ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالزَّاي , أَيْ تَهَبهُ مَا يَلْزَمهُ مِنْ الْيَمِين. وَقَوْلهَا : ‏ ‏( وَلَا تُصْبِر يَمِينه ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَة , أَصْل الصَّبْر الْحَبْس وَالْمَنْع , وَمَعْنَاهُ فِي الْأَيْمَان الْإِلْزَام , تَقُول صَبَّرْته أَيْ أَلْزَمْته أَنْ يَحْلِف بِأَعْظَم الْأَيْمَان حَتَّى لَا يَسْعَهُ أَنْ لَا يَحْلِف. ‏ ‏قَوْله : ( حَيْثُ تُصْبَر الْأَيْمَان ) ‏ ‏أَيْ بَيْن الرُّكْن وَالْمَقَام , قَالَهُ اِبْن التِّين. قَالَ : وَمِنْ هُنَا اِسْتَدَلَّ الشَّافِعِيّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْلَف بَيْن الرُّكْن وَالْمَقَام عَلَى أَقَلّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا نِصَاب الزَّكَاة , كَذَا قَالَ , وَلَا أَدْرِي كَيْف يَسْتَقِيم هَذَا الِاسْتِدْلَال , وَلَمْ يَذْكُر أَحَد مِنْ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ أَنَّ الشَّافِعِيّ اِسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الْقِصَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَاهُ رَجُل مِنْهُمْ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه وَلَا عَلَى اِسْم أَحَد مِنْ سَائِر الْخَمْسِينَ إِلَّا مَنْ تَقَدَّمَ , وَزَادَ اِبْن الْكَلْبِيّ \" ثُمَّ حَلَفُوا عِنْد الرُّكْن أَنَّ خِدَاشًا بَرِيء مِنْ دَم لِلْمَقْتُولِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : كَأَنَّ الَّذِي أَخْبَرَ اِبْن عَبَّاس بِذَلِكَ جَمَاعَة اِطْمَأَنَّتْ نَفْسه إِلَى صِدْقهمْ حَتَّى وَسِعَهُ أَنْ يَحْلِف عَلَى ذَلِكَ. قُلْت : يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ حِين الْقَسَامَة لَمْ يُولَد , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الَّذِي أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ أَمْكَن فِي دُخُول هَذَا الْحَدِيث فِي الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا حَال الْحَوْل ) ‏ ‏أَيْ مِنْ يَوْم حَلَفُوا. ‏ ‏قَوْله : ( وَمِنْ الثَّمَانِيَة وَأَرْبَعِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" وَفِي الثَّمَانِيَة \" وَعِنْد الْأَصِيلِيّ \" وَالْأَرْبَعِينَ \" ‏ ‏قَوْله : \" عَيْن تَطْرِف \" ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء أَيْ تَتَحَرَّك. زَادَ اِبْن الْكَلْبِيّ \" وَصَارَتْ رِبَاع الْجَمِيع لِحُوَيْطِبٍ , فَبِذَلِكَ كَانَ أَكْثَر مَنْ بِمَكَّة رِبَاعًا \". وَرَوَى الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ أَبِيهِ قَالَ : \" حَلَفَ نَاس عِنْد الْبَيْت قَسَامَة عَلَى بَاطِل , ثُمَّ خَرَجُوا فَنَزَلُوا تَحْت صَخْرَة فَانْهَدَمَتْ عَلَيْهِمْ \" وَمِنْ طَرِيق طَاوُسٍ قَالَ : \" كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة لَا يُصِيبُونَ فِي الْحَرَم شَيْئًا إِلَّا عُجِّلَتْ لَهُمْ عُقُوبَته \" وَمِنْ طَرِيق حُوَيْطِب أَنَّ أَمَة فِي الْجَاهِلِيَّة عَاذَتْ بِالْبَيْتِ. فَجَاءَتْهَا سَيِّدَتهَا فَجَبَذَتْهَا فَشَلَّتْ يَدهَا \" وَرَوَيْنَا فِي \" كِتَاب مُجَابِي الدَّعْوَة لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا \" فِي قِصَّة طَوِيلَة فِي مَعْنَى سُرْعَة الْإِجَابَة بِالْحَرَمِ لِلْمَظْلُومِ فِيمَنْ ظَلَمَهُ قَالَ : \" فَقَالَ عُمَر : كَانَ يُفْعَل بِهِمْ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّة لِيَتَنَاهَوْا عَنْ الظُّلْم لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْبَعْث , فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام أَخَّرَ الْقِصَاص إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" وَرَوَى الْفَاكِهِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : \" يُوشِك أَنْ لَا يُصِيب أَحَد فِي الْحَرَم شَيْئًا إِلَّا عُجِّلَتْ لَهُ الْعُقُوبَة \" فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يَكُون فِي آخِر الزَّمَان عِنْد قَبْض الْعِلْم وَتَنَاسِي أَهْل ذَلِكَ الزَّمَان أُمُور الشَّرِيعَة فَيَعُود الْأَمْر غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3558",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَوْمُ ‏ ‏بُعَاثٍ ‏ ‏يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ وَقُتِّلَتْ ‏ ‏سَرَوَاتُهُمْ ‏ ‏وَجُرِّحُوا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي دُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏كُرَيْبًا ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ السَّعْيُ بِبَطْنِ الْوَادِي بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏سُنَّةً إِنَّمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَهَا وَيَقُولُونَ لَا نُجِيزُ ‏ ‏الْبَطْحَاءَ ‏ ‏إِلَّا شَدًّا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( يَوْم بُعَاث ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَّل مَنَاقِب الْأَنْصَار وَأَنَّهُ كَانَ قَبْل الْبَعْث عَلَى الرَّاجِح , وَقَوْله فِيهِ : ‏ ‏\" وَجُرِحُوا \" ‏ ‏بِالْجِيمِ الْمَضْمُومَة ثُمَّ الْحَاء الْمُهْمَلَة , وَلِبَعْضِهِمْ \" وَخَرَجُوا \" بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء بَعْدهَا جِيم , وَالْأَوَّل أَرْجَح , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ تَسْمِيَة مَنْ جُرِحَ مِنْهُمْ فِي تِلْكَ الْوَقْعَة حُضَيْر الْكَتَائِب وَالِد أُسَيْدٍ فَمَاتَ مِنْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن وَهْب إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق حَرْمَلَة بْن يَحْيَى عَنْ عَبْد اللَّه بْن وَهْب. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ السَّعْي ) ‏ ‏أَيْ شِدَّة الْمَشْي. ‏ ‏قَوْله : ( سُنَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِسُنَّةٍ \" قَالَ اِبْن التِّين خُولِفَ اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ بَلْ قَالُوا إِنَّهُ فَرِيضَة. قُلْت : لَمْ يُرِدْ اِبْن عَبَّاس أَصْل السَّعْي , وَإِنَّمَا أَرَادَ شِدَّة الْعَدْو , وَلَيْسَ ذَلِكَ فَرِيضَة. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام فِي قِصَّة هَاجَرَ أَنَّ مَبْدَأ السَّعْي بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة كَانَ مِنْ هَاجَرَ , وَهُوَ مِنْ رِوَايَة اِبْن عَبَّاس أَيْضًا , فَظَهَرَ أَنَّ الَّذِي أَرَادَ أَنَّ مَبْدَأَهُ مِنْ أَهْل الْجَاهِلِيَّة هِيَ شِدَّة الْعَدْو. نَعَمْ قَوْله : \" لَيْسَ بِسُنَّةٍ \" إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبّ فَهُوَ يُخَالِف مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور , وَهُوَ نَظِير إِنْكَاره اِسْتِحْبَاب الرَّمَل فِي الطَّوَاف. وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَة الشَّرْعِيَّة وَهِيَ تُطْلَق كَثِيرًا عَلَى الْمَفْرُوض , وَلَمْ يُرِدْ السُّنَّة بِاصْطِلَاحِ أَهْل الْأُصُول , وَهُوَ مَا ثَبَتَ دَلِيل مَطْلُوبِيَّتِهِ مِنْ غَيْر تَأْثِيم تَارِكه. ‏ ‏قَوْله : ( لَا نُجِيز ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله أَيْ لَا نَقْطَع. وَالْبَطْحَاء مَسِيل الْوَادِي , تَقُول جُزْت الْمَوْضِع إِذَا سِرْت فِيهِ , وَأَجَزْته إِذَا خَلَّفْته وَرَاءَك. وَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنًى. وَقَوْله : إِلَّا شَدًّا أَيْ لَا نَقْطَعهَا إِلَّا بِالْعَدْوِ الشَّدِيد. ‏"
    },
    {
        "id": "3559",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُطَرِّفٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا السَّفَرِ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا مِنِّي مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأَسْمِعُونِي مَا تَقُولُونَ وَلَا تَذْهَبُوا فَتَقُولُوا قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏مَنْ طَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَاءِ ‏ ‏الْحِجْرِ ‏ ‏وَلَا تَقُولُوا الْحَطِيمُ فَإِنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ يَحْلِفُ فَيُلْقِي سَوْطَهُ أَوْ نَعْلَهُ أَوْ قَوْسَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا مُطَرِّف ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيد الرَّاء هُوَ اِبْن طَرِيف بِالْمُهْمَلَةِ أَيْضًا الْكُوفِيّ , وَأَبُو السَّفَر بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْفَاء هُوَ سَعِيد بْن يُحْمَد بِالتَّحْتَانِيَّةِ الْمَضْمُومَة وَالْمُهْمَلَة السَّاكِنَة كُوفِيّ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( يَا أَيّهَا النَّاس اِسْمَعُوا مِنِّي مَا أَقُول لَكُمْ وَأَسْمِعُونِي ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ قَطْع أَيْ أَعِيدُوا عَلَيَّ قَوْلِي لِأَعْرِف أَنَّكُمْ حَفِظْتُمُوهُ , كَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا مَا أَرَادَ فَيُخْبِرُوا عَنْهُ بِخِلَافِ مَا قَالَ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : اِسْمَعُوا مِنِّي سَمَاع ضَبْط وَإِتْقَان , وَلَا تَقُولُوا \" قَالَ \" مِنْ قَبْل أَنْ تَضْبِطُوا. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَاء الْحِجْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان \" وَرَاء الْجَدْر \" وَالْمُرَاد بِهِ الْحِجْر , وَالسَّبَب فِيهِ أَنَّ الَّذِي يَلِي الْبَيْت إِلَى جِهَة الْحِجْر مِنْ الْبَيْت , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه وَمَا قِيلَ فِي مِقْدَاره فِي أَوَائِل كِتَاب الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَقُولُوا الْحَطِيم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ خَدِيج بْن مُعَاوِيَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي السَّفَر فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَقَالَ رَجُل : مَا الْحَطِيم ؟ فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّهُ لَا حَطِيم , كَانَ الرَّجُل إِلَخْ \" زَادَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق خَالِد الطَّحَّان عَنْ مُطَرِّف \" فَإِنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يُسَمُّونَهُ - أَيْ الْحِجْر - الْحَطِيم , كَانَتْ فِيهِ أَصْنَام قُرَيْش \" وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ طَرِيق يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي السَّفَر نَحْوه وَقَالَ : \" كَانَ أَحَدهمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِف وَضَعَ مِحْجَنه ثُمَّ حَلَفَ , فَمَنْ طَافَ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَائِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يَحْلِف ) ‏ ‏بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة السَّاكِنَة وَتَخْفِيف اللَّام الْمَكْسُورَة , وَفِي رِوَايَة خَالِد الطَّحَّان الْمَذْكُورَة \" كَانَ إِذَا حُلِّفَ \" بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد اللَّام وَالْأَوَّل أَوْجَهُ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا حَالَفَ بَعْضهمْ بَعْضًا أَلْقَى الْحَلِيف فِي الْحِجْر نَعْلًا أَوْ سَوْطًا أَوْ قَوْسًا أَوْ عَصًا عَلَامَة لِقَصْدِ حَلِفهمْ فَسَمَّوْهُ الْحَطِيم لِذَلِكَ , لِكَوْنِهِ يُحَطِّم أَمْتِعَتِهُمْ , وَهُوَ فَعِيلَ بِمَعْنَى فَاعِل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَانَ شَأْنهمْ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى نَفْي شَيْء , وَقِيلَ : إِنَّمَا سُمِّيَ الْحَطِيم لِأَنَّ بَعْضهمْ كَانَ إِذَا دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِع هَلَكَ. وَقَالَ اِبْن الْكَلْبِيّ : سُمِّيَ الْحِجْر حَطِيمًا لِمَا تَحَجَّرَ عَلَيْهِ , أَوْ لِأَنَّهُ قُصِرَ بِهِ عَنْ اِرْتِفَاع الْبَيْت وَأُخْرِجَ عَنْهُ , فَعَلَى هَذَا فَعِيلَ بِمَعْنَى مَفْعُول , أَوْ لِأَنَّ النَّاس يَحْطِم فِيهِ بَعْضهمْ بَعْضًا مِنْ الزِّحَام عِنْد الدُّعَاء فِيهِ. وَقَالَ غَيْره : الْحَطِيم هُوَ بِئْر الْكَعْبَة الَّتِي كَانَ يُلْقَى فِيهَا مَا يُهْدَى لَهَا. وَقِيلَ : بَيْن الرُّكْن الْأَسْوَد وَالْمَقَام. وَقِيلَ : مِنْ أَوَّل الرُّكْن الْأَسْوَد إِلَى أَوَّل الْحِجْر يُسَمَّى الْحَطِيم. وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس حُجَّة فِي رَدّ أَكْثَر هَذِهِ الْأَقْوَال , زَادَ فِي رِوَايَة خَدِيج \" وَلَكِنَّهُ الْجَدْر \" بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة , وَهُوَ مِنْ الْبَيْت. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبَرْقَانِيّ فِي آخِر الْحَدِيث عَنْ اِبْن عَبَّاس \" وَأَيّمَا صَبِيّ حَجّ بِهِ أَهْله فَقَدْ قَضَى حَجّه مَا دَامَ صَغِيرًا , فَإِذَا بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّة أُخْرَى , وَأَيّمَا عَبْد حَجّ بِهِ أَهْله \" الْحَدِيث , وَهَذِهِ الزِّيَادَة عِنْد الْبُخَارِيّ أَيْضًا فِي غَيْر الصَّحِيح , وَحَذَفَهَا مِنْهُ عَمْدًا لِعَدَمِ تَعَلُّقهَا بِالتَّرْجَمَةِ وَلِكَوْنِهَا مَوْقُوفَة , وَأَمَّا أَوَّل الْحَدِيث فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس إِلَّا أَنَّ الْغَرَض مِنْهُ حَاصِل بِالنَّسَبِ لِنَقْلِ اِبْن عَبَّاس مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة مِمَّا رَآهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقَرَّهُ أَوْ أَزَالَهُ , فَمَهْمَا لَمْ يُنْكِرهُ وَاسْتَمَرَّتْ مَشْرُوعِيَّته فَيَكُون لَهُ حُكْم الْمَرْفُوع , وَمَهْمَا أَنْكَرَهُ فَالشَّرْع بِخِلَافِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3560",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ قَدْ زَنَتْ فَرَجَمُوهَا فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا نُعَيْم بْن حَمَّاد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة بَعْضهمْ حَدَّثَنَا نُعَيْم غَيْر مَنْسُوب , وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ نَزِيل مِصْر , وَقَلَّ أَنْ يُخَرِّج لَهُ الْبُخَارِيّ مَوْصُولًا بَلْ عَادَتُهُ أَنْ يَذْكُر عَنْهُ بِصِيغَةِ التَّعْلِيق. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ \" حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم \" وَصَوَّبَهُ بَعْضهمْ وَهُوَ غَلَط. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حُصَيْنٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ فِي \" التَّارِيخ \" فِي هَذَا الْحَدِيث \" حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ \" فَأَمِنَ بِذَلِكَ مَا يَخْشَى مِنْ تَدْلِيس هُشَيْم الرَّاوِي عَنْهُ , وَقَرَنَ فِيهِ أَيْضًا مَعَ حُصَيْنٍ أَبَا الْمَلِيح. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْت فِي الْجَاهِلِيَّة قِرْدَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَسُكُون الرَّاء وَاحِدَة الْقُرُود , وَقَوْله : \" اِجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَة \" بِفَتْحِ الرَّاء جَمْع قِرْد , وَقَدْ سَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ وَجْه آخَر مُطَوَّلَة مِنْ طَرِيق عِيسَى بْن حِطَّان عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون قَالَ : \" كُنْت فِي الْيَمَن فِي غَنَم لِأَهْلِي وَأَنَا عَلَى شَرَف , فَجَاءَ قِرْد مِنْ قِرَدَة فَتَوَسَّدَ يَدهَا , فَجَاءَ قِرْد أَصْغَر مِنْهُ فَغَمَزَهَا , فَسَلَّتْ يَدهَا مِنْ تَحْت رَأْس الْقِرْد الْأَوَّل سَلًّا رَفِيقًا وَتَبِعَتْهُ , فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَأَنَا أَنْظُر , ثُمَّ رَجَعَتْ فَجَعَلَتْ تُدْخِل يَدهَا تَحْت خَدّ الْأَوَّل بِرِفْقٍ , فَاسْتَيْقَظَ فَزِعًا , فَشَمَّهَا فَصَاحَ , فَاجْتَمَعَتْ الْقُرُود , فَجَعَلَ يَصِيح وَيُومِئ إِلَيْهَا بِيَدِهِ , فَذَهَبَ الْقُرُود يَمْنَة وَيَسْرَة , فَجَاءُوا بِذَلِكَ الْقِرْد أَعْرِفهُ , فَحَفَرُوا لَهُمَا حُفْرَة فَرَجَمُوهُمَا , فَلَقَدْ رَأَيْت الرَّجْم فِي غَيْر بَنِي آدَم \" قَالَ اِبْن التِّين : لَعَلَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مِنْ نَسْل الَّذِينَ مُسِخُوا فَبَقِيَ فِيهِمْ ذَلِكَ الْحُكْم. ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الْمَمْسُوخ لَا يَنْسِل قُلْت : وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد , لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم \" أَنَّ الْمَمْسُوخ لَا نَسْل لَهُ \" وَعِنْده مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود مَرْفُوعًا \" إِنَّ اللَّه لَمْ يُهْلِك قَوْمًا فَيَجْعَل لَهُمْ نَسْلًا \" وَقَدْ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج وَأَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ إِلَى أَنَّ الْمَوْجُود مِنْ الْقِرَدَة مِنْ نَسْل الْمَمْسُوخ , وَهُوَ مَذْهَب شَاذّ اِعْتَمَدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ مَا ثَبَتَ أَيْضًا فِي صَحِيح مُسْلِم \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أُتِيَ بِالضَّبِّ قَالَ : لَعَلَّهُ مِنْ الْقُرُون الَّتِي مُسِخَتْ \" وَقَالَ فِي الْفَأْر \" فَقَدِمَتْ أُمَّة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل لَا أَرَاهَا إِلَّا الْفَأْر \" وَأَجَابَ الْجُمْهُور عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِحَقِيقَةِ الْأَمْر فِي ذَلِكَ , وَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ الْجَزْم عَنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , بِخِلَافِ النَّفْي فَإِنَّهُ جَزَمَ بِهِ كَمَا فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود , وَلَكِنْ لَا يَلْزَم أَنْ تَكُون الْقُرُود الْمَذْكُورَة مِنْ النَّسْل , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الَّذِينَ مُسِخُوا لَمَّا صَارُوا عَلَى هَيْئَة الْقِرَدَة مَعَ بَقَاء أَفْهَامهمْ عَاشَرَتْهُمْ الْقِرَدَة الْأَصْلِيَّة لِلْمُشَابَهَةِ فِي الشَّكْل فَتَلَقَّوْا عَنْهُمْ بَعْض مَا شَاهَدُوهُ مِنْ أَفْعَالهمْ فَحَفِظُوهَا وَصَارَتْ فِيهِمْ , وَاخْتُصَّ الْقِرْد بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفِطْنَة الزَّائِدَة عَلَى غَيْره مِنْ الْحَيَوَان وَقَابِلِيَّة التَّعْلِيم لِكُلِّ صِنَاعَة مِمَّا لَيْسَ لِأَكْثَر الْحَيَوَان , وَمِنْ خِصَاله أَنَّهُ يَضْحَك وَيَطْرَب وَيَحْكِي مَا يَرَاهُ , وَفِيهِ مِنْ شِدَّة الْغَيْرَة مَا يُوَازِي الْآدَمِيّ وَلَا يَتَعَدَّى أَحَدهمْ إِلَى غَيْر زَوْجَته , فَلَا يَدَع فِي الْغَالِب أَنْ يُحَمِّلهَا مَا رُكِّبَ فِيهَا مِنْ غَيْرَة عَلَى عُقُوبَة مَنْ اِعْتَدَى إِلَى مَا لَمْ يَخْتَصّ بِهِ مِنْ الْأُنْثَى , وَمِنْ خَصَائِصه أَنَّ الْأُنْثَى تَحْمِل أَوْلَادهَا كَهَيْئَةِ الْآدَمِيَّة , وَرُبَّمَا مَشَى الْقِرْد عَلَى رِجْلَيْهِ لَكِنْ لَا يَسْتَمِرّ عَلَى ذَلِكَ , وَيَتَنَاوَل الشَّيْء بِيَدِهِ وَيَأْكُل بِيَدِهِ , وَلَهُ أَصَابِع مُفَصَّلَة إِلَى أَنَامِل وَأَظْفَار , وَلِشَفْرِ عَيْنَيْهِ أَهْدَاب. وَقَدْ اِسْتَنْكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ قِصَّة عَمْرو بْن مَيْمُون هَذِهِ وَقَالَ : فِيهَا إِضَافَة الزِّنَا إِلَى غَيْر مُكَلَّف وَإِقَامَة الْحَدّ عَلَى الْبَهَائِم وَهَذَا مُنْكَر عِنْد أَهْل الْعِلْم , قَالَ : فَإِنْ كَانَتْ الطَّرِيق صَحِيحَة فَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مِنْ الْجِنّ لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَة الْمُكَلَّفِينَ , وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى الطَّرِيق الَّتِي أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ حَسْب , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن صُورَة الْوَاقِعَة صُورَة الزِّنَا وَالرَّجْم أَنْ يَكُون ذَلِكَ زِنًا حَقِيقَة وَلَا حَدًّا , وَإِنَّمَا أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِشَبَهِهِ بِهِ , فَلَا يَسْتَلْزِم ذَلِكَ إِيقَاع التَّكْلِيف عَلَى الْحَيَوَان. وَأَغْرَبَ الْحُمَيْدِيّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ فَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث وَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ الْبُخَارِيّ , وَأَنَّ أَبَا مَسْعُود وَحْده ذَكَرَهُ فِي \" الْأَطْرَاف \" قَالَ : وَلَيْسَ فِي نُسَخ الْبُخَارِيّ أَصْلًا فَلَعَلَّهُ مِنْ الْأَحَادِيث الْمُقْحَمَة فِي كِتَاب الْبُخَارِيّ. وَمَا قَالَهُ مَرْدُود , فَإِنَّ الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي مُعْظَم الْأُصُول الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا , وَكَفَى بِإِيرَادِ أَبِي ذَرّ الْحَافِظ لَهُ عَنْ شُيُوخه الثَّلَاثَة الْأَئِمَّة الْمُتْقِنِينَ عَنْ الْفَرَبْرِيّ حُجَّة , وَكَذَا إِيرَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا وَأَبِي مَسْعُود لَهُ فِي أَطْرَافه , نَعَمْ سَقَطَ مِنْ رِوَايَة النَّسَفِيّ وَكَذَا الْحَدِيث الَّذِي بَعْده , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُون فِي رِوَايَة الْفَرَبْرِيّ , فَإِنَّ رِوَايَته تَزِيد عَلَى رِوَايَة النَّسَفِيّ عِدَّة أَحَادِيث قَدْ نَبَّهْت عَلَى كَثِير مِنْهَا فِيمَا مَضَى وَفِيمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَأَمَّا تَجْوِيزه أَنْ يُزَاد فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهَذَا يُنَافِي مَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاء مِنْ الْحُكْم بِتَصْحِيحِ جَمِيع مَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيّ فِي كِتَابه , وَمِنْ اِتِّفَاقهمْ عَلَى أَنَّهُ مَقْطُوع بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهِ , وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ تَخَيُّل فَاسِد يَتَطَرَّق مِنْهُ عَدَم الْوُثُوق بِجَمِيعِ مَا فِي الصَّحِيح , لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ فِي وَاحِد لَا بِعَيْنِهِ جَازَ فِي كُلّ فَرْد فَرْد , فَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ الْوُثُوق بِمَا فِي الْكِتَاب الْمَذْكُور , وَاتِّفَاق الْعُلَمَاء يُنَافِي ذَلِكَ , وَالطَّرِيق الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ دَافِعَة لِتَضْعِيفِ اِبْن عَبْد الْبَرّ لِلطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَقَدْ أَطْنَبْت فِي هَذَا الْمَوْضِع لِئَلَّا يَغْتَرّ ضَعِيف بِكَلَامِ الْحُمَيْدِيّ فَيَعْتَمِدهُ , وَهُوَ ظَاهِر الْفَسَاد , وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى فِي \" كِتَاب الْخَيْل \" لَهُ مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ مُهْرًا أُنْزِيَ عَلَى أُمّه فَامْتَنَعَ , فَأُدْخِلَتْ فِي بَيْت وَجُلِّلْت بِكِسَاءٍ وَأُنْزِيَ عَلَيْهَا فَنَزَا , فَلَمَّا شَمَّ رِيح أُمّه عَمَدَ إِلَى ذَكَرِهِ فَقَطَعَهُ بِأَسْنَانِهِ مِنْ أَصْله , فَإِذَا كَانَ هَذَا الْفَهْم فِي الْخَيْل مَعَ كَوْنهَا أَبْعَد فِي الْفِطْنَة مِنْ الْقِرْد فَجَوَازهَا فِي الْقِرْد أَوْلَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3561",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خِلَالٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏خِلَالِ ‏ ‏الْجَاهِلِيَّةِ الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ وَالنِّيَاحَةُ وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَيَقُولُونَ إِنَّهَا ‏ ‏الِاسْتِسْقَاءُ ‏ ‏بِالْأَنْوَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ اِبْن أَبِي يَزِيد الْمَكِّيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏فِي نُسْخَة أَنَس وَهُوَ غَلَط. ‏ ‏قَوْله : ( خِلَال مِنْ خِلَال الْجَاهِلِيَّة ) ‏ ‏أَيْ مِنْ خِصَال. ‏ ‏قَوْله : ( الطَّعْن فِي الْأَنْسَاب ) ‏ ‏أَيْ الْقَدْح مِنْ بَعْض النَّاس فِي نَسَب بَعْض بِغَيْرِ عِلْم. ‏ ‏قَوْله : ( وَالنِّيَاحَة ) ‏ ‏أَيْ عَلَى الْمَيِّت , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر حُكْمهَا فِي كِتَاب الْجَنَائِز فِي \" بَاب مَا يُكْرَه مِنْ النِّيَاحَة عَلَى الْمَيِّت \" وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَنَس \" لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُود وَشَقَّ الْجُيُوب وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَنَسِيَ الثَّالِثَة ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان \" وَنَسِيَ عُبَيْد اللَّه الثَّالِثَة \" فَعَيَّنَ النَّاسِي أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَقُولُونَ إِنَّهَا الِاسْتِسْقَاء بِالْأَنْوَاءِ ) ‏ ‏أَيْ يَقُولُونَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ فِي كِتَاب الِاسْتِسْقَاء , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْم مِنْ رِوَايَة شُرَيْح بْن يُونُس عَنْ سُفْيَان مُدْرَجًا وَلَفْظه \" وَالْأَنْوَاء \" وَلَمْ يَقُلْ \" وَنَسِيَ إِلَخْ \" وَمَنْ رِوَايَة عَبْد الْجَبَّار بْن الْعَلَاء عَنْ سُفْيَان بَدَل قَوْله : وَنَسِيَ الثَّالِثَة \" وَالتَّفَاخُر بِالْأَحْسَابِ \" وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُمَا , لِمَا بَيَّنَتْهُ رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر , وَعَلِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , وَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيث أَنَس ذِكْر هَذِهِ الثَّلَاثَة , وَهِيَ الطَّعْن وَالنِّيَاحَة وَالِاسْتِسْقَاء أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ قَوِيّ , وَجَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ وَجْه آخَر ذَكَرَ فِيهِ الْخِصَال الْأَرْبَع أَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ مِنْ طَرِيق عُمَر بْن رَاشِد عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ عِكْرِمَة عَنْهُ , وَالْمَحْفُوظ فِي هَذَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَابْن حِبَّان وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق أَبَانَ بْن يَزِيد وَغَيْره عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ زَيْد بْن سَلَام عَنْ أَبِي سَلَام عَنْ أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ \" أَرْبَع فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْر الْجَاهِلِيَّة لَا يَتْرُكُونَهُنَّ : الْفَخْر فِي الْأَحْسَاب , وَالطَّعْن فِي الْأَنْسَاب , وَالِاسْتِسْقَاء بِالْأَنْوَاءِ ; وَالنِّيَاحَة \". ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَتْ أَحَادِيث الْمَنَاقِب وَمَا اِتَّصَلَ بِهَا مِنْ ذِكْر بَعْض مَا وَقَعَ قَبْل الْبَعْث مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى مِائَتَيْ حَدِيث وَثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ طَرِيقًا وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَة وَثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِص خَمْسَة وَتِسْعُونَ حَدِيثًا , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث عَائِشَة \" كَانَ أَبُو بَكْر فِي الْغَار \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِيهِ , وَحَدِيث أَبِي سَعِيد فِيهِ , وَحَدِيث اِبْن عُمَر \" كُنَّا نُخَيَّر \" وَحَدِيث اِبْن الزُّبَيْر \" لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا \" وَحَدِيث اِبْن عَمَّار \" وَمَا مَعَهُ إِلَّا خَمْسَة \" وَحَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء \" قَدْ غَامَرَ \" , وَحَدِيث عَائِشَة فِي طَرَف مِنْ حَدِيث السَّقِيفَة , وَحَدِيث عَلِيّ \" خَيْر النَّاس \" , وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" أَشَدّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ \" , وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود \" مَا زِلْنَا أَعِزَّة \" وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي شَأْن عُمَر , وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن هِشَام فِيهِ , وَحَدِيث عُثْمَان \" مَا بَايَعْت \" , وَحَدِيث عَلِيّ \" اِقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ \" , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي جَعْفَر , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِيهِ , وَحَدِيث أَبِي بَكْر \" اُرْقُبُوا \" وَحَدِيثه \" لَقَرَابَة رَسُول اللَّه أَحَبّ إِلَيَّ \" , وَحَدِيث عُثْمَان فِي الزُّبَيْر , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِيهِ , وَحَدِيث الزُّبَيْر فِي الْيَرْمُوك , وَحَدِيث طَلْحَة وَسَعْد , وَحَدِيث مَسّ يَد طَلْحَة , وَحَدِيث سَعْد فِي إِسْلَامه , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي اِبْن أُسَامَة , وَحَدِيث أُسَامَة \" إِنِّي أُحِبّهُمَا \" , وَحَدِيث أَنَس فِي الْحُسَيْن , وَحَدِيثه فِي الْحَسَن , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِيهِمَا , وَحَدِيث عُمَر فِي بِلَال , وَحَدِيث حُذَيْفَة فِي اِبْن مَسْعُود , وَحَدِيث مُعَاوِيَة فِي الْوِتْر , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي عَائِشَة , وَحَدِيث عَمَّار فِيهَا , وَحَدِيث أَنَس فِي الْأَنْصَار , وَحَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم فِيهِمْ , وَحَدِيث سَعْد فِي عَبْد اللَّه بْن سَلَام , وَحَدِيث اِبْن سَلَام مَعَ أَبِي بُرْدَة , وَحَدِيث اِبْن عُمَر , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي زَيْد بْن عَمْرو , وَحَدِيث أَسْمَاء فِيهِ , وَحَدِيث اِبْن الزُّبَيْر فِي بِنَاء الْمَسْجِد الْحَرَام , وَحَدِيث جَدّ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , وَحَدِيث أَبِي بَكْر مَعَ اِمْرَأَة مِنْ أَحْمَس , وَحَدِيث عَائِشَة فِي الْقِيَام لِلْجِنَازَةِ , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي كَأْسًا دِهَاقًا , وَحَدِيث أَبِي بَكْر مَعَ الَّذِي تَكَهَّنَ , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْقَسَامَة , وَحَدِيثه فِي السَّعْي , وَحَدِيثه فِي الْحَطِيم , وَحَدِيث عَمْرو بْن مَيْمُون فِي الْقِرَدَة , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" ثَلَاث مِنْ خِلَال الْجَاهِلِيَّة \" فَجُمْلَة ذَلِكَ اِثْنَانِ وَخَمْسُونَ حَدِيثًا مَا بَيْن مُعَلَّق وَمَوْصُول , فَوَافَقَهُ مِنْهَا عَلَى ثَلَاثَة وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا فَقَطْ , وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّ الْكَثِير مِنْهَا صُورَته أَنَّهُ مَوْقُوف وَإِنْ كَانَ قَدْ يُتَمَحَّلُ لَهُ حُكْم الْمَرْفُوع , وَمُسْلِم فِي الْغَالِب يَحْرِص عَلَى تَخْرِيج الْأَحَادِيث الصَّرِيحَة فِي الرَّفْع. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ سَبْعَة عَشَرَ أَثَرًا , وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3562",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ فَمَكَثَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ فَهَاجَرَ إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَمَكَثَ بِهَا عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ تُوُفِّيَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا النَّضْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شُمَيْلٍ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَسَّان. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عِكْرِمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة رَوْح عَنْ هِشَام الْآتِيَة فِي الْهِجْرَة \" حَدَّثَنَا عِكْرِمَة \". ‏ ‏قَوْله : ( أُنْزِلَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ اِبْن أَرْبَعِينَ ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمَقْصُود مِنْ هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب , وَهُوَ مُتَّفَق عَلَيْهِ , وَقَدْ مَضَى فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيث أَنَس \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ عَلَى رَأْس أَرْبَعِينَ \" وَتَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِي شَهْر رَمَضَان , فَعَلَى الصَّحِيح الْمَشْهُور أَنَّ مَوْلِده فِي شَهْر رَبِيع الْأَوَّل يَكُون حِين أُنْزِلَ عَلَيْهِ اِبْن أَرْبَعِينَ سَنَة وَسِتَّة أَشْهُر , وَكَلَام اِبْن الْكَلْبِيّ يُؤْذِن بِأَنَّهُ وُلِدَ فِي رَمَضَان فَإِنَّهُ قَالَ : مَاتَ وَلَهُ اِثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سَنَة وَنِصْف سَنَة , وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَاتَ فِي رَبِيع الْأَوَّل فَيَسْتَلْزِم ذَلِكَ أَنْ يَكُون وُلِدَ فِي رَمَضَان , وَبِهِ جَزَمَ الزُّبَيْر بْن بَكَّار وَهُوَ شَاذّ , وَفِي مَوْلِده أَقْوَال أُخْرَى أَشَدّ شُذُوذًا مِنْ هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( بِمَكَّة ثَلَاث عَشْرَة سَنَة ) ‏ ‏هَذَا أَصَحّ مِمَّا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَمَّار بْن أَبِي عَمَّار عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ بِمَكَّة خَمْس عَشْرَة سَنَة \" وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي أَبْوَاب الْهِجْرَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3563",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَيَانٌ ‏ ‏وَإِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَا سَمِعْنَا ‏ ‏قَيْسًا ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏خَبَّابًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً وَهُوَ فِي ظِلِّ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏وَقَدْ لَقِينَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ فَقَالَ ‏ ‏لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ ‏ ‏صَنْعَاءَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏حَضْرَمَوْتَ ‏ ‏مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏بَيَانٌ ‏ ‏وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا بَيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِشْر , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَخَبَّاب بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَة. ‏ ‏قَوْله : ( بُرْدَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّنْوِينِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْهَاءِ وَالْأَوَّل أَرْجَح فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" عَلَامَات النُّبُوَّة \" مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظِ \" بُرْدَة لَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا تَدْعُو اللَّه لَنَا ) ‏ ‏زَادَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْمَبْعَث \" أَلَا تَسْتَنْصِر لَنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرّ وَجْهه ) ‏ ‏أَيْ مِنْ أَثَر النَّوْم , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ الْغَضَب وَبِهِ جَزَمَ اِبْن التِّين. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلكُمْ لَيُمْشَط بِمِشَاطِ الْحَدِيد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِكَسْرِ الْمِيم , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَمْشَاط \" هُوَ جَمْع مِشْط بِكَسْرِ الْمِيم وَبِضَمِّهَا , يُقَال مِشَاط وَأَمْشَاط كَرِمَاحِ وَأَرْمَاح , وَأَنْكَرَ اِبْن دُرَيْدٍ الْكَسْر فِي الْمُفْرَد , وَالْأَشْهَر فِي الْجَمْع مِشَاط وَرِمَاح. ‏ ‏قَوْله : ( مَا دُون عِظَامه مِنْ لَحْم أَوْ عَصَب ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة مَا دُون لَحْمه مِنْ عَظْم أَوْ عَصَب. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُوضَع الْمِيشَار ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بِهَمْزٍ وَبِغَيْرِ هَمْز , تَقُول وَشَرْت الْخَشَبَة وَأَشَرْتهَا , وَيُقَال فِيهِ بِالنُّونِ وَهِيَ أَشْهَر فِي الِاسْتِعْمَال وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة \" يُحْفَر لَهُ فِي الْأَرْض فَيُجْعَل فِيهَا فَيُجَاء بِالْمِنْشَارِ \" قَالَ اِبْن التِّين : كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ أَنْبِيَاء أَوْ أَتْبَاعهمْ , قَالَ : وَكَانَ فِي الصَّحَابَة مَنْ لَوْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لَصَبَرَ , إِلَى أَنْ قَالَ : وَمَا زَالَ خَلْق مِنْ الصَّحَابَة وَأَتْبَاعهمْ فَمَنْ بَعْدهمْ يُؤْذَوْنَ فِي اللَّه , وَلَوْ أَخَذُوا بِالرُّخْصَةِ لَسَاغَ لَهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَيُتِمَّنَّ اللَّه هَذَا الْأَمْر ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ , وَفِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة \" وَاَللَّه لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْر \" بِالرَّفْعِ , وَالْمُرَاد بِالْأَمْرِ الْإِسْلَام. ‏ ‏قَوْله : ( زَادَ بَيَان : وَالذِّئْب عَلَى غَنَمه ) ‏ ‏هَذَا يُشْعِر بِأَنَّ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة إِدْرَاجًا , فَإِنَّهُ أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ إِسْمَاعِيل وَحْده وَقَالَ فِي آخِرهَا \" مَا يَخَاف إِلَّا اللَّه وَالذِّئْب عَلَى غَنَمه \" , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الصَّبَّاح بْن أَسْلَمَ وَعَبْدَة بْن عَبْد الرَّحِيم كُلّهمْ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ بِهِ مُدْرَجًا , وَطَرِيق الْحُمَيْدِيّ أَصَحّ , وَقَدْ وَافَقَهُ اِبْن أَبِي عُمَر أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه مُفَصَّلًا أَيْضًا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَوْله \" وَالذِّئْب \" هُوَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَا الْمُسْتَثْنَى , كَذَا جَزَمَ بِهِ الْكَرْمَانِيُّ , وَلَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُون عَطْفًا عَلَى الْمُسْتَثْنَى , وَالتَّقْدِير : وَلَا يَخَاف إِلَّا الذِّئْب عَلَى غَنَمه , لِأَنَّ مَسَاق الْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ لِلْأَمْنِ مِنْ عُدْوَان بَعْض النَّاس عَلَى بَعْض كَمَا كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة , لَا لِلْأَمْنِ مِنْ عُدْوَان الذِّئْب فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُون فِي آخِر الزَّمَان عِنْد نُزُول عِيسَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3564",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَرَأَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏النَّجْمَ فَسَجَدَ فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا سَجَدَ إِلَّا رَجُلٌ رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًا فَرَفَعَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ وَقَالَ هَذَا يَكْفِينِي فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا بِاللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود قَرَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْم فَسَجَدَ \" سَبَقَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي سُجُود الْقُرْآن مِنْ كِتَاب الصَّلَاة , وَيَأْتِي بَقِيَّته فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم , وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ تَسْمِيَة الَّذِي لَمْ يَسْجُد , وَزَعَمَ الْوَاقِدِيّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَمَضَان سَنَة خَمْس مِنْ الْمَبْعَث. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏كَانَ حَقّ هَذَا الْحَدِيث أَنْ يُذْكَر فِي \" بَاب الْهِجْرَة إِلَى الْحَبَشَة \" الْمَذْكُور بَعْد قَلِيل فَسَيَأْتِي فِيهَا أَنَّ سُجُود الْمُشْرِكِينَ الْمَذْكُور فِيهِ سَبَب رُجُوع مَنْ هَاجَرَ الْهِجْرَة الْأُولَى إِلَى الْحَبَشَة لِظَنِّهِمْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كُلّهمْ أَسْلَمُوا , فَلَمَّا ظَهَرَ لَهُمْ خِلَاف ذَلِكَ هَاجَرُوا الْهِجْرَة الثَّانِيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3565",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ ‏ ‏بِسَلَى جَزُورٍ فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ فَجَاءَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏فَأَخَذَتْهُ مِنْ ظَهْرِهِ وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلَأَ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ ‏ ‏وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏الشَّاكُّ ‏ ‏فَرَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ غَيْرَ ‏ ‏أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أُبَيٍّ ‏ ‏تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ فَلَمْ يُلْقَ فِي الْبِئْرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي قِصَّة عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط وَإِلْقَائِهِ سَلَا الْجَزُور عَلَى ظَهْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَاجِد , وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر كِتَاب الْوُضُوء. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّة بَعْد الْهِجْرَة الثَّانِيَة إِلَى الْحَبَشَة , لِأَنَّ مِنْ جُمْلَة مَنْ دَعَى عَلَيْهِ عُمَارَة بْن الْوَلِيد أَخُو أَبِي جَهْل , وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره أَنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوهُ مَعَ عَمْرو بْن الْعَاصِ إِلَى النَّجَاشِيّ لِيَرُدّ إِلَيْهِمْ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَل , وَاسْتَمَرَّ عُمَارَة بِالْحَبَشَةِ إِلَى أَنْ مَاتَ. ‏ ‏( تَنْبِيه آخَر ) : ‏ ‏أَغْرَبَ الشَّيْخ عِمَاد الدِّين بْن كَثِير فَزَعَمَ أَنَّ الْحَدِيث الْوَارِد عَنْ خَبَّاب عِنْد مُسْلِم وَأَصْحَاب السُّنَن \" شَكَوْنَا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرّ الرَّمْضَاء فَلَمْ يُشْكِنَا \" طَرَف مِنْ حَدِيث الْبَاب , وَأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُمْ شَكَوْا مَا يَلْقَوْنَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ تَعْذِيبهمْ بِحَرِّ الرَّمْضَاء وَغَيْره , فَسَأَلُوهُ أَنْ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يُشْكِهِمْ , أَيْ لَمْ يُزِلْ شَكْوَاهُمْ , وَعَدَلَ إِلَى تَسْلِيَتهمْ بِمَنْ مَضَى مِمَّنْ قَبْلهمْ , وَلَكِنْ وَعَدَهُمْ بِالنَّصْرِ اِنْتَهَى. وَيُبْعِدُ هَذَا الْحَمْل أَنَّ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث مُسْلِم عِنْد اِبْن مَاجَهْ \" الصَّلَاة فِي الرَّمْضَاء \" وَعِنْد أَحْمَد \" يَعْنِي الظُّهْر وَقَالَ : إِذَا زَالَتْ الشَّمْس فَصَلُّوا \" وَبِهَذَا تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ وَرَدَ فِي تَعْجِيل الظُّهْر , وَذَلِكَ قَبْل مَشْرُوعِيَّة الْإِبْرَاد , وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيه آخَر ) : ‏ ‏عَبْد اللَّه الْمَذْكُور هُوَ اِبْن مَسْعُود جَزْمًا , وَذَكَرَ اِبْن التِّين أَنَّ الدَّاوُدِيّ قَالَ : الظَّاهِر أَنَّهُ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود لِأَنَّهُمْ فِي الْأَكْثَر إِنَّمَا يُطْلِقُونَ عَبْد اللَّه غَيْر مَنْسُوب عَلَيْهِ. قُلْت : وَلَيْسَ ذَلِكَ مُطَّرِدًا , وَإِنَّمَا يُعْرَف ذَلِكَ مِنْ جِهَة الرُّوَاة , وَبَسْط ذَلِكَ مُقَرَّر فِي عُلُوم الْحَدِيث , وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ الْخَطِيب كِتَابًا حَافِلًا سَمَّاهُ \" الْمُجْمَل لِبَيَانِ الْمُهْمَل \" وَوَقَعَ فِي شَرْح شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن أَنَّ الدَّاوُدِيّ قَالَ : لَعَلَّهُ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو لَا اِبْن عُمَر , ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الْبُخَارِيّ صَرَّحَ فِي كِتَاب الصَّلَاة بِأَنَّهُ اِبْن مَسْعُود , قُلْت : وَلَمْ أَرَ مَا نَسَبَهُ إِلَى الدَّاوُدِيّ فِي كَلَام غَيْره فَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3566",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى ‏ ‏قَالَ سَلْ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مَا أَمْرُهُمَا ‏ { ‏وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ‏} { ‏وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ‏} ‏فَسَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَمَّا أُنْزِلَتْ الَّتِي فِي ‏ ‏الْفُرْقَانِ ‏ ‏قَالَ مُشْرِكُو ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَدَعَوْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَقَدْ أَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ ‏} ‏الْآيَةَ فَهَذِهِ لِأُولَئِكَ وَأَمَّا الَّتِي فِي ‏ ‏النِّسَاءِ ‏ ‏الرَّجُلُ إِذَا عَرَفَ الْإِسْلَامَ وَشَرَائِعَهُ ثُمَّ قَتَلَ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ‏ ‏فَذَكَرْتُهُ ‏ ‏لِمُجَاهِدٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِلَّا مَنْ نَدِمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي تَوْبَة الْقَاتِل , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَالْغَرَض مِنْهُ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ صُنْعَ الْمُشْرِكِينَ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ قَتْل وَتَعْذِيب وَغَيْر ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُمْ بِالْإِسْلَامِ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَوْله هُنَا \" وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ \" كَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَة , وَاَلَّذِي فِي التِّلَاوَة ( وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ ) هَكَذَا فِي سُورَة الْفُرْقَان وَهِيَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي بَقِيَّة الْحَدِيث , فَتَعَيَّنَ أَنَّهَا الْمُرَاد فِي أَوَّله , وَيُمْكِن الْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3567",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي فِي حِجْرِ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏إِذْ أَقْبَلَ ‏ ‏عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ ‏ ‏فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا فَأَقْبَلَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَهُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ { ‏أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ ‏ ‏رَبِّيَ اللَّهُ ‏} ‏الْآيَةَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏ابْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قِيلَ ‏ ‏لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ وَأَبِيهِ عَمْرو بْن الْعَاصِ عَلَى الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَيَّاش اِبْن الْوَلِيد حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن مُسْلِم ) ‏ ‏عَيَّاش شَيْخه بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُعْجَمَة هُوَ الرَّقَّام , وَلَهُ شَيْخ آخَر لَا يَنْسُبهُ فِي غَالِب مَا يُخَرِّج عَنْهُ , قَالَ الْجَيَّانِيّ : وَقَعَ هُنَا عِنْد الْأَصِيلِيّ غَيْر مُقَيَّد , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد بْن مِرْبَد وَهُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَة , ثُمَّ نَقَلَ عَنْ أَبِي زُفَر أَنَّ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِمًا مَا أَخْرَجَا لِابْنِ مِرْبَد شَيْئًا , قَالَ : وَلَا أَعْلَم لَهُ رِوَايَة عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ الْآتِيَة فِي تَفْسِير غَافِر \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم \". ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عُرْوَة ) ‏ ‏كَذَا قَالَ الْوَلِيد بْن مُسْلِم , وَخَالَفَهُ أَيُّوب بْن خَالِد الْحَرَّانِيّ فَقَالَ \" عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَة قَالَ : قُلْت لِعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَقَوْل الْوَلِيد أَرْجَح. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلْت اِبْن عَمْرو ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ الْمَذْكُورَة \" قُلْت لِعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو \". ‏ ‏قَوْله : ( بِأَشَدّ شَيْء صَنَعَهُ إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا الَّذِي أَجَابَ بِهِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَيُخَالِف مَا تَقَدَّمَ فِي \" ذِكْر الْمَلَائِكَة \" مِنْ حَدِيث عَائِشَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا \" وَكَانَ أَشَدّ مَا لَقِيت مِنْ قَوْمك \" فَذَكَرَ قِصَّته بِالطَّائِفِ مَعَ ثَقِيف. وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو اِسْتَنَدَ إِلَى مَا رَوَاهُ , وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا لِلْقِصَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ بِالطَّائِفِ. وَقَدْ رَوَى الزُّبَيْر بْن بَكَّار وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي \" الْأَفْرَاد \" مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة عَنْ عُرْوَة \" حَدَّثَنِي عَمْرو بْن عُثْمَان عَنْ أَبِيهِ عُثْمَان قَالَ : أَكْثَر مَا نَالَتْ قُرَيْش مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْته يَوْمًا , قَالَ : وَذَرَفَتْ عَيْنَا عُثْمَان فَذَكَرَ قِصَّة يُخَالِف سِيَاقهَا حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو هَذَا , فَهَذَا الِاخْتِلَاف ثَابِت عَلَى عُرْوَة فِي السَّنَد , لَكِنَّ سَنَده ضَعِيف , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى التَّعَدُّد , وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ لِمَا سَأُبَيِّنُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( يُصَلِّي فِي حِجْر الْكَعْبَة إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةَ بْن أَبِي مُعَيْط فَوَضَعَ ثَوْبه فِي عُنُقه فَخَنَقَهُ ) ‏ ‏فِي حَدِيث عُثْمَان الْمَذْكُور \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوف بِالْبَيْتِ وَيَده فِي يَد أَبِي بَكْر , وَفِي الْحِجْر عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط وَأَبُو جَهْل وَأُمَيَّة بْن خَلَف فَمَرَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْمَعُوهُ بَعْض مَا يَكْرَه ثَلَاث مَرَّات , فَلَمَّا كَانَ فِي الشَّوْط الرَّابِع نَاهَضُوهُ , وَأَرَادَ أَبُو جَهْل أَنْ يَأْخُذ بِمَجَامِع ثَوْبه فَدَفَعْته , وَدَفَعَ أَبُو بَكْر أُمَيَّة بْن خَلَف , وَدَفَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُقْبَة \" فَهَذَا السِّيَاق مُغَايِر لِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه قَوْل أَبِي بَكْر \" أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُول رَبِّيَ اللَّه ؟ \" وَفِي حَدِيث عُثْمَان أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ \" أَمَا وَاَللَّه لَا تَنْتَهُونَ حَتَّى يَحِلّ بِكُمْ الْعِقَاب عَاجِلًا , فَأَخَذَتْهُمْ الرَّعْدَة \" الْحَدِيث , وَهَذَا يُقَوِّي التَّعَدُّد. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ اِبْن إِسْحَاق ) ‏ ‏قَالَ ( حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن عُرْوَة إِلَخْ ) وَصَلَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد وَالْبَزَّار مِنْ طَرِيق بَكْر بْن سُلَيْمَان كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن إِسْحَاق بِهَذَا السَّنَد , وَفِي أَوَّل سِيَاقه مِنْ الزِّيَادَة قَالَ \" حَضَرْتهمْ وَقَدْ اِجْتَمَعَ أَشْرَافهمْ فِي الْحِجْر فَذَكَرُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : مَا رَأَيْنَا مِثْل صَبْرنَا عَلَيْهِ , سَفَّهَ أَحْلَامَنَا , وَشَتَمَ آبَاءَنَا , وَغَيَّرَ دِيننَا , وَفَرَّقَ جَمَاعَتنَا. فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ , فَاسْتَلَمَ الرُّكْن , فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ غَمَزُوهُ , وَذَكَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ فِي الثَّالِثَة \" لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ \" وَأَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ \" يَا أَبَا الْقَاسِم مَا كُنْت جَاهِلًا , فَانْصَرِفْ رَاشِدًا , فَانْصَرَفَ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَد اِجْتَمَعُوا فَقَالُوا : ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ حَتَّى إِذَا أَتَاكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ , فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ فَقَالُوا : قُومُوا إِلَيْهِ وَثْبَة رَجُل وَاحِد , قَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْت رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بِمَجَامِع ثِيَابه , وَقَامَ أَبُو بَكْر دُونه وَهُوَ يَبْكِي فَقَالَ : أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُول رَبِّيَ اللَّه ؟ ثُمَّ اِنْصَرَفُوا عَنْهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْدَة عَنْ هِشَام ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُرْوَة ‏ ‏( عَنْ أَبِيهِ قِيلَ لِعَمْرِو بْن الْعَاصِ ) ‏ ‏هَكَذَا خَالَفَ هِشَام بْن عُرْوَة أَخَاهُ يَحْيَى بْن عُرْوَة فِي الصَّحَابِيّ , فَقَالَ يَحْيَى : \" عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" وَقَالَ هِشَام : \" عَمْرو بْن الْعَاصِ \" وَيُرَجِّح رِوَايَة يَحْيَى مُوَافَقَة مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ عَنْ عُرْوَة , عَلَى أَنَّ قَوْل هِشَام غَيْر مَدْفُوع , لِأَنَّ لَهُ أَصْلًا مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ , بِدَلِيلِ رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عَنْ عَمْرو الْآتِيَة عَقِب هَذَا , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عُرْوَة سَأَلَهُ مَرَّة وَسَأَلَ أَبَاهُ أُخْرَى , وَيُؤَيِّدهُ اِخْتِلَاف السِّيَاقَيْنِ , وَقَدْ ذَكَرْت أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ بِإِسْنَادٍ آخَر عَنْ عُثْمَان فَلَا مَانِع مِنْ التَّعَدُّد , نَعَمْ لَمْ تَتَّفِق الرُّوَاة عَنْ هِشَام عَلَى قَوْله \" عَمْرو بْن الْعَاصِ \" فَإِنَّ سُلَيْمَان بْن بِلَال وَافَقَ عَبْدَة عَلَى ذَلِكَ , وَخَالَفَهُمَا مُحَمَّد بْن فُلَيْح فَقَالَ \" عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة : حَدَّثَنِي عَمْرو بْن الْعَاصِ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" خَلْق أَفْعَال الْعِبَاد \" مِنْ طَرِيقه , وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَابْن حِبَّان عَنْهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو وَلَفْظه \" مَا رَأَيْت قُرَيْشًا أَرَادُوا قَتْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا يَوْمًا أَغْرُوا بِهِ وَهُمْ فِي ظِلّ الْكَعْبَة جُلُوس وَهُوَ يُصَلِّي عِنْد الْمَقَام , فَقَامَ إِلَيْهِ عُقْبَة فَجَعَلَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقه ثُمَّ جَذَبَهُ لِرُكْبَتَيْهِ وَتَصَايَحَ النَّاس , وَأَقْبَلَ أَبُو بَكْر يَشْتَدّ حَتَّى أَخَذَ بِضَبْعِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَائِهِ وَهُوَ يَقُول : أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُول رَبِّيَ اللَّه ؟ ثُمَّ اِنْصَرَفُوا عَنْهُ , فَلَمَّا قَضَى صَلَاته مَرَّ بِهِمْ فَقَالَ : وَاَلَّذِي بِيَدِهِ مَا أَرْسَلْت إِلَيْكُمْ إِلَّا بِالذَّبْحِ , فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْل : يَا مُحَمَّد مَا كُنْت جَهُولًا , فَقَالَ : أَنْتَ مِنْهُمْ \". وَيَدُلّ عَلَى التَّعَدُّد أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام قَالَتْ \" اِجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْحِجْر فَقَالُوا : إِذَا مَرَّ مُحَمَّد ضَرَبَهُ كُلّ رَجُل مِنَّا ضَرْبَة , فَسَمِعْت ذَلِكَ فَأَخْبَرْته فَقَالَ : اُسْكُتِي يَا بُنَيَّة. ثُمَّ خَرَجَ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ , فَرَفَعُوا رُءُوسهمْ ثُمَّ نَكَسُوا , قَالَتْ فَأَخَذَ قَبْضَة مِنْ تُرَاب فَرَمَى بِهَا نَحْوهمْ ثُمَّ قَالَ : شَاهَتْ الْوُجُوه , فَمَا أَصَابَ رَجُلًا مِنْهُمْ إِلَّا قُتِلَ يَوْم بَدْر كَافِرًا \" وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّار بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَنَس قَالَ \" لَقَدْ ضَرَبُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّة حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ , فَقَامَ أَبُو بَكْر فَجَعَلَ يُنَادِي : وَيْلَكُمْ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُول رَبِّيَ اللَّه ؟ فَتَرَكُوهُ وَأَقْبَلُوا عَلَى أَبِي بَكْر \" وَهَذَا مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَن مُطَوَّلًا مِنْ حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر أَنَّهُمْ \" قَالُوا لَهَا مَا أَشَدّ مَا رَأَيْت الْمُشْرِكِينَ بَلَغُوا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ؟ فَذَكَرَ نَحْو سِيَاق اِبْن إِسْحَاق الْمُتَقَدِّم قَرِيبًا وَفِيهِ \" فَأَتَى الصَّرِيخ إِلَى أَبِي بَكْر فَقَالَ : أَدْرِك صَاحِبك , فَخَرَجَ مِنْ عِنْدنَا وَلَهُ غَدَائِر أَرْبَع وَهُوَ يَقُول : وَيْلَكُمْ , أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُول رَبِّيَ اللَّه ؟ فَلَهَوْا عَنْهُ , وَأَقْبَلُوا إِلَى أَبِي بَكْر , فَرَجَعَ إِلَيْنَا أَبُو بَكْر فَجَعَلَ لَا يَمَسّ شَيْئًا مِنْ غَدَائِره إِلَّا رَجَعَ مَعَهُ \". وَلِقِصَّةِ أَبِي بَكْر هَذِهِ شَاهِد مِنْ حَدِيث عَلِيّ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَلِيّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ \" مَنْ أَشْجَع النَّاس ؟ فَقَالُوا : أَنْتَ قَالَ : أَمَا إِنِّي مَا بَارَزَنِي أَحَد إِلَّا أَنْصَفْتُ مِنْهُ , وَلَكِنَّهُ أَبُو بَكْر , لَقَدْ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَتْهُ قُرَيْش فَهَذَا يَجَؤُهُ وَهَذَا يَتَلَقَّاهُ وَيَقُولُونَ لَهُ أَنْتَ تَجْعَل الْآلِهَة إِلَهًا وَاحِدًا , فَوَاَللَّهِ مَا دَنَا مِنَّا أَحَد إِلَّا أَبُو بَكْر يَضْرِب هَذَا وَيَدْفَع هَذَا وَيَقُول : وَيْلَكُمْ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُول رَبِّيَ اللَّه ؟ , ثُمَّ بَكَى عَلِيّ ثُمَّ قَالَ. أُنْشِدكُمْ اللَّه أَمُؤْمِن آلِ فِرْعَوْن أَفْضَل أَمْ أَبُو بَكْر ؟ فَسَكَتَ الْقَوْم , فَقَالَ عَلِيّ : وَاَللَّه لَسَاعَة مِنْ أَبِي بَكْر خَيْر مِنْهُ , ذَاكَ رَجُل يَكْتُم إِيمَانه , وَهَذَا يُعْلِن بِإِيمَانِهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3568",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمَّادٍ الْآمُلِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَيَانٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَبَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَا مَعَهُ إِلَّا ‏ ‏خَمْسَةُ أَعْبُدٍ ‏ ‏وَامْرَأَتَانِ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3569",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَاشِمٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا إِسْحَاقَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ إِلَّا فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ وَلَقَدْ مَكُثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنِّي ‏ ‏لَثُلُثُ الْإِسْلَامِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3570",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏مَسْرُوقًا ‏ ‏مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبُوكَ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ أَبُو قُدَامَةَ السَّرَخْسِيّ , وَهُوَ بِالتَّصْغِيرِ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ , وَفِي طَبَقَته عَبْد اللَّه بْن سَعِيد مُكَبَّر وَهُوَ أَبُو سَعِيد الْأَشَجّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَعْن بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , وَهُوَ كُوفِيّ ثِقَة مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ آذَنَ ) ‏ ‏بِالْمَدِّ أَيْ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْ أَبِي أُسَامَة بِهَذَا الْإِسْنَاد \" آذَنَتْ بِهِمْ سَمُرَة \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَضَمّ الْمِيم. ‏"
    },
    {
        "id": "3571",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَدِّي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِدَاوَةً ‏ ‏لِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بِهَا فَقَالَ مَنْ هَذَا فَقَالَ أَنَا ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ أَحْمِلُهَا فِي طَرَفِ ثَوْبِي حَتَّى وَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مَشَيْتُ فَقُلْتُ مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ قَالَ هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ وَنِعْمَ الْجِنُّ فَسَأَلُونِي الزَّادَ فَدَعَوْتُ اللَّهَ لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا ‏",
        "sharh": "قَوْله : فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏( أَخْبَرَنِي جَدِّي ) ‏ ‏هُوَ سَعِيد بْن عَمْرو بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْغِنِي ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : هُوَ مَوْصُول مِنْ الثُّلَاثِيّ تَقُول : بَغَيْت الشَّيْء طَلَبْته وَأَبْغَيْتُك الشَّيْء أَعَنْتُك عَلَى طَلَبه. ‏ ‏قَوْله : ( أَحْجَارًا أَسْتَنْفِض بِهَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ فِي كِتَاب الطَّهَارَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْد جِنّ نَصِيبِينَ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون خَبَرًا عَمَّا وَقَعَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون خَبَرًا عَمَّا مَضَى قَبْل ذَلِكَ , وَنَصِيبِينَ بَلْدَة مَشْهُورَة بِالْجَزِيرَةِ , وَوَقَعَ فِي كَلَام اِبْن التِّين أَنَّهَا بِالشَّامِ وَفِيهِ تَجَوُّز , فَإِنَّ الْجَزِيرَة بَيْن الشَّام وَالْعِرَاق , وَيَجُوز صَرْف نَصِيبِينَ وَتَرْكه. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَأَلُونِي الزَّاد ) ‏ ‏أَيْ مِمَّا يَفْضُل عَنْ الْإِنْس , وَقَدْ يَتَعَلَّق بِهِ مَنْ يَقُول إِنَّ الْأَشْيَاء قَبْل الشَّرْع عَلَى الْحَظْر حَتَّى تَرِد الْإِبَاحَة , وَيُجَاب عَنْهُ بِمَنْعِ الدَّلَالَة عَلَى ذَلِكَ , بَلْ لَا حُكْم قَبْل الشَّرْع عَلَى الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَوْت اللَّه لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثَة إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طُعْمًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا \" قَالَ اِبْن التِّين : يَحْتَمِل أَنْ يَجْعَل اللَّه ذَلِكَ عَلَيْهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يُذِيقهُمْ مِنْهَا طَعَامًا. وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد مُسْلِم \" إِنَّ الْبَعْر زَادُ دَوَابّهمْ \" وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ حَدِيث الْبَاب لِإِمْكَانِ حَمْل الطَّعَام فِيهِ عَلَى طَعَام الدَّوَابّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3572",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُثَنَّى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا بَلَغَ ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏مَبْعَثُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِأَخِيهِ ‏ ‏ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنْ السَّمَاءِ وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ ائْتِنِي فَانْطَلَقَ الْأَخُ حَتَّى قَدِمَهُ وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ فَقَالَ مَا شَفَيْتَنِي مِمَّا أَرَدْتُ فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا يَعْرِفُهُ وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ بَعْضُ اللَّيْلِ فَاضْطَجَعَ فَرَآهُ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ احْتَمَلَ قِرْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا يَرَاهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى أَمْسَى فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ فَمَرَّ بِهِ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَقَالَ أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ فَأَقَامَهُ فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ لَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ فَعَادَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَأَقَامَ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ قَالَ إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنِّي فَعَلْتُ فَفَعَلَ فَأَخْبَرَهُ قَالَ فَإِنَّهُ حَقٌّ وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتْبَعْنِي فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتْبَعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي فَفَعَلَ فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَدَخَلَ مَعَهُ فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ وَأَتَى ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏فَأَكَبَّ عَلَيْهِ قَالَ وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ ‏ ‏غِفَارٍ ‏ ‏وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارِكُمْ إِلَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ ثُمَّ عَادَ مِنْ الْغَدِ لِمِثْلِهَا فَضَرَبُوهُ وَثَارُوا إِلَيْهِ فَأَكَبَّ ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الضُّبَعِيُّ , لَهُ فِي الْبُخَارِيّ حَدِيثَانِ : هَذَا وَآخَر تَقَدَّمَ فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل , وَأَبُو جَمْرَة هُوَ بِالْجِيمِ نَصْر بْن عِمْرَان. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ أَبَا ذَرّ قَالَ لِأَخِيهِ ) ‏ ‏هُوَ أُنَيْس. ‏ ‏قَوْله : ( اِرْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي ) ‏ ‏أَيْ وَادِي مَكَّة , وَفِي أَوَّل رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة الْمَاضِيَة فِي مَنَاقِب قُرَيْش \" قَالَ لَنَا اِبْن عَبَّاس : \" أَلَا أُخْبِركُمْ بِإِسْلَامِ أَبِي ذَرّ ؟ قَالَ : قُلْنَا : بَلَى. قَالَ : قَالَ أَبُو ذَرّ : كُنْت رَجُلًا مِنْ غِفَار \" وَهَذَا السِّيَاق يَقْتَضِي أَنَّ اِبْن عَبَّاس تَلَقَّاهُ مِنْ أَبِي ذَرّ , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم قِصَّة إِسْلَام أَبِي ذَرّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت عَنْهُ وَفِيهَا مُغَايَرَة كَثِيرَة لِسِيَاقِ اِبْن عَبَّاس , وَلَكِنَّ الْجَمْع بَيْنهمَا مُمْكِن وَأَوَّل حَدِيثه \" خَرَجْنَا مِنْ قَوْمنَا غِفَار وَكَانُوا يَحِلُّونَ الشَّهْر الْحَرَام , فَخَرَجْت أَنَا وَأَخِي أُنَيْس وَأُمُّنَا , فَنَزَلْنَا عَلَى خَال لَنَا , فَحَسَدْنَا قَوْمه فَقَالُوا لَهُ : إِنَّك إِذَا خَرَجْت عَنْ أَهْلك خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْس , فَذَكَرَ لَنَا ذَلِكَ فَقُلْنَا لَهُ : أَمَّا مَا مَضَى لَنَا مِنْ مَعْرُوفك فَقَدْ كَدَّرْته , فَتَحَمَّلْنَا عَلَيْهِ , وَجَلَسَ يَبْكِي , فَانْطَلَقْنَا نَحْو مَكَّة , فَنَافَرَ أَخِي أُنَيْس رَجُلًا إِلَى الْكَاهِن , فَخَيَّرَ أُنَيْسًا , فَأَتَانَا بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلهَا مَعَهَا , قَالَ وَقَدْ صَلَّيْت يَا اِبْن أَخِي قَبْل أَنْ أَلْقَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاث سِنِينَ , قُلْت : لِمَنْ ؟ قَالَ : لِلَّهِ قُلْت : فَأَيْنَ تُوَجَّه ؟ قَالَ : حَيْثُ يُوَجِّهنِي رَبِّي. قَالَ : فَقَالَ لِي أُنَيْس : إِنَّ لِي حَاجَة بِمَكَّة فَانْطَلَقَ , ثُمَّ جَاءَ فَقُلْت : مَا صَنَعْت ؟ قَالَ : لَقِيت رَجُلًا بِمَكَّة عَلَى دِينك , يَزْعُم أَنَّ اللَّه أَرْسَلَهُ. قُلْت فَمَا يَقُول النَّاس ؟ قَالَ يَقُولُونَ : شَاعِر كَاهِن سَاحِر. وَكَانَ أُنَيْس شَاعِرًا , فَقَالَ : لَقَدْ سَمِعْت كَلَام الْكَهَنَة فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ , وَلَقَدْ وَضَعْت قَوْله عَلَى أَقْرَاء الشِّعْر فَمَا يَلْتَئِم عَلَيْهَا , وَاَللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ. قُلْت : وَهَذَا الظَّاهِر مُغَايِر لِقَوْلِهِ فِي حَدِيث الْبَاب \" إِنَّ أَبَا ذَرّ قَالَ لِأَخِيهِ مَا شَفَيْتنِي \" وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُ كَانَ أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَأْتِيه بِتَفَاصِيل مِنْ كَلَامه وَأَخْبَاره فَلَمْ يَأْتِهِ إِلَّا بِمُجْمَلٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَ الْأَخ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَانْطَلَقَ الْآخَر \" أَيْ أُنَيْس , قَالَ عِيَاض : وَقَعَ عِنْد بَعْضهمْ \" فَانْطَلَقَ الْأَخ الْآخَر \" وَالصَّوَاب الِاقْتِصَار عَلَى أَحَدهمَا لِأَنَّهُ لَا يُعْرَف لِأَبِي ذَرّ إِلَّا أَخ وَاحِد وَهُوَ أُنَيْس. قُلْت : وَعِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ - أَيْ عَنْ الْمُثَنَّى - \" فَانْطَلَقَ الْآخَر \" حَسْب. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى قَدِمَهُ ) ‏ ‏أَيْ الْوَادِي وَادِي مَكَّة , وَفِي رِوَايَة اِبْن مَهْدِيّ \" فَانْطَلَقَ الْآخَر حَتَّى قَدِمَ مَكَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْته يَأْمُر بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق , وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَوَافَقَهَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عِنْد مُسْلِم , وَقَوْله : \" وَكَلَامًا \" مَنْصُوب بِالْعَطْفِ عَلَى الضَّمِير الْمَنْصُوب , وَفِيهِ إِشْكَال لِأَنَّ الْكَلَام لَا يُرَى. وَيُجَاب عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ قَبِيل \" عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاء بَارِدًا \" وَفِيهِ الْوَجْهَانِ : الْإِضْمَار أَيْ وَسَقَيْتهَا , أَوْ ضَمَّنَ الْعَلَف مَعْنَى الْإِعْطَاء. وَهُنَا يُمْكِن أَنْ يُقَال : التَّقْدِير رَأَيْته يَأْمُر بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق , وَسَمِعْته يَقُول كَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ. أَوْ ضَمَّنَ الرُّؤْيَة مَعْنَى الْأَخْذ عَنْهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة \" رَأَيْته يَأْمُر بِالْخَيْرِ وَيَنْهَى عَنْ الشَّرّ \" وَلَا إِشْكَال فِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَل عَنْهُ ) ‏ ‏لِأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ قَوْمه يُؤْذُونَ مَنْ يَقْصِدهُ أَوْ يُؤْذُونَهُ بِسَبَبِ قَصْد مَنْ يَقْصِدهُ , أَوْ لِكَرَاهَتِهِمْ فِي ظُهُور أَمْره لَا يَدُلُّونَ مَنْ يَسْأَل عَنْهُ عَلَيْهِ , أَوْ يَمْنَعُونَهُ مِنْ الِاجْتِمَاع بِهِ , أَوْ يَخْدَعُونَهُ حَتَّى يَرْجِع عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَآهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ) ‏ ‏وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قِصَّة أَبِي ذَرّ وَقَعَتْ بَعْد الْمَبْعَث بِأَكْثَر مِنْ سَنَتَيْنِ بِحَيْثُ يَتَهَيَّأ لِعَلِيٍّ أَنْ يَسْتَقِلّ بِمُخَاطَبَةِ الْغَرِيب وَيُضَيِّفهُ , فَإِنَّ الْأَصَحّ فِي سِنّ عَلِيّ حِين الْمَبْعَث كَانَ عَشْر سِنِينَ وَقِيلَ : أَقَلّ مِنْ ذَلِكَ , هَذَا الْخَبَر يُقَوِّي الْقَوْل الصَّحِيح فِي سِنّه. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة : أَبِي قُتَيْبَة \" فَقَالَ , كَأَنَّ الرَّجُل غَرِيب. قُلْت : نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة \" قَالَ فَانْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِل , فَانْطَلَقْت مَعَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ ) ‏ ‏أَيْ أَمَا حَانَ , يُقَال نَالَ لَهُ بِمَعْنَى آنَ لَهُ , وَيُرْوَى \" أَمَا آنَ \" بِمَدِّ الْهَمْزَة وَ \" آنَى \" بِالْقَصْرِ وَبِفَتْحِ النُّون وَكُلّهَا بِمَعْنًى , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّة الْهِجْرَة فِي قَوْل أَبِي بَكْر الصِّدِّيق \" أَمَا آنَ لِلرَّحِيلِ \" مِثْله وَقَوْله : \" أَنْ يَعْلَم مَنْزِله \" أَيْ مَقْصِده , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلِيّ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى دَعَوْته إِلَى بَيْته لِضِيَافَتِهِ ثَانِيًا , وَتَكُون إِضَافَة الْمَنْزِل إِلَيْهِ مَجَازِيَّة لِكَوْنِهِ قَدْ نَزَلَ بِهِ مَرَّة , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل قَوْل أَبِي ذَرّ فِي جَوَابه \" قُلْت لَا \" كَمَا فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( يَوْم الثَّالِث ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ مَسْجِد الْجَامِع , وَلَيْسَ مِنْ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفْسه عِنْد التَّحْقِيق. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَادَ عَلِيّ عَلَى مِثْل ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَغَدَا عَلَى مِثْل ذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة \" فَقَالَ فَانْطَلِقْ مَعِي \". ‏ ‏قَوْله : ( لَتُرْشِدَنَّنِي ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنُونَيْنِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِوَاحِدَةٍ مُدْغَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخْبَرْته ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِيهِ اِلْتِفَات , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَأَخْبَرَهُ \" عَلَى نَسَق مَا تَقَدَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( قُمْت كَأَنِّي أُرِيق الْمَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة ( كَأَنِّي أُصْلِح نَعْلِي ) وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ قَالَهُمَا جَمِيعًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ ) ‏ ‏أَيْ يَتْبَعهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَدَخَلَ مِنْهُ ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيّ : فِيهِ الدُّخُول بِدُخُولِ الْمُتَقَدِّم , وَكَأَنَّ هَذَا قَبْل آيَة الِاسْتِئْذَان , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين فَقَالَ : لَا تُؤْخَذ الْأَحْكَام مِنْ مِثْل هَذَا. قُلْت : وَفِي كَلَام كُلّ مِنْهُمَا مِنْ النَّظَر مَا لَا يَخْفَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَمِعَ مِنْ قَوْله وَأَسْلَمَ مَكَانه ) ‏ ‏كَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِف عَلَامَات النَّبِيّ , فَلَمَّا تَحَقَّقَهَا لَمْ يَتَرَدَّد فِي الْإِسْلَام , هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَمُقْتَضَاهَا أَنَّ اِلْتِقَاء أَبِي ذَرّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بِدَلَالَةِ عَلِيّ , وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت \" أَنَّ أَبَا ذَرّ لَقِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْر فِي الطَّوَاف بِاللَّيْلِ , قَالَ : فَلَمَّا قَضَى صَلَاته قُلْت : السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول اللَّه وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته , قَالَ : فَكُنْت أَوَّل مَنْ حَيَّاهُ بِالسَّلَامِ , قَالَ : مِنْ أَيْنَ أَنْتَ ؟ قُلْت مِنْ بَنِي غِفَار , قَالَ : فَوَضَعَ يَده عَلَى جَبْهَته , فَقُلْت كَرِهَ أَنْ اِنْتَمَيْت إِلَى غِفَار \" فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي شَأْن زَمْزَم , وَأَنَّهُ اِسْتَغْنَى بِهَا عَنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب ثَلَاثِينَ مِنْ بَيْن يَوْم وَلَيْلَة , وَفِيهِ \" فَقَالَ أَبُو بَكْر : اِئْذَنْ لِي يَا رَسُول اللَّه فِي طَعَامه اللَّيْلَة , وَأَنَّهُ أَطْعَمَهُ مِنْ زَبِيب الطَّائِف \" الْحَدِيث وَأَكْثَره مُغَايِر لِمَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس هَذَا عَنْ أَبِي ذَرّ , وَيُمْكِن التَّوْفِيق بَيْنهمَا بِأَنَّهُ لَقِيَهُ أَوَّلًا مَعَ عَلِيّ ثُمَّ لَقِيَهُ فِي الطَّوَاف أَوْ بِالْعَكْسِ , وَحَفِظَ كُلّ مِنْهُمَا عَنْهُ مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَر , كَمَا فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت مِنْ الزِّيَادَة مَا ذَكَرْنَاهُ فَفِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس أَيْضًا مِنْ الزِّيَادَة قِصَّته مَعَ عَلِيّ وَقِصَّته مَعَ الْعَبَّاس وَغَيْر ذَلِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِي التَّوْفِيق بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ تَكَلُّف شَدِيد , وَلَا سِيَّمَا أَنَّ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت أَنَّ أَبَا ذَرّ أَقَامَ ثَلَاثِينَ لَا زَادَ لَهُ , وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ زَاد وَقِرْبَة مَاء إِلَى غَيْر ذَلِكَ. قُلْت : وَيَحْتَمِل الْجَمْع بِأَنَّ الْمُرَاد بِالزَّادِ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَا تَزَوَّدَهُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ قَوْمه فَفَرَغَ لَمَّا أَقَامَ بِمَكَّة , وَالْقِرْبَة الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ كَانَ فِيهَا الْمَاء حَال السَّفَر فَلَمَّا أَقَامَ بِمَكَّة لَمْ يَحْتَجْ إِلَى مَلْئِهَا وَلَمْ يَطْرَحهَا , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة الْمَذْكُورَة \" فَجَعَلْت لَا أَعْرِفهُ , وَأَكْرَه أَنْ أَسْأَل عَنْهُ , وَأَشْرَب مِنْ مَاء زَمْزَم , وَأَكُون فِي الْمَسْجِد \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( اِرْجِعْ إِلَى قَوْمك فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيك أَمْرِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة \" اُكْتُمْ هَذَا الْأَمْر , وَارْجِعْ إِلَى قَوْمك فَأَخْبِرْهُمْ , فَإِذَا بَلَغَك ظُهُورنَا فَأَقْبِلْ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت \" إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْض ذَات نَخْل , فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغ عَنِّي قَوْمك عَسَى اللَّه أَنْ يَنْفَعهُمْ بِك \" فَذَكَرَ قِصَّة إِسْلَام أَخِيهِ أُنَيْس وَأُمّه وَأَنَّهُمْ تَوَجَّهُوا إِلَى قَوْمهمْ غِفَار فَأَسْلَمَ نِصْفهمْ , الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( لَأَصْرُخَنَّ بِهَا ) ‏ ‏أَيْ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيد , وَالْمُرَاد أَنَّهُ يَرْفَع صَوْته جِهَارًا بَيْن الْمُشْرِكِينَ , وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِالْكِتْمَانِ لَيْسَ عَلَى الْإِيجَاب بَلْ عَلَى سَبِيل الشَّفَقَة عَلَيْهِ , فَأَعْلَمَهُ أَنَّ بِهِ قُوَّة عَلَى ذَلِكَ , وَلِهَذَا أَقَرَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ , يُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز قَوْل الْحَقّ عِنْد مَنْ يُخْشَى مِنْهُ الْأَذِيَّة لِمَنْ قَالَهُ وَإِنْ كَانَ السُّكُوت جَائِزًا , وَالتَّحْقِيق أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال وَالْمَقَاصِد , وَبِحَسَبِ ذَلِكَ مُتَرَتِّب وُجُود الْأَجْر وَعَدَمه. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَامَ الْقَوْم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة \" فَقَالُوا قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِي \" بِالْيَاءِ اللَّيِّنَة \" فَقَامُوا \" وَكَانُوا يُسَمُّونَ مَنْ أَسْلَمَ صَابِيًا لِأَنَّهُ مِنْ صَبَا يَصْبُو إِذَا اِنْتَقَلَ مِنْ شَيْء إِلَى شَيْء. ‏ ‏قَوْله : ( فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَوْجَعُوهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة \" فَضُرِبْت لِأَمُوتَ \" أَيْ ضُرِبْت ضَرْبًا لَا يُبَالِي مَنْ ضَرَبَنِي أَنْ لَوْ أَمُوت مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَقْلَعُوا عَنِّي ) أَيْ كَفُّوا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَكَبَّ الْعَبَّاس عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي قُتَيْبَة \" فَقَالَ مِثْل مَقَالَته بِالْأَمْسِ \" وَفِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى حُسْن تَأَتِّي الْعَبَّاس وَجَوْدَة فِطْنَته حَيْثُ تَوَصَّلَ إِلَى تَخْلِيصه مِنْهُمْ بِتَخْوِيفِهِمْ مِنْ قَوْمه أَنْ يُقَاصُّوهُمْ بِأَنْ يَقْطَعُوا طُرُق مَتْجَرهمْ , وَكَانَ عَيْشهمْ مِنْ التِّجَارَة , فَلِذَلِكَ بَادَرُوا إِلَى الْكَفّ عَنْهُ , وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى تَقَدُّم إِسْلَام أَبِي ذَرّ , لَكِنَّ الظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد الْمَبْعَث بِمُدَّةٍ طَوِيلَة لِمَا فِيهِ مِنْ الْحِكَايَة عَنْ عَلِيّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ , وَمِنْ قَوْله أَيْضًا فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت \" إِنِّي وُجِّهَتْ إِلَيَّ أَرْض ذَات نَخْل \" , فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِر بِأَنَّ وُقُوع ذَلِكَ كَانَ قُرْب الْهِجْرَة وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3573",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ‏ ‏فِي مَسْجِدِ ‏ ‏الْكُوفَةِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏لَمُوثِقِي عَلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَلَوْ أَنَّ ‏ ‏أُحُدًا ‏ ‏ارْفَضَّ لِلَّذِي صَنَعْتُمْ ‏ ‏بِعُثْمَانَ ‏ ‏لَكَانَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد ; وَقِيلَ هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ رَأَيْتُنِي ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاة , وَالْمَعْنَى رَأَيْت نَفْسِي ‏ ‏( وَإِنَّ عُمَر لَمُوثِقِي عَلَى الْإِسْلَام ) ‏ ‏أَيْ رَبَطَهُ بِسَبَبِ إِسْلَامه إِهَانَة لَهُ وَإِلْزَامًا بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِسْلَام. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ فِي مَعْنَاهُ : كَانَ يُثَبِّتنِي عَلَى الْإِسْلَام وَيُسَدِّدنِي , كَذَا قَالَ , وَكَأَنَّهُ ذَهَلَ عَنْ قَوْله هُنَا \" قَبْل أَنْ يُسْلِم \" , فَإِنَّ وُقُوع التَّثْبِيت مِنْهُ وَهُوَ كَافِر لِضَمْرِهِ عَلَى الْإِسْلَام بَعِيد جِدًّا , مَعَ أَنَّهُ خِلَاف الْوَاقِع , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْإِكْرَاه \" بَاب مَنْ اِخْتَارَ الضَّرْب وَالْقَتْل وَالْهَوَان عَلَى الْكُفْر \" وَكَأَنَّ السَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ زَوْج فَاطِمَة بِنْت الْخَطَّاب أُخْت عُمَر , وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي آخِر بَاب إِسْلَام عُمَر \" رَأَيْتُنِي مُوثِقِي عُمَر عَلَى الْإِسْلَام أَنَا وَأُخْته \" وَكَانَ إِسْلَام عُمَر مُتَأَخِّرًا عَنْ إِسْلَام أُخْته وَزَوْجهَا , لِأَنَّ أَوَّل الْبَاعِث لَهُ عَلَى دُخُوله فِي الْإِسْلَام مَا سَمِعَ فِي بَيْتهَا مِنْ الْقُرْآن فِي قِصَّة طَوِيلَة ذَكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَوْ أَنَّ أُحُدًا اِرْفَضَّ ) ‏ ‏أَيْ زَالَ مِنْ مَكَانه , فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة \" اِنْقَضَّ \" بِالنُّونِ وَالْقَاف بَدَل الرَّاء وَالْفَاء أَيْ سَقَطَ , وَزَعَمَ اِبْن التِّين أَنَّهُ أَرْجَح الرِّوَايَات , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِالنُّونِ وَالْفَاء وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( لَكَانَ ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة \" لَكَانَ مَحْقُوقًا أَنْ يَنْقَضّ \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَكَانَ حَقِيقًا \" أَيْ وَاجِبًا تَقُول حَقّ عَلَيْك أَنْ تَفْعَل كَذَا وَأَنْتَ حَقِيق أَنْ تَفْعَلهُ , وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ سَعِيد لِعَظْمِ قَتْل عُثْمَان , وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ قَوْله تَعَالَى : ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ) قَالَ اِبْن التِّين : قَالَ سَعِيد ذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّمْثِيل , وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : مَعْنَاهُ لَوْ تَحَرَّكَتْ الْقَبَائِل وَطَلَبَتْ بِثَأْرِ عُثْمَان لَكَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ , وَهَذَا بَعِيد مِنْ التَّأْوِيل. ‏"
    },
    {
        "id": "3574",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ ‏ ‏عُمَرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنْبَأَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا زِلْنَا أَعِزَّة مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَر ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي دَاوُدَ الْحَفْرِيّ عَنْ سُفْيَان فِي حَدِيث ذَكَرَهُ أَيْ مِنْ كَلَام اِبْن مَسْعُود , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب عُمَر الْإِلْمَامُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3575",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏جَدِّي ‏ ‏زَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا هُوَ فِي الدَّارِ خَائِفًا إِذْ جَاءَهُ ‏ ‏الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ أَبُو عَمْرٍو ‏ ‏عَلَيْهِ حُلَّةُ حِبَرَةٍ وَقَمِيصٌ مَكْفُوفٌ بِحَرِيرٍ ‏ ‏وَهُوَ مِنْ ‏ ‏بَنِي سَهْمٍ ‏ ‏وَهُمْ حُلَفَاؤُنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ مَا بَالُكَ قَالَ ‏ ‏زَعَمَ قَوْمُكَ أَنَّهُمْ سَيَقْتُلُونِي إِنْ أَسْلَمْتُ قَالَ لَا سَبِيلَ إِلَيْكَ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا أَمِنْتُ فَخَرَجَ ‏ ‏الْعَاصِ ‏ ‏فَلَقِيَ النَّاسَ قَدْ سَالَ بِهِمْ الْوَادِي فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُونَ فَقَالُوا نُرِيدُ هَذَا ‏ ‏ابْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏الَّذِي ‏ ‏صَبَا ‏ ‏قَالَ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ فَكَرَّ النَّاسُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَأَخْبَرَنِي جَدِّي ) ‏ ‏ظَاهِر السِّيَاق أَنَّهُ مَعْطُوف عَلَى شَيْء تَقَدَّمَ , وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب هَذِهِ فَقَالَ فِيهَا عَنْ اِبْن وَهْب \" أَخْبَرَنِي عُمَر بْن مُحَمَّد \". ‏ ‏قَوْله : ( وَعَلَيْهِ حُلَّة حِبَر ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْمُوَحَّدَة وَهُوَ بُرْد مُخَطَّط بِالْوَشْيِ , وَفِي رِوَايَة حِبَرَة بِزِيَادَةِ هَاء. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ أَسْلَمْت ) بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَتَخْفِيف النُّون أَيْ لِأَجْلِ إِسْلَامِي. ‏ ‏قَوْله : ( لَا سَبِيل عَلَيْك بَعْد أَنْ قَالَهَا ) ‏ ‏أَيْ الْكَلِمَة الْمَذْكُورَة , وَهِيَ قَوْله : \" لَا سَبِيل عَلَيْك \". ‏ ‏قَوْله : ( أَمِنْتُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون وَضَمّ الْمُثَنَّاة أَيْ حَصَلَ الْأَمَان فِي نَفْسِي بِقَوْلِهِ ذَلِكَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ بِمَدِّ الْهَمْزَة , وَهُوَ خَطَأ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْل ذَلِكَ , ذَكَرَ عِيَاض أَنَّ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ بِالْقَصْرِ أَيْضًا لَكِنَّهُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة , وَهُوَ خَطَأ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَصِير مِنْ كَلَام الْعَاصِ بْن وَائِل , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مِنْ كَلَام عُمَر , يُرِيد أَنَّهُ أَمِنَ لَمَّا قَالَ لَهُ الْعَاصِ بْن وَائِل تِلْكَ الْمَقَالَة , وَيُؤَيِّدهُ الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "3576",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏سَمِعْتُهُ قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏لَمَّا أَسْلَمَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏اجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدَ دَارِهِ وَقَالُوا ‏ ‏صَبَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَأَنَا غُلَامٌ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِي فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ فَقَالَ قَدْ ‏ ‏صَبَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَمَا ذَاكَ فَأَنَا لَهُ جَارٌ قَالَ فَرَأَيْتُ النَّاسَ تَصَدَّعُوا عَنْهُ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا ‏ ‏الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِجْتَمَعَ النَّاس عِنْد دَاره ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" اِجْتَمَعَ النَّاس إِلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا غُلَام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أُخْرَى أَنَّهُ \" كَانَ اِبْن خَمْس سِنِينَ \" وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ خَرَجَ مِنْهُ أَنَّ إِسْلَام عُمَر كَانَ بَعْد الْمَبْعَث بِسِتِّ سِنِينَ أَوْ بِسَبْعٍ , لِأَنَّ اِبْن عُمَر كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي كَانَ يَوْم أُحُد اِبْن أَرْبَع عَشْرَة سَنَة وَذَلِكَ بَعْد الْمَبْعَث بِسِتَّ عَشْرَة سَنَة فَيَكُون مَوْلِده بَعْد الْمَبْعَث بِسَنَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى ظَهْر بَيْتِي ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيّ هُوَ غَلَط وَالْمَحْفُوظ \" ظَهْر بَيْتنَا \" وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ اِبْن عُمَر أَرَادَ أَنَّهُ الْآن بَيْته أَيْ عِنْد مَقَالَته تِلْكَ , وَكَانَ قَبْل ذَلِكَ لِأَبِيهِ. وَلَا يَخْفَى عَدَم الِاحْتِيَاج إِلَى هَذَا التَّأْوِيل , وَإِنَّمَا نَسَبَ اِبْن عُمَر الْبَيْت إِلَى نَفْسه مَجَازًا , أَوْ مُرَاده الْمَكَان الَّذِي كَانَ يَأْوِي فِيهِ سَوَاء كَانَ مِلْكه أَمْ لَا , وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ نِسْبَته إِلَيْهِ حَال مَقَالَته تِلْكَ لَمْ يَصِحّ , لِأَنَّ بَنِي عَدِيّ بْن كَعْب رَهْط عُمَر لَمَّا هَاجَرُوا اِسْتَوْلَى غَيْرهمْ عَلَى بُيُوتهمْ كَمَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره فَلَمْ يَرْجِعُوا فِيهَا , وَأَيْضًا فَإِنَّ اِبْن عُمَر لَمْ يَنْفَرِد بِالْإِرْثِ مِنْ عُمَر فَتَحْتَاج دَعْوَى أَنْ يَكُون اِشْتَرَى حِصَص غَيْره إِلَى نَقْل , فَيَتَعَيَّن الَّذِي قُلْته. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا ذَاكَ ) ‏ ‏أَيْ فَلَا بَأْس , أَوْ لَا قَتْل أَوْ لَا يُعْتَرَض لَهُ. ‏ ‏وَقَوْله : ( أَنَا لَهُ جَارٌ ) ‏ ‏أَيْ أَجَرْته مِنْ أَنْ يَظْلِمهُ ظَالِم , ‏ ‏وَقَوْله : ( تَصَدَّعُوا ) ‏ ‏أَيْ تَفَرَّقُوا عَنْهُ. ‏ ‏فَقَوْله : ( قَالُوا الْعَاصِ بْن وَائِل ) ‏ ‏زَادَ اِبْن أَبِي عُمَر فِي رِوَايَته عَنْ سُفْيَان قَالَ : \" فَعَجِبْت مِنْ عِزَّته \" وَكَذَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ سُفْيَان , وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن دَاوُدَ عَنْ عُمَر بْن مُحَمَّد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَقُلْت لِعُمَر : مَنْ الَّذِي رَدَّهُمْ عَنْك يَوْم أَسْلَمْت ؟ قَالَ : يَا بُنَيّ , ذَاكَ الْعَاصِ بْن وَائِل \" أَيْ اِبْن هَاشِم بْن سُعَيْد بِالتَّصْغِيرِ بْن سَهْم الْقُرَشِيّ السَّهْمِيّ , مَاتَ عَلَى كُفْره قَبْل الْهِجْرَة بِمُدَّةٍ , وَالْعَاص بِمُهْمَلَتَيْنِ مِنْ الْعَوْص لَا مِنْ الْعِصْيَان , وَالصَّاد مَرْفُوعَة وَيَجُوز كَسْرهَا , وَقِيلَ : إِنَّهُ مِنْ الْعِصْيَان فَهُوَ بِالْكَسْرِ جَزْمًا , وَيَجُوز إِثْبَات الْيَاء كَالْقَاضِي , وَيُؤَيِّدهُ كِتَاب عُمَر إِلَى عَمْرو وَهُوَ عَامِله عَلَى مِصْر \" إِلَى الْعَاصِي اِبْن الْعَاصِي \" وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ خَالَفَ شَيْئًا مِمَّا كَانَ أَمَرَهُ بِهِ فِي وِلَايَته عَلَى مِصْر لَمَّا ظَهَرَ لَهُ مِنْ الْمَصْلَحَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3577",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَالِمًا ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ مَا سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏لِشَيْءٍ قَطُّ يَقُولُ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذَا إِلَّا كَانَ كَمَا يَظُنُّ ‏ ‏بَيْنَمَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏جَالِسٌ إِذْ مَرَّ بِهِ ‏ ‏رَجُلٌ جَمِيلٌ ‏ ‏فَقَالَ لَقَدْ أَخْطَأَ ظَنِّي أَوْ إِنَّ هَذَا عَلَى دِينِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنَهُمْ عَلَيَّ الرَّجُلَ فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ اسْتُقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ قَالَ فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي قَالَ كُنْتُ كَاهِنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ فَمَا أَعْجَبُ مَا جَاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ قَالَ بَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا فِي السُّوقِ جَاءَتْنِي أَعْرِفُ فِيهَا الْفَزَعَ فَقَالَتْ أَلَمْ تَرَ الْجِنَّ وَإِبْلَاسَهَا وَيَأْسَهَا مِنْ بَعْدِ ‏ ‏إِنْكَاسِهَا وَلُحُوقَهَا بِالْقِلَاصِ وَأَحْلَاسِهَا قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏صَدَقَ بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ عِنْدَ آلِهَتِهِمْ إِذْ جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ فَصَرَخَ بِهِ صَارِخٌ لَمْ أَسْمَعْ صَارِخًا قَطُّ أَشَدَّ صَوْتًا مِنْهُ يَقُولُ يَا ‏ ‏جَلِيحْ ‏ ‏أَمْرٌ ‏ ‏نَجِيحْ رَجُلٌ ‏ ‏فَصِيحْ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَوَثَبَ الْقَوْمُ قُلْتُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا ثُمَّ نَادَى يَا ‏ ‏جَلِيحْ ‏ ‏أَمْرٌ ‏ ‏نَجِيحْ رَجُلٌ ‏ ‏فَصِيحْ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقُمْتُ فَمَا ‏ ‏نَشِبْنَا ‏ ‏أَنْ قِيلَ هَذَا نَبِيٌّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عُمَر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن زَيْد , وَهُوَ شَيْخ اِبْن وَهْب فِي الْحَدِيث الثَّانِي , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عُمَر بْن الْحَارِث كَالْكَلَابَاذِيّ فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ عُمَر بْن مُحَمَّد. ‏ ‏قَوْله : ( مَا سَمِعْت عُمَر يَقُول لِشَيْءٍ إِنِّي لَأَظُنّهُ كَذَا إِلَّا كَانَ ) ‏ ‏أَيْ عَنْ شَيْء , وَاللَّام قَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى عَنْ كَقَوْلِهِ : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ). ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا كَانَ كَمَا يَظُنّ ) ‏ ‏هُوَ مُوَافِق لِمَا تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبه أَنَّهُ كَانَ مُحَدَّثًا بِفَتْحِ الدَّال , وَتَقَدَّمَ شَرْحه. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُل جَمِيل ) ‏ ‏هُوَ سَوَاد - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَآخِره مُهْمَلَة - اِبْن قَارِب بِالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَة , وَهُوَ سَدُوسِيّ أَوْ دُوسِيّ. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ وَغَيْره مِنْ طَرِيق أَبِي جَعْفَر الْبَاقِر قَالَ : \" دَخَلَ رَجُل يُقَال لَهُ سَوَاد بْن قَارِب السَّدُوسِيّ عَلَى عُمَر , فَقَالَ. يَا سَوَاد أَنْشُدك اللَّه , هَلْ تُحْسِن مِنْ كِهَانَتك شَيْئًا \" فَذَكَرَ الْقِصَّة. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِم وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ قَالَ : \" بَيْنَمَا عُمَر قَاعِد فِي الْمَسْجِد \" فَذَكَرَ مِثْل سِيَاق أَبِي جَعْفَر وَأَتَمَّ مِنْهُ , وَهُمَا طَرِيقَانِ مُرْسَلَانِ يُعَضِّد أَحَدهمَا الْآخَر. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَبَّاد بْن عَبْد الصَّمَد عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : \" أَخْبَرَنِي سَوَاد بْن قَارِب قَالَ : كُنْت نَائِمًا \" فَذَكَرَ قِصَّته الْأُولَى دُون قِصَّته مَعَ عُمَر. وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَى تَأَخُّر وَفَاته , لَكِنَّ عَبَّادًا ضَعِيف. وَلِابْنِ شَاهِينَ مِنْ طَرِيق أُخْرَى ضَعِيفَة عَنْ أَنَس قَالَ : \" دَخَلَ رَجُل مِنْ دَوْس يُقَال لَهُ سَوَاد بْن قَارِب عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ قِصَّته أَيْضًا , وَهَذِهِ الطُّرُق يَقْوَى بَعْضهَا بِبَعْضٍ , وَلَهُ طُرُق أُخْرَى سَأَذْكُرُ مَا فِيهَا مِنْ فَائِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ أَخْطَأَ ظَنِّي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عُمَر عِنْد الْبَيْهَقِيِّ \" لَقَدْ كُنْت ذَا فَرَاسَة , وَلَيْسَ لِي الْآن رَأْي إِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الرَّجُل يَنْظُر فِي الْكِهَانَة \". ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْوَاو ‏ ‏( عَلَى دِين قَوْمه فِي الْجَاهِلِيَّة ) ‏ ‏أَيْ مُسْتَمِرّ عَلَى عِبَادَة مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْوَاو أَيْضًا ‏ ‏( لَقَدْ كَانَ كَاهِنهمْ ) ‏ ‏أَيْ كَانَ كَاهِن قَوْمه. وَحَاصِله أَنَّ عُمَر ظَنَّ شَيْئًا مُتَرَدِّدًا بَيْن شَيْئَيْنِ أَحَدهمَا يَتَرَدَّد بَيْن شَيْئَيْنِ كَأَنَّهُ قَالَ : هَذَا الظَّنّ إِمَّا خَطَأ أَوْ صَوَاب فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَهَذَا الْآن إِمَّا بَاقٍ عَلَى كُفْره وَإِمَّا كَانَ كَاهِنًا , وَقَدْ أَظْهَرَ الْحَال الْقِسْم الْأَخِير , وَكَأَنَّهُ ظَهَرَتْ لَهُ مِنْ صِفَة مَشْيه أَوْ غَيْر ذَلِكَ قَرِينَة أَثَّرَتْ لَهُ ذَلِكَ الظَّنّ , فَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَيَّ ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ ‏ ‏( الرَّجُلَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ أَحْضِرُوهُ إِلَيَّ وَقَرِّبُوهُ مِنِّي. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ مَا قَالَهُ فِي غَيْبَته مِنْ التَّرَدُّد. وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَعْب \" فَقَالَ لَهُ فَأَنْتَ عَلَى مَا كُنْت عَلَيْهِ مِنْ كِهَانَتك \" فَغَضِبَ , وَهَذَا مِنْ تَلَطُّف عُمَر , لِأَنَّهُ اِقْتَصَرَ عَلَى أَحْسَن الْأَمْرَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ ) ‏ ‏أَيْ رَأَيْت شَيْئًا مِثْل مَا رَأَيْت الْيَوْم. ‏ ‏قَوْله : ( اُسْتُقْبِلَ ) ‏ ‏بِضَمِّ التَّاء عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَجُل مُسْلِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَأَبِي ذَرّ \" رَجُلًا مُسْلِمًا \" وَرَأَيْته مُجَوَّدًا بِفَتْحِ تَاء \" اِسْتَقْبَلَ \" عَلَى الْبِنَاء لِلْفَاعِلِ وَهُوَ مَحْذُوف تَقْدِيره أَحَد , وَضَبَطَهُ الْكَرْمَانِيُّ اُسْتُقْبِلَ بِضَمِّ التَّاء وَأَعْرَبَ رَجُلًا مُسْلِمًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول رَأَيْت , وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِير فِي قَوْله \" بِهِ \" يَعُود عَلَى الْكَلَام , وَيَدُلّ عَلَيْهِ السِّيَاق , وَبَيَّنَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَة مُرْسَلَة \" قَدْ جَاءَ اللَّه بِالْإِسْلَامِ , فَمَا لَنَا وَلِذِكْرِ الْجَاهِلِيَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنِّي أَعْزِم عَلَيْك ) ‏ ‏أَيْ أُلْزِمُك , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَعْب \" مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْك أَعْظَم مِمَّا كُنْت عَلَيْهِ مِنْ كِهَانَتك \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا أَخْبَرْتنِي ) ‏ ‏أَيْ مَا أَطْلُب مِنْك إِلَّا الْإِخْبَار. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت كَاهِنهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة ) ‏ ‏الْكَاهِن الَّذِي يَتَعَاطَى الْخَبَر مِنْ الْأُمُور الْمُغَيَّبَة , وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة كَثِيرًا , فَمُعْظَمهمْ كَانَ يَعْتَمِد عَلَى تَابِعه مِنْ الْجِنّ , وَبَعْضهمْ كَانَ يَدَّعِي مَعْرِفَة ذَلِكَ بِمُقَدِّمَاتِ أَسْبَاب يَسْتَدِلّ بِهَا عَلَى مَوَاقِعهَا مِنْ كَلَام مَنْ يَسْأَلهُ , وَهَذَا الْأَخِير يُسَمَّى الْعَرَّاف بِالْمُهْمَلَتَيْنِ , وَسَيَأْتِي حُكْم ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَاب الطِّبّ , وَتَقَدَّمَ طَرَف مِنْهُ فِي آخِر الْبُيُوع. وَلَقَدْ تَلَطَّفَ سَوَاد فِي الْجَوَاب إِذْ كَانَ سُؤَال عُمَر عَنْ حَاله فِي كِهَانَته إِذْ كَانَ مِنْ أَمْر الشِّرْك , فَلَمَّا أَلْزَمهُ أَخْبَرَهُ بِآخِرِ شَيْء وَقَعَ لَهُ لِمَا تَضَمَّنَ مِنْ الْإِعْلَام بِنُبُوَّةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَعْجَبُ ) ‏ ‏بِالضَّمِّ وَ \" مَا \" اِسْتِفْهَامِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( جِنِّيَّتك ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْجِيم وَالنُّون الثَّقِيلَة أَيْ الْوَاحِدَة مِنْ الْجِنّ كَأَنَّهُ أَنْتَ تَحْقِيرًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَرَفَ أَنَّ تَابِع سَوَاد مِنْهُمْ كَانَ أُنْثَى , أَوْ هُوَ كَمَا يُقَال تَابِع الذَّكَر يَكُون أُنْثَى وَبِالْعَكْسِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَعْرِف فِيهَا الْفَزَع ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء وَالزَّاي أَيْ الْخَوْف , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَعْب \" إِنَّ ذَلِكَ كَانَ وَهُوَ بَيْن النَّائِم وَالْيَقْظَانِ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَلَمْ تَرَ الْجِنّ وَإِبْلَاسهَا ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَة وَالْمُرَاد بِهِ الْيَأْس ضِدّ الرَّجَاء , وَفِي رِوَايَة أَبِي جَعْفَر \" عَجِبْت لِلْجِنِّ وَإِبْلَاسهَا \" وَهُوَ أَشْبَهُ بِإِعْرَابِ بَقِيَّة الشِّعْر , وَمِثْله لِمُحَمَّدِ بْن كَعْب لَكِنْ قَالَ : \" وَتَحْسَاسهَا \" بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَبِمُهْمَلَاتٍ , أَيْ أَنَّهَا فَقَدَتْ أَمْرًا فَشَرَعَتْ تُفَتِّش عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَأْسهَا مِنْ بَعْد إِنْكَاسِهَا ) ‏ ‏الْيَأْس بِالتَّحْتَانِيَّةِ ضِدّ الرَّجَاء وَالْإِنْكَاس الِانْقِلَاب , قَالَ اِبْن قَارِس : مَعْنَاهُ أَنَّهَا يَئِسَتْ مِنْ اِسْتِرَاق السَّمْع بَعْد أَنْ كَانَتْ قَدْ أَلِفَتْهُ , فَانْقَلَبَتْ عَنْ الِاسْتِرَاق قَدْ يَئِسَتْ مِنْ السَّمْع , وَوَقَعَ فِي شَرْح الدَّاوُدِيّ بِتَقْدِيمِ السِّين عَلَى الْكَاف , وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ الْمَكَان الَّذِي أَلِفَتْهُ , قَالَ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة \" مِنْ بَعْد إِينَاسِهَا \" أَيْ أَنَّهَا كَانَتْ أَنِسَتْ بِالِاسْتِرَاقِ , وَلَمْ أَرَ مَا قَالَهُ فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات , وَقَدْ شَرَحَ الْكَرْمَانِيُّ عَلَى اللَّفْظ الْأَوَّل الَّذِي ذَكَرَهُ الدَّاوُدِيّ وَقَالَ : الْإِنْسَاك جَمْع نُسُك , وَالْمُرَاد بِهِ الْعِبَادَة , وَلَمْ أَرَ هَذَا الْقَسِيم فِي غَيْر الطَّرِيق الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ. وَزَادَ فِي رِوَايَة الْبَاقِر وَمُحَمَّد بْن كَعْب وَكَذَا عِنْد الْبَيْهَقِيِّ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب بَعْد قَوْله : \" وَأَحْلَاسهَا \" : ‏ ‏تَهْوِي إِلَى مَكَّة تَبْغِي الْهُدَى ‏ ‏مَا مُؤْمِنُوهَا مِثْل أَرْجَاسهَا ‏ ‏فَاسْم إِلَى الصَّفْوَة مِنْ هَاشِم ‏ ‏وَاسْم بِعَيْنَيْك إِلَى رَأْسهَا ‏ ‏وَفِي رِوَايَتهمْ أَنَّ الْجِنِّيّ عَاوَدَهُ ثَلَاث لَيَالٍ يَنْشُدهُ هَذِهِ الْأَبْيَات مَعَ تُغَيِّر قَوَافِيهَا , فَجَعَلَ بَدَل قَوْله إِبْلَاسهَا \" تَطْلَابهَا \" أَوَّله مُثَنَّاة , وَتَارَة \" تَجْآرهَا \" بِجِيمٍ وَهَمْزَة , وَبَدَّلَ قَوْله أَحْلَاسهَا \" أَقْتَابهَا \" بِقَافٍ وَمُثَنَّاة جَمْع قَتَب , وَتَارَة \" أَكْوَارهَا \" وَبَدَّلَ قَوْله. مَا مُؤْمِنُوهَا مِثْل أَرْجَاسهَا \" لَيْسَ قُدَّامَاهَا كَأَذْنَابِهَا \" وَتَارَة \" لَيْسَ ذَوُو الشَّرّ كَأَخْيَارِهَا \" وَبَدَّلَ قَوْله : رَأْسهَا \" نَابَهَا \" وَتَارَة قَالَ : \" مَا مُؤْمِنُو الْجِنّ كَكُفَّارِهَا \". وَعِنْدهمْ مِنْ الزِّيَادَة أَيْضًا أَنَّهُ فِي كُلّ مَرَّة يَقُول لَهُ \" قَدْ بُعِثَ مُحَمَّد , فَانْهَضْ إِلَيْهِ تَرْشُد \" , وَفِي الرِّوَايَة الْمُرْسَلَة قَالَ : \" فَارْتَعَدَتْ فَرَائِصِي حَتَّى وَقَعْت \" , وَعِنْدهمْ جَمِيعًا أَنَّهُ لَمَّا أَصْبَحَ تَوَجَّهَ إِلَى مَكَّة فَوَجَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ هَاجَرَ , فَأَتَاهُ فَأَنْشَدَهُ أَبْيَاتًا يَقُول فِيهَا : ‏ ‏أَتَانِي رُئًى بَعْد لَيْل وَهَجْعَة ‏ ‏وَلَمْ يَكُ فِيمَا قَدْ بَلَوْت بِكَاذِبِ ‏ ‏ثَلَاث لَيَالٍ قَوْله كُلّ لَيْلَة ‏ ‏أَتَاك نَبِيّ مِنْ لُؤَيّ بْن غَالِب ‏ ‏يَقُول فِي آخِرهَا : ‏ ‏فَكُنَّ لِي شَفِيعًا يَوْم لَا ذُو شَفَاعَة ‏ ‏سِوَاك بِمُغْنٍ عَنْ سَوَاد بْن قَارِب ‏ ‏وَفِي آخِر الرِّوَايَة الْمُرْسَلَة \" فَالْتَزَمَهُ عُمَر وَقَالَ : لَقَدْ كُنْت أُحِبّ أَنْ أَسْمَع هَذَا مِنْك \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلُحُوقهَا بِالْقِلَاصِ وَأَحْلَاسهَا ) ‏ ‏الْقِلَاص بِكَسْرِ الْقَاف وَبِالْمُهْمَلَةِ جَمْع قُلُص بِضَمَّتَيْنِ وَهُوَ جَمْع قُلُوص وَهِيَ الْفَتِيَّة مِنْ النِّيَاق , وَالْأَحْلَاس جَمْع حِلْس بِكَسْرِ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه وَبِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ مَا يُوضَع عَلَى ظُهُور الْإِبِل تَحْت الرَّحْل , وَوَقَعَ هَذَا الْقَسِيم غَيْر مَوْزُون. وَفِي رِوَايَة الْبَاقِر \" وَرَحْلهَا الْعِيس بِأَحْلَاسِهَا \" وَهَذَا مَوْزُون , وَالْعِيس بِكَسْرِ أَوَّله وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَبِالْمُهْمَلَتَيْنِ : الْإِبِل. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُمَر : صَدَقَ , بَيْنَمَا أَنَا عِنْد آلِهَتهمْ ) ‏ ‏ظَاهِر هَذَا أَنَّ الَّذِي قَصَّ الْقِصَّة الثَّانِيَة هُوَ عُمَر , وَفِي رِوَايَة اِبْن عُمَر وَغَيْره أَنَّ الَّذِي قَصَّهَا هُوَ سَوَاد بْن قَارِب , وَلَفْظ اِبْن عُمَر عِنْد الْبَيْهَقِيِّ قَالَ : \" لَقَدْ رَأَى عُمَر رَجُلًا - فَذَكَرَ الْقِصَّة - قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ بَعْض مَا رَأَيْت , قَالَ : إِنِّي ذَات لَيْلَة بِوَادٍ إِذْ سَمِعْت صَائِحًا يَقُول : يَا جَلِيحْ , خَبَرٌ نَجِيحْ , رَجُلٌ فَصِيحْ , يَقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه. عَجِبْت لِلْجِنِّ وَإِبْلَاسهَا \" فَذَكَرَ الْقِصَّة , ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيق أُخْرَى مُرْسَلَة قَالَ : \" مَرَّ عُمَر بِرَجُلٍ فَقَالَ : لَقَدْ كَانَ هَذَا كَاهِنًا \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَقَالَ عُمَر أَخْبِرْنِي , فَقَالَ : نَعَمْ , بَيْنَا أَنَا جَالِس إِذْ قَالَتْ لِي : أَلَمْ تَرَ إِلَى الشَّيَاطِين وَإِبْلَاسهَا \" الْحَدِيث \" قَالَ عُمَر : اللَّه أَكْبَر , فَقَالَ : أَتَيْت مَكَّة فَإِذَا بِرَجُلٍ عِنْد تِلْكَ الْأَنْصَاب \" فَذَكَرَ قِصَّة الْعِجْل , وَهَذَا يَحْتَمِل فِيهِ مَا اُحْتُمِلَ فِي حَدِيث الصَّحِيح أَنْ يَكُون الْقَائِل \" أَتَيْت مَكَّة \" هُوَ عُمَر أَوْ صَاحِب الْقِصَّة. ‏ ‏قَوْله : ( عِنْد آلِهَتهمْ ) ‏ ‏أَيْ أَصْنَامهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ جَاءَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه \" لَكِنْ عِنْد أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر أَنَّهُ اِبْن عَبْس , فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ شَيْخ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّة يُقَال لَهُ اِبْن عَبْس قَالَ : \" كُنْت أَسُوق بَقَرَة لَنَا , فَسَمِعْت مِنْ جَوْفهَا \" فَذَكَرَ الرَّجَز قَالَ : \" فَقَدِمْنَا فَوَجَدْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بُعِثَ \" وَرِجَاله ثِقَات , وَهُوَ شَاهِد قَوِيّ لِمَا فِي رِوَايَة اِبْن عُمَر وَأَنَّ الَّذِي حَدَّثَ بِذَلِكَ هُوَ سَوَاد بْن قَارِب , وَسَأَذْكُرُ بَعْد هَذَا مَا يُقَوِّي أَنَّ الَّذِي سَمِعَ ذَلِكَ هُوَ عُمَر فَيُمْكِن أَنْ يُجْمَع بَيْنهمَا بِتَعَدُّدِ ذَلِكَ لَهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( يَا جَلِيحْ ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالْمُهْمَلَة بِوَزْنِ عَظِيم وَمَعْنَاهُ الْوَقِح الْمُكَافِح بِالْعَدَاوَةِ , قَالَ اِبْن التِّين : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون نَادَى رَجُلًا بِعَيْنِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ مَنْ كَانَ بِتِلْكَ الصِّفَة قُلْت : وَوَقَعَ فِي مُعْظَم الرِّوَايَات الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا \" يَا آلَ ذَرِيح \" بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وَآخِره مُهْمَلَة , وَهُمْ بَطْن مَشْهُور فِي الْعَرَب. ‏ ‏قَوْله : ( رَجُل فَصِيح ) ‏ ‏مِنْ الْفَصَاحَة , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِتَحْتَانِيَّةٍ أَوَّله بَدَل الْفَاء مِنْ الصِّيَاح وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبْس \" قَوْل فَصِيح رَجُل يَصِيح \". ‏ ‏قَوْله : ( يَقُول لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" وَهُوَ الَّذِي فِي بَقِيَّة الرِّوَايَات. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا نَشِبْنَا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة أَيْ لَمْ نَتَعَلَّق بِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاء حَتَّى سَمِعْنَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَرَجَ , يُرِيد أَنْ ذَلِكَ كَانَ بِقُرْبِ مَبْعَث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏أَحَدهمَا : ذَكَرَ اِبْن التِّين أَنَّ الَّذِي سَمِعَهُ سَوَاد بْن قَارِب مِنْ الْجِنِّيّ كَانَ مِنْ أَثَر اِسْتِرَاق السَّمْع , وَفِي جَزْمه بِذَلِكَ نَظَر , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَثَر مَنْع الْجِنّ مِنْ اِسْتِرَاق السَّمْع , وَيُبَيِّن ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الصَّلَاة وَيَأْتِي فِي تَفْسِير سُورَة الْجِنّ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بُعِثَ مَنَعَ الْجِنّ مِنْ اِسْتِرَاق السَّمْع , فَضَرَبُوا الْمَشَارِق وَالْمَغَارِب يَبْحَثُونَ عَنْ سَبَب ذَلِكَ , حَتَّى رَأَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاة الْفَجْر \" الْحَدِيث. ‏ ‏( التَّنْبِيه الثَّانِي ) : ‏ ‏لَمَّحَ الْمُصَنِّف بِإِيرَادِ هَذِهِ الْقِصَّة فِي \" بَاب إِسْلَام عُمَر \" بِمَا جَاءَ عَنْ عَائِشَة وَطَلْحَة عَنْ عُمَر مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ سَبَب إِسْلَامه , فَرَوَى أَبُو نُعَيْم فِي \" الدَّلَائِل \" أَنَّ أَبَا جَهْل \" جَعَلَ لِمَنْ يَقْتُل مُحَمَّدًا مِائَة نَاقَة , قَالَ عُمَر : فَقُلْت لَهُ : يَا أَبَا الْحَكَم آلضَّمَان صَحِيح ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ فَتَقَلَّدَتْ سَيْفِي أُرِيدهُ , فَمَرَرْت عَلَى عِجْل وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَذْبَحُوهُ , فَقُمْت أَنْظُر إِلَيْهِمْ , فَإِذَا صَائِح يَصِيح مِنْ جَوْف الْعِجْل : يَا آلَ ذَرِيح , أَمْر نَجِيح , رَجُل يَصِيح بِلِسَانِ فَصِيح. قَالَ عُمَر : فَقُلْت فِي نَفْسِي إِنَّ هَذَا الْأَمْر مَا يُرَاد بِهِ إِلَّا أَنَا , قَالَ فَدَخَلْت عَلَى أُخْتِي فَإِذَا عِنْدهَا سَعِيد بْن زَيْد \" فَذَكَرَ الْقِصَّة فِي سَبَب إِسْلَامه بِطُولِهَا , وَتَأَمَّلْ مَا فِي إِيرَاده حَدِيث سَعِيد بْن زَيْد الَّذِي بَعْد هَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3578",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لِلْقَوْمِ ‏ ‏لَوْ رَأَيْتُنِي مُوثِقِي ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى الْإِسْلَامِ أَنَا ‏ ‏وَأُخْتُهُ ‏ ‏وَمَا أَسْلَمَ وَلَوْ أَنَّ ‏ ‏أُحُدًا ‏ ‏انْقَضَّ لِمَا صَنَعْتُمْ ‏ ‏بِعُثْمَانَ ‏ ‏لَكَانَ مَحْقُوقًا أَنْ يَنْقَضَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِنْقَضَّ ) ‏ ‏بِنُونِ وَقَاف , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَاءٍ بَدَل الْقَاف فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَلِأَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" بِالْفَاءِ وَالرَّاء وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَة , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏جَعَلَ اِبْن إِسْحَاق إِسْلَام عُمَر بَعْد هِجْرَة الْحَبَشَة , وَلَمْ يَذْكُر اِنْشِقَاق الْقَمَر , فَاقْتَضَى صَنِيع الْمُصَنِّف أَنَّهُ وَقَعَ فِي تِلْكَ الْأَيَّام. وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق مِنْ وَجْه آخَر أَنَّ إِسْلَام عُمَر كَانَ عَقِب هِجْرَة الْحَبَشَة الْأُولَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3579",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَهْلَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً ‏ ‏فَأَرَاهُمْ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا ‏ ‏حِرَاءً ‏ ‏بَيْنَهُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏زَادَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي عَلَامَات النُّبُوَّة أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَهْل مَكَّة ) ‏ ‏هَذَا مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة , لِأَنَّ أَنَسًا لَمْ يُدْرِك هَذِهِ الْقِصَّة , وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَهُوَ أَيْضًا مِمَّنْ لَمْ يُشَاهِدهَا , وَمِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَجُبَيْر بْن مُطْعِم وَحُذَيْفَة وَهَؤُلَاءِ شَاهَدُوهَا , وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ طُرُقه أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَقِب سُؤَال الْمُشْرِكِينَ إِلَّا فِي حَدِيث أَنَس , فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ وَجَدْت فِي بَعْض طُرُق حَدِيث اِبْن عَبَّاس بَيَان صُورَة السُّؤَال , وَهُوَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُدْرِك الْقِصَّة لَكِنْ فِي بَعْض طُرُقه مَا يُشْعِر بِأَنَّهُ حَمَلَ الْحَدِيث عَنْ اِبْن مَسْعُود كَمَا سَأَذْكُرُهُ , فَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ وَجْه ضَعِيف عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" اِجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة وَأَبُو جَهْل بْن هِشَام وَالْعَاص بْن وَائِل وَالْأَسْوَد بْن الْمُطَّلِب وَالنَّضْر بْن الْحَارِث وَنُظَرَاؤُهُمْ فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ كُنْت صَادِقًا فَشُقَّ لَنَا الْقَمَر فِرْقَتَيْنِ , فَسَأَلَ رَبّه فَانْشَقَّ \". ‏ ‏قَوْله : ( شِقَّتَيْنِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة أَيْ نِصْفَيْنِ , وَتَقَدَّمَ فِي الْعَلَامَات مِنْ طَرِيق سَعِيد وَشَيْبَان عَنْ قَتَادَةَ بِدُونِ هَذِهِ اللَّفْظَة. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ \" فَأَرَاهُمْ اِنْشِقَاق الْقَمَر مَرَّتَيْنِ \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ قَالَ بِمَعْنَى حَدِيث شَيْبَانَ. ‏ ‏قُلْت : وَهُوَ فِي مُصَنَّف عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر بِلَفْظِ \" مَرَّتَيْنِ \" أَيْضًا , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِمَامَانِ أَحْمَد وَإِسْحَاق فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ عَبْد الرَّزَّاق , وَقَدْ اِتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ \" فِرْقَتَيْنِ \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : قَدْ حَفِظَ ثَلَاثَة مِنْ أَصْحَاب قَتَادَةَ عَنْهُ \" مَرَّتَيْنِ \". قُلْت : لَكِنْ اِخْتُلِفَ عَنْ كُلّ مِنْهُمْ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة وَلَمْ يُخْتَلَف عَلَى شُعْبَة وَهُوَ أَحْفَظهُمْ , وَلَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ طُرُق حَدِيث اِبْن مَسْعُود بِلَفْظِ \" مَرَّتَيْنِ \" إِنَّمَا فِيهِ \" فِرْقَتَيْنِ أَوْ فِلْقَتَيْنِ \" بِالرَّاءِ أَوْ اللَّام وَكَذَا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" فِلْقَتَيْنِ \" وَفِي حَدِيث جُبَيْر بْن مُطْعِم \" فِرْقَتَيْنِ \" وَفِي لَفْظ عَنْهُ \" فَانْشَقَّ بِاثْنَتَيْنِ \" وَفِي رِوَايَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي الدَّلَائِل \" فَصَارَ قَمَرَيْنِ \" وَفِي لَفْظ \" شِقَّتَيْنِ \" وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثه \" حَتَّى رَأَوْا شِقَّيْهِ \" وَوَقَعَ فِي نَظْم السِّيرَة لِشَيْخِنَا الْحَافِظ أَبِي الْفَضْل : وَانْشَقَّ مَرَّتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ. وَلَا أَعْرِف مَنْ جَزَمَ مِنْ عُلَمَاء الْحَدِيث بِتَعَدُّدِ الِانْشِقَاق فِي زَمَنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ يَتَعَرَّض لِذَلِكَ أَحَد مِنْ شُرَّاح الصَّحِيحَيْنِ وَتَكَلَّمَ اِبْن الْقَيِّم عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة فَقَالَ : الْمَرَّات يُرَاد بِهَا الْأَفْعَال تَارَة وَالْأَعْيَان أُخْرَى , وَالْأَوَّل أَكْثَر. وَمِنْ الثَّانِي \" أَتَشُقُّ الْقَمَر مَرَّتَيْنِ \" وَقَدْ خَفِيَ عَلَى بَعْض النَّاس فَادَّعَى أَنَّ اِنْشِقَاق الْقَمَر وَقَعَ مَرَّتَيْنِ , وَهَذَا مِمَّا يَعْلَم أَهْل الْحَدِيث وَالسِّيَر أَنَّهُ غَلَط فَإِنَّهُ لَمْ يَقَع إِلَّا مَرَّة وَاحِدَة. وَقَدْ قَالَ الْعِمَاد بْن كَثِير : فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا \" مَرَّتَيْنِ \" نَظَر , وَلَعَلَّ قَائِلهَا أَرَادَ فِرْقَتَيْنِ. قُلْت : وَهَذَا الَّذِي لَا يُتَّجَه غَيْره جَمْعًا بَيْن الرِّوَايَات. ثُمَّ رَاجَعْت نَظْم شَيْخنَا فَوَجَدْته يَحْتَمِل التَّأْوِيل الْمَذْكُور , وَلَفْظه : ‏ ‏فَصَارَ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَة عَلَتْ ‏ ‏وَفِرْقَة لِلطَّوْدِ مِنْهُ نَزَلَتْ ‏ ‏وَذَاكَ مَرَّتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ ‏ ‏وَالنَّصّ وَالتَّوَاتُر السَّمَاع ‏ ‏فَجَمَعَ بَيْن قَوْله : \" فِرْقَتَيْنِ \" وَبَيْن قَوْله : \" مَرَّتَيْنِ \" فَيُمْكِن أَنْ يَتَعَلَّق قَوْله بِالْإِجْمَاعِ بِأَصْلِ الِانْشِقَاق لَا بِالتَّعَدُّدِ , مَعَ أَنَّ فِي نَقْل الْإِجْمَاع فِي نَفْس الِانْشِقَاق نَظَرًا سَيَأْتِي بَيَانه. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى رَأَوْا حِرَاء بَيْنهمَا ) ‏ ‏أَيْ بَيْن الْفِرْقَتَيْنِ , وَحِرَاء تَقَدَّمَ ضَبْطه فِي بَدْء الْوَحْي وَهُوَ عَلَى يَسَار السَّائِر مِنْ مَكَّة إِلَى مِنًى. ‏"
    },
    {
        "id": "3580",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْشَقَّ الْقَمَرُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏فَقَالَ اشْهَدُوا وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ نَحْوَ الْجَبَلِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏انْشَقَّ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَمْزَة ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي هُوَ مُحَمَّد بْن مَيْمُون السُّكَّرِيّ الْمَرْوَزِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ والْكُشْمِيهَنِيّ فِي آخِر الْبَاب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَعْمَش \" حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي مَعْمَر ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعْدَان بْن يَحْيَى وَيَحْيَى بْن عِيسَى الرَّمْلِيّ \" عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ , وَلِأَبِي نُعَيْم نَحْوه مِنْ طَرِيق غَرِيبَة عَنْ شُعْبَة \" عَنْ الْأَعْمَش \" وَالْمَحْفُوظ عَنْ شُعْبَة كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِير \" عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِي عُمَر \" وَهُوَ الْمَشْهُور , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ شُعْبَة \" عَنْ الْأَعْمَش عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر \" وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مُعَلَّقًا أَنَّ مُجَاهِدًا رَوَاهُ \" عَنْ أَبِي مَعْمَر عَنْ اِبْن مَسْعُود \" فَاَللَّه أَعْلَم هَلْ عِنْد مُجَاهِد فِيهِ إِسْنَادَانِ أَوْ قَوْل مَنْ قَالَ اِبْن عُمَر وَهْم مِنْ أَبِي مَعْمَر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود ‏ ‏قَوْله : ( اِنْشَقَّ الْقَمَر وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ الْأَعْمَش \" بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى إِذْ اِنْفَلَقَ الْقَمَر \" وَهَذَا لَا يُعَارِض قَوْل أَنَس أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَكَّة , لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَيْلَتئِذٍ بِمَكَّة , وَعَلَى تَقْدِير تَصْرِيحه فَمِنًى مِنْ جُمْلَة مَكَّة فَلَا تَعَارُض , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق زِرّ بْن حُبَيْشٍ عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : \" اِنْشَقَّ الْقَمَر بِمَكَّة فَرَأَيْته فِرْقَتَيْنِ \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ , وَكَذَا وَقَعَ فِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ بَيَان الْمُرَاد فَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : \" اِنْشَقَّ الْقَمَر عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ بِمَكَّة قَبْل أَنْ نَصِيرَ إِلَى الْمَدِينَة \" فَوَضَح أَنَّ مُرَاده بِذِكْرِ مَكَّة الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْل الْهِجْرَة , وَيَجُوز أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ وَهُمْ لَيْلَتئِذٍ بِمِنًى. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اِشْهَدُوا ) ‏ ‏أَيْ اُضْبُطُوا هَذَا الْقَدْر بِالْمُشَاهَدَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو الضُّحَى إِلَخْ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْطُوفًا عَلَى قَوْله : \" عَنْ إِبْرَاهِيم \" فَإِنَّ أَبَا الضُّحَى مِنْ شُيُوخ الْأَعْمَش فَيَكُون لِلْأَعْمَشِ فِيهِ إِسْنَادَانِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُعَلَّقًا وَهُوَ الْمُعْتَمَد , فَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ عَنْ أَبِي عَوَانَة , وَرَوَيْنَاهُ فِي \" فَوَائِد أَبِي طَاهِر الذُّهْلِيِّ \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي عَوَانَة , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق هُشَيْم كِلَاهُمَا عَنْ مُغِيرَة عَنْ أَبِي الضُّحَى بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظِ \" اِنْشَقَّ الْقَمَر عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَتْ كُفَّار قُرَيْش : هَذَا سِحْرٌ سَحَرَكُمْ اِبْنُ أَبِي كَبْشَة , فَانْظُرُوا إِلَى السِّفَار , فَإِنْ أَخْبَرُوكُمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا مِثْل مَا رَأَيْتُمْ فَقَدْ صَدَقَ , قَالَ : فَمَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ \" لَفْظ هُشَيْم , وَعِنْد أَبِي عَوَانَة \" اِنْشَقَّ الْقَمَر بِمَكَّة - نَحْوه وَفِيهِ - فَإِنَّ مُحَمَّدًا لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَسْحَر النَّاس كُلّهمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَتَابَعَهُ مُحَمَّد بْن مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ الطَّائِفِيّ , وَابْن أَبِي نَجِيح اِسْمه عَبْد اللَّه , وَاسْم أَبِيهِ يَسَار بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة خَفِيفَة , وَمُرَاده أَنَّهُ تَابَعَ إِبْرَاهِيم فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي مَعْمَر فِي قَوْله إِنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَكَّة لَا فِي جَمِيع سِيَاق الْحَدِيث , وَالْجَمْع بَيْن قَوْل اِبْن مَسْعُود \" تَارَة بِمِنًى وَتَارَة بِمَكَّة \" إِمَّا بِاعْتِبَارِ التَّعَدُّد إِنْ ثَبَتَ , وَإِمَّا بِالْحَمْلِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِمِنًى , وَمَنْ قَالَ كَانَ بِمَكَّة لَا يُنَافِيه لِأَنَّ مَنْ كَانَ بِمِنًى كَانَ بِمَكَّة مِنْ غَيْر عَكْس , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا بِمِنًى قَالَ فِيهَا : \" وَنَحْنُ بِمِنًى \" وَالرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا بِمَكَّة لَمْ يَقُلْ فِيهَا \" وَنَحْنُ \" وَإِنَّمَا قَالَ : \" اِنْشَقَّ الْقَمَر بِمَكَّة \" يَعْنِي أَنَّ الِانْشِقَاق كَانَ وَهُمْ بِمَكَّة قَبْل أَنْ يُهَاجِرُوا إِلَى الْمَدِينَة , وَبِهَذَا يَنْدَفِع دَعْوَى الدَّاوُدِيّ أَنَّ بَيْن الْخَبَرَيْنِ تَضَادًّا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَابْن أَبِي نَجِيح رَوَاهُ عَنْ مُجَاهِد عَنْ أَبِي مَعْمَر , وَهَذِهِ الطَّرِيق وَصَلَهَا عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفه , وَمِنْ طَرِيقه الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ وَمُحَمَّد بْن مُسْلِم جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظِ \" رَأَيْت الْقَمَر مُنْشَقًّا شُقَّتَيْنِ : شُقَّة عَلَى أَبِي قُبَيْس وَشُقَّة عَلَى السُّوَيْدَاء \" وَالسُّوَيْدَاء بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّصْغِير نَاحِيَة خَارِجَة مَكَّة عِنْدهَا جَبَل , وَقَوْل اِبْن مَسْعُود \" عَلَى أَبِي قُبَيْس \" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَآهُ كَذَلِكَ وَهُوَ بِمِنًى كَأَنْ يَكُون عَلَى مَكَان مُرْتَفِع بِحَيْثُ رَأَى طَرَف جَبَل أَبِي قُبَيْس , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْقَمَر اِسْتَمَرَّ مُنْشَقًّا حَتَّى رَجَعَ اِبْن مَسْعُود مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّة فَرَآهُ كَذَلِكَ وَفِيهِ بَعْد , وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه غَالِب الرِّوَايَات أَنَّ الِانْشِقَاق كَانَ قُرْب غُرُوبه , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ إِسْنَادهمْ الرُّؤْيَة إِلَى جِهَة الْجَبَل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الِانْشِقَاق وَقَعَ أَوَّل طُلُوعه فَإِنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَة الْبَدْر , أَوْ التَّعْبِير بِأَبِي قُبَيْس مِنْ تَغْيِير بَعْض الرُّوَاة , لِأَنَّ الْغَرَض ثُبُوت رُؤْيَته مُنْشَقًّا إِحْدَى الشِّقَتَيْنِ عَلَى جَبَل وَالْأُخْرَى عَلَى جَبَل آخَر , وَلَا يُغَايِر ذَلِكَ قَوْل الرَّاوِي الْآخَر رَأَيْت الْجَبَل بَيْنهمَا أَيْ بَيْن الْفِرْقَتَيْنِ لِأَنَّهُ إِذَا ذَهَبَتْ فِرْقَة عَنْ يَمِين الْجَبَل وَفِرْقَة عَنْ يَسَاره مِثْلًا صَدَقَ أَنَّهُ بَيْنهمَا , وَأَيّ جَبَل آخَر كَانَ مِنْ جِهَة يَمِينه أَوْ يَسَاره صَدَقَ أَنَّهَا عَلَيْهِ أَيْضًا , وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير سُورَة الْقَمَر مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُجَاهِد بِلَفْظٍ آخَر وَهُوَ قَوْله : \" اِنْشَقَّ الْقَمَر وَنَحْنُ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اِشْهَدُوا اِشْهَدُوا \" وَلَيْسَ فِيهِ تَعْيِين مَكَان. وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِد بِلَفْظٍ آخَر وَهُوَ قَوْله : \" اِنْشَقَّ الْقَمَر , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( اِقْتَرَبَتْ السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر ) يَقُول : كَمَا شَقَقْتُ الْقَمَر كَذَلِكَ أُقِيم السَّاعَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "3581",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ عَلَى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ الْقَمَر اِنْشَقَّ عَلَى زَمَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَعِنْد أَبِي نُعَيْم مِنْ وَجْه آخَر \" اِنْشَقَّ الْقَمَر فِلْقَتَيْنِ , قَالَ اِبْن مَسْعُود لَقَدْ رَأَيْت جَبَل حِرَاء مِنْ بَيْن فِلْقَتَيْ الْقَمَر \" وَهَذَا يُوَافِق الرِّوَايَة الْأُولَى فِي ذِكْر حِرَاء. وَقَدْ أَنْكَرَ جُمْهُور الْفَلَاسِفَة اِنْشِقَاق الْقَمَر مُتَمَسِّكِينَ بِأَنَّ الْآيَات الْعُلْوِيَّة لَا يَتَهَيَّأ فِيهَا الِانْخِرَاق وَالِالْتِئَام ; وَكَذَا قَالُوا فِي فَتْح أَبْوَاب السَّمَاء لَيْلَة الْإِسْرَاء إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ إِنْكَارهمْ مَا يَكُون يَوْم الْقِيَامَة مِنْ تَكْوِير الشَّمْس وَغَيْر ذَلِكَ , وَجَوَاب هَؤُلَاءِ إِنْ كَانُوا كُفَّارًا أَنْ يُنَاظِرُوا أَوَّلًا عَلَى ثُبُوت دِين الْإِسْلَام ثُمَّ يُشْرِكُوا مَعَ غَيْرهمْ مِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَمَتَى سَلَّمَ الْمُسْلِم بَعْض ذَلِكَ دُون بَعْض أُلْزِمَ التَّنَاقُض , وَلَا سَبِيل إِلَى إِنْكَار مَا ثَبَتَ فِي الْقُرْآن مِنْ الِانْخِرَاق وَالِالْتِئَام فِي الْقِيَامَة فَيَسْتَلْزِم جَوَاز وُقُوع ذَلِكَ مُعْجِزَة لِنَبِيِّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَجَابَ الْقُدَمَاء عَنْ ذَلِكَ , قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج فِي \" مَعَانِي الْقُرْآن \" : أَنْكَرَ بَعْض الْمُبْتَدِعَة الْمُوَافِقِينَ لِمُخَالِفِي الْمِلَّة اِنْشِقَاق الْقَمَر وَلَا إِنْكَار لِلْعَقْلِ فِيهِ , لِأَنَّ الْقَمَر مَخْلُوق لِلَّهِ يَفْعَل فِيهِ مَا يَشَاء كَمَا يُكَوِّرهُ يَوْم الْبَعْث وَيُفْنِيه , وَأَمَّا قَوْل بَعْضهمْ : لَوْ وَقَعَ لَجَاءَ مُتَوَاتِرًا وَاشْتَرَكَ أَهْل الْأَرْض فِي مَعْرِفَته وَلَمَا اُخْتُصَّ بِهَا أَهْل مَكَّة , فَجَوَابه أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَيْلًا وَأَكْثَر النَّاس نِيَام وَالْأَبْوَاب مُغَلَّقَة وَقَلَّ مَنْ يُرَاصِد السَّمَاء إِلَّا النَّادِر , وَقَدْ يَقَع بِالْمُشَاهَدَةِ فِي الْعَادَة أَنْ يَنْكَسِف الْقَمَر , وَتَبْدُو الْكَوَاكِب الْعِظَام وَغَيْر ذَلِكَ فِي اللَّيْل وَلَا يُشَاهِدهَا إِلَّا الْآحَاد , فَكَذَلِكَ الِانْشِقَاق كَانَ آيَة وَقَعَتْ فِي اللَّيْل لِقَوْمٍ سَأَلُوا وَاقْتَرَحُوا فَلَمْ يَتَأَهَّب غَيْرهمْ لَهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْقَمَر لَيْلَتئِذٍ كَانَ فِي بَعْض الْمَنَازِل الَّتِي تَظْهَر لِبَعْضِ أَهْل الْآفَاق دُون بَعْض كَمَا يَظْهَر الْكُسُوف لِقَوْمٍ دُون قَوْم. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : اِنْشِقَاق الْقَمَر آيَة عَظِيمَة لَا يَكَاد يَعْدِلهَا شَيْء مِنْ آيَات الْأَنْبِيَاء , وَذَلِكَ أَنَّهُ ظَهَرَ فِي مَلَكُوت السَّمَاء خَارِجًا مِنْ جُمْلَة طِبَاع مَا فِي هَذَا الْعَالَم الْمُرَكَّب مِنْ الطَّبَائِع , فَلَيْسَ مِمَّا يُطْمَع فِي الْوُصُول إِلَيْهِ بِحِيلَةٍ , فَلِذَلِكَ صَارَ الْبُرْهَان بِهِ أَظْهَر , وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضهمْ فَقَالَ : لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَمْ يَجُز أَنْ يَخْفَى أَمْره عَلَى عَوَامّ النَّاس لِأَنَّهُ أَمْر صَدَرَ عَنْ حِسّ وَمُشَاهَدَة فَالنَّاس فِيهِ شُرَكَاء وَالدَّوَاعِي مُتَوَفِّرَة عَلَى رُؤْيَة كُلّ غَرِيب وَنَقْل مَا لَمْ يُعْهَد , فَلَوْ كَانَ لِذَلِكَ أَصْل لَخُلِّدَ فِي كُتُب أَهْل التَّسْيِير وَالتَّنْجِيم , إِذْ لَا يَجُوز إِطْبَاقهمْ عَلَى تَرْكه وَإِغْفَاله مَعَ جَلَالَة شَأْنه وَوُضُوح أَمْره. وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة خَرَجَتْ عَنْ بَقِيَّة الْأُمُور الَّتِي ذَكَرُوهَا لِأَنَّهُ شَيْء طَلَبه خَاصّ مِنْ النَّاس فَوَقَعَ لَيْلًا لِأَنَّ الْقَمَر لَا سُلْطَان لَهُ بِالنَّهَارِ وَمِنْ شَأْن اللَّيْل أَنْ يَكُون أَكْثَر النَّاس فِيهِ نِيَامًا وَمُسْتَكِنِّينَ بِالْأَبْنِيَةِ , وَالْبَارِز بِالصَّحْرَاءِ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ يَقْظَان يَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت مَشْغُولًا بِمَا يُلْهِيه مِنْ سَمَر وَغَيْره , وَمِنْ الْمُسْتَبْعَد أَنْ يَقْصِدُوا إِلَى مَرَاصِد مَرْكَز الْقَمَر نَاظِرِينَ إِلَيْهِ لَا يَغْفُلُونَ عَنْهُ , فَقَدْ يَجُوز أَنَّهُ وَقَعَ وَلَمْ يَشْعُر بِهِ أَكْثَر النَّاس , وَإِنَّمَا رَآهُ مَنْ تَصَدَّى لِرُؤْيَتِهِ مِمَّنْ اِقْتَرَحَ وُقُوعه , وَلَعَلَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ فِي قَدْر اللَّحْظَة الَّتِي هِيَ مَدَرك الْبَصَر. ثُمَّ أَبْدَى حِكْمَة بَالِغَة فِي كَوْن الْمُعْجِزَات الْمُحَمَّدِيَّة لَمْ يَبْلُغ شَيْء مِنْهَا مَبْلَغ التَّوَاتُر الَّذِي لَا نِزَاع فِيهِ إِلَّا الْقُرْآن بِمَا حَاصِله : أَنَّ مُعْجِزَة كُلّ نَبِيّ كَانَتْ إِذَا وَقَعَتْ عَامَّة أَعْقَبَتْ هَلَاك مَنْ كَذَّبَ بِهِ مِنْ قَوْمه لِلِاشْتِرَاكِ فِي إِدْرَاكهَا بِالْحِسِّ , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ رَحْمَة فَكَانَتْ مُعْجِزَته الَّتِي تَحَدَّى بِهَا عَقْلِيَّة , فَاخْتَصَّ بِهَا الْقَوْم الَّذِينَ بُعِثَ مِنْهُمْ لِمَا أُوتُوهُ مِنْ فَضْل الْعُقُول وَزِيَادَة الْأَفْهَام , وَلَوْ كَانَ إِدْرَاكهَا عَامًّا لَعُوجِلَ مَنْ كَذَّبَ بِهِ كَمَا عُوجِلَ مَنْ قَبْلهمْ. وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الدَّلَائِل \" نَحْو مَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَزَادَ : وَلَا سِيَّمَا إِذَا وَقَعَتْ الْآيَة فِي بَلْدَة كَانَ عَامَّة أَهْلهَا يَوْمَئِذٍ الْكُفَّار الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا سِحْر وَيَجْتَهِدُونَ فِي إِطْفَاء نُور اللَّه. قُلْت : وَهُوَ جَيِّد بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ سَأَلَ عَنْ الْحِكْمَة فِي قِلَّة مَنْ نَقَلَ ذَلِكَ مِنْ \" الصَّحَابَة \" وَأَمَّا مَنْ سَأَلَ عَنْ السَّبَب فِي كَوْن أَهْل التَّنْجِيم لَمْ يَذْكُرُوهُ فَجَوَابه أَنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَد مِنْهُمْ أَنَّهُ نَفَاهُ , وَهَذَا كَافٍ , فَإِنَّ الْحُجَّة فِيمَنْ أَثْبَتَ لَا فِيمَنْ يُوجَد عَنْهُ صَرِيح النَّفْي , حَتَّى إِنَّ مَنْ وُجِدَ عَنْهُ صَرِيح النَّفْي يُقَدَّم عَلَيْهِ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ صَرِيح الْإِثْبَات. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث جَمَاعَة كَثِيرَة مِنْ الصَّحَابَة , وَرَوَى ذَلِكَ عَنْهُمْ أَمْثَالهمْ مِنْ التَّابِعِينَ. ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْهُمْ الْجَمّ الْغَفِير إِلَى أَنْ اِنْتَهَى إِلَيْنَا , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَة , فَلَمْ يَبْقَ لِاسْتِبْعَادِ مَنْ اُسْتُبْعِدَ وُقُوعه عُذْر. ثُمَّ أَجَابَ بِنَحْوِ جَوَاب الْخَطَّابِيّ وَقَالَ : وَقَدْ يَطْلُع عَلَى قَوْم قَبْل طُلُوعه عَلَى آخَرِينَ , وَأَيْضًا فَإِنَّ زَمَن الِانْشِقَاق لَمْ يَطُلْ وَلَمْ تَتَوَفَّر الدَّوَاعِي عَلَى الِاعْتِنَاء بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ بَعَثَ أَهْل مَكَّة إِلَى آفَاق مَكَّة يَسْأَلُونَ عَنْ ذَلِكَ فَجَاءَتْ السِّفَار وَأَخْبَرُوا بِأَنَّهُمْ عَايَنُوا ذَلِكَ , وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسَافِرِينَ فِي اللَّيْل غَالِبًا يَكُونُونَ سَائِرِينَ فِي ضَوْء الْقَمَر وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْمَوَانِع مِنْ مُشَاهَدَة ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَحْصُل الْقَصْد إِلَيْهِ غَيْر مُنْحَصِرَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اللَّه صَرَفَ جَمِيع أَهْل الْأَرْض غَيْر أَهْل مَكَّة وَمَا حَوْلهَا عَنْ الِالْتِفَات إِلَى الْقَمَر فِي تِلْكَ السَّاعَة لِيَخْتَصّ بِمُشَاهَدَتِهِ أَهْل مَكَّة كَمَا اِخْتَصُّوا بِمُشَاهَدَةِ أَكْثَر الْآيَات وَنَقَلُوهَا إِلَى غَيْرهمْ ا ه. وَفِي كَلَامه نَظَر ; لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَنْقُل أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْل الْآفَاق غَيْر أَهْل مَكَّة ذَكَرُوا أَنَّهُمْ رَصَدُوا الْقَمَر فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الْمُعَيَّنَة فَلَمْ يُشَاهِدُوا اِنْشِقَاقه , فَلَوْ نُقِلَ ذَلِكَ لَكَانَ الْجَوَاب الَّذِي أَبْدَاهُ الْقُرْطُبِيّ جَيِّدًا , وَلَكِنْ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَد مِنْ أَهْل الْأَرْض شَيْء مِنْ ذَلِكَ , فَالِاقْتِصَار حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّ الْجَوَاب الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَوْضَح , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْآيَة فَالْمُرَاد بِهَا قَوْله تَعَالَى : ( اِقْتَرَبَتْ السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر ) لَكِنْ ذَهَبَ بَعْض أَهْل الْعِلْم مِنْ الْقُدَمَاء أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( وَانْشَقَّ الْقَمَر ) أَيْ سَيَنْشَقُّ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ ) أَيْ سَيَأْتِي , وَالنُّكْتَة فِي ذَلِكَ إِرَادَة الْمُبَالَغَة فِي تَحَقُّق وُقُوع ذَلِكَ , فَنُزِّلَ مَنْزِلَة الْوَاقِع. وَاَلَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُور أَصَحّ كَمَا جَزَمَ بِهِ اِبْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَغَيْرهمَا , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى : بَعْد ذَلِكَ : ( وَإِنْ يَرَوْا آيَة يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) فَإِنَّ ذَلِكَ ظَاهِر فِي أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( وَانْشَقَّ الْقَمَر ) وُقُوع اِنْشِقَاقه , لِأَنَّ الْكُفَّار لَا يَقُولُونَ ذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة , وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلهمْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي الدُّنْيَا تَبَيَّنَ وُقُوع الِانْشِقَاق وَأَنَّهُ الْمُرَاد بِالْآيَةِ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهَا سِحْر , وَوَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود كَمَا بَيَّنَّاهُ قَبْل , وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ فِي أَوَائِل الْبَعْث وَالنُّشُور عَنْ الْحَلِيمِيّ أَنَّ مِنْ النَّاس مَنْ يَقُول : إِنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَانْشَقَّ الْقَمَر ) أَيْ سَيَنْشَقُّ , قَالَ الْحَلِيمِيّ : فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ وَقَعَ فِي عَصْرنَا , فَشَاهَدْت الْهِلَال بِبُخَارَى فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة مُنْشَقًّا نِصْفَيْنِ عَرْض كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا كَعَرْضِ الْقَمَر لَيْلَة أَرْبَع أَوْ خَمْس , ثُمَّ اِتَّصَلَا فَصَارَ فِي شَكْل أُتْرُجَّة إِلَى أَنْ غَابَ. قَالَ : وَأَخْبَرَنِي بَعْض مِنْ أَثِق بِهِ أَنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ فِي لَيْلَة أُخْرَى ا ه. وَلَقَدْ عَجِبْت مِنْ الْبَيْهَقِيِّ كَيْفَ أَقَرَّ هَذَا مَعَ إِيرَاده حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْمُصَرِّح بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَانْشَقَّ الْقَمَر ) أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّهُ سَاقَهُ هَكَذَا مِنْ طَرِيق اِبْن مَسْعُود فِي هَذِهِ الْآيَة ( اِقْتَرَبَتْ السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر ) قَالَ : لَقَدْ اِنْشَقَّ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ سَاقَ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" لَقَدْ مَضَتْ آيَة الدُّخَان وَالرُّوم وَالْبَطْشَة وَانْشِقَاق الْقَمَر \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث الْأَخِير فِي تَفْسِير سُورَة الدُّخَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3582",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْشَقَّ الْقَمَرُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3583",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ‏ ‏قَالَا لَهُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُكَلِّمَ خَالَكَ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فِي أَخِيهِ ‏ ‏الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏وَكَانَ أَكْثَرَ النَّاسُ فِيمَا فَعَلَ بِهِ قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَانْتَصَبْتُ ‏ ‏لِعُثْمَانَ ‏ ‏حِينَ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً وَهِيَ نَصِيحَةٌ فَقَالَ أَيُّهَا الْمَرْءُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ فَانْصَرَفْتُ فَلَمَّا قَضَيْتُ الصَّلَاةَ جَلَسْتُ إِلَى ‏ ‏الْمِسْوَرِ ‏ ‏وَإِلَى ‏ ‏ابْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ‏ ‏فَحَدَّثْتُهُمَا بِالَّذِي قُلْتُ ‏ ‏لِعُثْمَانَ ‏ ‏وَقَالَ لِي فَقَالَا قَدْ قَضَيْتَ الَّذِي كَانَ عَلَيْكَ فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ مَعَهُمَا إِذْ جَاءَنِي رَسُولُ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فَقَالَا لِي قَدْ ابْتَلَاكَ اللَّهُ فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَا نَصِيحَتُكَ الَّتِي ذَكَرْتَ آنِفًا قَالَ فَتَشَهَّدْتُ ثُمَّ قُلْتُ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَكُنْتَ مِمَّنْ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَآمَنْتَ بِهِ وَهَاجَرْتَ الْهِجْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَأَيْتَ هَدْيَهُ وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي شَأْنِ ‏ ‏الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏فَحَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ تُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ فَقَالَ لِي يَا ابْنَ أَخِي ‏ ‏آدْرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ لَا وَلَكِنْ قَدْ خَلَصَ إِلَيَّ مِنْ عِلْمِهِ مَا خَلَصَ إِلَى الْعَذْرَاءِ فِي سِتْرِهَا قَالَ فَتَشَهَّدَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَكُنْتُ مِمَّنْ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَآمَنْتُ بِمَا بُعِثَ بِهِ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهَاجَرْتُ الْهِجْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ كَمَا قُلْتَ وَصَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏وَبَايَعْتُهُ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا عَصَيْتُهُ وَلَا غَشَشْتُهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَخْلَفَ اللَّهُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَوَاللَّهِ مَا عَصَيْتُهُ وَلَا غَشَشْتُهُ ثُمَّ اسْتُخْلِفَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَوَاللَّهِ مَا عَصَيْتُهُ وَلَا غَشَشْتُهُ ثُمَّ اسْتُخْلِفْتُ أَفَلَيْسَ لِي عَلَيْكُمْ مِثْلُ الَّذِي كَانَ لَهُمْ عَلَيَّ قَالَ بَلَى قَالَ فَمَا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تَبْلُغُنِي عَنْكُمْ فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ شَأْنِ ‏ ‏الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏فَسَنَأْخُذُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِالْحَقِّ قَالَ فَجَلَدَ ‏ ‏الْوَلِيدَ ‏ ‏أَرْبَعِينَ جَلْدَةً وَأَمَرَ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏أَنْ يَجْلِدَهُ وَكَانَ هُوَ يَجْلِدُهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَفَلَيْسَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي كَانَ لَهُمْ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ { ‏بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ ‏} ‏مَا ابْتُلِيتُمْ بِهِ مِنْ شِدَّةٍ وَفِي مَوْضِعٍ ‏ { ‏الْبَلَاءُ ‏} ‏الِابْتِلَاءُ وَالتَّمْحِيصُ مَنْ بَلَوْتُهُ وَمَحَّصْتُهُ أَيْ اسْتَخْرَجْتُ مَا عِنْدَهُ يَبْلُو يَخْتَبِرُ ‏ { ‏مُبْتَلِيكُمْ ‏} ‏مُخْتَبِرُكُمْ وَأَمَّا قَوْلُهُ بَلَاءٌ عَظِيمٌ النِّعَمُ وَهِيَ مِنْ أَبْلَيْتُهُ وَتِلْكَ مِنْ ابْتَلَيْتُهُ ‏",
        "sharh": "قِصَّة الْوَلِيد بْن عُقْبَة الَّتِي مَضَتْ فِي مَنَاقِب عُثْمَان تَقَدَّمَ شَرْحهَا مُسْتَوْفًى بِتَمَامِهِ , وَفِيهِ قَوْله هُنَا : \" أَنْ تُكَلِّمَ خَالَك \" وَالْغَرَض مِنْهَا قَوْل عُثْمَان \" وَهَاجَرْت الْهِجْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ \" كَمَا قَالَتْ وَ \" الْأُولَيَيْنِ \" بِضَمِّ الْهَمْزَة وَتَحْتَانِيَّتَيْنِ تَثْنِيَة أُولَى , وَهُوَ عَلَى طَرِيق التَّغْلِيب بِالنِّسْبَةِ إِلَى هِجْرَة الْحَبَشَة فَإِنَّهَا كَانَتْ أُولَى وَثَانِيَة , وَأَمَّا إِلَى الْمَدِينَة فَلَمْ تَكُنْ إِلَّا وَاحِدَة , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْأَوَّلِيَّة بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَعْيَان مَنْ هَاجَرَ فَإِنَّهُمْ هَاجَرُوا مُتَفَرِّقِينَ فَتُعَدَّدُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ , فَمِنْ أَوَّل مَنْ هَاجَرَ عُثْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد ‏ ‏( وَابْن أَخِي الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم ( عَنْ الزُّهْرِيِّ ) بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. وَطَرِيق يُونُس وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي مَنَاقِب عُثْمَان , وَأَمَّا طَرِيق اِبْن أَخِي الزُّهْرِيِّ فَوَصَلَهَا قَاسِم بْن أَصْبَغ فِي مُصَنَّفه وَمِنْ طَرِيقه اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي تَمْهِيده وَهُوَ بِاللَّفْظِ الَّذِي عَلَّقَهُ الْمُصَنِّف , وَهَذَا التَّعْلِيق عَنْ هَذَيْنِ وَكَذَا الَّذِي بَعْده مِنْ التَّفْسِير فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحْده. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه بَلَاء مِنْ رَبّكُمْ إِلَخْ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحْده أَيْضًا , وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ : \" قَدْ اِبْتَلَاك اللَّه \" وَالْمُرَاد بِهِ الِاخْتِيَار , وَلِهَذَا قَالَ : \" هُوَ مِنْ بَلَوْته إِذَا اِسْتَخْرَجْت مَا عِنْده \" وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ نَبْلُو أَيْ نَخْتَبِر , وَمُبْتَلِيكُمْ أَيْ مُخْتَبِركُمْ , ثُمَّ اِسْتَطْرَدَ فَقَالَ وَأَمَّا قَوْله بَلَاء مِنْ رَبّكُمْ عَظِيم أَيْ نَعِيم , وَهُوَ مِنْ اِبْتَلَيْته إِذَا أَنْعَمْت عَلَيْهِ , وَالْأَوَّل مِنْ اِبْتَلَيْته إِذَا اِمْتَحَنْته , وَهَذَا كُلّه كَلَام أَبِي عُبَيْدَة فِي \" الْمَجَاز \" فَرَّقَهُ فِي مَوَاضِعه , وَتَحْرِير ذَلِكَ أَنَّ لَفْظ الْبَلَاء مِنْ الْأَضْدَاد , يُطْلَق وَيُرَاد بِهِ النِّعْمَة , وَيُطْلَق وَيُرَاد بِهِ النِّقْمَة , وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى الِاخْتِبَار , وَوَقَعَ ذَلِكَ كُلّه فِي الْقُرْآن كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( بَلَاء حَسَنًا ) فَهَذَا مِنْ النِّعْمَة وَالْعَطِيَّة , ‏ ‏وَقَوْله : ( بَلَاء عَظِيم ) ‏ ‏فَهَذَا مِنْ النِّقْمَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ الِاخْتِبَار , وَكَذَلِكَ قَوْله : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُم حَتَّى نَعْلَم الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ ) وَالِابْتِلَاء بِلَفْظِ الِافْتِعَال يُرَاد بِهِ النِّقْمَة وَالِاخْتِبَار أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3584",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ حَبِيبَةَ ‏ ‏وَأُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا ‏ ‏بِالْحَبَشَةِ ‏ ‏فِيهَا تَصَاوِيرُ فَذَكَرَتَا للنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِيكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" أَنَّ أُمّ سَلَمَة وَأُمّ حَبِيبَة ذَكَرَتَا كَنِيسَة رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ \" الْحَدِيث كَانَتْ أُمّ سَلَمَة قَدْ هَاجَرَتْ فِي الْهِجْرَة الْأُولَى إِلَى الْحَبَشَة مَعَ زَوْجهَا أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الْأَسَد كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه , وَهَاجَرَتْ أُمّ حَبِيبَة وَهِيَ بِنْت أَبِي سُفْيَان فِي الْهِجْرَة الثَّانِيَة مَعَ زَوْجهَا عُبَيْد اللَّه بْن جَحْش فَمَاتَ هُنَاكَ , وَيُقَال إِنَّهُ قَدْ تَنَصَّرَ , وَتَزَوَّجَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْده , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث فِي كِتَاب الْجَنَائِز. ‏"
    },
    {
        "id": "3585",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ السَّعِيدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَدِمْتُ مِنْ أَرْضِ ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏وَأَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةٌ ‏ ‏فَكَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَمِيصَةً ‏ ‏لَهَا ‏ ‏أَعْلَامٌ ‏ ‏فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمْسَحُ ‏ ‏الْأَعْلَامَ ‏ ‏بِيَدِهِ وَيَقُولُ ‏ ‏سَنَاهْ ‏ ‏سَنَاهْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏يَعْنِي حَسَنٌ حَسَنٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُمّ خَالِد بِنْت خَالِد وَهُوَ اِبْن سَعِيد بْن الْعَاصِ بْن أُمَيَّة , وَكَانَ أَبُوهَا مِمَّنْ هَاجَرَ فِي الْهِجْرَة الثَّانِيَة إِلَى الْحَبَشَة , وَوَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ فَسَمَّاهَا أَمَة وَكَنَّاهَا أُمّ خَالِد , وَأُمّهَا أُمَيْنَة بِالتَّصْغِيرِ وَيُقَال هُمَيْنَة بِالْهَاءِ بَدَل الْهَمْزَة بِنْت خَلَف الْخُزَاعِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن سَعِيد السَّعِيدِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد بْن عَمْرو بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ , وَجَدّ أَبِيهِ سَعِيد بْن الْعَاصِ بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ الْأَصْغَر هُوَ اِبْن عَمّ أُمّ خَالِد الْمَذْكُورَة , وَسَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3586",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏يُصَلِّي فَيَرُدُّ عَلَيْنَا فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ ‏ ‏النَّجَاشِيِّ ‏ ‏سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا قَالَ ‏ ‏إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏كَيْفَ تَصْنَعُ أَنْتَ قَالَ أَرُدُّ فِي نَفْسِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن مَسْعُود , وَسُلَيْمَان فِي الْإِسْنَاد هُوَ الْأَعْمَش. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْد النَّجَاشِيّ ) ‏ ‏قَدْ قَدَّمْت مِنْ عِنْد أَحْمَد حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَة فِي الْهِجْرَة الثَّانِيَة , وَتَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث الْبَاب مُسْتَوْفًى فِي آخِر الصَّلَاة , وَبَيَّنْت هُنَاكَ أَنَّ رُجُوع اِبْن مَسْعُود مِنْ الْحَبَشَة وَقَعَ لَمَّا بَلَغَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِالْحَبَشَةِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَة , فَوَصَلَ مِنْهُمْ إِلَى مَكَّة أَكْثَر مِنْ ثَلَاثِينَ رَجُلًا , وَكَانَ وُصُول اِبْن مَسْعُود إِلَى الْمَدِينَة وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَجَهَّز إِلَى بَدْر , وَظَهَرَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَسْمَاء أَهْل الْهِجْرَة الْأُولَى إِلَى الْحَبَشَة وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اِبْن مَسْعُود كَانَ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ أَهْل الْهِجْرَة الثَّانِيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3587",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ ‏ ‏بِالْيَمَنِ ‏ ‏فَرَكِبْنَا سَفِينَةً فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى ‏ ‏النَّجَاشِيِّ ‏ ‏بِالْحَبَشَةِ ‏ ‏فَوَافَقْنَا ‏ ‏جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ افْتَتَحَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَكُمْ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى وَهُوَ الْأَشْعَرِيّ قَالَ ‏ ‏\" بَلَغَنَا مَخْرَج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ‏ ‏أَيْ مَبْعَثه. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ بِلَاد قَوْمهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَكِبْنَا سَفِينَة ) ‏ ‏أَيْ لِنَصِلَ فِيهَا إِلَى مَكَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتنَا إِلَى النَّجَاشِيّ ) ‏ ‏كَأَنَّ الرِّيح هَاجَتْ عَلَيْهِمْ فَمَا مَلَكُوا أَمْرهمْ حَتَّى أَوْصَلَتْهُمْ بِلَاد الْحَبَشَة. ‏ ‏قَوْله : فِي آخِر الْحَدِيث ( فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَكُمْ أَنْتُمْ أَهْل السَّفِينَة هِجْرَتَانِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيث فِي غَزْوَة خَيْبَر مُطَوَّلًا , وَفِيهِ الْبَيَان بِأَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَة الْأَخِيرَة إِنَّمَا هِيَ مِنْ حَدِيث أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ كَمَا أَشَرْت إِلَيْهِ أَوَّل الْبَاب وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : ‏ ‏أَرْض الْحَبَشَة بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيّ مِنْ بِلَاد الْيَمَن وَمَسَافَتهَا طَوِيلَة جِدًّا , وَهُمْ أَجْنَاس , وَجَمِيع فِرَق السُّودَان يُعْطُونَ الطَّاعَة لِمَلِكِ الْحَبَشَة , وَكَانَ فِي الْقَدِيم يُلَقَّب بِالنَّجَاشِيِّ , وَأَمَّا الْيَوْم فَيُقَال لَهُ الْحَطِي بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الطَّاء الْمُهْمَلَة الْخَفِيفَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة خَفِيفَة , وَيُقَال إِنَّهُمْ مِنْ وَلَد حَبَش بْن كَوْش بْن حَامٍ , قَالَ اِبْن دُرَيْدٍ : جَمْع الْحَبَش أُحْبُوش بِضَمِّ أَوَّله , وَأَمَّا قَوْلهمْ الْحَبَشَة فَعَلَى غَيْر الْقِيَاس , وَقَدْ قَالُوا أَيْضًا حُبْشَان وَقَالُوا أَحْبُش , وَأَصْل التَّحْبِيش التَّجْمِيع , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3588",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ مَاتَ ‏ ‏النَّجَاشِيُّ ‏ ‏مَاتَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ ‏ ‏أَصْحَمَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَة ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ وَزْن أَرْبَعَة , تَقَدَّمَ ضَبْطه فِي كِتَاب الْجَنَائِز وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ وَأَنَّهُ قِيلَ فِيهِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3589",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَطَاءً ‏ ‏حَدَّثَهُمْ عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى عَلَى ‏ ‏أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ ‏ ‏فَصَفَّنَا وَرَاءَهُ فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3590",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى عَلَى ‏ ‏أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ ‏ ‏فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَلِيم ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ أَوَّله. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَبْد الصَّمَد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْوَارِث أَيْ أَنَّ عَبْد الصَّمَد تَابَعَ يَزِيد بْن هَارُون فِي رِوَايَته إِيَّاهُ عَنْ سَلِيم بْن حَيَّانَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان مَنْ وَصَلَهُ فِي كِتَاب الْجَنَائِز. ‏"
    },
    {
        "id": "3591",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَابْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَخْبَرَهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَعَى لَهُمْ ‏ ‏النَّجَاشِيَّ ‏ ‏صَاحِبَ ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَقَالَ اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَالِح ) ‏ ‏هُوَ اِبْن كَيْسَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ صَالِح عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الْإِسْنَاد الْمَوْصُول. ‏"
    },
    {
        "id": "3592",
        "content": "‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَفَّ بِهِمْ فِي الْمُصَلَّى فَصَلَّى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُسَيِّب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ وَحْده \" وَأَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن \" وَهُوَ زِيَادَة لَمْ يُتَابَع عَلَيْهَا وَلَمْ يَذْكُرهَا مُسْلِم فِي إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَبَاحِث حَدِيثَيْ الْبَاب فِي كِتَاب الْجَنَائِز. ‏"
    },
    {
        "id": "3593",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ أَرَادَ ‏ ‏حُنَيْنًا ‏ ‏مَنْزِلُنَا غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ‏ ‏بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ ‏ ‏حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أَرَادَ حُنَيْنًا : مَنْزِلُنَا غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَة حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْر ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجّ مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظِ \" قَالَ حِين أَرَادَ قُدُوم مَكَّة \" وَهَذَا لَا يُعَارِض مَا فِي الْبَاب , لِأَنَّهُ يُحْمَل أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ حِين أَرَادَ دُخُول مَكَّة فِي غَزْوَة الْفَتْح , وَفِي ذَلِكَ الْقُدُوم غَزَا حُنَيْنًا , وَلَكِنْ تَقَدَّمَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْغَد يَوْم النَّحْر وَهُوَ بِمِنًى : نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا \" الْحَدِيث , وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّهُ قَالَهُ فِي حَجَّة الْوَدَاع فَيُحْمَل قَوْله فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" حِين أَرَادَ قُدُوم مَكَّة \" أَيْ صَادِرًا مِنْ مِنًى إِلَيْهَا لِطَوَافِ الْوَدَاع , وَيَحْتَمِل التَّعَدُّد , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ مَعَ بَقِيَّة شَرْح الْحَدِيث فِي غَزْوَة الْفَتْح مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3594",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا أَغْنَيْتَ عَنْ ‏ ‏عَمِّكَ ‏ ‏فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ قَالَ ‏ ‏هُوَ فِي ‏ ‏ضَحْضَاحٍ ‏ ‏مِنْ نَارٍ وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد القَطَّانُ , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ , وَعَبْد الْمَلِك هُوَ اِبْن عُمَيْر , وَعَبْد اللَّه بْن الْحَارِث هُوَ اِبْن نَوْفَل بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَالْعَبَّاس عَمّ جَدّه. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَغْنَيْت عَنْ عَمّك ) ‏ ‏يَعْنِي أَبَا طَالِب. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يَحُوطك ) ‏ ‏بِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَة مِنْ الْحِيَاطَة وَهِيَ الْمُرَاعَاة , وَفِيهِ تَلْمِيح إِلَى مَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق قَالَ : \" ثُمَّ إِنَّ خَدِيجَة وَأَبَا طَالِب هَلَكَا فِي عَام وَاحِد قَبْل الْهِجْرَة بِثَلَاثِ سِنِينَ , وَكَانَتْ خَدِيجَة لَهُ وَزِيرَة صِدْق عَلَى الْإِسْلَام يَسْكُن إِلَيْهَا , وَكَانَ أَبُو طَالِب لَهُ عَضُدًا وَنَاصِرًا عَلَى قَوْمه , فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِب نَالَتْ قُرَيْش مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَذَى مَا لَمْ تَطْمَع بِهِ فِي حَيَاة أَبِي طَالِب , حَتَّى اِعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاء قُرَيْش فَغَمَرَ عَلَى رَأْسه تُرَابًا : فَحَدَّثَنِي هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : فَدَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْته يَقُول مَا نَالَتْنِي قُرَيْش شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِب \". ‏ ‏قَوْله : ( وَيَغْضَب لَك ) ‏ ‏يُشِير إِلَى مَا كَانَ يَرُدّ بِهِ عَنْهُ مِنْ قَوْل وَفِعْل. ‏ ‏قَوْله : ( هُوَ فِي ضَحْضَاح ) ‏ ‏بِمُعْجَمَتَيْنِ وَمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ اِسْتِعَارَة , فَإِنَّ الضَّحْضَاح مِنْ الْمَاء مَا يَبْلُغ الْكَعْب , وَيُقَال أَيْضًا لِمَا قَدْ قَرُبَ مِنْ الْمَاء وَهُوَ ضِدّ الْغَمْرَة , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْهُ الْعَذَاب. وَقَدْ ذُكِرَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب أَنَّهُ \" يُجْعَل فِي ضَحْضَاح يَبْلُغ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغه \". وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد مُسْلِم \" إِنَّ أَهْوَن أَهْل النَّار عَذَابًا أَبُو طَالِب لَهُ نَعْلَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغه \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِثْله لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ أَبَا طَالِب , وَلِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيث جَابِر \" قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ نَفَعْت أَبَا طَالِب ؟ قَالَ : أَخْرَجْته مِنْ النَّار إِلَى ضَحْضَاح مِنْهَا \" وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الرِّقَاق مِنْ حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير نَحْوه وَفِي آخِره \" كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَل بِالْقُمْقُمِ \" وَالْمِرْجَل بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْجِيم الْإِنَاء الَّذِي يَغْلِي فِيهِ الْمَاء وَغَيْره , وَالْقُمْقُم بِضَمِّ الْقَافَيْنِ وَسُكُون الْمِيم الْأُولَى مَعْرُوف وَهُوَ الَّذِي يُسَخَّن فِيهِ الْمَاء. قَالَ اِبْن الْأَثِير : كَذَا وَقَعَ \" كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَل بِالْقُمْقُمِ \" وَفِيهِ نَظَر. وَوَقَعَ فِي نُسْخَة \" كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَل وَالْقُمْقُم \" وَهَذَا أَوْضَح إِنْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَة , اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْبَاء بِمَعْنَى مَعَ , وَقِيلَ : الْقُمْقُم هُوَ الْبُسْر كَانُوا يَغْلُونَهُ عَلَى النَّار اِسْتِعْجَالًا لِنُضْجِهِ فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا زَالَ الْإِشْكَالُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏فِي سُؤَال الْعَبَّاس عَنْ حَال أَبِي طَالِب مَا يَدُلّ عَلَى ضَعْف مَا أَخْرَجَهُ اِبْن إِسْحَاق مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِسَنَدٍ فِيهِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ \" أَنَّ أَبَا طَالِب لَمَّا تَقَارَبَ مِنْهُ الْمَوْت بَعْد أَنْ عَرَضَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَأَبَى , قَالَ فَنَظَرَ الْعَبَّاس إِلَيْهِ وَهُوَ يُحَرِّك شَفَتَيْهِ فَأَصْغَى إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا اِبْن أَخِي , وَاَللَّه لَقَدْ قَالَ أَخِي الْكَلِمَة الَّتِي أَمَرْته أَنْ يَقُولهَا \" وَهَذَا الْحَدِيث لَوْ كَانَ طَرِيقه صَحِيحًا لَعَارَضَهُ هَذَا الْحَدِيث الَّذِي هُوَ أَصَحّ مِنْهُ فَضْلًا عَنْ أَنَّهُ لَا يَصِحّ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن الْجَارُود مِنْ حَدِيث عَلِيّ قَالَ \" لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِب قُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ عَمّك الشَّيْخ الضَّالّ قَدْ مَاتَ , قَالَ : اِذْهَبْ فَوَارِهِ. قُلْت : إِنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا , فَقَالَ : اِذْهَبْ فَوَارِهِ \" الْحَدِيث. وَوَقَفْت عَلَى جُزْء جَمَعَهُ بَعْض أَهْل الرَّفْض أَكْثَر فِيهِ مِنْ الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة الدَّالَّة عَلَى إِسْلَام أَبِي طَالِب وَلَا يَثْبُت مِنْ ذَلِكَ شَيْء , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق , وَقَدْ لَخَّصْت ذَلِكَ فِي تَرْجَمَة أَبِي طَالِب مِنْ كِتَاب الْإِصَابَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3595",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا طَالِبٍ ‏ ‏لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعِنْدَهُ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا طَالِبٍ ‏ ‏تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ ‏ ‏عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ عَلَى مِلَّةِ ‏ ‏عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ‏} ‏وَنَزَلَتْ ‏ { ‏إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَحْمُود ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غَيْلَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ حَزْن بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الزَّاي أَيْ اِبْن أَبِي وَهْب الْمَخْزُومِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَا طَالِب لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاة ) ‏ ‏أَيْ قَبْل أَنْ يَدْخُل فِي الْغَرْغَرَة ‏ ‏قَوْله : ( أُحَاجّ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْجِيم وَأَصْله أُحَاجِجْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز بِلَفْظِ \" أَشْهَد لَك بِهَا عِنْد اللَّه \" وَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَهِمَ مِنْ اِمْتِنَاع أَبِي طَالِب مِنْ الشَّهَادَة فِي تِلْكَ الْحَالَة أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعهُ لِوُقُوعِهِ عِنْد الْمَوْت أَوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَتَمَكَّن مِنْ سَائِر الْأَعْمَال كَالصَّلَاةِ وَغَيْرهَا , فَلِذَلِكَ ذَكَرَ لَهُ الْمُحَاجَجَة. وَأَمَّا لَفْظ الشَّهَادَة فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعهُ إِذْ لَمْ يَحْضُرهُ حِينَئِذٍ أَحَد مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَطَيَّبَ قَلْبه بِأَنْ يَشْهَد لَهُ بِهَا فَيَنْفَعهُ. وَفِي رِوَايَة أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد \" فَقَالَ أَبُو طَالِب : لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرنِي قُرَيْش يَقُولُونَ مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ إِلَّا جَزَع الْمَوْت لَأَقْرَرْت بِهَا عَيْنك \" وَأَخْرَجَ اِبْن إِسْحَاق مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس نَحْوه. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي أُمَيَّة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْمُغِيرَة بْن عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن مَخْزُوم , وَهُوَ أَخُو أُمّ سَلَمَة الَّتِي تَزَوَّجَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد ذَلِكَ , قَدْ أَسْلَمَ عَبْد اللَّه يَوْم الْفَتْح وَاسْتُشْهِدَ فِي تِلْكَ السَّنَة فِي غَزَاة حُنَيْنٍ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى مِلَّة عَبْد الْمُطَّلِب ) ‏ ‏خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف , أَيْ هُوَ , وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي طَرِيق أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَلَتْ : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَاب الْجَحِيم. وَنَزَلَتْ إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت ) ‏ ‏أَمَّا نُزُول هَذِهِ الْآيَة الثَّانِيَة فَوَاضِح فِي قِصَّة أَبِي طَالِب , وَأَمَّا نُزُول الَّتِي قَبْلهَا فَفِيهِ نَظَر , وَيَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الْآيَة الْمُتَعَلِّقَة بِالِاسْتِغْفَارِ نَزَلَتْ بَعْد أَبِي طَالِب بِمُدَّةٍ , وَهِيَ عَامَّة فِي حَقّه وَفِي حَقّ غَيْره , وَيُوَضِّح ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِير بِلَفْظِ \" فَأَنْزَلَ اللَّه بَعْد ذَلِكَ ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا ) الْآيَة. وَأَنْزَلَ فِي أَبِي طَالِب ( إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت ) وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة أَبِي طَالِب \" قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّه ( إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت ) وَهَذَا كُلّه ظَاهِر فِي أَنَّهُ مَاتَ عَلَى غَيْر الْإِسْلَام. وَيُضَعِّف مَا ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيّ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْض كُتُب الْمَسْعُودِيّ أَنَّهُ أَسْلَمَ , لِأَنَّ مِثْل ذَلِكَ لَا يُعَارِض مَا فِي الصَّحِيح. ‏"
    },
    {
        "id": "3596",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ الْهَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ فَقَالَ ‏ ‏لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ‏ ‏ضَحْضَاحٍ ‏ ‏مِنْ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏بِهَذَا وَقَالَ تَغْلِي مِنْهُ أُمُّ دِمَاغِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي اِبْن الْهَاد ) ‏ ‏هُوَ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن أُسَامَة بْن الْهَاد , وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" عَنْ يَزِيد بِهَذَا \" أَيْ الْإِسْنَاد وَالْمَتْن إِلَّا مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن خَبَّاب ) ‏ ‏أَيْ الْمَدَنِيّ الْأَنْصَارِيّ مَوْلَاهُمْ , وَكَانَ مِنْ ثِقَات الْمَدَنِيِّينَ , وَلَمْ أَرَ لَهُ رِوَايَة عَنْ غَيْر أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ مِنْ أَقْرَانه وَمَنْ بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( وَذُكِرَ عِنْده عَمّه ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْ اِبْن الْهَاد الْآتِيَة فِي الرِّقَاق \" أَبُو طَالِب \" وَيُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث الْأَوَّل أَنَّ الذَّاكِر هُوَ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب لِأَنَّهُ الَّذِي سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( يَبْلُغ كَعْبَيْهِ ) ‏ ‏قَالَ السُّهَيْلِيّ : الْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ أَبَا طَالِب كَانَ تَابِعًا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجُمْلَتِهِ , إِلَّا أَنَّهُ اِسْتَمَرَّ ثَابِت الْقَدَم عَلَى دِين قَوْمه , فَسَلَّطَ الْعَذَاب عَلَى قَدَمَيْهِ خَاصَّة لِتَثْبِيتِهِ إِيَّاهُمَا عَلَى دِين قَوْمه , كَذَا قَالَ , وَلَا يَخْلُو عَنْ نَظَر. ‏ ‏قَوْله : ( يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغه ) ‏ ‏وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِيهَا \" يَغْلِي مِنْهُ أُمّ دِمَاغه \" قَالَ الدَّاوُدِيّ : الْمُرَاد أُمّ رَأْسه , وَأُطْلِقَ عَلَى الرَّأْس الدِّمَاغ مِنْ تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا يُقَارِبهُ وَيُجَاوِرهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغه حَتَّى يَسِيل عَلَى قَدِمَهُ \" وَفِي الْحَدِيث جَوَاز زِيَارَة الْقَرِيب الْمُشْرِك وَعِيَادَته , وَأَنَّ التَّوْبَة مَقْبُولَة وَلَوْ فِي شِدَّة مَرَض الْمَوْت , حَتَّى يَصِل إِلَى الْمُعَايَنَة فَلَا يَقْبَل ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعهُمْ إِيمَانهمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ) , وَأَنَّ الْكَافِر إِذَا شَهِدَ شَهَادَة الْحَقّ نَجَا مِنْ الْعَذَاب لِأَنَّ الْإِسْلَام يَجُبّ مَا قَبْله , وَأَنَّ عَذَاب الْكُفَّار مُتَفَاوِت , وَالنَّفْع الَّذِي حَصَلَ لِأَبِي طَالِب مِنْ خَصَائِصه بِبَرَكَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا عَرَضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَلَمْ يَقُلْ فِيهَا مُحَمَّد رَسُول اللَّه لِأَنَّ الْكَلِمَتَيْنِ صَارَتَا كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبُو طَالِب كَانَ يَتَحَقَّق أَنَّهُ رَسُول اللَّه وَلَكِنْ لَا يُقِرّ بِتَوْحِيدِ اللَّه , وَلِهَذَا قَالَ فِي الْأَبْيَات النُّونِيَّة : ‏ ‏وَدَعَوْتَنِي وَعَلِمْتُ أَنَّك صَادِقٌ ‏ ‏وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ قَبْلُ أَمِينَا ‏ ‏فَاقْتَصَرَ عَلَى أَمْره بِقَوْلِ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , فَإِذَا أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ لَمْ يَتَوَقَّف عَلَى الشَّهَادَة بِالرِّسَالَةِ. ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : ‏ ‏مِنْ عَجَائِب الِاتِّفَاق أَنَّ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ الْإِسْلَام مِنْ أَعْمَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَة : لَمْ يُسْلِم مِنْهُمْ اِثْنَانِ , وَأَسْلَمَ اِثْنَانِ , وَكَانَ اِسْم مَنْ لَمْ يُسْلِم يُنَافِي أَسَامِي الْمُسْلِمِينَ , وَهُمَا أَبُو طَالِب وَاسْمه عَبْد مَنَافٍ وَأَبُو لَهَب وَاسْمه عَبْد الْعُزَّى , بِخِلَافِ مَنْ أَسْلَمَ وَهُمَا حَمْزَة وَالْعَبَّاس. ‏"
    },
    {
        "id": "3597",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَمَّا كَذَّبَتْنِي ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏قُمْتُ فِي ‏ ‏الْحِجْرِ ‏ ‏فَجَلَا ‏ ‏اللَّهُ لِي ‏ ‏بَيْتَ الْمَقْدِسِ ‏ ‏فَطَفِقْتُ ‏ ‏أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت جَابِر بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة وَخَالَفَهُ عَبْد اللَّه بْن الْفَضْل عَنْ أَبِي سَلَمَة فَقَالَ \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ لِأَبِي سَلَمَة فِيهِ شَيْخَيْنِ لِأَنَّ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الْفَضْل زِيَادَة لَيْسَتْ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا كَذَّبَنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" كَذَّبَتْنِي \" بِزِيَادَةِ مُثَنَّاة وَكِلَاهُمَا جَائِز , وَقَدْ وَقَعَ بَيَان ذَلِكَ فِي طُرُق أُخْرَى : فَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ \" اُفْتُتِنَ نَاس كَثِير - يَعْنِي عَقِب الْإِسْرَاء - فَجَاءَ نَاس إِلَى أَبِي بَكْر فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ : أَشْهَد أَنَّهُ صَادِق. فَقَالُوا : وَتُصَدِّقهُ بِأَنَّهُ أَتَى الشَّام فِي لَيْلَة وَاحِدَة ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة ؟ قَالَ نَعَمْ , إِنِّي أُصَدِّقهُ بِأَبْعَد مِنْ ذَلِكَ , أُصَدِّقهُ بِخَبَرِ السَّمَاء قَالَ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ الصِّدِّيق \" قَالَ سَمِعْت جَابِر يَقُول فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد أَحْمَد وَالْبَزَّار بِإِسْنَادٍ حَسَن قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِي وَأَصْبَحْت بِمَكَّة مَرَّ بِي عَدُوّ اللَّه أَبُو جَهْل فَقَالَ : هَلْ كَانَ مِنْ شَيْء ؟ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَة إِلَى بَيْت الْمَقْدِسِ , قَالَ : ثُمَّ أَصْبَحْت بَيْن أَظْهُرنَا ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ فَإِنْ دَعَوْت قَوْمك أَتُحَدِّثُهُمْ بِذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ : يَا مَعْشَر بَنِي كَعْب بْن لُؤَيّ. قَالَ فَانْفَضَّتْ إِلَيْهِ الْمَجَالِس حَتَّى جَاءُوا إِلَيْهِمَا فَقَالَ : حَدِّثْ قَوْمك بِمَا حَدَّثْتَنِي , فَحَدَّثْتهمْ , قَالَ فَمَنْ بَيْن مُصَفِّق وَمِنْ بَيْن وَاضِع يَده عَلَى رَأْسه مُتَعَجِّبًا , قَالُوا وَتَسْتَطِيع أَنْ تَنْعَت لَنَا الْمَسْجِد \" الْحَدِيث. وَوَقَعَ فِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة بَيَان مَا رَآهُ لَيْلَة الْإِسْرَاء , فَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن أَبِي مَالِك عَنْ أَنَس قَالَ : \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُتِيت بِدَابَّةٍ فَوْق الْحِمَار وَدُون الْبَغْل \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَرَكِبْت وَمَعِي جِبْرِيل , فَسِرْت فَقَالَ : اِنْزِلْ فَصَلِّ , فَفَعَلْت , فَقَالَ : أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْت ؟ صَلَّيْت بِطَيْبَةَ وَإِلَيْهَا الْمُهَاجَرَة \" يَعْنِي بِفَتْحِ الْجِيم , وَوَقَعَ فِي حَدِيث شَدَّاد بْن أَوْس عِنْد الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ \" أَوَّل مَا أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ بِأَرْضٍ ذَات نَخْل , فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل اِنْزِلْ فَصَلِّ , فَنَزَلَ فَصَلَّى , فَقَالَ : صَلَّيْت بِيَثْرِب \" ثُمَّ قَالَ فِي رِوَايَته \" ثُمَّ قَالَ : اِنْزِلْ فَصَلِّ مِثْل الْأَوَّل , قَالَ : صَلَّيْت بِطُورِ سَيْنَاء حَيْثُ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى ثُمَّ قَالَ : اِنْزِلْ - فَذَكَرَ مِثْله - قَالَ صَلَّيْت بِبَيْتِ لَحْم حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى \" وَقَالَ فِي رِوَايَة شَدَّاد بَعْد قَوْله يَثْرِب \" ثُمَّ مَرَّ بِأَرْضٍ بَيْضَاء فَقَالَ : اِنْزِلْ فَصَلِّ , فَقَالَ : صَلَّيْت بِمَدْيَن \" وَفِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَة مِنْ بَابهَا الْيَمَانِي فَصَلَّى فِي الْمَسْجِد , وَفِيهِ أَنَّهُ مَرَّ فِي رُجُوعه بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضهمْ : هَذَا صَوْت مُحَمَّد , وَفِيهِ أَنَّهُ أَعْلَمهُمْ بِذَلِكَ وَأَنَّ عِيرهمْ تَقْدُمُ فِي يَوْم كَذَا , فَقَدِمَتْ الظُّهْر يَقْدُمهُمْ الْجَمَل الَّذِي وَصَفَهُ , وَزَادَ فِي رِوَايَة يَزِيد بْن أَبِي مَالِك \" ثُمَّ دَخَلْت بَيْت الْمَقْدِسِ , فَجَمَعَ لِي الْأَنْبِيَاء , فَقَدَّمَنِي جِبْرِيل حَتَّى أَمَمْتهمْ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن هَاشِم بْن عُتْبَة عَنْ أَنَس عِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي \" الدَّلَائِل \" أَنَّهُ مَرَّ بِشَيْءٍ يَدْعُوهُ مُتَنَحِّيًا عَنْ الطَّرِيق , فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل : سِرْ , وَأَنَّهُ مَرَّ عَلَى عَجُوز فَقَالَ : مَا هَذِهِ : فَقَالَ سِرْ , وَأَنَّهُ مَرَّ بِجَمَاعَةٍ فَسَلَّمُوا فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل اُرْدُدْ عَلَيْهِمْ وَفِي آخِره فَقَالَ لَهُ : الَّذِي دَعَاك إِبْلِيس , وَالْعَجُوز الدُّنْيَا , وَاَلَّذِينَ سَلَّمُوا إِبْرَاهِيم وَمُوسَى وَعِيسَى. وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَزَّار أَنَّهُ \" مَرَّ بِقَوْمٍ يَزْرَعُونَ وَيَحْصُدُونَ , كُلَّمَا حَصَدُوا عَادَ كَمَا كَانَ , قَالَ جِبْرِيل : هَؤُلَاءِ الْمُجَاهِدُونَ , وَمَرَّ بِقَوْمٍ تُرْضَخ رُءُوسهمْ بِالصَّخْرِ كُلَّمَا رُضِخَتْ عَادَتْ , قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَثَاقَلَ رُءُوسهمْ عَنْ الصَّلَاة. وَمَرَّ بِقَوْمٍ عَلَى عَوْرَاتهمْ رِقَاع يَسْرَحُونَ كَالْأَنْعَامِ , قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ الزَّكَاة. وَمَرَّ بِقَوْمٍ يَأْكُلُونَ لَحْمًا نِيئًا خَبِيثًا وَيَدْعُونَ لَحْمًا نَضِيجًا طَيِّبًا قَالَ : هَؤُلَاءِ الزُّنَاة. وَمَرَّ بِرَجُلٍ جَمَعَ حُزْمَة حَطَب لَا يَسْتَطِيع حَمْلهَا ثُمَّ هُوَ يَضُمّ إِلَيْهَا غَيْرهَا , قَالَ : هَذَا الَّذِي عِنْده الْأَمَانَة لَا يُؤَدِّيهَا وَهُوَ يَطْلُب أُخْرَى. وَمَرَّ بِقَوْمٍ تُقْرَض أَلْسِنَتهمْ وَشِفَاههمْ , كُلَّمَا قُرِضَتْ عَادَتْ قَالَ : هَؤُلَاءِ خُطَبَاء الْفِتْنَة. وَمَرَّ بِثَوْرٍ عَظِيم يَخْرُج مِنْ ثَقْب صَغِير يُرِيد أَنْ يَرْجِع فَلَا يَسْتَطِيع , قَالَ : هَذَا الرَّجُل يَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ فَيَنْدَم فَيُرِيد أَنْ يَرُدّهَا فَلَا يَسْتَطِيع \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الْبَزَّار وَالْحَاكِم أَنَّهُ صَلَّى بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعَ الْمَلَائِكَة وَأَنَّهُ أُتِيَ هُنَاكَ بِأَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاء فَأَثْنَوْا عَلَى اللَّه , وَفِيهِ قَوْل إِبْرَاهِيم \" لَقَدْ فَضَلَكُمْ مُحَمَّد \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن هَاشِم عَنْ أَنَس \" ثُمَّ بُعِثَ لَهُ آدَم فَمَنْ دُونه فَأَمَّهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَة \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الْفَضْل عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" ثُمَّ حَانَتْ الصَّلَاة فَأَمَمْتهمْ \" وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَط \" ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَتَدَافَعُوا حَتَّى قَدَّمُوا مُحَمَّدًا \" وَفِيهِ \" ثُمَّ مَرَّ بِقَوْمٍ بُطُونهمْ أَمْثَال الْبُيُوت , كُلَّمَا نَهَضَ أَحَدهمْ خَرَّ , وَأَنَّ جِبْرِيل قَالَ لَهُ : هُمْ آكِلُو الرِّبَا. وَأَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ مَشَافِرهمْ كَالْإِبِلِ يَلْتَقِمُونَ حَجَرًا فَيَخْرُج مِنْ أَسَافِلهمْ , وَأَنَّ جِبْرِيل قَالَ لَهُ : هَؤُلَاءِ أَكَلَة أَمْوَال الْيَتَامَى \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَلَّى اللَّهُ لِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ) ‏ ‏قِيلَ مَعْنَاهُ كَشَفَ الْحُجُب بَيْنِي وَبَيْنه حَتَّى رَأَيْته , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الْفَضْل عَنْ أُمّ سَلَمَة عِنْد مُسْلِم الْمُشَار إِلَيْهَا \" قَالَ فَسَأَلُونِي عَنْ أَشْيَاء لَمْ أُثْبِتهَا , فَكَرَبْت كَرْبًا لَمْ أَكَرْب مِثْله قَطُّ , فَرَفَعَ اللَّه لِي بَيْت الْمَقْدِسِ أَنْظُر إِلَيْهِ , مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْء إِلَّا نَبَّأْتهمْ بِهِ \" وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد أَنَّهُ حُمِلَ إِلَى أَنْ وُضِعَ بِحَيْثُ يَرَاهُ ثُمَّ أُعِيد , وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور \" فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُر إِلَيْهِ حَتَّى وُضِعَ عِنْد دَار عَقِيل فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُر إِلَيْهِ \" وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَة , وَلَا اِسْتِحَالَة فِيهِ , فَقَدْ أُحْضِرَ عَرْش بِلْقِيس فِي طَرْفَة عَيْن لِسُلَيْمَان , وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ أُزِيل مِنْ مَكَانه حَتَّى أُحْضِرَ إِلَيْهِ , وَمَا ذَاكَ فِي قُدْرَة اللَّه بِعَزِيزٍ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أُمّ هَانِئ عِنْد اِبْن سَعْد \" فَخُيِّلَ لِي بَيْت الْمَقْدِسِ , فَطَفِقْت أُخْبِرهُمْ عَنْ آيَاته \" فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُغَيَّرًا مِنْ قَوْله \" فَجَلَّى \" وَكَانَ ثَابِتًا اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ مُثِّلَ قَرِيبًا مِنْهُ , كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيره فِي حَدِيث \" رَأَيْت الْجَنَّة وَالنَّار \" وَتَأَوَّلَ قَوْله \" جِيءَ بِالْمَسْجِدِ \" أَيْ جِيءَ بِمِثَالِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَقَعَ حَدِيث شَدَّاد بْن أَوْس عِنْد الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيِّ مَا يُؤَيِّد الِاحْتِمَال الْأَوَّل فَفِيهِ \" ثُمَّ مَرَرْت بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ - فَذَكَرَ الْقِصَّة ثُمَّ أَتَيْت أَصْحَابِي بِمَكَّة قَبْل الصُّبْح , فَأَتَانِي أَبُو بَكْر فَقَالَ : أَيْنَ كُنْت اللَّيْلَة ؟ فَقَالَ : إِنِّي أَتَيْت بَيْت الْمَقْدِسِ , فَقَالَ : إِنَّهُ مَسِيرَة شَهْر فَصِفْهُ لِي. قَالَ فَفُتِحَ لِي شِرَاك كَأَنِّي أَنْظُر إِلَيْهِ لَا يَسْأَلنِي عَنْ شَيْء إِلَّا أَنْبَأْتُهُ عَنْهُ \" وَفِي حَدِيث أُمّ هَانِئ أَيْضًا أَنَّهُمْ \" قَالُوا لَهُ كَمْ لِلْمَسْجِدِ بَاب ؟ قَالَ : وَلَمْ أَكُنْ عَدَدْتهَا , فَجَعَلْت أَنْظُر إِلَيْهِ وَأَعُدّهَا بَابًا بَابًا \" وَفِيهِ عِنْد أَبِي يَعْلَى أَنَّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ صِفَة بَيْت الْمَقْدِسِ هُوَ الْمُطْعِم بْن عَدِيّ وَالِد جُبَيْر بْن مُطْعِم , وَفِيهِ مِنْ الزِّيَادَة \" فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم : هَلْ مَرَرْت بِإِبِلٍ لَنَا فِي مَكَان كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ وَاَللَّه , قَدْ وَجَدْتهمْ قَدْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ فَهُمْ فِي طَلَبه , وَمَرَرْت بِإِبِلِ بَنِي فُلَان اِنْكَسَرَتْ لَهُمْ نَاقَة حَمْرَاء , قَالُوا فَأَخْبِرْنَا عَنْ عِدَّتهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الرِّعَاء , قَالَ : كُنْت عَنْ عِدَّتهَا مَشْغُولًا , فَقَامَ فَأَتَى الْإِبِل فَعَدَّهَا وَعَلِمَ مَا فِيهَا مِنْ الرِّعَاء ثُمَّ أَتَى قُرَيْشًا فَقَالَ : هِيَ كَذَا وَكَذَا , وَفِيهَا مِنْ الرِّعَاء فُلَان وَفُلَان \" فَكَانَ كَمَا قَالَ \". قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : الْحِكْمَة فِي الْإِسْرَاء إِلَى بَيْت الْمَقْدِسِ قَبْل الْعُرُوج إِلَى السَّمَاء إِرَادَة إِظْهَار الْحَقّ لِمُعَانَدَةِ مَنْ يُرِيد إِخْمَاده , لِأَنَّهُ لَوْ عُرِجَ بِهِ مِنْ مَكَّة إِلَى السَّمَاء لَمْ يَجِد لِمُعَانَدَةِ الْأَعْدَاء سَبِيلًا إِلَى الْبَيَان وَالْإِيضَاح , فَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْت الْمَقْدِسِ سَأَلُوهُ عَنْ تَعْرِيفَات جُزْئِيَّات مِنْ بَيْت الْمَقْدِسِ كَانُوا رَأَوْهَا وَعَلِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَآهَا قَبْل ذَلِكَ , فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِهَا حَصَلَ التَّحْقِيق بِصِدْقِهِ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ الْإِسْرَاء إِلَى بَيْت الْمَقْدِسِ فِي لَيْلَة , وَإِذَا صَحَّ خَبَره فِي ذَلِكَ لَزِمَ تَصْدِيقه فِي بَقِيَّة مَا ذَكَرَهُ , فَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَة فِي إِيمَان الْمُؤْمِن , وَزِيَادَة فِي شَقَاء الْجَاحِد وَالْمُعَانِد , اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3598",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ بَيْنَمَا أَنَا فِي ‏ ‏الْحَطِيمِ ‏ ‏وَرُبَّمَا قَالَ فِي ‏ ‏الْحِجْرِ ‏ ‏مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَدَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِلْجَارُودِ ‏ ‏وَهُوَ إِلَى جَنْبِي مَا ‏ ‏يَعْنِي بِهِ قَالَ مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ مِنْ قَصِّهِ إِلَى شِعْرَتِهِ فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي ثُمَّ ‏ ‏أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ إِيمَانًا فَغُسِلَ قَلْبِي ثُمَّ حُشِيَ ثُمَّ أُعِيدَ ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏الْجَارُودُ ‏ ‏هُوَ الْبُرَاقُ يَا ‏ ‏أَبَا حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏نَعَمْ يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ فَانْطَلَقَ بِي ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ فَقِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفَتَحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا فِيهَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏فَقَالَ هَذَا أَبُوكَ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ مَرْحَبًا ‏ ‏بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفَتَحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَعِيسَى ‏ ‏وَهُمَا ابْنَا الْخَالَةِ قَالَ هَذَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَعِيسَى ‏ ‏فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا ثُمَّ قَالَا مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا ‏ ‏يُوسُفُ ‏ ‏قَالَ هَذَا ‏ ‏يُوسُفُ ‏ ‏فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قِيلَ أَوَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ إِلَى ‏ ‏إِدْرِيسَ ‏ ‏قَالَ هَذَا ‏ ‏إِدْرِيسُ ‏ ‏فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا ‏ ‏هَارُونُ ‏ ‏قَالَ هَذَا ‏ ‏هَارُونُ ‏ ‏فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قِيلَ مَنْ مَعَكَ قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ هَذَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ بَكَى قِيلَ لَهُ مَا يُبْكِيكَ قَالَ أَبْكِي لِأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قِيلَ وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏قَالَ هَذَا أَبُوكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ قَالَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ قَالَ مَرْحَبًا ‏ ‏بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ رُفِعَتْ إِلَيَّ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ ‏ ‏هَجَرَ ‏ ‏وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ قَالَ هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ فَقُلْتُ مَا هَذَانِ يَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قَالَ أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَقَالَ هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ بِمَا أُمِرْتَ قَالَ أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ قَالَ إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا فَرَجَعْتُ إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ مِثْلَهُ فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا فَرَجَعْتُ إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ مِثْلَهُ فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا فَرَجَعْتُ إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ مِثْلَهُ فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ فَرَجَعْتُ فَقَالَ مِثْلَهُ فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ فَرَجَعْتُ إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ بِمَ أُمِرْتَ قُلْتُ أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ قَالَ سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ قَالَ فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ بَدْء الْخَلْق مِنْ وَجْه آخَر عَنْ قَتَادَةَ \" حَدَّثَنَا أَنَس \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَالِك بْن صَعْصَعَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن وَهْب بْن عَدِيّ بْن مَالِك الْأَنْصَارِيّ مِنْ بَنِي النَّجَّار , مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ وَلَا فِي غَيْره سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَلَا يُعْرَف مَنْ رَوَى عَنْهُ إِلَّا أَنَس بْن مَالِك. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَهُ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" أُسْرِيَ بِهِ \" وَكَذَا لِلنَّسَفِيِّ , وَقَوْله \" أُسْرِيَ بِهِ \" صِفَة لَيْلَة أَيْ أُسْرِيَ بِهِ فِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْحَطِيم وَرُبَّمَا قَالَ فِي الْحِجْر ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ قَتَادَةَ كَمَا بَيَّنَهُ أَحْمَد عَنْ عَفَّانَ عَنْ هَمَّام وَلَفْظه \" بَيْنَا أَنَا نَائِم فِي الْحَطِيم , وَرُبَّمَا قَالَ قَتَادَة : \" فِي الْحِجْر \" وَالْمُرَاد بِالْحَطِيمِ هُنَا الْحِجْر , وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ الْمُرَاد بِهِ مَا بَيْن الرُّكْن وَالْمَقَام أَوْ بَيْن زَمْزَم وَالْحِجْر , وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا فِي الْحَطِيم هَلْ هُوَ الْحِجْر أَمْ لَا كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي \" بَاب بُنْيَان الْكَعْبَة \" لَكِنْ الْمُرَاد هُنَا بَيَان الْبُقْعَة الَّتِي وَقَعَ ذَلِكَ فِيهَا , وَمَعْلُوم أَنَّهَا لَمْ تَتَعَدَّد لِأَنَّ الْقِصَّة مُتَّحِدَة لِاتِّحَادِ مَخْرَجهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل بَدْء الْخَلْق بِلَفْظِ \" بَيْنَا أَنَا عِنْد الْبَيْت \" وَهُوَ أَعَمّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَس عَنْ أَبِي ذَرّ \" فُرِّجَ سَقْف بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّة \" وَفِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ بِأَسَانِيدِهِ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ مِنْ شِعْب أَبِي طَالِب , وَفِي حَدِيث أُمّ هَانِئ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ بَاتَ فِي بَيْتهَا قَالَ \" فَفَقَدْته مِنْ اللَّيْل فَقَالَ إِنَّ جِبْرِيل أَتَانِي \" وَالْجَمْع بَيْن هَذِهِ الْأَقْوَال أَنَّهُ نَامَ فِي بَيْت أُمّ هَانِئ , وَبَيْتهَا عِنْد شِعْب أَبِي طَالِب , فَفُرِّجَ سَقْف بَيْته - وَأَضَافَ الْبَيْت إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ كَانَ يَسْكُنهُ - فَنَزَلَ مِنْهُ الْمَلَك فَأَخْرَجَهُ مِنْ الْبَيْت إِلَى الْمَسْجِد فَكَانَ بِهِ مُضْطَجِعًا وَبِهِ أَثَر النُّعَاس ; ثُمَّ أَخْرَجَهُ الْمَلَك إِلَى بَاب الْمَسْجِد فَأَرْكَبهُ الْبُرَاق. وَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَل الْحَسَن عِنْد اِبْن إِسْحَاق أَنَّ جِبْرِيل أَتَاهُ فَأَخْرَجَهُ إِلَى الْمَسْجِد فَأَرْكَبَهُ الْبُرَاق , وَهُوَ يُؤَيِّد هَذَا الْجَمْع. وَقِيلَ الْحِكْمَة فِي نُزُوله عَلَيْهِ مِنْ السَّقْف الْإِشَارَة إِلَى الْمُبَالَغَة فِي مُفَاجَأَته بِذَلِكَ , وَالتَّنْبِيه عَلَى أَنَّ الْمُرَاد مِنْهُ أَنْ يَعْرُج بِهِ إِلَى جِهَة الْعُلُوِّ. ‏ ‏قَوْله : ( مُضْطَجِعًا ) ‏ ‏زَادَ فِي بَدْء الْخَلْق \" بَيْن النَّائِم وَالْيَقْظَان \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى اِبْتِدَاء الْحَال , ثُمَّ لَمَّا أُخْرِجَ بِهِ إِلَى بَاب الْمَسْجِد فَأَرْكَبهُ الْبُرَاق اِسْتَمَرَّ فِي يَقَظَته , وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة شَرِيك الْآتِيَة فِي التَّوْحِيد فِي آخِر الْحَدِيث \" فَلَمَّا اِسْتَيْقَظْت \" فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّعَدُّدِ فَلَا إِشْكَال , وَإِلَّا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِاسْتَيْقَظْت أَفَقْت , أَيْ أَنَّهُ أَفَاقَ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ شَغْل الْبَال بِمُشَاهَدَةِ الْمَلَكُوت وَرَجَعَ إِلَى الْعَالَم الدُّنْيَوِيّ. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : لَوْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ كَانَ يَقِظًا لَأَخْبَرَ بِالْحَقِّ , لِأَنَّ قَلْبه فِي النَّوْم وَالْيَقَظَة سَوَاء , وَعَيْنه أَيْضًا لَمْ يَكُنْ النَّوْم تَمَكَّنَ مِنْهَا , لَكِنَّهُ تَحَرَّى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصِّدْق فِي الْإِخْبَار بِالْوَاقِعِ , فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُعْدَل عَنْ حَقِيقَة اللَّفْظ لِلْمَجَازِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ أَتَانِي آتٍ ) ‏ ‏هُوَ جِبْرِيل كَمَا تَقَدَّمَ , وَوَقَعَ فِي بَدْء الْخَلْق بِلَفْظِ \" وَذَكَرَ بَيْن الرَّجُلَيْنِ \" وَهُوَ مُخْتَصَر , وَقَدْ أَوْضَحَتْهُ رِوَايَةُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ \" إِذْ سَمِعْت قَائِلًا يَقُول أَحَد الثَّلَاثَة بَيْن الرَّجُلَيْنِ , فَأَتَيْت فَانْطَلَقَ بِي \" وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّل الصَّلَاة أَنَّ الْمُرَاد بِالرَّجُلَيْنِ حَمْزَة وَجَعْفَر وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ نَائِمًا بَيْنهمَا , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّوَاضُع وَحُسْن الْخُلُق , وَفِيهِ جَوَاز نَوْم جَمَاعَة فِي مَوْضِع وَاحِد , وَثَبَتَ مِنْ طُرُق أُخْرَى أَنَّهُ يُشْتَرَط أَنْ لَا يَجْتَمِعُوا فِي لِحَاف وَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَدَّ ) ‏ ‏بِالْقَافِ وَالدَّال الثَّقِيلَة ‏ ‏( قَالَ وَسَمِعْته يَقُول فَشَقَّ ) ‏ ‏الْقَائِل قَتَادَة وَالْمَقُول عَنْهُ أَنَس , وَلِأَحْمَد \" قَالَ قَتَادَة : وَرُبَّمَا سَمِعْت أَنَسًا يَقُول فَشَقَّ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لِلْجَارُودِ ) ‏ ‏لَمْ أَرَ مَنْ نَسَبَهُ مِنْ الرُّوَاة , وَلَعَلَّهُ اِبْن أَبِي سِيرَة الْبَصْرِيّ صَاحِب أَنَس , فَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَته عَنْ أَنَسٍ حَدِيثًا غَيْر هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ ثُغْرَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة , وَهِيَ الْمَوْضِع الْمُنْخَفِض الَّذِي بَيْن التَّرْقُوَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى شِعْرَته ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة أَيْ شَعْر الْعَانَة , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" إِلَى أَسْفَل بَطْنه \" وَفِي بَدْء الْخَلْق \" مِنْ النَّحْر إِلَى مَرَاقّ بَطْنه \" وَتَقَدَّمَ ضَبْطه فِي أَوَائِل الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ قَصِّهِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَتَشْدِيد الْمُهْمَلَة أَيْ رَأْس صَدْره. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى شِعْرَته ) ‏ ‏ذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ \" إِلَى ثُنَّته \" بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة وَتَشْدِيد النُّون مَا بَيْن السُّرَّة وَالْعَانَة , وَقَدْ اِسْتَنْكَرَ بَعْضهمْ وُقُوع شَقّ الصَّدْر لَيْلَة الْإِسْرَاء وَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ وَهُوَ صَغِير فِي بَنِي سَعْد , وَلَا إِنْكَار فِي ذَلِكَ , فَقَدْ تَوَارَدَتْ الرِّوَايَات بِهِ. وَثَبَتَ شَقّ الصَّدْر أَيْضًا عِنْد الْبَعْثَة كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الدَّلَائِل \" وَلِكُلٍّ مِنْهَا حِكْمَة , فَالْأَوَّل وَقَعَ فِيهِ مِنْ الزِّيَادَة كَمَا عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس \" فَأَخْرَجَ عَلْقَمَة فَقَالَ : هَذَا حَظّ الشَّيْطَان مِنْك \" وَكَانَ هَذَا فِي زَمَن الطُّفُولِيَّة فَنَشَأَ عَلَى أَكْمَل الْأَحْوَال مِنْ الْعِصْمَة مِنْ الشَّيْطَان , ثُمَّ وَقَعَ شَقّ الصَّدْر عِنْد الْبَعْث زِيَادَة فِي إِكْرَامه لِيَتَلَقَّى مَا يُوحَى إِلَيْهِ بِقَلْبٍ قَوِيّ فِي أَكْمَل الْأَحْوَال مِنْ التَّطْهِير , ثُمَّ وَقَعَ شَقّ الصَّدْر عِنْد إِرَادَة الْعُرُوج إِلَى السَّمَاء لِيَتَأَهَّب لِلْمُنَاجَاةِ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْحِكْمَة فِي هَذَا الْغَسْل لِتَقَع الْمُبَالَغَة فِي الْإِسْبَاغ بِحُصُولِ الْمَرَّة الثَّالِثَة كَمَا تَقَرَّرَ فِي شَرْعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْحِكْمَة فِي اِنْفِرَاج سَقْف بَيْته الْإِشَارَة إِلَى مَا سَيَقَعُ مِنْ شَقّ صَدْره وَأَنَّهُ سَيَلْتَئِمُ بِغَيْرِ مُعَالَجَة يَتَضَرَّر بِهَا. وَجَمِيع مَا وَرَدَ مِنْ شَقّ الصَّدْر وَاسْتِخْرَاج الْقَلْب وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور الْخَارِقَة لِلْعَادَةِ مِمَّا يَجِب التَّسْلِيم لَهُ دُون التَّعَرُّض لِصَرْفِهِ عَنْ حَقِيقَته لِصَلَاحِيَّةِ الْقُدْرَة فَلَا يَسْتَحِيل شَيْء مِنْ ذَلِكَ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : لَا يُلْتَفَتُ لِإِنْكَارِ الشَّقّ لَيْلَة الْإِسْرَاء لِأَنَّ رُوَاته ثِقَات مَشَاهِير , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو مَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( بِطَسْتٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَبِكَسْرِهِ وَبِمُثَنَّاةٍ وَقَدْ تُحْذَف وَهُوَ الْأَكْثَر وَإِثْبَاتهَا لُغَة طَيْءٍ , وَأَخْطَأَ مَنْ أَنْكَرَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ ذَهَب ) ‏ ‏خُصَّ الطَّسْت لِكَوْنِهِ أَشْهَر آلَات الْغُسْل عُرْفًا , وَالذَّهَب لِكَوْنِهِ أَعْلَى أَنْوَاع الْأَوَانِي الْحِسِّيَّة وَأَصْفَاهَا , وَلِأَنَّ فِيهِ خَوَاصّ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ وَيَظْهَر لَهَا هُنَا مُنَاسَبَات : مِنْهَا أَنَّهُ مِنْ أَوَانِي الْجَنَّة وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا تَأْكُلهُ النَّار وَلَا التُّرَاب وَلَا يَلْحَقهُ الصَّدَأ , وَمِنْهَا أَنَّهُ أَثْقَل الْجَوَاهِر فَنَاسَبَ ثِقَل الْوَحْي. وَقَالَ السُّهَيْلِيّ وَغَيْره : إِنْ نُظِرَ إِلَى لَفْظ الذَّهَب نَاسَبَ مِنْ جِهَة إِذْهَاب الرِّجْس عَنْهُ , وَلِكَوْنِهِ وَقَعَ عِنْد الذَّهَاب إِلَى رَبّه , وَإِنْ نُظِرَ إِلَى مَعْنَاهُ فَلِوَضَاءَتِهِ وَنَقَائِهِ وَصَفَائِهِ وَلِثِقَلِهِ وَرَسُوبَته , وَالْوَحْي ثَقِيل قَالَ اللَّه تَعَالَى ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْك قَوْلًا ثَقِيلًا ) , ( وَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينه فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ) وَلِأَنَّهُ أَعَزّ الْأَشْيَاء فِي الدُّنْيَا , وَالْقَوْل هُوَ الْكِتَاب الْعَزِيز , وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل أَنْ يَحْرُم اِسْتِعْمَال الذَّهَب فِي هَذِهِ الشَّرِيعَة وَلَا يَكْفِي أَنْ يُقَال إِنَّ الْمُسْتَعْمَل لَهُ كَانَ مِمَّنْ لَمْ يَحْرُم عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ الْمَلَائِكَة لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْ حَرُمَ عَلَيْهِ اِسْتِعْمَاله لَنُزِّهَ أَنْ يَسْتَعْمِلهُ غَيْره فِي أَمْر يَتَعَلَّق بِبَدَنِهِ الْمُكَرَّم. وَيُمْكِن أَنْ يُقَال إِنَّ تَحْرِيم اِسْتِعْمَاله مَخْصُوص بِأَحْوَالِ الدُّنْيَا , وَمَا وَقَعَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة كَانَ الْغَالِب أَنَّهُ مِنْ أَحْوَال الْغَيْب فَيَلْحَق بِأَحْكَامِ الْآخِرَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَمْلُوءَة ) ‏ ‏كَذَا بِالتَّأْنِيثِ , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّل الصَّلَاة الْبَحْث فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِيمَانًا ) ‏ ‏زَادَ فِي بَدْء الْخَلْق \" وَحِكْمَة \" وَهُمَا بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيز , قَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّ الطَّسْت كَانَ فِيهَا شَيْء يَحْصُل بِهِ زِيَادَة فِي كَمَالِ الْإِيمَان وَكَمَال الْحِكْمَة وَهَذَا الْمَلْء يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى حَقِيقَته , وَتَجْسِيد الْمَعَانِي جَائِز كَمَا جَاءَ أَنَّ سُورَة الْبَقَرَة تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّمَا ظُلَّة , وَالْمَوْت فِي صُورَة كَبْش , وَكَذَلِكَ وَزْن الْأَعْمَال وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَحْوَال الْغَيْب. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : لَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ بَاب التَّمْثِيل , إِذْ تَمْثِيل الْمَعَانِي قَدْ وَقَعَ كَثِيرًا , كَمَا مُثِّلَتْ لَهُ الْجَنَّة وَالنَّار فِي عُرْض الْحَائِط , وَفَائِدَته كَشْف الْمَعْنَوِيّ بِالْمَحْسُوسِ. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : فِيهِ أَنَّ الْحِكْمَة لَيْسَ بَعْد الْإِيمَان أَجَلّ مِنْهَا , وَلِذَلِكَ قُرِنَتْ مَعَهُ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى ( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ) وَأَصَحّ مَا قِيلَ فِي الْحِكْمَة أَنَّهَا وَضْع الشَّيْء فِي مَحَلّه , أَوْ الْفَهْم فِي كِتَاب اللَّه , فَعَلَى التَّفْسِير الثَّانِي قَدْ تُوجَد الْحِكْمَة دُون الْإِيمَان وَقَدْ لَا تُوجَد , وَعَلَى الْأَوَّل فَقَدْ يَتَلَازَمَانِ لِأَنَّ الْإِيمَان يَدُلّ عَلَى الْحِكْمَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَغُسِلَ قَلْبِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَم \" وَفِيهِ فَضِيلَة مَاء زَمْزَم عَلَى جَمِيع الْمِيَاه , قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : وَإِنَّمَا لَمْ يُغْسَل بِمَاءِ الْجَنَّة لِمَا اُجْتُمِعَ فِي مَاء زَمْزَم مِنْ كَوْن أَصْل مَائِهَا مِنْ الْجَنَّة ثُمَّ اِسْتَقَرَّ فِي الْأَرْض فَأُرِيدَ بِذَلِكَ بَقَاء بَرَكَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَرْض. وَقَالَ السُّهَيْلِيّ : لَمَّا كَانَتْ زَمْزَم هَزْمَة جِبْرِيل رُوح الْقُدْس لِأُمّ إِسْمَاعِيل جَدّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسَبَ أَنْ يُغْسَل بِمَائِهَا عِنْد دُخُول حَضْرَة الْقُدْس وَمُنَاجَاته وَمِنْ الْمُنَاسِبَات الْمُسْتَبْعَدَة قَوْل بَعْضهمْ : إِنَّ الطَّسْت يُنَاسِب ( طس تِلْكَ آيَات الْقُرْآن ). ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ حُشِيَ ثُمَّ أُعِيد ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مَكَانه \" ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكْمَة \" وَفِي رِوَايَة شَرِيك \" فَحُشِيَ بِهِ صَدْره وَلَغَادِيدَهُ \" بِلَامٍ وَغَيْن مُعْجَمَة أَيْ عُرُوق حَلْقه , وَقَدْ اِشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ خَوَارِق الْعَادَة عَلَى مَا يُدْهَش سَامِعه فَضْلًا عَمَّنْ شَاهَدَهُ , فَقَدْ جَرَتْ الْعَادَة بِأَنَّ مَنْ شُقَّ بَطْنه وَأُخْرِجَ قَلْبه يَمُوت لَا مَحَالَة , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُؤَثِّر فِيهِ ذَلِكَ ضَرَرًا وَلَا وَجَعًا فَضْلًا عَنْ غَيْر ذَلِكَ. قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : الْحِكْمَة فِي شَقّ قَلْبه - مَعَ الْقُدْرَة عَلَى أَنْ يَمْتَلِئ إِيمَانًا وَحِكْمَة بِغَيْرِ شَقّ - الزِّيَادَة فِي قُوَّة الْيَقِين , لِأَنَّهُ أُعْطِيَ بِرُؤْيَةِ شَقّ بَطْنه وَعَدَم تَأَثُّره بِذَلِكَ مَا أَمِنَ مَعَهُ مِنْ جَمِيع الْمَخَاوِف الْعَادِيَة , فَلِذَلِكَ كَانَ أَشْجَع النَّاس وَأَعْلَاهُمْ حَالًا وَمَقَالًا , وَلِذَلِكَ وُصِفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( مَا زَاغَ الْبَصَر وَمَا طَغَى ) وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ شَقّ صَدْره وَغَسْله مُخْتَصًّا بِهِ أَوْ وَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاء ؟ وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي قِصَّة تَابُوت بَنِي إِسْرَائِيل أَنَّهُ كَانَ فِيهِ الطَّسْت الَّتِي يُغْسَل فِيهَا قُلُوب الْأَنْبِيَاء , وَهَذَا مُشْعِر بِالْمُشَارَكَةِ , وَسَيَأْتِي نَظِير هَذَا الْبَحْث فِي رُكُوب الْبُرَاق. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أُتِيت بِدَابَّةٍ ) ‏ ‏قِيلَ الْحِكْمَة فِي الْإِسْرَاء بِهِ رَاكِبًا مَعَ الْقُدْرَة عَلَى طَيّ الْأَرْض لَهُ إِشَارَة إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ تَأْنِيسًا لَهُ بِالْعَادَةِ فِي مَقَام خَرْق الْعَادَة , لِأَنَّ الْعَادَة جَرَتْ بِأَنَّ الْمَلِك إِذَا اِسْتَدْعَى مَنْ يَخْتَصّ بِهِ يَبْعَث إِلَيْهِ بِمَا يَرْكَبهُ. ‏ ‏قَوْله : ( دُون الْبَغْل وَفَوْق الْحِمَار أَبْيَض ) ‏ ‏كَذَا ذَكَرَ بِاعْتِبَارِ كَوْنه مَرْكُوبًا أَوْ بِالنَّظَرِ لِلَفْظِ الْبُرَاق , وَالْحِكْمَة لِكَوْنِهِ بِهَذِهِ الصِّفَة الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الرُّكُوب كَانَ فِي سِلْم وَأَمْن لَا فِي حَرْب وَخَوْف , أَوْ لِإِظْهَارِ الْمُعْجِزَة بِوُقُوعِ الْإِسْرَاع الشَّدِيد بِدَابَّةٍ لَا تُوصَف بِذَلِكَ فِي الْعَادَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُ الْجَارُود : هُوَ الْبُرَاق يَا أَبَا حَمْزَة ؟ قَالَ أَنَس : نَعَمْ ) ‏ ‏هَذَا يُوَضِّح أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَة بَدْء الْخَلْق بِلَفْظِ دُون الْبَغْل وَفَوْق الْحِمَار الْبُرَاق , أَيْ هُوَ الْبُرَاق وَقَعَ بِالْمَعْنَى لِأَنَّ أَنَسًا لَمْ يَتَلَفَّظ بِلَفْظِ الْبُرَاق فِي رِوَايَة قَتَادَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( يَضَع خَطْوَهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة أَوَّله الْمَرَّة الْوَاحِدَة , وَبِضَمِّهَا الْفَعْلَة. ‏ ‏قَوْله : ( عِنْد أَقْصَى طَرْفه ) ‏ ‏بِسُكُونِ الرَّاء وَبِالْفَاءِ أَيْ نَظَره , أَيْ يَضَع رِجْله عِنْد مُنْتَهَى مَا يَرَى بَصَره. وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد أَبِي يَعْلَى وَالْبَزَّار \" إِذَا أَتَى عَلَى جَبَل اِرْتَفَعَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا هَبَطَ اِرْتَفَعَتْ يَدَاهُ \" وَفِي رِوَايَة لِابْنِ سَعْد عَنْ الْوَاقِدِيّ بِأَسَانِيدِهِ \" لَهُ جَنَاحَانِ \" وَلَمْ أَرَهَا لِغَيْرِهِ , وَعِنْد الثَّعْلَبِيّ بِسَنَدٍ ضَعِيف عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي صِفَة الْبُرَاق \" لَهَا خَدّ كَخَدِّ الْإِنْسَان وَعُرْف كَالْفَرَسِ وَقَوَائِم كَالْإِبِلِ وَذَنَب كَالْبَقَرِ , وَكَانَ صَدْره يَاقُوتَة حَمْرَاء \" قِيلَ وَيُؤْخَذ مِنْ تَرْك تَسْمِيَة سَيْر الْبُرَاق طَيَرَانًا أَنَّ اللَّه إِذَا أَكْرَمَ عَبْدًا بِتَسْهِيلِ الطَّرِيق لَهُ حَتَّى قَطَعَ الْمَسَافَة الطَّوِيلَة فِي الزَّمَن الْيَسِير أَنْ لَا يَخْرُج بِذَلِكَ عَنْ اِسْم السَّفَر وَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامه. وَالْبُرَاق بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَتَخْفِيف الرَّاء مُشْتَقّ مِنْ الْبَرِيق , فَقَدْ جَاءَ فِي لَوْنه أَنَّهُ أَبْيَض , أَوْ مِنْ الْبَرْق لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِسُرْعَةِ السَّيْر , أَوْ مِنْ قَوْلهمْ شَاة بَرْقَاء إِذَا كَانَ خِلَال صُوفهَا الْأَبْيَض طَاقَات سُود , وَلَا يُنَافِيه وَصْفه فِي الْحَدِيث بِأَنَّ الْبُرَاق أَبْيَض لِأَنَّ الْبَرْقَاء مِنْ الْغَنَم مَعْدُودَة فِي الْبَيَاض اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ لَا يَكُون مُشْتَقًّا , قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : خُصَّ الْبُرَاق بِذَلِكَ إِشَارَة إِلَى الِاخْتِصَاص بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل أَنَّ أَحَدًا مَلَكَهُ , بِخِلَافِ غَيْر جِنْسه مِنْ الدَّوَابّ. قَالَ : وَالْقُدْرَة كَانَتْ صَالِحَة لِأَنْ يَصْعَد بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْر بُرَاق , وَلَكِنْ رُكُوب الْبُرَاق كَانَ زِيَادَة لَهُ فِي تَشْرِيفه لِأَنَّهُ لَوْ صَعِدَ بِنَفْسِهِ لَكَانَ فِي صُورَة مَاشٍ , وَالرَّاكِب أَعَزّ مِنْ الْمَاشِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَحُمِلْت عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة لِأَبِي سَعِيد فِي شَرَف الْمُصْطَفَى \" فَكَانَ الَّذِي أَمْسَكَ بِرِكَابِهِ جِبْرِيل , وَبِزِمَامِ الْبُرَاق مِيكَائِيل \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ مُسَرَّجًا مُلَجَّمًا فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ , فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل : مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا ؟ فَوَاَللَّهِ مَا رَكِبَك خَلْق قَطُّ أَكْرَم عَلَى اللَّه مِنْهُ , قَالَ فَارْفَضَّ عَرَقًا \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حَسَن غَرِيب , وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ قَتَادَةَ \" أَنَّهُ لَمَّا شَمَسَ وَضَعَ جِبْرِيل يَده عَلَى مَعْرِفَته فَقَالَ : أَمَا تَسْتَحِي \" ؟ فَذَكَرَ نَحْوه مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُر أَنَسًا. وَفِي رِوَايَة وَثِيمَة عَنْ اِبْن إِسْحَاق \" فَارْتَعَشْت حَتَّى لَصِقْت بِالْأَرْضِ فَاسْتَوَيْت عَلَيْهَا \" وِلِلنَّسَائِيِّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن أَبِي مَالِك عَنْ أَنَس نَحْوه مَوْصُولًا وَزَادَ \" وَكَانَتْ تُسَخَّر لِلْأَنْبِيَاءِ قَبْله \" وَنَحْوه فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد اِبْن إِسْحَاق , وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْبُرَاق كَانَ مُعَدًّا لِرُكُوبِ الْأَنْبِيَاء , خِلَافًا لِمَنْ نَفَى ذَلِكَ كَابْنِ دِحْيَة وَأَوَّل قَوْل جِبْرِيل \" فَمَا رَكِبَك أَكْرَم عَلَى اللَّه مِنْهُ \" أَيْ مَا رَكِبَك أَحَد قَطّ فَكَيْف يَرْكَبك أَكْرَم مِنْهُ , وَقَدْ جَزَمَ السُّهَيْلِيّ أَنَّ الْبُرَاق إِنَّمَا اِسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ لِبُعْدِ عَهْده بِرُكُوبِ الْأَنْبِيَاء قَبْله , قَالَ النَّوَوِيّ قَالَ الزُّبَيْدِيّ فِي \" مُخْتَصَر الْعَيْنِيّ \" وَتَبِعَهُ صَاحِب \" التَّحْرِير \" : كَانَ الْأَنْبِيَاء يَرْكَبُونَ الْبُرَاق , قَالَ وَهَذَا يَحْتَاج إِلَى نَقْل صَحِيح. قُلْت : قَدْ ذَكَرْت النَّقْل بِذَلِكَ , وَيُؤَيِّدهُ ظَاهِر قَوْله \" فَرَبَطْته بِالْحَلْقَةِ الَّتِي تَرْبِط بِهَا الْأَنْبِيَاء \" وَوَقَعَ فِي \" الْمُبْتَدَأ لِابْنِ إِسْحَاق \" مِنْ رِوَايَة وَثِيمَة فِي ذِكْر الْإِسْرَاء \" فَاسْتَصْعَبَتْ الْبُرَاق , وَكَانَتْ الْأَنْبِيَاء تَرْكَبهَا قَبْلِي وَكَانَتْ بَعِيدَة الْعَهْد بِرُكُوبِهِمْ لَمْ تَكُنْ رُكِبَتْ فِي الْفِتْنَة \" وَفِي \" مَغَازِي اِبْن عَائِذ \" مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : \" الْبُرَاق هِيَ الدَّابَّة الَّتِي كَانَ يَزُور إِبْرَاهِيم عَلَيْهَا إِسْمَاعِيل \" وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ جِبْرِيل أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبُرَاقِ فَحَمَلَهُ بَيْن يَدَيْهِ \" وَعِنْد أَبِي يَعْلَى وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود رَفَعَهُ \" أُتِيت بِالْبُرَاقِ فَرَكِبْت خَلْف جِبْرِيل \" وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ \" فَمَا زَايَلَا ظَهْر الْبُرَاق \" وَفِي \" كِتَاب مَكَّة \" لِلْفَاكِهِيِّ وَالْأَزْرَقِيّ \" أَنَّ إِبْرَاهِيم كَانَ يَحُجّ عَلَى الْبُرَاق \" وَفِي أَوَائِل الرَّوْض لِلسُّهَيْلِيِّ \" أَنَّ إِبْرَاهِيم حَمَلَ هَاجَرَ عَلَى الْبُرَاق لَمَّا سَارَ إِلَى مَكَّة بِهَا وَبِوَلَدِهَا \" فَهَذِهِ آثَار يَشُدّ بَعْضهَا بَعْضًا. وَجَاءَتْ آثَار أُخْرَى تَشْهَد لِذَلِكَ لَمْ أَرَ الْإِطَالَة بِإِيرَادِهَا. وَمِنْ الْأَخْبَار الْوَاهِيَة فِي صِفَة الْبُرَاق مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ عَنْ مُقَاتِل وَأَوْرَدَهُ الْقُرْطُبِيّ فِي \" التَّذْكِرَة \" وَمِنْ قَبْله الثَّعْلَبِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الْمَوْت وَالْحَيَاة جِسْمَانِ فَالْمَوْت كَبْش لَا يَجِد رِيحه شَيْء إِلَّا مَاتَ , وَالْحَيَاة فَرَس بِلِقَاءِ أُنْثَى , وَهِيَ الَّتِي كَانَ جِبْرِيل وَالْأَنْبِيَاء يَرْكَبُونَهَا لَا تَمُرّ بِشَيْءٍ وَلَا يَجِد رِيحهَا شَيْء إِلَّا حَيِيَ. وَمِنْهَا أَنَّ الْبُرَاق لَمَّا عَاتَبَهُ جِبْرِيل قَالَ لَهُ مُعْتَذِرًا : إِنَّهُ مَسَّ الصَّفْرَاء الْيَوْم , وَإِنَّ الصَّفْرَاء صَنَم مِنْ ذَهَب كَانَ عِنْد الْكَعْبَة , وَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ فَقَالَ : تَبًّا لِمَنْ يَعْبُدك مِنْ دُون اللَّه , وَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى زَيْد بْن حَارِثَة أَنْ يَمَسّهُ بَعْد ذَلِكَ وَكَسَرَهُ يَوْم فَتْح مَكَّة. قَالَ اِبْن الْمُنِير : إِنَّمَا اِسْتَصْعَبَ الْبُرَاق تِيهًا وَزَهْوًا بِرُكُوبِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ , وَأَرَادَ جِبْرِيل اِسْتِنْطَاقه فَلِذَلِكَ خَجِلَ وَارْفَضَّ عَرَقًا مِنْ ذَلِكَ. وَقَرِيب مِنْ ذَلِكَ رَجْفَة الْجَبَل بِهِ حَتَّى قَالَ لَهُ : \" اُثْبُتْ فَإِنَّمَا عَلَيْك نَبِيّ وَصِدِّيق وَشَهِيد \" فَإِنَّهَا هَزَّة الطَّرِب لَا هَزَّة الْغَضَب. وَوَقَعَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة عِنْد أَحْمَد قَالَ : \" أُتِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبُرَاقِ فَلَمْ يُزَايِل ظَهْره هُوَ وَجِبْرِيل حَتَّى اِنْتَهَيَا إِلَى بَيْت الْمَقْدِسِ \" فَهَذَا لَمْ يُسْنِدهُ حُذَيْفَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيَحْتَمِل أَنَّهُ قَالَ عَنْ اِجْتِهَاد , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله هُوَ وَجِبْرِيل يَتَعَلَّق بِمُرَافَقَتِهِ فِي السَّيْر لَا فِي الرُّكُوب , قَالَ اِبْن دِحْيَة وَغَيْره : مَعْنَاهُ وَجِبْرِيل قَائِد أَوْ سَائِق أَوْ دَلِيل , قَالَ وَإِنَّمَا جَزَمْنَا بِذَلِكَ لِأَنَّ قِصَّة الْمِعْرَاج كَانَتْ كَرَامَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا مَدْخَل لِغَيْرِهِ فِيهَا. قُلْت : وَيَرُدّ التَّأْوِيل الْمَذْكُور أَنَّ فِي صَحِيح اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَنَّ جِبْرِيل حَمَلَهُ عَلَى الْبُرَاق رَدِيفًا لَهُ , وَفِي رِوَايَة الْحَارِث فِي مُسْنَده أُتِيَ بِالْبُرَاقِ فَرَكِبَ خَلْف جِبْرِيل فَسَارَ بِهِمَا , فَهَذَا صَرِيح فِي رُكُوبه مَعَهُ فَاَللَّه أَعْلَم. وَأَيْضًا فَإِنَّ ظَاهِره أَنَّ الْمِعْرَاج وَقَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ظَهْر الْبُرَاق إِلَى أَنْ صَعِدَ السَّمَاوَات كُلّهَا وَوَصَلَ إِلَى مَا وَصَلَ وَرَجَعَ وَهُوَ عَلَى حَاله , وَفِيهِ نَظَر لِمَا سَأَذْكُرُهُ , وَلَعَلَّ حُذَيْفَة إِنَّمَا أَشَارَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء الْمُجَرَّدَة الَّتِي لَمْ يَقَع فِيهَا مِعْرَاج عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْرِير وُقُوع الْإِسْرَاء مَرَّتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة بَدْء الْخَلْق \" فَانْطَلَقْت مَعَ جِبْرِيل \" وَلَا مُغَايَرَة بَيْنهمَا , بِخِلَافِ مَا نَحَا إِلَيْهِ بَعْضهمْ مِنْ أَنَّ رِوَايَة بَدْء الْخَلْق تُشْعِر بِأَنَّهُ مَا اِحْتَاجَ إِلَى جِبْرِيل فِي الْعُرُوج , بَلْ كَانَا مَعًا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَة , لَكِنْ مُعْظَم الرِّوَايَات جَاءَ بِاللَّفْظِ الْأَوَّل , وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ فِي أَوَّل الصَّلَاة \" ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي \" وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ جِبْرِيل فِي تِلْكَ الْحَالَة كَانَ دَلِيلًا لَهُ فِيمَا قَصَدَ لَهُ فَلِذَلِكَ جَاءَ سِيَاق الْكَلَام يَشْعُر بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَتَى السَّمَاء الدُّنْيَا ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ اِسْتَمَرَّ عَلَى الْبُرَاق حَتَّى عَرَجَ إِلَى السَّمَاء , وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَام اِبْن أَبِي جَمْرَة الْمَذْكُور قَرِيبًا , وَتَمَسّك بِهِ أَيْضًا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمِعْرَاج كَانَ فِي لَيْلَة غَيْر لَيْلَة الْإِسْرَاء إِلَى بَيْت الْمَقْدِسِ , فَأَمَّا الْعُرُوج فَفِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ الْأَخْبَار أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْبُرَاق بَلْ رَقِيَ الْمِعْرَاج , وَهُوَ السُّلَّم كَمَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد اِبْن إِسْحَاق وَالْبَيْهَقِيّ فِي \" الدَّلَائِل \" وَلَفْظه \" فَإِذَا أَنَا بِدَابَّةٍ كَالْبَغْلِ مُضْطَرِب الْأُذُنَيْنِ يُقَال لَهُ الْبُرَاق , وَكَانَتْ الْأَنْبِيَاء تَرْكَبهُ قَبْلِي , فَرَكِبْته \" فَذَكَرَ الْحَدِيث قَالَ : \" ثُمَّ دَخَلْت أَنَا وَجِبْرِيل بَيْت الْمَقْدِسِ فَصَلَّيْت , ثُمَّ أُتِيت بِالْمِعْرَاجِ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : لَمَّا فَرَغْت مِمَّا كَانَ فِي بَيْت الْمَقْدِسِ أُتِيَ بِالْمِعْرَاجِ فَلَمْ أَرَ قَطّ شَيْئًا كَانَ أَحْسَن مِنْهُ , وَهُوَ الَّذِي يَمُدّ إِلَيْهِ الْمَيِّت عَيْنَيْهِ إِذَا حُضِرَ , فَأَصْعَدنِي صَاحِبِي فِيهِ حَتَّى اِنْتَهَى بِي إِلَى بَاب مِنْ أَبْوَاب السَّمَاء \" الْحَدِيث. وَفِي رِوَايَة كَعْب \" فَوُضِعَتْ لَهُ مَرْقَاة مِنْ فِضَّة وَمَرْقَاة مِنْ ذَهَب حَتَّى عَرَجَ هُوَ وَجِبْرِيل \" وَفِي رِوَايَة لِأَبِي سَعِيد فِي شَرَف الْمُصْطَفَى أَنَّهُ \" أُتِيَ بِالْمِعْرَاجِ مِنْ جَنَّة الْفِرْدَوْس وَأَنَّهُ مُنَضَّد بِاللُّؤْلُؤِ وَعَنْ يَمِينه مَلَائِكَة وَعَنْ يَسَاره مَلَائِكَة \" وَأَمَّا الْمُحْتَجّ بِالتَّعَدُّدِ فَلَا حُجَّة لَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون التَّقْصِير فِي ذَلِكَ الْإِسْرَاء مِنْ الرَّاوِي , وَقَدْ حَفِظَهُ ثَابِت عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" أُتِيت بِالْبُرَاقِ - فَوَصَفَهُ قَالَ - فَرَكِبْته حَتَّى أَتَيْت بَيْت الْمَقْدِسِ فَرَبَطْته بِالْحَلْقَةِ الَّتِي تَرْبِط بِهَا الْأَنْبِيَاء , ثُمَّ دَخَلْت الْمَسْجِد فَصَلَّيْت فِيهِ رَكْعَتَيْنِ , ثُمَّ خَرَجْت فَجَاءَنِي جِبْرِيل بِإِنَاءَيْنِ - فَذَكَرَ الْقِصَّة قَالَ - ثُمَّ , عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاء \" وَحَدِيث أَبِي سَعِيد دَالّ عَلَى الِاتِّحَاد , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ هَذَا الْبَحْث فِي أَوَّل الصَّلَاة , وَقَوْله فِي رِوَايَة ثَابِت فَرَبَطْته بِالْحَلْقَةِ , أَنْكَرَهُ حُذَيْفَة , فَرَوَى أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة قَالَ : \" تُحَدِّثُونَ أَنَّهُ رَبَطَهُ , أَخَاف أَنْ يَفِرّ مِنْهُ وَقَدْ سَخَّرَهُ لَهُ عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة \" ؟ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الْمَيِّت مُقَدَّم عَلَى النَّافِي , يَعْنِي مَنْ أَثْبَتَ رَبْط الْبُرَاق وَالصَّلَاة فِي بَيْت الْمَقْدِسِ مَعَهُ زِيَادَة عِلْم عَلَى نَفْي ذَلِكَ , فَهُوَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة بُرَيْدَةَ عِنْد الْبَزَّار \" لَمَّا كَانَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ فَأَتَى جِبْرِيل الصَّخْرَة الَّتِي بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَوَضَعَ إِصْبَعه فِيهَا فَخَرَقَهَا فَشَدَّ بِهَا الْبُرَاق \" وَنَحْوه لِلتِّرْمِذِيِّ , وَأَنْكَرَ حُذَيْفَة أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي بَيْت الْمَقْدِسِ , وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى فِيهِ لَكُتِبَ عَلَيْكُمْ الصَّلَاة فِيهِ كَمَا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصَّلَاة فِي الْبَيْت الْعَتِيق , وَالْجَوَاب عَنْهُ مَنْع التَّلَازُم فِي الصَّلَاة إِنْ كَانَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : \" كُتِبَ عَلَيْكُمْ \" الْفَرْض وَإِنْ أَرَادَ التَّشْرِيع فَنَلْتَزِمهُ , وَقَدْ شَرَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاة فِي بَيْت الْمَقْدِسِ فَقَرَنَهُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَمَسْجِده فِي شَدِّ الرِّحَال , وَذَكَرَ فَضِيلَة الصَّلَاة فِيهِ فِي غَيْر مَا حَدِيث , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد الْبَيْهَقِيِّ \" حَتَّى أَتَيْت بَيْت الْمَقْدِسِ فَأَوْثَقْت دَابَّتِي بِالْحَلْقَةِ الَّتِي كَانَتْ الْأَنْبِيَاء تَرْبِط بِهَا - وَفِيهِ - فَدَخَلْت أَنَا وَجِبْرِيل بَيْت الْمَقْدِسِ فَصَلَّى كُلّ وَاحِد مِنَّا رَكْعَتَيْنِ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي عُبَيْدَة بْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ أَبِيهِ نَحْوه وَزَادَ \" ثُمَّ دَخَلْت الْمَسْجِد فَعَرَفْت النَّبِيِّينَ مِنْ بَيْن قَائِم وَرَاكِع وَسَاجِد , ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَأَمَمْتهمْ \" وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن أَبِي مَالِك عَنْ أَنَس عِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم \" فَلَمْ أَلْبَث إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى اِجْتَمَعَ نَاس كَثِير , ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّن فَأُقِيمَتْ الصَّلَاة فَقُمْنَا صُفُوفًا نَنْتَظِر مَنْ يَؤُمّنَا , فَأَخَذَ بِيَدِي جِبْرِيل فَقَدَّمَنِي فَصَلَّيْت بِهِمْ \" وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد مُسْلِم \" وَحَانَتْ الصَّلَاة فَأَمَمْتهمْ \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد أَحْمَد \" فَلَمَّا أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِد الْأَقْصَى قَامَ يُصَلِّي , فَإِذَا النَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ \" وَفِي حَدِيث عُمَر عِنْد أَحْمَد أَيْضًا أَنَّهُ \" لَمَّا دَخَلَ بَيْت الْمَقْدِسِ قَالَ : أُصَلِّي حَيْثُ صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَتَقَدَّمَ إِلَى الْقِبْلَة فَصَلَّى \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , قَالَ عِيَاض يَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَلَّى بِالْأَنْبِيَاءِ جَمِيعًا فِي بَيْت الْمَقْدِسِ , ثُمَّ صَعِدَ مِنْهُمْ إِلَى السَّمَاوَات مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون صَلَاته بِهِمْ بَعْد أَنْ هَبَطَ مِنْ السَّمَاء فَهَبَطُوا أَيْضًا. وَقَالَ غَيْره : رُؤْيَته إِيَّاهُمْ فِي السَّمَاء مَحْمُولَة عَلَى رُؤْيَة أَرْوَاحهمْ إِلَّا عِيسَى لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ رُفِعَ بِجَسَدِهِ , وَقَدْ قِيلَ فِي إِدْرِيس أَيْضًا ذَلِكَ , وَأَمَّا الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ فِي بَيْت الْمَقْدِسِ فَيَحْتَمِل الْأَرْوَاح خَاصَّة , وَيَحْتَمِل الْأَجْسَاد بِأَرْوَاحِهَا , وَالْأَظْهَر أَنَّ صَلَاته بِهِمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَ قَبْل الْعُرُوج , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( السَّمَاء الدُّنْيَا ) فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي ذِكْر الْأَنْبِيَاء عِنْد الْبَيْهَقِيِّ \" إِلَى بَاب مِنْ أَبْوَاب السَّمَاء يُقَال لَهُ بَاب الْحَفَظَة , وَعَلَيْهِ مَلَك يُقَال لَهُ إِسْمَاعِيل وَتَحْت يَده اِثْنَا عَشَر أَلْف مَلَك \". ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَفْتَحَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ فِي أَوَّل الصَّلَاة وَأَنَّ قَوْلهمْ \" أُرْسِل إِلَيْهِ \" أَيْ لِلْعُرُوجِ , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَصْل الْبَعْث لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَدْ اُشْتُهِرَ فِي الْمَلَكُوت الْأَعْلَى , وَقِيلَ : سَأَلُوا تَعَجُّبًا مِنْ نِعْمَة اللَّه عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَوْ اِسْتِبْشَارًا بِهِ , وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ بَشَرًا لَا يَتَرَقَّى هَذَا التَّرَقِّي إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى , وَأَنَّ جِبْرِيل لَا يَصْعَد بِمَنْ لَمْ يُرْسَل إِلَيْهِ. وَقَوْله : \" مَنْ مَعَك \" يُشْعِر بِأَنَّهُمْ أَحَسُّوا مَعَهُ بِرَفِيقٍ وَإِلَّا لَكَانَ السُّؤَال بِلَفْظِ \" أَمَعَك أَحَد \" وَذَلِكَ الْإِحْسَاس إِمَّا بِمُشَاهَدَةٍ لِكَوْنِ السَّمَاء شَفَّافَة , وَإِمَّا بِأَمْرٍ مَعْنَوِيّ كَزِيَادَةِ أَنْوَار أَوْ نَحْوهَا يُشْعِر بِتَجَدُّدِ أَمْر يَحْسُن مَعَهُ السُّؤَال بِهَذِهِ الصِّيغَة , وَفِي قَوْل \" مُحَمَّد \" دَلِيل عَلَى أَنَّ الِاسْم أَوْلَى فِي التَّعْرِيف مِنْ الْكُنْيَة , وَقِيلَ : الْحِكْمَة فِي سُؤَال الْمَلَائِكَة \" وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ \" ؟ أَنَّ اللَّه أَرَادَ إِطْلَاع نَبِيّه عَلَى أَنَّهُ مَعْرُوف عِنْد الْمَلَأ الْأَعْلَى لِأَنَّهُمْ قَالُوا : \" أَوَبُعِثَ إِلَيْهِ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ ذَلِكَ سَيَقَعُ لَهُ ; وَإِلَّا لَكَانُوا يَقُولُونَ : وَمَنْ مُحَمَّد ؟ مَثَلًا. ‏ ‏قَوْله : ( مَرْحَبًا بِهِ ) ‏ ‏أَيْ أَصَابَ رَحَبًا وَسَعَة , وَكُنِّيَ بِذَلِكَ عَنْ الِانْشِرَاح , وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ اِبْن الْمُنِير جَوَاز رَدّ السَّلَام بِغَيْرِ لَفْظ السَّلَام , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْل الْمَلَك \" مَرْحَبًا بِهِ \" لَيْسَ رَدَّا لِلسَّلَامِ فَإِنَّهُ كَانَ قَبْل أَنْ يَفْتَح الْبَاب وَالسِّيَاق يُرْشِد إِلَيْهِ , وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ اِبْن أَبِي جَمْرَة , وَوَقَعَ هُنَا أَنَّ جِبْرِيل قَالَ لَهُ عِنْد كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ \" سَلِّمْ عَلَيْهِ قَالَ : فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَام \" وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ رَآهُمْ قَبْل ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَنِعْمَ الْمَجِيء جَاءَ ) ‏ ‏قِيلَ : الْمَخْصُوص بِالْمَدْحِ مَحْذُوف , وَفِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير , وَالتَّقْدِير \" جَاءَ فَنِعْمَ الْمَجِيء مَجِيؤُهُ \" وَقَالَ اِبْن مَالِك : فِي هَذَا الْكَلَام شَاهِد عَلَى الِاسْتِغْنَاء بِالصِّلَةِ عَنْ الْمَوْصُول أَوْ الصِّفَة عَنْ الْمَوْصُوف فِي بَاب نِعْمَ , لِأَنَّهَا تَحْتَاج إِلَى فَاعِل هُوَ الْمَجِيء , وَإِلَى مَخْصُوص بِمَعْنَاهَا وَهُوَ مُبْتَدَأ مُخْبَر عَنْهُ بِنِعْمَ وَفَاعِلهَا , فَهُوَ فِي هَذَا الْكَلَام وَشَبَهه مَوْصُول أَوْ مَوْصُوف بِجَاءَ , وَالتَّقْدِير نِعْمَ الْمَجِيء الَّذِي جَاءَ , أَوْ نِعْمَ الْمَجِيء مَجِيء جَاءَهُ , وَكَوْنه مَوْصُولًا أَجْوَد لِأَنَّهُ مُخْبَر عَنْهُ , وَالْمُخْبَر عَنْهُ إِذَا كَانَ مَعْرِفَة أَوْلَى مِنْ كَوْنه نَكِرَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا فِيهَا آدَم , فَقَالَ : هَذَا أَبُوك آدَم ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة أَنَس عَنْ أَبِي ذَرّ أَوَّل الصَّلَاة ذِكْر النَّسَم الَّتِي عَنْ يَمِينه وَعَنْ شِمَاله , وَتَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ , وَذَكَرْت هُنَاكَ اِحْتِمَالًا أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالنَّسَمِ الْمَرْئِيَّة لِآدَم هِيَ الَّتِي لَمْ تَدْخُل الْأَجْسَاد بَعْد. ثُمَّ ظَهَرَ لِي الْآن اِحْتِمَال آخَر وَهُوَ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهَا مَنْ خَرَجَتْ مِنْ الْأَجْسَاد حِين خُرُوجهَا لِأَنَّهَا مُسْتَقِرَّة , وَلَا يَلْزَم مِنْ رُؤْيَة آدَم لَهَا وَهُوَ فِي السَّمَاء الدُّنْيَا أَنْ يُفْتَح لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء وَلَا تَلِجهَا , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد الْبَيْهَقِيِّ مَا يُؤَيِّدهُ وَلَفْظه \" فَإِذَا أَنَا بِآدَم تُعْرَض عَلَيْهِ أَرْوَاح ذُرِّيَّته الْمُؤْمِنِينَ فَيَقُول : رُوح طَيِّبَة وَنَفْس طَيِّبَة اِجْعَلُوهَا فِي عِلِّيِّينَ. ثُمَّ تُعْرَض عَلَيْهِ أَرْوَاح ذُرِّيَّته الْفُجَّار فَيَقُول : رُوح خَبِيثَة وَنَفْس خَبِيثَة , اِجْعَلُوهَا فِي سِجِّين \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الْبَزَّار \" فَإِذَا عَنْ يَمِينه بَاب يَخْرُج مِنْهُ رِيح طَيِّبَة وَعَنْ شِمَاله بَاب يَخْرُج مِنْهُ رِيح خَبِيثَة \" الْحَدِيث. فَظَهَرَ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ عَدَم اللُّزُوم الْمَذْكُور , وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا جَمَعَ بِهِ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" أَنَّ ذَلِكَ فِي حَالَة مَخْصُوصَة. ‏ ‏قَوْله : ( بِالِابْنِ الصَّالِح وَالنَّبِيّ الصَّالِح ) ‏ ‏قِيلَ : اِقْتَصَرَ الْأَنْبِيَاء عَلَى وَصْفه بِهَذِهِ الصِّفَة وَتَوَارَدُوا عَلَيْهَا لِأَنَّ الصَّلَاح صِفَة تَشْمَل خِلَال الْخَيْر , وَلِذَلِكَ كَرَّرَهَا كُلّ مِنْهُمْ عِنْد كُلّ صِفَة , وَالصَّالِح هُوَ الَّذِي يَقُوم بِمَا يَلْزَمهُ مِنْ حُقُوق اللَّه وَحُقُوق الْعِبَاد , فَمِنْ ثَمَّ كَانَتْ كَلِمَة جَامِعَة لِمَعَانِي الْخَيْر , وَفِي قَوْل آدَم \" بِالِابْنِ الصَّالِح \" إِشَارَة إِلَى اِفْتِخَاره بِأُبُوَّةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد بَيَان الْحِكْمَة فِي خُصُوص مَنَازِل الْأَنْبِيَاء مِنْ السَّمَاء. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاء الثَّانِيَة ) ‏ ‏وَفِيهِ \" فَإِذَا يَحْيَى وَعِيسَى وَهُمَا اِبْنَا خَالَة \" قَالَ النَّوَوِيّ قَالَ اِبْن السِّكِّيت : يُقَال اِبْنَا خَالَة وَلَا يُقَال اِبْنَا عَمَّة , وَيُقَال اِبْنَا عَمّ وَلَا يُقَال اِبْنَا خَالٍ. وَلَمْ يُبَيِّن سَبَب ذَلِكَ , وَالسَّبَب فِيهِ أَنَّ اِبْنَيْ الْخَالَة أُمُّ كُلّ مِنْهُمَا خَالَة الْآخَر لُزُومًا , بِخِلَافِ اِبْنَيْ الْعَمَّة , وَقَدْ تَوَافَقَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة مَعَ رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس عِنْد مُسْلِم أَنَّ فِي الْأُولَى آدَم وَفِي الثَّانِيَة يَحْيَى وَعِيسَى , وَفِي الثَّالِثَة يُوسُف , وَفِي الرَّابِعَة إِدْرِيس , وَفِي الْخَامِسَة هَارُون , وَفِي السَّادِسَة مُوسَى , وَفِي السَّابِعَة إِبْرَاهِيم وَخَالَفَ ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ فِي رِوَايَته عَنْ أَنَس عَنْ أَبِي ذَرّ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُت أَسْمَاءَهُمْ وَقَالَ فِيهِ : \" وَإِبْرَاهِيم فِي السَّمَاء السَّادِسَة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شَرِيك عَنْ أَنَس أَنَّ إِدْرِيس فِي الثَّالِثَة , وَهَارُون فِي الرَّابِعَة , وَآخَر فِي الْخَامِسَة , وَسِيَاقه يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَضْبِط مَنَازِلهمْ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزُّهْرِيُّ , وَرِوَايَة مَنْ ضَبَطَ أَوْلَى وَلَا سِيَّمَا مَعَ اِتِّفَاق قَتَادَةَ وَثَابِت وَقَدْ وَافَقَهُمَا يَزِيد بْن أَبِي مَالِك عَنْ أَنَس , إِلَّا أَنَّهُ خَالَفَ فِي إِدْرِيس وَهَارُون فَقَالَ هَارُون فِي الرَّابِعَة , وَإِدْرِيس فِي الْخَامِسَة : وَوَافَقَهُمْ أَبُو سَعِيد إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَة يُوسُف فِي الثَّانِيَة , وَعِيسَى وَيَحْيَى فِي الثَّالِثَة , وَالْأَوَّل أَثْبَت. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ رُؤْيَة الْأَنْبِيَاء فِي السَّمَاوَات مَعَ أَنَّ أَجْسَادهمْ مُسْتَقِرَّة فِي قُبُورهمْ بِالْأَرْضِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَرْوَاحهمْ تَشَكَّلَتْ بِصُوَرِ أَجْسَادهمْ أَوْ أُحْضِرَتْ أَجْسَادهمْ لِمُلَاقَاةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ اللَّيْلَة تَشْرِيفًا لَهُ وَتَكْرِيمًا , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن هَاشِم عَنْ أَنَس فَفِيهِ \" وَبُعِثَ لَهُ آدَم فَمَنْ دُونه مِنْ الْأَنْبِيَاء \" فَافْهَمْ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا خَلَصْت إِذَا يُوسُف ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس \" فَإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْر الْحُسْن \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد الْبَيْهَقِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَة عِنْد اِبْن عَائِذ وَالطَّبَرَانِيِّ \" فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ أَحْسَن مَا خَلَقَ اللَّه , قَدْ فَضَلَ النَّاس بِالْحُسْنِ كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر عَلَى سَائِر الْكَوَاكِب \" وَهَذَا ظَاهِره أَنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أَحْسَن مِنْ جَمِيع النَّاس , لَكِنْ رَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس مَا بَعَثَ اللَّه نَبِيًّا إِلَّا حَسَن الْوَجْه حَسَن الصَّوْت وَكَانَ نَبِيّكُمْ أَحْسَنهمْ وَجْهًا وَأَحْسَنهمْ صَوْتًا فَعَلَى هَذَا فَيُحْمَل حَدِيث الْمِعْرَاج عَلَى أَنَّ الْمُرَاد غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُتَكَلِّم لَا يَدْخُل فِي عُمُوم خِطَابه , وَأَمَّا حَدِيث الْبَاب فَقَدْ حَمَلَهُ اِبْن الْمُنِير عَلَى أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ يُوسُف أُعْطِيَ شَطْر الْحُسْن الَّذِي أُوتِيهِ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْحِكْمَة فِي اِخْتِصَاص كُلّ مِنْهُمْ بِالسَّمَاءِ الَّتِي اِلْتَقَاهُ بِهَا , فَقِيلَ لِيُظْهِر تَفَاضُلهمْ فِي الدَّرَجَات , وَقِيلَ : لِمُنَاسَبَةٍ تَتَعَلَّق بِالْحِكْمَةِ فِي الِاقْتِصَار عَلَى هَؤُلَاءِ دُون غَيْرهمْ مِنْ الْأَنْبِيَاء , فَقِيلَ أُمِرُوا بِمُلَاقَاتِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكَهُ فِي أَوَّل وَهْلَة وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَخَّرَ فَلَحِقَ وَمِنْهُمْ مَنْ فَاتَهُ , وَهَذَا زَيَّفَهُ السُّهَيْلِيّ فَأَصَابَ , وَقِيلَ : الْحِكْمَة فِي الِاقْتِصَار عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى مَا سَيَقَعُ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْمه مِنْ نَظِير مَا وَقَعَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ , فَأَمَّا آدَم فَوَقَعَ التَّنْبِيه بِمَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْخُرُوج مِنْ الْجَنَّة إِلَى الْأَرْض بِمَا سَيَقَعُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة , وَالْجَامِع بَيْنهمَا مَا حَصَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْمَشَقَّة وَكَرَاهَة فِرَاق مَا أَلِفَهُ مِنْ الْوَطَن , ثُمَّ كَانَ مَآل كُلّ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِع إِلَى مَوْطِنه الَّذِي أُخْرِجَ مِنْهُ , وَبِعِيسَى وَيَحْيَى عَلَى مَا و"
    },
    {
        "id": "3599",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ‏ { ‏وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى ‏ ‏بَيْتِ الْمَقْدِسِ ‏ ‏قَالَ ‏ { ‏وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ‏} ‏قَالَ هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( فِي قَوْله ) ‏ ‏أَيْ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاك إِلَّا فِتْنَة لِلنَّاسِ ) قَالَ : هِيَ رُؤْيَا أَعْيُن أُرِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْت الْمَقْدِسِ ) قُلْت : وَإِيرَاد هَذَا الْحَدِيث فِي بَاب الْمِعْرَاج مِمَّا يُؤَيِّد أَنَّ الْمُصَنِّف يَرَى اِتِّحَاد لَيْلَة الْإِسْرَاء وَالْمِعْرَاج , بِخِلَافِ مَا فُهِمَ عَنْهُ مِنْ إِفْرَاد التَّرْجَمَتَيْنِ , وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّ تَرْجَمَته فِي أَوَّل الصَّلَاة تَدُلّ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ : \" فُرِضَتْ الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْإِسْرَاء \" وَقَدْ تَمَسّك بِكَلَامِ اِبْن عَبَّاس هَذَا مَنْ قَالَ الْإِسْرَاء كَانَ فِي الْمَنَام وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ فِي الْيَقَظَة , فَالْأَوَّل أُخِذَ مِنْ لَفْظ الرُّؤْيَا قَالَ : لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظ مُخْتَصّ بِرُؤْيَا الْمَنَام , وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي فَمِنْ قَوْله أُرِيهَا لَيْلَة الْإِسْرَاء , وَالْإِسْرَاء إِنَّمَا كَانَ فِي الْيَقَظَة , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنَامًا مَا كَذَّبَهُ الْكُفَّار فِيهِ وَلَا فِيمَا هُوَ أَبْعَد مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْيَقَظَة وَكَانَ الْمِعْرَاج فِي تِلْكَ اللَّيْلَة تَعَيَّنَ أَنْ يَكُون فِي الْيَقَظَة أَيْضًا إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَد إِنَّهُ نَامَ لَمَّا وَصَلَ إِلَى بَيْت الْمَقْدِسِ ثُمَّ عُرِجَ بِهِ وَهُوَ نَائِم , وَإِذَا كَانَ فِي الْيَقَظَة فَإِضَافَة الرُّؤْيَا إِلَى الْعَيْن لِلِاحْتِرَازِ عَنْ رُؤْيَا الْقَلْب , وَقَدْ أَثْبَتَ اللَّه تَعَالَى رُؤْيَا الْقَلْب فِي الْقُرْآن فَقَالَ : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَاد مَا رَأَى ) وَرُؤْيَا الْعَيْن فَقَالَ : ( مَا زَاغَ الْبَصَر وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى ) وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَادٍ قَوِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" رَأَى مُحَمَّد رَبّه مَرَّتَيْنِ \" وَمِنْ وَجْه آخَر قَالَ : \" نَظَرَ مُحَمَّد إِلَى رَبّه \" جَعَلَ الْكَلَام لِمُوسَى وَالْخُلَّة لِإِبْرَاهِيم وَالنَّظَر لِمُحَمَّدِ , فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ مُرَاد اِبْن عَبَّاس هُنَا بِرُؤْيَةِ الْعَيْن الْمَذْكُورَة جَمِيع مَا ذَكَرَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة مِنْ الْأَشْيَاء الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرهَا , وَفِي ذَلِكَ رَدّ لِمَنْ قَالَ : الْمُرَاد بِالرُّؤْيَا فِي هَذِهِ الْآيَة رُؤْيَاهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِد الْحَرَام الْمُشَار إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ , لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِد الْحَرَام ) قَالَ الْقَائِل : وَالْمُرَاد ‏ ‏بِقَوْله : ( فِتْنَة لِلنَّاسِ ) ‏ ‏مَا وَقَعَ مِنْ صَدّ الْمُشْرِكِينَ لَهُ فِي الْحُدَيْبِيَة عَنْ دُخُول الْمَسْجِد الْحَرَام اِنْتَهَى. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ يُمْكِن أَنْ يَكُون مُرَاد الْآيَة لَكِنْ الِاعْتِمَاد فِي تَفْسِيرهَا عَلَى تُرْجَمَانِ الْقُرْآن أَوْلَى , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفَ السَّلَف هَلْ رَأَى رَبّه فِي مِلْك اللَّيْلَة أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ , وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا وَطَائِفَة , وَأَثْبَتَهَا اِبْن عَبَّاس وَطَائِفَة. وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث عَائِشَة حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف بِتَمَامِهِ فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم مِنْ كِتَاب التَّفْسِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَالشَّجَرَة الْمَلْعُونَة فِي الْقُرْآن , قَالَ : هِيَ شَجَرَة الزَّقُّوم ) ‏ ‏يُرِيد تَفْسِير الشَّجَرَة الْمَذْكُورَة فِي بَقِيَّة الْآيَةِ , وَقَدْ قِيلَ فِيهَا غَيْر ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه فِي التَّفْسِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3600",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَنْبَسَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏وَكَانَ قَائِدَ ‏ ‏كَعْبٍ ‏ ‏حِينَ عَمِيَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏بِطُولِهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏فِي حَدِيثِهِ وَلَقَدْ ‏ ‏شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةَ ‏ ‏الْعَقَبَةِ ‏ ‏حِينَ ‏ ‏تَوَاثَقْنَا ‏ ‏عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَإِنْ كَانَتْ ‏ ‏بَدْرٌ ‏ ‏أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث كَعْب بْن مَالِك فِي قِصَّة تَوْبَته , ذَكَرَ مِنْهُ طَرَفًا وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي مَكَانه وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : \" وَلَقَدْ شَهِدْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْعَقَبَة \". وَعَنْبَسَة هُوَ اِبْن خَالِد بْن يَزِيد الْأَيْلِيّ يَرْوِي عَنْ عَمّه يُونُس بْن يَزِيد , وَقَوْله : ‏ ‏\" قَالَ اِبْن بُكَيْر فِي حَدِيثه \" ‏ ‏يُرِيد أَنَّ اللَّفْظ الْمُسَاق لِعَقِيلٍ لَا لِيُونُسَ , وَقَوْله : \" تَوَاثَقْنَا \" بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْقَاف أَيْ وَقَعَ بَيْننَا الْمِيثَاق عَلَى مَا تَبَايَعْنَا عَلَيْهِ , وَقَوْله : \" وَمَا أُحِبّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَد بَدْر \" لِأَنَّ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا وَإِنْ كَانَ فَاضِلًا بِسَبَبِ أَنَّهَا أَوَّل غَزْوَة نُصِرَ فِيهَا الْإِسْلَام , لَكِنَّ بَيْعَة الْعَقَبَة كَانَتْ سَبَبًا فِي فُشُوِّ الْإِسْلَام , وَمِنْهَا نَشَأَ مَشْهَد بَدْر , وَقَوْله : \" أَذْكَر مِنْهَا \" هُوَ أَفْعَل تَفْضِيل بِمَعْنَى الْمَذْكُور , أَيْ أَكْثَر ذِكْرًا بِالْفَضْلِ وَشُهْرَة بَيْن النَّاس. قُلْت : وَكَانَ كَعْب مِنْ أَهْل الْعَقَبَة الثَّانِيَة , وَقَدْ عَمَدَ ثَالِثَة كَمَا أَشَرْت إِلَيْهِ قَبْل , وَلَعَلَّ الْمُصَنِّف لَمَّحَ بِمَا أَخْرَجَهُ اِبْن إِسْحَاق وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيقه بِطُولِهِ , قَالَ اِبْن إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي مَعْبَد بْن كَعْب بْن مَالِك أَنَّ أَخَاهُ عَبْد اللَّه - وَكَانَ مِنْ أَعْلَم الْأَنْصَار - حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبًا حَدَّثَهُ , وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَة وَبَايَعَ بِهَا قَالَ : خَرَجْنَا حُجَّاجًا مَعَ مُشْرِكِي قَوْمنَا وَقَدْ صَلَّيْنَا وَفَقِهْنَا , وَمَعَنَا الْبَرَاء بْن مَعْرُور سَيِّدنَا وَكَبِيرنَا - فَذَكَرَ شَأْن صَلَاته إِلَى الْكَعْبَة قَالَ - : فَلَمَّا وَصَلْنَا إِلَى مَكَّة وَلَمْ نَكُنْ رَأَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل ذَلِكَ , سَأَلْنَا عَنْهُ فَقِيلَ : هُوَ مَعَ الْعَبَّاس فِي الْمَسْجِد , فَدَخَلْنَا فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ , فَسَأَلَهُ الْبَرَاء عَنْ الْقِبْلَة , ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْحَجّ , وَوَاعَدْنَاهُ الْعَقَبَة وَمَعَنَا عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَالِد جَابِر وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ قَبْل فَعَرَّفْنَاهُ أَمْر الْإِسْلَام فَأَسْلَمَ حِينَئِذٍ وَصَارَ مِنْ النُّقَبَاء , قَالَ فَاجْتَمَعْنَا عِنْد الْعَقَبَة ثَلَاثَة وَسَبْعِينَ رَجُلًا , وَمَعَنَا اِمْرَأَتَانِ أُمّ عُمَارَة بِنْت كَعْب إِحْدَى نِسَاء بَنِي مَازِن وَأَسْمَاء بِنْت عَمْرو بْن عَدِيّ إِحْدَى نِسَاء بَنِي سَلَمَة , قَالَ فَجَاءَ وَمَعَهُ الْعَبَّاس فَتَكَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا مِنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ , وَقَدْ مَنَعْنَاهُ وَهُوَ فِي عِزّ , فَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ فَأَنْتُمْ وَذَاكَ , وَإِلَّا فَمِنْ الْآن. قَالَ فَقُلْنَا : تَكَلَّمْ يَا رَسُول اللَّه , فَخُذْ لِنَفْسِك مَا أَحْبَبْت. فَتَكَلَّمَ , فَدَعَا إِلَى اللَّه وَقَرَأَ الْقُرْآن وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَام ثُمَّ قَالَ : أُبَايِعكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ , قَالَ فَأَخَذَ الْبَرَاء بْن مَعْرُور بِيَدِهِ فَقَالَ : نَعَمْ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُسَالِم مَنْ سَالَمْتُمْ , وَأُحَارِب مَنْ حَارَبْتُمْ. ثُمَّ قَالَ : أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمْ اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا \" وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق النُّقَبَاء وَهُمْ أَسْعَد بْن زُرَارَة وَرَافِع بْن مَالِك وَالْبَرَاء بْن مَعْرُور وَعُبَادَةُ بْن الصَّامِت وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن حَرَام وَسَعْد بْن الرَّبِيع وَعَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة وَسَعْد بْن عُبَادَةَ وَالْمُنْذِر بْن عَمْرو بْن حُبَيْشٍ وَأُسَيْد بْن حُضَيْر وَسَعْد بْن خَيْثَمَةَ وَأَبُو الْهَيْثَم بْن التَّيْهَان , وَقِيلَ بَدَلُهُ : رِفَاعَة بْن عَبْد الْمُنْذِر \". وَفِي \" الْمُسْتَدْرَك \" عَنْ اِبْن عَبَّاس \" كَانَ الْبَرَاء بْن مَعْرُور أَوَّل مَنْ بَايَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْعَقَبَة. قَالَ اِبْن إِسْحَاق : \" حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن حَزْم أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنُّقَبَاءِ : أَنْتُمْ كُفَلَاء عَلَى قَوْمكُمْ كَكَفَالَةِ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى اِبْن مَرْيَم , قَالُوا : نَعَمْ \" وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ قُرَيْشًا بَلَغَهُمْ أَمْر الْبَيْعَة فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِمْ , فَحَلَفَ الْمُشْرِكُونَ مِنْهُمْ وَكَانُوا أَكْثَر مِنْهُمْ - قِيلَ : كَانُوا خَمْسمِائَةِ نَفْس - أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَع , وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مَا عَلِمُوا بِشَيْءٍ مِمَّا جَرَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3601",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏شَهِدَ بِي خَالَايَ ‏ ‏الْعَقَبَةَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏أَحَدُهُمَا ‏ ‏الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( شَهِدَ بِي خَالَايَ الْعَقَبَة ) ‏ ‏لَمْ يُسَمِّهِمَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة ; وَنُقِلَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد - وَهُوَ الْجُعْفِيُّ - أَنَّ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ : أَحَدهمَا : الْبَرَاء بْن مَعْرُور , كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ : قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه يَعْنِي الْمُصَنِّف , فَعَلَى هَذَا فَتَفْسِير الْمُبْهَم مِنْ كَلَامه , لَكِنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ كَلَام اِبْن عُيَيْنَةَ مِنْ وَجْه آخَر عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , فَتَرَجَّحَتْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالَ سُفْيَان : خَالَاهُ الْبَرَاء بْن مَعْرُور وَأَخُوهُ \" وَلَمْ يُسَمِّهِ , وَالْبَرَاء بِتَخْفِيفِ الرَّاء وَمَعْرُور بِمُهْمَلَاتِ يُقَال إِنَّهُ كَانَ أَوَّل مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْأَنْصَار , وَأَوَّل مَنْ بَايَعَ فِي الْعَقَبَة الثَّانِيَة كَمَا تَقَدَّمَ , وَمَاتَ قَبْل قُدُوم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة بِشَهْرٍ وَاحِد , وَهُوَ أَوَّل مَنْ صَلَّى إِلَى الْكَعْبَة فِي قِصَّة ذَكَرَهَا اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره , وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الدِّمْيَاطِيّ فَقَالَ : أُمّ جَابِر هِيَ أُنَيْسَة بِنْت غَنَمَة بْن عَدِيّ وَأَخَوَاهَا ثَعْلَبَة وَعَمْرو وَهُمَا خَالَا جَابِر , وَقَدْ شَهِدَا الْعَقَبَة الْأَخِيرَة. وَأَمَّا الْبَرَاء بْن مَعْرُور فَلَيْسَ مِنْ أَخْوَال جَابِر قُلْت : لَكِنْ مِنْ أَقَارِب أُمّه , وَأَقَارِب الْأُمّ يُسَمُّونَ أَخْوَالًا مَجَازًا , وَقَدْ رَوَى اِبْن عَسَاكِر بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ جَابِر قَالَ : \" حَمَلَنِي خَالِي الْحُرّ بْن قِيسَ فِي السَّبْعِينَ رَاكِبًا الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَنْصَار , فَخَرَجَ إِلَيْنَا مَعَهُ الْعَبَّاس عَمّه فَقَالَ : يَا عَمّ , خُذْ لِي عَلَى أَخْوَالك \" فَسَمَّى الْأَنْصَار أَخْوَال الْعَبَّاس لِكَوْنِ جَدَّته أُمّ أَبِيهِ عَبْد الْمُطَّلِب مِنْهُمْ , وَسَمَّى الْحُرّ بْن قَيْس خَاله لِكَوْنِهِ مِنْ أَقَارِب أُمّه وَهُوَ اِبْن عَمّ الْبَرَاء بْن مَعْرُور , فَلَعَلَّ قَوْل سُفْيَان \" وَأَخُوهُ \" عَنَى بِهِ الْحُرّ بْن قَيْس , وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ أَخًا وَهُوَ اِبْن عَمّ لِأَنَّهُمَا فِي مَنْزِلَة وَاحِدَة فِي النَّسَب , وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَوْهِيم مِثْل اِبْن عُيَيْنَةَ , لَكِنْ لَمْ يَذْكُر أَحَد مِنْ أَهْل السِّيَر الْحُرّ بْن قَيْس فِي أَصْحَاب الْعَقَبَة , فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ , فَعَلَى هَذَا فَالْخَال الْآخَر لِجَابِرٍ إِمَّا ثَعْلَبَة وَإِمَّا عَمْرو , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3602",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏أَنَا وَأَبِي وَخَالِي مِنْ أَصْحَابِ ‏ ‏الْعَقَبَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ , وَعَطَاء هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاح. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَا وَأَبِي ) ‏ ‏عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن حَرَام بِالْمُهْمَلَتَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ النُّقَبَاء. ‏ ‏قَوْله : ( وَخَالَايَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِمَا , وَقَرَأْت بِخَطِّ مُغَلْطَاي : يُرِيد عِيسَى بْن عَامِر بْن عَدِيّ بْن سِنَان وَخَالِد بْن عَمْرو بْن عَدِيّ بْن سِنَان لِأَنَّ أُمّ جَابِر أُنَيْسَة بِنْت غَنَمَة بْن عَدِيّ بْن سِنَان , يَعْنِي فَكُلّ مِنْهُمَا اِبْن عَمّهَا بِمَنْزِلَةِ أَخِيهَا , فَأَطْلَقَ عَلَيْهِمَا جَابِر أَنَّهُمَا خَالَاهُ مَجَازًا. قُلْت : إِنْ حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَة تَعَيَّنَ كَمَا قَالَهُ الدِّمْيَاطِيّ , وَإِلَّا فَتَغْلِيط اِبْن عُيَيْنَةَ مَعَ أَنَّ كَلَامه يُمْكِن حَمْله عَلَى الْمَجَاز بِأَمْرٍ فِيهِ مَجَاز لَيْسَ بِمُتَّجَهٍ , وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. وَوَقَعَ عِنْد اِبْن التِّين \" وَخَالَيَّ \" بِغَيْرِ أَلْف وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة وَقَالَ : لَعَلَّ الْوَاو وَاو الْمَعِيَّة أَيْ مَعَ خَالِي , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِالْإِفْرَادِ بِكَسْرِ اللَّام وَتَخْفِيف الْيَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "3603",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ‏ ‏مِنْ الَّذِينَ شَهِدُوا ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمِنْ أَصْحَابِهِ لَيْلَةَ ‏ ‏الْعَقَبَةِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ تَعَالَوْا ‏ ‏بَايِعُونِي ‏ ‏عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا ‏ ‏بِبُهْتَانٍ ‏ ‏تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ قَالَ ‏ ‏فَبَايَعْتُهُ ‏ ‏عَلَى ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت فِي قِصَّة الْبَيْعَة لَيْلَة الْعَقَبَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِل كِتَاب الْإِيمَان مَعَ مَبَاحِث نَفِيسَة تَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث \" فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ \" وَأَوْضَحْت هُنَاكَ أَنَّ بَيْعَة الْعَقَبَة إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى الْإِيوَاء وَالنَّصْر , وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكَفَّارَة فَتِلْكَ بَيْعَة أُخْرَى وَقَعَتْ بَعْد فَتْح مَكَّة , ثُمَّ رَأَيْت اِبْن إِسْحَاق جَزَمَ بِأَنَّ بَيْعَة الْعَقَبَة وَقَعَتْ بِمَا صَدَرَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب فَقَالَ : \" حَدَّثَنِي يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب \" فَذَكَرَ بِسَنَدِ الْبَاب \" عَنْ عُبَادَةَ قَالَ : كُنْت فِيمَنْ حَضَرَ الْعَقَبَة الْأُولَى , فَكُنَّا اِثْنَيْ عَشَر رَجُلًا , فَبَايَعْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَيْعَة النِّسَاء \" أَيْ عَلَى وَفْق بَيْعَة النِّسَاء الَّتِي نَزَلَتْ بَعْد ذَلِكَ عِنْد فَتْح مَكَّة , وَهَذَا مُحْتَمَل , لَكِنْ لَيْسَتْ الزِّيَادَة فِي طَرِيق اللَّيْث بْن سَعْد عَنْ يَزِيد فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوتهَا فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنَافِي مَا قَرَّرْته مِنْ أَنَّ قَوْله \" فَهُوَ كَفَّارَة \" إِنَّمَا وَرَدَ بَعْد ذَلِكَ , لِأَنَّهُ يُعَارِضهُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَا أَدْرِي الْحُدُود كَفَّارَة لِأَهْلِهَا أَمْ لَا \" مَعَ تَأَخُّر إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة عَنْ لَيْلَة الْعَقَبَة , كَمَا اِسْتَوْفَيْت مَبَاحِثه هُنَاكَ. وَمِمَّنْ ذَكَرَ صُورَة بَيْعَة الْعَقَبَة كَعْب بْن مَالِك كَمَا أَسْلَفْته آنِفًا عَنْهُ , وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن خُثَيْم عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه بْن رِفَاعَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : \" قَالَ عُبَادَةُ بْن الصَّامِت بَايَعْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة فِي النَّشَاط وَالْكَسَل \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَعَلَى أَنْ نَنْصُر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ عَلَيْنَا يَثْرِب بِمَا نَمْنَع بِهِ أَنْفُسنَا وَأَزْوَاجنَا وَأَبْنَاءَنَا وَلَنَا الْجَنَّة. فَهَذِهِ بَيْعَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي بَايَعْنَاهُ عَلَيْهَا \" وَعِنْد أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَابْن حِبَّان عَنْ جَابِر مِثْله وَأَوَّله \" مَكَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْر سِنِينَ يَتَّبِع النَّاس فِي مَنَازِلهمْ فِي الْمَوَاسِم بِمِنًى وَغَيْرهَا يَقُول : مَنْ يُؤْوِينِي , مَنْ يَنْصُرنِي حَتَّى أُبَلِّغ رِسَالَة رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّة ؟ حَتَّى بَعَثَنَا اللَّه لَهُ مِنْ يَثْرِب فَصَدَّقْنَاهُ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث حَتَّى قَالَ : \" فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا , فَوَعَدْنَاهُ بَيْعَة الْعَقَبَة , فَقُلْنَا : عَلَامَ نُبَايِعك ؟ فَقَالَ : عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة فِي النَّشَاط وَالْكَسَل , وَعَلَى النَّفَقَة فِي الْعُسْر وَالْيُسْر , وَعَلَى الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْت عَلَيْكُمْ يَثْرِب , فَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسكُمْ وَأَزْوَاجكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ , وَلَكُمْ الْجَنَّة \" الْحَدِيث. وَلِأَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ جَابِر قَالَ : \" كَانَ الْعَبَّاس آخِذًا بِيَدِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا فَرَغْنَا قَالَ رَسُول اللَّه : أَخَذْت وَأَعْطَيْت \" وَلِلْبَزَّارِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ جَابِر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنُّقَبَاءِ مِنْ الْأَنْصَار : تُؤْوُنِي , وَتَمْنَعُونِي ؟ قَالُوا : نَعَمْ. قَالُوا : فَمَا لَنَا ؟ قَالَ : \" الْجَنَّة \" وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ قَوِيّ عَنْ الشَّعْبِيّ , وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى الْأَنْصَارِيّ قَالَ : \" اِنْطَلَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ الْعَبَّاس عَمّه إِلَى السَّبْعِينَ مِنْ الْأَنْصَار عِنْد الْعَقَبَة فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ - يَعْنِي أَسْعَد بْن زُرَارَة - سَلْ يَا مُحَمَّد لِرَبِّك وَلِنَفْسِك مَا شِئْت , ثُمَّ أَخْبِرْنَا مَا لَنَا مِنْ الثَّوَاب. قَالَ : أَسْأَلكُمْ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَأَسْأَلكُمْ لِنَفْسِي وَلِأَصْحَابِي أَنْ تُؤْوُونَا وَتَنْصُرُونَا وَتَمْنَعُونَا مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسكُمْ , قَالُوا : فَمَا لَنَا ؟ قَالَ : الْجَنَّة. قَالُوا : ذَلِكَ لَك \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3604",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الصُّنَابِحِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏إِنِّي مِنْ ‏ ‏النُّقَبَاءِ ‏ ‏الَّذِينَ ‏ ‏بَايَعُوا ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا نَسْرِقَ وَلَا نَزْنِيَ وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَلَا نَنْتَهِبَ وَلَا نَعْصِيَ بِالْجَنَّةِ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَلَا نَقْضِي ) ‏ ‏بِالْقَافِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة لِلْأَكْثَرِ , وَفِي بَعْض النُّسَخ عَنْ شُيُوخ أَبِي ذَرّ \" وَلَا نَعْصِي \" بِالْعَيْنِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ , وَقَدْ بَيَّنْت الصَّوَاب مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَائِل كِتَاب الْإِيمَان. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مَعَ الِاثْنَيْ عَشَر رَجُلًا مُصْعَب بْن عُمَيْر الْعَبْدَرِيّ , وَقِيلَ : بَعَثَهُ إِلَيْهِمْ بَعْد ذَلِكَ بِطَلَبِهِمْ لِيُفَقِّههُمْ وَيُقْرِئهُمْ , فَنَزَلَ عَلَى أَسْعَد بْن زُرَارَة , فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب بْن مَالِك قَالَ : \" كَانَ أَبِي إِذَا سَمِعَ الْأَذَان لِلْجُمْعَةِ اِسْتَغْفَرَ لِأَسْعَد بْن زُرَارَة , فَسَأَلْته , فَقَالَ : كَانَ أَوَّل مَنْ جَمَّعَ بِنَا بِالْمَدِينَةِ \" ولِلدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى مُصْعَب بْن عُمَيْر أَنْ اِجْمَعْ بِهِمْ \" ا ه , فَأَسْلَمَ خَلْق كَثِير مِنْ الْأَنْصَار عَلَى يَد مُصْعَب بْن عُمَيْر بِمُعَاوَنَةِ أَسْعَد بْن زُرَارَة حَتَّى فَشَا الْإِسْلَام بِالْمَدِينَةِ , فَكَانَ ذَلِكَ سَبَب رِحْلَتهمْ فِي السَّنَة الْمُقْبِلَة , حَتَّى وَافَى مِنْهُمْ الْعَقَبَة سَبْعُونَ مُسْلِمًا وَزِيَادَة , فَبَايَعُوا كَمَا تَقَدَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3605",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ فَقَدِمْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَنَزَلْنَا فِي ‏ ‏بَنِي الْحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ ‏ ‏فَوُعِكْتُ فَتَمَرَّقَ شَعَرِي ‏ ‏فَوَفَى ‏ ‏جُمَيْمَةً فَأَتَتْنِي أُمِّي ‏ ‏أُمُّ رُومَانَ ‏ ‏وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا لَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي فَأَخَذَتْ بِيَدِي حَتَّى أَوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ وَإِنِّي ‏ ‏لَأُنْهِجُ ‏ ‏حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَرَأْسِي ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فِي الْبَيْتِ فَقُلْنَ عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ضُحًى فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي الْحَدِيث ‏ ‏\" تَزَوَّجَنِي وَأَنَا بِنْت سِتّ سِنِينَ \" ‏ ‏أَيْ عَقَدَ عَلَيَّ. وَقَوْلهَا : ‏ ‏\" فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الْحَارِث بْن الْخَزْرَج \" ‏ ‏أَيْ لَمَّا قَدِمَتْ هِيَ وَأُمّهَا وَأُخْتهَا أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر كَمَا سَأُبَيِّنُهُ , وَأَمَّا أَبُوهَا فَقَدِمَ قَبْل ذَلِكَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَمَزَّقَ شَعْرِي ) ‏ ‏بِالزَّايِ أَيْ تَقَطَّعَ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَتَمَرَّقَ \" بِالرَّاءِ أَيْ انْتُتِفَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَفَى ) ‏ ‏أَيْ كَثُرَ , وَفِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره \" ثُمَّ فَصَلْتُ مِنْ الْوَعْك فَتَرَبَّى شَعْرِي فَكَثُرَ , وَقَوْلهَا ‏ ‏\" جُمَيْمَة \" ‏ ‏بِالْجِيمِ مُصَغَّر الْجُمَّة بِالضَّمِّ وَهِيَ مُجْتَمَع شَعْر النَّاصِيَة , وَيُقَال لِلشَّعْرِ إِذَا سَقَطَ عَنْ الْمَنْكِبَيْنِ جُمَّة , وَإِذَا كَانَ إِلَى شَحْمَة الْأُذُنَيْنِ وَفْرَة. وَقَوْلهَا : ‏ ‏\" فِي أُرْجُوحَة \" ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله مَعْرُوفَة وَهِيَ الَّتِي تَلْعَب بِهَا الصِّبْيَان , وَقَوْله : ‏ ‏\" أَنْهَج \" ‏ ‏أَيْ أَتَنَفَّس تَنَفُّسًا عَالِيًا , وَقَوْلهنَّ ‏ ‏\" عَلَى خَيْر طَائِر \" ‏ ‏أَيْ عَلَى خَيْر حَظّ وَنَصِيب , وَقَوْلهَا : \" فَلَمْ يَرُعْنِي \" بِضَمِّ الرَّاء وَسُكُون الْعَيْن أَيْ لَمْ يُفْزِعنِي شَيْء إِلَّا دُخُوله عَلَيَّ , وَكَنَّتْ بِذَلِكَ عَنْ الْمُفَاجَأَة بِالدُّخُولِ عَلَى غَيْر عَالِم بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُفَزَّع غَالِبًا , وَرَوَى أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر هَذِهِ الْقِصَّة مُطَوَّلَة \" قَالَتْ عَائِشَة : قَدِمْنَا الْمَدِينَة فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الْحَارِث , فَجَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ بَيْتنَا , فَجَاءَتْ بِي أُمِّي وَأَنَا فِي أُرْجُوحَة وَلِي جُمَيْمَة , فَفَرَقَتْهَا , وَمَسَحَتْ وَجْهِي بِشَيْءٍ مِنْ مَاء , ثُمَّ أَقْبَلَتْ بِي تَقُودنِي حَتَّى وَقَفَتْ بِي عِنْد الْبَاب حَتَّى سَكَنَ نَفَسِي \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" فَإِذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِس عَلَى سَرِيره وَعِنْده رِجَال وَنِسَاء مِنْ الْأَنْصَار فَأَجْلَسَتْنِي فِي حِجْره , ثُمَّ قَالَتْ : هَؤُلَاءِ أَهْلك يَا رَسُول اللَّه , بَارَكَ اللَّه فِيهِمْ فَوَثَبَ الرِّجَال وَالنِّسَاء , وَبَنَى بِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتنَا وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْت تِسْع سِنِينَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3606",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلًّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَهَا ‏ ‏أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ أَرَى أَنَّكِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ وَيَقُولُ هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَاكْشِفْ عَنْهَا فَإِذَا هِيَ أَنْتِ فَأَقُولُ إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أُرِيتُك ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله. ‏ ‏قَوْله : ( سَرَقَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالرَّاء وَالْقَاف أَيْ قِطْعَة , أَيْ يُرِيه صُورَتهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَقُول ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَقَالَ \" وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ بِلَفْظِ \" فَقَالَ لِي هَذِهِ اِمْرَأَتك \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا هِيَ أَنْتِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى شَرْحه فِي كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3607",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تُوُفِّيَتْ ‏ ‏خَدِيجَةُ ‏ ‏قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏بِثَلَاثِ سِنِينَ فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ وَنَكَحَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ ثُمَّ ‏ ‏بَنَى ‏ ‏بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هَذَا صُورَته مُرْسَل , لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ رِوَايَة عُرْوَة مَعَ كَثْرَة خِبْرَته بِأَحْوَالِ عَائِشَة يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( تُوُفِّيَتْ خَدِيجَة قَبْل مَخْرَج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثِ سِنِينَ , فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ وَنَكَحَ عَائِشَة وَهِيَ بِنْت سِتّ سِنِينَ ثُمَّ بَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْت تِسْع سِنِينَ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْكَال ; لِأَنَّ ظَاهِره يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَبْنِ بِهَا إِلَّا بَعْد قُدُومه الْمَدِينَة بِسَنَتَيْنِ وَنَحْو ذَلِكَ , لِأَنَّ قَوْله : \" فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ نَحْو ذَلِكَ \" أَيْ بَعْد مَوْت خَدِيجَة , وَقَوْله : \" وَنَكَحَ عَائِشَة \" أَيْ عَقَدَ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ بَعْد ذَلِكَ \" وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْت تِسْع \" فَيُخْرَجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ بَنَى بِهَا بَعْد قُدُومه الْمَدِينَة بِسَنَتَيْنِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي النِّكَاح مِنْ رِوَايَة الثَّوْرِيّ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَمَكَثَتْ عِنْده تِسْعًا \" وَسَيَأْتِي مَا قِيلَ مِنْ إِدْرَاج النِّكَاح فِي هَذِهِ الطَّرِيق , وَهُوَ فِي الْجُمْلَة صَحِيح , فَإِنَّ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَزُفَّتْ إِلَيْهِ وَهِيَ بِنْت تِسْع وَلِعْبَتُهَا مَعَهَا , وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْت ثَمَان عَشْرَة \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة نَحْوه , وَمِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة \" تَزَوَّجَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَوَّال , وَبَنَى بِي فِي شَوَّال \" فَعَلَى هَذَا فَقَوْله : \" فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ \" أَيْ لَمْ يَدْخُل عَلَى أَحَد مِنْ النِّسَاء , ثُمَّ دَخَلَ عَلَى سَوْدَة بِنْت زَمْعَة قَبْل أَنْ يُهَاجِر , ثُمَّ بَنَى بِعَائِشَة بَعْد أَنْ هَاجَرَ , فَكَأَنَّ ذِكْر سَوْدَة سَقَطَ عَلَى بَعْض رُوَاته. وَقَدْ رَوَى أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" لَمَّا تُوُفِّيَتْ خَدِيجَة قَالَتْ خَوْلَة بِنْت حَكِيم اِمْرَأَة عُثْمَان بْن مَظْعُون : يَا رَسُول اللَّه أَلَا تَزَوَّجَ ؟ قَالَ : نَعَمْ , فَمَا عِنْدك ؟ قَالَتْ : بِكْر وَثَيِّب , الْبِكْر بِنْت أَحَبّ خَلْق اللَّه إِلَيْك عَائِشَة , وَالثَّيِّب سَوْدَة بِنْت زَمْعَة. قَالَ : فَاذْهَبِي فَاذْكُرِيهِمَا عَلَيَّ فَدَخَلَتْ عَلَى أَبِي بَكْر فَقَالَ : إِنَّمَا هِيَ بِنْت أَخِيهِ , قَالَ : قُولِي لَهُ أَنْتَ أَخِي فِي الْإِسْلَام , وَابْنَتك تَصْلُح لِي فَجَاءَهُ فَأَنْكَحَهُ. ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَى سَوْدَة فَقَالَتْ لَهَا : أَخْبِرِي أَبِي , فَذَكَرَتْ لَهُ , فَزَوَّجَهُ \" وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى سَوْدَة بِمَكَّة. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" لَمَّا هَاجَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر خَلَّفَنَا بِمَكَّة , فَلَمَّا اِسْتَقَرَّ بِالْمَدِينَةِ بَعَثَ زَيْد بْن حَارِثَة وَأَبَا رَافِع , وَبَعَثَ أَبُو بَكْر عَبْد اللَّه بْن أُرَيْقِط وَكَتَبَ إِلَى عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر أَنْ يَحْمِل مَعَهُ أُمّ رُومَان وَأُمّ أَبِي بَكْر وَأَنَا وَأُخْتِي أَسْمَاء , فَخَرَجَ بِنَا , وَخَرَجَ زَيْد وَأَبُو رَافِع بِفَاطِمَة وَأُمّ كُلْثُوم وَسَوْدَة بِنْت زِمْعَة , وَأَخَذَ زَيْد اِمْرَأَته أُمّ أَيْمَن وَوَلَدَيْهَا أَيْمَن وَأُسَامَة , وَاصْطَحَبَنَا , حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَة فَنَزَلْت فِي عِيَال أَبِي بَكْر , وَنَزَلَ آلُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عِنْده , وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يَبْنِي الْمَسْجِد وَبُيُوته , فَأَدْخَلَ سَوْدَة بِنْت زِمْعَة أَحَد تِلْكَ الْبُيُوت , وَكَانَ يَكُون عِنْدهَا , فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْر : مَا يَمْنَعك أَنْ تَبْنِي بِأَهْلِك ؟ فَبَنَى بِي \" الْحَدِيث. قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : الْفُقَهَاء يَقُولُونَ : تَزَوَّجَ عَائِشَة قَبْل سَوْدَة , وَالْمُحَدِّثُونَ يَقُولُونَ : تَزَوَّجَ سَوْدَة قَبْل عَائِشَة , وَقَدْ يُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى عَائِشَة وَلَمْ يَدْخُل بِهَا وَدَخَلَ بِسَوْدَةَ. قُلْت : وَالرِّوَايَة الَّتِي ذَكَرْتهَا عَنْ الطَّبَرَانِيِّ تَرْفَع الْإِشْكَال وَتُوَجِّه الْجَمْع الْمَذْكُور , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن يَحْيَى عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى الْوَلِيد : إِنَّك سَأَلْتنِي مَتَى تُوُفِّيَتْ خَدِيجَة ؟ وَإِنَّهَا تُوُفِّيَتْ قَبْل مَخْرَج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة بِثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ قَرِيب مِنْ ذَلِكَ , نَكَحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَة بَعْد مُتَوَفَّى خَدِيجَة , وَعَائِشَة بِنْت سِتّ سِنِينَ. ثُمَّ إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنَى بِهَا بَعْدَمَا قَدِمَ الْمَدِينَة وَهِيَ بِنْت تِسْع سِنِينَ \" وَهَذَا السِّيَاق لَا إِشْكَال فِيهِ , وَيَرْتَفِع بِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْإِشْكَال أَيْضًا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ بَنَى بِهَا فِي شَوَّال مِنْ السَّنَة الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَة قَوَّى قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ دَخَلَ بِهَا بَعْد الْهِجْرَة بِسَبْعَةِ أَشْهُر , وَقَدْ وَهَّاهُ النَّوَوِيّ فِي تَهْذِيبه , وَلَيْسَ بِوَاهٍ إِذَا عَدَدْنَاهُ مِنْ رَبِيع الْأَوَّل , وَجَزْمُهُ بِأَنَّ دُخُوله بِهَا كَانَ فِي السَّنَة الثَّانِيَة يُخَالِف مَا ثَبَتَ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا بَعْد خَدِيجَة بِثَلَاثِ سِنِينَ. وَقَالَ الدِّمْيَاطِيّ فِي السِّيرَة لَهُ : مَاتَتْ خَدِيجَة فِي رَمَضَان , وَعَقَدَ عَلَى سَوْدَة فِي شَوَّال ثُمَّ عَلَى عَائِشَة , وَدَخَلَ بِسَوْدَةَ قَبْل عَائِشَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3608",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏عُدْنَا ‏ ‏خَبَّابًا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ ‏ ‏مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏قُتِلَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَتَرَكَ نَمِرَةً فَكُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنْ ‏ ‏إِذْخِرٍ ‏ ‏وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ ‏ ‏يَهْدِبُهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث خَبَّاب ‏ ‏\" هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ‏ ‏أَيْ بِإِذْنِهِ , وَإِلَّا فَلَمْ يُرَافِق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَى أَبِي بَكْر وَعَامِر بْن فُهَيْرَة كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ أَعَادَ الْمُصَنِّف هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب , وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهِ بَعْد بِضْعَة عَشَر حَدِيثًا , وَسَيَأْتِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الرِّقَاق , وَمَضَى شَيْء مِنْهُ فِي كِتَاب الْجَنَائِز. ‏"
    },
    {
        "id": "3609",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُمَر \" الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ \" أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَّل الْكِتَاب , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ , وَهُوَ الَّذِي لَا يَثْبُت هَذَا الْحَدِيث إِلَّا مِنْ طَرِيقه. ‏"
    },
    {
        "id": "3610",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ الْمَكِّيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ يَقُولُ ‏ ‏لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن يَزِيد الدِّمَشْقِيّ ) ‏ ‏هُوَ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد الْفَرَادِيسِيّ الدِّمَشْقِيّ أَبُو النَّضْر , نَسَبَهُ هُنَا إِلَى جَدّه , وَكَذَلِكَ فِي الزَّكَاة وَفِي الْجِهَاد , وَجَزَمَ بِأَنَّهُ الْفَرَادِيسِيّ الْكَلَابَاذِيّ وَآخَرُونَ , وَتَفَرَّدَ الْبَاجِيّ فَأَفْرَدَهُ بِتَرْجَمَةٍ وَنَسَبَهُ خُرَاسَانِيًّا , وَلَمْ يُعْرَف مَنْ حَاله عَلَى ذَلِكَ , وَقَوْل الْجَمَاعَة أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْدَة بْن أَبِي لُبَابَة ) ‏ ‏بِضَمِّ اللَّام وَالْمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَة الْأَسَدِيّ كُوفِيّ نَزَلَ دِمَشْق وَكُنْيَته أَبُو الْقَاسِم , وَلَا يُعْرَف اِسْم أَبِيهِ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَمْ يَقْدَم عَلَيْنَا مِنْ الْعِرَاق أَفْضَل مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر كَانَ يَقُول لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح ) ‏ ‏هَذَا مَوْقُوف , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "3611",
        "content": "‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ‏ ‏قَالَ زُرْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏مَعَ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏فَسَأَلْنَاهَا عَنْ الْهِجْرَةِ فَقَالَتْ ‏ ‏لَا هِجْرَةَ الْيَوْمَ كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يَفِرُّ أَحَدُهُمْ بِدِينِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَخَافَةَ أَنْ يُفْتَنَ عَلَيْهِ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَالْيَوْمَ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَيْثُ شَاءَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يَحْيَى بْن حَمْزَة : وَحَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الَّذِي قَبْله , وَقَدْ أَفْرَدَهُمَا فِي أَوَاخِر غَزْوَة الْفَتْح , وَأَوْرَدَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَنْ إِسْحَاق بْن يَزِيد الْمَذْكُور بِإِسْنَادِهِ , وَأَخْرَجَ اِبْن حِبَّان الثَّانِي مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : \" سَأَلْته عَنْ اِنْقِطَاع فَضِيلَة الْهِجْرَة إِلَى اللَّه وَرَسُوله فَقَالَ \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَطَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان \" حَدَّثَنَا عَطَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( زُرْت عَائِشَة مَعَ عُبَيْد بْن عُمَيْر اللَّيْثِيّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب الطَّوَاف مِنْ الْحَجّ أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ مُجَاوِرَة فِي جَبَل ثَبِير. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَأَلَهَا عَنْ الْهِجْرَة ) ‏ ‏أَيْ الَّتِي كَانَتْ قَبْل الْفَتْح وَاجِبَة إِلَى الْمَدِينَة ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ : \" لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح \" وَأَصْل الْهِجْرَة هَجْر الْوَطَن , وَأَكْثَر مَا يُطْلَق عَلَى مَنْ رَحَلَ مِنْ الْبَادِيَة إِلَى الْقَرْيَة , وَوَقَعَ عِنْد الْأُمَوِيّ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَطَاء \" فَقَالَتْ إِنَّمَا كَانَتْ الْهِجْرَة قَبْل فَتْح مَكَّة وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا هِجْرَة الْيَوْم ) ‏ ‏أَيْ بَعْد الْفَتْح. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يَفِرّ أَحَدهمْ بِدِينِهِ إِلَخْ ) ‏ ‏أَشَارَتْ عَائِشَة إِلَى بَيَان مَشْرُوعِيَّة الْهِجْرَة وَأَنَّ سَبَبهَا خَوْف الْفِتْنَة , وَالْحُكْم يَدُور مَعَ عِلَّته , فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى عِبَادَة اللَّه فِي أَيّ مَوْضِع اِتَّفَقَ لَمْ تَجِب عَلَيْهِ الْهِجْرَة مِنْهُ وَإِلَّا وَجَبَتْ , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : إِذَا قَدَرَ عَلَى إِظْهَار الدِّين فِي بَلَد مِنْ بِلَاد الْكُفْر فَقَدْ صَارَتْ الْبَلَد بِهِ دَار إِسْلَام , فَالْإِقَامَة فِيهَا أَفْضَل مِنْ الرِّحْلَة مِنْهَا لِمَا يُتَرَجَّى مِنْ دُخُول غَيْره فِي الْإِسْلَام , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَائِل الْجِهَاد فِي \" بَاب وُجُوب النَّفِير \" فِي الْجَمْع بَيْن حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح \" وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن السَّعْدِيّ \" لَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة \" وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانَتْ الْهِجْرَة أَيْ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام مَطْلُوبَة , ثُمَّ اُفْتُرِضَتْ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَة إِلَى حَضْرَته لِلْقِتَالِ مَعَهُ وَتَعَلُّم شَرَائِع الدِّين , وَقَدْ أَكَّدَ اللَّه ذَلِكَ فِي عِدَّة آيَات حَتَّى قَطَعَ الْمُوَالَاة بَيْن مَنْ هَاجَرَ وَمَنْ لَمْ يُهَاجِر فَقَالَ تَعَالَى : ( وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وِلَايَتهمْ مِنْ شَيْء حَتَّى يُهَاجِرُوا ) فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّة وَدَخَلَ النَّاس فِي الْإِسْلَام مِنْ جَمِيع الْقَبَائِل سَقَطَتْ الْهِجْرَة الْوَاجِبَة وَبَقِيَ الِاسْتِحْبَاب. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي \" شَرْح السُّنَّة \" : يَحْتَمِل الْجَمْع بَيْنهمَا بِطَرِيقٍ أُخْرَى. بِقَوْلِهِ : \" لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح \" أَيْ مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة , وَقَوْله : \" لَا تَنْقَطِع \" أَيْ مِنْ دَار الْكُفْر فِي حَقّ مَنْ أَسْلَمَ إِلَى دَار الْإِسْلَام , قَالَ : وَيَحْتَمِل وَجْهًا آخَر وَهُوَ أَنَّ قَوْله لَا هِجْرَة أَيْ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ كَانَ بِنِيَّةِ عَدَم الرُّجُوع إِلَى الْوَطَن الْمُهَاجَر مِنْهُ إِلَّا بِإِذْنٍ , وَقَوْله : \" لَا تَنْقَطِع \" أَيْ هِجْرَة مَنْ هَاجَرَ عَلَى غَيْر هَذَا الْوَصْف مِنْ الْأَعْرَاب وَنَحْوهمْ. قُلْت : الَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِالشِّقِّ الْأَوَّل وَهُوَ الْمَنْفِيّ مَا ذَكَرَهُ فِي الِاحْتِمَال الْأَخِير , وَبِالشِّقِّ الْآخَر الْمُثْبَت مَا ذَكَرَهُ فِي الِاحْتِمَال الَّذِي قَبْله , وَقَدْ أَفْصَح اِبْن عُمَر بِالْمُرَادِ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ \" اِنْقَطَعَتْ الْهِجْرَة بَعْد الْفَتْح إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة مَا قُوتِلَ الْكُفَّار \" أَيْ مَا دَامَ فِي الدُّنْيَا دَار كُفْر , فَالْهِجْرَة وَاجِبَة مِنْهَا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَخَشِيَ أَنْ يُفْتَن عَنْ دِينه , وَمَفْهُومه أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ أَنْ يَبْقَى فِي الدُّنْيَا دَار كُفْر أَنَّ الْهِجْرَة تَنْقَطِع لِانْقِطَاعِ مُوجِبهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَطْلَقَ اِبْن التِّين أَنَّ الْهِجْرَة مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة كَانَتْ وَاجِبَة وَأَنَّ مَنْ أَقَامَ بِمَكَّة بَعْد هِجْرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة بِغَيْرِ عُذْر كَانَ كَافِرًا , وَهُوَ إِطْلَاق مَرْدُود , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3612",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ فِيكَ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَخْرَجُوهُ اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَخْبَرَتْنِي ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا نَبِيَّكَ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ سَعْدًا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاذ , وَسَيَأْتِي شَرْح هَذَا فِي غَزْوَة بَنِي قُرَيْظَة , وَأَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا لِمَا يَتَعَلَّق بِقُرَيْشٍ الَّذِينَ أَحْوَجُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْخُرُوج عَنْ وَطَنه. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبَان بْن يَزِيد هُوَ الْعَطَّار إِلَخْ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ أَبَان وَافَقَ اِبْن نُمَيْر فِي رِوَايَته عَنْ هِشَام لِهَذَا الْحَدِيث وَأَفْصَحَ بِتَعْيِينِ الْقَوْم الَّذِينَ أُبْهِمُوا وَأَنَّهُمْ قُرَيْش , وَزَعَمَ الدَّاوُدِيّ أَنَّ الْمُرَاد بِالْقَوْمِ قُرَيْظَة , ثُمَّ قَالَ فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة : هَذَا لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ , وَهُوَ إِقْدَامٌ مِنْهُ عَلَى رَدّ الرِّوَايَات الثَّابِتَة بِالظَّنِّ الْخَائِب , وَذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر أَيْضًا مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْقَوْمِ قُرَيْش , وَإِنَّمَا تَفَرَّدَ أَبَان بِذِكْرِ قُرَيْش فِي الْمَوْضِع الْأَوَّل , وَإِلَّا فَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي فِي بَقِيَّة هَذَا الْحَدِيث مِنْ كَلَام سَعْد وَقَالَ : \" اللَّهُمَّ فَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ حَرْب قُرَيْش شَيْء فَأَبْقِنِي لَهُ \" الْحَدِيث , وَأَيْضًا فَفِي الْمَوْضِع الَّذِي اِقْتَصَرَ الدَّاوُدِيّ , عَلَى النَّظَر فِيهِ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد قُرَيْش , لِأَنَّ فِيهِ \" مِنْ قَوْم كَذَبُوا رَسُولك وَأَخْرَجُوهُ \" فَإِنَّ هَذِهِ الْقِصَّة مُخْتَصَّة بِقُرَيْشٍ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ أَخْرَجُوهُ , وَأَمَّا قُرَيْظَة فَلَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3613",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَرْبَعِينَ سَنَةً فَمَكُثَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ فَهَاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَسَّان. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَكَثَ بِمَكَّة ثَلَاث عَشْرَة ) ‏ ‏هَذَا أَصَحّ مِمَّا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ هِشَام بْن حَسَّان بِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ : \" أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ اِبْن ثَلَاث وَأَرْبَعِينَ , فَمَكَثَ بِمَكَّة عَشْرًا \" وَأَصَحّ مِمَّا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ إِقَامَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة كَانَتْ خَمْس عَشْرَة سَنَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي كِتَاب الْمَبْعَث , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْوَفَاة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله هُنَا : ‏ ‏( فَهَاجَرَ عَشْر سِنِينَ ) ‏ ‏أَيْ أَقَامَ مُهَاجِرًا عَشْر سِنِينَ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَأَمَاتَهُ اللَّه مِائَة عَام ). ‏"
    },
    {
        "id": "3614",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3615",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدٍ يَعْنِي ابْنَ حُنَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ فَبَكَى ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَقَالَ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا فَعَجِبْنَا لَهُ وَقَالَ النَّاسُ انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ وَهُوَ يَقُولُ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ الْمُخَيَّرَ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏إِلَّا ‏ ‏خُلَّةَ ‏ ‏الْإِسْلَامِ لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ ‏ ‏خَوْخَةٌ ‏ ‏إِلَّا ‏ ‏خَوْخَةُ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" مَنَاقِب أَبِي بَكْر \" مُسْتَوْفًى , وَقَوْله فِيهِ : ‏ ‏( فَقَالَ النَّاس اُنْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخ ) ‏ ‏فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد الْبَلَاذُرِيّ فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة \" فَقَالَ لَهُ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيُّ : يَا أَبَا بَكْر مَا يُبْكِيك \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "3616",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مُهَاجِرًا نَحْوَ أَرْضِ ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏حَتَّى إِذَا بَلَغَ ‏ ‏بَرْكَ الْغِمَادِ ‏ ‏لَقِيَهُ ‏ ‏ابْنُ الدَّغِنَةِ ‏ ‏وَهُوَ سَيِّدُ ‏ ‏الْقَارَةِ ‏ ‏فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَخْرَجَنِي قَوْمِي فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الْأَرْضِ وَأَعْبُدَ رَبِّي قَالَ ‏ ‏ابْنُ الدَّغِنَةِ ‏ ‏فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ إِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ ‏ ‏الْكَلَّ ‏ ‏وَتَقْرِي ‏ ‏الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى ‏ ‏نَوَائِبِ ‏ ‏الْحَقِّ فَأَنَا لَكَ جَارٌ ارْجِعْ وَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ فَرَجَعَ وَارْتَحَلَ مَعَهُ ‏ ‏ابْنُ الدَّغِنَةِ ‏ ‏فَطَافَ ‏ ‏ابْنُ الدَّغِنَةِ ‏ ‏عَشِيَّةً فِي أَشْرَافِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَيَصِلُ الرَّحِمَ وَيَحْمِلُ ‏ ‏الْكَلَّ ‏ ‏وَيَقْرِي ‏ ‏الضَّيْفَ وَيُعِينُ عَلَى ‏ ‏نَوَائِبِ ‏ ‏الْحَقِّ فَلَمْ تُكَذِّبْ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏بِجِوَارِ ‏ ‏ابْنِ الدَّغِنَةِ ‏ ‏وَقَالُوا ‏ ‏لِابْنِ الدَّغِنَةِ ‏ ‏مُرْ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَلْيُصَلِّ فِيهَا وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا فَقَالَ ذَلِكَ ‏ ‏ابْنُ الدَّغِنَةِ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَلَبِثَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏بِذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِصَلَاتِهِ وَلَا يَقْرَأُ فِي غَيْرِ دَارِهِ ثُمَّ بَدَا ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ وَكَانَ ‏ ‏يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَنْقَذِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ وَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَأَرْسَلُوا إِلَى ‏ ‏ابْنِ الدَّغِنَةِ ‏ ‏فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏بِجِوَارِكَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ فَأَعْلَنَ بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ فِيهِ وَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا فَانْهَهُ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ وَلَسْنَا مُقِرِّينَ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏الِاسْتِعْلَانَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَأَتَى ‏ ‏ابْنُ الدَّغِنَةِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيَّ ‏ ‏ذِمَّتِي ‏ ‏فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ ‏ ‏الْعَرَبُ ‏ ‏أَنِّي ‏ ‏أُخْفِرْتُ ‏ ‏فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِلْمُسْلِمِينَ ‏ ‏إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ ‏ ‏لَابَتَيْنِ ‏ ‏وَهُمَا ‏ ‏الْحَرَّتَانِ ‏ ‏فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَتَجَهَّزَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى رِسْلِكَ ‏ ‏فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ قَالَ نَعَمْ فَحَبَسَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيَصْحَبَهُ وَعَلَفَ ‏ ‏رَاحِلَتَيْنِ ‏ ‏كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ ‏ ‏وَهُوَ الْخَبَطُ ‏ ‏أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فِي ‏ ‏نَحْرِ الظَّهِيرَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَائِلٌ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُتَقَنِّعًا ‏ ‏فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ قَالَتْ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَعَمْ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى ‏ ‏رَاحِلَتَيَّ ‏ ‏هَاتَيْنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالثَّمَنِ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ فَقَطَعَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ قَالَتْ ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏بِغَارٍ فِي ‏ ‏جَبَلِ ثَوْرٍ ‏ ‏فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ ‏ ‏فَيُدْلِجُ ‏ ‏مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ فَيُصْبِحُ مَعَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏كَبَائِتٍ فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا ‏ ‏يُكْتَادَانِ ‏ ‏بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا ‏ ‏عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏مِنْحَةً ‏ ‏مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا ‏ ‏عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ‏ ‏بِغَلَسٍ ‏ ‏يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي ‏ ‏الثَّلَاثِ وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي الدِّيلِ ‏ ‏وَهُوَ مِنْ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ ‏ ‏هَادِيَا خِرِّيتًا ‏ ‏وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ ‏ ‏قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ ‏ ‏الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ ‏ ‏وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ ‏ ‏غَارَ ثَوْرٍ ‏ ‏بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا ‏ ‏عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ‏ ‏وَالدَّلِيلُ فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيُّ ‏ ‏وَهُوَ ابْنُ أَخِي ‏ ‏سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ ‏ ‏يَقُولُ جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي ‏ ‏بَنِي مُدْلِجٍ ‏ ‏أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ فَقَالَ يَا ‏ ‏سُرَاقَةُ ‏ ‏إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ أُرَاهَا ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏وَأَصْحَابَهُ قَالَ ‏ ‏سُرَاقَةُ ‏ ‏فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا ثُمَّ لَبِثْتُ فِي الْمَجْلِسِ سَاعَةً ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ فَأَمَرْتُ ‏ ‏جَارِيَتِي ‏ ‏أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ وَأَخَذْتُ رُمْحِي فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ فَحَطَطْتُ ‏ ‏بِزُجِّهِ ‏ ‏الْأَرْضَ وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي حَتَّى ‏ ‏دَنَوْتُ ‏ ‏مِنْهُمْ ‏ ‏فَعَثَرَتْ ‏ ‏بِي فَرَسِي ‏ ‏فَخَرَرْتُ ‏ ‏عَنْهَا فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَى كِنَانَتِي فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا ‏ ‏الْأَزْلَامَ ‏ ‏فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَعَصَيْتُ ‏ ‏الْأَزْلَامَ ‏ ‏تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يُكْثِرُ ‏ ‏الِالْتِفَاتَ ‏ ‏سَاخَتْ ‏ ‏يَدَا فَرَسِي فِي الْأَرْضِ حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ ‏ ‏فَخَرَرْتُ ‏ ‏عَنْهَا ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً إِذَا لِأَثَرِ يَدَيْهَا ‏ ‏عُثَانٌ ‏ ‏سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ ‏ ‏فَاسْتَقْسَمْتُ ‏ ‏بِالْأَزْلَامِ ‏ ‏فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ فَنَادَيْتُهُمْ بِالْأَمَانِ فَوَقَفُوا فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنْ الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ ‏ ‏الدِّيَةَ ‏ ‏وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ فَلَمْ ‏ ‏يَرْزَآنِي وَلَمْ يَسْأَلَانِي إِلَّا أَنْ قَالَ أَخْفِ عَنَّا فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ فَأَمَرَ ‏ ‏عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ ‏ ‏فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ ‏ ‏أَدِيمٍ ‏ ‏ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَقِيَ ‏ ‏الزُّبَيْرَ ‏ ‏فِي رَكْبٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا تِجَارًا قَافِلِينَ مِنْ ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏فَكَسَا ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبَا بَكْرٍ ‏ ‏ثِيَابَ بَيَاضٍ وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏مَخْرَجَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَكَانُوا ‏ ‏يَغْدُونَ ‏ ‏كُلَّ ‏ ‏غَدَاةٍ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏يَهُودَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏أُطُمٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏آطَامِهِمْ ‏ ‏لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمْ السَّرَابُ فَلَمْ يَمْلِكْ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا مَعَاشِرَ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏هَذَا جَدُّكُمْ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلَاحِ فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِظَهْرِ ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي ‏ ‏بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏وَذَلِكَ يَوْمَ ‏ ‏الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَقَامَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏لِلنَّاسِ وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَامِتًا ‏ ‏فَطَفِقَ ‏ ‏مَنْ جَاءَ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحَيِّي ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏حَتَّى أَصَابَتْ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَقْبَلَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَ ذَلِكَ فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَأُسِّسَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ رَكِبَ ‏ ‏رَاحِلَتَهُ ‏ ‏فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ ‏ ‏مَسْجِدِ الرَّسُولِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ ‏ ‏مِرْبَدًا ‏ ‏لِلتَّمْرِ ‏ ‏لِسُهَيْلٍ ‏ ‏وَسَهْلٍ ‏ ‏غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ ‏ ‏أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْمَنْزِلُ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْغُلَامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا ‏ ‏بِالْمِرْبَدِ ‏ ‏لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا فَقَالَا لَا بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْقُلُ مَعَهُمْ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ ‏ ‏هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالَ ‏ ‏خَيْبَرْ ‏ ‏هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا ‏ ‏وَأَطْهَرْ ‏ ‏وَيَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنَّ الْأَجْرَ أَجْرُ ‏ ‏الْآخِرَهْ ‏ ‏فَارْحَمْ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرَهْ ‏ ‏فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ تَامٍّ غَيْرَ هَذَا الْبَيْتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَمْ أَعْقِل أَبَوَيَّ ) ‏ ‏يَعْنِي أَبَا بَكْر وَأُمّ رُومَان. ‏ ‏قَوْله : ( يَدِينَانِ الدِّينَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْع الْخَافِض أَيْ يَدِينَانِ بِدِينِ الْإِسْلَام , أَوْ هُوَ مَفْعُول بِهِ عَلَى التَّجَوُّز. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا اُبْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ ) ‏ ‏أَيْ بِأَذَى الْمُشْرِكِينَ لَمَّا حَصَرُوا بَنِي هَاشِم وَالْمُطَّلِب فِي شِعْب أَبِي طَالِب وَأَذِنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ فِي الْهِجْرَة إِلَى الْحَبَشَة كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه. ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجَ أَبُو بَكْر مُهَاجِرًا نَحْو أَرْض الْحَبَشَة ) ‏ ‏أَيْ لِيَلْحَق بِمَنْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّ الَّذِينَ هَاجَرُوا إِلَى الْحَبَشَة أَوَّلًا سَارُوا إِلَى جِدَّة وَهِيَ سَاحِل مَكَّة لِيَرْكَبُوا مِنْهَا الْبَحْر إِلَى الْحَبَشَة. ‏ ‏قَوْله : ( بَرْك الْغِمَاد ) ‏ ‏أَمَّا بَرْك فَهُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا كَاف وَحُكِيَ كَسْر أَوَّله , وَأَمَّا الْغِمَاد فَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَقَدْ تُضَمّ وَبِتَخْفِيفِ الْمِيم , وَحَكَى اِبْن فَارِس فِيهَا ضَمَّ الْغَيْن , مَوْضِع عَلَى خَمْس لَيَالٍ مِنْ مَكَّة إِلَى جِهَة الْيَمَن , وَقَالَ الْبَكْرِيّ : هِيَ أَقَاصِي هَجَرَ , وَحَكَى الْهَمْدَانِيُّ فِي أَنْسَاب الْيَمَن : هُوَ فِي أَقْصَى الْيُمْنَى , وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَقَالَ اِبْن خَالَوَيْهِ حَضَرْت مَجْلِس الْمَحَامِلِيّ وَفِيهِ زُهَاء أَلْف , فَأَمْلَى عَلَيْهِمْ حَدِيثًا فِيهِ : \" فَقَالَتْ الْأَنْصَار لَوْ دَعَوْتنَا إِلَى بَرْك الْغِمَاد \" قَالَهَا بِالْكَسْرِ , فَقُلْت لِلْمُسْتَمْلِي : هُوَ بِالضَّمِّ , فَذَكَرَ لَهُ ذَاكَ , فَقَالَ لِي : وَمَا هُوَ ؟ قُلْت : سَأَلْت اِبْن دُرَيْدٍ عَنْهُ فَقَالَ : هُوَ بُقْعَة فِي جَهَنَّم. فَقَالَ الْمَحَامِلِيّ : وَكَذَا فِي كِتَابِي عَلَى الْغَيْن ضَمَّة. قَالَ اِبْن خَالَوَيْهِ وَأَنْشَدَ اِبْن دُرَيْدٍ : ‏ ‏وَإِذَا تَنَكَّرَتْ الْبِلَاد ‏ ‏فَأَوَّلهَا كَنَف الْبِعَاد ‏ ‏وَاجْعَلْ مَقَامك أَوْ مَقَرّ ‏ ‏ك جَانِبَيْ بَرْك الْغِمَاد ‏ ‏لَسْت اِبْن أُمّ الْقَاطِن ‏ ‏ينَ وَلَا اِبْن عَمّ لِلْبِلَادِ ‏ ‏قَالَ اِبْن خَالَوَيْهِ : وَسَأَلْت أَبَا عُمَر - يَعْنِي غُلَام ثَعْلَب - فَقَالَ : هُوَ بِالْكَسْرِ وَالضَّمّ مَوْضِع بِالْيَمَنِ , قَالَ وَمَوْضِع بِالْيَمَنِ أَوَّله بِالْكَسْرِ لَكِنْ آخِره رَاء مُهْمَلَة , وَهُوَ عِنْد بِئْر بَرَهُوتَ الَّذِي يُقَال إِنَّ أَرْوَاح الْكُفَّار تَكُون فِيهَا ا ه وَاسْتَبْعَدَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مَا ذَكَرَهُ اِبْن دُرَيْدٍ فَقَالَ : الْقَوْل بِأَنَّهُ مَوْضِع بِالْيَمَنِ أَنْسَب , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدْعُوهُمْ إِلَى جَهَنَّم. وَخَفِيَ عَلَيْهِمْ أَنَّ هَذَا بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَة فَلَا يُرَاد بِهِ الْحَقِيقَة , ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنْ لَا تَنَافِي بَيْن الْقَوْلَيْنِ , فَيُحْمَل قَوْله : جَهَنَّم عَلَى مَجَاز الْمُجَاوَرَة بِنَاء عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ بَرَهُوتَ مَأْوَى أَرْوَاح الْكُفَّار وَهُمْ أَهْل النَّار. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن الدَّغِنَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَالْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد النُّون عِنْد أَهْل اللُّغَة , وَعِنْد الرُّوَاة بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه وَتَخْفِيف النُّون , قَالَ الْأَصِيلِيّ وَقَرَأَهُ لَنَا الْمَرْوَزِيُّ بِفَتْحِ الْغَيْن , وَقِيلَ : إِنْ ذَلِكَ كَانَ لِاسْتِرْخَاءٍ فِي لِسَانه وَالصَّوَاب الْكَسْر , وَثَبَتَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد مِنْ طَرِيق , وَهِيَ أُمّه وَقِيلَ أُمّ أَبِيهِ وَقِيلَ دَابَّته , وَمَعْنَى الدَّغِنَة الْمُسْتَرْخِيَة وَأَصْلهَا الْغَمَامَة الْكَثِيرَة الْمَطَر , وَاخْتُلِفَ فِي اِسْمه فَعِنْد الْبَلَاذُرِيّ مِنْ طَرِيق الْوَاقِدِيّ عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ الْحَارِث بْن يَزِيد , وَحَكَى السُّهَيْلِيّ أَنَّ اِسْمه مَالِك , وَوَقَعَ فِي \" شَرْح الْكَرْمَانِيُّ \" أَنَّ اِبْن إِسْحَاق سَمَّاهُ رَبِيعَة بْن رُفَيْع ; وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ الْكَرْمَانِيّ فَإِنَّ رَبِيعَة الْمَذْكُور آخَر يُقَال لَهُ اِبْن الدَّغِنَة أَيْضًا لَكِنَّهُ سُلَمِيّ , وَالْمَذْكُور هُنَا مِنْ الْقَارَة فَاخْتَلَفَا , وَأَيْضًا السُّلَمِيّ إِنَّمَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ وَأَنَّهُ صَحَابِيّ قَتَلَ دُرَيْد بْن الصِّمَّة , وَلَمْ يَذْكُرهُ اِبْن إِسْحَاق فِي قِصَّة الْهِجْرَة. وَفِي الصَّحَابَة ثَالِث يُقَال لَهُ اِبْن الدَّغِنَة لَكِنْ اِسْمه حَابِس وَهُوَ كَلْبِيّ , لَهُ قِصَّة فِي سَبَب إِسْلَامه وَأَنَّهُ رَأَى شَخْصًا مِنْ الْجِنّ فَقَالَ لَهُ \" يَا حَابِس بْن دَغِنَة يَا حَابِس \" فِي أَبْيَات , وَهُوَ مِمَّا يُرَجِّح رِوَايَة التَّخْفِيف فِي الدَّغِنَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ سَيِّد الْقَارَة ) ‏ ‏بِالْقَافِ وَتَخْفِيف الرَّاء , وَهِيَ قَبِيلَة مَشْهُورَة مِنْ بَنِي الْهُون , بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيف , اِبْن خُزَيْمَةَ بْن مُدْرِكَة بْن إِلْيَاس بْن مُضَر وَكَانُوا حُلَفَاء بَنِي زُهْرَة مِنْ قُرَيْش , وَكَانُوا يُضْرَب بِهِمْ الْمَثَل فِي قُوَّة الرَّمْي , قَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏قَدْ أَنْصَفَ الْقَارَة مَنْ رَامَاهَا ‏ ‏قَوْله : ( أَخْرَجَنِي قَوْمِي ) ‏ ‏أَيْ تَسَبَّبُوا فِي إِخْرَاجِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُرِيد أَنْ أَسِيح ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَتَيْنِ , لَعَلَّ أَبَا بَكْر طَوَى عَنْ اِبْن الدَّغِنَة تَعْيِين جِهَة مَقْصِده لِكَوْنِهِ كَانَ كَافِرًا , وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَصَدَ التَّوَجُّه إِلَى أَرْض الْحَبَشَة , وَمَنْ الْمَعْلُوم أَنَّهُ لَا يَصِل إِلَيْهَا مِنْ الطَّرِيق الَّتِي قَصَدَهَا حَتَّى يَسِير فِي الْأَرْض وَحْده زَمَانًا فَيَصْدَقُ أَنَّهُ سَائِح , لَكِنْ حَقِيقَة السِّيَاحَة أَنْ لَا يَقْصِد مَوْضِعًا بِعَيْنِهِ يَسْتَقِرّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَكْسِب الْمَعْدُوم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" الْمُعْدِم \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذِهِ الْكَلِمَات فِي حَدِيث بَدْء الْوَحْي أَوَّل الْكِتَاب , وَفِي مُوَافَقَة وَصْف اِبْن الدَّغِنَة لِأَبِي بَكْر بِمِثْلِ مَا وَصَفَتْ بِهِ خَدِيجَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلّ عَلَى عَظِيم فَضْل أَبِي بَكْر وَاتِّصَافه بِالصِّفَاتِ الْبَالِغَة فِي أَنْوَاع الْكَمَال. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا لَك جَارٌ ) ‏ ‏أَيْ مُجِير أَمْنَع مَنْ يُؤْذِيك. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَجَعَ ) ‏ ‏أَيْ أَبُو بَكْر ‏ ‏( وَارْتَحَلَ مَعَهُ اِبْن الدَّغِنَة ) ‏ ‏وَقَعَ فِي الْكَفَالَة \" وَارْتَحَلَ اِبْن الدَّغِنَة فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْر \" وَالْمُرَاد فِي الرِّوَايَتَيْنِ مُطْلَق الْمُصَاحَبَة , إِلَّا فَالتَّحْقِيق مَا فِي هَذَا الْبَاب. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَخْرُج مِثْله ) ‏ ‏أَيْ مِنْ وَطَنه بِاخْتِيَارِهِ عَلَى نِيَّة الْإِقَامَة فِي غَيْره مَعَ مَا فِيهِ مِنْ النَّفْع الْمُتَعَدِّي لِأَهْلِ بَلَده ( وَلَا يُخْرَجُ ) أَيْ وَلَا يُخْرِجهُ أَحَد بِغَيْرِ اِخْتِيَاره لِلْمَعْنَى الْمَذْكُور , وَاسْتَنْبَطَ بَعْض الْمَالِكِيَّة مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ كَانَتْ فِيهِ مَنْفَعَة مُتَعَدِّيَة لَا يُمَكَّن مِنْ الِانْتِقَال عَنْ الْبَلَد إِلَى غَيْره بِغَيْرِ ضَرُورَة رَاجِحَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ تَكْذِب قُرَيْش ) ‏ ‏أَيْ لَمْ تَرُدّ عَلَيْهِ قَوْله فِي أَمَان أَبِي بَكْر , وَكُلّ مَنْ كَذَبَك فَقَدْ رَدَّ قَوْلك , فَأَطْلَقَ التَّكْذِيب وَأَرَادَ لَازِمه , وَتَقَدَّمَ فِي الْكَفَّارَة بِلَفْظِ \" فَأَنْفَذَتْ قُرَيْش جِوَار اِبْن الدَّغِنَة وَأَمَّنَتْ أَبَا بَكْر \" وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ هَذَا مَعَ مَا ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِي قِصَّة خُرُوج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الطَّائِف وَسُؤَاله حِين رَجَعَ الْأَخْنَس بْن شَرِيق أَنْ يَدْخُل فِي جِوَاره فَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ حَلِيف , وَكَانَ أَيْضًا مِنْ حُلَفَاء بَنِي زُهْرَة , وَيُمْكِن الْجَوَاب بِأَنَّ اِبْن الدَّغِنَة رَغِبَ فِي إِجَارَة أَبِي بَكْر , وَالْأَخْنَس لَمْ يَرْغَب فِيمَا اِلْتَمَسَ مِنْهُ فَلَمْ يُثَرِّب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( بِجِوَارِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْجِيم وَبِضَمِّهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْمُرَاد مِنْهُ فِي كِتَاب الْكَفَالَة. ‏ ‏قَوْله : ( مُرْ أَبَا بَكْر فَلْيَعْبُدْ رَبّه ) ‏ ‏دَخَلَتْ الْفَاء عَلَى شَيْء مَحْذُوف لَا يَخْفَى تَقْدِيره. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَبِثَ أَبُو بَكْر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْكَفَالَة بِلَفْظِ \" فَطَفِقَ \" أَيْ جَعَلَ , وَلَمْ يَقَع لِي بَيَان الْمُدَّة الَّتِي أَقَامَ فِيهَا أَبُو بَكْر عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْر ) ‏ ‏أَيْ ظَهَرَ لَهُ رَأْي غَيْر الرَّأْي الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( بِفِنَاءِ دَاره ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء وَتَخْفِيف النُّون وَبِالْمَدِّ أَيْ أَمَامهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَنْقَذِف ) ‏ ‏بِالْمُثَنَّاةِ وَالْقَاف وَالذَّال الْمُعْجَمَة الثَّقِيلَة , تَقَدَّمَ فِي الْكَفَالَة بِلَفْظِ \" \" فَيَتَقَصَّف \" أَيْ يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْقُط بَعْضهمْ عَلَى بَعْض فَيَكَاد يَنْكَسِر , وَأَطْلَقَ يَتَقَصَّف مُبَالَغَة , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ الْمَحْفُوظ , وَأَمَّا يَتَقَذَّف فَلَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا أَنْ يَكُون مِنْ الْقَذْف أَيْ يَتَدَافَعُونَ فَيَقْذِف بَعْضهمْ بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ عَلَيْهِ فَيَرْجِع إِلَى مَعْنَى الْأَوَّل , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِنُونٍ وَسُكُون الْقَاف وَكَسْر الصَّاد أَيْ يَسْقُط. ‏ ‏قَوْله : ( بَكَّاءً ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ أَيْ كَثِير الْبُكَاء. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَمْلِك عَيْنَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ لَا يُطِيق إِمْسَاكهمَا عَنْ الْبُكَاء مِنْ رِقَّة قَلْبه. ‏ ‏وَقَوْله : ( إِذَا قَرَأَ ) ‏ ‏إِذَا ظَرْفِيَّة وَالْعَامِل فِيهِ لَا يَمْلِك , أَوْ هِيَ شَرْطِيَّة وَالْجَزَاء مُقَدَّر. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَفْزَعَ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ أَخَاف الْكُفَّار لِمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ رِقَّة قُلُوب النِّسَاء وَالشَّبَاب أَنْ يَمِيلُوا إِلَى دِين الْإِسْلَام. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَقَدِمَ عَلَيْهِ \" أَيْ عَلَى أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَفْتِن نِسَاءَنَا ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة وَفَاعِله أَبُو بَكْر , كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَلِلْبَاقِينَ \" أَنْ يُفْتَن \" بِضَمِّ أَوَّله \" نِسَاؤُنَا \" بِالرَّفْعِ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَجَرْنَا ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالرَّاء لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْقَابِسِيِّ بِالزَّايِ أَيْ أَبَحْنَا لَهُ , وَالْأَوَّل أَوْجَه , وَالْأَلِف مَقْصُورَة فِي الرِّوَايَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْأَلْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَسَلْهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( ذِمَّتك ) ‏ ‏أَيْ أَمَانك لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( نُخْفِرَكَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَكَسْر الْفَاء أَيْ نَغْدِر بِك , يُقَال خَفَرَهُ إِذَا حَفِظَهُ , وَأَخْفَرَهُ إِذَا غَدَرَ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( مُقِرِّينَ لِأَبِي بَكْر الِاسْتِعْلَان ) ‏ ‏أَيْ لَا نَسْكُت عَنْ الْإِنْكَار عَلَيْهِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ مِنْ الْخَشْيَة عَلَى نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينه. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّه ) ‏ ‏أَيْ أَمَانه وَحِمَايَته. وَفِيهِ جَوَاز الْأَخْذ بِالْأَشَدِّ فِي الدِّين , وَقُوَّة يَقِين أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّة ) ‏ ‏فِي هَذَا الْفَصْل مِنْ فَضَائِل الصِّدِّيق أَشْيَاء كَثِيرَة قَدْ اِمْتَازَ بِهَا عَمَّنْ سِوَاهُ ظَاهِرَة لِمَنْ تَأَمَّلَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْن لَابَتَيْنِ وَهُمَا الْحَرَّتَانِ ) ‏ ‏هَذَا مُدْرَج فِي الْخَبَر وَهُوَ مِنْ تَفْسِير الزُّهْرِيِّ , وَالْحَرَّة أَرْضٌ حِجَارَتُهَا سُودٌ , وَهَذِهِ الرُّؤْيَا غَيْر الرُّؤْيَا السَّابِقَة أَوَّل الْبَاب مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى الَّتِي تَرَدَّدَ فِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَبَقَ , قَالَ اِبْن التِّين : كَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ دَار الْهِجْرَة بِصِفَةٍ تَجْمَع الْمَدِينَة وَغَيْرهَا , ثُمَّ أُرِيَ الصِّفَة الْمُخْتَصَّة بِالْمَدِينَةِ فَتَعَيَّنَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَجَعَ عَامَّة مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَة إِلَى الْمَدِينَة ) ‏ ‏أَيْ لَمَّا سَمِعُوا بِاسْتِيطَانِ الْمُسْلِمِينَ الْمَدِينَة رَجَعُوا إِلَى مَكَّة فَهَاجَرَ إِلَى أَرْض الْمَدِينَة مُعْظَمهمْ لَا جَمِيعهمْ , لِأَنَّ جَعْفَرًا وَمَنْ مَعَهُ تَخَلَّفُوا فِي الْحَبَشَة , وَهَذَا السَّبَب فِي مَجِيء مُهَاجِرَة الْحَبَشَة غَيْر السَّبَب الْمَذْكُور فِي مَجِيء مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ أَيْضًا فِي الْهِجْرَة الْأُولَى , لِأَنَّ ذَاكَ كَانَ بِسَبَبِ سُجُود الْمُشْرِكِينَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ فِي سُورَة النَّجْم فَشَاعَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمُوا وَسَجَدُوا فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ مِنْ الْحَبَشَة فَوَجَدُوهُمْ أَشَدّ مَا كَانُوا كَمَا سَيَأْتِي شَرْحه وَبَيَانه فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْر قِبَل الْمَدِينَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْمُوَحَّدَة أَيْ جِهَة , وَتَقَدَّمَ فِي الْكَفَالَة بِلَفْظِ \" وَخَرَجَ أَبُو بَكْر مُهَاجِرًا \" وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى الْحَال الْمُقَدَّرَة , وَالْمَعْنَى أَرَادَ الْخُرُوج طَالِبًا لِلْهِجْرَةِ , وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عِنْد اِبْن حِبَّان \" اِسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخُرُوج مِنْ مَكَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى رِسْلك ) ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّله أَيْ عَلَى مَهْلك , وَالرِّسْل السَّيْر الرَّفِيق , وَفِي رِوَايَة اِبْن حِبَّانَ \" فَقَالَ اِصْبِرْ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ ) ‏ ‏لَفْظ \" أَنْتَ \" مُبْتَدَأ وَخَبَره \" بِأَبِي \" أَيْ مُفَدًّى بِأَبِي , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَنْتَ تَأْكِيدًا لِفَاعِلِ تَرْجُو وَبِأَبِي قَسَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَبَسَ نَفْسه ) ‏ ‏أَيْ مَنَعَهَا مِنْ الْهِجْرَة , وَفِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان \" فَانْتَظَرَهُ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَرَق السَّمُر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَضَمّ الْمِيم. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ الْخَبَط ) ‏ ‏مُدْرَج أَيْضًا فِي الْخَبَر , وَهُوَ مِنْ تَفْسِير الزُّهْرِيِّ , وَيُقَال السَّمُر شَجَرَة أُمّ غَيْلَان , وَقِيلَ كُلّ مَا لَهُ ظِلّ ثَخِين , وَقِيلَ : السَّمُر وَرَق الطَّلْح وَالْخَبَط بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة مَا يُخْبَط بِالْعَصَا فَيَسْقُط مِنْ وَرَق الشَّجَر قَالَهُ اِبْن فَارِس. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْبَعَة أَشْهُر ) ‏ ‏فِيهِ بَيَان الْمُدَّة الَّتِي كَانَتْ بَيْن اِبْتِدَاء هِجْرَة الصَّحَابَة بَيْن الْعَقَبَة الْأُولَى وَالثَّانِيَة وَبَيْن هِجْرَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْبَاب بَيْن الْعَقَبَة الثَّانِيَة وَبَيْن هِجْرَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرَيْنِ وَبَعْض شَهْر عَلَى التَّحْرِير. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَوَّلًا وَقَدْ أَفْرَدَهُ اِبْن عَائِذ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن مُحَمَّد عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة عِنْد اِبْن حِبَّان مَضْمُومًا إِلَى مَا قَبْله , وَعِنْد مُوسَى بْن عُقْبَة \" وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُخْطِئهُ يَوْم إِلَّا أَتَى مَنْزِل أَبِي بَكْر أَوَّل النَّهَار وَآخِره \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي نَحْر الظَّهِيرَة ) ‏ ‏أَيْ أَوَّل الزَّوَال وَهُوَ أَشَدّ مَا يَكُون فِي حَرَارَة النَّهَار , وَالْغَالِب فِي أَيَّام الْحَرّ الْقَيْلُولَة فِيهَا , وَفِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان \" فَأَتَاهُ ذَات يَوْم ظُهْرًا \" وَفِي حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِينَا بِمَكَّة كُلّ يَوْم مَرَّتَيْنِ بُكْرَة وَعَشِيَّة , فَلَمَّا كَانَ يَوْم مِنْ ذَلِكَ جَاءَنَا فِي الظَّهِيرَة , فَقُلْت يَا أَبَت هَذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا رَسُول اللَّه مُتَقَنِّعًا ) ‏ ‏أَيْ مُغَطِّيًا رَأْسه , وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب \" قَالَتْ عَائِشَة وَلَيْسَ عِنْد أَبِي بَكْر إِلَّا أَنَا وَأَسْمَاء \" قِيلَ : فِيهِ جَوَاز لُبْس الطَّيْلَسَانِ , وَجَزَمَ اِبْن الْقَيِّم بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَلْبَسهُ وَلَا أَحَد مِنْ أَصْحَابه , وَأَجَابَ عَنْ الْحَدِيث بِأَنَّ التَّقَنُّع يُخَالِف التَّطَيْلُس , قَالَ : وَلَمْ يَكُنْ يَفْعَل التَّقَنُّع عَادَة بَلْ لِلْحَاجَةِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي حَدِيث أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكْثِر التَّقَنُّع \" أَخْرَجَهُ بِهِ , وَفِي طَبَقَات اِبْن سَعْد مُرْسَلًا \" ذُكِرَ الطَّيْلَسَان لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَذَا ثَوْب لَا يُؤَدَّى شُكْره \" ‏ ‏قَوْله : ( فِدَاء لَهُ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء وَبِالْقَصْرِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فِدَآ \" بِالْمَدِّ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا جَاءَ بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَعْقُوب بْن سُفْيَان \" إِنْ جَاءَ بِهِ \" إِنْ هِيَ النَّافِيَة بِمَعْنَى مَا , وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة \" فَقَالَ أَبُو بَكْر : يَا رَسُول اللَّه مَا جَاءَ بِك إِلَّا أَمْر حَدَثَ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا هُمْ أَهْلك ) ‏ ‏أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى عَائِشَة وَأَسْمَاء كَمَا فَسَّرَهُ مُوسَى بْن عُقْبَة , فَفِي رِوَايَته قَالَ : \" أَخْرِجْ مَنْ عِنْدك. قَالَ : لَا عَيْن عَلَيْك , إِنَّمَا هُمَا اِبْنَتَايَ \" وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنِّي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَإِنَّهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( الصَّحَابَةَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ أُرِيدَ الْمُصَاحَبَة , وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى أَنَّهُ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف. ‏ ‏قَوْله : ( نَعَمْ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته \" قَالَتْ عَائِشَة : فَرَأَيْت أَبَا بَكْر يَبْكِي , وَمَا كُنْت أَحْسَب أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنْ الْفَرَح \" وَفِي رِوَايَة هِشَام \" فَقَالَ : الصُّحْبَة يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : الصُّحْبَة \" ‏ ‏قَوْله : ( إِحْدَى رَاحِلَتَيْ هَاتَيْنِ. قَالَ : بِالثَّمَنِ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن إِسْحَاق \" قَالَ : لَا أَرْكَب بَعِيرًا لَيْسَ هُوَ لِي , قَالَ : فَهُوَ لَك , قَالَ : لَا وَلَكِنْ بِالثَّمَنِ الَّذِي اِبْتَعْتهَا بِهِ , قَالَ : أَخَذْتهَا بِكَذَا وَكَذَا , قَالَ أَخَذْتهَا بِذَلِكَ , قَالَ : هِيَ لَك \" وَفِي حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" فَقَالَ : بِثَمَنِهَا يَا أَبَا بَكْر , فَقَالَ : بِثَمَنِهَا إِنْ شِئْت \" وَنَقَلَ السُّهَيْلِيّ فِي \" الرَّوْض \" عَنْ بَعْض شُيُوخ الْمَغْرِب أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ اِمْتِنَاعه مِنْ أَخْذ الرَّاحِلَة مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْر أَنْفَقَ عَلَيْهِ مَالَهُ , فَقَالَ : أَحَبَّ أَنْ لَا تَكُون هِجْرَته إِلَّا مِنْ مَال نَفْسه. وَأَفَادَ الْوَاقِدِيّ أَنَّ الثَّمَن ثَمَانمِائَةِ وَأَنَّ الَّتِي أَخَذَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَبِي بَكْر هِيَ الْقَصْوَاء , وَأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ نِعَم بَنِي قُشَيْرٍ , وَأَنَّهَا عَاشَتْ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلِيلًا وَمَاتَتْ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر , وَكَانَتْ مُرْسَلَة تَرْعَى بِالْبَقِيعِ. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهَا الْجَذْعَاء , وَكَانَتْ مِنْ إِبِل بَنِي الْحَرِيش , وَكَذَا فِي رِوَايَة أَخْرَجَهَا اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا الْجَذْعَاء. ‏ ‏قَوْله : ( أَحَثّ الْجَهَاز ) ‏ ‏أَحَثّ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَة أَفْعَل تَفْضِيل مِنْ الْحَثّ وَهُوَ الْإِسْرَاع , وَفِي رِوَايَة لِأَبِي ذَرّ \" أَحَبّ \" بِالْمُوَحَّدَةِ , وَالْأَوَّل أَصَحّ. وَالْجَهَاز بِفَتْحِ الْجِيم وَقَدْ تُكْسَر - وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ الْكَسْر - وَهُوَ مَا يُحْتَاج إِلَيْهِ فِي السَّفَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَة فِي جِرَاب ) ‏ ‏أَيْ زَادًا فِي جِرَاب , لِأَنَّ أَصْل السُّفْرَة فِي اللُّغَة الزَّاد الَّذِي يُصْنَع لِلْمُسَافِرِ , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي وِعَاء الزَّاد , وَمِثْله الْمَزَادَة لِلْمَاءِ , وَكَذَلِكَ الرَّاوِيَة. فَاسْتُعْمِلَتْ السُّفْرَة فِي هَذَا الْخَبَر عَلَى أَصْل اللُّغَة. وَأَفَادَ الْوَاقِدِيّ أَنَّهُ كَانَ فِي السُّفْرَة شَاة مَطْبُوخَة ‏ ‏قَوْله : ( ذَات النِّطَاق ) ‏ ‏بِكَسْرِ النُّون , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ النِّطَاقَيْنِ بِالتَّثْنِيَةِ , وَالنِّطَاق مَا يُشَدّ بِهِ الْوَسَط , وَقِيلَ : هُوَ إِزَار فِيهِ تِكَّة , وَقِيلَ : هُوَ ثَوْب تَلْبَسهُ الْمَرْأَة ثُمَّ تَشُدّ وَسَطهَا بِحَبْلٍ ثُمَّ تُرْسِل الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَل قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة الْهَرَوِيُّ , قَالَ : وَسُمِّيَتْ ذَات النِّطَاقَيْنِ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَجْعَل نِطَاقًا عَلَى نِطَاق , وَقِيلَ : كَانَ لَهَا نِطَاقَانِ تَلْبَس أَحَدهمَا وَتَجْعَل فِي الْآخَر الزَّاد ا ه. وَالْمَحْفُوظ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد هَذَا الْحَدِيث أَنَّهَا شَقَّتْ نِطَاقهَا نِصْفَيْنِ فَشَدَّتْ بِأَحَدِهِمَا الزَّاد وَاقْتَصَرَتْ عَلَى الْآخَر , فَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لَهَا ذَات النِّطَاق وَذَات النِّطَاقَيْنِ , فَالتَّثْنِيَة وَالْإِفْرَاد بِهَذَيْنِ الِاعْتِبَارَيْنِ. وَعِنْد اِبْن سَعْد مِنْ حَدِيث الْبَاب \" شَقَّتْ نِطَاقهَا فَأَوْكَأَتْ بِقِطْعَةٍ مِنْهُ الْجِرَاب وَشَدَّتْ فَم الْقِرْبَة بِالْبَاقِي فَسُمِّيَتْ ذَات النِّطَاقَيْنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ : ثُمَّ لَحِقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر بِغَارٍ فِي جَبَل ثَوْر ) ‏ ‏بِالْمُثَلَّثَةِ ذَكَرَ الْوَاقِدِيّ أَنَّهُمَا خَرَجَا مِنْ خَوْخَة فِي ظَهْر بَيْت أَبِي بَكْر , وَقَالَ الْحَاكِم تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار أَنَّ خُرُوجه كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ وَدُخُوله الْمَدِينَة كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ , إِلَّا أَنَّ مُحَمَّد بْن مُوسَى الْخُوَارِزْمِيّ قَالَ : إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّة يَوْم الْخَمِيس. قُلْت : يُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنْ خُرُوجه مِنْ مَكَّة كَانَ يَوْم الْخَمِيس وَخُرُوجه مِنْ الْغَار كَانَ لَيْلَة الِاثْنَيْنِ , لِأَنَّهُ أَقَامَ فِيهِ ثَلَاث لَيَالٍ , فَهِيَ لَيْلَة الْجُمُعَة وَلَيْلَة السَّبْت وَلَيْلَة الْأَحَد وَخَرَجَ فِي أَثْنَاء لَيْلَة الِاثْنَيْنِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة عِنْد اِبْن حِبَّانَ \" فَرَكِبَا حَتَّى أَتَيَا الْغَار وَهُوَ ثَوْر , فَتَوَارَيَا فِيهِ \" وَذَكَرَ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ : \" فَرَقَدَ عَلِيّ عَلَى فِرَاش رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوَرِّي عَنْهُ , وَبَاتَتْ قُرَيْش تَخْتَلِف وَتَأْتَمِر أَيّهمْ يَهْجُم عَلَى صَاحِب الْفِرَاش فَيُوثِقُهُ , حَتَّى أَصْبَحُوا فَإِذَا هُمْ بِعَلِيٍّ ; فَسَأَلُوهُ , فَقَالَ : لَا عِلْم لِي فَعَلِمُوا أَنَّهُ فَرَّ مِنْهُمْ \" وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق نَحْوه وَزَادَ \" أَنَّ جِبْرِيل أَمَرَهُ لَا يَبِيت عَلَى فِرَاشه , فَدَعَا عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أَنْ يَبِيت عَلَى فِرَاشه وَيُسَجَّى بِبُرْدِهِ الْأَخْضَر , فَفَعَلَ. ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْقَوْم وَمَعَهُ حَفْنَة مِنْ تُرَاب , فَجَعَلَ يَنْثُرهَا عَلَى رُءُوسهمْ وَهُوَ يَقْرَأ يس إِلَى : ( فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ). وَذَكَرَ أَحْمَد مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِإِسْنَادٍ حَسَن فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا ) الْآيَة , قَالَ : \" تَشَاوَرَتْ قُرَيْش لَيْلَة بِمَكَّة , فَقَالَ بَعْضهمْ : إِذَا أَصْبَحَ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ , يُرِيدُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ اُقْتُلُوهُ. وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ أَخْرِجُوهُ فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَبَاتَ عَلِيّ عَلَى فِرَاش النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ اللَّيْلَة , وَخَرَجَ - النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى لَحِقَ بِالْغَارِ , وَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا يَحْسِبُونَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَعْنِي يَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَقُوم فَيَفْعَلُونَ بِهِ مَا اِتَّفَقُوا عَلَيْهِ , فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَرَأَوْا عَلِيًّا رَدّ اللَّه مَكْرهمْ فَقَالُوا : أَيْنَ صَاحِبك هَذَا ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي , فَاقْتَصُّوا أَثَره , فَلِمَا بَلَغُوا الْجَبَل اِخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ , فَصَعِدُوا الْجَبَل فَمَرُّوا بِالْغَارِ فَرَأَوْا عَلَى بَابه نَسْجَ الْعَنْكَبُوت فَقَالُوا : لَوْ دَخَلَ هَاهُنَا لَمْ يَكُنْ نَسْج الْعَنْكَبُوت عَلَى بَابه , فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاث لَيَالٍ \". وَذَكَر نَحْو ذَلِكَ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : \" مَكَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد إِلَى بَقِيَّة ذِي الْحِجَّة وَالْمُحَرَّم وَصَفَر , ثُمَّ إِنْ مُشْرِكِي قُرَيْش اجْتَمَعُوا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَبَاتَ عَلِيّ عَلَى فِرَاش النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوَرِّي عَنْهُ , وَبَاتَتْ قُرَيْش يَخْتَلِفُونَ وَيَأْتَمِرُونَ أَيّهمْ يَهْجِمُ عَلَى صَاحِب الْفِرَاش فَيُوثِقهُ , فَلَمَّا أَصْبَحُوا إِذَا هُمْ بِعَلِيٍّ \" وَقَالَ فِي آخِره : \" فَخَرَجُوا فِي كُلّ وَجْه يَطْلُبُونَهُ \" وَفِي مُسْنَد أَبِي بَكْر الصِّدِّيق لِأَبِي بَكْر بْن عَلِيّ الْمَرْوَزِيّ شَيْخ النَّسَائِيّ مِنْ مُرْسَل الْحَسَن فِي قِصَّة نَسْج الْعَنْكَبُوت نَحْوه , وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا فِي أَثَرهمَا قَائِفَيْنِ : أَحَدهمَا كُرْز بْن عَلْقَمَة , فَرَأَى كُرْز بْن عَلْقَمَة عَلَى الْغَار نَسْج الْعَنْكَبُوت فَقَالَ : هَاهُنَا اِنْقَطَعَ الْأَثَر. وَلَمْ يُسَمِّ الْآخَر وَسَمَّاهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم وَغَيْره سُرَاقَة بْن جُعْشُم. وَقِصَّة سُرَاقَة مَذْكُورَة فِي هَذَا الْبَاب. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" مَنَاقِب أَبِي بَكْر \" حَدِيث أَنَس عَنْ أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَمَنَا فِيهِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَيَجُوز كَسْرهَا أَيْ اِخْتَفِيَا. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاث لَيَالٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُرْوَة بْن الزُّبَيْر \" لَيْلَتَيْنِ \" فَلَعَلَّهُ لَمْ يَحْسِب أَوَّل لَيْلَة , وَرَوَى أَحْمَد وَالْحَاكِم مِنْ رِوَايَة طَلْحَة النَّضْرِيّ قَالَ : \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَبِثْت مَعَ صَاحِي - يَعْنِي أَبَا بَكْر - فِي الْغَار بِضْعَة عَشَر يَوْمًا مَا لَنَا طَعَام إِلَّا ثَمَر الْبَرِير \" قَالَ الْحَاكِم : مَعْنَاهُ مَكَثْنَا مُخْتَفِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي الْغَار وَفِي الطَّرِيق بِضْعَة عَشَر يَوْمًا. قُلْت : لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة أَحْمَد ذِكْر الْغَار , وَهِيَ زِيَادَة فِي الْخَبَر مِنْ بَعْض رُوَاته , وَلَا يَصِحّ حَمْله عَلَى حَالَة الْهِجْرَة لِمَا فِي الصَّحِيح كَمَا تَرَاهُ مِنْ أَنَّ عَامِر بْن فُهَيْرَة كَانَ يَرُوح عَلَيْهِمَا فِي الْغَار بِاللَّبَنِ , وَلِمَا وَقَعَ لَهُمَا فِي الطَّرِيق مِنْ لَقْي الرَّاعِي كَمَا فِي حَدِيث الْبَرَاء فِي هَذَا الْبَاب , وَمِنْ النُّزُول بِخَيْمَةِ أُمّ مَعْبَد وَغَيْر ذَلِكَ , فَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهَا قِصَّة أُخْرَى , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي \" دَلَائِل النُّبُوَّة لِلْبَيْهَقِيِّ \" مِنْ مُرْسَل مُحَمَّد بْن سِيرِينَ \" أَنَّ أَبَا بَكْر لَيْلَة اِنْطَلَقَ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْغَار كَانَ يَمْشِي بَيْن يَدَيْهِ سَاعَة وَمِنْ خَلْفه سَاعَة , فَسَأَلَهُ فَقَالَ : أَذْكُر الطَّلَب فَأَمْشِي خَلْفك , وَأَذْكُر الرَّصَد فَأَمْشِي أَمَامك. فَقَالَ : لَوْ كَانَ شَيْء أَحْبَبْت أَنْ تُقْتَل دُونِي ؟ قَالَ : أَيْ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ , فَلَمَّا اِنْتَهَيَا إِلَى الْغَار قَالَ : مَكَانك يَا رَسُول اللَّه حَتَّى أَسْتَبْرِئ لَك الْغَار , فَاسْتَبْرَأَهُ \" وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيُّ مِنْ مُرْسَل اِبْن أَبِي مُلَيْكَة نَحْوه , وَذَكَرَ اِبْن هِشَام مِنْ زِيَادَاته عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ بَلَاغًا نَحْوه. ‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏وَقَعَ فِي نُسْخَة \" عَبْد الرَّحْمَن \" وَهُوَ وَهْمٌ. ‏ ‏قَوْله : ( ثَقِف ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة وَكَسْر الْقَاف وَيَجُوز إِسْكَانهَا وَفَتْحهَا وَبَعْدهَا فَاء : الْحَاذِق , تَقُول ثَقِفْت الشَّيْء إِذَا أَقَمْت عِوَجه. ‏ ‏قَوْله : ( لَقِن ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَكَسْر الْقَاف بَعْدهَا نُون اللَّقِن : السَّرِيع الْفَهْم. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَدَّلِج ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الدَّال بَعْدهَا جِيم أَيْ يَخْرُج بِسَحَرٍ إِلَى مَكَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَيُصْبِح مَعَ قُرَيْش بِمَكَّة كَبَائِتٍ ) ‏ ‏أَيْ مِثْل الْبَائِت , يَظُنّهُ مَنْ لَا يَعْرِف حَقِيقَة أَمْره لِشِدَّةِ رُجُوعه بِغَلَسٍ. ‏ ‏قَوْله : ( يُكْتَادَانِ بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" يُكَادَانِ بِهِ \" بِغَيْرِ مُثَنَّاة أَيْ يَطْلُب لَهُمَا فِيهِ الْمَكْرُوه , وَهُوَ مِنْ الْكَيْد. ‏ ‏قَوْله : ( عَامِر بْن فُهَيْرَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ذِكْره فِي \" بَاب الشِّرَاء مِنْ الْمُشْرِكِينَ \" مِنْ كِتَاب الْبُيُوع , وَذَكَرَ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّ أَبَا بَكْر اِشْتَرَاهُ مِنْ الطُّفَيْل بْن سَخْبَرَة , فَأَسْلَمَ , فَأَعْتَقَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْحَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون النُّون بَعْدهَا مُهْمَلَة , تَقَدَّمَ بَيَانهَا فِي الْهِبَة , وَتُطْلَق أَيْضًا عَلَى كُلّ شَاة. وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّ الْغَنَم كَانَتْ لِأَبِي بَكْر , فَكَانَ يَرُوح عَلَيْهِمَا الْغَنَم كُلّ لَيْلَة فَيَحْلُبَانِ , ثُمَّ تَسْرَح بُكْرَة فَيُصْبِح فِي رُعْيَان النَّاس فَلَا يُفْطَنُ لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي رِسْل ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء بَعْدهَا مُهْمَلَة سَاكِنَة : اللَّبَن الطَّرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَضِيفهمَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْمُعْجَمَة بِوَزْنِ رَغِيف أَيْ اللَّبَن الْمَرْضُوف أَيْ الَّتِي وُضِعَتْ فِيهِ الْحِجَارَة الْمُحْمَاة بِالشَّمْسِ أَوْ النَّار لِيَنْعَقِد وَتَزُول رَخَاوَته , وَهُوَ بِالرَّفْعِ وَيَجُوز الْجَرّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِر ) ‏ ‏يَنْعِق بِكَسْرِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة أَيْ يَصِيح بِغَنَمِهِ , وَالنَّعِيق صَوْت الرَّاعِي إِذَا زَجَرَ الْغَنَم وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" حَتَّى يَنْعِقَ بِهِمَا \" بِالتَّثْنِيَةِ أَيْ يُسْمِعهُمَا صَوْته إِذَا زَجَرَ غَنَمه , وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن عَائِذ فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" ثُمَّ يَسْرَح عَامِر بْن فُهَيْرَة فَيُصْبِح فِي رُعْيَان النَّاس كَبَائِتٍ فَلَا يُفْطَن بِهِ \" وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب \" وَكَانَ عَامِر أَمِينًا مُؤْتَمَنًا حَسَن الْإِسْلَام \". ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ بَنِي الدِّيل ) ‏ ‏بِكَسْرِ الدَّال وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة , وَقِيلَ : بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه مَهْمُوز. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ بَنِي عَبْد بْن عَدِيّ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الدِّيلِ بْن بَكْر بْن عَبْد مَنَاة بْن كِنَانَة , وَيُقَال مِنْ بَنِي عَدِيّ بْن عَمْرو بْن خُزَاعَة , وَوَقَعَ فِي سِيرَة اِبْن إِسْحَاق تَهْذِيب اِبْن هِشَام اِسْمه عَبْد اللَّه بْن أَرْقُد , وَفِي رِوَايَة الْأُمَوِيّ عَنْ اِبْن إِسْحَاق اِبْن أُرَيْقِد , كَذَا رَوَاهُ الْأُمَوِيّ فِي الْمَغَازِي بِإِسْنَادٍ مُرْسَل فِي غَيْر هَذِهِ الْقِصَّة , قَالَ : وَهُوَ دَلِيل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة فِي الْهِجْرَة. وَعِنْد مُوسَى بْن عُقْبَة أُرَيْقِط بِالتَّصْغِيرِ أَيْضًا لَكِنْ بِالطَّاءِ وَهُوَ أَشْهَر , وَعِنْد اِبْن سَعْد عَبْد اللَّه بْن أُرَيْقِط , وَعَنْ مَالِك اِسْمه رُقَيْط حَكَاهُ اِبْن التِّين وَهُوَ فِي \" الْعُتْبِيَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( هَادِيًا خِرِّيتًا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ مُثَنَّاة. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْخِرِّيت الْمَاهِر بِالْهِدَايَةِ ) ‏ ‏هُوَ مُدْرَج فِي الْخَبَر مِنْ كَلَام الزُّهْرِيِّ بَيَّنَهُ اِبْن سَعْد , وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي رِوَايَة الْأُمَوِيّ عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ اِبْن سَعْد وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : إِنَّمَا سُمِّيَ خِرِّيتًا لِأَنَّهُ يُهْدِي بِمِثْلِ خَرَتَ الْإِبْرَة أَيْ ثَقَبَهَا , وَقَالَ غَيْره قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَهْتَدِي لِأَخْرَاتِ الْمَفَازَة وَهِيَ طُرُقهَا الْخَفِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ غَمَسَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالْمِيم بَعْدهَا مُهْمَلَة ‏ ‏( حِلْفًا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام أَيْ كَانَ حَلِيفًا , وَكَانُوا إِذَا تَحَالَفُوا غَمَسُوا أَيْمَانهمْ فِي دَم أَوْ خَلُوق أَوْ فِي شَيْء يَكُون فِيهِ تَلْوِيث فَيَكُون ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلْحِلْفِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمِنَاهُ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْح ثَلَاث ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب \" حَتَّى إِذَا هَدَأَتْ عَنْهُمَا الْأَصْوَات جَاءَ صَاحِبهمَا بِبَعِيرِهِمَا فَانْطَلَقَا مَعَهُمَا بِعَامِرِ بْن فُهَيْرَة يَخْدُمهُمَا وَيُعِينهُمَا يُرْدِفهُ أَبُو بَكْر وَيُعْقِبهُ لَيْسَ مَعَهُمَا غَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيق السَّاحِل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة \" فَأَجَازَ بِهِمَا أَسْفَل مَكَّة ثُمَّ مَضَى بِهِمَا حَتَّى جَاءَ بِهِمَا السَّاحِل أَسْفَل مِنْ عُسَفَان , ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا حَتَّى عَارَضَ الطَّرِيق \" وَعِنْد الْحَاكِم مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" نَحْوه وَأَتَمَّ مِنْهُ وَإِسْنَاده صَحِيح , وَأَخْرَجَ الزُّبَيْر بْن بَكَّار فِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة \" مُفَسَّرًا مَنْزِلَة مَنْزِلَة إِلَى قُبَاء , وَكَذَلِكَ اِبْن عَائِذ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" عَلَامَات النُّبُوَّة \" وَفِي \" مَنَاقِب أَبِي بَكْر \" مَا اُتُّفِقَ لَهُمَا حِين خَرَجَا مِنْ الْغَار مَنْ لُقْيِهِمَا رَاعِي الْغَنَم وَشُرْبهمَا مِنْ اللَّبَن. حَدِيث سُرَاقَة بْن جُعْشُم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِإِسْنَادِ حَدِيث عَائِشَة , وَقَدْ أَفْرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" وَقَبْله الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن مُسْلِم هُوَ الزُّهْرِيُّ بِهِ \" وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مُنْفَرِدًا مِنْ طَرِيق مَعْمَر وَالْمُعَافِيّ فِي الْجَلِيس مِنْ طَرِيق صَالِح بْن كَيْسَانَ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( الْمُدْلِجِيّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَكَسْر اللَّام ثُمَّ جِيم مِنْ بَنِي مُدْلِج بْن مُرَّة بْن عَبْد مَنَاة بْن كِنَانَة. وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مَالِك هَذَا اِسْم جَدّه مَالِك بْن جُعْشُم , وَنُسِبَ أَبُوهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِلَى جَدّه كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي سُرَاقَة , وَأَبُوهُ مَالِك بْن جُعْشُم لَهُ إِدْرَاك , وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَة بَلْ ذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي التَّابِعِينَ , وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِأَخِيهِ سُرَاقَة وَلَا لِابْنِهِ عَبْد الرَّحْمَن فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن أَخِي سُرَاقَة بْن جُعْشُم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" اِبْن أَخِي سُرَاقَة بْن مَالِك بْن جُعْشُم \" ثُمَّ قَالَ : \" إِنَّهُ سَمِعَ سُرَاقَة بْن جُعْشُم \" وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد , وَحَيْثُ جَاءَ فِي الرِّوَايَات سُرَاقَة بْن جُعْشُم يَكُون نُسِبَ إِلَى جَدّه , وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث الْبَرَاء بَعْدهَا بِقَلِيلٍ أَنَّهُ سُرَاقَة بْن مَالِك بْن جُعْشُم وَلَمْ يُخْتَلَف عَلَيْهِ فِيهِ , جُعْشُم بِضَمِّ الْجِيم وَالشِّين الْمُعْجَمَة بَيْنهمَا عَيْن مُهْمَلَة هُوَ اِبْن مَالِك بْن عَمْرو وَكُنْيَة سُرَاقَة أَبُو سُفْيَان , وَكَانَ يَنْزِل قُدَيْدًا وَعَاشَ إِلَى خِلَافَة عُثْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( دِيَة كُلّ وَاحِد ) ‏ ‏أَيْ مِائَة مِنْ الْإِبِل , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ مُوسَى بْن عُقْبَة وَصَالِح بْن كَيْسَانَ فِي رِوَايَتهمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَفِي حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" وَخَرَجَتْ قُرَيْش حِين فَقَدُوهُمَا فِي بِغَائِهِمَا , وَجَعَلُوا فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَة نَاقَة , وَطَافُوا فِي جِبَال مَكَّة حَتَّى اِنْتَهَوْا إِلَى الْجَبَل الَّذِي فِيهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْر : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ هَذَا الرَّجُل لَيَرَانَا. وَكَانَ مُوَاجِهه - فَقَالَ : كَلَّا إِنَّ مَلَائِكَة تَسْتُرنَا بِأَجْنِحَتِهَا , جَلَسَ ذَلِكَ الرَّجُل يَبُول مُوَاجَهَة الْغَار , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ يَرَانَا مَا فَعَلَ هَذَا \". ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْت آنِفًا ) ‏ ‏أَيْ فِي هَذِهِ السَّاعَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَسْوِدَة ) ‏ ‏أَيْ أَشْخَاصًا , فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة وَابْن إِسْحَاق \" لَقَدْ رَأَيْت رُكْبَة ثَلَاثَة إِنِّي لَأَظُنّهُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْت فُلَانًا وَفُلَانًا اِنْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا ) ‏ ‏أَيْ فِي نَظَرنَا مُعَايَنَة يَبْتَغُونَ ضَالَّة لَهُمْ , فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة وَابْن إِسْحَاق \" فَأَوْمَأْت إِلَيْهِ أَنْ اُسْكُتْ , وَقُلْت : إِنَّمَا هُمْ بَنُو فُلَان يَبْتَغُونَ ضَالَّة لَهُمْ , قَالَ : لَعَلَّ , وَسَكَتَ \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة مَعْمَر , وَفِي حَدِيث أَسْمَاء \" فَقَالَ سُرَاقَة : إِنَّهُمَا رَاكِبَانِ مِمَّنْ بَعَثْنَا فِي طَلَب الْقَوْم \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرْت جَارِيَتِي ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا , وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة وَصَالِح بْن كَيْسَانَ وَأَمَرْت بِفَرَسِي فَقُيِّدَ إِلَى بَطْن الْوَادِي وَزَادَ : ثُمَّ أَخَذْت قِدَاحِي - بِكَسْرِ الْقَاف أَيْ الْأَزْلَام - فَاسْتَقْسَمَتْ بِهَا , فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَه , لَا تَضُرّ , وَكُنْت أَرْجُو أَنْ أَرُدّهُ فَأَخَذَ الْمِائَة نَاقَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَخَطَطْت ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ وَالْأَصِيلِيّ بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ أَمْكَنْت أَسْفَله ‏ ‏وَقَوْله : ( بِزُجِّهِ ) ‏ ‏الزُّجّ بِضَمِّ الزَّاي بَعْدهَا جِيم الْحَدِيدَة الَّتِي فِي أَسْفَل الرُّمْح , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ : \" فَخَطَطْت بِهِ \" وَزَادَ مُوسَى بْن عُقْبَة وَصَالِح بْن كَيْسَانَ وَابْن إِسْحَاق \" فَأَمَرْت بِسِلَاحِي فَأُخْرِجَ مِنْ ذَنَب حُجْرَتِي , ثُمَّ اِنْطَلَقْت فَلَبِسْت لَأْمَتِي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَخَفَضْت ) ‏ ‏أَيْ أَمْسَكَهُ بِيَدِهِ وَجَرّ زُجَّهُ عَلَى الْأَرْض فَخَطّهَا بِهِ لِئَلَّا يَظْهَر بَرِيقه لِمَنْ بَعُدَ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَتَّبِعهُ مِنْهُمْ أَحَد فَيُشْرِكُوهُ فِي الْجَعَالَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَسَن عَنْ سُرَاقَة عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة \" وَجَعَلْت أَجُرّ الرُّمْح مَخَافَة أَنْ يُشْرِكنِي أَهْل الْمَاء فِيهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَرَفَعْتهَا ) ‏ ‏أَيْ أَسْرَعْت بِهَا السَّيْر. ‏ ‏قَوْله : ( تُقَرِّب بِي ) ‏ ‏التَّقْرِيب السَّيْر دُون الْعَدْو وَفَوْق الْعَادَة , وَقِيلَ : أَنْ تَرْفَع الْفَرَس يَدَيْهَا مَعًا وَتَضَعهُمَا مَعًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَهْوَيْت يَدَيَّ ) ‏ ‏أَيْ بَسَطَهُمَا لِلْأَخْذِ , وَالْكِنَانَة الْخَرِيطَة الْمُسْتَطِيلَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَخْرَجْت مِنْهَا الْأَزْلَام فَاسْتَقْسَمْت بِهَا أَضَرّهمْ أَمْ لَا ) ‏ ‏وَالْأَزْلَام هِيَ الْأَقْدَاح وَهِيَ السِّهَام الَّتِي لَا رِيش لَهَا وَلَا نَصْل , وَسَيَأْتِي شَرْحهَا وَكَيْفِيَّتهَا وَصَنِيعهمْ بِهَا فِي تَفْسِير الْمَائِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَه ) ‏ ‏أَيْ لَا تَضُرّهُمْ , وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَمُوسَى وَابْن إِسْحَاق وَزَادَ \" وَكُنْت أَرْجُو أَنْ أَرُدّهُ فَآخُذ الْمِائَة نَاقَة \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن عَائِذ : \" وَرَكِبَ سُرَاقَة , فَلَمَّا أَبْصَرَ الْآثَار عَلَى غَيْر الطَّرِيق وَهُوَ وَجِل أَنْكَرَ الْآثَار فَقَالَ : وَاَللَّه مَا هَذِهِ بِآثَارِ نِعَم الشَّام وَلَا تِهَامَة , فَتَبِعَهُمْ حَتَّى أَدْرَكَهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى إِذَا سَمِعْت ) ‏ ‏فِي حَدِيث الْبَرَاء عَنْ أَبِي بَكْر الْآتِي عَقِب هَذَا \" فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي رِوَايَة أَبِي خَلِيفَة فِي حَدِيث الْبَرَاء عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَقَالَ : اللَّهُمَّ اِكْفِنَا"
    },
    {
        "id": "3617",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏وَفَاطِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏صَنَعْتُ سُفْرَةً لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حِينَ أَرَادَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ لِأَبِي مَا أَجِدُ شَيْئًا أَرْبِطُهُ إِلَّا نِطَاقِي قَالَ فَشُقِّيهِ فَفَعَلْتُ فَسُمِّيتُ ‏ ‏ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَسْمَاءُ ‏ ‏ذَاتَ النِّطَاقِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ عُرْوَة , وَفَاطِمَة هِيَ اِمْرَأَته بِنْت الْمُنْذِر بْن الزُّبَيْر , وَأَسْمَاء جَدَّتهمَا جَمِيعًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لِأَبِي ) ‏ ‏أَيْ قَالَتْ لِأَبِي بَكْر الصِّدِّيق. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْبِطهُ ) ‏ ‏أَيْ الْمَتَاع الَّذِي فِي السُّفْرَة أَوْ رَأْس السُّفْرَة , أَوْ ذَكَرَتْ بِاعْتِبَارِ الظَّرْف لِأَنَّهُ مُذَكَّر , وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا أَنَّ الَّذِي أَمَرَهَا بِشَقِّ نِطَاقهَا لِتَرْبِط بِهِ السُّفْرَة هُوَ أَبُوهَا , وَتَقَدَّمَ تَفْسِير النِّطَاق فِي حَدِيث عَائِشَة قَبْلُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَسْمَاء ذَات النِّطَاق ) ‏ ‏وَصَلَهُ فِي تَفْسِير بَرَاءَة فِي أَثْنَاء حَدِيث , وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3618",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا أَقْبَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏تَبِعَهُ ‏ ‏سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ ‏ ‏فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَاخَتْ ‏ ‏بِهِ فَرَسُهُ قَالَ ادْعُ اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكَ فَدَعَا لَهُ قَالَ فَعَطِشَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَرَّ بِرَاعٍ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَأَخَذْتُ قَدَحًا فَحَلَبْتُ فِيهِ ‏ ‏كُثْبَةً ‏ ‏مِنْ لَبَنٍ فَأَتَيْتُهُ فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء فِي قِصَّة الْهِجْرَة , أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة وَفِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر مَعَ شَرْحه , وَذَكَرَ هُنَا أَوَّله عَنْ الْبَرَاء , وَإِنَّمَا هُوَ عِنْده عَنْ أَبِي بَكْر كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه , وَفِي آخِر هَذَا الْحَدِيث هُنَا مَا يُشِير إِلَى ذَلِكَ , ثُمَّ أَعَادَهُ الْمُصَنِّف فِي هَذَا الْبَاب , كَمَا سَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْبَرَاء أَتَمَّ مِمَّا هُنَا كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3619",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا حَمَلَتْ ‏ ‏بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَتْ فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ فَأَتَيْتُ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَنَزَلْتُ ‏ ‏بِقُبَاءٍ ‏ ‏فَوَلَدْتُهُ ‏ ‏بِقُبَاءٍ ‏ ‏ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا ثُمَّ تَفَلَ فِي ‏ ‏فِيهِ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏حَنَّكَهُ ‏ ‏بِتَمْرَةٍ ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا هَاجَرَتْ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهِيَ حُبْلَى ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّه بْن الزُّبَيْر يَعْنِي بِمَكَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا مُتِمّ ) ‏ ‏أَيْ قَدْ أَتْمَمْت مُدَّة الْحَمْل الْغَالِبَة وَهِيَ تِسْعَة أَشْهُر , وَيُطْلَق \" مُتِمّ \" أَيْضًا عَلَى مَنْ وَلَدَتْ لِتَمَامٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَلَتْ بِقُبَاء فَوَلَدَتْهُ بِقُبَاء ) ‏ ‏هَذَا يُشْعِر بِأَنَّهَا وَصَلَتْ إِلَى الْمَدِينَة قَبْل أَنْ يَتَحَوَّل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قُبَاء , وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَتَيْت بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ تَفَلَ ) ‏ ‏بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ فَاء تَقَدَّمَ بَيَانه فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ حَنَّكَهُ ) ‏ ‏أَيْ وَضَعَ فِي فِيهِ التَّمْرَة , وَدَلَّك حَنَكه بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَرَّكَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ قَالَ بَارَكَ اللَّه فِيهِ , أَوْ اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ أَوَّل مَوْلُود وُلِدَ فِي الْإِسْلَام ) ‏ ‏أَيْ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ , فَأَمَّا مَنْ وُلِدَ بِغَيْرِ الْمَدِينَة مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَقِيلَ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بِالْحَبَشَةِ , وَأَمَّا مِنْ الْأَنْصَار بِالْمَدِينَةِ فَكَانَ أَوَّل مَوْلُود وُلِدَ لَهُمْ بَعْد الْهِجْرَة مَسْلَمَة بْن مَخْلَد كَمَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة , وَقِيلَ : النُّعْمَان بْن بَشِير , وَفِي الْحَدِيث أَنَّ مَوْلِد عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر كَانَ فِي السَّنَة الْأُولَى وَهُوَ الْمُعْتَمَد , بِخِلَافِ مَا جَزَمَ بِهِ الْوَاقِدِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ بِأَنَّهُ وُلِدَ فِي السَّنَة الثَّانِيَة بَعْد عِشْرِينَ شَهْرًا مِنْ الْهِجْرَة , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ الزِّيَادَة مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الرُّومِيّ عَنْ أَبِي أُسَامَة بَعْد قَوْله فِي الْإِسْلَام : \" فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ فَرَحًا شَدِيدًا ; لِأَنَّ الْيَهُود كَانُوا يَقُولُونَ : سَحَرْنَاهُمْ حَتَّى لَا يُولَد لَهُمْ \" وَأَخْرَجَ الْوَاقِدِيّ ذَلِكَ بِسَنَدٍ لَهُ إِلَى سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة , وَجَاءَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة نَحْوه , وَيَرُدّهُ أَنَّ هِجْرَة أَسْمَاء وَعَائِشَة وَغَيْرهمَا مِنْ آلِ الصِّدِّيق كَانَتْ بَعْد اِسْتِقْرَار النَّبِيّ بِالْمَدِينَةِ , فَالْمَسَافَة قَرِيبَة جِدًّا لَا تَحْتَمِل تَأَخُّر عِشْرِينَ شَهْرًا , بَلْ وَلَا عَشْرَة أَشْهُر. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ خَالِد بْن مَخْلَد ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ خَالِد بْن مَخْلَد بِهَذَا السَّنَد وَلَفْظه \" إِنَّهَا هَاجَرَتْ وَهِيَ حُبْلَى بِعَبْدِ اللَّه , فَوَضَعَتْهُ بِقُبَاءَ فَلَمْ تُرْضِعهُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوه , وَزَادَ فِي آخِره \" ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ - أَيْ دَعَا لَهُ - وَسَمَّاهُ عَبْد اللَّه \". ‏"
    },
    {
        "id": "3620",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخَذَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَمْرَةً فَلَاكَهَا ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي ‏ ‏فِيهِ فَأَوَّلُ مَا دَخَلَ بَطْنَهُ رِيقُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي الْمَعْنَى , هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ عَنْ عُرْوَة عَنْ أُمّه أَسْمَاء وَعَنْ خَالَته عَائِشَة , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام عَلَى الْوَجْهَيْنِ كَمَا تَرَى , وَفِي رِوَايَة أَسْمَاء زِيَادَة تَخْتَصّ بِهَا , وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّف لِحَدِيثِ أَسْمَاء مُتَابِعًا وَهِيَ الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة الَّتِي فَرَغْنَا مِنْهَا , وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْم لِحَدِيثِ عَائِشَة مُتَابِعًا مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن يَحْيَى عَنْ هِشَام , وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي خَالِد عَنْ هِشَام مُخْتَصَرًا نَحْوه , وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق شُعَيْب بْن إِسْحَاق عَنْ هِشَام مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْد عُرْوَة عَنْ أُمّه وَخَالَته وَلَفْظه عَنْ هِشَام \" حَدَّثَنِي عُرْوَة وَفَاطِمَة بِنْت الْمُنْذِر قَالَا : خَرَجَتْ أَسْمَاء حِين هَاجَرَتْ وَهِيَ حُبْلَى بِعَبْدِ اللَّه بْن الزُّبَيْر , قَالَتْ : فَقَدِمْت قُبَاء فَنُفِسْت بِهِ , ثُمَّ خَرَجْت فَأَخَذَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُحَنِّكهُ , ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ , قَالَتْ عَائِشَة فَمَكَثْنَا سَاعَة نَلْتَمِسهَا قَبْل أَنْ نَجِدهَا فَمَضَغَهَا \" الْحَدِيث , فَهَذَا الْحَدِيث فِيهِ الْبَيَان أَنَّهُ عِنْد عُرْوَة عَنْهُمَا جَمِيعًا , وَزَادَ فِي آخِر هَذَا الطَّرِيق \" وَسَمَّاهُ عَبْد اللَّه , ثُمَّ جَاءَ وَهُوَ اِبْن سَبْع سِنِينَ أَوْ ثَمَان لِيُبَايِع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمَرَهُ بِذَلِكَ الزُّبَيْر , فَتَبَسَّمَ وَبَايَعَهُ \". وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَة بَعَثَ زَيْد بْن حَارِثَة فَأَحْضَرَ زَوْجَته سَوْدَة بِنْت زَمْعَة وَبِنْتَيْهِ فَاطِمَة وَأُمّ كُلْثُوم وَأُمّ أَيْمَن زَوْج زَيْد بْن حَارِثَة وَابْنهَا أُسَامَة , وَخَرَجَ مَعَهُمْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر وَمَعَهُ أُمّه أُمّ رُومَان وَأُخْتَاهُ عَائِشَة وَأَسْمَاء , فَقَدِمُوا وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْنِي مَسْجِده \" وَمَجْمُوع هَذَا مَعَ قَوْلهَا \" فَوَلَدَتْهُ بِقُبَاء \" يَدُلّ عَلَى أَنَّ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وُلِدَ فِي السَّنَة الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَة كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَوْا بِهِ ) ‏ ‏. يُؤْخَذ مِنْ الَّذِي قَبْله أَنَّ أُمّه هِيَ الَّتِي أَتَتْ بِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْهَا غَيْرهَا كَزَوْجِهَا أَوْ أُخْتهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَاكَهَا ) ‏ ‏أَيْ مَضَغَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي فِيهِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : ظَاهِره أَنَّ اللَّوْك كَانَ قَبْل أَنْ يُدْخِلهَا فِي فِيهِ , وَاَلَّذِي عِنْد أَهْل اللُّغَة أَنَّ اللَّوْك فِي الْفَم. قُلْت : وَهُوَ فَهْم عَجِيب , فَإِنَّ الضَّمِير فِي قَوْله : \" فِي فِيهِ \" يَعُود عَلَى اِبْن الزُّبَيْر أَيْ لَاكَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَمه ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي فِي اِبْن الزُّبَيْر , وَهُوَ وَاضِح لِمَنْ تَأَمَّلَهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3621",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَهُوَ مُرْدِفٌ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏شَيْخٌ يُعْرَفُ وَنَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَابٌّ لَا يُعْرَفُ قَالَ فَيَلْقَى الرَّجُلُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَيَقُولُ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ فَيَقُولُ هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ قَالَ فَيَحْسِبُ الْحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا ‏ ‏يَعْنِي الطَّرِيقَ وَإِنَّمَا ‏ ‏يَعْنِي سَبِيلَ الْخَيْرِ فَالْتَفَتَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَإِذَا هُوَ ‏ ‏بِفَارِسٍ ‏ ‏قَدْ لَحِقَهُمْ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا فَارِسٌ قَدْ لَحِقَ بِنَا فَالْتَفَتَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ فَصَرَعَهُ الْفَرَسُ ثُمَّ قَامَتْ تُحَمْحِمُ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مُرْنِي بِمَا شِئْتَ قَالَ فَقِفْ مَكَانَكَ لَا تَتْرُكَنَّ أَحَدًا يَلْحَقُ بِنَا قَالَ فَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ آخِرَ النَّهَارِ مَسْلَحَةً لَهُ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَانِبَ ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏ثُمَّ بَعَثَ إِلَى ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَجَاءُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَسَلَّمُوا عَلَيْهِمَا وَقَالُوا ارْكَبَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَحَفُّوا دُونَهُمَا بِالسِّلَاحِ فَقِيلَ فِي ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَشْرَفُوا يَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ فَأَقْبَلَ يَسِيرُ حَتَّى نَزَلَ جَانِبَ دَارِ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ إِذْ سَمِعَ بِهِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏وَهُوَ فِي نَخْلٍ لِأَهْلِهِ ‏ ‏يَخْتَرِفُ ‏ ‏لَهُمْ فَعَجِلَ أَنْ يَضَعَ الَّذِي ‏ ‏يَخْتَرِفُ ‏ ‏لَهُمْ فِيهَا فَجَاءَ وَهِيَ مَعَهُ فَسَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو أَيُّوبَ ‏ ‏أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذِهِ دَارِي وَهَذَا بَابِي قَالَ فَانْطَلِقْ فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا قَالَ قُومَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ فَلَمَّا جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّكَ جِئْتَ بِحَقٍّ وَقَدْ عَلِمَتْ ‏ ‏يَهُودُ ‏ ‏أَنِّي سَيِّدُهُمْ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ وَأَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ فَادْعُهُمْ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ فَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ قَالُوا فِيَّ مَا لَيْسَ فِيَّ فَأَرْسَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَقْبَلُوا فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا مَعْشَرَ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏وَيْلَكُمْ اتَّقُوا اللَّهَ فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا وَأَنِّي جِئْتُكُمْ بِحَقٍّ فَأَسْلِمُوا قَالُوا مَا نَعْلَمُهُ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ قَالَ فَأَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالُوا ذَاكَ سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا وَأَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ قَالُوا حَاشَى لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ قَالُوا حَاشَى لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ قَالُوا حَاشَى لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ قَالَ يَا ‏ ‏ابْنَ سَلَامٍ ‏ ‏اخْرُجْ عَلَيْهِمْ فَخَرَجَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏اتَّقُوا اللَّهَ فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّهُ جَاءَ بِحَقٍّ فَقَالُوا كَذَبْتَ فَأَخْرَجَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَام , وَقَالَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" أَظُنّهُ أَنَّهُ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى أَبُو مُوسَى. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( مُرْدِف أَبَا بَكْر ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيّ : يَحْتَمِل أَنَّهُ مُرْتَدِف خَلْفه عَلَى رَاحِلَته , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى رَاحِلَة أُخْرَى , قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَة مُرْدِفِينَ ) أَيْ يَتْلُو بَعْضهمْ بَعْضًا , وَرَجَّحَ اِبْن التِّين الْأَوَّل وَقَالَ : لَا يَصِحّ الثَّانِي لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَمْشِي أَبُو بَكْر بَيْن يَدَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْت : إِنَّمَا يَلْزَم ذَلِكَ لَوْ كَانَ الْخَبَر جَاءَ بِالْعَكْسِ كَأَنْ يَقُول : وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْتَدِف خَلْف أَبِي بَكْر فَأَمَّا وَلَفْظه \" وَهُوَ مُرْدِف أَبَا بَكْر \" فَلَا , وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس \" فَكَأَنِّي أَنْظُر إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَته وَأَبُو بَكْر رِدْفه \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو بَكْر شَيْخ ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّهُ قَدْ شَابَ , وَقَوْله : \" يُعْرَف \" أَيْ لِأَنَّهُ كَانَ يَمُرّ عَلَى أَهْل الْمَدِينَة فِي سَفَر التِّجَارَة , بِخِلَافِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّهُ كَانَ بَعِيد الْعَهْد بِالسَّفَرِ مِنْ مَكَّة , وَلَمْ يَشِبْ , وَإِلَّا فَفِي نَفْس الْأَمْر كَانَ هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَسَنَّ مِنْ أَبِي بَكْر , وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب مِنْ حَدِيث أَنَس أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الَّذِينَ هَاجَرُوا أَشْمَط غَيْر أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَبِيّ اللَّه شَابّ لَا يُعْرَف ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ أَسَنَّ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُمَر مِنْ رِوَايَة حَبِيب بْن الشَّهِيد عَنْ مَيْمُون بْن مِهْرَان عَنْ يَزِيد بْن الْأَصَمّ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي بَكْر : أَيّمَا أَسَنَّ أَنَا أَوْ أَنْتَ ؟ قَالَ أَنْتَ أَكْرَم يَا رَسُول اللَّه مِنِّي وَأَكْبَر , وَأَنَا أَسَنَّ مِنْك \" قَالَ أَبُو عُمَر : هَذَا مُرْسَل , وَلَا أَظُنّهُ إِلَّا وَهْمًا قُلْت : وَهُوَ كَمَا ظَنَّ , وَإِنَّمَا يُعْرَف هَذَا لِلْعَبَّاسِ , وَأَمَّا أَبُو بَكْر فَثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ مُعَاوِيَة أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَة , وَكَانَ قَدْ عَاشَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرًا فَيَلْزَم عَلَى الصَّحِيح فِي سِنّ أَبِي بَكْر أَنْ يَكُون أَصْغَر مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَكْثَر مِنْ سَنَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَهْدِينِي السَّبِيل ) ‏ ‏بَيَّنَ سَبَب ذَلِكَ اِبْن سَنَد فِي رِوَايَة لَهُ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي بَكْر : اُلْهُ النَّاس عَنِّي , فَكَانَ إِذَا سُئِلَ مَنْ أَنْتَ قَالَ : بَاغِي حَاجَة , فَإِذَا قِيلَ : مَنْ هَذَا مَعَك ؟ قَالَ : هَادٍ يَهْدِينِي \" , وَفِي حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" وَكَانَ أَبُو بَكْر رَجُلًا مَعْرُوفًا فِي النَّاس فَإِذَا لَقِيَهُ لَاقٍ يَقُول لِأَبِي بَكْر : مَنْ هَذَا مَعَك ؟ فَيَقُول : هَادٍ يَهْدِينِي \" يُرِيد الْهِدَايَة فِي الدِّين وَيَحْسِبهُ الْآخَر دَلِيلًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه هَذَا فَارِس ) ‏ ‏وَهُوَ سُرَاقَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح قِصَّته فِي الْحَدِيث الْحَادِيَ عَشَرَ وَوَقَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر فِي سَفَرهمْ ذَلِكَ قَضَايَا : مِنْهَا نُزُولهمْ بِخَيْمَتَيْ أُمّ مَعْبَد , وَقِصَّتهَا أَخْرَجَهَا اِبْن خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِم مُطَوَّلَة , وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق شَبِيهًا بِأَصْلِ قِصَّتهَا فِي لَبَن الشَّاة الْمَهْزُولَة دُون مَا فِيهَا مِنْ صِفَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنَّهُ لَمْ يُسَمِّهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَلَا نَسَبَهَا , فَاحْتَمَلَ التَّعَدُّد. وَمَرَّ بِعَبْدٍ يَرْعَى غَنَمًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيث الْبَرَاء عَنْ أَبِي بَكْر , وَرَوَى أَبُو سَعِيد فِي \" شَرَف الْمُصْطَفَى \" مِنْ طَرِيق إِيَاس بْن مَالِك بْن الْأَوْس الْأَسْلَمِيّ قَالَ : \" لَمَّا هَاجَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر مَرُّوا بِإِبِلٍ لَنَا بِالْجُحْفَةِ , فَقَالَا : لِمَنْ هَذِهِ ؟ قَالَ : لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ \" فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْر فَقَالَ : سَلِمْت , قَالَ : مَا اِسْمك ؟ قَالَ : مَسْعُود , فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْر فَقَالَ : سَعِدْت \" وَوَصَلَهُ اِبْن السَّكَن وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ إِيَاس عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَوْس بْن عَبْد اللَّه بْن حَجَرٍ فَذَكَرَ نَحْوه مُطَوَّلًا وَفِيهِ : \" أَنَّ أَوْسًا أَعْطَاهُمَا فَحَلَّ إِبِله , وَأَرْسَلَ مَعَهُمَا غُلَامه مَسْعُودًا , وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُفَارِقهُمَا حَتَّى يَصِلَا الْمَدِينَة \" وَتَحْدِيث أَنَس بِقِصَّةِ سُرَاقَة مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة , وَلَعَلَّهُ حَمَلهَا عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبه أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَ عَنْهُ بِطَرَفِ الْغَار وَهُوَ قَوْله : \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه لَوْ أَنَّ أَحَدهمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرْنَا \" الْحَدِيث. وَقَوْله فِيهِ : \" فَصَرَعَهُ عَنْ فَرَسه ثُمَّ قَامَتْ تُحَمْحِم \" قَالَ اِبْن التِّين : فِيهِ نَظَر , لِأَنَّ الْفَرَس إِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَلَا يَجُوز \" فَصَرَعَهُ \" وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَلَا يُقَال \" ثُمَّ قَامَتْ \". قُلْت : وَإِنْكَاره مِنْ الْعَجَائِب , وَالْجَوَاب أَنَّهُ ذَكَّرَ بِاعْتِبَارِ لَفْظ الْفَرَس وَأَنَّثَ بِاعْتِبَارِ مَا فِي نَفْس الْأَمْر مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ أُنْثَى. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْأَنْصَار فَجَاءُوا إِلَى نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر فَسَلَّمُوا عَلَيْهِمَا وَقَالُوا : اِرْكَبَا آمَنِينَ مُطَاعِينَ , فَرَكِبَا ) ‏ ‏طَوَى فِي هَذَا الْحَدِيث قِصَّة إِقَامَته عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام هُنَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَيَانه فِي الْحَدِيث الثَّالِث عَشَر , وَتَقْدِير الْكَلَام : فَنَزَلَ جَانِب الْحَرَّة فَأَقَامَ بِقُبَاءَ الْمُدَّة الَّتِي أَقَامَهَا وَبَنَى بِهَا الْمَسْجِد ثُمَّ بَعَثَ إِلَخْ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى نَزَلَ جَانِب دَار أَبِي أَيُّوب ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه مُسْتَوْفًى فِي الْحَدِيث الثَّالِث عَشَر , وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي \" التَّارِيخ الصَّغِير \" حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة \" عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ : إِنِّي لَأَسْعَى مَعَ الْغِلْمَان إِذْ قَالُوا : جَاءَ مُحَمَّد , فَنَنْطَلِق فَلَا نَرَى شَيْئًا , حَتَّى أَقْبَلَ وَصَاحِبه , فَكَمَنَا فِي بَعْض خِرَب الْمَدِينَة وَبَعَثْنَا رَجُلًا مِنْ أَهْل الْبَادِيَة يُؤَذِّن بِهِمَا , فَاسْتَقْبَلَهُ زُهَاء خَمْسمِائَةِ مِنْ الْأَنْصَار فَقَالُوا : \" اِنْطَلَقَا آمَنِينَ مُطَاعِينَ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّهُ لَيُحَدِّث أَهْله ) ‏ ‏الضَّمِير لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ سَمِعَ بِهِ عَبْد اللَّه بْن سَلَام ) ‏ ‏بِالتَّخْفِيفِ اِبْن الْحُوَيْرِث الْإِسْرَائِيلِيّ يُكَنَّى أَبَا يُوسُف يُقَال كَانَ اِسْمه الْحُصَيْن فَسُمِّيَ عَبْد اللَّه فِي الْإِسْلَام , وَهُوَ مِنْ حُلَفَاء بَنِي عَوْف بْن الْخَزْرَج. ‏ ‏قَوْله : ( يَخْتَرِف لَهُمْ ) ‏ ‏بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء أَيْ يَجْتَنِي مِنْ الثِّمَار. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ وَهِيَ مَعَهُ ) ‏ ‏أَيْ الثَّمَرَة الَّتِي اِجْتَنَاهَا , وَفِي بَعْضهَا \" وَهُوَ \" أَيْ الَّذِي اِجْتَنَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَمِعَ مِنْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْله ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق زُرَارَة بْن أَوْفَى \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَلَام قَالَ : لَمَّا قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة اِنْجَفَلَ النَّاس إِلَيْهِ , فَجِئْت فِي النَّاس لِأَنْظُر إِلَيْهِ , فَلَمَّا اِسْتَبَنْت وَجْهه عَرَفْت أَنَّ وَجْهه لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّاب \" الْحَدِيث , قَالَ الْعِمَاد بْن كَثِير : ظَاهِر هَذَا السِّيَاق يَعْنِي سِيَاق أَحْمَد لِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن سَلَام وَلَفْظه \" لَمَّا قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة اِنْجَفَلَ النَّاس لِقُدُومِهِ فَكُنْت فِيمَنْ اِنْجَفَلَ \" أَنَّهُ اِجْتَمَعَ بِهِ لَمَّا قَدِمَ قُبَاء , وَظَاهِر حَدِيث أَنَس أَنَّهُ اِجْتَمَعَ بِهِ بَعْد أَنْ نَزَلَ بِدَارِ أَبِي أَيُّوب , قَالَ : فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ اُجْتَمَعَ بِهِ مَرَّتَيْنِ. قُلْت : لَيْسَ فِي الْأَوَّل تَعْيِين قُبَاء , فَالظَّاهِر الِاتِّحَاد وَحَمْل الْمَدِينَة هُنَا عَلَى دَاخِلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَيُّ بُيُوت أَهْلنَا أَقْرَب ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي أَوَاخِر الْحَدِيث الثَّالِث عَشَر , وَأَطْلَقَ عَلَيْهِمْ أَهْله لِقَرَابَةِ مَا بَيْنهمْ مِنْ النِّسَاء , لِأَنَّ مِنْهُمْ وَالِدَة عَبْد الْمُطَّلِب جَدّه وَهِيَ سَلْمَى بِنْت عَوْف مِنْ بَنِي مَالِك بْن النَّجَّار , وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث الْبَرَاء أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ عَلَى أَخْوَاله أَوْ أَجْدَاده مِنْ بَنِي النَّجَّار. ‏ ‏قَوْله : ( فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا ) ‏ ‏أَيْ مَكَانًا تَقَع فِيهِ الْقَيْلُولَة ‏ ‏( قَالَ قَوْمًا ) ‏ ‏فِيهِ حَذْف تَقْدِيره : فَذَهَبَ فَهَيَّأَ , وَقَدْ وَقَعَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة الْحَاكِم وَأَبِي سَعِيد قَالَ : \" فَانْطَلَقَ فَهَيَّأَ لَهُمَا مَقِيلًا ثُمَّ جَاءَ \" وَفِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب عِنْد الْحَاكِم وَغَيْره \" أَنَّهُ أَنْزَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السُّفْل وَنَزَلَ هُوَ وَأَهْله فِي الْعُلْو , ثُمَّ أَشْفَقَ مِنْ ذَلِكَ , فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَحَوَّلَ إِلَى الْعُلْو وَنَزَلَ أَبُو أَيُّوب إِلَى السُّفْل \" وَنَحْوه فِي طَرِيق عَبْد الْعَزِيرِ بْن صُهَيْب عَنْ أَنَس عِنْد أَبِي سَعِيد فِي \" شَرَف الْمُصْطَفَى \" وَأَفَادَ اِبْن سَعْد أَنَّهُ أَقَامَ بِمَنْزِلِ أَبِي أَيُّوب سَبْعَة أَشْهُر حَتَّى بَنَى بُيُوته , وَأَبُو أَيُّوب هُوَ خَالِد بْن زَيْد بْن كُلَيْب مِنْ بَنِي النَّجَّار , وَبَنُو النَّجَّار مِنْ الْخَزْرَج بْن حَارِثَة , وَيُقَال إِنَّ تُبَّعًا لَمَّا غَزَا الْحِجَاز وَاجْتَازَ يَثْرِب خَرَجَ إِلَيْهِ أَرْبَعمِائَةِ حَبْر فَأَخْبَرُوهُ بِمَا يَجِب مِنْ تَعْظِيم الْبَيْت , وَأَنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ يَكُون مَسْكَنه يَثْرِب , فَأَكْرَمهمْ وَعَظَّمَ الْبَيْت بِأَنْ كَسَاهُ , وَهُوَ أَوَّل مَنْ كَسَاهُ , وَكَتَبَ كِتَابًا وَسَلَّمَهُ لِرَجُلٍ مِنْ أُولَئِكَ الْأَحْبَار , وَأَوْصَاهُ أَنْ يُسَلِّمهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ أَدْرَكَهُ , فَيُقَال إِنَّ أَبَا أَيُّوب مِنْ ذُرِّيَّة ذَلِكَ الرَّجُل , حَكَاهُ اِبْن هِشَام فِي \" التِّيجَان \" وَأَوْرَدَهُ اِبْن عَسَاكِر فِي تَرْجَمَة تُبَّع. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا جَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى مَنْزِل أَبِي أَيُّوب ‏ ‏( جَاءَ عَبْد اللَّه بْن سَلَام ) ‏ ‏أَيْ إِلَيْهِ ‏ ‏( فَقَالَ أَشْهَد أَنَّك رَسُول اللَّه ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا قَبْل كِتَاب الْمَغَازِي أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاء , فَلَمَّا أَعْلَمهُ بِهَا أَسْلَمَ. وَلَفْظه \" فَأَتَاهُ يَسْأَلهُ عَنْ أَشْيَاء فَقَالَ إِنِّي سَائِلك عَنْ ثَلَاث لَا يَعْلَمهُنَّ إِلَّا نَبِيّ : مَا أَوَّل أَشْرَاط السَّاعَة , وَمَا أَوَّل طَعَام يَأْكُلهُ أَهْل الْجَنَّة , وَمَا بَال الْوَلَد يَنْزِع إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمّه ؟ فَلَمَّا ذَكَرَ لَهُ جَوَاب مَسَائِله قَالَ : أَشْهَد أَنَّك رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :. ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الْيَهُود قَوْم بُهُت \" الْحَدِيث , وَعِنْد الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن حَزْم عَنْ يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه عَنْ رَجُل مِنْ آلِ عَبْد اللَّه بْن سَلَام عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَلَام قَالَ : سَمِعْت بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَرَفْت صِفَته وَاسْمه , فَكُنْت مُسِرًّا لِذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَة , فَسَمِعْت بِهِ وَأَنَا عَلَى رَأْس نَخْلَة , فَكَبَّرْت , فَقَالَتْ لِي عَمَّتِي خَالِدَة بِنْت الْحَارِث : لَوْ كُنْت سَمِعْت بِمُوسَى مَا زِدْت , فَقُلْت : وَاَللَّه هُوَ أَخُو مُوسَى , بُعِثَ بِمَا بُعِثَ بِهِ , فَقَالَتْ لِي : يَا اِبْن أَخِي هُوَ الَّذِي كُنَّا نُخْبَر أَنَّهُ سَيُبْعَثُ مَعَ نَفْس السَّاعَة , قُلْت نَعَمْ. قَالَتْ فَذَاكَ إِذًا , ثُمَّ خَرَجْت إِلَيْهِ فَأَسْلَمْت , ثُمَّ جِئْت إِلَى أَهْل بَيْتِي فَأَمَرْتهمْ فَأَسْلَمُوا , ثُمَّ جِئْت إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : إِنَّ الْيَهُود قَوْم بُهُت \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَقَدْ عَلِمَتْ يَهُود أَنِّي سَيِّدهمْ ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة قَرِيبًا : \" قَالَ يَا رَسُول اللَّه إِنَّ الْيَهُود قَوْم بُهُت \" وَسَيَأْتِي شَرْح ذَلِكَ ثَمَّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالُوا فِيَّ مَا لَيْسَ فِيَّ ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة عِنْد أَبِي نُعَيْم \" بَهَتُونِي عِنْدك \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَرْسَلَ نَبِيُّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى الْيَهُود فَجَاءُوا. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَخَلُوا عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ بَعْد أَنْ اِخْتَبَأَ لَهُمْ عَبْد اللَّه بْن سَلَام كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه هُنَاكَ. وَفِي رِوَايَة يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه الْمَذْكُور \" فَأَدْخِلْنِي فِي بَعْض بُيُوتك ثُمَّ سَلْهُمْ عَنِّي , فَإِنَّهُمْ إِنْ عَلِمُوا بِذَلِكَ بَهَتُونِي وَعَابُونِي. قَالَ فَأَدْخَلَنِي بَعْض بُيُوته \". ‏ ‏قَوْله : ( سَيِّدنَا وَابْن سَيِّدنَا , وَأَعْلَمنَا وَابْن أَعْلَمنَا ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة \" خَيْرنَا وَابْن خَيْرنَا , وَأَفْضَلنَا وَابْن أَفْضَلنَا \" وَفِي تَرْجَمَة آدَم \" أَخْيَرنَا \" بِصِيغَةِ أَفْعَل , وَفِي رِوَايَة يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه \" سَيِّدنَا , وَأَخْيَرنَا , وَعَالِمنَا \" وَلَعَلَّهُمْ قَالُوا جَمِيع ذَلِكَ أَوْ بَعْضه بِالْمَعْنَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالُوا شَرّنَا ) وَفِي رِوَايَة يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه \" فَقَالُوا كَذَبْت ثُمَّ وَقَعُوا فِي \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالُوا كَذَبْت فَأَخْرَجَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه أَلَمْ أُخْبِرك أَنَّهُمْ قَوْم بُهُت أَهْل غَدْر وَكَذِب وَفُجُور \" وَفِي الرِّوَايَة الْآتِيَة \" فَنَقَصُوهُ فَقَالَ : هَذَا مَا كُنْت أَخَاف يَا رَسُول اللَّه \". ‏"
    },
    {
        "id": "3622",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ فَرَضَ ‏ ‏لِلْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏الْأَوَّلِينَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ فِي أَرْبَعَةٍ وَفَرَضَ ‏ ‏لِابْنِ عُمَرَ ‏ ‏ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَخَمْسَ مِائَةٍ فَقِيلَ لَهُ هُوَ مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏فَلِمَ نَقَصْتَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا هَاجَرَ بِهِ أَبَوَاهُ يَقُولُ لَيْسَ هُوَ كَمَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُمَر كَانَ فَرَضَ لِلْمُهَاجِرِينَ ) ‏ ‏هَذَا صُورَته مُنْقَطِع , لِأَنَّ نَافِعًا لَمْ يَلْحَق عُمَر , لَكِنْ سِيَاق الْحَدِيث يُشْعِر بِأَنَّ نَافِعًا حَمَلَهُ عَنْ اِبْن عُمَر. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ هُنَا \" عَنْ نَافِع يَعْنِي عَنْ اِبْن عُمَر \" , وَلَعَلَّهَا مِنْ إِصْلَاح بَعْض الرُّوَاة , وَاغْتَرَّ بِهَا شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن فَأَنْكَرَ عَلَى اِبْن التِّين قَوْله إِنَّ الْحَدِيث مُرْسَل وَقَالَ : لَعَلَّ نُسْخَته الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ لَيْسَ فِيهَا اِبْن عُمَر , وَقَدْ رَوَى الدَّرَاوَرْدِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر فَقَالَ : \" عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : فَرَضَ عُمَر لِأُسَامَة أَكْثَر مِمَّا فَرَضَ لِي , فَذَكَرَ قِصَّة أُخْرَى شَبِيهَة بِهَذِهِ أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ) هُمْ الَّذِينَ صَلُّوا لِلْقِبْلَتَيْنِ أَوْ شَهِدُوا بَدْرًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْبَعَة آلَاف فِي أَرْبَعَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَسَقَطَتْ لَفْظَة \" فِي \" مِنْ رِوَايَة النَّسَفِيّ وَهُوَ الْوَجْه أَيْ لِكُلِّ وَاحِد أَرْبَعَة آلَاف , وَلَعَلَّهَا بِمَعْنَى اللَّام وَالْمُرَاد إِثْبَات عَدَد الْمُهَاجِرِينَ الْمَذْكُورِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا هَاجَرَ بِهِ أَبَوَاهُ , يَقُول لَيْسَ هُوَ كَمَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيّ الْمَذْكُورَة \" قَالَ عُمَر لِابْنِ عُمَر : إِنَّمَا هَاجَرَ بِك أَبَوَاك \" وَالْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ فِي كَنَف أَبِيهِ , فَلَيْسَ هُوَ كَمَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ , وَكَانَ لِابْنِ عُمَر حِين الْهِجْرَة إِحْدَى عَشْرَة سَنَة , وَوَهَمَ مَنْ قَالَ اِثْنَتَا عَشْرَة وَكَذَا ثَلَاث عَشْرَة , لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ عُرِضَ يَوْم أُحُد وَهُوَ اِبْن أَرْبَع عَشْرَة , وَكَانَتْ أُحُد فِي شَوَّال سَنَة ثَلَاث. ‏"
    },
    {
        "id": "3623",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَبَّابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏خَبَّابٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ وَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ ‏ ‏مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏قُتِلَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏فَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا نُكَفِّنُهُ فِيهِ إِلَّا ‏ ‏نَمِرَةً ‏ ‏كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ فَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ بِهَا وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ ‏ ‏إِذْخِرٍ ‏ ‏وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ ‏ ‏يَهْدِبُهَا ‏",
        "sharh": "( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَعَادَ الْمُصَنِّف هُنَا حَدِيث خَبَّاب بَعْد أَنْ ذَكَرَهُ فِي أَوَائِل الْبَاب , فَأَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ سَاقَهُ عَلَى لَفْظ الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَهِيَ رِوَايَة مُسَدَّد , وَسَأَذْكُرُ شَرْحه فِي غَزْوَة أُحُد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3624",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏هَلْ تَدْرِي مَا قَالَ أَبِي لِأَبِيكَ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَإِنَّ أَبِي قَالَ لِأَبِيكَ يَا ‏ ‏أَبَا مُوسَى ‏ ‏هَلْ يَسُرُّكَ إِسْلَامُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهِجْرَتُنَا مَعَهُ وَجِهَادُنَا مَعَهُ وَعَمَلُنَا كُلُّهُ مَعَهُ بَرَدَ لَنَا وَأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدَهُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا رَأْسًا بِرَأْسٍ فَقَالَ أَبِي لَا وَاللَّهِ قَدْ جَاهَدْنَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَصَلَّيْنَا وَصُمْنَا وَعَمِلْنَا خَيْرًا كَثِيرًا وَأَسْلَمَ عَلَى أَيْدِينَا بَشَرٌ كَثِيرٌ وَإِنَّا لَنَرْجُو ذَلِكَ فَقَالَ أَبِي لَكِنِّي أَنَا وَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ بَرَدَ لَنَا وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا رَأْسًا بِرَأْسٍ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏إِنَّ أَبَاكَ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَبِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لِي عَبْد اللَّه بْن عُمَر : هَلْ تَدْرِي ) ‏ ‏وَقَعَتْ فِي هَذَا الْحَدِيث زِيَادَة مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : \" صَلَّيْت إِلَى جَنْب اِبْن عُمَر , فَسَمِعْته حِين سَجَدَ يَقُول \" فَذَكَرَ ذِكْرًا وَفِيهِ \" مَا صَلَّيْت صَلَاة مُنْذُ أَسْلَمْت إِلَّا وَأَنَا أَرْجُو أَنْ تَكُون كَفَّارَة , وَقَالَ لِأَبِي بُرْدَة عَلِمْت أَنَّ أَبِي \" فَذَكَرَ حَدِيث الْبَاب رَوَيْنَاهُ فِي الْجُزْء السَّادِس مِنْ \" فَوَائِد أَبِي مُحَمَّد بْن صَاعِد \". ‏ ‏قَوْله : ( بَرَدَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَالرَّاء ‏ ‏( لَنَا ) ‏ ‏أَيْ ثَبَتَ لَنَا وَدَامَ , يُقَال بَرَدَ لِي عَلَى الْغَرِيم حَقّ أَيْ ثَبَتَ , وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة \" خَلَصَ \" بَدَل بَرَدَ وَقَوْله : \" كَفَافًا \" أَيْ سَوَاء بِسَوَاءٍ ; وَالْمُرَاد لَا مُوجِبًا ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا , وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة \" لَا لَك وَلَا عَلَيْك \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبِي : لَا وَاَللَّه ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِيهِ , وَالصَّوَاب \" قَالَ أَبُوك \" لِأَنَّ اِبْن عُمَر هُوَ الَّذِي يَحْكِي لِأَبِي بُرْدَة مَا دَار بَيْن عُمَر وَأَبِي مُوسَى , وَهَذَا الْكَلَام الْأَخِير كَلَام أَبِي مُوسَى , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ عَلَى الصَّوَاب وَلَفْظه \" فَقَالَ أَبُوك : لَا وَاَللَّه إِلَخْ \" وَوَقَعَ عِنْد الْقَابِسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي \" فَقَالَ إِي وَاَللَّه \" بِكَسْرِ الْهَمْزَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة بِمَعْنَى نَعَمْ مَعَهَا الْقَسَم مِثْل قَوْله : ( قُلْ إِي وَرَبِّي ) وَعِنْد عَبْدُوس \" إِنِّي وَاَللَّه \" بِنُونٍ ثَقِيلَة بَعْد الْهَمْزَة الْمَكْسُورَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة , وَكُلّه تَصْحِيف إِلَّا رِوَايَة النَّسَفِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ أَبِي بُرْدَة فِي \" تَارِيخ الْحَاكِم \" هَذَا الْحَدِيث \" قَالَ أَبُو مُوسَى : لَا , قَالَ لِمَ ؟ قَالَ : لِأَنِّي قَدِمْت عَلَى قَوْم جُهَّال فَعَلَّمْتهمْ الْقُرْآن وَالسُّنَّة فَأَرْجُو بِذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَبِي لَكِنِّي وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) ‏ ‏هَذَا كَلَام عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ أَبُو بُرْدَة , وَخَاطَبَ بِذَلِكَ اِبْن عُمَر فَأَرَادَ أَنَّ عُمَر خَيْر مِنْ أَبِي مُوسَى , وَأَرَادَ مِنْ الْحَيْثِيَّة الْمَذْكُورَة وَإِلَّا فَمِنْ الْمُقَرَّر أَنَّ عُمَر أَفْضَل مِنْ أَبِي مُوسَى عِنْد جَمِيع الطَّوَائِف , لَكِنْ لَا يَمْتَنِع أَنْ يَفُوق بَعْض الْمَفْضُولِينَ بِخَصْلَةٍ لَا تَسْتَلْزِم الْأَفْضَلِيَّة الْمُطْلَقَة , وَمَعَ هَذَا فَعُمَر فِي هَذِهِ الْخَصْلَة الْمَذْكُورَة أَيْضًا أَفْضَل مِنْ أَبِي مُوسَى , لِأَنَّ مَقَام الْخَوْف أَفْضَل مِنْ مَقَام الرَّجَاء , فَالْعِلْم مُحِيط بِأَنَّ الْآدَمِيّ لَا يَخْلُو عَنْ تَقْصِير مَا فِي كُلّ مَا يُرِيد مِنْ الْخَيْر , وَإِنَّمَا قَالَ عُمَر ذَلِكَ هَضْمًا لِنَفْسِهِ , وَإِلَّا فَمَقَامه فِي الْفَضَائِل وَالْكَلِمَات أَشْهَر مِنْ أَنْ يُذْكَرَ. ‏ ‏قَوْله : ( خَيْر مِنْ أَبِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة \" أَفْقَه مِنْ أَبِي \". ‏"
    },
    {
        "id": "3625",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏بَلَغَنِي ‏ ‏عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏إِذَا قِيلَ لَهُ هَاجَرَ قَبْلَ أَبِيهِ يَغْضَبُ قَالَ ‏ ‏وَقَدِمْتُ أَنَا ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَجَدْنَاهُ قَائِلًا فَرَجَعْنَا إِلَى الْمَنْزِلِ فَأَرْسَلَنِي ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَقَالَ اذْهَبْ فَانْظُرْ هَلْ اسْتَيْقَظَ فَأَتَيْتُهُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ ‏ ‏فَبَايَعْتُهُ ‏ ‏ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّهُ قَدْ اسْتَيْقَظَ فَانْطَلَقْنَا إِلَيْهِ نُهَرْوِلُ هَرْوَلَةً حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ فَبَايَعَهُ ثُمَّ ‏ ‏بَايَعْتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الصَّبَّاح أَوْ بَلَغَنِي عَنْهُ ) ‏ ‏أَمَّا مُحَمَّد فَهُوَ مُحَمَّد بْن الصَّبَّاح الدُّولَابِيّ الْبَزَّاز بِمُعْجَمَتَيْنِ نَزِيل بَغْدَاد , مُتَّفَق عَلَى تَوْثِيقه. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيّ فِي الصَّلَاة وَفِي الْبُيُوع جَازِمًا بِغَيْرِ وَاسِطَة وَأَمَّا مَنْ بَلَغَ الْبُخَارِيّ عَنْهُ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ عَبَّاد بْن الْوَلِيد , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق عَنْ مُحَمَّد بْن الصَّبَّاح بِلَفْظِهِ , وَعَبَّاد الْمَذْكُور يُكَنَّى أَبَا بَدْر , وَهُوَ غُبَرِيّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْمُوَحَّدَة الْخَفِيفَة , رَوَى عَنْهُ اِبْن مَاجَهْ وَابْن أَبِي حَاتِم وَقَالَ صَدُوق , وَمَاتَ قَبْل سَنَة سِتِّينَ أَوْ بَعْدهَا وَإِسْمَاعِيل شَيْخ مُحَمَّد فِيهِ هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّة , وَعَاصِم هُوَ اِبْن سُلَيْمَان الْأَحْوَل , وَأَبُو عُثْمَان هُوَ النَّهْدِيّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا قِيلَ لَهُ هَاجَرَ قَبْل أَبِيهِ يَغْضَب ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يُهَاجِر إِلَّا صُحْبَة أَبِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَقُول : \" لَعَنَ اللَّه مَنْ يَزْعُم أَنَّنِي هَاجَرْت قَبْل أَبِي , إِنَّمَا قَدَّمَنِي فِي ثِقَله \" وَهَذَا فِي إِسْنَاد ضَعْف , وَالْجَوَاب الَّذِي أَجَابَ بِهِ فِي حَدِيث الْبَاب أَصَحّ مِنْهُ , وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ ذِكْر أَبَوَيْهِ , فَإِنَّ أُمّه زَيْنَب بِنْت مَظْعُون كَانَتْ بِمَكَّة فِيمَا ذَكَرَهُ اِبْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( قَدِمْت أَنَا وَعُمَرُ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏يَعْنِي عِنْد الْبَيْعَة , وَلَعَلَّهَا بَيْعَة الرِّضْوَان , وَزَعَمَ الدَّاوُدِيّ أَنَّهَا بَيْعَة صَدَرَتْ حِين قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة , وَعِنْدِي فِي ذَلِكَ بُعْدٌ ; لِأَنَّ اِبْن عُمَر لَمْ يَكُنْ فِي سِنّ مَنْ يُبَايِع , وَقَدْ عُرِضَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد ذَلِكَ بِثَلَاثِ سِنِينَ يَوْم أُحُد فَلَمْ يُجِزْهُ , فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْبَيْعَة حِينَئِذٍ عَلَى غَيْر الْقِتَال , وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا اِبْن عُمَر لِيُبَيِّنَّ سَبَب وَهْم مَنْ قَالَ إِنَّهُ هَاجَرَ قَبْل أَبِيهِ , وَإِنَّمَا الَّذِي وَقَعَ لَهُ أَنَّهُ بَايَعَ قَبْل أَبِيهِ , فَلَمَّا كَانَتْ بَيْعَته قَبْل بَيْعَة أَبِيهِ تَوَهَّمَ بَعْض النَّاس أَنَّ هِجْرَته كَانَتْ قَبْل هِجْرَة أَبِيهِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا بَادَرَ إِلَى الْبَيْعَة قَبْلُ حِرْصًا عَلَى تَحْصِيل الْخَيْر , وَلِأَنَّ تَأْخِيره لِذَلِكَ لَا يَنْفَع عُمَر , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الدَّاوُدِيّ , وَعَارَضَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ مِثْله يَرِد فِي الْهِجْرَة الَّتِي أَنْكَرَ كَوْنهَا كَانَتْ سَابِقَة , وَالْجَوَاب أَنَّهُ أَنْكَرَ وُقُوع ذَلِكَ لَا كَرَاهِيَته لَوْ وَقَعَ , أَوْ الْفَرْق أَنَّ زَمَن الْبَيْعَة يَسِير جِدًّا بِخِلَافِ زَمَن الْهِجْرَة , وَأَيْضًا فَلَعَلَّ الْبَيْعَة لَمْ تَكُنْ عَامَّة بِخِلَافِ الْهِجْرَة , فَإِنَّ اِبْن عُمَر خَشِيَ أَنْ تَفُوتهُ الْبَيْعَة فَبَادَرَ إِلَى تَحْصِيلهَا ,. ثُمَّ أَسْرَعَ إِلَى أَبِيهِ فَأَخْبَرَهُ فَسَارَعَ إِلَى الْبَيْعَة فَبَايَعَ , ثُمَّ أَعَادَ اِبْن عُمَر الْبَيْعَة ثَانِي مَرَّة. ‏ ‏قَوْله : ( نُهَرْوِل ) ‏ ‏الْهَرْوَلَة ضَرْب مِنْ السَّيْر بَيْن الْمَشْي عَلَى مَهْل وَالْعَدْو. ‏"
    },
    {
        "id": "3626",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏قَالَ ابْتَاعَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عَازِبٍ ‏ ‏رَحْلًا فَحَمَلْتُهُ مَعَهُ قَالَ فَسَأَلَهُ ‏ ‏عَازِبٌ ‏ ‏عَنْ مَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُخِذَ عَلَيْنَا بِالرَّصَدِ فَخَرَجْنَا لَيْلًا ‏ ‏فَأَحْثَثْنَا ‏ ‏لَيْلَتَنَا وَيَوْمَنَا حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ ثُمَّ رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ فَأَتَيْنَاهَا وَلَهَا شَيْءٌ مِنْ ظِلٍّ قَالَ فَفَرَشْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرْوَةً مَعِي ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَانْطَلَقْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ قَدْ أَقْبَلَ فِي غُنَيْمَةٍ يُرِيدُ مِنْ الصَّخْرَةِ مِثْلَ الَّذِي أَرَدْنَا فَسَأَلْتُهُ لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ فَقَالَ أَنَا لِفُلَانٍ فَقُلْتُ لَهُ هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ لَهُ هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ قَالَ نَعَمْ فَأَخَذَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ فَقُلْتُ لَهُ انْفُضْ الضَّرْعَ قَالَ فَحَلَبَ ‏ ‏كُثْبَةً ‏ ‏مِنْ لَبَنٍ وَمَعِي ‏ ‏إِدَاوَةٌ ‏ ‏مِنْ مَاءٍ عَلَيْهَا خِرْقَةٌ قَدْ رَوَّأْتُهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى رَضِيتُ ثُمَّ ارْتَحَلْنَا وَالطَّلَبُ فِي إِثْرِنَا قَالَ ‏ ‏الْبَرَاءُ ‏ ‏فَدَخَلْتُ مَعَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَلَى أَهْلِهِ فَإِذَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏ابْنَتُهُ مُضْطَجِعَةٌ قَدْ أَصَابَتْهَا حُمَّى فَرَأَيْتُ أَبَاهَا فَقَبَّلَ خَدَّهَا وَقَالَ كَيْفَ أَنْتِ يَا بُنَيَّةُ ‏",
        "sharh": "( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ذَكَرَ الْمُصَنِّف هُنَا حَدِيث الْبَرَاء عَنْ أَبِي بَكْر فِي قِصَّة الْهِجْرَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي أَوَائِل هَذَا الْبَاب وَسَاقَهُ هُنَا أَتَمّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي عَلَامَات النُّبُوَّة وَفِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر , وَبَقِيَّته فِي أَوَائِل الْبَاب فِي حَدِيث سُرَاقَة. ‏ ‏وَقَوْله هُنَا : \" فَأَحْيَيْنَا لَيْلَتنَا \" ‏ ‏بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ مِنْ الْإِحْيَاء , وَلِبَعْضِهِمْ بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَة مِنْ الْحَثّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَفَرَشْت لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْوَة ) ‏ ‏فَسَّرَهَا صَاحِب ا النِّهَايَة بِأَنَّهَا الْأَرْض الْيَابِسَة , وَقِيلَ : التِّبْن الْيَابِس , قَالَ وَقِيلَ أَرَادَ بِالْفَرْوَةِ اللِّبَاس الْمَعْرُوفَة. قُلْت : وَهَذَا هُوَ الرَّاجِح بَلْ هُوَ الظَّاهِر مِنْ قَوْله : \" فَرْوَة مَعِي \" ‏ ‏وَقَوْله هُنَا : \" قَدْ رَوَّأْتُهَا \" ‏ ‏أَيْ تَأَتَّيْت بِهَا حَتَّى صَلَحَتْ , تَقُول رَوَّأْت فِي الْأَمْر إِذَا نَظَرْت فِيهِ وَلَمْ تَعْجَل. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الْبَرَاء : فَدَخَلْت مَعَ أَبِي بَكْر عَلَى أَهْله فَإِذَا بِنْته عَائِشَة مُضْطَجِعَة قَدْ أَصَابَتْهَا حُمَّى , فَرَأَيْت أَبَاهَا يُقَبِّل خَدّهَا وَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا بُنَيَّة ) ‏ ‏هَذَا الْقَدْر مِنْ الْحَدِيث لَمْ يَذْكُرهُ الْمُصَنِّف إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَسَأُشِيرُ إِلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَكَانَ دُخُول الْبَرَاء عَلَى أَهْل أَبِي بَكْر قَبْل أَنْ يَنْزِل الْحِجَاب قَطْعًا , وَأَيْضًا فَكَانَ حِينَئِذٍ دُون الْبُلُوغ وَكَذَلِكَ عَائِشَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3627",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنَ وَسَّاجٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏خَادِمِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَيْسَ فِي أَصْحَابِهِ ‏ ‏أَشْمَطُ ‏ ‏غَيْرَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَغَلَفَهَا بِالْحِنَّاءِ ‏ ‏وَالْكَتَمِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏دُحَيْمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ وَسَّاجٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَكَانَ أَسَنَّ أَصْحَابِهِ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَغَلَفَهَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ حَتَّى ‏ ‏قَنَأَ ‏ ‏لَوْنُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حِمْيَر ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمِيم وَفَتْح التَّحْتَانِيَّة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ عَنْ أَبِي زَيْد بِمُعْجَمَةٍ مُصَغَّر وَهُوَ تَصْحِيف , وَشَيْخه إِبْرَاهِيم بْن أَبِي عُلَيَّة قَدْ سَمِعَ عَنْ أَنَس , وَحَدَّثَ عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ , وَاسْم أَبِيهِ يَقْظَان ضِدّ النَّائِم , وَعُقْبَة بْن وَسَّاج بِفَتْحِ الْوَاو وَتَشْدِيد الْمُهْمَلَة وَآخِره جِيم , وَأَبُو عُبَيْد فِي الْإِسْنَاد الثَّانِي هُوَ حُيَيّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَفَتْح التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا أُخْرَى ثَقِيلَة وَيُقَال حَيّ بِلَفْظِ ضِدّ مَيِّت , وَكَانَ حَاجِب سُلَيْمَان بْن عَبْد الْمَلِك. ‏ ‏قَوْله : ( فَغَلَّفَهَا ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ خَضَّبَهَا , وَالْمُرَاد اللِّحْيَة وَإِنْ لَمْ يَقَع لَهَا ذِكْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْكَتَم ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْكَاف وَالْمُثَنَّاة الْخَفِيفَة وَحُكِيَ تَثْقِيلهَا : وَرَق يُخَضَّب بِهِ كَالْآسِ مِنْ نَبَات يَنْبُت فِي أَصْغَر الصُّخُور فَيَتَدَلَّى خِيطَانًا لِطَافًا , وَمُجْتَنَاهُ صَعْب وَلِذَلِكَ هُوَ قَلِيل , وَقِيلَ : إِنَّهُ يُخْلَط بِالْوَشْمَةِ , وَقِيلَ : إِنَّهُ الْوَشْمَة , وَقِيلَ : هُوَ النِّيل , وَقِيلَ : هُوَ حِنَّاء قُرَيْش وَصَبْغه أَصْفَر. ‏ ‏قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( وَقَالَ دُحَيْم ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن إِبْرَاهِيم الدِّمَشْقِيّ , وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ أَسَنَّ أَصْحَابه أَبُو بَكْر ) ‏ ‏أَيْ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَهُ حِينَئِذٍ وَقَبْله كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى قَنَأَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَالنُّون وَالْهَمْزَة أَيْ اِشْتَدَّتْ حُمْرَتهَا , سَتَأْتِي زِيَادَة فِي الْكَلَام عَلَى خِضَاب الشَّعْر فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3628",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ ‏ ‏كَلْبٍ ‏ ‏يُقَالُ لَهَا ‏ ‏أُمُّ بَكْرٍ ‏ ‏فَلَمَّا هَاجَرَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏طَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَهَا ‏ ‏ابْنُ عَمِّهَا ‏ ‏هَذَا الشَّاعِرُ الَّذِي قَالَ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ رَثَى كُفَّارَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَمَاذَا ‏ ‏بِالْقَلِيبِ ‏ ‏قَلِيبِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الشِّيزَى ‏ ‏تُزَيَّنُ بِالسَّنَامِ ‏ ‏وَمَاذَا ‏ ‏بِالْقَلِيبِ ‏ ‏قَلِيبِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏مِنْ الْقَيْنَاتِ وَالشَّرْبِ الْكِرَامِ ‏ ‏تُحَيِّينَا السَّلَامَةَ ‏ ‏أُمُّ بَكْرٍ ‏ ‏وَهَلْ لِي بَعْدَ قَوْمِي مِنْ سَلَامِ ‏ ‏يُحَدِّثُنَا الرَّسُولُ بِأَنْ سَنَحْيَا ‏ ‏وَكَيْفَ حَيَاةُ أَصْدَاءٍ وَهَامِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَا بَكْر تَزَوَّجَ اِمْرَأَة مِنْ كَلْب ) ‏ ‏أَيْ مِنْ بَنِي كَلْب , وَهُوَ كَلْب بْن عَوْف بْن عَامِر بْن لَيْث بْن بَكْر بْن عَبْد مَنَاة بْن كِنَانَة , وَيَدُلّ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" ثُمَّ مِنْ بَنِي عَوْف \" وَأَمَّا الْكَلْبِيّ الْمَشْهُور فَهُوَ مِنْ بَنِي كَلْب بْن وَبَرَة بْن تَغْلِب بْن قُضَاعَة. ‏ ‏قَوْله : ( أُمّ بَكْر ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا , وَكَأَنَّهُ كُنْيَتهَا الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا هَاجَرَ أَبُو بَكْر طَلَّقَهَا. فَتَزَوَّجَهَا اِبْن عَمّهَا هَذَا الشَّاعِر ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْر شَدَّاد بْن الْأَسْوَد بْن عَبْد شَمْس بْن مَالِك بْن جَعُونَةَ , وَيُقَال لَهُ اِبْن شَعُوب بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَضَمّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا مُوَحَّدَة , قَالَ اِبْن حَبِيب : هِيَ أُمّه وَهِيَ خُزَاعِيَّة , لَكِنْ سَمَّاهُ عَمْرو بْن شَمِر , وَأَنْشَدَ لَهُ أَشْعَارًا كَثِيرَة قَالَهَا فِي الْكُفْر , قَالَ : ثُمَّ أَسْلَمَ. وَذَكَرَ مِثْله اِبْن الْأَعْرَابِيّ فِي \" كِتَاب مَنْ نُسِبَ إِلَى أُمّه \" وَزَعَمَ أَبُو عُبَيْدَة أَنَّهُ اِرْتَدَّ بَعْد إِسْلَامه , حَكَاهُ عَنْهُ اِبْن هِشَام فِي \" زَوَائِد السِّيرَة \" وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَزَادَ الْفَاكِهِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ الْبُخَارِيّ \" قَالَتْ عَائِشَة : وَاَللَّه مَا قَالَ أَبُو بَكْر بَيْت شِعْر فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا الْإِسْلَام , وَلَقَدْ تَرَكَ هُوَ وَعُثْمَان شُرْب الْخَمْر فِي الْجَاهِلِيَّة \" وَهَذَا يُضَعِّف مَا أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَوْف عَنْ أَبِي الْقَمُوص قَالَ : \" شَرِبَ أَبُو بَكْر الْخَمْر قَبْل أَنْ تُحَرَّم وَقَالَ هَذِهِ الْأَبْيَات , فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَضِبَ , فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَر فَجَاءَ فَقَالَ : نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ غَضَب رَسُول اللَّه , وَاَللَّه لَا تَلِج رُءُوسنَا بَعْد هَذَا أَبَدًا \" قَالَ : وَكَانَ أَوَّل مَنْ حَرَّمَهَا , فَلِهَذَا قَدْ عَارَضَهُ قَوْل عَائِشَة , وَهِيَ أَعْلَم بِشَأْنِ أَبِيهَا مِنْ غَيْرهَا. وَأَبُو الْقَمُوص لَمْ يُدْرِك أَبَا بَكْر , فَالْعُهْدَة عَلَى الْوَاسِطَة , فَلَعَلَّهُ كَانَ مِنْ الرَّوَافِض , وَدَلَّ حَدِيث عَائِشَة عَلَى أَنَّ لِنِسْبَةِ أَبِي بَكْر إِلَى ذَلِكَ أَصْلًا وَإِنْ كَانَ غَيْر ثَابِت عَنْهُ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( رَثَى كُفَّار قُرَيْش ) ‏ ‏يَعْنِي يَوْم بَدْر لَمَّا قُتِلُوا وَأَلْقَاهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَلِيب , وَهِيَ الْبِئْر الَّتِي لَمْ تُطْوَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الشِّيزَى ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا زَاي مَقْصُور , وَهُوَ شَجَر يُتَّخَذ مِنْهُ الْجِفَان وَالْقِصَاع الْخَشَب الَّتِي يُعْمَل فِيهَا الثَّرِيد. وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : هِيَ مِنْ شَجَر الْجَوْز تُسَوَّد بِالدَّسَمِ , وَالشِّيزَى جَمْع شِيز وَالشِّيز يَغْلُظ حَتَّى يُنْحَت مِنْهُ , فَأَرَادَ بِالشِّيزَى مَا يُتَّخَذ مِنْهَا وَبِالْجَفْنَةِ صَاحِبهَا كَأَنَّهُ قَالَ : مَاذَا بِالْقَلِيبِ مِنْ أَصْحَاب الْجِفَان الْمَلْأَى بِلُحُومِ أَسْنِمَة الْإِبِل , وَكَانُوا يُطْلِقُونَ عَلَى الرَّجُل الْمِطْعَام \" جَفْنَة \" لِكَثْرَةِ إِطْعَامه النَّاس فِيهَا. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : الشِّيزَى الْجِمَال , قَالَ لِأَنَّ الْإِبِل إِذَا سَمِنَتْ تَعْظُم أَسْنِمَتهَا وَيَعْظُم جِمَالهَا. وَغَلَّطَهُ اِبْن التِّين قَالَ : وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْجَفْنَة مِنْ الثَّرِيد تُزَيَّن بِالْقَطْعِ اللَّحْم مِنْ السَّنَام. ‏ ‏قَوْله : ( الْقَيْنَات ) ‏ ‏جَمْع قَيْنَة بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا نُون هِيَ الْمُغَنِّيَة , وَتُطْلَق أَيْضًا عَلَى الْأَمَة مُطْلَقًا. ‏ ‏\" وَالشَّرْب \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء جَمْع شَارِب , وَقِيلَ : هُوَ اِسْم جَمْع , وَجَزَمَ اِبْن التِّين بِالْأَوَّلِ فَقَالَ : هُوَ كَمَتْجَرٍ وَتَاجِر وَالْمُرَاد بِهِمْ النَّدَامَى. ‏ ‏قَوْله : ( تُحَيِّينَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" تُحَيِّينِي \" بِالْإِفْرَادِ , وَقَوْله : \" فَهَلْ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَهَلْ لِي \" بِالْوَاوِ , وَقَوْله : \" مِنْ سَلَام \" أَيْ مِنْ سَلَامَة , وَفِيهِ قُوَّة لِمَنْ قَالَ : الْمُرَاد مِنْ السَّلَام الدُّعَاء بِالسَّلَامَةِ أَوْ الْإِخْبَار بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَصْدَاء ) ‏ ‏جَمْع صَدًى وَهُوَ ذِكْر الْبُوم , وَهَامَ جَمْع هَامَة وَهُوَ الصَّدَى أَيْضًا وَهُوَ عَطْف تَفْسِيرِيّ , وَقِيلَ الصَّدَى الطَّائِر الَّذِي يَطِير بِاللَّيْلِ , وَالْهَامَة جُمْجُمَة الرَّأْس وَهِيَ الَّتِي يَخْرُج مِنْهَا الصَّدَى بِزَعْمِهِمْ , وَأَرَادَ الشَّاعِر إِنْكَار الْبَعْث بِهَذَا الْكَلَام كَأَنَّهُ يَقُول : إِذَا صَارَ الْإِنْسَان كَهَذَا الطَّائِر كَيْف يَصِير مَرَّة أُخْرَى إِنْسَانًا. وَقَالَ أَهْل اللُّغَة : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَزْعُمُونَ أَنَّ رُوح الْقَتِيل الَّذِي لَا يُدْرَك بِثَأْرِهِ تَصِير هَامَة فَتَزْقُو وَتَقُول : اِسْقُونِي اِسْقُونِي , وَإِذَا أُدْرِكَ بِثَأْرِهِ طَارَتْ فَذَهَبَتْ , قَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏إِنَّك إِلَّا تَذَر شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي ‏ ‏أَضْرِبك حَتَّى تَقُول الْهَامَة اِسْقُونِي ‏ ‏وَقَدْ أَوْرَدَ اِبْن هِشَام هَذِهِ الْأَبْيَات فِي \" السِّيرَة \" بِزِيَادَةِ خَمْسَة أَبْيَات , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اِبْن وَهْب , وَعَنْ عَنْبَسَةَ بْن خَالِد أَيْضًا , كِلَاهُمَا عَنْ يُونُس بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور \" أَنَّ عَائِشَة كَانَتْ تَدْعُو عَلَى مَنْ يَقُول إِنَّ أَبَا بَكْر قَالَ الْقَصِيدَة الْمَذْكُورَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَالشِّعْر مُطَوَّلًا , وَعِنْد التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ مِثْله وَزَادَ \" قَالَتْ عَائِشَة فَنَحَلَهَا النَّاس أَبَا بَكْر الصِّدِّيق مِنْ أَجْل اِمْرَأَته أُمّ بَكْر الَّتِي طَلَّقَ , وَإِنَّمَا قَائِلهَا أَبُو بَكْر بْن شَعُوب \". قُلْت : وَابْن شَعُوب الْمَذْكُور هُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ أَبُو سُفْيَان : ‏ ‏وَلَوْ شِئْت نَجَّتْنِي كُمَيْت طَمِرَّةٌ ‏ ‏وَلَمْ أَحْمِل النَّعْمَاء لِابْنِ شَعُوب ‏ ‏وَكَانَ حَنْظَلَة بْن أَبِي عَامِر حَمَلَ يَوْم أُحُد عَلَى أَبِي سُفْيَان فَكَادَ أَنْ يَقْتُلهُ , فَحَمَلَ اِبْن شَعُوب عَلَى حَنْظَلَة مِنْ وَرَائِهِ فَقَتَلَهُ , فَنَجَا أَبُو سُفْيَان , فَقَالَ فِي ذَلِكَ أَبْيَاتًا مِنْهَا هَذَا الْبَيْت. ‏"
    },
    {
        "id": "3629",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْغَارِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِأَقْدَامِ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْ أَنَّ بَعْضَهُمْ طَأْطَأَ بَصَرَهُ رَآنَا قَالَ ‏ ‏اسْكُتْ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏اثْنَانِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر , وَمَعْنَى ‏ ‏قَوْله : \" اللَّه ثَالِثهمَا \" ‏ ‏أَيْ مُعَاوِنهمَا وَنَاصِرهمَا , وَإِلَّا فَهُوَ مَعَ كُلّ اِثْنَيْنِ بِعِلْمِهِ كَمَا قَالَ : ( مَا يَكُون مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رَابِعهمْ وَلَا خَمْسَة إِلَّا هُوَ سَادِسهمْ ) الْآيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3630",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلَهُ عَنْ الْهِجْرَةِ فَقَالَ ‏ ‏وَيْحَكَ إِنَّ الْهِجْرَةَ شَأْنُهَا شَدِيدٌ فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ ‏ ‏فَتُعْطِي صَدَقَتَهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ تَمْنَحُ مِنْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَتَحْلُبُهَا يَوْمَ وُرُودِهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد \" جَاءَ أَعْرَابِيّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلهُ عَنْ الْهِجْرَة \" الْحَدِيث , أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ مَوْصُول وَمُعَلَّق , وَالْمَوْصُول أَخْرَجَهُ فِي كِتَاب الزَّكَاة , وَالْمُعَلَّق أَخْرَجَهُ فِي كِتَاب الْهِبَة بِالْإِسْنَادَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هُنَا , وَمَرَّ شَرْحه فِي كِتَاب الزَّكَاة. وَالْأَعْرَابِيّ مَا عَرَفْت اِسْمه , وَالْهِجْرَة الْمَسْئُول عَنْهَا مُفَارَقَة دَار الْكُفْر إِذْ ذَاكَ وَالْتِزَام أَحْكَام الْمُهَاجِرِينَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْد فَتْح مَكَّة لِأَنَّهَا كَانَتْ إِذْ ذَاكَ فَرْض عَيْن ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح \" ‏ ‏وَقَوْله : \" اِعْمَلْ مِنْ وَرَاء الْبِحَار \" ‏ ‏مُبَالَغَة فِي إِعْلَامه بِأَنَّ عَمَله لَا يَضِيع فِي أَيْ مَوْضِع كَانَ , ‏ ‏وَقَوْله : \" لَنْ يَتِرك \" ‏ ‏بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَكَسْر الْمُثَنَّاة ثُمَّ رَاء وَكَاف , أَيْ يُنْقِصك. ‏"
    },
    {
        "id": "3631",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَنْبَأَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا ‏ ‏مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏ ‏ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْنَا ‏ ‏عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَبُو إِسْحَاق سَمِعَ الْبَرَاء ) ‏ ‏حَذَفَ قَوْله : \" إِنَّهُ \" كَمَا حَذَفَ \" قَالَ \" مِنْ الطَّرِيق الثَّانِي \" عَنْ أَبِي إِسْحَاق سَمِعْت الْبَرَاء \" وَكَانَ شُعْبَة يَرَى أَنَّ أَنْبَأَنَا وَأَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا وَاحِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله : ( أَوَّل مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَنْ شُعْبَة عِنْد الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء فِي رِوَايَته \" مِنْ الْمُهَاجِرِينَ \" ‏ ‏قَوْله : ( مُصْعَب بْن عُمَيْر ) زَادَ اِبْن أَبِي شَيْبَة \" أَوَّل مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا الْمَدِينَة \" زَادَ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن رَجَاء عَنْ إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَخُو بَنِي عَبْد الدَّار بْن قَصِيّ وَالِده عُمَيْر \" هُوَ اِبْن هَاشِم بْن عَبْد مَنَافٍ بْن عَبْد الدَّار , زَادَ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء \" فَقُلْنَا لَهُ مَا فَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : هُوَ مَكَانه وَأَصْحَابه عَلَى أَثَرِي \" وَذَكَرَ مُوسَى بْن عُقْبَة أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَة نَزَلَ عَلَى حَبِيب بْن عَدِيّ , وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ مُصْعَبًا مَعَ أَهْل الْعَقَبَة يُعَلِّمهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَابْن أُمّ مَكْتُوم ) ‏ ‏هُوَ عَمْرو - وَيُقَال عَبْد اللَّه - الْعَامِرِيّ مِنْ بَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" ثُمَّ أَتَانَا بَعْده عَمْرو اِبْن أُمّ مَكْتُوم الْأَعْمَى أَخُو بَنِي فِهْر , فَقُلْنَا : مَا فَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه ؟ قَالَ. هُمْ عَلَى أَثَرِي \" وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن رَجَاء \" مِنْ وَرَاءَك \" زَادَ فِي رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة \" ثُمَّ عَامِر بْن رَبِيعَة وَمَعَهُ اِمْرَأَته لَيْلَى بِنْت أَبِي حَثْمَة \" وَهِيَ أَوَّل مُهَاجِرَة , وَقِيلَ : بَلْ أَوَّل مُهَاجِرَة أُمّ سَلَمَة لِقَوْلِهَا لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَة \" أَوَّل بَيْت هَاجَرَ \" وَيُجْمَع بِأَنَّ أَوَّلِيَّة أُمّ سَلَمَة بِقَيْدِ الْبَيْت وَهُوَ ظَاهِر مِنْ إِطْلَاقهَا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْنَا عَمَّار بْن يَاسِر وَبِلَال ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غُنْدَر \" فَقَدِمَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاخْتِلَاف فِي عَمَّار هَلْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَة أَمْ لَا , فَإِنْ يَكُنْ فَقَدْ كَانَ مِمَّنْ تَقَدَّمَهُمَا إِلَى مَكَّة , ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى : الْمَدِينَة. وَأَمَّا بِلَال فَكَانَ لَا يُفَارِق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْر. لَكِنْ تَقَدَّمَهُمَا بِإِذْنٍ وَتَأَخَّرَ مَعَهُمَا عَامِر بْن فُهَيْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3632",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا ‏ ‏مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏ ‏وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ فَقَدِمَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏وَسَعْدٌ ‏ ‏وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ‏ ‏ثُمَّ قَدِمَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فِي عِشْرِينَ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَا رَأَيْتُ ‏ ‏أَهْلَ الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى جَعَلَ الْإِمَاءُ يَقُلْنَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَا قَدِمَ حَتَّى قَرَأْتُ ‏ ‏سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ‏ ‏فِي سُوَرٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَنْ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة ‏ ‏( وَكَانُوا يُقْرِئُونَ النَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَة \" فَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاس \" وَهُوَ أَوْجَه , وَيُوَجِّه الْأَوَّل إِمَّا عَلَى أَنَّ أَقَلّ الْجَمْع اِثْنَانِ , وَإِمَّا عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ يُقْرِئَانِهِ كَانَ يَقْرَأ مَعَهُمَا أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَعْد ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْحَاكِم \" اِبْن مَالِك \" وَهُوَ اِبْن أَبِي وَقَّاص , وَرَوَى الْحَاكِم مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ : \" وَزَعَمُوا أَنَّ مِنْ آخِر مَنْ قَدِمَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص فِي عَشْرَة فَنَزَلُوا عَلَى سَعْد بْن خَيْثَمَةَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْهِجْرَة \" أَنَّ أَوَّل مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَة مِنْ الْمُهَاجِرِينَ عَامِر بْن رَبِيعَة وَمَعَهُ اِمْرَأَته أُمّ عَبْد اللَّه بِنْت أَبِي حَثْمَة , وَأَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الْأَسَد وَامْرَأَته أُمّ سَلَمَة , وَأَبُو حُذَيْفَة بْن عُتْبَة بْن رَبِيعَة , وَشَمَّاس بْن عُثْمَان بْن الشَّرِيد , وَعَبْد اللَّه بْن جَحْش , فَيُجْمَع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث الْبَرَاء بِحَمْلِ الْأَوَّلِيَّة فِي أَحَدهمَا عَلَى صِفَة خَاصَّة , فَقَدْ جَزَمَ اِبْن عُقْبَة بِأَنَّ أَوَّل مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَة مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مُطْلَقًا أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الْأَسَد , وَكَانَ رَجَعَ مِنْ الْحَبَشَة إِلَى مَكَّة فَأُوذِيَ بِمَكَّة فَبَلَغَهُ مَا وَقَعَ لِلِاثْنَيْ عَشَر مِنْ الْأَنْصَار فِي الْعَقَبَة الْأُولَى فَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَة فِي أَثْنَاء السَّنَة , فَيُجْمَع بَيْن ذَلِكَ وَبَيْن مَا وَقَعَ هُنَا بِأَنَّ أَبَا سَلَمَة خَرَجَ لَا لِقَصْدِ الْإِقَامَة بِالْمَدِينَةِ بَلْ فِرَارًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ , بِخِلَافِ مُصْعَب بْن عُمَيْر فَإِنَّهُ خَرَجَ إِلَيْهَا لِلْإِقَامَةِ بِهَا , وَتَعْلِيم مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلهَا بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلِكُلٍّ أَوَّلِيَّة مِنْ جِهَة. ‏ ‏قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( ثُمَّ قَدِمَ عُمَر بْن الْخَطَّاب فِي عِشْرِينَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن رَجَاء \" فِي عِشْرِينَ رَاكِبًا \" وَقَدْ سَمَّى اِبْن إِسْحَاق مِنْهُمْ زَيْد بْن الْخَطَّاب وَسَعِيد بْن زَيْد بْن عَمْرو وَعَمْرو بْن سُرَاقَة وَأَخَاهُ عَبْد اللَّه وَوَاقِد بْن عَبْد اللَّه وَخَالِدًا وَإِيَاسًا وَعَامِرًا وَعَاقِلًا بَنِي الْبُكَيْر وَخُنَيْس بْن حُذَافَة - بِمُعْجَمَةٍ وَنُون ثُمَّ سِين مُصَغَّر - وَعَيَّاش بْن رَبِيعَة وَخَوْلِيّ بْن أَبِي خَوْلِيّ وَأَخَاهُ , هَؤُلَاءِ كُلّهمْ مِنْ أَقَارِب عُمَر وَخُلَفَائِهِمْ , قَالُوا : فَنَزَلُوا جَمِيعًا عَلَى رِفَاعَة بْن عَبْد الْمُنْذِر , يَعْنِي بِقُبَاء. قُلْت : فَلَعَلَّ بَقِيَّة الْعِشْرِينَ كَانُوا مِنْ أَتْبَاعهمْ. وَرَوَى اِبْن عَائِذ فِي الْمَغَازِي بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : خَرَجَ عُمَر وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وَعُثْمَان وَعَيَّاش بْن رَبِيعَة فِي طَائِفَة , فَتَوَجَّهَ عُثْمَان وَطَلْحَة إِلَى الشَّام ا ه. فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة عَشَر مَنْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق , وَذَكَرَ مُوسَى بْن عُقْبَة أَنَّ أَكْثَر الْمُهَاجِرِينَ نَزَلُوا عَلَى بَنِي عَمْرو بْن عَوْف بِقُبَاء إِلَّا عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَإِنَّهُ نَزَلَ عَلَى سَعْد بْن الرَّبِيع وَهُوَ خَزْرَجِيّ وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَحْكَام أَنَّ سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة بْن عُتْبَة كَانَ يَؤُمّ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ فِي مَسْجِد قُبَاء , مِنْهُمْ أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الْأَسَد. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى جَعَلَ الْإِمَاء يَقُلْنَ : قَدِمَ رَسُول اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن رَجَاء \" فَخَرَجَ النَّاس حِين قَدِمَ الْمَدِينَة فِي الطُّرُق وَعَلَى الْبُيُوت , وَالْغِلْمَان وَالْخَدَم جَاءَ مُحَمَّد رَسُول اللَّه , اللَّه أَكْبَر , جَاءَ مُحَمَّد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". وَأَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس \" فَخَرَجَتْ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَّار يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَهُنَّ يَقُلْنَ : نَحْنُ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَّار يَا حَبَّذَا مُحَمَّد مِنْ جَارٍ ‏ ‏وَأَخْرَجَ أَبُو سَعِيد فِي \" شَرَف الْمُصْطَفَى \" وَرَوَيْنَاهُ فِي \" فَوَائِد الْخُلَعِيّ \" مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه اِبْن عَائِشَة مُنْقَطِعًا : لَمَّا دَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة جَعَلَ الْوَلَائِد يَقُلْنَ : طَلَعَ الْبَدْر عَلَيْنَا مِنْ ثَنِيَّة الْوَدَاع وَجَبَ الشُّكْر عَلَيْنَا مَا دَعَا لِلَّهِ دَاعٍ وَهُوَ سَنَد مُعْضَل , وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي قُدُومه مِنْ غَزْوَة تَبُوك. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا قَدِمَ حَتَّى حَفِظْت سَبِّحْ اِسْم رَبّك الْأَعْلَى فِي سُوَر مِنْ الْمُفَصَّل ) أَيْ ‏ ‏مَعَ سُوَر , وَفِي رِوَايَة الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ بُنْدَار شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" وَسُوَرًا مِنْ الْمُفَصَّل \" وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ ( سَبِّحْ اِسْم رَبّك الْأَعْلَى ) مَكِّيَّة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ اِبْن أَبِي حَاتِم أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق حَيْدَة أَنَّ قَوْله تَعَالَى : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اِسْم رَبّه فَصَلَّى ) نَزَلَتْ فِي صَلَاة الْعِيد وَزَكَاة الْفِطْر , وَسَنَده حَسَن. وَكُلّ مِنْهُمَا شُرِعَ فِي السَّنَة الثَّانِيَة , فَيُمْكِن أَنْ يَكُون نُزُول هَاتَيْنِ مِنْهَا وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ. وَأَقْوَى مِنْهُ أَنْ يَتَقَدَّم نُزُول السُّورَة كُلّهَا بِمَكَّة. ثُمَّ بَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُرَاد بِصَلَّى صَلَاة الْعِيد وَبِتَزَكَّى زَكَاة الْفِطْر , فَإِنَّ تَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْخِطَاب جَائِز , وَالْجَوَاب عَنْ الْإِشْكَال مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : اِحْتِمَال أَنْ تَكُون السُّورَة مَكِّيَّة إِلَّا هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ , وَثَانِيهمَا : - وَهُوَ أَصَحّهمَا - فِيهِ يَجُوز نُزُولهَا كُلّهَا بِمَكَّة. ثُمَّ بَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اِسْم رَبّه فَصَلَّى ) صَلَاة الْعِيد وَزَكَاة الْفِطْر , فَلَيْسَ مِنْ الْآيَة إِلَّا التَّرْغِيب فِي الذِّكْر وَالصَّلَاة مِنْ غَيْر بَيَان لِلْمُرَادِ , فَبَيَّنَتْهُ السُّنَّة بَعْد ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3633",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وُعِكَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏قَالَتْ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا فَقُلْتُ يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ وَيَا ‏ ‏بِلَالُ ‏ ‏كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَتْ فَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ ‏ ‏كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ‏ ‏وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏إِذَا أَقْلَعَ عَنْهُ الْحُمَّى يَرْفَعُ ‏ ‏عَقِيرَتَهُ ‏ ‏وَيَقُولُ ‏ ‏أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ‏ ‏بِوَادٍ وَحَوْلِي ‏ ‏إِذْخِرٌ ‏ ‏وَجَلِيلُ ‏ ‏وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ ‏ ‏مَجَنَّةٍ ‏ ‏وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي ‏ ‏شَامَةٌ ‏ ‏وَطَفِيلُ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏كَحُبِّنَا ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا ‏ ‏بِالْجُحْفَةِ ‏",
        "sharh": "قَوْله : ( قَدِمْنَا الْمَدِينَة ) فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام \" وَهِيَ أَوْبَأ أَرْض اللَّه \" وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة نَحْوه وَزَادَ \" قَالَ هِشَام وَكَانَ وَبَاؤُهَا مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّة , وَكَانَ الْإِنْسَان إِذَا دَخَلَهَا وَأَرَادَ أَنْ يَسْلَم مِنْ وَبَائِهَا قِيلَ لَهُ اِنْهَقْ , فَيَنْهَق كَمَا يَنْهَق الْحِمَار , وَفِي ذَلِكَ يَقُول الشَّاعِر : ‏ ‏لَعَمْرِي لَئِنْ غَنَّيْت خِيفَة الرَّدَى ‏ ‏نَهِيق حِمَار إِنَّنِي لَمُرَوَّع ‏ ‏قَوْله : ( وُعِكَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه أَيْ أَصَابَهُ الْوَعْك وَهِيَ الْحُمَّى. ‏ ‏قَوْله : ( كَيْف تَجِدك ) ‏ ‏أَيْ تَجِد نَفْسك أَوْ جَسَدك , وَقَوْله : \" مُصَبَّح \" بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة وَزْن مُحَمَّد , أَيْ مُصَاب بِالْمَوْتِ صَبَاحًا , وَقِيلَ : الْمُرَاد أَنَّهُ يُقَال لَهُ وَهُوَ مُقِيم بِأَهْلِهِ صَبَّحَك اللَّه بِالْخَيْرِ , وَقَدْ يَفْجَأهُ الْمَوْت فِي بَقِيَّة النَّهَار وَهُوَ مُقِيم بِأَهْلِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَدْنَى ) ‏ ‏أَيْ أَقْرَب. ‏ ‏قَوْله : ( شِرَاك ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء : السَّيْر الَّذِي يَكُون فِي وَجْه النَّعْل , وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَوْت أَقْرَب إِلَى الشَّخْص مِنْ شِرَاك نَعْله لِرِجْلِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَقْلَعَ عَنْهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله أَيْ الْوَعْك وَبِضَمِّهَا , وَالْإِقْلَاع الْكَفّ عَنْ الْأَمْر. ‏ ‏قَوْله : ( يَرْفَع عَقِيرَته ) ‏ ‏أَيْ صَوْته بِبُكَاءٍ أَوْ بِغِنَاءٍ , قَالَ الْأَصْمَعِيّ : أَصْله أَنَّ رَجُلًا اِنْعَقَرَتْ رِجْله فَرَفَعَهَا عَلَى الْأُخْرَى وَجَعَلَ يَصِيح فَصَارَ كُلّ مَنْ رَفَعَ صَوْته يُقَال : رَفَعَ عَقِيرَته , وَإِنْ لَمْ يَرْفَع رِجْله. قَالَ ثَعْلَب : وَهَذَا مِنْ الْأَسْمَاء الَّتِي اُسْتُعْمِلَتْ عَلَى غَيْر أَصْلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( بِوَادٍ ) ‏ ‏أَيْ بِوَادِي مَكَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَلِيل ) ‏ ‏بِالْجِيمِ نَبْت ضَعِيف يُحْشَى بِهِ خِصَاص الْبُيُوت وَغَيْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( مِيَاه مِجَنَّة ) ‏ ‏بِالْجِيمِ مَوْضِع عَلَى أَمْيَال مِنْ مَكّه وَكَانَ بِهِ سُوق , تَقَدَّمَ بَيَانه فِي أَوَائِل الْحَجّ. وَقَوْله : \" يَبْدُونَ \" أَيْ يَظْهَر , وَشَامَة وَطَفِيل جَبَلَانِ بِقُرْبِ مَكَّة , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : كُنْت أَحْسِب أَنَّهُمَا جَبَلَانِ حَتَّى ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُمَا عَيْنَانِ , وَقَوْله : \" أَرَدْنَ وَيَبْدُونَ \" بِنُونِ التَّأْكِيد الْخَفِيفَة , وَشَامَة بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمِيم مُخَفَّفًا , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ الصَّوَاب بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَل الْمِيم وَالْمَعْرُوف بِالْمِيمِ , وَزَادَ الْمُصَنِّف آخِر كِتَاب الْحَجّ مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة - عَنْ هِشَام بِهِ \" ثُمَّ يَقُول بِلَال : اللَّهُمَّ اِلْعَنْ عُتْبَة بْن رَبِيعَة وَشَيْبَة بْن رَبِيعَة وَأُمَيَّة بْن خَلَف كَمَا أَخْرَجُونَا إِلَى أَرْض الْوَبَاء , ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَة \" الْحَدِيث. وَقَوْله : \" كَمَا أَخْرَجُونَا \" أَيْ أَخْرِجْهُمْ مِنْ رَحْمَتك كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ وَطَننَا , وَزَادَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته عَنْ هِشَام وَعَمْرو بْن عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة جَمِيعًا عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة عَقِبَ قَوْل أَبِيهَا \" فَقُلْت وَاَللَّه مَا يَدْرِي أَبِي مَا يَقُول \". قَالَتْ : \" ثُمَّ دَنَوْت إِلَى عَامِر بْن فُهَيْرَة - وَذَلِكَ قَبْل أَنْ يَضْرِب عَلَيْنَا الْحِجَاب - فَقُلْت : كَيْف تَجِدك يَا عَامِر ؟ فَقَالَ : ‏ ‏لَقَدْ وَجَدْت الْمَوْت قَبْل ذَوْقه ‏ ‏إِنَّ الْجَبَان حَتْفه مِنْ فَوْقه ‏ ‏كُلّ اِمْرِئِ مُجَاهِد بِطَوْقِهِ ‏ ‏كَالثَّوْرِ يَحْمِي جِسْمه بُرُوقه ‏ ‏وَقَالَتْ فِي آخِره : \" فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّهُمْ لَيَهْذُونَ وَمَا يَعْقِلُونَ مِنْ شِدَّة الْحُمَّى \". وَالزِّيَادَة فِي قَوْل عَامِر بْن فُهَيْرَة رَوَاهَا مَالِك أَيْضًا فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَائِشَة مُنْقَطِعًا , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة مَا يَتَعَلَّق بِهَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الدَّعَوَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله مِنْ حَدِيث الْبَرَاء أَنَّ عَائِشَة أَيْضًا وَعَكَتْ , وَكَانَ أَبُو بَكْر يَدْخُل عَلَيْهَا , وَكَانَ وُصُول عَائِشَة إِلَى الْمَدِينَة مَعَ آلِ أَبِي بَكْر , هَاجَرَ بِهِمْ أَخُوهَا عَبْد اللَّه , وَخَرَجَ زَيْد بِي حَارِثَة وَأَبُو رَافِع بِبِنْتَيْ النَّبِيّ فَاطِمَة وَأُمّ كُلْثُوم وَأُسَامَة بْن زَيْد وَأُمّه أُمّ أَيْمَن وَسَوْدَة بِنْت زَمْعَة , وَكَانَتْ رُقَيَّة بِنْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ سَبَقَتْ مَعَ زَوْجهَا عُثْمَان , وَأَخْرَجَتْ زَيْنَب وَهِيَ الْكُبْرَى عِنْد زَوْجهَا أَبِي الْعَاصِ بْن الرَّبِيع. ‏"
    },
    {
        "id": "3634",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ خِيَارٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ ‏ ‏فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْحَقِّ وَكُنْتُ مِمَّنْ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَآمَنَ بِمَا بُعِثَ بِهِ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ هَاجَرْتُ هِجْرَتَيْنِ وَنِلْتُ صِهْرَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبَايَعْتُهُ ‏ ‏فَوَاللَّهِ مَا عَصَيْتُهُ وَلَا غَشَشْتُهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏إِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ , ذَكَرَ حَدِيث عُثْمَان فِي شَأْن الْوَلِيد بْن عُقْبَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي مَنَاقِب عُثْمَان مُسْتَوْفًى , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : \" وَهَاجَرَتْ الْهِجْرَتَيْنِ \" وَكَانَ عُثْمَان مِمَّنْ رَجَعَ مِنْ الْحَبَشَة فَهَاجَرَ مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة وَمِنْهُ زَوْجَته رُقَيَّة بِنْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ( وَقَالَ بِشْر بْن شُعَيْب إِلَخْ ) وَصَلَهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل فِي مُسْنَده عَنْهُ بِتَمَامِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ إِسْحَاق الْكَلْبِيّ ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَبُو بَكْر بْن شَاذَان فِيمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقه بِإِسْنَادِهِ إِلَى يَحْيَى بْن صَالِح عَنْ إِسْحَاق الْكَلْبِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَذَكَرَهُ بِتَمَامِهِ وَفِيهِ : \" أَنَّهُ جَلَدَ الْوَلِيد أَرْبَعِينَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي مَنَاقِب عُثْمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "3635",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ‏ ‏رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَهُوَ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَوَجَدَنِي فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تُمْهِلَ حَتَّى تَقْدَمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ وَالسَّلَامَةِ وَتَخْلُصَ لِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ وَذَوِي رَأْيِهِمْ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لَأَقُومَنَّ فِي أَوَّلِ مَقَامٍ أَقُومُهُ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ قِصَّة عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف مَعَ عُمَر , وَفِيهِ خُطْبَة عُمَر , الْغَرَض مِنْهُ قَوْل عَبْد الرَّحْمَن \" حَتَّى تَقْدُم الْمَدِينَة فَإِنَّهَا دَار الْهِجْرَة وَالسُّنَّة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَالسَّلَامَة \" بَدَل السُّنَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "3636",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ الْعَلَاءِ ‏ ‏امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِمْ ‏ ‏بَايَعَتْ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ ‏ ‏طَارَ لَهُمْ فِي السُّكْنَى حِينَ اقْتَرَعَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏عَلَى سُكْنَى ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أُمُّ الْعَلَاءِ ‏ ‏فَاشْتَكَى ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏عِنْدَنَا فَمَرَّضْتُهُ حَتَّى تُوُفِّيَ وَجَعَلْنَاهُ فِي أَثْوَابِهِ فَدَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ ‏ ‏أَبَا السَّائِبِ ‏ ‏شَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ قَالَتْ قُلْتُ لَا أَدْرِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ قَالَ أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ وَاللَّهِ الْيَقِينُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَمَا أَدْرِي وَاللَّهِ وَأَنَا رَسُولُ اللَّه مَا يُفْعَلُ بِي قَالَتْ فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ قَالَتْ فَأَحْزَنَنِي ذَلِكَ فَنِمْتُ ‏ ‏فَرِيتُ ‏ ‏لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ‏ ‏عَيْنًا تَجْرِي فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ذَلِكِ عَمَلُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أُمّ الْعَلَاء ) ‏ ‏هِيَ وَالِدَة خَارِجَة بْن زَيْد بْن ثَابِت الرَّاوِي عَنْهَا , وَقَدْ رَوَى سَالِم أَبُو النَّضْر هَذَا الْحَدِيث عَنْ خَارِجَة بْن زَيْد عَنْ أُمّه نَحْوه وَلَمْ يُسَمِّ هَذِهِ , فَكَأَنَّ اِسْمهَا كُنْيَتهَا , وَهِيَ بِنْت الْحَارِث بْن ثَابِت بْن خَارِجَة الْأَنْصَارِيَّة الْخَزْرَجِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( طَارَ لَهُمْ ) ‏ ‏أَيْ خَرَجَ فِي الْقُرْعَة لَهُمْ , وَتَقَدَّمَ بَيَانه آخِر الشَّهَادَات. ‏ ‏قَوْله : ( حِين قَرَعَتْ ) ‏ ‏بِالْقَافِ , كَذَا وَقَعَ ثُلَاثِيًّا , وَالْمَعْرُوف \" أَقْرَعَتْ \" مِنْ الرُّبَاعِيّ وَتَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز بِلَفْظِ \" اِقْتَرَعَتْ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَبَا السَّائِب ) ‏ ‏هِيَ كُنْيَة عُثْمَان بْن مَظْعُون الْمَذْكُور , وَكَانَ عُثْمَان مِنْ فُضَلَاء الصَّحَابَة السَّابِقِينَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ خَبَره مَعَ لَبِيدٍ فِي أَوَّل الْمَبْعَث. ‏"
    },
    {
        "id": "3637",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَوْمُ ‏ ‏بُعَاثٍ ‏ ‏يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَقَدْ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ وَقُتِلَتْ ‏ ‏سَرَاتُهُمْ ‏ ‏فِي دُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يَوْم بُعَاث ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن سَعْد فِي قِصَّة الْعَقَبَة الْأُولَى مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ يَوْم بُعَاث كَانَ بَعْد الْمَبْعَث بِعَشْرِ سِنِينَ , وَتَقَدَّمَ نَحْوه فِي \" بَاب وُفُود الْأَنْصَار \" وَقَوْله : \" فِي دُخُولهمْ \" مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ : \" قَدَّمَهُ اللَّه \". ‏"
    },
    {
        "id": "3638",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيْهَا وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَهَا يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحًى وَعِنْدَهَا قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاذَفَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بُعَاثٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ مَرَّتَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعْهُمَا يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَإِنَّ عِيدَنَا هَذَا الْيَوْمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بِمَا تَعَازَفَتْ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي أَيْ قَالَتْهُ مِنْ الْأَشْعَار فِي هِجَاء بَعْضهمْ بَعْضًا وَأَلْقَتْهُ عَلَى الْمُغَنِّيَات فَغَنَّيْنَ بِهِ , وَالْمَعَازِف آلَات الْمَلَاهِي الْوَاحِدَة مِعْزَفَة , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ عَزْف اللَّهْو وَهُوَ ضَرْب الْمَعَازِف عَلَى تِلْكَ الْأَشْعَار الْمُحَرِّضَة عَلَى الْقِتَال , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْعَزْفِ أَصْوَات الْحَرْب شَبَّهَهَا بِعَزِيفِ الرِّيَاح وَهُوَ مَا يُسْمَع مِنْ دَوِيّهَا , وَفِي رِوَايَة \" تَقَاذَفَت \" بِالْقَافِ وَالذَّال الْمُعْجَمَة أَيْ تَرَامَتْ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3639",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏يُحَدِّثُ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ الضُّبَعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏نَزَلَ فِي عُلْوِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ ‏ ‏بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏قَالَ فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى مَلَإِ ‏ ‏بَنِي النَّجَّارِ ‏ ‏قَالَ فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي سُيُوفِهِمْ قَالَ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى رَاحِلَتِهِ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رِدْفَهُ وَمَلَأُ ‏ ‏بَنِي النَّجَّارِ ‏ ‏حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ فَكَانَ ‏ ‏يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ قَالَ ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَإِ ‏ ‏بَنِي النَّجَّارِ ‏ ‏فَجَاءُوا فَقَالَ يَا ‏ ‏بَنِي النَّجَّارِ ‏ ‏ثَامِنُونِي ‏ ‏حَائِطَكُمْ ‏ ‏هَذَا فَقَالُوا لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ قَالَ فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ كَانَتْ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَتْ فِيهِ خِرَبٌ وَكَانَ فِيهِ نَخْلٌ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ قَالَ فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ قَالَ وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً قَالَ قَالَ جَعَلُوا يَنْقُلُونَ ذَاكَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَهُمْ يَقُولُونَ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ ‏ ‏الْآخِرَهْ ‏ ‏فَانْصُرْ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرَهْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنْبَأَنَا عَبْد الصَّمَد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( فِي عُلْو الْمَدِينَة ) ‏ ‏كُلّ مَا فِي جِهَة نَجْد يُسَمَّى الْعَالِيَة , وَمَا فِي جِهَة تِهَامَة يُسَمَّى السَّافِلَة , وَقُبَاء مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَة , وَأَخَذَ مِنْ نُزُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّفَاؤُل لَهُ وَلِدِينِهِ بِالْعُلْوِ. ‏ ‏قَوْله : ( يُقَال لَهُمْ بَنُو عَمْرو بْن عَوْف ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَالِك بْن الْأَسْوَد بْن حَارِثَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو بَكْر رِدْفه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مَا فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله فِي الْحَدِيث الثَّامِن عَشَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَلَأ بَنِي النَّجَّار ) ‏ ‏أَيْ جَمَاعَتهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَلْقَى ) ‏ ‏أَيْ نَزَلَ أَوْ الْمُرَاد أَلْقَى رَحْله. ‏ ‏قَوْله : ( بِفِنَاءِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء وَبِالْمَدِّ مَا اِمْتَدَّ مِنْ جَوَانِب الدَّار. ‏ ‏قَوْله : ( أَبِي أَيُّوب ) ‏ ‏هُوَ خَالِد بْن زَيْد بْن كُلَيْب الْأَنْصَارِيّ مِنْ بَنِي مَالِك بْن النَّجَّار. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطه فِي أَوَائِل الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( ثَامِنُونِي ) ‏ ‏أَيْ قَرِّرُوا مَعِي ثَمَنه , أَوْ سَاوِمُونِي بِثَمَنِهِ , تَقُول ثَامَنَتْ الرَّجُل فِي كَذَا إِذَا سَاوَمْته. ‏ ‏قَوْله : ( بِحَائِطِكُمْ ) ‏ ‏أَيْ بُسْتَانكُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَاب قَبْله أَنَّهُ كَانَ مِرْبَدًا , فَلَعَلَّهُ كَانَ أَوَّلًا حَائِطًا ثُمَّ خَرِبَ فَصَارَ مِرْبَدًا , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله : \" إِنَّهُ كَانَ فِيهِ نَخْل وَخَرِبَ \" وَقِيلَ : كَانَ بَعْضه بُسْتَانًا وَبَعْضه مِرْبَدًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله تَسْمِيَة صَاحِبَيْ الْمَكَان الْمَذْكُور , وَوَقَعَ عِنْد مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ اِشْتَرَاهُ مِنْهُمَا بِعَشَرَةِ دَنَانِير , وَزَادَ الْوَاقِدِيّ أَنَّ أَبَا بَكْر دَفَعَهَا لَهُمَا عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ فِيهِ ) ‏ ‏فَسَّرَهُ بَعْد ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( خِرَب ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَفَتْح الرَّاء وَالْمُوَحَّدَة , وَتَقَدَّمَ تَوْجِيه آخَر فِي أَوَائِل الصَّلَاة بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَكْثَر الرُّوَاة بِالْفَتْحِ ثُمَّ الْكَسْر , وَحَدَّثَنَاهُ الْخَيَّام بِالْكَسْرِ ثُمَّ الْفَتْح , ثُمَّ حَكَى اِحْتِمَالَات : مِنْهَا الْخُرْب بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه قَالَ : هِيَ الْخُرُوق الْمُسْتَدِيرَة فِي الْأَرْض , وَالْجِرَف بِكَسْرِ الْجِيم وَفَتْح الرَّاء بَعْدهَا فَاء مَا تَجْرُفهُ السُّيُول وَتَأْكُلهُ مِنْ الْأَرْض , وَالْحَدَب بِالْمُهْمَلَةِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَة أَيْضًا الْمُرْتَفِع مِنْ الْأَرْض , قَالَ وَهَذَا لَائِق بِقَوْلِهِ : \" فَسُوِّيَتْ \" لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُسَوَّى الْمَكَان الْمَحْدُوب , وَكَذَا لِلَّذِي جَرَفَتْهُ السُّيُول , وَأَمَّا الْخَرَاب فَيُبْنَى وَيُعْمَر دُون أَنْ يُصْلَح وَيُسَوَّى. قُلْت : وَمَا الْمَانِع مِنْ تَسْوِيَة الْخَرَاب بِأَنْ يُزَال مَا بَقِيَ مِنْهُ وَيُسَوَّى أَرْضه , وَلَا يَنْبَغِي الِالْتِفَات إِلَى هَذِهِ الِاحْتِمَالَات مَعَ تَوْجِيه الرِّوَايَة الصَّحِيحَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : لَمْ أَجِد فِي نَبْش قُبُور الْمُشْرِكِينَ لِتُتَّخَذ مَسْجِدًا نَصًّا عَنْ أَحَد مِنْ الْعُلَمَاء , نَعَمْ اِخْتَلَفُوا هَلْ تُنْبَش بِطَلَبِ الْمَال ؟ فَأَجَازَهُ الْجُمْهُور وَمَنَعَهُ الْأَوْزَاعِيُّ , وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِلْجَوَازِ , لِأَنَّ الْمُشْرِك لَا حُرْمَة لَهُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَسَاجِد الْبَحْث فِيمَا يَتَعَلَّق بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ ) ‏ ‏هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُثْمِر. وَيَحْتَمِل أَنْ يُثْمِر لَكِنْ دَعَتْ الْحَاجَة إِلَيْهِ لِذَلِكَ , وَقَوْله : \" فَصَفُّوا النَّخْل \" أَيْ مَوْضِع النَّخْل , وَقَوْله : \" عِضَادَتَيْهِ \" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُعْجَمَة تَثْنِيَة عِضَادَة , وَهِيَ الْخَشَبَة الَّتِي عَلَى كَتِف الْبَاب , وَلِكُلِّ بَاب عِضَادَتَانِ , وَأَعْضَاد كُلّ شَيْء مَا يَشُدُّ جَوَانِبه. ‏ ‏قَوْله : ( يَرْتَجِزُونَ ) ‏ ‏أَيْ يَقُولُونَ رَجَزًا , وَهُوَ ضَرْب مِنْ الشِّعْر عَلَى الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْصُرْ الْأَنْصَار وَالْمُهَاجِرَة ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِهَذَا اللَّفْظ , وَسَبَقَ مَا فِيهِ فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد , وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ بَيْع غَيْر الْمَالِك بِهَذِهِ الْقِصَّة ; لِأَنَّ الْمُسَاوَمَة وَقَعَتْ مِنْ غَيْر الْغُلَامَيْنِ , وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُمَا كَانَا مِنْ بَنِي النَّجَّار فَسَاوَمَهُمَا وَأَشْرَكَ مَعَهُمَا فِي الْمُسَاوَمَة عَمّهمَا الَّذِي كَانَا فِي حِجْره كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث الثَّانِي عَشَر. ‏"
    },
    {
        "id": "3640",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏يَسْأَلُ ‏ ‏السَّائِبَ ابْنَ أُخْتِ الْنَّمِرِ ‏ ‏مَا سَمِعْتَ فِي سُكْنَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثٌ لِلْمُهَاجِرِ بَعْدَ الصَّدَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَاتِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل الْمَدَنِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز يَسْأَل السَّائِب ) ‏ ‏أَيْ اِبْن يَزِيد. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن أُخْت النَّمِر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ذِكْره قَرِيبًا فِي الْمَنَاقِب النَّبَوِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( الْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ ) ‏ ‏اِسْمه عَبْد اللَّه بْن عِمَاد , وَكَانَ حَلِيف بَنِي أُمَيَّة , وَكَانَ الْعَلَاء صَحَابِيًّا جَلِيلًا , وَلَّاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَحْرَيْنِ , وَكَانَ مُجَاب الدَّعْوَة , وَمَاتَ فِي خِلَافَة عُمَر , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاث لِلْمُهَاجِرِ بَعْد الصَّدَر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ بَعْد الرُّجُوع مِنْ مِنًى , وَفِقْه هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْإِقَامَة بِمَكَّة كَانَتْ حَرَامًا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْهَا قَبْل الْفَتْح , لَكِنْ أُبِيحَ لِمَنْ قَصَدَهَا مِنْهُمْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَة أَنْ يُقِيم بَعْد قَضَاء نُسُكه ثَلَاثَة أَيَّام لَا يَزِيد عَلَيْهَا , وَبِهَذَا رَثَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدِ بْن خَوْلَة أَنْ مَاتَ بِمَكَّة , وَيُسْتَنْبَط مِنْ ذَلِكَ أَنَّ إِقَامَة ثَلَاثَة أَيَّام لَا تُخْرِج صَاحِبهَا عَنْ حُكْم الْمُسَافِر , وَفِي كَلَام الدَّاوُدِيّ اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ , وَلَا مَعْنَى لِتَقْيِيدِهِ بِالْأَوَّلِينَ , قَالَ النَّوَوِيّ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الَّذِينَ هَاجَرُوا يَحْرُم عَلَيْهِمْ اِسْتِيطَان مَكَّة , وَحَكَى عِيَاض أَنَّهُ قَوْل الْجُمْهُور , قَالَ : وَأَجَازَهُ لَهُمْ جَمَاعَة يَعْنِي بَعْد الْفَتْح , فَحَمَلُوا هَذَا الْقَوْل عَلَى الزَّمَن الَّذِي كَانَتْ الْهِجْرَة الْمَذْكُورَة وَاجِبَة فِيهِ , قَالَ : وَاتَّفَقَ الْجَمِيع عَلَى أَنَّ الْهِجْرَة قَبْل الْفَتْح كَانَتْ وَاجِبَة عَلَيْهِمْ , وَأَنَّ سُكْنَى الْمَدِينَة كَانَ وَاجِبًا لِنُصْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُوَاسَاته بِالنَّفْسِ , وَأَمَّا غَيْر الْمُهَاجِرِينَ فَيَجُوز لَهُ سُكْنَى أَيّ بَلَد أَرَادَ سَوَاء مَكَّة وَغَيْرهَا بِالِاتِّفَاقِ , اِنْتَهَى كَلَام الْقَاضِي , وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ أَذِنَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِقَامَةِ فِي غَيْر الْمَدِينَة , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ طَوَاف الْوَدَاع عِبَادَة مُسْتَقِلَّة لَيْسَتْ مِنْ مَنَاسِك الْحَجّ , وَهُوَ أَصَحّ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَذْهَب , لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث \" بَعْد قَضَاء نُسُكه \" لِأَنَّ طَوَاف الْوَدَاع لَا إِقَامَة بَعْده , وَمَتَى أَقَامَ بَعْده خَرَجَ عَنْ كَوْنه طَوَاف الْوَدَاع , وَقَدْ سَمَّاهُ قَبْله قَاضِيًا لِمَنَاسِكِهِ فَخَرَجَ طَوَاف الْوَدَاع عَنْ أَنْ يَكُون مِنْ مَنَاسِك الْحَجّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْمُرَاد بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة لِنَصْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَعْنِي بِهِ مَنْ هَاجَرَ مِنْ غَيْرهَا لِأَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالهمْ لِمَا تَحَرَّجُوا مِنْ الْإِقَامَة بِمَكَّة إِذْ كَانُوا قَدْ تَرَكُوهَا لِلَّهِ تَعَالَى , فَأَجَابَهُمْ بِذَلِكَ , وَأَعْلَمهُمْ أَنَّ إِقَامَة الثَّلَاث لَيْسَ بِإِقَامَةٍ , قَالَ : وَالْخِلَاف الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ عِيَاض كَانَ فِيمَنْ مَضَى , وَهَلْ يَنْبَنِي عَلَيْهِ خِلَاف فِيمَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ مَوْضِع يَخَاف أَنْ يُفْتَن فِيهِ فِي دِينه فَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِع إِلَيْهِ بَعْد اِنْقِضَاء تِلْكَ الْفِتْنَة ؟ يُمْكِن أَنْ يُقَال إِنْ كَانَ تَرَكَهَا لِلَّهِ كَمَا فَعَلَهُ الْمُهَاجِرُونَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِع لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ تَرَكَهَا فِرَارًا بِدِينِهِ لِيَسْلَمَ لَهُ وَلَمْ يَقْصِد إِلَى تَرْكهَا لِذَاتِهَا فَلَهُ الرُّجُوع إِلَى ذَلِكَ اِنْتَهَى. وَهُوَ حَسَن مُتَّجَه , إِلَّا أَنَّهُ خَصَّ ذَلِكَ بِمَنْ تَرَكَ رِبَاعًا أَوْ دُورًا , وَلَا حَاجَة إِلَى تَخْصِيص الْمَسْأَلَة بِذَلِكَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3641",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ مَا عَدُّوا إِلَّا مِنْ مَقْدَمِهِ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي حَازِم سَلَمَة بْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَاكِم مِنْ طَرِيق الزُّبَيْرِيّ عَنْ عَبْد الْعَزِيز أَخْطَأَ النَّاس الْعَدَد , وَلَمْ يَعُدُّوا مِنْ مَبْعَثه وَلَا مِنْ قُدُومه الْمَدِينَة , وَإِنَّمَا عَدُّوا مِنْ وَفَاته. قَالَ الْحَاكِم : وَهُوَ وَهْمٌ , ثُمَّ سَاقَهُ عَلَى الصَّوَاب بِلَفْظِ : وَلَا مِنْ وَفَاته , إِنَّمَا عَدُّوا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَة. وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ أَخْطَأَ النَّاس الْعَدَد أَيْ أَغْفَلُوهُ وَتَرَكُوهُ ثُمَّ اِسْتَدْرَكُوهُ , وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الصَّوَاب خِلَاف مَا عَمِلُوا. وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيدهُ وَكَانَ يَرَى أَنَّ الْبُدَاءَة مِنْ الْمَبْعَث أَوْ الْوَفَاة أَوْلَى , وَلَهُ اِتِّجَاه لَكِنَّ الرَّاجِح خِلَافه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( مَقْدَمه ) ‏ ‏أَيْ زَمَن قُدُومه , وَلَمْ يُرِدْ شَهْر قُدُومه لِأَنَّ التَّارِيخ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ أَوَّل السَّنَة. وَقَدْ أَبْدَى بَعْضهمْ لِلْبُدَاءَةِ بِالْهِجْرَةِ مُنَاسَبَة فَقَالَ : كَانَتْ الْقَضَايَا الَّتِي اُتُّفِقَتْ لَهُ وَيُمْكِن أَنْ يُؤَرَّخ بِهَا أَرْبَعَة : مَوْلِده وَمَبْعَثه وَهِجْرَته وَوَفَاته , فَرَجَحَ عِنْدهمْ جَعْلهَا مِنْ الْهِجْرَة لِأَنَّ الْمَوْلِد وَالْمَبْعَث لَا يَخْلُو وَاحِد مِنْهُمَا مِنْ النِّزَاع فِي تَعْيِين السَّنَة , وَأَمَّا وَقْت الْوَفَاة فَأَعْرَضُوا عَنْهُ لِمَا تُوُقِّعَ بِذِكْرِهِ مِنْ الْأَسَف عَلَيْهِ , فَانْحَصَرَ فِي الْهِجْرَة , وَإِنَّمَا أَخَّرُوهُ مِنْ رَبِيع الْأَوَّل إِلَى الْمُحَرَّم لِأَنَّ اِبْتِدَاء الْعَزْم عَلَى الْهِجْرَة كَانَ فِي الْمُحَرَّم , إِذْ الْبَيْعَة وَقَعَتْ فِي أَثْنَاء ذِي الْحِجَّة وَهِيَ مُقَدِّمَة الْهِجْرَة , فَكَانَ أَوَّل هِلَال اِسْتَهَلَّ بَعْد الْبَيْعَة وَالْعَزْم عَلَى الْهِجْرَة هِلَال الْمُحَرَّم فَنَاسَبَ أَنْ يُجْعَل مُبْتَدَأ , وَهَذَا أَقْوَى مَا وَفَقْت عَلَيْهِ مِنْ مُنَاسَبَة الِابْتِدَاء بِالْمُحَرَّمِ. وَذَكَرُوا فِي سَبَب عَمَل عُمَر التَّارِيخ أَشْيَاء : مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم الْفَضْل بْن دُكَيْن فِي تَارِيخه وَمِنْ طَرِيقه الْحَاكِم مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ \" أَنَّ أَبَا مُوسَى كَتَبَ إِلَى عُمَر : إِنَّهُ يَأْتِينَا مِنْك كُتُب لَيْسَ لَهَا تَارِيخ , فَجَمَعَ عُمَر النَّاس , فَقَالَ بَعْضهمْ : أَرِّخْ بِالْمَبْعَثِ , وَبَعْضهمْ أَرِّخْ بِالْهِجْرَةِ , فَقَالَ عُمَر : الْهِجْرَة فَرَّقَتْ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل فَأَرِّخُوا بِهَا , وَذَلِكَ سَنَة سَبْع عَشْرَة. فَلَمَّا اِتَّفَقُوا قَالَ بَعْضهمْ اِبْدَءُوا بِرَمَضَان فَقَالَ عُمَر : بَلْ بِالْمُحَرَّمِ فَإِنَّهُ مُنْصَرَف النَّاس مِنْ حَجّهمْ , فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ \" وَقِيلَ أَوَّل مَنْ أَرَّخَ التَّارِيخ يَعْلَى بْن أُمَيَّة حَيْثُ كَانَ بِالْيَمَنِ أَخْرَجَهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل بِإِسْنَادٍ صَحِيح , لَكِنْ فِيهِ اِنْقِطَاع بَيْن عَمْرو بْن دِينَار وَيَعْلَى , وَرَوَى أَحْمَد وَأَبُو عَرُوبَة فِي \" الْأَوَائِل \" وَالْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب \" وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق مَيْمُون بْن مِهْرَانَ قَالَ رُفِعَ لِعُمَر صَكَّ مَحِلّه شَعْبَان فَقَالَ : أَيّ شَعْبَان ; الْمَاضِي أَوْ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ , أَوْ الْآتِي ؟ ضَعُوا لِلنَّاسِ شَيْئًا يَعْرِفُونَهُ فَذَكَرَ نَحْو الْأَوَّل. وَرَوَى الْحَاكِم عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ \" جَمَعَ عُمَر النَّاس فَسَأَلَهُمْ عَنْ أَوَّل يَوْم يَكْتُب التَّارِيخ , فَقَالَ عَلِيّ : مِنْ يَوْم هَاجَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَك أَرْض الشِّرْك , فَفَعَلَهُ عُمَر \" وَرَوَى اِبْن أَبِي خَيْمَة مِنْ طَرِيق اِبْن سِيرِينَ قَالَ \" قَدِمَ رَجُل مِنْ الْيَمَن فَقَالَ : رَأَيْت بِالْيَمَنِ شَيْئًا يُسَمُّونَهُ التَّارِيخ يَكْتُبُونَهُ مِنْ عَام كَذَا وَشَهْر كَذَا , فَقَالَ عُمَر : هَذَا حَسَن فَأَرِّخُوا , فَلَمَّا جَمَعَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ قَوْم : أَرِّخُوا لِلْمَوْلِدِ , وَقَالَ قَائِل لِلْمَبْعَثِ , وَقَالَ قَائِل مِنْ حِين خَرَجَ مُهَاجِرًا , وَقَالَ قَائِل مِنْ حِين تُوُفِّيَ , فَقَالَ عُمَر : أَرِّخُوا مِنْ خُرُوجه مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة. ثُمَّ قَالَ : بِأَيِّ شَهْر نَبْدَأ : فَقَالَ قَوْم : مِنْ رَجَب , وَقَالَ قَائِل : مِنْ رَمَضَان , فَقَالَ عُثْمَان : أَرِّخُوا الْمُحَرَّم فَإِنَّهُ شَهْر حَرَام وَهُوَ أَوَّل السَّنَة وَمُنْصَرَف النَّاس مِنْ الْحَجّ , قَالَ وَكَانَ ذَلِكَ سَنَة سَبْع عَشْرَة - وَقِيلَ : سَنَة سِتّ عَشْرَة - فِي رَبِيع الْأَوَّل \" فَاسْتَفَدْنَا مِنْ مَجْمُوع هَذِهِ الْآثَار أَنَّ الَّذِي أَشَارَ بِالْمُحَرَّمِ عُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3642",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْأُولَى ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فُرِضَتْ الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ بِمَكَّة وَقَوْله \" تُرِكَتْ \" أَيْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ عَدَم وُجُوب الزَّائِد , بِخِلَافِ صَلَاة الْحَضَر فَإِنَّهَا زِيدَتْ فِي ثَلَاث مِنْهَا رَكْعَتَانِ , فَالْمَعْنَى أُقِرَّتْ صَلَاة السَّفَر عَلَى جَوَاز الْإِتْمَام وَإِنْ كَانَ الْأَحَبّ الْقَصْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ مِنْ الْإِشْكَال فِي أَوَّل كِتَاب الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق فَيَّاض بْن زُهَيْر عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِلَفْظِهِ , وَذَكَرَ اِبْن جَرِير عَنْ الْوَاقِدِيّ أَنَّ الزِّيَادَة فِي صَلَاة الْحَضَر كَانَتْ بَعْد قُدُوم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة بِشَهْرٍ وَاحِد , قَالَ : وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا خِلَاف بَيْن أَهْل الْحِجَاز فِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3643",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَادَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ مَرَضٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ‏ ‏ابْنَةٌ ‏ ‏لِي وَاحِدَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ ‏ ‏لَا قَالَ فَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ قَالَ الثُّلُثُ يَا ‏ ‏سَعْدُ ‏ ‏وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ ذُرِّيَّتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَلَسْتَ بِنَافِقٍ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا آجَرَكَ اللَّهُ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي ‏ ‏فِي ‏ ‏امْرَأَتِكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي قَالَ إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ لَكِنْ الْبَائِسُ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ‏ ‏يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ تُوُفِّيَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏وَمُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَرَثَتك ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْقَابِسِيّ \" ذُرِّيَّتك \" وَرِوَايَة الْجَمَاعَة أَوْلَى ; لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة قَدْ بَيَّنَ الْبُخَارِيّ أَنَّهَا لِغَيْرِ يَحْيَى بْن قَزَعَة شَيْخه هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَسْت بِنَافِقٍ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِمُنْفِقٍ \" وَهُوَ الصَّوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ مَاتَ بِمَكَّة ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة لِلتَّعْلِيلِ , وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَتَرَدَّدَ فِيهِ فَقَالَ : إِنْ كَانَ بِالْفَتْحِ فَفِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّة بَعْد الصَّدْر مِنْ حَجَّته ثُمَّ مَاتَ , وَإِنْ كَانَ بِالْكَسْرِ فَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ يُرِيد التَّخَلُّف بَعْد الصَّدْر فَخَشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يُدْرِكهُ أَجَله بِمَكَّة. قُلْت : وَالْمَضْبُوط الْمَحْفُوظ بِالْفَتْحِ , لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ أَقَامَ بَعْد حَجّه , لِأَنَّ السِّيَاق يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ قَبْل الْحَجّ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَحْمَد بْن يُونُس وَمُوسَى عَنْ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن سَنَد ( أَنْ تَذَرَ وَرَثَتك ) أَمَّا رِوَايَة أَحْمَد بْن يُونُس فَأَخْرَجَهَا الْمُصَنِّف فِي حَجَّة الْوَدَاع فِي آخِر الْمَغَازِي , وَأَمَّا رِوَايَة مُوسَى وَهُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل فَأَخْرَجَهَا الْمُؤَلِّف فِي الدَّعَوَات. ‏"
    },
    {
        "id": "3644",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَآخَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَهُ وَبَيْنَ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ فَرَآهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَهْيَمْ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَالَ فَمَا سُقْتَ فِيهَا فَقَالَ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة إِخَاء سَعْد بْن الرَّبِيع وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب النِّكَاح. ‏"
    },
    {
        "id": "3645",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حَامِدُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ ‏ ‏بَلَغَهُ مَقْدَمُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَأَتَاهُ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ مَا أَوَّلُ ‏ ‏أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ‏ ‏وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي بِهِ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏آنِفًا قَالَ ‏ ‏ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏ذَاكَ عَدُوُّ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏مِنْ الْمَلَائِكَةِ قَالَ ‏ ‏أَمَّا أَوَّلُ ‏ ‏أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ‏ ‏فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ الْوَلَدَ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏قَوْمٌ ‏ ‏بُهُتٌ ‏ ‏فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي فَجَاءَتْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ رَجُلٍ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏فِيكُمْ قَالُوا خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا وَأَفْضَلُنَا وَابْنُ أَفْضَلِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏قَالُوا أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَأَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ قَالُوا شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا وَتَنَقَّصُوهُ قَالَ هَذَا كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ بِغَيْرِ تَرْجَمَة , وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَاب الَّذِي بَعْده , وَلَعَلَّهُ كَانَ بَعْده ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏صَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ فِي رِوَايَة لَهُ عَنْ حُمَيْدٍ \" حَدَّثَنَا أَنَس \" أَخْرَجَهَا عَنْ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى عَنْ بِشْر بْن الْمُفَضَّل. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عَبْد اللَّه بْن سَلَام بَلَغَهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي \" بَاب مَقْدَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة \" مِنْ وَجْه آخَر. ‏ ‏قَوْله : ( ذَاكَ عَدُوّ الْيَهُود مِنْ الْمَلَائِكَة ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْح هَذَا فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَّا أَوَّل أَشْرَاط السَّاعَة فَنَار تَحْشُرهُمْ مِنْ الْمَشْرِق إِلَى الْمَغْرِب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن بَكْر عَنْ حُمَيْدٍ فِي التَّفْسِير \" تَحْشُر النَّاس \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر كِتَاب الرِّقَاق. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَّا أَوَّل طَعَام يَأْكُلهُ أَهْل الْجَنَّة فَزِيَادَة كَبِد الْحُوت ) ‏ ‏الزِّيَادَة هِيَ الْقِطْعَة الْمُنْفَرِدَة الْمُعَلَّقَة فِي الْكَبِد , وَهِيَ فِي الْمَطْعَم فِي غَايَة اللَّذَّة , وَيُقَال إِنَّهَا أَهْنَأ طَعَام وَأَمْرَأَهُ وَوَقَعَ فِي حَدِيث ثَوْبَان أَنَّ تُحْفَتهمْ حِين يَدْخُلُونَ الْجَنَّة زِيَادَة كَبِد النُّون , وَالنُّون هُوَ الْحُوت وَيُقَال هُوَ الْحُوت الَّذِي عَلَيْهِ الْأَرْض وَالْإِشَارَة بِذَلِكَ إِلَى نَفَاذ الدُّنْيَا , فِي حَدِيث ثَوْبَانِ زِيَادَة وَهِيَ \" أَنَّهُ يُنْحَر لَهُمْ عَقِب ذَلِكَ نُون الْجَنَّة الَّذِي كَانَ يَأْكُل مِنْ أَطْرَافهَا وَشَرَابهمْ عَلَيْهِ مِنْ عَيْن تُسَمَّى سَلْسَبِيلَا \" وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" يَنْطَح الثَّوْر الْحُوت بِقَرْنِهِ فَتَأْكُل مِنْهُ أَهْل الْجَنَّة ثُمَّ يَحْيَا فَيَنْحَر الثَّوْر بِذَنَبِهِ فَيَأْكُلُونَهُ ثُمَّ يَحْيَا فَيَسْتَمِرَّانِ كَذَلِكَ \" وَهَذَا مُنْقَطِع ضَعِيف. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَّا الْوَلَد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْفَزَارِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ فِي تَرْجَمَة آدَم \" وَأَمَّا شَبَهُ الْوَلَد \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا سَبَقَ مَاء الرَّجُل ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْفَزَارِيِّ \" فَإِنَّ الرَّجُل إِذَا غَشِيَ الْمَرْأَة فَسَبَقَهَا مَاؤُهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( نَزَعَ الْوَلَد ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة أَيْ جَذَبَهُ إِلَيْهِ , وَفِي رِوَايَة الْفَزَارِيِّ \" كَانَ الشَّبَه لَهُ \" وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" إِذَا عَلَا مَاء الرَّجُل مَاء الْمَرْأَة أَشْبَهَ أَعْمَامه , وَإِذَا عَلَا مَاء الْمَرْأَة مَاء الرَّجُل أَشْبَهَ أَخْوَاله \" وَنَحْوه لِلْبَزَّارِ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَفِيهِ \" مَاء الرَّجُل أَبْيَض غَلِيظ , وَمَاء الْمَرْأَة أَصْفَر رَقِيق فَأَيّهمَا أَعْلَى كَانَ الشَّبَه لَهُ \" وَالْمُرَاد بِالْعُلْوِ هُنَا السَّبْق , لِأَنَّ كُلّ مَنْ سَبَقَ فَقَدْ عَلَا شَأْنه فَهُوَ عُلْو مَعْنَوِيّ , وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث ثَوْبَان رَفَعَهُ \" مَاء الرَّجُل أَبْيَض وَمَاء الْمَرْأَة أَصْفَر فَإِذَا اِجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيّ الرَّجُل مَنِيّ الْمَرْأَة أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّه , وَإِذَا عَلَا مَنِيّ الْمَرْأَة مَنِيّ الرَّجُل أَنَّثَا بِإِذْنِ اللَّه \" فَهُوَ مُشْكِل مِنْ جِهَة أَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ اِقْتِرَان الشَّبَه لِلْأَعْمَامِ إِذَا عَلَا مَاء الرَّجُل وَيَكُون ذَكَرًا لَا أُنْثَى وَعَكْسه , وَالْمُشَاهَد خِلَاف ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون ذَكَرًا وَيُشْبِه أَخْوَاله لَا أَعْمَامه وَعَكْسه , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : يَتَعَيَّن تَأْوِيل حَدِيث ثَوْبَان بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْعُلْوِ السَّبْق. قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَر مَا قَدَّمْته وَهُوَ تَأْوِيل الْعُلْو فِي حَدِيث عَائِشَة وَأَمَّا حَدِيث ثَوْبَان فَيَبْقَى الْعُلْو فِيهِ عَلَى ظَاهِره فَيَكُون السَّبْق عَلَامَة التَّذْكِير وَالتَّأْنِيث وَالْعُلْو عَلَامَة الشَّبَه فَيَرْتَفِع الْإِشْكَال , وَكَأَنَّ الْمُرَاد بِالْعُلْوِ الَّذِي يَكُون سَبَب الشَّبَه بِحَسَبِ الْكَثْرَة بِحَيْثُ يَصِير الْآخَر مَغْمُورًا فِيهِ فَبِذَلِكَ يَحْصُل الشَّبَه , وَيَنْقَسِم ذَلِكَ سِتَّة أَقْسَام : الْأَوَّل أَنْ يَسْبِق مَاء الرَّجُل وَيَكُون أَكْثَر فَيَحْصُل لَهُ الذُّكُورَة وَالشَّبَه , وَالثَّانِي عَكْسه , وَالثَّالِث أَنْ يَسْبِق مَاء الرَّجُل وَيَكُون مَاء الْمَرْأَة أَكْثَر فَتَحْصُل الذُّكُورَة وَالشَّبَه لِلْمَرْأَةِ , وَالرَّابِع عَكْسه , وَالْخَامِس أَنْ يَسْبِق مَاء الرَّجُل وَيَسْتَوِيَانِ فَيُذْكِر وَلَا يَخْتَصّ بِشَبَهٍ , وَالسَّادِس عَكْسُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَوْم بُهُت ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَالْهَاء وَيَجُوز إِسْكَانهَا جَمْع بَهِيت كَقَضِيبٍ وَقُضُب وَقَلِيب وَقُلُب , وَهُوَ الَّذِي يَبْهَت السَّامِع بِمَا يَفْتَرِيه عَلَيْهِ مِنْ الْكَذِب , وَنَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ مُفْرَده بَهُوت بِفَتْحِ أَوَّله. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْأَلْهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْفَزَارِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ عِنْد النَّسَائِيِّ \" إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِي قَبْل أَنْ تَسْأَلهُمْ عَنِّي بَهَتُونِي عِنْدك \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَتْ الْيَهُود ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْفَزَارِيِّ \" وَدَخَلَ عَبْد اللَّه دَاخِل الْبَيْت \" وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن بَكْر عَنْ حُمَيْدٍ \" فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُود فَجَاءُوا \" الْحَدِيث ظَاهِره التَّعْمِيم , وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه السِّيَاق تَخْصِيص مَنْ كَانَ لَهُ بِعَبْدِ اللَّه بْن سَلَام تَعَلُّق وَأَقْرَب ذَلِكَ عَشِيرَته مِنْ بَنِي قَيْنُقَاع , فَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِيهِمْ فَقَالَ فِي أَوَائِل الْهِجْرَة مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي : فِي ذِكْر مَنْ كَانَ مِنْ الْيَهُود وَمِنْ بَنِي قَيْنُقَاع زَيْد بْن اللَّصِيب وَسَعْد بْن حُيَيَّة وَمَحْمُود بْن سَبِيحَان وَعَزِيز بْن أَبِي عَزِيز وَعَبْد اللَّه بْن الصَّيْف وَسَعِيد بْن الْحَارِث وَرِفَاعَة بْن قَيْس وفنحاص وَأَشْيَع وَنُعْمَان بْن أَصْبَا وَيَحْرِي بْن عَمْرو وَشَأْس بْن قَيْس وَشَأْس بْن عَدِيّ وَزَيْد بْن الْحَارِث وَنُعْمَان بْن عُمَر وَسُكَيْن بْن أَبِي سُكَيْن وَعَدِيّ بْن زَيْد وَنُعْمَان بْن أَبِي أَوْفَى وَمَحْمُود بْن دِحْيَة وَمَالِك بْن الضَّيْف وَكَعْب بْن رَاشِد وَعَازِب بْن نَافِع بْن أَبِي رَافِع وَخَالِد وَازِر اِبْنَيْ أَبِي أَزَارَ وَرَافِع بْن حَارِثَة وَرَافِع بْن حَرْمَلَة وَرَافِع بْن خَارِجَة وَمَالِك بْن عَوْف وَرِفَاعَة بْن التَّابُوت وَعَبْد اللَّه بْن سَلَام بْن الْحَارِث وَكَانَ حَبْرهمْ وَأَعْلَمهُمْ , وَكَانَ اِسْمه الْحُصَيْن فَسَمَّاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَسْلَمَ عَبْد اللَّه , فَهَؤُلَاءِ بَنُو قَيْنُقَاع. ‏"
    },
    {
        "id": "3646",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا الْمِنْهَالِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُطْعِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَاعَ شَرِيكٌ لِي دَرَاهِمَ فِي السُّوقِ ‏ ‏نَسِيئَةً ‏ ‏فَقُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ أَيَصْلُحُ هَذَا فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَقَدْ بِعْتُهَا فِي السُّوقِ فَمَا عَابَهُ أَحَدٌ ‏ ‏فَسَأَلْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ نَتَبَايَعُ هَذَا الْبَيْعَ فَقَالَ ‏ ‏مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَمَا كَانَ ‏ ‏نَسِيئَةً ‏ ‏فَلَا يَصْلُحُ وَالْقَ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ‏ ‏فَاسْأَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْظَمَنَا تِجَارَةً ‏ ‏فَسَأَلْتُ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مَرَّةً فَقَالَ قَدِمَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَنَحْنُ نَتَبَايَعُ وَقَالَ ‏ ‏نَسِيئَةً ‏ ‏إِلَى الْمَوْسِمِ أَوْ الْحَجِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( بَاعَ شَرِيك لِي دَرَاهِم فِي السُّوق نَسِيئَة ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الشَّرِكَة , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله : \" قَدِمَ عَلَيْنَا الْمَدِينَة وَنَحْنُ نَتَبَايَع \" فَإِنَّهُ يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّهُمْ عَلَى مَا وَجَدَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْمُعَامَلَات إِلَّا مَا اِسْتَثْنَاهُ فَبَيَّنَهُ لَهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3647",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُرَّةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏لآمَنَ بِي ‏ ‏الْيَهُودُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا قُرَّة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن خَالِد , وَمُحَمَّد هُوَ اِبْن سِيرِينَ وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَة مِنْ الْيَهُود لَآمَنَ بِي الْيَهُود ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَمْ يَبْقَ يَهُودِيّ إِلَّا أَسْلَمَ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو سَعِيد فِي \" شَرَف الْمُصْطَفَى \" وَزَادَ فِي آخِره قَالَ \" قَالَ كَعْب هُمْ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ اللَّه فِي سُورَة الْمَائِدَة \" فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد عَشَرَة مُخْتَصَّة وَإِلَّا فَقَدْ آمَنَ بِهِ أَكْثَر مِنْ عَشَرَة , وَقِيلَ الْمَعْنَى لَوْ آمَنَ بِي فِي الزَّمَن الْمَاضِي كَالزَّمَنِ الَّذِي قَبْل قُدُوم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة أَوْ حَال قُدُومه , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُمْ الَّذِينَ كَانُوا حِينَئِذٍ رُؤَسَاء فِي الْيَهُود وَمَنْ عَدَّاهُمْ كَانَ تَبَعًا لَهُمْ , فَلَمْ يُسْلِم مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيل كَعَبْدِ اللَّه بْن سَلَام وَكَانَ مِنْ الْمَشْهُورِينَ بِالرِّيَاسَةِ فِي الْيَهُود عِنْد قُدُوم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمِنْ بَنِي النَّضِير أَبُو يَاسِر بْن أَخْطَب وَأَخُوهُ حُيَيّ بْن أَخْطَب وَكَعْب بْن الْأَشْرَف وَرَافِع بْن أَبِي الْحَقِيق , وَمِنْ بَنِي قَيْنُقَاع عَبْد اللَّه بْن حَنِيف وفنحاص وَرِفَاعَة بْن زَيْد , وَمِنْ بَنِي قُرَيْظَة الزُّبَيْر بْن بَاطَيَا وَكَعْب بْن أَسَد وشمويل بْن زَيْد , فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَثْبُت إِسْلَام أَحَد مِنْهُمْ , وَكَانَ كُلّ مِنْهُمْ رَئِيسًا فِي الْيَهُود وَلَوْ أَسْلَمَ لَاتَّبَعَهُ جَمَاعَة مِنْهُمْ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا الْمُرَاد. وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْم فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ وَجْه آخَر الْحَدِيث بِلَفْظِ \" لَوْ آمَنَ بِي الزُّبَيْر بْن بَاطَيَا وَذَوُوه مِنْ رُؤَسَاء يَهُود لَأَسْلَمُوا كُلّهمْ \" وَأَغْرَبَ السُّهَيْلِيّ فَقَالَ : لَمْ يُسْلِم مِنْ أَحْبَار الْيَهُود إِلَّا اِثْنَانِ يَعْنِي عَبْد اللَّه بْن سَلَام وَعَبْد اللَّه بْن صُورِيَّا , كَذَا قَالَ , وَلَمْ أَرَ لِعَبْدِ اللَّه بْن صُورِيَّا إِسْلَامًا مِنْ طَرِيق صَحِيحَة , وَإِنَّمَا نَسَبَهُ السُّهَيْلِيّ فِي مَوْضِع آخَر لِتَفْسِيرِ النَّقَّاش , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب أَحْكَام أَهْل الذِّمَّة \" مِنْ كِتَاب الْمُحَارِبِينَ شَيْء يَتَعَلَّق بِذَلِكَ وَوَقَعَ عِنْد اِبْن حِبَّان قِصَّة إِسْلَام جَمَاعَة مِنْ الْأَحْبَار كَزَيْدِ بْن سَعَفَة مُطَوَّلًا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ يَهُودِيًّا سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأ سُورَة يُوسُف فَجَاءَ وَمَعَهُ نَفَر مِنْ الْيَهُود فَأَسْلَمُوا كُلّهمْ , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ لَا يَكُونُوا أَحْبَارًا , وَحَدِيث مَيْمُون بْن يَامِين قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَاب. وَأَخْرَجَ يَحْيَى بْن سَلَام فِي تَفْسِيره مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ \" قَالَ كَعْب إِنَّمَا الْحَدِيث اِثْنَا عَشَر لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى ( وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا ) فَسَكَتَ أَبُو هُرَيْرَة \" قَالَ اِبْن سِيرِينَ : أَبُو هُرَيْرَة عِنْدنَا أَوْلَى مِنْ كَعْب , قَالَ يَحْيَى بْن سَلَام وَكَعْب أَيْضًا صَدُوق لِأَنَّ الْمَعْنَى عَشَرَة بَعْد الِاثْنَيْنِ وَهُمَا عَبْد اللَّه بْن سَلَام وَمُخَيْرِيق , كَذَا قَالَهُ وَهُوَ مَعْنَوِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3648",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ أَوْ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغُدَانِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو عُمَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَإِذَا أُنَاسٌ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏يُعَظِّمُونَ عَاشُورَاءَ وَيَصُومُونَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْنُ أَحَقُّ بِصَوْمِهِ فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد أَوْ مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ , وَفِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي \" اِبْن عَبْد اللَّه \" مُكَبَّر وَالْأَوَّل أَصَحّ وَأَشْهَر , وَاسْم جَدّه سُهَيْل وَهُوَ الْغُدَانِيّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمُهْمَلَة , شَكَّ الْبُخَارِيّ فِي اِسْمه هُنَا , وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي التَّارِيخ فِيمَنْ اِسْمه أَحْمَد بِغَيْرِ شَكّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي مُوسَى ) ‏ ‏وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ عَنْ أَبِي مَسْعُود وَهُوَ غَلَط. ‏ ‏قَوْله : ( دَخَلَ النَّبِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" قَدِمَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الصِّيَام. ‏"
    },
    {
        "id": "3649",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَجَدَ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَظْفَرَ اللَّهُ فِيهِ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏وَبَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏فِرْعَوْنَ ‏ ‏وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْنُ أَوْلَى ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏مِنْكُمْ ثُمَّ أَمَرَ بِصَوْمِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة وَجَدَ الْيَهُود يَصُومُونَ عَاشُورَاء ) ‏ ‏اُسْتُشْكِلَ هَذَا لِأَنَّ قُدُومه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ فِي رَبِيع الْأَوَّل , وَأُجِيب بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون عِلْمه بِذَلِكَ تَأَخَّرَ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ السَّنَة الثَّانِيَة , قَالَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون صِيَامهمْ كَانَ عَلَى حِسَاب الْأَشْهُر الشَّمْسِيَّة فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يَقَع عَاشُورَاء فِي رَبِيع الْأَوَّل وَيَرْتَفِع الْإِشْكَال بِالْكُلِّيَّةِ , هَكَذَا قَرَّرَهُ اِبْن الْقَيِّم فِي \" الْهَدْي \" قَالَ وَصِيَام أَهْل الْكِتَاب إِنَّمَا هُوَ بِحِسَابِ سَيْر الشَّمْس. قُلْت : وَمَا اِدَّعَاهُ مِنْ رَفْع الْإِشْكَال عَجِيب , لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ إِشْكَال آخَر وَهُوَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَصُومُوا عَاشُورَاء بِالْحِسَابِ وَالْمَعْرُوف مِنْ حَال الْمُسْلِمِينَ فِي كُلّ عَصْر فِي صِيَام عَاشُورَاء أَنَّهُ فِي الْمُحَرَّم لَا فِي غَيْره مِنْ الشُّهُور , نَعَمْ وَجَدْت فِي الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ جَيِّد عَنْ زَيْد بْن ثَابِت قَالَ \" لَيْسَ يَوْم عَاشُورَاء بِالْيَوْمِ الَّذِي يَقُول النَّاس , إِنَّمَا كَانَ يَوْم تُسْتَر فِيهِ الْكَعْبَة وَتُقَلَّس فِيهِ الْحَبَشَة , وَكَانَ يَدُور فِي السَّنَة , وَكَانَ النَّاس يَأْتُونَ فُلَانًا الْيَهُودِيّ يَسْأَلُونَهُ , فَلَمَّا مَاتَ أَتَوْا زَيْد بْن ثَابِت فَسَأَلُوهُ \" فَعَلَى هَذَا فَطَرِيق الْجَمْع أَنْ تَقُول كَانَ الْأَصْل فِيهِ ذَلِكَ , فَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِيَامِ عَاشُورَاء رَدَّهُ إِلَى حُكْم شَرْعه وَهُوَ الِاعْتِبَار بِالْأَهِلَّةِ فَأَخَذَ أَهْل الْإِسْلَام بِذَلِكَ , لَكِنْ فِي الَّذِي اِدَّعَاهُ أَنَّ أَهْل الْكِتَاب يَبْنُونَ صَوْمهمْ عَلَى حِسَاب الشَّمْس نَظَر , فَإِنَّ الْيَهُود لَا يَعْتَبِرُونَ فِي صَوْمهمْ إِلَّا بِالْأَهِلَّةِ , هَذَا الَّذِي شَاهَدْنَاهُ مِنْهُمْ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِيهِمْ مَنْ كَانَ يَعْتَبِر الشُّهُور بِحِسَابِ الشَّمْس لَكِنْ لَا وُجُود لَهُ الْآن , كَمَا اِنْقَرَضَ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ عُزَيْر اِبْن اللَّه , تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيث إِشْكَال آخَر سَبَقَ الْجَوَاب عَنْهُ فِي كِتَاب الصِّيَام. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" ثُمَّ أَمَرَ بِصَوْمِهِ \" ‏"
    },
    {
        "id": "3650",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَسْدِلُ شَعْرَهُ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ وَكَانَ ‏ ‏أَهْلُ الْكِتَابِ ‏ ‏يَسْدِلُونَ رُءُوسَهُمْ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحِبُّ مُوَافَقَةَ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ فَرَقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأْسَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْدِل شَعْره ) ‏ ‏أَيْ يُرْخِيه. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَرَوَاهُ مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُر مَنْ فَوْقه , وَأَغْرَبَ حَمَّاد بْن خَالِد فَرَوَاهُ عَنْ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَس , قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل : أَخْطَأَ فِيهِ حَمَّاد بْن خَالِد وَالْمَحْفُوظ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَفْرُقُونَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّ ثَالِثه. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ فَرَقَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسه ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء وَالرَّاء الْخَفِيفَة , وَقَدْ سَبَقَ شَرْحه فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوَافِق أَهْل الْكِتَاب إِذَا خَالَفُوا عَبَدَة الْأَوْثَان أَخْذًا بِأَخَفّ الْأَمْرَيْنِ , فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّة وَدَخَلَ عُبَّاد الْأَوْثَان فِي الْإِسْلَام رَجَعَ إِلَى مُخَالَفَة بَاقِي الْكُفَّار وَهُمْ أَهْل الْكِتَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "3651",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هُمْ ‏ ‏أَهْلُ الْكِتَابِ ‏ ‏جَزَّءُوهُ أَجْزَاءً فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ ‏ ‏يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ‏ { ‏الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ ‏ ‏عِضِينَ ‏ }",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس ( قَالَ هُمْ أَهْلُ الْكِتَاب جَزَّءُوهُ أَجْزَاء فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ ) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيّ : يَعْنِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآن عِضِينَ ). ‏"
    },
    {
        "id": "3652",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شَقِيقٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏وَحَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ تَدَاوَلَهُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ رَبٍّ إِلَى رَبٍّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبِي ) ‏ ‏هُوَ سُلَيْمَان بْن طَرْخَان التَّيْمِيُّ وَأَبُو عُثْمَان هُوَ النَّهْدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( تَدَاوَلَهُ بِضْعَة عَشَر مِنْ رَبّ إِلَى رَبّ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ سَيِّد إِلَى سَيِّد , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي النَّهْي عَنْ إِطْلَاق رَبّ عَلَى السَّيِّد , وَقَدْ مَرَّ فِي الْبُيُوع , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِير الْبِضْع وَأَنَّهُ مِنْ الثَّلَاث إِلَى الْعَشْر عَلَى الْمَشْهُور , وَذَكَرَ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق اِبْن عَبَّاس عَنْ سَلْمَان فِي قِصَّته أَنَّهُ كَانَ اِبْن مَلِك وَأَنَّهُ خَرَجَ فِي طَلَب الدِّين هَارِبًا وَأَنَّهُ اِنْتَقَلَ مِنْ عَابِد إِلَى عَابِد إِلَى أَنْ قَدِمَ يَثْرِب , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشِّرَاء مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ كِتَاب الْبُيُوع كَيْفِيَّة إِسْلَام سَلْمَان وَمُكَاتَبَة الَّذِي كَانَ فِي رَقِّهِ عَلَى غَرْس الْوَدْي. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيّ أَنَّ وَلَاء سَلْمَان كَانَ لِأَهْلِ الْبَيْت لِأَنَّهُ أَسْلَمَ عَلَى يَد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ , وَتَعَقَّبْهُ اِبْن التِّين بِأَنَّهُ لَيْسَ مَذْهَب مَالِك , قَالَ : وَاَلَّذِي كَاتَبَ سَلْمَان كَانَ مُسْتَحِقًّا لِوَلَائِهِ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا , وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. قُلْت : وَفَاته مِنْ وُجُوه الرَّدّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُورَث فَلَا يُورَث عَنْهُ الْوَلَاء أَيْضًا إِنْ قُلْنَا بِوَلَاءِ الْإِسْلَام عَلَى تَقْدِير التَّنَزُّل. ‏"
    },
    {
        "id": "3653",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَوْفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَلْمَانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَنَا مِنْ ‏ ‏رَامَ هُرْمُزَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَا مِنْ رَامَ هُرْمُز ) ‏ ‏فِي رِوَايَة بِشْر بْن الْمُفَضَّل عَنْ عَوْف بِلَفْظِ \" أَنَا مِنْ أَهْل رَامَ هُرْمُز \" بِفَتْحِ الرَّاء وَالْمِيم وَضَمّ الْهَاء وَالْمِيم بَيْنهمَا رَاء سَاكِنَة ثُمَّ زَاي , مَدِينَة مَعْرُوفَة بِأَرْضِ فَارِس بِقُرْبِ عِرَاق الْعَرَب , وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد أَحْمَد وَغَيْره أَنَّ سَلْمَان كَانَ مِنْ أَصْبَهَانَ , وَيُمْكِن الْجَمْع بِاعْتِبَارَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3654",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلْمَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَتْرَةٌ بَيْنَ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏وَمُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ سِتُّ مِائَةِ سَنَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَتْرَة بَيْن عِيسَى وَمُحَمَّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام سِتّمِائَةِ سَنَة ) ‏ ‏وَالْمُرَاد بِالْفَتْرَةِ الْمُدَّة الَّتِي لَا يُبْعَث فِيهَا رَسُول مِنْ اللَّه , وَلَا يَمْتَنِع أَنْ يُنَبَّأ فِيهَا مَنْ يَدْعُو إِلَى شَرِيعَة الرَّسُول الْأَخِيرَة وَنَقَلَ اِبْن الْجَوْزِيّ الِاتِّفَاق عَلَى مَا اِقْتَضَاهُ حَدِيث سَلْمَان هَذَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْخِلَاف فِي ذَلِكَ مَنْقُول , فَعَنْ قَتَادَةَ خَمْسمِائَةِ وَسِتِّينَ سَنَة أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْهُ , وَعَنْ الْكَلْبِيّ خَمْسمِائَةِ وَأَرْبَعِينَ , وَقِيلَ أَرْبَعمِائَةِ سَنَة. وَوَجْه تَعَلُّق هَذِهِ الْأَحَادِيث بِإِسْلَامِ سَلْمَان الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الْأَحَادِيث الَّتِي وَرَدَتْ فِي سِيَاق قِصَّته مَا هِيَ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ فِي الصَّحِيح , وَإِنْ كَانَ إِسْنَاد بَعْضهَا صَالِحًا , وَأَمَّا أَحَادِيث الْبَاب فَمُحَصَّلهَا أَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْد أَنْ تَدَاوَلَهُ جَمَاعَة بِالرِّقِّ , وَبَعْد أَنْ هَاجَرَ مِنْ وَطَنه وَغَابَ عَنْهُ هَذِهِ الْمُدَّة الطَّوِيلَة حَتَّى مَنَّ اللَّه عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ طَوْعًا. ‏ ‏( خَاتِمَة ) ‏ ‏اِشْتَمَلَتْ أَحَادِيث الْمَبْعَث وَمَا بَعْدهَا مِنْ الْهِجْرَة وَغَيْرهَا مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى مِائَة وَعِشْرِينَ حَدِيثًا , الْمَوْصُول مِنْهَا مِائَة وَثَلَاثَة أَحَادِيث وَالْبَقِيَّة مُعَلَّقَات وَمُتَابَعَات , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى سَبْعَة وَسَبْعُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِص ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث خَبَّاب \" لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلكُمْ يُمْشَط \" وَحَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ فِي \" أَشَدّ مَا صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ \" , وَحَدِيث عَبْد اللَّه \" آذَنَتْ بِالْجِنِّ شَجَرَة \" وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي إِسْلَام عُمَر , وَحَدِيث سَوَاد بْن قَارِب , وَحَدِيث عُمَر يَا جَلِيحْ , وَحَدِيث سَعِيد بْن زَيْد فِي إِسْلَامه , وَحَدِيث أُمّ خَالِد بِنْت خَالِد بْن سَعِيد فِي الْخَمِيصَة , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا ) وَحَدِيث جَابِر \" شَهِدَ بِي خَالَايَ الْعَقَبَة \" وَحَدِيث اِبْن عُمَر وَعَائِشَة \" لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح \" وَحَدِيث عُرْوَة بْن الزُّبَيْر \" أَنَّ الزُّبَيْر لَقِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَكْب كَانُوا تُجَّارًا \" الْحَدِيث فِي الْهِجْرَة , وَحَدِيث أَنَس فِي شَأْن الْهِجْرَة وَفِيهِ قِصَّة سُرَاقَة وَلَمْ يُسَمِّهِ , وَحَدِيث عُمَر مَعَ أَبِي مُوسَى فِي ذِكْر الْهِجْرَة , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْبَيْعَة , وَحَدِيث عَائِشَة أَنَّ أَبَا بَكْر تَزَوَّجَ اِمْرَأَة مِنْ كَلْب وَفِيهِ الشِّعْر , وَحَدِيث الْبَرَاء فِي أَوَّل مِنْ قَدِمَ الْمَدِينَة , وَحَدِيث مُسَهِّل \" مَا عَدُّوا مِنْ الْمَبْعَث \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِير ( جَعَلُوا الْقُرْآن عِضِينَ ) وَأَحَادِيث سَلْمَان الثَّلَاثَة فِي إِسْلَامه , وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ أَرْبَعَة آثَار أَوْ خَمْسَة. وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3655",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏كُنْتُ إِلَى جَنْبِ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ‏ ‏فَقِيلَ لَهُ كَمْ غَزَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ غَزْوَةٍ قَالَ ‏ ‏تِسْعَ عَشْرَةَ قِيلَ كَمْ غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ قَالَ سَبْعَ عَشْرَةَ قُلْتُ فَأَيُّهُمْ كَانَتْ أَوَّلَ قَالَ ‏ ‏الْعُسَيْرَةُ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏الْعُشَيْرُ ‏ ‏فَذَكَرْتُ ‏ ‏لِقَتَادَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏الْعُشَيْرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا وَهْب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن جَرِير بْن حَازِم , وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السُّبَيْعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ لَهُ ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ الرَّاوِي أَبُو إِسْحَاق بَيَّنَهُ إِسْرَائِيل بْن يُونُس عَنْ أَبِي إِسْحَاق كَمَا سَيَأْتِي آخِر الْمَغَازِي بِلَفْظِ \" سَأَلْت زَيْد بْن أَرْقَم \" وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة آخِرًا \" فَأَيّهمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( تِسْع عَشْرَة ) ‏ ‏كَذَا قَالَ وَمُرَاده الْغَزَوَات الَّتِي خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا بِنَفْسِهِ سَوَاء قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِل , لَكِنْ رَوَى أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر أَنَّ عَدَد الْغَزَوَات إِحْدَى وَعِشْرُونَ وَإِسْنَاده صَحِيح وَأَصْله فِي مُسْلِم , فَعَلَى هَذَا فَفَاتَ زَيْد بْن أَرْقَم ذِكْر ثِنْتَيْنِ مِنْهَا وَلَعَلَّهُمَا الْأَبْوَاء وَبَوَاط , وَكَأَنَّ ذَلِكَ خَفِيَ عَلَيْهِ لِصِغَرِهِ , وَيُؤَيِّد مَا قُلْته مَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" قُلْت أَوَّل غَزْوَة غَزَاهَا ؟ قَالَ : ذَات الْعُشَيْر أَوْ الْعُشَيْرَة \" ا ه وَالْعُشَيْرَة كَمَا تَقَدَّمَ هِيَ الثَّالِثَة , وَأَمَّا قَوْل اِبْن التِّين : يُحْمَل قَوْل زَيْد بْن أَرْقَم عَلَى أَنَّ الْعُشَيْرَة أَوَّل مَا غَزَا هُوَ , أَيْ زَيْد بْن أَرْقَم , فَقُلْت مَا أَوَّل غَزْوَة غَزَاهَا أَيْ وَأَنْتَ مَعَهُ ؟ قَالَ : الْعُشَيْر , فَهُوَ مُحْتَمَل أَيْضًا , وَيَكُون قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ ثِنْتَانِ مِمَّا بَعْد ذَلِكَ. أَوْ عَدَّ الْغَزْوَتَيْنِ وَاحِدَة , فَقَدْ قَالَ مُوسَى بْن عُقْبَة \" قَاتَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ فِي ثَمَان : بَدْر ثُمَّ أُحُد ثُمَّ الْأَحْزَاب ثُمَّ الْمُصْطَلِق ثُمَّ خَيْبَر ثُمَّ مَكَّة ثُمَّ حُنَيْنٍ ثُمَّ الطَّائِف \" ا ه وَأَهْمَلَ غَزْوَة قُرَيْظَة لِأَنَّهُ ضَمَّهَا إِلَى الْأَحْزَاب لِكَوْنِهَا كَانَتْ فِي إِثْرِهَا , وَأَفْرَدَهَا غَيْره لِوُقُوعِهَا مُنْفَرِدَة بَعْد هَزِيمَة الْأَحْزَاب , وَكَذَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ عَدّ الطَّائِف وَحُنَيْن وَاحِدَة لِتَقَارُبِهِمَا , فَيَجْتَمِع عَلَى هَذَا قَوْل زَيْد بْن أَرْقَم وَقَوْل جَابِر , وَقَدْ تَوَسَّعَ اِبْن سَعْد فَبَلَغَ عِدَّة الْمَغَازِي الَّتِي خَرَجَ فِيهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ سَبْعًا وَعِشْرِينَ , وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ الْوَاقِدِيّ , وَهُوَ مُطَابِق لِمَا عَدَّهُ اِبْن إِسْحَاق إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُفْرِد وَادِي الْقُرَى مِنْ خَيْبَر , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ السُّهَيْلِيّ , وَكَأَنَّ السِّتَّة الزَّائِدَة مِنْ هَذَا الْقَبِيل , وَعَلَى هَذَا يُحْمَل مَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ \" غَزَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ \" وَأَخْرَجَهُ يَعْقُوب بْن سُفْيَان عَنْ سَلَمَة بْن شُبَيْب عَنْ عَبْد الرَّزَّاق فِيهِ أَنَّ سَعِيدًا قَالَ أَوَّلًا ثَمَانِي عَشْرَة ثُمَّ قَالَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ , قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَلَا أَدْرِي أَوَهِمَ أَوْ كَانَ شَيْئًا سَمِعَهُ بَعْد. قُلْت : وَحَمَلَهُ عَلَى مَا ذَكَرْته يَدْفَع الْوَهْم وَيَجْمَع الْأَقْوَال وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْبُعُوث وَالسَّرَايَا فَعَدَّ اِبْن إِسْحَاق سِتًّا وَثَلَاثِينَ وَعَدَّ الْوَاقِدِيّ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ. وَحَكَى اِبْن الْجَوْزِيّ فِي \" التَّلْقِيح \" سِتًّا وَخَمْسِينَ , وَعَدَّ الْمَسْعُودِيّ سِتِّينَ , وَبَلَغَهَا شَيْخنَا فِي \" نَظْم السِّيرَة \" زِيَادَة عَلَى السَّبْعِينَ , وَوَقَعَ عِنْد الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" أَنَّهَا تَزِيد عَلَى مِائَة فَلَعَلَّهُ أَرَادَ ضَمَّ الْمَغَازِي إِلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت فَأَيّهمْ كَانَ أَوَّل ) ‏ ‏؟ كَذَا لِلْجَمِيعِ , قَالَ اِبْن مَالِك : وَالصَّوَاب \" فَأَيّهَا \" أَوْ \" أَيّهنَّ \" وَوَجَّهَهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّ الْمُضَاف مَحْذُوف وَالتَّقْدِير فَأَيّ غَزْوَتهمْ ؟ قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ مَحْمُود بْن غَيْلَان عَنْ وَهْب بْن جَرِير بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف بِلَفْظِ \" قُلْت فَأَيَّتهنَّ \" ؟ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّعْبِير مِنْ الْبُخَارِيّ أَوْ مِنْ شَيْخه عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الْمُسْنَدِيّ أَوْ مِنْ شَيْخه وَهْب بْن جَرِير حَدَّثَ بِهِ مَرَّة عَلَى الصَّوَاب وَمَرَّة عَلَى غَيْره إِنْ لَمْ يَصِحّ لَهُ تَوْجِيه. ‏ ‏قَوْله : ( الْعُشَيْر أَوْ الْعُشَيْرَة ) ‏ ‏كَذَا بِالتَّصْغِيرِ وَالْأَوَّل بِالْمُعْجَمَةِ بِلَا هَاء وَالثَّانِيَة بِالْمُهْمَلَةِ وَبِالْهَاءِ , وَوَقَعَ فِي التِّرْمِذِيّ الْعُشَيْر أَوْ الْعُسَيْر بِلَا هَاء فِيهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرْت لِقَتَادَةَ ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ شُعْبَة , وَقَوْل قَتَادَةَ \" الْعُشَيْرَة \" هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ وَبِإِثْبَاتِ الْهَاء وَمِنْهُمْ مَنْ حَذَفَهَا , وَقَوْل قَتَادَةَ هُوَ الَّذِي اِتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْل السِّيَر وَهُوَ الصَّوَاب , وَأَمَّا غَزْوَة الْعَسِيرَة بِالْمُهْمَلَةِ فَهِيَ غَزْوَة تَبُوك قَالَ اللَّه تَعَالَى ( الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي سَاعَة الْعُسْرَة ) وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَا كَانَ فِيهَا مِنْ الْمَشَقَّة كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه , وَهِيَ بِغَيْرِ تَصْغِير , وَأَمَّا هَذِهِ فَنُسِبَتْ إِلَى الْمَكَان الَّذِي وَصَلُوا إِلَيْهِ وَاسْمه الْعُشَيْر أَوْ الْعُشَيْرَة يُذَكَّر وَيُؤَنَّث وَهُوَ مَوْضِع , وَذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّ الْمَطْلُوب فِي هَذِهِ الْغَزَاة هِيَ عِير قُرَيْش الَّتِي صَدَرَتْ مِنْ مَكَّة إِلَى الشَّام بِالتِّجَارَةِ فَفَاتَتْهُمْ , وَكَانُوا يَتَرَقَّبُونَ رُجُوعهَا فَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَلَقَّاهَا لِيَغْنَمهَا , فَبِسَبَبِ ذَلِكَ كَانَتْ وَقْعَة بَدْر , قَالَ اِبْن إِسْحَاق : فَإِنَّ السَّبَب فِي غَزْوَة بَدْر مَا حَدَّثَنِي يَزِيد بْن رُومَان عَنْ عُرْوَة أَنَّ أَبَا سُفْيَان كَانَ بِالشَّامِ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا مِنْهُمْ مَخْرَمَة بْن نَوْفَل وَعَمْرو بْن الْعَاصِ , فَأَقْبَلُوا فِي قَافِلَة عَظِيمَة فِيهَا أَمْوَال قُرَيْش , فَنَدَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ , وَكَانَ أَبُو سُفْيَان يَتَجَسَّس الْأَخْبَار فَبَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَنْفَرَ أَصْحَابه بِقَصْدِهِمْ , فَأَرْسَلَ ضَمْضَم بْن عَمْرو الْغِفَارِيَّ إِلَى قُرَيْش بِمَكَّة يُحَرِّضهُمْ عَلَى الْمَجِيء لِحِفْظِ أَمْوَالهمْ وَيُحَذِّرهُمْ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَنْفَرَهُمْ ضَمْضَم , فَخَرَجُوا فِي أَلْف رَاكِب وَمَعَهُمْ مِائَة فَرَس , وَاشْتَدَّ حَذَر أَبِي سُفْيَان فَأَخَذَ طَرِيق السَّاحِل وَجَدَّ فِي السَّيْر حَتَّى فَاتَ الْمُسْلِمِينَ , فَلَمَّا أَمِنَ أَرْسَلَ إِلَى مَنْ يَلْقَى قُرَيْشًا يَأْمُرهُمْ بِالرُّجُوعِ , فَامْتَنَعَ أَبُو جَهْل مِنْ ذَلِكَ , فَكَانَ مَا كَانَ مِنْ وَقْعَة بَدْر. ‏"
    },
    {
        "id": "3656",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَ عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ كَانَ صَدِيقًا ‏ ‏لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏أُمَيَّةُ ‏ ‏إِذَا مَرَّ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏نَزَلَ عَلَى ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏إِذَا مَرَّ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏نَزَلَ عَلَى ‏ ‏أُمَيَّةَ ‏ ‏فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏انْطَلَقَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏مُعْتَمِرًا فَنَزَلَ عَلَى ‏ ‏أُمَيَّةَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لِأُمَيَّةَ ‏ ‏انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّي أَنْ أَطُوفَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فَخَرَجَ بِهِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ فَلَقِيَهُمَا ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا صَفْوَانَ ‏ ‏مَنْ هَذَا مَعَكَ فَقَالَ هَذَا ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏أَلَا أَرَاكَ تَطُوفُ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏آمِنًا وَقَدْ أَوَيْتُمْ ‏ ‏الصُّبَاةَ ‏ ‏وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَنْصُرُونَهُمْ وَتُعِينُونَهُمْ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ مَعَ ‏ ‏أَبِي صَفْوَانَ ‏ ‏مَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ سَالِمًا فَقَالَ لَهُ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏وَرَفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي هَذَا لَأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ طَرِيقَكَ عَلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أُمَيَّةُ ‏ ‏لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ يَا ‏ ‏سَعْدُ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏أَبِي الْحَكَمِ ‏ ‏سَيِّدِ أَهْلِ الْوَادِي فَقَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏دَعْنَا عَنْكَ يَا ‏ ‏أُمَيَّةُ ‏ ‏فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ قَالَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏قَالَ لَا أَدْرِي فَفَزِعَ لِذَلِكَ ‏ ‏أُمَيَّةُ ‏ ‏فَزَعًا شَدِيدًا فَلَمَّا رَجَعَ ‏ ‏أُمَيَّةُ ‏ ‏إِلَى أَهْلِهِ قَالَ يَا ‏ ‏أُمَّ صَفْوَانَ ‏ ‏أَلَمْ تَرَيْ مَا قَالَ لِي ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏قَالَتْ وَمَا قَالَ لَكَ قَالَ زَعَمَ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ فَقُلْتُ لَهُ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏قَالَ لَا أَدْرِي فَقَالَ ‏ ‏أُمَيَّةُ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏اسْتَنْفَرَ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏النَّاسَ قَالَ أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ فَكَرِهَ ‏ ‏أُمَيَّةُ ‏ ‏أَنْ يَخْرُجَ فَأَتَاهُ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا صَفْوَانَ ‏ ‏إِنَّكَ مَتَى مَا يَرَاكَ النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي تَخَلَّفُوا مَعَكَ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏حَتَّى قَالَ أَمَّا إِذْ غَلَبْتَنِي فَوَاللَّهِ لَأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏أُمَيَّةُ ‏ ‏يَا ‏ ‏أُمَّ صَفْوَانَ ‏ ‏جَهِّزِينِي فَقَالَتْ لَهُ يَا ‏ ‏أَبَا صَفْوَانَ ‏ ‏وَقَدْ نَسِيتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ قَالَ لَا مَا أُرِيدُ أَنْ أَجُوزَ مَعَهُمْ إِلَّا قَرِيبًا فَلَمَّا خَرَجَ ‏ ‏أُمَيَّةُ ‏ ‏أَخَذَ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلًا إِلَّا عَقَلَ بَعِيرَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ ‏بِبَدْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( شُرَيْح ) ‏ ‏هُوَ بِمُعْجَمَةٍ وَآخِره مُهْمَلَة , وَإِبْرَاهِيم بْن يُوسُف عَنْ أَبِيهِ هُوَ يُوسُف بْن إِسْحَاق السَّبِيعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود حَدَّثَ عَنْ سَعْد بْن مُعَاذ قَالَ كَانَ صَدِيقًا ) ‏ ‏فِيهِ اِلْتِفَات عَلَى رَأْي , وَالسِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ يَقُول كُنْت صَدِيقًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون \" قَالَ \" زَائِدَة وَيَكُون قَوْله \" قَالَ \" مِنْ كَلَام اِبْن مَسْعُود , وَالْمُرَاد سَعْد بْن مُعَاذ , وَهِيَ رِوَايَة النَّسَفِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى أُمَيَّة ) ‏ ‏بْن خَلَف وَوَقَعَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل عَنْ اِبْن إِسْحَاق \" أُمَيَّة بْن خَلَف بْن صَفْوَان \" , كَذَا لِلْمَرْوَزِيّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل , وَالصَّوَاب مَا عِنْد الْبَاقِينَ \" أُمَيَّة بْن خَلَف أَبِي صَفْوَان \" , وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَبِي صَفْوَان أُمَيَّة بْن خَلَف \" وَهِيَ كُنْيَة أُمَيَّة كُنِّيَ بِابْنِهِ صَفْوَان بْن أُمَيَّة , وَكَذَلِكَ اِتَّفَقَ أَصْحَاب أَبِي إِسْحَاق ثُمَّ أَصْحَاب إِسْرَائِيل عَلَى أَنَّ الْمَنْزُول عَلَيْهِ أُمَيَّة بْن خَلَف , وَخَالَفَهُمْ أَبُو عَلِيّ الْحَنَفِيّ فَقَالَ : نَزَلَ عَلَى عُتْبَة بْن رَبِيعَة , وَسَاقَ الْقِصَّة كُلّهَا , أَخْرَجَهُ الْبَزَّار. وَقَوْل الْجَمَاعَة أَوْلَى , وَعُتْبَة بْن رَبِيعَة قُتِلَ بِبَدْرٍ أَيْضًا لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَارِهًا فِي الْخُرُوج مِنْ مَكَّة إِلَى بَدْر , وَإِنَّمَا حَرَّضَ النَّاس عَلَى الرُّجُوع بَعْد أَنْ سَلِمَتْ تِجَارَتهمْ فَخَالَفَهُ أَبُو جَهْل , وَفِي سِيَاق الْقِصَّة الْبَيَان الْوَاضِح أَنَّهَا لِأُمَيَّة بْن خَلَف لِقَوْلِهِ فِيهَا \" فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا أُمّ صَفْوَان \" وَلَمْ يَكُنْ لِعُتْبَة بْن رَبِيعَة اِمْرَأَة يُقَال لَهَا أُمّ صَفْوَان. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ ) ‏ ‏أَيْ سَعْد بْن مُعَاذ ‏ ‏( لِأُمَيَّة ) ‏ ‏بْن خَلَف ‏ ‏( اُنْظُرْ لِي سَاعَة خَلْوَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل \" فَقَالَ أُمَيَّة لِسَعْدٍ : أَلَا تَنْظُر حَتَّى يَكُون نِصْف النَّهَار \" وَالْجَمْع بَيْنهمَا بِأَنَّ سَعْدًا سَأَلَهُ وَأَشَارَ عَلَيْهِ أُمَيَّة , وَإِنَّمَا اِخْتَارَ لَهُ نِصْف النَّهَار لِأَنَّهُ مَظِنَّة الْخَلْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا أَرَاك ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ اللَّام لِلِاسْتِفْتَاحِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ هَمْزَة الِاسْتِفْهَام وَهِيَ مُرَادَة. ‏ ‏قَوْله : ( آوَيْتُمْ ) ‏ ‏بِالْمَدِّ وَالْقَصْر , وَالصُّبَاة بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة جَمْع صَابِي بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة خَفِيفَة بِغَيْرِ هَمْز وَهُوَ الَّذِي يَنْتَقِل مِنْ دِين إِلَى دِين , وَفِي رِوَايَة إِسْرَائِيل \" وَقَدْ آوَيْتُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه \". ‏ ‏قَوْله : ( طَرِيقك عَلَى الْمَدِينَة ) ‏ ‏أَيْ مَا يُقَارِبهَا أَوْ يُحَاذِيهَا , قَالَا الْكَرْمَانِيُّ : طَرِيقك بِالنَّصْبِ وَالرَّفْع. قُلْت : النَّصْب أَصَحّ لِأَنَّ عَامِله لَأَمْنَعَنك , فَهُوَ بَدَل مِنْ قَوْله مَا هُوَ أَشَدّ عَلَيْك , وَأَمَّا الرَّفْع فَيَحْتَاج إِلَى تَقْدِير. وَفِي رِوَايَة إِسْرَائِيل مَتْجَرك إِلَى الشَّام , وَهُوَ الْمُرَاد بِقَطْعِ طَرِيقه عَلَى الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى أَبِي الْحَكَم ) ‏ ‏هِيَ كُنْيَة أَبِي جَهْل , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي لَقَّبَهُ بِأَبِي جَهْل. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَاَللَّهِ لَقَدْ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول إِنَّهُمْ قَاتَلُوك ) ‏ ‏كَذَا أَتَى بِصِيغَةِ الْجَمْع وَالْمُرَاد الْمُسْلِمُونَ , أَوْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَكَرَهُ بِهَذِهِ الصِّيغَة تَعْظِيمًا , وَفِي بَقِيَّة سِيَاق الْقِصَّة مَا يُؤَيِّد هَذَا الثَّانِي , وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ \" قَاتِلِيك \" بِتَحْتَانِيَّةٍ بَدَل الْوَاو وَقَالُوا هِيَ لَحْن , وَوُجِّهَتْ بِحَذْفِ الْأَدَاة وَالتَّقْدِير أَنَّهُمْ يَكُونُونَ قَاتِلِيك , وَفِي رِوَايَة إِسْرَائِيل \" أَنَّهُ قَاتِلك \" بِالْإِفْرَادِ , وَقَدْ قَدَّمْت فِي \" عَلَامَات النُّبُوَّة \" بَيَان وَهْم الْكَرْمَانِيّ فِي شَرْح هَذَا الْمَوْضِع وَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الضَّمِير لِأَبِي جَهْل فَاسْتَشْكَلَهُ فَقَالَ إِنَّ أَبَا جَهْل لَمْ يَقْتُل أُمَيَّة , ثُمَّ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَ سَبَبًا فِي خُرُوجه حَتَّى قُتِلَ. قُلْت : وَرِوَايَة الْبَاب كَافِيَة فِي الرَّدّ عَلَيْهِ , فَإِنَّ فِيهَا \" أَنَّ أُمَيَّة قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إِنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ قَاتِلِي \" وَلَمْ يَتَقَدَّم فِي كَلَامه لِأَبِي جَهْل ذِكْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَيَّة فَزَعًا شَدِيدًا ) ‏ ‏بَيَّنَ سَبَب فَزَعه فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل فَفِيهَا \" قَالَ فَوَاَللَّهِ مَا يَكْذِب مُحَمَّدٌ إِذَا حَدَّثَ \" وَوَقَعَ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ \" فَقَالَ وَاَللَّه مَا يَكْذِب مُحَمَّد , فَكَادَ أَنْ يُحْدِث \" كَذَا وَقَعَ عِنْده بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّة وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَكَسْر الدَّال مِنْ الْحَدَث وَهُوَ خُرُوج الْخَارِج مِنْ أَحَد السَّبِيلَيْنِ , وَالضَّمِير لِأُمَيَّة أَيْ أَنَّهُ كَادَ أَنْ يَخْرُج مِنْهُ الْحَدَث مِنْ شِدَّة فَزَعه , وَمَا أَظُنّ ذَلِكَ إِلَّا تَصْحِيفًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا رَجَعَ أُمَيَّة إِلَى أَهْله ) ‏ ‏أَيْ اِمْرَأَته ‏ ‏( فَقَالَ يَا أُمّ صَفْوَان ) ‏ ‏هِيَ كُنْيَتهَا , وَاسْمهَا صَفِيَّة وَيُقَال كَرِيمَة بِنْت مَعْمَر بْن حَبِيب بْن وَهْب بْن حُذَافَة بْن جُمَح , وَهِيَ مِنْ رَهْط أُمَيَّة فَأُمَيَّة اِبْن عَمّ أَبِيهَا , وَقِيلَ اِسْمهَا فَاخِتَة بِنْت الْأَسْوَد. ‏ ‏قَوْله : ( مَا قَالَ لِي سَعْد ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة إِسْرَائِيل \" مَا قَالَ لِي أَخِي الْيَثْرِبِيّ \" ذَكَرَ الْأُخُوَّة بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ بَيْنهمَا مِنْ الْمُؤَاخَاة فِي الْجَاهِلِيَّة , وَنَسَبَهُ إِلَى يَثْرِب وَهُوَ اِسْم الْمَدِينَة قَبْل الْإِسْلَام. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لَهُ : بِمَكَّة ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي. فَقَالَ أُمَيَّة : وَاَللَّه لَا أَخْرُج مِنْ مَكَّة ) ‏ ‏يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْأَخْذ بِالْمُحْتَمَلِ حَيْثُ يَتَحَقَّق الْهَلَاك فِي غَيْره أَوْ يَقْوَى الظَّنّ أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر ) ‏ ‏زَادَ إِسْرَائِيل \" وَجَاءَ الصَّرِيخ \" وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى مَا أَخْرَجَهُ اِبْن إِسْحَاق كَمَا تَقَدَّمَ قَبْل هَذَا الْبَاب , وَعَرَفَ أَنَّ اِسْم الصَّرِيخ ضَمْضَم بْن عَمْرو الْغِفَارِيُّ , وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق بِأَسَانِيدِهِ أَنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى مَكَّة جَدَعَ بَعِيره وَحَوَّلَ رَحْله وَشَقَّ قَمِيصه وَصَرَخَ : يَا مَعْشَر قُرَيْش أَمْوَالكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَان قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمَّد , الْغَوْث الْغَوْث. ‏ ‏قَوْله : ( أَدْرِكُوا عِيركُمْ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة أَيْ الْقَافِلَة الَّتِي كَانَتْ مَعَ أَبِي سُفْيَان. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّك مَتَى يَرَاك النَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ وَحْده \" مَتَى مَا يَرَاك النَّاس \" بِزِيَادَةِ \" مَا \" وَهِيَ الزَّائِدَة الْكَافَّة عَنْ الْعَمَل , وَبِحَذْفِهَا كَانَ حَقّ الْأَلِف مِنْ \" يَرَاك \" أَنْ تُحْذَف , لِأَنَّ مَتَى لِلشَّرْطِ وَهِيَ تَجْزِم الْفِعْل الْمُضَارِع , قَالَ اِبْن مَالِك : يُخَرَّجُ ثُبُوت الْأَلِف عَلَى أَنَّ قَوْله \" يَرَاك \" مُضَارِع رَاءٍ بِتَقْدِيمِ الْأَلِف عَلَى الْهَمْزَة وَهِيَ لُغَة فِي رَأْي قَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏إِذَا رَآنِي أَبْدَى بَشَاشَة وَاصِل ‏ ‏وَمُضَارِعه يُرَاءَ بِمَدِّ ثُمَّ هَمْز , فَلَمَّا جُزِمَتْ حُذِفَتْ الْأَلِف ثُمَّ أُبْدِلَتْ الْهَمْزَة أَلِفًا فَصَارَ يَرَا , وَعَلَى أَنَّ مَتَى شُبِّهَتْ بِإِذَا فَلَمْ يُجْزَم بِهَا , وَهُوَ كَقَوْلِ عَائِشَة الْمَاضِي فِي الصَّلَاة فِي أَبِي بَكْر \" مَتَى يَقُوم مَقَامك \" أَوْ عَلَى إِجْرَاء الْمُعْتَلّ مَجْرَى الصَّحِيح كَقَوْلِ الشَّاعِر : ‏ ‏وَلَا تَرْضَاهَا وَلَا تَمْلَق ‏ ‏أَوْ عَلَى الْإِشْبَاع كَمَا قُرِئَ ( إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي ). قُلْت : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" مَتَى يَرَك النَّاس \" بِحَذْفِ الْأَلِف وَهُوَ الْوَجْه. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْتَ سَيِّد أَهْل الْوَادِي ) ‏ ‏أَيْ وَادِي مَكَّة , قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أُمَيَّة وَصَفَ بِهَا أَبَا جَهْل لَمَّا خَاطَبَ سَعْدًا بِقَوْلِهِ \" لَا تَرْفَع صَوْتك عَلَى أَبِي الْحَكَم وَهُوَ سَيِّد أَهْل الْوَادِي \" فَتَقَارَضَا الثَّنَاء وَكَانَ كُلّ مِنْهُمَا سَيِّدًا فِي قَوْمه. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَزَلْ بِهِ أَبُو جَهْل ) ‏ ‏بَيَّنَ اِبْن إِسْحَاق الصِّفَة الَّتِي كَادَ بِهَا أَبُو جَهْل أُمَيَّةَ حَتَّى خَالَفَ رَأْي نَفْسه فِي تَرْك الْخُرُوج مِنْ مَكَّة فَقَالَ \" حَدَّثَنِي اِبْن أَبِي نَجِيح أَنَّ أُمَيَّة بْن خَلَف كَانَ قَدْ أَجْمَع عَلَى عَدَم الْخُرُوج , وَكَانَ شَيْخًا جَسِيمًا , فَأَتَاهُ عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط بِمَجْمَرَةٍ حَتَّى وَضَعَهَا بَيْن يَدَيْهِ فَقَالَ : إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ النِّسَاء , فَقَالَ : قَبَّحَك اللَّه \". وَكَأَنَّ أَبَا جَهْل سَلَّطَ عُقْبَة عَلَيْهِ حَتَّى صَنَعَ بِهِ ذَلِكَ , وَكَانَ عُقْبَة سَفِيهًا. ‏ ‏قَوْله : ( لَأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَد بَعِير بِمَكَّة ) ‏ ‏يَعْنِي فَأَسْتَعِدّ عَلَيْهِ لِلْهَرَبِ إِذَا خِفْت شَيْئًا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ أُمَيَّة ) ‏ ‏فِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره : فَاشْتَرَى الْبَعِير الَّذِي ذَكَرَ ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَتْرُك مَنْزِلًا إِلَّا عَقَلَ بَعِيره ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" يَنْزِل \" بِنُونٍ وَزَاي وَلَام مِنْ النُّزُول وَهِيَ أَوْجَه مِنْ رِوَايَة غَيْره \" يَتْرُك \" بِمُثَنَّاةٍ وَرَاء وَكَاف. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى قَتَلَهُ اللَّه بِبَدْرٍ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَة حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فِي صِفَة قَتْله , وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَة. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ أَنَّ الَّذِي وَلِيَ قَتْله خُبَيْب وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَة مُصَغَّر , اِبْن إِسَاف بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَمُهْمَلَة خَفِيفَة الْأَنْصَارِيّ , وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : قَتَلَهُ رَجُل مِنْ بَنِي مَازِن مِنْ الْأَنْصَار. وَقَالَ اِبْن هِشَام : يُقَال اِشْتَرَكَ فِيهِ مُعَاذ ابْن عَفْرَاء وَخَارِجَة بْن زَيْد وَخُبَيْب الْمَذْكُور. وَذَكَرَ الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" أَنَّ رِفَاعَة بْن رَافِع طَعَنَهُ بِالسَّيْفِ , وَيُقَال قَتَلَهُ بِلَال. وَأَمَّا اِبْنه عَلِيّ بْن أُمَيَّة فَقَتَلَهُ عَمَّار. وَفِي الْحَدِيث مُعْجِزَات لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَاهِرَة , وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَعْد بْن مُعَاذ مِنْ قُوَّة النَّفْس وَالْيَقِين. وَفِيهِ أَنَّ شَأْن الْعُمْرَة كَانَ قَدِيمًا , وَأَنَّ الصَّحَابَة كَانَ مَأْذُونًا لَهُمْ فِي الِاعْتِمَار مِنْ قَبْل أَنْ يَعْتَمِر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ الْحَجّ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3657",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏غَيْرَ أَنِّي تَخَلَّفْتُ عَنْ ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَلَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهَا إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُرِيدُ عِيرَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف طَرَفًا مِنْ حَدِيث كَعْب بْن مَالِك فِي قِصَّة تَوْبَته , وَسَيَأْتِي فِي غَزْوَة تَبُوك , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله \" وَلَمْ يُعَاتَب أَحَد \" وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاء عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَلَمْ يُعَاتِب اللَّه أَحَدًا \" وَقَوْله فِيهِ \" إِنَّمَا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيد عِير قُرَيْش \" أَيْ وَلَمْ يُرِدْ الْقِتَال. وَقَوْله \" حَتَّى جَمَعَ اللَّه بَيْنهمْ وَبَيْن عَدُوّهُمْ عَلَى غَيْر مِيعَاد \" أَيْ وَلَا إِرَادَة قِتَال. وَالْعِير الْمَذْكُورَة يُقَال كَانَتْ أَلْف بَعِير , وَكَانَ الْمَال خَمْسِينَ أَلْف دِينَار , وَكَانَ فِيهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْش وَقِيلَ أَرْبَعُونَ وَقِيلَ سِتُّونَ , وَقَوْله \" غَيْر أَنِّي تَخَلَّفْت فِي غَزْوَة بَدْر \" وَهُوَ اِسْتِثْنَاء مِنْ الْمَفْهُوم فِي قَوْله \" لَمْ أَتَخَلَّف إِلَّا فِي تَبُوك \" فَإِنَّ مَفْهُومه أَنِّي حَضَرْت فِي جَمِيع الْغَزَوَات مَا خَلَا غَزْوَة تَبُوك , وَالسَّبَب فِي كَوْنه لَمْ يَسْتَثْنِهِمَا مَعًا بِلَفْظٍ وَاحِد كَوْنه تَخَلَّفَ فِي تَبُوك مُخْتَارًا لِذَلِكَ مَعَ تَقَدُّم الطَّلَب وَوُقُوع الْعِتَاب عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ , بِخِلَافِ بَدْر فِي ذَلِكَ كُلّه , فَلِذَلِكَ غَايَرَ بَيْن التَّخَلُّفَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3658",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُخَارِقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏شَهِدْتُ مِنْ ‏ ‏الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ‏ ‏مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ ‏ ‏أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا ‏} ‏وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ ‏ ‏يَعْنِي قَوْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُخَارِق ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَتَخْفِيف الْمُعْجَمَة هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن جَابِر الْبَجَلِيّ الْأَحْمَسِيُّ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَيُقَال اِسْم أَبِيهِ عَبْد الرَّحْمَن وَيُقَال خَلِيفَة , وَهُوَ كُوفِيّ ثِقَة عِنْد الْجَمِيع يُكَنَّى أَبَا سَعِيد , وَلَمْ أَرَ لَهُ رِوَايَة عَنْ غَيْر طَارِق وَهُوَ اِبْن شِهَاب وَلَهُ رُؤْيَة. ‏ ‏قَوْله : ( شَهِدْت مِنْ الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّ اِسْم أَبِيهِ عَمْرو , وَأَنَّ الْأَسْوَد كَانَ تَبَنَّاهُ فَصَارَ يُنْسَب إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( مِمَّا عُدِلَ بِهِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الدَّال الْمُهْمَلَة أَيْ وُزِنَ أَيْ مِنْ كُلّ شَيْء يُقَابِل ذَلِكَ مِنْ الدُّنْيَوِيَّات , وَقِيلَ : مِنْ الثَّوَاب , أَوْ الْمُرَاد الْأَعَمّ مِنْ ذَلِكَ , وَالْمُرَاد الْمُبَالَغَة فِي عَظَمَة ذَلِكَ الْمَشْهَد , وَأَنَّهُ كَانَ لَوْ خُيِّرَ بَيْن أَنْ يَكُون صَاحِبه وَبَيْن أَنْ يَحْصُل لَهُ مَا يُقَابِل ذَلِكَ كَائِنًا مَا كَانَ لَكَانَ حُصُوله لَهُ أَحَبّ إِلَيْهِ , وَقَوْله : \" لَأَنْ أَكُون صَاحِبه \" هُوَ بِالنَّصْبِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَأَنْ أَكُون أَنَا صَاحِبه \" وَيَجُوز فِيهِ الرَّفْع وَالنَّصْب , قَالَ اِبْن مَالِك : النَّصْب أَجْوَد. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَته \" جَاءَ الْمِقْدَاد عَلَى فَرَس يَوْم بَدْر فَقَالَ \" وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ هَذَا الْكَلَام قَالَهُ الْمِقْدَاد لَمَّا وَصَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّفْرَاء وَبَلَغَهُ أَنَّ قُرَيْشًا قَصَدَتْ بَدْرًا وَأَنَّ أَبَا سُفْيَان نَجَا بِمَنْ مَعَهُ , فَاسْتَشَارَ النَّاس , فَقَامَ أَبُو بَكْر فَقَالَ فَأَحْسَن , ثُمَّ قَامَ عُمَر كَذَلِكَ , ثُمَّ الْمِقْدَاد فَذَكَرَ نَحْو مَا فِي حَدِيث الْبَاب وَزَادَ \" فَقَالَ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَوْ سَلَكْت بِنَا بَرْك الْغِمَاد لَجَاهَدْنَا مَعَك مِنْ دُونه. قَالَ : فَقَالَ أَشِيرُوا عَلَيَّ. قَالَ : فَعَرَفُوا أَنَّهُ يُرِيد الْأَنْصَار , وَكَانَ يَتَخَوَّف أَنْ لَا يُوَافِقُوهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُبَايِعُوهُ إِلَّا عَلَى نُصْرَته مِمَّنْ يَقْصِدهُ لَا أَنْ يَسِير بِهِمْ إِلَى الْعَدُوّ , فَقَالَ لَهُ سَعْد بْن مُعَاذ : اِمْضِ يَا رَسُول اللَّه لِمَا أُمِرْت بِهِ فَنَحْنُ مَعَك. قَالَ فَسَّرَهُ قَوْله وَنَشَّطَهُ \" وَكَذَا ذَكَرَهُ مُوسَى بْن عُقْبَة مَبْسُوطًا , وَأَخْرَجَهُ اِبْن عَائِذ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة , وَعِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ مُرْسَل عَلْقَمَة بْن وَقَّاص فِي نَحْو قِصَّة الْمِقْدَاد \" فَقَالَ سَعْد بْن مُعَاذ لَئِنْ سِرْت حَتَّى تَأْتِي بَرْك الْغِمَاد مِنْ ذِي يَمَن لَنَسِيرَنَّ مَعَك , وَلَا نَكُون كَاَلَّذِينَ قَالُوا لِمُوسَى - فَذَكَرَهُ وَفِيهِ - وَلَعَلَّك خَرَجْت لِأَمْرٍ فَأَحْدَثَ اللَّه غَيْره , فَامْضِ لِمَا شِئْت , وَصِلْ حِبَال مَنْ شِئْت , وَاقْطَعْ حِبَال مَنْ شِئْت , وَسَالِمْ مَنْ شِئْت , وَعَادِ مَنْ شِئْت , وَخُذْ مِنْ أَمْوَالنَا مَا شِئْت \" قَالَ : وَإِنَّمَا خَرَجَ يُرِيد غَنِيمَة مَا مَعَ أَبِي سُفْيَان فَأَحْدَثَ اللَّه لَهُ الْقِتَال , وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب قَالَ : \" قَالَ لَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ : إِنِّي أُخْبِرْت عَنْ عِير أَبِي سُفْيَان , فَهَلْ لَكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَيْهَا لَعَلَّ اللَّه يُغْنِمنَاهَا ؟ قُلْنَا : نَعَمْ , فَخَرَجْنَا. فَلَمَّا سِرْنَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ قَالَ : قَدْ أُخْبِرُوا خَبَرنَا فَاسْتَعِدُّوا لِلْقِتَالِ , فَقُلْنَا : لَا وَاَللَّه مَا لَنَا طَاقَة بِقِتَالِ الْقَوْم , فَأَعَادَهُ , فَقَالَ لَهُ الْمِقْدَاد : لَا نَقُول لَك كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيل لِمُوسَى وَلَكِنْ نَقُول : إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ. قَالَ فَتَمَنَّيْنَا مَعْشَر الْأَنْصَار لَوْ أَنَّا قُلْنَا كَمَا قَالَ الْمِقْدَاد. فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : ( كَمَا أَخْرَجَك رَبّك مِنْ بَيْتك بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ) وَأَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَلْقَمَة بْن وَقَّاص عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه نَحْوه لَكِنْ فِيهِ أَنَّ مُعَاذ هُوَ الَّذِي قَالَ مَا قَالَ الْمِقْدَاد , وَالْمَحْفُوظ أَنَّ الْكَلَام الْمَذْكُور لِلْمِقْدَادِ كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب , وَأَنَّ سَعْد بْن مُعَاذ إِنَّمَا قَالَ \" لَوْ سِرْت بِنَا حَتَّى تَبْلُغ بَرْك الْغِمَاد لَسِرْنَا مَعَك \" كَذَلِكَ ذَكَرَهُ مُوسَى بْن عُقْبَة. وَعِنْد اِبْن عَائِذ فِي حَدِيث عُرْوَة \" فَقَالَ سَعْد بْن مُعَاذ : لَوْ سِرْت بِنَا حَتَّى تَبْلُغ الْبَرْك مِنْ غِمْد ذِي يَمَن \" وَوَقَعَ فِي مُسْلِم أَنَّ سَعْد بْن عُبَادَةَ هُوَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ مُرْسَل عِكْرِمَة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ سَعْد بْن عُبَادَةَ لَمْ يَشْهَد بَدْرًا , وَإِنْ كَانَ يُعَدُّ فِيهِمْ لِكَوْنِهِ مِمَّنْ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِهِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ فِي آخِر الْغَزْوَة , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَشَارَهُمْ فِي غَزْوَة بَدْر مَرَّتَيْنِ : الْأُولَى وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ أَوَّل مَا بَلَغَهُ خَبَر الْعِير مَعَ أَبِي سُفْيَان , وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي رِوَايَة مُسْلِم وَلَفْظه \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاوَرَ حِين بَلَغَهُ إِقْبَال أَبِي سُفْيَان \" وَالثَّانِيَة كَانَتْ بَعْد أَنْ خَرَجَ كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب , وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ سَعْد بْن عُبَادَةَ قَالَ ذَلِكَ بِالْحُدَيْبِيَةِ , وَهَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَة شَرْح بَرْك الْغِمَاد , وَدَلَّتْ رِوَايَة اِبْن عَائِذ هَذِهِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ جِهَة الْيَمَن , وَذَكَرَ السُّهَيْلِيّ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْض الْكُتُب أَنَّهَا أَرْض الْحَبَشَة , وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قِصَّة أَبِي بَكْر مَعَ اِبْن الدَّغِنَة , فَإِنَّ فِيهَا أَنَّهُ لَقِيَهُ ذَاهِبًا إِلَى الْحَبَشَة بِبَرْكِ الْغِمَاد فَأَجَارَهُ اِبْن الدَّغِنَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْكِتَاب , وَيُجْمَع بِأَنَّهَا مِنْ جِهَة الْيَمَن تُقَابِل الْحَبَشَة وَبَيْنهمَا عُرْض الْبَحْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنَّا نُقَاتِل عَنْ يَمِينك إِلَخْ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ مُخَارِق \" وَلَكِنْ اِمْضِ وَنَحْنُ مَعَك \" وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو الْمَذْكُورَة \" وَلَكِنْ اِذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَّبِعُونَ \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث عُتْبَة بْن عَبْد بِإِسْنَادٍ حَسَن \" قَالَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نَقُول كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيل , وَلَكِنْ اِنْطَلِقْ أَنْتَ وَرَبّك إِنَّا مَعَكُمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3659",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ فَأَخَذَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏بِيَدِهِ فَقَالَ حَسْبُكَ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ ‏ { ‏سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ , وَخَالِد هُوَ الْحَذَّاء. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذَا مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة فَإِنَّ اِبْن عَبَّاس لَمْ يَحْضُر ذَلِكَ , وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ عَنْ عُمَر أَوْ عَنْ أَبِي بَكْر , فَفِي مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي زُمَيْل بِالزَّايِ مُصَغَّر وَاسْمه سِمَاك بْن الْوَلِيد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" حَدَّثَنِي عُمَر : لَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر نَظَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْف وَأَصْحَابه ثَلَاثمِائَةِ وَتِسْعَة عَشَر , فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة ثُمَّ مَدّ يَدَيْهِ , فَلَمْ يَزَلْ يَهْتِف بِرَبِّهِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ \" الْحَدِيث , وَعَنْ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة قَالَ : \" لَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر نَظَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَتَكَاثُرهمْ وَإِلَى الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَقَلَّهُمْ , فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ وَقَامَ أَبُو بَكْر عَنْ يَمِينه , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي صَلَاته : اللَّهُمَّ لَا تُودِع مِنِّي , اللَّهُمَّ لَا تَخْذُلنِي , اللَّهُمَّ لَا تَتِرنِي , اللَّهُمَّ أَنْشُدك مَا وَعَدَّتْنِي \" , وَعِنْد اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْش قَدْ أَتَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرهَا تُجَادِل وَتُكَذِّب رَسُولك , اللَّهُمَّ فَنَصْرك الَّذِي وَعَدَّتْنِي \". ‏ ‏قَوْله : ( يَوْم بَدْر ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة وُهَيْب الْآتِيَة فِي التَّفْسِير عَنْ خَالِد \" وَهُوَ فِي قُبَّة \" وَالْمُرَاد بِهَا الْعَرِيش الَّذِي اِتَّخَذَهُ الصَّحَابَة لِجُلُوسِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون النُّون وَالْمُعْجَمَة وَضَمّ الدَّال , أَيْ أَطْلُب مِنْك. وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : \" مَا سَمِعْنَا مُنَاشِدًا يَنْشُد ضَالَّة أَشَدّ مُنَاشَدَة مِنْ مُحَمَّد لِرَبِّهِ يَوْم بَدْر : \" اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدك مَا وَعَدَّتْنِي \" قَالَ السُّهَيْلِيّ : سَبَب شِدَّة اِجْتِهَاد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَصَبه فِي الدُّعَاء لِأَنَّهُ رَأَى الْمَلَائِكَة تَنْصَبُّ فِي الْقِتَال , وَالْأَنْصَار يَخُوضُونَ غِمَار الْمَوْت , وَالْجِهَاد تَارَة يَكُون بِالسِّلَاحِ وَتَارَة بِالدُّعَاءِ , وَمِنْ السُّنَّة أَنْ يَكُون الْإِمَام وَرَاء الْجَيْش لِأَنَّهُ لَا يُقَاتِل مَعَهُمْ فَلَمْ يَكُنْ لِيُرِيحَ نَفْسه , فَتَشَاغَلَ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الدُّعَاء. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ إِنْ شِئْت لَمْ تُعْبَد ) ‏ ‏فِي حَدِيث عُمَر \" اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِك هَذِهِ الْعِصَابَة مِنْ أَهْل الْإِسْلَام لَا تُعْبَد فِي الْأَرْض \". أَمَّا \" تَهْلِك \" فَبِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر اللَّام , وَ \" الْعِصَابَة \" بِالرَّفْعِ , وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ خَاتَم النَّبِيِّينَ فَلَوْ هَلَكَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ حِينَئِذٍ لَمْ يُبْعَث أَحَد مِمَّنْ يَدْعُو إِلَى الْإِيمَان , وَلَاسْتَمَرَّ الْمُشْرِكُونَ يُعِيدُونَ غَيْر اللَّه , فَالْمَعْنَى لَا يُعْبَد فِي الْأَرْض بِهَذِهِ الشَّرِيعَة. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا الْكَلَام أَيْضًا يَوْم أُحُد , وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَلِيّ قَالَ : \" قَاتَلْت يَوْم بَدْر شَيْئًا مِنْ قِتَال , ثُمَّ جِئْت فَإِذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِي سُجُوده : يَا حَيّ يَا قَيُّوم , فَرَجَعْت فَقَاتَلْت , ثُمَّ جِئْت فَوَجَدْته كَذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذَ أَبُو بَكْر بِيَدِهِ فَقَالَ : حَسْبك ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة وُهَيْب عَنْ خَالِد كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِير \" قَدْ أَلْحَحْت عَلَى رَبّك \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُثْمَان عَنْ عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ أَبِيهِ , زَادَ فِي رِوَايَة مُسْلِم الْمَذْكُورَة \" فَأَتَاهُ أَبُو بَكْر فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ , ثُمَّ اِلْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه كَفَاك مُنَاشَدَتك رَبّك , فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَك مَا وَعَدَك. فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ) الْآيَة , فَأَمَدَّهُ اللَّه بِالْمَلَائِكَةِ \" ا ه. وَعُرِفَ بِهَذِهِ الزِّيَادَة مُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ. وَقَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِم \" كَذَاك \" وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ بِمَعْنَى كَفَاك , قَالَ قَاسِم بْن ثَابِت \" كَذَاك \" يُرَاد بِهَا الْإِغْرَاء وَالْأَمْر بِالْكَفِّ عَنْ الْفِعْل وَهُوَ الْمُرَاد هُنَا , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : ‏ ‏كَذَاك الْقَوْل إِنَّ عَلَيْك عَيْبًا ‏ ‏أَيْ حَسْبك مِنْ الْقَوْل فَاتْرُكْهُ ا ه وَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ تَصْحِيف وَأَنَّ الْأَصْل كَفَاك. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا يَجُوز أَنْ يَتَوَهَّم أَحَد أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ أَوْثَق بِرَبِّهِ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْحَال ; بَلْ الْحَامِل لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ شَفَقَته عَلَى أَصْحَابه وَتَقْوِيَة قُلُوبهمْ , لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّل مَشْهَد شَهِدَهُ , فَبَالَغَ فِي التَّوَجُّه وَالدُّعَاء وَالِابْتِهَال لِتَسْكُنَ نُفُوسهمْ عِنْد ذَلِكَ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ وَسِيلَته مُسْتَجَابَة , فَلَمَّا قَالَ لَهُ أَبُو بَكْر مَا قَالَ كَفّ عَنْ ذَلِكَ وَعَلِمَ أَنَّهُ اُسْتُجِيبَ لَهُ لَمَّا وَجَدَ أَبُو بَكْر فِي نَفْسه مِنْ الْقُوَّة وَالطُّمَأْنِينَة , فَلِهَذَا عَقَّبَ بِقَوْلِهِ. \" سَيُهْزَمُ الْجَمْع \" اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ غَيْره : وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْحَالَة فِي مَقَام الْخَوْف , وَهُوَ أَكْمَل حَالَات الصَّلَاة , وَجَازَ عِنْده أَنْ لَا يَقَع النَّصْر يَوْمئِذٍ لِأَنَّ وَعْده بِالنَّصْرِ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا لِتَلِك الْوَاقِعَة , وَإِنَّمَا كَانَ مُجْمَلًا. هَذَا الَّذِي يَظْهَر , وَزَلَّ مَنْ لَا عِلْم عِنْده مِمَّنْ يُنْسَب إِلَى الصُّوفِيَّة فِي هَذَا الْمَوْضِع زَلَلًا شَدِيدًا فَلَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ , وَلَعَلَّ الْخَطَّابِيُّ أَشَارَ إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُول : سَيُهْزَمُ الْجَمْع وَيُوَلُّونَ الدُّبُر ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" لَمَّا نَزَلَتْ ( سَيُهْزَمُ الْجَمْع وَيُوَلُّونَ الدُّبُر ) قَالَ عُمَر : أَيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ ؟ قَالَ : فَلَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَثِب فِي الدُّرُوع وَيَقُول : ( سَيُهْزَمُ الْجَمْع ) أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ. وَلَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَنْ عُمَر \" لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ \" ؟ فَذَكَرَ نَحْوه , وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّد مَا قَدَّمْته أَنَّ اِبْن عَبَّاس حَمَلَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ عُمَر , وَسَيَأْتِي فِي التَّفْسِير عَنْ عَائِشَة \" نَزَلَتْ بِمَكَّة وَأَنَا جَارِيَة أَلْعَب : ( بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ) الْآيَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "3660",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْكَرِيمِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏مِقْسَمًا ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ ‏ { ‏لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ‏} ‏عَنْ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَالْخَارِجُونَ إِلَى ‏ ‏بَدْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَة , وَوَقَعَ فِي شَرْح شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن \" بَاب فَضْل مَنْ شَهِدَ بَدْرًا \" وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ بَعْض النُّسَخ , وَهُوَ خَطَأ مِنْ جِهَة أَنَّ هَذِهِ التَّرْجَمَة بِعَيْنِهَا سَتَأْتِي فِيمَا بَعْد , فَلَا مَعْنَى لِتَكَرُّرِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عَبْد الْكَرِيم ) ‏ ‏هُوَ الْجَزَرِيُّ , بَيَّنَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد الْأُمَوِيّ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ : \" حَدَّثَنِي عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيُّ \" اِنْتَهَى. وَفِي طَبَقَته مِمَّنْ يَرْوِي عَنْ مِقْسَم وَيَرْوِي عَنْهُ اِبْن جُرَيْجٍ عَبْد الْكَرِيم بْن أَبِي الْمُخَارِقِ أَحَد الضُّعَفَاء , وَلَمْ يُخَرِّج لَهُ الْبُخَارِيّ شَيْئًا مُسْنَدًا , وَمِقْسَم بِكَسْرِ الْمِيم هُوَ أَبُو الْقَاسِم مَوْلَى اِبْن عَبَّاس وَهُوَ فِي الْأَصْل مَوْلَى عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث الْهَاشِمِيّ , وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ مَوْلَى اِبْن عَبَّاس لِشِدَّةِ لُزُومه لَهُ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3661",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتُصْغِرْتُ أَنَا ‏ ‏وَابْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتُصْغِرْتُ أَنَا ‏ ‏وَابْنُ عُمَرَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏نَيِّفًا عَلَى سِتِّينَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارُ ‏ ‏نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اُسْتُصْغِرْت ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله , وَمُرَاد الْبَرَاء أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عِنْد حُضُور الْقِتَال فَعُرِضَ مَنْ يُقَاتِل فَرَدَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغ , وَكَانَتْ تِلْكَ عَادَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَوَاطِن. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَا وَابْن عُمَر ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : هَذَا يَرُدّهُ قَوْل اِبْن عُمَر \" اُسْتُصْغِرْت يَوْم أُحُد \" وَكَذَا اِعْتَرَضَ بِهِ اِبْن التِّين وَزَادَ بِأَنَّ إِخْبَار عُمَر عَنْ نَفْسه أَوْلَى مِنْ إِخْبَار الْبَرَاء عَنْهُ اِنْتَهَى. وَهُوَ اِعْتِرَاض مَرْدُود إِذْ لَا تُنَافِي بَيْن الْإِخْبَارَيْنِ فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ اُسْتُصْغِرَ بِبَدْرٍ ثُمَّ اسْتُصْغِرَ بِأُحُدٍ , بَلْ جَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا عَنْ اِبْن عُمَر نَفْسه وَأَنَّهُ عُرِضَ يَوْم بَدْر وَهُوَ اِبْن ثَلَاث عَشْرَة سَنَة فَاسْتُصْغِرَ وَعُرِضَ يَوْم أُحُد وَهُوَ اِبْن أَرْبَع عَشْرَة سَنَة فَاسْتُصْغِرَ , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي غَزْوَة الْخَنْدَق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ثُمَّ وَجَدْت فِي اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق مُطَرِّف عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء مِثْل حَدِيث الْبَاب وَزَادَ آخِره \" وَشَهِدْنَا أُحُدًا \" فَهَذِهِ الزِّيَادَة إِنْ حُمِلَتْ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ وَشَهِدْنَا أُحُدًا نَفْسه وَحْده دُون اِبْن عُمَر , وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيح أَصَحّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي مَحْمُود ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غَيْلَان , وَوَهْب هُوَ اِبْن جَرِير بْن حَازِم , وَوَقَعَ فِي نُسْخَة وَهْب بْن جَرِير. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْبَرَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْ وَهْب بْن جَرِير بِسَنَدِهِ \" سَمِعْت الْبَرَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَوْم بَدْر نَيِّفًا عَلَى سِتِّينَ ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَسَيَأْتِي فِي آخِر الْكَلَام عَلَى هَذِهِ الْغَزْوَة أَنَّهُمْ كَانُوا ثَمَانِينَ أَوْ زِيَادَة , وَيَأْتِي وَجْه التَّوْفِيق بَيْنهمَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْد يَعْقُوب بْن سُفْيَان مِنْ مُرْسَل عَبِيدَة السَّلْمَانِيّ \" أَنَّ الْأَنْصَار كَانُوا سَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ \" فَلَيْسَ بِثَابِتٍ , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَلِك بْن إِبْرَاهِيم الْجَسْرِيّ عَنْ شُعْبَة فِي هَذَا الْحَدِيث \" أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا نَيِّفًا وَثَمَانِينَ \" وَهُوَ خَطَأ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة لِإِطْبَاقِ أَصْحَاب شُعْبَة عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْأَنْصَار نَيِّف وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ) ‏ ‏النَّيِّف بِفَتْحِ النُّون وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة وَقَدْ تُخَفَّف وَهُوَ مَا بَيْن الْعَقْدَيْنِ : وَقَالَ فِي الْأَوَّل \" نَيِّفًا \" بِنَصْبِهِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر كَانَ وَقَالَ فِي الثَّانِي \" نَيِّف \" بِرَفْعِهِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوف , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا وَهُوَ وَاضِح وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ تَفْصِيل عَدَد الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار جُمْلَته مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة زُهَيْر وَإِسْرَائِيل وَسُفْيَان أَنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثمِائَةِ وَبِضْعَة عَشَر , لَكِنَّ الزِّيَادَة عَلَى الْعَشْر مُبْهَمَة , وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَاب قَبْله أَنَّ فِي حَدِيث عُمَر عِنْد مُسْلِم أَنَّهَا تِسْعَة عَشَر , لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة وَابْن حِبَّان بِإِسْنَادِ مُسْلِم بِلَفْظِ \" بِضْعَة عَشَر \" وَلِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى \" ثَلَاثمِائَةِ وَسَبْعَة عَشَر \" وَلِأَحْمَد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَانَ أَهْل بَدْر ثَلَاثمِائَةِ وَثَلَاثَة عَشَر \" وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَة عُبَيْدَة بْن عُمَر , وَالسَّلْمَانِيّ أَحَد كِبَار التَّابِعِينَ , وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَلَهُ بِذِكْرِ عَلِيّ , وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد اِبْن إِسْحَاق وَجَمَاعَة مِنْ أَهْل الْمَغَازِي , وَيُقَال عَنْ اِبْن إِسْحَاق \" وَأَرْبَعَة عَشَر \" وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ مُرْسَل أَبِي الْيَمَان عَامِر الْهَوْزَنِيّ , وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ قَالَ : \" خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَدْر فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ تَعَادُّوا , فَوَجَدَهُمْ ثَلَاثمِائَةِ وَأَرْبَعَة عَشَر رَجُلًا , ثُمَّ قَالَ لَهُمْ تَعَادُّوا فَتَعَادَّوْا مَرَّتَيْنِ , فَأَقْبَلَ رَجُل عَلَى بَكْر لَهُ ضَعِيف وَهُمْ يَتَعَادُّونَ فَتَمَّتْ الْعِدَّة ثَلَاثمِائَةِ وَخَمْسَة عَشَر \" وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ قَالَ : \" خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر وَمَعَهُ ثَلَاثمِائَةِ وَخَمْسَة عَشَر \" وَهَذِهِ الرِّوَايَة لَا تُنَافِي الَّتِي قَبْلهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون الْأُولَى لَمْ تَعُدّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا الرَّجُل الَّذِي أَتَى آخِرًا , وَأَمَّا الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا وَتِسْعَة عَشَر فَيَحْتَمِل أَنَّهُ ضَمَّ إِلَيْهِمْ مَنْ اُسْتُصْغِرَ وَلَمْ يُؤْذَن لَهُ فِي الْقِتَال يَوْمَئِذٍ كَالْبَرَاءِ وَابْن عُمَر وَكَذَلِكَ أَنَس , فَقَدْ رَوَى أَحْمَد بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ \" هَلْ شَهِدْت بَدْرًا ؟ فَقَالَا : وَأَيْنَ أَغِيب عَنْ بَدْر \" اِنْتَهَى , وَكَأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ فِي خِدْمَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ لِأَنَّهُ خَدَمَهُ عَشْر سِنِينَ , وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ اِبْتِدَاء خِدْمَته لَهُ حِين قُدُومه الْمَدِينَة فَكَأَنَّهُ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى بَدْر , أَوْ خَرَجَ مَعَ عَمّه زَوْج أُمّه أَبِي طَلْحَة. وَحَكَى السُّهَيْلِيّ أَنَّهُ حَضَرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ سَبْعُونَ نَفْسًا مِنْ الْجِنّ , وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ أَلْفًا , وَقِيلَ : سَبْعمِائَةِ وَخَمْسُونَ , وَكَانَ مَعَهُمْ سَبْعمِائَةِ بَعِير وَمِائَة فَرَس. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل جَابِر بْن عَبْد اللَّه فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْهُ قَالَ : \" كُنْت أَمْنَح الْمَاء لِأَصْحَابِي يَوْم بَدْر \" وَإِذَا تَحَرَّرَ هَذَا الْجَمْع فَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْجَمِيع لَمْ يَشْهَدُوا الْقِتَال وَإِنَّمَا شَهِدَهُ مِنْهُمْ ثَلَاثمِائَةٍ وَخَمْسَة أَوْ سِتَّة كَمَا أَخْرَجَهُ اِبْن جَرِير , وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيث أَنَس أَنَّ اِبْن عَمَّته حَارِثَة بْن سُرَاقَة خَرَجَ نَظَّارًا وَهُوَ غُلَام يَوْم بَدْر فَأَصَابَهُ سَهْم فَقُتِلَ , وَعِنْد اِبْن جَرِير مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ أَهْل بَدْر كَانُوا ثَلَاثمِائَةٍ وَسِتَّة رِجَال \" وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ اِبْن سَعْد فَقَالَ : \" إِنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثمِائَةٍ وَخَمْسَة \" وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعُدَّ فِيهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبَيَّنَ وَجْه الْجَمْع بِأَنَّ ثَمَانِيَة أَنْفُس عُدُّوا فِي أَهْل بَدْر وَلَمْ يَشْهَدُوهَا , وَإِنَّمَا ضَرَبَ لَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ بِسِهَامِهِمْ لِكَوْنِهِمْ تَخَلَّفُوا لِضَرُورَاتٍ لَهُمْ , وَهُمْ عُثْمَان بْن عَفَّانَ تَخَلَّفَ عِنْد زَوْجَته رُقَيَّة بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِذْنِهِ , وَكَانَتْ فِي مَرَض الْمَوْت. وَطَلْحَة وَسَعِيد بْن زَيْد بَعَثَهُمَا يَتَجَسَّسَانِ عِير قُرَيْش , فَهَؤُلَاءِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ. وَأَبُو لُبَابَة رَدَّهُ مِنْ الرَّوْحَاء وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَة , وَعَاصِم بْن عَدِيّ اِسْتَخْلَفَهُ عَلَى أَهْل الْعَالِيَة , وَالْحَارِث بْن حَاطِب عَلَى بَنِي عَمْرو بْن عَوْف , وَالْحَارِث بْن الصِّمَّة وَقَعَ فَكُسِرَ بِالرَّوْحَاءِ فَرَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَة , وَخَوَّات بْن جُبَيْر كَذَلِكَ , هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اِبْن سَعْد , وَذَكَرَ غَيْره سَعْد بْن مَالِك السَّاعِدِيُّ وَالِد سَهْل مَاتَ فِي الطَّرِيق , وَمِمَّنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ شَهِدَهَا أَوْ رُدَّ لِحَاجَةٍ سَعْد بْن عُبَادَةَ وَقَعَ ذِكْره فِي مُسْلِم , وَصُبَيْح مَوْلَى أُحَيْحَة رَجَعَ لِمَرَضِهِ فِيمَا قِيلَ , وَقِيلَ : إِنَّ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب مِمَّنْ ضَرَبَ لَهُ بِسَهْمٍ نَقَلَهُ الْحَاكِم. ‏"
    },
    {
        "id": "3662",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَصْحَابُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِمَّنْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏أَنَّهُمْ كَانُوا عِدَّةَ أَصْحَابِ ‏ ‏طَالُوتَ ‏ ‏الَّذِينَ جَازُوا مَعَهُ النَّهَرَ بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَ مِائَةٍ قَالَ ‏ ‏الْبَرَاءُ ‏ ‏لَا وَاللَّهِ مَا جَاوَزَ مَعَهُ النَّهَرَ إِلَّا مُؤْمِنٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عِدَّة أَصْحَاب طَالُوت ) ‏ ‏هُوَ طَالُوت بْن قَيْس مِنْ ذُرِّيَّة بِنْيَامِين بْن يَعْقُوب شَقِيق يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام يُقَال إِنَّهُ كَانَ سَقَّاء وَيُقَال إِنَّهُ كَانَ دَبَّاغًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَجَازُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" جَازُوا \" بِغَيْرِ أَلِف وَفِي رِوَايَة إِسْرَائِيل الَّتِي بَعْدهَا \" جَاوَزُوا \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا وَاَللَّه ) ‏ ‏هُوَ جَوَاب كَلَام مَحْذُوف تَقْدِيره إِمَّا دَعْوَى وَإِمَّا اِسْتِفْهَام : هَلْ كَانَ بَعْضهمْ غَيْر مُؤْمِن , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون \" لَا \" زَائِدَة وَإِنَّمَا حَلَفَ تَأْكِيدًا لِخَبَرِهِ , وَقَدْ ذَكَرَ اللَّه قِصَّة طَالُوت وَجَالُوت فِي الْقُرْآن فِي سُورَة الْبَقَرَة , وَذَكَرَ أَهْل الْعِلْم فِي الْأَخْبَار أَنَّ الْمُرَاد بِالنَّهْرِ نَهْر الْأُرْدُن , وَأَنَّ جَالُوت كَانَ رَأْس الْجَبَّارِينَ , وَأَنَّ طَالُوت وَعَدَ مَنْ قَتَلَ جَالُوت أَنْ يُزَوِّجهُ اِبْنَته وَيُقَاسِمهُ الْمُلْك , فَقَتَلَهُ دَاوُدَ , فَوَفَى لَهُ طَالُوت وَعَظُمَ قَدْر دَاوُدَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل حَتَّى اِسْتَقَلَّ بِالْمَمْلَكَةِ بَعْد أَنْ كَانَتْ نِيَّة طَالُوت تَغَيَّرَتْ لِدَاوُدَ وَهَمَّ بِقَتْلِهِ فَلَمْ يَقْدِر عَلَيْهِ , فَتَابَ وَانْخَلَعَ مِنْ الْمُلْك وَخَرَجَ مُجَاهِدًا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ وَلَده حَتَّى مَاتُوا كُلّهمْ شُهَدَاء. وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فِي \" الْمُبْتَدَأ \" قِصَّته مُطَوَّلَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3663",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏أَصْحَابَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَتَحَدَّثُ ‏ ‏أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ ‏ ‏طَالُوتَ ‏ ‏الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَ مِائَةٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3664",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَتَحَدَّثُ ‏ ‏أَنَّ أَصْحَابَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏ثَلَاثُ مِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ بِعِدَّةِ أَصْحَابِ ‏ ‏طَالُوتَ ‏ ‏الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ وَمَا جَاوَزَ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3665",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏فَدَعَا عَلَى نَفَرٍ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ ‏ ‏فَأَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى قَدْ غَيَّرَتْهُمْ الشَّمْسُ وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة ‏ ‏\" فَأَشْهَد بِاَللَّهِ \" ‏ ‏أَيْ أُقْسِم , وَإِنَّمَا حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ مُبَالَغَة فِي تَأْكِيد خَبَره ‏ ‏( قَدْ غَيَّرَتْهُمْ الشَّمْس ) ‏ ‏أَيْ غَيَّرَتْ أَلْوَانهمْ إِلَى السَّوَاد , أَوْ غَيَّرَتْ أَجْسَادهمْ بِالِانْتِفَاخِ , وَقَدْ بَيَّنَ سَبَب ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : \" وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا \". ‏"
    },
    {
        "id": "3666",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ أَتَى ‏ ‏أَبَا جَهْلٍ ‏ ‏وَبِهِ رَمَقٌ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏هَلْ أَعْمَدُ مِنْ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْن نُمَيْر ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر ; وَلَمْ يُدْرِك الْبُخَارِيّ أَبَاهُ , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ أَتَى أَبَا جَهْل ) ‏ ‏وَبِهِ رَمَق , كَأَنَّ أَبَا جَهْل قَدْ ضُرِبَ فِي الْمَعْرَكَة بِالسُّيُوفِ حَتَّى خَرَّ صَرِيحًا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَبُو جَهْل هَلْ أَعْمَد ) ‏ ‏فِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره فَكَلَّمَهُ أَيْ بِكَلَامٍ تَشَفَّى مِنْهُ فَأَجَابَهُ بِذَلِكَ , وَوَقَعَ بَيَان ذَلِكَ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن مَيْمُون عِنْد الطَّبَرَانِيِّ عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : \" أَدْرَكْت أَبَا جَهْل يَوْم بَدْر صَرِيعًا , فَقُلْت أَيْ عَدُوّ اللَّه قَدْ أَخْزَاك اللَّه قَالَ : وَبِمَا أَخْزَانِي مِنْ رَجُل قَتَلَهُ قَوْمه \" الْحَدِيث وَهَذَا تَفْسِير الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" هَلْ أَعْمَد مِنْ رَجُل قَتَلَهُ قَوْمه \" وَأَعْمَد بِالْمُهْمَلَةِ أَفْعَل تَفْضِيل مِنْ عَمَدَ أَيْ هَلَكَ , يُقَال عَمَدَ الْبَعِير يَعْمِد عَمْدًا بِالتَّحْرِيكِ إِذَا وَرِمَ سَنَامه مِنْ عَضّ الْقَتَب فَهُوَ عَمِيد , وَيُكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ الْهَلَاك , وَقِيلَ : هُوَ أَنْ يَكُون سَنَامه وَارِمًا فَيُحْمَل عَلَيْهِ الشَّيْء الثَّقِيل فَيَكْسِرهُ فَيَمُوت فِيهِ شَحْمه , وَقِيلَ مَعْنَى أَعْمَد أَعْجَب , وَقِيلَ : بِمَعْنَى أَغْضَب , وَقِيلَ : مَعْنَاهُ هَلْ زَادَ عَلَى سَيِّدٍ قَتَلَهُ قَوْمه قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة. قَالَ : وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يَحْكِي عَنْ الْعَرَب أَعَمَدَ مِنْ كُلّ مُحِقّ أَيْ هَلْ زَادَ عَلَى مِكْيَال نَقَصَ كَيْله , وَأَنْشَدَ ذَلِكَ : ‏ ‏وَأَعْمَدَ مِنْ قَوْم كَفَاهُمْ أَخُوهُمْ ‏ ‏صَدَّام الْأَعَادِي حِين قَلَّتْ بُيُوتهَا ‏ ‏أَيْ لَا زِيَادَة عَلَى فِعْلنَا فَإِنَّنَا كَفَيْنَا إِخْوَاننَا أَعَادِيهمْ. وَفِي \" مَغَازِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أَيُّوب \" قُلْت لِابْنِ إِسْحَاق : مَا أَعْمَد مِنْ رَجُل ؟ قَالَ : يَقُول هَلْ هُوَ إِلَّا رَجُل قَتَلْتُمُوهُ. وَرَجَّحَ السُّهَيْلِيّ الْأَوَّل. وَيُؤَيِّد تَفْسِير أَبِي عُبَيْدَة مَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس بَعْده بِلَفْظِ \" وَهَلْ فَوْق رَجُل قَتَلْتُمُوهُ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" أَغْدَر \" بَدَل أَعْمَد فَإِنْ ثَبَتَ فَلَا إِشْكَال فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3667",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏حَدَّثَهُمْ قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ يَنْظُرُ مَا صَنَعَ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏فَانْطَلَقَ ‏ ‏ابْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ‏ ‏ابْنَا عَفْرَاءَ ‏ ‏حَتَّى بَرَدَ قَالَ أَأَنْتَ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏قَالَ فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ قَالَ وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ أَوْ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ قَالَ ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏أَنْتَ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ أَنَّ أَنَسًا سَمِعَهُ مِنْ اِبْن مَسْعُود وَلَفْظه عَنْ أَنَس \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر : مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ أَبِي جَهْل ؟ قَالَ - يَعْنِي اِبْن مَسْعُود - فَانْطَلَقْت , فَإِذَا اِبْنَا عَفْرَاء قَدْ اِكْتَنَفَاهُ فَضَرَبَاهُ , فَأَخَذْت بِلِحْيَتِهِ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَ اِبْن مَسْعُود ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ وَمِنْ طَرِيقه أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" فَقَالَ اِبْن مَسْعُود أَنَا , فَانْطَلَقَ \". ‏ ‏قَوْله : ( اِبْنَا عَفْرَاء ) ‏ ‏هُمَا مُعَاذ وَمُعَوِّذ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى بَرَدَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَالرَّاء أَيْ مَاتَ , هَكَذَا فَسَّرُوهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة السَّمَرْقَنْدِيّ فِي مُسْلِم \" حَتَّى بَرَكَ \" بِكَافٍ بَدَل الدَّال أَيْ سَقَطَ , وَكَذَا هُوَ عِنْد أَحْمَد عَنْ الْأَنْصَارِيّ عَنْ التَّيْمِيِّ , قَالَ عِيَاض : وَهَذِهِ الرِّوَايَة أَوْلَى , لِأَنَّهُ قَدْ كَلَّمَ اِبْن مَسْعُود , فَلَوْ كَانَ مَاتَ كَيْف كَانَ يُكَلِّمهُ ؟ اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" حَتَّى بَرَدَ \" أَيْ صَارَ فِي حَالَة مَنْ مَاتَ , وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ سِوَى حَرَكَة الْمَذْبُوح , فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ مَا سَيَئُولُ إِلَيْهِ , وَمِنْهُ قَوْلهمْ لِلسُّيُوفِ بَوَارِد أَيْ قَوَاتِل , وَقِيلَ لِمَنْ قُتِلَ بِالسَّيْفِ بَرَدَ أَيْ أَصَابَهُ مَتْن الْحَدِيد لِأَنَّ طَبْع الْحَدِيد الْبُرُودَة , وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْله بَرَدَ أَيْ فَتَرَ وَسَكَنَ , يُقَال جَدّ فِي الْأَمْر حَتَّى بَرَدَ أَيْ فَتَرَ , وَبَرَدَ النَّبِيذ أَيْ سَكَنَ غَلَيَانه. ‏ ‏قَوْله : ( قَتَلْتُمُوهُ , أَوْ رَجُل قَتَلَهُ قَوْمه ) شَكّ مِنْ الرَّاوِي , بَيَّنَهُ اِبْن عُلَيَّة عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ وَأَنَّ الشَّكّ مِنْ التَّيْمِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الْغَزْوَة. وَفِيهِ مِنْ الزِّيَادَة \" قَالَ سُلَيْمَان - أَيْ التَّيْمِيُّ - قَالَ أَبُو مِجْلَز \" هُوَ التَّابِعِيّ الْمَشْهُور \" قَالَ أَبُو جَهْل : فَلَوْ غَيْر أَكَّار قَتَلَنِي \" هَذَا مُرْسَل وَالْأَكَّار بِتَشْدِيدِ الْكَاف الزَّرَّاع , وَعُنِيَ بِذَلِكَ أَنَّ الْأَنْصَار أَصْحَاب زَرْع فَأَشَارَ إِلَى تَنْقِيص مَنْ قَتَلَهُ مِنْهُمْ بِذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" لَوْ غَيْرك كَانَ قَتَلَنِي \" وَهُوَ تَصْحِيف. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْتَ أَبَا جَهْل ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْمُسْتَمْلِي وَحْده \" أَنْتَ أَبُو جَهْل \" وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد فِي حَدِيث أَنَس هَذَا , فَقَدْ صَرَّحَ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ بِأَنَّهُ هَكَذَا نَطَقَ بِهَا أَنَس , وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي أَوَاخِر غَزْوَة بَدْر وَلَفْظه \" فَقَالَ أَنْتَ أَبَا جَهْل \" قَالَ اِبْن عُلَيَّة قَالَ سُلَيْمَان : هَكَذَا قَالَهَا أَنَس , قَالَ : \" أَنْتَ أَبَا جَهْل \" اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَمِنْ طَرِيقه أَبُو نُعَيْم عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ فِيهِ \" أَنْتَ أَبُو جَهْل \" وَكَأَنَّهُ مِنْ إِصْلَاح بَعْض الرُّوَاة , وَكَذَلِكَ نَطَقَ بِهَا يَحْيَى الّقَطَّانُ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْمُقَدَّمِيّ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ التَّيْمِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ : \" قَالَ أَنْتَ أَبَا جَهْل \" قَالَ الْمُقَدَّمِيّ : هَكَذَا قَالَهَا يَحْيَى الّقَطَّانُ. وَقَدْ وُجِّهَتْ الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة بِالْحَمْلِ عَلَى لُغَة مَنْ يُثْبِت الْأَلِف فِي الْأَسْمَاء السِّتَّة فِي كُلّ حَالَة كَقَوْلِهِ : \" إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا \" وَقِيلَ : هُوَ مَنْصُوب بِإِضْمَارِ أَعْنِي , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ شَرْط هَذَا الْإِضْمَار أَنْ تَكْثُر النُّعُوت , وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : كَأَنَّ اِبْن مَسْعُود تَعَمَّدَ اللَّحْن لِيَغِيظَ أَبَا جَهْل كَالْمُصَغِّرِ لَهُ , وَمَا أَبْعَد مَا قَالَ , وَقِيلَ : إِنَّ قَوْله أَنْتَ مُبْتَدَأ مَحْذُوف الْخَبَر , وَقَوْله أَبَا جَهْل - مُنَادَى مَحْذُوف الْأَدَاة , وَالتَّقْدِير أَنْتَ الْمَقْتُول يَا أَبَا جَهْل , وَخَاطَبَهُ بِذَلِكَ مُقَرِّعًا لَهُ وَمُتَشَفِّيًا مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُؤْذِيه بِمَكَّة أَشَدّ الْأَذَى. وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن إِسْحَاق وَالْحَاكِم \" قَالَ اِبْن مَسْعُود : فَوَجَدْته بِآخِرِ رَمَق , فَوَضَعْت رِجْلِي عَلَى عُنُقه فَقُلْت : أَخْزَاك اللَّه يَا عَدُوّ اللَّه , قَالَ : وَبِمَا أَخْزَانِي ؟ هَلْ أَعْمَد رَجُل قَتَلْتُمُوهُ \" قَالَ وَزَعَمَ رِجَال مِنْ بَنِي مَخْزُوم أَنَّهُ قَالَ لَهُ : \" لَقَدْ اِرْتَقَيْت يَا رُوَيْع الْغَنَم مُرْتَقًى صَعْبًا \" قَالَ : \" ثُمَّ احْتَزَزْت رَأْسه فَجِئْت بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : هَذَا رَأْس عَدُوّ اللَّه أَبِي جَهْل , فَقَالَ : وَاَللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ؟ فَحَلَفَ لَهُ \" وَفِي زِيَادَة الْمَغَازِي رِوَايَة يُونُس بْن بُكَيْر مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف نَحْو الْحَدِيث الَّذِي بَعْده وَفِيهِ \" فَحَلَفَ لَهُ , فَأَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ثُمَّ اِنْطَلَقَ حَتَّى أَتَاهُ فَقَامَ عِنْده فَقَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَعَزّ الْإِسْلَام وَأَهْله \" ثَلَاث مَرَّات \". ‏"
    },
    {
        "id": "3668",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏مَنْ يَنْظُرُ مَا فَعَلَ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏فَانْطَلَقَ ‏ ‏ابْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ‏ ‏ابْنَا عَفْرَاءَ ‏ ‏حَتَّى بَرَدَ فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ أَنْتَ ‏ ‏أَبَا جَهْلٍ ‏ ‏قَالَ وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ أَوْ قَالَ قَتَلْتُمُوهُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ كَتَبْتُ عَنْ ‏ ‏يُوسُفَ بْنِ الْمَاجِشُونِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏فِي ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏يَعْنِي حَدِيثَ ‏ ‏ابْنَيْ عَفْرَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ التَّيْمِيُّ الْمَذْكُور قَبْل. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا أَنَس بْن مَالِك نَحْوه ) ‏ ‏قَدْ سَاقَ اِبْن خُزَيْمَةَ وَمِنْ طَرِيقه أَبُو نُعَيْم لَفْظه فَأَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّد مِنْ الْمُثَنَّى شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" فَقَالَ اِبْن مَسْعُود أَنَا يَا نَبِيّ اللَّه \" وَقَالَ فِيهِ : \" قَالَ فَأَخَذْت بِلِحْيَتِهِ \" وَالْبَاقِي مِثْله. وَقَوْله : \" قَالَ فَأَخَذْت بِلِحْيَتِهِ \" يُؤَيِّد الرِّوَايَة الْمَاضِيَة لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّانِ , فَإِنَّ أَنَسًا أَخَذَهُ عَنْ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( كَتَبْت عَنْ يُوسُف بْن الْمَاجِشُونِ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ كَتَبَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَسْمَعهُ مِنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْخُمُس مُطَوَّلًا عَنْ مُسَدَّد عَنْ يُوسُف. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَالِح بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَدّه فِي بَدْر ) ‏ ‏أَيْ فِي قِصَّة غَزْوَة بَدْر. ‏ ‏قَوْله : ( يَعْنِي حَدِيث اِبْنَيْ عَفْرَاء ) ‏ ‏أَيْ الْحَدِيث الْمُقَدَّم ذِكْره فِي الْخُمُس عَنْ مُسَدَّد عَنْ يُوسُف بْن الْمَاجِشُونِ بِهَذَا الْإِسْنَاد مُطَوَّلًا , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب شُهُود الْمَلَائِكَة بَدْرًا \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف مُلَخَّصًا , وَحَاصِله أَنَّ كُلًّا مِنْ اِبْنَيْ عَفْرَاء سَأَلَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَدَلَّهُمَا عَلَيْهِ فَشَدَّا عَلَيْهِ فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلَاهُ , وَفِي آخَر حَدِيث مُسَدَّد \" وَهُمَا مُعَاذ بْن عَمْرو بْن الْجَمُوح وَمُعَاذ اِبْن عَفْرَاء , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ فِي سَيْفَيْهِمَا وَقَالَ : كِلَاكُمَا قَتَلَهُ , وَأَنَّهُ قَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذٍ بْن عَمْرو بْن الْجَمُوح \" اِنْتَهَى. وَعَفْرَاء وَالِدَة مُعَاذ , وَاسْم أَبِيهِ الْحَارِث , وَأَمَّا اِبْن عَمْرو بْن الْجَمُوح فَلَيْسَ اِسْم أُمّه عَفْرَاء وَإِنَّمَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ تَغْلِيبًا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون أُمّ مُعَوِّذ أَيْضًا تُسَمَّى عَفْرَاء أَوْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِمُعَوِّذٍ أَخ يُسَمَّى مُعَاذًا بِاسْمِ الَّذِي شَرَكَهُ فِي قَتْل أَبِي جَهْل ظَنَّهُ الرَّاوِي أَخَاهُ , وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي ثَوْر بْن يَزِيد عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ اِبْن إِسْحَاق : وَحَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن حَزْم قَالَ : قَالَ مُعَاذ بْن عَمْرو بْن الْجَمُوح : سَمِعْتهمْ يَقُولُونَ وَأَبُو جَهْل فِي مِثْل الْجُرْحَة : أَبُو جَهْل بْن الْحَكَم لَا يُخْلَص إِلَيْهِ , فَجَعَلْته مِنْ شَأْنِي فَعَمَدْت نَحْوه , فَلَمَّا أَمْكَنَنِي حَمَلْت عَلَيْهِ فَضَرَبْته ضَرْبَة أَطْنَتْ قَدَمه وَضَرَبَنِي اِبْنه عِكْرِمَة عَلَى عَاتِقِي فَطَرَحَ يَدِي \" قَالَ : ثُمَّ عَاشَ مُعَاذ إِلَى زَمَن عُثْمَان. قَالَ : وَمَرَّ بِأَبِي جَهْل مُعَوِّذ اِبْن عَفْرَاء فَضَرَبَهُ حَتَّى أَثْبَته وَبِهِ رَمَق , ثُمَّ قَاتَلَ مُعَوِّذ حَتَّى قُتِلَ , فَمَرَّ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود بِأَبِي جَهْل فَوَجَدَهُ بِآخِرِ رَمَق \" فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ. فَهَذَا الَّذِي رَوَاهُ اِبْن إِسْحَاق يَجْمَع بَيْن الْأَحَادِيث , لَكِنَّهُ يُخَالِف مَا فِي الصَّحِيح مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف أَنَّهُ رَأَى مُعَاذًا وَمُعَوِّذًا شَدَّا عَلَيْهِ جَمِيعًا حَتَّى طَرَحَاهُ , وَابْن إِسْحَاق يَقُول : إِنَّ اِبْن عَفْرَاء هُوَ مُعَوِّذ , وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْوَاو , وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيح مُعَاذ وَهُمَا أَخَوَانِ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُعَاذ اِبْن عَفْرَاء شَدَّ عَلَيْهِ مَعَ مُعَاذ بْن عَمْرو كَمَا فِي الصَّحِيح وَضَرَبَهُ بَعْد ذَلِكَ مُعَوِّذ حَتَّى أَثْبَته ثُمَّ حَزَّ رَأْسه اِبْن مَسْعُود , فَتُجْمَعُ الْأَقْوَال كُلّهَا , وَإِطْلَاق كَوْنهمَا قَتَلَاهُ يُخَالِف فِي الظَّاهِر حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ وَجَدَهُ وَبِهِ رَمَق , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُمَا بَلَغَا بِهِ بِضَرْبِهِمَا إِيَّاهُ بِسَيْفَيْهِمَا مَنْزِلَة الْمَقْتُول حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِهِ إِلَّا مِثْل حَرَكَة الْمَذْبُوح , وَفِي تِلْكَ الْحَالَة لَقِيَهُ اِبْن مَسْعُود فَضَرَبَ عُنُقه , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْد مُوسَى بْن عُقْبَة وَكَذَا عِنْد أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة أَنَّ اِبْن مَسْعُود وَجَدَ أَبَا جَهْل مَصْرُوعًا بَيْنه وَبَيْن الْمَعْرَكَة غَيْر كَثِير مُتَقَنِّعًا فِي الْحَدِيد وَاضِعًا سَيْفه عَلَى فَخِذه لَا يَتَحَرَّك مِنْهُ عُضْو , وَظَنَّ عَبْد اللَّه أَنَّهُ ثَبَتَ جِرَاحًا فَأَتَاهُ مِنْ وَرَائِهِ فَتَنَاوَلَ قَائِم سَيْف أَبِي جَهْل فَاسْتَلَّهُ وَرَفَعَ بَيْضَة أَبِي جَهْل عَنْ قَفَاهُ فَضَرَبَهُ فَوَقَعَ رَأْسه بَيْن يَدَيْهِ , فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ بَعْد أَنْ خَاطَبَهُ بِمَا تَقَدَّمَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3669",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مِجْلَزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏أَنَا أَوَّلُ مَنْ ‏ ‏يَجْثُو ‏ ‏بَيْنَ يَدَيْ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَالَ ‏ ‏قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ ‏ ‏وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ ‏ { ‏هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ‏} ‏قَالَ هُمْ الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏وَعَلِيٌّ ‏ ‏وَعُبَيْدَةُ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ وَأَبِي ذَرّ فِي الْمُبَارَزَة , أَوْرَدَهُ مِنْ طُرُق. وَأَبُو مِجْلَز بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفَتْح اللَّام بَعْدهَا زَاي هُوَ لَاحِق بْن حُمَيْدٍ , تَابِعِيّ وَكَذَا شَيْخه وَالرَّاوِي عَنْهُ - وَقَيْس بْن عُبَاد بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب عَبْد اللَّه بْن سَلَام , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى ذَلِكَ الْحَدِيث وَحَدِيث الْبَاب مَعَ الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ هَلْ هُوَ عَنْ عَلِيّ أَوْ أَبِي ذَرّ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ كُلّ مِنْهُمَا , وَيَدُلّ عَلَيْهِ اِخْتِلَاف السِّيَاقَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ يَجْثُو ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالْمُثَلَّثَة أَيْ يَقْعُد عَلَى رُكْبَتَيْهِ مُخَاصِمًا , وَالْمُرَاد بِهَذِهِ الْأَوَّلِيَّة تَقْيِيده بِالْمُجَاهِدِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة , لِأَنَّ الْمُبَارَزَة الْمَذْكُورَة أَوَّل مُبَارَزَة وَقَعَتْ فِي الْإِسْلَام. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ قَيْس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُبَاد الْمَذْكُور , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يُوسُف بْن يَعْقُوب بَعْدهَا عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي مِجْلَز عَنْ قَيْس قَالَ : \" قَالَ عَلِيّ : فِينَا نَزَلَتْ \" وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير الْحَجّ أَنَّ مَنْصُورًا رَوَاهُ عَنْ أَبِي هَاشِم عَنْ أَبِي مِجْلَز فَوَقَفَهُ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3670",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هَاشِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مِجْلَزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَزَلَتْ ‏ { ‏هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ‏} ‏فِي سِتَّةٍ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَحَمْزَةَ ‏ ‏وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ وَأَبِي ذَرّ فِي الْمُبَارَزَة , أَوْرَدَهُ مِنْ طُرُق. وَأَبُو مِجْلَز بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفَتْح اللَّام بَعْدهَا زَاي هُوَ لَاحِق بْن حُمَيْدٍ , تَابِعِيّ وَكَذَا شَيْخه وَالرَّاوِي عَنْهُ - وَقِيسَ بْن عِبَاد بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب عَبْد اللَّه بْن سَلَام , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى ذَلِكَ الْحَدِيث وَحَدِيث الْبَاب مَعَ الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ هَلْ هُوَ عَنْ عَلِيّ أَوْ أَبِي ذَرْ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ كُلّ مِنْهُمَا , وَيَدُلّ عَلَيْهِ اِخْتِلَاف السِّيَاقَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي سِتَّة مِنْ قُرَيْش ) ‏ ‏يَعْنِي ثَلَاثَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي عَبْد مَنَافٍ : اِثْنَيْنِ مِنْ بَنِي هَاشِم , وَوَاحِد مِنْ بَنِي الْمُطَّلِب. وَثَلَاثَة مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عَبْد شَمْس بْن عَبْد مَنَافٍ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلِيّ وَحَمْزَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب بْن هَاشِم وَعُبَيْدَة بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب. ‏ ‏قَوْله : ( وَشَيْبَة بْن رَبِيعَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد شَمْس , وَعُتْبَة هُوَ أَخُوهُ , وَالْوَلِيد بْن عُتْبَة وَلَده. وَلَمْ يَقَع فِي هَذِهِ الرِّوَايَة تَفْصِيل الْمُبَارِزِينَ. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ عُبَيْدَة بْن الْحَارِث وَعُتْبَة بْن رَبِيعَة كَانَا أَسَنَّ الْقَوْم , فَبَرَزَ عُبَيْدَة لِعُتْبَة , وَحَمْزَة لِشَيْبَةَ , وَعَلِيّ لِلْوَلِيدِ. وَعِنْد مُوسَى بْن عُقْبَة : بَرَزَ حَمْزَة لِعُتْبَة , وَعُبَيْدَة لِشَيْبَةَ , وَعَلِيّ لِلْوَلِيدِ. ثُمَّ اِتَّفَقَا فَقَتَلَ عَلِيّ الْوَلِيد , وَقَتَلَ حَمْزَة الَّذِي بَارَزَهُ , وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَة وَمَنْ بَارَزَهُ بِضَرْبَتَيْنِ فَوَقَعَتْ الضَّرْبَة فِي رُكْبَة عُبَيْدَة فَمَاتَ مِنْهَا لَمَّا رَجَعُوا بِالصَّفْرَاءِ , وَمَالَ حَمْزَة وَعَلِيّ إِلَى الَّذِي بَارَزَ عُبَيْدَة فَأَعَانَاهُ عَلَى قَتْله. وَعِنْد الْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَبْد خَيْر عَنْ عَلِيّ مِثْل قَوْل مُوسَى بْن عُقْبَة , وَعِنْد الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة مِثْله. وَأَوْرَدَ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق عَبِيدَة السَّلْمَانِيّ أَنَّ شَيْبَة لِحَمْزَة وَعُبَيْدَة لِعُتْبَة وَعَلِيًّا لِلْوَلِيدِ , ثُمَّ قَالَ اللَّيْث : إِنَّ عُتْبَة لِحَمْزَة وَشَيْبَة لِعُبَيْدَة ا ه. قَالَ بَعْض مَنْ لَقِينَاهُ : اِتَّفَقَتْ الرِّوَايَات عَلَى أَنَّ عَلِيًّا لِلْوَلِيدِ , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفَتْ فِي عُتْبَة وَشَيْبَة أَيّهمَا لِعُبَيْدَة وَحَمْزَة , وَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّ شَيْبَة لِعُبَيْدَة. قُلْت : وَفِي دَعْوَى الِاتِّفَاق نَظَر , فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق حَارِثَة بْن مُضَرِّب عَنْ عَلِيّ قَالَ : \" تَقَدَّمَ عُتْبَة وَتَبِعَهُ اِبْنه وَأَخُوهُ , فَانْتَدَبَ لَهُ شَبَاب مِنْ الْأَنْصَار , فَقَالَ : لَا حَاجَة لَنَا فِيكُمْ , إِنَّمَا أَرَدْنَا بَنِي عَمّنَا , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُمْ يَا حَمْزَة , قُمْ يَا عَلِيّ , قُمْ يَا عُبَيْدَة. فَأَقْبَلَ حَمْزَة إِلَى عُتْبَة وَأَقْبَلْت إِلَى شَيْبَة وَاخْتُلِفَ بَيْن عُبَيْدَة وَالْوَلِيد ضَرْبَتَانِ فَأَثْخَنَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا صَاحِبه , ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الْوَلِيد فَقَتَلْنَاهُ وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَة \" قُلْت : وَهَذَا أَصَحّ الرِّوَايَات , لَكِنَّ الَّذِي فِي السِّيَرِ مِنْ أَنَّ الَّذِي بَارَزَهُ عَلِيّ هُوَ الْوَلِيد هُوَ الْمَشْهُور وَهُوَ اللَّائِق بِالْمَقَامِ , لِأَنَّ عُبَيْدَة وَشَيْبَة كَانَا شَيْخَيْنِ كَعُتْبَةَ وَحَمْزَة , بِخِلَافِ عَلِيّ وَالْوَلِيد فَكَانَا شَابَّيْنِ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ عَلِيّ قَالَ \" أَعَنْت أَنَا وَحَمْزَة عُبَيْدَة بْن الْحَارِث عَلَى الْوَلِيد بْن عُتْبَة , فَلَمْ يَعِبْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ عَلَيْنَا \" وَهَذَا مُوَافِق لِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ , فَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز الْمُبَارَزَة خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَهَا كَالْحَسَنِ الْبَصْرِيّ. وَشَرَطَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق لِلْجَوَازِ إِذْن الْأَمِير عَلَى الْجَيْش , وَجَوَاز إِعَانَة الْمُبَارِز رَفِيقه , وَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِحَمْزَة وَعَلِيّ وَعُبَيْدَة بْن الْحَارِث رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3671",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّوَّافُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ ‏ ‏كَانَ يَنْزِلُ فِي ‏ ‏بَنِي ضُبَيْعَةَ ‏ ‏وَهُوَ مَوْلًى ‏ ‏لِبَنِي سَدُوسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مِجْلَزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يُوسُف بْن يَعْقُوب كَانَ يَنْزِل فِي بَنِي ضُبَيْعَةَ ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَة مُصَغَّر. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ مَوْلًى لِبَنِي سَدُوس ) ‏ ‏قُلْت : وَلِذَلِكَ كَانَ يُقَال لَهُ السَّدُوسِيّ تَارَة وَالضَّبَعِيّ تَارَة , وَكَانَ يُقَال لَهُ السِّلْعِيّ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَلَام سَاكِنَة وَقَدْ تُحَرَّك وَيُقَال لَهُ أَيْضًا صَاحِب السِّلْعَة نُسِبَ إِلَى سِلْعَة كَانَتْ بِقَفَاهُ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : هَذَانِ خَصْمَانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبّهمْ ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَأَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ اِبْن صَاعِد عَنْ هِلَال بْن بِشْر عَنْ يُوسُف بْن يَعْقُوب الْمَذْكُور بِلَفْظِ \" فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , وَفِي مُبَارَزَتنَا يَوْم بَدْر \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ بِلَفْظِ \" فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْم بَدْر فِي الْفَرِيقَيْنِ \" وَسَمَّاهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3672",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هَاشِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مِجْلَزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يُقْسِمُ لَنَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ فِي هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ السِّتَّةِ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي طَرِيق وَكِيع عَنْ سُفْيَان ‏ ‏( فِي هَؤُلَاءِ الرَّهْط السِّتَّة يَوْم بَدْر نَحْوه ) ‏ ‏الضَّمِير يَعُود إِلَى سِيَاق قَبِيصَة عَنْ سُفْيَان , وَيُوَضِّح ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ وَكِيع , فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْبَاب هُنَا وَزَادَ تَسْمِيَة السِّتَّة , وَعِنْده مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ سُفْيَان الَّذِينَ اِخْتَصَمُوا فِي يَوْم بَدْر. ‏"
    },
    {
        "id": "3673",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو هَاشِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مِجْلَزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏يُقْسِمُ قَسَمًا إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ ‏ { ‏هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ‏} ‏نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏وَعَلِيٍّ ‏ ‏وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏وَعُتْبَةَ ‏ ‏وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏زَادَ أَبُو ذَرّ فِي رِوَايَته \" الدَّوْرَقِيّ \" الْحَدِيث السَّابِع : حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب. ‏"
    },
    {
        "id": "3674",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏سَأَلَ رَجُلٌ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏وَأَنَا أَسْمَعُ قَالَ ‏ ‏أَشَهِدَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏قَالَ بَارَزَ وَظَاهَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِسْحَاق بْن مَنْصُور السَّلُولِيُّ ) ‏ ‏وَإِبْرَاهِيم بْن يُوسُف هُوَ اِبْنُ أَبِي إِسْحَاق السَّبِيعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ الرَّاوِي فَأُبْهِمَ اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( أَشَهِدَ ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَام. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَارَزَ وَظَاهَرَ ) ‏ ‏بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي فِيهِمَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث الْمُبَارَزَة فِي الَّذِي قَبْله , وَقَوْله : \" ظَاهَرَ \" أَيْ لَبِسَ دِرْعًا عَلَى دِرْع , وَقَوْله فِي الْجَوَاب \" قَالَ بَارَزَ وَظَاهَرَ \" فِيهِ حَذْف تَقْدِيره : قَالَ نَعَمْ شَهِدَ , فَإِنَّهُ بَارَزَ فِيهَا وَظَاهَرَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَشَهِدَ عَلِيّ بَدْرًا ؟ قَالَ حَقًّا \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏حَدِيث الْبَرَاء هَذَا مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَد بَدْرًا , فَكَأَنَّهُ تَلَقَّى ذَلِكَ عَمَّنْ شَهِدَهَا مِنْ الصَّحَابَة أَوْ سَمِعَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3675",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَاتَبْتُ ‏ ‏أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَذَكَرَ قَتْلَهُ وَقَتْلَ ابْنِهِ فَقَالَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا ‏ ‏أُمَيَّةُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3676",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَرَأَ ‏ ‏وَالنَّجْمِ ‏ ‏فَسَجَدَ بِهَا وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ فَقَالَ يَكْفِينِي هَذَا قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَسْوَد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ قَرَأَ وَالنَّجْم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي سُجُود الْقُرْآن وَفِي الْمَبْعَث , وَيَأْتِي فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم التَّصْرِيح بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِ اِبْن مَسْعُود \" فَلَقَدْ رَأَيْته بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا \" أُمَيَّة بْن خَلَف , وَبِهِ يُعْرَف مُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3677",
        "content": "‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ فِي ‏ ‏الزُّبَيْرِ ‏ ‏ثَلَاثُ ضَرَبَاتٍ بِالسَّيْفِ إِحْدَاهُنَّ فِي عَاتِقِهِ قَالَ إِنْ كُنْتُ لَأُدْخِلُ أَصَابِعِي فِيهَا قَالَ ضُرِبَ ثِنْتَيْنِ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَوَاحِدَةً يَوْمَ ‏ ‏الْيَرْمُوكِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏وَقَالَ لِي ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ‏ ‏حِينَ قُتِلَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏يَا ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏هَلْ تَعْرِفُ سَيْفَ ‏ ‏الزُّبَيْرِ ‏ ‏قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَمَا فِيهِ قُلْتُ فِيهِ فَلَّةٌ فُلَّهَا يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏قَالَ صَدَقْتَ ‏ ‏بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ ‏ ‏ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏فَأَقَمْنَاهُ بَيْنَنَا ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَأَخَذَهُ بَعْضُنَا وَلَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ أَخَذْتُهُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فَرْوَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ سَيْفُ ‏ ‏الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ‏ ‏مُحَلًّى بِفِضَّةٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏وَكَانَ سَيْفُ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏مُحَلًّى بِفِضَّةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ فِي الزُّبَيْر ثَلَاث ضَرَبَات بِالسَّيْفِ إِحْدَاهُنَّ فِي عَاتِقه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب الزُّبَيْر مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ هِشَام أَنَّ الضَّرَبَات الثَّلَاث كُنَّ فِي عَاتِقه , وَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَصَابِعِي فِيهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فِيهِنَّ \" زَادَ فِي الْمَنَاقِبِ وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا \" أَلْعَب وَأَنَا صَغِير \". ‏ ‏قَوْله : ( ضَرَبَ ثِنْتَيْنِ يَوْم بَدْر وَوَاحِدَة يَوْم الْيَرْمُوك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك أَنَّهُ ضُرِبَ يَوْم الْيَرْمُوك ضَرْبَتَيْنِ عَلَى عَاتِقه وَبَيْنهمَا ضَرْبَة ضُرِبَهَا يَوْم بَدْر , فَإِنْ كَانَ اِخْتِلَافًا عَلَى هِشَام فَرِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك أَثْبَت لِأَنَّ فِي حَدِيث مَعْمَر عَنْ هِشَام مَقَالًا , وَإِلَّا فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِيهِ فِي غَيْر عَاتِقه ضَرْبَتَانِ أَيْضًا فَيُجْمَع بِذَلِكَ بَيْن الْخَبَرَيْنِ. وَوَقْعَة الْيَرْمُوك كَانَتْ أَوَّل خِلَافَة عُمَر بَيْن الْمُسْلِمِينَ وَالرُّوم بِالشَّامِ سَنَة ثَلَاث عَشَر وَقِيلَ : سَنَة خَمْسَة عَشَر , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل قَوْله فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده إِنَّ سِنَّ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر كَانَ عَشْر سِنِينَ , وَالْيَرْمُوك - بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَبِضَمِّهَا أَيْضًا وَسُكُون الرَّاء - مَوْضِع مِنْ نَوَاحِي فِلَسْطِين , وَيُقَال إِنَّهُ نَهْر , وَالتَّحْرِير أَنَّهُ مَوْضِع بَيْن أَذْرِعَات وَدِمَشْق كَانَتْ بِهِ الْوَاقِعَة الْمَشْهُورَة , وَقُتِلَ فِي تِلْكَ الْوَقْعَة مِنْ الرُّوم سَبْعُونَ أَلْفًا فِي مَقَام وَاحِد , لِأَنَّهُمْ كَانُوا سَلْسَلُوا أَنْفُسهمْ لِأَجْلِ الثَّبَات , فَلَمَّا وَقَعَتْ عَلَيْهِمْ الْهَزِيمَة قُتِلَ أَكْثَرهمْ , وَكَانَ اِسْم أَمِير الرُّوم مِنْ قَبْل هِرَقْل بَاهَان أَوَّله مُوَحَّدَة وَيُقَال مِيم , وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة الْأَمِير عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَوْمئِذٍ , وَيُقَال إِنَّهُ شَهِدَهَا مِنْ أَهْل بَدْر مِائَة نَفْس وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُولَى ( قَالَ عُرْوَة وَقَالَ لِي عَبْد الْمَلِك إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَكَانَ عُرْوَة مَعَ أَخِيهِ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر لَمَّا حَاصَرَهُ الْحَجَّاج بِمَكَّة , فَلَمَّا قُتِلَ عَبْد اللَّه أَخَذَ الْحَجَّاج مَا وَجَدَهُ لَهُ فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى عَبْد الْمَلِك , فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ سَيْف الزُّبَيْر الَّذِي سَأَلَ عَبْد الْمَلِك عُرْوَة عَنْهُ , وَخَرَجَ عُرْوَة إِلَى عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان بِالشَّامِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَّة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء ‏ ‏( فُلَّهَا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْفَاء , أَيْ كُسِرَتْ قِطْعَة مِنْ حَدّه. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ صَدَقْت , بِهِنَّ فُلُول مِنْ قِرَاع الْكَتَائِب ) ‏ ‏هَذَا شَطْر مِنْ بَيْت مَشْهُور مِنْ قَصِيدَة مَشْهُورَة لِلنَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيّ وَأَوَّلهَا : ‏ ‏كِلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَة نَاصِب ‏ ‏وَلَيْل أُقَاسِيه بَطِيء الْكَوَاكِب ‏ ‏يَقُول فِيهَا : ‏ ‏وَلَا عَيْب فِيهِمْ غَيْر أَنَّ سُيُوفهمْ ‏ ‏بِهِنَّ فُلُول مِنْ قِرَاع الْكَتَائِب ‏ ‏وَهُوَ مِنْ الْمَدْح فِي مَعْرِض الذَّمّ , لِأَنَّ الْفُلّ فِي السَّيْف نَقْص حِسِّيّ , لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ دَلِيلًا عَلَى قُوَّة سَاعِد صَاحِبه كَانَ مِنْ جُمْلَة كَمَالِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة وَهُوَ مَوْصُول أَيْضًا , وَقَوْله : \" فَأَقَمْنَاهُ \" أَيْ ذَكَرْنَا قِيمَته , تَقُول قَوَّمْت الشَّيْء وَأَقَمْته أَيْ ذَكَرْت مَا يَقُوم مَقَامه مِنْ الثَّمَن. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَخَذَهُ بَعْضنَا ) ‏ ‏أَيْ بَعْض الْوَرَثَة , وَهُوَ عُثْمَان بْن عُرْوَة أَخُو هِشَام , وَقَوْله : \" وَلَوَدِدْت إِلَخْ \" هُوَ مِنْ كَلَام هِشَام. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي فَرْوَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَغْرَاء بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة مَمْدُود , وَعَلِيّ هُوَ اِبْن مُسْهِر , وَهِشَام هُوَ اِبْن عُرْوَة. وَقَوْله مُحَلًّى بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيد اللَّام مِنْ الْحِلْيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3678",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالُوا ‏ ‏لِلزُّبَيْرِ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْيَرْمُوكِ ‏ ‏أَلَا تَشُدُّ فَنَشُدَّ مَعَكَ فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي إِنْ ‏ ‏شَدَدْتُ ‏ ‏كَذَبْتُمْ فَقَالُوا لَا نَفْعَلُ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى شَقَّ صُفُوفَهُمْ فَجَاوَزَهُمْ وَمَا مَعَهُ أَحَدٌ ثُمَّ رَجَعَ مُقْبِلًا فَأَخَذُوا بِلِجَامِهِ فَضَرَبُوهُ ضَرْبَتَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ بَيْنَهُمَا ضَرْبَةٌ ضُرِبَهَا يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏كُنْتُ أُدْخِلُ أَصَابِعِي فِي تِلْكَ الضَّرَبَاتِ أَلْعَبُ وَأَنَا صَغِيرٌ قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏وَكَانَ مَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ فَحَمَلَهُ عَلَى فَرَسٍ وَوَكَّلَ بِهِ رَجُلًا ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : \" أَلَا تَشُدّ \" بِضَمِّ الْمُعْجَمَة أَيْ تَحْمِل عَلَى الْمُشْرِكِينَ , وَقَوْله : \" كَذَبْتُمْ \" أَيْ اِخْتَلَفْتُمْ , وَقَوْله : \" فَجَاوَزَهُمْ وَمَا مَعَهُ أَحَد \" أَيْ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا لَهُ أَلَا تَشُدّ فَنَشُدّ مَعَك. وَقَوْله : \" فَأَخَذُوا \" أَيْ الرُّوم \" بِلِجَامِهِ \" أَيْ بِلِجَامِ فَرَسه. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ مَعَهُ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر يَوْمئِذٍ وَهُوَ اِبْن عَشْر سِنِينَ ) ‏ ‏هُوَ بِحَسَبِ إِلْغَاء الْكَسْر , وَإِلَّا سِنّه حِينَئِذٍ كَانَ عَلَى الصَّحِيح اِثْنَتَيْ عَشْرَة سَنَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَوَكَّلَ بِهِ رَجُلًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه وَكَأَنَّ الزُّبَيْر آنَسَ مِنْ وَلَده عَبْد اللَّه شَجَاعَة وَفُرُوسِيَّة فَأَرْكَبَهُ الْفَرَس وَخَشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يُهْجَم بِتِلْكَ الْفَرَس عَلَى مَا لَا يُطِيقهُ فَجَعَلَ مَعَهُ رَجُلًا لِيَأْمَنَ عَلَيْهِ مِنْ كَيْدِ الْعَدُوّ إِذَا اُشْتَغَلَ هُوَ عَنْهُ بِالْقِتَالِ , وَرَوَى اِبْن الْمُبَارَك فِي الْجِهَاد عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر أَنَّهُ كَانَ مَعَ أَبِيهِ يَوْم الْيَرْمُوك , فَلَمَّا اِنْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ حَمَلَ فَجَعَلَ يُجْهِز عَلَى جَرْحَاهُمْ , وَقَوْله : \" يُجْهِز \" بِضَمِّ أَوَّله وَبِجِيمٍ وَزَاي أَيْ يُكْمِل قَتْل مَنْ وَجَدَهُ مَجْرُوحًا , وَهَذَا مِمَّا يَدُلّ عَلَى قُوَّة قَلْبه وَشُجَاعَته مِنْ صِغَره. ‏"
    },
    {
        "id": "3679",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ ذَكَرَ لَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَرَ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏صَنَادِيدِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَقُذِفُوا فِي ‏ ‏طَوِيٍّ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَطْوَاءِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏خَبِيثٍ ‏ ‏مُخْبِثٍ ‏ ‏وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ ‏ ‏بِالْعَرْصَةِ ‏ ‏ثَلَاثَ لَيَالٍ فَلَمَّا كَانَ ‏ ‏بِبَدْرٍ ‏ ‏الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ ‏ ‏بِرَاحِلَتِهِ ‏ ‏فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ حَتَّى قَامَ عَلَى ‏ ‏شَفَةِ الرَّكِيِّ ‏ ‏فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ وَيَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالَ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏بِيَدِهِ ‏ ‏مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏أَحْيَاهُمْ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنَقِيمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْنُ مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ رَوْح بْن عُبَادَةَ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُ سَمِعَ , وَلَفْظَة \" أَنَّهُ \" تُحْذَف خَطًّا كَمَا حُذِفَتْ قَالَ مِنْ قَوْله حَدَّثَنَا سَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( ذَكَرَ لَنَا أَنَس بْن مَالِك ) ‏ ‏فِيهِ تَصْرِيح لِقَتَادَةَ وَهُوَ مِنْ رِوَايَة صَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ : أَنَس عَنْ أَبِي طَلْحَة , وَقَدْ رَوَاهُ شَيْبَان عَنْ قَتَادَةَ فَلَمْ يَذْكُر أَبَا طَلْحَة أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَرِوَايَة سَعِيد أَوْلَى , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن مَسْلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس بِغَيْرِ ذِكْر أَبِي طَلْحَة. ‏ ‏قَوْله : ( بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيد ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون جَمْع صِنْدِيد بِوَزْنِ عِفْرِيت وَهُوَ السَّيِّد الشُّجَاع , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن عَائِذ عَنْ سَعِيد بْن بَشِير عَنْ قَتَادَةَ \" بِبِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ \" وَهِيَ لَا تُنَافِي رِوَايَة الْبَاب لِأَنَّ الْبِضْع يُطْلَق عَلَى الْأَرْبَع أَيْضًا , وَلَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة هَؤُلَاءِ جَمِيعهمْ , بَلْ سَيَأْتِي تَسْمِيَة بَعْضهمْ , وَيُمْكِن إِكْمَالهمْ مِمَّا سَرَدَهُ اِبْن إِسْحَاق مِنْ أَسْمَاء مَنْ قُتِلَ مِنْ الْكُفَّار بِبَدْرٍ بِأَنْ يُضِيف عَلَى مَنْ كَانَ يُذْكَر مِنْهُمْ بِالرِّيَاسَةِ وَلَوْ بِالتَّبَعِيَّةِ لِأَبِيهِ , وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيث الْبَرَاء أَنَّ قَتْلَى بَدْر مِنْ الْكُفَّار كَانُوا سَبْعِينَ , وَكَأَنَّ الَّذِينَ طُرِحُوا فِي الْقَلِيب كَانُوا الرُّؤَسَاء مِنْهُمْ ثُمَّ مِنْ قُرَيْش , وَخُصُّوا بِالْمُخَاطَبَةِ الْمَذْكُورَة لِمَا كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُمْ مِنْ الْمُعَانَدَة , وَطُرِحَ بَاقِي الْقَتْلَى فِي أَمْكِنَة أُخْرَى. وَأَفَادَ الْوَاقِدِيّ أَنَّ الْقَلِيب الْمَذْكُور كَانَ حَفَرَهُ رَجُل مِنْ بَنِي النَّار فَنَاسَبَ أَنْ يُلْقَى فِيهِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى شَفَة الرَّكِيّ ) ‏ ‏أَيْ طَرَف الْبِئْر , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَلَى شَفِير الرَّكِيّ \" وَالرَّكِيّ بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْكَاف وَتَشْدِيد آخِره : الْبِئْر قَبْل أَنْ تُطْوَى. وَالْأَطْوَاء جَمْع طُوًى وَهِيَ الْبِئْر الَّتِي طُوِيَتْ وَبُنِيَتْ بِالْحِجَارَةِ لِتَثْبُت وَلَا تَنْهَار , وَيُجْمَع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهَا كَانَتْ مَطْوِيَّة فَاسْتُهْدِمَتْ فَصَارَتْ كَالرَّكِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِمْ : يَا فُلَان اِبْن فُلَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" فَنَادَى يَا عُتْبَة بْن رَبِيعَة , وَيَا شَيْبَة بْن رَبِيعَة , وَيَا أُمَيَّة بْن خَلَف , وَيَا أَبَا جَهْل بْن هِشَام \" أَخْرَجَهُ اِبْن إِسْحَاق وَأَحْمَد وَغَيْرهمَا , وَكَذَا وَقَعَ عِنْد أَحْمَد وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق ثَابِت عَنْ أَنَس , فَسَمَّى الْأَرْبَعَة , لَكِنْ قَدَّمَ وَأَخَّرَ , وَسِيَاقه أَتَمّ. قَالَ فِي أَوَّله \" تَرَكَهُمْ ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى جَيَّفُوا \" فَذَكَرَهُ , وَفِيهِ مِنْ الزِّيَادَة \" فَسَمِعَ عُمَر صَوْته فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَتُنَادِيهِمْ بَعْد ثَلَاث , وَهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ وَيَقُول اللَّه تَعَالَى : ( إِنَّك لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ) فَقَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَع لِمَا أَقُول مِنْهُمْ , لَكِنْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا \" وَفِي بَعْضه نَظَر , لِأَنَّ أُمَيَّة بْن خَلَف لَمْ يَكُنْ فِي الْقَلِيب لِأَنَّهُ كَانَ ضَخْمًا فَانْتَفَخَ فَأَلْقَوْا عَلَيْهِ مِنْ الْحِجَارَة وَالتُّرَاب مَا غَيَّبَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ ذَلِكَ اِبْن إِسْحَاق مِنْ حَدِيث عَائِشَة. لَكِنْ يُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْقَلِيب فَنُودِيَ فِيمَنْ نُودِيَ , لِكَوْنِهِ كَانَ مِنْ جُمْلَة رُؤَسَائِهِمْ , وَمِنْ رُؤَسَاء قُرَيْش مِمَّنْ يَصِحّ إِلْحَاقه بِمَنْ سُمِّيَ مِنْ بَنِي عَبْد شَمْس بْن عَبْد مَنَافٍ , عُبَيْدَة وَالْعَاص وَالِد أَبِي أُحَيْحَة , وَسَعِيد بْن الْعَاصِ بْن أُمَيَّة , وَحَنْظَلَة بْن أَبِي سُفْيَان , وَالْوَلِيد بْن عُتْبَة بْن رَبِيعَة. وَمِنْ بَنِي نَوْفَل بْن عَبْد مَنَافٍ الْحَارِث بْن عَامِر بْن نَوْفَل , وَطُعَيْمَة بْن عَدِيّ. وَمَنْ سَائِر قُرَيْش نَوْفَل بْن خُوَيْلِد بْن أَسَد , وَزَمْعَة بْن الْأَسْوَد بْن الْمُطَّلِب بْن أَسَد , وَأَخُوهُ عَقِيل , وَالْعَاصِي بْن هِشَام أَخُو أَبِي جَهْل , وَأَبُو قَيْس بْن الْوَلِيد أَخُو خَالِد , وَنَبِيه وَمُنَبِّه اِبْنَا الْحَجَّاج السَّهْمِيّ , وَعَلِيّ بْن أُمَيَّة بْن خَلَف , وَعَمْرو بْن عُثْمَان عَمّ طَلْحَة أَحَد الْعَشَرَة , وَمَسْعُود بْن أَبِي أُمَيَّة أَخُو أُمّ سَلَمَة , وَقَيْس بْن الْفَاكِه بْن الْمُغِيرَة , وَالْأَسْوَد بْن عَبْد الْأَسَد أَخُو أَبِي سَلَمَة , وَأَبُو الْعَاصِ بْن قَيْس بْن عَدِيّ السَّهْمِيّ , وَأُمَيْمَة بْن رِفَاعَة بْن أَبِي رِفَاعَة , فَهَؤُلَاءِ الْعِشْرُونَ تَنْضَمّ إِلَى الْأَرْبَعَة فَتَكْمُل الْعِدَّة. وَمِنْ جُمْلَة مُخَاطَبَتهمْ مَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا أَهْل الْقَلِيب بِئْسَ عَشِيرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْتُمْ , كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاس \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ قَتَادَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَحْيَاهُمْ اللَّه ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" بِأَعْيَانِهِمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنِقْمَة وَحَسْرَة وَنَدَمًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَتَنَدُّمًا وَذِلَّة وَصَغَارًا \" وَالصَّغَار الذِّلَّة وَالْهَوَان , وَأَرَادَ قَتَادَة بِهَذَا التَّأْوِيل الرَّدّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ كَمَا جَاءَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا اِسْتَدَلَّتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنَّك لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ) وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي تَالِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "3680",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ { ‏الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ‏} ‏قَالَ هُمْ وَاللَّهِ كُفَّارُ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏هُمْ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏وَمُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نِعْمَةُ اللَّهِ ‏ { ‏وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ‏} ‏قَالَ النَّارَ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , وَعَطَاء هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاح. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" سَمِعْت اِبْن عَبَّاس \". ‏ ‏قَوْله : ( هُمْ وَاَللَّه كُفَّار قُرَيْش ) ‏ ‏وَقَعَ فِي التَّفْسِير \" هُمْ وَاَللَّه كُفَّار أَهْل مَكَّة \" وَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ : \" هُمْ لَكُفَّار قُرَيْش أَوْ أَهْل مَكَّة \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ كُرَيْب عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ \" هُمْ وَاَللَّه أَهْل مَكَّة \" قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ : يَعْنِي كُفَّارهمْ. وَعِنْد عَبْد بْن حُمَيْدٍ فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق أَبِي الطُّفَيْل قَالَ : \" قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْكَوَّاء لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : مَنْ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَة اللَّه كُفْرًا ؟ قَالَ : هُمْ الْأَفْجَرَانِ مِنْ قُرَيْش بَنُو أُمَيَّة وَبَنُو مَخْزُوم قَدْ كَبَتَهُمْ يَوْم بَدْر \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَلِيّ نَحْوه لَكِنْ فِيهِ \" فَأَمَّا بَنُو مَخْزُوم فَقَطَعَ اللَّه دَابِرهمْ يَوْم بَدْر , وَأَمَّا بَنُو أُمَيَّة فَمُتِّعُوا إِلَى حِين \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْ عُمَر نَحْوه , وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر ضَعِيف عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" هُمْ جَبَلَة بْن الْأَيْهَم وَاَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ مِنْ الْعَرَب فَلَحِقُوا بِالرُّومِ \" وَالْأَوَّل الْمُعْتَمَد , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاده أَنَّ عُمُوم الْآيَة يَتَنَاوَل هَؤُلَاءِ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( وَمُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعْمَة اللَّه ) ‏ ‏هَذَا مَوْقُوف عَلَى عَمْرو بْن دِينَار , وَكَذَا ( دَار الْبَوَار ) النَّار يَوْم بَدْر , وَهَكَذَا رَوَيْنَاهُ فِي تَفْسِير اِبْن عُيَيْنَةَ رِوَايَة سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَخْزُومِيّ عَنْهُ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار فِي قَوْله : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَة اللَّه كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمهمْ دَار الْبَوَار جَهَنَّم ) قَالَ : هُمْ كُفَّار قُرَيْش , وَمُحَمَّد النِّعْمَة , وَدَار الْبَوَار النَّار يَوْم بَدْر اِنْتَهَى. وَقَوْله : \" يَوْم بَدْر \" ظَرْف لِقَوْلِهِ أَحَلُّوا أَيْ أَنَّهُمْ أَهْلَكُوا قَوْمهمْ يَوْم بَدْر فَأَدْخَلُوا النَّار , وَالْبَوَار الْهَلَاك وَسُمِّيَتْ جَهَنَّم دَار الْبَوَار لِإِهْلَاكِهَا مَنْ يَدْخُلُهَا , وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الْبَوَار الْهَلَاك وَمِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ قَالَ : قَدْ فَسَّرَهَا اللَّه تَعَالَى فَقَالَ : ( جَهَنَّم يَصْلَوْنَهَا ). ‏"
    },
    {
        "id": "3681",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ فَقَالَتْ وَهَلَ إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ قَالَتْ وَذَاكَ مِثْلُ قَوْلِهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ وَفِيهِ قَتْلَى ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ إِنَّمَا قَالَ إِنَّهُمْ الْآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ ثُمَّ قَرَأَتْ ‏ { ‏إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ‏} { ‏وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ‏} ‏يَقُولُ حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُمْ مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ذُكِرَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله , وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَنَّ عَائِشَة بَلَغَهَا \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الْمُبَلِّغ , وَلَكِنْ عِنْده مِنْ رِوَايَة أُخْرَى مَا يُشْعِر بِأَنَّ عُرْوَة هُوَ الَّذِي بَلَّغَهَا ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهِلَ ) ‏ ‏قِيلَ بِفَتْحِ الْهَاء , وَالْمَشْهُور الْكَسْر , أَيْ غَلَط وَزْنًا وَمَعْنًى , وَبِالْفَتْحِ مَعْنَاهُ فَزِعَ وَنَسِيَ وَجَبُنَ وَقَلَق , وَقَالَ الْفَارَابِيّ وَالْأَزْهَرِيّ وَابْن الْقَطَّاع وَابْن فَارِس وَالْقَابِسِيّ وَغَيْرهمْ : وَهَلْت إِلَيْهِ بِفَتْحِ الْهَاء أَهِل بِالْكَسْرِ وَهْلًا بِالسُّكُونِ إِذَا ذَهَبَ وَهْمك إِلَيْهِ. زَادَ الْقَالِيّ وَالْجَوْهَرِيّ : وَأَنْتَ تُرِيد غَيْره , وَزَادَ اِبْن الْقَطَّاع. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ الْمَيِّت لَيُعَذَّب فِي قَبْره ) ‏ ‏الْحَدِيث تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْجَنَائِز , وَقَوْله : \" ذَلِكَ مِثْل قَوْله \" أَيْ اِبْن عُمَر , وَقَوْله : \" فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ \" وَوَقَعَ عِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَقَالَ لَهُمْ مِثْل مَا قَالَ \" وَ \" مِثْل \" زَائِدَة لَا حَاجَة إِلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( يَقُول حِين تَبَوَّءُوا مَقَاعِدهمْ مِنْ النَّار ) ‏ ‏الْقَائِل \" يَقُول \" هُوَ عُرْوَة , يُرِيد أَنْ يُبَيِّن مُرَاد عَائِشَة فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ إِطْلَاق النَّفْي فِي قَوْله : ( إِنَّك لَا تُسْمِع الْمَوْتَى ) مُقَيَّد بِاسْتِقْرَارِهِمْ فِي النَّار , وَعَلَى هَذَا فَلَا مُعَارَضَة بَيْن إِنْكَار عَائِشَة وَإِثْبَات اِبْن عُمَر كَمَا تَقَدَّمَ تَوْضِيحه فِي الْجَنَائِز , لَكِنَّ الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ تَدُلّ عَلَى أَنَّ عَائِشَة كَانَتْ تُنْكِر ذَلِكَ مُطْلَقًا لِقَوْلِهَا إِنَّ الْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ بِلَفْظِ \" إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ \" وَأَنَّ اِبْن عُمَر وَهَمَ فِي قَوْله \" لَيَسْمَعُونَ \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الْعِلْم لَا يَمْنَع مِنْ السَّمَاع , وَالْجَوَاب عَنْ الْآيَة أَنَّهُ لَا يُسْمِعُهُمْ وَهُمْ مَوْتَى وَلَكِنَّ اللَّه أَحْيَاهُمْ حَتَّى سَمِعُوا كَمَا قَالَ قَتَادَة , وَلَمْ يَنْفَرِد عُمَر وَلَا اِبْنه بِحِكَايَةِ ذَلِكَ بَلْ وَافَقَهُمَا أَبُو طَلْحَة كَمَا تَقَدَّمَ , وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود مِثْله بِإِسْنَادٍ صَحِيح. وَمِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن سِيدَانِ نَحْوه وَفِيهِ : \" قَالُوا يَا رَسُول اللَّه وَهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ قَالَ : يَسْمَعُونَ كَمَا تَسْمَعُونَ , وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ \" وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" وَلَكِنَّهُمْ الْيَوْم لَا يُجِيبُونَ \" وَمِنْ الْغَرِيب أَنَّ فِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاق رِوَايَة يُونُس بْن بُكَيْر بِإِسْنَادٍ جَيِّد عَنْ عَائِشَة مِثْل حَدِيث أَبِي طَلْحَة وَفِيهِ : \" مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَع لِمَا أَقُول مِنْهُمْ \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَكَأَنَّهَا رَجَعَتْ عَنْ الْإِنْكَار لِمَا ثَبَتَ عِنْدهَا مِنْ رِوَايَة هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة لِكَوْنِهَا لَمْ تَشْهَد الْقِصَّة , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : كَانَ عِنْد عَائِشَة مِنْ الْفَهْم وَالذَّكَاء وَكَثْرَة الرِّوَايَة وَالْغَوْص عَلَى غَوَامِض الْعِلْم مَا لَا مَزِيد عَلَيْهِ , لَكِنْ لَا سَبِيل إِلَى رَدّ رِوَايَة الثِّقَة إِلَّا بِنَصِّ مِثْله يَدُلّ عَلَى نَسْخه أَوْ تَخْصِيصه أَوْ اِسْتِحَالَته , فَكَيْف وَالْجَمْع بَيْن الَّذِي أَنْكَرَتْهُ وَأَثْبَتَهُ غَيْرهَا مُمْكِن , لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّك لَا تُسْمِع الْمَوْتَى ) لَا يُنَافِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" إِنَّهُمْ الْآن يَسْمَعُونَ \" لِأَنَّ الْإِسْمَاع هُوَ إِبْلَاغ الصَّوْت مِنْ الْمُسْمِع فِي أُذُن السَّامِع , فَاَللَّه تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَسْمَعهُمْ بِأَنْ أَبْلَغَهُمْ صَوْت نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ. وَأَمَّا جَوَابهَا بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ فَإِنْ كَانَتْ سَمِعَتْ ذَلِكَ فَلَا يُنَافِي رِوَايَة يَسْمَعُونَ بَلْ يُؤَيِّدهَا. وَقَالَ السُّهَيْلِيّ مَا مُحَصَّله : إِنَّ فِي نَفْس الْخَبَر مَا يَدُلّ عَلَى خَرْق الْعَادَة بِذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِقَوْلِ الصَّحَابَة لَهُ : \" أَتُخَاطِبُ أَقْوَامًا قَدْ جَيَّفُوا ؟ فَأَجَابَهُمْ \" قَالَ : وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونُوا فِي تِلْكَ الْحَالَة عَالِمِينَ جَازَ أَنْ يَكُونُوا سَامِعِينَ , وَذَلِكَ إِمَّا بِآذَانِ رُءُوسهمْ عَلَى قَوْل الْأَكْثَر أَوْ بِآذَانِ قُلُوبهمْ , قَالَ : وَقَدْ تَمَسّك بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ يَقُول : إِنَّ السُّؤَال يَتَوَجَّه عَلَى الرُّوح وَالْبَدَن , وَرَدَّهُ مَنْ قَالَ : إِنَّمَا يَتَوَجَّه عَلَى الرُّوح فَقَطْ بِأَنَّ الْإِسْمَاع يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِأُذُنِ الرَّأْس وَلِأُذُنِ الْقَلْب فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ حُجَّة. قُلْت : إِذَا كَانَ الَّذِي وَقَعَ حِينَئِذٍ مِنْ خَوَارِق الْعَادَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ لَمْ يَحْسُن التَّمَسُّك بِهِ فِي مَسْأَلَة السُّؤَال أَصْلًا. وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمُرَاد بِالْمَوْتَى فِي قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّك لَا تُسْمِع الْمَوْتَى ) وَكَذَلِكَ الْمُرَاد بِمَنْ فِي الْقُبُور , فَحَمَلَتْهُ عَائِشَة عَلَى الْحَقِيقَة وَجَعَلَتْهُ أَصْلًا اِحْتَاجَتْ مَعَهُ إِلَى تَأْوِيل قَوْله : \" مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَع لِمَا أَقُول مِنْهُمْ \" وَهَذَا قَوْل الْأَكْثَر , وَقِيلَ : هُوَ مَجَاز وَالْمُرَاد بِالْمَوْتَى وَبِمَنْ فِي الْقُبُور الْكُفَّار , شُبِّهُوا بِالْمَوْتَى وَهُمْ أَحْيَاء , وَالْمَعْنَى مَنْ هُمْ فِي حَال الْمَوْتَى أَوْ فِي حَال مَنْ سَكَنَ الْقَبْر , وَعَلَى هَذَا لَا يَبْقَى فِي الْآيَة دَلِيل عَلَى مَا نَفَتْهُ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا, وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3682",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَقَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى قَلِيبِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ثُمَّ قَالَ إِنَّهُمْ الْآنَ يَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ فَذُكِرَ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏فَقَالَتْ إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّهُمْ الْآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ هُوَ الْحَقُّ ثُمَّ قَرَأَتْ ‏ { ‏إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ‏} ‏حَتَّى قَرَأَتْ الْآيَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3683",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أُصِيبَ ‏ ‏حَارِثَةُ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَهُوَ غُلَامٌ فَجَاءَتْ ‏ ‏أُمُّهُ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ ‏ ‏حَارِثَةَ ‏ ‏مِنِّي فَإِنْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ أَصْبِرْ وَأَحْتَسِبْ وَإِنْ تَكُ الْأُخْرَى تَرَى مَا أَصْنَعُ فَقَالَ ‏ ‏وَيْحَكِ أَوَهَبِلْتِ أَوَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ وَإِنَّهُ فِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أُصِيب حَارِثَة يَوْم بَدْر ) ‏ ‏هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَة اِبْن سُرَاقَة بْن الْحَارِث بْن عَدِيّ الْأَنْصَارِيّ بْن عَدِيّ بْن النَّجَّار , وَأَبُوهُ سُرَاقَة لَهُ صُحْبَة وَاسْتُشْهِدَ يَوْم حُنَيْنٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَتْ أُمّه ) ‏ ‏هِيَ الرُّبَيِّع بِالتَّشْدِيدِ بِنْت النَّضْر عَمَّة أَنَس بْن مَالِك , وَوَقَعَ فِي أَوَائِل الْجِهَاد مِنْ طَرِيق شَيْبَان عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس \" أَنَّ أُمّ الرَّبِيع بِالتَّخْفِيفِ اِبْن الْبَرَاء وَهِيَ أُمّ حَارِثَة \" وَقَالَ : هُوَ وَهْم وَإِنَّمَا الصَّوَاب أَنَّ أُمّ حَارِثَة الرُّبَيِّع عَمَّة الْبَرَاء , وَقَدْ ذُكِرَتْ مَبَاحِث ذَلِكَ مُسْتَوْفَاة هُنَاكَ مَعَ شَرْح الْحَدِيث. وَقَوْله : \" وَيْحك \" هِيَ كَلِمَة رَحْمَة , وَزَعَمَ الدَّاوُدِيّ أَنَّهَا لِلتَّوْبِيخِ وَقَوْله : \" هُبِلَتْ \" بِضَمِّ الْهَاء بَعْدهَا مُوَحَّدَة مَكْسُورَة , أَيْ ثُكِلَتْ وَهُوَ بِوَزْنِهِ. وَقَدْ تُفْتَح الْهَاء يُقَال هَبِلَتْهُ أُمّه تُهَبِّلهُ بِتَحْرِيكِ الْهَاء أَيْ ثَكِلَتْهُ , وَقَدْ يَرِد بِمَعْنَى الْمَدْح وَالْإِعْجَاب , قَالُوا أَصْله إِذَا مَاتَ الْوَلَد فِي الْهُبَل هُوَ مَوْضِع الْوَلَد مِنْ الرَّحِم فَكَأَنَّ أُمّه وُجِعَ مِهْبَلهَا بِمَوْتِ الْوَلَد فِيهِ. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيّ أَنَّ الْمَعْنَى أَجَهِلْت , وَلَمْ يَقَع عِنْد أَحَد مِنْ أَهْل اللُّغَة أَنَّ هُبِلَتْ بِمَعْنَى جَهِلَتْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3684",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ ‏ ‏وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ‏ ‏وَكُلُّنَا فَارِسٌ قَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا ‏ ‏رَوْضَةَ خَاخٍ ‏ ‏فَإِنَّ بِهَا ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ ‏ ‏حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ ‏ ‏إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْنَا الْكِتَابُ فَقَالَتْ مَا مَعَنَا كِتَابٌ فَأَنَخْنَاهَا فَالْتَمَسْنَا فَلَمْ نَرَ كِتَابًا فَقُلْنَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ فَلَمَّا رَأَتْ الْجِدَّ أَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتْهُ فَانْطَلَقْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ ‏ ‏حَاطِبٌ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا بِي أَنْ لَا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَّا لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَدَقَ وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ فَدَمَعَتْ عَيْنَا ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏وَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث عَلِيّ فِي قِصَّة حَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَة , وَسَيَأْتِي شَرْح الْقِصَّة فِي فَتْح مَكَّة مُسْتَوْفًى وَذَكَرَ الْبَرْقَانِيّ أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ نَحْو هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر مُسْتَوْفًى , وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا الِاسْتِدْلَال عَلَى فَضْل أَهْل بَدْر بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَذْكُور , وَهِيَ بِشَارَة عَظِيمَة لَمْ تَقَع لِغَيْرِهِمْ , وَوَقَعَ الْخَبَر بِأَلْفَاظٍ : مِنْهَا \" فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ \" وَمِنْهَا \" فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّة \" وَمِنْهَا \" لَعَلَّ اللَّه اِطَّلَعَ \" لَكِنْ قَالَ الْعُلَمَاء إِنَّ التَّرَجِّي فِي كَلَام اللَّه وَكَلَام رَسُوله الْمَوْقُوع وَعِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ وَابْن أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِالْجَزْمِ وَلَفْظه \" إِنَّ اللَّه اِطَّلَعَ عَلَى أَهْل بَدْر فَقَالَ اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ \" وَعِنْد أَحْمَد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْط مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر مَرْفُوعًا \" لَنْ يَدْخُل النَّار أَحَد شَهِدَ بَدْرًا \" وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ قَوْله : \" اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ \" فَإِنَّ ظَاهِره أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ وَهُوَ خِلَاف عَقْد الشَّرْع , وَأُجِيب بِأَنَّهُ إِخْبَار عَنْ الْمَاضِي أَيْ كُلّ عَمَل كَانَ لَكُمْ فَهُوَ مَغْفُور , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ الْعَمَل لَمْ يَقَع بِلَفْظِ الْمَاضِي وَلَقَالَ فَسَأَغْفِرُهُ لَكُمْ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْمَاضِي لَمَا حَسُنَ الِاسْتِدْلَال بِهِ فِي قِصَّة حَاطِب لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاطَبَ بِهِ عُمَر مُنْكِرًا عَلَيْهِ مَا قَالَ فِي أَمْر حَاطِب , وَهَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ بَعْد بَدْر بِسِتِّ سِنِينَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد مَا سَيَأْتِي , وَأَوْرَدَهُ فِي لَفْظ الْمَاضِي مُبَالَغَة فِي تَحْقِيقه. وَقِيلَ : إِنَّ صِيغَة الْأَمْر فِي قَوْله : \" اِعْمَلُوا \" لِلتَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيم وَالْمُرَاد عَدَم الْمُؤَاخَذَة بِمَا يَصْدُر مِنْهُمْ بَعْد ذَلِكَ , وَأَنَّهُمْ خُصُّوا بِذَلِكَ لِمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ الْحَال الْعَظِيمَة الَّتِي اِقْتَضَتْ مَحْو ذُنُوبهمْ السَّابِقَة , وَتَأَهَّلُوا لِأَنْ يَغْفِر اللَّه لَهُمْ الذُّنُوب اللَّاحِقَة إِنْ وَقَعَتْ , أَيْ كُلّ مَا عَمِلْتُمُوهُ بَعْد هَذِهِ الْوَاقِعَة مِنْ أَيّ عَمَل كَانَ فَهُوَ مَغْفُور. وَقِيلَ : إِنَّ الْمُرَاد ذُنُوبهمْ تَقَع إِذَا وَقَعَتْ مَغْفُورَة. وَقِيلَ : هِيَ بِشَارَة بِعَدَمِ وُقُوع الذُّنُوب مِنْهُمْ , وَفِيهِ نَظَر ظَاهِر لِمَا سَيَأْتِي فِي قِصَّة قُدَامَةَ بْن مَظْعُون حِين شَرِبَ الْخَمْر فِي أَيَّام عُمَر وَحَدَّهُ عُمَرُ , فَهَاجَرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ , فَرَأَى عُمَرُ فِي الْمَنَام مَنْ يَأْمُرهُ بِمُصَالَحَتِهِ , وَكَانَ قُدَامَةُ بَدْرِيًّا. وَاَلَّذِي يُفْهَم مِنْ سِيَاق الْقِصَّة الِاحْتِمَالُ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ التَّابِعِيّ حَيْثُ قَالَ لِحَيَّانَ بْن عَطِيَّة : قَدْ عَلِمْت الَّذِي جَرَّأَ صَاحِبك عَلَى الدِّمَاء , وَذَكَرَ لَهُ هَذَا الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي \" بَاب اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ \". وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْبِشَارَة الْمَذْكُورَة فِيمَا يَتَعَلَّق بِأَحْكَامِ الْآخِرَة لَا بِأَحْكَامِ الدُّنْيَا مِنْ إِقَامَة الْحُدُود وَغَيْرهَا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3685",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ ‏ ‏وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏إِذَا ‏ ‏أَكْثَبُوكُمْ ‏ ‏فَارْمُوهُمْ وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول بِغَيْرِ تَرْجَمَة. وَهُوَ فِيمَا يَتَعَلَّق بِبَدْرٍ أَيْضًا , وَأَبُو أَحْمَد هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر الزُّبَيْرِيّ كَمَا نَسَبَهُ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حَمْزَة بْن أَبِي أُسَيْد وَالزُّبَيْر بْن الْمُنْذِر بْن أَبِي أُسَيْدٍ ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَوَقَعَ فِي الَّتِي بَعْدهَا الزُّبَيْر بْن أَبِي أُسَيْدٍ , فَقِيلَ هُوَ عَمّه وَقِيلَ : هُوَ هُوَ لَكِنْ نُسِبَ إِلَى جَدّه , وَالْأَوَّل أَصْوَب. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ إِنَّ الزُّبَيْر هُوَ الْمُنْذِر نَفْسه. ‏"
    },
    {
        "id": "3686",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ ‏ ‏وَالْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏إِذَا ‏ ‏أَكْثَبُوكُمْ ‏ ‏يَعْنِي كَثَرُوكُمْ ‏ ‏فَارْمُوهُمْ وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي أُسَيْد ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ مَالِك بْن رَبِيعَة الْخَزْرَجِيّ السَّاعِدِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا أَكْثَبُوكُمْ ) ‏ ‏بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة أَيْ إِذَا قَرَبُوا مِنْكُمْ , وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" يَعْنِي أَكْثَرُوكُمْ \" وَهُوَ تَفْسِير لَا يَعْرِفهُ أَهْل اللُّغَة , وَقَدْ قَدَّمْت فِي الْجِهَاد أَنَّ الدَّاوُدِيّ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ أُنْكِرَ عَلَيْهِ , فَعَرَفْنَا الْآن مُسْتَنَده فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , لَكِنْ يُتَّجَه الْإِنْكَار لِكَوْنِهِ تَفْسِيرًا لَا يَعْرِفهُ أَهْل اللُّغَة وَكَأَنَّهُ مِنْ بَعْض رُوَاته , فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ فِي هَذَا الْمَوْضِع \" يَعْنِي غَشُّوكُمْ \" وَهُوَ بِمُعْجَمَتَيْنِ وَالتَّخْفِيف وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْمُرَادِ , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابه أَنْ لَا يَحْمِلُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَأْمُرهُمْ وَقَالَ : إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَانْضَحُوهُمْ عَنْكُمْ بِالنَّبْلِ \" وَالْهَمْزَة فِي قَوْله \" أَكْثَبُوكُمْ \" لِلتَّعَدِّيَةِ مِنْ كَثَب بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْقُرْب , قَالَ اِبْن فَارِس : أَكْثَبَ الصَّيْد إِذَا أَمْكَنَ مِنْ نَفْسه , فَالْمَعْنَى إِذَا قَرُبُوا مِنْكُمْ فَأَمْكَنُوكُمْ مِنْ أَنْفُسهمْ فَارْمُوهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَارْمُوهُمْ وَاسْتَبْقُوا نَبْلكُمْ ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَة فِعْل أَمْر بِالِاسْتِبْقَاءِ , أَيْ طَلَب الْإِبْقَاء , قَالَ الدَّاوُدِيّ : مَعْنَى قَوْله \" اِرْمُوهُمْ \" أَيْ بِالْحِجَارَةِ لِأَنَّهَا لَا تَكَاد تُخْطِئ إِذَا رُمِيَ بِهَا فِي الْجَمَاعَة , قَالَ , وَمَعْنَى قَوْله : \" اِسْتَبْقُوا نَبْلكُمْ \" أَيْ إِلَى أَنْ تَحْصُل الْمُصَادَمَة , كَذَا قَالَ. وَقَالَ غَيْره : الْمَعْنَى اِرْمُوهُمْ بِبَعْضِ نَبْلكُمْ لَا بِجَمِيعِهَا. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ مَعْنَى قَوْله \" وَاسْتَبْقُوا نَبْلكُمْ \" لَا يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ : \" اِرْمُوهُمْ \" وَإِنَّمَا هُوَ كَالْبَيَانِ لِلْمُرَادِ بِالْأَمْرِ بِتَأْخِيرِ الرَّمْي حَتَّى يَقْرَبُوا مِنْهُمْ , أَيْ إِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا بَعِيدًا لَا تُصِيبهُمْ السِّهَام غَالِبًا , فَالْمَعْنَى اِسْتَبْقُوا نَبْلكُمْ فِي الْحَالَة الَّتِي إِذَا رَمَيْتُمْ بِهَا لَا تُصِيب غَالِبًا , وَإِذَا صَارُوا إِلَى الْحَالَة الَّتِي يُمْكِن فِيهَا الْإِصَابَة غَالِبًا فَارْمُوا. ‏"
    },
    {
        "id": "3687",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الرُّمَاةِ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ أَصَابُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏أَرْبَعِينَ وَمِائَةً سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا قَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏يَوْمٌ بِيَوْمِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَالْحَرْبُ ‏ ‏سِجَالٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء فِي قِصَّة الرُّمَاة يَوْم أُحُد , وَذَكَرَ طَرَفًا مِنْهُ , وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي غَزْوَة أُحُد وَالْمُرَاد مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَصَابَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْم بَدْر أَرْبَعِينَ وَمِائَة : سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْحَقّ فِي عَدَد الْقَتْلَى , وَأَطْبَقَ أَهْل السِّيَر عَلَى أَنَّهُمْ خَمْسُونَ قَتِيلًا يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَ , سَرَدَ اِبْن إِسْحَاق فَبَلَغُوا خَمْسِينَ , وَزَادَ الْوَاقِدِيّ ثَلَاثَة أَوْ أَرْبَعَة , وَأَطْلَقَ كَثِير مِنْ أَهْل الْمَغَازِي أَنَّهُمْ بِضْعَة وَأَرْبَعُونَ لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ مَعْرِفَة أَسْمَاء مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ عَلَى التَّعْيِين أَنْ يَكُونُوا جَمِيع مَنْ قُتِلَ. وَقَوْل الْبَرَاء إِنَّ عُدَّتهمْ سَبْعُونَ قَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ اِبْن عَبَّاس وَآخَرُونَ , وَأَخْرَجَ ذَلِكَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَة قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا ) وَاتَّفَقَ أَهْل الْعِلْم بِالتَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ أَهْل أُحُد , وَأَنَّ الْمُرَاد بِأَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا يَوْم بَدْر , وَعَلَى أَنَّ عِدَّة مِنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأُحُدٍ سَبْعُونَ نَفْسًا , وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن هِشَام , وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِ كَعْب بْن مَالِك مِنْ قَصِيدَة لَهُ : ‏ ‏فَأَقَامَ بِالطَّعْنِ الْمُطَعَّنُ مِنْهُمُ ‏ ‏سَبْعُونَ عُتْبَة مِنْهُمُ وَالْأَسْوَد ‏ ‏يَعْنِي عُتْبَة بْن رَبِيعَة بْن عَبْد شَمْس , وَقَدْ تَقَدَّمَ اِسْم مَنْ قَتَلَهُ. وَالْأَسْوَد بْن عَبْد الْأَسَد بْن هِلَال الْمَخْزُومِيّ قَتَلَهُ حَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَّلِب. ثُمَّ سَرَدَ اِبْن هِشَام أَسْمَاء أُخْرَى مِمَّنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ غَيْر مَنْ ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق فَزَادُوا عَلَى السِّتِّينَ فَقَوَّى مَا قُلْنَاهُ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3688",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏أُرَاهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ بَعْدُ وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا بَعْدَ يَوْمِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي رُؤْيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي الْهِجْرَة , فَإِنَّهُ عَلَّقَ طَرَفًا مِنْهُ هُنَاكَ. وَأَوْرَدَهُ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة بِتَمَامِهِ فَأَحَلْتُ شَرْحه عَلَى غَزْوَة أُحُد , وَلَمْ يُذْكَر فِي غَزْوَة أُحُد مِنْهُ هَذِهِ الْقِطْعَة الَّتِي ذَكَرَهَا هُنَا , وَسَأَذْكُرُ شَرْحهَا فِي كِتَاب التَّعْبِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3689",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏إِنِّي لَفِي الصَّفِّ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏إِذْ الْتَفَتُّ فَإِذَا عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي ‏ ‏فَتَيَانِ ‏ ‏حَدِيثَا السِّنِّ فَكَأَنِّي لَمْ آمَنْ بِمَكَانِهِمَا إِذْ قَالَ لِي أَحَدُهُمَا سِرًّا مِنْ صَاحِبِهِ يَا عَمِّ أَرِنِي ‏ ‏أَبَا جَهْلٍ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا ابْنَ أَخِي وَمَا تَصْنَعُ بِهِ قَالَ عَاهَدْتُ اللَّهَ إِنْ رَأَيْتُهُ أَنْ أَقْتُلَهُ أَوْ أَمُوتَ دُونَهُ فَقَالَ لِي الْآخَرُ سِرًّا مِنْ صَاحِبِهِ مِثْلَهُ قَالَ فَمَا سَرَّنِي أَنِّي بَيْنَ رَجُلَيْنِ مَكَانَهُمَا فَأَشَرْتُ لَهُمَا إِلَيْهِ فَشَدَّا عَلَيْهِ مِثْلَ الصَّقْرَيْنِ حَتَّى ضَرَبَاهُ وَهُمَا ‏ ‏ابْنَا عَفْرَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَالْأَصِيلِيّ , وَلِلْبَاقِينَ \" حَدَّثَنَا يَعْقُوب \" غَيْر مَنْسُوب , فَجَزَمَ الْكَلَابَاذِيّ بِأَنَّهُ اِبْن حُمَيْدٍ بْن كَاسِب , وَبِهِ جَزَمَ الْحَاكِم عَنْ مَشَايِخه , ثُمَّ جَوَّزَ أَنْ يَكُون يَعْقُوب بْن مُحَمَّد الزُّهْرِيُّ. قُلْت : وَسَيَأْتِي مَا يُقَوِّيه. قَالَ الْحَاكِم : وَقَدْ نَاظَرَنِي شَيْخنَا أَبُو أَحْمَد الْحَاكِم فِي أَنَّ الْبُخَارِيّ رَوَى فِي الصَّحِيح عَنْ يَعْقُوب بْن حُمَيْدٍ , فَقُلْت لَهُ : إِنَّمَا رَوَى عَنْ يَعْقُوب بْن مُحَمَّد فَلَمْ يَرْجِع عَنْ ذَلِكَ. قُلْت : وَجَزَمَ اِبْن مَنْدَهْ وَأَبُو إِسْحَاق الْحَبَّال وَغَيْر وَاحِد بِمَا قَالَ أَبُو أَحْمَد , وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَأَبِي ذَرّ , وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : وَقَعَ عِنْد اِبْن السَّكَن هُنَا \" حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن مُحَمَّد \" وَعِنْد أَبِي ذَرّ وَالْأَصِيلِيّ \" حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم \" وَأَهْمَلَهُ الْبَاقُونَ. وَجَزَمَ أَبُو مَسْعُود فِي \" الْأَطْرَاف \" بِأَنَّهُ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَجَوَّزَ أَنَّهُ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد , قَالَ : وَهُوَ غَلَط , فَإِنَّ يَعْقُوب مَاتَ قَبْل أَنْ يَرْحَل الْبُخَارِيّ , وَقَدْ رَوَى لَهُ الْكَثِير بِوَاسِطَةٍ , وَبَنَى الْكَرْمَانِيُّ عَلَى أَنَّهُ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد فَقَالَ : هَذَا السَّنَد مُسَلْسَل بِالرِّوَايَةِ عَنْ الْآبَاء , وَمَالَ الْمِزِّيّ إِلَى أَنَّهُ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِيّ اِنْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الصَّلَاة فِي \" بَاب الصَّلَاة فِي مَسْجِد قُبَاء \" وَفِي الْمَنَاقِب فِي \" بَاب قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِ أَنْتُمْ أَحَبّ النَّاس إِلَيَّ \" التَّصْرِيح بِالرِّوَايَةِ عَنْ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِيّ فَقَالَ الْبَرْقَانِيّ فِي \" الْمُصَافَحَة \" يَعْقُوب بْن حُمَيْدٍ لَيْسَ مِنْ شَرْط الصَّحِيح , وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد وَلَكِنْ سَقَطَتْ الْوَاسِطَة مِنْ النُّسْخَة لِأَنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يَسْمَع مِنْهُ اِنْتَهَى. وَالرَّاجِح عَدَم السُّقُوط وَأَنَّهُ إِمَّا الدَّوْرَقِيّ وَإِمَّا اِبْن مُحَمَّد الزُّهْرِيُّ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه ) ‏ ‏أَبُوهُ هُوَ سَعِيد بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة فِي الْبَاب الْمَاضِي إِلَى أَنَّ صَالِح بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف رَوَى هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا عَنْ أَبِيهِ , وَأَنَّهُ سَاقَهُ فِي الْخُمُس بِتَمَامِهِ. وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة فَكَأَنْ لَمْ آمَنَ بِمَكَانِهِمَا أَيْ مِنْ الْعَدُوّ. وَقِيلَ : مَكَانهمَا كِنَايَة عَنْهُمَا , كَأَنَّهُ لَمْ يَثِق بِهِمَا لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفهُمَا فَلَمْ يَأْمَن أَنْ يَكُونَا مِنْ الْعَدُوّ ثُمَّ وَجَدْت فِي مَغَازِي اِبْن عَائِذ مَا يَرْفَع الْإِشْكَال , فَإِنَّهُ أَخْرَجَ هَذِهِ الْقِصَّة مُطَوَّله بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِع وَقَالَ فِيهَا فَأَشْفَقْت أَنْ يُؤْتَى النَّاس مِنْ نَاحِيَتِي لِكَوْنِي بَيْن غُلَامَيْنِ حَدِيثَيْنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( الصَّقْرَيْنِ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْقَاف تَثْنِيَة صَقْر , وَهُوَ مِنْ سِبَاع الطَّيْر وَأَحَد الْجَوَارِح الْأَرْبَعَة وَهِيَ الصَّقْر وَالْبَازِي وَالشَّاهِينَ وَالْعُقَاب , وَشَبَههمَا بِهِ لِمَا اُشْتُهِرَ عَنْهُ مِنْ الشَّجَاعَة وَالشَّهَامَة وَالْإِقْدَام عَلَى الصَّيْد , وَلِأَنَّهُ إِذَا تَشَبَّثَ بِشَيْءٍ لَمْ يُفَارِقهُ حَتَّى يَأْخُذهُ وَأَوَّل مَنْ صَادَ بِهِ مِنْ الْعَرَب الْحَارِث بْن مُعَاوِيَة بْن ثَوْر الْكِنْدِيّ , ثُمَّ اُشْتُهِرَ الصَّيْد بِهِ بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "3690",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُمَرُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ ‏ ‏حَلِيفُ ‏ ‏بَنِي زُهْرَةَ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَشَرَةً عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏جَدَّ ‏ ‏عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏حَتَّى إِذَا كَانُوا ‏ ‏بِالْهَدَةِ ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏عَسْفَانَ ‏ ‏وَمَكَّةَ ‏ ‏ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ ‏ ‏هُذَيْلٍ ‏ ‏يُقَالُ لَهُمْ ‏ ‏بَنُو لِحْيَانَ ‏ ‏فَنَفَرُوا لَهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمْ التَّمْرَ فِي مَنْزِلٍ نَزَلُوهُ فَقَالُوا تَمْرُ ‏ ‏يَثْرِبَ ‏ ‏فَاتَّبَعُوا آثَارَهُمْ فَلَمَّا حَسَّ بِهِمْ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى مَوْضِعٍ فَأَحَاطَ بِهِمْ الْقَوْمُ فَقَالُوا لَهُمْ انْزِلُوا فَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ وَلَكُمْ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا فَقَالَ ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏أَيُّهَا الْقَوْمُ أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا ‏ ‏عَاصِمًا ‏ ‏وَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ مِنْهُمْ ‏ ‏خُبَيْبٌ ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ ‏ ‏وَرَجُلٌ آخَرُ ‏ ‏فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا قَالَ ‏ ‏الرَّجُلُ الثَّالِثُ ‏ ‏هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ وَاللَّهِ لَا أَصْحَبُكُمْ إِنَّ لِي بِهَؤُلَاءِ أُسْوَةً يُرِيدُ الْقَتْلَى فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَانْطُلِقَ ‏ ‏بِخُبَيْبٍ ‏ ‏وَزَيْدِ بْنِ الدَّثِنَةِ ‏ ‏حَتَّى بَاعُوهُمَا بَعْدَ وَقْعَةِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَابْتَاعَ ‏ ‏بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ ‏ ‏خُبَيْبًا ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏خُبَيْبٌ ‏ ‏هُوَ قَتَلَ ‏ ‏الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَلَبِثَ ‏ ‏خُبَيْبٌ ‏ ‏عِنْدَهُمْ أَسِيرًا ‏ ‏حَتَّى أَجْمَعُوا قَتْلَهُ فَاسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ ‏ ‏الْحَارِثِ ‏ ‏مُوسًى ‏ ‏يَسْتَحِدُّ ‏ ‏بِهَا فَأَعَارَتْهُ ‏ ‏فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَاهُ فَوَجَدَتْهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ قَالَتْ فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا ‏ ‏خُبَيْبٌ ‏ ‏فَقَالَ أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ قَالَتْ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ ‏ ‏خُبَيْبٍ ‏ ‏وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ وَمَا ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏مِنْ ثَمَرَةٍ وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ ‏ ‏خُبَيْبًا ‏ ‏فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنْ ‏ ‏الْحَرَمِ ‏ ‏لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ قَالَ لَهُمْ ‏ ‏خُبَيْبٌ ‏ ‏دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ تَحْسِبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ ‏ ‏فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ‏ ‏عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي ‏ ‏وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ‏ ‏يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ ‏ ‏ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ ‏ ‏أَبُو سِرْوَعَةَ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏فَقَتَلَهُ وَكَانَ ‏ ‏خُبَيْبٌ ‏ ‏هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا الصَّلَاةَ وَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ أَنْ يُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ وَكَانَ قَتَلَ رَجُلًا عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ فَبَعَثَ اللَّهُ ‏ ‏لِعَاصِمٍ ‏ ‏مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنْ ‏ ‏الدَّبْرِ ‏ ‏فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏ذَكَرُوا ‏ ‏مَرَارَةَ بْنَ الرَّبِيعِ الْعَمْرِيَّ ‏ ‏وَهِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيَّ ‏ ‏رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا ‏ ‏بَدْرًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة أَصْحَاب بِئْر مَعُونَة وَسَيَأْتِي شَرْحه بِتَمَامِهِ فِي غَزْوَة الرَّجِيع , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله فِيهِ : \" وَكَانَ قَدْ قَتَلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ \" فَإِنَّهُ سَيَأْتِي فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى التَّصْرِيح بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم بَدْر , وَاَلَّذِي قَتَلَهُ عَاصِم الْمَذْكُور يَوْم بَدْر مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي قَوْل اِبْن إِسْحَاق وَمَنْ تَبِعَهُ عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط بْن أَبِي عَمْرو بْن أُمَيَّة قَتَلَهُ صَبْرًا بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن جَارِيَة ) ‏ ‏بِالْجِيمِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَمْرو بْن أَبِي أَسِيدِ بْن جَارِيَة \" وَكَذَا لِلْأَصِيلِيِّ , وَهُوَ نُسِبَ إِلَى جَدّه , بَلْ هُوَ جَدّ أَبِيهِ لِأَنَّهُ اِبْن أَسِيدِ بْن الْعَلَاء بْن جَارِيَة , وَوَقَعَ فِي غَزْوَة الرَّجِيع كَمَا سَيَأْتِي \" عَمْرو بْن أَبِي سُفْيَان \" وَهِيَ كُنْيَة أَبِيهِ أَسِيدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَسِيد بِفَتْحِ الْهَمْزَة لِلْجَمِيعِ , وَأَكْثَر أَصْحَاب الزُّهْرِيِّ قَالُوا فِيهِ \" عَمْرو \" بِفَتْحِ الْعَيْن وَقَالَ بَعْضهمْ عُمَر بِضَمِّ الْعَيْن , وَرَجَّحَ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ عَمْرو , وَكَذَا وَقَعَ فِي الْجِهَاد فِي \" بَاب هَلْ يَسْتَأْسِر الرَّجُل \" لِلْأَكْثَرِ عَمْرو , أَمَّا النَّسَفِيّ وَأَبُو زَيْد الْمَرْوَزِيُّ فَلَمْ يُسَمِّيَاهُ قَالَا : \" أَخْبَرَنَا اِبْن أَسِيدٍ \" وَقَالَ اِبْن السَّكَن فِي رِوَايَته \" عُمَيْر \" بِالتَّصْغِيرِ , وَالرَّاجِح عَمْرو بِفَتْحِ الْعَيْن , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي غَزْوَة الرَّجِيع. ‏ ‏قَوْله : ( عَشَرَة عَيْنًا ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَيَانهمْ فِي غَزْوَة الرَّجِيع , وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِم بْن ثَابِت جَدّ عَاصِم بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب يَعْنِي لِأُمِّهِ , قَالَ : وَهُوَ وَهْم مِنْ بَعْض رُوَاته فَإِنَّ عَاصِم بْن ثَابِت خَال عَاصِم بْن عُمَر لَا جَدّه لِأَنَّ وَالِدَة عَاصِم هِيَ جَمِيلَة بِنْت ثَابِت أُخْت عَاصِم , وَكَانَ اِسْمهَا عَاصِيَة فَغَيَّرَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ عِيَاض : إِذَا قُرِئَ جِدّ بِالْكَسْرِ عَلَى أَنَّهُ صِفَة لِثَابِتِ اِسْتَقَامَ الْكَلَام وَارْتَفَعَ الْوَهْم. ‏ ‏الْحَدِيث السَّادِس : ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ كَعْب بْن مَالِك ذَكَرُوا مُرَارَة بْن الرَّبِيع الْعَمْرَيَّ وَهِلَال بْن أُمَيَّة الْوَاقِفِيَّ رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا ) ‏ ‏هَذَا طَرَف مِنْ حَدِيث كَعْب الطَّوِيل فِي قِصَّة تَوْبَته , وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي غَزْوَة تَبُوك مُطَوَّلًا , وَكَأَنَّ الْمُصَنِّف عَرَفَ أَنَّ بَعْض النَّاس يُنْكِر أَنْ يَكُون مُرَارَة وَهِلَال شَهِدَا بَدْرًا وَيُنْسَب الْوَهْم فِي ذَلِكَ إِلَى الزُّهْرِيِّ فَرَدَّ ذَلِكَ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إِلَى كَعْب بْن مَالِك , وَهُوَ الظَّاهِر مِنْ السِّيَاق فَإِنَّ الْحَدِيث عَنْهُ قَدْ أُخِذَ وَهُوَ أَعْرَف بِمَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدهَا مِمَّنْ جَاءَ بَعْده , وَالْأَصْل عَدَم الْإِدْرَاج فَلَا يَثْبُت إِلَّا بِدَلِيلٍ صَرِيح , وَيُؤَيِّد كَوْن وَصْفهمَا بِذَلِكَ مِنْ كَلَام كَعْب أَنَّ كَعْبًا سَاقَهُ فِي مَقَام التَّأَسِّي بِهِمَا فَوَصَفَهُمَا بِالصَّلَاحِ وَبِشُهُودِ بَدْر الَّتِي هِيَ أَعْظَم الْمَشَاهِد. فَلَمَّا وَقَعَ لَهُمَا نَظِير مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْقُعُود عَنْ غَزْوَة تَبُوك وَمِنْ الْأَمْر بِهَجْرِهِمَا كَمَا وَقَعَ لَهُ تَأَسَّى بِهِمَا. وَأَمَّا قَوْل بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ كَالدِّمْيَاطِيِّ : لَمْ يَذْكُر أَحَد مُرَارَة وَهِلَالًا فِيمَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَمَرْدُود عَلَيْهِ , فَقَدْ جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيّ هُنَا وَتَبِعَهُ جَمَاعَة , وَأَمَّا قَوْله : وَإِنَّمَا ذَكَرُوهُمَا فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة مِمَّنْ شَهِدَ أُحُدًا , فَحَصْرٌ مَرْدُودٌ , فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُمَا كَذَلِكَ هُوَ مُحَمَّد بْن سَعْد وَلَيْسَ مَا يَقْتَضِيه صَنِيعه بِحُجَّةٍ عَلَى مِثْل هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح الْمُثْبِتِ لِشُهُودِهِمَا وَقَدْ ذَكَرَ هِشَام بْن الْكَلْبِيّ وَهُوَ مِنْ شُيُوخ مُحَمَّد بْن سَعْد أَنَّ مُرَارَة شَهِدَ بَدْرًا فَإِنَّهُ سَاقَ نَسَبه إِلَى الْأَوْس ثُمَّ قَالَ : شَهِدَ بَدْرًا , وَهُوَ أَحَد الثَّلَاثَة الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ اِسْتَقْرَيْت أَوَّل مَنْ أَنْكَرَ شُهُودهمَا بَدْرًا فَوَجَدْته الْأَثْرَم صَاحِب الْإِمَام أَحْمَد وَاسْمه أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن هَانِئ , قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : لَمْ أَزَلْ مُتَعَجِّبًا مِنْ هَذَا الْحَدِيث وَحَرِيصًا عَلَى كَشْف هَذَا الْمَوْضِع وَتَحْقِيقه حَتَّى رَأَيْت الْأَثْرَم ذَكَرَ الزُّهْرِيَّ وَفَضْله وَقَالَ : لَا يَكَاد يُحْفَظ عَنْهُ غَلَط إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ مُرَارَة وَهِلَالًا شَهِدَا بَدْرًا , وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَد , وَالْغَلَط لَا يَخْلُو مِنْهُ إِنْسَان. قُلْت : وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ قَوْله شَهِدَا بَدْرًا مُدْرَج فِي الْخَبَر مِنْ كَلَام الزُّهْرِيِّ , وَفِي ثُبُوت ذَلِكَ نَظَر لَا يَخْفَى كَمَا قَدَّمْته , وَاحْتَجَّ اِبْن الْقَيِّم فِي الْهَدْىِ بِأَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا بَدْرًا مَا عُوقِبَا بِالْهَجْرِ الَّذِي وَقَعَ لَهُمَا بَلْ كَانَا يُسَامَحَانِ بِذَلِكَ كَمَا سُومِحَ حَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَة كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّته الْمَشْهُورَة , قُلْت : وَهُوَ قِيَاس مَعَ وُجُود النَّصّ , وَيُمْكِن الْفَرْق , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3691",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏ذُكِرَ لَهُ أَنَّ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ‏ ‏وَكَانَ بَدْرِيًّا مَرِضَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ ‏ ‏فَرَكِبَ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ تَعَالَى النَّهَارُ وَاقْتَرَبَتْ الْجُمُعَةُ وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏كَتَبَ إِلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ الزُّهْرِيِّ ‏ ‏يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى ‏ ‏سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةِ ‏ ‏فَيَسْأَلَهَا عَنْ حَدِيثِهَا وَعَنْ مَا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ اسْتَفْتَتْهُ ‏ ‏فَكَتَبَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏يُخْبِرُهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سُبَيْعَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ ‏ ‏وَهُوَ مِنْ ‏ ‏بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ‏ ‏وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ فَلَمْ ‏ ‏تَنْشَبْ ‏ ‏أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا ‏ ‏أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ‏ ‏فَقَالَ لَهَا مَا لِي أَرَاكِ تَجَمَّلْتِ لِلْخُطَّابِ تُرَجِّينَ النِّكَاحَ فَإِنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ قَالَتْ ‏ ‏سُبَيْعَةُ ‏ ‏فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ وَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ ‏ ‏فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِي ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏وَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ ‏ ‏وَكَانَ أَبُوهُ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( ذُكِرَ لَهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم ذَاكِر ذَلِكَ , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : \" وَكَانَ بَدْرِيًّا \" وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَى بَدْر وَإِنْ كَانَ لَمْ يَحْضُر الْقِتَال لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ ضَرَبَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَهْمٍ , كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ هُوَ وَطَلْحَة يَتَجَسَّسَانِ الْأَخْبَار , فَوَقَعَ الْقِتَال قَبْل أَنْ يَرْجِعَا , فَأَلْحَقهُمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْ شَهِدَهَا وَضَرَبَ لَهُمَا بِسَهْمَيْهِمَا وَأَجْرهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي يُونُس إِلَخْ ) ‏ ‏يَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْعِدَد مِنْ كِتَاب النِّكَاح , وَالْغَرَض مِنْهُ ذِكْر سَعْد بْن خَوْلَة وَأَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا , وَقَدْ وَصَلَ طَرِيق اللَّيْث هَذِهِ قَاسِم بْن أَصْبَغ فِي مُصَنَّفه فَأَخْرَجَهُ عَنْ مُطَّلِب بْن شُهَيْب عَنْ عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ اللَّيْث بِتَمَامِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ أَصْبَغ عَنْ اِبْن وَهْب ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الْمَلِك بْن زَنْجُوَيْهِ عَنْ أَصْبَغ بْن الْفَرَج. ‏ ‏الْحَدِيث التَّاسِع : ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْمُصَنِّف فِي \" التَّارِيخ الْكَبِير \" قَالَ : \" قَالَ لَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح أَنْبَأَنَا اللَّيْث \" فَذَكَرَهُ بِتَمَامِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ حَدَّثَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" حَدَّثَنِي \". ‏ ‏قَوْله : ( الْبُكَيْر ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ وَضُبِطَ أَيْضًا بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَبِتَشْدِيدِ الْكَاف. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ أَبُوهُ شَهِدَ بَدْرًا ) ‏ ‏زَادَ فِي التَّارِيخ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَ \" مِثْله \" يَعْنِي مِثْل حَدِيث قَبْله إِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا لَمْ تَصْلُح لَهُ الْمَرْأَة فَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّف مِنْ الْحَدِيث عَلَى مَوْضِع حَاجَته مِنْهُ وَهِيَ قَوْله : \" وَكَانَ أَبُوهُ شَهِدَ بَدْرًا \" وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث قُتَيْبَة عَنْ اللَّيْث عَنْ اِبْن شِهَاب بِغَيْرِ وَاسِطَة وَسَاقَهُ مُطَوَّلًا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3692",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏قَالَ جَاءَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فِيكُمْ قَالَ مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا قَالَ وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏مِنْ الْمَلَائِكَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُعَاذ بْن رِفَاعَة ) ‏ ‏أَوْرَدَهُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَة طُرُق , فَفِي رِوَايَة جَرِير مُعَاذ عَنْ أَبِيهِ وَهَذِهِ مَوْصُولَة , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد وَهُوَ اِبْن زَيْد مُعَاذ بْن رِفَاعَة بْن رَافِع وَكَانَ رِفَاعَة مِنْ أَهْل بَدْر إِلَخْ. وَهَذَا صُورَته مُرْسَل وَلَكِنْ عِنْد التَّأَمُّل يَظْهَر أَنَّ فِيهِ رِوَايَة لِمُعَاذِ بْن رِفَاعَة بْن رَافِع عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه , وَرِوَايَة يَزِيد وَهُوَ اِبْن هَارُون وَهِيَ الثَّالِثَة قَالَ فِيهَا مُعَاذ : \" إِنَّ مَلَكًا سَأَلَهُ \" وَهَذَا ظَاهِره الْإِرْسَال , لَكِنْ أَفَادَ التَّصْرِيح بِسَمَاعِ يَحْيَى بْن سَعِيد لِلْحَدِيثِ مِنْ مُعَاذ , وَلِهَذَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هَذَا الْحَدِيث وَصَلَهُ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد وَجَرِير بْن عَبْد الْحَمِيد , وَتَابَعَهُ يَحْيَى بْن أَيُّوب فَأَرْسَلَهُ عَنْهُ حَمَّاد بْن زَيْد وَيَزِيد بْن هَارُون وَقَوْله فِي آخِره : \" وَعَنْ يَحْيَى أَنَّ يَزِيد بْن الْهَاد حَدَّثَهُ \" يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ تَسْمِيَة الْمَلَك السَّائِل جِبْرِيل إِنَّمَا تَلَقَّاهَا يَحْيَى بْن سَعِيد مِنْ يَزِيد بْن الْهَاد عَنْ مُعَاذ , فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَة جَرِير الْجَزْم بِتَسْمِيَتِهِ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد إِدْرَاجًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3693",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏رِفَاعَةُ ‏ ‏مِنْ أَهْلِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏رَافِعٌ ‏ ‏مِنْ أَهْلِ ‏ ‏الْعَقَبَةِ ‏ ‏فَكَانَ يَقُولُ لِابْنِهِ ‏ ‏مَا يَسُرُّنِي أَنِّي شَهِدْتُ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏بِالْعَقَبَةِ ‏ ‏قَالَ سَأَلَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏مُعَاذَ بْنَ رِفَاعَةَ ‏ ‏أَنَّ مَلَكًا سَأَلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏يَزِيدَ بْنَ الْهَادِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ ‏ ‏كَانَ مَعَهُ يَوْمَ حَدَّثَهُ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏هَذَا الْحَدِيثَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏إِنَّ السَّائِلَ هُوَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَدْرًا بِالْعَقَبَةِ ) ‏ ‏أَيْ بَدَل الْعَقَبَة , يُرِيد أَنَّ شُهُود الْعَقَبَة عِنْده أَفْضَل مِنْ شُهُود بَدْر , وَقَوْله فِي آخِر رِوَايَة حَمَّاد \" بِهَذَا \" يُرِيد مَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة جَرِير , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق الْقَاضِي عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" عَنْ مُعَاذ بْن رِفَاعَة بْن رَافِع \" وَكَانَ رِفَاعَة بَدْرِيًّا وَكَانَ رَافِع عَقَبِيًّا وَكَانَ يَقُول لِابْنِهِ مَا أُحِبّ أَنِّي شَهِدْت بَدْرًا وَلَمْ أَشْهَد الْعَقَبَة \" قَالَ سَأَلَ جِبْرِيل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْف أَهْل بَدْر فِيكُمْ ؟ قَالَ خِيَارنَا , قَالَ : وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمَلَائِكَة هُمْ خِيَار الْمَلَائِكَة \" وَقَوْله فِي رِوَايَة يَزِيد \" نَحْوه \" سَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيّ لَفْظ يَزِيد مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن شُجَاع عَنْهُ بِلَفْظِ \" إِنَّ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَة أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا تَعُدُّونَ أَهْل بَدْر فِيكُمْ ؟ قَالَ يَحْيَى بْن سَعِيد : حَدَّثَنِي يَزِيد بْن الْهَاد أَنَّ السَّائِل هُوَ جِبْرِيل \" وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ رَافِع بْن مَالِك لَمْ يَسْمَع مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّصْرِيح بِتَفْضِيلِ أَهْل بَدْر عَلَى غَيْرهمْ فَقَالَ مَا قَالَ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ , وَشُبْهَته أَنَّ الْعَقَبَة كَانَتْ مَنْشَأ نُصْرَة الْإِسْلَام وَسَبَب الْهِجْرَة الَّتِي نَشَأَ مِنْهَا الِاسْتِعْدَاد لِلْغَزَوَاتِ كُلّهَا , لَكِنَّ الْفَضْل بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3694",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أَدَاةُ الْحَرْبِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْم بَدْر : هَذَا جِبْرِيل ) ‏ ‏الْحَدِيث هُوَ مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة , وَلَعَلَّ اِبْن عَبَّاس حَمَلَهُ عَنْ أَبِي بَكْر , فَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْم بَدْر خَفَقَ خَفْقَة ثُمَّ اِنْتَبَهَ فَقَالَ : أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْر , أَتَاك نَصْر اللَّه , هَذَا جِبْرِيل آخِذ بِعِنَانِ فَرَسه يَقُودهُ عَلَى ثَنَايَاهُ الْغُبَار \" وَوَقَعَتْ فِي بَعْض الْمَرَاسِيل تَتِمَّة لِهَذَا الْحَدِيث مُقَيَّدَة , وَهِيَ مَا أَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ مُرْسَل عَطِيَّة بْن قَيْس \" أَنَّ جِبْرِيل أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْ بَدْر عَلَى فَرَس حَمْرَاء مَعْقُودَة النَّاصِيَة قَدْ تَخَضَّبَ الْغُبَار بِثَنِيَّتِهِ عَلَيْهِ دِرْعه وَقَالَ : يَا مُحَمَّد إِنَّ اللَّه بَعَثَنِي إِلَيْك وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أُفَارِقك حَتَّى تَرْضَى , أَفَرَضِيت ؟ قَالَ : \" نَعَمْ \" وَوَقَعَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق مِنْ حَدِيث أَبِي وَاقِد اللَّيْثِيّ قَالَ : \" إِنِّي لَأَتَّبِع يَوْم بَدْر رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ لِأَضْرِبهُ فَوَقَعَ رَأْسه قَبْل أَنْ يَصِل إِلَيْهِ سَيْفِي \" وَوَقَعَ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن مُحَمَّد بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا يَقُول \" هَبَّتْ رِيح شَدِيدَة لَمْ أَرَ مِثْلهَا , ثُمَّ هَبَّتْ رِيح شَدِيدَة , وَأَظُنّهُ ذَكَرَ ثَالِثَة , فَكَانَتْ الْأُولَى جِبْرِيل وَالثَّانِيَة مِيكَائِيل وَالثَّالِثَة إِسْرَافِيل , وَكَانَ مِيكَائِيل عَنْ يَمِين النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهَا أَبُو بَكْر , وَإِسْرَافِيل عَنْ يَسَاره وَأَنَا فِيهَا \" وَمِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ عَلِيّ قَالَ : \" قِيلَ لِي وَلِأَبِي بَكْر يَوْم بَدْر : مَعَ أَحَدكُمَا جِبْرِيل وَمَعَ الْآخَر مِيكَائِيل , وَإِسْرَافِيل مَلَك عَظِيم يَحْضُر الصَّفّ وَيَشْهَد الْقِتَال \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو يَعْلَى وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَالْجَمْع بَيْنه وَبَيْن الَّذِي قَبْله مُمْكِن , قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين السُّبْكِيّ : سُئِلْت عَنْ الْحِكْمَة فِي قِتَال الْمَلَائِكَة مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّ جِبْرِيل قَادِر عَلَى أَنْ يَدْفَع الْكُفَّار بِرِيشَةِ مِنْ جَنَاحه , فَقُلْت : وَقَعَ ذَلِكَ لِإِرَادَةِ أَنْ يَكُون الْفِعْل لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , وَتَكُون الْمَلَائِكَة مَدَدًا عَلَى عَادَة مَدَد الْجُيُوش رِعَايَة لِصُورَةِ الْأَسْبَاب وَسُنَّتهَا الَّتِي أَجْرَاهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي عِبَادَة , وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ فَاعِل الْجَمِيع وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3695",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَاتَ ‏ ‏أَبُو زَيْدٍ ‏ ‏وَلَمْ يَتْرُكْ عَقِبًا وَكَانَ بَدْرِيًّا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَة , وَهُوَ فِيمَا يَتَعَلَّق بِبَيَانِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي خَلِيفَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن خَيَّاط بِالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ التَّحْتَانِيَّة الشَّدِيدَة ( قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ ) هُوَ مِنْ كِبَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَسَعِيد هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَاتَ أَبُو زَيْد وَلَمْ يَتْرُك عَقِبًا وَكَانَ بَدْرِيًّا ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ مَضَى فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار بِأَتَمّ مِنْ هَذَا أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا عَنْ أَبِي زَيْد الَّذِي جَمَعَ الْقُرْآن فَقَالَ : هُوَ قَيْس بْن السَّكَن , رَجُل مِنْ بَنِي عَدِيّ بْن النَّجَّار , مَاتَ فَلَمْ يَتْرُك عَقِبًا , نَحْنُ وَرِثْنَاهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْل الْخِلَاف فِي اِسْمه هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3696",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ خَبَّابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدِ بْنَ مَالِكٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْمًا مِنْ لُحُومِ الْأَضْحَى فَقَالَ مَا أَنَا بِآكِلِهِ حَتَّى أَسْأَلَ فَانْطَلَقَ إِلَى أَخِيهِ لِأُمِّهِ وَكَانَ بَدْرِيًّا ‏ ‏قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ‏ ‏فَسَأَلَهُ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُ حَدَثَ بَعْدَكَ أَمْرٌ نَقْضٌ لِمَا كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْهُ مِنْ أَكْلِ لُحُومِ الْأَضْحَى بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن خَبَّاب ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَة وَاسْمه عَبْد اللَّه , وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق , وَسَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث فِي كِتَاب الْأَضَاحِي , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا وَصْف قَتَادَةَ بْن النُّعْمَان بِكَوْنِهِ شَهِدَ بَدْرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3697",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏لَقِيتُ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏عُبَيْدَةَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏مُدَجَّجٌ ‏ ‏لَا يُرَى مِنْهُ إِلَّا عَيْنَاهُ وَهُوَ يُكْنَى ‏ ‏أَبُو ذَاتِ الْكَرِشِ ‏ ‏فَقَالَ أَنَا ‏ ‏أَبُو ذَاتِ الْكَرِشِ ‏ ‏فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ ‏ ‏بِالْعَنَزَةِ ‏ ‏فَطَعَنْتُهُ فِي عَيْنِهِ فَمَاتَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏فَأُخْبِرْتُ أَنَّ ‏ ‏الزُّبَيْرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَقَدْ وَضَعْتُ رِجْلِي عَلَيْهِ ثُمَّ ‏ ‏تَمَطَّأْتُ فَكَانَ ‏ ‏الْجَهْدَ ‏ ‏أَنْ نَزَعْتُهَا وَقَدْ انْثَنَى طَرَفَاهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏فَسَأَلَهُ إِيَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَعْطَاهُ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخَذَهَا ثُمَّ طَلَبَهَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَأَعْطَاهُ فَلَمَّا قُبِضَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏سَأَلَهَا إِيَّاهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا فَلَمَّا قُبِضَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَخَذَهَا ثُمَّ طَلَبَهَا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏مِنْهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا فَلَمَّا قُتِلَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏وَقَعَتْ عِنْدَ آلِ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏فَطَلَبَهَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى قُتِلَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الزُّبَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْعَوَامّ. ‏ ‏قَوْله : ( عُبَيْدَة ) ‏ ‏بِالضَّمِّ أَيْ اِبْن سَعِيد بْن الْعَاصِ بْن أُمَيَّة , وَكَانَ لِسَعِيدِ بْن الْعَاصِ عِدَّة إِخْوَة أَسْلَمَ مِنْهُمْ عَمْرو وَخَالِد وَأَبَان , وَقُتِلَ الْعَاصِ كَافِرًا. ‏ ‏قَوْله : ( مُدَجَّج ) ‏ ‏بِجِيمَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَة وَمَفْتُوحَة وَقَدْ تُكْسَر , أَيْ مُغَطًّى بِالسِّلَاحِ وَلَا يَظْهَر مِنْهُ شَيْء. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. وَقَوْله : \" فَأُخْبِرْت \" بِضَمِّ الْهَمْزَة عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ وَلَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين الْمُخْبِر بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ تَمَطَّأْتُ ) ‏ ‏قِيلَ : الصَّوَاب تَمَطَّيْت بِالتَّحْتَانِيَّةِ غَيْر مَهْمُوزٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ الْجَهْد ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَبِضَمِّهَا ‏ ‏( أَنْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة ‏ ‏( نَزَعْتهَا ) ‏ ‏. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُرْوَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏وَقَوْله : ( أَخَذَهَا ) ‏ ‏يَعْنِي الزُّبَيْر ( ‏ ‏ثُمَّ طَلَبهَا أَبُو بَكْر ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الزُّبَيْر ‏ ‏وَقَوْله : ( وَقَعَتْ عِنْد آلِ عَلِيّ ) ‏ ‏أَيْ عِنْد عَلِيّ نَفْسه ثُمَّ عِنْد أَوْلَاده. ‏ ‏قَوْله : ( فَطَلَبَهَا عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر ) ‏ ‏أَيْ مِنْ آلِ عَلِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3698",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ‏ ‏وَكَانَ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَايِعُونِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت فِي الْبَيْعَة قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي الْإِيمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "3699",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا حُذَيْفَةَ ‏ ‏وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَبَنَّى ‏ ‏سَالِمًا ‏ ‏وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ ‏ ‏هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏وَهُوَ مَوْلًى ‏ ‏لِامْرَأَةٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏كَمَا ‏ ‏تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَيْدًا ‏ ‏وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ‏} ‏فَجَاءَتْ ‏ ‏سَهْلَةُ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَا حُذَيْفَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُتْبَة بْن رَبِيعَة الَّذِي تَقَدَّمَ صِفَة قَتْل وَالِده قَرِيبًا. ‏ ‏وَقَوْله : ( تَبَنَّى سَالِمًا ) ‏ ‏أَيْ اِدَّعَى أَنَّهُ اِبْنه , وَكَانَ ذَلِكَ قَبْل نُزُول قَوْله تَعَالَى : ( اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ) فَإِنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ صَارَ يُدْعَى مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة , وَقَدْ شَهِدَ سَالِم بَدْرًا مَعَ مَوْلَاهُ الْمَذْكُور , وَالْوَلِيد بْن عُتْبَة وَالِد هِنْد قُتِلَ مَعَ أَبِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَسُمِّيَتْ هِنْد هَذِهِ بِاسْمِ عَمَّتهَا هِنْد بِنْت عُتْبَة , قَالَ الدِّمْيَاطِيّ : رَوَاهُ يُونُس وَيَحْيَى بْن سَعِيد وَشُعَيْب وَغَيْرهمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالُوا : \" هِنْد \" وَرَوَى مَالِك عَنْهُ فَقَالَ \" فَاطِمَة \" وَاقْتَصَرَ أَبُو عُمَر فِي الصَّحَابَة عَلَى فَاطِمَة بِنْت الْوَلِيد فَلَمْ يُتَرْجِم لِهِنْدِ بِنْت الْوَلِيد , وَلَا ذَكَرَهَا مُحَمَّد بْن سَعْد فِي الصَّحَابَة. وَوَقَعَ عِنْده فَاطِمَة بِنْت عُتْبَة , فَإِمَّا نَسَبَهَا لِجَدِّهَا وَإِمَّا كَانَتْ لِهِنْدٍ أُخْت اِسْمهَا فَاطِمَة. وَحَكَى أَبُو عُمَر عَنْ غَيْره أَنَّ اِسْم جَدّ فَاطِمَة بِنْت الْوَلِيد الْمُغِيرَة , فَإِنْ ثَبَتَ فَلَيْسَتْ هِيَ بِنْت أَخِي أَبِي حُذَيْفَة , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ بِنْت أَبِي حُذَيْفَة كَانَ لَهَا اِسْمَانِ وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( مَوْلًى لِامْرَأَةِ مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏هِيَ ثُبَيْتَة بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة ثُمَّ مُثَنَّاة مُصَغَّر بِنْت يَعَار بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة ثُمَّ مُهْمَلَة خَفِيفَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة , وَهِيَ نِسْبَة مَجَازِيَّة بِاعْتِبَارِ مُلَازَمَته لَهُ , وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مَوْلَى الْأَنْصَارِيَّة الْمَذْكُورَة , وَالْمُرَاد يَزِيد الَّذِي مَثَّلَ بِهِ زَيْد بْن حَارِثَة الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور , وَسَهْلَة هِيَ بِنْت سُهَيْل بْن عَمْرو زَوْج أَبِي حُذَيْفَة. وَقَوْله : \" فَذَكَرَ الْحَدِيث \" سَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3700",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيَّ فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏حَتَّى قَالَتْ جَارِيَةٌ وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَقُولِي هَكَذَا وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْمَدِينِيّ , وَالرُّبَيِّع بِالتَّشْدِيدِ بِنْت مُعَوِّذ وَهُوَ اِبْن عَفْرَاء الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْره فِي قَتْل أَبِي جَهْل. ‏ ‏قَوْله : ( يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ ) ‏ ‏كَانَ الَّذِي قُتِلَ بِبَدْرٍ مِمَّنْ يَدْخُل فِي هَذِهِ الْعِبَارَة وَلَوْ بِالْمَجَازِ أَبُوهَا وَعَمّهَا عَوْف أَوْ عَوْذ وَمَنْ يَقْرُب لَهُمَا مِنْ الْخَزْرَج كَحَارِثَةَ بْن سُرَاقَة , وَقَوْلهَا : \" يَنْدُبْنَ \" النَّدْب دُعَاء الْمَيِّت بِأَحْسَن أَوْصَافه , وَهُوَ مِمَّا يُهَيِّج التَّشَوُّق إِلَيْهِ وَالْبُكَاء عَلَيْهِ. وَالدُّفّ مَعْرُوف وَدَاله مَضْمُومَة وَيَجُوز فَتْحهَا , وَفِيهِ جَوَاز سَمَاع الضَّرْب بِالدُّفِّ صَبِيحَة الْعُرْس , وَكَرَاهَة نِسْبَة عِلْم الْغَيْب لِأَحَدٍ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3701",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ قَدْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ يُرِيدُ التَّمَاثِيلَ الَّتِي فِيهَا الْأَرْوَاحُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي طَلْحه الْأَنْصَارِيّ فِي الصُّوَر , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي اللِّبَاس , وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ فِيهِ : \" وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "3702",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَنْبَسَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ‏ ‏عَلَيْهِمْ السَّلَام ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ لِي ‏ ‏شَارِفٌ ‏ ‏مِنْ نَصِيبِي مِنْ الْمَغْنَمِ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْطَانِي مِمَّا ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ ‏ ‏الْخُمُسِ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ ‏ ‏أَبْتَنِيَ ‏ ‏بِفَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏بِنْتِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا فِي ‏ ‏بَنِي قَيْنُقَاعَ ‏ ‏أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنَأْتِيَ ‏ ‏بِإِذْخِرٍ ‏ ‏فَأَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنْ الصَّوَّاغِينَ فَنَسْتَعِينَ بِهِ فِي ‏ ‏وَلِيمَةِ ‏ ‏عُرْسِي فَبَيْنَا أَنَا أَجْمَعُ ‏ ‏لِشَارِفَيَّ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَقْتَابِ ‏ ‏وَالْغَرَائِرِ ‏ ‏وَالْحِبَالِ ‏ ‏وَشَارِفَايَ ‏ ‏مُنَاخَانِ ‏ ‏إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏حَتَّى جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ فَإِذَا أَنَا ‏ ‏بِشَارِفَيَّ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏أُجِبَّتْ ‏ ‏أَسْنِمَتُهَا ‏ ‏وَبُقِرَتْ ‏ ‏خَوَاصِرُهُمَا ‏ ‏وَأُخِذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ حِينَ رَأَيْتُ الْمَنْظَرَ قُلْتُ مَنْ فَعَلَ هَذَا قَالُوا فَعَلَهُ ‏ ‏حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فِي شَرْبٍ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏عِنْدَهُ ‏ ‏قَيْنَةٌ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ فَقَالَتْ فِي غِنَائِهَا ‏ ‏أَلَا يَا ‏ ‏حَمْزُ ‏ ‏لِلشُّرُفِ ‏ ‏النِّوَاءِ ‏ ‏فَوَثَبَ ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏إِلَى السَّيْفِ ‏ ‏فَأَجَبَّ ‏ ‏أَسْنِمَتَهُمَا ‏ ‏وَبَقَرَ ‏ ‏خَوَاصِرَهُمَا ‏ ‏وَأَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعِنْدَهُ ‏ ‏زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ‏ ‏وَعَرَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الَّذِي لَقِيتُ فَقَالَ ‏ ‏مَا لَكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ ‏ ‏عَدَا ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏عَلَى نَاقَتَيَّ ‏ ‏فَأَجَبَّ ‏ ‏أَسْنِمَتَهُمَا ‏ ‏وَبَقَرَ ‏ ‏خَوَاصِرَهُمَا ‏ ‏وَهَا هُوَ ذَا فِي بَيْتٍ مَعَهُ شَرْبٌ فَدَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِرِدَائِهِ فَارْتَدَى ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ‏ ‏حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأُذِنَ لَهُ ‏ ‏فَطَفِقَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَلُومُ ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏فِيمَا فَعَلَ فَإِذَا ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏ثَمِلٌ ‏ ‏مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ فَنَظَرَ ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏صَعَّدَ ‏ ‏النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى رُكْبَتِهِ ثُمَّ ‏ ‏صَعَّدَ ‏ ‏النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏وَهَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي فَعَرَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏ثَمِلٌ ‏ ‏فَنَكَصَ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عَقِبَيْهِ ‏ ‏الْقَهْقَرَى ‏ ‏فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ فِي قِصَّة الشَّارِفِينَ وَحَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَّلِب. وَقَدْ مَضَى شَرْحه فِي الْخُمُس , وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ فِيهِ \" مِنْ نَصِيبِي مِنْ الْمَغْنَم يَوْم بَدْر \" وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : \" وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي شَارِفًا مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ الْخُمُس يَوْمئِذٍ \" أَنَّ غَنِيمَة بَدْر خُمِّسَتْ خِلَافًا لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْد فِي \" كِتَاب الْأَمْوَال \" أَنَّ آيَة الْخُمُس إِنَّمَا نَزَلَتْ بَعْد قِسْمَة غَنَائِم بَدْر , وَمَوْضِع الدَّلَالَة مِنْهُ قَوْله : \" يَوْمَئِذٍ \" وَلَكِنْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي كِتَاب الْخُمُس بِلَفْظِ \" وَأَعْطَانِي شَارِفًا مِنْ الْخُمُس \" لَيْسَ فِيهِ \" يَوْمئِذٍ \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَأَعْطَانِي شَارِفًا آخَر \" وَلَمْ يُقَيِّدهُ بِالْيَوْمِ وَلَا بِالْخُمُسِ , وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ آيَة الْخُمُس نَزَلَتْ فِي قِصَّة بَدْر. ‏"
    },
    {
        "id": "3703",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏قَالَ أَنْفَذَهُ لَنَا ‏ ‏ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ ‏ ‏سَمِعَهُ مِنْ ‏ ‏ابْنِ مَعْقِلٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَبَّرَ عَلَى ‏ ‏سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّهُ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبَّاد ) ‏ ‏هُوَ الْمَكِّيّ نَزِيل بَغْدَاد , ثِقَة مَشْهُور , وَلَيْسَ لَهُ عِنْد الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْفَذَهُ لَنَا اِبْن الْأَصْبَهَانِيِّ ) ‏ ‏أَيْ بَلَغَ مُنْتَهَاهُ مِنْ الرِّوَايَة وَتَمَام السِّيَاق فَنَفَذَ فِيهِ , كَقَوْلِك أَنَفَذْت السَّهْم أَيْ رَمَيْت بِهِ فَأَصَبْت , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" أَنْفَذَهُ لَنَا \" أَيْ أَرْسَلَهُ , فَكَأَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْهُ مُكَاتَبَة أَوْ إِجَازَة. وَابْن الْأَصْبِهَانِي هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه الْكُوفِيّ , وَعَبْد اللَّه بْن مَعْقِل بِسُكُونِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْقَاف قَالَ أَبُو مَسْعُود : هَذَا الْحَدِيث مِمَّا كَانَ اِبْن عُيَيْنَةَ سَمِعَهُ مِنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَعْقِل , ثُمَّ أَخَذَهُ عَالِيًا بِدَرَجَتَيْنِ عَنْ اِبْن الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَعْقِل. ‏ ‏قَوْله : ( كَبَّرَ عَلَى سَهْل بْن حُنَيْف ) ‏ ‏أَيْ الْأَنْصَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول لَمْ يَذْكُر عَدَد التَّكْبِير , وَقَدْ أَوْرَدَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد فَقَالَ فِيهِ \" كَبَّرَ خَمْسًا \" , وَأَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي \" مُعْجَم الصَّحَابَة \" عَنْ مُحَمَّد بْن عَبَّاد بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبَرْقَانِيّ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيقه فَقَالَ : \" سِتًّا \" وَكَذَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" التَّارِيخ \" عَنْ مُحَمَّد بْن عَبَّاد , وَكَذَا أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ \" خَمْسًا \" زَادَ فِي رِوَايَة الْحَاكِم \" اِلْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ إِنَّهُ مِنْ أَهْل بَدْر \" وَقَوْل عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ \" لَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا \" يُشِير إِلَى أَنَّ لِمَنْ شَهِدَهَا فَضْلًا عَلَى غَيْرهمْ فِي كُلّ شَيْء حَتَّى فِي تَكْبِيرَات الْجِنَازَة , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدهمْ أَنَّ التَّكْبِير أَرْبَع وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الصَّحَابَة , وَعَنْ بَعْضهمْ التَّكْبِير خَمْس , وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم حَدِيث مَرْفُوع فِي ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز أَنَّ أَنَسًا قَالَ \" إِنَّ التَّكْبِير عَلَى الْجِنَازَة ثَلَاث , وَإِنَّ الْأُولَى لِلِاسْتِفْتَاحِ \" وَرَوَى اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ وَجْه آخَر مَرْفُوعًا \" إِنَّهُ كَانَ يُكَبِّر أَرْبَعًا وَخَمْسًا وَسِتًّا وَسَبْعًا وَثَمَانِيًا , حَتَّى مَاتَ النَّجَاشِيّ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا , وَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ \" وَقَالَ أَبُو عُمَر : اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع عَلَى أَرْبَع , وَلَا نَعْلَم مِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار مَنْ قَالَ بِخَمْسٍ إِلَّا اِبْن أَبِي لَيْلَى , اِنْتَهَى. وَفِي \" الْمَبْسُوط \" لِلْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِي يُونُس مِثْله. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح الْمُهَذَّب \" كَانَ بَيْن الصَّحَابَة خِلَاف ثُمَّ اِنْقَرَضَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ أَرْبَع , لَكِنْ لَوْ كَبَّرَ الْإِمَام خَمْسًا لَمْ تَبْطُل صَلَاته إِنْ كَانَ نَاسِيًا , وَكَذَا إِنْ كَانَ عَامِدًا عَلَى الصَّحِيح , لَكِنْ لَا يُتَابِعهُ الْمَأْمُوم عَلَى الصَّحِيح , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3704",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏حِينَ تَأَيَّمَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏تُوُفِّيَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَلَقِيتُ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ‏ ‏فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي فَلَبِثْتُ ‏ ‏لَيَالِيَ فَقَالَ قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَلَقِيتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ ‏ ‏فَصَمَتَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّي عَلَى ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فَلَبِثْتُ ‏ ‏لَيَالِيَ ثُمَّ ‏ ‏خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ فَلَقِيَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ إِلَّا أَنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ذَكَرَهَا فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَوْ تَرَكَهَا لَقَبِلْتُهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُمَر حِين تَأَيَّمَتْ حَفْصَة , وَتَأَيَّمَتْ بِالتَّحْتَانِيَّةِ , الثَّقِيلَة أَيْ صَارَتْ أَيِّمًا , وَهِيَ مَنْ مَاتَ زَوْجهَا , وَخُنَيْس بِخَاءٍ مُعْجَمَة ثُمَّ نُون مُهْمَلَة مُصَغَّر وَهُوَ أَخُو عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة بْن قَيْس السَّهْمِيّ , وَسَيَأْتِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب النِّكَاح , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله فِيهِ \" قَدْ شَهِدَ بَدْرًا \" ‏ ‏وَقَوْله : \" أَوْجَدَ مِنِّي عَلَيْهِ \" ‏ ‏أَيْ أَشَدّ غَضَبًا وَهُوَ مِنْ الْمُوجِدَة , وَإِنَّمَا قَالَ عُمَر ذَلِكَ لِمَا كَانَ لِأَبِي بَكْر عِنْده وَلَهُ عِنْد أَبِي بَكْر مِنْ مَزِيد الْمَحَبَّة وَالْمَنْزِلَة , فَلِذَلِكَ كَانَ غَضَبه مِنْهُ أَشَدّ مِنْ غَضَبه مِنْ عُثْمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "3705",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا مَسْعُودٍ الْبَدْرِيَّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مَسْعُود \" نَفَقَة الرَّجُل عَلَى أَهْله صَدَقَة \" وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب النِّكَاح , وَالْغَرَض مِنْهُ إِثْبَات كَوْن أَبِي مَسْعُود شَهِدَ بَدْرًا. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَعَدِيّ هُوَ اِبْن ثَابِت. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ أَبَا مَسْعُود الْبَدْرِيّ ) ‏ ‏سَيَأْتِي اِسْمه فِي الَّذِي يَلِيه. وَاخْتُلِفَ فِي شُهُوده بَدْرًا فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدهَا , وَلَمْ يَذْكُرهُ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَمَنْ اِتَّبَعَهُ مِنْ أَصْحَاب الْمَغَازِي فِي الْبَدْرِيِّينَ , وَقَالَ الْوَاقِدِيّ وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ : لَمْ يَشْهَد بَدْرًا , وَإِنَّمَا نَزَلَ بِهَا فَنُسِبَ إِلَيْهَا , وَكَذَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَمْ يَصِحّ شُهُود أَبِي مَسْعُود بَدْرًا , وَإِنَّمَا كَانَتْ مَسْكَنه فَقِيلَ لَهُ الْبَدْرِيّ , فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الِاسْتِدْلَال بِأَنَّهُ شَهِدَهَا بِمَا يَقَع فِي الرِّوَايَات أَنَّهُ بَدْرِيّ لَيْسَ بِقَوِيٍّ , لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم أَنْ يُقَال لِكُلِّ مَنْ شَهْد بَدْرًا الْبَدْرِيّ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُطَّرِدًا , قُلْت : لَمْ يَكْتَفِ الْبُخَارِيّ فِي جَزْمه بِأَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا بِذَلِكَ بَلْ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِيه أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا , فَإِنَّ الظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ كَلَام عُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَهُوَ حُجَّة فِي ذَلِكَ لِكَوْنِهِ أَدْرَكَ أَبَا مَسْعُود , وَإِنْ كَانَ رَوَى عَنْهُ هَذَا الْحَدِيث بِوَاسِطَةٍ , وَيُرَجَّح اِخْتِيَار الْبُخَارِيّ ذَلِكَ بِقَوْلِ نَافِع حِين حَدَّثَهُ أَبُو لُبَابَة الْبَدْرِيّ فَإِنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى شُهُود بَدْر لَا إِلَى نُزُولهَا وَقَدْ اِخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْن سَلَّامٍ أَنَّهُ شَهِدَهَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمه عَنْ عَمّه عَلِيّ بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْهُ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن الْكَلْبِيّ وَمُسْلِم فِي الْكُنَى , وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو أَحْمَد الْحَاكِم يُقَال إِنَّهُ شَهِدَهَا. وَقَالَ الْبَرْقِيّ : لَمْ يَذْكُرهُ اِبْن إِسْحَاق فِي الْبَدْرِيِّينَ , وَفِي غَيْر هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ شَهِدَهَا اِنْتَهَى. وَالْقَاعِدَة أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. وَإِنَّمَا رَجَّحَ مَنْ نَفَى شُهُوده بَدْرًا بِاعْتِقَادِهِ أَنَّ عُمْدَة مَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ وَصْفه بِالْبَدْرِيِّ وَأَنَّ تِلْكَ نِسْبَة إِلَى نُزُول بَدْر لَا إِلَى شُهُودهَا , لَكِنْ يُضَعِّف ذَلِكَ تَصْرِيح مَنْ صَرَّحَ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ شَهِدَهَا كَمَا فِي قَوْله : \" فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُود عُقْبَة بْن عَمْرو الْأَنْصَارِيّ جَدّ زَيْد بْن حَسَن شَهِدَ بَدْرًا \" قَدْ مَضَى شَرْح الْحَدِيث فِي الْمَوَاقِيت مِنْ الصَّلَاة , وَزَيْد بْن الْحَسَن أَيْ اِبْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب لِأَنَّ أُمّه أُمّ بَشِير بِنْت أَبِي مَسْعُود وَكَانَتْ قَبْل الْحَسَن عِنْد سَعِيد بْن زَيْد , ثُمَّ بَعْد الْحَسَن عِنْد عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي رَبِيعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3706",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏فِي إِمَارَتِهِ أَخَّرَ ‏ ‏الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ‏ ‏الْعَصْرَ وَهُوَ أَمِيرُ ‏ ‏الْكُوفَةِ ‏ ‏فَدَخَلَ عَلَيْهِ ‏ ‏أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏الْأَنْصَارِيُّ جَدُّ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ حَسَنٍ ‏ ‏شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏فَقَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ‏ ‏نَزَلَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَمْسَ صَلَوَاتٍ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا أُمِرْتُ ‏ ‏كَذَلِكَ كَانَ ‏ ‏بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏",
        "sharh": "\" 5950 \" مَضَى شَرْح الْحَدِيث فِي الْمَوَاقِيت مِنْ الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "3707",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَلَقِيتُ ‏ ‏أَبَا مَسْعُودٍ ‏ ‏وَهُوَ يَطُوفُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ ‏ ‏فَحَدَّثَنِيهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مَسْعُود فِي فَضْل آخِر الْبَقَرَة , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي فَضَائِل الْقُرْآن , وَشَيْخه مُوسَى هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيُّ , وَفِي إِسْنَاده أَرْبَعَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق كُلّهمْ كُوفِيُّونَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3708",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِمَّنْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ هُوَ ابْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَنْبَسَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏ثُمَّ سَأَلْتُ ‏ ‏الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَهُوَ أَحَدُ ‏ ‏بَنِي سَالِمٍ ‏ ‏وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ ‏ ‏عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏فَصَدَّقَهُ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ فِي الْحَدِيث طَرَفًا مِنْ حَدِيث عِتْبَان بْن مَالِك فِي صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْته , وَشَيْخه أَحْمَد هُوَ اِبْن صَالِح الْمِصْرِيّ , وَعَنْبَسَة هُوَ اِبْن خَالِد , وَيُونُس هُوَ اِبْن يَزِيد , وَلَمْ يُورِد الْبُخَارِيّ مَوْضِع الْحَاجَة مِنْ الْحَدِيث وَهِيَ قَوْله فِي أَوَّله : \" إِنَّ عِتْبَان بْن مَالِك وَهُوَ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْأَنْصَار \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد مِنْ كِتَاب الصَّلَاة , وَكَأَنَّهُ اِكْتَفَى بِالْإِيمَاءِ إِلَيْهِ كَعَادَتِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3709",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ ‏ ‏بَنِي عَدِيٍّ ‏ ‏وَكَانَ أَبُوهُ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏اسْتَعْمَلَ ‏ ‏قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏وَكَانَ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏وَهُوَ خَالُ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏وَحَفْصَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ مِنْ أَكْبَر بَنِي عَدِيّ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن كَعْب بْن لُؤَيّ , وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ , وَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ أَكْبَر مِنْهُمْ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَقِيَهُ الزُّهْرِيُّ مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ أَبُوهُ شَهِدَ بَدْرًا ) ‏ ‏هُوَ عَامِر بْن رَبِيعَة الْمُزَنِيُّ , تَقَدَّمَ ذِكْره فِي أَوَائِل الْهِجْرَة وَأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ سَبَقَ بِالْهِجْرَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عُمَر اِسْتَعْمَلَ قُدَامَةَ بْن مَظْعُون ) ‏ ‏أَيْ اِبْن حَبِيب بْن وَهْب بْن حُذَافَة بْن جُمَح الْجُمَحِيَّ , وَهُوَ أَخُو عُثْمَان بْن مَظْعُون أَحَد السَّابِقِينَ , وَلَمْ يَذْكُر الْبُخَارِيّ الْقِصَّة لِكَوْنِهَا مَوْقُوفَة لَيْسَتْ عَلَى شَرْطه , لِأَنَّ غَرَضه ذِكْر مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَقَطْ , وَقَدْ أَوْرَدَهَا عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفه عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ فَزَادَ \" فَقَدِمَ الْجَارُود الْعَقَدِيّ عَلَى عُمَر فَقَالَ : إِنَّ قُدَامَةَ سَكِرَ , فَقَالَ : مَنْ يَشْهَد مَعَك ؟ فَقَالَ : أَبُو هُرَيْرَة , فَشَهِدَ أَبُو هُرَيْرَة أَنَّهُ رَآهُ سَكْرَان يَقِيء , فَأَرْسَلَ إِلَى قُدَامَةَ , فَقَالَ لَهُ الْجَارُودِيّ : أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدّ. فَقَالَ لَهُ عُمَر : أَخَصْم أَنْتَ أَمْ شَاهِد ؟ فَصَمَتَ , ثُمَّ عَاوَدَهُ فَقَالَ : لَتُمْسِكَنَّ أَوْ لَأَسُوأَنَّكَ. فَقَالَ لَيْسَ فِي الْحَقّ أَنْ يَشْرَب اِبْن عَمّك وَتَسُوءنِي. فَأَرْسَلَ عُمَر إِلَى زَوْجَته هِنْد بِنْت الْوَلِيد فَشَهِدَتْ عَلَى زَوْجهَا , فَقَالَ عُمَر لِقُدَامَةَ : إِنِّي أُرِيدَ أَنْ أَحُدّك , فَقَالَ : لَيْسَ لَك ذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا ) الْآيَة. فَقَالَ : أَخْطَأْت التَّأْوِيل , فَإِنَّ بَقِيَّة الْآيَة ( إِذَا مَا اِتَّقُوا ) فَإِنَّك إِذَا اِتَّقَيْت اِجْتَنَبْت مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْك , ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ , فَغَاضَبَهُ قُدَامَةُ , ثُمَّ حَجَّا جَمِيعًا , فَاسْتَيْقَظَ عُمَر مِنْ نَوْمه فَزِعًا فَقَالَ : عَجِّلُوا بِقُدَامَةَ , أَتَانِي آتٍ فَقَالَ : صَالِحْ قُدَامَةَ فَإِنَّهُ أَخُوك , فَاصْطَلَحَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "3710",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ قَالَ أَخْبَرَ ‏ ‏رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَمَّيْهِ ‏ ‏وَكَانَا شَهِدَا ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ قُلْتُ ‏ ‏لِسَالِمٍ ‏ ‏فَتُكْرِيهَا أَنْتَ قَالَ نَعَمْ إِنَّ ‏ ‏رَافِعًا ‏ ‏أَكْثَرَ عَلَى نَفْسِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَ رَافِعُ بْنُ خَدِيج ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّة ( عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَر ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" أَخْبَرَنِي رَافِع \" بِزِيَادَةِ النُّون وَالْيَاء وَهُوَ خَطَأ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عَمَّيْهِ ) ‏ ‏هُمَا ظُهَيْر وَمُظْهِر وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَة مَعَ شَرْح الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَا شَهِدَا بَدْرًا ) ‏ ‏أَنْكَرَ ذَلِكَ الدِّمْيَاطِيّ وَقَالَ : إِنَّمَا شَهِدَا أُحُدًا وَاعْتَمَدَ عَلَى اِبْن سَعْد فِي ذَلِكَ , وَمَنْ أَثْبَتَ شُهُودهمَا أَثْبَتَ مِمَّنْ نَفَاهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3711",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ ‏ ‏رِفَاعَةَ بْنَ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏وَكَانَ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْت رِفَاعَة بْن رَافِع الْأَنْصَارِيّ وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر رِفَاعَة وَنَسَبَهُ فِي بَاب شُهُود الْمَلَائِكَة بَدْرًا , وَبَقِيَّة هَذَا الْحَدِيث أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُعَاذ بْن مُعَاذ عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" سَمِعَ رَجُلًا مِنْ أَهْل بَدْر يُقَال لَهُ رِفَاعَة بْن رَافِع كَبَّرَ فِي صَلَاته حِين دَخَلَهَا \" وَمِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي عَدِيّ عَنْ شُعْبَة وَلَفْظه \" عَنْ رِفَاعَة رَجُل مِنْ أَهْل بَدْر أَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّلَاة فَقَالَ اللَّه أَكْبَر كَبِيرًا \" وَلَمْ يَذْكُر الْبُخَارِيّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَوْقُوف لَيْسَ مِنْ غَرَضه. ‏"
    },
    {
        "id": "3712",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏وَيُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ ‏ ‏وَهُوَ حَلِيفٌ ‏ ‏لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ‏ ‏وَكَانَ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ صَالَحَ أَهْلَ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ ‏ ‏فَقَدِمَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏ ‏بِمَالٍ مِنْ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏فَسَمِعَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏بِقُدُومِ ‏ ‏أَبِي عُبَيْدَةَ ‏ ‏فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا انْصَرَفَ تَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ رَآهُمْ ثُمَّ قَالَ أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ ‏ ‏أَبَا عُبَيْدَةَ ‏ ‏قَدِمَ بِشَيْءٍ قَالُوا أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَاللَّهِ ‏ ‏مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عَمْرو بْن عَوْف ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ حَلِيف بَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ , تَقَدَّمَ حَدِيثه مَشْرُوحًا فِي كِتَاب الْجِزْيَة , وَفِي الْإِسْنَاد صَحَابِيَّانِ وَتَابِعِيَّانِ , وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاق بِزِيَادَةِ تَابِعِيّ ثَالِث. ‏"
    },
    {
        "id": "3713",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ يَقْتُلُ الْحَيَّاتِ كُلَّهَا حَتَّى حَدَّثَهُ ‏ ‏أَبُو لُبَابَةَ الْبَدْرِيُّ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ قَتْلِ جِنَّانِ الْبُيُوتِ فَأَمْسَكَ عَنْهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي لُبَابَة وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي اللِّبَاس , وَأَبُو لُبَابَة مِمَّنْ ضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ وَأَجْره وَلَمْ يَحْضُر الْقِتَال. ‏"
    },
    {
        "id": "3714",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رِجَالًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا ائْذَنْ لَنَا فَلْنَتْرُكْ لِابْنِ أُخْتِنَا ‏ ‏عَبَّاسٍ ‏ ‏فِدَاءَهُ قَالَ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا تَذَرُونَ مِنْهُ دِرْهَمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏أَيْ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا , لِأَنَّ الْعَبَّاس كَانَ أُسِرَ بِبَدْرٍ كَمَا سَيَأْتِي , وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ أَخْرَجُوهُ مَعَهُمْ إِلَى بَدْر , فَأَخْرَجَ اِبْن إِسْحَاق مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْم بَدْر : قَدْ عَرَفْت أَنَّ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِم قَدْ أُخْرِجُوا كُرْهًا , فَمَنْ لَقِيَ أَحَدًا مِنْهُمْ فَلَا يَقْتُلهُ \" وَرَوَى أَحْمَد مِنْ حَدِيث الْبَرَاء قَالَ : \" جَاءَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار بِالْعَبَّاسِ قَدْ أَسَرَهُ , فَقَالَ الْعَبَّاس : لَيْسَ هَذَا أَسَرَنِي بَلْ أَسَرَنِي رَجُل أَنْزَع. فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِيِّ : أَيَّدَك اللَّه بِمَلَكٍ كَرِيم \" وَاسْم هَذَا الْأَنْصَارِيّ أَبُو الْيَسَر بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَالْمُهْمَلَة , وَهُوَ كَعْب بْن عَمْرو الْأَنْصَارِيّ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي الْيَسَر أَنَّهُ أَسَرَ الْعَبَّاس. وَمِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" قُلْت لِأَبِي كَيْفَ أَسَرَكَ أَبُو الْيَسَر ؟ وَلَوْ شِئْت لَجَعَلْته فِي كَفّك. قَالَ : لَا تَقُلْ ذَلِكَ يَا بُنَيّ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلْنَتْرُكْ ) ‏ ‏بِصِيغَةِ الْأَمْر وَاللَّام لِلْمُبَالَغَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( لِابْنِ أُخْتنَا عَبَّاس ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَأُمّ الْعَبَّاس لَيْسَتْ مِنْ الْأَنْصَار بَلْ جَدَّته أُمّ عَبْد الْمُطَّلِب هِيَ الْأَنْصَارِيَّة , فَأَطْلَقُوا عَلَى جَدَّة الْعَبَّاس أُخْتًا لِكَوْنِهَا مِنْهُمْ , وَعَلَى الْعَبَّاس اِبْنهَا لِكَوْنِهَا جَدَّته , وَهِيَ سَلْمَى بِنْت عَمْرو بْن زَيْد بْن لَبِيدٍ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْن النَّجَّار ثُمَّ مِنْ بَنِي الْخَزْرَج. وَأَمَّا أُمّ الْعَبَّاس فَهِيَ نُتَيْلَة بِنُونٍ وَمُثَنَّاة مِنْ فَوْق ثُمَّ لَامَ مُصَغَّر بِنْت جَنَاب - بِجِيمٍ وَنُون خَفِيفَة بَعْد الْأَلِف مُوَحَّدَة - مِنْ وَلَد تَيْم اللَّاتِي بْن النَّمِر بْن قَاسِط , وَوَهَمَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : أُمّ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب كَانَتْ مِنْ الْأَنْصَار , وَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْ ظَاهِر قَوْل الْأَنْصَار \" اِبْن أُخْتنَا \" وَلَيْسَ كَمَا فَهِمَهُ , بَلْ فِيهِ تَجَوُّز كَمَا بَيَّنْته. وَرَوَى اِبْن عَائِذ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق مُرْسَل أَنَّ عُمَر لَمَّا وَلِيَ وَثَاق الْأَسْرَى شَدَّ وَثَاق الْعَبَّاس , فَسَمِعَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَئِنّ فَلَمْ يَأْخُذهُ النَّوْم , فَبَلَغَ الْأَنْصَار فَأَطْلَقُوا الْعَبَّاس , فَكَأَنَّ الْأَنْصَار لَمَّا فَهِمُوا رِضَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَكِّ وَثَاقه سَأَلُوهُ أَنْ يَتْرُكُوا لَهُ الْفِدَاء طَلَبًا لِتَمَامِ رِضَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ اِبْن إِسْحَاق مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا عَبَّاس اِفْدِ نَفْسك وَابْن أَخَوَيْك عَقِيل بْن أَبِي طَالِب وَنَوْفَل بْن الْحَارِث وَحَلِيفك عُتْبَة بْن عَمْرو فَإِنَّك ذُو مَال , قَالَ : إِنِّي كُنْت مُسْلِمًا , وَلَكِنَّ الْقَوْم اِسْتَكْرَهُونِي , قَالَ : اللَّه أَعْلَم بِمَا تَقُول إِنْ كُنْت مَا تَقُول حَقًّا إِنَّ اللَّه يَجْزِيك , وَلَكِنْ ظَاهِر أَمْرك أَنَّك كُنْت عَلَيْنَا \" وَذَكَرَ مُوسَى بْن عُقْبَة أَنَّ فِدَاءَهُمْ كَانَ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة ذَهَبًا , وَعِنْد أَبِي نُعَيْم فِي \" الْأَوَائِل \" بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَانَ فِدَاء كُلّ وَاحِد أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة , فَجَعَلَ عَلَى الْعَبَّاس مِائَة أُوقِيَّة , وَعَلَى عَقِيل ثَمَانِينَ , فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس : أَلِلْقَرَابَةِ صَنَعْت هَذَا ؟ قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : ( يَا أَيّهَا النَّبِيّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَم اللَّه فِي قُلُوبكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ ) الْآيَة , فَقَالَ الْعَبَّاس : وَدِدْت لَوْ كُنْت أَخَذْت مِنِّي أَضْعَافهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ). ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَذَرُونَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الذَّال الْمُعْجَمَة أَيْ لَا تَتْرُكُونَ مِنْ الْفِدَاء شَيْئًا , وَزَادَ الْكُشْمِيهَنِيّ فِي رِوَايَته \" لَا تَذَرُونَ لَهُ \" أَيْ لِلْعَبَّاسِ. قِيلَ : وَالْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُون فِي ذَلِكَ مُحَابَاة لَهُ لِكَوْنِهِ عَمّه لَا لِكَوْنِهِ قَرِيبهمْ مِنْ النِّسَاء فَقَطْ , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْقَرِيب لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَظَاهَر بِمَا يُؤْذِي قَرِيبه وَإِنْ كَانَ فِي الْبَاطِن يَكْرَه مَا يُؤْذِيه , فَفِي تَرْك قَبُول مَا يَتَبَرَّع لَهُ الْأَنْصَار بِهِ مِنْ الْفِدَاء تَأْدِيب لِمَنْ يَقَع لَهُ مِثْل ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3715",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ ثُمَّ الْجُنْدَعِيُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ ‏ ‏وَكَانَ حَلِيفًا ‏ ‏لِبَنِي زُهْرَةَ ‏ ‏وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ فَاقْتَتَلْنَا فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ أَسْلَمْتُ لِلَّهِ أَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَقْتُلْهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد , وَفِي إِسْنَاده ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق وَهُمْ مَدَنِيُّونَ , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الدِّيَات مَعَ مَا يَرْفَع الْإِشْكَال فِي قَوْله : \" فَإِنَّك بِمَنْزِلَتِهِ \" وَالْغَرَض مِنْ إِيرَاده هُنَا قَوْله : \" وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ فَارِسًا يَوْمَئِذٍ , وَإِسْحَاق فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة شَيْخه هُوَ اِبْن مَنْصُور. ‏"
    },
    {
        "id": "3716",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏مَنْ يَنْظُرُ مَا صَنَعَ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏فَانْطَلَقَ ‏ ‏ابْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ‏ ‏ابْنَا عَفْرَاءَ ‏ ‏حَتَّى بَرَدَ فَقَالَ ‏ ‏آنْتَ ‏ ‏أَبَا جَهْلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏هَكَذَا قَالَهَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنْتَ ‏ ‏أَبَا جَهْلٍ ‏ ‏قَالَ وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏أَوْ قَالَ قَتَلَهُ قَوْمُهُ قَالَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو مِجْلَزٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏فَلَوْ غَيْرُ ‏ ‏أَكَّارٍ ‏ ‏قَتَلَنِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة قَتْل أَبِي جَهْل. تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل هَذِهِ الْغَزْوَة , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا بَيَان كَوْن اِبْنَيْ عَفْرَاء شَهِدَا بَدْرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3717",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَلَقِينَا مِنْهُمْ رَجُلَانِ صَالِحَانِ شَهِدَا ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏فَحَدَّثْتُ بِهِ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَقَالَ هُمَا ‏ ‏عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ ‏ ‏وَمَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيث السَّقِيفَة وَالْغَرَض مِنْهُ ذِكْر عُوَيْم بْن سَاعِدَة وَمَعْن بْن عَدِيّ فِي أَهْل بَدْر فَأَمَّا عُوَيْم فَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّر اِبْن سَاعِدَة بْن عَيَّاش بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُعْجَمَة اِبْن قَيْس بْن النُّعْمَان وَهُوَ أَوْسِيّ مِنْ بَنِي عَمْرو بْن عَوْف. وَأَمَّا مَعْن فَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة أَيْ اِبْن عَدِيّ بْن الْجَدّ بْن عَجْلَان أَخُو عَاصِم بْن عَدِيّ , وَهُوَ بَكْرِيّ مِنْ حُلَفَاء بَنِي عَمْرو بْن عَوْف. وَمُوسَى شَيْخه هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل , وَعَبْد الْوَاحِد هُوَ اِبْن زِيَاد , وَعُبَيْد اللَّه أَيْ اِبْن عُتْبَة بْن مَسْعُود , وَقَدْ مَضَى شَرْح حَدِيث السَّقِيفَة فِي الْمَنَاقِب. ‏"
    },
    {
        "id": "3718",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏كَانَ عَطَاءُ ‏ ‏الْبَدْرِيِّينَ ‏ ‏خَمْسَةَ آلَافٍ خَمْسَةَ آلَافٍ وَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لَأُفَضِّلَنَّهُمْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ عَطَاء الْبَدْرِيِّينَ خَمْسَة آلَاف ) ‏ ‏أَيْ الْمَال الَّذِي يُعْطَاهُ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ فِي كُلّ سَنَة مِنْ عَهْد عُمَر فَمَنْ بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عُمَر لَأُفَضِّلَنهُمْ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى غَيْرهمْ فِي زِيَادَة الْعَطَاء , وَفِي حَدِيث مَالِك بْن أَوْس عَنْ عُمَر \" أَنَّهُ أَعْطَى الْمُهَاجِرِينَ خَمْسَة آلَاف خَمْسَة آلَاف , وَالْأَنْصَار أَرْبَعَة آلَاف أَرْبَعَة آلَاف , وَفَضَّلَ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَى كُلّ وَاحِدَة اِثْنَيْ عَشَر أَلْفًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "3719",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا وَقَرَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث جُبَيْر بْن مُطْعِم فِي الْقِرَاءَة فِي الْمُغْرِب بِالطُّورِ , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الصَّلَاة , وَقَدْ عَزَا الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" طَرِيق إِسْحَاق بْن مَنْصُور هَذِهِ إِلَى التَّفْسِير فَوَهَمَ , وَهِيَ فِي الْمَغَازِي كَمَا تَرَى , وَوَجْه إِيرَاده هُنَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد أَنَّهُ كَانَ قَدِمَ فِي أُسَارَى بَدْر , أَيْ فِي طَلَب فِدَائِهِمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3720",
        "content": "‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فِي أُسَارَى ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏لَوْ كَانَ ‏ ‏الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ ‏ ‏حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ الْأُولَى ‏ ‏يَعْنِي مَقْتَلَ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏أَحَدًا ثُمَّ وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ الثَّانِيَةُ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏الْحَرَّةَ ‏ ‏فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏أَحَدًا ثُمَّ وَقَعَتْ الثَّالِثَةُ فَلَمْ تَرْتَفِعْ وَلِلنَّاسِ طَبَاخٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جُبَيْر بْن مُطْعِم أَيْضًا , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْله , وَالْمُطْعِم هُوَ وَالِد جُبَيْر الْمَذْكُور , وَالْمُرَاد بِالنَّتْنَى - جَمْع نَتِن وَهُوَ بِالنُّونِ وَالْمُثَنَّاة - أَسَارَى بَدْر مِنْ الْمُشْرِكِينَ , وَقَوْله \" لَيَتْرُكُنَّهُمْ لَهُ \" أَيْ بِغَيْرِ فِدَاء , وَبَيَّنَ اِبْن شَاهِينَ مِنْ وَجْه آخَر السَّبَب فِي ذَلِكَ وَأَنَّ الْمُرَاد بِالْيَدِ الْمَذْكُورَة مَا وَقَعَ مِنْهُ حِين رَجَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الطَّائِف وَدَخَلَ فِي جِوَار الْمُطْعِم بْن عَدِيّ , وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق الْقِصَّة فِي ذَلِكَ مَبْسُوطَة , وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهَا الْفَاكِهِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَن مُرْسَل وَفِيهِ \" أَنَّ الْمُطْعِم أَمَرَ أَرْبَعَة مِنْ أَوْلَاده فَلَبِسُوا السِّلَاح , وَقَامَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ عِنْد رُكْن مِنْ الْكَعْبَة. فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَقَالُوا لَهُ : أَنْتَ الرَّجُل الَّذِي لَا تُخْفَر ذِمَّتك \" وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْيَدِ الْمَذْكُورَة أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَشَدّ مَنْ قَامَ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَة الَّتِي كَتَبَتْهَا قُرَيْش عَلَى بَنِي هَاشِم وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حِين حَصَرُوهُمْ فِي الشِّعْب , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَائِل السِّيرَة , وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن صَالِح التَّمَّار عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّد بْن جُبَيْر عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ الْمُطْعِم بْن عَدِيّ لِقُرَيْشٍ : إِنَّكُمْ قَدْ فَعَلْتُمْ بِمُحَمَّدٍ مَا فَعَلْتُمْ , فَكُونُوا أَكَفّ النَّاس عَنْهُ \" وَذَلِكَ بَعْد الْهِجْرَة ثُمَّ مَاتَ الْمُطْعِم بْن عَدِيّ قَبْل وَقْعَة بَدْر وَلَهُ بِضْع وَتِسْعُونَ سَنَة , وَذَكَرَ الْفَاكِهِيّ بِإِسْنَادٍ مُرْسَل أَنَّ حَسَّان بْن ثَابِت رَثَاهُ لَمَّا مَاتَ مُجَازَاة لَهُ عَلَى مَا صَنَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ عَلِيّ قَالَ جَاءَ جِبْرِيل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر فَقَالَ : خَيِّرْ أَصْحَابك فِي الْأَسْرَى : إِنْ شَاءُوا الْفِدَاء عَلَى أَنْ يُقْتَل مِنْهُمْ عَامًا مُقْبِلًا مِثْلهمْ , قَالُوا : الْفِدَاء وَيُقْتَل مِنَّا \". وَأَخْرَجَ مُسْلِم هَذِهِ الْقِصَّة مُطَوَّلَة مِنْ حَدِيث عُمَر ذَكَرَ فِيهَا السَّبَب \" هُوَ أَنَّهُ قَالَ مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأَسْرَى ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْر : أَرَى أَنْ نَأْخُذ مِنْهُمْ فِدْيَة تَكُون قُوَّة لَنَا , وَعَسَى اللَّه أَنْ يَهْدِيَهُمْ. فَقَالَ عُمَر : أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا مِنْهُمْ فَنَضْرِب أَعْنَاقهمْ , فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّة الْكُفْر. فَهَوَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ أَبُو بَكْر \" الْحَدِيث , وَفِيهِ نُزُول قَوْله تَعَالَى ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُون لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِن فِي الْأَرْض ) وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْل خِلَاف الْأَئِمَّة فِي جَوَاز فِدَاء أَسْرَى الْكُفَّار بِالْمَالِ فِي بَاب ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) مِنْ كِتَاب الْجِهَاد , وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي أَيْ الرَّأْيَيْنِ كَانَ أَصْوَب ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ كَانَ رَأْي أَبِي بَكْر لِأَنَّهُ وَافَقَ مَا قَدَّرَ اللَّه فِي نَفْس الْأَمْر وَلِمَا اِسْتَقَرَّ الْأَمْر عَلَيْهِ , وَلِدُخُولِ كَثِير مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَام إِمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِذُرِّيَّتِهِ الَّتِي وُلِدَتْ لَهُ بَعْد الْوَقْعَة , وَلِأَنَّهُ وَافَقَ غَلَبَة الرَّحْمَة عَلَى الْغَضَب كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ اللَّه فِي حَقّ مَنْ كَتَبَ لَهُ الرَّحْمَة , وَأَمَّا الْعِتَاب عَلَى الْأَخْذ فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى ذَمّ مَنْ آثَرَ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَة وَلَوْ قَلَّ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏الْحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرُونَ : ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏لَمْ يَقَع لِي هَذَا الْأَثَر مِنْ طَرِيق اللَّيْث , وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن حَنْبَل \" عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّانِ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ \" نَحْوه. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَعَتْ الْفِتْنَة الْأُولَى ) ‏ ‏يَعْنِي مَقْتَل عُثْمَان فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَاب بَدْرٍ أَحَدًا , أَيْ أَنَّهُمْ مَاتُوا مُنْذُ قَامَتْ الْفِتْنَة بِمَقْتَلِ عُثْمَان إِلَى أَنْ قَامَتْ الْفِتْنَة الْأُخْرَى بِوَقْعَةِ الْحَرَّة , وَكَانَ آخِر مَنْ مَاتَ مِنْ الْبَدْرِيِّينَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ , وَمَاتَ قَبْل وَقْعَة الْحَرَّة بِبِضْعِ سِنِينَ , وَغَفَلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْله فِي الْخَبَر \" يَعْنِي مَقْتَل عُثْمَان \" غَلَط مُسْتَنِدًا إِلَى أَنَّ عَلِيًّا وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَغَيْرهمْ مِنْ الْبَدْرِيِّينَ عَاشُوا بَعْد عُثْمَان زَمَانًا , لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُمْ قُتِلُوا عِنْد مَقْتَل عُثْمَان , وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ هَذَا الْأَثَر مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بِلَفْظِ \" وَقَعَتْ فِتْنَة الدَّار \" الْحَدِيث , وَفِتْنَة الدَّار هِيَ مَقْتَل عُثْمَان , وَزَعَمَ الدَّاوُدِيّ أَنَّ الْمُرَاد بِالْفِتْنَةِ الْأُولَى مَقْتَل الْحُسَيْن بْن عَلِيّ , وَهُوَ خَطَأ فَإِنَّ فِي زَمَن مَقْتَل الْحُسَيْن بْن عَلِيّ لَمْ يَكُنْ أَحَد مِنْ الْبَدْرِيِّينَ مَوْجُودًا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ وَقَعَتْ الْفِتْنَة الثَّانِيَة يَعْنِي الْحَرَّة إِلَخْ ) ‏ ‏كَانَتْ الْحَرَّة فِي آخِر زَمَن يَزِيد بْن مُعَاوِيَة , وَسَيَأْتِي شَيْء مِنْ خَبَرهَا فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ وَقَعَتْ الثَّالِثَة ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ \" وَلَوْ قَدْ وَقَعَتْ الثَّالِثَة \" وَرَجَّحَهَا الدِّمْيَاطِيّ بِنَاء عَلَى أَنَّ يَحْيَى بْن سَعِيد قَالَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ تَقَع الثَّالِثَة , وَلَمْ يُفَسِّر الثَّالِثَة كَمَا فَسَّرَ غَيْرهَا , وَزَعَمَ الدَّاوُدِيّ أَنَّ الْمُرَاد بِهَا فِتْنَة الْأَزَارِقَة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ الَّذِي يَظْهَر أَنَّ يَحْيَى بْن سَعِيد أَرَادَ الْفِتَن الَّتِي وَقَعَتْ بِالْمَدِينَةِ دُون غَيْرهَا , وَقَدْ وَقَعَتْ فِتْنَة الْأَزَارِقَة عَقِب مَوْت يَزِيد بْن مُعَاوِيَة وَاسْتَمَرَّتْ أَكْثَر مِنْ عِشْرِينَ سَنَة. وَذَكَرَ اِبْن التِّين أَنَّ مَالِكًا رَوَى عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ قَالَ \" لَمْ تُتْرَك الصَّلَاة فِي مَسْجِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا يَوْم قُتِلَ عُثْمَان وَيَوْم الْحَرَّة \" قَالَ مَالِك \" وَنَسِيت الثَّالِثَة \" قَالَ اِبْن عَبْد الْحَكَم : هُوَ يَوْم خُرُوج أَبِي حَمْزَة الْخَارِجِيّ , قُلْت : كَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَة مَرْوَان بْن مُحَمَّد بْن مَرْوَان بْن الْحَكَم سَنَة ثَلَاثِينَ وَمِائَة , وَكَانَ ذَلِكَ قَبْل مَوْت يَحْيَى بْن سَعِيد بِمُدَّةٍ. ثُمَّ وَجَدْت مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِب مَالِك بِإِسْنَادٍ صَحِيح إِلَيْهِ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد نَحْو هَذَا الْأَثَر وَقَالَ فِي آخِره \" وَإِنْ وَقَعَتْ الثَّالِثَة لَمْ تَرْتَفِع وَبِالنَّاسِ طَبَاخٌ \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ بِلَفْظِ \" وَلَوْ وَقَعَتْ \" وَهَذَا بِخِلَافِ الْجَزْم بِالثَّالِثَةِ فِي حَدِيث الْبَاب , وَيُمْكِن بِأَنْ يَكُون يَحْيَى بْن سَعِيد قَالَ هَذَا أَوَّلًا ثُمَّ وَقَعَتْ الْفِتْنَة الثَّالِثَة الْمَذْكُورَة وَهُوَ حَيّ فَقَالَ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ اللَّيْث بْن سَعْد , وَقَوْله \" طَبَاخٌ \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة الْخَفِيفَة وَآخِره مُعْجَمَة أَيْ قُوَّة , قَالَ الْخَلِيل : أَصْل الطَّبَاخ السَّمْن وَالْقُوَّة , وَيُسْتَعْمَل فِي الْعَقْل وَالْخَيْر , قَالَ حَسَّان : ‏ ‏الْمَال يَغْشَى رِجَالًا لَا طَبَاخ لَهُمْ ‏ ‏كَالسَّيْلِ يَغْشَى أُصُول الدِّنْدِن الْبَالِي ‏ ‏اِنْتَهَى. وَالدِّنْدِن بِكَسْرِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون النُّون الْأُولَى مَا اِسْوَدَّ مِنْ النَّبَات. ‏"
    },
    {
        "id": "3721",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ ‏ ‏وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ الْحَدِيثِ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏فَأَقْبَلْتُ أَنَا ‏ ‏وَأُمُّ مِسْطَحٍ ‏ ‏فَعَثَرَتْ ‏ ‏أُمُّ مِسْطَحٍ ‏ ‏فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ ‏ ‏تَعِسَ ‏ ‏مِسْطَحٌ ‏ ‏فَقُلْتُ بِئْسَ مَا قُلْتِ تَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏فَذَكَرَ حَدِيثَ الْإِفْكِ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيث الْإِفْك الْمَذْكُور فِي هَذَا السَّنَد , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي التَّفْسِير مُسْتَوْفًى , وَالْغَرَض مِنْهُ شَهَادَة عَائِشَة لِمَسْطَحٍ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْل بَدْر , وَهُوَ مِسْطَح بْن أُثَاثَة بِضَمِّ الْهَمْزَة وَتَخْفِيف الْمُثَلَّثَة اِبْن عَبَّاد بْن الْمُطَّلِب وَلَيْسَ لِعَبْدِ اللَّه بْن عُمَر النُّمَيْرِيّ عِنْد الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "3722",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَذِهِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يُلْقِيهِمْ ‏ ‏هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُنَادِي نَاسًا أَمْوَاتًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا قُلْتُ مِنْهُمْ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏مِمَّنْ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِهِ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏يَقُولُ قَالَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏قُسِمَتْ سُهْمَانُهُمْ فَكَانُوا مِائَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ : هَذِهِ مَغَازِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَ الْحَدِيث ) ‏ ‏أَيْ مَا حَمَلَهُ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ يُلَقِّيهِمْ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْقَاف الْمَكْسُورَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ بِسُكُونِ اللَّام وَتَخْفِيف الْقَاف مِنْ الْإِلْقَاء وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِعَيْنٍ مُهْمَلَة وَنُون مِنْ اللَّعْن , وَكَذَا هُوَ فِي \" مَغَازِي مُوسَى بْن عُقْبَة \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مُوسَى بْن عُقْبَة ) ‏ ‏هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ نَاس مِنْ أَصْحَابه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه وَأَنَّ مِمَّنْ خَاطَبَهُ بِذَلِكَ عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَمِيع مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ قُرَيْش ) ‏ ‏هُوَ بَقِيَّة كَلَام مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب , وَقَوْله ‏ ‏( مِمَّنْ ضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ أَحَد وَثَمَانُونَ ) ‏ ‏يُرِيد بِقَوْلِهِ \" ضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ \" أَيْ أَعْطَاهُ نَصِيبًا مِنْ الْغَنِيمَة وَإِنْ لَمْ يَشْهَدهَا لِعُذْرٍ لَهُ فَصَيَّرَهُ كَمَنْ شَهِدَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر يَقُول ) ‏ ‏هُوَ بَقِيَّة كَلَام مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب , وَقَدْ اِسْتَظْهَرَ لَهُ الْمُصَنِّف بِالْحَدِيثِ الَّذِي بَعْده , لَكِنَّ الْعَدَد الَّذِي ذَكَرَهُ يُغَايِر حَدِيث الْبَرَاء الْمَاضِي فِي أَوَائِل هَذِهِ الْقِصَّة وَهِيَ قَوْله \" أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا زِيَادَة عَلَى سِتِّينَ \" فَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ حَدِيث الْبَرَاء أَوْرَدَهُ فِيمَنْ شَهِدَهَا حِسًّا , وَحَدِيث الْبَاب فِيمَنْ شَهِدَهَا حِسًّا وَحُكْمًا. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْعَدَدِ الْأَوَّل الْأَحْرَار وَالثَّانِي بِانْضِمَامِ مَوَالِيهمْ وَأَتْبَاعهمْ , وَقَدْ سَرَدَ اِبْن إِسْحَاق أَسْمَاء مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَذَكَرَ مَعَهُمْ حُلَفَاءَهُمْ وَمَوَالِيهمْ فَبَلَغُوا ثَلَاثَة وَثَمَانِينَ رَجُلًا , وَزَادَ عَلَيْهِ اِبْن هِشَام فِي \" تَهْذِيب السِّيرَة \" ثَلَاثَة. وَأَمَّا الْوَاقِدِيُّ فَسَرَدهمْ خَمْسَة وَثَمَانِينَ رَجُلًا. وَرَوَى أَحْمَد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ بِبَدْرٍ كَانُوا سَبْعَة وَسَبْعِينَ رَجُلًا \" فَلَعَلَّهُ لَمْ يَذْكُر مَنْ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمٍ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدهَا حِسًّا. ‏"
    },
    {
        "id": "3723",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ضُرِبَتْ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏لِلْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏بِمِائَةِ سَهْمٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( ضَرَبْت يَوْم بَدْر لِلْمُهَاجِرِينَ بِمِائَة سَهْمٍ ) ‏ ‏عِنْد اِبْن عَائِذ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة \" سَأَلْتُ الزُّبَيْر عَلَى كَمْ سَهْم جَاءَ لِلْمُهَاجِرِينَ يَوْم بَدْر ؟ قَالَ عَلَى مِائَة سَهْم \" قَالَ الدَّاوُدِيُّ هَذَا يُغَايِر قَوْله \" كَانُوا إِحْدَى وَثَمَانِينَ \" قَالَ فَإِنْ كَانَ قَوْله بِمِائَة سَهْم مِنْ كَلَام الزُّبَيْر فَلَعَلَّهُ دَخَلَهُ شَكّ فِي الْعَدَد , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ قَوْل الرَّاوِي عَنْهُ , قَالَ : وَإِنَّمَا كَانُوا عَلَى التَّحْرِير أَرْبَعَة وَثَمَانِينَ , وَكَانَ مَعَهُمْ ثَلَاثَة أَفْرَاس فَأَسْهَمَ لَهَا سَهْمَيْنِ سَهْمَيْنِ , وَضَرَبَ لِرِجَالٍ كَانَ أَرْسَلَهُمْ فِي بَعْض أَمْره بِسِهَامِهِمْ فَصَحَّ أَنَّهَا كَانَتْ مِائَة بِهَذَا الِاعْتِبَار. قُلْت : هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَخِيرًا لَا بَأْس بِهِ , لَكِنْ ظَهَرَ أَنَّ إِطْلَاق الْمِائَة إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْخُمُس , وَذَلِكَ أَنَّهُ عَزَلَ خُمُس الْغَنِيمَة ثُمَّ قَسَمَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْغَانِمِينَ عَلَى ثَمَانِينَ سَهْمًا عَدَد مَنْ شَهِدَهَا وَمَنْ أُلْحِق بِهِمْ , فَإِذَا أُضِيف إِلَيْهِ الْخُمُس كَانَ ذَلِكَ مِنْ حِسَاب مِائَة سَهْم , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3724",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَارَبَتْ ‏ ‏النَّضِيرُ ‏ ‏وَقُرَيْظَةُ ‏ ‏فَأَجْلَى ‏ ‏بَنِي النَّضِيرِ ‏ ‏وَأَقَرَّ ‏ ‏قُرَيْظَةَ ‏ ‏وَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ ‏ ‏قُرَيْظَةُ ‏ ‏فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَآمَنَهُمْ وَأَسْلَمُوا وَأَجْلَى ‏ ‏يَهُودَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏كُلَّهُمْ ‏ ‏بَنِي قَيْنُقَاعَ ‏ ‏وَهُمْ رَهْطُ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ‏ ‏وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ ‏ ‏وَكُلَّ ‏ ‏يَهُودِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر \" حَارَبَتْ النَّضِير وَقُرَيْظَة فَأَجْلَى بَنِي النَّضِير \" كَذَا فِيهِ وَلَمْ يُعَيِّن الْمَفْعُول مِنْ حَارَبَتْ وَلَمْ يُسَمِّ فَاعِل أَجْلَى , وَالْمُرَاد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَانَ سَبَب وُقُوع الْمُحَارَبَة نَقَضَهُمْ الْعَهْد : أَمَّا النَّضِير فَبِالسَّبَبِ الْآتِي ذِكْره وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ مُوسَى بْن عُقْبَة فِي الْمَغَازِي قَالَ : كَانَتْ النَّضِير قَدْ دَسُّوا إِلَى قُرَيْش وَحَضُّوهُمْ عَلَى قِتَال رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَلُّوهُمْ عَلَى الْعَوْرَة ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوًا مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن إِسْحَاق مِنْ مَجِيء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّة الرَّجُلَيْنِ قَالَ وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيهمْ ) الْآيَة. وَعِنْد اِبْن سَعْد أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ أَنْ اُخْرُجُوا مِنْ بَلَدِي فَلَا تُسَاكِنُونِي بَعْد أَنْ هَمَمْتُمْ بِمَا هَمَمْتُمْ بِهِ مِنْ الْغَدْر , وَقَدْ أَجَّلْتُكُمْ عَشْرًا. وَأَمَّا قُرَيْظَة فَبِمُظَاهَرَتِهِمْ الْأَحْزَاب عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة الْخَنْدَق كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَة ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْح ذَلِكَ بَعْد غَزْوَة الْخَنْدَق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. كَذَا وَقَعَ تَقْدِيم قُرَيْظَة عَلَى النَّضِير وَكَأَنَّهُ لِشَرَفِهِمْ , وَإِلَّا فَإِجْلَاء النَّضِير كَانَ قَبْل قُرَيْظَة بِكَثِيرٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالنَّضِير ) ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِي قِصَّته أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَنْ اُخْرُجُوا وَأَجَلّهمْ عَشْرًا وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ يُثَبِّطهُمْ أَرْسَلُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا لَا نَخْرُج , فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَك. فَقَالَ : اللَّه أَكْبَر , حَارَبَتْ يَهُود فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ , فَخَذَلَهُمْ اِبْن أُبَيّ وَلَمْ تُعِنْهُمْ قُرَيْظَة. وَرَوَى عَبْد بْن حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيره مِنْ طَرِيق عِكْرِمَةَ أَنَّ غَزْوَة بَنِي النَّضِير كَانَتْ صَبِيحَة قَتْل كَعْب بْن الْأَشْرَف , يَعْنِي الْآتِي ذِكْره عَقِب هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( بَنِي قَيْنُقَاع ) ‏ ‏هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِيَّة , وَنُون قَيْنُقَاع مُثَلَّثَة وَالْأَشْهَر فِيهَا الضَّمّ , وَكَانُوا أَوَّل مَنْ أُخْرِج مِنْ الْمَدِينَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْبَاب. وَرَوَى اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَادَةَ بْن الْوَلِيد عَنْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت قَالَ \" لَمَّا حَارَبَتْ بَنُو قَيْنُقَاع قَامَ بِأَمْرِهِمْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ فَمَشَى عُبَادَةُ بْن الصَّامِت وَكَانَ لَهُ مِنْ حِلْفهمْ مِثْل الَّذِي لِعَبْدِ اللَّه بْن أُبَيّ , فَتَبَرَّأَ عُبَادَةُ مِنْهُمْ. قَالَ : فَنَزَلَتْ ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض - إِلَى قَوْله - يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبنَا دَائِرَة ) وَكَانَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَمُنّ عَلَيْهِمْ قَالَ : يَا مُحَمَّد إِنَّهُمْ مَنَعُونِي مِنْ الْأَسْوَد وَالْأَحْمَر , وَإِنِّي اِمْرُؤٌ أَخْشَى الدَّوَائِر , فَوَهَبَهُمْ لَهُ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ إِجْلَاءَهُمْ كَانَ فِي شَوَّال سَنَةَ اِثْنَتَيْنِ , يَعْنِي بَعْد بَدْرٍ بِشَهْرٍ. وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَى اِبْن إِسْحَاق بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" لَمَّا أَصَابَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا يَوْم بَدْر جَمَعَ يَهُود فِي سُوق بَنِي قَيْنُقَاع فَقَالَ يَا يَهُود : أَسْلِمُوا قَبْل أَنْ يُصِيبكُمْ مَا أَصَابَ قُرَيْشًا يَوْم بَدْر , فَقَالُوا : إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْقِتَال وَلَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْت أَنَّا الرِّجَال. فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ - إِلَى قَوْله - لِأُولِي الْأَبْصَار ) وَأَغْرَب الْحَاكِم فَزَعَمَ أَنَّ إِجْلَاء بَنِي قَيْنُقَاع وَإِجْلَاء بَنِي النَّضِير كَانَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ , وَلَمْ يُوَافِق عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ إِجْلَاء بَنِي النَّضِير كَانَ بَعْد بَدْر بِسِتَّةِ أَشْهُر عَلَى قَوْل عُرْوَة , أَوْ بَعْد ذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ عَلَى قَوْل اِبْن إِسْحَاق كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطه. ‏"
    },
    {
        "id": "3725",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏سُورَةُ ‏ ‏الْحَشْرِ ‏ ‏قَالَ قُلْ سُورَةُ ‏ ‏النَّضِيرِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي تَسْمِيَة سُورَة الْحَشْر سُورَة النَّضِير لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمْ , قَالَ الدَّاوُدِيُّ : كَأَنَّ اِبْن عَبَّاس كَرِهَ تَسْمِيَتهَا سُورَة الْحَشْر لِئَلَّا يُظَنّ أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَشْرِ يَوْم الْقِيَامَة , أَوْ لِكَوْنِهِ مُجْمَلًا فَكَرِهَ النِّسْبَة إِلَى غَيْر مَعْلُوم. كَذَا قَالَ , وَعِنْد اِبْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَزَلَتْ سُورَة الْحَشْر فِي بَنِي النَّضِير , وَذَكَرَ اللَّه فِيهَا الَّذِي أَصَابَهُمْ مِنْ النِّقْمَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُدْرِك ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , وَفِي نُسْخَة \" إِسْحَاق \" بَدَل الْحَسَن وَهُوَ غَلَط. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ هُشَيْمٌ إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِير كَمَا سَيَأْتِي هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3726",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏النَّخَلَاتِ حَتَّى افْتَتَحَ ‏ ‏قُرَيْظَةَ ‏ ‏وَالنَّضِيرَ ‏ ‏فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ الرَّجُل يَجْعَل لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّخَلَات ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي الْخُمُس , وَسَيَأْتِي فِي أَوَّل غَزْوَة قُرَيْظَة بِأَتَمّ مِنْ هَذَا السِّيَاق. ‏ ‏وَقَوْله \" فَكَانَ بَعْد ذَلِكَ يَرُدّ عَلَيْهِمْ \" ‏ ‏زَادَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" مَا كَانُوا أَعْطَوْهُ \" وَرَوَى الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" مِنْ حَدِيث أُمّ الْعَلَاء قَالَ \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِ لَمَّا فَتَحَ النَّضِير : إِنْ أَحْبَبْتُمْ قَسَمْت بَيْنكُمْ مَا أَفَاءَ اللَّه عَلَيَّ , وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ السُّكْنَى فِي مَنَازِلكُمْ وَأَمْوَالكُمْ , وَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَعْطَيْتهمْ وَخَرَجُوا عَنْكُمْ , فَاخْتَارُوا الثَّانِي \". ‏"
    },
    {
        "id": "3727",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَخْلَ ‏ ‏بَنِي النَّضِيرِ ‏ ‏وَقَطَعَ وَهِيَ ‏ ‏الْبُوَيْرَةُ ‏ ‏فَنَزَلَتْ ‏ { ‏مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَرَّقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَخْل بَنِي النَّضِير ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" نَخْل النَّضِير \". ‏ ‏قَوْله : ( وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّر بُؤْرَةٍ وَهِيَ الْحُفْرَة , وَهِيَ هُنَا مَكَان مَعْرُوف بَيْن الْمَدِينَة وَبَيْن تَيْمَاء , وَهِيَ مِنْ جِهَة قِبْلَة مَسْجِد قَبَاء إِلَى جِهَة الْغَرْب وَيُقَال لَهَا أَيْضًا الْبُوَيْلَةُ بِاللَّامِ بَدَل الرَّاء. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَلَ : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ) ‏ ‏هِيَ صِنْف مِنْ النَّخْل , قَالَ السُّهَيْلِيُّ : فِي تَخْصِيصهَا بِالذِّكْرِ إِيمَاء إِلَى أَنَّ الَّذِي يَجُوز قَطْعه مِنْ شَجَر الْعَدُوّ مَا لَا يَكُون مُعَدًّا لِلِاقْتِيَاتِ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَاتُونَ الْعَجْوَة وَالْبَرْنِيّ دُون اللِّينَةِ. وَفِي الْجَامِع : اللِّينَة النَّخْلَة وَقِيلَ الدِّفْل , وَعَنْ الْفَرَّاء كُلُّ شَيْء مِنْ النَّخْل سِوَى الْعَجْوَة فَهُوَ مِنْ اللِّين. ‏"
    },
    {
        "id": "3728",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَبَّانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَرَّقَ نَخْلَ ‏ ‏بَنِي النَّضِيرِ ‏ ‏قَالَ وَلَهَا يَقُولُ ‏ ‏حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ ‏ ‏بَنِي لُؤَيٍّ ‏ ‏حَرِيقٌ ‏ ‏بِالْبُوَيْرَةِ ‏ ‏مُسْتَطِيرُ ‏ ‏قَالَ فَأَجَابَهُ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏أَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ ‏ ‏وَحَرَّقَ فِي نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ ‏ ‏سَتَعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهَا بِنُزْهٍ ‏ ‏وَتَعْلَمُ أَيُّ أَرْضَيْنَا تَضِيرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( أَخْبَرَنَا حَبَّانُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن هِلَال , وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَةٌ ثَقِيلَةٌ , وَإِسْحَاق الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَهَا يَقُول حَسَّانُ بْن ثَابِت : وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ‏ ‏) كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَهَانَ بِاللَّامِ \" بَدَل الْوَاو , وَسَقَطَتْ اللَّام وَالْوَاو مِنْ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ. وَقَوْله \" سَرَاة \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الرَّاء جَمْع سَرِيّ وَهُوَ الرَّئِيس , وَقَوْله \" حَرِيق بِالْبُوَيْرَة مُسْتَطِير \" أَيْ مُشْتَعِل , وَإِنَّمَا قَالَ حَسَّان ذَلِكَ تَعْيِيرًا لِقُرَيْشٍ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَغْرُوهُمْ بِنَقْضِ الْعَهْد وَأَمَرُوهُمْ بِهِ وَوَعَدُوهُمْ أَنْ يَنْصُرُوهُمْ إِنْ قَصَدَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَهُوَ اِبْن عَمّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ حِينَئِذٍ لَمْ يُسْلِم وَقَدْ أَسْلَمَ بَعْدُ فِي الْفَتْح وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحُنَيْنٍ , وَذَكَرَ إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر أَنَّ اِسْمه الْمُغِيرَة وَجَزَمَ اِبْن قُتَيْبَة أَنَّ الْمُغِيرَة أَخُوهُ , وَبِهِ جَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَالسُّهَيْلِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَتَعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهَا بِنُزْهٍ ) ‏ ‏بِنُونٍ ثُمَّ زَاي سَاكِنَة أَيْ بِبُعْدٍ وَزْنًا وَمَعْنًى , وَيُقَال بِفَتْحِ النُّون أَيْضًا. وَقَوْله \" وَتَعْلَم أَيّ أَرْضَيْنَا \" بِالتَّثْنِيَةِ , وَقَوْله \" تَضِير \" بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة مِنْ الضَّيْر وَهُوَ بِمَعْنَى الضُّرّ , وَيُطْلَق الضَّيْر وَيُرَاد بِهِ الْمَضَرَّة. وَنِسْبَة هَذِهِ الْأَبْيَات لِحَسَّانِ بْن ثَابِت وَجَوَابهَا لِأَبِي سُفْيَان بْن الْحَارِث هُوَ الْمَشْهُور كَمَا وَقَعَ فِي هَذَا الصَّحِيح , وَعِنْد مُسْلِم بَعْض ذَلِكَ , وَعِنْد شَيْخ شُيُوخنَا أَبِي الْفَتْح بْن سَيِّد النَّاس فِي \" عُيُون الْأَثَر \" لَهُ عَنْ أَبِي عَمْرو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ \" وَهَانَ عَلَى سَرَاة بَنِي لُؤَيٍّ \" هُوَ أَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث , وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ \" عَزَّ \" بَدَل هَانَ , وَأَنَّ الَّذِي أَجَابَ بِقَوْلِهِ \" أَدَامَ اللَّه ذَلِكَ مِنْ صَنِيع \" الْبَيْتَيْنِ هُوَ حَسَّان , قَالَ : وَهُوَ أَشْبَهُ مِنْ الرِّوَايَة الَّتِي وَقَعَتْ فِي الْبُخَارِيّ ا ه. وَلَمْ يَذْكُر مُسْتَنَدًا لِلتَّرْجِيحِ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الَّذِي فِي الصَّحِيح أَصَحّ , وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا يُظَاهِرُونَ كُلّ مَنْ عَادَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَيَعِدُونَهُمْ النَّصْر وَالْمُسَاعَدَة , فَلَمَّا وَقَعَ لِبَنِي النَّضِير مِنْ الْخِذْلَان مَا وَقَعَ قَالَ حَسَّان الْأَبْيَات الْمَذْكُورَة مُوَبِّخًا لِقُرَيْشٍ - وَهُمْ بَنُو لُؤَيٍّ - كَيْف خَذَلُوا أَصْحَابهمْ. وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ حَسَّان قَالَ ذَلِكَ فِي غَزْوَة بَنِي قُرَيْظَة , وَأَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ بَنِي النَّضِير اِسْتِطْرَادًا , فَمِنْ الْأَبْيَات الْمَذْكُورَة : ‏ ‏أَلَا يَا سَعْد سَعْد بَنِي مُعَاذ ‏ ‏فَمَا فَعَلَتْ قُرَيْظَة وَالنَّضِير ‏ ‏وَفِيهَا : ‏ ‏وَقَدْ قَالَ الْكَرِيم أَبُو حُبَاب ‏ ‏أَقِيمُوا قَيْنُقَاع وَلَا تَسِيرُوا ‏ ‏وَأَوَّلهَا : ‏ ‏تَقَاعَدَ مَعْشَر نَصَرُوا قُرَيْشًا ‏ ‏وَلَيْسَ لَهُمْ بِبَلْدَتِهِمْ نَصِير ‏ ‏هُمْ أُوتُوا الْكِتَاب فَضَيَّعُوهُ ‏ ‏فَهُمْ عُمْيٌ عَنْ التَّوْرَاةِ بُور ‏ ‏كَفَرْتُمْ بِالْقُرْآنِ لَقَدْ لَقِيتُمْ ‏ ‏بِتَصْدِيقِ الَّذِي قَالَ النَّذِير ‏ ‏وَفِي جَوَاب أَبِي سُفْيَان بْن الْحَارِث فِي قَوْله : وَ \" تَعْلَم أَيّ أَرْضَيْنَا تَضِير \" مَا يُرَجِّح مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيح , لِأَنَّ أَرْض بَنِي النَّضِير مُجَاوِرَة لِأَرْضِ الْأَنْصَار , فَإِذَا خَرِبَتْ أَضَرَّتْ بِمَا جَاوَرَهَا , بِخِلَافِ أَرْض قُرَيْش فَإِنَّهَا بَعِيدَة مِنْهَا بُعْدًا شَدِيدًا فَلَا تُبَالِي بِخَرَابِهَا , فَكَانَ أَبُو سُفْيَان يَقُول تَخَرَّبَتْ أَرْض بَنِي النَّضِير وَتَخْرِيبهَا إِنَّمَا يَضُرّ أَرْض مَنْ جَاوَرَهَا , وَأَرْضكُمْ هِيَ الَّتِي تُجَاوِرهَا فَهِيَ الَّتِي تَتَضَرَّر لَا أَرْضنَا , وَلَا يَتَهَيَّأ مِثْل هَذَا فِي عَكْسه إِلَّا بِتَكَلُّفٍ , وَهُوَ أَنْ يُقَال : إِنَّ الْمِيرَة كَانَتْ تُحْمَل مِنْ أَرْض بَنِي النَّضِير إِلَى مَكَّة فَكَانُوا يَرْتَفِقُونَ بِهَا , فَإِذَا خَرِبَتْ تَضُرّهُمْ , بِخِلَافِ الْمَدِينَة فَإِنَّهَا فِي غِنْيَةٍ عَنْ أَرْض بَنِي النَّضِير بِغَيْرِهَا كَخَيْبَر وَنَحْوهَا فَيُتَّجَه بَعْض اِتِّجَاهٍ , لَكِنْ إِذَا تَعَارَضَا كَانَ مَا فِي الصَّحِيح أَصَحّ. وَيُحْتَمَل إِنْ كَانَ مَا قَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيُّ مَحْفُوظًا أَنَّ أَبَا سُفْيَان بْن الْحَارِث ضَمَّنَ فِي جَوَابه بَيْتًا مِنْ قَصِيدَة حَسَّان فَاهْتَدَمَهُ , فَلَمَّا قَالَ حَسَّان : \" وَهَانَ عَلَى سَرَاة بَنِي لُؤَيٍّ \" اهْتَدَمَهُ أَبُو سُفْيَان فَقَالَ : \" وَعَزَّ عَلَى سَرَاة بَنِي لُؤَيٍّ \" وَهُوَ عَمَل سَائِغ , وَكَأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ اِسْتَبْعَدَ أَنْ يَدْعُوَ أَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث عَلَى أَرْض الْكَفَرَة مَثَّلَهُ بِالتَّحْرِيقِ فِي قَوْله : \" أَدَامَ اللَّه ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ \" وَالْجَوَاب عَنْهُ أَنَّ اِسْم الْكَفَرَة وَإِنْ جَمَعَهُمْ لَكِنَّ الْعَدَاوَة الدِّينِيَّة كَانَتْ قَائِمَة بَيْنهمْ كَمَا بَيْن أَهْل الْكِتَاب وَعَبَدَة الْأَوْثَان مِنْ التَّبَايُن , وَأَيْضًا فَقَوْله : \" وَحَرَّقَ فِي نَوَاحِيهَا السَّعِير \" يُرِيد بِنَوَاحِيهَا الْمَدِينَة فَيَرْجِع ذَلِكَ دُعَاء عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا. وَلِكَعْبِ بْن مَالِك فِي هَذِهِ الْقِصَّة قَصِيدَة عَلَى هَذَا الْوَزْن وَالرَّوِيّ أَيْضًا ذَكَرَهَا اِبْن إِسْحَاق أَوَّلهَا : ‏ ‏لَقَدْ مُنِيَتْ بِغَدْرَتِهَا الْحُبُور ‏ ‏كَذَاك الدَّهْر ذُو صَرْفٍ يَدُور ‏ ‏يَقُول فِيهَا : ‏ ‏فَغُودِرَ مِنْهُمْ كَعْب صَرِيعًا ‏ ‏فَذَلَّتْ عِنْد مَصْرَعه النَّضِير ‏ ‏يُشِير إِلَى كَعْب بْن الْأَشْرَف الَّذِي سَيُذْكَرُ قَتْله عَقِبَ هَذَا , وَفِيهَا : ‏ ‏فَذَاقُوا غِبَّ أَمْرهمْ وَبَالًا ‏ ‏لِكُلِّ ثَلَاثَة مِنْهُمْ بَعِير ‏ ‏فَأُجْلُوا عَامِدِينَ بِقَيْنُقَاع ‏ ‏وَغُودِرَ مِنْهُمْ نَخْلٌ وَدُورٌ ‏"
    },
    {
        "id": "3729",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏دَعَاهُ إِذْ جَاءَهُ حَاجِبُهُ ‏ ‏يَرْفَا ‏ ‏فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَالزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعْدٍ ‏ ‏يَسْتَأْذِنُونَ فَقَالَ نَعَمْ فَأَدْخِلْهُمْ فَلَبِثَ قَلِيلًا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي ‏ ‏عَبَّاسٍ ‏ ‏وَعَلِيٍّ ‏ ‏يَسْتَأْذِنَانِ قَالَ نَعَمْ فَلَمَّا دَخَلَا قَالَ ‏ ‏عَبَّاسٌ ‏ ‏يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِي الَّذِي ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي النَّضِيرِ ‏ ‏فَاسْتَبَّ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏وَعَبَّاسٌ ‏ ‏فَقَالَ الرَّهْطُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏اتَّئِدُوا أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ قَالُوا قَدْ قَالَ ذَلِكَ فَأَقْبَلَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عَبَّاسٍ ‏ ‏وَعَلِيٍّ ‏ ‏فَقَالَ أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ قَالَ ذَلِكَ قَالَا نَعَمْ قَالَ فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ‏ { ‏وَمَا ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا ‏ ‏أَوْجَفْتُمْ ‏ ‏عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏قَدِيرٌ ‏} ‏فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ وَلَا اسْتَأْثَرَهَا عَلَيْكُمْ لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَقَسَمَهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ هَذَا الْمَالُ مِنْهَا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ فَعَمِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَيَاتَهُ ثُمَّ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَأَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَبَضَهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَعَمِلَ فِيهِ بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ فَأَقْبَلَ عَلَى ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏وَقَالَ تَذْكُرَانِ أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فِيهِ كَمَا تَقُولَانِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ فِيهِ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَقُلْتُ أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَقَبَضْتُهُ سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِي أَعْمَلُ فِيهِ بِمَا عَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي فِيهِ صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ثُمَّ جِئْتُمَانِي كِلَاكُمَا وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ فَجِئْتَنِي ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏عَبَّاسًا ‏ ‏فَقُلْتُ لَكُمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ فَلَمَّا بَدَا لِي أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمَا قُلْتُ إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهِ بِمَا عَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَمَا عَمِلْتُ فِيهِ مُنْذُ وَلِيتُ وَإِلَّا فَلَا تُكَلِّمَانِي فَقُلْتُمَا ادْفَعْهُ إِلَيْنَا بِذَلِكَ فَدَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ فَوَاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهِ بِقَضَاءٍ غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهُ فَادْفَعَا إِلَيَّ فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهُ ‏ ‏قَالَ فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏صَدَقَ ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏يَسْأَلْنَهُ ثُمُنَهُنَّ مِمَّا ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكُنْتُ أَنَا أَرُدُّهُنَّ فَقُلْتُ لَهُنَّ أَلَا تَتَّقِينَ اللَّهَ أَلَمْ تَعْلَمْنَ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَقُولُ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي هَذَا الْمَالِ فَانْتَهَى أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى مَا أَخْبَرَتْهُنَّ قَالَ فَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِيَدِ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏مَنَعَهَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏عَبَّاسًا ‏ ‏فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا ثُمَّ كَانَ بِيَدِ ‏ ‏حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏ثُمَّ بِيَدِ ‏ ‏حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏ثُمَّ بِيَدِ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ‏ ‏وَحَسَنِ بْنِ حَسَنٍ ‏ ‏كِلَاهُمَا كَانَا يَتَدَاوَلَانِهَا ثُمَّ بِيَدِ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ حَسَنٍ ‏ ‏وَهِيَ صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَقًّا ‏",
        "sharh": "حَدِيث مَالِك أَوْس بْن الْحَدَثَانِ عَنْ عُمَر , وَفِيهِ قِصَّة مُخَاصَمَة الْعَبَّاس وَعَلِيّ عِنْده مُطَوَّلَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي فَرْض الْخُمُس مُسْتَوْفًى , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : \" وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ اللَّه عَلَى رَسُوله مِنْ بَنِي النَّضِير \". حَدِيث عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ فَحَدَّثَتْ هَذَا الْحَدِيث عُرْوَة ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ الزُّهْرِيُّ , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ ذَكَرْت شَرْحه أَيْضًا مَعَ حَدِيث مَالِك بْن أَوْس فِي فَرْض الْخُمُس. ‏"
    },
    {
        "id": "3730",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏وَالْعَبَّاسَ ‏ ‏أَتَيَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا أَرْضَهُ مِنْ ‏ ‏فَدَكٍ ‏ ‏وَسَهْمَهُ مِنْ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏فِي هَذَا الْمَالِ وَاللَّهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي بَكْر الصِّدِّيق تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَوَّل فَرْض الْخُمُس بِزِيَادَةٍ فِيهِ. وَزَادَ هُنَا قَوْل أَبِي بَكْر \" وَاَللَّه لَقَرَابَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي \" وَظَاهِر سِيَاقه الْإِدْرَاج , وَقَدْ بَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ \" فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْر فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْد فَوَاَللَّهِ لَقَرَابَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي \" قَالَ أَبُو بَكْر ذَلِكَ مُعْتَذِرًا عَنْ مَنْعه الْقِسْمَة , وَأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْهَا أَنْ لَا يَصِلهُمْ بِبِرِّهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. وَمُحَصِّل كَلَامه أَنَّ قَرَابَة الشَّخْص مُقَدَّمَة فِي بِرّه إِلَّا إِنْ عَارِضهمْ فِي ذَلِكَ مَنْ هُوَ أَرْجَح مِنْهُمْ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3731",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ ‏ ‏لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ‏ ‏فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَامَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا قَالَ قُلْ فَأَتَاهُ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ قَالَ وَأَيْضًا وَاللَّهِ ‏ ‏لَتَمَلُّنَّهُ ‏ ‏قَالَ إِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاهُ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ يَذْكُرْ ‏ ‏وَسْقًا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏وَسْقَيْنِ ‏ ‏أَوْ فَقُلْتُ لَهُ فِيهِ ‏ ‏وَسْقًا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏وَسْقَيْنِ ‏ ‏فَقَالَ أُرَى فِيهِ ‏ ‏وَسْقًا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏وَسْقَيْنِ ‏ ‏فَقَالَ نَعَمِ ارْهَنُونِي قَالُوا أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ قَالَ ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏قَالَ فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ فَيُقَالُ رُهِنَ ‏ ‏بِوَسْقٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏وَسْقَيْنِ ‏ ‏هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏يَعْنِي السِّلَاحَ ‏ ‏فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ ‏ ‏أَبُو نَائِلَةَ ‏ ‏وَهُوَ أَخُو ‏ ‏كَعْبٍ ‏ ‏مِنْ الرَّضَاعَةِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏وَأَخِي ‏ ‏أَبُو نَائِلَةَ ‏ ‏وَقَالَ غَيْرُ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَتْ أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ قَالَ إِنَّمَا هُوَ أَخِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏وَرَضِيعِي ‏ ‏أَبُو نَائِلَةَ ‏ ‏إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ قَالَ وَيُدْخِلُ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏مَعَهُ رَجُلَيْنِ ‏ ‏قِيلَ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏سَمَّاهُمْ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قَالَ سَمَّى بَعْضَهُمْ قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ وَقَالَ غَيْرُ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ ‏ ‏وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ ‏ ‏وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ فَقَالَ إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ وَقَالَ مَرَّةً ثُمَّ أُشِمُّكُمْ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ‏ ‏مُتَوَشِّحًا ‏ ‏وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ فَقَالَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا أَيْ أَطْيَبَ وَقَالَ غَيْرُ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏وَأَكْمَلُ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏فَقَالَ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ قَالَ نَعَمْ فَشَمَّهُ ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ ثُمَّ قَالَ أَتَأْذَنُ لِي قَالَ نَعَمْ فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ دُونَكُمْ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ أَتَوْا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرُوهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , كَذَا هُنَا وَفِي رِوَايَة قُتَيْبَة عَنْ سُفْيَان فِي الْجِهَاد وَعِنْد أَبِي نُعَيْم مِنْ طَرِيق الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا عَمْرو \". ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ لِكَعْبِ بْن الْأَشْرَف ) ‏ ‏؟ أَيْ مَنْ الَّذِي يَنْتَدِب إِلَى قَتْله. ‏ ‏قَوْله : ( آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُحَمَّد بْن مَحْمُود بْن مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ عَنْ جَابِر عِنْد الْحَاكِم فِي الْإِكْلِيل \" فَقَدْ آذَانَا بِشِعْرِهِ وَقَوَّى الْمُشْرِكِينَ ) وَأَخْرَجَ اِبْن عَائِذ مِنْ طَرِيق الْكَلْبِيّ أَنَّ كَعْبَ بْن الْأَشْرَف قَدِمَ عَلَى مُشْرِكِي قُرَيْش فَحَالَفَهُمْ عِنْد أَسْتَار الْكَعْبَة عَلَى قِتَال الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْ طَرِيق أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة \" أَنَّهُ كَانَ يَهْجُو النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ وَيُحَرِّض قُرَيْشًا عَلَيْهِمْ , وَأَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَى قُرَيْش قَالُوا لَهُ : أَدِينُنَا أَهْدَى أَمْ دَيْنُ مُحَمَّد ؟ قَالَ : دِينكُمْ. فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ لَنَا بِابْنِ الْأَشْرَف فَإِنَّهُ قَدْ اِسْتَعْلَنَ بِعَدَاوَتِنَا \" وَوَجَدْت فِي \" فَوَائِد عَبْد اللَّه بْن إِسْحَاق الْخُرَاسَانِيّ \" مِنْ مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ إِلَيْهِ لِقَتْلِ كَعْب سَبَبًا آخَر , وَهُوَ أَنَّهُ صَنَعَ طَعَامًا وَوَاطَأَ جَمَاعَة مِنْ الْيَهُود أَنَّهُ يَدْعُو النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْوَلِيمَة فَإِذَا حَضَرَ فَتَكُوا بِهِ , ثُمَّ دَعَاهُ فَجَاءَ وَمَعَهُ بَعْض أَصْحَابه , فَأَعْلَمهُ جِبْرِيل بِمَا أَضْمَرُوهُ بَعْد أَنْ جَالَسَهُ , فَقَامَ فَسَتَرَهُ جِبْرِيل بِجَنَاحِهِ فَخَرَجَ , فَلَمَّا فَقَدُوهُ تَفَرَّقُوا , فَقَالَ حِينَئِذٍ : مَنْ يَنْتَدِب لِقَتْلِ كَعْب. وَيُمْكِن الْجَمْع بِتَعَدُّدِ الْأَسْبَاب. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلهُ ) ‏ ‏؟ فِي مُرْسَلِ عِكْرِمَة \" فَقَالَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ هُوَ خَالِي \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ نَعَمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن مَحْمُود \" فَقَالَ أَنْتَ لَهُ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" قَالَ فَافْعَلْ إِنْ قَدَرْت عَلَى ذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة عُرْوَة \" فَسَكَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ مُحَمَّد بْنُ مَسْلَمَةَ : أَقَرَّ صَامِت \" وَمِثْله عِنْد سَمُّويَةَ فِي فَوَائِده , فَإِنْ ثَبَتَ اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون سَكَتَ أَوَّلًا ثُمَّ أَذِنَ لَهُ , فَإِنَّ فِي رِوَايَة عُرْوَة أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ لَهُ \" إِنْ كُنْت فَاعِلًا فَلَا تَعْجَل حَتَّى تُشَاوِر سَعْد بْن مُعَاذ , قَالَ فَشَاوَرَهُ فَقَالَ لَهُ : تَوَجَّهْ إِلَيْهِ وَاشْكُ إِلَيْهِ الْحَاجَة , وَسَلْهُ أَنْ يُسَلِّفكُمْ طَعَامًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُول شَيْئًا , قَالَ قُلْ ) ‏ ‏كَأَنَّهُ اِسْتَأْذَنَهُ أَنْ يَفْتَعِلَ شَيْئًا يَحْتَال بِهِ , وَمِنْ ثَمَّ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّف \" الْكَذِبُ فِي الْحَرْب \" وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ سِيَاق اِبْن سَعْد لِلْقِصَّةِ أَنَّهُمْ اِسْتَأْذَنُوا أَنْ يَشْكُوا مِنْهُ وَيَعِيبُوا رَأْيه , وَلَفْظه \" فَقَالَ لَهُ : كَانَ قُدُوم هَذَا الرَّجُل عَلَيْنَا مِنْ الْبَلَاء , حَارَبَتْنَا الْعَرَب , وَرَمَتْنَا عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ \" وَعِنْد اِبْن إِسْحَاق بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشَى مَعَهُمْ إِلَى بَقِيع الْغَرْقَد ثُمَّ وَجَّهَهُمْ فَقَالَ : اِنْطَلِقُوا عَلَى اِسْم اللَّه , اللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ ) ‏ ‏يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيِّ \" سَأَلَنَا الصَّدَقَة , وَنَحْنُ لَا نَجِدُ مَا نَأْكُل \" وَفِي مُرْسَل عِكْرِمَة \" فَقَالُوا : يَا أَبَا سَعِيد , إِنَّ نَبِيًّا أَرَادَ مِنَّا الصَّدَقَةَ , وَلَيْسَ لَنَا مَال نَصْدُقُهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ عَنَّانَا ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّون الْأُولَى مِنْ الْعَنَاءِ وَهُوَ التَّعَبُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَأَيْضًا ) ‏ ‏أَيْ وَزِيَادَة عَلَى ذَلِكَ , وَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْد ذَلِكَ قَوْله : \" وَاَللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ \" بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَالْمِيم وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَالنُّون مِنْ الْمَلَال , وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ \" أَنَّ كَعْبًا قَالَ لِأَبِي نَائِلَة : أَخْبِرْنِي مَا فِي نَفْسك , مَا الَّذِي تُرِيدُونَ فِي أَمْره ؟ قَالَ : خِذْلَانَهُ وَالتَّخَلِّي عَنْهُ , قَالَ : سَرَرْتنِي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسَلِّفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ , وَحَدَّثَنَا عَمْرو غَيْر مَرَّةٍ فَلَمْ يَذْكُر وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ , وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُرْوَة \" وَأُحِبُّ أَنْ تُسَلِّفَنَا طَعَامًا. قَالَ : أَيْنَ طَعَامكُمْ ؟ قَالُوا : أَنْفَقْنَاهُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ وَعَلَى أَصْحَابه. قَالَ أَلَم يَأْنِ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْبَاطِلِ \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ الَّذِي خَاطَبَ كَعْبًا بِذَلِكَ هُوَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ , وَاَلَّذِي عِنْد اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره مِنْ أَهْل الْمَغَازِي أَنَّهُ أَبُو نَائِلَة , وَأَوْمَأَ الدِّمْيَاطِيّ إِلَى تَرْجِيحه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون كُلٌّ مِنْهُمَا كَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ , لِأَنَّ أَبَا نَائِلَة أَخُوهُ مِنْ الرَّضَاعَة , وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ اِبْن أُخْته. وَفِي مُرْسَل عِكْرِمَة فِي الْكُلّ بِصِيغَةِ الْجَمْع \" قَالُوا \" , وَفِي مُرْسَل عِكْرِمَة \" وَائْذَنْ لَنَا أَنْ نُصِيب مِنْك فَيَطْمَئِنّ إِلَيْنَا , قَالَ قُولُوا مَا شِئْتُمْ \" وَعِنْده \" أَمَّا مَالِي فَلَيْسَ عِنْدِي الْيَوْم , وَلَكِنْ عِنْدِي التَّمْر \" وَذَكَرَ اِبْن عَائِذ أَنَّ سَعْد بْن مُعَاذ بَعَثَ مُحَمَّدًا اِبْن أَخِيهِ الْحَارِث بْن أَوْس بْن مُعَاذ. ‏ ‏قَوْله : ( اِرْهَنُونِي ) ‏ ‏أَيْ اِدْفَعُوا لِي شَيْئًا يَكُون رَهْنًا عَلَى التَّمْر الَّذِي تُرِيدُونَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَب ) ‏ ‏لَعَلَّهُمْ قَالُوا لَهُ ذَلِكَ تَهَكُّمًا , وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي نَفْسه كَانَ جَمِيلًا. زَادَ اِبْن سَعْد مِنْ مُرْسَل عِكْرِمَة \" وَلَا نَأْمَنك , وَأَيّ اِمْرَأَة تَمْتَنِع مِنْك لِجَمَالِك \" وَفِي الْمُرْسَل الْآخَر الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ \" وَأَنْتَ رَجُل حُسَّان تُعْجِب النِّسَاء \" وَحُسَّانٌ بِضَمِّ الْحَاء وَتَشْدِيد السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنْ نَرْهَنك اللَّأْمَة ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ اللَّام وَسُكُون الْهَمْزَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان : يَعْنِي السِّلَاح ) ‏ ‏كَذَا قَالَ , وَقَالَ غَيْره مِنْ أَهْل اللُّغَة : اللَّأْمَةُ الدِّرْع , فَعَلَى هَذَا إِطْلَاق السِّلَاح عَلَيْهَا مِنْ إِطْلَاق اِسْم الْكُلِّ عَلَى الْبَعْض. وَفِي مُرْسَل عِكْرِمَة \" وَلَكِنَّا نَرْهَنك سِلَاحنَا مَعَ عِلْمك بِحَاجَتِنَا إِلَيْهِ , قَالَ نَعَمْ \" وَفِي رِوَايَة الْوَاقِدِيِّ \" وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِئَلَّا يُنْكِرَ مَجِيئَهُمْ إِلَيْهِ بِالسِّلَاحِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَة ) بِنُونٍ ‏ ‏وَبَعْد الْأَلِف تَحْتَانِيَّة وَاسْمه سِلْكَان بْن سَلَامَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ أَخَاهُ مِنْ الرَّضَاعَة ) ‏ ‏يَعْنِي كَانَ أَبُو نَائِلَة أَخَا كَعْب , وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ نَدِيمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّة فَكَانَ يَرْكَن إِلَيْهِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ أَيْضًا كَانَ أَخَاهُ , زَادَ الْحُمَيْدِيُّ فِي رِوَايَته \" وَكَانُوا أَرْبَعَة سَمَّى عَمْرو مِنْهُمْ اِثْنَيْنِ \". قُلْت : وَسَتَأْتِي تَسْمِيَتُهُمْ قَرِيبًا. وَعِنْد الْخُرَاسَانِيّ فِي مُرْسَل عِكْرِمَة \" فَلَمَّا كَانَ فِي الْقَائِلَة أَتَوْهُ وَمَعَهُمْ السِّلَاح فَقَالُوا : يَا أَبَا سَعِيد. فَقَالَ : سَامِعًا دَعَوْت \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَتْ لَهُ اِمْرَأَته ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ غَيْر عَمْرو : قَالَتْ أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُر مِنْهُ الدَّم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ \" فَتَعَلَّقَتْ بِهِ اِمْرَأَته وَقَالَتْ , مَكَانك , فَوَاَللَّهِ إِنِّي لِأَرَى حُمْرَة الدَّم مَعَ الصَّوْت \" وَبَيَّنَ الْحُمَيْدِيُّ فِي رِوَايَته عَنْ سُفْيَان أَنَّ الْغَيْر الَّذِي أَبْهَمَهُ سُفْيَان فِي هَذِهِ الْقِصَّة هُوَ الْعَبْسِيّ وَأَنَّهُ حَدَّثَهُ بِذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَة مُرْسَلًا , وَعِنْد اِبْن إِسْحَاق \" فَهَتَفَ بِهِ أَبُو نَائِلَة - وَكَانَ حَدِيث عَهْد بِعُرْسٍ - فَوَثَبَ فِي مِلْحَفَته , فَأَخَذَتْ اِمْرَأَته بِنَاحِيَتِهَا وَقَالَتْ لَهُ : أَنْتَ اِمْرُؤٌ مُحَارِبٌ , لَا تَنْزِلُ فِي هَذِهِ السَّاعَة. فَقَالَ : إِنَّهُ أَبُو نَائِلَة , لَوْ وَجَدَنِي نَائِمًا مَا أَيْقَظَنِي. فَقَالَتْ : وَاَللَّه إِنِّي لَأَعْرِف مِنْ صَوْته الشَّرّ \" وَفِي مُرْسَل عِكْرِمَة \" أَخَذَتْ بِثَوْبِهِ فَقَالَتْ : أُذَكِّرُك اللَّهَ أَنْ لَا تَنْزِل إِلَيْهِمْ , فَوَاَللَّهِ إِنِّي لَأَسْمَعُ صَوْتًا يَقْطُر مِنْهُ الدَّم \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَيَدْخُل مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ , قِيلَ لِسُفْيَان : سَمَّاهُمْ عَمْرو ؟ قَالَ : سَمَّى بَعْضَهُمْ , قَالَ عَمْرو : جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ , وَقَالَ غَيْر عَمْرو : أَبُو عَبْس بْن جَبْر وَالْحَارِث بْن أَوْس وَعَبَّادُ بْن بِشْرٍ ) ‏ ‏قُلْت : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ \" قَالَ فَأَتَاهُ وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَة وَعَبَّاد بْن بِشْر وَأَبُو عَبْس بْن جَبْر وَالْحَارِث بْن مُعَاذ إِنْ شَاءَ اللَّه \" كَذَا أَدْرَجَهُ وَرِوَايَة عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ مُفَصَّلَة , وَنُسِبَ الْحَارِث بْن مُعَاذ إِلَى جَدّه , وَوَقَعَتْ تَسْمِيَتهمْ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد , فَعَلَى هَذَا فَكَانُوا خَمْسَة , وَيُؤَيِّدهُ قَوْل عَبَّاد بْن بِشْر مِنْ قَصِيدَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة : ‏ ‏فَشَدَّ بِسَيْفِهِ صَلْتًا عَلَيْهِ ‏ ‏فَقَطَّعَهُ أَبُو عَبْس بْن جَبْر ‏ ‏وَكَانَ اللَّه سَادِسنَا فَأُبْنَا ‏ ‏بِأَنْعَم نِعْمَة وَأَعَزّ نَصْر ‏ ‏وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا وَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن مَحْمُود \" كَانَ مَعَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ أَبُو عَبْس بْن جَبْر وَأَبُو عَتِيك \" وَلَمْ يَذْكُر غَيْرهمَا , وَكَذَا فِي مُرْسَل عِكْرِمَة \" وَمَعَهُ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَار \" وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مَرَّةً ثَلَاثَةً وَفِي الْأُخْرَى خَمْسَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعْرِهِ فَأَشُمُّهُ ) ‏ ‏وَهُوَ مِنْ إِطْلَاق الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مَرَّة فَأُشِمُّكُمْ ) ‏ ‏أَيْ أُمَكِّنُكُمْ مِنْ الشَّمِّ , وَهُوَ يَنْفَحُ بِالْفَاءِ وَالْمُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( رِيحُ الطِّيبِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد \" وَكَانَ حَدِيث عَهْد بِعُرْسٍ \" وَفِي مُرْسَل عِكْرِمَة فَقَالَ : \" يَا أَبَا سَعِيد أَدْنِ مِنِّي رَأْسك أَشُمّهُ وَأَمْسَح بِهِ عَيْنَيَّ وَوَجْهِي \". ‏ ‏قَوْله : ( عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاء الْعَرَب وَأَكْمَل الْعَرَب ) ‏ ‏وَعِنْد الْأَصِيلِيّ وَأَجْمَل بِالْجِيمِ بَدَل الْكَاف وَهِيَ أَشْبَهُ , وَفِي مُرْسَل عِكْرِمَة \" فَقَالَ هَذَا عِطْر أُمّ فُلَان \" يَعْنِي اِمْرَأَته. وَفِي رِوَايَة الْوَاقِدِيِّ \" وَكَانَ كَعْب يَدَّهِنُ بِالْمِسْكِ الْمُفَتَّت وَالْعَنْبَر حَتَّى يَتَلَبَّد فِي صُدْغَيْهِ \" وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى \" وَعِنْدِي أَعْطَر سَيِّد الْعَرَب \" وَكَأَنَّ \" سَيِّد \" تَصْحِيف مِنْ نِسَاء , فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة فَالْمَعْنَى أَعْطَر نِسَاء سَيِّد الْعَرَب عَلَى الْحَذْف. ‏ ‏قَوْله : ( دُونكُمْ فَقَتَلُوهُ , ثُمَّ أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُرْوَة \" وَضَرَبَهُ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ فَقَتَلَهُ وَأَصَابَ ذُبَاب السَّيْف الْحَارِث بْن أَوْس , وَأَقْبَلُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِجُرُفِ بُعَاثٍ تَخَلَّفَ الْحَارِث وَنَزَفَ , فَلَمَّا اِفْتَقَدَهُ أَصْحَابُهُ رَجَعُوا فَاحْتَمَلُوهُ , ثُمَّ أَقْبَلُوا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلُوا الْمَدِينَة \" وَفِي رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَلَ عَلَى جُرْح الْحَارِث بْن أَوْسٍ فَلَمْ يُؤْذِهِ \". وَفِي مُرْسَل عِكْرِمَة \" فَبَرَقَ فِيهَا ثُمَّ أَلْصَقَهَا فَالْتَحَمَتْ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن الْكَلْبِيّ \" فَضَرَبُوهُ حَتَّى بَرَدَ , وَصَاحَ عِنْد أَوَّل ضَرْبَة , وَاجْتَمَعَتْ الْيَهُود فَأَخَذُوا عَلَى غَيْر طَرِيق أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَاتُوهُمْ \" وَفِي رِوَايَةِ اِبْن سَعْد \" أَنَّ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ لَمَّا أَخَذ بِقُرُونِ شَعْرِهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : اُقْتُلُوا عَدُوَّ اللَّه , فَضَرَبُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ , فَالْتَفَّتْ عَلَيْهِ فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا. قَالَ مُحَمَّد : فَذَكَرْت مِعْوَلًا كَانَ فِي سَيْفِي فَوَضَعْته فِي سُرَّتِهِ , ثُمَّ تَحَامَلْت عَلَيْهِ فَغَطَطْته حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى عَانَته , فَصَاحَ وَصَاحَتْ اِمْرَأَته : يَا آلَ قُرَيْظَة وَالنَّضِير مَرَّتَيْنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخْبَرُوهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُرْوَة \" فَأَخْبَرُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَحَمِدَ اللَّه تَعَالَى \" وَفِي رِوَايَة اِبْن سَعْد \" فَلَمَّا بَلَغُوا بَقِيع الْغَرْقَد كَبَّرُوا , وَقَدْ قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ اللَّيْلَة يُصَلِّي , فَلَمَّا سَمِعَ تَكْبِيرهمْ كَبَّرَ , وَعَرَفَ أَنْ قَدْ قَتَلُوهُ , ثُمَّ اِنْتَهَوْا إِلَيْهِ فَقَالَ : أَفْلَحَتْ الْوُجُوه , فَقَالُوا : وَوَجْهك يَا رَسُول اللَّه , وَرَمُوا رَأْسَهُ بَيْن يَدَيْهِ , فَحَمِدَ اللَّه عَلَى قَتْله \" وَفِي مُرْسَل عِكْرِمَة \" فَأَصْبَحَتْ يَهُود مَذْعُورِينَ , فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا قُتِلَ سَيِّدُنَا غِيلَة , فَذَكَّرَهُمْ النَّبِيُّ صَنِيعَهُ وَمَا كَانَ يُحَرِّض عَلَيْهِ وَيُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ \" زَادَ اِبْن سَعْد \" فَخَافُوا فَلَمْ يَنْطِقُوا \". قَالَ السُّهَيْلِيُّ : فِي قِصَّة كَعْب بْن الْأَشْرَف قَتْلُ الْمَعَاهَد إِذَا سَبَّ الشَّارِعَ , خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَة. قُلْت : وَفِيهِ نَظَر , وَصَنِيع الْمُصَنِّف فِي الْجِهَاد يُعْطِي أَنَّ كَعْبًا كَانَ , مُحَارِبًا حَيْثُ تَرْجَمَ لِهَذَا الْحَدِيث \" الْفَتْك بِأَهْلِ الْحَرْب \" وَتَرْجَمَ لَهُ أَيْضًا \" الْكَذِب فِي الْحَرْب \" وَفِيهِ جَوَاز قَتْل الْمُشْرِك بِغَيْرِ دَعْوَة إِذَا كَانَتْ الدَّعْوَة الْعَامَّة قَدْ بَلَغَتْهُ. وَفِيهِ جَوَاز الْكَلَام الَّذِي يَحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْحَرْب وَلَوْ لَمْ يَقْصِد قَائِله إِلَى حَقِيقَته. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْجِهَاد. وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى قُوَّة فِطْنَةِ اِمْرَأَته الْمَذْكُورَة وَصِحَّةِ حَدِيثهَا , وَبَلَاغَتهَا فِي إِطْلَاقهَا أَنَّ الصَّوْت يَقْطُر مِنْهُ الدَّم. ‏"
    },
    {
        "id": "3732",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ آدَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَهْطًا إِلَى ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏فَدَخَلَ عَلَيْهِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ ‏ ‏بَيْتَهُ لَيْلًا وَهُوَ نَائِمٌ فَقَتَلَهُ ‏",
        "sharh": "الْأُولَى : رِوَايَة زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء \" بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهْطًا إِلَى أَبِي رَافِع , فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْد اللَّه بْن عَتِيك بَيْتَهُ لَيْلًا وَهُوَ نَائِم فَقَتَلَهُ \" هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَوْله : \" بَيْته \" لِلْأَكْثَرِ بِسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَلِلسَّرَخْسِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّة بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي مِنْ التَّبْيِيت , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الْجِهَاد مِنْ هَذَا الْوَجْه مُطَوَّلًا نَحْو رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن يُوسُف الْآتِيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3733",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏الْيَهُودِيِّ ‏ ‏رِجَالًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏أَبُو رَافِعٍ ‏ ‏يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَيُعِينُ عَلَيْهِ وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ ‏ ‏الْحِجَازِ ‏ ‏فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ وَقَدْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَرَاحَ النَّاسُ ‏ ‏بِسَرْحِهِمْ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏لِأَصْحَابِهِ اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنْ الْبَابِ ثُمَّ ‏ ‏تَقَنَّعَ ‏ ‏بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ فَادْخُلْ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ فَدَخَلْتُ ‏ ‏فَكَمَنْتُ ‏ ‏فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ الْبَابَ ثُمَّ عَلَّقَ ‏ ‏الْأَغَالِيقَ ‏ ‏عَلَى وَتَدٍ قَالَ فَقُمْتُ إِلَى ‏ ‏الْأَقَالِيدِ ‏ ‏فَأَخَذْتُهَا فَفَتَحْتُ الْبَابَ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو رَافِعٍ ‏ ‏يُسْمَرُ عِنْدَهُ وَكَانَ فِي ‏ ‏عَلَالِيَّ ‏ ‏لَهُ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إِلَيْهِ فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ قُلْتُ إِنْ الْقَوْمُ ‏ ‏نَذِرُوا ‏ ‏بِي لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَسْطَ عِيَالِهِ لَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ مِنْ الْبَيْتِ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا رَافِعٍ ‏ ‏قَالَ مَنْ هَذَا فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَا دَهِشٌ فَمَا أَغْنَيْتُ شَيْئًا وَصَاحَ فَخَرَجْتُ مِنْ الْبَيْتِ فَأَمْكُثُ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا ‏ ‏أَبَا رَافِعٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لِأُمِّكَ الْوَيْلُ ‏ ‏إِنَّ رَجُلًا فِي الْبَيْتِ ضَرَبَنِي قَبْلُ بِالسَّيْفِ قَالَ فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ وَلَمْ أَقْتُلْهُ ثُمَّ وَضَعْتُ ‏ ‏ظِبَةَ ‏ ‏السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الْأَبْوَابَ بَابًا بَابًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ فَوَضَعْتُ رِجْلِي وَأَنَا أُرَى أَنِّي قَدْ انْتَهَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ فَانْكَسَرَتْ سَاقِي فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى الْبَابِ فَقُلْتُ لَا أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ أَقَتَلْتُهُ فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ فَقَالَ أَنْعَى ‏ ‏أَبَا رَافِعٍ ‏ ‏تَاجِرَ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏الْحِجَازِ ‏ ‏فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ النَّجَاءَ فَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ ‏ ‏أَبَا رَافِعٍ ‏ ‏فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏ابْسُطْ رِجْلَكَ فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يُوسُف بْن مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّانُ , وَعُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى هُوَ الْعَبْسِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي رَافِع الْيَهُودِيِّ رِجَالًا مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُوسُف بْن إِسْحَاق بْن أَبِي إِسْحَاق الْآتِيَة بَعْد هَذِهِ \" بَعَثَ إِلَى أَبِي رَافِع عَبْدَ اللَّه بْن عَتِيك وَعَبْدَ اللَّهِ بْن عُتْبَةَ فِي أُنَاس مَعَهُمْ \" وَعَبْدَ اللَّه بْن عَتِيك بِالنَّصْبِ مَفْعُول بَعَثَ وَهُوَ الْمَبْعُوث إِلَى أَبِي رَافِع وَلَيْسَ هُوَ اِسْم أَبِي رَافِع , وَعَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ لَمْ يُذْكَر إِلَّا فِي هَذَا الطَّرِيق , وَزَعَمَ اِبْن الْأَثِير فِي \" جَامِع الْأُصُول \" أَنَّهُ اِبْن عِنَبَةَ بِكَسْرِ الْعَيْن وَفَتْحِ النُّونِ , وَهُوَ غَلَط مِنْهُ فَإِنَّهُ خَوْلَانِيّ لَا أَنْصَارِيٌّ , وَمُتَأَخِّرُ الْإِسْلَام وَهَذِهِ الْقِصَّة مُتَقَدِّمَة وَالرِّوَايَة بِضَمِّ الْعَيْن وَسُكُون الْمُثَنَّاة لَا بِالنُّونِ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( رِجَالًا مِنْ الْأَنْصَار ) قَدْ سُمِّيَ مِنْهُمْ فِي هَذَا الْبَاب عَبْد اللَّه بْن عَتِيك وَعَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ , وَعِنْد اِبْن إِسْحَاق عَبْد اللَّه بْن عَتِيك وَمَسْعُود بْن سِنَان وَعَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ وَأَبُو قَتَادَة وَخُزَاعِي بْن أَسْوَد , فَإِنْ كَانَ عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ مَحْفُوظًا فَقَدْ كَانُوا سِتَّة , فَأَمَّا الْأَوَّل فَهُوَ اِبْن عَتِيك بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمُثَنَّاة اِبْن قِيسَ بْن الْأَسْوَد مِنْ بَنِي سِلْمَةَ بِكَسْرِ اللَّام , وَأَمَّا عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة فَقَدْ شَرَحْت مَا فِيهِ , وَأَمَّا مَسْعُود فَهُوَ اِبْن سِنَان الْأَسْلَمِيّ حَلِيف بَنِي سِلْمَةَ , شَهِدَ أُحُدًا وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ , وَأَمَّا عَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ فَهُوَ الْجُهَنِيّ حَلِيف الْأَنْصَار , وَقَدْ فَرَّقَ الْمُنْذِرِيُّ بَيْن عَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ الْجُهَنِيّ وَعَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ الْأَنْصَارِيّ , وَجَزَمَ بِأَنَّ الْأَنْصَارِيّ هُوَ الَّذِي كَانَ فِي قَتْل اِبْن أَبِي الْحَقِيقِ وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ اِبْن الْمَدِينِيّ , وَجَزَمَ غَيْر وَاحِد بِأَنَّهُمَا وَاحِد وَهُوَ جُهَنِيّ حَالَفَ الْأَنْصَار , وَأَمَّا أَبُو قَتَادَةَ فَمَشْهُور , وَأَمَّا خُزَاعِيّ بْن أَسْوَد فَقَدْ قَلَبَهُ بَعْضهمْ فَقَالَ أَسْوَد بْن خُزَاعِيّ , وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ فِي \" الْإِكْلِيل \" أَسْوَد بْن حَرَام , وَكَذَا ذَكَرَهُ مُوسَى بْن عُقْبَة فِي الْمَغَازِي , فَإِنْ كَانَ غَيْر مَنْ ذُكِرَ وَإِلَّا فَهُوَ تَصْحِيف ثُمَّ وَجَدْته فِي \" دَلَائِل الْبَيْهَقِيِّ \" مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عُقْبَة عَلَى الشَّكّ هَلْ هُوَ أَسْوَد بْن خُزَاعِيّ أَوْ أَسْوَد بْن حَرَام. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ أَبُو رَافِع يُؤْذِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعِينُ عَلَيْهِ ) ‏ ‏ذَكَرَ اِبْن عَائِذ مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ أَعَانَ غَطَفَانَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَب بِالْمَالِ الْكَثِير عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ دَخَلَ النَّاس ) ‏ ‏ذَكَرَ فِي رِوَايَة يُوسُف سَبَبًا لِتَأْخِيرِ غَلْق الْبَاب فَقَالَ \" فَفَقَدُوا حِمَارًا لَهُمْ فَخَرَجُوا بِقَبَسٍ - أَيْ شُعْلَةٍ مِنْ نَار - يَطْلُبُونَهُ , قَالَ فَخَشِيت أَنْ أُعْرَف فَغَطَّيْت رَأْسِي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَرَاحَ النَّاس بِسَرْحِهِمْ ) ‏ ‏أَيْ رَجَعُوا بِمَوَاشِيهِمْ الَّتِي تَرْعَى , وَسَرْح بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا مُهْمَلَة هِيَ السَّائِمَة مِنْ إِبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ ) ‏ ‏أَيْ تَغَطَّى بِهِ لِيُخْفِيَ شَخْصَهُ لِئَلَّا يُعْرَفَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَهَتَفَ بِهِ ) ‏ ‏أَيْ نَادَاهُ , وَفِي رِوَايَةِ يُوسُف \" ثُمَّ نَادَى صَاحِبُ الْبَاب \" أَيْ الْبَوَّابِ وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَمَنْت ) ‏ ‏أَيْ اِخْتَبَأْت , وَفِي رِوَايَةِ يُوسُف \" ثُمَّ اِخْتَبَأْت فِي مَرْبِطِ حِمَارٍ عِنْد بَابِ الْحِصْنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ عَلَّقَ الْأَغَالِيقَ عَلَى وَدٍّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاو وَتَشْدِيد الدَّال هُوَ الْوَتَدُ , وَفِي رِوَايَةِ يُوسُفَ \" وَضَعَ مِفْتَاحَ الْحِصْنِ فِي كُوَّةٍ \" وَالْأَغَالِيق بِالْمُعْجَمَةِ جَمْع غَلَقٍ بِفَتْحِ أَوَّله مَا يُغْلَق بِهِ الْبَابُ وَالْمُرَاد بِهَا الْمَفَاتِيح , كَأَنَّهُ كَانَ يَغْلِقُ بِهَا وَيَفْتَحُ بِهَا , كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ , وَفِي رِوَايَةِ غَيْره بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَهُوَ الْمِفْتَاحُ بِلَا إِشْكَال , وَالْكَوَّةُ بِالْفَتْحِ وَقَدْ تُضَمُّ وَقِيلَ بِالْفَتْحِ غَيْرُ النَّافِذَةِ وَبِالضَّمِّ النَّافِذَةُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُمْت إِلَى الْأَقَالِيد ) ‏ ‏هِيَ جَمْع إِقْلِيد وَهُوَ الْمِفْتَاحُ , وَفِي رِوَايَةِ يُوسُفَ \" فَفَتَحْت بَابَ الْحِصْنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( يُسْمَرُ عِنْدَهُ ) ‏ ‏أَيْ يَتَحَدَّثُونَ لَيْلًا , وَفِي رِوَايَةِ يُوسُف \" فَتَعَشَّوْا عِنْدَ أَبِي رَافِعٍ وَتَحَدَّثُوا حَتَّى ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْل , ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي عَلَالِيّ لَهُ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ جَمْع عَلِّيَّةٍ بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَهِيَ الْغُرْفَةُ , وَفِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاق \" وَكَانَ فِي عَلِيَّةٍ لَهُ إِلَيْهَا عَجَلَةٌ \" وَالْعَجَلَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيم السُّلَّمُ مِنْ الْخَشَب , وَقَيَّدَهُ اِبْن قُتَيْبَة بِخَشَبِ النَّخْل. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلْت كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْت عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ ) ‏ ‏فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ عِنْد الْحَاكِم فَلَمْ يَدَعُوا بَابًا إِلَّا أَغْلَقُوهُ. ‏ ‏قَوْله : ( نَذِرُوا بِي ) ‏ ‏بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ عَلِمُوا , أَصْلُهُ مِنْ الْإِنْذَارِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُحْذَرُ مِنْهُ , وَذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَتِيك كَانَ يَرْطُن بِالْيَهُودِيَّةِ , فَاسْتَفْتَحَ , فَقَالَتْ لَهُ اِمْرَأَةُ أَبِي رَافِع مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِئْت أَبَا رَافِع بِهَدِيَّةٍ. فَفَتَحَتْ لَهُ وَفِي رِوَايَةِ يُوسُف \" فَلَمَّا هَدَأَتْ الْأَصْوَات \" أَيْ سَكَنَتْ , وَعِنْدَهُ \" ثُمَّ عَمَدْت إِلَى أَبْوَاب بُيُوتِهِمْ فَأَغْلَقْتُهَا عَلَيْهِمْ مِنْ ظَاهِرٍ. ثُمَّ صَعِدْت إِلَى أَبِي رَافِعٍ فِي سُلَّمٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَهْوَيْت نَحْو الصَّوْت ) ‏ ‏أَيْ قَصَدْت نَحْوَ صَاحِب الصَّوْتِ , وَفِي رِوَايَةِ يُوسُفَ \" فَعَمَدْت نَحْوَ الصَّوْتِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا دَهِشٌ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا أَغْنَيْت شَيْئًا ) ‏ ‏أَيْ لَمْ أَقْتُلْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت مَا هَذَا الصَّوْت يَا أَبَا رَافِع ) ‏ ‏فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ \" فَقَالَتْ اِمْرَأَته يَا أَبَا رَافِع هَذَا صَوْت عَبْد اللَّه بْن عَتِيك. فَقَالَ ثَكِلَتْك أُمُّك وَأَيْنَ عَبْد اللَّه بْن عَتِيك \". ‏ ‏قَوْله : ( هَدَأَتْ الْأَصْوَات ) بِهَمْزَةٍ أَيْ سَكَنَتْ , وَزَعَمَ اِبْن التِّين أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ \" هَدَتْ \" بِغَيْرِ هَمْزٍ وَأَنَّ الصَّوَاب بِالْهَمْزِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَضْرِبُهُ ) ‏ ‏ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمُضَارِع مُبَالَغَة لِاسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ مَضَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يُغْنِ ) أَيْ لَمْ يَنْفَعْ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ دَخَلْت إِلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ يُوسُف \" ثُمَّ جِئْت كَأَنِّي أُغِيثهُ فَقُلْت مَالَك ؟ وَغَيَّرْت صَوْتِي \". ‏ ‏قَوْله : ( لِأُمِّك الْوَيْلُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ \" زَادَ وَقَالَ أَلَا أَعْجَلْتُك \" وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ \" قَالَ فَعَمَدْت لَهُ أَيْضًا فَأَضْرِبُهُ أُخْرَى فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا فَصَاحَ وَقَامَ أَهْلُهُ. ثُمَّ جِئْت وَغَيَّرْت صَوْتِي كَهَيْئَةِ الْمُسْتَغِيثِ فَإِذَا هُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ \" وَفِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاق \" فَصَاحَتْ اِمْرَأَتُهُ \" فَنَوَّهَتْ بِنَا , فَجَعَلْنَا نَرْفَعُ السَّيْفَ عَلَيْهَا ثُمَّ نَذْكُرُ نَهْيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ فَنَكُفُّ عَنْهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( ضَبِيبَ السَّيْفِ ) ‏ ‏بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ وَزْن رَغِيف , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَكَذَا يُرْوَى , وَمَا أَرَاهُ مَحْفُوظًا وَإِنَّمَا هُوَ ظُبَّةُ السَّيْفِ وَهُوَ حَرْفُ السَّيْف وَيُجْمَع عَلَى ظُبَّاتٍ , قَالَ : وَالضَّبِيب لَا مَعْنَى لَهُ هُنَا لِأَنَّهُ سَيَلَانُ الدَّمِ مِنْ الْفَمِ , قَالَ عِيَاضٌ : هُوَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ , وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحَرْبِيُّ وَقَالَ : أَظُنُّهُ طَرَفَهُ. وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بِالْمُعْجَمَةِ وَهُوَ طَرَفُ السَّيْفِ , وَفِي رِوَايَةِ يُوسُفَ \" فَأَضَعُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ ثُمَّ أَتَّكِئُ عَلَيْهِ حَتَّى سَمِعْت صَوْتَ الْعَظْمِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَوَضَعْت رِجْلِي وَأَنَا أُرَى ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّ , وَذَكَرَ اِبْنُ إِسْحَاق فِي رِوَايَته أَنَّهُ كَانَ سَيِّئَ الْبَصَرِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْكَسَرَتْ سَاقِي فَعَصَبْتهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ \" ثُمَّ خَرَجْت دَهِشًا حَتَّى أَتَيْت السُّلَّمَ أُرِيدُ أَنْ أَنْزِلَ فَسَقَطْت مِنْهُ فَانْخَلَعَتْ رِجْلِي فَعَصَبْتهَا \" وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا اِنْخَلَعَتْ مِنْ الْمِفْصَلِ وَانْكَسَرَتْ السَّاقُ , وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : هَذَا اِخْتِلَافٌ وَقَدْ يُتَجَوَّزُ فِي التَّعْبِيرِ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ , لِأَنَّ الْخَلْعَ هُوَ زَوَالُ الْمِفْصَلِ مِنْ غَيْرِ بَيْنُونَةٍ , أَيْ بِخِلَافِ الْكَسْرِ. قُلْت : وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِالْحَمْلِ عَلَى وُقُوعِهِمَا مَعًا أَوْلَى , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاق \" فَوَثَبَتْ يَدُهُ \" وَهُوَ وَهْمٌ وَالصَّوَابُ رِجْلُهُ , وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَوَقَعَ جَمِيعُ ذَلِكَ , وَزَادَ أَنَّهُمْ كَمَنُوا فِي نَهَرٍ , وَأَنَّ قَوْمَهُ أَوْقَدُوا النِّيرَانَ وَذَهَبُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ يَطْلُبُونَ حَتَّى أَيِسُوا رَجَعُوا إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْضِي. ‏ ‏قَوْله : ( قَامَ النَّاعِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ \" صَعِدَ النَّاعِيَةَ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ فِي الرِّوَايَاتِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ , قَالَ اِبْنُ التِّين : هِيَ لُغَة وَالْمَعْرُوف اُنْعُوا , وَالنَّعْيُ خَبَرُ الْمَوْتِ وَالِاسْمُ النَّاعِي. وَذَكَرَ الْأَصْمَعِيُّ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمْ الْكَبِير رَكِبَ رَاكِبٌ فَرَسًا وَسَارَ فَقَالَ : نَعْيُ فُلَانٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت النَّجَاء ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ أَسْرِعُوا , فِي رِوَايَةِ يُوسُف \" ثُمَّ أَتَيْت أَصْحَابِي أَحْجُلُ فَقُلْت : اِنْطَلِقُوا فَبَشِّرُوا رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَوْله : \" أَحْجُلُ \" هُوَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٌ , الْحَجْل هُوَ أَنْ يَرْفَعَ رِجْلًا وَيَقِفَ عَلَى أُخْرَى مِنْ الْعَرَجِ , وَقَدْ يَكُونُ بِالرِّجْلَيْنِ مَعًا إِلَّا أَنَّهُ حِينَئِذٍ يُسَمَّى قَفْزًا لَا مَشْيًا , وَيُقَالُ حَجَلَ فِي مَشْيِهِ إِذَا مَشَى مِثْل الْمُقَيَّد أَيْ قَارَبَ خَطْوَهُ , وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ \" قَالَ وَتَوَجَّهْنَا مِنْ خَيْبَر , فَكُنَّا نَكْمُنُ النَّهَارَ وَنَسِيرُ اللَّيْلَ , وَإِذَا كَمَنَّا بِالنَّهَارِ أَقْعَدْنَا مِنَّا وَاحِدًا يَحْرُسنَا , فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَخَافُهُ أَشَارَ إِلَيْنَا , فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ كَانَتْ نَوْبَتِي , فَأَشْرَفْت إِلَيْهِمْ فَخَرَجُوا سِرَاعًا , ثُمَّ لَحِقْتهمْ فَدَخَلْنَا الْمَدِينَةَ , فَقَالُوا : مَاذَا رَأَيْت ؟ قُلْت : مَا رَأَيْت شَيْئًا , وَلَكِنْ خَشِيت أَنْ تَكُونُوا أُعْيِيتُمْ فَأَحْبَبْت أَنْ يَحْمِلَكُمْ الْفَزَعُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَسَحَهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يُوسُفَ أَنَّهُ \" لَمَّا سَمِعَ النَّاعِي قَالَ : فَقُمْت أَمْشِي مَا بِي قَلَبَةٌ \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ عِلَّةٌ أَنْقَلِبُ بِهَا , وَقَالَ الْفَرَّاءُ. أَصْلُ الْقِلَابِ بِكَسْرِ الْقَافِ دَاءٌ يُصِيبُ الْبَعِيرَ فَيَمُوتُ مِنْ يَوْمِهِ , فَقِيلَ لِكُلِّ مَنْ سَلِمَ مِنْ عِلَّةٍ مَا بِهِ قَلَبَة , أَيْ لَيْسَتْ بِهِ عِلَّةٌ تُهْلِكُهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3734",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُرَيْحٌ هُوَ ابْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ ‏ ‏وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ ‏ ‏فِي نَاسٍ مَعَهُمْ فَانْطَلَقُوا حَتَّى دَنَوْا مِنْ الْحِصْنِ فَقَالَ لَهُمْ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ ‏ ‏امْكُثُوا أَنْتُمْ حَتَّى أَنْطَلِقَ أَنَا فَأَنْظُرَ قَالَ فَتَلَطَّفْتُ أَنْ أَدْخُلَ الْحِصْنَ فَفَقَدُوا حِمَارًا لَهُمْ قَالَ فَخَرَجُوا بِقَبَسٍ يَطْلُبُونَهُ قَالَ فَخَشِيتُ أَنْ أُعْرَفَ قَالَ فَغَطَّيْتُ رَأْسِي وَجَلَسْتُ كَأَنِّي أَقْضِي حَاجَةً ثُمَّ نَادَى صَاحِبُ الْبَابِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ فَلْيَدْخُلْ قَبْلَ أَنْ أُغْلِقَهُ فَدَخَلْتُ ثُمَّ اخْتَبَأْتُ فِي مَرْبِطِ حِمَارٍ عِنْدَ بَابِ الْحِصْنِ فَتَعَشَّوْا عِنْدَ ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏وَتَحَدَّثُوا حَتَّى ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ فَلَمَّا هَدَأَتْ الْأَصْوَاتُ وَلَا أَسْمَعُ حَرَكَةً خَرَجْتُ قَالَ وَرَأَيْتُ صَاحِبَ الْبَابِ حَيْثُ وَضَعَ مِفْتَاحَ الْحِصْنِ فِي ‏ ‏كَوَّةٍ ‏ ‏فَأَخَذْتُهُ فَفَتَحْتُ بِهِ بَابَ الْحِصْنِ قَالَ قُلْتُ إِنْ ‏ ‏نَذِرَ ‏ ‏بِي الْقَوْمُ انْطَلَقْتُ عَلَى مَهَلٍ ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ فَغَلَّقْتُهَا عَلَيْهِمْ مِنْ ظَاهِرٍ ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏فِي سُلَّمٍ فَإِذَا الْبَيْتُ مُظْلِمٌ قَدْ طَفِئَ سِرَاجُهُ فَلَمْ أَدْرِ أَيْنَ الرَّجُلُ فَقُلْتُ يَا ‏ ‏أَبَا رَافِعٍ ‏ ‏قَالَ مَنْ هَذَا قَالَ ‏ ‏فَعَمَدْتُ ‏ ‏نَحْوَ الصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ وَصَاحَ فَلَمْ ‏ ‏تُغْنِ ‏ ‏شَيْئًا قَالَ ثُمَّ جِئْتُ كَأَنِّي أُغِيثُهُ فَقُلْتُ مَا لَكَ يَا ‏ ‏أَبَا رَافِعٍ ‏ ‏وَغَيَّرْتُ صَوْتِي فَقَالَ أَلَا أُعْجِبُكَ ‏ ‏لِأُمِّكَ الْوَيْلُ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَضَرَبَنِي بِالسَّيْفِ قَالَ ‏ ‏فَعَمَدْتُ ‏ ‏لَهُ أَيْضًا فَأَضْرِبُهُ أُخْرَى فَلَمْ ‏ ‏تُغْنِ ‏ ‏شَيْئًا فَصَاحَ وَقَامَ أَهْلُهُ قَالَ ثُمَّ جِئْتُ وَغَيَّرْتُ صَوْتِي كَهَيْئَةِ ‏ ‏الْمُغِيثِ ‏ ‏فَإِذَا هُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَأَضَعُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ ثُمَّ ‏ ‏أَنْكَفِئُ ‏ ‏عَلَيْهِ حَتَّى سَمِعْتُ صَوْتَ الْعَظْمِ ثُمَّ خَرَجْتُ ‏ ‏دَهِشًا ‏ ‏حَتَّى أَتَيْتُ السُّلَّمَ أُرِيدُ أَنْ أَنْزِلَ فَأَسْقُطُ مِنْهُ فَانْخَلَعَتْ رِجْلِي فَعَصَبْتُهَا ثُمَّ أَتَيْتُ أَصْحَابِي ‏ ‏أَحْجُلُ ‏ ‏فَقُلْتُ انْطَلِقُوا فَبَشِّرُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنِّي لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَسْمَعَ ‏ ‏النَّاعِيَةَ ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ صَعِدَ ‏ ‏النَّاعِيَةُ ‏ ‏فَقَالَ أَنْعَى ‏ ‏أَبَا رَافِعٍ ‏ ‏قَالَ فَقُمْتُ أَمْشِي مَا بِي قَلَبَةٌ فَأَدْرَكْتُ أَصْحَابِي قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَشَّرْتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : \" فَأَدْرَكْت أَصِحَابِي قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَشَّرْته \" ‏ ‏يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ مِنْ الدَّرَجَةِ وَقَعَ لَهُ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ , لَكِنَّهُ مِنْ شِدَّةِ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الِاهْتِمَامِ بِالْأَمْرِ مَا أَحَسَّ بِالْأَلَمِ وَأُعِينَ عَلَى الْمَشْيِ أَوَّلًا , وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ : \" مَا بِي قَلَبَةٌ \" ثُمَّ لَمَّا تَمَادَى عَلَيْهِ الْمَشْيُ أَحَسَّ بِالْأَلَمِ فَحَمَلَهُ أَصْحَابُهُ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاق , ثُمَّ لَمَّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَيْهِ فَزَالَ عَنْهُ جَمِيعُ الْأَلَمِ بِبَرَكَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ جَوَازُ اِغْتِيَالِ الْمُشْرِكِ الَّذِي بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَأَصَرَّ , وَقَتْلُ مَنْ أَعَانَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ لِسَانِهِ , وَجَوَازُ التَّجسِيسِ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ وَتَطَلُّبُ غِرَّتِهِمْ. وَالْأَخْذُ بِالشِّدَّةِ فِي مُحَارَبَةِ الْمُشْرِكِينَ , وَجَوَازُ إِبْهَامِ الْقَوْلِ لِلْمَصْلَحَةِ , وَتَعَرُّضِ الْقَلِيلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِلْكَثِيرِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ; وَالْحُكْمُ بِالدَّلِيلِ وَالْعَلَامَةِ لِاسْتِدْلَالِ اِبْنِ عَتِيكٍ عَلَى أَبِي رَافِعٍ بِصَوْتِهِ , وَاعْتِمَادِهِ عَلَى صَوْتِ النَّاعِي بِمَوْتِهِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3735",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أَدَاةُ الْحَرْبِ ‏",
        "sharh": "( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ وَالْأَصِيلِيِّ هُنَا قَبْلَ حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم أُحُد : هَذَا جِبْرِيل آخِذ بِرَأْسِ فَرَسه \" الْحَدِيث , وَهُوَ وَهُمْ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ فِي \" بَابِ شُهُودِ الْمَلَائِكَةِ بَدْرًا \" وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا أَبُو ذَرٍّ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ مُتْقِنِي رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ , وَلَا اِسْتَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلَا أَبُو نُعَيْمٍ ثَانِيهمَا. أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي هَذَا الْمَتْن يَوْمَ بَدْرٍ كَمَا تَقَدَّمَ لَا يَوْمَ أُحُدٍ , وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3736",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَيْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى قَتْلَى ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ ‏ ‏كَالْمُوَدِّعِ ‏ ‏لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ‏ ‏فَرَطٌ ‏ ‏وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ وَإِنَّ مَوْعِدَكُمْ الْحَوْضُ وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا قَالَ فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُقْبَةَ بْن عَامِر قَالَ : ‏ ‏\" صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَهُوَ مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) وَقَوْله : \" بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ \" فِيهِ تَجَوُّزٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي \" بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الشُّهَدَاءِ \" مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ. وَقَوْله : ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَر فَقَالَ : إِنِّي بَيْن أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ \" وَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَلِ أَيُّوبَ بْن بِشْرٍ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ عِنْدَ اِبْن أَبِي شَيْبَةَ \" خَرَجَ عَاصِبًا رَأْسَهُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ , ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى أَصْحَابِ أُحُدٍ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ فَأَكْثَر الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ \" وَهَذَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَيْ عِنْدَ خُرُوجِهِ قَبْلَ أَنْ يَصْعَدَ الْمِنْبَرَ. ‏ ‏قَوْله : ( كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ ) ‏ ‏تَابَعَ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب يَحْيَى بْن أَيُّوب عِنْد مُسْلِم وَلَفْظه \" ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ \" وَتَوْدِيعُ الْأَحْيَاءِ ظَاهِرٌ , لِأَنَّ سِيَاقه يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمَّا تَوْدِيعُ الْأَمْوَاتِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الصَّحَابِيُّ أَرَادَ بِذَلِكَ اِنْقِطَاعَ زِيَارَتِهِ الْأَمْوَاتَ بِجَسَدِهِ , لِأَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَهِيَ حَيَاةٌ أُخْرَوِيَّةٌ لَا تُشْبِهُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِتَوْدِيعِ الْأَمْوَاتِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ , وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْجَنَائِزِ وَفِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ , وَتَأْتِي بَقِيَّتُهُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3737",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ وَأَجْلَسَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَيْشًا مِنْ الرُّمَاةِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏لَا ‏ ‏تَبْرَحُوا ‏ ‏إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلَا ‏ ‏تَبْرَحُوا ‏ ‏وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلَا تُعِينُونَا فَلَمَّا ‏ ‏لَقِينَا ‏ ‏هَرَبُوا حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ فِي الْجَبَلِ رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ فَأَخَذُوا يَقُولُونَ الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ لَا ‏ ‏تَبْرَحُوا ‏ ‏فَأَبَوْا فَلَمَّا أَبَوْا صُرِفَ وُجُوهُهُمْ فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلًا وَأَشْرَفَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏فَقَالَ أَفِي الْقَوْمِ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏فَقَالَ لَا تُجِيبُوهُ فَقَالَ أَفِي الْقَوْمِ ‏ ‏ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ‏ ‏قَالَ لَا تُجِيبُوهُ فَقَالَ أَفِي الْقَوْمِ ‏ ‏ابْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ قُتِلُوا فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لَأَجَابُوا فَلَمْ يَمْلِكْ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏نَفْسَهُ فَقَالَ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِيكَ قَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏اعْلُ ‏ ‏هُبَلُ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَجِيبُوهُ قَالُوا مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ قَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَجِيبُوهُ قَالُوا مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ قَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏يَوْمٌ بِيَوْمِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَالْحَرْبُ ‏ ‏سِجَالٌ ‏ ‏وَتَجِدُونَ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ ‏ ‏تَسُؤْنِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْبَرَاءِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فِي الْجِهَادِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ \" سَمِعْت الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمئِذٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي نُعَيْمٍ \" لَمَّا كَانَ يَوْم أُحُدٍ لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ \". ‏ ‏قَوْله : ( الرُّمَاة ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ \" وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا \" وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ , وَوَقَعَ فِي الْهَدْي أَنَّ الْخَمْسِينَ عَدَدُ الْفَرَسَانِ يَوْمَئِذٍ , وَهُوَ غَلَطٌ بَيِّنٌ , وَقَدْ جَزَمَ مُوسَى بْن عُقْبَةَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي أُحُدٌ شَيْءٌ مِنْ الْخَيْلِ. وَوَقَعَ عِنْد الْوَاقِدِيِّ : كَانَ مَعَهُمْ فَرَسٌ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَرَسٌ لِأَبِي بُرْدَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة زُهَيْرٍ \" عَبْدَ اللَّه بْن جُبَيْرٍ \" وَعِنْد اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : \" اِنْضَحُوا الْخَيْلَ عَنَّا بِالنَّبْلِ لَا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَبْرَحُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ \" حَتَّى أُرْسِلَ لَكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ زُهَيْر \" وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ وَالْحَاكِمِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَهُمْ فِي مَوْضِعٍ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ \" اِحْمُوا ظُهُورَنَا , فَإِنْ رَأَيْتُمُونَا نُقْتَلُ فَلَا تَنْصُرُونَا , وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلَا تُشْرِكُونَا \". ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْت النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا دَالٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ أُخْرَى سَاكِنَة أَيْ يُسْرِعْنَ الْمَشْيَ , يُقَال اِشْتَدَّ فِي مَشْيِهِ إِذَا أَسْرَعَ , وَكَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ , وَلَهُ هُنَا \" يُسْنِدْنَ \" بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ مَكْسُورَةٌ وَدَالٌ مُهْمَلَةٌ أَيْ يَصْعَدْنَ , يُقَالُ أَسْنَدَ فِي الْجَبَل يُسْنِدُ إِذَا صَعِدَ , وَلِلْبَاقِينَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ \" يَشْدُدْنَ \" بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ. قَالَ عِيَاضٌ : وَوَقَعَ لِلْقَابِسِيِّ فِي الْجِهَادِ \" يَشْتَدِدْنَ \" وَكَذَا لِابْنِ السَّكَنِ فِيهِ وَفِي الْفَضَائِلِ , وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَالنَّسَفِيِّ \" يَشْتَدُّونَ \" بِمُعْجَمَةٍ وَدَالٍ وَاحِدَةٍ وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" يَسْتَنِدُونَ \" وَلِرَفِيقِهِ \" يَشُدُّونَ \" وَكُلُّهُ بِمَعْنًى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ أَنَّ قُرَيْشًا خَرَجُوا مَعَهُمْ بِالنِّسَاءِ لِأَجْلِ الْحَفِيظَةِ وَالثَّبَاتِ , وَسَمَّى اِبْن إِسْحَاق النِّسَاء الْمَذْكُورَات وَهُنَّ : هِنْد بِنْت عُتْبَةَ خَرَجَتْ مَعَ أَبِي سُفْيَان , وَأُمّ حَكِيم بِنْت الْحَارِث بْن هِشَام مَعَ زَوْجهَا عِكْرِمَة بْن أَبِي جَهْل , وَفَاطِمَة بِنْت الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة مَعَ زَوْجهَا الْحَارِث بْن هِشَام , وَبَرْزَة بِنْت مَسْعُود الثَّقَفِيَّة مَعَ زَوْجهَا صَفْوَان بْن أُمَيَّة وَهِيَ وَالِدَة اِبْن صَفْوَان , وَرَيْطَة بِنْت شَيْبَة السَّهْمِيَّة مَعَ زَوْجهَا عَمْرو بْن الْعَاصِ وَهِيَ وَالِدَة اِبْنه عَبْد اللَّه , وَسُلَافَة بِنْت سَعْد مَعَ زَوْجهَا طَلْحَة بْن أَبِي طَلْحَة الْحَجَبِيِّ , وَخِنَاس بِنْت مَالِك وَالِدَة مُصْعَب بْن عُمَيْر , وَعَمْرَة بِنْت عَلْقَمَة بْن كِنَانَة. وَقَالَ غَيْره كَانَ النِّسَاء اللَّاتِي خَرَجْنَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ يَوْم أُحُدٍ خَمْسَ عَشْرَةَ اِمْرَأَةً. ‏ ‏قَوْله : ( رَفَعْنَ عَنْ سُوقهنَّ ) ‏ ‏جَمْع سَاقٍ أَيْ لِيُعِينَهُنَّ ذَلِكَ عَلَى سُرْعَةِ الْهَرَبِ. وَفِي حَدِيث الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام عِنْد اِبْن إِسْحَاق قَالَ : \" وَاَللَّه لَقَدْ رَأَيْتنِي أَنْظُر إِلَى خَذِمِ هِنْدِ بِنْت عُتْبَةَ وَصَوَاحِبَاتهَا مُشَمِّرَاتٍ هَوَارِبَ مَا دُون إِحْدَاهُنَّ قَلِيل وَلَا كَثِير , إِذْ مَالَتْ الرُّمَاة إِلَى الْعَسْكَر حَتَّى كَشَفَ الْقَوْم عَنْهُ وَخَلَّوْا ظَهْرنَا لِلْجَبَلِ , فَأُتِينَا مِنْ خَلْفَنَا , وَصَرَخَ صَارِخ. أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ , فَانْكَفَأْنَا وَانْكَفَأَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ بَعْدَ أَنْ أَصَبْنَا أَصْحَاب لِوَائِهِمْ حَتَّى مَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ مِنْ الْقَوْمِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذُوا يَقُولُونَ الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن جُبَيْر : عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا تَبْرَحُوا , فَأَبَوْا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة زُهَيْر \" فَقَالَ أَصْحَاب عَبْد اللَّه بْن جُبَيْر : الْغَنِيمَةَ - أَيْ يَوْم الْغَنِيمَة - ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ , فَمَا تَنْتَظِرُونَ \" وَزَادَ \" فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْن جُبَيْر : أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالُوا : وَاَللَّه لَآتِيَنَّ النَّاس فَلَنُصِيبَنَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" فَلَمَّا غَنِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَاحُوا عَسْكَر الْمُشْرِكِينَ انْكَفَتْ الرُّمَاةُ جَمِيعًا فَدَخَلُوا فِي الْعَسْكَر يَنْتَهِبُونَ , وَقَدْ اِلْتَفَّتْ صُفُوفُ أَصْحَابِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُمْ هَكَذَا - وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ - فَلَمَّا أَخَلَّتْ الرُّمَاةُ تِلْكَ الْخَلَّة الَّتِي كَانُوا فِيهَا دَخَلَتْ الْخَيْل مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِع عَلَى الصَّحَابَةِ , فَضَرَبَ بَعْضهمْ بَعْضًا وَالْتَبَسُوا , وَقُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ نَاسٌ كَثِيرٌ , قَدْ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه أَوَّل النَّهَار حَتَّى قُتِلَ مِنْ أَصْحَاب لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ تِسْعَةٌ أَوْ سَبْعَةٌ , وَجَالَ الْمُسْلِمُونَ جَوْلَةً نَحْوَ الْجَبَلِ , وَصَاحَ الشَّيْطَانُ : قُتِلَ مُحَمَّدٌ \" وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيث الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا أَبَوْا صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ \" فَلَمَّا أَتَوْهُمْ \" بِالْمُثَنَّاةِ وَقَوْله \" صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ \" أَيْ تَحَيَّرُوا فَلَمْ يَدْرُوا أَيْنَ يَتَوَجَّهُونَ. وَزَادَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ \" فَذَلِكَ ( إِذْ يَدْعُوهُمْ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ ) فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ اِثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا \" وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ مُرْسَلَةٍ أَنَّهُمْ مِنْ الْأَنْصَارِ , وَسَأَذْكُرُهَا فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيث السَّابِعِ مِنْ الْبَابِ الَّذِي يَلِيه. وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : \" لَمَّا وَلَّى النَّاسُ يَوْمَ أُحُدٍ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اِثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَفِيهِمْ طَلْحَةُ \" الْحَدِيثُ. وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : \" تَفَرَّقَ الصَّحَابَةُ : فَدَخَلَ بَعْضُهُمْ الْمَدِينَةَ , وَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ فَوْقَ الْجَبَلِ , وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى اللَّهِ , فَرَمَاهُ اِبْنُ قَمِيئَةَ بِحَجَرٍ فَكَسَرَ أَنْفَهُ وَرَبَاعِيَتَهُ , وَشَجَّهُ فِي وَجْهِهِ فَأَثْقَله , فَتَرَاجَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثُونَ رَجُلًا فَجَعَلُوا يَذُبُّونَ عَنْهُ. فَحَمَلَهُ مِنْهُمْ طَلْحَة وَسَهْل بْن حُنَيْفٍ , فَرُمِيَ طَلْحَة بِسَهْمٍ وَيَبِسَتْ يَدَهُ. وَقَالَ بَعْضُ مَنْ فَرَّ إِلَى الْجَبَلِ : لَيْتَ لَنَا رَسُولًا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْن أُبَيّ يَسْتَأْمِن لَنَا مِنْ أَبِي سُفْيَانَ , فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ : يَا قَوْم إِنْ كَانَ مُحَمَّد قُتِلَ فَرَبُّ مُحَمَّدٌ لَمْ يُقْتَل. فَقَاتَلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ \" ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ قَتْلِهِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. وَقَصَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَبَلَ فَأَرَادَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَرْمِيَهُ بِسَهْمٍ , فَقَالَ لَهُ : أَنَا رَسُولُ اللَّهِ فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ فَرِحُوا بِهِ وَاجْتَمَعُوا حَوْلَهُ وَتَرَاجَعَ النَّاسُ. وَسَيَأْتِي فِي بَاب مُفْرَد مَا يَتَعَلَّقُ بِمَنْ شَجَّ وَجْهَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ \" فَأَصَابُوا مِنْهَا \" أَيْ مِنْ طَائِفَة الْمُسْلِمِينَ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَأَصَابُوا مِنَّا \" وَهِيَ أَوْجَهُ. وَزَادَ زُهَيْرٌ \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه أَصَابُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ. وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ مُرْسَل أَبِي الضُّحَى قَالَ : \" قُتِلَ يَوْمَئِذٍ - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - سَبْعُونَ : أَرْبَعَةٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَمْزَةُ وَمُصْعَبُ بْن عُمَيْر وَعَبْد اللَّه بْن جَحْش وَشَمَّاسُ بْن عُثْمَان , وَسَائِرهمْ مِنْ الْأَنْصَارِ \". قُلْت : وَبِهَذَا جَزَمَ الْوَاقِدِيُّ. وَفِي كَلَامِ اِبْن سَعْدٍ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَخْرَجَ اِبْن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ : \" أُصِيبَ يَوْم أُحُدٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَة وَسِتُّونَ وَمِنْ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ , وَكَانَ الْخَامِس سَعْد مَوْلَى حَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ. وَالسَّادِس يُوسُف بْن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ حَلِيف بَنِي عَبْد شَمْسٍ \" , وَذَكَرَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ اِثْنَانِ وَسَبْعُونَ. وَعَنْ مَالِكٍ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَّة أَحَدٌ وَسَبْعُونَ , وَسَرَدَ أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمُرِيُّ أَسْمَاءَهُمْ فَبَلَغُوا سِتَّةً وَتِسْعِينَ , وَمِنْ الْمُهَاجِرِينَ أَحَدَ عَشَرَ وَسَائِرهمْ مِنْ الْأَنْصَارِ , مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق وَالزِّيَادَة مِنْ عِنْدِ مُوسَى بْن عُقْبَة أَوْ مُحَمَّد بْن سَعْد أَوْ هِشَام بْن الْكَلْبِيّ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَعَنْ الدِّمْيَاطِيّ أَرْبَعَة أَوْ خَمْسَة , قَالَ فَزَادُوا عَنْ الْمِائَة. قَالَ الْيَعْمُرِيُّ : قَدْ وَرَدَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى : ( أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا ) أَنَّهَا نَزَلَتْ تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ عَمَّنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ , فَإِنَّهُمْ أَصَابُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ قَتِيلًا وَسَبْعِينَ أَسِيرًا فِي عَدَدِ مَنْ قُتِلَ. قَالَ الْيَعْمُرِيُّ : إِنْ ثَبَتَتْ فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ نَاشِئَةٌ عَنْ الْخِلَافِ فِي التَّفْصِيلِ. قُلْت : وَهُوَ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ , وَالْحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْ هِشَام بْن حَسَّانٍ عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَة بْن عَمْرو عَنْ عَلِيٍّ \" أَنَّ جِبْرِيلَ هَبَطَ فَقَالَ : خَيِّرْهُمْ فِي أُسَارَى بَدْرٍ مِنْ الْقَتْلِ أَوْ الْفِدَاءِ عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْ قَابِلٍ مِثْلُهُمْ , قَالُوا : الْفِدَاءُ وَيُقْتَلُ مِنَّا \" قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ , وَرَوَاهُ اِبْن عَوْن عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ مُرْسَلًا. قُلْت : وَرَوَاهُ اِبْن عَوْن عِنْد الطَّبَرِيِّ , وَوَصَلَهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث عُمَر عِنْد أَحْمَد وَغَيْرِهِ , قَالَ الْيَعْمُرِيُّ : وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول السَّبْعِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَّة , وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن سَعْد. قُلْت : \" وَكَأَنَّ الْخِطَابَ بِقَوْلِهِ : ( أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ ) لِلْأَنْصَارِ خَاصَّة , وَيُؤَيِّدهُ قَوْل أَنَس \" أُصِيب مِنَّا يَوْم أُحُد سَبْعُونَ \" وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ بِمَعْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَان ) ‏ ‏أَيْ اِبْن حَرْب , وَكَانَ رَئِيس الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ) ‏ ‏زَادَ زُهَيْر ثَلَاث مَرَّات فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : لَا تُجِيبُوهُ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَيْنَ اِبْن أَبِي كَبْشَة , أَيْنَ اِبْن أَبِي قُحَافَة , أَيْنَ اِبْن الْخَطَّاب ؟ فَقَالَ عُمَر : أَلَا أُجِيبهُ ؟ قَالَ : بَلَى \" وَكَأَنَّهُ نَهَى عَنْ إِجَابَتِهِ فِي الْأُولَى وَأَذِنَ فِيهَا فِي الثَّالِثَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَتَلُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ \" ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا \". ‏ ‏قَوْله : ( أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْك مَا يُخْزِيك ) ‏ ‏زَادَ زُهَيْر \" إِنَّ الَّذِي عَدَدْت لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( اُعْلُ هُبَل ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ \" ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ : أُعْلُ هُبَل \" قَالَ اِبْن إِسْحَاق : مَعْنَى قَوْله أُعْلُ هُبَل أَيْ ظَهَرَ دِينُك. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ. مَعْنَاهُ زَادَ عُلُوًّا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَإِنْ قُلْت مَا مَعْنَى اُعْلُ وَلَا عُلُوَّ فِي هُبَل ؟ فَالْجَوَاب هُوَ بِمَعْنَى الْعُلَى , أَوْ الْمُرَاد أَعْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ا ه. وَزَادَ زُهَيْر \" قَالَ أَبُو سُفْيَان : يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْر , وَالْحَرْب سِجَال \" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْجِيم , وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" الْأَيَّام دُوَلٌ وَالْحَرْبُ سِجَال \" وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ قَالَ : أَنْعَمَت فَعَال إِنَّ الْحَرْب سِجَال ا ه. وَفَعَال بِفَتْحِ الْفَاء وَتَخْفِيف الْمُهْمَلَة قَالُوا مَعْنَاهُ أَنْعَمْت الْأَزْلَام , وَكَانَ اِسْتَقْسَمَ بِهَا حِين خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ. وَوَقَعَ فِي خَبَرِ السُّدِّيِّ عَمِدَ الطَّبَرَانِيُّ : اُعْلُ هُبَل , حَنْظَلَة بِحَنْظَلَةٍ , وَيَوْم أُحُد بِيَوْمِ بَدْر. وَقَدْ اِسْتَمَرَّ أَبُو سُفْيَان عَلَى اِعْتِقَاد ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لِهِرَقْل لَمَّا سَأَلَهُ كَيْف كَانَ حَرْبكُمْ مَعَهُ - أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطه فِي بَدْءِ الْوَحْي , وَقَدْ أَقَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا سُفْيَان عَلَى ذَلِكَ , بَلْ نَطَقَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ اللَّفْظَة كَمَا فِي حَدِيث أَوْس بْن أَبِي أَوْس عِنْد اِبْنِ مَاجَهْ وَأَصْله عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" الْحَرْب سِجَال \" وَيُؤَيِّد ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : ( وَتِلْك الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) بَعْدَ قَوْلِهِ ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ) فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ أُحُدٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَالْقَرْحُ الْجُرْحُ. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ قَالَ : \" لَمَّا صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَبَلَ جَاءَ أَبُو سُفْيَان فَقَالَ : الْحَرْبُ سِجَال - فَذَكَرَ الْقِصَّة قَالَ - فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْك الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ , وَزَادَ فِي حَدِيثِ اِبْن عَبَّاسٍ \" قَالَ عُمَرُ : لَا سَوَاء , قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتَلَاكُمْ فِي النَّارِ. قَالَ : إِنَّكُمْ لَتَزْعُمُونَ ذَلِكَ , لَقَدْ خِبْنَا إِذًا وَخَسِرْنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَتَجِدُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَسَتَجِدُونَ \". ‏ ‏قَوْله : ( مُثْلَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الْمُثَلَّثَة , وَيَجُوز فَتْح أَوَّلِهِ. وَقَالَ اِبْن التِّين : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ , قَالَ اِبْن فَارِس : مَثَّلَ بِالْقَتْلِ إِذَا جَدَعَهُ , قَالَ اِبْن إِسْحَاق : حَدَّثَنِي صَالِح بْن كَيْسَانَ قَالَ : \" خَرَجَتْ هِنْدُ وَالنِّسْوَةُ مِنْهَا يُمَثِّلْنَ بِالْقَتْلَى , يَجْدَعْنَ الْآذَانَ وَالْأُنُفَ , حَتَّى اِتَّخَذَتْ هِنْدُ مِنْ ذَلِكَ حُزَمًا وَقَلَائِدَ , وَأَعْطَتْ حُزَمَهَا وَقَلَائِدَهَا - أَيْ اللَّائِي كُنَّ عَلَيْهَا - لِوَحْشِيٍّ جَزَاءً لَهُ عَلَى قَتْلِ حَمْزَةَ , وَبَقَرَتْ عَنْ كَبِدِ حَمْزَةَ فَلَاكَتْهَا فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُسِيغَهَا فَلَفَظَتْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ آمُرْ بِهَا , وَلَمْ تَسُؤْنِي ) ‏ ‏أَيْ لَمْ أَكْرَهَّا وَإِنْ كَانَ وُقُوعُهَا بِغَيْرِ أَمْرِي. وَفِي حَدِيثِ اِبْن عَبَّاسِ : وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ رَأْيِ سَرَاتِنَا , أَدْرَكْته حَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ : أَمَّا إِنَّهُ كَانَ لَمْ يَكْرَهْهُ. وَفِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاق \" وَاَللَّهِ مَا رَضِيت وَمَا سَخِطْت , وَمَا نَهَيْت وَمَا أَمَرْت \" وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِدِ مَنْزِلَة أَبِي بَكْر وَعُمَر مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُصُوصِيَّتِهِمَا بِهِ بِحَيْثُ كَانَ أَعْدَاؤُهُ لَا يَعْرِفُونَ بِذَلِكَ غَيْرهمَا , إِذْ لَمْ يَسْأَلْ أَبُو سُفْيَان عَنْ غَيْرِهِمَا. وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَذَكَّر نِعْمَةَ اللَّهِ وَيَعْتَرِفَ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ أَدَاءِ شُكْرِهَا. وَفِيهِ شُؤْمِ اِرْتِكَابِ النَّهْي , وَأَنَّهُ يَعُمّ ضَرَرُهُ مَنْ لَمْ يَقَع مِنْهُ , كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) وَأَنَّ مَنْ آثَرَ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِأَمْرِ آخِرَتِهِ وَلَمْ تَحْصُلْ لَهُ دُنْيَاهُ. وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْكَائِنَةِ أَخْذُ الصَّحَابَةِ الْحَذَر مِنْ الْعَوْدِ إِلَى مِثْلِهَا , وَالْمُبَالَغَة فِي الطَّاعَةِ , وَالتَّحَرُّز مِنْ الْعَدُوِّ الَّذِينَ كَانُوا يَظْهَرُونَ أَنَّهُمْ مِنْهُمْ وَلَيْسُوا مِنْهُمْ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ أَيْضًا ( وَتِلْك الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ - إِلَى أَنْ قَالَ - وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) , وَقَالَ : ( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ ). ‏"
    },
    {
        "id": "3738",
        "content": "‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اصْطَبَحَ ‏ ‏الْخَمْرَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏نَاسٌ ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرٍو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَارٍ. ‏ ‏قَوْله : ( اِصْطَبَحَ الْخَمْرَ يَوْمَ أُحُد نَاسٌ ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ ) ‏ ‏سُمِّيَ جَابِر مِنْهُمْ فِيمَا رَوَاهُ وَهْب بْن كَيْسَانَ عَنْهُ أَبَاهُ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , أَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيلِ \" , وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ كَانَ بَعْدَ أُحُدٍ , وَصَرَّحَ صَدَقَةُ بْن الْفَضْلِ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ بِذَلِكَ فَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ \" وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَوَائِدِهِ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3739",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ‏ ‏أُتِيَ بِطَعَامٍ ‏ ‏وَكَانَ صَائِمًا ‏ ‏فَقَالَ قُتِلَ ‏ ‏مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ وَأُرَاهُ قَالَ وَقُتِلَ ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنْ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ أَوْ قَالَ أُعْطِينَا مِنْ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَكِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف. ‏ ‏قَوْله : ( أُتِيَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف بِطَعَامٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة نَوْفَل بْن إِيَاس أَنَّ الطَّعَامَ كَانَ خُبْزًا وَلَحْمًا , أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي \" الشَّمَائِلِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ صَائِم ) ‏ ‏ذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قُتِلَ مُصْعَبُ بْن عُمَيْرٍ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ نَسَبُهُ وَذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ , وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَإِلَى الْهِجْرَةِ , وَكَانَ يُقْرِئ النَّاسَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ قَتْلُهُ يَوْمَ أُحُدٍ , وَذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن إِسْحَاق وَغَيْرُهُ , وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : وَكَانَ الَّذِي قَتَلَ مُصْعَب بْن عُمَيْر عَمْرو بْن قَمِيئَةَ اللَّيْثِيُّ , فَظَنَّ أَنَّهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشِ فَقَالَ لَهُمْ : قَتَلْت مُحَمَّدًا. وَفِي الْجِهَادِ لِابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ مُرْسَلِ عُبَيْد بْن عُمَيْر قَالَ : \" وَقَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُصْعَب بْن عُمَيْر وَهُوَ مُتَجَعِّفٌ عَلَى وَجْهِهِ , وَكَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي ) ‏ ‏لَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ مَا اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْر مِنْ تَفْضِيل الْعَشَرَة عَلَى غَيْرِهِمْ بِالنَّظَرِ إِلَى مَنْ لَمْ يُقْتَل فِي زَمَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ وَقَعَ مِنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق نَظِيرُ ذَلِكَ , فَذَكَرَ اِبْن هِشَامٍ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَعِنْده بِنْت سَعْد بْن الرَّبِيع وَهِيَ صَغِيرَة فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَ : هَذِهِ بِنْت رَجُل خَيْر مِنِّي , سَعْد بْن الرَّبِيع , كَانَ مِنْ نُقَبَاءِ الْعَقَبَةِ شَهِدَ بَدْرًا وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ. ‏ ‏قَوْله : ( كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقُتِلَ حَمْزَةُ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب , سَتَأْتِي كَيْفِيَّةُ قَتْلِهِ فِي هَذَا الْبَابِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنْ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ ) ‏ ‏يُشِيرُ إِلَى مَا فُتِحَ لَهُمْ مِنْ الْفُتُوحِ وَالْغَنَائِمِ وَحَصَلَ لَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ , وَكَانَ لِعَبْدِ الرَّحْمَن مِنْ ذَلِكَ الْحَظُّ الْوَافِرُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْجَنَائِز \" طَيِّبَاتُنَا \" , وَفِي رِوَايَةِ نَوْفَلِ بْن إِيَاسٍ \" وَلَا أُرَانَا أُخِّرْنَا لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَدَ عَنْ غُنْدَر عَنْ شُعْبَةَ \" وَأَحْسَبُهُ لَمْ يَأْكُلْهُ \". وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ الزُّهْدِ , وَأَنَّ الْفَاضِلَ فِي الدِّينِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ التَّوَسُّعِ فِي الدُّنْيَا لِئَلَّا تَنْقُصَ , حَسَنَاتُهُ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِقَوْلِهِ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا قَدْ عُجِّلَتْ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي ذِكْرُ سِيَرِ الصَّالِحِينَ وَتَقَلُّلِهِمْ فِي الدُّنْيَا لِتَقِلَّ رَغْبَتُهُ فِيهَا قَالَ : وَكَانَ بُكَاءُ عَبْدِ الرَّحْمَن شَفَقًا أَنْ لَا يَلْحَقَ بِمَنْ تَقَدَّمَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3740",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فَأَيْنَ أَنَا قَالَ ‏ ‏فِي الْجَنَّةِ فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرٍو ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ دِينَارٍ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمه , وَزَعَمَ اِبْن بَشْكُوَالٍ أَنَّهُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ , وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الْخَطِيبُ وَاحْتَجَّ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ \" أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ الْحُمَامِ أَخْرَجَ تَمَرَاتٍ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ثُمَّ قَالَ : لَئِنْ أَنَا أُحْيِيت حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ , ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ \". قُلْت : لَكِنْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ , وَالْقِصَّةُ الَّتِي فِي الْبَابِ وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهَا كَانَتْ يَوْمَ أُحُدٍ , فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ وَقَعَتَا لِرَجُلَيْنِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ حُبِّ نَصْرِ الْإِسْلَامِ , وَالرَّغْبَةِ فِي الشَّهَادَةِ اِبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3741",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ وَمِنَّا مَنْ مَضَى أَوْ ذَهَبَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا كَانَ مِنْهُمْ ‏ ‏مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏قُتِلَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏لَمْ يَتْرُكْ إِلَّا ‏ ‏نَمِرَةً ‏ ‏كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا غُطِّيَ بِهَا رِجْلَاهُ خَرَجَ رَأْسُهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلِهِ ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏أَوْ قَالَ أَلْقُوا عَلَى رِجْلِهِ مِنْ ‏ ‏الْإِذْخِرِ ‏ ‏وَمِنَّا مَنْ قَدْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث خَبَّاب , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْجَنَائِز , وَيَأْتِي أَيْضًا بَعْد سَبْعَة أَبْوَابٍ , وَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3742",
        "content": "‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَسَّانُ بْنُ حَسَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَمَّهُ ‏ ‏غَابَ عَنْ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَقَالَ غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أُجِدُّ فَلَقِيَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏فَهُزِمَ النَّاسُ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ ‏ ‏يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ فَلَقِيَ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ‏ ‏فَقَالَ أَيْنَ يَا ‏ ‏سَعْدُ ‏ ‏إِنِّي أَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏فَمَضَى فَقُتِلَ فَمَا عُرِفَ حَتَّى عَرَفَتْهُ ‏ ‏أُخْتُهُ ‏ ‏بِشَامَةٍ أَوْ بِبَنَانِهِ وَبِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّان ) ‏ ‏هُوَ أَبُو عَلِيّ الْبَصْرِيّ نَزِيل مَكَّة وَيُقَال أَيْضًا حَسَّان بْن أَبِي عَبَّاد , وَوَهَمَ مَنْ جَعَلَهُ اِثْنَيْنِ , وَهُوَ مِنْ قُدَمَاءِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشَرَ , وَمَا لَهُ عِنْدَهُ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَر فِي أَبْوَاب الْعُمْرَة. وَمُحَمَّد بْن طَلْحَة أَيْ اِبْن مُصَرِّفٍ بِتَشْدِيدِ الرَّاء الْمَكْسُورَةِ كُوفِيٌّ فِيهِ مَقَالٌ , إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِد بِهَذَا عَنْ حُمَيْدٍ , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد مِنْ رِوَايَة عَبْد الْأَعْلَى بِأَتَمّ مِنْ هَذَا السِّيَاق فِيهِ عَنْ حُمَيْدٍ \" سَأَلْت أَنَسًا \". ‏ ‏قَوْله : ( لَيَرَيَنَّ اللَّه ) ‏ ‏بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالرَّاءِ ثُمَّ التَّحْتَانِيَّةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَاَللَّهُ بِالرَّفْعِ , وَمُرَادُهُ أَنْ يُبَالِغ فِي الْقِتَالِ وَلَوْ زَهَقَتْ رُوحه. وَقَالَ أَنَس فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ \" وَخَشِيَ أَنْ يَقُول غَيْرهَا \" أَيْ غَيْرَ هَذِهِ الْكَلِمَة , وَذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْأَدَبِ مِنْهُ وَالْخَوْف لِئَلَّا يَعْرِضَ لَهُ عَارِض فَلَا يَفِي بِمَا يَقُول فَيَصِير كَمَنْ وَعَدَ فَأَخْلَفَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أُجِدُّ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ لِلْأَكْثَرِ مِنْ الرُّبَاعِيِّ , يُقَال أَجَدَّ فِي الشَّيْءِ يُجِدُّ إِذَا بَالِغ فِيهِ , وَقَالَ اِبْن التِّين : صَوَابه بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَضَمّ الْجِيمِ , يُقَال أَجَدَّ يَجُدُّ إِذَا اِجْتَهَدَ فِي الْأَمْر , أَمَّا أُجِدُّ فَإِنَّمَا يُقَالُ لِمَنْ سَارَ فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ , وَلَا مَعْنَى لَهَا هُنَا. قَالَ وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْرِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ مِنْ الْوِجْدَانِ أَيْ مَا أَلْتَقِي مِنْ الشِّدَّةِ فِي الْقِتَالِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي أَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِأَنْ يَكُونَ شَمَّ رَائِحَةً طَيِّبَةً زَائِدَةً عَمَّا يُعْهَدُ فَعَرَفَ أَنَّهَا رِيحُ الْجَنَّةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْيَقِينِ حَتَّى كَأَنَّ الْغَائِبَ عَنْهُ صَارَ مَحْسُوسًا عِنْدَهُ , وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أُقَاتِلُ فِيهِ يَئُول بِصَاحِبِهِ إِلَى الْجَنَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَضَى فَقُتِلَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَى \" قَالَ سَعْد بْن مُعَاذ : فَمَا اِسْتَطَعْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ \". قُلْت. وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ أَنَسَ بْن مَالِك إِنَّمَا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُر قَتْل أَنَس بْن النَّضْرِ , وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى شَجَاعَةٍ مُفْرِطَةٍ فِي أَنَسِ بْن النَّضْرِ بِحَيْثُ إِنَّ سَعْد بْن مُعَاذ مَعَ ثَبَاته يَوْم أُحُدٍ وَكَمَالِ شَجَاعَتِهِ مَا جَسَرَ عَلَى مَا صَنَعَ أَنَس بْن النَّضْرِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا عُرِفَ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِشَامَةٍ , أَوْ بِبَنَانِهِ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِالشَّكِّ وَالْأَوَّلُ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ وَالثَّانِي بِمُوَحَّدَتَيْنِ وَنُونَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ وَالثَّانِي هُوَ الْمَعْرُوفُ وَبِهِ جَزَمَ عَبْدُ الْأَعْلَى فِي رِوَايَتِهِ وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَبِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَى بِلَفْظِ \" ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةٍ بِالرُّمْحِ أَوْ رَمْيَةٍ بِالسَّهْمِ \" وَلَيْسَتْ \" أَوْ \" لِلشَّكِّ بَلْ هِيَ لِلتَّقْسِيمِ وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ \" وَوَجَدْنَاهُ قَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ \" وَعِنْدَهُ \" قَالَ أَنَس : كُنَّا نَرَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ ( مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ \" وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةِ \" قَالَ أَنَس فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ , وَكَذَا وَقَعَ الْجَزْمُ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْمُصَنِّف فِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ مِنْ طَرِيقِ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ وَلَفْظُهُ \" هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ \" فَذَكَرَهَا , وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْأَخْذِ بِالشِّدَّةِ فِي الْجِهَادِ , وَبَذْلِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ فِي طَلَبِ الشَّهَادَةِ , وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ , وَتَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ فَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3743",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏فَقَدْتُ آيَةً مِنْ ‏ ‏الْأَحْزَابِ ‏ ‏حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ بِهَا فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ ‏ ‏خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ { ‏مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى ‏ ‏نَحْبَهُ ‏ ‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ‏} ‏فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَسَيَأْتِي تَامًّا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآن مَعَ شَرْحِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3744",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏رَجَعَ ‏ ‏نَاسٌ ‏ ‏مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ وَكَانَ ‏ ‏أَصْحَابُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةً تَقُولُ نُقَاتِلُهُمْ وَفِرْقَةً تَقُولُ لَا نُقَاتِلُهُمْ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ ‏ ‏أَرْكَسَهُمْ ‏ ‏بِمَا كَسَبُوا ‏} ‏وَقَالَ ‏ ‏إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الذُّنُوبَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه بْن يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ الْخَطْمِيُّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ. ‏ ‏قَوْله : ( رَجَعَ نَاس مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ ) ‏ ‏يَعْنِي عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَأَصْحَابه , وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة فِي الْمَغَازِي وَأَنَّ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ كَانَ وَافَقَ رَأْيه رَأْي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِقَامَة بِالْمَدِينَةِ , فَلَمَّا أَشَارَ غَيْره بِالْخُرُوجِ وَأَجَابَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ قَالَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ لِأَصْحَابِهِ : أَطَاعَهُمْ وَعَصَانِي. عَلَامَ نَقْتُلُ أَنْفُسنَا ؟ فَرَجَعَ بِثُلُثِ النَّاسِ. قَالَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته : فَاتَّبَعَهُمْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن حَرَام وَهُوَ وَالِد جَابِر وَكَانَ خَزْرَجِيًّا كَعَبْدِ اللَّه بْن أُبَيّ فَنَاشَدَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فَأَبَوْا فَقَالَ : أَبْعَدكُمْ اللَّهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرْقَتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ فِي الْحُكْم فِيمَنْ اِنْصَرَفَ مَعَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَلَتْ ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي سَبَب نُزُولهَا. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ أَبِي سَعِيد بْن مُعَاذ قَالَ : \" نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْأَنْصَار , خَطَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ لِي بِمَنْ يُؤْذِينِي ؟ فَذَكَرَ مُنَازَعَةَ سَعْد بْن مُعَاذ وَسَعْد بْن عُبَادَة وَأُسَيْد بْن حُضَيْر وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ , قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة \" وَفِي سَبَبِ نُزُولهَا قَوْل آخَر أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَةَ بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ قَوْمًا أَتَوْا الْمَدِينَةَ فَأَسْلَمُوا , فَأَصَابَهُمْ الْوَبَاءُ فَرَجَعُوا , وَاسْتَقْبَلَهُمْ نَاسٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَأَخْبَرُوهُمْ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَافَقُوا , وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا , فَنَزَلَتْ \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُرْسَلًا , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ إِنَّهَا طَيْبَةٌ تَنْفِي الذُّنُوبَ ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَتَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ \" تَنْفِي الدَّجَّالَ \" وَيَأْتِي فِي التَّفْسِير بِلَفْظِ \" تَنْفِي الْخَبَثَ \" وَهُوَ الْمَحْفُوظُ , وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ مُسْتَوْفًى. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا تَنْفِي النَّارُ إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ حَدِيثٌ آخَرُ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ , وَقَدْ فَرَّقَهُ مُسْلِمٌ حَدِيثَيْنِ , فَذَكَرَ مَا يَتَعَلَّق بِهَذِهِ الْقِصَّة فِي \" بَاب ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ \" وَهُوَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِهِ , وَذَكَرَ قَوْله : \" إِنَّهَا طَيْبَةٌ إِلَخْ \" فِي فَضْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ , وَهُوَ مِنْ نَادِرِ صَنِيعِهِ , بِخِلَافِ الْبُخَارِيّ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الْحَدِيثَ كَثِيرًا فِي الْأَبْوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3745",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا ‏ { ‏إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ‏} ‏بَنِي سَلِمَةَ ‏ ‏وَبَنِي حَارِثَةَ ‏ ‏وَمَا أُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ وَاللَّهُ يَقُولُ ‏ { ‏وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرٍو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِينَا ) ‏ ‏أَيْ فِي قَوْمِهِ بَنِي سَلِمَةَ وَهُمْ مِنْ الْخَزْرَجِ , وَفِي أَقَارِبِهِمْ بَنِي حَارِثَةَ وَهُمْ مِنْ الْأَوْسِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا أُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ وَاَللَّهُ يَقُولُ : وَاَللَّهُ وَلِيُّهُمَا ) ‏ ‏أَيْ وَإِنَّ الْآيَةَ وَإِنْ كَانَ فِي ظَاهِرِهَا غَضٌّ مِنْهُمْ لَكِنْ فِي آخِرِهَا غَايَة الشَّرَفِ لَهُمْ , قَالَ اِبْن إِسْحَاق : ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّهُ وَلِيُّهُمَا ) ‏ ‏أَيْ الدَّافِع عَنْهُمَا مَا هَمُّوا بِهِ مِنْ الْفَشَلِ , لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ مِنْ غَيْرِ وَهْنٍ مِنْهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3746",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلْ نَكَحْتَ يَا ‏ ‏جَابِرُ ‏ ‏قُلْتُ نَعَمْ قَالَ مَاذَا أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا قُلْتُ لَا بَلْ ثَيِّبًا قَالَ ‏ ‏فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي قُتِلَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ كُنَّ لِي تِسْعَ أَخَوَاتٍ فَكَرِهْتُ أَنْ أَجْمَعَ إِلَيْهِنَّ جَارِيَةً ‏ ‏خَرْقَاءَ ‏ ‏مِثْلَهُنَّ وَلَكِنْ امْرَأَةً تَمْشُطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ قَالَ أَصَبْتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرٍو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَارٍ. ‏ ‏قَوْله : ( تِسْعَ بَنَاتٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ \" سِتَّ بَنَاتٍ \" فَكَأَنَّ ثَلَاثًا مِنْهُنَّ كُنَّ مُتَزَوِّجَاتٍ أَوْ بِالْعَكْسِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ , وَيَأْتِي شَرْحُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِر , وَالْغَرَض مِنْ إِيرَادِهِ هُنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَالِد جَابِر كَانَ مِمَّنْ اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ , وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْن خِرَاشٍ \" سَمِعْت جَابِرًا يَقُول : لَقِيَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا لِي أَرَاك مُنْكَسِرًا ؟ قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ اُسْتُشْهِدَ أَبِي بِأُحُدٍ وَتَرَكَ دَيْنًا وَعِيَالًا , قَالَ : أَفَلَا أُبَشِّرُك ؟ إِنَّ اللَّهَ قَدْ لَقِيَ أَبَاك فَقَالَ : تَمَنَّ عَلَيَّ , قَالَ : تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيك مَرَّةً أُخْرَى , وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ ) الْآيَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "3747",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فِرَاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ فَلَمَّا حَضَرَ جِزَازُ النَّخْلِ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي قَدْ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَتَرَكَ دَيْنًا كَثِيرًا وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ ‏ ‏الْغُرَمَاءُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اذْهَبْ ‏ ‏فَبَيْدِرْ ‏ ‏كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَةٍ فَفَعَلْتُ ثُمَّ دَعَوْتُهُ فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ ‏ ‏أُغْرُوا ‏ ‏بِي تِلْكَ السَّاعَةَ فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا ‏ ‏بَيْدَرًا ‏ ‏ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي أَصْحَابَكَ فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ عَنْ وَالِدِي أَمَانَتَهُ وَأَنَا أَرْضَى أَنْ يُؤَدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَلَا أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ فَسَلَّمَ اللَّهُ ‏ ‏الْبَيَادِرَ ‏ ‏كُلَّهَا وَحَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى ‏ ‏الْبَيْدَرِ ‏ ‏الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَأَنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تِسْعَ بَنَاتٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ \" سِتَّ بَنَاتٍ \" فَكَأَنَّ ثَلَاثًا مِنْهُنَّ كُنَّ مُتَزَوِّجَاتٍ أَوْ بِالْعَكْسِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ , وَيَأْتِي شَرْحُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ , وَالْغَرَضُ مِنْ إِيرَادِهِ هُنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَالِد جَابِر كَانَ مِمَّنْ اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ , وَعِنْد التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْن خِرَاشٍ \" سَمِعْت جَابِرًا يَقُول : لَقِيَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا لِي أَرَاك مُنْكَسِرًا ؟ قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّه اُسْتُشْهِدَ أَبِي بِأُحُدٍ وَتَرَك دَيْنًا وَعِيَالًا , قَالَ : أَفَلَا أُبَشِّرُك ؟ إِنَّ اللَّه قَدْ لَقِيَ أَبَاك فَقَالَ : تَمَنَّ عَلَيَّ , قَالَ : تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيك مَرَّةً أُخْرَى , وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ ) الْآيَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "3748",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَمَعَهُ ‏ ‏رَجُلَانِ ‏ ‏يُقَاتِلَانِ عَنْهُ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَعَهُ رَجُلَانِ يُقَاتِلَانِ عَنْهُ ) ‏ ‏هُمَا جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ كَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ مِسْعَرٍ وَفِي آخِرِهِ \" يَعْنِي جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا رَأَيْتهمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ \" لَمْ أَرَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْم وَلَا بَعْدَهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3749",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ السَّعْدِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَثَلَ ‏ ‏لِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كِنَانَتَهُ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَعْد أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ عَنْهُ وَمِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْن الْمُسَيِّبِ , وَقَوْله فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : \" حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّانُ \" وَفِي الثَّالِثَةِ لَيْث وَهُوَ اِبْن سَعْد عَنْ يَحْيَى وَهُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيِّ , وَرِوَايَةِ اللَّيْثِ أَتَمُّ. وَقَوْله فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى : ‏ ‏\" هَاشِم بْن هَاشِم \" ‏ ‏أَيْ اِبْن عُتْبَةَ أَيْ اِبْن أَبِي وَقَّاصٍ وَإِنَّمَا قَالَ فِي نِسْبَته السَّعْدِيّ لِأَنَّهُ مَنْسُوب إِلَى عَمّ أَبِيهِ سَعْد وَهُوَ جَدّه مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ , ‏ ‏وَقَوْله \" نَثَلَ \" ‏ ‏بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُثَلَّثَةِ أَيْ نَفَضَ وَزْنًا وَمَعْنَى , وَالْكِنَانَةُ جَعْبَةُ السِّهَامِ وَتَكُنْ غَالِبًا مِنْ جُلُودٍ , وَقَوْله فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ : \" كِلَاهُمَا \" كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَأَبِي الْوَقْتِ , وَلِغَيْرِهِمَا \" كِلَيْهِمَا \" وَهُمَا جَائِزَانِ. ‏ ‏وَقَوْله : \" اِرْمِ فِدَاك أَبِي وَأُمِّي \" ‏ ‏هُوَ تَفْسِيرٌ لِمَا فِي الرِّوَايَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3750",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏جَمَعَ لِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبَوَيْهِ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : \" جَمَعَ لِي أَبَوَيْهِ \" ‏ ‏وَرَأَيْت فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَة مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَل أَخْرَجَهَا اِبْن عَائِذ عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ يَحْيَى بْن حَمْزَة قَالَ : \" قَالَ سَعْد : رَمَيْت بِسَهْمٍ , فَرَدَّ عَلَيَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمِي أَعْرِفُهُ , حَتَّى وَالَيْت بَيْن ثَمَانِيَةٍ أَوْ تِسْعَةٍ كُلُّ ذَلِكَ يَرُدُّهُ عَلَيَّ , فَقُلْت : هَذَا سَهْمُ دَمٍ فَجَعَلْتهُ فِي كِنَانَتِي لَا يُفَارِقنِي \" وَعِنْد الْحَاكِمِ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ بَيَانُ سَبَبٍ , فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ يُونُس بْن بَكِير وَهُوَ فِي الْمَغَازِي رِوَايَته مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ بِنْت سَعْد عَنْ أَبِيهَا قَالَ : \" جَالَ النَّاسُ يَوْمَ أُحُدٍ تِلْكَ الْجَوْلَة تَنَحَّيْت فَقُلْت أَذُودُ عَنْ نَفْسِي فَإِمَّا أَنْ أَنْجُوَ وَإِمَّا أَنْ أَسْتَشْهِد , فَإِذَا رَجُلٌ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ وَقَدْ كَادَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَرْكَبُوهُ , فَمَلَأَ يَدَهُ مِنْ الْحَصَى فَرَمَاهُمْ , وَإِذَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ الْمِقْدَادُ , فَأَرَدْت أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ الرَّجُل فَقَالَ لِي : يَا سَعْد هَذَا رَسُول اللَّه يَدْعُوك , فَقُمْت وَكَأَنَّهُ لَمْ يُصِبْنِي شَيْءٌ مِنْ الْأَذَى , وَأَجْلَسَنِي أَمَامَهُ فَجَعَلْت أَرْمِي \" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3751",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ قَالَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏أَبَوَيْهِ كِلَيْهِمَا ‏ ‏يُرِيدُ حِينَ قَالَ ‏ ‏فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي وَهُوَ يُقَاتِلُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3752",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شَدَّادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَجْمَعُ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرَ ‏ ‏سَعْدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعْد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَابْن شَدَّادٍ هُوَ عَبْد اللَّه كَمَا فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة , وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ. وَيَسَرَةَ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ. وَإِبْرَاهِيم هُوَ اِبْن سَعْدِ بْن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( وَغَيْر سَعْد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي وَقَّاصٍ , وَهُوَ اِبْن مَالِك كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. وَقَوْله فِيهَا : \" إِلَّا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ \" فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" غَيْرَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3753",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ إِلَّا ‏ ‏لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏يَا ‏ ‏سَعْدُ ‏ ‏ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3754",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعْتَمِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ زَعَمَ ‏ ‏أَبُو عُثْمَانَ ‏ ‏أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَيَّامِ الَّتِي يُقَاتِلُ فِيهِنَّ غَيْرُ ‏ ‏طَلْحَةَ ‏ ‏وَسَعْدٍ ‏ ‏عَنْ حَدِيثِهِمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُعْتَمِرٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان , وَقَوْله : \" زَعَمَ أَبُو عُثْمَان \" يَعْنِي النَّهْدِيَّ , وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" سَمِعْت أَبَا عُثْمَان \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي تِلْكَ الْأَيَّام ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ \" فِي بَعْض تِلْكَ الْأَيَّامِ \" وَهُوَ أَبْيَنُ , لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَعْضِ يَوْم أُحُد , وَقَوْله : \" الَّذِي يُقَاتِل فِيهِنَّ \" فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ \" الَّتِي \" وَقَوْله : \" غَيْر طَلْحَةَ \" اِبْن عُبَيْد اللَّهِ \" وَسَعْد \" اِبْن أَبِي وَقَّاصٍ , وَقَوْله : \" عَنْ حَدِيثِهِمَا \" يُرِيدُ أَنَّهُمَا حَدَّثَا أَبَا عُثْمَانَ بِذَلِكَ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذ عَنْ مُعْتَمِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيث \" قَالَ سُلَيْمَان فَقُلْت لِأَبِي عُثْمَان : وَمَا عِلْمك بِذَلِكَ ؟ قَالَ : عَنْ حَدِيثِهِمَا \" وَهَذَا قَدْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ أَنَّ الْمِقْدَادَ كَانَ مِمَّنْ بَقِيَ مَعَهُ , لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمِقْدَادَ إِنَّمَا حَضَرَ بَعْد تِلْكَ الْجَوْلَةِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اِنْفِرَادُهُمَا عَنْهُ فِي بَعْضِ الْمَقَامَاتِ , فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : \" أَفْرَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي سَبْعَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ \" وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّجُلَيْنِ طَلْحَةُ وَسَعْدٌ , وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَصْرِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ تَخْصِيصُهُ بِالْمُهَاجِرِينَ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُ هَذَيْنِ , وَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا أَوَّلْته وَأَنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ اِخْتِلَاف الْأَحْوَال وَأَنَّهُمْ تَفَرَّقُوا فِي الْقِتَالِ , فَلَمَّا وَقَعَتْ الْهَزِيمَةُ فِيمَنْ اِنْهَزَمَ وَصَاحَ الشَّيْطَانُ : قُتِلَ مُحَمَّدٌ , اِشْتَغَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِهَمِّهِ وَالذَّبِّ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ سَعْدٍ , ثُمَّ عَرَفُوا عَنْ قُرْبٍ بِبَقَائِهِ فَتَرَاجَعُوا إِلَيْهِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا , ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ يَنْدُبُهُمْ إِلَى الْقِتَالِ فَيَشْتَغِلُونَ بِهِ. وَرَوَى اِبْن إِسْحَاق بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ : \" مَالَ الرُّمَاةُ يَوْمَ أُحُدٍ يُرِيدُونَ النَّهْبَ , فَأُتِينَا مِنْ وَرَائِنَا , وَصَرَخَ صَارِخٌ : أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ , فَانْكَفَأْنَا رَاجِعِينَ , وَانْكَفَأَ الْقَوْمُ عَلَيْنَا \" وَسَمَّى اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي بِإِسْنَادٍ لَهُ أَنَّ جُمْلَةَ مَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْ الْأَنْصَارِ الَّذِينَ بَقُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ زِيَادُ بْنُ السَّكَنِ - قَالَ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ عُمَارَةُ بْنُ السَّكَنِ - فِي خَمْسَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ , وَعِنْدَ اِبْنِ عَائِذٍ مِنْ مُرْسَلِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْد اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ \" أَنَّ الصَّحَابَةَ تَفَرَّقُوا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى بَقِيَ مَعَهُ اِثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ \" وَلِلنَّسَائِيِّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي \" الدَّلَائِلِ \" مِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّة عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِر قَالَ. تَفَرَّقَ النَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَبَقِيَ مَعَهُ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَطَلْحَة \" وَإِسْنَاده جَيِّد , وَهُوَ كَحَدِيثِ أَنَسٍ , إِلَّا أَنَّ فِيهِ زِيَادَة أَرْبَعَة فَلَعَلَّهُمْ جَاءُوا بَعْد ذَلِكَ. وَعِنْد مُحَمَّد بْن سَعْد أَنَّهُ ثَبَتَ مَعَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا : سَبْعَة مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ أَبُو بَكْر وَسَبْعَة مِنْ الْأَنْصَار , وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيث الْبَاب بِأَنَّ سَعْدًا جَاءَهُمْ بَعْد ذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثه الَّذِي قَدَّمْته فِي الْحَدِيث الْخَامِسِ , وَأَنَّ الْمَذْكُورِينَ مِنْ الْأَنْصَار اُسْتُشْهِدُوا كَمَا فِي حَدِيث أَنَسٍ , فَإِنَّ فِيهِ عِنْد مُسْلِم \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ ؟ فَقَامَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَارِ \" فَذَكَرَ أَنَّ الْمَذْكُورِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ اُسْتُشْهِدُوا كُلُّهُمْ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ طَلْحَة وَسَعْد , ثُمَّ جَاءَ بَعْدهمْ مَنْ جَاءَ. وَأَمَّا الْمِقْدَادُ فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون اِسْتَمَرَّ مُشْتَغِلًا بِالْقِتَالِ , وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا جَرَى لَطِلْحَةَ بَعْدَ هَذَا وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُ ثَبَتَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ سَبْعَة : أَبُو بَكْر وَعَلِيّ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَسَعْد وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَأَبُو عُبَيْدَة , وَمِنْ الْأَنْصَارِ أَبُو دُجَانَةَ وَالْحُبَاب بْن الْمُنْذِر وَعَاصِم بْن ثَابِت وَالْحَارِث بْن الصِّمَّة وَسَهْل بْن حُنَيْفٍ وَسَعْد بْن مُعَاذ وَأُسَيْد بْن حُضَيْر , وَقِيلَ : إِنَّ سَعْد بْن عُبَادَةَ وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ بَدَل الْأَخِيرَيْنِ , وَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُمْ ثَبَتُوا فِي الْجُمْلَةِ , وَمَا تَقَدَّمَ فِيمَنْ حَضَرَ عِنْدَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلًا فَأَوَّلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3755",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَحِبْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ‏ ‏وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَالْمِقْدَادَ ‏ ‏وَسَعْدًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ ‏ ‏طَلْحَةَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ يَوْمِ ‏ ‏أُحُدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الْكِنْدِيُّ , وَالسَّائِب بْن يَزِيد صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا أَنِّي سَمِعْت طَلْحَةَ ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عُبَيْد اللَّه ‏ ‏( يُحَدِّثُ عَنْ يَوْم أُحُدٍ ) ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْجِهَادِ , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي يَعْلَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ السَّائِبِ بْن يَزِيد أَنَّ طَلْحَة ظَاهِرٌ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ دِرْعَيْنِ , وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ طَلْحَةَ جَلَسَ تَحْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صَعِدَ الْجَبَلَ , قَالَ : \" فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْن عَبَّادِ بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر قَالَ سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ يَقُولُ : أَوْجَبَ طَلْحَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "3756",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ يَدَ ‏ ‏طَلْحَةَ ‏ ‏شَلَّاءَ وَقَى بِهَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَقِيسَ هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَقَوْله : \" رَأَيْت يَدَ طَلْحَةَ \" أَيْ اِبْن عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَوْله : \" شَلَّاءَ \" بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مَعَ الْمَدِّ أَيْ أَصَابَهَا الشَّلَلُ , وَهُوَ مَا يُبْطِلُ عَمَلَ الْأَصَابِعِ أَوْ بَعْضِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَى بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ ) ‏ ‏وَقَعَ بَيَان ذَلِكَ عِنْد الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيلِ \" مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْن طَلْحَةَ \" جُرِحَ يَوْمَ أُحُدٍ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ أَوْ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ , وَشُلَّتْ إِصْبَعه \" أَيْ السَّبَّابَة وَاَلَّتِي تَلِيهَا. وَلِلطَّيَالِسِيِّ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْن طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : \" كَانَ أَبُو بَكْر إِذَا ذَكَرَ يَوْم أُحُدٍ قَالَ : كَانَ ذَلِكَ الْيَوْم كُلُّهُ لِطَلْحَةَ. قَالَ : كُنْت أَوَّل مَنْ فَاءَ فَرَأَيْت رَجُلًا يُقَاتِل عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَقُلْت : كُنْ طَلْحَةَ , قُلْت : حَيْثُ فَاتَنِي يَكُون رَجُل مِنْ قَوْمِي , وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَإِذَا هُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ , فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : دُونكُمَا صَاحِبكُمَا , يُرِيدُ طَلْحَةَ , فَإِذَا هُوَ قَدْ قُطِعَتْ : إِصْبَعه , فَلَمَّا أَصْلَحْنَا مِنْ شَأْنِهِ \" وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْد النَّسَائِيِّ قَالَ : \" فَأَدْرَكَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ لِلْقَوْمِ ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ : أَنَا \" فَذَكَرَ قَتْلَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُمَا مِنْ الْأَنْصَارِ وَقَالَ : \" ثُمَّ قَاتَلَ طَلْحَةُ قِتَالَ الْأَحَدَ عَشَرَ حَتَّى ضُرِبَتْ يَدُهُ فَقُطِعَتْ أَصَابِعُهُ فَقَالَ : حَسَن , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ قُلْت بِسْمِ اللَّهِ لَرَفَعَتْك الْمَلَائِكَةُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ , قَالَ ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3757",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُجَوِّبٌ ‏ ‏عَلَيْهِ ‏ ‏بِحَجَفَةٍ ‏ ‏لَهُ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ بِجَعْبَةٍ مِنْ النَّبْلِ فَيَقُولُ انْثُرْهَا ‏ ‏لِأَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏قَالَ وَيُشْرِفُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ فَيَقُولُ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا ‏ ‏تُشْرِفْ ‏ ‏يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ وَلَقَدْ رَأَيْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَأُمَّ سُلَيْمٍ ‏ ‏وَإِنَّهُمَا ‏ ‏لَمُشَمِّرَتَانِ ‏ ‏أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا ‏ ‏تُنْقِزَانِ ‏ ‏الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآَنِهَا ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏هُوَ اِبْن صُهَيْبٍ. ‏ ‏قَوْله : ( اِنْهَزَمَ النَّاس ) ‏ ‏أَيْ بَعْضهمْ , أَوْ أَطْلَقَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ تَفَرُّقِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ , وَالْوَاقِع أَنَّهُمْ صَارُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ : فِرْقَةٌ اِسْتَمَرُّوا فِي الْهَزِيمَةِ إِلَى قُرْبِ الْمَدِينَةِ فَمَا رَجَعُوا حَتَّى اِنْفَضَّ الْقِتَالُ وَهُمْ قَلِيلٌ , وَهُمْ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعَانِ ) [ آلَ عِمْرَان : 155 ] , وَفِرْقَةٌ صَارُوا حَيَارَى لَمَّا سَمِعُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُتِلَ فَصَارَ غَايَةُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ أَنْ يَذُبَّ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ يَسْتَمِرَّ عَلَى بَصِيرَتِهِ فِي الْقِتَالِ إِلَى أَنْ يُقْتَلَ , وَهُمْ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ. وَفِرْقَةٌ ثَبَتَتْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ تَرَاجَعَ إِلَيْهِ الْقِسْمُ الثَّانِي شَيْئًا فَشَيْئًا لَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ حَيٌّ كَمَا بَيَّنْته فِي الْحَدِيثِ السَّابِعِ , وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُخْتَلَفِ الْأَخْبَارِ فِي عِدَّةِ مَنْ بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ عَائِذٍ مِنْ مُرْسَلِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ : لَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوَى اِثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا , وَعِنْدَ اِبْن سَعْد ثَبَتَ مَعَهُ سَبْعَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ وَسَبْعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ , وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ \" أَفْرَدَ فِي سَبْعَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ طَلْحَة وَسَعْد \" وَقَدْ سَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ الْوَاقِدِيُّ , وَاقْتَصَرَ أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيُّ عَلَى ذِكْرِ طَلْحَةَ وَسَعْد وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيّ أَنَّ اِبْنَ قَمِيئَةَ لَمَّا رَمَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَسَرَ رَبَاعِيَته وَشَجَّهُ فِي وَجْهِهِ وَتَفَرَّقَ الصَّحَابَةُ مُنْهَزِمِينَ وَجَعَلَ يَدْعُوهُمَا فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ ثَلَاثُونَ رَجُلًا , فَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْقِصَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو طَلْحَة ) ‏ ‏هُوَ زَيْد بْن سَهْل الْأَنْصَارِيّ , وَهُوَ زَوْج وَالِدَة أَنَس وَكَانَ أَنَس حَمَلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( مُجَوِّبٌ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَة أَيْ مُتَرِّسٌ , وَيُقَالُ لِلتُّرْسِ جَوْبَةٌ , وَالْحَجَفَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ وَالْفَاءِ هِيَ التُّرْسُ. ‏ ‏قَوْله : ( شَدِيد النَّزْع ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّونِ وَالزَّايِ السَّاكِنَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ أَيْ رَمْي السَّهْم , وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ \" كَانَ أَبُو طَلْحَة حَسَن الرَّمْيِ , وَكَانَ يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتُرْسٍ وَاحِدٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ شِدَّةِ الرَّمْيِ. ‏ ‏قَوْله : ( بِجُعْبَةٍ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَة هِيَ الْآلَة الَّتِي يُوضَعُ فِيهَا السِّهَامُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تُشْرِف ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ الْإِشْرَافِ , وَلِأَبِي الْوَقْتِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الشِّينِ أَيْضًا وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَأَصْلُهُ تَتَشَرَّف أَيْ لَا تَطْلُب الْإِشْرَافَ عَلَيْهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( يُصِبْك ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى أَنَّهُ جَوَابٌ النَّهْي. وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ \" يُصِيبك \" بِالرَّفْعِ وَهُوَ جَائِز عَلَى تَقْدِير , كَأَنَّهُ قَالَ مَثَلًا لَا تُشْرِف فَإِنَّهُ يُصِيبك. ‏ ‏قَوْله : ( نَحْرِي دُونَ نَحْرِك ) ‏ ‏أَيْ أَفْدِيك بِنَفْسِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَقَدْ رَأَيْت عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْر ) ‏ ‏أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏( وَأُمَّ سُلَيْمٍ ) ‏ ‏أَيْ وَالِدَةَ أَنَسٍ. ‏ ‏قَوْله : ( أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ جَمْعُ خَدَمَةٍ وَهِيَ الْخَلَاخِيلُ , وَقِيلَ : الْخَدَمَةُ أَصْلُ السَّاقِ وَالسُّوقُ جَمْعُ سَاقٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ , وَكَذَا شَرْحُ قَوْلِهِ : \" تَنْقُزَانِ الْقِرَبِ \" وَالِاخْتِلَافُ فِي لَفْظِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدِ أَبِي طَلْحَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ \" مِنْ يَدَيّ \" بِالتَّثْنِيَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلَاثًا ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِمٌ عَنْ الدَّارِمِيِّ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ \" مِنْ النُّعَاسِ \" فَأَفَادَ سَبَبَ وُقُوعِ السَّيْفِ مِنْ يَدِهِ , وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَس عَنْ أَبِي طَلْحَة \" كُنْت فِيمَنْ يَغْشَاهُ النُّعَاسُ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى سَقَطَ سَيْفِي مِنْ يَدَيَّ مِرَارًا \" , وَلِأَحْمَدَ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ \" رَفَعْت رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْت أَنْظُرُ وَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ يَمِيلُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ مِنْ النُّعَاسِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : ( إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ). ‏"
    },
    {
        "id": "3758",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا كَانَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ فَصَرَخَ إِبْلِيسُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيْ عِبَادَ اللَّهِ ‏ ‏أُخْرَاكُمْ ‏ ‏فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ ‏ ‏فَاجْتَلَدَتْ ‏ ‏هِيَ ‏ ‏وَأُخْرَاهُمْ ‏ ‏فَبَصُرَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ ‏ ‏الْيَمَانِ ‏ ‏فَقَالَ أَيْ عِبَادَ اللَّهِ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏أَبِي قَالَ قَالَتْ فَوَاللَّهِ مَا ‏ ‏احْتَجَزُوا ‏ ‏حَتَّى قَتَلُوهُ فَقَالَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِي ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏بَصُرْتُ ‏} ‏عَلِمْتُ مِنْ الْبَصِيرَةِ فِي الْأَمْرِ وَأَبْصَرْتُ مِنْ بَصَرِ الْعَيْنِ وَيُقَالُ بَصُرْتُ وَأَبْصَرْتُ وَاحِدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ , فَصَرَخَ إِبْلِيسُ : أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ ) ‏ ‏أَيْ اِحْتَرِزُوا مِنْ جِهَةِ أُخْرَاكُمْ , وَهِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِمَنْ يَخْشَى أَنْ يُؤْتَى عِنْدَ الْقِتَالِ مِنْ وَرَائِهِ , وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا تَرَكَ الرُّمَاةُ مَكَانَهُمْ وَدَخَلُوا يَنْتَهِبُونَ عَسْكَرَ الْمُشْرِكِينَ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ ) ‏ ‏أَيْ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مِنْ الْعَدُوِّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاسٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ , وَأَنَّهُمْ لَمَّا رَجَعُوا اِخْتَلَطُوا بِالْمُشْرِكِينَ وَالْتَبَسَ الْعَسْكَرَانِ فَلَمْ يَتَمَيَّزُوا , فَوَقَعَ الْقَتْلُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْضهمْ مِنْ بَعْضٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَصُرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ فَقَالَ : أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أَبِي أَبِي ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَأَعَادَهَا تَأْكِيدًا , وَإِنَّمَا ضَبَطَهُ لِئَلَّا يُصَحَّفَ بِأُبَيّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مَعَ التَّشْدِيدِ , وَأَفَادَ اِبْن سَعْدٍ أَنَّ الَّذِي قَتَلَ الْيَمَانَ خَطَأ عُتْبَةُ بْن مَسْعُود أَخُو عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , وَهُوَ فِي \" تَفْسِيرِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ \" مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْن عَبَّاسٍ , وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق قَالَ : \" حَدَّثَنِي عَاصِم بْن عُمَر عَنْ مَحْمُود بْن لَبِيد قَالَ كَانَ الْيَمَان وَالِد حُذَيْفَة وَثَابِت بْن وَقْشٍ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَتَرَكَهُمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ , فَتَذَاكَرَا بَيْنَهُمَا وَرَغِبَا فِي الشَّهَادَةِ , فَأَخَذَا سَيْفَيْهِمَا وَلَحِقَا بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ , فَلَمْ يَعْرِفُوا بِهِمَا , فَأَمَّا ثَابِت فَقَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ , وَأَمَّا الْيَمَان فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَسْيَافُ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُرْوَة إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْمَنَاقِبِ. وَفِي رِوَايَةِ اِبْنِ إِسْحَاقِ \" فَقَالَ حُذَيْفَة : قَتَلْتُمْ أَبِي , قَالُوا , وَاَللَّهِ مَا عَرَفْنَاهُ , وَصَدَقُوا , فَقَالَ حُذَيْفَةُ. يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ , فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدِيَهُ فَتَصَدَّقَ حُذَيْفَةُ بِدِيَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , فَزَادَهُ ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرًا \" وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى اِبْنِ التِّينِ حَيْثُ قَالَ. إِنَّ الرَّاوِيَ سَكَتَ فِي قَتْلِ الْيَمَانِ عَمَّا يَجِبُ فِيهِ مِنْ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ , فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ لَمْ تُفْرَضْ يَوْمَئِذٍ , أَوْ اِكْتَفَى بِعِلْمِ السَّامِعِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3759",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏حَجَّ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ مَنْ هَؤُلَاءِ الْقُعُودُ قَالُوا هَؤُلَاءِ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏قَالَ مَنْ الشَّيْخُ قَالُوا ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ أَتُحَدِّثُنِي قَالَ أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذَا ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏أَتَعْلَمُ أَنَّ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ‏ ‏فَرَّ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ قَالَ فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَلَمْ يَشْهَدْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَتَعْلَمُ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ ‏ ‏بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ ‏ ‏فَلَمْ يَشْهَدْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَكَبَّرَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏تَعَالَ لِأُخْبِرَكَ وَلِأُبَيِّنَ لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ ‏ ‏بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَتْ مَرِيضَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏وَسَهْمَهُ وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ ‏ ‏بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ‏ ‏لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ فَبَعَثَ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏وَكَانَتْ ‏ ‏بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ ‏ ‏بَعْدَمَا ذَهَبَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِهِ الْيُمْنَى هَذِهِ يَدُ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ فَقَالَ هَذِهِ ‏ ‏لِعُثْمَانَ ‏ ‏اذْهَبْ بِهَذَا الْآنَ مَعَكَ ‏",
        "sharh": "وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : \" أَنْشُدُك بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْت \" فِيهِ جَوَاز مِثْل هَذَا الْقَسَم عِنْد أَثَر عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر لِكَوْنِهِ لَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي سَائِلُك عَنْ شَيْءٍ , أَتُحَدِّثُنِي ؟ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ الْمَذْكُورَةِ \" قَالَ : نَعَمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3760",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمْ الرَّسُولُ فِي ‏ ‏أُخْرَاهُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء فِي قِصَّةِ الرُّمَاةِ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3761",
        "content": "‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ فِيمَنْ ‏ ‏تَغَشَّاهُ ‏ ‏النُّعَاسُ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏حَتَّى سَقَطَ سَيْفِي مِنْ يَدِي مِرَارًا يَسْقُطُ وَآخُذُهُ وَيَسْقُطُ فَآخُذُهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3762",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ الْفَجْرِ يَقُولُ اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا بَعْدَ مَا يَقُولُ ‏ ‏سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ‏} ‏وَعَنْ ‏ ‏حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْعُو عَلَى ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ‏ ‏فَنَزَلَتْ ‏ { ‏لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( اِلْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا ) ‏ ‏سَمَّاهُمْ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْله. \" أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ إِلَخْ \" وَالرَّاوِي لَهُ عَنْ حَنْظَلَةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّق. وَقَوْله : \" سَمِعْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو إِلَخْ \" وَهُوَ مُرْسَلٌ , وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُ حَدِيثِ اِبْن عُمَر , لَكِنْ فِيهِ \" اللَّهُمَّ اِلْعَنْ لِحْيَانَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّة \" قَالَ : \" ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا نَزَلَتْ : لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ \". قُلْت : وَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نُزُول الْآيَة تَرَاخَى عَنْ قِصَّةِ أُحُدٍ , لِأَنَّ قِصَّة رِعْلٍ وَذَكْوَانَ كَانَتْ بَعْدَهَا كَمَا سَيَأْتِي تِلْوَ هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَفِيهِ بُعْدٌ , وَالصَّوَابُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الَّذِينَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ قِصَّةِ أُحُدٍ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَيُؤَيِّد ذَلِكَ ظَاهِر قَوْله فِي صَدْرِ الْآيَةِ ( لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أَيْ يَقْتُلهُمْ ( أَوْ يَكْبِتَهُمْ ) أَيْ يُخْزِيَهُمْ , ثُمَّ قَالَ : ( أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) أَيْ فَيُسْلِمُوا ( أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ) أَيْ إِنْ مَاتُوا كُفَّارًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3763",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَسَمَ ‏ ‏مُرُوطًا ‏ ‏بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ ‏ ‏أَهْلِ الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَبَقِيَ مِنْهَا ‏ ‏مِرْطٌ ‏ ‏جَيِّدٌ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْطِ هَذَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الَّتِي عِنْدَكَ يُرِيدُونَ ‏ ‏أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أُمُّ سَلِيطٍ ‏ ‏أَحَقُّ بِهِ ‏ ‏وَأُمُّ سَلِيطٍ ‏ ‏مِنْ نِسَاءِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَإِنَّهَا كَانَتْ ‏ ‏تُزْفِرُ ‏ ‏لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3764",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْتُ مَعَ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ‏ ‏فَلَمَّا قَدِمْنَا ‏ ‏حِمْصَ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ ‏ ‏هَلْ لَكَ فِي ‏ ‏وَحْشِيٍّ ‏ ‏نَسْأَلُهُ عَنْ قَتْلِ ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏قُلْتُ نَعَمْ وَكَانَ ‏ ‏وَحْشِيٌّ ‏ ‏يَسْكُنُ ‏ ‏حِمْصَ ‏ ‏فَسَأَلْنَا عَنْهُ فَقِيلَ لَنَا هُوَ ذَاكَ فِي ظِلِّ قَصْرِهِ كَأَنَّهُ ‏ ‏حَمِيتٌ ‏ ‏قَالَ فَجِئْنَا حَتَّى وَقَفْنَا عَلَيْهِ بِيَسِيرٍ فَسَلَّمْنَا فَرَدَّ السَّلَامَ قَالَ ‏ ‏وَعُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏مُعْتَجِرٌ ‏ ‏بِعِمَامَتِهِ مَا يَرَى ‏ ‏وَحْشِيٌّ ‏ ‏إِلَّا عَيْنَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏يَا ‏ ‏وَحْشِيُّ ‏ ‏أَتَعْرِفُنِي قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لَا وَاللَّهِ إِلَّا أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ ‏ ‏عَدِيَّ بْنَ الْخِيَارِ ‏ ‏تَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا ‏ ‏أُمُّ قِتَالٍ بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ ‏ ‏فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَكُنْتُ أَسْتَرْضِعُ لَهُ فَحَمَلْتُ ذَلِكَ الْغُلَامَ مَعَ أُمِّهِ فَنَاوَلْتُهَا إِيَّاهُ فَلَكَأَنِّي نَظَرْتُ إِلَى قَدَمَيْكَ قَالَ فَكَشَفَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ أَلَا تُخْبِرُنَا بِقَتْلِ ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ إِنَّ ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏قَتَلَ ‏ ‏طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ‏ ‏بِبَدْرٍ ‏ ‏فَقَالَ لِي مَوْلَايَ ‏ ‏جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ‏ ‏إِنْ قَتَلْتَ ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏بِعَمِّي فَأَنْتَ حُرٌّ قَالَ فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ النَّاسُ عَامَ ‏ ‏عَيْنَيْنِ ‏ ‏وَعَيْنَيْنِ ‏ ‏جَبَلٌ بِحِيَالِ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَادٍ ‏ ‏خَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ إِلَى الْقِتَالِ فَلَمَّا أَنْ اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ خَرَجَ ‏ ‏سِبَاعٌ ‏ ‏فَقَالَ هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ قَالَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ ‏ ‏حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏سِبَاعُ ‏ ‏يَا ‏ ‏ابْنَ أُمِّ أَنْمَارٍ ‏ ‏مُقَطِّعَةِ ‏ ‏الْبُظُورِ ‏ ‏أَتُحَادُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ فَكَانَ ‏ ‏كَأَمْسِ الذَّاهِبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَكَمَنْتُ ‏ ‏لِحَمْزَةَ ‏ ‏تَحْتَ صَخْرَةٍ فَلَمَّا دَنَا مِنِّي رَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي فَأَضَعُهَا فِي ثُنَّتِهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ وَرِكَيْهِ قَالَ فَكَانَ ذَاكَ الْعَهْدَ بِهِ فَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ رَجَعْتُ مَعَهُمْ فَأَقَمْتُ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏حَتَّى فَشَا فِيهَا الْإِسْلَامُ ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى ‏ ‏الطَّائِفِ ‏ ‏فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَسُولًا فَقِيلَ لِي إِنَّهُ لَا ‏ ‏يَهِيجُ ‏ ‏الرُّسُلَ قَالَ فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا رَآنِي قَالَ ‏ ‏آنْتَ ‏ ‏وَحْشِيٌّ ‏ ‏قُلْتُ نَعَمْ قَالَ أَنْتَ قَتَلْتَ ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏قُلْتُ قَدْ كَانَ مِنْ الْأَمْرِ مَا بَلَغَكَ قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي قَالَ فَخَرَجْتُ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَخَرَجَ ‏ ‏مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ ‏ ‏قُلْتُ لَأَخْرُجَنَّ إِلَى ‏ ‏مُسَيْلِمَةَ ‏ ‏لَعَلِّي أَقْتُلُهُ فَأُكَافِئَ بِهِ ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ قَالَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي ‏ ‏ثَلْمَةِ ‏ ‏جِدَارٍ كَأَنَّهُ جَمَلٌ ‏ ‏أَوْرَقُ ‏ ‏ثَائِرُ ‏ ‏الرَّأْسِ قَالَ فَرَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي فَأَضَعُهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ قَالَ ‏ ‏وَوَثَبَ ‏ ‏إِلَيْهِ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى ‏ ‏هَامَتِهِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏فَقَالَتْ جَارِيَةٌ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ وَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَتَلَهُ ‏ ‏الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْمُبَارَك الْمُخَرِّمِيُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْبَغْدَادِيُّ , رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيّ هُنَا وَفِي الطَّلَاق , وَشَيْخه حُجَيْنُ بْن الْمُثَنَّى بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيم وَآخِره نُون مُصَغَّر , أَصْله مِنْ الْيَمَامَة وَسَكَنَ بَغْدَاد وَوَلِيَ قَضَاء خُرَاسَان , وَهُوَ مِنْ أَقْرَان كِبَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ لَكِنْ لَمْ يَسْمَع مِنْهُ الْبُخَارِيّ , وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْفَضْل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبَّاس بْن رَبِيعَة بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيِّ الْمَدَنِيِّ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَعْفَر بْن عَمْرو بْن أُمَيَّةَ ) ‏ ‏هُوَ الضَّمْرِيّ , وَأَبُوهُ هُوَ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ , هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ , وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ خَالِد الْوَهْبِيُّ عَنْ عَبْد الْعَزِيز أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ شَيْخِ حُجَيْنِ بْن الْمُثَنَّى فِيهِ فَقَالَ \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْفَضْل الْهَاشِمِيِّ عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَدِّي بْن الْخِيَار قَالَ : أَقْبَلْنَا مِنْ الرُّومِ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَالْمَحْفُوظ \" عَنْ جَعْفَر بْن عَمْرو قَالَ : خَرَجْت مَعَ عُبَيْد اللَّه بْن عَدِيٍّ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن إِسْحَاق \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْفَضْل عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ جَعْفَر قَالَ : خَرَجْت أَنَا وَعُبَيْد اللَّهِ \" فَذَكَرَهُ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن عَائِذ فِي الْمَغَازِي \" عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن يَزِيد بْن جَابِر عَنْ جَعْفَر بْن عَمْرو بْن أُمَيَّةَ قَالَ خَرَجْت أَنَا وَعُبَيْد اللَّه بْن عَدِيٍّ \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْن جَابِر. ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجْت مَعَ عُبَيْد اللَّه بْن عَدِيِّ بْن الْخِيَار ) ‏ ‏النَّوْفَلِيّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ , زَادَ أَحْمَدُ بْن خَالِد الْوَهْبِيُّ عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه \" فَأَدْرَبْنَا \" أَيْ دَخَلْنَا دَرْبَ الرُّومِ مُجَاهِدِينَ \" فَلَمَّا مَرَرْنَا بِحِمْصٍ \" وَكَذَا فِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاقَ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن جَابِر \" خَرَجْت أَنَا وَعُبَيْد اللَّهِ بْن عَدِيٍّ غَازِيَيْنِ الطَّائِفَة زَمَن مُعَاوِيَة , فَلَمَّا قَفَلْنَا مَرَرْنَا بِحِمْصٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ لَك فِي وَحْشِيٍّ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن حَرْبٍ الْحَبَشِيِّ مَوْلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( نَسْأَلُهُ عَنْ قَتْل حَمْزَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَنَسْأَلُهُ عَنْ قَتْله حَمْزَةَ \" زَادَ اِبْن إِسْحَاق كَيْفَ قَتَلَهُ ؟ ‏ ‏قَوْله : ( فَسَأَلْنَا عَنْهُ , فَقِيلَ لَنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" فَقَالَ لَنَا رَجُل وَنَحْنُ نَسْأَل عَنْهُ : إِنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ الْخَمْر , فَإِنْ تَجِدَاهُ صَاحِيًا تَجِدَاهُ عَرَبِيًّا يُحَدِّثُكُمَا بِمَا شِئْتُمَا , وَإِنْ تَجِدَاهُ عَلَى غَيْر ذَلِكَ فَانْصَرِفَا عَنْهُ \" وَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ نَحْوُهُ وَقَالَ فِيهِ : \" إِنْ أَدْرَكْتُمَاهُ شَارِبًا فَلَا تَسْأَلَاهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنَّهُ حَمِيت ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةِ وَزْن رَغِيف , أَيْ زِقّ كَبِير , وَأَكْثَر مَا يُقَال ذَلِكَ إِذَا كَانَ مَمْلُوءًا , وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عَائِذ \" فَوَجَدْنَاهُ رَجُلًا سَمِينًا مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ \" وَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ \" فَإِذَا بِهِ قَدْ أُلْقِيَ لَهُ شَيْءٌ عَلَى بَابه وَهُوَ جَالِس صَاحٍ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" عَلَى طِنْفِسَةٍ لَهُ \" وَزَادَ \" فَإِذَا شَيْخ كَبِيرٌ مِثْل الْبَغَاثِ \" يَعْنِي بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةِ الْخَفِيفَةِ وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ وَهُوَ طَائِر ضَعِيفُ الْجُثَّةِ كَالرَّخَمَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَصِيدُ وَلَا يُصَادُ. ‏ ‏قَوْله : ( مُعْتَجِر ) ‏ ‏أَيْ لَافّ عِمَامَته عَلَى رَأْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْنِيكٍ. ‏ ‏قَوْله : ( يَا وَحْشِيّ أَتَعْرِفُنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" فَلَمَّا اِنْتَهَيْنَا إِلَيْهِ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى عُبَيْد اللَّه بْن عَدِيٍّ فَقَالَ اِبْن الْعَدِيّ بْن الْخِيَار أَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ. فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَالَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ \" أَتَعْرِفُنِي \". ‏ ‏قَوْله : ( أُمّ قِتَال ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف بَعْدهَا مُثَنَّاة خَفِيفَة , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِمُوَحَّدَةٍ , وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ , وَهِيَ عَمَّةُ عَتَّابِ بْن أَسِيدٍ أَيْ اِبْن أَبِي الْعِيص بْن أُمَيَّةَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَسَتَرْضِعُ لَهُ ) ‏ ‏أَيْ أَطْلُب لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ , زَادَ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ إِسْحَاقَ \" وَاَللَّه مَا رَأَيْتُك مُنْذُ نَاوَلْتُك أُمّك السَّعْدِيَّة الَّتِي أَرْضَعَتْك بِذِي طَوْيٍ , فَإِنِّي نَاوَلْتُكهَا وَهِيَ عَلَى بَعِيرهَا فَأَخَذَتْك , فَلَمَعَتْ لِي قَدَمُك حِينَ رَفَعْتُك , فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ وُقِفَت عَلَيَّ فَعَرَفْتهَا \" وَهَذَا يُوَضِّحُ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ \" فَكَأَنِّي نَظَرْت إِلَى قَدَمَيْك \" يَعْنِي أَنَّهُ شَبَّهَ قَدَمَيْهِ بِقَدَمِ الْغُلَامِ الَّذِي حَمَلَهُ فَكَانَ هُوَ هُوَ , وَبَيْن الرُّؤْيَتَيْنِ قَرِيبٌ مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى ذَكَاءٍ مُفْرِطٍ , وَمَعْرِفَةٍ تَامَّةٍ بِالْقِيَافَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا تُخْبِرُنَا بِقَتْلِ حَمْزَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ \" فَقَالَ سَأُحَدِّثُكُمَا كَمَا حَدَّثْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَأَلَنِي \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ النَّاسُ ) ‏ ‏أَيْ قُرَيْش وَمَنْ مَعَهُمْ ‏ ‏( عَامَ عَيْنَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ سَنَةَ أُحُدٍ وَقَوْله : \" عَيْنَيْنِ جَبَل بِحِيَالِ أُحُدٍ \" أَيْ مِنْ نَاحِيَةِ أُحُدٍ , يُقَال فُلَان حِيَال كَذَا بِالْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ بَعْد تَحْتَانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ أَيْ مُقَابِلَهُ , وَهُوَ تَفْسِير مِنْ بَعْض رُوَاته. وَالسَّبَب فِي نِسْبَة وَحْشِيٍّ الْعَامَ إِلَيْهِ دُونَ أُحُدٍ أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا نَزَلُوا عِنْدَهُ. قَالَ اِبْن إِسْحَاق : نَزَلُوا بِعَيْنَيْنِ جَبَلٌ بِبَطْنِ السَّبْخَةِ مِنْ قَنَاةٍ عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي مُقَابِل الْمَدِينَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجْت مَعَ النَّاسِ إِلَى الْقِتَالِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ \" فَانْطَلَقْت يَوْمَ أُحُدٍ مَعِي حَرْبَتِي , وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ الْحَبَشَةِ أَلْعَبُ لَعِبَهُمْ , قَالَ : وَخَرَجْت مَا أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَ وَلَا أُقَاتِلَ إِلَّا حَمْزَةَ , وَعِنْدَ اِبْن إِسْحَاقَ : وَكَانَ وَحْشِيٌّ يَقْذِفُ بِالْحَرْبَةِ قَذْفَ الْحَبَشَةِ قَلَّمَا يُخْطِئُ. ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجَ سِبَاعُ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ خَفِيفَةٌ وَهُوَ اِبْن عَبْدِ الْعُزَّى الْخُزَاعِيُّ ثُمَّ الْغُبْشَانِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ مُعْجَمَة , ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ كُنْيَته أَبُو نِيَارٍ بِكَسْرِ النُّون وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ \" فَإِذَا حَمْزَة كَأَنَّهُ جَمَل أَوْرَقُ مَا يَرْفَعُ لَهُ أَحَدٌ إِلَّا قَمَعَهُ بِالسَّيْفِ , فَهِبْته. وَبَادَرَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ وَلَد سِبَاع \" كَذَا قَالَ , وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيح هُوَ الصَّوَاب , وَعِنْدَ اِبْن إِسْحَاق \" فَجَعَلَ يَهِدُّ النَّاسَ بِسَيْفِهِ \" وَعِنْد اِبْن عَائِذ \" فَرَأَيْت رَجُلًا إِذَا حَمَلَ لَا يَرْجِع حَتَّى يَهْزِمنَا , فَقُلْت : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : حَمْزَةُ. قُلْت : هَذَا حَاجَتِي \". ‏ ‏قَوْله : ( يَا اِبْنَ أُمِّ أَنْمَارَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُونِ النُّونِ هِيَ أُمُّهُ , كَانَتْ مَوْلَاة لِشُرَيْق بْن عَمْرو الثَّقَفِيّ وَالِد الْأَخْنَس. ‏ ‏قَوْله : ( مُقَطِّعَة الْبُظُور ) ‏ ‏بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَة جَمْع بَظْر وَهِيَ اللَّحْمَة الَّتِي تُقْطَع مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ الْخِتَانِ , قَالَ اِبْن إِسْحَاق : كَانَتْ أُمّه خَتَّانَة بِمَكَّة تَخْتِنُ النِّسَاءَ ا ه. وَالْعَرَب تُطْلِقُ هَذَا اللَّفْظ فِي مَعْرِض الذَّمِّ , وَإِلَّا قَالُوا خَاتِنَة وَذَكَرَ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" كِتَابِ مَكَّةَ \" عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُطَّلِبِ أَنَّهَا أُمّ سِبَاع وَعَبْد الْعُزَّى الْخُزَاعِيُّ , وَكَانَتْ أَمَة وَهِيَ وَالِدَة خَبَّاب بْن الْأَرَتّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور. ‏ ‏قَوْله : ( أَتُحَادُّ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْدِيد الدَّال أَيْ أَتُعَانِد , وَأَصْل الْمُحَادَدَةُ أَنْ يَكُون ذَا فِي حَدٍّ وَذَا فِي حَدٍّ , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الْمُحَارَبَةِ وَالْمُعَادَاةِ. وَقَوْله : \" كَأَمْسِ الذَّاهِبِ \" هِيَ كِنَايَة عَنْ قَتْلِهِ أَيْ صَيَّرَهُ عَدَمًا , وَفِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاق \" فَكَأَنَّمَا أَخْطَأَ رَأْسَهُ \" وَهَذَا يُقَال عِنْد الْمُبَالَغَة فِي الْإِصَابَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَمَنْت ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ اِخْتَفَيْت. وَفِي رِوَايَةِ اِبْن عَائِذ \" عِنْدَ شَجَرَةٍ \" وَعِنْدَ اِبْن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَل عُمَيْر بْن إِسْحَاق أَنَّ حَمْزَة عَثَرَ فَانْكَشَفَتْ الدِّرْعُ عَنْ بَطْنِهِ فَأَبْصَرَهُ الْعَبْدُ الْحَبَشِيُّ فَرَمَاهُ بِالْحَرْبَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي ثُنَّتِهِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ هِيَ الْعَانَةُ , وَقِيلَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالْعَانَةِ , وَلِلطَّيَالِسِيِّ \" فَجَعَلْت أَلُوذُ مِنْ حَمْزَةَ بِشَجَرَةٍ وَمَعِي حَرْبَتِي حَتَّى إِذَا اِسْتَمْكَنْت مِنْهُ هَزَزْت الْحَرْبَةَ حَتَّى رَضِيت مِنْهَا , ثُمَّ أَرْسَلْتهَا فَوَقَعَتْ بَيْنَ ثَنْدُوتَيْهِ , وَذَهَبَ يَقُومُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ \" ا ه. وَالثَّنْدُوَةُ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة وَسُكُون النُّون وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ بَعْدهَا وَاو خَفِيفَة هِيَ مِنْ الرَّجُلِ مَوْضِع الثَّدْي مِنْ الْمَرْأَةِ. وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الْحَرْبَةَ أَصَابَتْ ثُنَّتَهُ أَصَحّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا رَجَعَ النَّاس ) ‏ ‏أَيْ إِلَى مَكَّة , زَادَ الطَّيَالِسِيُّ \" فَلَمَّا جِئْت عَتُقَتْ \" وَلِابْنِ إِسْحَاق \" فَلَمَّا قَدِمْت مَكَّةَ عَتَقْت , وَإِنَّمَا قَتَلْته لِأُعْتَقَ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى فَشَا فِيهَا الْإِسْلَام ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْنِ إِسْحَاق \" فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ هَرَبْت إِلَى الطَّائِفِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْنِ إِسْحَاق \" فَلَمَّا خَرَجَ وَفْدُ الطَّائِفِ لِيُسْلِمُوا تَغَمَّتْ عَلَيَّ الْمَذَاهِبُ فَقُلْت أَلْحَقُ بِالْيَمَنِ أَوْ الشَّامِ أَوْ غَيْرِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( رُسُلًا ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَأَبِي الْوَقْتِ , وَلِغَيْرِهِمَا رَسُولًا بِالْإِفْرَادِ , كَانَ أَوَّل مَنْ قَدِمَ مِنْ ثَقِيف عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَأَسْلَمَ , وَرَجَعَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَتَلُوهُ , ثُمَّ نَدِمُوا فَأَرْسَلُوا وَفْدَهُمْ - وَهُمْ عَمْرو بْن وَهْب بْن مُغِيث وَشُرَحْبِيل بْن غَيْلَانَ بْن مَسْلَمَةَ وَعَبْد يَا لَيْل بْن عَمْرو بْن عُمَيْر , هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة مِنْ الْأَحْلَاف , وَعُثْمَان بْن أَبِي الْعَاصِ , وَأَوْس بْن عَوْف وَنُمَيْر بْن حَرِشَةَ , وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة مِنْ بَنِي مَالِكٍ , ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق مُطَوَّلًا , وَزَادَ اِبْن إِسْحَاقَ أَنَّ الْوَفْدَ كَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا , وَكَانَ السِّتَّةُ رُؤَسَاءَهُمْ , وَقِيلَ كَانَ الْجَمِيعُ سَبْعَةَ عَشَرَ , قَالَ وَهُوَ أَثْبَتُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ لِي إِنَّهُ لَا يَهِيج الرُّسُلَ ) ‏ ‏أَيْ لَا يَنَالُهُمْ مِنْهُ إِزْعَاجٌ , وَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ \" فَأَرَدْت الْهَرَبَ إِلَى الشَّامِ , فَقَالَ لِي رَجُلٌ : وَيْحَك , وَاللَّه مَا يَأْتِي مُحَمَّدًا أَحَدٌ بِشَهَادَةِ الْحَقِّ إِلَّا خَلَّى عَنْهُ , قَالَ فَانْطَلَقْت فَمَا شَعَرَ بِي إِلَّا وَأَنَا قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ أَشْهَدُ بِشَهَادَةِ الْحَقِّ \" وَعِنْدَ اِبْن إِسْحَاق \" فَلَمْ يَرُعْهُ إِلَّا بِي قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : أَنْتَ قَتَلْت حَمْزَةَ ؟ قُلْت : قَدْ كَانَ مِنْ الْأَمْرِ مَا قَدْ بَلَغَك ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ \" فَقَالَ وَيْحَك , حَدِّثْنِي عَنْ قَتْلِ حَمْزَةَ. قَالَ فَأَنْشَأْت أُحَدِّثُهُ كَمَا حَدَّثْتُكُمَا \" وَعِنْدَ يُونُسَ بْن بُكَيْر فِي الْمَغَازِي عِنْدَ اِبْن إِسْحَاق قَالَ \" فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا وَحْشِيٌّ , فَقَالَ : دَعُوهُ فَلَإِسْلَامُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قَتْلِ أَلْفِ كَافِرٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَك عَنِّي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ \" فَقَالَ غَيِّبْ وَجْهَك عَنِّي فَلَا أَرَاك \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ فَخَرَجْت ) ‏ ‏زَادَ الطَّيَالِسِيّ \" فَكُنْت أَتَّقِي أَنْ يَرَانِي \". وَلِابْنِ عَائِذٍ \" فَمَا رَآنِي حَتَّى مَاتَ \". وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ \" فَقَالَ : يَا وَحْشِيُّ , اُخْرُجْ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا كُنْت تَصُدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لَأَخْرُجَنَّ إِلَى مُسَيْلِمَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ \" فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ مُسَيْلِمَةَ مَا كَانَ اِنْبَعَثَ مَعَ الْبَعْثِ فَأَخَذْت حَرْبَتِي \" وَلِابْنِ إِسْحَاقَ نَحْوُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُكَافِئُ بِهِ حَمْزَةَ ) ‏ ‏بِالْهَمْزِ أَيْ أُسَاوِيَهُ بِهِ , وَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْد بِقَوْلِهِ \" فَقَتَلْت خَيْرَ النَّاسِ وَشَرَّ النَّاسِ \" قَوْله \" فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ \" أَيْ مِنْ مُحَارَبَته , وَقَتْل جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي الْوَاقِعَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ , ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ لِلْمُسْلِمِينَ بِقَتْلِ مُسَيْلِمَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فِي ثَلْمَةِ جِدَار ) ‏ ‏أَيْ خَلَلِ جِدَارٍ. ‏ ‏قَوْله : ( جَمَل أَوْرَق ) ‏ ‏أَيْ لَوْنه مِثْل الرَّمَاد , وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ غُبَار الْحَرْبِ. وَقَوْله \" ثَائِر الرَّأْسِ \" أَيْ شَعْرُهُ مُنْتَفِشٌ. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَضَعْتهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَأَضَعُهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن عَاصِم الْمَازِنِيّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْوَاقِدِيُّ وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَالْحَاكِم , وَقِيلَ هُوَ عَدِيُّ بْنُ سَهْلٍ جَزَمَ بِهِ سَيْف فِي \" كِتَاب الرِّدَّةِ \" وَقِيلَ أَبُو دُجَانَةَ , وَقِيلَ زَيْد بْن الْخَطَّاب الْأَوَّل أَشْهُر , وَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْن زَيْد هُوَ الَّذِي أَصَابَتْهُ ضَرْبَتُهُ , وَأَمَّا الْآخَرَانِ فَحَمَلَا عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ. وَأَغْرَبَ وَثِيمَةُ فِي \" كِتَابِ الرِّدَّةِ \" فَزَعَمَ أَنَّ الَّذِي ضَرَبَ مُسَيْلِمَةَ هُوَ شَنٌّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ اِبْن عَبْد اللَّهِ , وَأَنْشَدَ لَهُ : ‏ ‏أَلَمْ تَرَ أَنِّي وَوَحْشِيّهمْ ‏ ‏ضَرَبْنَا مُسَيْلِمَة الْمُفَتَّن ‏ ‏يُسَائِلنِي النَّاس عَنْ قَتْله ‏ ‏فَقُلْت ضَرَبْت وَهَذَا طَعَن ‏ ‏فَلَسْت بِصَاحِبِهِ دُونَهُ ‏ ‏وَلَيْسَ بِصَاحِبِهِ دُون شَنّ ‏ ‏وَأَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا حَكَى اِبْن عَبْد الْبَرِّ أَنَّ الَّذِي قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ هُوَ خِلَاس بْن بَشِيرِ بْن الْأَصَمِّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى هَامَتِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ \" فَرَبُّك أَعْلَمُ أَيُّنَا قَتَلَهُ , فَإِنْ أَكُ قَتَلْته فَقَدْ قَتَلْت خَيْرَ النَّاسِ وَشَرَّ النَّاسِ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْفَضْل ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَوَّلًا , وَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ \" فَقَالَ سُلَيْمَان بْن يَسَار : سَمِعْت اِبْن عُمَر يَقُولَ \" زَادَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَتِهِ \" وَكَانَ قَدْ شَهِدَ الْيَمَامَةَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَتْ جَارِيَة عَلَى ظَهْر بَيْت : وَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , قَتَلَهُ الْعَبْد الْأَسْوَد ) ‏ ‏هَذَا فِيهِ تَأْيِيد لِقَوْلِ وَحْشِيّ إِنَّهُ قَتَلَهُ , لَكِنْ فِي قَوْلِ الْجَارِيَةِ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ نَظَر لِأَنَّ مُسَيْلِمَةَ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ نَبِيّ مُرْسَل مِنْ اللَّه , وَكَانُوا يَقُولُونَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَنَبِيّ اللَّه , وَالتَّلْقِيب بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ , وَأَوَّلَ مَنْ لُقِّبَ بِهِ عُمَر , وَذَا كُلُّه بَعْدَ قَتْل مُسَيْلِمَةَ بِمُدَّةٍ , فَلْيُتَأَمَّلْ هَذَا. وَأَمَّا قَوْل اِبْن التِّين : كَانَ مُسَيْلِمَة تُسَمَّى تَارَة بِالنَّبِيِّ وَتَارَة بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ , فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيث فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ , وَإِلَّا فَيَحْتَاج إِلَى نَقْلٍ بِذَلِكَ وَاَلَّذِي فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ \" قَالَ اِبْن عُمَر : كُنْت فِي الْجَيْشِ يَوْمَئِذٍ , فَسَمِعْت قَائِلًا يَقُول فِي مُسَيْلِمَة : قَتَلَهُ الْعَبْد الْأَسْوَد \" وَلَمْ يَقُلْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْجَارِيَة أَطْلَقَتْ عَلَيْهِ الْأَمِيرَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَمْر أَصْحَابه كَانَ إِلَيْهِ وَأَطْلَقَتْ عَلَى أَصْحَابِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِاعْتِبَارِ إِيمَانِهِمْ بِهِ , وَلَمْ يَقْصِد إِلَى تَلْقِيبِهِ بِذَلِكَ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ وَجَدْت فِي كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ بْن دِحْيَةَ الْإِنْكَارَ عَلَى مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ عُمَر أَوَّل مَنْ لُقِّبَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَ : قَدْ تَسَمَّى بِهِ مُسَيْلِمَة قَبْلَهُ , كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي قِصَّةِ وَحْشِيٍّ , يُشِيرُ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الصَّلَاح ثُمَّ النَّوَوِيّ. قَالَ النَّوَوِيُّ : وَذَكَرَ اِبْن الصَّلَاح أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْن دِحْيَةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ , فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّ الْجَارِيَةَ صَاحَتْ لَمَّا أُصِيبَ مُسَيْلِمَةُ : وَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ تَسْمِيَته بِذَلِكَ ا ه. وَاعْتَرَضَ مُغَلْطَاي أَيْضًا بِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ قِيلَ لَهُ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عَبْد اللَّه بْن جَحْشٍ , وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَمْ يُلَقَّبْ بِهِ , وَإِنَّمَا خُوطِبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ أَمِيرٍ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى سَرِيَّةٍ. وَفِي حَدِيث وَحْشِيٍّ مِنْ الْفَوَائِدِ غَيْر مَا تَقَدَّمَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الذَّكَاءِ الْمُفْرِطِ , وَمَنَاقِب كَثِيرَةٍ لِحَمْزَةَ , وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْءَ يَكْرَهُ أَنْ يَرَى مَنْ أَوْصَلَ إِلَى قَرِيبَهُ أَوْ صَدِيقِهِ أَذًى , وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُقُوعُ الْهِجْرَةِ الْمَنْهِيَّةِ بَيْنَهُمَا. وَفِيهِ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ , وَالْحَذَرُ فِي الْحَرْبِ , وَأَنْ لَا يَحْتَقِرَ الْمَرْءُ مِنْهَا أَحَدًا , فَإِنَّ حَمْزَةَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ رَأَى وَحْشِيًّا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَكِنَّهُ لَمْ يَحْتَرِزْ مِنْهُ اِحْتِقَارًا مِنْهُ إِلَى أَنْ أُتِيَ مِنْ قِبَلِهِ. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق قَالَ : \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر قَالَ خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْتَمِس حَمْزَةَ , فَوَجَدَهُ بِبَطْنِ الْوَادِي قَدْ مُثِّلَ بِهِ , فَقَالَ : لَوْلَا أَنْ تَحْزَنَ صَفِيَّةُ - يَعْنِي بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - وَتَكُونُ سُنَّةً بَعْدِي لَتَرَكْته حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ وَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ \" زَادَ اِبْن هِشَام قَالَ : \" وَقَالَ لَنْ أُصَابَ بِمِثْلِك أَبَدًا. وَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقَالَ : إِنَّ حَمْزَةَ مَكْتُوبٌ فِي السَّمَاءِ أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ \" وَرَوَى الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى حَمْزَةَ قَدْ مُثِّلَ بِهِ قَالَ : رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْك , لَقَدْ كُنْت وَصُولًا لِلرَّحِمِ , فَعُولًا لِلْخَيْرِ , وَلَوْلَا حُزْنُ مَنْ بَعْدِك لَسَرَّنِي أَنْ أَدَعَك حَتَّى تُحْشَرَ مِنْ أَجْوَافٍ شَتَّى. ثُمَّ حَلَفَ وَهُوَ بِمَكَانِهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ , فَنَزَلَ الْقُرْآنُ ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ ) الْآيَة \" وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَد فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ : \" مَثَّلَ الْمُشْرِكُونَ بِقَتْلَى الْمُسْلِمِينَ , فَقَالَ الْأَنْصَارُ : لَئِنْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ لَنَزِيدَنّ عَلَيْهِمْ , فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ نَادَى رَجُلٌ : لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُفُّوا عَنْ الْقَوْمِ \". وَعِنْدَ اِبْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُقْسِمٍ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِاخْتِصَارٍ , وَقَالَ فِي آخِرِهِ \" فَقَالَ : بَلْ نَصْبِر يَا رَبّ \" وَهَذِهِ طُرُق يُقَوِّي بَعْضهَا بَعْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3765",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِنَبِيِّهِ يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( رَبَاعِيَته ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( اِشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلهُ رَسُول اللَّه فِي سَبِيل اللَّه ) ‏ ‏زَادَ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ مُرْسَل عِكْرِمَةَ \" يَقْتُلهُ رَسُول اللَّه بِيَدِهِ \" وَلِابْنِ عَائِذ مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ \" بَلَغَنَا أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ أَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يُنَشِّفُ بِهِ دَمَهُ وَقَالَ : لَوْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى الْأَرْضِ لَنَزَلَ عَلَيْكُمْ الْعَذَابُ مِنْ السَّمَاءِ. ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3766",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَبِيلِ اللَّهِ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ نَبِيِّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ , أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ. وَوَقَعَ هُنَا قَبْلَ حَدِيثِ سَهْلِ بْن سَعْد وَبَعْدَهُ , وَلَعَلَّهُ قَدَّم وَأَخَّرَ. ‏ ‏قَوْله : ( دَمُّوهُ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ جَرَحُوهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ الدَّمُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس هَذَا مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ , فَإِنَّهُمَا لَمْ يَشْهَدَا الْوَقْعَةَ , فَكَأَنَّمَا حَمَلَاهَا عَمَّنْ شَهِدَهَا أَوْ سَمِعَاهَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3767",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ ‏ ‏وَهُوَ يُسْأَلُ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ جُرْحَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَنْ كَانَ يَسْكُبُ الْمَاءَ وَبِمَا ‏ ‏دُووِيَ ‏ ‏قَالَ كَانَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَغْسِلُهُ ‏ ‏وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏يَسْكُبُ الْمَاءَ ‏ ‏بِالْمِجَنِّ ‏ ‏فَلَمَّا رَأَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّا كَثْرَةً أَخَذَتْ قِطْعَةً مِنْ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا وَأَلْصَقَتْهَا فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ وَكُسِرَتْ ‏ ‏رَبَاعِيَتُهُ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ وَجُرِحَ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ ‏ ‏الْبَيْضَةُ ‏ ‏عَلَى رَأْسِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَعْقُوب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الْإِسْكَنْدَرَانِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ ) ‏ ‏هِيَ بِنْت رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَوْضَحَ سَعِيد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ سَبَبَ مَجِيءِ فَاطِمَةَ إِلَى أُحُدٍ وَلَفْظُهُ \" لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ خَرَجَ النِّسَاءُ إِلَى الصَّحَابَةِ يُعِينُونَهُمْ , فَكَانَتْ فَاطِمَةُ فِيمَنْ خَرَجَ , فَلَمَّا رَأَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِعْتَنَقَتْهُ وَجَعَلَتْ تَغْسِلُ جِرَاحَاتِهِ بِالْمَاءِ فَيَزْدَادُ الدَّمُ , فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهُ بِالنَّارِ وَكَمَدَتْهُ بِهِ حَتَّى لَصِقَ بِالْجُرْحِ فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ \". وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرِ بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِي حَازِم \" فَأَحْرَقَتْ حَصِيرًا حَتَّى صَارَتْ رَمَادًا , فَأَخَذَتْ مِنْ ذَلِكَ الرَّمَادِ فَوَضَعَتْهُ فِيهِ حَتَّى رَقَأَ الدَّمُ \" وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ \" ثُمَّ قَالَ يَوْمَئِذٍ : اِشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْم دَمَّوْا وَجْهَ رَسُولِهِ. ثُمَّ مَكَثَ سَاعَة ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ \" وَقَالَ اِبْن عَائِذ \" أَخْبَرَنَا الْوَلِيد بْن مُسْلِم حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن جَابِر أَنَّ الَّذِي رَمَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" بِأُحُدٍ فَجَرَحَهُ فِي وَجْهِهِ قَالَ : خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا اِبْن قَمِيئَةَ , فَقَالَ : أَقَمْأَك اللَّهُ. قَالَ فَانْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ فَخَرَجَ إِلَى غَنَمِهِ فَوَافَاهَا عَلَى ذُرْوَةِ جَبَلٍ , فَدَخَلَ فِيهَا فَشَدَّ عَلَيْهِ تَيْسُهَا فَنَطَحَهُ نَطْحَةً أَرْدَاهُ مِنْ شَاهِقِ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ \" وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ التَّدَاوِي , وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَدْ يُصَابُونَ بِبَعْضِ الْعَوَارِضِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنْ الْجِرَاحَاتِ وَالْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ لِيَعْظُمَ لَهُمْ بِذَلِكَ الْأَجْرُ وَتَزْدَادَ دَرَجَاتُهُمْ رِفْعَةً , وَلِيَتَأَسَّى بِهِمْ أَتْبَاعُهُمْ فِي الصَّبْرِ عَلَى الْمَكَارِهِ , وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3768",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ وَاشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3769",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ { ‏الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ ‏ ‏الْقَرْحُ ‏ ‏لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ‏} ‏قَالَتْ ‏ ‏لِعُرْوَةَ ‏ ‏يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ أَبَوَاكَ مِنْهُمْ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏لَمَّا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا أَصَابَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا قَالَ ‏ ‏مَنْ يَذْهَبُ فِي ‏ ‏إِثْرِهِمْ ‏ ‏فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا قَالَ كَانَ فِيهِمْ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَالزُّبَيْرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَام , وَقَالَ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجِهِ : أُرَاهُ اِبْن سَلَامٍ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَةَ الَّذِينَ اِسْتَجَابُوا ) ‏ ‏فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا قَرَأَتْ هَذِهِ الْآيَة ( الَّذِينَ اِسْتَجَابُوا ) أَوْ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ أَبُوك مِنْهُمْ الزُّبَيْر ) ‏ ‏أَيْ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّامِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( سَبْعُونَ رَجُلًا ) ‏ ‏وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ \" كَانَ فِيهِمْ أَبُو بَكْر وَالزُّبَيْر \" ا ه. وَقَدْ سُمِّيَ مِنْهُمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ وَعَمَّار بْن يَاسِر وَطَلْحَة وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَأَبُو عُبَيْدَة وَحُذَيْفَة وَابْن مَسْعُود , أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس. وَعِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ مُرْسَل الْحَسَن ذَكَرَ الْخَمْسَةَ الْأَوَّلِينَ , وَعِنْد عَبْد الرَّزَّاق مِنْ مُرْسَل عُرْوَة ذَكَرَ اِبْن مَسْعُود. وَقَدْ ذَكَرَتْ عَائِشَة فِي حَدِيث الْبَاب أَبَا بَكْر وَالزُّبَيْر. ‏"
    },
    {
        "id": "3770",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا نَعْلَمُ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏أَكْثَرَ شَهِيدًا أَعَزَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏وَحَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّهُ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏سَبْعُونَ وَيَوْمَ ‏ ‏بِئْرِ مَعُونَةَ ‏ ‏سَبْعُونَ وَيَوْمَ ‏ ‏الْيَمَامَةِ ‏ ‏سَبْعُونَ قَالَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏بِئْرُ مَعُونَةَ ‏ ‏عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَيَوْمُ ‏ ‏الْيَمَامَةِ ‏ ‏عَلَى عَهْدِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَا نَعْلَم حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَكْثَر شَهِيدًا أَغَرَّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ , وَلِغَيْرِهِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ قَتَادَةُ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ , وَأَرَادَ بِذَلِكَ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْأَوَّلِ. ‏ ‏قَوْله : ( قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمَقْصُود بِالذِّكْرِ مِنْ هَذَا الْحَدِيث هُنَا , وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ الْأَنْصَارِ , وَهُوَ كَذَلِكَ إِلَّا الْقَلِيل. وَقَدْ سَرَدَ اِبْن إِسْحَاق أَسْمَاء مِنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأُحُدٍ فَبَلَغُوا خَمْسَة وَسِتِّينَ , مِنْهُمْ أَرْبَعَة مِنْ الْمُهَاجِرِينَ : حَمْزَة وَعَبْد اللَّه بْن جَحْش وَشَمَّاس بْن عُثْمَان وَمُصْعَب بْن عُمَيْر , وَأَغْفَلَ ذِكْرَ سَعْد مَوْلَى حَاطِب , وَقَدْ ذَكَرَهُ مُوسَى بْن عُقْبَة. وَرَوَى الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" وَابْن مِنْدَه مِنْ حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ : \" قُتِلَ مِنْ الْأَنْصَارِ يَوْمَ أُحُد أَرْبَعَة وَسِتُّونَ , وَمِنْ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّة \" وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ , وَلَعَلَّ السَّادِس ثَقِيف بْن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ حَلِيف بَنِي عَبْد شَمْس فَقَدْ عَدَّهُ الْوَاقِدِيُّ مِنْهُمْ , وَعَدَّ اِبْن سَعْد مِمَّنْ اُسْتُشْهِدَ بِأَحَدٍ مِنْ غَيْرِ الْأَنْصَارِ الْحَارِث بْن عُقْبَة بْن قَابُوس الْمُزَنِيَّ وَعَمّه وَهْب بْن قَابُوس وَعَبْد اللَّه وَعَبْد الرَّحْمَن اِبْنَيْ الْهُبَيْبِ بِمُوَحَّدَتَيْنِ مُصَغَّر مِنْ بَنِي سَنَد بْن لَيْث وَمَالِكًا وَالنُّعْمَان اِبْنَيْ خَلَف بْن عَوْف الْأَسْلَمِيَّيْنِ قَالَ : إِنَّهُمَا كَانَا طَلِيعَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُتِلَا. قُلْت : وَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مِنْ حُلَفَاءِ الْأَنْصَارِ فَعُدُّوا فِيهِمْ , فَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ الْمَعْدُودِينَ أَوَّلًا فَحِينَئِذٍ تَكْمُلُ الْعِدَّةُ سَبْعِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ , وَيَكُون جُمْلَة مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَر مِنْ سَبْعِينَ , فَمَنْ قَالَ قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْغَى الْكَسْرَ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ النَّقْلُ عَنْ اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره أَنَّ الِاخْتِلَاف فِي عَدَد مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمئِذٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَوْم بِئْر مَعُونَة سَبْعُونَ ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْح ذَلِكَ قَرِيبًا , وَيُوَضِّح أَنَّ الْجَمِيع لَمْ يَكُونُوا مِنْ الْأَنْصَار , بَلْ كَانَ بَعْضهمْ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِثْل عَامِر بْن فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْر وَنَافِع بْن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ وَغَيْرهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَوْم الْيَمَامَة سَبْعُونَ ) ‏ ‏قَدْ سَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ الَّذِينَ صَنَّفُوا فِي الرِّدَّةِ كَسَيْفٍ وَوَثِيمَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ بِئْر مَعُونَة إِلَخْ ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ قَتَادَةُ , قَالَهُ شَرْحًا لِحَدِيثِ أَنَس , وَقَدْ بَيَّنَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \". ‏ ‏قَوْله : ( وَيَوْم الْيَمَامَة عَلَى عَهْد أَبِي بَكْر وَيَوْم مُسَيْلِمَة الْكَذَّاب ) ‏ ‏كَذَا بِالْوَاوِ وَهِيَ زَائِدَة لِأَنَّ يَوْم الْيَمَامَة هُوَ يَوْم مُسَيْلِمَة. وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق حَمَّاد عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس نَحْو حَدِيث قَتَادَةَ فِي عِدَّة مَنْ قُتِلَ مِنْ الْأَنْصَار وَزَادَ : وَيَوْم مُؤْتَة سَبْعُونَ , وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَة وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" وَلَفْظه \" عَنْ أَنَس أَنَّهُ كَانَ يَقُول : يَا رَبّ سَبْعِينَ مِنْ الْأَنْصَار يَوْم أُحُد , وَسَبْعِينَ يَوْم بِئْر مَعُونَة , وَسَبْعِينَ يَوْم مُؤْتَة , وَسَبْعِينَ يَوْم مُسَيْلِمَة \" ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِرِ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ خَطَأ. ثُمَّ أَسْنَدَ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فَذَكَرَ بَدَل يَوْم مُؤْتَة يَوْم جِسْر أَبِي عُبَيْدَةَ , قَالَ إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر : وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف. قُلْت : وَهِيَ وَقْعَة بِالْعِرَاقِ كَانَتْ فِي خِلَافَة عُمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "3771",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَبْكِي وَأَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ فَجَعَلَ ‏ ‏أَصْحَابُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْهَوْنِي وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَنْهَ وَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَبْكِيهِ أَوْ مَا تَبْكِيهِ مَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ ) ‏ ‏فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن ثَعْلَبَة عِنْد اِبْن إِسْحَاق \" فَكَانَ يَقُول : اُنْظُرُوا أَكْثَر هَؤُلَاءِ جَمْعًا لِلْقُرْآنِ فَاجْعَلُوهُ أَمَام أَصْحَابِهِ , وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق مِمَّنْ دُفِنَ جَمِيعًا عَبْد اللَّه بْن جَحْش وَخَاله حَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَمِنْ وَجْه آخَرَ أَنَّهُ أَمَر بِدَفْنِ عَمْرو بْن الْجَمُوح وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَالِد جَابِر. ‏ ‏قَوْله فِيهِ ( وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْجَنَائِز , وَقَدْ أَجَابَ بَعْض الْحَنَفِيَّة عَنْهُ بِأَنَّهُ نَافٍ وَغَيْره مُثْبِتٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِثْبَات مُقَدَّم عَلَى النَّفْي غَيْر الْمَحْصُور , وَأَمَّا نَفْي الشَّيْءِ الْمَحْصُورِ إِذَا كَانَ رَاوِيه حَافِظًا فَإِنَّهُ يَتَرَجَّح عَلَى الْإِثْبَات إِذَا كَانَ رَاوِيه ضَعِيفًا كَالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ إِثْبَات الصَّلَاة عَلَى الشَّهِيد , وَعَلَى تَقْدِير التَّسْلِيم فَالْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا ذَلِكَ إِنَّمَا هِيَ فِي قِصَّة حَمْزَة فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِمَّا خُصَّ بِهِ حَمْزَة مِنْ الْفَضْل. وَأُجِيب بِأَنَّ الْخَصَائِص لَا تَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ. وَيُجَاب بِأَنَّهُ يُوقَف الِاسْتِدْلَال. قَالُوا : وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الْيَوْم كَمَا قَالَ جَابِر ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِمْ ثَانِي يَوْم كَمَا قَالَ غَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد عَنْ شُعْبَة ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ \" حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَة حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد \" بِسَنَدِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا قُتِلَ أَبِي ) ‏ ‏زَادَ فِي الْجَنَائِز \" يَوْم أُحُدٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَا يَنْهَانِي \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَبْكِهِ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ نَهْي لِجَابِرٍ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا هُوَ نَهْي لِفَاطِمَةَ بِنْت عَمْرو عَمَّة جَابِر , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" قُتِلَ أَبِي - فَذَكَرَ الْحَدِيث إِلَى أَنْ قَالَ - وَجَعَلَتْ فَاطِمَة بِنْت عَمْرو عَمَّتِي تَبْكِيه , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَبْكِيه \" وَكَذَا تَقَدَّمَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْجَنَائِز نَحْو هَذَا , وَمَنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر نَحْوه , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3772",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أُرَى ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ بِهِ اللَّهُ مِنْ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهُ خَيْرٌ فَإِذَا هُمْ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أُرَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول \" أُرَى \" وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة بِمَعْنَى أَظُنّ , وَالْقَائِل ذَلِكَ هُوَ الْبُخَارِيّ كَأَنَّهُ شَكَّ هَلْ سَمِعَ مِنْ شَيْخِهِ صِيغَة الرَّفْع أَمْ لَا , وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْعِبَارَة فِي هَذَا الْحَدِيث فِي عَلَامَات النُّبُوَّة وَفِي التَّعْبِير وَغَيْرهمَا , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو يَعْلَى عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فَلَمْ يَتَرَدَّدَا فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أُرِيت \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنِّي هَزَزْت سَيْفًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" سَيْفِي \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْغَزْوَةِ إِنَّهُ ذُو الْفَقَارِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْقَطَعَ صَدْره ) ‏ ‏عِنْد اِبْن إِسْحَاق \" وَرَأَيْت فِي ذُبَابِ سَيْفِي ثُلَمًا \" وَعِنْد أَبِي الْأَسْوَد فِي الْمَغَازِي عَنْ عُرْوَة \" رَأَيْت سَيْفِي ذَا الْفَقَارِ قَدْ اِنْقَصَمَ مِنْ عِنْدِ ظُبَّتِهِ \" وَكَذَا عِنْد اِبْن سَعْد , وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ حَدِيث أَنَس , وَسَبَقَ مَوْصُولًا , وَفِي رِوَايَة عُرْوَة \" كَأَنَّ الَّذِي رَأَى بِسَيْفِهِ مَا أَصَابَ وَجْهَهُ الْمُكَرَّم \" وَعِنْد اِبْن هِشَام \" حَدَّثَنِي بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَأَمَّا الثَّلَم فِي السَّيْفِ فَهُوَ رَجُل مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُقْتَلُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَرَأَيْت فِيهَا بَقَرًا ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْقَاف , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ \" بَقَرًا تُذْبَح \" وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي عَبَّاس عِنْدَ أَبِي يَعْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّه خَيْر ) ‏ ‏هَذَا مِنْ جُمْلَة الرُّؤْيَا كَمَا جَزَمَ بِهِ عِيَاض وَغَيْره كَذَا بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأ وَخَبَر , وَفِيهِ حَذْف تَقْدِيرُهُ وَصُنْعُ اللَّهِ خَيْرٌ , قَالَ السُّهَيْلِيُّ : مَعْنَاهُ رَأَيْت بَقَرًا تُنْحَر , وَاَللَّهُ عِنْدَهُ خَيْرٌ. قُلْت : فِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاق وَإِنِّي رَأَيْت وَاَللَّه خَيْرًا , رَأَيْت بَقَرًا. وَهِيَ أَوْضَحُ , وَالْوَاوُ لِلْقَسَمِ وَاَللَّهِ بِالْجَرِّ وَخَيْرًا مَفْعُول رَأَيْت. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : الْبَقَر فِي التَّعْبِير بِمَعْنَى رِجَال مُتَسَلِّحِينَ يَتَنَاطَحُونَ. قُلْت : وَفِيهِ نَظَر , فَقَدْ رَأَى الْمَلِك بِمِصْرَ الْبَقَرَ وَأَوَّلَهَا يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام بِالسِّنِينَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس وَمُرْسَل عُرْوَة \" تَأَوَّلْت الْبَقَرَ الَّتِي رَأَيْت بَقْرًا يَكُون فِينَا , قَالَ فَكَانَ ذَلِكَ مَنْ أُصِيبَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ \" ا ه , وَقَوْله بَقْر هُوَ بِسُكُونِ الْقَافِ وَهُوَ شَقّ الْبَطْنُ , وَهَذَا أَحَدُ وُجُوهِ التَّعْبِيرِ أَنْ يُشْتَقَّ مِنْ الِاسْمِ مَعْنَى مُنَاسِب , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون ذَلِكَ لِوَجْهٍ آخَرَ مِنْ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ وَهُوَ التَّصْحِيفُ فَإِنَّ لَفْظ بَقَر مِثْل لَفْظ نَفَر بِالنُّونِ وَالْفَاء خَطًّا. وَعِنْد أَحْمَد وَالنَّسَائِيّ وَابْن سَعْد مِنْ حَدِيث جَابِر بِسَنَدٍ صَحِيح فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَرَأَيْت بَقَرًا مُنَحَّرَةً - وَقَالَ فِيهِ - فَأَوَّلْت أَنَّ الدِّرْع الْمَدِينَة وَالْبَقَر نَفَر \" هَكَذَا فِيهِ بِنُونٍ وَفَاء , وَهُوَ يُؤَيِّد الِاحْتِمَال الْمَذْكُورَ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3773",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَبَّابٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ ‏ ‏نَبْتَغِي ‏ ‏وَجْهَ اللَّهِ فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَضَى أَوْ ذَهَبَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا كَانَ مِنْهُمْ ‏ ‏مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏قُتِلَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏فَلَمْ يَتْرُكْ إِلَّا نَمِرَةً كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا غُطِّيَ بِهَا رِجْلَاهُ خَرَجَ رَأْسُهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏أَوْ قَالَ أَلْقُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ ‏ ‏الْإِذْخِرِ ‏ ‏وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ ‏ ‏يَهْدِبُهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث خَبَّاب تَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَدِ وَالْمَتْنِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3774",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي أَبِي ) ‏ ‏هُوَ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ) ‏ ‏ظَهَرَ مِنْ الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا رَآهُ فِي حَالِ رُجُوعِهِ مِنْ الْحَجِّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حُمَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ تَبُوك وَأَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَة قَالَ : \" هَذِهِ طَابَة , فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ : هَذَا جَبَل يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ \" فَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ الْقَوْل. وَلِلْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ أَقْوَال : أَحَدهَا : أَنَّهُ عَلَى حَذْف مُضَاف وَالتَّقْدِير أَهْل أُحُدٍ وَالْمُرَاد بِهِمَا الْأَنْصَار لِأَنَّهُمْ جِيرَانه. ثَانِيهَا : أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِلْمَسَرَّةِ بِلِسَانِ الْحَال إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَر لِقُرْبِهِ مِنْ أَهْله وَلُقْيَاهُمْ , وَذَلِكَ فِعْل مَنْ يُحِبّ بِمَنْ يُحَبُّ. ثَالِثُهَا : أَنَّ الْحُبَّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِهِ لِكَوْنِ أُحُد مِنْ جِبَال الْجَنَّةِ كَمَا ثَبَتَ حَدِيثُ أَبِي عَبْسِ بْن جَبْر مَرْفُوعًا \" جَبَل أُحُدٍ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ وَهُوَ مِنْ جِبَالِ الْجَنَّةِ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد. وَلَا مَانِع فِي جَانِبِ الْبَلَدِ مِنْ إِمْكَانِ الْمَحَبَّةِ مِنْهُ كَمَا جَازَ التَّسْبِيحُ مِنْهَا , وَقَدْ خَاطَبَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَاطَبَةَ مَنْ يَعْقِلُ فَقَالَ لَمَّا اِضْطَرَبَ \" اُسْكُنْ أُحُد \" الْحَدِيث. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ وَالِاسْمَ الْحَسَنَ وَلَا اِسْمَ أَحْسَنَ مِنْ اِسْمٍ مُشْتَقٍّ مِنْ الْأَحَدِيَّةِ. قَالَ وَمَعَ كَوْنِهِ مُشْتَقًّا مِنْ الْأَحَدِيَّةِ فَحَرَكَاتُ حُرُوفِهِ الرَّفْعُ , وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِارْتِفَاعِ دِينِ الْأَحَدِ وَعُلُوِّهِ , فَتَعَلُّقُ الْحُبِّ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفْظًا وَمَعْنًى فَخُصَّ مِنْ بَيْنِ الْجِبَالِ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ : \" يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ \" فِي \" بَابِ مَنْ غَزَا بِصَبِيٍّ لِلْخِدْمَةِ \" مِنْ بَابِ الْجِهَادِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر فِي صَلَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3775",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُطَّلِبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَلَعَ لَهُ ‏ ‏أُحُدٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ اللَّهُمَّ إِنَّ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَرَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَإِنِّي حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ ‏ ‏لَابَتَيْهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3776",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي ‏ ‏فَرَطٌ ‏ ‏لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ أَوْ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3777",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَرِيَّةً عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏وَهُوَ جَدُّ ‏ ‏عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ ‏ ‏عُسْفَانَ ‏ ‏وَمَكَّةَ ‏ ‏ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ ‏ ‏هُذَيْلٍ ‏ ‏يُقَالُ لَهُمْ ‏ ‏بَنُو لَحْيَانَ ‏ ‏فَتَبِعُوهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَامٍ ‏ ‏فَاقْتَصُّوا ‏ ‏آثَارَهُمْ حَتَّى أَتَوْا مَنْزِلًا نَزَلُوهُ فَوَجَدُوا فِيهِ نَوَى تَمْرٍ تَزَوَّدُوهُ مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالُوا هَذَا تَمْرُ ‏ ‏يَثْرِبَ ‏ ‏فَتَبِعُوا آثَارَهُمْ حَتَّى لَحِقُوهُمْ فَلَمَّا انْتَهَى ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى ‏ ‏فَدْفَدٍ ‏ ‏وَجَاءَ الْقَوْمُ فَأَحَاطُوا بِهِمْ فَقَالُوا لَكُمْ الْعَهْدُ ‏ ‏وَالْمِيثَاقُ ‏ ‏إِنْ نَزَلْتُمْ إِلَيْنَا أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ رَجُلًا فَقَالَ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قَتَلُوا ‏ ‏عَاصِمًا ‏ ‏فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ بِالنَّبْلِ وَبَقِيَ ‏ ‏خُبَيْبٌ ‏ ‏وَزَيْدٌ ‏ ‏وَرَجُلٌ آخَرُ ‏ ‏فَأَعْطَوْهُمْ الْعَهْدَ ‏ ‏وَالْمِيثَاقَ ‏ ‏فَلَمَّا أَعْطَوْهُمْ الْعَهْدَ ‏ ‏وَالْمِيثَاقَ ‏ ‏نَزَلُوا إِلَيْهِمْ فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ حَلُّوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ الَّذِي مَعَهُمَا هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَجَرَّرُوهُ ‏ ‏وَعَالَجُوهُ ‏ ‏عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَتَلُوهُ وَانْطَلَقُوا ‏ ‏بِخُبَيْبٍ ‏ ‏وَزَيْدٍ ‏ ‏حَتَّى بَاعُوهُمَا ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَاشْتَرَى ‏ ‏خُبَيْبًا ‏ ‏بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏خُبَيْبٌ ‏ ‏هُوَ قَتَلَ ‏ ‏الْحَارِثَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَمَكَثَ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا ‏ ‏حَتَّى إِذَا أَجْمَعُوا قَتْلَهُ اسْتَعَارَ مُوسًى مِنْ ‏ ‏بَعْضِ بَنَاتِ ‏ ‏الْحَارِثِ ‏ ‏لِيَسْتَحِدَّ ‏ ‏بِهَا فَأَعَارَتْهُ ‏ ‏قَالَتْ فَغَفَلْتُ عَنْ صَبِيٍّ لِي ‏ ‏فَدَرَجَ ‏ ‏إِلَيْهِ حَتَّى أَتَاهُ فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ فَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَ ذَاكَ مِنِّي وَفِي يَدِهِ الْمُوسَى فَقَالَ أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَاكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَكَانَتْ تَقُولُ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ ‏ ‏خُبَيْبٍ ‏ ‏لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ وَمَا ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ ثَمَرَةٌ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ وَمَا كَانَ إِلَّا رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ فَخَرَجُوا بِهِ مِنْ ‏ ‏الْحَرَمِ ‏ ‏لِيَقْتُلُوهُ فَقَالَ دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ لَوْلَا أَنْ تَرَوْا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ مِنْ الْمَوْتِ لَزِدْتُ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ هُوَ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مَا أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ‏ ‏عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ ‏ ‏مَصْرَعِي ‏ ‏وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ‏ ‏يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ ‏ ‏شِلْوٍ ‏ ‏مُمَزَّعِ ‏ ‏ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ ‏ ‏عُقبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏فَقَتَلَهُ وَبَعَثَتْ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَعْرِفُونَهُ وَكَانَ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏قَتَلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ ‏ ‏الظُّلَّةِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الدَّبْرِ ‏ ‏فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو بْن أَبِي سُفْيَان الثَّقَفِيّ ) ‏ ‏هَكَذَا يَقُول مَعْمَر وَوَافَقَهُ شُعَيْب وَآخَرُونَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى فِي الْجِهَادِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا , وَإِبْرَاهِيم بْن سَعْد يَقُول عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُمَر بِضَمِّ الْعَيْن , كَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد عَنْ مَعْنِ بْن عِيسَى عَنْهُ , وَكَذَا قَالَ الطَّيَالِسِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّاتِ \" , لَكِنْ وَقَعَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" عَمْرو \" بِفَتْحِ الْعَيْنِ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُوسَى الْمَذْكُورِ فَقَالَ \" عُمَر \" كَذَا قَالَ اِبْن أَخِي الزُّهْرِيُّ وَيُونُس مِنْ رِوَايَة اللَّيْثِ عَنْهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُمَر , قَالَ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخِهِ عَمْرُو أَصَحُّ , وَقَدْ ذَكَرْت مَا فِيهِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ. ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِسَرِيَّةٍ \" بِزِيَادَةِ مُوَحَّدَة فِي أَوَّله , وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْن سَعْد الَّتِي مَضَتْ فِي غَزْوَة بَدْر \" بَعَثَ عَشَرَةَ عَيْنًا يَتَجَسَّسُونَ لَهُ \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ , \" بَعَثَهُمْ عُيُونًا إِلَى مَكَّةَ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ قُرَيْشٍ \" وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ سَبَب خُرُوجِ بَنِي لِحْيَانَ عَلَيْهِمْ قَتْلُ سُفْيَانَ بْن نُبِيح الْهُذَلِيّ , قُلْت : وَكَانَ قَتْل سُفْيَان الْمَذْكُور عَلَى يَد عَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ , وَقِصَّته عِنْد أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَن , وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُمْ كَانُوا سِتَّة وَسَمَّاهُمْ وَهُمْ : عَاصِم بْن ثَابِت الْمَذْكُور , وَمَرْثَد بْن أَبِي مَرْثَد , وَخُبَيْب بْن عَدِّي , وَزَيْد بْن الدِّثِنَّة وَهُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْر الْمُثَلَّثَة بَعْدهَا نُون , وَعَبْد اللَّه بْن طَارِق , وَخَالِد بْن الْبُكَيْرِ. وَجَزَمَ اِبْن سَعْد بِأَنَّهُمْ كَانُوا عَشَرَة وَسَاقَ أَسْمَاء السِّتَّة الْمَذْكُورِينَ وَزَادَ : مُعَتِّب بْن عُبَيْد قَالَ : وَهُوَ أَخُو عَبْد اللَّه بْن طَارِق لِأُمِّهِ , وَكَذَا سَمَّى مُوسَى بْن عُقْبَة السَّبْعَة الْمَذْكُورِينَ لَكِنْ قَالَ : مُعَتِّب بْن عَوْف. قُلْت : فَلَعَلَّ الثَّلَاثَة الْآخَرِينَ كَانُوا أَتْبَاعًا لَهُمْ فَلَمْ يَحْصُل الِاعْتِنَاء بِتَسْمِيَتِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ ) ‏ ‏كَذَا فِي الصَّحِيح وَفِي السِّيرَةِ أَنَّ الْأَمِيرَ عَلَيْهِمْ كَانَ مَرْثَد بْن أَبِي مَرْثَد , وَمَا فِي الصَّحِيح أَصَحُّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى إِذَا كَانُوا بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة بَدْر حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدْأَةِ وَهِيَ لِلْأَكْثَرِ بِسُكُونِ الدَّال بَعْدهَا هَمْزَة مَفْتُوحَة , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ بِفَتْحِ الدَّال وَتَسْهِيل الْهَمْزَة , وَعِنْد اِبْن إِسْحَاق الْهَدَّةُ بِتَشْدِيدِ الدَّال بِغَيْرِ أَلِفٍ قَالَ : وَهِيَ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ عُسْفَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ جَدُّ عَاصِمِ بْن عُمَر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّهُ خَال عَاصِم لَا جَدّه , وَأَنَّ الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة يُمْكِن رَدّهَا إِلَى الصَّوَابِ بِأَنْ يُقْرَأ جِدُّ بِالْكَسْرِ , وَأَمَّا هَذِهِ فَلَا حِيلَةَ فِيهَا. وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ : تَزَوَّجَ عُمَرُ جَمِيلَةَ بِنْتَ عَاصِمِ بْن ثَابِت فَوَلَدَتْ لَهُ عَاصِمًا. ‏ ‏قَوْله : ( يُقَال لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّامِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَسُكُون الْمُهْمَلَةِ وَلِحْيَانُ هُوَ اِبْن هُذَيْلٍ نَفْسه وَهُذَيْلُ هُوَ اِبْن مُدْرِكَة بْن إِلْيَاس بْن مُضَر. وَزَعَمَ الْهَمْدَانِيُّ النَّسَّابَةُ أَنَّ أَصْلَ بَنِي لِحْيَانَ مِنْ بَقَايَا جُرْهُمْ دَخَلُوا فِي هُذَيْلٍ فَنُسِبُوا إِلَيْهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَبِعُوهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَة رَامٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فِي الْجِهَاد \" فَنَفَرُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَتَيْ رَجُلٍ \" وَالْجَمْع بَيْنَهُمَا وَاضِح بِأَنْ تَكُون الْمِائَة الْأُخْرَى غَيْر رُمَاة , وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم أَحَدٍ مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى أَتَوْا مَنْزِلًا نَزَلُوهُ فَوَجَدُوا فِيهِ نَوَى تَمْرٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي مَعْشَر فِي مَغَازِيهِ \" فَنَزَلُوا بِالرَّجِيعِ سَحَرًا فَأَكَلُوا تَمْر عَجْوَة فَسَقَطَتْ نَوَاة بِالْأَرْضِ , وَكَانُوا يَسِيرُونَ اللَّيْل وَيَكْمُنُونَ النَّهَارَ , فَجَاءَتْ اِمْرَأَةٌ مِنْ هُذَيْلٍ تَرْعَى غَنَمًا فَرَأَتْ النَّوَاةُ فَأَنْكَرَتْ صِغَرَهَا وَقَالَتْ : هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ , فَصَاحَتْ فِي قَوْمِهَا أُتِيتُمْ , فَجَاءُوا فِي طَلَبِهِمْ فَوَجَدُوهُمْ قَدْ كَمَنُوا فِي الْجَبَلِ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى لَحِقُوهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد فَلَمْ يُرَعْ الْقَوْم إِلَّا بِالرِّجَالِ بِأَيْدِيهِمْ السُّيُوفَ قَدْ غَشَوْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَجَئُوا إِلَى فَدْفَد ) ‏ ‏بِفَاءَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَمُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى سَاكِنَة وَهِيَ الرَّابِيَة الْمُشْرِفَةُ , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ إِلَى قَرْدَد بِقَافٍ وَرَاءٍ وَدَالَيْنِ , قَالَ اِبْن الْأَثِير : هُوَ الْمَوْضِعُ الْمُرْتَفِعُ , وَيُقَال : الْأَرْض الْمُسْتَوِيَة. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالُوا لَكُمْ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ إِنْ نَزَلْتُمْ إِلَيْنَا أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ رَجُلًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد فَقَالُوا لَهُمْ \" أَمَا وَاَللَّهِ مَا نُرِيدَ قِتَالكُمْ إِنَّمَا نُرِيد أَنْ نُصِيبَ مِنْكُمْ شَيْئًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عَاصِم : أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ ) ‏ ‏فِي مُرْسَلِ بُرَيْدَةَ بْن سُفْيَان عَنْ سَعِيد بْن مَنْصُور \" فَقَالَ عَاصِم : الْيَوْم لَا أَقْبَلُ عَهْدًا مِنْ مُشْرِك \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا رَسُولَك ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَنَد \" فَاسْتَجَابَ اللَّه لِعَاصِمٍ , فَأَخْبَرَ رَسُولَهُ خَبَرَهُ , فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ يَوْمَ أُصِيبُوا \" وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ \" فَقَالَ عَاصِم : اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْمِي لَك دِينَك , فَاحْمِي لِي لَحْمِي \" وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي سَبْعَة ) ‏ ‏أَيْ فِي جُمْلَةِ سَبْعَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَقِيَ خُبَيْب وَزَيْد وَرَجُل آخَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" فَأَمَّا خُبَيْبُ بْن عَدِيّ بْن الدِّثِنَّة وَعَبْد اللَّه بْن طَارِق فَاسْتَأْسَرُوا \" وَعُرِفَ مِنْهُ تَسْمِيَة الرَّجُلِ الثَّالِث وَأَنَّهُ عَبْد اللَّه بْن طَارِق , وَفِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة أَنَّهُمْ صَعِدُوا فِي الْجَبَلِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى أَعْطَوْهُمْ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَبَطُوهُمْ بِهَا فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ الَّذِي مَعَهُمَا : هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ إِلَخْ ) ‏ ‏وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ أَوَّل مَا أَسَرُوهُمْ , لَكِنْ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ إِسْحَاقَ \" فَخَرَجُوا بِالنَّفَرِ الثَّلَاثَةِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ اِنْتَزَعَ عَبْد اللَّه بْن طَارِق يَدَهُ وَأَخَذَ سَيْفه \" فَذَكَر قِصَّةَ قَتْله , فَيُحْتَمَل أَنَّهُمْ إِنَّمَا رَبَطُوهُمْ بَعْد أَنْ وَصَلُوا إِلَى مَرِّ الظَّهْرَانِ , وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْنِ إِسْحَاق وَابْن سَعْد \" فَأَمَّا زَيْد فَابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْن أُمَيَّة فَقَتَلَهُ بِأَبِيهِ \" وَعِنْد اِبْن سَعْد أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى قَتْله نَسْطَاس مَوْلَى صَفْوَان. ‏ ‏قَوْله : ( فَاشْتَرَى خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِث بْن عَامِر بْن نَوْفَل ) ‏ ‏بَيَّنَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى شِرَاءَهُ هُوَ حُجَيْنُ بْن أَبِي إِهَاب التَّمِيمِيّ حَلِيف بَنِي نَوْفَل , وَكَانَ أَخَا الْحَارِث بْن عَامِر لِأُمِّهِ , وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ بْن سُفْيَانَ أَنَّهُمْ اِشْتَرَوْا خُبَيْبًا بِأَمَةٍ سَوْدَاء , وَقَالَ اِبْن هِشَام بَاعُوهُمَا بِأَسِيرَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ كَانَا بِمَكَّةَ , وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ خُبَيْب هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْن عَامِر يَوْمَ بَدْر ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَاعْتَمَدَ الْبُخَارِيّ عَلَى ذَلِكَ فَذَكَرَ خُبَيْبَ بْن عَدِيٍّ فِيمَنْ شَهِدَ بَدْرًا , وَهُوَ اِعْتِمَادٌ مُتَّجَهٌ , لَكِنْ تَعَقَّبَهُ الدِّمْيَاطِيّ بِأَنَّ أَهْلَ الْمَغَازِي لَمْ يَذْكُر أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ شَهِدَ بَدْرًا وَلَا قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ وَإِنَّمَا ذَكَرُوا أَنَّ الَّذِي قَتَلَ الْحَارِثَ بْن عَامِر بِبَدْرٍ خُبَيْبُ بْن أَسَافٍ , وَهُوَ غَيْرُ خُبَيْبِ بْن عَدِيّ , وَهُوَ خَزْرَجِيّ وَخُبَيْب بْن عَدِيٍّ أَوْسِيّ وَاَللَّه أَعْلَم. قُلْت : يَلْزَم مِنْ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ رَدُّ هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيحِ , فَلَوْ لَمْ يَقْتُل خُبَيْبُ بْن عَدِيّ الْحَارِث بْن عَامِر مَا كَانَ لِاعْتِنَاءِ الْحَارِث بْن عَامِر بِأَسْرِ خُبَيْبٍ مَعْنًى وَلَا بِقَتْلِهِ , مَعَ التَّصْرِيحِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ بِهِ , لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَتَلُوهُ بِخُبَيْب بْن عَدِيّ لِكَوْنِ خُبَيْبِ بْن أَسَافٍ قَتَلَ الْحَارِثَ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِقَتْلِ بَعْضِ الْقَبِيلَةِ عَنْ بَعْضٍ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خُبَيْبُ بْن عَدِيٍّ شَرَكَ فِي قَتْلِ الْحَارِثِ , وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَكَثَ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى إِذَا أَجْمَعُوا قَتْلَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن سَعْدٍ فَحَبَسُوهُمَا حَتَّى خَرَجَتْ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ , ثُمَّ أَخْرَجُوهُمَا إِلَى التَّنْعِيمِ فَقَتَلُوهُمَا , وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ بْن سُفْيَان فَأَسَاءُوا إِلَيْهِ فِي إِسَارِهِ , فَقَالَ لَهُمْ : مَا تَصْنَعُ الْقَوْمُ الْكِرَامُ هَذَا بِأَسِيرِهِمْ , قَالَ فَأَحْسَنُوا إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ , وَجَعَلُوهُ عِنْدَ اِمْرَأَةٍ تَحْرُسُهُ. وَرَوَى اِبْن سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ مَوْهِبٍ مَوْلَى آلِ نَوْفَلٍ قَالَ قَالَ لِي خُبَيْب وَكَانُوا جَعَلُوهُ عِنْدِي : يَا مَوْهِبُ أَطْلُبُ إِلَيْك ثَلَاثًا , أَنْ تَسْقِيَنِي الْعَذْبَ , وَأَنْ تُجَنِّبَنِي مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ , وَأَنْ تُعْلِمَنِي إِذَا أَرَادُوا قَتْلِي. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ اِسْتَعَارَ مُوسَى ) هَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مُدْرَجَةً فِي رِوَايَةِ مَعْمَر , وَكَذَا إِبْرَاهِيم بْن سَعْد كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة بَدْر , وَقَدْ وَصَلَهَا شُعَيْب فِي رِوَايَته كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد \" قَالَ : فَلَبِثَ خُبَيْب عِنْدَهُمْ أَسِيرًا , فَأَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه بْن عِيَاض أَنَّ بِنْت الْحَارِث أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِين اِجْتَمَعُوا اِسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى \" وَوَقَعَ فِي الْأَطْرَافِ لِخَلَفٍ أَنَّ اِسْمَهَا زَيْنَب بِنْت الْحَارِث , وَهِيَ أُخْتُ عُقْبَة بْن الْحَارِث الَّذِي قَتَلَ خُبَيْبًا , وَقِيلَ : اِمْرَأَتُهُ. وَعُبَيْد اللَّه بْن عِيَاض الْمَذْكُور قَالَ الدِّمْيَاطِيّ : أَغْفَلَهُ مَنْ صَنَّفَ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيّ قُلْت : لَكِنْ تَرْجَمَ لَهُ الْمِزِّيُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ تَابِعِيّ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا , وَرَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَعَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن خُثَيْم وَغَيْرهمَا , وَالْقَائِل \" فَأَخْبَرَنِي \" هُوَ الزُّهْرِيُّ , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَمْرو بْن أَبِي سُفْيَان , وَعِنْد اِبْن إِسْحَاق عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح قَالَ : \" حَدَّثَتْ مَارِيَة مَوْلَاة حُجَيْنِ بْن أَبِي إِهَاب وَكَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ قَالَتْ : حُبِسَ خُبَيْب فِي بَيْتِي , وَلَقَدْ اِطَّلَعْت عَلَيْهِ يَوْمًا وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَقِطْفًا مِنْ عِنَبٍ مِثْلَ رَأْسِ الرَّجُلِ يَأْكُلُ مِنْهُ \" فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ مَارِيَة وَزَيْنَبَ رَأَتْ الْقِطْفَ فِي يَدِهِ يَأْكُلُهُ , وَأَنَّ الَّتِي حُبِسَ فِي بَيْتِهَا مَارِيَة وَاَلَّتِي كَانَتْ تَحْرُسُهُ زَيْنَب جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَارِثُ أَبًا لِمَارِيَةَ مِنْ الرَّضَاعِ , وَوَقَعَ عِنْدَ اِبْنِ بَطَّالٍ أَنَّ اِسْمَ الْمَرْأَةِ جُوَيْرِيَةُ , فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا رَأَى قَوْلَ اِبْنِ إِسْحَاقَ إِنَّهَا مَوْلَاةُ حُجَيْنِ بْن أَبِي إِهَاب أَطْلَقَ عَلَيْهَا جُوَيْرِيَةَ لِكَوْنِهَا أَمَة , أَوْ يَكُون وَقَعَ لَهُ رِوَايَة فِيهَا أَنَّ اِسْمهَا جُوَيْرِيَةُ. وَقَوْله : \" مُوسَى \" يَجُوز فِيهِ الصَّرْف وَعَدَمُهُ , وَقَوْله : \" لِيَسْتَحِدَّ بِهَا \" فِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ بْن سُفْيَان \" لِيَسْتَطِيبَ بِهَا \" وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَحْلِقُ عَانَتَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ فَغَفَلْت عَنْ صَبِيٍّ لِي ) ‏ ‏ذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْن بَكَّارٍ أَنَّ هَذَا الصَّبِيّ هُوَ أَبُو حُسَيْن بْن الْحَارِث مِنْ عَدِيِّ بْن نَوْفَل بْن عَبْد مَنَافٍ , وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أَبِي حُسَيْن الْمَكِّيِّ الْمُحَدِّثِ , وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ الزُّهْرِيِّ. وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ بْن سُفْيَان \" وَكَانَ لَهَا اِبْن صَغِير , فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ فَأَخَذَهُ فَأَجْلَسَهُ عِنْدَهُ , فَخَشِيت الْمَرْأَةُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَنَاشَدَتْهُ \" وَعِنْدَ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ \" فَأَخَذَ خُبَيْب بِيَدِ الْغُلَامِ فَقَالَ : هَلْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْكُمْ ؟ فَقَالَتْ مَا كَانَ هَذَا ظَنِّي بِك , فَرَمَى لَهَا الْمُوسَى وَقَالَ : إِنَّمَا كُنْت مَازِحًا \" وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ بْن سُفْيَان \" مَا كُنْت لِأَغْدِرَ \" وَعِنْدَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح وَعَاصِم بْن عُمَر جَمِيعًا أَنَّ مَارِيَةَ قَالَتْ : \" قَالَهُ لِي خُبَيْبُ حِين حَضَرَهُ الْقَتْلُ : اِبْعَثِي لِي بِحَدِيدَةٍ أَتَطَهَّرُ بِهَا , قَالَتْ فَأَعْطَيْته غُلَامًا مِنْ الْحَيِّ \" قَالَ اِبْن هِشَام. يُقَال إِنَّ الْغُلَامَ اِبْنهَا. وَيُجْمَع بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ طَلَبَ الْمُوسَى مِنْ كُلٍّ مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ , وَكَانَ الَّذِي أَوْصَلَهُ إِلَيْهِ اِبْن إِحْدَاهُمَا , وَأَمَّا الِابْن الَّذِي خَشِيَتْ عَلَيْهِ فَفِي رِوَايَة هَذَا الْبَابِ \" فَغَفَلْت عَنْ صَبِيٍّ لِي فَدَرَجَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَاهُ فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ \" فَهَذَا غَيْر الَّذِي أَحْضَرَ إِلَيْهِ الْحَدِيدَةَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ رَأَيْته يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ , وَمَا بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ ثَمَرَةٌ ) ‏ ‏الْقِطْفُ بِكَسْرِ الْقَافِ الْعُنْقُودُ , وَفِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاق عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيحٍ كَمَا تَقَدَّمَ \" وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَقِطْفًا مِنْ عِنَبٍ مِثْلَ رَأْسِ الرَّجُلِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا كَانَ إِلَّا رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْنِ سَعْدٍ \" رَزَقَهُ اللَّهُ خُبَيْبًا \" وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ وَثَابِتٍ \" تَقُول إِنَّهُ لَرِزْقٌ مِنْ اللَّهِ رَزَقَهُ خُبَيْبًا \" قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَعَلَهُ آيَةً عَلَى الْكُفَّارِ وَبُرْهَانًا لِنَبِيِّهِ لِتَصْحِيحِ رِسَالَتِهِ قَالَ : فَأَمَّا مَنْ يَدَّعِي وُقُوعَ ذَلِكَ لَهُ الْيَوْمَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا وَجْهَ لَهُ , إِذْ الْمُسْلِمُونَ قَدْ دَخَلُوا فِي الدِّينِ وَأَيْقَنُوا بِالنُّبُوَّةِ , فَأَيُّ مَعْنًى لِإِظْهَارِ الْآيَةِ عِنْدَهُمْ ؟ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي تَجْوِيزِ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَقُولَ جَاهِلٌ إِذَا جَازَ ظُهُورُ هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى يَدِ غَيْرِ نَبِيٍّ فَكَيْفَ نُصَدِّقُهَا مِنْ نَبِيٍّ وَالْفَرْضُ أَنَّ غَيْرَهُ يَأْتِي بِهَا لَكَانَ فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ , إِلَى أَنْ قَالَ. إِلَّا أَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْرِقُ عَادَةً وَلَا يَقْلِبُ عَيْنًا , مِثْلَ أَنْ يُكَرِّمَ اللَّهُ عَبْدًا بِإِجَابَةِ دَعْوَةٍ فِي الْحِينِ , وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا يَظْهَرُ فِيهِ فَضْلُ الْفَاضِلِ وَكَرَامَةُ الْوَلِيِّ , وَمِنْ ذَلِكَ حِمَايَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَاصِمًا لِئَلَّا يَنْتَهِك عَدُوُّهُ حُرْمَتَهُ اِنْتَهَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّ اِبْنَ بَطَّالٍ تَوَسَّطَ بَيْنَ مَنْ يُثْبِتُ الْكَرَامَةَ وَمَنْ يَنْفِيهَا فَجَعَلَ الَّذِي يُثْبِتُ مَا قَدْ تَجْرِي بِهِ الْعَادَةُ لِآحَادِ النَّاسِ أَحْيَانًا , وَالْمُمْتَنِعُ مَا يَقْلِبُ الْأَعْيَانَ مَثَلًا , وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إِثْبَاتُ الْكَرَامَاتِ مُطْلَقًا , لَكِنْ اِسْتَثْنَى بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ كَأَبِي الْقَاسِم الْقُشَيْرِيُّ مَا وَقَعَ بِهِ التَّحَدِّي لِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ , وَلَا يَصِلُونَ إِلَى مِثْلِ إِيجَادِ وَلَدٍ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَنَحْو ذَلِكَ , وَهَذَا أَعْدَل الْمَذَاهِب فِي ذَلِكَ , فَإِنَّ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ فِي الْحَالِ وَتَكْثِيرَ الطَّعَامِ وَالْمَاءِ وَالْمُكَاشَفَةِ بِمَا يَغِيبُ عَنْ الْعَيْنِ وَالْإِخْبَار بِمَا سَيَأْتِي وَنَحْو ذَلِكَ قَدْ كَثُرَ جِدًّا حَتَّى صَارَ وُقُوعُ ذَلِكَ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى الصَّلَاحِ كَالْعَادَةِ , فَانْحَصَرَ الْخَارِقُ الْآنَ فِيمَا قَالَهُ الْقُشَيْرِيُّ , وَتَعَيَّنَ تَقْيِيدُ قَوْلِ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ كُلَّ مُعْجِزَةٍ وُجِدَتْ لِنَبِيٍّ يَجُوزُ أَنْ تَقَعَ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ , وَوَرَاء ذَلِكَ كُلّه أَنَّ الَّذِي اِسْتَقَرَّ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ خَرْقَ الْعَادَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى , وَهُوَ غَلَطٌ مِمَّنْ يَقُولُهُ , فَإِنَّ الْخَارِقَ قَدْ يَظْهَرُ عَلَى يَدِ الْمُبْطِلِ مِنْ سَاحِرٍ وَكَاهِنٍ وَرَاهِبٍ , فَيَحْتَاجُ مَنْ يَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلَى وِلَايَةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى فَارِقٍ , وَأَوْلَى مَا ذَكَرُوهُ أَنْ يُخْتَبَرَ حَالُ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِالْأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ وَالنَّوَاهِي كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ وِلَايَتِهِ وَمَنْ لَا فَلَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنْ الْحَرَمِ ) ‏ ‏بَيَّنَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ إِلَى التَّنْعِيمِ. ‏ ‏قَوْله : ( دَعُونِي أُصَلِّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ بِغَيْرِ يَاءٍ , وَلِغَيْرِهِ بِثُبُوتِ الْيَاءِ وَلِكُلٍّ وَجْهٌ , وَلِمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي مَوْضِعِ مَسْجِدِ التَّنْعِيمِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَزِدْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ بْن سُفْيَانَ \" لَزِدْت سَجْدَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ \" وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا \" أَيْ مُتَفَرِّقِينَ \" وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا \" وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ \" فَقَالَ خُبَيْب : اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أَجِدُ مَنْ يُبَلِّغ رَسُولَك مِنِّي السَّلَامَ فَبَلِّغْهُ \" وَفِيهِ فَلَمَّا رُفِعَ عَلَى الْخَشَبَةِ اِسْتَقْبَلَ الدُّعَاءَ قَالَ : فَلَبَدُ رَجُلٌ بِالْأَرْضِ خَوْفًا مِنْ دُعَائِهِ \" فَقَالَ \" اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا \" قَالَ فَلَمْ يَحُلْ الْحَوْلُ وَمِنْهُمْ أَحَدٌ حَيٌّ غَيْرَ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي لَبَدَ بِالْأَرْضِ. وَحَكَى اِبْن إِسْحَاق عَنْ مُعَاوِيَة بْنَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ \" كُنْت مَعَ أَبِي فَجَعَلَ يُلْقِينِي إِلَى الْأَرْضِ حِينَ سَمِعَ دَعْوَةَ خُبَيْب \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ \" مِمَّنْ حَضَرَ ذَلِكَ أَبُو إِهَاب بْن عَزِيز وَالْأَخْنَس بْن شُرَيْق وَعُبَيْدَة بْن حَكِيم السُّلَمِيّ وَأُمَيَّة بْن عُتْبَةَ بْن هَمَّام \" وَعِنْدَهُ أَيْضًا \" فَجَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ , فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ \" وَعِنْد مُوسَى بْن عُقْبَة \" فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَهُوَ جَالِسٌ : وَعَلَيْك السَّلَامُ يَا خُبَيْبُ , قَتَلَتْهُ قُرَيْشُ \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا إِنْ أُبَالِي ) ‏ ‏هَكَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَلَسْت أُبَالِي \" وَهُوَ أَوَزْنُ , وَالْأَوَّلُ جَائِزٌ لَكِنَّهُ مَخْرُومٌ , وَيَكْمُلُ بِزِيَادَةِ الْفَاءِ , وَمَا نَافِيَة وَإِنْ بَعْدَهَا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ نَافِيَة أَيْضًا لِلتَّأْكِيدِ , وَفِي رِوَايَة شُعَيْب لِلْكُشْمِيهَنِيّ \" وَمَا إِنْ أُبَالِي \" بِزِيَادَةِ وَاو , وَلِغَيْرِهِ \" وَلَسْت أُبَالِي \" وَقَوْله \" وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ \" الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ ) ‏ ‏الْأَوْصَالُ جَمْعُ وَصْلٍ وَهُوَ الْعُضْوُ , وَالشِّلْوُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ الْجَسَدُ , وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْعُضْوِ وَلَكِنَّ الْمُرَاد بِهِ هُنَا الْجَسَد , وَالْمُمَزَّع بِالزَّايِ ثُمَّ الْمُهْمَلَة الْمُقَطَّع , وَمَعْنَى الْكَلَام أَعْضَاء جَسَد يُقَطَّع. وَعِنْدَ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ زِيَادَة فِي هَذَا الشِّعْرِ : ‏ ‏لَقَدْ أَجْمَعَ الْأَحْزَابُ حَوْلِي وَأَلَّبُوا ‏ ‏قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلَّ مَجْمَع ‏ ‏وَفِيهِ : ‏ ‏إِلَى اللَّهِ أَشْكُو غُرْبَتِي بَعْدَ كُرْبَتِي ‏ ‏وَمَا أَرْصَدَ الْأَحْزَابُ لِي عِنْدَ مَصْرَعِي ‏ ‏وَسَاقَهَا اِبْنُ إِسْحَاقَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَيْتًا , قَالَ اِبْن هِشَام : وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُهَا لِخُبَيْبٍ : ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ عُقْبَة بْن الْحَارِث فَقَتَلَهُ ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْدَهُ , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَةَ \" فَلَمَّا وَضَعُوا فِيهِ السِّلَاحَ وَهُوَ مَصْلُوبٌ نَادُوهُ وَنَاشَدُوهُ : أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا مَكَانَك ؟ قَالَ : لَا وَاَللَّهِ الْعَظِيم , مَا أُحِبُّ أَنْ يَفْدِينِي بِشَوْكَةٍ فِي قَدَمِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَبَعَثَتْ قُرَيْش إِلَى عَاصِمٍ لَيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَعْرِفُونَهُ , وَكَانَ عَاصِمُ قَتَلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ ) ‏ ‏لَعَلَّ الْعَظِيمَ الْمَذْكُورَ عُقْبَةُ بْن أَبِي مُعَيْط , فَإِنَّ عَاصِمًا قَتَلَهُ صَبْرًا بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد أَنْ اِنْصَرَفُوا مِنْ بَدْرٍ. وَوَقَعَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق , وَكَذَا فِي رِوَايَة بُرَيْدَةَ بْن سُفْيَان أَنَّ عَاصِمًا لَمَّا قُتِلَ أَرَادَتْ هُذَيْلُ أَخْذَ رَأْسِهِ لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ بْنِ شَهِيدٍ وَهِيَ أُمُّ مُسَافِع وَجُلَاس اِبْنَيْ طَلْحَة الْعَبْدَرِيّ , وَكَانَ عَاصِمًا قَتَلَهُمَا يَوْمَ أُحُدٍ , وَكَانَتْ نَذَرَتْ لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ فِي قَحْفِهِ , فَمَنَعَتْهُ الدَّبْرُ , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ قُرَيْشُ لَمْ تَشْعُرْ بِمَا جَرَى لِهُذَيْل مِنْ مَنْعِ الدَّبْرِ لَهَا مِنْ أَخْذِ رَأْسِ عَاصِمٍ , فَأَرْسَلَتْ مَنْ يَأْخُذُهُ , أَوْ عَرَفُوا بِذَلِكَ وَرَجَوْا أَنْ تَكُونَ الدَّبْرُ تَرَكَتْهُ فَيَتَمَكَّنُوا مِنْ أَخْذِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( مِثْلُ الظُّلَّةِ مِنْ الدَّبْرُ ) ‏ ‏الظُّلَّة بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ السَّحَابَةُ , وَالدَّبْرُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ الزَّنَابِيرُ , وَقِيلَ ذُكُورُ النَّحْلِ وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ. وَقَوْلِهِ \" فَحَمَتْهُ \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ أَيْ مَنَعَتْهُ مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ \" فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْطَعُوا مِنْ لَحْمِهِ شَيْئًا \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ \" فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ الدَّبْرُ تَطِيرُ فِي وُجُوهِهِمْ وَتَلْدَغُهُمْ , فَحَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَقْطَعُوا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ عَاصِم بْن عَمْرو عَنْ قَتَادَةَ قَالَ \" كَانَ عَاصِم بْن ثَابِت أَعْطَى اللَّهَ عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِك وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا , فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُهُ : يَحْفَظُ اللَّهُ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَمَا حَفِظَهُ فِي حَيَاتِهِ \" وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ لِلْأَسِيرِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِ الْأَمَانِ وَلَا يُمَكِّنَ مِنْ نَفْسِهِ وَلَوْ قُتِلَ , أَنَفَةً مِنْ أَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ كَافِرٍ , وَهَذَا إِذَا أَرَادَ الْأَخْذَ بِالشِّدَّةِ , فَإِنْ أَرَادَ الْأَخْذَ بِالرُّخْصَةِ لَهُ أَنْ يَسْتَأْمِنَ , قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : أَكْرَهُ ذَلِكَ , وَفِيهِ الْوَفَاءُ لِلْمُشْرِكِينَ بِالْعَهْدِ , وَالتَّوَرُّعُ عَنْ قَتْلِ أَوْلَادِهِمْ , وَالتَّلَطُّفُ بِمَنْ أُرِيدَ قَتْله , وَإِثْبَاتُ كَرَامَةِ الْأَوْلِيَاءِ , وَالدُّعَاءُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِالتَّعْمِيمِ , وَالصَّلَاةُ عِنْدَ الْقَتْلِ , وَفِيهِ إِنْشَاءُ الشِّعْرِ وَإِنْشَادُهُ عِنْدَ الْقَتْلِ وَدَلَالَة عَلَى قُوَّةِ يَقِين خُبَيْب وَشِدَّته فِي دِينه , وَفِيهِ أَنَّ اللَّه يَبْتَلِي عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ بِمَا شَاءَ كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ لِيُثِيبَهُ , وَلَوْ شَاءَ رَبُّك مَا فَعَلُوهُ. وَفِيهِ اِسْتِجَابَةُ دُعَاءِ الْمُسْلِمِ وَإِكْرَامُهُ حَيًّا وَمَيِّتًا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِدِ مِمَّا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ. وَإِنَّمَا اِسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فِي حِمَايَةِ لَحْمِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ قَتْلِهِ لِمَا أَرَادَ مِنْ إِكْرَامِهِ بِالشَّهَادَةِ , وَمِنْ كَرَامَتِهِ حِمَايَتُهُ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ بِقَطْعِ لَحْمِهِ. وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مُشْرِكُو قُرَيْش مِنْ تَعْظِيمِ الْحُرَمِ وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3778",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الَّذِي قَتَلَ ‏ ‏خُبَيْبًا ‏ ‏هُوَ ‏ ‏أَبُو سِرْوَعَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( الَّذِي قَتَلَ خُبَيْبًا هُوَ أَبُو سِرْوَعَةَ ) ‏ ‏زَادَ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَان \" وَاسْمه عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ \" وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ اِبْن أَبِي عُمَرَ عَنْ سُفْيَانَ مَدْرَجًا , وَهَذَا خَالَفَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَالنَّسَبِ فَقَالُوا : أَبُو ب سِرْوَعَةَ أَخُو عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ , حَتَّى قَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيُّ : مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمَا وَاحِدٌ فَقَدْ وَهَمَ وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُقْبَة بْن الْحَارِث قَالَ \" مَا أَنَا قَتَلْت خُبَيْبًا لِأَنِّي كُنْت أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ , وَلَكِنْ أَبَا مَيْسَرَةَ الْعَبْدَرِيّ أَخَذَ الْحَرْبَةَ فَجَعَلَهَا فِي يَدَيَّ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدَيَّ وَبِالْحَرْبَةِ ثُمَّ طَعَنَهُ بِهَا حَتَّى قَتَلَهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3779",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَبْعِينَ رَجُلًا لِحَاجَةٍ يُقَالُ لَهُمْ الْقُرَّاءُ فَعَرَضَ لَهُمْ ‏ ‏حَيَّانِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي سُلَيْمٍ ‏ ‏رِعْلٌ ‏ ‏وَذَكْوَانُ ‏ ‏عِنْدَ بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا ‏ ‏بِئْرُ مَعُونَةَ ‏ ‏فَقَالَ الْقَوْمُ وَاللَّهِ مَا إِيَّاكُمْ أَرَدْنَا إِنَّمَا نَحْنُ ‏ ‏مُجْتَازُونَ ‏ ‏فِي حَاجَةٍ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَتَلُوهُمْ ‏ ‏فَدَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَيْهِمْ شَهْرًا فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ وَذَلِكَ بَدْءُ الْقُنُوتِ وَمَا كُنَّا نَقْنُتُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏وَسَأَلَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏عَنْ الْقُنُوتِ أَبَعْدَ الرُّكُوعِ أَوْ عِنْدَ فَرَاغٍ مِنْ الْقِرَاءَةِ قَالَ لَا بَلْ عِنْدَ فَرَاغٍ مِنْ الْقِرَاءَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعِينَ رَجُلًا لِحَاجَةٍ ) ‏ ‏فَسَّرَ قَتَادَةُ الْحَاجَة كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا بِقَوْلِهِ \" أَنَّ رِعْلًا وَغَيْرَهُمْ اِسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَدُوٍّ فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ رِعْلٌ وَذَكْوَان وَعُصَيَّة وَبَنُو لِحْيَانَ فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ أَسْلَمُوا وَاسْتَمَدُّوا عَلَى قَوْمِهِمْ. وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ رِوَايَة قَتَادَةَ وَهْمٌ , وَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَمِدُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا الَّذِي اِسْتَمَدَّهُمْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْتَهَى. وَلَا مَانِعَ أَنْ يَسْتَمِدُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الظَّاهِرِ وَيَكُونُ قَصْدُهُمْ الْغَدْر بِهِمْ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ اِسْتُمِدُّوا غَيْر الَّذِينَ اِسْتَمَدَّهُمْ عَامِر بْن الطُّفَيْلِ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ , وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ آخِرَ الْبَابِ عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَقْوَامًا إِلَى نَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ \" وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ اِسْتِمْدَادُهُمْ لَهُمْ لِقِتَالِ عَدُوٍّ , وَإِنَّمَا هُوَ لِلدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ اِبْن إِسْحَاقَ قَالَ \" حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ الْمُغِيرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرِهِ قَالَ : قَدِمَ أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ الْمَعْرُوفُ بِمُلَاعِبِ الْأَسِنَّةِ عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَلَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يُبْعِدْ وَقَالَ : يَا مُحَمَّد , لَوْ بَعَثْت رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِك إِلَى أَهْلِ نَجْدٍ رَجَوْت أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَك وَأَنَا جَارٌ لَهُمْ , فَبَعَثَ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرو فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ الْحَارِثُ بْن الصِّمَّةَ وَحَرَامُ بْن مِلْحَانِ وَرَافِع بْن بُدَيْل بْن وَرْقَاء وَعُرْوَة بْن أَسْمَاء وَعَامِر بْن فُهَيْرَةَ وَغَيْرهمْ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ \" وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن كَعْب بْن مَالِك وَرِجَال مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ نَحْوه , لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ الْمَذْكُورِينَ. وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْن شِهَابٍ عَنْ اِبْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ كَعْبِ , وَوَصَلَهَا أَيْضًا اِبْن عَائِذ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاسٍ لَكِنْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ , وَهِيَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَة عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ مُخْتَصَرًا وَلَمْ يُسَمِّ أَبَا بَرَاءٍ , بَلْ قَالَ \" إِنَّ نَاسًا \" وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ بِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ كَانُوا رُؤَسَاءَ وَبَقِيَّة الْعِدَّةِ أَتْبَاعًا. وَوَهَمَ مَنْ قَالَ كَانُوا ثَلَاثِينَ فَقَطْ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّف فِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ أَسَرَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ , وَهُوَ شَاهِدٌ لِمُرْسَلِ اِبْنِ إِسْحَاقَ. ‏ ‏قَوْله : ( يُقَالُ لَهُمْ الْقُرَّاءُ ) ‏ ‏قَدْ بَيَّنَ قَتَادَةُ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ , وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ \" وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لِأَهْلِ الصُّفَّةِ وَيَتَدَارَسُونَ الْقُرْآنَ بِاللَّيْلِ وَيَتَعَلَّمُونَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَعَرَضَ لَهُمْ حَيَّانِ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ تَثْنِيَةُ حَيٍّ أَيْ جَمَاعَة مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "3780",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3781",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رِعْلًا ‏ ‏وَذَكْوَانَ ‏ ‏وَعُصَيَّةَ ‏ ‏وَبَنِي لَحْيَانَ ‏ ‏اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى عَدُوٍّ فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏كُنَّا نُسَمِّيهِمْ الْقُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ حَتَّى كَانُوا ‏ ‏بِبِئْرِ مَعُونَةَ ‏ ‏قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏رِعْلٍ ‏ ‏وَذَكْوَانَ ‏ ‏وَعُصَيَّةَ ‏ ‏وَبَنِي لَحْيَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَقَرَأْنَا فِيهِمْ قُرْآنًا ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَنَتَ شَهْرًا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏رِعْلٍ ‏ ‏وَذَكْوَانَ ‏ ‏وَعُصَيَّةَ ‏ ‏وَبَنِي لِحْيَانَ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏أَنَّ أُولَئِكَ السَّبْعِينَ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قُتِلُوا ‏ ‏بِبِئْرِ مَعُونَةَ ‏ ‏قُرْآنًا كِتَابًا نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : فِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ ( أَنَّ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لِحْيَانَ ) ‏ ‏ذِكْرُ بَنِي لِحْيَانَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَهْمٌ , وَإِنَّمَا كَانَ بَنُو لِحْيَانَ فِي قِصَّةِ خُبَيْبٍ فِي غَزْوَةِ الرَّجِيعِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَنَس فَقَرَأْنَا فِيهِمْ قُرْآنًا , ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ الْقُرْآنَ ‏ ‏( رُفِعَ ) ‏ ‏أَيْ نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ. وَفِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ \" ثُمَّ رَفَعَ بَعْدَ ذَلِكَ \" وَرَوَاهُ أَحْمَد عَنْ غُنْدَر عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ \" ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( زَادَ خَلِيفَةُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن خَيَّاطٍ وَهُوَ أَحَدُ شُيُوخِ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( قُرْآنًا كِتَابًا نَحْوه ) ‏ ‏أَيْ نَحْو رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَى بْن حَمَّادٍ عَنْ يَزِيدَ بْن زُرَيْعٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "3782",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏خَالَهُ ‏ ‏أَخٌ ‏ ‏لِأُمِّ سُلَيْمٍ ‏ ‏فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا وَكَانَ رَئِيسَ الْمُشْرِكِينَ ‏ ‏عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ ‏ ‏خَيَّرَ بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ فَقَالَ يَكُونُ لَكَ أَهْلُ السَّهْلِ وَلِي أَهْلُ ‏ ‏الْمَدَرِ ‏ ‏أَوْ أَكُونُ خَلِيفَتَكَ أَوْ أَغْزُوكَ بِأَهْلِ ‏ ‏غَطَفَانَ ‏ ‏بِأَلْفٍ وَأَلْفٍ فَطُعِنَ ‏ ‏عَامِرٌ ‏ ‏فِي بَيْتِ أُمِّ فُلَانٍ فَقَالَ ‏ ‏غُدَّةٌ ‏ ‏كَغُدَّةِ الْبَكْرِ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ آلِ فُلَانٍ ائْتُونِي بِفَرَسِي فَمَاتَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ فَانْطَلَقَ ‏ ‏حَرَامٌ ‏ ‏أَخُو ‏ ‏أُمِّ سُلَيْمٍ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏رَجُلٌ أَعْرَجُ ‏ ‏وَرَجُلٌ ‏ ‏مِنْ بَنِي فُلَانٍ قَالَ كُونَا قَرِيبًا حَتَّى آتِيَهُمْ فَإِنْ آمَنُونِي كُنْتُمْ وَإِنْ قَتَلُونِي أَتَيْتُمْ أَصْحَابَكُمْ فَقَالَ أَتُؤْمِنُونِي أُبَلِّغْ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ ‏ ‏وَأَوْمَئُوا ‏ ‏إِلَى رَجُلٍ فَأَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ قَالَ ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏أَحْسِبُهُ حَتَّى أَنْفَذَهُ بِالرُّمْحِ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ فُزْتُ وَرَبِّ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فَلُحِقَ الرَّجُلُ فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ غَيْرَ الْأَعْرَجِ كَانَ فِي رَأْسِ جَبَلٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْنَا ثُمَّ كَانَ مِنْ الْمَنْسُوخِ إِنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا فَدَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَيْهِمْ ثَلَاثِينَ صَبَاحًا عَلَى ‏ ‏رِعْلٍ ‏ ‏وَذَكْوَانَ ‏ ‏وَبَنِي لَحْيَانَ ‏ ‏وَعُصَيَّةَ ‏ ‏الَّذِينَ عَصَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْن أَبِي طَلْحَةَ ( عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ خَالَهُ أَخَا أُمِّ سُلَيْمٍ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا ) ‏ ‏قَدْ سَمَّاهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ حَرَامًا , وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ الَّتِي بَعْدَهَا , وَالضَّمِيرُ فِي خَالِهِ لِأَنَس , وَقَدْ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْآتِيَةِ عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ \" لَمَّا طُعِنَ حَرَامُ بْن مِلْحَانِ وَكَانَ خَاله \" وَعَجَبٌ تَجْوِيز الْكَرْمَانِيّ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَحَرَامٌ خَالُهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ , كَذَا قَالَهُ. ‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ ( وَكَانَ رَئِيس الْمُشْرِكِينَ عَامِر بْن الطُّفَيْلِ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَالِك بْن جَعْفَر بْن كِلَاب وَهُوَ اِبْن أَخِي أَبِي بَرَاءٍ عَامِر بْن مَالِك. ‏ ‏قَوْله : ( خَيَّرَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَحَذْفِ الْمَفْعُولِ أَيْ خَيَّرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبَيَّنَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِلِ \" مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْن سَعِيد عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ وَلَفْظُهُ \" وَكَانَ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ أُخَيِّرُك بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ \" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ \" خُيِّرَ \" بِضَمِّ أَوَّلِهِ , وَخَطَّأَهَا اِبْنُ قُرْقُولٍ. ‏ ‏قَوْله : ( بِأَلْفٍ وَأَلْفٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ بِأَلْفِ أَشْقَر وَأَلْفِ شَقْرَاء. ‏ ‏قَوْله : ( غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَكْرِ ) ‏ ‏يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ أَصَابَتْنِي غُدَّة أَوْ غُدَّةٌ بِي , وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ أَغُدُّهُ غُدَّةً مِثْلَ بُعَيْرَة , وَالْغُدَّةُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ مِنْ أَمْرَاضِ الْإِبِلِ وَهُوَ طَاعُونِهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فِي بَيْتِ اِمْرَأَةٍ مِنْ آلِ بَنِي فُلَانٍ ) ‏ ‏بَيَّنَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْن سَعْد فَقَالَ \" اِمْرَأَةٌ مِنْ آلِ سَلُول \" وَبَيَّنَ قُدُومَ عَامِر بْن الطُّفَيْل عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ قَالَ فِيهِ \" لَأَغْزُوَنَّك بِأَلْفِ أَشْقَرَ وَأَلْفِ شَقْرَاءَ \" وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ بَعْدَ أَنْ رَجَعَ عَامِر , وَأَنَّهُ غَدَرَ بِهِمْ وَأَخْفَرَ ذِمَّةَ عَمِّهِ أَبِي بَرَاءٍ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلَيْهِ فَقَالَ \" اللَّهُمَّ اِكْفِنِي عَامِرًا \" فَجَاءَ إِلَى بَيْتِ اِمْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَلُول. قُلْت : سَلُول اِمْرَأَةٌ , وَهِيَ بِنْتُ ذُهْلِ بْن شَيْبَانَ , وَزَوْجهَا مُرَّة بْن صَعْصَعَةَ أَخُو عَامِر بْن صَعْصَعَة فَنُسِبَ بَنُوهُ إِلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَ حَرَام أَخُو أُمّ سُلَيْمٍ وَهُوَ رَجُل أَعْرَجُ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا عَلَى أَنَّهَا صِفَةُ حَرَامٍ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْأَعْرَجُ غَيْرُهُ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْن سَعِيد \" فَانْطَلَقَ حَرَام وَرَجُلَانِ مَعَهُ أَعْرَجُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ \" فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ \" وَهُوَ \" قُدِّمَت سَهْوًا مِنْ الْكَاتِبِ , وَالصَّوَابُ تَأْخِيرُهَا , وَصَوَابُ الْكَلَامِ : فَانْطَلَقَ حَرَام هُوَ وَرَجُل أَعْرَجُ , فَأَمَّا الْأَعْرَجُ فَاسْمُهُ كَعْبُ بْنُ زَيْدٍ , وَهُوَ مِنْ بَنِي دِينَارِ بْن النَّجَّارِ , وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْن مُحَمَّدِ بْن عُقْبَةَ بْن أُحَيْحَةَ بْن الْجِلَاحِ الْخَزْرَجِيُّ سَمَّاهُمَا اِبْن هِشَام فِي زِيَادَاتِ السِّيرَةِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ \" هُوَ وَرَجُلٌ أَعْرَجُ \" وَهُوَ الصَّوَابُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ آمَنُونِي كُنْتُمْ ) ‏ ‏وَقَعَ هُنَا بِطَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيد الْمَذْكُورِ \" فَإِنْ آمَنُونِي كُنْتُمْ كَذَا \" وَلَعَلَّ لَفْظَةَ كَذَا مِنْ الرَّاوِي كَأَنَّهُ كَتَبَهَا عَلَى قَوْلِهِ كُنْتُمْ أَيْ كَذَا وَقَعَ بِطَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ , وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمُقْرِي عَنْ هَمَّامٍ \" فَإِنْ آمَنُونِي كُنْتُمْ قَرِيبًا مِنِّي \" فَهَذِهِ رِوَايَةٌ مُفَسِّرَةٌ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْ عَمَّار عَنْ إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ \" فَخَرَجَ حَرَام فَقَالَ : يَا أَهْلَ بِئْرِ مَعُونَةَ إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْكُمْ , فَآمِنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ , فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ كَسْرِ الْبَيْتِ بِرُمْحٍ فَضَرَبَهُ فِي جَنْبِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَوْمَئُوا إِلَى رَجُلٍ فَأَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِفَ اِسْمَ الرَّجُلِ الَّذِي طَعَنَهُ , وَوَقَعَ فِي السِّيرَةِ لِابْنِ إِسْحَاقَ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ , فَلَمَّا أَتَاهُ لَمْ يَنْظُرْ فِي كِتَابِهِ بِئْر مَعُونَة بَعَثُوا حَرَامَ بْن مِلْحَانَ بِكِتَابِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَامِرِ بْن الطُّفَيْل , فَلَمَّا أَتَاهُ لَمْ يَنْظُر فِي كِتَابه حَتَّى عَدَا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ , لَكِنْ وَقَعَ فِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق ثَابِت عَنْ أَنَس أَنَّ قَاتِلَ حَرَام بْن مِلْحَانَ أَسْلَمَ , وَعَامِر بْن الطُّفَيْل مَاتَ كَافِرًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَاب وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْمُسْتَغْفِرِيّ فِي \" الصَّحَابَة \" مِنْ طَرِيق الْقَاسِم عَنْ أَبِي أُمَامَةَ \" عَنْ عَامِر بْن الطُّفَيْل أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه زَوِّدْنِي بِكَلِمَاتٍ , قَالَ : يَا عَامِر أَفْشِ السَّلَامَ وَأَطْعِمْ الطَّعَامَ , وَاسْتَحْيِ مِنْ اللَّه , وَإِذَا أَسَأْت فَأَحْسِنْ \" الْحَدِيث فَهُوَ أَسْلَمِيّ , وَوَهَمَ الْمُسْتَغْفِرِيّ فِي كَوْنِهِ سَاقَ فِي تَرْجَمَتِهِ نَسَبَ عَامِر بْن الطُّفَيْل الْعَامِرِيّ , وَقَدْ رَوَى الْبَغَوِيُّ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي بَرَاءٍ عَامِر بْن مَالِك الْعَامِرِيّ عَنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيّ قَالَ \" حَدَّثَنِي عَمِّي عَامِر بْن الطُّفَيْل \" فَذَكَرَ حَدِيثًا فَعَرَفَ أَنَّ الصَّحَابِيّ أَسْلَمِيّ , وَوَافَقَ اِسْمه وَاسْم أَبِيهِ الْعَامِرِيّ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَب الْوَهْمِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : اللَّه أَكْبَر , فُزْت وَرَبّ الْكَعْبَة , فَلَحِقَ الرَّجُل فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ ) ‏ ‏أَشْكَلَ ضَبْط قَوْله \" فَلَحِقَ الرَّجُل \" فِي هَذَا السِّيَاق فَقِيلَ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ رَفِيق حَرَام , وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَلَحِقَ الرَّجُل بِالْمُسْلِمِينَ. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ قَاتِلَ حَرَام , وَالتَّقْدِير فَطَعَنَ حَرَامًا فَقَالَ : فُزْت وَرَبّ الْكَعْبَةِ فَلَحِقَ الرَّجُل الْمُشْرِك الطَّاعِن بِقَوْمِهِ الْمُشْرِكِينَ فَاجْتَمَعُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ. يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ \" فَلُحِقَ \" بِضَمِّ اللَّام وَالرَّجُلُ هُوَ حَرَام أَيْ لَحِقَهُ أَجَلُهُ , أَوْ الرَّجُل رَفِيقُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمْ يُمَكِّنُوهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ بَلْ لَحِقَهُ الْمُشْرِكُونَ فَقَتَلُوهُ وَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ , وَيُحْتَمَل أَنْ يُضْبَط الرَّجُلُ بِسُكُونِ الْجِيمِ وَهُوَ صِيغَة جَمْع وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي طَعَنَ حَرَامًا لَحِقَ بِقَوْمِهِ وَهُمْ الرِّجَالُ الَّذِينَ اِسْتَنْصَرَ بِهِمْ عَامِر بْن الطُّفَيْلِ. وَالرَّجْلُ بِسُكُونِ الْجِيمِ هُمْ الْمُسْلِمُونَ الْقُرَّاءُ فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ , وَهَذَا أَوْجَهُ التَّوْجِيهَاتِ إِنْ ثَبَتَتْ الرِّوَايَةُ بِسُكُونِ الْجِيمِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ غَيْرَ الْأَعْرَجِ كَانَ فِي رَأْسِ جَبَلٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْن عُمَر عَنْ هَمَّام فِي كِتَابِ الْجِهَادِ \" فَقَتَلُوهُمْ إِلَّا رَجُلًا أَعْرَجَ صَعِدَ الْجَبَلَ \" قَالَ هَمَّام \" وَآخَرَ مَعَهُ \" وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ \" فَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ غَيْرَ الْأَعْرَجِ وَكَانَ فِي رَأْسِ الْجَبَلِ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ كَانَ مِنْ الْمَنْسُوخِ ) ‏ ‏أَيْ الْمَنْسُوخِ تِلَاوَتُهُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حُكْمُ حُرْمَةِ الْقُرْآنِ كَتَحْرِيمِهِ عَلَى الْجُنُبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3783",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حِبَّانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَمَّا طُعِنَ ‏ ‏حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ ‏ ‏وَكَانَ خَالَهُ يَوْمَ ‏ ‏بِئْرِ مَعُونَةَ ‏ ‏قَالَ بِالدَّمِ هَكَذَا فَنَضَحَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ فُزْتُ وَرَبِّ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : فِي رِوَايَةِ ثُمَامَةَ ( وَكَانَ خَالُهُ ) ‏ ‏أَيْ خَالَ أَنَسٍ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ بِالدَّمِ هَكَذَا ) ‏ ‏هُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ , وَقَدْ فَسَّرَهُ بِأَنَّهُ نَضْحُ الدَّمِ. ‏ ‏قَوْله : ( فُزْت وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ) ‏ ‏أَيْ بِالشَّهَادَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3784",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فِي الْخُرُوجِ حِينَ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَذَى فَقَالَ لَهُ أَقِمْ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَطْمَعُ أَنْ يُؤْذَنَ لَكَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ إِنِّي لَأَرْجُو ذَلِكَ قَالَتْ فَانْتَظَرَهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاتَ يَوْمٍ ظُهْرًا فَنَادَاهُ فَقَالَ أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ فَقَالَ ‏ ‏أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الصُّحْبَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الصُّحْبَةَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي نَاقَتَانِ قَدْ كُنْتُ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ فَأَعْطَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِحْدَاهُمَا وَهِيَ ‏ ‏الْجَدْعَاءُ ‏ ‏فَرَكِبَا فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا الْغَارَ وَهُوَ ‏ ‏بِثَوْرٍ ‏ ‏فَتَوَارَيَا فِيهِ فَكَانَ ‏ ‏عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ‏ ‏غُلَامًا ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الطُّفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ ‏ ‏أَخُو ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏لِأُمِّهَا وَكَانَتْ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏مِنْحَةٌ فَكَانَ يَرُوحُ بِهَا ‏ ‏وَيَغْدُو ‏ ‏عَلَيْهِمْ وَيُصْبِحُ ‏ ‏فَيَدَّلِجُ ‏ ‏إِلَيْهِمَا ثُمَّ يَسْرَحُ فَلَا يَفْطُنُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الرِّعَاءِ فَلَمَّا خَرَجَ خَرَجَ مَعَهُمَا يُعْقِبَانِهِ حَتَّى قَدِمَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَقُتِلَ ‏ ‏عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بِئْرِ مَعُونَةَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قُتِلَ الَّذِينَ ‏ ‏بِبِئْرِ مَعُونَةَ ‏ ‏وَأُسِرَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ ‏ ‏قَالَ لَهُ ‏ ‏عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ ‏ ‏مَنْ هَذَا فَأَشَارَ إِلَى قَتِيلٍ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ‏ ‏فَقَالَ لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدَ مَا قُتِلَ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ ثُمَّ وُضِعَ فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَبَرُهُمْ فَنَعَاهُمْ فَقَالَ إِنَّ أَصْحَابَكُمْ قَدْ أُصِيبُوا وَإِنَّهُمْ قَدْ سَأَلُوا رَبَّهُمْ فَقَالُوا رَبَّنَا أَخْبِرْ عَنَّا إِخْوَانَنَا بِمَا رَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا فَأَخْبَرَهُمْ عَنْهُمْ وَأُصِيبَ يَوْمَئِذٍ فِيهِمْ ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ أَسْماءَ بْنِ الصَّلْتِ ‏ ‏فَسُمِّيَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏بِهِ ‏ ‏وَمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏سُمِّيَ بِهِ ‏ ‏مُنْذِرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : اِسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْخُرُوجِ ) ‏ ‏يَعْنِي فِي الْهِجْرَةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى بِطُولِهِ فِي أَبْوَابِ الْهِجْرَةِ , وَإِنَّمَا ذَكَرَ مِنْهُ هَاهُنَا هَذِهِ الْقِطْعَةَ مِنْ أَجْلِ ذِكْرِ عَامِرِ بْن فُهَيْرَةَ لِيُنَبِّهَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ السَّابِقِينَ. ‏ ‏قَوْله فِيهِ ( فَكَانَ عَامِرَ بْن فُهَيْرَةَ غُلَامًا لِعَبْدِ اللَّه بْن الطُّفَيْل بْن سَخْبَرَةَ أَخُو عَائِشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَخِي عَائِشَةَ \" وَهُمَا جَائِزَانِ الْأُولَى عَلَى الْقَطْعِ وَالثَّانِيَةُ عَلَى الْبَدَلِ , وَفِي قَوْله : \" عَبْد اللَّه بْن الطُّفَيْلِ \" نَظَر وَكَأَنَّهُ مَقْلُوب وَالصَّوَاب كَمَا قَالَ الدِّمْيَاطِيّ الطُّفَيْل بْن عَبْد اللَّه بْن سَخْبَرَةَ , وَهُوَ أَزْدِيّ مِنْ بَنِي زَهْرَانَ , وَكَانَ أَبُوهُ زَوْجَ أُمِّ رُومَانَ وَالِدَةِ عَائِشَةَ , فَقَدِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَكَّةَ فَخَالَفَ أَبَا بَكْر , وَمَاتَ وَخَلَفَ الطُّفَيْل , فَتَزَوَّجَ أَبُو بَكْر اِمْرَأَتَهُ أُمَّ رُومَانَ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَن وَعَائِشَة , فَالطُّفَيْلُ أَخُوهُمَا مِنْ أُمِّهِمَا , وَاشْتَرَى أَبُو بَكْر عَامِر بْن فُهَيْرَةَ مِنْ الطُّفَيْل. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ أَبِي أُسَامَة ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله : \" حَدَّثَنَا عُبَيْد بْن إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة \" وَإِنَّمَا فَصَّلَهُ لِيُبَيِّنَ الْمَوْصُولَ مِنْ الْمُرْسَلِ , وَكَأَنَّ هِشَامَ بْن عُرْوَةَ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِيهِ هَكَذَا فَذَكَرَ قِصَّةَ الْهِجْرَةِ مَوْصُولَةً بِذِكْرِ عَائِشَة فِيهِ , وَقِصَّة بِئْر مَعُونَة مُرْسَلَة لَيْسَ فِيهِ ذِكْر عَائِشَة. وَوَجْه تَعَلُّقِهِ بِهِ مِنْ جِهَةِ ذِكْر عَامِر بْن فُهَيْرَةَ , فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي شَأْنِ الْهِجْرَةِ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ , وَفِيهِ : \" فَلَمَّا خَرَجَا - أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر - خَرَجَ مَعَهُمْ \" أَيْ إِلَى الْمَدِينَةِ , وَقَوْله يَعْقُبَانِهِ بِالْقَافِ أَيْ يَرْكَبَانِهِ عَقَبَة , وَهُوَ أَنْ يَنْزِلَ الرَّاكِبُ وَيَرْكَب رَفِيقُهُ ثُمَّ يَنْزِل الْآخَرُ وَيَرْكَب الْمَاشِي , هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيه ظَاهِرُ اللَّفْظِ فِي الْعَقَبَةِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا يُرْكِبُهُ مَرَّةً وَهَذَا يُرْكِبُهُ أُخْرَى , وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ التَّعْبِيرُ بِيُرْدِفَانِهِ أَظْهَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُتِلَ عَامِر بْن فُهَيْرَةَ يَوْم بِئْر مَعُونَة ) ‏ ‏هَذَا آخِرُ الْحَدِيثِ الْمَوْصُولِ , ثُمَّ سَاقَ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ صِفَة قَتْلِ عَامِرِ بْن فُهَيْرَةَ مُرْسَلَة , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي \" الدَّلَائِل \" سِيَاق هَذِهِ الْقِصَّة فِي حَدِيث الْهِجْرَة مَوْصُولًا بِهِ مُدْرَجًا , وَالصَّوَاب مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا قُتِلَ الَّذِينَ بِبِئْرِ مَعُونَة ) ‏ ‏أَيْ الْقُرَّاء الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ ( وَأُسِرَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّة الضَّمْرِيّ ) قَدْ سَاقَ عُرْوَة ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْهُ , وَفِي رِوَايَتِهِ \" وَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرو السَّاعِدِيَّ إِلَى بِئْرِ مَعُونَةَ وَبَعَثَ مَعَهُ الْمُطَّلِب السُّلَمِيّ لِيَدُلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ , فَقُتِلَ الْمُنْذِر بْن عَمْرو وَأَصْحَابه , إِلَّا عَمْرَو بْن أُمَيَّة فَإِنَّهُمْ أَسَرُوهُ وَاسْتَحْيَوْهُ \" وَفِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ اِجْتَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَعْتَقَهُ عَنْ رَقَبَةٍ كَانَتْ عَلَى أُمِّهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَهُ عَامِر بْن الطُّفَيْل : مَنْ هَذَا ؟ فَأَشَارَ إِلَى قَتِيل ) فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُرْوَة \" أَنَّ عَامِر بْن الطُّفَيْلِ قَالَ لِعَمْرِو بْن أُمَيَّة : هَلْ تَعْرِف أَصْحَابَك ؟ قَالَ : نَعَمْ فَطَافَ فِي الْقَتْلَى فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَنْسَابِهِمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا عَامِر بْن فُهَيْرَةَ ) ‏ ‏وَهُوَ مَوْلَى أَبِي بَكْر الْمَذْكُور فِي حَدِيث الْهِجْرَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ رَأَيْته بَعْدَمَا قُتِلَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ الْمَذْكُورَة \" فَأَشَارَ عَامِر بْن الطُّفَيْلِ إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ : هَذَا طَعَنَهُ بِرُمْحِهِ ثُمَّ اِنْتَزَعَ رُمْحَهُ فَذَهَبَ بِالرَّجُلِ عُلُوًّا فِي السَّمَاءَ حَتَّى مَا أَرَاهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ وُضِعَ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى الْأَرْض. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَارَتْهُ وَلَمْ يَرَهُ الْمُشْرِكُونَ , وَهَذَا وَاقِعٌ عِنْدَ اِبْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَفِي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِعَامِرِ بْن فُهَيْرَةَ وَتَرْهِيبٌ لِلْكُفَّارِ وَتَخْوِيفٌ , وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ الْمَذْكُورَةِ \" وَكَانَ الَّذِي قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِلَابٍ جَبَّارُ بْن سَلْمَى , ذَكَرَ أَنَّهُ لَمَّا طَعَنَهُ قَالَ : فُزْت وَاَللَّهِ قَالَ : فَقُلْت فِي نَفْسِي : مَا قَوْلُهُ فُزْت ؟ فَأَتَيْت الضَّحَّاكَ بْنَ سُفْيَانَ فَسَأَلْته فَقَالَ : بِالْجَنَّةِ. قَالَ : فَأَسْلَمْت , وَدَعَانِي إِلَى ذَلِكَ مَا رَأَيْت مِنْ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ \" اِنْتَهَى. وَجَبَّارُ بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُثَقَّلٌ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ , وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَةِ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ فِي \" الِاسْتِيعَابِ \" أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ قَتَلَهُ , وَكَأَنَّ نِسْبَتَهُ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ لِكَوْنِهِ كَانَ رَأْسَ الْقَوْمِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرُهُمْ ) ‏ ‏قَدْ ظَهَرَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ , وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ الْمَذْكُورَةِ فَجَاءَ خَبَرُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأُصِيبَ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ عُرْوَةُ بْنَ أَسْمَاءَ بْن الصَّلْت ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي حَبِيب بْن حَارِثَة السُّلَمِيّ حَلِيف بَنِي عَمْرو بْن عَوْف. ‏ ‏قَوْله : ( فَسُمِّيَ عُرْوَةُ بِهِ ) ‏ ‏قِيلَ الْمُرَادُ اِبْنُ الزُّبَيْرِ , كَانَ الزُّبَيْرُ سَمَّى اِبْنَهُ عُرْوَةَ لَمَّا وُلِدَ لَهُ بِاسْمِ عُرْوَةَ بْن أَسْمَاءَ الْمَذْكُور , وَكَانَ بَيْنَ قَتْلِ عُرْوَةَ بْن أَسْمَاء وَمَوْلِد عُرْوَة بْن الزُّبَيْر بِضْعَةَ عَشَرَ عَامًا , وَقَدْ يُسْتَبْعَد هَذَا بِطُولِ الْمُدَّةِ وَبِأَنَّهُ لَا قَرَابَةَ بَيْنَ الزُّبَيْرِ وَعُرْوَةَ بْن أَسْمَاءَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمُنْذِر بْن عَمْرو ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي حُبَيْش بْن لَوْذَان مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ مِنْ الْخَزْرَجِ , وَكَانَ عَقَبِيًّا بَدْرِيًّا مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ ‏ ‏( سُمِّيَ بِهِ مُنْذِرًا ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ بِالنَّصْبِ , وَالْأَوَّلُ سُمِّيَ بِهِ مُنْذِر كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ , أَيْ أَنَّ الزُّبَيْرَ سَمَّى اِبْنَهُ مُنْذِرًا بِاسْمِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَمْرو هَذَا , فَيُحْتَمَل أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ مَحْذُوف وَالْمُرَاد بِهِ الزُّبَيْر , أَوْ الْمُرَاد بِهِ أَبُو أَسِيدٍ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِابْنٍ لِأَبِي أَسِيدٍ فَقَالَ : مَا اِسْمه ؟ قَالُوا : فُلَانٌ , قَالَ : بَلْ هُوَ الْمُنْذِر. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِم : قَالُوا إِنَّهُ سَمَّاهُ الْمُنْذِر تَفَاؤُلًا بِاسْمِ عَمِّ أَبِيهِ الْمُنْذِر بْن عَمْرو , وَكَانَ اُسْتُشْهِدَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ , فَتَفَاءَلَ بِهِ لِيَكُونَ خَلَفًا مِنْهُ , وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ الْبَحْث الَّذِي ذَكَرْته فِي عُرْوَةَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُوَجَّهَ النَّصْبُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ فِي إِقَامَةِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ بِهِ مَقَامَ الْفَاعِلِ كَمَا قُرِئَ ( لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) وَمِنْ الْمُنَاسَبَةِ هُنَا أَنَّ عُرْوَةَ بْن الزُّبَيْرِ هُوَ عُرْوَةُ اِبْن أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر , وَكَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عُرْوَة اِبْن أَسْمَاء نَاسَبَ أَنْ يُسَمَّى بِاسْمِ عُرْوَةَ اِبْن أَسْمَاءَ , وَلَمَّا سَمَّى الزُّبَيْرُ اِبْنَهُ بِاسْمِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ نَاسَبَ أَنْ يُسَمِّيَ الْآخَرَ بِاسْمِ الثَّانِي. ‏"
    },
    {
        "id": "3785",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مِجْلَزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَنَتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى ‏ ‏رِعْلٍ ‏ ‏وَذَكْوَانَ ‏ ‏وَيَقُولُ ‏ ‏عُصَيَّةُ ‏ ‏عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُقَاتِل , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ بَعْدَهَا زَاي اِسْمه لَاحِق بْن حُمَيْدٍ , وَرِوَايَتُهُ هَذِهِ مُخْتَصَرَة لِمَا ظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاق بْنَ أَبِي طَلْحَة الَّتِي تَقَدَّمَتْ , وَكَذَلِكَ رِوَايَة مَالِك عَنْ إِسْحَاقَ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ مُخْتَصَرَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى رِوَايَةِ هَمَّامٍ عَنْ إِسْحَاقَ الْمُتَقَدِّمَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3786",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا ‏ ‏يَعْنِي أَصْحَابَهُ ‏ ‏بِبِئْرِ مَعُونَةَ ‏ ‏ثَلَاثِينَ صَبَاحًا حِينَ يَدْعُو عَلَى ‏ ‏رِعْلٍ ‏ ‏وَلَحْيَانَ ‏ ‏وَعُصَيَّةَ ‏ ‏عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الَّذِينَ قُتِلُوا أَصْحَابِ ‏ ‏بِئْرِ مَعُونَةَ ‏ ‏قُرْآنًا قَرَأْنَاهُ حَتَّى نُسِخَ بَعْدُ بَلِّغُوا قَوْمَنَا فَقَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3787",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ الْقُنُوتِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ نَعَمْ فَقُلْتُ كَانَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَ قَبْلَهُ قُلْتُ فَإِنَّ ‏ ‏فُلَانًا ‏ ‏أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَهُ قَالَ كَذَبَ ‏ ‏إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا أَنَّهُ كَانَ بَعَثَ نَاسًا يُقَالُ لَهُمْ الْقُرَّاءُ وَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا إِلَى نَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَهْدٌ قِبَلَهُمْ فَظَهَرَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَهْدٌ فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ فُلَانًا ) ‏ ‏كَأَنَّهُ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْوَتْرِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى نَاس مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَبِينَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ قِبَلَهُمْ , فَظَهَرَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْد ) ‏ ‏هَكَذَا سَاقَهُ هُنَا , وَقَوْله قِبَلَهُمْ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَاللَّامِ أَيْ مِنْ جِهَتِهِمْ , وَأَوْرَدَهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَتْرِ عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ \" إِلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ دُونَ أُولَئِكَ وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ \" وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا بِوَاضِحٍ , وَقَدْ سَاقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مُبَيِّنًا فَأَوْرَدَهُ يُوسُفُ الْقَاضِي عَنْ مُسَدَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيّ فِيهِ وَلَفْظُهُ \" إِلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَتَلَهُمْ قَوْمٌ مُشْرِكُونَ دُونَ أُولَئِكَ وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ \" فَظَهَرَ أَنَّ الَّذِينَ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَهْدُ غَيْرَ الَّذِينَ قَتَلُوا الْمُسْلِمِينَ , وَقَدْ بَيَّنَ اِبْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ مَشَايِخِهِ وَكَذَلِكَ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب أَصْحَاب الطَّائِفَتَيْنِ وَأَنَّ أَصْحَابَ الْعَهْدِ هُمْ بَنُو عَامِر وَرَأْسُهُمْ أَبُو بَرَاءٍ عَامِر بْن مَالِك بْن جَعْفَر الْمَعْرُوف بِمُلَاعِبِ الْأَسِنَّةِ وَأَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ , وَأَنَّ عَامِر بْنَ الطُّفَيْلِ وَهُوَ اِبْن أَخِي مُلَاعِبِ الْأَسِنَّةِ أَرَادَ الْغَدْرَ بِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا بَنِي عَامِرَ إِلَى قِتَالِهِمْ , فَامْتَنَعُوا وَقَالُوا : لَا نَخْفِر ذِمَّةَ أَبِي بَرَاءٍ. فَاسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ عُصَيَّةَ وَذَكْوَانَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ فَأَطَاعُوهُ وَقَتَلُوهُمْ , وَذُكِرَ لِحَسَّانَ شِعْرًا يَعِيبُ فِيهِ أَبَا بَرَاءٍ وَيُحَرِّضُهُ عَلَى قِتَالِ عَامِرِ بْن الطُّفَيْلِ فِيمَا صَنَعَ فِيهِ , فَعَمِدَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي بَرَاءٍ إِلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ فَطَعَنَهُ فَأَرْدَاهُ , فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ : إِنْ عِشْت نَظَرْت فِي أَمْرِي , وَإِنْ مُتّ فَدَمِي لِعَمِّي , قَالُوا : وَمَاتَ أَبُو بَرَاءٍ عَقِبَ ذَلِكَ أَسَفًا عَلَى مَا صَنَعَ بِهِ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ , وَعَاشَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَاتَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَدَّمْته. وَوَقَعَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فِي الدَّعَوَاتِ \" فَقَنَتَ شَهْرًا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَقَالَ : إِنَّ عُصَيَّةَ عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ \" وَعُصَيَّةُ بَطْنٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ مُصَغَّر قَبِيلَةٌ تُنْسَبُ إِلَى عُصَيَّةَ بْن خِفَافِ بْن نُدْبَةَ بْن بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "3788",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَرَضَهُ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْهُ ‏ ‏وَعَرَضَهُ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ ) ‏ ‏عَرْضُ الْجَيْشِ اِخْتِبَارُ أَحْوَالِهِمْ قَبْلَ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ لِلنَّظَرِ فِي هَيْئَتِهِمْ وَتَرْتِيبِ مَنَازِلِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَهُوَ اِبْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ \" عَرَضَنِي يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْقِتَالِ وَأَنَا اِبْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ شَرْحِهِ وَمَبَاحِثِهِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ وَقَوْلُهُ : \" فَأَجَازَهُ \" أَيْ أَمْضَاهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي الْقِتَالِ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : أَجَازَهُ مِنْ الْإِجَازَةِ وَهِيَ الْأَنْفَالُ أَيْ أَسْهَمَ لَهُ , قُلْت : وَالْأَوَّلُ أَوْلَى , وَيَرُدُّ الثَّانِيَ هُنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ غَنِيمَةٌ يَحْصُلُ مِنْهَا نَفْلٌ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيّ \" رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُ الْغِلْمَانَ وَهُوَ يَحْفِرُ الْخَنْدَقَ , فَأَجَازَ مَنْ أَجَازَ وَرَدَّ مَنْ رَدَّ إِلَى الذَّرَارِيِّ \" فَهَذَا يُوَضِّحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِجَازَةِ الْإِمْضَاءُ لِلْقِتَالِ , لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَبْدَأِ الْأَمْرِ قَبْلَ حُصُولِ الْغَنِيمَةِ أَنْ لَوْ حَصَلَتْ غَنِيمَةٌ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3789",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏وَهُمْ يَحْفِرُونَ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَادِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ ‏ ‏الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ ‏ ‏لِلْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَنْدَقِ وَهُمْ يَحْفِرُونَ ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ السَّبَبِ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ فِي مَغَازِي اِبْن عُقْبَةَ , وَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَهُمْ أَخَذَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْعَمَلِ مَعَهُمْ مُسْتَعْجِلِينَ يُبَادِرُونَ قُدُومَ الْعَدُوِّ , وَكَذَا ذَكَرَ اِبْنُ إِسْحَاقَ نَحْوَهُ , وَعِنْدَ مُوسَى أَنَّهُمْ أَقَامُوا فِي عَمَلِهِ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً , وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ , وَفِي الرَّوْضَةِ لِلنَّوَوِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا , وَفِي الْهَدْي لِابْنِ الْقَيِّمِ أَقَامُوا شَهْرًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَحْنُ نَنْقُل التُّرَابَ عَلَى أَكْتَادِنَا ) ‏ ‏بِالْمُثَنَّاةِ جَمْعُ كَتِدٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْكَاهِلِ إِلَى الظَّهْرِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ \" عَلَى مُتُونِهِمْ \" وَالْمَتْنُ مُكْتَنَفُ الصُّلْبِ بَيْنَ اللَّحْم وَالْعَصَب , وَوَهَمَ اِبْن التِّين فَعَزَا هَذِهِ اللَّفْظَةَ لِحَدِيثِ سَهْل بْن سَعْد. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ \" عَلَى أَكْبَادِنَا \" بِالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ مُوَجَّهٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَلِي الْكَبِدَ مِنْ الْجَنْبِ. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْش الْآخِرَة ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّالٍ. هُوَ قَوْل اِبْن رَوَاحَة , يَعْنِي تَمَثَّلَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ لَفْظِهِ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاعِرًا , قَالَ : وَإِنَّمَا يُسَمَّى شَاعِرًا مَنْ قَصَدَهُ وَعَلِمَ السَّبَبَ وَالْوَتَد وَجَمِيع مَعَانِيه مِنْ الزِّحَاف وَنَحْو ذَلِكَ , كَذَا قَالَ وَعِلْمُ السَّبَب وَالْوَتَد إِلَى آخِره إِنَّمَا تَلَقَّوْهُ مِنْ الْعَرُوض الَّتِي اِخْتَرَعَ تَرْتِيبهَا الْخَلِيل بْن أَحْمَد , وَقَدْ كَانَ شِعْر الْجَاهِلِيَّة وَالْمُخَضْرَمِينَ وَالطَّبَقَة الْأُولَى وَالثَّانِيَة مِنْ شُعَرَاء الْإِسْلَام قَبْل أَنْ يُصَنِّفَهُ الْخَلِيل كَمَا قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة أَنَا أَقْدَم مِنْ الْعَرُوض , يَعْنِي أَنَّهُ نَظَمَ الشِّعْر قَبْل وَضْعِهِ. وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّه بْن الْحَجَّاج الْكَاتِب : ‏ ‏قَدْ كَانَ شِعْر الْوَرَى قَدِيمًا ‏ ‏مِنْ قَبْل أَنْ يُخْلَقَ الْخَلِيل ‏ ‏وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ اِبْن التِّين : إِنَّمَا قَالَ اِبْن رَوَاحَة \" لَا هُمَّ إِنَّ الْعَيْش \" بِلَا أَلِف وَلَام , فَأَوْرَدَ بَعْض الرُّوَاة عَلَى الْمَعْنَى , كَذَا قَالَ وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ ظَنُّهُ أَنَّهُ يَصِير بِالْأَلِفِ وَاللَّام غَيْر مَوْزُون , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَكُون دَخَلَهُ الْخَزْم وَمِنْ صُوَره زِيَادَة شَيْء مِنْ حُرُوف الْمَعَانِي فِي أَوَّل الْجُزْء. ‏ ‏قَوْله : ( فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَنَس بَعْدَهُ \" فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَة \" وَكِلَاهُمَا غَيْر مَوْزُون , وَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَمَّدَ ذَلِكَ , وَلَعَلَّ أَصْلَهُ فَاغْفِرْ لِلَانْصَارِ وَالْمُهَاجِرَة بِتَسْهِيلِ لَام الْأَنْصَار وَبِاللَّامِ فِي الْمُهَاجِرَة , وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى \" فَبَارِكْ \" بَدَل فَاغْفِرْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3790",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏فَإِذَا ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارُ ‏ ‏يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ ‏ ‏الْآخِرَهْ ‏ ‏فَاغْفِرْ ‏ ‏لِلْأَنْصَارِ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرَهْ ‏ ‏فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ ‏ ‏نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا ‏ ‏مُحَمَّدَا ‏ ‏عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس , أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ فِي الثَّانِي زِيَادَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيد يَعْمَلُونَ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُمْ عَمِلُوا فِيهِ بِأَنْفُسِهِمْ لِاحْتِيَاجِهِمْ إِلَى ذَلِكَ لَا لِمُجَرَّدِ الرَّغْبَةِ فِي الْأَجْرِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ النَّصَبِ وَالْجُوعِ ) ‏ ‏فِيهِ بَيَان لِسَبَبِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْش الْآخِرَةِ \" وَعِنْدَ الْحَارِثِ بْن أَبِي أُسَامَةَ مِنْ مُرْسَلِ طَاوُسٍ زِيَادَة فِي هَذَا الرَّجَزِ : ‏ ‏وَالْعَن عَضَلًا وَالْقَارَة ‏ ‏هُمْ كَلَّفُونَا نَنْقُل الْحِجَارَة ‏ ‏وَالْأَوَّل غَيْر مَوْزُون أَيْضًا وَلَعَلَّهُ كَانَ وَالْعَنْ إِلَهِي عَضَلًا وَالْقَارَة , وَفِي الطَّرِيق الثَّانِيَة لِأَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ جَوَابًا لِقَوْلِهِمْ نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا إِلَخْ , وَلَا أَثَرَ لِلتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِيهِ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا قَالُوا وَيَقُولُونَ إِذَا قَالَ , وَفِيهِ أَنَّ فِي إِنْشَادِ الشِّعْرِ تَنْشِيطًا فِي الْعَمَلِ , وَبِذَلِكَ جَرَتْ عَادَتُهُمْ فِي الْحَرْبِ , وَأَكْثَر مَا يَسْتَعْمِلُونَ فِي ذَلِك الرَّجَز. ‏ ‏قَوْله : ( نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا ) ‏ ‏هُوَ صِفَة الَّذِينَ لَا صِفَة نَحْنُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْإِسْلَامِ بَدَل الْجِهَاد وَالْأَوَّل أَثْبَت. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏تَقَدَّمَ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز سَنَدًا وَمَتْنًا فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ سِوَى قَوْله : \" قَالَ يُؤْتَوْنَ إِلَخْ \" وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَحَادِيث مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاء أَنَّهُ كَانَ يَقُول : \" اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اِهْتَدَيْنَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "3791",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَعَلَ ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارُ ‏ ‏يَحْفِرُونَ ‏ ‏الْخَنْدَقَ ‏ ‏حَوْلَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ عَلَى مُتُونِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ ‏ ‏نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا ‏ ‏مُحَمَّدَا ‏ ‏عَلَى الْإِسْلَامِ مَا بَقِينَا أَبَدَا ‏ ‏قَالَ يَقُولُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏يُجِيبُهُمْ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ ‏ ‏الْآخِرَهْ ‏ ‏فَبَارِكْ فِي ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرَهْ ‏ ‏قَالَ يُؤْتَوْنَ بِمِلْءِ كَفِّي مِنْ الشَّعِيرِ فَيُصْنَعُ لَهُمْ ‏ ‏بِإِهَالَةٍ ‏ ‏سَنِخَةٍ ‏ ‏تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْ الْقَوْمِ وَالْقَوْمُ جِيَاعٌ وَهِيَ بَشِعَةٌ فِي الْحَلْقِ وَلَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يُؤْتَوْنَ ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ أَنَس بْن مَالِك , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( بِمِلْءِ كَفِّي ) ‏ ‏رُوِيَ بِالْإِفْرَادِ وَالتَّثْنِيَة ‏ ‏( فَيُصْنَع لَهُمْ الشَّعِيرُ ) ‏ ‏أَيْ يُطْبَخ , ‏ ‏وَقَوْله \" بِإِهَالَةٍ \" ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَتَخْفِيف الْهَاء : الدُّهْن الَّذِي يُؤْتَدَمُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ زَيْتًا أَوْ سَمْنًا أَوْ شَحْمًا. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : الْإِهَالَةُ وِعَاءٌ مِنْ جِلْدٍ فِيهِ سَمْن. ‏ ‏وَقَوْله \" سَنِخَة \" ‏ ‏أَيْ تَغَيَّرَ طَعْمُهَا وَلَوْنهَا مِنْ قِدَمِهَا , وَلِهَذَا وَصَفَهَا بِكَوْنِهَا بَشِعَة. وَقَوْله : بَشِعَة بِمُوَحَّدَةٍ وَمُعْجَمَة وَعَيْن مُهْمَلَة , وَقِيلَ بِنُونٍ وَغَيْن مُعْجَمَة , وَالنَّشْغُ الْغَثَى أَيْ أَنَّهُمْ كَانَ يَحْصُل لَهُمْ عِنْد اِزْدِرَادِهَا شَبِيهٌ بِالْغَثَى , وَالْأَوَّل أَصْوَبُ. وَقَوْله : \" فِي الْحَلْقِ \" هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ ) ‏ ‏يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا عَتِيقَة جِدًّا حَتَّى عَفَّنَتْ وَأَنْتَنَتْ , وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَلَهَا رِيح مُنْكَر \" قَالَ اِبْن التِّين : الصَّوَاب رِيح مُنْتِنَة لِأَنَّ الرِّيحَ مُؤَنَّثَةٌ , قَالَ : إِلَّا أَنَّهُ يَجُوز فِي الْمُؤَنَّثِ غَيْرِ الْحَقِيقِيّ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمُذَكَّرِ. وَمُنْتِنٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَيَجُوز كَسْرُهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3792",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ أَتَيْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّا يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏نَحْفِرُ فَعَرَضَتْ ‏ ‏كُدْيَةٌ ‏ ‏شَدِيدَةٌ فَجَاءُوا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا هَذِهِ ‏ ‏كُدْيَةٌ ‏ ‏عَرَضَتْ فِي ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَنَا نَازِلٌ ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ ‏ ‏مَعْصُوبٌ ‏ ‏بِحَجَرٍ وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا فَأَخَذَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمِعْوَلَ ‏ ‏فَضَرَبَ فَعَادَ ‏ ‏كَثِيبًا ‏ ‏أَهْيَلَ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أَهْيَمَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْتِ فَقُلْتُ ‏ ‏لِامْرَأَتِي ‏ ‏رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَيْئًا مَا كَانَ فِي ذَلِكَ صَبْرٌ فَعِنْدَكِ شَيْءٌ قَالَتْ عِنْدِي شَعِيرٌ ‏ ‏وَعَنَاقٌ ‏ ‏فَذَبَحَتْ ‏ ‏الْعَنَاقَ ‏ ‏وَطَحَنَتْ الشَّعِيرَ حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ فِي ‏ ‏الْبُرْمَةِ ‏ ‏ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْعَجِينُ قَدْ انْكَسَرَ ‏ ‏وَالْبُرْمَةُ ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏الْأَثَافِيِّ ‏ ‏قَدْ كَادَتْ أَنْ تَنْضَجَ فَقُلْتُ ‏ ‏طُعَيِّمٌ ‏ ‏لِي فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ قَالَ كَمْ هُوَ فَذَكَرْتُ لَهُ قَالَ كَثِيرٌ طَيِّبٌ قَالَ قُلْ لَهَا لَا تَنْزِعْ ‏ ‏الْبُرْمَةَ ‏ ‏وَلَا الْخُبْزَ مِنْ ‏ ‏التَّنُّورِ ‏ ‏حَتَّى آتِيَ فَقَالَ قُومُوا فَقَامَ ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارُ ‏ ‏فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ وَيْحَكِ جَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارِ ‏ ‏وَمَنْ مَعَهُمْ قَالَتْ هَلْ سَأَلَكَ قُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ ادْخُلُوا وَلَا تَضَاغَطُوا فَجَعَلَ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ وَيُخَمِّرُ ‏ ‏الْبُرْمَةَ ‏ ‏وَالتَّنُّورَ ‏ ‏إِذَا أَخَذَ مِنْهُ وَيُقَرِّبُ إِلَى أَصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزِعُ فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ قَالَ كُلِي هَذَا وَأَهْدِي فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْر فِي زِيَادَات الْمَغَازِي \" عَنْ عَبْد الْوَاحِد بْن أَيْمَن الْمَخْزُومِيّ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَتَيْت جَابِرًا فَقَالَ إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْمَحَارِبِيّ عَنْ عَبْد الْوَاحِد بْن أَيْمَن عَنْ أَبِيهِ \" قَالَ قُلْت لِجَابِرِ بْن عَبْد اللَّه حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْوِيه عَنْك فَقَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَعَرَضَتْ كَيْدَةٌ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِفَتْحِ الْكَاف وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة , قِيلَ : هِيَ الْقِطْعَة الشَّدِيدَة الصُّلْبَةُ مِنْ الْأَرْضِ , وَقَالَ عِيَاض : كَأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهَا وَاحِدَةُ الْكَيْدِ كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ الْكَيْدَ - وَهِيَ الْجِبِلَّةُ - أَعْجَزَهُمْ فَلَجَئُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ وَكِيع عَنْ عَبْد الْوَاحِد بْن أَيْمَن \" وَهَاهُنَا كُدْيَةٌ مِنْ الْجَبَلِ \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَعَرَضَتْ كُدْيَة \" وَهِيَ بِضَمِّ الْكَاف وَتَقْدِيمِ الدَّالِ عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ , وَهِيَ الْقِطْعَةُ الصُّلْبَة الصَّمَّاءُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيّ عَنْ الْجُرْجَانِيّ \" كِنْدَة \" بِنُونٍ , وَعِنْد اِبْن السَّكَن \" كَتِدَةٌ \" بِمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْق قَالَ عِيَاض : لَا أَعْرِف لَهُمَا مَعْنَى , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" فَجِئْت إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : هَذِهِ كُدْيَة قَدْ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ \" وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ \" فَقَالَ : رُشُّوهَا بِالْمَاءِ فَرَشُّوهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنَا نَازِلٌ , ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوب بِحَجَرٍ ) ‏ ‏زَادَ يُونُس \" مِنْ الْجُوع \" وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ \" أَصَابَهُمْ جَهْدٌ شَدِيدٌ حَتَّى رَبَطَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَطْنَهُ حَجَرًا مِنْ الْجُوعِ \" وَفَائِدَةُ رَبْطِ الْحَجْرِ عَلَى الْبَطْنِ أَنَّهَا تُضْمِرُ مِنْ الْجُوعَ فَيُخْشَى عَلَى اِنْحِنَاءِ الصُّلْبِ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ فَإِذَا وَضَعَ فَوْقَهَا الْحَجَرَ وَشَدَّ عَلَيْهَا الْعِصَابَةَ اِسْتَقَامَ الظَّهْر , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَعَلَّهُ لِتَسْكِينِ حَرَارَةِ الْجُوعِ بِبَرْدِ الْحَجَرِ , وَلِأَنَّهَا حِجَارَة رِقَاق قَدْر الْبَطْن تَشُدُّ الْأَمْعَاءَ فَلَا يَتَحَلَّل شَيْء مِمَّا فِي الْبَطْن فَلَا يَحْصُل ضَعْف زَائِد بِسَبَبِ التَّحَلُّل. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوق ذَوَاقًا ) ‏ ‏هِيَ جُمْلَة مُعْتَرِضَة أَوْرَدَهَا لِبَيَانِ السَّبَب فِي رَبْطِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَر عَلَى بَطْنِهِ , وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَا نَطْعَمُ شَيْئًا أَوْ لَا نَقْدِر عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْوَاوِ بَعْدَهَا لَامٌ أَيْ الْمِسْحَاة , وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ \" فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ أَوْ الْمِسْحَاةَ \" بِالشَّكِّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَضَرَبَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" ثُمَّ سَمَّى ثَلَاثًا ثُمَّ ضَرَبَ \" وَعِنْدَ الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَةَ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَان قَالَ : \" ضَرَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي الْخَنْدَقِ ثُمَّ قَالَ : بِسْمِ اللَّه وَبِهِ بَدِينَا وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شَقِينَا فَحَبَّذَا رَبًّا وَحَبَّذاَ دِينًا ‏ ‏قَوْله : ( فَعَادَ كَثِيبًا ) ‏ ‏أَيْ رَمْلًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَهْيَلَ أَوْ أَهْيَمَ ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" أَهْيَلَ \" بِغَيْرِ شَكٍّ , وَكَذَا عِنْدَ يُونُسَ , وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ \" كَثِيبًا يُهَالُ \" وَالْمَعْنَى أَنَّهُ صَارَ رَمْلًا يَسِيلُ وَلَا يَتَمَاسَكُ , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَكَانَتْ الْجِبَال كَثِيبًا مَهِيلًا ) أَيْ رَمْلًا سَائِلًا , وَأَمَّا \" أَهْيَم \" فَقَالَ عِيَاض ضَبَطَهَا بَعْضهمْ بِالْمُثَلَّثَةِ وَبَعْضهمْ بِالْمُثَنَّاةِ وَفَسَّرَهَا بِأَنَّهَا تَكَسَّرَتْ , وَالْمَعْرُوفُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَهِيَ بِمَعْنَى أَهْيَل , وَقَدْ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ( فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ) الْمُرَاد الرِّمَال الَّتِي لَا يَرْوِيهَا الْمَاءُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي تَفْسِيرِهَا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ. وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ زِيَادَة بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب قَالَ. \" لَمَّا كَانَ حِين أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ عَرَضَتْ لَنَا فِي بَعْضِ الْخَنْدَقِ صَخْرَةٌ لَا تَأْخُذُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ , فَاشْتَكَيْنَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَاءَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَقَالَ : بِسْمِ اللَّه , فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَهَا , وَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ الشَّامِ , وَاَللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ السَّاعَةَ , ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ فَقَطَعَ الثُّلُثَ الْآخَرَ فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ , أُعْطِيت مَفَاتِيحَ فَارِسٍ , وَاَللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنِ أَبْيَضَ. ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ وَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ; فَقَطَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ , وَاَللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا السَّاعَةَ \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَمْرو نَحْوَهُ , وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ كَثِير بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو بْن عَوْف عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَفِي أَوَّلِهِ \" خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَنْدَقَ لِكُلِّ عَشْرَةِ أُنَاسٍ عَشْرَةُ أَذْرُعٍ - وَفِيهِ - فَمَرَّتْ بِنَا صَخْرَةٌ بَيْضَاءُ كَسَرَتْ مَعَاوِيلَنَا فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْدِلَ عَنْهَا فَقُلْنَا. حَتَّى نُشَاوِرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِ سَلْمَانَ - وَفِيهِ - فَضَرَبَ ضَرْبَة صَدَع الصَّخْرَة وَبَرَقَ مِنْهَا بَرْقَةٌ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ - وَفِيهِ - رَأَيْنَاك تُكَبِّر فَكَبَّرْنَا بِتَكْبِيرِك فَقَالَا : إِنَّ الْبَرْقَةَ الْأُولَى أَضَاءَتْ لَهَا قُصُور الشَّام , فَأَخْبَرَنِي جِبْرِيل أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهِمْ - وَفِي آخِره - فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ وَاسْتَبْشَرُوا \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ نَحْوه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه اِئْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْت ) ‏ ‏زَادَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" فَأَذِنَ لِي , وَفِي الْمُسْنَد مِنْ زِيَادَات عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" اِحْتَفَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَنْدَقَ وَأَصْحَابُهُ قَدْ شَدُّوا الْحِجَارَةَ عَلَى بُطُونِهِمْ مِنْ الْجُوعِ , فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : هَلْ دَلَلْتُمْ عَلَى رَجُل يُطْعِمنَا أَكْلَةً ؟ قَالَ رَجُل : نَعَمْ , قَالَ : أَمَّا لَا فَتَقَدَّمَ \" الْحَدِيث , وَكَأَنَّهُ جَابِر , وَيُؤْخَذ مِنْ هَذِهِ النُّكْتَة فِي قَوْله : \" اِئْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لِامْرَأَتِي ) ‏ ‏اِسْمهَا سُهَيْلَة بِنْت مَسْعُود الْأَنْصَارِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( عِنْدِي شَعِير ) ‏ ‏بَيَّنَ يُونُس بْن بُكَيْر فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ صَاع. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنَاق ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف النُّون هِيَ الْأُنْثَى مِنْ الْمَعْز , وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْن مِينَاء الَّتِي تِلْو هَذِهِ \" فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاع مِنْ شَعِير , وَلَنَا بَهِيمَة دَاجِن \" أَيْ سَمِينَة , وَالدَّاجِن الَّتِي تُتْرَك فِي الْبَيْت وَلَا تَفْلِتُ لِلْمَرْعَى , وَمِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَسْمَنَ. وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ \" سَمِينَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَذَبَحْت ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ التَّاءِ , ‏ ‏وَقَوْله : ( طَحَنْت ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَفَتْح النُّونِ , فَاَلَّذِي ذَبَحَ هُوَ جَابِر , وَامْرَأَته هِيَ الَّتِي طَحَنَتْ. وَفِي رِوَايَةِ سَعِيد عِنْدَ أَحْمَدَ \" فَأَمَرْت اِمْرَأَتِي فَطَحَنَتْ لَنَا الشَّعِيرَ وَصَنَعَتْ لَنَا مِنْهُ خُبْزًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَالْعَجِين قَدْ اِنْكَسَرَ ) ‏ ‏أَيْ لَانَ وَرَطِبَ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ الْخَمِيرُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْبُرْمَة بَيْن الْأَثَافِيّ ) ‏ ‏بِمُثَلَّثَةٍ وَفَاءٍ أَيْ الْحِجَارَةِ الَّتِي تُوضَعُ عَلَيْهَا الْقِدْرُ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى جَعَلْنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" حَتَّى جَعَلَتْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْبُرْمَةِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُونِ الرَّاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( طُعَيِّمٌ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَحْقِيرِهِ , قَالُوا : مِنْ تَمَامِ الْمَعْرُوفِ تَعْجِيلُهُ وَتَحْقِيرُهُ , قَالَ اِبْن التِّينِ ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَهُوَ غَلَطٌ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ يُونُسَ \" وَرَجُلَانِ \" بِالْجَزْمِ , وَفِي رِوَايَة سَعِيد بَعْد هَذِهِ \" فَقُمْ أَنْتَ وَنَفَر مَعَك \" وَفِي رِوَايَة أَحْمَد \" وَكُنْت أُرِيدَ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : قُومُوا , فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ يُونُسَ \" فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا قُومُوا \" وَهِيَ أَوْضَحُ , فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ الْمُهَاجِرِينَ بِذَلِكَ , فَكَأَنَّ الْمُرَادَ فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَمَنْ مَعَهُمْ , وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِمْ , وَفِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ : \" فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى اِمْرَأَتِهِ قَالَ وَيْحَك جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ هَلْ سَأَلَك ؟ قَالَ نَعَمْ. فَقَالَ : اُدْخُلُوا ) ‏ ‏فِي هَذَا السِّيَاق اِخْتِصَار , وَبَيَانه فِي رِوَايَة يُونُس \" قَالَ فَلَقِيت مِنْ الْحَيَاءِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَقُلْت : جَاءَ الْخَلْقُ عَلَى صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ وَعَنَاقٍ , فَدَخَلْت عَلَى اِمْرَأَتِي أَقُولُ : اِفْتَضَحْت , جَاءَك رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَنْدَقِ أَجْمَعِينَ , فَقَالَتْ : هَلْ كَانَ سَأَلَك كَمْ طَعَامُك ؟ فَقُلْت : نَعَمْ , فَقَالَتْ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ , وَنَحْنُ قَدْ أَخْبَرْنَاهُ بِمَا عِنْدَنَا , فَكَشَفَ عَنِّي غَمًّا شَدِيدًا \" وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ \" فَجِئْت اِمْرَأَتِي فَقَالَتْ : بِك وَبِك , فَقُلْت : قَدْ فَعَلْت الَّذِي قُلْت \". وَكَانَ قَدْ ذَكَرَ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهَا \" قَالَتْ لَهُ لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ وَبِمَنْ مَعَهُ , فَجِئْت فَسَارَرْته \" وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا أَوْصَتْهُ أَوَّلًا بِأَنْ يُعْلِمَهُ بِالصُّورَةِ , فَلَمَّا قَالَ لَهَا إِنَّهُ جَاءَ بِالْجَمِيعِ ظَنَّتْ أَنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهُ فَخَاصَمَتْهُ , فَلَمَّا أَعْلَمَهَا أَنَّهُ أَعْلَمَهُ سَكَنَ مَا عِنْدَهَا لِعِلْمِهَا بِإِمْكَانِ خَرْقِ الْعَادَة , وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُفُورِ عَقْلِهَا وَكَمَالِ فَضْلِهَا. وَقَدْ وَقَعَ لَهَا مَعَ جَابِر فِي قِصَّة التَّمْرِ \" أَنَّ جَابِرًا أَوْصَاهَا لَمَّا زَارَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ , فَلَمَّا أَرَادَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الِانْصِرَافَ نَادَتْهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي , فَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك وَعَلَى زَوْجِك , فَعَاتَبَهَا جَابِر , فَقَالَتْ لَهُ : أَكُنْتَ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُورِدُ رَسُولَهُ بَيْتِي ثُمَّ يَخْرُجُ وَلَا أَسْأَلُهُ الدُّعَاءَ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ لِجَابِرٍ \" فَارْجِعْ إِلَيْهِ فَبَيِّنْ لَهُ , فَأَتَيْته فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّمَا هِيَ عَنَاقٌ وَصَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ , قَالَ : فَارْجِعْ فَلَا تُحَرِّكَنَّ شَيْئًا مِنْ التَّنُّور وَلَا مِنْ الْقِدْر حَتَّى آتِيَهَا , وَاسْتَعِرْ صِحَافًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَضَاغَطُوا ) ‏ ‏بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَغَيْر مُعْجَمَة وَطَاء مُهْمَلَة مُشَالَة , أَيْ لَا تَزْدَحِمُوا , وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا \" فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ ) ‏ ‏أَيْ يُغَطِّيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَنْزِعُ ) ‏ ‏أَيْ يَأْخُذُ اللَّحْمَ مِنْ الْبُرْمَةِ , وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ الَّتِي تِلْوَ هَذِهِ \" فَقَالَ اُدْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَك \" أَيْ تُسَاعِدْك , وَقَوْله : \" وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِك \" أَيْ اِغْرِفِي , وَالْمِقْدَحَةُ الْمِغْرَفَةُ , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ \" وَأَقْعَدَهُمْ عَشَرَةً عَشَرَةً فَأَكَلُوا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ \" فَأَقْسَمَ بِاَللَّهِ لَأَكَلُوا - أَيْ لَقَدْ أَكَلُوا - حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا \" بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ أَيْ رَجَعُوا , وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْر \" فَمَا زَالَ يُقَرِّبُ إِلَى النَّاسِ حَتَّى شَبِعُوا أَجْمَعُونَ , وَيَعُودُ التَّنُّورُ وَالْقِدْرُ أَمْلَأَ مَا كَانَا \". ‏ ‏قَوْله : ( كُلِي هَذَا وَأَهْدِي ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ قَطْعٍ فِعْلُ أَمْرٍ لِلْمَرْأَةِ مِنْ الْهَدِيَّةِ , ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : \" فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ \" وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ \" كُلِي وَأَهْدِي , فَلَمْ نَزَلْ نَأْكُلُ وَنَهْدِي يَوْمَنَا أَجْمَعَ \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ \" فَأَكَلْنَا نَحْنُ وَأَهْدَيْنَا لِجِيرَانِنَا , فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ ذَلِكَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي تَكْثِيرِ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ أَيْضًا فِي قِصَّةٍ أُخْرَى بِمَا يُغْنِي عَنْ الْإِعَادَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3793",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا حُفِرَ ‏ ‏الْخَنْدَقُ ‏ ‏رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَمَصًا ‏ ‏شَدِيدًا ‏ ‏فَانْكَفَأْتُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏امْرَأَتِي ‏ ‏فَقُلْتُ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَمَصًا ‏ ‏شَدِيدًا فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ ‏ ‏صَاعٌ ‏ ‏مِنْ شَعِيرٍ وَلَنَا ‏ ‏بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتْ الشَّعِيرَ فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي وَقَطَّعْتُهَا فِي ‏ ‏بُرْمَتِهَا ‏ ‏ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبِمَنْ مَعَهُ فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْنَا ‏ ‏بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنَّا ‏ ‏صَاعًا ‏ ‏مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا فَتَعَالَ أَنْتَ ‏ ‏وَنَفَرٌ ‏ ‏مَعَكَ فَصَاحَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَا أَهْلَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏قَدْ صَنَعَ ‏ ‏سُورًا ‏ ‏فَحَيَّ ‏ ‏هَلًا بِهَلّكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تُنْزِلُنَّ ‏ ‏بُرْمَتَكُمْ ‏ ‏وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ ‏ ‏امْرَأَتِي ‏ ‏فَقَالَتْ بِكَ وَبِكَ فَقُلْتُ قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى ‏ ‏بُرْمَتِنَا ‏ ‏فَبَصَقَ وَبَارَكَ ثُمَّ قَالَ ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعِي وَاقْدَحِي مِنْ ‏ ‏بُرْمَتِكُمْ ‏ ‏وَلَا تُنْزِلُوهَا وَهُمْ أَلْفٌ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا وَإِنَّ ‏ ‏بُرْمَتَنَا ‏ ‏لَتَغِطُّ ‏ ‏كَمَا هِيَ وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَبُو عَاصِم ) ‏ ‏هُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَد شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ رَوَى عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَة , وَهُوَ مِنْ كِبَار شُيُوخِهِ , فَكَأَنَّ هَذَا فَاتَهُ سَمَاعُهُ مِنْهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَدْخُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِيهَا وَاسِطَةٌ. ‏ ‏قَوْله : ( خَمَصًا ) ‏ ‏بِمُعْجَمَةٍ وَمِيمٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَقَدْ تُسَكَّنُ الْمِيمُ وَهُوَ خُمُوصُ الْبَطْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْكَفَيْتُ ) ‏ ‏بِفَاءٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ أَيْ اِنْقَلَبْت , وَأَصْلُهُ اِنْكَفَأْت بِهَمْزَةٍ وَكَأَنَّهُ سَهَّلَهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُورًا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بِغَيْرِ هَمْزٍ , هُوَ هُنَا الصَّنِيعُ بِالْحَبَشِيَّةِ وَقِيلَ : الْعُرْسُ بِالْفَارِسِيَّةِ , وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْبِنَاءِ الَّذِي يُحِيطُ بِالْمَدِينَةِ , وَأَمَّا الَّذِي بِالْهَمْزِ فَهُوَ الْبَقِيَّةُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَيْ هَلًا بِكُمْ ) ‏ ‏هِيَ كَلِمَة اِسْتِدْعَاء فِيهَا حَثّ , أَيْ هَلُمُّوا مُسْرِعِينَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ \" أَهْلًا بِكُمْ \" بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَالصَّوَابُ حَذْفُهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُمْ أَلْف ) ‏ ‏أَيْ الَّذِينَ أَكَلُوا , وَفِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُمْ كَانُوا تِسْعَمِائَةٍ أَوْ ثَمَانِمِائَةٍ , وَفِي رِوَايَة عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" كَانُوا ثَمَانمِائَةٍ أَوْ ثَلَاثمِائَة \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ \" كَانُوا ثَلَاثمِائَةٍ \" وَالْحُكْم لِلزَّائِدِ لِمَزِيدِ عِلْمِهِ , لِأَنَّ الْقِصَّةَ مُتَّحِدَةٌ. ‏ ‏قَوْله : ( وَانْحَرَفُوا ) ‏ ‏أَيْ مَالُوا عَنْ الطَّعَامِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَتَغِطُّ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تَغْلِي وَتَفُورُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3794",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ { ‏إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ‏} ‏قَالَتْ كَانَ ذَاكَ يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ , وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ) ‏ ‏قَالَتْ : \" كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ \" هَكَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا , وَعِنْدَ اِبْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ ) قَالَ : عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ. ‏ ‏( وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) : أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب. وَبَيَّنَ اِبْن إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي صِفَةَ نُزُولِهِمْ قَالَ : نَزَلَتْ قُرَيْش بِمُجْتَمَعِ السُّيُولِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ أَحَابِيشِهِمْ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَة وَتِهَامَة , وَنَزَلَ عُيَيْنَةُ فِي غَطَفَانَ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ إِلَى جَانِبِ أُحُدٍ بِبَابِ نُعْمَانَ , وَخَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ حَتَّى جَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إِلَى سِلَع فِي ثَلَاثَة آلَافٍ , وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ , وَجَعَلَ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ فِي الْآطَامِ , قَالَ : وَتَوَجَّهَ حُيَيُّ بْن أَخَطَبَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى غَدَرُوا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الْآتِي , وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ غَدْرُهُمْ فَاشْتَدَّ بِهِمْ الْبَلَاءُ , فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْطِيَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَمَنْ مَعَهُ ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعُوا , فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَقَالَا كُنَّا نَحْنُ وَهُمْ عَلَى الشِّرْكِ لَا يَطْمَعُونَ مِنَّا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , فَكَيْفَ نَفْعَلُهُ بَعْدَ أَنْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْإِسْلَامِ وَأَعَزَّنَا بِك ؟ نُعْطِيهِمْ أَمْوَالنَا , مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَة , وَلَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ. فَاشْتَدَّ بِالْمُسْلِمِينَ الْحِصَارُ , حَتَّى تَكَلَّم مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ وَأَوْس بْن قَيْظِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ بِالنِّفَاقِ , وَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : ( وَإِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ) الْآيَات قَالَ : وَكَانَ الَّذِينَ جَاءُوهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَان , قَالَ اِبْن إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ : وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ إِلَّا مُرَامَاةٌ بِالنَّبْلِ لَكِنْ كَانَ عَمْرو بْن عَبْد وُدّ الْعَامِرِيّ اِقْتَحَمَ هُوَ وَنَفَر مَعَهُ خُيُولَهُمْ مِنْ نَاحِيَةٍ ضَيِّقَةٍ مِنْ الْخَنْدَقِ حَتَّى صَارُوا بِالسَّبْخَةِ فَبَارَزَهُ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ , وَبَرَزَ نَوْفَل بْن عَبْد اللَّه بْن الْمُغِيرَة الْمَخْزُومِيّ فَبَارَزَهُ الزُّبَيْر فَقَتَلَهُ , وَيُقَال قَتَلَهُ عَلِيّ , وَرَجَعَتْ بَقِيَّةُ الْخُيُولِ مُنْهَزِمَة. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَسْلَمَ \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِحُذَيْفَة : أَدْرَكْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ نُدْرِكْهُ , فَقَالَ : يَا بْن أَخِي , وَاَللَّهِ لَا تَدْرِي لَوْ أَدْرَكْته كَيْفَ تَكُونُ , لَقَدْ رَأَيْتنَا لَيْلَةَ الْخَنْدَقِ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ مَطِيرَةٍ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يَذْهَب فَيَعْلَم لَنَا عِلْمَ الْقَوْم جَعَلَهُ اللَّه رَفِيقَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَ الْقِيَامَة , فَوَاَللَّهِ مَا قَامَ أَحَدٌ , فَقَالَ لَنَا الثَّانِيَة. جَعَلَهُ اللَّه رَفِيقِي , فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْر : اِبْعَثْ حُذَيْفَةَ , فَقَالَ : اِذْهَبْ , فَقُلْت أَخْشَى أَنْ أُؤْسَرَ , قَالَ : إِنَّك لَنْ تُؤْسَرَ , فَذَكَرَ أَنَّهُ اِنْطَلَقَ , وَأَنَّهُمْ تَجَادَلُوا , وَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الرِّيحَ فَمَا تَرَكَتْ لَهُمْ بِنَاء إِلَّا هَدَمَتْهُ وَلَا إِنَاء إِلَّا أَكْفَأَتْهُ \" وَمِنْ طَرِيق عَمْرو بْن سَرِيع بْن حُذَيْفَة نَحْوُهُ وَفِيهِ : \" إِنَّ عَلْقَمَةَ بْن عُلَاثَة صَارَ يَقُول : يَا آلَ عَامِرٍ , إِنَّ الرِّيحَ قَاتِلَتِي وَتَحَمَّلَتْ قُرَيْش وَإِنَّ الرِّيحَ لَتَغْلِبُهُمْ عَلَى بَعْضِ أَمْتِعَتِهِمْ \" وَرَوَى الْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز اِبْن أَخِي حُذَيْفَة عَنْ أَبِي حُذَيْفَة قَالَ : \" لَقَدْ رَأَيْتنَا لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ وَأَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ فَوْقِنَا , وَقُرَيْظَةُ أَسْفَلَ مِنَّا نَخَافُهُمْ عَلَى ذَرَارِيِّنَا , وَمَا أَتَتْ عَلَيْنَا أَشَدُّ ظُلْمَةً وَلَا رِيحًا مِنْهَا , فَجَعَلَ الْمُنَافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ وَيَقُولُونَ : إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ , فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا جَاثٍ عَلَى رُكْبَتَيّ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا ثَلَاثُمِائَة فَقَالَ : اِذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ , قَالَ : فَدَعَا لِي فَأَذْهَب اللَّهُ عَنِّي الْقَرَّ وَالْفَزَعَ , فَدَخَلْت عَسْكَرَهُمْ فَإِذَا الرِّيحُ فِيهِ لَا تُجَاوِزُهُ شِبْرًا , فَلَمَّا رَجَعْت رَأَيْت فَوَارِسَ فِي طَرِيقِي فَقَالُوا : أَخْبِرْ صَاحِبَك أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَفَاهُ الْقَوْمَ \" وَأَصْل هَذَا الْحَدِيث عِنْد مُسْلِم بِاخْتِصَارٍ , وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيه شَيْء يَتَعَلَّق بِحَدِيثِ عَائِشَةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3795",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏حَتَّى ‏ ‏أَغْمَرَ ‏ ‏بَطْنَهُ ‏ ‏أَوْ اغْبَرَّ بَطْنُهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا ‏ ‏وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا ‏ ‏فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ‏ ‏وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا ‏ ‏إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ‏ ‏إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا ‏ ‏وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ أَبَيْنَا أَبَيْنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْبَرَاء ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَعْد حَدِيث اِبْن عَبَّاس الطَّرِيق الْأُخْرَى لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ , وَفِيهِ تَصْرِيح أَبِي إِسْحَاق بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ الْبَرَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَغْمَرَ بَطْنَهُ أَوْ اِغْبَرَّ بَطْنُهُ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فِيهِمَا , فَأَمَّا الَّتِي بِالْمُوَحَّدَةِ فَوَاضِح مِنْ الْغُبَارِ , وَأَمَّا الَّتِي بِالْمِيمِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة فَالْمَعْنَى وَارَى التُّرَابُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ , وَمِنْهُ غِمَارُ النَّاسِ وَهُوَ جَمْعُهُمْ إِذَا تَكَاثَفَ وَدَخَلَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ , قَالَ : وَرَوَى أَعْفَر بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ , وَالْعَفَرُ بِالتَّحْرِيكِ التُّرَابُ , وَقَالَ عِيَاض : وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ وَمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ فَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِنَصْبِ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِرَفْعِهَا , وَعِنْدَ النَّسَفِيّ \" حَتَّى غَبَّرَ بَطْنَهُ أَوْ اِغْبَرَّ \" بِمُعْجَمَةٍ فِيهِمَا وَمُوَحَّدَة , وَلِأَبِي ذَرّ وَأَبِي زَيْد \" حَتَّى أَغْمَرَ \" قَالَ وَلَا وَجْه لَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى سَتَرَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى \" حَتَّى وَارَى عَنِّي التُّرَابُ بَطْنَهُ \" قَالَ : وَأَوْجَهُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ اِغْبَرَّ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَبِرَفْعِ بَطْنِهِ. قُلْت : وَفِي حَدِيثِ أُمٍّ سَلَمَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ \" كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَاطِيهِمْ اللَّبَنَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ , وَقَدْ اِغْبَرَّ شَعْرُ صَدْرِهِ \" وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ \" حَتَّى وَارَى عَنِّي الْغُبَارُ جِلْدَ بَطْنِهِ وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ \" وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ شَعْرِ الصَّدْرِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ فِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ أَيْ الشَّعْرِ الَّذِي فِي الصَّدْرِ إِلَى الْبَطْنِ , فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَ دِقَّتِهِ كَثِيرًا أَيْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَشِرًا بَلْ كَانَ مُسْتَطِيلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( يَقُول : وَاَللَّهِ لَوْلَا اللَّه مَا اِهْتَدَيْنَا ) ‏ ‏بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ أَنَّ هَذَا الرَّجَزَ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ , وَقَوْله : \" إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا \" لَيْسَ بِمَوْزُونٍ , وَتَحْرِيرُهُ إِنَّ الَّذِينَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا فَذَكَرَ الرَّاوِي الْأُلَى بِمَعْنَى الَّذِينَ وَحَذَفَ قَدْ , وَزَعَمَ اِبْن التِّينِ أَنَّ الْمَحْذُوفَ \" قَدْ \" وَ \" هُمْ \" قَالَ : وَالْأَصْل أَنَّ الْأُلَى هُمْ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا , وَهُوَ يَتَّزِنُ بِمَا قَالَ. لَكِنْ لَا يَتَعَيَّن. وَذَكَرَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي مُسْلِمٍ بِلَفْظِ \" أَبَوْا \" بَدَل بَغَوْا وَمَعْنَاهُ صَحِيح , أَيْ أَبَوْا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينِنَا. وَوَقَعَ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ \" إِنَّ الْأُلَى قَدْ رَغِبُوا عَلَيْنَا \" كَذَا لِلسَّرَخْسِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ وَأَبِي الْوَقْتِ وَالْأَصِيلِيِّ , وَكَذَا فِي نُسْخَةِ اِبْنِ عَسَاكِر , وَلِلْبَاقِينَ \" قَدْ بَغَوْا \" كَالْأُولَى. وَأَمَّا الْأَصِيلِيّ فَضَبَطَهَا بِالْغَيْنِ الثَّقِيلَة وَالْمُوَحَّدَة , وَضَبَطَهَا فِي \" الْمَطَالِع \" بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة , وَضُبِطَتْ فِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْت كَذَا لَكِنْ بِزَايٍ أَوَّله وَالْمَشْهُور مَا فِي \" الْمَطَالِع \". ‏ ‏قَوْله : ( وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ : أَبَيْنَا أَبَيْنَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُوَحَّدَةٍ وَفِي آخِرِ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ قَالَ : \" ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا \" وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ \" أَبَيْنَا \" مَا وَقَعَ فِي آخِرِ الْقِسْمِ الْأَخِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ : \" إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا \" وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَا وَقَعَ فِي الْقِسْمِ الْأَخِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ : \" إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَبَيْنَا \" فَإِنَّهُ رُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرّ وَأَبِي الْوَقْت وَكَرِيمَة \" أَتَيْنَا \" بِمُثَنَّاةٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ , وَالْأَصِيلِيّ وَالسَّجْزِيّ بِمُثَنَّاةٍ , قَالَ عِيَاض : كِلَاهُمَا صَحِيح الْمَعْنَى , أَمَّا الْأَوَّل فَمَعْنَاهُ إِذَا صِيحَ بِنَا لِفَزَعٍ أَوْ حَادِث أَبَيْنَا الْفِرَارَ وَثَبَتْنَا , وَأَمَّا الثَّانِي فَمَعْنَاهُ جِئْنَا وَأَقْدَمنَا عَلَى عَدُوِّنَا. قَالَ : وَالرِّوَايَةُ فِي هَذَا الْقِسْمِ بِالْمُثَنَّاةِ أَوْجَهُ لِأَنَّ إِعَادَةَ الْكَلِمَةِ فِي قَوَافِي الرَّجَزِ عَنْ قُرْبٍ عَيْبٌ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ , فَالرَّاجِحُ أَنَّ قَوْلَهُ : \" إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا \" بِالْمُوَحَّدَةِ , وَقَوْله : \" إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا \" بِالْمُثَنَّاةِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ \" وَإِنْ أَرَادُونَا عَلَى فِتْنَةٍ أَبَيْنَا \" وَهُوَ تَغْيِيرٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "3796",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نُصِرْتُ ‏ ‏بِالصَّبَا ‏ ‏وَأُهْلِكَتْ ‏ ‏عَادٌ ‏ ‏بِالدَّبُورِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( نُصِرْت بِالصَّبَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الرِّيحُ الشَّرْقِيَّةُ , وَالدَّبُورُ هِيَ الرِّيحُ الْغَرْبِيَّةُ , وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ. \" قُلْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , هَلْ مِنْ شَيْءٍ تَقُولُهُ ؟ قَدْ بَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ , قَالَ : نَعَمْ , اللَّهُمَّ اُسْتُرْ عَوْرَاتِنَا , وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا. قَالَ : فَضَرَبَ اللَّهُ وُجُوهَ أَعْدَائِنَا بِالرِّيحِ , فَهَزَمَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالرِّيحِ \" وَرَوَى اِبْن مَرْدُوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ اِبْن عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ : \" قَالَتْ الصَّبَا لِلشِّمَالِ : اِذْهَبِي بِنَا نَنْصُرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَتْ : إِنَّ الْحَرَائِرَ لَا تَهُبّ بِاللَّيْلِ , فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهَا فَجَعَلَهَا عَقِيمًا \" وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ \" فَكَانَتْ الرِّيحُ الَّتِي نُصِرَ بِهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّبَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ذِكْرُ النُّكْتَةِ فِي تَخْصِيصِ الدَّبُورِ بِعَادٍ وَالصَّبَا بِالْمُسْلِمِينَ , وَعَرَفَ بِهَذَا وَجْهَ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا , وَأَنَّ اللَّهَ نَصَرَ نَبِيَّهُ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ بِالرِّيحِ , قَالَ تَعَالَى : ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ) قَالَ مُجَاهِدٌ : سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الرِّيحَ فَكَفَأَتْ قُدُورَهُمْ , وَنَزَعَتْ خِيَامَهُمْ حَتَّى أَظْعَنَتْهُمْ. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِي سَبَبِ رَحِيلِهِمْ \" أَنَّ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيَّ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْلِمًا وَلَمْ يَعْلَم بِهِ قَوْمه , فَقَالَ لَهُ : خَذِّلْ عَنَّا. فَمَضَى إِلَى بَنِي قُرَيْظَة - وَكَانَ نَدِيمًا لَهُمْ - فَقَالَ : قَدْ عَرَفْتُمْ مَحَبَّتِي , قَالُوا : نَعَمْ. فَقَالَ : إِنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ لَيْسَتْ هَذِهِ بِلَادُهُمْ , وَإِنَّهُمْ إِنْ رَأَوْا فُرْصَةً اِنْتَهَزُوهَا وَإِلَّا رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَتَرَكُوكُمْ فِي الْبَلَاءِ مَعَ مُحَمَّدٍ , وَلَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ. قَالُوا : فَمَا تَرَى ؟ قَالَ : لَا تُقَاتِلُوا مَعَهُمْ حَتَّى تَأْخُذُوا رَهْنًا مِنْهُمْ. فَقَبِلُوا رَأْيَهُ. فَتَوَجَّهَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ : إِنَّ الْيَهُود نَدِمُوا عَلَى الْغَدْرِ بِمُحَمَّدٍ فَرَاسَلُوهُ فِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِ , فَرَاسَلَهُمْ بِأَنَّا لَا نَرْضَى حَتَّى تَبْعَثُوا إِلَى قُرَيْشٍ فَتَأْخُذُوا مِنْهُمْ رَهْنًا فَاقْتُلُوهُمْ. ثُمَّ جَاءَ غَطَفَانَ بِنَحْوِ ذَلِكَ. قَالَ : فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو سُفْيَانَ بَعَثَ عِكْرِمَةَ بْن أَبِي جَهْلٍ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ بِأَنَّا قَدْ ضَاقَ بِنَا الْمَنْزِلُ وَلَمْ نَجِدَ مَرْعَى , فَاخْرُجُوا بِنَا حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا. فَأَجَابُوهُمْ : إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ وَلَا نَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا , وَلَا بُدَّ لَنَا مِنْ الرَّهْنِ مِنْكُمْ لِئَلَّا تَغْدِرُوا بِنَا. فَقَالَتْ قُرَيْش : هَذَا مَا حَذَّرَكُمْ نُعَيْم , فَرَاسِلُوهُمْ ثَانِيًا أَنْ لَا نُعْطِيَكُمْ رَهْنًا , فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا فَافْعَلُوا. فَقَالَتْ قُرَيْظَةُ : هَذَا مَا أَخْبَرَنَا نُعَيْم \" قَالَ اِبْن إِسْحَاق : وَحَدَّثَنِي يَزِيد بْن رُومَان عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ \" أَنَّ نُعَيْمًا كَانَ رَجُلًا نَمُومًا , وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : إِنَّ الْيَهُودَ بَعَثَتْ إِلَيَّ إِنْ كَانَ يُرْضِيك أَنْ تَأْخُذَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ رَهْنًا نَدْفَعُهُمْ إِلَيْك فَتَقْتُلُهُمْ فَعَلْنَا , فَرَجَعَ نُعَيْم مُسْرِعًا إِلَى قَوْمِهِ فَأَخْبَرَهُمْ , فَقَالُوا : وَاَللَّهِ مَا كَذَبَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِمْ , وَإِنَّهُمْ لَأَهْلُ غَدْرٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ لِقُرَيْش. فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ خِذْلَانِهِمْ وَرَحِيلِهِمْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ السَّادِسِ بَيَانُ مَا أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ مِنْ الرِّيحِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3797",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ ‏ ‏وَخَنْدَقَ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏حَتَّى وَارَى عَنِّي الْغُبَارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعَرِ فَسَمِعْتُهُ ‏ ‏يَرْتَجِزُ ‏ ‏بِكَلِمَاتِ ‏ ‏ابْنِ رَوَاحَةَ ‏ ‏وَهُوَ يَنْقُلُ مِنْ التُّرَابِ يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ‏ ‏وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا ‏ ‏فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ‏ ‏وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا ‏ ‏إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ‏ ‏وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا ‏ ‏قَالَ ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3798",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏هُوَ ‏ ‏ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَوَّلُ يَوْمٍ شَهِدْتُهُ يَوْمُ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوَّل مَشْهَد شَهِدْته يَوْم الْخَنْدَق ) ‏ ‏أَيْ بَاشَرْت فِيهِ الْقِتَالَ , وَهَذَا يُوَافِق رِوَايَة نَافِع عَنْهُ الْمَاضِيَة فِي أَوَّل الْبَاب. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : \" بَعَثَنِي خَالِي عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فِي حَاجَةٍ , فَاسْتَأْذَنْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنَ لِي وَقَالَ : مَنْ لَقِيت فَقُلْ لَهُمْ إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُركُمْ أَنْ تَرْجِعُوا , قَالَ : فَلَا وَاَللَّهِ مَا عَطَفَ عَلَيَّ مِنْهُمْ اِثْنَانِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3799",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏وَنَسْوَاتُهَا ‏ ‏تَنْطُفُ ‏ ‏قُلْتُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ مَا تَرَيْنَ فَلَمْ يُجْعَلْ لِي مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ فَقَالَتْ الْحَقْ فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ فِي احْتِبَاسِكَ عَنْهُمْ فُرْقَةٌ فَلَمْ تَدَعْهُ حَتَّى ذَهَبَ فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ خَطَبَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏قَالَ مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي هَذَا الْأَمْرِ ‏ ‏فَلْيُطْلِعْ ‏ ‏لَنَا ‏ ‏قَرْنَهُ ‏ ‏فَلَنَحْنُ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ وَمِنْ أَبِيهِ قَالَ ‏ ‏حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏فَهَلَّا أَجَبْتَهُ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَحَلَلْتُ ‏ ‏حُبْوَتِي ‏ ‏وَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ مَنْ قَاتَلَكَ وَأَبَاكَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَخَشِيتُ أَنْ أَقُولَ كَلِمَةً تُفَرِّقُ بَيْنَ الْجَمْعِ وَتَسْفِكُ الدَّمَ وَيُحْمَلُ عَنِّي غَيْرُ ذَلِكَ فَذَكَرْتُ مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِي الْجِنَانِ قَالَ ‏ ‏حَبِيبٌ ‏ ‏حُفِظْتَ وَعُصِمْتَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّزَّاقِ ‏ ‏وَنَوْسَاتُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَأَخْبَرَنِي اِبْن طَاوُسٍ ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ مَعْمَر , وَاسْم اِبْن طَاوُس عَبْد اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( دَخَلْت عَلَى حَفْصَةَ ) ‏ ‏أَيْ بِنْتَ عُمَر أُخْتَه. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَسَوَاتُهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَالْمُهْمَلَةِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَذَا وَقَعَ , وَلَيْسَ بِشَيْءٍ , وَإِنَّمَا هُوَ \" نَوْسَاتُهَا \" أَيْ ذَوَائِبُهَا , وَمَعْنَى تَنْطِفُ أَيْ تَقْطُرُ كَأَنَّهَا قَدْ اِغْتَسَلَتْ , وَالنَّوْسَاتُ جَمْعُ نَوْسَة وَالْمُرَاد أَنَّ ذَوَائِبَهَا كَانَتْ تَنُوسُ أَيْ تَتَحَرَّك , وَكُلُّ شَيْءٍ تَحَرَّكَ فَقَدْ نَاسَ , وَالنَّوْسُ الِاضْطِرَابُ , وَمِنْهُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ \" أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ \" قَالَ اِبْن التِّين : قَوْله نَوْسَات هُوَ بِسُكُونِ الْوَاو وَضُبِطَ بِفَتْحِهَا , وَأَمَّا نَسَوَات فَكَأَنَّهُ عَلَى الْقَلْبِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ مَا تَرَيْنَ , فَلَمْ يُجْعَل لِي مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) مُرَادُهُ بِذَلِكَ مَا وَقَعَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَة مِنْ الْقِتَالِ فِي صِفِّينَ يَوْمَ اِجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَى الْحُكُومَةِ بَيْنَهُمْ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ , فَرَاسَلُوا بَقَايَا الصَّحَابَةِ مِنْ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرهمَا وَتَوَاعَدُوا عَلَى الِاجْتِمَاع لِيَنْظُرُوا فِي ذَلِكَ , فَشَاوَرَ اِبْن عُمَر أُخْته فِي التَّوَجُّهِ إِلَيْهِمْ أَوْ عَدَمِهِ فَأَشَارَتْ عَلَيْهِ بِاللَّحَاقِ بِهِمْ خَشْيَةَ أَنْ يَنْشَأ مِنْ غَيْبَتِهِ اِخْتِلَافٌ يُفْضِي إِلَى اِسْتِمْرَارِ الْفِتْنَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ ) ‏ ‏أَيْ بَعْدَ أَنْ اِخْتَلَفَ الْحَكَمَانِ , وَهُمَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَكَانَ مِنْ قِبَلِ عَلِيٍّ وَعَمْرو بْن الْعَاصِ وَكَانَ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَر فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" فَلَمَّا تَفَرَّقَ الْحَكَمَانِ \" وَهُوَ يُفَسِّر الْمُرَادَ وَيُعَيِّنُ أَنَّ الْقِصَّةَ كَانَتْ بِصِفِّينَ , وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الِاجْتِمَاع الْأَخِير الَّذِي كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَرِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق تَرُدُّهُ , وَعَلَى هَذَا تَقْدِير الْكَلَام , فَلَمْ تَدَعْهُ حَتَّى ذَهَبَ إِلَيْهِمْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ الْحَكَمَانِ فَحَضَرَ مَعَهُمْ , فَلَمَّا تَفَرَّقُوا خَطَبَ مُعَاوِيَة إِلَخْ , وَأَبْعَد مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي \" كَشْفِ الْمُشْكِلِ \" أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى جَعْلِ عُمَر الْخِلَافَةَ شُورَى فِي سِتَّةٍ وَلَمْ يَجْعَل لَهُ مِنْ الْأَمْرِ شَيْئًا فَأَمَرَتْهُ بِاللِّحَاقِ , قَالَ : وَهَذَا حِكَايَةُ الْحَالِ الَّتِي جَرَتْ قَبْلُ , وَأَمَّا قَوْلُهُ فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ خَطَبَ مُعَاوِيَةُ , كَانَ هَذَا فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ اِبْنَهُ يَزِيدَ وَلِيَّ عَهْدِهِ , كَذَا قَالَ وَلَمْ يَأْتِ لَهُ بِمُسْتَنَدٍ , وَالْمُعْتَمَدُ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاقِ. ثُمَّ وَجَدْت فِي رِوَايَةِ حَبِيبِ بْن أَبِي ثَابِتٍ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : \" لَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي اِجْتَمَعَ فِيهِ مُعَاوِيَة بِدَوْمَةَ الْجَنْدَلِ قَالَتْ حَفْصَةُ : إِنَّهُ لَا يَجْمُلُ بِك أَنْ تَتَخَلَّفَ عَنْ صُلْحٍ يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ. وَأَنْتَ صِهْر رَسُولِ اللَّهِ وَابْن عُمَرَ بْن الْخَطَّاب , قَالَ فَأَقْبَلَ مُعَاوِيَة يَوْمئِذٍ عَلَى بُخْتِيٍّ عَظِيمٍ فَقَالَ : مَنْ يَطْمَعُ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَوْ يَرْجُوهُ أَوْ يَمُدُّ إِلَيْهِ عُنُقَهُ \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَتَكَلَّم فِي هَذَا الْأَمْر ) ‏ ‏أَيْ الْخِلَافَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيُطْلِعْ لَنَا قَرْنَهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف , قَالَ اِبْن التِّين يُحْتَمَل أَنْ يُرِيدَ بِدْعَتَهُ كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ الْآخَرِ \" كُلَّمَا نَجَمَ قَرْنٌ \" أَيْ طَلَعَ قَرْنٌ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فَلْيُبْدِ لَنَا صَفْحَةَ وَجْهِهِ , وَالْقَرْنُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَجْهِ , وَالْمَعْنَى فَلْيُظْهِرْ لَنَا نَفْسَهُ وَلَا يُخْفِيهَا. قِيلَ : أَرَادَ عَلِيًّا وَعَرَّضَ بِالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ , وَقِيلَ : أَرَادَ عُمَرَ وَعَرَّضَ بِابْنِهِ عَبْد اللَّهِ , وَفِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يُبَالِغُ فِي تَعْظِيمِ عُمَرَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنَ أَبِي ثَابِت أَيْضًا قَالَ اِبْن عُمَر : مَا حَدَّثْت نَفْسِي بِالدُّنْيَا قَبْلَ يَوْمَئِذٍ أَرَدْت أَنْ أَقُولَ لَهُ يَطْمَعُ فِيهِ مَنْ ضَرَبَك وَأَبَاك عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى أَدْخَلَكُمَا فِيهِ , فَذَكَرْت الْجَنَّةَ فَأَعْرَضْت عَنْهُ. وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ إِدْخَالِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ , لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ قَائِدَ الْأَحْزَابِ يَوْمَئِذٍ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ حَبِيب بْن مَسْلَمَةَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَالِكٍ الْفِهْرِيّ , صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ , وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ , وَكَانَ قَدْ سَكَنَ الشَّامَ وَأَرْسَلَهُ مُعَاوِيَةُ فِي عَسْكَرٍ لِنَصْرِ عُثْمَانَ فَقُتِلَ عُثْمَانُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ , فَرَجَعَ فَكَانَ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَوَلَّاهُ غَزْوَةَ الرُّومِ , فَكَانَ يُقَالُ لَهُ حَبِيبُ الرُّومِ لِكَثْرَةِ دُخُولِهِ عَلَيْهِمْ وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَهَلَّا أَجَبْته ) ‏ ‏أَيْ هَلَّا أَجَبْت مُعَاوِيَةَ عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَةِ , فَأَعْلَمَهُ اِبْنُ عُمَرَ بِاَلَّذِي مَنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ : حَلَلْت حُبْوَتِي إِلَخْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْد الرَّزَّاقِ عِنْدَ قَوْله : \" فَلَنَحْنُ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ وَمِنْ أَبِيهِ \" يُعَرِّضُ بِابْنِ عُمَرَ فَعَرَفَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مُنَاسَبَةَ قَوْلِ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ لِابْنِ عُمَرَ : هَلَّا أَجَبْته. وَالْحُبْوَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ثَوْبٌ يُلْقَى عَلَى الظَّهْرِ وَيُرْبَطُ طَرَفَاهُ عَلَى السَّاقَيْنِ بَعْدَ ضَمِّهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ قَاتَلَك وَأَبَاك عَلَى الْإِسْلَامِ ) ‏ ‏يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ وَيَوْمَ الْخَنْدَقِ , وَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْمُقَاتَلَةِ عَلِيٌّ وَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ , وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ إِدْخَالِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَالِدَ مُعَاوِيَةَ كَانَ رَأْسَ الْأَحْزَابِ يَوْمَئِذٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَبِيبِ بْن أَبِي ثَابِت أَيْضًا \" قَالَ اِبْن عُمَر فَمَا حَدَّثْت نَفْسِي بِالدُّنْيَا قَبْلَ يَوْمَئِذٍ , أَرَدْت أَنْ أَقُولَ لَهُ يَطْمَعُ فِيهِ مَنْ قَاتَلَك وَأَبَاك عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى أَدْخَلَكُمَا فِيهِ فَذَكَرْت الْجَنَّةَ فَأَعْرَضْت عَنْهُ \" وَكَانَ رَأْيُ مُعَاوِيَةَ فِي الْخِلَافَةِ تَقْدِيمُ الْفَاضِلِ فِي الْقُوَّةِ وَالرَّأْيِ وَالْمَعْرِفَةِ عَلَى الْفَاضِلِ فِي السَّبَقِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَالدِّينِ وَالْعِبَادَةِ , فَلِهَذَا أَطْلَقَ أَنَّهُ أَحَقُّ , وَرَأْيُ اِبْنِ عُمَرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ , وَأَنَّهُ لَا يُبَايَعُ الْمَفْضُولُ إِلَّا إِذَا خَشِيَ الْفِتْنَةَ , وَلِهَذَا بَايَعَ بَعْدَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ ثُمَّ اِبْنه يَزِيد وَنَهَى بَنِيهِ عَنْ نَقْضِ بَيْعَتِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفِتَنِ , وَبَايَعَ بَعْدَ ذَلِكَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْن مَرْوَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَحْمِل عَنِّي غَيْرَ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ غَيْرَ مَا أَرَدْت , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ مُنْقَطِعَةٍ عِنْدَ سَعِيد بْن مَنْصُورٍ أَخْرَجَهَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ : \" نُبِّئْت أَنَّ اِبْنَ عُمَرَ لَمَّا قَالَ مُعَاوِيَةُ مَنْ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنَّا وَمَنْ يُنَازِعُنَا , فَهَمَمْت أَنْ أَقُولَ الَّذِينَ قَاتَلُوك وَأَبَاك عَلَى الْإِسْلَامِ , فَخَشِيت أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِي هِرَاقَةُ الدِّمَاءِ , وَأَنْ يُحْمَلَ قَوْلِي عَلَى غَيْرِ الَّذِي أَرَدْت \". ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرْت مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِي الْجِنَان ) ‏ ‏أَيْ لِمَنْ صَبَرَ وَآثَرَ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ حَبِيب ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَسْلَمَةَ الْمَذْكُورَ \" حُفِظْت وَعُصِمْت \" بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا أَيْ أَنَّهُ صَوَّبَ رَأْيَهُ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْمَذْكُورَ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مَحْمُودُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : وَنَوْسَاتهَا ) ‏ ‏أَيْ إِنَّ عَبْد الرَّزَّاق رَوَى عَنْ مَعْمَر شَيْخ هِشَام بْن يُوسُف هَذَا الْحَدِيث كَمَا رَوَاهُ هِشَام فَخَالَفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَقَالَ : \" نَوْسَاتهَا \" وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب كَمَا تَقَدَّمَ , وَطَرِيق مَحْمُود هَذَا وَهُوَ اِبْن غَيْلَان الْمَرْوَزِيُّ وَصَلَهَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ فِي كِتَابِ \" أَخْبَارِ الْخَوَارِجِ \" لَهُ قَالَ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ الْمَرْوَزِيُّ أَنْبَأْنَا عَبْدُ الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر فَذَكَرَهُ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا , وَسَاقَ الْمَتْن بِتَمَامِهِ , وَأَوَّله \" دَخَلْت عَلَى حَفْصَة وَنَوْسَاتُهَا تَنْطِفُ \" وَقَدْ ذَكَرْت مَا فِي رِوَايَتِهِ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3800",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ الْأَحْزَابِ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث سُلَيْمَان بْن صُرَد بِضَمِّ الصَّاد الْمُهْمَلَة وَفَتْح الرَّاء بَعْدهَا مُهْمَلَة اِبْن الْجَوْن بِفَتْحِ الْجِيمِ الْخُزَاعِيُّ صَحَابِيّ مَشْهُور , يُقَال كَانَ اِسْمه يَسَار فَغَيَّرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ إِبْلِيس , وَلَهُ طَرِيق فِي الْأَدَب. وَقَدْ صَرَّحَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بِسَمَاعِ أَبِي إِسْحَاقَ لَهُ مِنْهُ , وَكَانَ سُلَيْمَان الْمَذْكُورُ أَسَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَة فِي طَلَبِ ثَأْرِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَقُتِلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِعَيْنِ الْوَرْدَةِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ. ‏ ‏قَوْله : ( نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق بِشْرِ بْن مُوسَى عَنْ أَبِي نُعَيْم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" الْآنَ نَغْزُوهُمْ \" وَهِيَ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيل الَّتِي تِلْوَ هَذِهِ , وَقَوْله فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل \" حِين أُجْلِيَ \" بِضَمِّ الْهَمْزَة وَسُكُونِ الْجِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَيْ رَجَعُوا عَنْهُ , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمْ رَجَعُوا بِغَيْرِ اِخْتِيَارِهِمْ بَلْ بِصُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ , وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ بَعْد أَنْ اِنْصَرَفُوا , وَذَلِكَ لِسَبْعٍ بَقَيْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ , وَفِيهِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِعْتَمَرَ فِي السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ فَصَدَّتْهُ قُرَيْش عَنْ الْبَيْتِ وَوَقَعَتْ الْهُدْنَةُ بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ نَقَضُوهَا فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ فَتْح مَكَّة , فَوَقَعَ الْأَمْر كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيث جَابِر شَاهِدًا لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظه \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ وَقَدْ جَمَعُوا لَهُ جُمُوعًا كَثِيرَةً : لَا يَغْزُونَكُمْ بَعْد هَذَا أَبَدًا , وَلَكِنْ أَنْتُمْ تَغْزُونَهُمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3801",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ آدَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا إِسْحَاقَ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ حِينَ أَجْلَى الْأَحْزَابَ عَنْهُ ‏ ‏الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3802",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏مَلَأَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَنْصُورٍ , وَهِشَام كُنْت ذَكَرْت فِي الْجِهَاد أَنَّهُ الدَّسْتُوَائِيّ لَكِنْ جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّهُ اِبْن حَسَّان , ثُمَّ وَجَدْته مُصَرَّحًا بِهِ فِي عِدَّةِ طُرُقٍ فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ , وَأَمَّا تَضْعِيفُ الْأَصِيلِيّ لِلْحَدِيثِ بِهِ فَلَيْسَ بِمُعْتَمَدٍ كَمَا سَأُوَضِّحُهُ فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سِيرِينَ وَعَبِيدَة بِفَتْحِ الْعَيْنِ هُوَ اِبْن عَمْرٍو السَّلْمَانِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْجِهَادِ \" يَوْم الْأَحْزَابِ \" وَهُوَ بِالْمَعْنَى. وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْن الْجَزَّارِ عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَوْم الْأَحْزَاب قَاعِدًا عَلَى فِرْصَةٍ مِنْ فِرَصِ الْخَنْدَقِ فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا شَغَلُونَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" كُلَّمَا شَغَلُونَا \" بِزِيَادَةِ لَامٍ وَهُوَ خَطَأٌ. ‏ ‏قَوْله : ( الصَّلَاة الْوُسْطَى ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" صَلَاة الْعَصْر \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا وَعَلَى شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3803",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏جَاءَ يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا فَنَزَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بُطْحَانَ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد اللَّه الدَّسْتُوَائِيّ , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ ) ‏ ‏قَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَوَاقِيتِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَبَيَّنْت فِيهِ الْمَذَاهِبَ فِي تَرْتِيبِ فَائِتَةِ الصَّلَاةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3804",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ الْأَحْزَابِ ‏ ‏مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ فَقَالَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏أَنَا ثُمَّ قَالَ مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ فَقَالَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏أَنَا ثُمَّ قَالَ مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ فَقَالَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏أَنَا ثُمَّ قَالَ إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيَّ وَإِنَّ حَوَارِيَّ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر أَيْضًا فِي ذِكْرِ الزُّبَيْرِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْمَنَاقِبِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْم ؟ فَقَالَ الزُّبَيْر أَنَا ) ‏ ‏ذَكَرَهَا ثَلَاث مَرَّات , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ فِي \" بَاب فَضْل الطَّلِيعَةِ \" ذَكَرَهَا مَرَّتَيْنِ , وَمَضَى شَرْح الْحَدِيث فِي مَنَاقِب الزُّبَيْر , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ ذِكْرُ الزُّبَيْرِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن : اِعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا أَنَّ الزُّبَيْر هُوَ الَّذِي ذَهَبَ لِكَشْفِ خَبَر بَنِي قُرَيْظَة وَالْمَشْهُورُ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمُرِيُّ أَنَّ الَّذِي تَوَجَّهَ لِيَأْتِيَ بِخَبَرِ الْقَوْم حُذَيْفَةُ كَمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاقَ وَغَيْره. قُلْت : وَهَذَا الْحَصْر مَرْدُود , فَإِنَّ الْقِصَّة الَّتِي ذَهَبَ لِكَشْفِهَا غَيْرُ الْقِصَّة الَّتِي ذَهَبَ حُذَيْفَة لِكَشْفِهَا , فَقِصَّة الزُّبَيْر كَانَتْ لِكَشْفِ خَبَر بَنِي قُرَيْظَة هَلْ نَقَضُوا الْعَهْدَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَوَافَقُوا قُرَيْشًا عَلَى مُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ , وَقِصَّة حُذَيْفَةَ كَانَتْ لَمَّا اِشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْخَنْدَقِ وَتَمَالَأَتْ عَلَيْهِمْ الطَّوَائِفُ ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَ الْأَحْزَابِ الِاخْتِلَافُ وَحَذَّرَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ الْأُخْرَى وَأَرْسَلَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ الرِّيحَ وَاشْتَدَّ الْبَرْد تِلْكَ اللَّيْلَة فَانْتَدَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَأْتِيه بِخَبَرِ قُرَيْشٍ , فَانْتَدَبَ لَهُ حُذَيْفَة بَعْد تَكْرَاره طَلَب ذَلِكَ , وَقِصَّته فِي ذَلِكَ مَشْهُورَة لَمَّا دَخَلَ بَيْنَ قُرَيْشٍ فِي اللَّيْلِ وَعَرَفَ قِصَّتَهُمْ وَرَجَعَ وَقَدْ اِشْتَدَّ عَلَيْهِ الْبَرْدُ , فَغَطَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى دَفِئَ , وَبَيَّنَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْمِ بَنُو قُرَيْظَةَ , وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ عِكْرِمَة \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ : مَنْ يُبَارِز ؟ قَفَّال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُمْ يَا زُبَيْر , فَقَالَتْ أُمّه صَفِيَّة بِنْت عَبْد الْمُطَّلِبِ : وَاحِدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ , فَقَالَ : قُمْ يَا زُبَيْر , فَقَامَ الزُّبَيْرُ فَقَتَلَهُ ثُمَّ جَاءَ بِسَلَبِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَفَلَهُ إِيَّاهُ \". الْحَدِيث ‏"
    },
    {
        "id": "3805",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَقُولُ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَعَزَّ جُنْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو سَعِيد الْمَقْبُرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ , فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ السَّجْعِ الْمَحْمُودِ , وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَذْمُومِ مَا يَأْتِي بِتَكَلُّفٍ وَاسْتِكْرَاهٍ , وَالْمَحْمُودُ مَا جَاءَ بِانْسِجَامٍ وَاتِّفَاقٍ , وَلِهَذَا قَالَ فِي مِثْل الْأَوَّل : أَسَجْعٌ مِثْل سَجْع الْكُهَّان ؟ وَكَذَا قَالَ : كَانَ يَكْرَهُ السَّجْعَ فِي الدُّعَاءِ. وَوَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَدْعِيَةِ وَالْمُخَاطَبَاتِ مَا وَقَعَ مَسْجُوعًا لَكِنَّهُ فِي غَايَةِ الِانْسِجَامِ الْمُشْعِرِ بِأَنَّهُ وَقَعَ بِغَيْرِ قَصْدٍ , وَمَعْنَى قَوْله : \" لَا شَيْءَ بَعْدَهُ \" أَيْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وُجُودِهِ كَالْعَدَمِ , أَوْ الْمُرَاد أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَفْنَى وَهُوَ الْبَاقِي , فَهُوَ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ). ‏"
    },
    {
        "id": "3806",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْفَزَارِيُّ ‏ ‏وَعَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْأَحْزَابِ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اهْزِمْ الْأَحْزَابَ اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ) ‏ ‏وَالْفَزَارِيّ هُوَ مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة , وَعَبْدَة هُوَ اِبْن سُلَيْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( دَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَحْزَاب ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَابِ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ \" مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3807",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏وَنَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ الْغَزْوِ أَوْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ يَبْدَأُ فَيُكَبِّرُ ثَلَاثَ مِرَارٍ ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏ ‏آيِبُونَ ‏ ‏تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَوْ الْحَجّ أَوْ الْعُمْرَة ) ‏ ‏لَيْسَتْ أَوْ لِلشَّكِّ بَلْ هِيَ لِلتَّنْوِيعِ , وَذَكَرَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ \" وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ \" وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3808",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ أَتَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏فَقَالَ قَدْ ‏ ‏وَضَعْتَ السِّلَاحَ وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَاهُ فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ قَالَ فَإِلَى أَيْنَ قَالَ هَا هُنَا وَأَشَارَ إِلَى ‏ ‏بَنِي قُرَيْظَةَ ‏ ‏فَخَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا , ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي الْبَابِ مَعَ شَرْحِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3809",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا فِي زُقَاقِ ‏ ‏بَنِي غَنْمٍ ‏ ‏مَوْكِبَ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ‏ ‏حِينَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏بَنِي قُرَيْظَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ ) ‏ ‏يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ يَسْتَحْضِرُ الْقِصَّةَ حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا مُشَخَّصَة لَهُ بَعْد تِلْكَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( سَاطِعًا ) ‏ ‏أَيْ مُرْتَفِعًا. ‏ ‏قَوْله : ( بَنِي غَنْمٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون , كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِلِ بَدْءِ الْخَلْقِ , وَتَقَدَّمَ إِعْرَابُ قَوْلِهِ : \" مَوْكِب جِبْرِيلَ \" وَوَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْد اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ حُمَيْدِ بْن هِلَال مُطَوَّلًا لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أَنَس , وَأَوَّله \" كَانَ بَيْن بَنِي قُرَيْظَةَ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ , فَلَمَّا جَاءَتْ الْأَحْزَابُ نَقَضُوهُ وَظَاهَرُوهُمْ. فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْأَحْزَابَ تَحَصَّنُوا , فَجَاءَ جِبْرِيلُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اِنْهَضْ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ , فَقَالَ : إِنَّ فِي أَصْحَابِي جَهْدًا قَالَ : اِنْهَضْ إِلَيْهِمْ فَلَأُضَعْضِعَنّهُمْ. قَالَ : فَأَدْبَرَ جِبْرِيلُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى سَطَعَ الْغُبَارُ فِي زُقَاقِ بَنِي غَنْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3810",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ الْأَحْزَابِ ‏ ‏لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي ‏ ‏بَنِي قُرَيْظَةَ ‏ ‏فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمْ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ ‏ ‏يُعَنِّفْ ‏ ‏وَاحِدًا مِنْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( جُوَيْرِيَةُ ) ‏ ‏بِالْجِيمِ مُصَغَّرٌ هُوَ عَمُّ عَبْدِ اللَّهِ الرَّاوِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَد الْعَصْر ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ عِنْد الْبُخَارِيّ , وَوَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ عِنْد مُسْلِم \" الظُّهْر \" مَعَ اِتِّفَاق الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَلَى رِوَايَته عَنْ شَيْخ وَاحِد بِإِسْنَادٍ وَاحِد , وَقَدْ وَافَقَ مُسْلِمًا أَبُو يَعْلَى وَآخَرُونَ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد عَنْ أَبِي عَتْبَان مَالِك بْن إِسْمَاعِيل عَنْ جُوَيْرِيَة بِلَفْظِ \" الظُّهْر \" وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق أَبِي عَتْبَان كَذَلِكَ , وَلَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَة جُوَيْرِيَة إِلَّا بِلَفْظِ \" الظُّهْر \" غَيْر أَنَّ أَبَا نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي حَفْص السِّلْمِيّ عَنْ جُوَيْرِيَة فَقَالَ : \" الْعَصْر \" وَأَمَّا أَصْحَاب الْمَغَازِي فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا الْعَصْر , قَالَ اِبْن إِسْحَق : لَمَّا اِنْصَرَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْخَنْدَق رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَة أَتَاهُ جِبْرِيل الظُّهْر فَقَالَ : إِنَّ اللَّه يَأْمُرك أَنْ تَسِير إِلَى بَنِي قُرَيْظَة , فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّن فِي النَّاس : مَنْ كَانَ سَامِعًا فَلَا يُصَلِّيَنَّ الْعَصْر إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَة , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" بِإِسْنَادٍ صَحِيح إِلَى الزُّهْرِيّّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن كَعْب بْن مَالِك عَنْ عَمّه عَبِيد اللَّه بْن كَعْب \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ طَلَبِ الْأَحْزَاب وَجَمَعَ عَلَيْهِ اللَّأْمَة وَاغْتَسَلَ وَاسْتَجْمَرَ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيل فَقَالَ : عَذِيرك مِنْ مُحَارِب , فَوَثَبَ فَزِعًا , فَعَزَمَ عَلَى النَّاس أَنْ لَا يُصَلُّوا الْعَصْر حَتَّى يَأْتُوا بَنِي قُرَيْظَة , قَالَ فَلَبِسَ النَّاس السِّلَاح فَلَمْ يَأْتُوا قُرَيْظَة حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْس , قَالَ فَاخْتَصَمُوا عِنْد غُرُوب الشَّمْس فَصَلَّتْ طَائِفَة الْعَصْر وَتَرَكَتْهَا طَائِفَة وَقَالَتْ : إِنَّا فِي عَزْمَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَيْسَ عَلَيْنَا إِثْم , فَلَمْ يُعَنِّف وَاحِدًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه مَوْصُولًا بِذِكْرِ كَعْب بْن مَالِك فِيهِ , وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا نَحْوه مُطَوَّلًا وَفِيهِ \" فَصَلَّتْ طَائِفَة إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَتَرَكَتْ طَائِفَة إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا \" وَهَذَا كُلّه يُؤَيِّد رِوَايَة الْبُخَارِيّ فِي أَنَّهَا الْعَصْر , وَقَدْ جَمَع بَعْض الْعُلَمَاء بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون بَعْضهمْ قَبْل الْأَمْر كَانَ صَلَّى الظُّهْر وَبَعْضهمْ لَمْ يُصَلِّهَا فَقِيلَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَد الظُّهْر وَلِمَنْ صَلَّاهَا لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَد الْعَصْر. وَجَمَعَ بَعْضهمْ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون طَائِفَة مِنْهُمْ رَاحَتْ بَعْد طَائِفَة فَقِيلَ لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى الظُّهْر وَقِيلَ لِلطَّائِفَةِ الَّتِي بَعْدهَا الْعَصْر , وَكِلَاهُمَا جَمْع لَا بَأْس بِهِ , لَكِنْ يُبْعِدهُ اِتِّحَاد مَخْرَج الْحَدِيث لِأَنَّهُ عِنْد الشَّيْخَيْنِ كَمَا بَيَّنَّاهُ بِإِسْنَادٍ وَاحِد مِنْ مَبْدَئِهِ إِلَى مُنْتَهَاهُ , فَيَبْعُد أَنْ يَكُون كُلّ مِنْ رِجَال إِسْنَاده قَدْ حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ , إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَحَمَلَهُ وَاحِد مِنْهُمْ عَنْ بَعْض رُوَاته عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَلَمْ يُوجَد ذَلِكَ. ثُمَّ تَأَكَّد عِنْدِي أَنَّ الِاخْتِلَاف فِي اللَّفْظ الْمَذْكُور مِنْ حِفْظِ بَعْض رُوَاته فَإِنَّ سِيَاق الْبُخَارِيّ وَحْدَه مُخَالِف لِسِيَاقِ كُلّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَسْمَاء وَعَنْ عَمّه جُوَيْرِيَة , وَلَفْظ الْبُخَارِيّ \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَد الْعَصْر إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَة , فَأَدْرَكَ بَعْضهمْ الْعَصْر فِي الطَّرِيق فَقَالَ بَعْضهمْ : لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيهَا. وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ نُصَلِّي , لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِر لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّف وَاحِدًا مِنْهُمْ \" وَلَفْظ مُسْلِم وَسَائِر مِنْ رَوَاهُ \" نَادَى فِينَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم اِنْصَرَفَ عَنْ الْأَحْزَاب أَنَّ لَا يُصَلِّينَّ أَحَد الظُّهْر إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَة , فَتَخَوَّف نَاس فَوْتَ الْوَقْت فَصَلَّوْا دُون بَنِي قُرَيْظَة , وَقَالَ آخَرُونَ : لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْت , قَالَ فَمَا عُنّف وَاحِدًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ \" فَاَلَّذِي يَظْهَر مِنْ تَغَايُر اللَّفْظَيْنِ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَسْمَاء شَيْخ الشَّيْخَيْنِ فِيهِ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيّ حَدَّثَ بِهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظ , وَلَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبَاقِينَ حَدَّثَهُمْ بِهِ عَلَى اللَّفْظ الْأَخِير وَهُوَ اللَّفْظ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ جُوَيْرِيَّة , بِدَلِيلِ مُوَافَقَة أَبِي عِتْبَان لَهُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ اللَّفْظ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيّ أَوْ أَنَّ الْبُخَارِيّ كَتَبَهُ مِنْ حِفْظه وَلَمْ يُرَاعِ اللَّفْظ كَمَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبه فِي تَجْوِيز ذَلِكَ , بِخِلَافِ مُسْلِم فَإِنَّهُ يُحَافِظ عَلَى اللَّفْظ كَثِيرًا , وَإِنَّمَا لَمْ يَجُوز عَكْسُهُ لِمُوَافَقَةِ مَنْ وَافَقَ مُسْلِمًا عَلَى لَفْظه بِخِلَافِ الْبُخَارِيّ , لَكِنْ مُوَافَقَة أَبِي حَفْص السُّلَمِيّ لَهُ تُؤَيِّد الِاحْتِمَال الْأَوَّل , وَهَذَا كُلّه مِنْ حَيْثُ حَدِيث اِبْن عُمَر , أَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى حَدِيث غَيْره فَالِاحْتِمَالَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي كَوْنه قَالَ الظُّهْر لِطَائِفَةِ وَالْعَصْر لِطَائِفَةِ مُتَّجَه فَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون رِوَايَة الظُّهْر هِيَ الَّتِي سَمِعَهَا اِبْن عُمَر وَرِوَايَة الْعَصْر هِيَ الَّتِي سَمِعَهَا كَعْب بْن مَالِك وَعَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْره. فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفِقْه أَنَّهُ لَا يُعَاب عَلَى مِنْ أَخَذ بِظَاهِرِ حَدِيث أَوْ آيَة , وَلَا عَلَى مِنْ اِسْتَنْبَطَ مِنْ النَّصّ مَعْنَى يُخَصّصْهُ , وَفِيهِ أَنَّ كُلّ مُخْتَلِفَيْن فِي الْفُرُوع مِنْ الْمُجْتَهِدَيْن مُصِيب , قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَلَا يَسْتَحِيل أَنْ يَكُون الشَّيْء صَوَابًا فِي حَقّ إِنْسَان وَخَطَأ فِي حَقّ غَيْره وَإِنَّمَا الْمُحَال أَنْ يَحْكُم فِي النَّازِلَة بِحُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْن فِي حَقّ شَخْص وَاحِد , قَالَ : وَالْأَصْل فِي ذَلِكَ أَنَّ الْحَظْر وَالْإِبَاحَة صِفَات أَحْكَام لَا أَعْيَان قَالَ : فَكُلّ مُجْتَهِد وَافَقَ اِجْتِهَاده وَجْهًا مِنْ التَّأْوِيل فَهُوَ مُصِيب اِنْتَهَى. وَالْمَشْهُور أَنَّ الْجُمْهُور ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمُصِيب فِي الْقَطْعِيَّات وَاحِد , وَخَالَفَ الْجَاحِظ وَالْعَنْبَرِيّ. وَأَمَّا مَا لَا قَطْع فِيهِ فَقَالَ الْجُمْهُور أَيْضًا : الْمُصِيب وَاحِد , وَقَدْ ذَكَر ذَلِكَ الشَّافِعِيّ وَقَرَّرَهُ , وَنُقِلَ عَنْ الْأَشْعَرِيّ أَنَّ كُلّ مُجْتَهِد مُصِيب , وَأَنَّ حُكْم اللَّه تَابِع لِظَنِّ الْمُجْتَهِد. وَقَالَ بَعْض الْحَنَفِيَّة وَبَعْض الشَّافِعِيَّة. وَهُوَ مُصِيب بِاجْتِهَادِهِ , وَإِنْ لَمْ يُصِبْ مَا فِي نَفْس الْأَمْر فَهُوَ مُخْطِئ وَلَهُ أَجْر وَاحِد , وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ثُمَّ الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْقِصَّة عَلَى أَنَّ كُلّ مُجْتَهِد مُصِيب عَلَى الْإِطْلَاق لَيْسَ بِوَاضِحِ. وَإِنَّمَا فِيهِ تَرْكُ تَعْنِيف مَنْ بَذَل وُسْعَهُ وَاجْتَهَدَ , فَيُسْتَفَاد مِنْهُ عَدَم تَأْثِيمه. وَحَاصِل مَا وَقَعَ فِي الْقِصَّة أَنَّ بَعْض الصَّحَابَة حَمَلُوا النَّهْي عَلَى حَقِيقَته , وَلَمْ يُبَالُوا بِخُرُوجِ الْوَقْت تَرْجِيحًا لِلنَّهْيِ الثَّانِي عَلَى النَّهْي الْأَوَّل وَهُوَ تَرْكُ تَأْخِير الصَّلَاة عَنْ وَقْتهَا , وَاسْتَدَلُّوا بِجَوَازِ التَّأْخِير لِمَنْ اُشْتُغِلَ بِأَمْرِ الْحَرْب بِنَظِيرِ مَا وَقَعَ فِي تِلْكَ الْأَيَّام بِالْخَنْدَقِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث جَابِر الْمُصَرِّح بِأَنَّهُمْ صَلَّوْا الْعَصْر بَعْدَمَا غَرَبَتْ الشَّمْس وَذَلِك لِشَغْلِهِمْ بِأَمْرِ الْحَرْب , فَجَوَّزُوا أَنْ يَكُون ذَلِكَ عَامًّا فِي كُلّ شُغْل يَتَعَلَّق بِأَمْرِ الْحَرْب وَلَا سِيَّمَا وَالزَّمَان زَمَان التَّشْرِيع , وَالْبَعْض الْآخَر حَمَلُوا النَّهْي عَلَى غَيْر الْحَقِيقَة وَأَنَّهُ كِنَايَة عَنْ الْحَثّ وَالِاسْتِعْجَال وَالْإِسْرَاع إِلَى بَنِي قُرَيْظَة. وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُور عَلَى عَدَم تَأْثِيم مِنْ اُجْتُهِدَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَنِّف أَحَدًا مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ , فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ إِثْم لَعَنّفَ مَنْ أَثِمَ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن حِبَّان عَلَى أَنَّ تَارِك الصَّلَاة حَتَّى يَخْرُج وَقْتهَا لَا يُكَفَّر , وَفِيهِ نَظَر لَا يَخْفَى. وَاسْتَدَلَّ بِهِ غَيْره عَلَى جَوَاز الصَّلَاة عَلَى الدَّوَابّ فِي شِدَّة الْخَوْف , وَفِيهِ نَظَر قَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي بَاب صَلَاة الْخَوْف. وَعَلَى أَنَّ الَّذِي يَتَعَمَّد تَأْخِير الصَّلَاة حَتَّى يَخْرُج وَقْتهَا يَقْضِيهَا بَعْد ذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا الْعَصْر صَلَّوْهَا بَعْد ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُمْ صَلَّوْهَا فِي وَقْت الْعِشَاء , وَعِنْد مُوسَى بْن عُقْبة أَنَّهُمْ صَلَّوْهَا بَعْد أَنْ غَابَتْ الشَّمْس , وَكَذَا فِي حَدِيث كَعْب بْن مَالِك , وَفِيهِ نَظَر أَيْضًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤَخِّرُوهَا إِلَّا لِعُذْر تَأَوَّلُوهُ , وَالنِّزَاع إِنَّمَا هُوَ فِيمَنْ أَخَّرَ عَمْدًا بِغَيْرِ تَأْوِيل , وَأَغْرَب اِبْن الْمُنِير فَادَّعَى أَنَّ الطَّائِفَة الَّذِينَ صَلَّوْا الْعَصْر لَمَّا أَدْرَكَتْهُمْ فِي الطَّرِيق إِنَّمَا صَلَّوْهَا وَهُمْ عَلَى الدَّوَابّ , وَاسْتَنَدَ إِلَى أَنَّ النُّزُول إِلَى الصَّلَاة يُنَافِي مَقْصُود الْإِسْرَاع فِي الْوُصُول , قَالَ : فَإِنَّ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا عَمَدُوا بِالدَّلِيلِ الْخَاصّ وَهُوَ الْأَمْر بِالْإِسْرَاعِ فَتَرَكُوا عُمُوم إِيقَاع الْعَصْر فِي وَقْتهَا إِلَى أَنْ فَاتَ , وَاَلَّذِينَ صَلَّوْا جَمَعُوا بَيْن دَلِيلَيْ وُجُوب الصَّلَاة وَوُجُوب الْإِسْرَاع فَصَلَّوْا رُكْبَانًا , لِأَنَّهُمْ لَوْ صَلَّوْا نُزُولًا لَكَانَ مُضَادَّة لِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْإِسْرَاع وَلَا يَظُنّ ذَلِكَ بِهِمْ مَعَ ثُقُوب أَفْهَامهمْ اِنْتَهَى. وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح لَهُمْ بِتَرْكِ النُّزُول , فَلَعَلَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْمُرَاد بِأَمْرِهِمْ أَنْ لَا يُصَلُّوا الْعَصْر إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَة الْمُبَالَغَة فِي الْأَمْر بِالْإِسْرَاعِ فَبَادَرُوا إِلَى اِمْتِثَال أَمْرِهِ , وَخَصُّوا وَقْت الصَّلَاة مِنْ ذَلِكَ لِمَا تَقَرّرَ عِنْدهمْ مِنْ تَأْكِيد أَمْرِهَا , فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يَنْزِلُوا فَيُصَلُّوا وَلَا يَكُون فِي ذَلِكَ مُضَادَّة لِمَا أُمِرُوا بِهِ , وَدَعْوَى أَنَّهُمْ صَلَّوْا رُكْبَانًا يَحْتَاج إِلَى دَلِيل وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذِهِ الْقِصَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَحْث اِبْن بَطّالٍ فِي ذَلِكَ فِي \" بَاب صَلَاة الْخَوْف \". وَقَالَ اِبْن الْقَيِّم فِي الْهَدْي مَا حَاصِله : كُلّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ مَأْجُور بِقَصْدِهِ , إِلَّا أَنَّ مَنْ صَلَّى حَازَ الْفَضِيلَتَيْنِ : اِمْتِثَال الْأَمْر فِي الْإِسْرَاع , وَامْتِثَال الْأَمْر فِي الْمُحَافَظَة عَلَى الْوَقْت وَلَا سِيَّمَا مَا فِي هَذِهِ الصَّلَاة بِعَيْنِهَا مِنْ الْحَثّ عَلَى الْمُحَافَظَة عَلَيْهَا وَأَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ حَبَطَ عَمَله , وَإِنَّمَا لَمْ يُعَنِّف الَّذِينَ أَخَّرُوهَا لِقِيَامِ عُذْرهمْ فِي اِلْتَمَسَك بِظَاهِرِ الْأَمْر , وَلِأَنَّهُمْ اِجْتَهَدُوا فَأَخَّرُوا لِامْتِثَالِهِمْ الْأَمْر. لَكِنّهُمْ لَمْ يُصَلُّوا إِلَى أَنْ يَكُون اِجْتِهَادهمْ أَصْوَبُ مِنْ اِجْتِهَاد الطَّائِفَة الْأُخْرَى. وَأَمَّا مَنْ اِحْتَجَّ لِمَنْ أَخَّرَ بِأَنَّ الصَّلَاة حِينَئِذٍ كَانَتْ تُؤَخَّر كَمَا فِي الْخَنْدَق وَكَانَ ذَلِكَ بَيّن فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَر لَمَّا قَالَ لَهُ مَا كِدْت أُصَلِّي الْعَصْر حَتَّى كَادَتْ الشَّمْس أَنْ تَغْرُب , فَقَالَ : وَاَللَّه مَا صَلَّيْتهَا. لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَاكِرًا لَهَا لَبَادَرَ إِلَيْهَا كَمَا صَنَعَ عُمَر اِنْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَأْخِير الصَّلَاة فِي الْخَنْدَق فِي كِتَاب الصَّلَاة بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته. ‏"
    },
    {
        "id": "3811",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏النَّخَلَاتِ حَتَّى افْتَتَحَ ‏ ‏قُرَيْظَةَ ‏ ‏وَالنَّضِيرَ ‏ ‏وَإِنَّ أَهْلِي أَمَرُونِي أَنْ آتِيَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَسْأَلَهُ الَّذِي كَانُوا أَعْطَوْهُ أَوْ بَعْضَهُ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ أَعْطَاهُ ‏ ‏أُمَّ أَيْمَنَ ‏ ‏فَجَاءَتْ ‏ ‏أُمُّ أَيْمَنَ ‏ ‏فَجَعَلَتْ الثَّوْبَ فِي عُنُقِي تَقُولُ كَلَّا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَا ‏ ‏يُعْطِيكَهُمْ وَقَدْ أَعْطَانِيهَا أَوْ كَمَا قَالَتْ وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ لَكِ كَذَا وَتَقُولُ كَلَّا وَاللَّهِ حَتَّى أَعْطَاهَا حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ عَشَرَةَ أَمْثَالِهِ أَوْ كَمَا قَالَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي اِبْن أَبِي الْأَسْوَدِ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الْخُمُسِ , وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْهُ هُنَاكَ أَتَمّ وَتَقَدَّمَ بِاخْتِصَارِهِ فِي غَزْوَة بَنِي النَّضِير , وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِالزِّيَادَةِ الَّتِي فِيهِ هُنَا فِي حَدِيث الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ , وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا وَاسَوْا الْمُهَاجِرِينَ بِنَخِيلِهِمْ لِيَنْتَفِعُوا بِثَمَرِهَا , فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ النَّضِيرَ ثُمَّ قُرَيْظَةَ قَسَمَ فِي الْمُهَاجِرِينَ مِنْ غَنَائِمِهِمْ فَأَكْثَرَ , وَأَمَرَهُمْ بِرَدِّ مَا كَانَ لِلْأَنْصَارِ لِاسْتِغْنَائِهِمْ عَنْهُ , وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَلَّكُوهُمْ رِقَابَ ذَلِكَ , وَامْتَنَعَتْ أُمُّ أَيْمَن مِنْ رَدِّ ذَلِكَ ظَنًّا أَنَّهَا مَلَكَتْ الرَّقَبَةَ , فَلَاطَفَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا كَانَ لَهَا عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الْحَضَانَةِ حَتَّى عَوَّضَهَا عَنْ الَّذِي كَانَ بِيَدِهَا بِمَا أَرْضَاهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَعْطَاهُ أُمَّ أَيْمَنَ , فَجَاءَتْ أُمُّ أَيْمَن ) ‏ ‏فِي هَذَا السِّيَاقِ حَذْفٌ يُوَضِّحُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ \" أَعْطَاهُ أُمَّ أَيْمَنَ فَأَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِيهِ. فَجَاءَتْ أُمّ أَيْمَن \". ‏ ‏قَوْله : ( وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لَك كَذَا ) ‏ ‏أَيْ يَقُول لِأُمِّ أَيْمَن لَك كَذَا , فِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : يَا أُمَّ أَيْمَنَ اُتْرُكِيهِ وَلَك كَذَا \" وَقَوْله : وَلَك كَذَا كِنَايَة عَنْ الْقَدْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ النَّوَوِيُّ : ظَنَّتْ أُمُّ أَيْمَنَ أَنَّ تِلْكَ الْمِنْحَةَ مُؤَبَّدَةٌ فَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا هَذَا الظَّنَّ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا لِكَوْنِهَا حَاضِنَتهُ وَزَادَهَا مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى طَابَ قَلْبُهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ كَمَا قَالَتْ ) ‏ ‏إِشَارَة إِلَى شَكٍّ وَقَعَ فِي اللَّفْظِ مَعَ حُصُولِ الْمَعْنَى. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَعْطَاهَا , حَسِبْت أَنَّهُ قَالَ عَشَرَةَ أَمْثَاله أَوْ كَمَا قَالَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" حَتَّى أَعْطَاهَا عَشَرَةَ أَمْثَالِهِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ عَشَرَةِ أَمْثَالِهِ \" وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : \" وَلَك كَذَا \" أَيْ مِثْلَ الَّذِي لَك مَرَّةً , ثُمَّ شَرَعَ يَزِيدُهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا إِلَى أَنْ بَلَغَهَا عَشَرَةً. وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ هِبَةِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الرَّقَبَةِ , وَفَرْطُ جُودِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَثْرَةُ حِلْمِهِ وَبِرِّهِ , وَمَنْزِلَةُ أُمِّ أَيْمَنَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ اللَّه عَنْهَا وَهِيَ وَالِدَةُ أُسَامَةُ بْن زَيْد , وَابْنهَا أَيْمَن أَيْضًا لَهُ صُحْبَة وَاسْتُشْهِدَ بِحُنَيْنٍ , وَهُوَ أَسَنُّ مِنْ أُسَامَةَ , وَعَاشَتْ أُمُّ أَيْمَنَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلِيلًا رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ. الْمَنَاقِب عَالِيًا , وَكَذَا فِي الْمَغَازِي قَبْل هَذَا بِقَلِيلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3812",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا أُمَامَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَزَلَ أَهْلُ ‏ ‏قُرَيْظَةَ ‏ ‏عَلَى حُكْمِ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ‏ ‏فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏فَأَتَى عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا دَنَا مِنْ الْمَسْجِدِ قَالَ ‏ ‏لِلْأَنْصَارِ ‏ ‏قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ خَيْرِكُمْ فَقَالَ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ فَقَالَ تَقْتُلُ مُقَاتِلَتَهُمْ وَتَسْبِي ذَرَارِيَّهُمْ قَالَ قَضَيْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ وَرُبَّمَا قَالَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِي أُمَامَةُ بْن سَهْل ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَة عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم , وَرَوَاهُ مُحَمَّد بْن صَالِح بْن دِينَار التَّمَّار الْمَدَنِيّ عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم فَقَالَ : \" عَنْ عَامِر بْن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَرِوَايَةُ شُعْبَةُ أَصَحُّ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِسَعْدِ بْن إِبْرَاهِيمَ فِيهِ إِسْنَادَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( نَزَلَ أَهْلُ قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيه , وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّد بْن صَالِح الْمَذْكُورَة \" حَكَمَ أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ كُلُّ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى \" وَفِيهِ زِيَادَةُ بَيَان الْفَرْق بَيْن الْمُقَاتِلَةِ وَالذُّرِّيَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا دَنَا مِنْ الْمَسْجِدِ ) ‏ ‏قِيلَ : الْمُرَادُ الْمَسْجِدُ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعَدَّهُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ فِي دِيَارِ بَنِي قُرَيْظَةَ أَيَّامَ حِصَارِهِمْ , وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ بِالْمَدِينَةِ , لَكِنّ كَلَامَ اِبْن إِسْحَاق يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ حَتَّى بَعَثَ إِلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَحْكُم فِي بَنِي قُرَيْظَة فَإِنَّهُ قَالَ : \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسُلِمَ جَعَلَ سَعْدًا فِي خَيْمَةٍ رَفِيدَةٍ عِنْدَ مَسْجِدِهِ , وَكَانَتْ اِمْرَأَةٌ تُدَاوِي الْجَرْحَى فَقَالَ : اِجْعَلُوهُ فِي خَيْمَتِهَا لِأَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ , فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَحَاصَرَهُمْ وَسَأَلَهُ الْأَنْصَارُ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَحَمَلُوهُ عَلَى حِمَارٍ وَوَطَّؤُا لَهُ وَكَانَ جَسِيمًا \" فَدَلَّ قَوْلُهُ : \" فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ \" أَنَّ سَعْدًا كَانَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ ) ‏ ‏يَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَفِيهِ الْبَيَانُ عَمَّا اِخْتَلَفَ فِيهِ هَلْ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ الْأَنْصَارُ خَاصَّة أَمْ هُمْ وَغَيْرهمْ , وَوَقَعَ فِي مُسْنَد عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا مِنْ مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ عَلْقَمَةَ بْن وَقَّاصٍ عَنْهَا فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيل \" قَالَ أَبُو سَعِيد : فَلَمَّا طَلَعَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ فَأَنْزِلُوهُ , فَقَالَ عُمَرُ : السَّيِّدُ هُوَ اللَّهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَكَمْت فِيهِ بِحُكْمِ اللَّهِ , وَرُبَّمَا قَالَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ ) ‏ ‏هُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ , وَالشَّكُّ فِيهِ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ أَيْ اللَّفْظَيْنِ قَالَ , وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْن صَالِح الْمَذْكُورَةِ \" لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ الْيَوْمَ بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ مِنْ فَوْق سَبْع سَمَاوَاتٍ \" وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد اِبْن عَائِذ \" فَقَالَ : اُحْكُمْ فِيهِمْ يَا سَعْد , قَالَ : اللَّه وَرَسُولُهُ أَحَقُّ بِالْحُكْمِ. قَالَ : قَدْ أَمَرَك اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَحْكُمَ فِيهِمْ \" وَفِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاقَ مِنْ مُرْسَلِ عَلْقَمَةَ بْن وَقَّاصٍ \" لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ \" وَأَرْقِعَةٍ بِالْقَافِ جَمْعُ رَقِيعٍ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ السَّمَاءِ , قِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا رُقِّعَتْ بِالنُّجُومِ , وَهَذَا كُلُّهُ يَدْفَعُ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْكَرْمَانِيّ بِحُكْمِ الْمَلَكِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَفَسَّرَهُ بِجِبْرِيل , لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْزِل بِالْأَحْكَامِ , قَالَ السُّهَيْلِيُّ : ‏ ‏قَوْله : \" مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ \" مَعْنَاهُ أَنَّ الْحُكْمَ نَزَلَ مِنْ فَوْقِ , قَالَ وَمِثْلُهُ قَوْل زَيْنَب بِنْت جَحْش \" زَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ نَبِيِّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ \" أَيْ نَزَلَ تَزْوِيجُهَا مِنْ فَوْقٍ , قَالَ وَلَا يَسْتَحِيلُ وَصْفُهُ تَعَالَى بِالْفَوْقِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَلِيقُ بِجَلَالِهِ لَا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَسْبِقُ إِلَى الْوَهْمِ مِنْ التَّحْدِيدِ الَّذِي يُفْضِي إِلَى التَّشْبِيهِ , وَبَقِيَّة الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي الَّذِي بَعْدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3813",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أُصِيبَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ ‏ ‏حِبَّانُ بْنُ الْعَرِقَةِ وَهُوَ حِبَّانُ بْنُ قَيْسٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ‏ ‏رَمَاهُ فِي ‏ ‏الْأَكْحَلِ ‏ ‏فَضَرَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏وَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ فَأَتَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنْ الْغُبَارِ فَقَالَ قَدْ ‏ ‏وَضَعْتَ السِّلَاحَ وَاللَّهِ مَا وَضَعْتُهُ اخْرُجْ إِلَيْهِمْ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَيْنَ فَأَشَارَ إِلَى ‏ ‏بَنِي قُرَيْظَةَ ‏ ‏فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَى ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ وَأَنْ تُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ فِيكَ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَخْرَجُوهُ اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ حَرْبِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏شَيْءٌ فَأَبْقِنِي لَهُ حَتَّى أُجَاهِدَهُمْ فِيكَ وَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ فَافْجُرْهَا وَاجْعَلْ مَوْتَتِي فِيهَا فَانْفَجَرَتْ مِنْ لَبَّتِهِ فَلَمْ يَرُعْهُمْ وَفِي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي غِفَارٍ ‏ ‏إِلَّا الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ فَإِذَا ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يَغْذُو جُرْحُهُ دَمًا فَمَاتَ مِنْهَا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أُصِيبُ سَعْد ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْمَنَاقِبِ \" سَعْد بْن مُعَاذ \". ‏ ‏قَوْله : ( حِبَّانَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ ‏ ‏( اِبْن الْعَرِقَةِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ قَافٌ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ حِبَّانُ بْنُ قَيْسٍ ) ‏ ‏يَعْنِي أَن الْعَرِقَةَ أُمُّهُ وَهِيَ بِنْتُ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْن سَهْمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ بَنِي مَعِيصٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةُ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ , وَهُوَ حِبَّانُ بْنُ قَيْسٍ وَيُقَال اِبْن أَبِي قَيْسِ بْن عَلْقَمَة بْن عَبْد مَنَافٍ. ‏ ‏قَوْله : ( رَمَاهُ فِي الْأَكْحَلِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُهْمَلَةَ بَيْنهمَا كَافٌ سَاكِنَةٌ وَهُوَ عِرْقٌ فِي وَسَطِ الذِّرَاعِ , قَالَ الْخَلِيل : هُوَ عِرْق الْحَيَاة وَيُقَال إِنْ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ شُعْبَةٌ فَهُوَ فِي الْيَدِ الْأَكْحَلِ وَفِي الظَّهْرِ الْأَبْهَرِ وَفِي الْفَخِذِ النَّسَا إِذَا قُطِعَ لَمْ يَرْقَأْ الدَّمُ. ‏ ‏قَوْله : ( خَيْمَة فِي الْمَسْجِد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانهَا فِي الَّذِي قَبْله ‏ ‏( فَلَمَّا رَجَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْخَنْدَق وَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ فَأَتَاهُ جِبْرِيل ) ‏ ‏هَذَا السِّيَاق يُبَيِّن أَنَّ الْوَاو زَائِدَة فِي الطَّرِيق الَّتِي فِي الْجِهَادِ حَيْثُ وَقَعَ فِيهِ بِلَفْظِ \" لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ \" وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى الْقُرْطُبِيِّ أَنَّ الْفَاءَ زَائِدَةٌ قَالَ : وَكَأَنَّهَا زِيدَتْ كَمَا زِيدَتْ الْوَاوُ فِي جَوَابِ لَمَّا , اِنْتَهَى. وَدَعْوَى زِيَادَةِ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ : \" وَضَعَ \" أَوْلَى مِنْ دَعْوَى زِيَادَةِ الْفَاءِ لِكَثْرَةِ مَجِيءِ الْوَاوِ زَائِدَة , وَوَقَعَ فِي أَوَّل هَذِهِ الْغُزَاةِ \" لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ أَتَاهُ جِبْرِيلِ \" فَمِنْ هُنَا اِدَّعَى الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الْفَاءَ زَائِدَةٌ , وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْن مُحَمَّد عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : \" سَلَّمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ وَنَحْنُ فِي الْبَيْتِ , فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزِعًا , فَقُمْت فِي أَثَرِهِ فَإِذَا بِدِحْيَةَ الْكَلْبِيّ فَقَالَ : هَذَا جِبْرِيلُ \" وَفِي حَدِيثِ عَلْقَمَةَ \" يَأْمُرنِي أَنْ أَذْهَبَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ \" وَذَلِكَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْخَنْدَقِ , قَالَتْ : فَكَأَنِّي بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ الْغُبَارَ عَنْ وَجْهِ جِبْرِيلَ , وَفِي حَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْن وَقَّاصٍ عَنْ عَائِشَةَ عِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ \" فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ وَإِنَّ عَلَى ثَنَايَاهُ لَيَقَعُ الْغُبَارُ , وَفِي مُرْسَلِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عِنْد اِبْن سَعْد \" فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : عَفَا اللَّه عَنْك , وَضَعْت السِّلَاحَ وَلَمْ تَضَعْهُ مَلَائِكَة اللَّه \" وَفِي رِوَايَةِ حَمَّاد بْن سَلَمَةَ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة فِي حَدِيث الْبَاب \" قَالَتْ عَائِشَة : لَقَدْ رَأَيْته مِنْ خَلَلِ الْبَابِ قَدْ عَصَبَ التُّرَابُ رَأْسَهُ \" , وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عِنْدَ اِبْن عَائِذٍ \" فَقَالَ : قُمْ فَشُدَّ عِلِّيّك سِلَاحَك , فَوَاَللَّهِ لَأَدُقَّنَّهُم دَقَّ الْبِيضِ عَلَى الصَّفَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ فَحَاصَرَهُمْ , وَرَوَى اِبْن عَائِذٍ مِنْ مُرْسَلِ قَتَادَةَ قَالَ : \" بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيًا يُنَادِي , فَنَادَى : يَا خَيْلَ اللَّهِ اِرْكَبِي \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيّ \" وَبَعَثَ عَلِيًّا عَلَى الْمُقَدِّمَةِ وَدَفَعَ إِلَيْهِ اللِّوَاءَ , وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَثَرِهِ \" وَعِنْدَ مُوسَى بْن عُقْبَةَ نَحْوُهُ وَزَادَ \" وَحَاصَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً \" وَعِنْدَ اِبْنِ سَعْدٍ \" خَمْسَ عَشْرَةَ \" وَفِي حَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ الْمَذْكُورِ \" خَمْسًا وَعِشْرِينَ \" وَمِثْلَهَا عِنْدَ اِبْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَعْبَدِ بْن كَعْبٍ قَالَ : \" حَاصَرَهُمْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً حَتَّى أَجْهَدَهُمْ الْحِصَارُ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ , فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ رَئِيسُهُمْ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ أَنْ يُؤْمِنُوا , أَوْ يَقْتُلُوا نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَيَخْرُجُوا مُسْتَقْتِلِينَ , أَوْ يَبِيتُوا الْمُسْلِمِينَ لَيْلَةَ السَّبْتِ. فَقَالُوا : لَا نُؤْمِنُ , وَلَا نَسْتَحِلُّ لَيْلَةَ السَّبْتِ , وَأَيُّ عَيْشٍ لَنَا بَعْدَ أَبْنَائِنَا وَنِسَائِنَا ؟ فَأَرْسَلُوا إِلَى أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ وَكَانُوا حُلَفَاءَهُ فَاسْتَشَارُوهُ فِي النُّزُولِ عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ - يَعْنِي الذَّبْحَ - ثُمَّ نَدِمَ , فَتَوَجَّهَ إِلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَارْتَبَطَ بِهِ حَتَّى تَابَ اللَّه عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ , فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَى سَعْدِ ) ‏ ‏كَأَنَّهُمْ أَذْعَنُوا لِلنُّزُولِ عَلَى حُكْمِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا سَأَلَهُ الْأَنْصَارُ فِيهِمْ رَدّ الْحُكْمَ إِلَى سَعْدٍ. وَوَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ اِبْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : \" لَمَّا اِشْتَدَّ بِهِمْ الْحِصَارُ أَذْعَنُوا إِلَى أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَوَاثَبَتْ الْأَوْسُ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّه قَدْ فَعَلْت فِي مَوَالِي الْخَزْرَجِ - أَيْ بَنِي قَيْنُقَاع , مَا عَلِمْت. فَقَالَ : أَلَا تَرْضَوْنَ أَيْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى. قَالَ : فَذَلِكَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ \" وَفِي كَثِيرٍ مِنْ السِّيَرِ أَنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ , وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ سَعْدٌ , وَفِي رِوَايَةِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ الْمَذْكُورَةِ \" فَلَمَّا اِشْتَدَّ بِهِمْ الْبَلَاءُ قِيلَ لَهُمْ اِنْزِلُوا عَلَى حُكْم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا اِسْتَشَارُوا أَبَا لُبَابَةَ قَالَ نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ \" وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ اِبْن عَائِذ , فَحَصَلَ فِي سَبَبِ رَدِّ الْحُكْمِ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : سُؤَالُ الْأَوْسِ , وَالْآخَرُ : إِشَارَةُ أَبِي لُبَابَةَ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ إِثْرَ تَوَقُّفِهِمْ , ثُمَّ لَمَّا اِشْتَدَّ الْأَمْرُ بِهِمْ فِي الْحِصَارِ عَرَفُوا سُؤَالَ الْأَوْسِ فَأَذْعَنُوا إِلَى النُّزُولِ عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَأَيْقَنُوا بِأَنَّهُ يَرُدُّ الْحُكْمَ إِلَى سَعْدٍ. وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْن مُسْهِر عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة عِنْد مُسْلِم \" فَرَدَّ الْحُكْم فِيهِمْ إِلَى سَعْد وَكَانُوا حُلَفَاءَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنِّي أَحْكُم فِيهِمْ ) ‏ ‏أَيْ فِي هَذَا الْأَمْر , وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ \" وَإِنِّي أَحْكُم فِيهِمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تَقْتُلَ الْمُقَاتِلَةَ ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ بَيَانُ ذَلِكَ , وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُمْ حُبِسُوا فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدً , وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمْ جُعِلُوا فِي بَيْتَيْنِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر عِنْد اِبْن عَائِذ التَّصْرِيح بِأَنَّهُمْ جُعِلُوا فِي بَيْتَيْنِ , قَالَ اِبْن إِسْحَاق : فَخَنْدَقُوا لَهُمْ خَنَادِقَ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ فَجَرَى الدَّم فِي الْخَنَادِق , وَقَسَمَ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , وَأَسْهَمَ لِلْخَيْلِ فَكَانَ أَوَّلَ يَوْمٍ وَقَعَتْ فِيهِ السَّهْمَانِ لَهَا. وَعِنْدَ اِبْنِ سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ \" أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ حَكَمَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ دَارهمْ لِلْمُهَاجِرَيْنِ دُون الْأَنْصَار , فَلَامَهُ فَقَالَ : إِنِّي أَحْبَبْت أَنْ تَسْتَغْنُوا عَنْ دُورِهِمْ \" وَاخْتَلَفَ فِي عُدَّتِهِمْ : فَعِنْدَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُمْ كَانُوا سِتَّمِائَة وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَمْرو فِي تَرْجَمَةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ , وَعِنْد اِبْن عَائِذٍ مِنْ مُرْسَلِ قَتَادَةَ \" كَانُوا سَبْعَمِائَةٍ \" وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : الْمُكْثِرُ يَقُولُ إِنَّهُمْ مَا بَيْنَ الثَّمَانمِائَة إِلَى التِّسْعِمِائَة. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْن حِبَّانَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعمِائَة مُقَاتِلٍ , فَيُحْتَمَلُ فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْبَاقِينَ كَانُوا أَتْبَاعًا , وَقَدْ حَكَى أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّهُ قِيلَ : إِنَّهُمْ كَانُوا تِسْعَمِائَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ هِشَام فَأَخْبَرَنِي أَبِي ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ هِشَامٍ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ , وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ هِشَام عِنْد مُسْلِم قَالَ : \" قَالَ سَعْد وَتَحَجَّرَ كَلِمُهُ لِلْبُرْءِ : اللَّهُمَّ إِنَّك تَعْلَمُ إِلَخْ \" أَيْ أَنَّهُ دَعَا بِذَلِكَ لَمَّا كَادَ جُرْحُهُ أَنْ يَبْرَأَ , وَمَعْنَى تَحَجَّرَ أَيْ يَبِسَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّك قَدْ وَضَعْت الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ) ‏ ‏قَالَ بَعْض الشُّرَّاحِ : وَلَمْ يُصِبْ فِي هَذَا الظَّنِّ لِمَا وَقَعَ مِنْ الْحُرُوبِ فِي الْغَزَوَاتِ بَعْدَ ذَلِكَ , قَالَ فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ دَعَا بِذَلِكَ فَلَمْ تَقَع الْإِجَابَة وَادَّخَرَ لَهُ مَا هُوَ أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيث الْآخَر فِي دُعَاء الْمُؤْمِن , أَوْ أَنَّ سَعْدًا أَرَادَ بِوَضْعِ الْحَرْب أَيْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَة الْخَاصَّة لَا فِيمَا بَعْدهَا. وَذَكَرَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّ الضَّمِيرَ لِقُرَيْظَةِ , قَالَ اِبْن التِّين : وَهُوَ بِعِيد جِدًّا لِنَصِّهِ عَلَى قُرَيْشٍ. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ , وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ ظَنَّ سَعْدٍ كَانَ مُصِيبًا. وَأَنَّ دُعَاءَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ كَانَ مُجَابًا , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقَع بَيْن الْمُسْلِمِينَ وَبَيْن قُرَيْش مِنْ بَعْد وَقْعَةِ الْخَنْدَقِ حَرْبٌ يَكُونُ اِبْتِدَاء الْقَصْد فِيهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَجَهَّزَ إِلَى الْعُمْرَةِ فَصَدُّوهُ عَنْ دُخُولِ مَكَّةَ وَكَادَ الْحَرْبُ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يَقَع كَمَا قَالَ تَعَالَى ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّة مِنْ بَعْد أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ) ثُمَّ وَقَعَتْ الْهُدْنَةُ وَاعْتَمَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَابِلٍ , وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى أَنْ نَقَضُوا الْعَهْدَ , فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ غَازِيًا فَفُتِحَتْ مَكَّةُ. فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : \" أَظُنُّ أَنَّك وَضَعْت الْحَرْبَ \" أَيْ أَنْ يَقْصِدُونَا مُحَارَبِينَ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيث الْمَاضِي قَرِيبًا فِي أَوَاخِر غَزْوَة الْخَنْدَق \" إِلَّا أَنْ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا \" ‏ ‏قَوْله : ( فَأَبْقِنِي لَهُ ) ‏ ‏أَيْ لِلْحَرْبِ , فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَأَبْقِنِي لَهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَافْجُرْهَا ) ‏ ‏أَيْ الْجِرَاحَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْفَجَرَتْ مِنْ لَبَتِّهِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ هِيَ مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ مِنْ الصَّدْرِ , وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمِ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ لَيْلَتِهِ \" وَهُوَ تَصْحِيف. فَقَدْ رَوَاهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ هِشَام فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ \" فَإِذَا لَبَتُّهُ قَدْ اِنْفَجَرَتْ مِنْ كَلِمِهِ \" أَيْ مِنْ جُرْحِهِ , أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ. وَكَانَ مَوْضِعُ الْجُرْحِ وَرِمَ حَتَّى اِتَّصَلَ الْوَرَمُ إِلَى صَدْرِهِ فَانْفَجَرَ مِنْ ثَمَّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْفَجَرَتْ ) بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ فِي مُرْسَلِ حُمَيْدِ بْن هِلَال عِنْدَ اِبْنَ سَعْد وَلَفْظه \" أَنَّهُ مَرَّتْ بِهِ عَنْزٌ وَهُوَ مُضْطَجِع فَأَصَابَ ظِلْفُهَا مَوْضِعَ الْجُرْحِ فَانْفَجَرَ حَتَّى مَاتَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَرْعَهُمْ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ أَهْلُ الْمَسْجِد , أَيْ لَمْ يَفْزَعهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَفِي الْمَسْجِد خَيْمَة ) ‏ ‏هِيَ جُمْلَة حَالِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( خَيْمَة مِنْ بَنِي غِفَار ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّ اِبْن إِسْحَاق ذَكَرَ أَنَّ الْخَيْمَةَ كَانَتْ لِرَفِيدَةِ الْأَسْلَمِيَّةَ , فَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون كَانَ لَهَا زَوْج مِنْ بَنِي غِفَار. ‏ ‏قَوْله : ( يَغْذُو ) ‏ ‏بِغَيْنٍ وَذَالٍ مُعْجَمَتَيْنِ أَيْ يَسِيلُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَاتَ مِنْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي آخِرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ \" فَإِذَا الدَّمُ لَهُ هَدِيرٌ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ \" فَانْفَجَرَ كَلِمُهُ وَكَانَ قَدْ بَرِئَ إِلَّا مِثْلَ الْخُرْصِ \" وَهُوَ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ مُهْمَلَة , وَهُوَ مِنْ حُلِيِّ الْأُذُنِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَة بْن سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْن عُرْوَةَ \" فَمَا زَالَ الدَّمُ يَسِيلُ حَتَّى مَاتَ \". قَالَ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ الشَّاعِرُ : ‏ ‏أَلَا يَا سَعْدَ سَعْدَ بَنِي مُعَاذ ‏ ‏لِمَا فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ ‏ ‏لَعُمْرك إِنَّ سَعْد بَنِي مُعَاذ ‏ ‏غَدَاة تَحَمَّلُوا لَهُمْ الصَّبُور ‏ ‏تَرَكْتُمْ قِدَرَكُمْ لَا شَيْءَ فِيهَا ‏ ‏وَقِدَرَ الْقَوْمِ حَامِيَة تَفُور ‏ ‏وَقَدْ قَالَ الْكَرِيم أَبُو حُبَاثٍ ‏ ‏أُقِيمُوا قَيْنُقَاعَ وَلَا تَسِيرُوا ‏ ‏وَقَدْ كَانُوا بِبَلْدَتِهِمْ ثِفَالًا ‏ ‏كَمَا ثَفَلَتْ بِمِيطَانِ الصُّخُور ‏ ‏وَقَوْله : \" أَبُو حُبَاثٍ \" بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَة وَآخِرُهَا مُثَلَّثَة هُوَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي رَئِيس الْخَزْرَج , وَكَانَ شَفَعَ فِي بَنِي قَيْنُقَاع فَوَهَبَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ وَكَانُوا حُلَفَاءَهُ , وَكَانَتْ قُرَيْظَة حُلَفَاء سَعْد بْن مُعَاذ فَحَكَمَ بِقَتْلِهِمْ فَقَالَ هَذَا الشَّاعِر يُوَبِّخُهُ بِذَلِكَ. وَقَوْله : \" تَرَكْتُمْ قِدَرَكُمْ \" أَرَادَ بِهِ ضَرْبَ الْمَثَل , وَمِيطَان مَوْضِع فِي بِلَاد مُزَيْنَةَ مِنْ الْحِجَازِ كَثِير الْأَوْعَار , وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا فِي بِلَادِهِمْ رَاسِخِينَ مِنْ كَثْرَةِ مَا لَهُمْ مِنْ الْقُوَّةِ وَالنَّجْدَةِ وَالْمَالِ , كَمَا رَسَخَتْ الصُّخُورُ بِتِلْكَ الْبَلْدَةِ. وَذَكَرَ اِبْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ لِجَبَلِ بْن جَوَّال الثَّعْلَبِيّ وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَالْمُوَحَّدَة وَأَبُوهُ بِالْجِيمِ وَتَشْدِيد الْوَاو وَالثَّعْلَبِيّ بِمُثَلَّثَةِ وَمُهْمَلَة ثُمَّ مُوَحَّدَة , وَوَقَعَ عِنْدَهُ بَدَل قَوْله : \" وَقَدْ قَالَ الْكَرِيم \" الْبَيْت : وَأَمَّا الْخَزْرَجِيّ أَبُو حُبَاثٍ فَقَالَ لِقَيْنُقَاع لَا تَسِيرُوا وَزَادَ فِيهَا أَبْيَاتًا مِنْهَا : ‏ ‏أقِيمُوا يَا سَرَاة الْأَوْسِ فِيهَا ‏ ‏كَأَنَّكُمْ مِنْ الْمَخْزَاة غُورُ ‏ ‏وَأَرَادَ بِذَلِكَ تَوْبِيخَ سَعْد بْن مُعَاذ لِأَنَّهُ رَئِيس الْأَوْس , وَكَانَ جَبَلُ بْنُ جَوَّالٍ حِينَئِذٍ كَافِرًا. وَلَعَلَّ قَصِيدَةَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ جَوَابًا لِجَبَلٍ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق لِحَسَّانِ بْن ثَابِت قَصِيدَة عَلَى هَذَا الْوَزْن وَالْقَافِيَة يَقُول فِيهَا : ‏ ‏تَفَاقَدَ مَعْشَر نَصَرُوا قُرَيْشًا ‏ ‏وَلَيْسَ لَهُمْ بِبَلْدَتِهِمْ نَصِير ‏ ‏وَهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيَّعُوهُ ‏ ‏فَهُمْ عُمْيٌ عَنْ التَّوْرَاةِ بُورٌ ‏ ‏وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ قَصِيدَتِهِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَعْضُهَا فِي غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ , وَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث عَنْهَا. وَفِي قِصَّةِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ الْفَوَائِدِ وَخَبَر سَعْد بْن مُعَاذ جَوَاز تَمَنِّي الشَّهَادَة , وَهُوَ مَخْصُوص مِنْ عُمُوم النَّهْي عَنْ تَمَنِّي الْمَوْت. وَفِيهَا تَحْكِيم الْأَفْضَل مَنْ هُوَ مَفْضُول. وَفِيهَا جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهِيَ خِلَافِيَّة فِي أُصُول الْفِقْه , وَالْمُخْتَار الْجَوَاز سَوَاء كَانَ بِحُضُورِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ لَا , وَإِنَّمَا اُسْتُبْعِدَ الْمَانِعُ وُقُوع الِاعْتِمَاد عَلَى الظَّنّ مَعَ إِمْكَان الْقَطْع , وَلَا يَضُرّ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ بِالتَّقْرِيرِ يَصِير قَطْعِيًّا , وَقَدْ ثَبَتَ وُقُوع ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي هَذِهِ الْقِصَّة وَقِصَّة أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي قَتِيل أَبِي قَتَادَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ وَغَيْر ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي مَزِيد لَهُ فِي كِتَاب الِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3814",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَدِيٌّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِحَسَّانَ ‏ ‏اهْجُهُمْ أَوْ ‏ ‏هَاجِهِمْ ‏ ‏وَجِبْرِيلُ ‏ ‏مَعَكَ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏قُرَيْظَةَ ‏ ‏لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏اهْجُ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏مَعَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَدِيٌّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن ثَابِت. ‏ ‏قَوْله : ( اُهْجُهُمْ أَوْ هَاجِهِمْ ) ‏ ‏بِالشَّكِّ , وَالثَّانِي أَخَصُّ مِنْ الْأَوَّلِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ ) ‏ ‏وَصَلَه النَّسَائِيُّ وَإِسْنَاده عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ , وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ الشَّيْبَانِيُّ وَاسْمه سُلَيْمَان , وَزِيَادَته فِي هَذَا الْحَدِيث مُعَيَّنَة أَنَّ الْأَمْر لَهُ بِذَلِكَ وَقَعَ يَوْم قُرَيْظَة , وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عِنْد اِبْن مَرْدُوَيهِ \" لَمَّا كَانَ يَوْم الْأَحْزَاب وَرَدَّهُمْ اللَّهُ بِغَيْظِهِمْ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يَحْمِي أَعْرَاض الْمُسْلِمِينَ ؟ فَقَامَ كَعْب وَابْن رَوَاحَة وَحَسَّان , فَقَالَ لِحَسَّانَ : اُهْجُهُمْ أَنْتَ فَإِنَّهُ سَيُعِينُك عَلَيْهِمْ رُوحُ الْقُدْسِ \" فَهَذَا يُؤَيِّد زِيَادَة الشَّيْبَانِيِّ الْمَذْكُورَة , فَإِنَّ يَوْم بَنِي قُرَيْظَةَ مُسَبَّب عَنْ يَوْم الْأَحْزَاب وَاَللَّه أَعْلَم. وَلَا مَانِع أَنْ يَتَعَدَّد وُقُوع الْأَمْر لَهُ بِذَلِكَ. وَأَوْرَدَ اِبْن إِسْحَاق لِحَسَّانَ فِي شَأْن بَنِي قُرَيْظَة عِدَّة قَصَائِد وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله. ‏"
    },
    {
        "id": "3815",
        "content": "‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ الْقَطَّانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْخَوْفِ فِي غَزْوَةِ السَّابِعَةِ ‏ ‏غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْخَوْفَ ‏ ‏بِذِي قَرَدٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏زِيَادُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏حَدَّثَهُمْ صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهِمْ يَوْمَ ‏ ‏مُحَارِبٍ ‏ ‏وَثَعْلَبَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ فَلَقِيَ جَمْعًا مِنْ ‏ ‏غَطَفَانَ ‏ ‏فَلَمْ يَكُنْ قِتَالٌ وَأَخَافَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَصَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَكْعَتَيْ الْخَوْفِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْقَرَدِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لِي عَبْد اللَّه بْن رَجَاء ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ \" قَالَ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء \" لَيْسَ فِيهِ \" لِي \" وَعَبْد اللَّه بْن رَجَاء هَذَا هُوَ الْغُدَانِيّ الْبِصْرَيْ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ الْبُخَارِيّ , وَأَمَّا عَبْد اللَّه بْن رَجَاء الْمَكِّيّ فَلَمْ يُدْرِكهُ. وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو الْعَبَّاس السَّرَّاج فِي مُسْنَدِهِ الْمُبَوَّب فَقَالَ : \" حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن هَاشِم حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن رَجَاء \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ ) ‏ ‏هُوَ بَصْرِيٌّ لَمْ يُخْرِج لَهُ الْبُخَارِيُّ إِلَّا اِسْتِشْهَادًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْخَوْف ) ‏ ‏زَادَ السَّرَّاجُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ , صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ ذَهَبُوا ثُمَّ جَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ. وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِيرٍ بِسَنَدِهِ , وَهَذَا بِزِيَادَةٍ فِيهِ , وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ. وَلِجَابِرٍ حَدِيثٌ آخَرُ فِيهِ ذِكْرُ صَلَاةِ الْخَوْفِ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى , وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( فِي غَزْوَةِ السَّابِعَةِ ) ‏ ‏هِيَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ عَلَى رَأْيٍ , أَوْ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ غَزْوَةُ السَّفْرَةِ السَّابِعَةِ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَغَيْره غَزْوَة السَّنَة السَّابِعَة أَيْ مِنْ الْهِجْرَة. قُلْت : وَفِي هَذَا التَّقْدِير نَظَر , إِذْ لَوْ كَانَ مُرَادًا لَكَانَ هَذَا نَصًّا فِي أَنَّ غَزْوَة ذَات الرِّقَاع تَأَخَّرَتْ بَعْد خَيْبَر , وَلَمْ يَحْتَجَّ الْمُصَنِّف إِلَى تَكَلُّفِ الِاسْتِدْلَال لِذَلِكَ بِقِصَّةِ أَبِي مُوسَى وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي الْبَاب. نَعَمْ فِي التَّنْصِيص عَلَى أَنَّهَا سَابِع غَزْوَة مِنْ غَزَوَات النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْيِيد لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ مِنْ أَنَّهَا بَعْد خَيْبَرَ , فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُرَاد الْغَزَوَات الَّتِي خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ يُقَاتِل فَإِنَّ السَّابِعَةَ مِنْهَا تَقَع قَبْل أُحُد , وَلَمْ يَذْهَب أَحَدٌ إِلَى أَنَّ ذَات الرِّقَاع قَبْل أُحُدٍ إِلَّا مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرَدُّدِ مُوسَى بْن عُقْبَة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ صَلَاة الْخَوْف مُتَأَخِّرَة عَنْ غَزْوَة الْخَنْدَق , فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُون ذَات الرِّقَاع بَعْد بَنِي قُرَيْظَة فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ الْغَزَوَات الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْقِتَال , وَالْأُولَى مِنْهَا بَدْر وَالثَّانِيَة أُحُدٌ وَالثَّالِثَة الْخَنْدَقُ وَالرَّابِعَةُ قُرَيْظَةُ وَالْخَامِسَةُ الْمُرَيْسِيعُ وَالسَّادِسَةُ خَيْبَرُ , فَيَلْزَم مِنْ هَذَا أَنْ تَكُون ذَات الرِّقَاع بَعْد خَيْبَر لِلتَّنْصِيصِ عَلَى أَنَّهَا السَّابِعَة , فَالْمُرَاد تَارِيخ الْوَقْعَة لَا عَدَد الْمَغَازِي , وَهَذِهِ الْعِبَارَة أَقْرَب إِلَى إِرَادَةِ السَّنَةِ مِنْ الْعِبَارَةِ الَّتِي وَقَعَتْ عِنْد أَحْمَدَ بِلَفْظِ \" وَكَانَتْ صَلَاة الْخَوْف فِي السَّابِعَة \" فَإِنَّهُ يَصِحّ أَنْ يَكُون التَّقْدِير فِي الْغَزْوَة السَّابِعَة كَمَا يَصِحّ فِي غَزْوَة السَّنَة السَّابِعَةِ. ‏ ‏قَوْلِهِ : ( وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي صَلَاة الْخَوْفِ - بِذِي قَرَدٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ هُوَ مَوْضِع عَلَى نَحْو يَوْمِ مِنْ الْمَدِينَة مِمَّا يَلِي بِلَاد غَطَفَانَ , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس هَذَا وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن أَبِي الْجَهْم عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِذِي قَرَدٍ صَلَاة الْخَوْف مِثْل صَلَاة حُذَيْفَةَ \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَإِسْحَاق مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" فَصَفّ النَّاسَ خَلْفه صَفَّيْنِ : صَفّ مُوَازِي الْعَدُوّ وَصَفّ خَلْفه. فَصَلَّى بِاَلَّذِي يَلِيه رَكْعَة ثُمَّ ذَهَبُوا إِلَى مَصَافّ الْآخَرِينَ , وَجَاءَ الْآخَرُونَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَة أُخْرَى \" اِنْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي \" بَاب صَلَاة الْخَوْف \" مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بِهِ نَحْو هَذَا , لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ \" بِذِي قَرَدٍ \" وَزَادَ فِيهِ \" وَالنَّاس كُلُّهُمْ فِي صَلَاةِ , وَلَكِنْ يَحْرُس بَعْضهمْ بَعْضًا \" وَحَمَلَهُ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْعَدُوّ كَانُوا فِي جِهَة الْقِبْلَة كَمَا سَيَأْتِي بَعْد قَلِيل. وَهَذِهِ الصِّفَة تُخَالِف الصِّفَةَ الَّتِي وَصَفَهَا جَابِر , فَيَظْهَر أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ , لَكِنَّ الْبُخَارِيّ أَرَادَ مِنْ إِيرَاد حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَحَدِيث سَلَمَةَ بْن الْأَكْوَع الْمُوَافِق لَهُ فِي تَسْمِيَته الْغَزْوَة الْإِشَارَة أَيْضًا إِلَى أَنَّ غَزْوَة ذَات الرِّقَاع كَانَتْ بَعْد خَيْبَر , لِأَنَّ فِي حَدِيث سَلَمَة التَّنْصِيص عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ بَعْد الْحُدَيْبِيَة , وَخَيْبَر كَانَتْ قُرْب الْحُدَيْبِيَةِ , لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ اِخْتِلَاف السَّبَب وَالْقَصْد , فَإِنَّ سَبَب غَزْوَة ذَات الرِّقَاع مَا قِيلَ لَهُمْ إِنَّ مُحَارِب يَجْمَعُونَ لَهُمْ فَخَرَجُوا إِلَيْهِمْ إِلَى بِلَاد غَطَفَانَ , وَسَبَب غَزْوَة الْقَرَدِ إِغَارَة عَبْد الرَّحْمَن بْن عُيَيْنَةَ عَلَى لِقَاحِ الْمَدِينَةِ فَخَرَجُوا فِي آثَارِهِمْ , وَدَلَّ حَدِيث سَلَمَة عَلَى أَنَّهُ بَعْد أَنْ هَزَمَهُمْ وَحْدَهُ وَاسْتَنْقَذَ اللِّقَاحَ مِنْهُمْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُصَلُّوا فِي تِلْكَ الْخُرْجَةِ إِلَى بِلَادِ غَطَفَانَ فَافْتَرَقَا , وَأَمَّا الِاخْتِلَاف فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ بِمُجَرَّدِهِ فَلَا يَدُلّ عَلَى التَّغَايُر لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون وَقَعَتْ فِي الْغَزْوَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى كَيْفِيَّتَيْنِ فِي صَلَاتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ بَلْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ بَكْر بْن سَوَادَةَ : حَدَّثَنِي زِيَاد بْن نَافِع عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ جَابِرًا حَدَّثَهُمْ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم مُحَارِب وَثَعْلَبَة ) ‏ ‏أَمَّا بَكْر بْن سَوَادَةَ فَهُوَ الْجُذَامِيّ الْمِصْرِيّ يُكَنَّى أَبَا ثُمَامَةَ , وَكَانَ أَحَد الْفُقَهَاءِ بِمِصْرَ , وَأَرْسَلَهُ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز إِلَى أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ لِيُفَقِّهَهُمْ فَمَاتَ بِهَا سَنَة ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَة. وَثَّقَهُ اِبْن مَعِين وَالنَّسَائِيُّ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع الْمُعَلَّق , وَقَدْ وَصَلَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقه بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَأَمَّا زِيَاد بْن نَافِع فَهُوَ التَّجِيبِيّ الْمِصْرِيّ تَابِعِيّ صَغِير , وَلَيْسَ لَهُ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع , وَأَمَّا أَبُو مُوسَى فَيُقَال إِنَّهُ عَلِيّ بْن رَبَاح , وَهُوَ تَابِعِيّ مَعْرُوف أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِم , وَيُقَال هُوَ الْغَافِقِيّ وَاسْمه مَالِك بْن عُبَادَةَ وَهُوَ صَحَابِيّ مَعْرُوف أَيْضًا وَيُقَال أَنَّهُ مِصْرِيّ لَا يُعْرَف اِسْمه , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ أَيْضًا إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع. وَقَوْله : \" يَوْم مُحَارِب وَثَعْلَبَة \" يُؤَيِّد مَا وَقَعَ مِنْ الْوَهْم فِي أَوَّلِ التَّرْجَمَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق سَمِعْت وَهْبَ بْن كَيْسَانَ سَمِعْت جَابِرًا قَالَ : خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ فَلَقِيَ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ إِلَخْ ) ‏ ‏لَمْ أَرَ هَذَا الَّذِي سَاقَهُ عَنْ اِبْن إِسْحَاق هَكَذَا فِي شَيْء مِنْ كُتُبِ الْمَغَازِي وَلَا غَيْرِهَا , وَاَلَّذِي فِي السِّيَرِ تَهْذِيب اِبْن هِشَام \" قَالَ اِبْن إِسْحَاق حَدَّثَنِي وَهْب بْن كَيْسَانَ عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : خَرَجْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ نَخْل عَلَى جَمَلٍ لِي صَعْبٍ \" فَسَاقَ قِصَّة الْجَمَلِ. وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ اِبْن إِسْحَاق , وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق قَبْل ذَلِكَ \" وَغَزَا نَجْدًا يُرِيد بَنِي مُحَارِب وَبَنِي ثَعْلَبَة مِنْ غَطَفَانَ حَتَّى نَزَلَ نَخْلًا وَهِيَ غَزْوَة ذَات الرِّقَاعِ فَلَقِيَ بِهَا جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ , فَتَقَارَبَ النَّاس وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ , وَقَدْ أَخَاف النَّاس بَعْضهمْ بَعْضًا , حَتَّى صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ صَلَاة الْخَوْف ثُمَّ اِنْصَرَفَ النَّاس \" وَهَذَا الْقَدْر هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ تَعْلِيقًا مُدْرَجًا بِطَرِيقِ وَهْبِ بْن كَيْسَانَ عَنْ جَابِر , وَلَيْسَ هُوَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق عَنْ وَهْب كَمَا أَوْضَحْته إِلَّا أَنْ يَكُون الْبُخَارِيّ اِطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَمْ نَقِف عَلَيْهِ , أَوْ فِي النُّسْخَةِ تَقْدِيم وَتَأْخِير فَظَنَّهُ مَوْصُولًا بِالْخَبَرِ الْمُسْنَدِ , فَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَنَخْلٌ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة كَمَا تَقَدَّمَ : مَوْضِع مِنْ نَجْد مِنْ أَرَاضِي غَطَفَانَ , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة الْبَكْرِيّ : لَا يُصْرَف وَغَفَلَ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمُرَاد نَخْل بِالْمَدِينَةِ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْحَضَرِ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. وَصَلَاة الْخَوْف فِي الْحَضَرِ قَالَ بِهَا الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ إِذَا حَصَلَ الْخَوْف , وَعَنْ مَالِك تَخْتَصّ بِالسَّفَرِ , وَالْحُجَّة لِلْجُمْهُورِ قَوْله تَعَالَى : ( وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاةَ ) فَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ يَزِيد عَنْ سَلَمَة : غَزَوْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْقَرَدِ ) ‏ ‏أَمَّا يَزِيد فَهُوَ اِبْن أَبِي عُبَيْد , وَأَمَّا سَلَمَة فَهُوَ اِبْن الْأَكْوَعِ , وَسَيَأْتِي حَدِيثه هَذَا مَوْصُولًا قَبْلَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ , وَتَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّف \" غَزْوَةَ ذِي قَرَدٍ وَهِيَ الْغَزْوَةُ الَّتِي أَغَارُوا فِيهَا عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ثُمَّ سَاقَهُ مُطَوَّلًا , وَلَيْسَ فِيهِ لِصَلَاةِ الْخَوْفِ ذِكْرٌ , وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ أَجْل حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور قَبْلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاة الْخَوْف بِذِي قَرَدٍ , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذِكْرِ ذِي قَرَدٍ فِي الْحَدِيثَيْنِ أَنْ تَتَّحِد الْقِصَّة , كَمَا لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْخَوْفَ فِي مَكَانٍ أَنْ لَا يَكُون صَلَّاهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الَّذِي لَا نَشُكّ فِيهِ أَنَّ غَزْوَةَ ذِي قَرَد كَانَتْ بَعْد الْحُدَيْبِيَة وَخَيْبَرَ , وَحَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع مُصَرِّح بِذَلِكَ , وَأَمَّا غَزْوَة ذَات الرِّقَاع فَمُخْتَلَف فِيهَا , فَظَهَرَ تَغَايُر الْقِصَّتَيْنِ كَمَا حَرَّرْته وَاضِحًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3816",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي غَزْوَةٍ وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ ‏ ‏فَنَقِبَتْ ‏ ‏أَقْدَامُنَا ‏ ‏وَنَقِبَتْ ‏ ‏قَدَمَايَ وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي وَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ فَسُمِّيَتْ ‏ ‏غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ ‏ ‏لِمَا كُنَّا نَعْصِبُ مِنْ الْخِرَقِ عَلَى أَرْجُلِنَا وَحَدَّثَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏بِهَذَا ثُمَّ كَرِهَ ذَاكَ قَالَ مَا كُنْتُ أَصْنَعُ بِأَنْ أَذْكُرَهُ كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِ أَفْشَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ الْأَشْعَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ وَنَحْنُ فِي سِتَّةِ نَفَرٍ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى أَسْمَائِهِمْ وَأَظُنُّهُمْ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ ) ‏ ‏أَيْ نَرْكَبُهُ عُقْبَةً عُقْبَةً , وَهُوَ أَنْ يَرْكَبَ هَذَا قَلِيلًا ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَرْكَبَ الْآخَرُ بِالنَّوْبَةِ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى سَائِرِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَة أَيْ رَقَّتْ , يُقَال نَقِبَ الْبَعِيرُ إِذَا رَقَّ خُفُّهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لِمَا كُنَّا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ أَجْلِ مَا فَعَلْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( نَعْصِبُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَ أَبُو مُوسَى بِهَذَا ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ , وَهُوَ مَقُولِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى. ‏ ‏قَوْله : ( كَرِهَ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ لَمَّا خَافَ مِنْ تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْء مِنْ عَمَله أَفْشَاهُ ) ‏ ‏وَذَكَرَ أَنَّ كِتْمَانَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ أَفْضَلُ مِنْ إِظْهَارِهِ , إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ كَمَنْ يَكُونُ مِمَّنْ يَقْتَدِي بِهِ وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةٍ مُنْقَطِعَةٍ قَالَ : وَاَللَّهِ يَجْزِي بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3817",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ ‏ ‏عَمَّنْ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ ‏ ‏صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا ‏ ‏وِجَاهَ ‏ ‏الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِنَخْلٍ ‏ ‏فَذَكَرَ صَلَاةَ الْخَوْفِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَالِح بْن خَوَّاتٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَآخِرِهِ مُثَنَّاة أَيْ اِبْن جُبَيْرِ بْن النُّعْمَان الْأَنْصَارِيّ , وَصَالِح تَابِعِيّ ثِقَة لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَأَبُوهُ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرَد , وَهُوَ صَحَابِيّ جَلِيل أَوَّل مَشَاهِده أُحُدٌ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَة أَرْبَعِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَمَّنْ شَهِدَ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم ذَات الرِّقَاع صَلَاة الْخَوْف ) ‏ ‏قِيلَ إِنَّ اِسْم هَذَا الْمُبْهَم سَهْل اِبْن أَبِي حَثْمَة , لِأَنَّ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد رَوَى حَدِيث صَلَاة الْخَوْف عَنْ صَالِح بْن خَوَّاتٍ عَنْ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَةَ , وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيّ , وَلَكِنَّ الرَّاجِح أَنَّهُ أَبُوهُ خَوَّات بْن جُبَيْر , لِأَنَّ أَبَا أُوَيْس رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ يَزِيد بْن رُومَان شَيْخ مَالِك فِيهِ فَقَالَ \" عَنْ صَالِح بْن خَوَّاتٍ عَنْ أَبِيهِ \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَه فِي \" مَعْرِفَة الصَّحَابَةِ \" مِنْ طَرِيقه , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّهِ بْن عُمَر عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ صَالِح بْن خَوَّاتٍ عَنْ أَبِيهِ , وَجَزَمَ النَّوَوِيّ فِي تَهْذِيبِهِ بِأَنَّهُ خَوَّات بْن جُبَيْر وَقَالَ : أَنَّهُ مُحَقَّق مِنْ رِوَايَة مُسْلِم وَغَيْره. قُلْت : وَسَبَقَهُ لِذَلِكَ الْغَزَّالِيّ فَقَالَ : إِنَّ صَلَاة ذَات الرِّقَاع فِي رِوَايَةِ خَوَّات بْن جُبَيْر. وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي شَرْح الْوَجِيز اُشْتُهِرَ هَذَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ , وَالْمَنْقُول فِي كُتُب الْحَدِيث رِوَايَة صَالِح بْن خَوَّات عَنْ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة وَعَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَلَعَلَّ الْمُبْهَم هُوَ خَوَّات وَالِد صَالِح. قُلْت : وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَى رِوَايَة خَوَّات الَّتِي ذَكَرْتهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. وَيُحْتَمَل أَنَّ صَالِحًا سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ وَمِنْ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة فَلِذَلِكَ يُبْهِمهُ تَارَة وَيُعَيِّنُهُ أُخْرَى , إِلَّا أَنَّ تَعْيِينَ كَوْنِهَا كَانَتْ ذَات الرِّقَاع إِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِيهِ وَلَيْسَ فِي رِوَايَة صَالِح عَنْ سَهْل أَنَّهُ صَلَّاهَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَنْفَعُ هَذَا فِيمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا مِنْ اِسْتِبْعَادُ أَنْ يَكُونَ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة كَانَ فِي سِنِّ مَنْ يَخْرُج فِي تِلْكَ الْغُزَاةِ , فَإِنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَرْوِيَهَا فَتَكُون رِوَايَته إِيَّاهَا مُرْسَل صَحَابِيّ , فَبِهَذَا يَقْوَى تَفْسِير الَّذِي صَلَّى مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَوَّاتٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ طَائِفَة صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَة وِجَاهَ الْعَدُوِّ ) ‏ ‏وِجَاهَ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَبِضَمِّهَا أَيْ مُقَابِلَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَلَّى بِاَلَّتِي مَعَهُ رَكْعَة ثُمَّ ثَبَتَ وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ) ‏ ‏هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ تُخَالِف الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَنْ جَابِرٍ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ , وَتُوَافِق الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ , لَكِنْ تُخَالِفهَا فِي كَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَتَ قَائِمًا حَتَّى أَتَمَّتْ الطَّائِفَة لِأَنْفُسِهَا رَكْعَة أُخْرَى , وَفِي أَنَّ الْجَمِيعَ اِسْتَمَرُّوا فِي الصَّلَاةِ حَتَّى سَلَّمُوا بِسَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُعَاذ حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَعِنْد النَّسَفِيّ \" وَقَالَ مُعَاذ بْن هِشَام حَدَّثَنَا هِشَام \" وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى أَبِي نُعَيْم وَمَنْ تَبِعَهُ فِي الْجَزْم بِأَنَّ مُعَاذًا هَذَا هُوَ اِبْن فَضَالَة شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَمُعَاذ بْن هِشَام ثِقَة صَاحِب غَرَائِب , وَقَدْ تَابَعَهُ اِبْن عُلَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ هِشَام وَهُوَ الدَّسْتُوَائِيّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيره , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِي الزُّبَيْر , وَلِمُعَاذِ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ فِيهِ إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ بُنْدَار عَنْ مُعَاذ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُلَيْمَان الْيَشْكُرِيّ عَنْ جَابِر , وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنْ الِاخْتِلَافِ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَخْلٍ فَذَكَرَ صَلَاةَ الْخَوْفِ ) ‏ ‏أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مُعَلَّقًا لِأَنَّ غَرَضَهُ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ رِوَايَات جَابِر مُتَّفِقَة عَلَى أَنَّ الْغَزْوَة الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا صَلَاة الْخَوْف هِيَ غَزْوَة ذَات الرِّقَاع , لَكِنْ فِيهِ نَظَر لِأَنَّ سِيَاق رِوَايَة هِشَام عَنْ أَبِي الزُّبَيْر هَذِهِ تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ حَدِيث آخَر فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى , وَبَيَان ذَلِكَ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْد الطَّيَالِسِيِّ وَغَيْره \" أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا : دَعُوهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ صَلَاة هِيَ أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ. قَالَ فَنَزَلَ جِبْرِيل فَأَخْبَرَهُ , فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْعَصْرَ , وَصَفَّهُمْ صَفَّيْنِ \" فَذَكَرَ صِفَة صَلَاة الْخَوْفِ , وَهَذِهِ الْقِصَّة إِنَّمَا هِيَ فِي غَزْوَةِ عُسْفَانَ , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيق زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة عَنْ أَبِي الزُّبَيْر بِلَفْظٍ يَدُلّ عَلَى مُغَايَرَة هَذِهِ الْقِصَّةِ لِغَزْوَةِ مُحَارِب فِي ذَات الرِّقَاعِ , وَلَفْظه عَنْ جَابِر قَالَ \" غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا مِنْ جُهَيْنَةَ , فَقَاتَلُونَا قِتَالًا شَدِيدًا , فَلَمَّا أَنْ صَلَّيْنَا الظُّهْرَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ : لَوْ مِلْنَا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً لَأَفْظَعْناهُمْ , فَأَخْبَرَ جِبْرِيل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ , قَالَ وَقَالُوا : سَتَأْتِيهِمْ صَلَاة هِيَ أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ الْأَوْلَادِ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَرَوَى أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَقِيق عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ بَيْن ضَبْحَانَ وَعُسْفَانَ , فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : إِنَّ لِهَؤُلَاءِ صَلَاة هِيَ أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي نُزُول جِبْرِيل لِصَلَاةِ الْخَوْف , وَرَوَى أَحْمَد وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَيَّاش الزُّرَقِيّ قَالَ \" كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ خَالِد بْن الْوَلِيد , فَقَالُوا : لَقَدْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ غَفْلَةً , ثُمَّ قَالَ : إِنَّ لَهُمْ صَلَاة بَعْد هَذِهِ هِيَ أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ , فَنَزَلَتْ صَلَاة الْخَوْف بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ , فَصَلَّى بِنَا الْعَصْرَ فَفَرَّقَنَا فِرْقَتَيْنِ \" الْحَدِيث وَسِيَاقُهُ نَحْوُ رِوَايَة زُهَيْر عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر , وَهُوَ ظَاهِر فِي اِتِّحَادِ الْقِصَّةِ. وَقَدْ رَوَى الْوَاقِدِيُّ مِنْ حَدِيثِ خَالِد بْن الْوَلِيدِ قَالَ \" لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ لَقِيته بِعُسْفَانَ فَوَقَفْت بِإِزَائِهِ وَتَعَرَّضْت لَهُ , فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الظُّهْرَ , فَهَمَمْنَا أَنْ نُغِيرَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَعْزِمْ لَنَا , فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْعَصْرَ صَلَاةَ الْخَوْفِ \" الْحَدِيث , وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا قَرَّرْته أَنَّ صَلَاة الْخَوْف بِعُسْفَانَ غَيْر صَلَاةِ الْخَوْفِ بِذَاتِ الرِّقَاعِ , وَأَنَّ جَابِرًا رَوَى الْقِصَّتَيْنِ مَعًا. فَأَمَّا رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ فَفِي قِصَّةِ عُسْفَانَ , وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي سَلَمَة وَوَهْبِ بْن كَيْسَانَ وَأَبِي مُوسَى الْمِصْرِيّ عَنْهُ فَفِي غَزْوَة ذَات الرِّقَاعِ وَهِيَ غَزْوَة مُحَارَب وَثَعْلَبَة , وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ أَوَّل مَا صُلِّيَتْ صَلَاة الْخَوْف فِي عُسْفَانَ وَكَانَتْ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ بَعْدَ الْخَنْدَقِ وَقُرَيْظَةَ وَقَدْ صُلِّيَتْ صَلَاة الْخَوْفِ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَهِيَ بَعْدَ عُسْفَانَ فَتَعَيَّنَ تَأَخُّرُهَا عَنْ الْخَنْدَقِ وَعَنْ قُرَيْظَةَ وَعَنْ الْحُدَيْبِيَةِ أَيْضًا , فَيَقْوَى الْقَوْلُ بِأَنَّهَا بَعْدَ خَيْبَرَ , لِأَنَّ غَزْوَةَ خَيْبَرَ كَانَتْ عَقِبَ الرُّجُوعِ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ , وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَّالِيّ إِنَّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ آخِرَ الْغَزَوَاتِ فَهُوَ غَلَطٌ وَاضِحٌ , وَقَدْ بَالَغَ اِبْنُ الصَّلَاحِ فِي إِنْكَارِهِ. وَقَالَ بَعْضُ مَنْ اِنْتَصَرَ لِلْغَزَالِيِّ : لَعَلَّهُ أَرَادَ آخِرَ غَزْوَةٍ صُلِّيَتْ فِيهَا صَلَاةُ الْخَوْفِ , وَهَذَا اِنْتِصَارٌ مَرْدُودٌ أَيْضًا , لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ , وَإِنَّمَا أَسْلَمَ أَبُو بَكْرَةَ فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ بِاتِّفَاقٍ , وَذَلِكَ بَعْد غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ قَطْعًا , وَإِنَّمَا ذَكَرْت هَذَا اِسْتِطْرَادًا لِتَكْمُلَ الْفَائِدَةُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مَالِك ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ ) ‏ ‏يَقْتَضِي أَنَّهُ سَمِعَ فِي كَيْفِيَّتِهَا صِفَاتِ مُتَعَدِّدَة , وَهُوَ كَذَلِكَ , فَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَة صَلَاةِ الْخَوْفِ كَيْفِيَّات حَمَلَهَا بَعْض الْعُلَمَاء عَلَى اِخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ , وَحَمَلَهَا آخَرُونَ عَلَى التَّوَسُّعِ وَالتَّخْيِيرِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي \" بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ \" وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِك مِنْ تَرْجِيحِ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ وَافَقَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ عَلَى تَرْجِيحِهَا لِسَلَامَتِهَا مِنْ كَثْرَةِ الْمُخَالَفَةِ وَلِكَوْنِهَا أَحْوَطُ لِأَمْرِ الْحَرْبِ , مَعَ تَجْوِيزِهِمْ الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ اِبْن عُمَر. وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ اِبْن عُمَر مَنْسُوخَة وَلَمْ يَثْبُت ذَلِكَ عَنْهُ , وَظَاهِر كَلَام الْمَالِكِيَّةِ عَدَم إِجَازَةِ الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ اِبْن عُمَرَ , وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ رِوَايَةِ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَةَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ هَلْ يُسَلِّمُ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ بِالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ يَنْتَظِرُهَا فِي التَّشَهُّدِ لِيُسَلِّمُوا مَعَهُ ؟ فَبِالْأَوَّلِ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ , وَزَعَمَ اِبْن حَزْمٍ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ الْقَوْلُ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمْ تُفَرِّقْ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ حَيْثُ أَخَذُوا بِالْكَيْفِيَّةِ الَّتِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَمْ لَا , وَفَرَّقَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ فَحَمَلُوا حَدِيثَ سَهْلٍ عَلَى أَنَّ الْعَدُوَّ كَانَ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَلِذَلِكَ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ وَحْدَهَا جَمِيعَ الرَّكْعَةِ , وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْإِمَامَ يُحْرِمُ بِالْجَمِيعِ وَيَرْكَعُ بِهِمْ , فَإِذَا سَجَدَ سَجَدَ مَعَهُ صَفٌّ وَحَرَس صَفٌّ إِلَخْ. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ \" صَفَّنَا صَفَّيْنِ وَالْمُشْرِكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ \" وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّرْجِيحِ , فَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُعْمَلُ مِنْهَا بِمَا كَانَ أَشْبَهَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ , وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَجْتَهِدُ فِي طَلَبِ الْأَخِيرِ مِنْهَا فَإِنَّهُ النَّاسِخُ لِمَا قَبْلَهُ , وَقَالَتْ طَائِفَة يُؤْخَذ بِأَصَحِّهَا نَقْلًا وَأَعْلَاهَا رُوَاة , وَقَالَتْ طَائِفَة يُؤْخَذ بِجَمِيعِهَا عَلَى حِسَاب اِخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْخَوْفِ , فَإِذَا أَشْتَدّ الْخَوْفُ أُخِذَ بِأَيْسَرِهَا مُؤْنَةً , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ اللَّيْث عَنْ هِشَام عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ أَنَّ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد حَدَّثَهُ قَالَ : صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة بَنِي أَنْمَار ) قُلْت : لَمْ يَظْهَر لِي مُرَاد الْبُخَارِيّ بِهَذِهِ الْمُتَابَعَةِ , لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ الْمُتَابَعَةَ فِي الْمَتْنِ لَمْ يَصِحَّ , لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَهُ غَزْوَة مُحَارِب وَثَعْلَبَة بِنَخْلٍ , وَهَذِهِ غَزْوَةُ أَنْمَار , وَلَكِنْ يُحْتَمَل الِاتِّحَاد لِأَنَّ دِيَار بَنِي أَنْمَار تَقْرُب مِنْ دِيَار بَنِي ثَعْلَبَة , وَسَيَأْتِي بَعْد بَاب أَنَّ أَنْمَارَ فِي قَبَائِلِهِمْ مِنْهُمْ بَطْنٌ مِنْ غَطَفَانَ , وَإِنْ أَرَادَ الْمُتَابَعَة فِي الْإِسْنَادِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ الرِّوَايَتَانِ مُتَخَالِفَتَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ : الْأُولَى مُتَّصِلَة بِذِكْرِ الصَّحَابِيّ وَهَذِهِ مُرْسَلَة , وَرِجَال الْأُولَى غَيْر رِجَال الثَّانِيَة , وَلَعَلَّ بَعْض مَنْ لَا بَصَر لَهُ بِالرِّجَالِ يَظُنّ أَنَّ هِشَامًا الْمَذْكُور قَبْل هُوَ هِشَام الْمَذْكُور ثَانِيًا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ هِشَامًا الرَّاوِي عَنْ أَبِي الزُّبَيْر هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ كَمَا بَيَّنْته قَبْل وَهُوَ بَصْرِيّ , وَهِشَام شَيْخ اللَّيْث فِيهِ هُوَ اِبْن سَعْد وَهُوَ مَدَنِيّ , وَالدَّسْتُوَائِيُّ لَا رِوَايَة لَهُ عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ وَلَا رِوَايَة لِلَّيْثِ بْن سَعْد عَنْهُ , وَقَدْ وَصَلَ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه هَذَا الْمُعَلَّق قَالَ \" قَالَ لِي يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن بُكَيْر حَدَّثَنَا اللَّيْث عَنْ هِشَام بْن سَعْد عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ سَمِعَ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي غَزْوَة بَنِي أَنْمَار نَحْوه \" يَعْنِي نَحْو حَدِيث صَالِح بْن خَوَّات عَنْ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة فِي صَلَاة الْخَوْفِ. قُلْت : فَظَهَرَ لِي مِنْ هَذَا وَجْهُ الْمُتَابَعَةِ , وَهُوَ أَنَّ حَدِيثَ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَةَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مُتَّحِدٌ مَعَ حَدِيث جَابِر , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ اِتِّحَاد كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ وَفِي هَذِهِ أَنْ تَتَّحِدَ الْغَزْوَة , وَقَدْ أَفْرَدَ الْبُخَارِيّ غَزْوَة بَنِي أَنْمَار بِالذِّكْرِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد بَاب. نَعَمْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ سَبَب غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَدِمَ بِجَلْبٍ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْت نَاسًا مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ وَمَنْ بَنِي أَنْمَار وَقَدْ جَمَعُوا لَكُمْ جُمُوعًا وَأَنْتُمْ فِي غَفْلَةٍ عَنْهُمْ , فَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَرْبَعمِائَة وَيُقَال سَبْعمِائَة , فَعَلَى هَذَا فَغَزْوَة بَنِي أَنْمَار مُتَّحِدَة مَعَ غَزْوَة بَنِي مُحَارِب وَثَعْلَبَة , وَهِيَ غَزْوَة ذَات الرِّقَاع , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُون مَوْضِع هَذِهِ الْمُتَابَعَة بَعْد حَدِيث الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْن خَوَّاتٍ فَيَكُون مُتَأَخِّرًا عَنْهُ , وَيَكُون تَقْدِيمُهُ مِنْ بَعْضِ النَّقَلَةِ عَنْ الْبُخَارِيّ , وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْته عَنْ تَارِيخِ الْبُخَارِيّ فَإِنَّهُ بَيَّنَ فِي ذَلِكَ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3818",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَقُومُ الْإِمَامُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ قِبَلِ الْعَدُوِّ وُجُوهُهُمْ إِلَى الْعَدُوِّ فَيُصَلِّي بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ يَقُومُونَ فَيَرْكَعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً وَيَسْجُدُونَ سَجْدَتَيْنِ فِي مَكَانِهِمْ ثُمَّ يَذْهَبُ هَؤُلَاءِ إِلَى مَقَامِ أُولَئِكَ فَيَرْكَعُ بِهِمْ رَكْعَةً فَلَهُ ثِنْتَانِ ثُمَّ يَرْكَعُونَ وَيَسْجُدُونَ سَجْدَتَيْنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏الْقَاسِمَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏صَالِحُ بْنُ خَوَّاتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏قَوْلَهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏بَنِي أَنْمَارٍ ‏",
        "sharh": "قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ يَحْيَى ) الْأَوَّل هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّانُ وَشَيْخه هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ , وَالْقَاسِم بْن مُحَمَّد أَيْ اِبْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَصَالِح بْن خَوَّاتٍ تَقَدَّمَ التَّعْرِيف بِهِ , فَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ الْمَدَنِيِّينَ فِي نَسَقٍ : يَحْيَى الْأَنْصَارِيّ فَمَنْ فَوْقه وَسَهْل بْن أَبِي حَثْمَةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ وَاسْمُهُ عَبْد اللَّه وَقِيلَ عَامِر وَقِيلَ اِسْم أَبِيهِ عَبْد اللَّه وَأَبُو حَثْمَة جَدُّهُ وَاسْمه عَامِر بْن سَاعِدَة , وَهُوَ أَنْصَارِيّ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْن الْخَزْرَجِ , اِتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَا ذَكَرَ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ رَجُل مِنْ وَلَدِ سَهْلٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ إِلَّا بَدْرًا وَكَانَ الدَّلِيل لَيْلَة أُحُدٍ. وَقَدْ تَعَقَّبَ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَقَالُوا : إِنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ لِأَبِيهِ , وَأَمَّا هُوَ فَمَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ اِبْن ثَمَان سِنِينَ , وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَابْن حِبَّانَ وَابْن السَّكَن وَغَيْر وَاحِد , وَعَلَى هَذَا فَتَكُون رِوَايَته لِقِصَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ مُرْسَلَة وَيَتَعَيَّن أَنْ يَكُون مُرَاد صَالِح بْن خَوَّاتٍ مِمَّنْ شَهِدَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة الْخَوْف غَيْره , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ أَبُوهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( يَقُومُ الْإِمَامُ ) ‏ ‏هَذَا ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف بَعْد حَدِيث مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي حَاتِم وَاسْمه عَبْد الْعَزِيز عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ , وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْله ) ‏ ‏أَيْ مِثْل الْمَتْن الْمَوْقُوف مِنْ رِوَايَة يَحْيَى عَنْ يَحْيَى , وَقَدْ أَوْرَدَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْخَوْفِ فَصَفَّهُمْ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ \" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ , وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي مَا قَدَّمْته أَنَّ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة لَمْ يَشْهَد ذَلِكَ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ صَالِحِ بْن خَوَّاتٍ مِمَّنْ شَهِدَ أَبُوهُ لَا سَهْل وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3819",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ : غَزَوْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ نَجْد فَوَازَيْنَا ) ‏ ‏بِالزَّايِ أَيْ قَاتَلْنَا ‏ ‏( الْعَدُوَّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ ) ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ \" أَنَّ رِوَايَةَ الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَصَفَفْنَاهُمْ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ أَبِي الْيَمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ , وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيق شُعَيْب هُنَا مُقْتَصِرًا مِنْهَا عَلَى هَذَا الْقَدْر , وَعَقّبَهَا بِطَرِيقِ مَعْمَر فَلَمْ يَتَعَرَّض لِصَدْرِ الْحَدِيث بَلْ أَوَّله \" أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى مُوَاجِهَة الْعَدُوّ \" الْحَدِيث , فَأَمَّا رِوَايَة شُعَيْب فَتَقَدَّمَتْ فِي \" بَاب صَلَاة الْخَوْف \" تَامَّة , وَأَمَّا رِوَايَة مَعْمَر فَأَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ كَذَلِكَ , وَوَقَعَ فِي آخِرهَا \" ثُمَّ قَامَ فَقَضَوْا رَكْعَتَهُمْ , وَقَامَ هَؤُلَاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهُمْ \" وَلَفْظ الْقَضَاء فِيهَا عَلَى مَعْنَى الْأَدَاءِ لَا عَلَى مَعْنَى الْقَضَاء الِاصْطِلَاحِيّ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْب \" فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَة وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ \" وَهِيَ تُبَيِّن الْمُرَاد فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد أَحْمَد نَحْوه , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب صَلَاة الْخَوْف \". ‏"
    },
    {
        "id": "3820",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ أُولَئِكَ فَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَامَ هَؤُلَاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهُمْ وَقَامَ هَؤُلَاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهُمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3821",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سِنَانٌ ‏ ‏وَأَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏أَخْبَرَ ‏ ‏أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏نَجْدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي سِنَان وَأَبُو سَلَمَة ) ‏ ‏أَمَّا سِنَان فَهُوَ اِبْن أَبِي سِنَان الدُؤَلِيّ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ , وَالدُّؤَلِيّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ , وَهُوَ مَدَنِيّ اِسْم أَبِيهِ يَزِيد بْن أُمَيَّة , وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر مِنْ رِوَايَته عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي الطِّبِّ , وَأَمَّا أَبُو سَلَمَة فَهُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف كَذَا رَوَاهُ شُعَيْب عَنْهُمَا , وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد فَلَمْ يَذْكُر فِيهِ أَبَا سَلَمَة , وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر الْوَرْكَانِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد , وَرَوَاهُ الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَةَ عَنْ مُحَمَّد الْوَرْكَانِيّ هَذَا فَأَثْبَتَ فِيهِ أَبَا سَلَمَة , وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي عَتِيق عَنْ الزُّهْرِيِّ فَلَمْ يَذْكُر أَبَا سَلَمَة , وَرَوَاهُ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد أَحَادِيث قَلِيلَة فَلَمْ يَذْكُر سِنَانًا , فَكَأَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ تَارَة يَجْمَعُهُمَا وَتَارَةً يُفْرِد أَحَدهمَا. وَإِسْمَاعِيل فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَأَخُوهُ هُوَ عَبْد الْحَمِيد , وَسُلَيْمَان شَيْخه هُوَ اِبْن بِلَال , وَمُحَمَّد بْن أَبِي عَتِيق نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ , فَإِنَّ أَبَا عَتِيق هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَمُحَمَّد هَذَا الرَّاوِي هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَقَدْ سَاقَ الْبُخَارِيّ الْحَدِيث عَلَى لَفْظ اِبْن أَبِي عَتِيق فِيهِ ذِكْر أَبِي سَلَمَة , وَذَكَرَ مِنْ طَرِيق شُعَيْب وَهِيَ عَنْ سِنَان وَأَبِي سَلَمَة مَعًا قِطْعَة يَسِيرَة , فَإِنَّ جَابِرًا أَخْبَرَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ نَجْد , وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد عَنْ أَبِي الْيَمَان وَحْدَهُ بِتَمَامِهِ , وَرَأَيْتهَا مُوَافَقَة لِرِوَايَةِ اِبْن أَبِي عَتِيق إِلَّا فِي آخِره كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. وَأَمَّا رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد فَفِيهَا اِخْتِصَار. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ جَابِر أَيْضًا سُلَيْمَان بْن قَيْس كَمَا فِي رِوَايَة مُسَدَّد الَّتِي بَعْد هَذِهِ بِحَدِيثِ. وَرَوَاهُ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة كَمَا فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة بَعْده , فَذَكَرَ بَعْض مَا فِي حَدِيث الزُّهْرِيِّ وَزَادَ قِصَّة صَلَاة الْخَوْف. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ نَجْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة \" كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَاتِ الرِّقَاع \". ‏"
    },
    {
        "id": "3822",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏فَلَمَّا ‏ ‏قَفَلَ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَفَلَ مَعَهُ فَأَدْرَكَتْهُمْ ‏ ‏الْقَائِلَةُ ‏ ‏فِي وَادٍ كَثِيرِ ‏ ‏الْعِضَاهِ ‏ ‏فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي ‏ ‏الْعِضَاهِ ‏ ‏يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَحْتَ سَمُرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ قَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏فَنِمْنَا نَوْمَةً ثُمَّ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْعُونَا فَجِئْنَاهُ فَإِذَا عِنْدَهُ ‏ ‏أَعْرَابِيٌّ ‏ ‏جَالِسٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ هَذَا ‏ ‏اخْتَرَطَ ‏ ‏سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ ‏ ‏صَلْتًا ‏ ‏فَقَالَ لِي مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قُلْتُ اللَّهُ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِذَاتِ الرِّقَاعِ فَإِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُعَلَّقٌ بِالشَّجَرَةِ ‏ ‏فَاخْتَرَطَهُ ‏ ‏فَقَالَ تَخَافُنِي قَالَ لَا قَالَ فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قَالَ اللَّهُ فَتَهَدَّدَهُ ‏ ‏أَصْحَابُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْبَعٌ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏اسْمُ الرَّجُلِ ‏ ‏غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏وَقَاتَلَ فِيهَا ‏ ‏مُحَارِبَ خَصَفَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِنَخْلٍ ‏ ‏فَصَلَّى الْخَوْفَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَزْوَةَ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏صَلَاةَ الْخَوْفِ ‏ ‏وَإِنَّمَا جَاءَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيَّامَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَأَدْرَكَتْهُمْ الْقَائِلَةُ ) ‏ ‏أَيْ وَسَط النَّهَار وَشِدَّةُ الْحَرِّ. ‏ ‏قَوْله : ( كَثِير الْعِضَاه ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الضَّاد.\u0014‏ٹْمُعْجَمَةِ : كُلّ شَجَر يَعْظُم لَهُ شَوْك , وَقِيلَ هُوَ الْعَظِيم مِنْ السَّمَر مُطْلَقًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ غَيْر مَرَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْت سَمَرَةٍ ) ‏ ‏أَيْ شَجَرَةٍ كَثِيرَة الْوَرَقِ , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" فَاسْتَظَلَّ بِهَا \" وَيُفَسِّرهُ مَا فِي رِوَايَة يَحْيَى \" فَإِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَة ظَلِيلَة تَرَكْنَاهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ جَابِر ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَسَقَطَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَة مَعْمَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا رَسُولa\u0011‏ٹَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُونَا , فَجِئْنَاهُ , فَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيّ ) ‏ ‏هَذَا السِّيَاق يُفَسِّر رِوَايَةَ يَحْيَى , فَإِنَّ فِيهَا \" فَجَاءَ رَجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِلَخْ \" فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَنَّ هَذَا الْقَدْر لَمْ يَحْضُرهُ الصَّحَابَة وَإِنَّمَا سَمِعُوهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد أَنْ دَعَاهُمْ وَاسْتَيْقَظُوا. ‏ ‏قَوْله : ( أَعْرَابِيٌّ جَالِس ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مَعْمَر \" فَإِذَا أَعْرَابِيّ قَاعِد بَيْن6\u0013‏ٹَيْهِ \" وَسَيَأْتِي ذِكْرُ اِسْمِهِ قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُثَنَّاة , أَيْ مُجَرَّدًا عَنْ غِمْدِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لِي : مَنْ يَمْنَعك مِنِّي ) ‏ ‏؟ فِي رِوَايَة يَحْيَى \" فَقَالَ : تَخَافُنِي ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : فَمَنْ يَمْنَعك مِنِّي \" ؟ وَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة أَبِي الْيَمَان فِي الْجِهَادِ ثَلَاث مَرَّات , وَهُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار , أَيْ لَا يَمْنَعك مِنِّي أَحَد , لِأَنَّ الْأَعْرَابِيّ كَانَ قَائِمًا وَالسَّيْف فِي يَده وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِس لَا سَيْف مَعَهُ. وَيُؤْخَذ مِنْ مُرَاجَعَة الْأَعْرَابِيّ لَهُ فِي الْكَلَام أَنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَنَعَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ , وَإِلَّا فَمَا أَحْوَجَهُ إِلَى مُرَاجَعَتِهِ مَعَ اِحْتِيَاجِهِ إِلَى الْحَظْوَةِ عِنْدَ قَوْمِهِ بِقَتْلِهِ , وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَوَابِهِ \" اللَّهُ \" أَيْ يَمْنَعُنِي مِنْك إِشَارَة إِلَى ذَلِكَ , وَلِذَلِكَ أَعَادَهَا الْأَعْرَابِيّ فَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى الْجَوَاب , وَفِي ذَلِكَ غَايَة التَّهَكُّم بِهِ وَعَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِهِ أَصْلًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَهَا هُوَ ذَا جَالِس ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير \" فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَظَاهِرهَا يُشْعِر بِأَنَّهُمْ حَضَرُوا الْقِصَّةَ وَأَنَّهُ إِنَّمَا رَجَعَ عَمَّا كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ بِالتَّهْدِيدِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ وَقَعَ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد فِي الْجِهَاد بَعْد قَوْله : قُلْت اللَّهُ \" فَشَامَ السَّيْفُ \" وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَر \" فَشَامَهُ \" وَالْمُرَاد أَغْمَدَهُ , وَهَذِهِ الْكَلِمَة مِنْ الْأَضْدَادِ , يُقَالُ شَامَهُ إِذَا اِسْتَلَّهُ وَشَامَهُ إِذَا أَغْمَدَهُ , قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره , وَكَأَنَّ الْأَعْرَابِيّ لَمَّا شَاهَدَ ذَلِكَ الثَّبَات الْعَظِيم وَعَرَفَ أَنَّهُ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَحَقُّقِ صِدْقِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَصِل إِلَيْهِ فَأَلْقَى السِّلَاح وَأَمْكَنَ مِنْ نَفْسِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق بَعْد قَوْله قَالَ اللَّه \" فَدَفَعَ جِبْرِيل فِي صَدْرِهِ فَوَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : مَنْ يَمْنَعُك أَنْتَ مِنِّي ؟ قَالَ : لَا أَحَد. قَالَ : قُمْ فَاذْهَبْ لِشَأْنِك. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ : أَنْتَ خَيْر مِنِّي \" وَأَمَّا قَوْله فِي الرِّوَايَةِ \" فَهَا هُوَ جَالِس ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبهُ \" فَيُجْمَع مَعَ رِوَايَةِ اِبْنِ إِسْحَاقَ بِأَنَّ قَوْله \" فَاذْهَبْ \" كَانَ بَعْد أَنْ أَخْبَرَ الصَّحَابَةَ بِقِصَّتِهِ , فَمَنَّ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ رَغْبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اِسْتِئْلَافِ الْكُفَّارِ لِيَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ , وَلَمْ يُؤْخَذْ بِمَا صَنَعَ , بَلْ عَفَا عَنْهُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَأَنَّهُ أَسْلَمَ وَأَنَّهُ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَاهْتَدَى بِهِ خَلْق كَثِير. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاق الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا \" ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبَانَ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد الْعَطَّار , وَرِوَايَته هَذِهِ وَصَلَهَا مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عَفَانِ عَنْهُ بِتَمَامِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأُقِيمَتْ الصَّلَاة فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ إِلَخْ ) ‏ ‏هَذِهِ الْكَيْفِيَّة مُخَالِفَة لِلْكَيْفِيَّةِ الَّتِي فِي طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر , وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُسَدَّد عَنْ أَبِي عَوَانَة عَنْ أَبِي بِشْر : اِسْم الرَّجُل غَوْرَث بْن الْحَارِث , وَقَاتَلَ فِيهَا مُحَارِب خَصْفَة ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مِنْ الْإِسْنَادِ وَمَنْ الْمَتْنِ , فَأَمَّا الْإِسْنَاد فَأَبُو عَوَانَة هُوَ الْوَضَّاح الْبَصْرِيّ وَأَمَّا أَبُو بِشْر فَهُوَ جَعْفَر بْن أَبِي وَحْشِيَّة , وَبَقِيَّة الْإِسْنَاد ظَاهِر فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسَدَّد فِي مُسْنَده رِوَايَة مَعَاذ بْن الْمَثْنَى عَنْهُ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهَا إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي كِتَاب \" غَرِيب الْحَدِيث \" لَهُ عَنْ مُسَدَّد عَنْ أَبِي عَوَانَة عَنْ أَبِي بِشْر عَنْ سُلَيْمَان بْن قَيْس عَنْ جَابِر , وَأَمَّا الْمَتْن فَتَمَامه عَنْ جَابِر قَالَ \" غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَارِب خَصَفَة بِنَخْلِ فَرَأَوْا مِنْ الْمُسْلِمِينَ غِرَّة , فَجَاءَ رَجُل مِنْهُمْ يُقَال لَهُ غَوْرَث بْن الْحَارِث حَتَّى قَامَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسَّيْفِ \" فَذَكَرَهُ وَفِيهِ \" فَقَالَ الْأَعْرَابِيّ : غَيْر أَنِّي أُعَاهِدك أَنَّ لَا أُقَاتِلك وَلَا أَكُون مَعَ قَوْم يُقَاتِلُونَك , فَخَلَّى سَبِيلَهُ. فَجَاءَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ. فَلَمَّا حَضَرَتْ الصَّلَاة صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ \". الْحَدِيث. وَغَوْرَثُ وَزْن جَعْفَر وَقِيلَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَهُوَ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ وَمُثَلَّثَة مَأْخُوذ مِنْ الْغَرَثِ وَهُوَ الْجُوعُ , وَوَقَعَ عِنْدَ الْخَطِيبِ بِالْكَافِ بَدَل الْمُثَلَّثَةِ , وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ فِيهِ غُوَيْرِث بِالتَّصْغِيرِ , وَحَكَى عِيَاض أَنَّ بَعْض الْمَغَارِبَةِ قَالَ فِي الْبُخَارِيّ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة قَالَ : وَصَوَابُهُ بِالْمُعْجَمَةِ. وَمُحَارِب خَصَفَة تَقَدَّمَ بَيَانه فِي أَوَّلِ الْبَابِ. وَوَقَعَ عِنْد الْوَاقِدِيِّ فِي سَبَبِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ اِسْمَ الْأَعْرَابِيِّ دَعْثُورٌ وَأَنَّهُ أَسْلَمَ , لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ فِي غَزْوَتَيْنِ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ فَرْطُ شَجَاعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُوَّةُ يَقِينِهِ وَصَبْرُهُ عَلَى الْأَذَى وَحِلْمُهُ عَنْ الْجُهَّالِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَفَرُّقِ الْعَسْكَرِ فِي النُّزُولِ وَنَوْمِهِمْ , وَهَذَا مَحَلّه إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يَخَافُونَ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِر : كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَخْلٍ فَصَلَّى الْخَوْفَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذِكْرِ مَنْ وَصَلَهُ قَبْلُ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْمُغَايِرَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة صَلَّيْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة نَجْد صَلَاة الْخَوْف ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن حِبَّانَ وَالطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ مَرْوَانَ بْن الْحَكَم أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَة هَلْ صَلَّيْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة الْخَوْف ؟ قَالَ هُرَيْرَة : نَعَمْ قَالَ مَرْوَان : مَتَى ؟ قَالَ : عَامَ غَزْوَة نَجْد. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّمَا جَاءَ أَبُو هُرَيْرَة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ خَيْبَرَ ) ‏ ‏يُرِيد بِذَلِكَ تَأْكِيد مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ غَزْوَة ذَات الرِّقَاعِ كَانَتْ بَعْد خَيْبَرَ. لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الْغَزْوَةِ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ نَجْد أَنْ لَا تَتَعَدَّد , فَإِنَّ نَجْدًا وَقَعَ الْقَصْد إِلَى جِهَتِهَا فِي عِدَّةِ غَزَوَاتِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير كَوْن جَابِر رَوَى قِصَّتَيْنِ فِي صَلَاة الْخَوْف بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ , فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَبُو هُرَيْرَة حَضَرَ الَّتِي بَعْد خَيْبَرَ لَا الَّتِي قَبْلَ خَيْبَرَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3823",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْعَزْلِ قَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏بَنِي الْمُصْطَلِقِ ‏ ‏فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ وَقُلْنَا نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ‏ ‏مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3824",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَزْوَةَ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏فَلَمَّا أَدْرَكَتْهُ ‏ ‏الْقَائِلَةُ ‏ ‏وَهُوَ فِي وَادٍ كَثِيرِ ‏ ‏الْعِضَاهِ ‏ ‏فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَاسْتَظَلَّ بِهَا وَعَلَّقَ سَيْفَهُ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الشَّجَرِ يَسْتَظِلُّونَ وَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجِئْنَا فَإِذَا ‏ ‏أَعْرَابِيٌّ ‏ ‏قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ هَذَا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ ‏ ‏فَاخْتَرَطَ ‏ ‏سَيْفِي فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي ‏ ‏مُخْتَرِطٌ ‏ ‏صَلْتًا قَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قُلْتُ اللَّهُ ‏ ‏فَشَامَهُ ‏ ‏ثُمَّ قَعَدَ فَهُوَ هَذَا قَالَ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3825",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُرَاقَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏أَنْمَارٍ ‏ ‏يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا قِبَلَ الْمَشْرِقِ مُتَطَوِّعًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3826",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ ‏ ‏وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ ‏ ‏الْإِفْكِ ‏ ‏مَا قَالُوا وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتَ لَهُ اقْتِصَاصًا وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ قَالُوا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فَأَيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَهُ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي ‏ ‏هَوْدَجِي ‏ ‏وَأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ دَنَوْنَا مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏قَافِلِينَ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ ‏ ‏جَزْعِ ‏ ‏ظَفَارِ ‏ ‏قَدْ انْقَطَعَ فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ قَالَتْ وَأَقْبَلَ ‏ ‏الرَّهْطُ ‏ ‏الَّذِينَ كَانُوا يُرَحِّلُونِي فَاحْتَمَلُوا ‏ ‏هَوْدَجِي ‏ ‏فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ عَلَيْهِ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ ‏ ‏يَهْبُلْنَ ‏ ‏وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ إِنَّمَا يَأْكُلْنَ ‏ ‏الْعُلْقَةَ ‏ ‏مِنْ الطَّعَامِ فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ خِفَّةَ ‏ ‏الْهَوْدَجِ ‏ ‏حِينَ رَفَعُوهُ وَحَمَلُوهُ وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ فَبَعَثُوا الْجَمَلَ فَسَارُوا وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ ‏ ‏فَتَيَمَّمْتُ ‏ ‏مَنْزِلِي ‏ ‏الَّذِي كُنْتُ بِهِ وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ وَكَانَ ‏ ‏صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ ‏ ‏مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي ‏ ‏فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ فَاسْتَيْقَظْتُ ‏ ‏بِاسْتِرْجَاعِهِ ‏ ‏حِينَ عَرَفَنِي ‏ ‏فَخَمَّرْتُ ‏ ‏وَجْهِي بِجِلْبَابِي وَ وَاللَّهِ مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ ‏ ‏اسْتِرْجَاعِهِ ‏ ‏وَهَوَى حَتَّى ‏ ‏أَنَاخَ ‏ ‏رَاحِلَتَهُ ‏ ‏فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَرَكِبْتُهَا فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي ‏ ‏الرَّاحِلَةَ ‏ ‏حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ ‏ ‏مُوغِرِينَ ‏ ‏فِي ‏ ‏نَحْرِ الظَّهِيرَةِ ‏ ‏وَهُمْ نُزُولٌ قَالَتْ فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَ ‏ ‏الْإِفْكِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أُخْبِرْتُ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يُشَاعُ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ فَيُقِرُّهُ وَيَسْتَمِعُهُ ‏ ‏وَيَسْتَوْشِيهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَيْضًا لَمْ يُسَمَّ مِنْ أَهْلِ ‏ ‏الْإِفْكِ ‏ ‏أَيْضًا إِلَّا ‏ ‏حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ ‏ ‏وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ‏ ‏فِي نَاسٍ آخَرِينَ لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ غَيْرَ أَنَّهُمْ ‏ ‏عُصْبَةٌ ‏ ‏كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّ كِبْرَ ذَلِكَ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا ‏ ‏حَسَّانُ ‏ ‏وَتَقُولُ إِنَّهُ الَّذِي قَالَ ‏ ‏فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ‏ ‏لِعِرْضِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏مِنْكُمْ وِقَاءُ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقَدِمْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا وَالنَّاسُ ‏ ‏يُفِيضُونَ ‏ ‏فِي قَوْلِ أَصْحَابِ ‏ ‏الْإِفْكِ ‏ ‏لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ ‏ ‏تِيكُمْ ‏ ‏ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَذَلِكَ يَرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ حَتَّى خَرَجْتُ حِينَ ‏ ‏نَقَهْتُ ‏ ‏فَخَرَجْتُ مَعَ ‏ ‏أُمِّ مِسْطَحٍ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏الْمَنَاصِعِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏مُتَبَرَّزَنَا ‏ ‏وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ ‏ ‏الْكُنُفَ ‏ ‏قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا قَالَتْ وَأَمْرُنَا أَمْرُ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏الْأُوَلِ فِي الْبَرِّيَّةِ قِبَلَ ‏ ‏الْغَائِطِ ‏ ‏وَكُنَّا نَتَأَذَّى ‏ ‏بِالْكُنُفِ ‏ ‏أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا قَالَتْ فَانْطَلَقْتُ أَنَا ‏ ‏وَأُمُّ مِسْطَحٍ ‏ ‏وَهِيَ ابْنَةُ ‏ ‏أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ‏ ‏وَأُمُّهَا بِنْتُ ‏ ‏صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏خَالَةُ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ‏ ‏وَابْنُهَا ‏ ‏مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏فَأَقْبَلْتُ أَنَا ‏ ‏وَأُمُّ مِسْطَحٍ ‏ ‏قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا فَعَثَرَتْ ‏ ‏أُمُّ مِسْطَحٍ ‏ ‏فِي ‏ ‏مِرْطِهَا ‏ ‏فَقَالَتْ تَعِسَ ‏ ‏مِسْطَحٌ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهَا بِئْسَ مَا قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏فَقَالَتْ أَيْ ‏ ‏هَنْتَاهْ وَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ قَالَتْ وَقُلْتُ مَا قَالَ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ ‏ ‏الْإِفْكِ ‏ ‏قَالَتْ فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ كَيْفَ ‏ ‏تِيكُمْ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ قَالَتْ وَأُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا قَالَتْ فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ لِأُمِّي يَا أُمَّتَاهُ مَاذَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ قَالَتْ يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا قَالَتْ فَقُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا قَالَتْ فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا ‏ ‏يَرْقَأُ ‏ ‏لِي دَمْعٌ وَلَا ‏ ‏أَكْتَحِلُ ‏ ‏بِنَوْمٍ ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي قَالَتْ وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏حِينَ ‏ ‏اسْتَلْبَثَ ‏ ‏الْوَحْيُ يَسْأَلُهُمَا وَيَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ قَالَتْ فَأَمَّا ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏أَهْلَكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا وَأَمَّا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ وَسَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ قَالَتْ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏فَقَالَ أَيْ ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ قَالَتْ لَهُ ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ ‏ ‏أَغْمِصُهُ ‏ ‏غَيْرَ أَنَّهَا ‏ ‏جَارِيَةٌ ‏ ‏حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي ‏ ‏الدَّاجِنُ ‏ ‏فَتَأْكُلُهُ قَالَتْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ‏ ‏وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ ‏ ‏يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِي وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا وَمَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي قَالَتْ فَقَامَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ‏ ‏أَخُو ‏ ‏بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ‏ ‏فَقَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْذِرُكَ فَإِنْ كَانَ مِنْ ‏ ‏الْأَوْسِ ‏ ‏ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ ‏ ‏الْخَزْرَجِ ‏ ‏أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ قَالَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْخَزْرَجِ ‏ ‏وَكَانَتْ ‏ ‏أُمُّ حَسَّانَ ‏ ‏بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ فَخِذِهِ وَهُوَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏وَهُوَ سَيِّدُ ‏ ‏الْخَزْرَجِ ‏ ‏قَالَتْ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ ‏ ‏لِسَعْدٍ ‏ ‏كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ وَلَوْ كَانَ مِنْ ‏ ‏رَهْطِكَ ‏ ‏مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلَ فَقَامَ ‏ ‏أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ‏ ‏وَهُوَ ابْنُ عَمِّ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ‏ ‏كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ قَالَتْ فَثَارَ الْحَيَّانِ ‏ ‏الْأَوْسُ ‏ ‏وَالْخَزْرَجُ ‏ ‏حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَتْ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ قَالَتْ فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ كُلَّهُ لَا ‏ ‏يَرْقَأُ ‏ ‏لِي دَمْعٌ وَلَا ‏ ‏أَكْتَحِلُ ‏ ‏بِنَوْمٍ قَالَتْ وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا لَا ‏ ‏يَرْقَأُ ‏ ‏لِي دَمْعٌ وَلَا ‏ ‏أَكْتَحِلُ ‏ ‏بِنَوْمٍ حَتَّى إِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي فَبَيْنَا أَبَوَايَ جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَأَذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي قَالَتْ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ قَالَتْ وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ قَالَتْ فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وَإِنْ كُنْتِ ‏ ‏أَلْمَمْتِ ‏ ‏بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَتْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَقَالَتَهُ ‏ ‏قَلَصَ ‏ ‏دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً فَقُلْتُ لِأَبِي أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنِّي فِيمَا قَالَ فَقَالَ أَبِي وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ لِأُمِّي أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيمَا قَالَ قَالَتْ أُمِّي وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ كَثِيرًا إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ ‏ ‏لَتُصَدِّقُنِّي فَوَاللَّهِ لَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا ‏ ‏أَبَا يُوسُفَ ‏ ‏حِينَ قَالَ ‏ { ‏فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ‏} ‏ثُمَّ تَحَوَّلْتُ وَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى لَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا فَوَاللَّهِ مَا ‏ ‏رَامَ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ ‏ ‏الْبُرَحَاءِ ‏ ‏حَتَّى إِنَّهُ ‏ ‏لَيَتَحَدَّرُ ‏ ‏مِنْهُ مِنْ الْعَرَقِ مِثْلُ ‏ ‏الْجُمَانِ ‏ ‏وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ قَالَتْ فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يَضْحَكُ فَكَانَتْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ قَالَتْ فَقَالَتْ لِي أُمِّي قُومِي إِلَيْهِ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ فَإِنِّي لَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَتْ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا ‏ ‏بِالْإِفْكِ ‏ ‏عُصْبَةٌ ‏ ‏مِنْكُمْ ‏} ‏الْعَشْرَ الْآيَاتِ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ‏ ‏وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى ‏ ‏مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ ‏ ‏لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى ‏ ‏مِسْطَحٍ ‏ ‏شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏مَا قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ‏ ‏بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي فَرَجَعَ إِلَى ‏ ‏مِسْطَحٍ ‏ ‏النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَأَلَ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ ‏ ‏عَنْ أَمْرِي فَقَالَ ‏ ‏لِزَيْنَبَ ‏ ‏مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ ‏ ‏تُسَامِينِي ‏ ‏مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ قَالَتْ ‏ ‏وَطَفِقَتْ ‏ ‏أُخْتُهَا ‏ ‏حَمْنَةُ ‏ ‏تُحَارِبُ لَهَا فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِ هَؤُلَاءِ ‏ ‏الرَّهْطِ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لَيَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ مِنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ قَالَتْ ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث الْإِفْك بِطُولِهِ مِنْ طَرِيق صَالِح وَهُوَ اِبْن كَيْسَانَ عَنْ اِبْن شِهَاب , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ فِي الشَّهَادَات مِنْ طَرِيق فُلَيْحِ عَنْ اِبْن شِهَاب , وَذَكَرْت أَنِّي أُورِد شَرْحه مُسْتَوْفَى فِي سُورَة النُّور , وَسَأَذْكُرُ هُنَاكَ مَعَ شَرْحه بَيَان مَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَلْفَاظه وَسِيَاقه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3827",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ أَمْلَى عَلَيَّ ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏مِنْ حِفْظِهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏أَبَلَغَكَ أَنَّ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏كَانَ فِيمَنْ قَذَفَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قُلْتُ لَا وَلَكِنْ قَدْ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏رَجُلَانِ مِنْ قَوْمِكَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ لَهُمَا ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏مُسَلِّمًا فِي شَأْنِهَا فَرَاجَعُوهُ فَلَمْ يَرْجِعْ وَقَالَ مُسَلِّمًا بِلَا شَكٍّ فِيهِ وَعَلَيْهِ كَانَ فِي أَصْلِ الْعَتِيقِ كَذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجَعْفِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَمْلَى عَلَيَّ هِشَام بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الصَّنْعَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ حِفْظِهِ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْإِمْلَاء قَدْ يَقَع مِنْ الْكِتَابِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لِي الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَرْوَان , فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر \" كُنْت عِنْد الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَبَلَکک\u0011‏ٹَنَّ عَلِيًّا كَانَ فِيمَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق \" فَقَالَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ عَلِيّ , قُلْت : لَا \" كَذَا فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق وَزَادَ \" وَلَكِنْ حَدَّثَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَعُرْوَة وَعَلْقَمَة وَعُبَيْد اللَّه كِلَيْهِم عَنْ عَائِشَة قَالَ : الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ قَالَ فَمَا كَانَ جُرْمُهُ , وَفِي تَرْجَمَة الزُّهْرِيِّ عَنْ \" حِلْيَةِ أَبِي نُعَيْمٍ \" , مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" كُنْت عِنْد الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك فَتَلَا هَذِهِ الْآيَة : ( وَاَلَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَاب عَظِيم ) فَقَالَ : نَزَلَتْ فِي عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب. قَالَ الزُّهْرِيُّ : أَصْلَحَ اللَّه الْأَمِير لَيْسَ الْأَمْر كَذَلِكَ , أَخْبَرَنِي عُرْوَة عَنْ عَائِشَة. قَالَ : وَكَيْف أَخْبَرَك ؟ قُلْت : أَخْبَرَنِي عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول \" وَلِابْنِ مُرْدِيه مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ \" كُنْت عِنْد الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك لَيْلَة مِنْ اللَّيَالِي وَهُوَ يَقْرَأ سُورَة النُّور مُسْتَلْقِيًا , فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَة ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ - حَتَّى بَلَغَ - وَاَلَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ ) جَلَسَ ثُمَّ قَالَ : يَا أَبَا بَكْر مَنْ تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ ؟ أَلَيْسَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ؟ قَالَ فَقُلْت فِي نَفْسِي : مَاذَا أَقُول ؟ لَئِنْ قُلْت لَا لَقَدْ خَشِيت أَنْ أَلْقَى مِنْهُ شَرًّا , وَلَئِنْ قُلْت نَعَمْ لَقَدْ جِئْت بِأَمْرٍ عَظِيم , قُلْت فِي نَفْسِي : لَقَدْ عَوَّدَنِي اللَّه عَلَى الصِّدْق خَيْرًا , قُلْت : لَا , قَالَ فَضَرَبَ بِقَضِيبِهِ عَلَى السَّرِير ثُمَّ قَالَ : فَمَنْ فَمَنْ ؟ حَتَّى رَدَّدَ ذَلِكَ مِرَارًا , قُلْت : لَكِنْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنْ قَدْ أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ مِنْ قَوْمك ) ‏ ‏أَيْ مِنْ قُرَيْش , لِأَنَّ أَبَا بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث مَخْزُومِيّ وَأَبَا سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف زُهْرِيٌّ يَجْمَعهُمَا مَعَ بَنِي أُمَيَّة رَهْط الْوَلِيد مُرَّة بْن كَعْب بْن لُؤَيِّ بْن غَالِبٍ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ عَلِيّ مُسَلِّمًا فِي شَأْنِهَا ) ‏ ‏كَذَا فِي نُسَخِ الْبُخَارِيّ بِكَسْرِ اللَّامِ الثَّقِيلَةِ وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيِّ بِفَتْحِ اللَّامِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَاجَعُوهُ فَلَمْ يَرْجِع ) ‏ ‏الْمُرَاجَعَة فِي ذَلِكَ وَقَعَتْ مَعَ هِشَام بْن يُوسُف فِيمَا أَحْسَب , وَذَلِكَ أَنَّ عَبْد الرَّزَّاق رَوَاهُ عَنْ مَعْمَر فَخَالَفَهُ فَرَوَاهُ بِلَفْظِ \" مُسِيئًا \" كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَجَيْنِ , وَزَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ الْمُرَاجَعَة وَقَعَتْ فِي ذَلِكَ عِنْد الزُّهْرِيِّ , قَالَ وَقَوْله : \" فَلَمْ يَرْجِع \" أَيْ لَمْ يُجِبْ بِغَيْرِ ذَلِكَ , قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد فَلَمْ يَرْجِع الزُّهْرِيُّ إِلَى الْوَلِيد. قُلْت وَيُقَوِّي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق مَا فِي رِوَايَة اِبْن مَرْدُوَيهِ الْمَذْكُورَة بِلَفْظِ \" أَنَّ عَلِيًّا أَسَاءَ فِي شَأْنِي وَاَللَّهُ يَغْفِر لَهُ \" اِنْتَهَى. وَقَالَ اِبْن التِّين : قَوْله : \" مُسَلِّمًا \" هُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَضُبِطَ أَيْضًا بِفَتْحِهَا وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب. قُلْت : وَفِيهِ نَظَر , فَرِوَايَة الْفَتْح تَقْتَضِي سَلَامَته مِنْ ذَلِكَ , وَرِوَايَة الْكَسْر تَقْتَضِي تَسْلِيمَهُ لِذَلِكَ , قَالَ اِبْن التِّين : وَرُوِيَ \" مُسِيئًا \" وَفِيهِ بُعْدٌ. قُلْت : بَلْ هُوَ الْأَقْوَى مِنْ حَيْثُ تَقِلُّ الرِّوَايَةُ , وَقَدْ ذَكَرَ عِيَاض أَنَّ النَّسَفِيّ رَوَاهُ عَنْ الْبُخَارِيّ بِلَفْظِ \" مُسِيئًا \" قَالَ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن عَنْ الْفَرْبَرِيّ , وَقَالَ الْأَصِيلِيّ بَعْد أَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ \" مُسَلِّمًا \" كَذَا قَرَأْنَاهُ وَالْأَعْرَف غَيْره , وَإِنَّمَا نَسَبَتْهُ إِلَى الْإِسَاءَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ أُسَامَة \" أَهْلُك وَلَا نَعْلَم إِلَّا خَيْرًا \" بَلْ ضَيَّقَ عَلَى بَرِيرَةَ وَقَالَ : \" لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْك , وَالنِّسَاء سِوَاهَا كَثِير \" وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْكَلَام كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي مَكَانَهُ , وَتَوْجِيه الْعُذْر عَنْهُ. وَكَأَنَّ بَعْض مَنْ لَا خَيْر فِيهِ مِنْ النَّاصِيَةِ تَقَرَّبَ إِلَى بَنِي أُمَيَّة بِهَذِهِ الْكِذْبَةِ فَحَرَّفُوا قَوْل عَائِشَة إِلَى غَيْرِ وَجْهِهِ لِعِلْمِهِمْ بِانْحِرَافِهِمْ عَنْ عَلِيٍّ فَظَنُّوا صِحَّتَهَا , حَتَّى بَيَّنَ الزُّهْرِيُّ لِلْوَلِيدِ أَنَّ الْحَقَّ خِلَاف ذَلِكَ , فَجَزَاهُ اللَّه تَعَالَى خَيْرًا. وَقَدْ جَاءَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ هِشَام بْن عَبْد الْمَلِك كَانَ يَعْتَقِد ذَلِكَ أَيْضًا , فَأَخْرَجَ يَعْقُوب بْن شَيْبَة فِي مُسْنَدِهِ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيّ الْحَلْوَانِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ قَالَ : حَدَّثَا عَمِّي قَالَ : \" دَخَلَ سُلَيْمَان بْن يَسَار عَلَى هِشَام بْن عَبْد الْمَلِك فَقَالَ لَهُ : يَا سُلَيْمَان الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مَنْ هُوَ ؟ قَالَ : عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ. قَالَ : كَذَبْت , هُوَ عَلِيّ. قَالَ : أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَم بِمَا يَقُول. فَدَخَلَ الزُّهْرِيُّ فَقَالَ : يَا اِبْن شِهَابَ مَنْ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ ؟ قَالَ اِبْن أُبَيّ. قَالَ : كَذَبْت هُوَ عَلِيّ , فَقَالَ أَنَا أَكْذِب لَا أَبَا لَك , وَاَللَّهِ لَوْ نَادَى مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ الْكَذِبَ مَا كَذَبْت , حَدَّثَنِي عُرْوَة وَسَعِيد وَعُبَيْد اللَّه وَعَلْقَمَة عَنْ عَائِشَة أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ - فَذَكَرَ لَهُ قِصَّة مَعَ هِشَام فِي آخِرهَا - نَحْنُ هَيَّجْنَا الشَّيْخَ \" هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3828",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَتْنِي ‏ ‏أُمُّ رُومَانَ ‏ ‏وَهِيَ ‏ ‏أُمُّ عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا قَاعِدَةٌ أَنَا ‏ ‏وَعَائِشَةُ ‏ ‏إِذْ وَلَجَتْ امْرَأَةٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَتْ فَعَلَ اللَّهُ بِفُلَانٍ وَفَعَلَ فَقَالَتْ ‏ ‏أُمُّ رُومَانَ ‏ ‏وَمَا ذَاكَ قَالَتْ ابْنِي فِيمَنْ حَدَّثَ الْحَدِيثَ قَالَتْ وَمَا ذَاكَ قَالَتْ كَذَا وَكَذَا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ نَعَمْ قَالَتْ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏قَالَتْ نَعَمْ فَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا فَمَا أَفَاقَتْ إِلَّا وَعَلَيْهَا حُمَّى ‏ ‏بِنَافِضٍ ‏ ‏فَطَرَحْتُ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا فَغَطَّيْتُهَا فَجَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا شَأْنُ هَذِهِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَتْهَا الْحُمَّى ‏ ‏بِنَافِضٍ ‏ ‏قَالَ فَلَعَلَّ فِي حَدِيثٍ تُحُدِّثَ بِهِ قَالَتْ نَعَمْ فَقَعَدَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقَالَتْ وَاللَّهِ لَئِنْ حَلَفْتُ لَا تُصَدِّقُونِي وَلَئِنْ قُلْتُ لَا تَعْذِرُونِي مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ ‏ ‏كَيَعْقُوبَ ‏ ‏وَبَنِيهِ ‏ { ‏وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ‏} ‏قَالَتْ وَانْصَرَفَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهَا قَالَتْ بِحَمْدِ اللَّهِ لَا بِحَمْدِ أَحَدٍ وَلَا بِحَمْدِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حُصَيْنٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الْوَاسِطِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي وَائِل ) ‏ ‏هُوَ شَقِيق بْن سَلَمَةَ الْأَسَدِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَسْرُوق حَدَّثَتْنِي أُمّ رُومَان ) ‏ ‏بِضَمِّ الرَّاء وَسُكُون الْوَاو وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَتَسْمِيَتُهَا , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ قَوْل مَسْرُوق \" حَدَّثَتْنِي أُمّ رُومَان \" مَعَ أَنَّهَا مَاتَتْ فِي زَمَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْرُوق لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَة لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدَمُ مِنْ الْيَمَنِ إِلَّا بَعْد مَوْت النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْر أَوْ عُمَر , قَالَ الْخَطِيب : لَا نَعْلَمهُ رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي وَائِل غَيْر حُصَيْنٍ ; وَمَسْرُوق لَمْ يُدْرِك أُمّ رُومَان وَكَانَ يُرْسِل هَذَا الْحَدِيث عَنْهَا وَيَقُول \" سُئِلَتْ أُمّ رُومَان \" فَوَهَمَ حُصَيْنٌ فِيهِ حَيْثُ جَعَلَ السَّائِل لَهَا مَسْرُوقًا , أَوْ يَكُون بَعْض النَّقَلَة كَتَبَ سُئِلَتْ بِأَلِفٍ فَصَارَتْ \" سَأَلْت \" فَقُرِئَتْ بِفَتْحَتَيْنِ , قَالَ عَلِيّ : إِنَّ بَعْض الرُّوَاة قَدْ رَوَاهُ عَنْ حُصَيْنٍ عَلَى الصَّوَاب يَعْنِي الْعَنْعَنَة , قَالَ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث بِنَاء عَلَى ظَاهِر الِاتِّصَال وَلَمْ يَظْهَر لَهُ عِلَّة اِنْتَهَى. وَقَدْ حَكَى الْمِزِّيُّ كَلَامَ الْخَطِيبِ هَذَا فِي التَّهْذِيبِ وَفِي الْأَطْرَافِ وَلَمْ يَتَعَقَّبُهُ بَلْ أَقَرَّهُ وَزَادَ أَنَّهُ رَوَى عَنْ مَسْرُوق عَنْ اِبْن مَسْعُود عَنْ أُمّ رُومَان , وَهُوَ أَشْبَه بِالصَّوَابِ. كَذَا قَالَ. وَهَذِهِ الرِّوَايَة شَاذَّة وَهِيَ مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيدِ عَلَى مَا سَنُوَضِّحُهُ. وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي بَعْد التَّأَمُّلِ أَنَّ الصَّوَابَ مَعَ الْبُخَارِيّ , لِأَنَّ عُمْدَةَ الْخَطِيب وَمَنْ تَبِعَهُ فِي دَعْوَى الْوَهْم الِاعْتِمَاد عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّ أُمَّ رُومَان مَاتَتْ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَة أَرْبَع وَقِيلَ سَنَة خَمْس وَقِيلَ سَنَة سِتّ , وَهُوَ شَيْء ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ , وَلَا يَتَعَقَّب الْأَسَانِيد الصَّحِيحَة بِمَا يَأْتِي عَنْ الْوَاقِدِيِّ. وَذَكَرَهُ الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ بِسَنَدٍ مُنْقَطِع فِيهِ ضَعْف أَنَّ أُمّ رُومَان مَاتَتْ سَنَة سِتّ فِي ذِي الْحَجَّة , وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيّ إِلَى رَدّ ذَلِكَ فِي تَارِيخه الْأَوْسَط وَالصَّغِير فَقَالَ بَعْد أَنْ ذَكَرَ أُمّ رُومَان فِي فَصْل مَنْ مَاتَ فِي خِلَافَة عُثْمَان : رَوَى عَلِيّ بْن يَزِيد عَنْ الْقَاسِم قَالَ مَاتَتْ أُمّ رُومَان فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَة سِتّ , قَالَ الْبُخَارِيّ وَفِيهِ نَظَر وَحَدِيث مَسْرُوق أَسْنَد , أَيْ أَقْوَى إِسْنَادًا وَأَبْيَن اِتِّصَالًا اِنْتَهَى. وَقَدْ جَزَمَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ بِأَنَّ مَسْرُوقًا سَمِعَ مِنْ أُمّ رُومَان وَلَهُ خَمْس عَشْرَة سَنَة , فَعَلَى هَذَا يَكُون سَمَاعه مِنْهَا فِي خِلَافَة عُمَر لِأَنَّ مَوْلِد مَسْرُوق كَانَ فِي سَنَة الْهِجْرَة وَلِهَذَا قَالَ أَبُو نُعَيْم الْأَصْبِهَانِي : عَاشَتْ أُمّ رُومَان بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ تَعَقَّبَ ذَلِكَ كُلّه الْخَطِيب مُعْتَمِدًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْوَاقِدِيِّ وَالزُّبَيْر , وَفِيهِ نَظَر , لِمَا وَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" لَمَّا نَزَلَتْ آيَة التَّخْيِير بَدَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَائِشَة فَقَالَ : يَا عَائِشَة إِنِّي عَارِض عَلَيْك أَمْرًا فَلَا تَفْتَاتِي فِيهِ بِشَيْءٍ حَتَّى تَعْرِضِيهِ عَلَى أَبَوَيْك أَبِي بَكْر وَأُمّ رُومَان \" الْحَدِيث , وَأَصْله فِي الصَّحِيحَيْنِ دُون تَسْمِيَة أُمّ رُومَان , وَآيَة التَّخْيِير نَزَلَتْ سَنَة تِسْع اِتِّفَاقًا , فَهَذَا دَالّ عَلَى تَأْخِير مَوْت أُمّ رُومَان عَنْ الْوَقْت الَّذِي ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَالزُّبَيْر أَيْضًا , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر فِي قِصَّة أَضْيَاف أَبِي بَكْر قَالَ عَبْد الرَّحْمَن : \" وَإِنَّمَا هُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّيّ وَمَرْأَتَيَّ وَخَادِم \" وَفِيهِ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْأَدَب \" فَلَمَّا جَاءَ أَبُو بَكْر قَالَتْ لَهُ أُمِّيّ اِحْتَبَسْتَ عَنْ أَضْيَافِك \" الْحَدِيث , وَعَبْد الرَّحْمَن إِنَّمَا هَاجَرَ فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَة وَكَانَتْ الْحُدَيْبِيَة فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَة سِتّ وَهِجْرَة عَبْد الرَّحْمَن فِي سَنَة سَبْع فِي قَوْل اِبْن سَعْد , وَفِي قَوْل الزُّبَيْر فِيهَا أَوْ فِي الَّتِي بَعْدهَا , لِأَنَّهُ رَوَى أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن خَرَجَ فِي فِئَة مِنْ قُرَيْش قَبْل الْفَتْح إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَتَكُون أُمّ رُومَان تَأَخَّرَتْ عَنْ الْوَقْت الَّذِي ذَكَرَاهُ فِيهِ , وَفِي بَعْض هَذَا كِفَايَة فِي التَّعَقُّب عَلَى الْخَطِيب وَمَنْ تَبِعْهُ فِيمَا تَعَقَّبُوهُ عَلَى هَذَا الْجَامِع الصَّحِيح وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. وَقَدْ تَلْقَى كَلَام الْخَطِيب بِالتَّسْلِيمِ صَاحِب الْمَشَارِق وَالْمَطَالِع وَالسُّهَيْلِيُّ وَابْن سَيِّد النَّاس , وَتَبِعَ الْمِزِّيُّ الذَّهَبِيَّ فِي مُخْتَصَرَاتِهِ وَالْعَلَائِيَّ فِي الْمَرَاسِيل وَآخَرُونَ , وَخَالَفَهُمْ صَاحِب الْهَدْي. قُلْت. وَسَأَذْكُرُ مَا فِي حَدِيث أُمّ رُومَان مِنْ قِصَّة الْإِفْك مُخَالِفًا لِحَدِيثِ عَائِشَة وَوَجْه التَّوْفِيق بَيْنَهُمَا فِي التَّفْسِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3829",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏كَانَتْ تَقْرَأُ إِذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُ ‏ ‏الْوَلْقُ الْكَذِبُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏وَكَانَتْ أَعْلَمَ مِنْ غَيْرِهَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ نَزَلَ فِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد اللَّه ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْحٍ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة \" سَمِعْت عَائِشَة \" وَسَيَأْتِي فِي التَّفْسِير. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَتْ تَقْرَأ إِذْ تَلِقُونَهُ ) ‏ ‏أَيْ بِكَسْرِ اللَّامِ وَضَمِّ الْقَافِ مُخَفَّفًا , وَقَدْ فُسِّرَ فِي الْخَبَرِ حَيْثُ ‏ ‏قَالَ : ( وَتَقُول الْوَلَقُ الْكَذِب ) ‏ ‏وَالْوَلَقُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَاللَّامِ بَعْدهَا قَاف وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ الْإِسْرَاع فِي الْكَذِبِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة وَكَانَتْ أَعْلَم مِنْ غَيْرهَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ نَزَلَ فِيهَا ) ‏ ‏قُلْت لَكِنّ الْقِرَاءَةَ الْمَشْهُورَةَ بِفَتْحِ اللَّام وَتَشْدِيدِ الْقَافِ مِنْ التَّلَقِّي وَإِحْدَى التَّاءَيْنِ فِيهِ مَحْذُوفَة , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي تَفْسِير سُورَة النُّور إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3830",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذَهَبْتُ أَسُبُّ ‏ ‏حَسَّانَ ‏ ‏عِنْدَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏لَا تَسُبَّهُ فَإِنَّهُ كَانَ ‏ ‏يُنَافِحُ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَالَ ‏ ‏كَيْفَ بِنَسَبِي قَالَ لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنْ الْعَجِينِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ فَرْقَدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏هِشَامًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَبَبْتُ ‏ ‏حَسَّانَ ‏ ‏وَكَانَ مِمَّنْ كَثَّرَ عَلَيْهَا ‏",
        "sharh": "قَوْل عَائِشَة فِي حَسَّان ذَكَرَهُ بِأَلْفَاظِ , وَسَيَأْتِي شَرْحه أَيْضًا فِي تَفْسِير سُورَة النُّور. ‏ ‏وَقَوْله : ( وَقَالَ مُحَمَّد ) ‏ ‏اِبْن عُقْبَة أَيْ الطَّحَّانُ الْكُوفِيُّ يُكَنَّى أَبَا جَعْفَر وَأَبَا عَبْد اللَّه وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَالْأَصِيلِيّ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد \" بِغَيْرِ زِيَادَة , وَقَدْ عَرَفَ نَسَبَهُ مِنْ رِوَايَة الْآخَرِينَ , وَسَيَأْتِي لَهُ ذِكْر فِي كِتَاب الْأَحْكَام. وَشَيْخه عُثْمَان بْن فَرْقَد بَصْرِيّ لَهُ عِنْد الْبُخَارِيّ شَيْخ آخَر تَقَدَّمَ فِي آخِر الْبُيُوعِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3831",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْنَا عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏وَعِنْدَهَا ‏ ‏حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏يُنْشِدُهَا شِعْرًا ‏ ‏يُشَبِّبُ ‏ ‏بِأَبْيَاتٍ لَهُ وَقَالَ ‏ ‏حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ‏ ‏وَتُصْبِحُ ‏ ‏غَرْثَى ‏ ‏مِنْ لُحُومِ ‏ ‏الْغَوَافِلِ ‏ ‏فَقَالَتْ لَهُ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ قَالَ ‏ ‏مَسْرُوقٌ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهَا لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْكِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ ‏ ‏مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏} ‏فَقَالَتْ ‏ ‏وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنْ الْعَمَى قَالَتْ لَهُ إِنَّهُ كَانَ ‏ ‏يُنَافِحُ ‏ ‏أَوْ يُهَاجِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مَسْرُوق \" دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا حَسَّان \" يَأْتِي شَرْحه فِي تَفْسِير النُّور إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3832",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏فَأَصَابَنَا مَطَرٌ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الصُّبْحَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ قَالَ اللَّهُ ‏ ‏أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَبِرِزْقِ اللَّهِ وَبِفَضْلِ اللَّهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ كَافِرٌ بِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث زَيْد بْن خَالِد الْجُهَنِيّ فِي النَّهْي عَنْ قَوْل \" مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الِاسْتِسْقَاءِ , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : \" خَرَجْنَا عَام الْحُدَيْبِيَةِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3833",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَخْبَرَهُ قَالَ ‏ ‏اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلَّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ عُمْرَةً مِنْ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مِنْ ‏ ‏الْجِعْرَانَةِ ‏ ‏حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" اِعْتَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَع عُمَر \" تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْحَجِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3834",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏انْطَلَقْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ أُحْرِمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ \" اِنْطَلَقْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام الْحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ أُحْرِم \" هَكَذَا ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ فِي كِتَاب الْحَجّ مَشْرُوحًا , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ بَعْض مَنْ خَرَجَ إِلَى الْحُدَيْبِيَة لَمْ يَكُنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى التَّحَلُّلِ مِنْهَا كَمَا سَأُشِيرُ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3835",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَعُدُّونَ أَنْتُمْ الْفَتْحَ فَتْحَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَقَدْ كَانَ فَتْحُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَتْحًا وَنَحْنُ نَعُدُّ الْفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً ‏ ‏وَالْحُدَيْبِيَةُ ‏ ‏بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَتَاهَا فَجَلَسَ عَلَى ‏ ‏شَفِيرِهَا ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ مَضْمَضَ وَدَعَا ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا فَتَرَكْنَاهَا غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ إِنَّهَا أَصْدَرَتْنَا مَا شِئْنَا نَحْنُ وَرِكَابَنَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء فِي تَكْثِير مَاء الْبِئْر بِالْحُدَيْبِيَةِ بِبَرَكَةِ بُصَاقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا , ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء كُنَّا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَة , وَفِي رِوَايَة زُهَيْر عَنْهُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعمِائَة أَوْ أَكْثَر , وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر الَّذِي بَعْده مِنْ طَرِيق سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد عَنْهُ أَنَّهُمْ كَانُوا عَشَرَة مِائَة , وَمِنْ طَرِيق قَتَادَةَ \" قُلْت لِسَعِيدِ بْن الْمَسِيبِ بَلَغَنِي عَنْ جَابِر أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَع عَشْرَةَ مِائَة , فَقَالَ سَعِيد : حَدَّثَنِي جَابِر أَنَّهُمْ كَانُوا خَمْسَ عَشْرَة مِائَة \" وَمِنْ طَرِيق عَمْرو بْن دِينَار عَنْ جَابِر \" كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعمِائَة \" وَمِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى \" كَانُوا أَلْفًا وَثَلَاثمِائَة \" وَوَقَعَ عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث مُجْمَّع بْن حَارِثَة \" كَانُوا أَلْفًا وَخَمْسمِائَة \" وَالْجَمْع بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعمِائَة , فَمَنْ قَالَ أَلْفًا وَخَمْسمِائَة. جَبَرَ الْكَسْر , وَمَنْ قَالَ أَلْفًا وَأَرْبَعمِائَة أَلْغَاهُ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّالِثَة مِنْ حَدِيث الْبَرَاء \" أَلْفًا وَأَرْبَعمِائَة أَوْ أَكْثَر \" وَاعْتَمَدَ عَلَى هَذَا الْجَمْعِ النَّوَوِيُّ , وَأَمَّا الْبَيْهَقِيُّ فَمَال إِلَى التَّرْجِيحِ وَقَالَ : إِنَّ رِوَايَةَ مَنْ قَالَ أَلْف وَأَرْبَعمِائَة أَصَحّ , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر وَمِنْ طَرِيق أَبِي سُفْيَان كِلَاهُمَا عَنْ جَابِر كَذَلِكَ , وَمِنْ رِوَايَة مَعْقِل بْن يَسَار وَسَلَمَة بْن الْأَكْوَع وَالْبَرَاء بْن عَازِب , وَمِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِيهِ. قُلْت : وَمُعْظَم هَذِهِ الطُّرُق عِنْد مُسْلِم , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن سَعْد فِي حَدِيث مَعْقِل بْن يَسَار زُهَاء أَلْف وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ ظَاهِر فِي عَدَم التَّحْدِيد. وَأَمَّا قَوْل عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى أَلْفًا وَثَلَاثمِائَة فَيُمْكِن حَمْله عَلَى مَا اِطَّلَعَ هُوَ عَلَيْهِ , وَاطَّلَعَ غَيْره عَلَى زِيَادَة نَاس لَمْ يَطَّلِع هُوَ عَلَيْهِمْ , وَالزِّيَادَة مِنْ الثِّقَة مَقْبُولَة , أَوْ الْعَدَد الَّذِي ذَكَرَهُ جُمْلَة مِنْ اِبْتِدَاء الْخُرُوج مِنْ الْمَدِينَة وَالزَّائِد تَلَاحَقُوا بِهِمْ بَعْد ذَلِكَ , أَوْ الْعَدَد الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ عَدَد الْمُقَاتِلَة وَالزِّيَادَة عَلَيْهَا مِنْ الْأَتْبَاع مِنْ الْخَدَم وَالنِّسَاء وَالصِّبْيَان الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ. وَأَمَّا قَوْل اِبْن إِسْحَاق إِنَّهُمْ كَانُوا سَبْعمِائَة فَلَمْ يُوَافِق عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَهُ اِسْتِنْبَاطًا مِنْ قَوْل جَابِر : \" نَحَرْنَا الْبَدَنَة عَنْ عَشْرَةٍ \" وَكَانُوا نَحَرُوا سَبْعِينَ بَدَنَة وَهَذَا لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَنْحَرُوا غَيْر الْبُدْنِ , مَعَ أَنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ يَكُنْ أَحْرَمَ أَصْلًا. وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب فِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَان أَنَّهُمَا خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَة , فَيُجْمَع أَيْضًا بِأَنَّ الَّذِينَ بَايَعُوا كَانُوا كَمَا تَقَدَّمَ , وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَانُوا غَائِبِينَ عَنْهَا كَمَنْ تَوَجَّهَ مَعَ عُثْمَان إِلَى مَكَّةَ , عَلَى أَنَّ لَفْظ الْبِضْع يَصْدُق عَلَى الْخَمْس وَالْأَرْبَع فَلَا تَخَالُف , وَجَزَمَ مُوسَى بْن عُقْبَة بِأَنَّهُمْ كَانُوا أَلْفًا وَسِتّمِائَة , وَفِي حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة أَلْفًا وَسَبْعمِائَة , وَحَكَى اِبْن سَعْد أَنَّهُمْ كَانُوا أَلْفًا وَخَمْسمِائَة وَخَمْسَة وَعِشْرِينَ , وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ تَحْرِير بَالِغ. ثُمَّ وَجَدْته مَوْصُولًا عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن مَرْدُوَيهِ , وَفِيهِ رَدّ عَلَى اِبْن دِحْيَةَ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ سَبَب الِاخْتِلَافِ فِي عَدَدِهِمْ أَنَّ الَّذِي ذَكَرَ عَدَدَهُمْ لَمْ يَقْصِد التَّحْدِيدَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِالْحَدْسِ وَالتَّخْمِين , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَحْنُ نَعُدّ الْفَتْح بَيْعَة الرِّضْوَان ) ‏ ‏يَعْنِي قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا ) وَهَذَا مَوْضِع وَقَعَ فِيهِ اِخْتِلَاف قَدِيم , وَالتَّحْقِيق أَنَّهُ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْمُرَاد مِنْ الْآيَاتِ , فَقَوْله تَعَالَى : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا ) الْمُرَاد بِالْفَتْحِ هُنَا الْحُدَيْبِيَةُ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَبْدَأ الْفَتْحِ الْمُبِينِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , لِمَا تَرَتَّبَ عَلَى الصُّلْحِ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ الْأَمْن وَرَفْع الْحَرْب وَتَمَكَّنَ مَنْ يَخْشَى الدُّخُول فِي الْإِسْلَام وَالْوُصُول إِلَى الْمَدِينَة مِنْ ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ لِخَالِدِ بْن الْوَلِيد وَعَمْرو بْن الْعَاصِ وَغَيْرهمَا , ثُمَّ تَبِعَتْ الْأَسْبَاب بَعْضهَا بَعْضًا إِلَى أَنْ كَمُلَ الْفَتْح , وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : لَمْ يَكُنْ فِي الْإِسْلَام فَتْح قَبْل فَتْح الْحُدَيْبِيَةِ أَعْظَم مِنْهُ , وَإِنَّمَا كَانَ الْكُفْر حَيْثُ الْقِتَال , فَلَمَّا أَمِنَ النَّاس كُلّهمْ كَلَّمَ بَعْضهمْ بَعْضًا وَتَفَاوَضُوا فِي الْحَدِيث وَالْمُنَازَعَة وَلَمْ يَكُنْ أَحَد فِي الْإِسْلَام يَعْقِل شَيْئًا إِلَّا بَادَرَ إِلَى الدُّخُول فِيهِ , فَلَقَدْ دَخَلَ فِي تِلْكَ السَّنَتَيْنِ مِثْل مَنْ كَانَ دَخَلَ فِي الْإِسْلَام قَبْل ذَلِكَ أَوْ أَكْثَر. قَالَ اِبْن هِشَام : وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ فِي الْحُدَيْبِيَة فِي أَلْف وَأَرْبَعِمِائَةٍ ثُمَّ خَرَجَ بَعْد سَنَتَيْن إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ فِي عَشَرَة آلَاف اِنْتَهَى. وَهَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ مُنْصَرَفِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ كَمَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ عُمَر , وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ : ( وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) فَالْمُرَاد بِهَا فَتْح خَيْبَر عَلَى الصَّحِيح لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا الْمَغَانِم الْكَثِيرَة لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث مُجْمَّع بْن حَارِثَة قَالَ : شَهِدْنَا الْحُدَيْبِيَة فَلَمَّا اِنْصَرَفْنَا وَجَدْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا عِنْد كُرَاعِ الْغَمِيمِ وَقَدْ جَمَعَ النَّاس قَرَأَ عَلَيْهِمْ ( إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا ) الْآيَة فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه أَوَ فَتْحٌ هُوَ ؟ قَالَ : أَيْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَفَتْحٌ. ثُمَّ قُسِمَتْ خَيْبَر عَلَى أَهْل الْحُدَيْبِيَة. وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا ) قَالَ : صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ , وَغَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ , وَتَبَايَعُوا بَيْعَة الرِّضْوَان , وَأُطْعِمُوا نَخِيل خَيْبَر , وَظَهَرَتْ الرُّوم عَلَى فَارِس وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِنَصْرِ اللَّه. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : ( فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ) فَالْمُرَاد الْحُدَيْبِيَةُ , وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ \" فَالْمُرَادُ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ بِاتِّفَاقٍ , فَبِهَذَا يَرْتَقِعُ الْإِشْكَالُ وَتَجْتَمِعُ الْأَقْوَالُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ ) ‏ ‏يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمَكَانَ الْمَعْرُوفَ بِالْحُدَيْبِيَةِ سُمِّيَ بِئْر كَانَتْ هُنَالِكَ , هَذَا اِسْمُهَا ثُمَّ عُرِفَ الْمَكَانُ كُلُّهُ بِذَلِكَ , وَقَدْ مَضَى بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا فِي أَوَاخِرِ الشُّرُوطِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَحْنَاهَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي شَرْحِ اِبْنِ التِّينِ \" فَنَزَفْنَاهَا \" بِالْفَاءِ بَدَل الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ : وَالنَّزْفُ وَالنَّزْحُ وَاحِدٌ وَهُوَ أَخْذُ الْمَاءِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إِلَى أَنْ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ نَتْرُك فِيهَا قَطْرَةً ) ‏ ‏فِي رِوَايَةٍ \" فَوَجَدْنَا النَّاسَ قَدْ نَزَحُوهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرهَا ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ زُهَيْر \" ثُمَّ قَالَ : اِئْتُونِي بِدَلْوٍ مِنْ مَائِهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ مَضْمَضَ وَدَعَا , ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا , فَتَرَكْنَاهَا غَيْرَ بِعِيدٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ \" فَبَصَقَ فَدَعَا ثُمَّ قَالَ دَعُوهَا سَاعَةً \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَنَّهَا أَصَدَرَتْنَا ) ‏ ‏أَيْ رَجَعَتْنَا , يَعْنِي أَنَّهُمْ رَجَعُوا عَنْهَا وَقَدْ رُوُوا , وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ \" فَأَرْوُوا أَنْفُسَهُمْ وَرِكَابَهُمْ \" وَالرِّكَابُ الْإِبِلُ الَّتِي يُسَارُ عَلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3836",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏فَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَرَّانِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ أَنْبَأَنَا ‏ ‏الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَةٍ أَوْ أَكْثَرَ فَنَزَلُوا عَلَى بِئْرٍ فَنَزَحُوهَا فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَتَى الْبِئْرَ وَقَعَدَ عَلَى ‏ ‏شَفِيرِهَا ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏ائْتُونِي بِدَلْوٍ مِنْ مَائِهَا فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ فَدَعَا ثُمَّ قَالَ دَعُوهَا سَاعَةً فَأَرْوَوْا أَنْفُسَهُمْ وَرِكَابَهُمْ حَتَّى ارْتَحَلُوا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3837",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ عِيسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُصَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ يَدَيْهِ ‏ ‏رَكْوَةٌ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ مِنْهَا ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا لَكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا نَشْرَبُ إِلَّا مَا فِي ‏ ‏رَكْوَتِكَ ‏ ‏قَالَ فَوَضَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَهُ فِي ‏ ‏الرَّكْوَةِ ‏ ‏فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ قَالَ فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا فَقُلْتُ ‏ ‏لِجَابِرٍ ‏ ‏كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ قَالَ لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِبْن فُضَيْلٍ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد , وَحُصَيْن هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , وَسَالِم هُوَ اِبْن أَبِي الْجَعْد , وَالْكُلّ كُوفِيُّونَ كَمَا أَنَّ الْإِسْنَاد الَّذِي بَعْدَهُ إِلَى قَتَادَةَ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَضَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَده فِي الرَّكْوَة فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْن أَصَابِعِهِ ) ‏ ‏هَذَا مُغَايِر لِحَدِيثِ الْبَرَاء أَنَّهُ صَبَّ مَاءَ وُضُوئِهِ فِي الْبِئْرِ فَكُثْرُ الْمَاءُ فِي الْبِئْرِ , وَجَمَعَ اِبْن حِبَّانَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ , وَسَيَأْتِي فِي الْأَشْرِبَةِ الْبَيَانُ بِأَنَّ حَدِيث جَابِر فِي نَبِعْ الْمَاء كَانَ حِين حَضَرَتْ صَلَاة الْعَصْر عِنْد إِرَادَة الْوُضُوء , وَحَدِيث الْبَرَاء كَانَ لِإِرَادَةِ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمَاء لَمَّا تَفَجَّر مِنْ أَصَابِعه وَيَده فِي الرَّكْوَة وَتَوَضَّئُوا كُلّهمْ وَشَرِبُوا أَمَر حِينَئِذٍ بِصَبِّ الْمَاء الَّذِي بَقِيَ فِي الرَّكْوَة فِي الْبِئْر فَتَكَاثَرَ الْمَاء فِيهَا , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ حَدِيث حَابِر مِنْ طَرِيق نُبَيْح الْعَنَزِيّ عَنْهُ وَفِيهِ \" فَجَاءَ رَجُل بِإِدَاوَةِ فِيهَا شَيْء مِنْ مَاء لَيْسَ فِي الْقَوْم مَاء غَيْره , فَصَبَّهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَدَح ثُمَّ تَوَضَّأَ فَأَحْسَن ثُمَّ اِنْصَرَفَ وَتَرَكَ الْقَدَحَ , قَالَ فَتَزَاحَمَ النَّاسُ عَلَى الْقَدَحِ , فَقَالَ : عَلَى رِسْلكُمْ , فَوَضَعَ كَفَّهُ فِي الْقَدَح ثُمَّ قَالَ : أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ , قَالَ فَلَقَدْ رَأَيْت الْعُيُونَ عُيُونَ الْمَاء تَخْرُج مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ \" وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّ تَكَثُّرَ الْمَاءِ كَانَ بِصَبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُضُوءَهُ فِي الْبِئْرِ , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة فِي \" دَلَائِلِ الْبَيْهَقِيِّ \" أَنَّهُ أَمَرَ بِسَهْمٍ فَوُضِعَ فِي قَعْرِ الْبِئْرِ فَجَاشَتْ بِالْمَاءِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْه الْجَمِيعِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَان فِي آخِرِ الشُّرُوطِ , وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى اِخْتِلَافِهِمْ فِي كَيْفِيَّةِ نَبْعِ الْمَاءِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ , وَأَنَّ نَبْعَ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَقَعَ مِرَارًا فِي الْحَضَرِ وَفِي السَّفَرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3838",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏بَلَغَنِي أَنَّ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏كَانَ يَقُولُ كَانُوا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً فَقَالَ لِي ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏كَانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً الَّذِينَ بَايَعُوا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو دَاوُدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُرَّةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ أَبُو دَاوُدَ ) ‏ ‏هُوَ سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ‏ ‏( قَالَ حَدَّثَنَا قُرَّةُ ) هُوَ ‏ ‏اِبْن خَالِد ‏ ‏( عَنْ قَتَادَةَ ) ‏ ‏, وَهَذِهِ الطَّرِيق وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن عَلِيٍّ الْفَلَّاس عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى قَتَادَةَ قَالَ : \" سَأَلْت سَعِيد بْن الْمُسَيِّب كَمْ كَانُوا فِي بَيْعَةِ الرِّضْوَان \" ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيث وَقَالَ فِيهِ : أَوْهَمَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ , هُوَ حَدَّثَنِي أَنَّهُمْ كَانُوا أَلْفًا وَخَمْسمِائَةٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "3839",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ ‏ ‏وَكُنَّا أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَةٍ وَلَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ الْيَوْمَ لَأَرَيْتُكُمْ مَكَانَ الشَّجَرَةِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏سَالِمًا ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَةٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ أَلْفًا وَثَلَاثَ مِائَةٍ وَكَانَتْ ‏ ‏أَسْلَمُ ‏ ‏ثُمْنَ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو دَاوُدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة : أَنْتُمْ خَيْر أَهْل الْأَرْض ) ‏ ‏هَذَا صَرِيح فِي فَضْل أَصْحَاب الشَّجَرَة , فَقَدْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِذْ ذَاكَ جَمَاعَة بِمَكَّة وَبِالْمَدِينَةِ وَبِغَيْرِهِمَا , وَعِنْدَ أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ قَالَ : \" لَمَّا كَانَ بِالْحُدَيْبِيَةِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُوقِدُوا نَارًا بِلَيْلٍ , فَلَمَّا كَانَ بَعْد ذَلِكَ قَالَ : أَوْقِدُوا وَاصْطَنِعُوا فَإِنَّهُ لَا يُدْرِك قَوْم بَعْدكُمْ صَاعكُمْ وَلَا مُدّكُمْ \" وَعِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر مَرْفُوعًا \" لَا يَدْخُل النَّار مَنْ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ \" وَرَوَى مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيث أُمّ مُبَشِّر أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : \" لَا يَدْخُل النَّار أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ \" وَتَمَسّك بِهِ بَعْض الشِّيعَة فِي تَفْضِيل عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ لِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مِنْ خُوطِبَ بِذَلِكَ وَمِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَكَانَ عُثْمَان حِينَئِذٍ غَائِبًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر , لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَذْكُور أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَايَعَ عَنْهُ فَاسْتَوَى مَعَهُمْ عُثْمَان فِي الْخَيْرِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ , وَلَمْ يَقْصِد فِي الْحَدِيثِ إِلَى تَفْضِيل بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْخَضِرَ لَيْسَ بِحَيٍّ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا مَعَ ثُبُوتِ كَوْنِهِ نَبِيًّا لَلَزِمَ تَفْضِيلُ غَيْرِ النَّبِيِّ عَلَى النَّبِيِّ وَهُوَ بَاطِل فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيٍّ حِينَئِذٍ , وَأَجَابَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ حَيٌّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون حِينَئِذٍ حَاضِرًا مَعَهُمْ وَلَمْ يَقْصِد إِلَى تَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَلْ كَانَ فِي الْبَحْرِ , وَالثَّانِي جَوَابٌ سَاقِطٌ , وَعَكَسَ اِبْن التِّين فَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْخَضِرَ لَيْسَ بِنَبِيٍّ فَبَنَى الْأَمْرَ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ وَأَنَّهُ دَخَلَ فِي عُمُومِ مَنْ فَضَّلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِمْ , وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَدِلَّةَ الْوَاضِحَةِ عَلَى ثُبُوتِ نُبُوَّةِ الْخَضِرِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَأَغْرَبَ اِبْن التِّين فَجَزَمَ أَنَّ إِلْيَاسَ لَيْسَ بِنَبِيٍّ وَبَنَاهُ عَلَى قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَيْضًا حَيّ , وَهُوَ ضَعِيف أَعْنِي كَوْنَهُ حَيًّا , وَأَمَّا كَوْنُهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ فَنَفْيٌ بَاطِلٌ فَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ( وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) فَكَيْفَ يَكُونُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ مُرْسَلًا وَلَيْسَ بِنَبِيٍّ ؟. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَوْ كُنْت أُبْصِرُ الْيَوْمَ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ عَمِيَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ الْأَعْمَش سَمِعَ سَالِمًا ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن أَبِي الْجَعْد ( ‏ ‏سَمِعَ جَابِرًا أَلْفًا وَأَرْبَعمِائَة ) ‏ ‏أَيْ فِي قَوْله أَلْفًا وَأَرْبَعمِائَة , وَهَذِهِ الطَّرِيقُ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ أَتَمَّ مِمَّا هُنَا , وَبَيَّنَ فِي آخِرِهِ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى سَالِمٍ ثُمَّ عَلَى جَابِرٍ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ , وَقَدْ بَيَّنْت وَجْهَ الْجَمْعِ قَرِيبًا. وَقِيلَ : إِنَّمَا عَدَلَ الصَّحَابِيُّ عَنْ قَوْلِهِ : أَلْف وَأَرْبَعمِائَة إِلَى قَوْله : أَرْبَعَ عَشْرَة مِائَة لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْجَيْشَ كَانَ مُنْقَسِمًا إِلَى الْمِئَاتِ وَكَانَتْ كُلُّ مِائَةٍ مُمْتَازَة عَنْ الْأُخْرَى إِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقَبَائِلِ وَإِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصِّفَاتِ. قَالَ اِبْن دِحْيَة : الِاخْتِلَاف فِي عَدَدهمْ دَالّ عَلَى أَنَّهُ قِيلَ بِالتَّخْمِينِ. وَتُعُقِّبَ بِإِمْكَانِ الْجَمْعِ كَمَا تَقَدَّمَ. حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ ) ‏ ‏كَذَا ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ التَّعْلِيق , وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج عَلَى مُسْلِم \" مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن سُفْيَان \" حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ بِهِ \" وَقَالَ مُسْلِم : \" حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ بِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَلْفًا وَثَلَاثمِائَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيٍّ بْن قَادِمٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرو بْن مَرَّة عِنْد اِبْن مَرْدُوَيهِ \" أَلْفًا وَأَرْبَعمِائَةٍ \" وَهِيَ شَاذَّةٌ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ أَسْلَمُ ) ‏ ‏أَيْ قَبِيلَتُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمْنَ الْمُهَاجِرِينَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا وَلَمْ أَعْرِف عَدَد مَنْ كَانَ بِهَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّة لِيَعْرِف عَدَد الْأَسْلَمِيِّين , إِلَّا أَنَّ الْوَاقِدِيّ جَزَمَ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة مِنْ أَسْلَمَ مِائَة رَجُلٍ , فَعَلَى هَذَا كَانَ الْمُهَاجِرُونَ ثَمَانمِائَة. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ مُحَمَّد بْن بَشَّار ) ‏ ‏هُوَ بُنْدَار ‏ ‏( حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ) ‏ ‏هُوَ الطَّيَالِسِيُّ , وَهَذِهِ الطَّرِيق وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ اِبْن عَبْد الْكَرِيم عَنْ بُنْدَار بِهِ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي مُوسَى مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عَنْ أَبِي دَاوُدَ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3840",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏مِرْدَاسًا الْأَسْلَمِيَّ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ يُقْبَضُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ وَتَبْقَى ‏ ‏حُفَالَةٌ ‏ ‏كَحُفَالَةِ ‏ ‏التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ شَيْئًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عِيسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُونُس , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَمِرْدَاسٌ الْأَسْلَمِيّ هُوَ اِبْن مَالِك وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَلَا يُعْرَف أَحَدٌ رَوَى عَنْهُ إِلَّا قَيْس بْن أَبِي حَازِم وَجَزَمَ بِذَلِكَ الْبُخَارِيّ وَأَبُو حَاتِم وَمُسْلِم وَآخَرُونَ. وَقَالَ اِبْن السَّكَن : زَعَمَ أَهْل الْحَدِيث أَنَّ مِرْدَاس بْن عُرْوَة الَّذِي رَوَى عَنْهُ زِيَادُ بْن عِلَاقَةَ هُوَ الْأَسْلَمِيّ , قَالَ : وَالصَّحِيح أَنَّهُمَا اِثْنَانِ. قُلْت : وَفِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَلَى الْمِزِّيّ فِي قَوْلِهِ فِي تَرْجَمَةِ مِرْدَاسٍ الْأَسْلَمِيّ \" رَوَى عَنْهُ قَيْس بْن أَبِي حَازِم وَزِيَاد بْن عِلَاقَةَ \" , وَوَضَح أَنَّ شَيْخَ زِيَاد بْن عِلَاقَةَ غَيْر مِرْدَاس الْأَسْلَمِيّ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ مِرْدَاسًا الْأَسْلَمِيّ يَقُول وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ : يُقْبَضُ الصَّالِحُونَ ) ‏ ‏كَذَا ذَكَرَهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا هُنَا , وَأَوْرَدَهُ فِي الرِّقَاق مِنْ طَرِيق بَيَانٍ عَنْ قَيْس مَرْفُوعًا , وَيَأْتِي شَرْحه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْغَرَض مِنْهُ بَيَان أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَاب الشَّجَرَة , وَالْحُفَالَةُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ بِمَعْنَى الْحُثَالَةِ بِالْمُثَلَّثَةِ , وَالْفَاءُ قَدْ تَقَع مَوْضِع الثَّاء , وَالْمُرَاد بِهَا الرَّدِيءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "3841",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَرْوَانَ ‏ ‏وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا كَانَ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏قَلَّدَ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَ وَأَحْرَمَ مِنْهَا ‏ ‏لَا أُحْصِي كَمْ سَمِعْتُهُ مِنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏حَتَّى سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَا أَحْفَظُ مِنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏الْإِشْعَارَ وَالتَّقْلِيدَ ‏ ‏فَلَا أَدْرِي ‏ ‏يَعْنِي مَوْضِعَ الْإِشْعَارِ وَالتَّقْلِيدِ أَوْ الْحَدِيثَ كُلَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْمِسْوَر وَمَرْوَان فِي قِصَّة الْحُدَيْبِيَة , ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا مِنْ رِوَايَة سُفْيَان - وَهُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ فِيهِ : \" لَا أُحْصِي كَمْ سَمِعْته مِنْ سُفْيَانَ , حَتَّى سَمِعْته يَقُول : لَا أَحْفَظُ مِنْ الزُّهْرِيِّ الْأَشْعَارَ وَالتَّقْلِيدَ إِلَخْ \" وَهَذَا كَلَام عَلِيٍّ بْنِ الْمَدِينِيّ , وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد الْجُعْفِيِّ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ أَتَمَّ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ , وَلَكِنْ قَالَ فِيهِ : \" حَفِظْت بَعْضَهُ وَثَبَّتَنِي مَعْمَر \" وَسَأَذْكُرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَرْحِهِ , وَهُوَ الْحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرُونَ فِيهِ. وَأَغْرَب الْكَرْمَانِيُّ فَحَمَلَ قَوْلَ عَلِيِّ بْن الْمَدِينِيِّ \" لَا أُحْصِي كَمْ سَمِعْته مِنْ سُفْيَانَ \" عَلَى أَنَّهُ شَكٌّ فِي الْعَدَدِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ هَلْ قَالَ أَلْف وَخَمْسمِائَة أَوْ أَلْف وَأَرْبَعمِائَة أَوْ أَلْف وَثَلَاثمِائَة , وَيَكْفِي فِي التَّعَقُّبِ عَلَيْهِ أَنَّ حَدِيث سُفْيَانَ هَذَا لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلتَّرَدُّدِ فِي عَدَدِهِمْ , بَلْ الطُّرُقُ كُلُّهَا جَازِمَةٌ بِأَنَّ الزُّهْرِيَّ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ \" كَانُوا بِضْعَ عَشَرَة مِائَة \" وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ سُفْيَانَ , وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَالْبَرَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ مَبْسُوطًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3842",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ خَلَفٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ وَرْقَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَآهُ وَقَمْلُهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ ‏ ‏أَيُؤْذِيكَ ‏ ‏هَوَامُّكَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ ‏ ‏بِالْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْفِدْيَةَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ أَوْ يُهْدِيَ شَاةً أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن خَلَفٍ ) ‏ ‏هُوَ الْوَاسِطِيُّ , ثِقَةٌ مِنْ صِغَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ , وَمَا لَهُ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي بِشْرٍ وَرْقَاء ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْيَشْكُرِيّ , وَهُوَ مَشْهُور بِاسْمِهِ. وَابْن أَبِي نَجِيح اِسْمه عَبْد اللَّه وَاسْم أَبِي نَجِيح يَسَار بِمُهْمَلَةِ , وَحَدِيث كَعْب بْن عُجْرَة هَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ مُجَاهِد فِي آخِر هَذَا الْبَابِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَابِ الْحَجِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3843",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ خَرَجْتُ مَعَ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏إِلَى السُّوقِ فَلَحِقَتْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏امْرَأَةٌ شَابَّةٌ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلَكَ زَوْجِي وَتَرَكَ صِبْيَةً صِغَارًا وَاللَّهِ مَا يُنْضِجُونَ ‏ ‏كُرَاعًا ‏ ‏وَلَا لَهُمْ زَرْعٌ وَلَا ضَرْعٌ وَخَشِيتُ أَنْ تَأْكُلَهُمْ الضَّبُعُ وَأَنَا بِنْتُ ‏ ‏خُفَافِ بْنِ إِيْمَاءَ الْغِفَارِيِّ ‏ ‏وَقَدْ شَهِدَ أَبِي ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةَ ‏ ‏مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَقَفَ مَعَهَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَلَمْ يَمْضِ ثُمَّ قَالَ مَرْحَبًا بِنَسَبٍ قَرِيبٍ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَعِيرٍ ظَهِيرٍ كَانَ مَرْبُوطًا فِي الدَّارِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ ‏ ‏غِرَارَتَيْنِ ‏ ‏مَلَأَهُمَا طَعَامًا وَحَمَلَ بَيْنَهُمَا نَفَقَةً وَثِيَابًا ثُمَّ نَاوَلَهَا ‏ ‏بِخِطَامِهِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ اقْتَادِيهِ فَلَنْ يَفْنَى حَتَّى يَأْتِيَكُمْ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَقَالَ رَجُلٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَكْثَرْتَ لَهَا قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏ثَكِلَتْكَ ‏ ‏أُمُّكَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى أَبَا هَذِهِ وَأَخَاهَا قَدْ حَاصَرَا حِصْنًا زَمَانًا فَافْتَتَحَاهُ ثُمَّ أَصْبَحْنَا ‏ ‏نَسْتَفِيءُ ‏ ‏سُهْمَانَهُمَا فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَلَحِقَتْ عُمَرَ اِمْرَأَةٌ شَابَّةٌ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا وَلَا عَلَى اِسْم زَوْجِهَا وَلَا اِسْمِ أَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِهَا , وَزَوْجُهَا صَحَابِيٌّ لِأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَوْلَادٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ دِرَاكًا , وَهَذِهِ بِنْت صَحَابِيّ لَا يَبْعُد أَنْ يَكُونَ لَهَا رُؤْيَة , فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ زَوْجَهَا صَحَابِيّ أَيْضًا , وَفِي رِوَايَة مَعْنٍ عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" فَلَقَيْنَا اِمْرَأَةً قَدْ شَبِثَتْ بِثِيَابِهِ \" وَللدَّارَقُطْنِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" إِنِّي اِمْرَأَةٌ مُؤْتَمَةٌ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ عَنْ مَالِك \" فَتَعَلَّقَتْ بِثِيَابِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَتَرَكَ صِبْيَةً صِغَارًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سَعِيد بْن دَاوُدَ \" وَخَلَفَ صَبِيَّيْنِ صَغِيرَيْنِ \" فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَعَهُمَا بِنْت أَوْ أَكْثَرُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ) ‏ ‏زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْدِ الْعَزِيز بْن يَحْيَى عَنْ مَالِك \" فَقَالَ مَنْ مَعَهُ : دَعِيُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا يُنْضِجُونَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا جِيمٌ. ‏ ‏قَوْله : ( كُرَاعًا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْكَافِ هُوَ مَا دُونَ الْكَعْبِ مِنْ الشَّاةِ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَكْفُونَ أَنْفُسَهُمْ مُعَالَجَة مَا يَأْكُلُونَهُ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُون الْمُرَاد لَا كُرَاعَ لَهُمْ فَيُنْضِجُونَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ لَهُمْ ضَرْع ) ‏ ‏بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ : لَيْسَ لَهُمْ مَا يَحْلِبُونَهُ. وَقَوْله : ( وَلَا زَرْعَ ) أَيْ لَيْسَ لَهُمْ نَبَاتٌ. ‏ ‏قَوْله : ( وَخَشِيت أَنْ تَأْكُلهُمْ الضِّبَعُ ) ‏ ‏أَيْ السَّنَةُ الْمُجْدِبَةُ , وَمَعْنَى تَأْكُلُهُمْ أَيْ تُهْلِكُهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا بِنْت خِفَافُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَاءَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ. ‏ ‏قَوْله : ( إِيمَاءٍ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَيُقَال بِفَتْحِهَا وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَالْمَدّ , وَخِفَاف صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ قِيلَ لَهُ وَلِأَبِيهِ وَلِجَدِّهِ صُحْبَة حَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرِّ , قَالَ : وَكَانُوا يَنْزِلُونَ غَيْقَة يَعْنِي بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَقَافٍ وَيَأْتُونَ الْمَدِينَةَ كَثِيرًا , وَلِخِفَافِ هَذَا حَدِيث عِنْد مُسْلِم مَوْصُولٌ. ‏ ‏قَوْله : ( شَهِدَ أَبِي الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رُهْمٍ الْغِفَارِيِّ قَالَ : \" لَمَّا نَزَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَبْوَاءِ أَهْدَى لَهُ إِيمَاءُ بْنُ رَحْضَةَ الْغِفَارِيُّ مِائَة شَاة وَبَعِيرَيْنِ يَحْمِلَانِ لَبَنًا , وَبَعَثَ بِهَا مَعَ اِبْنه خِفَاف , فَقِبَلَ هَدِيَّتَهُ وَفَرَّقَ الْغَنَمَ فِي أَصْحَابِهِ وَدَعَا بِالْبَرَكَةِ \". ‏ ‏قَوْله : ( بِنَسَبٍ قَرِيبٍ ) ‏ ‏يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ قُرْبَ نَسَبِ غِفَارٍ مِنْ قُرَيْش , لِأَنَّ كِنَانَة تَجْمَعهُمْ. أَوْ أَرَادَ أَنَّهَا اِنْتَسَبَتْ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ مَعْرُوفٍ. ‏ ‏قَوْله : ( بَعِيرٍ ظَهِيرٍ ) ‏ ‏أَيْ قَوِيِّ الظَّهْر مُعَدٍّ لِلْحَاجَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( اِقْتَادِيهِ ) ‏ ‏بِقَافٍ وَمُثَنَّاةٍ وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ \" وُقُودِي هَذَا الْبَعِيرَ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَأْتِيَكُمْ اللَّهُ بِخَيْرٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ \" بِالرِّزْقِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُلٌ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثَكِلَتْك أُمُّك ) ‏ ‏هِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ لِلْإِنْكَارِ وَلَا تُرِيدُ بِهَا حَقِيقَتَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي لِأَرَى أَبَا هَذِهِ ) ‏ ‏يَعْنِي خِفَافًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَخَاهَا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمِهِ وَكَانَ لِخِفَافٍ اِبْنَانِ الْحَارِثُ وَمُخَلَّدٌ لَكِنَّهُمَا تَابِعِيَّانِ فَوَهَمَ مَنْ فَسَّرَ الْأَخَ الَّذِي ذَكَرَهُ عُمَر بِأَحَدِهِمَا , لِأَنَّ مُقْتَضَى هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ الْمَذْكُورُ صَحَابِيًّا , وَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرَهُ اِبْن عَبْد الْبَرِّ أَنَّ لِخِفَافٍ وَأَبِيهِ وَجَدّه صُحْبَةٌ اِقْتَضَى أَنْ يَكُون هَؤُلَاءِ أَرْبَعَة فِي نَسَقٍ لَهُمْ صُحْبَة , وَهُمْ وَلَد خِفَافٍ وَخِفَافٌ وَإِيمَاء وَرَحْضَة , فَتَذَاكَرَ بِهِمْ مَعَ بَيْت الصِّدِّيقِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَد أَرْبَعَة فِي نَسَقٍ لَهُمْ صُحْبَةٌ الَّا فِي بَيْتِ الصِّدِّيقِ , وَقَدْ جَمَعْت مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفٍ فَبَلَغُوا عَشَرَةَ أَمْثِلَةٍ , مِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثةٍ وَأَبُوهُ وَوَلَده أُسَامَة وَوَلَد أُسَامَة , لِأَنَّ الْوَاقِدِيّ وَصَفَ أُسَامَةَ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُلِدَ لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ حَاصَرَا حِصْنًا ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِف الْغَزْوَةَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا ذَلِكَ , وَيُحْتَمَلُ اِحْتِمَالًا قَرِيبًا أَنْ تَكُونَ خَيْبَرَ لِأَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ وَحُوصِرَتْ حُصُونُهَا. ‏ ‏قَوْله : ( نَسْتَفِيءَ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءِ وَبِالْهَمْزِ أَيْ نَسْتَرْجِعُ , يَقُولُ هَذَا الْمَال أَخَذْته فَيْئًا. وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيِّ بِالْقَافِ بِغَيْرِ هَمْزٍ. ‏ ‏وَقَوْله : \" سُهْمَاننَا \" ‏ ‏أَيْ أَنْصِبَاؤُنَا مِنْ الْغَنِيمَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3844",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ أَبُو عَمْرٍو الْفَزَارِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَقَدْ رَأَيْتُ الشَّجَرَةَ ثُمَّ أَتَيْتُهَا بَعْدُ فَلَمْ أَعْرِفْهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِيهِ فِي الشَّجَرَة , أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْهُ , وَمَنْ طَرِيق طَارِق بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ سَعِيد مِنْ ثَلَاثَة طُرُقٍ إِلَى طَارِقٍ. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ رَأَيْت الشَّجَرَةَ ) ‏ ‏أَيْ الَّتِي كَانَتْ بَيْعَة الرِّضْوَان تَحْتَهَا , وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ \" قَالَ مَحْمُود ثُمَّ أُنْسِيتهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَتَيْتهَا بَعْدُ فَلَمْ أَعْرِفهَا ) ‏ ‏بَيْن رِوَايَةِ طَارِق أَنَّهُ أَتَاهَا فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَلَمْ يَعْرِفهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3845",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْطَلَقْتُ حَاجًّا فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ قُلْتُ مَا هَذَا الْمَسْجِدُ قَالُوا هَذِهِ الشَّجَرَةُ حَيْثُ بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ فَأَتَيْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَحْتَ الشَّجَرَةِ قَالَ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ نَسِينَاهَا فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهَا فَقَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أَصْحَابَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَعْلَمُوهَا وَعَلِمْتُمُوهَا أَنْتُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَحْمُود ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غَيْلَانَ , وَعُبَيْد اللَّه هُوَ اِبْن مُوسَى وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ يُحَدِّثُ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( اِنْطَلَقْت حَاجًّا فَمَرَرْت بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم أَحَدٍ مِنْهُمْ , وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ قَيْسِ بْن الرَّبِيعِ عَنْ طَارِقٍ \" فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ \". ‏ ‏قَوْله : ( نَسِينَاهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ وَالْمُسْتَمْلِيّ \" أُنْسِينَاهَا \" بِضَمِّ الْهَمْزَة وَسُكُونِ النُّونِ أَيْ أُنْسِينَا مَوْضِعَهَا بِدَلِيلِ \" فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ سَعِيد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْمُسَيِّب \" إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمُوهَا وَعَلِمْتُمُوهَا أَنْتُمْ ؟ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ \" قَالَ سَعِيد هَذَا الْكَلَامُ مُنْكَرًا , وَقَوْله : \" فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ \" هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ. وَفِي رِوَايَةِ قَيْس بْن الرَّبِيع \" إِنَّ أَقَاوِيلَ النَّاسِ كَثِيرَةٌ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3846",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏طَارِقٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَرَجَعْنَا إِلَيْهَا الْعَامَ الْمُقْبِلَ فَعَمِيَتْ عَلَيْنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَرَجَعْنَا إِلَيْهَا الْعَامَ الْمُقْبِلَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ عَفَّانَ عَنْ أَبِي عَوَانَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" فَانْطَلَقْنَا فِي قَابِلٍ حَاجِّينَ \" كَذَا أَطْلَقَ , وَهُمْ كَانُوا مُعْتَمِرِينَ , لَكِنْ يُطْلَق عَلَيْهَا الْحَجُّ كَمَا يُقَالُ : الْعُمْرَةُ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَمِيَتْ عَلَيْنَا ) ‏ ‏أَيْ أُبْهِمَتْ , فِي رِوَايَةِ عَفَّانَ \" فَعَمِيَ عَلَيْنَا مَكَانُهَا \" وَزَادَ \" فَإِنْ كَانَتْ بُيِّنَتْ لَكُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3847",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقٍ ‏ ‏قَالَ ذُكِرَتْ عِنْدَ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏الشَّجَرَةُ فَضَحِكَ ‏ ‏فَقَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏وَكَانَ شَهِدَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ذَكَرْت عِنْد سَعِيد بْن الْمُسَيِّب الشَّجَرَة فَضَحِكَ فَقَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي وَكَانَ شَهِدَهَا ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي زُرْعَة عَنْ قَبِيصَة شَيْخِ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" أَنَّهُمْ أَتَوْهَا مِنْ الْعَامِ الْقَابِلِ فَأُنْسِينَاهَا \" وَقَدْ قَدَّمْت الْحِكْمَةَ فِي إِخْفَائِهَا عَنْهُمْ فِي \" بَابِ الْبَيْعَةِ عَلَى الْحَرْبِ \" مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ اِبْن عُمَر فِي مَعْنَى ذَلِكَ , لَكِنَّ إِنْكَارَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَرَفَهَا مُعْتَمِدًا عَلَى قَوْل أَبِيهِ إِنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوهَا فِي الْعَام الْمُقْبِل لَا يَدُلّ عَلَى رَفْعِ مَعْرِفَتِهَا أَصْلًا , فَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّف مِنْ حَدِيث جَابِر الَّذِي قَبْل هَذَا \" لَوْ كُنْت أُبْصِرُ الْيَوْمَ لَأَرَيْتُكُمْ مَكَانَ الشَّجَرَةِ \" فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَضْبِطُ مَكَانَهَا بِعَيْنِهِ , وَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ بَعْدَ الزَّمَانِ الطَّوِيلِ يَضْبِطُ مَوْضِعَهَا فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُهَا بِعَيْنِهَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا حِينَ مَقَالَتِهِ تِلْكَ كَانَتْ هَلَكَتْ إِمَّا بِجَفَافٍ أَوْ بِغَيْرِهِ , وَاسْتَمَرَّ هُوَ يَعْرِفُ مَوْضِعَهَا بِعَيْنِهِ. ثُمَّ وَجَدْت عِنْدَ اِبْن سَعْد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عُمَرَ بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا يَأْتُونَ الشَّجَرَةَ فَيُصَلُّونَ عِنْدَهَا فَتَوَعَّدَهُمْ , ثُمَّ أَمْر بِقَطْعِهَا فَقُطِعَتْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3848",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَةٍ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ ‏ ‏أَبِي أَوْفَى ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى فِي قَوْلِهِ : \" اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ , وَذُكِرَ هُنَا لِقَوْلِهِ : \" وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3849",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَخِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ يَوْمُ ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏وَالنَّاسُ يُبَايِعُونَ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَلَى مَا يُبَايِعُ ‏ ‏ابْنُ حَنْظَلَةَ ‏ ‏النَّاسَ قِيلَ لَهُ عَلَى الْمَوْتِ قَالَ ‏ ‏لَا أُبَايِعُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ شَهِدَ مَعَهُ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أُوَيْس , وَأَخُوهُ أَبُو بَكْر عَبْد الْحَمِيد , وَسُلَيْمَان هُوَ اِبْن بِلَال , وَعَمْرو بْن يَحْيَى هُوَ الْمَازِنِيّ , وَعَبَّاد بْن تَمِيم أَيْ اِبْن أَبِي زَيْد بْن عَاصِم الْمَازِنِيّ وَكُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا كَانَ يَوْم الْحَرَّةِ ) ‏ ‏أَيْ لَمَّا خَلَعَ أَهْل الْمَدِينَة بَيْعَةَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَبَايَعُوا عَبْد اللَّه بْن حَنْظَلَة أَيْ اِبْن أَبِي عَامِر الْأَنْصَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اِبْن زَيْد ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن عَاصِم عَمّ عَبَّاد بْن تَمِيم. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن حَنْظَلَة ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه , وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته , وَقَوْله : \" يُبَايِع النَّاس \" أَيْ عَلَى الطَّاعَة لَهُ وَخَلْعِ يَزِيد بْن مُعَاوِيَة. وَعَكَسَ الْكَرْمَانِيُّ فَزَعَمَ أَنَّهُ كَانَ يُبَايِعُ النَّاسَ لِيَزِيدَ بْن مُعَاوِيَة , وَهُوَ غَلَط كَبِير. ‏ ‏قَوْله : ( لَا أُبَايِع عَلَى ذَلِكَ أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ بَايَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَوْتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ مُسْتَوْفٍ فِي \" بَابِ الْبَيْعَةِ عَلَى الْحَرْبِ \" مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ , وَذَكَرْت هُنَاكَ مَا وَقَعَ لِلْكَرْمَانِيّ مِنْ الْخَبْطِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ اِبْن حَنْظَلَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ الزِّيَادَةِ \" وَقُتِلَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد يَوْم الْحَرَّة \" وَكَانَ السَّبَب فِي الْبَيْعَة تَحْت الشَّجَرَة مَا ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق قَالَ : \" حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن حَزْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ فَقَالَ : لَئِنْ كَانُوا قَتَلُوهُ لَأُنَاجِزَنّهُم , فَدَعَا النَّاس إِلَى الْبَيْعَةِ فَبَايَعُوهُ عَلَى الْقِتَالِ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا. قَالَ : فَبَلَغَهُمْ بَعْد ذَلِكَ أَنَّ الْخَبَر بَاطِلٌ وَرَجَعَ عُثْمَان \". وَذَكَرَ أَبُو الْأَسْوَدِ فِي الْمَغَازِي عَنْ عُرْوَةَ السَّبَب فِي ذَلِكَ مُطَوَّلًا قَالَ : \" إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَ بِالْحُدَيْبِيَةِ أَحَبَّ أَنْ يَبْعَثَ إِلَى قُرَيْشٍ رَجُلًا يُخْبِرُهُمْ بِأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ مُعْتَمِرًا , فَدَعَا عُمَرَ لِيَبْعَثَهُ فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا آمَنُهُمْ عَلَى نَفْسِي , فَدَعَا عُثْمَانَ فَأَرْسَلَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يُبَشِّرَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِالْفَتْحِ قَرِيبًا , وَأَنَّ اللَّه سَيُظْهِرُ دِينَهُ. فَتَوَجَّهَ عُثْمَانُ فَوَجَدَ قُرَيْشًا نَازِلِينَ بِبَلْدَحٍ , قَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَمْنَعُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ , فَأَجَارَهُ أَبَانُ بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ قَالَ وَبَعَثَتْ قُرَيْش بُدَيْل بْن وَرْقَاء وَسُهَيْل بْن عَمْرو إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْقِصَّةَ الَّتِي مَضَتْ مُطَوَّلَة فِي الشُّرُوطِ قَالَ : \" وَآمَنَ النَّاسَ بَعْضهمْ بَعْضًا , وَهُمْ فِي اِنْتِظَار الصُّلْح , إِذْ رَمَى رَجُل مِنْ الْفَرِيقَيْنِ رَجُلًا مِنْ الْفَرِيقِ الْآخَرِ فَكَانَتْ مُعَارَكَة , وَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَة. فَارْتَهَنَ كُلُّ فَرِيقٍ مَنْ عِنْدَهُمْ , وَدَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْبَيْعَة , فَجَاءَهُ الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ نَازِل تَحْت الشَّجَرَةِ الَّتِي كَانَ يَسْتَظِلُّ بِهَا , فَبَايَعُوهُ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا , وَأَلْقَى اللَّه الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الْكُفَّارِ فَأَذْعَنُوا إِلَى الْمُصَالَحَةِ \". وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِلِ \" مِنْ مُرْسَلِ الشَّعْبِيّ قَالَ : \" كَانَ أَوَّل مَنْ اِنْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَعَا النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ تَحْت الشَّجَرَة أَبُو سِنَان الْأَزْدِيّ \" وَرَوَى مُسْلِم فِي حَدِيثِ سَلَمَة بْن الْأَكْوَع قَالَ : \" ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا إِلَى الْبَيْعَةِ فَبَايَعَهُ أَوَّلُ النَّاسِ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث قَالَ : \" ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا فِي الصُّلْحِ حَتَّى مَشَى بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ , قَالَ : فَاضْطَجَعْت فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ فَأَتَانِي أَرْبَعَةٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَتَحَوَّلْت عَنْهُمْ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى , فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي : يَا آلَ الْمُهَاجِرِينَ , قَالَ فَاخْتَرَطتُ سَيْفِي ثُمَّ شَدَدْت عَلَى أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ وَهُمْ رُقُودٌ فَأَخَذْت سِلَاحَهُمْ , ثُمَّ جِئْت بِهِمْ أَسُوقهُمْ , وَجَاءَ عَمِّي بِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ مُكَرِّز فِي نَاس مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعُوهُمْ يَكُون لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وَثَنَيَاهُ , فَعَفَا عَنْهُمْ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ) وَرَوَى مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَنَس أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِبَلِ التَّنْعِيمِ لِيُقَاتِلُوهُ , فَأَخَذَهُمْ , فَعَفَا عَنْهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3850",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ يَعْلَى الْمُحَارِبِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ قَالَ كُنَّا ‏ ‏نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْجُمُعَةَ ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ فِيهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَلَمَة بْنِ الْأَكْوَعِ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ , أَوْرَدَهُ لِقَوْلِهِ فِيهِ : وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَعْلَى الْمَحَارِبِيّ ) ‏ ‏هُوَ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ مِنْ قُدَمَاءِ شُيُوخِ الْبُخَارِيّ , مَاتَ سَنَة سِتّ عَشْرَة وَمِائَتَيْنِ , وَأَبُوهُ يَعْلَى بْن الْحَارِث الْمَحَارِبِيّ ثِقَة أَيْضًا , مَاتَ سَنَة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة , وَمَا لَهُمَا فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ فِيهِ ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ لِمَنْ يَقُول بِأَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ تُجْزِئُ قَبْلَ الزَّوَالِ , لِأَنَّ الشَّمْسَ إِذَا زَالَتْ ظَهَرَتْ الظِّلَالُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّفْيَ إِنَّمَا تَسَلَّطَ عَلَى وُجُودِ ظِلٍّ يَسْتَظِلُّ بِهِ لَا عَلَى وُجُودِ الظِّلِّ مُطْلَقًا , وَالظِّلُّ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ لَا يَتَهَيَّأُ لَا بَعْدَ الزَّوَالِ بِمِقْدَارٍ يَخْتَلِف فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَقْلُ الْخِلَافِ فِيهَا فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3851",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏قَالَ عَلَى الْمَوْتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَاتِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى الْمَوْت ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي \" بَابِ الْبَيْعَةِ عَلَى الْحَرْبِ \" مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ , وَذَكَرْت كَيْفِيَّةَ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ جَابِرٍ لَهُمْ \" نُبَايِعُهُ عَلَى الْمَوْتِ \" وَكَذَا رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْن يَسَار مِثْل حَدِيث جَابِر , وَحَاصِل الْجَمْع أَنَّ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ الْبَيْعَةَ كَانَتْ عَلَى الْمَوْت أَرَادَ لَازِمَهَا لِأَنَّهُ إِذَا بَايَعَ عَلَى أَنْ لَا يَفِرَّ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَثْبُتَ , وَاَلَّذِي يَثْبُتُ إِمَّا أَنْ يَغْلِبَ وَإِمَّا أَنْ يُؤْسَرَ , وَاَلَّذِي يُؤْسَرُ إِمَّا أَنْ يَنْجُوَ وَإِمَّا أَنْ يَمُوت , وَلَمَّا كَانَ الْمَوْت لَا يُؤْمَنُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَطْلَقَهُ الرَّاوِي. وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَحَدَهُمَا حَكَى صُورَةَ الْبَيْعَةِ , وَالْآخَرُ حَكَى مَا تَئُولُ إِلَيْهِ. وَجَمَعَ التِّرْمِذِيُّ بِأَنَّ بَعْضًا بَايَعَ عَلَى الْمَوْتِ وَبَعْضًا بَايَعَ عَلَى أَنْ لَا يَفِرَّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3852",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ لَقِيتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏طُوبَى لَكَ صَحِبْتَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبَايَعْتَهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثْنَا بَعْدَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْعَلَاءِ بْن الْمُسَيِّبِ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن رَافِع الْكُوفِيِّ , وَهُوَ وَأَبُوهُ ثِقَتَانِ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي الدَّعَوَات , وَلِأَبِيهِ حَدِيث آخَر فِي الْأَدَب مِنْ رِوَايَة مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( طُوبَى لَك صَحِبْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏غَبَطَهُ التَّابِعِيّ بِصُحْبَةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ مِمَّا يُغْبَطُ بِهِ , لَكِنْ سَلَكَ الصَّحَابِيُّ مَسْلَك التَّوَاضُعِ فِي جَوَابِهِ. وَطُوبَى فِي الْأَصْلِ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ , وَتُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْخَيْرُ أَوْ الْجَنَّةُ أَوْ أَقْصَى الْأُمْنِيَّة. وَقِيلَ : هِيَ مِنْ الطِّيبِ أَيْ طَابَ عَيْشُكُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ يَا اِبْن أَخِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ يَا اِبْن أَخ بِغَيْرِ إِضَافَة , وَهِيَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْمُخَاطَبَةِ , أَوْ أَرَادَ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثْنَاهُ بَعْدَهُ ) ‏ ‏يُشِيرُ إِلَى مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ الْحُرُوبِ وَغَيْرِهَا فَخَافَ غَائِلَةَ ذَلِكَ , وَذَلِكَ مِنْ كَمَالِ فَضْلِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3853",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ بَايَعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَحْتَ الشَّجَرَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَنْصُور , وَيَحْيَى بْن صَالِح هُوَ الْوُحَاظِيّ وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ يُحَدِّثُ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ كَمَا هُنَا , وَمُعَاوِيَة بْن سَلَّامِ بِالتَّشْدِيدِ , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن \" عَنْ زَيْد بْن سَلَّامِ \" بَدَل يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : وَلَمْ يُتَابِع عَلَى ذَلِكَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ كَمَا قَالَ الْجُمْهُور , وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق مُعَاوِيَة بْن سَلَام عَنْ يَحْيَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ بَايَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْت الشَّجَرَة ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مُقْتَصِرًا عَلَى مَوْضِعِ حَاجَتِهِ مِنْهُ , وَبَقِيَّة الْحَدِيث قَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى عَنْ مُعَاوِيَة بِهَذَا الْإِسْنَاد وَزَادَ \" وَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةِ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ \" الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3854",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ { ‏إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ‏} ‏قَالَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَصْحَابُهُ ‏ ‏هَنِيئًا مَرِيئًا فَمَا لَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ ‏ ‏تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏فَقَدِمْتُ ‏ ‏الْكُوفَةَ ‏ ‏فَحَدَّثْتُ بِهَذَا كُلِّهِ عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏ثُمَّ رَجَعْتُ فَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ أَمَّا ‏ { ‏إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ ‏} ‏فَعَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏وَأَمَّا هَنِيئًا مَرِيئًا فَعَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس بْن مَالِك ( إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا ) قَالَ : الْحُدَيْبِيَة ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَأَفَادَ هُنَا أَنَّ بَعْضَ الْحَدِيثِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ وَبَعْضَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ , وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْن مُحَمَّد عَنْ شُعْبَةَ , وَجَمَعَ فِي الْحَدِيثِ بَيْنَ أَنَسٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَاقَهُ مَسَاقًا وَاحِدًا , وَقَدْ أَوْضَحْته فِي \" كِتَابِ الْمُدْرَجِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3855",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَجْزَأَةَ بْنِ زَاهِرٍ الْأَسْلَمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَةَ قَالَ إِنِّي لَأُوقِدُ تَحْتَ الْقِدْرِ بِلُحُومِ الْحُمُرِ إِذْ ‏ ‏نَادَى ‏ ‏مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو عَامِر ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الْمَلِك بْن عَمْرو الْعَقَدِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْن السَّكَنِ \" حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن عَمْرو \" بَدَل أَبِي عَامِر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِسْرَائِيل ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول وَلَا بُدّ مِنْهُ , وَحَكَى بَعْض الشُّرَّاح أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخِ بِإِسْقَاطِهِ. قُلْت : وَلَا أَعْتَقِد صِحَّةَ ذَلِكَ , بَلْ إِنْ كَانَ سَقَطَ مِنْ نُسْخَةٍ فَتِلْك النُّسْخَةُ غَيْرُ مُعْتَمَدَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَجْزَأَةَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالزَّايِ بَيْنَهُمَا جِيم سَاكِنَة وَبِهَمْزَةِ مَفْتُوحَة قَبْل الْهَاء وَقَالَ أَبُو عَلَى الْجَيَّانِيّ : الْمُحَدِّثُونَ يُسَهِّلُونَ الْهَمْزَة وَلَا يَلْفِظُونَ بِهَا وَقَدْ يَكْسِرُونَ الْمِيمَ , وَأَبُوهُ زَاهِر هُوَ اِبْن الْأَسْوَد بْن الْحَجَّاجِ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ \" عَنْ أَنَس \" بَدَل قَوْله عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ تَصْحِيف نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي لِأُوقِد تَحْتَ الْقُدُورِ بِلُحُومِ الْحُمُرِ ) ‏ ‏يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِيهَا وَاضِحًا , وَقَدْ تَعَقَّبَ الدَّاوُدِيُّ مَا وَقَعَ هُنَا فَقَالَ : هَذَا وَهْمٌ , فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ لَمْ يَكُنْ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَإِنَّمَا كَانَ بِخَيْبَرَ ا ه. وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَوْمِ الْحُدَيْبِيَةِ , وَإِنَّمَا سَاقَ الْبُخَارِيّ الْحَدِيثَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ لِقَوْلِهِ فِيهِ : \" وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَةَ \" وَلَمْ يَتَعَرَّض لِمَكَانِ النِّدَاءِ بِذَلِكَ , مَعَ أَنَّ غَالِبَ مَنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ شَهِدُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3856",
        "content": "‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏مَجْزَأَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَجُلٍ مِنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ اسْمُهُ ‏ ‏أُهْبَانُ بْنُ أَوْسٍ ‏ ‏وَكَانَ اشْتَكَى رُكْبَتَهُ وَكَانَ إِذَا سَجَدَ جَعَلَ تَحْتَ رُكْبَتِهِ وِسَادَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ مَجْزَأَةَ ) ‏ ‏يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ , وَلَيْسَ لِمَجْزَأَةَ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث وَاَلَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ ) ‏ ‏يَعْنِي مِنْ بَنِي أَسْلَمَ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : أَيْ مِنْ الصَّحَابَة. وَالْأَوَّل أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْمه أُهْبَانُ بْن أَوْس ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَة , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ ذَكَرَهُ فِيَّ التَّارِيخ فَقَالَ : لَهُ صُحْبَة , وَنَزَلَ الْكُوفَة , وَيُقَال لَهُ وَهْبَانُ أَيْضًا. ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ أُنَيْس بْن عَمْرو عَنْ أُهْبَان بْن أَوْس أَنَّهُ كَانَ فِي غَنَمٍ لَهُ فَكَلَّمَهُ الذِّئْبُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ ) ‏ ‏يَعْنِي أُهْبَان ‏ ‏( إِذَا سَجَدَ جَعَلَ تَحْت رُكْبَتِهِ وِسَادَة ) ‏ ‏وَلَعَلَّهُ كَانَ كَبُرَ فَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ تَمْكِينَ رُكْبَتِهِ مِنْ الْأَرْضِ فَوَضَعَ تَحْتَهَا وِسَادَةً لَيِّنَةً لَا تَمْنَعُ اِعْتِمَادَهُ عَلَيْهَا مِنْ التَّمْكِينِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُبْسَ الْأَرْضِ كَانَ يَضُرُّ رُكْبَتَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3857",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ أُتُوا بِسَوِيقٍ فَلَاكُوهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَتَوْا بِسَوِيقِ فَلَاكُوهُ ) ‏ ‏هُوَ طَرَف مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ وَفِي الْجِهَادِ , وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ قَرِيبًا فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ مُعَاذ عَنْ شُعْبَة ) ‏ ‏يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ يَحْيَى بْن مُحَمَّد عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ عَنْ أَبِيهِ بِهِ مُخْتَصَرًا , وَزَادَ فِيهِ \" وَذَلِكَ بَعْد أَنْ رَجَعُوا مِنْ خَيْبَر \" ‏"
    },
    {
        "id": "3858",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَاذَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جَمْرَةَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ هَلْ يُنْقَضُ الْوِتْرُ قَالَ ‏ ‏إِذَا أَوْتَرْتَ مِنْ أَوَّلِهِ فَلَا تُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حَاتِم بْن بَزِيع ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَكَسْرِ الزَّاي بِوَزْنِ عَظِيمٍ وَآخِرُهُ مُهْمَلَة , وَشَاذَانُ هُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي جَمْرَة ) ‏ ‏بِجِيمٍ وَرَاء هُوَ نَصْر بْن عِمْرَان الضُّبَعِيُّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي وَهُوَ تَصْحِيفٌ. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلَتْ عَائِذ بْن عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ بِتَحْتَانِيَّةِ مَهْمُوز وَذَال مُعْجَمَة وَهُوَ اِبْن عُمَر بْن هِلَال الْمُزَنِيُّ , عَاشَ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ , مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ يُنْقَضُ الْوِتْرُ ؟ ) ‏ ‏يَعْنِي إِذَا أَوْتَرَ الْمَرْءُ ثُمَّ نَامَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ هَلْ يُصَلِّي رَكْعَة لِيَصِيرَ الْوِتْر شَفْعًا ثُمَّ يَتَطَوَّع مَا شَاءَ ثُمَّ يُوتِر مُحَافَظَة عَلَى قَوْله : \" اِجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا \" أَوْ يُصَلِّي تَطَوُّعًا مَا شَاءَ وَلَا يُنْقَضُ وِتْرُهُ وَيَكْتَفِي بِاَلَّذِي تَقَدَّمَ فَأَجَابَ بِاخْتِيَارِ الصِّفَةِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ : ( إِذَا أَوْتَرْت مِنْ أَوَّلِهِ فَلَا تُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَر عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ \" إِذَا أَوْتَرْت مِنْ آخِرِهِ فَلَا تُوتِرْ أَوَّلَهُ \" وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا \" وَسَأَلْت اِبْن عَبَّاس عَنْ نَقْضِ الْوِتْرِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ \" وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اِخْتَلَفَ فِيهَا السَّلَفُ فَكَانَ اِبْن عُمَرَ مِمَّنْ يَرَى نَقْضَ الْوِتْرِ , وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ , وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3859",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ‏ ‏وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا فَسَأَلَهُ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ وَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أَمَامَ الْمُسْلِمِينَ وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي قَالَ فَقُلْتُ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ وَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِير مَعَهُ لَيْلًا , فَسَأَلَهُ عُمَر عَنْ شَيْءٍ الْحَدِيث ) ‏ ‏هَذَا صُورَته مُرْسَل , وَلَكِنَّ بَقِيَّتَهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَنْ عُمَرَ , لِقَوْلِهِ فِي أَثْنَائِهِ \" قَالَ عُمَر : فَحَرَّكْت بَعِيرِي إِلَخْ \" وَقَدْ أَشْبَعْت الْقَوْلَ فِيهِ فِي الْمُقَدِّمَةِ , وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ بْن عَثْمَةَ عَنْ مَلَكٍ عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : \" سَمِعْت عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ \" فَذَكَرَهُ , وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْمَتْنِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( نَزَرْت ) ‏ ‏بِنُونٍ وَزَايٍ ثَقِيلَةٍ أَيْ أَلْحَحْت , وَقَالَ أَبُو ذَرّ الْهَرَوِيُّ : لَمْ أَسْمَعهُ إِلَّا بِالتَّخْفِيفِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3860",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏حِينَ حَدَّثَ هَذَا الْحَدِيثَ حَفِظْتُ بَعْضَهُ ‏ ‏وَثَبَّتَنِي ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ‏ ‏وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ‏ ‏يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا أَتَى ‏ ‏ذَا الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏قَلَّدَ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ وَبَعَثَ ‏ ‏عَيْنًا ‏ ‏لَهُ مِنْ ‏ ‏خُزَاعَةَ ‏ ‏وَسَارَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى كَانَ ‏ ‏بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ ‏ ‏أَتَاهُ عَيْنُهُ قَالَ إِنَّ ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏جَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا وَقَدْ جَمَعُوا لَكَ ‏ ‏الْأَحَابِيشَ ‏ ‏وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنْ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏وَمَانِعُوكَ فَقَالَ ‏ ‏أَشِيرُوا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيَّ أَتَرَوْنَ أَنْ أَمِيلَ إِلَى عِيَالِهِمْ وَذَرَارِيِّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَصُدُّونَا عَنْ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏فَإِنْ يَأْتُونَا كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَطَعَ عَيْنًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَإِلَّا تَرَكْنَاهُمْ مَحْرُوبِينَ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ خَرَجْتَ عَامِدًا لِهَذَا ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏لَا تُرِيدُ قَتْلَ أَحَدٍ وَلَا حَرْبَ أَحَدٍ فَتَوَجَّهْ لَهُ فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ قَالَ امْضُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ وَمَرْوَان بِن الْحَكَم , يَزِيد أَحَدهمَا عَلَى صَاحِبِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَفِظْت بَعْضَهُ وَثَبَّتَنِي فِيهِ مَعْمَر ) ‏ ‏بَيَّنَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ الْقَدْرَ الَّذِي حَفِظَهُ سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيِّ وَالْقَدْرَ الَّذِي ثَبَتَهُ فِيهِ مَعْمَر , فَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ حَامِدِ بْن يَحْيَى عَنْ سُفْيَان إِلَى قَوْله : \" فَأَحْرَمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ \" وَمِنْ قَوْله : \" وَبَعَثَ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ إِلَخْ \" مِمَّا ثَبَّتَهُ فِيهِ مَعْمَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْ سُفْيَانَ وَفِيهِ قَوْل سُفْيَان \" لَا أَحْفَظُ الْإِشْعَارَ وَالتَّقْلِيدَ فِيهِ \" وَأَنَّ عَلِيًّا قَالَ : \" مَا أَدْرِي مَا أَرَادَ سُفْيَانُ بِذَلِكَ , هَلْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَحْفَظُ الْإِشْعَارَ وَالتَّقْلِيدَ فِيهِ خَاصَّةً , أَوْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَحْفَظُ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ \" وَقَدْ أَزَالَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْإِشْكَالَ وَالتَّرَدُّدَ الَّذِي وَقَعَ لِعَلِيِّ بْن الْمَدِينِيِّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي الشُّرُوطِ , وَأَنَّهُ أَوْرَدَ هُنَا صَدْرَ الْحَدِيثِ وَاخْتَصَرَهُ هُنَاكَ , وَسَاقَ هُنَاكَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَاقْتَصَرَ مِنْهُ هُنَا عَلَى الْبَعْضِ , وَتَقَدَّمَ بَيَانُ مَا وَقَعَ هُنَا مِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ هُنَاكَ مِنْ تَسْمِيَةِ عَيْنِهِ الَّذِي بَعَثَهُ وَأَنَّهُ بِشْرُ بْنُ سُفْيَانَ الْخُزَاعِيُّ , وَضُبِطَ غَدِيرُ الْأَشْطَاطِ , وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ وَرَاء عُسْفَانَ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف بَعْضًا مِنْ الْحَدِيثِ غَيْرَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3861",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ ‏ ‏وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏يُخْبِرَانِ خَبَرًا مِنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي عُمْرَةِ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏فَكَانَ فِيمَا أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏عَنْهُمَا أَنَّهُ لَمَّا كَاتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏عَلَى قَضِيَّةِ الْمُدَّةِ وَكَانَ فِيمَا اشْتَرَطَ ‏ ‏سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏لَا يَأْتِيكَ مِنَّا أَحَدٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا وَخَلَّيْتَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ وَأَبَى ‏ ‏سُهَيْلٌ ‏ ‏أَنْ يُقَاضِيَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا عَلَى ذَلِكَ فَكَرِهَ الْمُؤْمِنُونَ ذَلِكَ وَامَّعَضُوا فَتَكَلَّمُوا فِيهِ فَلَمَّا أَبَى ‏ ‏سُهَيْلٌ ‏ ‏أَنْ يُقَاضِيَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا عَلَى ذَلِكَ كَاتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبَا جَنْدَلِ بْنَ سُهَيْلٍ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ إِلَى أَبِيهِ ‏ ‏سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحَدٌ مِنْ الرِّجَالِ إِلَّا رَدَّهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا وَجَاءَتْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَكَانَتْ ‏ ‏أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ‏ ‏مِمَّنْ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهِيَ عَاتِقٌ فَجَاءَ أَهْلُهَا يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَرْجِعَهَا إِلَيْهِمْ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُؤْمِنَاتِ مَا أَنْزَلَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , وَيَعْقُوب هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد , وَابْن أَخِي اِبْن شِهَاب اِسْمه مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم بْن شِهَاب. ‏ ‏قَوْله : ( وَامَّعَضُوا ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ ثُمَّ ضَاد مُعْجَمَة , وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَامْتَعَضُوا \" بِإِظْهَارِ الْمُثَنَّاةِ وَالْمَعْنَى شَقَّ عَلَيْهِمْ , وَقَدْ سَبَقَ بَسْطُهُ فِي الشُّرُوطِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَأْتِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ مِنْ الرِّجَالِ إِلَّا رَدَّهُ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَاءَتْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ) ‏ ‏أَيْ فِي تِلْكَ الْمُدَّة أَيْضًا , وَقَدْ ذَكَرْت أَسْمَاءَ مِنْ سُمِّيَ مِنْهُنَّ فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَتْ أُمّ كُلْثُوم بِنْت عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط مِمَّنْ خَرَجَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرَة مُسْلِمَة. فَقَوْله : \" وَهِيَ عَاتِق \" أَيْ بَلَغَتْ وَاسْتَحَقَّتْ التَّزْوِيجَ وَلَمْ تَدْخُل فِي السِّنِّ , وَقِيلَ : هِيَ الشَّابَّةُ , وَقِيلَ : فَوْقَ الْمُعَصَّرِ , وَقِيلَ : اِسْتَحَقَّتْ التَّخْدِيرَ , وَقِيلَ : بَيْنَ الْبَالِغِ وَالْعَانِسِ , وَتَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْعِيدَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ أَهْلُهَا يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرْجِعَهَا إِلَيْهِمْ ) ‏ ‏فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَحْمَد بْن جَحْش \" هَاجَرَتْ أُمّ كُلْثُوم بِنْت عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط , فَخَرَجَ أَخَوَاهَا الْوَلِيد وَعُمَارَة اِبْنَا عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ فَكَلَّمَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَيْهِمْ , فَنَقَضَ الْعَهْدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ فِي النِّسَاءِ خَاصَّةً , فَنَزَلَتْ الْآيَة \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدُوَيهِ فِي تَفْسِيرِهِ , وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ : \" حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْمُؤْمِنَاتِ مَا أَنْزَلَ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْمُؤْمِنَاتِ مَا أَنْزَلَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ اِسْتِثْنَائِهِنَّ مِنْ مُقْتَضَى الصُّلْحِ عَلَى رَدِّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ مَشْرُوحًا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3862",
        "content": "‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَمْتَحِنُ مَنْ هَاجَرَ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ‏} ‏وَعَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَلَغَنَا حِينَ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَرُدَّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ وَبَلَغَنَا أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَصِيرٍ ‏ ‏فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب وَأَخْبَرَنِي عُرْوَة إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ , وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ أَبِي يَعْلَى عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بِهِ وَفِيهِ بَيَان لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الشَّرْط مِنْ عَطْف هَذِهِ الْقِصَّة فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرِ مُدْرَجٌ وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ , وَيَأْتِي شَرْحُ الِامْتِحَانِ فِي النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ عَمِّهِ ) ‏ ‏هُوَ مُوصِلٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( بَلَغَنَا حِينَ أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرُدَّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ ) ‏ ‏هَذَا الْقَدْرَ ذَكَرَهُ هَكَذَا مُرْسَلًا , وَهُوَ مَوْصُولٌ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَر كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي الشُّرُوط , وَسَأُشْبِعُ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرٍ فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْلِ وَأَشَارَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ أَبِي بَصِيرٍ فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ ; وَقَدْ ذَكَرْت شَرْحَهَا مَبْسُوطًا هُنَاكَ حَيْثُ سَاقَهَا مُطَوَّلَةً. ‏"
    },
    {
        "id": "3863",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏خَرَجَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ فَقَالَ إِنْ صُدِدْتُ عَنْ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر حَيْثُ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ. الْحَدِيث ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيق , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب الْإِحْصَارِ \" مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3864",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُ أَهَلَّ وَقَالَ إِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَفَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ حَالَتْ كُفَّارُ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏بَيْنَهُ وَتَلَا ‏ { ‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3865",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا كَلَّمَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ بَعْضَ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ لَهُ لَوْ أَقَمْتَ الْعَامَ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا تَصِلَ إِلَى ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَحَالَ كُفَّارُ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏دُونَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏فَنَحَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَدَايَاهُ وَحَلَقَ وَقَصَّرَ أَصْحَابُهُ وَقَالَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوْجَبْتُ عُمْرَةً فَإِنْ خُلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏طُفْتُ وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏صَنَعْتُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ مَا أُرَى شَأْنَهُمَا إِلَّا وَاحِدًا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعْيًا وَاحِدًا حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3866",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏النَّضْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَخْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ النَّاسَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏أَسْلَمَ قَبْلَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏أَرْسَلَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏إِلَى فَرَسٍ لَهُ عِنْدَ ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏يَأْتِي بِهِ لِيُقَاتِلَ عَلَيْهِ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُبَايِعُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏لَا يَدْرِي بِذَلِكَ فَبَايَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى الْفَرَسِ فَجَاءَ بِهِ إِلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏يَسْتَلْئِمُ لِلْقِتَالِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُبَايِعُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قَالَ فَانْطَلَقَ فَذَهَبَ مَعَهُ حَتَّى بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَهِيَ الَّتِي يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏أَسْلَمَ قَبْلَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّاسَ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏تَفَرَّقُوا فِي ظِلَالِ الشَّجَرِ فَإِذَا النَّاسُ مُحْدِقُونَ بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏انْظُرْ مَا شَأْنُ النَّاسِ قَدْ أَحْدَقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَجَدَهُمْ يُبَايِعُونَ فَبَايَعَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَخَرَجَ فَبَايَعَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي شُجَاع بْن الْوَلِيد ) ‏ ‏أَيْ الْبُخَارِيّ الْمُؤَدَّب أَبُو اللَّيْثِ , ثِقَةٌ مِنْ أَقْرَانِ الْبُخَارِيّ , وَسَمِعَ قَبْلَهُ قَلِيلًا , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَمَّا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكُوفِيُّ فَذَاكَ يُكَنَّى أُمّ بَدْر وَلَمْ يُدْرِكْهُ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْلِهِ : ( سَمِعَ النُّضْر بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُرَشِيّ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْح الرَّاء بَعْدَهَا مُعْجَمَة , ثِقَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا صَخْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن جُوَيْرِيَّةَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ نَافِع قَالَ : إِنَّ النَّاس يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ اِبْن عُمَر أَسْلَمَ قَبْلَ عُمَر , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَلَكِنَّ عُمَرَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ إِلَخْ ) ‏ ‏ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ الْإِرْسَالُ , وَلَكِنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي بَعْدَهَا أَوْضَحَتْ أَنَّ نَافِعًا حَمَلَهُ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ. ‏ ‏قَوْله : ( عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمِهِ , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ الَّذِي آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْعِلْمِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَعُمَر يَسْتَلْئِمُ لِلْقِتَالِ ) ‏ ‏أَيْ يَلْبِسُ اللَّأْمَةَ بِالْهَمْزِ وَهِيَ السِّلَاحُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ هِشَام بْن عَمَّار ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ , وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ \" وَقَالَ لِي \" وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ الْحَسَنِ بْن سُفْيَانَ عَنْ دُحَيْم وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا النَّاسُ مُحْدِقُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ مُحِيطُونَ بِهِ نَاظِرُونَ إِلَيْهِ بِأَحْدَاقِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ) ‏ ‏الْقَائِل يَا عَبْد اللَّه هُوَ عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ أَحْدَقُوا ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْميهَنِيّ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَوَقَعَ لِلْمُسْتَمْلِي \" قَالَ أَحْدَقُوا \" جَعَلَ بَدَل قَدْ قَالَ وَهُوَ تَحْرِيفٌ , وَهَذَا السَّبَبُ الَّذِي هُنَا فِي أَنَّ اِبْن عُمَر بَايَعَ قَبْلَ أَبِيهِ غَيْر السَّبَب الَّذِي قَبْلَهُ , وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ بَعَثَهُ يُحْضِرُ لَهُ الْفَرَسَ , وَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمَعِينَ فَقَالَ لَهُ اُنْظُرْ مَا شَأْنُهُمْ , فَبَدَأَ بِكَشْفِ حَالِهِمْ فَوَجَدَهُمْ يُبَايِعُونَ فَبَايَعَ , وَتَوَجَّهَ إِلَى الْفَرَسِ فَأَحْضَرَهَا وَأَعَادَ حِينَئِذٍ الْجَوَابَ عَلَى أَبِيهِ , وَأَمَّا اِبْن التِّين فَلَمْ يَظْهَر لَهُ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ : هَذَا اِخْتِلَاف , وَلَمْ يُسْنِد نَافِع إِلَى اِبْن عُمَر ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ , كَذَا قَالَ , وَالثَّانِيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي الرَّدّ عَلَيْهِ فَإِنَّ فِيهَا عَنْ اِبْن عُمَر كَمَا بَيَّنَّاهُ. ثُمَّ زَعَمَ أَنَّ الْمُبَايَعَةَ الْمَذْكُورَةَ إِنَّمَا كَانَتْ حِين قَدِمُوا إِلَى الْمَدِينَة مُهَاجِرِينَ , وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَايَعَ النَّاس فَمَرَّ بِهِ اِبْن عُمَر وَهُوَ يُبَايِع , الْحَدِيث. قُلْت : وَبِمِثْلِ ذَلِكَ لَا تُرَدُّ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ. فَقَدْ صَرَّحَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة , وَالْقِصَّة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا تَقَدَّمَتْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي الْهِجْرَةِ , وَلَيْسَ فِيمَا نُقِلَ فِيهَا مَا يَمْنَع التَّعَدُّدَ , بَلْ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ لِصِحَّةِ الطَّرِيقَيْنِ. وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَايَعَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عُمَرَ فَخَرَجَ فَبَايَعَ ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَتُوَضِّحُهُ الرِّوَايَةُ الَّتِي قَبْلَهُ وَهُوَ أَنَّ اِبْن عُمَر لَمَّا رَأَى النَّاس يُبَايِعُونَ بَايَعَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عُمَر فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَخَرَجَ وَخَرَجَ مَعَهُ فَبَايَعَ عُمَر وَبَايَعَ اِبْن عُمَر مَرَّة أُخْرَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3867",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ اعْتَمَرَ ‏ ‏فَطَافَ فَطُفْنَا مَعَهُ وَصَلَّى وَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَسَعَى بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏فَكُنَّا نَسْتُرُهُ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ مَكَّةَ ‏ ‏لَا يُصِيبُهُ أَحَدٌ بِشَيْءٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَتَا اِبْن نُمَيْر ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُبَيْد , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُصِيبهُ أَحَد بِشَيْء ) ‏ ‏أَيْ لِئَلَّا يُصِيبهُ , وَهَذَا كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْت الشَّجَرَة وَهُوَ فِي عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة , وَكُلّ مَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَة وَعَاشَ إِلَى السَّنَة الْمُقْبِلَة خَرَجَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَمِرًا فِي عُمْرَة الْقَضَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "3868",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا حَصِينٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو وَائِلٍ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ ‏ ‏سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏صِفِّينَ ‏ ‏أَتَيْنَاهُ نَسْتَخْبِرُهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اتَّهِمُوا الرَّأْيَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ ‏ ‏أَبِي جَنْدَلٍ ‏ ‏وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمْرَهُ لَرَدَدْتُ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ قَبْلَ هَذَا الْأَمْرِ مَا نَسُدُّ مِنْهَا خُصْمًا إِلَّا انْفَجَرَ عَلَيْنَا خُصْمٌ مَا نَدْرِي كَيْفَ نَأْتِي لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحَسَن ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ اِبْن إِسْحَاق بْن زِيَاد اللَّيْثِيِّ مَوْلَاهُمْ الْمَرْوَزِيُّ الْمَعْرُوف بِحَسْنَوَيْه يُكَنَّى أَبَا عَلِيّ , وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ , وَلَمْ يَعْرِفهُ أَبُو حَاتِم وَعَرَّفَهُ غَيْره , قَالَ اِبْن حِبَّانَ فِي الثِّقَات : كَانَ مِنْ أَصْحَاب اِبْن الْمُبَارَك وَمَاتَ سَنَة إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. وَمُحَمَّد بْن سَابِق مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ يَرْوِي عَنْهُ بِوَاسِطَةِ كَمَا هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( مَا يَسُدّ مِنْهُ خُصْمٌ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ جَانِب , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي آخِر الْجِهَادِ. وَزَعَمَ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" أَنَّ الْمُصَنِّف أَخْرَجَ هَذِهِ الطَّرِيق فِي فَرْض الْخُمُس , وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3869",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَمَنَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ ‏ ‏أَيُؤْذِيكَ ‏ ‏هَوَامُّ ‏ ‏رَأْسِكَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَاحْلِقْ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أَوْ انْسُكْ ‏ ‏نَسِيكَةً ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏لَا أَدْرِي بِأَيِّ هَذَا بَدَأَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3870",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ وَقَدْ حَصَرَنَا الْمُشْرِكُونَ قَالَ وَكَانَتْ لِي وَفْرَةٌ فَجَعَلَتْ ‏ ‏الْهَوَامُّ ‏ ‏تَسَّاقَطُ عَلَى وَجْهِي فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَيُؤْذِيكَ ‏ ‏هَوَامُّ ‏ ‏رَأْسِكَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث كَعْب بْن عُجْرَة فِي قِصَّة الْقَمْل وَحَلْق رَأْسِهِ بِالْحُدَيْبِيَةِ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف مِنْ وَجْهَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3871",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُمْ ‏ ‏أَنَّ نَاسًا مِنْ ‏ ‏عُكْلٍ ‏ ‏وَعُرَيْنَةَ ‏ ‏قَدِمُوا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ ‏ ‏وَاسْتَوْخَمُوا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِذَوْدٍ ‏ ‏وَرَاعٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا نَاحِيَةَ ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَقَتَلُوا ‏ ‏رَاعِيَ ‏ ‏النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاسْتَاقُوا ‏ ‏الذَّوْدَ ‏ ‏فَبَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ فَأَمَرَ بِهِمْ ‏ ‏فَسَمَرُوا ‏ ‏أَعْيُنَهُمْ وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَتُرِكُوا فِي نَاحِيَةِ ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ يَحُثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَى عَنْ ‏ ‏الْمُثْلَةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏وَأَبَانُ ‏ ‏وَحَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عُرَيْنَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏وَأَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَدِمَ نَفَرٌ مِنْ ‏ ‏عُكْلٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ قَتَادَةُ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد ذَلِكَ كَانَ يَحْثُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُثْلَةِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ , وَهَذَا الْبَلَاغُ لَمْ أَقِف عَلَى مَنْ فَسَّرَ الْمُرَاد بِهِ , وَقَدْ يَسَّرَ اللَّه الْكَرِيم بِهِ الْآنَ , وَكُنْت قَدْ أَغْفَلْت التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ فِي الْمُقَدِّمَة , وَحَقّه أَنْ يُذْكَر فِي الْفَصْل الْأَخِير مِنْهَا عِنْد ذِكْرِ عَدَدِ أَحَادِيثِ الصَّحِيحِ وَتَفْصِيلهَا بِذِكْرِ كُلّ صَحَابِيّ وَكَمْ وَرَدَ لَهُ عِنْدَهُ مِنْ حَدِيث , وَأَنْ يُذْكَر فِي الْمُبْهَمَات مِنْ الْفَصْل الْمَذْكُور , فَإِنَّهُ حَدِيث أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْجُمْلَة وَإِنْ كَانَ إِسْنَادُهُ مُعْضَلًا , فَإِنَّ هَذَا الْمَتْن جَاءَ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ عَنْ هَيَّاج بْن عِمْرَان عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ وَعَنْ سَمُرَة بْن جُنْدُب قَالَ : \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَانَا عَنْ الْمُثْلَةِ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَاللَّفْظِ وَفِيهِ قِصَّة , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ وَفِيهِ الْقِصَّة وَلَفْظه \" كَانَ يَحُثّ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُثْلَةِ \" وَعَنْ سَمُرَة مِثْل ذَلِكَ , وَإِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث قَوِيّ , فَإِنَّ هَيَّاجًا بِتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ وَآخِرُهُ جِيمٌ هُوَ اِبْن عِمْرَان الْبَصْرِيّ وَثَّقَهُ اِبْن سَعْد وَابْن حِبَّانَ وَبَقِيَّة رِجَاله مِنْ رِجَال الصَّحِيح , وَسَيَأْتِي فِي الذَّبَائِح , وَمَضَى فِي الْمَظَالِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن يَزِيد الْأَنْصَارِيّ قَالَ : \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُثْلَة وَالنُّهْبَى \" وَلَكِنَّهُ مِنْ غَيْر طَرِيق قَتَادَةَ , وَسَيَأْتِي شَرْح الْمُثْلَة فِي الذَّبَائِح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ هُوَ مُرَاد قَتَادَةَ بِالْبَلَاغِ الَّذِي وَقَعَ عِنْد الْبُخَارِيّ , وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ فِي الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث عَنْ هِشَام عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس قَالَ : \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُثْلَة \" إِدْرَاجًا وَأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْحَدِيث لَمْ يُسْنِدْهُ قَتَادَةُ عَنْ أَنَس وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بَلَاغًا , وَلَمَّا نَشِط لِذِكْرِ إِسْنَادِهِ سَاقَهُ بِوَسَائِطَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ شُعْبَة وَأَبَانُ وَحَمَّاد عَنْ قَتَادَةَ مِنْ عُرَيْنَةَ ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ هَؤُلَاءِ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيث عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس فَاقْتَصَرُوا عَلَى ذِكْر عُرَيْنَةَ دُون عُكْل , فَأَمَّا رِوَايَة شُعْبَة فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي الزَّكَاة. وَأَمَّا رِوَايَة أَبَانَ وَهُوَ اِبْن يَزِيد الْعَطَّار فَوَصَلَهَا اِبْن أَبِي شَيْبَة , وَأَمَّا رِوَايَة حَمَّاد هُوَ اِبْن سَلَمَةَ فَوَصَلَهَا أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَأَيُّوب عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَس : قَدِمَ نَفَر مِنْ عُكْلٍ ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ هَذَيْنَ رَوَيَاهُ بِعَكْسِ أُولَئِكَ فَاقْتَصَرَا عَلَى ذِكْر عُكْلٍ دُونَ عُرَيْنَةَ , فَأَمَّا رِوَايَة يَحْيَى فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي الْمُحَارَبِينَ , وَأَمَّا رِوَايَةُ أَيُّوبَ فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي الطَّهَارَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3872",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏وَالْحَجَّاجُ الصَّوَّافُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏وَكَانَ مَعَهُ ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏اسْتَشَارَ النَّاسَ يَوْمًا قَالَ مَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ ‏ ‏الْقَسَامَةِ ‏ ‏فَقَالُوا ‏ ‏حَقٌّ قَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَضَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ قَبْلَكَ قَالَ ‏ ‏وَأَبُو قِلَابَةَ ‏ ‏خَلْفَ سَرِيرِهِ فَقَالَ ‏ ‏عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏فَأَيْنَ حَدِيثُ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏فِي ‏ ‏الْعُرَنِيِّينَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو قِلَابَةَ ‏ ‏إِيَّايَ حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عُرَيْنَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عُكْلٍ ‏ ‏ذَكَرَ الْقِصَّةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم ) ‏ ‏هُوَ الْحَافِظ الْمَعْرُوف بِصَاعِقَةِ الْبَزَّار يُكَنَّى أَبَا يَحْيَى , وَحَفْص بْن عُمَر شَيْخه مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَاَلَّذِي هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَيُّوب وَالْحُجَّاج الصَّوَافّ قَالَا حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ \" قَالَ حَدَّثَنِي \" بِالْأَفْرَادِ وَالْمُرَاد حَجَّاج , فَأَمَّا أَيُّوب فَلَا يَظْهَر مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة كَيْفِيَّة سِيَاقِهِ , وَقَدْ اِخْتَلَفَ عَلَيْهِ فِيهِ هَلْ هُوَ عِنْدَهُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أَوْ بِوَاسِطَةٍ , وَأَوْضَحَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ فَقَالَ : إِنَّ أَيُّوب حَيْثُ يَرْوِيه عَنْ أَبِي قِلَابَةَ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ , وَحَيْثُ يَرْوِيه عَنْ أَبِي رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ فَإِنَّهُ يَذْكُر مَعَ ذَلِكَ قِصَّةَ أَبِي قِلَابَةَ مَعَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ وَلَمَّا دَار بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بْن سَعِيد , وَأَمَّا حَجَّاج الصَّوَافّ فَإِنَّهُ يَرْوِيه بِتَمَامِهِ عَنْ أَبِي رَجَاء عَنْ أَبِي قِلَابَةَ اِنْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى شَيْء مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو قِلَابَةَ خَلْفَ سَرِيرِهِ فَقَالَ عَنْبَسَةُ بْن سَعِيد ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا , وَسَيَأْتِي فِي الدِّيَاتِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْن عُلَيَّةَ عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَافِّ مُطَوَّلًا , وَكَذَا سَاقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ أَبِي رَجَاء عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مُطَوَّلًا , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ عَنْ أَنَس مِنْ عُكْلٍ , وَذَكَرَ الْقِصَّةَ ) ‏ ‏أَيْ قِصَّتَهُمْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي قِلَابَةَ فِي الطَّهَارَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ مِنْ قَوْله \" وَقَالَ شُعْبَة \" إِلَى آخِرِ الْبَابِ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ بَيْن غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَبَيْنَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ وَعَلَيْهِ جَرَى الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَاقِينَ تَالِيًا لِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ الرَّاجِحُ , وَلَعَلَّ الْفَصْلَ وَقَعَ مَعَ تَغْيِيرِ بَعْضِ الرُّوَاةِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيِّ تَعَمَّدَ ذَلِكَ إِشَارَة مِنْهُ إِلَى أَنَّ قِصَّةَ الْعُرَنِيِّينَ مُتَّحِدَة مَعَ غَزْوَة ذِي قَرَدٍ كَمَا يُشِير إِلَيْهِ كَلَام بَعْض بَعْض أَهْل الْمَغَازِي , وَإِنْ كَانَ الرَّاجِح خِلَافه , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3873",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ بِالْأُولَى وَكَانَتْ ‏ ‏لِقَاحُ ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَرْعَى ‏ ‏بِذِي قَرَدَ ‏ ‏قَالَ فَلَقِيَنِي غُلَامٌ ‏ ‏لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏فَقَالَ أُخِذَتْ ‏ ‏لِقَاحُ ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْتُ مَنْ أَخَذَهَا قَالَ ‏ ‏غَطَفَانُ ‏ ‏قَالَ فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ يَا ‏ ‏صَبَاحَاهْ قَالَ فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ ‏ ‏لَابَتَيْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُمْ وَقَدْ أَخَذُوا يَسْتَقُونَ مِنْ الْمَاءِ فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ بِنَبْلِي وَكُنْتُ رَامِيًا وَأَقُولُ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏ابْنُ الْأَكْوَعْ ‏ ‏وَالْيَوْمُ يَوْمُ ‏ ‏الرُّضَّعْ ‏ ‏وَأَرْتَجِزُ حَتَّى اسْتَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ مِنْهُمْ وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً قَالَ وَجَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنَّاسُ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ حَمَيْتُ الْقَوْمَ الْمَاءَ وَهُمْ عِطَاشٌ فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ السَّاعَةَ فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏ابْنَ الْأَكْوَعِ ‏ ‏مَلَكْتَ ‏ ‏فَأَسْجِحْ ‏ ‏قَالَ ثُمَّ رَجَعْنَا وَيُرْدِفُنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى نَاقَتِهِ حَتَّى دَخَلْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَاتِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل وَيَزِيد بْن أَبِي عُبَيْدَة هُوَ مَوْلَى سَلَمَةَ بْن الْأَكْوَع , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث عَالِيًا فِي الْجِهَاد عَنْ مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم عَنْ يَزِيد وَهُوَ أَحَدُ ثُلَاثِيَّاتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجْت قَبْل أَنْ يُؤَذَّنَ بِالْأُولَى ) ‏ ‏يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَة مُسْلِم أَنَّهُ تَبِعَهُمْ مِنْ الْغَلَسِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ , وَفِي رِوَايَةِ مَكِّيٍّ \" خَرَجْت مِنْ الْمَدِينَةِ ذَاهِبًا نَحْوَ الْغَابَةِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ لِقَاح رَسُول اللَّه تَرْعَى بِذِي قَرَدٍ ) ‏ ‏اللِّقَاحُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ ثُمَّ مُهْمَلَة. ذَوَاتُ الدَّرِّ مِنْ الْإِبِلِ وَاحِدُهَا لِقْحَةٌ بِالْكَسْرِ وَبِالْفَتْحِ أَيْضًا , وَاللَّقُوحُ الْحَلُوبُ. وَذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّهَا كَانَتْ عِشْرِينَ لِقْحَة , قَالَ. وَكَانَ فِيهِمْ اِبْن أَبِي ذَرٍّ وَامْرَأَتُهُ فَأَغَارَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوا الرَّجُلَ وَأَسَرُوا الْمَرْأَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَقِيَنِي غُلَام لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمِهِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ رَبَاحُ غُلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ , وَكَأَنَّهُ كَانَ مِلْك أَحَدِهِمَا وَكَانَ يَخْدُمُ الْآخَرَ فَنُسِبَ تَارَة إِلَى هَذَا وَتَارَة إِلَى هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( غَطَفَانَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالطَّاءِ الْمُشَالَةِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ , تَقَدَّمَ بَيَانُ نَسَبِهِمْ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ , وَفِي رِوَايَةِ مَكِّيٍّ \" غَطَفَانَ وَفَزَارَة \" وَهُوَ مِنْ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِأَنَّ فَزَارَةَ مِنْ غَطَفَانَ , وَعِنْد مُسْلِم \" قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ , فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلَامِهِ وَأَنَا مَعَهُ , وَخَرَجْت بِفَرَسٍ لِطَلْحَةَ أَنْدُبُهُ , فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْد الرَّحْمَن الْفَزَارِيُّ \" وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ سَعْدٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ \" عَبْد الرَّحْمَن بْن عُيَيْنَةَ بْن حِصْن الْفَزَارِيُّ وَقَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَاقَهُ أَجْمَع وَقَتَلَ رَاعِيه , قَالَ فَقُلْت : يَا رَبَاح خُذْ هَذَا الْفَرَسَ وَأَبْلِغْهُ طَلْحَة وَأَبْلِغْ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَر \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلَمَةَ \" خَرَجْت بِقَوْسِي وَنَبْلِي وَكُنْت أَرْمِي الصَّيْدَ , فَإِذَا عُيَيْنَةُ بْن حِصْن قَدْ أَغَارَ عَلَى لِقَاح رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَاقَهَا \" وَلَا مُنَافٍ , فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عُيَيْنَةَ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عُيَيْنَةَ كَانَ فِي الْقَوْمِ. ‏ ‏وَذَكَرَ مُوسَى بْن عُقْبَة وَابْن إِسْحَاق أَنَّ مُسْعَدَة الْفَزَارِيَّ كَانَ أَيْضًا رَئِيسًا فِي فَزَارَةَ فِي هَذِهِ الْغُزَاةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَرَخْت ثَلَاثَةَ صَرَخَاتٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيّ \" بِثَلَاثِ \" بِزِيَادَةِ الْمُوَحَّدَة وَهِيَ لِلِاسْتِغَاثَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَسْمَعْت مَا بَيْن لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ وَاسِع الصَّوْت جِدًّا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ خَوَارِق الْعَادَاتِ. وَلِمُسْلِمٍ \" فَعَلَوْت أَكْمَةً فَاسْتَقْبَلْت الْمَدِينَةَ فَنَادَيْت ثَلَاثًا \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ \" فَصَعِدْت فِي سَلَعٍ ثُمَّ صِحْت : يَا صَبَاحَاهُ , فَانْتَهَى صِيَاحِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنُودِيَ فِي النَّاسِ الْفَزَعَ الْفَزَع \" وَهُوَ عِنْدَ إِسْحَاقَ بِمَعْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( يَا صَبَاحَاهُ ) ‏ ‏هِيَ كَلِمَة تُقَال عِنْد اِسْتِنْفَارِ مَنْ كَانَ غَافِلًا عَنْ عَدُوِّهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ اِنْدَفَعْت عَلَى وَجْهِي ) ‏ ‏أَيْ لَمْ أَلْتَفِت يَمِينًا وَلَا شِمَالًا بَلْ أَسْرَعْت الْجَرْيَ , وَكَانَ شَدِيدَ الْعَدْوِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَدْرَكْتهمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مَكِّيٍّ \" حَتَّى أَلْقَاهُمْ وَقَدْ أَخَذُوهَا \" يَعْنِي اللِّقَاحَ ذَكَرَهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مُبَالَغَة فِي اِسْتِحْضَارِ الْحَالِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَقْبَلْت أَرْمِيَهُمْ ) ‏ ‏أَيْ أَقْبَلْت عَلَيْهِمْ أَرْمِيهمْ أَيْ بِالسِّهَامِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَقُول : أَنَا اِبْن الْأَكْوَعِ , وَالْيَوْم يَوْم الرُّضَّعِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ رَاضِعٍ وَهُوَ اللَّئِيمُ , فَمَعْنَاهُ الْيَوْمَ يَوْمَ اللِّئَامِ أَيْ الْيَوْم يَوْم هَلَاك اللِّئَام , وَالْأَصْل فِيهِ أَنَّ شَخْصًا كَانَ شَدِيد الْبُخْل , فَكَانَ إِذَا أَرَادَ حَلْبَ نَاقَتِهِ اِرْتَضَعَ مِنْ ثَدْيِهَا لِئَلَّا يَحْلُبُهَا فَيَسْمَعُ جِيرَانُهُ أَوْ مَنْ يَمُرُّ بِهِ صَوْتَ الْحَلْبِ فَيَطْلُبُونَ مِنْهُ اللَّبَنَ , وَقِيلَ : بَلْ صَنَعَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَبَدَّدَ مِنْ اللَّبَنِ شَيْءٌ إِذَا حَلَبَ فِي الْإِنَاءِ أَوْ يَبْقَى فِي الْإِنَاءِ شَيْءٌ إِذَا شَرِبَهُ مِنْهُ , فَقَالُوا فِي الْمَثَلِ \" أَلْأَمُ مِنْ رَاضِعٍ \" وَقِيلَ : بَلْ مَعْنَى الْمَثَلِ اِرْتَضَعَ اللُّؤْمَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ , وَقِيلَ : كُلّ مَنْ كَانَ يُوصَف وَبِاللُّؤْمِ يُوصَف بِالْمَصِّ وَالرَّضَاع , وَقِيلَ : الْمُرَادُ مَنْ يَمُصُّ طَرَف الْخِلَالِ إِذَا خَلّ أَسْنَانه , وَهُوَ دَالٌّ عَلَى شِدَّة الْحِرْص. وَقِيلَ : هُوَ الرَّاعِي الَّذِي لَا يَسْتَصْحِبُ مِحْلَبًا , فَإِذَا جَاءَهُ الضَّيْفُ اِعْتَذَرَ بِأَنْ لَا مِحْلَبَ مِنْهُ , وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ اِرْتَضَعَ ثَدْيَهَا. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ : هُوَ الَّذِي يَرْتَضِعُ الشَّاةَ أَوْ النَّاقَةَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْحَلْبِ مِنْ شِدَّةِ الشَّرَهِ. وَقِيلَ : أَصْلُهُ الشَّاة تَرْضَعُ لَبَنَ شَاتَيْنِ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ. وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْيَوْمَ يُعْرَفُ مَنْ اِرْتَضَعَ كَرِيمَةً فَأَنْجَبْته وَلَئِيمَةٍ فَهَجَّنَتْهُ. وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْيَوْمَ يُعْرَف مَنْ أَرْضَعَتْهُ الْحَرْبُ مِنْ صِغَرِهِ وَتَدَرَّبَ بِهَا مِنْ غَيْره. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ هَذَا يَوْم شَدِيد عَلَيْكُمْ تُفَارِق فِيهِ الْمُرْضِعَةُ مَنْ أَرْضَعَتْهُ فَلَا تَجِدُ مَنْ تُرْضِعُهُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ : قَوْله الْيَوْم يَوْم الرُّضَّع يَجُوز الرَّفْعُ فِيهِمَا وَنَصْب الْأَوَّل وَرَفْع الثَّانِي عَلَى جَعْلِ الْأَوَّل ظَرْفًا قَالَ : وَهُوَ جَائِز إِذَا كَانَ الظَّرْف وَاسِعًا وَلَا يُضَيِّق عَلَى الثَّانِي. قَالَ : وَقَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال فِي اللُّؤْمِ رَضَعَ بِالْفَتْحِ يُرْضِعُ بِالضَّمِّ رَضَاعَة لَا غَيْر , وَرَضِعَ الصَّبِيّ بِالْكَسْرِ ثَدْيَ أُمِّهِ يَرْضَعُ بِالْفَتْحِ رَضَاعًا مِثْل سَمِعَ يَسْمَع سَمَاعًا. وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْمَوْضِع \" فَأَقْبَلْت أَرْمِيَهُمْ بِالنَّبْلِ وَأَرْتَجِزُ \" وَفِيهِ \" فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي رِجْلِهِ فَخَلَصَ السَّهْمُ إِلَى كَعْبِهِ , فَمَا زِلْت أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُهُمْ , فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ مِنْهُمْ أَتَيْت شَجَرَة فَجَلَسْت فِي أَصْلِهَا ثُمَّ رَمَيْته فَعَقَرْت بِهِ , فَإِذَا تَضَايَقَ الْخَيْلُ فَدَخَلُوا فِي مُضَايَقَةٍ عَلَوْت الْجَبَلَ فَرَمَيْتهمْ بِالْحِجَارَةِ \" وَعِنْد اِبْن إِسْحَاق \" وَكَانَ سَلَمَةَ مِثْل الْأَسَد , فَإِذَا حَمَلَتْ عَلَيْهِ الْخَيْلُ فَرَّ ثُمَّ عَارَضَهُمْ فَنَضَحَهَا عَنْهُ بِالنَّبْلِ \". ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَنْقَذْت اللِّقَاحَ مِنْهُمْ وَاسْتَلَبْت مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" فَمَا زِلْت كَذَلِكَ حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّه مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَعِيرٍ إِلَّا خَلَفْته وَرَاءَ ظَهْرِي , ثُمَّ اِتَّبَعْتهمْ أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً وَثَلَاثِينَ رُمْحًا يَتَخَفَّفُونَ بِهَا , قَالَ فَأَتَوْا مَضِيقًا فَأَتَاهُمْ رَجُلٌ فَجَلَسُوا يَتَغَدَّوْنَ فَجَلَسْت عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ , فَقَالَ لَهُمْ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبُرْجَ , قَالَ فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ مِنْكُمْ أَرْبَعَةٌ , فَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ فَتَهَدَّدَهُمْ فَرَجَعُوا , قَالَ : فَمَا بَرَحْت مَكَانِي حَتَّى رَأَيْت فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُهُمْ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ , فَقُلْت لَهُ اُحْذُوهُمْ , فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عُيَيْنَةَ فَقَتَلَهُ عَبْد الرَّحْمَن وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِهِ , فَلَحِقَهُ أَبُو قَتَادَةَ فَقَتَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَتَحَوَّلَ عَلَى الْفَرَسِ , قَالَ وَاتَّبَعْتهمْ عَلَى رِجْلَيَّ حَتَّى مَا أَرَى أَحَدًا , فَعَدَلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ ذِي قَرَدٍ فَشَرِبُوا مِنْهُ وَهُمْ عِطَاشٌ , قَالَ فَجَلَاهُمْ عَنْهُ حَتَّى طَرَدَهُمْ , وَتَرَكُوا فَرَسَيْنِ عَلَى ثَنِيَّةٍ فَحُثْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق نَحْو هَذِهِ الْقِصَّةَ وَقَالَ \" إِنَّ الْأَخْرَمَ لَقَبٌ , وَاسْمُهُ مُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ \" لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَهُ \" حَبِيب بْن عُيَيْنَةَ بْن حِصْن \" بَدَل عَبْد الرَّحْمَن , فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون كَانَ لَهُ اِسْمَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِم \" وَأَتَانِي عَمِّي عَامِر بْن الْأَكْوَع بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاء وَسَطِيحَة فِيهَا لَبَن , فَتَوَضَّأْت وَشَرِبْت \" ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي أَجْلَيْتهمْ عَنْهُ , فَإِذَا هُوَ قَدْ أَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ اِسْتَنْقَذْته مِنْهُمْ , وَنَحَرَ لَهُ بِلَالُ نَاقَتَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ حَمَيْت الْقَوْم الْمَاء ) ‏ ‏أَيْ مَنَعْتهمْ مِنْ الشُّرْبِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ السَّاعَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه خَلِّنِي أَنْتَخِبُ مِنْ الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ فَأَتَّبِعُهُمْ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِر , قَالَ فَضَحِكَ \" وَعِنْد اِبْن إِسْحَاق \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه لَوْ سَرَّحْتنِي فِي مِائَة رَجُل لَأَخَذْت بِأَعْنَاقِ الْقَوْمِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ يَا اِبْن الْأَكْوَعِ مَلَكْت فَأَسْجِحْ ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَجِيمٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ , أَيْ سَهِّل. وَالْمَعْنَى قَدَرْت فَاعْفُ. وَالسَّجَاحَةُ السُّهُولَةُ. زَادَ مَكِّيّ فِي رِوَايَته \" أَنَّ الْقَوْم لَيُقْرَونَ فِي قَوْمِهِمْ \" وَعِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ قَوْمهمْ \" وَلِمُسْلِمٍ \" أَنَّهُمْ لَيُقْرَونَ فِي أَرْضِ غَطَفَانَ \" وَيُقْرَونَ بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الْقَاف وَفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْوَاو مِنْ الْقُرَى وَهِيَ الضِّيَافَة , وَلِابْنِ إِسْحَاق \" فَقَالَ إِنَّهُمْ الْآنَ لِيَغْبِقُونِ فِي غَطَفَانَ \" وَهُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ السَّاكِنَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْقَافِ , مِنْ الْغَبُوقِ وَهُوَ شُرْبُ أَوَّلِ اللَّيْلِ , وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ فَاتُوا وَأَنَّهُمْ وَصَلُوا إِلَى بِلَادِ قَوْمِهِمْ وَنَزَلُوا عَلَيْهِمْ فَهُمْ الْآنَ يَذْبَحُونَ لَهُمْ وَيُطْعِمُونَهُمْ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ \" قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : نَحَرَ لَهُمْ فُلَانٌ جَزُورًا , فَلَمَّا كَشَطُوا جِلْدَهَا إِذَا هُمْ بِغَبَرَةٍ , فَقَالُوا : أَتَاكُمْ الْقَوْمُ فَخَرَجُوا هَارِبِينَ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ رَجَعْنَا ) ‏ ‏إِلَى الْمَدِينَةِ ( وَيُرْدِفُنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَاقَتِهِ حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ \" ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ \" وَذَكَرَ قِصَّةَ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي سَابَقَهُ فَسَبَقَهُ سَلَمَة , قَالَ : \" فَسَبَقْت إِلَى الْمَدِينَةِ , فَوَاَللَّهِ مَا لَبِثْنَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ - وَفِيهِ - فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْر فُرْسَانِنَا الْيَوْم أَبُو قَتَادَةَ , وَخَيْر رِجَالَتِنَا الْيَوْم سَلَمَة. قَالَ سَلَمَة ثُمَّ أَعْطَانِي سَهْمَ الرَّاجِلِ وَالْفَارِسِ جَمِيعًا \" وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي \" الْإِكْلِيلِ \" وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْن قَتَادَةَ بْن عَبْد اللَّه بْن عِكْرِمَة بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَةَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَةَ , أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ اِشْتَرَى فَرَسَهُ , فَلَقِيَهُ مُسْعَدَةُ الْفَزَارِيُّ فَتَقَاوَلَا فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ : أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُلْقِينَك وَأَنَا عَلَيْهَا , قَالَ : آمِينَ. قَالَ : فَبَيْنَمَا هُوَ يَعْلِفُهَا إِذْ قِيلَ : أُخِذَتْ اللِّقَاحُ , فَرَكِبَهَا حَتَّى هَجَمَ عَلَى الْعَسْكَرِ , قَالَ فَطَلَعَ عَلَى فَارِسٍ فَقَالَ : لَقَدْ أَلْقَانِيكَ اللَّهُ يَا أَبَا قَتَادَةَ , فَذَكَرَ مُصَارَعَتَهُ لَهُ وَظُفْرَهُ بِهِ وَقَتَلَهُ وَهَزَمَ الْمُشْرِكِينَ , ثُمَّ لَمْ يَنْشَب الْمُسْلِمُونَ أَنْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ أَبُو قَتَادَةَ يَحُوشُ اللِّقَاحَ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبُو قَتَادَةَ سَيِّد الْفُرْسَان \". وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْعَدْوِ الشَّدِيدِ فِي الْغَزْوِ , وَالْإِنْذَارُ بِالصِّيَاحِ الْعَالِي , وَتَعْرِيفُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ إِذَا كَانَ شُجَاعًا لِيُرْعِبَ خَصْمَهُ , وَاسْتِحْبَابُ الثَّنَاءِ عَلَى الشُّجَاعِ وَمَنْ فِيهِ فَضِيلَةٌ لَا سِيَّمَا عِنْد الصُّنْعِ الْجَمِيلِ لِيَسْتَزِيدَ مِنْ ذَلِكَ وَمَحَلُّهُ حَيْثُ يُؤْمَنُ الِافْتِتَان , وَفِيهِ الْمُسَابَقَة عَلَى الْإِقْدَامِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ , وَأَمَّا بِالْعِوَضِ فَالصَّحِيحُ لَا يَصِحُّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3874",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏حَتَّى إِذَا كُنَّا ‏ ‏بِالصَّهْبَاءِ ‏ ‏وَهِيَ مِنْ أَدْنَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَعَا بِالْأَزْوَادِ فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا ‏ ‏بِالسَّوِيقِ ‏ ‏فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سُوَيْد بْن النُّعْمَان وَهُوَ الْأَنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ خَيْبَرَ , الْحَدِيث. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الطَّهَارَةِ. وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى خَيْبَرَ كَانَتْ عَلَى طَرِيقِ الصَّهْبَاءِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3875",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَسِرْنَا لَيْلًا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ ‏ ‏لِعَامِرٍ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَامِرُ ‏ ‏أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ وَكَانَ ‏ ‏عَامِرٌ ‏ ‏رَجُلًا شَاعِرًا فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ‏ ‏وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا ‏ ‏فَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا أَبْقَيْنَا ‏ ‏وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا ‏ ‏وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ‏ ‏إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَبَيْنَا ‏ ‏وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ هَذَا السَّائِقُ قَالُوا ‏ ‏عَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ ‏ ‏قَالَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ قَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ الْقَوْمِ وَجَبَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْلَا أَمْتَعْتَنَا بِهِ فَأَتَيْنَا ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَحَاصَرْنَاهُمْ حَتَّى أَصَابَتْنَا ‏ ‏مَخْمَصَةٌ ‏ ‏شَدِيدَةٌ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ مَسَاءَ الْيَوْمِ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا هَذِهِ النِّيرَانُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ قَالُوا عَلَى لَحْمٍ قَالَ عَلَى أَيِّ لَحْمٍ قَالُوا لَحْمِ حُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَهْرِيقُوهَا ‏ ‏وَاكْسِرُوهَا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ ‏ ‏نُهَرِيقُهَا ‏ ‏وَنَغْسِلُهَا قَالَ أَوْ ذَاكَ فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ كَانَ سَيْفُ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏قَصِيرًا فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ يَهُودِيٍّ لِيَضْرِبَهُ وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ فَأَصَابَ عَيْنَ رُكْبَةِ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏فَمَاتَ مِنْهُ قَالَ فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ ‏ ‏سَلَمَةُ ‏ ‏رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي قَالَ مَا لَكَ قُلْتُ لَهُ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي زَعَمُوا أَنَّ ‏ ‏عَامِرًا ‏ ‏حَبِطَ عَمَلُهُ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَذَبَ مَنْ قَالَهُ إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَشَأَ بِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَرَجْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ , فَسِرْنَا لَيْلًا , فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ لِعَامِرٍ : يَا عَامِر أَلَا تُسْمِعَنَا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمِهِ صَرِيحًا , وَعِنْد اِبْن إِسْحَاق مِنْ حَدِيث نَصْر بْن دَهْر الْأَسْلَمِيّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِي مَسِيره إِلَى خَيْبَرَ لِعَامِرِ بْن الْأَكْوَع وَهُوَ عَمّ سَلَمَة بْن الْأَكْوَع وَاسْم الْأَكْوَع سِنَان : \" اِنْزِلْ يَا اِبْنَ الْأَكْوَعِ فَاحْدُ لَنَا مِنْ هُنَيَّاتِكَ \" فَفِي هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ هُنَيْهَاتِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ بِحَذْفِ الْهَاءِ الثَّانِيَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ الَّتِي قَبْلَهَا , وَالْهُنَيْهَاتُ جَمْعُ هُنَيْهَةٍ وَهِيَ تَصْغِير هَنَة كَمَا قَالُوا فِي تَصْغِير سَنَة سُنَيْهَة. وَوَقَعَ فِي الدَّعَوَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْد \" لَوْ أَسْمَعْتَنَا مِنْ هَنَاتِك \" بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ عَامِر رَجُلًا شَاعِرًا ) ‏ ‏قِيلَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجَزَ مِنْ أَقْسَامِ الشِّعْرِ , لِأَنَّ الَّذِي قَالَهُ عَامِر حِينَئِذٍ مِنْ الرَّجَزِ. وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِك فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اِهْتَدَيْنَا ) ‏ ‏فِي هَذَا الْقَسَمِ زِحَافُ الْخَزْمِ بِمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ زِيَادَةُ سَبَبٍ خَفِيفٍ فِي أَوَّلِهِ , وَأَكْثَرهَا أَرْبَعَة أَحْرُف , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد مِنْ حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب وَأَنَّهُ مِنْ شَعْر عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة , فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون هُوَ وَعَامِر تَوَارَدَا عَلَى مَا تَوَارَدَا مِنْهُ , بِدَلِيلِ مَا وَقَعَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِمَّا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ , أَوْ اِسْتَعَانَ عَامِر بِبَعْضِ مَا سَبَقَهُ إِلَيْهِ اِبْن رَوَاحَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَاغْفِرْ فِدَاء لَك مَا اِتَّقَيْنَا ) ‏ ‏أَمَّا قَوْله فِدَاء فَهُوَ بِكَسْرِ الْفَاء وَبِالْمَدِّ , وَحَكَى اِبْن التِّين فَتْحَ أَوَّلِهِ مَعَ الْقَصْرِ وَزَعَمَ أَنَّهُ هُنَا بِالْكَسْرِ مَعَ الْقَصْرِ لِضَرُورَةِ الْوَزْنِ , وَلَمْ يُصِبْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَتَّزِن إِلَّا بِالْمَدِّ. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ هَذَا الْكَلَام لِأَنَّهُ لَا يُقَال فِي حَقِّ اللَّهِ , إِذْ مَعْنَى فِدَاء لَك نَفْدِيك بِأَنْفُسِنَا وَحُذِفَ مُتَعَلِّقِ الْفِدَاءِ لِلشُّهْرَةِ , وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْفِدَاءُ لِمَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ. وَأُجِيب عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهَا كَلِمَةٌ لَا يُرَادُ بِهَا ظَاهِرُهَا بَلْ الْمُرَادُ بِهَا الْمَحَبَّةُ وَالتَّعْظِيمُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ. وَقِيلَ : الْمُخَاطَبُ بِهَذَا الشَّعْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمَعْنَى لَا تُؤَاخِذنَا بِتَقْصِيرِنَا فِي حَقِّك وَنَصْرِك , وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ : \" اللَّهُمَّ \" لَمْ يَقْصِد بِهَا الدُّعَاءَ , وَإِنَّمَا اِفْتَتَحَ بِهَا الْكَلَامَ , وَالْمُخَاطَبُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ \" لَوْلَا أَنْتَ \" النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ , وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ : ‏ ‏فَأَنْزَلْنَ سَكِينَةً عَلَيْنَا ‏ ‏وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا ‏ ‏فَإِنَّهُ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فَاسْأَلْ رَبَّك أَنْ يُنْزِلَ وَيُثَبِّتَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْله : \" مَا اِتَّقَيْنَا \" فَبِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا قَافٌ لِلْأَكْثَرِ , وَمَعْنَاهُ مَا تَرَكْنَا مِنْ الْأَوَامِرِ , وَ \" مَا \" ظَرْفِيَّة , وَلِلْأَصِيلِيّ وَالنَّسَفِيِّ بِهَمْزَةِ قَطْع ثُمَّ مُوَحَّدَة سَاكِنَة أَيْ مَا خَلْفنَا وَ وَرَاءَنَا مِمَّا اِكْتَسَبْنَا مِنْ الْآثَامِ , أَوْ مَا أَبْقَيْنَاهُ وَرَاءَنَا مِنْ الذُّنُوبِ فَلَمْ نَتُبْ مِنْهُ. وَلَلْقَابِسِيّ \" مَا لَقِينَا \" بِاللَّامِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَالْمَعْنَى مَا وَجَدْنَا مِنْ الْمَنَاهِي , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ \" مَا اِقْتَفَيْنَا \" بِقَافِ سَاكِنَةٍ وَمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة أَيْ تَبِعْنَا مِنْ الْخَطَايَا مِنْ قَفَوْت الْأَثَرَ إِذَا اِتَّبَعْته , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ عَنْ قُتَيْبَةَ وَهِيَ أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الرَّجَزِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَلْقَيْنَ سَكِينَةً عَلَيْنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيّ \" وَأَلْقِ السَّكِينَةَ عَلَيْنَا \" بِحَذْفِ النُّونِ وَبِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَلَامٍ فِي السَّكِينَةِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ , وَلَيْسَ بِمَوْزُونٍ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا ) ‏ ‏بِمُثَنَّاةٍ , أَيْ جِئْنَا إِذَا دُعِينَا إِلَى الْقِتَالِ أَوْ إِلَى الْحَقِّ , وَرُوِيَ بِالْمُوَحَّدَةِ كَذَا رَأَيْت فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ , فَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَة فَالْمَعْنَى إِذَا دُعِينَا إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ اِمْتَنَعْنَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا ) ‏ ‏أَيْ قَصَدُونَا بِالدُّعَاءِ بِالصَّوْتِ الْعَالِي وَاسْتَغَاثُوا عَلَيْنَا , تَقُولُ : عَوَّلْت عَلَى فُلَانٍ وَعَوَّلْت بِفُلَانٍ بِمَعْنَى اِسْتَغَثْت بِهِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمَعْنَى أَجَلَبُوا عَلَيْنَا بِالصَّوْتِ , وَهُوَ مِنْ الْعَوِيلِ. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ عَوَّلُوا بِالتَّثْقِيلِ مِنْ التَّعْوِيلِ وَلَوْ كَانَ مِنْ الْعَوِيلِ لَكَانَ أَعْوَلُوا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَة عَنْ أَبِيهِ عِنْد أَحْمَد فِي هَذَا الرَّجَزِ مِنْ الزِّيَادَةِ : \" وَإِنَّ الَّذِينَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةٍ أَبَيْنَا وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِك مَا اِسْتَغْنَيْنَا \" وَهَذَا الْقِسْمُ الْأَخِيرُ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ هَذَا السَّائِق ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فَجَعَلَ عَامِر يَرْتَجِزُ وَيَسُوقُ الرِّكَابَ وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتُهُمْ إِذَا أَرَادُوا تَنْشِيطَ الْإِبِلَ فِي السَّيْرِ يَنْزِلُ بَعْضُهُمْ فَيَسُوقُهَا وَيَحْدُو فِي تِلْكَ الْحَالِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يَرْحَمُهُ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَة \" قَالَ غَفَرَ لَك رَبُّك \" قَالَ : وَمَا اِسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ إِلَّا اُسْتُشْهِدَ , وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ يَظْهَرُ السِّرُّ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ \" لَوْلَا أَمْتَعْتنَا بِهِ \". ‏ ‏قَوْلِهِ : ( قَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم : وَجَبَتْ يَا نَبِيّ اللَّه , لَوْلَا أَمْتَعْتنَا بِهِ ) ‏ ‏اِسْم هَذَا الرَّجُل عُمَر سَمَّاهُ مُسْلِم فِي رِوَايَة إِيَاس بْن سَلَمَة وَلَفْظه \" فَنَادَى عُمَر بْن الْخَطَّاب وَهُوَ عَلَى جَمَل لَهُ : يَا نَبِيّ اللَّه لَوْلَا أَمْتَعْتنَا بِعَامِر \" وَفِي حَدِيث نَصْر بْن دَهْر عِنْد اِبْن إِسْحَاق \" فَقَالَ عُمَر : وَجَبَتْ يَا رَسُولَ اللَّه \" وَمَعْنَى قَوْله لَوْلَا أَيْ هَلَّا , وَأَمْتَعْتنَا أَيْ مَتَّعْتنَا أَيْ أَبْقَيْته لَنَا لِنَتَمَتَّع بِهِ أَيْ بِشَجَاعَتِهِ , وَالتَّمَتُّعُ التَّرَفُّهُ إِلَى مُدَّةٍ , وَمِنْهُ أَمْتَعَنِي اللَّهُ بِبَقَائِك. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَيْنَا خَيْبَرًا ) ‏ ‏أَيْ أَهْلَ خَيْبَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَاصَرْنَاهُمْ ) ‏ ‏ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ أَوَّل شَيْء حَاصَرُوهُ فَفَتَحَ حِصْنَ نَاعِم , ثُمَّ اِنْتَقَلُوا إِلَى غَيْرِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ ) ‏ ‏بِمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُهْمَلَة أَيْ مَجَاعَة شَدِيدَة , وَسَيَأْتِي شَرْح قِصَّة الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ سَيْف عَامِر قَصِيرًا فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ يَهُودِيٍّ لِيَضْرِبَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ إِيَاسِ بْن سَلَمَة \" فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَب يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ يَقُولُ. ‏ ‏قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ‏ ‏شَاكِّي السِّلَاحَ بَطَلٌ مُجَرَّب ‏ ‏إِذَا الْحُرُوب أَقْبَلَتْ تَلْهَب ‏ ‏قَالَ فَبَرَزَ إِلَيْهِ عَامِر فَقَالَ : ‏ ‏قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَر أَنِّي عَامِر ‏ ‏شَاكِّي السِّلَاح بَطَل مُغَامِر ‏ ‏فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ , فَوَقَعَ سَيْف مَرْحَب فِي تُرْسِ عَامِرٍ , فَصَارَ عَامِر يَسْفُلُ لَهُ أَيْ يَضْرِبُهُ مِنْ أَسْفَلَ , فَرَجَعَ سَيْفُهُ - أَيْ عَامِر - عَلَى نَفْسِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ ) ‏ ‏أَيْ طَرَفُهُ الْأَعْلَى وَقِيلَ : حَدُّهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَصَابَ عَيْنَ رُكْبَةِ عَامِر ) ‏ ‏أَيْ طَرَف رُكْبَتِهِ الْأَعْلَى فَمَاتَ مِنْهُ , وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ \" فَأُصِيبَ عَامِر بِسَيْفِ نَفْسِهِ فَمَاتَ \" وَفِي رِوَايَةِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَة عِنْد مُسْلِم \" فَقَطَعَ أَكْحَله فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ \" وَفِي رِوَايَةِ اِبْنِ إِسْحَاقَ \" فَكَلَمَهُ كَلْمًا شَدِيدًا فَمَاتَ مِنْهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا قَفَلُوا مِنْ خَيْبَرَ ) ‏ ‏أَيْ رَجَعُوا. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ آخِذٌ يَدَيَّ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِيَدَيَّ \" وَفِي رِوَايَة قُتَيْبَة \" رَآنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاحِبًا \" بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة وَمُوَحَّدَة أَيْ مُتَغَيِّر اللَّوْن , وَفِي رِوَايَة إِيَاس \" فَأَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي \". ‏ ‏قَوْله : ( زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبَطَ عَمَلُهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ إِيَاس \" بَطَلَ عَمَل عَامِر قَتَلَ نَفْسه \" وَسُمِّيَ مِنْ الْقَائِلِينَ أُسَيْد بْن حُضَيْر , فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ الْآتِيَة فِي الْأَدَبِ وَعِنْدَ اِبْن إِسْحَاقَ \" فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ شَكُّوا فِيهِ وَقَالُوا فَمَا قَتَلَهُ سِلَاحُهُ \" وَنَحْوه عِنْد مُسْلِم مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلَمَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( كَذَبَ مَنْ قَالَهُ ) ‏ ‏أَيْ أَخْطَأَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ لَهُ أَجْرَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَأَجْرَيْنِ \" وَكَذَا فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ , وَكَذَا فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" إِنَّهُ لَشَهِيد , وَصَلَّى عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ فِيهِمَا وَكَسْرِ الْهَاءِ وَالتَّنْوِينِ , وَالْأَوَّل مَرْفُوع عَلَى الْخَبَرِ. وَالثَّانِي اتِّبَاع لِلتَّأْكِيدِ , كَمَا قَالُوا جَادٌّ مُجِدٌّ. وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْحَمَوِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ بِفَتْحِ الْهَاء وَالدَّال , وَكَذَا ضَبَطَهُ الْبَاجِيّ , قَالَ عِيَاض : وَالْأَوَّل هُوَ الْوَجْهُ. قُلْت : يُؤَيِّدُهُ رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلَمَة \" مَاتَ جَاهِدَا مُجَاهِدًا \" قَالَ اِبْن دُرَيْد : رَجُل جَاهِدٌ أَيْ جَادٌّ فِي أُمُورِهِ , وَقَالَ اِبْن التِّين : الْجَاهِدُ مَنْ يَرْتَكِب الْمَشَقَّةَ , وَمُجَاهِدٌ أَيْ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْله ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالْمِيمِ وَالْقَصْرِ مِنْ الْمَشْيِ , وَالضَّمِير لِلْأَرْضِ أَوْ الْمَدِينَة أَوْ الْحَرْب أَوْ الْخَصْلَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ قُتَيْبَة نَشَأَ ) ‏ ‏أَيْ بِنُون وَبِهَمْزَةٍ , وَالْمُرَاد أَنَّ قُتَيْبَةَ رَوَاهُ عَنْ حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل بِهَذَا الْإِسْنَاد فَخَالَفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة. وَرِوَايَته مَوْصُولَة فِي الْأَدَب عِنْده , وَغَفَلَ الْكُشْمِيهَنِيّ فَرَوَاهَا هُنَالِكَ بِالْمِيمِ وَالْقَصْر , وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة \" مُشَابِهًا \" بِضَمِّ الْمِيمِ اِسْم فَاعِل مِنْ الشُّبْهَةِ أَيْ لَيْسَ لَهُ مُشَابِهٌ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ فِي الْقِتَالِ , وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ رَأَيْته مُشَابِهًا , أَوْ عَلَى الْحَالِ مِنْ قَوْلِهِ \" عَرَبِيّ \" قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَالْحَالُ مِنْ النَّكِرَةِ يَجُوزُ إِذَا كَانَ فِي تَصْحِيحِ مَعْنَى , قَالَ السُّهَيْلِيُّ أَيْضًا : وَرَوَى \" قَلَّ عَرَبِيًّا نَشَأَ بِهَا مِثْله \" وَالْفَاعِل مِثْله , وَعَرَبِيًّا مَنْصُوب عَلَى التَّمْيِيزِ لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ مَعْنَى الْمَدْحِ , عَلَى حَدِّ قَوْلِهِمْ عَظُمَ زَيْدٌ رَجُلًا , وَقَلَّ زَيْدٌ أَدَبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3876",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏لَيْلًا وَكَانَ إِذَا أَتَى قَوْمًا بِلَيْلٍ لَمْ يُغِرْ بِهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏بِمَسَاحِيهِمْ ‏ ‏وَمَكَاتِلِهِمْ ‏ ‏فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَاللَّهِ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَالْخَمِيسُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرِبَتْ ‏ ‏خَيْبَرُ ‏ ‏إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ‏ { ‏فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ \" سَمِعْت أَنَسًا \" كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَى خَيْبَرَ لَيْلًا ) ‏ ‏أَيْ قَرُبَ مِنْهَا , وَذَكَرَ اِبْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ نَزَلَ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ الرَّجِيعُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَطَفَانَ لِئَلَّا يَمُدُّوهُمْ وَكَانُوا حُلَفَاءَهُمْ , قَالَ : فَبَلَغَنِي أَنَّ غَطَفَانَ تَجَهَّزُوا وَقَصَدُوا خَيْبَرَ , فَسَمِعُوا حِسًّا خَلْفَهُمْ فَظَنُّوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ خَلَفُوهُمْ فِي ذَرَارِيِّهِمْ , فَرَجَعُوا فَأَقَامُوا وَخَذَلُوا أَهْلَ خَيْبَرَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يُغْرِ بِهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ الْإِغَارَةِ , وَلِأَبِي ذَرٍّ عَنْ الْمُسْتَمْلِيّ \" لَمْ يَقْرَبْهُمْ \" بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ , وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ بِلَفْظِ \" لَا يُغِيرُ عَلَيْهِمْ \" وَهُوَ يُؤَيِّد رِوَايَةَ الْجُمْهُورِ , وَتَقَدَّمَ فِي الْأَذَان مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ \" كَانَ إِذَا غَزَا لَمْ يَغْزُ بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ , فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِلَّا أَغَارَ , قَالَ : فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلًا فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ \" وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ سَمِعُوا بِقَصْدِهِ لَهُمْ , فَكَانُوا يَخْرُجُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مُتَسَلِّحِينَ مُسْتَعِدِّينَ , فَلَا يَرَوْنَ أَحَدًا. حَتَّى إِذَا كَانَتْ اللَّيْلَة الَّتِي قَدِمَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ نَامُوا فَلَمْ تَتَحَرَّك لَهُمْ دَابَّةٌ وَلَمْ يَصِحْ لَهُمْ دِيكٌ , وَخَرَجُوا بِالْمَسَاحِي طَالِبِينَ مَزَارِعَهُمْ فَوَجَدُوا الْمُسْلِمِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( خَرَجَتْ يَهُود ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ أَنَس \" إِلَى زُرُوعِهِمْ \". ‏ ‏قَوْلهمْ : ( بِمَسَاحِيهِمْ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ مِسْحَاةٍ وَهِيَ مِنْ آلَاتِ الْحَرْثِ ‏ ‏( وَمَكَاتِلِهِمْ ) ‏ ‏جَمْعُ مِكْتَلٍ وَهُوَ الْقُفَّةُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي يُحَوَّلُ فِيهَا التُّرَابُ وَغَيْرُهُ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ \" حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ السَّحَرِ وَذَهَبَ ذُو الزَّرْعِ إِلَى زَرْعِهِ وَذُو الضَّرْعِ إِلَى ضَرْعِهِ أَغَارَ عَلَيْهِمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب عَنْ أَنَس بِلَفْظِ \" خَرَجَ الْقَوْم إِلَى أَعْمَالِهِمْ فَقَالُوا : مُحَمَّدٌ \" قَالَ عَبْد الْعَزِيز. قَالَ بَعْض أَصْحَابنَا عَنْ أَنَس \" وَالْخَمِيس \" يَعْنِي الْجَيْشَ وَعَرَفَ الْمُرَادَ بِبَعْضِ أَصْحَابه مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ , وَتَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ ثَابِت وَعَبْد الْعَزِيز عَنْ أَنَس نَحْوه وَفِيهِ \" يَقُولُونَ مُحَمَّد وَالْخَمِيس \" قَالَ : وَالْخَمِيس الْجَيْش. وَعُرِفَ مِنْ سِيَاق هَذَا الْبَاب أَنَّ اللَّفْظَ هُنَاكَ لِثَابِتٍ , وَقَدْ بَيَّنْت مَا فِي هَذَا الْمَوْضِع مِنْ الْإِدْرَاجِ فِي أَوَائِلِ كِتَاتِ الصَّلَاةِ , وَزَادَ فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوبَ \" فَلَجَئُوا إِلَى الْحِصْنِ \" أَيْ تَحَصَّنُوا بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( خَرِبَتْ خَيْبَر ) ‏ ‏زَادَ فِي الْجِهَادِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : \" اللَّهُ أَكْبَرُ , خَرِبَتْ خَيْبَرُ \" وَزِيَادَة التَّكْبِير فِي مُعْظَمِ الطُّرُقِ عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ حُمَيْدٍ , قَالَ السُّهَيْلِيُّ : يُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْحَدِيث التَّفَاؤُل , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى آلَاتِ الْهَدْمِ - مَعَ أَنَّ لَفْظ الْمِسْحَاة مِنْ سَحَوْت إِذَا قَشَّرْت - أُخِذَ مِنْهُ أَنَّ مَدِينَتَهُمْ سَتَخْرَبُ , اِنْتَهَى. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَالَ. \" خَرِبَتْ خَيْبَر \" بِطَرِيقِ الْوَحْي. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله بَعْد ذَلِكَ : \" إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3877",
        "content": "‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَبَّحْنَا ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏بُكْرَةً فَخَرَجَ أَهْلُهَا ‏ ‏بِالْمَسَاحِي ‏ ‏فَلَمَّا بَصُرُوا بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالُوا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَاللَّهِ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَالْخَمِيسُ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ ‏ ‏خَيْبَرُ ‏ ‏إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ‏ { ‏فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ‏} ‏فَأَصَبْنَا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ ‏ ‏\" صَبَّحْنَا خَيْبَرَ بُكْرَةً \" ‏ ‏لَا يُغَايِر قَوْله فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس أَنَّهُمْ قَدِمُوهَا لَيْلًا , فَإِنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُمْ لَمَّا قَدِمُوهَا وَنَامُوا دُونَهَا رَكِبُوا إِلَيْهَا بُكْرَة فَصَبَّحُوهَا بِالْقِتَالِ وَالْإِغَارَةِ , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلِ بْنِ جَعْفَر عَنْ حُمَيْدٍ وَاضِحًا , زَادَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قِصَّة الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهَا مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ إِنْ شَاءَ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3878",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَاءَهُ ‏ ‏جَاءٍ فَقَالَ أُكِلَتْ الْحُمُرُ فَسَكَتَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ أُكِلَتْ الْحُمُرُ فَسَكَتَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ أُفْنِيَتْ الْحُمُرُ فَأَمَرَ ‏ ‏مُنَادِيًا ‏ ‏فَنَادَى فِي النَّاسِ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَأُكْفِئَتْ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِاللَّحْمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ , وَلَيْسَ هُوَ وَالِد الرَّاوِي عِنْد عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْوَهَّاب , فَإِنَّ الرَّاوِي عَنْهُ عَبْدَرِيّ حَجَبِيّ لَا ثَقَفِيٌّ. ‏ ‏قَوْله : ( يَنْهَيَانِكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْآتِيَةِ \" يَنْهَاكُمْ \" بِالْإِفْرَادِ وَفِي رِوَايَةِ عَبْد الْوَهَّاب بِالتَّثْنِيَةِ , وَهُوَ دَالّ عَلَى جَوَاز جَمْع اِسْم اللَّه مَعَ غَيْرِهِ فِي ضَمِيرٍ وَاحِدٍ , فَيُرَدُّ بِهِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ لِلْخَطِيبِ : \" بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ \" لِكَوْنِهِ قَالَ : \" وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إِلَى مَبَاحِثِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُكْفِئَتْ الْقُدُورُ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّينِ : صَوَابُهُ فَكُفِّئَتْ , قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : كَفَأْت الْإِنَاءَ قَلَبْته وَلَا يُقَالُ أَكْفَأْته , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أُمِيلَتْ حَتَّى أُزِيلَ مَا فِيهَا , قَالَ الْكِسَائِيُّ : أَكْفَأْت الْإِنَاءَ أَمَلْته. ‏"
    },
    {
        "id": "3879",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الصُّبْحَ قَرِيبًا مِنْ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏بِغَلَسٍ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ ‏ ‏خَيْبَرُ ‏ ‏إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ‏ { ‏فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ‏} ‏فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ فَقَتَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ وَكَانَ فِي السَّبْيِ ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏فَصَارَتْ إِلَى ‏ ‏دَحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ‏ ‏ثُمَّ صَارَتْ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ‏ ‏لِثَابِتٍ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا مُحَمَّدٍ ‏ ‏آنْتَ قُلْتَ ‏ ‏لِأَنَسٍ ‏ ‏مَا أَصْدَقَهَا فَحَرَّكَ ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏رَأْسَهُ تَصْدِيقًا لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي صَلَاة الْخَوْفِ مَعَ ثَابِتٍ عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ , فَقَتَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ ) ‏ ‏فِيهِ اِخْتِصَارٌ كَبِير , لِأَنَّهُ يُوهِم أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَقِبَ الْإِغَارَةِ عَلَيْهِمْ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ عَلَى مُحَاصَرَتِهِمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً , وَقِيلَ : أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْله : \" إِنَّهُمْ أَصَابَتْهُمْ مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ \" فَإِنَّهُ دَالّ عَلَى طُولِ مُدَّةِ الْحِصَارِ , إِذْ لَوْ وَقَعَ الْفَتْحُ مِنْ يَوْمِهِمْ لَمْ يَقَعْ لَهُمْ ذَلِكَ. وَفِي حَدِيثِ سَلَمَة بْن الْأَكْوَع وَسَهْل بْن سَعْد الْآتِيَيْنِ قَرِيبًا فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ مَا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ , وَكَذَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ , وَكَذَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّهُمْ حَاصَرُوهُمْ. حَدِيث أَنَس أَيْضًا فِي ذِكْرِ صَفِيَّةَ , ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ , وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ ثَالِثٍ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا سِيَاقًا. وَصْفِيَّة هِيَ بِنْتُ حُيَيِّ بْن أَخْطَبَ بْن سَعْيَةَ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة - اِبْن عَامِر بْن عُبَيْد بِن كَعْبٍ , مِنْ ذُرِّيَّةِ هَارُونَ بْن عِمْرَانَ أَخِي مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ , وَأُمُّهَا بَرَّةُ بِنْتُ شَمْوَال مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ , وَكَانَتْ تَحْتَ سَلَّامِ بْنِ مُشْكِمِ الْقُرَظِيّ ثُمَّ فَارَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْن أَبِي الْحَقِيقِ النَّضِيرِيّ فَقُتِلَ عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ , ذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن سَعْد وَأَسْنَدَ بَعْضَهُ مِنْ وَجْهٍ مُرْسَلٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ فِي السَّبْي صَفِيَّة بِنْت حُيَيِّ فَصَارَتْ إِلَى دِحْيَةَ , ثُمَّ صَارَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ \" فَجَاءَ دِحْيَةُ فَقَالَ : أَعْطِنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ جَارِيَة مِنْ السَّبْي , قَالَ : اِذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَة , فَأَخَذَ صَفِيَّة , فَجَاءَ رَجُل فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه أَعْطَيْت دِحْيَة صَفِيَّةَ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَك , قَالَ اُدْعُوهُ بِهَا , فَجَاءَ بِهَا , فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خُذْ جَارِيَة مِنْ السَّبْي غَيْرَهَا , وَعِنْدَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ صَفِيَّةَ سُبِيَتْ مِنْ حِصْنِ الْقَمُوصِ وَهُوَ حِصْنُ بَنِي أَبِي الْحَقِيقِ , وَكَانَتْ تَحْتَ كِنَانَة بْن الرَّبِيعِ بْن أَبِي الْحَقِيقِ وَسُبِيَ مَعَهَا بِنْتُ عَمِّهَا - وَعِنْدَ غَيْرِهِ بِنْتُ عَمِّ زَوْجِهَا - فَلَمَّا اِسْتَرْجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفِيَّة مِنْ دِحْيَة أَعْطَاهُ بِنْتَ عَمِّهَا. قَالَ السُّهَيْلِيُّ : لَا مُعَارَضَة بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَار فَإِنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ دِحْيَة قَبْل الْقَسَمِ , وَاَلَّذِي عَوَّضَهُ عَنْهَا لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْبَيْعِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ النَّفْلِ. قُلْت : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْن سَلَمَةَ عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس عِنْد مُسْلِم أَنَّ صَفِيَّة وَقَعَتْ فِي سَهْم دِحْيَةَ , وَعِنْدَهُ أَيْضًا فِيهِ \" فَاشْتَرَاهَا مِنْ دِحْيَةَ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ \" فَالْأَوْلَى فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِسَهْمِهِ هُنَا نُصِيبُهُ الَّذِي اِخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْطِيَهُ جَارِيَةً فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ جَارِيَةً , فَأَخَذَ صَفِيَّة. فَلَمَّا قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا بِنْت مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ تُوهَبُ لِدِحْيَةَ لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ مِثْلَ دِحْيَة وَفَوْقه وَقِلَّة مَنْ كَانَ فِي السَّبْي مِثْل صَفِيَّة فِي نَفَاسَتِهَا , فَلَوْ خَصَّهُ بِهَا لَأَمْكَنَ تَغَيُّرُ خَاطِرِ بَعْضِهِمْ , فَكَانَ مِنْ الْمَصْلَحَة الْعَامَّة اِرْتِجَاعهَا مِنْهُ وَاخْتِصَاص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا , فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِضَا الْجَمِيعِ , وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ مِنْ شَيْء. وَأَمَّا إِطْلَاق الشِّرَاءِ عَلَى الْعِوَضِ فَعَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ , وَلَعَلَّهُ عَوَّضَهُ عَنْهَا بِنْت عَمّهَا أَوْ بِنْت عَمِّ زَوْجهَا فَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ فَأَعْطَاهُ مِنْ جُمْلَةِ السَّبْيِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ. وَعِنْد اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق سُلَيْمَانَ بْن الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس وَأَصْله فِي مُسْلِم \" صَارَتْ صَفِيَّة لِدِحْيَةَ , فَجَعَلُوا يَمْدَحُونَهَا , فَبَعَثَ رَسُول اللَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَى بِهَا دِحْيَة مَا رَضِيَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَائِل الصَّلَاةِ , وَيَأْتِي تَمَام قِصَّتِهَا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي عَشَرَ , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى قَوْله فِي الْحَدِيثِ \" وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا \" فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3880",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَبَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَفِيَّةَ ‏ ‏فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَقَالَ ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏لِأَنَسٍ ‏ ‏مَا أَصْدَقَهَا قَالَ أَصْدَقَهَا نَفْسَهَا فَأَعْتَقَهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3881",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي ‏ ‏أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏لَا يَدَعُ لَهُمْ ‏ ‏شَاذَّةً ‏ ‏وَلَا ‏ ‏فَاذَّةً ‏ ‏إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ فَقِيلَ مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ الْقَوْمِ أَنَا صَاحِبُهُ قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ سَيْفَهُ بِالْأَرْضِ ‏ ‏وَذُبَابَهُ ‏ ‏بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَقُلْتُ أَنَا لَكُمْ بِهِ فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَ ذَلِكَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَعْقُوب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الْإِسْكَنْدَرانيّ , وَأَبُو حَازِم هُوَ سَلَمَة بْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( اِلْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي حَازِم الْآتِيَة بَعْد قَلِيل \" فِي بَعْض مَغَازِيه \" وَلَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين كَوْنِهَا خَيْبَر , لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ سَهْلٍ مُتَّحِدَةٍ مَعَ الْقِصَّةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَقَدْ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِخَيْبَرَ وَفِيهِ نَظَرٌ , فَإِنَّ فِي سِيَاقِ سَهْلٍ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قَتَلَ نَفْسه اِتَّكَأَ عَلَى حَدِّ سَيْفِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ , وَفِي سِيَاقِ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ اِسْتَخْرَجَ أَسْهُمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَنَحَرَ بِهَا نَفْسَهُ. وَأَيْضًا فَفِي حَدِيث سَهْل أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ لَمَّا أَخْبَرُوهُ بِقِصَّتِهِ \" إِنَّ الرَّجُل لِيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ \" الْحَدِيث , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ لَمَّا أَخْبَرُوهُ بِقِصَّتِهِ \" قُمْ يَا بِلَال فَأَذِّنْ : إِنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا مُؤْمِن \" وَلِهَذَا جَنَحَ اِبْن التِّين إِلَى التَّعَدُّدِ , وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ فِي الْمُغَايِرَةِ الْأَخِيرَةِ , وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون نَحَرَ نَفْسَهُ بِأَسْهُمِهِ فَلَمْ تَزْهَق رُوحُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْقَتْلِ فَاتَّكَأَ حِينَئِذٍ عَلَى سَيْفِهِ اِسْتِعْجَالًا لِلْمَوْتِ , لَكِنْ جَزَمَ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي مُشْكِلِهِ بِأَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي حَكَاهَا سَهْل بْن سَعْد وَقَعَتْ بِأُحُدٍ , قَالَ : وَاسْم الرَّجُلِ قُزْمَانُ الظَّفَرِيّ , وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فَعَيَّرَهُ النِّسَاءُ , فَخَرَجَ حَتَّى صَارَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ , ثُمَّ صَارَ إِلَى السَّيْفِ فَفَعَلَ الْعَجَائِبَ , فَلَمَّا اِنْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ وَجَعَلَ يَقُولُ : الْمَوْت أَحْسَن مِنْ الْفِرَار , فَمَرَّ بِهِ قَتَادَةُ بْن النُّعْمَان فَقَالَ لَهُ : هَنِيئًا لَك بِالشَّهَادَةِ , قَالَ : وَاَللَّهِ إِنِّي مَا قَاتَلْت عَلَى دِينٍ , وَإِنَّمَا قَاتَلْت عَلَى حَسَبِ قَوْمِي. ثُمَّ أَقْلَقَتْهُ الْجِرَاحَةُ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. قُلْت : وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ أَخَذَهُ مِنْ مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ وَهُوَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِذَا اِنْفَرَدَ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ , نَعَمْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاضِي عَنْ أَبِي حَازِم حَدِيثَ الْبَابِ وَأَوَّلُهُ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا أَبْلَى فُلَان , لَقَدْ فَرَّ النَّاسُ وَمَا فَرَّ وَمَا تَرَكَ لِلْمُشْرِكِينَ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً الْحَدِيث بِطُولِهِ عَلَى نَحْوِ مَا فِي الصَّحِيحِ , وَلَيْسَ فِيهِ تَسْمِيَتُهُ , وَسَعِيد مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَمَا أَظُنُّ رِوَايَتَهُ خَفِيَتْ عَلَى الْبُخَارِيّ , وَأَظُنُّهُ لَمْ يَلْتَفِت إِلَيْهَا لِأَنَّ فِي بَعْض طُرُقِهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ \" غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا غَيْرُ أُحُدٍ , لِأَنَّ سَهْلًا مَا كَانَ حِينَئِذٍ مِمَّنْ يُطْلَقُ عَلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ لِصِغَرِهِ , لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ مَوْلِدَهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ فَيَكُون فِي أُحُدٍ اِبْنَ عَشَرَةٍ أَوْ إِحْدَى عَشَرَة , عَلَى أَنَّهُ حَفِظَ أَشْيَاء مِنْ أَمْرِ أُحُدٍ مِثْل غَسْل فَاطِمَة جِرَاحَة النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُول \" غَزَوْنَا \" إِلَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى الْمَجَازِ كَمَا سَيَأْتِي لِأَبِي هُرَيْرَةَ , لَكِنْ يَدْفَعُهُ مَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا مَال رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَسْكَرِهِ ) ‏ ‏أَيْ رَجَعَ بَعْد فَرَاغِ الْقِتَالِ فِي ذَلِكَ الْيَوْم. ‏ ‏قَوْله : ( وَفِي أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُل ) ‏ ‏وَقَعَ فِي كَلَام جَمَاعَة مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْكِتَاب أَنَّ اِسْمَهُ قُزْمَانَ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الزَّايِ الظُّفُرَيَّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ نِسْبَة إِلَى بَنِي ظُفُرٍ بَطْنٌ مِنْ الْأَنْصَارِ وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا الْغَيْدَاقِ بِمُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَآخِره قَاف , وَيُعَكِّر عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( شَاذَّة وَلَا فَاذَّة ) ‏ ‏الشَّاذَّة بِتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ مَا اِنْفَرَدَ عَنْ الْجَمَاعَةِ , وَبِالْفَاءِ مِثْلُهُ مَا لَمْ يَخْتَلِط بِهِمْ , ثُمَّ هُمَا صِفَة لِمَحْذُوفٍ أَيْ نَسَمَة , وَالْهَاء فِيهِمَا لِلْمُبَالَغَةِ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَلْقَى شَيْئًا إِلَّا قَتَلَهُ , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالشَّاذِّ وَالْفَاذِّ مَا كَبُرَ وَصَغُرَ , وَقِيلَ : الشَّاذُّ الْخَارِجُ وَالْفَاذُّ الْمُنْفَرِدُ , وَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنَى , وَقِيلَ الثَّانِي إِتْبَاعٌ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ ) ‏ ‏أَيْ قَائِل , وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ بِلَفْظِ فَقَالُوا وَيَأْتِي بَعْد قَلِيل مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بِلَفْظِ \" فَقِيلَ \" وَوَقَعَ هُنَا لِلْكُشْميهَنِيّ \" فَقُلْت \" فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة عُرِفَ اِسْم قَائِل ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَجْزَأَ ) بِالْهَمْزَةِ أَيْ مَا أَغْنَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن أَبِي حَازِم الْمَذْكُورَة \" فَقَالُوا أَيّنَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ \" وَفِي حَدِيث أَكْثَم بْن أَبِي الْجَوْنِ الْخُزَاعِيّ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" قَالَ قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه فُلَان يُجْزِئُ فِي الْقِتَالِ , قَالَ : هُوَ فِي النَّارِ. قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه إِذَا كَانَ فُلَان فِي عِبَادَته وَاجْتِهَاده وَلِينِ جَانِبه فِي النَّار فَأَيْنَ نَحْنُ ؟ قَالَ : ذَلِكَ أَخَبَاثُ النِّفَاق قَالَ فَكُنَّا نَتَحَفَّظُ عَلَيْهِ فِي الْقِتَالِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم : أَنَا صَاحِبه ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن أَبِي حَازِمٍ \" لَأَتَْبَعَنَّهُ \" وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ أَكْثَمُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ كَمَا سَيَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ حَدِيثِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا ) ‏ ‏الْمُصَنِّف زَادَ فِي حَدِيثِ أَكْثَمَ \" فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ اُسْتُشْهِدَ فُلَانٌ , قَالَ : هُوَ فِي النَّارِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَوَضَعَ سَيْفَهُ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ اِبْن أَبِي حَازِمٍ \" فَوَضَعَ نِصَابَ سَيْفِهِ فِي الْأَرْضِ \" وَفِي حَدِيثِ أَكْثَمَ \" أَخَذَ سَيْفَهُ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ اِتَّكَأَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ , فَأَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : أَشْهَدُ أَنَّك رَسُولَ اللَّهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيثِ أَكْثَمَ \" تُدْرِكُهُ الشَّقَاوَة وَالسَّعَادَة عِنْد خُرُوجِ نَفْسِهِ فَيَخْتِمُ لَهُ بِهَا \" وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْكَلَامِ الْأَخِيرِ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3882",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهِدْنَا ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِرَجُلٍ ‏ ‏مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ ‏ ‏هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ أَشَدَّ الْقِتَالِ حَتَّى كَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحَةُ فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ فَوَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحَةِ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى ‏ ‏كِنَانَتِهِ ‏ ‏فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا أَسْهُمًا فَنَحَرَ بِهَا نَفْسَهُ فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ انْتَحَرَ ‏ ‏فُلَانٌ ‏ ‏فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ قُمْ يَا ‏ ‏فُلَانُ ‏ ‏فَأَذِّنْ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شَبِيبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهِدْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حُنَيْنًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏صَالِحٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَنْ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَسَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( شَهِدْنَا خَيْبَرَ ) ‏ ‏أَرَادَ جَيْشَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ , لِأَنَّ الثَّابِتَ أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَر , وَوَقَعَ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ قَدِمَ بَعْدَ فَتْحِ مُعْظَمِ خَيْبَرَ فَحَضَرَ فَتْحَ آخِرِهَا , لَكِنْ مَضَى فِي الْجِهَاد مِنْ طَرِيق عَنْبَسَةَ بْن سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : \" أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِخَيْبَر بَعْدَمَا اِفْتَتَحَهَا فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَسْهِمْ لِي \" وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ آخِرَ هَذَا الْبَابِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ وَالنَّصَبِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ ) ‏ ‏أَيْ عَنْ رَجُلٍ , وَاللَّام قَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى عَنْ مِثْل قَوْله تَعَالَى : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا ) وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون بِمَعْنَى فِي أَيْ فِي شَأْنه أَيْ سَبَبه , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ). ‏ ‏قَوْله : ( فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فِي الْجِهَاد \" فَكَادَ بَعْض النَّاس أَنْ يَرْتَاب \" فَفِيهِ دُخُول أَنْ عُلَى خَبَرِ كَادَ , وَهُوَ جَائِز مَعَ قِلَّتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قُمْ يَا فُلَان ) ‏ ‏هُوَ بِلَال كَمَا وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ الْقَدَرِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّه يُؤَيِّدُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَيُؤَيِّدُ \" قَالَ النَّوَوِيُّ يَجُوزُ فِي أَنْ فَتْحُ الْهَمْزَةِ وَكَسْرُهَا. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ ) ‏ ‏يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لِلْعَهْدِ , وَالْمُرَاد بِهِ قُزْمَانُ الْمَذْكُور , وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ مَعْمَر ) ‏ ‏أَيْ تَابَعَ شُعَيْبًا عَنْ الزُّهْرِيِّ أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ , وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ الْجِهَادِ مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ شَبِيبُ ) ‏ ‏أَيْ اِبْنُ سَعِيد ‏ ‏( عَنْ يُونُس ) ‏ ‏أَيْ اِبْن يَزِيد ‏ ‏( عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏أَيْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. ‏ ‏قَوْله : ( شَهِدْنَا حُنَيْنًا ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ يُونُسَ خَالَفَ مَعْمَرًا وَشُعَيْبًا فَذَكَرَ بَدَل خَيْبَر لَفْظَةَ \" حُنَيْنٍ \" وَرِوَايَة شَبِيب هَذِهِ وَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَى طَرَفٍ مِنْ الْحَدِيثِ , وَأَوْرَدَهَا الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّاتِ \" وَيَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي تَارِيخِهِ كِلَاهُمَا عَنْ أَحْمَدَ بْن شَبِيب عَنْ أَبِيهِ بِتَمَامِهِ , وَأَحْمَد مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ غَيْر هَذَا , وَقَدْ وَافَقَ يُونُس مَعْمَرًا وَشُعَيْبًا فِي الْإِسْنَادِ , لَكِنْ زَادَ فِيهِ مَعَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه مِنْ كَعْب بْن مَالِك , وَسَاقَ الْحَدِيث عَنْهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏يَعْنِي وَافَقَ شَبِيبًا فِي لَفْظ \" حُنَيْنٍ \" وَخَالَفَهُ فِي الْإِسْنَادِ فَأَرْسَلَ الْحَدِيثَ , وَطَرِيق اِبْن الْمُبَارَك هَذِهِ وَصَلَهَا فِي الْجِهَادِ وَلَمْ أَرَ فِيهَا تَعْيِينَ الْغَزْوَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَابَعَهُ صَالِح ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن كَيْسَانَ ‏ ‏( عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏وَهَذِهِ الْمُتَابَعَة ذَكَرَهَا الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخِهِ. قَالَ : \" قَالَ لِي عَبْد الْعَزِيز الْأُوَيْسِيّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْن سَعْد عَنْ صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ اِبْن شِهَاب أَخْبَرَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن كَعْب بْن مَالِك أَنَّ بَعْض مَنْ شَهِدَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ مَعَهُ : هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ \" الْحَدِيث فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَابَعَةِ أَنَّ صَالِحًا تَابَعَ رِوَايَةَ اِبْن الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُس فِي تَرْكِ ذِكْرِ اِسْمِ الْغَزْوَةِ , لَا فِي بَقِيَّةِ الْمَتْنِ وَلَا فِي الْإِسْنَادِ. وَقَدْ رَوَاهُ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيمَ بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِح عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : \" عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن الْمُسَيِّبِ \" مُرْسَلًا وَوَهَمَ فِيهِ , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُول \" عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن كَعْب وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب \" فَذَهِلَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْن كَعْب أَخْبَرَهُ أَنَّ عُبَيْد اللَّه بْن كَعْب قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَر ) ‏ ‏قَالَ الزُّهْرِيُّ : \" وَأَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه وَسَعِيد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ \" عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه \" هَكَذَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ طَرِيق الزُّبَيْدِيِّ هَذِهِ مُعَلَّقَة مُخْتَصَرَة , وَأَجْحَفَ فِيهَا فِي الِاخْتِصَار فَإِنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ الْمَوْصُولَةِ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن وَبَيْنَ رِوَايَتِهِ الْمُرْسَلَةِ عَنْ سَعِيدِ وَعُبَيْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّه , وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ فِي التَّارِيخِ , وَكَذَلِكَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" وَالذُّهْلِيّ فِي \" الزُّهْرِيَّاتِ \" فَأَخْرَجُوهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْن سَالِم الْحِمْصِيّ عَنْ الزُّبَيْدِيِّ فَسَاقَ الْحَدِيثَ الْمَوْصُولَ بِالْقِصَّةِ ثُمَّ سَاقَ بَعْدَهُ \" قَالَ الزُّبَيْدِيُّ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّة إِلَّا رَجُلٌ مُؤْمِن , وَاَللَّهُ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ \" هَذَا سِيَاقُ الْبُخَارِيّ , وَفِي سِيَاق الذُّهْلِيِّ \" قَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَخْبَرَنِي عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ \" وَهَذَا أَصْوَبُ مِنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه , نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ , وَقَدْ اِقْتَضَى صَنِيع الْبُخَارِيّ تَرْجِيح رِوَايَة شُعَيْب وَمَعْمَرٍ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ بَقِيَّةَ الرِّوَايَاتِ مُحْتَمَلَةٌ وَهَذِهِ عَادَتُهُ فِي الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ إِذَا رَجَحَ بَعْضُهَا عِنْدَهُ اِعْتَمَدَهُ وَأَشَارَ إِلَى الْبَقِيَّةِ , وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْقَدْحَ فِي الرِّوَايَةِ الرَّاجِحَةِ لِأَنَّ شَرْطَ الِاضْطِرَابِ أَنْ تَتَسَاوَى وُجُوهُ الِاخْتِلَافِ فَلَا يُرَجَّحُ شَيْءٌ مِنْهَا , وَذَكَرَ مُسْلِم فِي كِتَابِ التَّمْيِيزِ فِيهِ اِخْتِلَافًا آخَرَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : \" حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الْحَلْوَانِيّ عَنْ يَعْقُوبَ بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ اِبْن شِهَاب أَخْبَرَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن الْمُسَيِّبِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ إِنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِن. قَالَ الْحَلْوَانِيّ : قُلْت لِيَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم مَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْمُسَيِّبِ هَذَا ؟ قَالَ كَانَ لِسَعِيدِ بْن الْمُسَيِّبِ أَخ اِسْمه عَبْد الرَّحْمَن , وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُقَالُ لَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْمُسَيِّبِ , فَأَظُنّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْكِنَانِيُّ. قَالَ مُسْلِم وَلَيْسَ مَا قَالَ يَعْقُوب بِشَيْءٍ , وَإِنَّمَا سَقَطَ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ وَاو وَاحِدَة فَفَحُشَ خَطَؤُهُ , وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ , فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن كَعْب وَابْن الْمُسَيِّبِ هُوَ سَعِيد , وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ اِبْن أَخِيهِ وَمُوسَى بْن عُقْبَة وَيُونُس بْن يَزِيد , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَا رَجَّحَ الذُّهْلِيُّ رِوَايَةَ شُعَيْبٍ وَمَعْمَرٍ قَالَ : وَلَا تُدْفَعُ رِوَايَةُ الْأَخِيرَيْنِ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ يَقَعُ لَهُ الْحَدِيثُ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ فَيَحْمِلُهُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ بِحَسَبِ ذَلِكَ , نَعَمْ سَاقَ مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عُقْبَة وَابْن أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ مُوَافَقَة الزُّبَيْدِيّ عَلَى إِرْسَالِ آخِرِ الْحَدِيثِ , قَالَ الْمُهَلَّبُ : هَذَا الرَّجُلُ مِمَّنْ أَعْلَمَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَفَذَ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ مِنْ الْفُسَّاقِ , وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنَّارِ. وَقَالَ اِبْنُ التِّينِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : \" هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ \" أَيْ إِنْ لَمْ يَغْفِر اللَّهُ لَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حِين أَصَابَتْهُ الْجِرَاحَة اِرْتَابَ وَشَكَّ فِي الْإِيمَان أَوْ اِسْتَحَلَّ قَتْل نَفْسه فَمَاتَ كَافِرًا. وَيُؤَيِّدهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَقِيَّة الْحَدِيث \" لَا يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا نَفْس مُسْلِمَة \" وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن الْمُنِير. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَاجِرِ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا , وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّا لَا نَسْتَعِين بِمُشْرِكٍ \" لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَانَ يُظْهِرُ الْكُفْرَ أَوْ هُوَ مَنْسُوخ , وَفِي الْحَدِيثِ إِخْبَارُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُغَيَّبَاتِ , وَذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ الظَّاهِرَة , وَفِيهِ جَوَاز إِعْلَام الرَّجُل الصَّالِح بِفَضِيلَةٍ تَكُونُ فِيهِ وَالْجَهْرُ بِهَا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏الْمُنَادِي بِذَلِكَ بِلَال , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَة \" قُمْ يَا اِبْن الْخَطَّاب \" وَعِنْد الْبَيْهَقِيّ أَنَّ الْمُنَادِيَ بِذَلِكَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَيُجْمَع بِأَنَّهُمْ نَادَوْا جَمِيعًا فِي جِهَات مُخْتَلِفَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3883",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏أَوْ قَالَ لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ارْبَعُوا ‏ ‏عَلَى أَنْفُسِكُمْ ‏ ‏إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ وَأَنَا خَلْفَ دَابَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَمِعَنِي وَأَنَا أَقُولُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَقَالَ لِي يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد , وَعَاصِم هُوَ الْأَحْوَل , وَأَبُو عُثْمَان هُوَ النَّهْدِيُّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه إِلَى أَبِي مُوسَى بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا غَزَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَر أَوْ قَالَ لَمَّا تَوَجَّهَ ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي. ‏ ‏قَوْله : ( أَشْرَفَ النَّاس عَلَى وَادٍ - فَذَكَر الْحَدِيث إِلَى قَوْل أَبِي مُوسَى - فَسَمِعَنِي وَأَنَا أَقُول لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ ) ‏ ‏هَذَا السِّيَاق يُوهَم أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ وَهُمْ ذَاهِبُونَ إِلَى خَيْبَر , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ حَال رُجُوعهمْ , لِأَنَّ أَبَا مُوسَى إِنَّمَا قَدِمَ بَعْد فَتْح خَيْبَر مَعَ جَعْفَر كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَاب مِنْ حَدِيثه وَاضِحًا , وَعَلَى هَذَا فَفِي السِّيَاق حَذْفٌ تَقْدِيره : لَمَّا تَوَجَّهَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَر فَحَاصَرَهَا فَفَتَحهَا فَفَزِعَ فَرَجَعَ أَشْرَفَ النَّاس إِلَخْ , وَسَيَأْتِي شَرْح الْمَتْن فِي كِتَاب الدَّعَوَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3884",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا ‏ ‏أَبَا مُسْلِمٍ ‏ ‏مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ فَقَالَ هَذِهِ ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَقَالَ النَّاسُ أُصِيبَ ‏ ‏سَلَمَةُ ‏ ‏فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت يَا أَبَا مُسْلِم ) ‏ ‏هِيَ كُنْيَةُ سَلَمَة بْن الْأَكْوَع. ‏ ‏قَوْله : ( أَصَابَتْهَا يَوْمَ خَيْبَر ) ‏ ‏أَيْ أَصَابَتْ رُكْبَتَهُ , وَيَوْمَ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَفَثَ فِيهِ ) ‏ ‏أَيْ فِي مَوْضِعِ الضَّرْبَةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ فَوْقَ النَّفْخِ وَدُونَ التَّفْلِ , وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ رِيقٍ بِخِلَافِ التَّفْل , وَقَدْ يَكُونُ بِرِيقٍ خَفِيفٍ بِخِلَافِ النَّفْخِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3885",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْتَقَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْمُشْرِكُونَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَاقْتَتَلُوا فَمَالَ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي الْمُسْلِمِينَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏لَا يَدَعُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ‏ ‏شَاذَّةً ‏ ‏وَلَا ‏ ‏فَاذَّةً ‏ ‏إِلَّا اتَّبَعَهَا فَضَرَبَهَا بِسَيْفِهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجْزَأَ أَحَدٌ مَا أَجْزَأَ فُلَانٌ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالُوا أَيُّنَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ الْقَوْمِ لَأَتَّبِعَنَّهُ فَإِذَا أَسْرَعَ وَأَبْطَأَ كُنْتُ مَعَهُ حَتَّى جُرِحَ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نِصَابَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَجَاءَ الرَّجُلُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ وَمَا ذَاكَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3886",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْخُزَاعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زِيَادُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عِمْرَانَ ‏ ‏قَالَ نَظَرَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَرَأَى ‏ ‏طَيَالِسَةً ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏كَأَنَّهُمْ السَّاعَةَ ‏ ‏يَهُودُ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعِيد الْخُزَاعِيُّ ) ‏ ‏هُوَ بَصْرِيّ وَاسْم جَدِّهِ الْوَلِيدُ وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ أَقْرَانِ أَحْمَدَ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث وَآخَر تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زِيَاد بْن الرَّبِيع ) ‏ ‏هُوَ الْيَحْمَدِيّ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ بَصْرِيٌّ أَيْضًا , وَثَّقَهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ , وَنَقَلَ اِبْن عَدِيٍّ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : فِيهِ نَظَر , قَالَ اِبْن عَدِيٍّ : وَمَا أَرَى بِرِوَايَتِهِ بَأْسًا. قُلْت : وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي عِمْرَانَ ) ‏ ‏هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْن حَبِيب الْجَوْنِيّ بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْوَاو ثُمَّ نُون نِسْبَة إِلَى بَنِي الْجَوْن بْن عَوْف بْن مَالِك بْن فَهُمْ بْن غَنْم بْن دَوْس , وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ الْأَزْدِ , وَكَذَا جَزَمَ بِهِ الرَّشَاطِيّ عَنْ أَبِي عُبَيْد أَنَّ أَبَا عِمْرَانَ مِنْ هَذَا الْبَطْنِ , وَجَزَمَ الْحَازِمِيُّ أَنَّهُ مِنْ بَنِي الْجَوْنِ بَطْنٌ مِنْ كِنْدَةَ وَلَمْ يَسُقْ نَسَبَهُ , وَقَدْ سَاقَهُ الرَّشَاطِيّ فَقَالَ : الْجَوْن وَاسْمه مُعَاوِيَة بْن حَجَر بْن عَمْرو بْن مُعَاوِيَة بْن الْحَارِث بْن مُعَاوِيَة بْن ثَوْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَأَى طَيَالِسَة ) ‏ ‏أَيْ عَلَيْهِمْ , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن بَزِيع عَنْ زِيَادِ بْنِ الرَّبِيعِ عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَأَبِي نُعَيْم أَنَّ أَنَسًا قَالَ \" مَا شَبَّهْت النَّاس الْيَوْم فِي الْمَسْجِد وَكَثْرَة الطَّيَالِسَة إِلَّا بِيَهُودِ خَيْبَر \" وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ يَهُودَ خَيْبَرَ كَانُوا يُكْثِرُونَ مِنْ لُبْسِ الطَّيَالِسَةِ , وَكَانَ غَيْرُهُمْ مِنْ النَّاسِ الَّذِينَ شَاهَدَهُمْ أَنَس لَا يُكْثِرُونَ مِنْهَا , فَلَمَّا قَدِمَ الْبَصْرَةَ رَآهُمْ يُكْثِرُونَ مِنْ لُبْسِ الطَّيَالِسَةِ فَشَبَّهَهُمْ بِيَهُودِ خَيْبَرَ , وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا كَرَاهِيَةُ لُبْسِ الطَّيَالِسَةِ. وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالطَّيَالِسَةِ الْأَكْسِيَةِ , وَإِنَّمَا أَنْكَرَ أَلْوَانَهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ صَفْرَاءَ. لَيَأْخُذَنَّ الرَّايَةَ غَدًا - رَجُل يُحِبّهُ اللَّه وَرَسُوله , يُفْتَح عَلَيْهِ \" فَنَحْنُ نَرْجُوهَا فَقِيلَ : هَذَا عَلِيّ فَأَعْطَاهُ فَفُتِحَ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3887",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏تَخَلَّفَ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَكَانَ رَمِدًا فَقَالَ أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَحِقَ بِهِ فَلَمَّا بِتْنَا اللَّيْلَةَ الَّتِي فُتِحَتْ قَالَ ‏ ‏لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا أَوْ لَيَأْخُذَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يُفْتَحُ عَلَيْهِ فَنَحْنُ نَرْجُوهَا فَقِيلَ هَذَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَأَعْطَاهُ فَفُتِحَ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ رَمِدًا ) ‏ ‏فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ اِبْن أَبِي شَيْبَة \" أَرْمَد \" وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي الصَّغِير \" أَرْمَدَ شَدِيد الرَّمَد \" وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد أَبِي نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ \" أَرْمَد لَا يُبْصِر \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَنَا أَتَخَلَّف عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَلَحِقَ بِهِ ) ‏ ‏وَكَأَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى نَفْسه تَأَخُّرَهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَالَ ذَلِكَ , وَقَوْله : \" فَلَحِقَ بِهِ \" يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ لَحِقَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِل إِلَى خَيْبَرَ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لَحِقَ بِهِ بَعْد أَنْ وَصَلَ إِلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا بِتْنَا اللَّيْلَةَ الَّتِي فُتِحَتْ ) ‏ ‏خَيْبَر فِي صَبِيحَتهَا ( قَالَ لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا ) وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اِخْتِصَار , وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ بْن الْخَصِيبِ قَالَ : \" لَمَّا كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ أَخَذَ أَبُو بَكْر اللِّوَاءَ فَرَجَعَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ , فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَخَذَهُ عُمَرُ فَرَجَعَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ , وَقُتِلَ مَحْمُودُ بْن مَسْلَمَةَ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَدْفَعَنَّ لِوَائِي غَدًا إِلَى رَجُلٍ \" الْحَدِيث , وَعِنْدَ اِبْن إِسْحَاق نَحْوه مِنْ وَجْهٍ آخَرَ , وَفِي الْبَابِ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ سَرَدَهُمْ الْحَاكِمُ فِي \" الْإِكْلِيلِ \" وَأَبُو نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِلِ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا أَوْ لَيَأْخُذَنَّ الرَّايَة غَدًا ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَفِي حَدِيث سَهْل الَّذِي بَعْده \" لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا \" بِغَيْرِ شَكٍّ , وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ \" إِنِّي دَافِعٌ اللِّوَاءَ غَدًا إِلَى رَجُلٍ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ \" وَالرَّايَةُ بِمَعْنَى اللِّوَاءِ وَهُوَ الْعَلَم الَّذِي فِي الْحَرْب يُعْرَف بِهِ مَوْضِع صَاحِب الْجَيْشِ , وَقَدْ يَحْمِلُهُ أَمِيرُ الْجَيْشِ , وَقَدْ يَدْفَعُهُ لِمُقَدِّمِ الْعَسْكَرِ , وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَة مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بِتَرَادُفِهِمَا , لَكِنْ رَوَى أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ \" كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوْدَاء وَلِوَاؤُهُ أَبْيَض \" وَمِثْلُهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ بُرَيْدَةَ , وَعِنْد اِبْن عَدِيٍّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَزَادَ \" مَكْتُوبًا فِيهِ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مُحَمَّد رَسُول اللَّه \" وَهُوَ ظَاهِر فِي التَّغَايُر , فَلَعَلَّ التَّفْرِقَة بَيْنهمَا عُرْفِيَّة , وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق وَكَذَا أَبُو الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة أَنَّ أَوَّل مَا وُجِدَتْ الرَّايَاتُ يَوْمَ خَيْبَرَ , وَمَا كَانُوا يَعْرِفُونَ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَّا الْأَلْوِيَة \". ‏ ‏قَوْله : ( يُحِبّهُ اللَّه وَرَسُوله ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد \" وَيُحِبّ اللَّه وَرَسُوله \" وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" لَيْسَ بِفِرَار \" وَفِي حَدِيث بُرَيْدَةَ \" لَا يَرْجِع حَتَّى يَفْتَحُ اللَّهُ لَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَنَحْنُ نَرْجُوهَا ) ‏ ‏فِي حَدِيث سَهْل \" فَبَاتَ النَّاس يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا \" وَقَوْله : \" يَدُوكُونَ \" بِمُهْمَلَةِ مَضْمُومَة أَيْ بَاتُوا فِي اِخْتِلَاطٍ وَاخْتِلَافٍ , وَالدَّوْكَةُ بِالْكَافِ الِاخْتِلَاطُ , وَعِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ \" إِنَّ عُمَرَ قَالَ : مَا أَحْبَبْت الْإِمَارَة إِلَّا يَوْمَئِذٍ \" وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ \" فَمَا مِنَّا رَجُل لَهُ مَنْزِلَة عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَكُون ذَلِكَ الرَّجُل , حَتَّى تَطَاوَلْت أَنَا لَهَا , فَدَعَا عَلِيًّا وَهُوَ يَشْتَكِي عَيْنَهُ فَمَسَحَهَا , ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ اللِّوَاءَ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق إِيَاس بْن سَلَمَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : \" فَأَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ قَالَ : فَجِئْت بِهِ أَقُودُهُ أَرْمَدُ فَبَزَقَ فِي عَيْنِهِ فَبَرَّأَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ هَذَا عَلِيٌّ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا , وَبَيَانه فِي رِوَايَة إِيَاس بْن سَلَمَة عِنْد مُسْلِم , وَفِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد الَّذِي بَعْده \" فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا , فَقَالَ : أَيْنَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ؟ قَالُوا : يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ , قَالَ : فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ , فَأَتَوْا بِهِ \" وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَة بْن الْأَكْوَعِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَحْضَرَهُ , وَلَعَلَّ عَلِيًّا حَضَرَ إِلَيْهِمْ بِخَيْبَرَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ لِرَمَدِهِ , فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَضَرَ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ , أَوْ بَعَثَ إِلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَصَادَفَ حُضُورُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَعْطَاهُ فَفَتَحَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي حَدِيثِ سَهْلٍ \" فَأَعْطَاهُ الرَّايَة \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد أَحْمَد \" فَانْطَلَقَ حَتَّى فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ خَيْبَر وَفَدَك وَجَاءَ بِعَجْوَتِهِمَا \" وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ هَلْ كَانَ عَنْوَة أَوْ صُلْحًا , وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْن صُهَيْب عَنْ أَنَس التَّصْرِيح بِأَنَّهُ كَانَ عَنْوَة وَبِهِ جَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ , وَرَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ فُتِحَتْ صُلْحًا قَالَ. وَإِنَّمَا دَخَلَتْ الشُّبْهَةُ عَلَى مَنْ قَالَ فُتِحَتْ صُلْحًا بِالْحِصْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسْلَمَهُمَا أَهْلُهُمَا لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ , وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الصُّلْحِ لَكِنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ إِلَّا بِحِصَارٍ وَقِتَالٍ اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الشُّبْهَةَ فِي ذَلِكَ قَوْل اِبْن عُمَر \" إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاتَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ فَغَلَبَ عَلَى النَّخْلِ وَأَلْجَأَهُمْ إِلَى الْقَصْرِ فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَجْلُوا مِنْهَا وَلَهُ الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ وَالْحَلْقَةُ وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا \" الْحَدِيث وَفِي آخِرِهِ \" فَسَبَى نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ , وَقَسَمَ أَمْوَالَهُمْ لِلنَّكْثِ الَّذِي نَكَثُوا , وَأَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ فَقَالُوا : دَعْنَا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ نُصْلِحُهَا \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو الْأَسْوَدِ فِي الْمَغَازِي عَنْ عُرْوَةَ , فَعَلَى هَذَا كَانَ قَدْ وَقَعَ الصُّلْح , ثُمَّ حَدَثَ النَّقْضُ مِنْهُمْ فَزَالَ أَثَرُ الصُّلْحِ , ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ الْقَتْلَ وَإِبْقَائِهِمْ عُمَّالًا بِالْأَرْضِ لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا مِلْكٌ , وَلِذَلِكَ أَجَلَاهُمْ عُمَرُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُزَارَعَةِ , فَلَوْ كَانُوا صُولِحُوا عَلَى أَرْضِهِمْ لَمْ يُجْلَوا مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ اِحْتِجَاجُ الطَّحَاوِيِّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهَا فُتِحَ صُلْحًا بِمَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَسَمَ خَيْبَرَ عَزَلَهُ نِصْفَهَا لِنَوَائِبِهِ وَقَسَمَ نِصْفَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ \" وَهُوَ حَدِيث اُخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ , وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ بَعْضَهَا فُتِحَ صُلْحًا , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3888",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا فَقَالَ أَيْنَ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَقِيلَ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ قَالَ ‏ ‏فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ ‏ ‏فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَبَرَأَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ بِوَزْنِ ضَرَبَ , وَيَجُوزُ كَسْرُ الرَّاءِ بِوَزْنِ عَلِمَ , وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ نَفْسه قَالَ : \" فَوَضَعَ رَأْسِي فِي حِجْرِهِ ثُمَّ بَزَقَ فِي أَلْيَةِ رَاحَتِهِ فَدَلَكَ بِهَا عَيْنَيَّ \" وَعِنْدَ بُرَيْدَةَ فِي \" الدَّلَائِل \" لِلْبَيْهَقِيّ \" فَمَا وَجِعَهَا عَلِيٌّ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ \" أَيْ مَاتَ. وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث عَلِيّ \" فَمَا رَمِدَتْ وَلَا صَدَعَتْ مُذْ دَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ \" وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ \" فَمَا اِشْتَكَيْتهَا حَتَّى السَّاعَةَ. قَالَ : وَدَعَا لِي فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ الْحَرَّ وَالْقَرَّ , قَالَ فَمَا اِشْتَكَيْتهمَا حَتَّى يَوْمِي هَذَا \". ‏ ‏قَوْله : فِي حَدِيثِ سَهْلٍ ( فَقَالَ عَلِيّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ ) هُوَ بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَكُونُوا مِثْلنَا ) ‏ ‏أَيْ حَتَّى يُسْلِمُوا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اُنْفُذْ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْفَاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى رِسْلك ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء أَيْ عَلَى هَيْنَتِك. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَام ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" فَقَالَ عَلِيّ \" يَا رَسُول اللَّه عَلَّام أُقَاتِل النَّاس ؟ قَالَ : قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدَهُ وَرَسُوله \" وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : \" اُدْعُهُمْ \" أَنَّ الدَّعْوَةَ شَرْطٌ فِي جَوَازِ الْقِتَالِ. وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ فَقِيلَ : يُشْتَرَطُ مُطْلَقًا , وَهُوَ عَنْ مَالِك سَوَاء مَنْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ أَوْ لَمْ تَبْلُغهُمْ , قَالَ : إِلَّا أَنْ يُعْجِلُوا الْمُسْلِمِينَ , وَقِيلَ : لَا مُطْلَقًا وَعَنْ الشَّافِعِيّ مِثْله. وَعَنْهُ لَا يُقَاتِل مَنْ لَمْ تَبْلُغهُ حَتَّى يَدْعُوَهُمْ , وَأَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُ فَتَجُوز الْإِغَارَةُ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ دُعَاءٍ , وَهُوَ مُقْتَضَى الْأَحَادِيثِ. وَيُحْمَل مَا فِي حَدِيث سَهْل عَلَى الِاسْتِحْبَاب , بِدَلِيلِ أَنَّ فِي حَدِيث أَنَس أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَغَارَ عَلَى أَهْل خَيْبَر لَمَّا لَمْ يَسْمَع النِّدَاءَ. وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّل مَا طَرَقَهُمْ , وَكَانَتْ قِصَّة عَلِيٍّ بَعْد ذَلِكَ. وَعَنْ الْحَنَفِيَّةِ تَجُوزُ الْإِغَارَةُ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا وَتُسْتَحَبُّ الدَّعْوَةُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَاَللَّهِ لَأَنْ يَهْدِي اللَّه بِك رَجُلًا إِلَخْ ) ‏ ‏يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ تَأَلُّفَ الْكَافِرِ حَتَّى يُسْلِمَ أَوْلَى مِنْ الْمُبَادَرَةِ إِلَى قَتْلِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حُمْرِ النَّعَمِ ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْمِيمِ مِنْ حُمْرِ وَبِفَتْحِ النُّونِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مِنْ أَلْوَان الْإِبِل الْمَحْمُودَة , قِيلَ : الْمُرَاد خَيْر لَك مِنْ أَنْ تَكُون لَك فَتَتَصَدَّق بِهَا , وَقِيلَ : تَقْتَنِيَهَا وَتَمْلِكُهَا , وَكَانَتْ مِمَّا تَتَفَاخَر الْعَرَب بِهَا. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق مِنْ حَدِيث أَبِي رَافِع قَالَ : \" خَرَجْنَا مَعَ عَلِيّ حِين بَعَثَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَايَتِهِ فَضَرَبَهُ رَجُل مِنْ يَهُود فَطَرَحَ تُرْسه , فَتَنَاوَلَ عَلِيّ بَابًا كَانَ عِنْد الْحِصْن فَتَتَرَّسَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ , فَلَقَدْ رَأَيْتنِي أَنَا فِي سَبْعَةٍ أَنَا ثَامِنُهُمْ نُجْهِدُ عَلَى أَنْ نَقْلِبَ ذَلِكَ الْبَابَ فَمَا نَقْلِبُهُ \". ‏ ‏وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيث جَابِرِ \" أَنَّ عَلِيًّا حَمَلَ الْبَابَ يَوْمَ خَيْبَر , وَأَنَّهُ جَرَّبَ بَعْد ذَلِكَ فَلَمْ يَحْمِلهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا \" وَالْجَمْع بَيْنَهُمَا أَنَّ السَّبْعَةَ عَالَجُوا قَلْبَهُ , وَالْأَرْبَعِينَ عَالَجُوا حَمْله , وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ظَاهِر , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِاخْتِلَافِ حَال الْأَبْطَالِ. وَزَادَ مُسْلِم فِي حَدِيث إِيَاس بْن سَلَمَة عَنْ أَبِيهِ \" وَخَرَجَ مَرْحَب فَقَالَ : قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَر أَنِّي مَرْحَب , الْأَبْيَات. فَقَالَ عَلِيّ : أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَةَ , الْأَبْيَات. ‏ ‏فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَب فَقَتَلَهُ , فَكَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ \" وَكَذَا فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ قَبْلُ وَخَالَفَ ذَلِكَ أَهْلُ السِّيَرِ فَجَزَمَ اِبْن إِسْحَاق وَمُوسَى بْن عُقْبَة وَالْوَاقِدِيّ بِأَنَّ الَّذِي قَتَلَ مَرْحَبًا هُوَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ , وَكَذَا رَوَى أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ جَابِر , وَقِيلَ إِنَّ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ كَانَ بَارَزَهُ فَقَطَعَ رِجْلَيْهِ فَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَلِيّ , وَقِيلَ : إِنَّ الَّذِي قَتَلَهُ هُوَ الْحَارِث أَخُو مَرْحَب فَاشْتَبَهَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا سِوَاهُ , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَيْضًا , وَكَانَ اِسْم الْحِصْن الَّذِي فَتَحَهُ عَلِيٌّ الْقَمُوصُ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ حُصُونِهِمْ , وَمِنْهُ سُبِيَتْ صَفِيَّة بِنْت حُيَيِّ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3889",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُطَّلِبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمْنَا ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ ‏ ‏وَقَدْ قُتِلَ ‏ ‏زَوْجُهَا ‏ ‏وَكَانَتْ عَرُوسًا فَاصْطَفَاهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِنَفْسِهِ فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا ‏ ‏سَدَّ الصَّهْبَاءِ ‏ ‏حَلَّتْ فَبَنَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا فِي ‏ ‏نِطَعٍ ‏ ‏صَغِيرٍ ثُمَّ قَالَ لِي ‏ ‏آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَتَهُ عَلَى ‏ ‏صَفِيَّةَ ‏ ‏ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ وَتَضَعُ ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْغَفَّار بْن دَاوُدَ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو صَالِح الْحَرَّانِيّ , أَخْرَجَ عَنْهُ هُنَا وَفِي الْبُيُوعِ خَاصَّة هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِد , وَشَيْخه يَعْقُوب هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الْإِسْكَنْدَرانيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي أَحْمَد ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ أَحْمَد بْن عِيسَى , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْن شَبُّويَةَ عَنْ الْفَرْبَرِيّ أَحْمَد بْن صَالِح وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ سَاقَهُ عَلَى لَفْظِ رِوَايَةِ اِبْنِ وَهْبٍ , وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ اِبْن عَبْدِ الْغَفَّارِ فَسَاقَهَا فِي الْبُيُوعِ قُبَيْلَ السَّلَمِ عَلَى لَفْظِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْغَفَّارِ عَنْ عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو وَاسْم أَبِي عَمْرو مَيْسَرَةُ. ‏ ‏قَوْله : ( مَوْلَى الْمُطَّلِبِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن حَنْطَبٍ الْمَخْزُومِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْت حُيَيِّ وَقَدْ قُتِلَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا ) ‏ ‏اِسْم الْحِصْن الْقَمُوصُ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا , وَاسْم زَوْجهَا كِنَانَة بْن الرَّبِيع بْن أَبِي الْحَقِيقِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي النَّفَقَاتِ , وَكَانَ سَبَب قَتْلِهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَاله ثِقَات مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَرَكَ مَنْ تَرَك مِنْ أَهْل خَيْبَر عَلَى أَنْ لَا يَكْتُمُوهُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَإِنْ فَعَلُوا فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ , قَالَ فَغَيَّبُوا مِسْكًا فِيهِ مَالٌ وَحُلِيٌّ لِحُيَيّ بْن أَخْطَبَ كَانَ اِحْتَمَلَهُ مِنْهُ إِلَى خَيْبَرَ , فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ فَقَالُوا. أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ , فَقَالَ. الْعَهْدُ قَرِيبٌ , وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ : فَوُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي خَرِبَةٍ , فَقَتَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْنَيْ أَبِي الْحَقِيقِ وَأَحَدُهُمَا زَوْجُ صَفِيَّة \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إِلَى بَعْضِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ ) ‏ ‏رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَد وَصَحَّحَهُ وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَبِي أَحْمَد الزُّبَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة قَالَ : \" كَانَتْ صَفِيَّة مِنْ الصَّفِيِّ \" وَالصَّفِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ , فَسَّرَهُ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ قَالَ : \" كَانَ يُضْرَبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَهْمٍ مَعَ الْمُسْلِمِينَ , وَالصَّفِيُّ يُؤْخَذُ لَهُ رَأْسُ مِنْ الْخُمُسِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ \" وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : \" كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمٌ يُدْعَى الصَّفِيُّ إِنْ شَاءَ عَبْدًا وَإِنْ شَاءَ أَمَةً وَإِنْ شَاءَ فَرَسًا يَخْتَارُهُ مِنْ الْخُمُسِ \" وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ \" كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَزَا كَانَ لَهُ سَهْمٌ صَافٍ يَأْخُذُهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ , وَكَانَتْ صَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ السَّهْمِ \" وَقِيلَ : إِنَّ صَفِيَّةَ كَانَ اِسْمُهَا قَبْلَ أَنْ تُسْبَى زَيْنَب , فَلَمَّا صَارَتْ مِنْ الصَّفِيِّ سُمِّيَتْ صَفِيَّةُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الصَّهْبَاءِ ) ‏ ‏أَمَّا سَدُّ فَبِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَبِضَمِّهَا , وَأَمَّا الصَّهْبَاءُ فَتَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْد الْغَفَّار هُنَا \" سَدّ الرَّوْحَاء \" وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ , وَهِيَ رِوَايَة قُتَيْبَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد , وَرِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ يَعْقُوب فِي هَذَا الْحَدِيث أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره. وَالرَّوْحَاءَ بِالْمُهْمَلَةِ مَكَان قَرِيب مِنْ الْمَدِينَة بَيْنَهُمَا نَيِّفٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا مِنْ جِهَةِ مَكَّةَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي حَدِيث اِبْنِ عُمَرَ فِي أَوَاخِر الْمَسَاجِد , وَقِيلَ : بِقُرْبِ الْمَدِينَة مَكَان آخَرُ يُقَال لَهُ الرَّوْحَاء , وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَيْسَتْ قُرْب خَيْبَر , فَالصَّوَاب مَا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الْجَمَاعَة أَنَّهَا الصَّهْبَاء , وَهِيَ عَلَى بَرِيد مِنْ خَيْبَر قَالَهُ اِبْن سَعْد وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( حَلَّتْ ) ‏ ‏أَيْ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْض , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي أَوَاخِر كِتَاب الْبُيُوع قُبَيْلَ كِتَاب السَّلَم وَعِنْد اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس وَصَلَهُ عِنْد مُسْلِم فِي قِصَّة صَفِيَّة \" قَالَ أَنَس وَدَفَعَهَا إِلَى أُمِّي أُمِّ سُلَيْمٍ حَتَّى تُهَيِّئَهَا وَتُصَبِّنَهَا وَتَعْتَدّ عِنْدَهَا \" وَإِطْلَاق الْعِدَّة عَلَيْهَا مَجَاز عَنْ الِاسْتِبْرَاء , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَنَى بِهَا ) ‏ ‏يَأْتِي بَيَان ذَلِكَ وَشَرْح بَقِيَّة الْحَدِيث فِيمَا يَتَعَلَّق بِتَزْوِيجِ صَفِيَّة فِي كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( يُحَوِّي لَهَا ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَة وَضَمّ أَوَّله وَتَشْدِيد الْوَاو , أَيْ يَجْعَل لَهَا حَوِيَّةً , وَهِيَ كِسَاء مَحْشُوَّة تُدَار حَوْل الرَّاكِبِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَضَع رُكْبَته فَتَضَع صَفِيَّة رِجْلهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَب ) ‏ ‏وَزَادَ عَنْ قُتَيْبَة عَنْ يَعْقُوب فِي الْجِهَاد فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث ذِكْر أُحُد وَذِكْر الدُّعَاء لِلْمَدِينَةِ , وَفِي أَوَّله أَيْضًا التَّعَوُّذ , وَقَدْ بَيَّنْت هُنَاكَ أَمَاكِن شَرْح هَذِهِ الْأَحَادِيث. وَوَقَعَ فِي مَغَازِي أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة \" فَوَضَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا فَخِذه لِتَرْكَب , فَأَجَّلَتْ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَضَع رِجْلَهَا عَلَى فَخِذه , فَوَضَعَتْ رُكْبَتهَا عَلَى فَخِذه وَرَكِبَتْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3890",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَقَامَ عَلَى ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ‏ ‏بِطَرِيقِ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى أَعْرَسَ بِهَا وَكَانَتْ فِيمَنْ ضُرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْسٍ , وَأَخُوهُ أَبُو بَكْر عَبْد الْحَمِيد , وَسُلَيْمَان هُوَ بْن بِلَال , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ وَرِوَايَته عَنْ حُمَيْدِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَان. ‏ ‏قَوْله : ( أَقَامَ عَلَى صَفِيَّة بِنْت حُيَيِّ بِطَرِيقِ خَيْبَر ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى أَعْرَسَ بِهَا ) ‏ ‏الْمُرَاد أَنَّهُ أَقَامَ فِي الْمَنْزِلَة الَّتِي أَعْرَسَ بِهَا فِيهَا ثَلَاثَة أَيَّام , لَا أَنَّهُ سَارَ ثَلَاثَة أَيَّام ثُمَّ أَعْرَسَ لِأَنَّ فِي حَدِيث سُوَيْد بْن النُّعْمَان الْمَذْكُور فِي أَوَّل غَزْوَة خَيْبَر أَنَّ الصَّهْبَاء قَرِيبَة مِنْ خَيْبَر , وَبَيَّنَ اِبْن سَعْد فِي حَدِيث ذَكَرَهُ فِي تَرْجَمَتِهَا أَنَّ الْمَوْضِع الَّذِي بَنَى بِهَا فِيهِ بَيْنه وَبَيْن خَيْبَر سِتَّة أَمْيَال , وَقَدْ ذَكَرَ فِي الطَّرِيق الَّتِي قَبْل هَذِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَسَ بِصَفِيَّة بِسَدِّ الصَّهْبَاء , وَهُوَ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ : \" بِطَرِيقِ خَيْبَرَ \" وَكَذَا قَوْله فِي الطَّرِيقِ الثَّالِثَةِ \" أَقَامَ بَيْنَ خَيْبَر وَالْمَدِينَة ثَلَاث لَيَالٍ \" وَلَا مُغَايَرَة بَيْنه وَبَيْن قَوْله فِي الَّتِي قَبْلهَا ثَلَاثَة أَيَّام لِأَنَّهُ يُبَيِّن أَنَّهَا ثَلَاثَة أَيَّام بِلَيَالِيِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3891",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَالْمَدِينَةِ ‏ ‏ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ ‏ ‏بِصَفِيَّةَ ‏ ‏فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ وَمَا كَانَ فِيهَا إِلَّا أَنْ أَمَرَ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏بِالْأَنْطَاعِ ‏ ‏فَبُسِطَتْ فَأَلْقَى عَلَيْهَا التَّمْرَ ‏ ‏وَالْأَقِطَ ‏ ‏وَالسَّمْنَ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ قَالُوا إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّأَ لَهَا خَلْفَهُ وَمَدَّ الْحِجَابَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيّ , وَلِلْبَاقِينَ \" أَقَامَ \" وَهُوَ أَوْجَه. ‏ ‏قَوْله : ( قَالُوا إِنْ حَجَبَهَا إِلَخْ ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحه وَاضِحًا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3892",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مُحَاصِرِي ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَرَمَى إِنْسَانٌ بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْمٌ ‏ ‏فَنَزَوْتُ ‏ ‏لِآخُذَهُ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَحْيَيْتُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الثَّقِيلَةِ الْمُزَنِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا وَهْب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن جَرِير بْن حَازِم , وَسَاقَ الْحَدِيث هُنَاكَ , وَتَقَدَّمَ فِي الْخُمُسِ لَفْظ أَبِي الْوَلِيد الْمَبْدُوء بِذِكْرِهِ هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَمَى إِنْسَان بِجِرَاب ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْجِرَابَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيَجُوز فَتْحُهَا فِي لُغَة نَادِرَة , وَتَقَدَّمَتْ بَقِيَّة مَبَاحِثه فِي \" بَاب مَا يُصِيب مِنْ الطَّعَام فِي أَرْض الْحَرْب \" مِنْ كِتَاب الْخُمُسِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3893",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏وَسَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏عَنْ أَكْلِ الثُّومِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ‏ ‏نَهَى عَنْ أَكْلِ الثُّومِ هُوَ عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏وَحْدَهُ وَلُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر , ذُكِرَ مِنْ ثَلَاثَة طُرُق إِلَى عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر الْعَمْرِيِّ عَنْ نَافِع وَسَالِم عَنْهُ , فَأَمَّا الطَّرِيق الثَّالِثَة وَهِيَ طَرِيق مُحَمَّد بْن عُبَيْد عَنْ عَبْد اللَّه فَتَبَيَّنَ مِنْ الرِّوَايَة الْأُولَى وَهِيَ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ عُبَيْد اللَّه أَنَّ فِيهَا إِدْرَاجًا لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة أَنَّ ذِكْرَ الثُّومِ عَنْ نَافِع وَحْدَهُ , وَذِكْرَ الْحُمُر عَنْ سَالِم , وَاقْتَصَرَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَهِيَ رِوَايَة عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ عُبَيْد اللَّه عَلَى مَا ذَكَرَ نَافِع وَحْدَهُ مُقْتَصِرًا فِي الْمَتْن عَلَى ذِكْر الْحُمُر , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْحُمُر وَالثُّومِ مَعًا عِنْد نَافِع , وَأَنَّ الَّذِي عِنْد سَالِم إِنَّمَا هُوَ ذِكْر الْحُمُر خَاصَّة دُون ذِكْر الثُّوم , فَأَدْرَجَهُمَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه فِي رِوَايَته عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْهُمَا , هَذَا مُقْتَضَى مَا فِي هَذَا الْمَوْضِع وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَة إِلَيْهِ فِي الذَّبَائِح , وَنَذْكُر هُنَاكَ شَرْح الْحَدِيث إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَيُسْتَفَاد مِنْ الْجَمْع بَيْن النَّهْي عَنْ أَكْل الثُّوم وَلُحُوم الْحُمُر جَوَاز اِسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي حَقِيقَته وَمَجَازه , لِأَنَّ أَكْل الْحُمُر حَرَام وَأَكْل الثُّوم مَكْرُوه , وَقَدْ جَمْع بَيْنهمَا بِلَفْظِ النَّهْي. فَاسْتَعْمَلَهُ فِي حَقِيقَته وَهُوَ التَّحْرِيم , وَفِي مَجَازه هُوَ الْكَرَاهَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3894",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِمَا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِبْنَيْ مُحَمَّد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُتْعَة النِّسَاء يَوْم خَيْبَر وَعَنْ أَكْل لُحُوم الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيّ وَالْمُسْتَمْلِيّ \" حُمُر الْإِنْسِيَّة \" بِغَيْرِ أَلْف وَلَامَ فِي الْحُمُر , قِيلَ إِنَّ فِي الْحَدِيث تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَالصَّوَاب : نَهَى يَوْم خَيْبَر عَلَى لُحُوم الْحُمُر الْإِنْسِيَّة وَعَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ , وَلَيْسَ يَوْم خَيْبَر ظَرْفًا لِمُتْعَةِ النِّسَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي غَزْوَة خَيْبَر تَمَتُّعٌ بِالنِّسَاءِ , وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي مَكَانه مِنْ كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3895",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3896",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏وَسَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3897",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَرَخَّصَ فِي الْخَيْلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار وَمُحَمَّد بْن عَلِيّ هُوَ أَبُو جَعْفَر الْبَاقِر بْن زَيْنِ الْعَابِدِينَ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيّ \" الْأَهْلِيَّة \" وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الذَّبَائِح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3898",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَإِنَّ الْقُدُورَ لَتَغْلِي قَالَ وَبَعْضُهَا نَضِجَتْ فَجَاءَ مُنَادِي النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا وَأَهْرِقُوهَا قَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏فَتَحَدَّثْنَا أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ نَهَى عَنْهَا الْبَتَّةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبَّاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْعَوَّام وَالشَّيْبَانِيّ سُلَيْمَان بْن فَيْرُوز. ‏ ‏قَوْله : ( أَصَابَتْنَا مَجَاعَة يَوْم خَيْبَر , فَإِنَّ الْقُدُورَ لَتَغْلِي ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا وَتَمَامه قَدْ تَقَدَّمَ فِي فَرْض الْخُمُس مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الشَّيْبَانِيِّ بِلَفْظِ \" فَلَمَّا كَانَ يَوْم خَيْبَر وَقَعْنَا فِي الْحُمُر الْأَهْلِيَّة فَانْتَحَرْنَاهَا , فَلَمَّا غَلَتْ الْقُدُور \" الْحَدِيث , وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ عِدَّة الْحُمُر الَّتِي ذَبَحُوهَا كَانَتْ عِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ. كَذَا رَوَاهُ بِالشَّكِّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ بَعْضهمْ : نَهَى عَنْهَا الْبَتَّة لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُل الْعَذِرَةَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي فَرْض الْخُمُس أَنَّ بَعْض الصَّحَابَة قَالَ : \" نَهَى عَنْهَا الْبَتَّة \" وَإِنَّ الشَّيْبَانِيَّ قَالَ : \" لَقِيت سَعِيد بْن جُبَيْر فَقَالَ : نَهَى عَنْهَا الْبَتَّة \" وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة جَرِير عَنْ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ : \" فَلَقِيت سَعِيد بْن جُبَيْر فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ , وَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ : نَهَى عَنْهَا الْبَتَّة , لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُل الْعَذِرَةَ \" وَسَيَأْتِي شَرْح ذَلِكَ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَوْله : \" الْبَتَّة \" مَعْنَاهُ الْقَطْع , وَأَلِفُهَا أَلْفُ وَصْلٍ , وَجَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهَا أَلِفُ قَطْع عَلَى غَيْر الْقِيَاس , وَلَمْ أَرَ مَا قَالَهُ فِي كَلَام أَحَدٍ مِنْ أَهْل اللُّغَةِ , قَالَ الْجَوْهَرِيّ الِانْبِتَات الِانْقِطَاع , وَرَجُل مُنْبَتٌّ أَيْ مُنْقَطِع بِهِ , وَيُقَال لَا أَفْعَلُهُ بَتَّةً وَلَا أَفْعَلُهُ الْبَتَّةَ لِكُلِّ أَمْر لَا رَجْعَة فِيهِ , وَنَصْبُهُ عَلَى الْمَصْدَرِ اِنْتَهَى. وَرَأَيْته فِي النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ بِأَلِفِ وَصْلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3899",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَصَابُوا حُمُرًا فَطَبَخُوهَا ‏ ‏فَنَادَى مُنَادِي ‏ ‏النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَكْفِئُوا الْقُدُورَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء وَهُوَ اِبْن عَازِب مَقْرُونًا بِابْنِ أَبِي أَوْفَى , أَخْرَجَهُ مِنْ ثَلَاثَة طُرُق : عَنْ شُعْبَة عَالِيَتَيْنِ وَنَازِلَة , وَالنُّكْتَة فِي إِيرَاد النَّازِلَةِ بَعْدَ الْعَالِيَةِ أَنَّ فِي النَّازِلَةِ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ التَّابِعِيّ لَهُ مِنْ الصَّحَابِيَّيْنِ دُونَ الْعَالِيَةِ فَإِنَّهَا بِالْعَنْعَنَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْأُولَى وَاطَّبِخُوهَا ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ عَالِجُوا طَبْخَهَا. ‏ ‏قَوْله فِيهَا ( فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو طَلْحَة كَمَا تَقَدَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3900",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏وَابْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏يُحَدِّثَانِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَقَدْ نَصَبُوا الْقُدُورَ ‏ ‏أَكْفِئُوا الْقُدُورَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَنْصُور , وَعَبْد الصَّمَد هُوَ اِبْن عَبْد الْوَارِث , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" مِنْ طَرِيقِ : إِسْحَاقَ بْن رَاهْوَيْهِ فَقَالَ : \" عَنْ النَّضْرِ - وَهُوَ اِبْن شُمَيْلٍ - عَنْ شُعْبَة \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَقَدْ حَقَقْت فِي الْمُقَدَّمَةِ أَنَّ إِسْحَاقَ حَيْثُ أَتَى عَنْ عَبْد الصَّمَد فَهُوَ اِبْن مَنْصُور لَا اِبْن رَاهْوَيْهِ. ‏ ‏قَوْله فِيهَا ( أَنَّهُ قَالَ يَوْم خَيْبَر وَقَدْ نَصَبُوا الْقُدُورَ : أَكْفِئُوا الْقُدُورَ ) ‏ ‏أَيْ أَمْيَلُوهَا لِيُرَاقَ مَا فِيهَا. ‏ ‏قَوْله فِي الثَّالِثَة ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَاقْتَصَرَ فِي رِوَايَتِهِ عَلَى الْبَرَاءِ , وَقَدْ بَيَّنَ الْإِسْمَاعِيلِيّ الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى شُعْبَةَ وَأَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَنْهُ جَمَعُوا بَيْنَهُمَا , وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْرَدَ أَحَدَهُمَا بِالذِّكْرِ , وَإِنَّ الْجَرْي رَوَاهُ عَنْ شُعْبَة فَقَالَ عَنْ عَدِيٍّ عَنْ اِبْن أَوْفَى أَوْ الْبَرَاء بِالشَّكِّ. ‏ ‏قَوْله : ( نَحْوه ) ‏ ‏قَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم بِلَفْظِ \" غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَر فَأَصَبْنَا حُمُرًا فَطَبَخْنَاهَا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكْفِئُوا الْقُدُورَ \" ثُمَّ سَاقَهُ الْمُصَنِّف مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْبَرَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "3901",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏أَنْ نُلْقِيَ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ نِيئَةً وَنَضِيجَةً ثُمَّ لَمْ يَأْمُرْنَا بِأَكْلِهِ بَعْدُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِبْن أَبِي زَائِدَة ) ‏ ‏هُوَ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , وَعَاصِم هُوَ الْأَحْوَل , وَعَامِر هُوَ الشَّعْبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( نِيئَةً وَنَضِيجَةً ) ‏ ‏بِالتَّنْوِينِ فِيهِمَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ بِهَاءِ الضَّمِيرِ فِيهَا وَالنِّيءُ بِكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ هَمْزَة ضِدّ النَّضِيجِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ لَمْ يَأْمُرنَا بِأَكْلِهِ بَعْد ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى اِسْتِمْرَار تَحْرِيمه , وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي كِتَاب الذَّبَائِح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3902",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الحُسَيْنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا أَدْرِي ‏ ‏أَنَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ حَمُولَةَ النَّاسِ فَكَرِهَ أَنْ تَذْهَبَ حَمُولَتُهُمْ أَوْ حَرَّمَهُ فِي يَوْمِ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏لَحْمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي الْحُسَيْن ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , وَهُوَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن أَبِي الْحُسَيْن جَعْفَر السِمْنَانِيّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمِيم وَنُونَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلْف , كَانَ حَافِظًا , وَهُوَ مِنْ أَقْرَان الْبُخَارِيّ , وَعَاشَ بَعْده خَمْس سِنِينَ , وَقَدْ ذَكَرَ الْكَلَابَاذِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ الْبُخَارِيّ مَا رَوَى عَنْهُ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , لَكِنْ مُقَدَّم فِي الْعِيدَيْنِ حَدِيث آخَرُ قَالَ الْبُخَارِيِّ فِيهِ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد حَدَّثَنَا عُمَر بْن حَفْص بْن غِيَاث \" فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ هَذَا , وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ الْكَثِير عَنْ عُمَر بْن حَفْص بْن غِيَاث وَأَخْرَجَ عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "3903",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا ‏ ‏قَالَ فَسَّرَهُ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسٌ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَسٌ فَلَهُ سَهْمٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي سِهَام الرَّاجِل وَالْفَارِس , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْجِهَاد. وَالْقَائِل ‏ ‏\" قَالَ فَسَّرَهُ نَافِع \" ‏ ‏هُوَ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر الْعَمْرِيُّ الرَّاوِي عَنْهُ , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ. وَزَائِدَة هُوَ اِبْن قُدَامَةَ , وَمُحَمَّد بْن سَابِق مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا هُنَا , وَشَيْخ الْبُخَارِيّ الْحَسَن بْن إِسْحَاق يَقْدَمُ قَرِيبًا فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3904",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ قَالَ ‏ ‏مَشَيْتُ أَنَا ‏ ‏وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْنَا أَعْطَيْتَ ‏ ‏بَنِي الْمُطَّلِبِ ‏ ‏مِنْ خُمْسِ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَتَرَكْتَنَا وَنَحْنُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْكَ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا ‏ ‏بَنُو هَاشِمٍ ‏ ‏وَبَنُو الْمُطَّلِبِ ‏ ‏شَيْءٌ وَاحِدٌ قَالَ ‏ ‏جُبَيْرٌ ‏ ‏وَلَمْ يَقْسِمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ‏ ‏وَبَنِي نَوْفَلٍ ‏ ‏شَيْئًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث جُبَيْر بْن مُطْعِم , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي فَرْض الْخُمُس , ‏ ‏وَقَوْله : \" إِنَّمَا بَنُو هَاشِم وَبَنُو الْمُطَّلِب شَيْء وَاحِد \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الشِّين الْمُعْجَمَة وَبِالْهَمْزَةِ , وَلِلْمُسْتَمْلِي هُنَا وَحْدَهُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة. ‏ ‏وَقَوْله : \" قَالَ جُبَيْر : وَلَمْ يَقْسِم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَنِي عَبْد شَمْس وَبَنِي نَوْفَل شَيْئًا \" ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏"
    },
    {
        "id": "3905",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ ‏ ‏بِالْيَمَنِ ‏ ‏فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمْ أَحَدُهُمَا ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏وَالْآخَرُ ‏ ‏أَبُو رُهْمٍ ‏ ‏إِمَّا قَالَ بِضْعٌ ‏ ‏وَإِمَّا قَالَ فِي ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ أَوْ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي ‏ ‏فَرَكِبْنَا سَفِينَةً فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى ‏ ‏النَّجَاشِيِّ ‏ ‏بِالْحَبَشَةِ ‏ ‏فَوَافَقْنَا ‏ ‏جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ افْتَتَحَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَكَانَ أُنَاسٌ مِنْ النَّاسِ يَقُولُونَ لَنَا ‏ ‏يَعْنِي لِأَهْلِ السَّفِينَةِ ‏ ‏سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ وَدَخَلَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ ‏ ‏وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا ‏ ‏عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَائِرَةً وَقَدْ كَانَتْ هَاجَرَتْ إِلَى ‏ ‏النَّجَاشِيِّ ‏ ‏فِيمَنْ هَاجَرَ فَدَخَلَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏وَأَسْمَاءُ ‏ ‏عِنْدَهَا فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏حِينَ رَأَى ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏مَنْ هَذِهِ قَالَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ قَالَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ ‏ ‏نَعَمْ قَالَ سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْكُمْ فَغَضِبَتْ وَقَالَتْ كَلَّا وَاللَّهِ كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ وَكُنَّا فِي دَارِ أَوْ فِي أَرْضِ الْبُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ ‏ ‏بِالْحَبَشَةِ ‏ ‏وَذَلِكَ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَايْمُ اللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَى وَنُخَافُ وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَسْأَلُهُ وَاللَّهِ لَا أَكْذِبُ وَلَا ‏ ‏أَزِيغُ ‏ ‏وَلَا أَزِيدُ عَلَيْهِ فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَمَا قُلْتِ لَهُ قَالَتْ قُلْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا قَالَ ‏ ‏لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ قَالَتْ فَلَقَدْ رَأَيْتُ ‏ ‏أَبَا مُوسَى ‏ ‏وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأْتُونِي أَرْسَالًا يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَا مِنْ الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلَا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ ‏ ‏فَلَقَدْ رَأَيْتُ ‏ ‏أَبَا مُوسَى ‏ ‏وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَلَغَنَا مَخْرَج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغهُمْ شَأْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بَعْد الْهِجْرَةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ , وَهَذَا إِنْ كَانَ أَرَادَ بِالْمَخْرَجِ الْبَعْثَة , وَإِنْ أَرَادَ الْهِجْرَةَ فَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَة فَأَسْلَمُوا وَأَقَامُوا بِبِلَادِهِمْ إِلَى أَنْ عَرَفُوا بِالْهِجْرَةِ فَعَزَمُوا عَلَيْهَا , وَإِنَّمَا تَأَخَّرُوا هَذِهِ الْمُدَّةَ إِمَّا لِعَدَمِ بُلُوغِ الْخَبَرِ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ , وَإِمَّا لِعِلْمِهِمْ بِمَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ مِنْ الْمُحَارَبَةِ مَعَ الْكُفَّارِ , فَلَمَّا بَلَغَتْهُمْ الْمُهَادَنَة آمَنُوا وَطَلَبُوا الْوُصُولَ إِلَيْهِ. وَقَدْ رَوَى اِبْن مَنْدَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ \" خَرَجْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جِئْنَا مَكَّةَ أَنَا وَأَخُوك وَأَبُو عَامِر بْن قَيْس وَأَبُو رُهْمٍ وَمُحَمَّد بْن قَيْس وَأَبُو بُرْدَة وَخَمْسُونَ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ وَسِتَّة مِنْ عَكَّ , ثُمَّ خَرَجْنَا فِي الْبَحْر حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ \" وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ , وَيُجْمَع بَيْنَهُ وَبَيْن مَا فِي الصَّحِيح أَنَّهُمْ مَرُّوا بِمَكَّة فِي حَال مَجِيئِهِمْ إِلَى الْمَدِينَة , وَيَجُوز أَنْ يَكُونُوا دَخَلُوا مَكَّة لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْهُدْنَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمْ أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ وَالْآخَرُ أَبُو رُهْمٍ ) ‏ ‏أَمَّا أَبُو بُرْدَةَ فَاسْمُهُ عَامِر , وَلَهُ حَدِيث عِنْد أَحْمَد وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق كُرَيْبٍ بْن الْحَارِث بْن أَبِي مُوسَى وَهُوَ اِبْن أَخِيهِ عَنْهُ , وَأَمَّا أَبُو رُهْمٍ فَهُوَ بِضَمِّ الرَّاء وَسُكُون الْهَاء وَاسْمه مَجْدِيّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَكَسْر الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة قَالَهُ اِبْن عَبْد الْبَرِّ , وَجَزَمَ اِبْن حِبَّانَ فِي \" الصَّحَابَة \" بِأَنَّ اِسْمَهُ مُحَمَّد , وَيُعَكِّر عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ قَبْلُ مِنْ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ أَبِي رُهْمٍ وَمُحَمَّد بْن قَيْس وَذَكَرَ اِبْن قَانِع أَنَّ جَمَاعَة مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ أَخْبَرُوهُ وَحَقَّقُوا لَهُ وَكَتَبُوا خُطُوطَهُمْ أَنَّ اِسْمَ أَبِي رُهْمٍ مُجِيلَة بِكَسْرِ الْجِيم بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة خَفِيفَة ثُمَّ لَامَ ثُمَّ هَاء. ‏ ‏قَوْله : ( إِمَّا قَالَ بِضْعًا وَإِمَّا قَالَ ثَلَاثَة وَخَمْسِينَ أَوْ اِثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِالْمُسْتَمْلِيّ \" مِنْ قَوْمه \" وَقَدْ بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلُ أَنَّهُمْ كَانُوا خَمْسِينَ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ وَهُمْ قَوْمُهُ , فَلَعَلَّ الزَّائِد عَلَى ذَلِكَ هُوَ وَإِخْوَته , فَمَنْ قَالَ اِثْنَيْنِ أَرَادَ مَنْ ذَكَرَهُمَا فِي حَدِيث الْبَاب وَهُمَا أَبُو بُرْدَة وَأَبُو رُهْمٍ , وَمَنْ قَالَ ثَلَاثَة أَوْ أَكْثَر فَعَلَى الْخِلَاف فِي عَدَدِ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ إِخْوَتِهِ. وَأَخْرَجَ الْبَلَاذُريُّ بِسَنَدٍ لَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا , وَالْجَمْع بَيْنه وَبَيْن مَا قَبْله بِالْحَمْلِ عَلَى الْأُصُول وَالِاتِّبَاع , وَأَمَّا اِبْن إِسْحَاق فَقَالَ : كَانُوا سِتَّة عَشَر رَجُلًا وَقِيلَ أَقَلّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِب ) ‏ ‏أَيْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا ) ‏ ‏اِخْتَصَرَ الْمُصَنِّف هُنَا شَيْئًا ذَكَرَهُ فِي الْخُمُس بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَهُوَ \" فَقَالَ جَعْفَر إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَنَا هُنَا وَأَمَرَنَا بِالْإِقَامَةِ فَأَقِيمُوا مَعَنَا. فَأَقَمْنَا مَعَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا ) ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَمْرو بْن أُمَيَّة إِلَى النَّجَاشِيّ أَنْ يُجَهِّزَ إِلَيْهِ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب وَمَنْ مَعَهُ فَجَهَّزَهُمْ وَأَكْرَمَهُمْ وَقَدِمَ بِهِمْ عَمْرو بْن أُمَيَّة وَهُوَ بِخَيْبَر , وَسَمَّى اِبْن إِسْحَاق مَنْ قَدِمَ مَعَ جَعْفَرَ فَسَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ وَهُمْ سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا , فَمِنْهُمْ اِمْرَأَتُهُ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ وَخَالِد بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ وَامْرَأَته وَأَخُوهُ عَمْرو بْن سَعِيد وَمُعَيْقِيبُ بْن أَبِي فَاطِمَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَافَقْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ فِي فَرْض الْخُمُسِ \" فَأَسْهَمَ لَنَا وَلَمْ يُسْهِم لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَهَا مَعَهُ , إِلَّا لِأَصْحَابِ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرَ وَأَصْحَابِهِ فَإِنَّهُ قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي يَعْلَى عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ. وَوَقَعَ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَقْسِمَ لَهُمْ كَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ فَأَشْرَكُوهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ أُنَاس ) ‏ ‏سَمَّى مِنْهُمْ عُمَر كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( دَخَلَتْ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ ) ‏ ‏هِيَ زَوْج جَعْفَر , وَقَوْله : \" وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا \" هُوَ كَلَام أَبِي مُوسَى. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى حَفْصَة ) ‏ ‏زَادَ أَبُو يَعْلَى \" زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُمَر آلْحَبَشِيَّة هَذِهِ ؟ الْبُحَيْرِيّة هَذِهِ ؟ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ بِالتَّصْغِيرِ , وَلِغَيْرِهِ \" الْبَحْرِيَّة \" بِغَيْرِ تَصْغِير. وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي يَعْلَى. وَوَقَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ , وَنَسَبَهَا إِلَى الْحَبَشَةِ لِسُكْنَاهَا فِيهِمْ , وَإِلَى الْبَحْرِ لِرُكُوبِهَا إِيَّاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكُنَّا فِي دَارٍ أَوْ فِي أَرْضِ الْبُعَدَاءِ ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي. ‏ ‏قَوْله : ( الْبُعَدَاء الْبَغْضَاء ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ جَمْع بَغِيض وَبِعِيدِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي يَعْلَى بِالشَّكِّ الْبُعَدَاء أَوْ الْبَغْضَاء , وَلِلنَّسَفِيّ الْبُعُد بِضَمَّتَيْنِ , وَلِلْقَابِسِيِّ الْبُعْد الْبُعَدَاء الْبَغْضَاء جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَلَعَلَّهُ فَسَّرَ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ , وَعِنْد اِبْن سَعِيد مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ الشَّعْبِيّ \" فَقَالَتْ : أَيْ لَعَمْرِي لَقَدْ صَدَقْت , كُنْتُمْ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطْعِم جَائِعكُمْ وَيُعَلِّم جَاهِلكُمْ , وَكُنَّا الْبُعَدَاء وَالطُّرَدَاءُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَذَلِكَ فِي اللَّه وَفِي رَسُوله ) ‏ ‏أَيْ لِأَجَلِهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَيْم اللَّهِ ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ وَصْل , وَفِيهَا لُغَات تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْل السَّفِينَة ) ‏ ‏بِنَصَبِ أَهْل عَلَى الِاخْتِصَاص أَوْ عَلَى النِّدَاءِ بِحَذْفِ أَدَاتِهِ , وَيَجُوز الْجَرُّ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ الضَّمِيرِ. ‏ ‏قَوْله : ( هِجْرَتَانِ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو يَعْلَى \" هَاجَرْتُمْ مَرَّتَيْنِ , هَاجَرْتُمْ إِلَى النَّجَاشِيَّ وَهَاجَرْتُمْ إِلَيَّ \" وَلِابْنِ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : \" قَالَتْ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ رِجَالًا يَفْخَرُونَ عَلَيْنَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّا لَسْنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ , فَقَالَ : بَلْ لَكُمْ هِجْرَتَانِ , هَاجَرْتُمْ إِلَى أَرْض الْحَبَشَةِ , ثُمَّ هَاجَرْتُمْ بَعْد ذَلِكَ \" وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ الشَّعْبِيّ نَحْوه وَقَالَ فِيهِ : \" كَذَبَ مَنْ يَقُول ذَلِكَ \" وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ يَقُول \" لِلنَّاسِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ \" وَظَاهِره تَفْضِيلهمْ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْهُ تَفْضِيلُهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ , بَلْ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ. وَهَذَا الْقَدْرُ الْمَرْفُوعُ مِنْ الْحَدِيثِ ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَسْمَاءَ بِنْت عُمَيْسٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَةِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى لَا ذِكْرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ , وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ ) ‏ ‏يَعْنِي أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ , وَهَذَا يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ رِوَايَة أَبِي مُوسَى عَنْهَا فَيَكُون مِنْ رِوَايَة صَحَابِيّ عَنْ مِثْله , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ رِوَايَة أَبِي بُرْدَة عَنْهَا وَيُؤَيِّدهُ قَوْله بَعْد هَذَا \" قَالَ أَبُو بُرْدَة قَالَتْ أَسْمَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( يَأْتُونَنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" يَأْتُونَ \" ‏ ‏وَقَوْله : \" أَرْسَالًا \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ أَفْوَاجًا , أَيْ يَجِيئُونَ إِلَيْهَا نَاسًا بَعْد نَاس. وَفِي رِوَايَة أَبِي يَعْلَى \" وَلَقَدْ رَأَيْت أَبَا مُوسَى إِنَّهُ لِيَسْتَعِيد مِنِّي هَذَا الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "3906",
        "content": "‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي لَأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ ‏ ‏الْأَشْعَرِيِّينَ ‏ ‏بِالْقُرْآنِ حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِالنَّهَارِ وَمِنْهُمْ ‏ ‏حَكِيمٌ ‏ ‏إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ أَوْ قَالَ الْعَدُوَّ قَالَ لَهُمْ إِنَّ أَصْحَابِي يَأْمُرُونَكُمْ أَنْ تَنْظُرُوهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو بُرْدَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَفْرَدَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ وَسَاقَ الْحَدِيث الَّذِي قَبْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ : \" وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيد هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي لِأَعْرِف أَصْوَاتَ رُفْقَة الْأَشْعَرِيِّينَ ) ‏ ‏الرُّفْقَة الْجَمَاعَة الْمُتَرَافِقُونَ , وَالرَّاء مُثَلَّثَة وَالْأَشْهَر ضَمُّهَا. ‏ ‏قَوْله : ( حِين يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ ) ‏ ‏بِالدَّالِ وَالْخَاء الْمُعْجَمَةِ لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم , وَحَكَى عِيَاض عَنْ بَعْض رُوَاة مُسْلِم بِالرَّاءِ وَالْحَاء الْمُهْمَلَةِ , وَصَوَّبَهَا الدِّمْيَاطِيّ فِي الْبُخَارِيّ , وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ فَإِنَّ الرِّوَايَة بِالدَّالِ وَالْمُعْجَمَة , وَالْمَعْنَى صَحِيح فَلَا مَعْنَى لِلتَّغْيِيرِ , وَقَدْ نَقَلَ عِيَاض عَنْ بَعْض النَّاس اِخْتِيَار الرِّوَايَة الَّتِي بِالرَّاءِ وَالْمُهْمَلَة , قَالَ النَّوَوِيّ : وَالرِّوَايَة الْأُولَى صَحِيحَة أَوْ أَصَحّ , وَالْمُرَاد يَدْخُلُونَ مَنَازِلَهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ إِلَى شُغْلٍ مَا ثُمَّ رَجَعُوا. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْقُرْآنِ ) ‏ ‏يَتَعَلَّق بِأَصْوَاتِ , وَفِيهِ أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ مُسْتَحْسَن لَكِنْ مَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا وَأَمِنَ مِنْ الرِّيَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمِنْهُمْ حَكِيم ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض قَالَ أَبُو عَلِيّ الصَّدَفِيّ : هُوَ صِفَة لِرَجُلِ مِنْهُمْ , وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : هُوَ اِسْم عَلَمٍ عَلَى رَجُل مِنْ الْأَشْعَرِينَ , وَاسْتَدْرَكَهُ عَلَى صَاحِبِ \" الِاسْتِيعَابِ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا لَقِيَ الْخَيْل أَوْ قَالَ الْعَدُوّ ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَهُمَا إِنَّ أَصْحَابِي يَأْمُرُونَكُمْ أَنْ تَنْظُرُوهُمْ ) ‏ ‏أَيْ تَنْتَظِرُوهُمْ مِنْ الِانْتِظَارِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لِفَرْطِ شُجَاعَته كَانَ لَا يَفِرّ مِنْ الْعَدُوّ بَلْ يُوَاجِههُمْ وَيَقُول لَهُمْ إِذَا أَرَادُوا الِانْصِرَافَ مَثَلًا اِنْتَظِرُوا الْفُرْسَان حَتَّى يَأْتُوكُمْ , لِيُثَبِّتهُمْ عَلَى الْقِتَال وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشِّقِّ الثَّانِي وَهُوَ قَوْله : \" أَوْ قَالَ الْعَدُوّ \" وَأَمَّا عَلَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْله : \" إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ \" فَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد بِهَا خَيْل الْمُسْلِمِينَ , وَيُشِير بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ أَصْحَابَهُ كَانُوا رِجَالَةً فَكَانَ هُوَ يَأْمُرُ الْفُرْسَانَ أَنْ يَنْتَظِرُوهُمْ لِيَسِيرُوا إِلَى الْعَدُوِّ جَمِيعًا , وَهَذَا أَشْبَهَ بِالصَّوَابِ. قَالَ اِبْن التِّين : مَعْنَى كَلَامه أَنَّ أَصْحَابه يُحِبُّونَ الْقِتَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يُبَالُونَ بِمَا يُصِيبهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3907",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏حَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ أَنْ افْتَتَحَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَقَسَمَ لَنَا وَلَمْ يَقْسِمْ لِأَحَدٍ لَمْ يَشْهَدْ الْفَتْحَ غَيْرَنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , ‏ ‏وَقَوْله : \" سَمِعَ \" ‏ ‏أَيْ أَنَّهُ سَمِعَ. وَيُرِيد هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي بُرْدَة الْأَشْعَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَدِمْنَا ) ‏ ‏أَيْ هُوَ وَأَصْحَابه مَعَ جَعْفَر وَمَنْ مَعَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَقْسِم لِأَحَدٍ لَمْ يَشْهَدْ الْفَتْحَ غَيْرَنَا ) ‏ ‏يَعْنِي الْأَشْعَرِيِّينَ وَمَنْ مَعَهُمْ , وَجَعْفَر وَمَنْ مَعَهُ. وَقَدْ سَبَقَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ بُرَيْد بِلَفْظِ \" وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ إِلَّا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ لَهُمْ مَعَهُمْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ. ‏ ‏وَيُعَكِّر عَلَى هَذَا الْحَصْرِ مَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاَلَّذِي بَعْدَهُ وَسَيَأْتِي الْجَوَاب عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3908",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ثَوْرٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ مُطِيعٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏افْتَتَحْنَا ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً إِنَّمَا غَنِمْنَا الْبَقَرَ وَالْإِبِلَ وَالْمَتَاعَ ‏ ‏وَالْحَوَائِطَ ‏ ‏ثُمَّ انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏وَادِي الْقُرَى ‏ ‏وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏مِدْعَمٌ ‏ ‏أَهْدَاهُ لَهُ ‏ ‏أَحَدُ ‏ ‏بَنِي الضِّبَابِ ‏ ‏فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ ‏ ‏رَحْلَ ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ ‏ ‏عَائِرٌ ‏ ‏حَتَّى أَصَابَ ذَلِكَ الْعَبْدَ فَقَالَ النَّاسُ هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَلْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏الشَّمْلَةَ ‏ ‏الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ ‏ ‏تُصِبْهَا ‏ ‏الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا فَجَاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِشِرَاكٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏بِشِرَاكَيْنِ ‏ ‏فَقَالَ هَذَا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شِرَاكٌ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏شِرَاكَانِ ‏ ‏مِنْ نَارٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ وَمُعَاوِيَة بْن عَمْرو هُوَ الْأَزْدِيّ وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن الْحَارِث الْفَزَارِيُّ وَوَقَعَ فِي مُسْنَد حَدِيث مَالِك لِلنَّسَائِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْن عَمْرو قَالَ : \" حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق \" وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْمُوَطَّآتِ \" طَرِيق الْمُسَيِّبِ بْن وَاضِح قَالَ : \" حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق الْفَزَارِيُّ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَالِك ) ‏ ‏نَزَلَ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث دَرَجَتَيْنِ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْن أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِك وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِك فِي هَذَا الْمَوْضِع ثَلَاثَة رِجَال , قَالَ اِبْن طَاهِر : وَالسِّرّ فِي ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق الْفَزَارِيِّ وَحْدَهُ عَنْ مَالِك \" حَدَّثَنِي ثَوْر بْن زَيْد \" وَفِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ \" عَنْ ثَوْر \" وَلِلْبُخَارِيِّ حِرْصٌ شَدِيد عَلَى الْإِتْيَان بِالطُّرُقِ الْمُصَرِّحَةِ بِالتَّحْدِيثِ اِنْتَهَى. وَثَوْر بْن زَيْد هُوَ الدِّيلِيّ , مَدَّنِي مَشْهُور. وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق هَذِهِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ : \" حَدَّثَنِي سَالِم أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة \" وَعَنْعَنَ بَاقِي الرُّوَاة عَنْ مَالِك جَمِيع الْإِسْنَادِ , وَسَالِم مَوْلَى اِبْن مُطِيع يُكَنَّى أَبَا الْغَيْث وَهُوَ بِهَا أَشْهَر , وَقَدْ سُمِّيَ هُنَا. فَلَا اِلْتِفَات لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ لَا يُوقَف عَلَى اِسْمه صَحِيحًا. وَهُوَ مَدَنِيّ لَا يُعْرَف اِسْم أَبِيهِ , وَابْن مُطِيع اِسْمه عَبْد اللَّه وَلَيْسَ لِسَالِمٍ فِي الصَّحِيح رِوَايَة عَنْ غَيْر أَبِي هُرَيْرَة , لَهُ عَنْهُ تِسْعَة أَحَادِيث تَقَدَّمَ مِنْهَا فِي الِاسْتِقْرَاضِ وَفِي الْوَصَايَا وَفِي الْمَنَاقِبِ. ‏ ‏ٌ تَأْوِيل قَوْله : ( اِفْتَتَحْنَا خَيْبَرَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ عُبَيْد اللَّه بْن يَحْيَى بْن يَحْيَى اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِيهِ فِي الْمُوَطَّأِ \" حُنَيْنٍ \" بَدَل خَيْبَر , وَخَالَفَهُ مُحَمَّد بْن وَضَّاح عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى فَقَالَ : \" خَيْبَر \" مِثْل الْجَمَاعَة , نَبَّهَ عَلَيْهِ اِبْن عَبْد الْبَرِّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل الْمَذْكُورَة \" خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ \" وَهِيَ رِوَايَة الْمُوَطَّأ أَعْنِي قَوْله : \" خَرَجْنَا \" , وَأَخْرَجَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك , وَمِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد الدَّرَاوَرْدِيّ عَنْ ثَوْرٍ , فَحَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ مُوسَى بْن هَارُون أَنَّهُ قَالَ : وَهَمَ ثَوْر فِي هَذَا الْحَدِيث , لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة لَمْ يَخْرُج مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ وَإِنَّمَا قَدِمَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ , وَقَدِمَ عَلَيْهِمْ خَيْبَر بَعْد أَنْ فُتِحَتْ. قَالَ أَبُو مَسْعُود : وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيث عَنْبَسَةَ بْن سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : \" أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَر بَعْدَمَا اِفْتَتَحُوهَا \" قَالَ وَلَكِنْ لَا يَشُكّ أَحَدٌ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَضَرَ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ , فَالْغَرَض مِنْ الْحَدِيث قِصَّة مدعم فِي غُلُولِ الشَّمْلَةِ. قُلْت : وَكَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ صَاحِب الْمَغَازِي اِسْتَشْعَرَ بِوَهْمِ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْهُ بِدُونِهَا , أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم وَابْن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقه بِلَفْظِ \" اِنْصَرَفْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى وَادِي الْقُرَى \" وَرِوَايَة أَبِي إِسْحَاق الْفَزَارِيِّ الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاض بِأَنْ يُحْمَل قَوْله : \" اِفْتَتَحْنَا \" أَيْ الْمُسْلِمُونَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِير ذَلِكَ قَرِيبًا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : \" خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى وَادِي الْقُرَى \" فَلَعَلَّ هَذَا أَصْلَ الْحَدِيث , وَحَدِيث قُدُوم أَبِي هُرَيْرَة الْمَدِينَة وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَر أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق خُثَيْم بْن عِرَاك بْن مَالِك عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : \" قَدِمْت الْمَدِينَةَ وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَر وَقَدْ اِسْتَخْلَفَ سِبَاعَ بْن عَرْفَطَةَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَزَوَّدُونَا شَيْئًا حَتَّى أَتَيْنَا خَيْبَرَ وَقَدْ اِفْتَتَحَهَا النَّبِيّ , فَكَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ فَأَشْرَكُونَا فِي سِهَامِهِمْ \" وَيُجْمَع بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْحَصْر الَّذِي فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى الَّذِي قَبْله أَنَّ أَبَا مُوسَى أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُسْهَم لِأَحَدِ لَمْ يَشْهَد الْوَقْعَةَ مِنْ غَيْر اِسْتِرْضَاء أَحَدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ إِلَّا لِأَصْحَابِ السَّفِينَةِ , وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَة وَأَصْحَابه فَلَمْ يُعْطِهِمْ إِلَّا عَنْ طِيب خَوَاطِر الْمُسْلِمِينَ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَأَذْكُرُ رِوَايَةَ عَنْبَسَةَ بْن سَعِيد الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا أَبُو مَسْعُود وَبَيَان مَا فِيهَا بَعْد هَذَا الْحَدِيث إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا غَنَمنَا الْبَقَرَ وَالْإِبِلَ وَالْمَتَاعَ وَالْحَوَائِطَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" غَنَمنَا الْمَتَاع وَالطَّعَام وَالثِّيَاب \" وَعِنْد رُوَاة الْمُوَطَّأِ \" إِلَّا الْأَمْوَال وَالثِّيَاب وَالْمَتَاع \" وَعِنْد يَحْيَى بْن يَحْيَى اللَّيْثِيِّ وَحْدَهُ \" إِلَّا الْأَمْوَال وَالثِّيَاب \" وَالْأَوَّل هُوَ الْمَحْفُوظ , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الثِّيَاب وَالْمَتَاع لَا تُسَمَّى مَالًا , وَقَدْ نَقَلَ ثَعْلَب عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ عَنْ الْمُفَضَّل الضَّبِّيّ قَالَ : الْمَالُ عِنْدَ الْعَرَبِ الصَّامِت وَالنَّاطِق , فَالصَّامِت الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْجَوْهَر وَالنَّاطِق الْبَعِير وَالْبَقَرَة وَالشَّاة , فَإِذَا قُلْت عَنْ حَضَرِيٍّ كَثُرَ مَاله فَالْمُرَاد الصَّامِت , وَإِذَا قُلْت عَنْ بَدْوِيّ فَالْمُرَاد النَّاطِق اِنْتَهَى. وَقَدْ أَطْلَقَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْبُسْتَان مَالًا فَقَالَ فِي قِصَّة السَّلَبِ الَّذِي تَنَازَعَ فِيهِ هُوَ وَالْقُرَشِيّ فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ \" فَابْتَعْت بِهِ مِخْرَفًا , فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَال تَأَثَّلْته \" فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمَالَ مَا لَهُ قِيمَة , لَكِنْ قَدْ يَغْلِب عَلَى قَوْم تَخْصِيصه بِشَيْءٍ كَمَا حَكَاهُ الْمُفَضَّل فَتُحْمَل الْأَمْوَال عَلَى الْمَوَاشِي وَالْحَوَائِطِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ وَلَا يُرَاد بِهَا النُّقُود لِأَنَّهُ نَفَاهَا أَوَّلًا. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى وَادِي الْقُرَى ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطه فِي الْبُيُوعِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَبْدٌ لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُوَطَّأِ \" عَبْدٌ أَسْوَدُ \". ‏ ‏قَوْله : ( مِدْعَم ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْعَيْن الْمُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَهْدَاهُ لَهُ أَحَدُ بَنِي الضِّبَابِ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاق بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَة بَيْنَهُمَا أَلْف بِلَفْظِ جَمْع الضَّبِّ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَهْدَاهُ لَهُ رِفَاعَة بْن زَيْد أَحَد بَنِي الضُّبَيْبِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ رِفَاعَة بْن زَيْد الْجُذَامِي ثُمَّ الضُّبَنِيّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا نُونٌ , وَقِيلَ : بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ نِسْبَةٌ إِلَى بَطْنٍ مِنْ جُذَام , قَالَ الْوَاقِدِيُّ : كَانَ رِفَاعَةُ قَدْ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَاسٍ مِنْ قَوْمِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى خَيْبَرَ فَأَسْلَمُوا وَعَقَدَ لَهُ عَلَى قَوْمِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ \" وَقَدْ اِسْتَقْبَلَتْنَا يَهُودُ بِالرَّمْيِ وَلَمْ نَكُنْ عَلَى تَعْبِيَةٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( سَهْم عَائِر ) ‏ ‏بِعَيْنِ مُهْمَلَةٍ بِوَزْنِ فَاعِل أَيْ لَا يَدْرِي مَنْ رَمَى بِهِ , وَقِيلَ هُوَ الْحَائِدُ عَنْ قَصْدِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( بَلْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ \" بَلَى \" وَهُوَ تَصْحِيف وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" كَلَّا \" وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُوَطَّأِ : ‏ ‏قَوْله : ( لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ حَقِيقَة بِأَنْ تَصِير الشَّمْلَةُ نَفْسَهَا نَارًا فَيُعَذَّب بِهَا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهَا سَبَب لِعَذَابِ النَّار , وَكَذَا الْقَوْل فِي الشِّرَاكِ الْآتِي ذِكْرُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ ) ‏ ‏الشِّرَاكُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ : سَيْرُ النَّعْلِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ , وَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ أَمْر الْغُلُول , وَقَدْ مَرَّ شَرْح ذَلِكَ وَاضِحًا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجِهَادِ فِي \" بَاب الْقَلِيل مِنْ الْغُلُول \" فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ : \" كَانَ عَلَى ثَقُلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كَرْكَرَة فَمَاتَ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ فِي النَّارِ فِي عَبَاءَةٍ غَلَّهَا \" وَكَلَامُ عِيَاض يُشْعِرُ بِأَنَّ قِصَّتَهُ مَعَ قِصَّةِ مِدْعَم مُتَّحِدَة , وَاَلَّذِي يَظْهَر مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ تَغَايُرُهُمَا. نَعَمْ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث عُمَر \" لَمَّا كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالُوا فُلَان شَهِيد , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَّا إِنِّي رَأَيْته فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ \" فَهَذَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِكَرْكَرَةَ , بِخِلَافِ قِصَّةِ مِدْعَم فَإِنَّهَا كَانَتْ بِوَادِي الْقُرَى , وَمَاتَ بِسَهْمٍ عَائِرٍ , وَغَلَّ شَمْلَةً. وَاَلَّذِي أَهْدَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرْكَرَة هَوْذَةُ بْنُ عَلِيٍّ , بِخِلَافِ مِدْعَم فَأَهْدَاهُ رِفَاعَة فَافْتَرَقَا , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" حَاصَرَ أَهْلَ وَادِي الْقُرَى حَتَّى فَتَحَهَا , وَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلُ تَيْمَاء فَصَالَحُوهُ \" وَفِي الْحَدِيث قَبُول الْإِمَام الْهَدِيَّة , فَإِنْ كَانَ لِأَمْرٍ يَخْتَصّ بِهِ فِي نَفْسِهِ أَنْ لَوْ كَانَ غَيْر وَالٍ فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِمَا أَرَادَ , وَإِلَّا فَلَا يَتَصَرَّف فِيهَا إِلَّا لِلْمُسْلِمِينَ , وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيل يُحْمَل حَدِيث \" هَدَايَا الْأُمَرَاء غُلُول \" فَيَخُصّ بِمَنْ أَخَذَهَا فَاسْتَبَدَّ بِهَا , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْض الْحَنَفِيَّة فَقَالَ : لَهُ الِاسْتِبْدَاد مُطْلَقًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَدَّهَا عَلَى مُهْدِيهَا لَجَازَ , فَلَوْ كَانَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ لَمَا رَدَّهَا , وَفِي هَذَا الِاحْتِجَاجِ نَظَر لَا يَخْفَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَاخِرِ الْهِبَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3909",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ ‏ ‏بَبَّانًا ‏ ‏لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ مَا فُتِحَتْ عَلَيَّ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرْنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي زَيْد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّانَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ الثَّانِيَة ثَقِيلَة وَبَعْد الْأَلْف نُون , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ عَنْ اِبْن مَهْدِيٍّ قَالَ اِبْن مَهْدِيٍّ يَعْنِي شَيْئًا وَاحِدًا , قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَلَا أَحْسِب هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَرَبِيَّة وَلَمْ أَسْمَعهَا فِي غَيْر هَذَا الْحَدِيث. وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : بَلْ هِيَ لُغَة صَحِيحَة , لَكِنْهَا غَيْر فَاشِيَة فِي لُغَةِ مَعْدٍ , وَقَدْ صَحَّحَهَا صَاحِب الْعَيْن وَقَالَ : ضُوعِفَتْ حُرُوفه. وَقَالَ : الْبَبَّانُ الْمُعْدَمُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ , وَيُقَال هُمْ عَلَى بَبَّانٍ وَاحِدٍ أَيْ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَالَ اِبْن فَارِس : يُقَال هُمْ بَبَّانٌ وَاحِد أَيْ شَيْء وَاحِد. قَالَ الطَّبَرِيُّ : الْبَبَّانُ فِي الْمُعْدِمِ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ , فَالْمَعْنَى لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَهُمْ فُقَرَاءَ مُعْدَمِينَ لَا شَيْءَ لَهُمْ أَيْ مُتَسَاوِينَ فِي الْفَقْرِ. وَقَالَ أَبُو سَعِيد الضَّرِير فِيمَا تَعَقَّبَهُ عَلَى أَبِي عُبَيْد : صَوَابه بَيَانًا بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّة بَدَل الْمُوَحَّدَة الثَّانِيَة , أَيْ شَيْئًا وَاحِدًا , فَإِنَّهُمْ قَالُوا لِمَنْ لَا يُعْرَف : هُوَ هِيَان بْن بَيَّان. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ مِنْ عُمَر ذِكْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ يَفْضُلُ فِي الْقِسْمَةِ فَقَالَ : \" لَئِنْ عِشْت لَأَجْعَلَنَّ النَّاسَ بِبَابَا وَاحِدًا \". ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ. وَهُوَ مِمَّا يُؤَيِّدُ تَفْسِيرَهَا بِالتَّسْوِيَةِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِبِ مَالِك \" مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْن عِيسَى عَنْ مَالِك بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب عَنْ عُمَر قَالَ : \" لَئِنْ بَقِيت إِلَى الْحَوْلِ لَأُلْحِقَنَّ أَسْفَلَ النَّاسِ بِأَعْلَاهُمْ \" وَقَدْ قَدَّمْت ذَلِكَ فِي \" بَابِ الْغَنِيمَةِ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ \" مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏نَقَلَ صَاحِب \" الْمَطَالِع \" عَنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة أَنَّهُ لَمْ يَلْتَقِ حَرْفَانِ مِنْ جِنْس وَاحِد فِي اللِّسَان الْعَرَبِيّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَف عَنْ أَحَدٍ مِنْ النَّحْوِيِّينَ وَلَا اللُّغَة , وَقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ الْبَبْرَ بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ سَاكِنَة وَهِيَ دَابَّةٌ تُعَادِي الْأَسَدَ. وَفِي الْأَعْلَامِ \" بَبَّةٌ \" بِمُوَحَّدَتَيْنِ الثَّانِيَة ثَقِيلَة لَقَب عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث الْهَاشِمِيّ أَمِير الْكُوفَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا لَهُمْ خِزَانَةً يَقْسِمُونَهَا ) ‏ ‏أَيْ يَقْتَسِمُونَ خَرَاجَهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3910",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَمْتُهَا كَمَا ‏ ‏قَسَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْن مُهْدِي عَنْ مَالِك عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي \" غَرَائِب أَبِي عُبَيْد \" عَنْ اِبْن مُهْدِي عَنْ هِشَام بْن سَعْد عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن مُهْدِي فِيهِ شَيْخَيْنِ , لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَة مَالِك قَوْله : \" بَبَّانَا \" وَهُوَ فِي رِوَايَة هِشَام بْن سَعْد الْمَذْكُورَة كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن أَبِي كَثِير. ‏"
    },
    {
        "id": "3911",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏وَسَأَلَهُ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلَهُ قَالَ لَهُ ‏ ‏بَعْضُ ‏ ‏بَنِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏لَا تُعْطِهِ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏هَذَا قَاتِلُ ‏ ‏ابْنِ قَوْقَلٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏وَا ‏ ‏عَجَبَاهْ ‏ ‏لِوَبْرٍ ‏ ‏تَدَلَّى مِنْ قَدُومِ الضَّأْنِ ‏ ‏وَيُذْكَرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّبَيْدِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يُخْبِرُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ ‏ ‏قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبَانَ ‏ ‏عَلَى سَرِيَّةٍ مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَقَدِمَ ‏ ‏أَبَانُ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِخَيْبَرَ ‏ ‏بَعْدَ مَا افْتَتَحَهَا وَإِنَّ ‏ ‏حُزْمَ ‏ ‏خَيْلِهِمْ لَلِيفٌ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَقْسِمْ لَهُمْ قَالَ ‏ ‏أَبَانُ ‏ ‏وَأَنْتَ بِهَذَا يَا وَبْرُ تَحَدَّرَ مِنْ رَأْسِ ضَأْنٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَانُ ‏ ‏اجْلِسْ فَلَمْ يَقْسِمْ لَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت الزُّهْرِيَّ وَسَأَلَهُ إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَمْرو بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ الْأُمَوِيّ , وَالْجُمْلَة حَالِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَخْبَرَنِي ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ الزُّهْرِيُّ , وَعَنْبَسَة بْن سَعِيد أَيْ اِبْن الْعَاصِ وَهُوَ عَمّ وَالِد إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ ) ‏ ‏هَذَا السِّيَاق صُورَته مُرْسَل , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر مُصَرَّحًا فِيهِ بِالِاتِّصَالِ فِي أَوَائِل الْجِهَادِ , وَفِيهِ بَيَان اِسْم الْمُبْهَم هُنَا فِي قَوْله : \" قَالَ بَعْض بَنِي سَعِيد \" وَبَيَان الْمُرَاد بِقَوْلِهِ اِبْن قَوْقَلٍ وَشَرْحُ مَا فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَأَلَهُ ) ‏ ‏أَيْ سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَنَائِمِ خَيْبَرَ , وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ فِي الْجِهَادِ \" فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْهِمْ لِي \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَهُ بَعْض بَنِي سَعِيد بْن الْعَاصِ لَا تُعْطِهِ ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ أَبَانُ بْن سَعِيد كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاعَجْبَاه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة السَّعِيدِيِّ الَّتِي بَعْد هَذِهِ وَاعَجَبًا لَك \" وَهُوَ بِالتَّنْوِينِ اِسْم فِعْل بِمَعْنَى أَعْجَبُ وَ \" وَا \" مِثْل وَاهَا , وَاعَجَبًا لِلتَّوْكِيدِ وَبِغَيْرِ التَّنْوِينِ بِمَعْنَى وَاعَجَبَى فَأُبْدِلَتْ الْكَسْرَةُ فَتْحَة كَقَوْلِهِ يَا أَسَفَى , وَفِيهِ شَاهِد عَلَى اِسْتِعْمَال \" وَا \" فِي مُنَادَى غَيْرِ مَنْدُوبٍ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْمُبَرِّدِ وَاخْتِيَارُ اِبْنِ مَالِكٍ. ‏ ‏قَوْله : ( لِوَبْرٍ تَدَلَّى مِنْ قُدُومِ الضَّأْنِ ) ‏ ‏كَذَا اِخْتَصَرَهُ , وَقَدْ مَضَى فِي الْجِهَادِ مِنْ رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ أَتَمَّ مِنْهُ , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الَّذِي بَعْدَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُذْكَر عَنْ الزُّبَيْدِيِّ ) ‏ ‏أَيْ مُحَمَّد بْن الْوَلِيد , وَطَرِيقه هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش عَنْهُ , وَوَصَلَهَا أَيْضًا أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل أَيْضًا وَمِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن سَالِم كِلَاهُمَا عَنْ الْحُمَيْدِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( يُخْبِر سَعِيد بْن الْعَاصِ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أُمَيَّة , وَكَانَ سَعِيد بْن الْعَاصِ تَأَمَّرَ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَة فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَانَ عَلَى سَرِيَّةٍ مِنْ الْمَدِينَةِ قِبَلَ نَجْدٍ ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِف حَال هَذِهِ السَّرِيَّةِ , وَأَمَّا أَبَانُ فَهُوَ اِبْن سَعِيد بْن الْعَاصِ بْن أُمَيَّة , وَهُوَ عَمّ سَعِيد بْن الْعَاصِ الَّذِي حَدَّثَهُ أَبُو هُرَيْرَة , وَكَانَ إِسْلَام أَبَانَ بَعْدَ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ , وَقَدْ ذَكَرْنَا أَوَّلًا فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي الشُّرُوطِ وَغَيْرِهَا أَنَّ أَبَانَ هَذَا أَجَارَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى دَخَلَ مَكَّة وَبَلَّغَ رِسَالَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَقَدَّمَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَة أَنَّ غَزْوَة خَيْبَرَ كَانَتْ عَقِبَ الرُّجُوعِ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ , فَيُشْعِرُ ذَلِكَ بِأَنَّ أَبَانَ أَسْلَمَ عَقِبَ الْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى أَمْكَنَ أَنْ يَبْعَثَهُ النَّبِيُّ فِي سَرِيَّةٍ , وَقَدْ ذَكَرَ الْهَيْثَم بْن عَلِيّ فِي الْأَخْبَار سَبَب إِسْلَام أَبَانَ , فَرَوَى مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْعَاصِ قَالَ : \" قُتِلَ أَبِي يَوْم بَدْر ,. فَرَبَّانِي عَمِّي أَبَان , وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسُبّهُ إِذَا ذُكِرَ , فَخَرَجَ إِلَى الشَّام فَرَجَعَ فَلَمْ يَسُبَّهُ , فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ , فَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِيَ رَاهِبًا فَأَخْبَرَهُ بِصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ , فَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ تَصْدِيقُهُ , فَلَمْ يَلْبَثَ أَنْ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَسْلَمَ \" فَإِنْ كَانَ هَذَا ثَابِتًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ خُرُوج أَبَان إِلَى الشَّام كَانَ قَبْل الْحُدَيْبِيَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ حُزُمَ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَزَايٍ مَضْمُومَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَلِيفٌ ) ‏ ‏بِلَامِ التَّأْكِيدِ , وَاللِّيفُ مَعْرُوف , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ اللِّيفُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ إِن بِغَيْرِ تَأْكِيدٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْتَ بِهَذَا ) ‏ ‏أَيْ وَأَنْتَ تَقُولُ بِهَذَا , أَوْ وَأَنْتَ بِهَذَا الْمَكَانِ وَالْمَنْزِلَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ كَوْنِك لَسْت مِنْ أَهْلِهِ وَلَا مِنْ قَوْمِهِ وَلَا مِنْ بِلَادِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَا وَبْرُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ دَابَّةٌ صَغِيرَة كَالسِّنَّوْرِ وَحْشِيَّة , وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِي عَنْ أَبِي حَاتِم أَنَّ بَعْض الْعَرَب يُسَمِّي كُلّ دَابَّةٍ مِنْ حَشَرَات الْجِبَالِ وَبْرًا , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَرَادَ أَبَانُ تَحْقِيرَ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي قَدْرِ مَنْ يُشِير بِعَطَاءٍ وَلَا مَنْعٍ , وَأَنَّهُ قَلِيل الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِتَالِ اِنْتَهَى. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ أَبِي الْحَسَن الْقَابِسِيّ أَنَّهُ قَالَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُلْصَق فِي قُرَيْش لِأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِاَلَّذِي يَعْلَقُ بِوَبَرِ الشَّاةِ مِنْ الشَّوْكِ وَغَيْرِهِ. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُون الرِّوَايَة \" وَبَرٌ \" بِالتَّحْرِيكِ. ‏ ‏قَالَ : وَلَمْ يُضْبَطْ إِلَّا بِالسُّكُونِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَحَدَّرَ ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى \" تَدَلَّى \" وَهِيَ بِمَعْنَاهَا , وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا , \" تَدَأْدَأَ \" بِمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا هَمْزَة سَاكِنَة , قِيلَ : أَصْلُهُ تَدَهْدَأْ فَأُبْدِلَتْ الْهَاء هَمْزَة , وَقِيلَ : الدَّأْدَأَةُ صَوْتُ الْحِجَارَةِ فِي الْمَسِيلِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيّ \" تَدَأْرَأْ \" بِرَاءِ بَدَل الدَّالِ الثَّانِيَة , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ \" تَرَدَّى \" وَهِيَ بِمَعْنَى تَحَدَّرَ وَتَدَلَّى , كَأَنَّهُ يَقُول : تَهَجَّمَ عَلَيْنَا بَغْتَة. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ رَأْسٍ ضَالٍّ ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِاللَّامِ , وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا بِالنُّونِ , وَقَدْ فَسَّرَ الْبُخَارِيّ فِي رِوَايَةالْمُسْتَمْلِيّ الضَّالُّ بِاللَّامِ فَقَالَ هُوَ السِّدْرُ الْبَرِّيُّ , وَكَذَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ إِنَّهُ السِّدْرُ الْبَرِّيُّ , وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ \" الضَّالُّ سِدْرَةُ الْبَرِّ \" وَتَقَدَّمَ كَلَامُ اِبْنِ دَقِيق الْعِيد فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِل الْجِهَادِ وَأَنَّهُ السِّدْرُ الْبَرِّيُّ , وَأَمَّا قَدُومُ فَبِفَتْحِ الْقَافِ لِلْأَكْثَرِ أَيْ طَرَف , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِي بِضَمِّ الْقَاف , وَأَمَّا الضَّانّ فَقِيلَ هُوَ رَأْسُ الْجَبَلِ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ مَوْضِع مَرْعى الْغَنَم , وَقِيلَ : هُوَ بِغَيْرِ هَمْزٍ , وَهُوَ جَبَل لِدَوْسٍ قَوْمِ أَبِي هُرَيْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3912",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَدِّي ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَانَ بْنَ سَعِيدٍ ‏ ‏أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا قَاتِلُ ‏ ‏ابْنِ قَوْقَلٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبَانُ ‏ ‏لِأَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَاعَجَبًا لَكَ وَبْرٌ ‏ ‏تَدَأْدَأَ ‏ ‏مِنْ قَدُومِ ضَأْنٍ يَنْعَى عَلَيَّ امْرَأً أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِيَدِي وَمَنَعَهُ أَنْ يُهِينَنِي بِيَدِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَنْعَى ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا عَيْن مُهْمَلَة مَفْتُوحَة أَيْ يَعِيب عَلَى , يُقَال نَعَى فُلَان عَلَى فُلَان أَمْرًا إِذَا عَابَهُ وَوَبَّخَهُ عَلَيْهِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ عَنْ حَامِد بْن يَحْيَى عَنْ سُفْيَان \" يُعَيِّرُنِي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنَعَهُ أَنْ يُهِنِّي ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ أَصْلُه يُهِيننِي فَأُدْغِمَتْ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الْأُخْرَى , وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ \" وَمَنَعَهُ أَنْ يُهِينَنِي بِيَدِهِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَقِيَّةُ شَرْحه فِي الْجِهَاد , قِيلَ : وَقَعَ فِي إِحْدَى الطَّرِيقَيْن مَا يَدْخُل فِيهِ قِسْم الْمَقْلُوب , فَإِنَّ فِي رِوَايَة أَبِي عُيَيْنَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ هُوَ السَّائِل أَنْ يَقْسِمَ لَهُ , وَأَنَّ أَبَانَ هُوَ الَّذِي أَشَارَ بِمَنْعِهِ. وَفِي رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيّ أَنَّ أَبَانَ هُوَ الَّذِي سَأَلَ , وَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ هُوَ الَّذِي أَشَارَ بِمَنْعِهِ , وَقَدْ رَجَّحَ الذُّهْلِيُّ رِوَايَة الزُّبَيْدِيّ. وَيُؤَيِّد ذَلِكَ وُقُوع التَّصْرِيح فِي رِوَايَته بِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَانُ أَجْلِس \" وَلَمْ يَقْسِم لَهُمْ , وَيُحْتَمَل أَنْ يُجْمَع بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُون كُلّ مِنْ أَبَانَ وَأَبِي هُرَيْرَة أَشَارَ أَنْ لَا يُقْسَم لِلْآخَرِ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة اِحْتَجَّ عَلَى أَبَانَ بِأَنَّهُ قَاتَلَ اِبْن قَوْقَلٍ , وَأَبَانُ اِحْتَجَّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ لَهُ فِي الْحَرْب يَد يَسْتَحِقّ بِهَا النَّفْل فَلَا يَكُون فِيهِ قَلْب , وَقَدْ سَلِمَتْ رِوَايَة السَّعِيدِيّ مِنْ هَذَا الِاخْتِلَاف , فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّض فِي حَدِيثه لِسُؤَالِ الْقِسْمَة أَصْلًا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3913",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏بِنْتَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْسَلَتْ إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِمَّا ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَيْهِ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏وَفَدَكٍ ‏ ‏وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي هَذَا الْمَالِ وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَبَى ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَنْ يَدْفَعَ إِلَى ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏مِنْهَا شَيْئًا فَوَجَدَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فِي ذَلِكَ فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏لَيْلًا وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏وَصَلَّى عَلَيْهَا وَكَانَ ‏ ‏لِعَلِيٍّ ‏ ‏مِنْ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ اسْتَنْكَرَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏وُجُوهَ النَّاسِ فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَمُبَايَعَتَهُ وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الْأَشْهُرَ فَأَرْسَلَ إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَنْ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لَا وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَمَا ‏ ‏عَسَيْتَهُمْ ‏ ‏أَنْ يَفْعَلُوا بِي وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَتَشَهَّدَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ وَلَمْ ‏ ‏نَنْفَسْ ‏ ‏عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَكِنَّكَ ‏ ‏اسْتَبْدَدْتَ ‏ ‏عَلَيْنَا بِالْأَمْرِ وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَصِيبًا حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَلَمَّا تَكَلَّمَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنْ الْخَيْرِ وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ فَلَمَّا صَلَّى ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَتَشَهَّدَ وَذَكَرَ شَأْنَ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَتَخَلُّفَهُ عَنْ الْبَيْعَةِ وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَعَظَّمَ حَقَّ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَحَدَّثَ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ ‏ ‏نَفَاسَةً ‏ ‏عَلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيبًا فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالُوا أَصَبْتَ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" إِنَّ فَاطِمَة أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْر تَسْأَلهُ مِيرَاثَهَا \" تَقَدَّمَ شَرْحه فِي فَرْضِ الْخُمُسِ , وَفِي هَذِهِ الطَّرِيقِ زِيَادَةٌ لَمْ تُذْكَر هُنَاكَ فَتُشْرَح. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَاشَتْ بَعْد النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي بَقَائِهَا بَعْدَهُ , وَرَوَى اِبْن سَعْد مِنْ وَجْهَيْنِ أَنَّهَا عَاشَتْ بَعْدَهُ ثَلَاثَة أَشْهُر وَنُقِلَ عَنْ الْوَاقِدِيِّ , وَأَنَّ سِتَّةَ أَشْهُر هُوَ الثَّبْتُ , وَقِيلَ : عَاشَتْ بَعْدَهُ سَبْعِينَ يَوْمًا , وَقِيلَ : ثَمَانِيَة أَشْهُر , وَقِيلَ : شَهْرَيْنِ جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَة أَيْضًا. وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إِلَى أَنَّ فِي قَوْله : \" وَعَاشَتْ إِلَخْ \" إِدْرَاجًا , وَذَلِك أَنَّهُ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الزُّهْرِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره \" قُلْت لِلزُّهْرِيِّ : كَمْ عَاشَتْ فَاطِمَة بَعْدَهُ : قَالَ : سِتَّة أَشْهُرٍ \" وَعَزَا هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِمُسْلِمٍ , وَلَمْ يَقَع عِنْدَ مُسْلِمٍ هَكَذَا بَلْ فِيهِ كَمَا عِنْدَ الْبُخَارِيّ مَوْصُولًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا , وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْر ) ‏ ‏رَوَى اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق عُمْرَة بِنْت عَبْد الرَّحْمَن أَنَّ الْعَبَّاس صَلَّى عَلَيْهَا , وَمِنْ عِدَّة طُرُقٍ أَنَّهَا دُفِنَتْ لَيْلًا , وَكَانَ ذَلِكَ بِوَصِيَّةٍ مِنْهَا لِإِرَادَةِ الزِّيَادَةِ فِي التَّسَتُّرِ , وَلَعَلَّهُ لَمْ يُعْلِمْ أَبَا بَكْر بِمَوْتِهَا لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَنْهُ , وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْر لَمْ يَعْلَم بِمَوْتِهَا وَلَا صَلَّى عَلَيْهَا , وَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث جَابِر فِي النَّهْي عَنْ الدَّفْنِ لَيْلًا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الِاخْتِيَارِ لِأَنَّهُ فِي بَعْضِهِ \" إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنْ النَّاسِ وَجْه حَيَاة فَاطِمَة ) ‏ ‏أَيْ كَانَ النَّاس يَحْتَرِمُونَهُ إِكْرَامًا لِفَاطِمَة , فَلَمَّا مَاتَتْ وَاسْتَمَرَّ عَلَى عَدَمِ الْحُضُورِ عِنْدَ أَبِي بَكْر قَصَرَ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ الِاحْتِرَامِ لِإِرَادَةِ دُخُولِهِ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ , وَلِذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ \" لَمَّا جَاءَ وَبَايَعَ كَانَ النَّاس قَرِيبًا إِلَيْهِ حِين رَاجَعَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ \" وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْذِرُونَهُ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ أَبِي بَكْر فِي مُدَّةِ حَيَاةِ فَاطِمَةَ لِشَغْلِهِ بِهَا وَتَمْرِيضِهَا وَتَسْلِيَتِهَا عَمَّا هِيَ فِيهِ مِنْ الْحُزْنِ عَلَى أَبِيهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهَا لَمَّا غَضِبَتْ مِنْ رَدِّ أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهَا فِيمَا سَأَلَتْهُ مِنْ الْمِيرَاثِ رَأَى عَلِيٌّ أَنْ يُوَافِقَهَا فِي الِانْقِطَاعِ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ اِسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ , فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ , وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِع تِلْكَ الْأَشْهُر ) ‏ ‏أَيْ فِي حَيَاةِ فَاطِمَةَ. قَالَ الْمَازِرِيّ : الْعُذْرُ لِعَلِيٍّ فِي تَخَلُّفِهِ مَعَ مَا اِعْتَذَرَ هُوَ بِهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي بَيْعَةِ الْإِمَامِ أَنْ يَقَع مِنْ أَهْل الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَلَا يَجِب الِاسْتِيعَاب , وَلَا يَلْزَم كُلّ أَحَدٍ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَهُ وَيَضَع يَدَهُ فِي يَدِهِ , بَلْ يَكْفِي اِلْتِزَامُ طَاعَتِهِ وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِأَنْ لَا يُخَالِفَهُ وَلَا يَشُقَّ الْعَصَا عَلَيْهِ , وَهَذَا كَانَ حَالُ عَلِيٍّ لَمْ يَقَع مِنْهُ إِلَّا التَّأَخُّرُ عَنْ الْحُضُورِ عِنْد أَبِي بَكْر , وَقَدْ ذَكَرْت سَبَبَ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( كَرَاهِيَةً لِيَحْضُر عُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ \" لِمَحْضَرِ عُمَر \" وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ مَا أَلِفُوهُ مِنْ قُوَّةِ عُمَرَ وَصَلَابَتِهِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ , , وَكَانَ أَبُو بَكْر رَقِيقًا لَيِّنًا , فَكَأَنَّهُمْ خَشَوا مِنْ حُضُورِ عُمَرَ كَثْرَةَ الْمُعَاتَبَةِ الَّتِي قَدْ تُفْضِي إِلَى خِلَافِ مَا قَصَدُوهُ مِنْ الْمُصَافَاةِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَدْخُل عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏أَيْ لِئَلَّا يَتْرُكُوا مِنْ تَعْظِيمك مَا يَجِب لَك. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا عَسَيْتهمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي ) ‏ ‏قَالَ اِبْن مَالِك : فِي هَذَا شَاهِد عَلَى صِحَّة تَضْمِين بَعْضِ الْأَفْعَالِ مَعْنَى فِعْل آخَر وَإِجْرَائِهِ مَجْرَاهُ فِي التَّعْدِيَةِ , فَإِنَّ عَسَيْت فِي هَذَا الْكَلَام بِمَعْنَى حَسِبْت وَأَجْرَيْت مَجْرَاهَا فَنَصَبْت ضَمِير الْغَائِبَيْنِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول ثَانٍ , وَكَانَ حَقّه أَنْ يَكُون عَارِيًا مِنْ \" أَنْ \" لَكِنْ جِيءَ بِهَا لِئَلَّا تَخْرُج \" عَسَى \" عَنْ مُقْتَضَاهَا بِالْكُلِّيَّةِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ \" أَنْ \" قَدْ تَسُدّ بِصِلَتِهَا مَسَدّ مَفْعُولَيْ حَسِبْت , فَلَا يُسْتَبْعَد مَجِيئُهَا بَعْد الْمَفْعُولِ الْأُولَى بَدَلًا مِنْهُ. قَالَ : وَيَجُوز حَمْل \" مَا عَسَيْتهمْ \" حَرْف خِطَاب وَالْهَاء وَالْمِيم اِسْم عَسَى , وَالتَّقْدِير مَا عَسَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي , وَهُوَ وَجْه حَسَن. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ نَنْفَس عَلَيْك خَيْرًا سَاقَهُ اللَّه إِلَيْك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاءِ مِنْ نَنْفَس أَيْ لَمْ نَحْسُدك عَلَى الْخِلَافَة , يُقَال نَفِسْت بِكَسْرِ الْفَاء أَنْفَسُ بِالْفَتْحِ نَفَاسَة , وَقَوْله : \" اِسْتَبْدَدْت \" فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" وَاسْتَبَدَّتْ \" بِدَال وَاحِدَة وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَأُسْقِطَتْ الثَّانِيَة تَخْفِيفًا كَقَوْلِهِ : ( فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ) أَصْلُهُ ظَلَلْتُمْ , أَيْ لَمْ تُشَاوِرنَا , وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الْخِلَافَةُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكُنَّا نُرَى ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَيَجُوز الْفَتْحُ. ‏ ‏قَوْله : ( لِقَرَابَتِنَا ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِ قَرَابَتنَا ‏ ‏( مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا ) ‏ ‏أَيْ لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى فَاضَتْ ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يَزَلْ عَلِيّ يَذْكُر رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْر مِنْ الرِّقَّةِ. ‏ ‏قَالَ الْمَازِرِيّ : وَلَعَلَّ عَلِيًّا أَشَارَ إِلَى أَنَّ أَبَا بَكْر اِسْتَبَدَّ عَلَيْهِ بِأُمُورِ عِظَام كَانَ مِثْله عَلَيْهِ أَنْ يَحْضُرهُ فِيهَا وَيُشَاوِرهُ , أَوْ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَشِرْهُ فِي عَقْد الْخِلَافَة لَهُ أَوَّلًا , وَالْعُذْر لِأَبِي بَكْر أَنَّهُ خَشِيَ مِنْ التَّأَخُّرِ عَنْ الْبَيْعَةِ الِاخْتِلَافُ لِمَا كَانَ وَقَعَ مِنْ الْأَنْصَار كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ السَّقِيفَةِ فَلَمْ يَنْتَظِرُوهُ. ‏ ‏قَوْله : ( شَجَر بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) ‏ ‏أَيْ وَقَعَ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَازُعِ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَال ) ‏ ‏أَيْ الَّتِي تَرَكَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ وَغَيْرِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ آلُ ) ‏ ‏أَيْ لَمْ أُقَصِّرْ. ‏ ‏قَوْله : ( مَوْعِدُك الْعَشِيَّةُ ) ‏ ‏بِالْفَتْحِ وَيَجُوزُ الضَّمُّ أَيْ بَعْدَ الزَّوَالِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَقِيَ الْمِنْبَرَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَافِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّة أَيْ عَلَا , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ رَآهُ فِي نُسْخَة بِفَتْحِ الْقَاف بَعْدَهَا أَلْف وَهُوَ تَحْرِيف. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَذَرَهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن وَالذَّال عَلَى أَنَّهُ فِعْل مَاضٍ , وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرّ بِضَمِّ الْعَيْن وَإِسْكَان الذَّال عَطْفًا عَلَى مَفْعُولِ وَذَكَرَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْر ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ \" وَذَكَرَ فَضِيلَتَهُ وَسَابِقِيَّتَهُ , ثُمَّ مَضَى إِلَى أَبِي بَكْر فَبَايَعَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا ) ‏ ‏أَيْ كَانَ وُدُّهُمْ لَهُ قَرِيبًا ‏ ‏( حِين رَاجَعَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ ) أَيْ ‏ ‏مِنْ الدُّخُول فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاس. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَنْ تَأَمَّلَ مَا دَار بَيْنَ أَبِي بَكْر وَعَلِيٍّ مِنْ الْمُعَاتَبَةِ وَمِنْ الِاعْتِذَارِ وَمَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ مِنْ الْإِنْصَافِ عَرَفَ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَعْتَرِفُ بِفَضْلِ الْآخَرِ , وَأَنَّ قُلُوبَهُمْ كَانَتْ مُتَّفِقَة عَلَى الِاحْتِرَام وَالْمَحَبَّة , وَإِنْ كَانَ الطَّبْع الْبَشَرِيّ قَدْ يَغْلِب أَحْيَانًا لَكِنَّ الدِّيَانَة تَرُدُّ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَقَدْ تَمَسَّك الرَّافِضَةُ بِتَأَخُّرِ عَلِيٍّ عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْر إِلَى أَنْ مَاتَتْ فَاطِمَة , وَهَذَيَانُهُمْ فِي ذَلِكَ مَشْهُور. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَا يَدْفَع فِي حُجَّتِهمْ , وَقَدْ صَحَّحَ اِبْن حِبَّانَ وَغَيْره مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ وَغَيْره أَنَّ عَلِيًّا بَايَعَ أَبَا بَكْر فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ , وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي مُسْلِم \" عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ لَمْ يُبَايِع عَلِيٌّ أَبَا بَكْر حَتَّى مَاتَتْ فَاطِمَة , قَالَ : لَا وَلَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِم \" فَقَدْ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يُسْنِدْهُ , وَأَنَّ الرِّوَايَةَ الْمَوْصُولَةَ عَنْ أَبِي سَعِيد أَصَحّ , وَجَمَعَ غَيْره بِأَنَّهُ بَايَعَهُ بَيْعَة ثَانِيَة مُؤَكِّدَة لِلْأُولَى لِإِزَالَةِ مَا كَانَ وَقَعَ بِسَبَبِ الْمِيرَاثِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَعَلَى هَذَا فَيُحْمَل قَوْل الزُّهْرِيِّ لَمْ يُبَايِعهُ عَلِيٌّ فِي تِلْكَ الْأَيَّام عَلَى إِرَادَة الْمُلَازَمَةِ لَهُ وَالْحُضُورِ عِنْدَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , فَإِنَّ فِي اِنْقِطَاع مِثْلِهِ عَنْ مِثْلِهِ مَا يُوهِمُ مَنْ لَا يَعْرِف بَاطِن الْأَمْر أَنَّهُ بِسَبَبِ عَدَمِ الرِّضَا بِخِلَافَتِهِ فَأَطْلَقَ مَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ , وَبِسَبَبِ ذَلِكَ أَظْهَر عَلِيٌّ الْمُبَايَعَةَ الَّتِي بَعْدَ مَوْتِ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ لِإِزَالَةِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3914",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَرَمِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُمَارَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا فُتِحَتْ ‏ ‏خَيْبَرُ ‏ ‏قُلْنَا الْآنَ نَشْبَعُ مِنْ التَّمْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي حَرَمِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة اِسْم بِلَفْظِ النَّسَب , وَهُوَ اِبْن عُمَارَة شَيْخ شَيْخه وَعُمَارَة هُوَ اِبْن أَبِي حَفْصَة وَعِكْرِمَة هُوَ مَوْلَى اِبْن عَبَّاس , وَلَيْسَ لِعِكْرِمَة عَنْ عَائِشَةَ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَآخَر سَبَقَ فِي الطَّهَارَةِ , وَثَالِث يَأْتِي فِي اللِّبَاسِ. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْنَا الْآنَ نَشْبَعُ مِنْ التَّمْرِ ) ‏ ‏أَيْ لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنْ النَّخِيلِ , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَبْل فَتْحِهَا فِي قِلَّةٍ مِنْ الْعَيْشِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3915",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُرَّةُ بْنُ حَبِيبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا شَبِعْنَا حَتَّى فَتَحْنَا ‏ ‏خَيْبَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحَسَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن الصَّبَاح الزَّعْفَرَانِيّ , وَقَعَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن , وَقَالَ الْكَلَابَاذِيّ : يُقَال إِنَّهُ الزَّعْفَرَانِيّ , وَأَمَّا الْحَاكِم فَقَالَ : هُوَ الْحَسَن بْن شُجَاع , يَعْنِي الْبَلْخِيّ أَحَدُ الْحُفَّاظِ , وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ الْبُخَارِيِّ , وَمَاتَ قَبْلَهُ بِاثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَة وَهُوَ شَابّ , وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الزُّمَرِ حَدِيث آخَر عَنْ الْحَسَنِ غَيْر مَنْسُوب فَقِيلَ أَيْضًا إِنَّهُ هُوَ , وَقُرَّةُ بْنُ حَبِيبٍ أَيْ أَبِي يَزِيد الْقَنَوِيّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ نِسْبَةٌ إِلَى بَيْعِ اِلْقَنَا وَهِيَ الرِّمَاحُ , وَكَذَا يُقَال لَهُ أَيْضًا الرِّمَاح , وَهُوَ قُشَيْرِيّ النَّسَبِ بَصْرِيّ , أَصْلُهُ مِنْ نَيْسَابُور , وَقَدْ لَقِيَهُ الْبُخَارِيّ وَحَدَّثَ عَنْهُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحِ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَمَاتَ سَنَة أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا شَبِعْنَا حَتَّى فَتْحَنَا خَيْبَرَ ) ‏ ‏يُؤَيِّدُ حَدِيثَ عَائِشَةَ الَّذِي قَبْلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3916",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏وَأَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَعْمَلَ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏عَلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَكُلُّ تَمْرِ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏هَكَذَا فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ فَقَالَ لَا تَفْعَلْ بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَجِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏وَأَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَاهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏أَخَا ‏ ‏بَنِي عَدِيٍّ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَأَمَّرَهُ عَلَيْهَا ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَجِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَأَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْسٍ , وَسَبَقَ الْحَدِيثُ وَشَرْحه فِي أَوَاخِرِ الْبُيُوعِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الدَّرَاوَرْدِيّ , وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو عَوَانَة وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الْمَجِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَهْل شَيْخ مَالِك فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُسَيِّب. ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة وَالدَّارَقُطْنِيّ \" سَوَاد بْن غَزِيَّة \" وَهُوَ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْن النَّجَّارِ , وَسَوَاد بِتَخْفِيفِ الْوَاو , وَشَذَّ السُّهَيْلِيُّ فَشَدَّدَهَا , وَلَعَلَّهُ اِعْتَمَدَ عَلَى بَعْض مَا فِي نُسَخِ الدَّارَقُطْنِيِّ سِوَار آخِره رَاء , لَكِنْ ذَكَرَ أَبُو عُمَر أَنَّهَا تَصْحِيف. وَرَوَى الْخَطِيب مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَعْمَلَ عَلَى خَيْبَرَ فُلَان اِبْن صَعْصَعَةَ فَلَعَلَّهَا قِصَّةٌ أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ عَبْد الْمَجِيد ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الَّذِي قَبْله , وَهُوَ عَنْ عَبْد الْعَزِيز الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ عَبْد الْمَجِيد , فَلِعَبْدِ الْمَجِيد فِيهِ شَيْخَانِ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3917",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَعْطَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ ‏ ‏شَطْرُ ‏ ‏مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3918",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا فُتِحَتْ ‏ ‏خَيْبَرُ ‏ ‏أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْمَقْبُرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَر أُهْدِيَت لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ سَبَقَ مُطَوَّلًا فِي أَوَاخِرِ الْجِزْيَةِ فَذَكَرَ هَذَا الطَّرَفَ وَزَادَ \" فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" اِجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَسَيَأْتِي شَرْح مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ فِي كِتَاب الطِّبّ. قَالَ أَبِي إِسْحَاق : لَمَّا اِطْمَأَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ أَهْدَتْ لَهُ زَيْنَب بِنْت الْحَارِث اِمْرَأَة سَلَّامِ بْن مُشْكِم شَاةً مَشْوِيَّةً , وَكَانَتْ سَأَلَتْ : أَيُّ عُضْو مِنْ الشَّاةِ أَحَبّ إِلَيْهِ ؟ قِيلَ لَهَا : الذِّرَاعُ , فَأَكْثَرَتْ فِيهَا مِنْ السُّمِّ , فَلَمَّا تَنَاوَلَ الذِّرَاعَ لَاكَ مِنْهَا مُضْغَة وَلَمْ يُسِغْهَا , وَأَكَلَ مَعَهُ بِشْرُ بْن الْبَرَاءِ فَأَسَاغَ لَقُمْته , فَذَكَرَ الْقِصَّة , وَأَنَّهُ صَفَحَ عَنْهَا , وَأَنَّ بِشْرَ بْنَ الْبَرَاءِ مَاتَ مِنْهَا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ \" أَنَّ اِمْرَأَةً مِنْ الْيَهُودِ أَهْدَتْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةً مَسْمُومَةً فَأَكَلَ , فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : أَمْسِكُوا فَإِنَّهَا مَسْمُومَة , وَقَالَ لَهَا : مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَتْ. أَرَدْت إِنْ كُنْت نَبِيًّا فَيُطْلِعُك اللَّهُ , وَإِنْ كُنْت كَاذِبًا فَأُرِيحَ النَّاسَ مِنْك , قَالَ فَمَا عَرَضَ لَهَا \" وَمِنْ طَرِيق أَبِي نَضْرَةَ عَنْ جَابِر نَحْوه فَقَالَ : \" فَلَمْ يُعَاقِبهَا \" وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب مِثْله وَزَادَ \" فَاحْتَجَمَ عَلَى الْكَاهِل \" قَالَ قَالَ الزُّهْرِيُّّ. \" فَأَسْلَمْت فَتَرَكَهَا \" قَالَ مَعْمَر : وَالنَّاس يَقُولُونَ قَتَلَهَا. ‏ ‏وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد عَنْ شَيْخِهِ الْوَاقِدِيِّ بِأَسَانِيدَ مُتَعَدِّدَة لَهُ هَذِهِ الْقِصَّة مُطَوَّلَة وَفِي آخِرِهِ \" قَالَ فَدَفَعَهَا إِلَى وُلَاةِ بِشْرِ بْن الْبَرَاء فَقَتَلُوهَا \" قَالَ الْوَاقِدِيُّ : وَهُوَ الثَّبْت. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ جَابِر نَحْو رِوَايَة مَعْمَر عَنْهُ , وَهَذَا مُنْقَطِع لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَع مِنْ جَابِر , وَمِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة نَحْوه مُرْسَلًا. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَصَلَهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ. يُحْتَمَل أَنْ يَكُون تَرَكَهَا أَوَّلًا ثُمَّ لَمَّا مَاتَ بِشْر بْن الْبَرَاءِ مِنْ الْأَكْلَةِ قَتَلَهَا , وَبِذَلِكَ أَجَابَ السُّهَيْلِيُّ وَزَادَ : أَنَّهُ كَانَ تَرَكَهَا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِم لِنَفْسِهِ , ثُمَّ قَتَلَهَا بِبَشَرٍ قِصَاصًا. ‏ ‏قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون تَرَكَهَا لِكَوْنِهَا أَسْلَمَتْ , وَإِنَّمَا أَخَّرَ قَتْلَهَا حَتَّى مَاتَ بِشْر لِأَنَّ بِمَوْتِهِ تَحَقَّقَ وُجُوب الْقِصَاص بِشَرْطِهِ. وَوَافَقَ مُوسَى بْن عُقْبَة عَلَى تَسْمِيَتِهَا زَيْنَب بِنْت الْحَارِث. وَأَخْرَجَ الْوَاقِدِيُّ بِسَنَدٍ لَهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : مَا حَمَلَك عَلَى مَا فَعَلْت ؟ قَالَتْ : قَتَلْت أَبِي وَعَمِّي وَزَوْجِي وَأَخِي \". قَالَ فَسَأَلْت إِبْرَاهِيمَ بْن جَعْفَر فَقَالَ : عَمّهَا يَسَار وَكَانَ مِنْ أَجْبَنِ النَّاسِ , وَهُوَ الَّذِي أُنْزِلَ مِنْ الرَّفِّ. وَأَخُوهَا زُبَيْر , وَزَوْجهَا سَلَّامُ بْن مُشْكِم. وَوَقَعَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ \" أُخْت مَرْحَب \" وَبِهِ جَزَمَ السُّهَيْلِيُّ. وَعِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ \" بِنْت أَخِي مَرْحَبٍ \" وَلَمْ يَنْفَرِد الزُّهْرِيُّ بِدَعْوَاهُ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ , فَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ فِي مَغَازِيهِ وَلَفْظُهُ بَعْد قَوْلِهَا وَإِنْ كُنْت كَاذِبًا أَرَحْت النَّاسَ مِنْك , وَقَدْ اِسْتَبَانَ لِي الْآن أَنَّك صَادِق , وَأَنَا أُشْهِدُك وَمَنْ حَضَرَ أَنِّي عَلَى دِينِك , وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله قَالَ فَانْصَرَفَ عَنْهَا حِين أَسْلَمَتْ. وَقَدْ اِشْتَمَلَتْ قِصَّة خَيْبَر عَلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ : مِنْهَا جَوَازُ قِتَالِ الْكُفَّارِ فِي أَشْهُرِ الْحُرُمِ , وَالْإِغَارَةُ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَة بِغَيْرِ إِنْذَارٍ , وَقِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ عَلَى السِّهَامِ , وَأَكْلُ الطَّعَامِ الَّذِي يُصَابُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَدَّخِرَهُ وَلَا يُحَوِّلَهُ , وَأَنَّ مَدَدَ الْجَيْشِ إِذَا حَضَرَ بَعْد اِنْقِضَاءِ الْحَرْبِ يُسْهَمُ لَهُ إِنْ رَضِيَ الْجَمَاعَةُ كَمَا وَقَعَ لِجَعْفَرٍ وَالْأَشْعَرِيِّينَ , وَلَا يُسْهَمُ لَهُمْ إِذَا لَمْ يَرْضَوْا كَمَا وَقَعَ لِأَبَانَ بْن سَعِيد وَأَصْحَابه , وَبِذَلِكَ يُجْمَع بَيْن الْأَخْبَار. وَمِنْهَا تَحْرِيم لُحُوم الْحُمْر الْأَهْلِيَّة , وَأَنَّ مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه لَا يَطْهُر بِالذَّكَاةِ , وَتَحْرِيم مُتْعَة النِّسَاء , وَجَوَاز الْمُسَاقَاة وَالْمُزَارَعَة , وَيَثْبُت عَقْد الصُّلْح وَالتَّوَثُّق مِنْ أَرْبَاب التُّهَم , وَأَنَّ مَنْ خَالَفَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ مَا شَرَطَ عَلَيْهِ اِنْتَقَضَ عَهْده وَهُدِرَ دَمه , وَأَنَّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَة قَبْل الْقِسْمَةِ لَمْ يَمْلِكْهُ وَلَوْ كَانَ دُونَ حَقِّهِ , وَأَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّر فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ بَيْن قِسْمَتِهَا وَتَرْكِهَا , وَجَوَاز إِجْلَاء أَهْل الذِّمَّة إِذَا اِسْتَغْنَى عَنْهُمْ , وَجَوَاز الْبِنَاء بِالْأَهْلِ بِالسَّفَرِ , وَالْأَكْل مِنْ طَعَام أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَبُولِ هَدِيَّتِهِمْ , وَقَدْ ذَكَرْت غَالِب هَذِهِ الْأَحْكَامِ فِي أَبْوَابِهَا , وَاَللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3919",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏عَلَى قَوْمٍ فَطَعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَالَ ‏ ‏إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ خَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي بَعْثِ أُسَامَة , سَيَأْتِي شَرْحه فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : \" فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ \" وَسَيَأْتِي قَرِيبًا بَعْد غَزْو مُؤْتَة حَدِيث أَبِي عَاصِم عَنْ يَزِيد بْن أَبِي عُبَيْد عَنْ سَلَمَة بْن الْأَكْوَع قَالَ : \" غَزَوْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْع غَزَوَات , وَغَزَوْت مَعَ اِبْن حَارِثَةَ , اِسْتَعْمَلَهُ عَلَيْنَا \" هَكَذَا ذَكَره مُبْهَمًا , وَرَوَاهُ أَبُو مُسْلِم الْكَجِّيّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بِلَفْظِ \" وَغَزَوْت مَعَ زَيْد بْن حَارِثَة سَبْع غَزَوَات يُؤَمِّرُهُ عَلَيْنَا \" وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي مُسْلِم بِهَذَا اللَّفْظ وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَجِ \" عَنْ أَبِي شُعَيْب الْحَرَّانِيّ عَنْ أَبِي عَاصِم كَذَلِكَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُق عَنْ أَبِي عَاصِم. وَقَدْ تَتَبَّعْت مَا ذَكَرَهُ أَهْل الْمَغَازِي مِنْ سَرَايَا زَيْد بْن حَارِثَة فَبَلَغَتْ سَبْعًا كَمَا قَالَهُ سَلَمَة , وَإِنْ كَانَ بَعْضهمْ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرُهُ بَعْض , فَأَوَّلهَا : فِي جُمَادَى الْأَخِيرَةِ سَنَة خَمْس قِبَل نَجْد فِي مِائَة رَاكِب , وَالثَّانِيَة : فِي رَبِيع الْآخَرِ سَنَة سِتّ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ , وَالثَّالِثَة : فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْهَا فِي مِائَةٍ وَسَبْعِينَ فَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشِ وَأَسَرُوا أَبَا الْعَاصِ بْن الرَّبِيع , وَالرَّابِعَة : فِي جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا إِلَى بَنِي ثَعْلَبَة , وَالْخَامِسَة : إِلَى حُسْمَى بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ مَقْصُور فِي خَمْسمِائَة إِلَى أُنَاسٍ مِنْ بَنِي جُذَام بِطَرِيقِ الشَّامِ كَانُوا قَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَى دِحْيَةَ وَهُوَ رَاجِع مِنْ عِنْدِ هِرَقْل , وَالسَّادِسَة : إِلَى وَادِي الْقُرَى , وَالسَّابِعَة : إِلَى نَاس مِنْ بَنِي فَزَارَة , وَكَانَ خَرَجَ قَبْلَهَا فِي تِجَارَةٍ فَخَرَجَ عَلَيْهِ نَاس مِنْ بَنِي فَزَارَةَ فَأَخَذُوا مَا مَعَهُ وَضَرَبُوهُ فَجَهَّزَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَأَوْقَعَ بِهِمْ وَقَتَلَ أُمّ قِرْفَةَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءَ وَهِيَ فَاطِمَة بِنْت رَبِيعَة بْن بَدْر زَوْج مَالِك بْن حُذَيْفَة بْن بَدْر عَمّ عُيَيْنَةَ بْن حِصْن بْن حُذَيْفَة وَكَانَتْ مُعَظَّمَة فِيهِمْ , فَيُقَال رَبَطَهَا فِي ذَنَب فَرَسَيْنِ وَأَجْرَاهُمَا فَتَقَطَّعَتْ , وَأَسَرَ بِنْتَهَا وَكَانَتْ جَمِيلَة , وَلَعَلَّ هَذِهِ الْأَخِيرَة مُرَاد الْمُصَنِّف , وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم طَرَفًا مِنْهَا مِنْ حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع ‏"
    },
    {
        "id": "3920",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَأَبَى ‏ ‏أَهْلُ مَكَّةَ ‏ ‏أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ كَتَبُوا هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ قَالُوا لَا نُقِرُّ لَكَ بِهَذَا لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا مَنَعْنَاكَ شَيْئًا وَلَكِنْ أَنْتَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏امْحُ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏لَا وَاللَّهِ لَا أَمْحُوكَ أَبَدًا فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْكِتَابَ ‏ ‏وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ ‏ ‏فَكَتَبَ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏لَا يُدْخِلُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏السِّلَاحَ إِلَّا السَّيْفَ فِي الْقِرَابِ وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ وَأَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا فَلَمَّا دَخَلَهَا وَمَضَى الْأَجَلُ أَتَوْا ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏فَقَالُوا قُلْ لِصَاحِبِكَ اخْرُجْ عَنَّا فَقَدْ مَضَى الْأَجَلُ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَبِعَتْهُ ‏ ‏ابْنَةُ ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏تُنَادِي يَا عَمِّ يَا عَمِّ فَتَنَاوَلَهَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَالَ ‏ ‏لِفَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ حَمَلَتْهَا فَاخْتَصَمَ فِيهَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏وَزَيْدٌ ‏ ‏وَجَعْفَرٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏أَنَا أَخَذْتُهَا وَهِيَ بِنْتُ عَمِّي وَقَالَ ‏ ‏جَعْفَرٌ ‏ ‏ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي وَقَالَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏ابْنَةُ أَخِي فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِخَالَتِهَا وَقَالَ الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ وَقَالَ ‏ ‏لِعَلِيٍّ ‏ ‏أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ وَقَالَ ‏ ‏لِجَعْفَرٍ ‏ ‏أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي وَقَالَ ‏ ‏لِزَيْدٍ ‏ ‏أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا وَقَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏أَلَا تَتَزَوَّجُ بِنْتَ ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْبَرَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" سَمِعْت الْبَرَاء \" أَخْرَجَهَا فِي الصُّلْح. ‏ ‏قَوْله : ( اِعْتَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِي الْقَعْدَة ) ‏ ‏أَيْ سَنَة سِتٍّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَدَعُوهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ يَتْرُكُوهُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيم بِهَا ثَلَاثَة أَيَّام ) أَيْ مِنْ الْعَام الْمُقْبِل , وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر بَعْده , وَتَقَدَّمَ سَبَب هَذِهِ الْمُقَاضَاة فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْمِسْوَر فِي الشُّرُوط مُسْتَوْفًى. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا كُتِبَ الْكِتَاب ) ‏ ‏كَذَا هُوَ بِضَمِّ الْكَاف مِنْ كُتِبَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ , وَلِلْأَكْثَرِ كَتَبُوا بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَتَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ مِنْ طَرِيق يُوسُف بْن أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي إِسْحَاق بِلَفْظِ \" فَأَخَذَ يَكْتُب بَيْنَهُمْ الشَّرْطَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب \" وَفِي رِوَايَة شُعْبَة \" كَتَبَ عَلِيّ بَيْنهمْ كِتَابًا \" وَفِي حَدِيث الْمِسْوَر \" قَالَ فَدَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَاتِب فَقَالَ : اُكْتُبْ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم , فَقَالَ سُهَيْل. أَمَّا الرَّحْمَن فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ , وَلَكِنْ اُكْتُبْ بِاسْمِك اللَّهُمَّ كَمَا كُنْت تَكْتُب , فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ لَا نَكْتُبهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" اُكْتُبْ بِاسْمِك اللَّهُمَّ \" وَنَحْوه فِي حَدِيث أَنَس بِاخْتِصَارِ وَلَفْظه \" أَنَّ قُرَيْشًا صَالَحُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ سُهَيْل بْن عَمْرو , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ : اُكْتُبْ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم , فَقَالَ سُهَيْل : مَا نَدْرِي مَا بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم , وَلَكِنْ اُكْتُبْ مَا نَعْرِف : بِاسْمِك اللَّهُمَّ \" وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّلٍ \" فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُكْتُبْ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم , فَأَمْسَكَ سُهَيْل بِيَدِهِ فَقَالَ : اُكْتُبْ فِي قَضِيَّتِنَا مَا نَعْرِف , فَقَالَ : اُكْتُبْ بِاسْمِك اللَّهُمَّ , فَكَتَبَ \". ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا ) ‏ ‏إِشَارَة إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا قَاضَى ) ‏ ‏خَبَر مُفَسِّر لَهُ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" هَذَا مَا قَاضَانَا \" وَهُوَ غَلَط , وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى قَوْله \" اُكْتُبُوا \" ظَنَّ بِأَنَّ الْمُرَاد قُرَيْش , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَاد الْمُسْلِمُونَ , وَنِسْبَة ذَلِكَ إِلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ الْكَاتِب وَاحِدًا مَجَازِيَّة , وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل الْمَذْكُور \" فَكَتَبَ هَذَا مَا صَالَحَ مُحَمَّد رَسُول اللَّه أَهْل مَكَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالُوا لَا نُقِرّ لَك بِهَذَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الصُّلْحِ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِهِ بِلَفْظِ \" فَقَالُوا لَا نُقِرّ بِهَا \" أَيْ بِالنُّبُوَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ نَعْلَم أَنَّك رَسُول اللَّه مَا مَنَعْنَاك شَيْئًا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة يُوسُف \" وَلَبَايَعْنَاك \" وَعِنْد النَّسَائِيِّ عَنْ أَحْمَد بْن سُلَيْمَان عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" مَا مَنَعْنَاك بَيْتَهُ \" وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" لَوْ كُنْت رَسُول اللَّه لَمْ نُقَاتِلك \" وَفِي حَدِيث أَنَس \" لَاتَّبَعْنَاك \" وَفِي حَدِيث الْمِسْوَر \" فَقَالَ سُهَيْل بْن عَمْرو : وَاَللَّه لَوْ كُنَّا نَعْلَم أَنَّك رَسُول اللَّه مَا صَدَدْنَاك عَنْ الْبَيْت وَلَا قَاتَلْنَاك \" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ فِي الْمَغَازِي \" فَقَالَ سُهَيْل : ظَلَمْنَاك إِنْ أَقْرَرْنَا لَك بِهَا وَمَنَعْنَاك \" وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّه بْن مُغَفَّل \" لَقَدْ ظَلَمْنَاك إِنْ كُنْت رَسُولًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة يُوسُف وَكَذَا حَدِيث الْمِسْوَر \" وَلَكِنْ اُكْتُبْ \" وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي إِسْحَاق عِنْد مُسْلِم , وَفِي حَدِيث أَنَس وَكَذَا فِي مُرْسَل عُرْوَة \" وَلَكِنْ اُكْتُبْ اِسْمك وَاسْم أَبِيك \" زَادَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّل \" فَقَالَ : اُكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْمُطَّلِبِ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ : اُمْحُ رَسُولَ اللَّهِ ) ‏ ‏أَيْ اُمْحُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمَكْتُوبَةِ مِنْ الْكِتَابِ , فَقَالَ : لَا وَاَللَّه لَا أَمْحُوك أَبَدًا \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَلْقَمَة بْن قِيسَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ \" كُنْت كَاتِبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة فَكَتَبْت : هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول اللَّه , فَقَالَ سُهَيْل : لَوْ عِلْمنَا أَنَّهُ رَسُول اللَّه مَا قَاتَلْنَاهُ , اُمْحُهَا. فَقُلْت : هُوَ وَاَللَّه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ رَغِمَ أَنْفك , لَا وَاَللَّه لَا أَمْحُوهَا \" وَكَأَنَّ عَلِيًّا فَهِمَ أَنَّ أَمْرَهُ لَهُ بِذَلِكَ لَيْسَ مُتَحَتِّمًا , فَلِذَلِكَ اِمْتَنَعَ مِنْ اِمْتِثَالِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُوسُف بَعْد \" فَقَالَ لِعَلِيٍّ : اُمْحُ رَسُولَ اللَّهِ , فَقَالَ : لَا وَاَللَّه لَا أَمْحَاهُ أَبَدًا. قَالَ : فَأَرَنِيهِ , فَأَرَاهُ إِيَّاهُ فَمَحَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة زَكَرِيَّا عِنْد مُسْلِم وَفِي حَدِيث عَلِيٍّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَزَادَ \" وَقَالَ : أَمَا إِنَّ لَك مِثْلَهَا , وَسَتَأْتِيهَا وَأَنْت مُضْطَرّ \" يُشِير صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَا وَقَعَ لِعَلِيٍّ يَوْمَ الْحُكْمَيْنِ فَكَانَ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِتَاب وَلَيْسَ يُحْسِن يَكْتُب , فَكَتَبَ : هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي الصُّلْح عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى بِهَذَا الْإِسْنَاد وَلَيْسَتْ فِيهِ هَذِهِ اللَّفْظَة \" لَيْسَ يُحْسِن يَكْتُب \" وَلِهَذَا أَنْكَرَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى أَبِي مَسْعُود نِسْبَتهَا إِلَى تَخْرِيجِ الْبُخَارِيّ وَقَالَ : لَيْسَ فِي الْبُخَارِيّ هَذِهِ اللَّفْظَة وَلَا فِي مُسْلِم , وَهُوَ كَمَا قَالَ عَنْ مُسْلِم فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق بِلَفْظِ \" فَأَرَاهُ مَكَانَهَا فَمَحَاهَا وَكَتَبَ : \" اِبْن عَبْد اللَّه \" اِنْتَهَى وَقَدْ عَرَفْت ثُبُوتهَا فِي الْبُخَارِيّ فِي مَظِنَّة الْحَدِيث , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ عَنْ أَحْمَد بْن سُلَيْمَان عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى مِثْل مَا هُنَا سَوَاء , وَكَذَا أَخْرَجَهَا أَحْمَد عَنْ حُجَيْنِ بْن الْمَثْنَى عَنْ إِسْرَائِيل وَلَفْظه \" فَأَخَذَ الْكِتَاب - وَلَيْسَ يُحْسِن أَنْ يَكْتُب - فَكَتَبَ مَكَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه \" وَقَدْ تَمَسّك بِظَاهِرِ هَذِهِ الرِّوَايَة أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ فَادَّعَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَتَبَ بِيَدِهِ بَعْد أَنْ لَمْ يَكُنْ يُحْسِن يَكْتُب , فَشَنَّعَ عَلَيْهِ عُلَمَاء الْأَنْدَلُس فِي زَمَانه وَرَمَوْهُ بِالزَّنْدَقَةِ , وَأَنَّ الَّذِي قَالَهُ يُخَالِف الْقُرْآن حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ : ‏ ‏بَرِئْت مِمَّنْ شَرَى دُنْيَا بِآخِرَةٍ ‏ ‏وَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَتَبَا ‏ ‏فَجَمَعَهُمْ الْأَمِير فَاسْتَظْهَرَ الْبَاجِيّ عَلَيْهِمْ بِمَا لَدَيْهِ مِنْ الْمَعْرِفَة وَقَالَ لِلْأَمِيرِ : هَذَا لَا يُنَافِي الْقُرْآن , بَلْ يُؤْخَذ مِنْ مَفْهُوم الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ قَيَّدَ النَّفْيَ بِمَا قِيلَ وُرُودِ الْقُرْآنِ فَقَالَ. ( وَمَا كُنْت تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِك ) وَبَعْدَ أَنْ تَحَقَّقَتْ أُمِّيَّتُهُ وَتَقَرَّرَتْ بِذَلِكَ مُعْجِزَتُهُ وَأُمِنَ الِارْتِيَابُ فِي ذَلِكَ لَا مَانِع مِنْ أَنْ يَعْرِفَ الْكِتَابَةَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمٍ فَتَكُونُ مُعْجِزَةً أُخْرَى. وَذَكَرَ اِبْن دِحْيَةَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاء وَافَقُوا الْبَاجِيّ فِي ذَلِكَ , مِنْهُمْ شَيْخه أَبُو ذَرّ الْهَرَوِيُّ وَأَبُو الْفَتْح النَّيْسَابُورِيّ وَآخَرُونَ مِنْ عُلَمَاء إِفْرِيقِيَةَ وَغَيْرهَا , وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ لِذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَعُمَر بْن شَبَّة مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ عَوْن بْن عَبْد اللَّه قَالَ : \" مَا مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَتَبَ وَقَرَأَ \" قَالَ مُجَاهِد : فَذَكَرْته لِلشَّعْبِيِّ فَقَالَ : صَدَقَ قَدْ سَمِعْت مَنْ يَذْكُر ذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيق يُونُس بْن مَيْسَرَةَ عَلَى أَبِي كَبْشَةَ السَّلُوليِّ عَنْ سَهْل بْن الْحَنْظَلِيَّةِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مُعَاوِيَةَ أَنْ يَكْتُبَ لِلْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةَ , فَقَالَ عُيَيْنَةُ : أَتَرَانِي أَذْهَب بِصَحِيفَةِ الْمُتَلَمِّس ؟ فَأَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيفَة فَنَظَرَ فِيهَا فَقَالَ : قَدْ كَتَبَ لَك بِمَا أُمِرَ لَك \" قَالَ يُونُس فَنَرَى أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ بَعْدَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ. قَالَ عِيَاض : وَرَدَتْ آثَار تَدُلُّ عَلَى مَعْرِفَةِ حُرُوفِ الْخَطِّ وَحُسْنِ تَصْوِيرِهَا كَقَوْلِهِ لِكَاتِبِهِ : \" ضَعْ الْقَلَمَ عَلَى أُذُنِك فَإِنَّهُ أَذْكَرُ لَك \" وَقَوْله لِمُعَاوِيَةِ : \" أَلْقِ الدَّوَاةَ وَحَرْف الْقَلَم وَأَقِمْ الْبَاء وَفَرِّقْ السِّين وَلَا تَعْوِرْ الْمِيمَ \" وَقَوْله : \" لَا تَمُدّ بِسْمِ اللَّهِ \" قَالَ : وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَثْبُت أَنَّهُ كَتَبَ فَلَا يَبْعُد أَنْ يُرْزَق عِلْمَ وَضْعِ الْكِتَابَةِ , فَإِنَّهُ أُوتِيَ عِلْم كُلِّ شَيْءٍ. وَأَجَابَ الْجُمْهُور بِضَعْفِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ. وَعَنْ قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ بِأَنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة وَالْكَاتِب فِيهَا عَلِيّ وَقَدْ صَرَّحَ فِي حَدِيث الْمِسْوَر بِأَنَّ عَلِيًّا هُوَ الَّذِي كَتَبَ , فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ النُّكْتَةَ فِي قَوْله : \" فَأَخَذَ الْكِتَاب وَلَيْسَ يُحْسِن يَكْتُب \" لِبَيَانِ أَنَّ قَوْله : \" أَرِنِي إِيَّاهَا \" أَنَّهُ مَا اِحْتَاجَ إِلَى أَنْ يُرِيَهُ مَوْضِعَ الْكَلِمَةِ الَّتِي اِمْتَنَعَ عَلِيٌّ مِنْ مَحْوِهَا إِلَّا لِكَوْنِهِ كَانَ لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ , وَعَلَى أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ \" فَكَتَبَ \" فِيهِ حَذْف تَقْدِيرُهُ فَمَحَاهَا فَأَعَادَهَا لِعَلِيٍّ فَكَتَبَ. وَبِهَذَا جَزَمَ اِبْن التِّين وَأَطْلَقَ كَتَبَ بِمَعْنَى أَمَرَ بِالْكِتَابَةِ , وَهُوَ كَثِير كَقَوْلِهِ : كَتَبَ إِلَى قَيْصَر وَكَتَبَ إِلَى كِسْرَى , وَعَلَى تَقْدِير حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كِتَابَةِ اِسْمِهِ الشَّرِيفِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ أَنْ يَصِيرَ عَالِمًا بِالْكِتَابَةِ وَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ أُمِّيًّا , فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ لَا يُحْسِن الْكِتَابَةَ يَعْرِف تَصَوُّرَ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ وَيُحْسِنُ وَضْعَهَا وَخُصُوصًا الْأَسْمَاء , وَلَا يَخْرُج بِذَلِكَ عَنْ كَوْنه أُمِّيًّا كَكَثِيرٍ مِنْ الْمُلُوكِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَرَتْ يَدُهُ بِالْكِتَابَةِ حِينَئِذٍ وَهُوَ لَا يُحْسِنُهَا فَخَرَجَ الْمَكْتُوبُ عَلَى وَفْقِ الْمُرَادِ فَيَكُون مُعْجِزَة أُخْرَى فِي ذَلِكَ الْوَقْت خَاصَّة , وَلَا يَخْرُج بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ أُمِّيًّا. وَبِهَذَا أَجَابَ أَبُو جَعْفَر السِمْنَانِيّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ مِنْ الْأَشَاعِرَةِ وَتَبِعَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ , وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْره بِأَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا وَيَكُونُ آيَة أُخْرَى لَكِنَّهُ يُنَاقِض كَوْنَهُ أُمِّيًّا لَا يَكْتُب , وَهِيَ الْآيَة الَّتِي قَامَتْ بِهَا الْحُجَّة وَأُفْحِمَ الْجَاحِد وَانْحَسَمَتْ الشُّبْهَة. فَلَوْ جَازَ أَنْ يَصِير يَكْتُب بَعْد ذَلِكَ لَعَادَتْ الشُّبْهَة. وَقَالَ الْمُعَانِد : كَانَ يُحْسِن يَكْتُب لَكِنَّهُ كَانَ يَكْتُم ذَلِكَ , قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَالْمُعْجِزَات يَسْتَحِيل أَنْ يَدْفَع بَعْضهَا بَعْضًا , وَالْحَقّ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : \" فَكَتَبَ \" أَيْ أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَكْتُبَ اِنْتَهَى. وَفِي دَعْوَى أَنَّ كِتَابَة اِسْمِهِ الشَّرِيفِ فَقَطْ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ تَسْتَلْزِمُ مُنَاقَضَة الْمُعْجِزَةِ وَتُثْبِتُ كَوْنه غَيْرَ أُمِّيٍّ نَظَر كَبِير , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَدْخُل ) ‏ ‏هَذَا تَفْسِير لِلْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا السَّيْف فِي الْقِرَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" فَكَانَ فِيمَا اِشْتَرَطُوا أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ فَيُقِيمُوا بِهَا ثَلَاثًا وَلَا يَدْخُلهَا بِسِلَاحِ \" وَنَحْوه لِزَكَرِيَّا عَنْ أَبِي إِسْحَاق عِنْد مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِلَخْ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَنَس \" قَالَ عَلِيّ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَكْتُب هَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا دَخَلَهَا ) ‏ ‏أَيْ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَضَى الْأَجَل ) ‏ ‏أَيْ الْأَيَّام الثَّلَاثَة. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَمَّا مَضَى أَيْ قَرُبَ مُضِيّه , وَيَتَعَيَّن الْحَمْل عَلَيْهِ لِئَلَّا يَلْزَم الْخُلْفُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَوْا عَلِيًّا فَقَالُوا : قُلْ لِصَاحِبِك اُخْرُجْ عَنَّا فَقَدْ مَضَى الْأَجْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُوسُف \" فَقَالُوا : مُرْ صَاحِبَك فَلْيَرْتَحِلْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ يُوسُف \" فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلِيّ فَقَالَ : نَعَمْ فَارْتَحَلَ \" وَفِي مَغَازِي أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة \" فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الرَّابِع جَاءَهُ سُهَيْل بْن عَمْرو وَحُوَيْطِبُ بْن عَبْد الْعُزَّى فَقَالَا : نَنْشُدك اللَّه وَالْعَهْدَ إِلَّا مَا خَرَجْت مِنْ أَرْضِنَا , فَرَدَّ عَلَيْهِ سَعْد بْن عُبَادَةَ , فَأَسْكَتَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآذَن بِالرَّحِيلِ \" وَأَخْرَجَ الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرِك \" مِنْ حَدِيث مَيْمُونَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَأَتَاهُ حُوَيْطِبُ بْن عَبْد الْعُزَّى \" وَكَأَنَّهُ فِي أَوَائِلِ النَّهَارِ فَلَمْ يَكْمُل الثَّلَاث إِلَّا فِي مِثْل ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ النَّهَارِ الرَّابِع الَّذِي دَخَلَ فِيهِ بِالتَّلْفِيقِ , وَكَانَ مَجِيئُهُمْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ قُرْبَ مَجِيءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَبِعَتْهُ اِبْنَة حَمْزَة ) هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى مَعْطُوفًا عَلَى إِسْنَاد الْقِصَّة الَّتِي قَبْلَهُ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَحْمَد بْن سُلَيْمَان عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , وَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن مَسْعُود عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى بِتَمَامِهِ , وَادَّعَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ فِيهِ إِدْرَاجًا لِأَنَّ زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق مُتَّصِلًا , وَأَخْرَجَ مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ الْقِصَّةَ الْأُولَى مِنْ طَرِيقه عَنْ أَبِي إِسْحَاق مِنْ حَدِيث عَلِيٍّ , وَهَكَذَا رَوَاهُ أَسْوَد بْن عَامِر عَنْ إِسْرَائِيل أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيقه لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَكَذَا رَوَى عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى أَيْضًا قِصَّة بِنْت حَمْزَة مِنْ حَدِيث عَلِيٍّ. قُلْت : هُوَ كَذَلِكَ عِنْد اِبْن حِبَّانَ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ , وَكَذَا رَوَاهُ الْهَيْثَم بْن كُلَيْب فِي مُسْنَدِهِ عَنْ الْحَسَنِ بْن عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى بِأَتَمّ مِنْ سِيَاق اِبْن حِبَّانَ , وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ إِسْرَائِيل قِصَّة بِنْت حَمْزَةَ خَاصَّة مِنْ حَدِيث عَلِيٍّ بِلَفْظِ \" لَمَّا خَرَجْنَا مِنْ مَكَّة تَبِعَتْنَا بِنْت حَمْزَةَ \" الْحَدِيث. وَكَذَا أَخْرَجَهَا أَحْمَد عَنْ حَجَّاجِ بْن مُحَمَّد وَيَحْيَى بْن آدَم جَمِيعًا عَنْ إِسْرَائِيل. قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنْ لَا إِدْرَاجَ فِيهِ , وَأَنَّ الْحَدِيث كَانَ عِنْد إِسْرَائِيل وَكَذَا عِنْدَ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى عَنْهُ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا , لَكِنَّهُ فِي الْقِصَّة الْأُولَى مِنْ حَدِيث الْبَرَاءِ أَتَمَّ , وَبِالْقِصَّةِ الثَّانِيَة مِنْ حَدِيث عَلِيّ أَتَمّ , وَبَيَان ذَلِكَ أَنَّ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي رِوَايَة زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ. \" أَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ , فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث قَالُوا لِعَلِيٍّ : إِنَّ هَذَا آخِرَ يَوْمٍ مِنْ شَرْطِ صَاحِبِك , فَمُرْهُ فَلْيَخْرُجْ. فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ : نَعَمْ , فَخَرَجَ \". ‏ ‏قَالَ أَبُو إِسْحَاق. فَحَدَّثَنِي هَانِئُ بْنُ هَانِئٍ وَهُبَيْرَةُ فَذَكَرَ حَدِيث عَلِيّ فِي قِصَّة بِنْت حَمْزَة أَتَمَّ مِمَّا وَقَعَ فِي حَدِيث هَذَا الْبَاب عَنْ الْبَرَاء , وَسَيَأْتِي إِيضَاح ذَلِكَ عِنْد شَرْحِهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَكَذَا أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ أَبِي بَكْرَة بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى قِصَّة بِنْت حَمْزَة مِنْ حَدِيث الْبَرَاء , فَوَضَح أَنَّهُ عِنْد عُبَيْد اللَّهِ بْنِ مُوسَى ثُمَّ عِنْد أَبِي بِكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا , وَكَذَا أَخْرَجَ اِبْن سَعْد عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لِجَعْفَر أَشْبَهْت خَلْقِي وَخُلُقِي ) ‏ ‏. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْنَة حَمْزَة ) ‏ ‏اِسْمهَا عُمَارَة وَقِيلَ فَاطِمَة وَقِيلَ أُمَامَةُ وَقِيلَ أَمَة اللَّه وَقِيلَ سَلْمَى , وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور. وَذَكَرَ الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" وَأَبُو سَعِيد فِي \" شَرَف الْمُصْطَفَى \" مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَخِي بَيْن حَمْزَةَ وَزَيْد بْن حَارِثَة , وَأَنَّ عُمَارَة بِنْت حَمْزَة كَانَتْ مَعَ أُمِّهَا بِمَكَّةَ. ‏ ‏قَوْله : ( تُنَادِي يَا عَمّ ) ‏ ‏كَأَنَّهَا خَاطَبَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ إِجْلَالًا لَهُ , وَإِلَّا فَهُوَ اِبْن عَمِّهَا , أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَوْنِ حَمْزَةَ وَإِنْ كَانَ عَمّه مِنْ النَّسَبِ فَهُوَ أَخُوهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ , وَقَدْ أَقَرَّهَا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لِفَاطِمَة بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" دُونَك اِبْنَة عَمّك \" وَفِي دِيوَان حِسَان بْن ثَابِت لِأَبِي سَعِيد السُّكَّرِيّ أَنَّ عَلِيًّا هُوَ الَّذِي قَالَ لِفَاطِمَةَ وَلَفْظه \" فَأَخَذَ عَلِيٌّ أُمَامَةَ فَدَفَعَهَا إِلَى فَاطِمَةَ \" وَذَكَرَ أَنَّ مُخَاصَمَة عَلِيّ وَجَعْفَر وَزَيْد إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ بَعْد أَنْ وَصَلُوا إِلَى مَرِّ الظَّهْرَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( دُونك ) ‏ ‏هِيَ كَلِمَة مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ تَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِأَخْذِ الشَّيْءِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَمَلْتهَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي وَكَأَنَّ الْفَاء سَقَطَتْ. قُلْت : وَقَدْ ثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ الْبُخَارِيّ , وَكَذَا لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْن جَعْفَر عَنْ إِسْرَائِيل , وَكَذَا لِأَحْمَد فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِي \" حَمِّلِيهَا \" بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ وَبِالتَّحْتَانِيَّةِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ , وَلِلكُشْمِيهَنيّ فِي الصُّلْحِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ \" اِحْمِلِيهَا \" بِأَلِفٍ بَدَل التَّشْدِيدِ , وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ \" فَقَالَ عَلِيٌّ لِفَاطِمَةَ وَهِيَ فِي هَوْدَجِهَا : أَمْسِكِيهَا عِنْدَك \" وَعِنْدَ اِبْن سَعْد مِنْ مُرْسَل مُحَمَّدِ بْن عَلِيِّ بْن الْحُسَيْن الْبَاقِر بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ \" بَيْنَمَا بِنْت حَمْزَةَ تَطُوفُ فِي الرِّحَالِ إِذْ أَخَذَ عَلِيّ بِيَدِهَا فَأَلْقَاهَا إِلَى فَاطِمَةَ فِي هَوْدَجِهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَجَعْفَر ) ‏ ‏أَيْ أَخُوهُ ( وَزَيْد بْن حَارِثَة ) أَيْ فِي أَيِّهِمْ تَكُون عِنْدَهُ , وَكَانَتْ خُصُومَتُهُمْ فِي ذَلِكَ بَعْد أَنْ قَدِمُوا الْمَدِينَة , ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَدِيث عَلِيٍّ عِنْد أَحْمَد وَالْحَاكِم. وَفِي الْمَغَازِي لِأَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ الْمَدِينَة كَلَّمَهُ فِيهَا زَيْد بْن حَارِثَة وَكَانَ وَصِيّ حَمْزَة وَأَخَاهُ \" وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنَّ الْمُخَاصَمَة إِنَّمَا وَقَعَتْ بِالْمَدِينَةِ , فَلَعَلَّ زَيْدًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ وَوَقَعَتْ الْمُنَازَعَة بَعْدُ , وَوَقَعَ فِي مَغَازِي سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ \" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَجَعَ إِلَى رَحْلِهِ وَجَدَ بِنْتَ حَمْزَةَ فَقَالَ لَهَا : مَا أَخْرَجَك ؟ قَالَتْ : رَجُل مِنْ أَهْلِك , وَلَمْ يَكُنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهَا \". وَفِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" أَنَّ زَيْد بْن حَارِثَةَ أَخْرَجَهَا مِنْ مَكَّةَ \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور \" فَقَالَ لَهُ عَلِيّ : كَيْف تَتْرُك اِبْنَةَ عَمِّك مُقِيمَةً بَيْنَ ظَهَرَانِي الْمُشْرِكِينَ \" ؟ وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ أُمَّهَا إِمَّا لَمْ تَكُنْ أَسْلَمَتْ فَإِنَّ فِي حَدِيثِ اِبْن عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ أَنَّهَا سَلْمَى بِنْت عُمَيْسٍ وَهِيَ مَعْدُودَة فِي الصَّحَابَة , وَإِمَّا أَنْ تَكُون مَاتَتْ إِنْ لَمْ يَثْبُت حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَإِنَّمَا أَقَرَّهُمْ عَلَى أَخْذِهَا مَعَ اِشْتِرَاطِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ لَا يَخْرُج بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا أَرَادَ الْخُرُوجَ , لِأَنَّهُمْ لَمْ يَطْلُبُوهَا , وَأَيْضًا فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشُّرُوطِ وَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ النِّسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي ذَلِكَ , لَكِنْ إِنَّمَا نَزَلَ الْقُرْآنُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ السُّكَّرِيِّ أَنَّ فَاطِمَةَ قَالَتْ لِعَلِيٍّ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آلَى أَنْ لَا يُصِيبَ مِنْهُمْ أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ , فَقَالَ لَهَا عَلِيّ : إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُمْ إِنَّمَا هِيَ مِنَّا. ‏ ‏قَوْله : ( فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ إِلَخْ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ سَعْدٍ \" حَتَّى اِرْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ فَأَيْقَظُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَوْمِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عَلِيّ أَنَا أَخْرَجْتهَا وَهِيَ بِنْتُ عَمِّي ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" وَعِنْدِي اِبْنَة رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ أَحَقُّ بِهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَخَالَتُهَا تَحْتِيّ ) ‏ ‏أَيْ زَوْجَتِي. وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ عِنْدِيِّ وَاسْم خَالَتهَا أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ وَصَرَّحَ بِاسْمِهَا فِي حَدِيث عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ , وَكَانَ لِكُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ فِيهَا شُبْهَة : أَمَّا زَيْد فَلِلْأُخُوَّةِ الَّتِي ذَكَرْتهَا وَلِكَوْنِهِ بَدَأَ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ مَكَّة , وَأَمَّا عَلِيّ فَلِأَنَّهُ اِبْن عَمِّهَا وَحَمَلَهَا مَعَ زَوْجَتِهِ وَأَمَّا جَعْفَر فَلِكَوْنِهِ اِبْن عَمِّهَا وَخَالَتهَا عِنْده فَيَتَرَجَّح جَانِب جَعْفَر بِاجْتِمَاعِ قَرَابَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنْهَا دُون الْآخَرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ زَيْد بِنْت أَخِي ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ إِنَّمَا خَرَجْت إِلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَضَى بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَالَتِهَا ) ‏ ‏فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعْفَر أَوْلَى بِهَا. وَفِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَأَحْمَد أَمَّا الْجَارِيَة فَلَا قَضَى بِهَا لِجَعْفَرِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي سَعِيد السُّكَّرِيِّ : اِدْفَعَاهَا إِلَى جَعْفَرَ فَإِنَّهُ أَوْسَعُ مِنْكُمْ. وَهَذَا سَبَبٌ ثَالِثٌ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ : الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ ) ‏ ‏أَيْ فِي هَذَا الْحُكْمِ الْخَاصِّ لِأَنَّهَا تَقْرُبُ مِنْهَا فِي الْحُنُوِّ وَالشَّفَقَةِ وَالِاهْتِدَاءِ إِلَى مَا يُصْلِحُ الْوَلَدَ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاق , فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَالَةَ تَرِثُ لِأَنَّ الْأُمَّ تَرِثُ , وَفِي حَدِيث عَلِيّ وَفِي مُرْسَل الْبَاقِر \" الْخَالَة وَالِدَة , وَإِنَّمَا الْخَالَة أُمّ \" وَهِيَ بِمَعْنَى قَوْله بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ لَا أَنَّهَا أُمٌّ حَقِيقِيَّةٌ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْخَالَةَ فِي الْحَضَانَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْعَمَّةِ لِأَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَتْ مَوْجُودَة حِينَئِذٍ , وَإِذَا قُدِّمَتْ عَلَى الْعَمَّة مَعَ كَوْنِهَا أَقْرَب الْعَصِبَاتِ مِنْ النِّسَاءِ فَهِيَ مُقَدَّمَة عَلَى غَيْرِهَا , وَيُؤْخَذ مِنْهُ تَقْدِيمُ أَقَارِبِ الْأُمِّ عَلَى أَقَارِبِ الْأَبِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَة أَنَّ الْعَمَّةَ مُقَدَّمَة فِي الْحَضَانَةِ عَلَى الْخَالَةِ , وَأُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِأَنَّ الْعَمَّةَ لَمْ تَطْلُب , فَإِنْ قِيلَ : وَالْخَالَة لَمْ تَطْلُب , قِيلَ : قَدْ طَلَبَ لَهَا زَوْجهَا , فَكَمَا أَنَّ لِلْقَرِيبِ الْمَحْضُونَ أَنْ يَمْنَعَ الْحَاضِنَةَ إِذَا تَزَوَّجَتْ فَلِلزَّوْجِ أَيْضًا أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ أَخْذِهِ , فَإِذَا وَقَعَ الرِّضَا سَقَطَ الْحَرَج. وَفِيهِ مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا تَعْظِيم صِلَة الرَّحِمِ بِحَيْثُ تَقَع الْمُخَاصَمَةُ بَيْنَ الْكِبَارِ فِي التَّوَصُّلِ إِلَيْهَا , وَأَنَّ الْحَاكِمَ يُبَيِّنُ دَلِيلَ الْحُكْمِ لِلْخَصْمِ , وَأَنَّ الْخَصْمَ يُدْلِي بِحُجَّتِهِ , وَأَنَّ الْحَاضِنَةَ إِذَا تَزَوَّجَتْ بِقَرِيبِ الْمَحْضُونَةِ لَا تَسْقُطْ حَضَانَتُهَا إِذَا كَانَتْ الْمَحْضُونَةُ أُنْثَى أَخْذًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَهُ أَحْمَد , وَعَنْهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأُنْثَى وَالذَّكَرِ , وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَحْرَمًا لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَأْمُونًا , وَأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا تُشْتَهى , وَلَا تَسْقُط إِلَّا إِذَا تَزَوَّجَتْ بِأَجْنَبِيٍّ , وَالْمَعْرُوفُ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ اِشْتِرَاطُ كَوْنِ الزَّوْجِ جَدًّا لَلْمَحْضُونَ. وَأَجَابُوا عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِأَنَّ الْعَمَّةَ لَمْ يَطْلُب وَأَنَّ الزَّوْجَ رَضِيَ بِإِقَامَتِهَا عِنْدَهُ , وَكُلُّ مَنْ طَلَبَتْ حَضَانَتهَا لَهَا كَانَتْ مُتَزَوِّجَة فَرَجَّحَ جَانِبَ جَعْفَر بِكَوْنِهِ تَزَوَّجَ الْخَالَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لِعَلِيٍّ : أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْك ) ‏ ‏أَيْ فِي النَّسَبِ وَالصِّهْرِ وَالْمُسَابَقَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَزَايَا , وَلَمْ يُرِدْ مَحْضَ الْقَرَابَةِ وَإِلَّا فَجَعْفَر شَرِيكُهُ فِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لِجَعْفَرِ أَشْبَهْت خَلْقِي وَخُلُقِي ) بِفَتْحِ الْخَاء الْأُولَى وَضَمَّ الثَّانِيَة , فِي مُرْسَل اِبْن سِيرِينَ عِنْد اِبْن سَعْد \" أَشْبَهَ خَلْقَك خَلْقِي , وَخُلُقك خُلُقِي \" وَهِيَ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِجَعْفَرٍ , أَمَّا الْخَلْق فَالْمُرَاد بِهِ الصُّورَةُ فَقَدْ شَارَكَهُ فِيهَا جَمَاعَة مِمَّنْ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ ذَكَرْت أَسْمَاءَهُمْ فِي مَنَاقِبِ الْحَسَنِ وَأَنَّهُمْ عَشْرَةُ أَنْفُسٍ غَيْر فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام , وَقَدْ كُنْت نَظَمْت إِذْ ذَاكَ بَيْتَيْنِ فِي ذَلِكَ وَوَقَفْت بَعْد ذَلِكَ فِي حَدِيث أَنَس عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيم وَلَد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُشْبِههُ , وَكَذَا فِي قِصَّةِ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب أَنَّ وَلَدَيْهِ عَبْد اللَّه وَعَوْنًا كَانَا يُشْبِهَانِهِ فَغَيَّرْت الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِالزِّيَادَةِ فَأَصْلَحَتْهُمَا هُنَاكَ , وَرَأَيْت إِعَادَتَهُمَا هُنَا لِيَكْتُبهُمَا مَنْ لَمْ يَكُنْ كَتَبَهُمَا إِذْ ذَاكَ : ‏ ‏شَبَهُ النَّبِيِّ ليج سَائِب وَأَبِي ‏ ‏سُفْيَان وَالْحَسَنَيْنِ الْخَال أُمّهمَا ‏ ‏وَجَعْفَر وَلَدَاهُ وَابْن عَامِرهمْ ‏ ‏وَمُسْلِم كَابِس يَتْلُوهُ مَعَ قثما ‏ ‏وَوَقَعَ فِي تَرَاجِمِ الرِّجَالِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ مِمَّنْ كَانَ يُشْبِهُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْر هَؤُلَاءِ عِدَّة : مِنْهُمْ إِبْرَاهِيم بْن الْحَسَن بْن الْحَسَنِ بْنِ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , وَيَحْيَى بْن الْقَاسِم بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ وَكَانَ يُقَال لَهُ الشَّبِيه , وَالْقَاسِم بْن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَقِيل بْن أَبِي طَالِب , وَعَلِيّ بْن عَلِيّ بْن عَبَّاد بْن رِفَاعَة الرِّفَاعِيّ شَيْخ بَصْرِيّ مِنْ أَتْبَاع التَّابِعِينَ , ذَكَرَ اِبْن سَعْد عَنْ عَفَّانَ قَالَ : كَانَ يُشْبِه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنَّمَا لَمْ أُدْخِل هَؤُلَاءِ فِي النَّظْمِ لِبُعْدِ عَهْدِهِمْ عَنْ عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاقْتَصَرْت عَلَى مَنْ أَدْرَكَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا شَبَهُهُ فِي الْخُلُقِ بِالضَّمِّ فَخُصُوصِيَّةُ جَعْفَرٍ إِلَّا أَنْ يُقَال إِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ حَصَلَ لِفَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَام , فَإِنَّ فِي حَدِيث عَائِشَة مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَلَكِنْ لَيْسَ بِصَرِيحٍ كَمَا فِي قِصَّةِ جَعْفَرٍ هَذِهِ. وَهِيَ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِجَعْفَرٍ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( وَإِنَّك لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ). ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لِزَيْدِ : أَنْتَ أَخُونَا ) ‏ ‏أَيْ فِي الْإِيمَانِ ‏ ‏( وَمَوْلَانَا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ جِهَة أَنَّهُ أَعْتَقَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ , فَوَقَعَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطْيِيبُ خَوَاطِرِ الْجَمِيعِ وَإِنْ كَانَ قَضَى لِجَعْفَرٍ فَقَدْ بَيَّنَ وَجْهَ ذَلِكَ. ‏ ‏وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَقْضِيَّ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ الْخَالَةُ وَجَعْفَر تَبَع لَهَا لِأَنَّهُ كَانَ الْقَائِم فِي الطَّلَب لَهَا , وَفِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد أَحْمَد وَكَذَا فِي مُرْسَل الْبَاقِر \" فَقَامَ جَعْفَر فَحَجَل حَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَار عَلَيْهِ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : شَيْءٌ رَأَيْت الْحَبَشَة يَصْنَعُونَهُ بِمُلُوكِهِمْ \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّجَاشِيَّ كَانَ إِذَا رَضَّى أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ قَامَ فَحَجَلَ حَوْلَهُ \" وَحَجِلَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ وَقَفَ عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَة وَهُوَ الرَّقْص بِهَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ فَعَلُوا ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَلِيٌّ ) ‏ ‏أَيْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏( أَلَّا تَتَزَوَّج بِنْت حَمْزَة ؟ قَالَ : إِنَّهَا بِنْت أَخِي ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الرَّضَاعَةِ. هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَوَّلًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ \" فَقَالَ عَلِيّ إِلَخْ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ السُّكَّرِيِّ \" فَدَفَعْنَاهَا إِلَى جَعْفَرَ فَلَمْ تَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى قُتِلَ , فَأَوْصَى بِهَا جَعْفَر إِلَى عَلِيٍّ فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ حَتَّى بَلَغَتْ , فَعَرَضَهَا عَلِيٌّ عَلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَقَالَ : هِيَ اِبْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالرَّضَاعَةِ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3921",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُرَيْجٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَحَالَ كُفَّارُ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏بَيْنَهُ وَبَيْنَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏فَنَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ ‏ ‏بِالْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏وَقَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يَعْتَمِرَ الْعَامَ الْمُقْبِلَ وَلَا يَحْمِلَ سِلَاحًا عَلَيْهِمْ إِلَّا سُيُوفًا وَلَا يُقِيمَ بِهَا إِلَّا مَا أَحَبُّوا فَاعْتَمَرَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَدَخَلَهَا كَمَا كَانَ صَالَحَهُمْ فَلَمَّا أَنْ أَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا أَمَرُوهُ أَنْ يَخْرُجَ فَخَرَجَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد هُوَ اِبْن رَافِع ) ‏ ‏هَذَا الْبَعْض رَوَاهُ الْفَرْبَرِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن رَافِع \" وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي الصُّلْحِ مَجْزُومًا بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِجَمِيعِهِمْ , وَسَاقَهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظِهِ وَهُنَا عَلَى لَفْظِ رَفِيقِهِ. وَسَرِيح هُوَ اِبْن النُّعْمَان وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ , وَقَدْ يُحَدِّثُ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏يَعْنِي الْمَعْرُوف بِابْنِ إِْشَكَاب يُكَنَّى أَبَا جَعْفَر وَأَبُوهُ الْحُسَيْن بْن إِبْرَاهِيم بْن الْحَسَن الْعَامِرِيّ يُكَنَّى أَبَا عَلِيّ , خُرَاسَانِيّ سَكَنَ بَغْدَاد وَطَلَب الْحَدِيث وَلَزِمَ أَبَا يُوسُف , وَقَدْ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيّ فَإِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ سِتَّ عَشَرَة وَمِائَتَيْنِ , وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِأَبِيهِ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْحُدَيْبِيَةِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ فِي الشُّرُوطِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا سُيُوفًا ) ‏ ‏يَعْنِي فِي غِمْدِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يُقِيم بِهَا إِلَّا مَا أَحَبُّوا ) ‏ ‏بَيَّنَ فِي حَدِيث الْبَرَاء أَنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى ثَلَاثِ أَيَّامٍ , وَقَالَ اِبْن التِّين قَوْله : \" ثَلَاثَة أَيَّام \" يُخَالِف قَوْله : \" إِلَّا مَا أَحَبُّوا \" فَيُجْمَع بِأَنْ مَحَبَّتَهُمْ لَمَّا كَانَتْ ثَلَاثَة أَيَّام أَفْصَحَ بِهَا الرَّاوِي مُعَبِّرًا عَمَّا آلَ إِلَيْهِ الْحَالُ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. قُلْت : بَلْ قَوْله : \" مَا أَحَبُّوا \" مُجْمَلٌ بَيَّنَتْهُ رِوَايَة ثَلَاثَة أَيَّام بِدَلِيلِ مَا سَأَذْكُرُهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا أَنْ أَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا أَمَرُوهُ أَنْ يَخْرُج فَخَرَجَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي حَدِيث الْبَرَاء , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء عِنْد مُسْلِم \" فَقَالُوا لِعَلِيٍّ : هَذَا آخِرُ يَوْمٍ مِنْ شَرْطِ صَاحِبِك , فَمُرْهُ أَنْ يَخْرُجَ , فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَخَرَجَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3922",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ أَنَا ‏ ‏وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏الْمَسْجِدَ فَإِذَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَمْ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ أَرْبَعًا ثُمَّ سَمِعْنَا اسْتِنَانَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ ‏ ‏أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ فَقَالَتْ مَا اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عُمْرَةً إِلَّا وَهُوَ شَاهِدُهُ وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْعُمْرَةِ , وَفِيهِ قِصَّته مَعَ عَائِشَةَ وَإِنْكَارهَا عَلَيْهِ أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِعْتَمَرَ فِي رَجَب , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَبْوَاب الْعُمْرَة , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" أَلَا تَسْمَعِينَ \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ , وَنَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ رِوَايَة \" أَلَا تَسْمَعِي \" بِغَيْرِ نُونٍ وَهِيَ لَغِيَّةٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "3923",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَمَّا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَتَرْنَاهُ مِنْ غِلْمَانِ الْمُشْرِكِينَ وَمِنْهُمْ أَنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْن أَبِي خَالِد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ \" عَنْ سُفْيَان حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد \". ‏ ‏قَوْله : ( سَتَرْنَاهُ مِنْ غِلْمَانِ الْمُشْرِكِينَ وَمِنْهُمْ أَنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ خَشِيَةِ أَنْ يُؤْذُوهُ , كَذَا قَالَهُ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه عَنْ سُفْيَان بِهَذَا اللَّفْظ , وَقَالَهُ اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان بِلَفْظِ \" لَمَّا قِدَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة طَافَ بِالْبَيْتِ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ , فَكُنَّا نَسْتُرُهُ مِنْ السُّفَهَاءِ وَالصِّبْيَانِ مَخَافَةَ أَنْ يُؤْذُوهُ \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَأَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْن أَبِي إِسْرَائِيلَ عَنْ سُفْيَانَ بِلَفْظِ \" وَكُنَّا نَسْتُرهُ مِنْ صِبْيَانِ أَهْلِ مَكَّةَ لَا يُؤْذُونَهُ \" أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ كَذَلِكَ , وَتَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاق قَالَ : \" اِعْتَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعْتَمَرْنَا مَعَهُ , فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ فَطُفْنَا مَعَهُ , وَأَتَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ وَأَتَيْنَاهُمَا مَعَهُ \" أَيْ سَعْوًا , قَالَ : \" وَكُنَّا نَسْتُرُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَرْمِيَهُ أَحَدٌ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3924",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ رَسُولُ اللَّه ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَفْدٌ وَهَنَهُمْ حُمَّى ‏ ‏يَثْرِبَ ‏ ‏وَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏ابْنُ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِعَامِهِ الَّذِي اسْتَأْمَنَ قَالَ ارْمُلُوا لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ قُوَّتَهُمْ وَالْمُشْرِكُونَ مِنْ قِبَلِ ‏ ‏قُعَيْقِعَانَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس , تَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَدِ وَالْمَتْنِ فِي أَبْوَابِ الطَّوَاف مِنْ كِتَاب الْحَجّ فِي \" بَاب بَدْء الرَّمَلِ \" وَشَرَحْت بَعْضَ أَلْفَاظِهِ وَحُكْمَ الرَّمَل هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَفْدٌ ) ‏ ‏أَيْ قَوْم وَزْنًا وَمَعْنَى , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن \" وَقَدْ \" بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَهُوَ خَطَأٌ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهَنَتْهُمْ ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِهَا أَيْ أَضْعَفَتْهُمْ , وَيَثْرِب اِسْم الْمَدِينَة النَّبَوِيَّةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ , وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ , وَإِنَّمَا ذَكَرَ اِبْن عَبَّاس ذَلِكَ حِكَايَة : لِكَلَامِ الْمُشْرِكِينَ وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَأَطْلَعَهُ اللَّه عَلَى مَا قَالُوا \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا الْإِبْقَاء عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة بَعْدَهَا الْقَاف وَالْمَدّ أَيْ الرِّفْق بِهِمْ وَالْإِشْفَاق عَلَيْهِمْ , وَالْمَعْنَى لَمْ يَمْنَعهُ مِنْ أَمْرِهِمْ بِالرَّمَلِ فِي جَمِيعِ الطَّوْفَاتِ إِلَّا الرِّفْق بِهِمْ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : رَوَيْنَا قَوْله : \" إِلَّا الْإِبْقَاء عَلَيْهِمْ \" بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِل يَمْنَعهُ , وَبِالنَّصَبِ عَلَى أَنْ يَكُون مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ وَيَكُون فِي يَمْنَعهُ ضَمِير عَائِد عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فَاعِلُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْ يَمْشُوا بَيْن الرُّكْنَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ الْيَمَانِيَيْنِ , وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ \" وَكَانُوا إِذَا تَوَارَوْا عَنْ قُرَيْش بَيْن الرُّكْنَيْنِ مَشَوْا , وَإِذَا طَلَعُوا عَلَيْهِمْ رَمَلُوا \" وَسَيَأْتِي فِي الَّذِي بَعْدَهُ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا مِنْ قِبَلِ قَيْقُعَانَ وَهُوَ يُشْرِفُ عَلَى الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ , وَمَنْ كَانَ بِهِ لَا يَرَى مَنْ بَيْن الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي آخِرِهِ \" فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ. هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى وَهَنَتْهُمْ , لَهَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ اِبْن سَلَمَة ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا , وَوَقَعَ عِنْد النَّسَفِيّ عَقِبَ الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ بِهِ أَلْيَق , وَابْن سَلَمَة هُوَ حَمَّاد , وَقَدْ شَارَكَ حَمَّاد بْن زَيْد فِي رِوَايَته لَهُ عَنْ أَيُّوب وَزَادَ عَلَيْهِ تَعْيِينَ مَكَانِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ قَيْقُعَانَ , وَطَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة هَذِهِ وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ نَحْوه وَزَادَ فِي آخِره \" فَلَمَّا رَمَلُوا قَالَ الْمُشْرِكُونَ : مَا وَهَنَتْهُمْ \" وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخِ وَزَادَ اِبْن مَسْلَمَةَ \" بِزِيَادَةِ مِيم فِي أَوَّلِهِ وَهُوَ غَلَط. ‏"
    },
    {
        "id": "3925",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا سَعَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَبَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَّامِ , وَعَمْرو هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا سَعَى بِالْبَيْتِ ) ‏ ‏أَيْ رَمَلَ. ‏ ‏قَوْله : ( لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ قُوَّتَهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ سَبَبُهُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3926",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏وَهُوَ مُحْرِمٌ وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَمَاتَتْ ‏ ‏بِسَرِفَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏ابْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏وَأَبَانُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏وَمُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ اِبْن إِسْحَاق إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول فِي السِّيرَة , وَزَادَ فِي آخِره \" وَكَانَ الَّذِي زَوَّجَهَا مِنْهُ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِبِ \" وَلِابْنِ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ اِبْن إِسْحَاق بِلَفْظِ \" تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِث فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ - يَعْنِي عُمْرَةَ الْقَضَاءِ - وَهُوَ حَرَامٌ وَكَانَ الَّذِي زَوَّجَهُ إِيَّاهَا الْعَبَّاس \" وَنَحْوه لِلنَّسَائِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْن عَبَّاسٍ , وَفِي مَغَازِي أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة \" بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِب إِلَى مَيْمُونَةَ لِيَخْطُبَهَا لَهُ فَجَعَلَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْعَبَّاسِ , وَكَانَتْ أُخْتهَا أُمّ الْفَضْلِ تَحْتَهُ , فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا , فَبَنَى بِهَا بِسَرِفٍ , وَقَدَّرَ اللَّه أَنَّهَا مَاتَتْ بَعْد ذَلِكَ بِسَرِفٍ , وَكَانَتْ قَبْلَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْت أَبِي رُهْمِ بْن عَبْد الْعُزَّى , وَقِيلَ : تَحْت أَخِيهِ حُوَيْطِب , وَقِيلَ : سَخْبَرَةَ بْن أَبِي رُهْمٍ , وَأُمّهَا هِنْد بِنْت عَوْف الْهِلَالِيَّةُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3927",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي هِلَالٍ ‏ ‏قَالَ وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى ‏ ‏جَعْفَرٍ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ وَهُوَ قَتِيلٌ فَعَدَدْتُ بِهِ خَمْسِينَ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي دُبُرِهِ ‏ ‏يَعْنِي فِي ظَهْرِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن صَالِح , بَيَّنَهُ أَبُو عَلِيّ بْن شَبُّويَة عَنْ الْفَرْبَرِيّ , وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث , وَابْن أَبِي هِلَال هُوَ سَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَأَخْبَرَنِي نَافِع ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوف , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ قَوْله : \" أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى جَعْفَر يَوْمئِذٍ \" وَلَمْ يَتَقَدَّم لِغَزْوَةِ مُوتَةَ إِشَارَة وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الشُّرَّاحِ , وَقَدْ تَتَبَّعْت ذَلِكَ حَتَّى فَتَحَ اللَّه بِمَعْرِفَةِ الْمُرَادِ فَوَجَدْت فِي أَوَّلِ \" بَابَ جَامِعِ الشَّهَادَتَيْنِ \" مِنْ السُّنَنِ لِسَعِيدِ بْن مَنْصُورِ قَالَ : \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عُمَر بْن الْحَارِث عَنْ سَعِيدِ بْن أَبِي هِلَال أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ اِبْن رَوَاحَةَ - فَذَكَرَ شِعْرًا لَهُ - قَالَ. فَلَمَّا اِلْتَقَوْا أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْد بْن حَارِثَة فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ , ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَر فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ , ثُمَّ أَخَذَهَا اِبْن رَوَاحَةَ فَحَادَ حَيْدَة فَقَالَ : ‏ ‏أَقْسَمْت يَا نَفْس لَتَنْزِلِنَّهْ ‏ ‏كَارِهَة أَوْ لَتُطَاوِعِنَّهْ ‏ ‏مَا لِي أَرَاك تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْ ‏ ‏ثُمَّ نَزَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ , فَأَخَذَ خَالِد بْن الْوَلِيد الرَّايَة وَرَجَعَ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَى حَمِيَّةٍ , وَرَمَى وَاقِد بْن عَبْد اللَّه التَّيْمِيُّ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى رَدَّهُمْ اللَّه , قَالَ اِبْن أَبِي هِلَال \" وَأَخْبَرَنِي نَافِع - فَذَكَرَ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَزَادَ فِي آخِرِهِ - قَالَ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال : وَبَلَغَنِي أَنَّهُمْ دَفَنُوا يَوْمئِذٍ زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْن رَوَاحَةَ فِي حُفْرَةٍ وَاحِدَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَعَدَدْت بِهِ خَمْسِينَ بَيْن طَعْنَة وَضَرْبَة ) ‏ ‏رَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ أَبِي مَعْشَر عَنْ نَافِع مِثْله , وَقَالَ اِبْن سَعْد عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي مَعْشَر \" تِسْعِينَ \" وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَةِ \" وَوَجَدْنَا فِي جَسَدِهِ بِضْعَة وَتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةِ وَرَمْيَةٍ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيقِ الْعَمْرِيِّ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ \" بِضْع وَتِسْعُونَ \" وَظَاهِرهمَا التَّخَالُف , وَيُجْمَع بِأَنَّ الْعَدَدَ قَدْ لَا يَكُون لَهُ مَفْهُوم , أَوْ بِأَنَّ الرِّيَادَة بِاعْتِبَارِ مَا وُجِدَ فِيهِ مِنْ رَمْيِ السِّهَامِ , فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى , أَوْ الْخَمْسِينَ مُقَيَّدَة بِكَوْنِهَا لَيْسَ فِيهَا شَيْء فِي دُبُرِهِ أَيْ فِي ظَهْرِهِ. فَقَدْ يَكُونُ الْبَاقِي فِي بَقِيَّةِ جَسَدِهِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَلَّى دُبُرَهُ , وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الرَّمْيَ إِنَّمَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ قَفَاهُ أَوْ جَانِبَيْهِ , وَلَكِنْ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْعَمْرِيِّ عَنْ نَافِعٍ \" فَوَجَدْنَا ذَلِكَ فِيمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ \" بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْعَدَدَ بِضْع وَتِسْعُونَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ الْبُخَارِيّ بِلَفْظِ \" بِضْعًا وَتِسْعِينَ أَوْ بِضْعًا وَسَبْعِينَ \" بِالشَّكِّ , لَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيّ , وَفِي قَوْله : \" لَيْسَ شَيْء مِنْهَا فِي دُبُرِهِ \" بَيَان فَرْطِ شَجَاعَتِهِ وَإِقْدَامِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ مِنْهَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنيّ \" لَيْسَ فِيهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "3928",
        "content": "‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏مُؤْتَةَ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنْ قُتِلَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏فَجَعْفَرٌ ‏ ‏وَإِنْ قُتِلَ ‏ ‏جَعْفَرٌ ‏ ‏فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏كُنْتُ فِيهِمْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ فَالْتَمَسْنَا ‏ ‏جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَوَجَدْنَاهُ فِي الْقَتْلَى وَوَجَدْنَا مَا فِي جَسَدِهِ بِضْعًا وَتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏هُوَ أَبُو مُصْعَب الزُّهْرِيِّ , وَمُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن هُوَ الْمَخْزُومِيّ بَيّنَهُ أَبُو عَلِيّ عَنْ مُصْعَب الزُّبَيْرِيّ , وَفِي طَبَقَتِهِ مُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن الْخُزَامِيّ وَهُوَ أَوْثَقُ مِنْ الْمَخْزُومِيّ , وَلَيْسَ لَلْمَخْزُومِيّ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ , وَهُوَ بِطَرِيقِ الْمُتَابَعَةِ عِنْدَهُ. ‏ ‏وَكَانَ الْمَخْزُومِيّ فَقِيه أَهْل الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَالِك , وَهُوَ صَدُوق. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُصْعَب \" عَبْد اللَّه بْن سَعِيد بْن أَبِي هِنْد \" وَهُوَ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ قُتِلَ زَيْد فَجَعْفَر ) ‏ ‏زَادَ مُوسَى بْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَنْ اِبْن شِهَاب \" فَجَعْفَر بْن أَبِي طَالِب أَمِيرهمْ \" وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر عِنْد أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح \" إِنْ قُتِلَ زَيْد فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَر \" وَرَوَى أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث أَبِي قَتَادَةُ قَالَ : \" بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْش الْأُمَرَاءِ وَقَالَ : عَلَيْكُمْ زَيْد بْن حَارِثَة , فَإِنْ أُصِيب زَيْد فَجَعْفَر \" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ : \" فَوَثَبَ جَعْفَر فَقَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُول اللَّه , مَا كُنْت أَرْهَب أَنْ تَسْتَعْمِلَ عَلِيّ زَيْدًا , قَالَ اِمْضِ فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَيّ ذَلِكَ خَيْر \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت فِيهِمْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَة فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بْن أَبِي طَالِب ) ‏ ‏أَيْ بَعْد أَنْ قُتِلَ , كَذَا اِخْتَصَرَهُ. وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر الْمَذْكُور \" فَلَقُوا الْعَدُوَّ , فَأَخَذَ الرَّايَةَ زَيْد فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ , ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَر \" وَنَحْوه فِي مُرْسَل عُرْوَة عِنْد اِبْن إِسْحَاق وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق بِإِسْنَاد حَسَن وَهُوَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقه \" عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مُرَّة قَالَ : وَاَللَّه لَكَأَنِّي أَنْظُر إِلَى جَعْفَرِ بْن أَبِي طَالِب حِين اِقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاء فَعَقَرَ لَهَا , ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. قَالَ اِبْن إِسْحَاق وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ عُرْوَة قَالَ : ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَة عَبْد اللَّه بْن رَوَاحه فَالْتَوَى بِهَا بَعْض الِالْتِوَاء ثُمَّ تَقَدَّمَ عَلَى فَرَسِهِ ثُمَّ نَزَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ ثَابِت بْن أَقْرَمَ الْأَنْصَارِيّ فَقَالَ : اِصْطَلِحُوا عَلَى رَجُل , فَقَالُوا : أَنْتَ لَهَا , قَالَ : لَا , فَاصْطَلَحُوا عَلَى خَالِد بْن الْوَلِيد \" وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي الْيُسْر الْأَنْصَارِيّ قَالَ : \" أَنَا دَفَعْت الرَّايَةَ إِلَى ثَابِتِ بْن أَقْرَمَ لَمَّا أُصِيبَ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة , فَدَفَعَهَا إِلَى خَالِد بْن الْوَلِيد وَقَالَ لَهُ : أَنْتَ أَعْلَمُ بِالْقِتَالِ مِنِّي \". ‏"
    },
    {
        "id": "3929",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَعَى ‏ ‏زَيْدًا ‏ ‏وَجَعْفَرًا ‏ ‏وَابْنَ رَوَاحَةَ ‏ ‏لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ فَقَالَ ‏ ‏أَخَذَ الرَّايَةَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ ‏ ‏جَعْفَرٌ ‏ ‏فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ ‏ ‏ابْنُ رَوَاحَةَ ‏ ‏فَأُصِيبَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن وَاقِدٍ ) ‏ ‏هُوَ أَحْمَد بْن عَبْد الْمَلِكِ بْن وَاقِدٍ الْحَرَّانِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( نَعَى زَيْدًا ) ‏ ‏أَيْ أَخْبَرَهُمْ بِقَتْلِهِ , وَذَكَرَ مُوسَى بْن عُقْبَة فِي الْمَغَازِي أَنَّ يَعْلَى بْن أُمَيَّةَ قَدِمَ بِخَبَرِ أَهْلِ مُوتَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنْ شِئْت فَأَخْبِرْنِي وَإِنْ شِئْت أُخْبِرُك. قَالَ فَأَخْبَرَنِي. فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ. فَقَالَ : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا تَرَكْت مِنْ حَدِيثِهِمْ حَرْفًا لَمْ تَذْكُرْهُ \" وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أَبَى الْيُسْر الْأَنْصَارِيّ \" أَنَّ أَبَا عَامِر الْأَشْعَرِيّ هُوَ الَّذِي أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُصَابِهِمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَر فَأُصِيب ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِحَذْفِهِ الْمَفْعُول , وَالْمُرَاد الرَّايَة. وَوَقَعَ فِي \" عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ \" عِنْدَ أَبِي ذَرّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ \" ثُمَّ أَخَذَهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ ) ‏ ‏بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَرَاء مَكْسُورَة أَيْ تَدْفَعَانِ الدُّمُوعَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَخَذَهَا سَيْف مِنْ سُيُوف اللَّه , حَتَّى فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ \" ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاء خَالِد بْن الْوَلِيد , وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْأُمَرَاء , وَهُوَ أَمِيرُ نَفْسِهِ \" ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. \" اللَّهُمَّ إِنَّهُ سَيْف مِنْ سُيُوفك فَأَنْتَ تَنْصُرُهُ \" فَمِنْ يَوْمِئِذٍ سُمِّيَ سَيْفُ اللَّهِ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّه بْن جَعْفَر \" ثُمَّ أَخَذَهَا سَيْف مِنْ سُيُوف اللَّهِ خَالِد بْن الْوَلِيد فَفَتَحَ اللَّه عَلَيْهِمْ \" وَتَقَدَّمَ حَدِيث الْبَاب فِي الْجِهَاد مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوبَ \" فَأَخَذَهَا خَالِد بْن الْوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ \" وَالْمُرَادُ نَفْيُ كَوْنِهِ كَانَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ , وَإِلَّا فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَيْهِ , وَزَادَ قِيهِ \" وَمَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا \" أَيْ لِمَا رَأَوْا مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ. وَزَادَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَر \" ثُمَّ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ : لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ , ثُمَّ قَالَ : اِئْتُونِي بِبُنَيِّ أَخِي. فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّنَا أَفْرَاخ , فَدَعَا الْحَلَّاقَ فَحَلَقَ رُءُوسَنَا ثُمَّ قَالَ : أَمَّا مُحَمَّد فَشَبِيهُ عَمِّنَا أَبِي طَالِب , وَأَمَّا عَبْد اللَّه فَشَبِيه خَلْقِي وَخُلُقِي. ثُمَّ دَعَا لَهُمْ \" وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْإِعْلَامِ بِمَوْتِ الْمَيِّتِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ النَّعْي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي الْجَنَائِزِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَعْلِيقِ الْإِمَارَةِ بِشَرْطٍ , وَتَوْلِيَةُ عِدَّةِ أُمَرَاءَ بِالتَّرْتِيبِ. وَقَدْ اِخْتَلَفَ هَلْ تَنْعَقِدُ الْوِلَايَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْحَالِ أَوْ لَا ؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا فِي الْحَالِ تَنْعَقِدُ , وَلَكِنْ بِشَرْطِ التَّرْتِيبِ. وَقِيلَ. تَنْعَقِدُ لِوَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ , وَتَتَعَيَّنُ لِمَنْ عَيَّنَهَا الْإِمَامُ عَلَى التَّرْتِيبِ. وَقِيلَ : تَنْعَقِدُ لِلْأَوَّلِ فَقَطْ , وَأَمَّا الثَّانِي فَبِطَرِيقِ الِاخْتِيَارِ. وَاخْتِيَار الْإِمَامِ مُقَدَّم عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ. وَفِيهِ جَوَازُ التَّأَمُّرِ فِي الْحَرْبِ بِغَيْرِ تَأْمِيرٍ , قَالَ الطَّحَاوِيُّ : هَذَا أَصْلٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا إِذَا غَابَ الْإِمَامُ يَقُومُ مَقَامَهُ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ. وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ عَلَمٌ ظَاهِرٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ , وَفَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِخَالِدِ بْن الْوَلِيدِ وَلِمَنْ ذُكِرَ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ النَّقْلِ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ : \" حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ \" هَلْ كَانَ هُنَاكَ قِتَالٌ فِيهِ هَزِيمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ , أَوْ الْمُرَاد بِالْفَتْحِ اِنْحِيَازُهُ بِالْمُسْلِمِينَ حَتَّى رَجَعُوا سَالِمِينَ ؟ فَفِي رِوَايَةِ اِبْنِ إِسْحَاق عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ عُرْوَة \" فَحَاشَ خَالِدٌ النَّاسَ وَدَافَعَ وَانْحَازَ وَانْحِيزَ عَنْهُ , ثُمَّ اِنْصَرَفَ بِالنَّاسِ \" وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ , وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَلَاغِ سَعِيدِ بْن أَبِي هِلَالٍ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. وَذَكَرَ اِبْن سَعْد عَنْ أَبِي عَامِر \" أَنَّ الْمُسْلِمِينَ اِنْهَزَمُوا لَمَّا قُتِلَ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة حَتَّى لَمْ أَرَ اِثْنَيْنِ جَمِيعًا , ثُمَّ اِجْتَمَعُوا عَلَى خَالِد \" وَعِنْد الْوَاقِدِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث بْن فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : \" لَمَّا أَصْبَحَ خَالِد بْن الْوَلِيد جَعَلَ مُقَدِّمَتَهُ سَاقَةً , وَمَيْمَنَتَهُ مَيْسَرَةً , فَأَنْكَرَ الْعَدُوُّ حَالَهُمْ وَقَالُوا : جَاءَهُمْ مَدَدٌ , فَرَعَبُوا وَانْكَشَفُوا مُنْهَزِمِينَ \". وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرُ قَالَ : \" أُصِيب بِمُوتَةَ نَاسٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَغَنَم الْمُسْلِمُونَ بَعْضَ أَمْتِعَةِ الْمُشْرِكِينَ \" وَفِي مَغَازِي أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ \" فَحَمَلَ خَالِد عَلَى الرُّومِ فَهَزَمُوهُمْ \" وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الثَّانِي. أَوْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونُوا هَزَمُوا جَانِبًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَخَشِيَ خَالِد أَنْ يَتَكَاثَرَ الْكُفَّارُ عَلَيْهِمْ , فَقَدْ قِيلَ إِنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ مِائَة أَلْفٍ , فَانْحَازَ بِهِمْ حَتَّى رَجَعَ بِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَهَذَا السَّنَدُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا مِنْ جِهَةِ الِانْقِطَاعِ , وَالْآخَر مِنْ جِهَةِ اِبْنِ لَهِيعَةَ الرَّاوِي عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ , وَكَذَلِكَ الْوَاقِدِيِّ , فَقَدْ وَقَعَ فِي الْمَغَازِي لِمُوسَى بْن عُقْبَةَ - وَهِيَ أَصَحُّ الْمَغَازِي كَمَا تَقَدَّمَ - مَا نَصَّهُ \" ثُمَّ أَخَذَهُ - يَعْنِي اللِّوَاءَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَقُتِلَ , ثُمَّ اِصْطَلَحَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى خَالِد بْن الْوَلِيد فَهَزَمَ اللَّهُ الْعَدُوَّ وَأَظْهَرَ الْمُسْلِمِينَ \" قَالَ الْعِمَاد بْن كَثِير : يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ خَالِدًا لَمَّا جَازَ الْمُسْلِمِينَ وَبَاتَ , ثُمَّ أَصْبَحَ وَقَدْ غَيَّرَ هَيْئَةَ الْعَسْكَرِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَتَوَهَّمَ الْعَدُوُّ أَنَّهُمْ قَدْ جَاءَ لَهُمْ مَدَدٌ , حَمَلَ عَلَيْهِمْ خَالِد حِينَئِذٍ فَوَلَّوْا فَلَمْ يَتَّبِعُهُمْ , وَرَأَى الرُّجُوعَ بِالْمُسْلِمِينَ هِيَ الْغَنِيمَةُ الْكُبْرَى. ثُمَّ وَجَدْت فِي \" مَغَازِي اِبْن عَائِذ \" بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ أَنَّ خَالِدًا لَمَّا أَخْذَ الرَّايَةَ قَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى اِنْحَازَ الْفَرِيقَانِ عَنْ غَيْرِ هَزِيمَةٍ , وَقَفَلَ الْمُسْلِمُونَ فَمَرُّوا عَلَى طَرِيقِهِمْ بَقَرِيَّةٍ بِهَا حِصْنٌ كَانُوا فِي ذَهَابِهِمْ قَتَلُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا , فَحَاصَرُوهُمْ , حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَنْوَة , وَقَتَلَ خَالِد بْن الْوَلِيد مُقَاتِلَتِهِمْ , فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَكَان نَقِيعُ الدَّمِ إِلَى الْيَوْمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3930",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَتْنِي ‏ ‏عَمْرَةُ ‏ ‏قَالَتْ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏لَمَّا جَاءَ قَتْلُ ‏ ‏ابْنِ حَارِثَةَ ‏ ‏وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ ‏ ‏تَعْنِي مِنْ شَقِّ الْبَابِ ‏ ‏فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ أَيْ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نِسَاءَ ‏ ‏جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ قَالَ فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ قَدْ نَهَيْتُهُنَّ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُطِعْنَهُ قَالَ فَأَمَرَ أَيْضًا فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَاحْثُ ‏ ‏فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنْ التُّرَابِ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقُلْتُ أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ تَفْعَلُ وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ الْعَنَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ , وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا جَاءَ قَتْلُ اِبْنِ رَوَاحَةَ ) يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَجِيء الْخَبَر عَلَى لِسَانِ الْقَاصِدِ الَّذِي حَضَرَ مِنْ عِنْدِ الْجَيْشِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد مَجِيء الْخَبَرِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي قَبْلَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُقَدِّمِيّ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي الْمَسْجِدِ. ‏ ‏قَوْله : ( يُعْرَف فِيهِ الْحُزْن ) ‏ ‏أَيْ لِمَا جَعَلَ اللَّه فِيهِ مِنْ الرَّحْمَةِ , وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ ظُهُورَ الْحُزْنِ عَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا أُصِيب بِمُصِيبَةٍ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ صَابِرًا رَاضِيًا إِذَا كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا , بَلْ قَدْ يُقَالُ إِنْ مَنْ كَانَ يَنْزَعِجُ بِالْمُصِيبَةِ وَيُعَالِجُ نَفْسَهُ عَلَى الرِّضَا وَالصَّبْرِ أَرْفَع رُتْبَة مِمَّنْ لَا يُبَالِي بِوُقُوعِ الْمُصِيبَةِ أَصْلًا , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ , تَعْنِي مِنْ شِقِّ الْبَابِ ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ \" مِنْ صَائِرِ الْبَابِ بِشِقِّ الْبَابِ \" وَلِلنَّسَفِيّ \" شِقّ \" بِغَيْرِ مُوَحَّدَةٍ وَالْأَوَّل أَصْوَبُ هُنَا , وَشِقّ بِالْكَسْرِ وَبِالْفَتْحِ أَيْضًا , يُقَال بِالْفَتْحِ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُنْظَرُ مِنْهُ كَالْكَوَّةِ , وَبِالْكَسْرِ النَّاحِيَةِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الْجَنَائِزِ بِلَفْظِ \" مِنْ صَائِرِ الْبَابِ شِقّ الْبَابِ \" إِدْرَاجًا , وَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ. وَذَكَرَ اِبْن التِّين وَغَيْره أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ بِلَفْظِ \" صَائِر \" تَغْيِير وَالصَّوَاب \" صِيرِ \" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ رَاءٍ , قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الصِّيرُ شِقُّ الْبَابِ , وَفِي الْحَدِيثِ \" مَنْ نَظَرَ مِنْ صِيرِ بَابٍ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ فَهِيَ هَدَرٌ \" قَالَ أَبُو عُبَيْد : لَمْ أَسْمَع هَذَا الْحَرْفَ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَاهُ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ نِسَاء جَعْفَر ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد زَوْجَاته , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد مَنْ يُنْسَب إِلَيْهِ مِنْ النِّسَاء فِي الْجُمْلَة , وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَد لِأَنَّا لَا نَعْرِف لِجَعْفَرٍ زَوْجَة غَيْر أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَذَكَرَ \" بِوَاوٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَهُنَّ ) ‏ ‏كَذَا رَأَيْت فِي أَصْلِ أَبِي ذَرّ , فَإِنْ كَانَ مَضْبُوطًا فَفِيهِ حَذْف تَقْدِيرُهُ فَنَهَاهُنَّ , وَأَظُنّهُ مُحَرَّفًا فَإِنَّ الَّذِي فِي سَائِر الرِّوَايَات \" فَأَمَرَهُ أَنَّ يَنْهَاهُنَّ \" وَهُوَ الْوَجْه , وَكَذَا وَقَعَ فِي الْجَنَائِزِ : ‏ ‏قَوْله : ( وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَطْعَنهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَذَكَر أَنَّهُنَّ \" وَهُوَ أَوْجَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ غَلَبْنَنَا ) ‏ ‏أَيْ فِي عَدَمِ الِامْتِثَالِ لِقَوْلِهِ , وَذَلِكَ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح لَهُنَّ بِنَهْيِ الشَّارِع عَنْ ذَلِكَ فَحَمَلْنَ أَمْرَهُ عَلَى أَنَّهُ يُحْتَسَبُ عَلَيْهِنَّ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ , أَوْ حَمَلْنَ الْأَمْر عَلَى التَّنْزِيهِ فَتَمَادَيْنَ عَلَى مَا هُنَّ فِيهِ , أَوْ لِأَنَّهُنَّ لِشِدَّةِ الْمُصِيبَةِ لَمْ يَقْدِرْنَ عَلَى تَرْكِ الْبُكَاءِ. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى مَحْضِ الْبُكَاءِ كَالنَّوحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ , فَلِذَلِكَ أَمَرَ الرَّجُل بِتَكْرَارِ النَّهْي. وَاسْتَبْعَدَهُ بَعْضهمْ مِنْ جِهَة أَنَّ الصَّحَابِيَّاتِ لَا يَتَمَادَيْنَ بَعْد تَكْرَار النَّهْي عَلَى أَمْرٍ مُحَرَّمٍ , وَلَعَلَّهُنَّ تَرَكْنَ النَّوْحَ وَلَمْ يَتْرُكْنَ الْبُكَاءَ , وَكَانَ غَرَضُ الرَّجُلِ حَسْمَ الْمَادَّةِ وَلَمْ يَطْعَنهُ , لَكِنْ قَوْله : \" فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنْ التُّرَابِ \" يَدُلّ عَلَى أَنَّهُنَّ تَمَادَيْنَ عَلَى الْأَمْرِ الْمَمْنُوعِ , وَيَجُوز فِي الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ مِنْ قَوْلِهِ : \" فَاحْثُ \" الضَّمُّ وَالْكَسْرُ لِأَنَّهُ يُقَالُ حَثَى يَحْثُو وَيُحْثَى. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْعَنَاءِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالنُّونِ وَالْمَدِّ هُوَ التَّعَبُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعَذَرِيّ عِنْدَ مُسْلِمٍ \" مِنْ الْغَيّ \" بِغَيْنٍ مُعْجَمَة وَتَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة , وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِثْله لَكِنْ بِعَيْن مُهْمَلَة وَمُرَاد عَائِشَة أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ , فَإِذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ فَقَدْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ وَمَنْ يُخَاطِبُهُ فِي شَيْءٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِزَالَتِهِ وَلَعَلَّ الرَّجُلَ لَمْ يَفْهَم مِنْ الْأَمْرِ الْمُحَتَّمِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ لِلرَّجُلِ بِذَلِكَ عَلَى حَقِيقَتِهِ , لَكِنَّ تَقْدِيرَهُ إِنْ أَمْكَنَك فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْكِنُهُنَّ إِنْ فَعَلْته وَأَمْكَنَك , وَإِلَّا فَالْمُلَاطَفَةُ أَوْلَى. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ مُعَاقَبَة مَنْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ فَتَمَادَى عَلَيْهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ , وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى كَلَام عَائِشَة إِنَّك قَاصِر عَنْ الْقِيَامِ بِمَا أَمَرْت بِهِ مِنْ الْإِنْكَارِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُخْبِرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُصُورِك عَنْ ذَلِكَ لِيُرْسِلَ غَيْرك وَتَسْتَرِيح أَنْتَ مِنْ الْعَنَاء. وَوَقَعَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ فِي آخِرِهِ \" قَالَتْ عَائِشَة : وَعَرَفْت أَنَّهُ لَا يَقْدِر أَنْ يَحْثِيَ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ. قَالَتْ : وَرُبَّمَا ضَرَّ التَّكَلُّفُ أَهْلَهُ \" وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ الْفَوَائِدِ بَيَانُ مَا هُوَ الْأَوْلَى بِالْمُصَابِ مِنْ الْهَيْئَاتِ , وَمَشْرُوعِيَّةُ الِانْتِصَابِ لِلْعَزَاءِ عَلَى هَيْئَتِهِ , وَمُلَازَمَةُ الْوَقَارِ وَالتَّثَبُّتِ. وَفِيهِ جَوَازُ نَظَرِ مَنْ شَأْنه الِاحْتِجَاب مِنْ شَقِّ الْبَابِ , وَأَمَّا عَكْسه فَمَمْنُوع. وَفِيهِ إِطْلَاق الدُّعَاء بِلَفْظِ لَا يَقْصِد الدَّاعِي إِيقَاعه بِالْمَدْعُوِّ بِهِ , لِأَنَّ قَوْلَ عَائِشَةَ \" أَرْغَمَ اللَّه أَنْفك \" أَيْ أَلْصَقَهُ بِالتُّرَابِ. وَلَمْ تُرِدْ حَقِيقَةَ هَذَا , وَإِنَّمَا جَرَتْ عَادَة الْعَرَب بِإِطْلَاقِ هَذِهِ اللَّفْظَة فِي مَوْضِع الشَّمَاتَة بِمِنْ يُقَال لَهُ , وَوَجْه الْمُنَاسَبَة فِي قَوْله : \" اُحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ \" دُون أَعْيُنِهِنَّ مَعَ أَنَّ الْأَعْيُنَ مَحَلُّ الْبُكَاءِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ النَّهْي لَمْ يَقَع عَنْ مُجَرَّدِ الْبُكَاءِ , بَلْ عَنْ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ مِنْ صِيَاحٍ أَوْ نِيَاحَةٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3931",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏إِذَا حَيَّا ‏ ‏ابْنَ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ ‏ ‏ذِي الْجَنَاحَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏هُوَ الْمُقَدِّمِيّ , وَعُمَر بْن عَلِيّ هُوَ عَمّه , وَعَامِر هُوَ الشَّعْبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( يَا اِبْن ذِي الْجَنَاحَيْنِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي مَنَاقِب جَعْفَر , وَأَنَّهُ عُوِّضَ بِذَلِكَ عَنْ قَطْع يَدَيْهِ فِي تِلْكَ الْوَقْعَة حَيْثُ أَخَذَ اللِّوَاءَ بِيَمِينِهِ فَقُطِعَتْ , ثُمَّ أَخَذَهُ بِشِمَالِهِ فَقُطِعَتْ , ثُمَّ اِحْتَضَنَهُ فَقُتِلَ. وَإِنَّ النَّسَفِيّ رَوَى عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ يُقَال لِكُلِّ ذِي نَاحِيَتَيْنِ جَنَاحَانِ , وَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْجَنَاحَيْنِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ لَيْسَا عَلَى ظَاهِرِهِمَا. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : قَوْله : جَنَاحَانِ لَيْسَا كَمَا يَسْبِق إِلَى الْوَهْمِ كَجَنَاحَيْ الطَّيْر وَرِيشه , لِأَنَّ الصُّورَةَ الْآدَمِيَّةَ أَشْرَف الصُّوَر وَأَكْمَلَهَا , فَالْمُرَاد بِالْجَنَاحِيَّة صِفَة مَلَكِيَّة وَقُوَّة رُوحَانِيَّة أُعْطِيهَا جَعْفَر. وَقَدْ عَبَّرَ الْقُرْآن عَنْ الْعَضُد بِالْجَنَاحِ تَوَسُّعًا فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَاضْمُمْ إِلَيْك جَنَاحك ) وَقَالَ الْعُلَمَاء فِي أَجْنِحَة الْمَلَائِكَة : إِنَّهَا صِفَات مَلَكِيَّة لَا تُفْهَم إِلَّا بِالْمُعَايَنَةِ , فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ لِجِبْرِيل سِتّمِائَة جَنَاح , وَلَا يُعْهَد لِلطَّيْرِ ثَلَاثَة أَجْنِحَة فَضْلًا عَنْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , وَإِذَا لَمْ يَثْبُت خَبَر فِي بَيَان كَيْفِيَّتهَا فَنُؤْمِن بِهَا مِنْ غَيْر بَحْث عَنْ حَقِيقَتِهَا , اِنْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ وَاَلَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الْعُلَمَاءِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الدَّلَالَةِ لِمَا اِدَّعَاهُ , وَلَا مَانِع مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الظَّاهِرِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَعْهُودِ , وَهُوَ مِنْ قِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ وَهُوَ ضَعِيفٌ , وَكَوْنِ الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ أَشْرَفَ الصُّوَرِ لَا يَمْنَع مِنْ حَمْل الْخَبَر عَلَى ظَاهِره , لِأَنَّ الصُّورَة بَاقِيَة. وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ مُرْسَل عَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَةَ أَنَّ جَنَاحَيْ جَعْفَر مِنْ يَاقُوت. وَجَاءَ فِي جَنَاحَيْ جِبْرِيل أَنَّهُمَا لُؤْلُؤ أَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَهْ فِي تَرْجَمَة وَرَقَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3932",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَقَدْ انْقَطَعَتْ فِي يَدِي يَوْمَ ‏ ‏مُؤْتَةَ ‏ ‏تِسْعَةُ أَسْيَافٍ فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلَّا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ إِلَّا الصَّحَابِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( يَمَانِيَة ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّة وَحُكِيَ تَشْدِيدهَا , وَهَذَا الْحَدِيث يَقْتَضِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَتَلُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَثِيرًا , وَقَدْ رَوَى أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَوْف بْن مَالِك \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْل الْيَمَن رَافَقَهُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَة , فَقَتَلَ رُومِيًّا وَأَخَذَ سَلَبَهُ , فَاسْتَكْثَرَهُ خَالِد بْن الْوَلِيد , فَشَكَاهُ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَعْد أَنْ قَامَ خَالِد بْن الْوَلِيد بِالْأَمْرِ , وَهُوَ يُرَجِّح أَنَّ خَالِدًا لَمْ يَقْتَصِر عَلَى حَوْز الْمُسْلِمِينَ وَالنَّجَاة بِهِمْ بَلْ بَاشَرَ الْقِتَالَ , فَيُمْكِن الْجَمْعُ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3933",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَقَدْ دُقَّ فِي يَدِي يَوْمَ ‏ ‏مُؤْتَةَ ‏ ‏تِسْعَةُ أَسْيَافٍ وَصَبَرَتْ فِي يَدِي صَفِيحَةٌ لِي يَمَانِيَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( دُقَّ فِي يَدَيّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الدَّالِ فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى بِقَوْلِهِ : \" اِنْقَطَعَتْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3934",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُغْمِيَ عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ‏ ‏فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ ‏ ‏عَمْرَةُ ‏ ‏تَبْكِي وَا ‏ ‏جَبَلَاهْ وَا كَذَا وَا كَذَا تُعَدِّدُ عَلَيْهِ فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ ‏ ‏مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي ‏ ‏آنْتَ كَذَلِكَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْثَرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُغْمِيَ عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ‏ ‏بِهَذَا فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حُصَيْنٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , وَعَامِر هُوَ الشَّعْبِيّ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّه بْن رَوَاحَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن ثَعْلَب بْن اِمْرِئِ الْقَيْس الْأَنْصَارِيّ الْخَزْرَجِيّ أَحَد شُعَرَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَنْصَار وَأَحَد النُّقَبَاءِ بِالْعَقَبَةِ وَأَحَد الْبَدْرِيِّينَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلَتْ أُخْته عَمْرَةَ ) ‏ ‏هِيَ وَالِدَة النُّعْمَانِ بْن بَشِير رَاوِي الْحَدِيث , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هُشَيْمٍ عِنْد أَبِي نُعَيْم وَفِي مُرْسَل أَبِي عِمْرَان الْجَوْنِيّ عِنْد اِبْن سَعْد أَنَّهَا أُمّه , وَهُوَ خَطَأ , فَلَوْ كَانَتْ أُمّه تُسَمَّى عَمْرَةَ لَجَوَّزْت وُقُوع ذَلِكَ لَهُمَا , وَلَكِنَّ اِسْم أُمِّهِ كَبْشَة بِنْت وَاقَدْ , وَهَذَا الْحَدِيث ذَكَرَهُ خَلَفَ فِي مُسْنَد النُّعْمَان , وَذَكَرَهُ الْمِزِّيّ فِي مُسْنَد عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة , وَهُوَ وَاضِح لِأَنَّ الْمَتْن مَنْقُول عَنْهُ , وَيَنْبَغِي أَنْ يُذْكَر أَيْضًا فِي مُسْنَد عَمْرَةَ لِقَوْلِهِ فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة \" لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ \" أَيْ عَمْرَة فَهُوَ نَقْل مِنْ النُّعْمَان مَا صَنَعَتْ أُمّه , وَلَمَّا قَالَ خَاله , لَكِنْ يَصْغُر النُّعْمَان عَنْ إِدْرَاك ذَلِكَ مِنْ خَاله , فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ إِنَّمَا نَقَلَ جَمِيع ذَلِكَ عَنْ أُمّه فَيَكُون الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة النُّعْمَان عَنْ أُمِّهِ عَنْ أَخِيهَا , فَيَكُون ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ ثَلَاثَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي نَسَقٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاجَبَلَاه وَكَذَا وَكَذَا تُعَدِّدُ عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هُشَيْمٍ عَنْ حُصَيْنٍ عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" وَاعَضُدَاه \" وَفِي مُرْسَل الْحَسَن عِنْد اِبْن سَعْد \" وَاجَبَلَاه , وَاعِزِّاهُ \" وَفِي مُرْسَل أَبِي عِمْرَان الْجَوْنِيّ عِنْده \" وَاظَهْرَاه \" وَزَادَ فِيهِ \" إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَادَهُ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَجَله قَدْ حَضَرَ فَيَسِّرْ عَلَيْهِ , وَإِلَّا فَاشْفِهِ , قَالَ : فَوَجَدَ خِفَّة , فَقَالَ كَانَ مَلَكٌ قَدْ رَفَعَ مِرْزَبَّةً مِنْ حَدِيد يَقُول : آنْتَ كَذَا ؟ فَلَوْ قُلْت نَعَمْ لَقَمَعَنِي بِهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( قِيلَ لِي آنْتَ كَذَلِكَ ) ‏ ‏هُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار , وَفِي مُرْسَل الْحَسَن \" آنَتْ جَبَلهَا , آنْتَ عِزُّهَا \" وَزَادَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق هُشَيْمٍ فِي آخِرهَا \" فَنَهَاهَا عَنْ الْبُكَاء عَلَيْهِ \" وَبِهَا تَظْهَر النُّكْتَة فِي قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ \" أَيْ أَصْلًا اِمْتِثَالًا لِأَمْرِهِ , وَبِهَذِهِ الزِّيَادَة وَهِيَ قَوْله : \" فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ \" تَظْهَر النُّكْتَة فِي إِدْخَال هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب , وَيَظْهَر أَوْ يُتَّجَهُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ : لَا مُنَاسَبَة لِدُخُولِهِ فِيهِ لِأَنَّ مَوْت عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْمَرَض , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3935",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُصَيْنٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو ظَبْيَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْحُرَقَةِ ‏ ‏فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏رَجُلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَكَفَّ الْأَنْصَارِيُّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قُلْتُ كَانَ مُتَعَوِّذًا فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , وَأَبُو ظَبْيَانَ بِالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَة اِسْمه حُصَيْنُ بْن جُنْدُب , قَالَ النَّوَوِيّ أَهْل اللُّغَة يَفْتَحُونَ الظَّاء يَعْنِي الْمُشَالَة مِنْ الظَّبْيَانِ , وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَكْسِرُونَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحُرَقَةِ ) ‏ ‏لَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَمِير الْجَيْش كَمَا هُوَ ظَاهِر التَّرْجَمَة , وَقَدْ ذَكَرَ أَهْل الْمَغَازِي سَرِيَّة غَالِب بْن عَبْد اللَّه اللَّيْثِيِّ إِلَى الْمِيفَعَة بِتَحْتَانِيَّةِ سَاكِنَة وَفَاء مَفْتُوحَة , وَهِيَ وَرَاء بَطْن نَخْل , وَذَلِكَ فِي رَمَضَان سَنَة سَبْع , وَقَالُوا : إِنَّ أُسَامَة قَتَلَ الرَّجُل فِي هَذِهِ السَّرِيَّة , فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ أُسَامَة كَانَ أَمِير الْجَيْش فَاَلَّذِي صَنَعَهُ الْبُخَارِيّ هُوَ الصَّوَاب لِأَنَّهُ مَا أُمِّرَ إِلَّا بَعْد قَتْل أَبِيهِ بِغَزْوَةِ مُوتَةَ وَذَلِكَ فِي رَجَب سَنَة ثَمَان , وَإِنْ لَمْ يَثْبُت أَنَّهُ كَانَ أَمِيرهَا رَجَحَ مَا قَالَ أَهْل الْمَغَازِي , وَسَيَأْتِي شَرْح حَدِيث الْبَاب فِي كِتَاب الدِّيَات وَفِيهِ تَسْمِيَة الرَّجُل الْمَقْتُول إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3936",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَخَرَجْتُ فِيمَا يَبْعَثُ مِنْ الْبُعُوثِ تِسْعَ غَزَوَاتٍ مَرَّةً عَلَيْنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَمَرَّةً عَلَيْنَا ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَخَرَجْتُ فِيمَا يَبْعَثُ مِنْ الْبَعْثِ تِسْعَ غَزَوَاتٍ عَلَيْنَا مَرَّةً ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَمَرَّةً ‏ ‏أُسَامَةُ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع قَالَ : ‏ ‏( غَزَوْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْع غَزْوَاتٍ. وَخَرَجْت فِيمَا يُبْعَث مِنْ الْبُعُوث بِتِسْعِ غَزَوَاتٍ , مَرَّة عَلَيْنَا أَبُو بَكْر , وَمَرَّة عَلَيْنَا أُسَامَة بْن زَيْد بْن حَارِثَة ) ‏ ‏أَمَّا غَزَوَات سَلَمَة مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَقَدَّمَ بَيَانهَا فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة , وَقَدْ ذَكَرَ مِنْهَا فِي الطَّرِيق الْأَخِيرَة مِنْ حَدِيث الْبَاب خَيْبَر وَالْحُدَيْبِيَة وَيَوْم الْحُنَيْنِ وَيَوْم الْقَرَدِ وَفِي آخِرِهِ \" قَالَ يَزِيد - يَعْنِي اِبْن أَبِي عُبَيْد الرَّاوِي عَنْهُ - وَنَسِيت بَقِيَّتهمْ \" كَذَا فِيهِ بِالْمِيمِ فِي ضَمِيرِ جَمْعِ الْغَزَوَاتِ وَالْمَعْرُوف فِيهِ التَّأْنِيث , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيّ بِالْمِيمِ وَضَبَّبَ عَلَيْهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا الْكَرْمَانِيُّ وَلَمْ أَقِف لَعَلَّهُ \" بَقِيَّتهَا \" هِيَ أَوْجُه , وَأَمَّا بَقِيَّة الْغَزَوَات الَّتِي نَسِيَهُنَّ يَزِيد فَهُنَّ غَزْوَة الْفَتْح وَغَزْوَة الطَّائِف فَإِنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا فِي سَنَة غَزْوَة حُنَيْنٍ فَهُمَا غَيْرهمَا وَغَزْوَة تَبُوك وَهِيَ آخِر الْغَزَوَاتِ النَّبَوِيَّةِ , فَهَذِهِ سَبْع غَزْوَاتٍ كَمَا ثَبَتَ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , وَإِنْ كَانَتْ الرِّوَايَة الْأُولَى وَهِيَ رِوَايَة حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل بِلَفْظِ \" التِّسْع \" مَحْفُوظَة فَلَعَلَّهُ عَدَّ غَزْوَةَ وَادِي الْقُرَى الَّتِي وَقَعَتْ عَقِب خَيْبَرَ , وَعَدَ أَيْضًا عُمْرَة الْقَضَاء غَزْوَة كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ صَنِيع الْبُخَارِيّ فَكَمَّلَ بِهَا التِّسْعَة , وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق نَصْر بْن عَلِيّ عَنْ حَمَّاد بْن مَسْعَدَة فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ فِي أَوَّلِهِ \" أُحُد وَخَيْبَر \" فَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا سَلَمَة فِيمَنْ شَهِدَ أُحُدًا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حَمَّاد بْن مَسْعَدَة وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ أُحُدًا وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا الْبُعُوث فَسَرِيَّة أَبِي بَكْر الصِّدِّيق إِلَى بَنِي فَزَارَة كَمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثه عِنْد مُسْلِم , وَسَرِيَّته إِلَى بَنِي كِلَاب ذَكَرَهَا اِبْن سَعْد , وَبَعْثَهُ إِلَى الْحَجّ سَنَة تِسْع. وَأَمَّا أُسَامَة فَأَوَّل مَا أُرْسِل فِي السَّرِيَّة الَّتِي وَقَعَ ذِكْرُهَا فِي الْبَاب ثُمَّ فِي سَرِيَّة إِلَى أُبْنَى بِضَمِّ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة ثُمَّ نُون مَقْصُور وَهِيَ مِنْ نَوَاحِي الْبَلْقَاء وَذَلِكَ فِي صَفَر , فَوَقَفْنَا مِمَّا ذَكَره عَلَى خَمْس سَرَايَا وَبَقِيَتْ أَرْبَع. فَلْيَسْتَدْرِكهَا عَلَى أَهْلِ الْمَغَازِي فَإِنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا غَيْرَ الَّذِي ذَكَرْته بَعْد التَّتَبُّعِ الْبَالِغِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فِيهِ حَذْف تَقْدِيره : وَمَرَّة عَلَيْنَا غَيْرهمَا , وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِي بَعْض الرِّوَايَات لِلْبُعُوثِ عَدَدًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عُمَر بْن حَفْص ) ‏ ‏أَيْ اِبْن غِيَاث وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ , وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق أَبِي بِشْرٍ إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه عَنْ عُمَر بْن حَفْص بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3937",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَغَزَوْتُ مَعَ ‏ ‏ابْنِ حَارِثَةَ ‏ ‏اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَغَزَوْت مَعَ اِبْن حَارِثَة اِسْتَعْمَلَهُ عَلَيْنَا ) ‏ ‏كَذَا أَبْهَمَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ شَيْخه أَبِي عَاصِم , وَقَدْ ذَكَرْت مَا فِيهِ فِي \" بَاب غَزْوَة زَيْد بْن حَارِثَة \" وَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ أَبْهَمَهُ عَمْدًا لِمُخَالَفَةِ بَقِيَّة رِوَايَاتِ الْبَابِ فِي تَعْيِينِ أُسَامَةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3938",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَبْعَ غَزَوَاتٍ فَذَكَرَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَالْحُدَيْبِيَةَ ‏ ‏وَيَوْمَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏وَيَوْمَ ‏ ‏الْقَرَدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏وَنَسِيتُ بَقِيَّتَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن مَسْعَدَة ) ‏ ‏يُقَال إِنَّ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه هَذَا هُوَ الذُّهْلِيُّ نِسْبَة إِلَى جَدِّهِ وَهُوَ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن خَالِد بْن فَارِس , وَكَانَ أَبُو دَاوُدَ إِذَا حَدَّثَ عَنْهُ نَسَبَ أَبَاهُ يَحْيَى إِلَى جَدِّهِ فَارِس وَلَا يُذْكَر خَالِدًا وَيُقَال إِنَّ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْمَذْكُور هُوَ الْمَخْزُومِيّ , وَجَزَمَ الْكَلَابَاذِيّ وَالْبَرْقَانِيُّ بِأَنَّهُ الذُّهْلِيُّ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3939",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏وَالزُّبَيْرَ ‏ ‏وَالْمِقْدَادَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا ‏ ‏رَوْضَةَ خَاخٍ ‏ ‏فَإِنَّ بِهَا ‏ ‏ظَعِينَةً ‏ ‏مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوا مِنْهَا قَالَ فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ فَإِذَا نَحْنُ ‏ ‏بِالظَّعِينَةِ ‏ ‏قُلْنَا لَهَا أَخْرِجِي الْكِتَابَ قَالَتْ مَا مَعِي كِتَابٌ فَقُلْنَا ‏ ‏لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ قَالَ فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ ‏ ‏عِقَاصِهَا ‏ ‏فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِذَا فِيهِ مِنْ ‏ ‏حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ ‏ ‏إِلَى نَاسٍ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏حَاطِبُ ‏ ‏مَا هَذَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏يَقُولُ كُنْتُ حَلِيفًا وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏مَنْ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي وَلَمْ أَفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى مَنْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ السُّورَةَ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد \" عَنْ عَلِيّ عَنْ سُفْيَان سَمِعْت عَمْرَو بْن دِينَارٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْر وَالْمِقْدَاد ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع , وَفِي رِوَايَة أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ عَنْ عَلِيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا \" بَعَثَنِي وَأَبَا مَرْثَد الْغَنَوِيّ وَالزُّبَيْر بْن الْعَوَامّ \" فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الثَّلَاثَة كَانُوا مَعَهُ , فَذَكَرَ أَحَد الرَّاوِيَيْنِ عَنْهُ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَر وَلَمْ يَذْكُرْ اِبْن إِسْحَاق مَعَ عَلِيّ وَالزُّبَيْر أَحَدًا , وَسَاقَ الْخَبَر بِالتَّثْنِيَةِ. قَالَ : \" فَخَرَجَا حَتَّى أَدْرَكَاهَا فَاسْتَنْزَلَاهَا إِلَخْ \" فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا آخَرُ تَبَعًا لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَة مَعَهَا كِتَاب ) ‏ ‏فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ : \" وَتَجِدُونَ بِهَا اِمْرَأَةً أَعْطَاهَا حَاطِب كِتَابًا \" وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ اِسْمهَا سَارَة , وَالْوَاقِدِيّ أَنَّ اِسْمَهَا كُنُود , وَفِي رِوَايَةٍ سَارَة , وَفِي أُخْرَى أُمّ سَارَة. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ حَاطِبًا جَعَلَ لَهَا عَشْرَة دَنَانِير عَلَى ذَلِكَ , وَقِيلَ : دِينَارًا وَاحِدًا , وَقِيلَ : إِنَّهَا كَانَتْ مَوْلَاة الْعَبَّاسِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ , وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ , وَوَجْه الْجَمْع بَيْن كَوْنِهِ فِي عِقَاصِهَا أَوْ فِي حُجْزَتِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏وَفِي مُرْسَل عُرْوَةَ تُخْبِرُهُمْ بِاَلَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَمْرِ فِي السَّيْرِ إِلَيْهِمْ , وَجَعَلَ لَهَا جُعَلًا عَلَى أَنْ تُبَلِّغَهُ قُرَيْشًا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي كُنْت اِمْرَأَ مُلْصَقًا فِي قُرَيْش ) ‏ ‏أَيْ حَلِيفًا , وَقَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ : \" كُنْت حَلِيفًا وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسهَا \" وَعِنْد اِبْن إِسْحَاق \" لَيْسَ فِي الْقَوْم مِنْ أَصْل وَلَا عَشِيرَة \" وَعِنْد أَحْمَد \" وَكُنْت غَرِيبًا \" قَالَ السُّهَيْلِيُّ : كَانَ حَاطِب حَلِيفًا لِعَبْدِ اللَّه بْن حُمَيْدِ بْن زُهَيْر بْن أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى , وَاسْم أَبِي بَلْتَعَةَ عَمْرو , وَقِيلَ : كَانَ حَلِيفًا لِقُرَيْشِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" وَكَانَ لِي بَيْن أَظْهَرهُمْ وَلَد وَأَهْل فَصَانَعْتُهُمْ عَلَيْهِ \" وَسَيَأْتِي تَكْمِلَة شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي سُورَة الْمُمْتَحِنَة , وَذَكَرَ بَعْض أَهْل الْمَغَازِي وَهُوَ فِي \" تَفْسِير يَحْيَى بْن سَلَام \" أَنَّ لَفْظ الْكِتَاب \" أَمَّا بَعْد يَا مَعْشَر قُرَيْش فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَكُمْ بِجَيْشٍ كَاللَّيْلِ , يَسِير كَالسَّيْلِ , فَوَاَللَّهِ لَوْ جَاءَكُمْ وَحْدَهُ لَنَصَرَهُ اللَّه وَأَنْجَزَ لَهُ وَعْده. فَانْظُرُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَالسَّلَام \" كَذَا حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ. وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ بِسَنَدٍ لَهُ مُرْسَل أَنَّ حَاطِبًا كَتَبَ إِلَى سُهَيْل بْن عَمْرو وَصَفْوَان بْن أُمَيَّة وَعِكْرِمَة \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذَّنَ فِي النَّاس بِالْغَزْوِ , وَلَا أَرَاهُ يُرِيد غَيْركُمْ , وَقَدْ أَحْبَبْت أَنْ يَكُون لِي عِنْدكُمْ يَد \" ‏"
    },
    {
        "id": "3940",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَزَا ‏ ‏غَزْوَةَ الْفَتْحِ ‏ ‏فِي رَمَضَانَ ‏ ‏قَالَ وَسَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ وَعَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى إِذَا بَلَغَ ‏ ‏الْكَدِيدَ ‏ ‏الْمَاءَ الَّذِي بَيْنَ ‏ ‏قُدَيْدٍ ‏ ‏وَعُسْفَانَ ‏ ‏أَفْطَرَ فَلَمْ يَزَلْ مُفْطِرًا حَتَّى انْسَلَخَ الشَّهْرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : وَسَمِعْت اِبْن الْمُسَيِّب يَقُول مِثْل ذَلِكَ ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ الزُّهْرِيُّ , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ أَيْضًا فِي الصِّيَام. وَبَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق عَاصِم بْن عَلِيّ عَنْ اللَّيْث مَا حَذَفَهُ الْبُخَارِيّ مِنْهُ فَإِنَّهُ سَاقَهُ إِلَى قَوْله : \" وَسَمِعْت سَعِيد بْن الْمُسَيِّب يَقُول مِثْل ذَلِكَ \" وَزَادَ \" لَا أَدْرِي أَخْرَجَ فِي شَعْبَانَ فَاسْتَقْبَلَهُ رَمَضَان , أَوْ خَرَجَ فِي رَمَضَان بَعْدَمَا دَخَلَ , غَيْر أَنَّ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه أَخْبَرَنِي \" فَذَكَر مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ , فَحَذَفَ الْبُخَارِيّ مِنْهُ التَّرَدُّد الْمَذْكُور. ثُمَّ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي حَفْصَة عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ : \" صَبَّحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة لِثْلَاث عَشْرَة خَلَتْ مِنْ رَمَضَان \" ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ وَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْقَدْر مِنْ قَوْل الزُّهْرِيِّ وَأَنَّ اِبْن أَبِي حَفْصَة أَدْرَجَهُ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَرَوَى أَحْمَد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيق قَزَعَةَ بْن يَحْيَى عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ : \" خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام الْفَتْح لِلَّيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَهْر رَمَضَان \" وَهَذَا يَدْفَع التَّرَدُّد الْمَاضِي وَيُعَيِّن يَوْم الْخُرُوج , وَقَوْل الزُّهْرِيّّ يُعَيِّن يَوْم الدُّخُول وَيُعْطِي أَنَّهُ أَقَامَ فِي الطَّرِيق اِثْنَيْ عَشَر يَوْمًا. وَأَمَّا مَا قَالَ الْوَاقِدِيُّ إِنَّهُ خَرَجَ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَان فَلَيْسَ بِقَوِيٍّ لِمُخَالَفَتِهِ مَا هُوَ أَصَحّ مِنْهُ , وَفِي تَعْيِين هَذَا التَّارِيخ أَقْوَال أُخْرَى : مِنْهَا عِنْد مُسْلِم \" لِسِتَّ عَشْرَة \" وَلِأَحْمَد \" لِثَمَانِيَ عَشْرَة \" وَفِي أُخْرَى \" لِثِنْتَيْ عَشْرَة \" وَالْجَمْع بَيْن هَاتَيْنِ بِحَمْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى مَا مَضَى وَالْأُخْرَى عَلَى مَا بَقِيَ , وَاَلَّذِي فِي الْمَغَازِي : دَخَلَ لِتِسْعَ عَشْرَة مَضَتْ , وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ. وَوَقَعَ فِي أُخْرَى بِالشَّكِّ فِي تِسْعَ عَشْرَةَ أَوْ سَبْعَ عَشْرَةَ. وَرَوَى يَعْقُوب بْن سُفْيَان مِنْ رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ جَمَاعَة مِنْ مَشَايِخه أَنَّ الْفَتْح كَانَ فِي عَشْر بَقَيْنَ مِنْ رَمَضَان , فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّ مُرَاده أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْعَشْر الْأَوْسَط , قَبْل أَنْ يَدْخُل الْعَشْر الْأَخِير. ‏"
    },
    {
        "id": "3941",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ فِي رَمَضَانَ مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَسَارَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏يَصُومُ وَيَصُومُونَ حَتَّى بَلَغَ ‏ ‏الْكَدِيدَ ‏ ‏وَهُوَ مَاءٌ بَيْنَ ‏ ‏عُسْفَانَ ‏ ‏وَقُدَيْدٍ ‏ ‏أَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْآخِرُ فَالْآخِرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَمَعَهُ عَشْرَة آلَاف ) ‏ ‏أَيْ مِنْ سَائِر الْقَبَائِل. وَفِي مُرْسَل عُرْوَة عِنْد اِبْن إِسْحَاق وَابْن عَائِذ \" ثُمَّ خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اِثْنَيْ عَشَر أَلْفًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار وَأَسْلَمَ وَغِفَار وَمُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَة وَسَلِيم \" وَكَذَا وَقَعَ فِي \" الْإِكْلِيل \" وَ \" شَرَفِ الْمُصْطَفَى \" وَيُجْمَع بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْعَشَرَة آلَاف خَرَجَ بِهَا مِنْ الْمَدِينَة ثُمَّ تَلَاحَقَ بِهَا الْأَلْفَانِ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُرْسَل عُرْوَة الَّذِي بَعْد هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَذَلِكَ عَلَى رَأْس ثَمَان سِنِينَ وَنِصْف مِنْ مَقْدِمِهِ الْمَدِينَة ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر , وَهُوَ وَهْم , وَالصَّوَاب عَلَى رَأْس سَبْع سِنِينَ وَنِصْف , وَإِنَّمَا وَقَعَ الْوَهْم مِنْ كَوْن غَزْوَة الْفَتْح كَانَتْ فِي سَنَة ثَمَان , وَمِنْ أَثْنَاء رَبِيع الْأَوَّل إِلَى أَثْنَاء رَمَضَان نِصْف سَنَة سَوَاء , فَالتَّحْرِير أَنَّهَا سَبْع سِنِينَ وَنِصْف وَيُمْكِن تَوْجِيه رِوَايَة مَعْمَر بِأَنَّهُ بِنَاء عَلَى التَّارِيخ بِأَوَّلِ السَّنَة مِنْ الْمُحَرَّم , فَإِذَا دَخَلَ مِنْ السَّنَة الثَّانِيَة شَهْرَانِ أَوْ ثَلَاثَة أُطْلِق عَلَيْهَا سَنَة مَجَازًا مِنْ تَسْمِيَة الْبَعْض بِاسْمِ الْكُلّ , وَيَقَع ذَلِكَ فِي آخِر رَبِيع الْأَوَّل , وَمِنْ ثَمَّ إِلَى رَمَضَان نِصْف سَنَة. أَوْ يُقَال كَانَ آخِر شَعْبَان تِلْكَ السَّنَة آخِر سَبْع سِنِينَ وَنِصْف مِنْ أَوَّل رَبِيع الْأَوَّل , فَلَمَّا دَخَلَ رَمَضَان دَخَلَ سَنَة أُخْرَى. وَأَوَّل السَّنَة يَصْدُق عَلَيْهِ أَنَّهُ رَأْسهَا فَيَصِحّ أَنَّهُ رَأْس ثَمَان سِنِينَ وَنِصْف , أَوْ أَنَّ رَأْس الثَّمَان كَانَ أَوَّل رَبِيع الْأَوَّل وَمَا بَعْده نِصْف سَنَة. ‏ ‏قَوْله : ( يَصُوم وَيَصُومُونَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الصِّيَام. ‏"
    },
    {
        "id": "3942",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي رَمَضَانَ إِلَى ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فَصَائِمٌ وَمُفْطِرٌ فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ فَوَضَعَهُ عَلَى رَاحَتِهِ أَوْ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّامِ أَفْطِرُوا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ الْفَتْحِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَالِد ) ‏ ‏هُوَ الْحَذَّاء ‏ ‏( عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَان إِلَى حُنَيْنٍ ) ‏ ‏اِسْتَشْكَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّ حُنَيْنًا كَانَتْ بَعْد الْفَتْح فَيَحْتَاج إِلَى تَأَمُّل , فَإِنَّهُ ذَكَرَ قَبْل ذَلِكَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة , وَكَذَا حَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ قَالَ : الصَّوَاب أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى مَكَّة , أَوْ كَانَتْ \" خَيْبَر \" فَتَصَحَّفَتْ. قُلْت : وَحَمْلُهُ عَلَى خَيْبَر مَرْدُود , فَإِنَّ الْخُرُوج إِلَيْهَا لَمْ يَكُنْ فِي رَمَضَان , وَتَأْوِيله ظَاهِر فَإِنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" إِلَى حُنَيْنٍ \" أَيْ الَّتِي وَقَعَتْ عَقِب الْفَتْح لِأَنَّهَا لَمَّا وَقَعَتْ أَثَرهَا أُطْلِق الْخُرُوج إِلَيْهَا. وَقَدْ وَقَعَ نَظِير ذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْآتِي قَرِيبًا. وَبِهَذَا جَمَعَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ غَيْره : يَجُوز أَنْ يَكُون خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ فِي بَقِيَّة رَمَضَان قَالَهُ اِبْن التِّين. وَيُعَكِّر عَلَيْهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَة فِي عَاشِر رَمَضَان فَقَدِمَ مَكَّة وَسَطه وَأَقَامَ بِهَا تِسْعَة عَشَر كَمَا سَيَأْتِي. قُلْت : وَهَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ مُعْتَرَض , فَإِنَّ اِبْتِدَاء خُرُوجِهِ مُخْتَلَف فِيهِ كَمَا مَضَى فِي آخِر الْغَزْوَة مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , فَيَكُون الْخُرُوج إِلَى حُنَيْنٍ فِي شَوَّال. ‏ ‏قَوْله : ( دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَن أَوْ مَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس آخِر الْبَاب \" دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاء فَشَرِبَ نَهَارًا \" الْحَدِيث. قَالَ الدَّاوُدِيُّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون دَعَا بِهَذَا مَرَّة وَبِهَذَا مَرَّة. قُلْت : لَا دَلِيل عَلَى التَّعَدُّد , فَإِنَّ الْحَدِيث وَاحِد وَالْقِصَّة وَاحِدَة , وَإِنَّمَا وَقَعَ الشَّكّ مِنْ الرَّاوِي فَقَدَّمَ عَلَيْهِ رِوَايَة مَنْ جَزَمَ , وَأَبْعَد اِبْن التِّين فَقَالَ : كَانَتْ قِصَّتَانِ إِحْدَاهُمَا فِي الْفَتْح وَالْأُخْرَى فِي حُنَيْنٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّمِ أَفْطِرُوا ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَلِغَيْرِهِ \" لِلصُّوَّامِ \" بِأَلِفِ وَكِلَاهُمَا جَمْع صَائِم. وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ فِي تَهْذِيبِهِ \" فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّامِ أَفْطِرُوا يَا عُصَاة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرْنَا مَعْمَر ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْهُ وَبَقِيَّته \" خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام الْفَتْح فِي شَهْر رَمَضَان فَصَامَ حَتَّى مَرَّ بِغَدِيرٍ فِي الطَّرِيقِ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي بَعْض نُسَخِ أَبِي ذَرّ , وَلِلْأَكْثَرِ لَيْسَ فِيهِ اِبْن عَبَّاس , وَبِهِ جَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج , وَكَذَلِكَ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن حَرْب وَهُوَ أَحَدُ مَشَايِخ الْبُخَارِيّ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة , فَذَكَرَ الْحَدِيث بِطُولِهِ فِي فَتْح مَكَّة. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي آخِر الْكَلَام عَلَيْهِ : لَمْ يُجَاوِز بِهِ أَيُّوب عِكْرِمَة. قُلْت : وَقَدْ أَشَرْت إِلَيْهِ قَبْله , وَأَنَّ اِبْن أَبِي شَيْبَةَ أَخْرَجَهُ هَكَذَا مُرْسَلًا عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب بِهِ بِطُولِهِ , وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَة فِي أَثْنَاء الْكَلَام عَلَى شَرْح هَذِهِ الْغَزْوَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3943",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ ‏ ‏عُسْفَانَ ‏ ‏ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ نَهَارًا لِيُرِيَهُ النَّاسَ فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏قَالَ وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقُولُ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ ‏",
        "sharh": "طَرِيق طَاوُسٌ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3944",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ الْفَتْحِ فَبَلَغَ ذَلِكَ ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏خَرَجَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ‏ ‏وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ ‏ ‏يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَقْبَلُوا يَسِيرُونَ حَتَّى أَتَوْا ‏ ‏مَرَّ الظَّهْرَانِ ‏ ‏فَإِذَا هُمْ بِنِيرَانٍ كَأَنَّهَا نِيرَانُ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏مَا هَذِهِ لَكَأَنَّهَا نِيرَانُ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ ‏ ‏نِيرَانُ ‏ ‏بَنِي عَمْرٍو ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ فَرَآهُمْ ‏ ‏نَاسٌ مِنْ حَرَسِ ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَدْرَكُوهُمْ فَأَخَذُوهُمْ فَأَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَسْلَمَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏فَلَمَّا سَارَ قَالَ ‏ ‏لِلْعَبَّاسِ ‏ ‏احْبِسْ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ ‏ ‏عِنْدَ حَطْمِ الْخَيْلِ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ فَحَبَسَهُ ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏فَجَعَلَتْ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى ‏ ‏أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ قَالَ يَا ‏ ‏عَبَّاسُ ‏ ‏مَنْ هَذِهِ قَالَ هَذِهِ ‏ ‏غِفَارُ ‏ ‏قَالَ مَا لِي ‏ ‏وَلِغِفَارَ ‏ ‏ثُمَّ مَرَّتْ ‏ ‏جُهَيْنَةُ ‏ ‏قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ مَرَّتْ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ ‏ ‏فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ وَمَرَّتْ ‏ ‏سُلَيْمُ ‏ ‏فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَالَ مَنْ هَذِهِ قَالَ هَؤُلَاءِ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏عَلَيْهِمْ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏مَعَهُ الرَّايَةُ فَقَالَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ ‏ ‏الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ ‏ ‏الْكَعْبَةُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَبَّاسُ ‏ ‏حَبَّذَا يَوْمُ ‏ ‏الذِّمَارِ ‏ ‏ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ وَهِيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ وَرَايَةُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَ ‏ ‏الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ‏ ‏فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِأَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏قَالَ مَا قَالَ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ كَذَبَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏وَلَكِنْ ‏ ‏هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ ‏ ‏الْكَعْبَةُ ‏ ‏قَالَ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ ‏ ‏بِالْحَجُونِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْعَبَّاسَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏هَا هُنَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ تَرْكُزَ الرَّايَةَ قَالَ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ ‏ ‏خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏كَدَاءٍ ‏ ‏وَدَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏كُدَا ‏ ‏فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ ‏ ‏حُبَيْشُ بْنُ الْأَشْعَرِ ‏ ‏وَكُرْزُ بْنُ جابِرٍ الْفِهْرِيُّ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3945",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ فَتْحِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏عَلَى نَاقَتِهِ ‏ ‏وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ يُرَجِّعُ وَقَالَ لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ حَوْلِي لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول , وَزَعَمَ أَنَّهُ وَقَعَ بَدَّلَهُ سُلَيْمَان بْن حَرْب. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَجَّاج بْن مِنْهَال عَنْ شُعْبَة \" أَخْبَرَنَا أَبُو إِيَاس \" أَخْرَجَهُ فِي فَضَائِل الْقُرْآن , وَأَبُو إِيَاس هُوَ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ يَقْرَأ سُورَة الْفَتْح ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة آدَم عَنْ شُعْبَة فِي فَضَائِل الْقُرْآن \" قِرَاءَة لَيِّنَة \". ‏ ‏قَوْله : ( يُرَجِّع ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْجِيم , وَالتَّرْجِيع تَرْدِيد الْقَارِئ الْحَرْف فِي الْحَلْق. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ : لَوْلَا أَنْ تَجْتَمِع النَّاس ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة رَاوِي الْحَدِيث , بَيَّنَ ذَلِكَ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم فِي رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ شُعْبَة , وَهُوَ فِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح وَفِي أَوَاخِر التَّوْحِيد مِنْ رِوَايَة شَبَّابَة عَنْ شُعْبَة فِي هَذَا الْحَدِيث نَحْوه وَأَتَمُّ مِنْهُ , وَلَفْظه \" ثُمَّ قَرَأَ مُعَاوِيَة يَحْكِي قِرَاءَة اِبْن مُغَفَّل وَقَالَ : لَوْلَا أَنْ تَجْتَمِع النَّاس عَلَيْكُمْ لَرَجَّعْت كَمَا رَجَّعَ اِبْن مُغَفَّل يَحْكِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقُلْت لَمُعَاوِيَة : كَيْف تَرْجِيعه ؟ قَالَ : أأأ ثَلَاث مَرَّات \" وَلِلْحَاكِمِ فِي \" الْإِكْلِيل \" مِنْ رِوَايَة وَهْب بْن جَرِير عَنْ شُعْبَة \" لَقَرَأْت بِذَلِكَ اللَّحْن الَّذِي قَرَأَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3946",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ زَمَنَ الْفَتْحِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهَلْ تَرَكَ لَنَا ‏ ‏عَقِيلٌ ‏ ‏مِنْ مَنْزِلٍ ثُمَّ قَالَ لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُؤْمِنَ ‏ ‏قِيلَ ‏ ‏لِلزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَمَنْ وَرِثَ ‏ ‏أَبَا طَالِبٍ ‏ ‏قَالَ وَرِثَهُ ‏ ‏عَقِيلٌ ‏ ‏وَطَالِبٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا فِي حَجَّتِهِ ‏ ‏وَلَمْ يَقُلْ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏حَجَّتِهِ وَلَا زَمَنَ الْفَتْحِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ بِنْت شُرَحْبِيل وَسَعْدَان بْن يَحْيَى هُوَ سَعِيد بْن يَحْيَى بْن صَالِح اللَّخْمِيّ أَبُو يَحْيَى الْكُوفِيّ نَزِيل دِمَشْق , وَسَعْدَان لَقَبه , وَهُوَ صَدُوق. وَأَشَارَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِلَى لَيِّنَة. وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. وَشَيْخه مُحَمَّد بْن أَبِي حَفْصَة , وَاسْم أَبِي حَفْصَة مَيْسَرَة , بَصْرِيّ يُكَنَّى أَبَا سَلَمَة , صَدُوق. ضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ. وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي الْحَجّ قَرَنَهُ فِيهِ بِغَيْرِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ قَالَ زَمَن الْفَتْح : يَا رَسُول اللَّه أَيْنَ نَنْزِل غَدًا ؟ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب تَوْرِيث دُور مَكَّة \" مِنْ كِتَاب الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله : ( قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ : مَنْ وَرِثَ أَبَا طَالِب ) ‏ ‏السَّائِل عَنْ ذَلِكَ لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( وَرِثَهُ عَقِيل وَطَالِب ) ‏ ‏, تَقَدَّمَ فِي الْحَجّ مِنْ رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ بِلَفْظِ \" وَكَانَ عَقِيل وَرِثَ أَبَا طَالِب هُوَ وَطَالِب وَلَمْ يَرِث جَعْفَر وَلَا عَلِيّ شَيْئًا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ. وَكَانَ عَقِيل وَطَالِب كَافِرَيْنِ \" اِنْتَهَى. وَهَذَا يَدُلّ عَلَى تَقَدُّم هَذَا الْحُكْم فِي أَوَائِل الْإِسْلَام , لِأَنَّ أَبَا طَالِب مَاتَ قَبْل الْهِجْرَة. وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْهِجْرَة لَمَّا وَقَعْت اِسْتَوْلَى عَقِيل وَطَالِب عَلَى مَا خَلَفَهُ أَبُو طَالِب , وَكَانَ أَبُو طَالِب قَدْ وَضَعَ يَده عَلَى مَا خَلَفَهُ عَبْد اللَّه وَالِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ كَانَ شَقِيقه وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد أَبِي طَالِب بَعْد مَوْت جَدّه عَبْد الْمُطَّلِب , فَلَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِب ثُمَّ وَقَعَتْ الْهِجْرَة وَلَمْ يُسْلِمْ طَالِب وَتَأَخَّرَ إِسْلَام عَقِيل اِسْتَوْلَيَا عَلَى مَا خَلَفَ أَبُو طَالِب , وَمَاتَ طَالِب قَبْل بَدْر وَتَأَخَّرَ عَقِيل , فَلَمَّا تَقَرَّرَ حُكْم الْإِسْلَام بِتَرْكِ تَوْرِيث الْمُسْلِم مِنْ الْكَافِر اِسْتَمَرَّ ذَلِكَ بِيَدِ عَقِيل فَأَشَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَلِكَ , وَكَانَ عَقِيل قَدْ بَاعَ تِلْكَ الدُّور كُلّهَا. وَاخْتُلِفَ فِي تَقْرِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقِيلًا عَلَى مَا يَخُصّهُ هُوَ. فَقِيلَ : تَرَكَ لَهُ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِ , وَقِيلَ اِسْتِمَالَة لَهُ وَتَأْلِيفًا , وَقِيلَ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفَاتِ الْجَاهِلِيَّة كَمَا تُصَحَّح أَنْكِحَتهمْ. وَفِي قَوْله : \" وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيل مِنْ دَار \" إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا بِغَيْرِ بَيْع لَنَزَلَ فِيهَا , وَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى الْخَطَّابِيّ حَيْثُ قَالَ : إِنَّمَا لَمْ يَنْزِل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا لِأَنَّهَا دُور هَجَرُوهَا فِي اللَّه تَعَالَى بِالْهِجْرَةِ , فَلَمْ يَرَ أَنْ يَرْجِع فِي شَيْء تَرَكَهُ لِلَّهِ تَعَالَى. وَفِي كَلَامه نَظَر لَا يَخْفَى , وَالْأَظْهَر مَا قَدَّمْته , وَأَنَّ الَّذِي يَخْتَصّ بِالتَّرْكِ إِنَّمَا هُوَ إِقَامَة الْمُهَاجِر فِي الْبَلَد الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي أَبْوَاب الْهِجْرَة , لَا مُجَرَّد نُزُوله فِي دَار يَمْلِكهَا إِذَا أَقَامَ الْمُدَّة الْمَأْذُون لَهُ فِيهَا وَهِيَ أَيَّام النُّسُك وَثَلَاثَة أَيَّام بَعْده. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور ‏ ‏( أَيْنَ نَنْزِل غَدًا فِي حَجَّتِهِ ) ‏ ‏طَرِيق مَعْمَر تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَة فِي الْجِهَاد. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَقُلْ يُونُس ) ‏ ‏أَيْ اِبْن يَزِيد ‏ ‏( حَجَّته وَلَا زَمَن الْفَتْح ) ‏ ‏أَيْ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ , بَقِيَ الِاخْتِلَاف بَيْن اِبْن أَبِي حَفْصَة وَمَعْمَر , أَوْثَق وَأَتْقَن مِنْ مُحَمَّد بْن أَبِي حَفْصَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3947",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْزِلُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِذَا فَتَحَ اللَّهُ ‏ ‏الْخَيْفُ ‏ ‏حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْرَج. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْزِلنَا إِنْ شَاءَ اللَّه ) ‏ ‏هُوَ لِلتَّبَرُّكِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا اِفْتَتَحَ اللَّه الْخِيف ) ‏ ‏هُوَ بِالرَّفْعِ وَهُوَ مُبْتَدَأ خَبَره مَنْزِلنَا , وَلَيْسَ هُوَ مَفْعُول اِفْتَتَحَ. وَالْخِيف مَا اِنْحَدَرَ عَنْ غِلَظ الْجَبَل وَارْتَفَعَ عَنْ مَسِيل الْمَاء. ‏ ‏قَوْله : ( حَيْثُ تَقَاسَمُوا ) ‏ ‏يَعْنِي قُرَيْشًا ‏ ‏( عَلَى الْكُفْر ) ‏ ‏أَيْ لَمَّا تَحَالَفَ قُرَيْش أَنْ لَا يُبَايِعُوا بَنِي هَاشِم وَلَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُؤْوُوهُمْ وَحَصَرُوهُمْ فِي الشِّعْب وَتَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي الْمَبْعَث , وَتَقَدَّمَ أَيْضًا شَرْحه فِي \" بَاب نُزُولِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة \" مِنْ كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3948",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ أَرَادَ ‏ ‏حُنَيْنًا ‏ ‏مَنْزِلُنَا غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ‏ ‏بِخَيْفِ ‏ ‏بَنِي كِنَانَةَ ‏ ‏حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أَرَادَ حُنَيْنًا ) ‏ ‏أَيْ فِي غَزْوَة الْفَتْح لِأَنَّ غَزْوَة حُنَيْنٍ عَقِب غَزْوَة الْفَتْح , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَجِّ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" حِين أَرَادَ قُدُوم مَكَّة \" وَلَا مُغَايِرَة بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِطَرِيقِ الْجَمْع الْمَذْكُور , لَكِنْ ذَكَرَهُ هُنَاكَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" قَالَ وَهُوَ بِمِنَى : نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخِيْفِ بَنِي كِنَانَة \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي حَجَّته لَا فِي غَزْوَة الْفَتْح , فَهُوَ شَبِيه بِالْحَدِيثِ الَّذِي قَبْله فِي الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ , وَيُحْتَمَل التَّعَدُّد وَاَللَّه أَعْلَم. قِيلَ إِنَّمَا اِخْتَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النُّزُول فِي ذَلِكَ الْمَوْضِع لِيَتَذَكَّر مَا كَانُوا فِيهِ فَيَشْكُر اللَّه تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ الْفَتْح الْعَظِيم وَتَمَكُّنهمْ مِنْ دُخُول مَكَّة ظَاهِرًا عَلَى رَغْم أَنْف مَنْ سَعَى فِي إِخْرَاجه مِنْهَا وَمُبَالَغَة فِي الصَّفْح عَنْ الَّذِينَ أَسَاءُوا وَمُقَابَلَتهمْ بِالْمَنِّ وَالْإِحْسَان , ذَلِكَ فَضْل اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "3949",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ ‏ ‏الْمِغْفَرُ ‏ ‏فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ خَطَلٍ ‏ ‏مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فَقَالَ اقْتُلْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَحْيَى بْن قَزَعَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَالزَّاي بَعْدهَا مُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن عَبْد الْحَمِيد عَنْ مَالِك \" حَدَّثَنِي اِبْن شِهَاب \" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَفِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ أَبِي أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ عَنْ مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب \" أَنَّ أَنَس بْن مَالِك أَخْبَرَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( الْمِغْفَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلَّامِ عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر عَنْ مَالِك \" مِغْفَر مِنْ حَدِيد \" قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو عُبَيْد وَهُوَ فِي \" الْمُوَطَّأ \" لِيَحْيَى بْن بُكَيْر مِثْل الْجَمَاعَة , وَرَوَاهُ عَنْ مَالِك جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابه خَارِج الْمُوَطَّأ بِلَفْظِ \" مِغْفَر مِنْ حَدِيد \" ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَة عَشَرَة عَنْ مَالِك كَذَلِكَ , وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْد اِبْن عَدِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي أُوَيْس عَنْ اِبْن شِهَاب , وَعِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ رِوَايَة شَبَّابَة بْن سِوَار عَنْ مَالِك , وَفِي هَذَا الْحَدِيث \" مِنْ رَأَى مِنْكُمْ اِبْن خَطَل فَلْيَقْتُلْهُ \" وَمِنْ رِوَايَة زَيْد بْن الْحُبَابِ عَنْ مَالِك بِهَذَا الْإِسْنَاد \" وَكَانَ اِبْن خَطَل يَهْجُو رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشِّعْرِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اُقْتُلْهُ ) ‏ ‏زَادَ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ مَالِك فِي آخِره \" فَقُتِلَ \" أَخْرَجَهُ اِبْن عَائِذ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ , وَاخْتُلِفَ فِي قَاتِله , وَقَدْ جَزَمَ اِبْن إِسْحَاق بِأَنَّ سَعِيد بْن حُرَيْثٍ وَأَبَا بَرْزَة الْأَسْلَمِيّ اِشْتَرَكَا فِي قَتْله , وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ فِيهِ أَقْوَالًا : مِنْهَا أَنَّ قَاتِله شَرِيك بْن عَبْدَة الْعَجْلَانَيَّ , وَرَجَّحَ أَنَّهُ أَبُو بَرْزَة , وَقَدْ بَيَّنْت مَا فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَاف فِي كِتَاب الْحَجّ مَعَ بَقِيَّة شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب دُخُول مَكَّة بِغَيْرِ إِحْرَام \" مِنْ أَبْوَاب الْعُمْرَة بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ. وَاسْتَدَلَّ بِقَتْلِ اِبْن خَطَل وَهُوَ مُتَعَلِّق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة عَلَى أَنَّ الْكَعْبَة لَا تُعِيذ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْل , وَأَنَّهُ يَجُوز قَتْل مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْل فِي الْحَرَم. وَفِي الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ نَظَر لِأَنَّ الْمُخَالِفِينَ تَمَسَّكُوا بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي السَّاعَة الَّتِي أُحِلَّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا الْقِتَال بِمَكَّة , وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ حُرْمَتهَا عَادَتْ كَمَا كَانَتْ , وَالسَّاعَة الْمَذْكُورَة وَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّهَا اِسْتَمَرَّتْ مِنْ صَبِيحَة يَوْم الْفَتْحِ إِلَى الْعَصْرِ. وَأَخْرَجَ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" كِتَاب مَكَّة \" مِنْ حَدِيث السَّائِب بْن يَزِيد قَالَ : \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَخْرَجَ مِنْ تَحْت أَسْتَار الْكَعْبَة عَبْد اللَّه بْن خَطَل فَضَرَبْت عُنُقه صَبْرًا بَيْن زَمْزَم وَمَقَام إِبْرَاهِيم وَقَالَ : \" لَا يُقْتَلَنّ قُرَشِيّ بَعْد هَذَا صَبْرًا \" وَرِجَاله ثِقَات إِلَّا أَنَّ فِي أَبِي مَعْشَر مَقَالًا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "3950",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏يَوْمَ الْفَتْحِ وَحَوْلَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏سِتُّونَ وَثَلَاثُ مِائَةِ ‏ ‏نُصُبٍ ‏ ‏فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ ‏ { ‏جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ‏} { ‏جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَمِيدِيّ فِي التَّفْسِير عَنْ اِبْن عُيَيْنَة حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي نَجِيح وَهُوَ عَبْد اللَّه وَاسْم أَبِي نَجِيح يَسَار , وَتَقَدَّمَ فِي الْمُلَازَمَة عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي نَجِيح \" وَلِابْنِ عُيَيْنَة فِي هَذَا الْحَدِيث إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْغَفَّار بْن دَاوُدَ عَنْ اِبْن عُيَيْنَة عَنْ جَامِع بْن أَبِي رَاشِد عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي مَعْمَر ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن سَخْبَرَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( سِتُّونَ وَثَلَاثمِائَة نُصُب ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون وَالْمُهْمَلَة وَقَدْ تُسَكَّن , بَعْدهَا مُوَحَّدَة , هِيَ وَاحِدَة الْأَنْصَاب , وَهُوَ مَا يُنْصَب لِلْعِبَادَةِ مِنْ دُون اللَّه تَعَالَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ \" صَنَمًا \" بَدَل \" نُصُبًا \". وَيُطْلَق النُّصُب وَيُرَاد بِهِ الْحِجَارَة الَّتِي كَانُوا يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا لِلْأَصْنَامِ وَلَيْسَتْ مُرَادَة هُنَا , وَتُطْلَق الْأَنْصَاب عَلَى أَعْلَام الطَّرِيق وَلَيْسَتْ مُرَادَة هُنَا وَلَا فِي الْآيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْعَيْن وَبِفَتْحِهَا وَالْأَوَّل أَشْهُر. ‏ ‏قَوْله : ( بِعُودٍ فِي يَده وَيَقُول : جَاءَ الْحَقّ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" يَطْعَن فِي عَيْنَيْهِ بِسِيَةِ الْقَوْس \" وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد الْفَاكِهِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ \" فَيَسْقُط الصَّنَم وَلَا يَمَسّهُ \" , وَلِلْفَاكِهِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" فَلَمْ يَبْقَ وَثَن اِسْتَقْبَلَهُ إِلَّا سَقَطَ عَلَى قَفَاهُ , مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ ثَابِتَة بِالْأَرْضِ , وَقَدْ شَدَّ لَهُمْ إِبْلِيس أَقْدَامهَا بِالرَّصَاصِ \" وَفَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِإِذْلَالِ الْأَصْنَام وَعَابِدِيهَا , وَلِإِظْهَارِ أَنَّهَا لَا تَنْفَع وَلَا تَضُرّ , وَلَا تَدْفَع عَنْ نَفْسهَا شَيْئًا. ‏"
    },
    {
        "id": "3951",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏أَبَى أَنْ يَدْخُلَ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏وَفِيهِ الْآلِهَةُ فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ فَأُخْرِجَ صُورَةُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَإِسْمَاعِيلَ ‏ ‏فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ ‏ ‏الْأَزْلَامِ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَاتَلَهُمْ اللَّهُ لَقَدْ عَلِمُوا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ ثُمَّ دَخَلَ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِي ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏وَخَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَنْصُور , وَعَبْد الصَّمَد هُوَ اِبْن عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي أَبِي ) ‏ ‏سَقَطَ مِنْ رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ وَلَا بُدّ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَبَى أَنْ يَدْخُل الْبَيْت وَفِيهِ الْآلِهَة , فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر عِنْد اِبْن سَعْد وَأَبِي دَاوُدَ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ أَنْ يَأْتِيَ الْكَعْبَة فَيَمْحُو كُلّ صُورَة فِيهَا , فَلَمْ يَدْخُلهَا حَتَّى مُحِيَتْ الصُّوَر , وَكَانَ عُمَر هُوَ الَّذِي أَخْرَجَهَا \" وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ مَحَا مَا كَانَ مِنْ الصُّوَر مَدْهُونًا مَثَلًا , وَأَخْرَجَ مَا كَانَ مَخْرُوطًا. وَأَمَّا حَدِيث أُسَامَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْكَعْبَة فَرَأَى صُورَة إِبْرَاهِيم فَدَعَا بِمَاءٍ فَجَعَلَ يَمْحُوهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجّ فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ بَقِيَتْ بَقِيَّة خَفِيَ عَلَى مَنْ مَحَاهَا أَوَّلًا. وَقَدْ حَكَى اِبْن عَائِذ فِي الْمَغَازِي عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز أَنَّ صُورَة عِيسَى وَأُمّه بَقِيَتَا حَتَّى رَآهُمَا بَعْض مَنْ أَسْلَمَ مِنْ نَصَارَى غَسَّان فَقَالَ : إِنَّكُمَا لَبِبِلَادِ غُرْبَة , فَلَمَّا هَدَمَ اِبْن الزُّبَيْر الْبَيْت ذَهَبَا فَلَمْ يَبْقَ لَهُمَا أَثَر. وَقَدْ أَطْنَبَ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" كِتَاب مَكَّة \" فِي تَخْرِيج طَرِيق هَذَا الْحَدِيث فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ : \" حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ سَأَلَ سُلَيْمَان بْن مُوسَى عَطَاء : أَدْرَكْت فِي الْكَعْبَة تَمَاثِيل ؟ قَالَ : نَعَمْ , أَدْرَكْت تَمَاثِيل مَرْيَم فِي حِجْرهَا اِبْنهَا عِيسَى مُزَوَّقًا , وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْعَمُود الْأَوْسَط الَّذِي يَلِي الْبَاب. قَالَ : فَمَتَى ذَهَبَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : فِي الْحَرِيق \" وَفِيهِ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن دِينَار أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِطَمْسِ الصُّوَر الَّتِي كَانَتْ فِي الْبَيْت \" وَهَذَا سَنَد صَحِيح , وَمِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مِهْرَانَ عَنْ عُمَيْر مَوْلَى اِبْن عَبَّاس عَنْ أُسَامَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْكَعْبَة فَأَمَرَنِي فَأَتَيْته بِمَاءٍ فِي دَلْو فَجَعَلَ يَبُلّ الثَّوْب وَيَضْرِب بِهِ عَلَى الصُّوَر وَيَقُول : قَاتَلَ اللَّه قَوْمًا يُصَوِّرُونَ مَا لَا يَخْلُقُونَ \" قَوْله : \" وَخَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ \" تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب مَنْ كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْكَعْبَة \" مِنْ كِتَاب الْحَجّ , وَفِيهِ الْكَلَام عَلَى مَنْ أَثْبَت صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَعْبَة وَمَنْ نَفَاهَا. ‏ ‏قَوْله : ( الْأَزْلَام ) ‏ ‏هِيَ السِّهَام الَّتِي كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا الْخَيْر وَالشَّرّ , وَعِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث جَابِر نَحْو حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَفِيهِ \" فَأَمَرَ بِهَا فَكُبَّتْ لِوُجُوهِهَا \" وَفِيهِ نَحْو حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَزَادَ \" قَاتَلَهُمْ اللَّه , مَا كَانَ إِبْرَاهِيم يَسْتَقْسِم بِالْأَزْلَامِ. ثُمَّ دَعَا بِزَعْفَرَانٍ فَلَطَّخَ تِلْكَ التَّمَاثِيل \". وَفِي الْحَدِيث كَرَاهِيَة الصَّلَاة فِي الْمَكَان الَّذِي فِيهِ صُوَر لِكَوْنِهَا مَظِنَّة الشِّرْك , وَكَانَ غَالِب كُفْر الْأُمَم مِنْ جِهَة الصُّوَرِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ وُهَيْب حَدَّثَنَا أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُ أَرْسَلَهُ. وَوَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيِّ بِإِثْبَاتِ اِبْن عَبَّاس فِي التَّعْلِيق عَنْ وُهَيْب وَهُوَ خَطَأ , وَرَجَّحْت الرِّوَايَة الْمَوْصُولَة عِنْد الْبُخَارِيّ لِاتِّفَاقِ عَبْد الْوَارِث وَمَعْمَر عَلَى ذَلِكَ عَنْ أَيُّوب. ‏"
    },
    {
        "id": "3952",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ ‏ ‏كَدَاءٍ ‏ ‏الَّتِي بِأَعْلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏وَوُهَيْبٌ ‏ ‏فِي ‏ ‏كَدَاءٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْهَيْثَم بْن خَارِجَة ) ‏ ‏بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَجِيم خُرَاسَانِيّ نَزَلَ بَغْدَاد , كَانَ مِنْ الْأَثْبَات. قَالَ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد : كَانَ أَبِي إِذَا رَضِيَ عَنْ إِنْسَان وَكَانَ عِنْده ثِقَة حَدَّثَ عَنْهُ وَهُوَ حَيّ , فَحَدَّثَنَا عَنْ الْهَيْثَم بْن خَارِجَة وَهُوَ حَيّ , وَلَيْسَ لَهُ عِنْد الْبُخَارِيّ مَوْصُول سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏( تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَة وَوُهَيْب فِي كَدَاء ) ‏ ‏أَيْ رَوَيَاهُ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة بِهَذَا الْإِسْنَاد وَقَالَا فِي رِوَايَتِهِمَا \" دَخَلَ مِنْ كَدَاء \" أَيْ بِالْفَتْحِ وَالْمَدّ , وَطَرِيق أَبِي أُسَامَة وَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي الْحَجّ عَنْ مَحْمُود بْن غَيْلَان عَنْهُ مَوْصُولًا , وَأَوْرَدَهَا هُنَا عَنْ عُبَيْد بْن إِسْمَاعِيل عَنْهُ فَلَمْ يَذْكُر فِيهِ عَائِشَة. وَأَمَّا طَرِيق وُهَيْب وَهُوَ اِبْن خَالِد فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف أَيْضًا فِي الْحَجّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفَى هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3953",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏دَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ الْفَتْحِ ‏ ‏مِنْ أَعْلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏كَدَاءٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3954",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏مَا أَخْبَرَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرَ ‏ ‏أُمِّ هَانِئٍ ‏ ‏فَإِنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّهُ يَوْمَ فَتْحِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا ثُمَّ صَلَّى ‏ ‏ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ قَالَتْ لَمْ أَرَهُ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3955",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ ‏ ‏سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول بِغَيْرِ تَرْجَمَة , وَكَأَنَّهُ بَيَّضَ لَهُ فَلَمْ يَتَّفِق لَهُ وُقُوع مَا يُنَاسِبهُ , وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَة أَحَادِيث : حَدِيث عَائِشَة ‏ ‏( كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِي رُكُوعه وَسُجُوده سُبْحَانك اللَّهُمَّ رَبّنَا وَبِحَمْدِك , اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَبْوَاب صِفَة الصَّلَاة. وَوَجْه دُخُوله هُنَا مَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِير بِلَفْظِ \" مَا صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة بَعْد أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ( إِذَا جَاءَ نَصَرَ اللَّه وَالْفَتْح ) إِلَّا يَقُول فِيهَا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "3956",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏بَعْضُهُمْ ‏ ‏لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الْفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ قَالَ فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ قَالَ وَمَا رُئِيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي ‏ { ‏إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ‏} ‏حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نَدْرِي أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا فَقَالَ لِي يَا ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَكَذَاكَ تَقُولُ قُلْتُ لَا قَالَ فَمَا تَقُولُ قُلْتُ هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ ‏ { ‏إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ‏} ‏فَتْحُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ ‏ { ‏فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ‏} ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( كَانَ عُمَر يُدْخِلْنِي مَعَ أَشْيَاخ بَدْر ) ‏ ‏الْحَدِيث سَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفَى فِي تَفْسِير سُورَة النَّصْر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْله : ( مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ ) ‏ ‏أَيْ فَضْله. ‏ ‏وَقَوْله : ( لِيُرِيَهُمْ مِنِّي ) ‏ ‏أَيْ بَعْض فَضِيلَتِي. وَقَوْله : ‏ ‏( فَقَالَ لَهُ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى حَذْف آلَة النِّدَاء , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" يَا بْن عَبَّاس \". ‏"
    },
    {
        "id": "3957",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ شُرَحْبِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْغَدَ يَوْمَ الْفَتْحِ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ إِنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏إِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا ‏ ‏يَعْضِدَ ‏ ‏بِهَا شَجَرًا فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيهَا فَقُولُوا لَهُ إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَقِيلَ ‏ ‏لِأَبِي شُرَيْحٍ ‏ ‏مَاذَا قَالَ لَكَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قَالَ قَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا ‏ ‏أَبَا شُرَيْحٍ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏الْحَرَمَ ‏ ‏لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا ‏ ‏بِخَرْبَةٍ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏الْخَرْبَةُ الْبَلِيَّةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن شُرَحْبِيل ) ‏ ‏هُوَ الْكِنْدِيّ الْكُوفِيّ مِنْ قُدَمَاء شُيُوخِ الْبُخَارِيّ , وَلَيْسَ لَهُ عَنْهُ فِي الصَّحِيح سِوَى هَذَا الْمَوْضِع وَآخَر فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , وَكُلّ مِنْهُمَا عِنْده لَهُ مُتَابِع عَنْ اللَّيْث بْن سَعْد , وَالْمَقْبُرِيّ هُوَ سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( الْعَدَوِيُّ ) ‏ ‏كُنْت جَوَّزْت فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْبَاب فِي الْحَجّ أَنَّهُ مِنْ حُلَفَاء بَنِي عَدِيّ بْن كَعْب وَذَلِكَ لِأَنَّنِي رَأَيْته فِي طَرِيق أُخْرَى الْكَعْبِيّ نِسْبَة إِلَى بَنِي كَعْب بْن رَبِيعَة بْن عَمْرو بْن لُحَيّ , ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ نُسِبَ إِلَى بَنِي عَدِيّ بْن عَمْرو بْن لُحَيّ وَهُمْ إِخْوَة كَعْب , وَيَقَع هَذَا فِي الْأَنْسَاب كَثِيرًا يَنْسُبُونَ إِلَى أَخِي الْقَبِيلَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفَى فِي أَبْوَاب مُحَرَّمَات الْإِحْرَام مِنْ كِتَاب الْحَجّ , وَبَعْضه فِي كِتَاب الْعِلْم , وَيَأْتِي بَعْض شَرْحه فِي الدِّيَات فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَوَقَعَ فِي آخِره هُنَا \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه \" وَهُوَ الْمُصَنِّف \" الْخَرِبَة الْبَلِيَّة \". ‏"
    },
    {
        "id": "3958",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر ‏ ‏( أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول عَام الْفَتْح : إِنَّ اللَّه وَرَسُوله حَرَّمَ بَيْع الْخَمْر ) ‏ ‏كَذَا ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْبُيُوع مُطَوَّلًا مَعَ شَرْحِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3959",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقَمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَشْرًا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3960",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ‏ ‏يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3961",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقَمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ تِسْعَ عَشْرَةَ نَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَنَحْنُ نَقْصُرُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ تِسْعَ عَشْرَةَ فَإِذَا زِدْنَا أَتْمَمْنَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3962",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏وَنَحْنُ مَعَ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَزَعَمَ ‏ ‏أَبُو جَمِيلَةَ ‏ ‏أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَخَرَجَ مَعَهُ عَامَ الْفَتْحِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سُنَيْن أَبِي جَمِيلَة قَالَ : أَخْبَرَنَا وَنَحْنُ مَعَ اِبْن الْمُسَيِّب ) ‏ ‏وَالْجُمْلَة الْحَالِيَّة أَرَادَ الزُّهْرِيُّ بِهَا تَقْوِيَة رِوَايَته عَنْهُ بِأَنَّهَا كَانَتْ بِحَضْرَةِ سَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُنَيْن ) بِمُهْمَلَةٍ وَنُون مُصَغَّر , وَقِيلَ بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّة وَبِالنُّونِ الْأُولَى فَقَطْ , تَقَدَّمَ ذِكْره فِي الشَّهَادَات بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته. ‏ ‏قَوْله : ( وَخَرَجَ مَعَهُ عَام الْفَتْح ) ‏ ‏ذَكَرَ أَبُو عُمَر أَنَّهُ حَجّ مَعَهُ حَجَّة الْوَدَاع , تَقَدَّمَ ذِكْره فِي الشَّهَادَات. ‏"
    },
    {
        "id": "3963",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏أَبُو قِلَابَةَ ‏ ‏أَلَا تَلْقَاهُ فَتَسْأَلَهُ قَالَ فَلَقِيتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرَّ النَّاسِ وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا ‏ ‏الرُّكْبَانُ ‏ ‏فَنَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ مَا لِلنَّاسِ مَا هَذَا الرَّجُلُ فَيَقُولُونَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ وَكَأَنَّمَا ‏ ‏يُقَرُّ ‏ ‏فِي صَدْرِي وَكَانَتْ ‏ ‏الْعَرَبُ ‏ ‏تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمْ الْفَتْحَ فَيَقُولُونَ اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ ‏ ‏جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَقًّا فَقَالَ صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنْ ‏ ‏الرُّكْبَانِ ‏ ‏فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْحَيِّ أَلَا تُغَطُّوا عَنَّا ‏ ‏اسْتَ ‏ ‏قَارِئِكُمْ ‏ ‏فَاشْتَزَوْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيصِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو بْن سَلَمَة ) ‏ ‏مُخْتَلَف فِي صُحْبَته , فَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ أَبَاهُ وَفَدَ , وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ لَمْ يَفْدِ مَعَهُ , وَأَخْرَجَ اِبْن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَيُّوب بِهَذَا الْإِسْنَاد مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ وَفَدَ أَيْضًا , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ , وَأَبُو سَلِمَة بِكَسْرِ اللَّام هُوَ اِبْن قِيسَ وَيُقَال نُفَيْع الْجَرْمِيّ بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الرَّاء , صَحَابِيّ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَكَذَا اِبْنه , لَكِنْ وَقَعَ ذِكْر عَمْرو بْن سَلِمَة فِي حَدِيث مَالِك بْن الْحُوَيْرِث كَمَا تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لِي أَبُو قِلَابَة ) ‏ ‏هُوَ مَقُول أَيُّوب. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا بِمَاء مَمَرّ النَّاس ) ‏ ‏يَجُوز فِي مَمَرّ الْحَرَكَات الثَّلَاث , وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَيُّوب عَنْ عَمْرو بْن سَلِمَة \" كُنَّا نُحَاصِر , يَمُرّ بِنَا النَّاس إِذَا أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا لِلنَّاسِ , مَا لِلنَّاسِ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ مُكَرَّر مَرَّتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا هَذَا الرَّجُل ) ‏ ‏أَيْ يَسْأَلُونَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ حَال الْعَرَب مَعَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْحَى إِلَيْهِ , أَوْحَى اللَّه بِكَذَا ) ‏ ‏يُرِيد حِكَايَة مَا كَانُوا يُخْبِرُونَهُمْ بِهِ مِمَّا سَمِعُوهُ مِنْ الْقُرْآن , وَفِي رِوَايَة يُوسُف الْقَاضِي عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" فَيَقُولُونَ نَبِيّ يَزْعُم أَنَّ اللَّه أَرْسَلَهُ وَأَنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَيْهِ كَذَا وَكَذَا , فَجَعَلْت أَحْفَظ ذَلِكَ الْكَلَام \" وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" وَكُنْت غُلَامًا حَافِظًا , فَحَفِظْت مِنْ ذَلِكَ قُرْآنًا كَثِيرًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَكَأَنَّمَا يُقَرّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْميهَنِيّ بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْقَاف وَتَشْدِيد الرَّاء مِنْ الْقَرَار , وَفِي رِوَايَة عَنْهُ بِزِيَادَةِ أَلْف مَقْصُورَة مِنْ التَّقْرِيَةِ أَيْ يُجْمَع , وَلِلْأَكْثَرِ بِهَمْزِ مِنْ الْقِرَاءَة , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" يُغَرِّي \" بَغَيْنَ مُعْجَمَة وَرَاء ثَقِيلَة أَيْ يُلْصَق بِالْغِرَاءِ , وَرَجَّحَهَا عِيَاض. ‏ ‏قَوْله : ( تَلَوَّمَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَاللَّام وَتَشْدِيد الْوَاو أَيْ تَنْتَظِر وَإِحْدَى التَّاءَيْنِ مَحْذُوفَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَدَرَ ) ‏ ‏أَيْ سَبَقَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا قَدُمَ ) ‏ ‏اِسْتَقْبَلْنَاهُ , هَذَا يُشْعِر بِأَنَّهُ مَا وَفَدَ مَعَ أَبِيهِ لَكِنْ لَا يَمْنَع أَنْ يَكُون وَفَدَ بَعْد ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَركُمْ قُرْآنًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَمْرو بْن سَلِمَة عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه مَنْ يَؤُمّنَا ؟ قَالَ : أَكْثَركُمْ جَمْعًا لِلْقُرْآنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَنَظَرُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَنَظَرُوا إِلَى أَهْل حِوَائِنَا \" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَالْمَدِّ , وَالْحِوَاءِ مَكَان الْحَيّ النُّزُول. ‏ ‏قَوْله : ( تَقَلَّصَتْ ) ‏ ‏أَيْ انْجَمَعَتْ وَارْتَفَعَتْ , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ \" تَكَشَّفَتْ عَنِّي \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق عَاصِمِ بْن سُلَيْمَان عَنْ عَمْرو بْن سَلِمَة \" فَكُنْت أَؤُمّهُمْ فِي بُرْدَة مَوْصُولَة فِيهَا فَتْق , فَكُنْت إِذَا سَجَدْت خَرَجَتْ اِسْتِي \". ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا تُغَطُّونَ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول , وَزَعَمَ اِبْن التِّين أَنَّهُ وَقَعَ عِنْده بِحَذْفِ النُّون. وَلِأَبِي دَاوُدَ \" فَقَالَتْ اِمْرَأَة مِنْ النِّسَاء : وَارَوْا عَنَّا عَوْرَةَ قَارِئُكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَاشْتَرَوْا ) ‏ ‏أَيْ ثَوْبًا , وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" فَاشْتَرَوْا لِي قَمِيصًا عُمَانِيًّا \" وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيف الْمِيم نِسْبَة إِلَى عُمَان وَهِيَ مِنْ الْبَحْرَيْنِ , وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَة لَهُ \" قَالَ عَمْرو بْن سَلِمَة : فَمَا شَهِدْت مَجْمَعًا مِنْ جُرْم إِلَّا كُنْت إِمَامهمْ \" وَفِي الْحَدِيث حُجَّة لِلشَّافِعِيَّةِ فِي إِمَامَة الصَّبِيّ الْمُمَيِّز فِي الْفَرِيضَة , وَهِيَ خِلَافِيَّة مَشْهُورَة وَلَمْ يُنْصِف مَنْ قَالَ إِنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِمْ , وَلَمْ يَطَّلِع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهَا شَهَادَة نَفْي , وَلِأَنَّ زَمَن الْوَحْي لَا يَقَع التَّقْرِير فِيهِ عَلَى مَا لَا يَجُوز , كَمَا اِسْتَدَلَّ أَبُو سَعِيد وَجَابِر لِجَوَازِ الْعَزْل بِكَوْنِهِمْ فَعَلُوهُ عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ لَنَهَى عَنْهُ فِي الْقُرْآن , وَكَذَا مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ بِأَنَّ سَتْر الْعَوْرَة فِي الصَّلَاة لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّتِهَا بَلْ هُوَ سُنَّة , وَيَجْزِي بِدُونِ ذَلِكَ لِأَنَّهَا وَاقِعَة حَال فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ بَعْد عِلْمهمْ بِالْحُكْمِ. وَقَالَ اِبْن شِهَاب : وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَصِيح بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3964",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏أَنْ يَقْبِضَ ابْنَ وَلِيدَةِ ‏ ‏زَمْعَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُتْبَةُ ‏ ‏إِنَّهُ ابْنِي فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فِي الْفَتْحِ أَخَذَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏ابْنَ وَلِيدَةِ ‏ ‏زَمْعَةَ ‏ ‏فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَقْبَلَ مَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏هَذَا ابْنُ أَخِي عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَخِي هَذَا ‏ ‏ابْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ ‏ ‏زَمْعَةَ ‏ ‏فَإِذَا أَشْبَهُ النَّاسِ ‏ ‏بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ لَكَ هُوَ أَخُوكَ يَا ‏ ‏عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ‏ ‏مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏احْتَجِبِي مِنْهُ يَا ‏ ‏سَوْدَةُ ‏ ‏لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِ ‏ ‏عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَصِيحُ بِذَلِكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة اِبْن وَلِيدَة زَمْعَة , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْفَرَائِض إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي آخِره حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي مَعْنَى قَوْله : \" الْوَلَد لِلْفِرَاشِ \" وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة وَقَعَتْ فِي فَتْحِ مَكَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي يُونُس ) ‏ ‏وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" وَسَاقَهُ الْمُصَنِّف هُنَا عَلَى لَفْظ يُونُس , وَأَوْرَدَهُ مَقْرُونًا بِطَرِيقِ مَالِك وَفِيهِ مُخَالَفَة شَدِيدَة لَهُ , وَسَأُبَيِّنُ ذَلِكَ عِنْد شَرْحه , وَقَدْ عَابَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَقَالَ : قَرَنَ بَيْن رِوَايَتَيْ مَالِك وَيُونُس مَعَ شِدَّة اِخْتِلَافهمَا , وَلَمْ يُبَيِّن ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب قَالَتْ عَائِشَة ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَهَذَا الْقَدْر مَوْصُول فِي رِوَايَة مَالِك بِذِكْرِ عُرْوَة فِيهِ , وَفِي قَوْله : \" هُوَ أَخُوك يَا عَبْد بْن زَمْعَة \" رَدّ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْله : \" هُوَ لَك يَا عَبْد بْن زَمْعَة \" أَنَّ اللَّام فِيهِ لِلْمِلْكِ فَقَالَ : أَيْ هُوَ لَك عَبْد. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن شِهَاب وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَصِيح بِذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ يُعْلِن بِهَذَا الْحَدِيث وَهَذَا مَوْصُول إِلَى اِبْن شِهَاب وَمُنْقَطِع بَيْن اِبْن شِهَاب وَأَبِي هُرَيْرَة , وَهُوَ حَدِيث مُسْتَقِلّ أَغْفَلَ الْمِزِّيُّ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ فِي \" الْأَطْرَاف \" وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَمُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق مَعْمَر كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , زَادَ مَعْمَر \" وَأَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْوَلَد لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَر \" وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ سَعِيد وَأَبِي سَلَمَة مَعًا ; وَفِي أُخْرَى عَنْ سَعِيد أَوْ أَبِي سَلِمَة. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" : هُوَ مَحْفُوظ لِابْنِ شِهَاب عَنْهُمَا. قُلْت : وَسَيَأْتِي فِي الْفَرَائِض مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِاخْتِصَارٍ , لَكِنْ مِنْ غَيْر طَرِيق اِبْن شِهَاب , فَلَعَلَّ هَذَا الِاخْتِلَاف هُوَ السَّبَب فِي تَرْك إِخْرَاج الْبُخَارِيّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ طَرِيق اِبْن شِهَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "3965",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏غَزْوَةِ الْفَتْحِ ‏ ‏فَفَزِعَ قَوْمُهَا إِلَى ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏يَسْتَشْفِعُونَهُ قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏فَلَمَّا كَلَّمَهُ ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏فِيهَا ‏ ‏تَلَوَّنَ ‏ ‏وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ خَطِيبًا فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ‏ ‏سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَتَزَوَّجَتْ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عُرْوَة بْن الزُّبَيْر أَنَّ اِمْرَأَة سَرَقَتْ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِصُورَةِ الْإِرْسَال , لَكِنْ فِي آخِره مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عَنْ عَائِشَة , لِقَوْلِهِ فِي آخِره : \" قَالَتْ عَائِشَة فَكَانَتْ تَأْتِينِي بَعْد ذَلِكَ فَأَرْفَع حَاجَتهَا \" وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" فَتَابَتْ فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا وَكَانَتْ تَأْتِينِي فَأَرْفَع حَاجَتهَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَسَيَأْتِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْحُدُود ; وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة وَقَعَتْ يَوْم الْفَتْح. ‏"
    },
    {
        "id": "3966",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُجَاشِعٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِأَخِي ‏ ‏بَعْدَ الْفَتْحِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُكَ بِأَخِي لِتُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ قَالَ ‏ ‏ذَهَبَ أَهْلُ الْهِجْرَةِ بِمَا فِيهَا فَقُلْتُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُبَايِعُهُ قَالَ أُبَايِعُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ ‏ ‏فَلَقِيتُ ‏ ‏مَعْبَدًا ‏ ‏بَعْدُ وَكَانَ أَكْبَرَهُمَا فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ صَدَقَ ‏ ‏مُجَاشِعٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة , وَعَاصِم هُوَ اِبْن سُلَيْمَان , وَأَبُو عُثْمَان هُوَ النَّهْدِيُّ , وَمُجَاشِع هُوَ اِبْن مَسْعُود السُّلَمِيّ , وَقَوْله : \" بِأَخِي \" هُوَ مَجَالِد بِوَزْنِ أَخِيهِ , وَكُنْيَته مَعْبَد كَمَا فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة , وَاَلَّذِي هُنَا \" فَلَقِيت مَعْبَدًا \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ \" فَلَقِيت أَبَا مَعْبَد \" وَهُوَ وَهْم مِنْ جِهَة هَذِهِ الرِّوَايَة وَإِنْ كَانَ صَوَابًا فِي نَفْس الْأَمْر. ‏"
    },
    {
        "id": "3967",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏انْطَلَقْتُ ‏ ‏بِأَبِي مَعْبَدٍ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ قَالَ ‏ ‏مَضَتْ الْهِجْرَةُ لِأَهْلِهَا أُبَايِعُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ ‏ ‏فَلَقِيتُ ‏ ‏أَبَا مَعْبَدٍ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏صَدَقَ ‏ ‏مُجَاشِعٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاشِعٍ ‏ ‏أَنَّهُ جَاءَ بِأَخِيهِ ‏ ‏مُجَالِدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ خَالِد ) ‏ ‏هُوَ الْحَذَّاء , وَصَلَ هَذِهِ الطَّرِيق الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ جِهَة خَالِد بْن عَبْد اللَّه عَنْهُ بِلَفْظِ عَنْ مُجَاشِعٍ بْن مَسْعُود أَنَّهُ جَاءَ بِأَخِيهِ مُجَالِد بْن مَسْعُود فَقَالَ : \" هَذَا مُجَالِد يَا رَسُول اللَّه فَبَايِعْهُ عَلَى الْهِجْرَة \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان أَحْوَال الْهِجْرَة مُسْتَوْفَى فِي أَبْوَاب الْهِجْرَة وَفِي أَوَائِل الْجِهَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "3968",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُهَاجِرَ إِلَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ فَانْطَلِقْ فَاعْرِضْ نَفْسَكَ فَإِنْ وَجَدْتَ شَيْئًا وَإِلَّا رَجَعْتَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عُمَرَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَا هِجْرَةَ الْيَوْمَ أَوْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر , تَقَدَّمَ سَنَدًا وَمَتْنًا فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ النَّضْر ) ‏ ‏اِبْن شُمَيْلٍ , وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن مَنْصُور عَنْهُ وَزَادَ فِي آخِره \" وَلَكِنْ جِهَاد , فَانْطَلِقْ فَاعْرِضْ نَفْسك فَإِنْ أَصَبْت شَيْئًا وَإِلَّا فَارْجِعْ \" ‏"
    },
    {
        "id": "3969",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ الْمَكِّيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ يَقُولُ ‏ ‏لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3970",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ‏ ‏قَالَ زُرْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏مَعَ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏فَسَأَلَهَا عَنْ الْهِجْرَةِ فَقَالَتْ ‏ ‏لَا هِجْرَةَ الْيَوْمَ كَانَ الْمُؤْمِنُ يَفِرُّ أَحَدُهُمْ بِدِينِهِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَخَافَةَ أَنْ يُفْتَنَ عَلَيْهِ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فَالْمُؤْمِنُ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَيْثُ شَاءَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة , تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْهِجْرَة سَنَدًا وَمَتْنًا , وَإِسْحَاق بْن يَزِيد هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد الْفَرَادِيسِيّ نِسْبَة إِلَى جَدِّهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3971",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهِيَ حَرَامٌ بِحَرَامِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَلَمْ تَحْلِلْ لِي قَطُّ إِلَّا سَاعَةً مِنْ الدَّهْرِ لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا ‏ ‏يُعْضَدُ ‏ ‏شَوْكُهَا وَلَا ‏ ‏يُخْتَلَى ‏ ‏خَلَاهَا ‏ ‏وَلَا تَحِلُّ ‏ ‏لُقَطَتُهَا ‏ ‏إِلَّا لِمُنْشِدٍ فَقَالَ ‏ ‏الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْقَيْنِ وَالْبُيُوتِ فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏فَإِنَّهُ حَلَالٌ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْكَرِيمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏بِمِثْلِ هَذَا أَوْ نَحْوِ هَذَا ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَنْصُور وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ , وَقَالَ الْحَاكِم هُوَ اِبْن نَصْر. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم ) ‏ ‏هُوَ النَّبِيل وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُجَاهِد أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏: هَذَا مُرْسَل , وَقَدْ وَصَلَهُ فِي الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَغَيْرهمَا مِنْ رِوَايَة مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد عَنْ طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَأَوْرَدَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَاَلَّذِي قَبْله أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ اِبْن جُرَيْج ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْله , وَعَبْد الْكَرِيم هُوَ اِبْن مَالِك الْجَزَرِيُّ , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي عَاصِم عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" سَمِعْت عَبْد الْكَرِيم سَمِعْت عِكْرِمَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ الْخُطْبَة الْمَذْكُورَة , وَقَدْ وَصَلَهَا فِي كِتَاب الْعِلْم مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَأَوَّل الْحَدِيث عِنْده \" أَنَّ اللَّه حَبَسَ عَنْ مَكَّة الْفِيل , وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُوله وَالْمُؤْمِنِينَ \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏"
    },
    {
        "id": "3972",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏رَأَيْتُ بِيَدِ ‏ ‏ابْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏ضَرْبَةً قَالَ ‏ ‏ضُرِبْتُهَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏قُلْتُ شَهِدْتَ ‏ ‏حُنَيْنًا ‏ ‏قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَكَذَا هُوَ مَنْسُوب فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ يَزِيد بْن هَارُون. ‏ ‏قَوْله : ( ضَرْبَة ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد \" فَقُلْت مَا هَذِهِ \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" ضَرْبَة عَلَى سَاعِده \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" أَثَر ضَرْبَة \". ‏ ‏قَوْله : ( شَهِدْت حُنَيْنًا قَالَ قَبْل ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَحْمَد \" قَالَ نَعَمْ وَقَبْل ذَلِكَ \" وَمُرَاده بِمَا قَبْل ذَلِكَ مَا قَبْل حُنَيْنٍ مِنْ الْمَشَاهِد , وَأَوَّل مَشَاهِده الْحُدَيْبِيَة فِيمَا ذَكَرَهُ مَنْ صَنَّفَ فِي الرِّجَال , وَوَقَفْت فِي بَعْض حَدِيثه عَلَى مَا يَدُلّ أَنَّهُ شَهِدَ الْخَنْدَق , وَهُوَ صَحَابِيّ اِبْن صَحَابِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3973",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا عُمَارَةَ ‏ ‏أَتَوَلَّيْتَ يَوْمَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏فَقَالَ أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ لَمْ يُوَلِّ وَلَكِنْ عَجِلَ سَرَعَانُ الْقَوْمِ ‏ ‏فَرَشَقَتْهُمْ ‏ ‏هَوَازِنُ ‏ ‏وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏آخِذٌ بِرَأْسِ بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ يَقُولُ ‏ ‏أَنَا النَّبِيُّ لَا ‏ ‏كَذِبْ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء , ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ السُّبَيْعِيّ , وَمَدَار هَذَا الْحَدِيث عَلَيْهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ قَالَ : \" حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاق \". ‏ ‏قَوْله : ( وَجَاءَهُ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَقَدْ ذَكَرَ فِي الرِّوَايَة الثَّالِثَة أَنَّهُ مِنْ قَيْس. ‏ ‏قَوْله : ( يَا أَبَا عُمَارَة ) ‏ ‏هِيَ كُنْيَة الْبَرَاء. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَوَلَّيْت يَوْم حَنِين ) ‏ ‏الْهَمْزَة لِلِاسْتِفْهَامِ وَتَوَلَّيْت أَيْ اِنْهَزَمْت , وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" أَوَلَّيْتُمْ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم حُنَيْنٍ \" وَفِي الثَّالِثَة \" أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَكُلّهَا بِمَعْنَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَّا أَنَا فَأَشْهَد عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يُوَلِّ ) ‏ ‏تَضَمَّنَ جَوَاب الْبَرَاء إِثْبَات الْفِرَار لَهُمْ , لَكِنْ لَا عَلَى طَرِيق التَّعْمِيم , وَأَرَادَ أَنَّ إِطْلَاق السَّائِل يَشْمَل الْجَمِيع حَتَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِظَاهِرِ الرِّوَايَة الثَّانِيَة , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة بِحَمْلِ الْمَعِيَّة عَلَى مَا قَبْل الْهَزِيمَة فَبَادَرَ إِلَى اِسْتِثْنَائِهِ ثُمَّ أَوْضَحَ ذَلِكَ , وَخَتَمَ حَدِيثه بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَوْمئِذٍ أَشَدّ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا الْجَوَاب مِنْ بَدِيع الْأَدَب , لِأَنَّ تَقْدِير الْكَلَام فَرَرْتُمْ كُلّكُمْ. فَيَدْخُل فِيهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ الْبَرَاء : لَا وَاَللَّه مَا فَرَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَكِنْ جَرَى كَيْت وَكَيْت , فَأَوْضَحَ أَنَّ فِرَار مَنْ فَرَّ لَمْ يَكُنْ عَلَى نِيَّة الِاسْتِمْرَار فِي الْفِرَار , وَإِنَّمَا اِنْكَشَفُوا مِنْ وَقْع السِّهَام وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِر الرِّوَايَة الثَّانِيَة. وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّ الْجَمِيع لَمْ يَفِرُّوا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه , وَيُحْتَمَل أَنَّ الْبَرَاء فَهِمَ مِنْ السَّائِل أَنَّهُ اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِلَفْظِ \" وَمَرَرْت بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْهَزِمًا \" فَلِذَلِكَ حَلَفَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَلِّ , وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُنْهَزِمًا حَال مِنْ سَلَمَة , وَلِهَذَا وَقَعَ فِي طَرِيق أُخْرَى \" وَمَرَرْت بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْهَزِمًا وَهُوَ عَلَى بَغْلَته فَقَالَ : لَقَدْ رَأَى اِبْن الْأَكْوَع فَزَعًا \" وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون السَّائِل أَخَذَ التَّعْمِيم مِنْ قَوْله تَعَالَى : ( ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ) فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ مِنْ الْعُمُوم الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوص. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنْ عَجِل سَرَعَان الْقَوْم فَرَشَقَتْهُمْ هَوَازِن ) ‏ ‏فَأَمَّا سَرَعَان فَبِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالرَّاء , وَيَجُوز سُكُون الرَّاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطه فِي سُجُود السَّهْو فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ , وَالرَّشْق بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَالْقَاف رَمْي السِّهَام , وَأَمَّا هَوَازِن فَهِيَ قَبِيلَة كَبِيرَة مِنْ الْعَرَب فِيهَا عِدَّة بُطُون يُنْسَبُونَ إِلَى هَوَازِن بْن مَنْصُور بْن عِكْرِمَة بْن خَصَفَة بِمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُهْمَلَة ثُمَّ فَاءَ مَفْتُوحَات اِبْن قَيْس بْن عَيْلَانَ بْن إِلْيَاس بْن مُضَر , وَالْعُذْر لِمَنْ اِنْهَزَمَ مِنْ غَيْر الْمُؤَلَّفَة أَنَّ الْعَدُوّ كَانُوا ضِعْفهمْ فِي الْعَدَد وَأَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , وَقَدْ بَيَّنَ شُعْبَة فِي الرِّوَايَة الثَّالِثَة السَّبَب فِي الْإِسْرَاع الْمَذْكُور قَالَ : كَانَتْ هَوَازِن رُمَاة , قَالَ : وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ اِنْكَشَفُوا. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَاد \" اِنْهَزَمُوا \" قَالَ : \" فَأَكْبَبْنَا \" وَفِي رِوَايَته فِي الْجِهَاد فِي بَاب مَنْ قَادَ دَابَّة غَيْره فِي الْحَرْب \" فَأَقْبَلَ النَّاس عَلَى الْغَنَائِم فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ \" , وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَاد أَيْضًا مِنْ رِوَايَة زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق تَكْمِلَة السَّبَب الْمَذْكُور قَالَ : \" خَرَجَ شُبَّان أَصْحَابه وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا - بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد السِّين الْمُهْمَلَة - لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاح , فَاسْتَقْبَلَهُمْ جَمْع هَوَازِن وَبَنِي نَضْر مَا يَكَادُونَ يَسْقُط لَهُمْ سَهْم , فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ \" الْحَدِيث. وَفِيهِ \" فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ , ثُمَّ قَالَ : أَنَا النَّبِيّ لَا كَذِب , أَنَا اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب. ثُمَّ وَصَفَ أَصْحَابه \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" فَرَمَوْهُمْ بِرَشْقٍ مِنْ نَبْل كَأَنَّهَا رِجْل جَرَاد فَانْكَشَفُوا \" وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق مِنْ حَدِيث جَابِر وَغَيْره فِي سَبَب اِنْكِشَافهمْ أَمْرًا آخَر , وَهُوَ أَنَّ مَالِك بْن عَوْف سَبَقَ بِهِمْ إِلَى حُنَيْنٍ فَأَعَدُّوا وَتَهَيَّأُوا فِي مَضَايِق الْوَادِي , وَأَقْبَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه حَتَّى اِنْحَطَّ بِهِمْ الْوَادِي فِي عِمَايَةِ الصُّبْح , فَثَارَتْ فِي وُجُوههمْ الْخَيْل فَشَدَّتْ عَلَيْهِمْ , وَانْكَفَأَ النَّاس مُنْهَزِمِينَ. وَفِي حَدِيث أَنَس عِنْد مُسْلِم وَغَيْره مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ السُّمَيْطِ عَنْ أَنَس قَالَ : \" اِفْتَتَحْنَا مَكَّة , ثُمَّ إِنَّا غَزَوْنَا حُنَيْنًا , قَالَ : فَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ بِأَحْسَن صُفُوف رَأَيْت : صَفّ الْخَيْل , ثُمَّ الْمُقَاتِلَة , ثُمَّ النِّسَاء مِنْ وَرَاء ذَلِكَ , ثُمَّ الْغَنَم ثُمَّ النِّعَم. قَالَ : وَنَحْنُ بَشَر كَثِير , وَعَلَى مَيْمَنَة خَيْلنَا خَالِد بْن الْوَلِيد , فَجَعَلَتْ خَيْلنَا تَلُوذ خَلْف ظُهُورنَا فَلَمْ نَلْبَث أَنْ اِنْكَشَفَتْ خَيْلنَا وَفَرَّتْ الْأَعْرَاب وَمَنْ تَعْلَم مِنْ النَّاس \" وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ قَرِيبًا مِنْ رِوَايَة هِشَام بْن زَيْد عَنْ أَنَس قَالَ : \" أَقْبَلَتْ هَوَازِن وَغَطَفَانَ بِذَرَارِيِّهِمْ وَنِعَمهمْ وَمَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَة آلَاف وَمَعَهُ الطُّلَقَاء , قَالَ : فَأَدْبَرُوا عَنْهُ حَتَّى بَقِيَ وَحْده \" الْحَدِيث. وَيَجْمَع بَيْن قَوْله : \" حَتَّى بَقِيَ وَحْده \" وَبَيْن الْأَخْبَار الدَّالَّة عَلَى أَنَّهُ بَقِيَ مَعَهُ جَمَاعَة بِأَنَّ الْمُرَاد بَقِيَ وَحْده مُتَقَدِّمًا مُقْبِلًا عَلَى الْعَدُوّ , وَاَلَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَهُ كَانُوا وَرَاءَهُ , أَوْ الْوَحْدَة بِالنِّسْبَةِ لِمُبَاشَرَةِ الْقِتَال , وَأَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث وَغَيْره كَانُوا يَخْدُمُونَهُ فِي إِمْسَاك الْبَغْلَة وَنَحْو ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم فِي \" الدَّلَائِل \" تَفْصِيل الْمِائَة : بِضْعَة وَثَلَاثُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْبَقِيَّة مِنْ الْأَنْصَار وَمِنْ النِّسَاء أُمّ سُلَيْمٍ وَأُمّ حَارِثَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب بْن هَاشِم وَهُوَ اِبْن عَمّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ إِسْلَامه قَبْل فَتْح مَكَّة لِأَنَّهُ خَرَجَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَقِيَهُ فِي الطَّرِيق وَهُوَ سَائِر إِلَى فَتْح مَكَّة فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامه , وَخَرَجَ إِلَى غَزْوَة حُنَيْنٍ فَكَانَ فِيمَنْ ثَبَتَ. وَعِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ مُرْسَل الْحَكَم بْن عُتَيْبَة قَالَ : لَمَّا فَرَّ النَّاس يَوْم حُنَيْنٍ جَعَل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : أَنَا النَّبِيّ لَا كَذِب , أَنَا اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب , فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعَة نَفَر , ثَلَاثَة مِنْ بَنِي هَاشِم وَرَجُل مِنْ غَيْرهمْ : عَلِيّ وَالْعَبَّاس بَيْن يَدَيْهِ , وَأَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث آخِذ بِالْعِنَانِ , وَابْن مَسْعُود مِنْ الْجَانِب الْأَيْسَر. قَالَ : وَلَيْسَ يُقْبِل نَحْوه أَحَد إِلَّا قُتِلَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر بِإِسْنَادٍ حَسَن قَالَ : \" لَقَدْ رَأَيْتنَا يَوْم حُنَيْنٍ وَإِنَّ النَّاس لِمُوَلِّينَ , وَمَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَة رَجُل \" وَهَذَا أَكْثَر مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ عَدَد مَنْ ثَبَتَ يَوْم حُنَيْنٍ. وَرَوَى أَحْمَد وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ أَبِيهِ قَالَ : \" كُنْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم حُنَيْنٍ فَوَلَّى عَنْهُ النَّاس ; وَثَبَتَ مَعَهُ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار , فَكُنَّا عَلَى أَقْدَامنَا , وَلَمْ نُوَلِّهِمْ الدُّبُر وَهُمْ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ السَّكِينَة \" وَهَذَا لَا يُخَالِف حَدِيث اِبْن عُمَر فَإِنَّهُ نَفَى أَنْ يَكُونُوا مِائَة , وَابْن مَسْعُود أَثْبَت أَنَّهُمْ كَانُوا ثَمَانِينَ , وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيّ فِي شَرْح مُسْلِم أَنَّهُ ثَبَتَ مَعَهُ اِثْنَا عَشَر رَجُلًا فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِمَّا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق فِي حَدِيثه أَنَّهُ ثَبَتَ مَعَهُ الْعَبَّاس وَابْنه الْفَضْل وَعَلِيّ وَأَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث وَأَخُوهُ رَبِيعَة وَأُسَامَة بْن زَيْد وَأَخُوهُ مِنْ أُمّه أَيْمَن اِبْن أُمّ أَيْمَن , وَمِنْ الْمُهَاجِرِينَ أَبُو بَكْر وَعُمَر , فَهَؤُلَاءِ تِسْعَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر اِبْن مَسْعُود فِي مُرْسَل الْحَاكِم فَهَؤُلَاءِ عَشَرَة , وَوَقَعَ فِي شِعْر الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب أَنَّ الَّذِينَ ثَبَتُوا كَانُوا عَشَرَة فَقَطْ وَذَلِكَ قَوْله : نَصْرنَا رَسُول اللَّه فِي الْحَرْب تِسْعَة وَقَدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأَقْشَعُوا وَعَاشِرنَا وَافَى الْحِمَام بِنَفْسِهِ لِمَا مَسَّهُ فِي اللَّه لَا يَتَوَجَّع وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الثَّبْت , وَمَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَكُون عَجِل فِي الرُّجُوع فَعُدَّ فِيمَنْ لَمْ يَنْهَزِم , وَمِمَّنْ ذَكَرَ الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ وَغَيْره أَنَّهُ ثَبَتَ يَوْم حُنَيْنٍ أَيْضًا جَعْفَر بْن أَبِي سُفْيَان بْن الْحَارِث وَقُثَم بْن الْعَبَّاس وَعُتْبَة وَمُعَتِّب اِبْنًا أَبِي لَهَب وَعَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَنَوْفَل بِنْ الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَعَقِيل بْن أَبِي طَالِب وَشَيْبَة بْن عُثْمَان الْحَجَبَيِّ , فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى النَّاس قَدْ اِنْهَزَمُوا اِسْتَدْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَقْتُلهُ , فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ فِي صَدْره وَقَالَ لَهُ : قَاتَلَ الْكُفَّار , فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى اِنْهَزَمُوا. قَالَ الطَّبَرِيُّ : الِانْهِزَام الْمَنْهِيّ عَنْهُ هُوَ مَا وَقَعَ عَلَى غَيْر نِيَّة الْعَوْد وَأَمَّا الِاسْتِطْرَاد لِلْكَثْرَةِ فَهُوَ كَالتَّحَيُّزِ إِلَى فِئَة. ‏ ‏قَوْله : ( آخِذ بِرَأْسِ بَغْلَته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة زُهَيْر \" فَأَقْبَلُوا أَيْ الْمُشْرِكُونَ هُنَالِكَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى بَغْلَته الْبَيْضَاء وَابْن عَمّه أَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب يَقُود بِهِ , فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ \". قَالَ الْعُلَمَاء : فِي رُكُوبه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَغْلَة يَوْمئِذٍ دَلَالَة عَلَى النِّهَايَة فِي الشَّجَاعَة وَالثَّبَات. وَقَوْله : \" فَنَزَلَ \" أَيْ عَنْ الْبَغْلَة \" فَاسْتَنْصَرَ \" أَيْ قَالَ : اللَّهُمَّ أَنْزِل نَصْرك. وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي إِسْحَاق. وَفِي حَدِيث الْعَبَّاس عِنْد مُسْلِم \" شَهِدْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم حُنَيْنٍ فَلَزِمْته أَنَا وَأَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث فَلَمْ نُفَارِقهُ \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ , فَطَفِقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكُض بَغْلَته قِبَل الْكُفَّار , قَالَ الْعَبَّاس : وَأَنَا آخِذ بِلِجَامِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكُفّهَا إِرَادَة أَنْ لَا تُسْرِع , وَأَبُو سُفْيَان آخِذ بِرِكَابِهِ \" وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ أَبَا سُفْيَان كَانَ آخِذًا أَوَّلًا بِزِمَامِهَا فَلَمَّا رَكَضَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِهَة الْمُشْرِكِينَ خَشِيَ الْعَبَّاس فَأَخَذَ بِلِجَامِ الْبَغْلَة يَكُفّهَا , وَأَخَذَ أَبُو سُفْيَان بِالرِّكَابِ وَتَرَكَ اللِّجَام لِلْعَبَّاسِ إِجْلَالًا لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ عَمّه. ‏ ‏قَوْله : ( بَغْلَته ) هَذِهِ الْبَغْلَة هِيَ الْبَيْضَاء , وَعِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث الْعَبَّاس \" وَكَانَ عَلَى بَغْلَة لَهُ بَيْضَاء أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَة بْن نُفَاثَة الْجُذَامِيّ \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث سَلَمَة \" وَكَانَ عَلَى بَغْلَته الشَّهْبَاء \" وَوَقَعَ عِنْد اِبْن سَعْد وَتَبِعْهُ جَمَاعَة مِمَّنْ صَنَّفَ السِّيرَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى بَغْلَته دُلْدُل , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ دُلْدُل أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِس ; وَقَدْ ذَكَرَ الْقُطْب الْحَلَبِيّ أَنَّهُ اِسْتَشْكَلَ عِنْد الدِّمْيَاطِيّ مَا ذَكَرَهُ اِبْن سَعْد فَقَالَ لَهُ : كُنْت تَبِعْته فَذَكَرْت ذَلِكَ فِي السِّيرَة وَكُنْت حِينَئِذٍ سِيرِيًّا مَحْضًا , وَكَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَذْكُر الْخِلَاف. قَالَ الْقُطْب الْحَلَبِيّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون يَوْمئِذٍ رَكِبَ كُلًّا مِنْ الْبَغْلَتَيْنِ إِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا كَانَتْ صَحِبَتْهُ , وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيح أَصَحّ. وَدَلَّ قَوْل الدِّمْيَاطِيّ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِد الرُّجُوع عَنْ كَثِير مِمَّا وَافَقَ فِيهِ أَهْل السِّيَر وَخَالَفَ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة , وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ قَبْل أَنْ يَتَضَلَّع مِنْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَلِخُرُوجِ نُسَخ مِنْ كِتَابه وَانْتِشَاره لَمْ يَتَمَكَّن مِنْ تَغْيِيره. وَقَدْ أَغْرَب النَّوَوِيّ فَقَالَ : وَقَعَ عِنْد مُسْلِم \" عَلَى بَغْلَته الْبَيْضَاء \" وَفِي أُخْرَى \" الشَّهْبَاء \" وَهِيَ وَاحِدَة وَلَا نَعْرِف لَهُ بَغْلَة غَيْرهَا. وَتَعَقَّبَ بِدُلْدُل فَقَدْ ذَكَرَهَا غَيْر وَاحِد , لَكِنْ قِيلَ إِنَّ الِاسْمَيْنِ لِوَاحِدَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَا النَّبِيّ لَا كَذِب , أَنَا اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : كَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم يَقُولهُ بِفَتْحِ الْبَاء مِنْ قَوْله : \" لَا كَذِب \" لِيَخْرُجهُ عَنْ الْوَزْن , وَقَدْ أُجِيب عَنْ مَقَالَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الرَّجَز بِأَجْوِبَةٍ أَحَدهَا أَنَّهُ نَظْم غَيْره , وَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ : أَنْتَ النَّبِيّ لَا كَذَبَ أَنْتَ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب , فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ \" أَنَا \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ. ثَانِيهَا أَنَّ هَذَا رَجَز وَلَيْسَ مِنْ أَقْسَام الشِّعْر , وَهَذَا مَرْدُود. ثَالِثهَا أَنَّهُ لَا يَكُون شِعْرًا حَتَّى يَتِمّ قِطْعَة , وَهَذِهِ كَلِمَات يَسِيرَة وَلَا تُسَمَّى شِعْرًا. رَابِعهَا أَنَّهُ خَرَجَ مَوْزُونًا وَلَمْ يَقْصِد بِهِ الشِّعْر , وَهَذَا أَعْدَل الْأَجْوِبَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْر هَذَا الْمَكَان , وَيَأْتِي تَامًّا فِي كِتَاب الْأَدَب. وَأَمَّا نِسْبَته إِلَى عَبْد الْمُطَّلِب دُون أَبِيهِ عَبْد اللَّه فَكَأَنَّهَا لِشُهْرَةِ عَبْد الْمُطَّلِب بَيَّنَ النَّاس لِمَا رُزِقَ مِنْ نَبَاهَة الذِّكْر وَطُول الْعُمْر , بِخِلَافِ عَبْد اللَّه فَإِنَّهُ مَاتَ شَابًّا , وَلِهَذَا كَانَ كَثِير مِنْ الْعَرَب يَدْعُونَهُ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب , كَمَا قَالَ ضِمَام بْن ثَعْلَبَة لَمَّا قَدُمَ : أَيّكُمْ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ اُشْتُهِرَ بَيْن النَّاس أَنَّهُ يَخْرُج مِنْ ذُرِّيَّة عَبْد الْمُطَّلِب رَجُل يَدْعُو إِلَى اللَّه وَيَهْدِي اللَّه الْخَلْق عَلَى يَدَيْهِ وَيَكُون خَاتَم الْأَنْبِيَاء , فَانْتَسَبَ إِلَيْهِ لِيَتَذَكَّر ذَلِكَ مَنْ كَانَ يَعْرِفهُ , وَقَدْ اُشْتُهِرَ ذَلِكَ بَيْنهمْ , وَذَكَرَهُ سَيْف بْن ذِي يَزْنِ قَدِيمًا لِعَبْدِ الْمُطَّلِب قَبْل أَنْ يَتَزَوَّج عَبْد اللَّه آمِنَة وَأَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنْبِيه أَصْحَابه بِأَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ ظُهُوره وَأَنَّ الْعَاقِبَة لَهُ لِتَقْوَى قُلُوبهمْ إِذَا عَرَفُوا أَنَّهُ ثَابِت غَيْر مُنْهَزِم. وَأَمَّا قَوْله \" لَا كَذِب \" فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ صِفَة النُّبُوَّة يَسْتَحِيل مَعَهَا الْكَذِب , فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَنَا النَّبِيّ , وَالنَّبِيّ لَا يَكْذِب , فَلَسْت بِكَاذِبٍ فِيمَا أَقُول حَتَّى أَنْهَزِم , وَأَنَا مُتَيَقِّن بِأَنَّ الَّذِي وَعَدَنِي اللَّه بِهِ مِنْ النَّصْر حَقّ , فَلَا يَجُوز عَلَيَّ الْفِرَار. وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْله : \" لَا كَذِب \" أَيْ أَنَا النَّبِيّ حَقًّا لَا كَذِب فِي ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏أَحَدهمَا سَاقَ الْبُخَارِيّ الْحَدِيث عَالِيًا عَنْ أَبِي الْوَلِيد عَنْ شُعْبَة , لَكِنَّهُ مُخْتَصَر جِدًّا. ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة مُطَوَّلًا بِنُزُولِ دَرَجَة. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي خَلِيفَة الْفَضْل بْن الْحُبَابِ عَنْ أَبِي الْوَلِيد مُطَوَّلًا , فَكَأَنَّهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيّ حَدَّثَهُ بِهِ مُخْتَصَرًا. ‏ ‏( الثَّانِي ) اِتَّفَقَتْ الطُّرُق الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ لِهَذَا الْحَدِيث مِنْ سِيَاق هَذَا الْحَدِيث إِلَى قَوْله : \" أَنَا النَّبِيّ لَا كَذِب , أَنَا اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب \" إِلَّا رِوَايَة زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة فَزَادَ فِي آخِرهَا \" ثُمَّ صَفّ أَصْحَابه \" وَزَادَ مُسْلِم فِي حَدِيث الْبَرَاء مِنْ رِوَايَة زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي إِسْحَاق قَالَ الْبَرَاء : \" كُنَّا وَاَللَّه إِذَا اِحْمَرَّ الْبَأْس نَتَّقِي بِهِ , وَإِنَّ الشُّجَاع مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِيه \" يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث الْعَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ صَارَ يَرْكُض بَغْلَته إِلَى جِهَة الْكُفَّار \" وَزَادَ فَقَالَ : \" أَيْ عَبَّاس نَادِ أَصْحَاب الشَّجَرَة , وَكَانَ الْعَبَّاس صِيتًا , قَالَ : فَنَادَيْت بِأَعْلَى صَوْتِي أَيْنَ أَصْحَاب الشَّجَرَة , قَالَ فَوَاَللَّهِ لَكَأَنَّ عِطْفَتَهُمْ حِين سَمِعُوا صَوْتِي عِطْفَة الْبَقَر عَلَى أَوْلَادهَا , فَقَالُوا : يَا لَبَّيْكَ. قَالَ فَاقْتَتِلُوا وَالْكَفَّار , فَنَظَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى بَغْلَته كَالْمُتَطَاوِلِ إِلَى قِتَالهمْ فَقَالَ هَذَا حِين حَمِيَ الْوَطِيس. ثُمَّ أَخْذ حَصَيَات فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوه الْكُفَّار ثُمَّ قَالَ : اِنْهَزَمُوا وَرَبّ الْكَعْبَة , قَالَ : فَمَا زِلْت أَرَى حَدّهمْ كَلِيلًا , وَأَمْرهمْ مُدْبِرًا \" وَلِابْنِ إِسْحَاق نَحْوه وَزَادَ \" فَجَعَلَ الرَّجُل يَعْطِف بِغَيْرِهِ فَلَا يَقْدِر , فَيَقْذِف دِرْعه ثُمَّ يَأْخُذ بِسَيْفِهِ وَدَرَقَته ثُمَّ يَؤُمّ الصَّوْت \". ‏"
    },
    {
        "id": "3974",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قِيلَ ‏ ‏لِلْبَرَاءِ ‏ ‏وَأَنَا أَسْمَعُ أَوَلَّيْتُمْ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏فَقَالَ أَمَّا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَا كَانُوا رُمَاةً فَقَالَ ‏ ‏أَنَا النَّبِيُّ لَا ‏ ‏كَذِبْ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3975",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏فَقَالَ لَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَفِرَّ كَانَتْ ‏ ‏هَوَازِنُ ‏ ‏رُمَاةً وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ انْكَشَفُوا ‏ ‏فَأَكْبَبْنَا ‏ ‏عَلَى الْغَنَائِمِ فَاسْتُقْبِلْنَا بِالسِّهَامِ وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ ‏ ‏آخِذٌ بِزِمَامِهَا وَهُوَ يَقُولُ ‏ ‏أَنَا النَّبِيُّ لَا ‏ ‏كَذِبْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏وَزُهَيْرٌ ‏ ‏نَزَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ بَغْلَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ إِسْرَائِيل وَزُهَيْر : نَزَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَغْلَته ) ‏ ‏أَيْ إِنَّ إِسْرَائِيل بْن يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق وَزُهَيْر بْن مُعَاوِيَة الْجُعْفِيَّ رَوَيَا هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء فَقَالَا فِي آخِره : \" نَزَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَغْلَته \" فَأَمَّا رِوَايَة إِسْرَائِيل فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي \" بَاب مَنْ قَالَ خُذْهَا وَأَنَا اِبْن فُلَان \" مِنْ كِتَاب الْجِهَاد وَلَفْظه \" كَانَ أَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث آخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَته , فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ نَزَلَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ. وَأَمَّا رِوَايَة زُهَيْر فَوَصَلَهَا أَيْضًا فِي \" بَاب مَنْ صَفّ أَصْحَابه عِنْد الْهَزِيمَة \" وَقَدْ ذَكَرْت لَفْظه قَرِيبًا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع \" لَمَّا غَشُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ عَنْ الْبَغْلَة , ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَة مِنْ تُرَاب , ثُمَّ اِسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوههمْ فَقَالَ : شَاهَتْ الْوُجُوه , فَمَا خَلَقَ اللَّه مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَة فَوَلُّوا مُنْهَزِمِينَ \". وَلِأَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْفِهْرِيّ فِي قِصَّة حُنَيْنٍ قَالَ : \" فَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيَا عِبَاد اللَّه , أَنَا عَبْد اللَّه وَرَسُوله. ثُمَّ اِقْتَحَمَ عَنْ فَرَسه فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَاب , قَالَ : فَأَخْبَرَنِي الَّذِي كَانَ أَدْنَى إِلَيْهِ مِنِّي أَنَّهُ ضَرَبَ بِهِ وُجُوههمْ وَقَالَ : شَاهَتْ الْوُجُوه , فَهَزَمَهُمْ \" قَالَ يَعْلَى بْن عَطَاء رَاوِيه عَنْ أَبِي هَمَّام عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْفِهْرِيّ \" قَالَ : فَحَدَّثَنِي أَبْنَاؤُهُمْ عَنْ آبَائِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : لَمْ يَبْقَ مِنَّا أَحَد إِلَّا اِمْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ وَفَمه تُرَابًا \" وَلِأَحْمَد وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَته قُدْمًا , فَحَادَتْ بِهِ بَغْلَته فَمَال عَنْ السَّرْج فَقُلْت اِرْتَفِعْ رَفَعَك اللَّه , فَقَالَ : نَاوِلْنِي كَفًّا مِنْ تُرَاب , فَضَرَبَ بِهِ وُجُوههمْ فَامْتَلَأَتْ أَعْيُنهمْ تُرَابًا. وَجَاءَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار سُيُوفهمْ بِأَيْمَانِهِمْ كَأَنَّهَا الشُّهُب , فَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ الْأَدْبَار \" وَلِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ عَلِيًّا نَاوَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التُّرَاب , فَرَمَى بِهِ فِي وُجُوه الْمُشْرِكِينَ يَوْم حُنَيْنٍ \". وَيُجْمَع بَيْن هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلًا قَالَ لِصَاحِبِهِ : نَاوِلْنِي فَنَاوَلَهُ فَرَمَاهُمْ , ثُمَّ نَزَلَ عَنْ الْبَغْلَة فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَرَمَاهُمْ أَيْضًا. فَيُحْتَمَل أَنَّ الْحَصَى فِي إِحْدَى الْمَرَّتَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى التُّرَاب , وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد حُسْن الْأَدَب فِي الْخِطَاب , وَالْإِرْشَاد إِلَى حُسْن السُّؤَال بِحُسْنِ الْجَوَاب. وَذَمّ الْإِعْجَاب. ‏ ‏وَفِيهِ جَوَاز الِانْتِسَاب إِلَى الْآبَاء وَلَوْ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّة , وَالنَّهْي عَنْ ذَلِكَ مَحْمُول عَلَى مَا هُوَ خَارِج الْحَرْب. وَمِثْله الرُّخْصَة فِي الْخُيَلَاء فِي الْحَرْب دُون غَيْرهَا. وَجَوَاز التَّعَرُّض إِلَى الْهَلَاك فِي سَبِيل اللَّه , وَلَا يُقَال كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَيَقِّنًا لِلنَّصْرِ لِوَعْدِ اللَّه تَعَالَى لَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ حَقّ , لِأَنَّ أَبَا سُفْيَان بْن الْحَارِث قَدْ ثَبَتَ مَعَهُ آخِذًا بِلِجَامِ بَغْلَته وَلَيْسَ هُوَ فِي الْيَقِين مِثْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ اُسْتُشْهِدَ فِي تِلْكَ الْحَالَة أَيْمَن اِبْن أُمّ أَيْمَن كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي شِعْر الْعَبَّاس. وَفِيهِ رُكُوب الْبَغْلَة إِشَارَة إِلَى مَزِيد الثَّبَات , لِأَنَّ رُكُوب الْفُحُولَة مَظِنَّة الِاسْتِعْدَاد لِلْفِرَارِ وَالتَّوَلِّي , وَإِذَا كَانَ رَأْس الْجَيْش قَدْ وَطَّنَ نَفْسه عَلَى عَدَم الْفِرَار وَأَخَذَ بِأَسْبَابِ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى لَأَتْبَاعه عَلَى الثَّبَات. وَفِيهِ شُهْرَة الرَّئِيس نَفْسه فِي الْحَرْب مُبَالَغَة فِي الشَّجَاعَة وَعَدَم الْمُبَالَاة بِالْعَدُوِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3976",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَزَعَمَ ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مَرْوَانَ ‏ ‏وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَاهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ ‏ ‏هَوَازِنَ ‏ ‏مُسْلِمِينَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ‏ ‏وَسَبْيَهُمْ ‏ ‏فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعِي مَنْ تَرَوْنَ ‏ ‏وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ وَكَانَ أَنْظَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنْ ‏ ‏الطَّائِفِ ‏ ‏فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا ‏ ‏يُفِيءُ ‏ ‏اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْ سَبْيِ ‏ ‏هَوَازِنَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْمِسْوَر وَمَرْوَان , تَقَدَّمَ ذِكْره مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الشُّرُوط فِي قِصَّة صُلْح الْحُدَيْبِيَة أَنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَاهُ عَنْ عُرْوَة عَنْ الْمِسْوَر وَمَرْوَان عَنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي بَقِيَّة الْمَوَاضِع حَيْثُ لَا يُذْكَر عَنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُرْسِلهُ , فَإِنَّ الْمِسْوَر يَصْغُر عَنْ إِدْرَاك الْقِصَّة وَمَرْوَان أَصْغَر مِنْهُ. نَعَمْ كَانَ الْمِسْوَر فِي قِصَّة حُنَيْنٍ مُمَيِّزًا , فَقَدْ ضَبَطَ فِي ذَلِكَ الْأَوَان قِصَّة خُطْبَة عَلِيّ لِابْنَةِ أَبِي جَهْل , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْن أَخِي اِبْن شِهَاب قَالَ مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ الزُّهْرِيّّ , وَسَقَطَ اِبْن مُسْلِم مِنْ بَعْض النُّسَخ. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَعَمَ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى قِصَّة صُلْح الْحُدَيْبِيَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" حَدَّثَنِي عُرْوَة بْن الزُّبَيْر إِلَخْ \" وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَام. ‏ ‏قَوْله : ( قَامَ حِين جَاءَهُ وَفْد هَوَازِن مُسْلِمِينَ ) ‏ ‏سَاقَ الزُّهْرِيُّ هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ هَذَا الْوَجْه مُخْتَصَرَة , وَقَدْ سَاقَهَا مُوسَى بْن عُقْبَة فِي الْمَغَازِي مُطَوَّلَة وَلَفْظه \" ثُمَّ اِنْصَرَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الطَّائِف فِي شَوَّال إِلَى الْجِعِرَّانَة وَبِهَا السَّبْي يَعْنِي سَبْي هَوَازِن , وَقَدِمَتْ عَلَيْهِ وَفْد هَوَازِن مُسْلِمِينَ فِيهِمْ تِسْعَة نَفَر مِنْ أَشْرَافهمْ فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوا , ثُمَّ كَلَّمُوهُ فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ فِيمَنْ أَصَبْتُمْ الْأُمَّهَات وَالْأَخَوَات وَالْعَمَّات وَالْخَالَات وَهُنَّ مَخَازِي الْأَقْوَام , فَقَالَ : سَأَطْلُبُ لَكُمْ , وَقَدْ وَقَعَتْ الْمُقَاسِم فَأَيّ الْأَمْرَيْنِ أَحَبّ إِلَيْكُمْ : السَّبْي أَمْ الْمَال ؟ قَالُوا : خَيَّرَتْنَا يَا رَسُول اللَّه بَيْن الْحَسَب وَالْمَال , فَالْحَسَب أَحَبّ إِلَيْنَا , وَلَا نَتَكَلَّم فِي شَاة وَلَا بَعِير. فَقَالَ : أَمَّا الَّذِي لِبَنِي هَاشِم فَهُوَ لَكُمْ , وَسَوْفَ أُكَلِّم لَكُمْ الْمُسْلِمِينَ , فَكَلِّمُوهُمْ وَأَظْهِرُوا إِسْلَامكُمْ , فَلَمَّا صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهَاجِرَة قَامُوا فَتَكَلَّمَ خُطَبَاؤُهُمْ فَأَبْلَغُوا وَرَغِبُوا إِلَى الْمُسْلِمِينَ فِي رَدّ سَبْيهمْ , ثُمَّ قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين فَرَغُوا فَشَفَعَ لَهُمْ وَحَضَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ وَقَالَ : قَدْ رَدَدْت الَّذِي لِبَنِي هَاشِم عَلَيْهِمْ \" فَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة عَدَد الْوَفْد وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى. وَقَدْ أَغْفَلَ مُحَمَّد بْن سَعْد لَمَّا ذَكَرَ الْوُفُود وَفْد هَوَازِن هَؤُلَاءِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَجْمَع أَحَد فِي الْوُفُود أَكْثَر مِمَّا جَمَعَ. وَمِمَّنْ سُمِّيَ مِنْ وَفْد هَوَازِن زُهَيْر بْن صُرَد كَمَا سَيَأْتِي , وَأَبُو مَرْوَان - وَيُقَال أَبُو ثَرْوَان أَوَّله مُثَلَّثَة بَدَل الْمِيم وَيُقَال بِمُوَحَّدَةِ وَقَاف - وَهُوَ عَمّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الرَّضَاعَة , ذَكَرَهُ اِبْن سَعْد. وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه \" تَعْيِين الَّذِي خَطَبَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَلَفْظه \" وَأَدْرَكَهُ وَفْد هَوَازِن بَالْجِعِرَّانَةِ وَقَدْ أَسْلَمُوا فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه إِنَّا أَهْل وَعَشِيرَة قَدْ أَصَابَنَا مِنْ الْبَلَاء مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْك , فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنّ اللَّه عَلَيْك. وَقَامَ خَطِيبهمْ زُهَيْر بْن صُرَد فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ اللَّوَاتِي فِي الْحَظَائِر مِنْ السَّبَايَا خَالَاتك وَعَمَّاتك وَحَوَاضِنك اللَّاتِي كُنَّ يَكْفُلْنَك , وَأَنْتَ خَيْر مَكْفُول , ثُمَّ أَنْشُدهُ الْأَبْيَات الْمَشْهُورَة أَوَّلهَا : ‏ ‏اُمْنُنْ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه فِي كَرَم ‏ ‏فَإِنَّك الْمَرْء نَرْجُوهُ وَنَدَّخِر ‏ ‏يَقُول فِيهَا : ‏ ‏اُمْنُنْ عَلَى نِسْوَة قَدْ كُنْت تَرْضِعهَا ‏ ‏إِذْ فُوك تَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضهَا الدُّرَر ‏ ‏ثُمَّ سَاقَ الْقِصَّة نَحْو سِيَاق مُوسَى بْن عُقْبَة. وَأَوْرَدَ الطَّبَرَانِيُّ شِعْر زُهَيْر بْن صُرَد مِنْ حَدِيثه فَزَادَ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ اِبْن إِسْحَاق خَمْسَة أَبْيَات. وَقَدْ وَقَعَ لَنَا عَالِيًا جِدًّا فِي \" الْمُعْجَم الصَّغِير \" عَشَارِي الْإِسْنَاد , وَمَنْ بَيَّنَ الطَّبَرَانِيُّ فِيهِ وَزُهَيْر لَا يُعْرَف , لَكِنْ يَقْوَى حَدِيثه بِالْمُتَابَعَةِ الْمَذْكُورَة فَهُوَ حَسَن , وَقَدْ بَسَطْت الْقَوْل فِيهِ فِي \" الْأَرْبَعِينَ الْمُتَبَايِنَة \" وَفِي \" الْأَمَالِي \" وَفِي \" الصَّحَابَة \" وَفِي \" الْعَشَرَة الْعَشَارِيّة \" وَبَيَّنْت وَهْم مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِسْنَاد مُنْقَطِع , وَاَللَّه الْمُوَفِّق. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ كُنْت اِسْتَأْنَيْت بِكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَكُمْ \" وَمَعْنَى اِسْتَأْنَيْت اِسْتَنْظَرْت , أَيْ أَخَّرْت قَسْم السَّبْي لِتَحْضُرُوا فَأَبْطَأْتُمْ , وَكَانَ تَرَكَ السَّبْي بِغَيْرِ قِسْمَة وَتَوَجَّهَ إِلَى الطَّائِف فَحَاصَرَهَا كَمَا سَيَأْتِي , ثُمَّ رَجَعَ عَنْهَا إِلَى الْجِعِرَّانَة ثُمَّ قَسَمَ الْغَنَائِم هُنَاكَ , فَجَاءَهُ وَفْد هَوَازِن بَعْد ذَلِكَ , فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ أَخَّرَ الْقَسْم لِيَحْضُرُوا فَأَبْطَأُوا. وَقَوْله : \" بِضْع عَشْرَة لَيْلَة \" فِيهِ بَيَان مُدَّة التَّأْخِير. وَقَوْله : \" قَفَلَ \" بِفَتْحِ الْقَاف وَالْفَاء أَيْ رَجَعَ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ وَفْد هَوَازِن كَانُوا أَرْبَعَة وَعِشْرِينَ بَيْتًا فِيهِمْ أَبُو بَرْقَانِ السَّعْدِيّ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنْ فِي هَذِهِ الْحَظَائِر إِلَّا أُمَّهَاتك وَخَالَاتك وَحَوَاضِنك وَمُرْضِعَاتك فَامْنُنْ عَلَيْنَا , مَنَّ اللَّه عَلَيْك. فَقَالَ : قَدْ اِسْتَأْنَيْت بِكُمْ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّكُمْ لَا تَقْدُمُونَ , وَقَدْ قَسَمْت السَّبْي. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّب ذَلِكَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الطَّاء الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْيَاء التَّحْتَانِيَّة أَيْ يُعْطِيه عَنْ طِيب نَفْس مِنْهُ مَنْ غَيْر عِوَض. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى حَظّه ) ‏ ‏أَيْ بِأَنْ يَرُدّ السَّبْي بِشَرْطِ أَنْ يُعْطَى عِوَضه. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة \" فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُعْطِي غَيْر مُكْرَه فَلْيَفْعَلْ , وَمَنْ كَرِهَ أَنْ يُعْطِي فَعَلَيَّ فِدَاؤُهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ النَّاس قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة \" فَأَعْطَى النَّاس مَا بِأَيْدِيهِمْ , إِلَّا قَلِيلًا مِنْ النَّاس سَأَلُوا الْفِدَاء \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب الْمَذْكُورَة \" فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ : مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّه , وَقَالَتْ الْأَنْصَار كَذَلِكَ , وَقَالَ الْأَقْرَع بْن حَابِس : أَمَّا أَنَا وَبَنُو تَمِيم فَلَا. وَقَالَ عُيَيْنَةُ : أَمَّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَة فَلَا. وَقَالَ الْعَبَّاس بْن مِرْدَاس : أَمَّا أَنَا وَبَنُو سَلِيم فَلَا , فَقَالَتْ بَنُو سَلِيم : بَلْ مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّه. قَالَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَمَسّك مِنْكُمْ بِحَقِّهِ فَلَهُ بِكُلِّ إِنْسَان سِتّ فَرَائِض مِنْ أَوَّل فَيْء نُصِيبهُ , فَرَدُّوا إِلَى النَّاس نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ إِلَخْ ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب الْعُرَفَاء \" مِنْ كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْ سَبْي هَوَازِن ) ‏ ‏بَيَّنَ الْمُصَنِّف فِي الْهِبَة أَنَّ الَّذِي قَالَ هَذَا إِلَخْ هُوَ الزُّهْرِيُّ , قَالَ : وَذَلِكَ بَعْد أَنْ خَرَّجَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر عَنْ اللَّيْث بِسَنَدِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3977",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَفَلْنَا مِنْ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏سَأَلَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ نَذْرٍ كَانَ نَذَرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ اعْتِكَافٍ ‏ ‏فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِوَفَائِهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏بَعْضُهُمْ ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ نَافِع أَنَّ عُمَر قَالَ : يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏هَكَذَا ذَكَرَهُ مُرْسَلًا مُخْتَصَرًا , ثُمَّ عَقَّبَهُ بِرِوَايَةِ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر مَوْصُولًا تَامًّا. وَقَدْ عَابَ عَلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ جَمْعهمَا لِأَنَّ قَوْله : \" لَمَّا قَفَلْنَا مِنْ حُنَيْنٍ \" لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد أَيْ الرِّوَايَة الْأُولَى الْمُرْسَلَة , وَالْجَوَاب أَنَّ الْبُخَارِيّ إِنَّمَا نَظَرَ إِلَى أَصْل الْحَدِيث لَا إِلَى النَّقْص وَالزِّيَادَة فِي أَلْفَاظ الرُّوَاة , وَإِنَّمَا أَوْرَدَ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد الْمُرْسَلَة لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ رِوَايَته مَرْجُوحَة , لِأَنَّ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب شَيْخه أَيُّوب خَالَفُوهُ فِيهِ فَوَصَلُوهُ , بَلْ بَعْض أَصْحَاب حَمَّاد بْن زَيْد رَوَاهُ عَنْهُ مَوْصُولًا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ أَيْضًا هُنَا , عَلَى أَنَّ رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد وَإِنْ لَمْ يَقَع فِيهَا ذِكْر الْقُفُولِ مِنْ حُنَيْنٍ صَرِيحًا لَكِنَّهُ فِيهَا ضِمْنًا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة بَعْضهمْ مَا لَيْسَ عِنْد مَعْمَر أَيْضًا مِمَّا هُوَ أُدْخِل فِي مَقْصُود الْبَاب كَمَا سَأُبَيِّنُهُ , فَأَمَّا بَقِيَّة لَفْظ الرِّوَايَة الْأُولَى فَقَدْ سَاقَهَا هُوَ فِي فَرْض الْخُمُس بِلَفْظِ \" أَنَّ عُمَر قَالَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ كَانَ عَلَيَّ اِعْتِكَاف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة , فَأَمَرَهُ أَنْ يَفِي بِهِ. قَالَ : وَأَصَابَ عُمَر جَارِيَتَيْنِ مِنْ سَبْي حُنَيْنٍ فَوَضَعَهُمَا فِي بَعْض بُيُوت مَكَّة \" الْحَدِيث , وَكَذَا أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن حَرْب وَأَبِي الرَّبِيع الزَّهْرَانِي وَخَلَف بْن هِشَام كُلّهمْ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع \" أَنَّ عُمَر كَانَ عَلَيْهِ اِعْتِكَاف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة , فَلَمَّا نَزَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالْجِعِرَّانَةِ سَأَلَهُ عَنْهُ , فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِف \" لَفْظ أَبِي الرَّبِيع قُلْت : وَكَانَ نُزُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالْجِعِرَّانَةِ بَعْد رُجُوعه مِنْ الطَّائِف بِالِاتِّفَاقِ , وَكَذَا سَبْي حُنَيْنٍ إِنَّمَا قُسِّمَ بَعْد الرُّجُوع مِنْهَا فَاتَّحَدَتْ رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد وَمَعْمَر مَعْنَى , وَظَهَرَ رَدّ مَا اِعْتَرَضَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ. وَأَمَّا رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد مَوْصُولًا فَأَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ : \" وَقَالَ بَعْضهمْ عَنْ حَمَّاد إِلَخْ \" فَالْمُرَاد بِحَمَّادِ اِبْن زَيْد , فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَقِبَهُ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة وَهِيَ مُخَالِفَة لِسِيَاقِهِ , وَالْمُرَاد بِالْبَعْضِ الْمُبْهَم أَحْمَد بْن عَبْدَة الضَّبِّيُّ , كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه فَقَالَ : \" أَخْبَرَنِي الْقَاسِم هُوَ اِبْن زَكَرِيَّا حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْدَة حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : \" كَانَ عُمَر نَذَرَ اِعْتِكَاف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة , فَسَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَفِي بِهِ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَابْن خُزَيْمَةَ عَنْ أَحْمَد بْن عَبْدَة وَذَكَرَا فِيهِ إِنْكَار اِبْن عُمَر عُمْرَة الْجِعِرَّانَة , وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِم لَفْظه , وَقَدْ أَوْضَحْته فِي \" بَاب مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي الْمُؤَلَّفَة \" مِنْ كِتَاب فَرْض الْخُمُس. وَأَمَّا رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَيُّوب مَوْصُولًا فَأَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ : \" وَرَوَاهُ جَرِير بْن حَازِم وَحَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" فَرِوَايَة جَرِير بْن حَازِم وَصَلَهَا مُسْلِم وَغَيْره مِنْ رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ جَرِير بْن حَازِم \" أَنَّ أَيُّوب حَدَّثَهُ أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر حَدَّثَهُ أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بَالْجِعِرَّانَةِ بَعْد أَنْ رَجَعَ مِنْ الطَّائِف فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي نَذَرْت فِي الْجَاهِلِيَّة أَنْ أَعْتَكِف يَوْمًا فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فَكَيْف تَرَى ؟ قَالَ : اِذْهَبْ فَاعْتَكِفْ يَوْمًا. وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَعْطَاهُ جَارِيَة مِنْ الْخُمُس , فَلَمَّا أَعْتَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَايَا النَّاس قَالَ عُمَر : يَا عَبْد اللَّه اِذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْجَارِيَة فَخَلّ سَبِيلهَا \" فَاشْتَمَلَ هَذَا السِّيَاق عَلَى فَوَائِد زَوَائِد , وَعُرِفَ وَجْه دُخُول هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب غَزْوَة حُنَيْنٍ \" وَرِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة وَصَلَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن مِنْهَال \" حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَيُّوب \" مَقْرُونَة بِرِوَايَةِ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق كِلَاهُمَا عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر , قَالَ فِي قِصَّة النَّذْر يَعْنِي دُون غَيْره مِنْ ذِكْر الْجَارِيَة وَالسَّبْي , وَقَدْ ذَكَرْت فِي فَرْض الْخُمُس كَلَام الدَّارَقُطْنِيِّ عَلَى هَذَا الْحَدِيث وَأَنَّهُ قَالَ : رَوَاهُ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوب , فَاخْتَلَفَ الرُّوَاة عَنْهُ , فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَلَهُ , وَمِمَّنْ رَوَاهُ مَوْصُولًا مُحَمَّد بْن أَبِي خَلَف وَهُوَ مِنْ شُيُوخ مُسْلِم أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه وَفِيهِ ذِكْر النَّذْر وَالسَّبْي وَالْجَارِيَة كَمَا فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم , وَفِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاق فِي قِصَّة الْجَارِيَة فَائِدَة أُخْرَى \" قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو وَجْزَة يَزِيد بْن عُبَيْد السَّعْدِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى مِنْ سَبْي هَوَازِن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب جَارِيَة يُقَال لَهَا رَيْطَة بِنْت حِبَّانَ بْن عُمَيْر , وَأَعْطَى عُثْمَان جَارِيَة يُقَال لَهَا زَيْنَب بِنْت خِنَاس , وَأَعْطَى عُمَر قِلَابَةَ فَوَهَبَهَا لِابْنِهِ , قَالَ اِبْن إِسْحَاق : فَحَدَّثَنِي نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ. بَعَثْت جَارِيَتِي إِلَى أَخْوَالِي فِي بَنِي جُمَح لِيُصْلِحُوا لِي مِنْهَا حَتَّى أَطُوف بِالْبَيْتِ , ثُمَّ أَتَيْتهمْ فَخَرَجْت مِنْ الْمَسْجِد فَإِذَا النَّاس يَشْتَدُّونَ , قُلْت مَا شَأْنكُمْ ؟ قَالُوا : رَدّ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا فَفَلَتَ دُونكُمْ صَاحِبَتكُمْ فَهِيَ فِي بَنِي جُمَح , فَانْطَلَقُوا فَأَخَذُوهَا \" وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْله فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد أَنَّهُ وَهَبَ عُمَر جَارِيَتَيْنِ , فَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ عُمَر أَعْطَى إِحْدَى جَارِيَتَيْهِ لِوَلَدِهِ عَبْد اللَّه , وَاَللَّه أَعْلَم. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ أَعْطَى لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف وَآخَرِينَ مَعَهُ مِنْ الْجَوَارِي , وَأَنَّ جَارِيَة سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص اِخْتَارَتْهُ فَأَقَامَتْ عِنْده وَوَلَدَتْ لَهُ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِالِاعْتِكَافِ فِي بَابه , وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِالنَّذْرِ فِي بَابه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3978",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُحَمَّدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَضَرَبْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ بِالسَّيْفِ فَقَطَعْتُ الدِّرْعَ وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي فَلَحِقْتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَقُلْتُ مَا بَالُ النَّاسِ قَالَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ رَجَعُوا وَجَلَسَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ فَقُلْتُ مَنْ يَشْهَدُ لِي ثُمَّ جَلَسْتُ قَالَ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ فَقُمْتُ فَقُلْتُ مَنْ يَشْهَدُ لِي ثُمَّ جَلَسْتُ قَالَ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ فَقُمْتُ فَقَالَ مَا لَكَ يَا ‏ ‏أَبَا قَتَادَةَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ رَجُلٌ صَدَقَ وَسَلَبُهُ عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنِّي فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏لَاهَا اللَّهِ إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيُعْطِيَكَ ‏ ‏سَلَبَهُ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَدَقَ فَأَعْطِهِ فَأَعْطَانِيهِ فَابْتَعْتُ بِهِ ‏ ‏مَخْرَفًا ‏ ‏فِي ‏ ‏بَنِي سَلِمَةَ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ ‏ ‏تَأَثَّلْتُهُ ‏ ‏فِي الْإِسْلَامِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُحَمَّدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ يَوْمَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَآخَرُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ‏ ‏يَخْتِلُهُ ‏ ‏مِنْ وَرَائِهِ لِيَقْتُلَهُ فَأَسْرَعْتُ إِلَى الَّذِي ‏ ‏يَخْتِلُهُ ‏ ‏فَرَفَعَ يَدَهُ لِيَضْرِبَنِي وَأَضْرِبُ يَدَهُ فَقَطَعْتُهَا ثُمَّ أَخَذَنِي فَضَمَّنِي ضَمًّا شَدِيدًا حَتَّى تَخَوَّفْتُ ثُمَّ تَرَكَ ‏ ‏فَتَحَلَّلَ ‏ ‏وَدَفَعْتُهُ ثُمَّ قَتَلْتُهُ وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَانْهَزَمْتُ مَعَهُمْ فَإِذَا ‏ ‏بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏فِي النَّاسِ فَقُلْتُ لَهُ مَا شَأْنُ النَّاسِ قَالَ أَمْرُ اللَّهِ ثُمَّ تَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ فَقُمْتُ لِأَلْتَمِسَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلِي فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لِي فَجَلَسْتُ ثُمَّ بَدَا لِي فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ سِلَاحُ هَذَا الْقَتِيلِ الَّذِي يَذْكُرُ عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنْهُ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏كَلَّا لَا يُعْطِهِ ‏ ‏أُصَيْبِغَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَيَدَعَ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَدَّاهُ إِلَيَّ فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ ‏ ‏خِرَافًا ‏ ‏فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ ‏ ‏تَأَثَّلْتُهُ ‏ ‏فِي الْإِسْلَامِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي قَتَادَةُ , ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ وَعُمَر بْن كَثِير بْن أَفْلَحَ مَدَنِيّ مَوْلَى أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ , وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْره , وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير , وَلَكِنَّ اِبْن حِبَّانَ ذَكَرَهُ فِي أَتْبَاع التَّابِعِينَ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد , لَكِنْ ذَكَرَهُ فِي مَوَاضِع : فَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع مُخْتَصَرًا , وَفِي فَرْض الْخُمُس تَامًّا , وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَام. وَقَدْ ذَكَرْت فِي الْبُيُوع أَنَّ يَحْيَى بْن يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيّ حَرَّفَهُ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ : عَنْ عَمْرو بْن كَثِير وَالصَّوَاب \" عُمَر \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ نَافِع بْن عَبَّاس مَعْرُوف بِاسْمِهِ وَكُنْيَته. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا اِلْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْوَاو أَيْ حَرَكَة فِيهَا اِخْتِلَاف , وَقَدْ أَطْلَقَ فِي رِوَايَة اللَّيْث الْآتِيَة بَعْدهَا أَنَّهُمْ اِنْهَزَمُوا , لَكِنْ بَعْد الْقِصَّة الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو قَتَادَةَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيث الْبَرَاء أَنَّ الْجَمِيع لَمْ يَنْهَزِمُوا. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَأَيْت رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهمَا , ‏ ‏( وَقَوْله : \" عَلَا \" ) ‏ ‏أَيْ ظَهَرَ , وَفِي رِوَايَة اللَّيْث الَّتِي بَعْدهَا \" نَظَرْت إِلَى رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِل رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَآخَر مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَخْتِلهُ \" بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكَسْر الْمُثَنَّاة أَيْ يُرِيد أَنْ يَأْخُذهُ عَلَى غِرَّة , وَتَبَيَّنَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله فِي الْأُولَى : \" فَضَرَبْته مِنْ وَرَائِهِ \" لِهَذَا الثَّانِي الَّذِي كَانَ يُرِيد أَنْ يَخْتِل الْمُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى حَبْل عَاتِقه ) ‏ ‏حَبْل الْعَاتِق عَصَبه , وَالْعَاتِق مَوْضِع الرِّدَاء مِنْ الْمَنْكِب , وَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّ قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : \" فَأَضْرِب يَده فَقَطَعْتهَا \" أَنَّ الْمُرَاد بِالْيَدِ الذِّرَاع وَالْعَضُد إِلَى الْكَتِف , ‏ ‏وَقَوْله : \" فَقَطَعْت الدِّرْع \" ‏ ‏أَيْ الَّتِي كَانَ لَابِسهَا وَخَلَصْت الضَّرْبَة إِلَى يَده فَقَطَعَتْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَدْت مِنْهَا رِيح الْمَوْت ) ‏ ‏أَيْ مِنْ شِدَّتهَا , وَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا الْمُشْرِك كَانَ شَدِيد الْقُوَّة جِدًّا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْت فَأَرْسَلَنِي ) ‏ ‏أَيْ أَطْلَقَنِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَحِقْت عُمَر ) ‏ ‏فِي السِّيَاق حَذْف بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَة الثَّانِيَة حَيْثُ قَالَ : \" فَتَحَلَّلَ وَدَفَعْته ثُمَّ قَتَلْته وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَانْهَزَمْت مَعَهُمْ فَإِذَا بِعُمَر بْن الْخَطَّاب \". ‏ ‏قَوْله : ( أَمْر اللَّه ) ‏ ‏أَيْ حُكْم اللَّه وَمَا قَضَى بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ رَجَعُوا ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" ثُمَّ تَرَاجَعُوا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث الْأَوَّل كَيْفِيَّة رُجُوعهمْ وَهَزِيمَة الْمُشْرِكِينَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة فَلَهُ سَلَبه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ مُسْتَوْفَى فِي فَرْض الْخُمُس. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت مَنْ يَشْهَد لِي ) ‏ ‏زَادَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِي هَذِهِ \" فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَد لِي \" وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس شَهِدَ لَهُ , فَإِنْ كَانَ ضَبَطَهُ اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُون وَجَدَهُ فِي الْمَرَّة الثَّانِيَة فَإِنَّ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" فَجَلَسْت ثُمَّ بَدَا لِي فَذَكَرْت أَمْرَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" مِنْ جُلَسَائِهِ \" وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ اِسْمه أَسْوَد بْن خُزَاعِيّ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ فِي الرِّوَايَة الصَّحِيحَة أَنَّ الَّذِي أَخَذَ السَّلَب قُرَشِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( صَدَقَ , وَسَلَبه عِنْدِي فَأَرْضه مِنْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَأَرْضه مِنِّي \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق : لَاهَا اللَّه , إِذًا لَا يَعْمِد إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِل عَنْ اللَّه وَرَسُوله فَيُعْطِيك سَلَبَهُ ) ‏ ‏هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي الْأُصُول الْمُعْتَمَدَة مِنْ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا بِهَذِهِ الْأَحْرُف \" لَاهَا اللَّه إِذًا \" فَأَمَّا لَاهَا اللَّه فَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : هَا لِلتَّنْبِيهِ وَقَدْ يُقْسَم بِهَا يُقَال لَاهَا اللَّه مَا فَعَلْت كَذَا , قَالَ اِبْنِ مَالِك. فِيهِ شَاهِد عَلَى جَوَاز الِاسْتِغْنَاء عَنْ وَاو الْقَسَم بِحَرْفِ التَّنْبِيه , قَالَ : وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا مَعَ اللَّه أَيْ لَمْ يُسْمَع لَاهَا الرَّحْمَن كَمَا سُمِعَ لَا وَالرَّحْمَن , قَالَ : وَفِي النُّطْق بِهَا أَرْبَعَة أَوْجُهُ , أَحَدهَا هَا اللَّه بِاللَّامِ بِغَيْرِ الْهَاء بِغَيْرِ إِظْهَار شَيْءٍ مِنْ الْأَلْفَيْنِ , ثَانِيهَا مِثْله لَكِنْ بِإِظْهَارِ أَلْفِ وَاحِدَة بِغَيْرِ هَمْز كَقَوْلِهِمْ اِلْتَقَتْ حَلَقَتَا الْبَطَّان , ثَالِثهَا ثُبُوت الْأَلِفَيْنِ بِهَمْزَةِ قَطْع , رَابِعُهَا بِحَذْفِ الْأَلِف وَثُبُوت هَمْزَة الْقَطْع , اِنْتَهَى كَلَامُهُ. وَالْمَشْهُور فِي الرَّاوِيَة مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُه الثَّالِث ثُمَّ الْأَوَّل. وَقَالَ أَبُو حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ : الْعَرَب تَقُول لَاهَأ اللَّه ذَا بِالْهَمْزِ , وَالْقِيَاس تَرْك الْهَمْز , وَحَكَى اِبْنِ التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ رُوِيَ بِرَفْعِ اللَّه , قَالَ : وَالْمَعْنَى يَأْبَى اللَّه. وَقَالَ غَيْره : إِنْ ثَبَتَتْ الرِّوَايَة بِالرَّفْعِ فَتَكُونُ \" هَا \" لِلتَّنْبِيهِ وَ \" اللَّه \" مُبْتَدَأ وَ \" لَا يَعْمِد \" خَبَرُهُ اِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه. وَقَدْ نَقَلَ الْأَئِمَّة الِاتِّفَاق عَلَى الْجَرّ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى غَيْره. وَأَمَّا إِذًا فَثَبَتَتْ فِي جَمِيع الرِّوَايَات الْمُعْتَمَدَة وَالْأُصُول الْمُحَقَّقَة مِنْ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا بِكَسْرِ الْأَلْف ثُمَّ ذَال مُعْجَمَة مَنُونَة , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَكَذَا يَرْوُونَهُ , وَإِنَّمَا هُوَ فِي كَلَامِهِمْ - أَيْ الْعَرَب - لَاهَا اللَّه ذَا , وَالْهَاء فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَاو , وَالْمَعْنَى لَا وَاَللَّه يَكُونُ ذَا. وَنَقَلَ عِيَاض فِي \" الْمَشَارِق \" عَنْ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي أَنَّ الْمَازِنِيَّ قَالَ قَوْل الرُّوَاة : \" لَاهَا اللَّه إِذًا \" خَطَأ , وَالصَّوَاب لَاهَا اللَّه ذَا أَيْ ذَا يَمِينِي وَقَسَمِي. وَقَالَ أَبُو زَيْد : لَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ لَاهَا اللَّه إِذًا , وَإِنَّمَا هُوَ لَاهَا اللَّه ذَا , وَذَا صِلَة فِي الْكَلَام , وَالْمَعْنَى لَا وَاَللَّه , هَذَا مَا أُقْسِم بِهِ , وَمِنْهُ أَخَذَ الْجَوْهَرِيّ قَالَ : قَوْلهمْ لَاهَا اللَّه ذَا مَعْنَاهُ لَا وَاَللَّه هَذَا , فَفَرَّقُوا بَيْن حَرْف التَّنْبِيه وَالصِّلَة , وَالتَّقْدِير لَا وَاَللَّه مَا فَعَلْت ذَا. وَتَوَارَدَ كَثِير مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْخَبَر بِلَفْظِ \" إِذَا \" خَطَأ وَإِنَّمَا هُوَ \" ذَا \" تَبَعًا لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّة , وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات بِخِلَافِ ذَلِكَ فَلَمْ يُصِبْ , بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ إِصْلَاح بَعْض مَنْ قَلَّدَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي ذَلِكَ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي كِتَابَة \" إِذًا \" هَذِهِ هَلْ تَكْتُب بِأَلِفِ أَوْ بِنُونِ , وَهَذَا الْخِلَاف مَبْنِيّ عَلَى أَنَّهَا اِسْم أَوْ حَرْف فَمَنْ قَالَ هِيَ اِسْم قَالَ الْأَصْل فِيمَنْ قِيلَ لَهُ سَأَجِيءُ إِلَيْك فَأَجَابَ إِذًا أَكْرِمك أَيْ إِذَا جِئْتنِي أُكْرِمك ثُمَّ حَذَفَ جِئْتنِي وَعَوَّضَ عَنْهَا التَّنْوِين وَأُضْمِرَتْ أَنْ , فَعَلَى هَذَا يُكْتَب بِالنُّونِ. وَمَنْ قَالَ هِيَ حَرْف - وَهُمْ الْجُمْهُور - اِخْتَلَفُوا , فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ بَسِيطَة وَهُوَ الرَّاجِح , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مُرَكَّبَة مِنْ إِذَا وَإِنْ فَعَلَى الْأَوَّل تُكْتَب بِأَلِفِ وَهُوَ الرَّاجِح وَبِهِ وَقَعَ رَسْم الْمَصَاحِف , وَعَلَى الثَّانِي تُكْتَبُ بِنُونٍ , وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهَا قَالَ سِيبَوَيْهِ : مَعْنَاهَا الْجَوَاب وَالْجَزَاء , وَتَبِعَهُ جَمَاعَة فَقَالُوا : هِيَ حَرْف جَوَاب يَقْتَضِي التَّعْلِيل. وَأَفَادَ أَبُو عَلِيّ الْفَارِسِيّ أَنَّهَا قَدْ تَتَمَحَّْض لِلْجَوَابِ , وَأَكْثَرِ مَا تَجِيء جَوَابًا لِلَوْ وَإِنْ ظَاهِرًا أَوْ مُقَدَّرًا , فَعَلَى هَذَا لَوْ ثَبَتَتْ الرِّوَايَة بِلَفْظِ \" إِذَا \" لَاخْتَلَّ نَظْم الْكَلَام لِأَنَّهُ يَصِير هَكَذَا : لَا وَاَللَّه , إِذَا لَا يَعْمِد إِلَى أَسَدٍ إِلَخْ. وَكَانَ حَقّ السِّيَاق أَنْ يَقُول : إِذًا يَعْمِد , أَيْ لَوْ أَجَابَك إِلَى مَا طَلَبْت لَعَمَد إِلَى أَسَدٍ إِلَخْ , وَقَدْ ثَبَتَتْ الرِّوَايَة بِلَفْظِ لَا يَعْمِد إِلَخْ , فَمِنْ ثَمَّ اِدَّعَى مَنْ اِدَّعَى أَنَّهَا تَغْيِير , وَلَكِنْ قَالَ اِبْنِ مَالِك : وَقَعَ فِي الرِّوَايَة \" إِذَا \" بِأَلِفٍ وَتَنْوِينٍ وَلَيْسَ بِبَعِيدِ. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء : هُوَ بَعِيد , وَلَكِنْ يُمْكِن أَنْ يُوَجَّه بِأَنَّ التَّقْدِير : لَا وَاَللَّه لَا يُعْطَى إِذَا , يَعْنِي وَيَكُونُ لَا يَعْمِد إِلَخْ تَأْكِيدًا لِلنَّفْيِ الْمَذْكُور وَمُوضِّحًا لِلسَّبَبِ فِيهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : ثَبَتَ فِي الرِّوَايَة \" لَاهَا اللَّه إِذًا \" فَحَمَلَهُ بَعْض النَّحْوِيِّينَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَغْيِير بَعْض الرُّوَاة لِأَنَّ الْعَرَب لَا تَسْتَعْمِل لَاهَا اللَّه بِدُونِ ذَا , وَإِنْ سَلِمَ اِسْتِعْمَاله بِدُونِ ذَا فَلَيْسَ هَذَا مَوْضِع إِذَا لِأَنَّهَا حَرْف جَزَاء وَالْكَلَام هُنَا عَلَى نَقِيضه , فَإِنَّ مُقْتَضَى الْجَزَاء أَنْ لَا يَذْكُر \" لَا \" فِي قَوْله : \" لَا يَعْمِد \" بَلْ كَانَ يَقُول : إِذًا يَعْمِد إِلَى أَسَدٍ إِلَخْ لِيَصِحّ جَوَابًا لِطَلَبِ السَّلَب , قَالَ : وَالْحَدِيث صَحِيح وَالْمَعْنَى صَحِيح , وَهُوَ كَقَوْلِك لِمَنْ قَالَ لَك اِفْعَلْ كَذَا فَقُلْت لَهُ : وَاَللَّه إِذًا لَا أَفْعَل , فَالتَّقْدِير إِذًا وَاَللَّه لَا يَعْمِد إِلَى أَسَدٍ إِلَخْ , قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونُ \" إِذَا \" زَائِدَة كَمَا قَالَ أَبُو الْبَقَاء إِنَّهَا زَائِدَة فِي قَوْل الْحَمَاسِيّ \" إِذًا لَقَامَ بِنَصْرِي مَعْشَر خَشِن \" فِي جَوَاب قَوْله : \" لَوْ كُنْت مِنْ مَازِن لَمْ تُسْتَبَحْ إِبِلِي \" قَالَ : وَالْعَجَب مِمَّنْ يَعْتَنِي بِشَرْحِ الْحَدِيث وَيُقَدِّم نَقْلْ بَعْض الْأُدَبَاء عَلَى أَئِمَّة الْحَدِيث وَجَهَابِذَتِهِ وَيَنْسُبُونَ إِلَيْهِمْ الْخَطَأ وَالتَّصْحِيف , وَلَا أَقُولُ إِنَّ جَهَابِذَة الْمُحَدِّثِينَ أَعْدَل وَأَتْقَن فِي النَّقْل إِذْ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَة بَيْنهمْ , بَلْ أَقُولُ : لَا يَجُوز الْعُدُول عَنْهُمْ فِي النَّقْل إِلَى غَيْرهمْ. قُلْت : وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى تَقْرِير مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَة وَرَدّ مَا خَالَفَهَا الْإِمَام أَبُو الْعَبَّاس الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" فَنَقَلَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَئِمَّة الْعَرَبِيَّة ثُمَّ قَالَ : وَقَعَ فِي رِوَايَة الْعُذْرِيّ وَالْهَوْزَنِيّ فِي مُسْلِم \" لَاهَا اللَّه ذَا \" بِغَيْرِ أَلْفِ وَلَا تَنْوِين , وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ. قَالَ : وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة صَوَاب وَلَيْسَتْ بِخَطَأٍ , وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْكَلَام وَقَعَ عَلَى جَوَاب إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ لِلْأُخْرَى , وَالْهَاء هِيَ الَّتِي عَوَّضَ بِهَا عَنْ وَاو الْقَسَم , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب تَقُول فِي الْقَسَم \" اللَّه لَأَفْعَلَنّ \" بِمَدِّ الْهَمْزَة وَبِقَصْرِهَا , فَكَأَنَّهُمْ عَوَّضُوا عَنْ الْهَمْزَة هَا فَقَالُوا \" هَا اللَّه \" لِتَقَارُبِ مَخْرَجَيْهِمَا , وَكَذَلِكَ قَالُوا بِالْمَدِّ وَالْقَصْر , وَتَحْقِيقه أَنَّ الَّذِي مَدّ مَعَ الْهَاء كَأَنَّهُ نَطَقَ بِهَمْزَتَيْنِ أَبْدَلَ مِنْ إِحْدَاهُمَا أَلِفًا اِسْتِثْقَالًا لِاجْتِمَاعِهِمَا كَمَا تَقُول : اللَّه وَاَلَّذِي قَصَرَ كَأَنَّهُ نَطَقَ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا تَقُول : اللَّه , وَأَمَّا \" إِذَا \" فَهِيَ بِلَا شَكّ حَرْف جَوَاب وَتَعْلِيل , وَهِيَ مِثْل الَّتِي وَقَعَتْ فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ بَيْع الرُّطَب بِالتَّمْرِ فَقَالَ : \" أَيَنْقُصُ الرُّطَب إِذَا جَفَّ ؟ قَالُوا : نَعَمْ. قَالَ : فَلَا إِذًا \" فَلَوْ قَالَ فَلَا وَاَللَّه إِذًا لَكَانَ مُسَاوِيًا لِمَا وَقَعَ هُنَا وَهُوَ قَوْله : \" لَاهَا اللَّه إِذَا \" مِنْ كُلّ وَجْه ; لَكِنَّهُ لَمْ يَحْتَجْ هُنَاكَ إِلَى الْقَسَم فَتَرَكَهُ , قَالَ : فَقَدْ وَضَحَ تَقْرِير الْكَلَام وَمُنَاسَبَته وَاسْتِقَامَته مَعْنَى وَوَضْعًا مِنْ غَيْر حَاجَة إِلَى تَكَلُّف بِعِيدٍ يَخْرُج عَنْ الْبَلَاغَة , وَلَا سِيَّمَا مَنْ اِرْتَكَبَ أَبْعَدَ وَأَفْسَدَ فَجَعَلَ الْهَاء لِلتَّنْبِيهِ وَذَا لِلْإِشَارَةِ وَفَصَل بَيْنَهُمَا بِالْمُقْسَمِ بِهِ , قَالَ : وَلَيْسَ هَذَا قِيَاسًا فَيُطَّرَد , وَلَا فَصِيحَا فَيُحْمَل عَلَيْهِ الْكَلَام النَّبَوِيّ , وَلَا مَرْوِيًّا بِرِوَايَةٍ ثَابِتَة. قَالَ : وَمَا وُجِدَ لِلْعَدَوِيّ وَغَيْره فَإِصْلَاح مَنْ اِغْتَرَّ بِمَا حُكِيَ عَنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة , وَالْحَقّ أَحَقّ أَنْ يُتَّبَع. وَقَالَ بَعْض مَنْ أَدْرَكْنَاهُ وَهُوَ أَبُو جَعْفَر الْغِرْنَاطِيّ نَزِيل حَلَب فِي حَاشِيَة نُسْخَته مِنْ الْبُخَارِيّ : اِسْتَرْسَلَ جَمَاعَة مِنْ الْقُدَمَاء فِي هَذَا الْإِشْكَال إِلَى أَنْ جَعَلُوا الْمُخَلِّص مِنْهُ أَنْ اِتَّهَمُوا الْأَثْبَات بِالتَّصْحِيفِ فَقَالُوا : وَالصَّوَاب \" لَاهَا اللَّه ذَا \" بِاسْمِ الْإِشَارَة. قَالَ : وَيَا عَجَبِ مِنْ قَوْم يَقْبَلُونَ التَّشْكِيك عَلَى الرِّوَايَات الثَّابِتَة وَيَطْلُبُونَ لَهَا تَأْوِيلًا. جَوَابهمْ أَنَّ هَا اللَّه لَا يَسْتَلْزِم اِسْم الْإِشَارَة كَمَا قَالَ اِبْنِ مَالِك , وَأَمَّا جَعْلُ , \" لَا يَعْمِد \" جَوَاب فَأَرْضِهِ فَهُوَ سَبَب الْغَلَط , وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ مِمَّنْ زَعَمَهُ , وَإِنَّمَا هُوَ جَوَاب شَرْط مُقَدَّر يَدُلّ عَلَيْهِ صِدْق فَأَرْضِهِ , فَكَأَنَّ أَبَا بَكْر قَالَ : إِذَا صَدَقَ فِي أَنَّهُ صَاحِب السَّلَب إِذَا لَا يَعْمِد إِلَى السَّلَب فَيُعْطِيك حَقَّهُ , فَالْجَزَاء عَلَى هَذَا صَحِيح لِأَنَّ صِدْقَهُ سَبَّب أَنْ لَا يَفْعَل ذَلِكَ. قَالَ : وَهَذَا وَاضِح لَا تَكَلُّف فِيهِ اِنْتَهَى. وَهُوَ تَوْجِيه حَسَن. وَاَلَّذِي قَبْله أَقْعَد. وَيُؤَيِّد مَا رَجَّحَهُ مِنْ الِاعْتِمَاد عَلَى مَا ثَبَتَتْ بِهِ الرِّوَايَة كَثْرَة وُقُوع هَذِهِ الْجُمْلَة فِي كَثِير مِنْ الْأَحَادِيث , مِنْهَا مَا وَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة بَرِيرَة لَمَّا ذَكَرَتْ أَنَّ أَهْلهَا يَشْتَرِطُونَ الْوَلَاء قَالَتْ : فَانْتَهَرْتهَا فَقُلْت : \" لَاهَا اللَّه إِذًا \" وَمِنْهَا مَا وَقَعَ فِي قِصَّة جُلَيْبِيب بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَتَيْنِ مُصَغَّرًا \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ عَلَيْهِ اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار إِلَى أَبِيهَا فَقَالَ : حَتَّى أَسْتَأْمِر أَمَّهَا , قَالَ : فَنَعَمْ إِذَا. قَالَ فَذَهَبَ إِلَى اِمْرَأَته فَذَكَرَ لَهَا فَقَالَتْ : لَاهَا اللَّه إِذًا , وَقَدْ مَنَعْنَاهَا فُلَانًا \" الْحَدِيث , صَحَّحَهُ اِبْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيث أَنَسٍ. وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي \" الزُّهْد \" قَالَ : \" قَالَ مَالِك بْن دِينَار لِلْحَسَنِ : يَا أَبَا سَعِيد لَوْ لَبِسْت مِثْل عَبَاءَتِي هَذِهِ , قَالَ : لَاهَا اللَّه إِذًا أَلْبِس مِثْل عَبَاءَتك هَذِهِ \" وَفِي \" تَهْذِيب الْكَمَال \" فِي تَرْجَمَة اِبْنِ أَبِي عَتِيق \" أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَة فِي مَرَضهَا فَقَالَ : كَيْف أَصْبَحْت جَعَلَنِي اللَّه فِدَاك ؟ قَالَتْ : أَصْبَحْت ذَاهِبَة. قَالَ : فَلَا إِذًا. وَكَانَ فِيهِ دُعَابَة \" وَوَقَعَ فِي كَثِير مِنْ الْأَحَادِيث فِي سِيَاق الْإِثْبَات بِقَسَمٍ وَبِغَيْرِ قَسَمٍ , فَمِنْ ذَلِكَ فِي قِصَّة جُلَيْبِيب , وَمِنْهَا حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة صَفِيَّة لَمَّا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" أَحَابِسَتنَا هِيَ ؟ وَقَالَ إِنَّهَا طَافَتْ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ فَقَالَ : فَلْتَنْفِرْ إِذًا \" وَفِي رِوَايَة \" فَلَا إِذًا \" وَمِنْهَا حَدِيث عَمْرو بْن الْعَاص وَغَيْره فِي سُؤَاله عَنْ أَحَبّ النَّاس \" فَقَالَ : عَائِشَة. فَقَالَ : لَمْ أَعْنِ النِّسَاء ؟ قَالَ : فَأَبُوهَا إِذًا \" وَمِنْهَا حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس فِي قِصَّة الْأَعْرَابِيّ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْحُمَّى فَقَالَ : \" بَلْ حُمَّى تَفُور , عَلَى شَيْخ كَبِير , تُزِيرهُ الْقُبُور. قَالَ : فَنَعَمْ إِذًا \" وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق سُفْيَان قَالَ : \" لَقِيت لِيطَة بْن الْفَرَزْدَق فَقُلْت : أَسْمَعْت هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَبِيك ؟ قَالَ : أَيْ هَا اللَّه إِذًا , سَمِعْت أَبِي يَقُولهُ \" فَذَكَرَ الْقِصَّة. وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : \" قُلْت لِعَطَاءٍ أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي فَرَغْت مِنْ صَلَاتِي فَلَمْ أَرْضَ كَمَالهَا , أَفَلَا أَعُود لَهَا ؟ قَالَ : بَلَى هَا اللَّه إِذًا \" وَاَلَّذِي يَظْهَر مِنْ تَقْدِير الْكَلَام بَعْد أَنْ تَقَرَّرَ أَنَّ \" إِذَا \" حَرْف جَوَاب وَجَزَاء أَنَّهُ كَأَنَّهُ قَالَ : إِذًا وَاَللَّه أَقُلْ لَك نَعَمْ , وَكَذَا فِي النَّفْي كَأَنَّهُ أَجَابَهُ بِقَوْلِهِ : إِذًا وَاَللَّه لَا نُعْطِيك , إِذًا وَاَللَّه لَا أَشْتَرِط , إِذًا وَاَللَّه لَا أَلْبَس , وَأَخَّرَ حَرْف الْجَوَاب فِي الْأَمْثِلَة كُلّهَا. وَقَدْ قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله تَعَالَى : ( أَمْ لَهُمْ نَصِيب مِنْ الْمُلْك , فَإِذًا لَا يُؤْتَوْنَ النَّاس نَقِيرًا ) : فَلَا يُؤْتَوْنَ النَّاس إِذًا , وَجَعَلَ ذَلِكَ جَوَابًا عَنْ عَدَم النَّصِيب بِهَا , مَعَ أَنَّ الْفِعْل مُسْتَقْبَل وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي \" الْمُغِيث \" لَهُ فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلافَك إِلَّا قَلِيلًا ) إِذًا قِيلَ هُوَ اِسْم بِمَعْنَى الْحُرُوف النَّاصِبَة وَقِيلَ أَصْله إِذًا الَّذِي هُوَ مِنْ ظُرُوف الزَّمَان وَإِنَّمَا نُوِّنَ لِلْفَرْقِ وَمَعْنَاهُ حِينَئِذٍ أَيْ إِنْ أَخْرَجُوك مِنْ مَكَّة , فَحِينَئِذٍ لَا يَلْبَثُونَ خَلْفك إِلَّا قَلِيلًا. وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ أَمْكَنَ حَمْل مَا وَرَدَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَيْهِ فَيَكُونُ التَّقْدِير : لَا وَاَللَّه حِينَئِذٍ. ثُمَّ أَرَادَ بَيَان السَّبَب فِي ذَلِكَ فَقَالَ : لَا يَعْمِد إِلَخْ وَاَللَّه أَعْلَمْ. وَإِنَّمَا أَطَلْت فِي هَذَا الْمَوْضِع لِأَنَّنِي مُنْذُ طَلَبْت الْحَدِيث وَوَقَفْت عُلَى كَلَامِ الْخَطَّابِيّ وَقَعَتْ عِنْدِي مِنْهُ نَفْرَة لِلْإِقْدَامِ عَلَى تَخْطِئَة الرِّوَايَات الثَّابِتَة , خُصُوصًا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ , فَمَا زِلْت أَتَطَلّبُ الْمُخَلِّص مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ ظَفِرْت بِمَا ذَكَرْته , فَرَأَيْت إِثْبَاته كُلّه هُنَا , وَاَللَّه الْمُوَفِّق. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَعْمَد إِلَخْ ) ‏ ‏أَيْ لَا يَقْصِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَجُل كَأَنَّهُ أَسَد فِي الشَّجَاعَة يُقَاتِل عَنْ دِين اللَّه وَرَسُوله فَيَأْخُذ حَقّه وَيُعْطِيكَهُ بِغَيْرِ طِيبَة مِنْ نَفْسه , هَكَذَا ضُبِطَ لِلْأَكْثَرِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ فِيهِ وَفِي يُعْطِيك , وَضَبَطَهُ النَّوَوِيّ بِالنُّونِ فِيهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَيُعْطِيك سَلَبه ) ‏ ‏أَيْ سَلَب قَتِيله فَأَضَافَهُ إِلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِلْكه. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس أَنَّ الَّذِي خَاطَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ عُمَر أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ إِسْحَق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْهُ وَلَفْظه \" إِنَّ هَوَازِن جَاءَتْ يَوْم حُنَيْنٍ \" فَذَكَرَ الْقِصَّة قَالَ : \" فَهَزَمَ اللَّه الْمُشْرِكِينَ , فَلَمْ يَضْرِب بِسَيْفٍ وَلَمْ يَطْعَن بِرُمْحٍ , وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ : مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبه , فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَة يَوْمئِذٍ عِشْرِينَ رَاجِلًا وَأَخَذَ أَسْلَابهمْ. وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ : إِنِّي ضَرَبْت رَجُلًا عَلَى حَبْل الْعَاتِق وَعَلَيْهِ دِرْع فَأَعْجَلْت عَنْهُ , فَقَامَ رَجُل فَقَالَ : أَخَذْتهَا فَأَرْضه مِنْهَا , وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُسْأَل شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ أَوْ سَكَتَ , فَسَكَتَ. فَقَالَ عُمَر. وَاَللَّه لَا يَفِيئهَا اللَّه عَلَى أَسَد مِنْ أُسْده وَيُعْطِيكهَا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَ عُمَر \" وَهَذَا الْإِسْنَاد قَدْ أَخْرَجَ بِهِ مُسْلِم بَعْض هَذَا الْحَدِيث وَكَذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ , لَكِنَّ الرَّاجِح أَنَّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ أَبُو بَكْر كَمَا رَوَاهُ أَبُو قَتَادَةَ وَهُوَ صَاحِب الْقِصَّة فَهُوَ أَتْقَنُ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ غَيْره. وَيُحْتَمَل الْجَمْع بِأَنْ يَكُون عُمَر أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ تَقْوِيَة لِقَوْلِ أَبِي بَكْر. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( صَدَقَ ) ‏ ‏أَيْ الْقَائِل : ‏ ‏( فَأَعْطِهِ ) ‏ ‏بِصَيْعَةِ الْأَمْر لِلَّذِي اِعْتَرَفَ بِأَنَّ السَّلَب عِنْدَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَابْتَعْت بِهِ ) ‏ ‏ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الَّذِي اِشْتَرَاهُ مِنْهُ حَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ وَأَنَّ الثَّمَن كَانَ سَبْع أَوَاقِي. ‏ ‏قَوْله : ( مَخْرَفًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَالرَّاء وَيَجُوز كَسْر الرَّاء أَيْ بُسْتَانًا , سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُخْتَرَف مِنْهُ التَّمْر أَيْ يُجْتَنَى , وَأَمَّا بِكَسْرِ الْمِيم فَهُوَ اِسْم الْآلَة الَّتِي يُخْتَرَف بِهَا , وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا \" خِرَافًا \" وَهُوَ بِكَسْرِ أَوَّله وَهُوَ التَّمْر الَّذِي يُخْتَرَف أَيْ يُجْتَنَى , وَأَطْلَقَهُ عَلَى الْبُسْتَان مَجَازًا فَكَأَنَّهُ قَالَ : بُسْتَان خِرَاف. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْبُسْتَان الْمَذْكُور كَانَ يُقَال لَهُ الْوُدِّيَّيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي بَنِي سَلِمَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام هُمْ بَطْن مِنْ الْأَنْصَار وَهُمْ قَوْم أَبِي قَتَادَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( تَأَثَّلْته ) ‏ ‏بِمُثَنَّاةِ ثُمَّ مُثَلَّثَة أَيْ أَصَّلْته , وَأَثْلَة كُلّ شَيْء أَصْله. وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" أَوَّل مَال اِعْتَقَدْته \" أَيْ جَعَلْته عُقْدَة , وَالْأَصْل فِيهِ مِنْ الْعَقْد لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا عَقَدَ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ شَيْخ مَالِك فِيهِ , وَرِوَايَته هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي الْأَحْكَام عَنْ قُتَيْبَة عَنْهُ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ وَقَالَ فِيهِ : \" عَنْ يَحْيَى \" لَمْ يَقُلْ حَدَّثَنِي , وَذَكَرَ فِي آخِره كَلِمَة قَالَ فِيهَا : \" قَالَ لِي عَبْد اللَّه حَدَّثَنَا اللَّيْث \" يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن صَالِح كَاتِب اللَّيْث , وَأَكْثَر مَا يُعَلِّقهُ الْبُخَارِيّ عَنْ اللَّيْث مَا أَخَذَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن صَالِح الْمَذْكُور , وَقَدْ أَشْبَع الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَة , وَقَدْ وَصَلَ الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اللَّيْث قَالَ : \" حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن سَعِيد \" وَذَكَرَهُ بِتَمَامِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَخَوَّفْت ) ‏ ‏حُذِفَ الْمَفْعُول وَالتَّقْدِير الْهَلَاك. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ بَرَكَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُوَحَّدَةِ. وَلِبَعْضِهِمْ بِالْمُثَنَّاةِ أَيْ تَرَكَنِي , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" ثُمَّ نُزِفَ \" بِضَمِّ النُّون وَكَسْر الزَّاي بَعْدهَا فَاءَ وَيُؤَيِّدهُ قَوْله بَعْدهَا \" فَتَحَلَّلَ \". ‏ ‏قَوْله : ( سِلَاح هَذَا الْقَتِيل الَّذِي يَذْكُر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" الَّذِي ذَكَرَهُ \" وَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ سَلَبَهُ كَانَ سِلَاحًا. ‏ ‏قَوْله : ( أُصَيْبِغ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَة عِنْد الْقَابِسِيّ , وَبِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة عِنْد أَبِي ذَرّ , وَقَالَ اِبْن التِّين : وَصَفَهُ بِالضَّعْفِ وَالْمُهَانَة , وَالْأُصَيْبِغ نَوْع مِنْ الطَّيْر , أَوْ شَبَّهَهُ بِنَبَاتٍ ضَعِيف يُقَال لَهُ الصَّبْغَاء إِذَا طَلَعَ مِنْ الْأَرْض يَكُون أَوَّل مَا يَلِي الشَّمْس مِنْهُ أَصْفَر ذَكَرَ ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ , وَعَلَى هَذَا رِوَايَة الْقَابِسِيّ , وَعَلَى الثَّانِي تَصْغِير الضَّبْع عَلَى غَيْر قِيَاس , كَأَنَّهُ لَمَّا عَظَّمَ أَبَا قَتَادَةَ بِأَنَّهُ أَسَد صَغَّرَ خَصْمه وَشَبَّهَهُ بِالضَّبْعِ لِضَعْفِ اِفْتِرَاسه وَمَا يُوصَف بِهِ مِنْ الْعَجْز , وَقَالَ اِبْن مَالِك : أُضَيْبِع بِمُعْجَمَةٍ وَعَيْن مُهْمَلَة تَصْغِير أَضَبَع وَيُكَنَّى بِهِ عَنْ الضَّعِيف. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَدَع ) ‏ ‏أَيْ يَتْرُك وَهُوَ بِالرَّفْعِ وَيَجُوز لِلنَّصَبِ وَالْجَرّ. ‏"
    },
    {
        "id": "3979",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏أَبَا عَامِرٍ ‏ ‏عَلَى جَيْشٍ إِلَى ‏ ‏أَوْطَاسٍ ‏ ‏فَلَقِيَ ‏ ‏دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ ‏ ‏فَقُتِلَ ‏ ‏دُرَيْدٌ ‏ ‏وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ قَالَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏وَبَعَثَنِي مَعَ ‏ ‏أَبِي عَامِرٍ ‏ ‏فَرُمِيَ ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ ‏ ‏فِي رُكْبَتِهِ رَمَاهُ ‏ ‏جُشَمِيٌّ ‏ ‏بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ فَأَشَارَ إِلَى ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ ذَاكَ قَاتِلِي ‏ ‏الَّذِي رَمَانِي فَقَصَدْتُ لَهُ فَلَحِقْتُهُ فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى فَاتَّبَعْتُهُ وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ أَلَا تَسْتَحْيِي أَلَا تَثْبُتُ فَكَفَّ ‏ ‏فَاخْتَلَفْنَا ‏ ‏ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ ثُمَّ قُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي عَامِرٍ ‏ ‏قَتَلَ اللَّهُ صَاحِبَكَ قَالَ فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ فَنَزَعْتُهُ ‏ ‏فَنَزَا ‏ ‏مِنْهُ الْمَاءُ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي أَقْرِئْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ اسْتَغْفِرْ لِي وَاسْتَخْلَفَنِي ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ ‏ ‏عَلَى النَّاسِ فَمَكُثَ يَسِيرًا ثُمَّ مَاتَ فَرَجَعْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَيْتِهِ عَلَى سَرِيرٍ ‏ ‏مُرْمَلٍ ‏ ‏وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ قَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِهِ وَجَنْبَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ ‏ ‏أَبِي عَامِرٍ ‏ ‏وَقَالَ قُلْ لَهُ اسْتَغْفِرْ لِي فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ ‏ ‏لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ ‏ ‏وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنْ النَّاسِ فَقُلْتُ وَلِي فَاسْتَغْفِرْ فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏ذَنْبَهُ وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏إِحْدَاهُمَا ‏ ‏لِأَبِي عَامِرٍ ‏ ‏وَالْأُخْرَى ‏ ‏لِأَبِي مُوسَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَ أَبَا عَامِر ) ‏ ‏هُوَ عُبَيْد بْن سَلِيم بْن حُضَّار الْأَشْعَرِيّ , وَهُوَ عَمّ أَبِي مُوسَى. وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : هُوَ اِبْن عَمّه. وَالْأَوَّل أَشْهَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَقِيَ دُرَيْد بْن الصِّمَّة فَقُتِلَ دُرَيْد ) ‏ ‏أَمَّا الصِّمَّة فَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمِيم أَيْ اِبْن بَكْر بْن عَلْقَمَة - وَيُقَال بْن الْحَارِث بْن بَكْر بْن عَلْقَمَة - الْجُشَمِيّ بِضَمِّ الْجِيم وَفَتْح الْمُعْجَمَة مِنْ بَنِي جُشَم بْن مُعَاوِيَة بْن بَكْر بْن هَوَازِن , فَالصِّمَّة لَقَب لِأَبِيهِ وَاسْمه الْحَارِث , وَقَوْله فَقُتِلَ رَوَيْنَاهُ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَاخْتُلِفَ فِي قَاتِله فَجَزَمَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بِأَنَّهُ رَبِيعَة بْن رُفَيْع بِفَاءِ مُصَغَّر اِبْن وَهْبَان بْن ثَعْلَبَة بْن رَبِيعَة السُّلَمِيّ وَكَانَ يُقَال لَهُ اِبْن الذِّعْنَة بِمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُهْمَلَة , وَيُقَال بِمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُعْجَمَة وَهِيَ أُمّه , وَقَالَ اِبْن هِشَام : يُقَال اِسْمه عَبْد اللَّه بْن قُبَيْع بْن أُهْبَان , وَسَاقَ بَقِيَّة نَسَبه. وَيُقَال لَهُ أَيْضًا اِبْن الدُّغُنَّة وَلَيْسَ هُوَ اِبْن الدُّغُنَّة الْمَذْكُور فِي قِصَّة أَبِي بَكْر فِي الْهِجْرَة , وَرَوَى الْبَزَّار فِي مُسْنَد أَنَس بِإِسْنَادٍ حَسَن مَا يُشْعِر بِأَنَّ قَاتِل دُرَيْد بْن الصِّمَّة هُوَ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام وَلَفْظه \" لَمَّا اِنْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ اِنْحَازَ دُرَيْد بْن الصِّمَّة فِي سِتّمِائَة نَفْس عَلَى أَكْمَة فَرَأَوْا كَتِيبَة , فَقَالَ خَلُّوهُمْ لِي , فَخَلُّوهُمْ , فَقَالَ : هَذِهِ قُضَاعَة وَلَا بَأْس عَلَيْكُمْ , ثُمَّ رَأَوْا كَتِيبَة مِثْل ذَلِكَ , فَقَالَ : هَذِهِ سَلِيم , ثُمَّ رَأَوْا فَارِسًا وَحْده فَقَالَ : خَلُّوهُ لِي , فَقَالُوا مُعْتَجِر بِعِمَامَةٍ سَوْدَاء , فَقَالَ : هَذَا الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام , وَهُوَ قَاتِلكُمْ وَمُخْرِجكُمْ مِنْ مَكَانكُمْ هَذَا , قَالَ فَالْتَفَتَ الزُّبَيْر فَرَآهُمْ فَقَالَ : عَلَامَ هَؤُلَاءِ هَاهُنَا ؟ فَمَضَى إِلَيْهِمْ , وَتَبِعَهُ جَمَاعَة فَقَتَلُوا مِنْهُمْ ثَلَاثمِائَة , فَحَزَّ رَأْس دُرَيْد بْن الصِّمَّة فَجَعَلَهُ بَيْن يَدَيْهِ. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون اِبْن الدُّغُنَّة كَانَ فِي جَمَاعَة الزُّبَيْر فَبَاشَرَ قَتْلَهُ فَنُسِبَ إِلَى الزُّبَيْر مَجَازًا , وَكَانَ دُرَيْد مِنْ الشُّعَرَاءِ الْفُرْسَانِ الْمَشْهُورِينَ فِي الْجَاهِلِيَّة , وَيُقَال إِنَّهُ كَانَ لَمَّا قُتِلَ اِبْن عِشْرِينَ - وَيُقَال اِبْن سِتِّينَ - وَمِائَة سَنَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو مُوسَى وَبَعَثَنِي ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏( مَعَ أَبِي عَامِر ) ‏ ‏أَيْ إِلَى مَنْ اِلْتَجَأَ إِلَى أَوْطَاسٍ , وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا عَامِر الْأَشْعَرِيّ فِي آثَار مَنْ تَوَجَّهَ إِلَى أَوْطَاسٍ , فَأَدْرَكَ بَعْض مَنْ اِنْهَزَمَ فَنَاوَشُوهُ الْقِتَال. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَمْي أَبُو عَامِر فِي رُكْبَته , رَمَاهُ جُشَمِيّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيم وَفَتْح الْمُعْجَمَة أَيْ رَجُل مِنْ بَنِي جُشَم , وَاخْتُلِفَ فِي اِسْم هَذَا الْجُشَمِيّ فَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : زَعَمُوا أَنَّ سَلَمَة بْن دُرَيْد بْن الصِّمَّة هُوَ الَّذِي رَمَى أَبَا عَامِر بِسَهْمٍ فَأَصَابَ رُكْبَته فَقَتَلَهُ , وَأَخَذَ الرَّايَة أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَقَاتَلَهُمْ فَفَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ , وَقَالَ اِبْن هِشَام : حَدَّثَنِي مَنْ أَثِق بِهِ أَنَّ الَّذِي رَمَى أَبَا عَامِر أَخَوَانِ مِنْ بَنِي جُشْمٍ وَهُمَا أَوْفَى وَالْعَلَاء اِبْنَا الْحَارِث , وَفِي نُسْخَة وَافَى بَدَل أَوْفَى, فَأَصَابَ أَحَدهمَا رُكْبَته , وَقَتَلَهُمَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. وَعِنْد اِبْن عَائِذ وَالطَّبَرَانِيِّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَن \" لَمَّا هَزَمَ اللَّه الْمُشْرِكِينَ يَوْم حُنَيْنٍ بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَيْل الطَّلَب أَبَا عَامِر الْأَشْعَرِيّ وَأَنَا مَعَهُ فَقَتَلَ اِبْن دُرَيْد أَبَا عَامِر , فَعَدَلْت إِلَيْهِ فَقَتَلَتْهُ وَأَخَذْت اللِّوَاءَ \" الْحَدِيث. فَهَذَا يُؤَيِّد مَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق. وَذَكَر اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي أَيْضًا أَنَّ أَبَا عَامِر لَقِيَ يَوْم أَوْطَاسٍ عَشْرَة مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِخْوَة فَقَتَلَهُمْ وَاحِدًا بَعْد وَاحَدّ , حَتَّى كَانَ الْعَاشِر فَحَمَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام وَهُوَ يَقُول : اللَّهُمَّ اِشْهَدْ عَلَيْهِ , فَقَالَ الرَّجُل اللَّهُمَّ لَا تُشْهِد عَلَيَّ , فَكَفّ عَنْهُ أَبُو عَامِر ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ أَسْلَمَ فَقَتَلَهُ الْعَاشِر , ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْد فَحَسَن إِسْلَامه , فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَمِّيه شَهِيد أَبِي عَامِر , وَهَذَا يُخَالِف الْحَدِيث الصَّحِيح فِي أَنَّ أَبَا مُوسَى قَتَلَ قَاتَلَ أَبِي عَامِر , وَمَا فِي الصَّحِيح أَوْلَى بِالْقَبُولِ , وَلَعَلَّ الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق شَارَكَ فِي قَتْلهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَا مِنْهُ الْمَاء ) ‏ ‏أَيْ اِنْصَبَّ مِنْ مَوْضِعِ السَّهْم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يَا اِبْن أَخِي ) ‏ ‏هَذَا يَرُدّ قَوْل اِبْن إِسْحَاق إِنَّهُ اِبْن عَمّه , وَيُحْتَمَل - إِنْ كَانَ ضَبَطَهُ - أَنْ يَكُون قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ أَسَنَّ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَجَعْت فَدَخَلْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عَائِذ \" فَلَمَّا رَآنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعِي اللِّوَاء قَالَ : يَا أَبَا مُوسَى قُتِلَ أَبُو عَامِر \". ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى سَرِير مُرَمَّل ) ‏ ‏بِرَاءِ مُهْمَلَة ثُمَّ مِيم ثَقِيلَة , أَيْ مَعْمُول بِالرِّمَالِ , وَهِيَ حِبَال الْحُصْر الَّتِي تُضَفَّر بِهَا الْأَسِرَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَلَيْهِ فِرَاش ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : أَنْكَرَهُ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن وَقَالَ : الصَّوَاب : مَا عَلَيْهِ فِرَاش , فَسَقَطَتْ \" مَا \" اِنْتَهَى. وَهُوَ إِنْكَار عَجِيب , فَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه رَقَدَ عَلَى غَيْر فِرَاش كَمَا فِي قِصَّة عُمَر أَنْ لَا يَكُون عَلَى سَرِيره دَائِمًا فِرَاش. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ) ‏ ‏يُسْتَفَاد مِنْهُ اِسْتِحْبَاب التَّطْهِير لِإِرَادَةِ الدُّعَاء , وَرَفْع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء , خِلَافًا لِمَنْ خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْتِسْقَاءِ , وَسَيَأْتِي بَيَان مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَاب الدَّعَوَات. ‏ ‏قَوْله : ( فَوْق كَثِير مِنْ خَلْقك ) ‏ ‏أَيْ فِي الْمَرْتَبَة , وَفِي رِوَايَة اِبْن عَائِذ \" فِي الْأَكْثَرِينَ يَوْم الْقِيَامَة \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو بُرْدَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏"
    },
    {
        "id": "3980",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّهَا ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعِنْدِي ‏ ‏مُخَنَّثٌ ‏ ‏فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏أَرَأَيْتَ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ‏ ‏الطَّائِفَ ‏ ‏غَدًا فَعَلَيْكَ ‏ ‏بِابْنَةِ ‏ ‏غَيْلَانَ ‏ ‏فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ وَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُنَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏الْمُخَنَّثُ ‏ ‏هِيتٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏بِهَذَا وَزَادَ وَهُوَ مُحَاصِرُ ‏ ‏الطَّائِفِ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُمّ سَلَمَة وَهِشَام هُوَ اِبْن عُرْوَة , وَفِي الْإِسْنَاد لَطِيفَة : رَجُل عَنْ أَبِيهِ وَهُمَا تَابِعِيَّانِ , وَامْرَأَة عَنْ أُمّهَا وَهُمَا صَحَابِيَّتَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَرَأَيْت إِنْ فَتَحَ اللَّه عَلَيْكُمْ الطَّائِف ) ‏ ‏الْحَدِيث يَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب النِّكَاح , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا ذِكْر حِصَار الطَّائِف , وَلِذَلِكَ أَوْرَدَ الطَّرِيق الْأُخْرَى بَعْده حَيْثُ قَالَ فِيهَا : \" وَهُوَ مُحَاصِر الطَّائِف يَوْمئِذٍ \" وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي أُمَيَّة هُوَ أَخُو أُمّ سَلَمَة رَاوِيَة الْحَدِيث , وَكَانَ إِسْلَامه مَعَ أَبِي سُفْيَان بْن الْحَارِث الْمُقَدَّم ذِكْره فِي غَزْوَة الْفَتْح , وَاسْتُشْهِدَ عَبْد اللَّه بِالطَّائِفِ أَصَابَهُ سَهْم فَقَتَلَهُ. وَقَوْله فِي الْأَوَّل : \" قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ وَقَالَ اِبْن جُرَيْجٍ \" هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّل. وَقَوْله : \" الْمُخَنَّث هِيت \" أَيْ اِسْمه , وَهُوَ بِكَسْرِ الْهَاء وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُثَنَّاة , وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِفَتْحِ أَوَّله , وَأَمَّا اِبْن دُرُسْتَوَيْه فَضَبَطَهُ بِنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة , وَزَعَمَ أَنَّ الْأَوَّل تَصْحِيف. قَالَ : وَالْهَنَب الْأَحْمَق. وَسَيَأْتِي مَا قِيلَ فِي اِسْمه مِنْ الِاخْتِلَاف هَلْ هُوَ وَاحِد أَوْ جَمَاعَة فِي كِتَاب النِّكَاح , وَكَذَا مَا قِيلَ فِي اِسْم الْمَرْأَة , وَالْأَشْهَر أَنَّهَا بَادِيَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3981",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَبَّاسِ ‏ ‏الشَّاعِرِ الْأَعْمَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الطَّائِفَ ‏ ‏فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا قَالَ ‏ ‏إِنَّا ‏ ‏قَافِلُونَ ‏ ‏إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا نَذْهَبُ وَلَا نَفْتَحُهُ وَقَالَ مَرَّةً ‏ ‏نَقْفُلُ ‏ ‏فَقَالَ اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ ‏ ‏فَغَدَوْا ‏ ‏فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ فَقَالَ إِنَّا ‏ ‏قَافِلُونَ ‏ ‏غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَعْجَبَهُمْ فَضَحِكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مَرَّةً فَتَبَسَّمَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏الْخَبَرَ كُلَّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , وَأَبُو الْعَبَّاس الشَّاعِر الْأَعْمَى تَقَدَّمَ ذِكْره وَتَسْمِيَته فِي قِيَام اللَّيْل. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" بِفَتْحِ الْعَيْن وَسُكُون الْمِيم , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَالْأَصِيلِيِّ , وَقُرِئَ عَلَى اِبْن زَيْد الْمَرْوَزِيِّ كَذَلِكَ فَرَدَّهُ بِضَمِّ الْعَيْن , وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَاف فِيهِ وَقَالَ : الصَّوَاب عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ وَكَذَلِكَ الْحُمَيْدِيُّ وَغَيْرهمَا مِنْ حُفَّاظ أَصْحَاب اِبْن عُيَيْنَةَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن يَسَار وَهُوَ مِمَّنْ لَازِم اِبْن عُيَيْنَةَ جِدًّا , وَاَلَّذِي قَالَ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيث \" عَبْد اللَّه بْن عُمَر \" وَهُمْ الَّذِينَ سَمِعُوا مِنْهُ مُتَأَخِّرًا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْحَاكِم , وَقَدْ بَالَغ الْحُمَيْدِيُّ فِي إِيضَاح ذَلِكَ فَقَالَ فِي مُسْنَده فِي رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ سُفْيَان \" عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب \" وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق عُثْمَان الدَّارِمِيِّ عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ قَالَ : \" حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَان غَيْر مَرَّة يَقُول عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب , لَمْ يَقُلْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ فَقَالَ : \" عَبْد اللَّه بْن عُمَر \" وَكَذَا رَوَاهُ عَنْهُ مُسْلِم , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ فَزَادَ \" قَالَ أَبُو بَكْر سَمِعْت اِبْن عُيَيْنَةَ مَرَّة أُخْرَى يُحَدِّث بِهِ عَنْ اِبْن عُمَر \" وَقَالَ الْمُفَضِّل الْعَلَائِيّ عَنْ يَحْيَى بْن مَعِين \" أَبُو الْعَبَّاس عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر فِي الطَّائِف الصَّحِيح اِبْن عُمَر \". ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا حَصَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّائِف فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا ) ‏ ‏فِي مُرْسَل اِبْن الزُّبَيْر عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة قَالَ : \" لَمَّا حَاصَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّائِف قَالَ أَصْحَابه : يَا رَسُول اللَّه أَحْرَقَتْنَا نِبَال ثَقِيف فَادْعُ اللَّه عَلَيْهِمْ , فَقَالَ : اللَّهُمَّ اِهْدِ ثَقِيفًا \" وَذَكَرَ أَهْل الْمَغَازِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اِسْتَعْصَى عَلَيْهِ الْحِصْن وَكَانُوا قَدْ أَعَدُّوا فِيهِ مَا يَكْفِيهِمْ لِحِصَارِ سَنَة وَرَمُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ سِكَك الْحَدِيد الْمُحَمَاة وَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَأَصَابُوا قَوْمًا , فَاسْتَشَارَ نَوْفَل بْن مُعَاوِيَة الدِّيلِيّ فَقَالَ : هُمْ ثَعْلَب فِي جُحْر إِنْ أَقَمْت عَلَيْهِ أَخَذَتْهُ وَإِنْ تَرَكْته لَمْ يَضُرّك , فَرَحَلَ عَنْهُمْ \" وَذَكَر أَنَس فِي حَدِيثه عِنْد مُسْلِم أَنَّ مُدَّة حِصَارهمْ كَانَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا , وَعِنْد أَهْل السِّيَر اِخْتِلَاف قِيلَ عِشْرِينَ يَوْمًا وَقِيلَ بِضْعَة عَشَر وَقِيلَ ثَمَانِيَة عَشَر وَقِيلَ خَمْسَة عَشَر. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّا قَافِلُونَ ) ‏ ‏أَيْ رَاجِعُونَ إِلَى الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏بَيَّنَ سَبَب ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ : \" نَذْهَب وَلَا نَفْتَحهُ \" وَحَاصِل الْخَبَر أَنَّهُمْ لَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ بِغَيْرِ فَتْح لَمْ يُعْجِبهُمْ , فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِالْقِتَالِ فَلَمْ يُفْتَح لَهُمْ فَأُصِيبُوا بِالْجِرَاحِ لِأَنَّهُمْ رَمَوْا عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْلَى السُّور فَكَانُوا يَنَالُونَ مِنْهُمْ بِسِهَامِهِمْ وَلَا تَصِل السِّهَام إِلَى مَنْ عَلَى السُّور , فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ تَبَيَّنَ لَهُمْ تَصْوِيب الرُّجُوع , فَلَمَّا أَعَادَ عَلَيْهِمْ الْقَوْل بِالرُّجُوعِ أَعْجَبَهُمْ حِينَئِذٍ , وَلِهَذَا قَالَ \" فَضَحِكَ \" وَقَوْله : \" وَقَالَ سُفْيَان مَرَّة فَتَبَسَّمَ \" هُوَ تَرْدِيد مِنْ الرَّاوِي. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَان الْخَبَر كُلّه ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ أَنَّ الْحُمَيْدِيّ رَوَاهُ بِغَيْرِ عَنْعَنَة بَلْ ذَكَرَ الْخَبَر فِي جَمِيع الْإِسْنَاد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِالْخَبَرِ كُلّه , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" وَفِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق بِشْر بْن مُوسَى عَنْ الْحُمَيْدِيِّ \" حَدَّثَنَا سُفْيَان حَدَّثَنَا عَمْرو سَمِعْت أَبَا الْعَبَّاس الْأَعْمَى يَقُول سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عُمَر يَقُول \" فَذَكَرَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3982",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏ ‏وَأَبَا بَكْرَةَ ‏ ‏وَكَانَ تَسَوَّرَ حِصْنَ ‏ ‏الطَّائِفِ ‏ ‏فِي أُنَاسٍ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَا سَمِعْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏وَأَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَالِيَةِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏وَأَبَا بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏قُلْتُ لَقَدْ شَهِدَ عِنْدَكَ رَجُلَانِ حَسْبُكَ بِهِمَا قَالَ أَجَلْ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَأَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَنَزَلَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ ‏ ‏الطَّائِفِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَاصِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان , وَأَبُو عُثْمَان هُوَ النَّهْدِيُّ , وَشَرْح الْمَتْن يَأْتِي فِي الْفَرَائِض , وَالْغَرَض مِنْهُ ذِكْر أَبِي بَكْرَة وَاسْمه نُفَيْع بْن الْحَارِث وَكَانَ مَوْلَى الْحَارِث بْن كِلْدَة الثَّقَفِيّ , فَتَدَلَّى مِنْ حِصْن الطَّائِف بِبَكْرَةٍ فَكُنِّي أَبَا بَكْرَة لِذَلِكَ أَخْرَجَ ذَلِكَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَا بَأْس بِهِ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرَة , وَكَانَ مِمَّنْ نَزَلَ مِنْ حِصْن الطَّائِف مِنْ عَبِيدهمْ فَأَسْلَمَ فِيمَا ذَكَرَ أَهْل الْمَغَازِي مِنْهُمْ مَعَ أَبِي بَكْرَة : الْمُنْبَعِث وَكَانَ عَبْدًا لِعُثْمَان بْن عَامِر بْن مُعَتِّب , وَكَذَا مَرْزُوق وَالْأَزْرَق زَوْج سُمَيَّة وَالِدَة زِيَاد بْن عُبَيْد الَّذِي صَارَ يُقَال لَهُ زِيَاد اِبْن أَبِيهِ , وَالْأَزْرَق أَبُو عُقْبَة وَكَانَ لِكِلْدَةِ الثَّقَفِيّ , ثُمَّ حَالَفَ بَنِي أُمَيَّة لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَعَهُ لِخَالِدِ بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ لِيُعَلِّمهُ الْإِسْلَام , وَوَرْدَان وَكَانَ لِعَبْدِ اللَّه بْن رَبِيعَة , وَيَحْنَس النَّبَّال وَكَانَ لِابْنِ مَالِك الثَّقَفِيّ وَإِبْرَاهِيم بْن جَابِر وَكَانَ لِخَرَشَةِ الثَّقَفِيّ , وَبَشَّار وَكَانَ لِعُثْمَان بْن عَبْد اللَّه , وَنَافِع مَوْلَى الْحَارِث بْن كِلْدَة , وَنَافِع مَوْلَى غَيْلَان بْن سَلَمَة الثَّقَفِيّ , وَيُقَال كَانَ مَعَهُمْ زِيَاد اِبْن سُمَيَّة وَالصَّحِيح أَنَّهُ لَمْ يَخْرُج حِينَئِذٍ لِصِغَرِهِ , وَلَمْ أَعْرِف أَسْمَاء الْبَاقِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( تَسَوَّرَ ) ‏ ‏أَيْ صَعِدَ إِلَى أَعْلَاهُ وَهَذَا لَا يُخَالِف قَوْله : \" تَدَلَّى \" لِأَنَّهُ تَسَوَّرَ مِنْ أَسْفَله إِلَى أَعْلَاهُ ثُمَّ تَدَلَّى مِنْهُ. ‏ ‏وَقَوْله : ( وَقَالَ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ , وَلَمْ يَقَع لِي مَوْصُولًا إِلَيْهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر لَكِنْ عَنْ أَبِي عُثْمَان وَحْده عَنْ أَبِي بَكْرَة وَحْده بِغَيْرِ شَكّ , وَغَرَض الْمُصَنِّف مِنْهُ مَا فِيهِ مِنْ بَيَان عَدَد مَنْ أُبْهِم فِي الرِّوَايَة الْأُولَى فَإِنَّ فِيهَا \" تَسُور مِنْ حِصْن الطَّائِف فِي أُنَاس \" وَفِي هَذَا \" فَنَزَلَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَالِث ثَلَاثَة وَعِشْرِينَ مِنْ الطَّائِف \" وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَبَا بَكْرَة لَمْ يَنْزِل مِنْ سُوَر الطَّائِف غَيْره وَهُوَ شَيْء قَالَهُ مُوسَى بْن عُقْبَة فِي مَغَازِيه وَتَبِعَهُ الْحَاكِم , وَجَمَعَ بَعْضهمْ بَيْن الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ أَبَا بَكْرَة نَزَلَ وَحْده أَوَّلًا ثُمَّ نَزَلَ الْبَاقُونَ بَعْده , وَهُوَ جَمْع حَسَن , وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة وَأَحْمَد مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" أَعْتَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الطَّائِف كُلّ مَنْ خَرَجَ إِلَيْهِ مِنْ رَقِيق الْمُشْرِكِينَ \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد مُرْسَلًا مِنْ وَجْه آخَر. قَالَ : \" اِشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهكُمَا وَنُحُورِكُمَا وَأَبْشِرَا \" فَأَخَذَا الْقَدَح فَفَعَلَا , فَنَادَتْ أُمّ سَلَمَة مِنْ وَرَاء السِّتْر أَنْ أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3983",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ نَازِلٌ ‏ ‏بِالْجِعْرَانَةِ ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَالْمَدِينَةِ ‏ ‏وَمَعَهُ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ أَلَا تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِي فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَبْشِرْ فَقَالَ قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ فَأَقْبَلَ عَلَى ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏وَبِلَالٍ ‏ ‏كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ فَقَالَ رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلَا أَنْتُمَا قَالَا قَبِلْنَا ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ ‏ ‏وَمَجَّ ‏ ‏فِيهِ ثُمَّ قَالَ اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا وَأَبْشِرَا فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلَا فَنَادَتْ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ أَنْ أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ نَازِل بَالْجِعِرَّانَةِ بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة ) ‏ ‏أَمَّا الْجِعِرَّانَة فَهِيَ بِكَسْرِ الْجِيم وَالْعَيْن الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الرَّاء وَقَدْ تُسَكَّن الْعَيْن , وَهِيَ بَيْن الطَّائِف وَمَكَّة وَإِلَى مَكَّة أَقْرَب قَالَهُ عِيَاض , وَقَالَ الْفَاكِهِيّ : بَيْنهَا وَبَيْن مَكَّة بَرِيد , وَقَالَ الْبَاجِيّ : ثَمَانِيَة عَشَر مِيلًا. وَقَدْ أَنْكَرَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِح قَوْله إِنَّ الْجِعِرَّانَة بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة وَقَالَ : إِنَّمَا هِيَ بَيْن مَكَّة وَالطَّائِف وَكَذَا جَزَمَ النَّوَوِيّ بِأَنَّ الْجِعِرَّانَة بَيْن الطَّائِف وَمَكَّة وَهُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ نَقَلَهُ عَنْ الْفَاكِهِيّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( أَعْرَابِيّ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا تُنْجِز لِي مَا وَعَدْتنِي ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنَّ الْوَعْد كَانَ خَاصًّا بِهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَامًّا , وَكَانَ طَلَبه أَنْ يُعَجِّل لَهُ نَصِيبه مِنْ الْغَنِيمَة فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَمَرَ أَنْ تُجْمَع غَنَائِم حُنَيْنٍ بَالْجِعِرَّانَةِ وَتَوَجَّهَ هُوَ بِالْعَسَاكِرِ إِلَى الطَّائِف , فَلَمَّا رَجَعَ مِنْهَا قَسَمَ الْغَنَائِم حِينَئِذٍ بَالْجِعِرَّانَةِ. فَلِهَذَا وَقَعَ فِي كَثِير مِمَّنْ كَانَ حَدِيث عَهْد بِالْإِسْلَامِ اِسْتِبْطَاء الْغَنِيمَة وَاسْتِنْجَاز قِسْمَتهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَبْشِرْ ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ قَطْع أَيْ بِقُرْبِ الْقِسْمَة , أَوْ بِالثَّوَابِ الْجَزِيل عَلَى الصَّبْرِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَادَتْ أُمّ سَلَمَة ) ‏ ‏هِيَ زَوْج النَّبِيّ وَهِيَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , وَلِهَذَا قَالَتْ : لِأُمِّكُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَفْضِلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَة ) ‏ ‏أَيْ بَقِيَّة. وَفِي الْحَدِيث مَنْقَبَة لِأَبِي عَامِر وَلِأَبِي مُوسَى وَلِبِلَالِ وَلِأُمِّ سَلَمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "3984",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏كَانَ يَقُولُ ‏ ‏لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ قَالَ فَبَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْجِعْرَانَةِ ‏ ‏وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ مَعَهُ فِيهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ عَلَيْهِ جُبَّةٌ ‏ ‏مُتَضَمِّخٌ ‏ ‏بِطِيبٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا ‏ ‏تَضَمَّخَ ‏ ‏بِالطِّيبِ فَأَشَارَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏بِيَدِهِ أَنْ تَعَالَ فَجَاءَ ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُحْمَرُّ الْوَجْهِ ‏ ‏يَغِطُّ ‏ ‏كَذَلِكَ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ ‏ ‏أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنْ الْعُمْرَةِ آنِفًا فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّة , وَيَعْلَى هُوَ اِبْن أُمَيَّة التَّمِيمِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيثه مُسْتَوْفَى فِي أَبْوَاب الْعُمْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3985",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏قَسَمَ فِي النَّاسِ فِي ‏ ‏الْمُؤَلَّفَةِ ‏ ‏قُلُوبُهُمْ وَلَمْ يُعْطِ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏شَيْئًا فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إِذْ لَمْ ‏ ‏يُصِبْهُمْ ‏ ‏مَا أَصَابَ النَّاسَ فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ بِي وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمْ اللَّهُ بِي ‏ ‏وَعَالَةً ‏ ‏فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ بِي كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ قَالَ مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ قَالَ لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا ‏ ‏أَتَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏رِحَالِكُمْ ‏ ‏لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا ‏ ‏وَشِعْبًا ‏ ‏لَسَلَكْتُ وَادِيَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَشِعْبَهَا ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏شِعَارٌ ‏ ‏وَالنَّاسُ ‏ ‏دِثَارٌ ‏ ‏إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ‏ ‏أُثْرَةً ‏ ‏فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا وُهَيْب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن خَالِد. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ عَفَّانَ عَنْ وُهَيْب \" حَدَّثَنَا عَمْرو بْن يَحْيَى \" وَهُوَ الْمَازِنِيّ الْأَنْصَارِيّ الْمَدَنِيّ , وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عِنْد مُسْلِم عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى بْن عُمَارَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَى رَسُوله يَوْم حُنَيْنٍ ) ‏ ‏أَيْ أَعْطَاهُ غَنَائِم الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ يَوْم حُنَيْنٍ , وَأَصْل الْفَيْء الرَّدّ وَالرُّجُوع , وَمِنْهُ سُمِّيَ الظِّلّ بَعْد الزَّوَال فَيْئًا لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ جَانِب إِلَى جَانِب , فَكَأَنَّ أَمْوَال الْكُفَّار سُمِّيَتْ فَيْئًا لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَصْل لِلْمُؤْمِنِينَ إِذْ الْإِيمَان هُوَ الْأَصْل وَالْكُفْر طَارِئ عَلَيْهِ , فَإِذَا غَلَبَ الْكُفَّار عَلَى شَيْء مِنْ الْمَال فَهُوَ بِطَرِيقِ التَّعَدِّي فَإِذَا غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ فَكَأَنَّهُ رَجَعَ إِلَيْهِمْ مَا كَانَ لَهُمْ , وَقَدْ قَدَّمْنَا قَرِيبًا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْر بِحَبْسِ الْغَنَائِم بَالْجِعِرَّانَةِ , فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ الطَّائِف وَصَلَ إِلَى الْجِعِرَّانَة فِي خَامِس ذِي الْقَعْدَة , وَكَانَ السَّبَب فِي تَأْخِير الْقِسْمَة مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث الْمِسْوَر رَجَاء أَنْ يُسَلِّمُوا , وَكَانُوا سِتَّة آلَاف نَفْس مِنْ النِّسَاء وَالْأَطْفَال وَكَانَتْ الْإِبِل أَرْبَعَة وَعِشْرِينَ أَلْفًا وَالْغَنَم أَرْبَعِينَ أَلْف شَاة. ‏ ‏قَوْله : ( قَسَمَ فِي النَّاس ) ‏ ‏حَذَفَ الْمَفْعُول وَالْمُرَاد بِهِ الْغَنَائِم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَس فِي الْبَاب \" يُعْطِي رِجَالًا الْمِائَة مِنْ الْإِبِل \". ‏ ‏وَقَوْله : ( فِي الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ ) ‏ ‏بَدَل بَعْض مِنْ كُلّ , وَالْمُرَاد بِالْمُؤَلَّفَةِ نَاس مِنْ قُرَيْش أَسْلَمُوا يَوْم الْفَتْح إِسْلَامًا ضَعِيفًا , وَقِيلَ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يُسْلِم بَعْد كَصَفْوَان بْن أُمَيَّة. وَقَدْ اِخْتَلَفَ فِي الْمُرَاد بِالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبهمَا الَّذِينَ هُمْ أَحَد الْمُسْتَحَقِّينَ لِلزَّكَاةِ فَقِيلَ : كُفَّار يُعْطَوْنَ تَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَام , وَقِيلَ مُسْلِمُونَ لَهُمْ أَتْبَاع كُفَّار لِيَتَأَلَّفُوهُمْ , وَقِيلَ مُسْلِمُونَ أَوَّل مَا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَام لِيَتَمَكَّن الْإِسْلَام مِنْ قُلُوبهمْ. وَأَمَّا الْمُرَاد بِالْمُؤَلَّفَةِ هُنَا فَهَذَا الْأَخِير لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ فِي الْبَاب \" فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْد بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفهُمْ \". وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس الْآتِي فِي \" بَاب قَسْم الْغَنَائِم فِي قُرَيْش \" وَالْمُرَاد بِهِمْ مَنْ فُتِحَتْ مَكَّة وَهُمْ فِيهَا , وَفِي رِوَايَة لَهُ \" فَأَعْطَى الطُّلَقَاء وَالْمُهَاجِرِينَ \" وَالْمُرَاد بِالطُّلَقَاءِ جَمْع طَلِيق : مَنْ حَصَلَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَنّ عَلَيْهِ يَوْم فَتْح مَكَّة مِنْ قُرَيْش وَأَتْبَاعهمْ , وَالْمُرَاد بِالْمُهَاجِرِينَ مَنْ أَسْلَمَ قَبْل فَتْح مَكَّة وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَة. وَقَدْ سَرَدَ أَبُو الْفَضْل بْن طَاهِر فِي \" الْمُبْهَمَات \" لَهُ أَسْمَاء الْمُؤَلَّفَة وَهُمْ ( س ) أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب , وَسُهَيْل بْن عَمْرو , وَحُوَيْطِب بْن عَبْد الْعُزَّى , ( س ) وَحَكِيم بْن حِزَام , وَأَبُو السَّنَابِل بْن بِعَكَكِ , وَصَفْوَان بْن أُمَيَّة , وَعَبْد الرَّحْمَن بْن يَرْبُوع وَهَؤُلَاءِ مِنْ قُرَيْش , وَعُيَيْنَة بْن حُصَيْن الْفَزَارِيّ وَالْأَقْرَع بْن حَابِس التَّمِيمِيّ وَعَمْرو بْن الْأَيْهَم التَّمِيمِيّ , ( س ) وَالْعَبَّاس بْن مِرْدَاس السِّلْمِيّ , ( س ) وَمَالك بْن عَوْف النَّضِرَيْ , وَالْعَلَاء بْن حَارِثَة الثَّقَفِيّ وَفِي ذِكْر الْأَخِيرِينَ نَظَّرَ : فَقَبْل إِنَّهُمَا جَاءَا طَائِعِينَ مِنْ الطَّائِف إِلَى الْجِعْرَانَة , وَذَكَر الْوَاقِدَيْ فِي الْمُؤَلَّفَة ( س ) مُعَاوِيَة وَيَزِيد اِبْنِي أَبِي سُفْيَان , وَأُسِيد بْن حَارِثَة , وَمُخَرَّمَة بْن نَوْفَل , ( س ) وَسَعِيد بْن يَرْبُوع , ( س ) وَقِيسَ بْن عَدِّي ( س ) وَعَمْرو بْن وَهَبَ , ( س ) وَهِشَام بْن عَمْرو. وَذَكَر اِبْن إِسْحَاق مِنْ ذَكَرَتْ عَلَيْهِ عَلَامَة سِين وَزَادَ : النُّضْر بْن الْحَارِث , وَالْحَارِث بْن هِشَام , وَجِبِّير بْن مَطْعَم. وَمِمَّنْ ذَكَره فَمنهمْ أَبُو عُمَر سُفْيَان بْن عَبْد الْأَسَد , وَالسَّائِب بْن أَبِي السَّائِب , وَمُطِيع بْن الْأَسْوَد وَأَبُو جَهْم بْن حُذَيْفَة. وَذَكَر اِبْن الْجَوْزِيّ فِيهِمْ زَيْد الْخَيْل , وَعَلْقَمَة بْن عُلَاثَة , وَحَكِيم بْن طَلَّقَ بْن سُفْيَان بْن أُمَيَّة وَخَالِد بْن قِيسَ السَّهْمِيّ , وَعُمَيْر بْن مِرْدَاس. وَذَكَر غَيْرهمْ فِيهِمْ قَيْس بْن مَخْرَمَة , وَأُحَيْحَة بْن أُمَيَّة بْن خَلْف , وَابْن أَبِي شَرِيق , وَحَرْمَلَة بْن هَوْذَة , وَخَالِد بْن هَوْذَة , وَعِكْرِمَة بْن عَامِر الْعَبْدَرِيُّ , وَشَيْبَة بْن عُمَارَة , وَعَمْرو بْن وَرِقَة , وَلِبَيْدِ بْن رَبِيعَة , وَالْمُغِيرَة بْن الْحَارِث , وَهِشَام بْن الْوَلِيد الْمَخْزُومِيّ. فَهَؤُلَاءِ زِيَادَة عَلَى أَرْبَعِينَ نَفْسًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَار شَيْئًا ) ‏ ‏ظَاهِر فِي أَنَّ الْعَطِيَّة الْمَذْكُورَة كَانَتْ مِنْ جَمِيع الْغَنِيمَة , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : الْإِجْرَاء عَلَى أُصُول الشَّرِيعَة أَنَّ الْعَطَاء الْمَذْكُور كَانَ مِنْ الْخُمُس , وَمِنْهُ كَانَ أَكْثَر عَطَايَاهُ , وَقَدْ قَالَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَة لِلْأَعْرَابِيِّ : \" مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُس , وَالْخُمُس مَرْدُود فِيكُمْ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَعَلَى الْأَوَّل فَيَكُون ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الْوَاقِعَة. وَقَدْ ذَكَرَ السَّبَب فِي ذَلِكَ فِي رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْ أَنَس فِي الْبَاب حَيْثُ قَالَ : \" إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيث عَهْد بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَة , وَإِنِّي أَرَدْت أَنْ أَجِيرهمْ وَأَتَأَلَّفهُمْ \". قُلْت : الْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد , وَسَيَأْتِي مَا يُؤَكِّدهُ. وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيّ جَزَمَ بِهِ الْوَاقِدِيُّ , وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إِذَا اِنْفَرَدَ فَكَيْف إِذَا خَالَفَ , وَقِيلَ إِنَّمَا كَانَ تَصَرَّفَ فِي الْغَنِيمَة لِأَنَّ الْأَنْصَار كَانُوا اِنْهَزَمُوا فَلَمْ يَرْجِعُوا حَتَّى وَقَعَتْ الْهَزِيمَة عَلَى الْكُفَّار فَرَدَّ اللَّه أَمْر الْغَنِيمَة لِنَبِيِّهِ. وَهَذَا مَعْنَى الْقَوْل السَّابِق بِأَنَّهُ خَاصّ بِهَذِهِ الْوَاقِعَة , وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْد أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْخُمُس , وَقَالَ اِبْن الْقَيِّم : اِقْتَضَتْ حِكْمَة اللَّه أَنَّ فَتْح مَكَّة كَانَ سَبَبًا لِدُخُولِ كَثِير مِنْ قَبَائِل الْعَرَب فِي الْإِسْلَام وَكَانُوا يَقُولُونَ : دَعُوهُ وَقَوْمه , فَإِنْ غَلَبَهُمْ دَخَلْنَا فِي دِينه , وَإِنْ غَلَبُوهُ كَفَوْنَا أَمْره. فَلَمَّا فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ اِسْتَمَرَّ بَعْضهمْ عَلَى ضَلَاله فَجَمَعُوا لَهُ وَتَأَهَّبُوا لِحَرْبِهِ , وَكَانَ مِنْ الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّ يَظْهَر أَنَّ اللَّه نَصَرَ رَسُوله لَا بِكَثْرَةِ مَنْ دَخَلَ فِي دِينه مِنْ الْقَبَائِل وَلَا بِانْكِفَافِ قَوْمه عَنْ قِتَاله , ثُمَّ لَمَّا قَدَّرَ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ غَلَبَته إِيَّاهُمْ قَدّر وُقُوع هَزِيمَة الْمُسْلِمِينَ مَعَ كَثْرَة عَدَدهمْ وَقُوَّة عَدَدهمْ لِيَتَبَيَّن لَهُمْ أَنَّ النَّصْر الْحَقّ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْده لَا بِقُوَّتِهِمْ , وَلَوْ قَدَّرَ أَنْ لَا يَغْلِبُوا الْكُفَّار اِبْتِدَاء لَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ شَامِخ الرَّأْس مُتَعَاظِمًا , فَقَدَّرَ هَزِيمَتهمْ ثُمَّ أَعْقَبَهُمْ النَّصْر لِيَدْخُلُوا مَكَّة كَمَا دَخَلَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْفَتْح مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا , وَاقْتَضَتْ حِكْمَته أَيْضًا أَنَّ غَنَائِم الْكُفَّار لَمَّا حَصَلَتْ ثُمَّ قُسِّمَتْ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَمَكَّن الْإِيمَان مِنْ قَلْبه لِمَا بَقِيَ فِيهِ مِنْ الطَّبْع الْبَشَرِيّ فِي مَحَبَّة الْمَال فَقَسَمَهُ فِيهِمْ لِتَطْمَئِنّ قُلُوبهمْ وَتَجْتَمِع عَلَى مَحَبَّته , لِأَنَّهَا جُبِلَتْ عَلَى حُبّ مَنْ أَحْسَن إِلَيْهَا. وَمَنَعَ أَهْل الْجِهَاد مِنْ أَكَابِر الْمُهَاجِرِينَ وَرُؤَسَاء الْأَنْصَار مَعَ ظُهُور اِسْتِحْقَاقهمْ لِجَمِيعِهَا لِأَنَّهُ لَوْ قَسَمَ ذَلِكَ فِيهِمْ لَكَانَ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ , بِخِلَافِ قِسْمَته عَلَى الْمُؤَلَّفَة لِأَنَّ فِيهِ اِسْتِجْلَاب قُلُوب أَتْبَاعهمْ الَّذِينَ كَانُوا يَرْضَوْنَ إِذَا رَضِيَ رَئِيسهمْ , فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْعَطَاء سَبَبًا لِدُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَام وَلِتَقْوِيَةِ قَلْب مَنْ دَخَلَ فِيهِ قَبْل تَبِعَهُمْ مَنْ دُونهمْ فِي الدُّخُول , فَكَانَ فِي ذَلِكَ عَظِيم الْمَصْلَحَة. وَلِذَلِكَ لَمْ يُقْسِم فِيهِمْ مِنْ أَمْوَال أَهْل مَكَّة عِنْد فَتْحهَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا مَعَ اِحْتِيَاج الْجُيُوش إِلَى الْمَال الَّذِي يُعِينهُمْ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ , فَحَرَّكَ اللَّه قُلُوب الْمُشْرِكِينَ لِغَزْوِهِمْ , فَرَأَى كَثِيرهمْ أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُمْ بِأَمْوَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ فَكَانُوا غَنِيمَة لِلْمُسْلِمِينَ , وَلَوْ لَمْ يَقْذِف اللَّه فِي قَلْب رَئِيسهمْ أَنَّ سَوْقه مَعَهُ هُوَ الصَّوَاب لَكَانَ الرَّأْي مَا أَشَارَ إِلَيْهِ دُرَيْد فَخَالَفَهُ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَصْيِيرِهِمْ غَنِيمَة لِلْمُسْلِمِينَ , ثُمَّ اِقْتَضَتْ تِلْكَ الْحِكْمَة أَنْ تُقَسَّم تِلْكَ الْغَنَائِم فِي الْمُؤَلَّفَة وَيُوَكِّل مَنْ قَلْبه مُمْتَلِئ بِالْإِيمَانِ إِلَى إِيمَانه. ثُمَّ كَانَ مِنْ تَمَام التَّأْلِيف رَدّ مَنْ سُبِيَ مِنْهُمْ إِلَيْهِمْ , فَانْشَرَحَتْ صُدُورهمْ لِلْإِسْلَامِ فَدَخَلُوا طَائِعِينَ رَاغِبِينَ , وَجَبَرَ ذَلِكَ قُلُوب أَهْل مَكَّة بِمَا نَالَهُمْ مِنْ النَّصْر وَالْغَنِيمَة عَمَّا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ الْكَسْر وَالرُّعْب فَصَرَفَ عَنْهُمْ شَرّ مَنْ كَانَ يُجَاوِرهُمْ مِنْ أَشَدّ الْعَرَب مِنْ هَوَازِن وَثَقِيف بِمَا وَقَعَ بِهِمْ مِنْ الْكَسْرَة وَبِمَا قَيَّضَ لَهُمْ مِنْ الدُّخُول فِي الْإِسْلَام , وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا كَانَ أَهْل مَكَّة يُطِيقُونَ مُقَاوَمَة تِلْكَ الْقَبَائِل مَعَ شِدَّتهَا وَكَثْرَتهَا. وَأَمَّا قِصَّة الْأَنْصَار وَقَوْل مَنْ قَالَ مِنْهُمْ فَقَدْ اِعْتَذَرَ رُؤَسَاؤُهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ بَعْض أَتْبَاعهمْ , وَلَمَّا شَرَحَ لَهُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْحِكْمَة فِيمَا صَنَعَ رَجَعُوا مُذْعِنِينَ وَرَأَوْا أَنَّ الْغَنِيمَة الْعُظْمَى مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ عَوْد رَسُول اللَّه إِلَى بِلَادهمْ , فَسَلُوا عَنْ الشَّاة وَالْبَعِير , وَالسَّبَايَا مِنْ الْأُنْثَى وَالصَّغِير , بِمَا حَازُوهُ مِنْ الْفَوْز الْعَظِيم , وَمُجَاوِرَة النَّبِيّ الْكَرِيم لَهُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا. وَهَذَا دَأْب الْحَكِيم يُعْطِي كُلّ أَحَد مَا يُنَاسِبهُ , اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاس ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ مَرَّة وَاحِدَة , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" فَكَأَنَّهُمْ وُجُدٌ إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاس , أَوْ كَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاس \" أَوْرَدَهُ عَلَى الشَّكّ هَلْ قَالَ : \" وُجُد \" بِضَمَّتَيْنِ جَمْع وَاجِد أَوْ \" وَجَدُوا \" عَلَى أَنَّهُ فِعْل مَاضٍ. وَوَقَعَ لَهُ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ وَجَدَهُ \" وَجَدُوا \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَصَارَ تَكْرَارًا بِغَيْرِ فَائِدَة , وَكَذَا رَأَيْته فِي أَصْل النَّسَفِيّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم كَذَلِكَ. قَالَ عِيَاض : وَقَعَ فِي نُسْخَة فِي الثَّانِي \" أَنْ لَمْ يُصِبْهُمْ \" يَعْنِي بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبِالنُّونِ قَالَ : وَعَلَى هَذَا تَظْهَر فَائِدَة التَّكْرَار , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ يَكُون الْأَوَّل مِنْ الْغَضَب وَالثَّانِي مِنْ الْحُزْن وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ غَضِبُوا , وَالْمَوْجِدَة الْغَضَب يُقَال وَجَدَ فِي نَفْسه إِذَا غَضِبَ , وَيُقَال أَيْضًا وَجَدَ إِذَا حَزَن , وَوَجَدَ ضِدّ فَقَدْ , وَوَجَدَ إِذَا اِسْتَفَادَ مَالًا , وَيَظْهَر الْفَرْق بَيْنهمَا بِمَصَادِرِهِمَا : فَفِي الْغَضَب مُوجِدَة , وَفِي الْحُزْن وَجَدَا بِالْفَتْحِ , وَفِي ضِدّ الْفَقْد وُجْدَانًا , وَفِي الْمَال وُجْدًا بِالضَّمِّ , وَقَدْ يَقَع الِاشْتِرَاك فِي بَعْض هَذِهِ الْمَصَادِر , وَمَوْضِع بَسْط ذَلِكَ غَيْر هَذَا الْمَوْضِع. وَفِي \" مَغَازِي سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ \" أَنَّ سَبَب حُزْنهمْ أَنَّهُمْ خَافُوا أَنْ يَكُون رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيد الْإِقَامَة بِمَكَّة. وَالْأَصَحّ مَا فِي الصَّحِيح حَيْثُ قَالَ : \" إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاس \" عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِع الْجَمْع وَهَذَا أَوْلَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَس فِي الْبَاب \" فَقَالُوا : يَغْفِر اللَّه لِرَسُولِهِ , يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكنَا وَسُيُوفنَا تَقْطُر مِنْ دِمَائِهِمْ \" وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن زَيْد عَنْ أَنَس آخِر الْبَاب \" إِذَا كَانَتْ شَدِيدَة فَنَحْنُ نُدْعَى , وَيُعْطَى الْغَنِيمَة غَيْرنَا \" وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّ الْعَطَاء كَانَ مِنْ صُلْب الْغَنِيمَة بِخِلَافِ مَا رَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَطَبَهُمْ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى \" فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ \" وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ \" فَحُدِّثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَقَالَتِهِمْ , فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَنْصَار فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّة مِنْ أُدْم , فَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ غَيْرهمْ , فَلَمَّا أَجْتَمَعُوا قَامَ فَقَالَ : مَا حَدِيث بَلَغَنِي عَنْكُمْ ؟ فَقَالَ فُقَهَاء الْأَنْصَار : أَمَّا رُؤَسَاؤُنَا فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا , وَأَمَّا نَاس مِنَّا حَدِيثَة أَسْنَانهمْ فَقَالُوا \" وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن زَيْد \" فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّة مِنْ أُدْم فَقَالَ : يَا مَعْشَر الْأَنْصَار , مَا حَدِيث بَلَغَنِي ؟ فَسَكَتُوا \" وَيُحْمَل عَلَى بَعْضهمْ سَكَتَ وَبَعْضهمْ أَجَابَ , وَفِي رِوَايَة أَبِي التَّيَّاح عَنْ أَنَس عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فَجَمَعَهُمْ فَقَالَ : \" مَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكُمْ ؟ قَالُوا : هُوَ الَّذِي بَلَغَك , وَكَانُوا لَا يَكْذِبُونَ \" وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق ثَابِت عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى أَبَا سُفْيَان وَعُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَع وَسُهَيْل بْن عَمْرو فِي آخَرِينَ يَوْم حُنَيْنٍ , فَقَالَتْ الْأَنْصَار : سُيُوفنَا تَقْطُر مِنْ دِمَائِهِمْ وَهُمْ يَذْهَبُونَ بِالْمَغْنَمِ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" ثُمَّ قَالَ : أَقُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ \" وَإِسْنَاده عَلَى شَرْط مُسْلِم , وَكَذَا ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَقَالَتِهِمْ سَعْد بْن عُبَادَةُ وَلَفْظه \" لَمَّا أَعْطَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْش وَفِي قَبَائِل الْعَرَب , وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَار مِنْهَا شَيْء , وَجَدَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَار فِي أَنْفُسهمْ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُمْ الْقَالَة , فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْد بْن عُبَادَةَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ , فَقَالَ لَهُ : فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْد ؟ قَالَ : مَا أَنَا إِلَّا مِنْ قَوْمِي. قَالَ : فَاجْمَعْ لِي قَوْمك. فَخَرَجَ فَجَمَعَهُمْ \" الْحَدِيث , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَهَذَا يُعَكِّر عَلَى الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا \" أَمَّا رُؤَسَاؤُنَا فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا \" لِأَنَّ سَعْد بْن عُبَادَةَ مِنْ رُؤَسَاء الْأَنْصَار بِلَا رَيْب , إِلَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى الْأَغْلَب الْأَكْثَر , وَأَنَّ الَّذِي خَاطَبَهُ بِذَلِكَ سَعْد بْن عُبَادَةَ وَلَمْ يُرِدْ إِدْخَال نَفْسه فِي النَّفْي , أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَفْظًا وَإِنْ كَانَ رَضِيَ بِالْقَوْلِ الْمَذْكُور فَقَالَ مَا أَنَا إِلَّا مِنْ قَوْمِي , وَهَذَا أَوْجَه , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَمْ أَجِدكُمْ ضُلَّالًا ) ‏ ‏بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد جَمْع ضَالّ وَالْمُرَاد هُنَا ضَلَالَة الشِّرْك , وَبِالْهِدَايَةِ الْإِيمَان. وَقَدْ رَتَّبَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ عَلَى يَده مِنْ النِّعَم تَرْتِيبًا بَالِغًا فَبَدَأَ بِنِعْمَةِ الْإِيمَان الَّتِي لَا يُوَازِيهَا شَيْء مِنْ أَمْر الدُّنْيَا , وَثَنَّى بِنِعْمَةِ الْأُلْفَة وَهِيَ أَعْظَم مِنْ نِعْمَة الْمَال لِأَنَّ الْأَمْوَال تُبْذَل فِي تَحْصِيلهَا وَقَدْ لَا تُحَصَّل , وَقَدْ كَانَتْ الْأَنْصَار قَبْل الْهِجْرَة فِي غَايَة التَّنَافُر وَالتَّقَاطُع لِمَا وَقَعَ بَيْنهمْ مِنْ حَرْب بُعَاث وَغَيْرهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْهِجْرَة , فَزَالَ ذَلِكَ كُلّه بِالْإِسْلَامِ كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( لَوْ أَنْفَقْت مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا مَا أَلَّفْت بَيْن قُلُوبهمْ , وَلَكِنَّ اللَّه أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ). ‏ ‏قَوْله : ( عَالَة ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ فُقَرَاء لَا مَال لَهُمْ , وَالْعَيْلَة الْفَقْر. ‏ ‏قَوْله : ( كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا : اللَّه وَرَسُوله أَمَنُّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْمِيم وَالتَّشْدِيد : أَفْعَل تَفْضِيل مِنْ الْمَنّ , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فَقَالُوا مَاذَا نُجِيبك يَا رَسُول اللَّه وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنّ وَالْفَضْل \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ جِئْتنَا كَذَا وَكَذَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر \" لَوْ شِئْتُمْ أَنْ تَقُولُوا جِئْتنَا كَذَا وَكَذَا وَكَانَ مِنْ الْأَمْر كَذَا وَكَذَا \" لِأَشْيَاء زَعَمَ عَمْرو بْن أَبِي يَحْيَى الْمَازِنِيّ رَاوِي الْحَدِيث أَنَّهُ لَا يَحْفَظهَا. وَفِي هَذَا رَدّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ الرَّاوِي كَنَّى عَنْ ذَلِكَ عَمْدًا عَلَى طَرِيق التَّأَدُّب , وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضهمْ أَنْ يَكُون الْمُرَاد جِئْتنَا وَنَحْنُ عَلَى ضَلَالَة فَهُدِينَا بِك وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَفِيهِ بُعْد , فَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد وَلَفْظه \" فَقَالَ : أَمَا وَاَللَّه لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَصَدَقْتُمْ وَصَدَقْتُمْ : أَتَيْتنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاك , وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاك , وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاك , وَعَائِلًا فَوَاسَيْنَاك \" وَنَحْوه فِي مَغَازِي أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة مُرْسَلًا وَابْن عَائِذ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَوْصُولًا , وَفِي مَغَازِي سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي جَوَاب ذَلِكَ \" رَضِينَا عَنْ اللَّه وَرَسُوله \" وَكَذَا ذَكَرَ مُوسَى بْن عُقْبَة فِي مَغَازِيه بِغَيْرِ إِسْنَاد , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ اِبْن أَبِي عَدِيّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس بِلَفْظِ \" أَفَلَا تَقُولُونَ جِئْتنَا خَائِفًا فَآمَنَاك , وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاك , وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاك. فَقَالُوا : بَلْ الْمَنّ عَلَيْنَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ \" وَإِسْنَاده صَحِيح , وَرَوَى أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ : \" قَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار لِأَصْحَابِهِ : لَقَدْ كُنْت أُحَدِّثكُمْ أَنْ لَوْ اِسْتَقَامَتْ الْأُمُور لَقَدْ آثَرَ عَلَيْكُمْ , قَالَ فَرَدُّوا عَلَيْهِ رَدًّا عَنِيفًا , فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْحَدِيث. وَإِنَّمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا مِنْهُ وَإِنْصَافًا , وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَة الْحُجَّة الْبَالِغَة وَالْمِنَّة الظَّاهِرَة فِي جَمِيع ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِمْ , فَإِنَّهُ لَوْلَا هِجْرَته إِلَيْهِمْ وَسُكْنَاهُ عِنْدهمْ لَمَا كَانَ بَيْنهمْ وَبَيْن غَيْرهمْ فَرْق , وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَلَا تَرْضَوْنَ إِلَخْ \" فَنَبَّهَهُمْ عَلَى مَا غَفَلُوا عَنْهُ مِنْ عَظِيم مَا اِخْتَصُّوا بِهِ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا حَصَلَ عَلَيْهِ غَيْرهمْ مِنْ عَرَضَ الدُّنْيَا الْفَانِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( بِالشَّاةِ وَالْبَعِير ) ‏ ‏اِسْم جِنْس فِيهِمَا , وَالشَّاة تَقَع عَلَى الذَّكَر وَالْأُنْثَى وَكَذَا الْبَعِير , وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ \" أَنْ يَذْهَب النَّاس بِالْأَمْوَالِ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي التَّيَّاح بَعْدهَا وَكَذَا قَتَادَةَ \" بِالدُّنْيَا \" ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى رِحَالكُمْ ) ‏ ‏بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة أَيْ بُيُوتكُمْ وَهِيَ رِوَايَة قَتَادَةَ , زَادَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَس \" فَوَاَللَّهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْر مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ \" وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا \" قَالُوا يَا رَسُول اللَّه قَدْ رَضِينَا \" وَفِي رِوَايَة قَتَادَةَ \" قَالُوا بَلَى \" وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ حِينَئِذٍ دَعَاهُمْ لِيَكْتُب لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ تَكُون لَهُمْ خَاصَّة بَعْده دُون النَّاس , وَهِيَ يَوْمئِذٍ أَفْضَل مَا فُتِحَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَرْض , فَأَبَوْا وَقَالُوا : لَا حَاجَة لَنَا بِالدُّنْيَا. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت اِمْرَأً مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام تَأَلُّف الْأَنْصَار وَاسْتِطَابَة نُفُوسهمْ وَالثَّنَاء عَلَيْهِمْ فِي دِينهمْ حَتَّى رَضِيَ أَنْ يَكُون وَاحِدًا مِنْهُمْ لَوْلَا مَا يَمْنَعهُ مِنْ الْهِجْرَة الَّتِي لَا يَجُوز تَبْدِيلهَا , وَنِسْبَة الْإِنْسَان تَقَع عَلَى وُجُوه : مِنْهَا الْوِلَادَة , وَالْبِلَادِيّة , وَالِاعْتِقَادِيَّة , وَالصِّنَاعِيَّة. وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الِانْتِقَال عَنْ نَسَب آبَائِهِ لِأَنَّهُ مُمْتَنِع قَطْعًا. وَأَمَّا الِاعْتِقَادِيّ فَلَا مَعْنَى لِلِانْتِقَالِ فِيهِ , فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقِسْمَانِ الْأَخِيرَانِ , وَكَانَتْ الْمَدِينَة دَار الْأَنْصَار وَالْهِجْرَة إِلَيْهَا أَمْرًا وَاجِبًا , أَيْ لَوْلَا أَنَّ النِّسْبَة الْهِجْرِيَّة لَا يَسْعَنِي تَرْكهَا لَانْتَسَبْت إِلَى دَاركُمْ. قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنَّهُ لَمَّا كَانُوا أَخْوَاله لِكَوْنِ أُمّ عَبْد الْمُطَّلِب مِنْهُمْ أَرَادَ أَنْ يَنْتَسِب إِلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْوِلَادَة لَوْلَا مَانِع الْهِجْرَة. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : لَمْ يُرِدْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَغَيُّر نَسَبه وَلَا مَحْو هِجْرَته , وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَوْلَا مَا سَبَقَ مِنْ كَوْنه هَاجَرَ لَانْتَسَبَ إِلَى الْمَدِينَة وَإِلَى نُصْرَة الدِّين , فَالتَّقْدِير لَوْلَا أَنَّ النِّسْبَة إِلَى الْهِجْرَة نِسْبَة دِينِيَّة لَا يَسَع تَرْكهَا لَانْتَسَبْت إِلَى دَاركُمْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَاهُ لَتَسَمَّيْت بِاسْمِكُمْ وَانْتَسَبْت إِلَيْكُمْ كَمَا كَانُوا يَنْتَسِبُونَ بِالْحِلْفِ , لَكِنْ خُصُوصِيَّة الْهِجْرَة وَتَرْبِيَتهَا سَبَقَتْ فَمَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ , وَهِيَ أَعْلَى وَأَشْرَف فَلَا تَتَبَدَّل بِغَيْرِهَا. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَكُنْت مِنْ الْأَنْصَار فِي الْأَحْكَام وَالْعِدَاد. وَقِيلَ : التَّقْدِير لَوْلَا أَنَّ ثَوَاب الْهِجْرَة أَعْظَم لَاخْتَرْت أَنْ يَكُون ثَوَابِي ثَوَاب الْأَنْصَار , وَلَمْ يُرِدْ ظَاهِر النَّسَب أَصْلًا. وَقِيلَ لَوْلَا اِلْتِزَامِي بِشُرُوطِ الْهِجْرَة وَمِنْهَا تَرْك الْإِقَامَة بِمَكَّة فَوْق ثَلَاث لَاخْتَرْت أَنْ يَكُون مِنْ الْأَنْصَار فَيُبَاح لِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَادِي الْأَنْصَار ) ‏ ‏هُوَ الْمَكَان الْمُنْخَفِض , وَقِيلَ الَّذِي فِيهِ مَاء , وَالْمُرَاد هُنَا بَلَدهمْ. ‏ ‏وَقَوْله : \" شِعْب الْأَنْصَار \" بِكَسْرِ الشِّين الْمُعْجَمَة وَهُوَ اِسْم لِمَا اِنْفَرَجَ بَيْن جَبَلَيْنِ. وَقِيلَ الطَّرِيق فِي الْجَبَل. وَأَرَادَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا وَبِمَا بَعْده التَّنْبِيه عَلَى جَزِيل مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ ثَوَاب النُّصْرَة وَالْقَنَاعَة بِاَللَّهِ وَرَسُوله عَنْ الدُّنْيَا. وَمَنْ هَذَا وَصْفه فَحَقّه أَنْ يُسْلَك طَرِيقه وَيُتّبَع حَاله. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَمَّا كَانَتْ الْعَادَة أَنَّ الْمَرْء يَكُون فِي نُزُوله وَارْتِحَاله مَعَ قَوْمه , وَأَرْض الْحِجَاز كَثِيرَة الْأَوْدِيَة وَالشِّعَاب , فَإِذَا تَفَرَّقَتْ فِي السَّفَر الطُّرُق سَلَكَ كُلّ قَوْم مِنْهُمْ وَادِيًا وَشِعْبًا. فَأَرَادَ أَنَّهُ مَعَ الْأَنْصَار. قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد بِالْوَادِي الْمَذْهَب كَمَا يُقَال فُلَان فِي وَادٍ وَأَنَا فِي وَادٍ. ‏ ‏قَوْله : ( الْأَنْصَار شِعَار وَالنَّاس دِثَار ) ‏ ‏الشِّعَار بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة بَعْدهَا مُهْمَلَة خَفِيفَة : الثَّوْب الَّذِي يَلِي الْجِلْد مِنْ الْجَسَد. وَالدِّثَار بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَمُثَلَّثَة خَفِيفَة الَّذِي فَوْقه. وَهِيَ اِسْتِعَارَة لَطِيفَة لِفَرْطِ قُرْبهمْ مِنْهُ. وَأَرَادَ أَيْضًا أَنَّهُمْ بِطَانَته وَخَاصَّته وَأَنَّهُمْ أَلْصَق بِهِ وَأَقْرَب إِلَيْهِ مِنْ غَيْرهمْ. زَادَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" اللَّهُمَّ اِرْحَمْ الْأَنْصَار وَأَبْنَاء الْأَنْصَار وَأَبْنَاء أَبْنَاء الْأَنْصَار. قَالَ : فَبَكَى الْقَوْم حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا : رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّه قَسَمَا وَحَظًّا \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمُثَلَّثَة وَبِفَتْحَتَيْنِ , وَيَجُوز كَسْر أَوَّله مَعَ الْإِسْكَان , أَيْ الِانْفِرَاد بِالشَّيْءِ الْمُشْتَرَك دُون مَنْ يُشْرِكهُ فِيهِ. وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ \" أُثْرَة شَدِيدَة \" وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَأْثِر عَلَيْهِمْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ اِشْتَرَاك فِي الِاسْتِحْقَاق. وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : مَعْنَاهُ يُفَضِّل نَفْسه عَلَيْكُمْ فِي الْفَيْء. وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْأُثْرَةِ الشِّدَّة. وَيَرُدّهُ سِيَاق الْحَدِيث وَسَبَبه. ‏ ‏قَوْله : ( فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْض ) ‏ ‏أَيْ يَوْم الْقِيَامَة. وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ \" حَتَّى تَلْقَوْا اللَّه وَرَسُوله فَإِنِّي عَلَى الْحَوْض \" أَيْ اِصْبِرُوا حَتَّى تَمُوتُوا , فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَنِي عِنْد الْحَوْض , فَيَحْصُل لَكُمْ الِانْتِصَاف مِمَّنْ ظَلَمَكُمْ وَالثَّوَاب الْجَزِيل عَلَى الصَّبْر. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ إِقَامَة الْحُجَّة عَلَى الْخَصْم وَإِفْحَامه بِالْحَقِّ عِنْد الْحَاجَة إِلَيْهِ , وَحُسْن أَدَب الْأَنْصَار فِي تَرَكَهُمْ الْمُمَارَاة , وَالْمُبَالَغَة فِي الْحَيَاء , وَبَيَان أَنَّ الَّذِي نُقِلَ عَنْهُمْ إِنَّمَا كَانَ عَنْ شُبَّانهمْ لَا عَنْ شُيُوخهمْ وَكُهُولهمْ. وَفِيهِ مَنَاقِب عَظِيمَة لَهُمْ لِمَا اِشْتَمَلَ مِنْ ثَنَاء الرَّسُول الْبَالِغ عَلَيْهِمْ , وَأَنَّ الْكَبِير يُنَبِّه الصَّغِير عَلَى مَا يَغْفُل عَنْهُ , وَيُوَضِّح لَهُ وَجْه الشُّبْهَة لِيَرْجِع إِلَى الْحَقّ. وَفِيهِ الْمُعَاتَبَة وَاسْتِعْطَاف الْمُعَاتِب وَإِعْتَابه عَنْ عَتْبه بِإِقَامَةِ حُجَّة مَنْ عَتَبَ عَلَيْهِ , وَالِاعْتِذَار وَالِاعْتِرَاف. وَفِيهِ عَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة لِقَوْلِهِ : \" سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَة \" فَكَانَ كَمَا قَالَ. وَقَدْ قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي رِوَايَته عَنْ أَنَس فِي آخِر الْحَدِيث \" قَالَ أَنَس : فَلَمْ يَصْبِرُوا \". وَفِيهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ تَفْضِيل بَعْض النَّاس عَلَى بَعْض فِي مَصَارِف الْفَيْء , وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُعْطِي الْغَنِيّ مِنْهُ لِلْمَصْلَحَةِ. وَأَنَّ مَنْ طَلَبَ حَقّه مِنْ الدُّنْيَا لَا عَتَبَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. وَمَشْرُوعِيَّة الْخُطْبَة عِنْد الْأَمْر الَّذِي يَحْدُث سَوَاء كَانَ خَاصًّا أَمْ عَامًّا. وَفِيهِ جَوَاز تَخْصِيص بَعْض الْمُخَاطَبِينَ فِي الْخُطْبَة. وَفِيهِ تَسْلِيَة مَنْ فَاتَهُ شَيْء مِنْ الدُّنْيَا مِمَّا حَصَلَ لَهُ مِنْ ثَوَاب الْآخِرَة , وَالْحَضّ عَلَى طَلَب الْهِدَايَة وَالْأُلْفَة وَالْغِنَى , وَأَنَّ الْمِنَّة لِلَّهِ وَرَسُوله عَلَى الْإِطْلَاق , وَتَقْدِيم جَانِب الْآخِرَة عَلَى الدُّنْيَا , وَالصَّبْر عَمَّا فَاتَ مِنْهَا لِيَدَّخِر ذَلِكَ لِصَاحِبِهِ فِي الْآخِرَة , وَالْآخِرَة خَيْر وَأَبْقَى. ‏"
    },
    {
        "id": "3986",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ نَاسٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏حِينَ ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏مِنْ أَمْوَالِ ‏ ‏هَوَازِنَ ‏ ‏فَطَفِقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعْطِي رِجَالًا الْمِائَةَ مِنْ الْإِبِلِ فَقَالُوا يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعْطِي ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَحُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَقَالَتِهِمْ فَأَرْسَلَ إِلَى ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَجَمَعَهُمْ فِي ‏ ‏قُبَّةٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَدَمٍ ‏ ‏وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ فَقَالَ فُقَهَاءُ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أَمَّا رُؤَسَاؤُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا وَأَمَّا نَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعْطِي ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ ‏ ‏أَتَأَلَّفُهُمْ ‏ ‏أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏رِحَالِكُمْ ‏ ‏فَوَاللَّهِ لَمَا ‏ ‏تَنْقَلِبُونَ ‏ ‏بِهِ خَيْرٌ مِمَّا ‏ ‏يَنْقَلِبُونَ ‏ ‏بِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَضِينَا فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَتَجِدُونَ ‏ ‏أُثْرَةً ‏ ‏شَدِيدَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَلَمْ يَصْبِرُوا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس , أَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ وَأَبِي التَّيَّاح وَهِشَام بْن زَيْد وَقَتَادَة كُلّهمْ عَنْ أَنَس , وَفِي رِوَايَة بَعْضهمْ مَا لَيْسَ فِي رِوَايَة الْآخَر , وَقَدْ ذَكَرْت مَا فِي رِوَايَاتهمْ مِنْ فَائِدَة فِي الَّذِي قَبْله. وَهِشَام فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ , وَأَبُو التَّيَّاح اِسْمه يَزِيد بْن حُمَيْدٍ , وَإِسْنَاده كُلّه بَصْرِيُّونَ. وَكَذَا طَرِيق قَتَادَةَ. وَهِشَام بْن زَيْد هُوَ اِبْن أَنَس بْن مَالِك. وَقَدْ أَوْرَدَ حَدِيثه مِنْ طَرِيقَيْنِ : فَالْأُولَى عَنْ أَزْهَر وَهُوَ اِبْن سَعْد السَّمَّان , وَالثَّانِيَة عَنْ مُعَاذ بْن مُعَاذ وَهُوَ الْعَنْبَرِيّ كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن عَوْن وَهُوَ عَبْد اللَّه , وَجَمِيعهمْ بَصْرِيُّونَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3987",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَنَائِمَ بَيْنَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَغَضِبَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالُوا بَلَى قَالَ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ ‏ ‏شِعْبًا ‏ ‏لَسَلَكْتُ وَادِيَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏شِعْبَهُمْ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي رِوَايَة أَبِي التَّيَّاح ‏ ‏( لَمَّا كَانَ يَوْم فَتْح مَكَّة قَسَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَائِم فِي قُرَيْش ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ شَيْخه , وَلَهُ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بَيْن قُرَيْش \" وَهِيَ رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ , وَوَقَعَ عِنْد الْقَابِسِيّ \" غَنَائِم فِي قُرَيْش \" وَلِبَعْضِهِمْ \" غَنَائِم مِنْ قُرَيْش \" وَهُوَ خَطَأ لِأَنَّهُ يُوهَم أَنَّ مَكَّة لَمَّا فُتِحَتْ قُسِّمَتْ غَنَائِم قُرَيْش , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" يَوْم فَتْح مَكَّة \" زَمَان فَتْح مَكَّة وَهُوَ يَشْمَل السَّنَة كُلّهَا , وَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَة حُنَيْنٍ نَاشِئَة عَنْ غَزْوَة مَكَّة أُضِيفَتْ إِلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ عَكْسه , وَقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : قَوْله يَعْنِي فِي رِوَايَة \" لَمَّا اُفْتُتِحَتْ مَكَّة قُسِّمَتْ الْغَنَائِم \" يُرِيد غَنَائِم هَوَازِن , فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْد فَتْح مَكَّة غَنِيمَة تُقَسَّم , وَلَكِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا حُنَيْنًا بَعْد فَتْح مَكَّة فِي تِلْكَ الْأَيَّام الْقَرِيبَة , وَكَانَ السَّبَب فِي هَوَازِن فَتْح مَكَّة لِأَنَّ الْخُلُوص إِلَى مُحَارَبَتهمْ كَانَ بِفَتْحِ مَكَّة , وَقَدْ خَطَّأَ الْقَابِسِيّ الرِّوَايَة وَقَالَ : الصَّوَاب فِي قُرَيْش. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق أَبِي مُسْلِم الْكَجِّيّ عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" لَمَّا كَانَ يَوْم حُنَيْنٍ قَالَتْ الْأَنْصَار : وَاَللَّه إِنَّ هَذَا لَهْو الْعَجَب , إِنَّ سُيُوفنَا تَقْطُر مِنْ دِمَاء قُرَيْش \" الْحَدِيث , فَهَذَا لَا إِشْكَال فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3988",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَزْهَرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏أَنْبَأَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ يَوْمُ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏الْتَقَى ‏ ‏هَوَازِنُ ‏ ‏وَمَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَشَرَةُ آلَافٍ وَالطُّلَقَاءُ ‏ ‏فَأَدْبَرُوا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَا مَعْشَرَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَالُوا لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ لَبَّيْكَ نَحْنُ بَيْنَ يَدَيْكَ فَنَزَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ فَأَعْطَى ‏ ‏الطُّلَقَاءَ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏وَلَمْ يُعْطِ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏شَيْئًا فَقَالُوا فَدَعَاهُمْ فَأَدْخَلَهُمْ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏شِعْبًا لَاخْتَرْتُ شِعْبَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنْبَأْنَا هِشَام بْن زَيْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُعَاذ \" عَنْ هِشَام \". ‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة مُعَاذ ( عَشَرَة آلَاف مِنْ الطُّلَقَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَشَرَة آلَاف وَالطُّلَقَاء \" وَهُوَ أَوْلَى فَإِنَّ الطُّلَقَاء لَمْ يَبْلُغُوا هَذَا الْقَدْر وَلَا عُشْر عُشْره , وَقِيلَ إِنَّ الْوَاو مُقَدَّرَة عِنْد مَنْ جَوَّزَ تَقْدِير حَرْف الْعَطْف. ‏"
    },
    {
        "id": "3989",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَمَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَاسًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ ‏ ‏أَجْبُرَهُمْ ‏ ‏وَأَتَأَلَّفَهُمْ ‏ ‏أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى بُيُوتِكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏شِعْبًا ‏ ‏لَسَلَكْتُ وَادِيَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏شِعْبَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : فِي رِوَايَة قَتَادَةَ ( إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيث عَهْد ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِالْإِفْرَادِ فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَالْمَعْرُوف \" حَدِيثُ و عَهْد \" , وَكَتَبَهَا الدِّمْيَاطِيّ بِخَطِّهِ \" حَدِيثُ و عَهْد \" وَفِيهِ نَظَر. وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا قَرِيب عَهْد \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ أَجْبُرهُمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْجِيم بَعْدهَا مُوَحَّدَة ثُمَّ رَاء مُهْمَلَة , وَلِلسَّرَخْسِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْجِيم بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ زَاي مِنْ الْجَائِزَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3990",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَسَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِسْمَةَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏مَا أَرَادَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "3991",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ يَوْمُ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏آثَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَاسًا أَعْطَى ‏ ‏الْأَقْرَعَ ‏ ‏مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَعْطَى ‏ ‏عُيَيْنَةَ ‏ ‏مِثْلَ ذَلِكَ وَأَعْطَى نَاسًا فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مَا أُرِيدَ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ وَجْهُ اللَّهِ فَقُلْتُ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَحِمَ اللَّهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( آثَرَ نَاسًا , أَعْطَى الْأَقْرَع ) ‏ ‏أَيْ اِبْن حَابِس بْن عُثْمَان بْن مُحَمَّد بْن سُفْيَان بْن مُجَاشِعٍ التَّمِيمِيّ الْمُجَاشِعِيّ , قِيلَ كَانَ اِسْمه فِرَاس وَالْأَقْرَع لَقَبه. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن حِصْن بْن حُذَيْفَة بْن بَدْر الْفَزَارِيَّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَعْطَى نَاسًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ذِكْرهمْ فِي الْكَلَام عَلَى الْمُؤَلَّفَة قَرِيبًا , وَفِي هَذِهِ الْعَطِيَّة يَقُول الْعَبَّاس بْن مِرْدَاس السُّلَمِيّ كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَمُسْلِم وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِل مِنْ طَرِيق عَبَايَة بْن رِفَاعَة بْن رَافِع بْن خَدِيج عَنْ جَدّه رَافِع بْن خَدِيج \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ مِنْ سَبْي حُنَيْنٍ مِائَة مِائَة مِنْ الْإِبِل. فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَان بْن حَرْب مِائَة , وَأَعْطَى صَفْوَان بْن أُمَيَّة مِائَة , وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْن حِصْن مِائَة , وَأَعْطَى مَالِك بْن عَوْف مِائَة , وَأَعْطَى الْأَقْرَع بْن حَابِس مِائَة , وَأَعْطَى عَلْقَمَة بْن عُلَاثَة مِائَة , وَأَعْطَى الْعَبَّاس بْن مِرْدَاس دُون الْمِائَة , فَأَنْشَأَ يَقُول : ‏ ‏أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهَب الْعَبِيد ‏ ‏بَيْن عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَع ‏ ‏وَمَا كَانَ حِصْن وَلَا حَابِس ‏ ‏يَفُوقَانِ مِرْدَاس فِي الْمَجْمَع ‏ ‏وَمَا كُنْت دُون اِمْرِئِ مِنْهُمَا ‏ ‏وَمَنْ تَضَع الْيَوْم لَا يُرْفَع ‏ ‏قَالَ : \" فَأَكْمَلَ لَهُ الْمِائَة \" وَسَاقَ اِبْن إِسْحَاق وَمُوسَى بْن عُقْبَة هَذِهِ الْأَبْيَات أَكْثَر مِنْ هَذَا. ‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة مَنْصُور ( فَقَالَ رَجُل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" فَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار \" وَفِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ أَنَّهُ مُعَتِّب بْن قُشَيْرٍ مِنْ بَنِي عَمْرو بْن عَوْف , وَكَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ , وَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى مُغَلْطَايِ حَيْثُ قَالَ : لَمْ أَرَ أَحَدًا قَالَ إِنَّهُ مِنْ الْأَنْصَار إِلَّا مَا وَقَعَ هُنَا وَجَزَمَ بِأَنَّهُ حُرْقُوص بْن زُهَيْر السَّعْدِيّ , وَتَبِعَهُ اِبْن الْمُلَقِّن وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ , فَإِنَّ قِصَّة حُرْقُوص غَيْر هَذِهِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَرَادَ بِهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَنْصُور \" مَا أُرِيدَ بِهَا \" عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لَأُخْبِرَنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" فَأَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْته \". ‏ ‏قَوْله : ( فَتَغَيَّرَ وَجْهه ) فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيِّ \" حَتَّى نَدِمْت عَلَى مَا بَلَّغْته \". ‏ ‏قَوْله : ( رَحْمَة اللَّه عَلَى مُوسَى ) ‏ ‏تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى شَيْء مِنْ شَرْحه فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَفِي الْحَدِيث جَوَاز الْمُفَاضَلَة فِي الْقِسْمَة , وَالْإِعْرَاض عَنْ الْجَاهِل , وَالصَّفْح عَنْ الْأَذَى , وَالتَّأَسِّي بِمَنْ مَضَى مِنْ النُّظَرَاء. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ حَدِيث اِبْن مَسْعُود مُقَدَّمًا عَلَى طَرِيق مُعَاذ عَنْ اِبْن عَوْن عَنْ هِشَام عَنْ أَنَس فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَالصَّوَاب تَأْخِيره لِتَتَوَالَى طُرُق حَدِيث أَنَس , وَأَظُنّهُ مِنْ تَغْيِير الرُّوَاة عَنْ الْفَرْبَرِيّ , فَإِنَّ طَرِيق أَنَس الْأَخِيرَة سَقَطَتْ مِنْ رِوَايَة النَّسَفِيّ , فَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ أَلْحَقهَا فَكُتِبَتْ مُؤَخَّره عَنْ مَكَانهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3992",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ يَوْمَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏أَقْبَلَتْ ‏ ‏هَوَازِنُ ‏ ‏وَغَطَفَانُ ‏ ‏وَغَيْرُهُمْ بِنَعَمِهِمْ ‏ ‏وَذَرَارِيِّهِمْ ‏ ‏وَمَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَشَرَةُ آلَافٍ وَمِنْ ‏ ‏الطُّلَقَاءِ ‏ ‏فَأَدْبَرُوا عَنْهُ حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ فَنَادَى يَوْمَئِذٍ نِدَاءَيْنِ لَمْ يَخْلِطْ بَيْنَهُمَا الْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ فَقَالَ ‏ ‏يَا مَعْشَرَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَالُوا لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَالُوا لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ فَنَزَلَ فَقَالَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ فَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ غَنَائِمَ كَثِيرَةً فَقَسَمَ فِي ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏وَالطُّلَقَاءِ ‏ ‏وَلَمْ يُعْطِ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏شَيْئًا فَقَالَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏إِذَا كَانَتْ شَدِيدَةٌ فَنَحْنُ نُدْعَى وَيُعْطَى الْغَنِيمَةَ غَيْرُنَا فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ فَسَكَتُوا فَقَالَ يَا مَعْشَرَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏تَحُوزُونَهُ ‏ ‏إِلَى بُيُوتِكُمْ قَالُوا بَلَى فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏شِعْبًا لَأَخَذْتُ شِعْبَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قُلْتُ يَا ‏ ‏أَبَا حَمْزَةَ ‏ ‏وَأَنْتَ شَاهِدٌ ذَاكَ قَالَ وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ هِشَام : قُلْت يَا أَبَا حَمْزَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَأَبُو حَمْزَة هُوَ أَنَس بْن مَالِك. وَقَوْله : \" شَاهِد ذَلِكَ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" شَاهِد ذَاكَ. قَالَ وَأَيْنَ أَغِيب عَنْهُ \" هُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار يُقَرِّر أَنَّهُ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَظُنّ أَنَّ أَنَسًا يَغِيب عَنْ ذَلِكَ. ‏ ‏وَقَوْله : \" وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتكُمْ \" ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالزَّاي مِنْ الْحَوْز , وَوَقَعَ عِنْد الْكَرْمَانِيّ \" تُجِيرُونَهُ \" بِالتَّحْتَانِيَّةِ بَدَل الْوَاو وَضَبَطَهُ بِالْجِيمِ وَالرَّاء الْمُهْمَلَة وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ أَيْ تُنْقِذُونَهُ , وَكُلّ ذَلِكَ خَطَأ نَقْلًا وَتَفْسِيرًا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" فَتَذْهَبُونَ بِمُحَمَّدٍ تَحُوزُونَهُ \" كَمَا فِي الرِّوَايَة الْمُعْتَمَدَة. ‏"
    },
    {
        "id": "3993",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَرِيَّةً قِبَلَ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏فَكُنْتُ فِيهَا فَبَلَغَتْ سِهَامُنَا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا وَنُفِّلْنَا بَعِيرًا بَعِيرًا فَرَجَعْنَا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَذْكُور فِي الْبَاب قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي فَرْض الْخُمُس , وَفِي ذِكْره عَقِيب حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ أَشَارَ إِلَى اِتِّحَادهمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3994",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏نُعَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏بَنِي جَذِيمَةَ ‏ ‏فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا فَجَعَلُوا يَقُولُونَ ‏ ‏صَبَأْنَا ‏ ‏صَبَأْنَا ‏ ‏فَجَعَلَ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرْنَاهُ فَرَفَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَهُ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏مَرَّتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَحْمُود ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غَيْلَان. ‏ ‏وَقَوْله : ( وَحَدَّثَنِي نُعَيْم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَمَّاد , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ السِّيَاق الَّذِي هُنَا لَفْظ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن إِسْحَاق : \" حَدَّثَنِي حَكِيم بْن عَبَّاد عَنْ أَبِي جَعْفَر - يَعْنِي الْبَاقِر - قَالَ : بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِد بْن الْوَلِيد حِين اِفْتَتَحَ مَكَّة إِلَى بَنِي جَذِيمَة دَاعِيًا وَلَمْ يَبْعَثهُ مُقَاتِلًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا , فَجَعَلُوا يَقُولُونَ : صَبَأْنَا صَبَأْنَا ) ‏ ‏هَذَا مِنْ اِبْن عُمَر رَاوِي الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا الْإِسْلَام حَقِيقًا. وَيُؤَيِّدهُ فَهْمُهُ أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا يَقُولُونَ لِكُلِّ مَنْ أَسْلَمَ صَبَأَ حَتَّى اِشْتَهَرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة وَصَارُوا يُطْلِقُونَهَا فِي مَقَام الذَّمّ. وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا أَسْلَمَ ثُمَامَة اِبْن أَثَال وَقَدِمَ مَكَّة مُعْتَمِرًا قَالُوا لَهُ : صَبَأْت ؟ قَالَ : لَا بَلْ أَسْلَمْت. فَلَمَّا اُشْتُهِرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة بَيْنهمْ فِي مَوْضِع أَسْلَمْت اِسْتَعْمَلَهَا هَؤُلَاءِ , وَأَمَّا خَالِد فَحَمَلَ هَذِهِ اللَّفْظَة عَلَى ظَاهِرهَا لِأَنَّ قَوْلهمْ صَبَأْنَا أَيْ خَرَجْنَا مِنْ دِين إِلَى دِين , وَلَمْ يَكْتَفِ خَالِد بِذَلِكَ حَتَّى يُصَرِّحُوا بِالْإِسْلَامِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون خَالِد نَقَمَ عَلَيْهِمْ الْعُدُول عَنْ لَفْظ الْإِسْلَام لِأَنَّهُ فَهِمَ عَنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُمْ عَلَى سَبِيل الْأَنَفَة وَلَمْ يَنْقَادُوا إِلَى الدِّين فَقَتَلَهُمْ مُتَأَوِّلًا قَوْلهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلَ خَالِد يَقْتُل مِنْهُمْ وَيَأْسِر ) ‏ ‏فِي كَلَام اِبْن سَعْد أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَأْسِرُوا فَاسْتَأْسَرُوا فَكَتَّفَ بَعْضهمْ بَعْضًا , وَفَرَّقَهُمْ فِي أَصْحَابه , فَيُجْمَع بِأَنَّهُمْ أَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ بَعْد الْمُحَارَبَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَدَفَعَ إِلَى كُلّ رَجُل مِنَّا أَسِيرهُ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ أَصْحَابه الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فِي السَّرِيَّة , وَفِي رِوَايَة الْبَاقِر \" فَقَالَ لَهُمْ خَالِد : ضَعُوا السِّلَاح فَإِنَّ النَّاس قَدْ أَسْلَمُوا , فَوَضَعُوا السِّلَاح , فَأَمَرَ بِهِمْ فَكُتِّفُوا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى السَّيْف \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْم ) ‏ ‏كَذَا بِالتَّنْوِينِ أَيْ مِنْ الْأَيَّام , وَكَانَ تَامَّة , وَعِنْد أَبِي سَعْد \" فَلَمَّا كَانَ السَّحَر نَادَى خَالِد مَنْ كَانَ مَعَهُ أَسِير فَلْيَضْرِبْ عُنُقَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَقْتُل كُلّ رَجُل مِنَّا أَسِيرهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" كُلّ إِنْسَان \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت وَاَللَّه لَا أَقْتُل أَسِيرِي وَلَا يَقْتُل رَجُل مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرهُ ) ‏ ‏, وَعِنْد اِبْن سَعْد \" فَأَمَّا بَنُو سُلَيم فَقَتَلُوا مَنْ كَانَ فِي أَيْدِيهمْ , وَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار فَأَرْسَلُوا أَسْرَاهُمْ \" وَفِيهِ جَوَاز الْحَلِف عَلَى نَفْي فِعْل الْغَيْر إِذَا وَثِقَ بِطَوَاعِيَتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا صَنَعَ خَالِد ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَنْكَرَ عَلَيْهِ الْعَجَلَة وَتَرْك التَّثَبُّت فِي أَمْرهمْ قَبْل أَنْ يَعْلَم الْمُرَاد مِنْ قَوْلهمْ صَبَأْنَا. ‏ ‏قَوْله : ( مَرَّتَيْنِ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن عَسْكَر عَنْ عَبْد الرَّزَّاق \" أَوْ ثَلَاثَة \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَفِي رِوَايَة الْبَاقِينَ \" ثَلَاث مَرَّات \" وَزَادَ الْبَاقِر فِي رِوَايَته \" ثُمَّ دَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا فَقَالَ : اُخْرُجْ إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم وَاجْعَلْ أَمْر الْجَاهِلِيَّة تَحْت قَدَمَيْك , فَخَرَجَ حَتَّى جَاءَهُمْ وَمَعَهُ مَال فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ أَحَد إِلَّا وَدَاهُ \" وَذَكَرَ اِبْن هِشَام فِي زِيَادَاته أَنَّهُ اِنْفَلَتَ مِنْهُمْ رَجُل فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَبَرِ , فَقَالَ : هَلْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَحَد ؟ فَوَصَفَ لَهُ صِفَة اِبْن عُمَر وَسَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق مِنْ حَدِيث اِبْن أَبِي حَدْرَد الْأَسْلَمِيّ قَالَ \" كُنْت فِي خَيْل خَالِد فَقَالَ لِي فَتَى مِنْ بَنِي جَذِيمَة قَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ فِي عُنُقه بِرُمَّةٍ : يَا فَتَى هَلْ أَنْتَ آخِذ بِهَذِهِ الرُّمَّة فَقَائِدِي إِلَى هَؤُلَاءِ النِّسْوَة ؟ فَقُلْت : نَعَمْ , فَقُدْته بِهَا فَقَالَ : أَسْلِمِي حُبَيْش. قَبْل نِفَاد الْعَيْش. ‏ ‏أَرَيْتُك إِنْ طَالَبَتْكُمْ فَوَجَدْتُكُمْ ‏ ‏بِحِلْيَةٍ أَوْ أَدْرَكَتْكُمْ بِالْخَوَانِقِ ‏ ‏الْأَبْيَات , قَالَ : فَقَالَتْ لَهُ اِمْرَأَة مِنْهُنَّ : وَأَنْت نَجَّيْت عَشْرًا , وَتِسْعًا وَوَتْرًا , وَثَمَانِيًا تَتْرَى. قَالَ : ثُمَّ ضَرَبْت عُنُق الْفَتَى , فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ فَمَا زَالَتْ تُقَبِّلهُ حَتَّى مَاتَتْ \" , وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" بِإِسْنَادٍ صَحِيح مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة وَقَالَ فِيهَا : \" فَقَالَ إِنِّي لَسْت مِنْهُمْ , إِنِّي عَشِقَتْ اِمْرَأَة مِنْهُمْ فَدَعُونِي أَنْظُر إِلَيْهَا نَظْرَة - قَالَ فِيهِ - فَضَرَبُوا عُنُقه , فَجَاءَتْ الْمَرْأَة فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ فَشَهِقَتْ شَهْقَة أَوْ شَهْقَتَيْنِ ثُمَّ مَاتَتْ , فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُل رَحِيم \" ؟ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن عَاصِم عَنْ أَبِيهِ نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة وَقَالَ فِي آخِرهَا : \" فَانْحَدَرَتْ إِلَيْهِ مِنْ هَوْدَجهَا فَحَنَّتْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَتْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "3995",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ فَقَالَ أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ تُطِيعُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا فَقَالَ أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوهَا فَقَالَ ادْخُلُوهَا ‏ ‏فَهَمُّوا ‏ ‏وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا وَيَقُولُونَ فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ النَّارِ فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي سَعْد بْن عُبَيْدَة ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ السُّلَمِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَغَضِبَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش فِي الْأَحْكَام \" فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَأَغْضَبُوهُ فِي شَيْء \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَوْقَدُوا نَارًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَفْص \" فَقَالَ عَزَمْت عَلَيْكُمْ لَمَّا جَمَعْتُمْ حَطَبًا وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا \" وَهَذَا يُخَالِف حَدِيث أَبِي سَعِيد , فَإِنَّ فِيهِ فَأَوْقَدَ الْقَوْم نَارًا لِيَصْنَعُوا عَلَيْهَا صَنِيعًا لَهُمْ أَوْ يَصْطَلُونَ , فَقَالَ لَهُمْ : أَلَيْسَ عَلَيْكُمْ السَّمْع وَالطَّاعَة ؟ قَالُوا : بَلَى. قَالَ : أَعْزِم عَلَيْكُمْ بِحَقِّي وَطَاعَتِي لَمَا تَوَاثَبْتُمْ فِي هَذِهِ النَّار. ‏ ‏قَوْله : ( فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضهمْ يُمْسِك بَعْضًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَفْص \" فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ فِيهَا فَقَامُوا يَنْظُر بَعْضهمْ إِلَى بَعْض \" وَفِي رِوَايَة اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش \" فَقَالَ لَهُمْ شَابّ مِنْهُمْ : لَا تَعْجَلُوا بِدُخُولِهَا \" وَفِي رِوَايَة زُبَيْد عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة فِي خَبَر الْوَاحِد \" فَأَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا , وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا فَرَرْنَا مِنْهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَفْص \" فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَمَدَتْ النَّار \" وَخَمَدَتْ هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم أَيْ طَفِئَ لَهَبهَا , وَحَكَى الْمُطَرِّزِيّ كَسْرَ الْمِيم مِنْ خَمِدَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَكَنَ غَضَبه ) ‏ ‏هَذَا أَيْضًا يُخَالِف حَدِيث أَبِي سَعِيد , فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ كَانَتْ بِهِ دُعَابَة , وَفِيهِ أَنَّهُمْ تَحَجَّزُوا حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُمْ وَاثِبُونَ فِيهَا فَقَالَ : اِحْبِسُوا أَنْفُسكُمْ فَإِنَّمَا كُنْت أَضْحَك مَعَكُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَلَغَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَفْص \" فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَفْص \" مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا \" وَفِي رِوَايَة زُبَيْد \" فَلَمْ يَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" يَعْنِي أَنَّ الدُّخُول فِيهَا مَعْصِيَة , وَالْعَاصِي يَسْتَحِقّ النَّار. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد لَوْ دَخَلُوهَا مُسْتَحِلِّينَ لَمَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا. وَعَلَى هَذَا فَفِي الْعِبَارَة نَوْع مِنْ أَنْوَاع الْبَدِيع وَهُوَ الِاسْتِخْدَام , لِأَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله : \" لَوْ دَخَلُوهَا \" لِلنَّارِ الَّتِي أَوْقَدُوهَا , وَالضَّمِير فِي قَوْله : \" مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا \" لِنَارِ الْآخِرَة , لِأَنَّهُمْ اِرْتَكَبُوا مَا نُهُوا عَنْهُ مِنْ قَتْل أَنْفُسهمْ. وَيُحْتَمَل وَهُوَ الظَّاهِر أَنَّ الضَّمِير لِلنَّارِ الَّتِي أُوقِدَتْ لَهُمْ أَيْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوا بِسَبَبِ طَاعَة أَمِيرهمْ لَا تَضُرّهُمْ , فَأَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوا فِيهَا لَاحْتَرَقُوا فَمَاتُوا , فَلَمْ يَخْرُجُوا. ‏ ‏قَوْله : ( الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَفْص \" إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف \" وَفِي رِوَايَة زُبَيْد \" وَقَالَ لِلْآخَرِينَ : لَا طَاعَة فِي مَعْصِيَة \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَقَالَ لِلْآخَرِينَ - أَيْ الَّذِينَ اِمْتَنَعُوا - قَوْلًا حَسَنًا \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْهُمْ بِمَعْصِيَةِ فَلَا تُطِيعُوهُ \". وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَنَّ الْحُكْم فِي حَال الْغَضَب يَنْفُذ مِنْهُ مَا لَا يُخَالِف الشَّرْع , وَأَنَّ الْغَضَب يُغَطِّي عَلَى ذَوِي الْعُقُول. وَفِيهِ أَنَّ الْإِيمَان بِاَللَّهِ يُنَجِّي مِنْ النَّار لِقَوْلِهِمْ : \" إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّار \" وَالْفِرَار إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرَار إِلَى اللَّه وَالْفِرَار إِلَى اللَّه يُطْلَق عَلَى الْإِيمَان , قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( فَفِرُّوا إِلَى اللَّه إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِير مُبِين ). وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْر الْمُطْلَق لَا يَعُمّ الْأَحْوَال لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوا الْأَمِير , فَحَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى عُمُوم الْأَحْوَال حَتَّى فِي حَال الْغَضَب وَفِي حَال الْأَمْر بِالْمَعْصِيَةِ , فَبَيَّنَ لَهُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْأَمْر بِطَاعَتِهِ مَقْصُور عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فِي غَيْر مَعْصِيَة , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة أَنَّ الْجَمْع مِنْ هَذِهِ الْأَمَة لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى خَطَأ لِانْقِسَامِ السَّرِيَّة قِسْمَيْنِ : مِنْهُمْ مَنْ هَانَ عَلَيْهِ دُخُول النَّار فَظَنَّهُ طَاعَة , وَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَ حَقِيقَة الْأَمْر وَأَنَّهُ مَقْصُور عَلَى مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ , فَكَانَ اِخْتِلَافهمْ سَبَبًا لِرَحْمَةِ الْجَمِيع. قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ مَنْ كَانَ صَادِق النِّيَّة لَا يَقَع إِلَّا فِي خَيْر , وَلَوْ قَصَدَ الشَّرّ فَإِنَّ اللَّه يَصْرِفهُ عَنْهُ , وَلِهَذَا قَالَ بَعْض أَهْل الْمَعْرِفَة : مَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ وَقَاهُ اللَّهُ , وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "3996",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبَا مُوسَى ‏ ‏وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏قَالَ وَبَعَثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى ‏ ‏مِخْلَافٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَالْيَمَنُ ‏ ‏مِخْلَافَانِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا فَانْطَلَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى عَمَلِهِ وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا سَارَ فِي أَرْضِهِ كَانَ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ أَحْدَثَ بِهِ عَهْدًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَسَارَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏فِي أَرْضِهِ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏فَجَاءَ يَسِيرُ عَلَى بَغْلَتِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ وَإِذَا هُوَ جَالِسٌ وَقَدْ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ قَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ ‏ ‏أَيُّمَ ‏ ‏هَذَا قَالَ هَذَا رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ قَالَ لَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ قَالَ إِنَّمَا جِيءَ بِهِ لِذَلِكَ فَانْزِلْ قَالَ مَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَالَ ‏ ‏أَتَفَوَّقُهُ ‏ ‏تَفَوُّقًا ‏ ‏قَالَ فَكَيْفَ تَقْرَأُ أَنْتَ يَا ‏ ‏مُعَاذُ ‏ ‏قَالَ أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِي مِنْ النَّوْمِ فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي بُرْدَة قَالَ : بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا مُوسَى ) ‏ ‏هَذَا صُورَته مُرْسَل , وَقَدْ عَقَّبَهُ الْمُصَنِّف بِطَرِيقِ سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى وَهُوَ ظَاهِر الِاتِّصَال , وَإِنْ كَانَ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالسُّؤَالِ عَنْ الْأَشْرِبَة , لَكِنْ الْغَرَض مِنْهُ إِثْبَات قِصَّة بَعْث أَبِي مُوسَى إِلَى الْيَمَن وَهُوَ مَقْصُود الْبَاب , ثُمَّ قَوَّاهُ بِطَرِيقِ طَارِق بْن شِهَاب قَالَ : \" حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى قَالَ : بَعَثَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَرْض قَوْمِي \" الْحَدِيث , وَهُوَ وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا يَتَعَلَّق بِمَسْأَلَةِ الْإِهْلَال لَكِنَّهُ يُثْبِت أَصْل قِصَّة الْبَعْث الْمَقْصُودَة هُنَا أَيْضًا , ثُمَّ قَوَّى قِصَّة مُعَاذ بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس فِي وَصِيَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ حِين أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَن , وَبِرِوَايَةِ عَمْرو بْن مَيْمُون عَنْ مُعَاذ وَالْمُرَاد بِهَا أَيْضًا إِثْبَات أَصْل قِصَّة بَعْث مُعَاذ إِلَى الْيَمَن وَإِنْ كَانَ سِيَاق الْحَدِيث فِي مَعْنَى آخَر , وَقَدْ اِشْتَمَلَ الْبَاب عَلَى عِدَّة أَحَادِيث : الْحَدِيث الْأَوَّل أَصْل الْبَعْث إِلَى الْيَمَن , وَسَيَأْتِي فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ مِنْ طَرِيق حُمَيْدِ بْن هِلَال عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى سَبَب بَعْثه إِلَى الْيَمَن وَلَفْظه \" قَالَ أَقْبَلْت وَمَعِي رَجُلَانِ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ وَكِلَاهُمَا سَأَلَ - يَعْنِي أَنْ يَسْتَعْمِلهُ - فَقَالَ : لَنْ نَسْتَعْمِل عَلَى عَمَلنَا مَنْ أَرَادَهُ , وَلَكِنْ اِذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَن , ثُمَّ أَتْبَعهُ مُعَاذ بْن جَبَل \". ‏ ‏قَوْله : ( وَبَعَثَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَاف , قَالَ وَالْيَمَن مِخْلَافَانِ ) ‏ ‏الْمِخْلَاف بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَآخِره فَاءَ هُوَ بِلُغَةِ أَهْل الْيَمَن , وَهُوَ الْكُورَة وَالْإِقْلِيم وَالرُّسْتَاق بِضَمِّ الرَّاء وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُثَنَّاة وَآخِرهَا قَاف. وَكَانَتْ جِهَة مُعَاذ الْعُلْيَا إِلَى صَوْب عَدَن وَكَانَ مِنْ عَمَله الْجَنَد بِفَتْحِ الْجِيم وَالنُّون , وَلَهُ بِهَا مَسْجِد مَشْهُور إِلَى الْيَوْم , وَكَانَتْ جِهَة أَبِي مُوسَى السُّفْلَى. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا , وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ مَعْنَى الثَّانِي مِنْ بَاب الْمُقَابَلَة الْمَعْنَوِيَّة , لِأَنَّ الْحَقِيقَة أَنْ يُقَال بَشِّرَا وَلَا تُنْذِرَا وَآنِسَا وَلَا تُنَفِّرَا. فَجَمَعَ بَيْنهمَا لِيَعُمّ الْبِشَارَة وَالنِّذَارَة وَالتَّأْنِيس وَالتَّنْفِير. قُلْت : وَيَظْهَر لِي أَنَّ النُّكْتَة فِي الْإِتْيَان بِلَفْظِ الْبِشَارَة وَهُوَ الْأَصْل , وَبِلَفْظِ التَّنْفِير وَهُوَ اللَّازِم , وَأَتَى بِاَلَّذِي بَعْده عَلَى الْعَكْس لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْإِنْذَار لَا يُنْفَى مُطْلَقًا بِخِلَافِ التَّنْفِير , فَاكْتَفَى بِمَا يَلْزَم عَنْهُ الْإِنْذَار وَهُوَ التَّنْفِير , فَكَأَنَّهُ قِيلَ إِنْ أَنْذَرْتُمْ فَلْيَكُنْ بِغَيْرِ تَنْفِير , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ). ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا سَارَ فِي أَرْضه كَانَ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبه أَحْدَثَ بِهِ عَهْدًا ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَلِلْأَكْثَرِ \" إِذَا سَارَ فِي أَرْضه وَكَانَ قَرِيبًا أَحْدَث - أَيْ جَدَّدَ - بِهِ الْعَهْد لِزِيَارَتِهِ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة الْآتِيَة فِي الْبَاب \" فَجَعَلَا يَتَزَاوَرَانِ , فَزَارَ مُعَاذ أَبَا مُوسَى \" زَادَ فِي رِوَايَة حُمَيْدِ بْن هِلَال \" فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَة قَالَ اِنْزِلْ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا رَجُل عِنْده ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , لَكِنْ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة أَنَّهُ يَهُودِيّ , وَسَيَأْتِي كَذَلِكَ فِي رِوَايَة حُمَيْدِ بْن هِلَال فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ مَعَ شَرْح هَذِهِ الْقِصَّة وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِي مُدَّة اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ , ‏ ‏وَقَوْله : ( أَيَّمَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَتَرْك إِشْبَاعهَا لُغَة , وَأَخْطَأَ مَنْ ضَمَّهَا وَأَصْله \" أَيْ \" الِاسْتِفْهَامِيَّة دَخَلَتْ عَلَيْهَا \" مَا \" وَقَدْ سُمِعَ \" أَيْم هَذَا \" بِالتَّخْفِيفِ مِثْل \" إِيشٍ هَذَا \" فَحُذِفَتْ الْأَلِف مِنْ أَيْم وَالْهَمْز مِنْ إِيشٍ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ يَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِسْم أَبِي مُوسَى ‏ ‏( كَيْف تَقْرَأ الْقُرْآن ؟ قَالَ : أَتَفَوَّقهُ تَفَوُّقًا ) ‏ ‏بِالْفَاءِ ثُمَّ الْقَاف أَيْ أُلَازِم قِرَاءَته لَيْلًا وَنَهَارًا شَيْئًا بَعْد شَيْء وَحِينًا بَعْد حِين : مَأْخُوذ مِنْ فَوَاق النَّاقَة وَهُوَ أَنْ تُحْلَب ثُمَّ تُتْرَك سَاعَة حَتَّى تَدِرّ ثُمَّ تُحْلَب هَكَذَا دَائِمًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ قَضَيْت جُزْئِي ) ‏ ‏قَالَ الدِّمْيَاطِيّ : لَعَلَّهُ أَرْبِي وَهُوَ الْوَجْه , وَهُوَ كَمَا قَالَ لَوْ جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَة , وَلَكِنْ الَّذِي جَاءَ فِي الرِّوَايَة صَحِيح وَالْمُرَاد بِهِ أَنَّهُ جَزَّأَ اللَّيْل أَجْزَاء : جُزْءًا لِلنَّوْمِ , وَجُزْءًا لِلْقِرَاءَةِ وَالْقِيَام , فَلَا يُلْتَفَت إِلَى تَخْطِئَة الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الْمُوَجَّهَة بِمُجَرَّدِ التَّخَيُّل. ‏ ‏قَوْله : ( فَاحْتَسَبْت نَوْمَتِي كَمَا اِحْتَسَبْت قَوْمَتِي ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمَاضِي , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ \" فَأَحْتَسِب \" بِغَيْرِ الْمُثَنَّاة فِي آخِره بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمُضَارِع , وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَطْلُب الثَّوَاب فِي الرَّاحَة كَمَا يَطْلُبهُ فِي التَّعَب , لِأَنَّ الرَّاحَة إِذَا قُصِدَ بِهَا الْإِعَانَة عَلَى الْعِبَادَة حَصَّلَتْ الثَّوَاب. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏كَانَ بَعْث أَبِي مُوسَى إِلَى الْيَمَن بَعْد الرُّجُوع مِنْ غَزْوَة تَبُوك , لِأَنَّهُ شَهِدَ غَزْوَة تَبُوك مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِيمَا بَعْد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ عَالِمًا فَطِنًا حَاذِقًا , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُوَلِّهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِمَارَة , وَلَوْ كَانَ فَوَّضَ الْحُكْم لِغَيْرِهِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَوْصِيَته بِمَا وَصَّاهُ بِهِ , وَلِذَلِكَ اِعْتَمَدَ عَلَيْهِ عُمَر ثُمَّ عُثْمَان ثُمَّ عَلِيّ , وَأَمَّا الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض فَطَعَنُوا فِيهِ وَنَسَبُوهُ إِلَى الْغَفْلَة وَعَدَم الْفِطْنَة لِمَا صَدَرَ مِنْهُ فِي التَّحْكِيم بِصِفِّينَ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ وَغَيْره : وَالْحَقّ أَنَّهُ لَمْ يَصْدُر مِنْهُ مَا يَقْتَضِي وَصْفه بِذَلِكَ , وَغَايَة مَا وَقَعَ مِنْهُ أَنَّ اِجْتِهَاده أَدَّاهُ إِلَى أَنْ يَجْعَل الْأَمْر شُورَى بَيْن مَنْ بَقِيَ مِنْ أَكَابِر الصَّحَابَة مِنْ أَهْل بَدْر وَنَحْوهمْ لِمَا شَاهَدَ مِنْ الِاخْتِلَاف الشَّدِيد بَيْن الطَّائِفَتَيْنِ بِصِفِّينَ , وَآلَ الْأَمْر إِلَى مَا آلَ إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "3997",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَهُ إِلَى ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْرِبَةٍ تُصْنَعُ بِهَا فَقَالَ وَمَا هِيَ قَالَ الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ فَقُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏مَا الْبِتْعُ قَالَ نَبِيذُ الْعَسَلِ وَالْمِزْرُ نَبِيذُ الشَّعِيرِ فَقَالَ ‏ ‏كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏وَعَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَنْصُور , وَخَالِد هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الطَّحَّان , وَالشَّيْبَانِيّ اِسْمه سُلَيْمَان بْن فَيْرُوز. ‏ ‏قَوْله : ( الْبِتْع ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة بَعْدهَا عَيْن مُهْمَلَة , وَقَدْ ذَكَرَ تَفْسِيره عَنْ أَبِي بُرْدَة رَاوِيه وَأَنَّهُ نَبِيذ الْعَسَل , وَيَأْتِي شَرْح الْمَتْن فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ جَرِير وَعَبْد الْوَاحِد عَنْ الشَّيْبَانِيّ عَنْ أَبِي بُرْدَة ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُمَا رَوَيَاهُ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَة بِدُونِ ذِكْر سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة , وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَأَمَّا رِوَايَة جَرِير وَهُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد فَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة وَمِنْ طَرِيق يُوسُف بْن مُوسَى كِلَاهُمَا عَنْ جَرِير عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى , وَأَمَّا رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد وَهُوَ اِبْن زِيَاد فَوَصَلَهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "3998",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَدَّهُ ‏ ‏أَبَا مُوسَى ‏ ‏وَمُعَاذًا ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا ‏ ‏وَتَطَاوَعَا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ أَرْضَنَا بِهَا شَرَابٌ مِنْ الشَّعِيرِ ‏ ‏الْمِزْرُ ‏ ‏وَشَرَابٌ مِنْ الْعَسَلِ ‏ ‏الْبِتْعُ ‏ ‏فَقَالَ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ فَانْطَلَقَا فَقَالَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏لِأَبِي مُوسَى ‏ ‏كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَالَ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى رَاحِلَتِي ‏ ‏وَأَتَفَوَّقُهُ ‏ ‏تَفَوُّقًا ‏ ‏قَالَ أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي وَضَرَبَ ‏ ‏فُسْطَاطًا ‏ ‏فَجَعَلَا يَتَزَاوَرَانِ فَزَارَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏أَبَا مُوسَى ‏ ‏فَإِذَا رَجُلٌ مُوثَقٌ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏يَهُودِيٌّ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَقَالَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏الْعَقَدِيُّ ‏ ‏وَوَهْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏وَالْنَّضْرُ ‏ ‏وَأَبُو دَاوُدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏",
        "sharh": "سَاقَ الْمُصَنِّف الْحَدِيث عَنْ مُسْلِم وَهُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم عَنْ شُعْبَة قَالَ : ‏ ‏( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا مُطَوَّلًا فِيهِ قِصَّة بَعْثهمَا , وَذِكْر الْأَشْرِبَة وَقِصَّة الْيَهُودِيّ وَسُؤَال مُعَاذ عَنْ الْقِرَاءَة كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ أَوَّلًا , وَقَالَ بَعْده : \" تَابَعَهُ الْعَقَدِيّ وَوَهْب بْن جَرِير عَنْ شُعْبَة , وَقَالَ وَكِيع وَالنَّضْر وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ شُعْبَة عَنْ سَعِيد \" يَعْنِي أَنَّ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم وَالْعَقَدِيّ وَوَهْب بْن جَرِير أَرْسَلُوهُ عَنْ شُعْبَة , وَأَنَّ وَكِيعًا وَالنَّضْر وَهُوَ اِبْن شُمَيْلٍ وَأَبَا دَاوُدَ وَهُوَ الطَّيَالِسِيُّ رَوَوْهُ عَنْ شُعْبَة مَوْصُولًا , فَأَمَّا رِوَايَة الْعَقَدِيّ وَهُوَ أَبُو عَامِر عَبْد الْمَلِك بْن عَمْرو فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْأَحْكَام , وَأَمَّا رِوَايَة وَهْبِ بْن جَرِير فَوَصَلَهَا إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْهُ , وَأَمَّا رِوَايَة وَكِيع فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْجِهَاد مُخْتَصَرًا وَأَوْرَدَهَا اِبْن أَبِي عَاصِم فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ وَكِيع مُطَوَّلًا , وَهِيَ فِي مُسْنَد أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة كَذَلِكَ. وَأَمَّا رِوَايَة النَّضْر بْن شُمَيْلٍ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْأَدَب. وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ فَوَصَلَهَا كَذَلِكَ فِي مُسْنَده الْمَرْوَزِيُّ مِنْ طَرِيق يُونُس بْن حَبِيب عَنْهُ , وَلَكِنَّهُ فَرَّقَهُ حَدِيثَيْن , وَلِذَلِكَ وَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي دَاوُدَ. ‏"
    },
    {
        "id": "3999",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ هُوَ النَّرْسِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ بْنِ عَائِذٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏طَارِقَ بْنَ شِهَابٍ ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى أَرْضِ قَوْمِي فَجِئْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُنِيخٌ ‏ ‏بِالْأَبْطَحِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَحَجَجْتَ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ ‏ ‏قُلْتُ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ كَيْفَ قُلْتَ قَالَ قُلْتُ لَبَّيْكَ إِهْلَالًا كَإِهْلَالِكَ قَالَ فَهَلْ سُقْتَ مَعَكَ هَدْيًا قُلْتُ لَمْ أَسُقْ قَالَ فَطُفْ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَاسْعَ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏ثُمَّ حِلَّ فَفَعَلْتُ حَتَّى مَشَطَتْ لِي امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ ‏ ‏بَنِي قَيْسٍ ‏ ‏وَمَكُثْنَا بِذَلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ ‏ ‏عُمَرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبَّاس بْن الْوَلِيد ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة ‏ ‏( هُوَ النَّرْسِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَة , قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : رَوَاهُ اِبْن السَّكَن وَالْأَكْثَر هَكَذَا , وَفِي رِوَايَة أَبِي أَحْمَد يَعْنِي الْجُرْجَانِيّ \" حَدَّثَنَا عَبَّاس \" وَلَمْ يَنْسِبهُ. وَفِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ مِثْله إِلَّا أَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِمْ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالشِّين الْمُعْجَمَة وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. إِنَّمَا هُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَة وَهُوَ النَّرْسِيّ وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي عَلَامَات النُّبُوَّة. وَجَزَمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ صَاحِب الْمَشَارِق وَالْمَطَالِع , وَأَمَّا الدِّمْيَاطِيّ فَضَبَطَهُ بِالْمُعْجَمَةِ وَعَيَّنَ أَنَّهُ الرَّقَّام , وَنُوزِعَ فِي ذَلِكَ وَالصَّوَاب النَّرْسِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد وَأَيُّوب بْن عَائِذ بِتَحْتَانِيَّةِ بَعْدهَا ذَال مُعْجَمَة , وَهُوَ مُدْلِجِيّ بَصْرِيّ , وَثَّقَهُ يَحْيَى بْن مَعِين وَغَيْره , وَرُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْحَجّ مِنْ طَرِيق شُعْبَة وَسُفْيَان عَنْ قَيْس بْن مُسْلِم شَيْخ أَيُّوب بْن عَائِذ فِيهِ , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى. ‏"
    },
    {
        "id": "4000",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حِبَّانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْبَدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ‏ ‏حِينَ بَعَثَهُ إِلَى ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ ‏ ‏وَكَرَائِمَ ‏ ‏أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏طَوَّعَتْ طَاعَتْ وَأَطَاعَتْ لُغَةٌ طِعْتُ وَطُعْتُ وَأَطَعْتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي حِبَّانُ ) ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّله ثُمَّ مُوَحَّدَة ثُمَّ نُون اِبْن مُوسَى , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( حِين بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَن ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان الْوَقْت الَّذِي بَعَثَهُ فِيهِ وَمَا فِيهِ مِنْ اِخْتِلَاف فِي أَوَاخِر كِتَاب الزَّكَاة مَعَ بَقِيَّة شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفَى وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : طَوَّعَتْ طَاعَتْ وَأَطَاعَتْ ) ‏ ‏وَمَعَ هَذَا وَمَا بَعْده لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ وَالنَّسَفِيِّ , وَأَرَادَ بِذَلِكَ تَفْسِير قَوْله تَعَالَى : ( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ) عَلَى عَادَته فِي تَفْسِير اللَّفْظَة الْغَرِيبَة مِنْ الْقُرْآن إِذَا وَافَقَتْ لَفْظَة مِنْ الْحَدِيث , وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي حَدِيث مُعَاذ \" فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا \" فَإِنَّ عِنْد بَعْض رُوَاته كَمَا ذَكَرَهُ اِبْن التِّين \" فَإِنْ هُمْ طَاعُوا \" بِغَيْرِ أَلْف , وَقَدْ قَرَأَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَطَائِفَة مَعَهُ \" فَطَاوَعَتْ لَهُ نَفْسه \" قَالَ اِبْن التِّين : إِذَا اِمْتَثَلَ أَمَرَهُ فَقَدْ أَطَاعَهُ , وَإِذَا وَافَقَهُ فَقَدْ طَاوَعَهُ , قَالَ الْأَزْهَرِيّ. الطَّوْع نَقِيض الْكُرْه , وَطَاعَ لَهُ اِنْقَادَ , فَإِذَا مَضَى لِأَمْرِهِ فَقَدْ أَطَاعَهُ. وَقَالَ يَعْقُوب بْن السِّكِّيت : طَاعَ وَأَطَاعَ بِمَعْنَى. وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ أَيْضًا : مِنْهُمْ مَنْ يَقُول طَاعَ لَهُ يُطَوِّع طَوْعًا فَهُوَ طَائِع بِمَعْنَى أَطَاعَ. وَالْحَاصِل أَنَّ طَاعَ وَأَطَاعَ اُسْتُعْمِلَ كُلّ مِنْهُمَا لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا إِمَّا بِمَعْنَى وَاحِد مِثْل ( بَدَأَ اللَّه الْخَلْق ) وَأَبْدَأهُ , أَوْ دَخَلَتْ الْهَمْزَة لِلتَّعْدِيَةِ وَفِي اللَّازِم لِلصَّيْرُورَةِ , أَوْ ضَمَّنَ الْمُتَعَدِّي بِالْهَمْزَةِ مَعْنَى فِعْل آخَر لَازِم لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْل الْعِلْم بِاللُّغَةِ فَسَرُّوا أَطَاعَ بِمَعْنَى لَانَ وَانْقَادَ , وَهُوَ اللَّائِق فِي حَدِيث مُعَاذ هُنَا , وَإِنْ كَانَ الْغَالِب فِي الرُّبَاعِيّ التَّعَدِّي وَفِي الثُّلَاثِيّ اللُّزُوم , وَهَذَا أَوْلَى مِنْ دَعْوَى فَعَل وَ أَفْعَل بِمَعْنَى وَاحِد لِكَوْنِهِ قَلِيلًا , وَأَوْلَى مِنْ دَعْوَى أَنَّ اللَّام فِي قَوْله : \" فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك \" زَائِدَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ هَذَا فِي شَرْح الْحَدِيث فِي الزَّكَاة. وَقَوْله بَعْد ذَلِكَ : \" طُعْت طِعْت وَأَطَعْت \" : الْأَوَّل بِالضَّمِّ وَالثَّانِيَة بِالْكَسْرِ وَالثَّالِثَة بِالْفَتْحِ بِزِيَادَةِ أَلْف فِي أَوَّلِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4001",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ ‏ ‏الْيَمَنَ ‏ ‏صَلَّى بِهِمْ الصُّبْحَ فَقَرَأَ ‏ { ‏وَاتَّخَذَ اللَّهُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏خَلِيلًا ‏} ‏فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ لَقَدْ ‏ ‏قَرَّتْ ‏ ‏عَيْنُ ‏ ‏أُمِّ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏فَقَرَأَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ سُورَةَ ‏ ‏النِّسَاءِ ‏ ‏فَلَمَّا قَالَ ‏ { ‏وَاتَّخَذَ اللَّهُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏خَلِيلًا ‏} ‏قَالَ رَجُلٌ خَلْفَهُ ‏ ‏قَرَّتْ ‏ ‏عَيْنُ ‏ ‏أُمِّ إِبْرَاهِيمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون ) ‏ ‏هُوَ الْأَوْدِيّ وَهُوَ مِنْ الْمُخَضْرَمِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ مُعَاذًا لَمَّا قَدِمَ الْيَمَن ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول لِأَنَّ عَمْرو بْن مَيْمُون كَانَ بِالْيَمَنِ لَمَّا قَدِمَهَا مُعَاذ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم : قَرَّتْ عَيْن أُمّ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ حَصَلَ لَهَا السُّرُور , وَكَنَّى عَنْهُ بِقَرَّت عَيْنهَا أَيْ بَرَدَتْ دَمْعَتهَا لِأَنَّ دَمْعَة السُّرُور بَارِدَة بِخِلَافِ دَمْعَة الْحُزْن فَإِنَّهَا حَارَّة , وَلِهَذَا يُقَال فِيمَنْ يُدْعَى عَلَيْهِ : أَسْخَنَ اللَّه عَيْنه. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ تَقْرِير مُعَاذ لِهَذَا الْقَائِل فِي الصَّلَاة وَتَرَكَ أَمْره بِالْإِعَادَةِ , وَأُجِيب عَنْ ذَلِكَ إِمَّا بِأَنَّ الْجَاهِل بِالْحُكْمِ يُعْذَر , وَإِمَّا أَنْ يَكُون أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ وَلَمْ يُنْقَل , أَوْ كَانَ الْقَائِل خَلْفهمْ وَلَكِنْ لَمْ يَدْخُل مَعَهُمْ فِي الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( زَادَ مُعَاذ عَنْ شُعْبَة ) ‏ ‏فَذَكَرَهُ الْمُرَاد بِالزِّيَادَةِ قَوْله : \" إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا \" وَلَيْسَ بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ مُنَافَاة لِأَنَّ مُعَاذًا إِنَّمَا قَدِمَ الْيَمَن لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة فَالْقِصَّة وَاحِدَة , وَدَلَّ الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الصَّلَاة , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَال أَيْضًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة مَا يُوَضِّح ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4002",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏قَالَ ثُمَّ بَعَثَ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏بَعْدَ ذَلِكَ مَكَانَهُ فَقَالَ ‏ ‏مُرْ أَصْحَابَ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ ‏ ‏يُعَقِّبَ ‏ ‏مَعَكَ ‏ ‏فَلْيُعَقِّبْ ‏ ‏وَمَنْ شَاءَ فَلْيُقْبِلْ فَكُنْتُ فِيمَنْ ‏ ‏عَقَّبَ ‏ ‏مَعَهُ قَالَ فَغَنِمْتُ أَوَاقٍ ذَوَاتِ عَدَدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( شُرَيْح ) ‏ ‏هُوَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَآخِره حَاء مُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى الْيَمَن ) ‏ ‏كَانَ ذَلِكَ بَعْد رُجُوعهمْ مِنْ الطَّائِف وَقِسْمَة الْغَنَائِم بَالْجِعِرَّانَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يُعَقِّب مَعَك ) ‏ ‏أَيْ يَرْجِع إِلَى الْيَمَن , وَالتَّعْقِيب أَنْ يَعُود بَعْض الْعَسْكَر بَعْد الرُّجُوع لِيُصِيبُوا غَزْوَة مِنْ الْغَد , كَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ اِبْن فَارِس : غُزَاة بَعْد غُزَاة. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ وَأَصْله أَنَّ الْخَلِيفَة يُرْسِل الْعَسْكَر إِلَى جِهَةٍ مُدَّة فَإِذَا انْمَضَتْ رَجَعُوا وَأَرْسَلَ غَيْرهمْ , فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَرْجِع مِنْ الْعَسْكَر الْأَوَّل مَعَ الْعَسْكَر الثَّانِي سُمِّيَ رُجُوعه تَعْقِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَغَنِمْت أَوَاقِيَّ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّة وَيَجُوز تَخْفِيفهَا. ‏ ‏وَقَوْله : ( ذَوَات عَدَد ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَحْرِيرهَا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث مُخْتَصَرًا , وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي عُبَيْدَة بْن أَبِي السَّفَر \" سَمِعْت إِبْرَاهِيم بْن يُوسُف \" وَهُوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقه فَزَادَ فِيهِ : \" قَالَ الْبَرَاء : فَكُنْت مِمَّنْ عَقِب مَعَهُ , فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ الْقَوْم خَرَجُوا إِلَيْنَا , فَصَلَّى بِنَا عَلِيّ وَصَفّنَا صَفًّا وَاحِدًا ثُمَّ تَقَدَّمَ بَيْن أَيْدِينَا فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَسْلَمَتْ هَمْدَانَ جَمِيعًا , فَكَتَبَ عَلِيّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْلَامِهِمْ , فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَاب خَرَّ سَاجِدًا , ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه وَقَالَ : السَّلَام عَلَى هَمْدَانَ \" وَعِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق الْأَحْوَص بْن خَوَّاتٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاق فِي حَدِيث الْبَرَاء قِصَّة الْجَارِيَة , وَسَأَذْكُرُ بَيَان ذَلِكَ فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4003",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مَنْجُوفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏إِلَى ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏لِيَقْبِضَ ‏ ‏الْخُمُسَ ‏ ‏وَكُنْتُ أُبْغِضُ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏وَقَدْ اغْتَسَلَ فَقُلْتُ ‏ ‏لِخَالِدٍ ‏ ‏أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏بُرَيْدَةُ ‏ ‏أَتُبْغِضُ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ لَا تُبْغِضْهُ فَإِنَّ لَهُ فِي ‏ ‏الْخُمُسِ ‏ ‏أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سُوَيْد بْن مَنْجُوف ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون النُّون وَضَمّ الْجِيم وَسُكُون الْوَاو , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ \" عَنْ عَلِيّ بْن سُوَيْد عَنْ مَنْجُوف \" وَهُوَ تَصْحِيف , وَعَلِيّ بْن سُوَيْد بْن مَنْجُوف سُدُوسِي بَصْرِيّ ثِقَة لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا إِلَى خَالِد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْوَلِيد ‏ ‏( لِيَقْبِض الْخُمُس ) ‏ ‏أَيْ خُمُس الْغَنِيمَة , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ الَّتِي سَأَذْكُرُهَا \" لِيَقْسِم الْخُمُس \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكُنْت أَبْغَض عَلِيًّا وَقَدْ اِغْتَسَلَ فَقُلْت لِخَالِدِ أَلَا تَرَى ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ عِنْده مُخْتَصَرًا , وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طُرُق إِلَى رَوْح بْن عُبَادَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقه فَقَالَ فِي سِيَاقه : \" بَعَثَ عَلِيًّا إِلَى خَالِد لِيَقْسِم الْخُمُس \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" لِيَقْسِم الْفَيْء , فَاصْطَفَى عَلِيّ مِنْهُ لِنَفْسِهِ سَبِيئَة \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة , ثُمَّ هَمْزَة أَيْ جَارِيَة مِنْ السَّبْي , وَفِي رِوَايَة لَهُ \" فَأَخَذَ مِنْهُ جَارِيَة ثُمَّ أَصْبَحَ يَقْطُر رَأْسه , فَقَالَ خَالِد لِبُرَيْدَةَ : أَلَا تَرَى مَا صَنَعَ هَذَا ؟ قَالَ بُرَيْدَةَ : وَكُنْت أَبْغَض عَلِيًّا \" وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق عَبْد الْجَلِيل عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ \" أَبْغَضْت عَلِيًّا بُغْضًا لَمْ أَبْغَضه أَحَدًا , وَأَحْبَبْت رَجُلًا مِنْ قُرَيْش لَمْ أُحِبّهُ إِلَّا عَلَى بُغْضه عَلِيًّا , قَالَ : فَأَصَبْنَا سَبْيًا فَكَتَبَ - أَيْ الرَّجُل - إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِبْعَثْ إِلَيْنَا مَنْ يُخَمِّسهُ , قَالَ : فَبَعَثَ إِلَيْنَا عَلِيًّا , وَفِي السَّبْي وَصِيفَة هِيَ أَفْضَل السَّبْي , قَالَ : فَخَمَّسَ وَقَسَّمَ , فَخَرَجَ وَرَأْسه يَقْطُر - فَقُلْت ؟ يَا أَبَا الْحَسَن مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الْوَصِيفَة , فَإِنَّهَا صَارَتْ فِي الْخُمُس , ثُمَّ صَارَتْ فِي آلِ مُحَمَّد , ثُمَّ صَارَتْ فِي آلِ عَلِيّ فَوَقَعْت بِهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة - عَبْد الْجَلِيل \" فَكَتَبَ الرَّجُل : إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِصَّةِ , فَقُلْت : اِبْعَثْنِي فَبَعَثَنِي فَجَعَلَ يَقْرَأ الْكِتَاب وَيَقُول صَدَقَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ يَا بُرَيْدَةَ أَتَبْغَضُ عَلِيًّا ؟ فَقُلْت : نَعَمْ قَالَ : لَا تُبْغِضهُ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة عَبْد الْجَلِيل \" وَإِنْ كُنْت تُحِبّهُ فَازْدَدْ لَهُ حُبًّا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ لَهُ فِي الْخُمُس أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْجَلِيل \" فُو الَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَنَصِيب آلِ عَلِيّ فِي الْخُمُس أَفْضَل مِنْ وَصِيفَة \" وَزَادَ \" قَالَ : فَمَا كَانَ أَحَد مِنْ النَّاس أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عَلِيّ \" وَأَخْرَجَ أَحْمَد هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق أَجْلَح الْكِنْدِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ بِطُولِهِ وَزَادَ فِي آخِره \" لَا تَقَع فِي عَلِيّ فَإِنَّهُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَهُوَ وَلِيّكُمْ بَعْدِي \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن عُبَيْدَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ مُخْتَصَرًا وَفِي آخِره \" فَإِذَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ اِحْمَرَّ وَجْهه يَقُول : مَنْ كُنْت وَلِيّه فِعْلِيّ وَلِيّه \" وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ هَذَا الْوَجْه مُطَوَّلًا وَفِيهِ قِصَّة الْجَارِيَة نَحْو رِوَايَة عَبْد الْجَلِيل , وَهَذِهِ طُرُق يُقَوِّي بَعْضهَا بَعْضًا. قَالَ أَبُو ذَرّ الْهَرَوِيُّ : إِنَّمَا أَبْغَض الصَّحَابِيّ عَلِيًّا لِأَنَّهُ رَآهُ أَخَذَ مِنْ الْمَغْنَم , فَظَنَّ أَنَّهُ غَلَّ , فَلَمَّا أَعْلَمهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَخَذَ أَقَلّ مِنْ حَقّه أَحَبَّهُ ا ه. وَهُوَ تَأْوِيل حَسَن , لَكِنْ يُبْعِدهُ صَدْر الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَد فَلَعَلَّ سَبَب الْبُغْض كَانَ لِمَعْنًى آخَر وَزَالَ بِنَهْيِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ عَنْ بُغْضه. وَقَدْ اِسْتُشْكِلَ وُقُوع عَلِيّ عَلَى الْجَارِيَة بِغَيْرِ اِسْتِبْرَاء , وَكَذَلِكَ قِسْمَته لِنَفْسِهِ , فَأَمَّا الْأَوَّل فَمَحْمُول عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ بِكْرًا غَيْر بَالِغ وَرَأَى أَنَّ مِثْلهَا لَا يُسْتَبْرَأ كَمَا صَارَ إِلَيْهِ غَيْره مِنْ الصَّحَابَة , وَيَجُوز أَنْ تَكُون حَاضَتْ عَقِب صَيْرُورَتهَا لَهُ ثُمَّ طَهُرَتْ بَعْد يَوْم وَلَيْلَة ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا وَلَيْسَ مَا يَدْفَعهُ , وَأَمَّا الْقِسْمَة فَجَائِزَة فِي مِثْل ذَلِكَ مِمَّنْ هُوَ شَرِيك فِيمَا يَقْسِمهُ كَالْإِمَامِ إِذَا قَسَمَ بَيْن الرَّعِيَّة وَهُوَ مِنْهُمْ , فَكَذَلِكَ مَنْ نَصَّبَهُ الْإِمَام قَامَ مَقَامه. وَقَدْ أَجَابَ الْخَطَّابِيُّ بِالثَّانِي , وَأَجَابَ عَنْ الْأَوَّل لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون عَذْرَاء أَوْ دُون الْبُلُوغ أَوْ أَدَّاهُ اِجْتِهَاده أَنْ لَا اِسْتِبْرَاء فِيهَا , وَيُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث جَوَاز التَّسَرِّي عَلَى بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ التَّزْوِيج عَلَيْهَا لِمَا وَقَعَ فِي حَدِيث الْمِسْوَر فِي كِتَاب النِّكَاح. ‏"
    },
    {
        "id": "4004",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏بِذُهَيْبَةٍ ‏ ‏فِي أَدِيمٍ ‏ ‏مَقْرُوظٍ ‏ ‏لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا قَالَ فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ بَيْنَ ‏ ‏عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ ‏ ‏وَأَقْرَعَ بْنِ حابِسٍ ‏ ‏وَزَيْدِ الْخَيْلِ ‏ ‏وَالرَّابِعُ إِمَّا ‏ ‏عَلْقَمَةُ ‏ ‏وَإِمَّا ‏ ‏عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ ‏ ‏فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلَاءِ قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً قَالَ فَقَامَ رَجُلٌ ‏ ‏غَائِرُ ‏ ‏الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ ‏ ‏نَاشِزُ ‏ ‏الْجَبْهَةِ ‏ ‏كَثُّ ‏ ‏اللِّحْيَةِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ مُشَمَّرُ الْإِزَارِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ قَالَ وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ قَالَ ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ قَالَ لَا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ ‏ ‏يُصَلِّي فَقَالَ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ ‏ ‏أَنْقُبَ ‏ ‏عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ قَالَ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُقَفٍّ فَقَالَ إِنَّهُ ‏ ‏يَخْرُجُ مِنْ ‏ ‏ضِئْضِئِ ‏ ‏هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ‏ ‏يَمْرُقُونَ ‏ ‏مِنْ الدِّينِ كَمَا ‏ ‏يَمْرُقُ ‏ ‏السَّهْمُ مِنْ ‏ ‏الرَّمِيَّةِ ‏ ‏وَأَظُنُّهُ قَالَ لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ‏ ‏ثَمُودَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع ) ‏ ‏اِبْن شُبْرُمَةَ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء بَيْنهمَا مُوَحَّدَة سَاكِنَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد , وَنُعْم بِضَمِّ النُّون وَسُكُون الْمُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( بِذُهَيْبَةِ ) ‏ ‏تَصْغِير ذَهَبَة , وَكَأَنَّهُ أَنَّثَهَا عَلَى مَعْنَى الطَّائِفَة أَوْ الْجُمْلَة , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : عَلَى مَعْنَى الْقِطْعَة. وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهَا كَانَتْ تِبْرًا , وَقَدْ يُؤَنَّث الذَّهَب فِي بَعْض اللُّغَات , وَفِي مُعْظَم النُّسَخ مِنْ مُسْلِم \" بِذَهَبَةٍ \" بِفَتْحَتَيْنِ بِغَيْرِ تَصْغِير. ‏ ‏قَوْله : ( فِي أَدِيم مَقْرُوظ ) ‏ ‏بِظَاءِ مُعْجَمَة مُشَالَة أَيْ مَدْبُوغ بِالْقَرَظِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ تُحَصَّل مِنْ تُرَابهَا ) ‏ ‏أَيْ لَمْ تُخَلَّص مِنْ تُرَاب الْمَعْدِن فَكَأَنَّهَا كَانَتْ تِبْرًا وَتَخْلِيصهَا بِالسَّبْكِ. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْن عُيَيْنَةَ بْن بَدْر ) ‏ ‏كَذَا نُسِبَ لِجَدِّهِ الْأَعْلَى. وَهُوَ عُيَيْنَةَ بْن حِصْن بْن حُذَيْفَة بْن بَدْر الْفَزَارِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَقْرَع بْن حَابِس ) ‏ ‏قَالَ اِبْن مَالِك : فِيهِ شَاهِد عَلَى أَنَّ ذَا الْأَلْف وَاللَّام مِنْ الْأَعْلَام الْغَالِبَة قَدْ يُنْزَعَانِ عَنْهُ فِي غَيْر نِدَاء وَلَا إِضَافَة وَلَا ضَرُورَة , وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ عَنْ الْعَرَب : هَذَا يَوْم اِثْنَيْنِ مُبَارَك , وَقَالَ مِسْكِين الدَّارِمِيُّ وَنَابِغَة الْجَعْدِيّ فِي الْجَعْدِيَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَع فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ , وَقَدْ مَضَى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن مَسْرُوق عَنْ اِبْن أَبِي نُعْمِ بِلَفْظِ \" وَالْأَقْرَع بْن حَابِس الْحَنْظَلِيّ ثُمَّ الْمُجَاشِعِيّ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَزَيْد الْخَيْل ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُهَلْهَل الطَّائِيّ. وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق \" وَبَيْن زَيْد الْخَيْل الطَّائِيّ ثُمَّ أَحَد بَنِي نَبْهَان \" وَقِيلَ لَهُ زَيْد الْخَيْل لِكَرَائِم الْخَيْل الَّتِي كَانَتْ لَهُ , وَسَمَّاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْد الْخَيْر بِالرَّاءِ بَدَل اللَّام وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامه وَمَاتَ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالرَّابِع إِمَّا عَلْقَمَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُلَاثَة بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَالْمُثَلَّثَة الْعَامِرِيّ ‏ ‏( وَإِمَّا عَامِر بْن الطُّفَيْل ) ‏ ‏وَهُوَ الْعَامِرِيّ , وَجَزَمَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق بِأَنَّهُ عَلْقَمَة بْن عُلَاثَة الْعَامِرِيّ ثُمَّ أَحَد بَنِي كِلَاب وَهُوَ مِنْ أَكَابِر بَنِي عَامِر , وَكَانَ يَتَنَازَع الرِّيَاسَة هُوَ وَعَامِر بْن الطُّفَيْل , وَأَسْلَمَ عَلْقَمَة فَحَسُنَ إِسْلَامه , وَاسْتَعْمَلَهُ عُمَر عَلَى حَوَرَانَ فَمَاتَ بِهَا فِي خِلَافَته. وَذِكْرُ عَامِر بْن الطُّفَيْل غَلَط مِنْ عَبْد الْوَاحِد فَإِنَّهُ كَانَ مَاتَ قَبْل ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل مِنْ أَصْحَابه ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق \" فَغَضِبَتْ قُرَيْش وَالْأَنْصَار وَقَالُوا : يُعْطِي صَنَادِيد أَهْل نَجْد وَيَدَعنَا , فَقَالَ : إِنَّمَا أَتَأَلَّفهُمْ \" وَالصَّنَادِيد بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون جَمْع صِنْدِيد وَهُوَ الرَّئِيس. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِين مَنْ فِي السَّمَاء , يَأْتِينِي خَبَر السَّمَاء صَبَاحًا وَمَسَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَقِب قَوْل الْخَارِجِيّ الَّذِي يُذْكَر بَعْد هَذَا , وَهُوَ الْمَحْفُوظ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏هَذِهِ الْقِصَّة غَيْر الْقِصَّة الْمُتَقَدِّمَة فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ , وَوَهَمَ مَنْ خَلَطَهَا بِهَا. وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الذُّهَيْبَة فَقِيلَ : كَانَتْ خُمُس الْخُمُس , وَفِيهِ نَظَر. وَقِيلَ مِنْ الْخُمُس , وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصه أَنَّهُ يَضَعهُ فِي صِنْفٍ مِنْ الْأَصْنَاف لِلْمَصْلَحَةِ. وَقِيلَ مِنْ أَصْل الْغَنِيمَة وَهُوَ بَعِيد. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ‏ ‏قَوْله : \" مَنْ فِي السَّمَاء \" فِي كِتَاب التَّوْحِيد. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ رَجُل غَائِر الْعَيْنَيْنِ ) ‏ ‏بَالِغِينَ الْمُعْجَمَة وَالتَّحْتَانِيَّة وَزْن فَاعِل مِنْ الْغَوْر , وَالْمُرَاد أَنَّ عَيْنَيْهِ دَاخِلَتَانِ فِي مَحَاجِرهمَا لَاصِقَتَيْنِ بِقَعْرِ الْحَدَقَة , وَهُوَ ضِدّ الْجُحُوظ. ‏ ‏قَوْله : ( مُشْرِف ) ‏ ‏بِشِينِ مُعْجَمَة وَفَاء أَيْ بَارِزهمَا , وَالْوَجْنَتَانِ الْعَظْمَان الْمُشْرِفَانِ عَلَى الْخَدَّيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( نَاشِز ) ‏ ‏بِنُونِ وَشَيْنَ مُعْجَمَة وَزَاي أَيْ مُرْتَفِعهَا , فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق \" نَاتِئ الْجَبِين \" بِنُونٍ وَمُثَنَّاة عَلَى وَزْن فَاعِل مِنْ النُّتُوء أَيْ أَنَّهُ يَرْتَفِع عَلَى مَا حَوْله. ‏ ‏قَوْله : ( مَحْلُوق ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر التَّوْحِيد مِنْ وَجْه آخَر أَنَّ الْخَوَارِج سِيمَاهُمْ التَّحْلِيق , وَكَانَ السَّلَف يُوَفِّرُونَ شُعُورهمْ لَا يَحْلِقُونَهَا , وَكَانَتْ طَرِيقَة الْخَوَارِج حَلْق جَمِيع رُءُوسِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوَلَسْت أَحَقّ أَهْل الْأَرْض أَنْ يَتَّقِي اللَّه ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق \" فَقَالَ وَمَنْ يُطِعْ اللَّه إِذَا عَصَيْته \" وَهَذَا الرَّجُل هُوَ ذُو الْخُوَيْصِرَة التَّمِيمِيّ كَمَا تَقَدَّمَ صَرِيحًا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ , وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ اِسْمه نَافِع وَرَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ , وَقِيلَ اِسْمه حُرْقُوص بْن زُهَيْر السَّعْدِيّ , وَسَيَأْتِي تَحْرِير ذَلِكَ فِي كِتَاب اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ خَالِد بْن الْوَلِيد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي سَعِيد فِي عَلَامَات النُّبُوَّة \" فَقَالَ عُمَر \" وَلَا تُنَافِيه هَذِهِ الرِّوَايَة لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون كُلّ مِنْهُمَا سَأَلَ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا أَضْرِب عُنُقه ؟ قَالَ : لَا , لَعَلَّهُ أَنْ يَكُون يُصَلِّي ) ‏ ‏فِيهِ اِسْتِعْمَال لَعَلَّ اِسْتِعْمَال عَسَى , نَبَّهَ عَلَيْهِ اِبْن مَالِك , وَقَوْله : \" يُصَلِّي \" قِيلَ فِيهِ دَلَالَة مِنْ طَرِيق الْمَفْهُوم عَلَى أَنَّ تَارِك الصَّلَاة يُقْتَل وَفِيهِ نَظَر. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ أُنَقِّب ) ‏ ‏بِنُونِ وَقَاف ثَقِيلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة أَيْ إِنَّمَا أُمِرْت أَنْ آخُذَ بِظَوَاهِر أُمُورهمْ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّمَا مَنَعَ قَتْله وَإِنْ كَانَ قَدْ اِسْتَوْجَبَ الْقَتْل لِئَلَّا يَتَحَدَّث النَّاس أَنَّهُ يَقْتُل أَصْحَابه وَلَا سِيَّمَا مَنْ صَلَّى , كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيره فِي قِصَّة عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ. وَقَالَ الْمَازِرِيّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْهَم مِنْ الرَّجُل الطَّعْن فِي النُّبُوَّة , وَإِنَّمَا نَسَبَهُ إِلَى تَرْك الْعَدْل فِي الْقِسْمَة , وَلَيْسَ ذَلِكَ كَبِيرَة , وَالْأَنْبِيَاء مَعْصُومُونَ مِنْ الْكَبَائِر بِالْإِجْمَاعِ. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَاز وُقُوع الصَّغَائِر , أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يُعَاقِب هَذَا الرَّجُل لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت ذَلِكَ عَنْهُ , بَلْ نَقَلَهُ عَنْهُ وَاحِد , وَخَبَر الْوَاحِد لَا يُرَاق بِهِ الدَّم. اِنْتَهَى. وَأَبْطَلَهُ عِيَاض بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث : \" اِعْدِلْ يَا مُحَمَّد \" فَخَاطَبَهُ فِي الْمَلَإِ بِذَلِكَ حَتَّى اِسْتَأْذَنُوهُ فِي قَتْلِهِ , فَالصَّوَاب مَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( يَخْرُج مِنْ ضِئْضِئِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَادَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ بَيْنهمَا تَحْتَانِيَّة مَهْمُوزَة سَاكِنَة وَفِي آخِره تَحْتَانِيَّة مَهْمُوزَة أَيْضًا , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِصَادَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ , فَأَمَّا بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة فَالْمُرَاد بِهِ النَّسْل وَالْعَقِب , وَزَعَمَ اِبْن الْأَثِير أَنَّ الَّذِي بِالْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَاهُ , وَحَكَى اِبْن الْأَثِير أَنَّهُ رُوِيَ بِالْمَدِّ بِوَزْنِ قِنْدِيل , وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء أَنَّهُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا أَوْ مِنْ عَقِب هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( يَتْلُونَ كِتَاب اللَّه رَطْبًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق \" يَقْرَءُونَ الْقُرْآن \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُجَاوِز حَنَاجِرَهُمْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي عَلَامَات النُّبُوَّة. ‏ ‏قَوْله : ( يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّين ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق \" مِنْ الْإِسْلَام \" وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ أَوَّل الدِّين هُنَا بِالطَّاعَةِ , وَقَالَ : إِنَّ الْمُرَاد أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ طَاعَة الْإِمَام كَمَا يَخْرُج السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة , وَهَذِهِ صِفَة الْخَوَارِج الَّذِينَ كَانُوا لَا يُطِيعُونَ الْخُلَفَاء. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِالدِّينِ الْإِسْلَام كَمَا فَسَّرَتْهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى , وَخَرَّجَ الْكَلَام مَخْرَج الزَّجْر وَأَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ يَخْرُجُونَ مِنْ الْإِسْلَام الْكَامِل. وَزَادَ سَعِيد بْن مَسْرُوق فِي رِوَايَته \" يَقْتُلُونَ أَهْل الْإِسْلَام وَيَدَعُونَ أَهْل الْأَوْثَان \" وَهُوَ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُغَيَّبَات فَوَقَعَ كَمَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَظُنّهُ قَالَ : لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنّهُمْ قَتْل ثَمُود ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق \" لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنّهُمْ قَتْل عَادٍ \" وَلَمْ يَتَرَدَّد فِيهِ وَهُوَ الرَّاجِح , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ قَوْله \" لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنّهُمْ \" مَعَ أَنَّهُ نَهَى خَالِدًا عَنْ قَتْل أَصْلهمْ , وَأُجِيب بِأَنَّهُ أَرَادَ إِدْرَاك خُرُوجهمْ وَاعْتِرَاضهمْ الْمُسْلِمِينَ بِالسَّيْفِ , وَلَمْ يَكُنْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِي زَمَانه , وَأَوَّل مَا ظَهَرَ فِي زَمَان عَلِيّ كَمَا هُوَ مَشْهُور , وَقَدْ سَبَقَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي \" عَلَامَات النُّبُوَّة \" , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَكْفِير الْخَوَارِج , وَهِيَ مَسْأَلَة شَهِيرَة فِي الْأُصُول , وَسَيَأْتِي الْإِلْمَام بِشَيْءٍ مِنْهَا فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4005",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏أَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏فَقَدِمَ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بِسِعَايَتِهِ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَ أَهْلَلْتَ يَا ‏ ‏عَلِيُّ ‏ ‏قَالَ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ قَالَ وَأَهْدَى لَهُ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏هَدْيًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي مَجِيءِ عَلِيٍّ مِنْ الْيَمَن إِلَى الْحَجّ حَجَّة الْوَدَاع , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِالسَّنَدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي كِتَاب الْحَجّ , وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ. ‏ ‏وَقَوْله هُنَا : \" وَقَدِمَ عَلِيّ بِسِعَايَتِهِ \" ‏ ‏بِكَسْرِ السِّين الْمُهْمَلَة يَعْنِي وِلَايَته عَلَى الْيَمَن لَا بِسِعَايَةِ الصَّدَقَة , قَالَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ : لِأَنَّهُ كَانَ يَحْرُم عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم فِي قِصَّة طَلَب الْفَضْل بْن الْعَبَّاس أَنْ يَكُون عَامِلًا عَلَى الصَّدَقَة , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّهَا أَوْسَاخ النَّاس \" وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4006",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَكْرٌ ‏ ‏أَنَّهُ ذَكَرَ ‏ ‏لِابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏حَدَّثَهُمْ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ فَقَالَ أَهَلَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْحَجِّ وَأَهْلَلْنَا بِهِ مَعَهُ فَلَمَّا قَدِمْنَا ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَدْيٌ فَقَدِمَ عَلَيْنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏حَاجًّا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَ أَهْلَلْتَ فَإِنَّ مَعَنَا أَهْلَكَ قَالَ أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فَأَمْسِكْ فَإِنَّ مَعَنَا هَدْيًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4007",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَيَانٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ بَيْتٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏ذُو الْخَلَصَةِ ‏ ‏وَالْكَعْبَةُ الْيَمانِيَةُ ‏ ‏وَالْكَعْبَةُ الشَّأْمِيَّةُ ‏ ‏فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ‏ ‏ذِي الْخَلَصَةِ ‏ ‏فَنَفَرْتُ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَاكِبًا فَكَسَرْنَاهُ وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَدَعَا لَنَا وَلِأَحْمَسَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا خَالِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الطَّحَّان , وَبَيَان بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّة خَفِيفَة وَهُوَ اِبْن بِشْر , وَقَيْس هُوَ اِبْن حَازِم. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ بَيْت فِي الْجَاهِلِيَّة يُقَال لَهُ ذُو الْخَلَصَة ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا أَنَّهُ كَانَ فِي خَثْعَم بِمُعْجَمَةٍ وَمُثَلَّثَة وَزْن جَعْفَر قَبِيلَة شَهِيرَة يَنْتَسِبُونَ إِلَى خَثْعَم بْن أَنْمَار بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون النُّون أَيْ اِبْن إِرَاش بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيف الرَّاءِ وَفِي آخِرِهِ مُعْجَمَة اِبْن عَنْز بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُون النُّونِ بَعْدهَا زَاي أَيْ اِبْن وَائِل يَنْتَهِي نَسَبهمْ إِلَى رَبِيعَة بْن نِزَار إِخْوَة مُضَر بْن نِزَار جَدّ قُرَيْش , وَقَدْ وَقَعَ ذِكْر ذِي الْخَلَصَة فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الشَّيْخَيْنِ فِي كِتَاب الْفِتَن مَرْفُوعًا \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَضْطَرِب أَلَيَات نِسَاء دَوْس حَوْل ذِي الْخَلَصَة \" وَكَانَ صَنَمًا تَعْبُدهُ دَوْس فِي الْجَاهِلِيَّة. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ غَيْر الْمُرَاد فِي حَدِيث الْبَاب وَإِنْ كَانَ السُّهَيْلِيُّ يُشِير إِلَى اِتِّحَادهمَا لِأَنَّ دَوْسًا قَبِيلَة أَبِي هُرَيْرَة وَهُمْ يَنْتَسِبُونَ إِلَى دَوْس بْن عُدْثَان بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَبَعْد الدَّال السَّاكِنَة مُثَلَّثَة اِبْن عَبْد اللَّه بْن زَهْرَان , يَنْتَهِي نَسَبهمْ إِلَى الْأَزْدِ , فَبَيْنهمْ وَبَيْن خَثْعَمَ تَبَايُن فِي النَّسَب وَالْبَلَد. وَذَكَرَ اِبْن دِحْيَة أَنَّ ذَا الْخَلَصَة الْمُرَاد فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة كَانَ عَمْرو بْن لُحَيّ قَدْ نَصَبَهُ أَسْفَل مَكَّة , وَكَانُوا يُلْبِسُونَهُ الْقَلَائِد وَيَجْعَلُونَ عَلَيْهِ بَيْض النَّعَام وَيَذْبَحُونَ عِنْده , وَأَمَّا الَّذِي لِخَثْعَم فَكَانُوا قَدْ بَنَوْا بَيْتًا يُضَاهُونَ بِهِ الْكَعْبَة فَظَهَرَ الِافْتِرَاق وَقَوِيَ التَّعَدُّد. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْكَعْبَة الْيَمَانِيَة وَالْكَعْبَة الشَّامِيَّة ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ. قِيلَ : وَهُوَ غَلَط وَالصَّوَاب الْيَمَانِيَة فَقَطْ , سَمُّوهَا بِذَلِكَ مُضَاهَاة لِلْكَعْبَةِ , وَالْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَكُون جِهَة الْيَمَن شَامِيَّة فَسَمُّوا الَّتِي بِمَكَّة شَامِيَّة وَاَلَّتِي عِنْدهمْ يَمَانِيَة تَفْرِيقًا بَيْنَهُمَا. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الَّذِي فِي الرِّوَايَة صَوَاب وَأَنَّهَا كَانَ يُقَال لَهَا الْيَمَانِيَة بِاعْتِبَارِ كَوِّنْهَا بِالْيَمَنِ وَالشَّامِيَّة بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا بَابهَا مُقَابِل الشَّام , وَقَدْ حَكَى عِيَاض أَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" وَالْكَعْبَة الْيَمَانِيَة الْكَعْبَة الشَّامِيَّة \" بِغَيْرِ وَاو. قَالَ : وَفِيهِ إِيهَام , قَالَ : وَالْمَعْنَى كَانَ يُقَال لَهَا تَارَة هَكَذَا وَتَارَة هَكَذَا , وَهَذَا يُقَوِّي مَا قُلْته فَإِنَّ إِرَادَة ذَلِكَ مَعَ ثُبُوت الْوَاو أَوْلَى , وَقَالَ غَيْره : قَوْله : \" وَالْكَعْبَة الشَّامِيَّة \" مُبْتَدَأ مَحْذُوف الْخَبَر تَقْدِيره هِيَ الَّتِي بِمَكَّة , وَقِيلَ الْكَعْبَة مُبْتَدَأ الشَّامِيَّة خَبَره وَالْجُمْلَة حَال وَالْمَعْنَى وَالْكَعْبَة هِيَ الشَّامِيَّة لَا غَيْر , وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ بَعْض النَّحْوِيِّينَ أَنَّ \" لَهُ \" زَائِدَة وَأَنَّ الصَّوَاب \" كَانَ يُقَال الْكَعْبَة الشَّامِيَّة \" أَيْ لِهَذَا الْبَيْت الْجَدِيد \" وَالْكَعْبَة الْيَمَانِيَة \" أَيْ لِلْبَيْتِ الْعَتِيق أَوْ بِالْعَكْسِ , قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَلَيْسَتْ فِيهِ زِيَادَة , وَإِنَّمَا اللَّام بِمَعْنَى مِنْ أَجْل أَيْ كَانَ يُقَال مِنْ أَجْله الْكَعْبَة الشَّامِيَّة وَالْكَعْبَة الْيَمَانِيَة أَيْ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ لِلْعَتِيقِ وَالْأُخْرَى لِلْجَدِيدِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا تُرِيحُنِي ) ‏ ‏هُوَ بِتَخْفِيفِ اللَّام طَلَب يَتَضَمَّن الْأَمْر وَخَصَّ جَرِيرًا بِذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي بِلَاد قَوْمه وَكَانَ هُوَ مِنْ أَشْرَافهمْ , وَالْمُرَاد بِالرَّاحَةِ رَاحَة الْقَلْب , وَمَا كَانَ شَيْء أَتْعَبَ لِقَلْبِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَقَاء مَا يُشْرَك بِهِ مِنْ دُون اللَّه تَعَالَى. وَرَوَى الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" مِنْ حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب قَالَ : \" قَدِمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةُ رَجُل مِنْ بَنِي بَجِيلَة وَبَنِي قُشَيْرٍ جَرِير بْن عَبْد اللَّه , فَسَأَلَهُ عَنْ بَنِي خَثْعَم فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ يُجِيبُوا إِلَى الْإِسْلَام , فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى عَامَّة مَنْ كَانَ مَعَهُ , وَنَدَبَ مَعَهُ ثَلَاثمِائَة مِنْ الْأَنْصَار وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِير إِلَى خَثْعَم فَيَدْعُوهُمْ ثَلَاثَة أَيَّام , فَإِنْ أَجَابُوا إِلَى الْإِسْلَام قَبِلَ مِنْهُمْ وَهَدَمَ صَنَمهمْ ذَا الْخَلَصَة , وَإِلَّا وَضَعَ فِيهِمْ السَّيْف \". ‏ ‏قَوْله : ( فَنَفَرْت ) ‏ ‏أَيْ خَرَجْت مُسْرِعًا. ‏ ‏قَوْله : ( فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَاكِبًا ) ‏ ‏زَادَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا \" وَكَانُوا أَصْحَاب خَيْل \" أَيْ يَثْبُتُونَ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ بَعْده : \" وَكُنْت لَا أَثْبُت عَلَى الْخَيْل \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة ضَعِيفَة فِي الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعِمِائَةٍ , فَلَعَلَّهَا إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة يَكُون الزَّائِد رِجَالَة وَأَتْبَاعًا. ثُمَّ وَجَدْت فِي \" كِتَاب الصَّحَابَة لِابْنِ السَّكَن \" أَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ فَذُكِرَ عَنْ قَيْس بْن غَرَبَة الْأَحْمَسِيِّ أَنَّهُ وَفَدَ فِي خَمْسِمِائَةٍ , قَالَ : وَقَدِمَ جَرِير فِي قَوْمه وَقَدِمَ الْحَجَّاج بْن ذِي الْأَعْيُن فِي مِائَتَيْنِ , قَالَ : وَضَمَّ إِلَيْنَا ثَلَاثمِائَة مِنْ الْأَنْصَار وَغَيْرهمْ , فَغَزَوْنَا بَنِي خَثْعَم. فَكَأَنَّ الْمِائَة وَالْخَمْسِينَ هُمْ قَوْم جَرِير وَتَكْمِلَة الْمِائَتَيْنِ أَتْبَاعهمْ وَكَأَنَّ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا سَبْعَمِائَةٍ مَنْ كَانَ مِنْ رَهْط جَرِير وَقَيْس بْن غَرَبَة لِأَنَّ الْخَمْسِينَ كَانُوا مِنْ قَبِيلَة وَاحِدَة , وَغَرَبَة بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة ضَبَطَهُ الْأَكْثَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَسَرْنَاهُ ) ‏ ‏أَيْ الْبَيْت وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْته ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَفِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ رَسُول جَرِير , فَكَأَنَّهُ نُسِبَ إِلَى جَرِير مَجَازًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَا لَنَا وَلِأَحْمَسَ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَزْن أَحْمَر وَهُمْ إِخْوَة بَجِيلَة بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَكَسْر الْجِيم رَهْط جَرِير يَنْتَسِبُونَ إِلَى أَحْمَسَ بْن الْغَوْث بْن أَنْمَار , وَبَجِيلَة اِمْرَأَة نُسِبَتْ إِلَيْهَا الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة , وَمَدَار نَسَبهمْ أَيْضًا عَلَى أَنْمَار. وَفِي الْعَرَب قَبِيلَة أُخْرَى يُقَال لَهَا أَحْمَس لَيْسَتْ مُرَادَة هُنَا يَنْتَسِبُونَ إِلَى أَحْمَس بْن ضُبَيْعَةَ بْن رَبِيعَة بْن نِزَار. وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ \" فَبَارَكَ فِي خَيْل أَحْمَس وَرِجَالهَا خَمْس مَرَّات \" أَيْ دَعَا لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْن شِهَاب عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد \" فَدَعَا لِأَحْمَس بِالْبَرَكَةِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4008",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ لِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ‏ ‏ذِي الْخَلَصَةِ ‏ ‏وَكَانَ بَيْتًا فِي ‏ ‏خَثْعَمَ ‏ ‏يُسَمَّى ‏ ‏الْكَعْبَةَ الْيَمانِيَةَ ‏ ‏فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ ‏ ‏أَحْمَسَ ‏ ‏وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏رَسُولُ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ قَالَ فَبَارَكَ فِي خَيْلِ ‏ ‏أَحْمَسَ ‏ ‏وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَكُنْت لَا أَثْبُت عَلَى الْخَيْل فَضَرَبَ عَلَى صَدْرِي حَتَّى رَأَيْت أَثَر أَصَابِعه فِي صَدْرِي ) ‏ ‏فِي حَدِيث الْبَرَاء عِنْد الْحَاكِم \" فَشَكَا جَرِير إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَلَع فَقَالَ : اُدْنُ مِنِّي , فَدَنَا مِنْهُ فَوَضَعَ يَده عَلَى رَأْسه ثُمَّ أَرْسَلَهَا عَلَى وَجْهه وَصَدْره حَتَّى بَلَغَ عَانَته ثُمَّ وَضَعَ يَده عَلَى رَأْسه وَأَرْسَلَهَا عَلَى ظَهْره حَتَّى اِنْتَهَتْ إِلَى أَلْيَته وَهُوَ يَقُول مِثْل قَوْله الْأَوَّل \" فَكَانَ ذَلِكَ لِلتَّبَرُّكِ بِيَدِهِ الْمُبَارَكَة. ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏الْقَلَع بِالْقَافِ ثُمَّ اللَّام الْمَفْتُوحَتَيْنِ ضَبَطَهُ أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيُّ : الَّذِي لَا يَثْبُت عَلَى السَّرْج , وَقِيلَ بِكَسْرِ أَوَّله , قَالَ الْجَوْهَرِيّ : رَجُل قَلِع الْقَدَم بِالْكَسْرِ إِذَا كَانَتْ قَدَمه لَا تَثْبُت عِنْد الْحَرْب وَفُلَان قَلِعَة إِذَا كَانَ يَتَقَلَّع عَنْ سَرْجه. وَسُئِلَ عَنْ الْحِكْمَة فِي قَوْله : \" خَمْس مَرَّات \" فَقِيلَ : مُبَالَغَة وَاقْتِصَارًا عَلَى الْوَتْر لِأَنَّهُ مَطْلُوب , ثُمَّ ظَهَرَ لِي اِحْتِمَال أَنْ يَكُون دَعَا لِلْخَيْلِ وَالرِّجَال أَوْ لَهُمَا مَعًا. ثُمَّ أَرَادَ التَّأْكِيد فِي تَكْرِير الدُّعَاء ثَلَاثًا , فَدَعَا لِلرِّجَالِ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ , وَلِلْخَيْلِ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لِيَكْمُل لِكُلٍّ مِنْ الصِّنْفَيْنِ ثَلَاثًا , فَكَانَ مَجْمُوع ذَلِكَ خَمْس مَرَّات. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا ) ‏ ‏قِيلَ فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير , لِأَنَّهُ لَا يَكُون هَادِيًا حَتَّى يَكُون مَهْدِيًّا , وَقِيلَ مَعْنَاهُ كَامِلًا مُكَمِّلًا , وَوَقَعَ فِي حَدِيث الْبَرَاء أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي حَال إِمْرَار يَدِهِ عَلَيْهِ فِي الْمَرَّتَيْنِ , وَزَادَ \" وَبَارِكْ فِيهِ وَفِي ذُرِّيَّته \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏كَلَام الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" يَقْتَضِي أَنَّ قَوْله : \" وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا \" مِنْ أَفْرَاد مُسْلِم , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ ثَبَتَ هُنَا مِنْ طَرِيقَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا ) ‏ ‏أَيْ هَدَمَ بِنَاءَهَا وَرَمَى النَّار فِيمَا فِيهَا مِنْ الْخَشَب. ‏"
    },
    {
        "id": "4009",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ‏ ‏ذِي الْخَلَصَةِ ‏ ‏فَقُلْتُ بَلَى فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ ‏ ‏أَحْمَسَ ‏ ‏وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا قَالَ فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسٍ بَعْدُ قَالَ وَكَانَ ‏ ‏ذُو الْخَلَصَةِ ‏ ‏بَيْتًا ‏ ‏بِالْيَمَنِ ‏ ‏لِخَثْعَمَ ‏ ‏وَبَجِيلَةَ ‏ ‏فِيهِ ‏ ‏نُصُبٌ ‏ ‏تُعْبَدُ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏الْكَعْبَةُ ‏ ‏قَالَ فَأَتَاهَا فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا قَالَ وَلَمَّا قَدِمَ ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏الْيَمَنَ ‏ ‏كَانَ بِهَا رَجُلٌ ‏ ‏يَسْتَقْسِمُ ‏ ‏بِالْأَزْلَامِ ‏ ‏فَقِيلَ لَهُ إِنَّ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَا هُنَا فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْكَ ضَرَبَ عُنُقَكَ قَالَ فَبَيْنَمَا هُوَ يَضْرِبُ بِهَا إِذْ وَقَفَ عَلَيْهِ ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏فَقَالَ لَتَكْسِرَنَّهَا وَلَتَشْهَدَنَّ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ قَالَ فَكَسَرَهَا وَشَهِدَ ثُمَّ بَعَثَ ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏رَجُلًا مِنْ ‏ ‏أَحْمَسَ ‏ ‏يُكْنَى ‏ ‏أَبَا أَرْطَاةَ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ فَلَمَّا أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ قَالَ فَبَرَّكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى خَيْلِ ‏ ‏أَحْمَسَ ‏ ‏وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَلَمَّا قَدِمَ جَرِير الْيَمَن إِلَخْ ) ‏ ‏يُشْعِر بِاتِّحَادِ قِصَّته فِي غَزْوَة ذِي الْخَلَصَة بِقِصَّةِ ذَهَابه إِلَى الْيَمَن , وَكَأَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْر ذِي الْخَلَصَة وَأَرْسَلَ رَسُوله مُبَشِّرًا اِسْتَمَرَّ ذَاهِبًا إِلَى الْيَمَن لِلسَّبَبِ الَّذِي سَيُذْكَرُ بَعْد بَاب , وَقَوْله : \" يَسْتَقْسِم \" أَيْ يَسْتَخْرِج غَيْبَ مَا يُرِيد فِعْله مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ , وَقَدْ حَرَّمَ اللَّه ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ) وَحَكَى أَبُو الْفَرْج الْأَصْبِهَانِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ عِنْد ذِي الْخَلَصَة , وَأَنَّ امْرِئَ الْقِيس لَمَّا خَرَجَ يَطْلُب بِثَأْرِ أَبِيهِ اِسْتَقْسَمَ عِنْده فَخَرَجَ لَهُ مَا يَكْرَه , فَسَبَّ الصَّنَم وَرَمَاهُ بِالْحِجَارَةِ وَأَنْشَد : ‏ ‏لَوْ كُنْت يَا ذَا الْخَلَص الْمُوتُورَا ‏ ‏لَمْ تَنْهَ عَنْ قَتْلِ الْعُدَاة زُورًا ‏ ‏قَالَ : فَلَمْ يَسْتَقْسِم عِنْده أَحَد بَعْد حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام. قُلْت : وَحَدِيث الْبَاب يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ اِسْتَمَرُّوا يَسْتَقْسِمُونَ عِنْده حَتَّى نَهَاهُمْ الْإِسْلَام , وَكَأَنَّ الَّذِي اِسْتَقْسَمَ عِنْده بَعْد ذَلِكَ لَمْ يَبْلُغهُ التَّحْرِيم أَوْ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ حَتَّى زَجَرَهُ جَرِير. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ بَعَثَ جَرِير رَجُلًا مِنْ أَحْمَس يُكَنَّى أَبَا أَرْطَاةَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا مُهْمَلَة وَبَعْد الْأَلْف هَاء تَأْنِيث وَاسْم أَبِي أَرْطَاةَ هَذَا حُصَيْنُ بْن رَبِيعَة , وَقَعَ مُسَمَّى فِي صَحِيح مُسْلِم , وَلِبَعْضِ رُوَاته \" حُسَيْن \" بِسِينٍ مُهْمَلَة بَدَل الصَّاد وَهُوَ تَصْحِيف , وَمِنْهُمْ مَنْ سَمَّاهُ \" حِصْن \" بِكَسْرِ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه وَقَلَبَهُ بَعْض الرُّوَاة فَقَالَ : \" رَبِيعَة بْن حُصَيْنٍ \" وَمِنْهُمْ مَنْ سَمَّاهُ \" أَرْطَاةَ \" وَالصَّوَاب أَبُو أَرْطَاةَ حُصَيْنُ بْن رَبِيعَة وَهُوَ اِبْن عَامِر بْن الْأَزْوَر , وَهُوَ صَحَابِيّ بَجَلِيّ لَمْ أَرَ لَهُ ذِكْرًا إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنَّهَا جَمَل أَجْرَب ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَة. هُوَ كِنَايَة عَنْ نَزْع زِينَتهَا وَإِذْهَاب بَهْجَتهَا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُرَاد أَنَّهَا صَارَتْ مِثْل الْجَمَل الْمَطْلِيّ بِالْقَطِرَانِ مِنْ جَرَبه , إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا صَارَتْ سَوْدَاء لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ التَّحْرِيق. وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاة , وَقِيلَ إِنَّهَا رِوَايَة مُسَدَّد \" أَجْوَف \" بِوَاوٍ بَدَل الرَّاء وَفَاء بَدَل الْمُوَحَّدَة , وَالْمَعْنَى أَنَّهَا صَارَتْ صُورَة بِغَيْرِ مَعْنَى , وَالْأَجْوَف الْخَالِي الْجَوْف مَعَ كِبْره فِي الظَّاهِر. وَوَقَعَ لِابْنِ بَطَّال مَعْنَى قَوْله أَجْرَب أَيْ أَسْوَد , وَمَعْنَى قَوْله أَجْوَف أَيْ أَبْيَض وَحَكَاهُ عَنْ ثَابِت السَّرَقُسْطِيّ , وَأَنْكَرَهُ عِيَاض وَقَالَ : هُوَ تَصْحِيف وَإِفْسَاد لِلْمَعْنَى , كَذَا قَالَ , فَإِنْ أَرَادَ إِنْكَار تَفْسِير أَجْوَف بِأَبْيَض فَمَقْبُول لِأَنَّهُ يُضَادّ مَعْنَى الْأَسْوَد , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ حَرَقَهَا وَاَلَّذِي يُحَرَّق يَصِير أَثَره أَسْوَد لَا مَحَالَة فِيهِ فَكَيْف يُوصَف بِكَوْنِهِ أَبْيَض , وَإِنْ أَرَادَ إِنْكَار لَفْظ أَجْوَف فَلَا إِفْسَاد فِيهِ فَإِنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ صَارَ خَالِيًا لَا شَيْء فِيهِ كَمَا قَرَّرْته. وَفِي الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة إِزَالَة مَا يُفْتَتَن بِهِ النَّاس مِنْ بِنَاء وَغَيْره سَوَاء كَانَ إِنْسَانًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ جَمَادًا , وَفِيهِ اِسْتِمَالَة نُفُوس الْقَوْم بِتَأْمِيرِ مَنْ هُوَ مِنْهُمْ , وَالِاسْتِمَالَة بِالدُّعَاءِ وَالثَّنَاء وَالْبِشَارَة فِي الْفُتُوح , وَفَضْل رُكُوب الْخَيْل فِي الْحَرْب , وَقَبُول خَبَر الْوَاحِد , وَالْمُبَالَغَة فِي نِكَايَة الْعَدُوّ , وَمَنَاقِب لِجَرِيرٍ وَلِقَوْمِهِ , وَبَرَكَة يَد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدُعَائِهِ , وَأَنَّهُ كَانَ يَدْعُو وِتْرًا وَقَدْ يُجَاوِز الثَّلَاث. وَفِيهِ تَخْصِيص لِعُمُومِ قَوْل أَنَس : \" كَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا \" فَيُحْمَل عَلَى الْغَالِب , وَكَأَنَّ الزِّيَادَة لِمَعْنَى اِقْتَضَى ذَلِكَ , وَهُوَ ظَاهِر فِي أَحْمَس لِمَا اِعْتَمَدُوهُ مِنْ دَحْض الْكُفْر وَنَصْر الْإِسْلَام وَلَا سِيَّمَا مَعَ الْقَوْم الَّذِينَ هُمْ مِنْهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "4010",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ‏ ‏عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ قَالَ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ ‏ ‏أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏قُلْتُ مِنْ الرِّجَالِ قَالَ أَبُوهَا قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَعَدَّ رِجَالًا فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شَاهِين , وَخَالِد هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الطَّحَّان , وَشَيْخه خَالِد هُوَ اِبْن مِهْرَانَ الْحَذَّاء , وَأَبُو عُثْمَان هُوَ النَّهْدِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَمْرو بْن الْعَاصِ عَلَى جَيْش ذَات السَّلَاسِل ) ‏ ‏هَذَا صُورَته مُرْسَل , بَلْ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّهُ مُرْسَل , لَكِنَّ الْحَدِيث مَوْصُول لِقَوْلِهِ بَعْد ذَلِكَ \" قَالَ : فَأَتَيْته \" فَإِنَّ الْمُرَاد قَالَ : عَمْرو بْن الْعَاصِ. وَأَبُو عُثْمَان سَمِعَ مِنْ عَمْرو بْن الْعَاصِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة وَهْب بْن بَقِيَّة وَمُعَلَّى بْن مَنْصُور كُلّهمْ عَنْ خَالِد بْن عَبْد اللَّه بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ , فَقَالَ فِي رِوَايَته \" عَنْ أَبِي عُثْمَان عَنْ عَمْرو أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ عَلَى جَيْش ذَات السَّلَاسِل فَأَتَيْته \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَتَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ خَالِد الْحَذَّاء \" عَنْ أَبِي عُثْمَان قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن الْعَاصِ \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَيْته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُعَلَّى بْن مَنْصُور الْمَذْكُورَة \" قَدِمْت مِنْ جَيْش ذَات السَّلَاسِل , فَأَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَعِنْد الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن عَاصِم عَنْ خَالِد الْحَذَّاء فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" قَالَ عَمْرو : فَحَدَّثْت نَفْسِي أَنَّهُ لَمْ يَبْعَثنِي عَلَى قَوْم فِيهِمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر إِلَّا لِمَنْزِلَةٍ لِي عِنْده , فَأَتَيْته حَتَّى قَعَدْت بَيْن يَدَيْهِ فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه مَنْ أَحَبّ النَّاس إِلَيْك \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَدَّ رِجَالًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن عَاصِم قَالَ : قُلْت فِي نَفْسِي لَا أَعُود لِمِثْلِهَا أَسْأَل عَنْ هَذَا. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز تَأْمِير الْمَفْضُول عَلَى الْفَاضِل إِذَا اِمْتَازَ الْمَفْضُول بِصِفَةٍ تَتَعَلَّق بِتِلْكَ الْوِلَايَة , وَمَزِيَّة أَبِي بَكْر عَلَى الرِّجَال وَبِنْته عَائِشَة عَلَى النِّسَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي الْمَنَاقِب , وَمَنْقَبَة لِعَمْرِو بْن الْعَاصِ لِتَأْمِيرِهِ عَلَى جَيْش فِيهِمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَفْضَلِيَّته عَلَيْهِمْ لَكِنْ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ فَضْلًا فِي الْجُمْلَة. وَقَدْ رَوَيْنَا فِي \" فَوَائِد أَبِي بَكْر بْن أَبِي الْهَيْثَم \" مِنْ حَدِيث رَافِع الطَّائِيّ قَالَ : \" بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْشًا وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمْرو بْن الْعَاصِ وَفِيهِمْ أَبُو بَكْر \" قَالَ : وَهِيَ الْغَزْوَة الَّتِي يَفْتَخِر بِهَا أَهْل الشَّام. وَرَوَى أَحْمَد وَالْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَة وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن رَبَاح عَنْ عَمْرو بْن الْعَاصِ قَالَ : \" بَعَثَ إِلَيَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرنِي أَنْ آخُذ ثِيَابِي وَسِلَاحِي فَقَالَ : يَا عَمْرو , إِنِّي أُرِيدَ أَنْ أَبْعَثك عَلَى جَيْش فَيُغْنِمك اللَّه وَيُسَلِّمك , قُلْت : إِنِّي لَمْ أُسْلِم رَغْبَة فِي الْمَال. قَالَ : نِعْمَ الْمَال الصَّالِح لِلْمَرْءِ الصَّالِح \" وَهَذَا فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ بَعْثه عَقِب إِسْلَامه , وَكَانَ إِسْلَامه فِي أَثْنَاء سَنَة سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَة. ‏ ‏قَوْله فِي آخِر الْحَدِيث : ( فَسَكَتّ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاة الْمَضْمُومَة , هُوَ مَقُول عَمْرٍو ‏"
    },
    {
        "id": "4011",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْعَبْسِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ إِدْرِيسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏بِالْيَمَنِ ‏ ‏فَلَقِيتُ رَجُلَيْنِ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْيَمَنِ ‏ ‏ذَا كَلَاعٍ ‏ ‏وَذَا عَمْرٍو ‏ ‏فَجَعَلْتُ أُحَدِّثُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏ذُو عَمْرٍو ‏ ‏لَئِنْ كَانَ الَّذِي تَذْكُرُ مِنْ أَمْرِ صَاحِبِكَ لَقَدْ مَرَّ عَلَى أَجَلِهِ مُنْذُ ثَلَاثٍ وَأَقْبَلَا مَعِي حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ رُفِعَ لَنَا رَكْبٌ مِنْ قِبَلِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَسَأَلْنَاهُمْ فَقَالُوا ‏ ‏قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاسْتُخْلِفَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَالنَّاسُ صَالِحُونَ فَقَالَا أَخْبِرْ صَاحِبَكَ أَنَّا قَدْ جِئْنَا وَلَعَلَّنَا سَنَعُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَرَجَعَا إِلَى ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏بِحَدِيثِهِمْ قَالَ أَفَلَا جِئْتَ بِهِمْ فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ قَالَ لِي ‏ ‏ذُو عَمْرٍو ‏ ‏يَا ‏ ‏جَرِيرُ ‏ ‏إِنَّ بِكَ عَلَيَّ كَرَامَةً وَإِنِّي مُخْبِرُكَ خَبَرًا إِنَّكُمْ مَعْشَرَ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا كُنْتُمْ إِذَا هَلَكَ أَمِيرٌ ‏ ‏تَأَمَّرْتُمْ ‏ ‏فِي آخَرَ فَإِذَا كَانَتْ بِالسَّيْفِ كَانُوا مُلُوكًا يَغْضَبُونَ غَضَبَ الْمُلُوكِ وَيَرْضَوْنَ رِضَا الْمُلُوكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي شَيْبَة ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْر وَاسْم أَبِيهِ مُحَمَّد بْن أَبِي شَيْبَة وَاسْمه إِبْرَاهِيم بْن عُثْمَان الْعَبْسِيّ بِالْمُوَحَّدَةِ الْحَافِظ , وَابْن إِدْرِيس هُوَ عَبْد اللَّه , وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت بِالْيَمَنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عَنْ جَرِير عِنْد اِبْن عَسَاكِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ إِلَى ذِي عَمْرو وَذِي الْكَلَاعِ يَدْعُوهُمَا إِلَى الْإِسْلَام فَأَسْلَمَا , قَالَ : \" وَقَالَ فِي ذُو الْكَلَاعِ اُدْخُلْ عَلَى أُمّ شُرَحْبِيل \" يَعْنِي زَوْجَته. وَعِنْد الْوَاقِدِيِّ فِي الرِّدَّةِ بِأَسَانِيد مُتَعَدِّدَة نَحْو هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَقِيت رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْل الْيَمَن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" كُنْت بِالْيَمَنِ , فَأَقْبَلْت وَمَعِي ذُو الْكَلَاعِ وَذُو عَمْرو \" وَهَذِهِ الرِّوَايَة أَبْيَن , وَذَلِكَ أَنَّ جَرِيرًا قَضَى حَاجَته مِنْ الْيَمَن وَأَقْبَلَ رَاجِعًا يُرِيد الْمَدِينَة فَصَحِبَهُ مِنْ مُلُوك الْيَمَن ذُو الْكَلَاعِ وَذُو عَمْرو , فَأَمَّا ذُو الْكَلَاعِ فَهُوَ بِفَتْحِ الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام وَاسْمه اسْمَيْفَع بِسُكُونِ الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْمِيم وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَفَتْح الْفَاء وَبَعْدهَا مُهْمَلَة , وَيُقَال أَيْفَع بْن بَاكُورَاء وَيُقَال اِبْن حَوْشَبٍ بْن عَمْرو. وَأَمَّا ذُو عَمْرو فَكَانَ أَحَد مُلُوك الْيَمَن وَهُوَ مِنْ حِمْيَر أَيْضًا , وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم غَيْره , وَلَا رَأَيْت مِنْ أَخْبَاره أَكْثَر مِمَّا ذُكِرَ فِي حَدِيث الْبَاب , وَكَانَا عَزَمَا عَلَى التَّوَجُّه إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا بَلَغَهُمَا وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَا إِلَى الْيَمَن ثُمَّ هَاجَرَا فِي زَمَن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( لَئِنْ كَانَ الَّذِي تَذْكُر مِنْ أَمْر صَاحِبك ) ‏ ‏أَيْ حَقًّا , فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَئِنْ كَانَ كَمَا تَذْكُر \" وَقَوْله : \" لَقَدْ مَرَّ عَلَى أَجَله \" جَوَاب لِشَرْطٍ مُقَدَّر , أَيْ إِنْ أَخْبَرْتنِي بِهَذَا أُخْبِرك بِهَذَا , وَهَذَا قَالَهُ ذُو عَمْرو عَنْ اِطِّلَاع مِنْ الْكُتُب الْقَدِيمَة لِأَنَّ الْيَمَن كَانَ أَقَامَ بِهَا جَمَاعَة مِنْ الْيَهُود فَدَخَلَ كَثِير مِنْ أَهْل الْيَمَن فِي دِينهمْ وَتَعَلَّمُوا مِنْهُمْ , وَذَلِكَ بَيِّن فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَن إِنَّك سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْل كِتَاب , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون سَمِعَ مِنْ بَعْض الْقَادِمِينَ مِنْ الْمَدِينَة سِرًّا , أَوْ أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة كَاهِنًا , أَوْ أَنَّهُ صَارَ بَعْد إِسْلَامه مُحْدَّثًا أَيْ بِفَتْحِ الدَّال , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيره وَأَنَّهُ الْمُلْهَم. قُلْت : وَسِيَاق الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى مَا قَرَّرْته لِأَنَّهُ عَلَّقَ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ وَفَاته عَلَى مَا أَخْبَرَهُ بِهِ جَرِير مِنْ أَحْوَاله , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَفَادًا مِنْ غَيْر مَا ذَكَرْته لَمَا اِحْتَاجَ إِلَى بِنَاء ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ , لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ خَبَر مَحْض وَالثَّالِث وُقُوع شَيْء فِي النَّفْس عَنْ غَيْر قَصْد , وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق زِيَاد بْن عِلَاقَة عَنْ جَرِير فِي هَذِهِ الْقِصَّة قَالَ. \" قَالَ لِي حَبْر بِالْيَمَنِ \" وَهَذَا يُؤَيِّد مَا قُلْته فَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخْبَرْت أَبَا بَكْر بِحَدِيثِهِمْ قَالَ : أَفَلَا جِئْت بِهِمْ ) ‏ ‏كَأَنَّهُ جَمَعَ بِاعْتِبَارِ مَنْ كَانَ مَعَهُمَا مِنْ الْأَتْبَاع. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا كَانَ بَعْد إِلَخْ ) ‏ ‏لَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ لَمَّا هَاجَرَ ذُو عَمْرو فِي خِلَافَة عُمَر , وَذَكَرَ يَعْقُوب بْن شَبَّة بِإِسْنَادٍ لَهُ أَنَّ ذَا الْكَلَاعِ كَانَ مَعَهُ اِثْنَا عَشَر أَلْف بَيْت مِنْ مَوَالِيه ; فَسَأَلَهُ عُمَر بَيْعهمْ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ عَلَى حَرْب الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ ذُو الْكَلَاعِ : هُمْ أَحْرَار فَأَعْتَقَهُمْ فِي سَاعَة وَاحِدَة. وَرَوَى سَيْف فِي الْفُتُوح أَنَّ أَبَا بَكْر بَعَثَ أَنَس بْن مَالِك يَسْتَنْفِر أَهْل الْيَمَن إِلَى الْجِهَاد فَرَحَلَ ذُو الْكَلَاعِ وَمَنْ أَطَاعَهُ. وَذَكَرَ اِبْن الْكُلْبِيّ فِي النَّسَب أَنَّ ذَا الْكَلَاعِ كَانَ جَمِيلًا , فَكَانَ إِذَا دَخَلَ مَكَّة يَتَعَمَّم. وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَة وَقُتِلَ بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( تَآمَرْتُمْ ) ‏ ‏بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيف الْمِيم أَيْ تَشَاوَرْتُمْ , أَوْ بِالْقَصْرِ وَتَشْدِيد الْمِيم أَيْ أَقَمْتُمْ أَمِيرًا مِنْكُمْ عَنْ رِضًا مِنْكُمْ أَوْ عَهْد مِنْ الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا كَانَتْ ) ‏ ‏أَيْ الْإِمَارَة ‏ ‏( بِالسَّيْفِ ) ‏ ‏أَيْ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَة ‏ ‏( كَانُوا مُلُوكًا ) ‏ ‏أَيْ الْخُلَفَاء , وَهَذَا دَلِيل عَلَى مَا قَرَرْته أَنَّ ذَا عَمْرو كَانَ لَهُ اِطِّلَاع عَلَى الْأَخْبَار مِنْ الْكُتُب الْقَدِيمَة , وَإِشَارَته بِهَذَا الْكَلَام تُطَابِق الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ وَغَيْره مِنْ حَدِيث سَفِينَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" الْخِلَافَة بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَة ثُمَّ تَصِير مُلْكًا عَضُوضًا \" قَالَ اِبْن التِّين : مَا قَالَهُ ذُو عَمْرو وَذُو الْكَلَاعِ لَا يَكُون إِلَّا عَنْ كِتَاب أَوْ كِهَانَة , وَمَا قَالَهُ ذُو عَمْرو لَا يَكُون إِلَّا عَنْ كِتَاب. قُلْت : وَلَا أَدْرِي لِمَ فَرَّقَ بَيْن الْمَقَالَتَيْنِ وَالِاحْتِمَال فِيهِمَا وَاحِد , بَلْ الْمَقَالَة الْأَخِيرَة يُحْتَمَل أَنْ تَكُون مِنْ جِهَة التَّجْرِبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4012",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ‏ ‏وَهُمْ ثَلَاثُ مِائَةٍ فَخَرَجْنَا وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ فَأَمَرَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏ ‏بِأَزْوَادِ الْجَيْشِ فَجُمِعَ فَكَانَ ‏ ‏مِزْوَدَيْ ‏ ‏تَمْرٍ فَكَانَ يَقُوتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلٌ قَلِيلٌ حَتَّى فَنِيَ فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ فَقُلْتُ مَا تُغْنِي عَنْكُمْ تَمْرَةٌ فَقَالَ لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ ‏ ‏الظَّرِبِ ‏ ‏فَأَكَلَ مِنْهَا الْقَوْمُ ‏ ‏ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ أَمَرَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏ ‏بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ وَهْب بْن كَيْسَانَ عَنْ جَابِر ) ‏ ‏. ‏ ‏قَوْله : ( قِبَل السَّاحِل ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْمُوَحَّدَة أَيْ جِهَته , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَادَةَ بْن الْوَلِيد بْن عُبَادَةَ \" سِيف الْبَحْر \" وَسَأَذْكُرُ مَنْ أَخْرَجَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي حَمْزَة الْخَوْلَانِيِّ عَنْ جَابِر بْن أَبِي عَاصِم فِي الْأَطْعِمَة \" تَأَمَّرَ عَلَيْنَا قَيْس بْن سَعْد بْن عُبَادَةَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَالْمَحْفُوظ مَا اِتَّفَقَتْ عَلَيْهِ رِوَايَات الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ أَبُو عُبَيْدَة وَكَأَنَّ أَحَد رُوَاته ظَنَّ مِنْ صَنِيع قَيْس بْن سَعْد فِي تِلْكَ الْغَزْوَة مَا صَنَعَ مِنْ نَحْر الْإِبِل الَّتِي اِشْتَرَاهَا أَنَّهُ كَانَ أَمِير السَّرِيَّة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجْنَا فَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيق فَنِيَ الزَّاد , فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَة بِأَزْوَادِ الْجَيْش فَجُمِعَ فَكَانَ مِزْوَد تَمْر ) ‏ ‏الْمِزْوَد بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الزَّاي مَا يُجْعَل فِيهِ الزَّاد. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ يَقُوتنَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَالتَّخْفِيف مِنْ الثُّلَاثِيّ , وَبِضَمِّهِ وَالتَّشْدِيد مِنْ التَّقْوِيت. ‏ ‏قَوْله : ( كُلّ يَوْم قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبنَا إِلَّا تَمْرَة تَمْرَة ) ‏ ‏ظَاهِر هَذَا السِّيَاق أَنَّهُمْ كَانَ لَهُمْ زَادَ بِطَرِيقِ الْعُمُوم وَأَزْوَاد بِطَرِيقِ الْخُصُوص. فَلَمَّا فَنِيَ الَّذِي بِطَرِيقِ الْعُمُوم اِقْتَضَى رَأْي أَبِي عُبَيْدَة أَنْ يَجْمَع الَّذِي بِطَرِيقِ الْخُصُوص لِقَصْدِ الْمُسَاوَاة بَيْنهمْ فِي ذَلِكَ فَفَعَلَ , فَكَانَ جَمِيعه مِزْوَدًا وَاحِدًا , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر \" بَعَثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَة , فَتَلَقَّيْنَا لِقُرَيْشٍ , وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْر لَمْ يَجِد لَنَا غَيْره , وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يُعْطِينَا تَمْرَة تَمْرَة \" وَظَاهِره مُخَالِف لِرِوَايَةِ الْبَاب , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الزَّاد الْعَامّ كَانَ قَدْر جِرَاب , فَلَمَّا نَفِدَ وَجَمَعَ أَبُو عُبَيْدَة الزَّاد الْخَاصّ اِتَّفَقَ أَنَّهُ أَيْضًا كَانَ قَدْر جِرَاب وَيَكُون كُلّ مِنْ الرَّاوِيَيْنِ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرهُ الْآخَر , وَأَمَّا تَفْرِقَة ذَلِكَ تَمْرَة تَمْرَة فَكَانَ فِي ثَانِي الْحَال. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ وَهْب بْن كَيْسَانَ فِي هَذَا الْحَدِيث \" خَرَجْنَا وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَة نَحْمِل زَادَنَا عَلَى رِقَابنَا , فَفَنِيَ زَادنَا , حَتَّى كَانَ الرَّجُل مِنَّا يَأْكُل كُلّ يَوْم تَمْرَة \" وَأَمَّا قَوْل عِيَاض يُحْتَمَل أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي أَزْوَادهمْ تَمْر غَيْر الْجِرَاب الْمَذْكُور فَمَرْدُود لِأَنَّ حَدِيث الْبَاب صَرِيح فِي أَنَّ الَّذِي اِجْتَمَعَ مِنْ أَزْوَادهمْ كَانَ مِزْوَد تَمْر , وَرِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر صَرِيحَة فِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّدَهُمْ جِرَابًا مِنْ تَمْر , فَصَحَّ أَنَّ التَّمْر كَانَ مَعَهُمْ مِنْ غَيْر الْجِرَاب. وَأَمَّا قَوْل غَيْره يُحْتَمَل أَنْ يَكُون تَفْرِقَته عَلَيْهِمْ تَمْرَة تَمْرَة كَانَ مِنْ الْجِرَاب النَّبَوِيّ قَصْدًا لِبَرَكَتِهِ , وَكَانَ يُفَرِّق عَلَيْهِمْ مِنْ الْأَزْوَاد الَّتِي جُمِعَتْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , فَبَعِيد مِنْ ظَاهِر السِّيَاق بَلْ فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة عِنْد اِبْن عَبْد الْبَرّ \" فَقُلْت أَزْوَادنَا حَتَّى مَا كَانَ يُصِيب الرَّجُل مِنَّا إِلَّا تَمْرَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت : مَا تُغْنِي عَنْكُمْ تَمْرَة ) ‏ ‏؟ هُوَ صَرِيح فِي أَنَّ السَّائِل عَنْ ذَلِكَ وَهْب بْن كَيْسَانَ فَيُفَسَّر بِهِ الْمُبْهَم فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة الَّتِي مَضَتْ فِي الْجِهَاد فَإِنَّ فِيهَا \" فَقَالَ رَجُل يَا أَبَا عَبْد اللَّه - وَهِيَ كُنْيَة جَابِر - أَيْنَ كَانَتْ تَقَع التَّمْرَة مِنْ الرَّجُل \" ؟ وَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر أَنَّهُ أَيْضًا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : \" لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدهَا حِين فَنِيَتْ \" أَيْ مُؤَثِّرًا. وَفِي رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر \" فَقُلْت كَيْف كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا ؟ قَالَ : نَمُصّهَا كَمَا يَمُصّ الصَّبِيّ الثَّدْي , ثُمَّ نَشْرَب عَلَيْهَا الْمَاء , فَتَكْفِينَا يَوْمنَا إِلَى اللَّيْل \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ اِنْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى سَاحِل الْبَحْرِ , وَهُوَ صَرِيح الرِّوَايَة الثَّانِيَة , وَفِي رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر \" فَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِل الْبَحْر \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا حُوت مِثْل الظَّرِب ) ‏ ‏أَمَّا الْحُوت فَهُوَ اِسْم جِنْس لِجَمِيعِ السَّمَك , وَقِيلَ هُوَ مَخْصُوص بِمَا عَظُمَ مِنْهَا , وَالظَّرِب بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة الْمُشَالَة , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ بِالْمُعْجَمَةِ السَّاقِطَة حَكَاهَا اِبْن التِّين. وَالْأَوَّل أَصْوَب , وَبِكَسْرِ الرَّاء بَعْدهَا مُوَحَّدَة : الْجَبَل الصَّغِير. وَقَالَ الْقَزَّاز : هُوَ بِسُكُونِ الرَّاء إِذَا كَانَ مُنْبَسِطًا لَيْسَ بِالْعَالِي. وَفِي رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر \" فَوَقَعَ لَنَا عَلَى سَاحِل الْبَحْر كَهَيْئَةِ الْكَثِيب الضَّخْم : فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هُوَ دَابَّة تُدْعَى الْعَنْبَر \" وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْر دَابَّة يُقَال لَهَا الْعَنْبَر \" وَفِي رِوَايَة الْخَوْلَانِيِّ \" فَهَبَطْنَا بِسَاحِلِ الْبَحْر فَإِذَا نَحْنُ بِأَعْظَم حُوت \" قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْعَنْبَر سَمَكَة بَحْرِيَّة كَبِيرَة يُتَّخَذ مِنْ جِلْدهَا التِّرْسَة , وَيُقَال إِنَّ الْعَنْبَر الْمَشْمُوم رَجِيع هَذِهِ الدَّابَّة. وَقَالَ اِبْن سَيْنَاء : بَلْ الْمَشْمُوم يَخْرُج مِنْ الْبَحْر , وَإِنَّمَا يُؤْخَذ مِنْ أَجْوَاف السَّمَك الَّذِي يَبْتَلِعهُ. وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الشَّافِعِيّ قَالَ : سَمِعْت مَنْ يَقُول رَأَيْت الْعَنْبَر نَابِتًا فِي الْبَحْر مُلْتَوِيًا مِثْل عُنُق الشَّاة , وَفِي الْبَحْر دَابَّة تَأْكُلهُ وَهُوَ سُمٌّ لَهَا فَيَقْتُلهَا فَيَقْذِفهَا , فَيَخْرُج الْعَنْبَر مِنْ بَطْنهَا. وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : الْعَنْبَر سَمَكَة تَكُون بِالْبَحْرِ الْأَعْظَم يَبْلُغ طُولهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا يُقَال لَهَا بَالْة وَلَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ : قَالَ الْفَرَزْدَق : ‏ ‏فَبِتْنَا كَأَنَّ الْعَنْبَر الْوَرْد بَيْننَا ‏ ‏وَبَالْة بَحْر فَاؤُهَا قَدْ تَخَرَّمَا ‏ ‏أَيْ قَدْ تَشَقَّقَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار فِي أَوَاخِر الْبَاب \" فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْر حُوتًا مَيِّتًا \" وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز أَكْل مَيْتَة السَّمَك , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الْأَطْعِمَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَكَلَ مِنْهُ الْقَوْم ثَمَان عَشْرَة لَيْلَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار ( فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْف شَهْر ) وَفِي رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر \" فَأَقَمْنَا عَلَيْهَا شَهْرًا \" وَيُجْمَع بَيْن هَذَا الِاخْتِلَاف بِأَنَّ الَّذِي قَالَ : ثَمَان عَشْرَة ضَبَطَ مَا لَمْ يَضْبِطهُ غَيْره , وَأَنَّ مَنْ قَالَ نِصْف شَهْر أَلْغَى الْكَسْر الزَّائِد وَهُوَ ثَلَاثَة أَيَّام , وَمَنْ قَالَ شَهْرًا جَبَرَ الْكَسْر أَوْ ضَمَّ بَقِيَّة الْمُدَّة الَّتِي كَانَتْ قَبْل وِجْدَانهمْ الْحُوت إِلَيْهَا , وَرَجَّحَ النَّوَوِيّ رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر لِمَا فِيهَا مِنْ الزِّيَادَة , وَقَالَ اِبْن التِّين : إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهْمٌ. اِنْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَاكِم \" اِثْنَيْ عَشَر يَوْمًا \" وَهِيَ شَاذَّة , وَأَشَدّ مِنْهَا شُذُوذًا رِوَايَة الْخَوْلَانِيِّ \" فَأَقَمْنَا قَبْلهَا ثَلَاثًا \" وَلَعَلَّ الْجَمْع الَّذِي ذَكَرْته أَوْلَى. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَة بِضِلْعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعه فَنُصِبَا ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَاسْتُشْكِلَ لِأَنَّ الضِّلْع مُؤَنَّثَة , وَيُجَاب بِأَنَّ تَأْنِيثه غَيْر حَقِيقِيّ فَيَجُوز فِيهِ التَّذْكِير. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتهمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا ) ‏ ‏وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" فَعَمَدَ إِلَى أَطْوَل رَجُل مَعَهُ فَمَرَّ تَحْته \" وَفِي حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت عِنْد اِبْن إِسْحَاق \" ثُمَّ أَمْر بِأَجْسَم بَعِير مَعَنَا فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَجْسَم رَجُل مِنَّا فَخَرَجَ مِنْ تَحْتهمَا وَمَا مَسَّتْ رَأْسه \" وَهَذَا الرَّجُل لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَأَظُنّهُ قَيْس بْن سَعْد بْن عُبَادَةَ فَإِنَّ لَهُ ذِكْرًا فِي هَذِهِ الْغَزْوَة كَمَا سَتَرَاهُ بَعْد , وَكَانَ مَشْهُورًا بِالطُّولِ , وَقِصَّته فِي ذَلِكَ مَعَ مُعَاوِيَة لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَلَكَ الرُّوم بِالسَّرَاوِيلِ مَعْرُوفَة , فَذَكَرَهَا الْمُعَافِي الْحَرِيرِيّ فِي الْجَلِيس وَأَبُو الْفَرْج الْأَصْبِهَانِي وَغَيْرهمَا , وَمُحَصِّلهَا أَنَّ أَطْوَل رَجُل مِنْ الرُّوم نَزَعَ لَهُ قَيْس بْن سَعْد سَرَاوِيله فَكَانَ طُول قَامَة الرُّومِيّ , بِحَيْثُ كَانَ طَرَفهَا عَلَى أَنْفه وَطَرَفهَا بِالْأَرْضِ , وَعُوتِبَ قَيْس فِي نَزْع سَرَاوِيله فِي الْمَجْلِس فَأَنْشَدَ : ‏ ‏أَرَدْت لِكَيْمَا يَعْلَم النَّاس أَنَّهَا ‏ ‏سَرَاوِيل قَيْس وَالْوُفُود شُهُود ‏ ‏وَأَنْ لَا يَقُولُوا غَابَ قَيْس وَهَذِهِ ‏ ‏سَرَاوِيل عَادِي نَمَتْهُ ثَمُود ‏ ‏وَزَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر \" فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَة ثَلَاثَة عَشَر رَجُلًا فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنه \" وَالْوَقْب تَقَدَّمَ ضَبْطه وَهُوَ حُفْرَة الْعَيْن فِي عَظْم الْوَجْه , وَأَصْله نُقْرَة فِي الصَّخْرَة يَجْتَمِع فِيهَا الْمَاء وَالْجَمْع وِقَاب بِكَسْرِ أَوَّله , وَوَقَعَ فِي آخِر صَحِيح مُسْلِم مِنْ طَرِيق عُبَادَةَ بْن الْوَلِيد \" أَنَّ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت قَالَ : خَرَجْت أَنَا وَأَبِي نَطْلُب الْعِلْم - فَذَكَر حَدِيثًا طَوِيلًا وَفِي آخِره - وَشَكَا النَّاس إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُوع فَقَالَ : عَسَى اللَّه أَنْ يُطْعِمكُمْ , فَأَتَيْنَا سِيف الْبَحْر فَزَخَرَ الْبَحْر زَخْرَة فَأَلْقَى دَابَّة فَأَوْرَيْنَا عَلَى شِقّهَا النَّار فَاطَّبَخْنَا وَاشْتَوَيْنَا وَأَكَلْنَا وَشَبِعْنَا. قَالَ جَابِر : فَدَخَلْت وَفُلَان وَفُلَان حَتَّى عَدَّ خَمْسَة فِي حِجَاج عَيْنهَا وَمَا يَرَانَا أَحَد , حَتَّى خَرَجْنَا وَأَخَذْنَا ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعهَا فَقَوَّسْنَاهُ ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَم رَجُل فِي الرَّكْب وَأَعْظَم جَمَل فِي الرَّكْب وَأَعْظَم كِفْل فِي الرَّكْب فَدَخَلَ تَحْته مَا يُطَأْطِأُ رَأْسه \". وَظَاهِر سِيَاقه أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُمْ فِي غَزْوَة مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنْ يُمْكِن حَمْل قَوْله فَأَتَيْنَا سِيف الْبَحْر عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوف عَلَى شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره : فَبَعَثَنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَر فَأَتَيْنَا إِلَخْ , فَيَتَحَدَّ مَعَ الْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "4013",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثَ مِائَةِ رَاكِبٍ أَمِيرُنَا ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ‏ ‏نَرْصُدُ عِيرَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَأَقَمْنَا بِالسَّاحِلِ نِصْفَ شَهْرٍ فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلْنَا ‏ ‏الْخَبَطَ ‏ ‏فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْجَيْشُ جَيْشَ ‏ ‏الْخَبَطِ ‏ ‏فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْرُ دَابَّةً يُقَالُ لَهَا ‏ ‏الْعَنْبَرُ ‏ ‏فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ وَادَّهَنَّا مِنْ ‏ ‏وَدَكِهِ ‏ ‏حَتَّى ثَابَتْ إِلَيْنَا أَجْسَامُنَا فَأَخَذَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏ ‏ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنَصَبَهُ فَعَمَدَ إِلَى أَطْوَلِ رَجُلٍ مَعَهُ قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مَرَّةً ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنَصَبَهُ وَأَخَذَ رَجُلًا وَبَعِيرًا فَمَرَّ تَحْتَهُ قَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ الْقَوْمِ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ثُمَّ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ثُمَّ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ثُمَّ إِنَّ ‏ ‏أَبَا عُبَيْدَةَ ‏ ‏نَهَاهُ وَكَانَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏يَقُولُ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ لِأَبِيهِ كُنْتُ فِي الْجَيْشِ فَجَاعُوا قَالَ انْحَرْ قَالَ نَحَرْتُ قَالَ ثُمَّ جَاعُوا قَالَ انْحَرْ قَالَ نَحَرْتُ قَالَ ثُمَّ جَاعُوا قَالَ انْحَرْ قَالَ نَحَرْتُ ثُمَّ جَاعُوا قَالَ انْحَرْ قَالَ نُهِيتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَأَصَابَنَا جُوع شَدِيد حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَط ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُهْمَلَة هُوَ وَرَق السَّلَم , فِي رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر \" وَكُنَّا نَضْرِب بِعِصِيِّنَا الْخَبَط ثُمَّ نَبُلّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلهُ \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَابِسًا , بِخِلَافِ مَا جَزَمَ بِهِ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ كَانَ أَخْضَر رَطْبًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْخَوْلَانِيِّ \" وَأَصَابَتْنَا مَخْمَصَة \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى ثَابَتْ ) ‏ ‏بِمُثَلَّثَةٍ أَيْ رَجَعَتْ , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ هُزَال مِنْ الْجُوع السَّابِق. ‏ ‏قَوْله : ( وَادَّهَنَّا مِنْ وَدَكه ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاو وَالْمُهْمَلَة أَيْ شَحْمه , وَفِي رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر \" فَلَقَدْ رَأَيْتنَا نَغْتَرِف مِنْ وَقْب عَيْنه بِالْقِلَالِ الدُّهْن وَنَقْطَع مِنْهُ الْفِدَر كَالثَّوْرِ \". وَالْوَقْب بِفَتْحِ الْوَاو وَسُكُون الْقَاف بَعْدهَا مُوَحَّدَة هِيَ النُّقْرَة الَّتِي تَكُون فِيهَا الْحَدَقَة , وَالْفِدَر بِكَسْرِ الْفَاء وَفَتْح الدَّال جَمْع فَدْرَةٍ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُون وَهِيَ الْقِطْعَة مِنْ اللَّحْم وَمِنْ غَيْره , وَفِي رِوَايَة الْخَوْلَانِيِّ \" فَحَمَلْنَا مَا شِئْنَا مِنْ قَدِيد وَوَدَك فِي الْأَسْقِيَة وَالْغَرَائِر \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَة ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعه ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْمُسْتَمْلِيّ \" مِنْ أَعْضَائِهِ \" وَالْأَوَّل أَصْوَب لِأَنَّ فِي السِّيَاق \" قَالَ سُفْيَان مَرَّة ضِلْعًا مِنْ أَعْضَائِهِ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرِّوَايَة الْأُولَى \" مِنْ أَضْلَاعه \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ رَجُل مِنْ الْقَوْم نَحَرَ ثَلَاث جَزَائِر ) ‏ ‏أَيْ عِنْدَمَا جَاعُوا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْخَوْلَانِيِّ \" سَبْعَ جَزَائِر \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , وَأَبُو صَالِح هُوَ ذَكْوَانُ السَّمَّان. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ قَيْس بْن سَعْد قَالَ لِأَبِيهِ : كُنْت فِي الْجَيْش فَجَاعُوا , قَالَ : اِنْحَرْ ) ‏ ‏وَهَذَا صُورَته مُرْسَل لِأَنَّ عَمْرو بْن دِينَار لَمْ يُدْرِك زَمَان تَحْدِيث قَيْس لِأَبِيهِ , لَكِنَّهُ فِي مُسْنَد الْحُمَيْدِيّ مَوْصُول أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيقه وَلَفْظه \" عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ قَيْس بْن سَعْد بْن عُبَادَةُ قَالَ : قُلْت لِأَبِي وَكُنْت فِي ذَلِكَ الْجَيْش جَيْش الْخَبَط فَأَصَابَ النَّاس جُوع , قَالَ لِي : اِنْحَرْ. قُلْت : نَحَرْت \" فَذَكَرَهُ وَفِي آخِره \" قُلْت نَهَيْت \" وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادٍ لَهُ أَنَّ قَيْس بْن سَعْد لَمَّا رَأَى مَا بِالنَّاسِ قَالَ : مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي تَمْرًا بِالْمَدِينَةِ بِجَزُورٍ هُنَا , فَقَالَ لَهُ رَجُل مِنْ جُهَيْنَة : مَنْ أَنْتَ ؟ فَانْتَسَبَ لَهُ , فَقَالَ : عَرَفْت نَسَبك. فَابْتَاعَ مِنْهُ خَمْس جَزَائِر بِخَمْسَةِ أَوَسْق وَأَشْهَد لَهُ نَفَرًا مِنْ الصَّحَابَة , فَامْتَنَعَ عُمَر لِكَوْنِ قَيْس لَا مَال لَهُ , فَقَالَ الْأَعْرَابِيّ : مَا كَانَ سَعْد لِيَجْنِيَ بِابْنِهِ فِي أَوَسْق تَمْر , فَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدًا فَغَضِبَ وَوَهَبَ لِقَيْسِ أَرْبَع حَوَائِط أَقَلّهَا يَجُذّ خَمْسِينَ وَسْقًا. وَزَادَ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ عَمْرو بْن دِينَار وَقَالَ فِي حَدِيثه \" لَمَّا قَدِمُوا ذَكَرُوا شَأْن قَيْس , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْجُود مِنْ شِيمَة أَهْل ذَلِكَ الْبَيْت \" وَفِي حَدِيث الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أَهْل الْمَدِينَة بَلَغَهُمْ الْجَهْد الَّذِي قَدْ أَصَابَ الْقَوْم , فَقَالَ سَعْد بْن عُبَادَةَ إِنْ يَكُ قَيْس كَمَا أَعْرِف فَسَيَنْحَرُ لِلْقَوْمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4014",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏غَزَوْنَا جَيْشَ ‏ ‏الْخَبَطِ ‏ ‏وَأُمِّرَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏ ‏فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ يُقَالُ لَهُ الْعَنْبَرُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ فَأَخَذَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏يَقُولُ قَالَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏ ‏كُلُوا فَلَمَّا قَدِمْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ فَأَكَلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَأُمِّرَ أَبُو عُبَيْدَة ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَتَشْدِيد الْمِيم عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَة عِنْد مُسْلِم \" وَأَمِيرنَا أَبُو عُبَيْدَة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ اِبْن جُرَيْجٍ , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ مِنْهُ , فَآتَاهُ بَعْضهمْ ) ‏ ‏بِالْمَدِّ أَيْ فَأَعْطَاهُ ‏ ‏( فَأَكَلَهُ ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن \" فَأَتَاهُ بَعْضهمْ بِعُضْوٍ مِنْهُ فَأَكَلَهُ \" قَالَ عِيَاض. وَهُوَ الْوَجْه. قُلْت : فِي رِوَايَة أَحْمَد مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ الَّتِي أَخْرَجَهَا مِنْهُ الْبُخَارِيّ \" وَكَانَ مَعَنَا مِنْهُ شَيْء , فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَيْهِ بَعْض الْقَوْم فَأَكَلَ مِنْهُ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي حَمْزَة عَنْ جَابِر عِنْد اِبْن أَبِي عَاصِم فِي كِتَاب الْأَطْعِمَة \" فَلَمَّا قَدِمُوا ذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَوْ نَعْلَم أَنَّا نُدْرِكهُ لَمْ يَرُوح لَأَحْبَبْنَا لَوْ كَانَ عِنْدنَا مِنْهُ \" وَهَذَا لَا يُخَالِف رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر لِأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ اِزْدِيَادًا مِنْهُ بَعْد أَنْ أَحْضَرُوا لَهُ مِنْهُ مَا ذُكِرَ , أَوْ قَالَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ يُحْضِرُوا لَهُ مِنْهُ وَكَانَ الَّذِي أَحْضَرُوهُ مَعَهُمْ لَمْ يَرُوح فَأَكَلَ مِنْهُ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا مَشْرُوعِيَّة الْمُوَاسَاة بَيْن الْجَيْش عِنْد وُقُوع الْمَجَاعَة , وَأَنَّ الِاجْتِمَاع عَلَى الطَّعَام يَسْتَدْعِي الْبَرَكَة فِيهِ , وَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِي سَبَب نَهْي أَبِي عُبَيْدَة قَيْسًا أَنْ يَسْتَمِرّ عَلَى إِطْعَام الْجَيْش , فَقِيلَ : لِخَشْيَةِ أَنْ تَفْنَى حَمُولَتهمْ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ الْقِصَّة أَنَّهُ اِشْتَرَى مِنْ غَيْر الْعَسْكَر , وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَدِين عَلَى ذِمَّته , وَلَيْسَ لَهُ مَال فَأُرِيد الرِّفْق بِهِ , وَهَذَا أَظْهَر. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4015",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ ‏ ‏لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏عُرْيَانٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ فِي رَهْط يُؤَذِّن فِي النَّاس أَنْ لَا يَحُجّ بَعْد الْعَامّ مُشْرِك \" هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير سُورَة بَرَاءَة تَامّ السِّيَاق , وَيَأْتِي تَمَام شَرْحه هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4016",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَامِلَةً ‏ ‏بَرَاءَةٌ ‏ ‏وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ خَاتِمَةُ سُورَةِ ‏ ‏النِّسَاءِ ‏ { ‏يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ‏ ‏الْكَلَالَةِ ‏ }",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء \" آخِر سُورَة نَزَلَتْ كَامِلَة بَرَاءَة \" الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي التَّفْسِير أَيْضًا وَبَيَان مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الْإِشْكَال مِنْ قَوْله : \" كَامِلَة \" وَالْغَرَض مِنْهُ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ نُزُول قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَس فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بَعْد عَامهمْ هَذَا ) الْآيَة كَانَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَدَقَّقَ فِي ذَلِكَ عَلَى خِلَاف عَادَته مِنْ الِاعْتِرَاض عَلَى مِثْل ذَلِكَ. ‏ ‏وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق بِإِسْنَادٍ مُرْسَل قَالَ : \" نَزَلَتْ بَرَاءَة وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا عَلَى الْحَجّ , فَقِيلَ لَوْ بَعَثْت بِهَا إِلَى أَبِي بَكْر فَقَالَ : لَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا رَجُل مِنْ أَهْل بَيْتِي , ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا فَقَالَ : اُخْرُجْ بِصَدْرِ بَرَاءَة , وَأَذِّنْ فِي النَّاس يَوْم النَّحْر بِمِنَى إِذَا اِجْتَمَعُوا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَرَوَى أَحْمَد مِنْ طَرِيق مُحْرِز بْن أَبِي هُرَيْرَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : \" كُنْت مَعَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , فَكُنْت أُنَادِي حَتَّى صَحِلَ صَوْتِي \" الْحَدِيث. وَمِنْ طَرِيق زَيْد بْن يَشِيع قَالَ : \" سَأَلْت عَلِيًّا بِأَيِّ شَيْء بُعِثْت فِي الْحَجَّة ؟ قَالَ : بِأَرْبَعٍ لَا يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا نَفْس مُؤْمِنَة , وَلَا يَطُوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان , وَلَا يَحُجّ بَعْد الْعَام مُشْرِك , وَمَنْ كَانَ بَيْنه وَبَيْن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْد فَعَهْده إِلَى مُدَّته \" وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه وَصَحَّحَهُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏: وَقَعَ هُنَا ذِكْر حَجَّة أَبِي بَكْر قَبْل الْوُفُود , وَالْوَاقِع أَنَّ اِبْتِدَاء الْوُفُود كَانَ بَعْد رُجُوع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجِعِرَّانَة فِي \" أَوَاخِر سَنَة ثَمَان وَمَا وَبَعْدهَا , بَلْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ الْوُفُود كَانُوا بَعْد غَزْوَة تَبُوك. نَعَمْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلّه كَانَ فِي سَنَة تِسْعٍ. قَالَ اِبْن هِشَام : \" حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَة قَالَ : كَانَتْ سَنَة تِسْع تُسَمَّى سَنَة الْوُفُود \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة الْفَتْح فِي حَدِيث عَمْرو بْن سَلَمَة \" كَانَتْ الْعَرَب تَلُوم بِإِسْلَامِهَا الْفَتْح \" الْحَدِيث. فَلَمَّا كَانَ الْفَتْح بَادَرَ كُلّ قَوْم بِإِسْلَامِهِمْ , وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة كَمَا قَدَّمْته غَيْر مَرَّة , وَسَيَأْتِي نَظِير هَذَا فِي تَقْدِيم حَجَّة الْوَدَاع عَلَى غَزْوَة تَبُوك , وَقَدْ سَرَدَ مُحَمَّد بْن سَعْد فِي الطَّبَقَات الْوُفُود , وَتَبِعَهُ الدِّمْيَاطِيّ فِي السِّيرَة الَّتِي جَمَعَهَا , وَتَبِعَهُ اِبْن سَيِّد النَّاس , وَمُغَلْطَاي , وَشَيْخنَا فِي نَظْم السِّيرَة وَمَجْمُوع مَا ذَكَرُوهُ يَزِيد عَلَى السِّتِّينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4017",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَخْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى ‏ ‏نَفَرٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا فَرُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ فَجَاءَ نَفَرٌ مِنْ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏فَقَالَ اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا ‏ ‏بَنُو تَمِيمٍ ‏ ‏قَالُوا قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" اِقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيم \" الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَّل بَدْء الْخَلْق. ‏"
    },
    {
        "id": "4018",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا أَزَالُ أُحِبُّ ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏بَعْدَ ثَلَاثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُهَا فِيهِمْ ‏ ‏هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى ‏ ‏الدَّجَّالِ ‏ ‏وَكَانَتْ فِيهِمْ سَبِيَّةٌ عِنْدَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَقَالَ أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمٍ أَوْ قَوْمِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ فِيهِمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مِنْهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( سَبِيَّة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة وَتَخْفِيفهَا ثُمَّ هَمْزَة , أَيْ جَارِيَة مَسْبِيَّة فَعَيْلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى اِسْمهَا وَتَسْمِيَة بَعْض مِنْ أُسِرَ مَعَهَا وَشَرْح هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْعِتْق. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَاءَتْ صَدَقَاتهمْ فَقَالَ : هَذِهِ صَدَقَات قَوْم , أَوْ قَوْمِي ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ وَقَوْم بِالْكَسْرِ بِغَيْرِ تَنْوِينَ , وَفِي رِوَايَة أَبِي يَعْلَى عَنْ زُهَيْر بْن حَرْب شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" صَدَقَات قَوْمِيّ \" بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "4019",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَمِّرْ ‏ ‏الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏بَلْ أَمِّرْ ‏ ‏الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ ‏ ‏فَتَمَارَيَا ‏ ‏حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا ‏} ‏حَتَّى انْقَضَتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر ( قَدِمَ رَكْب مِنْ بَنِي تَمِيم فَقَالَ أَبُو بَكْر : أَمَرَ الْقَعْقَاع ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفَى فِي أَوَّل تَفْسِير سُورَة الْحُجُرَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4020",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُرَّةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جَمْرَةَ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏إِنَّ لِي ‏ ‏جَرَّةً ‏ ‏يُنْتَبَذُ لِي نَبِيذٌ فَأَشْرَبُهُ حُلْوًا فِي جَرٍّ إِنْ أَكْثَرْتُ مِنْهُ فَجَالَسْتُ الْقَوْمَ فَأَطَلْتُ الْجُلُوسَ خَشِيتُ أَنْ ‏ ‏أَفْتَضِحَ ‏ ‏فَقَالَ قَدِمَ وَفْدُ ‏ ‏عَبْدِ الْقَيْسِ ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا النَّدَامَى فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحُرُمِ حَدِّثْنَا بِجُمَلٍ مِنْ الْأَمْرِ إِنْ عَمِلْنَا بِهِ دَخَلْنَا الْجَنَّةَ وَنَدْعُو بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا قَالَ ‏ ‏آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَأَنْ تُعْطُوا مِنْ الْمَغَانِمِ الْخُمُسَ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ مَا انْتُبِذَ فِي ‏ ‏الدُّبَّاءِ ‏ ‏وَالنَّقِيرِ ‏ ‏وَالْحَنْتَمِ ‏ ‏وَالْمُزَفَّتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِابْنِ عَبَّاس إِنَّ لِي جَرَّة تَنْتَبِذ لِي نَبِيذًا ) ‏ ‏أَسْنَدَ الْفِعْل إِلَى الْجَرَّة مَجَازًا , وَقَوْله : \" فِي جَرّ \" يَتَعَلَّق بِجَرَّةٍ وَتَقْدِيره أَنَّ لِي جَرَّة كَائِنَة فِي جُمْلَة جِرَار , وَقَوْله \" خَشِيت أَنْ أَفْتَضِح \" أَيْ لِأَنِّي أَصِير فِي مِثَال حَال السُّكَارَى , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي الْكَلَام عَلَى \" بَاب تَرْخِيص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَوْعِيَة \" وَقَدَّمَ حَدِيث الْبَاب فِي أَوَاخِر كِتَاب الْإِيمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "4021",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جَمْرَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَدِمَ وَفْدُ ‏ ‏عَبْدِ الْقَيْسِ ‏ ‏عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا هَذَا الْحَيَّ مِنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ ‏ ‏وَقَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏فَلَسْنَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ فَمُرْنَا بِأَشْيَاءَ نَأْخُذُ بِهَا وَنَدْعُو إِلَيْهَا مَنْ وَرَاءَنَا قَالَ ‏ ‏آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَعَقَدَ وَاحِدَةً وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَأَنْ تُؤَدُّوا لِلَّهِ خُمْسَ مَا غَنِمْتُمْ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ ‏ ‏الدُّبَّاءِ ‏ ‏وَالنَّقِيرِ ‏ ‏وَالْحَنْتَمِ ‏ ‏وَالْمُزَفَّتِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4022",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُكَيْرٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏كُرَيْبًا ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ ‏ ‏وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏أَرْسَلُوا إِلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَقَالُوا اقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنَّا جَمِيعًا وَسَلْهَا عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَإِنَّا أُخْبِرْنَا أَنَّكِ تُصَلِّيهَا وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْهَا قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَكُنْتُ أَضْرِبُ مَعَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏النَّاسَ عَنْهُمَا قَالَ ‏ ‏كُرَيْبٌ ‏ ‏فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا وَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي فَقَالَتْ سَلْ ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُمْ فَرَدُّونِي إِلَى ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي إِلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْهَى عَنْهُمَا وَإِنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي حَرَامٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَصَلَّاهُمَا فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْخَادِمَ فَقُلْتُ قُومِي إِلَى جَنْبِهِ فَقُولِي تَقُولُ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَمْ أَسْمَعْكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخِرِي فَفَعَلَتْ ‏ ‏الْجَارِيَةُ ‏ ‏فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ يَا بِنْتَ ‏ ‏أَبِي أُمَيَّةَ ‏ ‏سَأَلْتِ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِنَّهُ أَتَانِي أُنَاسٌ مِنْ ‏ ‏عَبْدِ الْقَيْسِ ‏ ‏بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ فَشَغَلُونِي عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ بَكْر بْن مُضَر إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ بَكْر بِن مُضَر بِإِسْنَادِهِ , وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظ بَكْر بْن مُضَر , وَتَقَدَّمَ فِي سُجُود السَّهْو فِي الصَّلَاة مِنْ الْوَجْهَيْنِ , وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظ عَبْد اللَّه بْن وَهْب وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ. وَالْغَرَض مِنْهُ مَا فِيهِ مِنْ ذِكْر وَفْد عَبْد الْقَيْس ‏"
    },
    {
        "id": "4023",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَوَّلُ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ فِي ‏ ‏مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَسْجِدِ ‏ ‏عَبْدِ الْقَيْسِ ‏ ‏بِجُوَاثَى ‏ ‏يَعْنِي قَرْيَةً مِنْ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو عَامِر عَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَمْرو الْعَقَدِيّ : ‏ ‏قَوْله : ( بِجُواثَى ) ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيم وَتَخْفِيف الْمُثَلَّثَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مَعَ شَرْح الْحَدِيث فِي كِتَاب الْجُمُعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4024",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْلًا قِبَلَ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي حَنِيفَةَ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ ‏ ‏ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ ‏ ‏فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا عِنْدَكَ يَا ‏ ‏ثُمَامَةُ ‏ ‏فَقَالَ عِنْدِي خَيْرٌ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ ثُمَّ قَالَ لَهُ مَا عِنْدَكَ يَا ‏ ‏ثُمَامَةُ ‏ ‏قَالَ مَا قُلْتُ لَكَ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ مَا عِنْدَكَ يَا ‏ ‏ثُمَامَةُ ‏ ‏فَقَالَ عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ فَقَالَ أَطْلِقُوا ‏ ‏ثُمَامَةَ ‏ ‏فَانْطَلَقَ إِلَى ‏ ‏نَجْلٍ ‏ ‏قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فَلَمَّا قَدِمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏قَالَ لَهُ قَائِلٌ ‏ ‏صَبَوْتَ ‏ ‏قَالَ لَا وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ ‏ ‏الْيَمَامَةِ ‏ ‏حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا قِبَل نَجْد ) ‏ ‏أَيْ بَعَثَ فُرْسَان خَيْل إِلَى جِهَة نَجْد , وَزَعَمَ سَيْف فِي \" كِتَاب الزُّهْد \" لَهُ أَنَّ الَّذِي أَخْذ ثُمَامَة وَأَسَرَهُ هُوَ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَفِيهِ نَظَر أَيْضًا لِأَنَّ الْعَبَّاس إِنَّمَا قَدِمَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زَمَان فَتْح مَكَّة , وَقِصَّة ثُمَامَة تَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ قَبْل ذَلِكَ بِحَيْثُ اِعْتَمَرَ ثُمَامَة ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَاده ثُمَّ مَنَعَهُمْ أَنْ يَمِيرُوا أَهْل مَكَّة , ثُمَّ شَكَا أَهْل مَكَّة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ , ثُمَّ بَعَثَ يَشْفَع فِيهِمْ عِنْد ثُمَامَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَاذَا عِنْدك ) ‏ ‏أَيْ أَيّ شَيْء عِنْدك ؟ وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون \" مَا \" اِسْتِفْهَامِيَّة وَ \" ذَا \" مَوْصُولَة \" وَعِنْدك \" صِلَته , أَيْ مَا الَّذِي اِسْتَقَرَّ فِي ظَنّك أَنْ أَفْعَلهُ بِك ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ ظَنَّ خَيْرًا فَقَالَ : عِنْدِي يَا مُحَمَّد خَيْر , أَيْ لِأَنَّك لَسْت مِمَّنْ يَظْلِم , بَلْ مِمَّنْ يَعْفُو وَيُحْسِن. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ تَقْتُلنِي تَقْتُل ذَا دَم ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَة الْمِيم , وَلِلكُشْمِيهَنيّ \" ذَمّ \" بِمُعْجَمَةِ مُثْقَّل الْمِيم , قَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى رِوَايَة الْأَكْثَر إِنْ تَقْتُل تَقْتُل ذَا دَم أَيْ صَاحِب دَم لِدَمِهِ مَوْقِع يَشْتَفِي قَاتِله بِقَتْلِهِ وَيَدْرِك ثَأْره لِرِيَاسَتِهِ وَعَظَمَته , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى أَنَّهُ عَلَيْهِ دَم وَهُوَ مَطْلُوب بِهِ فَلَا لَوْم عَلَيْك فِي قَتْله. وَأَمَّا الرِّوَايَة بِالْمُعْجَمَةِ فَمَعْنَاهَا ذَا ذِمَّة , وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ , وَضَعَّفَهَا عِيَاض بِأَنَّهُ يَقْلِب الْمَعْنَى لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ ذَا ذِمَّة يَمْتَنِع قَتْله. قَالَ النَّوَوِيّ : يُمْكِن تَصْحِيحهَا بِأَنْ يُحْمَل عَلَى الْوَجْه الْأَوَّل , وَالْمُرَاد بِالذِّمَّةِ الْحُرْمَة فِي قَوْمه , وَأَوْجَه الْجَمِيع الْوَجْه الثَّانِي لِأَنَّهُ مُشَاكِل لِقَوْلِهِ بَعْد ذَلِكَ : \" وَإِنْ تُنْعِم تُنْعِم عَلَى شَاكِر \" , وَجَمِيع ذَلِكَ تَفْصِيل لِقَوْلِهِ عِنْدِي خَيْر ; وَفِعْل الشَّرْط إِذَا كُرِّرَ فِي الْجَزَاء دَلَّ عَلَى فَخَامَة الْأَمْر. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : عِنْدِي مَا قُلْت لَك ) ‏ ‏أَيْ إِنْ تُنْعِم تُنْعِم عَلَى شَاكِر ; هَكَذَا اِقْتَصَرَ فِي الْيَوْم الثَّانِي عَلَى أَحَد الشِّقَّيْنِ. وَحَذَفَ الْأَمْرَيْنِ فِي الْيَوْم الثَّالِث , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى حَذْفه وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدَّمَ أَوَّل يَوْم أَشَقّ الْأَمْرَيْنِ عَلَيْهِ وَأَشْفَى الْأَمْرَيْنِ لِصَدْرِ خُصُومه وَهُوَ الْقَتْل , فَلَمَّا لَمْ يَقَع اِقْتَصَرَ عَلَى ذِكْر الِاسْتِعْطَاف وَطَلَب الْإِنْعَام فِي الْيَوْم الثَّانِي , فَكَأَنَّهُ فِي الْيَوْم الْأَوَّل رَأَى أَمَارَات الْغَضَب فَقَدَّمَ ذِكْر الْقَتْل , فَلَمَّا لَمْ يَقْتُلهُ طَمِعَ فِي الْعَفْو فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ , فَلَمَّا لَمْ يَعْمَل شَيْئًا مِمَّا قَالَ اِقْتَصَرَ فِي الْيَوْم الثَّالِث عَلَى الْإِجْمَال تَفْوِيضًا إِلَى جَمِيل خُلُقه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ وَافَقَ ثُمَامَة فِي هَذِهِ الْمُخَاطَبَة قَوْل عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك , وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) لِأَنَّ الْمَقَام يَلِيق بِذَلِكَ ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : أَطْلِقُوا ثُمَامَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" قَالَ قَدْ عَفَوْت عَنْك يَا ثُمَامَة وَأَعْتَقْتُك \" وَزَادَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْأَسْر جَمَعُوا مَا كَانَ فِي أَهْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَعَام وَلَبَن فَلَمْ يَقَع ذَلِكَ مِنْ ثُمَامَة مَوْقِعًا , فَلَمَّا أَسْلَمَ جَاءُوهُ بِالطَّعَامِ فَلَمْ يُصِبْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا. فَتَعَجَّبُوا فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" إِنَّ الْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ , وَإِنَّ الْمُؤْمِن يَأْكُل فِي مِعًى وَاحِد \". ‏ ‏قَوْله : ( فَبَشَّرَهُ ) ‏ ‏أَيْ بِخَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , أَوْ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ أَوْ بِمَحْوِ ذُنُوبه وَتَبِعَاته السَّابِقَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّة ) ‏ ‏زَادَ اِبْن هِشَام قَالَ : \" بَلَغَنِي أَنَّهُ خَرَجَ مُعْتَمِرًا حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَطْنِ مَكَّة لَبَّى , فَكَانَ أَوَّل مَنْ دَخَلَ مَكَّة يُلَبِّي. فَأَخَذَتْهُ قُرَيْش فَقَالُوا : لَقَدْ اِجْتَرَأْت عَلَيْنَا , وَأَرَادُوا قَتْله , فَقَالَ قَائِل مِنْهُمْ : دَعُوهُ فَإِنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الطَّعَام مِنْ الْيَمَامَة فَتَرَكُوهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : لَا وَلَكِنْ أَسْلَمْت مَعَ مُحَمَّد ) ‏ ‏كَأَنَّهُ قَالَ : لَا مَا خَرَجْت مِنْ الدِّين , لِأَنَّ عِبَادَة الْأَوْثَان لَيْسَتْ دِينًا , فَإِذَا تَرَكْتهَا لَا أَكُون خَرَجْت مِنْ دِين , بَلْ اِسْتَحْدَثْت دِين الْإِسْلَام. وَقَوْله : \" مَعَ مُحَمَّد \" أَيْ وَافَقْته عَلَى دِينه فَصِرْنَا مُتَصَاحِبَيْنِ فِي الْإِسْلَام أَنَا بِالِابْتِدَاءِ وَهُوَ بِالِاسْتِدَامَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن هِشَام \" وَلَكِنْ تَبِعْت خَيْر الدِّين دِين مُحَمَّد \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا وَاَللَّه ) ‏ ‏فِيهِ حَذْف تَقْدِيره : وَاَللَّه لَا أَرْجِع إِلَى دِينكُمْ وَلَا أَرْفَق بِكُمْ فَأَتْرُك الْمِيرَة تَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَة حَبَّةُ حِنْطَة حَتَّى يَأْذَن فِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن هِشَام \" ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْيَمَامَة فَمَنَعَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا إِلَى مَكَّة شَيْئًا , فَكَتَبُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّك تَأْمُر بِصِلَةِ الرَّحِم , فَكَتَبَ إِلَى ثُمَامَة أَنْ يُخَلِّي بَيْنهمْ وَبَيْن الْحَمْل إِلَيْهِمْ \". وَفِي قِصَّة ثُمَامَة مِنْ الْفَوَائِد رَبْط الْكَافِر فِي الْمَسْجِد , وَالْمَنّ عَلَى الْأَسِير الْكَافِر وَتَعْظِيم أَمْر الْعَفْو عَنْ الْمُسِيء لِأَنَّ ثُمَامَة أَقْسَمَ أَنَّ بُغْضه اِنْقَلَبَ حُبًّا فِي سَاعَة وَاحِدَة لِمَا أَسَدَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ مِنْ الْعَفْو وَالْمَنّ بِغَيْرِ مُقَابِل. وَفِيهِ الِاغْتِسَال عِنْد الْإِسْلَام وَأَنَّ الْإِحْسَان يُزِيل الْبُغْض وَيُثْبِت الْحُبّ , وَأَنَّ الْكَافِر إِذَا أَرَادَ عَمَل خَيْر ثُمَّ أَسْلَمَ شَرَعَ لَهُ أَنْ يَسْتَمِرّ فِي عَمَل ذَلِكَ الْخَيْر. وَفِيهِ الْمُلَاطَفَة بِمَنْ يُرْجَى إِسْلَامه مِنْ الْأَسَارَى إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَة لِلْإِسْلَامِ , وَلَا سِيَّمَا مَنْ يَتّبِعُهُ عَلَى إِسْلَامه الْعَدَد الْكَثِير مِنْ قَوْمه , وَفِيهِ بَعْث السَّرَايَا إِلَى بِلَاد الْكُفَّار , وَأَسْر مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ , وَالتَّخْيِير بَعْد ذَلِكَ فِي قَتْله أَوْ الْإِبْقَاء عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4025",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ ‏ ‏عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَعَلَ يَقُولُ إِنْ جَعَلَ لِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ وَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَعَهُ ‏ ‏ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ‏ ‏وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِطْعَةُ جَرِيدٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَى ‏ ‏مُسَيْلِمَةَ ‏ ‏فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ ‏ ‏لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ وَإِنِّي لَأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا رَأَيْتُ وَهَذَا ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏يُجِيبُكَ عَنِّي ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّكَ أُرَى الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا أَرَيْتُ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنْ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعْدِي أَحَدُهُمَا ‏ ‏الْعَنْسِيُّ ‏ ‏وَالْآخَرُ ‏ ‏مُسَيْلِمَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي حُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حُسَيْن بْن الْحَارِث النَّوْفَلِيّ , تَابِعِيّ صَغِير مَشْهُور نُسِبَ هُنَا لِجَدِّهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَدِمَ مُسَيْلِمَة الْكَذَّاب عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ الْمَدِينَة , وَمُسَيْلِمَة مُصَغَّر بِكَسْرِ اللَّام اِبْن ثُمَامَة بْن كَبِير بِمُوَحَّدَةِ اِبْن حَبِيب بْن الْحَارِث مِنْ بَنِي حَنِيفَة. قَالَ اِبْن إِسْحَاق : اِدَّعَى النُّبُوَّة سَنَة عَشَر , وَزَعَمَ وَثِيمَة فِي \" كِتَاب الرِّدَّة \" أَنَّ مُسَيْلِمَة لَقَب وَاسْمه ثُمَامَة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ كُنْيَته أَبُو ثُمَامَة , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَكُون مِمَّنْ تَوَافَقَتْ كُنْيَته وَاسْمه , وَسِيَاق هَذِهِ الْقِصَّة يُخَالِف مَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ قَدِمَ مَعَ وَفْد قَوْمه , وَأَنَّهُمْ تَرَكُوهُ فِي رِحَالهمْ يَحْفَظهَا لَهُمْ , وَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَخَذُوا مِنْهُ جَائِزَته , وَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ وَأَنَّ مُسَيْلِمَة لَمَّا اِدَّعَى أَنَّهُ أُشِرْك فِي النُّبُوَّة مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِحْتَجَّ بِهَذِهِ الْمَقَالَة , وَهَذَا مَعَ شُذُوذه ضَعِيف السَّنَد لِانْقِطَاعِهِ , وَأَمْر مُسَيْلِمَة كَانَ عِنْد قَوْمه أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , فَقَدْ كَانَ يُقَال لَهُ رَحْمَان الْيَمَامَة لِعَظْمِ قَدْره فِيهِمْ , وَكَيْف يَلْتَئِم هَذَا الْخَبَر الضَّعِيف مَعَ قَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِجْتَمَعَ بِهِ وَخَاطَبَهُ وَصَرَّحَ لَهُ بِحَضْرَةِ قَوْمه أَنْ لَوْ سَأَلَهُ الْقِطْعَة الْجَرِيدَة مَا أَعْطَاهُ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مُسَيْلِمَة قَدِمَ مَرَّتَيْنِ الْأُولَى كَانَ تَابِعًا وَكَانَ رَئِيس بَنِي حَنِيفَة غَيْره وَلِهَذَا أَقَامَ فِي حِفْظ رِحَالهمْ , وَمَرَّة مَتْبُوعًا وَفِيهَا خَاطَبَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ الْقِصَّة وَاحِدَة وَكَانَتْ إِقَامَته فِي رِحَالهمْ بِاخْتِيَارِهِ أَنَفَة مِنْهُ وَاسْتِكْبَارًا أَنْ يَحْضُر مَجْلِس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَامَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَامَلَة الْكَرَم عَلَى عَادَته فِي الِاسْتِئْلَاف , فَقَالَ لِقَوْمِهِ. إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ أَيْ بِمَكَانٍ , لِكَوْنِهِ كَانَ يَحْفَظ رِحَالهمْ , وَأَرَادَ اِسْتِئْلَافه بِالْإِحْسَانِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْل , فَلَمَّا لَمْ يَفْدِ مُسَيْلِمَة تَوَجَّهَ بِنَفْسِهِ إِلَيْهِمْ لِيُقِيمَ عَلَيْهِمْ الْحُجَّة وَيُعْذِر إِلَيْهِ بِالْإِنْذَارِ وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّ الْإِمَام يَأْتِي بِنَفْسِهِ إِلَى مَنْ قَدِمَ يُرِيد لِقَاءَهُ مِنْ الْكُفَّار إِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّد الْأَمْر مِنْ بَعْده ) ‏ ‏أَيْ الْخِلَافَة ; وَسَقَطَ لَفْظ \" الْأَمْر \" هُنَا عِنْد الْأَكْثَر وَهُوَ مُقَدَّر , وَقَدْ ثَبَتَتْ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن وَثَبَتَتْ أَيْضًا فِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة فِي عَلَامَات النُّبُوَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِير ) ‏ ‏ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عَدَد مَنْ كَانَ مَعَ مُسَيْلِمَة مِنْ قَوْمه سَبْعَة عَشَر نَفْسًا , فَيُحْتَمَل تَعَدُّد الْقُدُوم كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَنْ تَعْدُو أَمْر اللَّه ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِبَعْضِهِمْ لَنْ تَعُدْ بِالْجَزْمِ وَهُوَ لُغَة , أَيْ الْجَزْم بِلَنْ , وَالْمُرَاد بِأَمْرِ اللَّه حُكْمه. وَقَوْله : \" وَلَئِنْ أَدْبَرْت \" أَيْ خَالَفْت الْحَقّ , وَقَوْله : \" لَيَعْقِرَنَّك \" بِالْقَافِ أَيْ يُهْلِكَك. ‏ ‏قَوْله : ( وَهَذَا ثَابِت بْن قَيْس يُجِيبك عَنِّي ) ‏ ‏أَيْ لِأَنَّهُ كَانَ خَطِيب الْأَنْصَار , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُعْطِي جَوَامِع الْكَلِم فَاكْتَفَى بِمَا قَالَهُ لَمُسَيْلِمَة وَأَعْلَمهُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ يُرِيد الْإِسْهَاب فِي الْخِطَاب فَهَذَا الْخَطِيب يَقُوم عَنِّي فِي ذَلِكَ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ اِسْتِعَانَة الْإِمَام بِأَهْلِ الْبَلَاغَة فِي جَوَاب أَهْل الْعِنَاد وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( أُرِيت ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الرَّاء مِنْ رُؤْيَا الْمَنَام , وَقَدْ فَسَّرَهُ اِبْن عَبَّاس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَهُوَ الْحَدِيث الثَّالِث , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي تَعْبِير الرُّؤْيَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ ذَهَب ) ‏ ‏مِنْ لِبَيَانِ الْجِنْس لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ ) وَوَهَمَ مَنْ قَالَ الْأَسَاوِر لَا تَكُون إِلَّا مِنْ ذَهَب فَإِنْ كَانَتْ مِنْ فِضَّة فَهِيَ الْقَلْب. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَهَمَّنِي شَأْنهمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هَمَّام الَّتِي بَعْدهَا \" فَكَبُرَا عَلَيَّ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَحَدهمَا الْعَنْسِيّ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُون سَاكِنَة ثُمَّ سِين مُهْمَلَة وَهُوَ الْأَسْوَد , وَهُوَ صَاحِب صَنْعَاء كَمَا فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة , وَسَأَذْكُرُ شَأْنه فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَيُؤْخَذ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة مَنْقَبَةٌ لِلصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَلَّى نَفْخ السِّوَارَيْنِ بِنَفْسِهِ حَتَّى طَارَا , فَأَمَّا الْأَسْوَد فَقُتِلَ فِي زَمَنه , وَأَمَّا مُسَيْلِمَة فَكَانَ الْقَائِم عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلَهُ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق فَقَامَ مَقَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ السِّوَار وَسَائِر آلَات أَنْوَاع الْحُلِيّ اللَّائِقَة بِالنِّسَاءِ تَعْبِير لِلرِّجَالِ بِمَا يَسُوءهُمْ وَلَا يَسُرّهُمْ , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب التَّعْبِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4026",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَ فِي كَفِّي سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَبُرَا عَلَيَّ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ أَنْ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَذَهَبَا فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا ‏ ‏صَاحِبَ ‏ ‏صَنْعَاءَ ‏ ‏وَصَاحِبَ ‏ ‏الْيَمَامَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4027",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مَهْدِيَّ بْنَ مَيْمُونٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيَّ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُنَّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الْآخَرَ فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا ‏ ‏جُثْوَةً ‏ ‏مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ ثُمَّ طُفْنَا بِهِ فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنَا ‏ ‏مُنَصِّلُ ‏ ‏الْأَسِنَّةِ فَلَا نَدَعُ رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ وَلَا سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَةٌ إِلَّا نَزَعْنَاهُ وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْرَ رَجَبٍ وَسَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا رَجَاءٍ ‏ ‏يَقُولُ كُنْتُ يَوْمَ بُعِثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غُلَامًا أَرْعَى الْإِبِلَ عَلَى أَهْلِي فَلَمَّا سَمِعْنَا بِخُرُوجِهِ فَرَرْنَا إِلَى النَّارِ إِلَى ‏ ‏مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الصَّلْت بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الْخَارِكِيّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة يُكَنَّى أَبَا هَمَّام , بَصْرِيّ ثِقَة , أَكْثَر عَنْهُ الْبُخَارِيّ , وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا مُثَنَّاة. ‏ ‏قَوْله : ( هُوَ أَخْيَر مِنْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَحْسَن \" بَدَل أَخْيَر , وَأَخْيَر لُغَة فِي خَيْر. وَالْمُرَاد بِالْخَيْرِيَّةِ الْحِسِّيَّة مِنْ كَوْنه أَشَدّ بَيَاضًا أَوْ نُعُومَة أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ صِفَات الْحِجَارَة الْمُسْتَحْسَنَة. ‏ ‏قَوْله : ( جُثْوَة مِنْ تُرَاب ) ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيم وَسُكُون الْمُثَلَّثَة هُوَ الْقِطْعَة مِنْ التُّرَاب تُجْمَع فَتَصِير كَوْمًا وَجَمْعهَا الْجُثَا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ جِئْنَا حَدَّثَنَا بِالشَّاةِ نَحْلُبهَا عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ لِتَصِيرَ نَظِير الْحَجَر , وَأَبْعَد مَنْ قَالَ : الْمُرَاد بِحَلَبِهِمْ الشَّاة عَلَى التُّرَاب مَجَاز ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ اللَّبَن. ‏ ‏قَوْله : ( مُنْصِل ) ‏ ‏بِسُكُونِ النُّون وَكَسْر الصَّاد , وَلِلكُشْمِيهَني بِفَتْحِ النُّون وَتَشْدِيد الصَّاد , وَقَدْ فَسَّرَهُ بِنَزْعِ الْحَدِيد مِنْ السِّلَاح لِأَجْلِ شَهْر رَجَب إِشَارَة إِلَى تَرْكهمْ الْقِتَال , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْزِعُونَ الْحَدِيد مِنْ السِّلَاح فِي الْأَشْهُر الْحُرُم , وَيُقَال : نَصَلْتُ الرُّمْح إِذَا جَعَلْت لَهُ نَصْلًا , وَأَنْصَلْتُه إِذَا نَزَعْت مِنْهُ النَّصْل. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْر رَجَب ) ‏ ‏بِالْفَتْحِ أَيْ فِي شَهْر رَجَب. وَلِبَعْضِهِمْ \" لِشَهْرِ رَجَب \" أَيْ لِأَجْلِ شَهْر رَجَب. وَأَخْرَجَ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" أَخْبَار الْبَصْرَة \" فِي ذِكْر وَقْعَة الْجَمَل هَذَا الْخَبَر مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عَوْن عَنْ أَبِي رَجَاء أَنَّهُ ذَكَرَ الدِّمَاء فَعَظَّمَهَا وَقَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة إِذَا دَخَلَ الشَّهْر الْحَرَام نَزَعَ أَحَدهمْ سِنَانه مِنْ رُمْحه وَجَعَلَهَا فِي عُلُوم النِّسَاء وَيَقُولُونَ. جَاءَ مُنَصِّل الْأَسِنَّة , ثُمَّ وَاَللَّه لَقَدْ رَأَيْت هَوْدَج عَائِشَة يَوْم الْجَمَل كَأَنَّهُ قُنْفُذ , فَقِيلَ لَهُ : قَاتَلْت يَوْمئِذٍ ؟ قَالَ : لَقَدْ رَمَيْت بَأْسهمْ. فَقَالَ لَهُ : كَيْف ذَلِكَ وَأَنْتَ تَقُول مَا تَقُول ؟ فَقَالَ : مَا كَانَ إِلَّا أَنْ رَأَيْنَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , فَمَا تَمَالَكْنَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَمِعْت أَبَا رَجَاء يَقُول ) ‏ ‏هُوَ حَدِيث آخَر مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت يَوْم بُعِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُلَامًا أَرْعَى الْإِبِل عَلَى أَهْلِيّ , فَلَمَّا سَمِعْنَا بِخُرُوجِهِ فَرَرْنَا إِلَى النَّار , إِلَى مُسَيْلِمَة الْكَذَّاب ) ‏ ‏الَّذِي يَظْهَر أَنَّ مُرَاده بِقَوْلِهِ : \" بُعِثَ \" أَيْ اُشْتُهِرَ أَمْره عِنْدهمْ , وَمُرَاده بِخُرُوجِهِ أَيْ ظُهُوره عَلَى قَوْمه مِنْ قُرَيْشٍ بِفَتْحِ مَكَّة , وَلَيْسَ الْمُرَاد مَبْدَأ ظُهُوره بِالنُّبُوَّةِ وَلَا خُرُوجه مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة لِطُولِ الْمُدَّة بَيْن ذَلِكَ وَبَيْن خُرُوج مُسَيْلِمَة. وَدَلَّتْ الْقِصَّة عَلَى أَنَّ أَبَا رَجَاء كَانَ مِنْ جُمْلَة مَنْ بَايَعَ مُسَيْلِمَة مِنْ قَوْمه بَنِي عُطَارِد بْن عَوْف بْن كَعْب بَطْن مِنْ بَنِي تَمِيم , وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّ سَجَاحًا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْجِيم وَآخِره حَاء مُهْمَلَة وَهِيَ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي تَمِيم اِدَّعَتْ النُّبُوَّة أَيْضًا فَتَابَعَهَا جَمَاعَة مِنْ قَوْمهَا , ثُمَّ بَلَغَهَا أَمْر مُسَيْلِمَة فَخَادَعَهَا إِلَى أَنْ تَزَوَّجَهَا وَاجْتَمَعَ قَوْمهَا وَقَوْمه عَلَى طَاعَة مُسَيْلِمَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4028",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُبَيْدَةَ بْنِ نَشِيطٍ ‏ ‏وَكَانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ اسْمُهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَلَغَنَا أَنَّ ‏ ‏مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَنَزَلَ فِي دَارِ بِنْتِ ‏ ‏الْحَارِثِ ‏ ‏وَكَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ ‏ ‏الْحَارِثِ بْنِ كُرَيْزٍ ‏ ‏وَهِيَ ‏ ‏أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَعَهُ ‏ ‏ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ‏ ‏وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ خَطِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَضِيبٌ فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَكَلَّمَهُ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مُسَيْلِمَةُ ‏ ‏إِنْ شِئْتَ خَلَّيْتَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْأَمْرِ ثُمَّ جَعَلْتَهُ لَنَا بَعْدَكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ سَأَلْتَنِي هَذَا ‏ ‏الْقَضِيبَ ‏ ‏مَا أَعْطَيْتُكَهُ وَإِنِّي لَأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا أُرِيتُ وَهَذَا ‏ ‏ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ ‏ ‏وَسَيُجِيبُكَ عَنِّي فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الَّتِي ذَكَرَ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏ذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُرِيتُ أَنَّهُ وُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَفُظِعْتُهُمَا وَكَرِهْتُهُمَا فَأُذِنَ لِي فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَحَدُهُمَا ‏ ‏الْعَنْسِيُّ ‏ ‏الَّذِي قَتَلَهُ ‏ ‏فَيْرُوزُ ‏ ‏بِالْيَمَنِ ‏ ‏وَالْآخَرُ ‏ ‏مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن مُحَمَّد الْجَرْمِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الرَّاء , كُوفِيّ ثِقَة مُكْثِر , وَيَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم هُوَ اِبْن سَعْد الزُّهْرِيُّ , وَصَالِح هُوَ اِبْن كَيْسَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عُبَيْدَة بْن نَشِيط ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الشِّين الْمُعْجَمَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ مُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ فِي مَوْضِع آخَر اِسْمه عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَرَادَ بِهَذَا أَنْ يُنَبِّه عَلَى أَنَّ الْمُبْهَم هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْدَة لَا أَخُوهُ مُوسَى , وَمُوسَى ضَعِيف جِدًّا وَأَخُوهُ عَبْد اللَّه ثِقَة , وَكَانَ عَبْد اللَّه أَكْبَر مِنْ مُوسَى بِثَمَانِينَ سَنَة. وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ : صَالِح بْن كَيْسَانَ وَعَبْد اللَّه بْن عُبَيْدَة وَعُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن عُتْبَةَ بْن مَسْعُود. وَسَاقَ الْبُخَارِيّ عَنْهُ الْحَدِيث مُرْسَلًا. وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله مَوْصُولًا لَكِنْ مِنْ رِوَايَة نَافِع بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( فِي دَار بِنْت الْحَارِث وَكَانَ تَحْته اِبْنَة الْحَارِث بْن كُرَيْز ) ‏ ‏وَهِيَ أُمّ عَبْد اللَّه بْن عَامِر بْن كُرَيْز بْن رَبِيعَة بْن حَبِيب بْن عَبْد شَمْس , وَاَلَّذِي وَقَعَ هُنَا أَنَّهَا أُمّ عَبْد اللَّه بْن عَامِر , قِيلَ : الصَّوَاب أُمّ أَوْلَاد عَبْد اللَّه بْن عَامِر لِأَنَّهَا زَوْجَته لَا أُمّه , فَإِنَّ أُمّ اِبْن عَامِر لَيْلَى بِنْت أَبِي حَثْمَة الْعَدَوِيّة. وَهُوَ اِعْتِرَاض مُتَّجَه. وَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ أُمّ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عَامِر فَإِنَّ لِعَبْدِ اللَّه بْن عَامِر وَلَدًا اِسْمه عَبْد اللَّه كَاسْمِ أَبِيهِ , وَهُوَ مِنْ بِنْت الْحَارِث وَاسْمهَا كَيِّسَة بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُهْمَلَة وَهِيَ بِنْت عَبْد اللَّه بْن عَامِر بْن كُرَيْز , وَلَهَا مِنْهُ أَيْضًا عَبْد الرَّحْمَن وَعَبْد الْمَلِك , وَكَانَتْ كَيِّسَة قَبْل عَبْد اللَّه بْن عَامِر بْن كُرَيْز تَحْت مُسَيْلِمَة الْكَذَّاب , وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ السِّرّ فِي نُزُول مُسَيْلِمَة وَقَوْمه عَلَيْهَا لِكَوْنِهَا كَانَتْ أَمْرَأَته وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُمْ نَزَلُوا بِدَارِ بِنْت الْحَارِث وَذَكَرَ غَيْره أَنَّ اِسْمهَا رَمْلَة بِنْت الْحَارِث بْن ثَعْلَبَة بْن الْحَارِث بْن زَيْد وَهِيَ مِنْ الْأَنْصَار ثُمَّ مِنْ بَنِي النَّجَّار وَلَهَا صُحْبَة وَتُكَنَّى أُمّ ثَابِت , وَكَانَتْ زَوْج مُعَاذ بْن عَفْرَاء الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور , فَكَلَام اِبْن سَعْد يَدُلّ عَلَى أَنَّ دَارهَا كَانَتْ مُعَدَّة لِنُزُولِ الْوُفُود , فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي وَفْد بَنِي مُحَارِب وَبَنِي كِلَاب وَبَنِي تَغْلِب وَغَيْرهمْ أَنَّهُمْ نَزَلُوا فِي دَار بِنْت الْحَارِث , وَكَذَا ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ بَنِي قُرَيْظَة حُبِسُوا فِي دَار بِنْت الْحَارِث وَتَعَقَّبَ السُّهَيْلِيُّ مَا وَقَعَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق فِي قِصَّة مُسَيْلِمَة بِأَنَّ الصَّوَاب بِنْت الْحَارِث , وَهُوَ تَعَقُّب صَحِيح إِلَّا أَنَّهُ يُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يَكُون وَفْد بَنِي حَنِيفَة نَزَلُوا بِدَارِ بِنْت الْحَارِث كَسَائِرِ الْوُفُود وَمُسَيْلِمَة وَحْده نَزَلَ بِدَارِ زَوْجَته بِنْت الْحَارِث. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الصَّوَاب مَا وَقَعَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق , وَأَنَّ مُسَيْلِمَة وَالْوَفْد نَزَلُوا فِي دَار بِنْت الْحَارِث وَكَانَتْ دَارهَا مُعَدَّة لِلْوُفُودِ , وَكَانَ يُقَال لَهَا أَيْضًا بِنْت الْحَارِث , كَذَا صَرَّحَ بِهِ مُحَمَّد بْن سَعْد فِي طَبَقَات النِّسَاء فَقَالَ : رَمْلَة بِنْت الْحَارِث وَيُقَال لَهَا اِبْنَة الْحَارِث بْن ثَعْلَبَة الْأَنْصَارِيَّة وَسَاقَ نَسَبَهَا. وَأَمَّا زَوْجَة مُسَيْلِمَة وَهِيَ كَيِّسَة بِنْت الْحَارِث فَلَمْ تَكُنْ إِذْ ذَاكَ بِالْمَدِينَةِ وَإِنَّمَا كَانَتْ عِنْد مُسَيْلِمَة بِالْيَمَامَةِ , فَلَمَّا قُتِلَ تَزَوَّجَهَا اِبْن عَمّهَا عَبْد اللَّه بْن عَامِر بَعْد ذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ جَعَلْته لَنَا بَعْدك ) ‏ ‏هَذَا مُغَايِر لِمَا ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ اِدَّعَى الشَّرِكَة , إِلَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ اِدَّعَى ذَلِكَ بَعْد أَنْ رَجَعَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اِبْن عَبَّاس ذُكِرَ لِي ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِضَمِّ الذَّال مِنْ ذَكَرَ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَقَدْ وَضَحَ مِنْ حَدِيث الْبَاب قَبْله أَنَّ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ هُوَ أَبُو هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِسْوَارَانِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة تَثْنِيَة إِسْوَار وَهِيَ لُغَة فِي السِّوَار , وَالسِّوَار بِالْكَسْرِ وَيَجُوز الضَّمّ , وَالْأَسْوَار أَيْضًا صِفَة لِلْكَبِيرِ مِنْ الْفَرَس : وَهُوَ بِالضَّمِّ وَالْكَسْر مَعًا بِخِلَافِ الْإِسْوَار مِنْ الْحُلِيِّ فَإِنَّهُ بِالْكَسْرِ فَقَطْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَفَظِعْتهمَا وَكَرِهْتهمَا ) ‏ ‏بِفَاءِ وَظَاء مُشَالَة مَكْسُورَة بَعْدهَا عَيْن مُهْمَلَة , يُقَال فَظِعَ الْأَمْر فَهُوَ فَظِيع إِذَا جَاوَزَ الْمِقْدَار , قَالَ اِبْن الْأَثِير : الْفَظِيع الْأَمْر الشَّدِيد , وَجَاءَ هُنَا مُتَعَدِّيًا , وَالْمَعْرُوف فَظِعْت بِهِ وَفَظِعْت مِنْهُ فَيُحْتَمَل التَّعَدِّيَة عَلَى الْمَعْنَى أَيْ خِفْتهمَا , أَوْ مَعْنَى فَظِعَتْهُمَا اِشْتَدَّ عَلَيَّ أَمْرهمَا. قُلْت : يُؤَيِّد الثَّانِي قَوْله فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة قَرِيبًا \" وَكَبُرَا عَلَيَّ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عُبَيْد اللَّه أَحَدهمَا الْعَنْسِيّ الَّذِي قَتَلَهُ فَيْرُوز بِالْيَمَنِ , وَالْآخَر مُسَيْلِمَة الْكَذَّاب ) ‏ ‏أَمَّا مُسَيْلِمَة فَقَدْ ذَكَرْت خَبَره , وَأَمَّا الْعَنْسِيّ وَفَيْرُوز فَكَانَ مِنْ قِصَّته أَنَّ الْعَنْسِيّ وَهُوَ الْأَسْوَد وَاسْمه عَبْهَلَة بْن كَعْب وَكَانَ يُقَال لَهُ أَيْضًا ذُو الْخِمَار بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة لِأَنَّهُ كَانَ يُخَمِّر وَجْهه , وَقِيلَ هُوَ اِسْم شَيْطَانه. وَكَانَ الْأَسْوَد قَدْ خَرَجَ بِصَنْعَاء وَادَّعَى النُّبُوَّة وَغَلَبَ عَلَى عَامِل صَنْعَاء الْمُهَاجِر بْن أَبِي أُمَيَّة , وَيُقَال إِنَّهُ مَرَّ بِهِ فَلَمَّا حَاذَاهُ عَثَرَ الْحِمَار فَادَّعَى أَنَّهُ سَجَدَ لَهُ , وَلَمْ يَقُمْ الْحِمَار حَتَّى قَالَ لَهُ شَيْئًا فَقَامَ , وَرَوَى يَعْقُوب بْن سُفْيَان وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيقه مِنْ حَدِيث النُّعْمَان بْن بُزْرُج بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الزَّاي ثُمَّ رَاء مَضْمُومَة ثُمَّ جِيم قَالَ : خَرَجَ الْأَسْوَد الْكَذَّاب وَهُوَ مِنْ بَنِي عَنْس يَعْنِي بِسُكُونِ النُّون وَكَانَ مَعَهُ شَيْطَانَانِ يُقَال لِأَحَدِهِمَا سُحَيْق بِمُهْمَلَتَيْنِ وَقَاف مُصَغَّر وَالْآخَر شُقَيْق بِمُعْجَمَةٍ وَقَافَيْنِ مُصَغَّر , وَكَانَا يُخْبِرَانِهِ بِكُلِّ شَيْء يَحْدُث مِنْ أُمُور النَّاس , وَكَانَ بَاذَان عَامِل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَنْعَاء فَمَاتَ , فَجَاءَ شَيْطَان الْأَسْوَد فَأَخْبَرَهُ , فَخَرَجَ فِي قَوْمه حَتَّى مَلَكَ صَنْعَاء وَتَزَوَّجَ الْمَرْزُبَانَة زَوْجَة بَاذَان , فَذَكَرَ الْقِصَّة فِي مُوَاعَدَتهَا دَادَوَيْه وَفَيْرُوز وَغَيْرهمَا حَتَّى دَخَلُوا عَلَى الْأَسْوَد لَيْلًا ; وَقَدْ سَقَتْهُ الْمَرْزُبَانَة الْخَمْر صَرْفًا حَتَّى سَكِرَ , وَكَانَ عَلَى بَابه أَلْف حَارِس. فَنَقَبَ فَيْرُوز وَمَنْ مَعَهُ الْجِدَار حَتَّى دَخَلُوا فَقَتَلَهُ فَيْرُوز وَاحْتَزَّ رَأْسه , وَأَخْرَجُوا الْمَرْأَة وَمَا أَحَبُّوا مِنْ مَتَاع الْبَيْت , وَأَرْسَلُوا الْخَبَر إِلَى الْمَدِينَة فَوَافَى بِذَلِكَ عِنْد وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ أَبُو الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة : أُصِيب الْأَسْوَد قَبْل وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ , فَأَتَاهُ الْوَحْي فَأَخْبَرَ بِهِ أَصْحَابه , ثُمَّ جَاءَ الْخَبَر إِلَى أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَقِيلَ وَصَلَ الْخَبَر بِذَلِكَ صَبِيحَة دَفْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4029",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ آدَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صِلَةَ بْنِ زُفَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏الْعَاقِبُ ‏ ‏وَالسَّيِّدُ ‏ ‏صَاحِبَا ‏ ‏نَجْرَانَ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُرِيدَانِ أَنْ ‏ ‏يُلَاعِنَاهُ ‏ ‏قَالَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ لَا تَفْعَلْ فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّا لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا ‏ ‏عَقِبُنَا ‏ ‏مِنْ بَعْدِنَا قَالَا إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إِلَّا أَمِينًا فَقَالَ ‏ ‏لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ ‏ ‏فَاسْتَشْرَفَ ‏ ‏لَهُ ‏ ‏أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ قُمْ يَا ‏ ‏أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ‏ ‏فَلَمَّا قَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبَّاس بْن الْحُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ بَغْدَادِيّ ثِقَة , لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَآخَر تَقَدَّمَ فِي التَّهَجُّد مَقْرُونًا. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن آدَم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" عَنْ الْأَصَمّ عَنْ الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن عَفَّانَ عَنْ يَحْيَى بْن آدَم بِهَذَا الْإِسْنَاد عَنْ اِبْن مَسْعُود يَدُلّ حُذَيْفَة , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طُرُق أُخْرَى عَنْ إِسْرَائِيل , وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" هَذِهِ وَفِيهِ نَظَر , فَإِنَّ شُعْبَة قَدْ رَوَى أَصْل الْحَدِيث عَنْ أَبِي إِسْحَاق فَقَالَ : \" عَنْ حُذَيْفَة \" كَمَا فِي الْبَاب أَيْضًا , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ فَهِمَ ذَلِكَ فَاسْتَظْهَرَ بِرِوَايَةِ شُعْبَة , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ صَحِيحَانِ , فَقَدْ رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة أَيْضًا وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ صِلَة عَنْ حُذَيْفَة. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ السَّيِّد وَالْعَاقِب صَاحِبَا نَجْرَان ) ‏ ‏أَمَّا السَّيِّد فَكَانَ اِسْمه الْأَيْهَم بِتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَة وَيُقَال شُرَحْبِيل , وَكَانَ صَاحِب رِحَالهمْ وَمُجْتَمَعهمْ وَرَئِيسهمْ فِي ذَلِكَ , وَأَمَّا الْعَاقِب فَاسْمه عَبْد الْمَسِيح وَكَانَ صَاحِب مَشُورَتهمْ , وَكَانَ مَعَهُمْ أَيْضًا أَبُو الْحَارِث بْن عَلْقَمَة وَكَانَ أُسْقُفهمْ وَحَبْرهمْ وَصَاحِب مِدْرَاسهمْ. قَالَ اِبْن سَعْد : دَعَاهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْإِسْلَام , وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآن فَامْتَنَعُوا , فَقَالَ : إِنْ أَنْكَرْتُمْ مَا أَقُول فَهَلُمَّ أُبَاهِلُكُمْ , فَانْصَرَفُوا عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ ) ‏ ‏أَيْ يُبَاهِلَاهُ , وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق بِإِسْنَادٍ مُرْسَل أَنَّ ثَمَانِينَ آيَة مِنْ أَوَّل سُورَة آلَ عِمْرَان نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ , يُشِير إِلَى قَوْله تَعَالَى : ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ ) الْآيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ ) ‏ ‏ذَكَرَ أَبُو نُعَيْم فِي الصَّحَابَة بِإِسْنَادٍ لَهُ أَنَّ الْقَائِل ذَلِكَ هُوَ السَّيِّد , وَقَالَ غَيْره : بَلْ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ هُوَ الْعَاقِب لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِب رَأْيهمْ , وَفِي زِيَادَات يُونُس بْن بُكَيْر فِي الْمَغَازِي بِإِسْنَادٍ لَهُ أَنَّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ شُرَحْبِيل أَبُو مَرْيَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَاَللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ فَلَاعَنَنَا بِإِظْهَارِ النُّون. ‏ ‏قَوْله : ( لَا نُفْلِح نَحْنُ وَلَا عَقِبنَا مِنْ بَعْدنَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة اِبْن مَسْعُود \" أَبَدًا \" , وَفِي مُرْسَل الشَّعْبِيّ عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" لَقَدْ أَتَانِي الْبَشِير بِهَلَكَةِ أَهْل نَجْرَان لَوْ تَمُّوا عَلَى الْمُلَاعَنَة. وَلَمَّا غَدَا عَلَيْهِمْ أَخَذَ بِيَدِ حَسَن وَحُسَيْن وَفَاطِمَة تَمْشِي خَلْفه لِلْمُلَاعَنَةِ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّا نُعْطِيك مَا سَأَلْتنَا ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة يُونُس بْن بُكَيْر أَنَّهُ صَالَحَهُمْ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّة : أَلْف فِي رَجَب وَأَلْف فِي صَفَر وَمَعَ كُلّ حُلَّة أُوقِيَّة , وَسَاقَ الْكِتَاب الَّذِي كَتَبَهُ بَيْنهمْ مُطَوَّلًا. وَذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّ السَّيِّد وَالْعَاقِب رَجَعَا بَعْد ذَلِكَ فَأَسْلَمَا , زَادَ فِي رِوَايَة اِبْن مَسْعُود \" فَأَتَيَاهُ فَقَالَا : لَا نُلَاعِنك , وَلَكِنْ نُعْطِيك مَا سَأَلْت \" وَفِي قِصَّة أَهْل نَجْرَان مِنْ الْفَوَائِد أَنَّ إِقْرَار الْكَافِر بِالنُّبُوَّةِ لَا يُدْخِلهُ فِي الْإِسْلَام حَتَّى يَلْتَزِم أَحْكَام الْإِسْلَام. وَفِيهَا جَوَاز مُجَادَلَة أَهْل الْكِتَاب , وَقَدْ تَجِب إِذَا تَعَيَّنَتْ مَصْلَحَته. وَفِيهَا مَشْرُوعِيَّة مُبَاهَلَة الْمُخَالِف إِذَا أَصَرَّ بَعْد ظُهُور الْحُجَّة. وَقَدْ دَعَا اِبْن عَبَّاس إِلَى ذَلِكَ ثُمَّ الْأَوْزَاعِيُّ , وَوَقَعَ ذَلِكَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاء. وَمِمَّا عُرِفَ بِالتَّجْرِبَةِ أَنَّ مَنْ بَاهَلَ وَكَانَ مُبْطِلًا لَا تَمْضِي عَلَيْهِ سَنَة مِنْ يَوْم الْمُبَاهَلَة. وَوَقَعَ لِي ذَلِكَ مَعَ شَخْص كَانَ يَتَعَصَّب لِبَعْضِ الْمَلَاحِدَة فَلَمْ يَقُمْ بَعْدهَا غَيْر شَهْرَيْنِ. وَفِيهَا مُصَالَحَة أَهْل الذِّمَّة عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَام مِنْ أَصْنَاف الْمَال , وَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى ضَرْب الْجِزْيَة عَلَيْهِمْ , فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَالٌ يُؤْخَذ مِنْ الْكُفَّار عَلَى وَجْه الصَّغَار فِي كُلّ عَام. وَفِيهَا بَعْث الْإِمَام الرَّجُل الْعَالِم الْأَمِين إِلَى أَهْل الْهُدْنَة فِي مَصْلَحَة الْإِسْلَام. وَفِيهَا مَنْقَبَة ظَاهِرَة لِأَبِي عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَلِيًّا إِلَى أَهْل نَجْرَان لِيَأْتِيَهُ بِصَدَقَاتِهِمْ وَجِزْيَتهمْ , وَهَذِهِ الْقِصَّة غَيْر قِصَّة أَبِي عُبَيْدَة لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَة تَوَجَّهَ مَعَهُمْ فَقَبَضَ مَال الصُّلْح وَرَجَعَ , وَعَلِيّ أَرْسَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد ذَلِكَ يَقْبِض مِنْهُمْ مَا اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ مِنْ الْجِزْيَة وَيَأْخُذ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَقَة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4030",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صِلَةَ بْنِ زُفَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏أَهْلُ نَجْرَانَ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا ابْعَثْ لَنَا رَجُلًا أَمِينًا فَقَالَ ‏ ‏لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ فَاسْتَشْرَفَ لَهُ النَّاسُ فَبَعَثَ ‏ ‏أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4031",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ الْمُصَنِّف حَدِيث أَنَس أَنَّ أَمِين هَذِهِ الْأُمَّة أَبُو عُبَيْدَةَ إِشَارَة إِلَى أَنَّ سَبَبه الْحَدِيث الَّذِي قَبْله , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب أَبِي عُبَيْدَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4032",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا ثَلَاثًا فَلَمْ يَقْدَمْ مَالُ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَيْنٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنِي قَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏فَجِئْتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَوْ جَاءَ مَالُ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا ثَلَاثًا قَالَ فَأَعْطَانِي قَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏فَلَقِيتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلْتُهُ فَلَمْ يُعْطِنِي ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَلَمْ يُعْطِنِي ثُمَّ أَتَيْتُهُ الثَّالِثَةَ فَلَمْ يُعْطِنِي فَقُلْتُ لَهُ قَدْ أَتَيْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي ثُمَّ أَتَيْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي ثُمَّ أَتَيْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي فَإِمَّا أَنْ تُعْطِيَنِي وَإِمَّا أَنْ تَبْخَلَ عَنِّي فَقَالَ أَقُلْتَ تَبْخَلُ عَنِّي وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنْ الْبُخْلِ قَالَهَا ثَلَاثًا مَا مَنَعْتُكَ مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَكَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏جِئْتُهُ فَقَالَ لِي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عُدَّهَا فَعَدَدْتُهَا فَوَجَدْتُهَا خَمْسَ مِائَةٍ فَقَالَ خُذْ مِثْلَهَا مَرَّتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَة. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ اِبْن الْمُنْكَدِر جَابِر بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏بِنَصَبِ جَابِر عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول سَمِعَ , وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَده \" حَدَّثَنَا سُفْيَان قَالَ : سَمِعْت اِبْن الْمُنْكَدِر قَالَ : سَمِعْت جَابِرًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفَى فِي الْكَفَالَة وَفِي الشَّهَادَات وَفِي فَرْض الْخُمُس. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الْإِسْنَاد الْأَوَّل , وَعَمْرو هُوَ اِبْن دِينَار , وَمُحَمَّد بْن عَلِيّ هُوَ الْمَعْرُوف بِالْبَاقِرِ , وَأَبُوهُ هُوَ زَيْن الْعَابِدِينَ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّد بْن عَلِيّ هُوَ اِبْن الْحَنَفِيَّة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ \" حَدَّثَنَا سُفْيَان حَدَّثَنَا عَمْرو بْن دِينَار أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن عَلِيٍّ \" فَذَكَرَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4033",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَإِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ آدَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمْتُ أَنَا ‏ ‏وَأَخِي ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏فَمَكَثْنَا حِينًا مَا نُرَى ‏ ‏ابْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏وَأُمَّهُ ‏ ‏إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ مِنْ كَثْرَةِ دُخُولِهِمْ وَلُزُومِهِمْ لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي زَائِدَة ) ‏ ‏هُوَ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ سِوَى شَيْخَيْ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَسْوَد ) ‏ ‏فِي الْمَنَاقِب مِنْ طَرِيق يُوسُف بْن أَبِي إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي الْأَسْوَد سَمِعْت أَبَا مُوسَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَدِمْت أَنَا وَأَخِي مِنْ الْيَمَن ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان اِسْم أَخِيهِ فِي غَزْوَة خَيْبَر. ‏ ‏قَوْله : ( مَا نُرَى ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن مَسْعُود وَأُمّه ) ‏ ‏اِسْم أُمّه أُمّ عَبْد بِنْت عَبْد وُدّ بْن سَوَاء , وَلَهَا صُحْبَة. ‏ ‏وَقَوْله : ( مِنْ أَهْل الْبَيْت ) ‏ ‏أَيْ بَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب بِلَفْظِ \" مِنْ أَهْل بَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَتَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي مَنَاقِب اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏: سَقَطَ شَيْخَا الْبُخَارِيّ مِنْ أَوَّل هَذَا الْإِسْنَاد مِنْ رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ , وَابْتِدَاء الْإِسْنَاد \" حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن آدَم \" وَثَبَتَا عِنْد غَيْره وَهُوَ الصَّوَاب , وَلَمْ يُدْرِك الْبُخَارِيّ يَحْيَى بْن آدَم لِأَنَّهُ مَاتَ فِي رَبِيع الْأَوَّل سَنَة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ بِالْكُوفَةِ , وَالْبُخَارِيّ يَوْمئِذٍ بِبُخَارَى وَلَمْ يَرْحَل مِنْهَا وَعُمْره يَوْمئِذٍ تِسْع سِنِينَ , وَإِنَّمَا رَحَلَ بَعْد ذَلِكَ بِمُدَّةٍ كَمَا بَيَّنْته فِي تَرْجَمَته فِي الْمُقَدَّمَة. ‏ ‏( تَنْبِيه آخَر ) ‏ ‏: كَانَ قُدُوم أَبِي مُوسَى عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد فَتْح خَيْبَر لَمَّا قَدِمَ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب , وَقِيلَ إِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ بِمَكَّة قَبْل الْهِجْرَة ثُمَّ كَانَ مِمَّنْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَة الْهِجْرَة الْأُولَى , ثُمَّ قَدِمَ الثَّانِيَة صُحْبَة جَعْفَر. وَالصَّحِيح أَنَّهُ خَرَجَ طَالِبًا الْمَدِينَة فِي سَفِينَة فَأَلْقَتْهُمْ الرِّيح إِلَى الْحَبَشَة , فَاجْتَمَعُوا هُنَاكَ بِجَعْفَرٍ ثُمَّ قَدِمُوا صُحْبَته. وَعَلَى هَذَا فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ هُنَا لِيَجْمَع مَا وَقَعَ عَلَى شَرْطه مِنْ الْبُعُوث وَالسَّرَايَا وَالْوُفُود وَلَوْ تَبَايَنَتْ تَوَارِيخهمْ , وَمِنْ ثَمَّ ذَكَرَ غَزْوَة سَيْف الْبَحْر مَعَ أَبِي عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح وَكَانَتْ قَبْل فَتْح مَكَّة بِمُدَّةٍ. وَكُنْت أَظُنّ أَنَّ قَوْله : \" وَأَهْل الْيَمَن \" بَعْد الْأَشْعَرِيِّينَ مِنْ عَطْف الْعَامّ عَلَى الْخَاصّ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ لِهَذَا الْعَامّ خُصُوصًا أَيْضًا , وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِمْ بَعْض أَهْل الْيَمَن وَهُمْ وَفْد حِمْيَر , فَوَجَدْت فِي \" كِتَاب الصَّحَابَة لِابْنِ شَاهِين \" مِنْ طَرِيق إِيَاس بْن عُمَيْر الْحِمْيَرِيّ أَنَّهُ \" قَدِمَ وَافِدًا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَر مِنْ حِمْيَر فَقَالُوا : أَتَيْنَاك لِنَتَفَقَّه فِي الدِّين \" الْحَدِيث , وَقَدْ ذَكَرْت فَوَائِده فِي أَوَّل بَدْء الْخَلْق , وَحَاصِله : التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة عَلَى طَائِفَتَيْنِ , وَلَيْسَ الْمُرَاد اِجْتِمَاعهمَا فِي الْوِفَادَة , فَإِنَّ قُدُوم الْأَشْعَرِيِّينَ كَانَ مَعَ أَبِي مُوسَى فِي سَنَة سَبْع عِنْد فَتْح خَيْبَر , وَقُدُوم وَفْد حِمْيَر فِي سَنَة تِسْع وَهِيَ سَنَة الْوُفُود , وَلِأَجْلِ هَذَا اِجْتَمَعُوا مَعَ بَنِي تَمِيم. وَقَدْ عَقَدَ مُحَمَّد بْن سَعْد فِي التَّرْجَمَة النَّبَوِيَّة مِنْ الطَّبَقَات لِلْوُفُودِ بَابًا وَذَكَرَ فِيهِ الْقَبَائِل مِنْ مُضَر ثُمَّ مِنْ رَبِيعَة ثُمَّ مِنْ الْيَمَن وَكَادَ يَسْتَوْعِب ذَلِكَ بِتَلْخِيصٍ حَسَن. وَكَلَامه أَجْمَع مَا يُوجَد فِي ذَلِكَ وَمَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ وَفْد حِمْيَر لَمْ يَقَع لَهُ قِصَّة نَافِع بْن زَيْد الَّتِي ذَكَرْتهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4034",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ السَّلَامِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَهْدَمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏أَكْرَمَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ ‏ ‏جَرْمٍ ‏ ‏وَإِنَّا لَجُلُوسٌ عِنْدَهُ وَهُوَ يَتَغَدَّى دَجَاجًا وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ جَالِسٌ فَدَعَاهُ إِلَى الْغَدَاءِ فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ فَقَالَ هَلُمَّ فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْكُلُهُ فَقَالَ إِنِّي حَلَفْتُ لَا آكُلُهُ فَقَالَ هَلُمَّ أُخْبِرْكَ عَنْ يَمِينِكَ إِنَّا أَتَيْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَفَرٌ مِنْ ‏ ‏الْأَشْعَرِيِّينَ ‏ ‏فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَأَبَى أَنْ يَحْمِلَنَا فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ أُتِيَ ‏ ‏بِنَهْبِ ‏ ‏إِبِلٍ فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ‏ ‏ذَوْدٍ ‏ ‏فَلَمَّا قَبَضْنَاهَا قُلْنَا تَغَفَّلْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَدًا فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا وَقَدْ حَمَلْتَنَا قَالَ أَجَلْ وَلَكِنْ ‏ ‏لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد السَّلَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَرْب. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زَهْدَمٍ ) ‏ ‏بِزَايٍ وَزْن جَعْفَر وَهُوَ اِبْن مُضَرِّبٍ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة وَكَسْر الرَّاء. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا قَدِمَ أَبُو مُوسَى ) ‏ ‏أَيْ إِلَى الْكُوفَة أَمِيرًا عَلَيْهَا فِي زَمَن عُثْمَان , وَوَهَمَ مَنْ قَالَ : أَرَادَ قَدِمَ الْيَمَن لِأَنَّ زَهْدَمًا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الْيَمَن. ‏ ‏قَوْله : ( أَكْرَم هَذَا الْحَيّ مِنْ جَرْم ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الرَّاء : قَبِيلَة شَهِيرَة يُنْسَبُونَ إِلَى جَرْم بْن رَبَّانَ بِرَاءٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة ثَقِيلَة اِبْن ثَعْلَبَة حُلْوَان بْن عِمْرَان بْن الْحَافّ بْن قُضَاعَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَذِرْتُهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَطْعِمَة , وَعَلَى بَاقِي الْحَدِيث فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور إِنْ شَاءَ تَعَالَى. وَكَانَ الْوَقْت الَّذِي طَلَبَ فِيهِ الْأَشْعَرِيُّونَ الْحُمْلَان مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد إِرَادَة غَزْوَة تَبُوك. ‏"
    },
    {
        "id": "4035",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَخْرَةَ جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَتْ ‏ ‏بَنُو تَمِيمٍ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبْشِرُوا يَا ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏قَالُوا أَمَّا إِذْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْيَمَنِ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا ‏ ‏بَنُو تَمِيمٍ ‏ ‏قَالُوا قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عِمْرَان , أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي بَدْء الْخَلْق , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : \" فَجَاءَ نَاس مِنْ أَهْل الْيَمَن فَقَالَ اِقْبَلُوا الْبُشْرَى \" وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ قُدُوم وَفْد بَنِي تَمِيم كَانَ سَنَة تِسْع وَقُدُوم الْأَشْعَرِيِّينَ كَانَ قَبْل ذَلِكَ عَقِب فَتْح خَيْبَر سَنَة سَبْع , وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون طَائِفَة مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ قَدِمُوا بَعْد ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4036",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْإِيمَانُ هَا هُنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي ‏ ‏الْفَدَّادِينَ ‏ ‏عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ ‏ ‏رَبِيعَةَ ‏ ‏وَمُضَرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مَسْعُود ‏ ‏( الْإِيمَان هَاهُنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْيَمَن ) ‏ ‏أَيْ إِلَى جِهَة الْيَمَن ; وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَهْل الْبَلَد لَا مَنْ يُنْسَب إِلَى الْيَمَن وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْر أَهْلهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4037",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ذَكْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَاكُمْ ‏ ‏أَهْلُ الْيَمَنِ ‏ ‏هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الْإِبِلِ وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ذَكْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش وَذَكْوَانُ هُوَ اِبْن صَالِح. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة إِلَخْ ) ‏ ‏أَوْرَدَهُ لِوُقُوعِ التَّصْرِيح بِقَوْلِ الْأَعْمَش : \" سَمِعْت ذَكْوَانَ \" وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر غُنْدَر بِهَذَا الْإِسْنَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "4038",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْغَيْثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْفِتْنَةُ هَا هُنَا هَا هُنَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَأَخُوهُ هُوَ أَبُو بَكْر عَبْد الْحَمِيد , وَسُلَيْمَان هُوَ اِبْن بِلَال , وَثَوْر بْن زَيْد هُوَ الْمَدَنِيّ , وَأَمَّا ثَوْر بْن يَزِيد الشَّامِيّ فَأَبُوهُ بِزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّة مَفْتُوحَة فِي أَوَّله , وَأَبُو الْغَيْث اِسْمه سَالِم. ‏ ‏قَوْله : ( الْإِيمَان يَمَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْرَج الَّتِي بَعْدهَا \" الْفِقْه يَمَان \" وَفِيهَا وَفِي رِوَايَة ذَكْوَانَ \" وَالْحِكْمَة يَمَانِيَّة \" وَفِي أَوَّلهَا وَأَوَّل رِوَايَة ذَكْوَانَ \" أَتَاكُمْ أَهْل الْيَمَن \" وَهُوَ خِطَاب لِلصَّحَابَةِ الَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ , وَفِي حَدِيث أَبِي مَسْعُود \" وَالْجَفَاء وَغِلَظ الْقُلُوب فِي الْفَدَّادِينَ إِلَخْ \" وَفِي رِوَايَة ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء فِي أَصْحَاب الْإِبِل \" وَزَادَ فِيهَا \" وَالسَّكِينَة وَالْوَقَار فِي أَهْل الْغَنَم \" ‏ ‏وَزَادَ فِي رِوَايَة أَبِي الْغَيْث \" وَالْفِتْنَة هُنَا حَيْثُ يَطْلُع قَرْن الشَّيْطَان \" وَهَذَا هُوَ الْحَدِيث السَّادِس , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَتَقَدَّمَ شَرْح سَائِر ذَلِكَ فِي أَوَّل الْمَنَاقِب وَفِي بَدْء الْخَلْق , وَأَشَرْت هُنَاكَ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا \" أَتَاكُمْ أَهْل الْيَمَن \" تَرُدّ قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" الْإِيمَان يَمَان \" الْأَنْصَار وَغَيْر ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن الصَّلَاح قَوْل أَبِي عُبَيْد وَغَيْره : إِنَّ مَعْنَى قَوْله : \" الْإِيمَان يَمَان \" أَنَّ مَبْدَأ الْإِيمَان مِنْ مَكَّة لِأَنَّ مَكَّة مِنْ تِهَامَة وَتِهَامَة مِنْ الْيَمَن , وَقِيلَ : الْمُرَاد مَكَّة وَالْمَدِينَة , لِأَنَّ هَذَا الْكَلَام صَدَرَ وَهُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَبُوك , فَتَكُون الْمَدِينَة حِينَئِذٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَحَلّ الَّذِي هُوَ فِيهِ يَمَانِيَّة , وَالثَّالِث وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ الْأَنْصَار لِأَنَّهُمْ يَمَانِيُّونَ فِي الْأَصْل فَنَسَبَ الْإِيمَان إِلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ أَنْصَاره. وَقَالَ اِبْن الصَّلَاح : وَلَوْ تَأَمَّلُوا أَلْفَاظ الْحَدِيث لَمَا اِحْتَاجُوا إِلَى هَذَا التَّأْوِيل , لِأَنَّ قَوْله \" أَتَاكُمْ أَهْل الْيَمَن \" خِطَاب لِلنَّاسِ وَمِنْهُمْ الْأَنْصَار , فَيَتَعَيَّن أَنَّ الَّذِينَ جَاءُوا غَيْرهمْ , قَالَ : وَمَعْنَى الْحَدِيث وَصْف الَّذِينَ جَاءُوا بِقُوَّةِ الْإِيمَان وَكَمَاله وَلَا مَفْهُوم لَهُ , قَالَ : ثُمَّ الْمُرَاد الْمَوْجُودُونَ حِينَئِذٍ مِنْهُمْ لَا كُلّ أَهْل الْيَمَن فِي كُلّ زَمَان اِنْتَهَى. وَلَا مَانِع أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" الْإِيمَان يَمَان \" مَا هُوَ أَعَمّ مِمَّا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْد وَمَا ذَكَرَهُ اِبْن الصَّلَاح , وَحَاصِله أَنَّ قَوْله \" يَمَان \" يَشْمَل مَنْ يُنْسَب إِلَى الْيَمَن بِالسُّكْنَى وَبِالْقَبِيلَةِ , لَكِنْ كَوْن الْمُرَاد بِهِ مَنْ يُنْسَب بِالسُّكْنَى أَظْهَر. بَلْ هُوَ الْمُشَاهَد فِي كُلّ عَصْر مِنْ أَحْوَال سُكَّان جِهَة الْيَمَن وَجِهَة الشَّمَال , فَغَالِب مَنْ يُوجَد مِنْ جِهَة الْيَمَن رِقَاق الْقُلُوب وَالْأَبْدَان , وَغَالِب مَنْ يُوجَد مِنْ جِهَة الشَّمَال غِلَاظ الْقُلُوب وَالْأَبْدَان , وَقَدْ قَسَمَ فِي حَدِيث أَبِي مَسْعُود أَهْل الْجِهَات الثَّلَاثَة : الْيَمَن وَالشَّام وَالْمَشْرِق , وَلَمْ يَتَعَرَّض لِلْمَغْرِبِ فِي هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي حَدِيث آخَر , فَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ وَلَمْ يَذْكُرهُ الرَّاوِي إِمَّا لِنِسْيَانٍ أَوْ غَيْره , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيّ هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي الْأَشْعَرِيِّينَ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْيَمَن قَطْعًا , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" بَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ إِذْ قَالَ : اللَّه أَكْبَر , إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالْفَتْح , وَجَاءَ أَهْل الْيَمَن نَقِيَّة قُلُوبهمْ , حَسَنَة طَاعَتهمْ. الْإِيمَان يَمَان وَالْفِقْه يَمَان وَالْحِكْمَة يَمَانِيَّة \" أَخْرَجَهُ الْبَزَّار. وَعَنْ جُبَيْر بْن مُطْعِم عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" يَطْلُع عَلَيْكُمْ أَهْل الْيَمَن كَأَنَّهُمْ السَّحَاب , هُمْ خَيْر أَهْل الْأَرْض \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ , وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن عَبَسَةَ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعُيَيْنَةَ بْن حِصْن : أَيّ الرِّجَال خَيْر ؟ قَالَ رِجَال أَهْل نَجْد , قَالَ : كَذَبْت بَلْ هُمْ أَهْل الْيَمَن , الْإِيمَان يَمَان \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيث مُعَاذ بْن جَبَل , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْله \" هُمْ أَرَقّ أَفْئِدَة وَأَلْيَن قُلُوبًا \" أَيْ لِأَنَّ الْفُؤَاد غِشَاء الْقَلْب , فَإِذَا رَقَّ نَفَذَ الْقَوْل وَخَلَصَ إِلَى مَا وَرَاءَهُ ; وَإِذَا غَلُظَ بَعُدَ وُصُوله إِلَى دَاخِل , وَإِذَا كَانَ الْقَلْب لَيِّنًا عَلِقَ كُلّ مَا يُصَادِفهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4039",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَاكُمْ ‏ ‏أَهْلُ الْيَمَنِ ‏ ‏أَضْعَفُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً الْفِقْهُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4040",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا جُلُوسًا مَعَ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏فَجَاءَ ‏ ‏خَبَّابٌ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَيَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ الشَّبَابُ أَنْ يَقْرَءُوا كَمَا تَقْرَأُ قَالَ أَمَا إِنَّكَ لَوْ شِئْتَ أَمَرْتُ بَعْضَهُمْ يَقْرَأُ عَلَيْكَ قَالَ أَجَلْ قَالَ اقْرَأْ يَا ‏ ‏عَلْقَمَةُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏زَيْدُ بْنُ حُدَيْرٍ ‏ ‏أَخُو ‏ ‏زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ ‏ ‏أَتَأْمُرُ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏أَنْ يَقْرَأَ وَلَيْسَ بِأَقْرَئِنَا قَالَ أَمَا إِنَّكَ إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي قَوْمِكَ وَقَوْمِهِ فَقَرَأْتُ خَمْسِينَ آيَةً مِنْ سُورَةِ ‏ ‏مَرْيَمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏كَيْفَ تَرَى قَالَ قَدْ أَحْسَنَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏مَا أَقْرَأُ شَيْئًا إِلَّا وَهُوَ يَقْرَؤُهُ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى ‏ ‏خَبَّابٍ ‏ ‏وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ أَلَمْ يَأْنِ لِهَذَا الْخَاتَمِ أَنْ يُلْقَى قَالَ أَمَا إِنَّكَ لَنْ تَرَاهُ عَلَيَّ بَعْدَ الْيَوْمِ فَأَلْقَاهُ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ خَبَّابٌ ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَتَيْنِ الْأَوَّل ثَقِيلَة , وَهُوَ اِبْن الْأَرَتّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور. ‏ ‏قَوْله : ( يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ كُنْيَة اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَرْت بَعْضهمْ فَيَقْرَأ عَلَيْك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَقَرَأَ \" بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمَاضِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ زَيْد بْن حُدَيْرٍ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ مُصَغَّر أَخُو زِيَاد بْن حُدَيْرٍ , وَزِيَاد مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ أَدْرَكَ عُمَر وَلَهُ رِوَايَة فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَنَزَلَ الْكُوفَة وَوَلِيَ إِمْرَتهَا مَرَّة , وَهُوَ أَسَدِيّ مِنْ بَنِي أَسَد بْن خُزَيْمَةَ بْن مُدْرِكَة بْن إِلْيَاس بْن مُضَر , وَأَمَّا أَخُوهُ زَيْد فَلَا أَعْرِف لَهُ رِوَايَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَا ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ الْمِيم ‏ ‏( إِنْ شِئْت أَخْبَرْتُك بِمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمك وَفِي قَوْمه ) ‏ ‏كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى ثَنَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّخَع لِأَنَّ عَلْقَمَة نَخَعِيٌّ , وَإِلَى ذَمّ بَنِي أَسَد وَزِيَاد بْن حُدَيْرٍ أَسَدِيٌّ , فَأَمَّا ثَنَاؤُهُ عَلَى النَّخَع فَفِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْبَزَّار بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : \" شَهِدْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو لِهَذَا الْحَيّ مِنْ النَّخَع أَوْ يُثْنِي عَلَيْهِمْ , حَتَّى تَمَنَّيْت أَنِّي رَجُل مِنْهُمْ \" وَأَمَّا ذَمّه لِبَنِي أَسَد فَتَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْره \" إِنَّ جُهَيْنَة وَغَيْرهَا خَيْر مِنْ بَنِي أَسَد وَغَطَفَانَ \" وَأَمَّا النَّخَعِيُّ فَمَنْسُوب إِلَى النَّخَع قَبِيلَة مَشْهُورَةٌ مِنْ الْيَمَن , وَاسْم النَّخَع حَبِيب بْن عَمْرو بْن عُلَةَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف اللَّام اِبْن جَلْد بْن مَالِك بْن أَدَد بْن زَيْد , وَقِيلَ لَهُ النَّخَع لِأَنَّهُ نَخَعَ عَنْ قَوْمه أَيْ بَعُدَ. وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" لَتَسْكُتَنَّ أَوْ لَأُحَدِّثَنَّكَ بِمَا قِيلَ فِي قَوْمك وَقَوْمه \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَرَأْت خَمْسِينَ آيَة مِنْ سُورَة مَرْيَم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" فَقَالَ عَبْد اللَّه رَتِّلْ فِدَاك أَبِي وَأُمِّي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد اللَّه كَيْف تَرَى ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَخَاطَبَ عَبْد اللَّه بِذَلِكَ خَبَّابًا لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَأَلَهُ أَوَّلًا , وَهُوَ الَّذِي قَالَ : قَدْ أَحْسَنَ , وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ يَعْلَى عَنْ الْأَعْمَش فَفِيهِ \" قَالَ خَبَّابٌ أَحْسَنْت \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَقْرَأ شَيْئًا إِلَّا وَهُوَ يَقْرَأهُ ) ‏ ‏يَعْنِي عَلْقَمَة , وَهِيَ مَنْقَبَة عَظِيمَة لِعَلْقَمَةَ حَيْثُ شَهِدَ لَهُ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ مِثْله فِي الْقِرَاءَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَى خَبَّابٍ وَعَلَيْهِ خَاتَم مِنْ ذَهَب فَقَالَ : أَلَمْ يَأْنِ لِهَذَا الْخَاتَم أَنْ يُلْقَى ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْقَاف أَيْ يُرْمَى بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة ) ‏ ‏أَيْ عَنْ الْأَعْمَش بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ وَصَلَهَا أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن حَنْبَل \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر \" وَهُوَ غُنْدَر بِإِسْنَادِهِ هَذَا وَكَأَنَّهُ فِي الزُّهْد لِأَحْمَد إِلَّا فَلَمْ أَرَهُ فِي مُسْنَد أَحْمَد إِلَّا مِنْ طَرِيق يَعْلَى بْن عُبَيْد عَنْ الْأَعْمَش , وَوَهَمَ بَعْض مَنْ لَقِينَاهُ فَزَعَمَ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيق مُعَادٌ فِي بَعْض النُّسَخ وَأَنَّ مَحَلّه عَقِب حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنْ لَا إِعَادَة وَأَنَّهُ فِي جَمِيع النُّسَخ , وَأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة صَوَاب , وَأَنَّ الْمُرَاد فِي الْمَوْضِع الثَّانِي أَنَّ شُعْبَة رَوَاهُ عَنْ الْأَعْمَش بِالْإِسْنَادِ الَّذِي وَصَلَهُ بِهِ مِنْ طَرِيق أَبِي حَمْزَة عَنْ الْأَعْمَش , وَقَدْ أَثْبَتَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي مُسْتَخْرَجه رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة فَقَالَ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن شِهَاب عَنْ الْأَعْمَش بِالْإِسْنَادِ الَّذِي وَصَلَهُ بِهِ \" رَوَاهُ جَمَاعَة عَنْ الْأَعْمَش , وَرَوَاهُ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة \" وَفِي الْحَدِيث مَنْقَبَة لِابْنِ مَسْعُود وَحُسْن تَأَنِّيه فِي الْمَوْعِظَة وَالتَّعْلِيم , وَأَنَّ بَعْض الصَّحَابَة كَانَ يَخْفَى عَلَيْهِ بَعْض الْأَحْكَام فَإِذَا نُبِّهَ عَلَيْهَا رَجَعَ , وَلَعَلَّ خَبَّابًا كَانَ يَعْتَقِد أَنَّ النَّهْي عَنْ لُبْس الرِّجَال خَاتَم الذَّهَب لِلتَّنْزِيهِ , فَنَبَّهَهُ اِبْن مَسْعُود عَلَى تَحْرِيمه , فَرَجَعَ إِلَيْهِ مُسْرِعًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4041",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ ذَكْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّ ‏ ‏دَوْسًا ‏ ‏قَدْ هَلَكَتْ عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ اهْدِ ‏ ‏دَوْسًا ‏ ‏وَأْتِ بِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن ذَكْوَانَ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه أَبُو الزِّنَاد. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ اِهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهِمْ ) ‏ ‏وَقَعَ مِصْدَاق ذَلِكَ , فَذَكَرَ اِبْن الْكَلْبِيّ أَنَّ حَبِيب بْن عَمْرو بْن حَثْمَة الدَّوْسِيَّ كَانَ حَاكِمًا عَلَى دَوْس , وَكَذَا كَانَ أَبُوهُ مِنْ قَبْله , وَعَمَّرَ ثَلَاثمِائَةِ سَنَة , وَكَانَ حَبِيب يَقُول : إِنِّي لَأَعْلَم أَنَّ لِلْخَلْقِ خَالِقًا لَكِنِّي لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ , فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ خَمْسَة وَسَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ قَوْمه فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمُوا. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ الطُّفَيْل بْن عَمْرو لِيُحْرِق صَنَم عَمْرو بْن حَثْمَة الَّذِي كَانَ يُقَال لَهُ ذُو الْكَفِينِ بِفَتْحِ الْكَاف وَكَسْر الْفَاء , فَأَحْرَقَهُ. وَذَكَرَ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّ الطُّفَيْل بْن عَمْرو اُسْتُشْهِدَ بَأَجْنَادِينَ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر , وَكَذَا قَالَ أَبُو الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة , وَجَزَمَ اِبْن سَعْد بِأَنَّهُ اُسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ , وَقِيلَ بِالْيَرْمُوكِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4042",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ ‏ ‏يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا ‏ ‏عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ ‏ ‏نَجَّتِ ‏ ‏وَأَبَقَ غُلَامٌ لِي فِي الطَّرِيقِ فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَايَعْتُهُ فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏هَذَا غُلَامُكَ فَقُلْتُ هُوَ لِوَجْهِ اللَّهِ فَأَعْتَقْتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد ‏ ‏( عَنْ قَيْس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا قَدِمْت ) ‏ ‏أَيْ أَرَدْت الْقُدُوم. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت فِي الطَّرِيق ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْعِتْق , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة : \" وَأَبَقَ غُلَام لِي \" لَا يُغَايِر قَوْله فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة فِي الْعِتْق \" فَأَضَلَّ أَحَدهمَا صَاحِبه \" لِأَنَّ رِوَايَة أَبَقَ فَسَرَّتْ وَجْه الْإِضْلَال , وَأَنَّ الَّذِي أَضَلَّ هُوَ أَبُو هُرَيْرَة , بِخِلَافِ غُلَامه فَإِنَّهُ أَبَقَ أَبُو هُرَيْرَة مَكَانه لِهَرَبِهِ , فَلِذَلِكَ أَطْلَقَ أَنَّهُ أَضَلَّهُ , فَلَا يُلْتَفَت إِلَى إِنْكَار اِبْن التِّين أَنَّهُ أَبَقَ , وَأَمَّا كَوْنه عَادَ فَحَضَرَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُنَافِيه أَيْضًا لِأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ رَحِمَ عَنْ الْإِبَاق وَعَادَ إِلَى سَيِّده بِبَرَكَةِ الْإِسْلَام , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَطْلَقَ أَبَقَ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَضَلَّ الطَّرِيق فَلَا تَتَنَافَى الرِّوَايَتَانِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4043",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْنَا ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فِي وَفْدٍ فَجَعَلَ يَدْعُو رَجُلًا رَجُلًا وَيُسَمِّيهِمْ فَقُلْتُ أَمَا تَعْرِفُنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ بَلَى ‏ ‏أَسْلَمْتَ إِذْ كَفَرُوا وَأَقْبَلْتَ إِذْ أَدْبَرُوا وَوَفَيْتَ إِذْ غَدَرُوا وَعَرَفْتَ إِذْ أَنْكَرُوا فَقَالَ ‏ ‏عَدِيٌّ ‏ ‏فَلَا أُبَالِي إِذًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَيْر , وَعَمْرو بْن حُرَيْثٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّر هُوَ الْمَخْزُومِيّ صَحَابِيّ صَغِير , وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ الصَّحَابَة فِي نَسَق. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَيْت عُمَر ) ‏ ‏أَيْ فِي خِلَافَته. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلَ يَدْعُو رَجُلًا رَجُلًا يُسَمِّيهِمْ ) ‏ ‏أَيْ قَبْل أَنْ يَدْعُوهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( بَلْ أَسْلَمْت إِذْ كَفَرُوا إِلَخْ ) ‏ ‏يُشِير بِذَلِكَ إِلَى وَفَاء عَدِيّ بِالْإِسْلَامِ وَالصَّدَقَة بَعْد مَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّهُ مَنَعَ مَنْ أَطَاعَهُ مِنْ الرِّدَّة , وَذَلِكَ مَشْهُور عِنْد أَهْل الْعِلْم بِالْفُتُوحِ ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عَدِيّ : فَلَا أُبَالِي إِذًا ) ‏ ‏أَيْ إِذَا كُنْت تَعْرِف قَدْرِي فَلَا أُبَالِي إِذَا قَدِمْت عَلَى غَيْرِي , وَفِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" لِلْبُخَارِيِّ \" أَنَّ عُمَر قَالَ لِعَدِيٍّ : حَيَّاك اللَّه مِنْ مَعْرِفَة \" وَرَوَى أَحْمَد فِي سَبَب إِسْلَام عَدِيّ أَنَّهُ قَالَ \" لَمَّا بُعِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهْته , فَانْطَلَقْت إِلَى أَقْصَى الْأَرْض مِمَّا يَلِي الرُّوم , ثُمَّ كَرِهْت مَكَانِي فَقُلْت : لَوْ أَتَيْته , فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ , فَأَتَيْته فَقَالَ : أَسْلِمْ تَسْلَم. فَقُلْت : إِنَّ لِي دِينًا \" وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَذَكَرَ إِسْلَامه. وَذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن إِسْحَاق مُطَوَّلًا , وَفِيهِ أَنَّ خَيْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابَتْ أُخْت عَدِيّ وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَّ عَلَيْهَا فَأَطْلَقَهَا بَعْد أَنْ اِسْتَعْطَفَتْهُ بِإِشَارَةِ عَلِيّ عَلَيْهَا فَقَالَتْ لَهُ : هَلَكَ الْوَالِد وَغَابَ الْوَافِد , فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّه عَلَيْك. فَقَالَ وَمَنْ وَافِدك ؟ قَالَتْ عَدِيّ بْن حَاتِم , قَالَ : الْفَارّ مِنْ اللَّه وَرَسُوله ؟ فَلَمَّا قَدِمَتْ بِنْت حَاتِم عَلَى عَدِيّ أَشَارَتْ عَلَيْهِ بِالْقُدُومِ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَدِمَ وَأَسْلَمَ وَرَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم قَالَ : \" أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِد فَقَالَ : هَذَا عَدِيّ بْن حَاتِم , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل ذَلِكَ يَقُول : إِنِّي لَأَرْجُو اللَّه أَنْ يَجْعَل يَده فِي يَدِي \". ‏"
    },
    {
        "id": "4044",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَقَدِمْتُ مَعَهُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَلَا بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏فَشَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏فَاعْتَمَرْتُ فَقَالَ هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ قَالَتْ فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَبَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي بَاب التَّمَتُّع وَالْقِرَان مِنْ كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4045",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏إِذَا طَافَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فَقَدْ حَلَّ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ قَالَ هَذَا ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ‏ { ‏ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏الْعَتِيقِ ‏} ‏وَمِنْ ‏ ‏أَمْرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَصْحَابَهُ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قُلْتُ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ ‏ ‏الْمُعَرَّفِ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَرَاهُ قَبْلُ وَبَعْدُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ فَقُلْت : مِنْ أَيْنَ قَالَ هَذَا اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ اِبْن جُرَيْجٍ وَالْمَقُول لَهُ عَطَاء , وَذَلِكَ صَرِيح فِي رِوَايَة مُسْلِم , وَالْمُرَاد بِالْمُعَرَّفِ وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الرَّاء الْوُقُوف بِعَرَفَة وَهُوَ ظَاهِر فِي أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ مَنْ اِعْتَمَرَ مُطْلَقًا سَوَاء كَانَ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا , وَهُوَ مَذْهَب مَشْهُور لِابْنِ عَبَّاس , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي أَبْوَاب الطَّوَاف فِي \" بَاب مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ إِذَا قَدِمَ \" مِنْ كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4046",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏بَيَانٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏طَارِقًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْبَطْحَاءِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَحَجَجْتَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ كَيْفَ أَهْلَلْتَ قُلْتُ لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ طُفْ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَبِالصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏ثُمَّ حِلَّ فَطُفْتُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَبِالصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏وَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏فَفَلَتْ رَأْسِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا بَيَان ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَتَخْفِيف التَّحْتَانِيَّة هُوَ اِبْن عَمْرو الْبُخَارِيّ , وَالنَّضْر هُوَ اِبْن شُمَيْلٍ , وَقَيْس هُوَ اِبْن مُسْلِم , وَطَارِق هُوَ اِبْن شِهَاب. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْمَتْن فِي \" بَاب مَنْ أَهَلَّ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَإِهْلَالِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4047",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَرَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يَحْلِلْنَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏فَمَا يَمْنَعُكَ فَقَالَ ‏ ‏لَبَّدْتُ ‏ ‏رَأْسِي ‏ ‏وَقَلَّدْتُ ‏ ‏هَدْيِي فَلَسْتُ أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ هَدْيِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث حَفْصَة وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب التَّمَتُّع وَالْقِرَان \". ‏"
    },
    {
        "id": "4048",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً مِنْ ‏ ‏خَثْعَمَ ‏ ‏اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ‏ ‏وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَدِيفُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَهَلْ يَقْضِي أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ اِمْرَأَة مِنْ خَثْعَم اِسْتَفْتَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِجَّة الْوَدَاع \" الْحَدِيث فِي أَمْرهَا بِالْحَجِّ عَنْ أَبِيهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْحَجّ , وَفِيهِ الْكَلَام عَلَى اِسْمهَا وَاسْم أَبِيهَا. وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِتَصْرِيحِ الرَّاوِي بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حِجَّة الْوَدَاع , وَقَوْله فِي أَوَّل الْإِسْنَاد : وَقَالَ مُحَمَّد بْن يُوسُف هُوَ الْفِرْيَابِيُّ وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع هَذَا الْحَدِيث مِنْهُ , وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيقه , وَسَاقَ الْمُصَنِّف الْحَدِيث هُنَا عَلَى لَفْظه , وَأَمَّا لَفْظ شُعَيْب فَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان , وَهُوَ أَتَمّ سِيَاقًا مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4049",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقْبَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ مُرْدِفٌ ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏عَلَى الْقَصْوَاءِ وَمَعَهُ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ ‏ ‏حَتَّى أَنَاخَ عِنْدَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لِعُثْمَانَ ‏ ‏ائْتِنَا بِالْمِفْتَاحِ فَجَاءَهُ بِالْمِفْتَاحِ فَفَتَحَ لَهُ الْبَابَ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأُسَامَةُ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏وَعُثْمَانُ ‏ ‏ثُمَّ أَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَمَكَثَ نَهَارًا طَوِيلًا ثُمَّ خَرَجَ وَابْتَدَرَ النَّاسُ الدُّخُولَ فَسَبَقْتُهُمْ فَوَجَدْتُ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏قَائِمًا مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ فَقُلْتُ لَهُ أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ صَلَّى بَيْنَ ذَيْنِكَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ وَكَانَ ‏ ‏الْبَيْتُ ‏ ‏عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ سَطْرَيْنِ صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ مِنْ السَّطْرِ الْمُقَدَّمِ وَجَعَلَ بَابَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏خَلْفَ ظَهْرِهِ وَاسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُكَ حِينَ تَلِجُ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ قَالَ وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى وَعِنْدَ الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ ‏ ‏مَرْمَرَةٌ ‏ ‏حَمْرَاءُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي دُخُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَعْبَة , تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب إِغْلَاق الْبَيْت \" مِنْ أَبْوَاب الطَّوَاف فِي كِتَاب الْحَجّ , وَقَوْله فِي أَوَّل الْإِسْنَاد \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد \" هُوَ اِبْن رَافِع كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَجّ , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ , وَقَوْله \" سَطْرَيْنِ \" بِالْمُهْمَلَةِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ بِالْمُعْجَمَةِ وَخَطَّأَهُ عِيَاض , وَقَوْله : \" عِنْد الْمَكَان الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَرْمَرَة \" بِسُكُونِ الرَّاء وَالْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْمِيمَيْنِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ وَاحِدَة الْمَرْمَر , وَهُوَ جِنْس مِنْ الرُّخَام نَفِيس مَعْرُوف , وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ غَيَّرَ بِنَاء الْكَعْبَة بَعْده فِي زَمَن اِبْن الزُّبَيْر كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي كِتَاب الْحَجّ. وَقَدْ أَشْكَلَ دُخُول هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب حِجَّة الْوَدَاع \" لِأَنَّ فِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّ الْقِصَّة كَانَتْ عَام الْفَتْح , وَعَام الْفَتْح كَانَ سَنَة ثَمَان وَحِجَّة الْوَدَاع كَانَتْ سَنَة عَشْر , وَفِي أَحَادِيث هَذَا الْبَاب جَمِيعهَا التَّصْرِيح بِحَجَّةِ الْوَدَاع وَبِحَجَّةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حِجَّة الْوَدَاع. ‏"
    },
    {
        "id": "4050",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحَابِسَتُنَا هِيَ فَقُلْتُ إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَطَافَتْ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلْتَنْفِرْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة صَفِيَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب إِذَا حَاضَتْ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ \" مِنْ كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4051",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَتَحَدَّثُ بِحَجَّةِ الْوَدَاعِ وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَلَا نَدْرِي مَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ ‏ ‏الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ‏ ‏فَأَطْنَبَ فِي ذِكْرِهِ وَقَالَ ‏ ‏مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ أَنْذَرَهُ ‏ ‏نُوحٌ ‏ ‏وَالنَّبِيُّونَ مِنْ بَعْدِهِ وَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِيكُمْ فَمَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ شَأْنِهِ فَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عَلَى مَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ ثَلَاثًا إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَإِنَّهُ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ أَلَا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ قَالُوا نَعَمْ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثًا وَيْلَكُمْ أَوْ وَيْحَكُمْ انْظُرُوا لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عُمَر بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا نَتَحَدَّث بِحَجَّةِ الْوَدَاع وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَظْهُرنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَاصِم عَنْ عُمَر بْن مُحَمَّد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" كُنَّا نَسْمَع بِحَجَّةِ الْوَدَاع \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا نَدْرِي مَا حِجَّة الْوَدَاع ) ‏ ‏كَأَنَّهُ شَيْء ذَكَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَحَدَّثُوا بِهِ وَمَا فَهِمُوا أَنَّ الْمُرَاد بِالْوَدَاعِ وَدَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حَتَّى وَقَعَتْ وَفَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدهَا بِقَلِيلٍ فَعَرَفُوا الْمُرَاد , وَعَرَفُوا أَنَّهُ وَدَّعَ النَّاس بِالْوَصِيَّةِ الَّتِي أَوْصَاهُمْ بِهَا أَنْ لَا يَرْجِعُوا بَعْده كُفَّارًا , وَأَكَّدَ التَّوْدِيع بِإِشْهَادِ اللَّه عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ شَهِدُوا أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ بِهِ , فَعَرَفُوا حِينَئِذٍ الْمُرَاد بِقَوْلِهِمْ حِجَّة الْوَدَاع. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْحَجّ فِي \" بَاب الْخُطْبَة بِمِنًى \" مِنْ رِوَايَة عَاصِم بْن مُحَمَّد بْن زَيْد عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَوَدَّعَ النَّاس \" وَقَدَّمْت هُنَاكَ مَا وَقَعَ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ سُورَة ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) نَزَلَتْ فِي وَسَط أَيَّام التَّشْرِيق , فَعَرَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ الْوَدَاع , فَرَكِبَ وَاجْتَمَعَ النَّاس فَذَكَرَ الْخُطْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" فَحَمِدَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّه وَحْده وَأَثْنَى عَلَيْهِ \" الْحَدِيث , وَذَكَر فِيهِ قِصَّة الدَّجَّال وَفِيهِ \" أَلَا إِنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْخُطْبَة كُلّهَا كَانَتْ فِي حِجَّة الْوَدَاع وَقَدْ ذَكَرَ الْخُطْبَة فِي حِجَّة الْوَدَاع جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة لَمْ يَذْكُر أَحَد مِنْهُمْ قِصَّة الدَّجَّال فِيهَا إِلَّا اِبْن عُمَر , بَلْ اِقْتَصَرَ الْجَمِيع عَلَى حَدِيث \" إِنَّ أَمْوَالكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَام \" الْحَدِيث , وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف مِنْهَا حَدِيث جَرِير وَأَبِي بَكْرَة هُنَا وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْحَجّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجّ مِنْ رِوَايَة عَاصِم بْن مُحَمَّد بْن زَيْد وَهُوَ أَخُو عُمَر بْن مُحَمَّد بْن زَيْد عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر بِدُونِهَا , وَزِيَادَة عُمَر بْن مُحَمَّد صَحِيحَة لِأَنَّهُ ثِقَة , وَكَأَنَّهُ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظهُ غَيْره , وَسَيَأْتِي شَرْح مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4052",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً وَأَنَّهُ حَجَّ بَعْدَ مَا هَاجَرَ حَجَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَحُجَّ بَعْدَهَا حَجَّةَ الْوَدَاعِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏وَبِمَكَّةَ ‏ ‏أُخْرَى ‏",
        "sharh": "حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَّل الْهِجْرَة , وَقَوْله : \" وَأَنَّهُ حَجَّ بَعْدَمَا هَاجَرَ حِجَّة وَاحِدَة لَمْ يَحُجّ بَعْدهَا حِجَّة الْوَدَاع \" يَعْنِي وَلَا حَجَّ قَبْلهَا إِلَّا أَنْ يُرِيد نَفْي الْحَجّ الْأَصْغَر وَهُوَ الْعُمْرَة فَلَا , فَإِنَّهُ اِعْتَمَرَ قَبْلهَا قَطْعًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو إِسْحَاق : وَبِمَكَّة أُخْرَى ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَغَرَض أَبِي إِسْحَاق أَنَّ لِقَوْلِهِ : \" بَعْدَمَا هَاجَرَ \" مَفْهُومًا , وَأَنَّهُ قَبْل أَنْ يُهَاجِر كَانَ قَدْ حَجَّ لَكِنْ اِقْتِصَاره عَلَى قَوْله أُخْرَى قَدْ يُوهِم أَنَّهُ لَمْ يَحُجّ قَبْل الْهِجْرَة إِلَّا وَاحِدَة وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ حَجَّ قَبْل أَنْ يُهَاجِر مِرَارًا , بَلْ الَّذِي لَا أَرْتَاب فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُك الْحَجّ وَهُوَ بِمَكَّة قَطُّ , لِأَنَّ قُرَيْشًا فِي الْجَاهِلِيَّة لَمْ يَكُونُوا يَتْرُكُونَ الْحَجّ , وَإِنَّمَا يَتَأَخَّر مِنْهُمْ عَنْهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّة أَوْ عَاقَهُ ضَعْف , وَإِذَا كَانُوا وَهُمْ عَلَى غَيْر دِين يَحْرِصُونَ عَلَى إِقَامَة الْحَجّ وَيَرَوْنَهُ مِنْ مَفَاخِرهمْ الَّتِي اِمْتَازُوا بِهَا عَلَى غَيْرهمْ مِنْ الْعَرَب فَكَيْفَ يُظَنّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَتْرُكهُ ؟ وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيث جُبَيْر بْن مُطْعِم أَنَّهُ رَآهُ فِي الْجَاهِلِيَّة وَاقِفًا بِعَرَفَة , وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَوْفِيق اللَّه لَهُ , وَثَبَتَ دُعَاؤُهُ قَبَائِل الْعَرَب إِلَى الْإِسْلَام بِمِنًى ثَلَاث سِنِينَ مُتَوَالِيَة كَمَا بَيَّنْته فِي الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4053",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ‏ ‏لِجَرِيرٍ ‏ ‏اسْتَنْصِتْ النَّاسَ فَقَالَ ‏ ‏لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَلِيّ بْن مُدْرِك ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الدَّالّ وَكَسْر الرَّاء وَهُوَ نَخَعِيٌّ كُوفِيّ ثِقَة , ذَكَره اِبْن حِبَّانَ فِي ثِقَات التَّابِعِينَ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , لَكِنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي مَوَاضِع. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَنْصِتْ النَّاس ) ‏ ‏فِيهِ دَلِيل عَلَى وَهْم مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِسْلَام جَرِير كَانَ قَبْل مَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا , لِأَنَّ حِجَّة الْوَدَاع كَانَتْ قَبْل وَفَاته بِأَكْثَر مِنْ ثَمَانِينَ يَوْمًا , وَقَدْ ذَكَرَ جَرِير أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِجَّة الْوَدَاع. ‏"
    },
    {
        "id": "4054",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَةِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَ ذُو الْحِجَّةِ قُلْنَا بَلَى قَالَ فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ قُلْنَا بَلَى قَالَ فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ قُلْنَا بَلَى قَالَ ‏ ‏فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ ‏ ‏عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَسَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ فَكَانَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏إِذَا ذَكَرَهُ يَقُولُ صَدَقَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ مَرَّتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ , وَمُحَمَّد هُوَ اِبْن سِيرِينَ , وَابْن أَبِي بَكْرَة هُوَ عَبْد الرَّحْمَن , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث فِي الْعِلْم وَفِي الْحَجّ , وَقَوْله فِي الْآيَة : ‏ ‏( مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ) ‏ ‏قِيلَ الْحِكْمَة فِي جَعْل الْمُحَرَّم أَوَّل السَّنَة أَنْ يَحْصُل الِابْتِدَاء بِشَهْرٍ حَرَام وَيُخْتَم بِشَهْرٍ حَرَام , وَتُتَوَسَّط السَّنَة بِشَهْرٍ حَرَام وَهُوَ رَجَب , وَإِنَّمَا تَوَالَى شَهْرَانِ فِي الْآخِر لِإِرَادَةِ تَفْضِيل الْخِتَام , وَالْأَعْمَال بِالْخَوَاتِيمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4055",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُنَاسًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏قَالُوا لَوْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَيَّةُ آيَةٍ فَقَالُوا ‏ { ‏الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا ‏} ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ مَكَانٍ أُنْزِلَتْ أُنْزِلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاقِفٌ ‏ ‏بِعَرَفَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْيَهُود ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْإِيمَان بِلَفْظِ \" إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُود \" وَبَيَّنْت أَنَّ الْمُرَاد بِهِ كَعْب الْأَحْبَار , وَفِيهِ إِشْكَال مِنْ جِهَة أَنَّهُ كَانَ أَسْلَمَ , وَيَجُوز أَنْ يَكُون السُّؤَال صَدَرَ قَبْل إِسْلَامه لَكِنْ قَدْ قِيلَ إِنَّهُ أَسْلَمَ وَهُوَ بِالْيَمَنِ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى يَد عَلِيّ , فَإِنْ ثَبَتَ اِحْتُمِلَ أَنْ يَكُون الَّذِينَ سَأَلُوا جَمَاعَة مِنْ الْيَهُود اِجْتَمَعُوا مَعَ كَعْب عَلَى السُّؤَال وَتَوَلَّى هُوَ السُّؤَال عَنْ ذَلِكَ عَنْهُمْ , فَتَجْتَمِع الرِّوَايَات كُلّهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كِتَاب الْإِيمَان بِأَوْضَح مِنْ هَذَا مَعَ بَقِيَّة شَرْحه. ‏"
    },
    {
        "id": "4056",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ ‏ ‏وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْحَجِّ فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ الْمُصَنِّف حَدِيث عَائِشَة قَالَتْ : \" خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ \" الْحَدِيث , وَأَوْرَدَهُ مِنْ طُرُق عَنْ مَالِك بِسَنَدِهِ فِي طَرِيقَيْنِ , مِنْهَا حِجَّة الْوَدَاع وَهُوَ مَقْصُود التَّرْجَمَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر فِي أَوَّل الْبَاب عَنْ شَيْخ آخَر لِمَالِك بِأَتَمّ مِنْ السِّيَاق الْمَذْكُور هُنَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4057",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَادَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ ‏ ‏أَشْفَيْتُ ‏ ‏مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ‏ ‏ابْنَةٌ ‏ ‏لِي وَاحِدَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ ‏ ‏لَا قُلْتُ أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ قَالَ لَا قُلْتُ فَالثُّلُثِ قَالَ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي ‏ ‏فِي امْرَأَتِكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ آأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي قَالَ إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ لَكِنْ الْبَائِسُ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ‏ ‏رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ تُوُفِّيَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَعْد وَهُوَ اِبْن أَبِي وَقَّاص فِي الْوَصِيَّة بِالثُّلُثِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْوَصَايَا , وَتَقْرِير كَوْن ذَلِكَ وَقَعَ فِي حِجَّة الْوَدَاع , وَبَيَان تَوْجِيه مَنْ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ فِي فَتْح مَكَّة , وَوُجِّهَ الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته. ‏"
    },
    {
        "id": "4058",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْحَلْق فِي حِجَّة الْوَدَاع. أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4059",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَلَقَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4060",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ أَقْبَلَ يَسِيرُ عَلَى حِمَارٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَائِمٌ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ‏ ‏يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَسَارَ الْحِمَارُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ ثُمَّ نَزَلَ عَنْهُ فَصَفَّ مَعَ النَّاسِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الصَّلَاة بِمِنًى , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَبْوَاب السُّتْرَة فِي الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "4061",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُئِلَ ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏وَأَنَا شَاهِدٌ عَنْ سَيْرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ ‏ ‏الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد \" كَانَ يَسِير فِي حَجَّته الْعَنَق \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون وَالْقَاف , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْحَجّ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4062",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا أَيُّوبَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي أَيُّوب فِي الْجَمْع بَيْن الْمُغْرِب وَالْعِشَاء فِي حِجَّة الْوَدَاع , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْحَجّ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4063",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَسْأَلُهُ الْحُمْلَانَ لَهُمْ إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ وَهِيَ ‏ ‏غَزْوَةُ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ فَقَالَ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ وَلَا أَشْعُرُ وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمْ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏يُنَادِي أَيْ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ ‏ ‏فَأَجَبْتُهُ فَقَالَ أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْعُوكَ فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ فَقُلْ إِنَّ اللَّهَ ‏ ‏أَوْ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَارْكَبُوهُنَّ فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِمْ بِهِنَّ فَقُلْتُ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا لِي وَاللَّهِ إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ فَانْطَلَقَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏بِنَفَرٍ مِنْهُمْ حَتَّى أَتَوْا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْعَهُ إِيَّاهُمْ ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ فَحَدَّثُوهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَسْأَلهُ الْحُمْلَان لَهُمْ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَة , أَيْ الشَّيْء الَّذِي يَرْكَبُونَ عَلَيْهِ وَيَحْمِلهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ) فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب \" وَجَاءَ نَفَر كُلّهمْ مُعْسِر يَسْتَحْمِلُونَهُ لَا يُحِبُّونَ التَّخَلُّف عَنْهُ , فَقَالَ لَا أَجِد. قَالَ : وَمِنْ هَؤُلَاءِ نَفَر مِنْ الْأَنْصَار وَمِنْ بَنِي مُزَيْنَةَ \" وَفِي مَغَازِي اِبْن إِسْحَاق أَنَّ الْبَكَّائِينَ سَبْعَة نَفَر : سَالِم بْن عُمَيْر , وَأَبُو لَيْلَى بْن كَعْب , وَعَمْرو بْن الْحُمَام , وَعَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل وَقِيلَ اِبْن غَنْمَةَ , وَعُلَيَّة بْن زَيْد , وَهَرَمِيّ بْن عَبْد اللَّه , وَعِرْبَاضُ بْن سَارِيَة , وَسَلَمَة بْن صَخْر. قَالَ : فَبَلَغَنِي أَنَّ أَبَا يَاسِر الْيَهُودِيّ وَقِيلَ اِبْن يَامِينَ - جَهَّزَ أَبَا لَيْلَى وَابْن مُغَفَّل , وَقِيلَ كَانَ فِي الْبَكَّائِينَ بَنُو مُقْرِن السَّبْعَة مَعْقِل وَإِخْوَته. ‏ ‏قَوْله : ( خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ الْجَمَلَيْنِ الْمَشْدُودَيْنِ أَحَدهمَا إِلَى الْآخَر , وَقِيلَ النَّظِيرَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِيّ \" هَاتَيْنِ الْقَرِينَتَيْنِ \" أَيْ النَّاقَتَيْنِ , وَتَقَدَّمَ فِي قُدُوم الْأَشْعَرِيِّينَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ لَهُمْ بِخَمْسٍ ذَوْد وَقَالَ : هَذَا بِسِتَّةِ أَبْعِرَة , فَإِمَّا تَعَدَّدَتْ الْقِصَّة أَوْ زَادَهُمْ عَلَى الْخَمْس وَاحِدًا , وَأَمَّا قَوْله : \" هَاتَيْنِ الْقَرِينَتَيْنِ وَهَاتَيْنِ الْقَرِينَتَيْنِ \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِخْتِصَارًا مِنْ الرَّاوِي أَوْ كَانَ الْأُولَى اِثْنَتَيْنِ وَالثَّانِيَة أَرْبَعَة لِأَنَّ الْقَرِين يَصْدُق عَلَى الْوَاحِد وَعَلَى الْأَكْثَر , وَأَمَّا الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا \" هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ \" فَذَكَّرَ ثُمَّ أَنَّثَ فَالْأُولَى عَلَى إِرَادَة الْبَعِير وَالثَّانِيَة عَلَى إِرَادَة الِاخْتِصَاص لَا عَلَى الْوَصْفِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْتَاعَهُنَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" اِبْتَاعَهُمْ \" وَكَذَا \" اِنْطَلَقَ بِهِنَّ \" فِي رِوَايَته \" بِهِمْ \" وَهُوَ تَحْرِيف , وَالصَّوَاب مَا عِنْد الْجَمَاعَة لِأَنَّهُ جَمْع مَا لَا يَعْقِلُ. ‏ ‏قَوْله : ( حِينَئِذٍ مِنْ سَعْد ) ‏ ‏لَمْ يَتَعَيَّن لِي مَنْ هُوَ سَعْد إِلَى الْآن , إِلَّا أَنَّهُ يَهْجِس فِي خَاطِرِي أَنَّهُ سَعْد بْن عُبَادَةَ , وَفِي الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب حِنْث الْحَالِف فِي يَمِينه إِذَا رَأَى غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَانْعِقَاد الْيَمِين فِي الْغَضَب , وَسَنَذْكُرُ هُنَاكَ بَقِيَّة فَوَائِد حَدِيث أَبِي مُوسَى إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4064",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ إِلَى ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏وَاسْتَخْلَفَ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏فَقَالَ أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ قَالَ ‏ ‏أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ ‏ ‏هَارُونَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو دَاوُدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏مُصْعَبًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّانُ , وَالْحَكَم هُوَ اِبْن عُتَيْبَة بِمُثَنَّاةِ وَمُوَحَّدَة مُصَغَّر. ‏ ‏قَوْله : ( بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح مُرْسَلًا عِنْد الْحَاكِم فِي الْإِكْلِيل \" فَقَالَ : يَا عَلِيّ اُخْلُفْنِي فِي أَهْلِي , وَاضْرِبْ وَخُذْ وَعِظْ. ثُمَّ دَعَا نِسَاءَهُ فَقَالَ : اِسْمَعْنَ لِعَلِيٍّ وَأَطِعْنَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا شُعْبَة إِلَخْ ) ‏ ‏أَرَادَ بَيَان التَّصْرِيح بِالسَّمَاعِ فِي رِوَايَة الْحَكَم عَنْ مُصْعَب , وَطَرِيق أَبِي دَاوُدَ هَذِهِ وَهُوَ الطَّيَالِسِيُّ وَصَلَهَا أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيقه. ‏"
    },
    {
        "id": "4065",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَطَاءً ‏ ‏يُخْبِرُ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعُسْرَةَ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏يَقُولُ تِلْكَ الْغَزْوَةُ أَوْثَقُ أَعْمَالِي عِنْدِي ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏صَفْوَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏فَكَانَ لِي أَجِيرٌ فَقَاتَلَ إِنْسَانًا ‏ ‏فَعَضَّ أَحَدُهُمَا ‏ ‏يَدَ الْآخَرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏فَلَقَدْ أَخْبَرَنِي ‏ ‏صَفْوَانُ ‏ ‏أَيُّهُمَا عَضَّ الْآخَرَ فَنَسِيتُهُ ‏ ‏قَالَ فَانْتَزَعَ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ ‏ ‏فِي الْعَاضِّ فَانْتَزَعَ إِحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ فَأَتَيَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَفَيَدَعُ يَدَهُ فِي ‏ ‏فِيكَ تَقْضَمُهَا كَأَنَّهَا فِي ‏ ‏فِي فَحْلٍ يَقْضَمُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( غَزَوْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعُسْرَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَفِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" الْعُسَيْرَة \" بِالتَّصْغِيرِ. ‏ ‏قَالَ : ( كَانَ يَعْلَى يَقُول تِلْكَ الْغَزْوَة أَوْثَق أَعْمَالِي عِنْدِي ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَة بِلَفْظٍ إِجْمَالِيٍّ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة أَصَحّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَطَاء ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ لِي أَجِير , فَقَاتَلَ إِنْسَانًا فَعَضَّ أَحَدهمَا يَد الْآخَر , قَالَ عَطَاء : فَلَقَدْ أَخْبَرَنِي صَفْوَان أَيّهمَا عَضَّ الْآخَر فَنَسِيته ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ وَتَتِمَّة شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الدِّيَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4066",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏وَكَانَ قَائِدَ ‏ ‏كَعْبٍ ‏ ‏مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَعْبٌ ‏ ‏لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُرِيدُ عِيرَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةَ ‏ ‏الْعَقَبَةِ ‏ ‏حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَإِنْ كَانَتْ ‏ ‏بَدْرٌ ‏ ‏أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا كَانَ مِنْ خَبَرِي أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ ‏ ‏لِيَتَأَهَّبُوا ‏ ‏أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَثِيرٌ وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ يُرِيدُ الدِّيوَانَ قَالَ ‏ ‏كَعْبٌ ‏ ‏فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللَّهِ وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتْ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا فَأَقُولُ فِي نَفْسِي أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا فَقُلْتُ أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لِأَتَجَهَّزَ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا ثُمَّ غَدَوْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا ‏ ‏مَغْمُوصًا ‏ ‏عَلَيْهِ النِّفَاقُ أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنْ الضُّعَفَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى بَلَغَ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ ‏ ‏بِتَبُوكَ ‏ ‏مَا فَعَلَ ‏ ‏كَعْبٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي سَلِمَةَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَنَظَرُهُ فِي عِطْفِهِ فَقَالَ ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ‏ ‏بِئْسَ مَا قُلْتَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ تَوَجَّهَ قَافِلًا حَضَرَنِي هَمِّي وَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي فَلَمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَادِمًا وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ ‏ ‏فَطَفِقُوا ‏ ‏يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ فَجِئْتُهُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَ فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لِي مَا خَلَّفَكَ أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ فَقُلْتُ بَلَى إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ لَا وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي سَلِمَةَ ‏ ‏فَاتَّبَعُونِي فَقَالُوا لِي وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُتَخَلِّفُونَ قَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَكَ فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ قَالُوا نَعَمْ رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ فَقُلْتُ مَنْ هُمَا قَالُوا ‏ ‏مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَمْرِيُّ ‏ ‏وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ ‏ ‏فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏فِيهِمَا أُسْوَةٌ فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الْأَرْضُ فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ ‏ ‏وَأَجْلَدَهُمْ ‏ ‏فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَأَقُولُ فِي نَفْسِي هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أَمْ لَا ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي أَقْبَلَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ فَقُلْتُ يَا ‏ ‏أَبَا قَتَادَةَ ‏ ‏أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَسَكَتَ فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَفَاضَتْ عَيْنَايَ وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ قَالَ فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ ‏ ‏أَهْلِ الشَّأْمِ ‏ ‏مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏يَقُولُ مَنْ يَدُلُّ عَلَى ‏ ‏كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ ‏ ‏مَلِكِ ‏ ‏غَسَّانَ ‏ ‏فَإِذَا فِيهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا وَهَذَا أَيْضًا مِنْ الْبَلَاءِ ‏ ‏فَتَيَمَّمْتُ ‏ ‏بِهَا ‏ ‏التَّنُّورَ ‏ ‏فَسَجَرْتُهُ بِهَا حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنْ الْخَمْسِينَ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْتِينِي فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ ‏ ‏امْرَأَتَكَ ‏ ‏فَقُلْتُ أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ قَالَ لَا بَلْ اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ قَالَ ‏ ‏كَعْبٌ ‏ ‏فَجَاءَتْ ‏ ‏امْرَأَةُ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ ‏ ‏شَيْخٌ ‏ ‏ضَائِعٌ ‏ ‏لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ قَالَ لَا وَلَكِنْ لَا يَقْرَبْكِ قَالَتْ إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ وَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي لَوْ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي امْرَأَتِكَ كَمَا أَذِنَ لِامْرَأَةِ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏أَنْ تَخْدُمَهُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ حَتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ كَلَامِنَا فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ ‏ ‏أَوْفَى ‏ ‏عَلَى جَبَلِ ‏ ‏سَلْعٍ ‏ ‏بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا ‏ ‏كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏أَبْشِرْ قَالَ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا وَسَعَى ‏ ‏سَاعٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَسْلَمَ ‏ ‏فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنْ الْفَرَسِ فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ ‏ ‏وَاسْتَعَرْتُ ‏ ‏ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا ‏ ‏يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ يَقُولُونَ ‏ ‏لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ قَالَ ‏ ‏كَعْبٌ ‏ ‏حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ فَقَامَ إِلَيَّ ‏ ‏طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي ‏ ‏وَهَنَّانِي وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏غَيْرَهُ وَلَا أَنْسَاهَا ‏ ‏لِطَلْحَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَعْبٌ ‏ ‏فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنْ السُّرُورِ أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ قَالَ قُلْتُ أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَالَ لَا بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ ‏ ‏أَنْخَلِعَ ‏ ‏مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي ‏ ‏بِخَيْبَرَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيتُ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارِ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ‏} ‏فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ‏ { ‏سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏كَعْبٌ ‏ ‏وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ ‏ { ‏وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ‏} ‏وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَنْ الْغَزْوِ إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن كَعْب بْن مَالِك أَنَّ عَبْد اللَّه بْن كَعْب ) ‏ ‏كَذَا عِنْد الْأَكْثَر , وَوَقَعَ عَنْ الزُّهْرِيّ فِي بَعْض هَذَا الْحَدِيث رِوَايَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب بْن مَالِك وَهُوَ عَمّ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه الَّذِي حَدَّثَ بِهِ عَنْهُ هُنَا , وَفِي رِوَايَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَعْب نَفْسه , قَالَ أَحْمَد بْن صَالِح فِيمَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوْيهِ : كَانَ الزُّهْرِيّ سَمِعَ هَذَا الْقَدْر مِنْ عَبْد اللَّه بْن كَعْب نَفْسه , وَسَمِعَ هَذَا الْحَدِيث بِطُولِهِ مِنْ وَلَده عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن كَعْب , وَعَنْهُ أَيْضًا رِوَايَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن كَعْب عَنْ عَمّه عُبَيْد اللَّه بِالتَّصْغِيرِ , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ فِي أَوَّل الْحَدِيث بِغَيْرِ إِسْنَاد , قَالَ الزُّهْرِيّ : غَزَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَة تَبُوك وَهُوَ يُرِيد نَصَارَى الْعَرَب وَالرُّوم بِالشَّامِ , حَتَّى إِذَا بَلَغَ تَبُوك أَقَامَ بِضْع عَشْرَة لَيْلَة , وَلَقِيَهُ بِهَا وَفْد أَذَرْح وَوَفْد أَيْلَةَ , فَصَالَحَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْجِزْيَة , ثُمَّ قَفَلَ مِنْ تَبُوك وَلَمْ يُجَاوِزهَا , وَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : ( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ) الْآيَة \" وَالثَّلَاثَة الَّذِينَ خُلِّفُوا رَهْط مِنْ الْأَنْصَار فِي بِضْعَة وَثَمَانِينَ رَجُلًا , فَلَمَّا رَجَعَ صَدَّقَهُ أُولَئِكَ وَاعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ , وَكَذَبَ سَائِرهمْ فَحَلَفُوا مَا حَبَسَهُمْ إِلَّا الْعُذْر فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ , وَنَهَى عَنْ كَلَام الَّذِينَ خُلِّفُوا. قَالَ الزُّهْرِيّ : \" وَأَخْبَرَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن كَعْب \" فَسَاقَ الْحَدِيث بِطُولِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ قَائِد كَعْب مِنْ بَنِيهِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَكَسْر النُّون بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة , وَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ هُنَا وَكَذَا لِابْنِ السَّكَن فِي الْجِهَاد \" مِنْ بَيْته \" بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُثَنَّاة , وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب. وَفِي رِوَايَة مَعْقِل عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْد مُسْلِم \" وَكَانَ قَائِد كَعْب حِين أُصِيب بَصَره وَكَانَ أَعْلَم قَوْمه وَأَوْعَاهُمْ لِأَحَادِيث أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( حِين تَخَلَّفَ ) ‏ ‏أَيْ زَمَان تَخَلُّفه. وَقَوْله : \" عَنْ قِصَّة \" مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ يُحَدِّث. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا فِي غَزْوَة تَبُوك ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد مِنْ رِوَايَة مَعْمَر \" وَهِيَ آخِر غَزْوَة غَزَاهَا \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة رَوَاهَا مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب بِغَيْرِ إِسْنَاد , وَمِثْله فِي زِيَادَات الْمَغَازِي لِيُونُس بْن بُكَيْرٍ مِنْ مُرْسَل الْحَسَن. وَقَوْله : \" وَلَمْ يُعَاتِب أَحَدًا \" تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة بَدْر بِهَذَا السَّنَد \" وَلَمْ يُعَاتِب اللَّه أَحَدًا \". ‏ ‏قَوْله : ( تَوَاثَقْنَا ) ‏ ‏بِمُثَلَّثَةٍ وَقَاف أَيْ أَخَذَ بَعْضنَا عَلَى بَعْض الْمِيثَاق لَمَّا تَبَايَعْنَا عَلَى الْإِسْلَام وَالْجِهَاد. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا أُحِبّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَد بَدْر ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ لِي بَدَلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ كَانَتْ بَدْر أَذْكَر فِي النَّاس ) ‏ ‏أَيْ أَعْظَم ذَكَرًا. وَفِي رِوَايَة يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْد مُسْلِم \" وَإِنْ كَانَتْ بَدْر أَكْثَر ذِكْرًا فِي النَّاس مِنْهَا \" وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق مَعْمَر بْن شِهَاب \" وَلَعَمْرِي إِنَّ أَشْرَف مَشَاهِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَدْر \". ‏ ‏قَوْله : ( أَقْوَى وَلَا أَيْسَر ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِمٌ \" مِنِّي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَكُنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيد غَزْوَة إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا ) ‏ ‏أَيْ أَوْهَمَ غَيْرهَا , وَالتَّوْرِيَة أَنْ يَذْكُر لَفْظًا يَحْتَمِل مَعْنَيَيْنِ أَحَدهمَا أَقْرَب مِنْ الْآخَر فَيُوهِم إِرَادَة الْقَرِيب وَهُوَ يُرِيد الْبَعِيد. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ \" وَكَانَ يَقُول : الْحَرْب خَدْعَة \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏هَذِهِ الْقِطْعَة مِنْ الْحَدِيث أُفْرِدَتْ مِنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْجِهَاد بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَزَادَ فِيهِ مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ \" وَقَلَّمَا كَانَ يَخْرُج إِذَا خَرَجَ فِي سَفَر إِلَّا يَوْم الْخَمِيس \". وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس \" فِي سَفَر جِهَاد وَلَا غَيْره \" وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر \" وَخَرَجَ فِي غَزْوَة تَبُوك يَوْم الْخَمِيس \". ‏ ‏قَوْله : ( وَعَدُوًّا كَثِيرًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة \" وَغَزْو عَدُوّ كَبِير \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَلَّى ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَتَشْدِيد اللَّام وَيَجُوز تَخْفِيفهَا أَيْ أَوْضَحَ. ‏ ‏قَوْله : ( أُهْبَة غَزْوهمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أُهْبَة عَدُوّهُمْ \" وَالْأُهْبَة بِضَمِّ الْهَمْزَة وَسُكُون الْهَاء مَا يُحْتَاج إِلَيْهِ فِي السَّفَر وَالْحَرْب. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَجْمَعهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ ) ‏ ‏بِالتَّنْوِينِ فِيهِمَا , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم بِالْإِضَافَةِ , وَزَادَ فِي رِوَايَة مَعْقِل \" يَزِيدُونَ عَلَى عَشَرَة آلَاف , وَلَا يَجْمَع دِيوَان حَافِظ \" وَلِلْحَاكِمِ فِي \" الْإِكْلِيل \" مِنْ حَدِيث مُعَاذ \" خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى غَزْوَة تَبُوك زِيَادَة عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفًا \" وَبِهَذِهِ الْعِدَّة جَزَمَ اِبْن إِسْحَاق وَأَوْرَدَهُ الْوَاقِدِيُّ بِسَنَدٍ آخَر مَوْصُول وَزَادَ \" أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ عَشَرَة آلَاف فَرَس \" فَتُحْمَل رِوَايَة مَعْقِل عَلَى إِرَادَة عَدَد الْفَرَسَانِ. وَلِابْنِ مَرْدَوْيهِ \" وَلَا يَجْمَعهُمْ دِيوَان حَافِظ \" يَعْنِي كَعْب بِذَلِكَ الدِّيوَان يَقُول : لَا يَجْمَعهُمْ دِيوَان مَكْتُوب , وَهُوَ يُقَوِّي رِوَايَة التَّنْوِين , وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَبِي زُرْعَة الرَّازِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي غَزْوَة تَبُوك أَرْبَعِينَ أَلْفًا , وَلَا تُخَالِف الرِّوَايَة الَّتِي فِي \" الْإِكْلِيل \" أَكْثَر مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون مَنْ قَالَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا جَبَرَ الْكَسْر , وَقَوْله يُرِيد الدِّيوَان هُوَ كَلَام الزُّهْرِيّ , وَأَرَادَ بِذَلِكَ الِاحْتِرَاز عَمَّا وَقَعَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اُكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ بِالْإِسْلَامِ \" وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَوَّل مَنْ دَوَّنَ الدِّيوَان عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ كَعْب ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا رَجُل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقَلَّ رَجُل \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا ظَنَّ أَنَّهُ سَيَخْفَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَنْ سَيَخْفَى \" بِتَخْفِيفِ النُّون بِلَا هَاء , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَنَّ ذَلِكَ سَيَخْفَى لَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( حِين طَابَتْ الثِّمَار وَالظِّلَال ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب \" فِي قَيْظ شَدِيد فِي لَيَالِي الْخَرِيف وَالنَّاس خَارِفُونَ فِي نَخِيلهمْ \" وَفِي رِوَايَة أَحْمَد مِنْ طَرِيق مَعْمَر \" وَأَنَا أَقْدَر شَيْء فِي نَفْسِي عَلَى الْجِهَاز وَخِفَّة الْحَاذ , وَأَنَا فِي ذَلِكَ أَصْغُو إِلَى الظِّلَال وَالثِّمَار \" وَقَوْله : \" الْحَاذ \" بِحَاءِ مُهْمَلَة وَتَخْفِيف الذَّال الْمُعْجَمَة هُوَ الْحَال وَزْنًا وَمَعْنًى. وَقَوْله : \" أَصْغُو \" بِصَادٍ مُهْمَلَة وَضَمّ الْمُعْجَمَة أَيْ أَمِيل , وَيُرْوَى \" أَصْعُرُ \" بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة بَعْدهَا رَاء , وَفِي رِوَايَة اِبْن مَرْدَوْيهِ \" فَالنَّاس إِلَيْهَا صُعُر \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى اِشْتَدَّ النَّاس الْجِدّ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْجِيم وَهُوَ الْجِدُّ فِي الشَّيْء وَالْمُبَالَغَة فِيهِ , وَضَبَطُوا النَّاس بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِل وَالْجِدَّ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْع الْخَافِض , أَوْ هُوَ نَعْت لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف أَيْ اِشْتَدَّ النَّاس الِاشْتِدَاد الْجِدَّ , وَعِنْد اِبْن السَّكَن \" اِشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ \" بِرَفْعِ الْجِدّ وَزِيَادَة الْمُوَحَّدَة وَهُوَ الَّذِي فِي رِوَايَة أَحْمَد وَمُسْلِم وَغَيْرهمَا , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِالنَّاسِ الْجِدُّ \" وَالْجِدّ عَلَى هَذَا فَاعِل وَهُوَ مَرْفُوع وَهِيَ رِوَايَة مُسْلِم , وَعِنْد اِبْن مَرْدَوْيهِ \" حَتَّى شَمَّرَ النَّاس الْجِدّ \" وَهُوَ يُؤَيِّد التَّوْجِيه الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَصْبَحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَبِكَسْرِهَا وَعِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة وَابْن جَرِير مِنْ وَجْه آخَر عَنْ كَعْب \" فَأَخَذْت فِي جَهَازِي , فَأَمْسَيْت وَلَمْ أَفْرُغ , فَقُلْت أَتَجَهَّز فِي غَد \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَسْرَعُوا ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" حَتَّى شَرَعُوا \" بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَيْتنِي فَعَلْت ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة اِبْن مَرْدَوْيهِ \" وَلَمْ أَفْعَل \". ‏ ‏قَوْله : ( وَتَفَارَطَ ) ‏ ‏بِالْفَاءِ وَالطَّاء وَالْمُهْمَلَة أَيْ فَاتَ وَسَبَقَ , وَالْفَرْط السَّبْق. وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" حَتَّى أَمْعَنَ الْقَوْم وَأَسْرَعُوا , فَطَفِقْت أَغْدُو لِلتَّجْهِيزِ وَتَشْغَلنِي الرِّجَال , فَأَجْمَعْت الْقُعُود حِين سَبَقَنِي الْقَوْم \" وَفِي رِوَايَة أَحْمَد مِنْ طَرِيق عُمَر بْن كَثِير عَنْ كَعْب \" فَقُلْت أَيْهَاتَ , سَارَ النَّاس ثَلَاثًا , فَأَقَمْت \". ‏ ‏قَوْله : ( مَغْمُوصًا ) ‏ ‏بَالِغِينَ الْمُعْجَمَة وَالصَّاد الْمُهْمَلَة أَيْ مَطْعُونًا عَلَيْهِ فِي دِينه مُتَّهَمًا بِالنِّفَاقِ , وَقِيلَ مَعْنَاهُ مُسْتَحْقَرًا , تَقُول غَمَصْت فُلَانًا إِذَا اِسْتَحْقَرْته. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى بَلَغَ تَبُوك ) ‏ ‏بِغَيْرِ صَرْف لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة \" تَبُوكًا \" عَلَى إِرَادَة الْمَكَان. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" مِنْ قَوْمِي \" وَعِنْد الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ عَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ , وَهَذَا غَيْر الْجُهَنِيِّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور , وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِيمَنْ اُسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ عَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ السَّلَمِيّ بِفَتْحَتَيْنِ فَهُوَ هَذَا , وَاَلَّذِي رَدّ عَلَيْهِ هُوَ مُعَاذ بْن جَبَل اِتِّفَاقًا إِلَّا مَا حَكَى الْوَاقِدِيُّ , وَفِي رِوَايَة أَنَّهُ أَبُو قَتَادَةَ , قَالَ وَالْأَوَّل أَثْبَت. ‏ ‏قَوْله : ( حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَر فِي عِطْفه ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَكُنِّيَ بِذَلِكَ عَنْ حُسَنه وَبَهْجَته , وَالْعَرَب تَصِف الرِّدَاء بِصِفَةِ الْحُسْن وَتُسَمِّيه عِطْفًا لِوُقُوعِهِ عَلَى عِطْفَيْ الرَّجُل. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَكَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ رَأَى رَجُلًا مُنْتَصِبًا يَزُول بِهِ السَّرَاب , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ فَإِذَا هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْأَنْصَارِيّ : قُلْت : وَاسْم أَبِي خَيْثَمَةَ هَذَا سَعْد بْن خَيْثَمَةَ , كَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثه وَلَفْظه \" تَخَلَّفْت عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلْت حَائِطًا فَرَأَيْت عَرِيشًا قَدْ رُشَّ بِالْمَاءِ , وَرَأَيْت زَوْجَتِي فَقُلْت : مَا هَذَا بِإِنْصَافٍ , رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّمُوم وَالْحَرُور وَأَنَا فِي الظِّلّ وَالنَّعِيم , فَقُمْت إِلَى نَاضِح لِي وَتَمَرَات فَخَرَجْت , فَلَمَّا طَلَعْت عَلَى الْعَسْكَر فَرَآنِي النَّاس قَالَ النَّبِيّ : كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ , فَجِئْت , فَدَعَا لِي \" وَذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن حَزْم مُرْسَلًا , وَذَكَر الْوَاقِدِيُّ أَنَّ اِسْمه عَبْد اللَّه بْن خَيْثَمَةَ , وَقَالَ اِبْن شِهَاب : اِسْمه مَالِك بْن قَيْس. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ تَوَجَّهَ قَافِلًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّ قُدُوم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة كَانَ فِي رَمَضَان. ‏ ‏قَوْله : ( حَضَرَنِي هَمِّي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" هَمَّنِي \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" بَثِّي \" بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُثَلَّثَة , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" فَطَفِقْت أَعُدّ الْعُذْر لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَ وَأُهَيِّئ الْكَلَام \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَجْمَعْت صِدْقه ) ‏ ‏أَيْ جَزَمْت بِذَلِكَ وَعَقَدْت عَلَيْهِ قَصْدِي , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" وَعَرَفْت أَنَّهُ لَا يُنْجِينِي مِنْهُ إِلَّا الصِّدْق \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَر بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَيَرْكَع فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ ) ‏ ‏هَذِهِ الْقِطْعَة مِنْ هَذَا الْحَدِيث أُفْرِدَت فِي الْجِهَاد , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن شِهَاب بِلَفْظِ \" لَا يَقْدَم مِنْ سَفَر إِلَّا فِي الضُّحَى فَيَبْدَأ بِالْمَسْجِدِ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَيَقْعُد \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة ثُمَّ يَدْخُل عَلَى أَهْله , وَفِي حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة عِنْد الطَّبَرَانِيُّ \" كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَر بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُثْنِي بِفَاطِمَة ثُمَّ يَأْتِي أَزْوَاجه \" وَفِي لَفْظ \" ثُمَّ بَدَأَ بِبَيْتِ فَاطِمَة ثُمَّ أَتَى بُيُوت نِسَائِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ , وَكَانُوا بِضْعَة وَثَمَانِينَ رَجُلًا ) ‏ ‏ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ هَذَا الْعَدَد كَانَ مِنْ مُنَافِقِي الْأَنْصَار , وَأَنَّ الْمُعَذِّرِينَ مِنْ الْأَعْرَاب كَانُوا أَيْضًا اِثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَار وَغَيْرهمْ , وَأَنَّ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ وَمَنْ أَطَاعَهُ مِنْ قَوْمه كَانُوا مِنْ غَيْر هَؤُلَاءِ وَكَانُوا عَدَدًا كَثِيرًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا سَلَّمْت عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّم الْمُغْضَب ) ‏ ‏وَعِنْد اِبْن عَائِذ فِي الْمَغَازِي \" فَأَعْرَضَ عَنْهُ , فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه لِمَ تُعْرِض عَنِّي ؟ فَوَاَللَّهِ مَا نَافَقْت وَلَا اِرْتَبْت وَلَا بَدَّلْت , قَالَ : فَمَا خَلَّفَك \" ؟. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّه لَقَدْ أُعْطِيت جَدَلًا ) ‏ ‏أَيْ فَصَاحَة وَقُوَّة كَلَام بِحَيْثُ أَخْرُج عَنْ عُهْدَة مَا يُنْسَب إِلَيَّ بِمَا يُقْبَل وَلَا يُرَدّ. ‏ ‏قَوْله : ( تَجِد عَلَيَّ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْجِيم أَيْ تَغْضَب. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَقْضِي اللَّه فِيك , فَقُمْت ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ \" فَمَضَيْت \". ‏ ‏قَوْله : ( وَثَارَ رِجَالٌ ) ‏ ‏أَيْ وَثَبُوا. ‏ ‏قَوْله : ( كَافِيك ذَنْبَك ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْع الْخَافِض أَوْ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة أَيْضًا , وَاسْتِغْفَار بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِل. وَعِنْد اِبْن عَائِذ \" فَقَالَ كَعْب : مَا كُنْت لِأَجْمَع أَمْرَيْنِ. أَتَخَلَّف عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَكْذِبهُ. فَقَالُوا : إِنَّك شَاعِر جَرِيء , فَقَالَ : أَمَّا عَلَى الْكَذِب فَلَا \" زَادَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" كَمَا صَنَعَ ذَلِكَ بِغَيْرِك فَقَبِلَ مِنْهُمْ عُذْرهمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقِيلَ لَهُمْ مِثْل مَا قِيلَ لَك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن مَرْدَوْيهِ \" وَقَالَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَك \". ‏ ‏قَوْله : ( يُؤَنِّبُونِي ) ‏ ‏بِنُونٍ ثَقِيلَة ثُمَّ مُوَحَّدَة مِنْ التَّأْنِيب وَهُوَ اللَّوْم الْعَنِيف. ‏ ‏قَوْله : ( مُرَارَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَرَاءَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَة , ‏ ‏وَقَوْله : ( الْعَمْرِيُّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمِيم نِسْبَة إِلَى بَنِي عَمْرو بْن عَوْف بْن مَالِك بْن الْأَوْس , وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ الْعَامِرِيّ وَهُوَ خَطَأ. ‏ ‏وَقَوْله : ( اِبْن الرَّبِيع ) ‏ ‏هُوَ الْمَشْهُور , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" اِبْن رَبِيعَة \" وَفِي حَدِيث مُجَمِّع بْن جَارِيَة عِنْد اِبْن مَرْدَوْيهِ \" مُرَارَة بْن رِبْعِيٍّ \" وَهُوَ خَطَأ , وَكَذَا مَا وَقَعَ عِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ مُرْسَل الْحَسَن مِنْ تَسْمِيَته \" رَبِيع بْن مُرَارَة \" وَهُوَ مَقْلُوب , وَذَكَرَ فِي هَذَا الْمُرْسَل أَنَّ سَبَب تَخَلُّفه أَنَّهُ كَانَ لَهُ حَائِط حِين زُهِيَ فَقَالَ فِي نَفْسه : قَدْ غَزَوْت قَبْلهَا , فَلَوْ أَقَمْت عَامِي هَذَا. فَلَمَّا تَذَكَّرَ ذَنْبه قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدك أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْت بِهِ فِي سَبِيلك. وَفِيهِ أَنَّ الْآخَر يَعْنِي هِلَالًا كَانَ لَهُ أَهْل تَفَرَّقُوا ثُمَّ اِجْتَمَعُوا فَقَالَ : لَوْ أَقَمْت هَذَا الْعَام عِنْدهمْ , فَلَمَّا تَذَكَّرَ قَالَ : اللَّهُمَّ لَك عَلَيَّ أَنْ لَا أَرْجِع إِلَى أَهْل وَلَا مَال. ‏ ‏قَوْله : ( وَهِلَال بْن أُمَيَّة الوَاقِفِيّ ) ‏ ‏بِقَافٍ ثُمَّ فَاء نِسْبَة إِلَى بَنِي وَاقِف بْن اِمْرِئِ الْقَيْس بْن مَالِك بْن الْأَوْس. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ هُنَا. وَظَاهِره أَنَّهُ مِنْ كَلَام كَعْب بْن مَالِك , وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيع الْبُخَارِيّ , وَقَدْ قَرَّرْت ذَلِكَ وَاضِحًا فِي غَزْوَة بَدْر. وَمِمَّنْ جَزَمَ بِأَنَّهُمَا شَهِدَا بَدْرًا أَبُو بَكْر الْأَثْرَم , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ وَنَسَبَهُ إِلَى الْغَلَط فَلَمْ يُصِبْ , وَاسْتَدَلَّ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ لِكَوْنِهِمَا لَمْ يَشْهَدَا بَدْرًا بِمَا وَقَعَ فِي قِصَّة حَاطِب , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَهْجُرهُ وَلَا عَاقَبَهُ مَعَ كَوْنه جَسَّ عَلَيْهِ , بَلْ قَالَ لِعُمَر لَمَّا هَمَّ بِقَتْلِهِ \" وَمَا يُدْرِيك لَعَلَّ اللَّه اِطَّلَعَ عَلَى أَهْل بَدْر فَقَالَ : اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ \". قَالَ : وَأَيْنَ ذَنْب التَّخَلُّف مِنْ ذَنْب الْجَسّ ؟. قُلْت : وَلَيْسَ مَا اِسْتَدَلَّ بِهِ بِوَاضِحٍ , لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَدْرِيّ عِنْده إِذَا جَنَى جِنَايَة وَلَوْ كَبُرَتْ لَا يُعَاقَب عَلَيْهَا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَهَذَا عُمَر مَعَ كَوْنه الْمُخَاطَب بِقِصَّةِ حَاطِب فَقَدْ جَلَدَ قُدَامَةَ بْن مَظْعُون الْحَدّ لَمَّا شَرِبَ الْخَمْر وَهُوَ بَدْرِيّ كَمَا تَقَدَّمَ , وَإِنَّمَا لَمْ يُعَاقِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاطِبًا وَلَا هَجَرَهُ لِأَنَّهُ قَبِلَ عُذْره فِي أَنَّهُ إِنَّمَا كَاتَبَ قُرَيْشًا خَشْيَة عَلَى أَهْله وَوَلَده , وَأَرَادَ أَنْ يَتَّخِذ لَهُ عِنْدهمْ يَدًا فَعَذَرَهُ بِذَلِكَ , بِخِلَافِ تَخَلُّف كَعْب وَصَاحِبَيْهِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُذْر أَصْلًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( لِي فِيهِمَا إِسْوَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَيَجُوزُ ضَمّهَا , قَالَ اِبْن التِّين : التَّأَسِّي بِالنَّظِيرِ يَنْفَع فِي الدُّنْيَا بِخِلَافِ الْآخِرَة , فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : ( وَلَنْ يَنْفَعَكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ ) الْآيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَضَيْت حِين ذَكَرُوهُمَا لِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" فَقُلْت وَاَللَّه لَا أَرْجِع إِلَيْهِ فِي هَذَا أَبَدًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَنَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامنَا أَيّهَا الثَّلَاثَة ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ وَهُوَ فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الِاخْتِصَاص أَيْ مُتَخَصِّصِينَ بِذَلِكَ دُون بَقِيَّة النَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الْأَرْض فَمَا هِيَ بِاَلَّتِي أَعْرِف ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" وَتَنَكَّرَتْ لَنَا الْحِيطَان حَتَّى مَا هِيَ بِالْحِيطَانِ الَّتِي نَعْرِف , وَتَنَكَّرَ لَنَا النَّاس حَتَّى مَا هُمْ الَّذِينَ نَعْرِف \" وَهَذَا يَجِدهُ الْحَزِين وَالْمَهْمُوم فِي كُلّ شَيْء حَتَّى قَدْ يَجِدهُ فِي نَفْسه , وَزَادَ الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن رَاشِد عَنْ الزُّهْرِيّ \" وَمَا مِنْ شَيْء أَهَمّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوت فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ يَمُوت فَأَكُون مِنْ النَّاس بِتِلْكَ الْمَنْزِلَة فَلَا يُكَلِّمنِي أَحَد مِنْهُمْ وَلَا يُصَلَّى عَلَيَّ \" , وَعِنْد اِبْن عَائِذ \" حَتَّى وَجِلُوا أَشَدّ الْوَجَل وَصَارُوا مِثْل الرُّهْبَان \". ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَام عَلَيَّ ) ‏ ‏لَمْ يَجْزِم كَعْب بِتَحْرِيكِ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَام , وَلَعَلَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُدِيم النَّظَر إِلَيْهِ مِنْ الْخَجَل. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُسَارِقهُ ) ‏ ‏بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة وَالْقَاف أَيْ أَنْظُر إِلَيْهِ فِي خُفْيَة. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ جَفْوَة النَّاس ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْفَاء أَيْ إِعْرَاضهمْ , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" وَطَفِقْنَا نَمْشِي فِي النَّاس , لَا يُكَلِّمنَا أَحَد وَلَا يَرُدّ عَلَيْنَا سَلَامًا \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَسَوَّرْت ) ‏ ‏أَيْ عَلَوْت سُوَر الدَّار. ‏ ‏قَوْله : ( جِدَار حَائِط أَبِي قَتَادَةَ وَهُوَ اِبْن عَمِّي وَأَحَبّ النَّاس إِلَيَّ ) ‏ ‏ذَكَرَ أَنَّهُ اِبْن عَمّه لِكَوْنِهِمَا مَعًا مِنْ بَنِي سَلِمَة , وَلَيْسَ هُوَ اِبْن عَمّه أَخِي أَبِيهِ الْأَقْرَب. ‏ ‏وَقَوْله : ( أَنْشُدك ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَفَتْح أَوَّله أَيْ أَسْأَلك , ‏ ‏وَقَوْله : ( اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم ) ‏ ‏لَيْسَ هُوَ تَكْلِيمًا لِكَعْبٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِهِ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَوَلَّيْت حَتَّى تَسَوَّرْت الْحَائِط ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" فَلَمْ أَمْلِك نَفْسِي أَنْ بَكَيْت , ثُمَّ اِقْتَحَمْت الْحَائِط خَارِجًا \". ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا نَبَطِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَالْمُوَحَّدَة. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أَنْبَاط أَهْل الشَّام ) ‏ ‏نِسْبَة إِلَى اِسْتِنْبَاط الْمَاء وَاسْتِخْرَاجه , وَهَؤُلَاءِ كَانُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْت أَهْل الْفِلَاحَة وَهَذَا النَّبَطِيّ الشَّامِيّ كَانَ نَصْرَانِيًّا كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر \" إِذَا نَصْرَانِيّ جَاءَ بِطَعَامٍ لَهُ يَبِيعهُ \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذَا النَّصْرَانِيّ , وَيُقَال إِنَّ النَّبَط يُنْسَبُونَ إِلَى نَبَط بْن هَانِب بْن أُمَيْم بْن لَاوِذ بْن سَام بْن نُوح. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ مَلِك غَسَّان ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسِين مُهْمَلَة ثَقِيلَة هُوَ جَبَلَةُ بْن الْأَيْهَم , جَزَمَ بِذَلِكَ اِبْن عَائِذ. وَعِنْد الْوَاقِدِيِّ الْحَارِث بْن أَبِي شَمِر , وَيُقَال جَبَلَةُ بْن الْأَيْهَم. وَفِي رِوَايَة اِبْن مَرْدَوْيهِ \" فَكَتَبَ إِلَيَّ كِتَابًا فِي سَرَقَة مِنْ حَرِير \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَجْعَلك اللَّه بِدَارِ هَوَان وَلَا مَضْيَعَة ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْمُعْجَمَة وَيَجُوز كَسْرهَا , أَيْ حَيْثُ يَضِيع حَقّك. وَعِنْد اِبْن عَائِذ \" فَإِنَّ لَك مُتَحَوَّلًا \" بِالْمُهْمَلَةِ وَفَتْح الْوَاو , أَيْ مَكَانًا تَتَحَوَّل إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِك ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون وَكَسْر الْمُهْمَلَة مِنْ الْمُوَاسَاة , وَزَادَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" فِي أَمْوَالنَا. فَقُلْت : إِنَّا لِلَّهِ , قَدْ طَمِعَ فِيَّ أَهْل الْكُفْر \" وَنَحْوه لِابْنِ مَرْدَوْيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَيَمَّمْت ) ‏ ‏أَيْ قَصَدْت , وَالتَّنُّور مَا يُخْبَز فِيهِ , وَقَوْله فَسَجَرْته بِسِينٍ مُهْمَلَة وَجِيم أَيْ أَوْقَدْته , وَأَنَّثَ الْكِتَاب عَلَى مَعْنَى الصَّحِيفَة. وَفِي رِوَايَة اِبْن مَرْدَوْيهِ \" فَعَمَدْت بِهَا إِلَى تَنُّور بِهِ فَسَجَرْته بِهَا \". وَدَلَّ صَنِيع كَعْب هَذَا عَلَى قُوَّة إِيمَانه وَمَحَبَّته لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ , وَإِلَّا فَمَنْ صَارَ فِي مِثْل حَاله مِنْ الْهَجْر وَالْإِعْرَاض قَدْ يَضْعُف عَنْ اِحْتِمَال ذَلِكَ وَتَحْمِلهُ الرَّغْبَة فِي الْجَاه وَالْمَال عَلَى هِجْرَان مَنْ هَجَرَهُ وَلَا سِيَّمَا مَعَ أَمْنه مِنْ الْمَلِك الَّذِي اِسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُكْرِههُ عَلَى فِرَاق دِينه , لَكِنْ لَمَّا اُحْتُمِلَ عِنْده أَنَّهُ لَا يَأْمَن مِنْ الِافْتِتَان حَسَمَ الْمَادَّة وَأَحْرَقَ الْكِتَاب وَمَنَعَ الْجَوَاب , هَذَا مَعَ كَوْنه مِنْ الشُّعَرَاء الَّذِينَ طُبِعَتْ نُفُوسهمْ عَلَى الرَّغْبَة , وَلَا سِيَّمَا بَعْد الِاسْتِدْعَاء وَالْحَثّ عَلَى الْوُصُول إِلَى الْمَقْصُود مِنْ الْجَاه وَالْمَال , وَلَا سِيَّمَا وَاَلَّذِي اِسْتَدْعَاهُ قَرِيب وَنَسِيبه , وَمَعَ ذَلِكَ فَغَلَبَ عَلَيْهِ دِينه وَقَوِيَ عِنْده يَقِينه , وَرَجَّحَ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ النَّكَد وَالتَّعْذِيب عَلَى مَا دُعِيَ إِلَيْهِ مِنْ الرَّاحَة وَالنَّعِيم , حُبًّا فِي اللَّه وَرَسُوله , كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَنْ يَكُون اللَّه وَرَسُوله أَحَبّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا \" وَعِنْد اِبْن عَائِذ أَنَّهُ شَكَا حَاله إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : مَا زَالَ إِعْرَاضُك عَنِّي حَتَّى رَغِبَ فِيَّ أَهْل الشِّرْك. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا رَسُول رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , ثُمَّ وَجَدْت فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ خُزَيْمَةُ بْن ثَابِت , قَالَ : وَهُوَ الرَّسُول إِلَى هِلَال وَمُرَارَة بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تَعْتَزِل اِمْرَأَتك ) ‏ ‏هِيَ عُمَيْرَةُ بِنْت جُبَيْر بْن صَخْر بْن أُمَيَّة الْأَنْصَارِيَّة أُمّ أَوْلَاده الثَّلَاثَة عَبْد اللَّه وَعُبَيْد اللَّه وَمَعْبَد , وَيُقَال اِسْم اِمْرَأَته الَّتِي كَانَتْ يَوْمئِذٍ عِنْده خَيْرَة بِالْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَة ثُمَّ التَّحْتَانِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( اِلْحَقِي بِأَهْلِك فَتَكُونِي عِنْدهمْ حَتَّى يَقْضِي اللَّه ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مَعْقِل بْن عُبَيْد اللَّه عَنْ الزُّهْرِيّ \" فَلَحِقَتْ بِهِمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَتْ اِمْرَأَة هِلَال ) ‏ ‏هِيَ خَوْلَة بِنْت عَاصِم. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لِي بَعْض أَهْلِي ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَيُشْكِل مَعَ نَهْي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَلَام الثَّلَاثَة , وَيُجَاب بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ بَعْض وَلَده أَوْ مِنْ النِّسَاء , وَلَمْ يَقَع النَّهْي عَنْ كَلَام الثَّلَاثَة لِلنِّسَاءِ اللَّائِي فِي بُيُوتهمْ , أَوْ الَّذِي كَلَّمَهُ بِذَلِكَ كَانَ مُنَافِقًا , أَوْ كَانَ مِمَّنْ يَخْدُمهُ وَلَمْ يَدْخُل فِي النَّهْي. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَوْفَى ) ‏ ‏بِالْفَاءِ مَقْصُور أَيْ أَشْرَفَ وَاطَّلَعَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى جَبَل سَلْع ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" مِنْ ذُرْوَة سَلْع \" أَيْ أَعْلَاهُ , وَزَادَ اِبْن مَرْدَوْيهِ \" وَكُنْت اِبْتَنَيْت خَيْمَة فِي ظَهْر سَلْع فَكُنْت أَكُون فِيهَا \" وَنَحْوه لِابْنِ عَائِذ وَزَادَ \" أَكُون فِيهَا نَهَارًا \". ‏ ‏قَوْله : ( يَا كَعْب بْن مَالِك أَبْشِرْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُمَر بْن كَثِير عَنْ كَعْب عِنْد أَحْمَد \" إِذْ سَمِعْت رَجُلًا عَلَى الثَّنِيَّة يَقُول : كَعْبًا كَعْبًا , حَتَّى دَنَا مِنِّي فَقَالَ : بَشِّرُوا كَعْبًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَرْت سَاجِدًا وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ جَاءَ فَرَج ) ‏ ‏وَعِنْد اِبْن عَائِذ \" فَخَرَّ سَاجِدًا يَبْكِي فَرِحًا بِالتَّوْبَةِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَآذَنَ ) ‏ ‏بِالْمَدِّ وَفَتْح الْمُعْجَمَة أَيْ أَعْلَمَ , وللْكُشْمِيهَنِيِّ بِغَيْرِ مَدّ وَبِالْكَسْرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاشِد وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" فَأَنْزَلَ اللَّه تَوْبَتنَا عَلَى نَبِيّه حِين بَقِيَ الثُّلُث الْأَخِير مِنْ اللَّيْل , وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد أُمّ سَلَمَة , وَكَانَتْ أُمّ سَلَمَة مُحْسِنَة فِي شَأْنِي مُعْتَنِيَة بِأَمْرِي فَقَالَ : يَا أُمّ سَلَمَة تِيبَ عَلَى كَعْب , قَالَتْ : أَفَلَا أُرْسِل إِلَيْهِ فَأُبَشِّرهُ ؟ قَالَ : إِذًا يُحَطِّمكُمْ النَّاس فَيَمْنَعُوكُمْ النَّوْم سَائِر اللَّيْلَة. حَتَّى إِذَا صَلَّى الْفَجْر آذَنَ بِتَوْبَةِ اللَّه عَلَيْنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُل فَرَسًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون هُوَ حَمْزَة بْن عَمْرو الْأَسْلَمِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ ) ‏ ‏هُوَ حَمْزَة بْن عَمْرو وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ , وَعِنْد اِبْن عَائِذ أَنَّ اللَّذَيْنِ سَعَيَا أَبُو بَكْر وَعُمَر , لَكِنَّهُ صَدَّرَهُ بِقَوْلِهِ : \" زَعَمُوا \" وَعِنْد الْوَاقِدِيِّ \" وَكَانَ الَّذِي أَوْفَى عَلَى سَلْع أَبَا بَكْر الصِّدِّيق فَصَاحَ : قَدْ تَابَ اللَّه عَلَى كَعْب. وَاَلَّذِي خَرَجَ عَلَى فَرَسه الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام. قَالَ : وَكَانَ الَّذِي بَشَّرَنِي فَنَزَعْت لَهُ ثَوْبَيَّ حَمْزَة بْن عَمْرو الْأَسْلَمِيُّ. قَالَ : وَكَانَ الَّذِي بَشَّرَ هِلَال بْن أُمَيَّة بِتَوْبَتِهِ سَعِيد بْن زَيْد , قَالَ : وَخَرَجْت إِلَى بَنِي وَاقِف فَبَشَّرْته فَسَجَدَ. قَالَ سَعِيد : فَمَا ظَنَنْته يَرْفَع رَأْسه حَتَّى تَخْرُج نَفْسه \" يَعْنِي لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْجَهْد فَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ اِمْتَنَعَ مِنْ الطَّعَام حَتَّى كَانَ يُوَاصِل الْأَيَّام صَائِمًا وَلَا يَفْتُر مِنْ الْبُكَاء , وَكَانَ الَّذِي بَشَّرَ مُرَارَة بِتَوْبَتِهِ سِلْكَان بْن سَلَامَة أَوْ سَلَمَة بْن سَلَامَة بْن وَقْش. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّه مَا أَمْلِك غَيْرهمَا يَوْمئِذٍ ) ‏ ‏يُرِيد مِنْ جِنْس الثِّيَاب , وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ عِنْده رَاحِلَتَانِ , وَسَيَأْتِي أَنَّهُ اِسْتَأْذَنَ أَنْ يَخْرُج مِنْ مَاله صَدَقَة. ثُمَّ وَجَدْت فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة التَّصْرِيح بِذَلِكَ فَفِيهَا \" وَوَاللَّهِ مَا أَمْلِك يَوْمئِذٍ ثَوْبَيْنِ غَيْرهمَا \" وَزَادَ اِبْن عَائِذ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيّ \" فَلَبِسَهُمَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَاسْتَعَرْت ثَوْبَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيِّ \" مِنْ أَبِي قَتَادَةَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَانْطَلَقْت إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَانْطَلَقْت أَتَأَمَّم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَوْجًا فَوْجًا ) ‏ ‏أَيْ جَمَاعَة جَمَاعَة. ‏ ‏قَوْله : ( لِيَهْنِكَ بِكَسْرِ النُّون ) ‏ ‏وَزَعَمَ اِبْن التِّين أَنَّهُ بِفَتْحِهَا , بَلْ قَالَ السَّفَاقُسِيُّ إِنَّهُ أَصْوَب لِأَنَّهُ مِنْ الْهَنَاء , وَفِيهِ نَظَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ ) ‏ ‏قَالُوا سَبَب ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ آخَى بَيْنه وَبَيْن طَلْحَة لَمَّا آخَى بَيْن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار , وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَهْل الْمَغَازِي أَنَّهُ كَانَ أَخَا الزُّبَيْر لَكِنْ كَانَ الزُّبَيْر أَخَا طَلْحَة فِي أُخُوَّة الْمُهَاجِرِينَ فَهُوَ أَخُو أَخِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْم مَرَّ عَلَيْك مُنْذُ وَلَدَتْك أُمّك ) ‏ ‏اُسْتُشْكِلَ هَذَا الْإِطْلَاق بِيَوْمِ إِسْلَامه فَإِنَّهُ مَرَّ عَلَيْهِ بَعْد أَنْ وَلَدَتْهُ أُمّه وَهُوَ خَيْر أَيَّامه , فَقِيلَ هُوَ مُسْتَثْنًى , تَقْدِيرًا وَإِنْ لَمْ يَنْطِق بِهِ لِعَدَمِ خَفَائِهِ , وَالْأَحْسَن فِي الْجَوَاب أَنَّ يَوْم تَوْبَته مُكَمِّل لِيَوْمِ إِسْلَامه , فَيَوْم إِسْلَامه بِدَايَة سَعَادَته وَيَوْم تَوْبَته مُكَمِّل لَهَا فَهُوَ خَيْر جَمِيع أَيَّامه , وَإِنْ كَانَ يَوْم إِسْلَامه خَيْرهَا فَيَوْم تَوْبَته الْمُضَاف إِلَى إِسْلَامه خَيْر مِنْ يَوْم إِسْلَامه الْمُجَرَّد عَنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : لَا , بَلْ مِنْ عِنْد اللَّه ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" إِنَّكُمْ صَدَقْتُمْ اللَّه فَصَدَقَكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَة قَمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاشِد فِي التَّفْسِير \" حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَة مِنْ التَّمْر \" وَيُسْأَل عَنْ السِّرّ فِي التَّقْيِيد بِالْقِطْعَةِ مَعَ كَثْرَة مَا وَرَدَ فِي كَلَام الْبُلَغَاء مِنْ تَشْبِيه الْوَجْه بِالْقَمَرِ بِغَيْرِ تَقْيِيد , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشْبِيههمْ لَهُ بِالشَّمْسِ طَالِعَة وَغَيْر ذَلِكَ , وَكَانَ كَعْب بْن مَالِك قَائِل هَذَا مِنْ شُعَرَاء الصَّحَابَة وَحَاله فِي ذَلِكَ مَشْهُور , فَلَا بُدّ فِي التَّقْيِيد بِذَلِكَ مِنْ حِكْمَة. وَمَا قِيلَ فِي ذَلِكَ مِنْ الِاحْتِرَاز مِنْ السَّوَاد الَّذِي فِي الْقَمَر لَيْسَ بِقَوِيٍّ , لِأَنَّ الْمُرَاد تَشْبِيهه بِمَا فِي الْقَمَر مِنْ الضِّيَاء وَالِاسْتِنَارَة , وَهُوَ فِي تَمَامه لَا يَكُون فِيهَا أَقَلّ مِمَّا فِي الْقِطْعَة الْمُجَرَّدَة. وَقَدْ ذَكَرْت فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ تَوْجِيهَات : وَمِنْهَا أَنَّهُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى مَوْضِع الِاسْتِنَارَة وَهُوَ الْجَبِين وَفِيهِ يَظْهَر السُّرُور كَمَا قَالَتْ عَائِشَة : مَسْرُورًا تَبْرُق أَسَارِير وَجْهه , فَكَأَنَّ التَّشْبِيه وَقَعَ عَلَى بَعْض الْوَجْه فَنَاسَبَ أَنْ يُشَبَّه بِبَعْضِ الْقَمَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَكُنَّا نَعْرِف ذَلِكَ مِنْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فِيهِ \" , وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ كَمَالِ الشَّفَقَة عَلَى أُمَّته وَالرَّأْفَة بِهِمْ وَالْفَرَح بِمَا يَسُرّهُمْ. وَعِنْد اِبْن مَرْدَوْيهِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ كَعْب بْن مَالِك \" لَمَّا نَزَلَتْ تَوْبَتِي أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلْت يَده وَرُكْبَته \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِع مِنْ مَالِي ) ‏ ‏أَيْ أَخْرَجَ مِنْ جَمِيع مَالِي. ‏ ‏قَوْله : ( صَدَقَة ) ‏ ‏هُوَ مَصْدَر فِي مَوْضِع الْحَال أَيْ مُتَصَدِّقًا , أَوْ ضَمَّنَ أَنْخَلِع مَعْنَى أَتَصَدَّق وَهُوَ مَصْدَر أَيْضًا وَقَوْله : \" أَمْسِكْ عَلَيْك بَعْض مَالِك فَهُوَ خَيْر لَك \" فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ عَنْ كَعْب أَنَّهُ قَالَ : \" إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَخْرُج مِنْ مَالِي كُلّه إِلَى اللَّه وَرَسُوله صَدَقَة. قَالَ : لَا , قُلْت : نِصْفه. قَالَ : لَا , قُلْت : فَثُلُثه. قَالَ : نَعَمْ \" وَلِابْنِ مَرْدَوْيهِ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيّ \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَجْزِي عَنْك مِنْ ذَلِكَ الثُّلُث \" وَنَحْوه لِأَحْمَد فِي قِصَّة أَبِي لُبَابَة حِين قَالَ : \" إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِع مِنْ مَالِي كُلّه صَدَقَة لِلَّهِ وَرَسُوله , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَجْزِي عَنْك الثُّلُث \". ‏ ‏قَوْله : ( فَوَاَللَّهِ مَا أَعْلَم أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّه ) ‏ ‏أَيْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ. وَقَوْله : \" فِي صِدْق الْحَدِيث مُذْ ذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَن مِمَّا أَبْلَانِي \" وَكَذَلِكَ قَوْله بَعْد ذَلِكَ \" فَوَاَللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّه عَلَيَّ مِنْ نِعْمَة قَطُّ بَعْد أَنْ هَدَانِي إِلَى الْإِسْلَام أَعْظَم مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَفِي قَوْله : \" أَحْسَن وَأَعْظَم \" شَاهِد عَلَى أَنَّ هَذَا السِّيَاق يُورَد وَيُرَاد بِهِ نَفْي الْأَفْضَلِيَّة لَا الْمُسَاوَاة , لِأَنَّ كَعْبًا شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ رَفِيقَانِ , وَقَدْ نَفَى أَنْ يَكُون أَحَد حَصَلَ لَهُ أَحْسَن مِمَّا حَصَلَ لَهُ , وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَنْفِ الْمُسَاوَاة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ لَا أَكُون كَذَبْته ) ‏ ‏لَا زَائِدَة كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ عِيَاض. ‏ ‏قَوْله : ( وَكُنَّا تُخُلِّفْنَا ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر اللَّام وَفِي رِوَايَة مُسْلِم وَغَيْره \" خُلِّفْنَا \" بِضَمِّ الْمُعْجَمَة مِنْ غَيْر شَيْء قَبْلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَرْجَأَ ) ‏ ‏مَهْمُوزًا أَيْ أَخَّرَ وَزْنًا وَمَعْنًى , وَحَاصِله أَنَّ كَعْبًا فَسَّرَ قَوْله تَعَالَى : ( وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ) أَيْ أُخِّرُوا حَتَّى تَابَ اللَّه عَلَيْهِمْ , لَا أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُمْ خُلِّفُوا عَنْ الْغَزْو , وَفِي تَفْسِير عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَمَّنْ سَمِعَ عِكْرِمَة فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ) قَالَ : خُلِّفُوا عَنْ التَّوْبَة , وَلِابْنِ جَرِير مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ نَحْوه , قَالَ اِبْن جَرِير : فَمَعْنَى الْكَلَام لَقَدْ تَابَ اللَّه عَلَى الَّذِينَ أُخِّرَتْ تَوْبَتهمْ. وَفِي قِصَّة كَعْب مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ جَوَاز طَلَب أَمْوَال الْكُفَّار مِنْ ذَوِي الْحَرْب , وَجَوَاز الْغَزْو فِي الشَّهْر الْحَرَام , وَالتَّصْرِيح بِجِهَةِ الْغَزْو إِذَا لَمْ تَقْتَضِ الْمَصْلَحَة سَتْره , وَأَنَّ الْإِمَام إِذَا اِسْتَنْفَرَ الْجَيْش عُمُومًا لَزِمَهُمْ النَّفِير وَلَحِقَ اللَّوْم بِكُلّ فَرْد فَرْد أَنْ لَوْ تَخَلَّفَ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : إِنَّمَا اِشْتَدَّ الْغَضَب عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ وَإِنْ كَانَ الْجِهَاد فَرْض كِفَايَة لَكِنَّهُ فِي حَقّ الْأَنْصَار خَاصَّة فَرْض عَيْن لِأَنَّهُمْ بَايَعُوا عَلَى ذَلِكَ , وَمِصْدَاق ذَلِكَ قَوْلهمْ وَهُمْ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَق : ‏ ‏نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا ‏ ‏عَلَى الْجِهَاد مَا بَقِينَا أَبَدًا ‏ ‏فَكَانَ تَخَلُّفهمْ عَنْ هَذِهِ الْغَزْوَة كَبِيرَة لِأَنَّهَا كَالنَّكْثِ لِبَيْعَتِهِمْ , كَذَا قَالَ اِبْن بَطَّال. قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَلَا أَعْرِف لَهُ وَجْهًا غَيْر الَّذِي قَالَ. قُلْت : وَقَدْ ذَكَرْت وَجْهًا غَيْر الَّذِي ذَكَرَهُ وَلَعَلَّهُ أَقْعَد , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى : ( مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ) الْآيَة. وَعِنْد الشَّافِعِيَّة وَجْه أَنَّ الْجِهَاد كَانَ فَرْض عَيْن فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَعَلَى هَذَا فَيَتَوَجَّه الْعِتَاب عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ مُطْلَقًا. وَفِيهَا أَنَّ الْعَاجِز عَنْ الْخُرُوج بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَالِهِ لَا لَوْم عَلَيْهِ , وَاسْتِخْلَاف مَنْ يَقُوم مَقَام الْإِمَام عَلَى أَهْله وَالضَّعَفَة , وَفِيهَا تَرْك قَتْل الْمُنَافِقِينَ , وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ تَرْك قَتْل الزِّنْدِيق إِذَا أَظْهَر التَّوْبَة. وَأَجَابَ مَنْ أَجَازَهُ بِأَنَّ التَّرْك كَانَ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيف عَلَى الْإِسْلَام. وَفِيهَا عِظَم أَمْر الْمَعْصِيَة , وَقَدْ نَبَّهَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْهُ قَالَ : يَا سُبْحَان اللَّه مَا أَكَلَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة مَالًا حَرَامًا وَلَا سَفَكُوا دَمًا حَرَامًا وَلَا أَفْسَدُوا فِي الْأَرْض , أَصَابَهُمْ مَا سَمِعْتُمْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْض بِمَا رَحُبَتْ , فَكَيْف بِمَنْ يُوَاقِع الْفَوَاحِش وَالْكَبَائِر ؟ وَفِيهَا أَنَّ الْقَوِيّ فِي الدِّين يُؤَاخَذ بِأَشَدّ مِمَّا يُؤَاخَذ الضَّعِيف فِي الدِّين , وَجَوَاز إِخْبَار الْمَرْء عَنْ تَقْصِيره وَتَفْرِيطه وَعَنْ سَبَب ذَلِكَ وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْره تَحْذِيرًا وَنَصِيحَة لِغَيْرِهِ , وَجَوَاز مَدْح الْمَرْء بِمَا فِيهِ مِنْ الْخَيْر إِذَا أُمِنَ الْفِتْنَة , وَتَسْلِيَة نَفْسه بِمَا لَمْ يَحْصُل لَهُ بِمَا وَقَعَ لِنَظِيرِهِ , وَفَضْل أَهْل بَدْر وَالْعَقَبَة , وَالْحَلِف لِلتَّأْكِيدِ مِنْ غَيْر اِسْتِحْلَاف , وَالتَّوْرِيَة عَنْ الْمَقْصِد , وَرَدّ الْغَيْبَة , وَجَوَاز تَرْك وَطْء الزَّوْجَة مُدَّة. وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْء إِذَا لَاحَتْ لَهُ فُرْصَة فِي الطَّاعَة فَحَقّه أَنْ يُبَادِر إِلَيْهَا وَلَا يُسَوِّف بِهَا لِئَلَّا يُحْرَمْهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( اِسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ) وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : ( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةَ ) وَنَسْأَل اللَّه تَعَالَى أَنْ يُلْهِمنَا الْمُبَادَرَة إِلَى طَاعَته , وَأَنْ لَا يَسْلُبنَا مَا خَوَّلَنَا مِنْ نِعْمَته. وَفِيهَا جَوَاز تَمَنِّي مَا فَاتَ مِنْ الْخَيْر , وَأَنَّ الْإِمَام لَا يُهْمِل مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي بَعْض الْأُمُور بَلْ يَذْكُرهُ لِيُرَاجِع التَّوْبَة. وَجَوَاز الطَّعْن فِي الرَّجُل بِمَا يَغْلِب عَلَى اِجْتِهَاد الطَّاع"
    },
    {
        "id": "4067",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْحِجْرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الْوَادِيَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله : \" أَنْ يُصِيبكُمْ \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة مَفْعُول لَهُ , أَيْ كَرَاهَة الْإِصَابَة. ‏ ‏وَقَوْله : \" أَجَازَ الْوَادِي \" ‏ ‏أَيْ قَطَعَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4068",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَصْحَابِ ‏ ‏الْحِجْرِ ‏ ‏لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِ الْحِجْرِ لَا تَدْخُلُوا \" ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : أَيْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ الَّذِينَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِع , وَأُضِيفَ إِلَى الْحِجْر لِعُبُورِهِمْ عَلَيْهِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ وَتَعَسَّفَ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ , بَلْ اللَّام فِي قَوْله : \" لِأَصْحَابِ الْحِجْرِ \" بِمَعْنَى عَنْ , وَحَذَفَ الْمَقُول لَهُمْ لِيَعُمّ كُلّ سَامِع , وَالتَّقْدِير : قَالَ لِأُمَّتِهِ عَنْ أَصْحَاب الْحِجْر وَهُمْ ثَمُود : لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ , أَيْ ثَمُود : وَهَذَا وَاضِح لَا خَفَاء بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4069",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اللَّيْثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذَهَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِبَعْضِ حَاجَتِهِ فَقُمْتُ أَسْكُبُ عَلَيْهِ الْمَاءَ ‏ ‏لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ فِي ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذَهَبَ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ عَلَيْهِ كُمُّ الْجُبَّةِ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ جُبَّتِهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِغَيْرِ تَرْجَمَة , وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِمَّا تَقَدَّمَ , لِأَنَّ أَحَادِيثه تَتَعَلَّق بِبَقِيَّةِ قِصَّة تَبُوك. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اللَّيْث عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَة عَنْ اللَّيْث عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم فَكَأَنَّ لَهُ فِيهِ شَيْخَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( ذَهَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَعْضِ حَاجَته , فَقُمْت أَسْكُب عَلَيْهِ , لَا أَعْلَمهُ إِلَّا فِي غَزْوَة تَبُوك ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَقَدْ قَدَّمْت فِي الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ بَيَان مَنْ رَوَاهُ بِغَيْرِ تَرَدُّد , وَذَكَرْت هُنَاكَ بَقِيَّة شَرْحه. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَبَّاد بْن زِيَاد عَنْ عُرْوَة بْن الْمُغِيرَة أَنَّ الْمُغِيرَة أَخْبَرَهُ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبُوك فَذَكَرَ حَدِيث الْمَسْح كَمَا تَقَدَّمَ وَزَادَ الْمُغِيرَة \" فَأَقْبَلَتْ مَعَهُ حَتَّى نَجِد النَّاس قَدْ قَدَّمُوا عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف يُصَلِّي بِهِمْ , فَأَدْرَكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّكْعَة الْأَخِيرَة , فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْد الرَّحْمَن قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُتِمّ صَلَاته. فَأَفْزَعَ ذَلِكَ النَّاس \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" قَالَ الْمُغِيرَة : فَأَرَدْت تَأْخِير عَبْد الرَّحْمَن , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4070",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حُمَيْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ هَذِهِ ‏ ‏طَابَةُ ‏ ‏وَهَذَا ‏ ‏أُحُدٌ ‏ ‏جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال , ‏ ‏وَ ( عُمَر بْن يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْمَازِنِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِث حَدِيث أَبِي حُمَيْدٍ هَذَا فِي أَوَاخِر الزَّكَاة وَفِي الْجِهَاد فِي \" بَاب مَنْ غَزَا بِصَبِيٍّ لِلْخِدْمَةِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4071",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجَعَ مِنْ ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏فَدَنَا مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ وَهُمْ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِث الْحَدِيث سَنَدًا وَمَتْنًا فِي الْجِهَاد فِي \" بَاب مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْر عَنْ الْغَزْو \". ‏"
    },
    {
        "id": "4072",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏مَعَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ ‏ ‏فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى ‏ ‏عَظِيمِ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏فَدَفَعَهُ عَظِيمُ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ ‏ ‏فَحَسِبْتُ أَنَّ ‏ ‏ابْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , وَيَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم أَيْ اِبْن سَعْد , وَصَالِح هُوَ اِبْن كَيْسَانَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْعِلْم عَالِيًا عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( مَعَ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُمَر بْن شَبَّة أَنَّهُ خُنَيْس بْن حُذَافَة , وَهُوَ غَلَط فَإِنَّهُ مَاتَ بِأُحُدٍ فَتَأَيَّمَتْ مِنْهُ حَفْصَة وَبَعْث الرُّسُل كَانَ بَعْد الْهُدْنَة سَنَة سَبْع , وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَة عَبْد اللَّه بْن عِيسَى أَخِي كَامِل بْن عَدِيّ مِنْ طَرِيقه عَنْ دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة اِتِّخَاذ الْخَاتَم وَفِيهِ \" وَبَعَثَ كِتَابًا إِلَى كِسْرَى بْن هُرْمُز بَعَثَ بِهِ مَعَ عُمَر بْن الْخَطَّاب \" كَذَا قَالَ , وَعَبْد اللَّه ضَعِيف فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ كَتَبَ إِلَى مَلِك فَارِس مَرَّتَيْنِ وَذَلِكَ فِي أَوَائِل سَنَة سَبْع. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى عَظِيم الْبَحْرَيْنِ ) ‏ ‏هُوَ الْمُنْذِر سَاوَى الْعَبْدِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَفَعَهُ ) ‏ ‏الْفَاء عَاطِفَة عَلَى مَحْذُوف تَقْدِير فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ فَأَعْطَاهُ الْكِتَاب فَأَعْطَاهُ لِقَاصِدِهِ عِنْده فَتَوَجَّهَ بِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى كِسْرَى , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُنْذِر تَوَجَّهَ بِنَفْسِهِ فَلَا يَحْتَاج إِلَى الْقَاصِد , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْقَاصِد لَمْ يُبَاشِر إِعْطَاء كِسْرَى بِنَفْسِهِ كَمَا هُوَ الْأَغْلَب مِنْ حَال الْمُلُوك فَيَزْدَاد التَّقْدِير. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا قَرَأَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمَفْعُول , وللْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَلَمَّا قَرَأَهُ \" وَفِيهِ مَجَاز فَإِنَّهُ لَمْ يَقْرَأهُ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا قُرِئَ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( مَزَّقَهُ ) ‏ ‏أَيْ قَطَعَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَسِبْت أَنَّ اِبْن الْمُسَيِّب ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ الزُّهْرِيّ وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَوَقَعَ فِي جَمِيع الطُّرُق مُرْسَلًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن الْمُسَيِّب سَمِعَهُ مِنْ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة صَاحِب الْقِصَّة , فَإِنَّ اِبْن سَعْد ذَكَرَ مِنْ حَدِيثه أَنَّهُ قَالَ : \" فَقَرَأَ عَلَيْهِ كِتَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَهُ فَمَزَّقَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى كِسْرَى وَجُنُوده. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يُمَزَّقُوا كُلّ مُمَزَّق ) ‏ ‏بِفَتْحِ الزَّاي أَيْ يَتَفَرَّقُوا وَيَتَقَطَّعُوا وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة \" فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ مَزِّقْ مُلْكه \" وَكَتَبَ إِلَى بَاذَانَ عَامِله عَلَى الْيَمَن : اِبْعَثْ مِنْ عِنْدك رَجُلَيْنِ إِلَى هَذَا الرَّجُل الَّذِي بِالْحِجَازِ , فَكَتَبَ بَاذَانُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَبْلِغَا صَاحِبكُمَا أَنَّ رَبِّي قَتَلَ رَبّه فِي هَذِهِ اللَّيْلَة , قَالَ : وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَة الثُّلَاثَاء لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَة سَبْع , وَإِنَّ اللَّه سَلَّطَ عَلَيْهِ اِبْنه شيرويه فَقَتَلَهُ. وَعَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ كِسْرَى كَتَبَ إِلَى بَاذَانَ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْش يَزْعُم أَنَّهُ نَبِيّ , فَسِرْ إِلَيْهِ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا اِبْعَثْ بِرَأْسِهِ , فَذَكَرَ الْقِصَّة قَالَ : فَلَمَّا بَلَغَ بَاذَانَ أَسْلَمَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْفُرْس. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏جَزَمَ اِبْن سَعْد بِأَنَّ بَعْث عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة إِلَى كِسْرَى كَانَ فِي سَنَة سَبْع فِي زَمَن الْهُدْنَة , وَهُوَ عِنْد الْوَاقِدِيِّ مِنْ حَدِيث الشِّفَاء بِنْت عَبْد اللَّه بِلَفْظِ \" مُنْصَرَفه مِنْ الْحُدَيْبِيَة \" وَصَنِيع الْبُخَارِيّ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ فِي سَنَة تِسْع , فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْد غَزْوَة تَبُوك , وَذَكَر فِي آخَر الْبَاب حَدِيث السَّائِب أَنَّهُ تَلَقَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ تَبُوك إِشَارَة إِلَى مَا ذَكَرْت , وَقَدْ ذَكَرَ أَهْل الْمَغَازِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ بِتَبُوك كَتَبَ إِلَى قَيْصَر وَغَيْره , وَهِيَ غَيْر الْمَرَّة الَّتِي كَتَبَ إِلَيْهِ مَعَ دِحْيَة , فَإِنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَن الْهُدْنَة كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَبَر وَذَلِكَ سَنَة سَبْع. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَر \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَإِلَى كُلّ جَبَّار عَنِيد \" وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ قَالَ : \" خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ : إِنَّ اللَّه بَعَثَنِي لِلنَّاسِ كَافَّة. فَأَدُّوا عَنِّي وَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيَّ. فَبَعَثَ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة إِلَى كِسْرَى , وَسَلِيط بْن عَمْرو إِلَى هَوْذَة بْن عَلِيّ بِالْيَمَامَةِ , وَالْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ إِلَى الْمُنْذِر بْن سَاوَى بِهَجَر , وَعَمْرو بْن الْعَاصِ إِلَى جَيْفَر وَعَبَّاد اِبْنَيْ الْجَلَنْدِيّ بِعَمَّان , وَدِحْيَة إِلَى قَيْصَر , وَشُجَاع بْن وَهْب إِلَى اِبْن أَبِي شَمِر الْغَسَّانِيّ , وَعَمْرو بْن أُمَيَّة إِلَى النَّجَاشِيّ , فَرَجَعُوا جَمِيعًا قَبْل وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , غَيْر عَمْرو بْن الْعَاصِ \" وَزَادَ أَصْحَاب السِّيَر أَنَّهُ بَعَثَ الْمُهَاجِر بْن أَبِي أُمَيَّة بْن الْحَارِث بْن عَبْد كَلَال وَحَرِيرًا إِلَى ذِي الْكُلَاع , وَالسَّائِب إِلَى مُسَيْلِمَة , وَحَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُقَوْقِس. وَفِي حَدِيث أَنَس الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ عِنْد مُسْلِم أَنَّ النَّجَاشِيّ الَّذِي بَعَثَ إِلَيْهِ مَعَ هَؤُلَاءِ غَيْر النَّجَاشِيّ الَّذِي أَسْلَمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4073",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ قَالَ لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَهْلَ فَارِسَ ‏ ‏قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ ‏ ‏بِنْتَ ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَوْف ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْرَابِيّ ‏ ‏وَ ( الْحَسَن ) ‏ ‏هُوَ الْبَصْرِيّ وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَسَمَاع الْحَسَن مِنْ أَبِي بَكْرَة تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الصُّلْح. ‏ ‏قَوْله : ( نَفَعَنِي اللَّه بِكَلِمَةٍ سَمِعْتهَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّام الْجَمَل ) ‏ ‏فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير , وَالتَّقْدِير : نَفَعَنِي اللَّه أَيَّام الْجَمَل بِكَلِمَةٍ سَمِعْتهَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ قَبْل ذَلِكَ , فَأَيَّام يَتَعَلَّق بِـ \" نَفَعَنِي \" لَا بِـ \" سَمِعْتهَا \" فَإِنَّهُ سَمِعَهَا قَبْل ذَلِكَ قَطْعًا , وَالْمُرَاد بِأَصْحَابِ الْجَمَل الْعَسْكَر الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله : ( بَعْدَمَا كِدْت أَلْحَق بِأَصْحَابِ الْجَمَل ) ‏ ‏يَعْنِي عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا وَمَنْ مَعَهَا , وَسَيَأْتِي بَيَان هَذِهِ الْقِصَّة فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَمُحَصَّلهَا أَنَّ عُثْمَان لَمَّا قُتِلَ وَبُويِعَ عَلِيّ بِالْخِلَافَةِ خَرَجَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر إِلَى مَكَّة فَوَجَدَا عَائِشَة وَكَانَتْ قَدْ حَجَّتْ , فَاجْتَمَعَ رَأْيهمْ عَلَى التَّوَجُّه إِلَى الْبَصْرَة يَسْتَنْفِرُونَ النَّاس لِلطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَان , فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ , فَكَانَتْ وَقْعَة الْجَمَل , وَنُسِبَتْ إِلَى الْجَمَل الَّذِي كَانَتْ عَائِشَة قَدْ رَكِبَتْهُ وَهِيَ فِي هَوْدَجهَا تَدْعُو النَّاس إِلَى الْإِصْلَاح , وَالْقَائِل : \" لَمَّا بَلَغَ \" هُوَ أَبُو بَكْرَة , وَهُوَ تَفْسِير لِقَوْلِهِ : \" بِكَلِمَةٍ \" وَفِيهِ إِطْلَاق الْكَلِمَة عَلَى الْكَلَام الْكَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْت كِسْرَى ) ‏ ‏هِيَ بُورَان بِنْت شيرويه بْن كِسْرَى بْن برويز , وَذَلِكَ أَنَّ شيرويه لَمَّا قَتَلَ أَبَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ كَانَ أَبُوهُ لَمَّا عَرَفَ أَنَّ اِبْنه قَدْ عَمِلَ عَلَى قَتْله اِحْتَالَ عَلَى قَتْل اِبْنه بَعْد مَوْته فَعَمِلَ فِي بَعْض خَزَائِنه الْمُخْتَصَّة بِهِ حُقًّا مَسْمُومًا وَكَتَبَ عَلَيْهِ : حُقّ الْجِمَاع , مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُ كَذَا جَامَعَ كَذَا. فَقَرَأَهُ شيرويه , فَتَنَاوَلَ مِنْهُ فَكَانَ فِيهِ هَلَاكه , فَلَمْ يَعِشْ بَعْد أَبِيهِ سِوَى سِتَّة أَشْهُر , فَلَمَّا مَاتَ لَمْ يُخَلِّف أَخًا لِأَنَّهُ كَانَ قَتَلَ إِخْوَته حِرْصًا عَلَى الْمُلْك وَلَمْ يُخَلِّف ذَكَرًا , وَكَرِهُوا خُرُوج الْمُلْك عَنْ ذَلِكَ الْبَيْت فَمَلَّكُوا الْمَرْأَة وَاسْمهَا بُورَانُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة. ذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن قُتَيْبَة فِي الْمَغَازِي. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا أَنَّ أُخْتهَا أرزميدخت مَلَكَتْ أَيْضًا. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي الْحَدِيث أَنَّ الْمَرْأَة لَا تَلِي الْإِمَارَة وَلَا الْقَضَاء , وَفِيهِ أَنَّهَا لَا تُزَوِّج نَفْسهَا , وَلَا تَلِي الْعَقْد عَلَى غَيْرهَا , كَذَا قَالَ , وَهُوَ مُتَعَقَّب وَالْمَنْع مِنْ أَنْ تَلِي الْإِمَارَة وَالْقَضَاء قَوْل الْجُمْهُور , وَأَجَازَهُ الطَّبَرِيُّ وَهِيَ رِوَايَة عَنْ مَالِك , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة تَلِي الْحُكْم فِيمَا تَجُوز فِيهِ شَهَادَة النِّسَاء. وَمُنَاسَبَة هَذَا الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّهُ تَتِمَّة قِصَّة كِسْرَى الَّذِي مَزَّقَ كِتَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَلَّطَ اللَّه عَلَيْهِ اِبْنه فَقَتَلَهُ ثُمَّ قَتَلَ إِخْوَته حَتَّى أَفْضَى الْأَمْر بِهِمْ إِلَى تَأْمِير الْمَرْأَة , فَجَرَّ ذَلِكَ إِلَى ذَهَاب مُلْكهمْ وَمُزِّقُوا كَمَا دَعَا بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4074",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَذْكُرُ أَنِّي ‏ ‏خَرَجْتُ مَعَ الْغِلْمَانِ إِلَى ‏ ‏ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ ‏ ‏نَتَلَقَّى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مَرَّةً مَعَ الصِّبْيَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ سُفْيَان مَرَّة مَعَ الصِّبْيَان ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول , وَلَكِنْ بَيْن الرَّاوِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ مَرَّة الْغِلْمَان وَمَرَّة الصِّبْيَان , وَهُوَ بِالْمَعْنَى. ثُمَّ سَاقَهُ عَنْ شَيْخ آخَر عَنْ سُفْيَان وَزَادَ فِي آخِره \" مَقْدَمه مِنْ تَبُوك \" فَأَنْكَرَ الدَّاوُدِيُّ هَذَا وَتَبِعَهُ اِبْن الْقَيِّم وَقَالَ : ثَنِيَّة الْوَدَاع مِنْ جِهَة مَكَّة لَا مِنْ جِهَة تَبُوك , بَلْ هِيَ مُقَابِلهَا كَالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِب. قَالَ : إِلَّا أَنْ يَكُون هُنَاكَ ثَنِيَّة أُخْرَى فِي تِلْكَ الْجِهَة , وَالثَّنِيَّة مَا اِرْتَفَعَ فِي الْأَرْض , وَقِيلَ الطَّرِيق فِي الْجَبَل. قُلْت : لَا يَمْنَع كَوْنهَا مِنْ جِهَة الْحِجَاز أَنْ يَكُون خُرُوج الْمُسَافِر إِلَى الشَّام مِنْ جِهَتهَا , وَهَذَا وَاضِح كَمَا فِي دُخُول مَكَّة مِنْ ثَنِيَّة وَالْخُرُوج مِنْهَا مِنْ أُخْرَى , وَيَنْتَهِي كِلَاهُمَا إِلَى طَرِيق وَاحِدَة , وَقَدْ رُوِّينَا بِسَنَدٍ مُنْقَطِع فِي \" الْحَلَبِيَّات \" قَوْل النِّسْوَة لَمَّا قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة : \" طَلَعَ الْبَدْر عَلَيْنَا مِنْ ثَنِيَّات الْوَدَاع \" فَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ عِنْد قُدُومه فِي الْهِجْرَة وَقِيلَ عِنْد قُدُومه مِنْ غَزْوَة تَبُوك. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏فِي إِيرَاد هَذَا الْحَدِيث آخِر هَذَا الْبَاب إِشَارَة إِلَى أَنَّ إِرْسَال الْكُتُب إِلَى الْمُلُوك كَانَ فِي سَنَة غَزْوَة تَبُوك , وَلَكِنْ لَا يَدْفَع ذَلِكَ قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ كَاتَبَ الْمُلُوك فِي سَنَة الْهُدْنَة كَقَيْصَرَ , وَالْجَمْع بَيْن الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ كَاتَبَ قَيْصَر مَرَّتَيْنِ , وَهَذِهِ الثَّانِيَة قَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِهَا فِي \" مُسْنَد أَحْمَد \" وَكَاتَبَ النَّجَاشِيّ الَّذِي أَسْلَمَ وَصَلَّى عَلَيْهِ لَمَّا مَاتَ , ثُمَّ كَاتَبَ النَّجَاشِيّ الَّذِي وَلِيَ بَعْده وَكَانَ كَافِرًا , وَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ : : كَتَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كُلّ جَبَّار يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّه \" وَسُمِّيَ مِنْهُمْ كِسْرَى وَقَيْصَر وَالنَّجَاشِيّ , قَالَ : وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4075",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏السَّائِبِ ‏ ‏أَذْكُرُ أَنِّي ‏ ‏خَرَجْتُ مَعَ الصِّبْيَانِ نَتَلَقَّى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ ‏ ‏مَقْدَمَهُ مِنْ ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏تَبُوكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4076",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ ‏ ‏بِالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ‏ ‏ثُمَّ مَا صَلَّى لَنَا بَعْدَهَا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أُمّ الْفَضْل ) ‏ ‏هِيَ وَالِدَة اِبْن عَبَّاس , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيثهَا فِي الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "4077",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يُدْنِي ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ فَقَالَ إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ فَسَأَلَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ‏ { ‏إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ‏} ‏فَقَالَ ‏ ‏أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ فَقَالَ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يُدْنِي اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏هُوَ مِنْ إِقَامَة الظَّاهِر مَقَام الْمُضْمَر , وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق شُعْبَةَ الْمَذْكُورَة بِلَفْظِ \" كَانَ عُمَر يَسْأَلنِي مَعَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَتَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث الْبَاب فِي غَزْوَة الْفَتْح مِنْ طَرِيق آخَر عَنْ أَبِي بِشْر أَتَمّ سِيَاقًا وَأَكْثَر فَوَائِد , وَأَطَلْنَا بِشَرْحِهِ عَلَى تَفْسِير سُورَة النَّصْر , وَتَقَدَّمَ فِي حَجَّة الْوَدَاع حَدِيث اِبْن عُمَر \" نَزَلَتْ سُورَة ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ ) فِي أَيَّام التَّشْرِيق فِي حَجَّة الْوَدَاع \" وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ وَجْه آخَر أَنَّهَا \" لَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدّ مَا كَانَ اِجْتِهَادًا فِي أَمْر الْآخِرَة \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث جَابِر \" لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَة قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيل : نَعَيْت إِلَيَّ نَفْسِي. فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل : وَالْآخِرَة خَيْرٌ لَك مِنْ الْأُولَى \". ‏"
    },
    {
        "id": "4078",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَجَعُهُ فَقَالَ ‏ ‏ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا فَتَنَازَعُوا وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ فَقَالُوا مَا شَأْنُهُ أَهَجَرَ اسْتَفْهِمُوهُ فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ فَقَالَ دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ وَأَوْصَاهُمْ بِثَلَاثٍ قَالَ أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ ‏ ‏جَزِيرَةِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ وَسَكَتَ عَنْ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَ فَنَسِيتُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَوْم الْخَمِيس ) ‏ ‏هُوَ خَبَر لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوف أَوْ عَكْسه , وَقَوْله : \" وَمَا يَوْم الْخَمِيس \" يُسْتَعْمَل عِنْد إِرَادَة تَفْخِيم الْأَمْر فِي الشِّدَّة وَالتَّعَجُّب مِنْهُ , زَادَ فِي أَوَاخِر الْجِهَاد مِنْ هَذَا الْوَجْه \" ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَّبَ دَمْعه الْحَصَى \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق طَلْحَة بْن مُصَرِّف عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر \" ثُمَّ جَعَلَ تَسِيل دُمُوعه حَتَّى رَأَيْتهَا عَلَى خَدَّيْهِ كَأَنَّهَا نِظَام اللُّؤْلُؤ \" وَبُكَاء اِبْن عَبَّاس يَحْتَمِل لِكَوْنِهِ تَذَكَّرَ وَفَاة رَسُول اللَّه فَتَجَدَّدَ لَهُ الْحُزْن عَلَيْهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِنْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مَا فَاتَ فِي مُعْتَقَده مِنْ الْخَيْر الَّذِي كَانَ يَحْصُل لَوْ كَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَاب , وَلِهَذَا أَطْلَقَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة أَنَّ ذَلِكَ رَزِيَّة , ثُمَّ بَالَغَ فِيهَا فَقَالَ : كُلّ الرَّزِيَّة. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم الْجَوَاب عَمَّنْ اِمْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ كَعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( اِشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعه ) ‏ ‏زَادَ فِي الْجِهَاد \" يَوْم الْخَمِيس \" وَهَذَا يُؤَيِّد أَنَّ اِبْتِدَاء مَرَضه , كَانَ قَبْل ذَلِكَ , وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" لَمَّا حُضِرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" بِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة أَيْ حَضَرَهُ الْمَوْت , وَفِي إِطْلَاق ذَلِكَ تَجَوُّز , فَإِنَّهُ عَاشَ بَعْد ذَلِكَ إِلَى يَوْم الِاثْنَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( كِتَابًا ) ‏ ‏قِيلَ هُوَ تَعْيِين الْخَلِيفَة بَعْده , وَسَيَأْتِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَحْكَام فِي \" بَابِ الِاسْتِخْلَاف \" مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَنْ تَضِلُّوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَا تَضِلُّونَ \" وَتَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ وَكَذَا فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهه. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَنْبَغِي عِنْد نَبِيّ تَنَازُع ) ‏ ‏هُوَ مِنْ جُمْلَة الْحَدِيث الْمَرْفُوع , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُدْرَجًا مِنْ قَوْل اِبْن عَبَّاس. وَالصَّوَاب الْأَوَّل , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم بِلَفْظِ \" لَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُع \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالُوا مَا شَأْنه ؟ أَهَجَرَ ) ‏ ‏بِهَمْزَةٍ لِجَمِيعِ رُوَاة الْبُخَارِيّ , وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْجِهَاد بِلَفْظِ \" فَقَالُوا هَجَرَ \" بِغَيْرِ هَمْزَة , وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَاكَ \" فَقَالُوا هَجَرَ , هَجَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَعَادَ هَجَرَ مَرَّتَيْنِ. قَالَ عِيَاض : مَعْنَى أَهْجَرَ أَفْحَشَ , يُقَال هَجَرَ الرَّجُل إِذَا هَذَى , وَأَهْجَرَ إِذَا أَفْحَشَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون بِسُكُونِ الْهَاء وَالرِّوَايَات كُلّهَا إِنَّمَا هِيَ بِفَتْحِهَا , وَقَدْ تَكَلَّمَ عِيَاض وَغَيْره عَلَى هَذَا الْمَوْضِع فَأَطَالُوا , وَلَخَصَّهُ الْقُرْطُبِيّ تَلْخِيصًا حَسَنًا ثُمَّ لَخَّصْته مِنْ كَلَامه , وَحَاصِله أَنَّ قَوْله هَجَرَ الرَّاجِح فِيهِ إِثْبَات هَمْزَة الِاسْتِفْهَام وَبِفَتَحَاتٍ عَلَى أَنَّهُ فِعْل مَاضٍ , قَالَ : وَلِبَعْضِهِمْ أَهُجْرًا بِضَمِّ الْهَاء وَسُكُون الْجِيم وَالتَّنْوِين عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول بِفِعْلٍ مُضْمِر أَيْ قَالَ هُجْرًا , وَالْهُجْر بِالضَّمِّ ثُمَّ السُّكُون الْهَذَيَان وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا مَا يَقَع مِنْ كَلَام الْمَرِيض الَّذِي لَا يَنْتَظِم وَلَا يُعْتَدّ بِهِ لِعَدَمِ فَائِدَته. وَوُقُوع ذَلِكَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَحِيل لِأَنَّهُ مَعْصُوم فِي صِحَّته وَمَرَضه لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى ) وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" إِنِّي لَا أَقُول فِي الْغَضَب وَالرِّضَا إِلَّا حَقًّا \" وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا قَالَهُ مَنْ قَالَهُ مُنْكِرًا عَلَى مَنْ يُوقَف فِي اِمْتِثَال أَمْره بِإِحْضَارِ الْكَتِف وَالدَّوَاة فَكَأَنَّهُ قَالَ : كَيْفَ تَتَوَقَّف أَتَظُنُّ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ يَقُول الْهَذَيَان فِي مَرَضه ؟ اِمْتَثِلْ أَمْره وَأَحْضِرْهُ مَا طَلَبَ فَإِنَّهُ لَا يَقُول إِلَّا الْحَقّ , قَالَ : هَذَا أَحْسَن الْأَجْوِبَة , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنَّ بَعْضهمْ قَالَ ذَلِكَ عَنْ شَكّ عَرَضَ لَهُ , وَلَكِنْ يُبْعِدهُ أَنْ لَا يُنْكِرهُ الْبَاقُونَ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنهمْ مِنْ كِبَار الصَّحَابَة , وَلَوْ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ لَنُقِلَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الَّذِي قَالَ ذَلِكَ صَدَرَ عَنْ دَهَش وَحَيْرَة كَمَا أَصَابَ كَثِيرًا مِنْهُمْ عِنْد مَوْته , وَقَالَ غَيْره : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَائِل ذَلِكَ أَرَادَ أَنَّهُ اِشْتَدَّ وَجَعه فَأَطْلَقَ اللَّازِم وَأَرَادَ الْمَلْزُوم , لِأَنَّ الْهَذَيَان الَّذِي يَقَع لِلْمَرِيضِ يَنْشَأ عَنْ شِدَّة وَجَعه. وَقِيلَ : قَالَ ذَلِكَ لِإِرَادَةِ سُكُوت الَّذِينَ لَغَطُوا وَرَفَعُوا أَصْوَاتهمْ عِنْده , فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِيه وَيُفْضِي فِي الْعَادَة إِلَى مَا ذُكِرَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله أَهْجَرَ فِعْلًا مَاضِيًا مِنْ الْهَجْر بِفَتْحِ الْهَاء وَسُكُون الْجِيم وَالْمَفْعُول مَحْذُوف أَيْ الْحَيَاة , وَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي مُبَالَغَة لِمَا رَأَى مِنْ عَلَامَات الْمَوْت. قُلْت : وَيَظْهَر لِي تَرْجِيح ثَالِث الِاحْتِمَالَات الَّتِي ذَكَرهَا الْقُرْطُبِيّ وَيَكُون قَائِل ذَلِكَ بَعْض مَنْ قَرُبَ دُخُوله فِي الْإِسْلَام وَكَانَ يَعْهَد أَنَّ مَنْ اِشْتَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَع قَدْ يَشْتَغِل بِهِ عَنْ تَحْرِير مَا يُرِيد أَنْ يَقُولهُ لِجَوَازِ وُقُوع ذَلِكَ , وَلِهَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" فَقَالَ بَعْضهمْ إِنَّهُ قَدْ غَلَبَهُ الْوَجَع \" وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن خَلَّادٍ عَنْ سُفْيَان فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَقَالُوا مَا شَأْنه يَهْجُر , اِسْتَفْهِمُوهُ \" وَعَنْ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر \" أَنَّ نَبِيّ اللَّه لَيَهْجُر \" , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ بَعْد أَنْ قَالَ ذَلِكَ اِسْتَفْهَمُوهُ بِصِيغَةِ الْأَمْر بِالِاسْتِفْهَامِ أَيْ اِخْتَبِرُوا أَمْرَهُ بِأَنْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنْ هَذَا الَّذِي أَرَادَهُ وَابْحَثُوا مَعَهُ فِي كَوْنه الْأَوْلَى أَوْ لَا. وَفِي قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : \" فَاخْتَصَمُوا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول قَرِّبُوا يَكْتُب لَكُمْ \" مَا يُشْهِر بِأَنَّ بَعْضهمْ كَانَ مُصَمِّمًا عَلَى الِامْتِثَال وَالرَّدّ عَلَى مَنْ اِمْتَنَعَ مِنْهُمْ , وَلَمَّا وَقَعَ مِنْهُمْ الِاخْتِلَاف اِرْتَفَعَتْ الْبَرَكَة كَمَا جَرَتْ الْعَادَة بِذَلِكَ عِنْد وُقُوع التَّنَازُع وَالتَّشَاجُر. وَقَدْ مَضَى فِي الصِّيَام أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يُخْبِرهُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْر فَرَأَى رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فَرُفِعَتْ , قَالَ الْمَازِرِيُّ : إِنَّمَا جَازَ لِلصَّحَابَةِ الِاخْتِلَاف فِي هَذَا الْكِتَاب مَعَ صَرِيح أَمْره لَهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْأَوَامِر قَدْ يُقَارِنهَا مَا يَنْقُلهَا مِنْ الْوُجُوب , فَكَأَنَّهُ ظَهَرَتْ مِنْهُ قَرِينَة دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْأَمْر لَيْسَ عَلَى التَّحَتُّم بَلْ عَلَى الِاخْتِيَار فَاخْتَلَفَ اِجْتِهَادهمْ , وَصَمَّمَ عُمَر عَلَى الِامْتِنَاع لِمَا قَامَ عِنْده مِنْ الْقَرَائِن بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ عَنْ غَيْر قَصْد جَازِم , وَعَزْمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِمَّا بِالْوَحْيِ وَإِمَّا بِالِاجْتِهَادِ , وَكَذَلِكَ تَرْكه إِنْ كَانَ بِالْوَحْيِ فَبِالْوَحْيِ وَإِلَّا فَبِالِاجْتِهَادِ أَيْضًا , وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ قَالَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الِاجْتِهَاد فِي الشَّرْعِيَّات. وَقَالَ النَّوَوِيّ : اِتَّفَقَ قَوْل الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ قَوْل عُمَر \" حَسْبنَا كِتَاب اللَّه \" مِنْ قُوَّة فِقْهه وَدَقِيق نَظَره , لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكْتُب أُمُورًا رُبَّمَا عَجَزُوا عَنْهَا فَاسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَة لِكَوْنِهَا مَنْصُوصَة , وَأَرَادَ أَنْ لَا يَنْسَدّ بَاب الِاجْتِهَاد عَلَى الْعُلَمَاء. وَفِي تَرْكه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِنْكَار عَلَى عُمَر إِشَارَة إِلَى تَصْوِيبه رَأْيه , وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ : \" حَسْبنَا كِتَاب اللَّه \" إِلَى قَوْله تَعَالَى : ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ). وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَصَدَ التَّخْفِيف عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى مَا هُوَ فِيهِ مِنْ شِدَّة الْكَرْب , وَقَامَتْ عِنْده قَرِينَة بِأَنَّ الَّذِي أَرَادَ كِتَابَته لَيْسَ مِمَّا لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ , إِذْ لَوْ كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيل لَمْ يَتْرُكهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَجْلِ اِخْتِلَافهمْ , وَلَا يُعَارِض ذَلِكَ قَوْل اِبْن عَبَّاس إِنَّ الرَّزِيَّة إِلَخْ , لِأَنَّ عُمَر كَانَ أَفْقَه مِنْهُ قَطْعًا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَمْ يَتَوَهَّم عُمَر الْغَلَط فِيمَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيد كِتَابَته , بَلْ اِمْتِنَاعه مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ لَمَّا رَأَى مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْكَرْب وَحُضُور الْمَوْت خَشِيَ أَنْ يَجِد الْمُنَافِقُونَ سَبِيلًا إِلَى الطَّعْن فِيمَا يَكْتُبهُ وَإِلَى حَمْله عَلَى تِلْكَ الْحَالَة الَّتِي جَرَتْ الْعَادَة فِيهَا بِوُقُوعِ بَعْض مَا يُخَالِف الِاتِّفَاق فَكَانَ ذَلِكَ سَبَب تَوَقُّف عُمَر , لَا أَنَّهُ تَعَمَّدَ مُخَالَفَة قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا جَوَاز وُقُوع الْغَلَط عَلَيْهِ حَاشَا وَكَلَّا. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي أَوَاخِر كِتَاب الْعِلْم , وَقَوْله : \" وَقَدْ ذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَنْهُ \" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد يَرُدُّونَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدُوا عَلَيْهِ مَقَالَته وَيَسْتَثْبِتُونَهُ فِيهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد يَرُدُّونَ عَنْهُ الْقَوْل الْمَذْكُور عَلَى مَنْ قَالَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ دَعُونِي : فَاَلَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْر مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ وَغَيْره : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى دَعُونِي فَاَلَّذِي أُعَايِنهُ مِنْ كَرَامَة اللَّه الَّتِي أَعَدَّهَا لِي بَعْد فِرَاق الدُّنْيَا خَيْر مِمَّا أَنَا فِيهِ فِي الْحَيَاة , أَوْ أَنَّ الَّذِي أَنَا فِيهِ مِنْ الْمُرَاقَبَة وَالتَّأَهُّب لِلِقَاءِ اللَّه وَالتَّفَكُّر فِي ذَلِكَ وَنَحْوه أَفْضَل مِنْ الَّذِي تَسْأَلُونَنِي فِيهِ مِنْ الْمُبَاحَثَة عَنْ الْمَصْلَحَة فِي الْكِتَابَة أَوْ عَدَمهَا. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى فَإِنَّ اِمْتِنَاعِي مِنْ أَنْ أَكْتُب لَكُمْ خَيْر مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَة. قُلْت : وَيَحْتَمِل عَكْسه أَيْ الَّذِي أَشَرْت عَلَيْكُمْ بِهِ مِنْ الْكِتَابَة خَيْر مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنْ عَدَمهَا بَلْ هَذَا هُوَ الظَّاهِر , وَعَلَى الَّذِي قَبْله كَانَ ذَلِكَ الْأَمْر اِخْتِبَارًا وَامْتِحَانًا فَهَدَى اللَّه عُمَر لِمُرَادِهِ وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَى غَيْره. وَأَمَّا قَوْل اِبْن بَطَّال : عُمَر أَفْقَه مِنْ اِبْن عَبَّاس حَيْثُ اِكْتَفَى بِالْقُرْآنِ وَلَمْ يَكْتَفِ اِبْن عَبَّاس بِهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِطْلَاق ذَلِكَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ ; فَإِنَّ قَوْل عُمَر : \" حَسْبنَا كِتَاب اللَّه \" لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ عَنْ بَيَان السُّنَّة , بَلْ لِمَا قَامَ عِنْده مِنْ الْقَرِينَة , وَخَشِيَ مِنْ الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَى كِتَابَة الْكِتَاب مِمَّا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ , فَرَأَى أَنَّ الِاعْتِمَاد عَلَى الْقُرْآن لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا خَشِيَهُ , وَأَمَّا اِبْن عَبَّاس فَلَا يُقَال فِي حَقّه لَمْ يَكْتَفِ بِالْقُرْآنِ مَعَ كَوْنه حَبْر الْقُرْآن وَأَعْلَم النَّاس بِتَفْسِيرِهِ وَتَأْوِيله , وَلَكِنَّهُ أَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ الْبَيَان بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَوْلَى مِنْ الِاسْتِنْبَاط وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي فِي كَفَّارَة الْمَرَض فِي هَذَا الْحَدِيث زِيَادَة لِابْنِ عَبَّاس وَشَرْحهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَوْصَاهُمْ بِثَلَاثٍ ) ‏ ‏أَيْ فِي تِلْكَ الْحَالَة , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَكْتُبهُ لَمْ يَكُنْ أَمْرًا مُتَحَتِّمًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكهُ لِوُقُوعِ اِخْتِلَافهمْ , وَلَعَاقَبَ اللَّه مَنْ حَالَ بَيْنه وَبَيْن تَبْلِيغه , وَلَبَلَّغَهُ لَهُمْ لَفْظًا كَمَا أَوْصَاهُمْ بِإِخْرَاجِ الْمُشْرِكِينَ وَغَيْر ذَلِكَ , وَقَدْ عَاشَ بَعْد هَذِهِ الْمَقَالَة أَيَّامًا وَحَفِظُوا عَنْهُ أَشْيَاء لَفْظًا , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَجْمُوعهَا مَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَجَزِيرَة الْعَرَب تَقَدَّمَ بَيَانهَا فِي كِتَاب الْجِهَاد. وَقَوْله : \" أَجِيزُوا الْوَفْد \" أَيْ أَعْطَوْهُمْ , وَالْجَائِزَة الْعَطِيَّة , وَقِيلَ أَصْله أَنَّ نَاسًا وَفَدُوا عَلَى بَعْض الْمُلُوك وَهُوَ قَائِم عَلَى قَنْطَرَة فَقَالَ : أَجِيزُوهُمْ فَصَارُوا يُعْطُونَ الرَّجُل وَيُطْلِقُونَهُ فَيَجُوز عَلَى الْقَنْطَرَة مُتَوَجِّهًا فَسُمِّيَتْ عَطِيَّة مَنْ يَقْدَم عَلَى الْكَبِير جَائِزَة , وَتُسْتَعْمَل أَيْضًا فِي إِعْطَاء الشَّاعِر عَلَى مَدْحه وَنَحْو ذَلِكَ. وَقَوْله بِنَحْوِ : \" مَا كُنْت أُجِيزهُمْ \" أَيْ بِقَرِيبٍ مِنْهُ , وَكَانَتْ جَائِزَة الْوَاحِد عَلَى عَهْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُقِيَّة مِنْ فِضَّة وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَكَتَ عَنْ الثَّالِثَة أَوْ قَالَ : فَنَسِيتهَا ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْقَائِل ذَلِكَ هُوَ سَعِيد بْن جُبَيْر , ثُمَّ وَجَدْت عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ التَّصْرِيح بِأَنَّ قَائِل ذَلِكَ هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ. وَفِي \" مُسْنَد الْحُمَيْدِيِّ \" وَمِنْ طَرِيقه أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" : قَالَ سُفْيَان : قَالَ سُلَيْمَان أَيْ اِبْن أَبِي مُسْلِم : لَا أَدْرِي أَذَكَرَ سَعِيد بْن جُبَيْر الثَّالِثَة فَنَسِيتهَا أَوْ سَكَتَ عَنْهَا. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَح , قَالَ الدَّاوُدِيُّ : الثَّالِثَة الْوَصِيَّة بِالْقُرْآنِ , وَبِهِ جَزَمَ اِبْن التِّين وَقَالَ الْمُهَلَّب : بَلْ هُوَ تَجْهِيز جَيْش أُسَامَة , وَقَوَّاهُ اِبْن بَطَّال بِأَنَّ الصَّحَابَة لَمَّا اِخْتَلَفُوا عَلَى أَبِي بَكْر فِي تَنْفِيذ جَيْش أُسَامَة قَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْر : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهِدَ بِذَلِكَ عِنْد مَوْته. وَقَالَ عِيَاض : يَحْتَمِل أَنْ تَكُون هِيَ قَوْله : \" وَلَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا \" فَإِنَّهَا ثَبَتَتْ فِي الْمُوَطَّأ مَقْرُونَة بِالْأَمْرِ بِإِخْرَاجِ الْيَهُود , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس أَنَّهَا قَوْله : \" الصَّلَاة وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4079",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمْ الْقُرْآنُ حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَاخْتَصَمُوا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ ‏ ‏وَالِاخْتِلَافَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُومُوا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَكَانَ يَقُولُ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏الرَّزِيَّةَ ‏ ‏كُلَّ ‏ ‏الرَّزِيَّةِ ‏ ‏مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ لِاخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَاخْتَلَفَ أَهْل الْبَيْت ) ‏ ‏أَيْ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْت مِنْ الصَّحَابَة وَلَمْ يُرِدْ أَهْل بَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله فِيهَا ( فَقَالَ قُومُوا ) ‏ ‏زَادَ اِبْن سَعْد مِنْ وَجْه آخَر \" فَقَالَ : قُومُوا عَنِّي \". ‏"
    },
    {
        "id": "4080",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ جَمِيلٍ اللَّخْمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ ثُمَّ دَعَاهَا فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَضَحِكَتْ فَسَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ ‏ ‏سَارَّنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَبَكَيْتُ ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِهِ يَتْبَعُهُ فَضَحِكْتُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4081",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ يَقُولُ ‏ { ‏مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ‏} ‏الْآيَةَ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ سَعْد وَهُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور قَبْله , أَوْرَدَهُ عَالِيًا مُخْتَصَرًا وَنَازِلًا تَامًّا ثُمَّ أَوْرَدَهُ أَتَمّ مِنْهُ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة , فَأَمَّا الرِّوَايَة النَّازِلَة فَإِنَّهُ سَاقَهَا مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة , وَأَمَّا الرِّوَايَة الْعَالِيَة فَأَخْرَجَهَا عَنْ مُسْلِم وَهُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم وَلَفْظه مُغَايِر لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : \" قَالَتْ عَائِشَة : لَمَّا مَرِضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَرَض الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلَ يَقُول : الرَّفِيق الْأَعْلَى \" وَهَذَا الْقَدْر لَيْسَ فِي رِوَايَة غُنْدَر مِنْهُ شَيْء , وَقَدْ وَقَعَ لِي مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن حَرْب عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِزِيَادَةٍ بَعْد قَوْله : \" الَّذِي قُبِضَ فِيهِ \" \" أَصَابَتْهُ بُحَّة فَجَعَلْت أَسْمَعهُ يَقُول : فِي الرَّفِيق الْأَعْلَى , مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ الْآيَة , قَالَتْ : فَعَلِمْت أَنَّهُ يُخَيَّر \" فَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ اِقْتَصَرَ مِنْ رِوَايَة مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم عَلَى مَوْضِع الزِّيَادَة وَهِيَ قَوْله : \" فِي الرَّفِيق الْأَعْلَى \" فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ رِوَايَة غُنْدَر , وَقَدْ اِقْتَصَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَلَى تَخْرِيج رِوَايَة غُنْدَر دُون رِوَايَة مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم , وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مُعَاذ بْن مُعَاذ عَنْ شُعْبَة وَلَفْظه \" مِثْل غُنْدَر قَوْلهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت أَسْمَع أَنَّهُ لَا يَمُوت نَبِيّ حَتَّى يُخَيَّر ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة , وَلَمْ تُصَرِّح عَائِشَة بِذِكْرِ مَنْ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَصَرَّحَتْ بِذَلِكَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِيهَا مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْهَا قَالَتْ : \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَحِيح يَقُول : إِنَّهُ لَمْ يُقْبَض نَبِيّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَده مِنْ الْجَنَّة ثُمَّ يَحْيَى أَوْ يُخَيَّر \" وَهُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي هَلْ قَالَ يَحْيَى بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا أُخْرَى أَوْ يُخَيَّر كَمَا فِي رِوَايَة سَعْد بْن إِبْرَاهِيم. وَعِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق الْمُطَّلِب بْن عَبْد اللَّه عَنْ عَائِشَة : \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : مَا مِنْ نَبِيّ يُقْبَض إِلَّا يَرَى الثَّوَاب ثُمَّ يُخَيَّر \" , وَلِأَحْمَد أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي مُوَيْهِبَةَ قَالَ : \" قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي أُوتِيت مَفَاتِيح خَزَائِن الْأَرْض وَالْخُلْد ثُمَّ الْجَنَّة , فَخُيِّرْت بَيْن ذَلِكَ وَبَيْن لِقَاء رَبِّي وَالْجَنَّة فَاخْتَرْت لِقَاء رَبِّي وَالْجَنَّة \" وَعِنْد عَبْد الرَّزَّاق مِنْ مُرْسَل طَاوُسٍ رَفَعَهُ \" خُيِّرْت بَيْن أَنْ أَبْقَى حَتَّى أَرَى مَا يُفْتَح عَلَى أُمَّتِي وَبَيْن التَّعْجِيل فَاخْتَرْت التَّعْجِيل \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏فَهْم عَائِشَة مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" فِي الرَّفِيق الْأَعْلَى \" أَنَّهُ خُيِّرَ نَظِير فَهْم أَبِيهَا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّه بَيْن الدُّنْيَا وَبَيْن مَا عِنْده فَاخْتَارَ مَا عِنْده \" أَنَّ الْعَبْد الْمُرَاد هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَكَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبه. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَخَذَتْهُ بُحَّة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الْمُهْمَلَة : شَيْء يَعْرِض فِي الْحَلْق فَيَتَغَيَّر لَهُ الصَّوْت فَيَغْلُظ , تَقُول : بَحِحْت بِالْكَسْرِ بُحًّا , وَرَجُلٌ أَبَحّ : إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِيهِ خِلْقَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُطَّلِب عَنْ عَائِشَة عِنْد أَحْمَد \" فَقَالَ : مَعَ الرَّفِيق الْأَعْلَى , مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء - إِلَى قَوْله - رَفِيقًا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عِنْد النَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ \" فَقَالَ : أَسْأَل اللَّه الرَّفِيق الْأَعْلَى الْأَسْعَد , مَعَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيل \" وَظَاهِره أَنَّ الرَّفِيق الْمَكَان الَّذِي تَحْصُل الْمُرَافَقَة فِيهِ مَعَ الْمَذْكُورِينَ. وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ \" فِي الرَّفِيق الْأَعْلَى \" وَفِي رِوَايَة عَبَّاد عَنْ عَائِشَة بَعْد هَذَا قَالَ : \" اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ \" وَفِي رِوَايَة ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَة \" فَجَعَلَ يَقُول : فِي الرَّفِيق الْأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ \" , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَة \" وَقَالَ : فِي الرَّفِيق الْأَعْلَى , فِي الرَّفِيق الْأَعْلَى \" وَهَذِهِ الْأَحَادِيث تُرَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ \" الرَّفِيق \" تَغْيِير مِنْ الرَّاوِي وَأَنَّ الصَّوَاب الرَّقِيع بِالْقَافِ وَالْعَيْن الْمُهْمَلَة وَهُوَ مِنْ أَسْمَاء السَّمَاء. وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : الرَّفِيق الْأَعْلَى الْجَنَّة. وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ عِنْد أَبِي إِسْحَاق : الرَّفِيق الْأَعْلَى الْجَنَّة , وَقِيلَ بَلْ الرَّفِيق هُنَا اِسْم جِنْس يَشْمَل الْوَاحِد وَمَا فَوْقه وَالْمُرَاد الْأَنْبِيَاء وَمَنْ ذُكِرَ فِي الْآيَة. وَقَدْ خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ : ( وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) وَنُكْتَة الْإِتْيَان بِهَذِهِ الْكَلِمَة بِالْإِفْرَادِ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ أَهْل الْجَنَّة يَدْخُلُونَهَا عَلَى قَلْب رَجُل وَاحِد , نَبَّهَ عَلَيْهِ السُّهَيْلِيُّ. وَزَعَمَ بَعْض الْمَغَارِبَة أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِأَنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ كَمَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل رَفَعَهُ \" إِنَّ اللَّه رَفِيق يُحِبّ الرِّفْق \" كَذَا اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ , وَالْحَدِيث عِنْد مُسْلِم عَنْ عَائِشَة فَعَزْوه إِلَيْهِ أَوْلَى. قَالَ : وَالرَّفِيق يَحْتَمِل أَنْ يَكُون صِفَة ذَات كَالْحَكِيمِ , أَوْ صِفَة فِعْل. قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ حَضْرَة الْقُدْس , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ الْجَمَاعَة الْمَذْكُورُونَ فِي آيَة النِّسَاء. وَمَعْنَى كَوْنِهِمْ رَفِيقًا تَعَاوُنهمْ عَلَى طَاعَة اللَّه وَارْتِفَاق بَعْضهمْ بِبَعْضٍ , وَهَذَا الثَّالِث هُوَ الْمُعْتَمَد. وَعَلَيْهِ اِقْتَصَرَ أَكْثَر الشُّرَّاح. وَقَدْ غَلَّطَ الْأَزْهَرِيّ الْقَوْل الْأَوَّل , وَلَا وَجْه لِتَغْلِيطِهِ مِنْ الْجِهَة الَّتِي غَلَّطَهُ بِهَا وَهُوَ قَوْله : مَعَ الرَّفِيق أَوْ فِي الرَّفِيق , لِأَنَّ تَأْوِيله عَلَى مَا يَلِيق بِاَللَّهِ سَائِغ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ : الْحِكْمَة فِي اِخْتِتَام كَلَام الْمُصْطَفَى بِهَذِهِ الْكَلِمَة كَوْنهَا تَتَضَمَّن التَّوْحِيد وَالذِّكْر بِالْقَلْبِ حَتَّى يُسْتَفَاد مِنْهُ الرُّخْصَة لِغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط أَنْ يَكُون الذِّكْر بِاللِّسَانِ لِأَنَّ بَعْض النَّاس قَدْ يَمْنَعهُ مِنْ النُّطْق مَانِع فَلَا يَضُرّهُ إِذَا كَانَ قَلْبه عَامِرًا بِالذِّكْرِ. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَظَنَنْت أَنَّهُ خَيْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ : \" فَقُلْت إِذًا لَا يَخْتَارنَا , فَعَرَفْت أَنَّهُ حَدِيثه الَّذِي كَانَ يُحَدِّثنَا وَهُوَ صَحِيح \" وَعِنْد أَبِي الْأَسْوَد فِي الْمَغَازِي عَنْ عُرْوَة \" أَنَّ جِبْرِيل نَزَلَ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَخَيَّرَهُ \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَجَدْت فِي بَعْض كُتُب الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أَوَّل كَلِمَة تَكَلَّمَ بِهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُسْتَرْضَع عِنْد حَلِيمَة \" اللَّه أَكْبَر \" وَآخِر كَلِمَة تَكَلَّمَ بِهَا كَمَا فِي حَدِيث عَائِشَة \" فِي الرَّفِيق الْأَعْلَى \" وَرَوَى الْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَنَس \" أَنَّ آخِر مَا تَكَلَّمَ بِهِ : جَلَال رَبِّي الرَّفِيع \". ‏"
    },
    {
        "id": "4082",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَرَضَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلَ يَقُولُ ‏ ‏فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4083",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ صَحِيحٌ يَقُولُ ‏ ‏إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُحَيَّا أَوْ يُخَيَّرَ فَلَمَّا اشْتَكَى وَحَضَرَهُ الْقَبْضُ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏غُشِيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ شَخَصَ بَصَرُهُ نَحْوَ سَقْفِ الْبَيْتِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى فَقُلْتُ إِذًا لَا يُجَاوِرُنَا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ حَدِيثُهُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهُوَ صَحِيحٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4084",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَفَّانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏دَخَلَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي وَمَعَ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَصَرَهُ فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ ‏ ‏فَقَصَمْتُهُ ‏ ‏وَنَفَضْتُهُ وَطَيَّبْتُهُ ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَنَّ بِهِ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَنَّ اسْتِنَانًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَفَعَ يَدَهُ أَوْ إِصْبَعَهُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى ثَلَاثًا ثُمَّ قَضَى وَكَانَتْ تَقُولُ مَاتَ بَيْنَ ‏ ‏حَاقِنَتِي ‏ ‏وَذَاقِنَتِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد ) ‏ ‏جَزَمَ الْحَاكِم بِأَنَّهُ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيُّ , وَسَقَطَ عِنْد اِبْن السَّكَن فَصَارَ مِنْ رِوَايَة الْبُخَارِيّ عَنْ عَفَّانَ بِلَا وَاسِطَة , وَعَفَّانُ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ قَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَة قَلِيلًا مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَاب الْجَنَائِز. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَعَ عَبْد الرَّحْمَن سِوَاك رَطْب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَة \" وَمَرَّ عَبْد الرَّحْمَن وَفِي يَده جَرِيدَة رَطْبَة , فَنَظَرَ إِلَيْهِ , فَظَنَنْت أَنَّ لَهُ بِهَا حَاجَة , فَأَخَذْتهَا فَمَضَغْت رَأْسهَا وَنَفَضْتهَا فَدَفَعْتهَا إِلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( يَسْتَنّ بِهِ ) ‏ ‏أَيْ يَسْتَاك , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَصْله مِنْ السَّنّ أَيْ بِالْفَتْحِ , وَمِنْهُ الْمِسَنّ الَّذِي يُسَنّ عَلَيْهِ الْحَدِيد. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَبَّدَهُ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الدَّال أَيْ مَدّ نَظَره إِلَيْهِ , يُقَال أَبَّدْت فُلَانًا النَّظَر إِذَا طَوَّلْته إِلَيْهِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَأَمَدَّهُ \" بِالْمِيمِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَضِمْتُهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة أَيْ مَضَغْته , وَالْقَضْم الْأَخْذ بِطَرَفِ الْأَسْنَان , يُقَال : قَضِمَتْ الدَّابَّة بِكَسْرِ الضَّاد شَعِيرهَا تَقْضَم بِالْفَتْحِ إِذَا مَضَغَتْهُ وَحَكَى عِيَاض أَنَّ الْأَكْثَر رَوَوْهُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَة أَيْ كَسَرْته أَوْ قَطَعْته , وَحَكَى اِبْن التِّين رِوَايَة بِالْفَاءِ وَالْمُهْمَلَة , قَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ : إِنْ كَانَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة فَيَكُون قَوْلهَا : \" فَطَيَّبْته \" تَكْرَارًا وَإِنْ كَانَ بِالْمُهْمَلَةِ فَلَا لِأَنَّهُ يَصِير الْمَعْنَى كَسَرْته لِطُولِهِ , أَوْ لِإِزَالَةِ الْمَكَان الَّذِي تَسَوَّكَ بِهِ عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ لَيَّنْته ثُمَّ طَيَّبْته ) أَيْ بِالْمَاءِ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون طَيَّبْته تَأْكِيدًا لِلَيَّنْتُهُ , وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَة ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَة \" فَقُلْت آخُذهُ لَك ؟ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ , فَتَنَاوَلْته فَأَدْخَلْته فِي فِيهِ فَاشْتَدَّ , فَتَنَاوَلْته فَقُلْت : أُلَيِّنهُ لَك ؟ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ \" وَيُؤْخَذ مِنْهُ الْعَمَل بِالْإِشَارَةِ عِنْد الْحَاجَة إِلَيْهَا , وَقُوَّة فِطْنَة عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَفَضْته ) ‏ ‏بِالْفَاءِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة , وَقَوْله : ( فِيمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ ) أَيْ مِنْ السِّوَاك. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ تَقُول : مَاتَ وَرَأْسه بَيْن حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَة \" تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي , وَفِي يَوْمِي , وَبَيْن سَحْرِي وَنَحْرِي , وَإِنَّ اللَّه جَمَعَ رِيقِي وَرِيقه عِنْد مَوْته فِي آخِر يَوْم مِنْ الدُّنْيَا \" وَالْحَاقِنَة بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَاف : مَا سَفَلَ مِنْ الذَّقَن , وَالذَّاقِنَة مَا عَلَا مِنْهُ. أَوْ الْحَاقِنَة : نُقْرَة التَّرْقُوَة , هُمَا حَاقِنَتَانِ. وَيُقَال : إِنَّ الْحَاقِنَة الْمُطْمَئِن مِنْ التَّرْقُوَة وَالْحَلْق. وَقِيلَ مَا دُون التَّرْقُوَة مِنْ الصَّدْر , وَقِيلَ : هِيَ تَحْت السُّرَّة. وَقَالَ ثَابِت : الذَّاقِنَة طَرَف الْحُلْقُوم : وَالسَّحْر بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْمَلَة هُوَ الصَّدْر , وَهُوَ فِي الْأَصْل الرِّئَة. وَالنَّحْر بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَالْمُرَاد بِهِ مَوْضِع النَّحْر. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : هُوَ مَا بَيْن الثَّدْيَيْنِ. وَالْحَاصِل أَنَّ مَا بَيْن الْحَاقِنَة وَالذَّاقِنَة هُوَ مَا بَيْن السَّحْر وَالنَّحْر , وَالْمُرَاد أَنَّهُ مَاتَ وَرَأْسه بَيْن حَنَكهَا وَصَدْرهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهَا. ‏ ‏وَهَذَا لَا يُغَايِر حَدِيثهَا الَّذِي قَبْل هَذَا أَنَّ رَأْسه كَانَ عَلَى فَخِذهَا , لِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّهَا رَفَعَتْهُ مِنْ فَخِذهَا إِلَى صَدْرهَا. وَهَذَا الْحَدِيث يُعَارِض مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِم وَابْن سَعْد مِنْ طُرُق \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ وَرَأْسه فِي حِجْر عَلِيّ \" وَكُلّ طَرِيق مِنْهَا لَا يَخْلُو مِنْ شِيعِيّ , فَلَا يُلْتَفَت إِلَيْهِمْ. وَقَدْ رَأَيْت بَيَان حَال الْأَحَادِيث الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ التَّعَصُّب. قَالَ اِبْن سَعْد : \" ذَكَرَ مَنْ قَالَ : تُوُفِّيَ فِي حِجْر عَلِيّ \" وَسَاقَ مِنْ حَدِيث جَابِر : سَأَلَ كَعْب الْأَحْبَار عَلِيًّا مَا كَانَ آخَر مَا تَكَلَّمَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : أَسْنَدْته إِلَى صَدْرِي , فَوَضَعَ رَأْسه عَلَى مَنْكِبِي فَقَالَ : الصَّلَاة الصَّلَاة. فَقَالَ كَعْب : كَذَلِكَ آخِر عَهْد الْأَنْبِيَاء. وَفِي سَنَده الْوَاقِدِيُّ وَحَرَم بْن عُثْمَان وَهُمَا مَتْرُوكَانِ. وَعَنْ الْوَاقِدِيِّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عُمَر بْن عَلِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضه اُدْعُوَا إِلَيَّ أَخِي , فَدُعِيَ لَهُ عَلِيّ فَقَالَ : اُدْنُ مِنِّي , قَالَ : فَلَمْ يَزَلْ مُسْتَنِدًا إِلَيَّ وَإِنَّهُ لِيُكَلِّمنِي حَتَّى نَزَلَ بِهِ. وَثَقُلَ فِي حِجْرِي فَصِحْت : يَا عَبَّاس أَدْرِكْنِي إِنِّي هَالِك , فَجَاءَ الْعَبَّاس , فَكَانَ جَهْدهمَا جَمِيعًا أَنْ أَضْجَعَاهُ. فِيهِ اِنْقِطَاع مَعَ الْوَاقِدِيِّ , وَعَبْد اللَّه فِيهِ لِين. وَبِهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن : قُبِضَ وَرَأْسه فِي حِجْر عَلِيّ فِيهِ اِنْقِطَاع. وَعَنْ الْوَاقِدِيِّ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الشَّعْبِيّ : مَاتَ وَرَأْسه فِي حِجْر عَلِيّ. فِيهِ الْوَاقِدِيُّ وَالِانْقِطَاع , وَأَبُو الْحُوَيْرِثِ اِسْمه عَبْد الرَّحْمَن بْن مُعَاوِيَة بْن الْحَارِث الْمَدَنِيّ قَالَ مَالِك : لَيْسَ بِثِقَةٍ , وَأَبُوهُ لَا يُعْرَف حَاله. وَعَنْ الْوَاقِدِيِّ عَنْ سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ بْن الْحُصَيْن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي غَطَفَانَ : سَأَلْت اِبْن عَبَّاس قَالَ : تُوُفِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ إِلَى صَدْر عَلِيّ , قَالَ : فَقُلْت : فَإِنَّ عُرْوَة حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : تُوُفِّيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن سَحْرِي وَنَحْرِي , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَقَدْ تُوُفِّيَ وَإِنَّهُ لَمُسْتَنِد إِلَى صَدْر عَلِيّ , وَهُوَ الَّذِي غَسَّلَهُ وَأَخِي الْفَضْل , وَأَبَى أَبِي أَنْ يَحْضُر. فِيهِ الْوَاقِدِيُّ , وَسُلَيْمَان لَا يُعْرَف حَاله , وَأَبُو غَطَفَانَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة ثُمَّ الْمُهْمَلَة اِسْمه سَعْد وَهُوَ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ , وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" مِنْ طَرِيق حَبَّة الْعُرَنِيِّ عَنْ عَلِيّ : أَسْنَدْته إِلَى صَدْرِي فَسَالَتْ نَفْسه وَحَبَّة ضَعِيف. وَمِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة قَالَتْ : عَلِيّ آخِرهمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَدِيث عَنْ عَائِشَة أَثْبَت مِنْ هَذَا , وَلَعَلَّهَا أَرَادَتْ آخِر الرِّجَال بِهِ عَهْدًا. وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يَكُون عَلِيّ آخِرهمْ عَهْدًا بِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقهُ حَتَّى مَالَ فَلَمَّا مَالَ ظَنَّ أَنَّهُ مَاتَ ثُمَّ أَفَاقَ بَعْد أَنْ تَوَجَّهَ فَأَسْنَدَتْهُ عَائِشَة بَعْده إِلَى صَدْرهَا فَقُبِضَ. وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن بَابَنُوس بِمُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنهمَا أَلِف غَيْر مَهْمُوز وَبَعْد الثَّانِيَة الْمَفْتُوحَة نُون مَضْمُومَة ثُمَّ وَاو سَاكِنَة ثُمَّ سِين مُهْمَلَة فِي أَثْنَاء حَدِيث \" فَبَيْنَمَا رَأْسه ذَات يَوْم عَلَى مَنْكِبِي إِذْ مَالَ رَأْسه نَحْو رَأْسِي فَظَنَنْت أَنَّهُ يُرِيد مِنْ رَأْسِي حَاجَة فَخَرَجَتْ مِنْ فِيهِ نُقْطَة بَارِدَة فَوَقَعَتْ عَلَى ثُغْرَة نَحْرِي فَاقْشَعَرَّ لَهَا جِلْدِي , وَظَنَنْت أَنَّهُ غُشِيَ عَلَيْهِ فَسَجَّيْته ثَوْبًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "4085",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حِبَّانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ فَلَمَّا اشْتَكَى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ طَفِقْتُ أَنْفِثُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ يَنْفِثُ وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِشْتَكَى ) ‏ ‏أَيْ مَرِضَ , ‏ ‏وَ ( نَفَثَ ) ‏ ‏أَيْ تَفَلَ بِغَيْرِ رِيق أَوْ مَعَ رِيق خَفِيف. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْمُعَوِّذَاتِ ) ‏ ‏أَيْ يَقْرَأهَا مَاسِحًا لِجَسَدِهِ عِنْد قِرَاءَتهَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب فِي فَضَائِل الْقُرْآن بِلَفْظِ \" فَقَرَأَ عَلَى نَفْسه الْمُعَوِّذَات \" وَسَيَأْتِي فِي الطِّبّ قَوْل مَعْمَر بَعْد هَذَا الْحَدِيث. قُلْت لِلزُّهْرِيِّ : كَيْفَ يَنْفُث ؟ قَالَ : يَنْفُث عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَح بِهِمَا وَجْهه. وَسَيَأْتِي فِي الدَّعَوَات مِنْ طَرِيق عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعه. هَذِهِ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ عُقَيْل , وَفِي رِوَايَة الْمُفَضَّل بْن فَضَالَة عَنْ عُقَيْل فِي فَضَائِل الْقُرْآن \" كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشه جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا ثُمَّ يَقْرَأ قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد وَقُلْ أَعُوذ بِرَبِّ الْفَلَق وَقُلْ أَعُوذ بِرَبِّ النَّاس \" وَالْمُرَاد بِالْمُعَوِّذَاتِ سُورَة قُلْ أَعُوذ بِرَبِّ الْفَلَق وَقُلْ أَعُوذ بِرَبِّ النَّاس , وَجُمِعَ إِمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَقَلّ الْجَمْع اِثْنَانِ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُرَاد الْكَلِمَات الَّتِي يَقَع التَّعَوُّذ بِهَا مِنْ السُّورَتَيْنِ , وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُعَوِّذَاتِ هَاتَانِ السُّورَتَانِ مَعَ سُورَة الْإِخْلَاص وَأُطْلِقَ ذَلِكَ تَغْلِيبًا. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" وَأَمْسَح بِيَدِ نَفْسه لِبَرَكَتِهَا \" وَفِي رِوَايَة مَالِك \" وَأَمْسَح بِيَدِهِ رَجَاء بَرَكَتهَا \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشه \" فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلْت أَنْفُث عَلَيْهِ وَأَمْسَح بِيَدِ نَفْسه لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَم بَرَكَة مِنْ يَدِي \" وَسَيَأْتِي فِي آخِر هَذَا الْبَاب مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَة \" فَذَهَبْت أُعَوِّذهُ , فَرَفَعَ رَأْسه إِلَى السَّمَاء وَقَالَ : فِي الرَّفِيق الْأَعْلَى \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى \" فَأَفَاقَ وَهِيَ تَمْسَح صَدْره وَتَدْعُو بِالشِّفَاءِ , فَقَالَ : لَا , وَلَكِنْ أَسْأَل اللَّه الرَّفِيق الْأَعْلَى \" وَسَأَذْكُرُ الْكَلَام عَلَى الرَّفِيق الْأَعْلَى فِي الْحَدِيث السَّابِع. ‏"
    },
    {
        "id": "4086",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا ‏ ‏سَمِعَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ مُسْنِدٌ إِلَيَّ ظَهْرَهُ يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4087",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالٍ الْوَزَّانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ ‏ ‏لَعَنَ اللَّهُ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏لَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث النَّهْي عَنْ اِتِّخَاذ الْقُبُور مَسَاجِد , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْمَسَاجِد مِنْ كِتَاب الصَّلَاة وَفِي كِتَاب الْجَنَائِز. ‏"
    },
    {
        "id": "4088",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ فَخَرَجَ وَهُوَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ ‏ ‏عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏وَبَيْنَ ‏ ‏رَجُلٍ آخَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏بِالَّذِي قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقَالَ لِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏هَلْ تَدْرِي مَنْ الرَّجُلُ الْآخَرُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏هُوَ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏وَكَانَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا دَخَلَ بَيْتِي وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ قَالَ ‏ ‏هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ ‏ ‏أَوْكِيَتُهُنَّ ‏ ‏لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ فَأَجْلَسْنَاهُ فِي ‏ ‏مِخْضَبٍ ‏ ‏لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْقِرَبِ حَتَّى ‏ ‏طَفِقَ ‏ ‏يُشِيرُ إِلَيْنَا بِيَدِهِ أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ قَالَتْ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَصَلَّى بِهِمْ وَخَطَبَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا ثَقُلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ فِي وَجَعه. وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي بَيْت مَيْمُونَة. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَأْذَنَ أَزْوَاجه أَنْ يُمَرَّض ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمِيم وَتَشْدِيد الرَّاء , وَذَكَرَ اِبْن سَعْد بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّ فَاطِمَة هِيَ الَّتِي خَاطَبَتْ أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ فَقَالَتْ لَهُنَّ : أَنَّهُ يَشُقّ عَلَيْهِ الِاخْتِلَاف. وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَة أَنَّ دُخُوله بَيْتهَا كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ , وَمَاتَ يَوْم الِاثْنَيْنِ الَّذِي يَلِيه. وَقَدْ مَضَى شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة وَفِي كِتَاب الطَّهَارَة. وَذَكَرْت فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة طَرَفًا مِنْ الِاخْتِلَاف فِي اِسْم الَّذِي كَانَ يَتَّكِئ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْعَبَّاس. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَة \" فَخَرَجَ بَيْن الْفَضْل بْن الْعَبَّاس وَرَجُل آخَر \" وَفِي أُخْرَى \" رَجُلَيْنِ أَحَدهمَا أُسَامَة \" وَعِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ \" أُسَامَة وَالْفَضْل \" وَعِنْد اِبْن حِبَّانَ فِي آخِره \" بَرِيرَة وَنُوبَة \" بِضَمِّ النُّون وَسُكُون الْوَاو ثُمَّ مُوَحَّدَة ضَبَطَهُ اِبْن مَاكُولَا وَأَشَارَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَة , وَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ اِسْم عَبْد أَوْ أَمَة , فَجَزْم سَيْف فِي الْفُتُوح بِأَنَّهُ عَبْد , وَعِنْد اِبْن سَعْد مِنْ وَجْه آخَر \" الْفَضْل وَثَوْبَان \" وَجَمَعُوا بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات عَلَى تَقْدِير ثُبُوتهَا بِأَنَّ خُرُوجه تَعَدَّدَ فَيَتَعَدَّد مَنْ اِتَّكَأَ عَلَيْهِ , وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ : تَنَاوَبُوا فِي صَلَاة وَاحِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( فِي بَيْتِي ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن بَابَنُوس عَنْ عَائِشَة عِنْد أَحْمَد \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِنِسَائِهِ : إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أَنْ أَدُور بُيُوتكُنَّ , فَإِذَا شِئْتُنَّ أَذِنْتُنَّ لِي \" , وَسَيَأْتِي بَعْد قَلِيل مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة أَنَّهُ \" كَانَ يَقُول : أَيْنَ أَنَا غَدًا ؟ يُرِيد يَوْم عَائِشَة \" وَكَانَ أَوَّل مَا بَدَأَ مَرَضه فِي بَيْت مَيْمُونَة. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ سَبْع قِرَب ) ‏ ‏قِيلَ الْحِكْمَة فِي هَذَا الْعَدَد أَنَّ لَهُ خَاصِّيَّة فِي دَفْع ضَرَر السُّمّ وَالسِّحْر , وَقَدْ ذُكِرَ فِي أَوَائِل الْبَاب \" هَذَا أَوَان اِنْقِطَاع أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمّ \" وَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْض مَنْ أَنْكَرَ نَجَاسَة سُؤْر الْكَلْب وَزَعَمَ أَنَّ الْأَمْر بِالْغَسْلِ مِنْهُ سَبْعًا إِنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ السُّمَيَّة الَّتِي فِي رِيقه , وَقَدْ ثَبَتَ حَدِيث \" مَنْ مَعَاشِر بِسَبْعِ تَمَرَات مِنْ عَجْوَة لَمْ يَضُرّهُ ذَلِكَ الْيَوْم سُمّ وَلَا سِحْر \" وَلِلنَّسَائِيِّ فِي قِرَاءَة الْفَاتِحَة عَلَى الْمُصَاب سَبْع مَرَّات وَسَنَده صَحِيح , وَفِي صَحِيح مُسْلِم الْقَوْل لِمَنْ بِهِ وَجَع \" أَعُوذ بِعِزَّةِ اللَّه وَقُدْرَته مِنْ شَرّ مَا أَجِد وَأُحَاذِر سَبْع مَرَّات \" وَفِي النَّسَائِيِّ \" مَنْ قَالَ عِنْد مَرِيض لَمْ يَحْضُر أَجَله : أَسْأَل اللَّه الْعَظِيم , رَبّ الْعَرْش الْعَظِيم , أَنْ يَشْفِيك سَبْع مَرَّات \" وَفِي مُرْسَل أَبِي جَعْفَر عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيْنَ أَكُون غَدًا ؟ كَرَّرَهَا , فَعَرَفَتْ أَزْوَاجه أَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيد عَائِشَة , فَقُلْنَ : يَا رَسُول اللَّه قَدْ وَهَبْنَا أَيَّامنَا لِأُخْتِنَا عَائِشَة \" وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" كَانَ يَقُول : أَيْنَ أَنَا ؟ حِرْصًا عَلَى بَيْت عَائِشَة , فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي سَكَنَ , وَأَذِنَ لَهُ نِسَاؤُهُ أَنْ يُمَرَّض فِي بَيْتِي \" وَقَوْله : \" وَكَانَتْ عَائِشَة تُحَدِّث \" هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَكَذَا قَوْله : أَخْبَرَنَا عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ : هُوَ مَقُول الزُّهْرِيّ وَهُوَ مَوْصُول : وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاس فَصَلَّى بِهِمْ وَخَطَبَهُمْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي فَضْل أَبِي بَكْر مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فِي مَرَضه - فَذَكَرَ الْحَدِيث وَقَالَ فِيهِ - لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْت أَبَا بَكْر , الْحَدِيث وَفِيهِ : أَنَّهُ آخِر مَجْلِس جَلَسَهُ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث جُنْدُب أَنَّ ذَلِكَ قَبْل مَوْته بِخَمْسٍ , فَعَلَى هَذَا يَكُون يَوْم الْخَمِيس , وَلَعَلَّهُ كَانَ بَعْد أَنْ وَقَعَ عِنْده اِخْتِلَافهمْ وَلَغَطهمْ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا وَقَالَ لَهُمْ : قُومُوا , فَلَعَلَّهُ وَجَدَ بَعْد ذَلِكَ خِفَّة فَخَرَجَ. وَقَوْله : وَأَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه أَنَّ عَائِشَة قَالَتْ إِلَخْ. هُوَ مَقُول الزُّهْرِيّ أَيْضًا وَمَوْصُول أَيْضًا , وَإِنَّمَا فَصَلَ ذَلِكَ لِيُبَيِّنَّ مَا هُوَ عِنْد شَيْخه عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة مَعًا وَعَنْ عَائِشَة فَقَطْ. ‏"
    },
    {
        "id": "4089",
        "content": "‏ ‏و أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَفِقَ ‏ ‏يَطْرَحُ ‏ ‏خَمِيصَةً ‏ ‏لَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَإِذَا ‏ ‏اغْتَمَّ ‏ ‏كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ يَقُولُ ‏ ‏لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا ‏",
        "sharh": "حَدِيث النَّهْي عَنْ اِتِّخَاذ الْقُبُور مَسَاجِد , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْمَسَاجِد مِنْ كِتَاب الصَّلَاة وَفِي كِتَاب الْجَنَائِز. ‏"
    },
    {
        "id": "4090",
        "content": "‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ذَلِكَ وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا وَلَا كُنْتُ أُرَى أَنَّهُ لَنْ يَقُومَ أَحَدٌ مَقَامَهُ إِلَّا تَشَاءَمَ النَّاسُ بِهِ فَأَرَدْتُ أَنْ يَعْدِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏وَأَبُو مُوسَى ‏ ‏وَابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ اِبْن عُمَر وَأَبُو مُوسَى وَابْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى مَا يَتَعَلَّق بِصَلَاةِ أَبِي بَكْر , لَا إِلَى جَمِيع الْحَدِيث. فَأَمَّا حَدِيث اِبْن عُمَر فَوَصَلَهُ الْمُؤَلِّف فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة , وَكَذَا حَدِيث أَبِي مُوسَى وَصَلَهُ أَيْضًا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي تَرْجَمَة يُوسُف الصِّدِّيق , وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس فَوَصَلَهُ الْمُؤَلِّف فِي الْإِمَامَة أَيْضًا مِنْ حَدِيث عَائِشَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4091",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ الْهَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَاتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَإِنَّهُ لَبَيْنَ ‏ ‏حَاقِنَتِي ‏ ‏وَذَاقِنَتِي ‏ ‏فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلهَا : ( فَلَا أَكْرَه شِدَّة الْمَوْت لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَيَان الشِّدَّة الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث الْآتِي أَوَاخِر الْبَاب مِنْ رِوَايَة ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَة وَلَفْظه \" بَيْن يَدَيْهِ رَكْوَة أَوْ عُلْبَة بِهَا مَاءٌ فَجَعَلَ يُدْخِل يَدَيْهِ فِي الْمَاء فَيَمْسَح بِهَا وَجْهه يَقُول : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَات \" وَعِنْد أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" رَأَيْته وَعِنْده قَدَح فِيهِ مَاء وَهُوَ يَمُوت , فَيُدْخِل يَده فِي الْقَدَح ثُمَّ يَمْسَح وَجْهه بِالْمَاءِ ثُمَّ يَقُول : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى سَكَرَات الْمَوْت \" وَفِي رِوَايَة شَقِيق عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" مَا رَأَيْت الْوَجَع عَلَى أَحَد أَشَدّ مِنْهُ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَسَيَأْتِي فِي الطِّبّ. وَبَيَّنَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي الطِّبّ أَنَّ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَجْرَيْنِ. وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد : \" إِنَّا مَعَاشِر الْأَنْبِيَاء يُضَاعَف لَنَا الْبَلَاء كَمَا يُضَاعَف لَنَا الْأَجْر \". ‏"
    },
    {
        "id": "4092",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَحَدَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَقَالَ النَّاسُ يَا ‏ ‏أَبَا حَسَنٍ ‏ ‏كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا فَأَخَذَ بِيَدِهِ ‏ ‏عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ أَنْتَ وَاللَّهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَبْدُ الْعَصَا وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَوْفَ يُتَوَفَّى مِنْ وَجَعِهِ هَذَا إِنِّي لَأَعْرِفُ وُجُوهَ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏عِنْدَ الْمَوْتِ اذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلْنَسْأَلْهُ فِيمَنْ هَذَا الْأَمْرُ إِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا عَلِمْنَاهُ فَأَوْصَى بِنَا فَقَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏إِنَّا وَاللَّهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَنَعَنَاهَا لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \". ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَعْب ) ‏ ‏هَذَا يُؤَيِّد مَا تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة تَبُوك أَنَّ الزُّهْرِيّ سَمِعَ مِنْ عَبْد اللَّه وَهُوَ مِنْ أَخَوَيْهِ عَبْد الرَّحْمَن وَعُبَيْد اللَّه وَمِنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه , وَلَا مَعْنَى لِتَوَقُّفِ الدِّمْيَاطِيّ فِيهِ فَإِنَّ الْإِسْنَاد صَحِيح وَسَمَاع الزُّهْرِيّ مِنْ عَبْد اللَّه بْن كَعْب ثَابِت وَلَمْ يَنْفَرِد بِهِ شُعَيْب , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق صَالِح عَنْ اِبْن شِهَاب فَصَرَّحَ أَيْضًا بِهِ , وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ اِبْن كَعْب بْن مَالِك وَلَمْ يُسَمِّهِ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق , وَفِي الْإِسْنَاد لَطِيفَة وَهِيَ رِوَايَة تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ وَصَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( بَارِئًا ) ‏ ‏اِسْم فَاعِل مِنْ بَرَأَ بِمَعْنَى أَفَاقَ مِنْ الْمَرَض. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْتَ وَاَللَّه بَعْد ثَلَاث عَبْد الْعَصَا ) ‏ ‏هُوَ كِنَايَة عَمَّنْ يَصِير تَابِعًا لِغَيْرِهِ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَمُوت بَعْد ثَلَاث وَتَصِير أَنْتَ مَأْمُورًا عَلَيْك , وَهَذَا مِنْ قُوَّة فِرَاسَة الْعَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَأَرَى ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة مِنْ الِاعْتِقَاد وَبِضَمِّهَا بِمَعْنَى الظَّنّ , وَهَذَا قَالَهُ الْعَبَّاس مُسْتَنِدًا إِلَى التَّجْرِبَة , لِقَوْلِهِ بَعْد ذَلِكَ. \" إِنِّي لَأَعْرِف وُجُوه بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب عِنْد الْمَوْت \" وَذَكَر اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم قُبِضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا الْأَمْر ) ‏ ‏أَيْ الْخِلَافَة. وَفِي مُرْسَل الشَّعْبِيّ عِنْد اِبْن سَعْد \" فَنَسْأَلهُ مَنْ يَسْتَخْلِف , فَإِنْ اِسْتَخْلَفَ مِنَّا فَذَاكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَوْصَى بِنَا ) ‏ ‏فِي مُرْسَل الشَّعْبِيّ \" وَإِلَّا أَوْصَى بِنَا فَحُفِظْنَا مِنْ بَعْده \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق أُخْرَى \" فَقَالَ عَلِيّ : وَهَلْ يَطْمَع فِي هَذَا الْأَمْر غَيْرنَا. قَالَ : أَظُنّ وَاَللَّه سَيَكُونُ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُعْطِينَاهَا النَّاس بَعْده ) ‏ ‏أَيْ يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِمْ بِمَنْعِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُمْ , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة لِابْنِ سَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( لَا أَسْأَلهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ لَا أَطْلُبهَا مِنْهُ , وَزَادَ اِبْن سَعْد فِي مُرْسَل الشَّعْبِيّ فِي آخِره \" فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْعَبَّاس لِعَلِيٍّ : اُبْسُطْ يَدك أُبَايِعك تُبَايِعك النَّاس , فَلَمْ يَفْعَل \" وَزَادَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ : \" قَالَ الشَّعْبِيّ : لَوْ أَنَّ عَلِيًّا سَأَلَهُ عَنْهَا كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ مَاله وَوَلَده \" وَرُوِّينَاهُ فِي \" فَوَائِد أَبِي الطَّاهِر الذُّهْلِيِّ \" بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى قَالَ : \" سَمِعْت عَلِيًّا يَقُول : لَقِيَنِي الْعَبَّاس - فَذَكَرَ نَحْو الْقِصَّة الَّتِي فِي هَذَا الْحَدِيث بِاخْتِصَارٍ وَفِي آخِرهَا - قَالَ : سَمِعْت عَلِيًّا يَقُول بَعْد ذَلِكَ : يَا لَيْتَنِي أَطَعْت عَبَّاسًا , يَا لَيْتَنِي أَطَعْت عَبَّاسًا \" وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق : \" كَانَ مَعْمَر يَقُول لَنَا : أَيّهمَا كَانَ أَصْوَب رَأْيًا ؟ فَنَقُول الْعَبَّاس. فَيَأْبَى وَيَقُول : لَوْ كَانَ أَعْطَاهَا عَلِيًّا فَمَنَعَهُ النَّاس لَكَفَرُوا \". ‏"
    },
    {
        "id": "4093",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَا هُمْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ ‏ ‏الِاثْنَيْنِ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يُصَلِّي لَهُمْ لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ ‏ ‏فَنَكَصَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ فَرَحًا بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَنَس ( أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَا هُمْ فِي صَلَاة الْفَجْر يَوْم الِاثْنَيْنِ ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ بِهِمْ ذَلِكَ الْيَوْم , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" آخِر صَلَاة صَلَّاهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْقَوْم \" الْحَدِيث وَفَسَّرَهَا بِأَنَّهَا صَلَاة الصُّبْح فَلَا يَصِحّ لِحَدِيثِ الْبَاب , وَيُشْبِه أَنْ يَكُون الصَّوَاب صَلَاة الظُّهْر. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَة وَأَرْخَى السِّتْر ) ‏ ‏زَادَ أَبُو الْيَمَان عَنْ شُعَيْب \" وَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمه ذَلِكَ \" أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الصَّلَاة. وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَلَمَّا تُوُفِّيَ بَكَى النَّاس , فَقَامَ عُمَر فِي الْمَسْجِد فَقَالَ : أَلَا لَا أَسْمَعَنَّ أَحَدًا يَقُول مَاتَ مُحَمَّد \" الْحَدِيث بِهَذِهِ الْقِصَّة , وَهِيَ عَلَى شَرْط الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِر ذَلِكَ الْيَوْم ) يَخْدِش فِي جَزْم اِبْن إِسْحَاق بِأَنَّهُ مَاتَ حِين اِشْتَدَّ الضُّحَى , وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ إِطْلَاق الْآخِر بِمَعْنَى اِبْتِدَاء الدُّخُول فِي أَوَّل النِّصْف الثَّانِي مِنْ النَّهَار وَذَلِكَ عِنْد الزَّوَال , وَاشْتِدَاد الضُّحَى يَقَع قَبْل الزَّوَال وَيَسْتَمِرّ حَتَّى يَتَحَقَّق زَوَال الشَّمْس. وَقَدْ جَزَمَ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ اِبْن شِهَاب بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ حِين زَاغَتْ الشَّمْس , وَكَذَا لِأَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة , فَهَذَا يُؤَيِّد الْجَمْع الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4094",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا عَمْرٍو ذَكْوَانَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏كَانَتْ تَقُولُ ‏ ‏إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي وَبَيْنَ ‏ ‏سَحْرِي ‏ ‏وَنَحْرِي وَأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ دَخَلَ عَلَيَّ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ فَقُلْتُ آخُذُهُ لَكَ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ فَتَنَاوَلْتُهُ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَقُلْتُ أُلَيِّنُهُ لَكَ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ فَلَيَّنْتُهُ فَأَمَرَّهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ ‏ ‏رَكْوَةٌ ‏ ‏أَوْ عُلْبَةٌ يَشُكُّ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فِيهَا مَاءٌ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ يَقُولُ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ ذَكْوَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَة ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَعْد حَدِيث مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَة بِلَا وَاسِطَة , لَكِنْ فِي كُلّ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ مَا لَيْسَ فِي الْآخَر , فَالظَّاهِر أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَحْفُوظَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَيَّنْته ) ‏ ‏أَيْ لَيَّنْت السِّوَاك. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَّهُ ) ‏ ‏بِفَاءٍ وَفَتْح الْمِيم وَتَشْدِيد الرَّاء , أَيْ أَمَرَّهُ عَلَى أَسْنَانه فَاسْتَاك بِهِ. وللْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْأَصِيلِيِّ وَالْقَابِسِيّ \" بِأَمْرِهِ \" بِمُوَحَّدَةِ وَمِيم سَاكِنَة وَرَاء مَكْسُورَة , قَالَ عِيَاض : وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "4095",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ يَقُولُ ‏ ‏أَيْنَ أَنَا غَدًا أَيْنَ أَنَا غَدًا يُرِيدُ يَوْمَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ فَكَانَ فِي بَيْتِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ فِي بَيْتِي فَقَبَضَهُ اللَّهُ وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي ‏ ‏وَسَحْرِي ‏ ‏وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي ثُمَّ قَالَتْ دَخَلَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَأَعْطَانِيهِ فَقَضِمْتُهُ ثُمَّ مَضَغْتُهُ فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَنَّ بِهِ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِي ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ شَرْح مَا تَضَمَّنَهُ وَقَوْله : \" فَقَبَضَهُ اللَّه وَإِنَّ رَأْسه لَبَيْنَ نَحْرِي وَسَحْرِي \" فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ هِشَام بِهَذَا الْإِسْنَاد عِنْد أَحْمَد نَحْوه وَزَادَ \" فَلَمَّا خَرَجَتْ نَفْسه لَمْ أَجِد رِيحًا قَطُّ أَطْيَب مِنْهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "4096",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي وَبَيْنَ ‏ ‏سَحْرِي ‏ ‏وَنَحْرِي وَكَانَتْ إِحْدَانَا تُعَوِّذُهُ بِدُعَاءٍ إِذَا مَرِضَ فَذَهَبْتُ أُعَوِّذُهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ ‏ ‏فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى وَمَرَّ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَفِي يَدِهِ جَرِيدَةٌ رَطْبَةٌ فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ بِهَا حَاجَةً فَأَخَذْتُهَا فَمَضَغْتُ رَأْسَهَا وَنَفَضْتُهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ فَاسْتَنَّ بِهَا كَأَحْسَنِ مَا كَانَ مُسْتَنًّا ثُمَّ نَاوَلَنِيهَا فَسَقَطَتْ يَدُهُ أَوْ سَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ فَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ الدُّنْيَا وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ الْآخِرَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4097",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ مِنْ مَسْكَنِهِ ‏ ‏بِالسُّنْحِ ‏ ‏حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمْ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَتَيَمَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُغَشًّى بِثَوْبِ ‏ ‏حِبَرَةٍ ‏ ‏فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ وَبَكَى ثُمَّ قَالَ ‏ ‏بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏خَرَجَ ‏ ‏وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏يُكَلِّمُ النَّاسَ فَقَالَ اجْلِسْ يَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَأَبَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَنْ يَجْلِسَ فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَتَرَكُوا ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ قَالَ اللَّهُ ‏ { ‏وَمَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏الشَّاكِرِينَ ‏} ‏وَقَالَ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ فَمَا أَسْمَعُ بَشَرًا مِنْ النَّاسِ إِلَّا يَتْلُوهَا ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا ‏ ‏أَنْ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏تَلَاهَا فَعَقِرْتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ وَحَتَّى أَهْوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ مَاتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مِنْ مَسْكَنه بِالسُّنْحِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون النُّون وَبِضَمِّهَا أَيْضًا وَآخِره حَاء مُهْمَلَة , وَتَقَدَّمَ ضَبْطه فِي الْجَنَائِز , وَأَنَّهُ مَسْكَن زَوْجَة أَبِي بَكْر الصِّدِّيق. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَجْمَع اللَّه عَلَيْك مَوْتَتَيْنِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَّل الْجَنَائِز , وَأَغْرَبَ مَنْ قَالَ : الْمُرَاد بِالْمَوْتَةِ الْأُخْرَى مَوْتَة الشَّرِيعَة أَيْ لَا يَجْمَع اللَّه عَلَيْك مَوْتك وَمَوْت شَرِيعَتك. قَالَ هَذَا الْقَائِل. وَيُؤَيِّدهُ قَوْل أَبِي بَكْر بَعْد ذَلِكَ فِي خُطْبَته \" مَنْ كَانَ يَعْبُد مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ , وَمَنْ كَانَ يَعْبُد اللَّه فَإِنَّ اللَّه حَيّ لَا يَمُوت \" وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَإِنْ قُلْت لَيْسَ فِي الْقُرْآن أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ , ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ أَبَا بَكْر تَلَاهَا لِأَجْلِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ. قُلْت : وَرِوَايَة اِبْن السَّكَن قَدْ أَوْضَحَتْ الْمُرَاد. فَإِنَّهُ زَادَ لَفْظ \" عَلِمْت \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَة ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ الزُّهْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَعُمَر يُكَلِّم النَّاس ) ‏ ‏أَيْ يَقُول لَهُمْ : مَا مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَعِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن بَابَنُوس عَنْ عَائِشَة مُتَّصِلًا بِمَا ذَكَرْته فِي آخِر الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث الثَّامِن شَيْء دَارَ بَيْن الْمُغِيرَة وَعُمَر. فَفِيهِ بَعْد قَوْلهَا : \" فَسَجَّيْته ثَوْبًا : فَجَاءَ عُمَر وَالْمُغِيرَة بْن شُعْبَة فَاسْتَأْذَنَا فَأَذِنْت لَهُمَا , وَجَذَبْت الْحِجَاب فَنَظَر عُمَر إِلَيْهِ فَقَالَ : وَاغَشْيَتَاه , ثُمَّ قَامَا , فَلَمَّا دَنَوَا مِنْ الْبَاب قَالَ الْمُغِيرَة : يَا عُمَر مَاتَ. قَالَ : كَذَبْت , بَلْ أَنْتَ رَجُل تَحُوشُك فِتْنَة إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَمُوت حَتَّى يُفْنِي اللَّه الْمُنَافِقِينَ. ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْر فَرَفَعْت الْحِجَاب , فَنَظَر إِلَيْهِ فَقَالَ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ , مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَرَوَى اِبْن إِسْحَاق وَعَبْد الرَّزَّاق وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة \" أَنَّ الْعَبَّاس قَالَ لِعُمَر : هَلْ عِنْد أَحَد مِنْكُمْ عَهْد مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ , وَلَمْ يَمُتْ حَتَّى حَارَبَ وَسَالَمَ وَنَكَحَ وَطَلَّقَ وَتَرَكَكُمْ عَلَى مَحَجَّة وَاضِحَة \" وَهَذِهِ مِنْ مُوَافَقَات الْعَبَّاس لِلصِّدِّيقِ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة \" أَنَّ أَبَا بَكْر مَرَّ بِعُمَر وَهُوَ يَقُول : مَا مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَمُوت حَتَّى يَقْتُل اللَّه الْمُنَافِقِينَ , وَكَانُوا أَظْهَرُوا الِاسْتِبْشَار وَرَفَعُوا رُءُوسهمْ , فَقَالَ : أَيّهَا الرَّجُل إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ , أَلَمْ تَسْمَع اللَّه تَعَالَى يَقُول : ( إِنَّك مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) وَقَالَ تَعَالَى : ( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِك الْخُلْدَ ) ثُمَّ أَتَى الْمِنْبَر فَصَعِدَ فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَذَكَرَ خُطْبَته \". ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) ‏ ‏زَادَ يَزِيد بْن بَابَنُوس عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ أَبَا بَكْر حَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّه يَقُول : ( إِنَّك مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْآيَة , ثُمَّ تَلَا ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ ) الْآيَة , وَقَالَ فِيهِ : قَالَ عُمَر. أَوَإِنَّهَا فِي كِتَاب اللَّه ؟ مَا شَعَرْت أَنَّهَا فِي كِتَاب اللَّه \". وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر نَحْوه وَزَادَ : ثُمَّ نَزَلَ , فَاسْتَبْشَرَ الْمُسْلِمُونَ , وَأَخَذَ الْمُنَافِقِينَ الْكَآبَة. قَالَ اِبْن عُمَر وَكَأَنَّمَا عَلَى وُجُوهنَا أَغْطِيَة فَكُشِفَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ) ‏ ‏هُوَ مَقُول الزُّهْرِيّ , وَأَغْرَبَ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ : مَا أَدْرِي الْقَائِل : \" فَأَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب \" الزُّهْرِيّ أَوْ شَيْخه أَبُو مَسْلَمَةَ ؟ فَقُلْت : صَرَّحَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر بِأَنَّهُ الزُّهْرِيّ , وَأَثَر اِبْن الْمُسَيِّب عَنْ عُمَر هَذَا أَهْمَلَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَاف مَعَ أَنَّهُ عَلَى شَرْطه. ‏ ‏قَوْله : ( فَعُقِرْت ) ‏ ‏بِضَمِّ الْعَيْن وَكَسْر الْقَاف أَيْ هَلَكْت , وَفِي رِوَايَة بِفَتْحِ الْعَيْن أَيْ دَهَشْت وَتَحَيَّرْت , وَيُقَال سَقَطْت , وَرَوَاهُ يَعْقُوب بْن السِّكِّيت بِالْفَاءِ مِنْ الْعَفَر وَهُوَ التُّرَاب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَقُعِرْت \" بِتَقْدِيمِ الْقَاف عَلَى الْعَيْن وَهُوَ خَطَأ وَالصَّوَاب الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( مَا تُقِلّنِي ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْقَاف وَتَشْدِيد اللَّام أَيْ مَا تَحْمِلنِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَتَّى أَهْوَيْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" هَوَيْت \" بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيه. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى الْأَرْض حِين سَمِعْته تَلَاهَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَقَوْله : \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" عَلَى الْبَدَل مِنْ الْهَاء فِي قَوْله تَلَاهَا : أَيْ تَلَا الْآيَة الَّتِي مَعْنَاهَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ , وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّك مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) وَفِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن \" فَعَلِمْت أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ \" وَهِيَ وَاضِحَة , وَكَذَا عِنْد عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ \" فَعُقِرْت وَأَنَا قَائِم حَتَّى خَرَرْت إِلَى الْأَرْض , فَأَيْقَنْت أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ \" وَفِي الْحَدِيث قُوَّة جَأْش أَبِي بَكْر وَكَثْرَة عِلْمه , وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَبَّاس كَمَا ذَكَرْنَا , وَالْمُغِيرَة كَمَا رَوَاهُ اِبْن سَعْد وَابْن أُمّ مَكْتُوم كَمَا فِي الْمَغَازِي لِأَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة قَالَ : \" إِنَّهُ كَانَ يَتْلُو قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّك مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) وَالنَّاس لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ , وَكَانَ أَكْثَر الصَّحَابَة عَلَى خِلَاف ذَلِكَ \" فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْأَقَلّ عَدَدًا فِي الِاجْتِهَاد قَدْ يُصِيب وَيُخْطِئ الْأَكْثَر فَلَا يَتَعَيَّن التَّرْجِيح بِالْأَكْثَرِ , وَلَا سِيَّمَا إِنْ ظَهَرَ أَنَّ بَعْضهمْ قَلَّدَ بَعْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4098",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَبَّلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ مَوْتِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة \" أَنَّ أَبَا بَكْر قَبَّلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَمَا مَاتَ \" تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله أَنَّهُ كَشَفَ عَنْ وَجْهه ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ , وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن بَابَنُوس عَنْهَا \" أَتَاهُ مِنْ قِبَل رَأْسه فَحَدَرَ فَاهُ فَقَبَّلَ جَبْهَته ثُمَّ قَالَ : وَانَبِيَّاهْ , ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه فَحَدَرَ فَاهُ وَقَبَّلَ جَبْهَته ثُمَّ قَالَ : وَاصَفِيَّاهْ , ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه وَحَدَرَ فَاهُ وَقَبَّلَ جَبْهَته ثُمَّ قَالَ : وَاخَلِيلَاه \" وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عُمَر : فَوَضَعَ فَاهُ عَلَى جَبِين رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يُقَبِّلهُ وَيَبْكِي وَيَقُول \" بِأَبِي وَأُمِّي طِبْت حَيًّا وَمَيِّتًا \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث جَابِر \" أَنَّ أَبَا بَكْر قَبَّلَ جَبْهَته \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث سَالِم بْن عَتِيك \" أَنَّ أَبَا بَكْر دَخَلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَّهُ فَقَالُوا : يَا صَاحِب رَسُول اللَّه , مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4099",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَزَادَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏لَدَدْنَاهُ ‏ ‏فِي مَرَضِهِ فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ ‏ ‏لَا ‏ ‏تَلُدُّونِي ‏ ‏فَقُلْنَا كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ ‏ ‏تَلُدُّونِي ‏ ‏قُلْنَا كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَقَالَ لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا ‏ ‏لُدَّ ‏ ‏وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا ‏ ‏الْعَبَّاسَ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ حَدَّثَنَا يَحْيَى وَزَادَ : قَالَتْ عَائِشَة لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضه ) ‏ ‏أَمَّا عَلِيّ فَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن الْمَدِينِيّ , وَأَمَّا يَحْيَى فَهُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّانُ , وَمُرَاده أَنَّ عَلِيًّا وَافَقَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي شَيْبَة فِي رِوَايَته عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْحَدِيث الَّذِي قَبْله وَزَادَ عَلَيْهِ قِصَّة اللُّدُود. ‏ ‏قَوْله : ( لَدَدْنَاهُ ) ‏ ‏أَيْ جَعَلْنَا فِي جَانِب فَمه دَوَاء بِغَيْرِ اِخْتِيَاره , وَهَذَا هُوَ اللُّدُود , فَأَمَّا مَا يُصَبّ فِي الْحَلْق فَيُقَال لَهُ الْوُجُور , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث الْعَبَّاس \" أَنَّهُمْ أَذَابُوا قِسْطًا - أَيْ بِزَيْتٍ - قَلَّدُوهُ بِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلَ يُشِير إِلَيْنَا أَنْ لَا تَلُدُّونِي , فَقُلْنَا : كَرَاهِيَة الْمَرِيض لِلدَّوَاءِ ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : ضَبَطْنَاهُ بِالرَّفْعِ أَيْ هَذَا مِنْهُ كَرَاهِيَة , وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء : هُوَ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف أَيْ هَذَا الِامْتِنَاع كَرَاهِيَة , وَيَحْتَمِل أَنَّ النَّصْب عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول لَهُ أَيْ نَهَانَا لِلْكَرَاهِيَةِ لِلدَّوَاءِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَصْدَرًا أَيْ كَرِهَهُ كَرَاهِيَة الدَّوَاء , قَالَ عِيَاض : الرَّفْع أَوْجَه مِنْ النَّصْب عَلَى الْمَصْدَر. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَبْقَى أَحَد فِي الْبَيْت إِلَّا لُدّ وَأَنَا أَنْظُر إِلَّا الْعَبَّاس فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدكُمْ ) ‏ ‏قِيلَ : فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْقِصَاص فِي جَمِيع مَا يُصَاب بِهِ الْإِنْسَان عَمْدًا , وَفِيهِ نَظَر , لِأَنَّ الْجَمِيع لَمْ يَتَعَاطَوْا ذَلِكَ , وَإِنَّمَا فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ عُقُوبَة لَهُمْ لِتَرْكِهِمْ اِمْتِثَال نَهْيه عَنْ ذَلِكَ , أَمَّا مَنْ بَاشَرَهُ فَظَاهِر , وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُبَاشِرهُ فَلِكَوْنِهِمْ تَرَكُوا نَهْيهمْ عَمَّا نَهَاهُمْ هُوَ عَنْهُ. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ التَّأْوِيل الْبَعِيد لَا يُعْذَر بِهِ صَاحِبه وَفِيهِ نَظَر أَيْضًا لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي مُعَارَضَة النَّهْي , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : أَرَادَ أَنْ لَا يَأْتُوا يَوْم الْقِيَامَة وَعَلَيْهِمْ حَقّه فَيَقَعُوا فِي خَطْب عَظِيم , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِن الْعَفْو لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِم لِنَفْسِهِ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ تَأْدِيبهمْ لِئَلَّا يَعُودُوا , فَكَانَ ذَلِكَ تَأْدِيبًا لَا قِصَاصًا وَلَا اِنْتِقَامًا. قِيلَ : وَإِنَّمَا كَرِهَ اللَّدّ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَتَدَاوَى لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَمُوت فِي مَرَضه , وَمَنْ حَقَّقَ ذَلِكَ كُرِهَ لَهُ التَّدَاوِي. قُلْت : وَفِيهِ نَظَر , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل التَّخْيِير وَالتَّحَقُّق , وَإِنَّمَا أَنْكَرَ التَّدَاوِي لِأَنَّهُ كَانَ غَيْر مُلَائِم لِدَائِهِ , لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ بِهِ ذَات الْجَنْب فَدَاوَوْهُ بِمَا يُلَائِمهَا , وَلَمْ يَكُنْ بِهِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِر فِي سِيَاق الْخَبَر كَمَا تَرَى , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ اِبْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏وَصَلَهُ مُحَمَّد بْن مُسْعَد عَنْ مُحَمَّد بْن الصَّبَّاحِ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الزِّنَاد بِهَذَا السَّنَد وَلَفْظه : كَانَتْ تَأْخُذ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَاصِرَة , فَاشْتَدَّتْ بِهِ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَدَدْنَاهُ , فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : هَذَا مِنْ فِعْل نِسَاء جِئْنَ مِنْ هُنَا , وَأَشَارَ إِلَى الْحَبَشَة , وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّ اللَّه يُسَلِّط عَلَيَّ ذَات الْجَنْب مَا كَانَ اللَّه لِيَجْعَل لَهَا عَلَيَّ سُلْطَانًا , وَاَللَّه لَا يَبْقَى أَحَد فِي الْبَيْت إِلَّا لُدَّ , فَمَا بَقِيَ أَحَد فِي الْبَيْت إِلَّا لُدَّ , وَلَدَدْنَا مَيْمُونَة وَهِيَ صَائِمَة \" وَمَنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن أَنَّ أُمّ سَلَمَة وَأَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ أَشَارَتَا بِأَنْ يَلُدُّوهُ , وَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ قَالَتْ : \" إِنَّ أَوَّل مَا اِشْتَكَى كَانَ فِي بَيْت مَيْمُونَة , فَاشْتَدَّ مَرَضه حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ , فَتَشَاوَرْنَ فِي لَدّه فَلَدُّوهُ. فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : هَذَا فِعْل نِسَاء جِئْنَ مِنْ هُنَا - وَأَشَارَ إِلَى الْحَبَشَة - وَكَانَتْ أَسْمَاء مِنْهُنَّ فَقَالُوا : كُنَّا نَتَّهِم بِك ذَات الْجَنْب , فَقَالَ : مَا كَانَ اللَّه لِيُعَذِّبنِي بِهِ , لَا يَبْقَى أَحَد فِي الْبَيْت إِلَّا لُدَّ. قَالَ : فَلَقَدْ اِلْتَدَّتْ مَيْمُونَة وَهِيَ صَائِمَة \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي الزِّنَاد هَذِهِ بَيَان ضَعْف مَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ فِيهِ اِبْن لَهِيعَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ مِنْ ذَات الْجَنْب \" ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ يُمْكِن الْجَمْع بَيْنهمَا بِأَنَّ ذَات الْجَنْب تُطْلَق بِإِزَاءِ مَرَضَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي كِتَاب الطِّبّ : أَحَدهمَا وَرَم حَارّ يَعْرِض فِي الْغِشَاء الْمُسْتَبْطِن , وَالْآخَر رِيح مُحْتَقِن بَيْن الْأَضْلَاع , فَالْأَوَّل هُوَ الْمَنْفِيّ هُنَا , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك \" ذَات الْجَنْب مِنْ الشَّيْطَان \" وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي أَثْبَت هُنَا , وَلَيْسَ فِيهِ مَحْذُور كَالْأَوَّلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4100",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَزْهَرُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْصَى إِلَى ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏فَقَالَتْ مَنْ قَالَهُ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَإِنِّي لَمُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي فَدَعَا بِالطَّسْتِ فَانْخَنَثَ فَمَاتَ فَمَا شَعَرْتُ ‏ ‏فَكَيْفَ أَوْصَى إِلَى ‏ ‏عَلِيٍّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي أَزْهَر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعْد السَّمَّان بَصْرِيّ , وَشَيْخه عَبْد اللَّه بْن عَوْن بَصْرِيّ أَيْضًا , وَأَمَّا إِبْرَاهِيم وَهُوَ اِبْن يَزِيد النَّخَعِيُّ وَالْأَسْوَد فَكُوفِيَّانِ. ‏ ‏قَوْله : ( ذُكِرَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله , وَتَقَدَّمَ فِي الْوَصَايَا مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظِ \" ذَكَرُوا \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" قِيلَ لِعَائِشَة إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ أَوْصَى إِلَى عَلِيّ , فَقَالَتْ : وَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ ؟ وَقَدْ رَأَيْته دَعَا بِالطَّسْتِ لِيَتْفُل فِيهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح مَا يَتَعَلَّق بِهِ هُنَاكَ وَمَا يَتَعَلَّق بِبَقِيَّةِ الْحَدِيث فِي أَثْنَاء هَذَا الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "4101",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَلْحَةَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَوْصَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَا فَقُلْتُ كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِهَا قَالَ ‏ ‏أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى , تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِل الْوَصَايَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4102",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا لِابْنِ السَّبِيلِ صَدَقَةً ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَمْرو بْن الْحَارِث وَهُوَ الْمُصْطَلِقِيُّ أَخُو مَيْمُونَة بِنْت الْحَارِث أُمّ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِل الْوَصَايَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4103",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ فَقَالَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏وَا كَرْبَ أَبَاهُ فَقَالَ لَهَا ‏ ‏لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ يَا ‏ ‏أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ يَا ‏ ‏أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ ‏ ‏مَأْوَاهْ يَا ‏ ‏أَبَتَاهْ إِلَى ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏نَنْعَاهْ فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏يَا ‏ ‏أَنَسُ ‏ ‏أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ ‏ ‏تَحْثُوا ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏التُّرَابَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَاكَرْب أَبَاهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُبَارَك بْن فَضَالَة عَنْ ثَابِت عِنْد النَّسَائِيِّ \" وَاكَرْبَاه \" وَالْأَوَّل أَصْوَب لِقَوْلِهِ فِي نَفْس الْخَبَر \" لَيْسَ عَلَى أَبِيك كَرْب بَعْد الْيَوْم \" وَهَذَا يَدُلّ أَنَّهَا لَمْ تَرْفَع صَوْتهَا بِذَلِكَ وَإِلَّا لَكَانَ يَنْهَاهَا. ‏ ‏قَوْله : ( يَا أَبَتَاهْ ) ‏ ‏كَأَنَّهَا قَالَتْ : يَا أَبِي وَالْمُثَنَّاة بَدَل مِنْ التَّحْتَانِيَّة وَالْأَلِف لِلنُّدْبَةِ وَلِمَدِّ الصَّوْت وَالْهَاء لِلسَّكْتِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ جَنَّة الْفِرْدَوْس مَأْوَاهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم فِي أَوَّله عَلَى أَنَّهَا مَوْصُولَة , وَحَكَى الطَّيِّبِي عَنْ نُسْخَة مِنْ \" الْمَصَابِيح \" بِكَسْرِهَا عَلَى أَنَّهَا حَرْف جَرّ , قَالَ : وَالْأَوَّل أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى جِبْرِيل نَنْعَاهُ ) ‏ ‏قِيلَ : الصَّوَاب إِلَى جِبْرِيل نَعَاهُ , جَزَمَ بِذَلِكَ سِبْط اِبْن الْجَوْزِيّ فِي \" الْمِرْآة \" , وَالْأَوَّل مُوَجَّه فَلَا مَعْنَى لِتَغْلِيظِ الرُّوَاة بِالظَّنِّ وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَارِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن سُلَيْمَان كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّاد فِي هَذَا الْحَدِيث \" يَا أَبَتَاهُ , مِنْ رَبّه مَا أَدْنَاهُ \" وَمِثْله لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق مَعْمَر , وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة كِلَاهُمَا عَنْ ثَابِت بِهِ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : زَعَمَ بَعْض مَنْ لَا يُعَدّ فِي أَهْل الْعِلْم أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : \" لَا كَرْب عَلَى أَبِيك بَعْد الْيَوْم \" أَنَّ كَرْبه كَانَ شَفَقَة عَلَى أُمَّته لَمَّا عَلِمَ مِنْ وُقُوع الْفِتَن وَالِاخْتِلَاف , وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَم أَنْ تَنْقَطِع شَفَقَته عَلَى أُمَّته بِمَوْتِهِ , وَالْوَاقِع أَنَّهَا بَاقِيَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لِأَنَّهُ مَبْعُوث إِلَى مَنْ جَاءَ بَعْده وَأَعْمَالهمْ تُعْرَض عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا الْكَلَام عَلَى ظَاهِره , وَأَنَّ الْمُرَاد بِالْكَرْبِ مَا كَانَ يَجِدهُ مِنْ شِدَّة الْمَوْت , وَكَانَ فِيمَا يُصِيب جَسَده مِنْ الْآلَام كَالْبَشَرِ لِيَتَضَاعَف لَهُ الْأَجْر كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَة : يَا أَنَس إِلَخْ ) ‏ ‏وَهَذَا مِنْ رِوَايَة أَنَس عَنْ فَاطِمَة , وَأَشَارَتْ عَلَيْهَا السَّلَام بِذَلِكَ إِلَى عِتَابهمْ عَلَى إِقْدَامهمْ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدُلّ عَلَى خِلَاف مَا عَرَفَتْهُ مِنْهُمْ مِنْ رِقَّة قُلُوبهمْ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ مَحَبَّتهمْ لَهُ , وَسَكَتَ أَنَس عَنْ جَوَابهَا رِعَايَة لَهَا وَلِسَان حَاله يَقُول : لَمْ تَطِبْ أَنْفُسنَا بِذَلِكَ , إِلَّا أَنَّا قَهَرْنَاهَا عَلَى فِعْله اِمْتِثَالًا لِأَمْرِهِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو سَعِيد فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّار بِسَنَدٍ جَيِّد : \" وَمَا نَفَضْنَا أَيْدِينَا مِنْ دَفْنه حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبنَا \" وَمِثْله فِي حَدِيث ثَابِت عَنْ أَنَس عِنْد التِّرْمِذِيّ وَغَيْره , يُرِيد أَنَّهُمْ وَجَدُوهَا تَغَيَّرَتْ عَمَّا عَهِدُوهُ فِي حَيَاته مِنْ الْأُلْفَة وَالصَّفَاء وَالرِّقَّة , لِفِقْدَانِ مَا كَانَ يَمُدّهُمْ بِهِ مِنْ التَّعْلِيم وَالتَّأْدِيب. وَيُسْتَفَاد مِنْ الْحَدِيث جَوَاز التَّوَجُّع لِلْمَيِّتِ عِنْد اِحْتِضَاره بِمِثْلِ قَوْل فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام \" وَاكَرْب أَبَاهُ \" وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النِّيَاحَة , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّهَا عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلهَا بَعْد أَنْ قُبِضَ \" وَا أَبَتَاهْ إِلَخْ \" فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظ إِذَا كَانَ الْمَيِّت مُتَّصِفًا بِهَا لَا يَمْنَع ذِكْره لَهَا بَعْد مَوْته , بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ فِيهِ ظَاهِرًا وَهُوَ فِي الْبَاطِن بِخِلَافِهِ أَوْ لَا يَتَحَقَّق اِتِّصَافه بِهَا فَيَدْخُل فِي الْمَنْع , وَنُبِّهَ هُنَا عَلَى أَنَّ الْمِزِّيَّ ذَكَرَ كَلَام فَاطِمَة هَذَا فِي مُسْنَد أَنَس , وَهُوَ مُتَعَقَّب , فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَوَّله فِي مُسْنَده لِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّهُ حَضَرَهُ , لَكِنْ الْأَخِير إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَام فَاطِمَة فَحَقّه أَنْ يَذْكُر فِي رِوَايَة أَنَس عَنْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4104",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ إِنَّهُ ‏ ‏لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرَ فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى سَقْفِ الْبَيْتِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى فَقُلْتُ إِذًا لَا يَخْتَارُنَا وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَتْ فَكَانَتْ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4105",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَابْنِ عَبَّاسِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَبِثَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ‏ ‏وَبِالْمَدِينَةِ ‏ ‏عَشْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( لَبِثَ بِمَكَّة عَشْر سِنِينَ يَنْزِل عَلَيْهِ الْقُرْآن , وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا ) ‏ ‏هَذَا يُخَالِف الْمَرْوِيّ عَنْ عَائِشَة عَقِبه أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ , إِلَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى إِلْغَاء الْكَسْر كَمَا قِيلَ مِثْله فِي حَدِيث أَنَس الْمُتَقَدِّم فِي \" بَاب صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مِنْ كِتَاب الْمَنَاقِب. وَأَكْثَر مَا قِيلَ فِي عُمْره أَنَّهُ خَمْس وَسِتُّونَ سَنَة أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَمَّار بْن أَبِي عَمَّار عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَمِثْله لِأَحْمَد عَنْ يُوسُف بْن مِهْرَانَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَهُوَ مُغَايِر لِحَدِيثِ الْبَاب لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُون عَاشَ سِتِّينَ إِلَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى إِلْغَاء الْكَسْر , أَوْ عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّهُ بُعِثَ اِبْن ثَلَاث وَأَرْبَعِينَ وَهُوَ مُقْتَضَى رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ مَكَثَ بِمَكَّة ثَلَاث عَشْرَة وَمَاتَ اِبْن ثَلَاث وَسِتِّينَ , وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن حَسَّان عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" لَبِثَ بِمَكَّة ثَلَاث عَشْرَة وَبُعِثَ لِأَرْبَعِينَ وَمَاتَ وَهُوَ اِبْن ثَلَاث وَسِتِّينَ \" وَهَذَا مُوَافِق لِقَوْلِ الْجُمْهُور , وَقَدْ مَضَى فِي \" بَاب هِجْرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". وَالْحَاصِل أَنَّ كُلّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ الصَّحَابَة مَا يُخَالِف الْمَشْهُور - وَهُوَ ثَلَاث وَسِتُّونَ - جَاءَ عَنْهُ الْمَشْهُور , وَهُمْ اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَأَنَس , وَلَمْ يُخْتَلَف عَلَى مُعَاوِيَة أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ , وَبِهِ جَزَمَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالشَّعْبِيّ وَمُجَاهِد , وَقَالَ أَحْمَد : هُوَ الثَّبْت عِنْدنَا. وَقَدْ جَمَعَ السُّهَيْلِيُّ بَيْن الْقَوْلَيْنِ الْمَحْكِيَّيْنِ بِوَجْهٍ آخَر , وَهُوَ أَنَّ مَنْ قَالَ : مَكَثَ ثَلَاث عَشْرَة عَدَّ مِنْ أَوَّل مَا جَاءَهُ الْمَلَك بِالنُّبُوَّةِ , وَمَنْ قَالَ : مَكَثَ عَشْرًا أَخَذَ مَا بَعْد فَتْرَة الْوَحْي وَمَجِيء الْمَلَك بِيَا أَيّهَا الْمُدَّثِّر , وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى صِحَّة خَبَر الشَّعْبِيّ الَّذِي نَقَلْته مِنْ تَارِيخ الْإِمَام أَحْمَد فِي بَدْء الْوَحْي , وَلَكِنْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن سَعْد مَا يُخَالِفهُ كَمَا أَوْضَحْته فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث عَائِشَة فِي بَدْء الْوَحْي الْمُخَرَّج مِنْ رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالزِّيَادَةِ الَّتِي أَرْسَلَهَا الزُّهْرِيّ , وَمِنْ الشُّذُوذ مَا رَوَاهُ عُمَر بْن شَبَّة أَنَّهُ عَاشَ إِحْدَى أَوْ اِثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَلَمْ يَبْلُغ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ , وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن عَسَاكِر مِنْ وَجْه آخَر أَنَّهُ عَاشَ اِثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَنِصْفًا , وَهَذَا يَصِحّ عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ وُلِدَ فِي رَمَضَان , وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْبَاب الْمَذْكُور أَنَّهُ شَاذّ مِنْ الْقَوْل , وَقَدْ جَمَعَ بَعْضهمْ بَيْن الرِّوَايَات الْمَشْهُورَة بِأَنَّ مَنْ قَالَ : خَمْس وَسِتُّونَ جَبَرَ الْكَسْر , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ يَخْرُج مِنْهُ أَرْبَع وَسِتُّونَ فَقَطْ وَقَلَّ مَنْ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4106",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب : وَأَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب مِثْله ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَوْله : \" مِثْله \" يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد أَنَّهُ حَدَّثَهُ بِذَلِكَ عَنْ عَائِشَة أَوْ أَرْسَلَهُ , وَالْقَصْد بِالْمِثْلِ الْمَتْن فَقَطْ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا , وَقَدْ جَوَّزَتْ أَنْ يَكُون مَوْصُولًا لَمَّا شَرَحْت هَذَا الْحَدِيث فِي أَوَائِل صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ظَفِرْت بِهِ الْآن كَمَا حَرَّرْت , وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏"
    },
    {
        "id": "4107",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَدِرْعه مَرْهُونَة عِنْد يَهُودِيّ بِثَلَاثِينَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمُمَيَّز وَلِلْمُسْتَمْلِيّ وَحْده \" ثَلَاثِينَ صَاعًا \" وَوَجْه إِيرَاده هُنَا الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ آخِر أَحْوَاله , وَهُوَ يُنَاسِب حَدِيث عَمْرو بْن الْحَارِث فِي الْبَاب الْأَوَّل أَنَّهُ لَمْ يَتْرُك دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4108",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْفُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏فَقَالُوا فِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ قُلْتُمْ فِي ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏وَإِنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4109",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏فَطَعَنَ النَّاسُ فِي إِمَارَتِهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4110",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الصُّنَابِحِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ لَهُ ‏ ‏مَتَى هَاجَرْتَ قَالَ خَرَجْنَا مِنْ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏مُهَاجِرِينَ فَقَدِمْنَا ‏ ‏الْجُحْفَةَ ‏ ‏فَأَقْبَلَ رَاكِبٌ فَقُلْتُ لَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ ‏ ‏دَفَنَّا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُنْذُ خَمْسٍ قُلْتُ هَلْ سَمِعْتَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ شَيْئًا قَالَ نَعَمْ أَخْبَرَنِي ‏ ‏بِلَالٌ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ فِي السَّبْعِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي حَبِيب ) ‏ ‏هُوَ يَزِيد , وَأَبُو الْخَيْر هُوَ مَرْثَد بْن عَبْد اللَّه , وَالصُّنَابِحِيُّ اِسْمه عَبْد الرَّحْمَن بْن عُسَيْلَة , وَلَيْسَ لَهُ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَّفَ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَقْبَلَ رَاكِب ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت هَلْ سَمِعْت ) ‏ ‏؟ الْقَائِل هُوَ أَبُو الْخَيْر وَالْمَقُول لَهُ الصُّنَابِحِيُّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى لَيْلَة الْقَدْر فِي كِتَاب الصِّيَام بِمَا لَا مَزِيدَ فِي التَّتَبُّع عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4111",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَمْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ سَبْعَ عَشْرَةَ قُلْتُ كَمْ غَزَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ تِسْعَ عَشْرَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4112",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْبَرَاءُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَمْسَ عَشْرَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4113",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ هِلَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَهْمَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ بُرَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن جُنَيْدِب بِالْجِيمِ وَالنُّون وَمُوَحَّدَة مُصَغَّرًا التِّرْمِذِيّ الْحَافِظ , لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَهُوَ مِنْ أَقْرَان الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ كَهْمَس ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَزْن جَعْفَر , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُعْتَمِر \" سَمِعْت كَهْمَس بْن الْحَسَن \" وَابْن بُرَيْدَةَ هُوَ عَبْد اللَّه وَلَمْ يُخَرِّج الْبُخَارِيّ لِسُلَيْمَان بْن بُرَيْدَةَ شَيْئًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : غَزَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتّ عَشْرَة غَزْوَة ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي مُسْنَد أَحْمَد , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَحْمَد نَفْسه , وَهُوَ أَحَد الْأَحَادِيث الْأَرْبَعَة الَّتِي أَخْرَجَهَا مُسْلِم عَنْ شُيُوخ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ تِلْكَ الْأَحَادِيث بِعَيْنِهَا عَنْ أُولَئِكَ الشُّيُوخ بِوَاسِطَةٍ. وَوَقَعَ مِنْ هَذَا النَّمَط الْبُخَارِيّ أَكْثَر مِنْ مِائَتِيْ حَدِيث , وَقَدْ جَرَّدْتهَا فِي جُزْء مُفْرَد. وَأَخْرَجَ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْع عَشْرَة غَزْوَة قَاتَلَ مِنْهَا فِي ثَمَان , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْمَغَازِي تَوْجِيه ذَلِكَ وَتَحْرِير عَدَد الْغَزَوَات. وَأَمَّا السَّرَايَا فَتَقْرُب مِنْ سَبْعِينَ , وَقَدْ اِسْتَوْعَبَهَا مُحَمَّد بْن سَعْد فِي الطَّبَقَات. وَقَرَأْت بِخَطِّ مُغَلْطَاي أَنَّ مَجْمُوع الْغَزَوَات وَالسَّرَايَا مِائَة وَهُوَ كَمَا قَالَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْمَغَازِي مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة وَمَا فِي حُكْمهَا عَلَى خَمْسمِائَةِ وَثَلَاثَة وَسِتِّينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا سِتَّة وَسَبْعُونَ حَدِيثًا وَالْبَاقِي مَوْصُول , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى أَرْبَعمِائَةِ حَدِيث وَعَشَرَة أَحَادِيث , وَالْخَالِص مِائَة وَثَلَاثَة وَخَمْسُونَ حَدِيثًا , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى ثَلَاثَة وَسِتِّينَ حَدِيثًا وَهِيَ : حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" شَهِدْت مِنْ الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد مَشْهَدًا \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ بَدْر \" وَحَدِيث عَلِيّ \" أَنَا أَوَّل مَنْ يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ \" وَحَدِيث الْبَرَاء \" شَهِدَ عَلِيّ بَدْرًا وَبَارَزَ وَظَاهَرَ \" وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي تَوْجِيهه إِلَى سَعِيد بْن زَيْد وَكَانَ بَدْرِيًّا , وَحَدِيث مُحَمَّد بْن إِيَاس بْن الْبُكَيْرِ وَكَانَ أَبُوهُ شَهِدَ بَدْرًا , وَحَدِيث رِفَاعَة بْن رَافِع فِي فَضْل أَهْل بَدْر , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" هَذَا جِبْرِيل آخِذ بِرَأْسِ فَرَسه وَعَلَيْهِ أَدَاة الْحَرْب يَوْم بَدْر \" وَحَدِيث أَنَس فِي أَبِي زَيْد الْبَدْرِيّ , وَحَدِيث قَتَادَةَ بْن النُّعْمَان فِي الْأَضَاحِيّ , وَحَدِيث الزُّبَيْر فِي قَتْله الْعَاص بْن سَعِيد بِبَدْرٍ , وَحَدِيث الرُّبَيِّع بِنْت مُعَوِّذ فِي الضَّرْب بِالدُّفِّ , وَحَدِيث عَلِيّ فِي تَكْبِيره عَلَى سَهْل بْن حُنَيْفٍ , وَحَدِيث عُمَر \" تَأَيَّمَتْ حَفْصَة \" , وَحَدِيث عُمَر مَعَ قُدَامَةَ بْن مَظْعُون , وَحَدِيث الْبَرَاء فِي قَتْل أَبِي رَافِع الْيَهُودِيّ , وَحَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف أَنَّهُ أُتِيَ بِطَعَامٍ فَقَالَ : قُتِلَ مُصْعَب بْن عُمَيْر , وَحَدِيث زَيْد بْن ثَابِت حِين نَسَخَ الْمَصَاحِف , وَحَدِيث وَحْشِيّ فِي قَتْل حَمْزَة , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي قَتْل مُسَيْلِمَة , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة خُبَيْبِ بْن عَدِيّ , وَحَدِيث بِنْت الْحَارِث فِيهِ , وَحَدِيث اِبْن عُمَر مَعَ حَفْصَة وَفِيهِ مُرَاجَعَته مَعَ حَبِيب بْن سَلَمَة , وَحَدِيث سُلَيْمَان بْن صُرَد \" الْآن نَغْزُوهُمْ \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" صَلَّى الْخَوْف بِذِي قَرَد \" وَحَدِيث أَبِي مُوسَى فِيهِ مُعَلَّق , وَحَدِيث جَابِر فِيهِ مُعَلَّق , وَحَدِيث الْقَاسِم فِي أَنْمَار مُعَلَّق مُرْسَل , وَحَدِيث عَائِشَة فِي الْوَلْق , وَحَدِيث الْبَرَاء فِي بُرّ الْحُدَيْبِيَة , وَحَدِيث مِرْدَاس \" يَذْهَب الصَّالِحُونَ \" وَحَدِيث بِنْت خُفَاف , وَحَدِيث عُمَر مَعَهَا فِي شُهُود أَبِيهَا , وَحَدِيث الْبَرَاء \" لَا نَدْرِي مَا أَحْدَثْنَا \" وَحَدِيث زَاهِر فِي لُحُوم الْحُمُر , وَحَدِيث أُهْبَانَ بْن أَوْس فِي السُّجُود , وَحَدِيث عَائِذ بْن عَمْرو فِي نَقْضِ الْوِتْر , وَحَدِيث قَتَادَةَ فِي الْمُثَلَّثَة بَلَاغًا , وَحَدِيث سَلَمَة فِي الضَّرْب يَوْم خَيْبَر , وَحَدِيث أَنَس فِي الطَّيَالِسَة , وَحَدِيث عَائِشَة فِي تَمْر خَيْبَر , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِيهِ , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي مُؤْتَةَ , وَحَدِيث خَالِد بْن الْوَلِيد فِيهِ , وَحَدِيث عَمْرَة بِنْت رَوَاحَة فِي الْبُكَاء , وَحَدِيث عُرْوَة فِي قِصَّة الْفَتْح مُرْسَل , وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن ثَعْلَبَة فِي مَسْح وَجْهه , وَحَدِيث عَمْرو بْن سَلَمَة فِي الصَّلَاة , وَفِيهِ حَدِيثه عَنْ أَبِيهِ , وَحَدِيث اِبْن أَبِي أَوْفَى فِي ضَرْبَة حُنَيْنٍ , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصَّة بَنِي جَذِيمَة , وَحَدِيث أَبِي بُرْدَة فِي قِصَّة الْيَهُودِيّ الْمُرْتَدّ مُرْسَل , وَحَدِيث الْبَرَاء فِي قِصَّة عَلِيّ مَعَ الْجَارِيَة , وَحَدِيث بُرَيْدَةَ فِيهِ , وَحَدِيث جَرِير فِي بَعْثه إِلَى الْيَمَن , وَفِيهِ رِوَايَته عَنْ ذِي عَمْرو , وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر فِي وَفْد بَنِي تَمِيم , وَحَدِيث أَبِي رَجَاء الْعُطَارِدِيِّ فِي رَجَب , وَحَدِيثه فَرَرْنَا إِلَى مُسَيْلِمَة , وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود مَعَ خَبَّابٍ وَفِيهِ قِرَاءَة عَلْقَمَة , وَحَدِيث عَدِيّ مَعَ عُمَر \" أَسْلَمْت إِذْ كَفَرُوا \" وَحَدِيث أَبِي بَكْرَة \" لَا يُفْلِح قَوْم وَلَّوْا أَمْرهمْ اِمْرَأَة \" وَحَدِيث عَلِيّ مَعَ الْعَبَّاس فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة , وَحَدِيث أَنَس مَعَ فَاطِمَة فِيهِ , وَحَدِيث بِلَال فِي لَيْلَة الْقَدْر. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ اِثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ أَثَرًا غَيْر مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُسْنَد مِمَّا لَهُ حُكْم الرَّفْع. وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4114",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ أُجِبْهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي فَقَالَ ‏ ‏أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ ‏ { ‏اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ‏} ‏ثُمَّ قَالَ لِي لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَالَ ‏ ‏الْحَمْدُ لِلَّهِ ‏ ‏رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏ ‏هِيَ ‏ ‏السَّبْعُ الْمَثَانِي ‏ ‏وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ‏ ‏الَّذِي أُوتِيتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي خُبَيْبٌ ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّر ‏ ‏( اِبْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏أَيْ اِبْن خُبَيْبِ بْن يَسَاف الْأَنْصَارِيّ , وَحَفْص بْن عَاصِم أَيْ اِبْن عُمَر بْن الْخَطَّاب. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَعِيد بْن الْمُعَلَّى ) ‏ ‏بُيِّنَ فِي رِوَايَة أُخْرَى تَأْتِي فِي تَفْسِير الْأَنْفَال سَمَاع خُبَيْبٍ لَهُ مِنْ حَفْص وَحَفْص لَهُ مِنْ أَبِي سَعِيد , وَلَيْسَ لِأَبِي سَعِيد هَذَا فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. وَاخْتُلِفَ فِي اِسْمه فَقِيلَ : رَافِع , وَقِيلَ : الْحَارِث وَقَوَّاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَوَهَّى الَّذِي قَبْله. وَقِيلَ أَوْس وَقِيلَ بَلْ أَوْس اِسْم أَبِيهِ وَالْمُعَلَّى جَدّه. وَمَاتَ أَبُو سَعِيد سَنَة ثَلَاث أَوْ أَرْبَع وَسَبْعِينَ مِنْ الْهِجْرَة , وَأَرَّخَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَفَاته سَنَة أَرْبَع وَسَبْعِينَ , وَفِيهِ نَظَر بَيَّنْته فِي كِتَابِي فِي الصَّحَابَة. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) ‏ ‏يَتَعَلَّقَانِ بِإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيث : ( أَحَدهمَا ) نَسَبَ الْغَزَالِيّ وَالْفَخْر الرَّازِّي وَتَبِعَهُ الْبَيْضَاوِيّ هَذِهِ الْقِصَّة لِأَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ , وَهُوَ وَهْم , وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو سَعِيد بْن الْمُعَلَّى , ( ثَانِيهمَا ) رَوَى الْوَاقِدِيُّ هَذَا الْحَدِيث عَنْ مُحَمَّد بْن مُعَاذ عَنْ خُبَيْبِ بْن عَبْد الرَّحْمَن بِهَذَا الْإِسْنَاد فَزَادَ فِي إِسْنَاده عَنْ أَبِي سَعِيد بْن الْمُعَلَّى عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب. وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيح أَصَحّ. وَالْوَاقِدِيُّ شَدِيد الضَّعْف إِذَا اِنْفَرَدَ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ. وَشَيْخه مَجْهُول. وَأَظُنّ الْوَاقِدِيُّ دَخَلَ عَلَيْهِ حَدِيث فِي حَدِيث فَإِنَّ مَالِكًا أَخْرَجَ نَحْو الْحَدِيث الْمَذْكُور مِنْ وَجْه آخَر فِيهِ ذِكْر أُبَيِّ بْن كَعْب فَقَالَ : عَنْ الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي سَعِيد مَوْلَى عَامِر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَادَى أُبَيَّ بْن كَعْب \" وَمِنْ الرُّوَاة عَنْ مَالِك مَنْ قَالَ \" عَنْ أَبِي سَعِيد عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَادَاهُ \" وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم , وَوَهَمَ اِبْن الْأَثِير حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ أَبَا سَعِيد شَيْخ الْعَلَاء هُوَ أَبُو سَعِيد بْن الْمُعَلَّى , فَإِنَّ اِبْن الْمُعَلَّى صَحَابِيّ أَنْصَارِيّ مِنْ أَنْفَسهمْ مَدَّنِي , وَذَلِكَ تَابِعِيّ مَكِّيّ مِنْ مَوَالِي قُرَيْش , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْعَلَاء أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق الدَّرَاوَرْدِيِّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق رَوْح بْن الْقَاسِم وَأَحْمَد فِي طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن إِبْرَاهِيم وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق حَفْص بْن مَيْسَرَة كُلّهمْ عَنْ الْعَلَاء عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ \" خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُبَيِّ بْن كَعْب \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق شُعْبَة كِلَاهُمَا عَنْ الْعَلَاء مِثْله لَكِنْ قَالَ \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ \" وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيّ كَوْنه مِنْ مُسْنَد أَبِي هُرَيْرَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَادَى أُبَيَّ بْن كَعْب \" وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي مَا رَجَّحَهُ التِّرْمِذِيّ , وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الْقِصَّة وَقَعَتْ لِأُبَيِّ بْن كَعْب وَلِأَبِي سَعِيد بْن الْمُعَلَّى وَيَتَعَيَّن الْمَصِير إِلَى ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ مَخْرَج الْحَدِيثَيْنِ وَاخْتِلَاف سِيَاقهمَا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت أُصَلِّي فِي الْمَسْجِد فَدَعَانِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ ) ‏ ‏زَادَ فِي تَفْسِير الْأَنْفَال مِنْ وَجْه آخَر عَنْ شُعْبَة \" ‏ ‏فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْت ثُمَّ أَتَيْته ‏ ‏\" وَفِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة \" خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُبَيِّ بْن كَعْب وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ : أَيْ أُبَيُّ , فَالْتَفَتَ فَلَمْ يُجِبْهُ , ثُمَّ صَلَّى فَخَفَّفَ. ثُمَّ اِنْصَرَفَ فَقَالَ : سَلَام عَلَيْك يَا رَسُول اللَّه قَالَ : وَيْحك مَا مَنَعَك إِذْ دَعَوْتُك أَنْ لَا تُجِيبنِي \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَمْ يَقُلْ اللَّه تَعَالَى اِسْتَجِيبُوا ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَوَلَيْسَ تَجِد فِيمَا أَوْحَى اللَّه إِلَيَّ أَنْ اِسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ الْآيَة ؟ فَقُلْت : بَلَى يَا رَسُول اللَّه , لَا أَعُود إِنْ شَاءَ اللَّه \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏نَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ فِي حَدِيث الْبَاب تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا , وَهُوَ قَوْله \" أَلَمْ يَقُلْ اللَّه اِسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ \" قَبْل قَوْل أَبِي سَعِيد \" كُنْت فِي الصَّلَاة \" قَالَ : فَكَأَنَّهُ تَأَوَّلَ أَنَّ مَنْ هُوَ فِي الصَّلَاة خَارِج عَنْ هَذَا الْخِطَاب قَالَ : وَاَلَّذِي تَأَوَّلَ الْقَاضِيَانِ عَبْد الْوَهَّاب وَأَبُو الْوَلِيد أَنَّ إِجَابَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاة فَرْض يَعْصِي الْمَرْء بِتَرْكِهِ , وَأَنَّهُ حُكْم يَخْتَصّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْت : وَمَا اِدَّعَاهُ الدَّاوُدِيُّ لَا دَلِيل عَلَيْهِ , وَمَا جَنَحَ إِلَيْهِ الْقَاضِيَانِ مِنْ الْمَالِكِيَّة هُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّة عَلَى اِخْتِلَاف عِنْدهمْ بَعْد قَوْلهمْ بِوُجُوبِ الْإِجَابَة هَلْ تَبْطُل الصَّلَاة أَمْ لَا. ‏ ‏قَوْله : ( لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَة هِيَ أَعْظَم السُّوَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة رَوْح فِي تَفْسِير الْأَنْفَال \" لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَم سُورَة فِي الْقُرْآن \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمك سُورَة لَمْ يَنْزِل فِي التَّوْرَاة وَلَا فِي الْإِنْجِيل وَلَا فِي الزَّبُور وَلَا فِي الْفُرْقَان مِثْلهَا \" قَالَ اِبْن التِّين مَعْنَاهُ أَنَّ ثَوَابهَا أَعْظَم مِنْ غَيْرهَا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَفْضِيل بَعْض الْقُرْآن عَلَى بَعْض وَقَدْ مَنَعَ ذَلِكَ الْأَشْعَرِيّ وَجَمَاعَة , لِأَنَّ الْمَفْضُول نَاقِص عَنْ دَرَجَة الْأَفْضَل وَأَسْمَاء اللَّه وَصِفَاته وَكَلَامه لَا نَقْص فِيهَا , وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَعْنَى التَّفَاضُل أَنَّ ثَوَاب بَعْضه أَعْظَم مِنْ ثَوَاب بَعْض , فَالتَّفْضِيل إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْمَعَانِي لَا مِنْ حَيْثُ الصِّفَة , وَيُؤَيِّد التَّفْضِيل قَوْله تَعَالَى ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا ) أَيْ فِي الْمَنْفَعَة وَالرِّفْق وَالرِّفْعَة , وَفِي هَذَا تَعَقُّب عَلَى مَنْ قَالَ : فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَالتَّقْدِير نَأْتِ مِنْهَا بِخَيْرٍ , وَهُوَ كَمَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) لَكِنْ قَوْله فِي آيَة الْبَاب ( أَوْ مِثْلِهَا ) يُرَجِّح الِاحْتِمَال الْأَوَّل , فَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" يُحَدِّثنِي وَأَنَا أَتَبَاطَأ مَخَافَة أَنْ يَبْلُغ الْبَاب قَبْل أَنْ يَنْقَضِي الْحَدِيث \". ‏ ‏قَوْله : ( أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَة ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه مَا السُّورَة الَّتِي قَدْ وَعَدْتنِي ؟ قَالَ : كَيْفَ تَقْرَأ فِي الصَّلَاة ؟ فَقَرَأْت عَلَيْهِ أُمّ الْكِتَاب \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْع الْمَثَانِي وَالْقُرْآن الْعَظِيم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُعَاذ فِي تَفْسِير الْأَنْفَال \" فَقَالَ : هِيَ الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , السَّبْع الْمَثَانِي وَالْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أُوتِيته \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَقَالَ : إِنَّهَا السَّبْع الْمَثَانِي وَالْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أُوتِيته \" وَفِي هَذَا تَصْرِيح بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَقَدْ آتَيْنَاك سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي ) هِيَ الْفَاتِحَة. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ السَّبْع الْمَثَانِي هِيَ السَّبْع الطِّوَال \" أَيْ السُّوَر مِنْ أَوَّل الْبَقَرَة إِلَى آخِر الْأَعْرَاف ثُمَّ بَرَاءَة , وَقِيلَ يُونُس. وَعَلَى الْأَوَّل فَالْمُرَاد بِالسَّبْعِ الْآيُ لِأَنَّ الْفَاتِحَة سَبْع آيَات , وَهُوَ قَوْل سَعِيد بْن جُبَيْر. وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتهَا \" مَثَانِي \" فَقِيلَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى كُلّ رَكْعَة أَيْ تُعَاد , وَقِيلَ لِأَنَّهَا يُثْنَى بِهَا عَلَى اللَّه تَعَالَى , وَقِيلَ لِأَنَّهَا اُسْتُثْنِيَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّة لَمْ تَنْزِل عَلَى مَنْ قَبْلهَا , قَالَ اِبْن التِّين : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم لَيْسَتْ آيَة مِنْ الْقُرْآن , كَذَا قَالَ , عَكْس غَيْره لِأَنَّهُ أَرَادَ السُّورَة , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ \" الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ \" الْآيَة لَمْ يَقُلْ هِيَ السَّبْع الْمَثَانِي لِأَنَّ الْآيَة الْوَاحِدَة لَا يُقَال لَهَا سَبْع فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِهَا السُّورَة. وَالْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ مِنْ أَسْمَائِهَا , وَفِيهِ قُوَّة لِتَأْوِيلِ الشَّافِعِيّ فِي حَدِيث أَنَس قَالَ : كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاة بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , قَالَ الشَّافِعِيّ : أَرَادَ السُّورَة وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذِهِ السُّورَة تُسَمَّى سُورَة الْحَمْد لِلَّهِ , وَلَا تُسَمَّى الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , وَهَذَا الْحَدِيث يَرُدّ هَذَا التَّعَقُّب , وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْر يَقْتَضِي الْفَوْر لِأَنَّهُ عَاتَبَ الصَّحَابِيّ عَلَى تَأْخِير إِجَابَته. وَفِيهِ اِسْتِعْمَال صِيغَة الْعُمُوم فِي الْأَحْوَال كُلّهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ أَنَّ حُكْم لَفْظ الْعُمُوم أَنْ يَجْرِي عَلَى جَمِيع مُقْتَضَاهُ , وَأَنَّ الْخَاصّ وَالْعَامّ إِذَا تَقَابَلَا كَانَ الْعَامّ مُنَزَّلًا عَلَى الْخَاصّ , لِأَنَّ الشَّارِع حَرَّمَ الْكَلَام فِي الصَّلَاة عَلَى الْعُمُوم , ثُمَّ اِسْتَثْنَى مِنْهُ إِجَابَة دُعَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاة. وَفِيهِ أَنَّ إِجَابَة الْمُصَلِّي دُعَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُفْسِد الصَّلَاة , هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَة مِنْ الشَّافِعِيَّة وَغَيْرهمْ. وَفِيهِ بَحْث لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون إِجَابَته وَاجِبَة مُطْلَقًا سَوَاء كَانَ الْمُخَاطَب مُصَلِّيًا أَوْ غَيْر مُصَلٍّ , أَمَّا كَوْنه يَخْرُج بِالْإِجَابَةِ مِنْ الصَّلَاة أَوْ لَا يَخْرُج فَلَيْسَ مِنْ الْحَدِيث مَا يَسْتَلْزِمهُ. فَيَحْتَمِل أَنْ تَجِب الْإِجَابَة وَلَوْ خَرَجَ الْمُجِيب مِنْ الصَّلَاة , وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ بَعْض الشَّافِعِيَّة , وَهَلْ يَخْتَصّ هَذَا الْحُكْم بِالنِّدَاءِ أَوْ يَشْمَل مَا هُوَ أَعُمّ حَتَّى تَجِب إِجَابَته إِذَا سَأَلَ ؟ فِيهِ بَحْث وَقَدْ جَزَمَ اِبْن حِبَّانَ بِأَنَّ إِجَابَة الصَّحَابَة فِي قِصَّة ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أُوتِيته ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي قَوْله \" هِيَ السَّبْع الْمَثَانِي وَالْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أُوتِيته \" دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَة هِيَ الْقُرْآن الْعَظِيم , وَأَنَّ الْوَاو لَيْسَتْ بِالْعَاطِفَةِ الَّتِي تَفْصِل بَيْن الشَّيْئَيْنِ. وَإِنَّمَا هِيَ الَّتِي تَجِيء بِمَعْنَى التَّفْصِيل كَقَوْلِهِ : ( فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ) وَقَوْله : ( وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ) اِنْتَهَى. وَفِيهِ بَحْث لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون قَوْله : ( وَالْقُرْآن الْعَظِيم ) مَحْذُوف الْخَبَر وَالتَّقْدِير مَا بَعْد الْفَاتِحَة مَثَلًا فَيَكُون وَصْف الْفَاتِحَة اِنْتَهَى بِقَوْلِهِ \" هِيَ السَّبْع الْمَثَانِي \" ثُمَّ عَطَفَ قَوْله \" وَالْقُرْآن الْعَظِيم \" أَيْ مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَة وَذَكَرَ ذَلِكَ رِعَايَة لِنَظْمِ الْآيَة وَيَكُون التَّقْدِير : وَالْقُرْآن الْعَظِيم هُوَ الَّذِي أُوتِيته زِيَادَة عَلَى الْفَاتِحَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏يُسْتَنْبَط مِنْ تَفْسِير السَّبْع الْمَثَانِي بِالْفَاتِحَةِ أَنَّ الْفَاتِحَة مَكِّيَّة وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ. وَوَجْه الدَّلَالَة أَنَّهُ سُبْحَانه اِمْتَنَّ عَلَى رَسُوله بِهَا , وَسُورَة الْحِجْر مَكِّيَّة اِتِّفَاقًا فَيَدُلّ عَلَى تَقْدِيم نُزُول الْفَاتِحَة عَلَيْهَا. قَالَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : هَذِهِ هَفْوَة مِنْ مُجَاهِد , لِأَنَّ الْعُلَمَاء عَلَى خِلَاف قَوْله , وَأَغْرَبَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ فَنَسَبَ الْقَوْل بِذَلِكَ لِأَبِي هُرَيْرَة وَالزُّهْرِيّ وَعَطَاء بْن يَسَار , وَحَكَى الْقُرْطُبِيّ أَنَّ بَعْضهمْ زَعَمَ أَنَّهَا نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَة سَبْع آيَات , وَنَقَلُوا فِيهِ الْإِجْمَاع لَكِنْ جَاءَ عَنْ حُسَيْن بْن عَلِيّ الْجُعْفِيِّ أَنَّهَا سِتّ آيَات لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدّ الْبَسْمَلَة وَعَنْ عَمْرو بْن عُبَيْد أَنَّهَا ثَمَان آيَات لِأَنَّهُ عَدَّهَا وَعَدَّ ( أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ ) وَقِيلَ لَمْ يَعُدّهَا وَعَدَّ ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) وَهَذَا أَغْرَب الْأَقْوَال. ‏"
    },
    {
        "id": "4115",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا قَالَ الْإِمَامُ ‏ { ‏غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ‏} ‏فَقُولُوا آمِينَ فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي مُوَافَقَة الْإِمَام فِي التَّأْمِين , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي صِفَة الصَّلَاة , وَرَوَى أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث وَائِل بْن حُجْرٍ قَالَ \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقَالَ : آمِينَ , وَمَدَّ بِهَا صَوْته \" وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ نَحْوه مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4116",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيَأْتُونَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فَيَقُولُونَ أَنْتَ أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحِي ائْتُوا ‏ ‏نُوحًا ‏ ‏فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ سُؤَالَهُ رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ فَيَسْتَحِي فَيَقُولُ ائْتُوا ‏ ‏خَلِيلَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ ‏ ‏ائْتُوا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَبْدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ فَيَسْتَحِي مِنْ رَبِّهِ فَيَقُولُ ائْتُوا ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَةَ اللَّهِ وَرُوحَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ ‏ ‏ائْتُوا ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَيَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنَ لِي فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُقَالُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ ‏ ‏تُعْطَهْ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي مِثْلَهُ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ ‏ ‏يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ‏ { ‏خَالِدِينَ فِيهَا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَهِشَام هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ , وَسَاقَ الْمُصَنِّف حَدِيث الشَّفَاعَة لِقَوْلِ أَهْل الْمَوْقِف لِآدَم وَعَلَّمَك أَسْمَاء كُلّ شَيْء , وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالْأَسْمَاءِ : فَقِيلَ أَسْمَاء ذُرِّيَّته , وَقِيلَ أَسْمَاء الْمَلَائِكَة , وَقِيلَ أَسْمَاء الْأَجْنَاس دُون أَنْوَاعهَا , وَقِيلَ أَسْمَاء كُلّ مَا فِي الْأَرْض , وَقِيلَ أَسْمَاء كُلّ شَيْء حَتَّى الْقَصْعَة. وَقَدْ غَفَلَ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" فَنَسَبَ هَذِهِ الطَّرِيقَة إِلَى كِتَاب الْإِيمَان وَلَيْسَ لَهَا فِيهِ ذِكْر. وَإِنَّمَا هِيَ فِي التَّفْسِير. وَسَيَأْتِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّف. ‏"
    },
    {
        "id": "4117",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قُلْتُ إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قَالَ وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود ( أَيُّ الذَّنْب أَعْظَم ) وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4118",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْكَمْأَةُ ‏ ‏مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَعِيد بْن زَيْد فِي الْكَمْأَة مِنْ الْمَنّ سَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الطِّبّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر فِي حَدِيث الْبَاب \" مِنْ الْمَنّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل \" وَبِهِ تَظْهَر مُنَاسَبَة ذِكْره فِي التَّفْسِير , وَالرَّدّ عَلَى الْخَطَّابِيِّ حَيْثُ قَالَ : لَا وَجْه لِإِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيث هُنَا قَالَ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَاد فِي الْحَدِيث أَنَّهَا نَوْع مِنْ الْمَنّ الْمُنَزَّل عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل فَإِنَّ ذَاكَ شَيْء كَانَ يَسْقُط عَلَيْهِمْ كَالتَّرَنْجَبِيلِ , وَالْمُرَاد أَنَّهَا شَجَرَة تَنْبُت بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْر اِسْتِنْبَات وَلَا مُؤْنَة اِنْتَهَى. وَقَدْ عُرِفَ وَجْه إِدْخَاله هُنَا , وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد مَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4119",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قِيلَ ‏ ‏لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ { ‏ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ ‏} ‏فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ فَبَدَّلُوا وَقَالُوا حِطَّةٌ حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قَوْله تَعَالَى ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْره فِي قِصَّة مُوسَى مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَأَحَلْت بِشَرْحِهِ عَلَى تَفْسِير سُورَة الْأَعْرَاف , وَسَأَذْكُرُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَوْله فِي أَوَّل هَذَا الْإِسْنَاد \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد \" لَمْ يَقَع مَنْسُوبًا إِلَّا فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن عَنْ الْفَرَبْرِيِّ فَقَالَ \" مُحَمَّد بْن سَلَّامٍ \" وَيَحْتَمِل عِنْدِي أَنْ يَكُون مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيَّ , فَإِنَّهُ يَرْوِي عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ أَيْضًا , وَأَمَّا أَبُو عَلَى الْجَيَّانِيُّ فَقَالَ : الْأَشْبَه أَنَّهُ مُحَمَّد بْن بَشَّار. ‏"
    },
    {
        "id": "4120",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهْوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ فَمَا أَوَّلُ ‏ ‏أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ‏ ‏وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ قَالَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي بِهِنَّ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏آنِفًا قَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ قَالَ ذَاكَ عَدُوُّ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ‏ { ‏مَنْ كَانَ عَدُوًّا ‏ ‏لِجِبْرِيلَ ‏ ‏فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ‏} ‏أَمَّا أَوَّلُ ‏ ‏أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ‏ ‏فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏قَوْمٌ بُهُتٌ وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ يَبْهَتُونِي فَجَاءَتْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ رَجُلٍ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فِيكُمْ قَالُوا خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا قَالَ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏فَقَالُوا أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَخَرَجَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ فَقَالُوا شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا وَانْتَقَصُوهُ قَالَ فَهَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "قَوْله (أَمَّا أَوَّل أَشْرَاط السَّاعَة فَنَار ) يَأْتِي شَرْح ذَلِكَ فِي أَوَاخِر كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4121",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَقْرَؤُنَا ‏ ‏أُبَيٌّ ‏ ‏وَأَقْضَانَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ قَوْلِ ‏ ‏أُبَيٍّ ‏ ‏وَذَاكَ أَنَّ ‏ ‏أُبَيًّا ‏ ‏يَقُولُ لَا أَدَعُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّانُ , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حَبِيب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي ثَابِت , وَوَرَدَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَة صَدَقَةَ بْنِ الْفَضْل عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ فِي فَضَائِل الْقُرْآن , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن خَلَّادٍ \" عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سُفْيَان حَدَّثَنَا حَبِيب \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُمَر أَقْرَؤُنَا أُبَيٌّ وَأَقْضَانَا عَلِيّ ) ‏ ‏كَذَا أَخْرَجَهُ مَوْقُوفًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره مِنْ طَرِيق أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا فِي ذِكْر أُبَيٍّ وَفِيهِ ذِكْر جَمَاعَة وَأَوَّله \" أَرْحَم أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْر - وَفِيهِ - وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّه أُبَيُّ بْن كَعْب \" الْحَدِيث وَصَحَّحَهُ , لَكِنْ قَالَ غَيْره : إِنَّ الصَّوَاب إِرْسَاله , وَأَمَّا قَوْله \" وَأَقْضَانَا عَلِيّ \" فَوَرَدَ فِي حَدِيث مَرْفُوع أَيْضًا عَنْ أَنَس رَفْعه \" أُقْضَى أُمَّتِي عَلَى بْن أَبِي طَالِب \" أَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ , وَعَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا \" أَرْحَم أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْر وَأَقْضَاهُمْ عَلِيّ \" الْحَدِيث وَرُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي \" فَوَائِد أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس بْن نَجِيح \" مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ مِثْله , وَرَوَى الْبَزَّار مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود قَالَ \" كُنَّا نَتَحَدَّث أَنَّ أَقْضَى أَهْل الْمَدِينَة عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ قَوْل أُبَيٍّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة صَدَقَة \" مِنْ لَحْن أُبَيٍّ \" وَاللَّحْن اللُّغَة , وَفِي رِوَايَة اِبْن خَلَّادٍ \" وَإِنَّا لَنَتْرُك كَثِيرًا مِنْ قِرَاءَة أُبَيٍّ \". ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة صَدَقَة \" أَخَذْته مِنْ فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَتْرُكهُ لِشَيْءٍ \" لِأَنَّهُ بِسَمَاعِهِ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْصُل لَهُ الْعِلْم الْقَطْعِيّ بِهِ , فَإِذَا أَخْبَرَهُ غَيْره عَنْهُ بِخِلَافِهِ لَمْ يَنْتَهِضْ مُعَارِضًا لَهُ حَتَّى يَتَّصِل إِلَى دَرَجَة الْعِلْم الْقَطْعِيّ , وَقَدْ لَا يَحْصُل ذَلِكَ غَالِبًا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏هَذَا الْإِسْنَاد فِيهِ ثَلَاثَة مِنْ الصَّحَابَة فِي نَسَق : اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ مَقُول عُمَر مُحْتَجًّا بِهِ عَلَى أُبَيِّ بْن كَعْب وَمُشِيرًا إِلَى أَنَّهُ رُبَّمَا قَرَأَ مَا نُسِخَتْ تِلَاوَته لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغهُ النَّسْخ , وَاحْتَجَّ عُمَر لِجَوَازِ وُقُوع ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَة. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" خَطَبَنَا عُمَر فَقَالَ : إِنَّ اللَّه يَقُول ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا ) أَيْ نُؤَخِّرهَا \" وَهَذَا يُرَجِّح رِوَايَة مَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ أَوَّله وَبِالْهَمْزِ , وَأَمَّا قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ بِضَمِّ أَوَّله فَمِنْ النِّسْيَان , وَكَذَلِكَ كَانَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب يَقْرَؤُهَا فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَكَانَتْ قِرَاءَة سَعْد \" أَوْ تَنْسَاهَا \" بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة خِطَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى ) وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" رُبَّمَا نَزَلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْي بِاللَّيْلِ وَنَسِيَهُ بِالنَّهَارِ فَنَزَلَتْ \" وَاسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة عَلَى وُقُوع النَّسْخ خِلَافًا لِمَنْ شَذَّ فَمَنَعَهُ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا قَضِيَّة شَرْطِيَّة لَا تَسْتَلْزِم الْوُقُوع , وَأُجِيبَ بِأَنَّ السِّيَاق وَسَبَب النُّزُول كَانَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ جَوَابًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4122",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ قَالَ اللَّهُ ‏ ‏كَذَّبَنِي ابْنُ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ) ‏ ‏هَذَا مِنْ الْأَحَادِيث الْقُدْسِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَّا شَتْمه إِيَّايَ فَقَوْله لِي وَلَدٌ ) ‏ ‏إِنَّمَا سَمَّاهُ شَتْمًا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْقِيص لِأَنَّ الْوَلَد إِنَّمَا يَكُون عَنْ وَالِدَة تَحْمِلهُ ثُمَّ تَضَعهُ وَيَسْتَلْزِم ذَلِكَ سَبْق النِّكَاح , وَالنِّكَاح يَسْتَدْعِي بَاعِثًا لَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَاَللَّه سُبْحَانه مُنَزَّه عَنْ جَمِيع ذَلِكَ , وَيَأْتِي شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة الْإِخْلَاص. ‏"
    },
    {
        "id": "4123",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَافَقْتُ اللَّهَ فِي ثَلَاثٍ أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلَاثٍ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اتَّخَذْتَ مَقَامَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏مُصَلًّى وَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ ‏ ‏الْبَرُّ ‏ ‏وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ ‏آيَةَ الْحِجَابِ ‏ ‏قَالَ وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْضَ نِسَائِهِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ قُلْتُ إِنْ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْرًا مِنْكُنَّ حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ قَالَتْ يَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ ‏ ‏يُبَدِّلَهُ ‏ ‏أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ ‏} ‏الْآيَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن أَبِي مَرْيَم إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي الصَّلَاة , وَرَوَى أَبُو نُعَيْم فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" أَخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِ عُمَر فَمَرَّ بِهِ عَلَى الْمَقَام فَقَالَ لَهُ : هَذَا مَقَام إِبْرَاهِيم , قَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه أَلَّا تَتَّخِذهُ مُصَلًّى ؟ فَنَزَلَتْ \" تَكْمِلَة : قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : إِنَّمَا طَلَبَ عُمَر الِاسْتِنَان بِإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ النَّهْي عَنْ النَّظَر فِي كِتَاب التَّوْرَاة لِأَنَّهُ سَمِعَ قَوْل اللَّه تَعَالَى فِي حَقّ إِبْرَاهِيم ( إِنِّي جَاعِلُك لِلنَّاسِ إِمَامًا ) وَقَوْله تَعَالَى ( أَنْ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ) فَعَلِمَ أَنَّ الِائْتِمَام بِإِبْرَاهِيم مِنْ هَذِهِ الشَّرِيعَة , وَلِكَوْنِ الْبَيْت مُضَافًا إِلَيْهِ وَأَنَّ أَثَر قَدَمَيْهِ فِي الْمَقَام كَرَقْمِ الْبَانِي فِي الْبِنَاء لِيُذْكَر بِهِ بَعْد مَوْته , فَرَأَى الصَّلَاة عِنْد الْمَقَام كَقِرَاءَةِ الطَّائِف بِالْبَيْتِ اِسْم مَنْ بَنَاهُ. اِنْتَهَى وَهِيَ مُنَاسَبَة لَطِيفَة. ثُمَّ قَالَ : وَلَمْ تَزَلْ آثَار قَدَمَيْ إِبْرَاهِيم حَاضِرَة فِي الْمَقَام مَعْرُوفَة عِنْد أَهْل الْحَرَم , حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِب فِي قَصِيدَته الْمَشْهُورَة : ‏ ‏وَمَوْطِئ إِبْرَاهِيم فِي الصَّخْر رَطْبَة ‏ ‏قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْر نَاعِل ‏ ‏وَفِي \" مُوَطَّأ اِبْن وَهْب \" عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَنَس قَالَ : رَأَيْت الْمَقَام فِيهِ أَصَابِع إِبْرَاهِيم وَأَخْمَص قَدَمَيْهِ غَيْر أَنَّهُ أَذْهَبَهُ مَسْح النَّاس بِأَيْدِيهِمْ وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيره مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْآيَة : إِنَّمَا أُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا عِنْده وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِمَسْحِهِ. قَالَ : وَلَقَدْ ذَكَرَ لَنَا مَنْ رَأَى أَثَر عَقِبه وَأَصَابِعه فِيهَا فَمَا زَالُوا يَمْسَحُونَهُ حَتَّى اِخْلَوْلَقَ وَانْمَحَا. وَكَانَ الْمَقَام مِنْ عَهْد إِبْرَاهِيم لِزْق الْبَيْت إِلَى أَنْ أَخَّرَهُ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِلَى الْمَكَان الَّذِي هُوَ فِيهِ الْآن. أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفه بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عَطَاء وَغَيْره وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا , وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَة مِثْله بِسَنَدٍ قَوِيّ وَلَفْظه \" أَنَّ الْمَقَام كَانَ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي زَمَن أَبِي بَكْر مُلْتَصِقًا بِالْبَيْتِ ثُمَّ أَخَّرَهُ عُمَر , وَأَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوْيهِ بِسَنَدٍ ضَعِيف عَنْ مُجَاهِد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي حَوَّلَهُ , وَالْأَوَّل أَصَحّ. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ : كَانَ الْمَقَام فِي سَقْع الْبَيْت فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَحَوَّلَهُ عُمَر , فَجَاءَ سَيْل فَذَهَبَ بِهِ فَرَدَّهُ عُمَر إِلَيْهِ. قَالَ سُفْيَان : لَا أَدْرِي أَكَانَ لَاصِقًا بِالْبَيْتِ أَمْ لَا : اِنْتَهَى. وَلَمْ تُنْكِر الصَّحَابَة فِعْل عُمَر وَلَا مَنْ جَاءَ بَعْدهمْ فَصَارَ إِجْمَاعًا. وَكَانَ عُمَر رَأَى أَنَّ إِبْقَاءَهُ يَلْزَم مِنْهُ التَّضْيِيق عَلَى الطَّائِفِينَ أَوْ عَلَى الْمُصَلِّينَ فَوَضَعَهُ فِي مَكَان يَرْتَفِع بِهِ الْحَرَج , وَتَهَيَّأَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ أَشَارَ بِاِتِّخَاذِهِ مُصَلًّى , وَأَوَّل مَنْ عَمِلَ عَلَيْهِ الْمَقْصُورَة الْمَوْجُودَة الْآن. ‏"
    },
    {
        "id": "4124",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَخْبَرَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَلَمْ تَرَيْ أَنْ قَوْمَكِ بَنَوْا ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏وَاقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏لَئِنْ كَانَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا أُرَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ ‏ ‏الْحِجْرَ ‏ ‏إِلَّا أَنَّ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي بِنَاء قُرَيْش الْبَيْت , قَدْ سَبَقَ بَسْطه فِي كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4125",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَهْلُ الْكِتَابِ ‏ ‏يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تُصَدِّقُوا ‏ ‏أَهْلَ الْكِتَابِ ‏ ‏وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا ‏ { ‏آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ أَهْل الْكِتَاب ) ‏ ‏أَيْ الْيَهُود. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تُصَدِّقُوا أَهْل الْكِتَاب وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ ) ‏ ‏أَيْ إِذَا كَانَ مَا يُخْبِرُونَكُمْ بِهِ مُحْتَمَلًا لِئَلَّا يَكُون فِي نَفْس الْأَمْر صِدْقًا فَتُكَذِّبُوهُ. أَوْ كَذِبًا فَتُصَدِّقُوهُ فَتَقَعُوا فِي الْحَرَج. وَلَمْ يَرِد النَّهْي عَنْ تَكْذِيبهمْ فِيمَا وَرَدَ بِخِلَافِهِ. وَلَا عَنْ تَصْدِيقهمْ فِيمَا وَرَدَ شَرْعنَا بِوَفَائِهِ. نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْحَدِيث التَّوَقُّف عَنْ الْخَوْض فِي الْمُشْكِلَات وَالْجَزْم فِيهَا بِمَا يَقَع فِي الظَّنّ , وَعَلَى هَذَا يُحْمَل مَا جَاءَ عَنْ السَّلَف مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقُولُوا آمَنَّا بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا الْآيَة ) ‏ ‏زَادَ فِي الِاعْتِصَام ( وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ) وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عَنْ عُثْمَان بْن عُمَر بِهَذَا الْإِسْنَاد ( وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ). ‏"
    },
    {
        "id": "4126",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏زُهَيْرًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى إِلَى ‏ ‏بَيْتِ الْمَقْدِسِ ‏ ‏سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ‏ ‏وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏وَأَنَّهُ صَلَّى ‏ ‏أَوْ صَلَّاهَا ‏ ‏صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَهُمْ رَاكِعُونَ قَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏وَكَانَ الَّذِي مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ قِبَلَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏رِجَالٌ قُتِلُوا لَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سِتَّة عَشَر شَهْرًا أَوْ سَبْعَة عَشَر شَهْرًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ وَعَلَى شَرْح الْحَدِيث فِي كِتَاب الْإِيمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "4127",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏وَأَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏وَاللَّفْظُ ‏ ‏لِجَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُدْعَى ‏ ‏نُوحٌ ‏ ‏يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ فَيَقُولُ ‏ ‏هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ فَيَقُولُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَأُمَّتُهُ فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ ‏ { ‏وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ‏} ‏فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ‏ { ‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ‏} ‏وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا قُتَيْبَة حَدَّثَنَا جَرِير وَأَبُو أُسَامَةَ وَاللَّفْظ لِجَرِيرٍ ) ‏ ‏أَيْ لَفْظ الْمَتْن. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو أُسَامَة حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح ) ‏ ‏يَعْنِي قَالَ أَبُو أُسَامَة عَنْ الْأَعْمَشِ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح. فَأَفَادَ تَصْرِيح الْأَعْمَش بِالتَّحْدِيثِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي الِاعْتِصَام مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي أُسَامَة وَصَرَّحَ فِي رِوَايَته أَيْضًا بِالتَّحْدِيثِ , وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة مُفْرَدَة فِي الِاعْتِصَام. ‏ ‏قَوْله : ( يُدْعَى نُوح يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبّ , فَيَقُول : هَلْ بَلَّغْت ؟ فَيَقُول : نَعَمْ ) ‏ ‏زَادَ فِي الِاعْتِصَام \" نَعَم يَا رَبّ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَيَقُول مَنْ يَشْهَد لَك ) ‏ ‏فِي الِاعْتِصَام فَيَقُول \" مَنْ شُهُودك \". قَوْله : ( فَيَشْهَدُونَ ) فِي الِاعْتِصَام \" فَجَاءَ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ \" وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش بِهَذَا الْإِسْنَاد أَتَمّ مِنْ سِيَاق وَأَشْمَل وَلَفْظه \" يَجِيء النَّبِيّ يَوْم الْقِيَامَة وَمَعَهُ الرَّجُل , وَيَجِيء النَّبِيّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ , وَيَجِيء النَّبِيّ وَمَعَهُ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , قَالَ فَيُقَال لَهُمْ : أَبَلَّغَكُمْ هَذَا ؟ فَيَقُولُونَ : لَا , فَيُقَال لِلنَّبِيِّ : أَبَلَّغْتهمْ ؟ فَيَقُول : نَعَمْ , فَيُقَال : لَهُ : مَنْ يَشْهَد لَك ؟ \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو مُعَاوِيَة \" فَيُقَال وَمَا عَلَّمَكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : أَخْبَرَنَا نَبِيّنَا أَنَّ الرُّسُل قَدْ بَلَّغُوا فَصَدَّقْنَاهُ \" وَيُؤْخَذ مِنْ حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب تَعْمِيم ذَلِكَ , فَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ أَبِي الْعَالِيَة عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب فِي هَذِهِ الْآيَة قَالَ ( لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ ) وَكَانُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس يَوْم الْقِيَامَة , كَانُوا شُهَدَاء عَلَى قَوْم نُوح وَقَوْم هُود وَقَوْم صَالِح وَقَوْم شُعَيْب وَغَيْرهمْ أَنَّ رُسُلهمْ بَلَّغَتْهُمْ وَأَنَّهُمْ كَذَّبُوا رُسُلهمْ , قَالَ أَبُو الْعَالِيَة. وَهِيَ قِرَاءَة أُبَيٍّ \" لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ \" وَمِنْ حَدِيث جَابِر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْأُمَم إِلَّا وَدَّ أَنَّهُ مِنَّا أَيَّتهَا الْأُمَّة , مَا مِنْ نَبِيّ كَذَّبَهُ قَوْمه إِلَّا وَنَحْنُ شُهَدَاؤُهُ يَوْم الْقِيَامَة أَنْ قَدْ بَلَّغَ رِسَالَة اللَّه وَنَصَحَ لَهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَلِكَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) ‏ ‏فِي الِاعْتِصَام \" ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَالْوَسَط الْعَدْل ) ‏ ‏هُوَ مَرْفُوع مِنْ نَفْس الْخَبَر , وَلَيْسَ بِمُدْرَجٍ مِنْ قَوْل بَعْض الرُّوَاة كَمَا وَهَمَ فِيهِ بَعْضهمْ , وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام بِلَفْظِ \" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا عَدْلًا \" وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حَفْص اِبْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش بِهَذَا السَّنَد فِي قَوْله : ( وَسَطًا ) قَالَ : عَدْلًا , كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مَرْفُوعًا , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه مُخْتَصَرًا مَرْفُوعًا , وَمِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ الْأَعْمَش بِلَفْظِ \" وَالْوَسَط الْعَدْل \" مُخْتَصَرًا مَرْفُوعًا , وَمِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش مِثْله , وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْنِ عَوْن عَنْ الْأَعْمَش مِثْله , وَأَخْرَجَهُ عَنْ جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ كَمُجَاهِدٍ وَعَطَاء وَقَتَادَةَ , وَمِنْ طَرِيق الْعَوْفِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله , قَالَ الطَّبَرِيُّ : الْوَسَط فِي كَلَام الْعَرَب الْخِيَار , يَقُولُونَ فُلَان وَسَط فِي قَوْمه وَوَاسِط إِذَا أَرَادُوا الرَّفْع فِي حَسَبه. قَالَ : وَاَلَّذِي أَرَى أَنَّ مَعْنَى الْوَسَط فِي الْآيَة الْجُزْء الَّذِي بَيْن الطَّرَفَيْنِ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ وَسَط لِتَوَسُّطِهِمْ فِي الدِّين فَلَمْ يَغْلُوا كَغُلُوِّ النَّصَارَى وَلَمْ يُقَصِّرُوا كَتَقْصِيرِ الْيَهُود , وَلَكِنَّهُمْ أَهْل وَسَط وَاعْتِدَال , قُلْت : لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الْوَسَط فِي الْآيَة صَالِحًا لِمَعْنَى التَّوَسُّط أَنْ لَا يَكُون أُرِيدَ بِهِ مَعْنَاهُ الْآخَر كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَدِيث , فَلَا مُغَايَرَة بَيْن الْحَدِيث وَبَيْن مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنَى الْآيَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4128",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏بَيْنَا النَّاسُ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ فِي ‏ ‏مَسْجِدِ قُبَاءٍ ‏ ‏إِذْ جَاءَ ‏ ‏جَاءٍ فَقَالَ ‏ ‏أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُرْآنًا أَنْ يَسْتَقْبِلَ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏فَاسْتَقْبِلُوهَا فَتَوَجَّهُوا إِلَى ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْنِ عُمَر فِي تَحْوِيل الْقِبْلَة , أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل الصَّلَاة مُسْتَوْفًى. ‏"
    },
    {
        "id": "4129",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ غَيْرِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏صَرَّحَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم بِسَمَاعِ سُلَيْمَان لَهُ مِنْ أَنَس. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ غَيْرِي ) ‏ ‏يَعْنِي الصَّلَاة إِلَى بَيْت الْمَقْدِس وَإِلَى الْكَعْبَة , وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنَّ أَنَسًا آخِر مَنْ مَاتَ مِمَّنْ صَلَّى إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ , وَالظَّاهِر أَنَّ أَنَسًا قَالَ ذَلِكَ وَبَعْض الصَّحَابَة مِمَّنْ تَأَخَّرَ إِسْلَامه مَوْجُود , ثُمَّ تَأَخَّرَ أَنَس إِلَى أَنْ كَانَ آخِر مَنْ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ فِي أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَهُ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ وَالْبَزَّار وَغَيْرهمَا. بَلْ قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هُوَ آخِر الصَّحَابَة مَوْتًا مُطْلَقًا , لَمْ يَبْقَ بَعْده غَيْر أَبِي الطُّفَيْل , كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَر , فَقَدْ ثَبَتَ لِجَمَاعَةٍ مِمَّنْ سَكَنَ الْبَوَادِي مِنْ الصَّحَابَة تَأَخُّرهمْ عَنْ أَنَس وَكَانَتْ وَفَاة أَنَس سَنَة تِسْعِينَ أَوْ إِحْدَى أَوْ ثَلَاث وَهُوَ أَصَحّ مَا قِيلَ , وَلَهُ مِائَة وَثَلَاث سِنِينَ عَلَى الْأَصَحّ أَيْضًا , وَقِيلَ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , وَقِيلَ أَقَلّ. وَقَوْله تَعَالَى ( فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ) هِيَ الْكَعْبَة وَرَوَى الْحَاكِم مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر فِي قَوْله ( فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ) قَالَ : نَحْو مِيزَاب الْكَعْبَة , وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ تِلْكَ الْجِهَة قِبْلَة أَهْل الْمَدِينَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4130",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏بَيْنَمَا النَّاسُ فِي الصُّبْحِ ‏ ‏بِقُبَاءٍ ‏ ‏جَاءَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَأُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏أَلَا فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَ وَجْهُ النَّاسِ إِلَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏فَاسْتَدَارُوا بِوُجُوهِهِمْ إِلَى ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر الْمُشَار إِلَيْهِ قَبْل بَاب مِنْ وَجْهٍ آخَر. ‏"
    },
    {
        "id": "4131",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا النَّاسُ ‏ ‏بِقُبَاءٍ ‏ ‏فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏فَاسْتَدَارُوا إِلَى ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4132",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوَ ‏ ‏بَيْتِ الْمَقْدِسِ ‏ ‏سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ صَرَفَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْو بَيْت الْمَقْدِس سِتَّة عَشَر أَوْ سَبْعَة عَشَر شَهْرًا ثُمَّ صَرَفَهُ نَحْو الْقِبْلَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" ثُمَّ صُرِفُوا \" وَهَذَا طَرَف مِنْ حَدِيث الْبَرَاء الْمُشَار إِلَيْهِ قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4133",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَيْنَا النَّاسُ فِي الصُّبْحِ ‏ ‏بِقُبَاءٍ ‏ ‏إِذْ جَاءَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ ‏ ‏أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ فَأُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏فَاسْتَقْبِلُوهَا وَاسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ فَتَوَجَّهُوا إِلَى ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏وَكَانَ وَجْهُ النَّاس إِلَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4134",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ‏ ‏بِقُبَاءٍ ‏ ‏إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْقِبْلَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4135",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ‏ { ‏إِنَّ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةَ ‏ ‏مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ‏} ‏فَمَا أُرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏كَلَّا لَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ كَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ ‏ ‏قُدَيْدٍ ‏ ‏وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏إِنَّ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةَ ‏ ‏مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ‏}",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي سَبَب نُزُول ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْحَجّ , ‏"
    },
    {
        "id": "4136",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏كُنَّا نَرَى أَنَّهُمَا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ أَمْسَكْنَا عَنْهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏إِنَّ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةَ ‏ ‏مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ‏ ‏الْبَيْتَ ‏ ‏أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ‏}",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس , وَقَوْله هُنَا \" كُنَّا نَرَى مِنْ أَمْر الْجَاهِلِيَّة \" فِيهِ حَذْف سَقَطَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن \" كُنَّا نَرَى أَنَّهُمَا \" وَبِهِ يَسْتَقِيم الْكَلَام. ‏"
    },
    {
        "id": "4137",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ مَاتَ ‏ ‏وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ ‏ ‏وَقُلْتُ أَنَا ‏ ‏مَنْ مَاتَ ‏ ‏وَهْوَ لَا يَدْعُو لِلَّهِ نِدًّا دَخَلَ الْجَنَّةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود ( مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَجْعَل لِلَّهِ نِدًّا ) قَدْ مَضَى شَرْحه فِي أَوَائِل كِتَاب الْجَنَائِز , وَيَأْتِي الْإِلْمَام بِشَيْءٍ مِنْهُ الْأَيْمَان وَالنُّذُور. ‏"
    },
    {
        "id": "4138",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ فِي ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏الْقِصَاصُ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمْ ‏ ‏الدِّيَةُ ‏ ‏فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ‏ { ‏كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ‏} ‏فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ ‏ ‏الدِّيَةَ ‏ ‏فِي الْعَمْدِ ‏ { ‏فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ‏} ‏يَتَّبِعُ بِالْمَعْرُوفِ وَيُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ ‏ { ‏ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ‏} ‏مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ‏ { ‏فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏} ‏قَتَلَ بَعْدَ قَبُولِ ‏ ‏الدِّيَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل الْقِصَاص ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الدِّيَات. ‏"
    },
    {
        "id": "4139",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏حَدَّثَهُمْ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كِتَاب اللَّه الْقِصَاص ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَسَاقَهُ فِي الصُّلْح بِهَذَا الْإِسْنَاد مُطَوَّلًا , وَسَيَأْتِي فِي الدِّيَات أَيْضًا بِاخْتِصَارِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4140",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ السَّهْمِيَّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الرُّبَيِّعَ ‏ ‏عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ‏ ‏ثَنِيَّةَ ‏ ‏جَارِيَةٍ فَطَلَبُوا إِلَيْهَا الْعَفْوَ فَأَبَوْا فَعَرَضُوا ‏ ‏الْأَرْشَ ‏ ‏فَأَبَوْا فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبَوْا إِلَّا الْقِصَاصَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْقِصَاصِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُكْسَرُ ‏ ‏ثَنِيَّةُ ‏ ‏الرُّبَيِّعِ ‏ ‏لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ‏ ‏ثَنِيَّتُهَا ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَنَسُ ‏ ‏كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَعَفَوْا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ ‏ ‏لَأَبَرَّهُ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حُمَيْدٍ : وَسَاقَهُ فِي الصُّلْح بِهَذَا الْإِسْنَاد مُطَوَّلًا وَسَيَأْتِي فِي الدِّيَات أَيْضًا بِاخْتِصَارٍ. ثُمَّ أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حُمَيْدٍ : وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْله ( كِتَاب اللَّه الْقِصَاص ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأ وَخَبَر , وَالنَّصّ فِيهِمَا عَلَى أَنَّ الْأَوَّل إِغْرَاء وَالثَّانِي بَدَل , وَيَجُوز فِي الثَّانِي الرَّفْع عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأ مَحْذُوف الْخَبَر أَيْ اِتَّبِعُوا كِتَاب اللَّه فَفِيهِ الْقِصَاص. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي قَوْله : ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ ) إِلَخْ وَيَحْتَاج إِلَى تَفْسِير لِأَنَّ الْعَفْو يَقْتَضِي إِسْقَاط الطَّلَب فَمَا هُوَ الِاتِّبَاع ؟ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْعَفْو فِي الْآيَة مَحْمُول عَلَى الْعَفْو عَلَى الدِّيَة , فَيَتَّجِه حِينَئِذٍ الْمُطَالَبَة بِهَا , وَيَدْخُل فِيهِ بَعْض مُسْتَحَقِّي الْقِصَاص فَإِنَّهُ يَسْقُط وَيَنْتَقِل حَقّ مَنْ لَمْ يَعْفُ إِلَى الدِّيَة فَيُطَالِب بِحِصَّتِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4141",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ عَاشُورَاءُ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ قَالَ ‏ ‏مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الصِّيَام مِنْ وَجْه آخَر مَعَ شَرْحه. ‏"
    },
    {
        "id": "4142",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏كَانَ عَاشُورَاءُ يُصَامُ قَبْلَ رَمَضَانَ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ قَالَ ‏ ‏مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ عُرْوَة عَنْهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه كَذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4143",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيْهِ ‏ ‏الْأَشْعَثُ ‏ ‏وَهْوَ يَطْعَمُ فَقَالَ ‏ ‏الْيَوْمُ عَاشُورَاءُ فَقَالَ كَانَ يُصَامُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تُرِكَ فَادْنُ فَكُلْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مَحْمُود ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غَيْلَان وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة كَذَا قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيُّ , وَقَدْ وَقَعَ فِي نُسْخَة الْأَصِيلِيِّ عَنْ أَبِي أَحْمَد الْجُرْجَانِيِّ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد \" بَدَل \" مَحْمُود \" وَقَدْ ذَكَرَ الْكَلَابَاذِيُّ أَنَّ الْبُخَارِيّ رَوَى عَنْ مَحْمُود اِبْن غَيْلَان وَعَنْ مُحَمَّد وَهُوَ اِبْن يَحْيَى الذُّهْلِيُّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيُّ : لَكِنْ هُنَا الِاعْتِمَاد عَلَى مَا قَالَ الْجَمَاعَة عَنْ مَحْمُود بْن غَيْلَان الْمَرْوَزِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : دَخَلَ عَلَيْهِ الْأَشْعَث وَهُوَ يَطْعَم ) ‏ ‏أَيْ يَأْكُل وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِسْرَائِيل بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور إِلَى عَلْقَمَة قَالَ \" دَخَلَ الْأَشْعَث بْن قَيْس عَلَى اِبْن مَسْعُود وَهُوَ يَأْكُل \" وَهُوَ ظَاهِر فِي أَنَّ عَلْقَمَة حَضَرَ الْقِصَّة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَمْ يَحْضُرهَا وَحَمَلَهَا عَنْ اِبْن مَسْعُود كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاق رِوَايَة الْبَاب. وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد قَالَ \" دَخَلَ الْأَشْعَث بْن قَيْس عَلَى عَبْد اللَّه وَهُوَ يَتَغَذَّى \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : الْيَوْم عَاشُورَاء ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا , وَتَمَامه فِي رِوَايَة مُسْلِم بِلَفْظِ \" فَقَالَ - أَيْ الْأَشْعَث - يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن \" وَهِيَ كُنْيَة اِبْن مَسْعُود وَأَوْضَحَ فِي ذَلِكَ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد الْمَذْكُورَة \" فَقَالَ - أَيْ اِبْن مَسْعُود - يَا أَبَا مُحَمَّد \" وَهِيَ كُنْيَة الْأَشْعَث \" اُدْنُ إِلَى الْغَدَاء فَقَالَ : أَوَلَيْسَ الْيَوْم يَوْم عَاشُورَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يُصَام قَبْل أَنْ يَنْزِل رَمَضَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد \" إِنَّمَا هُوَ يَوْم كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومهُ قَبْل أَنْ يَنْزِل شَهْر رَمَضَان. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَان تَرَكَ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته فَإِنْ كُنْت مُفْطِرًا فَاطْعَمْ , لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد عِنْد عَبْد اللَّه \" كُنَّا نَصُوم عَاشُورَاء , فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَان لَمْ نُؤْمَر بِهِ وَلَمْ نُنْهَ عَنْهُ , وَكُنَّا نَفْعَلهُ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة نَحْو هَذِهِ الرِّوَايَة وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ صِيَام عَاشُورَاء كَانَ مُفْتَرَضًا قَبْل أَنْ يَنْزِل فَرْض رَمَضَان ثُمَّ نُسِخَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ مَبْسُوطًا فِي أَوَاخِر كِتَاب الصِّيَام , وَإِيرَاد هَذَا الْحَدِيث فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة يُشْعِر بِأَنَّ الْمُصَنِّف كَانَ يَمِيل إِلَى تَرْجِيح الْقَوْل الثَّانِي , وَوَجْهه أَنَّ رَمَضَان لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا قَبْلنَا لَصَامَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَصُمْ عَاشُورَاء أَوَّلًا , وَالظَّاهِر أَنَّ صِيَامه عَاشُورَاء مَا كَانَ إِلَّا عَنْ تَوْقِيف وَلَا يَضُرّنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة اِخْتِلَافهمْ هَلْ كَانَ صَوْمه فَرْضًا أَوْ نَفْلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4144",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَصُومُهُ فَلَمَّا قَدِمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ الْفَرِيضَةَ وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ فَكَانَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4145",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقْرَأُ وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فَلَا يُطِيقُونَهُ ‏ { ‏فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , وَرَوْح بِفَتْحِ الرَّاء هُوَ اِبْن عُبَادَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ اِبْن عَبَّاس يَقُول ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يَقْرَأ \". ‏ ‏قَوْله : ( يُطَوَّقُونَهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الطَّاء وَتَشْدِيد الْوَاو مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّف الطَّاء مِنْ طُوِّقَ بِضَمِّ أَوَّله بِوَزْنِ قُطِّعَ , وَهَذِهِ قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود أَيْضًا , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ عَمْرو بْن دِينَار : يُطَوَّقُونَهُ يُكَلَّفُونَهُ , وَهُوَ تَفْسِير حَسَن أَيْ يُكَلَّفُونَ إِطَاقَته. ‏ ‏وَقَوْله : ( طَعَام مِسْكِين ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة النِّسَائِيّ \" وَاحِد \" وَقَوْله : ( فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا ) زَادَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" فَزَادَ مِسْكِين آخَر \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ , هُوَ الشَّيْخ الْكَبِير وَالْمَرْأَة الْكَبِيرَة ) ‏ ‏هَذَا مَذْهَب اِبْن عَبَّاس , وَخَالَفَهُ الْأَكْثَر , وَفِي هَذَا الْحَدِيث الَّذِي بَعْده مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَة. وَهَذِهِ الْقِرَاءَة تُضْعِف تَأْوِيل مَنْ زَعَمَ أَنْ \" لَا \" مَحْذُوفَة مِنْ الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة , وَأَنَّ الْمَعْنَى : وَعَلَى الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَهُ فِدْيَة , وَأَنَّهُ كَقَوْلِ الشَّاعِر \" فَقُلْت يَمِين اللَّه أَبْرَح قَاعِدًا \" أَيْ لَا أَبْرَح قَاعِدًا , وَرَدَ بِدَلَالَةِ الْقَسَم عَلَى النَّفْي بِخِلَافِ الْآيَة , وَيُثْبِت هَذَا التَّأْوِيل أَنَّ الْأَكْثَر عَلَى أَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله : ( يُطِيقُونَهُ ) لِلصِّيَامِ فَيَصِير تَقْدِير الْكَلَام وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَ الصِّيَام فِدْيَة , وَالْفِدْيَة لَا تَجِب عَلَى الْمُطِيق وَإِنَّمَا تَجِب عَلَى غَيْره , وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّ فِي الْكَلَام حَذْفًا تَقْدِيره : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَ الصِّيَام إِذَا أَفْطَرُوا فِدْيَة , وَكَانَ هَذَا فِي أَوَّل الْأَمْر عِنْد الْأَكْثَر , ثُمَّ نُسِخَ وَصَارَتْ الْفِدْيَة لِلْعَاجِزِ إِذَا أَفْطَرَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصِّيَام حَدِيث اِبْن أَبِي لَيْلَى قَالَ \" حَدَّثَنَا أَصْحَاب مُحَمَّد لَمَّا نَزَلَ رَمَضَان شَقَّ عَلَيْهِمْ فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلّ يَوْم مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْم مِمَّنْ يُطِيقهُ , وَرَخَّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا : \" وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ \" وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس فَلَا نَسْخ لِأَنَّهُ يَجْعَل الْفِدْيَة عَلَى مَنْ تَكَلَّفَ الصَّوْم وَهُوَ لَا يَقْدِر عَلَيْهِ فَيُفْطِر وَيُكَفِّر , وَهَذَا الْحُكْم بَاقٍ. وَفِي الْحَدِيث حُجَّة لِقَوْلِ الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ الشَّيْخ الْكَبِير وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ إِذَا شَقَّ عَلَيْهِمْ الصَّوْم فَأَفْطَرُوا فَعَلَيْهِمْ الْفِدْيَة خِلَافًا لِمَالِك وَمَنْ وَافَقَهُ. وَاخْتُلِفَ فِي الْحَامِل وَالْمُرْضِع وَمَنْ أَفْطَرَ لِكِبَرِ ثُمَّ قَوِيَ عَلَى الْقَضَاء بَعْد فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد : يَقْضُونَ وَيُطْعِمُونَ , وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ : لَا إِطْعَام. ‏"
    },
    {
        "id": "4146",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ قَرَأَ ‏ { ‏فِدْيَةٌ طَعَامُ ‏ ‏مَسَاكِينَ ‏ } ‏قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ هِيَ مَنْسُوخَة ) ‏ ‏هُوَ صَرِيح فِي دَعْوَى النَّسْخ وَرَجَّحَهُ اِبْن الْمُنْذِر مِنْ جِهَة قَوْله : ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) قَالَ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِي الشَّيْخ الْكَبِير الَّذِي لَا يُطِيق الصِّيَام لَمْ يُنَاسِب أَنْ يُقَال لَهُ ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) مَعَ أَنَّهُ لَا يُطِيق الصِّيَام. ‏"
    },
    {
        "id": "4147",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ‏} ‏كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏مَاتَ ‏ ‏بُكَيْرٌ ‏ ‏قَبْلَ ‏ ‏يَزِيدَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث اِبْن الْأَكْوَع ( لَمَّا نَزَلَتْ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَة إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا أَيْضًا صَرِيح فِي دَعْوَى النَّسْخ وَأَصْرَح مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث اِبْن أَبِي لَيْلَى , وَيُمْكِن إِنْ كَانَتْ الْقِرَاءَة بِتَشْدِيدِ الْوَاو ثَابِتَة أَنْ يَكُون الْوَجْهَانِ ثَابِتَيْنِ بِحَسَب مَدْلُول الْقَرَائِن. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( مَاتَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّف , وَثَبَتَ هَذَا الْكَلَام فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَحْده. ‏ ‏قَوْله : ( مَاتَ بُكَيْرٌ قَبْل يَزِيد ) ‏ ‏أَيْ مَاتَ بُكَيْرُ بْن عَبْد اللَّه بْن الْأَشَجّ الرَّاوِي عَنْ يَزِيد وَهُوَ اِبْن أَبِي عُبَيْد قَبْل شَيْخه يَزِيد , وَكَانَتْ وَفَاته سَنَة عِشْرِينَ وَمِائَة وَقِيلَ قَبْلهَا أَوْ بَعْدهَا , وَمَاتَ يَزِيد سَنَة سِتّ أَوْ سَبْع وَأَرْبَعِينَ وَمِائَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4148",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا نَزَلَ صَوْم رَمَضَان كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاء ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الصِّيَام مِنْ حَدِيث الْبَرَاء أَيْضًا أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ إِذَا نَامُوا , وَأَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ , وَبَيَّنْت هُنَاكَ أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا , وَظَاهِر سِيَاق حَدِيث الْبَاب أَنَّ الْجِمَاع كَانَ مَمْنُوعًا فِي جَمِيع اللَّيْل وَالنَّهَار , بِخِلَافِ الْأَكْل وَالشُّرْب فَكَانَ مَأْذُونًا فِيهِ لَيْلًا مَا لَمْ يَحْصُل النَّوْم , لَكِنْ بَقِيَّة الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي هَذَا الْمَعْنَى تَدُلّ عَلَى عَدَم الْفَرْق كَمَا سَأَذْكُرُهَا بَعْد , فَيُحْمَل قَوْله \" كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاء \" عَلَى الْغَالِب جَمْعًا بَيْن الْأَخْبَار. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ رِجَال يَخُونُونَ أَنْفُسهمْ ) ‏ ‏سُمِّيَ مِنْ هَؤُلَاءِ عُمَر وَكَعْب بْن مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فَرَوَى أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل قَالَ \" أُحِلَّ الصِّيَامُ ثَلَاثَة أَحْوَال : فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَة فَجَعَلَ يَصُوم مِنْ كُلّ شَهْر ثَلَاثَة أَيَّام , وَصَامَ عَاشُورَاء. ثُمَّ إِنَّ اللَّه فَرَضَ عَلَيْهِ الصِّيَام وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ ) فَذَكَرَ الْحَدِيث إِلَى أَنْ قَالَ \" وَكَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَأْتُونَ النِّسَاء مَا لَمْ يَنَامُوا , فَإِذَا نَامُوا اِمْتَنَعُوا. ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار صَلَّى الْعِشَاء ثُمَّ نَامَ فَأَصْبَحَ مَجْهُودًا , وَكَانَ عُمَر أَصَابَ مِنْ النِّسَاء بَعْدَمَا نَامَ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ - إِلَى قَوْله - ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) وَهَذَا الْحَدِيث مَشْهُور عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى , لَكِنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْ مُعَاذ , وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ فِيهِ \" حَدَّثَنَا أَصْحَاب مُحَمَّد \" كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ قَرِيبًا , فَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ غَيْر مُعَاذ أَيْضًا , وَلَهُ شَوَاهِد : مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوْيهِ مِنْ طَرِيق كُرَيْبٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" بَلَغَنَا \" وَمِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْوه , وَأَخْرَجَ اِبْن جَرِير وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن كَعْب بْن مَالِك عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" كَانَ النَّاس فِي رَمَضَان إِذَا صَامَ الرَّجُل فَأَمْسَى فَنَامَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَام وَالشَّرَاب وَالنِّسَاء حَتَّى يُفْطِر مِنْ الْغَد , فَرَجَعَ عُمَر مِنْ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سَمَرَ عِنْده , فَأَرَادَ اِمْرَأَته , فَقَالَتْ : إِنِّي قَدْ نِمْت , قَالَ : مَا نِمْت , وَوَقَعَ عَلَيْهَا. وَصَنَعَ كَعْب بْن مَالِك مِثْل ذَلِكَ. فَنَزَلَتْ \" وَرَوَى اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيق اِبْن عَبَّاس نَحْوه , وَمِنْ طَرِيق أَصْحَاب مُجَاهِد وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَغَيْر وَاحِد مِنْ غَيْرهمْ كَالسُّدِّيِّ وَقَتَادَةَ وَثَابِت نَحْو هَذَا الْحَدِيث , لَكِنْ لَمْ يَزِدْ وَاحِد مِنْهُمْ فِي الْقِصَّة عَلَى تَسْمِيَة عُمَر إِلَّا فِي حَدِيث كَعْب بْن مَالِك , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4149",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيٍّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَخَذَ ‏ ‏عَدِيٌّ ‏ ‏عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ حَتَّى كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَظَرَ فَلَمْ يَسْتَبِينَا فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادِي عِقَالَيْنِ قَالَ ‏ ‏إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ أَنْ كَانَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم مِنْ وَجْهَيْنِ فِي تَفْسِير الْخَيْط الْأَبْيَض وَالْأَسْوَد , وَحَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَا فِي الصِّيَام مَعَ شَرْحهمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4150",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُطَرِّفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا ‏ { ‏الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ‏} ‏أَهُمَا الْخَيْطَانِ قَالَ ‏ ‏إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا إِنْ أَبْصَرْتَ الْخَيْطَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَا بَلْ هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4151",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَأُنْزِلَتْ ‏ { ‏وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ‏} ‏وَلَمْ يُنْزَلْ ‏ { ‏مِنْ الْفَجْرِ ‏} ‏وَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ وَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَهُ ‏ { ‏مِنْ الْفَجْرِ ‏} ‏فَعَلِمُوا أَنَّمَا ‏ ‏يَعْنِي اللَّيْلَ مِنْ النَّهَارِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4152",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانُوا ‏ ‏إِذَا أَحْرَمُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَتَوْا الْبَيْتَ مِنْ ظَهْرِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ‏}",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4153",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَتَاهُ ‏ ‏رَجُلَانِ ‏ ‏فِي فِتْنَةِ ‏ ‏ابْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَقَالَا إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا وَأَنْتَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏وَصَاحِبُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ فَقَالَ ‏ ‏يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي فَقَالَا أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ ‏ { ‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ‏} ‏فَقَالَ قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏فُلَانٌ ‏ ‏وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو الْمَعَافِرِيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏أَتَى ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَحُجَّ عَامًا وَتَعْتَمِرَ عَامًا وَتَتْرُكَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رَغَّبَ اللَّهُ فِيهِ قَالَ يَا ابْنَ ‏ ‏أَخِي بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالصَّلَاةِ الْخَمْسِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏قَالَ يَا ‏ ‏أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ‏ { ‏وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ‏} { ‏قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ‏} ‏قَالَ فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمَّا قَتَلُوهُ وَإِمَّا يُعَذِّبُونَهُ حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ قَالَ فَمَا قَوْلُكَ فِي ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ أَمَّا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏فَكَأَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَعْفُوا عَنْهُ وَأَمَّا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَخَتَنُهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَقَالَ هَذَا بَيْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَتَاهُ رَجُلَانِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب عُثْمَان أَنَّ اِسْم أَحَدهمَا الْعَلَاء بْن عِرَار وَهُوَ بِمُهْمَلَاتٍ وَاسْم الْآخَر حِبَّانُ السُّلَمِيُّ صَاحِب الدُّثَيْنَةِ , أَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيقه مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْفَال أَنَّ رَجُلًا اِسْمه حَكِيم سَأَلَ اِبْن عُمَر عَنْ شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله \" فِي فِتْنَة اِبْن الزُّبَيْر \" رِوَايَة سَعِيد بْنِ مَنْصُور أَنَّ ذَلِكَ عَام نُزُول الْحَجَّاج بِابْنِ الزُّبَيْر , فَيَكُون الْمُرَاد بِفِتْنَةِ اِبْن الزُّبَيْر مَا وَقَعَ فِي آخِر أَمْره , وَكَانَ نُزُول الْحَجَّاج وَهُوَ اِبْن يُوسُف الثَّقَفِيّ مِنْ قِبَل عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان جَهَّزَهُ لِقِتَالِ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَهُوَ بِمَكَّة فِي أَوَاخِر سَنَة ثَلَاث وَسَبْعِينَ وَقُتِلَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر فِي آخِر تِلْكَ السَّنَة , وَمَاتَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر فِي أَوَّل سَنَة أَرْبَع وَسَبْعِينَ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي \" بَاب الْعِيدَيْنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ النَّاس قَدْ ضُيِّعُوا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة الْمَكْسُورَة لِلْأَكْثَرِ , فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" صَنَعُوا \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون , وَيَحْتَاج إِلَى تَقْدِير شَيْء مَحْذُوف أَيْ صَنَعُوا مَا تَرَى مِنْ الِاخْتِلَاف. وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" وَزَادَ عُثْمَان بْن صَالِح \" هُوَ السَّهْمِيّ وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ \" وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ فِي الْأَحْكَام حَدِيثًا غَيْر هَذَا. وَقَوْله \" أَخْبَرَنِي فُلَان وَحَيْوَةُ بْن شُرَيْحٍ \" لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين اِسْم فُلَان , وَقِيلَ إِنَّهُ عَبْد اللَّه بْن لَهِيعَة , وَسَيَأْتِي سِيَاق لَفْظ حَيْوَةَ وَحْده فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْفَال , وَهَذَا الْإِسْنَاد مِنْ اِبْتِدَائِهِ إِلَى بُكَيْرِ بْن عَبْد اللَّه - وَهُوَ اِبْن الْأَشَجّ بَصْرِيُّونَ , وَمِنْهُ إِلَى مُنْتَهَاهُ مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا حَمَلَك عَلَى أَنْ تَحُجّ عَامًا وَتَعْتَمِر عَامًا وَتَتْرُك الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه ) ‏ ‏أَطْلَقَ عَلَى قِتَال مَنْ يَخْرُج عَنْ طَاعَة الْإِمَام جِهَادًا وَسَوَّى بَيْنه وَبَيْن جِهَاد الْكُفَّار بِحَسَب اِعْتِقَاده وَإِنْ كَانَ الصَّوَاب عِنْد غَيْره خِلَافه , وَأَنَّ الَّذِي وَرَدَ فِي التَّرْغِيب فِي الْجِهَاد خَاصّ بِقِتَالِ الْكُفَّار , بِخِلَافِ قِتَال الْبُغَاة فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَشْرُوعًا لَكِنَّهُ لَا يَصِل الثَّوَاب فِيهِ إِلَى ثَوَاب مَنْ قَاتَلَ الْكُفَّار , وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْحَامِل إِيثَار الدُّنْيَا. ‏ ‏قَوْله : ( إِمَّا قَتَلُوهُ وَإِمَّا يُعَذِّبُونَهُ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ الْأَوَّل بِصِيغَةِ الْمَاضِي لِكَوْنِهِ إِذَا قُتِلَ ذَهَبَ , وَالثَّانِي بِصِيغَةِ الْمُضَارِع لِأَنَّهُ يَبْقَى أَوْ يَتَجَدَّد لَهُ التَّعْذِيب. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَرِهْتُمْ أَنْ يَعْفُو ) ‏ ‏بِالتَّحْتَانِيَّةِ أَوَّله وَبِالْإِفْرَادِ إِخْبَار عَنْ اللَّه وَهُوَ الْأَوْجُه , وَبِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْق وَالْجَمْع وَهُوَ الْأَكْثَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَخَتَنه ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق ثُمَّ نُون , قَالَ الْأَصْمَعِيّ : الْأَخْتَان مِنْ قِبَل الْمَرْأَة , وَالْأَحْمَاء مِنْ قِبَل الزَّوْج , وَالصِّهْر جَمْعهمَا. وَقِيلَ اُشْتُقَّ الْخَتَن مِمَّا اُشْتُقَّ مِنْهُ الْخِتَان وَهُوَ اِلْتِقَاء الْخِتَانَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4154",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ { ‏وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ‏} ‏قَالَ نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث حُذَيْفَة فِي هَذِهِ الْآيَة قَالَ : نَزَلَتْ فِي النَّفَقَة , أَيْ فِي تَرْك النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حُذَيْفَة جَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَسْلَمَ بْن عِمْرَان قَالَ \" كُنَّا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ , فَخَرَجَ صَفّ عَظِيم مِنْ الرُّوم , فَحَمَلَ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفّ الرُّوم حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ , ثُمَّ رَجَعَ مُقْبِلًا. فَصَاحَ النَّاس : سُبْحَان اللَّه , أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَة. فَقَالَ أَبُو أَيُّوب : أَيّهَا النَّاس , إِنَّكُمْ تُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الْآيَة عَلَى هَذَا التَّأْوِيل , وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِينَا مَعْشَر الْأَنْصَار : إِنَّا لَمَّا أَعَزّ اللَّه دِينه وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ قُلْنَا بَيْننَا سِرًّا : إِنَّ أَمْوَالنَا قَدْ ضَاعَتْ , فَلَوْ أَنَّا أَقَمْنَا فِيهَا وَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة , فَكَانَتْ التَّهْلُكَة الْإِقَامَة الَّتِي أَرَدْنَاهَا. وَصَحَّ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَجَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ نَحْو ذَلِكَ فِي تَأْوِيل الْآيَة. وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَسْلَمَ أَنَّهَا كَانَتْ نَزَلَتْ فِي نَاس كَانُوا يَغْزُونَ بِغَيْرِ نَفَقَة , فَيَلْزَم عَلَى قَوْله اِخْتِلَاف الْمَأْمُورِينَ , فَاَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ ( أَنْفِقُوا وَأَحْسِنُوا ) أَصْحَاب الْأَمْوَال , وَاَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ ( وَلَا تُلْقُوا ) الْغُزَاة بِغَيْرِ نَفَقَة , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَمِنْ طَرِيق الضَّحَّاك بْن أَبِي جُبَيْرَةَ \" كَانَ الْأَنْصَار يَتَصَدَّقُونَ , فَأَصَابَتْهُمْ سَنَة فَأَمْسَكُوا , فَنَزَلَتْ \" وَرَوَى اِبْن جَرِير وَابْن الْمُنْذِر بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ مُدْرِك بْن عَوْف قَالَ \" إِنِّي لَعِنْد عُمَر , فَقُلْت : إِنَّ لِي جَارًا رَمَى بِنَفْسِهِ فِي الْحَرْب فَقُتِلَ , فَقَالَ نَاس : أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَة , فَقَالَ عُمَر : كَذَبُوا , لَكِنَّهُ اِشْتَرَى الْآخِرَة بِالدُّنْيَا \" وَجَاءَ عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب فِي الْآيَة تَأْوِيل آخَر أَخْرَجَهُ اِبْن جَرِير وَابْن الْمُنْذِر وَغَيْرهمَا عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَبِي إِسْحَاق قَالَ \" قُلْت لِلْبَرَاءِ : أَرَأَيْت قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) هُوَ الرَّجُل يَحْمِل عَلَى الْكَتِيبَة فِيهَا أَلْف ؟ قَالَ : لَا , وَلَكِنَّهُ الرَّجُل يُذْنِب فَيُلْقِي بِيَدِهِ فَيَقُول لَا تَوْبَة لِي \" وَعَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير نَحْوه , وَالْأَوَّل أَظْهَر لِتَصْدِيرِ الْآيَة بِذِكْرِ النَّفَقَة فَهُوَ الْمُعْتَمَد فِي نُزُولهَا , وَأَمَّا قَصْرهَا عَلَيْهِ فَفِيهِ نَظَر , لِأَنَّ الْعِبْرَة بِعُمُومِ اللَّفْظ , عَلَى أَنَّ أَحْمَد أَخْرَجَ الْحَدِيث الْمَذْكُور مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر - وَهُوَ اِبْن عَيَّاش - عَنْ أَبِي إِسْحَاق بِلَفْظٍ آخَر قَالَ \" قُلْت لِلْبَرَاءِ : الرَّجُل يَحْمِل عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَهُوَ مِمَّنْ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَة ؟ قَالَ : لَا , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا فَقَالَ ( فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَك ) فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي النَّفَقَةِ \" فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ لِلْبَرَاءِ فِيهِ جَوَابَيْنِ , وَالْأَوَّل مِنْ رِوَايَة الثَّوْرِيّ وَإِسْرَائِيل وَأَبِي الْأَحْوَص وَنَحْوهمْ وَكُلّ مِنْهُمْ أَتْقَنُ مِنْ أَبِي بَكْر فَكَيْفَ مَعَ اِجْتِمَاعهمْ وَانْفِرَاده ا ه. وَأَمَّا مَسْأَلَة حَمْل الْوَاحِد عَلَى الْعَدَد الْكَثِير مِنْ الْعَدُوّ فَصَرَّحَ الْجُمْهُور بِأَنَّهُ إِنْ كَانَ لِفَرْطِ شَجَاعَته وَظَنّه أَنَّهُ يَرْهَب الْعَدُوّ بِذَلِكَ أَوْ يُجَرِّئ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِد الصَّحِيحَة فَهُوَ حَسَن , وَمَتَى. كَانَ مُجَرَّد تَهَوُّر فَمَمْنُوع , وَلَا سِيَّمَا إِنْ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ وَهَن فِي الْمُسْلِمِينَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4155",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ ‏ ‏قَالَ قَعَدْتُ إِلَى ‏ ‏كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ‏ ‏فِي هَذَا الْمَسْجِدِ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏مَسْجِدَ الْكُوفَةِ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ عَنْ ‏ ‏فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ ‏ ‏فَقَالَ حُمِلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ ‏ ‏مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ قَدْ بَلَغَ بِكَ هَذَا أَمَا تَجِدُ شَاةً قُلْتُ لَا قَالَ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ وَاحْلِقْ رَأْسَكَ فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً ‏ ‏وَهْيَ لَكُمْ عَامَّةً ‏",
        "sharh": "حَدِيث كَعْب بْن عُجْرَة فِي سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4156",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُنْزِلَتْ ‏ ‏آيَةُ الْمُتْعَةِ ‏ ‏فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَمْ يُنْزَلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ قَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ شَرْحه وَأَنَّ الْمُرَاد بِالرَّجُلِ فِي قَوْله هُنَا \" قَالَ رَجُل بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ \" هُوَ عُمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "4157",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏عُكَاظُ ‏ ‏وَمَجَنَّةُ ‏ ‏وَذُو الْمَجَازِ ‏ ‏أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوَاسِمِ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ‏} ‏فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4158",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ ‏ ‏بِالْمُزْدَلِفَةِ ‏ ‏وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ ‏ ‏الْحُمْسَ ‏ ‏وَكَانَ سَائِرُ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏يَقِفُونَ ‏ ‏بِعَرَفَاتٍ ‏ ‏فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ ‏ ‏أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَأْتِيَ ‏ ‏عَرَفَاتٍ ‏ ‏ثُمَّ يَقِفَ بِهَا ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ‏ { ‏ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4159",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏كُرَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَطَّوَّفُ الرَّجُلُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏مَا كَانَ حَلَالًا حَتَّى يُهِلَّ بِالْحَجِّ فَإِذَا رَكِبَ إِلَى ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فَمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ هَدِيَّةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ أَوْ الْغَنَمِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فَإِنْ كَانَ آخِرُ يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ يَوْمَ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيَنْطَلِقْ حَتَّى يَقِفَ ‏ ‏بِعَرَفَاتٍ ‏ ‏مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ يَكُونَ الظَّلَامُ ثُمَّ لِيَدْفَعُوا مِنْ ‏ ‏عَرَفَاتٍ ‏ ‏إِذَا أَفَاضُوا مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغُوا ‏ ‏جَمْعًا ‏ ‏الَّذِي يَبِيتُونَ بِهِ ثُمَّ لِيَذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَأَكْثِرُوا التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا ثُمَّ أَفِيضُوا فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يُفِيضُونَ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏} ‏حَتَّى تَرْمُوا ‏ ‏الْجَمْرَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَطُوف الرَّجُل بِالْبَيْتِ مَا كَانَ حَلَالًا ) ‏ ‏أَيْ الْمُقِيم بِمَكَّة , وَاَلَّذِي دَخَلَ بِعُمْرَةٍ وَتَحَلَّلَ مِنْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَجّ , وَذَلِكَ قَبْل يَوْم عَرَفَة ) ‏ ‏هُوَ تَقْيِيد مِنْ اِبْن عَبَّاس لِمَا أُطْلِقَ فِي الْآيَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ لِيَنْطَلِق ) ‏ ‏وَقَعَ بِحَذْفِ اللَّام فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَقَوْله \" فِي صَلَاة الْعَصْر إِلَى أَنْ يَكُون الظَّلَام \" أَيْ يَحْصُل الظَّلَام بِغُرُوبِ الشَّمْس , وَقَوْله \" فِي صَلَاة الْعَصْر \" يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد فِي أَوَّل وَقْتهَا , وَذَلِكَ عِنْد مَصِير الظِّلّ مِثْله , وَكَانَ ذَلِكَ الْوَقْت بَعْد ذَهَاب الْقَائِلَة وَتَمَام الرَّاحَة لِيَقِف بِنَشَاطٍ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد مِنْ بَعْد صَلَاتهَا , وَهِيَ تُصَلَّى عَقِب صَلَاة الظُّهْر جَمْع تَقْدِيم وَيَقَع الْوُقُوف عَقِب ذَلِكَ , فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَوَّل مَشْرُوعِيَّة الْوُقُوف , وَأَمَّا قَوْله وَيَخْتَلِط الظَّلَام فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى الْأَخْذ بِالْأَفْضَلِ , وَإِلَّا فَوَقْت الْوُقُوف يَمْتَدّ إِلَى الْفَجْر. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَبْلُغُوا جَمْعًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْمِيم , وَهُوَ الْمُزْدَلِفَة. وَقَوْله \" يَتَبَرَّر \" فِيهِ بِرَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ أَيْ يَطْلُب فِيهِ الْبِرّ , وَقَوْله \" ثُمَّ لِيَذْكُرُوا اللَّه كَثِيرًا أَوْ أَكْثِرُوا التَّكْبِير وَالتَّهْلِيل \" هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَفِيضُوا فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يُفِيضُونَ ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه وَتَفْصِيله فِي حَدِيث عَائِشَة الَّذِي قَبْله , ‏ ‏وَقَوْله \" حَتَّى تَرْمُوا الْجَمْرَة \" ‏ ‏هُوَ غَايَة لِقَوْلِهِ \" ثُمَّ أَفِيضُوا \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون غَايَة لِقَوْلِهِ \" أَكْثِرُوا التَّكْبِير وَالتَّهْلِيل \". ‏"
    },
    {
        "id": "4160",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ ‏ { ‏رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قَوْله ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي بِأَتَمّ مِنْ هَذَا فِي الْكِتَاب الدَّعَوَات. وَعَبْد الْعَزِيز الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ اِبْن صُهَيْبٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "4161",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏تَرْفَعُهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ ‏ ‏الْأَلَدُّ الْخَصِمُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة تَرْفَعُهُ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( الْأَلَدّ الْخَصِم ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكَسْر الصَّاد أَيْ الشَّدِيد اللَّدَد الْكَثِير الْخُصُومَة , وَسَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث فِي كِتَاب الْأَحْكَام. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْوَلِيد الْعَدَنِيّ , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ. وَأَوْرَدَهُ لِتَصْرِيحِهِ بِرَفْعِ الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ فِي \" جَامِع سُفْيَان الثَّوْرِيّ \" مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الْوَلِيد هَذَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَبْد اللَّه هُوَ الْجُعْفِيُّ شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيث الْمَذْكُور التِّرْمِذِيّ وَغَيْره مِنْ رِوَايَة اِبْن عُلَيَّة , لَكِنْ بِالْأَوَّلِ جَزَمَ خَلَف وَالْمِزِّيُّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْمَظَالِم. ‏"
    },
    {
        "id": "4162",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏يَقُولُ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ { ‏حَتَّى إِذَا ‏ ‏اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ‏} ‏خَفِيفَةً ذَهَبَ بِهَا هُنَاكَ وَتَلَا ‏ { ‏حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ‏} ‏فَلَقِيتُ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏مَعَاذَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا وَعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا عَلِمَ أَنَّهُ كَائِنٌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ الْبَلَاءُ بِالرُّسُلِ حَتَّى خَافُوا أَنْ يَكُونَ مَنْ مَعَهُمْ يُكَذِّبُونَهُمْ فَكَانَتْ تَقْرَؤُهَا ‏ { ‏وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ ‏ ‏كُذِّبُوا ‏ } ‏مُثَقَّلَةً ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4163",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا فَقَرَأَ سُورَةَ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانٍ قَالَ تَدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ قُلْتُ لَا قَالَ أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا ثُمَّ مَضَى ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏عَبْدِ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ { ‏فَأْتُوا ‏ ‏حَرْثَكُمْ ‏ ‏أَنَّى شِئْتُمْ ‏} ‏قَالَ يَأْتِيهَا فِي ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهَوَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذْت عَلَيْهِ يَوْمًا ) ‏ ‏أَيْ أَمْسَكْت الْمُصْحَف وَهُوَ يَقْرَأ عَنْ ظَهْر قَلْب , وَجَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا Uفِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع قَالَ \" قَالَ لِي اِبْن عُمَر أَمْسِكْ عَلَيَّ الْمُصْحَف يَا نَافِع , فَقَرَأَ \" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى مَكَان قَالَ : تَدْرِي فِيمَا أُنْزِلَتْ ؟ قُلْت : لَا. قَالَ : أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا ثُمَّ مَضَى ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُبْهِمًا لِمَكَانِ الْآيَة وَالتَّفْسِير , وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهِ بَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ عَبْد الصَّمَد ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله \" أَخْبَرَنَا النَّضْر بْن شُمَيْلٍ \" وَهُوَ عِنْد الْمُصَنِّف أَيْضًا عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ عَبْد الصَّمَد وَهُوَ اِبْن عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ بِسَنَدِهِ , وَعَنْ عَبْد الصَّمَد بِسَنَدِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَأْتِيهَا فِي ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ لَمْ يَذْكُر مَا بَعْد الظَّرْف وَهُوَ الْمَجْرُور , وَوَقَعَ فِي \" الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ \" يَأْتِيهَا فِي الْفَرْج , وَهُوَ مِنْ عِنْده بِحَسَب مَا فَهِمَهُ. ثُمَّ وَقَفْت عَلَى سَلَفه فِيهِ وَهُوَ الْبَرْقَانِيُّ فَرَأَيْت فِي نُسْخَة الصَّغَانِيِّ \" زَادَ الْبَرْقَانِيُّ يَعْنِي الْفَرْج \" وَلَيْسَ مُطَابِقًا لِمَا فِي نَفْس الرِّوَايَة عَنْ اِبْن عُمَر لِمَا سَأَذْكُرُهُ , وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ فِي \" سِرَاج الْمُرِيدِينَ \" : أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث فِي التَّفْسِير فَقَالَ \" يَأْتِيهَا فِي \" وَتَرَكَ بَيَاضًا , وَالْمَسْأَلَة مَشْهُورَة صَنَّفَ فِيهَا مُحَمَّد بْن سَحْنُونٍ جُزْءًا , وَصَنَّفَ فِيهَا اِبْن شَعْبَان كِتَابًا , وَبَيَّنَ أَنَّ حَدِيث اِبْن عُمَر فِي إِتْيَان الْمَرْأَة فِي دُبُرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏أَيْ الْقَطَّانُ ‏ ‏( عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏هَكَذَا أَعَادَ الضَّمِير عَلَى الَّذِي قَبْله , وَاَلَّذِي قَبْله قَدْ اِخْتَصَرَهُ كَمَا تَرَى , فَأَمَّا الرِّوَايَة الْأُولَى وَهِيَ رِوَايَة اِبْن عَوْن فَقَدْ أَخْرَجَهَا إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده وَفِي تَفْسِيره بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَالَ بَدَل قَوْله حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى مَكَان \" حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى قَوْله نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ \" فَقَالَ : أَتَدْرُونَ فِيمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة ؟ قُلْت لَا. قَالَ : نَزَلَتْ فِي إِتْيَان النِّسَاء فِي أَدْبَارهنَّ. وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ اِبْن عَوْن مِثْله , وَمَنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم الْكَرَابِيسِيِّ عَنْ اِبْن عَوْن نَحْوه , أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدَة فِي \" فَضَائِل الْقُرْآن \" عَنْ مُعَاذ عَنْ اِبْن عَوْن فَأَبْهَمَهُ فَقَالَ فِي كَذَا وَكَذَا. وَأَمَّا رِوَايَة عَبْد الصَّمَد فَأَخْرَجَهَا اِبْن جَرِير فِي التَّفْسِير عَنْ أَبِي قِلَابَةَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث حَدَّثَنِي أَبِي فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ يَأْتِيهَا فِي الدُّبُر , وَهُوَ يُؤَيِّد قَوْل اِبْن الْعَرَبِيّ وَيَرُدّ قَوْل الْحُمَيْدِيِّ. وَهَذَا الَّذِي اِسْتَعْمَلَهُ الْبُخَارِيّ نَوْع مِنْ أَنْوَاع الْبَدِيع يُسَمَّى الِاكْتِفَاء , وَلَا بُدّ لَهُ مِنْ نُكْتَة يَحْسُن بِسَبَبِهَا اِسْتِعْمَاله. وَأَمَّا رِوَايَة مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّانِ فَوَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر الْأَعْيَن عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الْمَذْكُور بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور إِلَى اِبْن عُمَر قَالَ \" إِنَّمَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُول \" اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) رُخْصَة فِي إِتْيَان الدُّبُر , قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَبْد اللَّه اِبْن عُمَر إِلَّا يَحْيَى بْن سَعِيد , تَفَرَّدَ بِهِ اِبْنه مُحَمَّد , كَذَا قَالَ , وَلَمْ يَتَفَرَّد بِهِ يَحْيَى اِبْن سَعِيد فَقَدْ رَوَاهُ عَبْد الْعَزِيز الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر أَيْضًا كَمَا سَأَذْكُرُهُ بَعْد , وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ نَافِع أَيْضًا جَمَاعَة غَيْر مَا ذَكَرْنَا وَرِوَايَاتهمْ بِذَلِكَ ثَابِتَة عِنْد اِبْن مَرْدَوْيهِ فِي تَفْسِيره وَفِي \" فَوَائِد الْأَصْبَهانِيِّنَ لِأَبِي الشَّيْخ \" وَ \" تَارِيخ نَيْسَابُور لِلْحَاكِمِ \" وَ \" غَرَائِب مَالِك لِلدَّارَقُطْنِيِّ \" وَغَيْرهَا. وَقَدْ عَابَ الْإِسْمَاعِيلِيّ صَنِيع الْبُخَارِيّ فَقَالَ : جَمِيع مَا أَخْرَجَ عَنْ اِبْن عُمَر مُبْهَم لَا فَائِدَة فِيهِ , وَقَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ عَبْد الْعَزِيز - يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنْ مَالِك وَعُبَيْد اللَّه بْن عُمَر وَابْن أَبِي ذِئْب ثَلَاثَتهمْ عَنْ نَافِع بِالتَّفْسِيرِ , وَعَنْ مَالِك مِنْ عِدَّة أَوْجُه ا ه. كَلَامه. وَرِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيِّ الْمَذْكُورَة قَدْ أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" مِنْ طَرِيقه عَنْ الثَّلَاثَة عَنْ نَافِع نَحْو رِوَايَة اِبْن عَوْن عَنْهُ وَلَفْظه \" نَزَلَتْ فِي رَجُل مِنْ الْأَنْصَار أَصَابَ اِمْرَأَته فِي دُبُرهَا , فَأَعْظَمَ النَّاس فِي ذَلِكَ فَنَزَلَتْ. قَالَ فَقُلْت لَهُ مِنْ دُبُرهَا فِي قُبُلهَا , فَقَالَ : لَا إِلَّا فِي دُبُرهَا \". وَتَابَعَ نَافِعًا فِي ذَلِكَ عَلَى زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ اِبْن عُمَر وَرِوَايَته عِنْد النَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح. وَتَكَلَّمَ الْأَزْدِيُّ فِي بَعْض رُوَاته وَرَدَّ عَلَيْهِ اِبْن عَبْد الْبَرّ فَأَصَابَ قَالَ : وَرِوَايَة اِبْن عُمَر لِهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحَة مَشْهُورَة مِنْ رِوَايَة نَافِع عَنْهُ بِغَيْرِ نَكِير أَنْ يَرْوِيهَا عَنْهُ زَيْد بْن أَسْلَمَ. قُلْت : وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَيْضًا اِبْنه عَبْد اللَّه أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَسَعِيد بْن يَسَار وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ مِثْل مَا قَالَ نَافِع , وَرِوَايَتهمَا عَنْهُ عِنْد النَّسَائِيِّ وَابْن جَرِير وَلَفْظه \" عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم قُلْت لِمَالِك : إِنَّ نَاسًا يَرْوُونَ عَنْ سَالِم : كَذَبَ الْعَبْد عَلَى أَبِي , فَقَالَ مَالِك : أَشْهَد عَلَى زَيْد بْن رُومَان أَنَّهُ أَخْبَرَنِي عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ مِثْل مَا قَالَ نَافِع , فَقُلْت لَهُ : إِنَّ الْحَارِث بْن يَعْقُوب يَرْوِي عَنْ سَعِيد بْن يَسَار عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ أُفّ , أَوَيَقُول ذَلِكَ مُسْلِم ؟ فَقَالَ مَالِك : أَشْهَد عَلَى رَبِيعَة لَأَخْبَرَنِي عَنْ سَعِيد بْن يَسَار عَنْ اِبْن عُمَر مِثْل مَا قَالَ نَافِع , وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك وَقَالَ : هَذَا مَحْفُوظ عَنْ مَالِك صَحِيح ا ه. وَرَوَى الْخَطِيب فِي \" الرُّوَاة عَنْ مَالِك \" مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل بْن رَوْح قَالَ : سَأَلْت مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : مَا أَنْتُمْ قَوْم عَرَب ؟ هَلْ يَكُون الْحَرْث إِلَّا مَوْضِع الزَّرْع ؟ وَعَلَى هَذِهِ الْقِصَّة اِعْتَمَدَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الْمَالِكِيَّة , فَلَعَلَّ مَالِكًا رَجَعَ عَنْ قَوْله الْأَوَّل , أَوْ كَانَ يَرَى أَنَّ الْعَمَل عَلَى خِلَاف حَدِيث اِبْن عُمَر فَلَمْ يَعْمَل بِهِ , وَإِنْ كَانَتْ الرِّوَايَة فِيهِ صَحِيحَة عَلَى قَاعِدَته. وَلَمْ يَنْفَرِد اِبْن عُمَر بِسَبَبِ هَذَا النُّزُول , فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَابْن مَرْدَوْيهِ وَابْن جَرِير وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ \" أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ اِمْرَأَته فِي دُبُرهَا , فَأَنْكَرَ النَّاس ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَالُوا : نُعَيِّرهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَة \" وَعَلَّقَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ هِشَام بْن سَعِيد عَنْ زَيْد , وَهَذَا السَّبَب فِي نُزُول هَذِهِ الْآيَة مَشْهُور , وَكَأَنَّ حَدِيث أَبِي سَعِيد لَمْ يَبْلُغ اِبْن عَبَّاس وَبَلَغَهُ حَدِيث اِبْن عُمَر فَوَهَمَهُ فِيهِ , فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" إِنَّ اِبْن عُمَر وَهَمَ وَاَللَّه يَغْفِر لَهُ , إِنَّمَا كَانَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَار وَهُمْ أَهْل وَثَن مَعَ هَذَا الْحَيّ مِنْ يَهُود وَهُمْ أَهْل كِتَاب فَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِكَثِيرٍ مِنْ فِعْلهمْ , وَكَانَ أَهْل الْكِتَاب لَا يَأْتُونَ النِّسَاء إِلَّا عَلَى حَرْف , وَذَلِكَ أَسْتُر مَا تَكُون الْمَرْأَة , فَأَخَذَ ذَلِكَ الْأَنْصَار عَنْهُمْ , وَكَانَ هَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْش يَتَلَذَّذُونَ بِنِسَائِهِمْ مُقْبِلَات وَمُدْبِرَات وَمُسْتَلْقِيَات , فَتَزَوَّجَ رَجُل مِنْ الْمُهَاجِرِينَ اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار فَذَهَبَ يَفْعَل فِيهَا ذَلِكَ فَامْتَنَعَتْ , فَسَرَى أَمْرهمَا حَتَّى بَلَغَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( ‏ ‏نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) ‏ ‏مُقْبِلَات وَمُدْبِرَات وَمُسْتَلْقِيَات , فِي الْفَرْج \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" جَاءَ عُمَر فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه هَلَكْت. حَوَّلْت رَحْلِي الْبَارِحَة , فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة , نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ , وَاتَّقِ الدُّبُر وَالْحَيْضَة \" وَهَذَا الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ الْآيَة مُوَافِق لِحَدِيثِ جَابِر الْمَذْكُور فِي الْبَاب فِي سَبَب نُزُول الْآيَة كَمَا سَأَذْكُرُ عِنْد الْكَلَام عَلَيْهِ. وَرَوَى الرَّبِيع فِي \" الْأُمّ \" عَنْ الشَّافِعِيّ قَالَ : اِحْتَمَلَتْ الْآيَة مَعْنَيَيْنِ أَحَدهمَا أَنْ تُؤْتَى الْمَرْأَة حَيْثُ شَاءَ زَوْجهَا , لِأَنَّ \" أَنَّى \" بِمَعْنَى أَيْنَ شِئْتُمْ , وَاحْتَمَلَتْ أَنْ يُرَاد بِالْحَرْثِ مَوْضِع النَّبَات , وَالْمَوْضِع الَّذِي يُرَاد بِهِ الْوَلَد هُوَ الْفَرْج دُون مَا سِوَاهُ , قَالَ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِي ذَلِكَ , وَأَحْسِب أَنَّ كُلًّا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ تَأَوَّلَ مَا وَصَفْت مِنْ اِحْتِمَال الْآيَة , قَالَ فَطَلَبْنَا الدَّلَالَة فَوَجَدْنَا حَدِيثَيْنِ : أَحَدهمَا ثَابِت وَهُوَ حَدِيث خُزَيْمَةَ بْن ثَابِت فِي التَّحْرِيم , فَقَوَّى عِنْده التَّحْرِيم. وَرَوَى الْحَاكِم فِي \" مَنَاقِب الشَّافِعِيّ \" مِنْ طَرِيق اِبْن عَبْد الْحَكَم أَنَّهُ حَكَى عَنْ الشَّافِعِيّ مُنَاظَرَة جَرَتْ بَيْنه وَبَيْن مُحَمَّد بْن الْحَسَن فِي ذَلِكَ , وَأَنَّ اِبْن الْحَسَن اِحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْحَرْث إِنَّمَا يَكُون فِي الْفَرْج , فَقَالَ لَهُ : فَيَكُون مَا سِوَى الْفَرْج مُحَرَّمًا , فَالْتَزَمَهُ. فَقَالَ أَرَأَيْت لَوْ وَطِئَهَا بَيْن سَاقَهَا أَوْ فِي أَعْكَانِهَا أَفِي ذَلِكَ حَرْث ؟ قَالَ : لَا. قَالَ أَفَيَحْرُم ؟ قَالَ لَا. قَالَ : فَكَيْفَ تَحْتَجّ بِمَا لَا تَقُول بِهِ. قَالَ الْحَاكِم : لَعَلَّ الشَّافِعِيّ كَانَ يَقُول ذَلِكَ فِي الْقَدِيم , وَأَمَّا فِي الْجَدِيد فَصَرَّحَ بِالتَّحْرِيمِ ا ه. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَلْزَم مُحَمَّدًا بِطَرِيقِ الْمُنَاظَرَة وَإِنْ كَانَ لَا يَقُول بِذَلِكَ , وَإِنَّمَا اِنْتَصَرَ لِأَصْحَابِهِ الْمَدَنِيِّينَ , وَالْحُجَّة عِنْده فِي التَّحْرِيم غَيْر الْمَسْلَك الَّذِي سَلَكَهُ مُحَمَّد كَمَا يُشِير إِلَيْهِ كَلَامه فِي \" الْأُمّ \". وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : اِخْتَلَفَ النَّاس فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَتَعَلَّقَ مَنْ قَالَ بِالْحِلِّ بِهَذِهِ الْآيَة , وَانْفَصَلَ عَنْهَا مَنْ قَالَ يَحْرُم بِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِالسَّبَبِ الْوَارِد فِي حَدِيث جَابِر فِي الرَّدّ عَلَى الْيَهُود , يَعْنِي كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب الْآتِي. قَالَ : وَالْعُمُوم إِذَا خَرَجَ عَلَى سَبَب قَصُرَ عَلَيْهِ عِنْد بَعْض الْأُصُولِيِّينَ , وَعِنْد الْأَكْثَر الْعِبْرَة بِعُمُومِ اللَّفْظ لَا بِخُصُوصِ السَّبَب , وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُون الْآيَة حُجَّة فِي الْجَوَاز , لَكِنْ وَرَدَتْ أَحَادِيث كَثِيرَة بِالْمَنْعِ فَتَكُون مُخَصِّصَة لِعُمُومِ الْآيَة , وَفِي تَخْصِيص عُمُوم الْقُرْآن بِبَعْضِ خَبَر الْآحَاد خِلَاف ا ه. وَذَهَبَ جَمَاعَة مِنْ أَئِمَّة الْحَدِيث - كَالْبُخَارِيِّ وَالذُّهْلِيِّ وَالْبَزَّار وَالنَّسَائِيِّ وَأَبِي عَلِيّ النَّيْسَابُورِيّ - إِلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُت فِيهِ شَيْء. قُلْت : لَكِنْ طُرُقهَا كَثِيرَة فَمَجْمُوعهَا صَالِح لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ , وَيُؤَيِّد الْقَوْل بِالتَّحْرِيمِ أَنَّا لَوْ قَدَّمْنَا أَحَادِيث الْإِبَاحَة لَلَزِمَ أَنَّهُ أُبِيحَ بَعْد أَنْ حَرُمَ وَالْأَصْل عَدَمه , فَمِنْ الْأَحَادِيث الصَّالِحَة الْإِسْنَاد حَدِيث خُزَيْمَةَ بْن ثَابِت أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ أَيْضًا , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس وَقَدْ تَقَدَّمَتْ إِشَارَة إِلَيْهِ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظِ \" لَا يَنْظُر اللَّه إِلَى رَجُل أَتَى رَجُلًا أَوْ اِمْرَأَة فِي الدُّبُر \" وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ أَيْضًا , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ صَلَحَ أَنْ يُخَصِّص عُمُوم الْآيَة وَيُحْمَل عَلَى الْإِتْيَان فِي غَيْر هَذَا الْمَحَلّ بِنَاء عَلَى أَنَّ مَعْنَى \" أَنَّى \" حَيْثُ وَهُوَ الْمُتَبَادِر إِلَى السِّيَاق , وَيُغْنِي ذَلِكَ عَنْ حَمْلهَا عَلَى مَعْنًى آخَر غَيْر الْمُتَبَادِر , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4164",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏تَقُولُ إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏نِسَاؤُكُمْ ‏ ‏حَرْثٌ ‏ ‏لَكُمْ فَأْتُوا ‏ ‏حَرْثَكُمْ ‏ ‏أَنَّى شِئْتُمْ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ ‏ ‏قَوْلُهُ : ( كَانَتْ الْيَهُود تَقُول إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَد أَحْوَل , فَنَزَلَتْ ) ‏ ‏هَذَا السِّيَاق قَدْ يُوهِم أَنَّهُ مُطَابِق لِحَدِيثِ اِبْن عُمَر , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ بِلَفْظِ \" بَارِكَة مُدْبِرَة فِي فَرْجهَا مِنْ وَرَائِهَا \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر بِلَفْظِ \" إِذَا أَتَيْت اِمْرَأَة مِنْ دُبُرهَا فِي قُبُلهَا \" وَمِنْ طَرِيق أَبِي حَازِم عَنْ اِبْن مُنْكَدِر بِلَفْظِ \" إِذَا أَتَيْت الْمَرْأَة مِنْ دُبُرهَا فَحَمَلَتْ \" وَقَوْله \" فَحَمَلَتْ \" يَدُلّ عَلَى أَنَّ مُرَاده أَنَّ الْإِتْيَان فِي الْفَرْج لَا فِي الدُّبُر , وَهَذَا كُلّه يُؤَيِّد تَأْوِيل اِبْن عَبَّاس الَّذِي رَدَّ بِهِ عَلَى اِبْن عُمَر , وَقَدْ أَكْذَبَ اللَّهُ الْيَهُودَ فِي زَعْمهمْ وَأَبَاحَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَتَمَتَّعُوا بِنِسَائِهِمْ كَيْفَ شَاءُوا , وَإِذَا تَعَارَضَ الْمُجْمَل وَالْمُفَسَّر قُدِّمَ الْمُفَسَّر , وَحَدِيث جَابِر مُفَسَّر فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُعْمَل بِهِ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَأَخْرَجَ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيث جَابِر زِيَادَة فِي طَرِيق الزُّهْرِيّ عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر بِلَفْظِ \" إِنْ شَاءَ مُحْبِيَة وَإِنْ شَاءَ غَيْر مُحْبِيَة غَيْر أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَام وَاحِد \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة يُشْبِه أَنْ تَكُون مِنْ تَفْسِير الزُّهْرِيّ لِخُلُوِّهَا مِنْ رِوَايَة غَيْره مِنْ أَصْحَاب اِبْن الْمُنْكَدِر مَعَ كَثْرَتهمْ. وَقَوْله \" مُحْبِيَة \" بِمِيمِ ثُمَّ مُوَحَّدَة أَيْ بَارِكَة وَقَوْله \" صِمَام \" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَالتَّخْفِيف هُوَ الْمَنْفَذ. ‏"
    },
    {
        "id": "4165",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ لِي ‏ ‏أُخْتٌ ‏ ‏تُخْطَبُ إِلَيَّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏أَنَّ أُخْتَ ‏ ‏مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏طَلَّقَهَا ‏ ‏زَوْجُهَا ‏ ‏فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَخَطَبَهَا فَأَبَى ‏ ‏مَعْقِلٌ ‏ ‏فَنَزَلَتْ ‏ { ‏فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله : ( وَقَالَ إِبْرَاهِيم عَنْ يُونُس عَنْ الْحَسَن حَدَّثَنِي مَعْقِل ) ‏ ‏أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان تَصْرِيح الْحَسَن بِالتَّحْدِيثِ عَنْ مَعْقِل , وَرِوَايَة إِبْرَاهِيم هَذَا وَهُوَ اِبْن طَهْمَانَ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي النِّكَاح كَمَا سَيَأْتِي , وَقَدْ صَرَّحَ الْحَسَن بِتَحْدِيثِ مَعْقِل لَهُ أَيْضًا فِي رِوَايَة عَبَّاد بْن رَاشِد كَمَا سَيَأْتِي أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4166",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ‏ { ‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ‏} ‏قَالَ قَدْ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا قَالَ ‏ ‏يَا ابْنَ أَخِي لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حَبِيب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الشَّهِيدِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد بَابَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْع \" حَدَّثَنَا حَبِيب بْن الشَّهِيد حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَةَ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن الزُّبَيْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة بْن الْمَدِينِيّ الْمَذْكُورَة \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر \" وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر \" عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْع بِسَنَدِهِ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر قَالَ قُلْت لِعُثْمَان \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلِمَ تَكْتُبهَا أَوْ تَدَعهَا ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَام الْإِنْكَارِيّ كَأَنَّهُ قَالَ لِمَ تَكْتُبهَا وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهَا مَنْسُوخَة , أَوْ قَالَ لِمَ تَدَعهَا أَيْ تَتْرُكهَا مَكْتُوبَة , وَهُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي أَيْ اللَّفْظَيْنِ قَالَ. وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة بَعْد بَابَيْنِ \" فَلِمَ تَكْتُبهَا ؟ قَالَ تَدَعهَا يَا اِبْن أَخِي \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لِمَ تَكْتُبهَا وَقَدْ نَسَخَتْهَا الْآيَة الْأُخْرَى \" وَهُوَ يُؤَيِّد التَّقْدِير الَّذِي ذَكَرْته. وَلَهُ مِنْ رِوَايَة أُخْرَى \" قُلْت لِعُثْمَان : هَذِهِ الْآيَة ( وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ) قَالَ : نَسَخَتْهَا الْآيَة الْأُخْرَى. قُلْت : تَكْتُبهَا أَوْ تَدَعهَا ؟ قَالَ : يَا اِبْن أَخِي لَا أُغَيِّر مِنْهَا شَيْئًا عَنْ مَكَانه \". وَهَذَا السِّيَاق أَوْلَى مِنْ الَّذِي قَبْله. وَأَوْ لِلتَّخْيِيرِ لَا لِلشَّكِّ. وَفِي جَوَاب عُثْمَان هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ تَرْتِيب الْآي تَوْقِيفِيّ. وَكَأَنَّ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر ظَنَّ أَنَّ الَّذِي يُنْسَخ حُكْمه لَا يُكْتَب , فَأَجَابَهُ عُثْمَان بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَالْمُتَّبَع فِيهِ التَّوَقُّف , وَلَهُ فَوَائِد : مِنْهَا ثَوَاب التِّلَاوَة , وَالِامْتِثَال عَلَى أَنَّ مِنْ السَّلَف مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْسُوخَة وَإِنَّمَا خَصَّ مِنْ الْحَوْل بَعْضه وَبَقِيَ الْبَعْض وَصِيَّة لَهَا إِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ كَمَا فِي الْبَاب عَنْ مُجَاهِد , لَكِنْ الْجُمْهُور عَلَى خِلَافه. وَهَذَا الْمَوْضِع مِمَّا وَقَعَ فِيهِ النَّاسِخ مُقَدَّمًا فِي تَرْتِيب التِّلَاوَة عَلَى الْمَنْسُوخ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَقَع نَظِير ذَلِكَ إِلَّا هُنَا وَفِي الْأَحْزَاب عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّ إِحْلَال جَمِيع النِّسَاء هُوَ النَّاسِخ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ ظَفِرْت بِمَوَاضِع أُخْرَى مِنْهَا فِي الْبَقَرَة أَيْضًا قَوْله : ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) فَإِنَّهَا مُحْكَمَة فِي التَّطَوُّع مُخَصِّصَة لِعُمُومِ قَوْله ( وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) كَوْنهَا مُقَدَّمَة فِي التِّلَاوَة , وَمِنْهَا فِي الْبَقَرَة أَيْضًا قَوْله تَعَالَى ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّ سَبَب نُزُولهَا أَنَّ الْيَهُود طَعَنُوا فِي تَحْوِيل الْقِبْلَة , فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُون مُقَدَّمَة فِي التِّلَاوَة مُتَأَخِّرَة فِي النُّزُول , وَقَدْ تَتَبَّعَتْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا ذَكَرْته فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , وَيَكْفِي هُنَا الْإِشَارَة إِلَى هَذَا الْقَدْر. قَوْله وَقَوْل عُثْمَان لِعَبْدِ اللَّه \" يَا اِبْن أَخِي \" يُرِيد فِي الْإِيمَان أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السِّنّ , وَزَادَ الْكَرْمَانِيُّ : أَوْ عَلَى عَادَة مُخَاطَبَة الْعَرَب. وَيُمْكِن أَنْ يَتَّحِدَ مَعَ الَّذِي قَبْله. قَالَ أَوْ لِأَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي قُصَيّ. قَالَ : إِلَّا أَنَّ عُثْمَان وَعَبْد اللَّه فِي الْعَدَد إِلَى قُصَيّ سَوَاء بَيْن كُلّ مِنْهُمَا وَبَيْنه أَرْبَعَة آبَاء فَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ يَا أَخِي. ‏"
    },
    {
        "id": "4167",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شِبْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ { ‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ‏} ‏قَالَ كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا وَاجِبٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ‏} ‏قَالَ جَعَلَ اللَّهُ لَهَا تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ ‏ ‏وَهْوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ‏ { ‏غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ‏} ‏فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ ‏ ‏وَهْوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ‏ { ‏غَيْرَ إِخْرَاجٍ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏إِنْ شَاءَتْ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ‏ { ‏فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلَا سُكْنَى لَهَا ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَرْقَاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا فِي أَهْلِهَا فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ ‏ { ‏غَيْرَ إِخْرَاجٍ ‏} ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ. وَرَوْح هُوَ اِبْن عُبَادَةَ , وَشِبْل هُوَ اِبْن عَبَّاد , وَابْن أَبِي نَجِيح هُوَ عَبْد اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِد ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ شِبْل , وَفَاعِل زَعَمَ هُوَ اِبْن أَبِي نَجِيح , وَبِهَذَا جَزَمَ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعه : وَقَوْله \" وَقَالَ عَطَاء \" هُوَ عَطْف عَلَى قَوْله مُجَاهِد , وَهُوَ مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ عَطَاء , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّق , وَقَدْ أَبْدَى الْمُصَنِّف مَا نَبَّهْت عَلَيْهِ بِرِوَايَةِ وَرْقَاء الَّتِي ذَكَرهَا بَعْد هَذِهِ , وَقَوْله \" عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف \" هُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله \" أَنْبَأَنَا رَوْح \" وَقَدْ أَوْرَدَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الْمَلِك بْن زَنْجَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف هُوَ الْفِرْيَابِيُّ عَنْ وَرْقَاء عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد وَعَنْ عَطَاء بِتَمَامِهِ وَقَالَ : ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ الْفِرْيَابِيِّ , هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْبُخَارِيّ عَلَّقَهُ عَنْ شَيْخه وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4168",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حِبَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَلَسْتُ إِلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَفِيهِمْ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏فَذَكَرْتُ حَدِيثَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏فِي شَأْنِ ‏ ‏سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَلَكِنَّ عَمَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ فَقُلْتُ إِنِّي لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ ‏ ‏الْكُوفَةِ ‏ ‏وَرَفَعَ صَوْتَهُ قَالَ ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ ‏ ‏مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ ‏ ‏قُلْتُ كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ‏ ‏وَهْيَ حَامِلٌ ‏ ‏فَقَالَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةُ ‏ ‏النِّسَاءِ الْقُصْرَى ‏ ‏بَعْدَ ‏ ‏الطُّولَى ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏لَقِيتُ ‏ ‏أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" أُنْزِلَتْ سُورَة النِّسَاء الْقُصْرَى بَعْد الطُّولَى \" وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة الطَّلَاق , وَقَوْله \" وَقَالَ أَيُّوب \" وَصَلَهُ هُنَاكَ بِتَمَامِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4169",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏حَبَسُونَا عَنْ ‏ ‏صَلَاةِ الْوُسْطَى ‏ ‏حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ ‏ ‏أَوْ أَجْوَافَهُمْ شَكَّ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏نَارًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ وَيَزِيد هُوَ اِبْن هَارُون وَهِشَام هُوَ اِبْن حَسَّان وَمُحَمَّد هُوَ اِبْن سِيرِينَ وَعَبِيدَةُ بِفَتْحِ الْعَيْن هُوَ اِبْن عَمْرو , وَعَبْد الرَّحْمَن فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة هُوَ اِبْن بِشْر بْن الْحَكَم وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْقَطَّانُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَبَسُونَا عَنْ صَلَاة الْوُسْطَى ) ‏ ‏أَيْ مَنَعُونَا عَنْ الصَّلَاة الْوُسْطَى أَيْ عَنْ إِيقَاعهَا , زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق شُتَيْر بْن شَكَلٍ عَنْ عَلِيّ \" شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر \" وَزَادَ فِي آخِره \" ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْن الْمَغْرِب وَالْعِشَاء \" وَلِمُسْلِمٍ عَنْ اِبْن مَسْعُود نَحْو حَدِيث عَلِيّ , وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق زِرّ بْن حُبَيْشٍ عَنْ عَلِيٍّ مِثْله , وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي حَسَّان الْأَعْرَج عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ عَنْ عَلِيّ فَذَكَرَ الْحَدِيث بِلَفْظِ \" كَمَا حَبَسُونَا عَنْ الصَّلَاة الْوُسْطَى حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْس \" يَعْنِي الْعَصْر , وَرَوَى أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث سَمُرَة رَفَعَهُ قَالَ \" صَلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر \" وَرَوَى اِبْن جَرِير مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر \" وَمِنْ طَرِيق كُهَيْل بْن حَرْمَلَة \" سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَة عَنْ الصَّلَاة الْوُسْطَى فَقَالَ. اِخْتَلَفْنَا فِيهَا وَنَحْنُ بِفِنَاءِ بَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِينَا أَبُو هَاشِم بْن عُتْبَةَ فَقَالَ : أَنَا أَعْلَم لَكُمْ , فَقَامَ فَاسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ : أَخْبَرَنَا أَنَّهَا صَلَاة الْعَصْر \" وَمِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن مَرْوَان أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى رَجُل فَقَالَ : أَيّ شَيْء سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاة الْوُسْطَى ؟ فَقَالَ أَرْسَلَنِي أَبُو بَكْر وَعُمَر أَسْأَلهُ وَأَنَا غُلَام صَغِير فَقَالَ : هِيَ الْعَصْر , وَمِنْ حَدِيث أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ رَفَعَهُ \" الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر \" وَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود مِثْله , وَرَوَى اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ فِي مُصْحَف عَائِشَة \" حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَهِيَ صَلَاة الْعَصْر \" وَرَوَى اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق مِقْسَم عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" شَغَلَ الْأَحْزَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْخَنْدَق عَنْ صَلَاة الْعَصْر حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْس فَقَالَ : شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاة الْوُسْطَى \" وَأَخْرَج أَحْمَد مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة وَأَبِي أَيُّوب وَأَبِي سَعِيد وَزَيْد بْن ثَابِت وَأَبِي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس مِنْ قَوْلهمْ إِنَّهَا صَلَاة الْعَصْر , وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي الْمُرَاد بِالصَّلَاةِ الْوُسْطَى , وَجَمَعَ الدِّمْيَاطِيّ فِي ذَلِكَ جُزْءًا مَشْهُورًا سَمَّاهُ \" كَشْف الْغِطَا عَنْ الصَّلَاة الْوُسْطَى \". ‏ ‏فَبَلَغَ تِسْعَة عَشَر قَوْلًا : أَحَدهَا الصُّبْح أَوْ الظُّهْر أَوْ الْعَصْر أَوْ الْمُغْرِب أَوْ جَمِيع الصَّلَوَات , فَالْأَوَّل قَوْل أَبِي أُمَامَةَ وَأَنَس وَجَابِر وَأَبِي الْعَالِيَة وَعُبَيْد بْن عُمَيْر وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَمُجَاهِد وَغَيْرهمْ نَقَلَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْهُمْ وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَنَقَلَهُ مَالِك وَالتِّرْمِذِيّ عَنْهُمَا وَنَقَلَهُ مَالِك بَلَاغًا عَنْ عَلِيّ وَالْمَعْرُوف عَنْهُ خِلَافه , وَرَوَى اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيق عَوْف الْأَعْرَابِيِّ عَنْ أَبِي رَجَاء الْعُطَارِدِيِّ قَالَ \" صَلَّيْت خَلْف اِبْن عَبَّاس الصُّبْح فَقَنَتَ فِيهَا وَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ : هَذِهِ الصَّلَاة الْوُسْطَى الَّتِي أُمِرْنَا أَنْ نَقُوم فِيهَا قَانِتِينَ \" وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ وَعَنْ اِبْن عَمْرو مِنْ طَرِيق أَبِي الْعَالِيَة \" صَلَّيْت خَلْف عَبْد اللَّه بْن قَيْس بِالْبَصْرَةِ فِي زَمَن عُمَر صَلَاة الْغَدَاة فَقُلْت لَهُمْ : مَا الصَّلَاة الْوُسْطَى ؟ قَالَ هِيَ هَذِهِ الصَّلَاة. وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي \" الْأُمّ \" وَاحْتَجُّوا لَهُ بِأَنَّ فِيهَا الْقُنُوت , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) وَبِأَنَّهَا لَا تُقْصَر فِي السَّفَر , وَبِأَنَّهَا بَيْن صَلَاتَيْ جَهْر وَصَلَاتَيْ سِرّ. وَالثَّانِي قَوْل زَيْد بْن ثَابِت أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثه قَالَ \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْر بِالْهَاجِرَةِ , وَلَمْ تَكُنْ صَلَاة أَشَدّ عَلَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا , فَنَزَلَتْ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَات الْآيَة \" وَجَاءَ عَنْ أَبِي سَعِيد وَعَائِشَة الْقَوْل بِأَنَّهَا الظُّهْر أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْره , وَرَوَى مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ زَيْد بْن ثَابِت الْجَزْم بِأَنَّهَا الظُّهْر وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة فِي رِوَايَة , وَرَوَى الطَّيَالِسِيُّ مِنْ طَرِيق زُهْرَة بْن مَعْبَد قَالَ \" كُنَّا عِنْد زَيْد بْن ثَابِت فَأَرْسَلُوا إِلَى أُسَامَة فَسَأَلُوهُ عَنْ الصَّلَاة الْوُسْطَى فَقَالَ : هِيَ الظُّهْر \" وَرَوَاهُ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر وَزَادَ \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْر بِالْهَجِيرِ فَلَا يَكُون وَرَاءَهُ إِلَّا الصَّفّ أَوْ الصَّفَّانِ وَالنَّاس فِي قَائِلَتهمْ وَفِي تِجَارَتهمْ , فَنَزَلَتْ \". وَالثَّالِث قَوْل عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق زِرّ بْن حُبَيْشٍ قَالَ \" قُلْنَا لِعُبَيْدَةَ سَلْ عَلِيًّا عَنْ الصَّلَاة الْوُسْطَى , فَسَأَلَهُ فَقَالَ : كُنَّا نَرَى أَنَّهَا الصُّبْح , حَتَّى سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول يَوْم الْأَحْزَاب \" شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر \" اِنْتَهَى. وَهَذِهِ الرِّوَايَة تَدْفَع دَعْوَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْله صَلَاة الْعَصْر مُدْرَج مِنْ تَفْسِير بَعْض الرُّوَاة وَهِيَ نَصّ فِي أَنَّ كَوْنهَا الْعَصْر مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّ شُبْهَة مَنْ قَالَ إِنَّهَا الصُّبْح قَوِيَّة , لَكِنْ كَوْنهَا الْعَصْر هُوَ الْمُعْتَمَد , وَبِهِ قَالَ اِبْن مَسْعُود وَأَبُو هُرَيْرَة , وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَقَوْل أَحْمَد وَاَلَّذِي صَارَ إِلَيْهِ مُعْظَم الشَّافِعِيَّة لِصِحَّةِ الْحَدِيث فِيهِ , قَالَ التِّرْمِذِيّ : هُوَ قَوْل أَكْثَر عُلَمَاء الصَّحَابَة. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : هُوَ قَوْل جُمْهُور التَّابِعِينَ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هُوَ قَوْل أَكْثَر أَهْل الْأَثَر , وَبِهِ قَالَ مِنْ الْمَالِكِيَّة اِبْن حَبِيب وَابْن الْعَرَبِيّ وَابْن عَطِيَّة , وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا مَا رَوَى مُسْلِم عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب \" نَزَلَ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَات وَصَلَاة الْعَصْر فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّه , ثُمَّ نُسِخَتْ فَنَزَلَتْ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى , فَقَالَ رَجُل : فَهِيَ إِذَنْ صَلَاة الْعَصْر , فَقَالَ : أَخْبَرْتُك كَيْفَ نَزَلَتْ \". وَالرَّابِع نَقَلَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" صَلَاة الْوُسْطَى هِيَ الْمُغْرِب , وَبِهِ قَالَ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب أَخْرَجَهُ أَبُو جَرِير , وَحُجَّتهمْ أَنَّهَا مُعْتَدِلَة فِي عَدَد الرَّكَعَات وَأَنَّهَا لَا تُقْصَر فِي الْأَسْفَار وَأَنَّ الْعَمَل مَضَى عَلَى الْمُبَادَرَة إِلَيْهَا وَالتَّعْجِيل لَهَا فِي أَوَّل مَا تَغْرُب الشَّمْس وَأَنَّ قَبْلهَا صَلَاتَا سِرّ وَبَعْدهَا صَلَاتَا جَهْر. وَالْخَامِس وَهُوَ آخِر مَا صَحَّحَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم أَخْرَجَهُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ نَافِع قَالَ \" سُئِلَ اِبْن عُمَر فَقَالَ : هِيَ كُلّهنَّ , فَحَافِظُوا عَلَيْهِنَّ \" وَبِهِ قَالَ مُعَاذ بْن جَبَل , وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ قَوْله : ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ) يَتَنَاوَل الْفَرَائِض وَالنَّوَافِل , فَعُطِفَ عَلَيْهِ الْوُسْطَى وَأُرِيد بِهَا كُلّ الْفَرَائِص تَأْكِيدًا لَهَا , وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل اِبْن عَبْد الْبَرّ. وَأَمَّا بَقِيَّة الْأَقْوَال فَالسَّادِس أَنَّهَا الْجُمُعَة , ذَكَرَهُ اِبْن حَبِيب مِنْ الْمَالِكِيَّة وَاحْتَجَّ بِمَا اِخْتَصَّتْ بِهِ مِنْ الِاجْتِمَاع وَالْخُطْبَة , وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي حُسَيْن فِي صَلَاة الْخَوْف مِنْ تَعْلِيقه , وَرَجَّحَهُ أَبُو شَامَة. السَّابِع الظُّهْر فِي الْأَيَّام وَالْجُمُعَة يَوْم الْجُمُعَة. الثَّامِن الْعِشَاء نَقَلَهُ اِبْن التِّين وَالْقُرْطُبِيّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهَا بَيْن صَلَاتَيْنِ لَا تُقْصَرَانِ وَلِأَنَّهَا تَقَع عِنْد النَّوْم فَلِذَلِكَ أُمِرَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا وَاخْتَارَهُ الْوَاحِدِيّ. التَّاسِع الصُّبْح وَالْعِشَاء لِلْحَدِيثِ الصَّحِيح فِي أَنَّهُمَا أَثْقَل الصَّلَاة عَلَى الْمُنَافِقِينَ , وَبِهِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّة. الْعَاشِر الصُّبْح وَالْعَصْر لِقُوَّةِ الْأَدِلَّة فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قِيلَ إِنَّهُ الْوُسْطَى , فَظَاهِر الْقُرْآن الصُّبْح وَنَصّ السُّنَّة الْعَصْر. الْحَادِيَ عَشَر صَلَاة الْجَمَاعَة. الثَّانِيَ عَشَر الْوِتْر وَصَنَّفَ فِيهِ عَلَم الدِّين السَّخَاوِيّ جُزْءًا وَرَجَّحَهُ الْقَاضِي تَقِيّ الدِّين الْأَخْنَائِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ فِي جُزْء رَأَيْته بِخَطِّهِ. الثَّالِث عَشَر صَلَاة الْخَوْف. الرَّابِعَ عَشَر صَلَاة عِيد الْأَضْحَى. الْخَامِس عَشَر صَلَاة عِيد الْفِطْر. السَّادِسَ عَشَر صَلَاة الضُّحَى. السَّابِعَ عَشَر وَاحِدَة مِنْ الْخَمْس غَيْر مُعَيَّنَة قَالَهُ الرَّبِيع بْن خُثَيْم وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي وَهُوَ اِخْتِيَار إِمَام الْحَرَمَيْنِ مِنْ الشَّافِعِيَّة ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَة قَالَ كَمَا أُخْفِيَتْ لَيْلَة الْقَدْر. الثَّامِنَ عَشَر أَنَّهَا الصُّبْح أَوْ الْعَصْر عَلَى التَّرْدِيد وَهُوَ غَيْر الْقَوْل الْمُتَقَدِّم الْجَازِم بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُقَال لَهُ الصَّلَاة الْوُسْطَى. التَّاسِعَ عَشَر التَّوَقُّف فَقَدْ رَوَى اِبْن جَرِير بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : كَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْتَلِفِينَ فِي الصَّلَاة الْوُسْطَى هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْن أَصَابِعه. الْعِشْرُونَ صَلَاة اللَّيْل وَجَدْته عِنْدِي وَذَهَلْت الْآن عَنْ مَعْرِفَة قَائِله , وَأَقْوَى شُبْهَة لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا غَيْر الْعَصْر مَعَ صِحَّة الْحَدِيث حَدِيث الْبَرَاء الَّذِي ذَكَرْته عِنْد مُسْلِم فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّهَا أُبْهِمَتْ بَعْدَمَا عُيِّنَتْ كَذَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ , قَالَ وَصَارَ إِلَى أَنَّهَا أُبْهِمَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاء الْمُتَأَخِّرِينَ , قَالَ : وَهُوَ الصَّحِيح لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّة وَعُسْر التَّرْجِيح. وَفِي دَعْوَى أَنَّهَا أُبْهِمَتْ ثُمَّ عُيِّنَتْ مِنْ حَدِيث الْبَرَاء نَظَر , بَلْ فِيهِ أَنَّهَا عُيِّنَتْ ثُمَّ وُصِفَتْ , وَلِهَذَا قَالَ الرَّجُل فَهِيَ إِذَنْ الْعَصْر وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ الْبَرَاء , نَعَمْ جَوَاب الْبَرَاء يُشْعِر بِالتَّوَقُّفِ لِمَا نُظِرَ فِيهِ مِنْ الِاحْتِمَال , وَهَذَا لَا يَدْفَع التَّصْرِيح بِهَا فِي حَدِيث عَلِيّ , وَمِنْ حُجَّتهمْ أَيْضًا مَا رَوَى مُسْلِم وَأَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي يُونُس عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا أَمَرَتْهُ أَنْ يَكْتُب لَهَا مُصْحَفًا , فَلَمَّا بَلَغَتْ ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ) قَالَ فَأَمْلَتْ عَلَيَّ \" وَصَلَاة الْعَصْر \" قَالَتْ سَمِعْتهَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى مَالِك عَنْ عَمْرو بْنِ رَافِع قَالَ كُنْت أَكْتُب مُصْحَفًا لِحَفْصَةَ فَقَالَتْ : إِذَا بَلَغْت هَذِهِ الْآيَة فَآذِنِّي , فَأَمْلَتْ عَلَيَّ \" حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَصَلَاة الْعَصْر \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن جَرِير مِنْ وَجْه آخَر حَسَن عَنْ عَمْرو بْنِ رَافِع , وَرَوَى اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْنِ رَافِع \" أَمَرَتْنِي أُمّ سَلَمَة أَنْ أَكْتُب لَهَا مُصْحَفًا \" فَذَكَرَ مِثْل حَدِيث عَمْرو بْنِ رَافِع سَوَاء , وَمِنْ طَرِيق سَالِم بْنِ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّ حَفْصَة أَمَرَتْ إِنْسَانًا أَنْ يَكْتُب لَهَا مُصْحَفًا نَحْوه وَمِنْ طَرِيق نَافِع أَنَّ حَفْصَة أَمَرَتْ مَوْلًى لَهَا أَنْ يَكْتُب لَهَا مُصْحَفًا فَذَكَرَ مِثْله وَزَادَ \" كَمَا سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولهَا \" قَالَ نَافِع فَقَرَأْت ذَلِكَ الْمُصْحَف فَوَجَدْت فِيهِ الْوَاو فَتَمَسّك قَوْم بِأَنَّ الْعَطْف يَقْتَضِي الْمُغَايَرَة فَتَكُون صَلَاة الْعَصْر غَيْر الْوُسْطَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَدِيث عَلِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ أَصَحّ إِسْنَادًا وَأَصْرَح وَبِأَنَّ حَدِيث عَائِشَة قَدْ عُورِضَ بِرِوَايَةِ عُرْوَة أَنَّهُ كَانَ فِي مُصْحَفهَا \" وَهِيَ الْعَصْر \" فَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْوَاو زَائِدَة , وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا \" حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر \" بِغَيْرِ وَاو أَوْ هِيَ عَاطِفَة لَكِنْ عَطْف صِفَة لَا عَطْف ذَات , وَبِأَنَّ قَوْله وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَالْعَصْر لَمْ يَقْرَأ بِهَا أَحَد , وَلَعَلَّ أَصْل ذَلِكَ مَا فِي حَدِيث الْبَرَاء أَنَّهَا نَزَلَتْ أَوَّلًا وَالْعَصْر ثُمَّ نَزَلَتْ ثَانِيًا بَدَلهَا وَالصَّلَاة الْوُسْطَى , فَجَمَعَ الرَّاوِي بَيْنهمَا , وَمَعَ وُجُود الِاحْتِمَال لَا يَنْهَض الِاسْتِدْلَال , فَكَيْفَ يَكُون مُقَدَّمًا عَلَى النَّصّ الصَّرِيح بِأَنَّهَا صَلَاة الْعَصْر , قَالَ شَيْخ شُيُوخنَا الْحَافِظ صَلَاح الدِّين الْعَلَائِيّ : حَاصِل أَدِلَّة مَنْ قَالَ إِنَّهَا غَيْر الْعَصْر يَرْجِع إِلَى ثَلَاثَة أَنْوَاع : أَحَدهَا تَنْصِيص بَعْض الصَّحَابَة وَهُوَ مُعَارَض بِمِثْلِهِ مِمَّنْ قَالَ مِنْهُمْ إِنَّهَا الْعَصْر , وَيَتَرَجَّح قَوْل الْعَصْر بِالنَّصِّ الصَّرِيح الْمَرْفُوع , وَإِذَا اِخْتَلَفَ الصَّحَابَة لَمْ يَكُنْ قَوْل بَعْضهمْ حُجَّة عَلَى غَيْره فَتَبْقَى حُجَّة الْمَرْفُوع قَائِمَة. ثَانِيهَا مُعَارَضَة الْمَرْفُوع بِوُرُودِ التَّأْكِيد عَلَى فِعْل غَيْرهَا كَالْحَثِّ عَلَى الْمُوَاظَبَة عَلَى الصُّبْح وَالْعِشَاء وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الصَّلَاة , وَهُوَ مُعَارَض بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ الْوَعِيد الشَّدِيد الْوَارِد فِي تَرْك صَلَاة الْعَصْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا. ثَالِثهَا مَا جَاءَ عَنْ عَائِشَة وَحَفْصَة مِنْ قِرَاءَة \" حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَصَلَاة الْعَصْر \" فَإِنَّ الْعَطْف يَقْتَضِي الْمُغَايَرَة , وَهَذَا يَرِد عَلَيْهِ إِثْبَات الْقُرْآن بِخَبَرِ الْآحَاد وَهُوَ مُمْتَنِع , وَكَوْنه يَنْزِل مَنْزِلَة خَبَر الْوَاحِد مُخْتَلَف فِيهِ , سَلَّمْنَا لَكِنْ لَا يَصْلُح مُعَارِضًا لِلْمَنْصُوصِ صَرِيحًا , وَأَيْضًا فَلَيْسَ الْعَطْف صَرِيحًا فِي اِقْتِضَاء الْمُغَايَرَة لِوُرُودِهِ فِي نَسَق الصِّفَات كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ) اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح أَحْوَال يَوْم الْخَنْدَق فِي الْمَغَازِي وَمَا يَتَعَلَّق بِقَضَاءِ الْفَائِتَة فِي الْمَوَاقِيت مِنْ كِتَاب الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( مَلَأ اللَّه قُبُورهمْ وَبُيُوتهمْ - أَوْ أَجْوَافهمْ - نَارًا شَكَّ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّانُ رَاوِي الْحَدِيث , وَأَشْعَرَ هَذَا بِأَنَّهُ سَاقَ الْمَتْن عَلَى لَفْظه , وَأَمَّا لَفْظ يَزِيد بْن هَارُون فَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ بِلَفْظِ \" مَلَأ اللَّه بُيُوتهمْ وَقُبُورهمْ نَارًا \" وَلَمْ يَشُكّ , وَهُوَ لَفْظ رَوْح بْن عُبَادَةَ كَمَا مَضَى فِي الْمَغَازِي وَعِيسَى بْن يُونُس كَمَا مَضَى فِي الْجِهَاد , وَلِمُسْلِمٍ مِثْله عَنْ أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام , وَكَذَا لَهُ فِي رِوَايَة أَبِي حَسَّان الْأَعْرَج عَنْ عُبَيْدَة بْن عَمْرو , وَمَنْ طَرِيق شُتَيْر بْنِ شَكَلٍ عَنْ عَلَى مِثْله , وَلَهُ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن الْجَزَّار عَنْ عَلِيٍّ \" قُبُورهمْ وَبُيُوتهمْ - أَوْ قَالَ - قُبُورهمْ وَبُطُونهمْ \" وَمِنْ حَدِيث بْن مَسْعُود \" مَلَأ اللَّه أَجْوَافهمْ - أَوْ قُبُورهمْ - نَارًا , أَوْ حَشَا اللَّه أَجْوَافهمْ وَقُبُورهمْ نَارًا \" وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة \" مَلَأ اللَّه بُيُوتهمْ وَقُبُورهمْ نَارًا أَوْ قُلُوبهمْ \" وَهَذِهِ الرِّوَايَات الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الشَّكّ مَرْجُوحَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الَّتِي لَا شَكّ فِيهَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز الدُّعَاء عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : تَرَدُّد الرَّاوِي فِي قَوْله \" مَلَأ اللَّه \" أَوْ \" حَشَا \" يُشْعِر بِأَنَّ شَرْط الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى أَنْ يَتَّفِق الْمَعْنَى فِي اللَّفْظَيْنِ , وَمَلَأ لَيْسَ مُرَادِفًا لِحَشَا , فَإِنَّ حَشَا يَقْتَضِي التَّرَاكُم وَكَثْرَة أَجْزَاء الْمَحْشُوّ بِخِلَافِ مَلَأ , فَلَا يَكُون فِي ذَلِكَ مُتَمَسَّك لِمَنْ مَنَعَ الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى , وَقَدْ اِسْتُشْكِلَ هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّهُ تَضَمَّنَ دُعَاء صَدَرَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقّهُ وَهُوَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مُشْرِكًا , وَلَمْ يَقَع أَحَد الشِّقَّيْنِ وَهُوَ الْبُيُوت أَمَّا الْقُبُور فَوَقَعَ فِي حَقّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مُشْرِكًا لَا مَحَالَة. وَيُجَاب بِأَنْ يُحْمَل عَلَى سُكَّانهَا وَبِهِ يَتَبَيَّن رُجْحَان الرِّوَايَة بِلَفْظِ قُلُوبهمْ أَوْ أَجْوَافهمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "4170",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا أَخَاهُ فِي حَاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ‏} ‏فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4171",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ ‏ ‏يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ فَيُصَلِّي بِهِمْ الْإِمَامُ رَكْعَةً وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ لَمْ يُصَلُّوا فَإِذَا صَلَّى الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا وَلَا يُسَلِّمُونَ وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُ الْإِمَامُ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَيَقُومُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فَيُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ ‏ ‏رُكْبَانًا ‏ ‏مُسْتَقْبِلِي ‏ ‏الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا قَالَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏لَا أُرَى ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4172",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَدِ ‏ ‏وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِعُثْمَانَ ‏ ‏هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ ‏ { ‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏غَيْرَ إِخْرَاجٍ ‏} ‏قَدْ ‏ ‏نَسَخَتْهَا ‏ ‏الْأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا قَالَ ‏ ‏تَدَعُهَا يَا ابْنَ أَخِي لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏أَوْ نَحْوَ هَذَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن الزُّبَيْر مَعَ عُثْمَان , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْل بَابَيْنِ , وَسَقَطَتْ التَّرْجَمَة لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ فَصَارَ مِنْ الْبَاب الَّذِي قَبْله عِنْدهمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "4173",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏وَسَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏إِذْ قَالَ ‏ { ‏رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ‏}",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" نَحْنُ أَحَقّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "4174",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ وَسَمِعْتُ ‏ ‏أَخَاهُ ‏ ‏أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَوْمًا ‏ ‏لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ ‏ { ‏أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ‏} ‏قَالُوا اللَّهُ أَعْلَمُ فَغَضِبَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَالَ قُولُوا نَعْلَمُ أَوْ لَا نَعْلَمُ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَا ابْنَ أَخِي قُلْ وَلَا تَحْقِرْ نَفْسَكَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَيُّ عَمَلٍ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏لِعَمَلٍ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطَانَ فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَالَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُوسَى , وَهِشَام هُوَ اِبْن يُوسُف. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَمِعْت أَخَاهُ ) ‏ ‏هُوَ مَقُول اِبْن جُرَيْجٍ , وَأَبُو بَكْر اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ لَا يُعْرَف اِسْمه , وَعُبَيْد بْن عُمَيْر وُلِدَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمَاعه مِنْ عُمَر صَحِيح , وَقَدْ بَيَّنَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُبَارَك عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ أَنَّ سِيَاق الْحَدِيث لَهُ فَإِنَّهُ سَاقَهُ عَلَى لَفْظه ثُمَّ عَقَّبَهُ بِرِوَايَةِ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ اِبْن عَبَّاس بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فِيمَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة أَيْ فِي أَيّ شَيْء وَتُرَوْنَ بِضَمِّ أَوَّله. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَاله ) ‏ ‏بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة أَيْ أَعْمَاله الصَّالِحَة. وَأَخْرَجَ اِبْن الْمُنْذِر هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ وَعِنْده بَعْد قَوْله أَيّ عَمَل قَالَ اِبْن عَبَّاس شَيْء أُلْقِي فِي رُوعِي , فَقَالَ \" صَدَقْت يَا اِبْن أَخِي \" وَلِابْنِ جَرِير مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ \" عَنَى بِهَا الْعَمَل , اِبْن آدَم أَفْقَر مَا يَكُون إِلَى جَنَّته إِذَا كَبِرَ سِنّه وَكَثُرَ عِيَاله , وَابْن آدَم أَفْقَر مَا يَكُون إِلَى عَمَله يَوْم يُبْعَث , صَدَقْت يَا اِبْن أَخِي. \" وَلِابْنِ جَرِير مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُمَر قَالَ \" هَذَا مَثَل ضُرِبَ لِلْإِنْسَانِ يَعْمَل صَالِحًا حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْده آخِر عُمْره أَحْوَج مَا يَكُون إِلَى الْعَمَل الصَّالِح عَمِلَ عَمَل السُّوء \" وَمِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس \" مَعْنَاهُ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَعْمَلَ عُمْره بِعَمَلِ الْخَيْر , حَتَّى إِذَا كَانَ حِين فَنِيَ عُمْره خَتَمَ ذَلِكَ يَعْمَل أَهْل الشَّقَاء فَأَفْسَدَ ذَلِكَ , وَفِي الْحَدِيث قُوَّة فَهْم اِبْن عَبَّاس , وَقُرْب مَنْزِلَته مِنْ عُمَر , وَتَقْدِيمه لَهُ مِنْ صِغَره , وَتَحْرِيض الْعَالِم تِلْمِيذه عَلَى الْقَوْل بِحَضْرَةِ مَنْ هُوَ أَسَنّ مِنْهُ إِذَا عَرَفَ فِيهِ الْأَهْلِيَّة لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْشِيطه وَبَسْط نَفْسه وَتَرْغِيبه فِي الْعِلْم. ‏"
    },
    {
        "id": "4175",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ ‏ ‏وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏قَالَا سَمِعْنَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلَا اللُّقْمَةُ وَلَا اللُّقْمَتَانِ إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ‏ ‏يَعْنِي قَوْلَهُ ‏ { ‏لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4176",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏فِي الرِّبَا قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى النَّاسِ ‏ ‏ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَقَرَأَهَا ) ‏ ‏أَيْ الْآيَات , وَفِي رِوَايَة شُعْبَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ \" فِي الْمَسْجِد \" وَقَدْ مَضَى مَا يَتَعَلَّق بِهِ فِي الْمَسَاجِد مِنْ كِتَاب الصَّلَاة , وَاقْتَضَى صَنِيع الْمُصَنِّف فِي هَذِهِ التَّرَاجِم أَنَّ الْمُرَاد بِالْآيَاتِ آيَات الرِّبَا كُلّهَا إِلَى آيَة الدَّيْن. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَة فِي الْخَمْر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ تَوْجِيهه فِي الْبُيُوع , وَأَنَّ تَحْرِيم التِّجَارَة فِي الرِّبَا وَقَعَ بَعْد تَحْرِيم الْخَمْر بِمُدَّةٍ فَيَحْصُل بِهِ جَوَاب مَنْ اِسْتَشْكَلَ الْحَدِيث بِأَنَّ آيَات الرِّبَا مِنْ آخِر مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن , وَتَحْرِيم الْخَمْر تَقَدَّمَ قَبْل ذَلِكَ بِمُدَّةٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "4177",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا الضُّحَى ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا أُنْزِلَتْ الْآيَاتُ الْأَوَاخِرُ مِنْ سُورَةِ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَلَاهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور قَبْله مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَعْمَش , وَمُرَاده الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَة مِنْ جُمْلَة الْآيَات الَّتِي ذَكَرَتْهَا عَائِشَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4178",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا أُنْزِلَتْ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏قَرَأَهُنَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَيْهِمْ فِي الْمَسْجِدِ وَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4179",
        "content": "‏ ‏وَ ‏ ‏قَالَ لَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏وَالْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا أُنْزِلَتْ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَرَأَهُنَّ عَلَيْنَا ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ \" وَقَالَ لَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف \" وَهُوَ الْفِرْيَابِيُّ , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ , وَقَدْ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي تَفْسِير الْفِرْيَابِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "4180",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏آيَةُ الرِّبَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , وَعَاصِم هُوَ اِبْن سُلَيْمَان الْأَحْوَل. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏كَذَا قَالَ عَاصِم عَنْ الشَّعْبِيّ , وَخَالَفَهُ دَاوُدُ بْن أَبِي هِنْد عَنْ الشَّعْبِيّ فَقَالَ \" عَنْ عُمَر \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِلَفْظِ \" كَانَ مِنْ آخِر مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن آيَات الرِّبَا \" وَهُوَ مُنْقَطِع فَإِنَّ الشَّعْبِيّ لَمْ يَلْقَ عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( آخِر آيَة نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَة الرِّبَا ) ‏ ‏كَذَا تَرْجَمَ الْمُصَنِّف بِقَوْلِهِ : ( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ) وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ , وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَع بَيْن قَوْلَيْ اِبْن عَبَّاس فَإِنَّهُ جَاءَ عَنْهُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَجَاءَ عَنْهُ مِنْ وَجْه آخَر : آخِر آيَة نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ) وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُق عَنْهُ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طُرُق جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ وَزَادَ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ \" يَقُولُونَ إِنَّهُ مَكَثَ بَعْدهَا تِسْع لَيَالٍ \" وَنَحْوه لِابْنِ أَبِي حَاتِم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , وَرُوِيَ عَنْ غَيْره أَقَلّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَر فَقِيلَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ , وَقِيلَ سَبْعًا , وَطَرِيق الْجَمْع بَيْن هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة هِيَ خِتَام الْآيَات الْمُنْزَلَة فِي الرِّبَا إِذْ هِيَ مَعْطُوفَة عَلَيْهِنَّ , وَأَمَّا مَا سَيَأْتِي فِي آخِر سُورَة النِّسَاء مِنْ حَدِيث الْبَرَاء \" آخَر سُورَة نَزَلَتْ بَرَاءَة وَآخِر آيَة نَزَلَتْ يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ \" فَيُجْمَع بَيْنه وَبَيْن قَوْل اِبْن عَبَّاس بِأَنَّ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا جَمِيعًا , فَيَصْدُق أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا آخِر بِالنِّسْبَةِ لِمَا عَدَاهُمَا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْآخِرِيَّةُ فِي آيَة النِّسَاء مُقَيَّدَة بِمَا يَتَعَلَّق بِالْمَوَارِيثِ مَثَلًا , بِخِلَافِ آيَة الْبَقَرَة , وَيَحْتَمِل عَكْسه , وَالْأَوَّل أَرْجَح لِمَا فِي آيَة الْبَقَرَة مِنْ الْإِشَارَة إِلَى مَعْنَى الْوَفَاة الْمُسْتَلْزِمَة لِخَاتِمَةِ النُّزُول , وَحَكَى اِبْن عَبْد السَّلَام أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشَ بَعْد نُزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ يَوْمًا , وَقِيلَ سَبْعًا , وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) أَنَّهَا آخِر سُورَة نَزَلَتْ فَسَأَذْكُرُ مَا يَتَعَلَّق بِهِ فِي تَفْسِيرهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْآخِرِيَّةِ فِي الرِّبَا تَأَخُّر نُزُول الْآيَات الْمُتَعَلِّقَة بِهِ مِنْ سُورَة الْبَقَرَة , وَأَمَّا حُكْم تَحْرِيم الرِّبَا فَنُزُوله سَابِق لِذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَة عَلَى مَا يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى فِي آلَ عِمْرَان فِي أَثْنَاء قِصَّة أُحُد ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ) الْآيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4181",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏النُّفَيْلِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْكِينٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَجُلٍ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهْوَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهَا قَدْ نُسِخَتْ ‏ { ‏وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَبِهِ صَرَّحَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم وَغَيْرهمَا , وَوَقَعَ لِأَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن عَنْ الْفَرَبْرِيِّ عَنْ الْبُخَارِيّ \" حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ \" فَأَسْقَطَ ذِكْر مُحَمَّد الْمُهْمَل وَالصَّوَاب إِثْبَاته , وَلَعَلَّ اِبْن السَّكَن ظَنَّ أَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الْبُخَارِيّ فَحَذَفَهُ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْته , وَذَكَر أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ مَحْذُوفًا فِي رِوَايَة أَبِي مُحَمَّد الْأَصِيلِيِّ عَنْ أَبِي أَحْمَد الْجُرْجَانِيِّ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الصَّوَاب إِثْبَاته اِنْتَهَى. وَكَلَام أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي رِوَايَته عَنْ الْجُرْجَانِيِّ ثَابِت وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ عَنْ الْبُخَارِيّ أَيْضًا , وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ الْكَلَابَاذِيُّ : هُوَ اِبْن يَحْيَى الذُّهْلِيُّ فِيمَا أُرَاهُ , قَالَ وَقَالَ لِي الْحَاكِم : هُوَ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الْبُوشَنْجِيُّ , قَالَ وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا أَمْلَاهُ الْبُوشَنْجِيُّ بِنَيْسَابُور اِنْتَهَى. وَذَكَرَ الْحَاكِم هَذَا الْكَلَام فِي تَارِيخه عَنْ شَيْخه أَبِي عَبْد اللَّه بْن الْأَخْرَم , وَكَلَام أَبِي نُعَيْم يَقْتَضِي أَنَّهُ مُحَمَّد بْن إِدْرِيس أَبُو حَاتِم الرَّازِيَُّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقه , ثُمَّ قَالَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ مُحَمَّد عَنْ النُّفَيْلِيِّ , وَالنُّفَيْلِيُّ بِنُونٍ وَفَاء مُصَغَّر اِسْمه عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن نُفَيْل يُكَنَّى أَبَا جَعْفَر , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ وَلَا لِشَيْخِهِ مِسْكِين بْن بُكَيْرٍ الْحَرَّانِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا شُعْبَة ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيُّ : وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُحَمَّد الْأَصِيلِيِّ عَنْ أَبِي أَحْمَد \" حَدَّثَنَا مِسْكِين وَشُعْبَة \" وَكُتِبَ بَيْن الْأَسْطُر : أُرَاهُ حَدَّثَنَا شُعْبَة , قَالَ أَبُو عَلِيّ : وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب لَا شَكّ فِيهِ , وَمِسْكِين هَذَا إِنَّمَا يَرْوِي عَنْ شُعْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَرْوَان الْأَصْفَر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ذِكْره فِي الْحَجّ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد وَآخَر فِي الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ رَجُل مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏لَمْ يَتَّضِح لِي مَنْ هُوَ الْجَازِم بِأَنَّهُ اِبْن عُمَر , فَإِنَّ الرِّوَايَة الْآتِيَة بَعْد هَذِهِ وَقَعَتْ بِلَفْظِ \" أَحْسِبهُ اِبْن عُمَر \" وَعِنْدِي فِي ثُبُوت كَوْنه اِبْن عُمَر تَوَقُّف لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ اِبْن عُمَر لَمْ يَكُنْ اِطَّلَعَ عَلَى كَوْن هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة , فَرَوَى أَحْمَد مِنْ طَرِيق مُجَاهِد قَالَ : دَخَلْت عَلَى اِبْن عَبَّاس فَقُلْت : كُنْت عِنْد اِبْن عُمَر فَقَرَأَ ( ‏ ‏وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ) ‏ ‏فَبَكَى , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة لَمَّا أُنْزِلَتْ غَمَّتْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَمًّا شَدِيدًا وَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه هَلَكْنَا , فَإِنَّ قُلُوبنَا لَيْسَتْ بِأَيْدِينَا. فَقَالَ : قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا , فَقَالُوا , فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَة ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) وَأَصْله عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس دُون قِصَّة اِبْن عُمَر \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيد بْن مَرْجَانَةَ يَقُول : كُنْت عِنْد اِبْن عُمَر فَتَلَا هَذِهِ الْآيَة ( وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ) فَقَالَ : وَاَللَّه لَئِنْ وَاخَذَنَا اللَّه بِهَذَا لَنَهْلِكَنَّ , ثُمَّ بَكَى حَتَّى سُمِعَ نَشِيجه , فَقُمْت حَتَّى أَتَيْت اِبْن عَبَّاس فَذَكَرْت لَهُ مَا قَالَ اِبْن عُمَر وَمَا فَعَلَ حِين تَلَاهَا , فَقَالَ : يَغْفِر اللَّه لِأَبِي عَبْد الرَّحْمَن , لَعَمْرِي لَقَدْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ حِين نَزَلَتْ مِثْل مَا وَجَدَ , فَأَنْزَلَ اللَّه ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) وَرَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" لَمَّا نَزَلَتْ ( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ) الْآيَة اِشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْقِصَّة مُطَوِّلًا وَفِيهَا \" فَلَمَّا فَعَلُوا نَسَخَهَا اللَّه فَأَنْزَلَ اللَّه ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) إِلَى آخِر السُّورَة , وَلَمْ يَذْكُر قِصَّة اِبْن عُمَر. وَيُمْكِن أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ أَوَّلًا لَا يَعْرِف الْقِصَّة ثُمَّ لَمَّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ جَزَمَ بِهِ فَيَكُون مُرْسَل صَحَابِيّ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4182",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَجُلٍ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ أَحْسِبُهُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ { ‏إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ‏} ‏قَالَ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( نَسَخَتْهَا الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا ) ‏ ‏قَدْ عُرِفَ بَيَانه مِنْ حَدِيثَيْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ نَسَخَتْهَا أَيْ أَزَالَتْ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ الشِّدَّة وَبَيَّنَتْ أَنَّهُ وَإِنْ وَقَعَتْ الْمُحَاسَبَة بِهِ لَكِنَّهَا لَا تَقَع الْمُؤَاخَذَة بِهِ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ فِرَارًا مِنْ إِثْبَات دُخُول النَّسْخ فِي الْأَخْبَار. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ خَبَرًا لَكِنَّهُ يَتَضَمَّن حُكْمًا وَمَهْمَا كَانَ مِنْ الْأَخْبَار يَتَضَمَّن الْأَحْكَام أَمْكَنَ دُخُول النَّسْخ فِيهِ كَسَائِرِ الْأَحْكَام وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَدْخُلهُ النَّسْخ مِنْ الْأَخْبَار مَا كَانَ خَبَرًا مَحْضًا لَا يَتَضَمَّن حُكْمًا كَالْإِخْبَارِ عَمَّا مَضَى مِنْ أَحَادِيث الْأُمَم وَنَحْو ذَلِكَ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالنَّسْخِ فِي الْحَدِيث التَّخْصِيص فَإِنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ يُطْلِقُونَ لَفْظ النَّسْخ عَلَيْهِ كَثِيرًا , وَالْمُرَاد بِالْمُحَاسَبَةِ بِمَا يُخْفِي الْإِنْسَان مَا يُصَمِّم عَلَيْهِ وَيَشْرَع فِيهِ دُون مَا يَخْطِر لَهُ وَلَا يَسْتَمِرّ عَلَيْهِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4183",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَذِهِ الْآيَةَ ‏ { ‏هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ‏} ‏قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( التُّسْتَرِيُّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْمُثَنَّاة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏قَدْ سَمِعَ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ مِنْ عَائِشَة كَثِيرًا وَكَثِيرًا أَيْضًا مَا يَدْخُل بَيْنهَا وَبَيْنه وَاسِطَة , وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيث فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي عَامِر الْجَزَّار عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَة , وَمِنْ طَرِيق زَيْد بْن إِبْرَاهِيم كَمَا فِي الْبَاب بِزِيَادَةِ الْقَاسِم , ثُمَّ قَالَ : رَوَى غَيْر وَاحِد هَذَا الْحَدِيث عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَة وَلَمْ يَذْكُرُوا الْقَاسِم , وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ يَزِيد بْن إِبْرَاهِيم اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق أَبِي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيُّ عَنْ يَزِيد بْن إِبْرَاهِيم وَحَمَّاد بْن سَلَمَة جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْقَاسِم , فَلَمْ يَنْفَرِد يَزِيد بِزِيَادَةِ الْقَاسِم : وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ بِغَيْرِ ذِكْر الْقَاسِم أَيُّوب أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقه , وَنَافِع بْن عُمَر , وَابْن جُرَيْجٍ وَغَيْرهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( تَلَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ قَرَأَ ‏ ‏( هَذِهِ الْآيَة : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْك الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) ‏ ‏قَالَ أَبُو الْبَقَاء : أَصْل الْمُتَشَابِه أَنْ يَكُون بَيْن اِثْنَيْنِ , فَإِذَا اِجْتَمَعَتْ الْأَشْيَاء الْمُتَشَابِهَة كَانَ كُلّ مِنْهَا مُشَابِهًا لِلْآخَرِ فَصَحَّ وَصْفهَا بِأَنَّهَا مُتَشَابِهَة , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ الْآيَة وَحْدهَا مُتَشَابِهَة فِي نَفْسهَا. وَحَاصِله أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْط صِحَّة الْوَصْف فِي الْجَمْع صِحَّة اِنْبِسَاط مُفْرَدَات الْأَوْصَاف عَلَى مُفْرَدَات الْمَوْصُوفَات , وَإِنْ كَانَ الْأَصْل ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ) ‏ ‏قَالَ الطَّبَرِيُّ قِيلَ إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ جَادَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْر عِيسَى , وَقِيلَ فِي أَمْر مُدَّة هَذِهِ الْأُمَّة , وَالثَّانِي أَوْلَى لِأَنَّ أَمْر عِيسَى قَدْ بَيَّنَهُ اللَّه لِنَبِيِّهِ فَهُوَ مَعْلُوم لِأُمَّتِهِ , بِخِلَافِ أَمْر هَذِهِ الْأُمَّة فَإِنَّ عِلْمه خَفِيٌّ عَنْ الْعِبَاد. وَقَالَ غَيْره : الْمُحْكَم مِنْ الْقُرْآن مَا وَضَحَ مَعْنَاهُ , وَالْمُتَشَابِه نَقِيضه. وَسُمِّيَ الْمُحْكَم بِذَلِكَ لِوُضُوحِ مُفْرَدَات كَلَامه وَإِتْقَان تَرْكِيبه , بِخِلَافِ الْمُتَشَابِه. وَقِيلَ الْمُحْكَم مَا عُرِفَ الْمُرَاد مِنْهُ إِمَّا بِالظُّهُورِ وَإِمَّا بِالتَّأْوِيلِ , وَالْمُتَشَابِه مَا اِسْتَأْثَرَ اللَّه بِعِلْمِهِ كَقِيَامِ السَّاعَة , وَخُرُوج الدَّجَّال , وَالْحُرُوف الْمُقَطَّعَة فِي أَوَائِل السُّوَر. وَقِيلَ فِي تَفْسِير الْمُحْكَم وَالْمُتَشَابِه أَقْوَال أُخْرَى غَيْر هَذِهِ نَحْو الْعَشَرَة لَيْسَ هَذَا مَوْضِع بَسْطهَا , وَمَا ذَكَرْته أَشْهَرهَا وَأَقْرَبهَا إِلَى الصَّوَاب وَذَكَرَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ أَنَّ الْأَخِير هُوَ الصَّحِيح عِنْدنَا , وَابْن السَّمْعَانِيِّ أَنَّهُ أَحْسَن الْأَقْوَال وَالْمُخْتَار عَلَى طَرِيقَة أَهْل السُّنَّة , وَعَلَى الْقَوْل الْأَوَّل جَرَى الْمُتَأَخِّرُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْمُرَاد بِالْمُحْكَمِ مَا اِتَّضَحَ مَعْنَاهُ , وَالْمُتَشَابِه بِخِلَافِهِ , لِأَنَّ اللَّفْظ الَّذِي يَقْبَل مَعْنًى إِمَّا أَنْ يَقْبَل غَيْره أَوْ لَا , الثَّانِي النَّصّ , وَالْأَوَّل إِمَّا أَنْ تَكُون دَلَالَته عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى رَاجِحَة أَوْ لَا , وَالْأَوَّل هُوَ الظَّاهِر , وَالثَّانِي إِمَّا أَنْ يَكُون مُسَاوِيه أَوْ لَا , وَالْأَوَّل هُوَ الْمُجْمَل , وَالثَّانِي الْمُؤَوَّل. فَالْمُشْتَرَك هُوَ النَّصّ , وَالظَّاهِر هُوَ الْمُحْكَم , وَالْمُشْتَرَك بَيْن الْمُجْمَل وَالْمُؤَوَّل هُوَ الْمُتَشَابِه. وَيُؤَيِّد هَذَا التَّقْسِيم أَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى أَوْقَع الْمُحْكَم مُقَابِلًا لِلْمُتَشَابِهِ , فَالْوَاجِب أَنْ يُفَسَّر الْمُحْكَم بِمَا يُقَابِلهُ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أُسْلُوب الْآيَة وَهُوَ الْجَمْع مَعَ التَّقْسِيم لِأَنَّهُ تَعَالَى فَرَّقَ مَا جَمَعَ فِي مَعْنَى الْكِتَاب بِأَنْ قَالَ ( مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَات وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) أَرَادَ أَنْ يُضِيف إِلَى كُلّ مِنْهُمَا مَا شَاءَ مِنْهُمَا مِنْ الْحُكْم فَقَالَ أَوَّلًا ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ - إِلَى أَنْ قَالَ - وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) وَكَانَ يُمْكِن أَنْ يُقَال : وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ اِسْتِقَامَة فَيَتَّبِعُونَ الْمُحْكَم , لَكِنَّهُ وَضَعَ مَوْضِع ذَلِكَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم لِإِتْيَانِ لَفْظ الرُّسُوخ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُل إِلَّا بَعْد التَّتَبُّع التَّامّ وَالِاجْتِهَاد الْبَلِيغ , فَإِذَا اِسْتَقَامَ الْقَلْب عَلَى طَرِيق الرَّشَاد وَرَسَخَ الْقَدَم فِي الْعِلْم أَفْصَحَ صَاحِبه النُّطْق بِالْقَوْلِ الْحَقّ , وَكَفَى بِدُعَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْم ( رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتنَا ) إِلَخْ شَاهِدًا عَلَى أَنَّ ( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) مُقَابِل لِقَوْلِهِ : ( وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ) وَفِيهِ إِشَارَة عَلَى أَنَّ الْوَقْف عَلَى قَوْله : ( إِلَّا اللَّه ) تَامّ وَإِلَى أَنَّ عِلْم بَعْض الْمُتَشَابِه مُخْتَصّ بِاَللَّهِ تَعَالَى , وَأَنَّ مَنْ حَاوَلَ مَعْرِفَته هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيث بِقَوْلِهِ \" فَاحْذَرُوهُمْ \" وَقَالَ بَعْضهمْ : الْعَقْل مُبْتَلًى بِاعْتِقَادِ حَقِيقَة الْمُتَشَابِه كَابْتِلَاءِ الْبَدَن بِأَدَاءِ الْعِبَادَة , كَالْحَكِيمِ إِذَا صَنَّفَ كِتَابًا أَجْمَل فِيهِ أَحْيَانَا لِيَكُونَ مَوْضِع خُضُوع الْمُتَعَلِّم لِأُسْتَاذِهِ , وَكَالْمَلِكِ يَتَّخِذ عَلَامَة يَمْتَاز بِهَا مَنْ يُطْلِعهُ عَلَى سِرّ وَقِيلَ : لَوْ لَمْ يَقْبَل الْعَقْل الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْبَدَن لَاسْتَمَرَّ الْعَالِم فِي أُبَّهَة الْعِلْم عَلَى التَّمَرُّد , فَبِذَلِكَ يَسْتَأْنِس إِلَى التَّذَلُّل بِعِزِّ الْعُبُودِيَّة , وَالْمُتَشَابِه هُوَ مَوْضِع خُضُوع الْعُقُول لِبَارِيهَا اِسْتِسْلَامًا وَاعْتِرَافًا بِقُصُورِهَا , وَفِي خَتْم الْآيَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) تَعْرِيض بِالزَّائِغِينَ وَمَدْح لِلرَّاسِخَيْنِ , يَعْنِي مَنْ لَمْ يَتَذَكَّر وَيَتَّعِظ وَيُخَالِف هَوَاهُ فَلَيْسَ مِنْ أُولِي الْعُقُول , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الرَّاسِخُونَ ( رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبُنَا ) إِلَى آخِر الْآيَة , فَخَضَعُوا لِبَارِيهِمْ لِاشْتِرَاكِ الْعِلْم اللَّدُنِّي بَعْد أَنْ اِسْتَعَاذُوا بِهِ مِنْ الزَّيْغ النَّفْسَانِيّ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق. وَقَالَ غَيْره. دَلَّتْ الْآيَة عَلَى أَنَّ بَعْض الْقُرْآن مُحْكَم وَبَعْضه مُتَشَابِه , وَلَا يُعَارِض ذَلِكَ قَوْله : ( أُحْكِمَتْ آيَاته ) وَلَا قَوْله : ( كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ) حَتَّى زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ كُلّه مُحْكَم , وَعَكَسَ آخَرُونَ , لِأَنَّ الْمُرَاد بِالْإِحْكَامِ فِي قَوْله : ( أُحْكِمَتْ ) الْإِتْقَان فِي النَّظْم وَأَنَّ كُلّهَا حَقّ مِنْ عِنْد اللَّه , وَالْمُرَاد بِالْمُتَشَابِهِ كَوْنه يُشْبِه بَعْضه بَعْضًا فِي حُسْن السِّيَاق وَالنَّظْم أَيْضًا , وَلَيْسَ الْمُرَاد اِشْتِبَاه مَعْنَاهُ عَلَى سَامِعه. وَحَاصِل الْجَوَاب أَنَّ الْمُحْكَم وَرَدَ بِإِزَاءِ مَعْنَيَيْنِ , وَالْمُتَشَابِه وَرَدَ بِإِزَاءِ مَعْنَيَيْنِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَهُمْ الَّذِينَ سَمَّى اللَّه فَاحْذَرُوهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ فَاحْذَرْهُمْ \" بِالْإِفْرَادِ وَالْأُولَى أَوْلَى , وَالْمُرَاد التَّحْذِير مِنْ الْإِصْغَار إِلَى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِه مِنْ الْقُرْآن , وَأَوَّل مَا ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ الْيَهُود كَمَا ذَكَره اِبْن إِسْحَاق فِي تَأْوِيلهمْ الْحُرُوف الْمُقَطَّعَة وَأَنَّ عَدَدهَا بِالْجُمَلِ مِقْدَار مُدَّة هَذِهِ الْأُمَّة , ثُمَّ أَوَّل مَا ظَهَرَ فِي الْإِسْلَام مِنْ الْخَوَارِج حَتَّى جَاءَ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ فَسَّرَ بِهِمْ الْآيَة , وَقِصَّة عُمَر فِي إِنْكَاره عَلَى ضُبَيْعٍ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُ يَتَّبِع الْمُتَشَابِه فَضَرَبَهُ عَلَى رَأْسه حَتَّى أَدْمَاهُ , أَخْرَجَهَا الدَّارِمِيُّ وَغَيْره. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُتَشَابِه عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدهمَا مَا إِذَا رُدَّ إِلَى الْمُحْكَم وَاعْتُبِرَ بِهِ عُرِفَ مَعْنَاهُ , وَالْآخَر مَا لَا سَبِيل إِلَى الْوُقُوف عَلَى حَقِيقَته , وَهُوَ الَّذِي يَتَّبِعهُ أَهْل الزَّيْغ فَيَطْلُبُونَ تَأْوِيله , وَلَا يَبْلُغُونَ كُنْهه , فَيَرْتَابُونَ فِيهِ فَيُفْتَنُونَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4184",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ إِلَّا ‏ ‏مَرْيَمَ ‏ ‏وَابْنَهَا ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ‏ { ‏وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4185",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ ‏ ‏وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ‏} ‏إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ‏ ‏قَالَ فَدَخَلَ ‏ ‏الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ‏ ‏وَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ ‏ ‏أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قُلْنَا كَذَا وَكَذَا قَالَ ‏ ‏فِيَّ أُنْزِلَتْ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ فَقُلْتُ إِذًا يَحْلِفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ‏ ‏وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ ‏ ‏وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ ‏",
        "sharh": "سَنَذْكُرُ مَا يَتَعَلَّق بِحُكْمِ الْيَمِين فِي كِتَاب الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4186",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ هُوَ ابْنُ أَبِي هَاشِمٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏هُشَيْمًا ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً فِي السُّوقِ فَحَلَفَ فِيهَا لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطِهِ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ‏} ‏إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4187",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا ‏ ‏تَخْرِزَانِ ‏ ‏فِي بَيْتٍ أَوْ فِي الْحُجْرَةِ فَخَرَجَتْ إِحْدَاهُمَا وَقَدْ أُنْفِذَ ‏ ‏بِإِشْفَى ‏ ‏فِي كَفِّهَا فَادَّعَتْ عَلَى الْأُخْرَى فَرُفِعَ إِلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُمْ ذَكِّرُوهَا بِاللَّهِ وَاقْرَءُوا عَلَيْهَا ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ‏} ‏فَذَكَّرُوهَا فَاعْتَرَفَتْ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا نَصْر بْن عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ الْجَهْضَمِيُّ بِجِيمٍ وَمُعْجَمَة , وَعَبْد اللَّه بْن دَاوُدَ هُوَ الْخُرَيْبِيُّ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَة مُصَغَّر. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ اِمْرَأَتَيْنِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي تَسْمِيَتهمَا فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور مَعَ شَرْح الْحَدِيث , وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ هُنَا لِقَوْلِ اِبْن عَبَّاس \" اِقْرَءُوا عَلَيْهَا ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ) الْآيَة \" فَإِنَّ فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى الْعَمَل بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ عُمُوم الْآيَة لَا خُصُوص سَبَب نُزُولهَا , وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي تَتَوَجَّه عَلَيْهِ الْيَمِين يُوعَظ بِهَذِهِ الْآيَة وَنَحْوهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فِي بَيْت وَفِي الْحُجْرَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِوَاوِ الْعَطْف , وَلِلْأَصِيلِيِّ وَحْده \" فِي بَيْت أَوْ فِي الْحُجْرَة \" بِأَوْ , وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب , وَسَبَب الْخَطَأ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ أَنَّ فِي السِّيَاق حَذْفًا بَيَّنَهُ اِبْن السَّكَن حَيْثُ جَاءَ فِيهَا \" فِي بَيْت وَفِي الْحُجْرَة حُدَّاثٌ \" فَالْوَاو عَاطِفَة , أَوْ الْجُمْلَة حَالِيَّة لَكِنْ الْمُبْتَدَأ مَحْذُوف , وَحُدَّاثٌ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَالتَّشْدِيد وَآخِره مُثَلَّثَة أَيْ نَاس يَتَحَدَّثُونَ. وَحَاصِله أَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ كَانَتَا فِي الْبَيْت وَكَانَ فِي الْحُجْرَة الْمُجَاوِرَة لِلْبَيْتِ نَاس يَتَحَدَّثُونَ , فَسَقَطَ الْمُبْتَدَأ مِنْ الرِّوَايَة فَصَارَ مُشْكِلًا فَعَدَلَ الرَّاوِي عَنْ الْوَاو إِلَى أَوْ الَّتِي لِلتَّرْدِيدِ فِرَارًا مِنْ اِسْتِحَالَة كَوْن الْمَرْأَتَيْنِ فِي الْبَيْت وَفِي الْحُجْرَة مَعًا. عَلَى أَنَّ دَعْوَى الِاسْتِحَالَة مَرْدُودَة لِأَنَّ لَهُ وَجْهًا وَيَكُون مِنْ عَطْف الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ , لِأَنَّ الْحُجْرَة أَخَصّ مِنْ الْبَيْت. لَكِنْ رِوَايَة اِبْن السَّكَن أَفْصَحَتْ عَنْ الْمُرَاد فَأَغْنَتْ عَنْ التَّقْدِير , كَذَا ثَبَتَ مِثْله فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4188",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏فِيهِ إِلَى ‏ ‏فِيَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فَبَيْنَا أَنَا ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏ ‏إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏قَالَ وَكَانَ ‏ ‏دَحْيَةُ الْكَلْبِيُّ ‏ ‏جَاءَ بِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى ‏ ‏عَظِيمِ ‏ ‏بُصْرَى ‏ ‏فَدَفَعَهُ ‏ ‏عَظِيمُ ‏ ‏بُصْرَى ‏ ‏إِلَى ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏قَالَ فَقَالَ ‏ ‏هِرَقْلُ ‏ ‏هَلْ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالُوا نَعَمْ قَالَ فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَدَخَلْنَا عَلَى ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏فَأُجْلِسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏فَقُلْتُ أَنَا فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ قَالَ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏وَايْمُ اللَّهِ لَوْلَا أَنْ يُؤْثِرُوا عَلَيَّ الْكَذِبَ لَكَذَبْتُ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ قَالَ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ أَيَتَّبِعُهُ أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ قُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ قَالَ قُلْتُ لَا بَلْ يَزِيدُونَ قَالَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ قَالَ قُلْتُ تَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ ‏ ‏سِجَالًا ‏ ‏يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ قَالَ قُلْتُ لَا وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا قَالَ وَاللَّهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ قُلْتُ لَا ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُ إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ فَقُلْتَ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يُزِيدُونَ وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ ‏ ‏سِجَالًا ‏ ‏يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَةُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ قُلْتُ رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ قَالَ ثُمَّ قَالَ بِمَ يَأْمُرُكُمْ قَالَ قُلْتُ يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ قَالَ إِنْ يَكُ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ وَلَمْ أَكُ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ قَالَ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ ‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ إِلَى ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏عَظِيمِ ‏ ‏الرُّومِ ‏ ‏سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَ ‏ { ‏يَا ‏ ‏أَهْلَ الْكِتَابِ ‏ ‏تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ‏} ‏فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ ارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ عِنْدَهُ وَكَثُرَ اللَّغَطُ وَأُمِرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا قَالَ فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ خَرَجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ‏ ‏ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ ‏ ‏إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ ‏ ‏بَنِي الْأَصْفَرِ ‏ ‏فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏فَدَعَا ‏ ‏هِرَقْلُ ‏ ‏عُظَمَاءَ ‏ ‏الرُّومِ ‏ ‏فَجَمَعَهُمْ فِي دَارٍ لَهُ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ ‏ ‏الرُّومِ ‏ ‏هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرَّشَدِ آخِرَ الْأَبَدِ وَأَنْ يَثْبُتَ لَكُمْ مُلْكُكُمْ قَالَ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ فَقَالَ عَلَيَّ بِهِمْ فَدَعَا بِهِمْ فَقَالَ إِنِّي إِنَّمَا اخْتَبَرْتُ شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمْ الَّذِي أَحْبَبْتُ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَان مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ ) ‏ ‏إِنَّمَا لَمْ يَقُلْ إِلَى أُذُنِي يُشِير إِلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْإِصْغَاء إِلَيْهِ بِحَيْثُ يُجِيبهُ إِذَا اِحْتَاجَ إِلَى الْجَوَاب , فَلِذَلِكَ جَعَلَ التَّحْدِيث مُتَعَلِّقًا بِفَمِهِ , وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا يَتَعَلَّق بِأُذُنِهِ. وَاتَّفَقَ أَكْثَر الرِّوَايَات عَلَى أَنَّ الْحَدِيث كُلّه مِنْ رِوَايَة اِبْن عَبَّاس عَنْ أَبِي سُفْيَان إِلَّا مَا وَقَعَ مِنْ رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الزُّهْرِيّ فِي الْجِهَاد فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَوَّل الْحَدِيث عَنْ اِبْن عَبَّاس إِلَى قَوْله \" فَلَمَّا جَاءَ قَيْصَرَ كِتَابُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِين قَرَأَهُ اِلْتَمِسُوا لِي هَاهُنَا أَحَدًا مِنْ قَوْمه لِأَسْأَلهُمْ عَنْهُ , قَالَ اِبْن عَبَّاس فَأَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَان أَنَّهُ كَانَ بِالشَّامِ \" الْحَدِيث. كَذَا وَقَعَ عِنْد أَبِي يَعْلَى مِنْ رِوَايَة الْوَلِيد بْن مُحَمَّد عَنْ الزُّهْرِيّ , وَهَذِهِ الرِّوَايَة الْمُفَصَّلَة تُشْعِر بِأَنَّ فَاعِل \" قَالَ \" الَّذِي وَقَعَ هُنَا مِنْ قَوْله \" قَالَ وَكَانَ دِحْيَة إِلَخْ \" هُوَ اِبْن عَبَّاس لَا أَبُو سُفْيَان , وَفَاعِل \" قَالَ وَقَالَ هِرَقْلُ هَلْ هُنَا أَحَد \" هُوَ أَبُو سُفْيَان. ‏ ‏قَوْله : ( هِرَقْلُ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَاء وَفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْقَاف عَلَى الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَات , وَحَكَى الْجَوْهَرِيّ وَغَيْر وَاحِد مِنْ أَهْل اللُّغَة سُكُون الرَّاء وَكَسْر الْقَاف , وَهُوَ اِسْم غَيْر عَرَبِيّ فَلَا يَنْصَرِف لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَدُعِيت فِي نَفَر مِنْ قُرَيْش فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ ) ‏ ‏فِيهِ حَذْف تَقْدِيره : فَجَاءَنَا رَسُوله , فَتَوَجَّهْنَا مَعَهُ , فَاسْتَأْذَنَ لَنَا فَأَذِنَ فَدَخَلْنَا. وَهَذِهِ الْفَاء تُسَمَّى الْفَصِيحَة , وَهِيَ الدَّالَّة عَلَى مَحْذُوف قَبْلهَا هُوَ سَبَب لِمَا بَعْدهَا , سُمِّيَتْ فَصَيْحَة لِإِفْصَاحِهَا عَمَّا قَبْلهَا. وَقِيلَ لِأَنَّهَا تَدُلّ عَلَى فَصَاحَة الْمُتَكَلِّم بِهَا فَوُصِفَتْ بِالْفَصَاحَةِ عَلَى الْإِسْنَاد الْمَجَازِيّ , وَلِهَذَا لَا تَقَع إِلَّا فِي كَلَام بَلِيغ. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِر السِّيَاق أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا كَانَ الْمَطْلُوب مَنْ يُوجَد مِنْ قُرَيْش. وَوَقَعَ فِي الْجِهَاد \" قَالَ أَبُو سُفْيَان : فَوَجَدْنَا رَسُول قَيْصَر بِبَعْضِ الشَّام , فَانْطَلَقَ بِي وَبِأَصْحَابِي حَتَّى قَدِمْنَا إِلَى إِيلِيَاء \" وَتَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي أَنَّ الْمُرَاد بِالْبَعْضِ غَزَّة , وَقَيْصَر هُوَ هِرَقْلُ وَهِرَقْلُ اِسْمه وَقَيْصَر لَقَبه. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْل ) تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي بِلَفْظِ \" فَأَتَوْهُ وَهُوَ بِإِيلِيَاء , وَفِي رِوَايَة هُنَاكَ \" وَهُمْ بِإِيلِيَاء \" وَاسْتُشْكِلَتْ وَوُجِّهَتْ أَنَّ الْمُرَاد الرُّوم مَعَ مُلْكهمْ , وَالْأَوَّل أَصْوَب. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَجْلَسَنَا بَيْن يَدَيْهِ فَقَالَ : أَيّكُمْ أَقْرَب نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُل الَّذِي يَزْعُم أَنَّهُ نَبِيّ ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَان : فَقُلْت أَنَا. فَأَجْلَسُونِي بَيْن يَدَيْهِ وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي , ثُمَّ دَعَا بِتُرْجُمَانِهِ ) ‏ ‏وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هِرَقْل خَاطَبَهُمْ أَوَّلًا بِغَيْرِ تُرْجُمَان , ثُمَّ دَعَا بِالتُّرْجُمَانِ , لَكِنْ وَقَعَ فِي الْجِهَاد بِلَفْظِ \" فَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ : سَلْهُمْ أَيّهمْ أَقْرَب نَسَبًا إِلَخْ \" فَيُجْمَع بَيْن هَذَا الِاخْتِلَاف بِأَنَّ قَوْله \" ثُمَّ دَعَا بِتُرْجُمَانِهِ \" أَيْ فَأَجْلَسَهُ إِلَى جَنْب أَبِي سُفْيَان , لَا أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ غَائِبًا فَأَرْسَلَ فِي طَلَبه فَحَضَرَ , وَكَأَنَّ التُّرْجُمَان كَانَ وَاقِفًا فِي الْمَجْلِس كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَة مُلُوك الْأَعَاجِم , فَخَاطَبَهُمْ هِرَقْلُ بِالسُّؤَالِ الْأَوَّل , فَلَمَّا تَحَرَّرَ لَهُ حَال الَّذِي أَرَادَ أَنْ يُخَاطِبهُ مِنْ بَيْن الْجَمَاعَة أَمْر التُّرْجُمَان بِالْجُلُوسِ إِلَيْهِ لِيُعَبِّر عَنْهُ بِمَا أَرَادَ , وَالتُّرْجُمَان مَنْ يُفَسِّر لُغَة بِلُغَةٍ فَعَلَى هَذَا لَا يُقَال ذَلِكَ لِمَنْ فَسَّرَ كَلِمَة غَرِيبَة بِكَلِمَةٍ وَاضِحَة , فَإِنْ اِقْتَضَى مَعْنَى التُّرْجُمَان ذَلِكَ فَلْيُعْرَفْ أَنَّهُ الَّذِي يُفَسِّر لَفْظًا بِلَفْظٍ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ هُوَ عَرَبِيّ أَوْ مُعَرَّب ؟ وَالثَّانِي أَشْهَر , وَعَلَى الْأَوَّل فَنُونه زَائِدَة اِتِّفَاقًا. ثُمَّ قِيلَ هُوَ مِنْ تَرْجِيم الظَّنّ , وَقِيلَ مِنْ الرَّجْم , فَعَلَى الثَّانِي تَكُون التَّاء أَيْضًا زَائِدَة , وَيُوجِب كَوْنه مِنْ الرَّجْم أَنَّ الَّذِي يُلْقِي الْكَلَام كَأَنَّهُ يَرْجُم الَّذِي يُلْقِيه إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَقْرَب نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُل ) ‏ ‏مِنْ كَأَنَّهَا اِبْتِدَائِيَّة وَالتَّقْدِير \" أَيّكُمْ أَقْرَب نَسَبًا مَبْدَؤُهُ مِنْ هَذَا الرَّجُل \" أَوْ هِيَ بِمَعْنَى الْبَاء وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي بَدْء الْوَحْي \" بِهَذَا الرَّجُل \" وَفِي رِوَايَة الْجِهَاد \" إِلَى هَذَا الرَّجُل \" وَلَا إِشْكَال فِيهِ فَإِنَّ أَقْرَب يَتَعَدَّى بِإِلَى , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) وَالْمُفَضَّل عَلَيْهِ مَحْذُوف تَقْدِيره مِنْ غَيْره , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي رِوَايَة الْبَاب بِمَعْنَى الْغَايَة فَقَدْ ثَبَتَ وُرُودهَا لِلْغَايَةِ مَعَ قِلَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْجِهَاد \" عِنْد كَتِفِي \" وَهِيَ أَخَصّ , وَعِنْد الْوَاقِدِيِّ \" فَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ : قُلْ لِأَصْحَابِهِ إِنَّمَا جَعَلْتُكُمْ عَنْ كَتِفَيْهِ لِتَرُدُّوا عَلَيْهِ كَذِبًا إِنْ قَالَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هَذَا الرَّجُل ) ‏ ‏أَشَارَ إِلَيْهِ إِشَارَة الْقُرْب لِقُرْبِ الْعَهْد بِذِكْرِهِ , أَوْ لِأَنَّهُ مَعْهُود فِي أَذْهَانهمْ لِاشْتِرَاكِ الْجَمِيع فِي مُعَادَاته. وَوَقَعَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق مِنْ الزِّيَادَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" قَالَ أَبُو سُفْيَان : فَجَعَلْت أُزَهِّدهُ فِي شَأْنه وَأُصَغِّر أَمْره وَأَقُول : إِنَّ شَأْنه دُون مَا بَلَغَك , فَجَعَلَ لَا يَلْتَفِت إِلَى ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ كَذَبَنِي ) ‏ ‏بِالتَّخْفِيفِ ( فَكَذِّبُوهُ ) بِالتَّشْدِيدِ , أَيْ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ : يَقُول لَكُمْ ذَلِكَ. وَلَمَّا جَرَتْ الْعَادَة أَنَّ مَجَالِس الْأَكَابِر لَا يُوَاجَه أَحَد فِيهَا بِالتَّكْذِيبِ اِحْتِرَامًا لَهُمْ , أَذِنَ لَهُمْ هِرَقْلُ فِي ذَلِكَ لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي أَرَادَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( يُصِيب مِنَّا وَنُصِيب مِنْهُ ) ‏ ‏وَقَعَتْ الْمُقَاتَلَة بَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْن قُرَيْش قَبْل هَذِهِ الْقِصَّة فِي ثَلَاثَة مَوَاطِن : بَدْر وَأُحُد وَالْخَنْدَق , فَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي بَدْر وَعَكْسه فِي أُحُد , وَأُصِيب مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ نَاس قَلِيل فِي الْخَنْدَق , فَصَحَّ قَوْل أَبِي سُفْيَان يُصِيب مِنَّا وَنُصِيب مِنْهُ , وَلَمْ يُصِبْ مَنْ تَعَقَّبَ كَلَامه وَأَنَّ فِيهِ دَسِيسَة لَمْ يُنَبَّه عَلَيْه\u0011~ٹَمَا نُبِّهَ عَلَى قَوْله \" وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّة لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِع فِيهَا \" وَالْحَقّ أَنَّهُ لَمْ يَدُسّ فِي هَذِهِ الْقِصَّة شَيْئًا وَقَدْ ثَبَتَ مِثْل كَلَامه هَذَا مِنْ لَفْظ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَشَرْت إِلَيْهِ فِي بَدْء الْوَحْي. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي سَأَلْتُك عَنْ حَسَبه فِيكُمْ ) ‏ ‏ذَكَرَ الْأَسْئِلَة وَالْأَجْوِبَة عَلَى تَرْتِيب مَا وَقَعَتْ , وَأَجَابَ عَنْ كُلّ جَوَاب بِمَا يَقْتَضِيه الْحَال , وَحَاصِل الْجَمِيع ثُبُوت عَلَامَات النُّبُوَّة فِي الْجَمِيع : فَالْبَعْض مِمَّا تَلَقَّفَهُ مِنْ الْكُتُب , وَالْبَعْض مِمَّا اِسْتَقْرَأَهُ بِالْعَادَةِ , وَوَقَعَ فِي بَدْء الْوَحْي إِعَادَة الْأَجْوِبَة مُشَوَّشَة التَّرْتِيب , وَهُوَ مِنْ الرَّاوِي , بِدَلِيلِ أَنَّهُ حَذَفَ مِنْهَا وَاحِدَة وَهِيَ قَوْله \" هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ إِلَخْ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْجِهَاد شَيْء خَالَفَتْ فِيهِ مَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ , فَإِنَّهُ أَضَافَ قَوْله \" بِمَ يَأْمُركُمْ \" إِلَى بَقِيَّة الْأَسْئِلَة فَكَمُلَتْ بِهَا عَشَرَة , وَأَمَّا هُنَا فَإِنَّهُ أَخَّرَ قَوْله \" بِمَ يَأْمُركُمْ \" إِلَى مَا بَعْد إِعَادَة الْأَسْئِلَة وَالْأَجْوِبَة وَمَا رُتِّبَ عَلَيْهَا وَقَوْله \" قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُ - أَيْ قُلْ لِأَبِي سُفْيَان - إِنِّي سَأَلْتُك \" أَيْ قُلْ لَهُ حَاكِيًا عَنْ هِرَقْلَ إِنِّي سَأَلْتُك , أَوْ الْمُرَاد إِنِّي سَأَلْتُك عَلَى لِسَان هِرَقْلَ , لِأَنَّ التُّرْجُمَان يُعِيد كَلَام هِرَقْلَ وَيُعِيد لِهِرَقْل كَلَام أَبِي سُفْيَان , وَلَا يَبْعُد أَنْ يَكُون هِرَقْل كَانَ يَفْقَه بِالْعَرَبِيَّةِ وَيَأْنَف مِنْ التَّكَلُّم بِغَيْرِ لِسَان قَوْمه كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَة الْمُلُوك مِنْ الْأَعَاجِم. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ ) ‏ ‏أَيْ قُلْت فِي نَفْسِي , وَأَطْلَقَ عَلَى حَدِيث النَّفْس قَوْلًا. ‏ ‏قَوْله : ( مُلْك أَبِيهِ ) ‏ ‏أَفْرَدَهُ لِيَكُونَ أَعْذَرَ فِي طَلَب الْمُلْك , بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ مُلْك آبَائِهِ , أَوْ الْمُرَاد بِالْأَبِ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ حَقِيقَته وَمَجَازه. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَذَلِكَ الْإِيمَان إِذَا خَالَطَ ) ‏ ‏يُرَجِّح أَنَّ الرِّوَايَة الَّتِي فِي بَدْء الْوَحْي بِلَفْظِ \" حَتَّى يُخَالِط \" وَهْم وَالصَّوَاب \" حِين \" كَمَا لِلْأَكْثَرِ. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت يَأْمُرنَا بِالصَّلَاةِ إِلَخْ ) ‏ ‏فِي بَدْء الْوَحْي \" فَقُلْت يَقُول اُعْبُدُوا اللَّه إِلَخْ \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِطْلَاق الْأَمْر عَلَى صِيغَة اِفْعَلْ وَعَلَى عَكْسه , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْمَأْمُورَات كُلّهَا كَانَتْ مَعْرُوفَة عِنْد هِرَقْل وَلِهَذَا لَمْ يَسْتَفْسِرهُ عَنْ حَقَائِقهَا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ يَكُ مَا تَقُول فِيهِ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيّ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْجِهَاد \" وَهَذِهِ صِفَة نَبِيّ \" وَفِي مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة \" فَقَالَ هُوَ نَبِيّ \" وَوَقَعَ فِي \" أَمَالِي الْمَحَامِلِيِّ \" رِوَايَة الْأَصْبَهانِيِّنَ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سُفْيَان أَنَّ صَاحِب بُصْرَى أَخَذَهُ وَنَاسًا مَعَهُ وَهُمْ فِي تِجَارَة فَذَكَرَ الْقِصَّة مُخْتَصَرَة دُون الْكِتَاب وَمَا فِيهِ وَزَادَ فِي آخِرهَا \" قَالَ فَأَخْبَرَنِي هَلْ تَعْرِف صُورَته إِذَا رَأَيْتهَا ؟ قُلْت : نَعَمْ , فَأُدْخِلْت كَنِيسَة لَهُمْ فِيهَا الصُّوَر فَلَمْ أَرَهُ , ثُمَّ أُدْخِلْت أُخْرَى فَإِذَا أَنَا بِصُورَةِ مُحَمَّد وَصُورَة أَبِي بَكْر إِلَّا أَنَّهُ دُونه. وَفِي دَلَائِل النُّبُوَّة لِأَبِي نُعَيْم \" بِإِسْنَادٍ ضَعِيف \" إِنَّ هِرَقْل أَخْرَجَ لَهُمْ سَفَطًا مِنْ ذَهَب عَلَيْهِ قُفْل مِنْ ذَهَب فَأَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَة مَطْوِيَّة فِيهَا صُوَر فَعَرَضَهَا عَلَيْهِمْ إِلَى أَنْ كَانَ آخِرهَا صُورَة مُحَمَّد , فَقُلْنَا بِأَجْمَعِنَا : هَذِهِ صُورَة مُحَمَّد , فَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّهَا صُوَر الْأَنْبِيَاء وَأَنَّهُ خَاتَمهمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل التَّيْمِيُّ : كَذَبَ بِالتَّخْفِيفِ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ مِثْل صَدَقَ , تَقُول كَذَبَنِي الْحَدِيث وَصَدَقَنِي الْحَدِيث , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ) وَكَذَّبَ بِالتَّشْدِيدِ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُول وَاحِد , وَهُمَا مِنْ غَرَائِب الْأَلْفَاظ لِمُخَالَفَتِهِمَا الْغَالِب لِأَنَّ الزِّيَادَة تُنَاسِب الزِّيَادَة وَبِالْعَكْسِ , وَالْأَمْر هُنَا بِالْعَكْسِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَيْم اللَّه ) ‏ ‏بِالْهَمْزَةِ وَبِغَيْرِ الْهَمْزَة وَفِيهَا لُغَات أُخْرَى تَقَدَّمَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( يُؤْثَر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة أَيْ يُنْقَل. ‏ ‏قَوْله : ( كَيْف حَسَبه ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَفِي غَيْرهَا \" كَيْف نَسَبه \" ؟ وَالنَّسَب الْوَجْه الَّذِي يَحْصُل بِهِ الْإِدْلَاء مِنْ جِهَة الْآبَاء , وَالْحَسَب مَا يَعُدّهُ الْمَرْء مِنْ مَفَاخِر آبَائِهِ وَقَوْله \" هُوَ فِينَا ذُو حَسَب \" فِي غَيْرهَا \" ذُو نَسَب \" وَاسْتُشْكِلَ الْجَوَاب لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا فِي السُّؤَال لِأَنَّ الز\u0013~ٹَال تَضَمَّنَ أَنَّ لَهُ نَسَبًا أَوْ حَسَبًا , وَالْجَوَاب كَذَلِكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّنْوِين يَدُلّ عَلَى التَّعْظِيم كَأَنَّهُ قَالَ : هُوَ فِينَا ذُو نَسَب كَبِير أَوْ حَسَب رَفِيع. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" كَيْف نَسَبه فِيكُمْ ؟ قَالَ فِي الذِّرْوَة \" وَهِيَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء أَعْلَى مَا فِي الْبَعِير مِنْ السَّنَام , فَكَأَنَّهُ قَالَ هُوَ مِنْ أَعْلَانَا نَسَبًا. وَفِي حَدِيث دِحْيَة عِنْد الْبَزَّار \" حَدِّثْنِي عَنْ هَذَا الَّذِي خَرَجَ بِأَرْضِكُمْ مَا هُوَ ؟ قَالَ : شَابّ. قَالَ : كَيْفَ حَسَبه فِيكُمْ ؟ قَالَ هُوَ فِي حَسَب مَا لَا يُفَضَّل عَلَيْهِ أَحَد. قَالَ : هَذِهِ آيَة \". ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مِنْ آبَائِهِ \" وَمَلِكٌ هُنَا بِالتَّنْوِينِ وَهِيَ تُؤَيِّد أَنَّ الرِّوَايَة السَّابِقَة فِي بَدْء الْوَحْي بِلَفْظِ \" مِنْ مَلِكٍ \" لَيْسَتْ بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِإِسْقَاطِ هَمْزَة الِاسْتِفْهَام , وَقَدْ جَزَمَ اِبْن مَالِك بِجَوَازِهِ مُطْلَقًا خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِالشِّعْرِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ هَلْ يَرْتَدّ إِلَخْ ) ‏ ‏إِنَّمَا لَمْ يَسْتَغْنِ هِرَقْل بِقَوْلِهِ بَلْ يَزِيدُونَ عَنْ هَذَا السُّؤَال لِأَنَّهُ لَا مُلَازَمَة بَيْن الِارْتِدَاد وَالنَّقْص , فَقَدْ يَرْتَدّ بَعْضهمْ وَلَا يَظْهَر فِيهِمْ النَّقْص بِاعْتِبَارِ كَثْرَة مَنْ يَدْخُل وَقِلَّة مَنْ يَرْتَدّ مَثَلًا. ‏ ‏قَوْله : ( سَخْطَة لَهُ ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي الشَّيْء عَلَى بَصِيرَة يَبْعُد رُجُوعه عَنْهُ , بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ صَمِيم قَلْبه فَإِنَّهُ يَتَزَلْزَل بِسُرْعَةٍ , وَعَلَى هَذَا يُحْمَل حَال مَنْ اِرْتَدَّ مِنْ قُرَيْش , وَلِهَذَا لَمْ يُعَرِّج أَبُو سُفْيَان عَلَى ذِكْرهمْ , وَفِيهِمْ صِهْره زَوْج اِبْنَته أُمّ حَبِيبَة وَهُوَ عُبَيْد اللَّه بْن جَحْش , فَإِنَّهُ كَانَ أَسْلَمَ وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَة بِزَوْجَتِهِ ثُمَّ تَنَصَّرَ بِالْحَبَشَةِ وَمَاتَ عَلَى نَصْرَانِيَّته , وَتَزَوَّجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمّ حَبِيبَة بَعْده , وَكَأَنَّهُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَام عَلَى بَصِيرَة , وَكَانَ أَبُو سُفْيَان وَغَيْره مِنْ قُرَيْش يَعْرِفُونَ ذَلِكَ مِنْهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَرِّج عَلَيْهِ خَشْيَة أَنْ يُكَذِّبُوهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا عَرَفُوهُ بِمَا وَقَعَ لَهُ مِنْ التَّنَصُّر وَفِيهِ بُعْد , أَوْ الْمُرَاد بِالِارْتِدَادِ الرُّجُوع إِلَى الدِّين الْأَوَّل , وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ لِعُبَيْدِ اللَّه بْن جَحْش , وَلَمْ يَطَّلِع أَبُو سُفْيَان عَلَى مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ. زَادَ فِي حَدِيث دِحْيَة \" أَرَأَيْت مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْحَابه إِلَيْكُمْ هَلْ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ ) ‏ ‏نَسَب اِبْتِدَاء الْقِتَال إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَقُلْ قَاتَلَكُمْ فَيُنْسَب اِبْتِدَاء الْقِتَال إِلَيْهِ مُحَافَظَة عَلَى اِحْتِرَامه , أَوْ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى أَنَّ النَّبِيّ لَا يَبْدَأ قَوْمه بِالْقِتَالِ حَتَّى يُقَاتِلُوهُ , أَوْ لِمَا عَرَفَهُ مِنْ الْعَادَة مِنْ حَمِيَّة مَنْ يُدْعَى إِلَى الرُّجُوع عَنْ دِينه. وَفِي حَدِيث دِحْيَة \" هَلْ يُنْكَب إِذَا قَاتَلَكُمْ ؟ قَالَ : قَدْ قَاتَلَهُ قَوْم فَهَزَمَهُمْ وَهَزَمُوهُ , قَالَ : هَذِهِ آيَة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ كُنْت أَعْلَم أَنَّهُ خَارِج , وَلَمْ أَكُ أَظُنّهُ مِنْكُمْ ) ‏ ‏أَيْ أَعْلَم أَنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ فِي هَذَا الزَّمَان , لَكِنْ لَمْ أَعْلَم تَعْيِين جِنْسه. وَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّهُ كَانَ يَظُنّ أَنَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل لِكَثْرَةِ الْأَنْبِيَاء فِيهِمْ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ اِعْتِمَاد هِرَقْل فِي ذَلِكَ كَانَ عَلَى مَا اِطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِسْرَائِيلِيَّات , وَهِيَ طَافِ بِأَنَّ النَّبِيّ الَّذِي فِي آخِر الزَّمَان مِنْ وَلَد إِسْمَاعِيل , فَيُحْمَل قَوْله \" لَمْ أَكُنْ أَظُنّ أَنَّهُ مِنْكُمْ \" أَيْ مِنْ قُرَيْش. ‏ ‏قَوْله : ( لَأَحْبَبْت لِقَاءَهُ ) ‏ ‏فِي بَدْء الْوَحْي \" لَتَجَشَّمْت \" بِجِيمٍ وَمُعْجَمَة أَيْ تَكَلَّفْت , وَرَجَّحَهَا عِيَاض لَكِنْ نَسَبهَا لِرِوَايَةِ مُسْلِم خَاصَّة , وَهِيَ عِنْد الْبُخَارِيّ أَيْضًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ : قَوْله \" لَتَجَشَّمْت لِقَاءَهُ \" أَيْ تَكَلَّفْت الْوُصُول إِلَيْهِ وَارْتَكَبْت الْمَشَقَّة فِي ذَلِكَ , وَلَكِنِّي أَخَاف أَنْ أُقْتَطَع دُونه. قَالَ وَلَا عُذْر لَهُ فِي هَذَا لِأَنَّهُ عَرَفَ صِفَة النَّبِيّ , لَكِنَّهُ شَحَّ بِمُلْكِهِ وَرَغِبَ فِي بَقَاء رِيَاسَته فَآثَرَهَا. وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ , قَالَ شَيْخنَا شَيْخ الْإِسْلَام : كَذَا قَالَ , وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ طُرُق الْحَدِيث فِي الْبُخَارِيّ مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ. قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ النَّوَوِيّ عَنَى مَا وَقَعَ فِي آخِر الْحَدِيث عِنْد الْبُخَارِيّ دُون مُسْلِم مِنْ الْقِصَّة الَّتِي حَكَاهَا اِبْن النَّاطُور , وَأَنَّ فِي آخِرهَا فِي بَدْء الْوَحْي أَنَّ هِرَقْل قَالَ \" إِنِّي قُلْت مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِر بِهَا شِدَّتكُمْ عَلَى دِينكُمْ , فَقَدْ رَأَيْت \" وَزَادَ فِي آخِر حَدِيث الْبَاب \" فَقَدْ رَأَيْت الَّذِي أَحْبَبْت \" فَكB\u0012~ٹَّ النَّوَوِيّ أَشَارَ إِلَى هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ وَقَعَ التَّعْبِير بِقَوْلِهِ \" شَحَّ بِمُلْكِهِ \" فِي الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَهُ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ هِرَقْل هُوَ الَّذِي قَرَأَ الْكِتَاب , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التُّرْجُمَان قَرَأَهُ وَنُسِبَتْ قِرَاءَته إِلَى هِرَقْل مَجَازًا لِكَوْنِهِ الْآمِر بِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة الْجِهَاد بِلَفْظِ \" ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُرِئَ \" وَفِي مُرْسَل مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيِّ عِنْد الْوَاقِدِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَدَعَا التُّرْجُمَان الَّذِي يَقْرَأ بِالْعَرَبِيَّةِ فَقَرَأَهُ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْجِهَاد مَا ظَاهِره أَنَّ قِرَاءَة الْكِتَاب وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ , فَإِنَّ فِي أَوَّله \" فَلَمَّا جَاءَ قَيْصَر كِتَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِين قَرَأَهُ : اِلْتَمِسُوا لِي هَاهُنَا أَحَدًا مِنْ قَوْمه لِأَسْأَلهُمْ عَنْهُ , قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَأَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَان أَنَّهُ كَانَ بِالشَّامِ فِي رِجَال مِنْ قُرَيْش \" فَذَكَرَ الْقِصَّة إِلَى أَنْ قَالَ \" ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُرِئَ \" وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ هِرَقْل قَرَأَهُ بِنَفْسِهِ أَوَّلًا ثُمَّ لَمَّا جَمَعَ قَوْمه وَأَحْضَرَ أَبَا سُفْيَان وَمَنْ مَعَهُ وَسَأَلَهُ وَأَجَابَهُ أَمَرَ بِقِرَاءَةِ الْكِتَاب عَلَى الْجَمِيع , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ أَوَّلًا \" فَقَالَ حِين قَرَأَهُ \" أَيْ قَرَأَ عِنْوَان الْكِتَاب لِأَنَّ كِتَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَخْتُومًا بِخَتْمِهِ وَخَتْمه مُحَمَّد رَسُول اللَّه , وَلِهَذَا قَالَ إِنَّهُ يَسْأَل عَنْ هَذَا الرَّجُل الَّذِي يَزْعُم أَنَّهُ نَبِيّ , وَيُؤَيِّد هَذَا الِاحْتِمَال أَنَّ مِنْ جُمْلَة الْأَسْئِلَة قَوْل هِرَقْل \" بِمَ يَأْمُركُمْ ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَان : يَقُول اُعْبُدُوا اللَّه وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا \" وَهَذَا بِعَيْنِهِ فِي الْكِتَاب , فَلَوْ كَانَ هِرَقْل قَرَأَهُ أَوَّلًا مَا اِحْتَاجَ إِلَى السُّؤَال عَنْهُ ثَان , نَعَمْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَأَلَ عَنْ ثَانِيًا مُبَالَغَة فِي تَقْرِيره , قَالَ النَّوَوِيّ : فِي هَذِهِ الْقِصَّة فَوَائِد , مِنْهَا جَوَاز مُكَاتَبَة الْكُفَّار وَدُعَاؤُهُمْ إِلَى الْإِسْلَام قَبْل الْقِتَال , وَفِيهِ تَفْصِيل : فَمَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَة وَجَبَ إِنْذَارهمْ قَبْل قِتَالهمْ , وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ. وَمِنْهَا وُجُوب الْعَمَل بِخَبَرِ الْوَاحِد وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِي بَعْث الْكِتَاب مَعَ دِحْيَة وَحْده فَائِدَة. وَمِنْهَا وُجُوب الْعَمَل بِالْخَطِّ إِذَا قَامَتْ الْقَرَائِن بِصِدْقِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ : فِيهِ اِسْتِحْبَاب تَصْدِير الْكُتُب بِبَسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم وَإِنْ كَانَ الْمَبْعُوث إِلَيْهِ كَافِرًا , وَيُحْمَل قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" كُلّ أَمْر ذِي بَال لَا يُبْدَأ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّه فَهُوَ أَقْطَع \" أَيْ بِذِكْرِ اللَّه كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى فَإِنَّهُ رَوَى عَلَى أَوْجُه بِذِكْرِ اللَّه بِبَسْمِ اللَّه بِحَمْدِ اللَّه. قَالَ : وَهَذَا الْكِتَاب كَانَ ذَا بَال مِنْ الْمُهِمَّات الْعِظَام وَلَمْ يُبْدَأ فِيهِ بِلَفْظِ الْحَمْد بَلْ بِالْبَسْمَلَةِ اِنْتَهَى وَالْحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ أَيْضًا وَفِي إِسْنَاده مَقَال وَعَلَى تَقْدِير صِحَّته فَالرِّوَايَة الْمَشْهُورَة فِيهِ بِلَفْظِ حَمْد اللَّه , وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظ الَّتِي ذَكَرهَا النَّوَوِيّ وَرَدَتْ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث بِأَسَانِيد وَاهِيَة. ثُمَّ اللَّفْظ وَإِنْ كَانَ عَامًّا لَكِنْ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوص وَهِيَ الْأُمُور الَّتِي تَحْتَاج إِلَى تَقَدُّم الْخُطْبَة , وَأَمَّا الْمُرَاسَلَات فَلَمْ تَجْرِ الْعَادَة الشَّرْعِيَّة وَلَا الْعُرْفِيَّة بِابْتِدَائِهَا بِذَلِكَ , وَهُوَ نَظِير الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا بِلَفْظِ \" كُلّ خُطْبَة لَيْسَ فِيهَا شَهَادَة فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاء \" فَالِابْتِدَاء بِالْحَمْدِ وَاشْتِرَاط التَّشَهُّد خَاصّ بِالْخُطْبَةِ , بِخِلَافِ بَقِيَّة الْأُمُور الْمُهِمَّة فَبَعْضهَا يَبْدَأ فِيهِ بِالْبَسْمَلَةِ تَامَّة كَالْمُرَاسَلَاتِ , وَبَعْضهَا بِبَسْمِ اللَّه فَقَطْ كَمَا فِي أَوَّل الْجِمَاع وَالذَّبِيحَة , وَبَعْضهَا بِلَفْظِ مِنْ الذِّكْر مَخْصُوص كَالتَّكْبِيرِ , وَقَدْ جُمِعَتْ كُتِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُلُوك وَغَيْرهمْ فَلَمْ يَقَع فِي وَاحِد مِنْهَا الْبُدَاءَة بِالْحَمْدِ بَلْ بِالْبَسْمَلَةِ , وَهُوَ يُؤَيِّد مَا قَرَّرْته وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَيْض اِسْتِدْلَال الْمُصَنِّف بِهَذَا الْكِتَاب عَلَى جَوَاز قِرَاءَة الْجُنُب الْقُرْآن وَمَا يَرِد عَلَيْهِ , وَكَذَا فِي الْجِهَاد الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى جَوَاز السَّفَر بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْض الْعَدُوّ وَمَا يَرِد عَلَيْهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ الْإِعَادَة وَوَقَعَ فِي مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة \" أَنَّ هِرَقْل لَمَّا قَرَأَ الْكِتَاب قَالَ : هَذَا كِتَاب لَمْ أَسْمَعهُ بَعْد سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام كَأَنَّهُ يُرِيد الِابْتِدَاء بِبَسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم , وَهَذَا يُؤَيِّد مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِأَخْبَارِ أَهْل الْكِتَاب. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ مُحَمَّد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي بَدْء الْوَحْي وَفِي الْجِهَاد \" مِنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه وَرَسُوله \" وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ رُسُل اللَّه وَإِنْ كَانُوا أَكْرَم الْخَلْق عَلَى اللَّه فَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَقْرُون بِأَنَّهُمْ عَبِيد اللَّه , وَكَأَنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى بُطْلَان مَا تَدَّعِيهِ النَّصَارَى فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام. وَذَكَرَ الْمَدَائِنِيّ أَنَّ الْقَارِئ لَمَّا قَرَأَ مِنْ مُحَمَّد رَسُول اللَّه إِلَى عَظِيم الرُّوم غَضِبَ أَخُو هِرَقْل وَاجْتَذَبَ الْكِتَاب , فَقَالَ لَهُ هِرَقْل : مَا لَك ؟ فَقَالَ : بَدَأَ بِنَفْسِهِ وَسَمَّاك صَاحِب الرُّوم فَقَالَ هِرَقْل : إِنَّك لَضَعِيف الرَّأْي , أَتُرِيدُ أَنْ أَرْمِي بِكِتَابٍ قَبْل أَنْ أَعْلَم مَا فِيهِ ؟ لَئِنْ كَانَ رَسُول اللَّه إِنَّهُ لَأَحَقّ أَنْ يَبْدَأ بِنَفْسِهِ , وَلَقَدْ صَدَقَ أَنَا صَاحِب الرُّوم , وَاَللَّه مَالِكِي وَمَالِكهمْ. وَأَخْرَجَ الْحَسَن بْن سُفْيَان فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد عَنْ دِحْيَة \" بَعَثَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابِ إِلَى هِرَقْل , فَقَدِمْت عَلَيْهِ فَأَعْطَيْته الْكِتَاب \" وَعِنْده اِبْن أَخ لَهُ أَحْمَر أَزْرَق سَبْط الرَّأْس , فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَاب نَخَرَ اِبْن أَخِيهِ نَخْرَة فَقَالَ : لَا تَقْرَأ , فَقَالَ قَيْصَر : لِمَ ؟ قَالَ : لِأَنَّهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ وَقَالَ : صَاحِب الرُّوم وَلَمْ يَقُلْ مَلِك الرُّوم. قَالَ : اِقْرَأْ فَقَرَأَ الْكِتَاب \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى هِرَقْل عَظِيم الرُّوم ) ‏ ‏عَظِيم بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَل وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى الْقَطْع وَالنَّصْب عَلَى الِاخْتِصَاص , وَالْمُرَاد مَنْ تُعَظِّمهُ الرُّوم وَتُقَدِّمهُ لِلرِّيَاسَةِ عَلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَّا بَعْد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْجُمُعَة فِي \" بَاب مَنْ قَالَ فِي الْخُطْبَة بَعْد الثَّنَاء أَمَّا بَعْد \" الْإِشَارَة إِلَى عَدَد مَنْ رَوَى مِنْ الصَّحَابَة هَذِهِ الْكَلِمَة وَتَوْجِيههَا , وَنَقَلْت هُنَاكَ أَنَّ سِيبَوَيْهِ قَالَ : إِنَّ مَعْنَى أَمَّا بَعْد مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْء. وَأَقُول هُنَا : سِيبَوَيْهِ لَا يَخُصّ ذَلِكَ بِقَوْلِنَا أَمَّا بَعْد بَلْ كُلّ كَلَام أَوَّله أَمَّا وَفِيهِ مَعْنَى الْجَزَاء قَالَهُ فِي مِثْل فَأَيْنَ الْقَسِيم ؟ ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ التَّقْدِير أَمَّا الِابْتِدَاء فَهُوَ بِسْمِ اللَّه , وَأَمَّا الْمَكْتُوب فَهُوَ مِنْ مُحَمَّد إِلَخْ , وَأَمَّا الْمَكْتُوب بِهِ فَهُوَ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيث. وَهُوَ تَوْجِيه مَقْبُول , لَكِنَّهُ لَا يَطَّرِد فِي كُلّ مَوْضِع , وَمَعْنَاهَا الْفَصْل بَيْن الْكَلَامَيْنِ. وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّل مَنْ قَالَهَا فَقِيلَ : دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَام , وَقِيل يَعْرُب بْن قَحْطَان , وَقِيلَ كَعْب بْن لُؤَيّ , وَقِيلَ قُسُّ بْن سَاعِدَة , وَقِيلَ سَحْبَان. وَفِي \" غَرَائِب مَالِك لِلدَّارَقُطْنِيِّ \" أَنَّ يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام قَالَهَا , فَإِنْ ثَبَتَ وَقُلْنَا إِنَّ قَحْطَان مِنْ ذُرِّيَّة إِسْمَاعِيل فَيَعْقُوب أَوَّل مَنْ قَالَهَا مُطْلَقًا , وَإِنْ قُلْنَا إِنَّ قَحْطَان قَبْل إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام فَيَعْرُب أَوَّل مَنْ قَالَهَا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَسْلِمْ تَسْلَمْ ) ‏ ‏فِيهِ بِشَارَة لِمَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَام أَنَّهُ يَسْلَم مِنْ الْآفَات اِعْتِبَارًا بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصّ بِهِرَقْل , كَمَا أَنَّهُ لَا يَخْتَصّ بِالْحُكْمِ الْآخَر وَهُوَ قَوْله أَسْلِمْ يُؤْتِك اللَّه أَجْرك مَرَّتَيْنِ , لِأَنَّ ذَلِكَ عَامّ فِي حَقّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّهِ ثُمَّ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَسْلِمْ يُؤْتِك ) ‏ ‏فِيهِ تَقْوِيَة لِأَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي بَدْء الْوَحْي , وَأَنَّهُ أَعَادَ أَسْلَمَ تَأْكِيدًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله أَسْلِمْ أَوَّلًا أَيْ لَا تَعْتَقِد فِي الْمَسِيح مَا تَعْتَقِدهُ النَّصَارَى , وَأَسْلِمْ ثَانِيًا أَيْ اُدْخُلْ فِي دِين الْإِسْلَام , فَلِذَلِكَ قَالَ بَعْد ذَلِكَ \" يُؤْتِك اللَّه أَجْرك مَرَّتَيْنِ \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لَمْ يُصَرِّح فِي الْكِتَاب بِدُعَائِهِ إِلَى الشَّهَادَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرِّسَالَةِ , لَكِنْ ذَلِكَ مُنْطَوٍ فِي قَوْله \" وَالسَّلَام عَلَى مَنْ اِتَّبَعَ الْهُدَى \" وَفِي قَوْله \" أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام \" وَفِي قَوْله \" أَسْلِمْ \" فَإِنَّ جَمِيع ذَلِكَ يَتَضَمَّن الْإِقْرَار بِالشَّهَادَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِثْم الْأَرِيسِيِّينَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطه وَشَرْحه فِي بَدْء الْوَحْي , وَوَجَدْته هُنَاكَ فِي أَصْل مُعْتَمَد بِتَشْدِيدِ الرَّاء , وَحَكَى هَذِهِ الرِّوَايَة أَيْضًا صَاحِب \" الْمَشَارِق \" وَغَيْره , وَفِي أُخْرَى \" الْأَرِيسِينَ \" بِتَحْتَانِيَّةٍ وَاحِدَة , قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : أَرَسَ يَأْرِس بِالتَّخْفِيفِ فَهُوَ أَرِيس , وَأَرَّسَ بِالتَّشْدِيدِ يُؤَرِّس فَهُوَ إِرِّيس , وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : بِالتَّخْفِيفِ وَبِالتَّشْدِيدِ الْأَكَّار لُغَة شَامِيَّة , وَكَانَ أَهْل السَّوَاد أَهْل فِلَاحَة وَكَانُوا مَجُوسًا , وَأَهْل الرُّوم أَهْل صِنَاعَة فَأُعْلِمُوا بِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا أَهْل كِتَاب فَإِنَّ عَلَيْهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا مِنْ الْإِثْم إِثْم الْمَجُوس اِنْتَهَى. وَهَذَا تَوْجِيه آخَر لَمْ يَتَقَدَّم ذِكْره. وَحَكَى غَيْره أَنَّ الْأَرِيسِيِّينَ يُنْسَبُونَ إِلَى عَبْد اللَّه بْن أَرِيس رَجُل كَانَتْ تُعَظِّمهُ النَّصَارَى اِبْتَدَعَ فِي دِينهمْ أَشْيَاء مُخَالِفَة لِدِينِ عِيسَى , وَقِيلَ إِنَّهُ مِنْ قَوْم بُعِثَ إِلَيْهِمْ نَبِيّ فَقَتَلُوهُ , فَالتَّقْدِير عَلَى هَذَا : فَإِنَّ عَلَيْك مِثْل إِثْم الْأَرِيسِيِّينَ. وَذَكَر اِبْن حَزْم أَنَّ أَتْبَاع عَبْد اللَّه بْن أَرِيس كَانُوا أَهْل مَمْلَكَة هِرَقْل , وَرَدَّهُ بَعْضهمْ بِأَنَّ الْأَرِيسِيِّينَ كَانُوا قَلِيلًا وَمَا كَانُوا يُظْهِرُونَ رَأْيهمْ , فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُنْكِرُونَ التَّثْلِيث. وَمَا أَظُنّ قَوْل اِبْن حَزْم إِلَّا عَنْ أَصْل , فَإِنَّهُ لَا يُجَازِف فِي النَّقْل. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ الْيَرِيِسِينَ بِتَحْتَانِيَّةٍ فِي أَوَّله , وَكَأَنَّهُ بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَة. وَقَالَ اِبْن سِيدَهْ فِي \" الْمُحْكَم \" : الْأَرِيس الْأَكَّار عِنْد ثَعْلَب , وَالْأَمِين عِنْد كُرَاع , فَكَأَنَّهُ مِنْ الْأَضْدَاد , أَيْ يُقَال لِلتَّابِعِ وَالْمَتْبُوع , وَالْمَعْنَى فِي الْحَدِيث صَالِح عَلَى الرَّأْيَيْنِ , فَإِنْ كَانَ الْمُرَاد التَّابِع فَالْمَعْنَى إِنَّ عَلَيْك مِثْل إِثْم التَّابِع لَك عَلَى تَرْك الدُّخُول فِي الْإِسْلَام , وَإِنْ كَانَ الْمُرَاد الْمَتْبُوع فَكَأَنَّهُ قَالَ فَإِنَّ عَلَيْك إِثْم الْمَتْبُوعِينَ , وَإِثْم الْمَتْبُوعِينَ يُضَاعَف بِاعْتِبَارِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ عَدَم الْإِذْعَان إِلَى الْحَقّ مِنْ إِضْلَال أَتْبَاعهمْ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : نَبَّهَ بِذِكْرِ الْفَلَّاحِينَ عَلَى بَقِيَّة الرَّعِيَّة لِأَنَّهُمْ الْأَغْلَب , وَلِأَنَّهُمْ أَسْرَع اِنْقِيَادًا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مِنْ الرَّعَايَا غَيْر الْفَلَّاحِينَ مَنْ لَهُ صَرَامَة وَقُوَّة وَعَشِيرَة , فَلَا يَلْزَم مِنْ دُخُول الْفَلَّاحِينَ فِي الْإِسْلَام دُخُول بَقِيَّة الرَّعَايَا حَتَّى يَصِحّ أَنَّهُ نَبَّهَ بِذِكْرِهِمْ عَلَى الْبَاقِينَ , كَذَا تَعَقَّبَهُ شَيْخنَا شَيْخ الْإِسْلَام. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ مُرَاد النَّوَوِيّ أَنَّهُ نَبَّهَ طَائِفَة مِنْ الطَّوَائِف عَلَى بَقِيَّة الطَّوَائِف كَأَنَّهُ يَقُول إِذَا اِمْتَنَعَتْ كَانَ عَلَيْك إِثْم كُلّ مَنْ اِمْتَنَعَ بِامْتِنَاعِك وَكَانَ يُطِيع لَوْ أَطَعْت الْفَلَّاحِينَ , فَلَا وَجْه لِلتَّعَقُّبِ عَلَيْهِ. نَعَمْ قَوْل أَبِي عُبَيْد فِي \" كِتَاب الْأَمْوَال \" لَيْسَ الْمُرَاد بِالْفَلَّاحِينَ الزَّارِعِينَ فَقَطْ بَلْ الْمُرَاد بِهِ جَمِيع أَهْل الْمَمْلَكَة , إِنْ أَرَادَ بِهِ عَلَى التَّقْرِير الَّذِي قَرَّرْت بِهِ كَلَام النَّوَوِيّ فَلَا اِعْتِرَاض عَلَيْهِ , وَإِلَّا فَهُوَ مُعْتَرَض. وَحَكَى أَبُو عُبَيْد أَيْضًا أَنَّ الْأَرِيسِيِّينَ هُمْ الْخَوَل وَالْخَدَم , وَهَذَا أَخَصّ مِنْ الَّذِي قَبْله , إِلَّا أَنْ يُرِيد بِالْخَوَلِ مَا هُوَ أَعَمّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَحْكُم الْمِلَك عَلَيْهِ. وَحَكَى الْأَزْهَرِيّ أَيْضًا أَنَّ الْأَرِيسِيِّينَ قَوْم مِنْ الْمَجُوس كَانُوا يَعْبُدُونَ النَّار وَيُحَرِّمُونَ الزِّنَا وَصِنَاعَتهمْ الْحِرَاثَة وَيُخْرِجُونَ الْعُشْر مِمَّا يَزْرَعُونَ , لَكِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ الْمَوْقُوذَة. وَهَذَا أَثْبَت فَمَعْنَى الْحَدِيث فَإِنَّ عَلَيْك مِثْل إِثْم الْأَرِيسِيِّينَ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا فَرَغَ ) ‏ ‏أَيْ الْقَارِئ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد هِرَقْل وَنَسَبَ إِلَيْهِ ذَلِكَ مَجَازًا لِكَوْنِهِ الْآمِر بِهِ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله بَعْده \" عِنْده \" فَإِنَّ الضَّمِير فِيهِ وَفِيمَا بَعْده لِهِرَقْل جَزْمًا. ‏ ‏قَوْله : ( اِرْتَفَعَتْ الْأَصْوَات عِنْده وَكَثُرَ اللَّغَط ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي الْجِهَاد \" فَلَمَّا أَنْ قَضَى مَقَالَته عَلَتْ أَصْوَات الَّذِينَ حَوْله مِنْ عُظَمَاء الرُّوم وَكَثُرَ لَغَطهمْ , فَلَا أَدْرِي مَا قَالُوا \" لَكِنْ يُعْرَف مِنْ قَرَائِن الْحَال أَنَّ اللَّغَط كَانَ لِمَا فَهِمُوهُ مِنْ هِرَقْل مِنْ مِيله إِلَى التَّصْدِيق. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ أَمِرَ أَمْر اِبْن أَبِي كَبْشَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطه فِي بَدْء الْوَحْي وَأَنَّ \" أَمِرَ \" الْأَوَّل بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْمِيم , وَالثَّانِي بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمِيم , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ رُوِيَ بِكَسْرِ الْمِيم أَيْضًا. وَقَدْ قَالَ كُرَاع فِي \" الْمُجَرَّد \" وَرِع.\u0014~ٹمِرَ بِفَتْحٍ ثُمَّ كَسْر أَيْ كَثِير فَحِينَئِذٍ يَصِير الْمَعْنَى لَقَدْ كَثُرَ كَثِير اِبْن أَبِي كَبْشَة وَفِيهِ قَلَق , وَفِي كَلَام الزَّمَخْشَرِيِّ مَا يُشْعِر بِأَنَّ الثَّانِي بِفَتْحِ الْمِيم فَإِنَّهُ قَالَ أَمَرَة عَلَى وَزْن بَرَكَة الزِّيَادَة , وَمِنْهُ قَوْل أَبِي سُفْيَان \" لَقَدْ أَمِرَ أَمْر مُحَمَّد \" اِنْتَهَى. هَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخنَا شَيْخ الْإِسْلَام سِرَاج الدِّين فِي شَرْحه وَرَدَّهُ , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ إِنَّمَا أَرَادَ تَفْسِير اللَّفْظَة الْأُولَى وَهِيَ أَمِرَ بِفَتْحٍ ثُمَّ كَسْر وَأَنَّ مَصْدَرهَا أَمَر بِفَتْحَتَيْنِ وَالْأَمَر بِفَتْحَتَيْنِ الْكَثْرَة وَالْعِظَم وَالزِّيَادَة , وَلَمْ يَرِد ضَبْط اللَّفْظَة الثَّانِيَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الزُّهْرِيّ فَدَعَا هِرَقْل عُظَمَاء الرُّوم فَجَمَعَهُمْ إِلَخْ ) ‏ ‏هَذِهِ قِطْعَة مِنْ الرِّوَايَة الَّتِي وَقَعَتْ فِي بَدْء الْوَحْي عَقِب الْقِصَّة الَّتِي حَكَاهَا اِبْن النَّاطُور , وَقَدْ بَيَّنَ هُنَاكَ أَنَّ هِرَقْل دَعَاهُمْ فِي دَسْكَرَة لَهُ بِحِمْصٍ وَذَلِكَ بَعْد أَنَّ رَجَعَ هَذَا مِنْ بَيْت الْمَقْدِس وَكَاتَبَ صَاحِبه الَّذِي بِرُومِيَّةَ فَجَاءَهُ جَوَابه يُوَافِقهُ عَلَى خُرُوج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَلَى هَذَا فَالْفَاء فِي قَوْله \" فَدَعَا \" فَصَيْحَة , وَالتَّقْدِير قَالَ الزُّهْرِيّ فَسَارَ هِرَقْل إِلَى حِمْص فَكَتَبَ إِلَى صَاحِبه بِرُومِيَّةَ فَجَاءَهُ جَوَابه فَدَعَا الرُّوم ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي \" سِيرَة اِبْن إِسْحَاق \" مِنْ رِوَايَته عَنْ الزُّهْرِيّ بِإِسْنَادِ حَدِيث الْبَاب إِلَى أَبِي سُفْيَان بَعْض الْقِصَّة الَّتِي حَكَاهَا الزُّهْرِيّ عَنْ اِبْن النَّاطُور , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ حَدِيث فِي حَدِيث , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ حَكَى قِصَّة الْكِتَاب عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ \" حَدَّثَنِي أُسْقُفٌّ مِنْ النَّصَارَى قَدْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَان \" قُلْت : وَهَذَا هُوَ اِبْن النَّاطُور , وَقِصَّة الْكِتَاب إِنَّمَا ذَكَرهَا الزُّهْرِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي سُفْيَان , وَقَدْ فَصَّلَ شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة عَنْ الزُّهْرِيّ الْحَدِيث تَفْصِيلًا وَاضِحًا , وَهُوَ أَوْثَق مِنْ اِبْن إِسْحَاق وَأَتْقَنُ , فَرِوَايَته هِيَ الْمَحْفُوظَة وَرِوَايَة اِبْن إِسْحَاق شَاذَّة , وَمَحَلّ هَذَا التَّنْبِيه أَنْ يَذْكُر فِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث فِي بَدْء الْوَحْي , لَكِنْ فَاتَ ذِكْره هُنَاكَ فَاسْتَدْرَكْته هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَمَعَهُمْ فِي دَار لَهُ فَقَالَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي أَنَّهُ جَمَعَهُمْ فِي مَكَان وَكَانَ هُوَ فِي أَعْلَاهُ فَاطَّلَعَ وَصَنَعَ ذَلِكَ خَوْفًا عَلَى نَفْسه أَنْ يُنْكِرُوا مَقَالَته فَيُبَادِرُوا إِلَى قَتْله. ‏ ‏قَوْله : ( آخِر الْأَبَد ) ‏ ‏أَيْ يَدُوم مُلْككُمْ إِلَى آخِر الزَّمَان. لِأَنَّهُ عَرَفَ مِنْ الْكُتُب أَنْ لَا أُمَّة بَعْد هَذِهِ الْأُمَّة وَلَا دِين بَعْد دِينهَا , وَأَنَّ مَنْ دَخَلَ فِيهِ آمَنَ عَلَى نَفْسه فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عَلَيَّ بِهِمْ , فَدَعَا بِهِمْ فَقَالَ ) ‏ ‏فِيهِ حَذْف تَقْدِيره فَرَدُّوهُمْ فَقَالَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَدْ رَأَيْت مِنْكُمْ الَّذِي أَحْبَبْت ) ‏ ‏يُفَسِّرهَا مَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا فِي بَدْء الْوَحْي مُقْتَصِرًا عَلَى قَوْله \" فَقَدْ رَأَيْت \" وَاكْتَفَى بِذَلِكَ عَمَّا بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ ) ‏ ‏يُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ مِنْ عَادَتهمْ السُّجُود لِمُلُوكِهِمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى تَقْبِيلهمْ الْأَرْض حَقِيقَة. فَإِنَّ الَّذِي يَفْعَل ذَلِكَ رُبَّمَا صَارَ غَالِبًا كَهَيْئَةِ السَّاجِد , وَأَطْلَقَ أَنَّهُمْ رَضَوْا عَنْهُ بِنَاء عَلَى رُجُوعهمْ عَمَّا كَانُوا هَمُّوا بِهِ عِنْد تَفَرُّقهمْ عَنْهُ مِنْ الْخُرُوج وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ : الْبُدَاءَة بِاسْمِ الْكَاتِب قَبْل الْمَكْتُوب إِلَيْهِ , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ الْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ عَامِله عَلَى الْبَحْرَيْنِ فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ \" مِنْ الْعَلَاء إِلَى مُحَمَّد رَسُول اللَّه \" وَقَالَ مَيْمُون : كَانَتْ عَادَة مُلُوك الْعَجَم إِذَا كَتَبُوا إِلَى مُلُوكهمْ بَدَءُوا بِاسْمِ مُلُوكهمْ فَتَبِعَتْهُمْ بَنُو أُمَيَّة. قُلْت : وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَام أَنَّ اِبْن عُمَر كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَة فَبَدَأَ بِاسْمِ مُعَاوِيَة , وَإِلَى عَبْد الْمَلِك كَذَلِكَ , وَكَذَا جَاءَ عَنْ يَزِيد بْن ثَابِت إِلَى مُعَاوِيَة , عِنْد الْبَزَّار بِسَنَدٍ ضَعِيف عَنْ حَنْظَلَة الْكَاتِب أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَّهَ عَلِيًّا وَخَالِد بْن الْوَلِيد فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِد فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيّ فَبَدَأَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَعِبْ عَلَى وَاحِد مِنْهُمَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى \" أَمَّا بَعْد \" فِي كِتَاب الْجُمُعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4189",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏نَخْلًا وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ ‏ ‏بَيْرُحَاءَ ‏ ‏وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ ‏ { ‏لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ‏} ‏قَامَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ ‏ { ‏لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ‏} ‏وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ ‏ ‏بَيْرُحَاءَ ‏ ‏وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَخْ ‏ ‏ذَلِكَ مَالٌ ‏ ‏رَايِحٌ ‏ ‏ذَلِكَ مَالٌ ‏ ‏رَايِحٌ ‏ ‏وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ قَالَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ‏ ‏قَالَ قَرَأْتُ عَلَى ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏مَالٌ ‏ ‏رَايِحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثُمَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَجَعَلَهَا ‏ ‏لِحَسَّانَ ‏ ‏وَأُبَيٍّ ‏ ‏وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ وَلَمْ يَجْعَلْ لِي مِنْهَا شَيْئًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف وَرَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ مَالِك قَالَ رَابِح ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ الْمَذْكُورَيْنِ رَوَيَا الْحَدِيث عَنْ مَالِك بِإِسْنَادِهِ فَوَافَقَا فِيهِ إِلَّا فِي هَذِهِ اللَّفْظَة , فَأَمَّا رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن يُوسُف فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْوَقْف عَنْهُ , وَوَقَعَ عِنْد الْمِزِّيِّ أَنَّهُ أَوْرَدَهَا فِي التَّفْسِير مَوْصُولَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف أَيْضًا , وَأَمَّا رِوَايَة رَوْح بْن عُبَادَةَ فَتَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَة أَنَّ أَحْمَد وَصَلَهَا عَنْهُ , وَذَكَرْت هُنَاكَ مَا وَقَعَ لِلرُّوَاةِ عَنْ مَالِك فِي ضَبْط هَذِهِ اللَّفْظَة وَهَلْ هِيَ رَابِح بِالْمُوَحَّدَةِ أَوْ التَّحْتَانِيَّة مَعَ الشَّرْح. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَحْيَى قَالَ قَرَأْت عَلَى مَالِك رَايِح ) ‏ ‏كَذَا اِخْتَصَرَهُ , وَكَانَ قَدْ سَاقَهُ بِتَمَامِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْه فِي كِتَاب الْوَكَالَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ هُنَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ ثُمَامَة عَنْ أَنَس قَالَ : فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَيِّ بْن كَعْب , وَأَنَا أَقْرَب إِلَيْهِ مِنْهُمَا , وَلَمْ يَجْعَل لِي مِنْهَا شَيْئًا \" وَهَذَا طَرَف مِنْ الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي الْوَقْف مَعَ شَرْحه , وَأَغْفَلَ الْمِزِّيُّ التَّنْبِيه عَلَى هَذَا الطَّرِيق هُنَا , وَمِمَّنْ عَمِلَ بِالْآيَةِ اِبْن عُمَر فَرَوَى الْبَزَّار مِنْ طَرِيقه أَنَّهُ قَرَأَهَا , قَالَ فَلَمْ أَجِد شَيْئًا أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ مَرْجَانَةَ جَارِيَة لِي رُومِيَّة فَقُلْت : هِيَ حُرَّة لِوَجْهِ اللَّه , فَلَوْلَا أَنِّي لَا أَعُود فِي شَيْء جَعَلْته لِلَّهِ لَتَزَوَّجْتهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4190",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِرَجُلٍ مِنْهُمْ ‏ ‏وَامْرَأَةٍ ‏ ‏قَدْ زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ ‏ ‏كَيْفَ تَفْعَلُونَ بِمَنْ زَنَى مِنْكُمْ قَالُوا ‏ ‏نُحَمِّمُهُمَا ‏ ‏وَنَضْرِبُهُمَا فَقَالَ لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ فَقَالُوا لَا نَجِدُ فِيهَا شَيْئًا فَقَالَ لَهُمْ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏كَذَبْتُمْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَوَضَعَ ‏ ‏مِدْرَاسُهَا ‏ ‏الَّذِي يُدَرِّسُهَا مِنْهُمْ كَفَّهُ عَلَى ‏ ‏آيَةِ الرَّجْمِ ‏ ‏فَطَفِقَ يَقْرَأُ مَا دُونَ يَدِهِ وَمَا وَرَاءَهَا وَلَا يَقْرَأُ ‏ ‏آيَةَ الرَّجْمِ ‏ ‏فَنَزَعَ يَدَهُ عَنْ ‏ ‏آيَةِ الرَّجْمِ ‏ ‏فَقَالَ مَا هَذِهِ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا هِيَ ‏ ‏آيَةُ الرَّجْمِ ‏ ‏فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ مَوْضِعُ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ فَرَأَيْتُ صَاحِبَهَا ‏ ‏يَحْنِي ‏ ‏عَلَيْهَا يَقِيهَا الْحِجَارَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْإِفْرَادِ فِيهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( يَجْنَأ ) ‏ ‏بِجِيمٍ سَاكِنَة ثُمَّ نُون مَفْتُوحَة ثُمَّ هَمْزَة , وللْكُشْمِيهَنِيِّ \" يَجْنِي \" بِالْمُهْمَلَةِ وَكَسْر النُّون بِغَيْرِ هَمْز ‏"
    },
    {
        "id": "4191",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ { ‏كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَيْسَرَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَمَّار الْأَشْجَعِيُّ كُوفِيّ ثِقَة , مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق , وَيَأْتِي فِي النِّكَاح , وَشَيْخه أَبُو حَازِم بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ زَاي هُوَ سَلْمَان الْأَشْجَعِيُّ. وَقَوْله \" خَيْر النَّاس لِلنَّاسِ : أَيْ خَيْر بَعْض النَّاس لِبَعْضِهِمْ أَيْ أَنْفَعهُمْ لَهُمْ , وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ كَانُوا سَبَبًا فِي إِسْلَامهمْ , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَنْدَفِع مَنْ زَعَمَ بِأَنَّ التَّفْسِير الْمَذْكُور لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ قَالَ \" قَالَ عُمَر : لَوْ شَاءَ اللَّه لَقَالَ أَنْتُمْ خَيْر أُمَّة فَكُنَّا كُلّنَا , وَلَكِنْ قَالَ : كُنْتُمْ فَهِيَ خَاصَّة لِأَصْحَابِ مُحَمَّد وَمَنْ صَنَعَ مِثْل صَنِيعهمْ \" وَهَذَا مُنْقَطِع. وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق وَأَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِإِسْنَادٍ جَيِّد قَالَ \" هُمْ الَّذِينَ هَاجَرُوا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَهَذَا أَخَصّ مِنْ الَّذِي قَبْله. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : نَزَلَتْ فِي اِبْن مَسْعُود وَسَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة وَأُبَيِّ بْن كَعْب وَمُعَاذ بْن جَبَل. وَهَذَا مَوْقُوف فِيهِ اِنْقِطَاع , وَهُوَ أَخَصّ مِمَّا قَبْله. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد قَالَ : مَعْنَاهُ عَلَى الشَّرْط الْمَذْكُور تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ إِلَخْ. وَهَذَا أَعَمّ وَهُوَ نَحْو الْأَوَّل. وَجَاءَ فِي سَبَب هَذَا الْحَدِيث مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة قَالَ : كَانَ مَنْ قَبْلكُمْ لَا يَأْمَن هَذَا فِي بِلَاد هَذَا وَلَا هَذَا فِي بِلَاد هَذَا , فَلَمَّا كُنْتُمْ أَنْتُمْ أَمِنَ فِيكُمْ الْأَحْمَر وَالْأَسْوَد. وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ قَالَ : لَمْ تَكُنْ أُمَّة دَخَلَ فِيهَا مِنْ أَصْنَاف النَّاس مِثْل هَذِهِ الْأُمَّة. وَعَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب قَالَ : لَمْ تَكُنْ أُمَّة أَكْثَر اِسْتِجَابَة فِي الْإِسْلَام مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة. أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْهُ. وَهَذَا كُلّه يَقْتَضِي حَمْلهَا عَلَى عُمُوم الْأُمَّة , وَبِهِ جَزَمَ الْفَرَّاء وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ : ( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ ) وَقَوْله : ( وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا ) قَالَ : وَحَذْف كَانَ فِي مِثْل هَذَا وَإِظْهَارهَا سَوَاء. وَقَالَ غَيْره : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( كُنْتُمْ ) فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ أَوْ فِي عِلْم اللَّه تَعَالَى. وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا حَمْل الْآيَة عَلَى عُمُوم الْأُمَّة , وَأَيَّدَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ بَهْز بْن حَكِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة ‏ ‏( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) ‏ ‏قَالَ : أَنْتُمْ مُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّة أَنْتُمْ خَيْرهَا وَأَكْرَمهَا عَلَى اللَّه \" وَهُوَ حَدِيث حَسَن صَحِيح أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ وَالْحَاكِم وَصَحَّحَهُ , وَلَهُ شَاهِد مُرْسَل عَنْ قَتَادَةَ عِنْد الطَّبَرِيِّ رِجَاله ثِقَات. وَفِي حَدِيث عَلِيٍّ عِنْد أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4192",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏فِينَا نَزَلَتْ ‏ { ‏إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ‏} ‏قَالَ نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ ‏ ‏بَنُو حَارِثَةَ ‏ ‏وَبَنُو سَلِمَةَ ‏ ‏وَمَا نُحِبُّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مَرَّةً وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّهَا لَمْ تُنْزَلْ لِقَوْلِ اللَّهِ ‏ { ‏وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله : ( وَاَللَّه وَلِيّهمَا ) ‏ ‏ذَكَرَ الْفَرَّاء أَنَّ فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود \" وَاَللَّه وَلِيّهمْ \" قَالَ : وَهُوَ كَقَوْلِهِ : ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا ) ذَكَرَ الْفَرَّاء أَنَّ فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود \" وَاَللَّه وَلِيّهمْ \" قَالَ : وَهُوَ كَقَوْلِهِ : ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا ). ‏"
    },
    {
        "id": "4193",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ الْفَجْرِ يَقُولُ اللَّهُمَّ الْعَنْ ‏ ‏فُلَانًا ‏ ‏وَفُلَانًا ‏ ‏وَفُلَانًا ‏ ‏بَعْدَ مَا يَقُولُ ‏ ‏سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ‏} ‏رَوَاهُ ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَتْ تَسْمِيَتهمْ فِي غَزْوَة أُحُد مِنْ رِوَايَة مُرْسَلَة أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّف عَقِب هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ عَنْ حَنْظَلَة بْن أَبِي سُفْيَان عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عَلَى صَفْوَان بْن أُمَيَّة وَسُهَيْل بْن عُمَيْر وَالْحَارِث بْن هِشَام , فَنَزَلَتْ \" وَأَخْرَج أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ هَذَا الْحَدِيث مَوْصُولًا مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن حَمْزَة عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ فَسَمَّاهُمْ وَزَادَ فِي آخِر الْحَدِيث \" فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلّهمْ \" وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَوْله فِي بَقِيَّة الْآيَة ( أَوْ يَتُوب عَلَيْهِمْ ) وَلِأَحْمَد أَيْضًا مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عَلَى أَرْبَعَة , فَنَزَلَتْ , قَالَ : وَهَدَاهُمْ اللَّه لِلْإِسْلَامِ \" وَكَانَ الرَّابِع عَمْرو بْنُ الْعَاصِ , فَقَدْ عَزَاهُ السُّهَيْلِيُّ لِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيّ لَكِنْ لَمْ أَرَهُ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ إِسْحَاق بْن رَاشِد عَنْ الزُّهْرِيّ ) ‏ ‏أَيْ بِإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَهُوَ مَوْصُول عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي \" الْمُعْجَم الْكَبِير \" مِنْ طَرِيقه. ‏"
    },
    {
        "id": "4194",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ ‏ ‏قَنَتَ ‏ ‏بَعْدَ الرُّكُوعِ فَرُبَّمَا قَالَ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ ‏ ‏الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ ‏ ‏وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ‏ ‏اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏يَجْهَرُ بِذَلِكَ وَكَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ اللَّهُمَّ الْعَنْ ‏ ‏فُلَانًا ‏ ‏وَفُلَانًا ‏ ‏لِأَحْيَاءٍ مِنْ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُو عَلَى أَحَد أَوْ يَدْعُو لِأَحَدٍ ) ‏ ‏أَيْ فِي صَلَاته. ‏ ‏قَوْله : ( قَنَتَ بَعْد الرُّكُوع ) ‏ ‏تَمَسَّكَ بِمَفْهُومِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُنُوت قَبْل الرُّكُوع , قَالَ : وَإِنَّمَا يَكُون بَعْد الرُّكُوع عِنْد إِرَادَة الدُّعَاء عَلَى قَوْم أَوْ لِقَوْمٍ. وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ مَفْهُومه أَنَّ الْقُنُوت لَمْ يَقَع إِلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَة. وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَقْنُت إِلَّا إِذَا دَعَا لِقَوْمِ أَوْ دَعَا عَلَى قَوْم \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي الْقُنُوت وَفِي مَحَلّه فِي آخِر \" بَاب الْوِتْر \". ‏ ‏قَوْله : ( الْوَلِيد بْن الْوَلِيد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْمُغِيرَة وَهُوَ أَخُو خَالِد بْن الْوَلِيد وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَأُسِرَ وَفَدَى نَفْسه ثُمَّ أَسْلَمَ فَحُبِسَ بِمَكَّة ثُمَّ تَوَاعَدَ هُوَ وَسَلَمَة وَعَيَّاش الْمَذْكُورِينَ مَعَهُ وَهَرَبُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَعَلِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَخْرَجِهِمْ فَدَعَا لَهُمْ , أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق بِسَنَدٍ مُرْسَل , وَمَاتَ الْوَلِيد الْمَذْكُور لَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , رَوَيْنَا ذَلِكَ فِي \" فَوَائِد الزِّيَادَات \" مِنْ حَدِيث الْحَافِظ أَبِي بَكْر بْن زِيَاد النَّيْسَابُورِيّ بِسَنَدٍ عَنْ جَابِر قَالَ \" رَفَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسه مِنْ الرَّكْعَة الْأَخِيرَة مِنْ صَلَاة الصُّبْح صَبِيحَة خَمْس عَشْرَة مِنْ رَمَضَان فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيد بْن الْوَلِيد \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" فَدَعَا بِذَلِكَ خَمْسَة عَشْر يَوْمًا , حَتَّى إِذَا كَانَ صَبِيحَة يَوْم الْفِطْر تَرَكَ الدُّعَاء , فَسَأَلَهُ عُمَر فَقَالَ : أَوَمَا عَلِمْت أَنَّهُمْ قَدِمُوا ؟ قَالَ بَيْنَمَا هُوَ يَذْكُرهُمْ اِنْفَتَحَ عَلَيْهِمْ الطَّرِيق يَسُوق بِهِمْ الْوَلِيد بْن الْوَلِيد قَدْ نَكَتَ إِصْبَعه بِالْحَرَّةِ وَسَاقَ بِهِمْ ثَلَاثًا عَلَى قَدَمَيْهِ فَنَهَجَ بَيْن يَدَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَضَى , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا الشَّهِيد , أَنَا عَلَى هَذَا شَهِيد \" وَرَثَتْهُ أُمّ سَلَمَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبْيَاتِ مَشْهُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَلَمَة بْن هِشَام ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْمُغِيرَة وَهُوَ اِبْن عَمّ الَّذِي قَبْله , وَهُوَ أَخُو أَبِي جَهْل , وَكَانَ مِنْ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَام. وَاسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر بِالشَّامِ سَنَة أَرْبَع عَشْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَيَّاش ) ‏ ‏هُوَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَة وَأَبُوهُ أَبُو رَبِيعَة اِسْمه عَمْرو بْن الْمُغِيرَة فَهُوَ عَمّ الَّذِي قَبْله أَيْضًا , وَكَانَ مِنْ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَام أَيْضًا وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ , ثُمَّ خَدَعَهُ أَبُو جَهْل فَرَجَعَ إِلَى مَكَّة فَحَبَسَهُ , ثُمَّ فَرَّ مَعَ رَفِيقَيْهِ الْمَذْكُورَيْنِ وَعَاشَ إِلَى خِلَافَة عُمَر فَمَاتَ كَانَ سَنَة خَمْس عَشْرَة وَقِيلَ قَبْل ذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ يَقُول فِي بَعْض صَلَاته فِي صَلَاة الْفَجْر ) ‏ ‏كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَنَّهُ لَا يُدَاوِم عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( اللَّهُمَّ اِلْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا لِأَحْيَاءٍ مِنْ الْعَرَب ) ‏ ‏وَقَعَ تَسْمِيَتهمْ فِي رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" اللَّهُمَّ اِلْعَنْ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه : لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ اِسْتِشْكَاله فِي غَزْوَة أُحُد , وَأَنَّ قِصَّة رِعْلٍ وَذَكْوَانَ كَانَتْ عِنْد أُحُد , وَنُزُول ( لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) كَانَ فِي قِصَّة أُحُد فَكَيْف يَتَأَخَّر السَّبَب عَنْ النُّزُول ؟ ثُمَّ ظَهَرَ لِي عِلَّة الْخَبَر وَأَنَّ فِيهِ إِدْرَاجًا , وَأَنَّ قَوْله \" حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه \" مُنْقَطِع مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَمَّنْ بَلَغَهُ , بَيْن ذَلِكَ مُسْلِم فِي رِوَايَة يُونُس الْمَذْكُورَة فَقَالَ هُنَا قَالَ يَعْنِي الزُّهْرِيّ ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا نَزَلَتْ \" وَهَذَا الْبَلَاغ لَا يَصِحّ لَمَا ذَكَرْته , وَقَدْ وَرَدَ فِي سَبَب نُزُول الْآيَة شَيْء آخَر لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ , بِخِلَافِ قِصَّة رِعْلٍ وَذَكْوَانَ , فَعِنْد أَحْمَد وَمُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُسِرَتْ رَبَاعِيَته يَوْم أُحُد وَشُجَّ وَجْهه حَتَّى سَالَ الدَّم عَلَى وَجْهه فَقَالَ : كَيْف يُفْلِح قَوْم فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبّهمْ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) الْآيَة. وَطَرِيق الْجَمْع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلَى الْمَذْكُورِينَ بَعْد ذَلِكَ فِي صَلَاته فَنَزَلَتْ الْآيَة فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا , فِيمَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْأَمْر الْمَذْكُور وَفِيمَا نَشَأَ عَنْهُ مِنْ الدُّعَاء عَلَيْهِمْ , وَذَلِكَ كُلّه فِي أُحُد , بِخِلَافِ قِصَّة رِعْلٍ وَذَكْوَانَ فَإِنَّهَا أَجْنَبِيَّة , وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال إِنَّ قِصَّتهمْ كَانَتْ عَقِب ذَلِكَ وَتَأَخَّرَ نُزُول الْآيَة عَنْ سَبَبهَا قَلِيلًا , ثُمَّ نَزَلَتْ فِي جَمِيع ذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4195",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏الرَّجَّالَةِ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمْ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء فِي قِصَّة الرُّمَاة يَوْم أُحُد , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ مَعَ شَرْحه فِي الْمَغَازِي. ‏"
    },
    {
        "id": "4196",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو يَعْقُوبَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا طَلْحَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَشِيَنَا ‏ ‏النُّعَاسُ وَنَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏قَالَ فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن أَبُو يَعْقُوب ) ‏ ‏هُوَ بَغْدَادِيّ لَقَّبَهُ لُؤْلُؤ , وَيُقَال يُؤْيُؤٌ بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ , وَهُوَ اِبْن عَمّ أَحْمَد بْن مَنِيع , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي كِتَاب الرِّقَاق , وَهُوَ ثِقَة بِاتِّفَاقٍ , وَعَاشَ بَعْد الْبُخَارِيّ ثَلَاث سِنِينَ , مَاتَ سَنَة تِسْع وَخَمْسِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث أَبِي طَلْحَة فِي النُّعَاس يَوْم أُحُد , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْه آخَر عَنْ قَتَادَةَ مَعَ شَرْحه. ‏"
    },
    {
        "id": "4197",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏أُرَاهُ قَالَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ { ‏حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ‏} ‏قَالَهَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَهَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ قَالُوا ‏ { ‏إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يُونُس أُرَاهُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ , الْقَائِل \" أُرَاهُ \" هُوَ الْبُخَارِيّ , وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة بِمَعْنَى أَظُنّهُ , وَكَأَنَّهُ عَرَضَ لَهُ شَكّ فِي اِسْم شَيْخ شَيْخه , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن إِسْحَاق \" عَنْ أَحْمَد بْن يُونُس حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش \" بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور بِغَيْرِ شَكّ , لَكِنْ وَهِمَ الْحَاكِم فِي اِسْتِدْرَاكه. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَصِين ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَاسْمه عُثْمَان بْن عَاصِم , وَلِأَبِي بَكْر بْن عَيَّاش فِي هَذَا الْحَدِيث إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوْيهِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ إِنَّ النَّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي الضُّحَى ) ‏ ‏اِسْمه مُسْلِم بْن صُبَيْح بِالتَّصْغِيرِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَهَا إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام حِين أُلْقِي فِي النَّار ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا \" إِنَّ ذَلِكَ آخِر مَا قَالَ \" وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَاكِم الْمَذْكُورَة , وَوَقَعَ عِنْد النِّسَائِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن أَبِي بُكَيْرٍ عَنْ أَبِي بَكْر كَذَلِكَ , وَعِنْد أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيل بِهَذَا الْإِسْنَاد \" أَنَّهَا أَوَّل مَا قَالَ \" فَيُمْكِن أَنْ يَكُون أَوَّل شَيْء وَآخِر شَيْء قَالَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( حِين قَالُوا إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى مَا أَخْرَجَهُ اِبْن إِسْحَاق مُطَوَّلًا فِي هَذِهِ الْقِصَّة , وَأَنَّ أَبَا سُفْيَان رَجَعَ بِقُرَيْشٍ بَعْد أَنْ تَوَجَّهَ مِنْ أُحُد فَلَقِيَهُ مَعْبَد الْخُزَاعِيُّ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمْع كَثِير , وَقَدْ اِجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْ أُحُد وَنَدِمُوا , فَثَّنَى ذَلِكَ أَبَا سُفْيَان وَأَصْحَابه فَرَجَعُوا , وَأَرْسَلَ أَبُو سُفْيَان نَاسًا فَأَخْبَرُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَبَا سُفْيَان وَأَصْحَابه يَقْصِدُونَهُمْ فَقَالَ : حَسْبنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل. وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ نَحْوه وَلَمْ يُسَمِّ مَعْبَدًا قَالَ \" أَعْرَابِيًّا \" وَمَنْ طَرِيق اِبْن عَبَّاس مَوْصُولًا لَكِنْ بِإِسْنَادٍ لَيِّن قَالَ \" اِسْتَقْبَلَ أَبُو سُفْيَان عِيرًا وَارِدَة الْمَدِينَة \" وَمِنْ طَرِيق مُجَاهِد أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَبِي سُفْيَان فِي الْعَام الْمُقْبِل بَعْد أُحُد , وَهِيَ غَزْوَة بَدْر الْمَوْعِد , وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الْأَوَّل. وَيُقَال إِنَّ الرَّسُول بِذَلِكَ كَانَ نُعَيْم بْن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ , ثُمَّ أَسْلَمَ نُعَيْم فَحَسُنَ إِسْلَامه. قِيلَ إِطْلَاق النَّاس عَلَى الْوَاحِد لِكَوْنِهِ مِنْ جِنْسهمْ كَمَا قَالَ فُلَان يَرْكَب الْخَيْل وَلَيْسَ لَهُ إِذْ ذَاكَ إِلَّا فَرَس وَاحِد. قُلْت : وَفِي صِحَّة هَذَا الْمِثَال نَظَر. ‏"
    },
    {
        "id": "4198",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ آخِرَ قَوْلِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ‏ ‏حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4199",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا النَّضْرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ ‏ ‏شُجَاعًا ‏ ‏أَقْرَعَ لَهُ ‏ ‏زَبِيبَتَانِ ‏ ‏يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ ‏ ‏يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ‏ { ‏وَلَا ‏ ‏يَحْسِبَنَّ ‏ ‏الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ‏} ‏إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4200",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى ‏ ‏قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ ‏ ‏وَأَرْدَفَ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏وَرَاءَهُ يَعُودُ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ‏ ‏فِي ‏ ‏بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ‏ ‏قَبْلَ وَقْعَةِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏قَالَ حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ‏ ‏وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ‏ ‏فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ‏ ‏وَالْيَهُودِ ‏ ‏وَالْمُسْلِمِينَ وَفِي الْمَجْلِسِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ‏ ‏فَلَمَّا غَشِيَتْ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ ‏ ‏خَمَّرَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ‏ ‏أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ ثُمَّ قَالَ لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ‏ ‏أَيُّهَا الْمَرْءُ إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إِنْ كَانَ حَقًّا فَلَا تُؤْذِنَا بِهِ فِي مَجْلِسِنَا ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ‏ ‏بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاغْشَنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ ‏ ‏وَالْيَهُودُ ‏ ‏حَتَّى كَادُوا ‏ ‏يَتَثَاوَرُونَ ‏ ‏فَلَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُخَفِّضُهُمْ ‏ ‏حَتَّى سَكَنُوا ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَابَّتَهُ فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏سَعْدُ ‏ ‏أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ ‏ ‏أَبُو حُبَابٍ ‏ ‏يُرِيدُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ‏ ‏قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ عَنْهُ فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ لَقَدْ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ ‏ ‏الْبُحَيْرَةِ ‏ ‏عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ فَلَمَّا أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ ‏ ‏شَرِقَ ‏ ‏بِذَلِكَ فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ ‏ ‏وَأَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذَى قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ‏} ‏الْآيَةَ وَقَالَ اللَّهُ ‏ { ‏وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ‏} ‏إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَأَوَّلُ الْعَفْوَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ ‏ ‏صَنَادِيدَ ‏ ‏كُفَّارِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ‏ ‏وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ هَذَا أَمْرٌ قَدْ ‏ ‏تَوَجَّهَ ‏ ‏فَبَايَعُوا الرَّسُولَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَلَى قَطِيفَة فَدَكِيَّة ) ‏ ‏أَيْ كِسَاء غَلِيظ مَنْسُوب إِلَى فَدَك بِفَتْحِ الْفَاء وَالدَّال , وَهِيَ بَلَد مَشْهُور عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( يَعُود سَعْد بْن عُبَادَةَ ) ‏ ‏فِيهِ عِيَادَة الْكَبِير بَعْض أَتْبَاعه فِي دَاره. ‏ ‏وَقَوْله : ( فِي بَنِي الْحَارِث بْن الْخَزْرَج ) ‏ ‏أَيْ فِي مَنَازِل بَنِي الْحَارِث وَهُمْ قَوْم سَعْد بْن عُبَادَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَبْل وَقْعَة بَدْرٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَقِيعَة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَذَلِكَ قَبْل أَنْ يُسْلِم عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ ) ‏ ‏أَيْ قَبْل الْإِسْلَام. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا فِي الْمَجْلِس أَخْلَاط مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَة الْأَوْثَان وَالْيَهُود وَالْمُسْلِمِينَ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ تَكْرَار لَفْظ الْمُسْلِمِينَ آخِرًا بَعْد الْبُدَاءَة بِهِ , وَالْأَوْلَى حَذْف أَحَدهمَا , وَسَقَطَتْ الثَّانِيَة مِنْ رِوَايَة مُسْلِم وَغَيْره. وَأَمَّا قَوْله \" عَبَدَة الْأَوْثَان \" فَعَلَى الْبَدَل مِنْ الْمُشْرِكِينَ , وَقَوْله \" الْيَهُود \" يَجُوز أَنْ يَكُون مَعْطُوفًا عَلَى الْبَدَل أَوْ عَلَى الْمُبْدَل مِنْهُ وَهُوَ أَظْهَر ; لِأَنَّ الْيَهُود مُقِرُّونَ بِالتَّوْحِيدِ , نَعَمْ مِنْ لَازِم قَوْل مَنْ قَالَ مِنْهُمْ عُزَيْر اِبْن اللَّه تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلهمْ الْإِشْرَاكُ , وَعَطْفهمْ عَلَى أَحَد التَّقْدِيرَيْنِ تَنْوِيهًا بِهِمْ فِي الشَّرّ , ثُمَّ ظَهَرَ لِي رُجْحَان أَنْ يَكُون عَطْفًا عَلَى الْمُبْدَل مِنْهُ كَأَنَّهُ فَسَّرَ الْمُشْرِكِينَ بِعَبَدَةِ الْأَوْثَان وَبِالْيَهُودِ , وَمِنْهُ يَظْهَر تَوْجِيه إِعَادَة لَفْظ الْمُسْلِمِينَ كَأَنَّهُ فَسَّرَ الْأَخْلَاط بِشَيْئَيْنِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ , ثُمَّ لَمَّا فَسَّرَ الْمُشْرِكِينَ بِشَيْئَيْنِ رَأَى إِعَادَة ذِكْر الْمُسْلِمِينَ تَأْكِيدًا , وَلَوْ كَانَ قَالَ : لَا هُنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُود مَا اِحْتَاجَ إِلَى إِعَادَة , وَإِطْلَاق الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْيَهُود لِكَوْنِهِمْ يُضَاهُونَ قَوْلهمْ وَيُرَجِّحُونَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيُوَافِقُونَهُمْ فِي تَكْذِيب الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَمُعَادَاته وَقِتَاله بَعْدَمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقّ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِر الْحَدِيث \" قَالَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيِّ بْن سَلُول وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَة الْأَوْثَان \" فَعَطَفَ عَبَدَة الْأَوْثَان عَلَى الْمُشْرِكِينَ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَجَاجَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَجِيمَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَة أَيْ غُبَارهَا وَقَوْله \" خَمَّرَ \" أَيْ غَطَّى , وَقَوْله \" أَنْفه \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَجْهه \". ‏ ‏قَوْله : ( فَسَلَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏يُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز السَّلَام عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانَ مَعَهُمْ كُفَّار وَيَنْوِي حِينَئِذٍ بِالسَّلَامِ الْمُسْلِمِينَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الَّذِي سَلَّمَ بِهِ عَلَيْهِمْ صِيغَة عُمُوم فِيهَا تَخْصِيص كَقَوْلِهِ السَّلَام عَلَى مَنْ اِتَّبَعَ الْهُدَى. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ ) ‏ ‏عَبَّرَ عَنْ اِنْتِهَاء مَسِيره بِالْوُقُوفِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّهُ لَا أَحْسَن مِمَّا تَقُول ) ‏ ‏بِنَصْبِ أَحْسَن وَفَتْح أَوَّله عَلَى أَنَّهُ أَفْعَل تَفْضِيل , وَيَجُوز فِي أَحْسَن الرَّفْع عَلَى أَنَّهُ خَبَر لَا وَالِاسْم مَحْذُوف أَيْ لَا شَيْء أَحْسَن مِنْ هَذَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر السِّين وَضَمّ النُّون , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أُخْرَى لَأَحْسَنُ بِحَذْفِ الْأَلِف لَكِنْ بِفَتْحِ السِّين وَضَمّ النُّون عَلَى أَنَّهَا لَام الْقَسَم كَأَنَّهُ قَالَ أَحْسَن مِنْ هَذَا أَنْ تَقْعُد فِي بَيْتك , حَكَاهُ عِيَاض عَنْ أَبِي عَلِيّ وَاسْتَحْسَنَهُ , وَحَكَى اِبْن الْجَوْزِيّ تَشْدِيد السِّين الْمُهْمَلَة بِغَيْرِ نُون مِنْ الْحِسّ أَيْ لَا أَعْلَم مِنْهُ شَيْئًا. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَثَاوَرُونَ ) ‏ ‏بِمُثَلَّثَةِ أَيْ يَتَوَاثَبُونَ , أَيْ قَارَبُوا أَنْ يَثِب بَعْضهمْ عَلَى بَعْض فَيَقْتَتِلُوا , يُقَال ثَارَ إِذَا قَامَ بِسُرْعَةٍ وَانْزِعَاج. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى سَكَنُوا ) ‏ ‏بِالنُّونِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَعِنْد الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْمُثَنَّاةِ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس أَنَّهُ نَزَلَ فِي ذَلِكَ ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا ) الْآيَة , وَقَدْ قَدَّمْت مَا فِيهِ مِنْ الْإِشْكَال وَجَوَابه عِنْد شَرْح حَدِيث أَنَس فِي كِتَاب الصُّلْح. ‏ ‏قَوْله : ( أَيَا سَعْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَيْ سَعْد \". ‏ ‏قَوْله : ( أَبُو حُبَاب ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ الْأَوَّل خَفِيفَة وَهِيَ كُنْيَة عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , وَكَنَّاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْحَالَة لِكَوْنِهِ كَانَ مَشْهُورًا بِهَا أَوْ لِمَصْلَحَةِ التَّأَلُّف. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَقَدْ اِصْطَلَحَ ) ‏ ‏بِثُبُوتِ الْوَاو لِلْأَكْثَرِ وَبِحَذْفِهَا لِبَعْضِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( أَهْل هَذِهِ الْبَحْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَمَوِيِّ \" الْبُحَيْرَة \" بِالتَّصْغِيرِ , وَهَذَا اللَّفْظ يُطْلَق عَلَى الْقَرْيَة وَعَلَى الْبَلَد , وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة , وَنَقَلَ يَاقُوت أَنَّ الْبَحْرَة مِنْ أَسْمَاء الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيَعْصِبُوهُ بِالْعِصَابَةِ ) ‏ ‏يَعْنِي يُرَئِّسُوهُ عَلَيْهِمْ وَيُسَوِّدُوهُ , وَسَمَّى الرَّئِيس مُعَصَّبًا لِمَا يَعْصِب بِرَأْسِهِ مِنْ الْأُمُور , أَوْ لِأَنَّهُمْ يَعْصِبُونَ رُءُوسهمْ بِعِصَابَةٍ لَا تَنْبَغِي لِغَيْرِهِمْ يَمْتَازُونَ بِهَا , وَوَقَعَ فِي غَيْر الْبُخَارِيّ \" فَيَعْصِبُونَهُ \" وَالتَّقْدِير فَهُمْ يَعْصِبُونَهُ أَوْ فَإِذَا هُمْ يَعْصِبُونَهُ ; وَعِنْد اِبْن إِسْحَاق لَقَدْ جَاءَنَا اللَّه بِك وَإِنَّا لَنَنْظِم لَهُ الْخَرَز لِنُتَوِّجهُ , فَهَذَا تَفْسِير الْمُرَاد وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( شَرِقَ بِذَلِكَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَكَسْر الرَّاء أَيْ غَصَّ بِهِ , وَهُوَ كِنَايَة عَنْ الْحَسَد , يُقَال غَصَّ بِالطَّعَامِ وَشَجِيَ بِالْعَظْمِ وَشَرِقَ بِالْمَاءِ إِذَا اِعْتَرَضَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَلْق فَمَنَعَهُ الْإِسَاغَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه يَعْفُونَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْل الْكِتَاب ) ‏ ‏هَذَا حَدِيث آخَر أَفْرَدَهُ اِبْن حَاتِم فِي التَّفْسِير عَنْ الَّذِي قَبْله وَإِنْ كَانَ الْإِسْنَاد مُتَّحِدًا , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم الْحَدِيث الَّذِي قَبْله مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ وَلَمْ يُخَرِّج شَيْئًا مِنْ هَذَا الْحَدِيث الْآخَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّه ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ) إِلَى آخِر الْآيَة ) ‏ ‏سَاقَ فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي الْيَمَان بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور الْآيَة وَبِمَا بَعْدَ مَا سَاقَهُ الْمُصَنِّف مِنْهَا تَتَبَيَّن الْمُنَاسَبَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ( فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا ). ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَذِنَ اللَّه فِيهِمْ ) ‏ ‏أَيْ فِي قِتَالهمْ , أَيْ فَتَرَكَ الْعَفْو عَنْهُمْ , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ تَرَكَهُ أَصْلًا بَلْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَرْك الْقِتَال أَوَّلًا وُقُوعه آخِرًا , وَإِلَّا فَعَفْوه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَثِير مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُود بِالْمَنِّ وَالْفِدَاء وَصَفْحه عَنْ الْمُنَافِقِينَ مَشْهُور فِي الْأَحَادِيث وَالسِّيَر. ‏ ‏قَوْله : ( صَنَادِيد ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُون خَفِيفَة جَمْع صِنْدِيد بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُون وَهُوَ الْكَبِير فِي قَوْمه. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا أَمْر قَدْ تَوَجَّهَ ) ‏ ‏أَيْ ظَهَرَ وَجْهه. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَايَعُوا ) ‏ ‏بِلَفْظِ الْمَاضِي , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِلَفْظِ الْأَمْر. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4201",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَحَلَفُوا وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَنَزَلَتْ ‏ { ‏لَا ‏ ‏يَحْسِبَنَّ ‏ ‏الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي كَثِير الْمَدَنِيّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ إِلَى شَيْخ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ ) ‏ ‏هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيُّ فِي سَبَب نُزُول الْآيَة وَأَنَّ الْمُرَاد مَنْ كَانَ يَعْتَذِر عَنْ التَّخَلُّف مِنْ الْمُنَافِقِينَ , وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الَّذِي بَعْدَهُ أَنَّ الْمُرَاد مَنْ أَجَابَ مِنْ الْيَهُود بِغَيْرِ مَا سُئِلَ عَنْهُ وَكَتَمُوا مَا عِنْدهمْ مِنْ ذَلِكَ , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ تَكُون الْآيَة نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ مَعًا , وَبِهَذَا أَجَابَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره , وَحَكَى الْفَرَّاء أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْل الْيَهُود نَحْنُ أَهْل الْكِتَاب الْأُوَل وَالصَّلَاة وَالطَّاعَة , وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُقِرُّونَ بِمُحَمَّدٍ فَنَزَلَتْ ( وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ) وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طُرُق أُخْرَى عَنْ جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ نَحْو ذَلِكَ وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ , وَلَا مَانِع أَنْ تَكُون نَزَلَتْ فِي كُلّ ذَلِكَ , أَوْ نَزَلَتْ فِي أَشْيَاء خَاصَّة وَعُمُومهَا يَتَنَاوَل كُلّ مَنْ أَتَى بِحَسَنَةٍ فَفَرِحَ بِهَا فَرَح إِعْجَاب وَأَحَبَّ أَنْ يَحْمَدهُ النَّاس وَيُثْنُوا عَلَيْهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4202",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مَرْوَانَ ‏ ‏قَالَ لِبَوَّابِهِ اذْهَبْ يَا ‏ ‏رَافِعُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقُلْ لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَمَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ ‏ ‏إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَهُودَ ‏ ‏فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَأَرَوْهُ أَنْ قَدْ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ ثُمَّ قَرَأَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ { ‏وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ‏ ‏كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ ‏ ‏يَفْرَحُونَ بِمَا ‏ ‏أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ‏} ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْحَجَّاجُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏مَرْوَانَ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "قَوْله : ( أَخْبَرَنَا هِشَام ) هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" أَخْبَرَنِي اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ \" وَسَيَأْتِي , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عَلْقَمَة بْن وَقَّاص ) ‏ ‏هُوَ اللَّيْثِيُّ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ لَهُ صُحْبَةً. وَهُوَ رَاوِي حَدِيث الْأَعْمَال عَنْ عُمَر. قَوْله : ( إِنَّ مَرْوَان ) هُوَ اِبْن الْحَكَم بْن أَبِي الْعَاصِ الَّذِي وَلِيَ الْخِلَافَة , وَكَانَ يَوْمَئِذٍ أَمِير الْمَدِينَة مِنْ قِبَل مُعَاوِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لِبَوَّابِهِ اِذْهَبْ يَا رَافِع إِلَى اِبْن عَبَّاس فَقُلْ ) ‏ ‏رَافِع هَذَا لَمْ أَرَ لَهُ ذِكْرًا فِي كِتَاب الرُّوَاة إِلَّا بِمَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيث , وَاَلَّذِي يَظْهَر مِنْ سِيَاق الْحَدِيث أَنَّهُ تَوَجَّهَ إِلَى اِبْن عَبَّاس فَبَلَّغَهُ الرِّسَالَة وَرَجَعَ إِلَى مَرْوَان بِالْجَوَابِ فَلَوْلَا أَنَّهُ مُعْتَمَد عِنْد مَرْوَان مَا قَنَعَ بِرِسَالَتِهِ , لَكِنْ قَدْ أَلْزَم الْإِسْمَاعِيلِيّ الْبُخَارِيّ أَنْ يُصَحِّح حَدِيث بُسْرَة بْن صَفْوَان فِي نَقْضِ الْوُضُوء مِنْ مَسّ الذَّكَر فَإِنَّ عُرْوَة وَمَرْوَان اِخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ فَبَعَثَ مَرْوَان حَرَسِيّه إِلَى بُسْرَة فَعَادَ إِلَيْهِ بِالْجَوَابِ عَنْهَا فَصَارَ الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة عُرْوَة عَنْ رَسُول مَرْوَان عَنْ بُسْرَة \" وَرَسُول مَرْوَان مَجْهُول الْحَال فَتَوَقَّفَ عَنْ الْقَوْل بِصِحَّةِ الْحَدِيث جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة لِذَلِكَ , فَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ إِنَّ الْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث الْبَاب شَبِيهَة بِحَدِيثِ بُسْرَة , فَإِنْ كَانَ رَسُول مَرْوَان مُعْتَمَدًا فِي هَذِهِ فَلْيُعْتَمَدْ فِي الْأُخْرَى فَإِنَّهُ لَا فَرْق بَيْنهمَا. إِلَّا أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّة سَمَّى رَافِعًا وَلَمْ يُسَمِّ الْحَرَسِيّ , قَالَ وَمَعَ هَذَا فَاخْتُلِفَ عَلَى اِبْن جُرَيْجٍ فِي شَيْخ شَيْخه فَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق وَهِشَام عَنْهُ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَلْقَمَة , وَقَالَ حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَبْد الْمَلِك بْن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن , فَصَارَ لِهِشَامٍ مُتَابِع وَهُوَ عَبْد الرَّزَّاق وَلِحَجَّاجِ بْن مُحَمَّد مُتَابِع وَهُوَ مُحَمَّد , وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ كَمَا قَالَ عَبْد الرَّزَّاق. وَاَلَّذِي يَتَحَصَّل لِي مِنْ الْجَوَاب عَنْ هَذَا الِاحْتِمَال أَنْ يَكُون عَلْقَمَة بْن وَقَّاص كَانَ حَاضِرًا عِنْد اِبْن عَبَّاس لَمَّا أَجَابَ , فَالْحَدِيث مِنْ رِوَايَة عَلْقَمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَإِنَّمَا قَصَّ عَلْقَمَة سَبَب تَحْدِيث اِبْن عَبَّاس بِذَلِكَ فَقَطْ , وَكَذَا أَقُول فِي حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن فَكَأَنَّ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ حَمَلَهُ عَنْ كُلّ مِنْهُمَا , وَحَدَّثَ بِهِ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ كُلّ مِنْهُمَا , فَحَدَّثَ بِهِ اِبْن جُرَيْجٍ تَارَة عَنْ هَذَا وَتَارَة عَنْ هَذَا. وَقَدْ رَوَى اِبْن مَرْدَوْيهِ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد مَا يَدُلّ عَلَى سَبَب إِرْسَاله لِابْنِ عَبَّاس فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ هِشَام بْن سَعْد عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ قَالَ : كَانَ أَبُو سَعِيد وَزَيْد بْن ثَابِت وَرَافِع بْن خَدِيج عِنْد مَرْوَان فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيد أَرَأَيْت قَوْل اللَّه - فَذَكَرَ الْآيَة - فَقَالَ : إِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ ذَاكَ , إِنَّمَا ذَاكَ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ - فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث الْبَاب وَفِيهِ - فَإِنْ كَانَ لَهُمْ نَصْر وَفَتْح حَلَفُوا لَهُمْ عَلَى سُرُورهمْ بِذَلِكَ لِيَحْمَدُوهُمْ عَلَى فَرَحهمْ وَسُرُورهمْ , فَكَأَنَّ مَرْوَان تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ , فَقَالَ أَبُو سَعِيد : هَذَا يَعْلَم بِهَذَا , فَقَالَ : أَكَذَلِكَ يَا زَيْدُ ؟ قَالَ : نَعَمْ صَدَقَ. وَمِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ زَيْد بْنِ أَسْلَمَ عَنْ رَافِع بْن خَدِيج أَنَّ مَرْوَان سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ بِنَحْوِ مَا قَالَ أَبُو سَعِيد فَكَأَنَّ مَرْوَان أَرَادَ زِيَادَة الِاسْتِظْهَار , فَأَرْسَلَ بَوَّابه رَافِعًا إِلَى اِبْن عَبَّاس يَسْأَلهُ عَنْ ذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْل الْبُخَارِيّ عَقِب الْحَدِيث : تَابَعَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ , فَيُرِيد أَنَّهُ تَابَعَ هِشَام بْن يُوسُف عَلَى رِوَايَته إِيَّاهُ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ. عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَلْقَمَة , وَرِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق وَصَلَهَا فِي التَّفْسِير وَأَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالطَّبَرِيُّ وَأَبُو نُعَيْم وَغَيْرهمْ مِنْ طَرِيقه , وَقَدْ سَاقَ الْبُخَارِيّ إِسْنَاد حَجَّاج عَقِب هَذَا وَلَمْ يَسُقْ الْمَتْن بَلْ قَالَ : عَنْ حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَان بِهَذَا , وَسَاقَهُ مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" إِنَّ مَرْوَان قَالَ لِبَوَّابِهِ اِذْهَبْ يَا رَافِع إِلَى اِبْن عَبَّاس فَقَالَ لَهُ \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث هِشَام. ‏ ‏قَوْله : ( لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَجَّاج بْن مُحَمَّد \" لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعِينَ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودًا فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْء ) فِي رِوَايَة حَجَّاج بْن مُحَمَّد \" إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أَهْل الْكِتَاب \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَرَوْهُ أَنْ قَدْ اِسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَجَّاج بْن مُحَمَّد \" فَخَرَجُوا قَدْ أَرَوْهُ أَنَّهُمْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ وَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ \" وَهَذَا أَوْضَح. ‏ ‏قَوْله : ( بِمَا أَتَوْا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْقَصْرِ بِمَعْنَى جَاءُوا أَيْ بِاَلَّذِي فَعَلُوهُ , وَلِلْحَمَوِيِّ \" بِمَا أُوتُوا \" بِضَمِّ الْهَمْزَة بَعْدهَا وَاو أَيْ أُعْطُوا , أَيْ مِنْ الْعِلْم الَّذِي كَتَمُوهُ , كَمَا قَالَ تَعَالَى ( فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ ) وَالْأَوَّل أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهِ التِّلَاوَة الْمَشْهُورَة , عَلَى أَنَّ الْأُخْرَى قِرَاءَة السُّلَمِيِّ وَسَعِيد بْن جُبَيْر , وَمُوَافَقَة الْمَشْهُورَة أَوْلَى مَعَ مُوَافَقَته لِتَفْسِيرِ اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ فِي الْآيَة الْمَسْئُول عَنْهَا هُمْ الْمَذْكُورُونَ فِي الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا. وَأَنَّ اللَّه ذَمّهمْ بِكِتْمَانِ الْعِلْم الَّذِي أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَكْتُمُوهُ , وَتَوَعَّدَهُمْ بِالْعَذَابِ عَلَى ذَلِكَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن ثَوْر الْمَذْكُورَة \" فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي التَّوْرَاة إِنَّ الْإِسْلَام دِين اللَّه الَّذِي اِفْتَرَضَهُ عَلَى عِبَاده وَإِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏الشَّيْء الَّذِي سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ الْيَهُود لَمْ أَرَهُ مُفَسَّرًا , وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ سَأَلَهُمْ عَنْ صِفَته عِنْدهمْ بِأَمْرٍ وَاضِح , فَأَخْبَرُوهُ عَنْهُ بِأَمْرٍ مُجْمَل. وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْله : ( لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ) قَالَ : مُحَمَّد : وَفِي قَوْله : ( يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا ) قَالَ : بِكِتْمَانِهِمْ مُحَمَّدًا. وَفِي ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ) ‏ ‏قَالَ : قَوْلهمْ نَحْنُ عَلَى دِين إِبْرَاهِيم. ‏"
    },
    {
        "id": "4203",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ ‏ { ‏إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي ‏ ‏الْأَلْبَابِ ‏} ‏ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ ‏ ‏وَاسْتَنَّ ‏ ‏فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ أَذَّنَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4204",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَطُرِحَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وِسَادَةٌ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي طُولِهَا فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ ‏ ‏قَرَأَ الْآيَاتِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ آلِ ‏ ‏عِمْرَانَ ‏ ‏حَتَّى خَتَمَ ثُمَّ أَتَى ‏ ‏شَنًّا ‏ ‏مُعَلَّقًا فَأَخَذَهُ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ ‏ ‏يُصَلِّي فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي فَجَعَلَ ‏ ‏يَفْتِلُهَا ‏ ‏ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4205",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْنُ بْنُ عِيسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ ‏ ‏مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهْيَ خَالَتُهُ قَالَ فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدَيْهِ ثُمَّ ‏ ‏قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ ‏ ‏آلِ ‏ ‏عِمْرَانَ ‏ ‏ثُمَّ قَامَ إِلَى ‏ ‏شَنٍّ ‏ ‏مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ ‏ ‏يُصَلِّي فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي بِيَدِهِ الْيُمْنَى ‏ ‏يَفْتِلُهَا ‏ ‏فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4206",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ ‏ ‏مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهْيَ خَالَتُهُ قَالَ فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ ثُمَّ ‏ ‏قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ ‏ ‏آلِ ‏ ‏عِمْرَانَ ‏ ‏ثُمَّ قَامَ إِلَى ‏ ‏شَنٍّ ‏ ‏مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ ‏ ‏يُصَلِّي قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى ‏ ‏يَفْتِلُهَا ‏ ‏فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4207",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَهَا وَكَانَ لَهَا ‏ ‏عَذْقٌ ‏ ‏وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ ‏ ‏فَنَزَلَتْ فِيهِ ‏ { ‏وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ‏} ‏أَحْسِبُهُ قَالَ كَانَتْ شَرِيكَتَهُ فِي ذَلِكَ ‏ ‏الْعَذْقِ ‏ ‏وَفِي مَالِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف , وَهَذِهِ التَّرْجَمَة مِنْ لَطَائِف أَنْوَاع الْإِسْنَاد , وَهِيَ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ هِشَام , وَهِشَام الْأَعْلَى هُوَ اِبْن عُرْوَة وَالْأَدْنَى اِبْن يُوسُف. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَة فَنَكَحَهَا ) هَكَذَا قَالَ هِشَام عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ فَأَوْهَمَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَخْص مُعَيَّن , وَالْمَعْرُوف عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة التَّعْمِيم , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ وَلَفْظه \" أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُل يَكُون عِنْده الْيَتِيمَة إِلَخْ \" وَكَذَا هُوَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِي هَذِهِ مِنْ طَرِيق اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة , وَفِيهِ شَيْء آخَر نَبَّهَ عَلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَهُوَ قَوْله \" فَكَانَ لَهَا عَذْق فَكَانَ يُمْسِكهَا عَلَيْهِ \" فَإِنَّ هَذَا نَزَلَ فِي الَّتِي يَرْغَب عَنْ نِكَاحهَا , وَأَمَّا الَّتِي يَرْغَب فِي نِكَاحهَا فَهِيَ الَّتِي يُعْجِبهُ مَالهَا وَجَمَالهَا فَلَا يُزَوِّجهَا لِغَيْرِهِ وَيُرِيد أَنْ يَتَزَوَّجهَا بِدُونِ صَدَاق مِثْلهَا , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن شِهَاب الَّتِي بَعْد هَذِهِ التَّنْصِيص عَلَى الْقِصَّتَيْنِ , وَرِوَايَة حَجَّاج بْن مُحَمَّد سَالِمَة مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاض فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا \" أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُل يَكُون عِنْده الْيَتِيمَة وَهِيَ ذَات مَال إِلَخْ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي أَوَاخِر هَذِهِ السُّورَة مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة , وَفِي النِّكَاح مِنْ طَرِيق وَكِيع كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام. ‏ ‏قَوْله : ( عَذْق ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة : النَّخْلَة , وَبِالْكَسْرِ الْكِبَاسَة وَالْقِنْو , وَهُوَ مِنْ النَّخْلَة كَالْعُنْقُودِ مِنْ الْكَرْمَة , وَالْمُرَاد هُنَا الْأَوَّل. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَفَسَّرَ الْعَذْق فِي حَدِيث عَائِشَة هَذَا بِالْحَائِطِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ يُمْسِكهَا عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِهِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَيُمْسِك بِسَبَبِهِ \" ‏ ‏قَوْله : ( أَحْسَبهُ قَالَ : كَانَتْ شَرِيكَته فِي ذَلِكَ الْعَذْق ) هُوَ شَكّ مِنْ هِشَام بْن يُوسُف , وَوَقَعَ مُبَيَّنًا مَجْزُومًا بِهِ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة وَلَفْظه \" هُوَ الرَّجُل يَكُون عِنْده الْيَتِيمَة هُوَ وَلِيّهَا وَشَرِيكَته فِي مَاله حَتَّى فِي الْعَذْق فَيَرْغَب أَنْ يَنْكِحهَا وَيَكْرَه أَنْ يُزَوِّجهَا رَجُلًا فَيَشْرَكهُ فِي مَاله فَيَعْضُلهَا , فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ \" وَرِوَايَة اِبْن شِهَاب شَامِلَة لِلْقِصَّتَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْوَصَايَا مِنْ رِوَايَة شُعَيْب عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4208",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ‏ { ‏وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا ‏ ‏تُقْسِطُوا ‏ ‏فِي الْيَتَامَى ‏} ‏فَقَالَتْ ‏ ‏يَا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا تَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ ‏ ‏يُقْسِطَ ‏ ‏فِي صَدَاقِهَا فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ ‏ ‏يُقْسِطُوا ‏ ‏لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أَعْلَى ‏ ‏سُنَّتِهِنَّ ‏ ‏فِي الصَّدَاقِ فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَإِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ‏} ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى ‏ { ‏وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ‏} ‏رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ قَالَتْ فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَنْ مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا ‏ ‏بِالْقِسْطِ ‏ ‏مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْيَتِيمَة ) ‏ ‏أَيْ الَّتِي مَاتَ أَبُوهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فِي حِجْر وَلِيّهَا ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي يَلِي مَالهَا. ‏ ‏قَوْله : ( بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِط فِي صَدَاقهَا ) ‏ ‏فِي النِّكَاح مِنْ رِوَايَة عَقِيل عَنْ اِبْن شِهَاب \" وَيُرِيد أَنْ يَنْتَقِص مِنْ صَدَاقهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَيُعْطِيهَا مِثْل مَا يُعْطِينَهَا غَيْره ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى مَعْمُول بِغَيْرِ أَيْ يُرِيد أَنْ يَتَزَوَّجهَا بِغَيْرِ أَنْ يُعْطِيهَا مِثْل مَا يُعْطِيهَا غَيْره , أَيْ مِمَّنْ يَرْغَب فِي نِكَاحهَا سِوَاهُ , وَيَدُلّ عَلَى هَذَا قَوْله بَعْد ذَلِكَ \" فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتهنَّ فِي الصَّدَاق \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَة مِنْ رِوَايَة يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب بِلَفْظِ \" بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِط فِي صَدَاقهَا فَيُعْطِيهَا مِثْل مَا يُعْطِيهَا غَيْره \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاء سِوَاهُنَّ ) ‏ ‏أَيْ بِأَيِّ مَهْر تَوَافَقُوا عَلَيْهِ , وَتَأْوِيل عَائِشَة هَذَا جَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ , وَعَنْ مُجَاهِد مُنَاسَبَة تَرَتُّب قَوْله : ( فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ ) عَلَى قَوْله : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ) شَيْء آخَر , قَالَ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ) أَيْ إِذَا كُنْتُمْ تَخَافُونَ أَنْ لَا تَعْدِلُوا فِي مَال الْيَتَامَى فَتَحَرَّجْتُمْ أَنْ لَا تَلُوهَا فَتَحَرَّجُوا مِنْ الزِّنَا وَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء , وَعَلَى تَأْوِيل عَائِشَة يَكُون الْمَعْنَى وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي نِكَاح الْيَتَامَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُرْوَة قَالَتْ عَائِشَة ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى الْإِسْنَاد الْمَذْكُور وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَدَاة عَطْف , وَفِي رِوَايَة عَقِيل وَشُعَيْب الْمَذْكُورَيْنِ \" قَالَتْ عَائِشَة فَاسْتَفْتَى النَّاس \" إِلَخْ. ‏ ‏قَوْله : ( بَعْد هَذِهِ الْآيَة ) ‏ ‏أَيْ بَعْد نُزُول هَذِهِ الْآيَة بِهَذِهِ الْقِصَّة , وَفِي رِوَايَة عَقِيل \" بَعْد ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّه ( وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاءِ ) قَالَتْ عَائِشَة وَقَوْل اللَّه تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى ( وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ) ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة صَالِح وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي آيَة أُخْرَى وَإِنَّمَا هُوَ فِي نَفْس الْآيَة وَهِيَ قَوْله ( وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاءِ ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب وَعَقِيل \" فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاءِ - إِلَى قَوْله - وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ) ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ رِوَايَة الْبُخَارِيّ شَيْء اِقْتَضَى هَذَا الْخَطَأ , فَفِي صَحِيح مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَالنَّسَائِيِّ وَاللَّفْظ لَهُ مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي هَذَا الْمَوْضِع \" فَأَنْزَلَ اللَّه ( يَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ) فَذَكَرَ اللَّه أَنْ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب الْآيَة الْأُولَى وَهِيَ قَوْله : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ ) قَالَتْ عَائِشَة : وَقَوْل اللَّه فِي الْآيَة الْأُخْرَى ( وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ) رَغْبَة أَحَدكُمْ إِلَخْ كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب , وَتَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ أَيْضًا فِي الشَّرِكَة مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب مَقْرُونًا بِطَرِيقِ صَالِح بْن كَيْسَانَ الْمَذْكُورَة هُنَا , فَوَضَح بِهَذَا فِي رِوَايَة صَالِح أَنَّ فِي الْبَاب اِخْتِصَارًا , وَقَدْ تَكَلَّفَ لَهُ بَعْض الشُّرَّاح فَقَالَ : مَعْنَى قَوْله \" فِي آيَة أُخْرَى \" أَيْ بَعْد قَوْله : ( وَإِنْ خِفْتُمْ ) وَمَا أَوْرَدْنَاهُ أَوْضَح وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏أَغْفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَاف عَزْو هَذِهِ الطَّرِيق أَيْ طَرِيق صَالِح عَنْ اِبْن شِهَاب إِلَى كِتَاب التَّفْسِير وَاقْتَصَرَ عَلَى عَزْوهَا إِلَى كِتَاب الشَّرِكَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ , رَغْبَة أَحَدكُمْ عَنْ يَتِيمَته ) ‏ ‏فِيهِ تَعْيِين أَحَد الِاحْتِمَالَيْنِ فِي قَوْله : ( وَتَرْغَبُونَ ) لِأَنَّ رَغِبَ يَتَغَيَّر مَعْنَاهُ بِمُتَعَلِّقِهِ يُقَال رَغِبَ فِيهِ إِذَا أَرَادَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يُرِدْهُ , لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ تُحْذَف فِي وَأَنْ تُحْذَف عَنْ , وَقَدْ تَأَوَّلَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ فَقَالَ : نَزَلَتْ فِي الْغَنِيَّة وَالْمُعْدِمَة , وَالْمَرْوِيّ هُنَا عَنْ عَائِشَة أَوْضَح فِي أَنَّ الْآيَة الْأُولَى نَزَلَتْ فِي الْغَنِيَّة , وَهَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي الْمُعْدِمَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَنُهُوا ) ‏ ‏أَيْ نُهُوا عَنْ نِكَاح الْمَرْغُوب فِيهَا لِجَمَالِهَا وَمَالهَا لِأَجْلِ زُهْدهمْ فِيهَا إِذَا كَانَتْ قَلِيلَة الْمَال وَالْجَمَال , فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون نِكَاح الْيَتِيمَتَيْنِ عَلَى السَّوَاء فِي الْعَدْل , وَفِي الْحَدِيث اِعْتِبَار مَهْر الْمِثْل فِي الْمَحْجُورَات وَأَنَّ غَيْرهنَّ يَجُوز نِكَاحهَا بِدُونِ ذَلِكَ , وَفِيهِ أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَزَوَّج مَنْ هِيَ تَحْت حِجْره لَكِنْ يَكُون الْعَاقِد غَيْره , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي النِّكَاح , وَفِيهِ جَوَاز تَزْوِيج الْيَتَامَى قَبْل الْبُلُوغ ; لِأَنَّهُنَّ بَعْد الْبُلُوغ لَا يُقَال لَهُنَّ يَتِيمَات إِلَّا أَنْ يَكُون أُطْلِقَ اِسْتِصْحَابًا لِحَالِهِنَّ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ أَيْضًا فِي كِتَاب النِّكَاح. ‏"
    },
    {
        "id": "4209",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ‏ { ‏وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ‏} ‏أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي وَالِي ‏ ‏الْيَتِيمِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ مَكَانَ ‏ ‏قِيَامِهِ ‏ ‏عَلَيْهِ بِمَعْرُوفٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , وَأَمَّا أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن رَاهْوَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ إِسْحَاق بْن مَنْصُور. ‏ ‏قَوْله : ( فِي مَال الْيَتِيم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فِي وَالِي الْيَتِيم \" وَالْمُرَاد بِوَالِي الْيَتِيم الْمُتَصَرِّف فِي مَاله بِالْوَصِيَّةِ وَنَحْوهَا , وَالضَّمِير فِي كَانَ عَلَى الرِّوَايَة الْأُولَى يَنْصَرِف إِلَى مَصْرِف الْمَال بِقَرِينَةِ الْمَقَام , وَوَقَعَ فِي الْبُيُوع مِنْ طَرِيق عُثْمَان اِبْن فَرْقَد عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة بِلَفْظِ \" أُنْزِلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيم الَّذِي يَقُوم عَلَيْهِ وَيُصْلِح مَاله , إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ \" وَفِي الْبَاب حَدِيث مَرْفُوع أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن الْجَارُود وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق حُسَيْن الْمُكْتِب عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ \" جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي يَتِيمًا لَهُ مَال , وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْء , أَفَآكُل مِنْ مَاله ؟ قَالَ : بِالْمَعْرُوفِ \" وَإِسْنَاده قَوِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا كَانَ فَقِيرًا ) ‏ ‏مَصِير مِنْهُ إِلَى أَنَّ الَّذِي يُبَاح لَهُ الْأُجْرَة مِنْ مَال الْيَتِيم مَنْ اِتَّصَفَ بِالْفَقْرِ , وَقَدْ قَدَّمْت الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الْوَصَايَا , وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ \" أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ اِبْن عَبَّاس يَقُول فِي ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) ‏ ‏قَالَ : بِأَطْرَافِ أَصَابِعه , وَمِنْ طَرِيق عِكْرِمَة \" يَأْكُل وَلَا يَكْتَسِي \" وَمِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ \" يَأْكُل مَا سَدّ الْجَوْعَة وَوَارَى الْعَوْرَة \" وَقَدْ مَضَى بَقِيَّة نَقْل الْخِلَاف فِيهِ فِي الْوَصَايَا. وَقَالَ الْحَسَن بْن حَيّ : يَأْكُل وَصِيّ الْأَب بِالْمَعْرُوفِ , وَأَمَّا قَيِّم الْحَاكِم فَلَهُ أُجْرَة فَلَا يَأْكُل شَيْئًا , وَأَغْرَبَ رَبِيعَة فَقَالَ : الْمُرَاد خِطَاب الْوَلِيّ بِمَا يَصْنَع بِالْيَتِيمِ إِنْ كَانَ غَنِيًّا وَسَّعَ عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِقَدْرِهِ , وَهَذَا أَبْعَدُ الْأَقْوَال كُلّهَا. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ لِبَعْضِ الشُّرَّاح مَا نَصّه : ‏ ‏قَوْله : ( فَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ) ‏ ‏التِّلَاوَة وَمَنْ كَانَ بِالْوَاوِ اِنْتَهَى , وَأَنَا مَا رَأَيْته فِي النُّسَخ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا إِلَّا بِالْوَاوِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4210",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ { ‏وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏هِيَ مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حُمَيْدٍ ) ‏ ‏هُوَ الْقُرَشِيّ الْكُوفِيّ صِهْر عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى يُقَال لَهُ دَار أُمّ سَلَمَة لُقِّبَ بِذَلِكَ لِجَمْعِهِ حَدِيث أُمّ سَلَمَة وَتَتَبُّعه لِذَلِكَ , وَقَالَ اِبْن عَدِيّ : كَانَ لَهُ اِتِّصَال بِأُمِّ سَلَمَة يَعْنِي زَوْج السَّفَّاح الْخَلِيفَة فَلُقِّبَ بِذَلِكَ , وَوَهِمَ الْحَاكِم فَقَالَ : يُلَقَّب جَار أُمّ سَلَمَة , وَثَّقَهُ مُطَيَّن وَقَالَ : كَانَ يُعَدّ فِي حُفَّاظ أَهْل الْكُوفَة , وَمَاتَ سَنَة عِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ , وَوَهِمَ مَنْ قَالَ خِلَاف ذَلِكَ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَشَيْخه عُبَيْد اللَّه الْأَشْجَعِيُّ هُوَ اِبْن عُبَيْد الرَّحْمَن الْكُوفِيّ , وَأَبُوهُ فَرْد فِي الْأَسْمَاء مَشْهُور فِي أَصْحَاب سُفْيَان الثَّوْرِيّ , وَالشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاق , وَالْإِسْنَاد إِلَى عِكْرِمَة كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( هِيَ مُحْكَمَة وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَشْجَعِيِّ \" وَكَانَ اِبْن عَبَّاس إِذَا وَلِيَ رَضَخَ , وَإِذَا كَانَ فِي الْمَال قِلَّة اِعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ , فَذَلِكَ الْقَوْل بِالْمَعْرُوفِ \". وَعِنْد الْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن أَبِي قَيْس عَنْ الشَّيْبَانِيِّ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فِي هَذِهِ الْآيَة قَالَ \" تَرْضَخ لَهُمْ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَال تَقْصِير اِعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏وَصَلَهُ فِي الْوَصَايَا بِلَفْظِ \" إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نُسِخَتْ , وَلَا وَاَللَّه مَا نُسِخَتْ , وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاس بِهَا , هُمَا وَالِيَانِ : وَالٍ يَرِث وَذَلِكَ الَّذِي يُرْزَق , وَوَالٍ لَا يَرِث وَذَلِكَ الَّذِي يُقَال لَهُ بِالْمَعْرُوفِ يَقُول : لَا أَمْلِك لَك أَنْ أُعْطِيك \" وَهَذَانِ الْإِسْنَادَانِ الصَّحِيحَانِ عَنْ اِبْن عَبَّاس هُمَا الْمُعْتَمَدَانِ , وَجَاءَتْ عَنْهُ رِوَايَات مِنْ أَوْجُه ضَعِيفَة عِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم وَابْن مَرْدَوْيهِ أَنَّهَا مَنْسُوخَة , نَسَخَتْهَا آيَة الْمِيرَاث , وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , وَهُوَ قَوْل الْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَعِكْرِمَة وَغَيْر وَاحِد , وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَأَصْحَابهمْ , وَجَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْل آخَر أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد \" أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر قَسَمَ مِيرَاث أَبِيهِ عَبْد الرَّحْمَن فِي حَيَاة عَائِشَة , فَلَمْ يَدَع فِي الدَّار ذَا قَرَابَة وَلَا مِسْكِينًا إِلَّا أَعْطَاهُ مِنْ مِيرَاث أَبِيهِ \" وَتَلَا الْآيَة قَالَ الْقَاسِم فَذَكَرْته لِابْنِ عَبَّاس فَقَالَ : مَا أَصَابَ , لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ , إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى الْوَصِيّ , وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْعَصَبَة أَيْ نُدِبَ لِلْمَيِّتِ أَنْ يُوصِي لَهُمْ. قُلْت : وَهَذَا لَا يُنَافِي حَدِيث الْبَاب , وَهُوَ أَنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَة وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ. وَقِيلَ مَعْنَى الْآيَة : وَإِذَا حَضَرَ قِسْمَةَ الْمِيرَاث قَرَابَة الْمَيِّت مِمَّنْ لَا يَرِث وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين فَإِنَّ نُفُوسهمْ تَتَشَوَّف إِلَى أَخْذ شَيْء مِنْهُ , وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ جَزِيلًا , فَأَمَرَ اللَّه سُبْحَانه أَنْ يَرْضَخ لَهُمْ بِشَيْءٍ عَلَى سَبِيل الْبِرّ وَالْإِحْسَان. وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ هَلْ الْأَمْر فِيهِ عَلَى النَّدْب أَوْ الْوُجُوب ؟ فَقَالَ مُجَاهِد وَطَائِفَة : هِيَ عَلَى الْوُجُوب وَهُوَ قَوْل اِبْن حَزْم أَنَّ عَلَى الْوَارِث أَنْ يُعْطِي هَذِهِ الْأَصْنَاف مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسه. وَنَقَلَ اِبْن الْجَوْزِيّ عَنْ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم أَنَّ الْمُرَاد بِأُولِي الْقَرَابَة مَنْ لَا يَرِث , وَأَنَّ مَعْنَى ( فَارْزُقُوهُمْ ) أَعْطُوهُمْ مِنْ الْمَال. وَقَالَ آخَرُونَ : أَطْعِمُوهُمْ , وَأَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الِاسْتِحْبَاب وَهُوَ الْمُعْتَمَد , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى الْوُجُوب لَاقْتَضَى اِسْتِحْقَاقًا فِي التَّرِكَة وَمُشَارَكَة فِي الْمِيرَاث بِجِهَةٍ مَجْهُولَة فَيُفْضِي إِلَى التَّنَازُع وَالتَّقَاطُع , وَعَلَى الْقَوْل بِالنَّدْبِ فَقَدْ قِيلَ : يَفْعَل ذَلِكَ وَلِيّ الْمَحْجُور , وَقِيلَ لَا بَلْ يَقُول : لَيْسَ الْمَال لِي وَإِنَّمَا هُوَ لِلْيَتِيمِ , وَأَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ) وَعَلَى هَذَا فَتَكُون الْوَاو فِي قَوْله : ( وَقُولُوا ) لِلتَّقْسِيمِ وَعَنْ اِبْن سِيرِينَ وَطَائِفَة : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ ) اِصْنَعُوا لَهُمْ طَعَامًا يَأْكُلُونَهُ , وَأَنَّهَا عَلَى الْعُمُوم فِي مَال الْمَحْجُور وَغَيْره , وَاللَّهُ أَعْلَمُ ‏"
    },
    {
        "id": "4211",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَادَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فِي ‏ ‏بَنِي سَلِمَةَ ‏ ‏مَاشِيَيْنِ فَوَجَدَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا أَعْقِلُ شَيْئًا فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ مَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف , وَابْن الْمُنْكَدِر هُوَ مُحَمَّد. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَابِر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر \" سَمِعْت جَابِرًا \" وَتَقَدَّمْت فِي الطَّهَارَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَادَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏سَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ فِي كِتَاب الْمَرْضَى قُبَيْل كِتَاب الطِّبّ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي بَنِي سَلِمَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر اللَّام هُمْ قَوْم جَابِر , وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ الْخَزْرَج. ‏ ‏قَوْله : ( لَا أَعْقِلُ ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ \" شَيْئًا \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ ) ‏ ‏بَيَّنْت فِي الطَّهَارَة الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ رَشَّ عَلَيْهِ مِنْ الَّذِي فَضَلَ , وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام التَّصْرِيح بِأَنَّهُ صَبَّ عَلَيْهِ نَفْس الْمَاء الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت مَا تَأْمُرنِي أَنْ أَصْنَع فِي مَالِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة الْمَذْكُورَة \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه لِمَنْ الْمِيرَاث , إِنَّمَا يَرِثنِي كَلَالَة \" وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْفَرَائِض. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَلَتْ يُوصِيكُمْ اللَّه فِي أَوْلَادكُمْ ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ , وَقِيلَ إِنَّهُ وَهِمَ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ الصَّوَاب أَنَّ الْآيَة الَّتِي نَزَلَتْ فِي قِصَّة جَابِر هَذِهِ الْآيَة الْأَخِيرَة مِنْ النِّسَاء وَهِيَ ( يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ) لِأَنَّ جَابِرًا يَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَد وَلَا وَالِد , وَالْكَلَالَة مَنْ لَا وَلَد لَهُ وَلَا وَالِد , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ عَمْرو النَّاقِد , وَالنَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّد بْن مَنْصُور كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر فَقَالَ فِي هَذَا الْحَدِيث \" حَتَّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَة الْمِيرَاث : يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ \" وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر قَالَ فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث \" فَنَزَلَتْ آيَة الْمِيرَاث , فَقُلْت لِمُحَمَّدِ بْن الْمُنْكَدِر : يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَة ؟ قَالَ : هَكَذَا أُنْزِلَتْ \" وَقَدْ تَفَطَّنَ الْبُخَارِيّ بِذَلِكَ فَتَرْجَمَ فِي أَوَّل الْفَرَائِض \" قَوْله : يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ - إِلَى قَوْله - وَاَللَّه عَلِيمٌ حَلِيمٌ \" ثُمَّ سَاقَ حَدِيث جَابِر الْمَذْكُور عَنْ قُتَيْبَة عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ وَفِي آخِره \" حَتَّى نَزَلَتْ آيَة الْمِيرَاث \" وَلَمْ يَذْكُر مَا زَادَهُ النَّاقِد , فَأَشْعَرَ بِأَنَّ الزِّيَادَة عِنْده مُدْرَجَة مِنْ كَلَام اِبْن عُيَيْنَةَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ مِثْل رِوَايَة النَّاقِد وَزَادَ فِي آخِره \" كَانَ لَيْسَ لَهُ وَلَد وَلَهُ أَخَوَات \" وَهَذَا مِنْ كَلَام اِبْن عُيَيْنَةَ أَيْضًا , وَقَدْ اِضْطَرَبَ فِيهِ فَأَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ عَبْد الْجَبَّار بْن الْعَلَاء عَنْهُ بِلَفْظِ \" حَتَّى نَزَلَتْ آيَة الْمِيرَاث : إِنْ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ \" وَقَالَ مَرَّة \" حَتَّى نَزَلَتْ آيَة الْكَلَالَة \" وَأَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ , التِّرْمِذِيّ عَنْهُ عَنْ يَحْيَى بْن آدَم عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ \" حَتَّى نَزَلَتْ يُوصِيكُمْ اللَّه فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن أَبِي إِسْرَائِيل عَنْهُ فَقَالَ فِي آخِره \" حَتَّى نَزَلَتْ آيَة الْمِيرَاث : يُوصِيكُمْ اللَّه فِي أَوْلَادكُمْ \" فَمُرَاد الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَة \" إِلَى قَوْله وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ \" الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ مُرَاد جَابِر مِنْ آيَة الْمِيرَاث قَوْله : ( إِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً ) وَأَمَّا الْآيَة الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْله : ( يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ) فَسَيَأْتِي فِي آخِر تَفْسِير هَذِهِ السُّورَة أَنَّهَا مِنْ آخِر مَا نَزَلَ , فَكَأَنَّ الْكَلَالَة لَمَّا كَانَتْ مُجْمَلَة فِي آيَة الْمَوَارِيث اِسْتَفْتَوْا عَنْهَا فَنَزَلَتْ الْآيَة الْأَخِيرَة. وَلَمْ يَنْفَرِد اِبْن جُرَيْجٍ بِتَعْيِينِ الْآيَة الْمَذْكُورَة , فَقَدْ ذَكَرهَا اِبْن عُيَيْنَةَ أَيْضًا عَلَى الِاخْتِلَاف عَنْهُ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن أَبِي قَيْس عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر , وَفِيهِ نَزَلَتْ ( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ) وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ أَيْضًا عَنْ اِبْن الْمَدِينِيّ وَعَنْ الْجُعْفِيِّ مِثْل رِوَايَة قُتَيْبَة بِدُونِ الزِّيَادَة وَهُوَ الْمَحْفُوظ , كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر بِلَفْظِ \" حَتَّى نَزَلَتْ آيَة الْمِيرَاث \" فَالْحَاصِل أَنَّ الْمَحْفُوظ عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر أَنَّهُ قَالَ \" آيَة الْمِيرَاث أَوْ آيَة الْفَرَائِض \" وَالظَّاهِر أَنَّهَا ( يُوصِيكُمْ اللَّه ) كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ وَمَنْ تَابَعَهُ , وَأَمَّا مَنْ قَالَهَا إِنَّهَا ( يَسْتَفْتُونَك ) فَعُمْدَته أَنَّ جَابِرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ حِينَئِذٍ وَلَد وَإِنَّمَا يُورَث كَلَالَة فَكَانَ الْمُنَاسِب لِقِصَّتِهِ نُزُول الْآيَة الْأَخِيرَة , لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ ; لِأَنَّ الْكَلَالَة مُخْتَلَفٌ فِي تَفْسِيرهَا : فَقِيلَ هِيَ اِسْم الْمَال الْمَوْرُوث , وَقِيلَ اِسْم الْمَيِّت , , قِيلَ اِسْم الْإِرْث , وَقِيلَ مَا تَقَدَّمَ. فَلَمَّا لَمْ يُعَيِّن تَفْسِيرهَا بِمَنْ لَا وَلَد لَهُ وَلَا وَالِد لَمْ يَصِحّ الِاسْتِدْلَال لِمَا قَدَّمْته أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي آخِر الْأَمْر وَآيَة الْمَوَارِيث نَزَلَتْ قَبْل ذَلِكَ كَمَا أَخْرَجَ أَحْمَد وَأَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَقِيل عَنْ جَابِر قَالَ \" جَاءَتْ اِمْرَأَة سَعْد بْن الرَّبِيع فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه هَاتَانِ اِبْنَتَا سَعْد بْن الرَّبِيع قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَك فِي أَحَد , وَإِنَّ عَمّهمَا أَخَذَ مَالهمَا. قَالَ : يَقْضِي اللَّه فِي ذَلِكَ فَنَزَلَتْ آيَة الْمِيرَاث. فَأَرْسَلَ إِلَى عَمّهَا فَقَالَ : أَعْطِ اِبْنَتَا سَعْد الثُّلُثَيْنِ وَأُمّهمَا الثُّمُن فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَك \" وَهَذَا ظَاهِر فِي تَقَدُّم نُزُولهَا. نَعَمْ وَبِهِ اِحْتَجَّ مَنْ قَالَ إِنَّهَا لَمْ تَنْزِل فِي قِصَّة جَابِر إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي قِصَّة اِبْنَتَا سَعْد بْن الرَّبِيع , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ إِذْ لَا مَانِع أَنْ تَنْزِل فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون نُزُول أَوَّلهَا فِي قِصَّة الْبِنْتَيْنِ وَآخِرهَا وَهِيَ قَوْله : ( وَإِنْ كَانَ رَجُل يُورَثُ كَلَالَةً ) فِي قِصَّة جَابِر , وَيَكُون مُرَاد جَابِر فَنَزَلَتْ ( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ) أَيْ ذَكَرَ الْكَلَالَة الْمُتَّصِل بِهَذِهِ الْآيَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا تَقَرَّرَ جَمِيع ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ اِبْن جُرَيْجٍ لَمْ يَهِمْ كَمَا جَزَمَ بِهِ الدِّمْيَاطِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ , وَأَنَّ مَنْ وَهَّمَهُ هُوَ الْوَاهِم وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة مَا يَتَعَلَّق بِشَرْحِ هَذَا الْحَدِيث فِي الْفَرَائِض إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ‏"
    },
    {
        "id": "4212",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَرْقَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ ‏ ‏لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ وَللزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ الْمَال لِلْوَلَدِ ) ‏ ‏يُشِير إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْل , وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهَا \" لَمَّا نَزَلَتْ قَالُوا يَا رَسُول اللَّه أَنُعْطِي الْجَارِيَة الصَّغِيرَة نِصْف الْمِيرَاث وَهِيَ لَا تَرْكَب الْفَرَس وَلَا تُدَافِع الْعَدُوّ ؟ قَالَ وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة لَا يُعْطُونَ الْمِيرَاث إِلَّا لِمَنْ قَاتَلَ الْقَوْم \". ‏ ‏قَوْله : ( فَنَسَخَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ ) ‏ ‏هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْأَمْر الْأَوَّل اِسْتَمَرَّ إِلَى نُزُول الْآيَة , وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ النَّسْخ , وَلَمْ يُنْقَل ذَلِكَ عَنْ أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا عَنْ أَبِي مُسْلِم الْأَصْبَهَانِيِّ صَاحِب التَّفْسِير فَإِنَّهُ أَنْكَرَ النَّسْخ مُطْلَقًا , وَرُدَّ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ شَرِيعَة الْإِسْلَام نَاسِخَة لِجَمِيعِ الشَّرَائِع , أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الشَّرَائِع الْمَاضِيَة مُسْتَقِرَّة الْحُكْم إِلَى ظُهُور هَذِهِ الشَّرِيعَة , قَالَ فَسُمِّيَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لَا نَسْخًا , وَلِهَذَا قَالَ اِبْن السَّمْعَانِيِّ : إِنْ كَانَ أَبُو مُسْلِم لَا يَعْتَرِف بِوُقُوعِ الْأَشْيَاء الَّتِي نُسِخَتْ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَة فَهُوَ مُكَابِر , وَإِنْ قَالَ لَا أُسَمِّيه نَسْخًا كَانَ الْخِلَاف لَفْظِيًّا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُس وَالثُّلُث ) ‏ ‏قَالَ الدِّمْيَاطِيّ : قَوْله وَالثُّلُث زِيَادَة هُنَا , وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّف هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي كِتَاب الْفَرَائِض فَلَمْ يَذْكُرهَا قُلْت : اِخْتَصَرَهَا هُنَاكَ , وَلَكِنَّهَا ثَابِتَة فِي تَفْسِير مُحَمَّد بْن يُوسُف الْفِرْيَابِيِّ شَيْخه فِيهِ , وَالْمَعْنَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسَ فِي حَالٍ وَلِلْأُمِّ الثُّلُث فِي حَال , وَوِزَان ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي بَقِيَّة الْحَدِيث \" وَلِلزَّوْجِ النِّصْف وَالرُّبُع \" أَيْ كُلّ مِنْهُمَا فِي حَال. ‏"
    },
    {
        "id": "4213",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏وَذَكَرَهُ ‏ ‏أَبُو الْحَسَنِ السُّوَائِيُّ ‏ ‏وَلَا أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ إِلَّا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ‏} ‏قَالَ كَانُوا ‏ ‏إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَسْبَاط بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة , كُوفِيّ ثِقَة , لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. وَأَوْرَدَهُ فِي كِتَاب الْإِكْرَاه عَنْ حُسَيْن بْن مَنْصُور عَنْهُ أَيْضًا. وَقَدْ قَالَ الدُّورِيّ عَنْ اِبْن مَعِين : كَانَ يُخْطِئ عَنْ سُفْيَان , فَذَكَرَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي الضُّعَفَاء , لَكِنْ قَالَ : كَانَ ثَبْتًا فِيمَا يَرْوِي عَنْ الشَّيْبَانِيِّ وَمُطَرِّف. وَذَكَرَهُ الْعُقَيْلِيُّ وَقَالَ : رُبَّمَا وَهِمَ فِي الشَّيْء , وَقَدْ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيّ بِالسِّنِّ لِأَنَّهُ مَاتَ فِي أَوَّل سَنَة مِائَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الشَّيْبَانِيُّ ) ‏ ‏سَمَّاهُ فِي كِتَاب الْإِكْرَاه سُلَيْمَان بْن فَيْرُوز. ‏ ‏قَوْله : ( وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَن السُّوَائِيُّ , وَلَا أَظُنّهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏حَاصِله أَنَّ لِلشَّيْبَانِيِّ فِيهِ طَرِيقَيْنِ إِحْدَاهُمَا مَوْصُولَة وَهِيَ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَالْأُخْرَى مَشْكُوك فِي وَصْلهَا وَهِيَ أَبُو الْحَسَن السُّوَائِيُّ عَنْ اِبْن عَبَّاس. وَالشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاق , وَالسُّوَائِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْوَاو ثُمَّ أَلِف ثُمَّ هَمْزَة وَاسْمه عَطَاء , وَلَمْ أَقِف لَهُ عَلَى ذِكْر إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة السُّدِّيِّ تَقْيِيد ذَلِكَ بِالْجَاهِلِيَّةِ , وَفِي رِوَايَة الضَّحَّاك تَخْصِيص ذَلِكَ بِأَهْلِ الْمَدِينَة , وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه فِي الْجَاهِلِيَّة أَنْ لَا يَكُون اِسْتَمَرَّ فِي أَوَّل الْإِسْلَام إِلَى أَنْ نَزَلَتْ الْآيَة , فَقَدْ جَزَمَ الْوَاحِدِيّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِي أَوَّل الْإِسْلَام , وَسَاقَ الْقِصَّة مُطَوَّلَة , وَكَأَنَّهُ نَقَلَهُ مِنْ تَفْسِير الشَّعْبِيّ , وَنَقَلَ عَنْ تَفْسِير مُقَاتِل نَحْوه إِلَّا أَنَّهُ خَالَفَ فِي اِسْم اِبْن أَبِي قَيْس فَالْأَوَّل قَالَ قَيْس وَمُقَاتِل قَالَ حُصَيْنٌ , رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَة أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّة خَاصَّة قَالَ : نَزَلَتْ فِي كَبْشَة بِنْت مَعْن بْن عَاصِم مِنْ الْأَوْس وَكَانَتْ تَحْت أَبِي قَيْس بْن الْأَسْلَت فَتُوُفِّيَ عَنْهَا , فَجَنَحَ عَلَيْهَا اِبْنه , فَجَاءَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا نَبِيّ اللَّه لَا أَنَا وَرِثْت زَوْجِي وَلَا تُرِكْت فَأُنْكَح , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة. وَبِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْن سَهْل بْن حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو قَيْس بْن الْأَسْلَت أَرَادَ اِبْنه أَنْ يَتَزَوَّج اِمْرَأَته , وَكَانَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة \". ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقّ بِامْرَأَتِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَة وَحْده عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا الْحَدِيث تَخْصِيص ذَلِكَ بِمِنْ مَاتَ زَوْجهَا قَبْل أَنْ يَدْخُل بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ شَاءَ بَعْضهمْ تَزَوَّجَهَا وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا وَهُمْ أَحَقّ بِهَا مِنْ أَهْلهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة الْمَذْكُورَة \" حَبَسَهَا عَصَبَتُهُ أَنْ تَنْكِح أَحَدًا حَتَّى تَمُوت فَيَرِثُوهَا \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هَذَا مُخَالِف لِرِوَايَةِ أَسْبَاط. قُلْت وَيُمْكِن رَدّهَا إِلَيْهَا بِأَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنْ تَنْكِح إِلَّا مِنْهُمْ أَوْ بِإِذْنِهِمْ , نَعَمْ هِيَ مُخَالِفَة لَهَا فِي التَّخْصِيص السَّابِق , وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" كَانَ الرَّجُل إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ اِمْرَأَة أَلْقَى عَلَيْهَا حَمِيمه ثَوْبًا فَمَنَعَهَا مِنْ النَّاس , فَإِنْ كَانَتْ جَمِيلَة تَزَوَّجَهَا وَإِنْ كَانَتْ دَمِيمَة حَبَسَهَا حَتَّى تَمُوت وَيَرِثهَا \" وَرَوَى الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْحَسَن وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرهمَا \" كَانَ الرَّجُل يَرِث اِمْرَأَة ذِي قَرَابَته فَيَعْضُلهَا حَتَّى تَمُوت أَوْ تَرُدّ إِلَيْهِ الصَّدَاق \" وَزَادَ السُّدِّيُّ \" إِنْ سَبَقَ الْوَارِث فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبه كَانَ أَحَقّ بِهَا , وَإِنْ سَبَقَتْ هِيَ إِلَى أَهْلهَا فَهِيَ أَحَقّ بِنَفْسِهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "4214",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِدْرِيسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ { ‏وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ‏} ‏قَالَ وَرَثَةً ‏ { ‏وَالَّذِينَ ‏ ‏عَاقَدَتْ ‏ ‏أَيْمَانُكُمْ ‏} ‏كَانَ ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمُوا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي ‏ ‏آخَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ‏} ‏نُسِخَتْ ثُمَّ قَالَ ‏ { ‏وَالَّذِينَ ‏ ‏عَاقَدَتْ ‏ ‏أَيْمَانُكُمْ ‏} ‏مِنْ النَّصْرِ ‏ ‏وَالرِّفَادَةِ ‏ ‏وَالنَّصِيحَةِ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصِي لَهُ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏إِدْرِيسَ ‏ ‏وَسَمِعَ ‏ ‏إِدْرِيسُ ‏ ‏طَلْحَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الصَّلْت بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث سَنَدًا وَمَتْنًا فِي الْكَفَالَة , وَأُحِيلَ بِشَرْحِهِ عَلَى هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِدْرِيس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد الْأَوْدِيُّ بِفَتْحِ الْأَلِف وَسُكُون الْوَاو وَالِد عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس الْفَقِيه الْكُوفِيّ , وَإِدْرِيس ثِقَة عِنْدهمْ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي أُسَامَة \" حَدَّثَنَا إِدْرِيس بْن يَزِيد \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ طَلْحَة بْن مُصَرِّف ) ‏ ‏وَقَعَ فِي الْفَرَائِض \" عَنْ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِي أُسَامَة عَنْ إِدْرِيس حَدَّثَنَا طَلْحَة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ , قَالَ : وَرَثَة ) ‏ ‏هَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ بَيْن أَهْل التَّفْسِير مِنْ السَّلَف , أَسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجَاهِد وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرهمْ , ثُمَّ قَالَ : وَتَأْوِيل الْكَلَام وَلِكُلِّكُمْ أَيّهَا النَّاس جَعَلْنَا عَصَبَة يَرِثُونَهُ مِمَّا تَرَكَ وَالِده وَأَقْرَبُوهُ مِنْ مِيرَاثهمْ لَهُ. وَذَكَرَ غَيْره الْآيَة تَقْدِيرًا غَيْر ذَلِكَ فَقِيلَ : التَّقْدِير جَعَلْنَا لِكُلِّ مَيِّت وَرَثَة تَرِث مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ. وَقِيلَ : التَّقْدِير وَلِكُلٍّ مَال مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ جَعَلْنَا وَرَثَة يَحُوزُونَهُ. فَعَلَى هَذَا \" كُلّ \" مُتَعَلِّقَة بِجَعَلَ وَ \" مِمَّا تَرَكَ \" صِفَة لِكُلٍّ وَ \" الْوَالِدَانِ \" فَاعِل تَرَكَ , وَيَلْزَم عَلَيْهِ الْفَصْل بَيْن الْمَوْصُوف وَصِفَته , وَقَدْ سُمِعَ كَثِيرًا , وَفِي الْقُرْآن ( قُلْ أَغَيْر اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ ) فَإِنَّ فَاطِر صِفَة اللَّه اِتِّفَاقًا , وَقِيلَ : التَّقْدِير وَلِكُلِّ قَوْم جَعَلْنَاهُمْ مَوْلًى أَيْ وَرَثَة نَصِيب مِمَّا تَرَكَ وَالِدَاهُمْ وَأَقْرَبُوهُمْ , وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ \" لِكُلٍّ \" خَبَر مُقَدَّم وَ \" نَصِيب \" مُبْتَدَأ مُؤَخَّر وَ ( جَعَلْنَاهُمْ ) صِفَة لِقَوْمِ وَ ( مِمَّا تَرَكَ ) صِفَة لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي حُذِفَ وَ ( نَصِيب ) صِفَته , وَكَذَا حُذِفَ مَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ كُلّ وَبَقِيَتْ صِفَته , وَكَذَا حُذِفَ الْعَائِد عَلَى الْمَوْصُوف , هَذَا حَاصِل مَا ذَكَرَهُ الْمُعْرِبُونَ , وَذَكَرُوا غَيْر ذَلِكَ مِمَّا ظَاهِره التَّكَلُّف. وَأَوْضَح مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يُضَاف إِلَيْهِ كُلّ هُوَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا وَهُوَ قَوْله : ( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ ) ثُمَّ قَالَ ( وَلِكُلٍّ ) أَيْ مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء ( جَعَلْنَا ) أَيْ قَدَّرْنَا ( نَصِيبًا ) أَيْ مِيرَاثًا ( مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ , وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) أَيْ بِالْحَلِفِ أَوْ الْمُوَالَاة وَالْمُؤَاخَاة ( فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) خِطَاب لِمَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ أَيْ مَنْ وُلِّيَ عَلَى مِيرَاث أَحَد فَلْيُعْطِ لِكُلِّ مَنْ يَرِثهُ نَصِيبه , وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْمُتَّضِح يَنْبَغِي أَنْ يَقَع الْإِعْرَاب وَيُتْرَك مَا عَدَاهُ مِنْ التَّعَسُّف. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانكُمْ : كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَة يَرِث الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ دُون ذَوِي رَحِمه لِلْأُخُوَّةِ ) هَكَذَا حَمَلَهَا اِبْن عَبَّاس عَلَى مَنْ آخَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ , وَحَمَلَهَا غَيْره عَلَى أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ فَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُحَالِف الرَّجُل لَيْسَ بَيْنهمْ نَسَب فَيَرِث أَحَدهمَا الْآخَر , فَنُسِخَ ذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُعَاقِد الرَّجُل فَيَرِثهُ , وَعَاقَدَ أَبُو بَكْر مَوْلًى فَوَرِثَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا نَزَلَتْ ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) نُسِخَتْ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ نَاسِخ مِيرَاث الْحَلِيف هَذِهِ الْآيَة. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" كَانَ الرَّجُل يُعَاقِد الرَّجُل , فَإِذَا مَاتَ وَرِثَهُ الْآخَر , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ( وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ) يَقُول إِلَّا أَنْ تُوصُوا لِأَوْلِيَائِكُمْ الَّذِينَ عَاقَدْتُمْ. وَمِنْ طَرِيق قَتَادَةَ : كَانَ الرَّجُل يُعَاقِد الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّة فَيَقُول دَمِي دَمك وَتَرِثنِي وَأَرِثك , فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام أُمِرُوا أَنْ يُؤْتُوهُمْ نَصِيبهمْ مِنْ الْمِيرَاث وَهُوَ السُّدُس , ثُمَّ نُسِخَ بِالْمِيرَاثِ فَقَالَ ( وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ) , وَمِنْ طُرُق شَتَّى عَنْ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء كَذَلِكَ , وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّسْخ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ : الْأُولَى حَيْثُ كَانَ الْمُعَاقِد يَرِث وَحْده دُون الْعَصَبَة فَنَزَلَتْ ( وَلِكُلٍّ ) وَهِيَ آيَة الْبَاب فَصَارُوا جَمِيعًا يَرِثُونَ , وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّل حَدِيث اِبْن عَبَّاس , ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ آيَة الْأَحْزَاب وَخُصَّ الْمِيرَاث بِالْعَصَبَةِ وَبَقِيَ لِلْمُعَاقِدِ النَّصْر وَالْإِرْفَادُ وَنَحْوهمَا , وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّل بَقِيَّة الْآثَار. وَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ اِبْن عَبَّاس فِي حَدِيثه أَيْضًا لَكِنْ لَمْ يَذْكُر النَّاسِخ الثَّانِي , وَلَا بُدّ مِنْهُ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ ( وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) ‏ ‏مِنْ النَّصْر وَالرِّفَادَة وَالنَّصِيحَة وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاث وَيُوصَى لَهُ ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ , وَسَقَطَ مِنْهُ شَيْء بَيَّنَهُ الطَّبَرِيُّ فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي أُسَامَة بِهَذَا الْإِسْنَاد وَلَفْظه : ثُمَّ قَالَ ( وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) مِنْ النَّصْر إِلَخْ , فَقَوْله مِنْ النَّصْر يَتَعَلَّق بِآتُوهُمْ لَا بِعَاقَدَتْ وَلَا بِأَيْمَانِكُمْ , وَهُوَ وَجْه الْكَلَام , وَالرِّفَادَة بِكَسْرِ الرَّاء بَعْدهَا فَاءَ خَفِيفَة الْإِعَانَة بِالْعَطِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ أَبُو أُسَامَة إِدْرِيس وَسَمِعَ إِدْرِيس طَلْحَة ) ‏ ‏وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَحْده , وَقَدْ قَدَّمْت التَّنْبِيه عَلَى مَنْ وَقَعَ عِنْده التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ لِأَبِي أُسَامَة مِنْ إِدْرِيس وَلِإِدْرِيس مِنْ طَلْحَة فِي هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمُصَنِّف , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4215",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ أُنَاسًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَعَمْ ‏ ‏هَلْ ‏ ‏تُضَارُّونَ ‏ ‏فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ قَالُوا لَا قَالَ وَهَلْ ‏ ‏تُضَارُّونَ ‏ ‏فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ قَالُوا لَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا ‏ ‏تُضَارُونَ ‏ ‏فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا ‏ ‏تُضَارُونَ ‏ ‏فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ الْأَصْنَامِ ‏ ‏وَالْأَنْصَابِ ‏ ‏إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ بَرٌّ أَوْ فَاجِرٌ وَغُبَّرَاتُ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏فَيُدْعَى ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏فَيُقَالُ لَهُمْ مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ ‏ ‏عُزَيْرَ ‏ ‏ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ فَمَاذَا تَبْغُونَ فَقَالُوا عَطِشْنَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا فَيُشَارُ أَلَا تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يُدْعَى ‏ ‏النَّصَارَى ‏ ‏فَيُقَالُ لَهُمْ مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ ‏ ‏الْمَسِيحَ ‏ ‏ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ فَيُقَالُ لَهُمْ مَاذَا تَبْغُونَ فَكَذَلِكَ مِثْلَ الْأَوَّلِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ أَتَاهُمْ ‏ ‏رَبُّ الْعَالَمِينَ ‏ ‏فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنْ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا فَيُقَالُ مَاذَا تَنْتَظِرُونَ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ قَالُوا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا عَلَى ‏ ‏أَفْقَرِ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مَرَّتَيْنِ ‏ ‏أَوْ ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي الشَّفَاعَة وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مَعَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور هُنَاكَ وَهُوَ بِطُولِهِ فِي مَعْنَاهُ , وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرهمَا بِتَمَامِهِمَا مُتَوَالِيَيْنِ فِي كِتَاب التَّوْحِيد. وَشَيْخه مُحَمَّد بْن عَبْد الْعَزِيز هُوَ الرَّمْلِيّ يُعْرَف بِابْنِ الْوَاسِطِيِّ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ وَلَيَّنَهُ أَبُو زُرْعَة وَأَبُو حَاتِم , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي الِاعْتِصَام. إِنْ شَخْصًا تَرَكَ رَغِيفًا حَتَّى عَلَاهُ الذَّرّ فَوَزَنَهُ فَلَمْ يَزِدْ شَيْئًا حَكَاهُ الثَّعْلَبِيّ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي الشَّفَاعَة وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مَعَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور هُنَاكَ وَهُوَ بِطُولِهِ فِي مَعْنَاهُ , وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرهمَا بِتَمَامِهِمَا مُتَوَالِيَيْنِ فِي كِتَاب التَّوْحِيد , وَشَيْخه مُحَمَّد بْن عَبْد الْعَزِيز هُوَ الرَّمْلِيّ يُعْرَف بِابْنِ الْوَاسِطِيِّ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ وَلَيَّنَهُ أَبُو زُرْعَة وَأَبُو حَاتِم , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي الِاعْتِصَام. ‏"
    },
    {
        "id": "4216",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏بَعْضُ الْحَدِيثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْرَأْ عَلَيَّ قُلْتُ ‏ ‏آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ ‏ ‏فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ ‏ ‏النِّسَاءِ ‏ ‏حَتَّى بَلَغْتُ ‏ { ‏فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ‏} ‏قَالَ أَمْسِكْ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا صَدَقَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْفَضْل , وَيَحْيَى هُوَ الْقَطَّانُ , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ , وَسُلَيْمَان هُوَ الْأَعْمَش , وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخَعِيُّ , وَعَبِيدَة بِفَتْحِ أَوَّله هُوَ اِبْن عَمْرو , وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , وَالْإِسْنَاد كُلّه سِوَى شَيْخ الْبُخَارِيّ وَشَيْخه كُوفِيُّونَ , فِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق أَوَّلهمْ الْأَعْمَش. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّانُ , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( بَعْض الْحَدِيث عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة ) ‏ ‏أَيْ مِنْ رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ إِبْرَاهِيم , وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي فَضَائِل الْقُرْآن حَيْثُ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف عَنْ مُسَدَّد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَقَالَ بَعْده \" قَالَ الْأَعْمَش وَبَعْض الْحَدِيث حَدَّثَنِي عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ إِبْرَاهِيم \" يَعْنِي بِإِسْنَادِهِ , وَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : إِسْنَاد عَمْرو مَقْطُوع , وَبَعْض الْحَدِيث مَجْهُول. قُلْت : عَبَّرَ عَنْ الْمُنْقَطِع بِالْمَقْطُوعِ لِقِلَّةِ اِكْتِرَاثه بِمُرَاعَاةِ الِاصْطِلَاح , وَأَمَّا قَوْله مَجْهُول فَيَزِيد مَا حَدَّثَهُ بِهِ عَمْرو بْن مُرَّة فَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْبَعْض عَنْ هَذَا وَالْبَعْض عَنْ هَذَا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ عِنْده كُلّه فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة , وَبَعْضه فِي أَثْنَائِهِ أَيْضًا ‏"
    },
    {
        "id": "4217",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏هَلَكَتْ قِلَادَةٌ ‏ ‏لِأَسْمَاءَ ‏ ‏فَبَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي طَلَبِهَا رِجَالًا فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ وَلَمْ يَجِدُوا مَاءً فَصَلَّوْا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏آيَةَ التَّيَمُّمِ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف طَرَفًا مِنْ حَدِيث عَائِشَة فِي سُقُوط عِقْدهَا وَنُزُول آيَة التَّيَمُّم , وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب التَّيَمُّم. ‏"
    },
    {
        "id": "4218",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ { ‏أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي ‏ ‏الْأَمْرِ مِنْكُمْ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏نَزَلَتْ فِي ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ ‏ ‏إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَرِيَّةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا صَدَقَة بْن الْفَضْل ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن وَحْده عَنْ الْفَرَبْرِيِّ عَنْ الْبُخَارِيّ \" حَدَّثَنَا سُنَيْدٌ \" وَهُوَ اِبْن دَاوُدَ الْمِصِّيصِيُّ وَاسْمه الْحُسَيْن وَسُنَيْدٌ لَقَب , وَهُوَ مِنْ حُفَّاظ الْحَدِيث وَلَهُ تَفْسِير مَشْهُور , لَكِنْ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيُّ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ ذِكْر إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع إِنْ كَانَ اِبْن السَّكَن حَفِظَهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ الْحَدِيث عَنْهُمَا جَمِيعًا , وَاقْتَصَرَ الْأَكْثَر عَلَى صَدَقَة لِإِتْقَانِهِ , وَاقْتَصَرَ اِبْن السَّكَن عَلَى سُنَيْدٍ بِقَرِينَةِ التَّفْسِير , وَقَدْ ذَكَرَ أَحْمَد أَنَّ سُنَيْدًا أَلْزَمَ حَجَّاجًا - يَعْنِي حَجَّاج بْن مُحَمَّد شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلهُ عَلَى تَدْلِيس التَّسْوِيَة , وَعَابَهُ بِذَلِكَ وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَب فِي تَضْعِيف مَنْ ضَعَّفَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَعْلَى بْن مُسْلِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْن مُسْلِم \". ‏ ‏قَوْله : ( نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة ) ‏ ‏كَذَا ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا , وَالْمَعْنَى نَزَلَتْ فِي قِصَّة عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة أَيْ الْمَقْصُود مِنْهَا فِي قِصَّته قَوْله : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ ) الْآيَة , وَقَدْ غَفَلَ الدَّاوُدِيُّ عَنْ هَذَا الْمُرَاد فَقَالَ : هَذَا وَهْم عَلَى ابْن عَبَّاس , فَإِنَّ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة خَرَجَ عَلَى جَيْش فَغَضِبَ فَأَوْقَدُوا نَارًا وَقَالَ اِقْتَحِمُوهَا فَامْتَنَعَ بَعْض , وَهَمّ بَعْض أَنْ يُفْعَل. قَالَ : فَإِنْ كَانَتْ الْآيَة نَزَلَتْ قَبْل فَكَيْفَ يُخَصّ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة بِالطَّاعَةِ دُون غَيْره , وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ بَعْد فَإِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف , وَمَا قِيلَ لَهُمْ لِمَ لَمْ تُطِيعُوا ؟ اِنْتَهَى. وَبِالْحَمْلِ الَّذِي قَدَّمْته يَظْهَر الْمُرَاد , وَيَنْتَفِي الْإِشْكَال الَّذِي أَبْدَاهُ , لِأَنَّهُمْ تَنَازَعُوا فِي اِمْتِثَال مَا أَمَرَهُمْ بِهِ , وَسَبَبه أَنَّ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يُطِيعُوهُ وَقَفُوا عِنْد اِمْتِثَال الْأَمْر بِالطَّاعَةِ , وَاَلَّذِينَ اِمْتَنَعُوا عَارَضَهُ عِنْدهمْ الْفِرَار مِنْ النَّار , فَنَاسَبَ أَنْ يَنْزِل فِي ذَلِكَ مَا يُرْشِدهُمْ إِلَى مَا يَفْعَلُونَهُ عِنْد التَّنَازُع وَهُوَ الرَّدّ إِلَى اللَّه وَإِلَى رَسُوله , أَيْ إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي جَوَاز الشَّيْء وَعَدَم جَوَازه فَارْجِعُوا إِلَى الْكِتَاب وَالسُّنَّة , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة فِي قِصَّة جَرَتْ لِعَمَّارِ بْن يَاسِر مَعَ خَالِد بْن الْوَلِيد وَكَانَ خَالِد أَمِيرًا فَأَجَارَ عَمَّار رَجُلًا بِغَيْرِ أَمْره فَتَخَاصَمَا فَنَزَلَتْ , فَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَال هَذِهِ السَّرِيَّة وَالِاخْتِلَاف فِي اِسْم أَمِيرهَا فِي الْمَغَازِي بَعْد غَزْوَة حُنَيْنٍ بِقَلِيلٍ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِأُولِي الْأَمْر فِي الْآيَة , فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : هُمْ الْأُمَرَاء أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح , وَأَخْرَجَ عَنْ مَيْمُون بْن مِهْرَانَ وَغَيْره نَحْوه , وَعَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : هُمْ أَهْل الْعِلْم وَالْخَيْر , وَعَنْ مُجَاهِد وَعَطَاء وَالْحَسَن وَأَبِي الْعَالِيَة : هُمْ الْعُلَمَاء , وَمِنْ وَجْه آخَر أَصَحّ مِنْهُ عَنْ مُجَاهِد قَالَ : هُمْ الصَّحَابَة , وَهَذَا أَخَصّ. وَعَنْ عِكْرِمَة قَالَ : أَبُو بَكْر وَعُمَر , وَهَذَا أَخَصّ مِنْ الَّذِي قَبْله , وَرَجَّحَ الشَّافِعِيّ الْأَوَّل وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْإِمَارَة وَلَا يَنْقَادُونَ إِلَى أَمِير , فَأُمِرُوا بِالطَّاعَةِ لِمَنْ وَلِيَ الْأَمْر , وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي \" مُتَّفَق عَلَيْهِ , وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ حَمْلهَا عَلَى الْعُمُوم وَإِنْ نَزَلَتْ فِي سَبَب خَاصّ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4219",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَاصَمَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فِي ‏ ‏شَرِيجٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْقِ يَا ‏ ‏زُبَيْرُ ‏ ‏ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ اسْقِ يَا ‏ ‏زُبَيْرُ ‏ ‏ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ وَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِلزُّبَيْرِ ‏ ‏حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الْأَنْصَارِيُّ كَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمَا بِأَمْرٍ لَهُمَا فِيهِ سَعَةٌ قَالَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏فَمَا أَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَاتِ إِلَّا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ‏ { ‏فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4220",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ { ‏مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ‏} ‏فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4221",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أَنَا ‏ ‏وَأُمِّي ‏ ‏مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي يَزِيد , وَفِي مُسْنَد أَحْمَد عَنْ سُفْيَان. حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد \". ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت أَنَا وَأُمِّي مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , زَادَ أَبُو ذَرّ \" مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَان \" وَأَرَادَ حِكَايَة الْآيَة , وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ الْوِلْدَان وَأُمّه مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ , وَلَمْ يَذْكُر فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الرِّجَال أَحَدًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن مُوسَى عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ \" كُنْت أَنَا وَأُمِّي مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ : أَنَا مِنْ الْوِلْدَان , وَأُمِّي مِنْ النِّسَاء \". ‏"
    },
    {
        "id": "4222",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏تَلَا ‏ { ‏إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أَنَا ‏ ‏وَأُمِّي ‏ ‏مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ ‏ ‏وَيُذْكَرُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ { ‏حَصِرَتْ ‏} ‏ضَاقَتْ ‏ { ‏تَلْوُوا ‏} ‏أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏غَيْرُهُ ‏ ‏الْمُرَاغَمُ الْمُهَاجَرُ رَاغَمْتُ هَاجَرْتُ قَوْمِي ‏ { ‏مَوْقُوتًا ‏} ‏مُوَقَّتًا وَقْتَهُ عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى ( أَنَّ اِبْن عَبَّاس تَلَا ) فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ تَلَا \". ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت أَنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّه ) ‏ ‏أَيْ فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة , وَفِي رِوَايَة لِأَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عُبَيْد عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد \" كُنْت أَنَا وَأُمِّي مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ \" قُلْت : وَاسْم أُمّه لُبَابَة بِنْت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة أُمّ الْفَضْل أُخْت مَيْمُونَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ الدَّاوُدِيُّ : فِيهِ دَلِيل لِمَنْ قَالَ إِنَّ الْوَلَد يَتْبَع الْمُسْلِم مِنْ أَبَوَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُذْكَر عَنْ اِبْن عَبَّاس حَصِرَتْ ضَاقَتْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ( حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ) قَالَ : ضَاقَتْ وَعَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَرَأَ ( حُصِرَتْ صُدُورُهُمْ ) بِالرَّفْعِ حَكَاهُ الْفَرَّاء , وَهُوَ عَلَى هَذَا خَبَر بَعْد خَبَر. وَقَالَ الْمُبَرِّد هُوَ عَلَى الدُّعَاء أَيْ أَحْصَرَ اللَّه صُدُورهمْ , كَذَا قَالَ وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق مُجَاهِد أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي هِلَال بْن عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيِّ , وَكَانَ بَيْنه وَبَيْن الْمُسْلِمِينَ عَهْد , وَقَصَدَهُ نَاس مِنْ قَوْمه فَكَرِهَ أَنْ يُقَاتِل الْمُسْلِمِينَ وَكَرِهَ أَنْ يُقَاتِل قَوْمه. ‏ ‏قَوْله : ( تَلْوُوا أَلْسِنَتكُمْ بِالشَّهَادَةِ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ( وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا ) قَالَ : تَلْوُوا أَلْسِنَتكُمْ بِشَهَادَةٍ أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهَا. وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَة قَالَ : أَنْ تُدَخِل فِي شَهَادَتك مَا يُبْطِلهَا أَوْ تَعْرِض عَنْهَا فَلَا تَشْهَدهَا , وَقَرَأَ حَمْزَة وَابْن عَامِر \" وَأَنْ تَلْوا \" بِوَاوٍ وَاحِدَة سَاكِنَة , وَصَوَّبَ أَبُو عُبَيْد قِرَاءَة الْبَاقِينَ , وَاحْتَجَّ بِتَفْسِيرِ اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور وَقَالَ : لَيْسَ لِلْوِلَايَةِ هُنَا مَعْنًى. وَأَجَابَ الْفَرَّاء بِأَنَّهَا بِمَعْنَى اللَّيّ كَقِرَاءَةِ الْجَمَاعَة , إِلَّا أَنَّ الْوَاو الْمَضْمُومَة قُلِبَتْ هَمْزَة ثُمَّ سُهِّلَتْ. وَأَجَابَ الْفَارِسِيّ بِأَنَّهَا عَلَى بَابهَا مِنْ الْوِلَايَة وَالْمُرَاد إِنْ تَوَلَّيْتُمْ إِقَامَة الشَّهَادَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ غَيْره الْمُرَاغَم الْمُهَاجِر , رَاغَمَتْ هَاجَرْت قَوْمِي ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى ( وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ) وَالْمُرَاغَم وَالْمُهَاجِر وَاحِدٌ تَقُول هَاجَرْت قَوْمِي وَرَاغَمْت قَوْمِي , قَالَ الْجَعْدِيّ \" عَزِيز الْمُرَاغَم وَالْمَهْرَب \" وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : ( مُرَاغَمًا ) قَالَ مُتَحَوَّلًا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( مَوْقُوتًا مُوَقَّتًا وَقَّتَهُ عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏لَمْ يَقَع هَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَهُوَ قَوْل أَبُو عُبَيْدَة أَيْضًا قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) أَيْ مُوَقَّتًا وَقَّتَهُ اللَّه عَلَيْهِمْ , وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : ( مَوْقُوتًا ) قَالَ مَفْرُوضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4223",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ { ‏فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ‏} ‏رَجَعَ نَاسٌ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَكَانَ النَّاسُ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ فَرِيقٌ يَقُولُ اقْتُلْهُمْ وَفَرِيقٌ يَقُولُ لَا فَنَزَلَتْ ‏ { ‏فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ‏} ‏وَقَالَ ‏ ‏إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي ‏ ‏الْخَبَثَ ‏ ‏كَمَا تَنْفِي النَّارُ ‏ ‏خَبَثَ ‏ ‏الْفِضَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا غُنْدَر ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَهْدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَدِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن ثَابِت. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ الْخَطْمِيُّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة ثُمَّ سُكُون الْمُهْمَلَة وَهُوَ صَحَابِيّ صَغِير. ‏ ‏قَوْله : ( رَجَعَ نَاس مِنْ أُحُد ) ‏ ‏هُمْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيِّ بْن سَلُول وَمَنْ تَبِعَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي غَزْوَة أُحُد مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي مُسْتَوْفًى , وَقَوْله فِي آخِره ( خَبَث الْفِضَّة فِي رِوَايَة الْحَمَوِيِّ \" خَبَث الْحَدِيد \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي قَوْله \" تَنْفِي الْخَبَث \" فِي فَضْل الْمَدِينَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4224",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آيَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا ‏ ‏أَهْلُ ‏ ‏الْكُوفَةِ ‏ ‏فَرَحَلْتُ فِيهَا إِلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ ‏ ‏نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ‏} ‏هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( شُعْبَة حَدَّثَنَا مُغِيرَة بْن النُّعْمَان ) ‏ ‏لِشُعْبَةَ فِيهِ شَيْخ آخَر وَهُوَ مَنْصُور كَمَا سَيَأْتِي فِي سُورَة الْفُرْقَان. ‏ ‏قَوْله : ( آيَة اِخْتَلَفَ فِيهَا أَهْل الْكُوفَة , فَرَحَلَتْ فِيهَا إِلَى اِبْن عَبَّاس فَسَأَلْته عَنْهَا ) ‏ ‏سَقَطَ لَفْظ \" آيَة \" لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ , وَسَيَأْتِي مَزِيد فِيهِ فِي الْفُرْقَان , وَقَعَ فِي تَفْسِير الْفُرْقَان مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" اُخْتَلَفَ أَهْل الْكُوفَة فِي قَتْل الْمُؤْمِن , فَدَخَلَتْ فِيهِ إِلَى اِبْن عَبَّاس \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَرَحَلَتْ \" بِالرَّاءِ وَالْمُهْمَلَة وَهِيَ أَصْوَب , وَسَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله \" هِيَ آخِر مَا نَزَلَ \" أَيْ فِي شَأْن قَتْل الْمُؤْمِن عَمْدًا بِالنِّسْبَةِ لِآيَةِ الْفُرْقَان. ‏"
    },
    {
        "id": "4225",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ { ‏وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ‏} ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ فَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ ‏ { ‏تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ‏} ‏تِلْكَ الْغُنَيْمَةُ قَالَ قَرَأَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏السَّلَامَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا عَمْرو بْن دِينَار \" كَذَا أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ رَجُل فِي غَنِيمَة ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ , وَفِي رِوَايَة سِمَاك عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِم وَصَحَّحَهُ \" مَرَّ رَجُل مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ بِنَفَرٍ مِنْ الصَّحَابَة وَهُوَ يَسُوق غَنَمًا لَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَتَلُوهُ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة سِمَاك \" وَقَالُوا مَا سَلَّمَ عَلَيْنَا إِلَّا لِيَتَعَوَّذ مِنَّا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَخَذُوا غَنِيمَته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سِمَاك \" وَأَتَوْا بِغَنَمِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ \" وَرَوَى الْبَزَّار مِنْ طَرِيق حَبِيب بْن أَبِي عَمْرَة عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة قِصَّة أُخْرَى قَالَ \" بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّة فِيهَا الْمِقْدَاد , فَلَمَّا أَتَوْا الْقَوْم وَجَدُوهُمْ قَدْ تَفَرَّقُوا وَبَقِيَ رَجُل لَهُ مَال كَثِير فَقَالَ : أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , فَقَتَلَهُ الْمِقْدَاد , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْف لَك بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه غَدًا. وَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة \" وَهَذِهِ الْقِصَّة يُمْكِن الْجَمْع بَيْنهَا وَبَيْن الَّتِي قَبْلهَا , وَيُسْتَفَاد مِنْهَا تَسْمِيَة الْقَاتِل , وَأَمَّا الْمَقْتُول فَرَوَى الثَّعْلَبِيّ مِنْ طَرِيق الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَأَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ نَحْوه وَاللَّفْظ لِلْكَلْبِيِّ , أَنَّ اِسْم الْمَقْتُول مِرْدَاس بْن نَهِيك مِنْ أَهْل فَدَك , وَأَنَّ اِسْم الْقَاتِل أُسَامَة بْن زَيْد , وَأَنَّ اِسْم أَمِير السَّرِيَّة غَالِب بْن فَضَالَة اللَّيْثِيُّ , وَأَنَّ قَوْم مِرْدَاس لَمَّا اِنْهَزَمُوا بَقِيَ هُوَ وَحْده وَكَانَ أَلْجَأَ غَنَمه بِجَبَلٍ , فَلَمَّا لَحِقُوهُ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مُحَمَّد رَسُول اللَّه السَّلَام عَلَيْكُمْ , فَقَتَلَهُ أُسَامَة بْن زَيْد , فَلَمَّا رَجَعُوا نَزَلَتْ الْآيَة \" وَكَذَا أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ نَحْوه , وَفِي آخِر رِوَايَة قَتَادَةَ \" لِأَنَّ تَحِيَّة الْمُسْلِمِينَ السَّلَام بِهَا يَتَعَارَفُونَ \" وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق اِبْن لَهِيعَة عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر قَالَ \" أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة ( وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ ) فِي مِرْدَاس \" وَهَذَا شَاهِد حَسَن. وَوَرَدَ فِي سَبَب نُزُولهَا عَنْ غَيْر اِبْن عَبَّاس شَيْء آخَر , فَرَوَى اِبْن إِسْحَاق فِي \" الْمَغَازِي \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيقه عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ \" بَعَثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَر مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ وَمُحَلِّم بْن جَثَّامَة , فَمَرَّ بِنَا عَامِر بْن الْأَضْبَط الْأَشْجَعِيُّ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا , فَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّم فَقَتَلَهُ , فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَر نَزَلَ الْقُرْآن \" فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَة. وَأَخْرَجَهَا اِبْن إِسْحَاق مِنْ طَرِيق اِبْن عُمَر أَتَمّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا وَزَادَ أَنَّهُ كَانَ بَيْن عَامِر وَمُحَلِّم عَدَاوَة فِي الْجَاهِلِيَّة , وَهَذِهِ عِنْدِي قِصَّة أُخْرَى , وَلَا مَانِع أَنْ تَنْزِل الْآيَة فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا. ‏ ‏قَوْله فِي آخِر الْحَدِيث ( قَالَ قَرَأَ اِبْن عَبَّاس السَّلَام ) ‏ ‏هُوَ مَقُول عَطَاء , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّهَا قِرَاءَة الْأَكْثَر , وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ أَظْهَر شَيْئًا مِنْ عَلَامَات الْإِسْلَام لَمْ يَحِلّ دَمه حَتَّى يُخْتَبَر أَمْره , لِأَنَّ السَّلَام تَحِيَّة الْمُسْلِمِينَ , وَكَانَتْ تَحِيَّتهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة بِخِلَافِ ذَلِكَ فَكَانَتْ هَذِهِ عَلَامَة. وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَة السَّلَم عَلَى اِخْتِلَاف ضَبْطه فَالْمُرَاد بِهِ الِانْقِيَاد وَهُوَ عَلَامَة الْإِسْلَام لِأَنَّ مَعْنَى الْإِسْلَام فِي اللُّغَة الِانْقِيَاد , وَلَا يَلْزَم مِنْ الَّذِي ذَكَرْته الْحُكْم بِإِسْلَامِ مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِجْرَاء أَحْكَام الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ , بَلْ لَا بُدّ مِنْ التَّلَفُّظ بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى تَفَاصِيل فِي ذَلِكَ بَيْن أَهْل الْكِتَاب وَغَيْرهمْ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4226",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ ‏ ‏أَنَّهُ رَأَى ‏ ‏مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ ‏ ‏فَأَخْبَرَنَا أَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمْلَى عَلَيْهِ ‏ { ‏لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ‏} { ‏وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏} ‏فَجَاءَهُ ‏ ‏ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏ ‏وَهْوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ وَكَانَ أَعْمَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ ‏ ‏تَرُضَّ ‏ ‏فَخِذِي ثُمَّ ‏ ‏سُرِّيَ ‏ ‏عَنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏غَيْرَ ‏ ‏أُولِي ‏ ‏الضَّرَرِ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَالِح ) ‏ ‏هُوَ اِبْن كَيْسَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي سَهْل بْن سَعْد ) ‏ ‏كَذَا قَالَ صَالِح , وَتَابَعَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْد الطَّبَرِيّ , وَخَالَفَهُمَا مَعْمَر فَقَالَ \" عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب عَنْ زَيْد بْن ثَابِت \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ رَأَى مَرْوَان بْن الْحَكَم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي الْعَاصِ أَمِير الْمَدِينَة الَّذِي صَارَ بَعْد ذَلِكَ خَلِيفَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَقْبَلْت حَتَّى جَلَسْت إِلَى جَنْبه. فَأَخْبَرَنَا ) قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث رِوَايَة رَجُل مِنْ الصَّحَابَة وَهُوَ سَهْل بْن سَعْد عَنْ رَجُل مِنْ التَّابِعِينَ وَهُوَ مَرْوَان بْن الْحَكَم , وَلَمْ يَسْمَع مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مِنْ التَّابِعِينَ. قُلْت : لَا يَلْزَم مِنْ عَدَم السَّمَاع عَدَم الصِّحَّة , وَالْأَوْلَى مَا قَالَ فِيهِ الْبُخَارِيّ : لَمْ يَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ ذَكَرَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي الصَّحَابَة لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل عَام أُحُد وَقِيلَ عَامّ الْخَنْدَق وَثَبَتَ عَنْ مَرْوَان أَنَّهُ قَالَ لَمَّا طَلَبَ الْخِلَافَة فَذَكَرُوا لَهُ اِبْن عُمَر فَقَالَ : لَيْسَ اِبْن عُمَر بِأَفْقَه مِنِّي , وَلَكِنَّهُ أَسَنّ مِنِّي وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَة. فَهَذَا اِعْتِرَاف مِنْهُ بِعَدَمِ صُحْبَته وَإِنَّمَا لَمْ يَسْمَع مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ سَمَاعه مِنْهُ مُمْكِنًا لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَى أَبَاهُ إِلَى الطَّائِف فَلَمْ يَرُدّهُ إِلَّا عُثْمَان لَمَّا اُسْتُخْلِفَ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَته عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِتَاب الشُّرُوط مَقْرُونَة بِالْمِسْوَرِ بْن مَخْرَمَةَ , وَنَبَّهْت هُنَاكَ أَيْضًا عَلَى أَنَّهَا مُرْسَلَة , وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْلَى عَلَيْهِ : لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة قَبِيصَة الْمَذْكُورَة عَنْ زَيْد بْن ثَابِت \" كُنْت أَكْتُب لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة خَارِجَة بْن زَيْد بْن ثَابِت عَنْ أَبِيهِ \" إِنِّي لَقَاعِد إِلَى جَنْب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِ وَغَشِيَتْهُ السَّكِينَة فَوَضَعَ فَخِذه عَلَى فَخِذِي قَالَ زَيْد : فَلَا وَاَللَّه مَا وَجَدْت شَيْئًا قَطُّ أَثْقَل مِنْهَا \" وَفِي حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب الَّذِي فِي الْبَاب بَعْد هَذَا \" لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُدْعُ لِي فُلَانًا , فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاة وَاللَّوْح وَالْكَتِف \" وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَنْهُ فِي الْبَاب أَيْضًا \" دَعَا زَيْدًا فَكَتَبَهَا \" فَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" لَمَّا نَزَلَتْ \" كَادَتْ أَنْ تَنْزِل لِتَصْرِيحِ رِوَايَة خَارِجَة بِأَنَّ نُزُولهَا كَانَ بِحَضْرَةِ زَيْد. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَهُ اِبْن أُمّ مَكْتُوم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة قَبِيصَة الْمَذْكُورَة \" فَجَاءَ عَبْد اللَّه بْن أُمّ مَكْتُوم \" وَعِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ وَسُلَيْمَان التَّيْمِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء \" جَاءَ عَمْرو بْن أُمّ مَكْتُوم \" وَقَدْ نَبَّهَ التِّرْمِذِيّ عَلَى أَنَّهُ يُقَال لَهُ عَبْد اللَّه وَعَمْرو , وَأَنَّ اِسْم أَبِيهِ زَائِدَة وَأَنَّ أُمّ مَكْتُوم أُمّه. قُلْت : وَاسْمهَا عَاتِكَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ خَبَره فِي كِتَاب الْأَذَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ يُمِلّهَا ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْمِيم وَتَشْدِيد اللَّام هُوَ مِثْل يُمْلِيهَا , يُمْلِي وَيُمْلِلْ بِمَعْنَى , وَلَعَلَّ الْيَاء مُنْقَلِبَة مِنْ إِحْدَى اللَّامَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّه لَوْ أَسْتَطِيع الْجِهَاد مَعَك لَجَاهَدْت ) ‏ ‏أَيْ لَوْ اِسْتَطَعْت , وَعَبَّرَ بِالْمُضَارِعِ إِشَارَة إِلَى الِاسْتِمْرَار وَاسْتِحْضَارًا لِصُورَةِ الْحَال , قَالَ وَكَانَ أَعْمَى , هَذَا يُفَسِّر مَا فِي حَدِيث الْبَرَاء \" فَشَكَا ضَرَارَته \" وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَنْهُ \" فَقَالَ أَنَا ضَرِير \" وَفِي رِوَايَة خَارِجَة \" فَقَامَ حِين سَمِعَهَا اِبْن أُمّ مَكْتُوم وَكَانَ أَعْمَى فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَسْتَطِيع الْجِهَاد مِمَّنْ هُوَ أَعْمَى وَأَشْبَاه ذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة قَبِيصَة \" فَقَالَ إِنِّي أُحِبّ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه , وَلَكِنْ بِي مِنْ الزَّمَانَة مَا تَرَى , ذَهَبَ بَصَرِي \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تَرُضّ فَخِذِي ) ‏ ‏أَيْ تَدُقّهَا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ سُرِّيَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الرَّاء أَيْ كُشِفَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّه : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة قَبِيصَة \" ثُمَّ قَالَ اُكْتُبْ : لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر \" وَزَادَ فِي رِوَايَة خَارِجَة بْن زَيْد \" قَالَ زَيْد بْن ثَابِت : فَوَاَللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُر إِلَى مُلْحَقِهَا عِنْد صَدْعٍ كَانَ فِي الْكَتِف. ‏"
    },
    {
        "id": "4227",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ‏} ‏دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَيْدًا ‏ ‏فَكَتَبَهَا فَجَاءَ ‏ ‏ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏ ‏فَشَكَا ‏ ‏ضَرَارَتَهُ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏غَيْرَ ‏ ‏أُولِي ‏ ‏الضَّرَرِ ‏}",
        "sharh": "قَوْله فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي ( عَنْ أَبِي إِسْحَاق ) هُوَ السَّبِيعِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْبَرَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاء \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي سِنَان الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم , وَأَبُو سِنَان اِسْمه ضِرَار بْن مُرَّة , وَهُوَ ثِقَة إِلَّا أَنَّ الْمَحْفُوظ \" عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء \" كَذَا اِتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيق شُعْبَة وَمِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَأَحْمَد مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ , وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ وَابْن حِبَّانَ مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ , وَأَحْمَد أَيْضًا مِنْ رِوَايَة زُهَيْر , وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش , وَأَبُو عُوَانَةَ مِنْ طَرِيق زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة وَمِسْعَر ثَمَانِيَّتهمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاق. ‏ ‏قَوْله : ( اُدْعُوَا فُلَانًا ) كَذَا أَبْهَمَهُ إِسْرَائِيل فِي رِوَايَته وَسَمَّاهُ غَيْره كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَخَلَّفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم ) كَذَا فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل , وَفِي رِوَايَة شُعْبَة الَّتِي قَبْلهَا \" دَعَا زَيْدًا فَكَتَبَهَا فَجَاءَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم \" فَيُجْمَع بِأَنَّ مَعْنَى قَوْله جَاءَ أَنَّهُ قَامَ مِنْ مَقَامه خَلْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءَ مُوَاجِهه فَخَاطَبَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَلَتْ مَكَانهَا ) قَالَ اِبْن التِّين : يُقَال إِنَّ جِبْرِيل هَبَطَ وَرَجَعَ قَبْل أَنْ يَجِفّ الْقَلَم. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) قَالَ اِبْن الْمُنِير : لَمْ يَقْتَصِر الرَّاوِي فِي الْحَال الثَّانِي عَلَى ذِكْر الْكَلِمَة الزَّائِدَة وَهِيَ ( غَيْر أُولِي الضَّرَر ) فَإِنْ كَانَ الْوَحْي نَزَلَ بِزِيَادَةٍ ‏ ‏قَوْله : ( غَيْر أُولِي الضَّرَر ) ‏ ‏فَقَطْ فَكَأَنَّهُ رَأَى إِعَادَة الْآيَة مِنْ أَوَّلهَا حَتَّى يَتَّصِل الِاسْتِثْنَاء بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ , وَإِنْ كَانَ الْوَحْي نَزَلَ بِإِعَادَةِ الْآيَة بِالزِّيَادَةِ بَعْد أَنْ نَزَلَ بِدُونِهَا فَقَدْ حَكَى الرَّاوِي صُورَة الْحَال. قُلْت : الْأَوَّل أَظْهَر , فَإِنَّ فِي رِوَايَة سَهْل بْن سَعْد \" فَأَنْزَلَ اللَّه غَيْر أُولِي الضَّرَر \" وَأَوْضَح مِنْ ذَلِكَ رِوَايَة خَارِجَة بْن زَيْد عَنْ أَبِيهِ فَفِيهَا : ثُمَّ سُرِّيّ عَنْهُ فَقَالَ : اِقْرَأْ , فَقَرَأَتْ عَلَيْهِ ‏ ‏( لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ) فَقَالَ ‏ ‏النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( غَيْر أُولِي الضَّرَر ) وَفِي حَدِيث الْفَلَتَان - بِفَتْحِ الْفَاء وَاللَّام وَبِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّة - اِبْن عَاصِم فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" قَالَ فَقَالَ الْأَعْمَى : مَا ذَنْبنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه , فَقُلْنَا لَهُ إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَخَافَ أَنْ يَنْزِل فِي أَمْره شَيْء , فَجَعَلَ يَقُول : أَتُوب إِلَى اللَّه , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْكَاتِبِ اُكْتُبْ ( غَيْر أُولِي الضَّرَر ) أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ , وَوَقَعَ فِي غَيْر هَذَا الْحَدِيث مَا يُؤَيِّد الثَّانِي وَهُوَ فِي حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب \" فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَات وَصَلَاة الْعَصْر , فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّه , ثُمَّ نَزَلَتْ ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ). ‏"
    },
    {
        "id": "4228",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ‏} ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ادْعُوا ‏ ‏فُلَانًا ‏ ‏فَجَاءَهُ وَمَعَهُ ‏ ‏الدَّوَاةُ ‏ ‏وَاللَّوْحُ ‏ ‏أَوْ الْكَتِفُ ‏ ‏فَقَالَ اكْتُبْ ‏ { ‏لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ‏} { ‏وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏} ‏وَخَلْفَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا ‏ ‏ضَرِيرٌ ‏ ‏فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا ‏ { ‏لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏غَيْرَ ‏ ‏أُولِي ‏ ‏الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏}",
        "sharh": "قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي إِسْحَاق ) جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" وَأَبُو مَسْعُود فِي \" الْأَطْرَاف \" بِأَنَّهُ إِسْحَاق بْن مَنْصُور وَكُنْت أَظُنّ أَنَّهُ اِبْن رَاهْوَيْهِ لِقَوْلِهِ \" أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق \" ثُمَّ رَأَيْت فِي أَصْل النَّسَفِيِّ \" حَدَّثَنِي إِسْحَاق حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق \" فَعَرَفَتْ أَنَّهُ اِبْن مَنْصُور , لِأَنَّ اِبْن رَاهْوَيْهِ لَا يَقُول فِي شَيْء مِنْ حَدِيثه \" حَدَّثَنَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "4229",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْكَرِيمِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مِقْسَمًا ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ { ‏لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ‏} ‏عَنْ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَالْخَارِجُونَ إِلَى ‏ ‏بَدْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عَبْد الْكَرِيم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة بَدْر أَنَّهُ الْجَزَرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ مِقْسَمًا مَوْلَى عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث أَخْبَرَهُ ) ‏ ‏أَمَّا مِقْسَم فَتَقَدَّمَ ذِكْره فِي غَزْوَة بَدْر , وَأَمَّا عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث فَهُوَ اِبْن نَوْفَل بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب , لِأَبِيهِ وَلِجَدِّهِ صُحْبَة وَلَهُ هُوَ رُؤْيَة , وَكَانَ يُلَقَّب بَبَّة بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ الثَّانِيَة ثَقِيلَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ بَدْر وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْر ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَظَنَّ اِبْن التِّين أَنَّهُ مُغَايِر لِحَدِيثَيْ سَهْل وَالْبَرَاء فَقَالَ : الْقُرْآن يَنْزِل فِي الشَّيْء وَيَشْتَمِل عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِهَذَا مِثْله , وَزَادَ \" لَمَّا نَزَلَتْ غَزْوَة بَدْر قَالَ عَبْد اللَّه بْن جَحْش وَابْن أُمّ مَكْتُوم الْأَعْمَيَانِ : يَا رَسُول اللَّه هَلْ لَنَا رُخْصَة ؟ فَنَزَلَتْ ( لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ) فَهَؤُلَاءِ الْقَاعِدُونَ غَيْر أُولِي الضَّرَر ( وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ ) عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر , هَكَذَا أَوْرَدَهُ سِيَاقًا وَاحِدًا , وَمِنْ قَوْله \" دَرَجَة إِلَخْ \" مُدْرَج فِي الْخَبَر مِنْ كَلَام اِبْن جُرَيْجٍ , بَيَّنَهُ الطَّبَرِيُّ , فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق حَجَّاج نَحْو مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ إِلَى قَوْله \" دَرَجَة \" وَوَقَعَ عِنْده \" فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن أُمّ مَكْتُوم وَأَبُو أَحْمَد بْن جَحْش وَهُوَ الصَّوَاب فِي اِبْن جَحْش \" فَإِنَّ عَبْد اللَّه أَخُوهُ , وَأَمَّا هُوَ فَاسْمه عَبْد بِغَيْرِ إِضَافَة وَهُوَ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ. ثُمَّ أَخْرَجَهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ \" وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ , قَالَ : عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر \" وَحَاصِل تَفْسِير اِبْن جُرَيْجٍ أَنَّ الْمُفَضَّل عَلَيْهِ غَيْر أُولِي الضَّرَر , وَأَمَّا أُولُو الضَّرَر فَمُلْحَقُونَ فِي الْفَضْل بِأَهْلِ الْجِهَاد إِذَا صَدَقَتْ نِيَّاتهمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيث أَنَس \" إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مِنْ مَسِير وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ حَبَسَهُمْ الْعُذْر \". وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ) أَيْ مِنْ أُولِي الضَّرَر وَغَيْرهمْ , وَقَوْله : ( وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ ) أَيْ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْر أُولِي الضَّرَر , وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الْحَدِيث الْمَذْكُور عَنْ أَنَس , وَلَا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَة مِنْ اِسْتِوَاء أُولِي الضَّرَر مَعَ الْمُجَاهِدِينَ لِأَنَّهَا اِسْتَثْنَتْ أُولِي الضَّرَر مِنْ عَدَم الِاسْتِوَاء فَأَفْهَمَتْ إِدْخَالهمْ فِي الِاسْتِوَاء , إِذْ لَا وَاسِطَة بَيْن الِاسْتِوَاء وَعَدَمه , لِأَنَّ الْمُرَاد مِنْهُ اِسْتِوَاؤُهُمْ فِي أَصْل الثَّوَاب لَا فِي الْمُضَاعَفَة لِأَنَّهَا تَتَعَلَّق بِالْفِعْلِ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَلْتَحِق بِالْجِهَادِ فِي ذَلِكَ سَائِر الْأَعْمَال الصَّالِحَة. وَفِي أَحَادِيث الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا اِتِّخَاذ الْكَاتِب , وَتَقْرِيبه , وَتَقْيِيد الْعِلْم بِالْكِتَابَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4230",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَيْوَةُ ‏ ‏وَغَيْرُهُ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُطِعَ عَلَى أَهْلِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ ‏ ‏فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ‏} ‏الْآيَةَ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْأَسْوَدِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَيْوَةُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَفَتْح الْوَاو وَهُوَ اِبْن شُرَيْحٍ الْمِصْرِيّ يُكَنَّى أَبَا زُرْعَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَغَيْره ) ‏ ‏هُوَ اِبْن لَهِيعَة أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ الْمُقْرِئ عَنْ حَيْوَةَ وَحْده , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى عَنْ إِسْحَاق , وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يُوسُف بْن مُوسَى عَنْ الْمُقْرِئ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الْأَسْوَد الْأَسَدِيُّ يَتِيم عُرْوَة بْن الزُّبَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( قُطِعَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله. ‏ ‏قَوْله : ( بَعْث ) ‏ ‏أَيْ جَيْش , وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ أُلْزِمُوا بِإِخْرَاجِ جَيْش لِقِتَالِ أَهْل الشَّام , وَكَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَة عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَلَى مَكَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَاكْتُتِبْتُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاة الْأُولَى وَكَسْر الثَّانِيَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة سَاكِنَة عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَاد الْمُشْرِكِينَ ) ‏ ‏سُمِّيَ مِنْهُمْ فِي رِوَايَة أَشْعَث بْن سَوَّار عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَيْس بْن الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة وَأَبُو قَيْس بْن الْفَاكِه بْن الْمُغِيرَة وَالْوَلِيد بْن عُتْبَةَ بْن رَبِيعَة وَعَمْرو بْن أُمَيَّة بْن سُفْيَان وَعَلِيّ بْن أُمَيَّة بْن خَلَف , وَذَكَرَ فِي شَأْنهمْ أَنَّهُمْ خَرَجُوا إِلَى بَدْر , فَلَمَّا رَأَوْا قِلَّة الْمُسْلِمِينَ دَخَلَهُمْ شَكّ وَقَالُوا غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ فَقُتِلُوا بِبَدْرِ , أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوْيهِ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَة نَحْوه وَذَكَرَ فِيهِمْ الْحَارِث بْن زَمْعَةَ بْن الْأَسْوَد وَالْعَاصِ بْن مُنَبِّه بْن الْحَجَّاج وَكَذَا ذَكَرَهُمَا اِبْن إِسْحَاق. ‏ ‏قَوْله : ( يُرْمَى بِهِ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُول. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّه ) ‏ ‏هَكَذَا جَاءَ فِي سَبَب نُزُولهَا , وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن الْمُنْذِر وَالطَّبَرِيِّ , \" كَانَ قَوْم مِنْ أَهْل مَكَّة قَدْ أَسْلَمُوا وَكَانُوا يُخْفُونَ الْإِسْلَام , فَأَخْرَجَهُمْ الْمُشْرِكُونَ مَعَهُمْ يَوْم بَدْر فَأُصِيبَ بَعْضهمْ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ هَؤُلَاءِ كَانُوا مُسْلِمِينَ فَأُكْرِهُوا فَاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ فَنَزَلَتْ , فَكَتَبُوا بِهَا إِلَى مَنْ بَقِيَ بِمَكَّة مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ لَا عُذْر لَهُمْ , فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمْ الْمُشْرِكُونَ فَفَتَنُوهُمْ فَرَجَعُوا فَنَزَلَتْ ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاَللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ) فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَحَزِنُوا , فَنَزَلَتْ ( ثُمَّ إِنَّ رَبَّك لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ) الْآيَة , فَكَتَبُوا إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ , فَخَرَجُوا فَلَحِقُوهُمْ , فَنَجَا مَنْ نَجَا وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ \". ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ اللَّيْث عَنْ أَبِي الْأَسْوَد ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح كَاتِب اللَّيْث عَنْ اللَّيْث عَنْ أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عِكْرِمَة فَذَكَرَهُ بِدُونِ قِصَّة أَبِي الْأَسْوَد , قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَد إِلَّا اللَّيْث وَابْن لَهِيعَة. قُلْت : وَرِوَايَة الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيق حَيْوَةَ تَرُدّ عَلَيْهِ , وَرِوَايَة اِبْن لَهِيعَة أَخْرَجَهَا اِبْن أَبِي حَاتِم أَيْضًا , وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة دَلَالَة عَلَى بَرَاءَة عِكْرِمَة مِمَّا يُنْسَب إِلَيْهِ مِنْ رَأْي الْخَوَارِج لِأَنَّهُ بَالَغَ فِي النَّهْي عَنْ قِتَال الْمُسْلِمِينَ وَتَكْثِير سَوَاد مَنْ يُقَاتِلهُمْ. وَغَرَض عِكْرِمَة أَنَّ اللَّه ذَمّ مَنْ كَثَّرَ سَوَاد الْمُشْرِكِينَ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُرِيدُونَ بِقُلُوبِهِمْ مُوَافَقَتهمْ , قَالَ فَكَذَلِكَ أَنْتَ لَا تُكَثِّر سَوَاد هَذَا الْجَيْش وَإِنْ كُنْت لَا تُرِيد مُوَافَقَتهمْ لِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّه , وَقَوْله : ( فِيمَ كُنْتُمْ ) سُؤَال تَوْبِيخ وَتَقْرِيع , وَاسْتَنْبَطَ سَعِيد بْن جُبَيْر مِنْ هَذِهِ الْآيَة وُجُوب الْهِجْرَة مِنْ الْأَرْض الَّتِي يُعْمَل فِيهَا بِالْمَعْصِيَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4231",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ { ‏إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ أُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ ‏",
        "sharh": "وَتَقَدَّمَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور وَالْكَلَام عَلَيْهِ قَبْل سِتَّة أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "4232",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي الْعِشَاءَ إِذْ قَالَ ‏ ‏سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ اللَّهُمَّ نَجِّ ‏ ‏عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ‏ ‏اللَّهُمَّ نَجِّ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ ‏ ‏اللَّهُمَّ نَجِّ ‏ ‏الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي ‏ ‏يُوسُفَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الدُّعَاء لِلْمُسْتَضْعَفِينَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَّل الِاسْتِسْقَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "4233",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ { ‏إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى ‏} ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏وَكَانَ جَرِيحًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَجَّاج ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد , وَيَعْلَى هُوَ اِبْن مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى , قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَكَانَ جَرِيحًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة \" كَانَ \" بِغَيْرِ وَاو , كَذَا وَقَعَ عِنْده مُخْتَصَرًا , وَمَقُول اِبْن عَبَّاس مَا ذُكِرَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن , وَقَوْله \" كَانَ جَرِيحًا \" أَيْ فَنَزَلَتْ الْآيَة فِيهِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِل هَذَا وَيَحْتَمِل أَنَّ التَّقْدِير قَالَ اِبْن عَبَّاس وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف يَقُول مَنْ كَانَ جَرِيحًا فَحُكْمه كَذَلِكَ فَكَانَ عَطْف الْجَرِيح عَلَى الْمَرِيض إِلْحَاقًا بِهِ عَلَى سَبِيل الْقِيَاس , أَوْ لِأَنَّ الْجَرْح نَوْع مِنْ الْمَرَض فَيَكُون كُلّه مَقُول عَبْد الرَّحْمَن وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس. قُلْت : وَسِيَاق مَا أَوْرَدَهُ غَيْر الْبُخَارِيّ يَدْفَع هَذَا الِاحْتِمَال , فَقَدْ وَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعِيد الْجَوْهَرِيّ عَنْ حَجَّاج بْن مُحَمَّد قَالَ : كَانَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف جَرِيحًا \" وَهُوَ ظَاهِر فِي أَنَّ فَاعِل قَالَ هُوَ اِبْن عَبَّاس , وَأَنَّهُ لَا رِوَايَة لِابْنِ عَبَّاس فِي هَذَا عَنْ عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله فِي الْآيَة الْكَرِيمَة ( أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ) رَخَّصَ لَهُمْ فِي وَضْع السِّلَاح لِثِقَلِهَا عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَطَر أَوْ الْمَرَض , ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِأَخْذِ الْحَذَر خَشْيَة أَنْ يَغْفُلُوا فَيَهْجُم الْعَدُوّ عَلَيْهِمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "4234",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ { ‏يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ‏} ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا فَأَشْرَكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْقِ فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلُهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الرَّجُل يَكُون عِنْده الْيَتِيمَة فَتُشْرِكهُ فِي مَاله , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَائِل هَذِهِ السُّورَة مُسْتَوْفًى , وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ قَالَ : كَانَ لِجَابِرِ بِنْت عَمّ دَمِيمَة وَلَهَا مَال وَرِثَتْهُ عَنْ أَبِيهَا , وَكَانَ جَابِر يَرْغَب عَنْ نِكَاحهَا وَلَا يَنْكِحهَا خَشْيَة أَنْ يَذْهَب الزَّوْج بِمَالِهَا , فَسَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ. ‏"
    },
    {
        "id": "4235",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ { ‏وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ‏} ‏قَالَتْ ‏ ‏الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا فَتَقُولُ أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ : الرَّجُل تَكُون عِنْده الْمَرْأَة لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا ) ‏ ‏أَيْ فِي الْمَحَبَّة وَالْمُعَاشَرَة وَالْمُلَازَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَقُول : أَجْعَلك مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ ) ‏ ‏أَيْ وَتَتْرُكنِي مِنْ غَيْر طَلَاق. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو ذَرّ عَنْ غَيْر الْمُسْتَمْلِيّ ( وَإِنْ اِمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ) الْآيَة , وَعَنْ عَلِيّ \" نَزَلَتْ فِي الْمَرْأَة تَكُون عِنْد الرَّجُل تَكْرَه مُفَارَقَته , فَيَصْطَلِحَانِ عَلَى أَنْ يَجِيئهَا كُلّ ثَلَاثَة أَيَّام أَوْ أَرْبَعَة \" وَرَوَى الْحَاكِم مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُسَيِّب عَنْ رَافِع بْن خَدِيج \" أَنَّهُ كَانَتْ تَحْته اِمْرَأَة , فَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا شَابَّة , فَآثَرَ الْبِكْر عَلَيْهَا , فَنَازَعَتْهُ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ قَالَ لَهَا إِنْ شِئْت رَاجَعْتُك وَصَبَرْت , فَقَالَتْ : رَاجِعْنِي , فَرَاجَعَهَا , ثُمَّ لَمْ تَصْبِر فَطَلَّقَهَا \" قَالَ : فَذَلِكَ الصُّلْح الَّذِي بَلَغَنَا أَنَّ اللَّه أَنْزَلَ فِيهِ هَذِهِ الْآيَة. وَرَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق سِمَاك عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" خَشِيَتْ سَوْدَة أَنْ يُطَلِّقهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه لَا تُطَلِّقنِي , وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَة فَفَعَلَ , وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة \" وَقَالَ : حَسَن غَرِيب. قُلْت : وَلَهُ شَاهِد فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث عَائِشَة بِدُونِ ذِكْر نُزُول الْآيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4236",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا فِي حَلْقَةِ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَجَاءَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ قَالَ ‏ ‏الْأَسْوَدُ ‏ ‏سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ ‏ { ‏إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي ‏ ‏اَلدَّرْكِ ‏ ‏الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ ‏} ‏فَتَبَسَّمَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَجَلَسَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَقَامَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ فَرَمَانِي بِالْحَصَا فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ , وَالْأَسْوَد خَاله وَهُوَ اِبْن يَزِيد النَّخَعِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا فِي حَلْقَة عَبْد اللَّه ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ حُذَيْفَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْيَمَان. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاق عَلَى قَوْم خَيْر مِنْكُمْ ) ‏ ‏أَيْ اُبْتُلُوا بِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ طَبَقَة الصَّحَابَة فَهُمْ خَيْر مِنْ طَبَقَة التَّابِعِينَ , لَكِنْ اللَّه اِبْتَلَاهُمْ فَارْتَدُّوا وَنَافَقُوا فَذَهَبَتْ الْخَيْرِيَّة مِنْهُمْ , وَمِنْهُمْ مَنْ تَابَ فَعَادَتْ لَهُ الْخَيْرِيَّة , فَكَأَنَّ حُذَيْفَة حَذَّرَ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ وَأَشَارَ لَهُمْ أَنْ لَا يَغْتَرُّوا فَإِنَّ الْقُلُوب تَتَقَلَّب , فَحَذَّرَهُمْ مِنْ الْخُرُوج مِنْ الْإِيمَان لِأَنَّ الْأَعْمَال بِالْخَاتِمَةِ , وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِي غَايَة الْوُثُوق بِإِيمَانِهِمْ فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَأْمَنُوا مَكْر اللَّه , فَإِنَّ الطَّبَقَة الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ وَهُمْ الصَّحَابَة كَانُوا خَيْرًا مِنْهُمْ , وَمَعَ ذَلِكَ وُجِدَ بَيْنهمْ مَنْ اِرْتَدَّ وَنَافَقَ , فَالطَّبَقَة الَّتِي هِيَ مِنْ بَعْدهمْ أَمْكَن مِنْ الْوُقُوع فِي مِثْل ذَلِكَ. وَقَوْله \" فَتَبَسَّمَ عَبْد اللَّه \" كَأَنَّهُ تَبَسَّمَ تَعَجُّبًا مِنْ صِدْق مَقَالَته. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَمَانِي ) ‏ ‏أَيْ حُذَيْفَة رَمَى الْأَسْوَد يَسْتَدْعِيه إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَجِبْت مِنْ ضَحِكِهِ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ اِقْتِصَاره عَلَى ذَلِكَ , وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْت أَيْ فَهِمَ مُرَادِي وَعَرَفَ أَنَّهُ الْحَقّ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏أَيْ رَجَعُوا عَنْ النِّفَاق. وَيُسْتَفَاد مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة أَنَّ الْكُفْر وَالْإِيمَان وَالْإِخْلَاص وَالنِّفَاق كُلٌّ بِخَلْقِ اللَّه تَعَالَى وَتَقْدِيره وَإِرَادَته , وَيُسْتَفَاد مِنْ قَوْله تَعَالَى ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاَللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ) صِحَّة تَوْبَة الزِّنْدِيق وَقَبُولهَا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور , فَإِنَّهَا مُسْتَثْنَاة مِنْ الْمُنَافِقِينَ مِنْ قَوْله : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ ) وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِذَلِكَ جَمَاعَة مِنْهُمْ أَبُو بَكْر الرَّازِيُّ فِي أَحْكَام الْقُرْآن , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4237",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ مَتَّى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالْحَمَوِيِّ \" لِعَبْدٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَقُول أَنَا خَيْر مِنْ يُونُس ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنَّ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ الْعَبْد الْقَائِل هُوَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُول ذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" أَنَا \" رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَهُ تَوَاضُعًا , وَدَلَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب عَلَى أَنَّ الِاحْتِمَال الْأَوَّل أَوْلَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4238",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِلَالٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ مَتَّى ‏ ‏فَقَدْ كَذَبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَقَدْ كَذَبَ ) ‏ ‏أَيْ إِذَا قَالَ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَوْقِيف , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته هُنَا , وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. ‏"
    },
    {
        "id": "4239",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ ‏ ‏بَرَاءَةَ ‏ ‏وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ ‏ { ‏يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ‏ ‏الْكَلَالَةِ ‏ }",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( آخِر سُورَة نَزَلَتْ بَرَاءَة , وَآخِر آيَة نَزَلَتْ يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الْأَخِيرَة فِي تَفْسِير الْبَقَرَة , وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي السَّفَر عَنْ الْبَرَاء قَالَ \" آخِر آيَة نَزَلَتْ وَآخِر شَيْء نَزَلَ \" فَذَكَرَهَا. وَفِي النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر قَالَ \" اِشْتَكَيْت , فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه أُوصِي لِأَخَوَاتِي بِالثُّلُثِ ؟ قَالَ : أَحْسَن. قُلْت : بِالشَّطْرِ. قَالَ : أَحْسَن. ثُمَّ خَرَجَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَقَالَ : لَا أَرَاك تَمُوت مِنْ وَجَعك هَذَا , إِنَّ اللَّه أَنْزَلَ وَبَيَّنَ مَا لِأَخَوَاتِك وَهُوَ الثُّلُثَانِ \" فَكَانَ جَابِر يَقُول : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِيَّ ( يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ). قُلْت : وَهَذِهِ قِصَّة أُخْرَى لِجَابِرٍ غَيْر الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي أَوَّل تَفْسِير سُورَة النِّسَاء فِيمَا يَظْهَر لِي , وَقَدْ قَدَّمْت الْمُسْتَنَد فِي ذَلِكَ وَاضِحًا فِي أَوَائِل هَذِهِ السُّورَة , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ : فِي الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأُخْت تَرِث مَعَ الْبِنْت , خِلَافًا لِابْنِ عَبَّاس حَيْثُ قَالَ : لَا تَرِث الْأُخْت إِلَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ بِنْت , لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنْ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ ) قَالَ : وَالْحُجَّة عَلَيْهِ فِي بَقِيَّة الْآيَة ( وَهُوَ يَرِثهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ ) كَذَا قَالَ , وَسَأَذْكُرُ الْبَحْث فِي ذَلِكَ وَاضِحًا فِي الْفَرَائِض ‏"
    },
    {
        "id": "4240",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ آيَةً لَوْ نَزَلَتْ فِينَا لَاتَّخَذْنَاهَا عِيدًا فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِنِّي لَأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ أُنْزِلَتْ يَوْمَ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏وَإِنَّا وَاللَّهِ ‏ ‏بِعَرَفَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَأَشُكُّ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا ‏ { ‏الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَهْدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ قَيْس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ الْيَهُود ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْعُمَيْسِ عَنْ قَيْس فِي كِتَاب الْإِيمَان \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُود \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَسْمِيَته هُنَاكَ وَأَنَّهُ كَعْب الْأَحْبَار , وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون الرَّاوِي حَيْثُ أَفْرَدَ السَّائِل أَرَادَ تَعْيِينه , وَحَيْثُ جَمَعَ أَرَادَ بِاعْتِبَارِ مَنْ كَانَ مَعَهُ عَلَى رَأْيه , وَأُطْلِقَ عَلَى كَعْب هَذِهِ الصِّفَة إِشَارَة إِلَى أَنَّ سُؤَاله عَنْ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْل إِسْلَامه لِأَنَّ إِسْلَامه كَانَ فِي خِلَافَة عُمَر عَلَى الْمَشْهُور , وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا مَضَى. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي لَأَعْلَم ) ‏ ‏وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة اِخْتِصَار , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَان مِنْ وَجْه آخَر عَنْ قَيْس بْن مُسْلِم \" فَقَالَ عُمَر أَيّ آيَة إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَيْثُ أُنْزِلَتْ وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ \" حَيْثُ أُنْزِلَتْ وَأَيّ يَوْم أُنْزِلَتْ \". وَبِهَا يَظْهَر أَنْ لَا تَكْرَار فِي قَوْله حَيْثُ وَأَيْنَ , بَلْ أَرَادَ بِإِحْدَاهُمَا الْمَكَان وَبِالْأُخْرَى الزَّمَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَيْنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ أُنْزِلَتْ يَوْم عَرَفَة ) كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَلِغَيْرِهِ \" حِين \" بَدَل حَيْثُ , وَفِي رِوَايَة أَحْمَد \" وَأَيْنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أُنْزِلَتْ , أُنْزِلَتْ يَوْم عَرَفَة \" بِتَكْرَارِ \" أُنْزِلَتْ \" وَهِيَ أَوْضَح , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عَنْ عَبْد الرَّحْمَن فِي الْمَوْضِعَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّا وَاَللَّه بِعَرَفَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , وَعِنْد أَحْمَد \" وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِف بِعَرَفَة \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن بَشَّار بُنْدَار شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان وَأَشُكّ كَانَ يَوْم الْجُمُعَة أَمْ لَا ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَان مِنْ وَجْه آخَر عَنْ قَيْس بْن مُسْلِم الْجَزْم بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم الْجُمُعَة , وَسَيَأْتِي الْجَزْم بِذَلِكَ مِنْ رِوَايَة مِسْعَر عَنْ قَيْس فِي كِتَاب الِاعْتِصَام , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْإِيمَان بَيَان مُطَابَقَة جَوَاب عُمَر لِلسُّؤَالِ لِأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ اِتِّخَاذه عِيدًا فَأَجَابَ بِنُزُولِهَا بِعَرَفَة يَوْم الْجُمُعَة , وَمُحَصَّله أَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" وَكِلَاهُمَا بِحَمْدِ اللَّه لَنَا عِيد \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : أَجَابَ بِأَنَّ النُّزُول كَانَ يَوْم عَرَفَة , وَمِنْ الْمَشْهُور أَنَّ الْيَوْم الَّذِي بَعْد عَرَفَة هُوَ عِيد لِلْمُسْلِمِينَ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : جَعَلْنَاهُ عِيدًا بَعْد إِدْرَاكنَا اِسْتِحْقَاق ذَلِكَ الْيَوْم لِلتَّعَبُّدِ فِيهِ , قَالَ : وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلهُ يَوْم النُّزُول لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النُّزُول كَانَ بَعْد الْعَصْر , وَلَا يَتَحَقَّق الْعِيد إِلَّا مِنْ أَوَّل النَّهَار , وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاء : إِنَّ رُؤْيَة الْهِلَال نَهَارًا تَكُون لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَة اِنْتَهَى. وَالتَّنْصِيص عَلَى أَنَّ تَسْمِيَة يَوْم عَرَفَة يَوْم عِيد يُغْنِي عَنْ هَذَا التَّكَلُّف , فَإِنَّ الْعِيد مُشْتَقّ مِنْ الْعَوْد وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعُود فِي كُلّ عَام. وَقَدْ نَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ عَنْ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّ الْعِيد هُوَ السُّرُور الْعَائِد وَأَقَرَّ ذَلِكَ , فَالْمَعْنَى أَنَّ كُلّ يَوْم شُرِعَ تَعْظِيمه يُسَمَّى عِيدًا اِنْتَهَى. وَيُمْكِن أَنْ يُقَال هُوَ عِيد لِبَعْضِ النَّاس دُون بَعْض وَهُوَ لِلْحُجَّاجِ خَاصَّة وَلِهَذَا يُكْرَه لَهُمْ صَوْمه , بِخِلَافِ غَيْرهمْ فَيُسْتَحَبّ , وَيَوْم الْعِيد لَا يُصَام. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْإِيمَان بَيَان مَنْ رَوَى فِي حَدِيث الْبَاب أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ يَوْم عِيد وَأَنَّهُ عِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَأَمَّا تَعْلِيله لِتَرْكِ جَعْله عِيدًا بِأَنَّ نُزُول الْآيَة كَانَ بَعْد الْعَصْر فَلَا يَمْنَع أَنْ يُتَّخَذ عِيدًا , وَيُعَظَّم ذَلِكَ الْيَوْم مِنْ أَوَّله لِوُقُوعِ مُوجَب التَّعْظِيم فِي أَثْنَائِهِ , وَالتَّنْظِير الَّذِي نَظَّرَ بِهِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ , لِأَنَّ مَرْجِع ذَلِكَ مِنْ جِهَة سَيْر الْهِلَال , وَإِنِّي لَأَتَعَجَّبُ مِنْ خَفَاء ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيث بَيَان ضَعْف مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ اِبْن لَهِيعَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ يَوْم الِاثْنَيْنِ , وَضَعَّفَ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْيَوْم الْمَذْكُور لَيْسَ بِمَعْلُومٍ , وَعَلَى مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ مُنْقَطِع أَنَّهَا نَزَلَتْ يَوْم التَّرْوِيَة وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَة فَأَمَرَ النَّاس أَنْ يَرُوحُوا إِلَى مِنًى وَصَلَّى الظُّهْر بِهَا , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : حَدِيث عُمَر أَوْلَى , هُوَ كَمَا قَالَ. وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى مَزِيَّة الْوُقُوف بِعَرَفَة يَوْم الْجُمُعَة عَلَى غَيْره مِنْ الْأَيَّام , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا يَخْتَار لِرَسُولِهِ الْأَفْضَل , وَأَنَّ الْأَعْمَال تَشْرُف بِشَرَفِ الْأَزْمِنَة كَالْأَمْكِنَةِ , وَيَوْم الْجُمُعَة أَفْضَل أَيَّام الْأُسْبُوع , وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" خَيْر يَوْم طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْس يَوْم الْجُمُعَة \" الْحَدِيث , وَلِأَنَّ فِي يَوْم الْجُمُعَة السَّاعَة الْمُسْتَجَاب فِيهَا الدُّعَاء وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهَا بَعْد الْعَصْر , وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ رَزِين فِي جَامِعه مَرْفُوعًا \" خَيْر يَوْم طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْس يَوْم عَرَفَة وَافَقَ يَوْم الْجُمُعَة , وَهُوَ أَفْضَل مِنْ سَبْعِينَ حِجَّة فِي غَيْرهَا \" فَهُوَ حَدِيث لَا أَعْرِف حَاله لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُر صَحَابِيّه وَلَا مَنْ أَخْرَجَهُ بَلْ أَدْرَجَهُ فِي حَدِيث الْمُوَطَّأ الَّذِي ذَكَرَهُ مُرْسَلًا عَنْ طَلْحَة بْن عَبْد اللَّه بْن كُرَيْزٍ , وَلَيْسَتْ الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة فِي شَيْء مِنْ الْمُوَطَّآت فَإِنْ كَانَ لَهُ أَصْل اِحْتَمَلَ أَنْ يُرَاد بِالسَّبْعِينَ التَّحْدِيد أَوْ الْمُبَالَغَة , وَعَلَى كُلّ مِنْهُمَا فَثَبَتَتْ الْمَزِيَّة بِذَلِكَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4241",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا ‏ ‏بِالْبَيْدَاءِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏بِذَاتِ الْجَيْشِ ‏ ‏انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ‏ ‏فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَعَاتَبَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي وَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى فَخِذِي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ ‏آيَةَ التَّيَمُّمِ ‏ ‏فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ ‏ ‏أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ‏ ‏مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا الْعِقْدُ تَحْتَهُ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث عَائِشَة فِي سَبَب نُزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة مِنْ وَجْهَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهَا مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب التَّيَمُّم , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ قِيَام اللَّيْل لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى أَوَّل مَا نَزَلَ ثُمَّ نَامَ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ التَّهَجُّد الْقِيَام إِلَى الصَّلَاة بَعْد هَجْعَة , ثُمَّ يَحْتَمِل أَنَّهُ هَجَعَ فَلَمْ يَنْتَقِض وُضُوءُهُ لِأَنَّ قَلْبه لَا يَنَام , ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ثُمَّ نَامَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4242",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي ‏ ‏بِالْبَيْدَاءِ ‏ ‏وَنَحْنُ دَاخِلُونَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَزَلَ فَثَنَى رَأْسَهُ فِي حَجْرِي رَاقِدًا أَقْبَلَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً وَقَالَ حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ فَبِي الْمَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ أَوْجَعَنِي ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتْ الصُّبْحُ فَالْتُمِسَ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ ‏ ‏فَنَزَلَتْ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ‏} ‏الْآيَةَ فَقَالَ ‏ ‏أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ‏ ‏لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ يَا آلَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَرَكَةٌ لَهُمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4243",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُخَارِقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ شَهِدْتُ مِنْ ‏ ‏الْمِقْدَادِ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏حَمْدَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النَّضْرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَشْجَعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُخَارِقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمِقْدَادُ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ ‏ ‏بَنُو إِسْرَائِيلَ ‏ ‏لِمُوسَى ‏ { ‏فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ ‏} ‏وَلَكِنْ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُخَارِقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْمِقْدَادَ ‏ ‏قَالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي حَمْدَان بْن عُمَر ) ‏ ‏هُوَ أَبُو جَعْفَر الْبَغْدَادِيّ وَاسْمه أَحْمَد وَحَمْدَان لَقَبه , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع , وَهُوَ مِنْ صِغَار شُيُوخه وَعَاشَ بَعْد الْبُخَارِيّ سَنَتَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث فِي غَزْوَة بَدْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَوَاهُ وَكِيع عَنْ سُفْيَان إِلَخْ ) ‏ ‏يُرِيد بِذَلِكَ أَنَّ صُورَة سِيَاقه أَنَّهُ مُرْسَل , بِخِلَافِ سِيَاق الْأَشْجَعِيِّ , لَكِنْ اِسْتَظْهَرَ الْمُصَنِّف لِرِوَايَةِ الْأَشْجَعِيِّ الْمَوْصُولَة بِرِوَايَةِ إِسْرَائِيل الَّتِي ذَكَرَهَا قَبْل. وَطَرِيق وَكِيع هَذِهِ وَصَلَهَا أَحْمَد وَإِسْحَاق فِي مُسْنَدِيهِمَا عَنْهُ , وَكَذَا أَخْرَجَهَا اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ قَوْله \" وَرَوَاهُ وَكِيع إِلَخْ \" مُقَدَّمًا فِي الْبَاب عَلَى بَقِيَّة مَا فِيهِ عِنْد أَبِي ذَرّ , مُؤَخَّرًا عِنْد الْبَاقِينَ , وَهُوَ أَشْبَه بِالصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4244",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَلْمَانُ أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا خَلْفَ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا فَقَالُوا وَقَالُوا قَدْ أَقَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ فَالْتَفَتَ إِلَى ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏وَهْوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَقَالَ مَا تَقُولُ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏أَوْ قَالَ مَا تَقُولُ يَا ‏ ‏أَبَا قِلَابَةَ ‏ ‏قُلْتُ مَا عَلِمْتُ نَفْسًا حَلَّ قَتْلُهَا فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَنْبَسَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏بِكَذَا وَكَذَا ‏ ‏قُلْتُ إِيَّايَ حَدَّثَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏قَالَ قَدِمَ قَوْمٌ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَلَّمُوهُ فَقَالُوا قَدْ ‏ ‏اسْتَوْخَمْنَا ‏ ‏هَذِهِ الْأَرْضَ فَقَالَ ‏ ‏هَذِهِ نَعَمٌ لَنَا تَخْرُجُ فَاخْرُجُوا فِيهَا فَاشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَخَرَجُوا فِيهَا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا وَاسْتَصَحُّوا وَمَالُوا عَلَى الرَّاعِي فَقَتَلُوهُ وَاطَّرَدُوا النَّعَمَ فَمَا يُسْتَبْطَأُ مِنْ هَؤُلَاءِ قَتَلُوا النَّفْسَ وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَخَوَّفُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ فَقُلْتُ تَتَّهِمُنِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏قَالَ وَقَالَ يَا أَهْلَ كَذَا إِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا أُبْقِيَ هَذَا فِيكُمْ أَوْ مِثْلُ هَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , وَمُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ هُوَ مِنْ كِبَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَهَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي سَلْمَان ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالسُّكُونِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالتَّصْغِيرِ , وَكَذَا ذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ رِوَايَة الْقَابِسِيّ عَنْ أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ قَالَ : وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب , وَقَوْله \" هَذِهِ نَعَمٌ لَنَا \" مُغَايِر لِقَوْلِهِ فِي الطَّرِيق الْمُتَقَدِّمَة \" اُخْرُجُوا إِلَى إِبِل الصَّدَقَة \" وَيُجْمَع بِأَنَّ فِي قَوْله \" لَنَا \" تَجَوُّزًا سَوَّغَهُ أَنَّهُ كَانَ يَحْكُم عَلَيْهَا , أَوْ كَانَتْ لَهُ نَعَم تَرْعَى مَعَ إِبِل الصَّدَقَة , وَفِي سِيَاق بَعْض طُرُقه مَا يُؤَيِّد هَذَا الْأَخِير حَيْثُ قَالَ فِيهِ \" هَذِهِ نَعَم لَنَا تَخْرُج فَاخْرُجُوا فِيهَا \" وَكَأَنَّ نَعَمه فِي ذَلِكَ الْوَقْت كَانَ يُرِيد إِرْسَالهَا إِلَى الْمَوْضِع الَّذِي تَرْعَى فِيهِ إِبِل الصَّدَقَة فَخَرَجُوا صُحْبَة النَّعَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا ) ‏ ‏أَيْ الْقَسَامَة , وَسَيَأْتِي ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَاب الدِّيَات مَعَ بَقِيَّة شَرْح الْحَدِيث , وَقَوْله \" وَاسْتَصَحُّوا \" بِفَتْحِ الصَّاد الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْحَاء أَيْ حَصَلَتْ لَهُمْ الصِّحَّة , وَقَوْله \" واطَّرِدُوا \" بِتَشْدِيدِ الطَّاء أَيْ أَخْرَجُوهَا طَرْدًا أَيْ سَوْقًا , وَقَوْله \" فَمَا يُسْتَبْطَأ \" بِضَمِّ أَوَّله اِسْتِفْعَال مِنْ الْبُطْء , وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى بِالْقَافِ بَدَل الطَّاء , وَقَوْله \" حَدَّثَنَا أَنَس بِكَذَا وَكَذَا \" أَيْ بِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ , وَقَوْله \" وَقَالَ يَا أَهْل كَذَا \" فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة عَنْ اِبْن عَوْن الْمُنَبَّه عَلَيْهَا فِي الدِّيَات \" يَا أَهْل الشَّام \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا أُبْقِيَ مِثْل هَذَا فِيكُمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْهَمْزَة مِنْ \" أَبْقَى \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَا أَبْقَى اللَّه مِثْل هَذَا \" فَأَبْرَزَ الْفَاعِل ‏"
    },
    {
        "id": "4245",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْفَزَارِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَسَرَتْ ‏ ‏الرُّبَيِّعُ ‏ ‏وَهْيَ عَمَّةُ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَطَلَبَ الْقَوْمُ الْقِصَاصَ فَأَتَوْا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْقِصَاصِ فَقَالَ ‏ ‏أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ ‏ ‏عَمُّ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏لَا وَاللَّهِ لَا تُكْسَرُ سِنُّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَنَسُ ‏ ‏كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا ‏ ‏الْأَرْشَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ ‏ ‏لَأَبَرَّهُ ‏",
        "sharh": "وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث أَنَس \" أَنَّ الرُّبَيِّع \" أَيْ بِالتَّشْدِيدِ عَمَّته \" كَسَرَتْ ثَنِيَّة جَارِيَة \" وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الدِّيَات. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏الْفَزَارِيُّ الْمَذْكُور فِي هَذَا الْإِسْنَاد هُوَ مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَبُو إِسْحَاق ‏"
    },
    {
        "id": "4246",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ وَاللَّهُ يَقُولُ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" مَنْ حَدَّثَك أَنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ \" وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ مَعَ كَمَالِ شَرْحه فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ‏"
    },
    {
        "id": "4247",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ‏} ‏فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لَا وَاللَّهِ ‏ ‏وَبَلَى وَاللَّهِ ‏",
        "sharh": "قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه ) كَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْحَمَوِيِّ , وَلَهُ عَنْ الْمُسْتَمْلِيّ \" حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَلَمَة \" وَهِيَ رِوَايَة الْبَاقِينَ إِلَّا النَّسَفِيَّ فَقَالَ \" حَدَّثَنَا عَلِيّ \" فَلَمْ يَنْسُبهُ , وَعَلِيّ بْن سَلَمَة هَذَا يُقَال لَهُ اللَّبَقِيُّ بِفَتْحِ اللَّام وَالْمُوَحَّدَة الْخَفِيفَة بَعْدهَا قَاف خَفِيفَة وَهُوَ ثِقَة مِنْ صِغَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَلَمْ يَقَع لَهُ عِنْده ذِكْر إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع وَقَدْ نَبَّهْت عَلَى مَوْضِع آخَر فِي الشُّفْعَة , وَيَأْتِي آخَر فِي الدَّعَوَات. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَالِك بْن سُعَيْرٍ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّر , ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَقَالَ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زُرْعَة وَالدَّارَقُطْنِيُّ : صَدُوق وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي الدَّعَوَات , وَأَبُوهُ هُوَ اِبْن الْخِمْس بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وَآخِره مُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( فِي قَوْل الرَّجُل لَا وَاَللَّه وَبَلَى وَاَللَّه ) ‏ ‏وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَكَذَلِكَ الْحَدِيث الَّذِي بَعْده وَقَوْله \" كَانَ أَبُو بَكْر إِلَخْ \" أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الطُّفَاوِيِّ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِين لَمْ يَحْنَث إِلَخْ \" وَالْمَحْفُوظ مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ ذَلِكَ فِعْل أَبِي بَكْر وَقَوْله , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْحَدِيث الثَّانِي يُفَسِّر الْأَوَّل , وَتَعَقَّبَهُ , وَالْحَقّ أَنَّ الْأَوَّل فِي تَفْسِير لَغْو الْيَمِين , وَالثَّانِي فِي تَفْسِير عَقْد الْيَمِين. ‏"
    },
    {
        "id": "4248",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهَا كَانَ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏لَا أَرَى يَمِينًا أُرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا قَبِلْتُ رُخْصَةَ اللَّهِ وَفَعَلْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو بَكْر لَا أَرَى يَمِينًا أَرَى غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ الرُّؤْيَة بِمَعْنَى الِاعْتِقَاد , وَفِي الثَّانِي بِالضَّمِّ بِمَعْنَى الظَّنّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي أَوَّل الْأَيْمَان وَالنُّذُور مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ هِشَام بِلَفْظِ \" لَا أَحْلِف عَلَى يَمِين فَرَأَيْت غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا قَبِلْت رُخْصَة اللَّه ) ‏ ‏أَيْ فِي كَفَّارَة الْيَمِين , وَفِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك \" إِلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْر مِنْهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4249",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا أَلَا نَخْتَصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ فَرَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَالِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الطَّحَّان , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود. وَسَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث فِي كِتَاب النِّكَاح وَفِي التِّرْمِذِيّ مُحَسَّنًا مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِذَا أَكَلْت مِنْ هَذَا اللَّحْم اِنْتَشَرْت , وَإِنِّي حَرَّمْت عَلَيَّ اللَّحْم فَنَزَلَتْ \" وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَاس قَالُوا \" نَتْرُك شَهَوَات الدُّنْيَا وَنَسِيح فِي الْأَرْض \" الْحَدِيث. وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِهِ أَيْضًا فِي كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4250",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَإِنَّ فِي ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةَ أَشْرِبَةٍ مَا فِيهَا شَرَابُ الْعِنَبِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر وَإِنَّ فِي الْمَدِينَة يَوْمئِذٍ لَخَمْسَة أَشْرِبَة , مَا فِيهَا شَرَاب الْعِنَب ) ‏ ‏يُرِيد بِذَلِكَ أَنَّ الْخَمْر لَا يَخْتَصّ بِمَاءِ الْعِنَب. ‏"
    },
    {
        "id": "4251",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏مَا كَانَ لَنَا خَمْرٌ غَيْرُ ‏ ‏فَضِيخِكُمْ ‏ ‏هَذَا الَّذِي تُسَمُّونَهُ ‏ ‏الْفَضِيخَ ‏ ‏فَإِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِي ‏ ‏أَبَا طَلْحَةَ ‏ ‏وَفُلَانًا وَفُلَانًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ وَهَلْ بَلَغَكُمْ الْخَبَرُ فَقَالُوا وَمَا ذَاكَ قَالَ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ قَالُوا ‏ ‏أَهْرِقْ ‏ ‏هَذِهِ ‏ ‏الْقِلَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَنَسُ ‏ ‏قَالَ فَمَا سَأَلُوا عَنْهَا وَلَا رَاجَعُوهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4252",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَبَّحَ أُنَاسٌ غَدَاةَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏الْخَمْرَ فَقُتِلُوا مِنْ يَوْمِهِمْ جَمِيعًا شُهَدَاءَ وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ حَدِيث جَابِر فِي الَّذِينَ صَبَّحُوا الْخَمْر ثُمَّ قُتِلُوا بِأُحُدٍ وَذَلِكَ قَبْل تَحْرِيمهَا , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَة قَبْل التَّحْرِيم. ‏"
    },
    {
        "id": "4253",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏وَابْنُ إِدْرِيسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَيَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ ‏ ‏نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ ‏ ‏وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ مِنْ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ ‏ ‏وَالْحِنْطَةِ ‏ ‏وَالشَّعِيرِ وَالْخَمْرُ مَا ‏ ‏خَامَرَ ‏ ‏الْعَقْلَ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ حَدِيث عُمَر أَنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر وَهِيَ مِنْ خَمْسَة وَذَكَرَ مِنْهَا الْعِنَب , وَظَاهِره يُعَارِض حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَذْكُور أَوَّل الْبَاب , وَسَنَذْكُرُ وَجْه الْجَمْع بَيْنهمَا فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة مَعَ شَرْح أَحَادِيث الْبَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" أُهْرِيقَتْ \" أَنْكَرَهُ اِبْن التِّين وَقَالَ : الصَّوَاب \" هُرِيقَتْ \" بِالْهَاءِ بَدَل الْهَمْزَة وَلَا يُجْمَع بَيْنهمَا , وَأَثْبَتَ غَيْره مِنْ أَئِمَّة اللُّغَة مَا أَنْكَرَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَمُسْلِم فِي سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص قَالَ \" صَنَعَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار طَعَامًا فَدَعَانَا فَشَرِبْنَا الْخَمْر قَبْل أَنْ تُحَرَّم حَتَّى سَكِرْنَا , فَتَفَاخَرْنَا , إِلَى أَنْ قَالَ : فَنَزَلَتْ إِنَّمَا الْخَمْر وَالْمَيْسِر - إِلَى قَوْله - فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4254",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ الْخَمْرَ الَّتِي ‏ ‏أُهْرِيقَتْ ‏ ‏الْفَضِيخُ ‏ ‏وَزَادَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ الْبِيكَنْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى فَقَالَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏اخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ قَالَ فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ هَذَا مُنَادٍ يُنَادِي ‏ ‏أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَقَالَ لِي اذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا قَالَ فَجَرَتْ فِي سِكَكِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ وَكَانَتْ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ ‏ ‏الْفَضِيخَ ‏ ‏فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ قُتِلَ قَوْمٌ ‏ ‏وَهْيَ فِي بُطُونِهِمْ قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4255",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَارُودِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَ ‏ ‏لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا قَالَ فَغَطَّى ‏ ‏أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وُجُوهَهُمْ لَهُمْ ‏ ‏خَنِينٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مَنْ أَبِي قَالَ فُلَانٌ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ‏} ‏رَوَاهُ ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُنْذِر بْن الْوَلِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏أَيْ اِبْن حَبِيب بْن عَلْيَاء بْن حَبِيب بْن الْجَارُود الْعَبْدِيُّ الْبَصْرِيّ الْجَارُودِيُّ نِسْبَة إِلَى جَدّه الْأَعْلَى , وَهُوَ ثِقَة , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي كَفَّارَات الْأَيْمَان , وَأَبُوهُ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ ذِكْر إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَلَا رَأَيْت عَنْهُ رَاوِيًا إِلَّا وَلَده , وَحَدِيثه هَذَا فِي الْمُتَابَعَات , فَإِنَّ الْمُصَنِّف أَوْرَدَهُ فِي الِاعْتِصَام مِنْ رِوَايَة غَيْره كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي كَلَام أَبِي عَلِيّ الْغَسَّانِيّ فِيمَا حَكَاهُ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ الْبُخَارِيّ رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ مُحَمَّد غَيْر مَنْسُوب عَنْ مُنْذِر هَذَا وَأَنَّ مُحَمَّدًا الْمَذْكُور هُوَ اِبْن يَحْيَى الذُّهْلِيُّ , وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات الَّتِي عِنْدنَا مِنْ الْبُخَارِيّ , وَأَظُنّهُ وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد \" غَيْر مَنْسُوب وَالْمُرَاد بِهِ الْبُخَارِيّ الْمُصَنِّف وَالْقَائِل ذَلِكَ الرَّاوِي عَنْهُ وَظَنُّوهُ شَيْخًا لِلْبُخَارِيِّ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة رَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ شُعْبَة فِي الِاعْتِصَام \" أَخْبَرَنِي مُوسَى قَالَ سَمِعْت أَنَس بْن مَالِك يَقُول \". ‏ ‏قَوْله : ( خَطَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَة مَا سَمِعْت مِثْلهَا قَطُّ قَالَ : لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَم ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق النَّضْر بْن شُمَيْلٍ عَنْ شُعْبَة فِي أَوَّله زِيَادَة يَظْهَر مِنْهَا سَبَب الْخُطْبَة وَلَفْظه \" بَلَغَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَصْحَابه شَيْء , فَخَطَبَ فَقَالَ : عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّة وَالنَّار فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْر وَالشَّرّ , وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَم \". ‏ ‏قَوْله : ( لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا , قَالَ فَغَطَّى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّضْر بْن شُمَيْلٍ \" قَالَ فَمَا أَتَى عَلَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم كَانَ أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ , غَطَّوْا رُءُوسهمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَهُمْ حَنِين ) ‏ ‏بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة , وَالْأَوَّل الصَّوْت الَّذِي يَرْتَفِع بِالْبُكَاءِ مِنْ الصَّدْر , وَالثَّانِي مِنْ الْأَنْف. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْحَنِين بُكَاء دُون الِانْتِحَاب , وَقَدْ يَجْعَلُونَ الْحَنِين وَالْخَنِين وَاحِدًا إِلَّا أَنَّ الْحَنِين مِنْ الصَّدْر أَيْ الْمُهْمَلَة وَالْحَنِين مِنْ الْأَنْف بِالْمُعْجَمَةِ. وَقَالَ عِيَاض ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل مَنْ أَبِي ؟ قَالَ : أَبُوك فُلَان ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم أَنَّهُ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة. وَفِي رِوَايَة لِلْعَسْكَرِيِّ \" نَزَلَتْ فِي قَيْس بْن حُذَافَة \" وَفِي رِوَايَة لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ يَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا فِي كِتَاب الْفِتَن \" خَارِجَة بْن حُذَافَة \" وَالْأَوَّل أَشْهَر , وَكُلّهمْ لَهُ صُحْبَة , وَتَقَدَّمَ فِيهِ أَيْضًا زِيَادَة مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى وَأَحَلْت بِشَرْحِهِ عَلَى كِتَاب الِاعْتِصَام , وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , فَاقْتَصَرَ هُنَا عَلَى بَيَان الِاخْتِلَاف فِي سَبَب نُزُول الْآيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة ) ‏ ‏هَكَذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي سِيَاق الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس مَعَ أَنَّهُ أَشْبَع سِيَاقًا مِنْ رِوَايَة مُوسَى بْن أَنَس كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْمَوَاقِيت , وَلِذَا لَمْ يَذْكُر ذَلِكَ هِلَال بْن عَلِيّ عَنْ أَنَس كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب الرِّقَاق. وَوَقَعَ فِي الْفِتَن مِنْ طَرِيق قَتَادَةُ عَنْ أَنَس فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث بَعْد أَنْ سَاقَهُ مُطَوَّلًا قَالَ \" فَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُر هَذَا الْحَدِيث عِنْد هَذِهِ الْآيَة ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ ) وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس قَالَ \" سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ , فَصَعِدَ الْمِنْبَر فَقَالَ : لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْء إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ , فَجَعَلْت أَلْتَفِت عَنْ يَمِين وَشِمَال فَإِذَا كَانَ رَجُل لَافّ ثَوْبه بِرَأْسِهِ يَبْكِي \" الْحَدِيث , وَفِيهِ قِصَّة عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة , وَقَوْل عُمَر رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضْبَان مُحْمَارّ وَجْهه حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَر , فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُل فَقَالَ : أَيْنَ أَنَا قَالَ : فِي النَّار. فَقَامَ آخَر فَقَالَ : مَنْ أَبِي ؟ فَقَالَ : حُذَافَة. فَقَامَ عُمَر - فَذَكَرَ كَلَامه وَزَادَ فِيهِ - وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا , قَالَ فَسَكَنَ غَضَبه وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة \" وَهَذَا شَاهِد جَيِّد لِحَدِيثِ مُوسَى بْن أَنَس وَالْمَذْكُور. وَأَمَّا مَا رَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عَلِيّ قَالَ \" لَمَّا نَزَلَتْ ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) قَالُوا يَا رَسُول اللَّه فِي كُلّ عَام ؟ فَسَكَتَ. ثُمَّ قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه فِي كُلّ عَام ؟ فَقَالَ : لَا , وَلَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ. فَأَنْزَلَ اللَّه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا ) فَهَذَا لَا يُنَافِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون نَزَلَتْ فِي الْأَمْرَيْنِ , وَلَعَلَّ مُرَاجَعَتهمْ لَهُ فِي ذَلِكَ هِيَ سَبَب غَضَبه. وَقَدْ رَوَى أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَالطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةُ نَحْو حَدِيث عَلَى هَذَا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه ضَعِيف وَمِنْ آخَر مُنْقَطِع عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَجَاءَ فِي سَبَب نُزُولهَا قَوْل ثَالِث وَهُوَ مَا يَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْبَاب عَقِب هَذَا وَهُوَ أَصَحّ إِسْنَادًا , لَكِنْ لَا مَانِع أَنْ يَكُون الْجَمِيع سَبَب نُزُولهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَجَاءَ فِي سَبَب نُزُولهَا قَوْلَانِ آخَرَانِ , فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ وَسَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق خُصَيْفٍ عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَشْيَاءِ الْبَحِيرَة وَالْوَصِيلَة وَالسَّائِبَة وَالْحَامِ. قَالَ فَكَانَ عِكْرِمَة يَقُول : إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَ عَنْ الْآيَات , فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. قَالَ : وَالْمُرَاد بِالْآيَاتِ نَحْو سُؤَال قُرَيْش أَنْ يَجْعَل الصَّفَا لَهُمْ ذَهَبًا , وَسُؤَال الْيَهُود أَنْ يَنْزِل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء وَنَحْو ذَلِكَ. أَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَبْد الْكَرِيم عَنْ عِكْرِمَة قَالَ \" نَزَلَتْ فِي الَّذِي سَأَلَ عَنْ أَبِيهِ. وَعَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي الَّذِينَ سَأَلُوا عَنْ الْبَحِيرَةِ وَغَيْرهَا , وَعَنْ مِقْسَم فِيمَا سَأَلَ الْأُمَم أَنْبِيَاءَهَا عَنْ الْآيَات. قُلْت : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحْتَمَل , وَكَذَا مَا أَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَطِيَّة قَالَ \" نُهُوا أَنْ يَسْأَلُوا مِثْل مَا سَأَلَ النَّصَارَى مِنْ الْمَائِدَة فَأَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ \" وَقَدْ رَجَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ , وَكَأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ; لِوُقُوعِ قِصَّة الْمَائِدَة فِي السُّورَة بَعْد ذَلِكَ , وَاسْتُبْعِدَ نُزُولهَا فِي قِصَّة مَنْ سَأَلَ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنْ الْحَجّ كُلّ عَام , وَهُوَ إِغْفَال مِنْهُ لِمَا فِي الصَّحِيح , وَرَجَّحَ اِبْن الْمُنِير نُزُولهَا فِي النَّهْي عَنْ كَثْرَة الْمَسَائِل عَمَّا كَانَ وَعَمَّا لَمْ يَكُنْ , وَاسْتَنَدَ إِلَى كَثِير مِمَّا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِي \" بَاب مَا يُكْرَه مِنْ كَثْرَة السُّؤَال \" فِي كِتَاب الِاعْتِصَام وَهُوَ مُتَّجَه , لَكِنْ لَا مَانِع أَنْ تَتَعَدَّد الْأَسْبَاب , وَمَا فِي الصَّحِيح أَصَحّ. وَفِي الْحَدِيث إِيثَار السَّتْر عَلَى الْمُسْلِمِينَ , وَكَرَاهَة التَّشْدِيد عَلَيْهِمْ , وَكَرَاهَة التَّنْقِيب عَمَّا لَمْ يَقَع , وَتَكَلُّف الْأَجْوِبَة لِمَنْ يَقْصِد بِذَلِكَ التَّمَرُّن عَلَى التَّفَقُّه , فَاَللَّه أَعْلَم. وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ النَّضْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شُمَيْلٍ ‏ ‏( وَرَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ شُعْبَة ) ‏ ‏أَيْ بِإِسْنَادِهِ , وَرِوَايَة النَّضْر وَصَلَهَا مُسْلِم , وَرِوَايَة رَوْح بْن عُبَادَةَ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي كِتَاب الِاعْتِصَام. ‏"
    },
    {
        "id": "4256",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النَّضْرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو خَيْثَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتِهْزَاءً فَيَقُولُ الرَّجُلُ مَنْ أَبِي وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ أَيْنَ نَاقَتِي ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ‏} ‏حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْآيَةِ كُلِّهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي الْفَضْل بْن سَهْل ) ‏ ‏هُوَ الْبَغْدَادِيّ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع وَشَيْء تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة , وَأَبُو النَّضْر هَاشِم بْن الْقَاسِم , وَأَبُو خَيْثَمَةَ هُوَ زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة , وَأَبُو الْجُوَيْرِيَةِ بِالْجِيمِ مُصَغَّر اِسْمه حِطَّان بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الطَّاء اِبْن خُفَاف بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَفَاءَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَة , ثِقَة مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة وَيَأْتِي فِي الْأَشْرِبَة لَهُ ثَالِث. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق أَبِي النَّضْر عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ سَمِعْت أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ سَأَلَهُ يَعْنِي اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ قَوْم يَسْأَلُونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتِهْزَاء ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ طَرِيق الْجَمْع بَيْنه وَبَيْن الَّذِي قَبْله , وَالْحَاصِل أَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ كَثْرَة الْمَسَائِل إِمَّا عَلَى سَبِيل الِاسْتِهْزَاء أَوْ الِامْتِحَان وَإِمَّا عَلَى سَبِيل التَّعَنُّت عَنْ الشَّيْء الَّذِي لَوْ لَمْ تَسْأَل عَنْهُ لَكَانَ عَلَى الْإِبَاحَة , وَفِي أَوَّل رِوَايَة الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق حَفْص بْن نُفَيْل عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ \" قَالَ اِبْن عَبَّاس : قَالَ أَعْرَابِيّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ : هَلْ تَدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة \" فَذَكَرَهُ وَوَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الضَّالَّة فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : \" مَنْ أَكَلَ الضَّالَّة فَهُوَ ضَالّ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4257",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا ‏ ‏لِلطَّوَاغِيتِ ‏ ‏فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ وَالسَّائِبَةُ كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَيْتُ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ ‏ ‏يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ وَالْوَصِيلَةُ النَّاقَةُ الْبِكْرُ تُبَكِّرُ فِي أَوَّلِ نِتَاجِ الْإِبِلِ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثَى وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهَا ‏ ‏لِطَوَاغِيتِهِمْ ‏ ‏إِنْ وَصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ ‏ ‏وَالْحَامِ فَحْلُ الْإِبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَابَ الْمَعْدُودَ فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَعُوهُ ‏ ‏لِلطَّوَاغِيتِ ‏ ‏وَأَعْفَوْهُ مِنْ الْحَمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَسَمَّوْهُ الْحَامِيَ ‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدًا ‏ ‏قَالَ يُخْبِرُهُ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏ابْنُ الْهَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْبَحِيرَة الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ ) ‏ ‏وَهِيَ الْأَصْنَام , فَلَا يَحْلُبهَا أَحَد مِنْ النَّاس , وَالْبَحِيرَة فَعَيْلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة , وَهِيَ الَّتِي بُحِرَتْ أُذُنهَا أَيْ حُرِّمَتْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : جَعَلَهَا قَوْم مِنْ الشَّاة خَاصَّة إِذَا وَلَدَتْ خَمْسَة أَبْطُن بَحَرُوا أُذُنهَا أَيْ شَقُّوهَا وَتُرِكَتْ فَلَا يَمَسّهَا أَحَد. وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْبَحِيرَة النَّاقَة كَذَلِكَ , وَخَلَّوْا عَنْهَا فَلَمْ تُرْكَب وَلَمْ يَضْرِبهَا فَحْل , وَأَمَّا قَوْله \" فَلَا يَحْلُبهَا أَحَد مِنْ النَّاس \" فَهَكَذَا أُطْلِقَ نَفْي الْحَلْب , وَكَلَام أَبِي عُبَيْدَة يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمَنْفِيّ إِنَّمَا هُوَ الشُّرْب الْخَاصّ , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : كَانُوا يُحَرِّمُونَ وَبَرهَا وَلَحْمهَا وَظَهْرهَا وَلَبَنهَا عَلَى النِّسَاء وَيُحِلُّونَ ذَلِكَ لِلرِّجَالِ , وَمَا وَلَدَتْ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهَا , وَإِنْ مَاتَتْ اِشْتَرَكَ الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي أَكْل لَحْمهَا. وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : الْبَحِيرَة مِنْ الْإِبِل كَانَتْ النَّاقَة إِذَا نَتَجَتْ خَمْس بُطُون فَإِنْ كَانَ الْخَامِس ذَكَرًا كَانَ لِلرِّجَالِ دُون النِّسَاء , وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى بُتِكَتْ أُذُنهَا ثُمَّ أُرْسِلَتْ فَلَمْ يَجُزُّوا لَهَا وَبَرًا وَلَمْ يَشْرَبُوا لَهَا لَبَنًا وَلَمْ يَرْكَبُوا لَهَا ظَهْرًا , وَإِنْ تَكُنْ مَيْتَة فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء الرِّجَال وَالنِّسَاء. وَنَقَلَ أَهْل اللُّغَة فِي تَفْسِير الْبَحِيرَة هَيْئَات أُخْرَى تَزِيد بِمَا ذَكَرْت عَلَى الْعَشْر. وَهِيَ فَعِيلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة , وَالْبَحْر شَقّ الْأُذُن , كَانَ ذَلِكَ عَلَامَة لَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَالسَّائِبَة كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ فَلَا يُحْمَل عَلَيْهَا شَيْء ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : كَانَتْ السَّائِبَة مِنْ جَمِيع الْأَنْعَام , وَتَكُون مِنْ النُّذُور لِلْأَصْنَامِ فَتُسَيَّب فَلَا تُحْبَس عَنْ مَرْعًى وَلَا عَنْ مَاء وَلَا يَرْكَبهَا أَحَد , قَالَ : وَقِيلَ السَّائِبَة لَا تَكُون إِلَّا مِنْ الْإِبِل , كَانَ الرَّجُل يَنْذُر إِنْ بَرِئَ مِنْ مَرَضه أَوْ قَدِمَ مِنْ سَفَره لَيُسَيِّبَنَّ بَعِيرًا , وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : السَّائِبَة كَانُوا يُسَيِّبُونَ بَعْض إِبِلهمْ فَلَا تُمْنَع حَوْضًا أَنْ تَشْرَب فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَأَيْت عَمْرو بْن عَامِر الْخُزَاعِيَّ إِلَخْ ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَة إِيرَاد الْقَدْر الْمَرْفُوع مِنْ الْحَدِيث فِي أَثْنَاء الْمَوْقُوف , وَسَأُبَيِّنُ مَا فِيهِ بَعْدُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْوَصِيلَة النَّاقَة الْبِكْر تُبَكِّر فِي أَوَّل نِتَاج الْإِبِل بِأُنْثَى , ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثَى ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُتَّصِلًا بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوع , وَهُوَ يُوهِم أَنَّهُ مِنْ جُمْلَة الْمَرْفُوع , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ هُوَ بَقِيَّة تَفْسِير سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , وَالْمَرْفُوع مِنْ الْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ ذِكْر عَمْرو بْن عَامِر فَقَطْ , وَتَفْسِير الْبَحِيرَة وَسَائِر الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَاد مِثْل رِوَايَة الْبَاب , إِلَّا أَنَّهُ بَعْد إِيرَاد الْمَرْفُوع قَالَ \" وَقَالَ اِبْن الْمُسَيِّب : وَالْوَصِيلَة النَّاقَة إِلَخْ \" فَأَوْضَحَ أَنَّ التَّفْسِير جَمِيعه مَوْقُوف , وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوْيهِ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد وَعُبَيْد اللَّه بْن زِيَاد عَنْ اِبْن شِهَاب مُفَصَّلًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ وَصَلَتْ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ أَجْل. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : كَانَتْ السَّائِبَة مَهْمَا وَلَدَتْهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أُمّهَا إِلَى سِتَّة أَوْلَاد , فَإِنْ وَلَدَتْ السَّابِع أُنْثَيَيْنِ تُرِكَتَا فَلَمْ تُذْبَحَا , وَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا ذُبِحَ وَأَكَلَهُ الرِّجَال دُون النِّسَاء , وَكَذَا إِذَا وَلَدَتْ ذَكَرَيْنِ , وَإِنْ أَتَتْ بِتَوْأَمٍ ذَكَر وَأُنْثَى سَمَّوْا الذَّكَر وَصِيلَة فَلَا يُذْبَح لِأَجْلِ أُخْته , وَهَذَا كُلّه إِنْ لَمْ تَلِد مَيِّتًا , فَإِنْ وَلَدَتْ بَعْد الْبَطْن السَّابِع مَيِّتًا أَكَلَهُ النِّسَاء دُون الرِّجَال. وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : الْوَصِيلَة الشَّاة كَانَتْ إِذَا وَلَدَتْ سَبْعَة فَإِنْ كَانَ السَّابِع ذَكَرًا ذُبِحَ وَأُكِلَ وَإِنْ كَانَ أُنْثَى تُرِكَتْ وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا وَأُنْثَى قَالُوا : وَصَلَتْ أَخَاهَا فَتُرِكَ وَلَمْ يُذْبَح. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْحَام فَحْل الْإِبِل يَضْرِبُ الضِّرَاب الْمَعْدُود إِلَخْ ) ‏ ‏وَكَلَام أَبِي عُبَيْدَة يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْحَام إِنَّمَا يَكُون مِنْ وَلَد السَّائِبَة. وَقَالَ أَيْضًا : كَانُوا إِذَا ضَرَبَ فَحْلٌ مِنْ وَلَد الْبَحِيرَة فَهُوَ عِنْدهمْ حَامٍ , وَقَالَ أَيْضًا : الْحَام مِنْ فُحُول الْإِبِل خَاصَّة إِذَا نَتَجُوا مِنْهُ عَشَرَة أَبْطُن قَالُوا : قَدْ حَمَى ظَهْره , فَاحْمُوا ظَهْره وَوَبَره وَكُلّ شَيْء مِنْهُ فَلَمْ يُرْكَب وَلَمْ يُطْرَق , وَعُرِفَ بِهَذَا بَيَان الْعَدَد الْمُبْهَم فِي رِوَايَة سَعِيد. وَقِيلَ الْحَام فَحْل الْإِبِل إِذَا رُكِبَ وَلَد وَلَده , قَالَ الشَّاعِر : حَمَاهَا أَبُو قَابُوس فِي غَيْر مِلْكه كَمَا قَدْ حَمَى أَوْلَاد أَوْلَاده الْفَحْلَا ‏ ‏وَقَالَ الْفَرَّاء : اُخْتُلِفَ فِي السَّائِبَة فَقِيلَ كَانَ الرَّجُل يُسَيِّب مِنْ مَاله مَا شَاءَ يَذْهَب بِهِ إِلَى السَّدَنَة وَهُمْ الَّذِينَ يَقُومُونَ عَلَى الْأَصْنَام. وَقِيلَ : السَّائِبَة النَّاقَة إِذَا وَلَدَتْ عَشَرَة أَبْطُن كُلّهنَّ إِنَاث سُيِّبَتْ فَلَمْ تُرْكَب وَلَمْ يُجَزّ لَهَا وَبَر وَلَمْ يُشْرَب لَهَا لَبَن , وَإِذَا وَلَدَتْ بِنْتهَا بُحِرَتْ أَيْ شُقَّتْ أُذُنهَا , فَالْبَحِيرَة اِبْنَة السَّائِبَة وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ أُمّهَا , وَالْوَصِيلَة مِنْ الشَّاة إِذَا وَلَدَتْ سَبْعَة أَبْطُن إِذَا وَلَدَتْ فِي آخِرهَا ذَكَرًا وَأُنْثَى قِيلَ وَصَلَتْ أَخَاهُ فَلَا تَشْرَب النِّسَاء لَبَن الْأُمّ وَتَشْرَبهُ الرِّجَال وَجَرَتْ مَجْرَى السَّائِبَة إِلَّا فِي هَذَا , وَأَمَّا الْحَام فَهُوَ فَحْل الْإِبِل كَانَ إِذَا لَقَّحَ وَلَدُ وَلَدِهِ قِيلَ حَمَى ظَهْره فَلَا يُرْكَب وَلَا يُجَزّ لَهُ وَبَر وَلَا يُمْنَع مِنْ مَرْعًى. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لِي أَبُو الْيَمَان ) ‏ ‏عِنْد غَيْر أَبِي ذَرّ \" وَقَالَ أَبُو الْيَمَان \" بِغَيْرِ مُجَاوَرَة. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت سَعِيدًا يُخْبِرهُ بِهَذَا قَالَ : وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوه ) ‏ ‏هَكَذَا لِلْأَكْثَرِ يُخْبِر بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمُضَارِع مِنْ الْخَبَر مُتَّصِل بِهَاءِ الضَّمِير , وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْحَمَوِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ بَحِيرَة بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَكَسْر الْمُهْمَلَة , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَفْسِير الْبَحِيرَة وَغَيْرهَا كَمَا فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد , وَأَنَّ الْمَرْفُوع مِنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ عَمْرو بْنَ عَامِر حَسْب , وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد , فَإِنَّ الْمُصَنِّف أَخْرَجَهُ فِي مَنَاقِب قُرَيْش قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَان أَنْبَأَنَا شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ سَمِعْت سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : الْبَحِيرَة الَّتِي يُمْنَع دَرُّهَا إِلَخْ , لَكِنَّهُ أَوْرَدَهُ بِاخْتِصَارٍ قَالَ \" وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَيْت عَمْرو بْن عَامِر إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَرَوَاهُ اِبْن الْهَادِ عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَمَّا طَرِيق اِبْن الْهَادِ فَأَخْرَجَهَا اِبْن مَرْدَوْيهِ مِنْ طَرِيق خَالِد بْن حُمَيْدٍ الْمَهْرِيِّ عَنْ اِبْن الْهَاد - وَهُوَ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه اِبْن أُسَامَة بْن الْهَادِ اللَّيْثِيُّ - بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَلَفْظ الْمَتْن \" رَأَيْت عَمْرو بْن عَامِر الْخُزَاعِيَّ يَجُرّ قُصْبَهُ فِي النَّار \" وَكَانَ أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِب , وَالسَّائِبَة الَّتِي كَانَتْ تُسَيَّب فَلَا يُحْمَل عَلَيْهَا شَيْء إِلَى آخِر التَّفْسِير الْمَذْكُور , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عُوَانَةَ وَابْن أَبِي عَاصِم فِي \" الْأَوَائِل \" وَالْبَيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَنْ اللَّيْث عَنْ اِبْن الْهَادِ بِالْمَرْفُوعِ فَقَطْ , وَظَهَرَ أَنَّ فِي رِوَايَة خَالِد بْن حُمَيْدٍ إِدْرَاجًا وَأَنَّ التَّفْسِير مِنْ كَلَام سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله فِي الْمَرْفُوع \" وَهُوَ أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِب \" زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" وَبَحَرَ الْبَحِيرَة وَغَيَّرَ دِين إِسْمَاعِيل \" وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ يَزِيد بْن أَسْلَمَ مُرْسَلًا \" أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِب عَمْرو بْن لُحَيٍّ , وَأَوَّل مَنْ بَحَّرَ الْبَحَائِر رَجُل مِنْ بَنِي مُدْلِج جَدَعَ أُذُن نَاقَته وَحَرَّمَ شُرْب أَلْبَانهَا \" وَالْأَوَّل أَصَحّ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث عَائِشَة \" رَأَيْت جَهَنَّم يُحَطِّم بَعْضهَا بَعْضًا , وَرَأَيْت عَمْرًا يَجُرّ قُصْبَهُ فِي النَّار , وَهُوَ أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِب \" هَكَذَا وَقَعَ هُنَا مُخْتَصَرًا , وَتَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب الْعَمَل فِي الصَّلَاة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يُونُس عَنْ زَيْد مُطَوَّلًا وَأَوَّله \" خَسَفَتْ الشَّمْس , فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ سُورَة طَوِيلَة \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" لَقَدْ رَأَيْت فِي مَقَامِي هَذَا كُلّ شَيْء \" وَفِيهِ الْقَدْر الْمَذْكُور هُنَا , وَأَوْرَدَهُ فِي أَبْوَاب الْكُسُوف مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يُونُس بِدُونِ الزِّيَادَة , وَكَذَا مِنْ طَرِيق عُقَيْل عَنْ الزُّهَيْرِيِّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان نَسَب عَمْرو الْخُزَاعِيِّ فِي مَنَاقِب قُرَيْش , وَكَذَا بَيَان كَيْفِيَّة تَغْيِيره لِمِلَّةِ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام وَنَصْبه الْأَصْنَام وَغَيْر ذَلِكَ ‏"
    },
    {
        "id": "4258",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكَرْمَانِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَرَأَيْتُ ‏ ‏عَمْرًا ‏ ‏يَجُرُّ قُصْبَهُ ‏ ‏وَهْوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4259",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ‏ ‏إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً ‏ ‏غُرْلًا ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ { ‏كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ‏} ‏إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ثُمَّ قَالَ أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏أَلَا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ ‏ { ‏وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏} ‏فَيُقَالُ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4260",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ وَإِنَّ نَاسًا يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ ‏ { ‏وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4261",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ { ‏مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ‏} ‏خَمْسٌ ‏ { ‏إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ‏ ‏وَيُنْزِلُ ‏ ‏الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4262",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ‏} ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعُوذُ بِوَجْهِكَ قَالَ ‏ { ‏أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ‏} ‏قَالَ أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ‏ { ‏أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ‏} ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَذَا أَهْوَنُ أَوْ هَذَا أَيْسَرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَابِر ) ‏ ‏وَقَعَ فِي الِاعْتِصَام مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار سَمِعْت جَابِرًا , وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ عَمْرو بْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ قَالَ أَعُوذ بِوَجْهِك ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عَمْرو \" الْكَرِيم \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا أَهْوَن أَوْ هَذَا أَيْسَر ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَالضَّمِير يَعُود عَلَى الْكَلَام الْأَخِير. وَوَقَعَ فِي الِاعْتِصَام \" هَاتَانِ أَهْوَن أَوْ أَيْسَر \" أَيْ خَصْلَة الِالْتِبَاس وَخَصْلَة إِذَاقَة بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , وَقَدْ رَوَى اِبْن مَرْدَوْيهِ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَا يُفَسِّر بِهِ حَدِيث جَابِر وَلَفْظه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" دَعَوْت اللَّه أَنْ يَرْفَع عَنْ أُمَّتِي أَرْبَعًا , فَرَفَعَ عَنْهُمْ ثِنْتَيْنِ وَأَبَى أَنْ يَرْفَع عَنْهُمْ اِثْنَتَيْنِ : دَعَوْت اللَّه أَنْ يَرْفَع عَنْهُمْ الرَّجْم مِنْ السَّمَاء وَالْخَسْف مِنْ الْأَرْض وَأَنْ لَا يَلْبِسهُمْ شِيَعًا وَلَا يُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , فَرَفَعَ اللَّه عَنْهُمْ الْخَسْف وَالرَّجْم , وَأَبَى أَنْ يَرْفَع عَنْهُمْ الْأُخْرَيَيْنِ \" فَيُسْتَفَاد مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) وَيُسْتَأْنَس لَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ) وَوَقَعَ أَصَرْح مِنْ ذَلِكَ عِنْد اِبْن مَرْدَوْيهِ مِنْ حَدِيث أُبَيِّ بْن كَعْب قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ( عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ) قَالَ الرَّجْم ( أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) قَالَ الْخَسْف. وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ عَنْ شُيُوخه أَيْضًا أَنَّ الْمُرَاد بِالْعَذَابِ مِنْ فَوْق الرَّجْم وَمِنْ تَحْت الْخَسْف , وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْمُرَاد بِالْفَوْقِ أَئِمَّة السُّوء وَبِالتَّحْتِ خَدَم السُّوء. وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْفَوْقِ حَبْس الْمَطَر وَبِالتَّحْتِ مَنْع الثَّمَرَات. وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد. وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ الْخَسْف وَالرَّجْم لَا يَقَعَانِ فِي هَذِهِ الْأُمَّة , وَفِيهِ نَظَر رَوَى أَحْمَد وَالطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيث أُبَيِّ بْنِ كَعْب فِي هَذِهِ الْآيَة ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ) الْآيَة قَالَ \" هُنَّ أَرْبَع , وَكُلّهنَّ وَاقِع لَا مَحَالَة , فَمَضَتْ اِثْنَتَانِ بَعْد وَفَاة نَبِيّهمْ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَة أُلْبِسُوا شِيَعًا وَذَاقَ بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , وَبَقِيَتْ اِثْنَتَانِ وَاقِعَتَانِ لَا مَحَالَة الْخَسْف وَالرَّجْم \" وَقَدْ أُعِلَّ هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّ أُبَيَّ بْن كَعْب لَمْ يُدْرِك سَنَة خَمْس وَعِشْرِينَ مِنْ الْوَفَاة النَّبَوِيَّة فَكَأَنَّ حَدِيثه اِنْتَهَى عِنْد قَوْله لَا مَحَالَة وَالْبَاقِي مِنْ كَلَام بَعْض الرُّوَاة , وَأُعِلَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ مُخَالِف لِحَدِيثِ جَابِر وَغَيْره. وَأُجِيبَ بِأَنَّ طَرِيق الْجَمْع أَنَّ الْإِعَادَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث جَابِر وَغَيْره مُقَيَّدَة بِزَمَانِ مَخْصُوص وَهُوَ وُجُود الصَّحَابَة وَالْقُرُون الْفَاضِلَة , وَأَمَّا بَعْد ذَلِكَ فَيَجُوز وُقُوع ذَلِكَ فِيهِمْ , وَقَدْ رَوَى أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص قَالَ \" سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ ) إِلَى آخِرهَا فَقَالَ : أَمَا إِنَّهَا كَائِنَة وَلَمْ يَأْتِ تَأْوِيلهَا بَعْد \" وَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ لَا يُخَالِف حَدِيث جَابِر بِأَنَّ الْمُرَاد بِتَأْوِيلِهَا مَا يَتَعَلَّق بِالْفِتَنِ وَنَحْوهَا. وَعِنْد أَحْمَد بِإِسْنَادٍ صَحِيح حَدِيث صُحَارٍ - بِالْمُهْمَلَتَيْنِ أَوَّله مَضْمُوم مَعَ التَّخْفِيف - الْعَبْدِيِّ رَفَعَهُ قَالَ \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يُخْسَف بِقَبَائِل \" الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ ذِكْر الْخَسْف وَالْمَسْخ أَيْضًا , وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعًا \" يَكُون فِي آخِر هَذِهِ الْأُمَّة خَسْف وَمَسْخ وَقَذْف \" وَلِابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن الْغَازِي بْن رَبِيعَة الْجَرْشِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه رَفَعَهُ \" يَكُون فِي أُمَّتِي الْخَسْف وَالْمَسْخ وَالْقَذْف \" الْحَدِيث. وَوَرَدَ فِيهِ أَيْضًا عَنْهُ عَنْ عَلِيّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد وَعَنْ عُثْمَان عِنْد وَعَنْ اِبْن مَسْعُود وَابْن عُمَر وَابْن عَمْرو وَسَهْل بْن سَعْد عِنْد اِبْن مَاجَهْ , وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْد أَحْمَد , وَعَنْ عُبَادَةَ عِنْد وَلَده , وَعَنْ أَنَس عِنْد الْبَزَّار , وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن بُسْر وَسَعِيد بْن أَبِي رَاشِد عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِير , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي سَعِيد عِنْده فِي الصَّغِير , وَفِي أَسَانِيدهَا مَقَال غَالِبًا لَكِنْ يَدُلّ مَجْمُوعهَا عَلَى أَنَّ لِذَلِكَ أَصْلًا , وَيَحْتَمِل فِي طَرِيق الْجَمْع أَيْضًا أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَع لِجَمِيعِهِمْ وَإِنْ وَقَعَ لِأَفْرَادِ مِنْهُمْ غَيْر مُقَيَّد بِزَمَانٍ كَمَا فِي خَصْلَة الْعَدُوّ الْكَافِر وَالسَّنَة الْعَامَّة فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث ثَوْبَانِ رَفَعَهُ فِي حَدِيث بِأَوَّلِهِ \" إِنَّ اللَّه زَوَى لِي مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا , وَسَيَبْلُغُ مُلْك أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" وَإِنِّي سَأَلْت رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِك أُمَّتِي بِسَنَةٍ عَامَّة , وَأَنْ لَا يُسَلِّط عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْر أَنْفُسهمْ وَأَنْ لَا يَلْبِسهُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد إِنِّي إِذَا قَضَيْت قَضَاء فَإِنَّهُ لَا يُرَدّ , وَإِنِّي أَعْطَيْتُك لِأُمَّتِك أَنْ لَا أُهْلِكهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّة وَأَنْ لَا أُسَلِّط عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرهمْ يَسْتَبِيح بَيْضَتهمْ حَتَّى يَكُون بَعْضهمْ يُهْلِك بَعْضًا \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيث شَدَّاد نَحْوه بِإِسْنَادٍ صَحِيح. فَلَمَّا كَانَ تَسْلِيط الْعَدُوّ الْكَافِر قَدْ يَقَع عَلَى بَعْض الْمُؤْمِنِينَ لَكِنَّهُ لَا يَقَع عُمُومًا فَكَذَلِكَ الْخَسْف وَالْقَذْف , وَيُؤَيِّد هَذَا الْجَمْع مَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ مُرْسَل الْحَسَن قَالَ \" لَمَّا نَزَلَتْ ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ ) الْآيَة سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّه , فَهَبَطَ جِبْرِيل فَقَالَ \" يَا مُحَمَّد إِنَّك سَأَلْت رَبّك أَرْبَعًا فَأَعْطَاك اِثْنَتَيْنِ وَمَنَعَك اِثْنَتَيْنِ : أَنْ يَأْتِيهِمْ عَذَاب مِنْ فَوْقهمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ فَيَسْتَأْصِلهُمْ كَمَا اِسْتَأْصَلَ الْأُمَم الَّذِينَ كَذَّبُوا أَنْبِيَاءَهُمْ , وَلَكِنَّهُ يَلْبِسهُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض \" وَهَذَانِ عَذَابَانِ لِأَهْلِ الْإِقْرَار بِالْكِتَابِ وَالتَّصْدِيق بِالْأَنْبِيَاءِ اِنْتَهَى. وَكَأَنَّ مِنْ قَوْله \" وَهَذَانِ إِلَخْ \" مِنْ كَلَام الْحَسَن. وَقَدْ وَرَدَتْ الِاسْتِعَاذَة مِنْ خِصَال أُخْرَى : مِنْهَا عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن مَرْدَوْيهِ مَرْفُوعًا \" سَأَلْت رَبِّي لِأُمَّتِي أَرْبَعًا فَأَعْطَانِي اِثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي اِثْنَتَيْنِ : سَأَلْته أَنْ يَرْفَع عَنْهُمْ الرَّجْم مِنْ السَّمَاء وَالْغَرَق مِنْ الْأَرْض فَرَفَعَهُمَا \" الْحَدِيث , وَمِنْهَا حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عِنْد مُسْلِم مَرْفُوعًا \" سَأَلْت رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِك أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا , وَسَأَلْته أَنْ لَا يُهْلِكهُمْ بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا , وَسَأَلْته أَنْ لَا يَجْعَل بَأْسهمْ بَيْنهمْ فَمَنَعَنِيهَا \" وَعِنْد الطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة نَحْوه لَكِنْ بِلَفْظِ \" أَنْ لَا يَهْلِكُوا جُوعًا \" وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي أَيْضًا الْجَمْع الْمَذْكُور , فَإِنَّ الْغَرَق وَالْجُوع قَدْ يَقَع لِبَعْضِ دُون بَعْض , لَكِنْ الَّذِي حَصَلَ مِنْهُ الْأَمَان أَنْ يَقَع عَامًّا , وَعِنْد التِّرْمِذِيّ وَابْن مَرْدَوْيهِ مِنْ حَدِيث خَبَّابٍ نَحْوه وَفِيهِ \" وَأَنْ لَا يُهْلِكنَا بِمَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَم قَبْلنَا \" وَكَذَا فِي حَدِيث نَافِع بْن خَالِد الْخُزَاعِيِّ عَنْ أَبِيهِ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ وَعِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي بَصْرَة بِالْبَاءِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة نَحْوه , لَكِنْ قَالَ بَدَل خَصْلَة الْإِهْلَاك \" أَنْ لَا يَجْمَعهُمْ عَلَى ضَلَالَة \" وَكَذَا لِلطَّبَرِيِّ مِنْ مُرْسَل الْحَسَن , وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" سَأَلْت رَبِّي لِأُمَّتِي أَرْبَعًا فَأَعْطَانِي ثَلَاثًا وَمَنَعَنِي وَاحِدَة : سَأَلْته أَنْ لَا يُكَفِّر أُمَّتِي جُمْلَة فَأَعْطَانِيهَا , وَسَأَلْته أَنْ لَا يُظْهِر عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرهمْ فَأَعْطَانِيهَا , وَسَأَلْته أَنْ لَا يُعَذِّبهُمْ بِمَا عُذِّبَ بِهِ الْأُمَم قَبْلهمْ فَأَعْطَانِيهَا , وَسَأَلْته أَنْ لَا يَجْعَل بَأْسهمْ بَيْنهمْ فَمَنَعَنِيهَا \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ مُرْسَلًا نَحْوه , وَدَخَلَ فِي قَوْله \" بِمَا عَذَّبَ بِهِ الْأُمَم قَبْلهمْ \" الْغَرَق كَقَوْمِ نُوح وَفِرْعَوْن , وَالْهَلَاك بِالرِّيحِ كَعَادٍ , وَالْخَسْف كَقَوْمِ لُوط وَقَارُون , وَالصَّيْحَة كَثَمُودَ وَأَصْحَاب مَدْيَن , وَالرَّجْم كَأَصْحَابِ الْفِيل وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا عُذِّبَتْ بِهِ الْأُمَم عُمُومًا. وَإِذَا جَمَعْت الْخِصَال الْمُسْتَعَاذ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي سُقْتهَا بَلَغَتْ نَحْو الْعَشَرَة. وَفِي حَدِيث الْبَاب أَيْضًا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ رَفْع الْخَصْلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَأُخْبِرَ بِأَنْ ذَلِكَ قَدْ قُدِّرَ مِنْ قَضَاء اللَّه وَأَنَّهُ لَا يُرَدّ , وَأَمَّا مَا زَادَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر فِي حَدِيث الْبَاب بَعْد قَوْله قَالَ لَيْسَ هَذَا قَالَ \" وَلَوْ اِسْتَعَاذَهُ لَأَعَاذَهُ \" فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ جَابِرًا لَمْ يَسْمَع بَقِيَّة الْحَدِيث وَحَفِظَهُ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَغَيْره , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَائِل \" وَلَوْ اِسْتَعَاذَهُ إِلَخْ \" بَعْض رُوَاته دُون جَابِر وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4263",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ‏} ‏قَالَ أَصْحَابُهُ وَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ‏}",
        "sharh": "تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْإِيمَان بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته. ‏"
    },
    {
        "id": "4264",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَالِيَةِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ مَتَّى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4265",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ مَتَّى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4266",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَفِي ‏ ‏ص ‏ ‏سَجْدَةٌ فَقَالَ نَعَمْ ثُمَّ تَلَا ‏ { ‏وَوَهَبْنَا لَهُ ‏ ‏إِسْحَاقَ ‏ ‏وَيَعْقُوبَ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏فَبِهُدَاهُمُ ‏ ‏اقْتَدِهْ ‏} ‏ثُمَّ قَالَ هُوَ مِنْهُمْ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ‏ ‏وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْعَوَّامِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏نَبِيُّكُمْ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( زَادَ يَزِيد بْن هَارُون وَمُحَمَّد بْن عُبَيْد وَسَهْل بْن يُوسُف عَنْ الْعَوَّام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَوْشَبٍ ( عَنْ مُجَاهِد قُلْت لِابْنِ عَبَّاس فَقَالَ : نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ ) حَاصِله أَنَّ الزِّيَادَة لَفْظِيَّة , وَإِلَّا فَالْكَلَام الْمَذْكُور دَاخِل فِي قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُولَى \" هُوَ مِنْهُمْ \" أَيْ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ( فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ ) وَطَرِيق يَزِيد بْن هَارُون الْمَذْكُورَة وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَطَرِيق مُحَمَّد بْن عُبَيْد وَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي تَفْسِير ص. وَطَرِيق سَهْل بْن يُوسُف وَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. وَقَدْ اُخْتُلِفَ : هَلْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ نَاسِخُهُ ؟ فَقِيلَ : نَعَمْ , وَحُجَّتُهُمْ هَذِهِ الْآيَة وَنَحْوُهَا. وَقِيلَ لَا , وَأَجَابُوا عَنْ الْآيَة بِأَنَّ الْمُرَاد اِتِّبَاعهمْ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ وِفَاقُهُ وَلَوْ عَلَى طَرِيق الْإِجْمَال فَيَتْبَعُهُمْ فِي التَّفْصِيل , وَهَذَا هُوَ الْأَصَحّ عِنْدَ كَثِير مِنْ الشَّافِعِيَّة , وَاخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ تَبِعَهُ , وَاخْتَارَ الْأَوَّل اِبْن الْحَاجِب , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4267",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَاتَلَ اللَّهُ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْحَمِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏كَتَبَ إِلَيَّ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4268",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنْ اللَّهِ وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ قُلْتُ سَمِعْتَهُ مِنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَرَفَعَهُ قَالَ نَعَمْ ‏ { ‏وَكِيلٌ ‏} ‏حَفِيظٌ وَمُحِيطٌ بِهِ ‏ { ‏قُبُلًا ‏} ‏جَمْعُ قَبِيلٍ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ضُرُوبٌ لِلْعَذَابِ كُلُّ ضَرْبٍ مِنْهَا قَبِيلٌ ‏ { ‏زُخْرُفَ الْقَوْلِ ‏} ‏كُلُّ شَيْءٍ حَسَّنْتَهُ وَوَشَّيْتَهُ وَهُوَ بَاطِلٌ فَهُوَ زُخْرُفٌ ‏ { ‏وَحَرْثٌ حِجْرٌ ‏} ‏حَرَامٌ وَكُلُّ مَمْنُوعٍ ‏ ‏فَهْوَ حِجْرٌ مَحْجُورٌ وَالْحِجْرُ كُلُّ بِنَاءٍ بَنَيْتَهُ وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى مِنْ الْخَيْلِ حِجْرٌ وَيُقَالُ لِلْعَقْلِ حِجْرٌ وَحِجًى وَأَمَّا ‏ ‏الْحِجْرُ ‏ ‏فَمَوْضِعُ ‏ ‏ثَمُودَ ‏ ‏وَمَا حَجَّرْتَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ فَهُوَ حِجْرٌ وَمِنْهُ سُمِّيَ حَطِيمُ الْبَيْتِ حِجْرًا كَأَنَّه مُشْتَقٌّ مِنْ مَحْطُومٍ مِثْلُ قَتِيلٍ مِنْ مَقْتُولٍ وَأَمَّا حَجْرُ ‏ ‏الْيَمَامَةِ ‏ ‏فَهْوَ مَنْزِلٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَكِيلٌ حَفِيظٌ مُحِيطٌ بِهِ ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( وَاَللَّه عَلَى كُلّ شَيْء وَكِيلٌ ) أَيْ حَفِيظٌ مُحِيطٌ. ‏ ‏قَوْله : ( قُبُلًا جَمْع قَبِيلٍ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ضُرُوب لِلْعَذَابِ كُلّ ضَرْب مِنْهَا قَبِيل ) ‏ ‏اِنْتَهَى. هُوَ مِنْ كَلَام أَبِي عُبَيْدَة أَيْضًا لَكِنْ بِمَعْنَاهُ , قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ( وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ) قَالَ فَمَعْنَى حَشَرْنَا جَمَعْنَا وَقُبُلًا جَمْع قَبِيل أَيْ صِنْف. وَرَوَى اِبْن جَرِير عَنْ مُجَاهِد قَالَ : قُبُلًا أَيْ أَفْوَاجًا قَالَ اِبْن جَرِير : أَيْ حَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْء قَبِيلَةً قَبِيلَةً صِنْفًا صِنْفًا وَجَمَاعَةً جَمَاعَةً , فَيَكُون الْقُبُل جَمْع قَبِيل الَّذِي جَمْع قَبِيلَة , فَيَكُون الْقُبُل جَمْع الْجَمْع. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : وَمَنْ قَرَأَهَا قِبَلًا أَيْ بِكَسْرِ الْقَاف فَإِنَّهُ يَقُول مَعْنَاهَا عِيَانًا اِنْتَهَى. وَيَجُوز أَنْ يَكُون بِمَعْنَى نَاحِيَة يَقُول : لِي قِبَلَ فُلَان كَذَا , أَيْ مِنْ جِهَته , فَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّة. وَقَالَ آخَرُونَ : قُبُلًا أَيْ مُقَابِلًا اِنْتَهَى. وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم وَابْن جَرِير مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : ( كُلّ شَيْءٍ قُبُلًا ) أَيْ مُعَايَنَةً , فَكَأَنَّهُ قَرَأَهَا بِكَسْرِ الْقَاف وَهِيَ قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَابْن عَامِر , مَعَ أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُون بِالضَّمِّ وَمَعْنَاهُ الْمُعَايَنَة يَقُول : رَأَيْته قُبُلًا لَا دُبُرًا إِذَا أَتَيْته مِنْ قِبَلِ وَجْهه وَتَسْتَوِي عَلَى هَذَا الْقِرَاءَتَانِ. قَالَ اِبْن جَرِير : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْقُبُلُ جَمْع قَبِيل وَهُوَ الضَّمِينُ وَالْكَفِيلُ , أَيْ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْء كَفِيلًا يَكْفُلُونَ لَهُمْ أَنَّ الَّذِي نَعِدُهُمْ حَقٌّ , وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْله فِي الْآيَة الْأُخْرَى ( أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ) اِنْتَهَى , وَلَمْ أَرَ مَنْ فَسَّرَ بِأَصْنَافِ الْعَذَاب , فَلْيُحَرَّرْ هَذَا. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏ثَبَتَ هَذَا وَاَلَّذِي بَعْدَهُ لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ حَسْب. ‏ ‏قَوْلِهِ : ( زُخْرُفَ الْقَوْلِ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنَته , وَزِينَته وَهُوَ بَاطِل فَهُوَ زُخْرُف ) ‏ ‏هُوَ كَلَام أَبِي عُبَيْدَة , وَزَادَ : يُقَال زَخْرَفَ فُلَان كَلَامه وَشَهَادَته. وَقِيلَ أَصْل الزُّخْرُف فِي اللُّغَة التَّزْيِينُ وَالتَّحْسِين , وَلِذَلِكَ سَمَّوْا الذَّهَب زُخْرُفًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَرْثٌ حِجْرٌ حَرَام إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي قِصَّة ثَمُودَ مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مُسْتَوْفًى , وَسَقَطَ هُنَا مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَالنَّسَفِيِّ وَهُوَ أَوْلَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4269",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَارَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو زُرْعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا فَذَاكَ حِينَ ‏ { ‏لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4270",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4271",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْتُ أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ وَرَفَعَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ فَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ فَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4272",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ وَقَالَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏مِنْ أَصْحَابِكَ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏لَطَمَ فِي وَجْهِي قَالَ ادْعُوهُ فَدَعَوْهُ قَالَ لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي مَرَرْتُ ‏ ‏بِالْيَهُودِ ‏ ‏فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَلَى الْبَشَرِ فَقُلْتُ وَعَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ فَلَطَمْتُهُ قَالَ ‏ ‏لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا أَنَا ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُزِيَ بِصَعْقَةِ ‏ ‏الطُّورِ ‏ { ‏الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ رَجُل مِنْ الْيَهُود إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ ) ‏ ‏الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَقَوْله فِيهِ \" أَمْ جُزِيَ \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِأَبِي ذَرّ عَنْ الْحَمَوِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيِّ \" جُوزِيَ \" وَهُوَ الْمَشْهُور فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع. ‏"
    },
    {
        "id": "4273",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءُ الْعَيْنِ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث سَعِيد بْن زَيْد فِي الْكَمْأَة , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الطِّبّ , وَقَوْله \" شِفَاءٌ مِنْ الْعَيْن \" أَيْ وَجَع الْعَيْن. وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ \" تَقَدَّمَ شَرْح الْمَنّ وَالسَّلْوَى فِي تَفْسِير الْبَقَرَة , وَهُوَ الْمَشْهُور فِي غَيْر هَذِهِ. وَقَوْله فِي أَوَّل الْإِسْنَاد \" حَدَّثَنَا مُسْلِم \" وَقَعَ لِأَبِي ذَرّ غَيْر مَنْسُوب , وَعِنْدَ غَيْرِهِ مُسْلِم بْنُ إِبْرَاهِيم ‏"
    },
    {
        "id": "4274",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَمُوسَى بْنُ هَارُونَ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا الدَّرْدَاءِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَتْ بَيْنَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏مُحَاوَرَةٌ فَأَغْضَبَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَانْصَرَفَ عَنْهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏مُغْضَبًا فَاتَّبَعَهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ فَأَقْبَلَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏ ‏وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ قَالَ وَنَدِمَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ وَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَصَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْخَبَرَ قَالَ ‏ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏ ‏وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَجَعَلَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَقُولُ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي إِنِّي قُلْتُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏صَدَقْتَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏غَامَرَ سَبَقَ بِالْخَيْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : غَامِرٌ سَبَقَ بِالْخَيْرِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحُهُ أَيْضًا فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر. ‏"
    },
    {
        "id": "4275",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِيلَ ‏ ‏لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ { ‏ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ‏} ‏فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وَقَالُوا حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِيُّ اِبْن رَاهْوَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اُدْخُلُوا الْبَاب سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ‏ ‏قَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) قَالَ الْحَسَن : أَيْ اُحْطُطْ عَنَّا خَطَايَانَا , وَهَذَا يَلِيق بِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ حِطَّةً بِالنَّصْبِ , وَهِيَ قِرَاءَةُ إِبْرَاهِيمَ بْن أَبِي عَبْلَةَ , وَقَرَأَ الْجُمْهُور بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوف أَيْ مَسْأَلَتُنَا حِطَّةٌ , وَقِيلَ أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّة , فَالرَّفْع عَلَى الْحِكَايَة , وَهِيَ فِي مَحَلّ نَصْب بِالْقَوْلِ , وَإِنَّمَا مَنَعَ النَّصْب حَرَكَة الْحِكَايَة , وَقِيلَ رُفِعَتْ لِتُعْطِي مَعْنَى الثَّبَات كَقَوْلِهِ سَلَامٌ , وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَة فَقِيلَ : هِيَ اِسْم لِلْهَيْئَةِ مِنْ الْحَطّ كَالْجِلْسَةِ , وَقِيلَ هِيَ التَّوْبَة كَمَا قَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏فَازَ بِالْحِطَّةِ الَّتِي صَيَّرَ اللَّه ‏ ‏بِهَا ذَنْب عَبْدِهِ مَغْفُورَا ‏ ‏وَقِيلَ لَا يُدْرَى مَعْنَاهَا , وَإِنَّمَا تَعَبَّدُوا بِهَا. وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره قَالَ : قِيلَ لَهُمْ قُولُوا مَغْفِرَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَدَّلُوا ) ‏ ‏أَيْ غَيَّرُوا , وَقَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى ( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ) التَّقْدِير فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِاَلَّذِي قِيلَ لَهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ضَمَّنَ بَدَّلَ مَعْنَى قَالَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وَقَالُوا : حَبَّة فِي شَعَرَةٍ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَكَذَا فِي رِوَايَة الْحَسَن الْمَذْكُورَة بِفَتْحَتَيْنِ , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ \" فِي شَعِيرَةٍ \" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَزِيَادَة تَحْتَانِيَّة بَعْدَهَا. وَالْحَاصِل أَنَّهُمْ خَالَفُوا مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْفِعْل وَالْقَوْل فَإِنَّهُمْ أُمِرُوا بِالسُّجُودِ عِنْدَ اِنْتِهَائِهِمْ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى وَبِقَوْلِهِمْ حِطَّة , فَبَدَّلُوا السُّجُود بِالزَّحْفِ وَقَالُوا حِنْطَةٌ بَدَلَ حِطَّةٌ , أَوْ قَالُوا حِطَّةٌ وَزَادُوا فِيهَا حَبَّةً فِي شَعِيرَةٍ. وَرَوَى الْحَاكِم مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ عَنْ مُرَّةَ عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" قَالُوا هطى سمقا \" وَهِيَ بِالْعَرَبِيَّةِ حِنْطَة حَمْرَاء قَوِيَّة فِيهَا شَعِيرَة سَوْدَاء , وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ أَنَّ الْأَقْوَال الْمَنْصُوصَة إِذَا تُعُبِّدَ بِلَفْظِهَا لَا يَجُوز تَغْيِيرهَا وَلَوْ وَافَقَ الْمَعْنَى. وَلَيْسَتْ هَذِهِ مَسْأَلَة الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى بَلْ هِيَ مُتَفَرِّعَة مِنْهَا , وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَيْدًا فِي الْجَوَاز , أَعْنِي يُزَاد فِي الشَّرْط أَنْ لَا يَقَع التَّعَبُّد بِلَفْظِهِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ , وَمَنْ أَطْلَقَ فَكَلَامه مَحْمُول عَلَيْهِ ‏"
    },
    {
        "id": "4276",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ ‏ ‏فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ ‏ ‏الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا فَقَالَ ‏ ‏عُيَيْنَةُ ‏ ‏لِابْنِ أَخِيهِ يَا ابْنَ أَخِي هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ قَالَ سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَاسْتَأْذَنَ ‏ ‏الْحُرُّ ‏ ‏لِعُيَيْنَةَ ‏ ‏فَأَذِنَ لَهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ ‏ ‏هِيْ يَا ‏ ‏ابْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ فَغَضِبَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏الْحُرُّ ‏ ‏يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ ‏} ‏وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "قَوْله : ( فِي حَدِيث عُمَر أَوْ شُبَّانًا ) بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة وَبَعْدَ الْأَلِف نُون لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ أَوَّله وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَة , وَسَيَأْتِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الِاعْتِصَام. ‏"
    },
    {
        "id": "4277",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ { ‏خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ‏} ‏قَالَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ أَوْ كَمَا قَالَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي يَحْيَى ) ‏ ‏نَسَبَهُ اِبْن السَّكَن فَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُوسَى , وَنَسَبَهُ الْمُسْتَمْلِي فَقَالَ يَحْيَى بْن جَعْفَر , وَلَا يَخْرُج عَنْ وَاحِد مِنْهُمَا وَالْأَشْبَه مَا قَالَ الْمُسْتَمْلِي. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة , وَابْن الزُّبَيْر هُوَ عَبْدُ اللَّهِ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَنْزَلَ اللَّه ) ‏ ‏أَيْ هَذِهِ الْآيَةَ ( إِلَّا فِي أَخْلَاق النَّاس ) كَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن جَرِير عَنْ اِبْن وَكِيع عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ \" مَا أَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا فِي أَخْلَاق النَّاس \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيع , وَأَخْرَجَ اِبْن جَرِير أَيْضًا مِنْ طَرِيق وَهْب بْن كَيْسَانَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر نَحْوَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن بَرَّادٍ ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ وَتَثْقِيل الرَّاء , وَبَرَّاد اِسْم جَدِّهِ , وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن عَامِر بْن بَرَّاد اِبْن يُوسُف بْن أَبِي بُرْدَةَ بْن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ , مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَرَ اللَّه نَبِيَّهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْو مِنْ أَخْلَاق النَّاس , أَوْ كَمَا قَالَ ) ‏ ‏وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ هِشَام فِي هَذَا الْحَدِيث , فَوَصَلَهُ مَنْ ذَكَرْنَا عَنْهُ , وَتَابَعَهُمْ عَبْدَةُ بْن سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَام عِنْدَ اِبْن جَرِير وَالطَّفَاوِيّ عَنْ هِشَام عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَخَالَفَهُمْ مَعْمَر وَابْن أَبِي الزِّنَاد وَحَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ مِنْ قَوْله مَوْقُوفًا , وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام عَنْ وَهْب بْن كَيْسَانَ عَنْ اِبْن الزُّبَيْر أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْهُ , وَقَالَ عُبَيْد اللَّه اِبْن عُمَر عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ وَهِيَ شَاذَّةٌ , وَكَذَا رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة عِنْدَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ. وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة فَشَاذَّة أَيْضًا مَعَ اِحْتِمَال أَنْ يَكُون لِهِشَامٍ فِيهِ شَيْخَانِ , وَأَمَّا رِوَايَة مَعْمَر وَمَنْ تَابَعَهُ فَمَرْجُوحَة بِأَنَّ زِيَادَة مَنْ خَالَفَهُمَا مَقْبُولَة لِكَوْنِهِمْ حُفَّاظًا , وَإِلَى مَا ذَهَب إِلَيْهِ اِبْن الزُّبَيْر مِنْ تَفْسِير الْآيَة ذَهَب مُجَاهِد , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ اِبْن عَبَّاس فَرَوَى اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْهُ قَالَ \" خُذْ الْعَفْو \" يَعْنِي خُذْ مَا عَفَا لَك مِنْ أَمْوَالهمْ أَيْ مَا فَضَلَ , وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ فَرْض الزَّكَاة , وَبِذَلِكَ قَالَ السُّدِّيُّ وَزَادَ : نَسَخَتْهَا آيَة الزَّكَاة , وَبِنَحْوِهِ قَالَ الضَّحَّاك وَعَطَاء وَأَبُو عُبَيْدَة , وَرَجَّحَ اِبْن جَرِير الْأَوَّل , وَاحْتَجَّ لَهُ. وَرُوِيَ عَنْ جَعْفَر الصَّادِق وَقَالَ : لَيْسَ فِي الْقُرْآن آيَة أَجْمَعُ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق مِنْهَا , وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ الْأَخْلَاق ثَلَاثَة بِحَسَبِ الْقُوَّة الْإِنْسَانِيَّة : عَقْلِيَّة وَشَهْوِيَّةٌ وَغَضَبِيَّةٌ , فَالْعَقْلِيَّة الْحِكْمَة وَمِنْهَا الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ , وَالشَّهْوِيَّةُ الْعِفَّة وَمِنْهَا أَخْذ الْعَفْو , وَالْغَضَبِيَّة الشَّجَاعَة وَمِنْهَا الْإِعْرَاض عَنْ الْجَاهِلِينَ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مُرْسَلًا وَابْن مَرْدَوَيْهِ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيث جَابِر وَغَيْره \" لَمَّا نَزَلَتْ ( خُذْ الْعَفْو وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ) سَأَلَ جِبْرِيل فَقَالَ لَا أَعْلَمُ حَتَّى أَسْأَلَهُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : إِنَّ رَبَّك يَأْمُرُك أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَك , وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك , وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك \". ‏"
    },
    {
        "id": "4278",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏سُورَةُ ‏ ‏الْأَنْفَالِ ‏ ‏قَالَ نَزَلَتْ فِي ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏الشَّوْكَةُ الْحَدُّ ‏ { ‏مُرْدَفِينَ ‏ } ‏فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ رَدِفَنِي وَأَرْدَفَنِي جَاءَ بَعْدِي ‏ { ‏ذُوقُوا ‏} ‏بَاشِرُوا وَجَرِّبُوا وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَوْقِ الْفَمِ ‏ { ‏فَيَرْكُمَهُ ‏} ‏يَجْمَعَهُ شَرِّدْ فَرِّقْ ‏ { ‏وَإِنْ جَنَحُوا ‏} ‏طَلَبُوا السِّلْمُ وَالسَّلْمُ وَالسَّلَامُ وَاحِدٌ ‏ { ‏يُثْخِنَ ‏} ‏يَغْلِبَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ { ‏مُكَاءً ‏} ‏إِدْخَالُ أَصَابِعِهِمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ ‏ { ‏وَتَصْدِيَةً ‏} ‏الصَّفِيرُ ‏ { ‏لِيُثْبِتُوكَ ‏} ‏لِيَحْبِسُوكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ جَنَحُوا طَلَبُوا ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ ) أَيْ رَجَعُوا إِلَى الْمُسَالَمَةِ وَطَلَبُوا الصُّلْح. ‏ ‏قَوْله : ( السِّلْم وَالسَّلْم وَالسَّلَامُ وَاحِدٌ ) ‏ ‏ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرّ وَحْدَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء. ‏ ‏قَوْله : ( يُثْخِنَ ) ‏ ‏أَيْ يَغْلِب. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُون لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ) يُثْخِنُ أَيْ يُبَالِغُ وَيَغْلِبُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُجَاهِد : مُكَاءً إِدْخَالُهُمْ أَصَابِعَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ عَبْد اِبْن حُمَيْدٍ وَالْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَصْدِيَةً الصَّفِيرُ ) ‏ ‏وَصَلَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ أَيْضًا كَذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ مُتَرَاخِيًا عَنْ الَّذِي قَبْلَهُ , وَعِنْدَ غَيْره بِعَقِبِهِ وَهُوَ أَوْلَى , وَقَدْ قَالَ الْفِرْيَابِيُّ \" حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : ( وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً ) قَالَ : إِدْخَالُهُمْ أَصَابِعَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَتَصْدِيَةً الصَّفِيرُ , يَخْلِطُونَ عَلَى مُحَمَّد صَلَاتَهُ \" وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْمُكَاءُ الصَّفِيرُ وَالتَّصْدِيَةُ صَفْقُ الْأَكُفِّ وَوَصَلَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر مِثْله مِنْ قَوْله. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ قَتَادَةُ رِيحَكُمْ الْحَرْب ) تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد. ‏ ‏قَوْله : ( الشَّوْكَةُ الْحَدُّ ) ‏ ‏ثَبَتَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَات الشَّوْكَة تَكُونُ لَكُمْ ) مَجَازٌ الشَّوْكَةُ الْحَدُّ , يُقَال مَا أَشَدُّ شَوْكَةِ بَنِي فُلَان أَيْ حَدُّهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( مُرْدِفِينَ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ , يُقَال رَدَفَنِي وَأَرْدَفَنِي جَاءَ بَعْدِي ) ‏ ‏وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله ( مُرْدِفِينَ ) بِكَسْرِ الدَّالِ فَاعِلِينَ مِنْ أَرْدَفُوا أَيْ جَاءُوا بَعْدَ قَوْم قَبْلَهُمْ , وَبَعْضهمْ يَقُول رَدَفَنِي جَاءَ بَعْدِي وَهُمَا لُغَتَانِ , وَمَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الدَّال فَهُوَ مِنْ أَرْدَفَهُمْ اللَّه مِنْ بَعْدِ مَنْ قَبْلَهُمْ اِنْتَهَى. وَقِرَاءَة الْجُمْهُور بِكَسْرِ الدَّال وَنَافِع بِفَتْحِهَا. وَقَالَ الْأَخْفَش : بَنُو فُلَان يُرْدِفُونَنَا أَيْ يَجِيئُونَ بَعْدَنَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَرْكُمَهُ يَجْمَعَهُ ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا ) أَيْ فَيَجْمَعَهُ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ. ‏ ‏قَوْله : ( شَرِّدْ فَرِّقْ ) ‏ ‏هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( لِيُثْبِتُوك يَحْبِسُوك ) ‏ ‏وَصَلَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء عَنْهُ , وَرَوَى أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ \" تَشَاوَرَتْ قُرَيْش فَقَالَ بَعْضهمْ : إِذَا أَصْبَحَ مُحَمَّد فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ \" الْحَدِيثَ. ‏ ‏قَوْله : ( ذُوقُوا بَاشِرُوا وَجَرِّبُوا , وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَوْق الْفَم ) ‏ ‏هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة أَيْضًا , وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى ( لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ ). ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيث فِي آخِرِ هَذِهِ التَّفَاسِير عِنْدَ أَبِي ذَرّ , وَثَبَتَ عِنْدَ غَيْره فِي أَثْنَائِهَا وَالْخَطْب فِيهِ سَهْلٌ. وَالْحَدِيث الْمَذْكُور سَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا فِي تَفْسِير سُورَة الْحَشْر , وَيَأْتِي شَرْحه هُنَاكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْهُ أَيْضًا فِي الْمَغَازِي. ‏"
    },
    {
        "id": "4279",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَرْقَاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ { ‏إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ‏} ‏قَالَ هُمْ نَفَرٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4280",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أُصَلِّي فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَعَانِي فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ‏} ‏ثُمَّ قَالَ لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيَخْرُجَ فَذَكَرْتُ لَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏حَفْصًا ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏رَجُلًا مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَذَا وَقَالَ هِيَ ‏ ‏الْحَمْدُ لِلَّهِ ‏ ‏رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏ ‏السَّبْعُ الْمَثَانِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيث فِي تَفْسِير الْفَاتِحَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُعَاذٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاذ الْعَنْبَرِيّ الْبَصْرِيّ , وَقَدْ وَصَلَهُ الْحَسَن بْن سُفْيَان فِي مُسْنَده عَنْ عُبَيْد اللَّه اِبْن مُعَاذ عَنْ أَبِيهِ , وَفَائِدَة إِيرَادِهِ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ تَصْرِيح حَفْص بِسَمَاعِهِ مِنْ أَبِي سَعِيد بْن الْمُعَلَّى ‏"
    },
    {
        "id": "4281",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْحَمِيدِ هُوَ ابْنُ كُرْدِيدٍ ‏ ‏صَاحِبُ ‏ ‏الزِّيَادِيِّ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏ ‏فَنَزَلَتْ ‏ { ‏وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ ‏ ‏الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ‏ } ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي أَحْمَد ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات غَيْر مَنْسُوب , وَجَزَمَ الْحَاكِمَانِ أَبُو أَحْمَد وَأَبُو عَبْد اللَّه أَنَّهُ اِبْن النَّضِر بْن عَبْد الْوَهَّاب النَّيْسَابُورِيّ , وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ الْحَدِيث الْمَذْكُور بِعَيْنِهِ عَقِبَ هَذَا عَنْ مُحَمَّد بْن النَّضِر أَخِي أَحْمَدَ هَذَا , قَالَ الْحَاكِم : بَلَغَنِي أَنَّ الْبُخَارِيّ كَانَ يَنْزِل عَلَيْهِمَا وَيُكْثِر الْكُمُونَ عِنْدَهُمَا إِذَا قَدِمَ نَيْسَابُورَ. قُلْت : وَهُمَا مِنْ طَبَقَة مُسْلِم وَغَيْره مِنْ تَلَامِذَة الْبُخَارِيّ وَإِنْ شَارَكُوهُ فِي بَعْض شُيُوخه. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ عَنْ شَيْخهمَا عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ نَفْسه , وَعُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ الْمَذْكُور مِنْ الطَّبَقَة الْوُسْطَى مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , فَنَزَلَ فِي هَذَا الْإِسْنَاد دَرَجَتَيْنِ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْكَثِير عَنْ أَصْحَاب شُعْبَة بِوَاسِطَةِ وَاحِدَة بَيْنَهُ وَبَيْنَ شُعْبَة , قَالَ الْحَاكِم : أَحْمَد بْن النَّضِر يُكَنَّى أَبَا الْفَضْل وَكَانَ مِنْ أَرْكَان الْحَدِيث اِنْتَهَى. وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ وَلَا لِأَخِيهِ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَحْمَد فِي التَّارِيخ الصَّغِير وَنَسَبَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الْحَمِيد صَاحِب الزِّيَادِيِّ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الْحَمِيد بْن دِينَار تَابِعِيّ صَغِير , وَيُقَال لَهُ اِبْن كُرْدِيدٍ بِضَمِّ الْكَاف وَسُكُون الرَّاء وَكَسْر الدَّال الْمُهْمَلَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ دَال أُخْرَى , وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي بَعْض النُّسَخ , وَالزِّيَادِيُّ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِ زِيَادٍ الَّذِي يُقَال لَهُ اِبْن أَبِي سُفْيَان. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو جَهْل : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا إِلَخْ ) ‏ ‏ظَاهِر فِي أَنَّهُ الْقَائِل ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَوْل نُسِبَ إِلَى جَمَاعَة فَلَعَلَّهُ بَدَأَ بِهِ وَرَضِيَ الْبَاقُونَ فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ , وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْقَائِل ذَلِكَ هُوَ النَّضْر بْن الْحَارِث قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( سَأَلَ سَائِل بِعَذَابٍ وَاقِع ) وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَعَطَاء وَالسُّدِّيُّ , وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيح لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَا قَالَاهُ , وَلَكِنَّ نِسْبَتَهُ إِلَى أَبِي جَهْل أَوْلَى. وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ ذَلِكَ سَفَهَةُ هَذِهِ الْأُمَّة وَجَهَلَتُهَا. وَرَوَى اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن رُومَانَ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ ثُمَّ لَمَّا أَمْسَوْا نَدِمُوا فَقَالُوا غُفْرَانَك اللَّهُمَّ , فَأَنْزَلَ اللَّه ( وَمَا كَانَ اللَّه مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ مَعْنَى ‏ ‏قَوْله : ( وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ‏ ‏أَيْ مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنْ اللَّه أَنَّهُ سَيُؤْمِنُ , وَقِيلَ الْمُرَاد مَنْ كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ حِينَئِذٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , قَالَهُ الضَّحَّاك وَأَبُو مَالِك وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبْزَى قَالَ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( وَمَا كَانَ اللَّه لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَة فَأَنْزَلَ اللَّه ( وَمَا كَانَ اللَّه مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) وَكَانَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ يَسْتَغْفِرُونَ , فَلَمَّا خَرَجُوا أَنْزَلَ اللَّه ( وَمَا لَهُمْ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ اللَّه وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام ) الْآيَةَ , فَأَذِنَ اللَّه فِي فَتْح مَكَّةَ فَهُوَ الْعَذَاب الَّذِي وَعَدَهُمْ اللَّه تَعَالَى. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى رَفْعَهُ قَالَ \" أَنْزَلَ اللَّه عَلَى أُمَّتِي أَمَانَيْنِ \" فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ. قَالَ \" فَإِذَا مَضَيْت تَرَكْت فِيهِمْ الِاسْتِغْفَار , وَهُوَ يُقَوِّي الْقَوْل الْأَوَّل وَالْحَمْل عَلَيْهِ أَوْلَى , وَأَنَّ الْعَذَاب حَلَّ بِهِمْ لَمَّا تَرَكُوا النَّدَم عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُمْ وَبَالَغُوا فِي مُعَانَدَة الْمُسْلِمِينَ وَمُحَارَبَتهمْ وَصَدِّهِمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4282",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْحَمِيدِ ‏ ‏صَاحِبِ ‏ ‏الزِّيَادِيِّ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ ‏ ‏الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ‏ } ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4283",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَيْوَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُكَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ‏ { ‏وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ‏} ‏إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ لَا تُقَاتِلَ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ ‏ ‏يَا ابْنَ أَخِي أَغْتَرُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَا أُقَاتِلُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْتَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ‏} ‏إِلَى آخِرِهَا قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ ‏ { ‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَدْ فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمَّا يَقْتُلُونَهُ وَإِمَّا يُوثِقُونَهُ حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُوَافِقُهُ فِيمَا يُرِيدُ قَالَ فَمَا قَوْلُكَ فِي ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏مَا قَوْلِي فِي ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعُثْمَانَ ‏ ‏أَمَّا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏فَكَانَ اللَّهُ قَدْ عَفَا عَنْهُ فَكَرِهْتُمْ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ وَأَمَّا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَخَتَنُهُ ‏ ‏وَأَشَارَ بِيَدِهِ وَهَذِهِ ابْنَتُهُ أَوْ بِنْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْبُرُلُّسِيُّ يُكَنَّى أَبَا يَحْيَى صَدُوق , أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيّ وَلَكِنْ رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ هُنَا وَفِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح فَقَطْ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى حَال بَقِيَّة الْإِسْنَاد فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة مَا أَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ أَنَّ السَّائِل هُوَ حَيَّانُ صَاحِب الدِّثِنِّيَّةِ , وَرَوَى أَبُو بَكْر النَّجَّاد فِي فَوَائِده أَنَّهُ الْهَيْثَم بْن حَنَش وَقِيلَ نَافِع بْن الْأَزْرَق , وَسَأَذْكُرُ فِي الطَّرِيق الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ قَوْلًا آخَرَ , وَلَعَلَّ السَّائِلِينَ عَنْ ذَلِكَ جَمَاعَة , أَوْ تَعَدَّدَتْ الْقِصَّةُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا يَمْنَعُك أَنْ لَا تُقَاتِلَ ) ‏ ‏\" لَا \" زَائِدَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي تَفْسِير سُورَة الْأَعْرَاف عِنْدَ قَوْلِهِ : ( مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُدَ ). ‏ ‏قَوْله : ( أُعَتَّرُ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَلِغَيْرِهِ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيفِ الْمُثَنَّاة الْفَوْقَانِيَّة وَتَشْدِيد الرَّاء فِيهِمَا , وَالْحَاصِل أَنَّ السَّائِل كَانَ يَرَى قِتَال مَنْ خَالَفَ الْإِمَام الَّذِي يَعْتَقِد طَاعَته وَكَانَ اِبْن عُمَر يَرَى تَرْكَ الْقِتَال فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْمُلْكِ , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الْفِتَن. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ الرَّجُل يُفْتَنُ فِي دِينه إِمَّا يَقْتُلُوهُ وَإِمَّا يُوثِقُوهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ فَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح بِأَنَّهُ غَلَطٌ وَأَنَّ الصَّوَاب بِإِثْبَاتِ النُّون فِيهِمَا لِأَنَّ \" إِمَّا \" الَّتِي تَجْزِم هِيَ الشَّرْطِيَّة وَلَيْسَتْ هُنَا شَرْطِيَّة. قُلْت : وَهِيَ رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَوُجِّهَتْ رِوَايَة الْأَكْثَر بِأَنَّ النُّون قَدْ تُحْذَف بِغَيْرِ نَاصِب وَلَا جَازِم فِي لُغَة شَهِيرَة , وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة بِلَفْظِ \" إِمَّا تُعَذِّبُوهُ وَإِمَّا تَقْتُلُوهُ \" وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ هُنَاكَ. وَأَمَّا قَوْله \" فَمَا قَوْلُك فِي عَلِيّ وَعُثْمَان \" فَيُؤَيِّد أَنَّ السَّائِل مِنْ الْخَوَارِج. فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ الشَّيْخَيْنِ وَيَحُطُّونَ عُثْمَان وَعَلِيًّا , فَرَدَّ عَلَيْهِ اِبْن عُمَر بِذِكْرِ مَنَاقِبِهِمَا وَمَنْزِلَتِهِمَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاعْتِذَار عَمَّا عَابُوا بِهِ عُثْمَان مِنْ الْفِرَار يَوْمَ أُحُدٍ فَإِنَّهُ تَعَالَى صَرَّحَ فِي الْقُرْآن بِأَنَّهُ عَفَا عَنْهُمْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب عُثْمَان سُؤَال السَّائِل لِابْنِ عُمَر عَنْ عُثْمَان وَأَنَّهُ فَرَّ يَوْم أُحُدٍ وَغَابَ عَنْ بَدْر وَعَنْ بَيْعَة الرِّضْوَان , وَبَيَان اِبْن عُمَر لَهُ عُذْر عُثْمَان فِي ذَلِكَ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ السَّائِل هُنَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون غَيْره وَهُوَ الْأَرْجَح لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّض هُنَاكَ لِذِكْرِ عَلِيّ وَكَأَنَّهُ كَانَ رَافِضِيًّا , وَأَمَّا عَدَم ذِكْرِهِ لِلْقِتَالِ فَلَا يَقْتَضِي التَّعَدُّد لِأَنَّ الطَّرِيق الَّتِي بَعْدَهَا قَدْ ذَكَرَ فِيهَا الْقِتَال وَلَمْ يَذْكُر قِصَّة عُثْمَان , وَالْأَوْلَى الْحَمْل عَلَى التَّعَدُّد لِاخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ فِي تَسْمِيَة السَّائِلِينَ وَإِنْ اِتَّحَدَ الْمَسْئُول وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَعْفُوا عَنْهُ ) ‏ ‏بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّة وَبِصِيغَةِ الْجَمْع , وَمَضَى فِي تَفْسِير الْبَقَرَة بِلَفْظِ \" أَنْ يَعْفُوَ \" بِالتَّحْتَانِيَّةِ أَوَّله وَالْإِفْرَاد أَيْ اللَّهُ , وَقَوْله \" وَهَذِهِ اِبْنَتُهُ أَوْ بِنْتُهُ \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالشَّكِّ وَوَافَقَهُمْ الْكُشْمِيهَنِيُّ لَكِنْ قَالَ \" أَوْ أَبْيُته \" بِصِيغَةِ جَمْع الْقِلَّة فِي الْبَيْت وَهُوَ شَاذٌّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب عَلِيّ مِنْ وَجْه آخَرَ بِلَفْظِ \" فَقَالَ هُوَ ذَاكَ بَيْتُهُ أَوْسَط بُيُوت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى مَنْزِلَته مِنْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِي الْمَسْجِد غَيْر بَيْته \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ تَصَحَّفَ عَلَى بَعْض الرُّوَاة بَيْته بِبِنْتِهِ فَقَرَأَهَا بِنْتَه بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ نُون ثُمَّ طَرَأَ لَهُ الشَّكّ فَقَالَ \" بِنْته أَوْ بَيْته \" وَالْمُعْتَمَد أَنَّهُ الْبَيْت فَقَطْ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الرِّوَايَات الْمُصَرِّحَة بِذَلِكَ. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر أَشْيَاء تَتَعَلَّق بِبَيْتِ عَلِيّ وَاخْتِصَاصه بِكَوْنِهِ بَيْنَ بُيُوت أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4284",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَيَانٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏وَبَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ عَلَيْنَا أَوْ إِلَيْنَا ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ فَقَالَ وَهَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يُونُس ) ‏ ‏هُوَ أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس نُسِبَ لِجَدِّهِ , وَشَيْخه زُهَيْر هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة الْجُعْفِيُّ , وَشَيْخه بَيَان هُوَ اِبْن بِشْر , وَشَيْخه وَبَرَة بِفَتْحِ الْوَاو وَالْمُوَحَّدَة هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل كَيْفَ تَرَى فِي قِتَال الْفِتْنَة ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ أَحْمَد بْن يُونُس شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" فَقَالَ لَهُ حَكِيم \" وَكَذَا فِي مُسْتَخْرَج أَبِي نُعَيْم مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة , وَالْحَدِيث الْمَذْكُور مُخْتَصَر مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ , أَوْ هُمَا وَاقِعَتَانِ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4285",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ ‏} ‏فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ فَقَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏غَيْرَ مَرَّةٍ أَنْ لَا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِنْ مِائَتَيْنِ ثُمَّ نَزَلَتْ ‏ { ‏الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ‏} ‏الْآيَةَ فَكَتَبَ أَنْ لَا يَفِرَّ مِائَةٌ مِنْ مِائَتَيْنِ وَزَادَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مَرَّةً نَزَلَتْ ‏ { ‏حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ شُبْرُمَةَ ‏ ‏وَأُرَى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ مِثْلَ هَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرٍو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ ) ‏ ‏أَيْ فُرِضَ عَلَيْهِمْ , وَالسِّيَاق وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْخَبَر لَكِنَّ الْمُرَاد مِنْهُ الْأَمْر لِأَمْرَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ خَبَرًا مَحْضًا لَلَزِمَ وُقُوع خِلَاف الْمُخْبَر بِهِ وَهُوَ مُحَال فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَمْر , وَالثَّانِي لِقَرِينَةِ التَّخْفِيف فَإِنَّهُ لَا يَقَع إِلَّا بَعْدَ تَكْلِيف , وَالْمُرَاد بِالتَّخْفِيفِ هُنَا التَّكْلِيف بِالْأَخَفِّ لَا رَفْعُ الْحُكْم أَصْلًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِد مِنْ عَشَرَة , فَقَالَ سُفْيَان غَيْرَ مَرَّةٍ أَنْ لَا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِنْ مِائَتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ سُفْيَان كَانَ يَرْوِيهِ بِالْمَعْنَى , فَتَارَةً يَقُول بِاللَّفْظِ الَّذِي وَقَعَ فِي الْقُرْآن مُحَافَظَةً عَلَى التِّلَاوَة وَهُوَ الْأَكْثَر , وَتَارَةً يَرْوِيه بِالْمَعْنَى وَهُوَ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِد مِنْ الْعَشَرَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ بِاللَّفْظَيْنِ وَيَكُونُ التَّأْوِيل مِنْ غَيْره , وَيُؤَيِّدهُ الطَّرِيق الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ ظَاهِر فِي أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّف اِبْن عَبَّاس. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" جُعِلَ عَلَى الرَّجُل عَشَرَة مِنْ الْكُفَّار , ثُمَّ خُفِّفَ عَنْهُمْ فَجُعِلَ عَلَى الرَّجُل رَجُلَانِ \" وَرَوَى أَيْضًا الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة وَمِنْ طَرِيق الْعَوْفِيِّ وَغَيْرهمَا عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوه مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ سُفْيَان ) ‏ ‏كَأَنَّهُ حَدَّثَ مَرَّةً بِالزِّيَادَةِ وَمَرَّةً بِدُونِهَا. وَقَدْ رَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن مُسْلِم عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" كَانَ الرَّجُل لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِرّ مِنْ عَشَرَة , ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه ( الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ) الْآيَةَ فَجُعِلَ الرَّجُل مِنْهُمْ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِرّ مِنْ اِثْنَيْنِ \" وَهَذَا يُؤَيِّد مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّف اِبْن عَبَّاس لَا اِبْن عُيَيْنَةَ , فَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَمْرو بْن دِينَار بِاللَّفْظَيْنِ , وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان وَقَالَ اِبْن شُبْرُمَةَ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه قَاضِي الْكُوفَة وَهُوَ مَوْصُول , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّق فَإِنَّ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان عِنْدَ أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" قَالَ سُفْيَان فَذَكَرْته لِابْنِ شُبْرُمَةَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَرَى الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر مِثْلَ هَذَا ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُ عِنْدَهُ فِي حُكْم الْجِهَاد , لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ إِعْلَاء كَلِمَة الْحَقّ وَإِخْمَاد كَلِمَة الْبَاطِل ‏"
    },
    {
        "id": "4286",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏الزُّبَيْرُ بْنُ خِرِّيتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ‏} ‏شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ فَجَاءَ التَّخْفِيفُ فَقَالَ ‏ { ‏الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ‏ ‏ضُعْفًا ‏ ‏فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ‏} ‏قَالَ فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ الْعِدَّةِ نَقَصَ مِنْ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي الزُّبَيْر بْن الْخِرِّيت ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاة فَوْقَانِيَّة بَصْرِيّ ثِقَة مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي كِتَاب الْمَظَالِم. وَلِجَرِيرِ بْن حَازِم رَاوِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ الزُّبَيْر بْن الْخِرِّيت شَيْخ آخَر أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن رَاهْوَيْهِ فِي تَفْسِيره عَنْ وَهْب اِبْن جَرِير بْن حَازِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق زِيَاد بْن أَيُّوب عَنْ وَهْب بْن جَرِير عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّبَيْر , وَهُوَ مِمَّا يُؤَيِّد أَنَّ لِجَرِيرٍ فِيهِ طَرِيقِينَ , وَلَفْظ رِوَايَة عَطَاء \" اِفْتَرَضَ اللَّه عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَاتِلَ الْوَاحِدُ عَشَرَةً , فَشَقَّ عَلَيْهِمْ , فَوَضَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ الْوَاحِدُ الرَّجُلَيْنِ \" ثُمَّ ذَكَرَ الْآيَة وَزَادَ بَعْدَهَا \" ثُمَّ قَالَ لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ \" فَذَكَرَ تَفْسِيرهَا ثُمَّ قَالَ ( يَا أَيّهَا النَّبِيّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الْأَسْرَى ) فَذَكَرَ قَوْل الْعَبَّاس فِي الْعِشْرِينَ وَفِي قَوْله \" فَأَعْطَانِي عِشْرِينَ عَبْدًا كُلّهمْ قَدْ تَاجَرَ بِمَالِي مَعَ مَا أَرْجُوهُ مِنْ مَغْفِرَة اللَّه تَعَالَى \". قُلْت : وَفِي سَنَد طَرِيق عَطَاء مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْقِصَّة عِنْدَهُ مُسْنَدَةٌ بَلْ مُعْضَلَةٌ , وَصَنِيع اِبْن إِسْحَاق - وَتَبِعَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ - يَقْتَضِي أَنَّهَا مَوْصُولَة , وَالْعِلْم عِنْدَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ جَرِير \" جَهِدَ النَّاس ذَلِكَ وَشَقَّ عَلَيْهِمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ التَّخْفِيف ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الْأُخْرَى - وَزَادَ - فَفُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ رَجُل مِنْ رَجُلَيْنِ وَلَا قَوْم مِنْ مِثْلهمْ \" وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى وُجُوب ثَبَات الْوَاحِد الْمُسْلِم إِذَا قَاوَمَ رَجُلَيْنِ مِنْ الْكُفَّار وَتَحْرِيم الْفِرَار عَلَيْهِ مِنْهُمَا , سَوَاء طَلَبُهُ أَوْ طَلَبُهُمَا , سَوَاء وَقَعَ ذَلِكَ وَهُوَ وَاقِف فِي الصَّفّ مَعَ الْعَسْكَر أَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَسْكَر , وَهَذَا هُوَ ظَاهِر تَفْسِير اِبْن عَبَّاس وَرَجَّحَهُ اِبْن الصَّبَّاغ مِنْ الشَّافِعِيَّة وَهُوَ الْمُعْتَمَد لِوُجُودِ نَصِّ الشَّافِعِيّ عَلَيْهِ فِي الرِّسَالَة الْجَدِيدَة رِوَايَة الرَّبِيع وَلَفْظه وَمِنْ نُسْخَةٍ عَلَيْهَا خَطّ الرَّبِيع نُقِلَتْ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ لِلْآيَةِ آيَاتٍ فِي كِتَابه أَنَّهُ وُضِعَ عَنْهُمْ أَنْ يَقُومَ الْوَاحِد بِقِتَالِ الْعَشَرَة وَأَثْبَتَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُوم الْوَاحِد بِقِتَالِ الِاثْنَيْنِ , ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور فِي الْبَاب وَسَاقَ الْكَلَام عَلَيْهِ , لَكِنَّ الْمُنْفَرِد لَوْ طَلَبَاهُ وَهُوَ عَلَى غَيْر أُهْبَةٍ جَازَ لَهُ التَّوَلِّي عَنْهُمَا جَزْمًا , وَإِنْ طَلَبَهُمَا فَهَلْ يَحْرُمُ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا , لَكِنْ ظَاهِر هَذِهِ الْآثَار الْمُتَضَافِرَة عَنْ اِبْن عَبَّاس يَأْبَاهُ وَهُوَ تُرْجَمَانِ الْقُرْآن وَأَعْرَفُ النَّاس بِالْمُرَادِ , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَا أَطْلَقَهُ إِنَّمَا هُوَ فِي صُورَة مَا إِذَا قَاوَمَ الْوَاحِد الْمُسْلِم مِنْ جُمْلَة الصَّفّ فِي عَسْكَر الْمُسْلِمِينَ اِثْنَيْنِ مِنْ الْكُفَّار , أَمَّا الْمُنْفَرِد وَحْدَهُ بِغَيْرِ الْعَسْكَر فَلَا , لِأَنَّ الْجِهَاد إِنَّمَا عُهِدَ بِالْجَمَاعَةِ دُونَ الشَّخْص الْمُنْفَرِد , وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ , فَقَدْ أَرْسَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْض أَصْحَابه سَرِيَّة وَحْدَهُ. وَقَدْ اِسْتَوْعَبَ الطَّبَرِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ طُرُق هَذَا الْحَدِيث عَنْ اِبْن عَبَّاس وَفِي غَالِبهَا التَّصْرِيح بِمَنْعِ تَوَلِّي الْوَاحِد عَنْ الِاثْنَيْنِ , وَاسْتَدَلَّ اِبْن عَبَّاس فِي بَعْضهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ) وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَك ). ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّه عَنْهُمْ مِنْ الْعُدَّة نَقَصَ مِنْ الصَّبْر ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك , وَفِي رِوَايَة وَهْب بْن جَرِير عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" نَقَصَ مِنْ النَّصْر \" وَهَذَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس تَوْقِيفًا عَلَى مَا يَظْهَرُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَالَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْرَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "4287",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ ‏ { ‏يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ‏ ‏الْكَلَالَةِ ‏ } ‏وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ ‏ ‏بَرَاءَةٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4288",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏عُرْيَانٌ قَالَ ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَأَذَّنَ مَعَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَهْلِ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏بِبَرَاءَةَ وَأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏عُرْيَانٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي اللَّيْث عَنْ عُقَيْل ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدَهَا \" حَدَّثَنِي اللَّيْث حَدَّثَنِي عُقَيْل \" وَلِلَّيْثِ فِيهِ شَيْخ آخَر تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْحَجّ عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْث عَنْ يُونُس. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن شِهَاب وَأَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : بِوَاوِ الْعَطْفِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَيْضًا بِغَيْرِ ذَلِكَ , وَقِيلَ فَهُوَ عَطْف عَلَى مُقَدَّر. قُلْت : لَمْ أَرَ فِي طُرُق حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق زِيَادَة إِلَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ , فَإِنَّ فِيهِ \" كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُوَافُونَ بِالتِّجَارَةِ فَيَنْتَفِع بِهَا الْمُسْلِمُونَ , فَلَمَّا حَرَّمَ اللَّه عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَقْرَبُوا الْمَسْجِد الْحَرَام وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَنْفُسهمْ مِمَّا قُطِعَ عَنْهُمْ مِنْ التِّجَارَة , فَنَزَلَتْ ( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ) الْآيَةَ ثُمَّ أَحَلَّ فِي الْآيَة الْأُخْرَى الْجِزْيَةَ \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيق شُعَيْب , وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الْجِزْيَة مِنْ هَذَا الْوَجْه. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : بَعَثَنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ اِبْن شِهَاب فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ \" أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَخْبَرَهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4289",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي الْمُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏عُرْيَانٌ قَالَ ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏أَرْدَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَأَذَّنَ مَعَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فِي أَهْلِ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏يَوْمَ النَّحْرِ بِبَرَاءَةَ وَأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏عُرْيَانٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَنِي أَبُو بَكْر فِي تِلْكَ الْحَجَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ \" الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الْحَجَّة الَّتِي أَمَّرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّة الْوَدَاع \" وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن عَبَّاس قَالَ \" بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْر أَمِيرًا عَلَى الْحَجّ , وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيم لِلنَّاسِ حَجَّهُمْ , فَخَرَجَ أَبُو بَكْر \". ‏ ‏قَوْله : ( يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَام مُشْرِك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ عَنْ عَمّه فِي أَوَائِل الصَّلَاة \" فِي مُؤَذِّنِينَ \" أَيْ فِي جَمَاعَة مُؤَذِّنِينَ , وَالْمُرَاد بِالتَّأْذِينِ الْإِعْلَام , وَهُوَ اِقْتِبَاس مِنْ قَوْله تَعَالَى ( وَأَذَانٌ مِنْ اللَّه وَرَسُوله ) أَيْ إِعْلَامٌ. وَقَدْ وَقَفْت مِمَّنْ سُمِّيَ مِمَّنْ كَانَ مَعَ أَبِي بَكْر فِي تِلْكَ الْحَجَّة عَلَى أَسْمَاء جَمَاعَة , مِنْهُمْ سَعْد اِبْن أَبِي وَقَّاصٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْحَكَم عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْر , فَلَمَّا اِنْتَهَيْنَا إِلَى ضَجْنَانَ أَتْبَعَهُ عَلِيًّا \". وَمِنْهُمْ جَابِر رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن خُثَيْمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا بَكْر عَلَى الْحَجّ فَأَقْبَلْنَا مَعَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ لَا يَحُجَّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَإِدْغَام النُّون فِي اللَّام قَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي \" مُشْكِل الْآثَار \" هَذَا مُشْكِل , لِأَنَّ الْأَخْبَار فِي هَذِهِ الْقِصَّة تَدُلّ عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَعَثَ أَبَا بَكْر بِذَلِكَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ , فَكَيْفَ يَبْعَث أَبُو بَكْر أَبَا هُرَيْرَة وَمَنْ مَعَهُ لِلتَّأْذِينِ مَعَ صَرْف الْأَمْر عَنْهُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَعْلَى ؟ ثُمَّ أَجَابَ بِمَا حَاصِله : أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ الْأَمِيرَ عَلَى النَّاس فِي تِلْكَ الْحَجَّة بِلَا خِلَاف , وَكَانَ عَلِيّ هُوَ الْمَأْمُور بِالتَّأْذِينِ بِذَلِكَ , وَكَأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُطِقْ التَّأْذِين بِذَلِكَ وَحْدَهُ وَاحْتَاجَ إِلَى مَنْ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَرْسَلَ مَعَهُ أَبُو بَكْر أَبَا هُرَيْرَة وَغَيْره لِيُسَاعِدُوهُ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيق الْمُحَرِّر بْن أَبِي هُرَيْرَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" كُنْت مَعَ عَلِيّ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَرَاءَةِ إِلَى أَهْل مَكَّة , فَكُنْت أُنَادِي مَعَهُ بِذَلِكَ حَتَّى يَصْحَلَ صَوْتِي , وَكَانَ هُوَ يُنَادِي قَبْلِي حَتَّى يُعْيِي \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا وَغَيْره مِنْ طَرِيق مُحَرِّر بْن أَبِي هُرَيْرَة. فَالْحَاصِل أَنَّ مُبَاشَرَة أَبِي هُرَيْرَة لِذَلِكَ كَانَتْ بِأَمْرِ أَبِي بَكْر , وَكَانَ يُنَادِي بِمَا يُلْقِيهِ إِلَيْهِ عَلِيٌّ مِمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( بَعْدَ الْعَام ) ‏ ‏أَيْ بَعْدَ الزَّمَان الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْإِعْلَام بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَطُوفَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاءِ عَطْفًا عَلَى الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ حُمَيْدٌ ) هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف ( ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَلِيٍّ وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٍ ) ‏ ‏هَذَا الْقَدْر مِنْ الْحَدِيث مُرْسَل , لِأَنَّ حُمَيْدًا لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ وَلَا صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة , لَكِنْ قَدْ ثَبَتَ إِرْسَال عَلِيٍّ مِنْ عِدَّة طُرُق : فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ عَلِيّ قَالَ \" بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْر بِبَرَاءَةٍ إِلَى أَهْل مَكَّة وَبَعَثَهُ عَلَى الْمَوْسِم , ثُمَّ بَعَثَنِي فِي أَثَرِهِ , فَأَدْرَكْته فَأَخَذْتهَا مِنْهُ , فَقَالَ أَبُو بَكْر : مَا لِي ؟ قَالَ : خَيْر , أَنْتَ صَاحِبِي فِي الْغَار وَصَاحِبِي عَلَى الْحَوْض , غَيْر أَنَّهُ لَا يُبَلِّغ عَنِّي غَيْرِي , أَوْ رَجُل مِنِّي \" وَمِنْ طَرِيق عَمْرو بْن عَطِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيد مِثْلُهُ , وَمِنْ طَرِيق الْعُمَرِيّ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر كَذَلِكَ , وَرَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث مِقْسَمٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْلُهُ مُطَوَّلًا وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي رَافِع نَحْوُهُ لَكِنْ قَالَ , فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ : \" إِنَّهُ لَنْ يُؤَدِّيهَا عَنْك إِلَّا أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْك \" وَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَأَحْمَد مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ \" بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرَاءَة مَعَ أَبِي بَكْر , ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ وَقَالَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُبَلِّغَ هَذَا إِلَّا رَجُل مِنْ أَهْلِي \" وَهَذَا يُوَضِّحُ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيث الْآخَر \" لَا يُبَلِّغ عَنِّي \" وَيُعْرَف مِنْهُ أَنَّ الْمُرَاد خُصُوص الْقِصَّة الْمَذْكُورَة لَا مُطْلَق التَّبْلِيغ , وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق عَنْ زَيْد بْن يُثَيْعٍ قَالَ \" سَأَلْت عَلِيًّا بِأَيِّ شَيْء بُعِثْت ؟ قَالَ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا نَفْس مُؤْمِنَة , وَلَا يَطُوف بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ , وَلَا يَجْتَمِع مُسْلِم مَعَ مُشْرِك فِي الْحَجّ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا , وَمَنْ كَانَ لَهُ عَهْد فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ , وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْد فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ \" وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْكَلَام الْأَخِير عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى ( فَسِيحُوا فِي الْأَرْض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) يَخْتَصّ بِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْد مُؤَقَّت أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْد أَصْلًا , وَأَمَّا مَنْ لَهُ عَهْد مُؤَقَّت فَهُوَ إِلَى مُدَّته , فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق قَالَ : هُمْ صِنْفَانِ , صِنْف كَانَ لَهُ عَهْد دُونَ أَرْبَعَة أَشْهُر فَأُمْهِلَ إِلَى تَمَام أَرْبَعَة أَشْهُر , وَصِنْف كَانَتْ لَهُ عَهْده بِغَيْرِ أَجَلٍ فَقُصِرَتْ عَلَى أَرْبَعَة أَشْهُر. وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْأَرْبَعَة الْأَشْهُر أَجَل مَنْ كَانَ لَهُ عَهْد بِقَدْرِهَا أَوْ يَزِيد عَلَيْهَا , وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ عَهْد فَانْقِضَاؤُهُ إِلَى سَلْخ الْمُحْرِم لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُر الْحُرُم فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) وَمِنْ طَرِيق عَبِيدَةَ بْن سَلْمَانَ سَمِعْت الضَّحَّاك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاهَدَ نَاسًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْل مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ فَنَزَلَتْ بَرَاءَة فَنَبَذَ إِلَى كُلّ أَحَدٍ عَهْدَهُ وَأَجَّلَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ , وَمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ فَأَجَلُهُ اِنْقِضَاءُ الْأَشْهُر الْحُرُم. وَمِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ نَحْوه. وَمِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ : كَانَ أَوَّل الْأَرْبَعَة أَشْهُر عِنْدَ نُزُول بَرَاءَة فِي شَوَّال , فَكَانَ آخِرهَا آخَر الْمُحَرَّم. فَبِذَلِكَ يُجْمَع بَيْنَ ذِكْر الْأَرْبَعَة أَشْهُر وَبَيْنَ قَوْله : ( فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُر الْحُرُم فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) وَاسْتَبْعَدَ الطَّبَرِيُّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ بُلُوغَهُمْ الْخَبَرَ إِنَّمَا كَانَ عِنْدَمَا وَقَعَ النِّدَاء بِهِ فِي ذِي الْحِجَّة فَكَيْف يُقَال لَهُمْ سِيحُوا أَرْبَعَة أَشْهُر وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا دُونَ الشَّهْرَيْنِ ؟ ثُمَّ أُسْنِدَ عَنْ السُّدِّيِّ وَغَيْر وَاحِد التَّصْرِيح بِأَنَّ تَمَام الْأَرْبَعَة الْأَشْهُر فِي رَبِيع الْآخِر. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يُؤَذِّن بِبَرَاءَةٍ ) يَجُوز فِيهِ التَّنْوِين بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَة وَبِالْجَرِّ , وَيَجُوز أَنْ يَكُون عَلَامَة الْجَرّ فَتْحَة وَهُوَ الثَّابِت فِي الرِّوَايَات. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيّ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْده \" قَالَ أَبُو بَكْر فَأَذَّنَ مَعَنَا \" وَهُوَ غَلَط فَاحِش مُخَالِف لِرِوَايَةِ الْجَمِيع , وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام أَبِي هُرَيْرَة قَطْعًا , فَهُوَ الَّذِي كَانَ يُؤَذِّن بِذَلِكَ. وَذَكَرَ عِيَاض أَنَّ أَكْثَر رُوَاة الْفَرَبْرِيِّ وَافَقُوا الْكُشْمِيهَنِيّ , قَالَ : وَهُوَ غَلَط. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيّ ) هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَكَأَنَّ حُمَيْدَ بْن عَبْد الرَّحْمَن حَمَلَ قِصَّة تَوَجُّهِ عَلِيّ مِنْ الْمَدِينَة إِلَى أَنْ لَحِقَ أَبَا بَكْر عَنْ غَيْر أَبِي هُرَيْرَة , وَحَمَلَ بَقِيَّة الْقِصَّة كُلّهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏وَقَوْله : ( فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيّ فِي أَهْل مِنًى يَوْمَ النَّحْر إِلَخْ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فِيهِ إِشْكَال , لِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ مَأْمُورًا بِأَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٍ , فَكَيْف يُؤَذِّن بِأَنْ لَا يَحُجّ بَعْدَ الْعَام مُشْرِك ؟ ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ أَذَّنَ بِبَرَاءَةٍ وَمِنْ جُمْلَة مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَحُجّ بَعْدَ الْعَام مُشْرِك , مِنْ قَوْله تَعَالَى فِيهَا ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ) وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَمَرَ أَنْ يُؤَذِّن بِبَرَاءَةٍ وَبِمَا أُمِرَ أَبُو بَكْر أَنْ يُؤَذِّن بِهِ أَيْضًا. قُلْت : وَفِي قَوْله يُؤَذِّن بِبَرَاءَةٍ تَجَوُّزٌ , لِأَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّن بِبِضْعٍ وَثَلَاثِينَ آيَةً مُنْتَهَاهَا عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ( وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي مَعْشَر عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب وَغَيْره قَالَ \" بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْر أَمِيرًا عَلَى الْحَجّ سَنَة تِسْعٍ , وَبَعَثَ عَلِيًّا بِثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ بَرَاءَة \" وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي الصَّهْبَاء قَالَ سَأَلْت عَلِيًّا عَنْ يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر , فَقَالَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا بَكْر يُقِيم لِلنَّاسِ الْحَجّ , وَبَعَثَنِي بَعْدَهُ بِأَرْبَعِينَ آيَة مِنْ بَرَاءَة , حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَخَطَبَ ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ : يَا عَلِيّ قُمْ فَأَدِّ رِسَالَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُمْت فَقَرَأْت أَرْبَعِينَ آيَة مِنْ أَوَّل بَرَاءَة , ثُمَّ صَدَرْنَا حَتَّى رَمَيْت الْجَمْرَة , فَطَفِقْت أَتَتَبَّع بِهَا الْفَسَاطِيطَ أَقْرَؤُهَا عَلَيْهِمْ , لِأَنَّ الْجَمِيع لَمْ يَكُونُوا حَضَرُوا خُطْبَة أَبِي بَكْر يَوْمَ عَرَفَةَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْ لَا يَحُجّ بَعْدَ الْعَام مُشْرِك ) ‏ ‏هُوَ مُنْتَزَع مِنْ قَوْله تَعَالَى ( فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ) وَالْآيَة صَرِيحَة فِي مَنْعهمْ دُخُول الْمَسْجِد الْحَرَام وَلَوْ لَمْ يَقْصِدُوا الْحَجّ , وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْحَجّ هُوَ الْمَقْصُود الْأَعْظَم صَرَّحَ لَهُمْ بِالْمَنْعِ مِنْهُ فَيَكُون مَا وَرَاءَهُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ , وَالْمُرَاد بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام هُنَا الْحَرَمُ كُلُّهُ , وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَإِسْحَاق فِي مُسْنَده النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ كِلَاهُمَا عَنْهُ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ \" حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن خُثَيْمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَجَعَ مِنْ عُمْرَة الْجِعِرَّانَة بَعَثَ أَبَا بَكْر عَلَى الْحَجّ , فَأَقْبَلْنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ ثَوَّبَ بِالصُّبْحِ , فَسَمِعَ رَغْوَة نَاقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِذَا عَلِيّ عَلَيْهَا , فَقَالَ لَهُ : أَمِير أَوْ رَسُول ؟ فَقَالَ : بَلْ أَرْسَلَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَرَاءَةٍ أَقْرَؤُهَا عَلَى النَّاس , فَقَدِمْنَا مَكَّةَ , فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرَوِّيَة بِيَوْمٍ قَامَ أَبُو بَكْر فَخَطَبَ النَّاس بِمَنَاسِكِهِمْ , حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَامَ عَلِيّ فَقَرَأَ عَلَى النَّاس بَرَاءَة حَتَّى خَتَمَهَا , ثُمَّ كَانَ يَوْم النَّحْر كَذَلِكَ , ثُمَّ يَوْم النَّفَر كَذَلِكَ \" فَيُجْمَعُ بِأَنَّ عَلِيًّا قَرَأَهَا كُلّهَا فِي الْمَوَاطِن الثَّلَاثَة , وَأَمَّا فِي سَائِر الْأَوْقَات فَكَانَ يُؤَذِّن بِالْأُمُورِ الْمَذْكُورَة أَنْ لَا يَحُجّ بَعْدَ الْعَام مُشْرِك إِلَخْ , وَكَانَ يَسْتَعِين بِأَبِي هُرَيْرَة وَغَيْره فِي الْأَذَان بِذَلِكَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث مِقْسَمٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْدَ التِّرْمِذِيّ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا بَكْر \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَقَامَ عَلِيّ أَيَّام التَّشْرِيق فَنَادَى : ذِمَّة اللَّه وَذِمَّة رَسُوله بَرِيئَة مِنْ كُلّ مُشْرِك , فَسِيحُوا فِي الْأَرْض أَرْبَعَة أَشْهُر , وَلَا يَحُجَّن بَعْدَ الْعَام مُشْرِك , وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَان , وَلَا يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا مُؤْمِن , فَكَانَ عَلِيّ يُنَادِي بِهَا , فَإِذَا بُحَّ قَامَ أَبُو هُرَيْرَة فَنَادَى بِهَا. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بِبَرَاءَةٍ مَعَ أَبِي بَكْر , فَلَمَّا بَلَغَ ذَا الْحُلَيْفَةِ قَالَ : لَا يُبَلِّغُهَا إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُل مِنْ أَهْل بَيْتِي , فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَلِيّ \" قَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن غَرِيب. وَوَقَعَ فِي حَدِيث يَعْلَى عِنْدَ أَحْمَد \" لَمَّا نَزَلَتْ عَشْر آيَات مِنْ بَرَاءَة بَعَثَ بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَبِي بَكْر لِيَقْرَأهَا عَلَى أَهْل مَكَّة , ثُمَّ دَعَانِي فَقَالَ : أَدْرِكْ أَبَا بَكْر فَحَيْثُمَا لَقِيته فَخُذْ مِنْهُ الْكِتَاب , فَرَجَعَ أَبُو بَكْر فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه نَزَلَ فِيَّ شَيْء ؟ فَقَالَ لَا , إِلَّا أَنَّهُ لَنْ يُؤَدِّيَ - أَوْ لَكِنْ جِبْرِيل قَالَ لَا يُؤَدِّي - عَنْك إِلَّا أَنْتَ أَوْ رَجُل مِنْك \" قَالَ الْعِمَاد بْن كَثِير : لَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ أَبَا بَكْر رَجَعَ مِنْ فَوْره , بَلْ الْمُرَاد رَجَعَ مِنْ حَجَّته , قُلْت : وَلَا مَانِع مِنْ حَمْله عَلَى ظَاهِره لِقُرْبِ الْمَسَافَة , وَأَمَّا قَوْله عَشْر آيَات فَالْمُرَاد أَوَّلهَا ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) ‏"
    },
    {
        "id": "4290",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ ‏ ‏أَنْ لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏عُرْيَانٌ فَكَانَ ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏يَقُولُ يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَنْصُور كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ وَيَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم أَيْ اِبْن سَعْد بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَصَالِح هُوَ اِبْن كَيْسَانَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الصَّلَاة مِنْ رِوَايَة يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ اِبْن أَخِي اِبْن شِهَاب عَنْ عَمّه , فَلَهُ فِيهِ طَرِيقَانِ , وَسِيَاقه عَنْ اِبْن أَخِي اِبْن شِهَاب مُوَافِق لِسِيَاقِ عُقَيْل , وَأَمَّا رِوَايَة صَالِح فَوَقَعَ فِي آخِرهَا \" فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُول : يَوْم النَّحْر يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر , مِنْ أَجْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة قَدْ أَدْرَجَهَا شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَة وَلَفْظه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" بَعَثَنِي أَبُو بَكْر فِيمَنْ يُؤَذِّن يَوْم النَّحْر بِمِنًى : لَا يَحُجّ بَعْدَ الْعَام مُشْرِك وَلَا يَطُوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان , وَيَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر , وَإِنَّمَا قِيلَ الْأَكْبَر مِنْ أَجْل قَوْل النَّاس الْحَجّ الْأَصْغَر , فَنَبَذَ أَبُو بَكْر إِلَى النَّاس فِي ذَلِكَ الْعَام فَلَمْ يَحُجّ عَام حَجَّة الْوَدَاع الَّتِي حَجَّ فِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشْرِك \" اِنْتَهَى وَقَوْله \" وَيَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر \" هُوَ قَوْل حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن اِسْتَنْبَطَهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ( وَأَذَان مِنْ اللَّه وَرَسُوله إِلَى النَّاس يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَر ) وَمِنْ مُنَادَاة أَبِي هُرَيْرَة بِذَلِكَ بِأَمْرِ أَبِي بَكْر يَوْم النَّحْر , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِيَوْمِ الْحَجّ الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر , وَسِيَاق رِوَايَة شُعَيْب يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا نَادَى بِهِ أَبُو بَكْر , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ تَضَافَرَتْ الرِّوَايَات عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِأَنَّ الَّذِي كَانَ يُنَادِي بِهِ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قِبَلِ أَبِي بَكْر شَيْئَانِ : مَنْع حَجّ الْمُشْرِكِينَ , وَمَنْع طَوَاف الْعُرْيَان , وَأَنَّ عَلِيًّا أَيْضًا كَانَ يُنَادِي بِهِمَا , وَكَانَ يَزِيد : مَنْ كَانَ لَهُ عَهْد فَعَهْده إِلَى مُدَّته , وَأَنْ لَا يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا مُسْلِم. وَكَأَنَّ هَذِهِ الْأَخِيرَة كَالتَّوْطِئَةِ لِأَنْ لَا يَحُجّ الْبَيْت مُشْرِك , وَأَمَّا الَّتِي قَبْلَهَا فَهِيَ الَّتِي اُخْتُصَّ عَلِيّ بِتَبْلِيغِهَا , وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّ الْحِكْمَة فِي إِرْسَال عَلِيّ بَعْدَ أَبِي بَكْر أَنَّ عَادَة الْعَرَب جَرَتْ بِأَنْ لَا يَنْقُضُ الْعَهْدَ إِلَّا مَنْ عَقَدَهُ أَوْ مَنْ هُوَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ مِنْ أَهْل بَيْته , فَأَجْرَاهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى عَادَتهمْ , وَلِهَذَا قَالَ \" لَا يُبَلِّغ عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُل مِنْ أَهْل بَيْتِيّ \" وَرَوَى أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَرِّر بْن أَبِي هُرَيْرَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْت مَعَ عَلِيّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّة بِبَرَاءَةٍ , فَكُنَّا نُنَادِي أَنْ لَا يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا نَفْس مُسْلِمَة وَلَا يَطُوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْد فَأَجَله أَرْبَعَة أَشْهُر فَإِذَا مَضَتْ فَإِنَّ اللَّه بَرِيء مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ , وَلَا يَحُجّ بَعْدَ الْعَام مُشْرِك. فَكُنْت أُنَادِي حَتَّى صَحِلَ صَوْتِي \" وَقَوْله وَإِنَّمَا قِيلَ الْأَكْبَر إِلَخْ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَأَصْله فِي هَذَا الصَّحِيح رَفْعه \" أَيْ يَوْم هَذَا ؟ قَالُوا : هَذَا يَوْم النَّحْر , قَالَ : هَذَا يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر \" وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالْحَجِّ الْأَصْغَر فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ الْعُمْرَة , وَصَلَ ذَلِكَ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد أَحَد كِبَار التَّابِعِينَ , وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ جَمَاعَة مِنْهُمْ عَطَاء وَالشَّعْبِيُّ , وَعَنْ مُجَاهِد : الْحَجّ الْأَكْبَر الْقِرَان وَالْأَصْغَر الْإِفْرَاد. وَقِيلَ يَوْم الْحَجّ الْأَصْغَر يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر لِأَنَّ فِيهِ تَتَكَمَّل بَقِيَّة الْمَنَاسِك. وَعَنْ الثَّوْرِيّ : أَيَّام الْحَجّ تُسَمَّى يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر كَمَا يُقَال يَوْم الْفَتْح. وَأَيَّدَهُ السُّهَيْلِيُّ بِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ بِذَلِكَ فِي الْأَيَّام كُلّهَا. وَقِيلَ لِأَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ وَكَانَتْ قُرَيْش تَقِف بِالْمُزْدَلِفَةِ , فَإِذَا كَانَتْ صَبِيحَةَ النَّحْر وَقَفَ الْجَمِيع بِالْمُزْدَلِفَةِ فَقِيلَ لَهُ الْأَكْبَر لِاجْتِمَاعِ الْكُلّ فِيهِ , وَعَنْ الْحَسَن : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاتِّفَاقِ حَجّ جَمِيع الْمِلَل فِيهِ : وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي جُحَيْفَةَ وَغَيْره : أَنَّ يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر يَوْمُ عَرَفَةَ. وَمِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ النَّحْر. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْيَوْم التَّاسِع وَهُوَ يَوْم عَرَفَة إِذَا اِنْسَلَخَ قَبْلَ الْوُقُوف لَمْ يَفُتْ الْحَجّ بِخِلَافِ الْعَاشِر فَإِنَّ اللَّيْل إِذَا اِنْسَلَخَ قَبْلَ الْوُقُوف فَاتَ. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عَلِيّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا \" يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر \" وَرَجَّحَ الْمَوْقُوف , وَقَوْله \" فَنَبَذَ أَبُو بَكْر إِلَخْ \" وَهُوَ أَيْضًا مُرْسَل مِنْ قَوْل حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَالْمُرَاد أَنَّ أَبَا بَكْر أَفْصَحَ لَهُمْ بِذَلِكَ , وَقِيلَ إِنَّمَا لَمْ يَقْتَصِر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَبْلِيغ أَبِي بَكْر عَنْهُ بِبَرَاءَةٍ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ مَدْح أَبِي بَكْر , فَأَرَادَ أَنْ يَسْمَعُوهَا مِنْ غَيْر أَبِي بَكْر , وَهَذِهِ غَفْلَة مِنْ قَائِله حَمَلَهُ عَلَيْهَا ظَنُّهُ أَنَّ الْمُرَاد تَبْلِيغ بَرَاءَة كُلّهَا , وَلَيْسَ الْأَمْر كَذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ , وَإِنَّمَا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ مِنْهَا أَوَائِلهَا فَقَطْ , وَقَدْ قَدَّمْت حَدِيث جَابِر وَفِيهِ \" أَنَّ عَلِيًّا قَرَأَهَا حَتَّى خَتَمَهَا \" وَطَرِيق الْجَمْع فِيهِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ حَجَّة أَبِي بَكْر كَانَتْ فِي ذِي الْحِجَّة عَلَى خِلَاف الْمَنْقُول عَنْ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة بْن خَالِد , وَقَدْ قَدَّمْت النَّقْل عَنْهُمَا بِذَلِكَ فِي الْمَغَازِي , وَوَجْه الدَّلَالَة أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ \" بَعَثَنِي أَبُو بَكْر فِي تِلْكَ الْحَجَّة يَوْم النَّحْر \" وَهَذَا لَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّ قَوْل مُجَاهِد إِنْ ثَبَتَ فَالْمُرَاد بِيَوْمِ النَّحْر الَّذِي هُوَ صَبِيحَة يَوْم الْوُقُوف سَوَاء كَانَ الْوُقُوف وَقَعَ فِي ذِي الْقَعْدَة أَوْ فِي ذِي الْحِجَّة. نَعَمْ رَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ \" كَانُوا يَجْعَلُونَ عَامًا شَهْرًا وَعَامًا شَهْرَيْنِ \" يَعْنِي يَحُجُّونَ فِي شَهْر وَاحِد مَرَّتَيْنِ فِي سَنَتَيْنِ ثُمَّ يَحُجُّونَ فِي الثَّالِث فِي شَهْر آخَرَ غَيْرِهِ , قَالَ : فَلَا يَقَع الْحَجّ فِي أَيَّام الْحَجّ إِلَّا فِي كُلّ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً , فَلَمَّا كَانَ حَجّ أَبِي بَكْر وَافَقَ ذَلِكَ الْعَام شَهْر الْحَجّ فَسَمَّاهُ اللَّه الْحَجّ الْأَكْبَر. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏: اِتَّفَقَتْ الرِّوَايَات عَلَى أَنَّ حَجَّة أَبِي بَكْر كَانَتْ سَنَة تِسْع , وَوَقَعَ فِي حَدِيث لِعَبْدِ الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي قَوْله : ( بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّه وَرَسُوله ) قَالَ \" لَمَّا كَانَ زَمَن خَيْبَر اِعْتَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجِعِرَّانَة. ثُمَّ أَمْر أَبَا بَكْر الصِّدِّيق عَلَى تِلْكَ الْحَجَّة. قَالَ الزُّهْرِيّ : وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُحَدِّث أَنَّ أَبَا بَكْر أَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٍ , ثُمَّ أَتْبَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا , الْحَدِيث. قَالَ الشَّيْخ عِمَاد الدِّين بْن كَثِير : هَذَا فِيهِ غَرَابَة مِنْ جِهَة أَنَّ الْأَمِير فِي سَنَة عُمْرَة الْجِعِرَّانَة كَانَ عَتَّاب بْن أَسِيدٍ , وَأَمَّا حَجَّة أَبِي بَكْر فَكَانَتْ سَنَة تِسْع. قُلْت : يُمْكِن رَفْع الْإِشْكَال بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" ثُمَّ أَمَرَ أَبَا بَكْر \" يَعْنِي بَعْدَ أَنْ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة وَطَوَى ذَلِكَ مَنْ وَلِيَ الْحَجّ سَنَة ثَمَانٍ. فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْعُمْرَة إِلَى الْجِعِرَّانَة فَأَصْبَحَ بِهَا تَوَجَّهَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَة , إِلَى أَنْ جَاءَ أَوَان الْحَجّ فَأَمَرَ أَبَا بَكْر وَذَلِكَ سَنَة تِسْع. وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ أَمَرَ أَبَا بَكْر أَنْ يَحُجّ فِي السَّنَة الَّتِي كَانَتْ فِيهَا عَمْرَة الْجِعِرَّانَة. وَقَوْله \" عَلَى تِلْكَ الْحَجَّة \" يُرِيد الْآتِيَة بَعْدَ رُجُوعهمْ إِلَى الْمَدِينَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4291",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ كُنَّا عِنْدَ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ وَلَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ إِلَّا أَرْبَعَةٌ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ إِنَّكُمْ ‏ ‏أَصْحَابَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تُخْبِرُونَا فَلَا نَدْرِي فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبْقُرُونَ بُيُوتَنَا وَيَسْرِقُونَ أَعْلَاقَنَا قَالَ أُولَئِكَ الْفُسَّاقُ أَجَلْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا أَرْبَعَةٌ أَحَدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ الْمَاءَ الْبَارِدَ لَمَا وَجَدَ بَرْدَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيدٍ , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد. ‏ ‏قَوْله : ( مَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَاب هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا ثَلَاثَة ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ مُبْهَمًا وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن خَالِد بِلَفْظِ \" مَا بَقِيَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْل هَذِهِ الْآيَة ( لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء ) الْآيَةَ إِلَّا أَرْبَعَة نَفَر , إِنَّ أَحَدهمْ لَشَيْخٌ كَبِير \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : إِنْ كَانَتْ الْآيَة مَا ذُكِرَ فِي خَبَر اِبْن عُيَيْنَةَ فَحَقّ هَذَا الْحَدِيث أَنْ يَخْرُج فِي سُورَة الْمُمْتَحَنَة اِنْتَهَى. وَقَدْ وَافَقَ الْبُخَارِيّ - عَلَى إِخْرَاجهَا عِنْدَ آيَة بَرَاءَة - النَّسَائِيّ وَابْنَ مَرْدَوَيْهِ , فَأَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُق عَنْ إِسْمَاعِيل , وَلَيْسَ عِنْدَ أَحَد مِنْهُمْ تَعْيِين الْآيَة , وَانْفَرَدَ اِبْن عُيَيْنَةَ بِتَعْيِينِهَا , إِلَّا أَنَّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة خَالِد الطَّحَّان عَنْ إِسْمَاعِيل فِي آخِر الْحَدِيث \" قَالَ إِسْمَاعِيل : يَعْنِي الَّذِينَ كَاتَبُوا الْمُشْرِكِينَ \" وَهَذَا يُقَوِّي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ , وَكَأَنَّ مُسْتَنَد مَنْ أَخْرَجَهَا فِي آيَة بَرَاءَة مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق حَبِيب بْن حَسَّانَ عَنْ يَزِيد بْن وَهْب قَالَ \" كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَة فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة ( فَقَاتِلُوا أَئِمَّة الْكُفْر ) قَالَ مَا قُوتِلَ أَهْل هَذِهِ الْآيَة بَعْدُ \" وَمِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ زَيْد بْن وَهْب نَحْوه , وَالْمُرَاد بِكَوْنِهِمْ لَمْ يُقَاتَلُوا أَنَّ قِتَالهمْ لَمْ يَقَع لِعَدَمِ وُقُوع الشَّرْط , لِأَنَّ لَفْظ الْآيَة ( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا ) فَلَمَّا لَمْ يَقَع مِنْهُمْ نَكْثٌ وَلَا طَعْنٌ لَمْ يُقَاتَلُوا. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ قَالَ : الْمُرَاد بِأَئِمَّةِ الْكُفْر كُفَّار قُرَيْش. وَمِنْ طَرِيق الضَّحَّاك قَالَ : أَئِمَّة الْكُفْر رُءُوس الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْل مَكَّة. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا ثَلَاثَة ) ‏ ‏سُمِّيَ مِنْهُمْ فِي رِوَايَة أَبِي بِشْر عَنْ مُجَاهِد أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ أَبُو جَهْل بْن هِشَام وَعُتْبَةُ بْن رَبِيعَة وَأَبُو سُفْيَان وَسُهَيْل بْن عَمْرو , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ أَبَا جَهْل وَعُتْبَةَ قُتِلَا بِبَدْرٍ وَإِنَّمَا يَنْطَبِقُ التَّفْسِير عَلَى مَنْ نَزَلَتْ الْآيَة الْمَذْكُورَة وَهُوَ حَيٌّ , فَيَصِحّ فِي أَبِي سُفْيَان وَسُهَيْل بْن عَمْرو وَقَدْ أَسْلَمَا جَمِيعًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ إِلَّا أَرْبَعَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَعْرَابِيّ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّكُمْ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏بِنَصْبِ أَصْحَاب عَلَى النِّدَاء مَعَ حَذْف , الْأَدَاة أَوْ هُوَ بَدَل مِنْ الضَّمِير فِي إِنَّكُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( تُخْبِرُونَنَا فَلَا نَدْرِي ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ , فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" تُخْبِرُونَنَا عَنْ أَشْيَاءَ \". ‏ ‏قَوْله : ( يَبْقُرُونَ ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ قَافٍ أَيْ يَنْقُبُونَ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَأَكْثَر مَا يَكُون النَّقْر فِي الْخَشَب وَالصُّخُور يَعْنِي بِالنُّونِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَعَلَاقنَا ) ‏ ‏بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَالْقَاف أَيْ نَفَائِس أَمْوَالنَا , وَقَالَ اِبْن التِّين : وَجَدْته فِي بَعْض الرِّوَايَات مَضْبُوطًا بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَلَا وَجْه لَهُ اِنْتَهَى. وَوُجِدَ فِي نُسْخَة الدِّمْيَاطِيّ بِخَطِّهِ بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَة أَيْضًا , ذَكَرَهُ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن. وَيُمْكِن تَوْجِيهُهُ بِأَنَّ الْأَغْلَاقَ جَمْع غَلَق بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْبَاب الَّذِي يُغْلَق عَلَى الْبَيْت وَيُفْتَح بِالْمِفْتَاحِ , وَيُطْلَق الْغَلَق عَلَى الْحَدِيدَة الَّتِي تُجْعَل فِي الْبَاب وَيُعْمَل فِيهَا الْقُفْل , فَيَكُون قَوْله \" وَيَسْرِقُوا أَغْلَاقَنَا \" إِمَّا عَلَى الْحَقِيقَة فَإِنَّهُ إِذَا تَمَكَّنَ مِنْ سَرِقَة الْغَلَق تَوَصَّلَ إِلَى فَتْح الْبَاب , أَوْ فِيهِ مَجَاز الْحَذْف أَيْ يَسْرِقُونَ مَا فِي أَغْلَاقِنَا. ‏ ‏قَوْله : ( أُولَئِكَ الْفُسَّاق ) ‏ ‏أَيْ الَّذِينَ يَبْقُرُونَ وَيَسْرِقُونَ , لَا الْكُفَّارُ وَلَا الْمُنَافِقُونَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَحَدهمْ شَيْخ كَبِير ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ شَرِبَ الْمَاءَ الْبَارِدَ لَمَا وَجَدَ بَرْدَهُ ) ‏ ‏أَيْ لِذَهَابِ شَهْوَته وَفَسَاد مَعِدَته , فَلَا يُفَرِّق بَيْنَ الْأَلْوَان وَلَا الطُّعُوم. ‏"
    },
    {
        "id": "4292",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏ ‏شُجَاعًا ‏ ‏أَقْرَعَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَكُون كَنْز أَحَدكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة شُجَاعًا أَقْرَعَ ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَهُوَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ أَبِي الْيَمَان وَزَادَ \" يَفِرّ مِنْهُ صَاحِبه وَيَطْلُبهُ , أَنَا كَنْزُك , فَلَا يَزَال بِهِ حَتَّى يُلْقِمَهُ إِصْبَعه \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن عَيَّاش عَنْ شُعَيْب , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي كِتَاب الزَّكَاة مَعَ شَرْح الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "4293",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ مَرَرْتُ عَلَى ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏بِالرَّبَذَةِ ‏ ‏فَقُلْتُ مَا أَنْزَلَكَ بِهَذِهِ الْأَرْضِ قَالَ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏ ‏فَقَرَأْتُ ‏ { ‏وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏مَا هَذِهِ فِينَا مَا هَذِهِ إِلَّا فِي ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ إِنَّهَا لَفِينَا وَفِيهِمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي ذَرّ فِي قِصَّته مَعَ مُعَاوِيَة فِي تَأْوِيل ‏ ‏قَوْله تَعَالَى ( وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة أَيْضًا مَعَ شَرْحه. ‏"
    },
    {
        "id": "4294",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ الزَّمَان قَدْ اِسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِل بَدْء الْخَلْق , وَأَنَّ الْمُرَاد بِالزَّمَانِ السَّنَة. ‏ ‏وَقَوْله \" كَهَيْئَتِهِ \" أَيْ اِسْتَدَارَ اِسْتِدَارَة مِثْلَ حَالَته. وَلَفْظ \" الزَّمَان \" يُطْلَق عَلَى قَلِيل الْوَقْت وَكَثِيره , وَالْمُرَاد بِاسْتِدَارَتِهِ وُقُوع تَاسِع ذِي الْحِجَّة فِي الْوَقْت الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ الشَّمْس بُرْج الْحَمَل حَيْثُ يَسْتَوِي اللَّيْل وَالنَّهَار. ‏ ‏وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْدَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ \" أَنَّ الزَّمَان قَدْ اِسْتَدَارَ فَهُوَ الْيَوْمُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض \". ‏ ‏قَوْله : ( السَّنَة اِثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ) ‏ ‏أَيْ السَّنَة الْعَرَبِيَّة الْهِلَالِيَّة , وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي سَبَب ذَلِكَ مِنْ طَرِيق حُصَيْنِ بْنِ عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي مَالِك : كَانُوا يَجْعَلُونَ السَّنَة ثَلَاثَة عَشَرَ شَهْرًا وَمِنْ وَجْه آخَر كَانُوا يَجْعَلُونَ السَّنَة اِثَّنَى عَشَرَ شَهْرًا وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا , فَتَدُور الْأَيَّام وَالشُّهُور كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاث مُتَوَالِيَات ) ‏ ‏هُوَ تَفْسِير الْأَرْبَعَة الْحُرُم , قَالَ اِبْن التِّين : الصَّوَاب ثَلَاثَة مُتَوَالِيَة , يَعْنِي لِأَنَّ الْمُمَيَّز الشَّهْر , قَالَ : وَلَعَلَّهُ أَعَادَهُ عَلَى الْمَعْنَى أَيْ ثَلَاث مُدَد مُتَوَالِيَات , اِنْتَهَى. أَوْ بِاعْتِبَارِ الْعِدَّة مَعَ أَنَّ الَّذِي لَا يُذْكَر التَّمْيِيز مَعَهُ يَجُوز فِيهِ التَّذْكِير وَالتَّأْنِيث , وَذِكْرهَا مِنْ سَنَتَيْنِ لِمَصْلَحَةِ التَّوَالِي بَيْنَ الثَّلَاثَة , وَإِلَّا فَلَوْ بَدَأَ بِالْمُحَرَّمِ لَفَاتَ مَقْصُود التَّوَالِي. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى إِبْطَال مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة مِنْ تَأْخِير بَعْض الْأَشْهُر الْحُرُم , فَقِيلَ : كَانُوا يَجْعَلُونَ الْمُحَرَّم صَفَرًا وَيَجْعَلُونَ صَفَرًا الْمُحَرَّم لِئَلَّا يَتَوَالَى عَلَيْهِمْ ثَلَاثَة أَشْهُر لَا يَتَعَاطَوْنَ فِيهَا الْقِتَال , فَلِذَلِكَ قَالَ \" مُتَوَالِيَات \" وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة عَلَى أَنْحَاءٍ : مِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّي الْمُحَرَّمَ صَفَرًا فَيُحِلّ فِيهِ الْقِتَال , وَيُحَرِّم الْقِتَال فِي صَفَر وَيُسَمِّيه الْمُحَرَّم. وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَجْعَل ذَلِكَ سَنَة هَكَذَا وَسَنَة هَكَذَا , وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلهُ سَنَتَيْنِ هَكَذَا وَسَنَتَيْنِ هَكَذَا , وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤَخِّر صَفَرًا إِلَى رَبِيع الْأَوَّل وَرَبِيعًا إِلَى مَا يَلِيهِ وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَصِير شَوَّال ذَا الْقَعْدَة وَذُو الْقَعْدَة ذَا الْحِجَّة , ثُمَّ يَعُود الْعَدَد عَلَى الْأَصْل. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَجَب عَرُوبَة ) ‏ ‏أَضَافَهُ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِتَعْظِيمِهِ , بِخِلَافِ غَيْرهمْ فَيُقَال إِنَّ رَبِيعَة كَانُوا يَجْعَلُونَ بَدَلَهُ رَمَضَان , وَكَانَ مِنْ الْعَرَب مَنْ يَجْعَل فِي رَجَب وَشَعْبَان مَا ذُكِرَ فِي الْمُحَرَّم وَصَفَر فَيُحِلُّونَ رَجَبًا وَيُحَرِّمُونَ شَعْبَان , وَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَان تَأْكِيدًا , وَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة قَدْ نَسَئُوا بَعْض الْأَشْهُر الْحُرُم أَيْ أَخَّرُوهَا , فَيُحِلُّونَ شَهْرًا حَرَامًا وَيُحَرِّمُونَ مَكَانَهُ آخَر بَدَلَهُ حَتَّى رَفَضَ تَخْصِيص الْأَرْبَعَة بِالتَّحْرِيمِ أَحْيَانًا , وَوَقَعَ تَحْرِيم أَرْبَعَة مُطْلَقَة مِنْ السَّنَة , فَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْأَشْهُر رَجَعَتْ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَبَطَلَ النَّسِيء. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانُوا يُخَالِفُونَ بَيْنَ أَشْهُر السَّنَة بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيم وَالتَّقْدِيم وَالتَّأْخِير لِأَسْبَابٍ تَعْرِض لَهُمْ , مِنْهَا اِسْتِعْجَال الْحَرْب , فَيَسْتَحِلُّونَ الشَّهْر الْحَرَام ثُمَّ يُحَرِّمُونَ بَدَله شَهْرًا غَيْره فَتَتَحَوَّل فِي ذَلِكَ شُهُور السَّنَة وَتَتَبَدَّل , فَإِذَا أَتَى عَلَى ذَلِكَ عِدَّة مِنْ السِّنِينَ اِسْتَدَارَ الزَّمَان وَعَادَ الْأَمْر إِلَى أَصْله , فَاتَّفَقَ وُقُوع حَجَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏: أَبْدَى بَعْضهمْ لِمَا اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَال مِنْ تَرْتِيب هَذِهِ الْأَشْهُر الْحُرُم مُنَاسَبَة لَطِيفَة حَاصِلُهَا أَنَّ لِلْأَشْهُرِ الْحُرُم مَزِيَّةً عَلَى مَا عَدَاهَا فَنَاسَبَ أَنْ يُبْدَأَ بِهَا الْعَام وَأَنْ تَتَوَسَّطهُ وَأَنْ تُخْتَمَ بِهِ , وَإِنَّمَا كَانَ الْخَتْم بِشَهْرَيْنِ لِوُقُوعِ الْحَجّ خِتَام الْأَرْكَان الْأَرْبَع لِأَنَّهَا تَشْتَمِل عَلَى عَمَل مَال مَحْض وَهُوَ الزَّكَاة , وَعَمَل بَدَن مَحْض , وَذَلِكَ تَارَة يَكُون بِالْجَوَارِحِ وَهُوَ الصَّلَاة وَتَارَة بِالْقَلْبِ وَهُوَ الصَّوْم , لِأَنَّهُ كَفّ عَنْ الْمُفْطِرَات. وَتَارَة عَمَل مُرَكَّب مِنْ مَال وَبَدَن وَهُوَ الْحَجّ. فَلَمَّا جَمَعَهُمَا نَاسَبَ أَنْ يَكُون لَهُ ضِعْف مَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا , فَكَانَ لَهُ مِنْ الْأَرْبَعَة الْحُرُم شَهْرَانِ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4295",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَبَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْغَارِ فَرَأَيْتُ آثَارَ الْمُشْرِكِينَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا قَالَ ‏ ‏مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ الْمَذْكُور فِي جَمِيع أَحَادِيث الْبَاب إِلَّا الطَّرِيق الْأَخِير , وَفِي شُيُوخه عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد جَمَاعَة مِنْهُمْ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة , وَلَكِنْ حَيْثُ يُطْلَق ذَلِكَ فَالْمُرَاد بِهِ الْجُعْفِيُّ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ وَإِكْثَاره عَنْهُ. وَحَبَّانُ بِفَتْحِ أَوَّله ثُمَّ الْمُوَحَّدَة الثَّقِيلَة هُوَ اِبْن هِلَال , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث مَعَ شَرْحه فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر. ‏"
    },
    {
        "id": "4296",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ حِينَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ‏ ‏ابْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏أَبُوهُ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏وَأُمُّهُ ‏ ‏أَسْمَاءُ ‏ ‏وَخَالَتُهُ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَجَدُّهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَجَدَّتُهُ ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏إِسْنَادُهُ فَقَالَ حَدَّثَنَا فَشَغَلَهُ إِنْسَانٌ وَلَمْ يَقُلْ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حِينَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اِبْن الزُّبَيْر ) ‏ ‏أَيْ بِسَبَبِ الْبَيْعَة , وَذَلِكَ أَنَّ اِبْن الزُّبَيْر حِينَ مَاتَ مُعَاوِيَة اِمْتَنَعَ مِنْ الْبَيْعَة لِيَزِيدَ بْن مُعَاوِيَة وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَغْرَى يَزِيد بْن مُعَاوِيَة مُسْلِم بْن نَبْتَل بِالْمَدِينَةِ فَكَانَتْ وَقْعَة وَحَدِّثْنَاهُ , ثُمَّ تَوَجَّهَ الْجَيْش إِلَى مَكَّةَ فَمَاتَ أَمِيرُهُمْ مُسْلِم بْن عُقْبَة وَقَامَ بِأَمْرِ الْجَيْش الشَّامِيّ أَبَانٍ بْن نُمَيْر فَحَصَرَ اِبْن الزُّبَيْر بِمَكَّةَ , وَرَمَوْا الْكَعْبَة بِالْمَنْجَنِيقِ حَتَّى اِحْتَرَقَتْ. فَفَجْأَهُمْ الْخَبَر بِمَوْتِ يَزِيد بْن مُعَاوِيَة فَرَجَعُوا إِلَى الشَّام , وَقَامَ اِبْن الزُّبَيْر فِي بِنَاء الْكَعْبَة , ثُمَّ دَعَا إِلَى نَفْسه فَبُويِعَ بِالْخِلَافَةِ وَأَطَاعَهُ أَهْل الْحِجَاز وَمِصْر وَالْعِرَاق وَخُرَاسَان وَكَثِير مِنْ أَهْل الشَّام , ثُمَّ غَلَبَ مَرْوَان عَلَى الشَّام وَقُتِلَ الضَّحَّاك بْن قَيْس الْأَمِير مِنْ قِبَل اِبْن الزُّبَيْر بِمَرْجِ رَاهِط , وَمَضَى مَرْوَان إِلَى مِصْر وَغَلَبَ عَلَيْهَا , وَذَلِكَ كُلّه فِي سَنَة أَرْبَع وَسِتِّينَ , وَكَمَّلَ بِنَاء الْكَعْبَة فِي سَنَة خَمْس , ثُمَّ مَاتَ مَرْوَان فِي سَنَة خَمْس وَسِتِّينَ وَقَامَ عَبْد الْمَلِك اِبْنه مَقَامه , وَغَلَبَ الْمُخْتَار بْن أَبِي عُبَيْد عَلَى الْكُوفَة فَفَرَّ مِنْهُ مَنْ كَانَ مِنْ قِبَل اِبْن الزُّبَيْر , وَكَانَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب الْمَعْرُوف بِابْنِ الْحَنَفِيَّة وَعَبْد اللَّه بْن عَبَّاس مُقِيمَيْنِ بِمَكَّة مُنْذُ قُتِلَ الْحُسَيْن , فَدَعَاهُمَا اِبْن الزُّبَيْر إِلَى الْبَيْعَة لَهُ فَامْتَنَعَا وَقَالَا : لَا نُبَايِع حَتَّى يَجْتَمِع النَّاس عَلَى خَلِيفَة , وَتَبِعَهُمَا جَمَاعَة عَلَى ذَلِكَ , فَشَدَّدَ عَلَيْهِمْ اِبْن الزُّبَيْر وَحَصَرَهُمْ , فَبَلَغَ الْمُخْتَار فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا فَأَخْرَجُوهُمَا وَاسْتَأْذَنُوهُمَا فِي قِتَال اِبْن الزُّبَيْر فَامْتَنَعَا , وَخَرَجَا إِلَى الطَّائِف فَأَقَامَا بِهَا حَتَّى مَاتَ اِبْن عَبَّاس سَنَة ثَمَان وَسِتِّينَ , وَرَحْل اِبْن الْحَنَفِيَّة بَعْدَهُ إِلَى جِهَة رَضْوَى جَبَل بِيَنْبُعَ فَأَقَامَ هُنَاكَ , ثُمَّ أَرَادَ دُخُول الشَّام فَتَوَجَّهَ إِلَى نَحْو أَيْلَةَ فَمَاتَ فِي آخِر سَنَة ثَلَاث أَوْ أَوَّل سَنَة أَرْبَع وَسَبْعِينَ , وَذَلِكَ عَقِبَ قَتْل اِبْن الزُّبَيْر عَلَى الصَّحِيح , وَقِيلَ عَاشَ إِلَى سَنَة ثَمَانِينَ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ , وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَة إِحْدَى وَثَمَانِينَ , وَزَعَمَتْ الْكَيْسَانِيَّة أَنَّهُ حَيّ لَمْ يَمُتْ وَأَنَّهُ الْمَهْدِيّ وَأَنَّهُ لَا يَمُوت حَتَّى يَمْلِك الْأَرْض , فِي خُرَافَات لَهُمْ كَثِيرَة لَيْسَ هَذَا مَوْضِعهَا. وَإِنَّمَا لَخَّصْت مَا ذَكَرْته مِنْ طَبَقَات اِبْن سَعْد وَتَارِيخ الطَّبَرِيِّ وَغَيْره لِبَيَانِ الْمُرَاد بِقَوْلِ اِبْن أَبِي أُبَّانِ \" حِينَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اِبْن الزُّبَيْر \" , وَلِقَوْلِهِ فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى \" فَغَدَوْت عَلَى اِبْن عَبَّاس فَقُلْت : أَتُرِيدُ أَنْ تُقَاتِل اِبْن الزُّبَيْر ؟ وَقَوْل اِبْن عَبَّاس : قَالَ النَّاس بَايَعَ لِابْنِ الزُّبَيْر , فَقُلْت : وَأَيْنَ بِهَذَا الْأَمْر عَنْهُ \" أَيْ أَنَّهُ مُسْتَحِقّ لِذَلِكَ لِمَا لَهُ مِنْ الْمَنَاقِب الْمَذْكُورَة , وَلَكِنْ اِمْتَنَعَ اِبْن عَبَّاس مِنْ الْمُبَايَعَة لَهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَرَوَى الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن مُحَمَّد بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" كَانَ اِبْن عَبَّاس وَابْن الْحَنَفِيَّة بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ سَكَنَا مَكَّةَ , وَطَلَبَ مِنْهُمَا اِبْن الزُّبَيْر الْبَيْعَة فَأَبَيَا حَتَّى يَجْتَمِع النَّاس عَلَى رَجُل , فَضَيَّقَ عَلَيْهِمَا فَبَعَثَ رَسُولًا إِلَى الْعِرَاق فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا جَيْش فِي أَرْبَعَة آلَاف فَوَجَدُوهُمَا مَحْصُورَيْنِ , وَقَدْ أُحْضِرَ الْحَطَب فَجُعِلَ عَلَى الْبَاب يُخَوِّفُهُمَا بِذَلِكَ , فَأَخْرَجُوهُمَا إِلَى الطَّائِف \" وَذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة وَقَعَتْ بَيْنَ اِبْن الزُّبَيْر وَابْن عَبَّاس فِي سَنَة سِتّ وَسِتِّينَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأُمّه أَسْمَاء ) ‏ ‏أَيْ بِنْت أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَقَوْله \" وَجَدَّته صَفِيَّة \" أَيْ بِنْت عَبْد وَسَقِّ , وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" وَأَمَّا عَمَّته فَزَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيد خَدِيجَة أَطْلَقَ عَلَيْهَا عَمَّته الْمُطَّوِّعُونَ وَإِنَّمَا هِيَ عَمَّة أَبِيهِ لِأَنَّهَا خَدِيجَة بِنْت خُوَيْلِدٍ أَيْ اِبْن أَسَد , وَالزُّبَيْر هُوَ اِبْن الْعَوَّام بْن خُوَيْلِدِ بْن أَسَد , وَكَذَا تَجَوُّز فِي الرِّوَايَة الثَّالِثَة حَيْثُ قَالَ \" اِبْن أَبِي بَكْر \" وَإِنَّمَا هُوَ اِبْن بِنْته , وَحَيْثُ قَالَ \" اِبْن أَخِي خَدِيجَة \" وَإِنَّمَا هُوَ اِبْن اِبْن أَخِيهَا الْعَوَّام. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لِسُفْيَانَ إِسْنَادَهُ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ اُذْكُرْ إِسْنَاده , أَوْ بِالرَّفْعِ أَيْ مَا إِسْنَاده. فَقَالَ ( حَدَّثَنَا فَشَغَلَهُ إِنْسَان وَلَمْ يَقُلْ اِبْن جُرَيْجٍ ) ظَاهِر هَذَا أَنَّهُ صَرَّحَ لَهُ بِالتَّحْدِيثِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَقُلْ اِبْن جُرَيْجٍ اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون أَرَادَ أَنْ يُدْخِل بَيْنَهُمَا وَاسِطَة , وَاحْتَمَلَ عَدَم الْوَاسِطَة , وَلِذَلِكَ اِسْتَظْهَرَ الْبُخَارِيّ بِإِخْرَاجِ الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ , ثُمَّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ شَيْخه. ‏"
    },
    {
        "id": "4297",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏وَكَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ فَغَدَوْتُ عَلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقُلْتُ أَتُرِيدُ أَنْ تُقَاتِلَ ‏ ‏ابْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَتُحِلَّ حَرَمَ اللَّهِ فَقَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ ‏ ‏ابْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَبَنِي أُمَيَّةَ ‏ ‏مُحِلِّينَ وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُحِلُّهُ أَبَدًا قَالَ قَالَ النَّاسُ بَايِعْ ‏ ‏لِابْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَقُلْتُ وَأَيْنَ بِهَذَا الْأَمْرِ عَنْهُ أَمَّا أَبُوهُ فَحَوَارِيُّ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُرِيدُ ‏ ‏الزُّبَيْرَ ‏ ‏وَأَمَّا جَدُّهُ فَصَاحِبُ الْغَارِ يُرِيدُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏وَأُمُّهُ فَذَاتُ النِّطَاقِ يُرِيدُ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏وَأَمَّا خَالَتُهُ فَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ يُرِيدُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَأَمَّا عَمَّتُهُ فَزَوْجُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُرِيدُ ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏وَأَمَّا عَمَّةُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَدَّتُهُ يُرِيدُ ‏ ‏صَفِيَّةَ ‏ ‏ثُمَّ عَفِيفٌ فِي الْإِسْلَامِ قَارِئٌ لِلْقُرْآنِ وَاللَّهِ إِنْ وَصَلُونِي وَصَلُونِي مِنْ قَرِيبٍ وَإِنْ رَبُّونِي رَبُّونِي أَكْفَاءٌ كِرَامٌ فَآثَرَ ‏ ‏التُّوَيْتَاتِ ‏ ‏وَالْأُسَامَاتِ ‏ ‏وَالْحُمَيْدَاتِ ‏ ‏يُرِيدُ أَبْطُنًا مِنْ ‏ ‏بَنِي أَسَدٍ ‏ ‏بَنِي تُوَيْتٍ ‏ ‏وَبَنِي أُسَامَةَ ‏ ‏وَبَنِي أَسَدٍ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏ابْنَ أَبِي الْعَاصِ ‏ ‏بَرَزَ يَمْشِي الْقُدَمِيَّةَ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ ‏ ‏وَإِنَّهُ لَوَّى ذَنَبَهُ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏ابْنَ الزُّبَيْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة ( حَجَّاج ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد الْمِصِّيصِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن أَبِي أُبَّانِ وَكَانَ بَيْنَهُمَا شَيْء ) ‏ ‏كَذَا أَعَادَ الضَّمِير بِالتَّثْنِيَةِ عَلَى غَيْر مَذْكُور اِخْتِصَارًا وَمُرَاده اِبْن عَبَّاس وَابْن الزُّبَيْر , وَهُوَ صَرِيح فِي الرِّوَايَة الْأُولَى حَيْثُ قَالَ قَالَ اِبْن عَبَّاس حِينَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اِبْن الزُّبَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَحِلّ مَا حَرَّمَ اللَّه ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْقِتَالِ فِي الْحَرَم. ‏ ‏قَوْله : ( كَتَبَ ) ‏ ‏أَيْ قَدَّرَ. ‏ ‏قَوْله : ( الْمُطَّوِّعَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُبِيحُونَ الْقِتَال فِي الْحَرَم , وَإِنَّمَا نُسِبَ اِبْن الزُّبَيْر إِلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بَنُو أُمَيَّةَ هُمْ الَّذِينَ اِبْتَدَءُوهُ بِالْقِتَالِ وَحَصَرُوهُ وَإِنَّمَا بَدَأَ مِنْهُ أَوَّلًا دَفْعهمْ عَنْ نَفْسه لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ رَدَّهُمْ اللَّه عَنْهُ حَصَرَ بَنِي هَاشِم لِيُبَايِعُوهُ , فَشَرَعَ فِيمَا يُؤْذِن بِإِبَاحَتِهِ الْقِتَال فِي الْحَرَم , وَكَانَ بَعْض النَّاس يُسَمِّي اِبْن الزُّبَيْر \" الزَّيْن \" لِذَلِكَ , قَالَ الشَّاعِر يَتَغَزَّل فِي أُخْته رَمْلَةَ : ‏ ‏أَلَا مَنْ لِقَلْبِ مَعْنَى غَزَل ‏ ‏بِحُبِّ الْمُحِلَّة أُخْت الزَّيْن ‏ ‏وَقَوْله لَا أُحِلُّهُ أَبَدًا أَيْ لَا أُبِيحُ الْقِتَال فِيهِ , وَهَذَا مَذْهَب اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ لَا يُقَاتِل فِي الْحَرَم وَلَوْ قُوتِلَ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ قَالَ النَّاس ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ اِبْن عَبَّاس وَنَاقِل ذَلِكَ عَنْهُ اِبْن أَبِي أُبَّانِ فَهُوَ مُتَّصِل , وَالْمُرَاد بِالنَّاسِ مَنْ كَانَ مِنْ جِهَة اِبْن الزُّبَيْر وَقَوْله \" بَايِعْ \" بِصِيغَةِ الْأَمْر وَقَوْله \" وَأَيْنَ بِهَذَا الْأَمْر \" أَيْ الْخِلَافَة أَيْ لَيْسَتْ بَعِيدَة عَنْهُ لِمَا لَهُ مِنْ الشَّرَف بِأَسْلَافِهِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ ثُمَّ صِفَته الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ عَفِيف فِي الْإِسْلَام قَارِئ لِلْقُرْآنِ. وَفِي رِوَايَة اِبْن قُتَيْبَة مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْحَكَم عَنْ عَوَانَة وَمِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعْد عَنْ الْأَعْمَش قَالَ \" قَالَ اِبْن عَبَّاس لَمَّا قِيلَ لَهُ بَايِعْ لِابْنِ الزُّبَيْر : أَيْنَ الْمَذْهَب عَنْ اِبْن الزُّبَيْر وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة اِبْن أَبِي بَكْر فِي تَفْسِير الْحُجُرَات. ‏ ‏قَوْله : ( وَاللَّهُ إِنْ وَصَلُونِي وَصَلُونِي مِنْ قَرِيب ) ‏ ‏أَيْ بِسَبَبِ الْقَرَابَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ رَبُّونِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَضَمِّ الْمُوَحَّدَة الثَّقِيلَة مِنْ التَّرْبِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( رَبُّونِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ رَبَّنِي بِالْإِفْرَادِ , وَقَوْله \" أَكْفَاء \" أَيْ أَمْثَال وَاحِدهَا كُفْءٌ , وَقَوْله \" كِرَام \" أَيْ فِي أَحْسَابهمْ , وَظَاهِر هَذَا أَنَّ مُرَاد اِبْن عَبَّاس بِالْمَذْكُورِينَ بَنُو أَسَد رَهْط اِبْن الزُّبَيْر وَكَلَام أَبِي مِخْنَفٍ الْإِخْبَارِيّ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بَنِي أُمَيَّة , فَإِنَّهُ ذَكَرَ مِنْ طَرِيق أُخْرَى أَنَّ اِبْن عَبَّاس لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاة بِالطَّائِفِ جَمَعَ بَنِيهِ فَقَالَ \" يَا بَنِيَّ إِنَّ اِبْن الزُّبَيْر لَمَّا خَرَجَ بِمَكَّة شَدَدْت أَزْرَهُ وَدَعَوْت النَّاس إِلَى بَيْعَته وَتَرَكْت بَنِي عَمّنَا مِنْ بَنِي أُمَيَّة الَّذِينَ إِنْ قَبِلُونَا قَبِلُونَا أَكْفَاء , وَإِنْ رَبُّونَا رَبُّونَا كِرَامًا. فَلَمَّا أَصَابَ مَا أَصَابَ جَفَانِي \" وَيُؤَيِّد هَذَا مَا فِي آخِر الرِّوَايَة الثَّالِثَة حَيْثُ قَالَ \" وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَأَنْ يُرَبِّيَنِي بَنُو عَمِّي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُرَبِيَنِي غَيْرهمْ \" فَإِنَّ بَنِي عَمِّي هُمْ بَنُو أُمَيَّة اِبْن عَبْد شَمْس بْن عَبْد لَيَخْرُجُنَّ لِأَنَّهُمْ مِنْ بَنِي عَبْد وَسَقِّ بْن هَاشِم بْن عَبْد مَنَافٍ فَعَبْد وَسَقِّ جَدّ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس بْن عَبْد وَسَقِّ اِبْن عَمّ أُمَيَّة جَدّ مَرْوَان بْن الْحَكَم بْن أَبِي الْعَاصِ , وَكَانَ هَاشِم وَعَبْد شَمْس شَقِيقَيْنِ , قَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏عَبْد شَمْس كَانَ يَتْلُو هَاشِمًا ‏ ‏وَهُمَا بَعْد لِأُمّ وَلِأَبٍ ‏ ‏لِيُخْرِجَن مِنْ ذَلِكَ مَا فِي خَبَر أَبِي مِخْنَفٍ فَإِنَّ فِي آخِرِهِ \" أَنَّ اِبْن عَبَّاس قَالَ لِبَنِيهِ : فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَالْحَقُوا بِبَنِي عَمّكُمْ بَنِي أُمَيَّة \" ثُمَّ رَأَيْت بَيَان ذَلِكَ وَاضِحًا فِيمَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخه فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْله ثُمَّ عَفِيف فِي الْإِسْلَام قَارِئ لِلْقُرْآنِ \" وَتَرَكْت بَنِي عَمِّي إِنْ وَصَلُونِي وَصَلُونِي عَنْ قَرِيب \" أَيْ أَذْعَنْت لَهُ وَتَرَكْت بَنِي عَمِّي فَآثَرَ عَلَى غَيْرِي , وَبِهَذَا يَسْتَقِيم الْكَلَام , وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ فِي رِوَايَة اِبْن قُتَيْبَة الْمَذْكُورَة أَنَّ اِبْن عَبَّاس قَالَ لِابْنِهِ عَلِيّ \" اِلْحَقْ بِابْنِ عَمّك , فَإِنَّ أَنْفك مِنْك وَإِنْ كَانَ أَجْدَع , فَلَحِقَ عَلِيّ بِعَبْدِ الْمَلِك فَكَانَ آثَرَ النَّاس عِنْدَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَآثَرَ عَلِيّ ) بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمَاضِي مِنْ الْأَثَرَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَيْنَ بِتَحْتَانِيَّةِ سَاكِنَة ثُمَّ نُون وَهُوَ تَصْحِيفٌ , وَفِي رِوَايَة اِبْن قُتَيْبَة الْمَذْكُورَة \" فَشَدَدْت عَلَى عَضُده فَآثَرَ عَلِيّ فَلَمْ أَرْض بِالْهَوَانِ \". ‏ ‏قَوْله : ( التُّوَيْتَات وَالْأُسَامَات وَالْحُمَيْدَات يُرِيد لَيَخْرُجْن مِنْ بَنِي أَسَد ) ‏ ‏أَمَّا التُّوَيْتَات فَنِسْبَة إِلَى بَنِي تُوَيْت بْن أَسَد وَيُقَال تُوَيْت بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْعُزَّى بْن لِيُخَرِّجَن , وَأَمَّا الْأُسَامَات فَنِسْبَة إِلَى بَنِي أُسَامَة بْن أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى , وَأَمَّا الْحُمَيْدَات فَنِسْبَة إِلَى بَنِي حُمَيْدِ بْن زُهَيْر بْن الْحَارِث بْن أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى , قَالَ الْفَاكِهِيّ : حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ عَنْ مُحَمَّد بْن الضَّحَّاك فِي آخَرِينَ أَنَّ زُهَيْر بْن الْحَارِث دُفِنَ فِي الْحِجْر. قَالَ وَحَدَّثَنَا الزُّبَيْر قَالَ : كَانَ حُمَيْدُ بْن زُهَيْر أَوَّلَ مَنْ بَنَى بِمَكَّة بَيْتًا مُرَبَّعًا , وَكَانَتْ قُرَيْش تَكْرَه ذَلِكَ لِمُضَاهَاةِ الْكَعْبَة , فَلَمَّا بَنَى حُمَيْدٌ بَيْتَهُ قَالَ قَائِلهمْ : ‏ ‏الْيَوْم يُبْنَى لِحُمَيْدٍ بَيْتَهُ ‏ ‏إِمَّا حَيَاته وَإِمَّا مَوْته ‏ ‏فَلَمَّا لَمْ يُصِبْهُ شَيْء تَابَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ. وَتَجْتَمِع هَذِهِ الْأَبْطُن مَعَ خُوَيْلِدِ بْن أَسَد جَدّ اِبْن الزُّبَيْر , قَالَ الْأَزْرَقِيّ : كَانَ اِبْن الزُّبَيْر إِذَا دَعَا النَّاس فِي الْإِذْن بَدَأَ بِبَنِي أَسَد عَلَى بَنِي هَاشِم وَبَنِي عَبْد شَمْس وَغَيْرهمْ , فَهَذَا مَعْنَى قَوْل اِبْن عَبَّاس \" فَآثَرَ عَلَى التُّوَيْتَات إِلَخْ \" قَالَ : فَلَمَّا وَلِيَ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان قَدَّمَ بَنِي عَبْد شَمْس ثُمَّ بَنِي هَاشِم وَبَنِي وَسَقِّ وَبَنِي نَوْفَل ثُمَّ أَعْطَى بَنِي الْحَارِث بْن لَيُخَرِّجُنَّ قَبْلَ بَنِي أَسَد وَقَالَ : لَأُقَدِّمَنَّ عَلَيْهِمْ أَبْعَد بَطْن مِنْ قُرَيْش , فَكَانَ يَصْنَع ذَلِكَ مُبَالَغَة مِنْهُ فِي مُخَالَفَة اِبْن الزُّبَيْر. وَجَمَعَ اِبْن عَبَّاس الْبُطُون الْمَذْكُورَة جَمْع الْقِلَّة تَحْقِيرًا لَهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( يُرِيد لِيُخْرِجنِ مِنْ بَنِي أَسَد بْن تُوَيْت ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ وَصَوَابه يُرِيد لِيُخْرِجنِ مِنْ بَنِي تُوَيْت بْن أَسَد إِلَخْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ عِيَاض. قُلْت : وَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْتَخْرَج أَبِي نُعَيْم عَلَى الصَّوَاب , وَفِي رِوَايَة أَبِي مِخْنَفٍ الْمَذْكُورَة أَفْخَاذًا صِغَارًا مِنْ بَنِي أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى , وَهَذَا صَوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ اِبْن أَبِي الْعَاصِ ) ‏ ‏يَعْنِي عَبْد وَسَقِّ بْن مَرْوَان بْن الْحَكَم بْن أَبِي الْعَاصِ. ‏ ‏قَوْله : ( بَرَزَ ) ‏ ‏أَيْ ظَهَرَ. ‏ ‏قَوْله : ( يَمْشِي الْقُدَمِيَّة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَاف وَفَتْح الدَّال وَقَدْ تُضَمّ أَيْضًا وَقَدْ تُسَكَّن وَكَسْر الْمِيم وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة , قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : مَعْنَاهَا التَّبَخْتُر , وَهُوَ مَثَل يُرِيد أَنَّهُ بَرَزَ يَطْلُب مَعَالِيَ الْأُمُور. قَالَ اِبْن الْأَثِير : الَّذِي فِي الْبُخَارِيّ \" الْقُدَمِيَّة \" وَهِيَ التَّقَدُّمَة فِي الشَّرَف وَالْفَضْل , وَاَلَّذِي فِي كُتُب الْغَرِيب \" الْيَقْدَمِيَّة \" بِزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّة فِي أَوَّله وَمَعْنَاهَا التَّقَدُّمَة فِي الشَّرَف , وَقِيلَ التَّقَدُّم بِالْهِمَّةِ وَالْفِعْل. قُلْت : وَفِي رِوَايَة أَبِي مِخْنَفٍ مِثْل مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّهُ عَرُوبَة ذَنَبه ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن الزُّبَيْر , لَوَّى بِتَشْدِيدِ الْوَاو وَبِتَخْفِيفِهَا أَيْ ثَنَاهُ , وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ تَأَخُّره وَتَخَلُّفه عَنْ مَعَالِي الْأُمُور , وَقِيلَ كَنَّى بِهِ عَنْ الْجُبْن وَإِيثَار الدَّعَة كَمَا تَفْعَل السِّبَاع إِذَا أَرَادَتْ النَّوْم , وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَفِي مِثْله قَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏مَشَى اِبْن الزُّبَيْر الْقَهْقَرَى وَتَقَدَّمَتْ ‏ ‏أُمَيَّة حَتَّى أَحْرَزُوا الْقَصَبَات ‏ ‏وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمَعْنَى أَنَّهُ وَقَفَ فَلَمْ يَتَقَدَّم وَلَمْ يَتَأَخَّر , وَلَا وَضَعَ مَوَاضِعَهَا فَأَدْنَى النَّاصِح وَأَقْصَى الْكَاشِح. وَقَالَ اِبْن التِّين , مَعْنَى \" لَوَّى ذَنَبه \" لَمْ يَتِمّ لَهُ مَا أَرَادَهُ. وَفِي رِوَايَة أَبِي مِخْنَفٍ الْمَذْكُورَة \" وَأَنَّ اِبْن الزُّبَيْر يَمْشِي الْقَهْقَرَى \" وَهُوَ الْمُنَاسِب لِقَوْلِهِ فِي عَبْد الْمَلِك , يَمْشِي الْقُدَمِيَّة , وَكَانَ الْأَمْر كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس , فَإِنَّ عَبْد الْمَلِك لَمْ عُدِيَ فِي تَقَدُّم مِنْ أَمْره إِلَى أَنْ اِسْتَنْقَذَ الْعِرَاق مِنْ اِبْن الزُّبَيْر وَقَتَلَ أَخَاهُ عِلْيَة , ثُمَّ جَهَّزَ الْعَسَاكِر إِلَى اِبْن الزُّبَيْر بِمَكَّة فَكَانَ مِنْ الْأَمْر مَا كَانَ , وَلَمْ يَزُلْ أَمْر اِبْن الزُّبَيْر فِي تَأَخُّر إِلَى أَنْ قُتِلَ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4298",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏دَخَلْنَا عَلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَلَا تَعْجَبُونَ ‏ ‏لِابْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَامَ فِي أَمْرِهِ هَذَا فَقُلْتُ لَأُحَاسِبَنَّ نَفْسِي لَهُ مَا حَاسَبْتُهَا ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏وَلَهُمَا كَانَا أَوْلَى بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْهُ وَقُلْتُ ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَابْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَابْنُ أَخِي ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏وَابْنُ أُخْتِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَإِذَا هُوَ يَتَعَلَّى عَنِّي وَلَا يُرِيدُ ذَلِكَ فَقُلْتُ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَعْرِضُ هَذَا مِنْ نَفْسِي فَيَدَعُهُ وَمَا أُرَاهُ يُرِيدُ خَيْرًا وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَأَنْ يَرُبَّنِي بَنُو عَمِّي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَرُبَّنِي غَيْرُهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّالِثَة ( عَنْ عُمَر بْن سَعِيد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي حُسَيْن الْمَكِّيّ , وَقَوْله \" لَأُحَاسِبَن نَفْسِي \" أَيْ لَأُنَاقِشَنهَا فِي مَعُونَته وَنُصْحه , قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ لَأَذْكُرَن مِنْ مَنَاقِبه مَا لَمْ أَذْكُر مِنْ مَنَاقِبهمَا , وَإِنَّمَا صَنَعَ اِبْن عَبَّاس ذَلِكَ لَاشْتَرَاك النَّاس فِي مَعْرِفَة مَنَاقِب أَبِي بَكْر وَعُمَر , بِخِلَافِ اِبْن الزُّبَيْر فَمَا كَانَتْ مَنَاقِبه فِي الشُّهْرَة كَمَنَاقِبِهِمَا فَأَظْهَرَ ذَلِكَ اِبْن عَبَّاس وَبَيَّنَهُ لِلنَّاسِ إِنْصَافًا مِنْهُ لَهُ , فَلَمَّا لَمْ يُنْصِفهُ هُوَ رَجَعَ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا هُوَ يَتَعَلَّى عَنِّي ) ‏ ‏أَيْ يَتَرَفَّعُ عَلَيَّ مُتَنَحِّيًا عَنِّي. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يُرِيدُ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ لَا يُرِيد أَنْ أَكُون مِنْ خَاصَّته. وَقَوْله \" مَا كُنْت أَظُنّ أَنِّي أَعْرِض هَذَا مِنْ نَفْسِي \" أَيْ أَبْدَؤُهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ وَلَا يَرْضَى مِنِّي بِذَلِكَ , وَقَوْله \" وَمَا أَرَاهُ يُرِيد خَيْرًا \" أَيْ لَا يُرِيد أَنْ يَصْنَع بِي خَيْرًا , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَإِنَّمَا أَرَاهُ يُرِيد خَيْرًا \" وَهُوَ تَصْحِيف , وَيُوَضِّحهُ مَا تَقَدَّمَ. وَقَوْله \" لَأَنْ يُرَبِّنِي \" أَيْ يَكُون عَلَيَّ رَبًّا أَيْ أَمِيرًا , أَوْ رَبَّهُ بِمَعْنَى رَبَّاهُ وَقَامَ بِأَمْرِهِ وَمَلَكَ تَدْبِيره , قَالَ التَّيْمِيُّ : مَعْنَاهُ لَأَنْ أَكُون فِي طَاعَة بَنِي أُمَيَّة أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُون فِي طَاعَة بَنِي أَسَد , لِأَنَّ بَنِي أُمَيَّة أَقْرَب إِلَى بَنِي هَاشِم مِنْ بَنِي أَسَد كَمَا تَقَدَّمَ , وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4299",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نُعْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بُعِثَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِشَيْءٍ فَقَسَمَهُ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ وَقَالَ أَتَأَلَّفُهُمْ فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مَا عَدَلْتَ فَقَالَ ‏ ‏يَخْرُجُ مِنْ ‏ ‏ضِئْضِئِ ‏ ‏هَذَا قَوْمٌ ‏ ‏يَمْرُقُونَ ‏ ‏مِنْ الدِّينِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث سَعِيد إِلَى \" بُعِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ فَقَسَمَهُ بَيْنَ أَرْبَعَة وَقَالَ أَتَأَلَّفهُمْ , فَقَالَ رَجُل مَا عَدَلْت \" ‏ ‏أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا وَأَبْهَمَ الْبَاعِث وَالْمَبْعُوث وَتَسْمِيَة الْأَرْبَعَة وَالرَّجُل الْقَائِل , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان جَمِيع ذَلِكَ فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ مِنْ الْمَغَازِي. ‏"
    },
    {
        "id": "4300",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ كُنَّا نَتَحَامَلُ فَجَاءَ ‏ ‏أَبُو عَقِيلٍ ‏ ‏بِنِصْفِ صَاعٍ وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِأَكْثَرَ مِنْهُ فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا وَمَا فَعَلَ هَذَا الْآخَرُ إِلَّا رِئَاءً فَنَزَلَتْ ‏ { ‏الَّذِينَ ‏ ‏يَلْمِزُونَ ‏ ‏الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش , وَأَبُو مَسْعُود هُوَ عُقْبَة بْن عَمْرو الْبَدْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة بِلَفْظِ \" لَمَّا نَزَلَتْ آيَة الصَّدَقَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا نَتَحَامَل ) ‏ ‏أَيْ يَحْمِل بَعْضُنَا لِبَعْضٍ بِالْأُجْرَةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" نُحَامِل \" أَيْ نُؤَاجِر أَنْفُسَنَا فِي الْحَمْل , وَتَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي ضَبْطه , وَقَالَ صَاحِب \" الْمُحْكَم \" تَحَامَلَ فِي الْأَمْر أَيْ تَكَلَّفَهُ عَلَى مَشَقَّة وَمِنْهُ تَحَامَلَ عَلَى فُلَان أَيْ كَلَّفَهُ مَا لَا يُطِيق. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ أَبُو عَقِيل بِنِصْفِ صَاع ) ‏ ‏اِسْم أَبِي عَقِيل هَذَا وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّله حَبْحَابٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَة سَاكِنَة وَآخِره مِثْلهَا , ذَكَرَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ وَالطَّبَرِيُّ وَابْن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَةَ قَالَ فِي ‏ ‏قَوْله تَعَالَى ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَات ) ‏ ‏قَالَ \" جَاءَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ الْحَبْحَابُ أَبُو عَقِيل فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه بِتّ أَجُرّ الْجَرِير عَلَى صَاعَيْنِ مِنْ تَمْر , فَأَمَّا صَاع فَأَمْسَكْته لِأَهْلِي وَأَمَّا صَاع فَهَا هُوَ ذَا. فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ : إِنْ كَانَ اللَّه وَرَسُوله لَغَنِيَّيْنِ عَنْ صَاع أَبِي عَقِيل , فَنَزَلَتْ \" وَهَذَا هُوَ مُرْسَل , وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَاَلْبَارُودِيّ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عُبَيْدَة عَنْ خَالِد بْن يَسَار عَنْ اِبْن أَبِي عَقِيل عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا , وَلَكِنْ لَمْ يُسَمُّوهُ. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ رَآهُ بِخَطِّ بَعْض الْحُفَّاظ مَضْبُوطًا بِجِيمَيْنِ , وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" وَابْن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن عُثْمَان الْبَلَوِيّ عَنْ جَدَّته بِنْت عَدِيّ أَنَّ أُمّهَا عُمَيْرَةَ بِنْت سَهْل بْن رَافِع صَاحِب الصَّاع الَّذِي لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ خَرَجَ بِزَكَاتِهِ صَاع تَمْر وَبِابْنَتِهِ عُمَيْرَةَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ , وَكَذَا ذَكَرَ اِبْن الْكَلْبِيّ أَنَّ سَهْل بْن رَافِع هُوَ صَاحِب الصَّاع الَّذِي لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ , وَرَوَى عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ( وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدهمْ ) هُوَ رِفَاعَة بْن سَهْل , وَوَقَعَ عِنْدَ اِبْن أَبِي حَاتِم رِفَاعَة بْن سَعْد , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَصْحِيفًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِسْم أَبِي عَقِيل سَهْل وَلَقَبه حَبْحَابٌ , أَوْ هُمَا اِثْنَانِ. وَفِي الصَّحَابَة أَبُو عَقِيل بْن عَبْد اللَّه بْن ثَعْلَبَة الْبَلَوِيّ بَدْرِيّ لَمْ يُسَمِّهِ مُوسَى بْن عُقْبَة وَلَا اِبْن إِسْحَاق وَسَمَّاهُ الْوَاقِدِيُّ عَبْد الرَّحْمَن قَالَ : وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ , وَكَلَام الطَّبَرِيِّ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ صَاحِب الصَّاع عِنْدَهُ وَتَبِعَهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ , وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَقِيلَ هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمْحَانَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيث كَعْب بْن مَالِك فِي قِصَّة تَوْبَته قَالَ \" وَجَاءَ رَجُل يَزُول بِهِ السَّرَاب فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ أَبَا خَيْثَمَةَ فَإِذَا هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ \" وَهُوَ صَاحِب الصَّاع الَّذِي لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ , وَاسْم أَبِي خَيْثَمَةَ هَذَا عَبْد اللَّه بْن خَيْثَمَةَ مِنْ بَنِي سَالِم مِنْ الْأَنْصَار , فَهَذَا يَدُلّ عَلَى تَعَدُّد مَنْ جَاءَ بِالصَّاعِ. وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ أَكْثَر الرِّوَايَات فِيهَا أَنَّهُ جَاءَ بِصَاعٍ , وَكَذَا وَقَعَ فِي الزَّكَاة \" فَجَاءَ رَجُل فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ \" وَفِي حَدِيث الْبَاب \" فَجَاءَ أَبُو عَقِيلَةَ بِنِصْفِ صَاع \" وَجَزَمَ الْوَاقِدِيُّ بِأَنَّ الَّذِي جَاءَ بِصَدَقَةِ مَاله هُوَ زَيْد بْن أَسْلَمَ الْعَجْلَانِيّ , وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصَّاعِ هُوَ عُلَيَّة بْن زَيْد الْمُحَارِبِيُّ وَسُمِّيَ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ هَذَا مِرَاء وَإِنَّ اللَّه غَنِيّ عَنْ صَدَقَة هَذَا مُعْتَب بْن قُشَيْر وَعَبْد اللَّه بْن نَبْتَلَ , وَأَوْرَدَهُ الْخَطِيب فِي \" الْمُبْهَمَات \" مِنْ طَرِيق الْوَاقِدِيِّ وَفِيهِ عَبْد الرَّحْمَن بْن نَبْتَل وَهُوَ بِنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة ثُمَّ مُثَنَّاة ثُمَّ لَام بِوَزْنِ جَعْفَر , وَسَيَأْتِي أَيْضًا مَا يَدُلّ عَلَى تَعَدُّد مَنْ جَاءَ بِأَكْثَر مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَاءَ إِنْسَان بِأَكْثَر مِنْهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة بِلَفْظِ \" وَجَاءَ رَجُل بِشَيْءٍ كَثِير \" وَرَوَى الْبَزَّار مِنْ طَرِيق عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَصَدَّقُوا فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَث بَعْثًا. قَالَ فَجَاءَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه عِنْدِي أَرْبَعَة آلَاف : أَلْفَيْنِ أُقْرِضُهُمَا رَبِّي , وَأَلْفَيْنِ أُمْسِكُهُمَا لِعِيَالِي , فَقَالَ : بَارَكَ اللَّه لَك فِيمَا أَعْطَيْت وَفِيمَا أَمْسَكْت قَالَ وَبَاتَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار فَأَصَابَ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْر \" الْحَدِيثَ. قَالَ الْبَزَّار : لَمْ يُسْنِدْهُ إِلَّا طَالُوتُ بْن عَبَّاد عَنْ أَبِي عَوَانَة عَنْ عُمَر , قَالَ وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كَامِل عَنْ أَبِي عَوَانَة فَلَمْ يَذْكُر أَبَا هُرَيْرَة فِيهِ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ يُونُس بْنِ مُحَمَّد عَنْ أَبِي عَوَانَة , وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَالطَّبَرِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طُرُق أُخْرَى عَنْ أَبِي عَوَانَة مُرْسَلًا , وَذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي بِغَيْرِ إِسْنَاد , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَمِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق الْحَكَم بْن أَبَانٍ عَنْ عِكْرِمَة وَالْمَعْنَى وَاحِد قَالَ \" وَحَثّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّدَقَة - يَعْنِي فِي غَزْوَة تَبُوكَ - فَجَاءَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف بِأَرْبَعَةِ آلَاف فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَالِي ثَمَانِيَة آلَاف جِئْتُك بِنِصْفِهَا وَأَمْسَكْت نِصْفهَا , فَقَالَ بَارَكَ اللَّه لَك فِيمَا أَمْسَكْت وَفِيمَا أَعْطَيْت. وَتَصَدَّقَ يَوْمَئِذٍ عَاصِم بْن عَدِيّ بِمِائَةِ وَسْق مِنْ تَمْر. وَجَاءَ أَبُو عَقِيل بِصَاعٍ مِنْ تَمْر \" الْحَدِيثَ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوه , وَمِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" جَاءَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّة مِنْ ذَهَب \" بِمَعْنَاهُ. وَعِنْدَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق الرَّبِيع بْن أَنَس قَالَ \" جَاءَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف بِأَرْبَعِمِائَةِ أُوقِيَّة مِنْ ذَهَب فَقَالَ : إِنَّ لِي ثَمَانَمِائَةِ أُوقِيَّة مِنْ ذَهَب \" الْحَدِيث , وَأَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ \" ثَمَانِيَة آلَاف دِينَار \" وَمِثْله لِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق مُجَاهِد , وَحَكَى عِيَاض فِي \" الشِّفَاء \" أَنَّهُ جَاءَ يَوْمَئِذٍ بِتِسْعِمِائَةِ بَعِير , وَهَذَا اِخْتِلَاف شَدِيد فِي الْقَدْر الَّذِي أَحْضَرَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَأَصَحّ الطُّرُق فِيهِ ثَمَانِيَة آلَاف دِرْهَم. وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس أَوْ غَيْره , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَوَقَعَ فِي \" مَعَانِي الْفَرَّاء \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَثَّ النَّاس عَلَى الصَّدَقَة فَجَاءَ عُمَر بِصَدَقَةٍ , وَعُثْمَان بِصَدَقَةٍ عَظِيمَة , وَبَعْض أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , ثُمَّ جَاءَ أَبُو عَقِيل بِصَاعٍ مِنْ تَمْر , فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ : مَا أَخْرَجَ هَؤُلَاءِ صَدَقَاتهمْ إِلَّا رِيَاءً , وَأَمَّا أَبُو عَقِيل فَإِنَّمَا جَاءَ بِصَاعِهِ لِيَذْكُر بِنَفْسِهِ , فَنَزَلَتْ. وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق أَبِي سَعِيد \" فَجَاءَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف بِصَدَقَتِهِ , وَجَاءَ الْمُطَّوِّعُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَلَتْ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ ) قِرَاءَة الْجُمْهُور بِتَشْدِيدِ الطَّاء وَالْوَاو وَأَصْله الْمُتَطَوِّعِينَ فَأُدْغِمَتْ التَّاء. فِي الطَّاء , وَهُمْ الَّذِينَ يَغْزُونَ بِغَيْرِ اِسْتِعَانَة بِرِزْقٍ مِنْ سُلْطَان أَيْ غَيْره , ‏ ‏وَقَوْله : ( وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدهمْ ) ‏ ‏مَعْطُوف عَلَى الْمُطَّوِّعِينَ , وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مَعْطُوف عَلَى ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ ) لِاسْتِلْزَامِهِ فَسَاد الْمَعْنَى , وَكَذَا مَنْ قَالَ مَعْطُوف عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُ يُفْهَم مِنْهُ أَنَّ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدهمْ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ الْأَصْل فِي الْعَطْف الْمُغَايَرَة فَكَأَنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدهمْ , فَكَأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ مُطَّوِّعُونَ مُؤْمِنُونَ وَالثَّانِي مُطَّوِّعُونَ غَيْر مُؤْمِنِينَ , وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ , فَالْحَقّ أَنَّهُ مَعْطُوف عَلَى الْمُطَّوِّعِينَ وَيَكُون مِنْ عَطْف الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ , وَالنُّكْتَة فِيهِ التَّنْوِيه بِالْخَاصِّ لِأَنَّ السُّخْرِيَة مِنْ الْمُقِلّ أَشَدّ مِنْ الْمُكْثِر غَالِبًا , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4301",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏أَحَدَّثَكُمْ ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ فَيَحْتَالُ أَحَدُنَا حَتَّى يَجِيءَ بِالْمُدِّ وَإِنَّ لِأَحَدِهِمْ الْيَوْمَ مِائَةَ أَلْفٍ كَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( فَيَحْتَال أَحَدُنَا حَتَّى يَجِيءَ بِالْمُدِّ ) ‏ ‏يَعْنِي فَيَتَصَدَّقَ بِهِ , فِي رِوَايَة الزَّكَاة \" فَيَنْطَلِق أَحَدنَا إِلَى السُّوق فَيُحَامِل \" فَأَفَادَ بَيَان الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة فَيَحْتَال. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ لِأَحَدِهِمْ الْيَوْمَ مِائَةَ أَلْفٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الزَّكَاة \" وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْف \" وَمِائَةَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهَا اِسْمُ إِنَّ وَالْخَبَر لِأَحَدِهِمْ أَوْ لِبَعْضِهِمْ وَالْيَوْم ظَرْف , وَلَمْ يَذْكُر مُمَيَّز الْمِائَة أَلْف فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيد الدَّرَاهِم أَوْ الدَّنَانِير أَوْ الْأَمْدَاد. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنَّهُ يُعَرِّض بِنَفْسِهِ ) ‏ ‏هُوَ كَلَام شَقِيق الرَّاوِي عَنْ أَبِي مَسْعُود , بَيَّنَهُ إِسْحَاق اِبْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده , وَهُوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْهُ. وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ إِسْحَاق فَقَالَ فِي آخِرِهِ \" وَإِنَّ لِأَحَدِهِمْ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ , قَالَ شَقِيق : كَأَنَّهُ يُعَرِّض بِنَفْسِهِ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر وَزَادَ فِي آخِر الْحَدِيث \" قَالَ الْأَعْمَش : وَكَانَ أَبُو مَسْعُود قَدْ كَثُرَ مَاله \" قَالَ اِبْن بَطَّال يُرِيد أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَن الرَّسُول يَتَصَدَّقُونَ بِمَا يَجِدُونَ , وَهَؤُلَاءِ مُكْثِرُونَ وَلَا يَتَصَدَّقُونَ , كَذَا قَالَ وَهُوَ بَعِيدٌ , وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير مُرَاده أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَصَدَّقُونَ مَعَ قِلَّة الشَّيْء وَيَتَكَلَّفُونَ ذَلِكَ , ثُمَّ وَسَّعَ اللَّه عَلَيْهِمْ فَصَارُوا يَتَصَدَّقُونَ مِنْ يُسْرٍ وَمَعَ عَدَم خَشْيَة عُسْرٍ. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاده أَنَّ الْحِرْص عَلَى الصَّدَقَة الْآنَ لِسُهُولَةِ مَأْخَذهَا بِالتَّوَسُّعِ الَّذِي وُسِّعَ عَلَيْهِمْ أَوْلَى مِنْ الْحِرْص عَلَيْهَا مَعَ تَكَلُّفِهِمْ , أَوْ أَرَادَ الْإِشَارَة إِلَى ضِيق الْعَيْش فِي زَمَن الرَّسُول وَذَلِكَ لِقِلَّةِ مَا وَقَعَ مِنْ الْفُتُوح وَالْغَنَائِم فِي زَمَانه , وَإِلَى سَعَة عَيْشهمْ بَعْدَهُ لِكَثْرَةِ الْفُتُوحِ وَالْغَنَائِم. ‏"
    },
    {
        "id": "4302",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا تُوُفِّيَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ‏ ‏جَاءَ ابْنُهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَامَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقَالَ ‏ { ‏اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ‏} ‏وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ قَالَ إِنَّهُ مُنَافِقٌ قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ ) ‏ ‏ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ ثُمَّ الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" أَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِمْ مِنْ تَبُوكَ وَذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَةَ تِسْع , وَكَانَتْ مُدَّةُ مَرَضه عِشْرِينَ يَوْمًا اِبْتِدَاؤُهَا مِنْ لَيَالٍ بَقِيَتْ مِنْ شَوَّال , قَالُوا : وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ غَزْوَة تَبُوكَ , وَفِيهِمْ نَزَلَتْ ( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا ) وَهَذَا يَدْفَع قَوْل اِبْن التِّين أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ فِي أَوَّل الْإِسْلَام قَبْلَ تَقْرِير الْأَحْكَام. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ اِبْنه عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ : لَمَّا اُخْتُصِرَ عَبْد اللَّه جَاءَ اِبْنه عَبْد اللَّه إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه إِنَّ أَبِي قَدْ اُحْتُضِرَ فَأُحِبّ أَنْ تَشْهَدَهُ وَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ , قَالَ : مَا اِسْمُك ؟ قَالَ : الْحُبَاب - يَعْنِي بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَمُوَحَّدَتَيْنِ مُخَفَّفًا - قَالَ : بَلْ أَنْتَ عَبْد اللَّه الْحُبَاب اِسْمُ الشَّيْطَانِ. وَكَانَ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ هَذَا مِنْ فُضَلَاء الصَّحَابَة وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَة فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَمِنْ مَنَاقِبِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ بَعْض مَقَالَات أَبِيهِ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنهُ فِي قَتْله , قَالَ : بَلْ أَحْسِنْ صُحْبَتَهُ , أَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِإِسْنَادٍ حَسَن , وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق عُرْوَة بْن الزُّبَيْر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ أَنَّهُ اِسْتَأْذَنَ نَحْوَهُ , وَهَذَا مُنْقَطِع لِأَنَّ عُرْوَة لَمْ يُدْرِكهُ وَكَأَنَّهُ كَانَ يَحْمِل أَمْر أَبِيهِ عَلَى ظَاهِر الْإِسْلَام فَلِذَلِكَ اِلْتَمَسَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْضُر عِنْدَهُ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِعَهْدِ مِنْ أَبِيهِ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر وَالطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق سَعِيد كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ قَالَ \" أَرْسَلَ عَبْدُ اللَّه اِبْن أُبَيٍّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ : أَهْلَكَك حُبّ يَهُود , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا أَرْسَلْت إِلَيْك لِتَسْتَغْفِرَ لِي وَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْك لِتُوَبِّخَنِي. ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفَّنَ فِيهِ فَأَجَابَهُ \" وَهَذَا مُرْسَل مَعَ ثِقَة رِجَاله , وَيُعَضِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق الْحَكَم بْن أَبَانٍ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" لَمَّا مَرِضَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ جَاءَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ فَقَالَ : قَدْ فَهِمْت مَا تَقُول , فَامْنُنْ عَلَيَّ فَكَفِّنِّي فِي قَمِيصك وَصَلِّ عَلَيَّ فَفَعَلَ \" وَكَأَنَّ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ أَرَادَ بِذَلِكَ دَفْع الْعَار عَنْ وَلَده وَعَشِيرَته بَعْدَ مَوْته فَأَظْهَرَ الرَّغْبَة فِي صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَوَقَعَتْ إِجَابَته إِلَى سُؤَاله بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ مِنْ حَاله إِلَى أَنْ كَشَفَ اللَّه الْغِطَاء عَنْ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي , وَهَذَا مِنْ أَحْسَن الْأَجْوِبَة فِيمَا يَتَعَلَّق بِهَذِهِ الْقِصَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ , فَقَامَ عُمَر فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر ثَانِي حَدِيث الْبَاب \" فَلَمَّا قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَقَامَ إِلَيْهِ فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ يُرِيد الصَّلَاة عَلَيْهِ وَثَبَتَ إِلَيْهِ فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَتُصَلِّي عَلَى اِبْن أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا أَعْدَدَ عَلَيْهِ قَوْله \" يُشِير بِذَلِكَ إِلَى مِثْل قَوْله : ( لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُول اللَّه حَتَّى يَنْفَضُّوا ) وَإِلَى مِثْل قَوْله : ( لَيُخْرِجَن الْأَعَزّ مِنْهَا الْأَذَلّ ) وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي تَفْسِير الْمُنَافِقِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاك رَبُّك أَنْ تُصَلِّي عَلَيْهِ ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِطْلَاق النَّهْي عَنْ الصَّلَاة , وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ جِدًّا حَتَّى أَقْدَمَ بَعْضهمْ فَقَالَ : هَذَا وَهْم مِنْ بَعْض رُوَاته , وَعَاكَسَهُ غَيْره فَزَعَمَ أَنَّ عُمَر اِطَّلَعَ عَلَى نَهْي خَاصّ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَعَلَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي خَاطِر عُمَر فَيَكُون مِنْ قَبِيل الْإِلْهَام , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْله : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ). ‏ ‏قُلْت : الثَّانِي يَعْنِي مَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ أَقْرَب مِنْ الْأَوَّل , لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّم النَّهْي عَنْ الصَّلَاة عَلَى الْمُنَافِقِينَ , بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث \" قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّه وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ \" وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ فِي رِوَايَة الْبَاب تَجَوُّزًا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْبَاب بَعْدَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر بِلَفْظِ \" فَقَالَ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاك اللَّه أَنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ \" وَرَوَى عَبْد بْن حُمَيْدٍ وَالطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر قَالَ \" أَرَادَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّي عَلَى عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ فَأَخَذْت بِثَوْبِهِ فَقُلْت : وَاللَّهِ مَا أَمَرَك اللَّه بِهَذَا , لَقَدْ قَالَ : إِنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّه لَهُمْ \" وَوَقَعَ عِنْدَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" فَقَالَ عُمَر : أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاك اللَّه أَنْ تُصَلِّي عَلَيْهِ ؟ قَالَ : أَيْنَ ؟ قَالَ قَالَ : اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ \" الْآيَةَ , وَهَذَا مِثْل رِوَايَة الْبَاب , فَكَأَنَّ عُمَر قَدْ فَهِمَ مِنْ الْآيَة الْمَذْكُورَة مَا هُوَ الْأَكْثَر الْأَغْلَب مِنْ لِسَان الْعَرَب مِنْ أَنَّ \" أَوْ \" لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ , بَلْ لِلتَّسْوِيَةِ فِي عَدَم الْوَصْف الْمَذْكُور أَيْ أَنَّ الِاسْتِغْفَار لَهُمْ وَعَدَم الِاسْتِغْفَار سَوَاءٌ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْت لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) لَكِنْ الثَّانِيَة أَصْرَح , وَلِهَذَا وَرَدَ أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الْقِصَّة كَمَا سَأَذْكُرُهُ , وَفَهِمَ عُمَر أَيْضًا مِنْ ‏ ‏قَوْله : ( سَبْعِينَ مَرَّةً ) ‏ ‏أَنَّهَا لِلْمُبَالَغَةِ وَأَنَّ الْعَدَد الْمُعَيَّن لَا مَفْهُوم لَهُ , بَلْ الْمُرَاد نَفْي الْمَغْفِرَة لَهُمْ وَلَوْ كَثُرَ الِاسْتِغْفَار , فَيَحْصُل مِنْ ذَلِكَ النَّهْي عَنْ الِاسْتِغْفَار فَأَطْلَقَهُ , وَفَهِمَ أَيْضًا أَنَّ الْمَقْصُود الْأَعْظَم مِنْ الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت طَلَب الْمَغْفِرَة لِلْمَيِّتِ وَالشَّفَاعَة لَهُ فَلِذَلِكَ اِسْتَلْزَمَ عِنْدَهُ النَّهْي عَنْ الِاسْتِغْفَار تَرْك الصَّلَاة , فَلِذَلِكَ جَاءَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِطْلَاق النَّهْي عَنْ الصَّلَاة , وَلِهَذِهِ الْأُمُور اِسْتَنْكَرَ إِرَادَة الصَّلَاة عَلَى عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ. هَذَا تَقْرِير مَا صَدَرَ عَنْ عُمَر مَعَ مَا عُرِفَ مِنْ شِدَّة صَلَابَته فِي الدِّين وَكَثْرَة بُغْضه لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ , وَهُوَ الْقَائِل فِي حَقّ حَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ مَعَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الْفَضْل كَشُهُودِهِ بَدْرًا وَغَيْر ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَاتَبَ قُرَيْشًا قَبْلَ الْفَتْح \" دَعْنِي يَا رَسُول اللَّه أَضْرِبْ عُنُقه فَقَدْ نَافَقَ \" فَلِذَلِكَ أَقْدَمَ عَلَى كَلَامه لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ , وَلَمْ يَلْتَفِت إِلَى اِحْتِمَال إِجْرَاء الْكَلَام عَلَى ظَاهِره لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَابَة الْمَذْكُورَة. قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عُمَر حِرْصًا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَشُورَة لَا إِلْزَامًا , وَلَهُ عَوَائِد بِذَلِكَ , وَلَا يَبْعُد أَنْ يَكُون النَّبِيّ كَانَ أَذِنَ لَهُ فِي مِثْل ذَلِكَ فَلَا يَسْتَلْزِم مَا وَقَعَ مِنْ عُمَر أَنَّهُ اِجْتَهَدَ مَعَ وُجُود النَّصّ كَمَا تَمَسَّكَ بِهِ قَوْم فِي جَوَاز ذَلِكَ , وَإِنَّمَا أَشَارَ بِاَلَّذِي ظَهَرَ لَهُ فَقَطْ , وَلِهَذَا اِحْتَمَلَ مِنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهُ بِثَوْبِهِ وَمُخَاطَبَته لَهُ فِي مِثْل ذَلِكَ الْمَقَام , حَتَّى اِلْتَفَتَ إِلَيْهِ مُتَبَسِّمًا كَمَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِذَلِكَ فِي هَذَا الْبَاب. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّه فَقَالَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِر لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً , وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ ) ‏ ‏فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر مِنْ الزِّيَادَة \" فَتَبَسَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَر , فَلَمَّا أَكْثَرْت عَلَيْهِ قَالَ : إِنِّي خُيِّرْت فَاخْتَرْت \" أَيْ خُيِّرْت بَيْنَ الِاسْتِغْفَار وَعَدَمه , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ حَدِيث اِبْن عُمَر حَيْثُ ذَكَرَ الْآيَة الْمَذْكُورَة. وَقَوْله فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر \" لَوْ أَعْلَم أَنِّي إِنْ زِدْت عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَر لَهُ لَزِدْت عَلَيْهَا \" وَحَدِيث اِبْن عُمَر جَازِم بِقِصَّةِ الزِّيَادَة , وَآكَدُ مِنْهُ مَا رَوَى عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ قَالَ \" لَمَّا نَزَلَتْ ( اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِر لَهُمْ ) قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ خَيَّرَنِي رَبِّي , فَوَاَللَّهِ لَأَزِيدَن عَلَى السَّبْعِينَ \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد مِثْله , وَالطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ مِثْله , وَهَذِهِ طُرُق وَإِنْ كَانَتْ مَرَاسِيل فَإِنَّ بَعْضهَا يُعَضِّد بَعْضًا. وَقَدْ خَفِيَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة عَلَى مَنْ خَرَّجَ أَحَادِيث الْمُخْتَصَر وَالْبَيْضَاوِيّ وَاقْتَصَرُوا عَلَى مَا وَقَعَ فِي حَدِيثَيْ الْبَاب , وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطَالَ فِي حَال الصَّلَاة عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِغْفَار لَهُ , وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ , فَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ مُجَمِّع بْن جَارِيَة قَالَ \" مَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطَالَ عَلَى جِنَازَة قَطُّ مَا أَطَالَ عَلَى جِنَازَة عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ مِنْ الْوُقُوف \" وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مُغِيرَة عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّه ( إِنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّه لَهُمْ ) فَأَنَا أَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعِينَ وَسَبْعِينَ وَسَبْعِينَ \" وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْقِصَّة مَنْ جَعَلَ مَفْهُوم الْعَدَد حُجَّةً , وَكَذَا مَفْهُوم الصِّفَة مِنْ بَاب الْأَوْلَى. وَوَجْه الدَّلَالَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِمَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى السَّبْعِينَ بِخِلَافِ السَّبْعِينَ فَقَالَ \" سَأَزِيدُ عَلَى السَّبْعِينَ \" , وَأَجَابَ مَنْ أَنْكَرَ الْقَوْل بِالْمَفْهُومِ بِمَا وَقَعَ فِي بَقِيَّة الْقِصَّة , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَافِعٍ لِلْحُجَّةِ , لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُمْ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْمَقْصُود بِالسَّبْعِينَ الْمُبَالَغَة لَكَانَ الِاسْتِدْلَال بِالْمَفْهُومِ بَاقِيًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ إِنَّهُ مُنَافِق فَصَلَّى عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَمَّا جَزْم عُمَر بِأَنَّهُ مُنَافِق فَجَرَى عَلَى مَا كَانَ يَطَّلِع عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَاله : وَإِنَّمَا لَمْ يَأْخُذ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ إِجْرَاء لَهُ عَلَى ظَاهِر حُكْم الْإِسْلَام كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره , وَاسْتِصْحَابًا لِظَاهِرِ الْحُكْم , وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِكْرَام وَلَده الَّذِي تَحَقَّقَتْ صَلَاحِيَته , وَمَصْلَحَة الِاسْتِئْلَاف لِقَوْمِهِ وَدَفْع الْمَفْسَدَة , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّل الْأَمْر يَصْبِر عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَيَعْفُو وَيَصْفَح , ثُمَّ أُمِرَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ فَاسْتَمَرَّ صَفْحه وَعَفْوه عَمَّا يُظْهِر الْإِسْلَام وَلَوْ كَانَ بَاطِنه عَلَى خِلَاف ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الِاسْتِئْلَاف وَعَدَم التَّنْفِير عَنْهُ , وَلِذَلِكَ قَالَ \" لَا يَتَحَدَّث النَّاس أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُل أَصْحَابه \" فَلَمَّا حَصَلَ الْفَتْح وَدَخَلَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْإِسْلَام وَقَلَّ أَهْل الْكُفْر وَذَلُّوا أُمِرَ بِمُجَاهَرَةِ الْمُنَافِقِينَ وَحَمْلهمْ عَلَى حُكْم مُرّ الْحَقّ , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُول النَّهْي الصَّرِيح عَنْ الصَّلَاة عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا أُمِرَ فِيهِ بِمُجَاهِرَتِهِمْ , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَنْدَفِع الْإِشْكَال عَمَّا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ مَا فَعَلَ لِكَمَالِ شَفَقَته عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ بِطَرَفٍ مِنْ الدِّين , وَلِتَطْيِيبِ قَلْب وَلَده عَبْد اللَّه الرَّجُل الصَّالِح , وَلِتَأَلُّفِ قَوْمه مِنْ الْخَزْرَج لِرِيَاسَتِهِ فِيهِمْ , فَلَوْ لَمْ يُجِبْ سُؤَال اِبْنه وَتَرَكَ الصَّلَاة عَلَيْهِ قَبْلَ وُرُود النَّهْي الصَّرِيح لَكَانَ سُبَّةً عَلَى اِبْنه وَعَارًا عَلَى قَوْمه , فَاسْتَعْمَلَ أَحْسَن الْأَمْرَيْنِ فِي السِّيَاسَة إِلَى أَنْ نُهِيَ فَانْتَهَى. وَتَبِعَهُ اِبْن بَطَّال وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ : وَرَجَا أَنْ يَكُون مُعْتَقَدًا لِبَعْضِ مَا كَانَ يَظْهَر فِي الْإِسْلَام. وَتَعَقَّبَهُ وَابْن الْمُنِير بِأَنَّ الْإِيمَان لَا يَتَبَعَّض. وَهُوَ كَمَا قَالَ , لَكِنَّ مُرَاد اِبْن بَطَّال أَنَّ إِيمَانه كَانَ ضَعِيفًا. قُلْت : وَقَدْ مَالَ بَعْض أَهْل الْحَدِيث إِلَى تَصْحِيح إِسْلَام عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ لِكَوْنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ , وَذَهَلَ عَنْ الْوَارِد مِنْ الْآيَات وَالْأَحَادِيث الْمُصَرِّحَة فِي حَقّه بِمَا يُنَافِي ذَلِكَ , وَلَمْ يَقِف عَلَى جَوَاب شَافٍ فِي ذَلِكَ , فَأَقْدَمَ عَلَى الدَّعْوَى الْمَذْكُورَة. وَهُوَ مَحْجُوج بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى نَقِيض مَا قَالَ , وَإِطْبَاقهمْ عَلَى تَرْك ذِكْره فِي كُتُب الصَّحَابَة مَعَ شُهْرَته وَذِكْر مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الشَّرَف وَالشُّهْرَة بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَة. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْره ) قَالَ : فَذَكَرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَمَا يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي مِنْ اللَّه , وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ بِذَلِكَ أَلْفٌ مِنْ قَوْمه. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْره ) ‏ ‏زَادَ عَنْ مُسَدَّد فِي حَدِيثه عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر فِي آخِره \" فَتَرَكَ الصَّلَاة عَلَيْهِمْ \" أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُسَدَّد وَحَمَّاد بْن زَاذَانَ عَنْ يَحْيَى , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْجَنَائِز عَنْ مُسَدَّد بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة , وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ اِنْصَرَفَ , فَلَمْ يَمْكُث إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ \" زَادَ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي قَالَ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيّ بِسَنَدِهِ فِي ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب قَالَ \" فَمَا صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُنَافِق بَعْدَهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّه \" وَمِنْ هَذَا الْوَجْه أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن إِسْحَاق فَزَادَ فِيهِ \" وَلَا قَامَ عَلَى قَبْره \" وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ قَالَ \" لَمَّا نَزَلَتْ ( اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِر لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَأَزِيدَن عَلَى السَّبْعِينَ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْت لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ فَلَنْ يَغْفِر اللَّه لَهُمْ ) وَرِجَاله ثِقَات مَعَ إِرْسَاله , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْآيَتَانِ مَعًا نَزَلَتَا فِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4303",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏و قَالَ ‏ ‏غَيْرُهُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ لَمَّا مَاتَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ‏ ‏دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى ‏ ‏ابْنِ أُبَيٍّ ‏ ‏وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا قَالَ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ أَخِّرْ عَنِّي يَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ ‏ ‏إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَتَانِ مِنْ ‏ ‏بَرَاءَةَ ‏ { ‏وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏وَهُمْ فَاسِقُونَ ‏} ‏قَالَ فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْث عَنْ عَقِيل , وَقَالَ غَيْره حَدَّثَنِي اللَّيْث حَدَّثَنِي عَقِيل ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا , وَالْغَيْر الْمَذْكُور هُوَ أَبُو صَالِح كَاتِب اللَّيْث وَاسْمه عَبْد اللَّه بْن صَالِح أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ الْمُثَنَّى بْن مُعَاذ عَنْهُ عَنْ اللَّيْث قَالَ حَدَّثَنِي عَقِيل. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا مَاتَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ بْن سَلُولَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَضَمّ اللَّام وَسُكُون الْوَاو بَعْدَهَا لَامٌ هُوَ اِسْم اِمْرَأَة , وَهِيَ وَالِدَة عَبْد اللَّه الْمَذْكُور وَهِيَ خُزَاعِيَّة , وَأَمَّا هُوَ فَمِنْ الْخَزْرَج أَحَد قَبِيلَتَيْ الْأَنْصَار , وَابْن سَلُولَ يُقْرَأ بِالرَّفْعِ لِأَنَّهُ صِفَة عَبْد اللَّه لَا صِفَة أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَبَسَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : أَخِّرْ عَنِّي ) ‏ ‏أَيْ كَلَامك , وَاسْتَشْكَلَ الدَّاوُدِيُّ تَبَسُّمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْحَالَة مَعَ مَا ثَبَتَ أَنَّ ضَحِكَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ تَبَسُّمًا وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ شُهُود الْجَنَائِز يُسْتَعْمَل ذَلِكَ , وَجَوَابه أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ طَلَاقَة وَجْهه بِذَلِكَ تَأْنِيسًا لِعُمَر وَتَطْبِيقًا لِقَلْبِهِ كَالْمُعْتَذِرِ عَنْ تَرْك قَبُول كَلَامه وَمَشُورَته. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ زِدْت عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَر لَهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ يُغْفَر بِسُكُونِ الرَّاء جَوَابًا لِلشَّرْطِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ فَغُفِرَ لَهُ بِفَاءِ وَبِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي وَضَمِّ أَوَّله وَالرَّاء مَفْتُوحَة , وَالْأَوَّل أَوْجَه. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَجِبْت بَعْدُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الدَّالِ ( مِنْ جُرْأَتِي ) بِضَمِّ الْجِيم وَسُكُون الرَّاء بَعْدَهَا هَمْزَة أَيْ إِقْدَامِي عَلَيْهِ , وَقَدْ بَيَّنَّا تَوْجِيهَ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّه وَرَسُوله أَعْلَم ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ قَوْل عُمَر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْل اِبْن عَبَّاس , وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْحَكَم بْن أَبَانٍ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة \" قَالَ اِبْن عَبَّاس فَاَللَّه أَعْلَم أَيّ صَلَاة كَانَتْ , وَمَا خَادَعَ مُحَمَّد أَحَدًا قَطُّ \" وَقَالَ بَعْض الشُّرَّاح يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عُمَر ظَنَّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تَقَدَّمَ لِلصَّلَاةِ عَلَى عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ كَانَ نَاسِيًا لِمَا صَدَرَ مِنْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ وَتُعُقِّبَ بِمَا فِي السِّيَاق مِنْ تَكْرِير الْمُرَاجَعَة فَهِيَ دَافِعَة لِاحْتِمَالِ النِّسْيَان , وَقَدْ صَرَّحَ فِي حَدِيث الْبَاب بِقَوْلِهِ \" فَلَمَّا أَكْثَرْت عَلَيْهِ قَالَ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ ذَاكِرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4304",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ‏ ‏جَاءَ ابْنُهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَفِّنَهُ فِيهِ ثُمَّ قَامَ ‏ ‏يُصَلِّي عَلَيْهِ فَأَخَذَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏بِثَوْبِهِ فَقَالَ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَهُوَ مُنَافِقٌ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ أَوْ أَخْبَرَنِي اللَّهُ فَقَالَ ‏ { ‏اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ‏} ‏فَقَالَ سَأَزِيدُهُ عَلَى سَبْعِينَ قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَصَلَّيْنَا مَعَهُ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ‏ { ‏وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب قَوْله : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسهمْ ) الْآيَة. الْخَصَاصَةُ فَاقَةٌ ) ‏ ‏وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرّ \" الْفَاقَة \" وَهُوَ قَوْل مُقَاتِل بْن حَيَّانَ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( الْمُفْلِحُونَ الْفَائِزُونَ بِالْخُلُودِ وَالْفَلَاحُ الْبَقَاءُ ) ‏ ‏هُوَ قَوْل الْفَرَّاء , قَالَ لَبِيد : ‏ ‏نَحُلّ بِلَادًا كُلّهَا حِلّ قَبْلَنَا ‏ ‏وَنَرْجُو فَلَاحًا بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَر ‏ ‏وَهُوَ أَيْضًا بِمَعْنَى إِدْرَاك الطَّلَب , قَالَ لَبِيد أَيْضًا \" وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلَ \" أَيْ أَدْرَكَ مَا طَلَبَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَيَّ عَلَى الْفَلَاح عَجَّلَ ) ‏ ‏هُوَ تَفْسِير حَيَّ , أَيْ مَعْنَى \" حَيَّ عَلَى الْفَلَاح \" أَيْ عَجِّلْ إِلَى الْفَلَاح قَالَ اِبْن التِّين : لَمْ يَذْكُرهُ أَحَد مِنْ أَهْل اللُّغَة , وَإِنَّمَا قَالُوا مَعْنَاهُ هَلُمَّ وَأَقْبِلْ. قُلْت : وَهُوَ كَمَا قَالَ , لَكِنْ فِيهِ إِشْعَار بِطَلَبِ الْإِعْجَال , فَالْمَعْنَى أَقْبِلْ مُسْرِعًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ الْحَسَن حَاجَة حَسَدًا ) ‏ ‏وَصَلَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ عَنْهُ بِهَذَا , وَرَوَيْنَاهُ فِي الْجُزْء الثَّامِن مِنْ \" أَمَالِي الْمَحَامِلِيِّ \" بِعُلُوٍّ مِنْ طَرِيق أَبِي رَجَاء عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : ( وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورهمْ حَاجَة ) قَالَ : الْحَسَد. ‏"
    },
    {
        "id": "4305",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي أَعْظَمَ مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أُنْزِلَ الْوَحْيُ ‏ { ‏سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏الْفَاسِقِينَ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4306",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُؤَمَّلٌ هُوَ ابْنُ هِشَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَنَا ‏ ‏أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ فَابْتَعَثَانِي فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ ‏ ‏شَطْرٌ ‏ ‏مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ ‏ ‏وَشَطْرٌ ‏ ‏كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ قَالَا لَهُمْ اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ قَالَا لِي هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ قَالَا أَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا ‏ ‏شَطْرٌ ‏ ‏مِنْهُمْ حَسَنٌ ‏ ‏وَشَطْرٌ ‏ ‏مِنْهُمْ قَبِيحٌ فَإِنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ‏ ‏تَجَاوَزَ ‏ ‏اللَّهُ عَنْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُؤَمِّل ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ وَغَيْره \" هُوَ اِبْن هِشَام \" ‏ ‏وَإِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّة. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَن \" ‏ ‏قِيلَ الصَّوَاب \" حَسَنًا \" لِأَنَّهُ خَبَر كَانَ , وَخَرَّجُوهُ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّة وَشَطْر وَحَسَن مُبْتَدَأ وَخَبَره. ‏"
    },
    {
        "id": "4307",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا حَضَرَتْ ‏ ‏أَبَا طَالِبٍ ‏ ‏الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعِنْدَهُ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا طَالِبٍ ‏ ‏أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ ‏ ‏عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي ‏ ‏قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ‏}",
        "sharh": "ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّة وَفَاة أَبِي طَالِب , وَقَدْ سَبَقَ شَرْحه فِي كِتَاب الْجَنَائِز , وَيَأْتِي الْإِلْمَام بِشَيْءٍ مِنْهُ فِي تَفْسِير الْقَصَص إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. فِي كِتَاب الْجَنَائِز , وَيَأْتِي الْإِلْمَام بِشَيْءٍ مِنْهُ فِي تَفْسِير الْقَصَص إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4308",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏ح ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏وَحَدَّثَنَا ‏ ‏عَنْبَسَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏وَكَانَ قَائِدَ ‏ ‏كَعْبٍ ‏ ‏مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏فِي حَدِيثِهِ ‏ { ‏وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ‏} ‏قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4309",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي شُعَيْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ ‏ ‏غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ ‏ ‏وَغَزْوَةِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏قَالَ فَأَجْمَعْتُ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ضُحًى وَكَانَ قَلَّمَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ سَافَرَهُ إِلَّا ضُحًى وَكَانَ يَبْدَأُ بِالْمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ وَنَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ كَلَامِي وَكَلَامِ ‏ ‏صَاحِبَيَّ ‏ ‏وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَخَلِّفِينَ غَيْرِنَا فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلَامَنَا فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الْأَمْرُ وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فَلَا ‏ ‏يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَكُونَ مِنْ النَّاسِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا ‏ ‏يُصَلِّي وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الْآخِرُ مِنْ اللَّيْلِ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏وَكَانَتْ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي مَعْنِيَّةً فِي أَمْرِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏تِيبَ عَلَى ‏ ‏كَعْبٍ ‏ ‏قَالَتْ أَفَلَا أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ قَالَ إِذًا يَحْطِمَكُمْ النَّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمْ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَاةَ الْفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَكَانَ إِذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنْ الْقَمَرِ وَكُنَّا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا عَنْ الْأَمْرِ الَّذِي قُبِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ لَنَا التَّوْبَةَ فَلَمَّا ذُكِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ الْمُتَخَلِّفِينَ وَاعْتَذَرُوا بِالْبَاطِلِ ذُكِرُوا بِشَرِّ مَا ذُكِرَ بِهِ أَحَدٌ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ‏ { ‏يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي شُعَيْب ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَسَقَطَ مُحَمَّد مِنْ رِوَايَة اِبْن السَّكَن فَصَارَ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَحْمَد بْن أَبِي شُعَيْب بِلَا وَاسِطَة , وَعَلَى قَوْل الْأَكْثَر فَاخْتُلِفَ فِي مُحَمَّد فَقَالَ الْحَاكِم هُوَ مُحَمَّد بْن النَّضْر النَّيْسَابُورِيّ , يَعْنِي الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْره فِي تَفْسِير الْأَنْفَال , وَقَالَ مَرَّة هُوَ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الْبُوشَنْجِيّ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث وَقَعَ لَهُ مِنْ طَرِيقه. وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ : هُوَ الذُّهْلِيُّ , وَأَيَّدَ ذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيث فِي \" عِلَل حَدِيث الزُّهْرِيّ لِلذُّهْلِيّ \" عَنْ أَحْمَد بْن أَبِي شُعَيْب , وَالْبُخَارِيّ يُسْتَمَدّ مِنْهُ كَثِيرًا , وَهُوَ يُهْمِل نَسَبه غَالِبًا. وَأَمَّا أَحْمَد بْن أَبِي شُعَيْب فَهُوَ الْحَرَّانِيّ نَسَبَهُ الْمُؤَلِّف إِلَى جَدّه , وَاسْم أَبِيهِ عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم وَأَبُو شُعَيْب كُنْيَة مُسْلِم لَا كُنْيَة عَبْد اللَّه وَكُنْيَة أَحْمَد أَبُو الْحَسَن , وَهُوَ ثِقَة بِاتِّفَاقٍ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف قَطْعًا مِنْ قِصَّة تَوْبَة كَعْب بْن مَالِك , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي. وَقَوْله \" فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَد مِنْهُمْ وَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَلَا يُسَلِّم \" وَحَكَى عِيَاص أَنَّهُ وَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاة \" فَلَا يُكَلِّمنِي أَحَد مِنْهُمْ وَلَا يُسَلِّمنِي \" وَاسْتَبْعَدَهُ لِأَنَّ الْمَعْرُوف أَنَّ السَّلَام إِنَّمَا يَتَعَدَّى بِحَرْفِ جَرّ , وَقَدْ يُوَجَّه بِأَنْ يَكُون اِتِّبَاعًا , أَوْ يَرْجِع إِلَى قَوْل مَنْ فَسَّرَ السَّلَام بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتَ مُسْلِم مِنِّي. وَقَوْله \" وَكَانَتْ أُمّ سَلَمَة مَعْنِيَّة فِي أَمْرِي \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَكَسْر النُّون بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة مِنْ الِاعْتِنَاء , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مُعَيَّنَة \" بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْر الْعَيْن وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدَهَا نُون مِنْ الْعَوْن. وَالْأَوَّل أُنْسَب. وَقَوْله \" يَحْطِمُكُمْ \" فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْمُسْتَمْلِي \" يَخْطَفكُمْ \" ‏"
    },
    {
        "id": "4310",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏وَكَانَ قَائِدَ ‏ ‏كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارِ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ‏}",
        "sharh": "ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مُخْتَصَرًا مِنْ قِصَّة تَوْبَة كَعْبٍ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4311",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ السَّبَّاقِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْوَحْيَ ‏ ‏قَالَ أَرْسَلَ إِلَيَّ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مَقْتَلَ ‏ ‏أَهْلِ الْيَمَامَةِ ‏ ‏وَعِنْدَهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ ‏ ‏اسْتَحَرَّ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْيَمَامَةِ ‏ ‏بِالنَّاسِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ ‏ ‏يَسْتَحِرَّ ‏ ‏الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنْ تَجْمَعُوهُ وَإِنِّي لَأَرَى أَنْ تَجْمَعَ الْقُرْآنَ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ لِذَلِكَ صَدْرِي وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏عِنْدَهُ جَالِسٌ لَا يَتَكَلَّمُ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ وَلَا نَتَّهِمُكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الرِّقَاعِ وَالْأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ ‏ ‏التَّوْبَةِ ‏ ‏آيَتَيْنِ مَعَ ‏ ‏خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ ‏ { ‏لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ‏} ‏إِلَى آخِرِهِمَا وَكَانَتْ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ عِنْدَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏وَاللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏وَقَالَ مَعَ ‏ ‏أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏مَعَ ‏ ‏أَبِي خُزَيْمَةَ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو ثَابِتٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏وَقَالَ مَعَ ‏ ‏خُزَيْمَةَ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أَبِي خُزَيْمَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي اِبْن السَّبَّاق ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة , اِسْمه عُبَيْد , وَسَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي فَضَائِل الْقُرْآن , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْجِهَاد التَّنْبِيه عَلَى اِخْتِلَاف عُبَيْد بْن السَّبَّاق وَخَارِجَة بْن زَيْد فِي تَعْيِين الْآيَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عُثْمَان بْن عُمَر وَاللَّيْث بْن سَعْد عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏أَمَّا مُتَابَعَة عُثْمَان بْن عُمَر فَوَصَلَهَا أَحْمَد وَإِسْحَاق فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْهُ , وَأَمَّا مُتَابَعَة اللَّيْث عَنْ يُونُس فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَفِي التَّوْحِيد. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد عَنْ اِبْن شِهَاب وَقَالَ : مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ اللَّيْث فِيهِ شَيْخًا آخَرَ عَنْ اِبْن شِهَاب , وَأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور لَكِنْ خَالَفَ فِي قَوْله \" مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيّ \" فَقَالَ \" مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ \" وَرِوَايَة اللَّيْث هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيُّ فِي \" مُعْجَم الصَّحَابَة \" مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح كَاتِب اللَّيْث عَنْهُ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُوسَى عَنْ إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا اِبْن شِهَاب وَقَالَ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ , وَتَابَعَهُ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏أَمَّا مُوسَى فَهُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل , وَأَمَّا إِبْرَاهِيم فَهُوَ اِبْن سَعْد , وَيَعْقُوب هُوَ وَلَده , وَمُتَابَعَة مُوسَى وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي فَضَائِل الْقُرْآن , وَقَالَ فِي آيَة التَّوْبَة \" مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ \" وَفِي آيَة الْأَحْزَاب \" مَعَ خُزَيْمَةَ بْن ثَابِت الْأَنْصَارِيّ \" وَمِمَّا نُنَبِّهُ عَلَيْهِ أَنَّ آيَة التَّوْبَة وَجَدَهَا زَيْد بْن ثَابِت لَمَّا جَمَعَ الْقُرْآن فِي عَهْد أَبِي بَكْر , وَآيَة الْأَحْزَاب وَجَدَهَا لَمَّا نَسَخَ الْمَصَاحِف فِي عَهْد عُثْمَان , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ وَاضِحًا فِي فَضَائِل الْقُرْآن. وَأَمَّا رِوَايَة يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم فَوَصَلَهَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي دَاوُدَ فِي \" كِتَاب الْمَصَاحِف \" مِنْ طَرِيقه , وَكَذَا أَخْرَجَهَا أَبُو يَعْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْه لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ , وَرَوَاهَا الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" عَنْهُ لَكِنْ قَالَ \" مَعَ خُزَيْمَةَ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو ثَابِت حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم وَقَالَ : مَعَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ ) ‏ ‏فَأَمَّا أَبُو ثَابِت فَهُوَ مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه الْمَدَنِيّ , وَأَمَّا إِبْرَاهِيم فَهُوَ اِبْن سَعْد , وَمُرَاده أَنَّ أَصْحَاب إِبْرَاهِيم بْن سَعْد اِخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضهمْ \" مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ \" وَقَالَ بَعْضهمْ \" مَعَ خُزَيْمَةَ \" وَشَكَّ بَعْضهمْ وَالتَّحْقِيق مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل أَنَّ آيَة التَّوْبَة مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ آيَة الْأَحْزَاب مَعَ خُزَيْمَةَ وَسَتَكُونُ لَنَا عَوْدَة إِلَى تَحْقِيق هَذَا فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَرِوَايَة أَبِي ثَابِت الْمَذْكُورَة وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْأَحْكَام بِالشَّكِّ كَمَا قَالَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4312",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَالْيَهُودُ ‏ ‏تَصُومُ عَاشُورَاءَ فَقَالُوا هَذَا يَوْمٌ ظَهَرَ فِيهِ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَلَى ‏ ‏فِرْعَوْنَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَصْحَابِهِ ‏ ‏أَنْتُمْ أَحَقُّ ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏مِنْهُمْ فَصُومُوا ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي صِيَام عَاشُورَاء وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الصِّيَام , وَمُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ قَوْله فِي بَعْض طُرُقه : ذَاكَ يَوْم نُجِّيَ فِيهِ مُوسَى وَأُغْرِقَ فِرْعَوْن. ‏"
    },
    {
        "id": "4313",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَبَّاحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقْرَأُ أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ ‏ ‏أُنَاسٌ كَانُوا يَسْتَحْيُونَ أَنْ يَتَخَلَّوْا فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ وَأَنْ يُجَامِعُوا نِسَاءَهُمْ فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن عَبَّاد بْن جَعْفَر ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ هِشَام بْن يُوسُف عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ , وَتَابَعَهُ حَجَّاج عِنْدَ أَحْمَد , وَقَالَ أَبُو أُسَامَة عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ سَمِعَ اِبْن عَبَّاس يَقْرَأ أَلَّا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ ) ‏ ‏يَعْنِي بِفَتْحِ أَوَّله بِتَحْتَانِيَّةِ وَفِي رِوَايَة بِفَوْقَانِيَّةِ وَسُكُون الْمُثَلَّثَة وَفَتْح النُّون وَسُكُون الْوَاو وَكَسْر النُّون بَعْدَهَا يَاء عَلَى وَزْن تُفْعَوْعَل , وَهُوَ بِنَاء مُبَالَغَة كَاعْشَوْشَبَ , لَكِنْ جُعِلَ الْفِعْل لِلصُّدُورِ , وَأَنْشَدَ الْفَرَّاء لِعَنْتَرَةَ : ‏ ‏وَقَوْلك لِلشَّيْءِ الَّذِي لَا تَنَالُهُ ‏ ‏إِذَا مَا هُوَ اِحْلَوْلِي أَلَا لَيْتَ ذَا لِيَا ‏ ‏وَحَكَى أَهْل الْقِرَاءَات عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْكَلِمَة قِرَاءَات أُخْرَى وَهِيَ يَثْنَوِنَّ بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْمُثَلَّثَة وَفَتْح النُّون وَكَسْر الْوَاو وَتَشْدِيد النُّون مِنْ الثَّنْي بِالْمُثَلَّثَةِ وَالنُّون وَهُوَ مَا هَشَّ وَضَعُفَ مِنْ النَّبَات , وَقِرَاءَة ثَالِثَة عَنْهُ أَيْضًا بِوَزْنِ يَرْعَوِي , وَقَالَ أَبُو حَاتِم السِّجِسْتَانِيُّ : فِي هَذِهِ الْقِرَاءَة غَلَط إِذْ لَا يُقَال ثَنَوْتُهُ فَانْثَوَى كَرَعَوْتُهُ فَاِرْعَوى. قُلْت : وَفِي الشَّوَاذّ قِرَاءَات أُخْرَى لَيْسَ هَذَا مَوْضِع بَسْطهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أُنَاس كَانُوا يَسْتَخِفُّونَ أَنْ يَتَخَلَّوْا ) ‏ ‏أَيْ أَنْ يَقْضُوا الْحَاجَة فِي الْخَلَاء وَهُمْ عُرَاة , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ رَوَى يَتَحَلَّوْا بِالْمُهْمَلَةِ , وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن يَعْنِي الْقَابِسِيّ أَنَّهُ أَحْسَن أَيْ يَرْقُد عَلَى حَلَاوَة قَفَاهُ. قُلْت : وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَفِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة : كَانُوا لَا يَأْتُونَ النِّسَاء وَلَا الْغَائِط إِلَّا وَقَدْ تَغَشَّوْا بِثِيَابِهِمْ كَرَاهَة أَنْ يُفْضُوا بِفُرُوجِهِمْ إِلَى السَّمَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "4314",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَرَأَ أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ قُلْتُ يَا ‏ ‏أَبَا الْعَبَّاسِ ‏ ‏مَا تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ قَالَ ‏ ‏كَانَ الرَّجُلُ يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ فَيَسْتَحِي أَوْ ‏ ‏يَتَخَلَّى فَيَسْتَحِي فَنَزَلَتْ أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4315",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قَالَ قَرَأَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ { ‏أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ ‏ ‏يَسْتَغْشُونَ ‏ ‏ثِيَابَهُمْ ‏} ‏و قَالَ ‏ ‏غَيْرُهُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ { ‏يَسْتَغْشُونَ ‏} ‏يُغَطُّونَ رُءُوسَهُمْ ‏ { ‏سِيءَ بِهِمْ ‏} ‏سَاءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ ‏ { ‏وَضَاقَ بِهِمْ ‏} ‏بِأَضْيَافِهِ ‏ { ‏بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ ‏} ‏بِسَوَادٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ { ‏إِلَيْهِ أُنِيبُ ‏} ‏أَرْجِعُ ‏",
        "sharh": "قَوْله : ( فِي رِوَايَة عَمْرو ) هُوَ اِبْن دِينَار ( قَالَ قَرَأَ اِبْن عَبَّاس أَلَّا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورهمْ ) ضَبْط أَوَّله بِالْيَاءِ التَّحْتَانِيَّة وَبَنُونَ آخِرَهُ وَصُدُورَهُمْ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة وَهِيَ قِرَاءَة الْجُمْهُور , كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِأَبِي ذَرّ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ , وَلِسَعِيدِ بْن مَنْصُور عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ يَثْنُونِي أَوَّله تَحْتَانِيَّة وَآخِره تَحْتَانِيَّة أَيْضًا , وَزَادَ وَعَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَج عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ غَيْره ) أَيْ عَنْ اِبْن عَبَّاس ( يَسْتَغْشُونَ يُغَطُّونَ رُءُوسَهُمْ ) ‏ ‏الضَّمِير فِي غَيْره يَعُود عَلَى عَمْرو بْن دِينَار , وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس وَتَفْسِير التَّغَشِّي بِالتَّغْطِيَةِ مُتَّفَق عَلَيْهِ. وَتَخْصِيص ذَلِكَ بِالرَّأْسِ يَحْتَاج إِلَى تَوْقِيف , وَهَذَا مَقْبُول مِنْ مِثْل اِبْن عَبَّاس , يُقَال مِنْهُ اِسْتَغْشَى بِثَوْبِهِ وَتَغَشَّاهُ. وَقَالَ الشَّاعِر \" وَتَارَةً أَتَغَشَّى فَضْل أَطْمَارِي \". ‏ ‏قَوْله : ( سِيءَ بِهِمْ سَاءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ وَضَاقَ بِهِمْ بِأَضْيَافِهِ ) ‏ ‏هُوَ تَفْسِير اِبْن عَبَّاس , وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَة ( وَلَمَا جَاءَتْ رُسُلنَا لُوطًا ) سَاءَ ظَنًّا بِقَوْمِهِ وَضَاقَ ذَرْعًا بِأَضْيَافِهِ , وَيَلْزَم مِنْهُ اِخْتِلَاف الضَّمِيرَيْنِ , وَأَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ عَلَى اِتِّحَادهمَا. وَصَلَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق الضَّحَّاك قَالَ : سَاءَهُ مَكَانهمْ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنْ الْجَمَال. ‏ ‏قَوْله : ( بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْل بِسَوَادٍ ) ‏ ‏وَصَلَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة مَعْنَاهُ بِبَعْضٍ مِنْ اللَّيْل , وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ بِطَائِفَةٍ مِنْ اللَّيْل. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُجَاهِد إِلَيْهِ أُنِيبَ أَرْجِع ) ‏ ‏وَكَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرّ نِسْبَتُهُ إِلَى مُجَاهِد فَأَوْهَمَ أَنَّهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس كَمَا قَبْلَهُ , وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق اِبْن نَجِيح عَنْ مُجَاهِد بِهَذَا , وَوَقَعَ لِلْأَكْثَرِ قُبَيْلَ قَوْله \" بَاب وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء \". ‏"
    },
    {
        "id": "4316",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ ‏أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ وَقَالَ يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا ‏ ‏تَغِيضُهَا ‏ ‏نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَقَالَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ ‏ ‏يَغِضْ ‏ ‏مَا فِي يَدِهِ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ ‏ { ‏اعْتَرَاكَ ‏} ‏افْتَعَلَكَ مِنْ عَرَوْتُهُ أَيْ أَصَبْتُهُ وَمِنْهُ يَعْرُوهُ وَاعْتَرَانِي ‏ { ‏آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ‏} ‏أَيْ فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ عَنِيدٌ وَعَنُودٌ وَعَانِدٌ وَاحِدٌ هُوَ تَأْكِيدُ التَّجَبُّرِ ‏ { ‏اسْتَعْمَرَكُمْ ‏} ‏جَعَلَكُمْ عُمَّارًا أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى جَعَلْتُهَا لَهُ ‏ { ‏نَكِرَهُمْ ‏} ‏وَأَنْكَرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ ‏ { ‏حَمِيدٌ مَجِيدٌ ‏} ‏كَأَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ مَاجِدٍ مَحْمُودٌ مِنْ حَمِدَ سِجِّيلٌ الشَّدِيدُ الْكَبِيرُ سِجِّيلٌ ‏ ‏وَسِجِّينٌ ‏ ‏وَاللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ وَقَالَ ‏ ‏تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ ‏ ‏وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضَاحِيَةً ‏ ‏ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ ‏ ‏سِجِّينَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِعْتَرَاك افْتَعَلَك مِنْ عَرَوْته أَيْ أَصَبْته , وَمِنْهُ يَعْرُوهُ وَاعْتَرَانِي ) ‏ ‏هُوَ كَلَام أَبِي عُبَيْدَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي فَرْض الْخَمْس , وَثَبَتَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ اِعْتَرَاك اِفْتَعَلْت بِمُثَنَّاةٍ فِي آخِره وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَة , وَاعْتَرَى اِفْتَعَلَ مِنْ عَرَاهُ يَعْرُوهُ إِذَا أَصَابَهُ , وَقَوْله : ( إِنْ نَقُول إِلَّا اِعْتَرَاك ) مَا بَعْدَ إِلَّا مَفْعُول بِالْقَوْلِ قَبْلَهُ وَلَا يَحْتَاج إِلَى تَقْدِير مَحْذُوف كَمَا قَدَّرَهُ بَعْضهمْ أَيْ مَا نَقُول إِلَّا هَذَا اللَّفْظ , فَالْجُمْلَة مَحْكِيَّة , نَحْو مَا قُلْت إِلَّا زَيْد قَائِم. ‏ ‏قَوْله : ( آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا فِي مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ ) ‏ ‏هُوَ كَلَام أَبِي عُبَيْدَة أَيْضًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق وَثَبَتَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنِيد وَعَنُود وَعَانِد وَاحِدٌ , هُوَ تَأْكِيد التَّجَبُّر ) ‏ ‏هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة بِمَعْنَاهُ , لَكِنْ قَالَ : وَهُوَ الْعَادِل عَنْ الْحَقّ وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : الْمُعَارِض الْمُخَالِف. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَعْمَرَكُمْ جَعَلَكُمْ عُمَّارًا , أَعْمَرْتُهُ الدَّار فَهِيَ عُمْرَى ) ‏ ‏سَقَطَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْهِبَة. ‏ ‏قَوْله : ( نَكِرَهُمْ وَأَنْكَرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِد ) ‏ ‏هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة وَأَنْشَدَ \" وَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَمِيدٌ مَجِيدٌ كَأَنَّهُ فَعِيل مِنْ مَاجِد مَحْمُود مِنْ حَمِدَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا , وَاَلَّذِي فِي كَلَام أَبِي عُبَيْدَة : حَمِيد مَجِيد أَيْ مَحْمُود مَاجِد , وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب , وَالْحَمِيد فَعِيل مِنْ حَمِدَ فَهُوَ حَامِد أَيْ يَحْمَد مَنْ يُطِيعهُ , أَوْ هُوَ حَمِيد بِمَعْنَى مَحْمُود , وَالْمَجِيد فَعِيل مِنْ مَجُدَ بِضَمِّ الْجِيم يَمْجُد كَشَرُفَ يَشْرُف وَأَصْله الرِّفْعَة. ‏ ‏قَوْله : ( سِجِّيل الشَّدِيد الْكَبِير , سِجِّيل وَسِجِّين وَاحِد , وَاللَّام وَالنُّون أُخْتَانِ. وَقَالَ تَمِيم بْن مُقْبِل : ‏ ‏وَرِجْلَة يَضْرِبُونَ الْبِيض ضَاحِيَةً ‏ ‏ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَال سِجِّينَا ‏ ‏هُوَ كَلَام أَبِي عُبَيْدَة بِمَعْنَاهُ , قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ( حِجَارَة مِنْ سِجِّيل ) هُوَ الشَّدِيد مِنْ الْحِجَارَة الصَّلْب , وَمِنْ الضَّرْب أَيْضًا قَالَ اِبْن مُقْبِل , فَذَكَرَهُ. قَالَ : وَقَوْله سِجِّيلًا أَيْ شَدِيدًا , وَبَعْضهمْ يُحَوِّل اللَّام نُونًا. وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَرَ : السِّجِّيل الشَّدِيد الْكَثِير. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ اِبْن قُتَيْبَة بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْنَى السِّجِّيل الشَّدِيد لَمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ وَكَانَ يَقُول حِجَارَة سِجِّيلًا لِأَنَّهُ لَا يُقَال حِجَارَة مِنْ شَدِيد , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون الْمَوْصُوف حُذِفَ. وَأَنْشَدَ غَيْر أَبِي عُبَيْدَة الْبَيْت الْمَذْكُور فَأَبْدَلَ قَوْله \" ضَاحِيَةً \" بِقَوْلِهِ \" عَنْ عُرُض \" وَهُوَ بِضَمَّتَيْنِ وَضَاد مُعْجَمَة , وَسَيَأْتِي قَوْل اِبْن عَبَّاس وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ الْكَلِمَة فَارِسِيَّة فِي تَفْسِير سُورَة الْفِيل , وَقَدْ قَالَ الْأَزْهَرِيّ : إِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا فَارِسِيَّة فَقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَب فَصَارَتْ , وَقِيلَ هُوَ اِسْم لِسَمَاءِ الدُّنْيَا , وَقِيلَ بَحْر مُعَلَّق بَيْنَ السَّمَاء وَالْأَرْض نَزَلَتْ مِنْهُ الْحِجَارَة , وَقِيلَ هِيَ جِبَال فِي السَّمَاء. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏تَمِيم بْن مُقْبِل هُوَ اِبْن خُبَيْبِ بْن عَوْف بْن قُتَيْبَة بْن الْعَجْلَان بْن كَعْب بْن عَامِر بْن صَعْصَعَة الْعَامِرِيّ ثُمَّ الْعَجْلَانِيّ , شَاعِر مُخَضْرَم أَدْرَكَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام , وَكَانَ أَعْرَابِيًّا جَافِيًا , وَلَهُ قِصَّة مَعَ عُمَر , ذَكَرَهُ الْمَرْزُبَانِيّ \" وَرَجْلَة بِفَتْحِ الرَّاء وَيَجُوز كَسْرهَا عَلَى تَقْدِير ذَوِي رِجْلَة وَالْجِيم سَاكِنَة , وَحَكَى اِبْن التِّين فِي هَذَا الْحَاء الْمُهْمَلَة , وَالْبَيْض بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة جَمْع بَيْضَة وَهِيَ الْخُوذَة , أَوْ بِكَسْرِهَا جَمْع أَبْيَض وَهُوَ السَّيْف \" فَعَلَى الْأَوَّل الْمُرَاد مَوَاضِع الْبِيض وَهِيَ الرُّءُوس , وَعَلَى الثَّانِي الْمُرَاد يَضْرِبُونَ بِالْبِيضِ عَلَى نَزْع الْخَافِض وَالْأَوَّل أَوْجَه. وَضَاحِيَة أَيْ ظَاهِرَة , أَوْ الْمُرَاد فِي وَقْت الضَّحْوَة. وَتَوَاصَى أَصْله تَتَوَاصَى فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ , وَرُوِيَ تَوَاصَتْ بِمُثَنَّاةِ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّة فِي آخِرِهِ , وَقَوْله سِجِّينًا بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْجِيم , قَالَ الْحَسَن بْن الْمُظَفَّر : هُوَ فَعِيل مِنْ السَّجْن كَأَنَّهُ يُثَبِّت مَنْ وَقَعَ فِيهِ فَلَا يَبْرَح مَكَانَهُ , وَعَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ أَنَّهُ رَوَاهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة بَدَلَ الْجِيم أَيْ ضَرْبًا حَارًّا. ‏"
    },
    {
        "id": "4317",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏وَهِشَامٌ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ ‏ ‏قَالَ بَيْنَا ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏يَطُوفُ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَوْ قَالَ يَا ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏سَمِعْتَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي النَّجْوَى فَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يُدْنَى الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏يَدْنُو ‏ ‏الْمُؤْمِنُ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ ‏ ‏كَنَفَهُ ‏ ‏فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا يَقُولُ أَعْرِفُ يَقُولُ رَبِّ أَعْرِفُ مَرَّتَيْنِ فَيَقُولُ ‏ ‏سَتَرْتُهَا فِي الدُّنْيَا وَأَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ثُمَّ تُطْوَى صَحِيفَةُ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الْآخَرُونَ أَوْ الْكُفَّارُ فَيُنَادَى عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ ‏ { ‏هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ‏} ‏وَقَالَ ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَفْوَانُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا صَفْوَان ) ‏ ‏وَصَلَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق شَيْبَانَ , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4318",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بُرَيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ قَالَ ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنْبَأَنَا بَرِيد بْن أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرّ وَوَقَعَ لِغَيْرِهِ \" عَنْ أَبِي بُرْدَة \" بَدَلَ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ أَصْوَب لِأَنَّ بَرِيد هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي بُرْدَة فَأَبُو بُرْدَة جَدُّهُ لَا أَبُوهُ , لَكِنْ يَجُوز إِطْلَاق الْأَب عَلَيْهِ مَجَازًا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّه لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ ) ‏ ‏أَيْ يُمْهِلُهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة \" إِنَّ اللَّه يُمْلِي \" وَرُبَّمَا قَالَ \" يُمْهِلُ \" وَرَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعِيد الْجَوْهَرِيّ عَنْ أَبِي أُسَامَة عَنْ يَزِيد قَالَ \" يُمْلِي \" وَلَمْ يَشُكّ. قُلْت : قَدْ رَوَاهُ مُسْلِم وَابْن مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُق عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة \" يُمْلِي \" وَلَمْ يَشُكّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله مِنْ الرُّبَاعِيّ أَيْ لَمْ يُخَلِّصْهُ , أَيْ إِذَا أَهْلَكَهُ لَمْ يَرْفَع عَنْهُ الْهَلَاك , وَهَذَا عَلَى تَفْسِير الظُّلْم بِالشِّرْكِ عَلَى إِطْلَاقه , وَإِنْ فُسِّرَ بِمَا هُوَ أَعَمّ فَيُحْمَل كُلّ عَلَى مَا يَلِيق بِهِ , وَقِيلَ مَعْنَى لَمْ يُفْلِتهُ لَمْ يُؤَخِّرهُ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَتَبَادَر مِنْهُ أَنَّ الظَّالِم إِذَا صُرِفَ عَنْ مَنْصِبه وَأُهِينَ لَا يَعُود إِلَى عِزّه , وَالْمُشَاهَد فِي بَعْضهمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ , فَالْأَوْلَى حَمْله عَلَى مَا قَدَّمْته. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4319",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ هُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ‏ { ‏وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏الرَّجُلُ ‏ ‏أَلِيَ هَذِهِ قَالَ ‏ ‏لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسَدَّد حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِيهِ , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُعَاذ بْن الْمُثَنَّى عَنْ مُسَدَّد عَنْ سَلَّامِ بْن أَبِي مُطِيع عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ , وَكَانَ لِمُسَدَّدٍ فِيهِ شَيْخَانِ ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي عُثْمَان ) ‏ ‏هُوَ النَّهْدِيُّ , فِي رِوَايَة لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَبِي نُعَيْم \" حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَان \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ اِمْرَأَة قُبْلَةً , فَأَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ فَذَكَرَ أَنَّهُ أَصَابَ مِنْ اِمْرَأَة قُبْلَةً أَوْ مَسًّا بِيَدٍ أَوْ شَيْئًا , كَأَنَّهُ يَسْأَل عَنْ كَفَّارَة ذَلِكَ. وَعِنْدَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ بِإِسْنَادِهِ \" ضَرَبَ رَجُل عَلَى كَفَل اِمْرَأَة \" الْحَدِيث , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم وَأَصْحَاب السُّنَن مِنْ طَرِيق سِمَاك بْن حَرْب عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَة وَالْأَسْوَد عَنْ اِبْن مَسْعُود \" جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي وَجَدْت اِمْرَأَة فِي بُسْتَان فَفَعَلْت بِهَا كُلّ شَيْء غَيْرَ أَنِّي لَمْ أُجَامِعْهَا , قَبَّلْتهَا وَلَزِمْتهَا , فَافْعَلْ بِي مَا شِئْت \" الْحَدِيثَ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ قَالَ \" جَاءَ فُلَان بْن مُعْتَب الْأَنْصَارِيّ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه دَخَلْت عَلَى اِمْرَأَة فَنِلْت مِنْهَا مَا يَنَال الرَّجُل مِنْ أَهْله إِلَّا أَنِّي لَمْ أُجَامِعْهَا \" الْحَدِيثَ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ لَكِنْ قَالَ \" إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ مُعْتَب \" وَقَدْ جَاءَ أَنَّ اِسْمه كَعْب بْن عَمْرو وَهُوَ أَبُو الْيَسَر بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَالْمُهْمَلَة الْأَنْصَارِيّ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَزَّار مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن طَلْحَة عَنْ أَبِي الْيُسْر بْن عَمْرو أَنَّهُ أَتَتْهُ اِمْرَأَة وَزَوْجُهَا قَدْ بَعَثَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْث , فَقَالَتْ لَهُ : بِعْنِي تَمْرًا بِدِرْهَمٍ , قَالَ فَقُلْت لَهَا وَأَعْجَبَتْنِي إِنَّ فِي الْبَيْت تَمْرًا أَطْيَبَ مِنْ هَذَا , فَانْطَلَقَ بِهَا مَعَهُ فَغَمَزَهَا وَقَبَّلَهَا ثُمَّ فَرَغَ , فَخَرَجَ فَلَقِيَ أَبَا بَكْر فَأَخْبَرَهُ , فَقَالَ تُبْ وَلَا تَعُدْ. ثُمَّ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيث , وَفِي رِوَايَته أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْر فَنَزَلَتْ , وَفِي رِوَايَة اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق أَبِي بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ \" جَاءَتْ اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار إِلَى رَجُل يَبِيع التَّمْر بِالْمَدِينَةِ وَكَانَتْ حَسْنَاءَ جَمِيلَة فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا أَعْجَبَتْهُ \" فَذَكَرَ نَحْوه , وَلَمْ يُسَمِّ الرَّجُل وَلَا الْمَرْأَة وَلَا زَوْجهَا , وَذَكَرَ بَعْض الشُّرَّاح فِي اِسْم هَذَا الرَّجُل نَبْهَانُ التَّمَّار , وَقِيلَ عَمْرو بْن غُزِّيَّةَ وَقِيلَ أَبُو عَمْرو زَيْد بْن عَمْرو بْن غُزِّيَّةَ وَقِيلَ عَامِر بْن قَيْس وَقِيلَ عَبَّاد. قُلْت : وَقِصَّة نَبْهَان التَّمَّار ذَكَرَهَا عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد الثَّقَفِيّ أَحَد الضُّعَفَاء فِي تَفْسِيره عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَأَخْرَجَهُ الثَّعْلَبِيّ وَغَيْره مِنْ طَرِيق مُقَاتِل عَنْ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ نَبْهَانًا التَّمَّار أَتَتْهُ اِمْرَأَة حَسْنَاء جَمِيلَة تَبْتَاع مِنْهُ تَمْرًا فَضَرَبَ عَلَى عَجِيزَتهَا ثُمَّ نَدِمَ , فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِيَّاكَ أَنْ تَكُون اِمْرَأَة غَازٍ فِي سَبِيل اللَّه , فَذَهَبَ يَبْكِي وَيَصُوم وَيَقُوم , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّه ) الْآيَةَ فَأَخْبَرَهُ , فَحَمِدَ اللَّه وَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه هَذِهِ تَوْبَتِي قُبِلَتْ , فَكَيْفَ لِي بِأَنْ يُتَقَبَّلَ شُكْرِي ؟ فَنَزَلَتْ ( وَأَقِمْ الصَّلَاة طَرَفَيْ النَّهَار ) الْآيَةَ \" , قُلْت : وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى وَاقِعَة أُخْرَى , لِمَا بَيْنَ السِّيَاقَيْنِ مِنْ الْمُغَايَرَة. وَأَمَّا قِصَّة اِبْن غُزِّيَّةَ فَأَخْرَجَهَا اِبْن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيق الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ‏ ‏قَوْله : ( وَأَقِمْ الصَّلَاة طَرَفَيْ النَّهَار ) ‏ ‏قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَمْرو بْن غُزِّيَّةَ وَكَانَ يَبِيع التَّمْر , فَأَتَتْهُ اِمْرَأَة تَبْتَاع تَمْرًا فَأَعْجَبَتْهُ. الْحَدِيثَ. وَالْكَلْبِيّ ضَعِيف. فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ أَيْضًا عَلَى التَّعَدُّد. وَظَنَّ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ عَمْرو بْن غُزِّيَّةَ اِسْم أَبِي الْيَسَر فَجَزَمَ بِهِ فَوَهِمَ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَعَبْد بْن حُمَيْدٍ وَغَيْرهمَا مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ قَالَ \" جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي أَصَبْت حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ فَسَكَتَ عَنْهُ ثَلَاثًا فَأُقِيمَتْ الصَّلَاة فَدَعَا الرَّجُل فَقَالَ : أَرَأَيْت حِينَ خَرَجْت مِنْ بَيْتك أَلَسْت قَدْ تَوَضَّأْت فَأَحْسَنْت الْوُضُوء ؟ قَالَ : بَلَى , قَالَ : ثُمَّ شَهِدْت الصَّلَاة مَعَنَا ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ : فَإِنَّ اللَّه قَدْ غَفَرَ لَك. وَتَلَا هَذِهِ الْآيَة. فَهِيَ قِصَّة أُخْرَى ظَاهِر سِيَاقهَا أَنَّهَا مُتَأَخِّرَة عَنْ نُزُول الْآيَة , وَلَعَلَّ الرَّجُل ظَنَّ أَنَّ كُلّ خَطِيئَة فِيهَا حَدٌّ , فَأَطْلَقَ عَلَى مَا فَعَلَ حَدًّا , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي كِتَاب الْحُدُود إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَأَمَّا قِصَّة عَامِر بْن قَيْس فَذَكَرَهَا مُقَاتِل بْن سُلَيْمَان فِي تَفْسِيره. وَأَمَّا قِصَّة عَبَّاد فَحَكَاهَا الْقُرْطُبِيّ وَلَمْ يَعْزُهَا , وَعَبَّاد اِسْم جَدّ أَبِي الْيَسَر فَلَعَلَّهُ نَسَبَ ثُمَّ سَقَطَ شَيْء. وَأَقْوَى الْجَمِيع أَنَّهُ أَبُو الْيَسَر وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق أَنَّهُ أَتَى أَبَا بَكْر وَعُمَر أَيْضًا , وَقَالَ فِيهَا \" فَكُلّ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ كَفَّارَة ذَلِكَ قَالَ : أَمُعْزِبَة هِيَ ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ : لَا أَدْرِي. حَتَّى أَنْزَلَ. فَذَكَرَ بَقِيَّة الْحَدِيث. وَهَذِهِ الزِّيَادَة وَقَعَتْ فِي حَدِيث يُوسُف بْن مِهْرَانَ عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْدَ أَحْمَد بِمَعْنَاهُ دُونَ قَوْله لَا أَدْرِي. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الرَّجُل أَلِيَ هَذِهِ ) ‏ ‏؟ أَيْ الْآيَة يَعْنِي خَاصَّة بِي بِأَنَّ صَلَاتِي مُذْهِبَة لِمَعْصِيَتِي. وَظَاهِر هَذَا أَنَّ صَاحِب الْقِصَّة هُوَ السَّائِل عَنْ ذَلِكَ. وَلِأَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" قَالَ يَا رَسُول اللَّه أَلِيَ خَاصَّة أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّة ؟ فَضَرَبَ عُمَر صَدْره وَقَالَ : لَا وَلَا نِعْمَة عَيْن , بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّة. فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَ عُمَر \" وَفِي حَدِيث أَبِي الْيَسَر \" فَقَالَ إِنْسَان : يَا رَسُول اللَّه لَهُ خَاصَّة \" وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ عِنْدَ مُسْلِم \" فَقَالَ مُعَاذ يَا رَسُول اللَّه أَلَهُ وَحْدَهُ أَمْ لِلنَّاسِ كَافَّة \" وَلِلدَّارَقُطْنِي مِثْله مِنْ حَدِيث مُعَاذ نَفْسه , وَيُحْمَل عَلَى تَعَدُّد السَّائِلِينَ عَنْ ذَلِكَ. وَقَوْله \" أَلِيَ \" بِفَتْحِ الْهَمْزَة اِسْتِفْهَامًا , وَقَوْله \" هَذَا \" مُبْتَدَأ تَقَدَّمَ خَبَره عَلَيْهِ , وَفَائِدَته التَّخْصِيص. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" قَالَ لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلّهمْ \" وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات ) الْمُرْجِئَةُ وَقَالُوا : إِنَّ الْحَسَنَات تُكَفِّرُ كُلّ سَيِّئَة كَبِيرَة كَانَتْ أَوْ صَغِيرَة , وَحَمَلَ الْجُمْهُور هَذَا الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد فِي الْحَدِيث الصَّحِيح \" إِنَّ الصَّلَاة إِلَى الصَّلَاة كَفَّارَة لِمَا بَيْنَهُمَا مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِر \" فَقَالَ طَائِفَة : إِنْ اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِر كَانَتْ الْحَسَنَات كَفَّارَة لِمَا عَدَا الْكَبَائِر مِنْ الذُّنُوب , وَإِنْ لَمْ تُجْتَنَب الْكَبَائِر لَمْ تَحُطّ الْحَسَنَات شَيْئًا. وَقَالَ آخَرُونَ : إِنْ لَمْ تُجْتَنَب الْكَبَائِر لَمْ تَحُطّ الْحَسَنَات شَيْئًا مِنْهَا وَتَحُطّ الصَّغَائِر. وَقِيلَ : الْمُرَاد أَنَّ الْحَسَنَات تَكُون سَبَبًا فِي تَرْك السَّيِّئَات كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّ الصَّلَاة تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر ) لَا أَنَّهَا تُكَفِّر شَيْئًا حَقِيقَةً , وَهَذَا قَوْل بَعْض الْمُعْتَزِلَة. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : ذَهَب بَعْض أَهْل الْعَصْر إِلَى أَنَّ الْحَسَنَات تُكَفِّرُ الذُّنُوب , وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة وَغَيْرهَا مِنْ الْآيَات وَالْأَحَادِيث الظَّاهِرَة فِي ذَلِكَ. قَالَ : وَيَرِد الْحَثّ عَلَى التَّوْبَة فِي أَيّ كَبِيرَة , فَلَوْ كَانَتْ الْحَسَنَات تُكَفِّر جَمِيع السَّيِّئَات لَمَا اِحْتَاجَ إِلَى التَّوْبَة. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى عَدَم وُجُوب الْحَدّ فِي الْقُبْلَة وَاللَّمْس وَنَحْوهمَا , وَعَلَى سُقُوط التَّعْزِيز عَمَّنْ أَتَى شَيْئًا مِنْهَا وَجَاءَ تَائِبًا نَادِمًا. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ اِبْن الْمُنْذِر أَنَّهُ لَا حَدّ عَلَى مَنْ وُجِدَ مَعَ اِمْرَأَة أَجْنَبِيَّة فِي ثَوْب وَاحِد. ‏"
    },
    {
        "id": "4320",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4321",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ قَالَ أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ قَالَ ‏ ‏فَأَكْرَمُ النَّاسِ ‏ ‏يُوسُفُ ‏ ‏نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ قَالَ فَعَنْ مَعَادِنِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏تَسْأَلُونِي قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4322",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَجَّاجُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ ‏ ‏وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ كُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ الْحَدِيثِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ قُلْتُ إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَجِدُ مَثَلًا إِلَّا ‏ ‏أَبَا يُوسُفَ ‏ { ‏فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ‏} ‏وَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ‏} ‏الْعَشْرَ الْآيَاتِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4323",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَتْنِي ‏ ‏أُمُّ رُومَانَ ‏ ‏وَهْيَ ‏ ‏أُمُّ عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا ‏ ‏وَعَائِشَةُ ‏ ‏أَخَذَتْهَا الْحُمَّى فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَعَلَّ فِي حَدِيثٍ تُحُدِّثَ قَالَتْ نَعَمْ وَقَعَدَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏قَالَتْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ ‏ ‏كَيَعْقُوبَ ‏ ‏وَبَنِيهِ ‏ { ‏بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4324",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ ‏ { ‏هَيْتَ لَكَ ‏} ‏قَالَ وَإِنَّمَا نَقْرَؤُهَا كَمَا عُلِّمْنَاهَا ‏ { ‏مَثْوَاهُ ‏} ‏مُقَامُهُ ‏ { ‏وَأَلْفَيَا ‏} ‏وَجَدَا ‏ { ‏أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ‏} { ‏أَلْفَيْنَا ‏} ‏وَعَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ { ‏بَلْ ‏ ‏عَجِبْتُ ‏ ‏وَيَسْخَرُونَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَشُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود ( قَالَتْ هَيْتَ لَك ) وَقَالَ إِنَّمَا نَقْرَؤُهَا كَمَا عُلِّمْنَاهَا ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَأَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش بِلَفْظِ : إِنِّي سَمِعْت الْفَرَّاء فَسَمِعَهُمْ مُتَقَارِبَيْنِ , فَاقْرَءُوا كَمَا عَلِمْتُمْ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّع وَالِاخْتِلَاف , فَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ الرَّجُل : هَلُمَّ وَتَعَالَ , ثُمَّ قَرَأَ ( وَقَالَتْ هَيْتَ لَك ) فَقُلْت : إِنَّ نَاسًا يَقْرَءُونَهَا ( هِيتَ لَك ) قَالَ : لَا , لَأَنْ أَقْرَأَهَا كَمَا عَلِمْت أَحَبّ إِلَيَّ وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق شَيْبَانَ وَزَائِدَة عَنْ الْأَعْمَش نَحْوه , وَمِنْ طَرِيق طَلْحَة بْن مُصَرِّف عَنْ أَبِي وَائِل أَنَّ اِبْن مَسْعُود قَرَأَهَا ( هَيْتَ لَك بِالْفَتْحِ , وَمِنْ طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ الْأَعْمَش. بِإِسْنَادِهِ لَكِنْ قَالَ بِالضَّمِّ , وَرَوَى عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق أَبِي وَائِل قَالَ : قَرَأَهَا عَبْد اللَّه بِالْفَتْحِ , قُلْت لَهُ إِنَّ النَّاس يَقْرَءُونَهَا بِالضَّمِّ فَذَكَرَهُ. وَهَذَا أَقْوَى. قُلْت : وَقِرَاءَة اِبْن مَسْعُود بِكَسْرِ الْهَاء وَبِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ بِغَيْرِ هَمْز , وَرَوَى عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي وَائِل أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ , لَكِنْ بِالْهَمْزِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ إِنْكَار أَبِي عَمْرو ذَلِكَ , لَكِنْ ثَبَتَ مَا أَنْكَرَهُ فِي قِرَاءَة هِشَام فِي السَّبْعَة , وَجَاءَ عَنْهُ الضَّمّ وَالْفَتْح أَيْضًا , وَقَرَأَ اِبْن كَثِير بِفَتْحِ الْهَاء وَبِالضَّمِّ , وَقَرَأَ نَافِع وَابْن ذِكْوَانَ بِكَسْرِ أَوَّله وَفَتْح آخِره , وَقَرَأَ الْجُمْهُور بِفَتْحِهِمَا , وَقَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر آخِره وَهِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَالْحَسَن , وَقَرَأَ اِبْن أَبِي إِسْحَاق أَحَد مَشَايِخ النَّحْو بِالْبَصْرَةِ بِكَسْرِ أَوَّله وَضَمّ آخِره , وَحَكَى النَّحَّاس أَنَّهُ قَرَأَ بِكَسْرِهِمَا. وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ عِكْرِمَة أَنَّهَا بِالْحَوْرَانِيَّة فَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء وَغَيْرهمَا كَمَا تَقَدَّمَ , وَعَنْ السُّدِّيِّ أَنَّهَا لُغَة قِبْطِيَّة مَعْنَاهَا هَلُمَّ لَك , وَعَنْ الْحَسَن أَنَّهَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ كَذَلِكَ , وَقَالَ أَبُو زَيْد الْأَنْصَارِيّ هِيَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَأَصْلُهَا هت لج أَيْ تَعَالَهْ فَعُرِّبَتْ , وَقَالَ الْجُمْهُور هِيَ عَرَبِيَّة مَعْنَاهَا الْحَثّ عَلَى الْإِقْبَال , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( مَثْوَاهُ مَقَامه ) ‏ ‏ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرّ وَحْدَهُ وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى ( أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ) أَيْ مَقَامه الَّذِي ثَوَّاهُ , وَيُقَال لِمَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّخْص ضَيْفًا : أَبُو مَثْوَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَلْفَيَا وَجَدَا أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ وَأَلْفَى ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى ( وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَاب ) أَيْ وَجَدَاهُ , وَفِي قَوْله : ( إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ) أَيْ وَجَدُوا. وَفِي قَوْله : ( أَلْفَى ) أَيْ وَجَدَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ اِبْن مَسْعُود بَلْ عَجِبْت وَيَسْخَرُونَ ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِع مَعْطُوفًا عَلَى الْإِسْنَاد الَّذِي قَبْلَهُ وَصَلَهُ الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ الْأَعْمَش بِهَذَا , وَقَدْ أَشْكَلَتْ مُنَاسَبَة إِيرَاد هَذِهِ الْآيَة فِي هَذَا الْمَوْضِع فَإِنَّهَا مِنْ سُورَة وَالصَّافَّات , وَلَيْسَ فِي هَذِهِ السُّورَة مِنْ مَعْنَاهَا شَيْء. لَكِنْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ فِي الْبَاب حَدِيث عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن مَسْعُود \" أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَئُوا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ اِكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُف \" الْحَدِيث وَلَا تَظْهَر مُنَاسَبَته أَيْضًا لِلتَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَة وَهِيَ قَوْله \" بَاب قَوْله وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتهَا عَنْ نَفْسه \" وَقَدْ تَكَلَّفَ لَهَا أَبُو الْإِصْبَع عِيسَى بْن سَهْل فِي شَرْحه فِيمَا نَقَلْته مِنْ رِحْلَة أَبِي عَبْد اللَّه بْن رَشِيد عَنْهُ مَا مُلَخَّصُهُ : تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ \" بَاب قَوْله وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتهَا عَنْ نَفْسه \" وَأَدْخَلَ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَئُوا \" الْحَدِيث وَأَوْرَدَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي التَّرْجَمَة عَنْ اِبْن مَسْعُود ( بَلْ عَجِبْت وَيَسْخَرُونَ ) قَالَ فَانْتَهَى إِلَى مَوْضِع الْفَائِدَة وَلَمْ يَذْكُرهَا وَهُوَ قَوْله : ( وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ , وَإِذَا رَأَوْا آيَة يَسْتَسْخِرُونَ ) قَالَ : وَيُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ مُنَاسَبَة التَّبْوِيب الْمَذْكُورَة , وَوَجْهه أَنَّهُ شَبَّهَ مَا عَرَضَ لِيُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ إِخْوَته وَمَعَ اِمْرَأَة الْعَزِيز بِمَا عَرَضَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْمه حِينَ أَخْرَجُوهُ مِنْ وَطَنه كَمَا أَخْرَجَ يُوسُف إِخْوَته وَبَاعُوهُ لِمَنْ اِسْتَعْبَدَهُ فَلَمْ يُعَنِّفْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمه لَمَّا فَتَحَ مَكَّة كَمَا لَمْ يُعَنِّف يُوسُف إِخْوَته حِينَ قَالُوا لَهُ ( تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَك اللَّه عَلَيْنَا ) وَدَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَطَرِ لَمَّا سَأَلَهُ أَبُو سُفْيَانَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ كَمَا دَعَا يُوسُف لِإِخْوَتِهِ لَمَّا جَاءُوهُ نَادِمِينَ فَقَالَ ( لَا تَثْرِيب عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِر اللَّه لَكُمْ ) قَالَ : فَمَعْنَى الْآيَة بَلْ عَجِبْت مِنْ حِلْمِي عَنْهُمْ مَعَ سُخْرِيَتِهِمْ بِك وَتَمَادِيهِمْ عَلَى غَيّهمْ , وَعَلَى قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود بِالضَّمِّ بَلْ عَجِبْت مِنْ حِلْمك عَنْ قَوْمك إِذْ أَتَوْك مُتَوَسِّلِينَ بِك فَدَعَوْت فَكُشِفَ عَنْهُمْ , وَذَلِكَ كَحِلْمِ يُوسُف عَنْ إِخْوَته إِذْ أَتَوْهُ مُحْتَاجِينَ , وَكَحِلْمِهِ عَنْ اِمْرَأَة الْعَزِيز حَيْثُ أَغْرَتْ بِهِ سَيِّدَهَا وَكَذَبَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ سَجَنَتْهُ ثُمَّ عَفَا عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يُؤَاخِذهَا. قَالَ : فَظَهَرَ تَنَاسُب هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِي الْمَعْنَى مَعَ بُعْد الظَّاهِر بَيْنَهُمَا. قَالَ : وَمِثْل هَذَا كَثِير فِي كِتَابه - مِمَّا عَابَهُ بِهِ مَنْ لَمْ يَفْتَح اللَّه عَلَيْهِ - وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. وَمِنْ تَمَام ذَلِكَ أَنْ يُقَال : تَظْهَر الْمُنَاسَبَة أَيْضًا بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ مِنْ قَوْله فِي الصَّافَّات : وَإِذَا رَأَوْا آيَة يَسْتَسْخِرُونَ , فَإِنَّ فِيهَا إِشَارَة إِلَى تَمَادِيهِمْ عَلَى كُفْرهمْ وَغَيّهمْ , وَمِنْ قَوْله فِي قِصَّة يُوسُف ( ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الْآيَات لِيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ). وَقَوْل الْبُخَارِيّ \" وَعَنْ اِبْن مَسْعُود \" هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ , وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ أَنْكَرَ قِرَاءَة ( عَجِبْت ) بِالضَّمِّ وَيَقُول إِنَّ اللَّه لَا يَعْجَب وَإِنَّمَا يَعْجَب مَنْ لَا يَعْلَم , قَالَ فَذَكَرْته لِإِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ فَقَالَ : إِنَّ شُرَيْحًا كَانَ مُعْجَبًا بِرَأْيِهِ , وَإِنَّ اِبْن مَسْعُود كَانَ يَقْرَؤُهَا بِالضَّمِّ وَهُوَ أَعْلَم مِنْهُ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ هَذِهِ الْكَلِمَة وَإِنْ كَانَتْ فِي الصَّافَّات هُنَا إِشَارَة إِلَى أَنَّ اِبْن مَسْعُود كَانَ يَقْرَؤُهَا بِالضَّمِّ كَمَا يَقْرَأ هِيت بِالضَّمِّ اِنْتَهَى. وَهِيَ مُنَاسَبَة لَا بَأْس بِهَا إِلَّا أَنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن سَهْل أَدَقُّ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَرَأَ بِالضَّمِّ أَيْضًا سَعِيد بْن جُبَيْر وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ , وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ , وَهُوَ ظَاهِر وَهُوَ ضَمِير الرَّسُول , وَبِهِ صَرَّحَ قَتَادَةُ. وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِهِ كُلّ مَنْ يَصِحّ مِنْهُ , وَأَمَّا الضَّمّ فَحِكَايَة شُرَيْحٍ تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى اللَّه , وَلَيْسَ لِإِنْكَارِهِ مَعْنًى لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ حَمْل عَلَى مَا يَلِيق بِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَصْرُوفًا لِلسَّامِعِ أَيْ قُلْ بَلْ عَجِبْت وَيَسْخَرُونَ , وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد , وَقَدْ أَقَرَّهُ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيُّ وَجَزَمَ بِذَلِكَ سَعِيد بْن جُبَيْر فِيمَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم قَالَ فِي قَوْله : ( بَلْ عَجِبْت ) اللَّه عَجِبَ , وَمِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ قَرَأَ ( بَلْ عَجِبْت ) بِالرَّفْعِ وَيَقُول نَظِيرهَا ( وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ) وَمِنْ طَرِيق الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَجَبٌ. وَنَقَلَ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي \" كِتَاب الرَّدّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ \" عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمُقْرِي وَلَقَبه مَتٌّ قَالَ وَكَانَ يَفْضُل عَلَى الْكِسَائِيّ فِي الْقِرَاءَة أَنَّهُ قَالَ : يُعْجِبنِي أَنْ أَقْرَأ ( بَلْ عَجِبْت ) بِالضَّمِّ خِلَافًا لِلْجَهْمِيَّةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4325",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏لَمَّا أَبْطَئُوا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْإِسْلَامِ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ ‏ ‏كَسَبْعِ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِثْلَ الدُّخَانِ قَالَ اللَّهُ ‏ { ‏فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ‏} ‏قَالَ اللَّهُ ‏ { ‏إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ‏} ‏أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ مَضَى الدُّخَانُ وَمَضَتْ الْبَطْشَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش عَنْ مُسْلِم ) ‏ ‏وَهُوَ اِبْن صُبَيْح بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ أَبُو الضُّحَى وَهُوَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَر , وَوَقَعَ فِي \" مُسْنَد الْحُمَيْدِيِّ \" عَنْ سُفْيَان \" أَخْبَرَنِي الْأَعْمَش - أَوْ أُخْبِرْت عَنْهُ - عَنْ مُسْلِم \" كَذَا عِنْدَهُ بِالشَّكِّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيقه , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان قَالَ \" سَمِعْت مِنْ الْأَعْمَش أَوْ أَخْبَرْته عَنْهُ عَنْ مُسْلِم بْن صُبَيْح \" وَهَذَا الشَّكّ لَا يَقْدَح فِي صِحَّة الْحَدِيث فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاء مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الْأَعْمَش مِنْ غَيْر رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ , فَتَكُون هَذِهِ مَعْدُودَة فِي الْمُتَابَعَات , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4326",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَكْرِ بْنِ مُضَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَرْحَمُ اللَّهُ ‏ ‏لُوطًا ‏ ‏لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ ‏ ‏يُوسُفُ ‏ ‏لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ وَنَحْنُ أَحَقُّ مِنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏إِذْ قَالَ لَهُ ‏ { ‏أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن تَلِيد ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَكَسْر اللَّام بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ مُهْمَلَة هُوَ سَعِيد بْن عِيسَى بْن تَلِيد , مِصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا عُثْمَانَ , تَقَدَّمَ ذِكْره فِي بَدْء الْخَلْق , نَسَبَهُ الْبُخَارِيّ إِلَى جَدِّهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم ) ‏ ‏هُوَ الْعُتَقِيّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْمُثَنَّاة بَعْدَهَا قَاف الْمِصْرِيّ الْفَقِيه الْمَشْهُور صَاحِب مَالِك وَرَاوِي الْمُدَوَّنَة مِنْ عِلْم مَالِك , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. وَالْإِسْنَاد مُسَلْسَل بِالْمِصْرِيِّينَ إِلَى يُونُس بْن يَزِيد وَالْبَاقُونَ مَدَنِيُّونَ , وَفِيهِ رِوَايَة الْأَقْرَان لِأَنَّ عَمْرو بْن الْحَارِث الْمِصْرِيّ الْفَقِيه الْمَشْهُور مِنْ أَقْرَان يُونُس بْن يَزِيد , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث الْبَاب فِي تَرْجَمَتَيْ إِبْرَاهِيم وَلُوط مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء ‏"
    },
    {
        "id": "4327",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ‏ { ‏حَتَّى إِذَا ‏ ‏اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ‏} ‏قَالَ قُلْتُ أَكُذِبُوا أَمْ كُذِّبُوا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏كُذِّبُوا قُلْتُ فَقَدْ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ قَالَتْ أَجَلْ لَعَمْرِي لَقَدْ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ فَقُلْتُ لَهَا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ لَمْ تَكُنْ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا قُلْتُ فَمَا هَذِهِ الْآيَةُ قَالَتْ هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْبَلَاءُ وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمْ النَّصْرُ حَتَّى إِذَا ‏ ‏اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وَظَنَّتْ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لَعَلَّهَا كُذِبُوا مُخَفَّفَةً قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَالِح ) ‏ ‏هُوَ اِبْن كَيْسَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلهَا عَنْ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَقِيل عَنْ اِبْن شِهَاب فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء \" أَخْبَرَنِي عُرْوَة أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَة عَنْ قَوْله تَعَالَى \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت كُذِّبُوا أَمْ كُذِبُوا ) ‏ ‏أَيْ مُثَقَّلَة أَوْ مُخَفَّفَة ؟ وَوَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق صَالِح اِبْن كَيْسَانَ هَذِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ عَائِشَة كُذِّبُوا ) ‏ ‏أَيْ بِالتَّثْقِيلِ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مُثَقَّلَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ ؟ قَالَتْ أَجَلْ ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قُلْت فَهِيَ مُخَفَّفَة , قَالَتْ مَعَاذ اللَّه \" وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّهَا أَنْكَرَتْ الْقِرَاءَة بِالتَّخْفِيفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّمِير لِلرُّسُلِ , وَلَيْسَ الضَّمِير لِلرُّسُلِ عَلَى مَا بَيَّنْته وَلَا لِإِنْكَارِ الْقِرَاءَة بِذَلِكَ مَعْنًى بَعْدَ ثُبُوتهَا. وَلَعَلَّهَا لَمْ يَبْلُغهَا مِمَّنْ يُرْجَع إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ قَرَأَهَا بِالتَّخْفِيفِ أَئِمَّة الْكُوفَة مِنْ الْقُرَّاء عَاصِم وَيَحْيَى بْن وَثَّاب وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ , وَوَافَقَهُمْ مِنْ الْحِجَازِيِّينَ أَبُو جَعْفَر بْن الْقَعْقَاع , وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيِّ وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَمُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيِّ فِي آخَرِينَ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَمْ تُنْكِر عَائِشَة الْقِرَاءَة , وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْ تَأْوِيل اِبْن عَبَّاس. كَذَا قَالَ , وَهُوَ خِلَاف الظَّاهِر , وَظَاهِر السِّيَاق أَنَّ عُرْوَة كَانَ يُوَافِق اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَسْأَل عَائِشَة , ثُمَّ لَا يَدْرِي رَجَعَ إِلَيْهَا أَمْ لَا. رَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى الْقَاسِم بْن مُحَمَّد فَقَالَ لَهُ إِنَّ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ يَقْرَأ ( كُذِبُوا ) بِالتَّخْفِيفِ فَقَالَ : أَخْبِرْهُ عَنِّي أَنِّي سَمِعْت عَائِشَة تَقُول ( كُذِّبُوا ) مُثَقَّلَة أَيْ كَذَّبَتْهُمْ أَتْبَاعهمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَة قَالَ \" قَالَ اِبْن عَبَّاس ( حَتَّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ الرُّسُل وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) خَفِيفَة قَالَ ذَهَبَ بِهَا هُنَالِكَ \" وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ \" بِمَا هُنَالِكَ \" بِمِيمٍ بَدَلَ الْهَاء وَهُوَ تَصْحِيف. وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" ذَهَب هَاهُنَا - وَأَشَارَ إِلَى السَّمَاء - وَتَلَا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُول وَاَلَّذِينَ مَعَهُ مَتَى نَصْر اللَّه أَلَا إِنَّ نَصْر اللَّه قَرِيب \" وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته \" ثُمَّ قَالَ اِبْن عَبَّاس كَانُوا بَشَرًا ضَعُفُوا وَأَيِسُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا \" وَهَذَا ظَاهِره أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ يَذْهَب إِلَى أَنَّ قَوْله مَتَى نَصْر اللَّه مَقُول الرَّسُول , وَإِلَيْهِ ذَهَب طَائِفَة. ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فَقِيلَ الْجَمِيع مَقُول الْجَمِيع , وَقِيلَ الْجُمْلَة الْأُولَى مَقُول الْجَمِيع وَالْأَخِيرَة مِنْ كَلَام اللَّه. وَقَالَ آخَرُونَ الْجُمْلَة الْأُولَى وَهِيَ ( مَتَى نَصْر اللَّه ) مَقُول الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ. وَالْجُمْلَة الْأَخِيرَة وَهِيَ ( أَلَا إِنَّ نَصْر اللَّه قَرِيب ) مَقُول الرَّسُول , وَقُدِّمَ الرَّسُول فِي الذِّكْر لِشَرَفِهِ وَهَذَا أَوْلَى , وَعَلَى الْأَوَّل فَلَيْسَ قَوْل الرَّسُول ( مَتَى نَصْر اللَّه ) شَكًّا بَلْ اِسْتِبْطَاء لِلنَّصْرِ وَطَلَبًا لَهُ , وَهُوَ مِثْل قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ \" اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتنِي \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا شَكَّ أَنَّ اِبْن عَبَّاس لَا يُجِيز عَلَى الرُّسُل أَنَّهَا تُكَذِّب بِالْوَحْيِ , وَلَا يُشَكّ فِي صِدْق الْمُخْبِر , فَيُحْمَل كَلَامه عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمَا لِطُولِ الْبَلَاء عَلَيْهِمْ وَإِبْطَاء النَّصْر وَشِدَّة اِسْتِنْجَاز مَنْ وَعَدُوهُ بِهِ تَوَهَّمُوا أَنَّ الَّذِي جَاءَهُمْ مِنْ الْوَحْي كَانَ حُسْبَانًا مِنْ أَنْفُسهمْ , وَظَنُّوا عَلَيْهَا الْغَلَط فِي تَلَقِّي مَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ , فَيَكُون الَّذِي بُنِيَ لَهُ الْفِعْل أَنْفُسهمْ لَا الْآتِي بِالْوَحْيِ , وَالْمُرَاد بِالْكَذِبِ الْغَلَط لَا حَقِيقَة الْكَذِب كَمَا يَقُول الْقَائِل كَذَبَتْك نَفْسك. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ قِرَاءَة مُجَاهِد ( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا ) بِفَتْحِ أَوَّله مَعَ التَّخْفِيف أَيْ غَلِطُوا , وَيَكُون فَاعِل ( وَظَنُّوا ) الرُّسُل , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَتْبَاعهمْ. وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ بِأَسَانِيدَ مُتَنَوِّعَةٍ مِنْ طَرِيق عِمْرَانَ بْن الْحَارِث وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبِي الضُّحَى وَعَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة وَالْعَوْفِيّ كُلّهمْ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة قَالَ : أَيِسَ الرُّسُل مِنْ إِيمَان قَوْمهمْ , وَظَنَّ قَوْمهمْ أَنَّ الرُّسُل كَذَبُوا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : إِنْ صَحَّ هَذَا عَنْ اِبْن عَبَّاس فَقَدْ أَرَادَ بِالظَّنِّ مَا يَخْطِر بِالْبَالِ وَيَهْجِس فِي النَّفْس مِنْ الْوَسْوَسَة وَحَدِيث النَّفْس عَلَى مَا عَلَيْهِ الْبَشَرِيَّة , وَأَمَّا الظَّنّ وَهُوَ تَرْجِيح أَحَد الطَّرَفَيْنِ فَلَا يُظَنّ بِالْمُسْلِمِ فَضْلًا عَنْ الرَّسُول. وَقَالَ أَبُو نَصْر الْقُشَيْرِيُّ وَلَا يَبْعُد أَنَّ الْمُرَاد خَطَرَ بِقَلْبِ الرُّسُل فَصَرَفُوهُ عَنْ أَنْفُسهمْ , أَوْ الْمَعْنَى قَرَّبُوا مِنْ الظَّنّ كَمَا يُقَال بَلَغْت الْمَنْزِل إِذَا قَرُبَتْ مِنْهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم : وَجْهه أَنَّ الرُّسُل كَانَتْ تَخَاف بَعْدَ أَنْ وَعَدَهُمْ اللَّه النَّصْر أَنْ يَتَخَلَّف النَّصْر , لَا مِنْ تُهْمَة بِوَعْدِ اللَّه بَلْ لِتُهْمَةِ النُّفُوس أَنْ تَكُون قَدْ أَحْدَثَتْ حَدَثًا يَنْقُض ذَلِكَ الشَّرْط , فَكَانَ الْأَمْر إِذَا طَالَ وَاشْتَدَّ الْبَلَاء عَلَيْهِمْ دَخَلَهُمْ الظَّنّ مِنْ هَذِهِ الْجِهَة. قُلْت : وَلَا يُظَنّ بِابْنِ عَبَّاس أَنَّهُ يُجَوِّز عَلَى الرَّسُول أَنَّ نَفْسَهُ تُحَدِّثُهُ بِأَنَّ اللَّه يُخْلِف وَعْدَهُ , بَلْ الَّذِي يُظَنّ بِابْنِ عَبَّاس أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ \" كَانُوا بَشَرًا \" إِلَى آخِر كَلَامه مَنْ آمَنَ مِنْ أَتْبَاع الرُّسُل لَا نَفْس الرُّسُل , وَقَوْل الرَّاوِي عَنْهُ \" ذَهَب بِهَا هُنَاكَ \" أَيْ إِلَى السَّمَاء مَعْنَاهُ أَنَّ أَتْبَاع الرُّسُل ظَنُّوا أَنَّ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ الرُّسُل عَلَى لِسَان الْمَلِك تَخَلَّفَ , وَلَا مَانِع أَنْ يَقَع ذَلِكَ فِي خَوَاطِر بَعْض الْأَتْبَاع. وَعَجَب لِابْنِ الْأَنْبَارِيّ فِي جَزْمه بِأَنَّهُ لَا يَصِحّ. ثُمَّ الزَّمَخْشَرِيّ فِي تَوَقُّفه عَنْ صِحَّة ذَلِكَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْهُ , لَكِنْ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ التَّصْرِيح بِأَنَّ الرُّسُل هُمْ الَّذِينَ ظَنُّوا ذَلِكَ , وَلَا يَلْزَم ذَلِكَ مِنْ قِرَاءَة التَّخْفِيف , بَلْ الضَّمِير فِي \" وَظَنُّوا \" عَائِد عَلَى الْمُرْسَل إِلَيْهِمْ , وَفِي \" وَكُذِبُوا \" عَائِد عَلَى الرُّسُل أَيْ وَظَنَّ الْمُرْسَل إِلَيْهِمْ أَنَّ الرُّسُل كُذِبُوا , أَوْ الضَّمَائِر لِلرُّسُلِ وَالْمَعْنَى يَئِسَ الرُّسُل مِنْ النَّصْر وَتَوَهَّمُوا أَنَّ أَنْفُسهمْ كَذَبَتْهُمْ حِينَ حَدَّثَتْهُمْ بِقُرْبِ النَّصْر , أَوْ كَذَبَهُمْ رَجَاؤُهُمْ. أَوْ الضَّمَائِر كُلّهَا لِلْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ أَيْ يَئِسَ الرُّسُل مِنْ إِيمَان مَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِ , وَظَنَّ الْمُرْسَل إِلَيْهِمْ أَنَّ الرُّسُل كَذَّبُوهُمْ فِي جَمِيع مَا اِدَّعُوهُ مِنْ النُّبُوَّة وَالْوَعْد بِالنَّصْرِ لِمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْوَعِيد بِالْعَذَابِ لِمَنْ لَمْ يُجِبْهُمْ , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا وَجَبَ تَنْزِيه اِبْن عَبَّاس عَنْ تَجْوِيزه ذَلِكَ عَلَى الرُّسُل , وَيُحْمَل إِنْكَار عَائِشَة عَلَى ظَاهِر مَسَاقهمْ مِنْ إِطْلَاق الْمَنْقُول عَنْهُ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ سَعِيد اِبْن جُبَيْر سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ : يَئِسَ الرُّسُل مِنْ قَوْمهمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُمْ , وَظَنَّ الْمُرْسَل إِلَيْهِمْ أَنَّ الرُّسُل كَذَبُوا. فَقَالَ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم لَمَّا سَمِعَهُ : لَوْ رَحَلْت إِلَى الْيَمَن فِي هَذِهِ الْكَلِمَة لَكَانَ قَلِيلًا. فَهَذَا سَعِيد بْن جُبَيْر وَهُوَ مِنْ أَكَابِر أَصْحَاب اِبْن عَبَّاس الْعَارِفِينَ بِكَلَامِهِ حَمَلَ الْآيَة عَلَى الِاحْتِمَال الْأَخِير الَّذِي ذَكَرْته. وَعَنْ مُسْلِم بْن يَسَار أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيد بْن جُبَيْر فَقَالَ لَهُ : آيَة بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مَبْلَغ , فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة بِالتَّخْفِيفِ , قَالَ فِي هَذَا أَلَوْت أَنْ تَظُنّ الرُّسُل ذَلِكَ , فَأَجَابَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ , فَقَالَ : فَرَّجْت عَنِّي فَرَّجَ اللَّه عَنْك , وَقَامَ إِلَيْهِ فَاعْتَنَقَهُ. وَجَاءَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس نَفْسه , فَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ كُذِبُوا ) ‏ ‏قَالَ : اِسْتَيْأَسَ الرُّسُل مِنْ إِيمَان قَوْمهمْ , وَظَنَّ قَوْمهمْ أَنَّ الرُّسُل قَدْ كَذَبُوهُمْ. وَإِسْنَاده حَسَن. فَلْيَكُنْ هُوَ الْمُعْتَمَد فِي تَأْوِيل مَا جَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ , وَهُوَ أَعْلَم بِمُرَادِ نَفْسه مِنْ غَيْره. وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله : ( قَدْ كُذِبُوا ) خَفِيفَة أَيْ أَخْلَفُوا , أَلَا إِنَّا إِذَا قَرَّرْنَا أَنَّ الضَّمِير لِلْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ لَمْ يَضُرّ تَفْسِير كُذِبُوا بِأَخْلَفُوا , أَيْ ظَنَّ الْمُرْسَل إِلَيْهِمْ أَنَّ الرُّسُل أَخْلَفُوا مَا وَعَدُوا بِهِ , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق تَمِيم بْن حَذْلَمٍ. سَمِعْت اِبْن مَسْعُود يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة : اِسْتَيْأَسَ الرُّسُل مِنْ إِيمَان قَوْمهمْ , وَظَنَّ قَوْمهمْ حِينَ أَبْطَأَ الْأَمْر أَنَّ الرُّسُل كَذَبُوهُمْ. وَمِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث : اِسْتَيْأَسَ الرُّسُل مِنْ إِيمَان قَوْمهمْ , وَظَنَّ الْقَوْم أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا فِيمَا جَاءُوهُمْ بِهِ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ اِبْن مَسْعُود شَيْء مُوهِم كَمَا جَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق صَحِيح عَنْ مَسْرُوق عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ قَرَأَ ( حَتَّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ الرُّسُل وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) مُخَفَّفَة قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : هُوَ الَّذِي يُكْرَه. وَلَيْسَ فِي هَذَا أَيْضًا مَا يُقْطَع بِهِ عَلَى أَنَّ اِبْن مَسْعُود أَرَادَ أَنَّ الضَّمِير لِلرُّسُلِ , بَلْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الضَّمِير عِنْدَهُ لِمَنْ آمَنَ مِنْ أَتْبَاع الرُّسُل , فَإِنَّ صُدُور ذَلِكَ مِمَّنْ آمَنَ مِمَّا يُكْرَه سَمَاعه , فَلَمْ يَتَعَيَّن أَنَّهُ أَرَادَ الرُّسُل. قَالَ الطَّبَرِيُّ : لَوْ جَازَ أَنْ يَرْتَاب الرُّسُل بِوَعْدِ اللَّه وَيَشُكُّوا فِي حَقِيقَة خَبَره لَكَانَ الْمُرْسَل إِلَيْهِمْ أَوْلَى بِجَوَازِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ اِخْتَارَ الطَّبَرِيُّ قِرَاءَة التَّخْفِيف وَوَجَّهَهَا بِمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ : وَإِنَّمَا اِخْتَرْت هَذَا لِأَنَّ الْآيَة وَقَعَتْ عَقِبَ قَوْله : ( فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) فَكَانَ فِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ يَأْس الرُّسُل كَانَ مِنْ إِيمَان قَوْمهمْ الَّذِينَ كَذَّبُوهُمْ فَهَلَكُوا , أَوْ أَنَّ الْمُضْمَر فِي قَوْله : ( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) إِنَّمَا هُوَ لِلَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم الْهَالِكَة. وَيَزِيد ذَلِكَ وُضُوحًا أَنَّ فِي بَقِيَّة الْآيَة الْخَبَر عَنْ الرُّسُل وَمَنْ آمَنَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَنُنَجِّي مَنْ نَشَاء ) أَيْ الَّذِينَ هَلَكُوا هُمْ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّ الرُّسُل قَدْ كُذِبُوا فَكَذَّبُوهُمْ , وَالرُّسُل وَمَنْ اِتَّبَعَهُمْ هُمْ الَّذِينَ نَجَوْا , اِنْتَهَى كَلَامه , وَلَا يَخْلُو مِنْ نَظَر. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ أَجَلْ ) أَيْ نَعَمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَقِيل فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي هَذَا الْمَوْضِع \" فَقَالَتْ يَا عُرَيَّة \" وَهُوَ بِالتَّصْغِيرِ وَأَصْله عُرَيْوَة فَاجْتَمَعَ حَرْفَا عِلَّة فَأُبْدِلَتْ الْوَاو يَاء ثُمَّ أُدْغِمَتْ فِي الْأُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( لَعَمْرِي لَقَدْ اِسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِحَمْلِ عُرْوَة الظَّنّ عَلَى حَقِيقَته وَهُوَ رُجْحَان أَحَد الطَّرَفَيْنِ , وَوَافَقَتْهُ عَائِشَة. لَكِنْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ الْمُرَاد بِالظَّنِّ هُنَا الْيَقِين. وَنَقَلَهُ نَفْطَوَيْةِ هُنَا عَنْ أَكْثَر أَهْل اللُّغَة وَقَالَ : هُوَ كَقَوْلِهِ فِي آيَة أُخْرَى ( وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأ مِنْ اللَّه إِلَّا إِلَيْهِ ) وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَقَالَ : إِنَّ الظَّنّ لَا تَسْتَعْمِلُهُ الْعَرَب فِي مَوْضِع الْعِلْم إِلَّا فِيمَا كَانَ طَرِيقه غَيْر الْمُعَايَنَة , فَأَمَّا مَا كَانَ طَرِيقه الْمُشَاهَدَة فَلَا , فَإِنَّهَا لَا تَقُول أَظُنُّنِي إِنْسَانًا وَلَا أَظُنُّنِي حَيًّا بِمَعْنَى إِنْسَانًا أَوْ حَيًّا. قَوْله فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة عَنْ الزُّهْرِيّ ( أَخْبَرَنِي عُرْوَة فَقُلْت لَعَلَّهَا كُذِبُوا مُخَفَّفَة قَالَتْ مَعَاذ اللَّه. نَحْوه ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ سَاقَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" بِتَمَامِهِ وَلَفْظه عَنْ عُرْوَة أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَة فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث صَالِح بْن كَيْسَانَ. ‏ ‏( فَائِدَةٌ ) : ‏ ‏قَوْله تَعَالَى فِي بَقِيَّة الْآيَة ( فَنُنْجِي مَنْ نَشَاء ) قَرَأَ الْجُمْهُور بِنُونَيْنِ الثَّانِيَة سَاكِنَة وَالْجِيم خَفِيفَة وَسُكُون آخِره مُضَارِع أُنَجِّي , وَقَرَأَ عَاصِم وَابْن عَامِر بِنُونٍ وَاحِدَة وَجِيم مُشَدَّدَة وَفَتْح آخِره عَلَى أَنَّهُ فِعْل مَاضٍ مَبْنِيّ لِلْمَفْعُولِ وَمَنْ قَائِمَة مَقَام الْفَاعِل , وَفِيهَا قِرَاءَات أُخْرَى. قَالَ الطَّبَرِيُّ كُلّ مَنْ قَرَأَ بِذَلِكَ فَهُوَ مُنْفَرِد بِقِرَاءَتِهِ وَالْحُجَّة فِي قِرَاءَة غَيْره , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4328",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْنٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر حَدَّثَنَا مَعْن عَنْ مَالِك ) ‏ ‏قَالَ أَبُو مَسْعُود : تَفَرَّدَ بِهِ إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر , وَهُوَ غَرَب عَنْ مَالِك. قُلْت : قَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر الْبَرْمَكِيّ عَنْ مَعْن , وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِك لَكِنَّهُ اِخْتَصَرَهُ. قُلْت : وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَرَوَاهُ أَحْمَد بْن أَبِي طَيْبَةَ عَنْ مَالِك عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر فَوَهِمَ فِيهِ إِسْنَادًا وَمَتْنًا ‏"
    },
    {
        "id": "4329",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا وَلَا وَلَا وَلَا تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ وَرَأَيْتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏لَا يَتَكَلَّمَانِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هِيَ النَّخْلَةُ فَلَمَّا قُمْنَا قُلْتُ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏يَا أَبَتَاهُ وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ قَالَ لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِم ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ أَحَد رُوَاته , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ الطَّرِيق الَّتِي أَخْرَجَهَا مِنْهَا الْبُخَارِيّ بِلَفْظِ \" تُشْبِهُ الرَّجُل الْمُسْلِم \" وَلَمْ يَشُكَّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْعِلْم , وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ الْبَيَان الْوَاضِح بِأَنَّ الْمُرَاد بِالشَّجَرَةِ فِي هَذِهِ الْآيَة النَّخْلَة , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَاد بِهَا شَجَرَة الْجَوْز الْهِنْدِيّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِإِسْنَادٍ ضَعِيف فِي ‏ ‏قَوْله : ( تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ) ‏ ‏قَالَ : هِيَ شَجَرَة جَوْز الْهِنْد لَا تَتَعَطَّل مِنْ ثَمَرَة تَحْمِل كُلّ شَهْر , وَمَعْنَى قَوْله : ( طَيِّبَة ) أَيْ لَذِيذَة الثَّمَر أَوْ حَسَنَة الشَّكْل أَوْ نَافِعَة , فَتَكُون طَيِّبَة بِمَا يَئُول إِلَيْهِ نَفْعهَا. وَقَوْله : ( أَصْلهَا ثَابِت ) أَيْ لَا يَنْقَطِع , وَقَوْله : ( وَفَرْعهَا فِي السَّمَاء ) أَيْ هِيَ نِهَايَة فِي الْكَمَال , لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مُرْتَفِعَة بَعُدَتْ عَنْ عُفُونَاتِ الْأَرْض. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيث أَنَس \" الشَّجَرَة الطَّيِّبَة النَّخْلَة وَالشَّجَرَة الْخَبِيثَة الْحَنْظَلَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "4330",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ ‏ { ‏يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ‏}",
        "sharh": "ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث الْبَرَاء مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز أَتَمَّ سِيَاقًا وَاسْتَوْفَيْت شَرْحَهُ فِي ذَلِكَ الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "4331",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ { ‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ‏} ‏قَالَ هُمْ كُفَّارُ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4332",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏غَيْرُهُ ‏ ‏صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ ‏ ‏فَإِذَا ‏ { ‏فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا ‏} ‏لِلَّذِي قَالَ ‏ { ‏الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ‏} ‏فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا وَاحِدٌ فَوْقَ آخَرَ ‏ ‏وَوَصَفَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏بِيَدِهِ وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ ‏ ‏فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ الْمُسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ فَيُحْرِقَهُ وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِيَ بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الْأَرْضِ وَرُبَّمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْأَرْضِ ‏ ‏فَتُلْقَى عَلَى فَمْ السَّاحِرِ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ فَيُصَدَّقُ فَيَقُولُونَ أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنْ السَّمَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ وَزَادَ وَالْكَاهِنِ ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏فَقَالَ قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ وَقَالَ عَلَى فَمْ السَّاحِرِ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏آنْتَ سَمِعْتَ ‏ ‏عَمْرًا ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏إِنَّ إِنْسَانًا رَوَى عَنْكَ عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَيَرْفَعُهُ أَنَّهُ قَرَأَ فُرِّغَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏هَكَذَا قَرَأَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَهِيَ قِرَاءَتُنَا ‏",
        "sharh": "\" 6847 \" ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة مُسْتَرِقِي السَّمْع , أَوْرَدَهُ أَوَّلًا مُعَنْعَنًا ثُمَّ سَاقَهُ بِالْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ مُصَرِّحًا فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ وَبِالسَّمَاعِ فِي جَمِيعه , وَذَكَرَ فِيهِ اِخْتِلَاف الْقِرَاءَة فِي ( فُزِّعَ عَنْ قُلُوبهمْ ) وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة سَبَأ وَيَأْتِي الْإِلْمَام بِهِ فِي أَوَاخِر الطِّبّ وَفِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. فِي الْإِلْمَام بِهِ فِي أَوَاخِر الطِّبّ وَفِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4333",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْنٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لِأَصْحَابِ ‏ ‏الْحِجْرِ ‏ ‏لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث اِبْن عُمَر فِي النَّهْي عَنْ الدُّخُول عَلَى الْمُعَذَّبِينَ , وَقَوْله \" إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ \" ذَكَرَ اِبْن التِّين أَنَّهُ عِنْدَ الشَّيْخ أَبِي الْحَسَن بَائِينَ بِهَمْزَةٍ بَدَل الْكَاف , قَالَ : وَلَا وَجْه لَهُ عِنْدَ الشَّيْخ أَبِي الْحَسَن بَائِينَ بِهَمْزَةٍ بَدَل الْكَاف , قَالَ : وَلَا وَجْه لَهُ ‏"
    },
    {
        "id": "4334",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرَّ ‏ ‏بِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا أُصَلِّي فَدَعَانِي فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُ فَقَالَ ‏ ‏مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي فَقُلْتُ كُنْتُ أُصَلِّي فَقَالَ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ‏} ‏ثُمَّ قَالَ أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَذَهَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَذَكَّرْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏الْحَمْدُ لِلَّهِ ‏ ‏رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏ ‏هِيَ ‏ ‏السَّبْعُ الْمَثَانِي ‏ ‏وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ‏ ‏الَّذِي أُوتِيتُهُ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة أُبَيِّ بْن كَعْب كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْفَاتِحَة. الْقُرْآن وَهُوَ مُبْتَدَأ وَخَبَره مَحْذُوف أَوْ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف تَقْدِيره وَالْقُرْآن الْعَظِيم مَا عَدَاهَا , وَلَيْسَ هُوَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْله \" السَّبْع الْمَثَانِي \" لِأَنَّ الْفَاتِحَة لَيْسَتْ هِيَ الْقُرْآن الْعَظِيم , وَإِنَّمَا جَازَ إِطْلَاق الْقُرْآن عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مِنْ الْقُرْآن لَكِنَّهَا لَيْسَتْ هِيَ الْقُرْآن كُلّه. ثُمَّ وَجَدْت فِي تَفْسِير اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْله لَكِنْ بِلَفْظِ \" وَالْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أُعْطِيتُمُوهُ أَيْ هُوَ الَّذِي أُعْطِيتُمُوهُ \" فَيَكُون هَذَا هُوَ الْخَبَر. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادَيْنِ جَيِّدَيْنِ عَنْ عُمَر ثُمَّ عَلِيّ قَالَ \" السَّبْع الْمَثَانِي فَاتِحَة الْكِتَاب \" زَادَ عَنْ عُمَر \" تُثَنَّى فِي كُلّ رَكْعَة \" وَبِإِسْنَادٍ مُنْقَطِع عَنْ اِبْن مَسْعُود مِثْله , وَبِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَرَأَ الْفَاتِحَة ثُمَّ قَالَ ( وَلَقَدْ آتَيْنَاك سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي ) قَالَ : هِيَ فَاتِحَة الْكِتَاب , وَبِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم الْآيَة السَّابِعَة , وَمِنْ طَرِيق جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ : السَّبْع الْمَثَانِي هِيَ فَاتِحَة الْكِتَاب. وَمِنْ طَرِيق أَبِي جَعْفَر الرَّازِيِّ عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس عَنْ أَبِي الْعَالِيَة قَالَ : السَّبْع الْمَثَانِي فَاتِحَة الْكِتَاب. قُلْت لِلرَّبِيعِ : إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهَا السَّبْع الطِّوَال , قَالَ : لَقَدْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة وَمَا نَزَلَ مِنْ الطِّوَال شَيْء. وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ هُوَ قَوْل آخَر مَشْهُور فِي السَّبْع الطِّوَال , وَقَدْ أَسْنَدَهُ النَّسَائِيُّ وَالطَّبَرِيُّ وَالْحَاكِم عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ , وَفِي لَفْظ لِلطَّبَرِيِّ : الْبَقَرَة وَآلُ عِمْرَانَ وَالنِّسَاء وَالْمَائِدَة وَالْأَنْعَام وَالْأَعْرَاف , قَالَ الرَّاوِي : ذَكَرَ السَّابِعَة فَنَسِيتهَا. وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة عِنْدَ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ مُجَاهِد وَسَعِيد اِبْن جُبَيْر أَنَّهَا يُونُس. وَعِنْدَ الْحَاكِم أَنَّهَا الْكَهْف , وَزَادَ : قِيلَ لَهُ مَا الْمَثَانِي ؟ قَالَ : تُثَنَّى فِيهِنَّ الْقَصَص. وَمِثْله عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ سَعِيد بْن مَنْصُور. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق خُضَيْف عَنْ زِيَاد بْن أَبِي مَرْيَم قَالَ فِي قَوْله : ( وَلَقَدْ آتَيْنَاك سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي ) قَالَ مُرْ وَانْهَ وَبَشِّرْ وَأَنْذِرْ وَاضْرِبْ الْأَمْثَال وَاعْدُدْ النِّعَم وَالْأَنْبَاء. وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الْقَوْل الْأَوَّل لِصِحَّةِ الْخَبَر فِيهِ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4335",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُمُّ الْقُرْآنِ ‏ ‏هِيَ ‏ ‏السَّبْعُ الْمَثَانِي ‏ ‏وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة أُبَيِّ بْن كَعْب كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْفَاتِحَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4336",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ { ‏الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏هُمْ ‏ ‏أَهْلُ الْكِتَابِ ‏ ‏جَزَّءُوهُ أَجْزَاءً فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآن عِضِينَ ) ‏ ‏يَعْنِي فِي تَفْسِير هَذِهِ الْكَلِمَة , وَقَدْ ذَكَرْت مَا قِيلَ فِي أَصْل اِشْتِقَاقهَا أَوَّلَ الْبَاب. ‏ ‏قَوْله : ( هُمْ أَهْل الْكِتَاب ) ‏ ‏فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة فَقَالَ \" الْيَهُود وَالنَّصَارَى \" وَقَوْله \" جَزَّءُوهُ أَجْزَاء \" فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة فَقَالَ \" آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ \" ‏"
    },
    {
        "id": "4337",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ظَبْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ { ‏كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ‏ ‏( عَنْ أَبِي ظَبْيَان ) ‏ ‏بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة هُوَ حُصَيْن بْن جُنْدُب , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ‏"
    },
    {
        "id": "4338",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَارُونُ بْنُ مُوسَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْوَرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَدْعُو ‏ ‏أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ وَالْكَسَلِ وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَةِ ‏ ‏الدَّجَّالِ ‏ ‏وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ‏",
        "sharh": "شُعَيْب الرَّاوِي عَنْ أَنَس هُوَ اِبْن الْحَبْحَاب بِمُهْمَلَتَيْنِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ , وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ قَالَ : أَرْذَل الْعُمُر هُوَ الْخَرِف. وَرَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث أَنَس أَنَّهُ مِائَة سَنَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4339",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فِي ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏وَالْكَهْفِ ‏ ‏وَمَرْيَمَ ‏ ‏إِنَّهُنَّ مِنْ الْعِتَاقِ الْأُوَلِ وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي ‏ { ‏فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَهُزُّونَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏غَيْرُهُ ‏ ‏نَغَضَتْ سِنُّكَ أَيْ تَحَرَّكَتْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4340",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَنْبَسَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ‏ ‏بِإِيلِيَاءَ ‏ ‏بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَأَخَذَ اللَّبَنَ قَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏\" أُتِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة , وَيَأْتِي فِي الْأَشْرِبَة. وَذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا حَدِيث جَابِر قَالَ : \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْش \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ كَذَّبَنِي بِغَيْرِ مُثَنَّاة. ‏"
    },
    {
        "id": "4341",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَمَّا كَذَّبَتْنِي ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏قُمْتُ فِي ‏ ‏الْحِجْرِ ‏ ‏فَجَلَّى اللَّهُ لِي ‏ ‏بَيْتَ الْمَقْدِسِ ‏ ‏فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏لَمَّا كَذَّبَتْنِي ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى ‏ ‏بَيْتِ الْمَقْدِسِ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏ { ‏قَاصِفًا ‏} ‏رِيحٌ تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4342",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَقُولُ لِلْحَيِّ إِذَا كَثُرُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَمِرَ بَنُو فُلَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَمَرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن مَسْعُود \" ‏ ‏كُنَّا نَقُول لِلْحَيِّ إِذَا كَثُرُوا فِي الْجَاهِلِيَّة : أَمِرَ بَنُو فُلَان \" ‏ ‏ثُمَّ ذَكَرَهُ عَنْ شَيْخ آخَر عَنْ سُفْيَان يَعْنِي بِسَنَدِهِ قَالَ : أَمَرَ , فَالْأَوْلَى بِكَسْرِ الْمِيم وَالثَّانِيَة بِفَتْحِهَا وَكِلَاهُمَا لُغَتَانِ. وَأَنْكَرَ اِبْن التِّين فَتْح الْمِيم فِي أَمَرَ بِمَعْنَى كَثُرَ , وَغَفَلَ فِي ذَلِكَ وَمَنْ حَفِظَهُ حُجَّة عَلَيْهِ كَمَا سَأُوَضِّحُهُ , وَضَبَطَ الْكَرْمَانِيُّ أَحَدهمَا بِضَمِّ الْهَمْزَة وَهُوَ غَلَط مِنْهُ , وَقِرَاءَة الْجُمْهُور بِفَتْحِ الْمِيم. وَحَكَى أَبُو جَعْفَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَرَأَهَا بِكَسْرِ الْمِيم وَأَثْبَتَهَا أَبُو زَيْد لُغَة وَأَنْكَرَهَا الْفَرَّاء , وَقَرَأَ أَبُو رَجَاء فِي آخَرِينَ بِالْمَدِّ وَفَتْح الْمِيم , وَرُوِيَت عَنْ أَبِي عَمْرو وَابْن كَثِير وَغَيْرهمَا وَاخْتَارَهَا يَعْقُوب وَوَجَّهَهَا الْفَرَّاء بِمَا وَرَدَ مِنْ تَفْسِير اِبْن مَسْعُود وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يُقَال أَمَرْنَا بِمَعْنَى كَثَّرْنَا إِلَّا بِالْمَدِّ , وَاعْتَذَرَ عَنْ حَدِيث \" أَفْضَل الْمَال مُهْرَة مَأْمُورَة \" فَإِنَّهَا ذُكِرَتْ لِلْمُزَاوَجَةِ لِقَوْلِهِ فِيهِ : \" أَوْ سِكَّة مَأْبُورَة \" وَقَرَأَ أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيُّ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِتَشْدِيدِ الْمِيم بِمَعْنَى الْإِمَارَة , وَاسْتَشْهَدَ الطَّبَرِيُّ بِمَا أَسْنَدَهُ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ) قَالَ : سَلَّطْنَا شِرَارهَا. ثُمَّ سَاقَ عَنْ أَبِي عُثْمَان وَأَبِي الْعَالِيَة وَمُجَاهِد أَنَّهُمْ قَرَءُوا بِالتَّشْدِيدِ , وَقِيلَ التَّضْعِيف لِلتَّعْدِيَةِ وَالْأَصْل أَمَرْنَا بِالتَّخْفِيفِ أَيْ كَثَّرْنَا كَمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح , وَمِنْهُ حَدِيث \" خَيْر الْمَال مُهْرَة مَأْمُورَة \" أَيْ كَثِيرَة النِّتَاج أَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَيُقَال أَمِرَ بَنُو فُلَان أَيْ كَثُرُوا وَأَمَّرَهُمْ اللَّه كَثَّرَهُمْ وَأَمِرُوا أَيْ كَثُرُوا , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل أَبِي سُفْيَان فِي أَوَّل هَذَا الشَّرْح فِي قِصَّة هِرَقْلَ حَيْثُ قَالَ : \" لَقَدْ أَمَرَ أَمْر اِبْن أَبِي كَبْشَة \" أَيْ عَظُمَ , وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ قِرَاءَة الْجُمْهُور , وَاخْتَارَ فِي تَأْوِيلهَا حَمْلهَا عَلَى الظَّاهِر وَقَالَ : الْمَعْنَى أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا بِالطَّاعَةِ فَعَصَوْا , ثُمَّ أَسْنَدَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس ثُمَّ سَعِيد بْن جُبَيْر. وَقَدْ أَنْكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَا التَّأْوِيل وَبَالَغَ كَعَادَتِهِ , وَعُمْدَة إِنْكَاره أَنَّ حَذْف مَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ غَيْر جَائِز , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ السِّيَاق يَدُلّ عَلَيْهِ , وَهُوَ كَقَوْلِك أَمَرْته فَعَصَانِي أَيْ أَمَرْته بِطَاعَتِي فَعَصَانِي وَكَذَا أَمَرْته فَامْتَثَلَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4343",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُتِيَ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ ‏ ‏فَنَهَشَ ‏ ‏مِنْهَا نَهْشَةً ثُمَّ قَالَ أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ فَيَقُولُ النَّاسُ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ عَلَيْكُمْ ‏ ‏بِآدَمَ ‏ ‏فَيَأْتُونَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏فَيَقُولُونَ لَهُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى ‏ ‏نُوحٍ ‏ ‏فَيَأْتُونَ ‏ ‏نُوحًا ‏ ‏فَيَقُولُونَ يَا ‏ ‏نُوحُ ‏ ‏إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَيَأْتُونَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَيَقُولُونَ يَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ فَذَكَرَهُنَّ ‏ ‏أَبُو حَيَّانَ ‏ ‏فِي الْحَدِيثِ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَيَأْتُونَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَيَقُولُونَ يَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى ‏ ‏عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ‏ ‏فَيَأْتُونَ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏فَيَقُولُونَ يَا ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى ‏ ‏مَرْيَمَ ‏ ‏وَرُوحٌ مِنْهُ وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏فَيَأْتُونَ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏فَيَقُولُونَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتِمُ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي ثُمَّ يُقَالُ ‏ ‏يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ ‏ ‏تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ فَيُقَالُ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَبْوَابِ ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ ‏ ‏الْمِصْرَاعَيْنِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مَصَارِيعِ ‏ ‏الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَحِمْيَرَ ‏ ‏أَوْ كَمَا بَيْنَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَبُصْرَى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4344",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خُفِّفَ عَلَى ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏الْقِرَاءَةُ فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَابَّتِهِ ‏ ‏لِتُسْرَجَ ‏ ‏فَكَانَ يَقْرَأُ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ ‏ ‏يَعْنِي الْقُرْآنَ",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏\" خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآن \" ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِأَبِي ذَرّ \" الْقِرَاءَة \" وَالْمُرَاد بِالْقُرْآنِ مَصْدَر الْقِرَاءَة لَا الْقُرْآن الْمَعْهُود لِهَذِهِ الْأُمَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ إِشْبَاع الْقَوْل فِيهِ فِي تَرْجَمَة دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "4345",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ { ‏إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ نَاسٌ مِنْ الْإِنْسِ يَعْبُدُونَ نَاسًا مِنْ الْجِنِّ فَأَسْلَمَ الْجِنُّ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِدِينِهِمْ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏الْأَشْجَعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ { ‏قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ , وَسُلَيْمَان هُوَ الْأَعْمَش , وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخَعِيُّ , وَأَبُو مَعْمَر هُوَ عَبْد اللَّه الْأَزْدِيُّ , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُودٍ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه ( إِلَى رَبّهمْ الْوَسِيلَةَ ) قَالَ : كَانَ نَاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه عَنْ عَبْد اللَّه فِي قَوْله : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبّهمْ الْوَسِيلَة ) قَالَ : كَانَ نَاس إِلَخْ , وَالْمُرَاد بِالْوَسِيلَةِ الْقُرْبَة أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ قَتَادَةَ , وَمِنْ طَرِيق اِبْن عَبَّاس أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَسْلَمَ الْجِنّ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِدِينِهِمْ ) ‏ ‏أَيْ اِسْتَمَرَّ الْإِنْس الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنّ عَلَى عِبَادَة الْجِنّ , وَالْجِنّ لَا يَرْضَوْنَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ أَسْلَمُوا , وَهُمْ الَّذِينَ صَارُوا يَبْتَغُونَ إِلَى رَبّهمْ الْوَسِيلَةَ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن مَسْعُود فَزَادَ فِيهِ \" وَالْإِنْس الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِإِسْلَامِهِمْ \" وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : \" كَانَ قَبَائِل الْعَرَب يَعْبُدُونَ صِنْفًا مِنْ الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُمْ الْجِنّ , وَيَقُولُونَ هُمْ بَنَات اللَّه , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة \" فَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ , وَإِلَّا فَالسِّيَاق يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَام كَانُوا رَاضِينَ بِعِبَادَتِهِمْ , وَلَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ صِفَات الْمَلَائِكَة. وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ اِبْن مَسْعُود فِي حَدِيث الْبَاب \" فَعَيَّرَهُمْ اللَّه بِذَلِكَ \" وَكَذَا مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أُخْرَى ضَعِيفَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْمُرَاد مَنْ كَانَ يَعْبُد الْمَلَائِكَة وَالْمَسِيح وَعُزَيْرًا. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏اِسْتَشْكَلَ اِبْن التِّين قَوْله : \" نَاسًا مِنْ الْجِنّ \" مِنْ حَيْثُ إِنَّ النَّاس ضِدّ الْجِنّ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّهُ مِنْ نَاس إِذَا تَحَرَّكَ أَوْ ذُكِرَ لِلتَّقَابُلِ حَيْثُ قَالَ : نَاس مِنْ الْإِنْس وَنَاسًا مِنْ الْجِنّ , وَيَا لَيْتَ شِعْرِي عَلَى مَنْ يَعْتَرِض. ‏ ‏قَوْله : ( زَادَ الْأَشْجَعِيُّ ) ‏ ‏هُوَ عُبَيْد اللَّه بْن عُبَيْد الرَّحْمَن بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش قُلْ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ) ‏ ‏أَيْ رَوَى الْحَدِيث بِإِسْنَادِهِ وَزَادَ فِي أَوَّله مِنْ أَوَّل الْآيَة الَّتِي قَبْلَهَا , وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : ( قُلْ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ) إِلَى آخِر الْآيَة. قَالَ : كَانَ أَهْل الشِّرْك يَقُولُونَ نَعْبُد الْمَلَائِكَة وَهُمْ الَّذِينَ يَدْعُونَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4346",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فِي هَذِهِ الْآيَةِ ‏ { ‏الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ نَاسٌ مِنْ الْجِنِّ يُعْبَدُونَ فَأَسْلَمُوا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4347",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ { ‏وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ‏ { ‏وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ ‏} ‏شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَارٍ. ‏ ‏قَوْله : ( هِيَ رُؤْيَا عَيْن أُرِيَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ) ‏ ‏لَمْ يُصَرِّح بِالْمَرْئِيِّ , وَعِنْدَ سَعِيدِ بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق أَبِي مَالِك قَالَ : هُوَ مَا أُرِيَ فِي طَرِيقه إِلَى بَيْت الْمَقْدِس. قُلْت : وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ وَاضِحًا فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْإِسْرَاء فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة مِنْ هَذَا الْكِتَاب. ‏ ‏قَوْله : ( أُرِيَهَا لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ) زَادَ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَان فِي آخِر الْحَدِيث \" وَلَيْسَتْ رُؤْيَا مَنَام \" وَقَوْله : \" لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ \" جَاءَ فِيهِ قَوْل آخَر , فَرَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : أُرِيَ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ هُوَ وَأَصْحَابه , فَلَمَّا رَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ كَانَ لِبَعْضِ النَّاس بِذَلِكَ فِتْنَة , وَجَاءَ فِيهِ قَوْل آخَر : فَرَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث الْحُسَيْن بْن عَلِيّ رَفْعُهُ \" إِنِّي أُرِيت كَأَنَّ بَنِي أُمَيَّة يَتَعَاوَرُونَ مِنْبَرِي هَذَا , فَقِيلَ هِيَ دُنْيَا تَنَالهُمْ , وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ وَمِنْ حَدِيث يَعْلَى بْن مُرَّة وَمِنْ مُرْسَل اِبْن الْمُسَيِّب نَحْوه وَأَسَانِيد الْكُلّ ضَعِيفَة وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِطْلَاق لَفْظ الرُّؤْيَا عَلَى مَا يُرَى بِالْعَيْنِ فِي الْيَقَظَة , وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْحَرِيرِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَقَالُوا : إِنَّمَا يُقَال رُؤْيَا فِي الْمَنَام , وَأَمَّا الَّتِي فِي الْيَقَظَة فَيُقَال رُؤْيَة. وَمِمَّنْ اِسْتَعْمَلَ الرُّؤْيَا فِي الْيَقَظَة الْمُتَنَبِّي فِي قَوْله : \" وَرُؤْيَاك أَحْلَى فِي الْعُيُون مِنْ الْغَمْض \" وَهَذَا التَّفْسِير يَرُدّ عَلَى مَنْ خَطَّأَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَة فِي الْقُرْآن قَالَ : شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الصَّحِيح , وَذَكَرَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ بِضْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا مِنْ التَّابِعِينَ , ثُمَّ رَوَى مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّ الشَّجَرَة الْمَلْعُونَة الْحَكَم بْن أَبِي الْعَاصِ وَوَلَده وَإِسْنَاده ضَعِيف وَأَمَّا الزَّقُّوم فَقَالَ أَبُو حَنِيفَة الدِّينَوَرِيّ فِي \" كِتَاب النَّبَات \" : الزَّقُّوم شَجَرَة غَبْرَاء تَنْبُت فِي السَّهْل صَغِيرَة الْوَرَق مُدَوَّرَته لَا شَوْك لَهَا زُفْرَة مُرَّة وَلَهَا نُور أَبْيَض ضَعِيف تُجَرِّسهُ النَّحْل وَرُءُوسهَا قِبَاح جِدًّا. وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ الْمُشْرِكُونَ يُخْبِرُنَا مُحَمَّد أَنَّ فِي النَّار شَجَرَة , وَالنَّار تَأْكُل الشَّجَر , فَكَانَ ذَلِكَ فِتْنَةً لَهُمْ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : الزَّقُّوم فَعُّول مِنْ الزَّقْم وَهُوَ اللَّقْم الشَّدِيد , وَفِي لُغَة تَمِيمِيَّة : كُلّ طَعَام يُتَقَيَّأ مِنْهُ يُقَال لَهُ زَقُّوم , وَقِيلَ : هُوَ كُلّ طَعَام ثَقِيل. ‏"
    },
    {
        "id": "4348",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏وَابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَضْلُ صَلَاةِ الْجَمِيعِ عَلَى صَلَاةِ الْوَاحِدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ يَقُولُ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ‏ { ‏وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ‏}",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي صِفَة الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "4349",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُثًا كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يَقُولُونَ يَا فُلَانُ اشْفَعْ يَا فُلَانُ اشْفَعْ حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ سَلَّامُ بْن سَلِيم. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ آدَم بْن عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ الْعِجْلِيُّ بَصْرِيّ ثِقَة , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر , وَفِيهِ تَسْمِيَة بَعْض مَنْ أُبْهِمَ هُنَا بِقَوْلِهِ : \" حَدَّثَنَا فُلَان \" وَقَوْله : \" جُثًى \" بِضَمِّ أَوَّله وَالتَّنْوِين جَمْع جُثْوَة كَخُطْوَةٍ وَخُطًى , وَحَكَى اِبْن الْأَثِير أَنَّهُ رَوَى \" جِثِيّ \" بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَة وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة جَمْع جَاثٍ وَهُوَ الَّذِي يَجْلِس عَلَى رُكْبَته , وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ عَنْ اِبْن الْخَشَّاب : إِنَّمَا هُوَ \" جُثَّى \" بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة وَتَشْدِيدهَا جَمْع جَاثٍ مِثْل غَازٍ وَغُزَّى. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَنْتَهِي الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة فِي الزَّكَاة فَيَشْفَع لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْق , وَيَأْتِي شَرْح حَدِيث الشَّفَاعَة مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4350",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ حَمْزَة بْن عَبْد اللَّه ) أَيْ اِبْن عُمَر ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ذِكْر مَنْ وَصَلَهُ فِي كِتَاب الزَّكَاة. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث جَابِر فِي الدُّعَاء بَعْدَ الْأَذَان وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَبْوَاب الْأَذَان. ‏"
    },
    {
        "id": "4351",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَحَوْلَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏سِتُّونَ وَثَلَاثُ مِائَةِ نُصُبٍ فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ ‏ { ‏جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ ‏ ‏زَهُوقًا ‏ } { ‏جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ , وَفِي بَعْض النُّسَخِ \" حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي نَجِيح \". ‏ ‏قَوْله : ( دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي فَتْح مَكَّةَ وَأَوَّله فِي قِصَّة فَتْح مَكَّة إِلَى أَنْ قَالَ : \" فَجَاءَ رَسُول اللَّه حَتَّى طَافَ بِالْبَيْتِ , فَجَعَلَ يَمُرّ بِتِلْكَ الْأَصْنَام فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِسِيَةِ الْقَوْس وَيَقُول : جَاءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِل \" الْحَدِيث بِطُولِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَة الْفَتْح بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله : \" وَحَوْل الْبَيْت سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ نُصُب \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ هُنَا بِغَيْرِ أَلِف , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور لَكِنْ بِلَفْظِ \" صَنَم \" وَالْأَوْجَه نَصْبه عَلَى التَّمْيِيز إِذْ لَوْ كَانَ مَرْفُوعًا لَكَانَ صِفَةً , وَالْوَاحِد لَا يَقَع صِفَةً لِلْجَمْعِ. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون خَبَرًا لِمُبْتَدَأ مَحْذُوف وَالْجُمْلَة صِفَة , أَوْ هُوَ مَنْصُوب لَكِنَّهُ كُتِبَ بِغَيْرِ أَلِف عَلَى بَعْض اللُّغَات. ‏"
    },
    {
        "id": "4352",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَرْثٍ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ إِذْ مَرَّ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ فَقَالَ مَا رَأْيُكُمْ إِلَيْهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ فَقَالُوا سَلُوهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَقُمْتُ مَقَامِي فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ ‏ { ‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فِي حَرْث ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدَهَا مُثَلَّثَة , وَوَقَعَ فِي كِتَاب الْعِلْم مِنْ وَجْه آخَر بِخَاءٍ مُعْجَمه وَمُوَحَّدَة , وَضَبَطُوهُ بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه وَبِالْعَكْسِ , وَالْأَوَّل أَصْوَب فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْ اِبْن مَسْعُود بِلَفْظِ \" كَانَ فِي نَخْل \" وَزَادَ فِي رِوَايَة الْعِلْم \" بِالْمَدِينَةِ \" وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَعْمَش \" فِي حَرْث لِلْأَنْصَارِ \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ نُزُول الْآيَة وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ , لَكِنْ رَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" قَالَتْ قُرَيْش لِلْيَهُودِ : أَعْطُونَا شَيْئًا نَسْأَل هَذَا الرَّجُل , فَقَالُوا : سَلُوهُ عَنْ الرُّوح , فَسَأَلُوهُ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : ( وَيَسْأَلُونَك عَنْ الرُّوح قُلْ الرُّوح مِنْ أَمْر رَبِّي ) وَرِجَاله رِجَال مُسْلِم , وَهُوَ عِنْدَ اِبْن إِسْحَاق مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوه , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يَتَعَدَّد النُّزُول بِحَمْلِ سُكُوته فِي الْمَرَّة الثَّانِيَة عَلَى تَوَقُّع مَزِيد بَيَان فِي ذَلِكَ , وَإِنْ سَاغَ هَذَا وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيح أَصَحُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( يَتَوَكَّأُ ) ‏ ‏أَيْ يَعْتَمِدُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى عَسِيبٍ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ وَآخِره مُوَحَّدَة بِوَزْنِ عَظِيمٍ وَهِيَ الْجَرِيدَة الَّتِي لَا خُوصَ فِيهَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّانَ \" وَمَعَهُ جَرِيدَة \" قَالَ اِبْن فَارِس : الْعُسْبَان مِنْ النَّخْل كَالْقُضْبَانِ مِنْ غَيْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ مَرَّ الْيَهُود ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ الْيَهُود بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّة , وَفِي بَقِيَّة الرِّوَايَات فِي الْعِلْم وَالِاعْتِصَام وَالتَّوْحِيد وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِم \" إِذْ مَرَّ بِنَفَرٍ مِنْ الْيَهُود \" وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَعْمَش \" إِذْ مَرَرْنَا عَلَى يَهُود \" وَيُحْمَل هَذَا الِاخْتِلَاف عَلَى أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ تَلَاقَوْا فَيَصْدُق أَنَّ كُلًّا مَرَّ بِالْآخَرِ , وَقَوْله : \" يَهُود \" هَذَا اللَّفْظ مَعْرِفَة تَدْخُلهُ اللَّام تَارَةً وَتَارَةً يَتَجَرَّد , وَحَذَفُوا مِنْهُ يَاء النِّسْبَة فَفَرَّقُوا بَيْنَ مُفْرَده وَجَمْعه كَمَا قَالُوا زِنْج وَزِنْجِيّ , وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق عَلَى تَسْمِيَة أَحَد مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُود. ‏ ‏قَوْله : ( مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمَاضِي مِنْ الرَّيْب , وَيُقَال فِيهِ رَابَهُ كَذَا وَأَرَابَهُ كَذَا بِمَعْنًى , وَقَالَ أَبُو زَيْد : رَابَهُ إِذَا عُلِمَ مِنْهُ الرَّيْب , وَأَرَابَهُ إِذَا ظَنَّ ذَلِكَ بِهِ. وَلِأَبِي ذَرّ عَنْ الْحَمَوِيِّ وَحْدَهُ بِهَمْزَةٍ وَضَمّ الْمُوَحَّدَة مِنْ الرَّأْب وَهُوَ الْإِصْلَاح , يُقَال فِيهِ رَأَبَ بَيْنَ الْقَوْم إِذَا أَصْلَحَ بَيْنَهُمْ. وَفِي تَوْجِيهه هُنَا بُعْدٌ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الصَّوَاب مَا أَرَبَكُمْ بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَة وَفَتْحَتَيْنِ مِنْ الْأَرَب وَهُوَ الْحَاجَة , وَهَذَا وَاضِح الْمَعْنَى لَوْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَة. نَعَمْ رَأَيْته فِي رِوَايَة الْمَسْعُودِيّ عَنْ الْأَعْمَش عِنْدَ الطَّبَرِيِّ كَذَلِكَ. وَذَكَرَ اِبْن التِّين أَنَّ رِوَايَة الْقَابِسِيّ كَرِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ , لَكِنْ بِتَحْتَانِيَّةٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَة مِنْ الرَّأْي. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا يَسْتَقْبِلكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْعِلْم \" لَا يَجِيء فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ \" وَفِي الِاعْتِصَام \" لَا يُسْمِعكُمْ مَا تَكْرَهُونَ \" وَهِيَ بِمَعْنًى , وَكُلّهَا بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَاف , وَيَجُوز السُّكُون وَكَذَا النَّصْب أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالُوا سَلُوهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة التَّوْحِيد \" فَقَالَ بَعْضهمْ لَأَسْأَلَنهُ \" وَاللَّام جَوَاب قَسَم مَحْذُوف. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَأَلُوهُ عَنْ الرُّوح ) ‏ ‏فِي رِوَايَة التَّوْحِيد \" فَقَامَ رَجُل مِنْهُمْ فَقَالَ : يَا أَبَا الْقَاسِم مَا الرُّوحُ \" ؟ وَفِي رِوَايَة الْعَوْفِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْدَ الطَّبَرِيِّ \" فَقَالُوا : أَخْبِرْنَا عَنْ الرُّوح \" قَالَ اِبْن التِّين : اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الْمُرَاد بِالرُّوحِ الْمَسْئُول عَنْهُ فِي هَذَا الْخَبَر عَلَى أَقْوَال : الْأَوَّل رُوح الْإِنْسَان , الثَّانِي رُوح الْحَيَوَان , الثَّالِث جِبْرِيل , الرَّابِع عِيسَى , الْخَامِس الْقُرْآن , السَّادِس الْوَحْي , السَّابِع مَلَكٌ يَقُوم وَحْده صَفًّا يَوْمَ الْقِيَامَة , الثَّامِن مَلَكٌ لَهُ أَحَدَ عَشَرَ أَلْف جَنَاح وَوَجْه وَقِيلَ مَلَك لَهُ سَبْعُونَ أَلْف لِسَان , وَقِيلَ لَهُ سَبْعُونَ أَلْف وَجْه فِي كُلّ وَجْه سَبْعُونَ أَلْف لِسَان لِكُلِّ لِسَان أَلْف لُغَة يُسَبِّح اللَّه تَعَالَى يَخْلُق اللَّه بِكُلِّ تَسْبِيحَة مَلَكًا يَطِير مَعَ الْمَلَائِكَة , وَقِيلَ مَلَك رِجْلَاهُ فِي الْأَرْض السُّفْلَى وَرَأْسه عِنْدَ قَائِمَة الْعَرْش , التَّاسِع خَلْق كَخَلْقِ بَنِي آدَم يُقَال لَهُمْ الرُّوح يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ , لَا يَنْزِل مَلَك مِنْ السَّمَاء إِلَّا نَزَلَ مَعَهُ , وَقِيلَ بَلْ هُمْ صِنْف مِنْ الْمَلَائِكَة يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ , اِنْتَهَى كَلَامه مُلَخَّصًا بِزِيَادَاتٍ مِنْ كَلَام غَيْره. وَهَذَا إِنَّمَا اِجْتَمَعَ مِنْ كَلَام أَهْل التَّفْسِير فِي مَعْنَى لَفْظ الرُّوح الْوَارِد فِي الْقُرْآن , لَا خُصُوص هَذِهِ الْآيَة. فَمِنْ الَّذِي فِي الْقُرْآن ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ) , ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْك رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) , ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ ) , ( وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ) , ( تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ) : فَالْأَوَّل جِبْرِيل , وَالثَّانِي الْقُرْآن , وَالثَّالِث الْوَحْي , وَالرَّابِع الْقُوَّة , وَالْخَامِس وَالسَّادِس مُحْتَمِل لِجِبْرِيل وَلِغَيْرِهِ. وَوَقَعَ إِطْلَاق رُوح اللَّه عَلَى عِيسَى. وَقَدْ رَوَى اِبْن إِسْحَاق فِي تَفْسِيره بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الرُّوح مِنْ اللَّه , وَخَلْق مِنْ خَلْق اللَّه وَصُوَر كَبَنِي آدَم , لَا يَنْزِل مَلَك إِلَّا وَمَعَهُ وَاحِد مِنْ الرُّوح. وَثَبَتَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ لَا يُفَسِّر الرُّوح , أَيْ لَا يُعَيِّنُ الْمُرَاد بِهِ فِي الْآيَة وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : حَكَوْا فِي الْمُرَاد بِالرُّوحِ فِي الْآيَة أَقْوَالًا : قِيلَ سَأَلُوهُ عَنْ جِبْرِيل , وَقِيلَ عَنْ مَلَك لَهُ أَلْسِنَة. وَقَالَ الْأَكْثَر : سَأَلُوهُ عَنْ الرُّوح الَّتِي تَكُون بِهَا الْحَيَاة فِي الْجَسَد. وَقَالَ أَهْل النَّظَر : سَأَلُوهُ عَنْ كَيْفِيَّة مَسْلَك الرُّوح فِي الْبَدَن وَامْتِزَاجه بِهِ , وَهَذَا هُوَ الَّذِي اِسْتَأْثَرَ اللَّه بِعِلْمِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الرَّاجِح أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ رُوح الْإِنْسَان لِأَنَّ الْيَهُود لَا تَعْتَرِف بِأَنَّ عِيسَى رُوح اللَّه وَلَا تَجْهَل أَنَّ جِبْرِيل مَلَك وَأَنَّ الْمَلَائِكَة أَرْوَاح. وَقَالَ الْإِمَام فَخْر الدِّين الرَّازِيُّ : الْمُخْتَار أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ الرُّوح الَّذِي هُوَ سَبَب الْحَيَاة , وَأَنَّ الْجَوَاب وَقَعَ عَلَى أَحْسَن الْوُجُوه , وَبَيَانه أَنَّ السُّؤَال عَنْ الرُّوح يُحْتَمَل عَنْ مَاهِيَّته وَهَلْ هِيَ مُتَحَيِّزَة أَمْ لَا , وَهَلْ هِيَ حَالَّة فِي مُتَحَيِّز أَمْ لَا , وَهَلْ هِيَ قَدِيمَة أَوْ حَادِثَة , وَهَلْ تَبْقَى بَعْدَ اِنْفِصَالهَا مِنْ الْجَسَد أَوْ تَفْنَى , وَمَا حَقِيقَة تَعْذِيبهَا وَتَنْعِيمهَا , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتهَا. قَالَ : وَلَيْسَ فِي السُّؤَال مَا يُخَصِّصُ أَحَد هَذِهِ الْمَعَانِي , إِلَّا أَنَّ الْأَظْهَر أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ الْمَاهِيَّة , وَهَلْ الرُّوح قَدِيمَة أَوْ حَادِثَة وَالْجَوَاب يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا شَيْء مَوْجُود مُغَايِر لِلطَّبَائِعِ وَالْأَخْلَاط وَتَرْكِيبهَا , فَهُوَ جَوْهَر بَسِيط مُجَرَّد لَا يَحْدُث إِلَّا بِمُحْدِثٍ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : \" كُنْ \" فَكَأَنَّهُ قَالَ : هِيَ مَوْجُودَة مُحْدَثَةٌ بِأَمْرِ اللَّه وَتَكْوِينِهِ , وَلَهَا تَأْثِير فِي إِفَادَة الْحَيَاة لِلْجَسَدِ , وَلَا يَلْزَم مِنْ عَدَم الْعِلْم بِكَيْفِيَّتِهَا الْمَخْصُوصَة نَفْيه. قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْأَمْرِ فِي قَوْله : ( مِنْ أَمْر رَبِّي ) الْفِعْل , كَقَوْلِهِ : ( وَمَا أَمْر فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) أَيْ فِعْلُهُ فَيَكُون الْجَوَاب الرُّوح مِنْ فِعْل رَبِّي , وَإِنْ كَانَ السُّؤَال هَلْ هِيَ قَدِيمَة أَوْ حَادِثَة فَيَكُون الْجَوَاب إِنَّهَا حَادِثَة. إِلَى أَنْ قَالَ : وَقَدْ سَكَتَ السَّلَف عَنْ الْبَحْث فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء وَالتَّعَمُّق فِيهَا ا ه. وَقَدْ تَنَطَّعَ قَوْم فَتَبَايَنَتْ أَقْوَالهمْ , فَقِيلَ : هِيَ النَّفَس الدَّاخِل وَالْخَارِج , وَقِيلَ الْحَيَاة , وَقِيلَ جِسْم لَطِيف يَحِلّ فِي جَمِيع الْبَدَن , وَقِيلَ هِيَ الدَّم , وَقِيلَ هِيَ عَرَضٌ , حَتَّى قِيلَ إِنَّ الْأَقْوَال فِيهَا بَلَغَتْ مِائَة. وَنَقَلَ اِبْن مَنْدَهْ عَنْ بَعْض الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيّ خَمْسَة أَرْوَاح , وَأَنَّ لِكُلِّ مُؤْمِن ثَلَاثَة , وَلِكُلِّ حَيّ وَاحِدَة. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : اِخْتَلَفُوا فِي الرُّوح وَالنَّفْس , فَقِيلَ مُتَغَايِرَانِ وَهُوَ الْحَقّ , وَقِيلَ هُمَا شَيْء وَاحِد , قَالَ : وَقَدْ يُعَبَّر بِالرُّوحِ عَنْ النَّفْس وَبِالْعَكْسِ , كَمَا يُعَبَّر عَنْ الرُّوح وَعَنْ النَّفْس بِالْقَلْبِ وَبِالْعَكْسِ , وَقَدْ يُعَبَّر عَنْ الرُّوح بِالْحَيَاةِ حَتَّى يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى غَيْر الْعُقَلَاء بَلْ إِلَى الْجَمَاد مَجَازًا. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : يَدُلّ عَلَى مُغَايَرَة الرُّوح وَالنَّفْس قَوْله تَعَالَى : ( فَإِذَا سَوَّيْته وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي ) وَقَوْله تَعَالَى : ( تَعْلَم مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَم مَا فِي نَفْسك ) فَإِنَّهُ لَا يَصِحّ جَعْل أَحَدهمَا مَوْضِع الْآخَر وَلَوْلَا التَّغَايُر لَسَاغَ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمْسَكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَيْهِ بِالْإِفْرَادِ , وَفِي رِوَايَة الْعِلْم \" فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى الْعَسِيب وَأَنَا خَلْفَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَعَلِمْت أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة التَّوْحِيد \" فَظَنَنْت أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ \" وَفِي الِاعْتِصَام \" فَقُلْت : إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ \" وَهِيَ مُتَقَارِبَة , وَإِطْلَاق الْعِلْم عَلَى الظَّنّ مَشْهُور , وَكَذَا إِطْلَاق الْقَوْل عَلَى مَا يَقَع فِي النَّفْس. وَوَقَعَ عِنْدَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق اِبْن إِدْرِيس عَنْ الْأَعْمَش \" فَقَامَ وَحَنَى مِنْ رَأْسه , فَظَنَنْت أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقُمْت مَقَامِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الِاعْتِصَام \" فَتَأَخَّرْت عَنْهُ \" أَيْ أَدَبًا مَعَهُ لِئَلَّا يَتَشَوَّش بِقُرْبِي مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الِاعْتِصَام \" حَتَّى صَعِدَ الْوَحْي فَقَالَ \" وَفِي رِوَايَة الْعِلْم \" فَقُمْت فَلَمَّا اِنْجَلَى \". ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أَمْر رَبِّي ) ‏ ‏قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون جَوَابًا وَأَنَّ الرُّوح مِنْ جُمْلَة أَمْر اللَّه وَأَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ اللَّه اِخْتَصَّ بِعِلْمِهِ وَلَا سُؤَال لِأَحَدٍ عَنْهُ. وَقَالَ اِبْن الْقَيِّم : لَيْسَ الْمُرَاد هُنَا بِالْأَمْرِ الطَّلَب اِتِّفَاقًا , وَإِنَّمَا الْمُرَاد بِهِ الْمَأْمُور , وَالْأَمْر يُطْلَق عَلَى الْمَأْمُور كَالْخَلْقِ عَلَى الْمَخْلُوق , وَمِنْهُ ( لَمَّا جَاءَ أَمْر رَبِّك ) وَقَالَ اِبْن بَطَّال : مَعْرِفَة حَقِيقَة الرُّوح مِمَّا اِسْتَأْثَرَ اللَّه بِعِلْمِهِ بِدَلِيلِ هَذَا الْخَبَر , قَالَ : وَالْحِكْمَة فِي إِبْهَامه اِخْتِبَار الْخَلْق لِيُعَرِّفَهُمْ عَجْزَهُمْ عَنْ عِلْم مَا لَا يُدْرِكُونَهُ حَتَّى يَضْطَرَّهُمْ إِلَى رَدِّ الْعِلْم إِلَيْهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ إِظْهَار عَجْز الْمَرْء , لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَم حَقِيقَة نَفْسه مَعَ الْقَطْع بِوُجُودِهِ كَانَ عَجْزه عَنْ إِدْرَاك حَقِيقَة الْحَقّ مِنْ بَاب الْأَوْلَى. وَجَنَحَ اِبْن الْقَيِّم فِي \" كِتَاب الرُّوح \" إِلَى تَرْجِيح أَنَّ الْمُرَاد بِالرُّوحِ الْمَسْئُول عَنْهَا فِي الْآيَة مَا وَقَعَ فِي قَوْله تَعَالَى : ( يَوْمَ يَقُوم الرُّوح وَالْمَلَائِكَة صَفًّا ) قَالَ : وَأَمَّا أَرْوَاح بَنِي آدَم فَلَمْ يَقَع تَسْمِيَتهَا فِي الْقُرْآن إِلَّا نَفْسًا. كَذَا قَالَ , وَلَا دَلَالَة فِي ذَلِكَ لِمَا رَجَّحَهُ , بَلْ الرَّاجِح الْأَوَّل , فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّهُمْ قَالُوا عَنْ الرُّوح : وَكَيْف يُعَذَّب الرُّوح الَّذِي فِي الْجَسَد , وَإِنَّمَا الرُّوح مِنْ اللَّه ؟ فَنَزَلَتْ الْآيَة. وَقَالَ بَعْضهمْ : لَيْسَ فِي الْآيَة دَلَالَة عَلَى أَنَّ اللَّه لَمْ يُطْلِع نَبِيَّهُ عَلَى حَقِيقَة الرُّوح , بَلْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَطْلَعَهُ وَلَمْ يَأْمُرهُ أَنَّهُ يُطْلِعُهُمْ , وَقَدْ قَالُوا فِي عِلْم السَّاعَة نَحْو هَذَا وَاَللَّه أَعْلَم. وَمِمَّنْ رَأَى الْإِمْسَاك عَنْ الْكَلَام فِي الرُّوح أُسْتَاذ الطَّائِفَة أَبُو الْقَاسِم فَقَالَ فِيمَا نَقَلَهُ فِي \" عَوَارِف الْمَعَارِف \" عَنْهُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ كَلَام النَّاس فِي الرُّوح : وَكَانَ الْأَوْلَى الْإِمْسَاك عَنْ ذَلِكَ وَالتَّأَدُّب بِأَدَبِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْجُنَيْدِ أَنَّهُ قَالَ : الرُّوح اِسْتَأْثَرَ اللَّه تَعَالَى بِعِلْمِهِ وَلَمْ يُطْلِع عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقه , فَلَا تَجُوز الْعِبَارَة عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ مَوْجُود. وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى اِبْن عَطِيَّة وَجَمْعٌ مِنْ أَهْل التَّفْسِير. وَأَجَابَ مَنْ خَاضَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْيَهُود سَأَلُوا عَنْهَا سُؤَال تَعْجِيز وَتَغْلِيط لِكَوْنِهِ يُطْلَق عَلَى أَشْيَاء فَأَضْمَرُوا أَنَّهُ بِأَيِّ شَيْء أَجَابَ قَالُوا : لَيْسَ هَذَا الْمُرَاد , فَرَدَّ اللَّه كَيْدَهُمْ , وَأَجَابَهُمْ جَوَابًا مُجْمَلًا مُطَابِقًا لِسُؤَالِهِمْ الْمُجْمَلِ. وَقَالَ السُّهْرَوَرْدِيّ فِي \" الْعَوَارِف \" : يَجُوز أَنْ يَكُون مَنْ خَاضَ فِيهَا سَلَكَ سَبِيل التَّأْوِيل لَا التَّفْسِير , إِذْ لَا يَسُوغ التَّفْسِير إِلَّا نَقْلًا , وَأَمَّا التَّأْوِيل فَتَمْتَدّ الْعُقُول إِلَيْهِ بِالْبَاعِ الطَّوِيل , وَهُوَ ذِكْر مَا لَا يُحْتَمَل إِلَّا بِهِ مِنْ غَيْر قَطْع بِأَنَّهُ الْمُرَاد , فَمِنْ ثَمَّ يَكُون الْقَوْل فِيهِ , قَالَ : وَظَاهِر الْآيَة الْمَنْع مِنْ الْقَوْل فِيهَا لِخَتْمِ الْآيَة بِقَوْلِهِ : ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْم إِلَّا قَلِيلًا ) أَيْ اِجْعَلُوا حُكْم الرُّوح مِنْ الْكَثِير الَّذِي لَمْ تُؤْتَوْهُ فَلَا تَسْأَلُوهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ مِنْ الْأَسْرَار. وَقِيلَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( أَمْر رَبِّي ) كَوْن الرُّوح مِنْ عَالِم الْأَمْر الَّذِي هُوَ عَالَم الْمَلَكُوت , لَا عَالَم الْخَلْق الَّذِي هُوَ عَالَم الْغَيْب وَالشَّهَادَة. وَقَدْ خَالَفَ الْجُنَيْد وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْأَئِمَّة جَمَاعَة مِنْ مُتَأَخِّرِي الصُّوفِيَّة فَأَكْثَرُوا مِنْ الْقَوْل فِي الرُّوح , وَصَرَّحَ بَعْضهمْ بِمَعْرِفَةِ حَقِيقَتهَا , وَعَابَ مَنْ أَمْسَكَ عَنْهَا. وَنَقَلَ اِبْن مَنْدَهْ فِي \" كِتَاب الرُّوح \" لَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن نَصْر الْمَرْوَزِيِّ الْإِمَام الْمُطَّلِع عَلَى اِخْتِلَاف الْأَحْكَام مِنْ عَهْد الصَّحَابَة إِلَى عَهْد فُقَهَاء الْأَمْصَار أَنَّهُ نَقَلَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الرُّوح مَخْلُوقَة , وَإِنَّمَا يُنْقَل الْقَوْل بِقِدَمِهَا عَنْ بَعْض غُلَاة الرَّافِضَة وَالْمُتَصَوِّفَة. وَاخْتُلِفَ هَلْ تَفْنَى عِنْدَ فَنَاء الْعَالَم قَبْلَ الْبَعْث أَوْ تَسْتَمِرّ بَاقِيَة ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَوَقَعَ فِي بَعْض التَّفَاسِير أَنَّ الْحِكْمَة فِي سُؤَال الْيَهُود عَنْ الرُّوح أَنَّ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاة أَنَّ رُوح بَنِي آدَم لَا يَعْلَمهَا إِلَّا اللَّه , فَقَالُوا : نَسْأَلهُ , فَإِنْ فَسَّرَهَا فَهُوَ نَبِيّ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلهمْ : لَا يَجِيء بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيم فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَنَزَلَتْ الْآيَة فَقَالُوا : هَكَذَا نَجِدُهُ عِنْدَنَا \" وَرِجَاله ثِقَات , إِلَّا أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ الْإِسْنَاد عَلْقَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْم ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا , وَكَذَا لَهُمْ فِي الِاعْتِصَام , وَلِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا \" وَمَا أُوتُوا \" وَكَذَا لَهُمْ فِي الْعِلْم , وَزَادَ \" قَالَ الْأَعْمَش : هَكَذَا قِرَاءَتُنَا \" وَبَيَّنَ مُسْلِمٌ اِخْتِلَافَ الرُّوَاة عَنْ الْأَعْمَش فِيهَا , وَهِيَ مَشْهُورَة عَنْ الْأَعْمَش أَعْنِي بِلَفْظِ \" وَمَا أُوتُوا \" وَلَا مَانِعَ أَنْ يَذْكُرَهَا بِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ , وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ ( وَمَا أُوتِيتُمْ ) وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَب بِذَلِكَ الْيَهُودُ فَتَتَّحِد الْقِرَاءَتَانِ. نَعَمْ وَهِيَ تَتَنَاوَل جَمِيع عِلْم الْخَلْق بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْم اللَّه. \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ أَوَّل الْبَاب \" أَنَّ الْيَهُود لَمَّا سَمِعُوا مَا قَالُوا : أُوتِينَا عِلْمًا كَثِيرًا التَّوْرَاة , وَمَنْ أُوتِيَ التَّوْرَاة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا \" فَنَزَلَتْ : ( قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْر مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي ) الْآيَةَ. قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَسَن صَحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا قَلِيلًا ) ‏ ‏هُوَ اِسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْعِلْم أَيْ إِلَّا عِلْمًا قَلِيلًا , أَوْ مِنْ الْإِعْطَاء أَيْ الْإِعْطَاء قَلِيلًا , أَوْ مِنْ ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ أَوْ الْغَائِبِ عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ أَيْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ أَوْ مِنْكُمْ. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْرِ مَا سَبَقَ جَوَاز سُؤَال الْعَالِم فِي حَال قِيَامه وَمَشْيه إِذَا كَانَ لَا يُثْقِل ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَأَدَب الصَّحَابَة مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْعَمَل بِمَا يَغْلِب عَلَى الظَّنّ , وَالتَّوَقُّف عَنْ الْجَوَاب بِالِاجْتِهَادِ لِمَنْ يَتَوَقَّع النَّصّ , وَأَنَّ بَعْض الْمَعْلُومَات قَدْ اِسْتَأْثَرَ اللَّه بِعِلْمِهِ حَقِيقَة , وَأَنَّ الْأَمْر يَرِد لِغَيْرِ الطَّلَب , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4353",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ‏ { ‏وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ‏} ‏قَالَ نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُخْتَفٍ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏كَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ فَإِذَا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ‏} ‏أَيْ بِقِرَاءَتِكَ فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ ‏ { ‏وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ‏} ‏عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ ‏ { ‏وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ الدَّوْرَقِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنَا أَبُو بِشْر \" وَهُوَ جَعْفَر بْن أَبِي وَحْشِيَّةَ , وَذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَته \" يُونُس \" بَدَلَ قَوْله أَبُو بِشْر وَهُوَ تَصْحِيف. قَالَ الْفَرَبْرِيّ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عَيَّاش قَالَ : لَمْ يُخَرِّج مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْكِتَاب مِنْ حَدِيث هُشَيْمٍ إِلَّا مَا صَرَّحَ فِيهِ بِالْإِخْبَارِ. قُلْت : يُرِيد فِي الْأُصُول , وَسَبَب ذَلِكَ أَنَّ هُشَيْمًا مَذْكُور بِتَدْلِيسِ الْإِسْنَاد. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏كَذَا وَصَلَهُ هُشَيْمٌ وَأَرْسَلَهُ شُعْبَة أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَة وَهُشَيْم مُفَصَّلًا. ‏ ‏قَوْله : ( نَزَلَتْ وَرَسُول اللَّه مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ ) ‏ ‏يَعْنِي فِي أَوَّل الْإِسْلَام. ‏ ‏قَوْله : ( رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ وَأَسْمَعَ الْمُشْرِكِينَ فَآذَوْهُ \" وَفَسَّرَتْ رِوَايَة الْبَاب الْأَذَى بِقَوْلِهِ : سَبُّوا الْقُرْآن. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر \" فَقَالُوا لَهُ : لَا تَجْهَر فَتُؤْذِيَ آلِهَتَنَا فَنَهْجُوَ إِلَهَك \" وَمِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن الْحُصَيْن عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَهَرَ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ يُصَلِّي تَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابه , وَإِذَا خَفَضَ صَوْته لَمْ يَسْمَعهُ مَنْ يُرِيد أَنْ يَسْمَعَ قِرَاءَته فَنَزَلَتْ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِك أَيْ بِقِرَاءَتِك ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ \" لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِك \" أَيْ لَا تُعْلِن بِقِرَاءَةِ الْقُرْآن إِعْلَانًا شَدِيدًا فَيَسْمَعُك الْمُشْرِكُونَ فَيُؤْذُونَك , \" وَلَا تُخَافِتْ بِهَا \" أَيْ لَا تَخْفِض صَوْتك حَتَّى لَا تُسْمِع أُذُنَيْك \" وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا \" أَيْ طَرِيقًا وَسَطًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4354",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أُنْزِلَ ذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا طَلْق ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام ‏ ‏( اِبْن غَنَّام ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ وَالنُّون وَهُوَ النَّخَعِيُّ , مِنْ كِبَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَرِوَايَته عَنْهُ فِي هَذَا الْكِتَاب قَلِيلَة. وَشَيْخه زَائِدَة هُوَ اِبْن قُدَامَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏تَابَعَهُ الثَّوْرِيّ عَنْ هِشَام , وَأَرْسَلَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ يَعْقُوب بْن عَبْد الرَّحِيم الِاسْكَنْدَرَانِي عَنْ هِشَام , وَكَذَلِكَ أَرْسَلَهُ مَالِك. ‏ ‏قَوْله : ( أُنْزِلَ ذَلِكَ فِي الدُّعَاء ) ‏ ‏هَكَذَا أَطْلَقَتْ عَائِشَة , وَهُوَ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون ذَلِكَ دَاخِلَ الصَّلَاة أَوْ خَارِجَهَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَالْعُمَرِيّ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق حَفْص بْن غِيَاث عَنْ هِشَام فَزَادَ فِي الْحَدِيث \" فِي التَّشَهُّد \" وَمِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد قَالَ : \" كَانَ أَعْرَابِيّ مِنْ بَنِي تَمِيم إِذَا سَلَّمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ اُرْزُقْنَا مَالًا وَوَلَدًا \" وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ : لِأَنَّهُ أَصَحّ مَخْرَجًا. ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ عَطَاء قَالَ : \" يَقُول قَوْم : إِنَّهَا فِي الصَّلَاة , وَقَوْم إِنَّهَا فِي الدُّعَاء \" وَقَدْ جَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْو تَأْوِيل عَائِشَة أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أَشْعَثَ بْن سِوَار عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" نَزَلَتْ فِي الدُّعَاء \" وَمِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله , وَمِنْ طَرِيق عَطَاء وَمُجَاهِد وَسَعِيد وَمَكْحُول مِثْله , وَرَجَّحَ النَّوَوِيّ وَغَيْره قَوْل اِبْن عَبَّاس كَمَا رَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ , لَكِنْ يُحْتَمَل الْجَمْع بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاء دَاخِل الصَّلَاة وَقَدْ رَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى عِنْدَ الْبَيْت رَفَعَ صَوْته بِالدُّعَاءِ , فَنَزَلَتْ \" وَجَاءَ عَنْ أَهْل التَّفْسِير فِي ذَلِكَ أَقْوَال أُخَر , مِنْهَا مَا رَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق صَحَابِيّ لَمْ يُسَمِّ رَفْعه فِي هَذِهِ الْآيَة \" لَا تَرْفَعْ صَوْتَك فِي دُعَائِك فَتَذْكُر ذُنُوبك فَتُعَيَّر بِهَا \" وَمِنْهَا مَا رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس ( لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِك ) أَيْ لَا تُصَلِّ مُرَاءَاة لِلنَّاسِ ( وَلَا تُخَافِت بِهَا ) أَيْ لَا تَتْرُكْهَا مَخَافَةً مِنْهُمْ. وَمِنْ طُرُق عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ نَحْوه. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : لَوْلَا أَنَّنَا لَا نَسْتَجِيزُ مُخَالَفَة أَهْل التَّفْسِير فِيمَا جَاءَ عَنْهُمْ لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون الْمُرَاد ( لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِك ) أَيْ بِقِرَاءَتِك نَهَارًا ( وَلَا تُخَافِت بِهَا ) أَيْ لَيْلًا , وَكَانَ ذَلِكَ وَجْهًا لَا يَبْعُد مِنْ الصِّحَّة , اِنْتَهَى. وَقَدْ أَثْبَتَهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلًا. وَقِيلَ : الْآيَة فِي الدُّعَاء , وَهِيَ مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ : ( اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَة ). ‏"
    },
    {
        "id": "4355",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَرَقَهُ ‏ ‏وَفَاطِمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَلَا تُصَلِّيَانِ ‏ { ‏رَجْمًا بِالْغَيْبِ ‏} ‏لَمْ يَسْتَبِنْ ‏ { ‏فُرُطًا ‏} ‏يُقَالُ نَدَمًا ‏ { ‏سُرَادِقُهَا ‏} ‏مِثْلُ السُّرَادِقِ وَالْحُجْرَةِ الَّتِي تُطِيفُ بِالْفَسَاطِيطِ ‏ { ‏يُحَاوِرُهُ ‏} ‏مِنْ الْمُحَاوَرَةِ ‏ { ‏لَكِنَّا ‏ ‏هُوَ اللَّهُ رَبِّي ‏} ‏أَيْ لَكِنْ أَنَا ‏ { ‏هُوَ اللَّهُ رَبِّي ‏} ‏ثُمَّ حَذَفَ الْأَلِفَ وَأَدْغَمَ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الْأُخْرَى ‏ { ‏وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ‏} ‏يَقُولُ بَيْنَهُمَا ‏ { ‏زَلَقًا ‏} ‏لَا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ ‏ { ‏هُنَالِكَ ‏ ‏الْوِلَايَةُ ‏ } ‏مَصْدَرُ الْوَلِيِّ ‏ { ‏عُقُبًا ‏ } ‏عَاقِبَةً وَعُقْبَى وَعُقْبَةً وَاحِدٌ وَهِيَ الْآخِرَةُ ‏ { ‏قِبَلًا ‏ } ‏وَقُبُلًا وَقَبَلًا اسْتِئْنَافًا ‏ { ‏لِيُدْحِضُوا ‏} ‏لِيُزِيلُوا الدَّحْضُ الزَّلَقُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( رَجْمًا بِالْغَيْبِ : لَمْ يَسْتَبِنْ ) ‏ ‏سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرّ هُنَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. وَلِقَتَادَةَ عِنْدَ عَبْد الرَّزَّاق ( رَجْمًا بِالْغَيْبِ ) قَالَ : قَذْفًا بِالظَّنِّ. ‏ ‏قَوْله : ( فُرُطًا نَدَمًا ) ‏ ‏وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد فِي قَوْله : ( فُرُطًا ) قَالَ : نَدَامَةً , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) أَيْ تَضْيِيعًا وَإِسْرَافًا. وَلِلطَّبَرِيِّ عَنْ مُجَاهِد قَالَ : ضَيَاعًا. وَعَنْ السُّدِّيِّ قَالَ : إِهْلَاكًا. وَعَنْ اِبْن جُرَيْجٍ : نَزَلَتْ فِي عُيَيْنَةَ بْن حِصْن بْن حُذَيْفَة بْن بَدْر الْفَزَّارِيِّ قَبْلَ أَنْ يُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( سُرَادِقُهَا مِثْلُ السُّرَادِقِ وَالْحُجْرَة الَّتِي تُطِيف بِالْفَسَاطِيطِ ) ‏ ‏هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة لَكِنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِ , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ) كَسُرَادِقِ الْفُسْطَاط , وَهِيَ الْحُجْرَة الَّتِي تَطُوفُ بِالْفُسْطَاطِ , قَالَ الشَّاعِر : \" سُرَادِق الْمَجْد عَلَيْك مَمْدُودٌ \" وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن عَبَّاس بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِع قَالَ : سُرَادِقهَا حَائِط مِنْ نَار , قَوْله : ( يُحَاوِرُهُ مِنْ الْمُحَاوَرَة ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : يُحَاوِرهُ أَيْ يُكَلِّمُهُ مِنْ الْمُحَاوَرَة أَيْ الْمُرَاجَعَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَكِنَّا هُوَ اللَّه رَبِّي أَيْ لَكِنْ أَنَا هُوَ اللَّه رَبِّي , ثُمَّ حُذِفَ الْأَلِفُ وَأُدْغِمَ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الْأُخْرَى ) ‏ ‏هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة , وَقَالَ الْفَرَّاء : تَرْك الْأَلِف مِنْ أَنَا كَثِير فِي الْكَلَام ثُمَّ أُدْغِمَتْ نُون أَنَا فِي نُون لَكِنْ , وَأَنْشَد : ‏ ‏وَتَرْمُقُنِي بِالطَّرْفِ أَيْ أَنْتَ مُذْنِب ‏ ‏وَتَقْلِينَنِي لَكِنْ إِيَّاكِ لَا أَقْلِي ‏ ‏أَيْ لَكِنْ أَنَا إِيَّاكِ لَا أَقْلِي. قَالَ : وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يُشْبِع أَلِف أَنَا فَجَاءَتْ الْقِرَاءَة عَلَى تِلْكَ اللُّغَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا تَقُول بَيْنَهُمَا ) ‏ ‏ثَبَتَ لِأَبِي ذَرّ , وَهُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة , وَقِرَاءَة الْجُمْهُور بِالتَّشْدِيدِ , وَيَعْقُوب وَعِيسَى بْن عُمَر بِالتَّخْفِيفِ. ‏ ‏قَوْله : ( هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ مَصْدَر وَلِيَ الْوَلِيُّ وَلَاءً ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَلِلْبَاقِينَ \" مَصْدَر الْوَلْي \" وَهُوَ أَصْوَب , وَهُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة قَالَهُ فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة , وَقَرَأَ الْجُمْهُور بِفَتْحِ الْوَاو , وَالْأَخَوَانِ بِكَسْرِهَا , وَأَنْكَرَهُ أَبُو عَمْرو وَالْأَصْمَعِيّ لِأَنَّ الَّذِي بِالْكَسْرِ الْإِمَارَة وَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا. وَقَالَ غَيْرهمَا : الْكَسْر لُغَة بِمَعْنَى الْفَتْح كَالدَّلَالَةِ بِفَتْحِ دَالِهَا وَكَسْرهَا بِمَعْنًى. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏يَأْتِي قَوْله : ( خَيْرٌ عُقْبًا ) فِي الدَّعَوَات. ‏ ‏قَوْله : ( قِبَلًا وَقُبُلًا وَقَبَلًا اِسْتِئْنَافًا ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب قُبُلًا ) أَيْ أَوَّلًا , فَإِنْ فَتَحُوا أَوَّلهَا فَالْمَعْنَى اِسْتِئْنَافًا , وَغَفَلَ اِبْن التِّين فَقَالَ : لَا أَعْرِف لِلِاسْتِئْنَافِ هُنَا مَعْنًى , وَإِنَّمَا هُوَ اِسْتِقْبَالًا , وَهُوَ يَعُود عَلَى قَبْلًا بِفَتْحِ الْقَاف , اِنْتَهَى. وَالْمُؤْتَنَف قَرِيب مِنْ الْمُقْبِل فَلَا مَعْنَى لِادِّعَاءِ تَفْسِيره. ‏ ‏قَوْله : ( لِيُدْحِضُوا لِيُزِيلُوا , الدَّحْضُ الزَّلَق ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقّ ) : أَيْ لِيُزِيلُوا , يُقَال : مَكَانٌ دَحَضٌ أَيْ مُزِلٌّ مُزْلِقٌ لَا يَثْبُت فِيهِ خُفٌّ وَلَا حَافِرٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "4356",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏نَوْفًا الْبِكَالِيَّ ‏ ‏يَزْعُمُ أَنَّ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏صَاحِبَ ‏ ‏الْخَضِرِ ‏ ‏لَيْسَ هُوَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏صَاحِبَ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ إِنَّ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَامَ خَطِيبًا فِي ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏فَسُئِلَ ‏ ‏أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فَقَالَ أَنَا فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ إِنَّ لِي عَبْدًا ‏ ‏بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏يَا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ قَالَ تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ فَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ بِفَتَاهُ ‏ ‏يُوشَعَ بْنِ نُونٍ ‏ ‏حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا فَنَامَا وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنْهُ فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ ‏ { ‏فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ‏} ‏وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطَّاقِ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالْحُوتِ فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتَهُمَا حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ‏} ‏قَالَ وَلَمْ يَجِدْ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَا الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ ‏ { ‏أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا ‏ ‏أَنْسَانِيهِ ‏ ‏إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ‏} ‏قَالَ فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا ‏ ‏وَلِمُوسَى ‏ ‏وَلِفَتَاهُ عَجَبًا فَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏ذَلِكَ مَا كُنَّا ‏ ‏نَبْغِي ‏ ‏فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ‏} ‏قَالَ رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى ثَوْبًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ قَالَ أَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا قَالَ ‏ { ‏إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ‏ ‏مَعِي ‏ ‏صَبْرًا ‏} ‏يَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ فَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ‏} ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ { ‏فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ‏} ‏فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ فَعَرَفُوا ‏ ‏الْخَضِرَ ‏ ‏فَحَمَلُوهُمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إِلَّا ‏ ‏وَالْخَضِرُ ‏ ‏قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَوْمٌ قَدْ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا ‏ { ‏لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ‏ ‏مَعِي ‏ ‏صَبْرًا قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ‏} ‏قَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَتْ الْأُولَى مِنْ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏نِسْيَانًا قَالَ وَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْرَةً فَقَالَ لَهُ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ ثُمَّ خَرَجَا مِنْ السَّفِينَةِ فَبَيْنَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذْ أَبْصَرَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏غُلَامًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏أَقَتَلْتَ نَفْسًا ‏ ‏زَاكِيَةً ‏ ‏بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ‏ ‏مَعِي ‏ ‏صَبْرًا ‏} ‏قَالَ وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنْ الْأُولَى ‏ { ‏قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ‏} ‏قَالَ مَائِلٌ فَقَامَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏فَأَقَامَهُ بِيَدِهِ فَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا ‏ { ‏لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ ‏ ‏تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ‏} ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَدِدْنَا أَنَّ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا قَالَ ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقْرَأُ وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا وَكَانَ يَقْرَأُ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4357",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ‏ ‏وَغَيْرُهُمَا ‏ ‏قَدْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُهُ عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّا لَعِنْدَ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فِي بَيْتِهِ إِذْ قَالَ سَلُونِي قُلْتُ أَيْ ‏ ‏أَبَا عَبَّاسٍ ‏ ‏جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ ‏ ‏بِالْكُوفَةِ ‏ ‏رَجُلٌ قَاصٌّ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏نَوْفٌ ‏ ‏يَزْعُمُ أَنَّهُ لَيْسَ ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏أَمَّا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏فَقَالَ لِي ‏ ‏قَالَ قَدْ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ ‏ ‏وَأَمَّا ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏فَقَالَ لِي ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏قَالَ ذَكَّرَ النَّاسَ يَوْمًا حَتَّى إِذَا فَاضَتْ الْعُيُونُ وَرَقَّتْ الْقُلُوبُ وَلَّى فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ فَقَالَ أَيْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏هَلْ فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْكَ قَالَ لَا فَعَتَبَ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَى اللَّهِ قِيلَ بَلَى قَالَ أَيْ رَبِّ فَأَيْنَ قَالَ بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ أَيْ رَبِّ اجْعَلْ لِي عَلَمًا أَعْلَمُ ذَلِكَ بِهِ ‏ ‏فَقَالَ لِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قَالَ حَيْثُ يُفَارِقُكَ الْحُوتُ ‏ ‏وَقَالَ لِي ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏قَالَ خُذْ نُونًا مَيِّتًا حَيْثُ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ فَقَالَ لِفَتَاهُ لَا أُكَلِّفُكَ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنِي بِحَيْثُ يُفَارِقُكَ الْحُوتُ قَالَ مَا كَلَّفْتَ كَثِيرًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ‏ { ‏وَإِذْ قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏لِفَتَاهُ ‏} ‏يُوشَعَ بْنِ نُونٍ ‏ ‏لَيْسَتْ عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ فَبَيْنَمَا هُوَ فِي ظِلِّ صَخْرَةٍ فِي مَكَانٍ ‏ ‏ثَرْيَانَ إِذْ تَضَرَّبَ الْحُوتُ ‏ ‏وَمُوسَى ‏ ‏نَائِمٌ فَقَالَ فَتَاهُ لَا أُوقِظُهُ حَتَّى إِذَا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ أَنْ يُخْبِرَهُ وَتَضَرَّبَ الْحُوتُ حَتَّى دَخَلَ الْبَحْرَ فَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جِرْيَةَ الْبَحْرِ حَتَّى كَأَنَّ أَثَرَهُ فِي حَجَرٍ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏هَكَذَا كَأَنَّ أَثَرَهُ فِي حَجَرٍ وَحَلَّقَ بَيْنَ إِبْهَامَيْهِ وَاللَّتَيْنِ تَلِيَانِهِمَا ‏ { ‏لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ‏} ‏قَالَ قَدْ قَطَعَ اللَّهُ عَنْكَ النَّصَبَ لَيْسَتْ هَذِهِ عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ فَرَجَعَا فَوَجَدَا ‏ ‏خَضِرًا ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏طِنْفِسَةٍ ‏ ‏خَضْرَاءَ عَلَى كَبِدِ الْبَحْرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏مُسَجًّى بِثَوْبِهِ قَدْ جَعَلَ طَرَفَهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ وَطَرَفَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ ‏ ‏فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ هَلْ بِأَرْضِي مِنْ سَلَامٍ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا شَأْنُكَ قَالَ جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا قَالَ أَمَا يَكْفِيكَ أَنَّ التَّوْرَاةَ بِيَدَيْكَ وَأَنَّ الْوَحْيَ يَأْتِيكَ يَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏إِنَّ لِي عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَهُ وَإِنَّ لَكَ عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَعْلَمَهُ فَأَخَذَ طَائِرٌ بِمِنْقَارِهِ مِنْ الْبَحْرِ وَقَالَ وَاللَّهِ مَا عِلْمِي وَمَا عِلْمُكَ فِي جَنْبِ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَمَا أَخَذَ هَذَا الطَّائِرُ بِمِنْقَارِهِ مِنْ الْبَحْرِ حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ وَجَدَا مَعَابِرَ صِغَارًا تَحْمِلُ أَهْلَ هَذَا السَّاحِلِ إِلَى أَهْلِ هَذَا السَّاحِلِ الْآخَرِ عَرَفُوهُ فَقَالُوا عَبْدُ اللَّهِ الصَّالِحُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْنَا ‏ ‏لِسَعِيدٍ ‏ ‏خَضِرٌ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ ‏ ‏لَا نَحْمِلُهُ بِأَجْرٍ فَخَرَقَهَا وَوَتَدَ فِيهَا وَتِدًا قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ‏} ‏قَالَ ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ ‏مُنْكَرًا ‏ { ‏قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ‏ ‏مَعِي ‏ ‏صَبْرًا ‏} ‏كَانَتْ الْأُولَى نِسْيَانًا وَالْوُسْطَى شَرْطًا وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا ‏ { ‏قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ‏} ‏لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏وَجَدَ غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ فَأَخَذَ غُلَامًا كَافِرًا ظَرِيفًا فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ ‏ { ‏قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ‏} ‏لَمْ تَعْمَلْ بِالْحِنْثِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَرَأَهَا زَكِيَّةً ‏ { ‏زَاكِيَةً ‏ } ‏مُسْلِمَةً كَقَوْلِكَ غُلَامًا زَكِيًّا ‏ ‏فَانْطَلَقَا فَوَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏بِيَدِهِ هَكَذَا وَرَفَعَ يَدَهُ فَاسْتَقَامَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏حَسِبْتُ أَنَّ ‏ ‏سَعِيدًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ فَاسْتَقَامَ ‏ { ‏لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ‏} ‏قَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏أَجْرًا نَأْكُلُهُ ‏ { ‏وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ‏} ‏وَكَانَ أَمَامَهُمْ قَرَأَهَا ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَمَامَهُمْ مَلِكٌ ‏ ‏يَزْعُمُونَ عَنْ غَيْرِ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏هُدَدُ بْنُ بُدَدَ ‏ ‏وَالْغُلَامُ الْمَقْتُولُ اسْمُهُ يَزْعُمُونَ ‏ ‏جَيْسُورٌ ‏ { ‏مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ‏} ‏فَأَرَدْتُ إِذَا هِيَ مَرَّتْ بِهِ أَنْ يَدَعَهَا لِعَيْبِهَا فَإِذَا جَاوَزُوا أَصْلَحُوهَا فَانْتَفَعُوا بِهَا وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ سَدُّوهَا بِقَارُورَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِالْقَارِ ‏ { ‏كَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ‏} ‏وَكَانَ كَافِرًا ‏ { ‏فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ‏} ‏أَنْ يَحْمِلَهُمَا حُبُّهُ عَلَى أَنْ يُتَابِعَاهُ عَلَى دِينِهِ ‏ { ‏فَأَرَدْنَا أَنْ ‏ ‏يُبَدِّلَهُمَا ‏ ‏رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً ‏} ‏لِقَوْلِهِ ‏ { ‏أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً ‏} { ‏وَأَقْرَبَ رُحْمًا ‏} ‏هُمَا بِهِ أَرْحَمُ مِنْهُمَا بِالْأَوَّلِ الَّذِي قَتَلَ ‏ ‏خَضِرٌ ‏ ‏وَزَعَمَ غَيْرُ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏أَنَّهُمَا أُبْدِلَا جَارِيَةً ‏ ‏وَأَمَّا ‏ ‏دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ ‏ ‏فَقَالَ عَنْ ‏ ‏غَيْرِ وَاحِدٍ ‏ ‏إِنَّهَا جَارِيَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَزِيد أَحَدهمَا عَلَى صَاحِبه ) ‏ ‏يُسْتَفَاد بَيَان زِيَادَة أَحَدهمَا عَلَى الْآخَر مِنْ الْإِسْنَاد الَّذِي قَبْلَهُ , فَإِنَّ الْأَوَّل مِنْ رِوَايَة سُفْيَان عَنْ عَمْرو بْن دِينَار فَقَطْ وَهُوَ أَحَد شَيْخَيْ اِبْن جُرَيْجٍ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَغَيْرهمَا قَدْ سَمِعْته يُحَدِّثهُ ) ‏ ‏أَيْ يُحَدِّث الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ , وَعَدَّاهُ بِغَيْرِ الْبَاء. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ يُحَدِّث بِحَذْفِ الْمَفْعُول , وَقَدْ عَيَّنَ اِبْن جُرَيْجٍ بَعْض مَنْ أَبْهَمَهُ كَعُثْمَانَ بْن أَبِي سُلَيْمَان , وَرَوَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر مِنْ مَشَايِخ اِبْن جُرَيْجٍ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن خُثَيْمٍ وَعَبْد اللَّه بْن هُرْمُزَ وَعَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر , وَمِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَبُو إِسْحَاق السَّبِيعِيُّ وَرِوَايَته عِنْدَ مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرهمَا , وَالْحَكَم بْن عُتَيْبَة وَرِوَايَته فِي السِّيرَة الْكُبْرَى لِابْنِ إِسْحَاق , وَسَأَذْكُرُ بَيَان مَا فِي رِوَايَاتهمْ مِنْ فَائِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ قَالَ : سَلُونِي ) ‏ ‏فِيهِ جَوَاز قَوْل الْعَالِم ذَلِكَ , وَمَحَلُّهُ إِذَا أُمِنَ الْعُجْبُ أَوْ دَعَتْ الضَّرُورَة إِلَيْهِ كَخَشْيَةِ نِسْيَان الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله : ( أَيْ أَبَا عَبَّاس ) ‏ ‏هِيَ كُنْيَةُ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس. ‏ ‏وَقَوْله : ( جَعَلَنِي اللَّه فِدَاءَك ) ‏ ‏فِيهِ حُجَّة لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَهُ , وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَاب الْأَدَب. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ بِالْكُوفَةِ رَجُلًا قَاصًّا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِالْكُوفَةِ رَجُلٌ قَاصٌّ \" بِحَذْفِ إِنَّ مِنْ أَوَّله , وَالْقَاصّ بِتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَة الَّذِي يَقُصّ عَلَى النَّاس الْأَخْبَار مِنْ الْمَوَاعِظ وَغَيْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( يُقَال لَهُ نَوْف ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْوَاو بَعْدَهَا فَاء , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" أَنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيّ \" وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة مُخَفَّفًا وَبَعْدَ الْأَلِف لَامٌ , وَوَقَعَ عِنْدَ بَعْض رُوَاة مُسْلِم بِفَتْحِ أَوَّله وَالتَّشْدِيد وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب , وَاسْم أَبِيهِ فَضَالَة بِفَتْحِ الْفَاء وَتَخْفِيف الْمُعْجَمَة , وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى بَنِي بَكَّال بْن دُعْمِيّ بْن سَعْد بْن عَوْف بَطْن مِنْ حِمْيَر , وَيُقَال إِنَّهُ اِبْن اِمْرَأَة كَعْب الْأَحْبَار وَقِيلَ اِبْن أَخِيهِ وَهُوَ تَابِعِيّ صَدُوق. وَفِي التَّابِعِينَ جَبْر بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْمُوَحَّدَة اِبْن نَوْف الْبَكِيلِيّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَكَسْر الْكَاف مُخَفَّفًا بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّة بَعْدَهَا لَام مَنْسُوب إِلَى بَكِيل بَطْن مِنْ هَمْدَان , وَيُكَنَّى أَبَا الْوَدَّاك بِتَشْدِيدِ الدَّال , وَهُوَ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ , وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ وَلَد نَوْف الْبِكَالِيّ فَقَدْ وَهِمَ. ‏ ‏قَوْله : ( يَزْعُم أَنَّهُ لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان يَزْعُم أَنَّ مُوسَى صَاحِب الْخَضِر لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِب بَنِي إِسْرَائِيل. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عِنْدَ النَّسَائِيِّ قَالَ : \" كُنْت عِنْدَ اِبْن عَبَّاسَ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْل الْكِتَاب فَقَالَ بَعْضهمْ : يَا أَبَا عَبَّاس إِنَّ نَوْفًا يَزْعُم عَنْ كَعْب الْأَحْبَار أَنَّ مُوسَى الَّذِي طَلَبَ الْعِلْم إِنَّمَا هُوَ مُوسَى بْن مِيشَا أَيْ اِبْن أَفْرَائِيم بْن يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَسَمِعْت ذَلِكَ مِنْهُ يَا سَعِيد ؟ قُلْت : نَعَمْ. قَالَ : كَذَبَ نَوْف \" وَلَيْسَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ تَعَارُض لِأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّ سَعِيدًا أَبْهَمَ نَفْسه فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَيَكُون قَوْله : فَقَالَ بَعْضهمْ أَيْ بَعْض الْحَاضِرِينَ , لَا أَهْل الْكِتَاب , وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" قِيلَ لِابْنِ عَبَّاس \" بَدَلَ قَوْله : \" فَقَالَ بَعْضهمْ \" وَعِنْدَ أَحْمَد فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق \" وَكَانَ اِبْن عَبَّاس مُتَّكِئًا فَاسْتَوَى جَالِسًا وَقَالَ : أَكَذَاك يَا سَعِيد ؟ قُلْت : نَعَمْ أَنَا سَمِعْته \" وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق فِي \" الْمُبْتَدَأ \" : كَانَ مُوسَى بْن مِيشَا قَبْلَ مُوسَى بْن عِمْرَان نَبِيًّا فِي بَنِي إِسْرَائِيل , وَيَزْعُم أَهْل الْكِتَاب أَنَّهُ الَّذِي صَحِبَ الْخَضِر. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَّا عَمْرو ) ‏ ‏اِبْن دِينَار ‏ ‏( قَالَ لِي : كَذَبَ عَدُوّ اللَّه ) ‏ ‏أَرَادَ اِبْن جُرَيْجٍ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَة وَقَعَتْ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار دُونَ رِوَايَة يَعْلَى بْن مُسْلِم , وَهُوَ كَمَا قَالَ , فَإِنَّ سُفْيَان رَوَاهَا أَيْضًا عَنْ عَمْرو بْن دِينَار كَمَا مَضَى , وَسَقَطَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَة يَعْلَى بْن مُسْلِم. وَقَوْله : كَذَبَ وَقَوْله : عَدُوّ اللَّه مَحْمُولَانِ عَلَى إِرَادَة الْمُبَالَغَة فِي الزَّجْر وَالتَّنْفِير عَنْ تَصْدِيق تِلْكَ الْمَقَالَة , وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة دَارَتْ أَوَّلًا بَيْنَ اِبْن عَبَّاس وَالْحُرّ بْن قَيْس الْفَزَّارِيِّ وَسَأَلَا عَنْ ذَلِكَ أُبَيَّ بْن كَعْب , لَكِنْ لَمْ يُفْصِح فِي تِلْكَ الرِّوَايَة بِبَيَانِ مَا تَنَازَعَا فِيهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي كِتَاب الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَانَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : ذَكَّرَ ) ‏ ‏هُوَ بِتَشْدِيدِ الْكَاف أَيْ وَعَظَهُمْ , وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عِنْدَ النَّسَائِيِّ \" فَذَكَّرَهُمْ بِأَيَّامِ اللَّه. وَأَيَّام اللَّه نَعْمَاؤُهُ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" يُذَكِّرُهُمْ بِأَيَّامِ اللَّه وَآلَاء اللَّه نَعْمَاؤُهُ وَبَلَاؤُهُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي تَفْسِير سُورَة إِبْرَاهِيم , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيل \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى إِذَا فَاضَتْ الْعُيُون وَرَقَّتْ الْقُلُوب ) ‏ ‏يَظْهَر لِي أَنَّ هَذَا الْقَدْر مِنْ زِيَادَة يَعْلَى بْن مُسْلِم عَلَى عَمْرو بْن دِينَار , لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ عَمْرو وَهُوَ أَثْبَتُ النَّاس فِيهِ , وَفِيهِ أَنَّ الْوَاعِظ إِذَا أَثَّرَ وَعْظُهُ فِي السَّامِعِينَ فَخَشَعُوا وَبَكَوْا يَنْبَغِي أَنْ يُخَفِّفَ لِئَلَّا يَمَلُّوا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَدْرَكَهُ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ السُّؤَال عَنْ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ الْخُطْبَة وَتَوَجَّهَ , وَرِوَايَة سُفْيَان تُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْخُطْبَة , لَكِنْ يُمْكِن حَمْلهَا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة , فَإِنَّ لَفْظَة \" قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيل فَسُئِلَ \" فَتُحْمَل عَلَى أَنَّ فِيهِ حَذْفًا تَقْدِيره : قَامَ خَطِيبًا فَخَطَبَ فَفَرَغَ فَتَوَجَّهَ فَسُئِلَ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ السُّؤَال وَقَعَ وَمُوسَى بَعْدُ لَمْ يُفَارِق الْمَجْلِس , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي مُنَازَعَة اِبْن عَبَّاس وَالْحُرّ بْن قَيْس \" بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَأ بَنِي إِسْرَائِيل جَاءَهُ رَجُل فَقَالَ : هَلْ تَعْلَم أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْك \" الْحَدِيثَ. ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ فِي الْأَرْض أَحَد أَعْلَم مِنْك ؟ قَالَ : لَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" فَسُئِلَ أَيّ النَّاس أَعْلَم ؟ فَقَالَ : أَنَا \" وَبَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَرْقٌ , لِأَنَّ رِوَايَة سُفْيَان تَقْتَضِي الْجَزْم بِالْأَعْلَمِيَّةِ لَهُ وَرِوَايَة الْبَاب تَنْفِي الْأَعْلَمِيَّة عَنْ غَيْره عَلَيْهِ فَيَبْقَى اِحْتِمَال الْمُسَاوَاة , وَيُؤَيِّد رِوَايَة الْبَاب أَنَّ فِي قِصَّة الْحُرّ بْن قَيْس \" فَقَالَ : هَلْ تَعْلَم أَحَدًا أَعْلَم مِنْك ؟ قَالَ : لَا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عِنْدَ مُسْلِم \" فَقَالَ : مَا أَعْلَم فِي الْأَرْض رَجُلًا خَيْرًا وَأَعْلَم مِنِّي , فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : إِنِّي أَعْلَم بِالْخَيْرِ عِنْدَ مَنْ هُوَ , وَإِنَّ فِي الْأَرْض رَجُلًا هُوَ أَعْلَم مِنْك \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم الْبَحْث عَمَّا يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ : \" فَعَتَبَ اللَّه عَلَيْهِ \" وَهَذَا اللَّفْظ فِي الْعِلْم , وَوَقَعَ هُنَا \" فَعُتِبَ \" بِحَذْفِ الْفَاعِل , وَقَوْله فِي رِوَايَة الْبَاب : \" قِيلَ بَلَى \" وَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان \" فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : إِنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَم مِنْك \" وَفِي قِصَّة الْحُرّ بْن قَيْس \" فَأَوْحَى اللَّه إِلَى مُوسَى \" بَلَى عَبْدنَا خَضِر \" وَفِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عِنْدَ مُسْلِم \" أَنَّ فِي الْأَرْض رَجُلًا هُوَ أَعْلَم مِنْك \" وَعِنْدَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق هَارُونَ بْن عَنْتَرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ مُوسَى قَالَ : أَيْ رَبّ , أَيّ عِبَادك أَعْلَم ؟ قَالَ : الَّذِي يَبْتَغِي عِلْم النَّاس إِلَى عِلْمه , قَالَ : مَنْ هُوَ وَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ : الْخَضِر , تَلْقَاهُ عِنْدَ الصَّخْرَة \" وَذَكَرَ لَهُ حِلْيَته. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة \" وَكَانَ مُوسَى حَدَّثَ نَفْسه بِشَيْءٍ مِنْ فَضْل عِلْمه أَوْ ذَكَرَهُ عَلَى مِنْبَره \" وَتَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم شَرْح هَذِهِ اللَّفْظَة وَبَيَان مَا فِيهَا مِنْ إِشْكَال وَالْجَوَاب عَنْهُ مُسْتَوْفًى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عِنْدَ النَّسَائِيِّ \" أَنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ آتَيْته مِنْ الْعِلْم مَا لَمْ أُوتِكَ \" وَهُوَ يُبَيِّنُ الْمُرَاد أَيْضًا. وَعِنْدَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق أَبِي الْعَالِيَة مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَوَاب وَقَعَ فِي نَفْس مُوسَى قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ وَلَفْظه \" لَمَّا أُوتِيَ مُوسَى التَّوْرَاة وَكَلَّمَهُ اللَّه وَجَدَ فِي نَفْسه أَنْ قَالَ مَنْ أَعْلَم مِنِّي \" وَنَحْوه عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي حَال الْخُطْبَة وَلَفْظه \" قَامَ مُوسَى خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيل فَأَبْلَغَ فِي الْخُطْبَة , فَعَرَضَ فِي نَفْسه أَنَّ أَحَدًا لَمْ يُؤْتَ مِنْ الْعِلْم مَا أُوتِيَ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : أَيْ رَبّ فَأَيْنَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" قَالَ : يَا رَبّ فَكَيْفَ لِي بِهِ \" وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ الْمَذْكُورَة \" قَالَ : فَادْلُلْنِي عَلَى هَذَا الرَّجُل حَتَّى أَتَعَلَّم مِنْهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( اِجْعَلْ لِي عَلَمًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن وَاللَّام أَيْ عَلَامَة , وَفِي قِصَّة الْحُرّ بْن قَيْس : فَجَعَلَ اللَّه لَهُ الْحُوت آيَةً \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" فَكَيْف لِي بِهِ \" وَفِي قِصَّة الْحُرّ بْن قَيْس \" فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيل إِلَى لُقِيّه \". ‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَعْلَم ذَلِكَ بِهِ ) ‏ ‏أَيْ الْمَكَان الَّذِي أَطْلُب فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لِي عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَارٍ , وَالْقَائِل هُوَ اِبْن جُرَيْجٍ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : حَيْثُ يُفَارِقُك الْحُوتُ ) ‏ ‏يَعْنِي فَهُوَ ثَمَّ , وَقَعَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ عَمْرو قَالَ : \" تَأْخُذ مَعَك حُوتًا فَتَجْعَلهُ فِي مِكْتَل , فَحَيْثُ مَا فَقَدْت الْحُوت فَهُوَ ثَمَّ \" وَنَحْوه فِي قِصَّة الْحُرّ بْن قَيْس وَلَفْظه \" وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْت الْحُوت فَارْجِعْ فَإِنَّك سَتَلْقَاهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لِي يَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُسْلِمٍ , وَالْقَائِل أَيْضًا هُوَ اِبْن جُرَيْجٍ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : خُذْ حُوتًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" نُونًا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عِنْدَ مُسْلِم \" فَقِيلَ لَهُ تَزَوَّدْ حُوتًا مَالِحًا , فَإِنَّهُ حَيْثُ تَفْقِد الْحُوت \" وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ الْحُوت كَانَ مَيِّتًا لِأَنَّهُ لَا يُمَلَّح وَهُوَ حَيّ , وَمِنْهُ تُعْلَم الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الْحُوت دُونَ غَيْره مِنْ الْحَيَوَانَات لِأَنَّ غَيْره لَا يُؤْكَل مَيِّتًا , وَلَا يَرِد الْجَرَاد لِأَنَّهُ قَدْ يُفْقَد وُجُودُهُ لَا سِيَّمَا بِمِصْرَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَيْثُ يُنْفَخ فِيهِ الرُّوح ) ‏ ‏هُوَ بَيَان لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَات الْأُخْرَى : \" حَيْثُ تَفْقِدهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الرَّبِيع بْن أَنَس عِنْدَ اِبْن أَبِي حَاتِم أَنَّهُمَا اِصْطَادَاهُ , يَعْنِي مُوسَى وَفَتَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لِفَتَاهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سُفْيَان \" ثُمَّ اِنْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ بِفَتَاهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا كُلِّفت كَثِيرًا ) ‏ ‏لِلْأَكْثَرِ بِالْمُثَلَّثَةِ وَلِلكُشْمِيهَنِيّ بِالْمُوَحَّدَةِ. ‏ ‏قَوْله. ( فَلِذَلِكَ قَوْله : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ ) يُوشَع بْن نُون , لَيْسَتْ عَنْ سَعِيد ) ‏ ‏الْقَائِل لَيْسَتْ عَنْ سَعِيد هُوَ اِبْن جُرَيْجٍ , وَمُرَاده أَنَّ تَسْمِيَة الْفَتَى لَيْسَتْ عِنْدَهُ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الَّذِي نَفَاهُ صُورَة السِّيَاق لَا التَّسْمِيَة فَإِنَّهَا وَقَعَتْ فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَلَفْظه \" ثُمَّ اِنْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ يُوشَع بْن نُون \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان نَسَب يُوشَع فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَأَنَّهُ الَّذِي قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل بَعْدَ مَوْت مُوسَى , وَنَقَلَ اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّهُ كَانَ اِبْن أُخْت مُوسَى , وَعَلَى الْقَوْل الَّذِي نَقَلَهُ نَوْف بْن فَضَالَة مِنْ أَنَّ مُوسَى صَاحِب هَذِهِ الْقِصَّة لَيْسَ هُوَ اِبْن عِمْرَانَ فَلَا يَكُون فَتَاهُ يُوشَع بْن نُون , وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة قَالَ : قِيلَ لِابْنِ عَبَّاس : لَمْ نَسْمَع لِفَتَى مُوسَى بِذِكْرٍ مِنْ حِين لَقِيَ الْخَضِر , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ الْفَتَى شَرِبَ مِنْ الْمَاء الَّذِي شَرِبَ مِنْهُ الْحُوت فَخُلِّدَ , فَأَخَذَهُ الْعَالِم فَطَابَقَ بِهِ بَيْن لَوْحَيْنِ ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي الْبَحْر فَإِنَّهَا لَتَمُوجُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ. قَالَ أَبُو نَصْر بْن الْقُشَيْرِيِّ : إِنْ ثَبَتَ هَذَا فَلَيْسَ هُوَ يُوشَع. قُلْت : لَمْ يَثْبُت , فَإِنَّ إِسْنَاده ضَعِيفٌ. وَزَعَمَ اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّ ظَاهِر الْقُرْآن يَقْتَضِي أَنَّ الْفَتَى لَيْسَ هُوَ يُوشَع , وَكَأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ لَفْظ الْفَتَى أَوْ أَنَّهُ خَاصّ بِالرَّقِيقِ , وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ الْفَتَى مَأْخُوذ مِنْ الْفَتِيّ وَهُوَ الشَّبَاب , وَأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَخْدُم الْمَرْء سَوَاء كَانَ شَابًّا أَوْ شَيْخًا , لِأَنَّ الْأَغْلَب أَنَّ الْخَدَم تَكُون شُبَّانًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَيْنَمَا هُوَ فِي ظِلّ صَخْرَةٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُءُوسهمَا فَنَامَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي مَكَانٍ ثَرْيَانَ ) ‏ ‏بِمُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَة وَرَاءٍ سَاكِنَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة أَيْ مَبْلُول. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ تَضَرَّبَ الْحُوتُ ) ‏ ‏بِضَادٍ مُعْجَمَة وَتَشْدِيد وَهُوَ تَفَعَّلَ مِنْ الضَّرْب فِي الْأَرْض وَهُوَ السَّيْر , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" وَاضْطَرَبَ الْحُوت فِي الْمِكْتَل فَخَرَجَ مِنْهُ فَسَقَطَ فِي الْبَحْر \" وَفِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عِنْدَ مُسْلِمٍ \" فَاضْطَرَبَ الْحُوت فِي الْمَاء \" وَلَا مُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا , لِأَنَّهُ اِضْطَرَبَ أَوَّلًا فِي الْمِكْتَل فَلَمَّا سَقَطَ فِي الْمَاء اِضْطَرَبَ أَيْضًا , فَاضْطِرَابُهُ الْأَوَّل فِيمَا فِي مَبْدَأ مَا حَيِيَ , وَالثَّانِي فِي سَيْره فِي الْبَحْر حَيْثُ اِتَّخَذَ فِيهِ مَسْلَكًا. وَفِي رِوَايَة قُتَيْبَة عَنْ سُفْيَان فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ مِنْ الزِّيَادَة قَالَ سُفْيَان : وَفِي غَيْر حَدِيث عَمْرو \" وَفِي أَصْل الصَّخْرَة عَيْن يُقَال لَهَا الْحَيَاة لَا يُصِيب مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ إِلَّا حَيِيَ , فَأَصَابَ الْحُوت مِنْ مَاء تِلْكَ الْعَيْن فَتَحَرَّكَ وَانْسَلَّ مِنْ الْمِكْتَل فَدَخَلَ الْبَحْر \" وَحَكَى اِبْن الْجَوْزِيّ أَنَّ فِي رِوَايَته فِي الْبُخَارِيّ \" الْحَيَا \" بِغَيْرِ هَاء قَالَ : وَهُوَ مَا يَحْيَى بِهِ النَّاس , وَهَذِهِ الزِّيَادَة الَّتِي ذَكَرَ سُفْيَان أَنَّهَا فِي حَدِيث غَيْر عَمْرو قَدْ أَخْرَجَهَا اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن يَسَار عَنْ سُفْيَان مُدْرَجَة فِي حَدِيث عَمْرو وَلَفْظه \" حَتَّى اِنْتَهَيْنَا إِلَى الصَّخْرَة فَقَالَ مُوسَى عِنْدَهَا - أَيْ نَامَ - قَالَ : وَكَانَ عِنْدَ الصَّخْرَة عَيْن مَاء يُقَال لَهَا : عَيْن الْحَيَاة لَا يُصِيب مِنْ ذَلِكَ الْمَاء مَيِّت إِلَّا عَاشَ , فَقُطِرَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَاء عَلَى الْحُوت قَطْرَة فَعَاشَ , وَخَرَجَ مِنْ الْمِكْتَل فَسَقَطَ فِي الْبَحْر \" وَأَظُنّ أَنَّ اِبْن عُيَيْنَةَ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ , فَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيقه قَالَ : \" فَأَتَى عَلَى عَيْن فِي الْبَحْر يُقَال لَهَا عَيْن الْحَيَاة , فَلَمَّا أَصَابَ تِلْكَ الْعَيْن رَدَّ اللَّه رُوحَ الْحُوت إِلَيْهِ \" وَقَدْ أَنْكَرَ الدَّاوُدِيُّ فِيمَا حَكَاهُ اِبْن التِّين هَذِهِ الزِّيَادَة فَقَالَ : لَا أَرَى هَذَا يَثْبُت , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ مِنْ خَلْق اللَّه وَقُدْرَتِهِ. قَالَ : لَكِنْ فِي دُخُول الْحُوت الْعَيْن دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَيِيَ قَبْلَ دُخُوله , فَلَوْ كَانَ كَمَا فِي هَذَا الْخَبَر لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْعَيْن. قَالَ : وَاللَّهُ قَادِر عَلَى أَنْ يُحْيِيَهُ بِغَيْرِ الْعَيْن اِنْتَهَى. قَالَ : وَلَا يَخْفَى ضَعْف كَلَامه دَعْوَى وَاسْتِدْلَالًا , وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْمَاء الَّذِي دَخَلَ فِيهِ الْحُوت هُوَ مَاء الْعَيْن , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْأَخْبَار صَرِيحَة فِي أَنَّ الْعَيْن عِنْدَ الصَّخْرَة وَهِيَ غَيْر الْبَحْر وَكَأَنَّ الَّذِي أَصَابَ الْحُوت مِنْ الْمَاء كَانَ شَيْئًا مِنْ رَشَاشٍ , وَلَعَلَّ هَذِه الْعَيْن إِنْ ثَبَتَ النَّقْل فِيهَا مُسْتَنَد مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَضِر شَرِبَ مِنْ عَيْن الْحَيَاة فَخُلِّدَ , وَذَلِكَ مَذْكُور عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه وَغَيْره مِمَّنْ كَانَ يَنْقُل مِنْ الْإِسْرَائِيلِيَّات. وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو جَعْفَر بْن الْمُنَادِي فِي ذَلِكَ كِتَابًا وَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يُوثَق بِالنَّقْلِ فِيمَا يُوجَد مِنْ الْإِسْرَائِيلِيَّات. ‏ ‏قَوْله : ( وَمُوسَى نَائِم , فَقَالَ فَتَاهُ : لَا أُوقِظُهُ , حَتَّى إِذَا اِسْتَيْقَظَ فَنَسِيَ أَنْ يُخْبِرَهُ ) ‏ ‏فِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره حَتَّى إِذَا اِسْتَيْقَظَ سَارَ فَنَسِيَ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : ( نَسِيَا حُوتَهُمَا ) فَقِيلَ نُسِبَ النِّسْيَانُ إِلَيْهِمَا تَغْلِيبًا , وَالنَّاسِي هُوَ الْفَتَى , نَسِيَ أَنْ يُخْبِرَ مُوسَى كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيث. وَقِيلَ : بَلْ الْمُرَاد أَنَّ الْفَتَى نَسِيَ أَنْ يُخْبِرَ مُوسَى بِقِصَّةِ الْحُوت , وَنَسِيَ مُوسَى أَنْ يَسْتَخْبِرَهُ عَنْ شَأْن الْحُوت بَعْدَ أَنْ اِسْتَيْقَظَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَكَانَ بِصَدَدِ أَنْ يَسْأَلهُ أَيْنَ هُوَ فَنَسِيَ ذَلِكَ. وَقِيلَ : بَلْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( نَسِيَا ) أَخَّرَا , مَأْخُوذ مِنْ النِّسْي بِكَسْرِ النُّون وَهُوَ التَّأْخِير , وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا أَخَّرَا اِفْتِقَاده لِعَدَمِ الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ , فَلَمَّا اِحْتَاجَا إِلَيْهِ ذَكَرَاهُ. وَهُوَ بَعِيد , بَلْ صَرِيح الْآيَة يَدُلّ عَلَى صِحَّة صَرِيح الْخَبَر , وَأَنَّ الْفَتَى اِطَّلَعَ عَلَى مَا جَرَى لِلْحُوتِ وَنَسِيَ أَنْ يُخْبِر مُوسَى بِذَلِكَ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق \" أَنَّ مُوسَى تَقَدَّمَ فَتَاهُ لَمَّا اِسْتَيْقَظَ فَسَارَ , فَقَالَ فَتَاهُ : أَلَا أَلْحَق نَبِيّ اللَّه فَأُخْبِر , قَالَ : فَنَسِيَ أَنْ يُخْبِرَهُ \" وَذَكَرَ اِبْن عَطِيَّة أَنَّهُ رَأَى سَمَكَةً أَحَد جَانِبَيْهَا شَوْك وَعَظْم وَجِلْد رَقِيق عَلَى أَحْشَائِهَا وَنِصْفهَا الثَّانِي صَحِيح , وَيَذْكُر أَهْل ذَلِكَ الْمَكَان أَنَّهَا مِنْ نَسْل حُوت مُوسَى , إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَمَّا حَيِيَ بَعْدَ أَنْ أَكَلَ مِنْهُ اِسْتَمَرَّتْ فِيهِ تِلْكَ الصِّفَة ثُمَّ فِي نَسْله , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمْسَكَ اللَّه عَنْهُ جِرْيَة الْبَحْر حَتَّى كَانَ أَثَره فِي حَجَر ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَالْجِيم , وَفِي رِوَايَةٍ جُحْر بِضَمِّ الْجِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَهُوَ وَاضِح. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لِي عَمْرو ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ اِبْن جُرَيْجٍ ( كَأَنَّ أَثَره فِي حَجَر وَحَلَّقَ بَيْنَ إِبْهَامَيْهِ وَاَلَّتِي ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَاللَّتَيْنِ تَلِيَانِهِمَا \" يَعْنِي السَّبَّابَتَيْنِ. وَفِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ عَمْرو \" فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْل الطَّاق \" وَهُوَ يُفَسِّر مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ الصِّفَة. وَفِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عِنْدَ مُسْلِم \" فَاضْطَرَبَ الْحُوت فِي الْمَاء فَجَعَلَ لَا يَلْتَئِم عَلَيْهِ , صَارَ مِثْل الْكُوَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرنَا هَذَا نَصَبًا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا مُخْتَصَرًا , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" فَانْطَلَقَا بَقِيَّة يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتَهُمَا حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ الْغَد قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ : آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرنَا هَذَا نَصَبًا \" قَالَ الدَّاوُدِيُّ : هَذِهِ الرِّوَايَة وَهْم. وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْفَتَى لَمْ يُخْبِر مُوسَى إِلَّا بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ , وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَاد بَلْ الْمُرَاد أَنَّ اِبْتِدَاءَهَا مِنْ يَوْمِ خَرَجَا لِطَلَبِهِ , وَيُوَضِّح ذَلِكَ مَا فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عِنْدَ مُسْلِم \" فَلَمَّا تَجَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ : ( آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ) قَالَ : وَلَمْ يُصِبْهُ نَصَب حَتَّى تَجَاوَزَا \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان الْمَذْكُورَة \" وَلَمْ يَجِد مُوسَى النَّصَب حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَان الَّذِي أَمَرَ اللَّه بِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : قَدْ قَطَعَ اللَّه عَنْك النَّصَب , لَيْسَتْ هَذِهِ عَنْ سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ قَوْل اِبْن جُرَيْجٍ , وَمُرَاده أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة لَيْسَتْ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي سَاقَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَخَّرَهُ ) ‏ ‏كَذَا عِنْدَ أَبِي ذَرّ بِهَمْزَةٍ وَمُعْجَمَة وَرَاء وَهَاء , ثُمَّ فِي نُسْخَة مِنْهُ بِمَدِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الْخَاء وَفَتْح الرَّاء بَعْدَهَا هَاءٌ ضَمِيرٌ أَيْ إِلَى آخِر الْكَلَام وَأَحَالَ ذَلِكَ عَلَى سِيَاق الْآيَة , وَفِي أُخْرَى بِفَتَحَاتٍ وَتَاء تَأْنِيث مُنَوَّنَة مَنْصُوبَة , وَفِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" أَخْبَرَهُ \" بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْخَاء ثُمَّ مُوَحَّدَة مِنْ الْإِخْبَار , أَيْ أَخْبَرَ الْفَتَى مُوسَى بِالْقِصَّةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان \" فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ : ( أَرَأَيْت إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَة ) فَسَاقَ الْآيَة إِلَى ( عَجَبًا ) قَالَ : فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا وَلِمُوسَى عَجَبًا \" وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ قَالَ : عَجَبُ مُوسَى أَنْ تَسَرَّبَ حُوت مُمَلَّح فِي مِكْتَل. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَجَعَا فَوَجَدَا خَضِرًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" فَقَالَ مُوسَى : ( ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ) أَيْ نَطْلُبُ \" وَفِي رِوَايَة لِلنَّسَائِيِّ \" هَذِهِ حَاجَتنَا \" وَذَكَرَ مُوسَى مَا كَانَ اللَّه عَهِدَ إِلَيْهِ يَعْنِي فِي أَمْر الْحُوت. ‏ ‏قَوْله : ( فَارْتَدَّا عَلَى آثَارهمَا قَصَصًا قَالَ : رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارهمَا ) أَيْ آثَار سَيْرهمَا ( حَتَّى اِنْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَة ) زَادَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَة لَهُ \" الَّتِي فَعَلَ فِيهَا الْحُوت مَا فَعَلَ \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْفَتَى لَمْ يُخْبِر مُوسَى حَتَّى سَارَا زَمَانًا , إِذْ لَوْ أَخْبَرَهُ أَوَّلَ مَا اِسْتَيْقَظَ مَا اِحْتَاجَا إِلَى اِقْتِصَاص آثَارهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَجَدَا خَضِرًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ذِكْر نَسَبه وَشَرْح حَاله فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" حَتَّى اِنْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَة فَإِذَا رَجُل \" , وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَة وَهْم وَأَنَّهُمَا إِنَّمَا وَجَدَاهُ فِي جَزِيرَة الْبَحْر. قُلْت : وَلَا مُغَايَرَة بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ , فَإِنَّ الْمُرَاد أَنَّهُمَا لَمَّا اِنْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَة تَتَبَّعَاهُ إِلَى أَنْ وَجَدَاهُ فِي الْجَزِيرَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عِنْدَ مُسْلِم \" فَأَرَاهُ مَكَان الْحُوت فَقَالَ : هَاهُنَا وُصِفَ لِي , فَذَهَبَ يَلْتَمِس فَإِذَا هُوَ بِالْخَضِرِ \". وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق الرَّبِيع بْن أَنَس قَالَ : اِنْجَابَ الْمَاء عَنْ مَسْلَك الْحُوت فَصَارَ كُوَّة , فَدَخَلَهَا مُوسَى عَلَى أَثَر الْحُوت فَإِذَا هُوَ بِالْخَضِرِ. وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : فَرَجَعَ مُوسَى حَتَّى أَتَى الصَّخْرَة فَوَجَدَ الْحُوت , فَجَعَلَ مُوسَى يُقَدِّم عَصَاهُ يُفَرِّج بِهَا عَنْهُ الْمَاء وَيَتْبَع الْحُوت , وَجَعَلَ الْحُوت لَا يَمَسّ شَيْئًا مِنْ الْبَحْر إِلَّا يَبِسَ حَتَّى يَصِير : صَخْرَة , فَجَعَلَ مُوسَى يَعْجَب مِنْ ذَلِكَ حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى جَزِيرَة فِي الْبَحْر فَلَقِيَ الْخَضِر. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ قَالَ : بَلَغَنَا عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ مُوسَى دَعَا رَبَّهُ وَمَعَهُ مَاء فِي سِقَاء يَصُبّ مِنْهُ فِي الْبَحْر فَيَصِير حَجَرًا فَيَأْخُذ فِيهِ , حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى صَخْرَة فَصَعِدَهَا وَهُوَ يَتَشَوَّف هَلْ يَرَى الرَّجُل , ثُمَّ رَآهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لِي عُثْمَان بْن أَبِي سُلَيْمَان : عَلَى طِنْفِسَة خَضْرَاء ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ اِبْن جُرَيْجٍ , وَعُثْمَان هُوَ اِبْن أَبِي سُلَيْمَان بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم وَهُوَ مِمَّنْ أَخَذَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , وَرَوَى عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُبَارَك عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي سُلَيْمَان قَالَ : رَأَى مُوسَى الْخَضِر عَلَى طِنْفِسَة خَضْرَاء عَلَى وَجْه الْمَاء اِنْتَهَى. وَالطِّنْفِسَة فُرُش صَغِير وَهِيَ بِكَسْرِ الطَّاء وَالْفَاء بَيْنَهُمَا نُونٌ سَاكِنَة وَبِضَمِّ الطَّاء وَالْفَاء وَبِكَسْرِ الطَّاء وَبِفَتْحِ الْفَاء لُغَات. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : مُسَجًّى بِثَوْبِهِ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" فَإِذَا رَجُل مُسَجًّى بِثَوْبٍ \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" مُسَجًّى ثَوْبًا مُسْتَلْقِيًا عَلَى الْقَفَا \" وَلِعَبْدِ بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق أَبِي الْعَالِيَة \" فَوَجَدَهُ نَائِمًا فِي جَزِيرَة مِنْ جَزَائِر الْبَحْر مُلْتَفًّا بِكِسَاءٍ \" وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ السُّدِّيِّ \" فَرَأَى الْخَضِر وَعَلَيْهِ جُبَّة مِنْ صُوف وَكِسَاء مِنْ صُوف وَمَعَهُ عَصًا قَدْ أَلْقَى عَلَيْهَا طَعَامه , قَالَ : وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِر لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا أَقَامَ فِي مَكَان نَبَتَ الْعُشْب حَوْلَهُ \" اِنْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفْعه \" إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِر لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَة بَيْضَاء فَإِذَا هِيَ تَهْتَزّ تَحْتَهُ خَضْرَاء \" وَالْمُرَاد بِالْفَرْوَةِ وَجْه الْأَرْض. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى فَكَشَفَ عَنْ وَجْهه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عِنْدَ مُسْلِم \" فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ , فَكَشَفَ الثَّوْب عَنْ وَجْهه وَقَالَ : وَعَلَيْكُمْ السَّلَام \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ : هَلْ بِأَرْضِي مِنْ سَلَام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِأَرْضٍ \" بِالتَّنْوِينِ , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" قَالَ : وَأَنِّي بِأَرْضِك السَّلَام \" وَهِيَ بِمَعْنَى أَيْنَ أَوْ كَيْف , وَهُوَ اِسْتِفْهَام اِسْتِبْعَاد يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْل تِلْكَ الْأَرْض لَمْ يَكُونُوا إِذْ ذَاكَ مُسْلِمِينَ , وَيُجْمَع بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ اِسْتَفْهَمَهُ بَعْدَ أَنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَام. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ أَنَا مُوسَى. قَالَ : مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيل ؟ قَالَ : نَعَمْ ) ‏ ‏وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان قَوْله : \" مَنْ أَنْتَ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق \" قَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : مُوسَى. قَالَ : مَنْ مُوسَى ؟ قَالَ : مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيل \" وَيُجْمَع بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْخَضِر أَعَادَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق الرَّبِيع بْن أَنَس فِي هَذِهِ الْقِصَّة. فَقَالَ مُوسَى : السَّلَام عَلَيْك يَا خَضِر , فَقَالَ : وَعَلَيْك السَّلَام يَا مُوسَى , قَالَ : وَمَا يُدْرِيك أَنِّي مُوسَى ؟ قَالَ : أَدْرَانِي بِك الَّذِي أَدْرَاك بِي وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ فَهُوَ مِنْ الْحُجَج عَلَى أَنَّ الْخَضِر نَبِيٌّ , لَكِنْ يُبْعِد ثُبُوته قَوْله فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الصَّحِيح \" مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا مُوسَى. قَالَ : مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيل \" الْحَدِيثَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : فَمَا شَأْنُك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق \" قَالَ : مَا جَاءَ بِك \" ؟ قَوْله : ( جِئْت لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْت رُشْدًا ) قَرَأَ أَبُو عَمْرو بِفَتْحَتَيْنِ وَالْبَاقُونَ كُلّهمْ بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه , وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُمَا بِمَعْنًى كَالْبُخْلِ وَالْبَخَل , وَقِيلَ بِفَتْحَتَيْنِ : الدِّين , وَبِضَمٍّ ثُمَّ سُكُون : صَلَاح النَّظَر. وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول ثَانٍ لِتُعَلِّمَنِي , وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ لِقَوْلِهِ : \" عُلِّمْت \". ‏ ‏قَوْله : ( أَمَا يَكْفِيك أَنَّ التَّوْرَاة بِيَدَيْك وَأَنَّ الْوَحْي يَأْتِيك ) ‏ ‏سَقَطَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ رِوَايَة سُفْيَان , فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهَا مِنْ رِوَايَة يَعْلَى بْن مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( يَا مُوسَى إِنَّ لِي عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لَك أَنْ تَعْلَمهُ ) ‏ ‏أَيْ جَمِيعَهُ ( وَإِنَّ لَك عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَعْلَمَهُ ) أَيْ جَمِيعَهُ , وَتَقْدِير ذَلِكَ مُتَعَيِّن لِأَنَّ الْخَضِر كَانَ يَعْرِف مِنْ الْحُكْم الظَّاهِر مَا لَا غِنَى بِالْمُكَلَّفِ عَنْهُ , وَمُوسَى كَانَ يَعْرِف مِنْ الْحُكْم الْبَاطِن مَا يَأْتِيه بِطَرِيقِ الْوَحْي. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان \" يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْم مِنْ عِلْم اللَّه عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمهُ أَنْتَ \" وَهُوَ بِمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي كِتَاب الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة سُفْيَان ‏ ‏( قَالَ : إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا ) ‏ ‏كَذَا أُطْلِقَ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّة عَلَى اِسْتِمْرَار النَّفْي لِمَا أَطْلَعَهُ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ مُوسَى لَا يَصْبِر عَلَى تَرْك الْإِنْكَار إِذَا رَأَى مَا يُخَالِف الشَّرْع , لِأَنَّ ذَلِكَ شَأْن عِصْمَته وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَلهُ مُوسَى عَنْ شَيْء مِنْ أُمُور الدِّيَانَة بَلْ مَشَى مَعَهُ لِيُشَاهِدَ مِنْهُ مَا اِطَّلَعَ بِهِ عَلَى مَنْزِلَته فِي الْعِلْم الَّذِي اُخْتُصَّ بِهِ. وَقَوْله : \" وَكَيْف تَصْبِر \" اِسْتِفْهَام عَنْ سُؤَال تَقْدِيره : لِمَ قُلْت إِنِّي لَا أَصْبِر وَأَنَا سَأَصْبِرُ , قَالَ : كَيْف تَصْبِر ؟ وَقَوْله : \" سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّه صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَك \" قِيلَ. اِسْتَثْنَى فِي الصَّبْر فَصَبَرَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِي الْعِصْيَان فَعَصَاهُ , وَفِيهِ نَظَر , وَكَأَنَّ الْمُرَاد بِالصَّبْرِ أَنَّهُ صَبْر عَنْ اِتِّبَاعه وَالْمَشْي مَعَهُ وَغَيْر ذَلِكَ , لَا الْإِنْكَار عَلَيْهِ فِيمَا يُخَالِف ظَاهِر الشَّرْع. وَقَوْله : \" فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْء حَتَّى أُحْدِثَ لَك مِنْهُ ذِكْرًا \" فِي رِوَايَة الْعَوْفِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" حَتَّى أُبَيِّن لَك شَأْنه \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذَ طَائِر بِمِنْقَارِهِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْعِلْم , وَظَاهِر هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ الطَّائِر نَقَرَ فِي الْبَحْر عَقِبَ قَوْل الْخَضِر لِمُوسَى مَا يَتَعَلَّق بِعِلْمِهِمَا , وَرِوَايَة سُفْيَان تَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَمَا خَرَقَ السَّفِينَة , وَلَفْظه \" كَانَتْ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا \" قَالَ : \" وَجَاءَ عُصْفُور فَوَقَعَ عَلَى حَرْف السَّفِينَة فَنَقَرَ فِي الْبَحْر نَقْرَة فَقَالَ لَهُ الْخَضِر إِلَخْ \" فَيُجْمَع بِأَنَّ قَوْله فَأَخَذَ طَائِر بِمِنْقَارِهِ مُعَقَّب بِمَحْذُوفٍ وَهُوَ رُكُوبهمَا السَّفِينَة لِتَصْرِيحِ سُفْيَان بِذِكْرِ السَّفِينَة , وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْخَضِر قَالَ لِمُوسَى : \" أَتَدْرِي مَا يَقُول هَذَا الطَّائِر ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : يَقُول : مَا عِلْمُكُمَا الَّذِي تَعْلَمَانِ فِي عِلْم اللَّه إِلَّا مِثْلَ مَا أُنْقِصُ بِمِنْقَارِي مِنْ جَمِيع هَذَا الْبَحْر \" وَفِي رِوَايَة هَارُون بْن عَنْتَرَةَ عِنْدَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّة قَالَ : \" أَرْسَلَ رَبّك الْخَطَّاف فَجَعَلَ يَأْخُذ بِمِنْقَارِهِ مِنْ الْمَاء \" وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ قَالَ : الْخَطَّاف وَلِعَبْدِ بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق أَبِي الْعَالِيَة قَالَ : رَأَى هَذَا الطَّائِر الَّذِي يُقَال لَهُ النِّمْر , وَنَقَلَ بَعْض مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْبُخَارِيّ أَنَّهُ الصُّرَد. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَدَا مَعَابِرَ ) ‏ ‏هُوَ تَفْسِير لِقَوْلِهِ : ( رَكِبَا فِي السَّفِينَة ) لَا أَنَّ قَوْله : ( وَجَدَا ) جَوَاب ( إِذَا ) لِأَنَّ وُجُودهمَا الْمَعَابِر كَانَ قَبْلَ رُكُوبهمَا السَّفِينَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان \" فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِل الْبَحْر , فَمَرَّا فِي سَفِينَة فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ \" وَالْمَعَابِر بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَة جَمْع مَعْبَر وَهِيَ السُّفُن الصِّغَار , وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق الرَّبِيع بْن أَنَس قَالَ : \" مَرَّتْ بِهِمْ سَفِينَة ذَاهِب فَنَادَاهُمْ خَضِر \". ‏ ‏قَوْله : ( عَرَفُوهُ فَقَالُوا : عَبْد اللَّه الصَّالِح , قَالَ : قُلْنَا لِسَعِيدِ بْن جُبَيْر : خَضِر ؟ قَالَ. نَعَمْ ) ‏ ‏الْقَائِل فِيمَا أَظُنّ يَعْلَى بْن مُسْلِم. وَفِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ عَمْرو بْن دِينَار \" فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ , فَعَرَفُوا الْخَضِر فَحَمَلُوا \". ‏ ‏قَوْله : ( بِأَجْرٍ ) ‏ ‏أَيْ أُجْرَة , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" فَحَمَلُوا بِغَيْرِ نَوْل \" بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْوَاو وَهُوَ الْأُجْرَة , وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ رِوَايَة الرَّبِيع بْن أَنَس \" فَنَادَاهُمْ خَضِر وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنْ يُعْطِي عَنْ كُلّ وَاحِد ضِعْف مَا حَمَلُوا بِهِ غَيْرهمْ , فَقَالُوا لِصَاحِبِهِمْ : إِنَّا نَرَى رِجَالًا فِي مَكَان مَخُوف نَخْشَى أَنْ يَكُونُوا لُصُوصًا , فَقَالَ : لَأَحْمِلَنهُمْ , فَإِنِّي أَرَى عَلَى وُجُوههمْ النُّور , فَحَمَلَهُمْ بِغَيْرِ أُجْرَة \" وَذَكَرَ النَّقَّاش فِي تَفْسِيره أَنَّ أَصْحَاب السَّفِينَة كَانُوا سَبْعَة بِكُلِّ وَاحِد زَمَانَة لَيْسَتْ فِي الْآخَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَقَهَا وَوَتَّدَ فِيهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاو وَتَشْدِيد الْمُثَنَّاة أَيْ جَعَلَ فِيهَا وَتَدًا , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" فَلَمَّا رَكِبُوا فِي السَّفِينَة لَمْ يُفْجَأ إِلَّا وَالْخَضِر قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاح السَّفِينَة بِالْقُدُومِ \" وَالْجَمْع بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ قَلَعَ اللَّوْح وَجَعَلَ مَكَانَهُ وَتَدًا , وَعِنْدَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ يَعْلَى بْن مُسْلِم \" جَاءَ بِوَدٍّ حِينَ خَرَقَهَا \" وَالْوَدّ بِفَتْحِ الْوَاو وَتَشْدِيد الدَّال لُغَة فِي الْوَتِد , وَفِي رِوَايَة أَبِي الْعَالِيَة \" فَخَرَقَ السَّفِينَة فَلَمْ يَرَهُ أَحَد إِلَّا مُوسَى , وَلَوْ رَآهُ الْقَوْم لَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا. قَالَ مُجَاهِد : مُنْكَرًا ) ‏ ‏هُوَ مِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِد , وَقِيلَ لَمْ يَسْمَع مِنْهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد مِثْله , وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق خَالِد بْن قَيْس عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : ( إِمْرًا ) قَالَ : عَجَبًا وَمِنْ طَرِيق أَبِي صَخْر فِي قَوْله : ( إِمْرًا ) قَالَ : عَظِيمًا. وَفِي رِوَايَة الرَّبِيع بْن أَنَس عِنْدَ اِبْنِ أَبِي حَاتِم \" أَنَّ مُوسَى لَمَّا رَأَى ذَلِكَ اِمْتَلَأَ غَضَبًا وَشَدَّ ثِيَابَهُ وَقَالَ : أَرَدْت إِهْلَاكهمْ , سَتَعْلَمُ أَنَّك أَوَّل هَالِك. فَقَالَ لَهُ يُوشَع : أَلَا تَذْكُر الْعَهْد ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الْخَضِر فَقَالَ : أَلَمْ أَقُلْ لَك ؟ فَأَدْرَكَ مُوسَى الْحِلْم فَقَالَ : لَا تُؤَاخِذنِي. وَإِنَّ الْخَضِر لَمَّا خَلَصُوا قَالَ لِصَاحِبِ السَّفِينَة : إِنَّمَا أَرَدْت الْخَيْر , فَحَمِدُوا رَأْيه , وَأَصْلَحَهَا اللَّه عَلَى يَده \". ‏ ‏قَوْله : ( كَانَتْ الْأُولَى نِسْيَانًا وَالْوُسْطَى شَرْطًا وَالثَّالِثَة عَمْدًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان قَالَ : \" وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا \" وَلَمْ يَذْكُر الْبَاقِيَ , وَرَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا قَالَ : \" الْأُولَى نِسْيَان وَالثَّانِيَة عُذْر وَالثَّالِثَة فِرَاق \" وَعِنْدَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق الرَّبِيع بْن أَنَس قَالَ : \" قَالَ الْخَضِر لِمُوسَى : إِنْ عَجِلْت عَلَيَّ فِي ثَلَاث فَذَلِكَ حِينَ أُفَارِقك \" وَرَوَى الْفَرَّاء مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب قَالَ : \" لَمْ يَنْسَ مُوسَى , وَلَكِنَّهُ مِنْ مَعَارِيض الْكَلَام \" وَإِسْنَاده ضَعِيف , وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد , وَلَوْ كَانَ هَذَا ثَابِتًا لَاعْتَذَرَ مُوسَى عَنْ الثَّانِيَة وَعَنْ الثَّالِثَة بِنَحْوِ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَقِيَا غُلَامًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِل إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِرُ غُلَامًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَتَلَهُ ) ‏ ‏الْفَاء عَاطِفَة عَلَى لَقِيَا وَجَزَاء الشَّرْطِ قَالَ : أَقَتَلْت , وَالْقَتْل مِنْ جُمْلَة الشَّرْط إِشَارَة إِلَى أَنَّ قَتْل الْغُلَام يَعْقُب لِقَاءَهُ مِنْ غَيْر مُهْلَة , وَهُوَ بِخِلَافِ قَوْله : ( حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَة خَرَقَهَا ) فَإِنَّ الْخَرْق وَقَعَ جَوَاب الشَّرْط لِأَنَّهُ تَرَاخَى عَنْ الرُّكُوب. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُسْلِم وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور ( قَالَ سَعِيد ) هُوَ اِبْن جُبَيْر ( وَجَدَ غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ , فَأَخَذَ غُلَامًا كَافِرًا ظَرِيفًا ) فِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عِنْدَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ \" غُلَامًا وَضِيء الْوَجْه فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" فَأَخَذَ الْخَضِر بِرَأْسِهِ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ \" وَفِي رِوَايَته فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ \" فَقَطَعَهُ \" وَيُجْمَع بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ ذَبَحَهُ ثُمَّ اِقْتَلَعَ رَأْسه , وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عِنْدَ الطَّبَرِيِّ \" فَأَخَذَ صَخْرَة فَثَلَغَ رَأْسه \" وَهِيَ بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَة , وَالْأَوَّل أَصَحّ. وَيُمْكِن أَنْ يَكُون ضَرَبَ رَأْسه بِالصَّخْرَةِ ثُمَّ ذَبَحَهُ وَقَطَعَ رَأْسه. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : أَقَتَلْت نَفْسًا زَكِيَّة بِغَيْرِ نَفْس لَمْ تَعْمَل الْحِنْث ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون النُّون وَآخِره مُثَلَّثَة , وَلِأَبِي ذَرّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة , وَقَوْله : \" لَمْ تَعْمَل \" تَفْسِير لِقَوْلِهِ \" زَكِيَّة \" وَالتَّقْدِير : أَقَتَلْت نَفْسًا زَكِيَّة لَمْ تَعْمَل الْحِنْث بِغَيْرِ نَفْس. ‏ ‏قَوْله : ( وَابْن عَبَّاس قَرَأَهَا ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَلِغَيْرِهِ \" وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقْرَأهَا زَكِيَّة \" وَهِيَ قِرَاءَة الْأَكْثَر , وَقَرَأَ نَافِع وَابْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو زَاكِيَة , وَالْأُولَى أَبْلَغ لِأَنَّ فَعِيلَة مِنْ صِيَغ الْمُبَالَغَة. ‏ ‏قَوْله : ( زَاكِيَة مُسْلِمَة كَقَوْلِك غُلَامًا زَاكِيًا ) ‏ ‏هُوَ تَفْسِير مِنْ الرَّاوِي , وَيُشِير إِلَى الْقِرَاءَتَيْنِ , أَيْ أَنَّ قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَة وَالْقِرَاءَة الْأُخْرَى بِاسْمِ الْفَاعِل بِمَعْنَى مُسْلِمَة , وَإِنَّمَا أَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَى مُوسَى عَلَى حَسَب ظَاهِر حَال الْغُلَام , لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي ضَبْط \" مُسْلِمَة \" فَالْأَكْثَر بِسُكُونِ السِّين وَكَسْر اللَّام , وَلِبَعْضِهِمْ بِفَتْحِ السِّين وَتَشْدِيد اللَّام الْمَفْتُوحَة , وَزَادَ سُفْيَان فِي رِوَايَته هُنَا ( أَلَمْ أَقُلْ لَك إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا ) قَالَ : وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنْ الْأُولَى , زَادَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّ"
    },
    {
        "id": "4358",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏نَوْفًا الْبَكَالِيَّ ‏ ‏يَزْعُمُ أَنَّ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏لَيْسَ ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏الْخَضِرِ ‏ ‏فَقَالَ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ قَامَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏خَطِيبًا فِي ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏فَقِيلَ لَهُ ‏ ‏أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ قَالَ أَنَا فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ وَأَوْحَى إِلَيْهِ بَلَى عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ قَالَ أَيْ رَبِّ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَيْهِ قَالَ تَأْخُذُ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَاتَّبِعْهُ قَالَ فَخَرَجَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏وَمَعَهُ فَتَاهُ ‏ ‏يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ‏ ‏وَمَعَهُمَا الْحُوتُ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَنَزَلَا عِنْدَهَا قَالَ فَوَضَعَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏رَأْسَهُ فَنَامَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَفِي حَدِيثِ غَيْرِ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا الْحَيَاةُ لَا يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ إِلَّا حَيِيَ فَأَصَابَ الْحُوتَ مِنْ مَاءِ تِلْكَ الْعَيْنِ ‏ ‏قَالَ فَتَحَرَّكَ وَانْسَلَّ مِنْ الْمِكْتَلِ فَدَخَلَ الْبَحْرَ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ { ‏لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا ‏} ‏الْآيَةَ قَالَ وَلَمْ يَجِدْ النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ قَالَ لَهُ فَتَاهُ ‏ ‏يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ‏ { ‏أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ ‏} ‏الْآيَةَ قَالَ فَرَجَعَا يَقُصَّانِ فِي آثَارِهِمَا فَوَجَدَا فِي الْبَحْرِ كَالطَّاقِ مَمَرَّ الْحُوتِ فَكَانَ لِفَتَاهُ عَجَبًا وَلِلْحُوتِ سَرَبًا قَالَ فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ إِذْ هُمَا بِرَجُلٍ مُسَجًّى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ فَقَالَ أَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ قَالَ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا قَالَ لَهُ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏يَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لَا تَعْلَمُهُ قَالَ بَلْ أَتَّبِعُكَ قَالَ ‏ { ‏فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ‏} ‏فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ فَمَرَّتْ بِهِمْ سَفِينَةٌ فَعُرِفَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏فَحَمَلُوهُمْ فِي سَفِينَتِهِمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ يَقُولُ بِغَيْرِ أَجْرٍ فَرَكِبَا السَّفِينَةَ قَالَ وَوَقَعَ عُصْفُورٌ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَغَمَسَ مِنْقَارَهُ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏لِمُوسَى ‏ ‏مَا عِلْمُكَ وَعِلْمِي وَعِلْمُ الْخَلَائِقِ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِقْدَارُ مَا غَمَسَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْقَارَهُ قَالَ فَلَمْ يَفْجَأْ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏إِذْ عَمَدَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏إِلَى قَدُومٍ فَخَرَقَ السَّفِينَةَ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا ‏ { ‏لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ ‏} ‏الْآيَةَ فَانْطَلَقَا إِذَا هُمَا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏بِرَأْسِهِ فَقَطَعَهُ قَالَ لَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ‏ ‏مَعِي ‏ ‏صَبْرًا ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ‏} ‏فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَقَامَهُ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏إِنَّا دَخَلْنَا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا ‏ { ‏لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ‏} ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَدِدْنَا أَنَّ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا قَالَ وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقْرَأُ وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4359",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ { ‏قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ‏} ‏هُمْ ‏ ‏الْحَرُورِيَّةُ ‏ ‏قَالَ لَا ‏ ‏هُمْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏أَمَّا ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏فَكَذَّبُوا ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَمَّا ‏ ‏النَّصَارَى ‏ ‏فَكَفَرُوا بِالْجَنَّةِ وَقَالُوا لَا طَعَامَ فِيهَا وَلَا شَرَابَ ‏ ‏وَالْحَرُورِيَّةُ ‏ { ‏الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ‏} ‏وَكَانَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يُسَمِّيهِمْ ‏ ‏الْفَاسِقِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هُمْ الْحَرُورِيَّةُ ) ؟ ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَضَمّ الرَّاء نِسْبَةً إِلَى حَرُورَاءَ وَهِيَ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَ اِبْتِدَاء خُرُوج الْخَوَارِج عَلَى عَلِيّ مِنْهَا , وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق حُصَيْنِ بْن مُصْعَب \" لَمَّا خَرَجَتْ الْحَرُورِيَّةُ قُلْت لِأَبِي : أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّه فِيهِمْ \" ؟ وَلَهُ مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّةَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْل عَنْ عَلِيّ فِي هَذِهِ الْآيَة قَالَ : \" أَظُنّ أَنَّ بَعْضهمْ الْحَرُورِيَّةُ \" وَلِلْحَاكِمِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي الطُّفَيْل قَالَ : \" قَالَ عَلِيّ مِنْهُمْ أَصْحَاب النَّهْرَوَان \" وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا. وَأَصْله عِنْدَ عَبْد الرَّزَّاق بِلَفْظِ \" قَامَ اِبْن الْكَوَّاء إِلَى عَلِيّ فَقَالَ : مَا الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ؟ قَالَ : وَيْلَك , مِنْهُمْ أَهْل حَرُورَاء \" وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَب فِي سُؤَال مُصْعَب أَبَاهُ عَنْ ذَلِكَ , وَلَيْسَ الَّذِي قَالَهُ عَلِيّ بِبَعِيدٍ , لِأَنَّ اللَّفْظ يَتَنَاوَلهُ وَإِنْ كَانَ السَّبَب مَخْصُوصًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : لَا هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى ) ‏ ‏وَلِلْحَاكِمِ \" قَالَ : لَا , أُولَئِكَ أَصْحَاب الصَّوَامِع \" وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق هِلَال بْن يَسَاف عَنْ مُصْعَب \" هُمْ أَصْحَاب الصَّوَامِع \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي خَمِيصَةَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَة وَاسْمُهُ عُبَيْد اللَّه بْن قَيْس قَالَ : \" هُمْ الرُّهْبَان الَّذِينَ حَبَسُوا أَنْفُسهمْ فِي السَّوَارِي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَّا النَّصَارَى كَفَرُوا بِالْجَنَّةِ وَقَالُوا : لَيْسَ فِيهَا طَعَام وَلَا شَرَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ مُصْعَب قَالَ : \" هُمْ عُبَّاد النَّصَارَى قَالُوا : لَيْسَ فِي الْجَنَّة طَعَام وَلَا شَرَاب \". ‏ ‏قَوْله : ( وَالْحَرُورِيَّة الَّذِينَ يَنْقُضُونَ إِلَخْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" وَالْحَرُورِيَّة الَّذِينَ قَالَ اللَّه : ( وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل - إِلَى - الْفَاسِقِينَ ) قَالَ يَزِيد : هَكَذَا حَفِظْت. قُلْت : وَهُوَ غَلَط مِنْهُ أَوْ مِمَّنْ حَفِظَهُ عَنْهُ , وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ \" أُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ \" وَالصَّوَاب \" الْخَاسِرُونَ \" وَوَقَعَ عَلَى الصَّوَاب كَذَلِكَ فِي رِوَايَة الْحَاكِم. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ سَعْد يُسَمِّيهِمْ الْفَاسِقِينَ ) ‏ ‏لَعَلَّ هَذَا السَّبَب فِي الْغَلَط الْمَذْكُور , وَفِي رِوَايَة لِلْحَاكِمِ \" الْخَوَارِج قَوْم زَاغُوا فَأَزَاغَ اللَّه قُلُوبهمْ \" وَهَذِهِ الْآيَة هِيَ الَّتِي آخِرهَا الْفَاسِقِينَ فَلَعَلَّ الِاخْتِصَار اِقْتَضَى ذَلِكَ الْغَلَط , وَكَأَنَّ سَعْدًا ذَكَرَ الْآيَتَيْنِ مَعًا الَّتِي فِي الْبَقَرَة وَاَلَّتِي فِي الصَّفّ , وَقَدْ رَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق أَبِي عَوْن عَنْ مُصْعَب قَالَ : \" نَظَرَ رَجُل مِنْ الْخَوَارِج إِلَى سَعْد فَقَالَ : هَذَا مِنْ أَئِمَّة الْكُفْر , فَقَالَ لَهُ سَعْد : كَذَبْت , أَنَا قَاتَلْت أَئِمَّة الْكُفْر. فَقَالَ لَهُ آخَر : هَذَا مِنْ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا , فَقَالَ لَهُ سَعْد : كَذَبْت , أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ الْآيَةَ \" قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : وَجْه خُسْرَانهمْ أَنَّهُمْ تَعَبَّدُوا عَلَى غَيْر أَصْل , فَابْتَدَعُوا , فَخَسِرُوا الْأَعْمَار وَالْأَعْمَال ‏"
    },
    {
        "id": "4360",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَقَالَ اقْرَءُوا ‏ { ‏فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ‏} ‏وَعَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الذُّهْلِيُّ نِسْبَةً إِلَى جَدّ أَبِيهِ , ‏ ‏وَقَوْله : \" حَدَّثَنَا سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم \" ‏ ‏هُوَ شَيْخ الْبُخَارِيّ , أَكْثَرَ عَنْهُ فِي هَذَا الْكِتَاب , وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( الرَّجُل الْعَظِيم السَّمِينُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" الطَّوِيل الْعَظِيم الْأَكُول الشَّرُوب \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ : اِقْرَءُوا فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة وَزْنًا ) ‏ ‏الْقَائِل يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الصَّحَابِيُّ , أَوْ هُوَ مَرْفُوع مِنْ بَقِيَّة الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم , وَالتَّقْدِير حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه عَنْ سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم وَعَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ , وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو مَسْعُود , وَيَحْيَى بْن بُكَيْرٍ هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن بُكَيْرٍ , نُسِبَ لِجَدِّهِ , وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ أَيْضًا , وَرُبَّمَا أُدْخِلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ كَهَذَا , وَجَوَّزَ غَيْر أَبِي مَسْعُود أَنْ تَكُون طَرِيق يَحْيَى هَذِهِ مُعَلَّقَة , وَقَدْ وَصَلَهَا مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الصَّغَانِيِّ عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4361",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ ثُمَّ يُنَادِي يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ‏} ‏وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا ‏ { ‏وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَرَأَ وَأَنْذِرْهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش فِي آخِر الْحَدِيث \" ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَيُسْتَفَاد مِنْهُ اِنْتِفَاء الْإِدْرَاج. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَعْمَش فِي أَوَّل الْحَدِيث \" قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَة , فَقَالَ : يُؤْتَى بِالْمَوْتِ إِلَخْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4362",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِجِبْرِيلَ ‏ ‏مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا فَنَزَلَتْ ‏ { ‏وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيلَ : مَا يَمْنَعُك أَنْ تَزُورَنَا ) ‏ ‏رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيِّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق سِمَاك بْن حَرْب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" اِحْتَبَسَ جِبْرِيل عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَرَوَى عَبْد بْن حُمَيْدٍ وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة قَالَ : \" أَبْطَأَ جِبْرِيل فِي النُّزُول أَرْبَعِينَ يَوْمًا , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا جِبْرِيلُ مَا نَزَلْت حَتَّى اِشْتَقْت إِلَيْك , قَالَ : أَنَا كُنْت أَشْوَقَ إِلَيْك , وَلَكِنِّي مَأْمُور , وَأَوْحَى اللَّه إِلَى جِبْرِيل قُلْ لَهُ : ( وَمَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْرِ رَبّك ) \" وَرَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ فِي سَبَب ذَلِكَ مِنْ طَرِيق زِيَاد النُّمَيْرِيّ عَنْ أَنَس قَالَ : \" سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيّ الْبِقَاع أَحَبُّ إِلَى اللَّه وَأَيّهَا أَبْغَض إِلَى اللَّه ؟ قَالَ : مَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ فَنَزَلَ جِبْرِيل وَكَانَ قَدْ أَبْطَأَ عَلَيْهِ \" الْحَدِيث. وَعِنْدَ اِبْن إِسْحَاق مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا سَأَلُوا عَنْ أَصْحَاب الْكَهْف فَمَكَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُحْدِث اللَّه لَهُ فِي ذَلِكَ وَحْيًا , فَلَمَّا نَزَلَ جِبْرِيل قَالَ لَهُ : أَبْطَأْت \" فَذَكَرَهُ. وَحَكَى اِبْن التِّين لِلدَّاوُدِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِع كَلَامًا فِي اِسْتِشْكَال نُزُول الْوَحْي فِي الْقَضَايَا الْحَادِثَة , مَعَ أَنَّ الْقُرْآن قَدِيم. وَجَوَابه وَاضِح فَلَمْ أَتَشَاغَلْ بِهِ هُنَا , لَكِنْ أَلْمَمْت بِهِ فِي كِتَاب التَّوْحِيد. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏الْأَمْر فِي هَذِهِ الْآيَة مَعْنَاهُ الْإِذْن بِدَلِيلِ سَبَب النُّزُول الْمَذْكُور , وَيَحْتَمِل الْحُكْم أَيْ نَتَنَزَّل مُصَاحِبِينَ لِأَمْرِ اللَّه عِبَاده بِمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ أَوْ حَرَّمَ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ حَمْل اللَّفْظ عَلَى جَمِيع مَعَانِيه. ‏"
    },
    {
        "id": "4363",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏خَبَّابًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جِئْتُ ‏ ‏الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ السَّهْمِيَّ ‏ ‏أَتَقَاضَاهُ حَقًّا لِي عِنْدَهُ فَقَالَ لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ ‏ ‏بِمُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لَا حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ قَالَ وَإِنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ إِنَّ لِي هُنَاكَ مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيكَهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ‏} ‏رَوَاهُ ‏ ‏الثَّوْرِيُّ ‏ ‏وَشُعْبَةُ ‏ ‏وَحَفْصٌ ‏ ‏وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏وَوَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( جِئْت الْعَاصَ بْن وَائِل السَّهْمِيّ ) ‏ ‏هُوَ وَالِد عَمْرو بْن الْعَاصِ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور , وَكَانَ لَهُ قَدْر فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَمْ يُوَفَّق لِلْإِسْلَامِ , قَالَ اِبْن الْكَلْبِيّ : كَانَ مِنْ حُكَّام قُرَيْش , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَة عُمَر بْن الْخَطَّاب أَنَّهُ أَجَارَ عُمَر بْن الْخَطَّاب حِينَ أَسْلَمَ. وَقَدْ أَخْرَجَ الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ هَذِهِ الْقِصَّة مُطَوَّلَة وَفِيهَا \" أَنَّ الْعَاصَ بْن وَائِل قَالَ : رَجُل اِخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَمْرًا , فَمَا لَكُمْ وَلَهُ ؟ فَرَدَّ الْمُشْرِكِينَ عَنْهُ \" وَكَانَ مَوْته بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَة , وَهُوَ أَحَد الْمُسْتَهْزِئِينَ. قَالَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو : سَمِعْت أَبِي يَقُول : عَاشَ أَبِي خَمْسًا وَثَمَانِينَ , وَإِنَّهُ لَيَرْكَبُ حِمَارًا إِلَى الطَّائِف فَيَمْشِي عَنْهُ أَكْثَر مِمَّا يَرْكَب , وَيُقَال إِنَّ حِمَاره رَمَاهُ عَلَى شَوْكَة أَصَابَتْ رِجْله فَانْتَفَخَتْ فَمَاتَ مِنْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَقَاضَاهُ حَقًّا لِي عِنْدَهُ ) ‏ ‏بَيَّنَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدَهُ هَذِهِ أَنَّهُ أَجَّرَهُ سَيْفًا عَمِلَهُ لَهُ , وَقَالَ فِيهَا : \" كُنْت قَيْنًا \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدَهَا نُون وَهُوَ الْحَدَّاد , وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَعْمَش \" فَاجْتَمَعَتْ لِي عِنْدَ الْعَاصِ بْن وَائِل دَرَاهِم \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لَا ) ‏ ‏أَيْ لَا أَكْفُرُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَمُوت ثُمَّ تُبْعَثَ ) ‏ ‏مَفْهُومه أَنَّهُ يَكْفُر حِينَئِذٍ لَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْكُفْر حِينَئِذٍ لَا يُتَصَوَّر , فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا أَكْفُرُ أَبَدًا. وَالنُّكْتَة فِي تَعْبِيره بِالْبَعْثِ تَعْيِير الْعَاصِ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِن بِهِ , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَنْدَفِع إِيرَاد مَنْ اِسْتَشْكَلَ قَوْله هَذَا فَقَالَ : عَلَّقَ الْكُفْر , وَمَنْ عَلَّقَ الْكُفْر كَفَرَ , وَأَجَابَ بِأَنَّهُ خَاطَبَ الْعَاصَ بِمَا يَنْتَقِدُهُ فَعَلَّقَ عَلَى مَا يَسْتَحِيل بِزَعْمِهِ , وَالتَّقْرِير الْأَوَّل يُغْنِي عَنْ هَذَا الْجَوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَقْضِيك , فَنَزَلَتْ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَعْمَش \" فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ \". ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ الثَّوْرِيّ وَشُعْبَة وَحَفْص وَأَبُو مُعَاوِيَة وَوَكِيع عَنْ الْأَعْمَش ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة الثَّوْرِيّ فَوَصَلَهَا بَعْدَ هَذَا , وَكَذَا رِوَايَة شُعْبَة وَوَكِيع , وَأَمَّا رِوَايَة حَفْص وَهُوَ اِبْن غِيَاث فَوَصَلَهَا فِي الْإِجَارَة , وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة فَوَصَلَهَا أَحْمَد قَالَ : \" حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدَّثَنَا الْأَعْمَش بِهِ - وَفِيهِ - قَالَ : فَإِنِّي إِذَا مُتّ ثُمَّ بُعِثْت جِئْتنِي وَلِي ثَمَّ مَال وَوَلَد فَأُعْطِيك , فَأَنْزَلَ اللَّه : أَفَرَأَيْت الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا - إِلَى قَوْله - وَيَأْتِينَا فَرْدًا \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4364",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَبَّابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏قَيْنًا ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَعَمِلْتُ ‏ ‏لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ ‏ ‏سَيْفًا فَجِئْتُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ ‏ ‏بِمُحَمَّدٍ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لَا أَكْفُرُ ‏ ‏بِمُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ يُحْيِيَكَ قَالَ إِذَا أَمَاتَنِي اللَّهُ ثُمَّ بَعَثَنِي وَلِي مَالٌ وَوَلَدٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ‏ ‏أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ‏} ‏قَالَ مَوْثِقًا ‏ ‏لَمْ يَقُلْ ‏ ‏الْأَشْجَعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏سَيْفًا وَلَا مَوْثِقًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَقُلْ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَان سَيْفًا وَلَا مَوْثِقًا ) ‏ ‏هُوَ كَذَلِكَ فِي تَفْسِير الثَّوْرِيّ رِوَايَة الْأَشْجَعِيِّ عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4365",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا الضُّحَى ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَبَّابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏قَيْنًا ‏ ‏فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ لِي دَيْنٌ عَلَى ‏ ‏الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ فَأَتَاهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ ‏ ‏بِمُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ يَبْعَثَكَ قَالَ فَذَرْنِي حَتَّى أَمُوتَ ثُمَّ أُبْعَثَ فَسَوْفَ أُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4366",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَبَّابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ رَجُلًا ‏ ‏قَيْنًا ‏ ‏وَكَانَ لِي عَلَى ‏ ‏الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ ‏ ‏دَيْنٌ فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ لِي لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ ‏ ‏بِمُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لَنْ أَكْفُرَ بِهِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ قَالَ وَإِنِّي لَمَبْعُوثٌ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ فَسَوْفَ أَقْضِيكَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى مَالٍ وَوَلَدٍ قَالَ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ‏ ‏أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنْ الْعَذَابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4367",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْتَقَى ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏وَمُوسَى ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏لِآدَمَ ‏ ‏آنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ قَالَ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏أَنْتَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏الَّذِي ‏ ‏اصْطَفَاكَ ‏ ‏اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَوَجَدْتَهَا كُتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي قَالَ نَعَمْ ‏ ‏فَحَجَّ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏مُوسَى ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي مُحَاجَّة مُوسَى وَآدَم عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْقَدَر. ‏"
    },
    {
        "id": "4368",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَالْيَهُودُ ‏ ‏تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَلَى ‏ ‏فِرْعَوْنَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْنُ أَوْلَى ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏مِنْهُمْ فَصُومُوهُ ‏",
        "sharh": "اِبْن عَبَّاس فِي صِيَام عَاشُورَاءَ , وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي كِتَاب الصِّيَام مُسْتَوْفًى. ‏"
    },
    {
        "id": "4369",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَاجَّ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنْ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَأَشْقَيْتَهُمْ قَالَ قَالَ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏يَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏أَنْتَ الَّذِي ‏ ‏اصْطَفَاكَ ‏ ‏اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي أَوْ قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَحَجَّ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏مُوسَى ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي مُحَاجَّة مُوسَى وَآدَم عَلَيْهِمَا السَّلَام وَسَيَأْتِي فِي الْقَدَر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4370",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏وَالْكَهْفُ ‏ ‏وَمَرْيَمُ ‏ ‏وَطه ‏ ‏وَالْأَنْبِيَاءُ ‏ ‏هُنَّ مِنْ الْعِتَاقِ الْأُوَلِ وَهُنَّ مِنْ ‏ ‏تِلَادِي ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ { ‏جُذَاذًا ‏} ‏قَطَّعَهُنَّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ { ‏فِي فَلَكٍ ‏} ‏مِثْلِ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ ‏ { ‏يَسْبَحُونَ ‏} ‏يَدُورُونَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ { ‏نَفَشَتْ ‏} ‏رَعَتْ لَيْلًا ‏ { ‏يُصْحَبُونَ ‏} ‏يُمْنَعُونَ ‏ { ‏أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ‏} ‏قَالَ دِينُكُمْ دِينٌ وَاحِدٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ { ‏حَصَبُ ‏} ‏حَطَبُ بِالْحَبَشِيَّةِ ‏ ‏وَقَالَ غَيْرُهُ ‏ { ‏أَحَسُّوا ‏} ‏تَوَقَّعُوا مِنْ أَحْسَسْتُ ‏ { ‏خَامِدِينَ ‏} ‏هَامِدِينَ وَالْحَصِيدُ مُسْتَأْصَلٌ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ ‏ ‏وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ ‏ { ‏لَا يَسْتَحْسِرُونَ ‏} ‏لَا يُعْيُونَ وَمِنْهُ ‏ { ‏حَسِيرٌ ‏} ‏وَحَسَرْتُ بَعِيرِي عَمِيقٌ بَعِيدٌ نُكِّسُوا رُدُّوا ‏ { ‏صَنْعَةَ لَبُوسٍ ‏} ‏الدُّرُوعُ ‏ { ‏تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ ‏} ‏اخْتَلَفُوا الْحَسِيسُ وَالْحِسُّ وَالْجَرْسُ وَالْهَمْسُ وَاحِدٌ وَهُوَ مِنْ الصَّوْتِ الْخَفِيِّ ‏ { ‏آذَنَّاكَ ‏} ‏أَعْلَمْنَاكَ ‏ { ‏آذَنْتُكُمْ ‏} ‏إِذَا أَعْلَمْتَهُ فَأَنْتَ وَهُوَ ‏ { ‏عَلَى سَوَاءٍ ‏} ‏لَمْ تَغْدِرْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ { ‏لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ‏} ‏تُفْهَمُونَ ‏ { ‏ارْتَضَى ‏} ‏رَضِيَ ‏ { ‏التَّمَاثِيلُ ‏} ‏الْأَصْنَامُ السِّجِلُّ الصَّحِيفَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ قَتَادَةُ : جُذَاذًا قَطَّعَهُنَّ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : ( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا ) أَيْ قِطَعًا. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَرَأَ الْجُمْهُور ( جُذَاذًا ) بِضَمِّ أَوَّله وَهُوَ اِسْم لِلشَّيْءِ الْمُكَسَّر كَالْحُطَامِ فِي الْمُحَطَّم , وَقِيلَ جَمْع جُذَاذَة كَزُجَاجٍ وَزُجَاجَة , وَقَرَأَ الْكِسَائِيّ وَابْن مُحَيْصِن بِكَسْرِ أَوَّله فَقِيلَ هُوَ جَمْع جَذِيذٍ كَكِرَامٍ وَكَرِيمٍ , فِيهَا قِرَاءَات أُخْرَى فِي الشَّوَاذّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ الْحَسَن : فِي فَلَكٍ مِثْل فَلْكَة الْمِغْزَل ) ‏ ‏وَصَلَهُ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : ( وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) مِثْل فَلْكَة الْمِغْزَل. ‏ ‏قَوْله : ( يَسْبَحُونَ يَدُورُونَ ) ‏ ‏وَصَلَهُ اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : ( كُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ ) قَالَ : يَدُورُونَ حَوْلَهُ. وَمِنْ طَرِيق مُجَاهِد ( فِي فَلَك ) كَهَيْئَةِ حَدِيدَة الرَّحَى ( يَسْبَحُونَ ) يَجْرُونَ. وَقَالَ الْفَرَّاء : قَالَ يَسْبَحُونَ لِأَنَّ السِّبَاحَة مِنْ أَفْعَال الْآدَمِيِّينَ فَذُكِرَتْ بِالنُّونِ مِثْل ( وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لِي سَاجِدِينَ ). ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : نَفَشَتْ رَعَتْ لَيْلًا ) ‏ ‏سَقَطَ \" لَيْلًا \" لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ , وَقَدْ وَصَلَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس بِهَذَا وَهُوَ قَوْل أَهْل اللُّغَة : نَفَشَتْ إِذَا رَعَتْ لَيْلًا بِلَا رَاعٍ , وَإِذَا رَعَتْ نَهَارًا بِلَا رَاعٍ قِيلَ هَمَلَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( يُصْحَبُونَ يُمْنَعُونَ ) ‏ ‏وَصَلَهُ اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ ) قَالَ : يُمْنَعُونَ. وَمِنْ وَجْه آخَر مُنْقَطِع عَنْ اِبْن عَبَّاس \" يُمْنَعُونَ \" قَالَ : يُنْصَرُونَ , وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( أُمَّتُكُمْ أَمَةً وَاحِدَةً : دِينُكُمْ دِينٌ وَاحِدٌ ) ‏ ‏قَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَة : ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتكُمْ ) قَالَ : دِينُكُمْ , أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عِكْرِمَة : حَصَبُ جَهَنَّمَ حَطَبُ بِالْحَبَشَةِ ) ‏ ‏سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق , وَرَوَى الْفَرَّاء بِإِسْنَادَيْنِ عَنْ عَلِيّ وَعَائِشَة أَنَّهُمَا قَرَآ حَطَب بِالطَّاءِ , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَرَأَهَا بِالضَّادِ السَّاقِطَة الْمَنْقُوطَة قَالَ وَهُوَ مَا هُيِّجَتْ بِهِ النَّار. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ غَيْره : أَحَسُّوا تَوَقَّعُوا مِنْ أَحْسَسْت ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ وَلِلنَّسَفِيِّ , وَقَالَ مَعْمَر : أَحَسُّوا إِلَخْ , وَمَعْمَر هَذَا هُوَ بِالسُّكُونِ وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى اللُّغَوِيّ , وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيّ نَقْل كَلَامه , فَتَارَةً يُصَرِّحُ بِعَزْوِهِ وَتَارَةً يُبْهِمُهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا ) لَقُوهُ يُقَال هَلْ أَحْسَسْت فُلَانًا أَيْ هَلْ وَجَدْته , وَهَلْ أَحْسَسْت مِنْ نَفْسك ضَعْفًا أَوْ شَرًّا. ‏ ‏قَوْله : ( خَامِدِينَ هَامِدِينَ ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( حَصِيدًا خَامِدِينَ ) مَجَاز خَامِد أَيْ هَامِد , كَمَا يُقَال لِلنَّارِ إِذَا طُفِّئَتْ خَمَدَتْ , قَالَ : وَالْحَصِيد الْمُسْتَأْصَل , وَهُوَ يُوصَف بِلَفْظِ الْوَاحِد وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْع مِنْ الذَّكَر وَالْأُنْثَى سَوَاء كَأَنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرَى الْمَصْدَر , قَالَ : وَمِثْله ( كَانَتَا رَتْقًا ) وَمِثْله ( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا ). ‏ ‏قَوْله : ( وَالْحَصِيد مُسْتَأْصَل يَقَع عَلَى الْوَاحِد وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيع ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ حَصِيدًا مُسْتَأْصَلًا وَهُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَةَ كَمَا ذَكَرْته قَبْلُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏هَذِهِ الْقِصَّة نَزَلَتْ فِي أَهْل حَضُور بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَضَمّ الْمُعْجَمَة قَرْيَة بِصَنْعَاءَ مِنْ الْيَمَن , وَبِهِ جَزَمَ اِبْن الْكَلْبِيّ. وَقِيلَ بِنَاحِيَةِ الْحِجَاز مِنْ جِهَة الشَّام , بُعِثَ إِلَيْهِمْ نَبِيّ مِنْ حِمْيَر يُقَال لَهُ شُعَيْب وَلَيْسَ صَاحِب مَدْيَن بَيْنَ زَمَن سُلَيْمَان وَعِيسَى فَكَذَّبُوهُ فَقَصَمَهُمْ اللَّه تَعَالَى , ذَكَرَهُ الْكَلْبِيّ. وَقَدْ رَوَى قِصَّته اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَلَمْ يُسَمِّهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ لَا يَعِيبُونَ , وَمِنْهُ حَسِير وَحَسَرْت بَعِيرِي ) ‏ ‏هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة أَيْضًا , وَكَذَا رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : ( وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ) قَالَ : لَا يَعِيبُونَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" يَعْيَوْنَ \" بِفَتْحِ أَوَّله وَرَوَاهُ اِبْن التِّين وَقَالَ : هُوَ مِنْ أُعْيِيَ أَيْ الصَّوَاب بِضَمِّ أَوَّله. ‏ ‏قَوْله : ( عَمِيق بَعِيد ) ‏ ‏كَذَا ذَكَرَهُ هُنَا , وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي السُّورَة الَّتِي بَعْدَهَا وَهُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة. وَكَأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ فِي هَذِهِ السُّورَة ( فِجَاجًا ) وَجَاءَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا ( مِنْ كُلّ فَجٍّ عَمِيق ) كَأَنَّهُ اِسْتَطْرَدَ مِنْ هَذِهِ لِهَذِهِ أَوْ كَانَ فِي طُرَّة فَنَقَلَهَا النَّاسِخ إِلَى غَيْر مَوْضِعِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( نُكِسُوا رُدُّوا ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسهمْ ) أَيْ قُلِبُوا , وَتَقُول نَكَسْته عَلَى رَأْسه إِذَا قَهَرْته. وَقَالَ الْفَرَّاء : نُكِسُوا رَجَعُوا. وَتَعَقَّبَهُ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّم شَيْء يَصِحّ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِ , ثُمَّ اِخْتَارُوا مَا رَوَاهُ اِبْن إِسْحَاق وَحَاصِله أَنَّهُمْ قُلِبُوا فِي الْحُجَّة فَاحْتَجُّوا عَلَى إِبْرَاهِيم بِمَا هُوَ حُجَّة لِإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام. وَهَذَا كُلّه عَلَى قِرَاءَة الْجُمْهُور. وَقَرَأَ اِبْن أَبِي عَبْلَة ( نَكَسُوا ) بِالْفَتْحِ وَفِيهِ حَذْف تَقْدِيره نَكَسُوا أَنْفُسهمْ عَلَى رُءُوسهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( صَنْعَةَ لَبُوسٍ الدُّرُوع ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : اللَّبُوس السِّلَاح كُلّه مِنْ دِرْع إِلَى رُمْح. وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ : اللَّبُوس الدُّرُوع كَانَتْ صَفَائِح , وَأَوَّل مَنْ سَرَدَهَا وَحَلَّقَهَا دَاوُد. وَقَالَ الْفَرَّاء : مَنْ قَرَأَ ( لِتُحْصِنَكُمْ ) بِالْمُثَنَّاةِ فَلِتَأْنِيثِ الدُّرُوع , وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ فَلِتَذْكِيرِ اللَّبُوس. ‏ ‏قَوْله ( تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ اِخْتَلَفُوا ) ‏ ‏هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة وَزَادَ : وَتَفَرَّقُوا. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَسْلَم مِثْله وَزَادَ \" فِي الدِّين \". ‏ ‏قَوْله : ( الْحَسِيس وَالْحِسّ وَالْجَرْس وَالْهَمْس وَاحِدٌ , وَهُوَ مِنْ الصَّوْت الْخَفِيّ ) ‏ ‏سَقَطَ لِأَبِي ذَرّ \" وَالْهَمْس \". وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله ( لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ) أَيْ صَوْتهَا , وَالْحَسِيس وَالْحِسّ وَاحِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر سُورَة مَرْيَم. ‏ ‏قَوْله : ( آذَنَّاك أَعْلَمْنَاك , آذَنْتُكُمْ إِذَا أَعْلَمْته فَأَنْتَ وَهُوَ عَلَى سَوَاء لَمْ تَغْدِر ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاء ) : إِذَا أَنْذَرْت عَدُوَّك وَأَعْلَمْته ذَلِكَ وَنَبَذْت إِلَيْهِ الْحَرْب حَتَّى تَكُون أَنْتَ وَهُوَ عَلَى سَوَاء فَقَدْ آذَنْته. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام. وَقَوْله : ( آذَنَّاك ) هُوَ فِي سُورَة حم فُصِّلَتْ ذَكَرَهُ هُنَا اِسْتِطْرَادًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُجَاهِد : لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ تُفْهَمُونَ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقه , وَلِابْنِ الْمُنْذِر مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ \" تُفْقَهُونَ \". ‏ ‏قَوْله : ( اِرْتَضَى رَضِيَ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقه بِلَفْظِ \" رَضِيَ عَنْهُ \" وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرّ. ‏ ‏قَوْله : ( التَّمَاثِيل الْأَصْنَام ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( السِّجِلّ الصَّحِيفَة ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقه وَجَزَمَ بِهِ الْفَرَّاء , وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : ( كَطَيِّ السِّجِلِّ ) يَقُول : كَطَيِّ الصَّحِيفَة عَلَى الْكِتَاب , قَالَ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَاهُ كَطَيِّ السِّجِلِّ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْكِتَاب وَقِيلَ عَلَى بِمَعْنَى مِنْ أَيْ مِنْ أَجْل الْكِتَاب لِأَنَّ الصَّحِيفَة تَطْوِي حَسَنَاته لِمَا فِيهَا مِنْ الْكِتَابَة. وَجَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ السِّجِلّ اِسْم كَاتِب كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن مَالِك عَنْ أَبِي الْجَوْزَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس بِهَذَا , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْدَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ , وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور عِنْدَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ : وَالسِّجِلّ الرَّجُل بِلِسَانِ الْحَبَش. وَعِنْدَ اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ قَالَ : السِّجِلّ الْمَلَك. وَعِنْدَ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله. وَعِنْدَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق عَطِيَّة مِثْله. وَبِإِسْنَادٍ ضَعِيف عَنْ عَلِيٍّ مِثْله. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ عَنْ النَّقَّاش أَنَّهُ مَلَك فِي السَّمَاء الثَّانِيَة تَرْفَع الْحَفَظَة إِلَيْهِ الْأَعْمَال كُلَّ خَمِيس وَاثْنَيْنِ. وَعِنْدَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر بَعْض مَعْنَاهُ. وَقَدْ أَنْكَرَ الثَّعْلَبِيّ وَالسُّهَيْلِيّ أَنَّ السِّجِلّ اِسْم الْكَاتِب بِأَنَّهُ لَا يُعْرَف فِي كُتَّاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا فِي أَصْحَابه مَنْ اِسْمه السِّجِلُّ , قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَلَا وُجِدَ إِلَّا فِي هَذَا الْخَبَر , وَهُوَ حَصْر مَرْدُود , فَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَة اِبْن مَنْدَهْ وَأَبُو نُعَيْم وَأَوْرَدَا مِنْ طَرِيق اِبْن نُمَيْر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : \" كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِب يُقَال لَهُ سِجِلّ \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْه. ‏"
    },
    {
        "id": "4371",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ ‏ ‏شَيْخٌ مِنْ ‏ ‏النَّخَعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَطَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ‏ { ‏كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ‏} ‏ثُمَّ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏أَلَا إِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيُقَالُ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ ‏ { ‏وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏شَهِيدٌ ‏} ‏فَيُقَالُ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ ‏",
        "sharh": "اِبْن عَبَّاس ‏ ‏\" إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّه حُفَاةً عُرَاةً \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4372",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏ ‏يَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏يَقُولُ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ فَيُنَادَى بِصَوْتٍ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ قَالَ يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ أُرَاهُ قَالَ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الْحَامِلُ حَمْلَهَا وَيَشِيبُ الْوَلِيدُ ‏ { ‏وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ‏} ‏فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏يَأْجُوجَ ‏ ‏وَمَأْجُوجَ ‏ ‏تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ ثُمَّ أَنْتُمْ فِي النَّاسِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ { ‏تَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى ‏} ‏وَقَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ { ‏سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى ‏ }",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو أُسَامَة عَنْ الْأَعْمَش : سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُ وَافَقَ حَفْص بْن غِيَاث فِي رِوَايَة هَذَا الْحَدِيث عَنْ الْأَعْمَش بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنه , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ وَكِيع عَنْ الْأَعْمَشِ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : مِنْ كُلّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُ جَزَمَ بِذَلِكَ , بِخِلَافِ حَفْص فَإِنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَته \" مِنْ كُلّ أَلْف أَرَاهُ قَالَ \" فَذَكَرَهُ. وَرِوَايَة أَبِي أُسَامَة هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي قِصَّة يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ جَرِير وَعِيسَى بْن يُونُس وَأَبُو مُعَاوِيَة : سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُمْ رَوَوْهُ عَنْ الْأَعْمَش بِإِسْنَادِهِ هَذَا وَمَتْنه لَكِنَّهُمْ خَالَفُوا فِي هَذِهِ اللَّفْظَة , فَأَمَّا رِوَايَة جَرِير فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الرِّقَاق كَمَا قَالَ , وَأَمَّا رِوَايَة عِيسَى بْن يُونُس فَوَصَلَهَا إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْهُ كَذَلِكَ , وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهَا , فَرَوَاهَا بِلَفْظِ سَكْرَى أَبُو بَكْر مِنْ أَبِي شَيْبَة عَنْهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهَا سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة وَالنَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة فَقَالَا فِي رِوَايَتهمَا \" سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى \" وَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة , وَأَخْرَجَهَا مُسْلِم عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْهُ مَقْرُونَة بِرِوَايَةِ وَكِيع وَأَحَالَ بِهِمَا عَلَى رِوَايَة جَرِير , وَرَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق مُحَاضِر وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْمَسْعُودِيّ كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَش بِلَفْظِ \" سَكْرَى \" وَقَالَ الْفَرَّاء : أَجْمَعَ الْقُرَّاء عَلَى \" سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى \" ثُمَّ رُوِيَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ اِبْن مَسْعُود \" سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى \" قَالَ : وَهُوَ جَيِّد فِي الْعَرَبِيَّة اِنْتَهَى. وَنَقْله الْإِجْمَاع عَجَب , مَعَ أَنَّ أَصْحَابه الْكُوفِيِّينَ يَحْيَى بْن وَثَّاب وَحَمْزَة وَالْأَعْمَش وَالْكِسَائِيّ قَرَءُوا بِمِثْلِ مَا نُقِلَ عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَنَقَلَهَا أَبُو عُبَيْد أَيْضًا عَنْ حُذَيْفَة وَأَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو وَاخْتَارَهَا أَبُو عُبَيْد , وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي \" سَكْرَى \" هَلْ هِيَ صِيغَة جَمْع عَلَى فَعْلَى مِثْل مَرْضَى أَوْ صِيغَة مُفْرَد فَاسْتُغْنِيَ بِهَا عَنْ وَصْفِهِ الْجَمَاعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4373",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ { ‏وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَإِنْ وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ قَالَ هَذَا دِينٌ صَالِحٌ وَإِنْ لَمْ تَلِدْ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قَالَ هَذَا دِينُ سُوءٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَحْيَى بْن أَبِي بُكَيْرٍ ) ‏ ‏هُوَ الْكَرْمَانِيُّ , وَهُوَ غَيْر يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ الْمِصْرِيّ يَلْتَبِسَانِ لَكِنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ أَرْبَعَة أَوْجُه : أَحَدهَا النِّسْبَة , الثَّانِي أَبُو هَذَا فِيهِ أَدَاة الْكُنْيَة بِخِلَافِ الْمِصْرِيّ , الثَّالِث وَلَا يَظْهَر غَالِبًا أَنَّ بُكَيْرًا جَدُّ الْمِصْرِيّ وَأَبَا بُكَيْرٍ وَالِد الْكَرْمَانِيِّ , الرَّابِع الْمِصْرِيّ شَيْخ الْمُصَنِّف وَالْكَرْمَانِيّ شَيْخ شَيْخه. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْرَائِيل ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد مَوْصُولًا , وَرَوَاهُ أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيُّ عَنْ إِسْرَائِيل بِهَذَا الْإِسْنَاد فَلَمْ يُجَاوِز سَعِيد بْن جُبَيْر أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن سَالِم الصَّائِغ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي بُكَيْرٍ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَقَالَ فِي آخِره : قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن سَالِم هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب. وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي الْمُغِيرَة عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فَذَكَرَ فِيهِ اِبْن عَبَّاس. قَوْله : ( كَانَ الرَّجُل يَقْدَم الْمَدِينَة فَيُسْلِم ) فِي رِوَايَة جَعْفَر \" كَانَ نَاس مِنْ الْأَعْرَاب يَأْتُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسْلِمُونَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ وَلَدَتْ اِمْرَأَته غُلَامًا وَنُتِجَتْ خَيْله ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ نُون نُتِجَتْ فَهِيَ مَنْتُوجَة مِثْل نُفِسَتْ فَهِيَ مَنْفُوسَة , زَادَ الْعُوفِيُّ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" وَصَحَّ جِسْمه \" أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم. وَلِابْنِ الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق الْحَسَن الْبَصْرِيّ \" كَانَ الرَّجُل يَقْدَم الْمَدِينَة مُهَاجِرًا فَإِنْ صَحَّ جِسْمه \" الْحَدِيث , وَفِي رِوَايَة جَعْفَر \" فَإِن وَجَدُوا عَام خِصْب وَغَيْث وَوِلَاد \" وَقَوْله : \" قَالَ : هَذَا دِين صَالِح \" فِي رِوَايَة الْعَوْفِيِّ \" رَضِيَ وَاطْمَأَنَّ وَقَالَ : مَا أَصَبْت فِي دِينِي إِلَّا خَيْرًا \" وَفِي رِوَايَة الْحَسَن \" قَالَ لَنِعْمَ الدِّين هَذَا \" وَفِي رِوَايَة جَعْفَر \" قَالُوا إِنَّ دِينَنَا هَذَا لَصَالِحٌ فَتَمَسَّكُوا بِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ لَمْ تَلِد إِلَخْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَعْفَر \" وَإِنْ وَجَدُوا عَام جَدْب وَقَحْط وَوِلَاد سُوء قَالُوا مَا فِي دِينِنَا هَذَا خَيْرٌ \" وَفِي رِوَايَة الْعَوْفِيِّ \" وَإِنْ أَصَابَهُ وَجَع الْمَدِينَة وَوَلَدَتْ اِمْرَأَته جَارِيَة وَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ الصَّدَقَة أَتَاهُ الشَّيْطَان فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَصَبْت عَلَى دِينِك هَذَا إِلَّا شَرًّا , وَذَلِكَ الْفِتْنَة \" وَفِي رِوَايَة الْحَسَن \" فَإِنْ سَقِمَ جِسْمه وَحُبِسَتْ عَنْهُ الصَّدَقَة وَأَصَابَتْهُ الْحَاجَة قَالَ : وَاللَّهِ لَيْسَ الدِّين هَذَا , مَا زِلْت أَتَعَرَّف النُّقْصَان فِي جِسْمِي وَحَالِي \" وَذَكَرَ الْفَرَّاء أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَعَارِيب مِنْ بَنِي أَسَد اِنْتَقَلُوا إِلَى الْمَدِينَة بِذَرَارِيِّهِمْ وَامْتَنُّوا بِذَلِكَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو مَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد بِإِسْنَادٍ ضَعِيف أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُل مِنْ الْيَهُود أَسْلَمَ فَذَهَبَ بَصَره وَمَاله وَوَلَده , فَتَشَاءَمَ بِالْإِسْلَامِ فَقَالَ : لَمْ أُصِبْ فِي دِينِي خَيْرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4374",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو هَاشِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مِجْلَزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ قَسَمًا ‏ ‏إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ ‏ { ‏هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ‏} ‏نَزَلَتْ فِي ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏وَصَاحِبَيْهِ ‏ ‏وَعُتْبَةَ ‏ ‏وَصَاحِبَيْهِ ‏ ‏يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هَاشِمٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هَاشِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مِجْلَزٍ ‏ ‏قَوْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يُقْسِم قَسَما ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِأَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يُقْسِم فِيهَا \" وَهُوَ تَصْحِيف. ‏ ‏قَوْله : ( نَزَلَتْ فِي حَمْزَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي غَزْوَة بَدْر مُسْتَوْفًى , وَنَقْتَصِر هُنَا عَلَى بَيَان الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ سُفْيَان ) ‏ ‏أَيْ الثَّوْرِيّ ‏ ‏( عَنْ أَبِي هَاشِم ) ‏ ‏أَيْ شَيْخ هُشَيْمٍ فِيهِ , وَهُوَ الرُّمَّانِيّ بِضَمِّ الرَّاء وَتَشْدِيد الْمِيم أَيْ بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنه , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَته مَوْصُولَة فِي غَزْوَة بَدْر. وَلِسُفْيَانَ فِيهِ شَيْخ آخَر أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن مُجِيب عَنْ سُفْيَان عَنْ مَنْصُور عَنْ هِلَال بْن يَسَاف قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عُثْمَان ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي شَيْبَة ‏ ‏( عَنْ جَرِير ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الْحَمِيد ‏ ‏( عَنْ مَنْصُور ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْمُعْتَمِر ‏ ‏( عَنْ أَبِي هَاشِم عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَوْله ) ‏ ‏أَيْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4375",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مِجْلَزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَا أَوَّلُ مَنْ ‏ ‏يَجْثُو ‏ ‏بَيْنَ يَدَيْ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏وَفِيهِمْ نَزَلَتْ ‏ { ‏هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ‏} ‏قَالَ هُمْ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏وَحَمْزَةُ ‏ ‏وَعُبَيْدَةُ ‏ ‏وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ قَيْس بْن عُبَاد ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَلِيّ قَالَ : أَنَا أَوَّل مَنْ يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ بَيْنَ يَدَيْ الرَّحْمَن يَوْمَ الْقِيَامَة قَالَ قَيْس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُبَاد الرَّاوِي الْمَذْكُور ‏ ‏( وَفِيهِمْ نَزَلَتْ ) ‏ ‏, وَهَذَا لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ عَلَى قَيْس بْن عُبَاد فِي الصَّحَابِيّ , بَلْ رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ تَقْتَضِي أَنَّ عِنْدَ قَيْس عَنْ عَلِيّ هَذَا الْقَدْر الْمَذْكُور هُنَا فَقَطْ , وَرِوَايَة أَبِي هَاشِم عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ تَقْتَضِي أَنَّ عِنْدَ قَيْس عَنْ أَبِي ذَرّ مَا سَبَقَ , لَكِنْ يُعَكِّر عَلَى هَذَا أَنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق يُوسُف بْن يَعْقُوب عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَى عَلِيّ قَالَ : \" فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة وَفِي مُبَارَزَتِنَا يَوْمَ بَدْرٍ : هَذَانِ خَصْمَانِ \" وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ هَذَا الْوَجْه وَزَادَ فِي أَوَّله مَا فِي رِوَايَة مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَبِي جَعْفَر الرَّازِيِّ , وَكَذَا ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" أَنَّ كَهْمَسَ بْن الْحَسَن رَوَاهُ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ , وَأَشَارَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِلَى أَنَّ رِوَايَتهمْ مُدْرَجَة وَأَنَّ الصَّوَاب رِوَايَة مُعْتَمِر. قُلْت : وَقَدْ رَوَاهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ يَزِيد بْن هَارُون وَعَنْ حَمَّاد بْن مُسْعَدَة كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ كَرِوَايَةِ مُعْتَمِر , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَكُون الْحَدِيث عِنْدَ قَيْس عَنْ أَبِي ذَرّ وَعَنْ عَلِيّ مَعًا بِدَلِيلِ اِخْتِلَاف سِيَاقهمَا. ثُمَّ يُنْظَر بَعْدَ ذَلِكَ فِي الِاخْتِلَاف الْوَاقِع عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ فِي إِرْسَاله حَدِيث أَبِي ذَرّ وَوَصْله , فَوَصَلَهُ عَنْهُ أَبُو هَاشِم فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ وَهُشَيْمٌ عَنْهُ , وَأَمَّا سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ فَوَقَفَهُ عَلَى قَيْس , وَأَمَّا مَنْصُور فَوَقَفَهُ عَلَى أَبِي مِجْلَزٍ , وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحُكْم لِلْوَاصِلِ إِذَا كَانَ حَافِظًا , وَسُلَيْمَان وَأَبُو هَاشِم مُتَقَارِبَانِ فِي الْحِفْظ فَتُقَدَّم رِوَايَة مَنْ مَعَهُ زِيَادَة , وَالثَّوْرِيّ أَحْفَظُ مِنْ مَنْصُور فَتُقَدَّم رِوَايَته , وَقَدْ وَافَقَهُ شُعْبَة عَنْ أَبِي هَاشِم أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ , عَلَى أَنَّ الطَّبَرِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ جَرِير عَنْ مَنْصُور مَوْصُولًا , فَبِهَذَا التَّقْرِير يَرْتَفِع اِعْتِرَاض مَنْ اِدَّعَى أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ كَمَا أَشَرْت إِلَى ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَة , وَإِنَّمَا أُعِيد مِثْلَ هَذَا لِبُعْدِ الْعَهْد بِهِ وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْل الْكِتَاب وَالْمُسْلِمِينَ , وَمِنْ طَرِيق الْحَسَن قَالَ : هُمْ الْكُفَّار وَالْمُؤْمِنُونَ , وَمِنْ طَرِيق مُجَاهِد هُوَ اِخْتِصَام الْمُؤْمِن وَالْكَافِر فِي الْبَعْث , وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ هَذِهِ الْأَقْوَال فِي تَعْمِيم الْآيَة قَالَ : وَلَا يُخَالِف الْمَرْوِيّ عَنْ عَلِيّ وَأَبِي ذَرّ لِأَنَّ الَّذِينَ تَبَارَزُوا بِبَدْرٍ كَانُوا فَرِيقَيْنِ مُؤْمِنِينَ وَكُفَّار , إِلَّا أَنَّ الْآيَة إِذَا نَزَلَتْ فِي سَبَب مِنْ الْأَسْبَاب لَا يَمْتَنِع أَنْ تَكُون عَامَّة فِي نَظِير ذَلِكَ السَّبَب. ‏"
    },
    {
        "id": "4376",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُوَيْمِرًا ‏ ‏أَتَى ‏ ‏عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ ‏ ‏وَكَانَ سَيِّدَ ‏ ‏بَنِي عَجْلَانَ ‏ ‏فَقَالَ كَيْفَ تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ سَلْ لِي رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ذَلِكَ فَأَتَى ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَسَائِلَ فَسَأَلَهُ ‏ ‏عُوَيْمِرٌ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَرِهَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا قَالَ ‏ ‏عُوَيْمِرٌ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ذَلِكَ فَجَاءَ ‏ ‏عُوَيْمِرٌ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْمُلَاعَنَةِ ‏ ‏بِمَا سَمَّى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ‏ ‏فَلَاعَنَهَا ‏ ‏ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ حَبَسْتُهَا فَقَدْ ظَلَمْتُهَا فَطَلَّقَهَا فَكَانَتْ سُنَّةً لِمَنْ كَانَ بَعْدَهُمَا فِي ‏ ‏الْمُتَلَاعِنَيْنِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ ‏ ‏أَسْحَمَ ‏ ‏أَدْعَجَ ‏ ‏الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَ ‏ ‏الْأَلْيَتَيْنِ ‏ ‏خَدَلَّجَ ‏ ‏السَّاقَيْنِ فَلَا أَحْسِبُ ‏ ‏عُوَيْمِرًا ‏ ‏إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أَحْسِبُ ‏ ‏عُوَيْمِرًا ‏ ‏إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى ‏ ‏النَّعْتِ ‏ ‏الَّذِي ‏ ‏نَعَتَ ‏ ‏بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ تَصْدِيقِ ‏ ‏عُوَيْمِرٍ ‏ ‏فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ ‏",
        "sharh": "وَقَوْله فِي أَوَّل الْبَاب : \" ‏ ‏حَدَّثَنَا إِسْحَاق حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف. ‏ ‏هُوَ الْفِرْيَابِيُّ وَهُوَ شَيْخ الْبُخَارِيّ لَكِنْ رُبَّمَا أُدْخِلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ , وَإِسْحَاق الْمَذْكُور وَقَعَ غَيْر مَنْسُوب وَلَمْ يَنْسُبْهُ الْكِلَابَاذِيُّ أَيْضًا , وَعِنْدِي أَنَّهُ إِسْحَاق بْن مَنْصُور , وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4377",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ ‏ ‏التَّلَاعُنِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏قُضِيَ فِيكَ وَفِي امْرَأَتِكَ قَالَ ‏ ‏فَتَلَاعَنَا ‏ ‏وَأَنَا شَاهِدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَفَارَقَهَا فَكَانَتْ سُنَّةً أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ ‏ ‏الْمُتَلَاعِنَيْنِ ‏ ‏وَكَانَتْ حَامِلًا فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَيْهَا ثُمَّ جَرَتْ السُّنَّةُ فِي الْمِيرَاثِ أَنْ يَرِثَهَا وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4378",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ ‏ ‏قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ فَقَالَ ‏ ‏هِلَالٌ ‏ ‏وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الْحَدِّ فَنَزَلَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ ‏ { ‏وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ‏ ‏فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ ‏ ‏إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ ‏} ‏فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَجَاءَ ‏ ‏هِلَالٌ ‏ ‏فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا وَقَالُوا إِنَّهَا مُوجِبَةٌ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَتَلَكَّأَتْ ‏ ‏وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ ثُمَّ قَالَتْ لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ فَمَضَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ ‏ ‏أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ ‏ ‏سَابِغَ ‏ ‏الْأَلْيَتَيْنِ ‏ ‏خَدَلَّجَ ‏ ‏السَّاقَيْنِ فَهُوَ ‏ ‏لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ ‏ ‏فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرك ) ‏ ‏قَالَ اِبْن مَالِك : ضَبَطُوا الْبَيِّنَةَ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِير عَامِل أَيْ أَحْضِرْ الْبَيِّنَةَ , وَقَالَ غَيْره : رُوِيَ بِالرَّفْعِ وَالتَّقْدِير إِمَّا الْبَيِّنَةُ وَإِمَّا حَدٌّ. وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة : \" أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرك \" قَالَ اِبْن مَالِك : حُذِفَ مِنْهُ فَاء الْجَوَاب وَفِعْل الشَّرْط بَعْدَ إِلَّا وَالتَّقْدِير وَإِلَّا تُحْضِرهَا فَجَزَاؤُك حَدّ فِي ظَهْرك , قَالَ : وَحَذْف مِثْل هَذَا لَمْ يَذْكُر النُّحَاة أَنَّهُ يَجُوز إِلَّا فِي الشِّعْر , لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ وُرُودُهُ فِي هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح. قَوْله : ( فَقَالَ هِلَال : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ , وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّه مَا يُبَرِّئ ظَهْرِي مِنْ الْحَدّ , فَنَزَلَ جِبْرِيل وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ : وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ آيَات اللِّعَان نَزَلَتْ فِي قِصَّة هِلَال بْن أُمَيَّة , وَفِي حَدِيث سَعْد الْمَاضِي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُوَيْمِرٍ وَلَفْظه \" فَجَاءَ عُوَيْمِر فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه رَجُل وَجَدَ مَعَ اِمْرَأَته رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ , أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أَنْزَلَ اللَّه فِيك وَفِي صَاحِبَتِك , فَأَمَرَهُمَا بِالْمُلَاعَنَةِ \" وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْأَئِمَّة فِي هَذَا الْمَوْضِع : فَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْن عُوَيْمِرٍ , وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْن هِلَال , وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَوَّل مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ هِلَال وَصَادَفَ مَجِيء عُوَيْمِرٍ أَيْضًا فَنَزَلَتْ فِي شَأْنهمَا مَعًا فِي وَقْت وَاحِد. وَقَدْ جَنَحَ النَّوَوِيّ إِلَى هَذَا , وَسَبَقَهُ الْخَطِيب فَقَالَ : لَعَلَّهُمَا اِتَّفَقَ كَوْنُهُمَا جَاءَا فِي وَقْت وَاحِد. وَيُؤَيِّد التَّعَدُّد أَنَّ الْقَائِل فِي قِصَّة هِلَال سَعْد بْن عُبَادَةَ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَبَّاد بْن مَنْصُور عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْل رِوَايَة هِشَام بْن حَسَّان بِزِيَادَةٍ فِي أَوَّله \" لَمَّا نَزَلَتْ ( وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ) الْآيَةَ قَالَ سَعْد بْن عُبَادَةَ : لَوْ رَأَيْت لُكَاعًا قَدْ تَفَخَّذَهَا رَجُل لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أُهَيِّجَهُ حَتَّى آتِي أَرْبَعَة شُهَدَاء , مَا كُنْت لِآتِي بِهِمْ حَتَّى يَفْرُغ مِنْ حَاجَتِهِ , قَالَ : فَمَا لَبِثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ هِلَال بْن أُمَيَّة \" الْحَدِيثَ. وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة مُرْسَلًا فِيهِ نَحْوه وَزَادَ \" فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ اِبْن عَمّ لَهُ فَرَمَى اِمْرَأَته \" الْحَدِيث. وَالْقَائِل فِي قِصَّة عُوَيْمِرٍ عَاصِم بْن عَدِيّ كَمَا فِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ , وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ مُرْسَلًا قَالَ : \" لَمَّا نَزَلَتْ ( وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجهمْ ) الْآيَة قَالَ عَاصِم بْن عَدِيّ : إِنْ أَنَا رَأَيْت فَتَكَلَّمْت جُلِدْت , وَإِنْ سَكَتّ سَكَتّ عَلَى غَيْظٍ \" الْحَدِيثَ , وَلَا مَانِعَ أَنْ تَتَعَدَّدَ الْقِصَصُ وَيَتَّحِد النُّزُول. وَرَوَى الْبَزَّار مِنْ طَرِيق زَيْد بْن تُبَيْع عَنْ حُذَيْفَة قَالَ : \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْر : لَوْ رَأَيْت مَعَ أُمّ رُومَان رَجُلًا مَا كُنْت فَاعِلًا بِهِ ؟ قَالَ : كُنْت فَاعِلًا بِهِ شَرًّا. قَالَ : فَأَنْتَ يَا عُمَر ؟ قَالَ : كُنْت أَقُول لَعَنَ اللَّه الْأَبْعَدَ , قَالَ : فَنَزَلَتْ \" وَيُحْتَمَل أَنَّ النُّزُول سَبَقَ بِسَبَبِ هِلَال , فَلَمَّا جَاءَ عُوَيْمِر وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِمَا وَقَعَ لِهِلَالٍ أَعْلَمَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُكْمِ , وَلِهَذَا قَالَ فِي قِصَّة هِلَال : \" فَنَزَلَ جِبْرِيل \" وَفِي قِصَّة عُوَيْمِرٍ \" قَدْ أَنْزَلَ اللَّه فِيك فَيُؤَوَّل قَوْله : قَدْ أَنْزَلَ اللَّه فِيك أَيْ وَفِيمَنْ كَانَ مِثْلَك \" وَبِهَذَا أَجَابَ اِبْن الصَّبَّاغ فِي الشَّامِل قَالَ : نَزَلَتْ الْآيَة فِي هِلَال , وَأَمَّا قَوْله لِعُوَيْمِرٍ : \" قَدْ نَزَلَ فِيك وَفِي صَاحِبَتِك \" فَمَعْنَاهُ مَا نَزَلَ فِي قِصَّة هِلَال , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي حَدِيث أَنَس عِنْدَ أَبِي يَعْلَى قَالَ : \" أَوَّل لِعَان كَانَ فِي الْإِسْلَام أَنَّ شَرِيك بْن سَحْمَاء قَذَفَهُ هِلَال بْن أُمَيَّة بِامْرَأَتِهِ \" الْحَدِيث , وَجَنَحَ الْقُرْطُبِيّ إِلَى تَجْوِيز نُزُول الْآيَة مَرَّتَيْنِ , قَالَ : وَهَذِهِ الِاحْتِمَالَات وَإِنْ بَعُدَتْ أَوْلَى مِنْ تَغْلِيط الرُّوَاة الْحُفَّاظ وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَة ذِكْر هِلَال فِيمَنْ لَاعَنَ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : أَنْكَرَهُ أَبُو عَبْد اللَّه بْن أَبِي صُفْرَة أَخُو الْمُهَلَّب وَقَالَ : هُوَ خَطَأ , وَالصَّحِيح أَنَّهُ عُوَيْمِر. وَسَبَقَهُ إِلَى نَحْو ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : قَالَ النَّاس : هُوَ وَهْم مِنْ هِشَام بْن حَسَّان , وَعَلَيْهِ دَارَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَأَنْسَ بِذَلِكَ. وَقَالَ عِيَاض فِي \" الْمَشَارِق \" كَذَا جَاءَ مِنْ رِوَايَة هِشَام بْن حَسَّان وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْره , وَإِنَّمَا الْقِصَّة لِعُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيّ , قَالَ : وَلَكِنْ وَقَعَ فِي \" الْمُدَوَّنَة \" فِي حَدِيث الْعَجْلَانِيّ ذِكْر شَرِيك. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي مُبْهَمَاتِهِ : اِخْتَلَفُوا فِي الْمُلَاعَن عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال عُوَيْمِر الْعَجْلَانِيّ , وَهِلَال بْن أُمَيَّة , وَعَاصِم بْن عَدِيّ. ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْوَاحِدِيّ أَنَّ أَظْهَر هَذِهِ الْأَقْوَال أَنَّهُ عُوَيْمِر. وَكَلَام الْجَمِيع مُتَعَقَّب أَمَّا قَوْل اِبْن أَبِي صُفْرَة فَدَعْوَى مُجَرَّدَة , وَكَيْف يُجْزَم بِخَطَأِ حَدِيث ثَابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ مَعَ إِمْكَان الْجَمْع ؟ وَمَا نَسَبَهُ إِلَى الطَّبَرِيِّ لَمْ أَرَهُ فِي كَلَامه. وَأَمَّا قَوْل اِبْن الْعَرَبِيّ إِنَّ ذِكْر هِلَال دَارَ عَلَى هِشَام بْن حَسَّان , وَكَذَا جَزَمَ عِيَاض بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ غَيْره , فَمَرْدُود لِأَنَّ هِشَام بْن حَسَّان لَمْ يَنْفَرِد بِهِ , فَقَدْ وَافَقَهُ عَبَّاد بْن مَنْصُور كَمَا قَدَّمْته , وَكَذَا جَرِير بْن حَازِم عَنْ أَيُّوب أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ مَوْصُولًا قَالَ : \" لَمَّا قَذَفَ هِلَال بْن أُمَيَّة اِمْرَأَته \" وَأَمَّا قَوْل النَّوَوِيّ تَبَعًا لِلْوَاحِدِيِّ وَجُنُوحه إِلَى التَّرْجِيح فَمَرْجُوح لِأَنَّ الْجَمْع مَعَ إِمْكَانه أَوْلَى مِنْ التَّرْجِيح. ثُمَّ قَوْله : \" وَقِيلَ عَاصِم بْن عَدِيّ \" فِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَيْسَ لِعَاصِمٍ فِيهِ قِصَّة أَنَّهُ الَّذِي لَاعَنَ اِمْرَأَته , وَإِنَّمَا الَّذِي وَقَعَ مِنْ عَاصِم نَظِير الَّذِي وَقَعَ مِنْ سَعْد بْن عُبَادَةَ. وَلَمَّا رَوَى اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي \" التَّمْهِيد \" طَرِيق جَرِير بْن حَازِم تَعَقَّبَهُ بِأَنْ قَالَ : قَدْ رَوَاهُ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن عَبَّاس كَمَا رَوَاهُ النَّاس. وَهُوَ يُوهِم أَنَّ الْقَاسِم سَمَّى الْمُلَاعِن عُوَيْمِرًا , وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيح \" فَأَتَاهُ رَجُل مِنْ قَوْمه \" أَيْ مِنْ قَوْم عَاصِم , وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" لَاعَنَ بَيْنَ الْعَجْلَانِيّ وَامْرَأَته \" وَالْعَجْلَانِيّ هُوَ عُوَيْمِر. ‏"
    },
    {
        "id": "4379",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمِّي ‏ ‏الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَقَدْ ‏ ‏سَمِعَ مِنْهُ عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏رَمَى امْرَأَتَهُ فَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَلَاعَنَا ‏ ‏كَمَا قَالَ اللَّهُ ثُمَّ قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْمَرْأَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَ ‏ ‏الْمُتَلَاعِنَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَمِّي الْقَاسِم بْن يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ ثِقَة وَهُوَ اِبْن عَمّ أَبِي بَكْر بْن عَلِيّ الْمُقَدَّمِيُّ وَالِد مُحَمَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ أَيْضًا , وَلَيْسَ لِلْقَاسِمِ عِنْدَ الْبُخَارِيّ سِوَى الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ ) ‏ ‏هُوَ كَلَام الْبُخَارِيّ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيث غَيْر هَذَا صَرَّحَ فِيهِ الْقَاسِم بْن يَحْيَى بِسَمَاعِهِ مِنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر , وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيث فَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن صَدَقَة عَنْ مُقَدَّم بْن مُحَمَّد بِهَذَا الْإِسْنَاد مُعَنْعَنًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا رَمَى اِمْرَأَته فَانْتَفَى مِنْ وَلَدهَا ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ مُفَصَّلًا فِي كِتَابِ اللِّعَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4380",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ { ‏وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ ‏} ‏قَالَتْ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ أَبِي نُعَيْم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر مُطَوَّلًا فِي جُمْلَة حَدِيث الْإِفْك , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة الْمُرَيْسِيع مِنْ الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَة مَعْمَر أَيْضًا وَغَيْره عَنْ الزُّهْرِيّ , وَفِي الْقِصَّة الَّتِي دَارَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك فِي ذَلِكَ قَوْله عَنْ عَائِشَة : \" وَاَلَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ \" أَيْ قَالَتْ عَائِشَة فِي تَفْسِير ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ اِبْنُ سَلُولَ ) أَيْ هُوَ عَبْد اللَّه , وَتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَته قَرِيبًا فِي سُورَة بَرَاءَة , وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَاَلَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَاب عَظِيم ) وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ , وَبِهِ تَظَاهَرَتْ الرِّوَايَات عَنْ عَائِشَة مِنْ قِصَّة الْإِفْك الْمُطَوَّلَةِ كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَ هَذَا , وَسَيَأْتِي بَعْدَ خَمْسَة أَبْوَاب بَيَان مَنْ قَالَ خِلَاف ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4381",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ ‏ ‏وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ ‏ ‏الْإِفْكِ ‏ ‏مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ الْحَدِيثِ وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ الَّذِي ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَهُ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَمَا نَزَلَ الْحِجَابُ فَأَنَا أُحْمَلُ فِي ‏ ‏هَوْدَجِي ‏ ‏وَأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ ‏ ‏وَقَفَلَ ‏ ‏وَدَنَوْنَا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏قَافِلِينَ ‏ ‏آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى ‏ ‏رَحْلِي ‏ ‏فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ ‏ ‏جَزْعِ ‏ ‏ظَفَارِ ‏ ‏قَدْ انْقَطَعَ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي وَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ وَأَقْبَلَ ‏ ‏الرَّهْطُ ‏ ‏الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي فَاحْتَمَلُوا ‏ ‏هَوْدَجِي ‏ ‏فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ رَكِبْتُ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يُثْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ إِنَّمَا تَأْكُلُ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ خِفَّةَ ‏ ‏الْهَوْدَجِ ‏ ‏حِينَ رَفَعُوهُ وَكُنْتُ ‏ ‏جَارِيَةً ‏ ‏حَدِيثَةَ السِّنِّ فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي ‏ ‏الَّذِي كُنْتُ بِهِ وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ وَكَانَ ‏ ‏صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ ‏ ‏مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ ‏ ‏فَأَدْلَجَ ‏ ‏فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ فَاسْتَيْقَظْتُ ‏ ‏بِاسْتِرْجَاعِهِ ‏ ‏حِينَ عَرَفَنِي ‏ ‏فَخَمَّرْتُ ‏ ‏وَجْهِي بِجِلْبَابِي وَ وَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ ‏ ‏اسْتِرْجَاعِهِ ‏ ‏حَتَّى ‏ ‏أَنَاخَ ‏ ‏رَاحِلَتَهُ ‏ ‏فَوَطِئَ عَلَى يَدَيْهَا فَرَكِبْتُهَا فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي ‏ ‏الرَّاحِلَةَ ‏ ‏حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا ‏ ‏مُوغِرِينَ ‏ ‏فِي ‏ ‏نَحْرِ الظَّهِيرَةِ ‏ ‏فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى ‏ ‏الْإِفْكَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ ‏ ‏فَقَدِمْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ ‏ ‏الْإِفْكِ ‏ ‏لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّطَفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏كَيْفَ ‏ ‏تِيكُمْ ‏ ‏ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَذَاكَ الَّذِي يَرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا ‏ ‏نَقَهْتُ ‏ ‏فَخَرَجَتْ مَعِي ‏ ‏أُمُّ مِسْطَحٍ ‏ ‏قِبَلَ ‏ ‏الْمَنَاصِعِ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏مُتَبَرَّزُنَا ‏ ‏وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ ‏ ‏الْكُنُفَ ‏ ‏قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا وَأَمْرُنَا أَمْرُ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏الْأُوَلِ فِي التَّبَرُّزِ قِبَلَ ‏ ‏الْغَائِطِ ‏ ‏فَكُنَّا نَتَأَذَّى ‏ ‏بِالْكُنُفِ ‏ ‏أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا فَانْطَلَقْتُ أَنَا ‏ ‏وَأُمُّ مِسْطَحٍ ‏ ‏وَهِيَ ابْنَةُ ‏ ‏أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ‏ ‏وَأُمُّهَا بِنْتُ ‏ ‏صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏خَالَةُ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ‏ ‏وَابْنُهَا ‏ ‏مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ ‏ ‏فَأَقْبَلْتُ أَنَا ‏ ‏وَأُمُّ مِسْطَحٍ ‏ ‏قِبَلَ بَيْتِي وَقَدْ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا فَعَثَرَتْ ‏ ‏أُمُّ مِسْطَحٍ ‏ ‏فِي ‏ ‏مِرْطِهَا ‏ ‏فَقَالَتْ تَعِسَ ‏ ‏مِسْطَحٌ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهَا بِئْسَ مَا قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏قَالَتْ أَيْ ‏ ‏هَنْتَاهْ أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ قَالَتْ قُلْتُ وَمَا قَالَ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ ‏ ‏الْإِفْكِ ‏ ‏فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَعْنِي سَلَّمَ ثُمَّ قَالَ كَيْفَ ‏ ‏تِيكُمْ ‏ ‏فَقُلْتُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ قَالَتْ وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا قَالَتْ فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجِئْتُ أَبَوَيَّ فَقُلْتُ لِأُمِّي يَا ‏ ‏أُمَّتَاهْ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ قَالَتْ يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا قَالَتْ فَقُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا قَالَتْ فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا ‏ ‏يَرْقَأُ ‏ ‏لِي دَمْعٌ وَلَا ‏ ‏أَكْتَحِلُ ‏ ‏بِنَوْمٍ حَتَّى أَصْبَحْتُ أَبْكِي فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏حِينَ ‏ ‏اسْتَلْبَثَ ‏ ‏الْوَحْيُ يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ قَالَتْ فَأَمَّا ‏ ‏أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْوُدِّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْلَكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا وَأَمَّا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ وَإِنْ تَسْأَلْ ‏ ‏الْجَارِيَةَ ‏ ‏تَصْدُقْكَ قَالَتْ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏فَقَالَ أَيْ ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ قَالَتْ ‏ ‏بَرِيرَةُ ‏ ‏لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا ‏ ‏أَغْمِصُهُ ‏ ‏عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا ‏ ‏جَارِيَةٌ ‏ ‏حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي ‏ ‏الدَّاجِنُ ‏ ‏فَتَأْكُلُهُ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَعْذَرَ يَوْمَئِذٍ مِنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ ‏ ‏قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي فَقَامَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ إِنْ كَانَ مِنْ ‏ ‏الْأَوْسِ ‏ ‏ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ ‏ ‏الْخَزْرَجِ ‏ ‏أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ قَالَتْ فَقَامَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏وَهُوَ سَيِّدُ ‏ ‏الْخَزْرَجِ ‏ ‏وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ ‏ ‏لِسَعْدٍ ‏ ‏كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ فَقَامَ ‏ ‏أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ‏ ‏وَهُوَ ابْنُ عَمِّ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ‏ ‏كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ فَتَثَاوَرَ الْحَيَّانِ ‏ ‏الْأَوْسُ ‏ ‏وَالْخَزْرَجُ ‏ ‏حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ قَالَتْ فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لَا ‏ ‏يَرْقَأُ ‏ ‏لِي دَمْعٌ وَلَا ‏ ‏أَكْتَحِلُ ‏ ‏بِنَوْمٍ قَالَتْ فَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا لَا ‏ ‏أَكْتَحِلُ ‏ ‏بِنَوْمٍ وَلَا ‏ ‏يَرْقَأُ ‏ ‏لِي دَمْعٌ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي قَالَتْ فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَأَذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي قَالَتْ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ قَالَتْ وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي قَالَتْ فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وَإِنْ كُنْتِ ‏ ‏أَلْمَمْتِ ‏ ‏بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ إِلَى اللَّهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَتْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَقَالَتَهُ ‏ ‏قَلَصَ ‏ ‏دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً فَقُلْتُ لِأَبِي أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيمَا قَالَ قَالَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ لِأُمِّي أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ فَقُلْتُ وَأَنَا ‏ ‏جَارِيَةٌ ‏ ‏حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنْ الْقُرْآنِ إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ ‏ ‏لَتُصَدِّقُنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لَكُمْ مَثَلًا إِلَّا قَوْلَ ‏ ‏أَبِي يُوسُفَ ‏ ‏قَالَ ‏ { ‏فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ‏} ‏قَالَتْ ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي قَالَتْ وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا قَالَتْ فَوَاللَّهِ مَا ‏ ‏رَامَ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ ‏ ‏الْبُرَحَاءِ ‏ ‏حَتَّى إِنَّهُ ‏ ‏لَيَتَحَدَّرُ ‏ ‏مِنْهُ مِثْلُ ‏ ‏الْجُمَانِ ‏ ‏مِنْ الْعَرَقِ وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي يُنْزَلُ عَلَيْهِ قَالَتْ فَلَمَّا ‏ ‏سُرِّيَ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُرِّيَ ‏ ‏عَنْهُ وَهُوَ يَضْحَكُ فَكَانَتْ أَوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَمَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ بَرَّأَكِ فَقَالَتْ أُمِّي قُومِي إِلَيْهِ قَالَتْ فَقُلْتُ لَا وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا ‏ ‏بِالْإِفْكِ ‏ ‏عُصْبَةٌ ‏ ‏مِنْكُمْ لَا ‏ ‏تَحْسِبُوهُ ‏ } ‏الْعَشْرَ الْآيَاتِ كُلَّهَا فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى ‏ ‏مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ ‏ ‏لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى ‏ ‏مِسْطَحٍ ‏ ‏شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏مَا قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي ‏ ‏الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي فَرَجَعَ إِلَى ‏ ‏مِسْطَحٍ ‏ ‏النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْأَلُ ‏ ‏زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ ‏ ‏عَنْ أَمْرِي فَقَالَ يَا ‏ ‏زَيْنَبُ ‏ ‏مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا قَالَتْ وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ ‏ ‏وَطَفِقَتْ ‏ ‏أُخْتُهَا ‏ ‏حَمْنَةُ ‏ ‏تُحَارِبُ لَهَا فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ مِنْ أَصْحَابِ ‏ ‏الْإِفْكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ الْحَدِيث ) ‏ ‏أَيْ بَعْضه هُوَ مَقُول الزُّهْرِيّ كَمَا فِي رِوَايَة فُلَيْحٍ \" قَالَ الزُّهْرِيّ : إِلَخْ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" قَالَ الزُّهْرِيّ : كُلّ حَدَّثَنِي بَعْض هَذَا الْحَدِيث وَقَدْ جَمَعْت لَك كُلّ الَّذِي حَدَّثُونِي \" وَلَمَّا ضَمّ اِبْن إِسْحَاق إِلَى رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ الْأَرْبَعَة رِوَايَته هُوَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر عَنْ عَمْرَة وَعَنْ يَحْيَى بْن عَبَّاد بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْ أَبِيهِ كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَة قَالَ : \" دَخَلَ حَدِيث هَؤُلَاءِ جَمِيعًا يُحَدِّث بَعْضهمْ مَا لَمْ يُحَدِّث صَاحِبه وَكُلّ كَانَ ثِقَةً فَكُلّ حَدَّثَ عَنْهَا مَا سَمِعَ قَالَ \" فَذَكَرَهُ. قَالَ عِيَاض : اِنْتَقَدُوا عَلَى الزُّهْرِيّ مَا صَنَعَهُ مِنْ رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث مُلَفَّقًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة وَقَالُوا : كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُفْرِدَ حَدِيثَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ عَنْ الْآخَر اِنْتَهَى. وَقَدْ تَتَبَّعْت طُرُقه فَوَجَدْته مِنْ رِوَايَة عُرْوَة عَلَى اِنْفِرَاده , وَمِنْ رِوَايَة عَلْقَمَة بْن وَقَّاص عَلَى اِنْفِرَاده , وَفِي سِيَاق كُلّ مِنْهُمَا مُخَالَفَات وَنَقْص وَبَعْض زِيَادَة لِمَا فِي سِيَاق الزُّهْرِيّ عَنْ الْأَرْبَعَة , فَأَمَّا رِوَايَة عُرْوَة فَأَخْرَجَهَا الْمُصَنِّف فِي الشَّهَادَات مِنْ رِوَايَة فُلَيْح بْن سُلَيْمَان أَنَّ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَقِبَ رِوَايَة فُلَيْحٍ عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ , مِثْله , وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه , وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُت كَبِير , فَكَأَنَّ فُلَيْحًا تَجَوَّزَ فِي قَوْله : \" مِثْله \" وَقَدْ عَلَّقَهَا الْمُصَنِّف كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا لِأَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ بِتَمَامِهِ , وَوَصَلَهَا مُسْلِم لِأَبِي أُسَامَة إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسُقْهُ بِتَمَامِهِ , وَوَصَلَهُ أَحْمَد وَأَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي أُسَامَة بِتَمَامِهِ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالطَّبَرِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة وَأَبِي أُوَيْس وَأَبِي عَوَانَة وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَة يُونُس بْن بُكَيْرٍ , وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي \" الْغَرَائِب \" مِنْ رِوَايَة مَالِك , وَأَبُو عَوَانَة عَنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر وَسَعِيد بْن أَبِي هِلَال , وَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف بِاخْتِصَارٍ فِي الِاعْتِصَام مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي زَكَرِيَّا كُلّهمْ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا. وَأَمَّا رِوَايَة عَلْقَمَة بْن وَقَّاص فَوَصَلَهَا الطَّبَرِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن حَاطِب عَنْهُ , وَأَمَّا رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَعُبَيْد اللَّه فَلَمْ أَجِدهُمَا إِلَّا مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْهُمَا , وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عَائِشَة غَيْر هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة فَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الشَّهَادَات مِنْ رِوَايَة عَمْرَة بِنْت عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَائِشَة وَلَمْ يَسُقْ لَفْظهَا , وَقَدْ سَاقَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي أُوَيْس وَأَبُو عَوَانَة وَالطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن حَزْم عَنْهَا , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة أَيْضًا مِنْ رِوَايَة أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَائِشَة , وَالْمُصَنِّف مِنْ رِوَايَة الْقَاسِم بْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر عَنْ عَائِشَة إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْقِ لَفْظه أَخْرَجَهُ فِي الشَّهَادَات , وَكَذَا رِوَايَة عَمْرَة عَقِبَ رِوَايَة فُلَيْحٍ عَنْ الزُّهْرِيّ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد بْن يَزِيد وَعَبَّاد بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَمِقْسَم مَوْلَى اِبْن عَبَّاس ثَلَاثَتهمْ عَنْ عَائِشَة وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث مِنْ الصَّحَابَة غَيْر عَائِشَة جَمَاعَة : مِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَحَدِيثه أَيْضًا عَقِبَ رِوَايَة فُلَيْحٍ عِنْدَ الْمُصَنِّف فِي الشَّهَادَات وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه , وَأُمّ رُومَان قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثهَا فِي قِصَّة يُوسُف وَفِي الْمَغَازِي , وَيَأْتِي بِاخْتِصَارٍ قَرِيبًا , وَابْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَحَدِيثهمَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ , وَأَبُو هُرَيْرَة وَحَدِيثه عِنْدَ الْبَزَّار , وَأَبُو الْيُسْر وَحَدِيثه بِاخْتِصَارٍ عِنْدَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ , فَجَمِيع مَنْ رَوَاهُ مِنْ الصَّحَابَة غَيْر عَائِشَة سِتَّة , وَمِنْ التَّابِعِينَ عَنْ عَائِشَة عَشَرَة ; وَأَوْرَدَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر مُرْسَلًا بِإِسْنَادٍ وَاهٍ ; وَأَوْرَدَهُ الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" مِنْ رِوَايَة مُقَاتِل بْن حَيَّانَ وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّة مُرْسَلًا أَيْضًا , وَسَأَذْكُرُ فِي أَثْنَاء شَرْح هَذَا الْحَدِيث مَا فِي رِوَايَة هَؤُلَاءِ مِنْ فَائِدَة زَائِدَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَبَعْض حَدِيثهمْ يُصَدِّق بَعْضًا ) ‏ ‏كَأَنَّهُ مَقْلُوب , وَالْمَقَام يَقْتَضِي أَنْ يَقُول وَحَدِيث بَعْضهمْ يُصَدِّق بَعْضًا \" , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره وَالْمُرَاد أَنَّ بَعْض حَدِيث كُلّ مِنْهُمْ يَدُلّ عَلَى صِدْق الرَّاوِي فِي بَقِيَّة حَدِيثه لِحُسْنِ سِيَاقه وَجَوْدَة حِفْظه. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ كَانَ بَعْضهمْ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْض ) ‏ ‏هُوَ إِشَارَة إِلَى أَنَّ بَعْض هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة أَمْيَز فِي سِيَاق الْحَدِيث مِنْ بَعْض مِنْ جِهَة حِفْظ أَكْثَره , لَا أَنَّ بَعْضهمْ أَضْبَط مِنْ بَعْض مُطْلَقًا , وَلِهَذَا قَالَ : \" أَوْعَى لَهُ \" أَيْ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُور خَاصَّة , زَادَ فِي رِوَايَة فُلَيْحٍ \" وَأَثْبَتَ اِقْتِصَاصًا - أَيْ سِيَاقًا - وَقَدْ وَعَيْت عَنْ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ الْحَدِيث الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَة - أَيْ الْقَدْر الَّذِي حَدَّثَنِي بِهِ - لِيُطَابِقَ قَوْله , وَكُلّ حَدَّثَنِي طَائِفَة مِنْ الْحَدِيث \" وَحَاصِله أَنَّ جَمِيع الْحَدِيث عَنْ مَجْمُوعهمْ لَا أَنَّ مَجْمُوعه عَنْ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَفْلَح \" وَبَعْض الْقَوْم أَحْسَن سِيَاقًا \" وَأَمَّا قَوْله فِي رِوَايَة الْبَاب الَّذِي حَدَّثَنِي عُرْوَة عَنْ عَائِشَة فَهَكَذَا فِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ يُونُس , وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك وَابْن وَهْب وَعَبْد اللَّه النُّمَيْرِيّ فَلَمْ يَقُلْ وَاحِد مِنْهُمْ عَنْ يُونُس الَّذِي حَدَّثَنِي عُرْوَة وَإِنَّمَا قَالُوا عَنْ عَائِشَة , فَاقْتَضَتْ رِوَايَة اللَّيْث أَنَّ سِيَاق الْحَدِيث عَنْ عُرْوَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَوَّل شَيْء مِنْهُ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي الْهِبَة وَفِي الشَّهَادَات مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة وَحْدَهُ عَنْ عَائِشَة أَوَّل هَذَا الْحَدِيث وَهُوَ الْقُرْعَة عِنْدَ إِرَادَة السَّفَر , وَكَذَلِكَ أَفْرَدَهَا أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق يُونُس , وَكَذَا يَحْيَى بْن يَمَان عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ , وَالِاحْتِمَال الْأَوَّل أَوْلَى لِمَا ثَبَتَ أَنَّ الرُّوَاة اِخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيم بَعْض شُيُوخ الزُّهْرِيّ عَلَى بَعْض , فَلَوْ كَانَ الِاحْتِمَال الثَّانِي مُتَعَيِّنًا لَامْتَنَعَ تَقْدِيم غَيْر عُرْوَة عَلَى عُرْوَة وَلَأَشْعَرَ أَيْضًا أَنَّ الْبَاقِينَ لَمْ يَرْوُوا عَنْ عَائِشَة قِصَّة الْقُرْعَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ قِصَّة الْقُرْعَة خَاصَّة مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن شَافِع عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه وَحْده عَنْ عَائِشَة , وَسَتَأْتِي الْقِصَّة مِنْ رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة وَحْده , وَفِي سِيَاقه مُخَالَفَة كَثِيرَة لِلسِّيَاقِ الَّذِي هُنَا لِلزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة , وَهُوَ مِمَّا يَتَأَيَّد بِهِ الِاحْتِمَال الْأَوَّل , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَنَّ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : ) ‏ ‏لَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ عَائِشَة تَرْوِي عَنْ نَفْسهَا , بَلْ مَعْنَى قَوْله : \" عَنْ عَائِشَة \" أَيْ عَنْ حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الْإِفْك. ثُمَّ شَرَعَ يُحَدِّث عَنْ عَائِشَة قَالَ : \" إِنَّ عَائِشَة قَالَتْ : \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة فُلَيْحٍ \" زَعَمُوا أَنَّ عَائِشَة قَالَتْ \" وَالزَّعْم قَدْ يَقَع مَوْضِع الْقَوْل إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَرَدُّد , لَكِنْ لَعَلَّ السِّرّ فِيهِ أَنَّ جَمِيع مَشَايِخ الزُّهْرِيّ لَمْ يُصَرِّحُوا لَهُ بِذَلِكَ , كَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْكَرْمَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُج ) ‏ ‏زَادَ مَعْمَر \" سَفَرًا \" أَيْ إِلَى سَفَر , فَهُوَ مَنْصُوب بِنَزْعِ الْخَافِض أَوْ ضُمِّنَ يَخْرُج مَعْنَى يُنْشِئ فَيَكُون سَفَرًا نَصْبًا عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَفِي رِوَايَة فُلَيْحٍ وَصَالِح بْن كَيْسَانَ كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجه ) ‏ ‏فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْقُرْعَة وَالرَّدّ عَلَى مَنْ مَنَعَ مِنْهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّعْرِيف بِهَا وَحُكْمهَا فِي أَوَاخِر كِتَاب الشَّهَادَات فِي \" بَاب الْقُرْعَة فِي الْمُشْكِلَات \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَيَّتُهُنَّ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ مِنْ طَرِيق فُلَيْحٍ \" فَأَيُّهُنَّ \" بِغَيْرِ مُثَنَّاة وَالْأُولَى أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( فِي غَزْوَة غَزَاهَا ) ‏ ‏هِيَ غَزْوَة بَنِي الْمُصْطَلِق , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته , وَكَذَا أَفْلَح بْن عَبْد اللَّه عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ , وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَة أَبِي أُوَيْس \" فَخَرَجَ سَهْم عَائِشَة فِي غَزْوَة بَنِي الْمُصْطَلِق مِنْ خُزَاعَة \" وَعِنْدَ الْبَزَّار مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَأَصَابَتْ عَائِشَة الْقُرْعَة فِي غَزْوَة بَنِي الْمُصْطَلِق \" وَفِي رِوَايَة بَكْر بْن وَائِل عِنْدَ أَبِي عَوَانَة مَا يُشْعِر بِأَنَّ تَسْمِيَةَ الْغَزْوَة فِي حَدِيث عَائِشَة مُدْرَج فِي الْخَبَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَ سَهْمِي ) ‏ ‏هَذَا يُشْعِر بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَة وَحْدَهَا , لَكِنْ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ مِنْ طَرِيق عَبَّاد بْن عَبْد اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا خَرَجَتْ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَة أَيْضًا أُمّ سَلَمَة , وَكَذَا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر , وَهُوَ ضَعِيفٌ , وَلَمْ يَقَع لِأُمِّ سَلَمَة فِي تِلْكَ الْغَزْوَة ذِكْر , وَرِوَايَة اِبْن إِسْحَاق مِنْ رِوَايَة عَبَّاد ظَاهِرَة فِي تَفَرُّد عَائِشَة بِذَلِكَ وَلَفْظه \" فَخَرَجَ سَهْمِي عَلَيْهِنَّ , فَخَرَجَ بِي مَعَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( بَعْدَمَا نَزَلَ الْحِجَابُ ) ‏ ‏أَيْ بَعْدَمَا نَزَلَ الْأَمْر بِالْحِجَابِ , وَالْمُرَاد حِجَاب النِّسَاء عَنْ رُؤْيَة الرِّجَال لَهُنَّ , وَكُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُمْنَعْنَ , وَهَذَا قَالَتْهُ كَالتَّوْطِئَةِ لِلسَّبَبِ فِي كَوْنهَا كَانَتْ مُسْتَتِرَةً فِي الْهَوْدَج حَتَّى أَفْضَى ذَلِكَ إِلَى تَحْمِيلِهِ وَهِيَ لَيْسَتْ فِيهِ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهَا فِيهِ , بِخِلَافِ مَا كَانَ قَبْلَ الْحِجَاب , فَلَعَلَّ النِّسَاء حِينَئِذٍ كُنَّ يَرْكَبْنَ ظُهُور الرَّوَاحِل بِغَيْرِ هَوَادِج , أَوْ يَرْكَبْنَ الْهَوَادِج غَيْر مُسْتَتِرَات , فَمَا كَانَ يَقَع لَهَا الَّذِي يَقَع , بَلْ كَانَ يَعْرِف الَّذِي كَانَ يَخْدُم بَعِيرَهَا إِنْ كَانَتْ رَكِبَتْ أَمْ لَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" فَكُنْت إِذَا رَحَّلُوا بَعِيرِي جَلَسْت فِي هَوْدَجِي ثُمَّ يَأْخُذُونَ بِأَسْفَلِ الْهَوْدَج فَيَضَعُونَهُ عَلَى ظَهْر الْبَعِير \" وَالْهَوْدَج بِفَتْحِ الْهَاء وَالدَّال بَيْنَهُمَا وَاو سَاكِنَة وَآخِرُهُ جِيمٌ : مَحْمِل لَهُ قُبَّة تُسْتَر بِالثِّيَابِ وَنَحْوه , يُوضَع عَنْ ظَهْر الْبَعِير يَرْكَب عَلَيْهِ النِّسَاء لِيَكُونَ أَسْتَر لَهُنَّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أُوَيْس بِلَفْظِ \" الْمِحَفَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ ) ‏ ‏كَذَا اِقْتَصَرَتْ الْقِصَّة , لِأَنَّ مُرَاد سِيَاق قِصَّة الْإِفْك خَاصَّةٌ وَإِنَّمَا ذَكَرْت مَا ذَكَرْت ذَلِكَ كَالتَّوْطِئَةِ لِمَا أَرَادَتْ اِقْتِصَاصه , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون ذَكَرَتْ جَمِيع ذَلِكَ فَاخْتَصَرَهُ الرَّاوِي لِلْغَرَضِ الْمَذْكُور , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْهَا فِي قِصَّة غَزْوَة بَنِي الْمُصْطَلِق أَحَادِيث غَيْر هَذَا , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل أَنَّ فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيِّ عَنْ عَبَّاد \" قُلْت لِعَائِشَةَ : يَا أُمَّتَاهُ حَدِّثِينَا عَنْ قِصَّة الْإِفْك , قَالَتْ : نَعَمْ \" وَعِنْدَهُ \" فَخَرَجْنَا فَغَنَّمَهُ اللَّه أَمْوَالهمْ وَأَنْفُسهمْ وَرَجَعْنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَفَلَ ) ‏ ‏بِقَافٍ وَفَاء أَيْ رَجَعَ مِنْ غَزْوَته. ‏ ‏قَوْله : ( وَدَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَة قَافِلِينَ ) ‏ ‏أَيْ رَاجِعِينَ , أَيْ أَنَّ قِصَّتهَا وَقَعَتْ حَالَ رُجُوعهمْ مِنْ الْغَزْوَة قُرْبَ دُخُولهمْ الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( آذَنَ ) ‏ ‏بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيف وَبِغَيْرِ مَدّ وَالتَّشْدِيد كِلَاهُمَا بِمَعْنَى أَعْلَمَ بِالرَّحِيلِ , وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" فَنَزَلَ مَنْزِلًا فَبَاتَ بِهِ بَعْض اللَّيْل ثُمَّ آذَنَ بِالرَّحِيلِ \". ‏ ‏قَوْله : ( بِالرَّحِيلِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة بَعْضهمْ \" الرَّحِيل \" بِغَيْرِ مُوَحَّدَة وَبِالنَّصْبِ , وَكَأَنَّهُ حِكَايَة قَوْلهمْ : \" الرَّحِيلَ \" بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاء. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَشَيْت حَتَّى جَاوَزْت الْجَيْشَ ) ‏ ‏أَيْ لِتَقْضِي حَاجَتهَا مُنْفَرِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا قَضَيْت شَأْنِي ) ‏ ‏الَّذِي تَوَجَّهْت بِسَبَبِهِ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر خِلَاف مَا فِي الصَّحِيح , وَأَنَّ سَبَب تَوَجُّههَا لِقَضَاءِ حَاجَتهَا أَنَّ رَحْل أُمّ سَلَمَة مَال فَأَنَاخُوا بَعِيرهَا لِيُصْلِحُوا رَحْلهَا قَالَتْ عَائِشَة : \" فَقُلْت إِلَى أَنْ يُصْلِحُوا رَحْلهَا قَضَيْت حَاجَتِي , فَتَوَجَّهْت وَلَمْ يَعْلَمُوا بِي فَقَضَيْت حَاجَتِي , فَانْقَطَعَتْ قِلَادَتِي فَأَقَمْت فِي جَمْعهَا وَنِظَامهَا , وَبَعَثَ الْقَوْم إِبِلهمْ وَمَضَوْا وَلَمْ يَعْلَمُوا بِنُزُولِي \" وَهَذَا شَاذّ مُنْكَر. ‏ ‏قَوْله : ( عِقْد ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْعَيْن قِلَادَة تُعَلَّق فِي الْعُنُق لِلتَّزَيُّنِ بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ جَزْع ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الزَّاي بَعْدَهَا مُهْمَلَة : خَرَز مَعْرُوف فِي سَوَاده بَيَاض كَالْعُرُوقِ , قَالَ اِبْن الْقَطَّاع : هُوَ وَاحِد لَا جَمْع لَهُ , وَقَالَ اِبْن سِيدَهْ : هُوَ جَمْع وَاحِدَة جَزِعَة وَهُوَ بِالْفَتْحِ , فَأَمَّا الْجِزَع بِالْكَسْرِ فَهُوَ جَانِب الْوَادِي , وَنَقَلَ كُرَاع أَنَّ جَانِب الْوَادِي بِالْكَسْرِ فَقَطْ وَأَنَّ الْآخَر يُقَال بِالْفَتْحِ وَبِالْكَسْرِ , وَأَغْرَبَ اِبْن التِّين فَحَكَى فِيهِ الضَّمّ , قَالَ التِّيفَاشِيّ : يُوجَد فِي مَعَادِن الْعَقِيق وَمِنْهُ مَا يُؤْتَى بِهِ مِنْ الصِّين , قَالَ : وَلَيْسَتْ فِي الْحِجَارَة أَصْلَب جِسْمًا مِنْهُ , وَيَزْدَاد حُسْنه إِذَا طُبِخَ بِالزَّيْتِ لَكِنَّهُمْ لَا يَتَيَمَّنُونَ بِلُبْسِهِ وَيَقُولُونَ : مَنْ تَقَلَّدَهُ كَثُرَتْ هُمُومه وَرَأَى مَنَامَات رَدِيئَة , وَإِذَا عُلِّقَ عَلَى طِفْل سَالَ لُعَابه. وَمِنْ مَنَافِعه إِذَا أُمِرَّ عَلَى شَعْر الْمُطْلَقَة سَهُلَتْ وِلَادَتهَا. ‏ ‏قَوْله : ( جَزْع أَظْفَار ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَظْفَار بِزِيَادَةِ أَلِف , وَكَذَا فِي رِوَايَة فُلَيْحٍ. لَكِنْ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ طَرِيقه \" ظَفَار \" وَكَذَا فِي رِوَايَة مَعْمَر وَصَالِح , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : الرِّوَايَة \" أَظْفَار \" بِأَلِفٍ , وَأَهْل اللُّغَة لَا يَعْرِفُونَهُ بِأَلِفٍ وَيَقُولُونَ : \" ظَفَار \" قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : جَزْع ظَفَارِي. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَقَعَ فِي بَعْض رِوَايَات مُسْلِم \" أَظْفَار \" وَهِيَ خَطَأ. قُلْت : لَكِنَّهَا فِي , أَكْثَر رِوَايَات أَصْحَاب الزُّهْرِيّ , حَتَّى إِنَّ فِي رِوَايَة صَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ جَزْع الْأَظَافِير \" فَأَمَّا ظَفَار بِفَتْحِ الظَّاء الْمُعْجَمَة ثُمَّ فَاء بَعْدَهَا رَاء مَبْنِيَّة عَلَى الْكَسْر فَهِيَ مَدِينَة بِالْيَمَنِ , وَقِيلَ جَبَل , وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِهِ الْمَدِينَة وَهِيَ فِي أَقْصَى الْيَمَن إِلَى جِهَة الْهِنْد , وَفِي الْمِثْل \" مَنْ دَخَلَ ظَفَار حَمَّرَ \" أَيْ تَكَلَّمَ بِالْحِمْيَرِيَّةِ , لِأَنَّ أَهْلهَا كَانُوا مِنْ حِمْيَر وَإِنْ ثَبَتَتْ الرِّوَايَة أَنَّ جَزْع أَظْفَار فَلَعَلَّ عِقْدَهَا كَانَ مِنْ الظُّفْر أَحَد أَنْوَاع الْقُسْط وَهُوَ طَيِّب الرَّائِحَة يُتبَخَّر بِهِ , فَلَعَلَّهُ عَمِلَ مِثْل الْخَرَز فَأَطْلَقَتْ عَلَيْهِ جَزْعًا تَشْبِيهًا بِهِ وَنَظَمَتْهُ قِلَادَة إِمَّا لِحُسْنِ لَوْنه أَوْ لِطِيبِ رِيحه , وَقَدْ حَكَى اِبْن التِّين أَنَّ قِيمَته كَانَتْ اِثَّنَى عَشَرَ دِرْهَمًا , وَهَذَا يُؤَيِّد أَنَّهُ لَيْسَ جَزَعًا ظَفَارِيًّا إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتْ قِيمَته أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيِّ \" فَكَانَ فِي عُنُقِي عِقْد مِنْ جَزْع ظَفَار كَانَتْ أُمِّي أَدْخَلَتْنِي بِهِ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا قَضَيْت شَأْنِي ) ‏ ‏أَيْ فَرَغْت مِنْ قَضَاء حَاجَتِي ( أَقْبَلْت إِلَى رَحْلِي ) أَيْ رَجَعْت إِلَى الْمَكَان الَّذِي كَانَتْ نَازِلَة فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا عِقْد لِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة فُلَيْحٍ \" فَلَمَسْت صَدْرِي فَإِذَا عِقْدِي \". ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ اِنْقَطَعَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" قَدْ اِنْسَلَّ مِنْ عُنُقِي وَأَنَا لَا أَدْرِي \". ‏ ‏قَوْله : ( فَالْتَمَسْت عِقْدِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة فُلَيْحٍ \" فَرَجَعْت فَالْتَمَسْت وَحَبَسَنِي اِبْتِغَاؤُهُ \" أَيْ طَلَبه , فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" فَرَجَعْت عَوْدِي عَلَى بَدْئِي إِلَى الْمَكَان الَّذِي ذَهَبْت إِلَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة الْوَاقِدِيِّ \" وَكُنْت أَظُنّ أَنَّ الْقَوْم لَوْ لَبِثُوا شَهْرًا لَمْ يَبْعَثُوا بَعِيرِي حَتَّى أَكُون فِي هَوْدَجِي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ ) ‏ ‏هُوَ عَدَد مِنْ ثَلَاثَة إِلَى عَشَرَة وَقِيلَ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْكِتَاب فِي حَدِيث أَبِي سُفْيَان الطَّوِيل. وَلَمْ أَعْرِف مِنْهُمْ هُنَا أَحَدًا إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أَحَدهمْ أَبُو مَوْهُوبَةَ مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ أَبُو مُوَيْهِبَةَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ حَدِيثًا فِي مَرَض رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَفَاته أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَغَيْره , قَالَ الْبَلَاذُرِيّ : شَهِدَ أَبُو مُوَيْهِبَةَ غَزْوَة الْمُرَيْسِيع , وَكَانَ يَخْدُم بَعِير عَائِشَة , وَكَانَ مِنْ مُوَلَّدِي بَنِي مُزَيْنَةَ. وَكَأَنَّهُ فِي الْأَصْل أَبُو مَوْهُوبَة وَيُصَغَّر فَيُقَال أَبُو مُوَيْهِبَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( يَرْحَلُونَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَالتَّخْفِيف , رَحَلْت الْبَعِير إِذَا شَدَدْت عَلَيْهِ الرَّحْل. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ هُنَا بِالتَّشْدِيدِ فِي هَذَا وَفِي \" فَرَحَلُوهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( لِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" بِي \" وَحَكَى النَّوَوِيّ عَنْ أَكْثَر نُسَخ صَحِيح مُسْلِم \" يَرْحَلُونَ لِي \" قَالَ : وَهُوَ أَجْوَد , وَقَالَ غَيْره بِالْبَاءِ أَجْوَد لِأَنَّ الْمُرَاد وَضْعهَا وَهِيَ فِي الْهَوْدَج فَشَبَّهَتْ الْهَوْدَج الَّذِي هِيَ فِيهِ بِالرَّحْلِ الَّذِي يُوضَع عَلَى الْبَعِير. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَحَلُوهُ ) ‏ ‏أَيْ وَضَعُوهُ , وَفِيهِ تَجَوُّز وَإِنَّمَا الرَّحْل هُوَ الَّذِي يُوضَع عَلَى ظَهْر الْبَعِير ثُمَّ يُوضَع الْهَوْدَج فَوْقَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا ) ‏ ‏قَالَتْ : هَذَا كَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهَا : \" وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّي فِيهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يُثْقِلْهُنَّ اللَّحْم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة فُلَيْحٍ \" لَمْ يُثْقِلْهُنَّ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْم \" قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : لَيْسَ هَذَا تَكْرَارًا لِأَنَّ كُلّ سَمِين ثَقِيل مِنْ غَيْر عَكْس , لِأَنَّ الْهَزِيل قَدْ يَمْتَلِئ بَطْنُهُ طَعَامًا فَيَقِلّ بَدَنه , فَأَشَارَتْ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ لَمْ يَكُونَا فِي نِسَاء ذَلِكَ الزَّمَان. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى قَوْلهَا : \" لَمْ يَغْشَهُنَّ \" أَيْ لَمْ يَكْثُر عَلَيْهِنَّ فَيَرْكَب بَعْضُهُ بَعْضًا , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" لَمْ يُهَبِّلْهُنَّ \" وَضَبَطَهُ اِبْن الْخَشَّاب فِيمَا حَكَاهُ اِبْن الْجَوْزِيّ بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْهَاء وَكَسْر الْمُوَحَّدَة , وَمِثْله الْقُرْطُبِيّ لَكِنْ قَالَ : وَضَمّ الْمُوَحَّدَة , قَالَ : لِأَنَّ مَاضِيه بِفَتْحَتَيْنِ مُخَفَّفًا , وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْمَشْهُور فِي ضَبْطه بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْهَاء وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة , وَبِفَتْحِ أَوَّله وَثَالِثه أَيْضًا , وَبِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر ثَالِثه مِنْ الرُّبَاعِيّ , يُقَال هَبَّلَهُ اللَّحْم وَأَهْبَلَهُ إِذَا أَثْقَلَهُ , وَأَصْبَحَ فُلَان مُهَبَّلًا أَيْ كَثِير اللَّحْم أَوْ وَارِمَ الْوَجْه. قُلْت : وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" لَمْ يُهَبِّلْهُنَّ اللَّحْم \" وَحَكَى الْقُرْطُبِيّ أَنَّهَا فِي رِوَايَة لِابْنِ الْحَذَّاء فِي مُسْلِم أَيْضًا , وَأَشَارَ إِلَيْهَا اِبْن الْجَوْزِيّ وَقَالَ : الْمُهَبَّل الْكَثِير اللَّحْم الثَّقِيل الْحَرَكَة مِنْ السِّمَن , وَفُلَان مُهَبَّل أَيْ مُهَيَّج كَأَنَّ بِهِ وَرَمًا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا يَأْكُلْنَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا \" إِنَّمَا نَأْكُل \" بِالنُّونِ أَوَّله وَبِاللَّامِ فَقَطْ. ‏ ‏قَوْله : ( الْعُلْقَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام ثُمَّ قَاف أَيْ الْقَلِيل , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : كَأَنَّ الْمُرَاد الشَّيْء الْقَلِيل الَّذِي يُسَكِّنُ الرَّمَق , كَذَا قَالَ. وَقَدْ قَالَ الْخَلِيل : الْعُلْقَة مَا فِيهِ بُلْغَة مِنْ الطَّعَام إِلَى وَقْت الْغَدَاء , حَكَاهُ اِبْن بَطَّال قَالَ : وَأَصْلهَا شَجَر يَبْقَى فِي الشِّتَاء تَتَبَلَّغ بِهِ الْإِبِل حَتَّى يَدْخُل زَمَن الرَّبِيع. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَسْتَنْكِر الْقَوْم خِفَّة الْهَوْدَج ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة فُلَيْحٍ وَمَعْمَر \" ثِقَل الْهَوْدَج \" وَالْأَوَّل أَوْضَح لِأَنَّ مُرَادهَا إِقَامَة عُذْرهمْ فِي تَحْمِيل هَوْدَجَهَا وَهِيَ لَيْسَتْ فِيهِ فَكَأَنَّهَا تَقُول : كَأَنَّهَا لِخِفَّةِ جِسْمهَا بِحَيْثُ إِنَّ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ هَوْدَجهَا لَا فَرْق عِنْدَهُمْ بَيْنَ وُجُودهَا فِيهِ وَعَدَمهَا , وَلِهَذَا أَرْدَفَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا : \" وَكُنْت جَارِيَة حَدِيثَةَ السِّنّ \" أَيْ أَنَّهَا مَعَ نَحَافَتهَا صَغِيرَة السِّنّ فَذَلِكَ أَبْلَغ فِي خِفَّتهَا , وَقَدْ وُجِّهَتْ الرِّوَايَة الْأُخْرَى بِأَنَّ الْمُرَاد لَمْ يَسْتَنْكِرُوا الثِّقَل الَّذِي اِعْتَادُوهُ , لِأَنَّ ثِقَله فِي الْأَصْل إِنَّمَا هُوَ مِمَّا رَكِبَ الْهَوْدَج مِنْهُ مِنْ خَشَب وَحِبَال وَسُتُور وَغَيْر ذَلِكَ , وَأَمَّا هِيَ فَلِشِدَّةِ نَحَافَتهَا كَانَ لَا يَظْهَر بِوُجُودِهَا فِيهِ زِيَادَة ثِقَل , وَالْحَاصِل أَنَّ الثِّقَل وَالْخِفَّة مِنْ الْأُمُور الْإِضَافِيَّة فَيَتَفَاوَتَانِ بِالنِّسْبَةِ , وَيُسْتَفَاد مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ بَعِيرهَا كَانُوا فِي غَايَة الْأَدَب مَعَهَا وَالْمُبَالَغَة فِي تَرْك التَّنْقِيب عَمَّا فِي الْهَوْدَج بِحَيْثُ إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهَا فِيهِ , وَكَأَنَّهُمْ جَوَّزُوا أَنَّهَا نَائِمَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَكُنْت جَارِيَة حَدِيثَة السِّنّ ) ‏ ‏هُوَ كَمَا قَالَتْ , لِأَنَّهَا أُدْخِلَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْهِجْرَة فِي شَوَّال وَلَهَا تِسْع سِنِينَ , وَأَكْثَر مَا قِيلَ فِي الْمُرَيْسِيع كَمَا سَيَأْتِي أَنَّهَا عِنْدَ اِبْن إِسْحَاق كَانَتْ فِي شَعْبَانَ سَنَة سِتّ فَتَكُون لَمْ تُكَمِّل خَمْسَ عَشْرَةَ , فَإِنْ كَانَتْ الْمُرَيْسِيع قَبْلَ ذَلِكَ فَتَكُون أَصْغَر مِنْ ذَلِكَ , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى فَائِدَة ذِكْرهَا ذَلِكَ قَبْلُ , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون أَشَارَتْ بِذَلِكَ إِلَى بَيَان عُذْرهَا فِيمَا فَعَلَتْهُ مِنْ الْحِرْص عَلَى الْعِقْد الَّذِي اِنْقَطَعَ , وَمِنْ اِسْتِقْلَالهَا بِالتَّفْتِيشِ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَال وَتَرْك إِعْلَام أَهْلهَا بِذَلِكَ وَذَلِكَ لِصِغَرِ سِنّهَا وَعَدَم تَجَارِبهَا لِلْأُمُورِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ لَيْسَتْ صَغِيرَة لَكَانَتْ تَتَفَطَّنُ لِعَاقِبَةِ ذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي ضَيَاع الْعِقْد أَيْضًا أَنَّهَا أَعْلَمَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِهِ فَأَقَامَ بِالنَّاسِ عَلَى غَيْر مَاء حَتَّى وَجَدَتْهُ وَنَزَلَتْ آيَة التَّيَمُّم بِسَبَبِ ذَلِكَ , فَظَهَرَ تَفَاوُت حَال مَنْ جَرَّبَ الشَّيْء وَمَنْ لَمْ يُجَرِّبهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاحه فِي كِتَاب التَّيَمُّم. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَعَثُوا الْجَمَل ) ‏ ‏أَيْ أَثَارُوهُ. ‏ ‏قَوْله : ( بَعْدَمَا اِسْتَمَرَّ الْجَيْشُ ) ‏ ‏أَيْ ذَهَب مَاضِيًا , وَهُوَ اِسْتَفْعَلَ مِنْ مَرَّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( فَجِئْت مَنَازِلهمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة فُلَيْحٍ \" وَلَيْسَ فِيهَا أَحَد \" فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَمْ تَسْتَصْحِب عَائِشَة مَعَهَا غَيْرهَا فَكَانَ أَدْعَى لِأَمْنِهَا مِمَّا يَقَع لِلْمُنْفَرِدِ وَلَكَانَتْ لَمَّا تَأَخَّرَتْ لِلْبَحْثِ عَنْ الْعِقْد تُرْسِل مَنْ رَافَقَهَا لِيَنْتَظِرُوهَا إِنْ أَرَادُوا الرَّحِيل ؟ وَالْجَوَاب أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَة مَا يُسْتَفَاد مِنْ قَوْله حَدِيثَة السِّنّ , لِأَنَّهَا لَمْ يَقَع لَهَا تَجْرِبَة مِثْل ذَلِكَ , وَقَدْ صَارَتْ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا خَرَجَتْ لِحَاجَتِهَا تَسْتَصْحِب كَمَا سَيَأْتِي فِي قِصَّتهَا مَعَ أُمِّ مِسْطَح , وَقَوْله : فَأَمَمْت مَنْزِلِي بِالتَّخْفِيفِ أَيْ قَصَدْت , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ هُنَا بِتَشْدِيدِ الْمِيم الْأُولَى , قَالَ الدَّاوُدِيُّ , : وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ) قَالَ اِبْن التِّين : هَذَا عَلَى أَنَّهُ بِالتَّخْفِيفِ اِنْتَهَى. وَفِي رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ \" فَتَيَمَّمْت \". ‏ ‏قَوْله : ( وَظَنَنْت أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونَنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة فُلَيْحٍ \" سَيَفْقِدُونِي \" بِنُونٍ وَاحِدَة , فَإِمَّا أَنْ تَكُون حُذِفَتْ تَخْفِيفًا أَوْ هِيَ مُثَقَّلَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر \" فَيَرْجِعُوا \" بِغَيْرِ نُون وَكَأَنَّهُ عَلَى لُغَة مَنْ يَحْذِفهَا مُطْلَقًا. قَالَ عِيَاض : الظَّنّ هُنَا بِمَعْنَى الْعِلْم , وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون عَلَى بَابه , فَإِنَّهُمْ أَقَامُوا إِلَى وَقْت الظُّهْر وَلَمْ يَرْجِع أَحَد مِنْهُمْ إِلَى الْمَنْزِل الَّذِي كَانَتْ بِهِ وَلَا نُقِلَ أَنَّ أَحَدًا لَاقَاهَا فِي الطَّرِيق , لَكِنْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُونُوا اِسْتَمَرُّوا فِي السَّيْر إِلَى قُرْب الظُّهْر , فَلَمَّا نَزَلُوا إِلَى أَنْ يَشْتَغِلُوا بِحَطِّ رِحَالهمْ وَرَبْط رَوَاحِلهمْ وَاسْتَصْحَبُوا حَالهمْ فِي ظَنّهمْ أَنَّهَا فِي هَوْدَجهَا لَمْ يَفْتَقِدُوهَا إِلَى أَنْ وَصَلَتْ عَلَى قُرْب , وَلَوْ فَقَدُوهَا لَرَجَعُوا كَمَا ظَنَّتْهُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" وَعَرَفَتْ أَنْ لَوْ اِفْتَقَدُونِي لَرَجَعُوا إِلَيَّ \" وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّهَا لَمْ تَتَّبِعهُمْ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر خِلَاف ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِ \" فَجِئْت فَاتَّبَعْتهمْ حَتَّى أَعْيَيْت , فَقُمْت عَلَى بَعْض الطَّرِيق فَمَرَّ بِي صَفْوَان \" وَهَذَا السِّيَاق لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا فِي الصَّحِيح وَأَنَّهَا أَقَامَتْ فِي مَنْزِلهَا إِلَى أَنْ أَصْبَحَتْ , وَكَأَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهَا أَنْ تَتْبَعَهُمْ فَلَا تَأْمَن أَنْ يَخْتَلِف عَلَيْهَا الطُّرُق فَتَهْلَك قَبْلَ أَنْ تُدْرِكهُمْ , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ كَانَتْ فِي اللَّيْل , أَوْ تُقِيم فِي مَنْزِلهَا لَعَلَّهُمْ إِذَا فَقَدُوهَا عَادُوا إِلَى مَكَانهَا الَّذِي فَارَقُوهَا فِيهِ , وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ فَقَدْ شَيْئًا أَنْ يَرْجِع بِفِكْرِهِ الْقَهْقَرَى إِلَى الْحَدّ الَّذِي يَتَحَقَّق وُجُوده ثُمَّ يَأْخُذ مِنْ هُنَاكَ فِي التَّنْقِيب عَلَيْهِ. وَأَرَادَتْ بِمَنْ يَفْقِدهَا مَنْ هُوَ مِنْهَا بِسَبَبٍ كَزَوْجِهَا أَوْ أَبِيهَا , وَالْغَالِب الْأَوَّل لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ شَأْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسَايِر بَعِيرهَا وَيَتَحَدَّث مَعَهَا فَكَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَّفِق فِي تِلْكَ اللَّيْلَة , وَلَمَّا لَمْ يَتَّفِق مَا تَوَقَّعَتْهُ مِنْ رُجُوعهمْ إِلَيْهَا سَاقَ اللَّه إِلَيْهَا مَنْ حَمَلَهَا بِغَيْرِ حَوْل مِنْهَا وَلَا قُوَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَة فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْت ) ‏ ‏, يُحْتَمَل أَنْ يَكُون سَبَب النَّوْم شِدَّة الْغَمّ الَّذِي حَصَلَ لَهَا فِي تِلْكَ الْحَالَة , وَمِنْ شَأْن الْغَمّ - وَهُوَ وُقُوع مَا يُكْرَه - غَلَبَة النَّوْم , بِخِلَافِ الْهَمّ وَهُوَ تَوَقُّع مَا يُكْرَه فَإِنَّهُ يَقْتَضِي السَّهَر , أَوْ لِمَا وَقَعَ مِنْ بَرْد السَّحَر لَهَا مَعَ رُطُوبَة بَدَنهَا وَصِغَر سِنّهَا. وَعِنْدَ اِبْن إِسْحَاق \" فَتَلَفَّفْت بِجِلْبَابِي ثُمَّ اِضْطَجَعْت فِي مَكَانِي \" أَوْ أَنَّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى لَطَفَ بِهَا فَأَلْقَى عَلَيْهَا النَّوْم لِتَسْتَرِيحَ مِنْ وَحْشَة الِانْفِرَاد فِي الْبَرِّيَّة بِاللَّيْلِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ صَفْوَان بْن الْمُعَطَّل ) ‏ ‏بِفَتْحِ الطَّاء الْمُهْمَلَة الْمُشَدَّدَة ‏ ‏( السُّلَمِيُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة ‏ ‏( ثُمَّ الذَّكْوَانِيّ ) ‏ ‏مَنْسُوب إِلَى ذَكْوَانَ بْن ثَعْلَبَة بْن بُهْثَة - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْهَاء بَعْدَهَا مُثَلَّثَة - اِبْن سَلِيم , وَذَكْوَان بَطْن مِنْ بَنِي سَلِيم , وَكَانَ صَحَابِيًّا فَاضِلًا أَوَّل مَشَاهِده عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ الْخَنْدَق وَعِنْدَ اِبْن الْكَلْبِيّ الْمُرَيْسِيع , وَسَيَأْتِي فِي أَثْنَاء شَرْح هَذَا الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى تَقَدُّم إِسْلَامه , وَيَأْتِي أَيْضًا بَعْدَ خَمْسَة أَبْوَاب قَوْل عَائِشَة إِنَّهُ قُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيل اللَّه , وَمُرَادهَا أَنَّهُ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا أَنَّهُ فِي تِلْكَ الْأَيَّام. وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ اُسْتُشْهِدَ فِي غَزَاة أَرْمِينِيَّةَ فِي خِلَافَة عُمَر سَنَة تِسْعَ عَشْرَةَ , وَقِيلَ بَلْ عَاشَ إِلَى سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ فَاسْتُشْهِدَ بِأَرْضِ الرُّوم فِي خِلَافَة مُعَاوِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ وَرَاء الْجَيْش ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاء الْجَيْش \" وَعَرَّسَ بِمُهْمَلَاتٍ مُشَدَّدًا أَيْ نَزَلَ , قَالَ أَبُو زَيْد التَّعْرِيس : النُّزُول فِي السَّفَر فِي أَيّ وَقْت كَانَ , وَقَالَ غَيْره : أَصْله النُّزُول مِنْ آخِر اللَّيْل فِي السَّفَر لِلرَّاحَةِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر بَيَان سَبَب تَأَخُّر صَفْوَان وَلَفْظه \" سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلهُ عَلَى السَّاقَة فَكَانَ إِذَا رَحَلَ النَّاس قَامَ يُصَلِّي ثُمَّ اِتَّبَعَهُمْ فَمَنْ سَقَطَ لَهُ شَيْء أَتَاهُ بِهِ \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" وَكَانَ صَفْوَان يَتَخَلَّف عَنْ النَّاس فَيُصِيب الْقَدَح وَالْجِرَاب وَالْإِدَاوَة \" وَفِي مُرْسَل مُقَاتِل بْن حَيَّانَ \" فَيَحْمِلهُ فَيَقْدَم بِهِ فَيُعَرِّفهُ فِي أَصْحَابه \" وَكَذَا فِي مُرْسَل سَعِيد بْن جُبَيْر نَحْوه. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَدْلَجَ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي ) ‏ ‏أَدْلَجَ بِسُكُونِ الدَّال فِي رِوَايَتنَا وَهُوَ كَادَّلَجَ بِتَشْدِيدِهَا , وَقِيلَ بِالسُّكُونِ سَارَ مِنْ أَوَّله وَبِالتَّشْدِيدِ سَارَ مِنْ آخِره , وَعَلَى هَذَا فَيَكُون الَّذِي هُنَا بِالتَّشْدِيدِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي آخِر اللَّيْل , وَكَأَنَّهُ تَأَخَّرَ فِي مَكَانه حَتَّى قَرُبَ الصُّبْح فَرَكِبَ لِيَظْهَرَ لَهُ مَا يَسْقُط مِنْ الْجَيْش مِمَّا يُخْفِيهِ اللَّيْل , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون سَبَب تَأْخِيره مَا جَرَتْ بِهِ عَادَته مِنْ غَلَبَة النَّوْم عَلَيْهِ , فَفِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَالْبَزَّار وَابْن سَعْد وَصَحِيح اِبْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي سَعِيد \" أَنَّ اِمْرَأَة صَفْوَان بْن الْمُعَطَّل جَاءَتْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ زَوْجِي يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْت , وَيُفَطِّرُنِي إِذَا صُمْت , وَلَا يُصَلِّي صَلَاة الْفَجْر حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس. قَالَ وَصَفْوَان عِنْدَهُ , فَسَأَلَهُ فَقَالَ : أَمَّا قَوْلهَا يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْت فَإِنَّهَا تَقْرَأ سُورَتِي وَقَدْ نَهَيْتهَا عَنْهَا , وَأَمَّا قَوْلهَا يُفَطِّرُنِي إِذَا صُمْت فَأَنَا رَجُل شَابٌّ لَا أَصْبِرُ , وَأَمَّا قَوْلُهَا إِنِّي لَا أُصَلِّي حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس فَأَنَّا أَهْل بَيْت قَدْ عُرِفَ لَنَا ذَلِكَ فَلَا نَسْتَيْقِظ حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس \" الْحَدِيثَ قَالَ الْبَزَّار : هَذَا الْحَدِيث كَلَامه مُنْكَرٌ , وَلَعَلَّ الْأَعْمَش أَخَذَهُ مِنْ غَيْر ثِقَة فَدَلَّسَهُ فَصَارَ ظَاهِر سَنَده الصِّحَّة , وَلَيْسَ لِلْحَدِيثِ عِنْدِي أَصْل اِنْتَهَى. وَمَا أَعَلَّهُ بِهِ لَيْسَ بِقَادِحٍ , لِأَنَّ اِبْن سَعْد صَحَّ فِي رِوَايَته بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ الْأَعْمَش وَأَبِي صَالِح , وَأَمَّا رِجَاله فَرِجَال الصَّحِيح , وَلَمَّا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ قَالَ بَعْدَهُ : رَوَاهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ ثَابِت عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَذِهِ مُتَابَعَة جَيِّدَة تُؤْذِن بِأَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا , وَغَفَلَ مَنْ جَعَلَ هَذِهِ الطَّرِيقَة الثَّانِيَة عِلَّة لِلطَّرِيقِ الْأُولَى. وَأَمَّا اِسْتِنْكَار الْبَزَّار مَا وَقَعَ فِي مَتْنه فَمُرَاده أَنَّهُ مُخَالِف لِلْحَدِيثِ الْآتِي قَرِيبًا مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة فِي قِصَّة الْإِفْك قَالَتْ : فَبَلَغَ الْأَمْر ذَلِكَ الرَّجُل فَقَالَ : سُبْحَان اللَّه , وَاَللَّه مَا كَشَفْت كَنَف أُنْثَى قَطُّ , أَيْ مَا جَامَعْتهَا , وَالْكَنَف بِفَتْحَتَيْنِ الثَّوْب السَّاتِر , وَمِنْهُ قَوْلهمْ : أَنْتَ فِي كَنَف اللَّه أَيْ فِي سِتْره , وَالْجَمْع بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيث أَبِي سَعِيد عَلَى مَا ذَكَرَ الْقُرْطُبِيّ أَنَّ مُرَاده بِقَوْلِهِ : مَا كَشَفْت كَنَف أُنْثَى قَطُّ أَيْ بِزِنًا , قُلْت : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي هِلَال عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة فِي قِصَّة الْإِفْك \" أَنَّ الرَّجُل الَّذِي قِيلَ فِيهِ مَا قِيلَ لَمَّا بَلَغَهُ الْحَدِيث قَالَ : وَاللَّهِ مَا أَصَبْت اِمْرَأَة قَطُّ حَلَالًا وَلَا حَرَامًا \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ \" وَكَانَ لَا يَقْرَب النِّسَاء \" فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ مُرَاده بِالنَّفْيِ الْمَذْكُور مَا قَبْلَ هَذِهِ الْقِصَّة , وَلَا مَانِع أَنْ يَتَزَوَّج بَعْدَ ذَلِكَ. فَهَذَا الْجَمْع لَا اِعْتِرَاض عَلَيْهِ إِلَّا بِمَا جَاءَ عَنْ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ كَانَ حَصُورًا , لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُت فَلَا يُعَارِض الْحَدِيث الصَّحِيح. وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيّ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَاءَتْ اِمْرَأَته تَشْكُوهُ وَمَعَهَا اِبْنَانِ لَهَا مِنْهُ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمَا : \" أَشْبَهَ بِهِ مِنْ الْغُرَاب بِالْغُرَابِ \" وَلَمْ أَقِف عَلَى مُسْتَنَد الْقُرْطُبِيّ فِي ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب النِّكَاح , وَأُبَيِّن هُنَاكَ أَنَّ الْمَقُول فِيهِ ذَلِكَ غَيْر صَفْوَان , وَهُوَ الْمُعْتَمَد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَأَى سَوَاد إِنْسَان نَائِم ) ‏ ‏السَّوَاد بِلَفْظِ ضِدّ الْبَيَاض يُطْلَق عَلَى الشَّخْص أَيّ شَخْص كَانَ , فَكَأَنَّهَا قَالَتْ : رَأَى شَخْص آدَمِيّ , لَكِنْ لَا يَظْهَر أَهُوَ رَجُل أَوْ اِمْرَأَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي ) ‏ ‏هَذَا يُشْعِر بِأَنَّ وَجْههَا اِنْكَشَفَ لَمَّا نَامَتْ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّهَا تَلَفَّفَتْ بِجِلْبَابِهَا وَنَامَتْ , فَلَمَّا اِنْتَبَهَتْ بِاسْتِرْجَاعِ صَفْوَان بَادَرَتْ إِلَى تَغْطِيَة وَجْهِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَاب ) ‏ ‏أَيْ قَبْلَ نُزُول آيَة الْحِجَاب , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى قِدَم إِسْلَام صَفْوَان , فَإِنَّ الْحِجَاب كَانَ فِي قَوْل أَبِي عُبَيْدَة وَطَائِفَة فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَة ثَلَاث , وَعِنْدَ آخَرِينَ فِيهَا سَنَةَ أَرْبَع وَصَحَّحَهُ الدِّمْيَاطِيّ , وَقِيلَ بَلْ كَانَ فِيهَا سَنَة خَمْس , وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضَ فِيهِ الْوَاقِدِيُّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْمُرَيْسِيع كَانَ فِي شَعْبَان سَنَة خَمْس وَأَنَّ الْخَنْدَق كَانَتْ فِي شَوَّال مِنْهَا وَأَنَّ الْحِجَاب كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَة مِنْهَا مَعَ رِوَايَته حَدِيث عَائِشَة هَذَا وَتَصْرِيحهَا فِيهِ بِأَنَّ قِصَّة الْإِفْك الَّتِي وَقَعَتْ فِي الْمُرَيْسِيع كَانَتْ بَعْدَ الْحِجَاب , وَسَلَّمَ مِنْ هَذَا اِبْن إِسْحَاق فَإِنَّ الْمُرَيْسِيع عِنْدَهُ فِي شَعْبَان لَكِنْ سَنَة سِتّ , وَسَلِمَ الْوَاقِدِيُّ مِنْ التَّنَاقُض فِي قِصَّة سَعْد بْن مُعَاذ الْآتِي ذِكْرُهَا , نَعَمْ وَسَلِمَ مِنْهَا اِبْن إِسْحَاق فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُر سَعْد بْن مُعَاذ فِي الْقِصَّة أَصْلًا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ , وَمِمَّا يُؤَيِّد صِحَّة مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْحِجَاب كَانَ قَبْلَ قِصَّة الْإِفْك قَوْل عَائِشَة أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيث : \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ زَيْنَب بِنْت جَحْش عَنْهَا \" وَفِيهِ \" وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِيهِ \" وَطَفِقَتْ أُخْتهَا حَمْنَة تُحَارِب لَهَا \" فَكُلّ ذَلِكَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ زَيْنَب كَانَتْ حِينَئِذٍ زَوْجَته , وَلَا خِلَاف أَنَّ آيَة الْحِجَاب نَزَلَتْ حِينَ دُخُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا فَثَبَتَ أَنَّ الْحِجَاب كَانَ قَبْلَ قِصَّة الْإِفْك , وَقَدْ كُنْت أَمْلَيْت فِي أَوَائِل كِتَاب الْوُضُوء أَنَّ قِصَّة الْإِفْك وَقَعَتْ قَبْلَ نُزُول الْحِجَاب وَهُوَ سَهْوٌ وَالصَّوَاب بَعْدَ نُزُول الْحِجَاب فَلْيُصْلَحْ هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَيْقَظْت بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي ) ‏ ‏أَيْ بِقَوْلِهِ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ , وَصَرَّحَ بِهَا اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته , وَكَأَنَّهُ شَقَّ عَلَيْهِ مَا جَرَى لِعَائِشَةَ أَوْ خَشِيَ أَنْ يَقَع مَا وَقَعَ , أَوْ أَنَّهُ اِكْتَفَى بِالِاسْتِرْجَاعِ رَافِعًا بِهِ صَوْته عَنْ مُخَاطَبَتِهَا بِكَلَامٍ آخَرَ صِيَانَةً لَهَا عَنْ الْمُخَاطَبَة فِي الْجُمْلَة , وَقَدْ كَانَ عُمَر يَسْتَعْمِل التَّكْبِير عِنْدَ إِرَادَة الْإِيقَاظ , وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى فِطْنَة صَفْوَان وَحُسْن أَدَبِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَمَّرْت ) ‏ ‏أَيْ غَطَّيْت ‏ ‏( وَجْهِي بِجِلْبَابِي ) ‏ ‏أَيْ الثَّوْب الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الطَّهَارَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً ) ‏ ‏عَبَّرَتْ بِهَذِهِ الصِّيغَة إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ اِسْتَمَرَّ مِنْهُ تَرْك الْمُخَاطَبَة لِئَلَّا يُفْهَم لَوْ عَبَّرَتْ بِصِيغَةِ الْمَاضِي اِخْتِصَاص النَّفْي بِحَالِ الِاسْتِيقَاظ فَعَبَّرَتْ بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا سَمِعْت مِنْهُ كَلِمَة غَيْر اِسْتِرْجَاعه حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَته \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة فُلَيْحٍ \" حَتَّى \" لِلْأَصِيلِيِّ وَ \" حِينَ \" لِلْبَاقِينَ , وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِم عَنْ مَعْمَر. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَيْسَ فِيهِ نَفْي أَنَّهُ كَلَّمَهَا بِغَيْرِ الِاسْتِرْجَاع لِأَنَّ النَّفْي عَلَى رِوَايَة حِينَ مُقَيَّد بِحَالِ إِنَاخَة الرَّاحِلَة لَا يَمْنَع مَا قَبْلَ الْإِنَاخَة وَلَا مَا بَعْدَهَا , وَعَلَى رِوَايَة حَتَّى مَعْنَاهَا بِجَمِيعِ حَالَاته إِلَى أَنْ أَنَاخَ وَلَا يَمْنَع مَا بَعْدَ الْإِنَاخَة , وَ"
    },
    {
        "id": "4382",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ رُومَانَ أُمِّ عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا رُمِيَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏خَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة : \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كَثِير حَدَّثَنَا سُلَيْمَان عَنْ حُصَيْنٍ \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَسُلَيْمَان هُوَ اِبْن كَثِير أَخُو مُحَمَّد الرَّاوِي عَنْهُ , وَلِلْأَصِيلِيِّ عَنْ الْجُرْجَانِيِّ سُفْيَان بَدَل \" سُلَيْمَان \" قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجِيَّانِيُّ : هُوَ خَطَأ وَالصَّوَاب سُلَيْمَان. وَهُوَ كَمَا قَالَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4383",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏تَقْرَأُ إِذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4384",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ اسْتَأْذَنَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَبْلَ مَوْتِهَا عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَهِيَ مَغْلُوبَةٌ قَالَتْ ‏ ‏أَخْشَى أَنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ فَقِيلَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ قَالَتْ ‏ ‏ائْذَنُوا لَهُ فَقَالَ كَيْفَ تَجِدِينَكِ قَالَتْ بِخَيْرٍ إِنْ اتَّقَيْتُ قَالَ ‏ ‏فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ وَنَزَلَ عُذْرُكِ مِنْ السَّمَاءِ وَدَخَلَ ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏خِلَافَهُ فَقَالَتْ دَخَلَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَأَثْنَى عَلَيَّ وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ نِسْيًا مَنْسِيًّا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيدٍ الْقَطَّان. ‏ ‏قَوْله : ( وَهِيَ مَغْلُوبَة ) ‏ ‏أَيْ مِنْ شِدَّة كَرْب الْمَوْتِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ : أَخْشَى أَنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ , فَقِيلَ : اِبْن عَمّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَأَنَّ الْقَائِل فَهِمَ عَنْهَا أَنَّهَا تَمْنَعهُ مِنْ الدُّخُول لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَتْهُ فَذَكَّرَهَا بِمَنْزِلَتِهِ , وَاَلَّذِي رَاجَعَ عَائِشَة فِي ذَلِكَ هُوَ اِبْن أَخِيهَا عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَاَلَّذِي اِسْتَأْذَنَ لِابْنِ عَبَّاس عَلَى عَائِشَة حِينَئِذٍ هُوَ ذَكْوَانُ مَوْلَاهَا , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ كُلّه أَحْمَد وَابْن سَعْد مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان هُوَ اِبْن خُثَيْمٍ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَة أَنَّهُ اِسْتَأْذَنَ لِابْنِ عَبَّاس عَلَى عَائِشَة وَهِيَ تَمُوت فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَقَالَ لَهَا عَبْد اللَّه يَا أُمَّتَاهُ إِنَّ اِبْن عَبَّاس مِنْ صَالِح بَيْتك يُسَلِّم عَلَيْك وَيُوَدِّعك , قَالَتْ : اِئْذَنْ لَهُ إِنْ شِئْت \" وَادَّعَى بَعْض الشُّرَّاح أَنَّ هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ رِوَايَة الْبُخَارِيّ مُرْسَلَة , قَالَ : لِأَنَّ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة لَمْ يَشْهَد ذَلِكَ وَلَا سَمِعَهُ مِنْ اِبْن عَبَّاس حَالَ قَوْله لِعَائِشَةَ لِعَدَمِ حُضُوره اِنْتَهَى. وَمَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ الْجَزْم بِعَدَمِ حُضُوره وَسَمَاعه , وَمَا الْمَانِع مِنْ ذَلِكَ ؟ وَلَعَلَّهُ حَضَرَ جَمِيع ذَلِكَ وَطَالَ عَهْده بِهِ فَذَكَّرَهُ بِهِ ذَكْوَانُ , أَوْ أَنَّ ذَكْوَانَ ضَبَطَ مِنْهُ مَا لَمْ يَضْبِطهُ هُوَ , وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة ذَكْوَانَ مَا لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة. ‏ ‏قَوْله : ( كَيْفَ تَجِدِينَك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن ذَكْوَانَ \" فَلَمَّا جَلَسَ قَالَ : أَبْشِرِي. قَالَتْ : وَأَيْضًا. ‏ ‏قَالَ : مَا بَيْنَك وَبَيْنَ أَنْ تَلْقَيْ مُحَمَّدًا وَالْأَحِبَّة إِلَّا أَنْ تَخْرُج الرُّوح مِنْ الْجَسَد \". ‏ ‏قَوْله : ( بِخَيْرٍ إِنْ اِتَّقَيْت ) ‏ ‏أَيْ إِنْ كُنْت مِنْ أَهْل التَّقْوَى , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ أَبْقَيْت. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , زَوْجَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَنْكِح بِكْرًا غَيْرك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة ذَكْوَانَ \" كُنْت أَحَبَّ نِسَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ يَكُنْ يُحِبّ إِلَّا طَيِّبًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَنَزَلَ عُذْرُك مِنْ السَّمَاء ) ‏ ‏يُشِيرُ إِلَى قِصَّة الْإِفْك , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة ذَكْوَانَ \" وَأَنْزَلَ اللَّه بَرَاءَتك مِنْ فَوْقِ سَبْع سَمَوَات. جَاءَ بِهِ الرُّوح الْأَمِين , فَلَيْسَ فِي الْأَرْض مَسْجِدًا إِلَّا وَهُوَ يُتْلَى فِيهِ آنَاءَ اللَّيْل وَأَطْرَاف النَّهَار \" وَزَادَ فِي آخِره \" وَسَقَطَتْ قِلَادَتك لَيْلَةَ الْأَبْوَاء فَنَزَلَ التَّيَمُّم , فَوَاَللَّهِ إِنَّك لَمُبَارَكَةٌ \" وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق أُخْرَى فِيهَا رَجُل لَمْ يُسَمَّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ لَهَا : \" إِنَّمَا سُمِّيت أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ لِتَسْعَدِي , وَإِنَّهُ لَاسْمك قَبْلَ أَنْ تُولَدِي \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن سَابِطٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله. ‏ ‏قَوْله : ( وَدَخَلَ اِبْن الزُّبَيْر خِلَافه ) ‏ ‏أَيْ عَلَى عَائِشَة بَعْدَ أَنْ خَرَجَ اِبْن عَبَّاس فَتَخَالَفَا فِي الدُّخُول وَالْخُرُوج ذَهَابًا وَإِيَابًا , وَافَقَ رُجُوع اِبْن عَبَّاس مَجِيء اِبْن الزُّبَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَدِدْت إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ عَلَى عَادَة أَهْل الْوَرَع فِي شِدَّة الْخَوْف عَلَى أَنْفُسهمْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة ذَكْوَانَ أَنَّهَا قَالَتْ لِابْنِ عَبَّاس هَذَا الْكَلَام قَبْلَ أَنْ يَقُوم وَلَفْظه \" فَقَالَتْ دَعْنِي مِنْك يَا بْن عَبَّاس , فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَنِّي كُنْت نَسْيًا مَنْسِيًّا \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏لَمْ يَذْكُر هُنَا خُصُوص مَا يَتَعَلَّق بِالْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي التَّرْجَمَة صَرِيحًا , وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي عُمُوم قَوْل اِبْن عَبَّاس : \" نَزَلَ عُذْرك مِنْ السَّمَاء \" فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَة مِنْ أَعْظَم مَا يَتَعَلَّق بِإِقَامَةِ عُذْرهَا وَبَرَاءَتهَا رَضِيَ اللَّه عَنْهَا , وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة \" وَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار : سُبْحَانَك مَا يَكُون لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَك الْآيَة \" وَسَأَذْكُرُ تَسْمِيَته هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْن عَوْن ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه ( عَنْ الْقَاسِم ) هُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ اِسْتَأْذَنَ عَلَى عَائِشَة نَحْوه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْهَيْثَم بْن خَلَف وَغَيْره عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ , قَالَ الْمُزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" يَعْنِي قَوْله : \" أَنْتِ زَوْجَة رَسُول اللَّه وَنَزَلَ عُذْرك \". قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَوْن وَلَفْظه \" عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا اِشْتَكَتْ. فَاسْتَأْذَنَ اِبْن عَبَّاس عَلَيْهَا وَأَتَاهَا يَعُودهَا فَقَالَتْ : الْآنَ يَدْخُل عَلَيَّ فَيُزَكِّيَنِي فَأَذِنَتْ لَهُ فَقَالَ : أَبْشِرِي يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , تُقْدِمِينَ عَلَى فَرَط صِدْق , وَتُقْدِمِينَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى أَبِي بَكْر , قَالَتْ : أَعُوذ بِاَللَّهِ أَنْ تُزَكِّيَنِي \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب عَائِشَة عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار عَنْ عَبْد الْوَهَّاب بِإِسْنَادِ الْبَاب بِلَفْظِ \" أَنَّ عَائِشَة اِشْتَكَتْ فَجَاءَ اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , تُقْدِمِينَ عَلَى فَرَط صِدْق عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر \" فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب مُخْتَصَرَة , وَكَأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" نَحْوه وَمَعْنَاهُ \" بَعْض الْحَدِيث لَا جَمِيع تَفَاصِيله. ثُمَّ رَاجَعْت \" مُسْتَخْرَج الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَظَهَرَ لِي أَنَّ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى هُوَ الَّذِي اِخْتَصَرَهُ لَا الْبُخَارِيّ , لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يَحْفَظ حَدِيث اِبْن عَوْن , وَأَنَّهُ كَانَ سَمِعَهُ ثُمَّ نَسِيَهُ , فَكَانَ إِذَا حَدَّثَ بِهِ يَخْتَصِرهُ , وَكَانَ يَتَحَقَّق قَوْلهَا : \" نَسْيًا مَنْسِيًّا \" لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة اِبْن عَوْن وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة , وَأَخْرَجَ ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ جَمَاعَة مِنْ مَشَايِخه عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَوْن فَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ كَمَا بَيَّنْته , فَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْن الْمُثَنَّى وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة دَلَالَة عَلَى سِعَة عِلْم اِبْن عَبَّاس وَعَظِيم مَنْزِلَته بَيْنَ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَتَوَاضُع عَائِشَة وَفَضْلهَا وَتَشْدِيدهَا فِي أَمْر دِينهَا , وَأَنَّ الصَّحَابَة كَانُوا لَا يَدْخُلُونَ عَلَى أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا بِإِذْنٍ , وَمَشُورَة الصَّغِير عَلَى الْكَبِير إِذَا رَآهُ عَدْل إِلَى مَا الْأَوْلَى خِلَافه , وَالتَّنْبِيه عَلَى رِعَايَة جَانِب الْأَكَابِر مِنْ أَهْل الْعِلْم وَالدِّين , وَأَنْ لَا يَتْرُك مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ ذَلِكَ لِمُعَارِضٍ دُونَ ذَلِكَ فِي الْمَصْلَحَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4385",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا قُلْتُ أَتَأْذَنِينَ لِهَذَا قَالَتْ ‏ ‏أَوَلَيْسَ قَدْ أَصَابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏تَعْنِي ذَهَابَ بَصَرِهِ فَقَالَ ‏ ‏حَصَانٌ ‏ ‏رَزَانٌ ‏ ‏مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ‏ ‏وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ ‏ ‏الْغَوَافِلِ ‏ ‏قَالَتْ لَكِنْ أَنْتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : جَاءَ حَسَّان بْن ثَابِت يَسْتَأْذِن عَلَيْهَا ) ‏ ‏فِيهِ اِلْتِفَات مِنْ الْمُخَاطَبَة إِلَى الْغَيْبَة , وَفِي رِوَايَة مُؤَمَّل عَنْ سُفْيَان عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" كُنْت عِنْدَ عَائِشَة فَدَخَلَ حَسَّان , فَأَمَرَتْ فَأُلْقِيَتْ لَهُ وِسَادَة , فَلَمَّا خَرَجَ قُلْت : أَتَأْذَنِينَ لِهَذَا \". ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت : أَتَأْذَنِينَ لِهَذَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُؤَمَّل \" مَا تَصْنَعِينَ بِهَذَا \" وَفِي رِوَايَة شُعْبَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" تَدَعِينَ مِثْل هَذَا يَدْخُل عَلَيْك وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّه : وَاَلَّذِي تَوَلَّى كِبْره مِنْهُمْ \" وَهَذَا مُشْكِل لِأَنَّ ظَاهِره أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( وَاَلَّذِي تَوَلَّى كِبْره مِنْهُمْ ) هُوَ حَسَّان بْن ثَابِت وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي حُذَيْفَة عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عِنْدَ أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" وَهُوَ مِمَّنْ تَوَلَّى كِبْره \" فَهَذِهِ الرِّوَايَة أَخَفُّ إِشْكَالًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ : أَو لَيْسَ قَدْ أَصَابَهُ عَذَاب عَظِيم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" قَالَتْ : وَأَيّ عَذَابٍ أَشَدّ مِنْ الْعَمَى \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان : تَعْنِي ذَهَاب بَصَره ) ‏ ‏زَادَ أَبُو حُذَيْفَة \" وَإِقَامَة الْحُدُود \" وَوَقَعَ بَعْدَ هَذَا الْبَاب فِي رِوَايَة شُعْبَة تَصْرِيح عَائِشَة بِصِفَةِ الْعَذَاب دُونَ رِوَايَة سُفْيَان , وَلِهَذَا اِحْتَاجَ أَنْ يَقُول \" تَعْنِي \". وَسُفْيَان الْمَذْكُور هُوَ الثَّوْرِيّ , وَالرَّاوِي عَنْهُ الْفِرْيَابِيُّ , وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف عَنْ سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش شَيْئًا غَيْر هَذَا , وَمُحَمَّد بْن يُوسُف فِيهِ هُوَ الْبَيْكَنْدِيّ , وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ بِخِلَافِ الَّذِي هُنَا. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ التَّصْرِيح بِأَنَّ سُفْيَان هُنَا هُوَ الثَّوْرِيّ وَمُحَمَّد بْن يُوسُف هُوَ الْفِرْيَابِيُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4386",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏أَنْبَأَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلَ ‏ ‏حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَشَبَّبَ وَقَالَ ‏ ‏حَصَانٌ ‏ ‏رَزَانٌ ‏ ‏مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ‏ ‏وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ ‏ ‏الْغَوَافِلِ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَسْتَ كَذَاكَ قُلْتُ تَدَعِينَ مِثْلَ هَذَا يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ ‏} ‏فَقَالَتْ وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنْ الْعَمَى وَقَالَتْ وَقَدْ كَانَ يَرُدُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَشَبَّبَ ) ‏ ‏بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَة أَيْ تَغَزَّلَ , يُقَال شَبَّبَ الشَّاعِر بِفُلَانَةَ أَيْ عَرَّضَ بِحُبِّهَا وَذِكْر حُسْنهَا , وَالْمُرَاد تَرْقِيق الشِّعْر بِذِكْرِ النِّسَاء , وَقَدْ يُطْلَق عَلَى إِنْشَاد الشِّعْر وَإِنْشَائِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ غَزَل كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيث أُمّ مَعْبَد \" فَلَمَّا سَمِعَ حَسَّان شِعْر الْهَاتِف شَبَّبَ يُجَارِيه \" أَخَذَ فِي نَظْم جَوَابه. ‏ ‏قَوْله : ( حَصَان ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة قَالَ السُّهَيْلِيُّ : هَذَا الْوَزْن يَكْثُر فِي أَوْصَاف الْمُؤَنَّث وَفِي الْإِعْلَام مِنْهَا كَأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِتَوَالِي الْفَتَحَات مُشَاكَلَة خِفَّة اللَّفْظ لِخِفَّةِ الْمَعْنَى \" حَصَان \" مِنْ الْحُصَيْن وَالتَّحْصِين يُرَاد بِهِ الِامْتِنَاع عَلَى الرِّجَال وَمِنْ نَظَرهمْ إِلَيْهَا , وَقَوْله : \" رَزَان \" مِنْ الرَّزَانَة يُرَاد قِلَّة الْحَرَكَة , \" وَتُزَنُّ \" بِضَمِّ أَوَّله ثُمَّ زَاي ثُمَّ نُون ثَقِيلَة أَيْ تُرْمَى , وَقَوْله : \" غَرْثَى \" بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء ثُمَّ مُثَلَّثَة أَيْ خَمِيصَة الْبَطْن أَيْ لَا تَغْتَاب أَحَدًا , وَهِيَ اِسْتِعَارَة فِيهَا تَلْمِيح بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمُغْتَاب : ( أَيُحِبُّ أَحَدكُمْ أَنْ يَأْكُل لَحْم أَخِيهِ مَيْتًا ). وَ \" الْغَوَافِل \" جَمْع غَافِلَة وَهِيَ الْعَفِيفَة الْغَافِلَة عَنْ الشَّرّ , وَالْمُرَاد تَبْرِئَتهَا مِنْ اِغْتِيَاب النَّاس بِأَكْلِ لُحُومهمْ مِنْ الْغِيبَة , وَمُنَاسَبَة تَسْمِيَة \" الْغِيبَة \" بِأَكْلِ اللَّحْم أَنَّ اللَّحْم سَتْر عَلَى الْعَظْم , فَكَأَنَّ الْمُغْتَاب يَكْشِف مَا عَلَى مَنْ اِغْتَابَهُ مِنْ سِتْر. وَزَادَ اِبْن هِشَام فِي السِّيرَة فِي هَذَا الشِّعْر عَلَى أَبِي زَيْد الْأَنْصَارِيّ : ‏ ‏عَقِيلَة حَيّ مِنْ لُؤَيّ بْن غَالِب ‏ ‏كِرَام الْمَسَاعِي مَجْدهمْ غَيْر زَائِل ‏ ‏مُهَذَّبَة قَدْ طَيَّبَ اللَّه خِيمهَا ‏ ‏وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلّ سُوء وَبَاطِل ‏ ‏وَفِيهِ عَنْ اِبْن إِسْحَاق : ‏ ‏فَإِنْ كُنْت قَدْ قُلْت الَّذِي زَعَمُوا لَكُمْ ‏ ‏فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي ‏ ‏فَكَيْف وَوُدِّي مَا حَيِيت وَنُصْرَتِي ‏ ‏لِآلِ رَسُول اللَّه زَيْن الْمَحَافِل ‏ ‏وَزَادَ فِيهِ الْحَاكِم فِي رِوَايَة لَهُ مِنْ غَيْر رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق : ‏ ‏حَلِيلَة خَيْر الْخَلْق دِينًا وَمَنْصِبًا ‏ ‏نَبِيّ الْهُدَى وَالْمَكْرُمَات الْفَوَاضِل ‏ ‏رَأَيْتُك وَلْيَغْفِرْ لَك اللَّه حُرَّة ‏ ‏مِنْ الْمُحْصَنَات غَيْر ذَات الْغَوَائِل ‏ ‏وَ \" الْخِيم \" بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة الْأَصْل الثَّابِت , وَأَصْله مِنْ الْخَيْمَة يُقَال خَام يَخِيم إِذَا أَقَامَ بِالْمَكَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَتْ عَائِشَة : لَسْت كَذَاك ) ذَكَرَ اِبْن هِشَام عَنْ أَبِي عُبَيْدَة أَنَّ اِمْرَأَة مَدَحَتْ بِنْت حَسَّان بْن ثَابِت عِنْدَ عَائِشَة فَقَالَتْ : حَصَان رَزَان الْبَيْت. فَقَالَتْ عَائِشَة : لَكِنْ أَبُوهَا. وَهُوَ بِتَخْفِيفِ النُّون , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا أَمْكَنَ تَعَدُّد الْقِصَّة وَيَكُون قَوْله فِي بَعْض طُرُق رِوَايَة مَسْرُوق \" يُشَبِّب بِبِنْتٍ لَهُ \" بِالنُّونِ لَا بِالتَّحْتَانِيَّةِ , وَيَكُون نَظْم حَسَّان فِي بِنْته لَا فِي عَائِشَة , وَإِنَّمَا تَمَثَّلَ بِهِ , لَكِنْ بَقِيَّة الْأَبْيَات ظَاهِرَة فِي أَنَّهَا فِي عَائِشَة , وَهَذَا الْبَيْت فِي قَصِيدَة لِحَسَّانَ يَقُول فِيهَا : ‏ ‏فَإِنْ كُنَّا قَدْ قُلْت الَّذِي زَعَمُوا لَكُمْ ‏ ‏فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي ‏ ‏وَإِنَّ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِقٍ ‏ ‏بِك الدَّهْر بَلْ قِيل اِمْرِئ مُتَمَاحِل ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ : لَكِنْ أَنْتَ ) فِي رِوَايَة شُعَيْب \" قَالَتْ : لَسْت كَذَاك \" وَزَادَ فِي آخِره \" وَقَالَتْ : قَدْ كَانَ يَرُدّ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَتَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْه آخَر عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" أَنَّهُ كَانَ يُنَافِح أَوْ يُهَاجِي عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَدَلَّ قَوْل عَائِشَة : \" لَكِنْ أَنْتَ لَسْت كَذَلِكَ \" عَلَى أَنَّ حَسَّان كَانَ مِمَّنْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ , وَهَذِهِ الزِّيَادَة الْأَخِيرَة تَقَدَّمَتْ هُنَاكَ مِنْ طَرِيق عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَتَمَّ مِنْ هَذَا , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَيْضًا فِي أَثْنَاء حَدِيث الْإِفْك مِنْ طَرِيق صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الزُّهْرِيّ \" قَالَ عُرْوَة : كَانَتْ عَائِشَة تَكْرَه أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّان وَتَقُول : إِنَّهُ الَّذِي قَالَ : ‏ ‏فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَتِي وَعِرْضِي ‏ ‏لِعَرْضِ مُحَمَّد مِنْكُمْ وِقَاء \" ‏ ‏قَوْله : ( بَاب وَيُبَيِّن اللَّه لَكُم الْآيَات وَاَللَّه عَلِيم حَكِيم ) ذَكَرَ فِيهِ بَعْض حَدِيث مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة , وَقَدْ بَيَّنْت مَا فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ , وَقَوْله فِي أَوَّل السَّنَد : \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كَثِير أَنْبَأَنَا سُلَيْمَان كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب وَهُوَ سُلَيْمَان بْن كَثِير أَخُو مُحَمَّد الرَّاوِي عَنْهُ صَرَّحَ بِهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ عَنْ أَبِي زَيْد كَالْجَمَاعَةِ , وَعَنْ الْجُرْجَانِيِّ سُفْيَان بَدَل سُلَيْمَان , قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجِيَّانِيُّ : وَسُلَيْمَان هُوَ الصَّوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "4387",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏كَانَتْ تَقُولُ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ‏} ‏أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ‏ ‏( عَنْ الْحَسَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُسْلِمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) أَخَذْنَ أُزُرهنَّ ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيّ الْفَاعِل ضَمِيرًا , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك عَنْ إِبْرَاهِيم بْن نَافِع بِلَفْظِ \" أَخَذَ النِّسَاء \" وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق زَيْد بْن الْحُبَابِ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن نَافِع بِلَفْظِ \" أَخَذَ نِسَاء الْأَنْصَار \" وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن خُثَيْمٍ عَنْ صَفِيَّة مَا يُوَضِّح ذَلِكَ , وَلَفْظه \" ذَكَرْنَا عِنْدَ عَائِشَة نِسَاء قُرَيْش وَفَضْلَهُنَّ , فَقَالَتْ : إِنَّ نِسَاء قُرَيْش لَفُضَلَاء , وَلَكِنِّي وَاَللَّه مَا رَأَيْت أَفْضَل مِنْ نِسَاء الْأَنْصَار أَشَدّ تَصْدِيقًا بِكِتَابِ اللَّه وَلَا إِيمَانًا بِالتَّنْزِيلِ , لَقَدْ أُنْزِلَتْ سُورَة النُّور ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) فَانْقَلَبَ رِجَالهنَّ إِلَيْهِنَّ يَتْلُونَ عَلَيْهِنَّ مَا أُنْزِلَ فِيهَا , مَا مِنْهُنَّ اِمْرَأَة إِلَّا قَامَتْ إِلَى مِرْطهَا فَأَصْبَحْنَ يُصَلِّينَ الصُّبْح مُعْتَجِرَات كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَان \" وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ نِسَاء الْأَنْصَار بَادَرْنَ إِلَى ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4388",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ ‏ ‏أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( شَيْبَانُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه يُحْشَر الْكَافِر ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم السَّائِل ; وَسَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( يُحْشَر الْكَافِر ) فِي رِوَايَة الْحَاكِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس \" سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْشَر أَهْل النَّار عَلَى وُجُوههمْ \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ الْبَزَّار \" يُحْشَر النَّاس عَلَى ثَلَاثَة أَصْنَاف : صِنْف عَلَى الدَّوَابّ , وَصِنْف عَلَى أَقْدَامهمْ , وَصِنْف عَلَى وُجُوههمْ. فَقِيلَ : فَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوههمْ \" الْحَدِيثَ. وَيُؤْخَذ مِنْ مَجْمُوع الْأَحَادِيث أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ يُحْشَرُونَ رُكْبَانًا , وَمَنْ دُونَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَقْدَامهمْ , وَأَمَّا الْكُفَّار يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوههمْ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ قَتَادَةُ : بَلَى وَعِزَّة رَبِّنَا ) ‏ ‏هَذِهِ الزِّيَادَة مَوْصُولَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , قَالَهَا قَتَادَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ : \" أَلَيْسَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4389",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏وَسُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏ح ‏ ‏قَالَ وَحَدَّثَنِي ‏ ‏وَاصِلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَكْبَرُ قَالَ ‏ ‏أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ قَالَ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مَنْصُور ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر ‏ ‏( وَسُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش ‏ ‏( عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدَهَا مُهْمَلَة اِسْمه عَمْرو بْن شُرَحْبِيل. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : وَحَدَّثَنِي وَاصِل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حِبَّانَ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيّ , ثِقَة مِنْ طَبَقَة الْأَعْمَش , وَالْقَائِل هُوَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ. وَحَاصِله أَنَّ الْحَدِيث عِنْدَهُ عَنْ ثَلَاثَة أَنْفُس : أَمَّا اِثْنَانِ مِنْهُمَا فَأَدْخَلَا فِيهِ بَيْنَ أَبِي وَائِل وَابْن مَسْعُود أَبَا مَيْسَرَة , وَأَمَّا الثَّالِث وَهُوَ وَاصِل فَأَسْقَطَهُ. وَقَدْ رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ سُفْيَان عَنْ الثَّلَاثَة عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ أَبِي مَيْسَرَة عَنْ اِبْن مَسْعُود فَعَدُّوهُمَا , وَالصَّوَاب إِسْقَاط أَبِي مَيْسَرَة مِنْ رِوَايَة وَاصِل كَمَا فَصَّلَهُ يَحْيَى بْن سَعِيد. وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق مَالِك بْن مِغْوَل عَنْ وَاصِل بِإِسْقَاطِ أَبِي مَيْسَرَة أَيْضًا. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شُعْبَة وَمَهْدِيّ بْن مَيْمُون عَنْ وَاصِل. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَة وَأَبُو شِهَاب وَشَيْبَان عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه بِإِسْقَاطِ أَبِي مَيْسَرَة , وَالصَّوَاب إِثْبَاته فِي رِوَايَة الْأَعْمَش , وَذَكَرَ رِوَايَة اِبْن مَهْدِيّ وَأَنَّ مُحَمَّد بْن كَثِير وَافَقَهُ عَلَيْهَا. قَالَ : وَيُشْبِه أَنْ يَكُون الثَّوْرِيّ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ اِبْن مَهْدِيّ فَجَمَعَ بَيْنَ الثَّلَاثَة حَمَلَ رِوَايَة وَاصِل عَلَى رِوَايَة الْأَعْمَش وَمَنْصُور. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلْت أَوْ سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة \" قُلْت : يَا رَسُول اللَّه \" وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مَسْرُوق عَنْ اِبْن مَسْعُود \" جَلَسَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَشَز مِنْ الْأَرْض وَقَعَدْت أَسْفَلَ مِنْهُ , فَاغْتَنَمْت خَلَوْته فَقُلْت : بِأَبِي وَأُمِّي أَنْتَ يَا رَسُول اللَّه , أَيّ الذُّنُوب أَكْبَر \" ؟ الْحَدِيثَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَيّ الذَّنْب عِنْدَ اللَّه أَكْبَر ) ‏ ‏؟ فِي رِوَايَة مُسْلِم أَعْظَم. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت : ثُمَّ أَيّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام فِي ضَبْطهَا فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَيْضًا فِي سُؤَاله عَنْ أَفْضَل الْأَعْمَال. ‏ ‏قَوْله : ( نِدًّا ) ‏ ‏بِكَسْرِ النُّونِ أَيْ نَظِيرًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَم مَعَك ) ‏ ‏أَيْ مِنْ جِهَة إِيثَار نَفْسه عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَم مَا يَكْفِي , أَوْ مِنْ جِهَة الْبُخْل مَعَ الْوِجْدَان. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَة ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ بِوَزْنِ عَظِيمَة وَالْمُرَاد الزَّوْجَة , وَهِيَ مَأْخُوذَة مِنْ الْحِلّ لِأَنَّهَا تَحِلّ لَهُ فَهِيَ فَعِيلَة بِمَعْنِيِّ فَاعِلَة , وَقِيلَ : مِنْ الْحُلُول لِأَنَّهَا تَحِلّ مَعَهُ وَيَحِلّ مَعَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر - إِلَى - وَلَا يَزْنُونَ ) ‏ ‏هَكَذَا قَالَ اِبْن مَسْعُود. وَالْقَتْل وَالزِّنَا فِي الْآيَة مُطْلَقَانِ , وَفِي الْحَدِيث مُقَيَّدَانِ : أَمَّا الْقَتْل فَبِالْوَلَدِ خَشْيَة الْأَكْل مَعَهُ , وَأَمَّا الزِّنَا فَبِزَوْجَةِ الْجَار. وَالِاسْتِدْلَال لِذَلِكَ بِالْآيَةِ سَائِغ لِأَنَّهَا وَإِنْ وَرَدَتْ فِي مُطْلَق الزِّنَا وَالْقَتْل لَكِنْ قَتْل هَذَا وَالزِّنَا بِهَذِهِ أَكْبَر وَأَفْحَش. وَقَدْ رَوَى أَحْمَد مِنْ حَدِيث الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد قَالَ : \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا ؟ قَالُوا : حَرَام. قَالَ : لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُل بِعَشَرَةِ نِسْوَة أَيْسَر عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَاره \". ‏"
    },
    {
        "id": "4390",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ ‏ { ‏وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ‏} ‏فَقَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏قَرَأْتُهَا عَلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏كَمَا قَرَأْتَهَا عَلَيَّ فَقَالَ ‏ ‏هَذِهِ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ الَّتِي فِي سُورَةِ ‏ ‏النِّسَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّةَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الزَّاي وَاسْم أَبِي بَزَّة نَافِع بْن يَسَار , وَيُقَال : أَبُو بَزَّة جَدّ الْقَاسِم لَا أَبُوهُ , مَكِّيّ تَابِعِيّ صَغِير ثِقَة عِنْدَهُمْ , وَهُوَ وَالِد جَدّ الْبَزِّيّ الْمُقْرِئ , وَهُوَ أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن الْقَاسِم , وَلَيْسَ لِلْقَاسِمِ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَنْصُور عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي آخِر الْبَاب \" قَالَ : لَا تَوْبَة لَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ سَعِيد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن جُبَيْر : ( قَرَأْتهَا عَلَى اِبْن عَبَّاس ) فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدَهَا مِنْ طَرِيق الْمُغِيرَة بْن النُّعْمَان عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : اِخْتَلَفَ أَهْل الْكُوفَة فِي قَتْل الْمُؤْمِن. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَخَلْت فِيهِ إِلَى اِبْن عَبَّاس ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَرَحَلْت \" بِرَاءٍ وَحَاء مُهْمَلَتَيْنِ وَهِيَ أَوْجَه. ‏ ‏قَوْله : ( هَذِهِ مَكِّيَّة ) ‏ ‏يَعْنِي نَسَخَتْهَا آيَة مَدَنِيَّة كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَرَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق خَارِجَة بْن زَيْد بْن ثَابِت عَنْ أَبِيهِ قَالَ : \" نَزَلَتْ سُورَة النِّسَاء بَعْدَ سُورَة الْفُرْقَان بِسِتَّةِ أَشْهُر \". ‏"
    },
    {
        "id": "4391",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اخْتَلَفَ أَهْلُ ‏ ‏الْكُوفَةِ ‏ ‏فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ فَرَحَلْتُ فِيهِ إِلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا نَزَلَ وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ ‏",
        "sharh": "\" 6971 \" قَوْله فِي رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة ‏ ‏( اِخْتَلَفَ أَهْل الْكُوفَة فِي قَتْل الْمُؤْمِن ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا , وَأَخْصَر مِنْهُ رِوَايَة آدَم فِي تَفْسِير النِّسَاء , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَغَيْره مِنْ طُرُق عَنْ شُعْبَة مِنْهُ عَنْ غُنْدَر بِلَفْظِ : اِخْتَلَفَ أَهْل الْكُوفَة فِي هَذِهِ الْآيَة ( وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم ). ‏ ‏قَوْله : ( نَزَلَتْ فِي آخِر مَا نَزَلَ وَلَمْ يَنْسَخهَا شَيْء ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَلَا يَظْهَر مِنْ سِيَاقهَا تَعْيِين الْآيَة الْمَذْكُورَة , وَقَدْ بَيَّنَهَا فِي رِوَايَة مَنْصُور فِي الْبَاب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر \" سَأَلْت اِبْن عَبَّاس عَنْ ‏"
    },
    {
        "id": "4392",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ‏ { ‏فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَوْبَةَ لَهُ وَعَنْ قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ‏ { ‏لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ‏} ‏قَالَ كَانَتْ هَذِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم ) ‏ ‏فَقَالَ : لَا تَوْبَةَ لَهُ \" وَعَنْ ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر ) ‏ ‏قَالَ : \" كَانَتْ هَذِهِ فِي الْجَاهِلِيَّة \" وَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي الَّذِي يَلِيه أَوْضَح مِنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4393",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبْزَى ‏ ‏سَلْ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ‏ { ‏وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ‏} ‏وَقَوْلِهِ ‏ { ‏وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ‏ ‏حَتَّى بَلَغَ ‏ ‏إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ ‏} ‏فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ ‏ ‏أَهْلُ مَكَّةَ ‏ ‏فَقَدْ عَدَلْنَا بِاللَّهِ وَقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏غَفُورًا رَحِيمًا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعْد بْن حَفْص ) ‏ ‏هُوَ الطَّلْحِيّ , وَشَيْبَان هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعِيد مِنْ جُبَيْر قَالَ : قَالَ اِبْن أَبْزَى ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ وَزَاي مَقْصُورَة وَاسْمه عَبْد الرَّحْمَن , وَهُوَ صَحَابِيّ صَغِير. ‏ ‏قَوْله : ( سُئِلَ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمَاضِي , وَهَذِهِ لِلنَّسَفِيِّ , وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن أَبْزَى عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ \" سَلْ \" بِصِيغَةِ الْأَمْر وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله بَعْدَ سِيَاق الْآيَتَيْنِ \" فَسَأَلْته \" فَإِنَّهُ وَاضِح فِي جَوَاب قَوْله : \" سَلْ \" وَإِنْ كَانَ اللَّفْظ الْآخَر يُمْكِن تَوْجِيهُهُ بِتَقْدِيرِ سُئِلَ اِبْن عَبَّاس عَنْ كَذَا فَأَجَابَ فَسَأَلْته عَنْ شَيْء آخَرَ مَثَلًا , وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه. وَيُؤَيِّد الْأَوَّل رِوَايَة شُعْبَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ عَنْ مَنْصُور عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : \" أَمَرَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى أَنْ أَسْأَل اِبْن عَبَّاس فَسَأَلْته \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم فِي تَفْسِيره عَنْ جَرِير عَنْ مَنْصُور , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ جَرِير بِلَفْظِ \" قَالَ : أَمَرَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى أَنْ أَسْأَل اِبْن عَبَّاس \" فَذَكَرَهُ , وَذَكَرَ عِيَاض وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلَّامٍ فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر \" أَمَرَنِي سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى أَنْ أَسْأَل اِبْن عَبَّاس \" فَالْحَدِيث مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَلِغَيْرِهِ \" أَمَرَنِي اِبْن عَبْد الرَّحْمَن \" قَالَ : وَقَالَ بَعْضهمْ : لَعَلَّهُ سَقَطَ \" اِبْن \" قَبْلَ عَبْد الرَّحْمَن وَتَصَحَّفَ مِنْ \" أَمَرَنِي \" وَيَكُون الْأَصْل \" أَمَرَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن \" ثُمَّ لَا يُنْكَر سُؤَال عَبْد الرَّحْمَن وَاسْتِفَادَته مِنْ اِبْن عَبَّاس فَقَدْ سَأَلَهُ مَنْ كَانَ أَقْدَم مِنْهُ وَأَفْقَه. قُلْت : الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا مِنْ الْمُسْتَخْرَجَات عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر \" أَمَرَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى أَنْ أَسْأَل اِبْن عَبَّاس \" فَالْحَدِيث مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَاَلَّذِي زَادَ فِيهِ سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن أَوْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن. ‏"
    },
    {
        "id": "4394",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى ‏ ‏أَنْ أَسْأَلَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ‏ { ‏وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ‏} ‏فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ وَعَنْ ‏ { ‏وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ‏} ‏قَالَ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ( وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ) ‏ ‏فَسَأَلْته فَقَالَ : لَمْ يَنْسَخهَا شَيْء , وَعَنْ ( وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر ) قَالَ : نَزَلَتْ فِي أَهْل الشِّرْك ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَسِيَاق مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه أَتَمّ , وَأَتَمّ مِنْهُمَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَبْعَث مِنْ رِوَايَة جَرِير بِلَفْظِ \" هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مَا أَمَرَهُمَا ؟ الَّتِي فِي سُورَة الْفُرْقَان ( وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر ) وَاَلَّتِي فِي سُورَة النِّسَاء ( وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ) قَالَ : سَأَلْت اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : لَمَّا أُنْزِلَتْ الَّتِي فِي سُورَة الْفُرْقَان قَالَ مُشْرِكُوا مَكَّة : قَدْ قَتَلْنَا النَّفْس وَدَعَوْنَا مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِش , قَالَ : فَنَزَلَتْ ( إِلَّا مَنْ تَابَ ) الْآيَة , قَالَ : فَهَذِهِ لِأُولَئِكَ , قَالَ : وَأَمَّا الَّتِي فِي سُورَة النِّسَاء فَهُوَ الَّذِي قَدْ عَرَفَ الْإِسْلَام ثُمَّ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم لَا تَوْبَة لَهُ , قَالَ. فَذَكَرْت ذَلِكَ لِمُجَاهِدٍ فَقَالَ : إِلَّا مَنْ نَدِمَ \" وَحَاصِل مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَات أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ تَارَة يَجْعَل الْآيَتَيْنِ فِي مَحَلّ وَاحِد فَلِذَلِكَ يَجْزِم بِنَسْخِ إِحْدَاهُمَا , وَتَارَةً يَجْعَل مَحَلَّهُمَا مُخْتَلِفًا. وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْنَ كَلَامَيْهِ بِأَنَّ عُمُوم الَّتِي فِي الْفُرْقَان خَصَّ مِنْهَا مُبَاشَرَةَ الْمُؤْمِن الْقَتْل مُتَعَمِّدًا , وَكَثِير مِنْ السَّلَف يُطْلِقُونَ النَّسْخ عَلَى التَّخْصِيص , وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْل كَلَامه عَلَى التَّنَاقُض , وَأَوْلَى مِنْ دَعْوَى أَنَّهُ قَالَ بِالنَّسْخِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. وَقَوْل اِبْن عَبَّاس بِأَنَّ الْمُؤْمِن إِذَا قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا لَا تَوْبَة لَهُ مَشْهُور عَنْهُ , وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ أَصْرَح مِمَّا تَقَدَّمَ : فَرَوَى أَحْمَد وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْجَابِر وَالنَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عَمَّار الذَّهَبِيّ كِلَاهُمَا عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد قَالَ : \" كُنْت عِنْدَ اِبْن عَبَّاس بَعْدَمَا كُفَّ بَصَره , فَأَتَاهُ رَجُل فَقَالَ : مَا تَرَى فِي رَجُل قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ؟ قَالَ : جَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدًا فِيهَا , وَسَاقَ الْآيَة إِلَى ( عَظِيمًا ) قَالَ : لَقَدْ نَزَلَتْ فِي آخِر مَا نَزَلَ , وَمَا نَسَخَهَا شَيْء حَتَّى قُبِضَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا نَزَلَ وَحْي بَعْدَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ : أَفَرَأَيْت إِنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ثُمَّ اِهْتَدَى ؟ قَالَ : وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَة وَالْهُدَى \" لَفْظ يَحْيَى الْجَابِر , وَالْآخَر نَحْوه. وَجَاءَ عَلَى وَفْق مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ أَحَادِيث كَثِيرَة : مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي إِدْرِيس الْخَوْلَانِيّ عَنْ مُعَاوِيَة سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : \" كُلّ ذَنْب عَسَى اللَّه أَنْ يَغْفِرَهُ ; إِلَّا الرَّجُل يَمُوت كَافِرًا , وَالرَّجُل يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا \" وَقَدْ حَمَلَ جُمْهُور السَّلَف وَجَمِيع أَهْل السُّنَّة مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى التَّغْلِيظ , وَصَحَّحُوا تَوْبَة الْقَاتِل كَغَيْرِهِ , وَقَالُوا : مَعْنَى قَوْله : ( فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم ) أَيْ إِنْ شَاءَ اللَّه أَنْ يُجَازِيَهُ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَة النِّسَاء أَيْضًا : ( إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِر مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء ) وَمِنْ الْحُجَّة فِي ذَلِكَ حَدِيث الْإِسْرَائِيلِيّ الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ثُمَّ أَتَى تَمَام الْمِائَة فَقَالَ لَهُ : لَا تَوْبَةَ , فَقَتَلَهُ فَأَكْمَلَ بِهِ مِائَةً. ثُمَّ جَاءَ آخَر فَقَالَ : \" وَمَنْ يَحُول بَيْنَك وَبَيْنَ التَّوْبَة \" الْحَدِيث , وَهُوَ مَشْهُور , وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاق وَاضِحًا. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِمَنْ قُبِلَ مِنْ غَيْر هَذِهِ الْأُمَّة فَمِثْله لَهُمْ أَوْلَى لِمَا خَفَّفَ اللَّه عَنْهُمْ مِنْ الْأَثْقَال الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "4395",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخَانُ وَالْقَمَرُ ‏ ‏وَالرُّومُ ‏ ‏وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ ‏ { ‏فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الضُّحَى الْكُوفِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4396",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَلْقَى ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏أَبَاهُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ فَيَقُولُ اللَّهُ ‏ ‏إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَأَخُوهُ هُوَ أَبُو بَكْر عَبْد الْحَمِيد. ‏ ‏قَوْله فِي الطَّرِيق الْمَوْصُولَة ( ‏ ‏يَلْقَى إِبْرَاهِيم أَبَاهُ فَيَقُول : يَا رَبِّ إِنَّك وَعَدْتنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ , فَيَقُول اللَّه : إِنِّي حَرَّمْت الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا , وَسَاقَهُ فِي تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء تَامًّا. ‏ ‏قَوْله : ( يَلْقَى إِبْرَاهِيم أَبَاهُ آزَرَ ) هَذَا مُوَافِق لِظَاهِرِ الْقُرْآن فِي تَسْمِيَة وَالِد إِبْرَاهِيم , وَقَدْ سَبَقَتْ نِسْبَته فِي تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. وَحَكَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق ضَعِيفَة عَنْ مُجَاهِد أَنَّ آزَرَ اِسْم الصَّنَم وَهُوَ شَاذّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَلَى وَجْه آزَرَ قَتَرَة وَغَبَرَة ) هَذَا مُوَافِق لِظَاهِرِ الْقُرْآن ( وُجُوه يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَة تَرْهَقهَا قَتَرَة ) أَيْ يَغْشَاهَا قَتَرَة , فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْغَبَرَة الْغُبَار مِنْ التُّرَاب , وَالْقَتَرَة السَّوَاد الْكَائِن عَنْ الْكَآبَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَقُول لَهُ إِبْرَاهِيم : أَلَمْ أَقُلْ لَك لَا تَعْصِنِي ؟ فَيَقُول أَبُوهُ : فَالْيَوْم لَا أَعْصِيك ) فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ \" فَقَالَ لَهُ قَدْ نَهَيْتُك عَنْ هَذَا فَعَصَيْتنِي , قَالَ : لَكِنِّي لَا أَعْصِيك وَاحِدَةً \". ‏ ‏قَوْله : ( فَيَقُول إِبْرَاهِيم يَا رَبِّ إِنَّك وَعَدْتنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ , فَأَيّ خِزْي أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَد ) وَصَفَ نَفْسه بِالْأَبْعَدِ عَلَى طَرِيق الْفَرْض إِذَا لَمْ تُقْبَل شَفَاعَته فِي أَبِيهِ , وَقِيلَ : الْأَبْعَد صِفَة أَبِيهِ أَيْ أَنَّهُ شَدِيد الْبُعْد مِنْ رَحْمَة اللَّه لِأَنَّ الْفَاسِق بَعِيد مِنْهَا فَالْكَافِر أَبْعَد , وَقِيلَ : الْأَبْعَد بِمَعْنَى الْبَعِيد وَالْمُرَاد الْهَالِك , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل أَنَّ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ \" وَإِنْ أَخْزَيْت أَبِي فَقَدْ أَخْزَيْت الْأَبْعَد \" وَفِي رِوَايَة أَيُّوب \" يَلْقَى رَجُل أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَة فَيَقُول لَهُ : أَيّ اِبْن كُنْت لَك ؟ فَيَقُول : خَيْر اِبْن , فَيَقُول : هَلْ أَنْتَ مُطِيعِي الْيَوْمَ ؟ فَيَقُول : نَعَمْ. فَيَقُول خُذْ بَارِزَتِي. فَيَأْخُذ بَارِزَتَهُ. ثُمَّ يَنْطَلِق حَتَّى يَأْتِيَ رَبّه وَهُوَ يَعْرِض الْخَلْق , فَيَقُول اللَّه : يَا عَبْدِي اُدْخُلْ مِنْ أَيّ أَبْوَاب الْجَنَّة شِئْت , فَيَقُول : أَيْ رَبِّ أَبِي مَعِي , فَإِنَّك وَعَدْتنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي \". ‏ ‏قَوْله : ( فَيَقُول اللَّه : إِنِّي حَرَّمْت الْجَنَّة عَلَى الْكَافِرِينَ ) فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فَيُنَادَى : إِنَّ الْجَنَّة لَا يَدْخُلهَا مُشْرِك \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يُقَال يَا إِبْرَاهِيم مَا تَحْتَ رِجْلَيْك ؟ اُنْظُرْ , فَيَنْظُر فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُتَلَطِّخ , فَيُؤْخَذ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّار ) فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ \" فَيُؤْخَذ مِنْهُ فَيَقُول : يَا إِبْرَاهِيم أَيْنَ أَبُوك ؟ قَالَ : أَنْتَ أَخَذْته مِنِّي , قَالَ : اُنْظُرْ أَسْفَلَ , فَيَنْظُر فَإِذَا ذِيخ يَتَمَرَّغُ فِي نَتْنِهِ \". وَفِي رِوَايَة أَيُّوب \" فَيَمْسَخ اللَّه أَبَاهُ ضَبْعًا \" فَيَأْخُذ بِأَنْفِهِ فَيَقُول : يَا عَبْدِي أَبُوك هُوَ , فَيَقُول : لَا وَعِزَّتِك \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فَيُحَوَّل فِي صُورَة قَبِيحَة وَرِيح مُنْتِنَة فِي صُورَة ضِبْعَان \" زَادَ اِبْن الْمُنْذِر مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَإِذَا رَآهُ كَذَا تَبَرَّأَ مِنْهُ قَالَ : لَسْت أَبِي \" وَالذِّيخ بِكَسْرِ الذَّال الْمُعْجَمَة بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ خَاء مُعْجَمَة ذَكَر الضِّبَاع , وَقِيلَ لَا يُقَال لَهُ ذِيخ إِلَّا إِذَا كَانَ كَثِير الشَّعْر. وَالضِّبْعَان لُغَة فِي الضَّبْع. وَقَوْله : \" مُتَلَطِّخ \" قَالَ بَعْض الشُّرَّاح : أَيْ فِي رَجِيع أَوْ دَم أَوْ طِين. وَقَدْ عَيَّنَتْ الرِّوَايَة الْأُخْرَى الْمُرَاد وَأَنَّهُ الِاحْتِمَال الْأَوَّل حَيْثُ قَالَ : فَيَتَمَرَّغ فِي نَتْنه. قِيلَ : الْحِكْمَة فِي مَسْخه لِتَنْفِرَ نَفْس إِبْرَاهِيم مِنْهُ وَلِئَلَّا يَبْقَى فِي النَّار عَلَى صُورَته فَيَكُون فِيهِ غَضَاضَة عَلَى إِبْرَاهِيم. وَقِيلَ : الْحِكْمَة فِي مَسْخه ضَبْعًا أَنَّ الضَّبْع مِنْ أَحْمَق الْحَيَوَان , وَآزَرَ كَانَ مِنْ أَحْمَق الْبَشَر , لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ وَلَده مِنْ الْآيَات الْبَيِّنَات أَصَرَّ عَلَى الْكُفْر حَتَّى مَاتَ. وَاقْتَصَرَ فِي مَسْخه عَلَى هَذَا الْحَيَوَان لِأَنَّهُ وَسَط فِي التَّشْوِيه بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا دُونَهُ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِير وَإِلَى مَا فَوْقَهُ كَالْأَسَدِ مَثَلًا , وَلِأَنَّ إِبْرَاهِيم بَالَغَ فِي الْخُضُوع لَهُ وَخَفْض الْجَنَاح فَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَأَصَرَّ عَلَى الْكُفْر فَعُومِلَ بِصِفَةِ الذُّلّ يَوْمَ الْقِيَامَة , وَلِأَنَّ لِلضَّبْعِ عِوَجًا فَأُشِيرَ إِلَى أَنَّ آزَرَ لَمْ يَسْتَقِمْ فَيُؤْمِن بَلْ اِسْتَمَرَّ عَلَى عِوَجه فِي الدِّين. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَصْله وَطَعَنَ فِي صِحَّته فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ : هَذَا خَبَر فِي صِحَّته نَظَر مِنْ جِهَة أَنَّ إِبْرَاهِيم عَلِمَ أَنَّ اللَّه لَا يُخْلِف الْمِيعَاد ; فَكَيْف يَجْعَل مَا صَارَ لِأَبِيهِ خِزْيًا مَعَ عِلْمه بِذَلِكَ ؟ وَقَالَ غَيْره : هَذَا الْحَدِيث مُخَالِف لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى : ( وَمَا كَانَ اِسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَهَا إِيَّاهُ , فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) اِنْتَهَى. وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّ أَهْل التَّفْسِير اِخْتَلَفُوا فِي الْوَقْت الَّذِي تَبَرَّأَ فِيهِ إِبْرَاهِيم مِنْ أَبِيهِ , فَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا لَمَّا مَاتَ آزَرَ مُشْرِكًا , وَهَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس وَإِسْنَاده صَحِيح. وَفِي رِوَايَة : \" فَلَمَّا مَاتَ لَمْ يَسْتَغْفِر لَهُ \" وَمِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوه قَالَ : \" اِسْتَغْفَرَ لَهُ مَا كَانَ حَيًّا فَلَمَّا مَاتَ أَمْسَكَ \" وَأَوْرَدَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق مُجَاهِد وَقَتَادَةَ وَعَمْرو بْن دِينَار نَحْو ذَلِكَ , وَقِيلَ إِنَّمَا تَبَرَّأَ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَة لَمَّا يَئِسَ مِنْهُ حِينَ مُسِخَ عَلَى مَا صُرِّحَ بِهِ فِي رِوَايَة اِبْن الْمُنْذِر الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا , وَهَذَا الَّذِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي سُلَيْمَان سَمِعْت سَعِيد بْن جُبَيْر يَقُول : إِنَّ إِبْرَاهِيم يَقُول يَوْمَ الْقِيَامَة : رَبِّ وَالِدِي , رَبِّ وَالِدِي. فَإِذَا كَانَ الثَّالِثَة أُخِذَ بِيَدِهِ فَيَلْتَفِت إِلَيْهِ وَهُوَ ضِبْعَان فَيَتَبَرَّأ مِنْهُ. وَمِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن عُمَيْر قَالَ : يَقُول إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ : إِنِّي كُنْت آمُرك فِي الدُّنْيَا وَتَعْصِينِي , وَلَسْت تَارِكك الْيَوْمَ فَخُذْ بِحَقْوِي , فَيَأْخُذ بِضَبْعَيْهِ فَيُمْسَخ ضَبْعًا , فَإِذَا رَآهُ إِبْرَاهِيم مُسِخَ تَبَرَّأَ مِنْهُ. وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْهُ لَمَّا مَاتَ مُشْرِكًا فَتَرَكَ الِاسْتِغْفَار لَهُ , لَكِنْ لَمَّا رَآهُ يَوْمَ الْقِيَامَة أَدْرَكَتْهُ الرَّأْفَة وَالرِّقَّة فَسَأَلَ فِيهِ , فَلَمَّا رَآهُ مُسِخَ يَئِسَ مِنْهُ حِينَئِذٍ فَتَبَرَّأَ مِنْهُ تَبَرُّءًا أَبَدِيًّا وَقِيلَ : إِنَّ إِبْرَاهِيم لَمْ يَتَيَقَّن مَوْته عَلَى الْكُفْر بِجَوَازِ أَنْ يَكُون آمَنَ فِي نَفْسه وَلَمْ يَطَّلِع إِبْرَاهِيم عَلَى ذَلِكَ , وَتَكُون تَبْرِئَته مِنْهُ حِينَئِذٍ بَعْدَ الْحَال الَّتِي وَقَعَتْ فِي هَذَا الْحَدِيث. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَإِنْ قُلْت : إِذَا أَدْخَلَ اللَّه أَبَاهُ النَّار فَقَدْ أَخْزَاهُ لِقَوْلِهِ : ( إِنَّك مَنْ تُدْخِل النَّار فَقَدْ أَخْزَيْته ) وَخِزْي الْوَالِد خِزْي الْوَلَد فَيَلْزَم الْخُلْف فِي الْوَعْد وَهُوَ مُحَال , وَلَوْ أَنَّهُ يَدْخُل النَّار لَزِمَ الْخُلْف فِي الْوَعِيد وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( إِنَّ اللَّه حَرَّمَ الْجَنَّة عَلَى الْكَافِرِينَ ) وَالْجَوَاب أَنَّهُ إِذَا مُسِخَ فِي صُورَة ضَبْع وَأُلْقِيَ فِي النَّار لَمْ تَبْقَ الصُّورَة الَّتِي هِيَ سَبَب الْخِزْي , فَهُوَ عَمَل بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيد. وَجَوَاب آخَر : وَهُوَ أَنَّ الْوَعْد كَانَ مَشْرُوطًا بِالْإِيمَانِ , وَإِنَّمَا اِسْتَغْفَرَ لَهُ وَفَاءً بِمَا وَعَدَهُ , فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ. قُلْت : وَمَا قَدَّمْته يُؤَدِّي الْمَعْنَى الْمُرَاد مَعَ السَّلَامَة مِمَّا فِي اللَّفْظ مِنْ الشَّنَاعَة , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4397",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ‏} ‏صَعِدَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏فَجَعَلَ يُنَادِي يَا ‏ ‏بَنِي فِهْرٍ ‏ ‏يَا ‏ ‏بَنِي عَدِيٍّ ‏ ‏لِبُطُونِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ فَجَاءَ ‏ ‏أَبُو لَهَبٍ ‏ ‏وَقُرَيْشٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ قَالُوا نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا قَالَ فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو لَهَبٍ ‏ ‏تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا فَنَزَلَتْ ‏ { ‏تَبَّتْ يَدَا ‏ ‏أَبِي لَهَبٍ ‏ ‏وَتَبَّ مَا أَغْنَى ‏ ‏عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك الْأَقْرَبِينَ ) ‏ ‏هَذَا مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة إِنَّمَا أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ , وَهَذِهِ الْقِصَّة وَقَعَتْ بِمَكَّةَ , وَابْن عَبَّاس كَانَ حِينَئِذٍ إِمَّا لَمْ يُولَد , وَإِمَّا طِفْلًا. وَيُؤَيِّد الثَّانِي نِدَاء فَاطِمَة فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ بِحَيْثُ تُخَاطَب بِالْأَحْكَامِ , وَقَدْ قَدَّمْت فِي \" بَاب مَنْ اِنْتَسَبَ إِلَى آبَائِهِ \" فِي أَوَائِل السِّيرَة النَّبَوِيَّة اِحْتِمَال أَنْ تَكُون هَذِهِ الْقِصَّة وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ , لَكِنَّ الْأَصْل عَدَم تَكْرَار النُّزُول , وَقَدْ صَرَّحَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ حِينَ نَزَلَتْ. نَعَمْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : \" لَمَّا نَزَلَتْ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك ) جَمَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي هَاشِم وَنِسَاءَهُ وَأَهْله فَقَالَ : يَا بَنِي هَاشِم , اِشْتَرُوا أَنْفُسكُمْ مِنْ النَّار , وَاسْعَوْا فِي فِكَاك رِقَابكُمْ يَا عَائِشَة بِنْت أَبِي بَكْر , يَا حَفْصَة بِنْت عُمَر , يَا أُمّ سَلَمَة \" فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا , فَهَذَا إِنْ ثَبَتَ دَلَّ عَلَى تَعَدُّد الْقِصَّة , لِأَنَّ الْقِصَّة الْأُولَى وَقَعَتْ بِمَكَّةَ لِتَصْرِيحِهِ فِي حَدِيث الْبَاب أَنَّهُ صَعِدَ الصَّفَا , وَلَمْ تَكُنْ عَائِشَة وَحَفْصَة وَأُمّ سَلَمَة عِنْدَهُ وَمِنْ أَزْوَاجه إِلَّا بِالْمَدِينَةِ , فَيَجُوز أَنْ تَكُون مُتَأَخِّرَة عَنْ الْأُولَى فَيُمْكِن أَنْ يَحْضُرَهَا أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس أَيْضًا , وَيُحْمَل قَوْله : \" لَمَّا نَزَلَتْ جَمَعَ \" أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ , لَا أَنَّ الْجَمْع وَقَعَ عَلَى الْفَوْر , وَلَعَلَّهُ كَانَ نَزَلَ أَوَّلًا ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك الْأَقْرَبِينَ ) فَجَمَعَ قُرَيْشًا فَعَمَّ ثُمَّ خَصَّ كَمَا سَيَأْتِي , ثُمَّ نَزَلَ ثَانِيًا : \" وَرَهْطك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ \" فَخَصَّ بِذَلِكَ بَنِي هَاشِم وَنِسَاءَهُ وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَة تَعَقُّب عَلَى النَّوَوِيّ حَيْثُ قَالَ فِي \" شَرْح مُسْلِم \" إِنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يُخَرِّجهَا أَعْنِي. \" وَرَهْطك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ \" اِعْتِمَادًا عَلَى مَا فِي هَذِهِ السُّورَة , وَأَغْفَلَ كَوْنهَا مَوْجُودَة عِنْدَ الْبُخَارِيّ فِي سُورَة تَبَّتْ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( لَمَّا نَزَلَتْ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك الْأَقْرَبِينَ ) زَادَ فِي تَفْسِير تَبَّتْ مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ الْأَعْمَش بِهَذَا السَّنَد \" وَرَهْطك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة وَصَلَهَا الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأهَا كَذَلِكَ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ لَعَلَّ هَذِهِ الزِّيَادَة كَانَتْ قُرْآنًا فَنُسِخَتْ تِلَاوَتهَا. ثُمَّ اُسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَاد إِنْذَار الْكُفَّار , وَالْمُخْلَص صِفَة الْمُؤْمِن , وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِع عَطْف الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ , ‏ ‏فَقَوْله : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك ) ‏ ‏عَامّ فِيمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِن ; ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ الرَّهْط الْمُخْلَصِينَ تَنْوِيهًا بِهِمْ وَتَأْكِيدًا , وَاسْتَدَلَّ بَعْض الْمَالِكِيَّة بِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث \" يَا فَاطِمَة بِنْت مُحَمَّد , سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْت , لَا أُغْنِي عَنْك مِنْ اللَّه شَيْئًا \" أَنَّ النِّيَابَة لَا تَدْخُل فِي أَعْمَال الْبِرّ , إِذْ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَكَانَ يَتَحَمَّل عَنْهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يُخَلِّصهَا , فَإِذَا كَانَ عَمَله لَا يَقَع نِيَابَة عَنْ اِبْنَته فَغَيْره أَوْلَى بِالْمَنْعِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمهُ اللَّه تَعَالَى بِأَنَّهُ يَشْفَع فِيمَنْ أَرَادَ وَتُقْبَل شَفَاعَته , حَتَّى يُدْخِل قَوْمًا الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب , وَيَرْفَع دَرَجَات قَوْم آخَرِينَ , وَيُخْرِج مِنْ النَّار مَنْ دَخَلَهَا بِذُنُوبِهِ , أَوْ كَانَ الْمَقَام مَقَام التَّخْوِيف وَالتَّحْذِير أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَة فِي الْحَضّ عَلَى الْعَمَل , وَيَكُون فِي قَوْله : \" لَا أُغْنِي شَيْئًا \" إِضْمَار إِلَّا إِنْ أَذِنَ اللَّه لِي بِالشَّفَاعَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلَ يُنَادِي : يَا بَنِي فِهْر , يَا بَنِي عَدِيّ , لِبُطُونِ قُرَيْش ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : \" يَا مَعْشَر قُرَيْش , أَوْ كَلِمَة نَحْوهَا \" وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَلَاذُرِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَبْيَن مِنْ هَذَا وَلَفْظه \" فَقَالَ : يَا بَنِي فِهْر , فَاجْتَمَعُوا. ثُمَّ قَالَ : يَا بَنِي غَالِب , فَرَجَعَ بَنُو مُحَارِب وَالْحَارِث اِبْنَا فِهْر. فَقَالَ : يَا بَنِي لُؤَيّ , فَرَجَعَ بَنُو الْأَدْرَم بْن غَالِب. فَقَالَ : يَا آلَ كَعْب , فَرَجَعَ بَنُو عَدِيّ وَسَهْم وَجُمَح فَقَالَ : يَا آلَ كِلَاب , فَرَجَعَ بَنُو مَخْزُوم وَتَيْم. فَقَالَ : يَا آلَ قُصَيّ , فَرَجَعَ بَنُو زُهْرَة. فَقَالَ : يَا آلَ عَبْد مَنَافٍ , فَرَجَعَ بَنُو عَبْد الدَّار وَعَبْد الْعُزَّى. فَقَالَ لَهُ أَبُو لَهَب : هَؤُلَاءِ بَنُو عَبْد مَنَافٍ عِنْدَك \" وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ قَصَرَ الدَّعْوَة عَلَى بَنِي هَاشِم وَالْمُطَّلِب , وَهُمْ يَوْمَئِذٍ خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا. وَفِي حَدِيث عَلِيّ عِنْدَ اِبْن إِسْحَاق وَالطَّبَرِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي \" الدَّلَائِل \" أَنَّهُمْ كَانُوا حِينَئِذٍ أَرْبَعُونَ يَزِيدُونَ رَجُلًا أَوْ يَنْقُصُونَ وَفِيهِ عُمُومَته أَبُو طَالِب وَحَمْزَة وَالْعَبَّاس وَأَبُو لَهَب. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ أَنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ غَيْر رَجُل أَوْ أَرْبَعُونَ وَرَجُل. وَفِي حَدِيث عَلِيّ مِنْ الزِّيَادَة أَنَّهُ صَنَعَ لَهُمْ شَاة عَلَى ثَرِيد وَقَعْب لَبَن , وَأَنَّ الْجَمِيع أَكَلُوا مِنْ ذَلِكَ وَشَرِبُوا وَفَضَلَتْ فَضْلَة , وَقَدْ كَانَ الْوَاحِد مِنْهُمْ يَأْتِي عَلَى جَمِيع ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَرَأَيْتُكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ إِلَخْ ) ‏ ‏أَرَادَ بِذَلِكَ تَقْرِيرهمْ بِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ صِدْقه إِذَا أَخْبَرَ عَنْ الْأَمْر الْغَائِب. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَلِيّ \" مَا أَعْلَم شَابًّا مِنْ الْعَرَب جَاءَ قَوْمه بِأَفْضَلَ مِمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ , إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة \". ‏ ‏قَوْله : ( كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ ) ‏ ‏أَيْ مُنْذِر. وَوَقَعَ فِي حَدِيث قَبِيصَة بْن مُحَارِب وَزُهَيْر بْن عَمْرو عِنْدَ مُسْلِم وَأَحْمَد \" فَجَعَلَ يُنَادِي : إِنَّمَا أَنَا نَذِير , وَإِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلكُمْ كَرَجُلٍ رَأَى الْعَدُوّ فَجَعَلَ يَهْتِف : يَا صَبَاحَاهُ \" يَعْنِي يُنْذِر قَوْمه. وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن وَرْدَان عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ أَحْمَد قَالَ : \" أَنَا النَّذِير , وَالسَّاعَة الْمَوْعِد \" وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ مُرْسَل قَسَامَة بْن زُهَيْر قَالَ : \" بَلَغَنِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ أَصَابِعه فِي أُذُنه وَرَفَعَ صَوْته وَقَالَ : يَا صَبَاحَاهُ \" وَوَصَلَهُ مَرَّة أُخْرَى عَنْ قَسَامَة عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مَوْصُولًا أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَلَتْ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَقَدْ تَبَّ \" وَزَادَ \" هَكَذَا قَرَأَهَا الْأَعْمَش يَوْمَئِذٍ \" اِنْتَهَى. وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَة فِيمَا نَقَلَ الْفَرَّاء عَنْ الْأَعْمَش , فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ قَرَأَهَا حَاكِيًا لَا قَارِئًا , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي هَذَا السِّيَاق : \" يَوْمَئِذٍ \" فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَمِرّ عَلَى قِرَاءَتهَا كَذَلِكَ , وَالْمَحْفُوظ أَنَّهَا قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود وَحْدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4398",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ‏} ‏قَالَ يَا مَعْشَرَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا ‏ ‏اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا ‏ ‏أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا يَا ‏ ‏بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ‏ ‏لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا يَا ‏ ‏عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا ‏ ‏صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا ‏ ‏فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ‏ ‏سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏( اِشْتَرُوا أَنْفُسكُمْ مِنْ اللَّه ) ‏ ‏أَيْ بِاعْتِبَارِ تَخْلِيصهَا مِنْ النَّار , كَأَنَّهُ قَالَ : أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا مِنْ الْعَذَاب , فَكَانَ ذَلِكَ كَالشِّرَاءِ , كَأَنَّهُمْ جَعَلُوا الطَّاعَة ثَمَن النَّجَاة. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّ اللَّه اِشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ ) فَهُنَاكَ الْمُؤْمِن بَائِع بِاعْتِبَارِ تَحْصِيل الثَّوَاب وَالثَّمَن الْجَنَّة , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ النُّفُوس كُلّهَا مِلْك لِلَّهِ تَعَالَى , وَأَنَّ مَنْ أَطَاعَهُ حَقّ طَاعَته فِي اِمْتِثَال أَوَامِره وَاجْتِنَاب نَوَاهِيه وَوَفَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَن , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏ ‏قَوْله : ( يَا بَنِي عَبْد مَنَافٍ , اِشْتَرُوا أَنْفُسكُمْ مِنْ اللَّه , يَا عَبَّاس إِلَخْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُوسَى بْن طَلْحَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ مُسْلِم وَأَحْمَد \" دَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرِيبًا فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْش أَنْقِذُوا أَنْفُسكُمْ مِنْ النَّار. يَا مَعْشَر بَنِي كَعْب , يَا مَعْشَر بَنِي هَاشِم كَذَلِكَ , يَا مَعْشَر بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب كَذَلِكَ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( يَا صَفِيَّة عَمَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏بِنَصْبِ عَمَّة , وَيَجُوز فِي صَفِيَّة الرَّفْع وَالنَّصْب وَكَذَا الْقَوْل فِي قَوْله يَا فَاطِمَة بِنْت مُحَمَّد. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ أَصْبَغ عَنْ اِبْن وَهْب إِلَخْ ) ‏ ‏سَبَقَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي الْوَصَايَا , وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الْأَقْرَب لِلرَّجُلِ مَنْ كَانَ يَجْمَعهُ هُوَ وَجَدّ أَعْلَى , وَكُلّ مَنْ اِجْتَمَعَ مَعَهُ فِي جَدّ دُونَ ذَلِكَ كَانَ أَقْرَب إِلَيْهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي الْمُرَاد بِالْأَقْرَبِينَ وَالْأَقَارِب فِي الْوَصَايَا , وَالسِّرّ فِي الْأَمْر بِإِنْذَارِ الْأَقْرَبِينَ أَوَّلًا أَنَّ الْحُجَّة إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِمْ تَعَدَّتْ إِلَى غَيْرهمْ , وَإِلَّا فَكَانُوا عِلَّة لِلْأَبْعَدِينَ فِي الِامْتِنَاع , وَأَنْ لَا يَأْخُذَهُ مَا يَأْخُذ الْقَرِيب لِلْقَرِيبِ مِنْ الْعَطْف وَالرَّأْفَة فَيُحَابِيهِمْ فِي الدَّعْوَة وَالتَّخْوِيف , فَلِذَلِكَ نَصَّ لَهُ عَلَى إِنْذَارهمْ. وَفِيهِ جَوَاز تَكْنِيَة الْكَافِر , وَفِيهِ خِلَاف بَيْنَ الْعُلَمَاء , كَذَا قِيلَ. وَفِي إِطْلَاقه نَظَر , لِأَنَّ الَّذِي مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ حَيْثُ يَكُون السِّيَاق يُشْعِر بِتَعْظِيمِهِ , بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ لِشُهْرَتِهِ بِهَا دُونَ غَيْرهَا كَمَا فِي هَذَا أَوْ لِلْإِشَارَةِ إِلَى مَا يَئُولُ أَمْره إِلَيْهِ مِنْ لَهَب جَهَنَّم. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون تَرَكَ ذِكْره بِاسْمِهِ لِقُبْحِ اِسْمه لِأَنَّ اِسْمه كَانَ عَبْد الْعُزَّى , وَيُمْكِن جَوَاب آخَر وَهُوَ أَنَّ التَّكْنِيَة لَا تَدُلّ بِمُجَرَّدِهَا عَلَى التَّعْظِيم , بَلْ قَدْ يَكُون الِاسْم أَشْرَفَ مِنْ الْكُنْيَة , وَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّه الْأَنْبِيَاء بِأَسْمَائِهِمْ دُونَ كُنَاهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "4399",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا حَضَرَتْ ‏ ‏أَبَا طَالِبٍ ‏ ‏الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَجَدَ عِنْدَهُ ‏ ‏أَبَا جَهْلٍ ‏ ‏وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ ‏ ‏أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ ‏ ‏عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ ‏ ‏أَبُو طَالِبٍ ‏ ‏آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ عَلَى مِلَّةِ ‏ ‏عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ‏} ‏وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ‏ ‏أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ { ‏أُولِي ‏ ‏الْقُوَّةِ ‏} ‏لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنْ الرِّجَالِ ‏ { ‏لَتَنُوءُ ‏} ‏لَتُثْقِلُ ‏ { ‏فَارِغًا ‏} ‏إِلَّا مِنْ ذِكْرِ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏الْفَرِحِينَ ‏} ‏الْمَرِحِينَ ‏ { ‏قُصِّيهِ ‏} ‏اتَّبِعِي أَثَرَهُ ‏ ‏وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَقُصَّ الْكَلَامَ ‏ { ‏نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ‏} { ‏عَنْ جُنُبٍ ‏} ‏عَنْ بُعْدٍ عَنْ جَنَابَةٍ وَاحِدٌ وَعَنْ اجْتِنَابٍ أَيْضًا يَبْطِشُ وَيَبْطُشُ ‏ { ‏يَأْتَمِرُونَ ‏} ‏يَتَشَاوَرُونَ الْعُدْوَانُ وَالْعَدَاءُ وَالتَّعَدِّي وَاحِدٌ ‏ { ‏آنَسَ ‏} ‏أَبْصَرَ الْجِذْوَةُ قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْ الْخَشَبِ لَيْسَ فِيهَا لَهَبٌ وَالشِّهَابُ فِيهِ لَهَبٌ وَالْحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ الْجَانُّ وَالْأَفَاعِي وَالْأَسَاوِدُ ‏ { ‏رِدْءًا ‏} ‏مُعِينًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ { ‏يُصَدِّقُنِي ‏} ‏وَقَالَ غَيْرُهُ ‏ { ‏سَنَشُدُّ ‏} ‏سَنُعِينُكَ كُلَّمَا عَزَّزْتَ شَيْئًا فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُدًا ‏ ‏مَقْبُوحِينَ مُهْلَكِينَ ‏ { ‏وَصَّلْنَا ‏} ‏بَيَّنَّاهُ وَأَتْمَمْنَاهُ ‏ { ‏يُجْبَى ‏} ‏يُجْلَبُ ‏ { ‏بَطِرَتْ ‏} ‏أَشِرَتْ ‏ { ‏فِي أُمِّهَا رَسُولًا ‏} ‏أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ ‏ ‏وَمَا حَوْلَهَا ‏ { ‏تُكِنُّ ‏} ‏تُخْفِي أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ أَخْفَيْتُهُ وَكَنَنْتُهُ أَخْفَيْتُهُ وَأَظْهَرْتُهُ ‏ { ‏وَيْكَأَنَّ اللَّهَ ‏} ‏مِثْلُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ ‏ { ‏يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ‏} ‏يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ الْمُسَيِّب بْن حَزْن بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الزَّاي بَعْدَهَا نُون , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض شَرْح الْحَدِيث فِي الْجَنَائِزِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِب الْوَفَاة ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْمُرَاد حَضَرَتْ عَلَامَات الْوَفَاة , وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ اِنْتَهَى إِلَى الْمُعَايَنَة لَمْ يَنْفَعهُ الْإِيمَان لَوْ آمَنَ , وَيَدُلّ عَلَى الْأَوَّل مَا وَقَعَ مِنْ الْمُرَاجَعَة بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ اِنْتَهَى. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون اِنْتَهَى إِلَى تِلْكَ الْحَالَة لَكِنْ رَجَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَلَوْ فِي تِلْكَ الْحَالَة أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعهُ بِخُصُوصِهِ وَتَسُوغ شَفَاعَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَانِهِ مِنْهُ , وَلِهَذَا قَالَ : \" أُجَادِل لَك بِهَا وَأَشْفَع لَك \" وَسَيَأْتِي بَيَانه. وَيُؤَيِّد الْخُصُوصِيَّة أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ اِمْتَنَعَ مِنْ الْإِقْرَار بِالتَّوْحِيدِ وَقَالَ هُوَ : \" عَلَى مِلَّة عَبْد الْمُطَّلِب \" وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتْرُك الشَّفَاعَة لَهُ , بَلْ شَفَعَ لَهُ حَتَّى خُفِّفَ عَنْهُ الْعَذَاب بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ , وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ الْخَصَائِص فِي حَقّه , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الرِّوَايَة بِذَلِكَ فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْل وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي أُمَيَّة ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُسَيِّب حَضَرَ هَذِهِ الْقِصَّة , فَإِنَّ الْمَذْكُورِينَ مِنْ بَنِي مَخْزُوم وَهُوَ مِنْ بَنِي مَخْزُوم أَيْضًا , وَكَانَ الثَّلَاثَة يَوْمَئِذٍ كُفَّارًا فَمَاتَ أَبُو جَهْل عَلَى كُفْره وَأَسْلَمَ الْآخَرَانِ. وَأَمَّا قَوْل بَعْض الشُّرَّاح : هَذَا الْحَدِيث مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة فَمَرْدُود , لِأَنَّهُ اِسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْمُسَيِّب عَلَى قَوْل مُصْعَب مِنْ مُسْلِمَة الْفَتْح , وَعَلَى قَوْل الْعَسْكَرِيّ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَة , قَالَ : فَأَيًّا مَا كَانَ فَلَمْ يَشْهَد وَفَاة أَبِي طَالِب لِأَنَّهُ تُوُفِّيَ هُوَ وَخَدِيجَة فِي أَيَّام مُتَقَارِبَة فِي عَام وَاحِد , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ نَحْو الْخَمْسِينَ اِنْتَهَى. وَوَجْه الرَّدّ أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الْمُسَيِّب تَأَخَّرَ إِسْلَامه أَنْ لَا يَشْهَد وَفَاة أَبِي طَالِب كَمَا شَهِدَهَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي أُمَيَّة وَهُوَ يَوْمَئِذٍ كَافِر ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ , وَعَجِبَ مِنْ هَذَا الْقَائِل كَيْفَ يَعْزُو كَوْن الْمُسَيِّب كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَة إِلَى الْعَسْكَرِيّ وَيَغْفُل عَنْ كَوْن ذَلِكَ ثَابِتًا فِي هَذَا الصَّحِيح الَّذِي شَرَحَهُ كَمَا مَرَّ فِي الْمَغَازِي وَاضِحًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَيْ عَمّ ) ‏ ‏أَمَّا \" أَيْ \" فَهُوَ بِالتَّخْفِيفِ حَرْف نِدَاء , وَأَمَّا \" عَمّ \" فَهُوَ مُنَادَى مُضَاف , وَيَجُوز فِيهِ إِثْبَات الْيَاء وَحَذْفهَا. ‏ ‏قَوْله : ( كَلِمَة ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَل مِنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَوْ الِاخْتِصَاص. وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى أَنَّهُ خَبَر لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوف. ‏ ‏قَوْله : ( أُحَاجّ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْجِيم مِنْ الْمُحَاجَّة وَهِيَ مُفَاعَلَة مِنْ الْحُجَّة وَالْجِيم مَفْتُوحَة عَلَى الْجَزْم جَوَاب الْأَمْر , وَالتَّقْدِير إِنْ تَقُلْ أُحَاجّ , وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى أَنَّهُ خَبَر لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوف , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي الْجَنَائِز \" أَشْهَد \" بَدَلَ \" أُحَاجّ \" وَفِي رِوَايَة مُجَاهِد عِنْدَ الطَّبَرِيِّ \" أُجَادِل عَنْك بِهَا \" زَادَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن حُسَيْن عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ : \" أَيْ عَمّ , إِنَّك أَعْظَم النَّاس عَلَيَّ حَقًّا , وَأَحْسَنهمْ عِنْدِي يَدًا , فَقُلْ كَلِمَة تَجِب لِي بِهَا الشَّفَاعَة فِيك يَوْمَ الْقِيَامَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَزَلْ يَعْرِضهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الرَّاء , وَفِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ \" فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَة ) ‏ ‏أَيْ وَيُعِيدَانِهِ إِلَى الْكُفْر بِتِلْكَ الْمَقَالَة , كَأَنَّهُ قَالَ : كَانَ قَارَبَ أَنْ يَقُولَهَا فَيَرُدَّانِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر فَيَعُودَانِ لَهُ بِتِلْكَ الْمَقَالَة وَهِيَ أَوْضَح , وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم \" فَلَمْ يَزَلْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضهَا عَلَيْهِ وَيَقُول لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَة \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي : \" الْمُفْهِم \" كَذَا فِي الْأُصُول وَعِنْدَ أَكْثَر الشُّيُوخ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِ الشَّهَادَة وَكَرَّرَهَا عَلَيْهِ. وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ \" وَيُعِيد أَنَّ لَهُ بِتِلْكَ الْمَقَالَة \" وَالْمُرَاد قَوْل أَبِي جَهْل وَرَفِيقه لَهُ \" تَرْغَب عَنْ مِلَّة عَبْد الْمُطَّلِب \". ‏ ‏قَوْله : ( آخِر مَا كَلَّمَهُمْ : عَلَى مِلَّة عَبْد الْمُطَّلِب ) ‏ ‏خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف أَيْ هُوَ عَلَى مِلَّة , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" هُوَ عَلَى مِلَّة عَبْد الْمُطَّلِب \" وَأَرَادَ بِذَلِكَ نَفْسه. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَالَ \" أَنَا \" فَغَيَّرَهَا الرَّاوِي أَنَفَةً أَنْ يَحْكِيَ كَلَام أَبِي طَالِب اِسْتِقْبَاحًا لِلَّفْظِ الْمَذْكُور ; وَهِيَ مِنْ التَّصَرُّفَات الْحَسَنَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُجَاهِد قَالَ : \" يَا اِبْن أَخِي مِلَّة الْأَشْيَاخ \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالطَّبَرِيِّ \" قَالَ : لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْش يَقُولُونَ مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ إِلَّا جَزَع الْمَوْت لَأَقْرَرْت بِهَا عَيْنك \" وَفِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ \" قَالَ : لَوْلَا أَنْ يَكُون عَلَيْك عَار لَمْ أُبَالِ أَنْ أَفْعَل \" وَضَبْط \" جَزَع \" بِالْجِيمِ وَالزَّاي , وَلِبَعْضِ رُوَاة مُسْلِم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبَى أَنْ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) ‏ ‏هُوَ تَأْكِيد مِنْ الرَّاوِي فِي نَفْي وُقُوع ذَلِكَ مِنْ أَبِي طَالِب , وَكَأَنَّهُ اِسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى عَدَم سَمَاعه ذَلِكَ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَال , وَهَذَا الْقَدْر هُوَ الَّذِي يُمْكِن إِطْلَاعه عَلَيْهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَطْلَعَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَك مَا لَمْ أُنْهَ عَنْك ) ‏ ‏قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : لَيْسَ الْمُرَاد طَلَب الْمَغْفِرَة الْعَامَّة وَالْمُسَامَحَة بِذَنْبِ الشِّرْك , وَإِنَّمَا الْمُرَاد تَخْفِيف الْعَذَاب عَنْهُ كَمَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي حَدِيث آخَر. ‏ ‏قُلْت : وَهِيَ غَفْلَة شَدِيدَة مِنْهُ , فَإِنَّ الشَّفَاعَة لِأَبِي طَالِب فِي تَخْفِيف الْعَذَاب لَمْ تَرِدْ , وَطَلَبهَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ , وَإِنَّمَا وَقَعَ النَّهْي عَنْ طَلَب الْمَغْفِرَة الْعَامَّة , وَإِنَّمَا سَاغَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِقْتِدَاء بِإِبْرَاهِيمَ فِي ذَلِكَ , ثُمَّ وَرَدَ نَسْخ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَاضِحًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّه : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) ‏ ‏أَيْ مَا يَنْبَغِي لَهُمْ ذَلِكَ , وَهُوَ خَبَر بِمَعْنَى النَّهْي هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق شِبْل عَنْ عَمْرو بْن دِينَار قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" اِسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ وَهُوَ مُشْرِك , فَلَا أَزَالُ أَسْتَغْفِر لِأَبِي طَالِب حَتَّى يَنْهَانِي عَنْهُ رَبِّي. فَقَالَ أَصْحَابه : لَأَسْتَغْفِرَنَّ لِآبَائِنَا كَمَا اِسْتَغْفَرَ نَبِيّنَا لِعَمِّهِ , فَنَزَلَتْ \" وَهَذَا فِيهِ إِشْكَال , لِأَنَّ وَفَاة أَبِي طَالِب كَانَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَة اِتِّفَاقًا , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى قَبْر أُمّه لَمَّا اِعْتَمَرَ فَاسْتَأْذَنَ رَبّه أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , وَالْأَصْل عَدَم تَكَرُّر النُّزُول. وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِم وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق أَيُّوب بْن هَانِئ عَنْ مَسْرُوق عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : \" خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا إِلَى الْمَقَابِر فَاتَّبَعْنَاهُ , فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى قَبْر مِنْهَا فَنَاجَاهُ طَوِيلًا ثُمَّ بَكَى , فَبَكَيْنَا لِبُكَائِهِ , فَقَالَ : إِنَّ الْقَبْر الَّذِي جَلَسْت عِنْدَهُ قَبْر أُمِّي , وَاسْتَأْذَنْت رَبِّي فِي الدُّعَاء لَهَا فَلَمْ يَأْذَن لِي , فَأَنْزَلَ عَلَيَّ : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ \" وَأَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ حَدِيث اِبْن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ نَحْوه وَفِيهِ \" نَزَلَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَهُ قَرِيب مِنْ أَلْف رَاكِب \" وَلَمْ يَذْكُر نُزُول الْآيَة. وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" لَمَّا قَدِمَ مَكَّة أَتَى رَسْم قَبْر \" وَمِنْ طَرِيق فُضَيْل بْن مَرْزُوق عَنْ عَطِيَّة \" لَمَّا قَدِمَ مَكَّة وَقَفَ عَلَى قَبْر أُمّه حَتَّى سَخِنَتْ عَلَيْهِ الشَّمْس رَجَاء أَنْ يُؤْذَن لَهُ فَيَسْتَغْفِر لَهَا فَنَزَلَتْ \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن كَيْسَانَ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْو حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَفِيهِ \" لَمَّا هَبَطَ مِنْ ثَنِيَّة عُسْفَان \" وَفِيهِ نُزُول الْآيَة فِي ذَلِكَ. فَهَذِهِ طُرُق يُعَضِّد بَعْضهَا بَعْضًا , وَفِيهَا دَلَالَة عَلَى تَأْخِير نُزُول الْآيَة عَنْ وَفَاة أَبِي طَالِب , وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ أُحُد بَعْدَ أَنْ شُجَّ وَجْهه \" رَبّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ \" لَكِنْ يُحْتَمَل فِي هَذَا أَنْ يَكُون الِاسْتِغْفَار خَاصًّا بِالْأَحْيَاءِ وَلَيْسَ الْبَحْث فِيهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون نُزُول الْآيَة تَأَخَّرَ وَإِنْ كَانَ سَبَبهَا تَقَدَّمَ , وَيَكُون لِنُزُولِهَا سَبَبَانِ : مُتَقَدِّم وَهُوَ أَمْر أَبِي طَالِب وَمُتَأَخِّر وَهُوَ أَمْر آمِنَة. وَيُؤَيِّد تَأْخِير النُّزُول مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير بَرَاءَة مِنْ اِسْتِغْفَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُنَافِقِينَ حَتَّى نَزَلَ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ , فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَأْخِير النُّزُول وَإِنْ تَقَدَّمَ السَّبَب , وَيُشِير إِلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب : \" وَأَنْزَلَ اللَّه فِي أَبِي طَالِب : إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت \" لِأَنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّ الْآيَة الْأُولَى نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِب وَفِي غَيْره وَالثَّانِيَة نَزَلَتْ فِيهِ وَحْده , وَيُؤَيِّد تَعَدُّد السَّبَب مَا أَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي الْخَلِيل عَنْ عَلِيّ قَالَ : \" سَمِعْت رَجُلًا يَسْتَغْفِر لِوَالِدَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ , فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّه : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ الْآيَة \" وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ : وَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ أَلَّا نَسْتَغْفِر لِأَبَائِنَا كَمَا اِسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ ؟ فَنَزَلَتْ وَمِنْ طَرِيق قَتَادَةَ قَالَ : \" ذَكَرْنَا لَهُ أَنَّ رِجَالًا \" فَذَكَرَ نَحْوه. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْمَل خَيْرًا قَطُّ إِذَا خُتِمَ عُمْره بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ وَأُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَام الْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ قَارَنَ نُطْق لِسَانه عَقْد قَلْبه نَفَعَهُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّه تَعَالَى , بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُون وَصَلَ إِلَى حَدّ اِنْقِطَاع الْأَمَل مِنْ الْحَيَاة وَعَجَزَ عَنْ فَهْم الْخِطَاب وَرَدّ الْجَوَاب وَهُوَ وَقْت الْمُعَايَنَة , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْت قَالَ : إِنِّي تُبْت الْآنَ ) وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( الْعُدْوَان وَالْعَدَاء وَالتَّعَدِّي وَاحِد ) ‏ ‏أَيْ بِمَعْنًى وَاحِد وَأَرَادَ تَفْسِير قَوْله فِي قِصَّة مُوسَى وَشُعَيْب : ( فَلَا عُدْوَان عَلَيَّ ) وَالْعَدَاء بِفَتْحِ الْعَيْن مَمْدُود قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( فَلَا عُدْوَان عَلَيَّ ) : وَهُوَ وَالْعَدَاء وَالتَّعَدِّي وَالْعَدْو كُلّه وَاحِد , وَالْعَدْو مِنْ قَوْله : عَدَا فُلَان عَلَى فُلَان. ‏ ‏قَوْله : وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : ( أُولِي الْقُوَّة ) ‏ ‏: لَا يَرْفَعهَا الْعُصْبَة مِنْ الرِّجَال ( لَتَنُوءُ ) لَتَثْقُل ( فَارِغًا ) إِلَّا مِنْ ذِكْر مُوسَى ( الْفَرِحِينَ ) الْمَرِحِينَ ( قُصِّيهِ ) اِتَّبِعِي أَثَره , وَقَدْ يَكُون أَنْ يَقُصَّ الْكَلَام ( نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْك ). ( عَنْ جُنُب ) عَنْ بُعْد وَعَنْ جَنَابَة وَاحِد وَعَنْ اِجْتِنَاب أَيْضًا. ( نَبْطِش ) وَنَبْطِش أَيْ بِكَسْرِ الطَّاء وَضَمِّهَا. ( يَأْتَمِرُونَ : يَتَشَاوَرُونَ ) هَذَا جَمِيعه سَقَطَ لِأَبِي ذَرّ وَالْأَصِيلِيِّ وَثَبَتَ لِغَيْرِهِمَا مِنْ أَوَّله إِلَى قَوْله : \" ذِكْر مُوسَى \" تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي قِصَّة مُوسَى وَكَذَا قَوْله : \" نَبْطِش إِلَخْ \" وَأَمَّا قَوْله : \" الْفَرِحِينَ الْمَرِحِينَ \" فَهُوَ عِنْدَ اِبْن أَبِي حَاتِم مَوْصُول مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَوْله : \" قُصِّيهِ : اِتَّبِعِي أَثَره \" وَصَلَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ فِي قَوْله : ( وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ) : قُصِّي أَثَره. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( قُصِّيهِ ) اِتَّبِعِي أَثَره , يُقَال : قَصَصْت آثَار الْقَوْم. وَقَالَ فِي قَوْله : ( فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُب ) أَيْ عَنْ بُعْد وَتَجَنُّب , وَيُقَال : مَا تَأْتِينَا إِلَّا عَنْ جَنَابَة وَعَنْ جُنُب. ‏ ‏قَوْله : ( تَأْجُرُنِي تَأْجُر فُلَانًا تُعْطِيه أَجْرًا , وَمِنْهُ التَّعْزِيَة آجَرَك اللَّه ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج ) مِنْ الْإِجَارَة , يُقَال : فُلَان تَأْجُر فُلَانًا , وَمِنْهُ آجَرَك اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( الشَّاطِئ وَالشَّطّ وَاحِد , وَهُمَا ضَفَّتَا وَعُدْوَتَا الْوَادِي ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ أَيْضًا , وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : ( نُودِيَ مِنْ شَاطِئ الْوَادِي ) : الشَّاطِئ وَالشَّطّ وَاحِد وَهُمَا ضَفَّتَا الْوَادِي وَعُدْوَتَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنَّهَا جَانٌّ ) فِي رِوَايَة أُخْرَى ( حَيَّة تَسْعَى ) وَالْحَيَّات أَجْنَاس. الْجَانّ وَالْأَفَاعِي وَالْأَسَاوِد , ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ أَيْضًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق. ‏ ‏قَوْله : ( مَقْبُوحِينَ : مُهْلَكِينَ ) ‏ ‏هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَصَّلْنَا بَيَّنَاهُ وَأَتْمَمْنَاهُ ) ‏ ‏هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة أَيْضًا , وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ فِي قَوْله : ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْل ) قَالَ : بَيَّنَّا لَهُمْ الْقَوْل , وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَتْبَعْنَا بَعْضه بَعْضًا فَاتَّصَلَ وَهَذَا قَوْل الْفَرَّاء. ‏ ‏قَوْله : ( يُجْبَى يُجْلَب ) ‏ ‏هُوَ بِسُكُونِ الْجِيم وَفَتْح اللَّام ثُمَّ مُوَحَّدَة , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ شَيْء ) أَيْ يُجْمَع كَمَا يُجْمَع الْمَاء فِي الْجَابِيَة فَيُجْمَع لِلْوَارِدِ. ‏ ‏قَوْله : ( بَطِرَتْ أَشِرَتْ ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة بَطِرَتْ مَعِيشَتهَا ) أَيْ أَشِرَتْ وَطَغَتْ وَبَغَتْ , وَالْمَعْنَى بَطِرَتْ فِي مَعِيشَتهَا. فَانْتَصَبَ بِنَزْعِ الْخَافِض , وَقَالَ الْفَرَّاء : الْمَعْنَى أَبْطَرَتْهَا مَعِيشَتهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فِي أُمّهَا رَسُولًا : أُمّ الْقُرَى مَكَّة وَمَا حَوْلَهَا ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : أُمّ الْقُرَى مَكَّة فِي قَوْل الْعَرَب وَفِي رِوَايَة أُخْرَى ( لِتُنْذِرَ أُمّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ) وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ نَحْوه. وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَن فِي ‏ ‏قَوْله : ( فِي أُمّهَا ) ‏ ‏قَالَ : فِي أَوَائِلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( تُكِنّ تُخْفِي , أَكْنَنْت الشَّيْء أَخْفَيْته , وَكَنَنْته أَخْفَيْته وَأَظْهَرْته ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِبَعْضِهِمْ أَكْنَنْته أَخْفَيْته , وَكَنَنْته خَفَيْته. وَقَالَ اِبْن فَارِس : أَخْفَيْته سَتَرْته وَخَفَيْته أَظْهَرْته. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : ( وَرَبّك يَعْلَم مَا تُكِنّ صُدُورُهُمْ ) أَيْ تُخْفِي , يُقَال : أَكْنَنْت ذَلِكَ فِي صَدْرِي بِأَلِفٍ , وَكَنَنْت الشَّيْء خَفَيْته وَهُوَ بِغَيْرِ أَلِف. وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : أَكْنَنْت وَكَنَنْت وَاحِد , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : أَكْنَنْته إِذَا أَخْفَيْته وَأَظْهَرْته وَهُوَ مِنْ الْأَضْدَاد. ‏ ‏قَوْله : ( وَيْكَأَنَّ اللَّه مِثْل ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه يَبْسُط الرِّزْق لِمَنْ يَشَاء وَيَقْدِر ) يُوَسِّع عَلَيْهِ وَيُضَيِّق ) ‏ ‏وَقَعَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ وَهُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَيْكَأَنَّ اللَّه ) أَيْ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه , وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ فِي ‏ ‏قَوْله : ( وَيْكَأَنَّ اللَّه ) ‏ ‏أَيْ أَوَ لَا يَعْلَم أَنَّ اللَّه. ‏"
    },
    {
        "id": "4400",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ الْعُصْفُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ { ‏لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ‏} ‏قَالَ إِلَى ‏ ‏مَكَّةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا يَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُبَيْد. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان الْعُصْفُرِيُّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار التَّمَّار كَمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقه فِي آخِر الْجَنَائِز , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( لَرَادُّك إِلَى مَعَاد , قَالَ : إِلَى مَكَّةَ ) ‏ ‏هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة. وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ اِبْن عَبَّاس يَكْتُم تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة , وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" لَرَادُّك إِلَى مَعَاد : قَالَ : إِلَى الْجَنَّة \" وَإِسْنَاده ضَعِيف , وَمِنْ وَجْه آخَر قَالَ : \" إِلَى الْمَوْت \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَإِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ , وَمِنْ طَرِيق مُجَاهِد قَالَ : \" يُحْيِيك يَوْمَ الْقِيَامَة \" وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ \" إِلَى مَكَّةَ \" وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق قَالَ مَعْمَر : وَأَمَّا الْحَسَن وَالزُّهْرِيّ فَقَالَا هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ; وَرَوَى أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيق أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن عَلِيّ قَالَ : سَأَلْت أَبَا سَعِيد عَنْ هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ : مَعَاده آخِرَته , وَفِي إِسْنَاده جَابِر الْجُعْفِيُّ وَهُوَ ضَعِيف. ‏"
    },
    {
        "id": "4401",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏وَالْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي ‏ ‏كِنْدَةَ ‏ ‏فَقَالَ يَجِيءُ دُخَانٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ يَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ فَفَزِعْنَا فَأَتَيْتُ ‏ ‏ابْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏وَكَانَ مُتَّكِئًا فَغَضِبَ فَجَلَسَ فَقَالَ مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ ‏ ‏اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ لَا أَعْلَمُ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ ‏} ‏وَإِنَّ ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏أَبْطَئُوا عَنْ الْإِسْلَامِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ وَيَرَى الرَّجُلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ فَجَاءَهُ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏جِئْتَ تَأْمُرُنَا بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ فَقَرَأَ ‏ { ‏فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏عَائِدُونَ ‏} ‏أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ عَذَابُ الْآخِرَةِ إِذَا جَاءَ ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ‏ { ‏يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى ‏} ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَ ‏ { ‏لِزَامًا ‏} ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ { ‏الم غُلِبَتْ ‏ ‏الرُّومُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏سَيَغْلِبُونَ ‏} ‏وَالرُّومُ ‏ ‏قَدْ مَضَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله : \" إِنَّ مِنْ الْعِلْم أَنْ يَقُول لِمَا لَا يَعْلَم : لَا أَعْلَم \" ‏ ‏أَيْ أَنَّ تَمْيِيز الْمَعْلُوم مِنْ الْمَجْهُول نَوْع مِنْ الْعِلْم , وَهَذَا مُنَاسِب لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ لَا أَدْرِي نِصْف الْعِلْم , وَلِأَنَّ الْقَوْل فِيمَا لَا يَعْلَم قِسْم مِنْ التَّكَلُّف. ‏"
    },
    {
        "id": "4402",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ثُمَّ يَقُولُ ‏ { ‏فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏\" مَا مِنْ مَوْلُود إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ فِي كِتَاب الْجَنَائِز مَعَ شَرْحه فِي \" بَاب مَا قِيلَ فِي أَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4403",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ‏} ‏شَقَّ ذَلِكَ عَلَى ‏ ‏أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالُوا أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ ‏ { ‏إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4404",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَيَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِيمَانُ قَالَ ‏ ‏الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَلِقَائِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِسْلَامُ قَالَ الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِحْسَانُ قَالَ الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا إِذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ رَبَّتَهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا وَإِذَا كَانَ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ رُءُوسَ النَّاسِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ‏ { ‏إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ‏ ‏وَيُنْزِلُ ‏ ‏الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ‏} ‏ثُمَّ انْصَرَفَ الرَّجُلُ فَقَالَ رُدُّوا عَلَيَّ فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَقَالَ هَذَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي سُؤَال جِبْرِيل عَنْ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَغَيْر ذَلِكَ , وَفِيهِ خَمْس لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّه وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْإِيمَان , وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد شَيْء يَتَعَلَّق بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4405",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عُمَر بْن مُحَمَّد بْن زَيْد أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر ‏ ‏قَالَ ) هَكَذَا قَالَ اِبْن وَهْب , وَخَالَفَهُ أَبُو عَاصِم فَقَالَ : \" عَنْ عُمَر بْن مُحَمَّد بْن زَيْد عَنْ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون لِعُمَر بْن مُحَمَّد فِيهِ شَيْخَانِ أَبُوهُ وَعَمّ أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" مَفَاتِيح الْغَيْب خَمْس ثُمَّ قَرَأَ : إِنَّ اللَّه عِنْدَهُ عِلْم السَّاعَة ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا , وَفِي رِوَايَة أَبِي عَاصِم الْمَذْكُورَة مَفَاتِح الْغَيْب خَمْس لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّه : إِنَّ اللَّه عِنْدَهُ عِلْم السَّاعَة وَيُنَزِّل الْغَيْث \" يَعْنِي الْآيَة كُلّهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة الرَّعْد وَفِي الِاسْتِسْقَاء مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" مَفَاتِح الْغَيْب خَمْس لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّه : لَا يَعْلَم مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّه \" الْحَدِيث. هَذَا السِّيَاق فِي الْخَمْس. وَفِي تَفْسِير الْأَنْعَام مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ مَفَاتِح الْغَيْب خَمْس : إِنَّ اللَّه عِنْدَهُ عِلْم السَّاعَة إِلَى آخِر السُّورَة. وَأَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَده عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيّ بِلَفْظِ \" أُوتِيَ نَبِيّكُمْ مَفَاتِح الْغَيْب إِلَّا الْخَمْس \" ثُمَّ تَلَا الْآيَة , وَأَظُنُّهُ دَخَلَ لَهُ مَتْن فِي مَتْن , فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظ أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن سَلَمَة عَنْ اِبْن مَسْعُود نَحْوه. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : عَبَّرَ بِالْمَفَاتِحِ لِتَقْرِيبِ الْأَمْر عَلَى السَّامِع لِأَنَّ كُلّ شَيْء جُعِلَ بَيْنَك وَبَيْنَهُ حِجَاب فَقَدْ غُيِّبَ عَنْك , وَالتَّوَصُّل إِلَى مَعْرِفَته فِي الْعَادَة مِنْ الْبَاب فَإِذَا أُغْلِقَ الْبَاب اُحْتِيجَ إِلَى الْمِفْتَاح , فَإِذَا كَانَ الشَّيْء الَّذِي لَا يَطَّلِع عَلَى الْغَيْب إِلَّا بِتَوْصِيلِهِ لَا يَعْرِف مَوْضِعه فَكَيْف يَعْرِف الْمَغِيب. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَرَوَى أَحْمَد وَالْبَزَّار وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ قَالَ : \" خَمْس لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّه : إِنَّ اللَّه عِنْدَهُ عِلْم السَّاعَة \" الْآيَة وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْإِيمَان بَيَان جِهَة الْحَصْر فِي قَوْله : ( لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّه ) وَيُرَاد هُنَا أَنَّ ذَلِكَ يُمْكِن أَنْ يُسْتَفَاد مِنْ الْآيَة الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : ( قُلْ لَا يَعْلَم مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا اللَّه ) فَالْمُرَاد بِالْغَيْبِ الْمَنْفِيّ فِيهَا هُوَ الْمَذْكُور فِي هَذِهِ الْآيَة الَّتِي فِي لُقْمَان , وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : ( عَالِم الْغَيْب فَلَا يُظْهِر عَلَى غَيْبه أَحَدًا إِلَّا مَنْ اِرْتَضَى مِنْ رَسُول ) الْآيَة فَيُمْكِن أَنْ يُفَسَّر بِمَا فِي حَدِيث الطَّيَالِسِيِّ , وَأَمَّا مَا ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآن أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : إِنَّهُ يُخْبِرهُمْ بِمَا يَأْكُلُونَ وَمَا يَدَّخِرُونَ وَأَنَّ يُوسُف قَالَ : إِنَّهُ يُنَبِّئهُمْ بِتَأْوِيلِ الطَّعَام قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا ظَهَرَ مِنْ الْمُعْجِزَات وَالْكَرَامَات فَكُلّ ذَلِكَ يُمْكِن أَنْ يُسْتَفَاد مِنْ الِاسْتِثْنَاء فِي قَوْله : ( إِلَّا مَنْ اِرْتَضَى مِنْ رَسُول ) فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اِطِّلَاع الرَّسُول عَلَى بَعْض الْغَيْب وَالْوَلِيّ التَّابِع لِلرَّسُولِ عَنْ الرَّسُول يَأْخُذ وَبِهِ يُكَرَّم , وَالْفَرْق بَيْنَهُمَا أَنَّ الرَّسُول يَطَّلِع عَلَى ذَلِكَ بِأَنْوَاعِ الْوَحْي كُلّهَا وَالْوَلِيّ لَا يَطَّلِع عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِمَنَامٍ أَوْ إِلْهَام وَاَللَّه أَعْلَم. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى الطَّبَرِيِّ دَعْوَاهُ أَنَّهُ بَقِيَ مِنْ الدُّنْيَا مِنْ هِجْرَة الْمُصْطَفَى نِصْف يَوْم وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَام قَالَ : وَتَقُوم السَّاعَة وَيَعُود الْأَمْر إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَكُون شَيْء غَيْر الْبَارِي تَعَالَى فَلَا يَبْقَى غَيْر وَجْهه , فَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ وَقْت السَّاعَة لَا يَعْلَمهَا إِلَّا اللَّه , فَاَلَّذِي قَالَهُ مُخَالِف لِصَرِيحِ الْقُرْآن وَالْحَدِيث , ثُمَّ تَعَقَّبَهُ مِنْ جِهَة أُخْرَى وَذَلِكَ أَنَّهُ تَوَهَّمَ مِنْ كَلَامه أَنَّهُ يُنْكِرُ الْبَعْث فَأَقْدَم عَلَى تَفْكِيره وَزَعَمَ أَنَّ كَلَامه لَا يَحْتَمِل تَأْوِيلًا , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ مُرَاد الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ يَصِير الْأَمْر أَيْ بَعْدَ فَنَاء الْمَخْلُوقَات كُلّهَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ يَقَع الْبَعْث وَالْحِسَاب , هَذَا الَّذِي يَجِب حَمْل كَلَامه عَلَيْهِ , وَأَمَّا إِنْكَاره عَلَيْهِ اِسْتِخْرَاج وَقْت السَّاعَة فَهُوَ مَعْذُور فِيهِ , وَيَكْفِي فِي الرَّدّ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَمْر وَقَعَ بِخِلَافِ مَا قَالَ فَقَدْ مَضَتْ خَمْسُمِائَةٍ ثُمَّ ثَلَاثُمِائَةٍ وَزِيَادَة , لَكِنَّ الطَّبَرِيَّ تَمَسَّكَ بِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَة رَفَعَهُ \" لَنْ يَعْجِز هَذِهِ الْأُمَّة أَنْ يُؤَخِّرَهَا اللَّه نِصْفَ يَوْم \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره , لَكِنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا فِي أَنَّهَا لَا تُؤَخَّر أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم , وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ الدُّنْيَا فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4406",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ‏ ‏أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ‏ { ‏فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ‏} ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ اللَّهُ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏قِيلَ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏رِوَايَةً قَالَ فَأَيُّ شَيْءٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَقُول اللَّه تَعَالَى : أَعْدَدْت لِعِبَادِي ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي حَدِيث آخَر \" أَنَّ سَبَب هَذَا الْحَدِيث أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام سَأَلَ رَبّه مَنْ أَعْظَم أَهْل الْجَنَّة مَنْزِلَةً ؟ فَقَالَ : غَرَسْت كَرَامَتهمْ بِيَدِي وَخَتَمْت عَلَيْهَا , فَلَا عَيْن رَأَتْ وَلَا أُذُن سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْب بَشَر \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ سَمِعْت الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة عَلَى الْمِنْبَر يَرْفَعهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَنَّ مُوسَى سَأَلَ رَبّه \" فَذَكَرَ الْحَدِيث بِطُولِهِ وَفِيهِ هَذَا , وَفِي آخِره : قَالَ : وَمِصْدَاق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه ( فَلَا تَعْلَم نَفْس مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّة أَعْيُن ). ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْب بَشَر ) ‏ ‏زَادَ اِبْن مَسْعُود فِي حَدِيثه \" وَلَا يَعْلَمهُ مَلَك مُقَرَّب وَلَا نَبِيّ مُرْسَل \" أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم , وَهُوَ يَدْفَع قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّمَا قِيلَ : الْبَشَر لِأَنَّهُ يَخْطِر بِقُلُوبِ الْمَلَائِكَة. وَالْأَوْلَى حَمْل النَّفْي فِيهِ عَلَى عُمُومه فَإِنَّهُ أَعْظَم فِي النَّفْس. ‏"
    },
    {
        "id": "4407",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ‏ ‏أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْرًا بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏قَرَأَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏قُرَّاتِ أَعْيُنٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ذُخْرًا ) ‏ ‏بِضَمِّ الدَّال الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة مَنْصُوب مُتَعَلِّق بِأَعْدَدْت أَيْ جَعَلْت ذَلِكَ لَهُمْ مَذْخُورًا. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ كَأَنَّهُ يَقُول : دَعْ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ سَهْل فِي جَنْب مَا اُدُّخِرَ لَهُمْ. قُلْت : وَهَذَا لَائِق بِشَرْحِ \" بَلْهَ \" بِغَيْرِ تَقَدُّم \" مِنْ \" عَلَيْهَا , وَأَمَّا إِذَا تَقَدَّمَتْ مِنْ عَلَيْهَا فَقَدْ قِيلَ : هِيَ بِمَعْنَى كَيْف وَيُقَال : بِمَعْنَى أَجَل وَيُقَال : بِمَعْنَى غَيْر أَوْ سِوَى وَقِيلَ : بِمَعْنَى فَضَلَ , لَكِنْ قَالَ الصَّغَانِيُّ : اِتَّفَقَتْ نُسَخ الصَّحِيح عَلَى \" مِنْ بَلْهَ \" وَالصَّوَاب إِسْقَاط كَلِمَة \" مِنْ \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّن إِسْقَاطهَا إِلَّا إِذَا فُسِّرَتْ بِمَعْنَى دَعْ , وَأَمَّا إِذَا فُسِّرَتْ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ أَوْ مِنْ غَيْر أَوْ سِوَى فَلَا , وَقَدْ ثَبَتَ فِي عِدَّة مُصَنَّفَات خَارِجَ الصَّحِيح بِإِثْبَاتِ مِنْ. وَأَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور وَمِنْ طَرِيقه اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش كَذَلِكَ , وَقَالَ اِبْن مَالِك : الْمَعْرُوف \" بَلْهَ \" اِسْم فِعْل بِمَعْنَى اُتْرُكْ نَاصِبًا لِمَا يَلِيهَا بِمُقْتَضَى الْمَفْعُولِيَّة , وَاسْتِعْمَاله مَصْدَرًا بِمَعْنَى التَّرْك مُضَافًا إِلَى مَا يَلِيه , وَالْفَتْحَة فِي الْأُولَى بِنَائِيَّة وَفِي الثَّانِيَة إِعْرَابِيَّة , وَهُوَ مَصْدَر مُهْمَل الْفِعْل مَمْنُوع الصَّرْف. وَقَالَ الْأَخْفَش : بَلْهَ هُنَا مَصْدَر كَمَا تَقُول ضَرْب زَيْد , وَنَدَرَ دُخُول مِنْ عَلَيْهَا زَائِدَة. وَوَقَعَ فِي \" الْمُغْنِي لِابْنِ هِشَام \" أَنَّ بَلْهَ اُسْتُعْمِلَتْ مُعْرَبَة مَجْرُورَة بِمِنْ وَأَنَّهَا بِمَعْنَى غَيْر وَلَمْ يَذْكُر سِوَاهُ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ اِبْن التِّين حَكَى رِوَايَة مِنْ بَلْهَ بِفَتْحِ الْهَاء مَعَ وُجُود مِنْ , فَعَلَى هَذَا فَهِيَ مَبْنِيَّة وَمَا مَصْدَرِيَّة وَهِيَ وَصِلَتهَا فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر هُوَ الْجَارّ وَالْمَجْرُور الْمُتَقَدِّم وَيَكُون الْمُرَاد بِبَلْهَ كَيْف الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الِاسْتِبْعَاد , وَالْمَعْنَى مِنْ أَيْنَ اِطِّلَاعكُمْ عَلَى هَذَا الْقَدْر الَّذِي تَقْصُر عُقُول الْبَشَر عَنْ الْإِحَاطَة بِهِ , وَدُخُول مِنْ عَلَى بَلْهَ إِذَا كَانَتْ بِهَذَا الْمَعْنَى جَائِز كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّرِيف فِي \" شَرْح الْحَاجِبِيَّة \". قُلْت : وَأَصَحّ التَّوْجِيهَات لِخُصُوصِ سِيَاق حَدِيث الْبَاب حَيْثُ وَقَعَ فِيهِ \" وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْب بَشَر دُخْرًا مِنْ بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ \" أَنَّهَا بِمَعْنَى غَيْر وَذَلِكَ بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح : قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَة قُرَّات أَعْيُن ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَبُو عُبَيْدَة الْقَاسِم بْن سَلَّامٍ فِي كِتَاب \" فَضَائِل الْقُرْآن \" لَهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة بِهَذَا الْإِسْنَاد مِثْله سَوَاء , وَأَخْرَجَ مُسْلِم الْحَدِيث كُلّه عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4408",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ‏ { ‏النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ‏} ‏فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا فَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ ‏",
        "sharh": "\" 7009 \" حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ‏ ‏\" مَا مِنْ مُؤْمِن إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْفَرَائِض إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4409",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ‏ ‏مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا ‏ ‏كُنَّا نَدْعُوهُ إِلَّا ‏ ‏زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ ‏ { ‏ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ زَيْد بْن حَارِثَة مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلَّا زَيْد بْنَ مُحَمَّد , حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآن : اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَط عِنْدَ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْقَاسِم بْن مَعْن عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيث \" مَا كُنَّا نَدْعُو زَيْد بْن حَارِثَة الْكَلْبِيّ مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا زَيْد بْنَ مُحَمَّد \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ. وَفِي حَدِيث عَائِشَة الْآتِي فِي النِّكَاح فِي قِصَّة سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة \" وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّة دَعَاهُ النَّاس إِلَيْهِ وَوَرِثَ مِيرَاثه , حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة \" وَسَيَأْتِي مَزِيد الْكَلَام عَلَى قِصَّة زَيْد بْن حَارِثَة فِي ذَلِكَ بَعْدَ قَلِيل إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4410",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثُمَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نُرَى هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ‏ ‏أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ ‏ { ‏مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ‏}",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة أَنَس بْن النَّضْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِل الْجِهَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "4411",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَسَخْنَا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ فَقَدْتُ آيَةً مِنْ سُورَةِ ‏ ‏الْأَحْزَابِ ‏ ‏كُنْتُ كَثِيرًا أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَؤُهَا لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ إِلَّا مَعَ ‏ ‏خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ ‏ { ‏مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي خَارِجَة بْن زَيْد بْن ثَابِت أَنَّ زَيْد بْن ثَابِت قَالَ : لَمَّا نَسَخْنَا الصُّحُف فِي الْمَصَاحِف ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي آخِر تَفْسِير التَّوْبَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُبَيْد بْن السَّبَّاق عَنْ زَيْد بْن ثَابِت , لَكِنْ فِي تِلْكَ الرِّوَايَة أَنَّ الْآيَة ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول ) وَفِي هَذِهِ أَنَّ الْآيَة ( مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَال ) فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ , وَسَيَأْتِي فِي فَضَائِل الْقُرْآن مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيّ بِالْحَدِيثَيْنِ مَعًا فِي سِيَاق وَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَدْت آيَةَ مِنْ سُورَة الْأَحْزَاب كُنْت كَثِيرًا أَسْمَع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأهَا ) ‏ ‏هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ زَيْدًا لَمْ يَكُنْ يَعْتَمِد فِي جَمْع الْقُرْآن عَلَى عِلْمه , وَلَا يَقْتَصِر عَلَى حِفْظه. لَكِنْ فِيهِ إِشْكَال لِأَنَّ ظَاهِره أَنَّهُ اِكْتَفَى مَعَ ذَلِكَ بِخُزَيْمَةَ وَحْدَهُ وَالْقُرْآن إِنَّمَا يَثْبُت بِالتَّوَاتُرِ , وَاَلَّذِي يَظْهَر فِي الْجَوَاب أَنَّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَنَّ فَقْدَهُ فَقْدُ وُجُودهَا مَكْتُوبَة , لَا فَقْد وُجُودهَا مَحْفُوظَة , بَلْ كَانَتْ مَحْفُوظَة عِنْدَهُ وَعِنْدَ غَيْره , وَيَدُلّ عَلَى هَذَا قَوْله فِي حَدِيث جَمْع الْقُرْآن \" فَأَخَذْت أَتَتَبَّعهُ مِنْ الرِّقَاع وَالْعُسُب \" كَمَا سَيَأْتِي مَبْسُوطًا فِي فَضَائِل الْقُرْآن. وَقَوْله : \" خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيّ الَّذِي جَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَته بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ \" يُشِير إِلَى قِصَّة خُزَيْمَةَ الْمَذْكُورَة وَهُوَ خُزَيْمَةُ بْن ثَابِت كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد الْآتِيَة. وَأَمَّا قِصَّته الْمَذْكُورَة فِي الشَّهَادَة فَأَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ , وَوَقَعَتْ لَنَا بِعُلْوٍ فِي \" جُزْء مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيُّ \" مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ أَيْضًا عَنْ عُمَارَة بْن خُزَيْمَةَ عَنْ عَمّه وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْتَاعَ مِنْ أَعْرَابِيّ فَرَسًا , فَاسْتَتْبَعَهُ لِيَقْضِيَهُ ثَمَن الْفَرَس فَأَسْرَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَشْي وَأَبْطَأَ الْأَعْرَابِيّ , فَطَفِقَ رِجَال يَعْتَرِضُونَ الْأَعْرَابِيّ يُسَاوِمُونَهُ فِي الْفَرَس حَتَّى زَادُوهُ عَلَى ثَمَنه - فَذَكَرَ الْحَدِيث - قَالَ : فَطَفِقَ الْأَعْرَابِيّ يَقُول. هَلُمَّ شَهِيدًا يَشْهَد أَنِّي قَدْ بِعْتُك , فَمَنْ جَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقُول : وَيْلَك إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لِيَقُولَ إِلَّا الْحَقّ , حَتَّى جَاءَ خُزَيْمَةُ بْن ثَابِت فَاسْتَمَعَ الْمُرَاجَعَة فَقَالَ : أَنَا أَشْهَد أَنَّك قَدْ بَايَعْته , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِمَ تَشْهَد ؟ قَالَ : بِتَصْدِيقِك. فَجَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَة خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ \" وَوَقَعَ لَنَا مِنْ وَجْه آخَر أَنَّ اِسْم هَذَا الْأَعْرَابِيّ سَوَاد بْن الْحَارِث , فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَابْن شَاهِين مِنْ طَرِيق زَيْد بْن الْحُبَابِ \" عَنْ مُحَمَّد بْن زُرَارَةَ بْن خُزَيْمَةَ حَدَّثَنِي عُمَارَة بْن خُزَيْمَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِشْتَرَى فَرَسًا مِنْ سَوَاد بْن الْحَارِث فَجَحَدَهُ , فَشَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ بْن ثَابِت , فَقَالَ لَهُ : بِمَ تَشْهَد وَلَمْ تَكُنْ حَاضِرًا ؟ قَالَ : بِتَصْدِيقِك وَأَنَّك لَا تَقُول إِلَّا حَقًّا. ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ أَوْ عَلَيْهِ فَحَسْبُهُ \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا الْحَدِيث حَمَلَهُ كَثِير مِنْ النَّاس عَلَى غَيْر مَحْمَله , وَتَذَرَّعَ بِهِ قَوْم مِنْ أَهْل الْبِدَع إِلَى اِسْتِحْلَال الشَّهَادَة لِمَنْ عُرِفَ عِنْدَهُمْ بِالصِّدْقِ عَلَى كُلّ شَيْء اِدَّعَاهُ , وَإِنَّمَا وَجْه الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ عَلَى الْأَعْرَابِيّ بِعِلْمِهِ وَجَرَتْ شَهَادَة خُزَيْمَةَ مَجْرَى التَّوْكِيد لِقَوْلِهِ وَالِاسْتِظْهَار عَلَى خَصْمه فَصَارَ فِي التَّقْدِير كَشَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ فِي غَيْرهَا مِنْ الْقَضَايَا اِنْتَهَى. وَفِيهِ فَضِيلَة الْفِطْنَة فِي الْأُمُور وَأَنَّهَا تَرْفَع مَنْزِلَة صَاحِبهَا , لِأَنَّ السَّبَب الَّذِي أَبَدَاهُ خُزَيْمَةُ حَاصِل فِي نَفْس الْأَمْر يَعْرِفهُ غَيْره مِنْ الصَّحَابَة , وَإِنَّمَا هُوَ لَمَّا اِخْتَصَّ بِتَفَطُّنِهِ لِمَا غَفَلَ عَنْهُ غَيْره مَعَ وُضُوحه جُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ خُصَّ بِفَضِيلَةِ مَنْ شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ أَوْ عَلَيْهِ فَحَسْبُهُ ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏زَعَمَ اِبْن التِّين أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِخُزَيْمَةَ لَمَّا جَعَلَ شَهَادَته شَهَادَتَيْنِ \" لَا تَعُدْ \" أَيْ تَشْهَد عَلَى مَا لَمْ تُشَاهِدهُ اِنْتَهَى. وَهَذِهِ الزِّيَادَة لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4412",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَاءَهَا حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ فَبَدَأَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَسْتَعْجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ قَالَتْ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ قَالَ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ‏} ‏إِلَى تَمَامِ الْآيَتَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهَا حِينَ أَمَرَهُ اللَّه أَنْ يُخَيِّر أَزْوَاجه ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4413",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ ‏ { ‏وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ‏} ‏نَزَلَتْ فِي شَأْنِ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْن مَنْصُور ) ‏ ‏هُوَ الرَّازِيُّ , وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي الْبُيُوع , وَقَدْ قَالَ فِي \" التَّارِيخ الصَّغِير \" : دَخَلْنَا عَلَيْهِ سَنَة عَشْر , فَكَأَنَّهُ لَمْ يُكْثِر عَنْهُ وَلِهَذَا حَدَّثَ عَنْهُ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ بِوَاسِطَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا ثَابِت ) ‏ ‏كَذَا قَالَ مُعَلَّى بْن مَنْصُور عَنْ حَمَّاد , وَتَابَعَهُ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْمُقَدَّمِيُّ وَعَارِم وَغَيْرهمَا , وَقَالَ الصَّلْت بْن مَسْعُود وَرَوْح بْن عَبْد الْمُؤْمِن وَغَيْرهمَا : \" عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَس \" فَلَعَلَّ لِحَمَّادٍ فِيهِ إِسْنَادَيْنِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن أَيُّوب صَاحِب الْبَصْرِيّ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ هَذِهِ الْآيَة ( وَتُخْفِي فِي نَفْسك مَا اللَّه مُبْدِيه ) ‏ ‏نَزَلَتْ فِي شَأْن زَيْنَب بِنْت جَحْش وَزَيْد بْن حَارِثَة ) هَكَذَا اِقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَدْر مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي التَّوْحِيد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ : \" جَاءَ زَيْد بْن حَارِثَة يَشْكُو , فَجَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : اِتَّقِ اللَّه وَأَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجك , قَالَ أَنَس : لَوْ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَة \" قَالَ : \" وَكَانَتْ تَفْتَخِر عَلَى أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ مُؤَمَّل بْن إِسْمَاعِيل عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظِ \" أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْزِل زَيْد بْن حَارِثَة فَجَاءَهُ زَيْد يَشْكُوهَا إِلَيْهِ , فَقَالَ لَهُ : أَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجك وَاتَّقِ اللَّه , فَنَزَلَتْ إِلَى قَوْله : ( زَوَّجْنَاكهَا ) قَالَ : يَعْنِي زَيْنَب بِنْت جَحْش \". وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ فَسَاقَهَا سِيَاقًا وَاضِحًا حَسَنًا وَلَفْظه \" بَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي زَيْنَب بِنْت جَحْش , وَكَانَتْ أُمّهَا أُمَيْمَة بِنْت عَبْد الْمُطَّلِب عَمَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا زَيْد بْن حَارِثَة مَوْلَاهُ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ , ثُمَّ إِنَّهَا رَضِيَتْ بِمَا صَنَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ , ثُمَّ أَعْلَمَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ أَنَّهَا مِنْ أَزْوَاجه فَكَانَ يَسْتَحِي أَنْ يَأْمُرَ بِطَلَاقِهَا , وَكَانَ لَا يَزَال يَكُون بَيْنَ زَيْد وَزَيْنَب مَا يَكُون مِنْ النَّاس , فَأَمَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُمْسِكَ عَلَيْهِ زَوْجه وَأَنْ يَتَّقِيَ اللَّه , وَكَانَ يَخْشَى النَّاس أَنْ يَعِيبُوا عَلَيْهِ وَيَقُولُوا تَزَوَّجَ اِمْرَأَة اِبْنه , وَكَانَ قَدْ تَبَنَّى زَيْدًا \". وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ قَالَ : أَعْلَمَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ زَيْنَب سَتَكُونُ مِنْ أَزْوَاجه قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجهَا , فَلَمَّا أَتَاهُ زَيْد يَشْكُوهَا إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ : اِتَّقِ اللَّه وَأَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجك قَالَ اللَّه : قَدْ أَخْبَرْتُك أَنِّي مُزَوِّجُكَهَا , وَتُخْفِي فِي نَفْسك مَا اللَّه مُبْدِيه. وَقَدْ أَطْنَبَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي تَحْسِين هَذِهِ الرِّوَايَة وَقَالَ : إِنَّهَا مِنْ جَوَاهِر الْعِلْم الْمَكْنُون. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَى تَفْسِير السُّدِّيِّ الَّذِي أَوْرَدْته , وَهُوَ أَوْضَح سِيَاقًا وَأَصَحّ إِسْنَادًا إِلَيْهِ لِضَعْفِ عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَانَ. وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : جَاءَ زَيْد بْن حَارِثَة فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ زَيْنَب اِشْتَدَّ عَلَيَّ لِسَانهَا , وَأَنَا أُرِيد أَنْ أُطَلِّقَهَا , فَقَالَ لَهُ : اِتَّقِ اللَّه وَأَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجك , قَالَ : وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبّ أَنْ يُطَلِّقهَا وَيَخْشَى قَالَةَ النَّاس. وَوَرَدَتْ آثَار أُخْرَى أَخْرَجَهَا اِبْن أَبِي حَاتِم وَالطَّبَرِيُّ وَنَقَلَهَا كَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِينَ لَا يَنْبَغِي التَّشَاغُل بِهَا , وَاَلَّذِي أَوْرَدْته مِنْهَا هُوَ الْمُعْتَمَد. وَالْحَاصِل أَنَّ الَّذِي كَانَ يُخْفِيه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ إِخْبَار اللَّه إِيَّاهُ أَنَّهَا سَتَصِيرُ زَوْجَته , وَاَلَّذِي كَانَ يَحْمِلهُ عَلَى إِخْفَاء ذَلِكَ خَشْيَة قَوْل النَّاس تَزَوَّجَ اِمْرَأَة اِبْنه , وَأَرَادَ اللَّه إِبْطَال مَا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَام التَّبَنِّي بِأَمْرٍ لَا أَبْلَغ فِي الْإِبْطَال مِنْهُ وَهُوَ تَزَوُّج اِمْرَأَة الَّذِي يُدْعَى اِبْنًا. وَوُقُوع ذَلِكَ مِنْ إِمَام الْمُسْلِمِينَ لِيَكُونَ أَدْعَى لِقَبُولِهِمْ. وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخَبْط فِي تَأْوِيل مُتَعَلَّق الْخَشْيَة وَاَللَّه أَعْلَم , وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" لَوْ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِمًا شَيْئًا مِنْ الْوَحْي لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَة ( وَإِذْ تَقُول لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِ - يَعْنِي بِالْإِسْلَامِ - وَأَنْعَمْت عَلَيْهِ - بِالْعِتْقِ - أَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجك ) إِلَى قَوْله : ( قَدَرًا مَقْدُورًا ) وَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَزَوَّجَهَا قَالُوا : تَزَوَّجَ حَلِيلَة اِبْنه , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالكُمْ ) الْآيَة , وَكَانَ تَبَنَّاهُ وَهُوَ صَغِير. قُلْت : حَتَّى صَارَ رَجُلًا يُقَال لَهُ زَيْد اِبْن مُحَمَّد , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : ( اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ - إِلَى قَوْله - وَمَوَالِيكُمْ ). قَالَ التِّرْمِذِيّ : رُوِيَ عَنْ دَاوُدَ عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة إِلَى قَوْله : \" لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَة \" وَلَمْ يَذْكُر مَا بَعْدَهُ. قُلْت : وَهَذَا الْقَدْر أَخْرَجَهُ مُسْلِم كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ , وَأَظُنّ الزَّائِد بَعْدَهُ مُدْرَجًا فِي الْخَبَر , فَإِنَّ الرَّاوِيَ لَهُ عَنْ دَاوُدَ لَمْ يَكُنْ بِالْحَافِظِ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِزَيْدٍ : ( أَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجك ) اِخْتِبَارًا لِمَا عِنْدَهُ مِنْ الرَّغْبَة فِيهَا أَوْ عَنْهَا , فَلَمَّا أَطْلَعَهُ زَيْد عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنْهَا مِنْ النُّفْرَة الَّتِي نَشَأَتْ مِنْ تَعَاظُمِهَا عَلَيْهِ وَبَذَاءَة لِسَانهَا أَذِنَ لَهُ فِي طَلَاقهَا , وَلَيْسَ فِي مُخَالَفَةِ مُتَعَلَّق الْأَمْر لِمُتَعَلَّقِ الْعِلْم مَا يَمْنَع الْأَمْر بِهِ وَاَللَّه أَعْلَم. وَرَوَى أَحْمَد وَمُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ : \" لَمَّا اِنْقَضَتْ عِدَّة زَيْنَب قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدٍ : اُذْكُرْهَا عَلَيَّ , قَالَ : فَانْطَلَقْت فَقُلْت : يَا زَيْنَب , أَبْشِرِي , أَرْسَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرك. فَقَالَتْ : مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُؤَامِر رَبِّي , فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا , وَنَزَلَ الْقُرْآن , وَجَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْن \" وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَبْلَغ مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ , وَهُوَ أَنْ يَكُون الَّذِي كَانَ زَوْجهَا هُوَ الْخَاطِب , لِئَلَّا يَظُنّ أَحَد أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَهْرًا بِغَيْرِ رِضَاهُ. وَفِيهِ أَيْضًا اِخْتِبَار مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا هَلْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْء أَمْ لَا ؟ وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب فِعْل الْمَرْأَة الِاسْتِخَارَة وَدُعَائِهَا عِنْدَ الْخِطْبَة قَبْلَ الْإِجَابَة , وَأَنَّ مَنْ وَكَّلَ أَمْره إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَسَّرَ اللَّه لَهُ مَا هُوَ الْأَحَظّ لَهُ وَالْأَنْفَع دُنْيَا وَأُخْرَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4414",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَقُولُ أَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏تُرْجِئُ ‏ ‏مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنْ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ‏} ‏قُلْتُ مَا أُرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الطَّائِيّ وَقِيلَ : الْبَلْخِيُّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي الْعِيدَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة قَالَ هِشَام : حَدَّثَنَا ) ‏ ‏هُوَ مِنْ تَقْدِيم الْمَخْبَر عَلَى الصِّيغَة وَهُوَ جَائِز. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت أَغَارَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة مِنْ الْغَيْرَة وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن بِشْر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة بِلَفْظِ \" كَانَتْ تُعَيَّر اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ \" بِعَيْنٍ مُهْمَلَة وَتَشْدِيد. ‏ ‏قَوْله : ( وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِر فِي أَنَّ الْوَاهِبَة أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَة , وَيَأْتِي فِي النِّكَاح حَدِيث سَهْل بْن سَعْد \" أَنَّ اِمْرَأَة قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه , إِنِّي وَهَبْت نَفْسِي لَك \" الْحَدِيث , وَفِيهِ قِصَّة الرَّجُل الَّذِي طَلَبَهَا قَالَ : \" اِلْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيد \" وَمِنْ حَدِيث أَنَس \" أَنَّ اِمْرَأَة أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ لَهُ : إِنَّ لِي اِبْنَة - فَذَكَرَتْ مِنْ جَمَالهَا - فَآثَرْتُك بِهَا. فَقَالَ : قَدْ قَبِلْتهَا. فَلَمْ تَزَلْ تَذْكُر حَتَّى قَالَتْ : لَمْ تُصْدَع قَطُّ. فَقَالَ : لَا حَاجَة لِي فِي اِبْنَتك \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا , وَهَذِهِ اِمْرَأَة أُخْرَى بِلَا شَكّ. وَعِنْدَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث عَائِشَة : الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ خَوْلَة بِنْت حَكِيم , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب النِّكَاح , فَإِنَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ إِلَيْهِ مُعَلَّقًا. وَمِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ قَالَ : مِنْ الْوَاهِبَات أُمّ شَرِيك. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عُرْوَة. وَعِنْدَ أَبِي عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى أَنَّ مِنْ الْوَاهِبَات فَاطِمَة بِنْت شُرَيْحٍ. وَقِيلَ : إِنَّ لَيْلَى بِنْت الْحَطِيم مِمَّنْ وَهَبَتْ نَفْسهَا لَهُ. وَمِنْهُنَّ زَيْنَب بِنْت خُزَيْمَةَ , جَاءَ عَنْ الشَّعْبِيّ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ , وَخَوْلَة بِنْت حَكِيم وَهُوَ فِي هَذَا الصَّحِيح. وَمِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ مَيْمُونَة بِنْت الْحَارِث , وَهَذَا مُنْقَطِع. وَأَوْرَدَهُ مِنْ وَجْه آخَر مُرْسَل وَإِسْنَاده ضَعِيف. وَيُعَارِضهُ حَدِيث سِمَاك عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" لَمْ يَكُنْ عِنْدَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِمْرَأَة وَهَبَتْ نَفْسهَا لَهُ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَإِسْنَاده حَسَن , وَالْمُرَاد أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل بِوَاحِدَةٍ مِمَّنْ وَهَبَتْ نَفْسهَا لَهُ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَهُ لِأَنَّهُ رَاجِع إِلَى إِرَادَته لِقَوْلِهِ تَعَالَى. ( إِنْ أَرَادَ النَّبِيّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا ) , وَقَدْ بَيَّنَتْ عَائِشَة فِي هَذَا الْحَدِيث سَبَب نُزُول قَوْله تَعَالَى : ( تُرْجِي مَنْ تَشَاء مِنْهُنَّ ) وَأَشَارَتْ إِلَى قَوْله تَعَالَى : ( وَامْرَأَة مُؤْمِنَة إِنْ وَهَبَتْ نَفْسهَا لِلنَّبِيِّ ) وَقَوْله تَعَالَى : ( قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجهمْ ) وَرَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر وَمِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَيْضًا قَالَ : فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا نِكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَرَى رَبَّك إِلَّا يُسَارِع فِي هَوَاك ) ‏ ‏أَيْ مَا أَرَى اللَّه إِلَّا مُوجِدًا لِمَا تُرِيد بِلَا تَأْخِير , مُنْزِلًا لِمَا تُحِبّ وَتَخْتَار. وَقَوْله : ( تُرْجِي مَنْ تَشَاء مِنْهُنَّ ) أَيْ تُؤَخِّرهُنَّ بِغَيْرِ قَسْم , وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَالْحَسَن وَقَتَادَةَ وَأَبِي رَزِين وَغَيْرهمْ , وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا عَنْ الشَّعْبِيّ فِي قَوْله : ( تُرْجِي مَنْ تَشَاء مِنْهُنَّ ) قَالَ : كُنَّ نِسَاء وَهَبْنَ أَنْفُسهنَّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَدَخَلَ بِبَعْضِهِنَّ وَأَرْجَأَ بَعْضَهُنَّ لَمْ يَنْكِحهُنَّ , وَهَذَا شَاذٌّ , وَالْمَحْفُوظ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل بِأَحَدٍ مِنْ الْوَاهِبَات كَمَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( تُرْجِي مَنْ تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْك مَنْ تَشَاء ) أَنَّهُ كَانَ هَمَّ بِطَلَاقِ بَعْضهنَّ , فَقُلْنَ لَهُ لَا تُطَلِّقنَا وَاقْسِمْ لَنَا مَا شِئْت , فَكَانَ يَقْسِم لِبَعْضِهِنَّ قَسْمًا مُسْتَوِيًا , وَهُنَّ اللَّاتِي آوَاهُنَّ , وَيَقْسِم لِلْبَاقِي مَا شَاءَ وَهُنَّ اللَّاتِي أَرْجَأَهُنَّ. فَحَاصِل مَا نُقِلَ فِي تَأْوِيل ( تُرْجِي ) أَقْوَال : أَحَدهَا تُطَلِّق وَتُمْسِك , ثَانِيهَا : تَعْتَزِل مَنْ شِئْت مِنْهُنَّ بِغَيْرِ طَلَاق وَتَقْسِم لِغَيْرِهَا , ثَالِثهَا : تَقْبَل مَنْ شِئْت مِنْ الْوَاهِبَات وَتَرُدّ مَنْ شِئْت. وَحَدِيث الْبَاب يُؤَيِّد هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ , وَاللَّفْظ مُحْتَمِل لِلْأَقْوَالِ الثَّلَاثَة. وَظَاهِر مَا حَكَتْهُ عَائِشَة مِنْ اِسْتِئْذَانه أَنَّهُ لَمْ يُرْجِ أَحَدًا مِنْهُنَّ , بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَعْتَزِل , وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيّ : \" مَا أَعْلَم أَنَّهُ أَرْجَأَ أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ \" أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم , وَعَنْ قَتَادَةَ أَطْلَقَ لَهُ أَنْ يَقْسِم كَيْفَ شَاءَ فَلَمْ يَقْسِم إِلَّا بِالسَّوِيَّةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4415",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاذَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏تُرْجِئُ ‏ ‏مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنْ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ‏} ‏فَقُلْتُ لَهَا مَا كُنْتِ تَقُولِينَ قَالَتْ كُنْتُ أَقُولُ لَهُ إِنْ كَانَ ذَاكَ إِلَيَّ فَإِنِّي لَا أُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أُوثِرَ عَلَيْكَ أَحَدًا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَاصِمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَسْتَأْذِن الْمَرْأَة فِي الْيَوْمِ ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي يَكُون فِيهِ نَوْبَتُهَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْأُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَبَّاد بْن عَبَّاد سَمِعَ عَاصِمًا ) ‏ ‏وَصَلَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيره مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن مَعِين عَنْ عَبَّاد بْن عَبَّاد , وَرَوَيْنَاهُ فِي الْجُزْء الثَّالِث مِنْ حَدِيث يَحْيَى بْن مَعِين رِوَايَة أَبِي بَكْر الْمَرْوَزِيِّ عَنْهُ مِنْ طَرِيق الْمِصْرِيِّينَ إِلَى الْمَرْوَزِيِّ. ‏ ‏( تَكْمِيلٌ ) : ‏ ‏اُخْتُلِفَ فِي الْمَنْفِيّ فِي قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَة الَّتِي تَلِي هَذِهِ الْآيَة وَهِيَ قَوْله : ( لَا تَحِلّ لَك النِّسَاء مِنْ بَعْدُ ) هَلْ الْمُرَاد بَعْدَ الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة فَكَانَ يَحِلّ لَهُ صِنْف دُونَ صِنْف ؟ أَوْ بَعْدَ النِّسَاء الْمَوْجُودَات عِنْدَ التَّخْيِير ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ , وَإِلَى الْأَوَّل ذَهَبَ أُبَيُّ بْن كَعْب وَمَنْ وَافَقَهُ أَخْرَجَهُ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي زِيَادَات الْمُسْنَد , وَإِلَى الثَّانِي ذَهَب اِبْن عَبَّاس وَمَنْ وَافَقَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مُجَازَاة لَهُنَّ عَلَى اِخْتِيَارهنَّ إِيَّاهُ , نَعَمْ الْوَاقِع أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَجَدَّد لَهُ تَزَوُّج اِمْرَأَة بَعْدَ الْقِصَّة الْمَذْكُورَة , لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَرْفَع الْخِلَاف. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَة \" مَا مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاء \" وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ أُمّ سَلَمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا مِثْله. ‏"
    },
    {
        "id": "4416",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ ‏آيَةَ الْحِجَابِ ‏",
        "sharh": "أَحَدهَا حَدِيث أَنَس عَنْ عُمَر قَالَ : ‏ ‏\" قُلْت : يَا رَسُول اللَّه يَدْخُل عَلَيْك الْبَرّ وَالْفَاجِر , فَلَوْ أَمَرْت أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ , فَأَنْزَلَ اللَّه آيَة الْحِجَاب \" ‏ ‏وَهُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث أَوَّله : \" وَافَقْت رَبِّي فِي ثَلَاث \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي أَوَائِل الصَّلَاة وَفِي تَفْسِير الْبَقَرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4417",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مِجْلَزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ ‏ ‏دَعَا الْقَوْمَ فَطَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ وَإِذَا هُوَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ فَلَمْ يَقُومُوا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ فَلَمَّا قَامَ قَامَ مَنْ قَامَ وَقَعَدَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيَدْخُلَ فَإِذَا الْقَوْمُ جُلُوسٌ ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا فَانْطَلَقْتُ فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُمْ قَدْ انْطَلَقُوا فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ فَأَلْقَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "ثَانِيهَا : حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة بِنَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَيْنَبَ بِنْت جَحْش وَنُزُول آيَة الْحِجَاب , أَوْرَدَهُ مِنْ أَرْبَعَة طُرُق عَنْ أَنَس بَعْضهَا أَتَمّ مِنْ بَعْض , وَقَوْله : \" لَمَّا أُهْدِيَتْ \" أَيْ لَمَّا زَيَّنَتْهَا الْمَاشِطَة وَزُفَّتْ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَزَعَمَ الصَّغَانِيُّ أَنَّ الصَّوَاب \" هُدِيَتْ \" بِغَيْرِ أَلِف , لَكِنَّ تَوَارُد النُّسَخ عَلَى إِثْبَاتهَا يَرِد عَلَيْهِ , وَلَا مَانِع مِنْ اِسْتِعْمَال الْهَدِيَّة فِي هَذَا اِسْتِعَارَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْنَب بِنْت جَحْش دَعَا الْقَوْم فَطَعِمُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاسْتِئْذَان قَالَ : \" أَنَا أَعْلَم النَّاس بِشَأْنِ الْحِجَاب وَكَانَ فِي مُبْتَنَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَيْنَبَ بِنْت جَحْش , أَصْبَحَ بِهَا عَرُوسًا فَدَعَا الْقَوْم \" وَفِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَس قَالَ : \" أَنَا أَعْلَم النَّاس بِهَذِهِ الْآيَة آيَة الْحِجَاب. لَمَّا أُهْدِيَتْ زَيْنَب بِنْت جَحْش إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ طَعَامًا \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْبٍ عَنْ أَنَس أَنَّهُ كَانَ الدَّاعِي إِلَى الطَّعَام قَالَ : \" فَيَجِيء قَوْم فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ , ثُمَّ يَجِيء قَوْم فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ , قَالَ : فَدَعَوْت حَتَّى مَا أَجِد أَحَدًا \" وَفِي رِوَايَة حُمَيْدٍ \" فَأَشْبَعَ الْمُسْلِمِينَ خُبْزًا وَلَحْمًا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْجَعْد بْن عُثْمَان عَنْ أَنَس عِنْدَ مُسْلِم , وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيّ قَالَ : \" تَزَوَّجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ , فَصَنَعَتْ لَهُ أُمّ سَلِيم حَيْسًا , فَذَهَبْت بِهِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اُدْعُ لِي فُلَانًا وَفُلَانًا , وَذَهَبْت فَدَعَوْتهمْ زُهَاءَ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُل \" فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي إِشْبَاعهمْ مِنْ ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي \" عَلَامَات النُّبُوَّة \" وَيُجْمَع بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِوَايَة حُمَيْدٍ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَمَ عَلَيْهِ بِاللَّحْمِ وَالْخُبْز , وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أُمّ سَلِيم الْحَيْس. وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس \" لَقَدْ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْعَمَنَا عَلَيْهَا الْخُبْز وَاللَّحْم حَتَّى اِمْتَدَّ النَّهَار \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت : يَا رَسُول اللَّه وَاَللَّه مَا أَجِد أَحَدًا , قَالَ : فَارْفَعُوا طَعَامكُمْ ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن مِهْرَانَ عَنْ عَبْد الْوَارِث فِيهِ \" قَالَ : وَزَيْنَب جَالِسَة فِي جَانِب الْبَيْت , قَالَ : وَكَانَتْ اِمْرَأَة قَدْ أُعْطِيَتْ جَمَالًا , وَبَقِيَ فِي الْبَيْت ثَلَاثَة \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ : \" فَجَعَلَ يَخْرُج ثُمَّ يَرْجِعُ وَهُمْ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا هُوَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأ لِلْقِيَامِ فَلَمْ يَقُومُوا , فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ , فَلَمَّا قَامَ قَامَ مَنْ قَامَ وَقَعَدَ ثَلَاثَة نَفَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز \" وَبَقِيَ ثَلَاثَة رَهْط \" وَفِي رِوَايَة حُمَيْدٍ \" فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بَيْته رَأَى رَجُلَيْنِ \" وَوَافَقَهُ بَيَان بْن عَمْرو عَنْ أَنَس عِنْدَ التِّرْمِذِيّ , وَأَصْله عِنْدَ الْمُصَنِّف أَيْضًا , وَيُجْمَع بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُمْ أَوَّل مَا قَامَ وَخَرَجَ مِنْ الْبَيْت كَانُوا ثَلَاثَة وَفِي آخِر مَا رَجَعَ تَوَجَّهَ وَاحِد مِنْهُمْ فِي أَثْنَاء ذَلِكَ فَصَارُوا اِثْنَيْنِ , وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَزْم اِبْن التِّين بِأَنَّ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهْم , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ يَكُون التَّحْدِيث وَقَعَ مِنْ اِثْنَيْنِ مِنْهُمْ فَقَطْ وَالثَّالِث كَانَ سَاكِتًا , فَمَنْ ذَكَرَ الثَّلَاثَة لَحَظَ الْأَشْخَاص وَمَنْ ذَكَرَ الِاثْنَيْنِ لَحَظَ سَبَب الْعُقُود , وَلَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة أَحَد مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقْت فَجِئْت فَأَخْبَرَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ اِنْطَلَقُوا ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ الْجَزْم فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِأَنَّهُ الَّذِي أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُرُوجِهِمْ , وَكَذَا فِي رِوَايَة الْجَعْد الْمَذْكُورَة , وَاتَّفَقَتْ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز وَحُمَيْدٍ عَلَى أَنَّ أَنَسًا كَانَ يَشُكّ فِي ذَلِكَ , وَلَفْظ حُمَيْدٍ \" فَلَا أَدْرِي أَلَا أَخْبَرْته بِخُرُوجِهِمَا أَمْ أُخْبِرَ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز عَنْ أَنَس \" فَمَا أَدْرِي أَخْبَرْته أَوْ أُخْبِرَ \" وَهُوَ مَبْنِيّ لِلْمَجْهُولِ أَيْ أُخْبِرَ بِالْوَحْيِ , وَهَذَا الشَّكّ قَرِيب مِنْ شَكّ أَنَس فِي تَسْمِيَة الرَّجُل الَّذِي سَأَلَ الدُّعَاء بِالِاسْتِسْقَاءِ , فَإِنَّ بَعْض أَصْحَاب أَنَس جَزَمَ عَنْهُ بِأَنَّهُ الرَّجُل الْأَوَّل وَبَعْضهمْ ذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : لَا أَدْرِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَكَانه , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَذْكُرهُ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ الشَّكّ فَكَانَ يَشُكّ فِيهِ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَجَزَمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَهَبْت أَدْخُل فَأَلْقَى الْحِجَاب بَيْنِي وَبَيْنَهُ , فَأَنْزَلَ اللَّه ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوت النَّبِيّ ) الْآيَة ) ‏ ‏زَادَ أَبُو قِلَابَةَ فِي رِوَايَته ( إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ - إِلَى قَوْله - مِنْ وَرَاء حِجَاب ) فَضُرِبَ الْحِجَاب. وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز \" حَتَّى إِذَا وَضَعَ رِجْله فِي أُسْكُفَّة الْبَاب دَاخِلَة وَالْأُخْرَى خَارِجَة أَرْخَى السِّتْر بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَأُنْزِلَتْ آيَة الْحِجَاب \" ‏"
    },
    {
        "id": "4418",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ‏ ‏آيَةِ الْحِجَابِ ‏ ‏لَمَّا أُهْدِيَتْ ‏ ‏زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَتْ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ صَنَعَ طَعَامًا وَدَعَا الْقَوْمَ فَقَعَدُوا يَتَحَدَّثُونَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْرُجُ ثُمَّ يَرْجِعُ وَهُمْ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ‏} ‏فَضُرِبَ الْحِجَابُ وَقَامَ الْقَوْمُ ‏",
        "sharh": "وَعِنْدَ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن سَعِيد عَنْ أَنَس \" فَلَمَّا أَرْخَى السِّتْر دُونِي ذَكَرْت ذَلِكَ لِأَبِي طَلْحَة فَقَالَ : إِنْ كَانَ كَمَا تَقُول لَيَنْزِلَنَّ فِيهِ قُرْآن , فَنَزَلَتْ آيَة الْحِجَاب \". ‏"
    },
    {
        "id": "4419",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بُنِيَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ فَأُرْسِلْتُ عَلَى الطَّعَامِ دَاعِيًا فَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ فَدَعَوْتُ حَتَّى مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُو فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ قَالَ ‏ ‏ارْفَعُوا طَعَامَكُمْ وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَةِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَقَالَتْ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فَتَقَرَّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ يَقُولُ لَهُنَّ كَمَا يَقُولُ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏وَيَقُلْنَ لَهُ كَمَا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِذَا ثَلَاثَةٌ مِنْ رَهْطٍ فِي الْبَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَدِيدَ الْحَيَاءِ فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نَحْوَ حُجْرَةِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَمَا أَدْرِي ‏ ‏آخْبَرْتُهُ أَوْ أُخْبِرَ أَنَّ الْقَوْمَ خَرَجُوا فَرَجَعَ حَتَّى إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ دَاخِلَةً وَأُخْرَى خَارِجَةً أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَأُنْزِلَتْ ‏ ‏آيَةُ الْحِجَابِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز ( فَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَة عَائِشَة فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ \" ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ كَمَا كَانَ يَصْنَع صَبِيحَةَ بِنَائِهِ فَيُسَلِّم عَلَيْهِنَّ وَيُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُنَّ وَيَدْعُونَ لَهُ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز أَنَّهُنَّ قُلْنَ لَهُ : \" كَيْف وَجَدْت أَهْلَك بَارَكَ اللَّه لَك \". ‏ ‏قَوْله : ( فَتَقَرَّى ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَتَشْدِيد الرَّاء بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمَاضِي , أَيْ تَتَبَّعَ الْحُجُرَات وَاحِدَة وَاحِدَة , يُقَال مِنْهُ قَرَيْت الْأَرْض إِذَا تَتَبَّعْتهَا أَرْضًا بَعْدَ أَرْض وَنَاسًا بَعْدَ نَاس. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَدِيد الْحَيَاء فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نَحْو حُجْرَة عَائِشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ \" رَأَى رَجُلَيْنِ جَرَى بِهِمَا الْحَدِيث فَلَمَّا رَآهُمَا رَجَعَ عَنْ بَيْته , فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَانِ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ عَنْ بَيْته وَثَبَا مُسْرِعَيْنِ \" وَمُحَصِّل الْقِصَّة أَنَّ الَّذِينَ حَضَرُوا الْوَلِيمَة جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ , وَاسْتَحْيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْمُرهُمْ بِالْخُرُوجِ فَتَهَيَّأَ لِلْقِيَامِ لِيَفْطِنُوا لِمُرَادِهِ فَيَقُومُوا بِقِيَامِهِ , فَلَمَّا أَلْهَاهُمْ الْحَدِيث عَنْ ذَلِكَ قَامَ وَخَرَجَ فَخَرَجُوا بِخُرُوجِهِ , إِلَّا الثَّلَاثَة الَّذِينَ لَمْ يَفْطِنُوا لِذَلِكَ لِشِدَّةِ شُغْل بَالِهِمْ بِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْحَدِيث , وَفِي غُضُون ذَلِكَ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيد أَنْ يَقُومُوا مِنْ غَيْر مُوَاجَهَتهمْ بِالْأَمْرِ بِالْخُرُوجِ لِشِدَّةِ حَيَائِهِ فَيُطِيل الْغَيْبَة عَنْهُمْ بِالتَّشَاغُلِ بِالسَّلَامِ عَلَى نِسَائِهِ , وَهُمْ فِي شُغْل بَالهمْ , وَكَانَ أَحَدهمْ فِي أَثْنَاء ذَلِكَ أَفَاقَ مِنْ غَفْلَته فَخَرَجَ وَبَقِيَ الِاثْنَانِ , فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ وَوَصَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَنْزِله فَرَآهُمَا فَرَجَعَ فَرَأَيَاهُ لَمَّا رَجَعَ , فَحِينَئِذٍ فَطِنَا فَخَرَجَا , فَدَخَلَ النَّبِيّ , وَأُنْزِلَتْ الْآيَة , فَأَرْخَى السِّتْر بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنَس خَادِمه أَيْضًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْد بِذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏ظَاهِر الرِّوَايَة الثَّانِيَة أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ قَبْلَ قِيَام الْقَوْم. وَالْأُولَى وَغَيْرهَا أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدُ , فَيُجْمَع بِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهَا نَزَلَتْ حَالَ قِيَامهمْ أَيْ أَنْزَلَهَا اللَّه وَقَدْ قَامُوا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْجَعْد \" فَرَجَعَ فَدَخَلَ الْبَيْت وَأَرْخَى السِّتْر وَإِنِّي لَفِي الْحُجْرَة وَهُوَ يَقُول : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوت النَّبِيّ - إِلَى قَوْله - مِنْ الْحَقِّ \" وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد مَشْرُوعِيَّة الْحِجَاب لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ , قَالَ عِيَاض : فَرْض الْحِجَاب مِمَّا اِخْتَصَصْنَ بِهِ فَهُوَ فُرِضَ عَلَيْهِنَّ بِلَا خِلَاف فِي الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ , فَلَا يَجُوز لَهُنَّ كَشْف ذَلِكَ فِي شَهَادَة وَلَا غَيْرهَا وَلَا إِظْهَار شُخُوصهنَّ وَإِنْ كُنَّ مُسْتَتِرَات إِلَّا مَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَة مِنْ بِرَاز. ثُمَّ اِسْتَدَلَّ بِمَا فِي \" الْمُوَطَّأ \" أَنَّ حَفْصَة لَمَّا تُوُفِّيَ عُمَر سَتَرَهَا النِّسَاء عَنْ أَنْ يُرَى شَخْصهَا ; وَأَنَّ زَيْنَب بِنْت جَحْش جَعَلَتْ لَهَا الْقُبَّة فَوْقَ نَعْشهَا لِيَسْتُر شَخْصهَا. اِنْتَهَى. وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ دَلِيل عَلَى مَا اِدَّعَاهُ مِنْ فَرْض ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ , وَقَدْ كُنَّ بَعْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْجُجْنَ وَيَطُفْنَ , وَكَانَ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَسْمَعُونَ مِنْهُنَّ الْحَدِيث وَهُنَّ مُسْتَتِرَات الْأَبَدَانِ لَا الْأَشْخَاص , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجّ قَوْل اِبْن جُرَيْجٍ لِعَطَاءٍ لَمَّا ذَكَرَ لَهُ طَوَاف عَائِشَة : أَقَبْلَ الْحِجَاب أَوْ بَعْدَهُ ؟ قَالَ : قَدْ أَدْرَكْت ذَلِكَ بَعْدَ الْحِجَاب. وَسَيَأْتِي فِي آخِر الْحَدِيث الَّذِي يَلِيه مَزِيد بَيَان لِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4420",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ بَنَى ‏ ‏بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا ثُمَّ خَرَجَ إِلَى حُجَرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ صَبِيحَةَ بِنَائِهِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ وَيُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُنَّ وَيَدْعُونَ لَهُ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ رَأَى رَجُلَيْنِ جَرَى بِهِمَا الْحَدِيثُ فَلَمَّا رَآهُمَا رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَانِ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ وَثَبَا مُسْرِعَيْنِ فَمَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ بِخُرُوجِهِمَا أَمْ أُخْبِرَ فَرَجَعَ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ وَأَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَأُنْزِلَتْ ‏ ‏آيَةُ الْحِجَابِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن أَبِي مَرْيَم : أَنْبَأَنَا يَحْيَى حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ سَمِعْت أَنَسًا ) ‏ ‏مُرَاده بِذَلِكَ أَنَّ عَنْعَنَة حُمَيْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيث غَيْر مُؤَثِّرَة لِأَنَّهُ وَرَدَ عَنْهُ التَّصْرِيح بِالسَّمَاعِ لِهَذَا الْحَدِيث وَمِنْهُ , وَيَحْيَى الْمَذْكُور هُوَ اِبْن أَيُّوب الْغَافِقِيّ الْمِصْرِيّ , وَابْن أَبِي مَرْيَم مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَاسْمه سَعِيد بْن الْحَكَم , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن أَبِي مَرْيَم \" وَهُوَ تَغْيِير فَاحِش , وَإِنَّمَا هُوَ سَعِيد. الْحَدِيث الثَّالِث حَدِيث عَائِشَة \" خَرَجَتْ سَوْدَة - أَيْ بِنْت زَمْعَةَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ - بَعْدَمَا ضُرِبَ الْحِجَاب لِحَاجَتِهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الطَّهَارَة مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ مَا يُخَالِف ظَاهِره رِوَايَة الزُّهْرِيّ هَذِهِ عَنْ عُرْوَة , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَإِنْ قُلْت : وَقَعَ هُنَا أَنَّهُ كَانَ بَعْدَمَا ضُرِبَ الْحِجَاب , وَتَقَدَّمَ فِي الْوُضُوء أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْحِجَاب , فَالْجَوَاب : لَعَلَّهُ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ. قُلْت : بَلْ الْمُرَاد بِالْحِجَابِ الْأَوَّل غَيْر الْحِجَاب الثَّانِي. وَالْحَاصِل أَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَقَعَ فِي قَلْبه نُفْرَة مِنْ اِطِّلَاع الْأَجَانِب عَلَى الْحَرِيم النَّبَوِيّ , حَتَّى صَرَّحَ يَقُولهُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : \" اُحْجُبْ نِسَاءَك \" وَأَكَّدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ نَزَلَتْ آيَة الْحِجَاب , ثُمَّ قَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ لَا يُبْدِينَ أَشْخَاصهنَّ أَصْلًا وَلَوْ كُنَّ مُسْتَتِرَات , فَبَالَغَ فِي ذَلِكَ , فَمَنَعَ مِنْهُ , وَأَذِنَ لَهُنَّ فِي الْخُرُوج لِحَاجَتِهِنَّ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ وَرَفْعًا لِلْحَرَجِ. وَقَدْ اِعْتَرَضَ بَعْض الشُّرَّاح بِأَنَّ إِيرَاد الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب لَيْسَ مُطَابِقًا , بَلْ إِيرَاده فِي عَدَم الْحِجَاب أَوْلَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَحَالَ عَلَى أَصْل الْحَدِيث كَعَادَتِهِ , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْجَمْع بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مُمْكِن , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُجَاهِد عَنْ عَائِشَة لِنُزُولِ آيَة الْحِجَاب سَبَب آخَر أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ \" كُنْت آكُل مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْسًا فِي قَعْب , فَمَرَّ عُمَر فَدَعَاهُ فَأَكَلَ , فَأَصَابَ إِصْبَعه إِصْبَعِي فَقَالَ : حِسَّ - أَوْ أَوْهُ - لَوْ أَطَاعَ فِيكُنَّ مَا رَأَتْكُنَّ عَيْن. فَنَزَلَ الْحِجَاب \" وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ قِصَّة زَيْنَب , فَلِقُرْبِهِ مِنْهَا أَطْلَقْت نُزُول الْحِجَاب بِهَذَا السَّبَب , وَلَا مَانِع مِنْ تَعَدُّد الْأَسْبَاب. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" دَخَلَ رَجُل عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَطَالَ الْجُلُوس , فَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاث مَرَّات لِيَخْرُج فَلَمْ يَفْعَل , فَدَخَلَ عُمَر فَرَأَى الْكَرَاهِيَة فِي وَجْهه فَقَالَ لِلرَّجُلِ : لَعَلَّك آذَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ قُمْت ثَلَاثًا لِكَيْ يَتْبَعَنِي فَلَمْ يَفْعَل , فَقَالَ لَهُ عُمَر : يَا رَسُول اللَّه لَوْ اِتَّخَذْت حِجَابًا , فَإِنَّ نِسَاءَك لَسْنَ كَسَائِرِ النِّسَاء , وَذَلِكَ أَطْهَر لِقُلُوبِهِنَّ , فَنَزَلَتْ آيَة الْحِجَاب \". ‏"
    },
    {
        "id": "4421",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏خَرَجَتْ ‏ ‏سَوْدَةُ ‏ ‏بَعْدَمَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا وَكَانَتْ امْرَأَةً جَسِيمَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا فَرَآهَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏سَوْدَةُ ‏ ‏أَمَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ قَالَتْ فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَيْتِي وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ فَدَخَلَتْ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَقَالَ لِي ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏كَذَا وَكَذَا قَالَتْ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4422",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ ‏ ‏أَفْلَحُ ‏ ‏أَخُو ‏ ‏أَبِي الْقُعَيْسِ ‏ ‏بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ فَقُلْتُ لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنَّ أَخَاهُ ‏ ‏أَبَا الْقُعَيْسِ ‏ ‏لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ ‏ ‏أَبِي الْقُعَيْسِ ‏ ‏فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏أَفْلَحَ ‏ ‏أَخَا ‏ ‏أَبِي الْقُعَيْسِ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَا مَنَعَكِ أَنْ تَأْذَنِي عَمُّكِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ ‏ ‏أَبِي الْقُعَيْسِ ‏ ‏فَقَالَ ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏فَلِذَلِكَ كَانَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏تَقُولُ حَرِّمُوا مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا تُحَرِّمُونَ مِنْ النَّسَبِ ‏",
        "sharh": "وَحَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة أَفْلَحَ يَرُدّ عَلَيْهِمَا. وَهَذَا مِنْ دَقَائِق مَا فِي تَرَاجِم الْبُخَارِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4423",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قِيلَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ قَالَ ‏ ‏قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَعَلَى آلِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَعَلَى آلِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَعِيد بْن يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْأُمَوِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه أَمَّا السَّلَام عَلَيْك فَقَدْ عَرَفْنَاهُ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الَّذِي بَعْدَ هَذَا \" قُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه \" وَالْمُرَاد بِالسَّلَامِ مَا عَلَّمَهُمْ إِيَّاهُ فِي التَّشَهُّد مِنْ قَوْلهمْ : \" السَّلَام عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيّ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته \" وَالسَّائِل عَنْ ذَلِكَ هُوَ كَعْب بْن عُجْرَة نَفْسه , أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق الْأَجْلَح عَنْ الْحَكَم بْن أَبِي لَيْلَى عَنْهُ. وَقَدْ وَقَعَ السُّؤَال عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا لِبَشِيرِ بْن سَعْد وَالِد النُّعْمَان بْن بَشِير , كَذَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي مَسْعُود عِنْدَ مُسْلِم بِلَفْظِ \" أَتَانَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِس سَعْد بْن عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَشِير بْن سَعْد : أَمَرَنَا اللَّه تَعَالَى أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْك فَكَيْف نُصَلِّي عَلَيْك \" ؟ وَرَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة قَالَ : \" لَمَّا نَزَلَتْ ( إِنَّ اللَّه وَمَلَائِكَته ) الْآيَة , قُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه قَدْ عَلِمْنَا السَّلَام فَكَيْف الصَّلَاة \" ؟. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَيْف الصَّلَاة عَلَيْك ) ‏ ‏؟ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فَكَيْف نُصَلِّي عَلَيْك \" ؟ زَادَ أَبُو مَسْعُود فِي رِوَايَته \" إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْك فِي صَلَاتنَا \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّانَ بِهَذِهِ الزِّيَادَة. ‏ ‏قَوْله : ( قُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِ مُحَمَّد ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" عَلَى مُحَمَّد عَبْدِك وَرَسُولِك \". ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ تَقَدَّمَتْ مِنْك الصَّلَاة عَلَى إِبْرَاهِيم وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيم فَنَسْأَل مِنْك الصَّلَاة عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِ مُحَمَّد بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , لِأَنَّ الَّذِي يَثْبُت لِلْفَاضِلِ يَثْبُت لِلْأَفْضَلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَبِهَذَا يَحْصُل الِانْفِصَال عَنْ الْإِيرَاد الْمَشْهُور مِنْ أَنَّ شَرْط التَّشْبِيه أَنْ يَكُون الْمُشَبَّه بِهِ أَقْوَى , وَمُحَصِّل الْجَوَاب أَنَّ التَّشْبِيه لَيْسَ مِنْ بَاب إِلْحَاق الْكَامِل بِالْأَكْمَلِ بَلْ مِنْ بَاب التَّهْيِيج وَنَحْوه , أَوْ مِنْ بَيَان حَال مَا لَا يُعْرَف بِمَا يُعْرَف , لِأَنَّهُ فِيمَا يُسْتَقْبَل , وَاَلَّذِي يَحْصُل لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ أَقْوَى وَأَكْمَل. وَأَجَابُوا بِجَوَابٍ آخَر عَلَى تَقْدِير أَنَّهُ مِنْ بَاب الْإِلْحَاق. وَحَاصِل الْجَوَاب أَنَّ التَّشْبِيه وَقَعَ لِلْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ , لِأَنَّ مَجْمُوع آلِ إِبْرَاهِيم أَفْضَل مِنْ مَجْمُوع آلِ مُحَمَّد , لِأَنَّ فِي آلِ إِبْرَاهِيم الْأَنْبِيَاء بِخِلَافِ آل مُحَمَّد. وَيُعَكِّر عَلَى هَذَا الْجَوَاب التَّفْصِيل الْوَاقِع فِي غَالِب طُرُق الْحَدِيث. وَقِيلَ فِي الْجَوَاب أَيْضًا : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُعْلِم اللَّه تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَفْضَل مِنْ إِبْرَاهِيم وَغَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء , وَهُوَ مِثْل مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم عَنْ أَنَس \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا خَيْر الْبَرِيَّة , قَالَ ذَاكَ إِبْرَاهِيم \". ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى آلِ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَسَأَذْكُرُ تَحْرِير ذَلِكَ فِي كِتَاب الدَّعَوَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي آخِر حَدِيث أَبِي سَعِيد الْمَذْكُور \" وَالسَّلَام كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ \". ‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد ( قَالَ أَبُو صَالِح عَنْ اللَّيْثِ ) يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور قَبْلُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِ مُحَمَّد كَمَا بَارَكْت عَلَى آلِ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف لَمْ يَذْكُر آلَ إِبْرَاهِيم عَنْ اللَّيْث وَذَكَرَهَا أَبُو صَالِح عَنْهُ فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْث. ‏"
    },
    {
        "id": "4424",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ الْهَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا التَّسْلِيمُ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ ‏ ‏قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَبَارِكْ عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَعَلَى آلِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏كَمَا بَارَكْتَ عَلَى ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اللَّيْثِ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَعَلَى آلِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏وَقَالَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَبَارِكْ عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَآلِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏كَمَا بَارَكْتَ عَلَى ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَآلِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الْعَزِيز بْن سَلَمَة بْن دِينَارٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالدَّرَاوَرْدِيّ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّدٍ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَزِيدَ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد بْن الْهَادِ شَيْخ اللَّيْث فِيهِ , وَمُرَاده أَنَّهُمَا رَوَيَاهُ بِإِسْنَادِ اللَّيْث , فَذَكَرَ آلَ إِبْرَاهِيم كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو صَالِح عَنْ اللَّيْث. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى جَوَاز الصَّلَاة عَلَى غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ قَوْله فِيهِ : \" وَعَلَى آلِ مُحَمَّد \" وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَ بِأَنَّ الْجَوَاز مُقَيَّد بِمَا إِذَا وَقَعَ تَبَعًا , وَالْمَنْع إِذَا وَقَعَ مُسْتَقِلًّا , وَالْحُجَّة فِيهِ أَنَّهُ صَارَ شِعَارًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُشَارِكهُ غَيْره فِيهِ , فَلَا يُقَال قَالَ أَبُو بَكْر صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا , وَيُقَال : صَلَّى اللَّه عَلَى النَّبِيّ وَعَلَى صِدِّيقه أَوْ خَلِيفَته وَنَحْو ذَلِكَ. وَقَرِيب مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يُقَال : قَالَ مُحَمَّد عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا , لِأَنَّ هَذَا الثَّنَاء صَارَ شِعَار اللَّه سُبْحَانه لَا يُشَارِكهُ غَيْره فِيهِ. وَلَا حُجَّة لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا فِيمَا وَقَعَ مِنْ قَوْله تَعَالَى : ( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ) وَلَا فِي قَوْله : \" اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى \" وَلَا فِي قَوْل اِمْرَأَة جَابِر \" صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي , فَقَالَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمَا \" فَإِنَّ ذَلِكَ كُلّه وَقَعَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلِصَاحِبِ الْحَقّ أَنْ يَتَفَضَّل مِنْ حَقّه بِمَا شَاءَ , وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَصَرَّف إِلَّا بِإِذْنِهِ , وَلَمْ يَثْبُت عَنْهُ إِذْن فِي ذَلِكَ. وَيُقَوِّي الْمَنْع بِأَنَّ الصَّلَاة عَلَى غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَارَ شِعَارًا لِأَهْلِ الْأَهْوَاء يُصَلُّونَ عَلَى مَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنْ أَهْل الْبَيْت وَغَيْرهمْ. وَهَلْ الْمَنْع فِي ذَلِكَ حَرَام أَوْ مَكْرُوه أَوْ خِلَاف الْأَوْلَى ؟ حَكَى الْأَوْجُه الثَّلَاثَة النَّوَوِيّ فِي \" الْأَذْكَار \" وَصَحَّحَ الثَّانِي. وَقَدْ رَوَى إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق فِي كِتَاب \" أَحْكَام الْقُرْآن \" لَهُ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز أَنَّهُ كَتَبَ \" أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ نَاسًا مِنْ النَّاس اِلْتَمَسُوا عَمَل الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَة , وَإِنَّ نَاسًا مِنْ الْقُصَّاص أَحْدَثُوا فِي الصَّلَاة عَلَى خُلَفَائِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ عَدْل الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ , فَإِذَا جَاءَك كِتَابِي هَذَا فَمُرْهُمْ أَنْ تَكُون صَلَاتهمْ عَلَى النَّبِيِّينَ , وَدُعَاؤُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ , وَيَدْعُوا مَا سِوَى ذَلِكَ \" ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ اِبْن عَبَّاس بِإِسْنَادٍ صَحِيح قَالَ : \" لَا تَصْلُح الصَّلَاة عَلَى أَحَد إِلَّا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَكِنْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات الِاسْتِغْفَار \" وَذَكَرَ أَبُو ذَرّ أَنَّ الْأَمْر بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي السَّنَة الثَّانِيَة مِنْ الْهِجْرَة , وَقِيلَ مِنْ لَيْلَة الْإِسْرَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "4425",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏وَمُحَمَّدٍ ‏ ‏وَخِلَاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4426",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا ‏ { ‏فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا ‏} ‏لِلَّذِي قَالَ ‏ { ‏الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ‏} ‏فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ وَوَصَفَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوْ الْكَاهِنِ فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ فَيُقَالُ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنْ السَّمَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَارٍ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا قَضَى اللَّه الْأَمْر فِي السَّمَاءِ ) ‏ ‏فِي حَدِيث النَّوَّاس بْن سَمْعَان عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مَرْفُوعًا \" إِذَا تَكَلَّمَ اللَّه بِالْوَحْيِ أَخَذَتْ السَّمَاء رَجْفَة شَدِيدَة مِنْ خَوْف اللَّه , فَإِذَا سَمِعَ أَهْل السَّمَاء بِذَلِكَ صُعِقُوا وَخَرُّوا سُجَّدًا , فَيَكُون أَوَّلهمْ يَرْفَع رَأْسه جِبْرِيل , فَيُكَلِّمُهُ اللَّه مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ , فَيَنْتَهِي بِهِ عَلَى الْمَلَائِكَة , كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ أَهْله مَاذَا قَالَ رَبُّنَا ؟ قَالَ : الْحَقّ , فَيَنْتَهِي بِهِ حَيْثُ أُمِرَ \". ‏ ‏قَوْله : ( ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَة بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا ) ‏ ‏بِفَتْحَتَيْنِ مِنْ الْخُضُوعِ , وَفِي رِوَايَة بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه وَهُوَ مَصْدَر بِمَعْنَى خَاضِعِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنَّهُ ) ‏ ‏أَيْ الْقَوْل الْمَسْمُوع ‏ ‏( سِلْسِلَة عَلَى صَفْوَان ) ‏ ‏هُوَ مِثْل قَوْله فِي بَدْء الْوَحْي : \" صَلْصَلَة كَصَلْصَلَةِ الْجَرَس \" وَهُوَ صَوْت الْمَلَكِ بِالْوَحْيِ , وَقَدْ رَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود رَفَعَهُ \" إِذَا تَكَلَّمَ اللَّه بِالْوَحْيِ يَسْمَع أَهْل السَّمَاوَات صَلْصَلَة كَصَلْصَلَةِ السِّلْسِلَة عَلَى الصَّفْوَان فَيَفْزَعُونَ , وَيَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَمْر السَّاعَة. وَقَرَأَ : حَتَّى إِذَا فُزِّعَ الْآيَة \" وَأَصْله عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره , وَعَلَّقَهُ الْمُصَنِّف مَوْقُوفًا , وَيَأْتِي فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الصَّلْصَلَة صَوْت الْحَدِيد إِذَا تَحَرَّكَ وَتَدَاخَلَ , وَكَأَنَّ الرِّوَايَة وَقَعَتْ لَهُ بِالصَّادِ , وَأَرَادَ أَنَّ التَّشْبِيه فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِد , فَاَلَّذِي فِي بَدْء الْوَحْي هَذَا وَاَلَّذِي هُنَا جَرّ السِّلْسِلَة مِنْ الْحَدِيد إِلَى الصَّفْوَان الَّذِي هُوَ الْحَجَر الْأَمْلَس يَكُون الصَّوْت النَّاشِئ عَنْهُمَا سَوَاء. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى صَفْوَان ) زَادَ فِي سُورَة الْحِجْر عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه \" قَالَ غَيْره : - يَعْنِي غَيْر سُفْيَان - يَنْفُذهُمْ ذَلِكَ \" فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْدَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْهُ \" فَلَا يَنْزِل عَلَى أَهْل سَمَاء إِلَّا صُعِقُوا \" وَعِنْدَ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ رِجَال مِنْ الْأَنْصَار أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَرُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ , فَقَالَ : مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذَا إِذَا رُمِيَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّة ؟ قَالُوا : كُنَّا نَقُول مَاتَ عَظِيم أَوْ يُولَد عَظِيم , فَقَالَ : إِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَد وَلَا لِحَيَاتِهِ , وَلَكِنَّ رَبَّنَا إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَة الْعَرْش ثُمَّ سَبَّحَ أَهْل السَّمَاء الَّذِينَ يَلُونَهُمْ حَتَّى يَبْلُغ التَّسْبِيح سَمَاء الدُّنْيَا , ثُمَّ يَقُولُونَ لِحَمَلَةِ الْعَرْش : مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ \" الْحَدِيثَ. وَلَيْسَ عِنْدَ التِّرْمِذِيّ عَنْ رِجَال مِنْ الْأَنْصَار , وَسَيَأْتِي مَزِيد فِيهِ فِي كِتَاب التَّوْحِيد. ‏ ‏قَوْله : ( وَمُسْتَرِقُو السَّمْع ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ عِنْدَ أَبِي ذَرّ \" وَمُسْتَرِق \" بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ فَصِيحٌ. ‏ ‏قَوْله : ( هَكَذَا بَعْضه فَوْقَ بَعْض وَصَفَهُ سُفْيَان ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُيَيْنَةَ ( بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعه ) أَيْ فَرَّقَ , وَفِي رِوَايَة عَلِيّ \" وَوَصَفَ سُفْيَان بِيَدِهِ فَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِع يَده الْيُمْنَى نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْض \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْدَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ \" كَانَ لِكُلِّ قَبِيلٍ مِنْ الْجِنّ مَقْعَد مِنْ السَّمَاء يَسْمَعُونَ مِنْهُ الْوَحْي \" يَعْنِي يُلْقِيهَا , زَادَ عَلِيّ عَنْ سُفْيَان \" حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الْأَرْض فَيُلْقَى \". ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى لِسَان السَّاحِر أَوْ الْكَاهِن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْجُرْجَانِيِّ \" عَلَى لِسَان الْآخَر \" بَدَلَ السَّاحِر وَهُوَ تَصْحِيف , وَفِي رِوَايَة عَلِيّ \" السَّاحِر وَالْكَاهِن \" وَكَذَا قَالَ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَاب إِلَخْ ) ‏ ‏يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْر فِي ذَلِكَ يَقَع عَلَى حَدّ سَوَاء , وَالْحَدِيث الْآخَر يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي يَسْلَم مِنْهُمْ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُدْرِكهُ الشِّهَاب. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَان فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَيَرْمِي هَذَا إِلَى هَذَا وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى يُلْقَى عَلَى فَمِ سَاحِر أَوْ كَاهِن \". ‏ ‏قَوْله : ( فَيَكْذِب مَعَهَا مِائَة كِذْبَة , فَيَصْدُق بِتِلْكَ الْكَلِمَة الَّتِي سُمِعَتْ مِنْ السَّمَاء ) ‏ ‏زَادَ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه عَنْ سُفْيَان كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْحِجْر \" فَيَقُولُونَ : أَلَمْ يُخْبِرنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُون كَذَا وَكَذَا فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا الْكَلِمَة الَّتِي سُمِعَتْ مِنْ السَّمَاء \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور \" فَيَقُول يَكُون الْعَام كَذَا وَكَذَا فَيَسْمَعهُ الْجِنّ فَيُخْبِرُونَ بِهِ الْكَهَنَة فَتُخْبِر الْكَهَنَة النَّاس فَيَجِدُونَهُ \" وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْح هَذَا الْقَدْر فِي أَوَاخِر كِتَاب الطِّبّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي تَفْسِير سُورَة الْحِجْر فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه \" قُلْت لِسُفْيَانَ : إِنَّ إِنْسَانًا رَوَى عَنْك عَنْ عَمْرو عَنْ عِكْرِمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ قَرَأَ فُرِّغَ - بِضَمِّ الْفَاء وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَة الثَّقِيلَة وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة - فَقَالَ سُفْيَان : هَكَذَا قَرَأَ عَمْرو - يَعْنِي اِبْن دِينَار - فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لَا \" وَهَذِهِ الْقِرَاءَة رُوِيَتْ أَيْضًا عَنْ الْحَسَن وَقَتَادَةَ وَمُجَاهِد , وَالْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة بِالزَّايِ وَالْعَيْن الْمُهْمَلَة , وَقَرَأَهَا اِبْن عَامِر مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَمَعْنَاهُ بِالزَّايِ وَالْمُهْمَلَة أَدْهَشَ الْفَزَع عَنْهُمْ , وَمَعْنَى الَّتِي بِالرَّاءِ وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة ذَهَبَ عَنْ قُلُوبهمْ مَا حَلَّ فِيهَا \" فَقَالَ سُفْيَان : هَكَذَا قَرَأَ عَمْرو فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ أَمْ لَا. قَالَ سُفْيَان : وَهِيَ قِرَاءَتنَا \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ جَازَتْ الْقِرَاءَة إِذَا لَمْ تَكُنْ مَسْمُوعَة فَالْجَوَاب لَعَلَّ مَذْهَبه جَوَاز الْقِرَاءَة بِدُونِ السَّمَاع إِذَا كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا. قُلْت : هَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَكِنْ إِذَا وُجِدَ اِحْتِمَال غَيْره فَهُوَ أَوْلَى , وَذَلِكَ مَحْمَل قَوْل سُفْيَان : \" لَا أَدْرِي سَمِعَهُ أَمْ لَا \" عَلَى أَنَّ مُرَاده سَمِعَهُ مِنْ عِكْرِمَة الَّذِي حَدَّثَهُ بِالْحَدِيثِ لَا أَنَّهُ شَكَّ فِي أَنَّهُ هَلْ سَمِعَهُ مُطْلَقًا , فَالظَّنّ بِهِ أَنْ لَا يَكْتَفِي فِي نَقْل الْقُرْآن بِالْأَخْذِ مِنْ الصُّحُف بِغَيْرِ سَمَاع. وَأَمَّا قَوْل سُفْيَان : \" وَهِيَ قِرَاءَتنَا \" فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا وَافَقَتْ مَا كَانَ يَخْتَار مِنْ الْقِرَاءَة بِهِ ; فَيَجُوز أَنْ يُنْسَب إِلَيْهِ كَمَا نُسِبَ لِغَيْرِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4427",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَعِدَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ يَا ‏ ‏صَبَاحَاهْ فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏قَالُوا مَا لَكَ قَالَ ‏ ‏أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو لَهَبٍ ‏ ‏تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏تَبَّتْ يَدَا ‏ ‏أَبِي لَهَبٍ ‏ }",
        "sharh": "ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي نُزُول قَوْله تَعَالَى : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَك الْأَقْرَبِينَ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي سُورَة الشُّعَرَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "4428",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ‏ { ‏وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4429",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ‏ { ‏وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ‏} ‏قَالَ ‏ ‏مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( سَأَلْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْله تَعَالَى ( وَالشَّمْس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ) قَالَ : مُسْتَقَرّهَا تَحْتَ الْعَرْش ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ وَكِيع عَنْ الْأَعْمَش مُخْتَصَرًا , وَهُوَ بِالْمَعْنَى , فَإِنَّ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي اِسْتَفْهَمَهُ \" أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُب الشَّمْس ؟ فَقَالَ : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّهَا تَذْهَب حَتَّى تَسْجُد تَحْتَ الْعَرْش ) فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد فَإِنَّهَا تَذْهَب فَتَسْتَأْذِن فِي السُّجُود فَيُؤْذَن لَهَا , وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا اُطْلُعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت فَتَطْلُع مِنْ مَغْرِبهَا. ثُمَّ قَرَأَ \" وَذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا \". قَالَ : وَهِيَ قِرَاءَة عَبْد اللَّه. وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق وَهْب عَنْ جَابِر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فِي هَذِهِ الْآيَة قَالَ : مُسْتَقَرّهَا أَنْ تَطْلُع فَيَرُدّهَا ذُنُوب بَنِي آدَم , فَإِذَا غَرَبَتْ سَلَّمَتْ وَسَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ فَلَا يُؤْذَن لَهَا , فَتَقُول : إِنَّ السَّيْر بَعُدَ , وَإِنِّي إِنْ لَا يُؤْذَن لِي لَا أَبْلُغ , فَتُحْبَس مَا شَاءَ اللَّه. ثُمَّ يُقَال : اُطْلُعِي مِنْ حَيْثُ غَرَبْت , قَالَ فَمِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا يَنْفَع نَفْسًا إِيمَانُهَا. وَأَمَّا قَوْله \" تَحْتَ الْعَرْش \" فَقِيلَ هُوَ حِينَ مُحَاذَاتهَا. وَلَا يُخَالِف هَذَا قَوْله : ( وَجَدَهَا تَغْرُب فِي عَيْنٍ حَمِئَة ) فَإِنَّ الْمُرَاد بِهَا نِهَايَة مُدْرَكِ الْبَصَر إِلَيْهَا حَال الْغُرُوب , وَسُجُودهَا تَحْتَ الْعَرْش إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْغُرُوب. وَفِي الْحَدِيث رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَاد بِمُسْتَقَرِّهَا غَايَة مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ فِي الِارْتِفَاع , وَذَلِكَ أَطْوَل يَوْمٍ فِي السَّنَة , وَقِيلَ إِلَى مُنْتَهَى أَمْرهَا عِنْدَ اِنْتِهَاء الدُّنْيَا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِاسْتِقْرَارِهَا تَحْتَ الْعَرْش أَنَّهَا تَسْتَقِرّ تَحْتَهُ اِسْتِقْرَارًا لَا نُحِيط بِهِ نَحْنُ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى أَوْ عِلْم مَا سَأَلْت عَنْهُ مِنْ مُسْتَقَرّهَا تَحْتَ الْعَرْش فِي كِتَاب كُتِبَ فِيهِ اِبْتِدَاء أُمُور الْعَالَم وَنِهَايَتهَا فَيُقْطَع دَوْرَانِ الشَّمْس وَتَسْتَقِرّ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَبْطُل فِعْلهَا , وَلَيْسَ فِي سُجُودهَا كُلّ لَيْلَة تَحْتَ الْعَرْش مَا يُعِيق عَنْ دَوَرَانهَا فِي سَيْرهَا. قُلْت : وَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ الْمُرَاد بِالِاسْتِقْرَارِ وُقُوعه فِي كُلّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِنْدَ سُجُودهَا وَمُقَابِل الِاسْتِقْرَار الْمَسِير الدَّائِم الْمُعَبَّر عَنْهُ بِالْجَرْيِ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4430",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ مَتَّى ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث اِبْن مَسْعُود ‏ ‏\" لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَكُون خَيْرًا مِنْ يُونُس بْن مَتَّى \" ‏"
    },
    {
        "id": "4431",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ مَتَّى ‏ ‏فَقَدْ كَذَبَ ‏",
        "sharh": "وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏\" مَنْ قَالَ أَنَا خَيْر مِنْ يُونُس بْن مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَلِلَّهِ الْحَمْد ‏"
    },
    {
        "id": "4432",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْعَوَّامِ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏السَّجْدَةِ فِي ‏ ‏ص ‏ ‏قَالَ سُئِلَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ { ‏أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ ‏ ‏اقْتَدِهْ ‏} ‏وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَسْجُدُ فِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ الْعَوَّام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَوْشَبٍ , كَذَا قَالَ أَكْثَر أَصْحَاب شُعْبَة. وَقَالَ أُمَيَّة بْن خَالِد عَنْهُ \" عَنْ مَنْصُور وَعَمْرو بْن مُرَّة وَأَبِي حُصَيْنٍ ثَلَاثَتهمْ عَنْ مُجَاهِد \" فَكَأَنَّ لِشُعْبَةَ فِيهِ مَشَايِخ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُجَاهِد ) ‏ ‏كَذَا قَالَ أَكْثَر أَصْحَاب الْعَوَّام بْن حَوْشَبٍ , وَقَالَ أَبُو سَعِيد الْأَشَجّ \" عَنْ أَبِي خَالِد الْأَحْمَر وَحَفْص بْن غِيَاث عَنْ الْعَوَّام عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر \" بَدَلَ مُجَاهِد , أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ. فَلَعَلَّ لِلْعَوَّامِ فِيهِ شَيْخَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْأَنْعَام مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان الْأَحْوَل عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ سَأَلَ اِبْن عَبَّاس : أَفِي ص سَجْدَة ؟ قَالَ نَعَمْ , ثُمَّ تَلَا ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَق وَيَعْقُوب - إِلَى قَوْله - فَبِهُدَاهُمْ اِقْتَدِهِ ) قَالَ هُوَ مِنْهُمْ , فَالْحَدِيث مَحْفُوظ لِمُجَاهِدٍ , فَرِوَايَة أَبِي سَعِيد الْأَشَجّ شَاذَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "4433",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْعَوَّامِ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏عَنْ سَجْدَةٍ فِي ‏ ‏ص ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ فَقَالَ ‏ ‏أَوَ مَا تَقْرَأُ ‏ { ‏وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏وَسُلَيْمَانَ ‏ } { ‏أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ ‏ ‏اقْتَدِهْ ‏} ‏فَكَانَ ‏ ‏دَاوُدُ ‏ ‏مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فَسَجَدَهَا ‏ ‏دَاوُدُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏عُجَابٌ ‏} ‏عَجِيبٌ الْقِطُّ الصَّحِيفَةُ هُوَ هَا هُنَا صَحِيفَةُ الْحِسَابِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ { ‏فِي عِزَّةٍ ‏} ‏مُعَازِّينَ ‏ { ‏الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ ‏} ‏مِلَّةُ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏الْاخْتِلَاقُ الْكَذِبُ ‏ ‏الْأَسْبَابُ طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا ‏ ‏قَوْلُهُ ‏ { ‏جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ ‏} ‏يَعْنِي ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ { ‏أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ ‏} ‏الْقُرُونُ الْمَاضِيَةُ ‏ { ‏فَوَاقٍ ‏} ‏رُجُوعٍ ‏ { ‏قِطَّنَا ‏} ‏عَذَابَنَا ‏ { ‏اتَّخَذْنَاهُمْ سُخْرِيًّا ‏ } ‏أَحَطْنَا بِهِمْ ‏ { ‏أَتْرَابٌ ‏} ‏أَمْثَالٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏الْأَيْدُ الْقُوَّةُ فِي الْعِبَادَةِ ‏ ‏الْأَبْصَارُ الْبَصَرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ ‏ { ‏حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ‏} ‏مِنْ ذِكْرِ طَفِقَ مَسْحًا يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا ‏ { ‏الْأَصْفَادِ ‏} ‏الْوَثَاقِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏قَالَ الْكِلَابَاذِيُّ وَابْن طَاهِر : هُوَ الذُّهْلِيُّ نُسِبَ إِلَى جَدّه , وَقَالَ غَيْرهمَا : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك الْمَخْرَمِيّ فَإِنَّهُ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَجَدَهَا دَاوُدُ فَسَجَدَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏سَقَطَ \" فَسَجَدَهَا دَاوُدُ \" مِنْ رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ ; وَهَذَا أَصْرَح فِي الرَّفْع مِنْ رِوَايَة شُعْبَة وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِالسُّجُودِ فِي ص فِي كِتَاب سُجُود التِّلَاوَة مُسْتَوْفًى , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ شَرْع مَنْ قَبْلَنَا شَرْع لَنَا وَهِيَ مَسْأَلَة مَشْهُورَة فِي الْأُصُول وَقَدْ تَعَرَّضْنَا لَهَا فِي مَكَان آخَر. ‏ ‏قَوْله : ( عُجَابٌ عَجِيبٌ ) ‏ ‏هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة قَالَ : وَالْعَرَب تُحَوِّلُ فَعِيلًا إِلَى فُعَال بِالضَّمِّ وَهُوَ مِثْل طَوِيل وَطُوَال , قَالَ الشَّاعِر \" تَعْدُو بِهِ سَلْهَبَة سُرَاعَة \" أَيْ سَرِيعَة , وَقَرَأَ عِيسَى بْن عُمَر وَنُقِلَتْ عَنْ عَلِيّ عُجَّاب بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ مِثْل كُبَّار فِي قَوْله : ( مَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ) وَهُوَ أَبْلَغ مِنْ كُبَار بِالتَّخْفِيفِ وَكُبَار الْمُخَفَّف أَبْلَغ مِنْ كَبِير. ‏ ‏قَوْله : ( الْقَطُّ الصَّحِيفَةُ هُوَ هَاهُنَا صَحِيفَة الْحَسَنَات ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" الْحِسَاب \" وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ , وَذَكَرَ بَعْض الشُّرَّاح بِالْعَكْسِ , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْقَطُّ الْكِتَاب وَالْجَمْع قُطُوط وَقِطَطَة كَقِرْدٍ وَقُرُود وَقِرَدَة , وَأَصْله مِنْ قَطَّ الشَّيْء أَيْ قَطَعَهُ وَالْمَعْنَى قِطْعَة مِمَّا وَعَدْتنَا بِهِ , وَيُطْلَق عَلَى الصَّحِيفَة قَطٌّ لِأَنَّهَا قِطْعَة تُقْطَع ,. وَكَذَلِكَ الصَّكّ , وَيُقَال لِلْجَائِزَةِ أَيْضًا قَطّ لِأَنَّهَا قِطْعَة مِنْ الْعَطِيَّة , وَأَكْثَر اِسْتِعْمَاله فِي الْكِتَاب , وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِير آخَر قَرِيبًا. وَعِنْدَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق عَطَاء أَنَّ قَائِل ذَلِكَ هُوَ النَّضْر بْن الْحَارِث. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُجَاهِد فِي عِزَّةٍ ) ‏ ‏أَيْ ( مُعَازِّينَ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد بِهِ , وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله \" فِي عِزَّة \" قَالَ فِي حَمِيَّة , وَنُقِلَ عَنْ الْكِسَائِيّ فِي رِوَايَة أَنَّهُ قَرَأَ \" فِي غُرَّة \" بِالْمُعْجَمَةِ وَالرَّاء , وَهِيَ قِرَاءَة الْجَحْدَرِيّ وَأَبِي جَعْفَر. ‏ ‏قَوْله : ( الْمِلَّة الْآخِرَة مِلَّة قُرَيْش. الِاخْتِلَاق الْكَذِب ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : ( مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّة الْآخِرَة ) قَالَ : مِلَّة قُرَيْش ( إِنْ هَذَا إِلَّا اِخْتِلَاق ) كَذِب وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ‏ ‏قَوْله : ( الْمِلَّة الْآخِرَة ) ‏ ‏قَالَ النَّصْرَانِيَّة. وَعَنْ السُّدِّيِّ نَحْوه. وَكَذَا قَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الْكَلْبِيّ , قَالَ وَقَالَ قَتَادَةُ : دِينهمْ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ ‏ ‏قَوْله : ( جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُوم , يَعْنِي قُرَيْشًا ) ‏ ‏سَقَطَ لَفْظ \" قَوْله \" لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ , وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد فِي ‏ ‏قَوْله : ( جُنْد مَا هُنَالِكَ مَهْزُوم ) ‏ ‏قَالَ قُرَيْش , وَقَوْله جُنْد خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف أَيْ هُمْ , وَمَا مَزِيدَة أَوْ صِفَة لِجُنْدٍ وَهُنَالِكَ مُشَار بِهِ إِلَى مَكَان الْمُرَاجَعَة , وَمَهْزُوم صِفَة لِجُنْدٍ أَيْ سَيُهْزَمُونَ بِذَلِكَ الْمَكَان , وَهُوَ مِنْ الْإِخْبَار بِالْغَيْبِ لِأَنَّهُمْ هُزِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ , لَكِنْ يُعَكِّر عَلَى هَذَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : وَعَدَهُ اللَّه وَهُوَ بِمَكَّةَ أَنَّهُ سَيَهْزِمُ جُنْد الْمُشْرِكِينَ , فَجَاءَ تَأْوِيلهَا بِبَدْرٍ , فَعَلَى هَذَا فَهُنَالِكَ ظَرْف لِلْمُرَاجَعَةِ فَقَطْ وَمَكَان الْهَزِيمَة لَمْ يُذْكَر. ‏ ‏قَوْله : ( الْأَسْبَاب طُرُق السَّمَاء فِي أَبْوَابهَا ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيق بِلَفْظِ \" طُرُق السَّمَاء أَبْوَابهَا \" وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ : الْأَسْبَاب هِيَ أَبْوَاب السَّمَاء. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْعَرَب تَقُول لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ ذَا دِين اِرْتَقَى فُلَان فِي الْأَسْبَاب. ‏ ‏قَوْله : ( أُولَئِكَ الْأَحْزَاب : الْقُرُون الْمَاضِيَة ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَاقٍ رُجُوع ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد مِثْله , وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ : لَيْسَ لَهَا مَثْنَوِيَّة وَهِيَ بِمَعْنَى قَوْل مُجَاهِد. وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ يَقُول لَيْسَ لَهُمْ إِفَاقَة وَلَا رُجُوع إِلَى الدُّنْيَا , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة مَنْ فَتَحَهَا أَيْ الْفَاء قَالَ مَا لَهَا مِنْ رَاحَة , وَمَنْ ضَمَّهَا جَعَلَهَا مِنْ فَوَاقِي نَاقَة وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ , وَاَلَّذِي قَرَأَ بِضَمِّ الْفَاء حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا , وَقَالَ قَوْم : الْمَعْنَى بِالْفَتْحِ وَبِالضَّمِّ وَاحِد مِثْل قِصَاص الشَّعْر يُقَال بِضَمِّ الْقَاف وَبِفَتْحِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قِطَّنَا عَذَابَنَا ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد أَيْضًا , وَلَا مُنَافَاة بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِمْ قِطَّنَا أَيْ نَصِيبَنَا مِنْ الْعَذَاب. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله \" قَطّنَا \" قَالَ نَصِيبنَا مِنْ الْعَذَاب وَهُوَ شَبِيه قَوْلهمْ ( وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِنْدِك ) الْآيَة , وَقَوْل الْآخَرِينَ ( اِئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ ) وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد قَالَ قَوْله قِطَّنَا أَيْ رِزْقَنَا , وَمِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ نَصِيبنَا مِنْ الْجَنَّة , وَمِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ نَحْوه. ثُمَّ قَالَ وَأَوْلَى الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ أَنَّهُمْ سَأَلُوا تَعْجِيل كَتْبهمْ بِنَصِيبِهِمْ مِنْ الْخَيْر أَوْ الشَّرّ الَّذِي وَعَدَ اللَّه عِبَاده فِي الْآخِرَة أَنْ يُعَجِّلَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا اِسْتِهْزَاءً مِنْهُمْ وَعِنَادًا. ‏ ‏قَوْله : ( الصَّافِنَات صَفَنَ الْفَرَس إِلَخْ ) وَقَوْله الْجِيَاد السِّرَاع وَقَوْله جَسَدًا شَيْطَانًا وَقَوْله رُخَاءً الرُّخَاء الطَّيِّب وَقَوْله حَيْثُ أَصَابَ حَيْثُ شَاءَ وَقَوْله فَامْنُنْ أَعْطِ وَقَوْله بِغَيْرِ حِسَاب بِغَيْرِ حَرَج ثَبَتَ هَذَا كُلّه لِلنَّسَفِيِّ هُنَا وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيعه فِي تَرْجَمَة سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَام مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. ‏ ‏قَوْله : ( اِتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَحَطْنَا بِهِمْ ) ‏ ‏قَالَ الدِّمْيَاطِيّ فِي حَوَاشِيه لَعَلَّهُ أَحَطْنَاهُمْ , وَتَلَقَّاهُ عَنْ عِيَاض فَإِنَّهُ قَالَ أَحَطْنَا بِهِمْ كَذَا وَقَعَ وَلَعَلَّهُ أَحَطْنَاهُمْ وَحُذِفَ مَعَ ذَلِكَ الْقَوْل الَّذِي هَذَا تَفْسِيره وَهُوَ أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمْ الْأَبْصَار اِنْتَهَى وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق مُجَاهِد بِلَفْظِ أَخْطَأْنَاهُمْ أَمْ هُمْ فِي النَّار لَا نَعْلَم مَكَانَهُمْ. وَقَالَ اِبْن عَطِيَّة الْمَعْنَى لَيْسُوا مَعَنَا أَمْ هُمْ مَعَنَا لَكِنْ أَبْصَارنَا تَمِيل عَنْهُمْ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة مَنْ قَرَأَهَا أَتَّخَذْنَاهُمْ أَيْ بِهَمْزَةِ قَطْع جَعَلَهَا اِسْتِفْهَامًا وَجَعَلَ أَمْ جَوَابًا وَمَنْ لَمْ يَسْتَفْهِم فَتَحَهَا عَلَى الْقَطْع , وَمَعْنَى أَمْ مَعْنَى بَلْ وَمِثْله أَمْ أَنَا خَيْر مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِين اِنْتَهَى وَاَلَّذِي قَرَأَهَا بِهَمْزَةِ وَصْل أَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَتْرَاب أَمْثَالٌ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ كَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة الْأَتْرَاب جَمْع تِرْب وَهُوَ بِكَسْرِ أَوَّله مَنْ يُولَد فِي زَمَن وَاحِد. وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ أَتْرَاب مُسْتَوِيَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن عَبَّاس الْأَيْد الْقُوَّةُ فِي الْعِبَادَة ) ‏ ‏وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله دَاوُدَ ذَا الْأَيْد قَالَ الْقُوَّة , وَمِنْ طَرِيق مُجَاهِد قَالَ الْقُوَّة فِي الطَّاعَة وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ ذَا الْأَيْد ذَا الْقُوَّة فِي الْعِبَادَة. ‏ ‏قَوْله : ( الْأَبْصَار الْبَصَر فِي أَمْر اللَّه ) ‏ ‏وَصَلَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَار قَالَ أُولِي الْقُوَّة فِي الْعِبَادَة وَالْفِقْه فِي الدِّين. وَمِنْ طَرِيق مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد قَالَ الْأَبْصَار الْعُقُول. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏الْأَبْصَار وَرَدَتْ فِي هَذِهِ السُّورَة عَقِبَ الْأَيْدِي لَا عَقِبَ الْأَيْد لَكِنْ فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود أُولِي الْأَيْد وَالْأَبْصَار مِنْ غَيْر يَاء فَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ فَسَّرَهُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة. ‏ ‏قَوْله : ( حُبّ الْخَيْر عَنْ ذِكْر رَبِّي إِلَى آخِره ) ‏ ‏سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَة سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. ‏ ‏قَوْله : ( الْأَصْفَاد الْوَثَاق ) ‏ ‏سَقَطَ هَذَا أَيْضًا لِأَبِي ذَرّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَة سُلَيْمَانَ أَيْضًا ‏"
    },
    {
        "id": "4434",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏رَبِّ ‏ { ‏هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ‏} ‏قَالَ ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏فَرَدَّهُ خَاسِئًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ أَوْ كَلِمَة نَحْوهَا ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الشَّكّ فِي لَفْظ التَّفَلُّت أَوْ فِي لَفْظ الْبَارِحَة وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَوَائِل كِتَاب الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرْت قَوْل أَخِي سُلَيْمَان ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي تَرْجَمَة سُلَيْمَان مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ قَالَ فِي قَوْله لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي لَا أَسْلُبُهُ كَمَا سَلَبْته أَوَّل مَرَّة , وَظَاهِر حَدِيث الْبَاب يَرِدُ عَلَيْهِ وَكَأَنَّ سَبَب تَأْوِيل قَتَادَةَ هَذَا هَكَذَا طَعَنَ بَعْض الْمَلَاحِدَة عَلَى سُلَيْمَان وَنِسْبَته فِي هَذَا إِلَى الْحِرْص عَلَى الِاسْتِبْدَاد بِنِعْمَةِ الدُّنْيَا وَخَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِإِذْنٍ لَهُ مِنْ اللَّه وَأَنَّ تِلْكَ كَانَتْ مُعْجِزَته كَمَا اُخْتُصَّ كُلّ نَبِيّ بِمُعْجِزَةٍ دُونَ غَيْره وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ رَوْح فَرَدَّهُ خَاسِئًا ) ‏ ‏رَوْح هُوَ اِبْن عُبَادَةَ أَحَد رُوَاته وَكَأَنَّ الْمُرَاد أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة وَقَعَتْ فِي رِوَايَته دُونَ رِوَايَة رَفِيقه , وَقَدْ ذَكَرْت مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْبَحْث فِي أَوَائِل كِتَاب الصَّلَاة وَذَكَرْت مَا يَتَعَلَّق بِرُؤْيَةِ الْجِنّ فِي تَرْجَمَة سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء ‏"
    },
    {
        "id": "4435",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ دَخَلْنَا عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ ‏ ‏اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ ‏} ‏وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ الدُّخَانِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعَا ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبْطَئُوا عَلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ فَحَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْجُلُودَ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ دُخَانًا مِنْ الْجُوعِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏} ‏قَالَ فَدَعَوْا ‏ { ‏رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ أَنَّى لَهُمْ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ‏} ‏أَفَيُكْشَفُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ فَكُشِفَ ثُمَّ عَادُوا فِي كُفْرِهِمْ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4436",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا فَأَتَوْا ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً ‏ ‏فَنَزَلَ ‏ { ‏وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ‏} ‏وَنَزَلَتْ ‏ { ‏قُلْ يَا ‏ ‏عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ , قَالَ يَعْلَى ) ‏ ‏أَيْ : قَالَ قَالَ يَعْلَى - وَ \" قَالَ \" تَسْقُط خَطَأ وَتَثْبُت لَفْظًا , وَيَعْلَى هَذَا هُوَ اِبْن مُسْلِم كَمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ فِي هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ بِلَفْظِ \" أَخْبَرَنِي مُسْلِم بْن يَعْلَى وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة حَجَّاج هَذَا لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَهُمَا \" عَنْ يَعْلَى \" غَيْر مَنْسُوب كَمَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيّ. وَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ \" يَعْلَى بْن حَكِيم \" وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ نُسَخه , وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَة يَعْلَى بْن حَكِيم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس سِوَى حَدِيث وَاحِد وَهُوَ مِنْ رِوَايَة غَيْر اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ يَعْلَى وَاَللَّه أَعْلَم. وَيَعْلَى بْن مُسْلِم بَصْرِيّ الْأَصْل سَكَنَ مَكَّةَ مَشْهُور بِالرِّوَايَةِ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَبِرِوَايَةِ اِبْن جُبَيْر عَنْهُ , وَقَدْ رَوَى يَعْلَى بْن حَكِيم أَيْضًا عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَرَوَى عَنْهُ اِبْن جُرَيْجٍ , وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمُرَاد هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ السَّائِل عَنْ ذَلِكَ هُوَ وَحْشِيّ بْن حَرْب قَاتِل حَمْزَة وَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ نَزَلَتْ ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ) الْآيَة فَقَالَ : هَذَا شَرْطٌ شَدِيدٌ , فَنَزَلَتْ ( قُلْ يَا عِبَادِيَ ) الْآيَة. وَرَوَى اِبْن إِسْحَاق فِي \" السِّيرَة \" قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر قَالَ \" اِتَّعَدْت أَنَا وَعَيَّاش بْن أَبِي رَبِيعَة وَهِشَام بْن الْعَاصِ أَنْ نُهَاجِر إِلَى الْمَدِينَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي قِصَّتهمْ وَرُجُوع رَفِيقه فَنَزَلَتْ ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسهمْ ) الْآيَة قَالَ فَكَتَبْت بِهَا إِلَى هِشَام. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَزَلَ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسهمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ \" فَقَالَ النَّاس يَا رَسُول اللَّه إِنَّا أَصَبْنَا مَا أَصَابَ وَحْشِيّ , فَقَالَ هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّة \" وَرَوَى أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث ثَوْبَانَ قَالَ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَا أُحِبّ أَنَّ لِي بِهَذِهِ الْآيَة الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسهمْ ) الْآيَة. فَقَالَ رَجُل : وَمَنْ أَشْرَكَ ؟ فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ : وَمَنْ أَشْرَكَ ثَلَاث مَرَّات \" وَاسْتُدِلَّ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَة عَلَى غُفْرَان جَمِيع الذُّنُوب كَبِيرهَا وَصَغِيرهَا سَوَاء تَعَلَّقَتْ بِحَقِّ الْآدَمِيِّينَ أَمْ لَا , وَالْمَشْهُور عِنْدَ أَهْل السُّنَّة أَنَّ الذُّنُوب كُلّهَا تُغْفَر بِالتَّوْبَةِ , وَأَنَّهَا تُغْفَر لِمَنْ شَاءَ اللَّه وَلَوْ مَاتَ عَلَى غَيْر تَوْبَة , لَكِنَّ حُقُوق الْآدَمِيِّينَ إِذَا تَابَ صَاحِبهَا مِنْ الْعَوْد إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ تَنْفَعهُ التَّوْبَة مِنْ الْعَوْد , وَأَمَّا خُصُوص مَا وَقَعَ مِنْهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ رَدّه لِصَاحِبِهِ أَوْ مُحَالَلَتِهِ مِنْهُ. نَعَمْ فِي سِعَة فَضْل اللَّه مَا يُمْكِن أَنْ يُعْرِض صَاحِب الْحَقّ عَنْ حَقّه وَلَا يُعَذَّب الْعَاصِي بِذَلِكَ , وَيُرْشِد إِلَيْهِ عُمُوم قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرِك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء ) وَاَللَّه أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4437",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ حَبْرٌ مِنْ الْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ فَضَحِكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ‏ ‏تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ ‏ ‏ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّا نَجِد أَنَّ اللَّه يَجْعَل السَّمَوَات عَلَى إِصْبَع ‏ ‏الْحَدِيثَ ) يَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , قَالَ اِبْن التِّين : تَكَلَّفَ الْخَطَّابِيُّ فِي تَأْوِيل الْإِصْبَع وَبَالَغَ حَتَّى جَعَلَ ضَحِكَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَجُّبًا وَإِنْكَارًا لِمَا قَالَ الْحَبْر , وَرَدَّ مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" فَضَحِكَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا \" بِأَنَّهُ عَلَى قَدْر مَا فَهِمَ الرَّاوِي. قَالَ النَّوَوِيّ : وَظَاهِر السِّيَاق أَنَّهُ ضَحِكَ تَصْدِيقًا لَهُ بِدَلِيلِ قِرَاءَته الْآيَة الَّتِي تَدُلّ عَلَى صِدْق مَا قَالَ الْحَبْر , وَالْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء الْكَفّ عَنْ التَّأْوِيل مَعَ اِعْتِقَاد التَّنْزِيه , فَإِنَّ كُلّ مَا يَسْتَلْزِم النَّقْص مِنْ ظَاهِرهَا غَيْر مُرَاد. وَقَالَ اِبْن فَوْرَكٍ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْإِصْبَعِ إِصْبَع بَعْض الْمَخْلُوقَات , وَمَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه : \" أَصَابِع الرَّحْمَن \" يَدُلّ عَلَى الْقُدْرَة وَالْمِلْك. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذه ) ‏ ‏أَيْ أَنْيَابه , وَلَيْسَ ذَلِكَ مُنَافِيًا لِلْحَدِيثِ الْآخَر أَنَّ ضَحِكَهُ كَانَ تَبَسُّمًا كَمَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِير الْأَحْقَاف ‏"
    },
    {
        "id": "4438",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏\" يَقْبِض اللَّه الْأَرْض وَيَطْوِي السَّمَوَات بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُول : أَنَا الْمَلِكُ , أَيْنَ مُلُوك الْأَرْض \" ‏ ‏؟ وَسَيَأْتِي شَرْحه أَيْضًا مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ‏"
    },
    {
        "id": "4439",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحِيمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنِّي أَوَّلُ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الْآخِرَةِ فَإِذَا أَنَا ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏مُتَعَلِّقٌ بِالْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَكَذَلِكَ كَانَ أَمْ بَعْدَ النَّفْخَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي الْحَسَن ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات غَيْر مَنْسُوب , فَجَزَمَ أَبُو حَاتِم سَهْل بْن السَّرِيّ الْحَافِظ فِيمَا نَقَلَهُ الْكِلَابَاذِيُّ بِأَنَّهُ الْحَسَن بْن شُجَاع الْبَلْخِيُّ الْحَافِظ , وَهُوَ أَصْغَر مِنْ الْبُخَارِيّ لَكِنْ مَاتَ قَبْلَهُ وَهُوَ مَعْدُوم مِنْ الْحُفَّاظ , وَوَقَعَ فِي \" الْمُصَافَحَة لِلْبُرْقَانِيِّ \" أَنَّ الْبُخَارِيّ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيث \" حَدَّثَنَا الْحُسَيْن \" بِضَمِّ أَوَّله مُصَغَّرٌ , وَنُقِلَ عَنْ الْحَاكِم أَنَّهُ الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الْقَبَّانِيّ فَاَللَّه أَعْلَم. وَإِسْمَاعِيل بْن الْخَلِيل شَيْخه مِنْ أَوْسَاط شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد دَرَجَتَيْنِ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ وَاحِد عَنْ زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة وَهُنَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثَة أَنْفُس. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحِيم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَانَ , وَعَامِر هُوَ الشَّعْبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي مِنْ أَوَّل مَنْ يَرْفَع رَأْسه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي تَرْجَمَة مُوسَى مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. ‏ ‏قَوْله : ( أَمْ بَعْدَ النَّفْخَة ) ‏ ‏نَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة وَهْم , وَاسْتَنَدَ إِلَى أَنَّ مُوسَى مَيِّت مَقْبُور فَيُبْعَث بَعْدَ النَّفْخَة فَكَيْفَ يَكُون مُسْتَثْنًى ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان وَجْه الرَّدّ عَلَيْهِ فِي هَذَا بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته , وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏"
    },
    {
        "id": "4440",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا صَالِحٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ قَالُوا يَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبَيْتُ قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أَبَيْتُ قَالَ أَرْبَعُونَ شَهْرًا قَالَ أَبَيْتُ وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا أَرْبَع نَفَخَات , وَحَدِيث الْبَاب يُؤَيِّد الصَّوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْبَعُونَ قَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَة أَرْبَعُونَ يَوْمًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْم السَّائِل. ‏ ‏قَوْله : ( أَبَيْت ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ أَيْ اِمْتَنَعْت عَنْ الْقَوْل بِتَعْيِينِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي فِي ذَلِكَ تَوْقِيف , وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ الْأَعْمَش فِي هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ \" أَعْيَيْت \" مِنْ الْإِعْيَاء وَهُوَ التَّعَب , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى كَثْرَة مَنْ يَسْأَلهُ عَنْ تَبْيِين ذَلِكَ فَلَا يُجِيبهُ , وَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم أَرْبَعِينَ سَنَة وَلَا وُجُود لِذَلِكَ , نَعَمْ أَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الصَّلْت عَنْ الْأَعْمَش فِي هَذَا الْإِسْنَاد \" أَرْبَعُونَ سَنَة \" وَهُوَ شَاذّ. وَمِنْ وَجْه ضَعِيف عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" مَا بَيْنَ النَّفْخَة وَالنَّفْخَة أَرْبَعُونَ سَنَة \" ذَكَرَهُ فِي أَوَاخِر سُورَة ص , وَكَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة لَمْ يَسْمَعهَا إِلَّا مُجْمَلَةً فَلِهَذَا قَالَ لِمَنْ عَيَّنَهَا لَهُ \" أَبَيْت \". وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَسْلَم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ. قَالُوا : أَرْبَعُونَ مَاذَا ؟ قَالَ : هَكَذَا سَمِعْت \" وَقَالَ اِبْن التِّين : وَيُحْتَمَل أَيْضًا أَنْ يَكُون عَلِمَ ذَلِكَ لَكِنْ سَكَتَ لِيُخْبِرَهُمْ فِي وَقْت , أَوْ اِشْتَغَلَ عَنْ الْإِعْلَام حِينَئِذٍ. وَوَقَعَ فِي \" جَامِع اِبْن وَهْب \" أَرْبَعِينَ جُمْعَة , وَسَنَده مُنْقَطِع. ‏ ‏قَوْله : ( وَيَبْلَى كُلّ شَيْء مِنْ الْإِنْسَان إِلَّا عَجْب ذَنَبه , فِيهِ يُرَكَّب الْخَلْق ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" لَيْسَ مِنْ الْإِنْسَان شَيْء إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا \" الْحَدِيث. وَأَفْرَدَ هَذَا الْقَدْر مِنْ طَرِيق أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" كُلّ اِبْن آدَم يَأْكُلهُ التُّرَاب إِلَّا عَجْب الذَّنَب , مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ يُرَكَّب \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" إِنَّ فِي الْإِنْسَان عَظْمًا لَا تَأْكُلهُ الْأَرْض أَبَدًا , فِيهِ يُرَكَّب يَوْمَ الْقِيَامَة. قَالُوا : أَيّ عَظْم هُوَ ؟ قَالَ : عَجْب الذَّنَب \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْدَ الْحَاكِمِ وَأَبِي يَعْلَى \" قِيلَ يَا رَسُول اللَّه مَا عَجْب الذَّنَب ؟ قَالَ : مِثْل حَبَّة خَرْدَل \" وَالْعَجْب بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْجِيم بَعْدَهَا مُوَحَّدَة وَيُقَال لَهُ \" عَجْم \" بِالْمِيمِ أَيْضًا عِوَض الْبَاء. وَهُوَ عَظْم لَطِيف فِي أَصْل الصُّلْب , وَهُوَ رَأْس الْعُصْعُص , وَهُوَ مَكَان رَأْس الذَّنَب مِنْ ذَوَات الْأَرْبَع. وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ عِنْدَ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا وَأَبِي دَاوُدَ وَالْحَاكِم مَرْفُوعًا \" إِنَّهُ مِثْل حَبَّة الْخَرْدَل \" قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ قَالَ اِبْن عَقِيل : لِلَّهِ فِي هَذَا سِرّ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّه , لِأَنَّ مَنْ يُظْهِر الْوُجُود مِنْ الْعَدَم لَا يَحْتَاج إِلَى شَيْء يَبْنِي عَلَيْهِ. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ جُعِلَ عَلَامَةً لِلْمَلَائِكَةِ عَلَى إِحْيَاء كُلّ إِنْسَان بِجَوْهَرِهِ , وَلَا يَحْصُل الْعِلْم لِلْمَلَائِكَةِ بِذَلِكَ إِلَّا بِإِبْقَاءِ عَظْم كُلّ شَخْص لِيُعْلَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ إِعَادَة الْأَرْوَاح إِلَى تِلْكَ الْأَعْيَان الَّتِي هِيَ جُزْء مِنْهَا , وَلَوْلَا إِبْقَاء شَيْء مِنْهَا لَجَوَّزَتْ الْمَلَائِكَة أَنَّ الْإِعَادَة إِلَى أَمْثَال الْأَجْسَاد لَا إِلَى نَفْس الْأَجْسَاد. وَقَوْله فِي الْحَدِيث \" وَيَبْلَى كُلّ شَيْء مِنْ الْإِنْسَان \" يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِهِ يُفْنَى أَيْ تُعْدَم أَجْزَاؤُهُ بِالْكُلِّيَّةِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ يَسْتَحِيل فَتَزُول صُورَته الْمَعْهُودَة فَيَصِير عَلَى صِفَة جِسْم التُّرَاب , ثُمَّ يُعَاد إِذَا رُكِّبَتْ إِلَى مَا عُهِدَ. وَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَبْلَى أَيْ يَطُول بَقَاؤُهُ , لَا أَنَّهُ لَا يَفْنَى أَصْلًا. وَالْحِكْمَة فِيهِ أَنَّهُ قَاعِدَة بَدْء الْإِنْسَان وَأُسّه الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ فَهُوَ أَصْلَب مِنْ الْجَمِيع كَقَاعِدَةِ الْجِدَار , وَإِذَا كَانَ أَصْلَب كَانَ أَدْوَم بَقَاءً , وَهَذَا مَرْدُود لِأَنَّهُ خِلَاف الظَّاهِر بِغَيْرِ دَلِيل. وَقَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا عَامّ يُخَصّ مِنْهُ الْأَنْبِيَاء , لِأَنَّ الْأَرْض لَا تَأْكُل أَجْسَادهمْ. وَأَلْحَقَ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِهِمْ الشُّهَدَاء وَالْقُرْطُبِيّ الْمُؤَذِّن الْمُحْتَسِب. قَالَ عِيَاض فَتَأْوِيل الْخَبَر وَهُوَ كُلّ اِبْن آدَم يَأْكُلهُ التُّرَاب أَيْ كُلّ اِبْن آدَم مِمَّا يَأْكُلهُ التُّرَاب وَإِنْ كَانَ التُّرَاب لَا يَأْكُل أَجْسَادًا كَثِيرَة كَالْأَنْبِيَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا عَجْب ذَنَبه ) ‏ ‏أَخَذَ بِظَاهِرِهِ الْجُمْهُور فَقَالُوا : لَا يَبْلَى عَجْب الذَّنَب وَلَا يَأْكُلهُ التُّرَاب , وَخَالَفَ الْمُزَنِيُّ فَقَالَ \" إِلَّا \" هُنَا بِمَعْنَى الْوَاو , أَيْ وَعَجْب الذَّنَب أَيْضًا يَبْلَى. وَقَدْ أَثْبَتَ هَذَا الْمَعْنَى الْفَرَّاء وَالْأَخْفَش فَقَالُوا : تَرِد \" إِلَّا \" بِمَعْنَى الْوَاو. وَيَرُدّ مَا اِنْفَرَدَ بِهِ الْمُزَنِيُّ التَّصْرِيح بِأَنَّ الْأَرْض لَا تَأْكُلهُ أَبَدًا كَمَا ذَكَرْته مِنْ رِوَايَة هَمَّام , وَقَوْله فِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" مِنْهُ خُلِقَ \" يَقْتَضِي أَنَّهُ أَوَّل كُلّ شَيْء يُخْلَق مِنْ الْآدَمِيّ , وَلَا يُعَارِضهُ حَدِيث سَلْمَان \" أَنَّ أَوَّل مَا خُلِقَ مِنْ آدَم رَأْسه \" لِأَنَّهُ يُجْمَع بَيْنَهُمَا بِأَنَّ هَذَا فِي حَقّ آدَم وَذَاكَ فِي حَقّ بَنِيهِ , أَوْ الْمُرَاد بِقَوْلِ سَلْمَان نَفْخ الرُّوح فِي آدَم لَا خَلْق جَسَده ‏"
    },
    {
        "id": "4441",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي بِفِنَاءِ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏إِذْ أَقْبَلَ ‏ ‏عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ ‏ ‏فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا فَأَقْبَلَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ { ‏أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ ‏ ‏رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث عُرْوَة بْن الزُّبَيْر ‏ ‏\" قُلْت لِعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل السِّيرَة النَّبَوِيَّة ‏"
    },
    {
        "id": "4442",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ { ‏وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ ‏} ‏الْآيَةَ قَالَ ‏ ‏كَانَ رَجُلَانِ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ ‏ ‏ثَقِيفَ ‏ ‏أَوْ رَجُلَانِ مِنْ ‏ ‏ثَقِيفَ ‏ ‏وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فِي بَيْتٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَتُرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ حَدِيثَنَا قَالَ بَعْضُهُمْ يَسْمَعُ بَعْضَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَئِنْ كَانَ يَسْمَعُ بَعْضَهُ لَقَدْ يَسْمَعُ كُلَّهُ فَأُنْزِلَتْ ‏ { ‏وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن مَسْعُود : وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ) ‏ ‏أَيْ قَالَ فِي تَفْسِير قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ). ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ رَجُلَانِ مِنْ قُرَيْش وَخَتَن لَهُمَا مِنْ ثَقِيف أَوْ رَجُلَانِ مِنْ ثَقِيف وَخَتَن لَهُمَا مِنْ قُرَيْش ) ‏ ‏هَذَا الشَّكّ مِنْ أَبِي مَعْمَر رِوَايَة عَنْ اِبْن مَسْعُود وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن سَخْبَرَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق وَهْب بْن رَبِيعَة عَنْ اِبْن مَسْعُود بِلَفْظِ \" ثَقَفِيّ وَخَتَنَاهُ قُرَشِيَّانِ \" وَلَمْ يَشُكّ. وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق وَهْب هَذِهِ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظهَا , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" ثَلَاثَة نَفَر \" وَلَمْ يَنْسُبْهُمْ , وَذَكَرَ اِبْن بَشْكُوَال فِي \" الْمُبْهَمَات \" مِنْ طَرِيق \" تَفْسِير عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد الثَّقَفِيّ \" أَحَد الضُّعَفَاء بِإِسْنَادِهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الْقُرَشِيّ الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث الزُّهْرِيّ وَالثَّقَفِيَّانِ الْأَخْنَس بْن شُرَيْق وَالْآخَر لَمْ يُسَمَّ , وَرَاجَعْت التَّفْسِير الْمَذْكُور فَوَجَدْته قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَع سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ) قَالَ : جَلَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ الْكَعْبَة أَحَدُهُمَا مِنْ ثَقِيف وَهُوَ الْأَخْنَس بْن شُرَيْق وَالْآخَر مِنْ قُرَيْش وَهُوَ الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث , فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَفِي تَنْزِيل هَذَا عَلَى هَذَا مَا لَا يَخْفَى. وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ وَتَبِعَهُ الْبَغَوِيُّ أَنَّ الثَّقَفِيّ عَبْد يَالَيْل بْن عَمْرو بْن عُمَيْر وَالْقُرَشِيَّانِ صَفْوَان وَرَبِيعَة اِبْنَا أُمَيَّة بْن خَلَف. وَذَكَرَ إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّد التَّيْمِيُّ فِي تَفْسِيره أَنَّ الْقُرَشِيّ صَفْوَان بْن أُمَيَّة وَالثَّقَفِيَّانِ رَبِيعَة وَحَبِيب اِبْنَا عَمْرو , فَاَللَّه أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4443",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اجْتَمَعَ عِنْدَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ ‏ ‏أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ ‏ ‏كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ فَقَالَ أَحَدُهُمْ أَتُرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ قَالَ الْآخَرُ يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا وَقَالَ الْآخَرُ إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ ‏} ‏الْآيَةَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏يُحَدِّثُنَا بِهَذَا فَيَقُولُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏أَحَدُهُمْ أَوْ اثْنَانِ مِنْهُمْ ثُمَّ ثَبَتَ عَلَى ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏وَتَرَكَ ذَلِكَ مِرَارًا غَيْرَ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏بِنَحْوِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْت ) ‏ ‏أَيْ عِنْدَ الْكَعْبَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( كَثِيرَةٌ شَحْم بُطُونهمْ قَلِيلَةٌ فِقْه قُلُوبهمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِإِضَافَةِ بُطُون لِشَحْمٍ وَإِضَافَة قُلُوب لِفِقْهٍ وَتَنْوِين كَثِيرَةٌ وَقَلِيلَةٌ , وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد عَنْ اِبْن مَسْعُود \" كَثِير شَحْم بُطُونهمْ قَلِيل فِقْه قُلُوبهمْ \" وَذَكَرَهُ بَعْض الشُّرَّاح بِلَفْظِ إِضَافَة شَحْم إِلَى كَثِيرَة وَبُطُونهمْ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْمُبْتَدَأ أَيْ بُطُونهمْ كَثِيرَة الشَّحْم وَالْآخَر مِثْله وَهُوَ مُحْتَمَل , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظِ \" عَظِيمَة بُطُونهمْ قَلِيل فِقْههمْ \" وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْفِطْنَة قَلَّمَا تَكُون مَعَ الْبِطْنَة , قَالَ الشَّافِعِيّ : مَا رَأَيْت سَمِينًا عَاقِلًا إِلَّا مُحَمَّد بْن الْحَسَن. ‏ ‏قَوْله : ( لَئِنْ كَانَ يَسْمَع بَعْضه لَقَدْ سَمِعَ كُلّه ) أَيْ لِأَنَّ نِسْبَة جَمِيع الْمَسْمُوعَات إِلَيْهِ وَاحِدَة فَالتَّخْصِيص تَحَكُّم , وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ قَائِل ذَلِكَ كَانَ أَفْطَن أَصْحَابه , وَأَخْلِقْ بِهِ أَنْ يَكُون الْأَخْنَس بْن شُرَيْق لِأَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ , وَكَذَا صَفْوَان بْن أُمَيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ سُفْيَان يُحَدِّثُنَا بِهَذَا فَيَقُول : حَدَّثَنَا مَنْصُور أَوْ اِبْن أَبِي نَجِيح أَوْ حُمَيْدٌ أَحَدهمْ أَوْ اِثْنَانِ مِنْهُمْ , ثُمَّ ثَبَتَ عَلَى مَنْصُور وَتَرَكَ ذَلِكَ مِرَارًا غَيْر وَاحِدَة ) ‏ ‏هَذَا كَلَام الْحُمَيْدِيِّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَنْهُ فِي كِتَاب التَّوْحِيد قَالَ \" حَدَّثَنَا سُفْيَان حَدَّثَنَا مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد \" فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا وَلَمْ يَذْكُر مَعَ مَنْصُور أَحَدًا. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُق عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُور وَحْده بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيدٍ الْقَطَّان. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَنْصُور ) ‏ ‏لِسُفْيَانَ فِيهِ إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن خَلَّاد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ سُلَيْمَان وَهُوَ الْأَعْمَش عَنْ عُمَارَة بْن عُمَيْر عَنْ وَهْب بْن رَبِيعَة عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ تَرَكَ طَرِيق الْأَعْمَش لِلِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ قِيلَ عَنْهُ هَكَذَا , وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ عُمَارَة بْن عُمَيْر عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد عَنْ اِبْن مَسْعُود أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ بِالْوَجْهَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4444",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏طَاوُسًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ ‏ { ‏إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ‏} ‏فَقَالَ ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏قُرْبَى آلِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَجِلْتَ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ فَقَالَ ‏ ‏إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ الْقَرَابَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث طَاوُسٍ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرهَا , فَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : قُرْبَى آلِ مُحَمَّد , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : عَجِلْت \" أَيْ أَسْرَعْت فِي التَّفْسِير. وَهَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ سَعِيد بْن جُبَيْر قَدْ جَاءَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَته عَنْ اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق قَيْس بْن الرَّبِيع عَنْ الْأَعْمَش عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ قَالُوا يَا رَسُول اللَّه مَنْ قَرَابَتك الَّذِينَ وَجَبَتْ عَلَيْنَا مَوَدَّتهمْ ؟ الْحَدِيث , وَإِسْنَاده ضَعِيف , وَهُوَ سَاقِط لِمُخَالَفَتِهِ هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح. وَالْمَعْنَى إِلَّا أَنْ تَوَدُّونِي لِقَرَابَتِي فَتَحْفَظُونِي , وَالْخِطَاب لِقُرَيْشٍ خَاصَّةً , وَالْقُرْبَى قَرَابَة الْعُصُوبَة وَالرَّحِم , فَكَأَنَّهُ قَالَ اِحْفَظُوا لِلْقَرَابَةِ إِنْ لَمْ تَتَّبِعُونِي لِلنُّبُوَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ عِكْرِمَة فِي سَبَب نُزُول وَقَدْ جَزَمَ بِهَذَا التَّفْسِير جَمَاعَة مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَاسْتَنَدُوا إِلَى مَا ذَكَرْته عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ الطَّبَرَانِيِّ وَابْن أَبِي حَاتِم , وَإِسْنَاده وَاهٍ فِيهِ ضَعِيف وَرَافِضِيّ. وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنَا أَحَادِيث ظَاهِر وَضْعهَا , وَرَدَّهُ الزَّجَّاج بِمَا صَحَّ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ رِوَايَة طَاوُسٍ فِي حَدِيث الْبَاب , وَبِمَا نَقَلَهُ الشَّعْبِيّ عَنْهُ , وَهُوَ الْمُعْتَمَد. وَجَزَمَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع. وَفِي سَبَب نُزُولهَا قَوْل آخَر ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة كَانَتْ تَنُوبُهُ نَوَائِب وَلَيْسَ بِيَدِهِ شَيْء , فَجَمَعَ لَهُ الْأَنْصَار مَالًا فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه إِنَّك اِبْن أُخْتنَا , وَقَدْ هَدَانَا اللَّه بِك , وَتَنُوبك النَّوَائِب وَحُقُوق وَلَيْسَ لَك سَعَة , فَجَمَعْنَا لَك مِنْ أَمْوَالنَا مَا تَسْتَعِين بِهِ عَلَيْنَا , فَنَزَلَتْ. وَهَذِهِ مِنْ رِوَايَة الْكَلْبِيّ وَنَحْوه مِنْ الضُّعَفَاء. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق مِقْسَمٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا قَالَ بَلَغَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْأَنْصَار شَيْء فَخَطَبَ فَقَالَ أَلَمْ تَكُونُوا ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّه بِي ؟ الْحَدِيث , وَفِيهِ فَجَثَوْا عَلَى الرُّكَب وَقَالُوا أَنْفُسنَا وَأَمْوَالنَا لَك فَنَزَلَتْ. وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيف وَيُبْطِلهُ أَنَّ الْآيَة مَكِّيَّة وَالْأَقْوَى فِي سَبَب نُزُولهَا عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ الْمُشْرِكُونَ لَعَلَّ مُحَمَّدًا يَطْلُب أَجْرًا عَلَى مَا يَتَعَاطَاهُ فَنَزَلَتْ. وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة , وَرَدَّهُ الثَّعْلَبِيّ بِأَنَّ الْآيَة دَالَّة عَلَى الْأَمْر بِالتَّوَدُّدِ إِلَى اللَّه بِطَاعَتِهِ أَوْ بِاتِّبَاعِ نَبِيّه أَوْ صِلَة رَحِمه بِتَرْكِ أَذِيَّته أَوْ صِلَة أَقَارِبه مِنْ أَجْله وَكُلّ ذَلِكَ مُسْتَمِرّ الْحُكْم غَيْر مَنْسُوخ , وَالْحَاصِل أَنَّ سَعِيد بْن جُبَيْر وَمَنْ وَافَقَهُ كَعَلِيِّ بْن الْحُسَيْن وَالسُّدِّيِّ وَعَمْرو بْن شُعَيْب فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمْ حَمَلُوا الْآيَة عَلَى أَمْر الْمُخَاطَبِينَ بِأَنْ يُوَادِدُوا أَقَارِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَابْن عَبَّاس حَمَلَهَا عَلَى أَنْ يُوَادِدُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْل الْقَرَابَة الَّتِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ , فَعَلَى الْأَوَّل الْخِطَاب عَامّ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ , وَعَلَى الثَّانِي الْخِطَاب خَاصّ بِقُرَيْشٍ. وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ السُّورَة مَكِّيَّة. وَقَدْ قِيلَ إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ : ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر ) وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون هَذَا عَامًّا خُصَّ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَة الْبَاب , وَالْمَعْنَى أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصِل أَرْحَامهَا , فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعُوهُ فَقَالَ : صِلُونِي كَمَا تَصِلُونَ غَيْرِي مِنْ أَقَارِبكُمْ. وَقَدْ رَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ قَالَ : أَكْثِرُوا عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْآيَة , فَكَتَبْت إِلَى اِبْن عَبَّاس أَسْأَلهُ عَنْهَا فَكَتَبَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ وَاسِط النَّسَب فِي قُرَيْش , لَمْ يَكُنْ حَيّ مِنْ أَحْيَاء قُرَيْش إِلَّا وَلَده , فَقَالَ اللَّه ( قُلْ لَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) تَوَدُّونِي بِقَرَابَتِي مِنْكُمْ , وَتَحْفَظُونِي فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ قَوْل ثَالِث أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( قُلْ لَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ) عَلَى مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى إِلَّا أَنْ تَقَرَّبُوا إِلَى اللَّه بِطَاعَتِهِ , وَفِي إِسْنَاده ضَعْف. وَثَبَتَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ نَحْوه , وَالْأَجْر عَلَى هَذَا مَجَاز. وَقَوْله \" الْقُرْبَى \" هُوَ مَصْدَر كَالزُّلْفَى وَالْبُشْرَى بِمَعْنَى الْقَرَابَة , وَالْمُرَاد فِي أَهْل الْقُرْبَى , وَعَبَّرَ بِلَفْظِ \" فِي \" دُونَ اللَّام كَأَنَّهُ جَعَلَهُمْ مَكَانًا لِلْمَوَدَّةِ وَمَقَرًّا لَهَا , كَمَا يُقَال لِي فِي آلِ فُلَان هَوًى أَيْ هُمْ مَكَان هَوَايَ , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون \" فِي \" سَبَبِيَّة , وَهَذَا عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِل , فَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا فَالْمَعْنَى لَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا قَطُّ , وَلَكِنْ أَسْأَلكُمْ أَنْ تَوَدُّونِي بِسَبَبِ قَرَابَتِي فِيكُمْ ‏"
    },
    {
        "id": "4445",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ { ‏وَنَادَوْا يَا ‏ ‏مَالِكُ ‏ ‏لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ‏} ‏وَقَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ { ‏مَثَلًا لِلْآخِرِينَ ‏} ‏عِظَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ ‏ ‏وَقَالَ غَيْرُهُ ‏ { ‏مُقْرِنِينَ ‏} ‏ضَابِطِينَ يُقَالُ فُلَانٌ مُقْرِنٌ لِفُلَانٍ ضَابِطٌ لَهُ ‏ ‏وَالْأَكْوَابُ الْأَبَارِيقُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا ‏ { ‏أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ‏} ‏أَيْ مَا كَانَ فَأَنَا أَوَّلُ الْآنِفِينَ وَهُمَا لُغَتَانِ رَجُلٌ عَابِدٌ وَعَبِدٌ ‏ ‏وَقَرَأَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ ‏ ‏وَيُقَالُ ‏ { ‏أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ‏} ‏الْجَاحِدِينَ مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ { ‏فِي أُمِّ الْكِتَابِ ‏} ‏جُمْلَةِ الْكِتَابِ أَصْلِ الْكِتَابِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَارٍ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَفْوَان بْن يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ يَعْلَى بْن أُمَيَّةَ الْمَعْرُوف بِابْنِ مُنْيَة. ‏ ‏قَوْله : ( يَقْرَأ عَلَى الْمِنْبَر وَنَادَوْا يَا مَالِكُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِإِثْبَاتِ الْكَاف وَهِيَ قِرَاءَة الْجُمْهُور , وَقَرَأَ الْأَعْمَش \" وَنَادَوْا يَا مَالِ \" بِالتَّرْخِيمِ , وَرُوِيَتْ عَنْ عَلِيّ , وَتَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق أَنَّهَا قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود , قَالَ عَبْد الرَّزَّاق قَالَ الثَّوْرِيّ : فِي حَرْف اِبْن مَسْعُود \" وَنَادَوْا يَا مَالِ \" يَعْنِي بِالتَّرْخِيمِ , وَبِهِ جَزَمَ اِبْن عُيَيْنَةَ. وَيُذْكَر عَنْ بَعْض السَّلَف أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَهَا قَالَ : مَا أَشْغَلَ أَهْل النَّار عَنْ التَّرْخِيم ؟ وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ يَقْتَطِعُونَ بَعْض الِاسْم لِضَعْفِهِمْ وَشِدَّة مَا هُمْ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ قَتَادَةُ مَثَلًا لِلْأَخِرِينَ عِظَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ ) ‏ ‏قَالَ عَبْد الرَّزَّاق. عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : ( فَلَمَّا آسَفُونَا ) قَالَ أَغْضَبُونَا ( فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا ) قَالَ إِلَى النَّار ( وَمَثَلًا لِلْأَخِرِينَ ) قَالَ : عِظَةً لِلْأَخِرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ غَيْره : مُقْرِنِينَ ضَابِطِينَ , يُقَال : فُلَان مُقْرِن لِفُلَانٍ ضَابِط لَهُ ) ‏ ‏هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة , وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الْكُمَيْت \" وَلَسْتُمْ لِلصِّعَابِ مُقْرِنِينَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَالْأَكْوَاب الْأَبَارِيق الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا ) ‏ ‏هُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة بِلَفْظِهِ , وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ قَالَ : الْأَكْوَاب الْأَبَارِيق الَّتِي لَا آذَانَ لَهَا. ‏ ‏قَوْله وَقَالَ قَتَادَةُ ( فِي أُمِّ الْكِتَاب ) جُمْلَة الْكِتَابِ , أَصْل الْكِتَاب ) ‏ ‏قَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : ( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَاب ) قَالَ : فِي أَصْلِ الْكِتَاب وَجُمْلَتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوَّل الْعَابِدِينَ أَيْ مَا كَانَ فَأَنَا أَوَّل الْآنِفِينَ , وَهُمَا لُغَتَانِ رَجُل عَابِد وَعَبِد ) ‏ ‏وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : يَقُول لَمْ يَكُنْ لِلرَّحْمَنِ وَلَد. وَمِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : هَذِهِ كَلِمَة فِي كَلَام الْعَرَب , إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد أَيْ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ. وَمِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَسْلَمَ قَالَ : هَذَا مَعْرُوف مِنْ قَوْل الْعَرَب : إِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْر قَطُّ. أَيْ مَا كَانَ. وَمِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ \" إِنْ \" بِمَعْنَى لَوْ أَيْ لَوْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد كُنْت أَوَّل مَنْ عَبَدَهُ بِذَلِكَ لَكِنْ لَا وَلَدَ لَهُ , وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة إِنْ بِمَعْنَى مَا فِي قَوْل , وَالْفَاء بِمَعْنَى الْوَاو , أَيْ مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد وَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ. وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ. إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ فِي قَوْلكُمْ وَلَد فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ أَيْ الْكَافِرِينَ بِذَلِكَ وَالْجَاحِدِينَ لِمَا قُلْتُمْ , وَالْعَابِدِينَ مِنْ عَبِدَ بِكَسْرِ الْبَاء يَعْبَد بِفَتْحِهَا , قَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏أُولَئِكَ قَوْمِي إِنْ هَجَوْنِي هَجَوْتهمْ ‏ ‏وَأَعْبَد إِنْ أَهْجُو كُلَيْبًا بِدَارِمٍ ‏ ‏أَيْ أَمْتَنِع , وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا عَنْ يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى عَنْ اِبْن وَهْب : عَبِدَ مَعْنَاهُ اِسْتَنْكَفَ , ثُمَّ سَاقَ قِصَّة عَنْ عُمَر فِي ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن فَارِس : عَبَدَ بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنَى عَابِد , وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْعَبَد بِالتَّحْرِيكِ الْغَضَب. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَرَأَ عَبْد اللَّه : وَقَالَ الرَّسُول يَا رَبّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى إِسْنَاد قِرَاءَة عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن مَسْعُود , وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : ( وَقِيلِهِ يَا رَبِّ ) قَالَ : هُوَ قَوْل الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُقَال أَوَّل الْعَابِدِينَ : أَوَّل الْجَاحِدِينَ , مِنْ عَبِدَ يَعْبَد ) ‏ ‏وَقَالَ اِبْن التِّين كَذَا ضَبَطُوهُ وَلَمْ أَرَ فِي اللُّغَة عَبِدَ بِمَعْنَى جَحَدَ اِنْتَهَى. وَقَدْ ذَكَرَهَا الْفَرَبْرِيّ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏ضُبِطَتْ عَبِدَ يَعْبَد هُنَا بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة فِي الْمَاضِي وَفَتْحهَا فِي الْمُسْتَقْبَل ‏"
    },
    {
        "id": "4446",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَضَى خَمْسٌ الدُّخَانُ ‏ ‏وَالرُّومُ ‏ ‏وَالْقَمَرُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4447",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏إِنَّمَا كَانَ هَذَا لِأَنَّ ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏لَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏} ‏قَالَ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَسْقِ اللَّهَ ‏ ‏لِمُضَرَ ‏ ‏فَإِنَّهَا قَدْ هَلَكَتْ قَالَ ‏ ‏لِمُضَرَ ‏ ‏إِنَّكَ لَجَرِيءٌ فَاسْتَسْقَى لَهُمْ فَسُقُوا فَنَزَلَتْ ‏ { ‏إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ‏} ‏فَلَمَّا أَصَابَتْهُمْ الرَّفَاهِيَةُ عَادُوا إِلَى حَالِهِمْ حِينَ أَصَابَتْهُمْ الرَّفَاهِيَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏يَعْنِي يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَعْمَش عَنْ مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن صُبَيْح بِالتَّصْغِيرِ أَبُو الضُّحَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَبْوَاب الَّتِي بَعْده , وَقَدْ تَرْجَمَ لِهَذَا الْحَدِيث ثَلَاث تَرَاجِم بَعْد هَذَا وَسَاقَ الْحَدِيث بِعَيْنِهِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي تَفْسِير الْفُرْقَان مُخْتَصَرًا وَفِي تَفْسِير الرُّوم وَتَفْسِير ص مُطَوَّلًا , وَيَحْيَى الرَّاوِي فِيهِ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة وَفِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه عَنْ وَكِيع هُوَ اِبْن مُوسَى الْبَلْخِيِّ , وَقَوْله فِي الطَّرِيق الْأُولَى \" حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَام \" زَادَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا \" وَالْمَيْتَة \" وَفِي الَّتِي تَلِيهَا \" حَتَّى أَكَلُوا الْمَيْتَة \" وَفِي الَّتِي بَعْدهَا \" حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَام وَالْجُلُود \" وَفِي رِوَايَة فِيهَا \" حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُود وَالْمَيْتَة \" وَقَعَ فِي جُمْهُور الرِّوَايَات \" الْمَيْتَة \" بِفَتْحِ الْمِيم وَبِالتَّحْتَانِيَّةِ ثُمَّ الْمُثَنَّاة , وَضَبَطَهَا بَعْضهمْ بِنُونٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة وَهَمْزَة وَهُوَ الْجِلْد أَوَّلَ مَا يُدْبَغ , وَالْأَوَّل أَشْهَر ‏ ‏قَوْله بَعْد قَوْله يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏ ‏( قَالَ فَأُتِيَ رَسُول اللَّه ) ‏ ‏كَذَا بِضَمِّ الْهَمْزَة عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَالْآتِي الْمَذْكُور هُوَ أَبُو سُفْيَان كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ : يَا رَسُول اللَّه اِسْتَسْقِ اللَّه لِمُضَرَ فَإِنَّهَا قَدْ هَلَكَتْ ) ‏ ‏إِنَّمَا قَالَ \" لِمُضَرَ \" لِأَنَّ غَالِبهمْ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ مِيَاه الْحِجَاز , وَكَانَ الدُّعَاء بِالْقَحْطِ عَلَى قُرَيْش وَهُمْ سُكَّان مَكَّة فَسَرَى الْقَحْط إِلَى مَنْ حَوْلهمْ فَحَسُنَ أَنْ يَطْلُب الدُّعَاء لَهُمْ , وَلَعَلَّ السَّائِل عَدَلَ عَنْ التَّعْبِير بِقُرَيْشٍ لِئَلَّا يَذْكُرهُمْ فَيُذَكِّر بِجُرْمِهِمْ , فَقَالَ لِمُضَرَ لِيَنْدَرِجُوا فِيهِمْ , وَيُشِير أَيْضًا إِلَى أَنَّ غَيْر الْمَدْعُوّ عَلَيْهِمْ قَدْ هَلَكُوا بِجَرِيرَتِهِمْ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة \" وَإِنَّ قَوْمك هَلَكُوا \" وَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا لِأَنَّ مُضَر أَيْضًا قَوْمه , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ مُضَرَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِمُضَرَ ؟ إِنَّك لَجَرِيء ) ‏ ‏أَيْ أَتَأْمُرُنِي أَنْ أَسْتَسْقِي لِمُضَرَ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعْصِيَة وَالْإِشْرَاك بِهِ ؟ وَوَقَعَ فِي \" شَرْح الْكَرْمَانِيّ \" قَوْله \" فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُضَرَ \" أَيْ لِأَبِي سُفْيَان فَإِنَّهُ كَانَ كَبِيرهمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت وَهُوَ كَانَ الْآتِي إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْتَدْعِي مِنْهُ الِاسْتِسْقَاء , تَقُول الْعَرَب : قَتَلَتْ قُرَيْش فُلَانًا وَيُرِيدُونَ شَخْصًا مِنْهُمْ , وَكَذَا يُضِيفُونَ الْأَمْر إِلَى الْقَبِيلَة وَالْأَمْر فِي الْوَاقِع مُضَاف إِلَى وَاحِد مِنْهُمْ اِنْتَهَى. وَجَعْله اللَّام مُتَعَلِّقَة يُقَال غَرِيب , وَإِنَّمَا هِيَ مُتَعَلِّقَة بِالْمَحْذُوفِ كَمَا قَرَّرْته أَوَّلًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا أَصَابَهُمْ الرَّفَاهِيَة ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّة بَعْد الْهَاء أَيْ التَّوَسُّع وَالرَّاحَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4448",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ ‏} ‏إِنَّ ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏لَمَّا غَلَبُوا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ أَكَلُوا فِيهَا الْعِظَامَ وَالْمَيْتَةَ مِنْ الْجَهْدِ حَتَّى جَعَلَ أَحَدُهُمْ يَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجُوعِ قَالُوا ‏ { ‏رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ‏} ‏فَقِيلَ لَهُ إِنْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَادُوا فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ فَعَادُوا فَانْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ‏ { ‏فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ‏ ‏إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الْبَاب الثَّانِي ( عَنْ مَسْرُوق قَالَ دَخَلْت عَلَى عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ مِنْ الْعِلْم أَنْ تَقُول لِمَا لَا تَعْلَم : اللَّه أَعْلَم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ سَبَب قَوْل اِبْن مَسْعُود هَذَا فِي سُورَة الرُّوم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَعْمَش وَلَفْظه \" عَنْ مَسْرُوق قَالَ : بَيْنَمَا رَجُل يُحَدِّث فِي كِنْدَة فَقَالَ : يَجِيء دُخَان يَوْم الْقِيَامَة فَيَأْخُذ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارهمْ وَيَأْخُذ الْمُؤْمِن كَهَيْئَةِ الزُّكَام , فَفَزِعْنَا , فَأَتَيْت اِبْن مَسْعُود وَكَانَ مُتَّكِئًا فَغَضِبَ فَجَلَسَ فَقَالَ : مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ , وَمَنْ لَمْ يَعْلَم فَلْيَقُلْ : اللَّه أَعْلَم. وَقَدْ جَرَى الْبُخَارِيّ عَلَى عَادَته فِي إِيثَار الْخَفِيّ عَلَى الْوَاضِح , فَإِنَّ هَذِهِ السُّورَة كَانَتْ أَوْلَى بِإِيرَادِ هَذَا السِّيَاق مِنْ سُورَة الرُّوم لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ ذِكْر الدُّخَان , لَكِنْ هَذِهِ طَرِيقَته يَذْكُر الْحَدِيث فِي مَوْضِع ثُمَّ يَذْكُرهُ فِي الْمَوْضِع اللَّائِق بِهِ عَارِيًا عَنْ الزِّيَادَة اِكْتِفَاء بِذِكْرِهَا فِي الْمَوْضِع الْآخَر , شَحْذًا لِلْأَذْهَانِ وَبَعْثًا عَلَى مَزِيد الِاسْتِحْضَار , وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ اِبْن مَسْعُود قَدْ جَاءَ عَنْ عَلِيّ , فَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق الْحَارِث عَنْ عَلِيّ قَالَ \" آيَة الدُّخَان لَمْ تَمْضِ بَعْد , يَأْخُذ الْمُؤْمِن كَهَيْئَةِ الزُّكَام , وَيَنْفُخ الْكَافِر حَتَّى يَنْفَد \". ثُمَّ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَة قَالَ \" دَخَلْت عَلَى اِبْن عَبَّاس يَوْمًا فَقَالَ لِي : لَمْ أَنَمْ الْبَارِحَة حَتَّى أَصْبَحْت , قَالُوا طَلَعَ الْكَوْكَب ذُو الذَّنَب فَخَشِينَا الدُّخَان قَدْ خَرَجَ \" وَهَذَا أَخْشَى أَنْ يَكُون تَصْحِيفًا وَإِنَّمَا هُوَ الدَّجَّال بِالْجِيمِ الثَّقِيلَة وَاللَّام , وَيُؤَيِّد كَوْن آيَة الدُّخَان لَمْ تَمْضِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي شُرَيْحَةَ رَفَعَهُ \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَرَوْا عَشْر آيَات : طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا , وَالدُّخَان , وَالدَّابَّة \" الْحَدِيث. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيث رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَة مَرْفُوعًا فِي خُرُوج الْآيَات وَالدُّخَان \" قَالَ حُذَيْفَة : يَا رَسُول اللَّه وَمَا الدُّخَان ؟ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَة قَالَ : أَمَّا الْمُؤْمِن فَيُصِيبهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ , وَأَمَّا الْكَافِر فَيَخْرُج مِنْ مَنْخِرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُره \" وَإِسْنَاده ضَعِيف أَيْضًا. وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد نَحْوه وَإِسْنَاده ضَعِيف أَيْضًا , وَأَخْرَجَهُ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ أَصْلَح مِنْهُ , وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ رَفَعَهُ \" إِنَّ رَبّكُمْ أَنْذَرَكُمْ ثَلَاثًا : الدُّخَان يَأْخُذ الْمُؤْمِن كَالزَّكْمَةِ \" الْحَدِيث , وَمِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر نَحْوه وَإِسْنَادهمَا ضَعِيف أَيْضًا , لَكِنْ تَضَافُر هَذِهِ الْأَحَادِيث يَدُلّ عَلَى أَنَّ لِذَلِكَ أَصْلًا , وَلَوْ ثَبَتَ طَرِيق حَدِيث حُذَيْفَة لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون هُوَ الْقَاصّ الْمُرَاد فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود. ‏"
    },
    {
        "id": "4449",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا دَعَا ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏كَذَّبُوهُ وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ ‏ ‏يَعْنِي كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى كَانُوا يَأْكُلُونَ الْمَيْتَةَ فَكَانَ يَقُومُ أَحَدُهُمْ فَكَانَ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ مِثْلَ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏ ‏حَتَّى بَلَغَ ‏ ‏إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ وَالْبَطْشَةُ الْكُبْرَى يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4450",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏وَمَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ { ‏قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ ‏} ‏فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمَّا رَأَى ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏فَأَخَذَتْهُمْ السَّنَةُ حَتَّى حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ وَالْجُلُودَ فَقَالَ أَحَدُهُمْ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَجَعَلَ يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ فَأَتَاهُ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏فَقَالَ أَيْ ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ فَدَعَا ثُمَّ قَالَ تَعُودُونَ بَعْدَ هَذَا فِي حَدِيثِ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَائِدُونَ ‏} ‏أَنَكْشِفُ عَنْهُمْ عَذَابَ الْآخِرَةِ فَقَدْ مَضَى الدُّخَانُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَقَالَ أَحَدُهُمْ ‏ ‏الْقَمَرُ وَقَالَ الْآخَرُ ‏ ‏وَالرُّومُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة ( أَخْبَرَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن جَعْفَر غُنْدَر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش , ‏ ‏وَمَنْصُور ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى حَصَّتْ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ جَرَّدَتْ وَأَذْهَبَتْ , يُقَال سَنَة حَصَّاء أَيْ جَرْدَاء لَا غَيْث فِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَحَدهمْ ) ‏ ‏كَذَا قَالَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ أَيْ أَحَد الرُّوَاة , وَلَمْ يَتَقَدَّم فِي سِيَاق السَّدُوسِيّ مَوْضِع وَاحِد فِيهِ اِثْنَانِ سُلَيْمَان وَمَنْصُور , فَحَقّ الْعِبَارَة أَنْ يَقُول قَالَ أَحَدهمَا لَكِنْ تُحْمَل عَلَى تِلْكَ اللُّغَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَعَلَ يَخْرُج مِنْ الْأَرَصّ كَهَيْئَةِ الدُّخَان ) ‏ ‏وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا \" فَكَانَ يَرَى بَيْنه وَبَيْن السَّمَاء مِثْل الدُّخَان مِنْ الْجُوع \" وَلَا تَدَافُع بَيْنهمَا لِأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَبْدَؤُهُ مِنْ الْأَرْض وَمُنْتَهَاهُ مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض , وَلَا مُعَارَضَة أَيْضًا بَيْن قَوْله \" يَخْرُج مِنْ الْأَرْض \" وَبَيْن قَوْله \" كَهَيْئَةِ الدُّخَان \" لِاحْتِمَالِ وُجُود الْأَمْرَيْنِ بِأَنْ يَخْرُج مِنْ الْأَرْض بُخَار كَهَيْئَةِ الدُّخَان مِنْ شِدَّة حَرَارَة الْأَرْض وَوَهَجهَا مِنْ عَدَم الْغَيْث , وَكَانُوا يَرَوْنَ بَيْنهمْ وَبَيْن السَّمَاء مِثْل الدُّخَان مِنْ فَرْط حَرَارَة الْجُوع , وَاَلَّذِي كَانَ يَخْرُج مِنْ الْأَرْض بِحَسَبِ تَخَيُّلهمْ ذَلِكَ مِنْ غِشَاوَة أَبْصَارهمْ مِنْ فَرْط الْجُوع , أَوْ لَفْظ \" مِنْ - الْجُوع \" صِفَة الدُّخَان أَيْ يَرَوْنَ مِثْل الدُّخَان الْكَائِن مِنْ الْجُوع. ‏"
    },
    {
        "id": "4451",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ اللِّزَامُ ‏ ‏وَالرُّومُ ‏ ‏وَالْبَطْشَةُ وَالْقَمَرُ وَالدُّخَانُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4452",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ ‏يُؤْذِينِي ابْنُ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يُؤْذِينِي اِبْن آدَم ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ بِهَذَا الْإِسْنَاد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ إِنَّمَا يُهْلِكنَا اللَّيْل وَالنَّهَار , هُوَ الَّذِي يُمِيتنَا وَيُحْيِينَا , فَقَالَ اللَّه فِي كِتَابه ( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا ) الْآيَة , قَالَ فَيَسُبُّونَ الدَّهْر , قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يُؤْذِينِي اِبْن آدَم \" فَذَكَرَهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَاهُ يُخَاطِبنِي مِنْ الْقَوْل بِمَا يَتَأَذَّى مَنْ يَجُوز فِي حَقّه التَّأَذِّي , وَاَللَّه مُنَزَّه عَنْ أَنْ يَصِل إِلَيْهِ الْأَذَى , وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ التَّوَسُّع فِي الْكَلَام. وَالْمُرَاد أَنَّ مَنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ تَعَرَّضَ لِسَخَطِ اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا الدَّهْر ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَا صَاحِب الدَّهْر وَمُدَبِّر الْأُمُور الَّتِي يَنْسُبُونَهَا إِلَى الدَّهْر , فَمَنْ سَبَّ الدَّهْر مِنْ أَجْل أَنَّهُ فَاعِل هَذِهِ الْأُمُور عَادَ سَبّه إِلَى رَبّه الَّذِي هُوَ فَاعِلهَا , وَإِنَّمَا الدَّهْر زَمَان جُعِلَ ظَرْفًا لِمَوَاقِع الْأُمُور. وَكَانَتْ عَادَتهمْ إِذَا أَصَابَهُمْ مَكْرُوه أَضَافُوهُ إِلَى الدَّهْر فَقَالُوا : بُؤْسًا لِلدَّهْرِ , وَتَبًّا لِلدَّهْرِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : قَوْله \" أَنَا الدَّهْر \" بِالرَّفْعِ فِي ضَبْط الْأَكْثَرِينَ وَالْمُحَقِّقِينَ , وَيُقَال بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْف أَيْ أَنَا بَاقٍ أَبَدًا , وَالْمُوَافِق لِقَوْلِهِ \" إِنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر \" الرَّفْع وَهُوَ مَجَاز , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب كَانُوا يَسُبُّونَ الدَّهْر عِنْد الْحَوَادِث فَقَالَ : لَا تَسُبُّوهُ فَإِنَّ فَاعِلهَا هُوَ اللَّه , فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا تَسُبُّوا الْفَاعِل فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمُوهُ سَبَبْتُمُونِي. أَوْ الدَّهْر هُنَا بِمَعْنَى الدَّاهِر , فَقَدْ حَكَى الرَّاغِب أَنَّ الدَّهْر فِي قَوْله \" إِنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر \" غَيْر الدَّهْر فِي قَوْله \" يَسُبّ الدَّهْر \" قَالَ : وَالدَّهْر الْأَوَّل الزَّمَان وَالثَّانِي الْمُدَبِّر الْمُصَرِّف لِمَا يَحْدُث , ثُمَّ اسْتُضْعِفَ هَذَا الْقَوْل لِعَدَمِ الدَّلِيل عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ : لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَعُدَّ الدَّهْر مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى اِنْتَهَى. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّد بْن دَاوُدَ مُحْتَجًّا لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ بِفَتْحِ الرَّاء فَكَانَ يَقُول : لَوْ كَانَ بِضَمِّهَا لَكَانَ الدَّهْر مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ , وَلَا سِيَّمَا مَعَ رِوَايَته \" فَإِنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر \" قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : يُصَوَّب ضَمّ الرَّاء مِنْ أَوْجُه : أَحَدهَا أَنَّ الْمَضْبُوط عِنْد الْمُحَدِّثِينَ بِالضَّمِّ , ثَانِيهَا لَوْ كَانَ بِالنَّصْبِ يَصِير التَّقْدِير فَأَنَا الدَّهْر أُقَلِّبهُ , فَلَا تَكُون عِلَّة النَّهْي عَنْ سَبّه مَذْكُورَة لِأَنَّهُ تَعَالَى يُقَلِّب الْخَيْر وَالشَّرّ فَلَا يَسْتَلْزِم ذَلِكَ مَنْع الذَّمّ , ثَالِثهَا الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا \" فَإِنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر \" اِنْتَهَى. وَهَذِهِ الْأَخِيرَة لَا تُعَيِّن الرَّفْع لِأَنَّ لِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُول : التَّقْدِير فَإِنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر يُقَلِّب , فَتَرْجِع لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى , وَكَذَا تَرْك ذِكْر عِلَّة النَّهْي لَا يُعَيِّن الرَّفْع لِأَنَّهَا تُعْرَف مِنْ السِّيَاق , أَيْ لَا ذَنْب لَهُ فَلَا تَسُبُّوهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4453",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏مَرْوَانُ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏الْحِجَازِ ‏ ‏اسْتَعْمَلَهُ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ ‏ ‏يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ ‏ ‏لِكَيْ يُبَايَعَ لَهُ بَعْدَ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏شَيْئًا فَقَالَ خُذُوهُ فَدَخَلَ بَيْتَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَلَمْ يَقْدِرُوا فَقَالَ ‏ ‏مَرْوَانُ ‏ ‏إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ‏ { ‏وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي ‏} ‏فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ ‏ ‏مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عُذْرِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يُوسُف بْن مَاهَك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَاء وَبِكَسْرِهَا وَمَعْنَاهُ الْقُمَيْر تَصْغِير الْقَمَر , وَيَجُوز صَرْفه وَعَدَمه كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ مَرْوَان عَلَى الْحِجَاز ) ‏ ‏أَيْ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَة مِنْ قِبَل مُعَاوِيَة. وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن زِيَاد هُوَ الْجُمَحِيُّ قَالَ \" كَانَ مَرْوَان عَامِلًا عَلَى الْمَدِينَة \". ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَة , فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُر يَزِيد بْن مُعَاوِيَة لِكَيْ يُبَايَع لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ الطَّرِيق الْمَذْكُورَة \" فَأَرَادَ مُعَاوِيَة أَنْ يَسْتَخْلِف يَزِيد - يَعْنِي اِبْنه - فَكَتَبَ إِلَى مَرْوَان بِذَلِكَ , فَجَمَعَ مَرْوَان النَّاس فَخَطَبَهُمْ , فَذَكَر يَزِيد , وَدَعَا إِلَى بَيْعَته وَقَالَ : إِنَّ اللَّه أَرَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فِي يَزِيد رَأْيًا حَسَنًا , وَإِنْ يَسْتَخْلِفهُ فَقَدْ اِسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْر وَعُمَر \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر شَيْئًا ) ‏ ‏قِيلَ قَالَ لَهُ : بَيْننَا وَبَيْنكُمْ ثَلَاث , مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر وَعُمَر وَلَمْ يَعْهَدُوا. كَذَا قَالَ بَعْض الشُّرَّاح وَقَدْ اِخْتَصَرَهُ فَأَفْسَدَهُ , وَاَلَّذِي فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ : فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن مَا هِيَ إِلَّا هِرَقْلِيَّة. وَلَهُ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد : فَقَالَ مَرْوَان سُنَّة أَبِي بَكْر وَعُمَر. فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن : سُنَّة هِرَقْل وَقَيْصَر. وَلِابْنِ الْمُنْذِر مِنْ هَذَا الْوَجْه : أَجِئْتُمْ بِهَا هِرَقْلِيَّة تُبَايِعُونَ لِأَبْنَائِكُمْ ؟ وَلِأَبِي يَعْلَى وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد \" حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه الْمَدَنِيّ قَالَ : كُنْت فِي الْمَسْجِد حِين خَطَبَ مَرْوَان فَقَالَ : إِنَّ اللَّه قَدْ أَرَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَأْيًا حَسَنًا فِي يَزِيد , وَإِنْ يَسْتَخْلِفهُ فَقَدْ اِسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْر وَعُمَر , فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن : هِرَقْلِيَّة إِنَّ أَبَا بَكْر وَاَللَّه مَا جَعَلَهَا فِي أَحَد مِنْ وَلَده وَلَا فِي أَهْل بَيْته , وَمَا جَعَلَهَا مُعَاوِيَة إِلَّا كَرَامَة لِوَلَدِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ خُذُوهُ , فَدَخَلَ بَيْت عَائِشَة فَلَمْ يَقْدِرُوا ) ‏ ‏أَيْ اِمْتَنَعُوا مِنْ الدُّخُول خَلْفه إِعْظَامًا لِعَائِشَة. وَفِي رِوَايَة أَبِي يَعْلَى \" فَنَزَلَ مَرْوَان عَنْ الْمِنْبَر حَتَّى أَتَى بَاب عَائِشَة فَجَعَلَ يُكَلِّمهَا وَتُكَلِّمهُ ثُمَّ اِنْصَرَفَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ مَرْوَان إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّه فِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي يَعْلَى \" قَالَ مَرْوَان : اُسْكُتْ , أَلَسْت الَّذِي قَالَ اللَّه فِيهِ. فَذَكَرَ الْآيَة , فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن : أَلَسْت اِبْن اللَّعِين الَّذِي لَعَنَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَتْ عَائِشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن زِيَاد : فَقَالَتْ كَذَبَ مَرْوَان. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَنْزَلَ اللَّه فِينَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآن إِلَّا أَنَّ اللَّه أَنْزَلَ عُذْرِي ) ‏ ‏أَيْ الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة النُّور فِي قِصَّة أَهْل الْإِفْك وَبَرَاءَتهَا مِمَّا رَمَوْهَا بِهِ , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ : فَقَالَتْ عَائِشَة كَذَبَ وَاَللَّهِ مَا نَزَلَتْ فِيهِ , وَفِي رِوَايَة لَهُ : وَاَللَّهِ مَا أُنْزِلَتْ إِلَّا فِي فُلَان اِبْن فُلَان الْفُلَانِيّ. وَفِي رِوَايَة لَهُ : لَوْ شِئْت أَنْ أُسَمِّيه لَسَمَّيْته , وَلَكِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ أَبَا مَرْوَان وَمَرْوَان فِي صُلْبه. وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق مِينَاء أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَة تُنْكِر أَنْ تَكُون الْآيَة نَزَلَتْ فِي عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر وَقَالَتْ : إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي فُلَان اِبْن فُلَان سَمَّتْ رَجُلًا. وَقَدْ شَغَبَ بَعْض الرَّافِضَة فَقَالَ : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قَوْله : ( ثَانِيَ اِثْنَيْنِ ) لَيْسَ هُوَ أَبَا بَكْر , وَلَيْسَ كَمَا فَهِمَ هَذَا الرَّافِضِيّ , بَلْ الْمُرَاد بِقَوْلِ عَائِشَة فِينَا أَيْ فِي بَنِي أَبِي بَكْر , ثُمَّ الِاسْتِثْنَاء مِنْ عُمُوم النَّفْي وَإِلَّا فَالْمَقَام يُخَصَّص , وَالْآيَات الَّتِي فِي عُذْرهَا فِي غَايَة الْمَدْح لَهَا , وَالْمُرَاد نَفْي إِنْزَال مَا يَحْصُل بِهِ الذَّمّ كَمَا فِي قِصَّة قَوْله : ( وَاَلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ ) إِلَى آخِره. وَالْعَجَب مِمَّا أَوْرَدَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الزَّجَّاج فَقَالَ : الصَّحِيح أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْكَافِر الْعَاقّ , وَإِلَّا فَعَبْد الرَّحْمَن قَدْ أَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامه وَصَارَ مِنْ خِيَار الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ قَالَ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة ( أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ ) إِلَى آخِر الْآيَة فَلَا يُنَاسِب ذَلِكَ عَبْد الرَّحْمَن وَأَجَابَ الْمَهْدَوِيّ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِشَارَة بِأُولَئِكَ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ الْمَذْكُور بِقَوْلِهِ : ( وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي ) فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يَقَع ذَلِكَ مِنْ عَبْد الرَّحْمَن قَبْل إِسْلَامه ثُمَّ يُسْلِم بَعْد ذَلِكَ , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِد قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ : وَقَالَ آخَرُونَ فِي عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر. ‏ ‏قُلْت : وَالْقَوْل فِي عَبْد اللَّه كَالْقَوْلِ فِي عَبْد الرَّحْمَن فَإِنَّهُ أَيْضًا أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامه. وَمِنْ طَرِيق أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر , قَالَ لِأَبَوَيْهِ - وَهُمَا أَبُو بَكْر وَأُمّ رُومَان - وَكَانَا قَدْ أَسْلَمَا وَأَبَى هُوَ أَنْ يُسْلِم , فَكَانَا يَأْمُرَانِهِ بِالْإِسْلَامِ فَكَانَ يَرُدّ عَلَيْهِمَا وَيُكَذِّبهُمَا وَيَقُول : فَأَيْنَ فُلَان وَأَيْنَ فُلَان يَعْنِي مَشَايِخ قُرَيْش مِمَّنْ قَدْ مَاتَ , فَأَسْلَمَ بَعْد فَحَسُنَ إِسْلَامه , فَنَزَلَتْ تَوْبَته فِي هَذِهِ الْآيَة ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ). ‏ ‏قُلْت : لَكِنْ نَفْي عَائِشَة أَنْ تَكُون نَزَلَتْ فِي عَبْد الرَّحْمَن وَآلِ بَيْتِهِ أَصَحّ إِسْنَادًا وَأَوْلَى بِالْقَبُولِ. وَجَزَمَ مُقَاتِل فِي تَفْسِيره أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْد الرَّحْمَن وَأَنَّ قَوْله : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ ) نَزَلَتْ فِي ثَلَاثَة مِنْ كُفَّار قُرَيْش , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4454",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا النَّضْرِ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ ‏ ‏لَهَوَاتِهِ ‏ ‏إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ قَالَتْ وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةُ فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏مَا يُؤْمِنِّي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا ‏ { ‏هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عِيسَى \". ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث , وَأَبُو النَّضْر هُوَ سَالِم الْمَدَنِيّ , وَنِصْف هَذَا الْإِسْنَاد الْأَعْلَى مَدَنِيُّونَ وَالْأَدْنَى مِصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاته ) ‏ ‏بِالتَّحْرِيكِ جَمْع لَهَاة وَهِيَ اللَّحْمَة الْمُتَعَلِّقَة فِي أَعْلَى الْحَنَك , وَيُجْمَع أَيْضًا عَلَى لَهًى بِفَتْحِ اللَّام مَقْصُور. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّم ) ‏ ‏لَا يُنَافِي هَذَا مَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر \" أَنَّهُ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذه \" لِأَنَّ ظُهُور النَّوَاجِذ - وَهِيَ الْأَسْنَان الَّتِي فِي مُقَدِّمَة الْفَم أَوْ الْأَنْيَاب - لَا يَسْتَلْزِم ظُهُور اللَّهَاة. ‏ ‏قَوْله : ( عَرَفْت الْكَرَاهِيَة فِي وَجْهه ) ‏ ‏عَبَّرَتْ عَنْ الشَّيْء الظَّاهِر فِي الْوَجْه بِالْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ ثَمَرَتهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَطَاء عَنْ عَائِشَة فِي أَوَّل هَذَا الْحَدِيث \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَصَفَتْ الرِّيح قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك خَيْرهَا وَخَيْر مَا فِيهَا وَخَيْر مَا أُرْسِلَتْ بِهِ , وَأَعُوذ بِك مِنْ شَرّهَا وَشَرّ مَا فِيهَا وَشَرّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ. وَإِذَا تَخَيَّلَتْ السَّمَاء تَغَيَّرَ لَوْنه وَخَرَجَ وَدَخَلَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ , فَإِذَا أَمْطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِطُولِهِ , وَتَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ قَوْله \" كَانَ إِذَا رَأَى مَخِيلَة أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذَا الدُّعَاء شَوَاهِد مِنْ حَدِيث أَنَس وَغَيْره فِي أَوَاخِر الِاسْتِسْقَاء. ‏ ‏قَوْله : ( عُذِّبَ قَوْم بِالرِّيحِ , وَقَدْ رَأَى قَوْم الْعَذَاب فَقَالُوا : هَذَا عَارِض ) ‏ ‏ظَاهِر هَذَا أَنَّ الَّذِينَ عُذِّبُوا بِالرِّيحِ غَيْر الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ , لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ النَّكِرَة إِذَا أُعِيدَتْ نَكِرَة كَانَتْ غَيْرَ الْأَوَّل , لَكِنْ ظَاهِر آيَة الْبَاب عَلَى أَنَّ الَّذِينَ عُذِّبُوا بِالرِّيحِ هُمْ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا عَارِض , فَفِي هَذِهِ السُّورَة ( وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمه بِالْأَحْقَافِ ) الْآيَات وَفِيهَا ( فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا , بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ , رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) وَقَدْ أَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ عَنْ الْإِشْكَال بِأَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة إِنَّمَا تَطَّرِد إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السِّيَاق قَرِينَة تَدُلّ عَلَى أَنَّهَا عَيْن الْأَوَّل , فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ) فَلَا. ثُمَّ قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنَّ عَادًا قَوْمَانِ قَوْم بِالْأَحْقَافِ وَهُمْ أَصْحَاب الْعَارِض وَقَوْم غَيْرهمْ , قُلْت : وَلَا يَخْفَى بُعْده. لَكِنَّهُ مُحْتَمَل , فَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة النَّجْم ( وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ) فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّ ثَمَّ عَادًا أُخْرَى. وَقَدْ أَخْرَجَ قِصَّة عَادٍ الثَّانِيَة أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ الْحَارِث بْن حَسَّان الْبَكْرِيّ قَالَ \" خَرَجْت أَنَا وَالْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيث - وَفِيهِ - فَقُلْت : أَعُوذ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ أَنْ أَكُون كَوَافِدِ عَادٍ , قَالَ : وَمَا وَافِد عَادٍ ؟ وَهُوَ أَعْلَم بِالْحَدِيثِ وَلَكِنَّهُ يَسْتَطْعِمهُ , فَقُلْت : إِنَّ عَادًا قَحَطُوا , فَبَعَثُوا قَيْل بْن عَنْز إِلَى مُعَاوِيَة بْن بَكْر بِمَكَّة يَسْتَسْقِي لَهُمْ , فَمَكَثَ شَهْرًا فِي ضِيَافَته تُغَنِّيه الْجَرَادَتَانِ , فَلَمَّا كَانَ بَعْد شَهْر خَرَجَ لَهُمْ فَاسْتَسْقَى لَهُمْ , فَمَرَّتْ بِهِمْ سَحَابَات فَاخْتَارَ السَّوْدَاء مِنْهَا , فَنُودِيَ : خُذْهَا رَمَادًا رِمْدِدًا , لَا تُبْقِ مِنْ عَادٍ أَحَدًا \" وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ بَعْضه , وَالظَّاهِر أَنَّهُ فِي قِصَّة عَادٍ الْأَخِيرَة لِذِكْرِ مَكَّة فِيهِ , وَإِنَّمَا بُنِيَتْ بَعْد إِبْرَاهِيم حِين أَسْكَنَ هَاجَر وَإِسْمَاعِيل بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ , فَاَلَّذِينَ ذُكِرُوا فِي سُورَة الْأَحْقَاف هُمْ عَاد الْأَخِيرَة وَيَلْزَم عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَخَا عَادٍ ) نَبِيّ آخَر غَيْر هُود. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4455",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتْ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مَهْ ‏ ‏قَالَتْ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ ‏ ‏الْقَطِيعَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ ‏ ‏وَصَلَكِ ‏ ‏وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ قَالَتْ بَلَى يَا رَبِّ قَالَ فَذَاكِ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ‏ { ‏فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ‏} ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمِّي ‏ ‏أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏بِهَذَا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ‏ { ‏فَهَلْ عَسَيْتُمْ ‏} ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي الْمُزَرَّدِ ‏ ‏بِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ‏ { ‏فَهَلْ عَسَيْتُمْ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَلَقَ اللَّه الْخَلْق فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ ) ‏ ‏أَيْ قَضَاهُ وَأَتَمَّهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَامَتْ الرَّحِم ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى الْحَقِيقَة , وَالْأَعْرَاض يَجُوز أَنْ تَتَجَسَّد وَتَتَكَلَّم بِإِذْنِ اللَّه , وَيَجُوز أَنْ يَكُون عَلَى حَذْفٍ أَيْ قَامَ مَلَك فَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ عَلَى طَرِيق ضَرْب الْمَثَل وَالِاسْتِعَارَة وَالْمُرَاد تَعْظِيم شَأْنهَا وَفَضْل وَاصِلهَا وَإِثْم قَاطِعهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخَذَتْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ مَفْعُول أَخَذَتْ , وَفِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن \" فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَن \" وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ \" بِحَقْوَيْ الرَّحْمَن \" بِالتَّثْنِيَةِ , قَالَ الْقَابِسِيّ أَبَى أَبُو زَيْد الْمَرْوَزِيُّ أَنْ يَقْرَأ لَنَا هَذَا الْحَرْف لِإِشْكَالِهِ , وَمَشَى بَعْض الشُّرَّاح عَلَى الْحَذْف فَقَالَ : أَخَذَتْ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِم الْعَرْش , وَقَالَ عِيَاض : الْحَقْو مَعْقِد الْإِزَار , وَهُوَ الْمَوْضِع الَّذِي يُسْتَجَار بِهِ وَيُحْتَزَم بِهِ عَلَى عَادَة الْعَرَب , لِأَنَّهُ مِنْ أَحَقّ مَا يُحَامَى عَنْهُ وَيُدْفَع , كَمَا قَالُوا نَمْنَعهُ مِمَّا نَمْنَع مِنْهُ أُزُرنَا , فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ مَجَازًا لِلرَّحِمِ فِي اِسْتِعَاذَتهَا بِاَللَّهِ مِنْ الْقَطِيعَة اِنْتَهَى.. وَقَدْ يُطْلَق الْحَقْو عَلَى الْإِزَار نَفْسه كَمَا فِي حَدِيث أُمّ عَطِيَّة \" فَأَعْطَاهَا حَقْوه فَقَالَ : أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ \" يَعْنِي إِزَاره وَهُوَ الْمُرَاد هُنَا , وَهُوَ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَة بِالتَّمَسُّكِ بِهِ عِنْد الْإِلْحَاح فِي الِاسْتِجَارَة وَالطَّلَب , وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا صَحِيح مَعَ اِعْتِقَاد تَنْزِيه اللَّه عَنْ الْجَارِحَة. قَالَ الطِّيبِيُّ : هَذَا الْقَوْل مَبْنِيّ عَلَى الِاسْتِعَارَة التَّمْثِيلِيَّة كَأَنَّهُ شَبَّهَ حَالَة الرَّحِم وَمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ الِافْتِقَار إِلَى الصِّلَة وَالذَّبّ عَنْهَا بِحَالِ مُسْتَجِير يَأْخُذ بِحَقْوِ الْمُسْتَجَار بِهِ , ثُمَّ أَسْنَدَ عَلَى سَبِيل الِاسْتِعَارَة التَّخْيِيلِيَّة مَا هُوَ لَازِم لِلْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ الْقِيَام فَيَكُون قَرِينَة مَانِعَة مِنْ إِرَادَة الْحَقِيقَة , ثُمَّ رُشِّحَتْ الِاسْتِعَارَة بِالْقَوْلِ وَالْأَخْذ وَبِلَفْظِ الْحَقْو فَهُوَ اِسْتِعَارَة أُخْرَى , وَالتَّثْنِيَة فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ لِأَنَّ الْأَخْذ بِالْيَدَيْنِ آكَد فِي الِاسْتِجَارَة مِنْ الْأَخْذ بِيَدٍ وَاحِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُ مَهْ ) ‏ ‏هُوَ اِسْم فِعْل مَعْنَاهُ الزَّجْر أَيْ اُكْفُفْ. وَقَالَ اِبْن , مَالِك : هِيَ هُنَا \" مَا \" الِاسْتِفْهَامِيَّة حُذِفَتْ أَلِفهَا وَوُقِفَ عَلَيْهَا بِهَاءِ السَّكْت , وَالشَّائِع أَنْ لَا يُفْعَل ذَلِكَ إِلَّا وَهِيَ مَجْرُورَة , لَكِنْ قَدْ سُمِعَ مِثْل ذَلِكَ فَجَاءَ عَنْ أَبِي ذُؤَيْب الْهُذَلِيّ قَالَ : قَدِمْت الْمَدِينَة وَلِأَهْلِهَا ضَجِيج بِالْبُكَاءِ كَضَجِيجِ الْحَجِيج , فَقُلْت مَهْ ؟ فَقَالُوا. قُبِضَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله فِي الْإِسْنَاد ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا مَقَام الْعَائِذ بِك مِنْ الْقَطِيعَة ) ‏ ‏هَذِهِ الْإِشَارَة إِلَى الْمَقَام أَيْ قِيَامِي فِي هَذَا مَقَام الْعَائِذ بِك , وَسَيَأْتِي مَزِيد بَيَان لِمَا يَتَعَلَّق بِقَطِيعَةِ الرَّحِم فِي أَوَائِل كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ \" هَذَا مَقَام عَائِذ مِنْ الْقَطِيعَة \" وَالْعَائِذ الْمُسْتَعِيذ , وَهُوَ الْمُعْتَصِم بِالشَّيْءِ الْمُسْتَجِير بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : فَهَلْ عَسَيْتُمْ ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِره أَنَّ الِاسْتِشْهَاد مَوْقُوف , وَسَيَأْتِي بَيَان مَنْ رَفَعَهُ وَكَذَا فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَاتِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل الْكُوفِيّ نَزِيل الْمَدِينَة , وَمُعَاوِيَة هُوَ اِبْن أَبِي مُزَرِّد الْمَذْكُور فِي الَّذِي قَبْله وَبَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( بِهَذَا ) ‏ ‏يَعْنِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل بِلَفْظِ \" فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتْ الرَّحِم فَقَالَتْ : هَذَا مَقَام الْعَائِذ \" وَلَمْ يَذْكُر الزِّيَادَة. وَزَادَ بَعْد قَوْله قَالَتْ بَلَى يَا رَبّ \" قَالَ فَذَلِكَ لَك \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ) ‏ ‏حَاصِله أَنَّ الَّذِي وَقَفَهُ سُلَيْمَان بْن بِلَال عَلَى أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك ‏ ‏قَوْله ( بِهَذَا ) ‏ ‏أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَاد وَالْمَتْن , وَوَافَقَ حَاتِمًا عَلَى رَفْع هَذَا الْكَلَام الْأَخِير , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حِبَّان بْن مُوسَى عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيل قَوْله : ( إِنْ تَوَلَّيْتُمْ ) فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْوِلَايَة وَالْمَعْنَى إِنْ وُلِّيتُمْ الْحُكْم , وَقِيلَ بِمَعْنَى الْإِعْرَاض , وَالْمَعْنَى لَعَلَّكُمْ إِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنْ قَبُول الْحُكْم أَنْ يَقَع مِنْكُمْ مَا ذُكِرَ , وَالْأَوَّل أَشْهَر , وَيَشْهَد لَهُ مَا أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبه مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل قَالَ \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ) قَالَ هُمْ هَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْش , أَخَذَ اللَّه عَلَيْهِمْ إِنْ وُلُّوا النَّاس أَنْ لَا يُفْسِدُوا فِي الْأَرْض وَلَا يُقَطِّعُوا أَرْحَامهمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4456",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ‏ ‏وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا فَسَأَلَهُ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏ثَكِلَتْ ‏ ‏أُمُّ عُمَرَ ‏ ‏نَزَرْتَ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أَمَامَ النَّاسِ وَخَشِيتُ أَنْ يُنْزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ فَمَا ‏ ‏نَشِبْتُ ‏ ‏أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي فَقُلْتُ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ‏}",
        "sharh": "الْحَدِيث الْأَوَّل : ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي سَفَر ) ‏ ‏هَذَا السِّيَاق صُورَته الْإِرْسَال , لِأَنَّ أَسْلَم لَمْ يُدْرِك زَمَان هَذِهِ الْقِصَّة لَكِنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عُمَر بِدَلِيلِ قَوْله فِي أَثْنَائِهِ \" قَالَ عُمَر فَحَرَّكْت بَعِيرِي إِلَخْ \" وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْقَابِسِيّ , وَقَدْ جَاءَ مِنْ طَرِيق أُخْرَى سَمِعْت عُمَر \" أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن خَالِد بْن عَثْمَة عَنْ مَالِك ثُمَّ قَالَ \" لَا نَعْلَم رَوَاهُ عَنْ مَالِك هَكَذَا إِلَّا اِبْن عَثْمَة وَابْن غَزْوَانَ \" انْتَهَى. وَرِوَايَة اِبْن غَزْوَانَ - وَهُوَ عَبْد الرَّحْمَن أَبُو نُوح الْمَعْرُوف بِقُرَادٍ - قَدْ أَخْرَجَهَا أَحْمَد عَنْهُ , وَاسْتَدْرَكَهَا مُغَلْطَاي عَلَى الْبَزَّار ظَانًّا أَنَّهُ غَيْر اِبْن غَزْوَانَ , وَأَوْرَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" مِنْ طَرِيق هَذَيْنِ وَمِنْ طَرِيق يَزِيد بْن أَبِي حَكِيم وَمُحَمَّد بْن حَرْب وَإِسْحَاق الْحُنَيْنِيِّ أَيْضًا , فَهَؤُلَاءِ خَمْسَة رَوَوْهُ عَنْ مَالِك بِصَرِيحِ الِاتِّصَال , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا أَخْرَجَ طَرِيق اِبْن عَثْمَة , وَكَذَا أَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيّ , وَجَاءَ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَلْقَمَة عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّ السَّفَر الْمَذْكُور هُوَ عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة , وَكَذَا فِي رِوَايَة مُعْتَمِر عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس قَالَ \" لَمَّا رَجَعْنَا مِنْ الْحُدَيْبِيَة وَقَدْ حِيلَ بَيْننَا وَبَيْن نُسُكنَا فَنَحْنُ بَيْن الْحُزْن وَالْكَآبَة فَنَزَلَتْ \" وَسَيَأْتِي حَدِيث سَهْل بْن حُنَيْف فِي ذَلِكَ قَرِيبًا. وَاخْتُلِفَ فِي الْمَكَان الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ : فَوَقَعَ عِنْد مُحَمَّد بْن سَعْد بِضَجْنَان وَهِيَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْجِيم وَنُون خَفِيفَة , وَعِنْد الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" بِكُرَاعِ الْغَمِيم , وَعَنْ أَبِي مَعْشَر بِالْجُحْفَةِ , وَالْأَمَاكِن الثَّلَاثَة مُتَقَارِبَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَأَلَهُ عُمَر بْن الْخَطَّاب عَنْ شَيْء فَلَمْ يُجِبْهُ ) ‏ ‏يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ كَلَام جَوَاب , بَلْ السُّكُوت قَدْ يَكُون جَوَابًا لِبَعْضِ الْكَلَام. وَتَكْرِير عُمَر السُّؤَال إِمَّا لِكَوْنِهِ خَشِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْمَعهُ أَوْ لِأَنَّ الْأَمْر الَّذِي كَانَ يَسْأَل عَنْهُ كَانَ مُهِمًّا عِنْده , وَلَعَلَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَابَهُ بَعْد ذَلِكَ , وَإِنَّمَا تَرَكَ إِجَابَته أَوَّلًا لِشُغْلِهِ بِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ نُزُول الْوَحْي. ‏ ‏قَوْله : ( ثَكِلَتْ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْكَاف ‏ ‏( أُمّ عُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" ثَكِلَتْك أُمّ عُمَر \" وَالثُّكْل فِقْدَان الْمَرْأَة وَلَدَهَا , دَعَا عُمَر عَلَى نَفْسه بِسَبَبِ مَا وَقَعَ مِنْهُ مِنْ الْإِلْحَاح , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَمْ يُرِدْ الدُّعَاء عَلَى نَفْسه حَقِيقَة وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الْأَلْفَاظ الَّتِي تُقَال عِنْد الْغَضَب مِنْ غَيْر قَصْد مَعْنَاهَا. ‏ ‏قَوْله : ( نَزَرْت ) ‏ ‏بِزَايٍ ثُمَّ رَاءٍ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّثْقِيل وَالتَّخْفِيف أَشْهَر , أَيْ أَلْحَحْت عَلَيْهِ قَالَهُ اِبْن فَارِس وَالْخَطَّابِيّ , وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : مَعْنَى الْمُثْقَل أَقْلَلْت كَلَامه إِذَا سَأَلْته مَا لَا يَجِب أَنْ يُجِيب عَنْهُ , وَأَبْعَدَ مَنْ فَسَّرَ نَزَرْت بِرَاجَعْت. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا نَشِبْت ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة سَاكِنَة , أَيْ لَمْ أَتَعَلَّق بِشَيْءٍ غَيْر مَا ذَكَرْت. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ سَمِعْت صَارِخًا يَصْرُخ بِي ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( لَهِيَ أَحَبّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْس ) ‏ ‏أَيْ لِمَا فِيهَا مِنْ الْبِشَارَة بِالْمَغْفِرَةِ وَالْفَتْح , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : أَطْلَقَ الْمُفَاضَلَة بَيْن الْمَنْزِلَة الَّتِي أُعْطِيهَا وَبَيْن مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْس , وَمِنْ شَرْط الْمُفَاضَلَة اِسْتِوَاء الشَّيْئَيْنِ فِي أَصْل الْمَعْنَى ثُمَّ يَزِيد أَحَدهمَا عَلَى الْآخَر , وَلَا اِسْتِوَاء بَيْن تِلْكَ الْمَنْزِلَة وَالدُّنْيَا بِأَسْرِهَا. وَأَجَابَ اِبْن بَطَّال بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ كُلّ شَيْء لِأَنَّهُ لَا شَيْء إِلَّا الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَأَخْرَجَ الْخَبَر عَنْ ذِكْر الشَّيْء بِذِكْرِ الدُّنْيَا إِذْ لَا شَيْء سِوَاهَا إِلَّا الْآخِرَة. وَأَجَابَ اِبْن الْعَرَبِيّ بِمَا حَاصِله : أَنَّ أَفْعَل قَدْ لَا يُرَاد بِهَا الْمُفَاضَلَة كَقَوْلِهِ : ( خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ) وَلَا مُفَاضَلَة بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار , أَوْ الْخِطَاب وَقَعَ عَلَى مَا اِسْتَقَرَّ فِي أَنْفُس أَكْثَر النَّاس فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الدُّنْيَا لَا شَيْء مِثْلهَا أَوْ أَنَّهَا الْمَقْصُودَة فَأَخْبَرَ بِأَنَّهَا عِنْده خَيْر مِمَّا يَظُنُّونَ أَنْ لَا شَيْء أَفْضَل مِنْهُ اِنْتَهَى. وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَاد الْمُفَاضَلَة بَيْن مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ وَبَيْن مَا دَلَّ عَلَيْهِ غَيْرهَا مِنْ الْآيَات الْمُتَعَلِّقَة بِهِ فَرَجَّحَهَا , وَجَمِيع الْآيَات وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أُمُور الدُّنْيَا لَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ لِأَهْلِ الدُّنْيَا فَدَخَلَتْ كُلّهَا فِيمَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْس. ‏"
    },
    {
        "id": "4457",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ { ‏إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ‏} ‏قَالَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةُ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الْثَّانِي : قَوْله سَمِعْت قَتَادَةَ عَنْ أَنَس ‏ ‏( إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا قَالَ : الْحُدَيْبِيَة ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي الْمَغَازِي بِأَتَمّ مِنْ هَذَا , وَبَيَّنَ أَنَّ بَعْض الْحَدِيث عَنْ أَنَس مَوْصُول وَبَعْضه عَنْ عِكْرِمَة مُرْسَل , وَسُمِّيَ مَا وَقَعَ فِي الْحُدَيْبِيَة فَتْحًا لِأَنَّهُ كَانَ مُقَدِّمَة الْفَتْح وَأَوَّل أَسْبَابه , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي كِتَاب الْمَغَازِي. ‏"
    },
    {
        "id": "4458",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَرَأَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ فَتْحِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏سُورَةَ ‏ ‏الْفَتْحِ ‏ ‏فَرَجَّعَ ‏ ‏فِيهَا قَالَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏لَوْ شِئْتُ أَنْ أَحْكِيَ لَكُمْ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَفَعَلْتُ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الثَّالِث : ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاء وَزْن مُحَمَّد. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَجَّعَ فِيهَا ) ‏ ‏أَيْ رَدَّدَ صَوْته بِالْقِرَاءَةِ , وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق أُخْرَى بِلَفْظِ \" كَيْف تَرْجِيعه ؟ قَالَ : أ أ أ ثَلَاث مَرَّات \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : هُوَ مَحْمُول عَلَى إِشْبَاع الْمَدّ فِي مَوْضِعه , وَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَوْنه رَاكِبًا فَحَصَلَ التَّرْجِيع مِنْ تَحْرِيك النَّاقَة. وَهَذَا فِيهِ نَظَر لِأَنَّ فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْجَعْد عَنْ شُعْبَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَهُوَ يَقْرَأ قِرَاءَة لَيِّنَة , فَقَالَ : لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِع النَّاس عَلَيْنَا لَقَرَأْت ذَلِكَ اللَّحْن \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدَة فِي \" فَضَائِل الْقُرْآن \" عَنْ أَبِي النَّضْر عَنْ شُعْبَة , وَسَأَذْكُرُ تَحْرِير هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي شَرْح حَدِيث \" لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4459",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زِيَادٌ هُوَ ابْنُ عِلَاقَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏الْمُغِيرَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ ‏ ‏أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيِثْ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة \" قَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي صَلَاة اللَّيْل مِنْ كِتَاب الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "4460",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَيْوَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَقُومُ ‏ ‏مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى ‏ ‏تَتَفَطَّرَ ‏ ‏قَدَمَاهُ فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ ‏ ‏أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا فَلَمَّا ‏ ‏كَثُرَ لَحْمُهُ ‏ ‏صَلَّى جَالِسًا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الْخَامِس حَدِيث عَائِشَة فِي ذَلِك : ‏ ‏قَوْله : ( أَنْبَأَنَا حَيْوَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شُرَيْح الْمِصْرِيّ , ‏ ‏وَأَبُو الْأَسْوَد ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن النَّوْفَلِيّ الْمَعْرُوف بِيَتِيمِ عُرْوَة , وَنِصْف هَذَا الْإِسْنَاد مِصْرِيُّونَ وَنِصْفه مَدَنِيُّونَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي صَلَاة اللَّيْل. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمه ) ‏ ‏أَنْكَرَهُ الدَّاوُدِيّ وَقَالَ : الْمَحْفُوظ \" فَلَمَّا بَدَّنَ \" أَيْ كَبُرَ فَكَأَنَّ الرَّاوِي تَأَوَّلَهُ عَلَى كَثْرَة اللَّحْم اِنْتَهَى. وَتَعَقَّبَهُ أَيْضًا اِبْن الْجَوْزِيّ فَقَالَ : لَمْ يَصِفهُ أَحَد بِالسِّمَنِ أَصْلًا , وَلَقَدْ مَاتَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا شَبِعَ مِنْ خُبْز الشَّعِير فِي يَوْم مَرَّتَيْنِ , وَأَحْسَب بَعْض الرُّوَاة لَمَّا رَأَى \" بَدَّنَ \" ظَنَّهُ كَثُرَ لَحْمه , وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ بَدَّنَ تَبْدِينَا أَيْ أَسَنَّ , قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة. قُلْت : وَهُوَ خِلَاف الظَّاهِر , وَفِي اِسْتِدْلَاله بِأَنَّهُ لَمْ يَشْبَع مِنْ خُبْز الشَّعِير نَظَر , فَإِنَّهُ يَكُون مِنْ جُمْلَة الْمُعْجِزَات. كَمَا فِي كَثْرَة الْجِمَاع وَطَوَافه فِي اللَّيْلَة الْوَاحِدَة عَلَى تِسْع وَإِحْدَى عَشْرَة مَعَ عَدَم الشِّبَع وَضِيق الْعَيْش , وَأَيّ فَرْق بَيْن تَكْثِير الْمَنِيّ مَعَ الْجُوع وَبَيْن وُجُود كَثْرَة اللَّحْم فِي الْبَدَن مَعَ قِلَّة الْأَكْل ؟ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" لَمَّا بَدَّنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَقُلَ كَانَ أَكْثَر صَلَاته جَالِسًا \" لَكِنْ يُمْكِن تَأْوِيل قَوْله \" ثَقُلَ \" أَيْ ثَقُلَ عَلَيْهِ حَمْل لَحْمه وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لِدُخُولِهِ فِي السِّنّ. ‏ ‏قَوْله : ( صَلَّى جَالِسًا , فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَع قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ \" قَامَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَة ثُمَّ رَكَعَ \" أَخْرَجَاهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِر أَبْوَاب تَقْصِير الصَّلَاة , وَأَخْرَجَا مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة اِبْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ \" فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَته نَحْو مِنْ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَة قَامَ فَقَرَأَهَا وَهُوَ قَائِم ثُمَّ رَكَعَ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عَمْرَة عَنْ عَائِشَة \" فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَع قَامَ فَقَرَأَ قَدْر مَا يَقْرَأ إِنْسَان أَرْبَعِينَ آيَة \" وَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَقِيق عَنْ عَائِشَة فِي صِفَة تَطَوُّعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ \" وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِم رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِم , وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِد \" وَهَذَا مَحْمُول عَلَى حَالَته الْأُولَى قَبْل أَنْ يَدْخُل فِي السِّنّ جَمْعًا بَيْن الْحَدِيثَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ وَالْبَحْث فِيهِ فِي صَلَاة اللَّيْل , وَكَثِير مِنْ فَوَائِده أَيْضًا فِي آخِر أَبْوَاب تَقْصِير الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "4461",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ‏ { ‏إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ‏} ‏قَالَ ‏ ‏فِي التَّوْرَاةِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا ‏ ‏وَحِرْزًا ‏ ‏لِلْأُمِّيِّينَ ‏ ‏أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ ‏ ‏الْمُتَوَكِّلَ ‏ ‏لَيْسَ ‏ ‏بِفَظٍّ ‏ ‏وَلَا غَلِيظٍ وَلَا ‏ ‏سَخَّابٍ ‏ ‏بِالْأَسْوَاقِ وَلَا ‏ ‏يَدْفَعُ ‏ ‏السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ وَلَكِنْ ‏ ‏يَعْفُو ‏ ‏وَيَصْفَحُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا ‏ ‏غُلْفًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَة ) ‏ ‏أَيْ الْقَعْنَبِيّ , كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَأَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن. وَوَقَعَ عِنْدَ غَيْرِهِمَا \" عَبْد اللَّه \" غَيْر مَنْسُوب فَتَرَدَّدَ فِيهِ أَبُو مَسْعُود بَيْنَ أَنْ يَكُون عَبْد اللَّه بْن رَجَاء وَعَبْد اللَّه بْن صَالِح كَاتِب اللَّيْث وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : عِنْدِي أَنَّهُ عَبْد اللَّه بْن صَالِح. وَرَجَّحَ هَذَا الْمِزِّيّ وَحَدَّهُ بِأَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ فِي كِتَاب \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ عَبْد الْعَزِيز. قُلْت : لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْجَزْم بِهِ , وَمَا الْمَانِع أَنْ يَكُون لَهُ فِي الْحَدِيث الْوَاحِد شَيْخَانِ عَنْ شَيْخ وَاحِد ؟ وَلَيْسَ الَّذِي وَقَعَ فِي الْأَدَب بِأَرْجَحَ مِمَّا وَقَعَ الْجَزْم بِهِ فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ وَأَبِي ذَرّ وَهُمَا حَافِظَانِ , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" بَاب التَّكْبِير إِذَا عَلَا شَرَفًا \" مِنْ كِتَاب الْحَجّ حَدِيثًا قَالَ فِيهِ \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه - غَيْر مَنْسُوب - حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة. كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب , وَتَرَدَّدَ فِيهِ أَبُو مَسْعُود بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَرَدَّدَ فِيهِمَا فِي حَدِيث الْبَاب , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يُوسُف \" فَتَعَيَّنَ الْمَصِير إِلَيْهِ , لِأَنَّهَا زِيَادَة مِنْ حَافِظ فِي الرِّوَايَة فَتُقَدَّمُ عَلَى مَنْ فَسَّرَهُ بِالظَّنِّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِلَال بْن أَبِي هِلَال ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوع. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى عَطَاء بْن يَسَار فِي الْبُيُوع أَيْضًا , وَتَقَدَّمَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَة سَبَب تَحْدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بِهِ , وَأَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاة فَقَالَ \" أَجَلْ إِنَّهُ لَمَوْصُوف بِبَعْضُ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآن \". وَلِلدَّارِمِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح ذَكْوَان عَنْ كَعْب قَالَ \" فِي السَّطْر الْأَوَّل مُحَمَّد رَسُول اللَّه عَبْدِي الْمُخْتَار \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ هَذِهِ الْآيَة الَّتِي فِي الْقُرْآن ( يَا أَيُّهَا النَّبِيّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) ‏ ‏قَالَ فِي التَّوْرَاة : يَا أَيُّهَا النَّبِيّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا ) أَيْ شَاهِدًا عَلَى الْأُمَّة وَمُبَشِّرًا لِلْمُطِيعِينَ بِالْجَنَّةِ وَلِلْعُصَاةِ بِالنَّارِ , أَوْ شَاهِدًا لِلرُّسُلِ قَبْلَهُ بِالْإِبْلَاغِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَحِرْزًا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدَهَا زَاي أَيْ حِصْنًا , وَالْأُمِّيِّينَ هُمْ الْعَرَب , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ فِي الْبُيُوع. ‏ ‏قَوْله : ( سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّل ) ‏ ‏أَيْ عَلَى اللَّه لِقَنَاعَتِهِ بِالْيَسِيرِ , وَالصَّبْر عَلَى مَا كَانَ يَكْرَه. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِصِيغَةِ الْغَيْبَة عَلَى طَرِيق الِالْتِفَات , وَلَوْ جَرَى عَلَى النَّسَق الْأَوَّل لَقَالَ لَسْت. ‏ ‏قَوْله : ( بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظ ) ‏ ‏هُوَ مُوَافِق لِقَوْلِه تَعَالَى ( فَبِمَا رَحْمَة مِنْ اللَّه لِنْت لَهُمْ , وَلَوْ كُنْت فَظًّا غَلِيظ الْقَلْب لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك ) وَلَا يُعَارِض قَوْله تَعَالَى ( وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) لِأَنَّ النَّفْي مَحْمُول عَلَى طَبْعه الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ وَالْأَمْر مَحْمُول عَلَى الْمُعَالَجَة , أَوْ النَّفْي بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْأَمْر بِالنِّسْبَةِ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ كَمَا هُوَ مُصَرَّح بِهِ فِي نَفْس الْآيَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا سَخَّاب ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة وَهِيَ لُغَة أَثْبَتَهَا الْفَرَّاء وَغَيْره , وَبِالصَّادِ أَشْهَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَدْفَع السَّيِّئَة بِالسَّيِّئَةِ ) ‏ ‏هُوَ مِثْل قَوْله تَعَالَى ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن ) زَادَ فِي رِوَايَة كَعْب \" مَوْلِده بِمَكَّةَ وَمُهَاجَره طَيْبَة وَمُلْكه بِالشَّامِ \". ‏ ‏قوله : ( وَلَنْ يَقْبِضه ) ‏ ‏أَيْ يُمِيته. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يُقِيم بِهِ ) ‏ ‏أَيْ حَتَّى يَنْفِيَ الشِّرْك وَيُثْبِت التَّوْحِيد وَالْمِلَّة الْعَوْجَاء مِلَّة الْكُفْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَفْتَح بِهَا ) ‏ ‏أَيْ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيد ( أَعْيُنًا عُمْيًا ) أَيْ عَنْ الْحَقّ وَلَيْسَ هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ \" أَعْيُن عُمْي \" بِالْإِضَافَةِ , وَكَذَا الْكَلَام فِي الْآذَان وَالْقُلُوب. وَفِي مُرْسَل جُبَيْر بْن نُفَيْر بِإِسْنَادٍ صَحِيح عِنْدَ الدَّارِمِيّ \" لَيْسَ بِوَهْنٍ وَلَا كَسَل , لِيَخْتِنَ قُلُوبًا غُلْفًا , وَيَفْتَح أَعْيُنًا عُمْيًا , وَيُسْمِع آذَانًا صُمًّا , وَيُقِيم أَلْسِنَة عَوْجَاء حَتَّى يُقَال لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْدَهُ \" ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قِيلَ أَتَى بِجَمْعِ الْقِلَّة فِي ‏ ‏قَوْله : ( أَعْيُن ) ‏ ‏لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ أَقَلّ مِنْ الْكَافِرِينَ , وَقِيلَ بَلْ جَمْع الْقِلَّة قَدْ يَأْتِي فِي مَوْضِع الْكَثْرَة وَبِالْعَكْسِ كَقَوْلِهِ : ( ثَلَاثَة قُرُوء ) وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ نُكْتَة الْعُدُول إِلَى جَمْع الْقِلَّة أَوْ لِلْمُؤَاخَاةِ فِي ‏ ‏قَوْله : ( آذَانًا ) ‏ ‏وَقَدْ تَرِد الْقُلُوب عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّل , وَجَوَابه أَنَّهُ لَمْ يُسْمَع لِلْقُلُوبِ جَمْع قِلَّة كَمَا لَمْ يُسْمَع لِلآذَانِ جَمْعُ كَثْرة. ‏"
    },
    {
        "id": "4462",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ وَفَرَسٌ لَهُ مَرْبُوطٌ فِي الدَّارِ فَجَعَلَ يَنْفِرُ فَخَرَجَ ‏ ‏الرَّجُلُ ‏ ‏فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا وَجَعَلَ يَنْفِرُ فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء فِي نُزُول السَّكِينَة سَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي فَضَائِل الْقُرْآن مَعَ شَرْحه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4463",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا يَوْمَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَةٍ ‏",
        "sharh": "أَحَدُهَا : حَدِيث جَابِر ‏ ‏( كُنَّا يَوْم الْحُدَيْبِيَة أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ ) ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْمَغَازِي. ‏"
    },
    {
        "id": "4464",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَبَابَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنَ صُهْبَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ ‏ ‏إِنِّي مِمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَةَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْخَذْفِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ صُهْبَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيَّ ‏ ‏فِي الْبَوْلِ فِي الْمُغْتَسَلِ يَأْخُذُ مِنْهُ الْوَسْوَاسُ ‏",
        "sharh": "وَثَانِيها : ‏ ‏قَوْله : ( عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ ( عَلِيّ بْن سَلَمَة ) وَهُوَ اللَّبَقِيّ بِفَتْحِ اللَّام وَالْمُوَحَّدَة ثُمَّ قَاف خَفِيفَة وَبِهِ جَزَمَ الْكَلَابَاذِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُغَفَّل الْمُزَنِيِّ مِمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَة قَالَ : نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَذْف ) ‏ ‏بِخَاءٍ مُعْجَمَة أَيْ الرَّمْي بِالْحَصَى بَيْن إِصْبَعَيْنِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْأَدَب. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ عُقْبَة بْن صُهْبَان سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل الْمُزَنِيَّ فِي الْبَوْل فِي الْمُغْتَسَل ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَزَادَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَكَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيّ ( يَأْخُذ مِنْهُ الْوَسْوَاس ) وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف الَّذِي عَقَّبَهُ بِهِ لَا تَعَلُّق لَهُمَا بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَة بَلْ وَلَا هَذِهِ السُّورَة , وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْأَوَّل لِقَوْلِ الرَّاوِي فِيهِ \" مِمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَة \" فَهَذَا الْقَدْر هُوَ الْمُتَعَلِّق بِالتَّرْجَمَةِ , وَمِثْله مَا ذَكَرَهُ بَعْده عَنْ ثَابِت بْن الضَّحَّاك وَذَكَرَ الْمَتْن بِطَرِيقِ التَّبَع لَا الْقَصْد. وَأَمَّا الْحَدِيث الثَّانِي فَأَوْرَدَهُ لِبَيَانِ التَّصْرِيح بِسَمَاعِ عُقْبَة بْن صُهْبَان مِنْ عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل , وَهَذَا مِنْ صَنِيعه فِي غَايَة الدِّقَّة وَحُسْن التَّصَرُّف فَلِلَّهِ دَرّه.. وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عُقْبَة بْن صُهْبَان عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل قَالَ \" نَهَى - أَوْ زَجَرَ - أَنْ يُبَال فِي الْمُغْتَسَل \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ زِيَادَة ذِكْر الْوَسْوَاس الَّتِي عِنْد الْأَصِيلِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيق وَهْم. نَعَمْ أَخْرَجَ أَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَشْعَث عَنْ الْحَسَن عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل رَفَعَهُ \" لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمّه , فَإِنَّ عَامَّة الْوَسْوَاس مِنْهُ \" قَالَ التِّرْمِذِيّ غَرِيب لَا نَعْرِفهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيث أَشْعَث , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الطَّبَرَيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم عَنْ الْحَسَن أَيْضًا , وَهَذَا التَّعَقُّب وَارِد عَلَى الْإِطْلَاق , وَإِلَّا فَإِسْمَاعِيل ضَعِيف. ‏"
    },
    {
        "id": "4465",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الْثالِث : ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ خَالِد ) ‏ ‏هُوَ الْحَذَّاء. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ ثَابِت بْن الضَّحَّاك وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب الشَّجَرَة ) ‏ ‏هَكَذَا ذَكَرَ الْقَدْر الَّذِي يَحْتَاج إِلَيْهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيث وَلَمْ يَسُقْ الْمَتْن , وَيُسْتَفَاد مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلَى نَسَق وَاحِد فِي إِيرَاد الْأَشْيَاء التَّبَعِيَّة , بَلْ تَارَة يَقْتَصِر عَلَى مَوْضِع الْحَاجَة مِنْ الْحَدِيث وَتَارَة يَسُوقهُ بِتَمَامِهِ , فَكَأَنَّهُ يَقْصِد التَّفَنُّن بِذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِحَدِيثِ ثَابِت الْمَذْكُور طَرِيق أُخْرَى فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4466",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّلَمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ أَتَيْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏أَسْأَلُهُ فَقَالَ كُنَّا ‏ ‏بِصِفِّينَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏نَعَمْ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ‏ ‏اتَّهِمُوا ‏ ‏أَنْفُسَكُمْ فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏يَعْنِي الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْمُشْرِكِينَ ‏ ‏وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا فَجَاءَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَالَ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ قَالَ بَلَى قَالَ فَفِيمَ نُعْطِي ‏ ‏الدَّنِيَّةَ ‏ ‏فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ وَلَمَّا ‏ ‏يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏ابْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا فَرَجَعَ مُتَغَيِّظًا فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى جَاءَ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ قَالَ يَا ‏ ‏ابْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا فَنَزَلَتْ سُورَةُ ‏ ‏الْفَتْحِ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الْرابِع : ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُبَيْد الطَّنَافِسِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن سِيَاه ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ مَكْسُورَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة خَفِيفَة وَآخِره هَاء مُنَوَّنَة , تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْجِزْيَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَيْت أَبَا وَائِل أَسْأَلهُ ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر الْمَسْئُول عَنْهُ , وَبَيَّنَهُ أَحْمَد فِي رِوَايَته عَنْ يَعْلَى بْن عُبَيْد وَلَفْظه \" أَتَيْت أَبَا وَائِل فِي مَسْجِد أَهْله أَسْأَلهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيّ - يَعْنِي الْخَوَارِج - قَالَ : كُنَّا بِصِفِّينَ فَقَالَ رَجُل \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ كُنَّا بِصِفِّينَ ) ‏ ‏هِيَ مَدِينَة قَدِيمَة عَلَى شَاطِئ الْفُرَات بَيْن الرَّقَّة وَمَنْبِج كَانَتْ بِهَا الْوَاقِعَة الْمَشْهُورَة بَيْن عَلِيّ وَمُعَاوِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ ) ‏ ‏سَاقَ أَحْمَد إِلَى آخِر الْآيَة. هَذَا الرَّجُل هُوَ عَبْد اللَّه بْن الْكَوَّاء , ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ , وَكَانَ سَبَب ذَلِكَ أَنَّ أَهْل الشَّام لَمَّا كَادَ أَهْل الْعِرَاق يَغْلِبُونَهُمْ أَشَارَ عَلَيْهِمْ عَمْرو بْن الْعَاصِ بِرَفْعِ الْمَصَاحِف وَالدُّعَاء إِلَى الْعَمَل بِمَا فِيهَا , وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ تَقَع الْمُطَاوَلَة فَيَسْتَرِيحُوا مِنْ الشِّدَّة الَّتِي وَقَعُوا فِيهَا فَكَانَ كَمَا ظَنَّ , فَلَمَّا رَفَعُوهَا وَقَالُوا بَيْننَا وَبَيْنكُمْ كِتَاب اللَّه , وَسَمِعَ مَنْ بِعَسْكَرِ عَلِيّ وَغَالِبهمْ مِمَّنْ يَتَدَيَّن , قَالَ قَائِلهمْ مَا ذُكِرَ ; فَأَذْعَنَ عَلِيّ إِلَى التَّحْكِيم مُوَافَقَة لَهُمْ وَاثِقًا بِأَنَّ الْحَقّ بِيَدِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَحْمَد بْن سُلَيْمَان عَنْ يَعْلَى بْن عُبَيْد بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فَذَكَرَ الزِّيَادَة نَحْو مَا أَخْرَجَهَا أَحْمَد , وَزَادَ بَعْد قَوْله كُنَّا بِصِفِّينَ \" قَالَ فَلَمَّا اِسْتَحَرَّ الْقَتْل بِأَهْلِ الشَّام قَالَ عَمْرو بْن الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةِ : أَرْسِلْ الْمُصْحَف إِلَى عَلِيّ فَادْعُهُ إِلَى كِتَاب اللَّه فَإِنَّهُ لَنْ يَأْبَى عَلَيْك , فَأَتَى بِهِ رَجُل فَقَالَ : بَيْننَا وَبَيْنكُمْ كِتَاب اللَّه , فَقَالَ عَلِيّ : أَنَا أَوْلَى بِذَلِكَ بَيْننَا. كِتَاب اللَّه , فَجَاءَتْهُ الْخَوَارِج - وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ نُسَمِّيهِمْ الْقُرَّاء - وَسُيُوفهمْ عَلَى عَوَاتِقهمْ فَقَالُوا : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مَا نَنْتَظِر بِهَؤُلَاءِ الْقَوْم , أَلَا نَمْشِي إِلَيْهِمْ بِسُيُوفِنَا حَتَّى يَحْكُم اللَّه بَيْننَا وَبَيْنهمْ ؟ فَقَامَ سَهْل بْن حُنَيْف \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عَلِيّ نَعَمْ ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ \" أَنَا أَوْلَى بِذَلِكَ \" أَيْ بِالْإِجَابَةِ إِذَا دُعِيت إِلَى الْعَمَل بِكِتَابِ اللَّه لِأَنَّنِي وَاثِق بِأَنَّ الْحَقّ بِيَدِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ سَهْل بْن حُنَيْف اِتَّهِمُوا أَنْفُسكُمْ ) ‏ ‏أَيْ فِي هَذَا الرَّأْي لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ أَنْكَرُوا التَّحْكِيم وَقَالُوا لَا حُكْم إِلَّا لِلَّهِ , فَقَالَ عَلِيّ كَلِمَة حَقّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِل , وَأَشَارَ عَلَيْهِمْ كِبَار الصَّحَابَة بِمُطَاوَعَةِ عَلِيّ وَأَنْ لَا يُخَالَف مَا يُشِير بِهِ لِكَوْنِهِ أَعْلَم بِالْمَصْلَحَةِ , وَذَكَرَ لَهُمْ سَهْل بْن حُنَيْف مَا وَقَعَ لَهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَّهُمْ رَأَوْا يَوْمَئِذٍ أَنْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْقِتَال وَيُخَالِفُوا مَا دُعُوا إِلَيْهِ مِنْ الصُّلْح ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْأَصْلَح هُوَ الَّذِي كَانَ شَرَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ , وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِهَذِهِ الْقِصَّة فِي كِتَاب اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَسَبَقَ مَا يَتَعَلَّق بِالْحُدَيْبِيَةِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الشُّرُوط. ‏"
    },
    {
        "id": "4467",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ جَمِيلٍ اللَّخْمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ ‏ ‏يَهْلِكَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ ‏ ‏رَكْبُ ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا ‏ ‏بِالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ ‏ ‏أَخِي ‏ ‏بَنِي مُجَاشِعٍ ‏ ‏وَأَشَارَ الْآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ قَالَ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏لَا أَحْفَظُ اسْمَهُ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي قَالَ مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ‏} ‏الْآيَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَمَا كَانَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يُسْمِعُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَسَرَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْيَاء الْأَخِيرَة وَالْمُهْمَلَة وَجَدّه جَمِيل بِالْجِيمِ وَزْن عَظِيم ‏ ‏وَنَافِع بْن عُمَر ‏ ‏هُوَ الْجُمَحِيُّ الْمَكِّيّ , وَلَيْسَ هُوَ نَافِع مَوْلَى اِبْن عُمَر , وَنَبَّهَ الْكَرْمَانِيُّ هُنَا عَلَى شَيْء لَا يَتَخَيَّلهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى إِلْمَام بِالْحَدِيثِ وَالرِّجَال فَقَالَ : لَيْسَ هَذَا الْحَدِيث ثُلَاثِيًّا لِأَنَّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة تَابِعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( كَادَ الْخَيِّرَانِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِالْمُعْجَمَةِ بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة وَحَكَى بَعْض الشُّرَّاح رِوَايَة بِالْمُهْمَلَةِ وَسُكُون الْمُوَحَّدَة. ‏ ‏( يَهْلِكَانِ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَفِي رِوَايَة \" يَهْلِكَا \" بِحَذْفِ النُّون ; قَالَ اِبْن التِّين كَذَا وَقَعَ بِغَيْرِ نُون وَكَأَنَّهُ نُصِبَ بِتَقْدِيرِ أَنْ اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ وَكِيع عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" أَنْ يَهْلِكَا \" وَهُوَ بِكَسْرِ اللَّام وَنَسَبَهَا اِبْن التِّين لِرِوَايَةِ أَبِي ذَرّ , ثُمَّ هَذَا السِّيَاق صُورَته الْإِرْسَال لَكِنْ ظَهَرَ فِي آخِره أَنَّ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة حَمَلَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده التَّصْرِيح بِذَلِكَ وَلَفْظه عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة \" أَنَّ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر أَخْبَرَهُمْ \" فَذَكَرَهُ بِكَمَالِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَفَعَا أَصْوَاتهمَا حِين قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْب بَنِي تَمِيم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد \" وَفْد بَنِي تَمِيم \" وَكَانَ قُدُومهمْ سَنَة تِسْع بَعْد أَنْ أَوْقَعَ عُيَيْنَة بْن حِصْن بِبَنِي الْعَنْبَر وَهُمْ بَطْن مِنْ بَنِي تَمِيم , ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْحَسَن الْمَدَائِنِيّ ‏ ‏قَوْله : ( فَأَشَارَ أَحَدهمَا ) ‏ ‏هُوَ عُمَر , بَيَّنَهُ اِبْن جُرَيْجٍ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْبَاب بَعْده , وَوَقَعَ عِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة مُؤَمِّل بْن إِسْمَاعِيل عَنْ نَافِع بْن عُمَر بِلَفْظِ \" إِنَّ الْأَقْرَع بْن حَابِس قَدِمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْر : يَا رَسُول اللَّه اِسْتَعْمِلْهُ عَلَى قَوْمه , فَقَالَ عُمَر لَا تَسْتَعْمِلهُ يَا رَسُول اللَّه \" الْحَدِيث. وَهَذَا يُخَالِف رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ , وَرِوَايَته أَثْبَت مِنْ مُؤَمِّل بْن إِسْمَاعِيل وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْأَقْرَعِ بْن حَابِس أَخِي بَنِي مُجَاشِع ) ‏ ‏الْأَقْرَع لَقَب وَاسْمه فِيمَا نُقِلَ اِبْن دُرَيْد فِرَاس بْن حَابِس بْن عِقَال بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْقَاف اِبْن مُحَمَّد بْن سُفْيَان بْن مُجَاشِع بْن عَبْد اللَّه بْن دَارِم التَّمِيمِيّ الدَّارِمِيُّ , وَكَانَتْ وَفَاة الْأَقْرَع بْن حَابِس فِي خِلَافَة عُثْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَشَارَ الْآخَر ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْر , بَيَّنَهُ اِبْن جُرَيْجٍ فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة بِرَجُلٍ آخَر فَقَالَ نَافِع : لَا أَحْفَظ اِسْمه , سِيَاتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده مِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة أَنَّهُ الْقَعْقَاع بْن مَعْبَد بْن زُرَارَةَ أَيْ اِبْن عُدُس بْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن دَارِم التَّمِيمِيّ الدَّارِمِيُّ. قَالَ الْكَلْبِيّ فِي \" الْجَامِع \" : كَانَ يُقَال لَهُ تَيَّار الْفُرَات لِجُودِهِ , قُلْت : وَلَهُ ذِكْر فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ , أَوْرَدَهُ الْبَغَوِيُّ فِي \" الصَّحَابَة \" بِإِسْنَادٍ صَحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَرَدْت إِلَّا خِلَافِي ) ‏ ‏أَيْ لَيْسَ مَقْصُودك إِلَّا مُخَالَفَة قَوْلِي , وَفِي رِوَايَة أَحْمَد \" إِنَّمَا أَرَدْت خِلَافِي \" وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد. وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا \" مَا أَرَدْت إِلَى خِلَافِي \" بِلَفْظِ حَرْف الْجَرّ , وَ \" مَا \" فِي هَذَا اِسْتِفْهَامِيَّة \" وَإِلَى \" بِتَخْفِيفِ اللَّام , وَالْمَعْنَى أَيّ شَيْء قَصَدْت مُنْتَهِيًا إِلَى مُخَالَفَتِي. وَقَدْ وُجِدَتْ الرِّوَايَة الَّتِي ذَكَرَهَا اِبْن التِّين فِي بَعْض النُّسَخ لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتهمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" فَتَمَارَيَا \" حَتَّى اِرْتَفَعَتْ أَصْوَاتهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ الْآيَة ) ‏ ‏زَادَ وَكِيع كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام \" إِلَى قَوْلِهِ عَظِيمٌ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" فَنَزَلَتْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ - إِلَى قَوْله - وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا \" وَقَدْ اِسْتُشْكِلَ ذَلِكَ , قَالَ اِبْن عَطِيَّة : الصَّحِيح أَنَّ سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة كَلَام جُفَاة الْأَعْرَاب. ‏ ‏قُلْت : لَا يُعَارِض ذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثَ , فَإِنَّ الَّذِي يَتَعَلَّق بِقِصَّةِ الشَّيْخَيْنِ فِي تَخَالُفهمَا فِي التَّأْمِير هُوَ أَوَّل السُّورَة ( لَا تُقَدِّمُوا ) وَلَكِنْ لَمَّا اِتَّصَلَ بِهَا قَوْله : ( لَا تَرْفَعُوا ) تَمَسَّكَ عُمَر مِنْهَا بِخَفْضِ صَوْته , وَجُفَاة الْأَعْرَاب الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هُمْ مِنْ بَنِي تَمِيم , وَاَلَّذِي يَخْتَصّ بِهِمْ قَوْله : ( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ ) قَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ \" إِنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات فَقَالَ : يَا مُحَمَّد إِنَّ مَدْحِي زَيْن وَإِنَّ شَتْمِي شَيْن , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَاكَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَنَزَلَتْ \". ‏ ‏قُلْت : وَلَا مَانِع أَنْ تَنْزِل الْآيَة لِأَسْبَابٍ تَتَقَدَّمهَا , فَلَا يُعْدَل لِلتَّرْجِيحِ مَعَ ظُهُور الْجَمْع وَصِحَّة الطُّرُق , وَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ اِسْتَشْعَرَ ذَلِكَ فَأَوْرَدَ قِصَّة ثَابِت بْن قَيْس عَقِب هَذَا لِيُبَيِّن مَا أَشَرْت إِلَيْهِ مِنْ الْجَمْع , ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ كُلّه بِتَرْجَمَةِ \" بَاب قَوْله وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ \" إِشَارَة إِلَى قِصَّة جُفَاة الْأَعْرَاب مِنْ بَنِي تَمِيم , لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِي التَّرْجَمَة حَدِيثًا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ قَرِيبًا , وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ حَدِيث ثَابِت لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ الْخَطِيب لَمَّا وَقَعَ الْكَلَام فِي الْمُفَاخَرَة بَيْن بَنِي تَمِيم الْمَذْكُورِينَ كَمَا أَوْرَدَهُ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي مُطَوَّلًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا كَانَ عُمَر يُسْمِع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد هَذِهِ الْآيَة حَتَّى يَسْتَفْهِمهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وَكِيع فِي الِاعْتِصَام \" فَكَانَ عُمَر بَعْد ذَلِكَ إِذَا حَدَّثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَار لَمْ يُسْمِعهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمهُ \". ‏ ‏قُلْت وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَلْقَمَة أَنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق قَالَ مِثْل ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَذَا مُرْسَل , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مَوْصُولًا مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة نَحْوه , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق طَارِق بْن شِهَاب عَنْ أَبِي بَكْر قَالَ \" لَمَّا نَزَلَتْ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ الْآيَة قَالَ أَبُو بَكْر : قُلْت يَا رَسُول اللَّه آلَيْت أَنْ لَا أُكَلِّمك إِلَّا كَأَخِي السِّرَار \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَذْكُر ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ يَعْنِي أَبَا بَكْر ) ‏ ‏قَالَ مُغَلْطَاي : يُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَبَا بَكْر عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر أَوْ أَبَا بَكْر عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة فَإِنَّ أَبَا مُلَيْكَة لَهُ ذِكْر فِي الصَّحَابَة. ‏ ‏قُلْت : وَهَذَا بَعِيد عَنْ الصَّوَاب , بَلْ قَرِينَة ذِكْر عُمَر تُرْشِد إِلَى أَنَّ مُرَاده أَبُو بَكْر الصِّدِّيق. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ قَالَ \" وَمَا ذَكَرَ اِبْن الزُّبَيْر جَدّه \" وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق مُؤَمِّل بْن إِسْمَاعِيل عَنْ نَافِع بْن عُمَر فَقَالَ فِي آخِره \" وَمَا ذَكَرَ اِبْن الزُّبَيْر جَدّه يَعْنِي أَبَا بَكْر \" وَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى مَنْ عَدَّ فِي الْخَصَائِص النَّبَوِيَّة أَنَّ أَوْلَاد بِنْته يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ \" إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّد \" وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْقَفَّال عَلَى اِبْن الْقَاصّ وَعَدَّهُ الْقُضَاعِيّ فِيمَا اِخْتَصَّ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْأَنْبِيَاء , وَفِيهِ نَظَر فَقَدْ اِحْتَجَّ يَحْيَى بْن يَعْمُر بِأَنَّ عِيسَى نُسِبَ إِلَى إِبْرَاهِيم وَهُوَ اِبْن بِنْته , وَهُوَ اِسْتِدْلَال صَحِيح , وَإِطْلَاق الْأَب عَلَى الْجَدّ مَشْهُور , وَهُوَ مَذْهَب أَبِي بَكْر الصِّدِّيق كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب. ‏"
    },
    {
        "id": "4468",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏قَالَ أَنْبَأَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏افْتَقَدَ ‏ ‏ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ ‏ ‏فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ ‏ ‏مُنَكِّسًا ‏ ‏رَأْسَهُ فَقَالَ لَهُ مَا شَأْنُكَ فَقَالَ شَرٌّ كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَدْ ‏ ‏حَبِطَ ‏ ‏عَمَلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَرَجَعَ إِلَيْهِ الْمَرَّةَ الْآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ ‏ ‏اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِفْتَقَدَ ثَابِتَ بْن قَيْس ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر عَلَامَات النُّبُوَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏هُوَ سَعْد بْن مُعَاذ بَيَّنَهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة فِي رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ أَنَس , وَقِيلَ هُوَ عَاصِم بْن عَدِيّ , وَقِيلَ أَبُو مَسْعُود , وَالْأَوَّل الْمُعْتَمَد. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَا أَعْلَم لَك عِلْمه ) ‏ ‏أَيْ أَعْلَم لِأَجْلِك عِلْمًا مُتَعَلِّقًا بِهِ. ‏ ‏قَوْل ( فَقَالَ مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَنَس رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ أَنَس. ‏"
    },
    {
        "id": "4469",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏رَكْبٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَمِّرْ ‏ ‏الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏بَلْ ‏ ‏أَمِّرْ ‏ ‏الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مَا أَرَدْتَ إِلَى أَوْ إِلَّا خِلَافِي فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ ‏ ‏فَتَمَارَيَا ‏ ‏حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا ‏ ‏تُقَدِّمُوا ‏ ‏بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ‏} ‏حَتَّى ‏ ‏انْقَضَتْ ‏ ‏الْآيَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي اِبْن أَبِي مُلَيْكَة ) ‏ ‏كَذَا قَالَ حَجَّاج بْن مُحَمَّد تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق هِشَام بْنِ يُوسُف عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة بِالْعَنْعَنَةِ , وَتَابَعَهُ هِشَام بْن يُوسُف , وَأَخْرَجَهُ اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ فَزَادَ فِيهِ رَجُلًا قَالَ \" أَخْبَرَنِي رَجُل أَنَّ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة أَخْبَرَهُ \" فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ اِبْن جُرَيْجٍ حَمَلَهُ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة بِوَاسِطَةٍ , ثُمَّ لَقِيَهُ فَسَمِعَهُ مِنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4470",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُلْقَى فِي النَّارِ ‏ { ‏وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ‏} ‏حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث أَنَس ( يُلْقَى فِي النَّار وَتَقُول هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَةَ \" لَا تَزَال جَهَنَّم يُلْقَى فِيهَا \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَمُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَضَع قَدَمه فِيهَا ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة شُعْبَة , وَفِي رِوَايَة سَعِيد \" حَتَّى يَضَع رَبّ الْعِزَّة فِيهَا قَدَمه \". ‏ ‏قَوْله : ( فَتَقُول قَطْ قَطْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد \" فَيَزْوِي بَعْضهَا إِلَى بَعْض وَتَقُول قَطْ قَطْ وَعِزَّتك \" وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ قَتَادَةَ \" فَتَقُول قَدْ قَدْ \" بِالدَّالِ بَدَل الطَّاء , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَيَضَع الرَّبّ عَلَيْهَا قَدَمه فَتَقُول قَطْ قَطْ \" وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِيهَا \" فَلَا تَمْتَلِئ حَتَّى يَضَع رِجْله فَتَقُول قَطْ قَطْ قَطْ فَهُنَاكَ تَمْتَلِئ وَيُزْوَى بَعْضهَا إِلَى بَعْض \" وَفِي حَدِيث أُبَيِّ بْن كَعْب عِنْد أَبِي يَعْلَى \" وَجَهَنَّم تَسْأَل الْمَزِيد حَتَّى يَضَع فِيهَا قَدَمه فَيُزْوَى بَعْضهَا إِلَى بَعْض وَتَقُول قَطْ قَطْ \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد أَحْمَد \" فَيُلْقَى فِي النَّار أَهْلهَا فَتَقُول هَلْ مِنْ مَزِيد وَيُلْقَى فِيهَا وَتَقُول هَلْ مِنْ مَزِيد حَتَّى يَأْتِيهَا عَزَّ وَجَلَّ فَيَضَع قَدَمه عَلَيْهَا فَتَنْزَوِي فَتَقُول قَدْنِي قَدْنِي \" وَقَوْله \" قَطْ قَطْ \" أَيْ حَسْبِي حَسْبِي , وَثَبَتَ بِهَذَا التَّفْسِير عِنْد عَبْد الرَّزَّاق مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَقَطْ بِالتَّخْفِيفِ سَاكِنًا , وَيَجُوز الْكَسْر بِغَيْرِ إِشْبَاع , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ عَنْ أَبِي ذَرّ \" قَطْي قَطْي \" بِالْإِشْبَاعِ وَ \" قَطْنِي \" بِزِيَادَةِ نُون مُشْبَعَة. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد وَرِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ بِالدَّالِ بَدَل الطَّاء وَهِيَ لُغَة أَيْضًا , كُلّهَا بِمَعْنَى يَكْفِي. وَقِيلَ قَطْ صَوْت جَهَنَّم. وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب عِنْد الْجُمْهُور. ثُمَّ رَأَيْت فِي تَفْسِير اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس مَا يُؤَيِّد الَّذِي قَبْله وَلَفْظه \" فَيَضَعهَا عَلَيْهَا فَتُقَطْقِط كَمَا يُقَطْقِط السِّقَاء إِذَا اِمْتَلَأَ \" اِنْتَهَى. فَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ هُوَ الْمُعْتَمَد , لَكِنْ فِي سَنَده مُوسَى بْن مُطَيْر وَهُوَ مَتْرُوك. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالْقَدَمِ فَطَرِيق السَّلَف فِي هَذَا وَغَيْره مَشْهُورَة وَهُوَ أَنْ تَمُرّ كَمَا جَاءَتْ وَلَا يُتَعَرَّض لِتَأْوِيلِهِ بَلْ نَعْتَقِد اِسْتِحَالَة مَا يُوهِم النَّقْص عَلَى اللَّه وَخَاضَ كَثِير مِنْ أَهْل الْعِلْم فِي تَأْوِيل ذَلِكَ فَقَالَ : الْمُرَاد إِذْلَال جَهَنَّم , فَإِنَّهَا ) إِذَا بَالَغَتْ فِي الطُّغْيَان وَطَلَب الْمَزِيد أَذَلَّهَا اللَّه فَوَضَعَهَا تَحْت الْقَدَم , وَلَيْسَ الْمُرَاد حَقِيقَة الْقَدَم , وَالْعَرَب تَسْتَعْمِل أَلْفَاظ الْأَعْضَاء فِي ضَرْب الْأَمْثَال وَلَا تُرِيد أَعْيَانهَا , كَقَوْلِهِمْ رَغْم أَنْفه وَسُقِطَ فِي يَده. وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْقَدَمِ الْفَرَط السَّابِق أَيْ يَضَع اللَّه فِيهَا مَا قَدَّمَهُ لَهَا مِنْ أَهْل الْعَذَاب , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : الْقَدَم قَدْ يَكُون اِسْمًا لِمَا قُدِّمَ كَمَا يُسَمَّى مَا خُبِطَ مِنْ وَرَق خَبَطًا , فَالْمَعْنَى مَا قَدَّمُوا مِنْ عَمَل. وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْقَدَمِ قَدَم بَعْض الْمَخْلُوقِينَ فَالضَّمِير لِلْمَخْلُوقِ مَعْلُوم , أَوْ يَكُون هُنَاكَ مَخْلُوق اِسْمه قَدَم , أَوْ الْمُرَاد بِالْقَدَمِ الْأَخِير لِأَنَّ الْقَدَم آخِر الْأَعْضَاء فَيَكُون الْمَعْنَى حَتَّى يَضَع اللَّه فِي النَّار آخِر أَهْلهَا فِيهَا وَيَكُون الضَّمِير لِلْمَزِيدِ. وَقَالَ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه بَعْد إِخْرَاجه : هَذَا مِنْ الْأَخْبَار الَّتِي أُطْلِقَتْ بِتَمْثِيلِ الْمُجَاوَرَة وَذَلِكَ أَنَّ يَوْم الْقِيَامَة يُلْقَى فِي النَّار مِنْ الْأُمَم وَالْأَمْكِنَة الَّتِي عُصِيَ اللَّهَ فِيهَا فَلَا تَزَال تَسْتَزِيد حَتَّى يَضَع الرَّبّ فِيهَا مَوْضِعًا مِنْ الْأَمْكِنَة الْمَذْكُورَة فَتَمْتَلِئ لِأَنَّ الْعَرَب تُطْلِق الْقَدَم عَلَى الْمَوْضِع , قَالَ تَعَالَى ( أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ ) يُرِيد مَوْضِع صِدْق. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : الْمُرَاد بِالْقَدَمِ قَدَم صِدْق وَهُوَ مُحَمَّد , وَالْإِشَارَة بِذَلِكَ إِلَى شَفَاعَته , وَهُوَ الْمَقَام الْمَحْمُود فَيُخْرِج مِنْ النَّار مَنْ كَانَ فِي قَلْبه شَيْء مِنْ الْإِيمَان. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا مُنَابِذ لِنَصِّ الْحَدِيث لِأَنَّ فِيهِ يَضَع قَدَمه بَعْد أَنْ قَالَتْ هَلْ مِنْ مَزِيد , وَاَلَّذِي قَالَهُ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَنْقُص مِنْهَا , وَصَرِيح الْخَبَر أَنَّهَا تَنْزَوِي بِمَا يُجْعَل فِيهَا لَا يَخْرُج مِنْهَا. ‏ ‏قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنْ يُوَجَّه بِأَنَّ مَنْ يَخْرُج مِنْهَا يُبَدَّل عِوَضهمْ مِنْ أَهْل الْكُفْر كَمَا حَمَلُوا عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي صَحِيح مُسْلِم \" يُعْطَى كُلّ مُسْلِم رَجُلًا مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَيُقَال : هَذَا فِدَاؤُك مِنْ النَّار \" فَإِنَّ بَعْض الْعُلَمَاء قَالَ : الْمُرَاد بِذَلِكَ أَنَّهُ يَقَع عِنْد إِخْرَاج الْمُوَحِّدِينَ , وَأَنَّهُ يَجْعَل مَكَان كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ وَاحِدًا مِنْ الْكُفَّار بِأَنْ يَعْظُم حَتَّى يَسُدّ مَكَانه وَمَكَان الَّذِي خَرَجَ , وَحِينَئِذٍ فَالْقَدَم سَبَب لِلْعِظَمِ الْمَذْكُور , فَإِذَا وَقَعَ الْعِظَم حَصَلَ الْمِلْء الَّذِي تَطْلُبهُ. وَمِنْ التَّأْوِيل الْبَعِيد قَوْل مَنْ قَالَ : الْمُرَاد بِالْقَدَمِ قَدَم إِبْلِيس , وَأَخَذَهُ مِنْ قَوْله \" حَتَّى يَضَع الْجَبَّار فِيهَا قَدَمه \" وَإِبْلِيس أَوَّل مَنْ تَكَبَّرَ فَاسْتَحَقَّ أَنْ يُسَمَّى مُتَجَبِّرًا وَجَبَّارًا , وَظُهُور بُعْد هَذَا يُغْنِي عَنْ تَكَلُّف الرَّدّ عَلَيْهِ. وَزَعَمَ اِبْن الْجَوْزِيّ أَنَّ الرِّوَايَة الَّتِي جَاءَتْ بِلَفْظِ \" الرِّجْل \" تَحْرِيف مِنْ بَعْض الرُّوَاة لِظَنِّهِ أَنَّ الْمُرَاد بِالْقَدَمِ الْجَارِحَة فَرَوَاهَا بِالْمَعْنَى فَأَخْطَأَ , ثُمَّ قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالرِّجْلِ إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة الْجَمَاعَة كَمَا تَقُول رِجْل مِنْ جَرَاد , فَالتَّقْدِير يَضَع فِيهَا جَمَاعَة , وَأَضَافَهُمْ إِلَيْهِ إِضَافَة اِخْتِصَاص. وَبَالَغَ اِبْن فَوْرَكٍ فَجَزَمَ بِأَنَّ الرِّوَايَة بِلَفْظِ \" الرِّجْل \" غَيْر ثَابِتَة عِنْد أَهْل النَّقْل , وَهُوَ مَرْدُود لِثُبُوتِهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَقَدْ أَوَّلَهَا غَيْره بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْقَدَم فَقِيلَ رِجْل بَعْض الْمَخْلُوقِينَ , وَقِيلَ إِنَّهَا اِسْم مَخْلُوق مِنْ الْمَخْلُوقِينَ , وَقِيلَ إِنَّ الرِّجْل تُسْتَعْمَل فِي الزَّجْر كَمَا تَقُول وَضَعْته تَحْت رِجْلِي , وَقِيلَ إِنَّ الرِّجْل تُسْتَعْمَل فِي طَلَب الشَّيْء عَلَى سَبِيل الْجِدّ كَمَا تَقُول قَامَ فِي هَذَا الْأَمْر عَلَى رِجْل. وَقَالَ أَبُو الْوَفَاء بْن عُقَيْل : تَعَالَى اللَّه عَنْ أَنَّهُ لَا يَعْمَل أَمْره فِي النَّار حَتَّى يَسْتَعِين عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَاته أَوْ صِفَاته وَهُوَ الْقَائِل لِلنَّارِ ( كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا ) فَمَنْ يَأْمُر نَارًا أَجَّجَهَا غَيْره أَنْ تَنْقَلِب عَنْ طَبْعهَا وَهُوَ الْإِحْرَاق فَتَنْقَلِب كَيْف يَحْتَاج فِي نَار يُؤَجِّجهَا هُوَ إِلَى اِسْتِعَانَة اِنْتَهَى. وَيُفْهَم جَوَابه مِنْ التَّفْصِيل الْوَاقِع ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب حَيْثُ قَالَ فِيهِ \" وَلِكُلِّ وَاحِدَة مِنْكُمَا مِلْؤُهَا , فَأَمَّا النَّار \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَقَالَ فِيهِ \" وَلَا يَظْلِم اللَّه مِنْ خَلْقه أَحَدًا \" فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْجَنَّة يَقَع اِمْتِلَاؤُهَا بِمَنْ يُنْشِئُوهُمْ اللَّه لِأَجْلِ مِلْئِهَا , وَأَمَّا النَّار فَلَا يُنْشِئ لَهَا خَلْقًا بَلْ يَفْعَل فِيهَا شَيْئًا عَبَّرَ عَنْهُ بِمَا ذُكِرَ يَقْتَضِي لَهَا أَنْ يَنْضَمّ بَعْضهَا إِلَى بَعْض فَتَصِير مَلْأَى وَلَا تَحْتَمِل مَزِيدًا , وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ الثَّوَاب لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى الْعَمَل بَلْ يُنْعِم اللَّه بِالْجَنَّةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْمَل خَيْرًا قَطُّ كَمَا فِي الْأَطْفَال. ‏"
    },
    {
        "id": "4471",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَهْدِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَفَعَهُ وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏يُقَالُ ‏ { ‏لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ‏} ‏فَيَضَعُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ قَطْ قَطْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُوسَى الّقَطَّانُ ) ‏ ‏هُوَ الْوَاسِطِيُّ , وَأَبُو سُفْيَان الْحِمْيَرِيّ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيّ بِالسِّنِّ وَلَمْ يَلْقَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَوْف ) ‏ ‏لِأَبِي سُفْيَان فِيهِ سَنَد آخَر أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عُمَر الْجَزَائِرِيّ عَنْ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مُطَوَّلًا. ‏ ‏وَقَوْله : ( رَفَعَهُ وَأَكْثَر مَا كَانَ يُوقِفهُ أَبُو سُفْيَان ) ‏ ‏الْقَائِل ذَلِكَ مُحَمَّد بْنُ مُوسَى الرَّاوِي عَنْهُ , وَقَالَ يُوقِفهُ مِنْ الرُّبَاعِيّ وَهُوَ لُغَة وَالْفَصِيح يَقِفهُ مِنْ الثُّلَاثِيّ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَرْوِيه فِي أَكْثَر الْأَحْوَال مَوْقُوفًا وَيَرْفَعهُ أَحْيَانًا , وَقَدْ رَفَعَهُ غَيْره أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4472",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَحَاجَّتْ ‏ ‏الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ النَّارُ ‏ ‏أُوثِرْتُ ‏ ‏بِالْمُتَكَبِّرِينَ ‏ ‏وَالْمُتَجَبِّرِينَ ‏ ‏وَقَالَتْ الْجَنَّةُ مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ ‏ ‏وَسَقَطُهُمْ ‏ ‏قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَقَالَ لِلنَّارِ إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ ‏ ‏وَيُزْوَى ‏ ‏بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ‏ ‏يُنْشِئُ ‏ ‏لَهَا خَلْقًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏وَقَعَ فِي مُصَنَّف عَبْد الرَّزَّاق فِي آخِره \" قَالَ مَعْمَر وَأَخْبَرَنِي أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْله \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم بِالْوَجْهَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَحَاجَّتْ ) ‏ ‏أَيْ تَخَاصَمَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ ) ‏ ‏قِيلَ هُمَا بِمَعْنًى , وَقِيلَ الْمُتَكَبِّر الْمُتَعَاظِم بِمَا لَيْسَ فِيهِ وَالْمُتَجَبِّر الْمَمْنُوع الَّذِي لَا يُوصَل إِلَيْهِ وَقِيلَ الَّذِي لَا يَكْتَرِث بِأَمْرٍ. ‏ ‏قَوْله : ( ضُعَفَاء النَّاس وَسَقَطهمْ ) ‏ ‏بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ الْمُحْتَقَرُونَ بَيْنهمْ السَّاقِطُونَ مِنْ أَعْيُنهمْ , هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْد الْأَكْثَر مِنْ النَّاس , وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْد اللَّه هُمْ عُظَمَاء رُفَعَاء الدَّرَجَات , لَكِنَّهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْد أَنْفُسهمْ لِعَظَمَةِ اللَّه عِنْدهمْ وَخُضُوعهمْ لَهُ فِي غَايَة التَّوَاضُع لِلَّهِ وَالذِّلَّة فِي عِبَاده , فَوَصْفهمْ بِالضَّعْفِ وَالسَّقَط بِهَذَا الْمَعْنَى صَحِيح , أَوْ الْمُرَاد بِالْحَصْرِ فِي قَوْل الْجَنَّة \" إِلَّا ضُعَفَاء النَّاس \" الْأَغْلَب , قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره , وَإِنَّ اللَّه يَخْلُق فِي الْجَنَّة وَالنَّار تَمْيِيزًا يُدْرِكَانِ بِهِ وَيَقْدِرَانِ عَلَى الْمُرَاجَعَة وَالِاحْتِجَاج , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون بِلِسَانِ الْحَال , وَسَيَأْتِي مَزِيدًا لِهَذَا فِي \" بَاب قَوْله إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ \" مِنْ كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4473",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا جُلُوسًا لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا ‏ ‏تُضَامُونَ ‏ ‏فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ‏}",
        "sharh": "أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث جَرِير ‏ ‏\" إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبّكُمْ \" ‏ ‏الْحَدِيث وَفِي آخِره \" ثُمَّ قَرَأَ ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ) وَهَذِهِ الْآيَة فِي طه , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْمُنَاسِب لِهَذِهِ السُّورَة \" وَقَبْلَ الْغُرُوبِ \" لَا غُرُوبِهَا. ‏ ‏قُلْت : لَا سَبِيل إِلَى التَّصَرُّف فِي لَفْظ الْحَدِيث , وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْحَدِيث هُنَا لِاتِّحَادِ دَلَالَة الْآيَتَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة , وَكَذَا وَقَعَ هُنَا فِي نُسْخَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد بِلَفْظِ \" ثُمَّ قَرَأَ : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ \" وَسَيَأْتِي شَرْح حَدِيث جَرِير فِي التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَمَضَى مِنْهُ شَيْء فِي فَضْل وَقْت الْعَصْر مِنْ الْمَوَاقِيت. ‏"
    },
    {
        "id": "4474",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَرْقَاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَمَرَهُ أَنْ يُسَبِّحَ فِي ‏ ‏أَدْبَارِ ‏ ‏الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا ‏ ‏يَعْنِي قَوْلَهُ ‏ { ‏وَإِدْبَارَ ‏ ‏السُّجُودِ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُجَاهِد قَالَ قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَمَرَهُ أَنْ يُسَبِّحَ ) ‏ ‏يَعْنِي أَمَرَ اللَّه نَبِيّه. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُلَيَّة عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ \" قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : ( فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ) قَالَ : هُوَ التَّسْبِيح بَعْد الصَّلَاة \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي أَدْبَار الصَّلَوَات كُلّهَا ) ‏ ‏يَعْنِي قَوْله وَأَدْبَارَ السُّجُودِ , كَذَا لَهُمْ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" قَالَ لِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا اِبْن عَبَّاس رَكْعَتَانِ بَعْد الْمَغْرِب أَدْبَار السُّجُود \" وَإِسْنَاده ضَعِيف , لَكِنْ رَوَى اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق أَبِي تَمِيم الْجَيْشَانِيّ قَالَ \" قَالَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ‏ ‏قَوْله تَعَالَى ( وَإِدْبَارَ السُّجُودِ ) ‏ ‏: هُمَا الرَّكْعَتَانِ بَعْد الْمَغْرِب \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُق عَنْ عَلِيّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْرهمَا مِثْله , وَأَخْرَجَ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ عُمَر مِثْله , وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق كُرَيْب بْن يَزِيد أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْد الْفَجْر وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْد الْمَغْرِب قَرَأَ أَدْبَار النُّجُومِ وَأَدْبَار السُّجُود , أَيْ بِهِمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4475",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنِّي ‏ ‏أَشْتَكِي ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏يَقْرَأُ ‏ ‏بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أُمّ سَلَمَة قَالَتْ شَكَوْت إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَشْتَكِي ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهَا كَانَتْ ضَعِيفَة لَا تَقْدِر عَلَى الطَّوَاف مَاشِيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4476",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَدَّثُونِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ ‏ ‏بِالطُّورِ ‏ ‏فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ ‏ { ‏أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا ‏ ‏يُوقِنُونَ ‏ ‏أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ ‏} ‏قَالَ كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ ‏ ‏بِالطُّورِ ‏ ‏وَلَمْ أَسْمَعْهُ زَادَ الَّذِي قَالُوا لِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ ‏ ‏( قَالَ حَدَّثُونِي عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏اِعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عَبْد الْجَبَّار بْن الْعَلَاء وَابْن أَبِي عُمَر كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ \" سَمِعْت الزُّهْرِيَّ قَالَ \" فَصَرَّحَا عَنْهُ بِالسَّمَاعِ , وَهُمَا ثِقَتَانِ. ‏ ‏قُلْت : وَهُوَ اِعْتِرَاض سَاقِط ; فَإِنَّهُمَا مَا أَوْرَدَا مِنْ الْحَدِيث إِلَّا الْقَدْر الَّذِي ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ , بِخِلَافِ الزِّيَادَة الَّتِي صَرَّحَ الْحُمَيْدِيّ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعهَا مِنْ الزُّهْرِيِّ , وَإِنَّمَا بَلَغَتْهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( كَادَ قَلْبِي يَطِير ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ كَأَنَّهُ اِنْزَعَجَ عِنْد سَمَاع هَذِهِ الْآيَة لِفَهْمِهِ مَعْنَاهَا وَمَعْرِفَته بِمَا تَضَمَّنَتْهُ , فَفَهِمَ الْحُجَّة فَاسْتَدْرَكَهَا بِلَطِيفِ طَبْعه , وَذَلِكَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ) قِيلَ مَعْنَاهُ لَيْسُوا أَشَدّ خَلْقًا مِنْ خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض لِأَنَّهُمَا خُلِقَتَا مِنْ غَيْر شَيْء , أَيْ هَلْ خُلِقُوا بَاطِلًا لَا يُؤْمَرُونَ وَلَا يُنْهَوْنَ ؟ وَقِيلَ الْمَعْنَى أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْر خَالِق ؟ وَذَلِكَ لَا يَجُوز فَلَا بُدّ لَهُمْ مِنْ خَالِق , وَإِذَا أَنْكَرُوا الْخَالِق فَهُمْ الْخَالِقُونَ لِأَنْفُسِهِمْ , وَذَلِكَ فِي الْفَسَاد وَالْبُطْلَان أَشَدّ , لِأَنَّ مَا لَا وُجُود لَهُ كَيْف يَخْلُق , وَإِذَا بَطَلَ الْوَجْهَانِ قَامَتْ الْحُجَّة عَلَيْهِمْ بِأَنَّ لَهُمْ خَالِقًا. ثُمَّ قَالَ ( أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) أَيْ إِنْ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَدَّعُوا خَلْق أَنْفُسهمْ فَلْيَدَّعُوا خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَذَلِكَ لَا يُمْكِنهُمْ , فَقَامَتْ الْحُجَّة. ثُمَّ قَالَ ( بَلْ لَا يُوقِنُونَ ) فَذَكَرَ الْعِلَّة الَّتِي عَاقَتْهُمْ عَنْ الْإِيمَان وَهُوَ عَدَم الْيَقِين الَّذِي هُوَ مَوْهِبَة مِنْ اللَّه وَلَا يَحْصُل إِلَّا بِتَوْفِيقِهِ , فَلِهَذَا اِنْزَعَجَ جُبَيْر حَتَّى كَادَ قَلْبه يَطِير , وَمَالَ إِلَى الْإِسْلَام. اِنْتَهِي. وَيُسْتَفَاد مِنْ قَوْله فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَة أَنَّهُ اِسْتَفْتَحَ مِنْ أَوَّل السُّورَة , وَظَاهِر السِّيَاق أَنَّهُ قَرَأَ إِلَى آخِرهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي صِفَة الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "4477",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏يَا ‏ ‏أُمَّتَاهْ هَلْ رَأَى ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَبَّهُ فَقَالَتْ لَقَدْ ‏ ‏قَفَّ ‏ ‏شَعَرِي مِمَّا قُلْتَ أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأَتْ ‏ { ‏لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ ‏ ‏اللَّطِيفُ ‏ ‏الْخَبِيرُ ‏} { ‏وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ‏} ‏وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأَتْ ‏ { ‏وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ‏} ‏وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأَتْ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ‏ ‏بَلِّغْ ‏ ‏مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ‏} ‏الْآيَةَ وَلَكِنَّهُ ‏ ‏رَأَى ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُوسَى. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَامِر ) ‏ ‏هُوَ الشَّعْبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَسْرُوق ) ‏ ‏فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ زِيَادَة قِصَّة فِي سِيَاقه , فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق مُجَالِد عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ \" لَقِيَ اِبْن عَبَّاس كَعْبًا بِعَرَفَة فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْء فَكَبَّرَ كَعْب حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَال , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّا بَنُو هَاشِم , فَقَالَ لَهُ كَعْب إِنَّ اللَّه قَسَمَ رُؤْيَته وَكَلَامه \" هَكَذَا فِي سِيَاق التِّرْمِذِيّ , وَعِنْد عَبْد الرَّزَّاق مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّا بَنُو هَاشِم نَقُول إِنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبّه مَرَّتَيْنِ , فَكَبَّرَ كَعْب وَقَالَ : إِنَّ اللَّه قَسَمَ رُؤْيَته وَكَلَامه بَيْن مُوسَى وَمُحَمَّد , فَكَلَّمَ مُوسَى مَرَّتَيْنِ وَرَآهُ مُحَمَّد مَرَّتَيْنِ. قَالَ مَسْرُوق : فَدَخَلْت عَلَى عَائِشَة فَقُلْت هَلْ رَأَى مُحَمَّد رَبّه \" الْحَدِيث. وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث بْن نَوْفَل عَنْ كَعْب مِثْله , قَالَ - يَعْنِي الشَّعْبِيّ - فَأَتَى مَسْرُوق عَائِشَة فَذَكَرَ الْحَدِيث فَظَهَرَ بِذَلِكَ سَبَب سُؤَال مَسْرُوق لِعَائِشَة عَنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( يَا أُمَّتَاهُ ) ‏ ‏أَصْله يَا أُمّ وَالْهَاء لِلسَّكْتِ فَأُضِيفَ إِلَيْهَا أَلِف الِاسْتِغَاثَة فَأُبْدِلَتْ تَاء وَزِيدَتْ هَاء السَّكْت بَعْد الْأَلِف , وَوَقَعَ فِي كَلَام الْخَطَّابِيِّ إِذَا نَادَوْا قَالُوا يَا أَمَهْ عِنْد السَّكْت , وَعِنْد الْوَصْل يَا أَمَة بِالْمُثَنَّاةِ , فَإِذَا فَتَحُوا لِلنُّدْبَةِ قَالُوا يَا أُمَّتَاهُ وَالْهَاء لِلسَّكْتِ. وَتَعَقَّبَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ قَوْل مَسْرُوق يَا أُمَّتَاهُ لَيْسَ لِلنُّدْبَةِ إِذْ لَيْسَ هُوَ تَفَجُّعًا عَلَيْهَا , وَهُوَ كَمَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ ؟ قَالَتْ : لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي ) ‏ ‏أَيْ قَامَ مِنْ الْفَزَع , لِمَا حَصَلَ عِنْدهَا مِنْ هَيْبَة اللَّه وَاعْتَقَدَتْهُ مِنْ تَنْزِيهه وَاسْتِحَالَة وُقُوع ذَلِكَ , قَالَ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ الْقَفّ بِفَتْحِ الْقَاف وَتَشْدِيد الْفَاء كَالْقُشَعْرِيرَةِ , وَأَصْله التَّقَبُّض وَالِاجْتِمَاع , لِأَنَّ الْجِلْد يَنْقَبِض عِنْد الْفَزَع فَيَقُوم الشَّعْر لِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاث ) ‏ ‏؟ أَيْ كَيْف يَغِيب فَهْمك عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَة ؟ وَكَانَ يَنْبَغِي لَك أَنْ تَكُون مُسْتَحْضِرهَا وَمُعْتَقِدًا كَذِب مَنْ يَدَّعِي وُقُوعهَا ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ حَدَّثَك أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبّه فَقَدْ كَذَبَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ رِوَايَة الْقَاسِم بْنِ مُحَمَّد عَنْ عَائِشَة \" مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبّه فَقَدْ أَعْظَمَ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث مَسْرُوق الْمَذْكُور مِنْ طَرِيق دَاوُدَ اِبْن أَبِي هِنْد عَنْ الشَّعْبِيّ \" فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّه الْفِرْيَة \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَرَأْت : لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ : لَمْ تَنْفِ عَائِشَة وُقُوع الرُّؤْيَة بِحَدِيثٍ مَرْفُوع وَلَوْ كَانَ مَعَهَا لَذَكَرَتْهُ , وَإِنَّمَا اِعْتَمَدَتْ الِاسْتِنْبَاط عَلَى مَا ذَكَرَتْهُ مِنْ ظَاهِرِ الْآيَة , وَقَدْ خَالَفَهَا غَيْرهَا مِنْ الصَّحَابَة , وَالصَّحَابِيّ إِذَا قَالَ قَوْلًا وَخَالَفَهُ غَيْره مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَوْل حُجَّة اِتِّفَاقًا وَالْمُرَاد بِالْإِدْرَاكِ فِي الْآيَة الْإِحَاطَة , وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الرُّؤْيَة. انْتَهَى. وَجَزْمه بِأَنَّ عَائِشَة لَمْ تَنْفِ الرُّؤْيَة بِحَدِيثٍ مَرْفُوع تَبِعَ فِيهِ اِبْنِ خُزَيْمَةَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَاب التَّوْحِيد مِنْ صَحِيحه : النَّفْي لَا يُوجِب عِلْمًا , وَلَمْ تَحْكِ عَائِشَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَهَا أَنَّهُ لَمْ يَرَ رَبَّهُ , وَإِنَّمَا تَأَوَّلَتْ الْآيَة. اِنْتَهَى. وَهُوَ عَجِيب , فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهَا فِي صَحِيح مُسْلِم الَّذِي شَرَحَهُ الشَّيْخ , فَعِنْده مِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ مَسْرُوق فِي الطَّرِيق الْمَذْكُورَة قَالَ مَسْرُوق \" وَكُنْت مُتَّكِئًا فَجَلَسْت فَقُلْت أَلَمْ يَقُلْ اللَّه ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَة أُخْرَى ) فَقَالَتْ : أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّة سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيل \" وَأَخْرَجَهُ اِبْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ دَاوُدَ بِهَذَا الْإِسْنَاد \" فَقَالَتْ : أَنَا أَوَّلُ مَنْ سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذَا فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه هَلْ رَأَيْت رَبَّك ؟ فَقَالَ : لَا إِنَّمَا رَأَيْت جِبْرِيل مُنْهَبِطًا \" نَعَمْ اِحْتِجَاج عَائِشَة بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة خَالَفَهَا فِيهِ اِبْنُ عَبَّاس , فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق الْحَكَم بْن أَبَان عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْنِ عَبَّاس قَالَ \" رَأَى مُحَمَّد رَبَّهُ , قُلْت : أَلَيْسَ اللَّه يَقُول ( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار ) ؟ قَالَ : وَيْحك ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نُورُهُ , وَقَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ \" وَحَاصِله أَنَّ الْمُرَاد بِالْآيَةِ نَفْي الْإِحَاطَة بِهِ عِنْد رُؤْيَاهُ لَا نَفْي أَصْل رُؤْيَاهُ. وَاسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" لِأَنَّ الْإِدْرَاك لَا يُنَافِي الرُّؤْيَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَة عَنْ أَصْحَاب مُوسَى ( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَاب مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ , قَالَ كَلَّا وَهُوَ اِسْتِدْلَال عَجِيب لِأَنَّ مُتَعَلَّق الْإِدْرَاك فِي آيَة الْأَنْعَام الْبَصَر , فَلَمَّا نُفِيَ كَانَ ظَاهِرِهِ نَفْي الرُّؤْيَة , بِخِلَافِ الْإِدْرَاك الَّذِي فِي قِصَّة مُوسَى , وَلَوْلَا وُجُود الْأَخْبَار بِثُبُوتِ الرُّؤْيَة مَا سَاغَ الْعُدُول عَنْ الظَّاهِر. ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْأَبْصَار فِي الْآيَة جَمْع مُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّام فَيَقْبَل التَّخْصِيص , وَقَدْ ثَبَتَ دَلِيل ذَلِكَ سَمْعًا فِي قَوْله تَعَالَى ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) فَيَكُونُ الْمُرَاد الْكُفَّار بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى ( وُجُوه يَوْمَئِذٍ نَاضِرَة , إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة ) قَالَ : وَإِذَا جَازَتْ فِي الْآخِرَة جَازَتْ فِي الدُّنْيَا لِتَسَاوِي الْوَقْتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَرْئِيّ انْتَهَى. وَهُوَ اِسْتِدْلَال جَيِّد. وَقَالَ عِيَاض : رُؤْيَة اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى جَائِزَة عَقْلًا , وَثَبَتَتْ الْأَخْبَار الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة بِوُقُوعِهَا لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَة , وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَالَ مَالِك : إِنَّمَا لَمْ يُرَ سُبْحَانه فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ بَاقٍ , وَالْبَاقِي لَا يُرَى بِالْفَانِي , فَإِذَا كَانَ فِي الْآخِرَة وَرُزِقُوا أَبْصَارًا بَاقِيَة رَأَوْا الْبَاقِي بِالْبَاقِي. قَالَ عِيَاض : وَلَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَام اِسْتِحَالَة الرُّؤْيَة إِلَّا مِنْ حَيْثُ الْقُدْرَة , فَإِذَا قَدَّرَ اللَّه مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَاده عَلَيْهَا لَمْ يَمْتَنِع. ‏ ‏قُلْت : وَوَقَعَ فِي صَحِيح مُسْلِم مَا يُؤَيِّد هَذِهِ التَّفْرِقَة فِي حَدِيث مَرْفُوع فِيهِ \" وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا \" وَأَخْرَجَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ , وَمِنْ حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت , فَإِنْ جَازَتْ الرُّؤْيَة فِي الدُّنْيَا عَقْلًا فَقَدْ اِمْتَنَعَتْ سَمْعًا , لَكِنْ مَنْ أَثْبَتَهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ أَنْ يَقُول إِنَّ الْمُتَكَلِّم لَا يَدْخُل فِي عُمُوم كَلَامِهِ. وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي رُؤْيَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ فَذَهَبَتْ عَائِشَة وَابْنُ مَسْعُود إِلَى إِنْكَارهَا , وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي ذَرّ , وَذَهَبَ جَمَاعَة إِلَى إِثْبَاتهَا , وَحَكَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ حَلَفَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ. وَأَخْرَجَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر إِثْبَاتهَا , وَكَانَ يَشْتَدّ عَلَيْهِ إِذَا ذَكَرَ لَهُ إِنْكَار عَائِشَة , وَبِهِ قَالَ سَائِر أَصْحَاب اِبْنِ عَبَّاس , وَجَزَمَ بِهِ كَعْب الْأَحْبَار وَالزُّهْرِيّ وَصَاحِبُهُ مَعْمَر وَآخَرُونَ , وَهُوَ قَوْل الْأَشْعَرِيّ وَغَالِبِ أَتْبَاعه. ثُمَّ اِخْتَلَفُوا هَلْ رَآهُ بِعَيْنِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ ؟ وَعَنْ أَحْمَد كَالْقَوْلَيْنِ. ‏ ‏قُلْت : جَاءَتْ عَنْ اِبْنِ عَبَّاس أَخْبَار مُطْلَقَة وَأُخْرَى مُقَيَّدَة , فَيَجِب حَمْل مُطْلَقهَا عَلَى مُقَيَّدهَا , فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة عَنْ اِبْنِ عَبَّاس , قَالَ : أَتَعْجَبُونَ أَنْ تَكُونَ الْخُلَّة لِإِبْرَاهِيم وَالْكَلَام لِمُوسَى وَالرُّؤْيَة لِمُحَمَّدٍ ؟ وَأَخْرَجَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ \" إِنَّ اللَّه اِصْطَفَى إِبْرَاهِيم بِالْخُلَّةِ \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَ اِبْنُ إِسْحَاق مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَلَمَة أَنَّ اِبْنَ عُمَر أَرْسَلَ إِلَى اِبْنِ عَبَّاس : هَلْ رَأَى مُحَمَّد رَبَّهُ ؟ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ نَعَمْ. وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي الْعَالِيَة عَنْ اِبْنِ عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ( مَا كَذَبَ الْفُؤَاد مَا رَأَى ) ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَة أُخْرَى ) قَالَ : رَأَى رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ. وَلَهُ مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ اِبْنِ عَبَّاس قَالَ : رَآهُ بِقَلْبِهِ وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق عَطَاء أَيْضًا عَنْ اِبْنِ عَبَّاس قَالَ : لَمْ يَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَيْنِهِ , إِنَّمَا رَآهُ بِقَلْبِهِ. وَعَلَى هَذَا فَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن إِثْبَات اِبْنِ عَبَّاس وَنَفْي عَائِشَة بِأَنْ يُحْمَل نَفْيهَا عَلَى رُؤْيَة الْبَصَر وَإِثْبَاته عَلَى رُؤْيَة الْقَلْب. ثُمَّ الْمُرَاد بِرُؤْيَةِ الْفُؤَاد رُؤْيَة الْقَلْب لَا مُجَرَّد حُصُول الْعِلْم , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَالِمًا بِاَللَّهِ عَلَى الدَّوَام. بَلْ مُرَاد مَنْ أَثْبَتَ لَهُ أَنَّهُ رَآهُ بِقَلْبِهِ أَنَّ الرُّؤْيَة الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ خُلِقَتْ فِي قَلْبه كَمَا يَخْلُق الرُّؤْيَة بِالْعَيْنِ لِغَيْرِهِ , وَالرُّؤْيَة لَا يُشْتَرَط لَهَا شَيْء مَخْصُوص عَقْلًا , وَلَوْ جَرَتْ الْعَادَة بِخَلْقِهَا فِي الْعَيْن , وَرَوَى اِبْنُ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادٍ قَوِيّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ \" رَأَى مُحَمَّد رَبَّهُ \" , وَعِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ \" نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ \" وَلِأَحْمَد عَنْهُ , قَالَ \" رَأَيْت نُورًا \" وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْهُ قَالَ \" رَآهُ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ \". وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ مُرَاد أَبِي ذَرّ بِذِكْرِهِ النُّور أَيْ النُّور حَالَ بَيْن رُؤْيَته لَهُ بِبَصَرِهِ , وَقَدْ رَجَّحَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" قَوْل الْوَقْف فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَعَزَاهُ الْجَمَاعَة مِنْ الْمُحَقِّقِينَ , وَقَوَّاهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَاب دَلِيل قَاطِع , وَغَايَة مَا اِسْتَدَلَّ بِهِ لِلطَّائِفَتَيْنِ ظَوَاهِر مُتَعَارِضَة قَابِلَة لِلتَّأْوِيلِ , قَالَ وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَة مِنْ الْعَمَلِيَّات فَيَكْتَفِي فِيهَا بِالْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّة , وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الْمُعْتَقَدَات فَلَا يَكْتَفِي فِيهَا إِلَّا بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيّ وَجَنَحَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ فِي \" كِتَاب التَّوْحِيد \" إِلَى تَرْجِيح الْإِثْبَات وَأَطْنَبَ فِي الِاسْتِدْلَال لَهُ بِمَا يَطُول ذِكْره , وَحَمَلَ مَا وَرَدَ عَنْ اِبْنِ عَبَّاس عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَا وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّة بِعَيْنِهِ وَمَرَّة بِقَلْبِهِ , وَفِيمَا أَوْرَدْته مِنْ ذَلِكَ مُقْنِع. وَمِمَّنْ أَثْبَتَ الرُّؤْيَة لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِمَام أَحْمَدُ فَرَوَى الْخِلَاف فِي \" كِتَاب السُّنَّة \" عَنْ الْمَرْوَزِيِّ قُلْت لِأَحْمَد إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ عَائِشَة قَالَتْ \" مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّه الْفِرْيَة \" فَبِأَيِّ شَيْء يُدْفَع قَوْلهَا ؟ قَالَ : بِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَيْت رَبِّي , قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْبَرُ مِنْ قَوْلهَا. وَقَدْ أَنْكَرَ صَاحِبُ \" الْهَدْي \" عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنَيْ رَأْسه قَالَ : وَإِنَّمَا قَالَ مَرَّة رَأَى مُحَمَّد رَبَّهُ وَقَالَ مَرَّة بِفُؤَادِهِ. وَحَكَى عَنْهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسه وَهَذَا مِنْ تَصَرُّف الْحَاكِي , فَإِنَّ نُصُوصه مَوْجُودَة. ثُمَّ قَالَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَم الْفَرْق بَيْن قَوْلهمْ كَانَ الْإِسْرَاء مَنَامًا وَبَيْن قَوْلهمْ كَانَ بِرُوحِهِ دُونَ جَسَدِهِ فَإِنَّ بَيْنهمَا فَرْقًا , فَإِنَّ الَّذِي يَرَاهُ النَّائِم قَدْ يَكُونُ حَقِيقَة بِأَنْ تَصْعَد الرُّوح مَثَلًا إِلَى السَّمَاء , وَقَدْ يَكُونُ مِنْ ضَرْب الْمَثَل أَنْ يَرَى النَّائِم ذَلِكَ وَرُوحه لَمْ تَصْعَد أَصْلًا , فَيُحْتَمَل مَنْ قَالَ أُسْرِيَ بِرُوحِهِ وَلَمْ يَصْعَد جَسَدُهُ أَرَادَ أَنَّ رُوحه عُرِجَ بِهَا حَقِيقَة فَصَعِدَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ وَجَسَدُهُ بَاقٍ فِي مَكَانه خَرْقًا لِلْعَادَةِ , كَمَا أَنَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة شُقَّ صَدْره وَالْتَأَمَ وَهُوَ حَيِّ يَقْظَان لَا يَجِد بِذَلِكَ أَلَمًا اِنْتَهَى. وَظَاهِرُ الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي الْإِسْرَاء تَأْبَى الْحَمْل عَلَى ذَلِكَ , بَلْ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ وَرُوحه وَعُرِجَ بِهِمَا حَقِيقَة فِي الْيَقَظَة لَا مَنَامًا وَلَا اِسْتِغْرَاقًا , وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَأَنْكَرَ صَاحِبُ \" الْهَدْي \" أَيْضًا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِسْرَاء تَعَدَّدَ وَاسْتَنَدَ إِلَى اِسْتِبْعَاد أَنْ يَتَكَرَّر قَوْله \" فَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاة وَطَلَبَ التَّخْفِيف \" إِلَى آخِرِ الْقِصَّة فَإِنَّ دَعْوَى التَّعَدُّد تَسْتَلْزِم أَنَّ قَوْله تَعَالَى \" أَمْضَيْت فَرِيضَتِي وَخَفَّفْت عَنْ عِبَادِي \" أَنَّ فَرْضِيَّة الْخَمْسِينَ وَقَعَتْ بَعْد أَنْ وَقَعَ التَّخْفِيف , ثُمَّ وَقَعَ سُؤَال التَّخْفِيف وَالْإِجَابَة إِلَيْهِ وَأُعِيدَ \" أَمْضَيْت فَرِيضَتِي \" إِلَى آخِره , اِنْتَهَى. وَمَا أَظُنّ أَحَدًا مِمَّنْ قَالَ بِالتَّعَدُّدِ يَلْتَزِم إِعَادَة مِثْل ذَلِكَ يَقَظَة , بَلْ يَجُوز وُقُوع مِثْل ذَلِكَ مَنَامًا ثُمَّ وُجُوده يَقَظَة كَمَا فِي قِصَّة الْمَبْعَث , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرهَا. وَيَجُوز تَكْرِير إِنْشَاء الرُّؤْيَة وَلَا تُبْعِد الْعَادَة تَكْرِير وُقُوعه كَاسْتِفْتَاحِ السَّمَاء وَقَوْل كُلّ نَبِيّ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ , بَلْ الَّذِي يُظَنّ أَنَّهُ تَكَرَّرَ مِثْل حَدِيث أَنَسٍ رَفَعَهُ \" بَيْنَا أَنَا قَاعِدِ إِذْ جَاءَ جِبْرِيل فَوَكَزَ بَيْن كَتِفِي فَقُمْت إِلَى شَجَرَة فِيهَا مِثْل وَكْرَيْ الطَّائِر فَقَعَدْت فِي أَحَدِهِمَا وَقَعَدَ جِبْرِيل فِي الْأُخْرَى فَسَمَتْ وَارْتَفَعَتْ حَتَّى سَدَّتْ الْخَافِقَيْنِ وَأَنَا أُقَلِّب طَرْفِي وَلَوْ شِئْت أَنْ أَمَسّ السَّمَاء لَمَسِسْت , فَالْتَفَتّ إِلَى جِبْرِيل كَأَنَّهُ جَلَسَ لِأَجْلِي وَفَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَاب السَّمَاء فَرَأَيْت النُّور الْأَعْظَم وَإِذَا دُونه الْحِجَاب وَفَوْقه الدُّرّ وَالْيَاقُوت , فَأَوْحَى إِلَى عَبْده مَا أَوْحَى \" أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ الْحَارِث بْن عُمَيْر وَكَانَ بَصْرِيًّا مَشْهُورًا. ‏ ‏قُلْت : وَهُوَ مِنْ رِجَال الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) ‏ ‏هُوَ دَلِيل ثَانٍ اِسْتَدَلَّتْ بِهِ عَائِشَة عَلَى مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ مِنْ نَفْي الرُّؤْيَة , وَتَقْرِيره أَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى حَصَرَ تَكْلِيمه لِغَيْرِهِ فِي ثَلَاثَة أَوْجُهٍ , وَهِيَ الْوَحْي بِأَنْ يُلْقِي فِي رَوْعه مَا يَشَاء , أَوْ يُكَلِّمهُ بِوَاسِطَةٍ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب , أَوْ يُرْسِل إِلَيْهِ رَسُولًا فَيُبَلِّغهُ عَنْهُ , فَيَسْتَلْزِم ذَلِكَ اِنْتِفَاء الرُّؤْيَة عَنْهُ حَالَة التَّكَلُّم. وَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِم نَفْي الرُّؤْيَة مُطْلَقًا قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ , قَالَ : وَعَامَّة مَا يَقْتَضِي نَفْي تَكْلِيم اللَّه عَلَى غَيْر هَذِهِ الْأَحْوَال الثَّلَاثَة , فَيَجُوز أَنَّ التَّكْلِيم لَمْ يَقَع حَالَة الرُّؤْيَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ حَدَّثَك أَنَّهُ يَعْلَم مَا فِي غَد فَقَدْ كَذَبَ , ثُمَّ قَرَأَتْ : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ وَاضِحًا فِي تَفْسِير سُورَة لُقْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ حَدَّثَك أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ , ثُمَّ قَرَأَتْ : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ الْآيَة ) ‏ ‏يَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب التَّوْحِيد. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنْ رَأَى جِبْرِيل فِي صُورَته مَرَّتَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَلَكِنَّهُ \" وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ أَصْل السُّؤَال الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ مَسْرُوق كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه وَهُوَ قَوْله : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأْي ) وَقَوْله : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مَسْرُوق أَنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّة فِي صُورَته الَّتِي هِيَ صُورَته فَسَدَّ أُفُق السَّمَاء. وَلَهُ فِي رِوَايَة دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد \" رَأَيْته مُنْهَبِطًا مِنْ السَّمَاء سَادًّا عِظَم خَلْقه مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض , \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد عَنْ اِبْن مَسْعُود \" أَبْصَرَ جِبْرِيل وَلَمْ يُبْصِر رَبّه \". ‏"
    },
    {
        "id": "4478",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏زِرًّا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ { ‏فَكَانَ ‏ ‏قَابَ قَوْسَيْنِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أَدْنَى ‏ ‏فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ‏} ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏رَأَى ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد , وَسُلَيْمَان هُوَ الشَّيْبَانِيُّ , وَزِرّ هُوَ اِبْن حُبَيْشٍ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى , فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) قَالَ حَدَّثَنَا اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيل ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" عَنْ عَبْد اللَّه \" وَهُوَ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِير هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مَا سَأَذْكُرُهُ , ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ فَقَالَ \" حَدَّثَنَا اِبْن مَسْعُود \" وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ اِبْن مَسْعُود حَدَّثَ عَبْد اللَّه كَمَا هُوَ ظَاهِر السِّيَاق , بَلْ عَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود. وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الشَّيْبَانِيِّ فَقَالَ : سَأَلْت زِرًّا عَنْ قَوْله , فَذَكَرَهُ. وَلَا إِشْكَال فِي سِيَاقه. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ الْهَاشِمِيّ عَنْ عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد عَنْ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ \" سَأَلْت زِرّ بْن حُبَيْشٍ عَنْ قَوْل اللَّه ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) فَقَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4479",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏زِرًّا ‏ ‏عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ‏ { ‏فَكَانَ ‏ ‏قَابَ قَوْسَيْنِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أَدْنَى ‏ ‏فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ‏} ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ مُحَمَّد ) ‏ ‏الضَّمِير لِلْعَبْدِ الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى ( إِلَى عَبْدِهِ ) وَوَقَعَ عِنْد أَبِي ذَرّ \" أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى جِبْرِيل \" وَهَذَا أَوْضَح فِي الْمُرَاد وَالْحَاصِل أَنَّ اِبْن مَسْعُود كَانَ يَذْهَب فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الَّذِي رَآهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ جِبْرِيل كَمَا ذَهَبَتْ إِلَى ذَلِكَ عَائِشَة , وَالتَّقْدِير عَلَى رَأْيه فَأَوْحَى أَيْ جِبْرِيل إِلَى عَبْده أَيْ عَبْد اللَّه مُحَمَّد لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى هُوَ جِبْرِيل , وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْحَى إِلَى مُحَمَّد. وَكَلَام أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ مِنْ السَّلَف يَدُلّ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَوْحَى هُوَ اللَّه , أَوْحَى إِلَى عَبْده مُحَمَّد , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِلَى جِبْرِيل. ‏ ‏قَوْله : ( لَهُ سِتّمِائَةِ جَنَاح ) ‏ ‏زَادَ عَاصِم عَنْ زِرّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" يَتَنَاثَر مِنْ رِيشه تَهَاوِيل مِنْ الدُّرّ وَالْيَاقُوت \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ , وَلَفْظ النَّسَائِيِّ \" يَتَنَاثَر مِنْهَا تَهَاوِيل الدُّرّ وَالْيَاقُوت \". ‏"
    },
    {
        "id": "4480",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ { ‏لَقَدْ رَأَى مِنْ ‏ ‏آيَاتِ ‏ ‏رَبِّهِ الْكُبْرَى ‏} ‏قَالَ ‏ ‏رَأَى ‏ ‏رَفْرَفًا ‏ ‏أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ ‏ ‏الْأُفُقَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود لَقَدْ رَأَى ) ‏ ‏أَيْ فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَر قَدْ سَدَّ الْأُفُق ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِره يُغَايِر التَّفْسِير السَّابِق أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيل , وَلَكِنْ يُوَضِّح الْمُرَاد مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ \" أَبْصَرَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى رَفْرَف قَدْ مَلَأَ مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض \" فَيَجْتَمِع مِنْ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْمَوْصُوف جِبْرِيل وَالصِّفَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عِنْد النَّسَائِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ الشَّيْبَانِيَّ عَنْ زِرّ عَنْ عَبْد اللَّه أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيل لَهُ سِتّمِائَةِ جَنَاح قَدْ سَدَّ الْأُفُق , وَالْمُرَاد أَنَّ الَّذِي سَدَّ الْأُفُق الرَّفْرَف الَّذِي فِيهِ جِبْرِيل , فَنَسَبَ جِبْرِيل إِلَى سَدّ الْأُفُق مَجَازًا. وَفِي رِوَايَة أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهَا مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد عَنْ اِبْن مَسْعُود رَأَى جِبْرِيل فِي حُلَّة مِنْ رَفْرَف قَدْ مَلَأَ مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض , وَبِهَذِهِ الرِّوَايَة يُعْرَف الْمُرَاد بِالرَّفْرَفِ وَأَنَّهُ حُلَّة , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى ( مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ ) وَأَصْل الرَّفْرَف مَا كَانَ مِنْ الدِّيبَاج رَقِيقًا حَسَن الصَّنْعَة , ثُمَّ اُشْتُهِرَ اِسْتِعْمَاله فِي السِّتْر , وَكُلّ مَا فَضَلَ مِنْ شَيْء فَعُطِفَ وَثُنِّيَ فَهُوَ رَفْرَف , وَيُقَال رَفْرَفَ الطَّائِر بِجَنَاحَيْهِ إِذَا بَسَطَهُمَا , وَقَالَ بَعْض الشُّرَّاح : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون جِبْرِيل بَسَطَ أَجْنِحَته فَصَارَتْ تُشْبِه الرَّفْرَفَ , كَذَا قَالَ , وَالرِّوَايَة الَّتِي أَوْرَدْتهَا تُوَضِّح الْمُرَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "4481",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَشْهَبِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْجَوْزَاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فِي قَوْلِهِ ‏ { ‏اللَّاتَ وَالْعُزَّى ‏} ‏كَانَ اللَّاتُ رَجُلًا ‏ ‏يَلُتُّ ‏ ‏سَوِيقَ ‏ ‏الْحَاجِّ ‏",
        "sharh": "أَحَدُهمَا حَدِيث اِبْن عَبَّاس , ‏ ‏وَأَبُو الْأَشْهَب ‏ ‏الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد هُوَ جَعْفَر بْن حَيَّان , ‏ ‏وَأَبُو الْجَوْزَاء ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالزَّاي هُوَ أَوْس بْن عَبْد اللَّه , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي قَوْلِهِ اللَّاتَ وَالْعُزَّى كَانَ اللَّاتُ رَجُلًا يَلُتّ سَوِيق الْحَاجّ ) ‏ ‏سَقَطَ \" فِي قَوْله \" لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ , وَهَذَا مَوْقُوف عَلَى اِبْن عَبَّاس , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هَذَا التَّفْسِير عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ اللَّات بِتَشْدِيدِ التَّاء. ‏ ‏قُلْت : وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ , بَلْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا أَصْله وَخُفِّفَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَال , وَالْجُمْهُور عَلَى الْقِرَاءَة بِالتَّخْفِيفِ. وَقَدْ رُوِيَ التَّشْدِيد عَنْ قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس وَجَمَاعَة مِنْ أَتْبَاعه , وَرُوِيَتْ عَنْ اِبْن كَثِير أَيْضًا , وَالْمَشْهُور عَنْهُ التَّخْفِيف كَالْجُمْهُورِ , وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن مَالِك عَنْ أَبِي الْجَوْزَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس وَلَفْظه فِيهِ زِيَادَة \" كَانَ يَلُتّ السَّوِيق عَلَى الْحَجَر فَلَا يَشْرَب مِنْهُ أَحَد إِلَّا سَمِنَ , فَعَبَدُوهُ \" وَاخْتُلِفَ فِي اِسْم هَذَا الرَّجُل , فَرَوَى الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد قَالَ \" كَانَ رَجُل فِي الْجَاهِلِيَّة عَلَى صَخْرَة بِالطَّائِفِ وَعَلَيْهَا لَهُ غَنَم , فَكَانَ يَسْلُو مِنْ رَسَلِهَا وَيَأْخُذ مِنْ زَبِيب الطَّائِف وَالْأَقِط فَيَجْعَل مِنْهُ حَيْسًا وَيُطْعِم مَنْ يَمُرّ بِهِ مِنْ النَّاس , فَلَمَّا مَاتَ عَبَدُوهُ \" وَكَانَ مُجَاهِد يَقْرَأ اللَّاتّ مُشَدَّدَة. وَمِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ نَحْوه , قَالَ وَزَعَمَ بَعْض النَّاس أَنَّهُ عَامِر بْن الظَّرِب اِنْتَهَى. وَهُوَ بِفَتْحِ الظَّاء الْمُشَالَة وَكَسْر الرَّاء ثُمَّ مُوَحَّدَة وَهُوَ الْعُدْوَانِيّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الدَّال , وَكَانَ حَكَم الْعَرَب فِي زَمَانه , وَفِيهِ يَقُول شَاعِرهمْ ‏ ‏\" وَمِنَّا حَكَم يَقْضِي ‏ ‏وَلَا يُنْقَض مَا يَقْضِي \" ‏ ‏وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ عَمْرو بْن لُحَيّ بْن قَمْعَة بْن إِلْيَاس بْن مُضَر , قَالَ وَيُقَال هُوَ عَمْرو بْن لُحَيّ وَهُوَ رَبِيعَة بْن حَارِثَة وَهُوَ وَالِد خُزَاعَة اِنْتَهَى. وَحَرَّفَ بَعْض الشُّرَّاح كَلَام السُّهَيْلِيّ وَظَنَّ أَنَّ رَبِيعَة بْن حَارِثَة قَوْل آخَر فِي اِسْم اللَّات , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا رَبِيعَة بْن حَارِثَة اِسْم لُحَيّ فِيمَا قِيلَ , وَالصَّحِيح أَنَّ اللَّات غَيْر عَمْرو بْن لُحَيّ , فَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ اللَّات لَمَّا مَاتَ قَالَ لَهُمْ عَمْرو بْن لُحَيّ : إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ , وَلَكِنَّهُ دَخَلَ الصَّخْرَة فَعَبَدُوهَا وَبَنَوْا عَلَيْهَا بَيْتًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب قُرَيْش أَنَّ عَمْرو بْن لُحَيّ هُوَ الَّذِي حَمَلَ الْعَرَب عَلَى عِبَادَة الْأَصْنَام , وَهُوَ يُؤَيِّد هَذِهِ الرِّوَايَة. وَحَكَى اِبْن الْكَلْبِيّ أَنَّ اِسْمه صِرْمَة بْن غَنْم , وَكَانَتْ اللَّات بِالطَّائِفِ وَقِيلَ بِنَخْلَة وَقِيلَ بِعُكَاظٍ , وَالْأَوَّل أَصَحّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق مِقْسَم عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ هِشَام بْن الْكَلْبِيّ : كَانَتْ مَنَاة أَقْدَم مِنْ اللَّات فَهَدَمَهَا عَلِيّ عَام الْفَتْح بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَتْ اللَّات أَحْدَث مِنْ مَنَاة فَهَدَمَهَا الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَسْلَمَتْ ثَقِيف , وَكَانَتْ الْعُزَّى أَحْدَث مِنْ اللَّات وَكَانَ الَّذِي اِتَّخَذَهَا ظَالِم بْن سَعْد بِوَادِي نَخْلَة فَوْق ذَات عِرْق فَهَدَمَهَا خَالِد بْن الْوَلِيد بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامّ الْفَتْح. ‏"
    },
    {
        "id": "4482",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الْثانِي : ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ فِي حَلِفه ) ‏ ‏أَيْ فِي يَمِينه وَعِنْد النَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص مَا يُشْبِه أَنْ يَكُون سَبَبًا لِحَدِيثِ الْبَاب , فَأَخْرَجُوا مِنْ طَرِيق مُصْعَب بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" كُنَّا حَدِيث عَهْد بِجَاهِلِيَّةٍ , فَحَلَفْت بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى , فَقَالَ لِي أَصْحَابِي : بِئْسَ مَا قُلْت , فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قُلْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ \" الْحَدِيث. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْيَمِين إِنَّمَا تَكُون بِالْمَعْبُودِ الْمُعَظَّم , فَإِذَا حَلَفَ بِاللَّاتِ وَنَحْوهَا فَقَدْ ضَاهَى الْكُفَّار , فَأَمَرَ أَنْ يُتَدَارَك بِكَلِمَةِ التَّوْحِيد. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : مَنْ حَلَفَ بِهَا جَادًّا فَهُوَ كَافِر , وَمَنْ قَالَهَا جَاهِلًا أَوْ ذَاهِلًا يَقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه يُكَفِّر اللَّهُ عَنْهُ وَيَرُدّ قَلْبَهُ عَنْ السَّهْو إِلَى الذِّكْر وَلِسَانه إِلَى الْحَقّ وَيَنْفِي عَنْهُ مَا جَرَى بِهِ مِنْ اللَّغْو. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرك فَلْيَتَصَدَّقْ ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ بِالْمَالِ الَّذِي كَانَ يُرِيد أَنْ يُقَامِر بِهِ , وَقِيلَ بِصَدَقَةٍ مَا لِتُكَفِّر عَنْهُ الْقَوْل الَّذِي جَرَى عَلَى لِسَانه. قَالَ النَّوَوِيّ : وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب , وَعَلَيْهِ يَدُلّ مَا فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ \" وَزَعَمَ بَعْض الْحَنَفِيَّة أَنَّهُ يَلْزَمهُ كَفَّارَة يَمِين , وَفِيهِ مَا فِيهِ. قَالَ عِيَاض : فِي هَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْعَزْم عَلَى الْمَعْصِيَة إِذَا اِسْتَقَرَّ فِي الْقَلْب كَانَ ذَنْبًا يُكْتَب عَلَيْهِ , بِخِلَافِ الْخَاطِر الَّذِي لَا يَسْتَمِرّ. ‏ ‏قُلْت : وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أُخِذَ ذَلِكَ مَعَ التَّصْرِيح فِي هَذَا الْحَدِيث بِصُدُورِ الْقَوْل حَيْثُ نَطَقَ بِقَوْلِهِ \" تَعَالَ أُقَامِرك \" فَدَعَاهُ إِلَى الْمَعْصِيَة , وَالْقِمَار حَرَام بِاتِّفَاقٍ , فَالدُّعَاء إِلَى فِعْله حَرَام , فَلَيْسَ هُنَا عَزْم مُجَرَّد. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْحه فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور. وَوَقَعَ الْإِلْمَام بِمَسْأَلَةِ الْعَزْم فِي أَوَاخِر الرِّقَاق فِي شَرْح حَدِيث \" مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4483",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏إِنَّمَا كَانَ مَنْ ‏ ‏أَهَلَّ ‏ ‏بِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي ‏ ‏بِالْمُشَلَّلِ ‏ ‏لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏إِنَّ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةَ ‏ ‏مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ‏} ‏فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْمُسْلِمُونَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مَنَاةُ ‏ ‏بِالْمُشَلَّلِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏قُدَيْدٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏نَزَلَتْ فِي ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏كَانُوا هُمْ ‏ ‏وَغَسَّانُ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا ‏ ‏يُهِلُّونَ ‏ ‏لِمَنَاةَ مِثْلَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏كَانَ رِجَالٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏مِمَّنْ كَانَ ‏ ‏يُهِلُّ ‏ ‏لِمَنَاةَ ‏ ‏وَمَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَالْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِعَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا فَقَالَتْ ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة بَيَان مَا قَالَ , وَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ وُجُوب السَّعْي بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة مَعَ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) الْآيَة وَجَوَاب عَائِشَة لَهُ وَفِيهِ قَوْلهَا إِلَى آخِره. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ أَهَلَّ لِمَنَاة ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِ مَنَاة , فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" بِمَنَاة \" بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَل اللَّام , أَيْ أَهَلَّ عِنْدهَا أَوْ أَهَلَّ بِاسْمِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان مَنَاة بِالْمُشَلَّلِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَاللَّام الثَّقِيلَة ثُمَّ لَام ثَانِيَة , وَهُوَ مَوْضِع مِنْ قُدَيْد مِنْ نَاحِيَة الْبَحْر , وَهُوَ الْجَبَل الَّذِي يَهْبِط مِنْهُ إِلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ قُدَيْد ) ‏ ‏بِالْقَافِ وَالْمُهْمَلَة مُصَغَّر , هُوَ مَكَان مَعْرُوف بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُسَافِر ‏ ‏( عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ الزُّهْرِيُّ , وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ اللَّيْث عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بِطُولِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَار كَانُوا هُمْ وَغَسَّان قَبْل أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاة مِثْله ) ‏ ‏أَيْ مِثْل حَدِيث اِبْن عُيَيْنَةَ الَّذِي قَبْله. وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق قَالَ \" نَصَبَ عَمْرو بْن لُحَيّ مَنَاة عَلَى سَاحِل الْبَحْر مِمَّا يَلِي قُدَيْد يَحُجُّونَهَا وَيُعَظِّمُونَهَا إِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَأَفَاضُوا مِنْ عَرَفَات وَفَرَغُوا مِنْ مِنًى أَتَوْا مَنَاة فَأَهَلُّوا لَهَا , فَمَنْ أَهَلَّ لَهَا لَمْ يَطُفْ بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مَعْمَر إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ الْحَسَن بْن يَحْيَى عَنْ عَبْد الرَّزَّاق مُطَوَّلًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث بِطُولِهِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي كِتَاب الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله : ( صَنَم بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ بَيَان مَكَانه , وَهُوَ بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة كَمَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله : ( تَعْظِيمًا لِمَنَاة نَحْوه ) ‏ ‏بَقِيَّته عِنْد الطَّبَرِيِّ \" فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَج أَنْ نَطُوف بِهِمَا \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" قَالَ الزُّهْرِيُّ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِأَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام فَذَكَرَ حَدِيثه عَنْ رِجَال مِنْ أَهْل الْعِلْم , وَفِي آخِره \" نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا : مَنْ طَافَ وَمَنْ لَمْ يَطُفْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4484",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَجَدَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالنَّجْمِ ‏ ‏وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏وَلَمْ يَذْكُرِ ‏ ‏ابْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَجَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنّ وَالْإِنْس , تَابَعَهُ اِبْن طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَذْكُر اِبْنُ عُلَيَّة اِبْنَ عَبَّاسٍ ) ‏ ‏أَمَّا مُتَابَعَة إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ فَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حَفْص بْن عَبْد اللَّه النَّيْسَابُورِيّ عَنْهُ بِلَفْظِ \" أَنَّهُ قَالَ حِين نَزَلَتْ السُّورَة الَّتِي يُذْكَر فِيهَا النَّجْم سَجَدَ لَهَا الْإِنْس وَالْجِنّ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرهَا فِي سُجُود التِّلَاوَة , وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عُلَيَّة فَالْمُرَاد بِهِ أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَيُّوب فَأَرْسَلَهُ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ , وَهُوَ مُرْسَل , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِحٍ لِاتِّفَاقِ ثِقَتَيْنِ عَنْ أَيُّوب عَلَى وَصْله وَهُمَا عَبْد الْوَارِث وَإِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْجِنّ وَالْإِنْس ) إِنَّمَا أَعَادَ الْجِنّ وَالْإِنْس مَعَ دُخُولهمْ فِي الْمُسْلِمِينَ لِنَفْيِ تَوَهُّم اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِالْإِنْسِ , وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهِ فِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : سَجَدَ الْمُشْرِكُونَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهَا أَوَّل سَجْدَة نَزَلَتْ فَأَرَادُوا مُعَارَضَة الْمُسْلِمِينَ بِالسُّجُودِ لِمَعْبُودِهِمْ , أَوْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بِلَا قَصْد , أَوْ خَافُوا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِس مِنْ مُخَالَفَتهمْ قُلْت : وَالِاحْتِمَالَات الثَّلَاثَة فِيهَا نَظَر , وَالْأَوَّل مِنْهَا لِعِيَاضٍ , وَالثَّانِي يُخَالِفهُ سِيَاق اِبْن مَسْعُود حَيْثُ زَادَ فِيهِ أَنَّ الَّذِي اِسْتَثْنَاهُ مِنْهُمْ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى فَوَضَعَ جَبْهَته عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ ظَاهِر فِي الْقَصْد , وَالثَّالِث أَبْعَد إِذْ الْمُسْلِمُونَ حِينَئِذٍ هُمْ الَّذِينَ كَانُوا خَائِفِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَا الْعَكْس , قَالَ : وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ إِلْقَاء الشَّيْطَان فِي أَثْنَاء قِرَاءَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا صِحَّة لَهُ عَقْلًا وَلَا نَقْلًا , اِنْتَهَى. وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا أَوْرَدْته مِنْ ذَلِكَ فِي تَفْسِير سُورَة الْحَجّ عَرَفَ وَجْه الصَّوَاب فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4485",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو أَحْمَدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ ‏ ‏وَالنَّجْمِ ‏ ‏قَالَ فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ إِلَّا رَجُلًا رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا وَهُوَ ‏ ‏أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود , وَأَبُو أَحْمَد الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر الزُّبَيْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوَّل سُورَة أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَة وَالنَّجْم , قَالَ فَسَجَدَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتهَا , وَقَدْ قَدَّمْت فِي تَفْسِير الْحَجّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس بَيَانَ ذَلِكَ وَالسَّبَب فِيهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي إِسْحَاق فِي أَوَّل هَذَا الْحَدِيث \" أَنَّ أَوَّل سُورَة اِسْتَعْلَنَ بِهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ النَّجْمُ \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة \" أَوَّل سُورَة قَرَأَهَا عَلَى النَّاس النَّجْمُ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا رَجُلًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة فِي سُجُود الْقُرْآن \" فَمَا بَقِيَ أَحَد مِنْ الْقَوْم إِلَّا سَجَدَ , فَأَخَذَ رَجُل مِنْ الْقَوْم كَفًّا مِنْ حَصًى \" وَهَذَا ظَاهِره تَعْمِيم سُجُودهمْ , لَكِنْ رَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ الْمُطَّلِب بْن أَبِي وَدَاعَة قَالَ \" قَرَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة وَالنَّجْم فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَنْ عِنْدَهُ , وَأَبَيْت أَنْ أَسْجُد \" وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ أَسْلَمَ \" قَالَ الْمُطَّلِب : فَلَا أَدَع السُّجُود فِيهَا أَبَدًا \" فَيُحْمَل تَعْمِيم اِبْن مَسْعُود عَلَى أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ اِطَّلَعَ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( كَفًّا مِنْ تُرَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَاب \". ‏ ‏قَوْله : ( فَسَجَدَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهه فَقَالَ : يَكْفِينِي هَذَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَرَأَيْته بَعْد ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : فَلَقَدْ رَأَيْته بَعْد قُتِلَ كَافِرًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ أُمَيَّة بْن خَلَف ) ‏ ‏لَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي رِوَايَة شُعْبَة , وَقَدْ وَافَقَ إِسْرَائِيل عَلَى تَسْمِيَته زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد , وَعِنْد اِبْن سَعْد أَنَّ الَّذِي لَمْ يَسْجُد هُوَ الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة قَالَ : وَقِيلَ سَعِيد بْن الْعَاصِ بْن أُمَيَّة , قَالَ وَقَالَ بَعْضهمْ كِلَاهُمَا جَمِيعًا , وَجَزَمَ اِبْن بَطَّال فِي \" بَاب سُجُود الْقُرْآن \" بِأَنَّهُ الْوَلِيد , وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ مَعَ وُجُود التَّصْرِيح بِأَنَّهُ أُمَيَّة بْن خَلَف وَلَمْ يُقْتَل بِبَدْرٍ كَافِرًا مِنْ الَّذِينَ سُمُّوا عِنْدَهُ غَيْره. وَوَقَعَ فِي تَفْسِير اِبْن حِبَّان أَنَّهُ أَبُو لَهَب , وَفِي \" شَرْح الْأَحْكَام لِابْنِ بَزِيزَةَ \" أَنَّهُ مُنَافِق , وَرُدَّ بِأَنَّ الْقِصَّة وَقَعَتْ بِمَكَّة بِلَا خِلَاف وَلَمْ يَكُنْ النِّفَاق ظَهَرَ بَعْد , وَقَدْ جَزَمَ الْوَاقِدِيّ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي رَمَضَان سَنَة خَمْس , وَكَانَتْ الْمُهَاجَرَة الْأَوْلَى إِلَى الْحَبَشَة خَرَجَتْ فِي شَهْر رَجَب فَلَمَّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ رَجَعُوا فَوَجَدُوهُمْ عَلَى حَالهمْ مِنْ الْكُفْر فَهَاجَرُوا الثَّانِيَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْأَرْبَعَة لَمْ يَسْجُدُوا , وَالتَّعْمِيم فِي كَلَام اِبْن مَسْعُود بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا اِطَّلَعَ عَلَيْهِ كَمَا قُلْته فِي الْمَطْلَب , لَكِنْ لَا يُفَسَّر الَّذِي فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود إِلَّا بِأُمَيَّة لِمَا ذَكَرْته , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4486",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏وَسُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ وَفِرْقَةً دُونَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اشْهَدُوا ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث اِنْشِقَاق الْقَمَر مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَفِيهِ \" فِرْقَتَيْنِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4487",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْشَقَّ الْقَمَرُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَارَ فِرْقَتَيْنِ فَقَالَ لَنَا اشْهَدُوا اشْهَدُوا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4488",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏بَكْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْشَقَّ الْقَمَرُ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "وَمِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" اِنْشَقَّ الْقَمَر فِي زَمَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَبَكْر فِيهِ هُوَ اِبْن مُضَر , وَجَعْفَر هُوَ اِبْن رَبِيعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4489",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلَ ‏ ‏أَهْلُ مَكَّةَ ‏ ‏أَنْ يُرِيَهُمْ ‏ ‏آيَةً ‏ ‏فَأَرَاهُمْ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ ‏",
        "sharh": "وَمِنْ حَدِيث أَنَس \" سَأَلَ أَهْل مَكَّة أَنْ يُرِيهِمْ آيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه. ‏"
    },
    {
        "id": "4490",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْشَقَّ الْقَمَرُ فِرْقَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس \" اِنْشَقَّ الْقَمَر فِرْقَتَيْنِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِل السِّيرَة النَّبَوِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "4491",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ ‏ { ‏فَهَلْ مِنْ ‏ ‏مُدَّكِرٍ ‏ }",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَسْوَد ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْده مَا يَدُلّ عَلَى سَمَاع أَبِي إِسْحَاق لَهُ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) ‏ ‏أَيْ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة , وَسَبَب ذِكْر ذَلِكَ أَنَّ بَعْض السَّلَف قَرَأَهَا بِالْمُعْجَمَةِ , وَهُوَ مَنْقُول أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف لِهَذَا الْحَدِيث خَمْس تَرَاجِم فِي كُلّ تَرْجَمَة آيَة مِنْ هَذِهِ السُّورَة , وَمَدَار الْجَمِيع عَلَى أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْأَسْوَد بْن يَزِيد , وَسَاقَ فِي الْجَمِيع الْحَدِيث الْمَذْكُور لِيُبَيِّن أَنَّ لَفْظ \" مُدَّكِرٍ \" فِي الْجَمِيع وَاحِد. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي هَذِهِ السُّورَة قَوْله : ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) بِحَسَبِ تَكَرُّر الْقَصَص مِنْ أَخْبَار الْأُمَم اِسْتِدْعَاء لِأَفْهَامِ السَّامِعِينَ لِيَعْتَبِرُوا , وَقَالَ فِي الْأُولَى \" وَقَالَ مُجَاهِد يَسَّرْنَا هَوَّنَّا قِرَاءَته \" وَقَالَ فِي الثَّانِيَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا سَأَلَ الْأَسْوَد : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أَوْ مُذَّكِرٍ ؟ أَيْ بِمُعْجَمَةٍ أَوْ مُهْمَلَة , فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِي آخِره \" دَالًا \" أَيْ مُهْمَلَة. وَلَفْظ الثَّالِث وَالرَّابِع كَالْأَوَّلِ , وَلَفْظ الْخَامِس عَنْ عَبْد اللَّه \" قَرَأْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُذَّكِرٍ - أَيْ بِالْمُعْجَمَةِ - فَقَالَ : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ \" أَيْ بِالْمُهْلَةِ. وَأَثَر مُجَاهِد وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد , وَقَوْله \" مُدَّكِرٍ \" أَصْله مُذْتَكِر بِمُثَنَّاةٍ بَعْد ذَال مُعْجَمَة , فَأُبْدِلَتْ التَّاء دَالًا مُهْمَلَة ثُمَّ أُهْمِلَتْ الْمُعْجَمَة لِمُقَارَبَتِهَا ثُمَّ أُدْغِمَتْ , وَقَوْله فِي الطَّرِيق الرَّابِع \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد حَدَّثَنَا غُنْدُر \" كَذَا وَقَعَ مُحَمَّد غَيْر مَنْسُوب وَهُوَ اِبْن الْمُثَنَّى أَوْ اِبْن بَشَّار أَوْ اِبْن الْوَلِيد الْبُسْرِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن بَشَّار بُنْدَار , وَقَوْله فِي الْخَامِسَة \" حَدَّثَنَا يَحْيَى \" هُوَ اِبْن مُوسَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4492",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّه كَانَ يَقْرَأُ ‏ { ‏فَهَلْ مِنْ ‏ ‏مُدَّكِرٍ ‏ }",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4493",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا سَأَلَ ‏ ‏الْأَسْوَدَ ‏ { ‏فَهَلْ مِنْ ‏ ‏مُدَّكِرٍ ‏ } ‏أَوْ مُذَّكِرٍ فَقَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏يَقْرَؤُهَا ‏ { ‏فَهَلْ مِنْ ‏ ‏مُدَّكِرٍ ‏ } ‏قَالَ وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَؤُهَا ‏ { ‏فَهَلْ مِنْ ‏ ‏مُدَّكِرٍ ‏ } ‏دَالًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4494",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَرَأَ ‏ { ‏فَهَلْ مِنْ ‏ ‏مُدَّكِرٍ ‏ } ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4495",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَرَأَ ‏ { ‏فَهَلْ مِنْ ‏ ‏مُدَّكِرٍ ‏ }",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4496",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏فَهَلْ مِنْ ‏ ‏مُدَّكِرٍ ‏ }",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4497",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وُهَيْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ اللَّهُمَّ إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ فَأَخَذَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏بِيَدِهِ فَقَالَ حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ وَهُوَ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ ‏ { ‏سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ‏} ‏بَاب ‏ ‏قَوْلِهِ ‏ { ‏بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ‏} ‏يَعْنِي مِنْ الْمَرَارَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حَوْشَبٍ \" ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه نُسِبَ لِجَدِّهِ , وَثَبَتَ كَذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ. ‏ ‏وَقَوْله \" ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْن مُسْلِم \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَمُحَمَّد هُوَ الذُّهْلِيُّ وَسَقَطَ لِابْنِ السَّكَن فَصَارَ عَنْ الْبُخَارِيّ حَدَّثَنَا عَفَّانُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏هَذَا مِنْ مُرْسَلَات اِبْن عَبَّاس لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُر الْقِصَّة , وَقَدْ رَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة \" أَنَّ عُمَر قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) جَعَلْت أَقُول : أَيّ جَمْع يُهْزَم ؟ فَلَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَثِب فِي الدِّرْع وَهُوَ يَقُول ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ) الْآيَة , فَكَأَنَّ اِبْن عَبَّاس حَمَلَ ذَلِكَ عَنْ عُمَر , وَكَأَنَّ عِكْرِمَة حَمَلَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق سِمَاك بْن الْوَلِيد عَنْ اِبْن عَبَّاس : حَدَّثَنِي عُمَر بِبَعْضِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ) ‏ ‏يَعْنِي مِنْ الْمَرَارَة هُوَ قَوْل الْفَرَّاء , قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : مَعْنَاهُ أَشَدّ عَلَيْهِمْ مِنْ عَذَاب يَوْم بَدْر , وَأَمَرّ مِنْ الْمَرَارَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4498",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مَاهَكٍ ‏ ‏قَالَ إِنِّي عِنْدَ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ ‏ { ‏بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يُوسُف بْن مَاهَك ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ذِكْره قَرِيبًا مِنْ سُورَة الْأَحْقَاف. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي عِنْد عَائِشَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : لَقَدْ نَزَلَ عَلَى مُحَمَّد ) ‏ ‏كَذَا ذَكَرَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا , وَفِيهِ قِصَّة حَذَفَهَا , وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي فَضَائِل الْقُرْآن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4499",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ أَبَدًا فَأَخَذَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏بِيَدِهِ وَقَالَ حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ وَهُوَ فِي الدِّرْعِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ ‏ { ‏سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَإِسْحَاق شَيْخه فِيهِ هُوَ اِبْن شَاهِين , وَخَالِد الْأَوَّل هُوَ الطَّحَّان , وَاَلَّذِي فَوْقه هُوَ خَالِد الْحَذَّاء. ‏"
    },
    {
        "id": "4500",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْل ( الْعَمِّيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمِيم , وَأَبُو عِمْرَان الْجَوْنِيّ بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا نُون هُوَ عَبْد الْمَلِك بْن حَبِيب. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّة ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْحَارِث بْن عُبَيْد عَنْ أَبِي عِمْرَان الْجَوْنِيّ فِي أَوَّل هَذَا الْحَدِيث : جِنَان الْفِرْدَوْس أَرْبَع ثِنْتَانِ مِنْ ذَهَب إِلَخْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا بَيْن الْقَوْم وَبَيْن أَنَّ يَنْظُرُوا إِلَى رَبّهمْ إِلَخْ ) ‏ ‏يَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْله فِي جَنَّة عَدْن ‏ ‏مُتَعَلِّق بِمَحْذُوفٍ وَهُوَ فِي مَوْضِع الْحَال مِنْ الْقَوْم , فَكَأَنَّهُ قَالَ كَائِنِينَ فِي جَنَّة عَدْن. ‏"
    },
    {
        "id": "4501",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنُونَ وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ كَذَا آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد اللَّه بْن قَيْس عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ فِي الْجَنَّة خَيْمَة ) ‏ ‏أَيْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي الْآيَة ( فِي الْخِيَامِ ) وَالْخِيَام جَمْع خَيْمَة , وَالْمَذْكُور فِي الْحَدِيث صِفَتهَا. ‏ ‏قَوْله : ( مُجَوَّفَة ) ‏ ‏أَيْ وَاسِعَة الْجَوْف. ‏ ‏قَوْله : ( فِي كُلّ زَاوِيَة مِنْهَا أَهْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَهْل لِلْمُؤْمِنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( سِتُّونَ مِيلًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي صِفَة الْجَنَّة , وَأَخْرَجَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الْخَيْمَة مِيل فِي مِيل , وَالْمِيل ثُلُث الْفَرْسَخ. ‏ ‏قَوْله : ( يَطُوف عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنُونَ ) ‏ ‏قَالَ الدِّمْيَاطِيّ : صَوَابه الْمُؤْمِن بِالْإِفْرَادِ وَأُجِيبَ بِجَوَازِ أَنْ يَكُون مِنْ مُقَابَلَة الْمَجْمُوع بِالْمَجْمُوعِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّة ) ‏ ‏هَذَا مَعْطُوف عَلَى شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره هَذَا لِلْمُؤْمِنِ , أَوْ هُوَ مِنْ صَنِيع الرَّاوِي. وَقَالَ أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" جَنَّتَانِ إِلَخْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏"
    },
    {
        "id": "4502",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ‏ { ‏وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏\" إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَة \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي صِفَة الْجَنَّة مِنْ بَدْء الْخَلْق. ‏"
    },
    {
        "id": "4503",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏سُورَةُ ‏ ‏التَّوْبَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏التَّوْبَةُ ‏ ‏هِيَ ‏ ‏الْفَاضِحَةُ ‏ ‏مَا زَالَتْ تَنْزِلُ وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهَا لَنْ تُبْقِيَ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا ذُكِرَ فِيهَا قَالَ قُلْتُ سُورَةُ ‏ ‏الْأَنْفَالِ ‏ ‏قَالَ نَزَلَتْ فِي ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ سُورَةُ ‏ ‏الْحَشْرِ ‏ ‏قَالَ نَزَلَتْ فِي ‏ ‏بَنِي النَّضِيرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث مُخْتَصَرًا بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنه فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْفَال مُقْتَصَرًا عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِهَا , وَتَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( سُورَة التَّوْبَة ؟ قَالَ : التَّوْبَة ؟ ) ‏ ‏هُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار بِدَلِيلِ قَوْله هِيَ الْفَاضِحَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ هُشَيْمٍ \" سُورَة التَّوْبَة ؟ قَالَ بَلْ سُورَة الْفَاضِحَة \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا زَالَتْ تَنْزِل وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ ) ‏ ‏أَيْ كَقَوْلِهِ : ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّه - وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزك فِي الصَّدَقَات - وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيّ ). ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ تُبْقِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَنْ تُبْقِي \" وَهِيَ أَوْجَه لِأَنَّ الرِّوَايَة الْأُولَى تَقْتَضِي اِسْتِيعَابهمْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْآيَات بِخِلَافِ الثَّانِيَة فَهِيَ أَبْلَغ , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَنَّهُ لَا يَبْقَى \". ‏"
    },
    {
        "id": "4504",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏سُورَةُ ‏ ‏الْحَشْرِ ‏ ‏قَالَ قُلْ سُورَةُ ‏ ‏النَّضِيرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُورَة الْحَشْر ؟ قَالَ قُلْ سُورَة النَّضِير ) ‏ ‏كَأَنَّهُ كَرِهَ تَسْمِيَتهَا بِالْحَشْرِ لِئَلَّا يُظَنّ أَنَّ الْمُرَاد يَوْم الْقِيَامَة , وَإِنَّمَا الْمُرَاد بِهِ هُنَا إِخْرَاج بَنِي النَّضِير. ‏"
    },
    {
        "id": "4505",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَرَّقَ نَخْلَ ‏ ‏بَنِي النَّضِيرِ ‏ ‏وَقَطَعَ وَهِيَ ‏ ‏الْبُوَيْرَةُ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4506",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏غَيْرَ مَرَّةٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ أَمْوَالُ ‏ ‏بَنِي النَّضِيرِ ‏ ‏مِمَّا ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِمَّا لَمْ ‏ ‏يُوجِفْ ‏ ‏الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَاصَّةً يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَتِهِ ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اِبْن مَاهَان عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ مَالِك بْن أَوْس بِغَيْرِ ذِكْر الزُّهْرِيِّ , وَهُوَ خَطَأ مِنْ النَّاسِخ وَثَبَتَ لِبَاقِي الرُّوَاة بِذِكْرِ الزُّهْرِيِّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْبَاب مَبْسُوطًا فِي فَرْض الْخُمُس. ‏"
    },
    {
        "id": "4507",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَعَنَ اللَّهُ ‏ ‏الْوَاشِمَاتِ ‏ ‏وَالْمُوتَشِمَاتِ ‏ ‏وَالْمُتَنَمِّصَاتِ ‏ ‏وَالْمُتَفَلِّجَاتِ ‏ ‏لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ ‏ ‏بَنِي أَسَدٍ ‏ ‏يُقَالُ لَهَا ‏ ‏أُمُّ يَعْقُوبَ ‏ ‏فَجَاءَتْ فَقَالَتْ إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ فَقَالَ وَمَا لِي أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَقَالَتْ لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ قَالَ لَئِنْ كُنْتِ ‏ ‏قَرَأْتِيهِ لَقَدْ ‏ ‏وَجَدْتِيهِ أَمَا قَرَأْتِ ‏ { ‏وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ‏} ‏قَالَتْ بَلَى قَالَ فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ قَالَتْ فَإِنِّي أَرَى أَهْلَكَ يَفْعَلُونَهُ قَالَ فَاذْهَبِي فَانْظُرِي فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ مِنْ حَاجَتِهَا شَيْئًا فَقَالَ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ مَا جَامَعْتُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود ‏ ‏قَالَ \" لَعَنَ اللَّه الْوَاشِمَات \" ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب اللِّبَاس. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَلَغَ ذَلِكَ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي أَسَد يُقَال لَهَا أُمّ يَعْقُوب ) ‏ ‏لَا يُعْرَف اِسْمهَا , وَقَدْ أَدْرَكَهَا عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبَّاس كَمَا فِي الطَّرِيق الَّتِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَا قَرَأْت ( وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) قَالَتْ بَلَى , قَالَ فَإِنَّهُ ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏( قَدْ نَهَى ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَاء وَإِنَّمَا ضَبَطْت هَذَا خَشْيَة أَنْ يُقْرَأ بِضَمِّ النُّون وَكَسْر الْهَاء عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ عَلَى أَنَّ الْهَاء فِي إِنَّهُ ضَمِير الشَّأْن لَكِنْ السِّيَاق يُرْشِد إِلَى مَا قَرَّرْته , وَفِي هَذَا الْجَوَاب نَظَر , لِأَنَّهَا اِسْتَشْكَلَتْ اللَّعْن وَلَا يَلْزَم مِنْ مُجَرَّد النَّهْي لَعْن مَنْ لَمْ يَمْتَثِل , لَكِنْ يُحْمَل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد فِي الْآيَة وُجُوب اِمْتِثَال قَوْل الرَّسُول , وَقَدْ نَهَى عَنْ هَذَا الْفِعْل , فَمَنْ فَعَلَهُ فَهُوَ ظَالِم , وَفِي الْقُرْآن لَعْن الظَّالِمِينَ. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون اِبْن مَسْعُود سَمِعَ اللَّعْن مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ كَمَا فِي بَعْض طُرُقه. ‏ ‏قَوْله : ( أَهْلك يَفْعَلُونَهُ ) ‏ ‏هِيَ زَيْنَب بِنْت عَبْد اللَّه الثَّقَفِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ تَرَ مِنْ حَاجَتهَا شَيْئًا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الَّذِي ظَنَّتْ أَنَّ زَوْج اِبْن مَسْعُود تَفْعَلهُ. وَقِيلَ كَانَتْ الْمَرْأَة رَأَتْ ذَلِكَ حَقِيقَة وَإِنَّمَا اِبْن مَسْعُود أَنْكَرَ عَلَيْهَا فَأَزَالَتْهُ , فَلِهَذَا لَمَّا دَخَلَتْ الْمَرْأَة لَمْ تَرَ مَا كَانَتْ رَأَتْ قَبْل ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا جَامَعْتهَا ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْجِمَاعِ الْوَطْء , أَوْ الِاجْتِمَاع وَهُوَ أَبْلَغ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَا جَامَعَتْنَا \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" مَا جَامَعَتْنِي \". وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى جَوَاز لَعْن مَنْ اِتَّصَفَ بِصِفَةٍ لَعَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ اِتَّصَفَ بِهَا لِأَنَّهُ لَا يَطْلِق ذَلِكَ إِلَّا عَلَى مَنْ يَسْتَحِقّهُ , وَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم فَإِنَّهُ قَيَّدَ فِيهِ بِقَوْلِهِ \" لَيْسَ بِأَهْلٍ \" أَيْ عِنْدك , لِأَنَّهُ إِنَّمَا لَعَنَهُ لَمَّا ظَهَرَ لَهُ مِنْ اِسْتِحْقَاقه , وَقَدْ يَكُون عِنْد اللَّه بِخِلَافِ ذَلِكَ , فَعَلَى الْأَوَّل يُحْمَل قَوْله \" فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاة وَرَحْمَة \" وَعَلَى الثَّانِي فَيَكُون لَعَنَهُ زِيَادَة فِي شِقْوَته. وَفِيهِ أَنَّ الْمُعِين عَلَى الْمَعْصِيَة يُشَارِك فَاعِلهَا فِي الْإِثْم. ‏"
    },
    {
        "id": "4508",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ ذَكَرْتُ ‏ ‏لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ ‏ ‏حَدِيثَ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَعَنَ اللَّهُ ‏ ‏الْوَاصِلَةَ ‏ ‏فَقَالَ سَمِعْتُهُ ‏ ‏مِنْ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا ‏ ‏أُمُّ يَعْقُوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏مِثْلَ حَدِيثِ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4509",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أُوصِي الْخَلِيفَةَ ‏ ‏بِالْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏الْأَوَّلِينَ أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ ‏ ‏بِالْأَنْصَارِ ‏ ‏الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُهَاجِرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَعْفُوَ عَنْ مُسِيئِهِمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4510",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ الْأَشْجَعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَنِي ‏ ‏الْجَهْدُ ‏ ‏فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ فَقَامَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ ‏ ‏لِامْرَأَتِهِ ‏ ‏ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا قَالَتْ وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ قَالَ فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ فَفَعَلَتْ ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ ضَحِكَ مِنْ ‏ ‏فُلَانٍ ‏ ‏وَفُلَانَةَ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن كَثِير ) ‏ ‏هُوَ الدَّوْرَقِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَى رَجُل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذَا الرَّجُل هُوَ أَبُو هُرَيْرَة , وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ , وَقَدْ نَسَبْته فِي الْمَنَاقِب إِلَى تَخْرِيج أَبِي الْبَخْتَرِيّ الطَّائِيّ فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ لَا يُوثَق بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا رَجُل يُضَيِّفهُ هَذِهِ اللَّيْلَة يَرْحَمهُ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يُضَيِّف هَذَا رَحْمَة \" بِالتَّنْوِينِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار أَنَّهُ أَبُو طَلْحَة , وَتَرَدَّدَ الْخَطِيب هَلْ هُوَ زَيْد بْن سَهْل الْمَشْهُور أَوْ صَحَابِيّ آخَر يُكَنَّى أَبَا طَلْحَة , وَتَقَدَّمَ أَيْضًا قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ ثَابِت بْن قَيْس. وَلَكِنْ أَرَدْت التَّنْبِيه هُنَا عَلَى شَيْء وَقَعَ لِلْقُرْطُبِيِّ الْمُفَسِّر وَلِمُحَمَّدِ بْن عَلِيّ بْن عَسْكَر فِي ذَيْله عَلَى تَعْرِيف السُّهَيْلِيّ , فَإِنَّهُمَا نَقَلَا عَنْ النَّحَّاس وَالْمَهْدَوِيّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي أَبِي الْمُتَوَكِّل , زَادَ اِبْن عَسْكَر : النَّاجِيّ , وَأَنَّ الضَّيْف ثَابِت بْن قَيْس. وَقِيلَ إِنَّ فَاعِلهَا ثَابِت بْن قَيْس حَكَاهُ يَحْيَى بْن سَلَّامٍ اِنْتَهَى , وَهُوَ غَلَط بَيِّن , فَإِنَّ أَبَا الْمُتَوَكِّل النَّاجِيّ تَابِعِيّ مَشْهُور , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْقِصَّة ذِكْر , إِلَّا أَنَّهُ رَوَاهَا مُرْسَلَة أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل الْقَاضِي كَمَا تَقَدَّمَ هُنَاكَ. وَكَذَا اِبْن أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَاب \" قِرَى الضَّيْف \" وَابْن الْمُنْذِر فِي تَفْسِير هَذِهِ السُّورَة كُلّهمْ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَكَثَ ثَلَاثَة أَيَّام لَا يَجِد شَيْئًا يُفْطِر عَلَيْهِ , حَتَّى فَطِنَ لَهُ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ ثَابِت بْن قَيْس \" الْحَدِيث. وَقَدْ تَبِعَ اِبْن عَسْكَر جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّارِحِينَ سَاكِتِينَ عَنْ وَهْمه , فَلِهَذَا نَبَّهْت عَلَيْهِ , وَتَفَطَّنَ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن لِقَوْلِ اِبْن عَسْكَر إِنَّهُ أَبُو الْمُتَوَكِّل النَّاجِيّ فَقَالَ : هَذَا وَهْم , لِأَنَّ أَبَا الْمُتَوَكِّل النَّاجِيّ تَابِعِيّ إِجْمَاعًا اِنْتَهَى. فَكَأَنَّهُ جَوَّزَ أَنَّهُ صَحَابِيّ يُكَنَّى أَبَا الْمُتَوَكِّل وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَطْوِي بُطُوننَا اللَّيْلَة ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَنَس عِنْد اِبْن أَبِي الدُّنْيَا \" فَجَعَلَ يَتَلَمَّظ وَتَتَلَمَّظ هِيَ حَتَّى رَأَى الضَّيْف أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ \". ‏ ‏قَوْل ( ثُمَّ غَدَا الرَّجُل عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَنَس \" فَصَلَّى مَعَهُ الصُّبْح \". ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ عَجِبَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , أَوْ ضَحِكَ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِالشَّكِّ : وَذَكَرَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ فُضَيْل بْنِ غَزْوَانَ بِلَفْظِ \" عَجِبَ \" بِغَيْرِ شَكّ , وَعِنْد اِبْن أَبِي الدُّنْيَا فِي حَدِيث أَنَس \" ضَحِكَ \" بِغَيْرِ شَكّ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِطْلَاق الْعَجَب عَلَى اللَّه مُحَال وَمَعْنَاهُ الرِّضَا , فَكَأَنَّهُ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ الصَّنِيع حَلَّ مِنْ الرِّضَا عِنْد اللَّه حُلُول الْعَجَب عِنْدكُمْ , قَالَ : وَقَدْ يَكُون الْمُرَاد بِالْعَجَبِ هُنَا أَنَّ اللَّه يُعْجِب مَلَائِكَتَهُ مِنْ صَنِيعهمَا لِنُدُورِ مَا وَقَعَ مِنْهُمَا فِي الْعَادَة. قَالَ وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : مَعْنَى الضَّحِك هُنَا الرَّحْمَة. ‏ ‏قُلْت : وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي النُّسَخ الَّتِي وَقَعَتْ لَنَا مِنْ الْبُخَارِيّ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَتَأْوِيل الضَّحِك بِالرِّضَا أَقْرَب مِنْ تَأْوِيله بِالرَّحْمَةِ , لِأَنَّ الضَّحِك مِنْ الْكِرَام يَدُلّ عَلَى الرِّضَا فَإِنَّهُمْ يُوصَفُونَ بِالْبِشْرِ عِنْد السُّؤَال. ‏ ‏قُلْت : الرِّضَا مِنْ اللَّه يَسْتَلْزِم الرَّحْمَة وَهُوَ لَازِمه , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ تَقَدَّمَ سَائِر شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار. ‏"
    },
    {
        "id": "4511",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏كَاتِبَ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏وَالزُّبَيْرَ ‏ ‏وَالْمِقْدَادَ ‏ ‏فَقَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا ‏ ‏رَوْضَةَ خَاخٍ ‏ ‏فَإِنَّ بِهَا ‏ ‏ظَعِينَةً ‏ ‏مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا فَذَهَبْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ فَإِذَا نَحْنُ ‏ ‏بِالظَّعِينَةِ ‏ ‏فَقُلْنَا أَخْرِجِي الْكِتَابَ فَقَالَتْ مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ فَقُلْنَا ‏ ‏لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ ‏ ‏عِقَاصِهَا ‏ ‏فَأَتَيْنَا بِهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِذَا فِيهِ مِنْ ‏ ‏حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ ‏ ‏إِلَى أُنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِمَّنْ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا هَذَا يَا ‏ ‏حَاطِبُ ‏ ‏قَالَ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَصْطَنِعَ إِلَيْهِمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ إِنَّهُ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏وَمَا يُدْرِيكَ ‏ ‏لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏وَنَزَلَتْ فِيهِ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ‏} ‏قَالَ لَا أَدْرِي الْآيَةَ فِي الْحَدِيثِ أَوْ قَوْلُ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏قَالَ قِيلَ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏فِي هَذَا فَنَزَلَتْ ‏ { ‏لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ‏} ‏الْآيَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏هَذَا فِي حَدِيثِ النَّاسِ ‏ ‏حَفِظْتُهُ مِنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏مَا تَرَكْتُ مِنْهُ حَرْفًا وَمَا أُرَى أَحَدًا حَفِظَهُ غَيْرِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي طَالِب. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَة خَاخٍ ) ‏ ‏بِمُعْجَمَتَيْنِ , وَمَنْ قَالَهَا بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيم فَقَدْ صَحَّفَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي \" بَاب الْجَاسُوس \" مِنْ كِتَاب الْجِهَاد وَفِي أَوَّل غَزْوَة الْفَتْح. ‏ ‏قَوْله : ( لَتُلْقِيَنَّ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَالْوَجْه حَذْف التَّحْتَانِيَّة , وَقِيلَ إِنَّمَا أُثْبِتَتْ لِمُشَاكَلَةِ لَتُخْرِجِنَّ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت اِمْرَأً مِنْ قُرَيْش ) ‏ ‏أَيْ بِالْحِلْفِ , لِقَوْلِهِ بَعْد ذَلِكَ \" وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسهمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت اِمْرَأً مِنْ قُرَيْش وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسهمْ ) ‏ ‏لَيْسَ هَذَا تَنَاقُضًا , بَلْ أَرَادَ أَنَّهُ مِنْهُمْ بِمَعْنَى أَنَّهُ حَلِيفهمْ , وَقَدْ ثَبَتَ حَدِيث \" حَلِيف الْقَوْم مِنْهُمْ \" وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ \" وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسهمْ \" لِإِثْبَاتِ الْمَجَاز. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ الدَّال أَيْ قَالَ الصِّدْق. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عُمَر : دَعْنِي يَا رَسُول اللَّه فَأَضْرِب عُنُقه ) ‏ ‏إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عُمَر مَعَ تَصْدِيق رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاطِبٍ فِيمَا اِعْتَذَرَ بِهِ لِمَا كَانَ عِنْد عُمَر مِنْ الْقُوَّة فِي الدِّين وَبُغْض مَنْ يُنْسَب إِلَى النِّفَاق , وَظَنَّ أَنَّ مَنْ خَالَفَ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَحَقَّ الْقَتْل , لَكِنَّهُ لَمْ يَجْزِم بِذَلِكَ فَلِذَلِكَ اِسْتَأْذَنَ فِي قَتْله , وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ مُنَافِقًا لِكَوْنِهِ أَبْطَنَ خِلَاف مَا أَظْهَرَ , وَعُذْر حَاطِب مَا ذَكَرَهُ , فَإِنَّهُ صَنَعَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا أَنْ لَا ضَرَر فِيهِ. وَعِنْد الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق الْحَارِث عَنْ عَلِيّ فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَقَالَ أَلَيْسَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ؟ قَالَ : بَلَى , وَلَكِنَّهُ نَكَثَ وَظَاهَرَ أَعْدَاءَك عَلَيْك \". ‏ ‏قَوْل ( فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيك ) ‏ ‏أَرْشَدَ إِنَّ عِلَّة تَرْك قَتْله بِأَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا فَكَأَنَّهُ قِيلَ : وَهَلْ يُسْقِط عَنْهُ شُهُوده بَدْرًا هَذَا الذَّنْب الْعَظِيم ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ \" وَمَا يُدْرِيك إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَعَلَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ اِطَّلَعَ عَلَى أَهْل بَدْر ) ‏ ‏هَكَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات بِصِيغَةِ التَّرَجِّي , وَهُوَ مِنْ اللَّه وَاقِع , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة بِصِيغَةِ الْجَزْم , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ وَاضِحًا فِي \" بَاب فَضْل مَنْ شَهِدَ بَدْرًا \" مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ ) ‏ ‏كَذَا فِي مُعْظَم الطُّرُق , وَعِنْد الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة \" فَإِنِّي غَافِر لَكُمْ \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" غَفَرْت \" أَيْ أَغْفِر , عَلَى طَرِيق التَّعْبِير عَنْ الْآتِي بِالْوَاقِعِ مُبَالَغَة فِي تَحَقُّقه. وَفِي \" مَغَازِي اِبْن عَائِذ \" مِنْ مُرْسَل عُرْوَة \" اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَسَأَغْفِرُ لَكُمْ \" وَالْمُرَاد غُفْرَان ذُنُوبهمْ فِي الْآخِرَة , وَإِلَّا فَلَوْ وَجَبَ عَلَى أَحَدهمْ حَدّ مَثَلًا لَمْ يَسْقُط فِي الدُّنْيَا. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : لَيْسَ هَذَا عَلَى الِاسْتِقْبَال , وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْمَاضِي , تَقْدِيره اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ أَيّ عَمَل كَانَ لَكُمْ فَقَدْ غُفِرَ , قَالَ : لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْمُسْتَقْبَلِ كَانَ جَوَابه فَسَأَغْفِرُ لَكُمْ , وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ إِطْلَاقًا فِي الذُّنُوب وَلَا يَصِحّ , وَيُبْطِلهُ أَنَّ الْقَوْم خَافُوا مِنْ الْعُقُوبَة بَعْد حَتَّى كَانَ عُمَر يَقُول : يَا حُذَيْفَة , بِاَللَّهِ هَلْ أَنَا مِنْهُمْ ؟ وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّ \" اِعْمَلُوا \" صِيغَة أَمْر وَهِيَ مَوْضُوعَة لِلِاسْتِقْبَالِ , وَلَمْ تَضَع الْعَرَب صِيغَة الْأَمْر لِلْمَاضِي لَا بِقَرِينَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا لِأَنَّهُمَا بِمَعْنَى الْإِنْشَاء وَالِابْتِدَاء , وَقَوْله \" اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ \" يُحْمَل عَلَى طَلَب الْفِعْل , وَلَا يَصِحّ أَنْ يَكُون بِمَعْنَى الْمَاضِي , وَلَا يُمْكِن أَنْ يُحْمَل عَلَى الْإِيجَاب فَتَعَيَّنَ لِلْإِبَاحَةِ. قَالَ : وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنَّ هَذَا الْخِطَاب خِطَاب إِكْرَام وَتَشْرِيف , تَضَمَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ حَصَلَتْ لَهُمْ حَالَة غُفِرَتْ بِهَا ذُنُوبهمْ السَّالِفَة , وَتَأَهَّلُوا أَنْ يُغْفَر لَهُمْ مَا يُسْتَأْنَف مِنْ الذُّنُوب اللَّاحِقَة , وَلَا يَلْزَم مِنْ وُجُود الصَّلَاحِيَّة لِلشَّيْءِ وُقُوعه. وَقَدْ أَظْهَرَ اللَّه صِدْق رَسُوله فِي كُلّ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , فَإِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا عَلَى أَعْمَال أَهْل الْجَنَّة إِلَى أَنْ فَارَقُوا الدُّنْيَا , وَلَوْ قُدِّرَ صُدُور شَيْء مِنْ أَحَدهمْ لَبَادَرَ إِلَى التَّوْبَة وَلَازَمَ الطَّرِيق الْمُثْلَى. وَيَعْلَم ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالهمْ بِالْقَطْعِ مَنْ اِطَّلَعَ عَلَى سِيَرهمْ اِنْتَهَى. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ \" أَيْ ذُنُوبكُمْ تَقَع مَغْفُورَة , لَا أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَصْدُر مِنْهُمْ ذَنْب. وَقَدْ شَهِدَ مِسْطَح بَدْرًا وَوَقَعَ فِي حَقّ عَائِشَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة النُّور , فَكَأَنَّ اللَّه لِكَرَامَتِهِمْ عَلَيْهِ بَشَّرَهُمْ عَلَى لِسَان نَبِيّه أَنَّهُمْ مَغْفُور لَهُمْ وَلَوْ وَقَعَ مِنْهُمْ مَا وَقَعَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض مَبَاحِث هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي أَوَاخِر كِتَاب الصِّيَام فِي الْكَلَام عَلَى لَيْلَة الْقَدْر , وَنَذْكُر بَقِيَّة شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الدِّيَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَزَلَتْ فِيهِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) ‏ ‏سَقَطَ \" أَوْلِيَاء \" لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : لَا أَدْرِي الْآيَة فِي الْحَدِيث , أَوْ قَوْل عَمْرو ) ‏ ‏هَذَا الشَّكّ مِنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ كَمَا سَأُوَضِّحُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ ‏ ‏( قَالَ قِيلَ لِسُفْيَان فِي هَذَا فَنَزَلَتْ ( لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) الْآيَة ؟ قَالَ سُفْيَان : هَذَا فِي حَدِيث النَّاس ) ‏ ‏يَعْنِي هَذِهِ الزِّيَادَة , يُرِيد الْجَزْم بِرَفْعِ هَذَا الْقَدْر. ‏ ‏قَوْله : ( حَفِظْته مِنْ عَمْرو مَا تَرَكْت مِنْهُ حَرْفًا , وَمَا أَرَى أَحَدًا حَفِظَهُ غَيْرِي ) ‏ ‏وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة لَمْ يَكُنْ سُفْيَان يَجْزِم بِرَفْعِهَا وَقَدْ أَدْرَجَهَا عَنْهُ اِبْن أَبِي عُمَر أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه فَقَالَ فِي آخِر الْحَدِيث \" قَالَ وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ اِبْن أَبِي عُمَر وَعَمْرو النَّاقِد , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ عُبَيْد بْن إِسْمَاعِيل وَالْفَضْل بْن الصَّبَّاح , وَالنَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّد بْن مَنْصُور كُلّهمْ عَنْ سُفْيَان , وَاسْتُدِلَّ بِاسْتِئْذَانِ عُمَر عَلَى قَتْل حَاطِب لِمَشْرُوعِيَّةِ قَتْل الْجَاسُوس وَلَوْ كَانَ مُسْلِمًا وَهُوَ قَوْل مَالِك وَمَنْ وَافَقَهُ , وَوَجْه الدَّلَالَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ عُمَرَ عَلَى إِرَادَة الْقَتْل لَوْلَا الْمَانِع , وَبَيَّنَ الْمَانِع هُوَ كَوْن حَاطِب شَهِدَ بَدْرًا , وَهَذَا مُنْتَفٍ مِنْ غَيْر حَاطِب , فَلَوْ كَانَ الْإِسْلَام مَانِعًا مِنْ قَتْله لَمَا عَلَّلَ بِأَخَصّ مِنْهُ. وَقَدْ بَيَّنَ سِيَاق عَلِيّ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة مُدْرَجَة. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ سُفْيَان وَبَيَّنَ أَنَّ تِلَاوَة الْآيَة مِنْ قَوْل سُفْيَان. وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عَلِيّ الْجَزْم بِذَلِكَ , لَكِنَّهُ مِنْ أَحَد رُوَاة الْحَدِيث حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت الْكُوفِيّ أَحَد التَّابِعِينَ , وَبِهِ جَزَمَ إِسْحَاق فِي رِوَايَته عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ عُرْوَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة , وَكَذَا جَزَمَ بِهِ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة , وَأَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن بَشِير عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس قَالَ \" لَمَّا أَرَادَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ الْمَسِير إِلَى مُشْرِكِي قُرَيْش كَتَبَ إِلَيْهِمْ حَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ يُحَذِّرهُمْ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث إِلَى أَنْ قَالَ \" فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِ الْقُرْآن ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) الْآيَة \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي آخِر الْحَدِيث أَيْضًا \" قَالَ عَمْرو - أَيْ اِبْن دِينَار - : وَقَدْ رَأَيْت اِبْن أَبِي رَافِع وَكَانَ كَاتِبًا لِعَلِيٍّ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4512",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَمْتَحِنُ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ بِهَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِ اللَّهِ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ بَايَعْتُكِ كَلَامًا وَلَا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي الْمُبَايَعَةِ مَا يُبَايِعُهُنَّ إِلَّا بِقَوْلِهِ قَدْ بَايَعْتُكِ عَلَى ذَلِكِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَمَعْمَرٌ ‏ ‏وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏وَعَمْرَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق أَنْبَأَنَا يَعْقُوب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنَا يَعْقُوب \" فَأَمَّا إِسْحَاق فَهُوَ اِبْن مَنْصُور وَكَلَام أَبِي نُعَيْم يُشْعِر بِأَنَّهُ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَأَمَّا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم فَهُوَ اِبْن سَعْد , وَابْن أَخِي اِبْن شِهَاب اِسْمه مُحَمَّد بْنُ عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُرْوَة قَالَتْ عَائِشَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى شَرْحه فِي أَوَاخِر النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ بَايَعْتُك كَلَامًا ) ‏ ‏أَيْ يَقُول ذَلِكَ كَلَامًا فَقَطْ , لَا مُصَافَحَة بِالْيَدِ كَمَا جَرَتْ الْعَادَة بِمُصَافَحَةِ الرِّجَال عِنْد الْمُبَايَعَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا وَاَللَّه ) ‏ ‏فِيهِ الْقَسَم لِتَأْكِيدِ الْخَبَر , وَكَأَنَّ عَائِشَة أَشَارَتْ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدّ عَلَى مَا جَاءَ عَنْ أُمّ عَطِيَّة. فَعِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان وَالْبَزَّار وَالطَّبَرِيِّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ جَدَّته أُمّ عَطِيَّة فِي قِصَّة الْمُبَايَعَة قَالَ \" فَمَدَّ يَده مِنْ خَارِج الْبَيْت وَمَدَدْنَا أَيْدِينَا مِنْ دَاخِل الْبَيْت ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اِشْهَدْ \" وَكَذَا الْحَدِيث الَّذِي بَعْده حَيْثُ قَالَ فِيهِ \" قَبَضَتْ مِنَّا اِمْرَأَة يَدهَا \" فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّهُنَّ كُنَّ يُبَايِعْنَهُ بِأَيْدِيهِنَّ , وَيُمْكِن الْجَوَاب عَنْ الْأَوَّل بِأَنَّ مَدّ الْأَيْدِي مِنْ وَرَاء الْحِجَاب إِشَارَة إِلَى وُقُوع الْمُبَايَعَة وَإِنْ لَمْ تَقَع مُصَافَحَة , وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَبْضِ الْيَد التَّأَخُّر عَنْ الْقَبُول , أَوْ كَانَتْ الْمُبَايَعَة تَقَع بِحَائِلٍ , فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي \" الْمَرَاسِيل \" عَنْ الشَّعْبِيّ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين بَايَعَ النِّسَاء أَتَى بِبُرْدٍ قِطْرِيٍّ فَوَضَعَهُ عَلَى يَده وَقَالَ : لَا أُصَافِح النِّسَاء \" وَعِنْد عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ مُرْسَلًا نَحْوه , وَعِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق قَيْس بْن أَبِي حَازِم كَذَلِكَ , وَأَخْرَجَ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَة يُونُس بْن بُكَيْر عَنْهُ عَنْ أَبَان بْن صَالِح أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كَانَ يَغْمِس يَده فِي إِنَاء , وَتَغْمِس الْمَرْأَة يَدهَا فِيهِ \" وَيُحْتَمَل التَّعَدُّد. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِوَاسِطَةِ عُمَر , وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر \" أَنَّ أُمَيْمَة بِنْت رُقَيْقَةَ - بِقَافَيْنِ مُصَغَّر - أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا دَخَلَتْ فِي نِسْوَة تُبَايِع , فَقُلْنَ يَا رَسُول اللَّه اُبْسُطْ يَدك نُصَافِحك , قَالَ , إِنِّي لَا أُصَافِح النِّسَاء , وَلَكِنْ سَآخُذُ عَلَيْكُنَّ , فَأَخَذَ عَلَيْنَا حَتَّى بَلَغَ : وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوفٍ , فَقَالَ : فِيمَا طُقْتُنَّ وَاسْتَطَعْتُنَّ , فَقُلْنَ : اللَّه وَرَسُوله أَرْحَم بِنَا مِنْ أَنْفُسنَا \" وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ \" مَا قَوْلِي لِمِائَةِ اِمْرَأَة إِلَّا كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَة \" وَقَدْ جَاءَ فِي أَخْبَار أُخْرَى أَنَّهُنَّ كُنَّ يَأْخُذْنَ بِيَدِهِ عِنْد الْمُبَايَعَة مِنْ فَوْق ثَوْب أَخْرَجَهُ يَحْيَى بْن سَلَّامٍ فِي تَفْسِيره عَنْ الشَّعْبِيّ , وَفِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاق عَنْ أَبَان بْن صَالِح \" أَنَّهُ كَانَ يَغْمِس يَده فِي إِنَاء فَيَغْمِسْنَ أَيْدِيهنَّ فِيهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ يُونُس وَمَعْمَر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏أَمَّا مُتَابَعَة يُونُس فَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِي كِتَاب الطَّلَاق , وَأَمَّا مُتَابَعَة مَعْمَر فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْأَحْكَام , أَمَّا مُتَابَعَة عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق فَوَصَلَهَا اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق خَالِد بْن عَبْد اللَّه الْوَاسِطِيِّ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ إِسْحَاق بْن رَاشِد عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة وَعَمْرَة ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ عَائِشَة , جَمَعَ بَيْنهمَا , وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" عَنْ عَتَّاب بْن بَشِير عَنْ إِسْحَاق بْن رَاشِد بِهِ , وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْمِحْنَة الْمَذْكُورَة فِي قَوْله \" فَامْتَحِنُوهُنَّ \" هِيَ أَنْ يُبَايِعَهُنَّ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَة الْمَذْكُورَة. وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كَانَ يَمْتَحِن مَنْ هَاجَرَ مِنْ النِّسَاء : بِاَللَّهِ مَا خَرَجَتْ إِلَّا رَغْبَة فِي الْإِسْلَام وَحُبًّا لِلَّهِ وَرَسُوله \" وَأَخْرَجَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد نَحْوه وَزَادَ \" وَلَا خَرَجَ بِك عِشْق رَجُل مِنَّا , وَلَا فِرَار مِنْ زَوْجك \" , وَعِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ وَابْن أَبِي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس نَحْوه وَسَنَده ضَعِيف , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن التَّحْلِيف وَالْمُبَايَعَة وَاَللَّه أَعْلَم. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ وَابْن أَبِي حَاتِم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ أَنَّ الْمَرْأَة مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَانَتْ إِذَا غَضِبَتْ عَلَى زَوْجهَا قَالَتْ : وَاَللَّه لَأُهَاجِرَنَّ إِلَى مُحَمَّد , فَنَزَلَتْ \" فَامْتَحِنُوهُنَّ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4513",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَرَأَ عَلَيْنَا ‏ { ‏أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ‏} ‏وَنَهَانَا عَنْ النِّيَاحَةِ فَقَبَضَتْ امْرَأَةٌ يَدَهَا فَقَالَتْ أَسْعَدَتْنِي فُلَانَةُ أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا فَمَا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَيْئًا فَانْطَلَقَتْ وَرَجَعَتْ فَبَايَعَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ عَنْ أُمّ عَطِيَّة ) ‏ ‏كَذَا قَالَ عَبْد الْوَارِث عَنْ أَيُّوب , وَقَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ \" عَنْ أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أُمّ عَطِيَّة \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , فَكَأَنَّ أَيُّوب سَمِعَهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا فِي الْجَنَائِز. ‏ ‏قَوْله : ( بَايَعْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ عَلَيْنَا ( أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا ) وَنَهَانَا عَنْ النِّيَاحَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَاصِم عَنْ حَفْصَة عَنْ أُمّ عَطِيَّة قَالَتْ ( لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة ( يُبَايِعْنَك عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا - وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوفٍ ) كَانَ مِنْهُ النِّيَاحَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَبَضَتْ اِمْرَأَة يَدهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَاصِم \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه إِلَّا آلَ فُلَان فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَسْعَدُونِي فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَا بُدّ مِنْ أَنْ أُسْعِدهُمْ \" لَمْ أَعْرِف آلَ فُلَان الْمُشَار إِلَيْهِمْ , وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" قُلْت إِنَّ اِمْرَأَة أَسْعَدَتْنِي فِي الْجَاهِلِيَّة \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الْمَرْأَة. وَتَبَيَّنَ أَنَّ أُمّ عَطِيَّة فِي رِوَايَة عَبْد الْوَارِث أَبْهَمَتْ نَفْسهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَسْعَدَتْنِي فُلَانَة فَأُرِيد أَنْ أَجْزِيهَا ) ‏ ‏وَلِلنَّسَائِيِّ فِي رِوَايَة أَيُّوب \" فَأَذْهَب فَأُسْعِدهَا ثُمَّ أَجِيئك فَأُبَايِعك \" وَالْإِسْعَاد قِيَام الْمَرْأَة مَعَ الْأُخْرَى فِي النِّيَاحَة تُرَاسِلهَا , وَهُوَ خَاصّ بِهَذَا الْمَعْنَى , وَلَا يُسْتَعْمَل إِلَّا فِي الْبُكَاء وَالْمُسَاعَدَة عَلَيْهِ , وَيُقَال إِنَّ أَصْل الْمُسَاعَدَة وَضْع الرَّجُل يَده عَلَى سَاعِد الرَّجُل صَاحِبه عِنْد التَّعَاوُن عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَتْ وَرَجَعَتْ , فَبَايَعَهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَاصِم فَقَالَ \" إِلَّا آلَ فُلَان \" وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" قَالَ فَاذْهَبِي فَأَسْعِدِيهَا , قَالَتْ : فَذَهَبْت فَسَاعَدْتهَا ثُمَّ جِئْت فَبَايَعْت \" قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ التَّرْخِيص لِأُمِّ عَطِيَّة فِي آلِ فُلَان خَاصَّة , وَلَا تَحِلّ النِّيَاحَة لَهَا وَلَا لِغَيْرِهَا فِي غَيْر آلِ فُلَان كَمَا هُوَ ظَاهِر الْحَدِيث , وَلِلشَّارِعِ أَنْ يَخُصّ مِنْ الْعُمُوم مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ , فَهَذَا صَوَاب الْحُكْم فِي هَذَا الْحَدِيث. كَذَا قَالَ , وَفِيهِ نَظَر إِلَّا إِنْ اِدَّعَى أَنَّ الَّذِينَ سَاعَدَتْهُمْ لَمْ يَكُونُوا أَسْلَمُوا , وَفِيهِ بُعْد , وَإِلَّا فَلْيُدَّعَ مُشَارَكَتهمْ لَهَا فِي الْخُصُوصِيَّة , وَسَأُبَيِّنُ مَا يَقْدَح فِي خُصُوصِيَّة أُمّ عَطِيَّة بِذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ : وَاسْتَشْكَلَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره هَذَا الْحَدِيث وَقَالُوا فِيهِ أَقْوَالًا عَجِيبَة , وَمَقْصُودِي التَّحْذِير مِنْ الِاغْتِرَار بِهَا , فَإِنَّ بَعْض الْمَالِكِيَّة قَالَ : النِّيَاحَة لَيْسَتْ بِحَرَامٍ , لِهَذَا الْحَدِيث , وَإِنَّمَا الْمُحَرَّم مَا كَانَ مَعَهُ شَيْء مِنْ أَفْعَال الْجَاهِلِيَّة مِنْ شَقّ جَيْب وَخَمْش خَدّ وَنَحْو ذَلِكَ , قَالَ : وَالصَّوَاب مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَأَنَّ النِّيَاحَة حَرَام مُطْلَقًا وَهُوَ مَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة اِنْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز النَّقْل عَنْ غَيْر هَذَا الْمَالِكِيّ أَيْضًا أَنَّ النِّيَاحَة لَيْسَتْ بِحَرَامٍ , وَهُوَ شَاذّ مَرْدُود , وَقَدْ أَبْدَاهُ الْقُرْطُبِيّ اِحْتِمَالًا وَرَدَّهُ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَة فِي الْوَعِيد عَلَى النِّيَاحَة , وَهُوَ دَالّ عَلَى شِدَّة التَّحْرِيم , لَكِنْ لَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُون النَّهْي أَوَّلًا وَرَدَ بِكَرَاهَةِ التَّنْزِيه , ثُمَّ لَمَّا تَمَّتْ مُبَايَعَة النِّسَاء وَقَعَ التَّحْرِيم فَيَكُون الْإِذْن لِمَنْ ذُكِرَ وَقَعَ فِي الْحَالَة الْأُولَى لِبَيَانِ الْجَوَاز ثُمَّ وَقَعَ التَّحْرِيم فَوَرَدَ حِينَئِذٍ الْوَعِيد الشَّدِيد. وَقَدْ لَخَصَّ الْقُرْطُبِيّ بَقِيَّة الْأَقَاوِيل الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا النَّوَوِيّ , مِنْهَا دَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ قَبْل تَحْرِيم النِّيَاحَة , قَالَ : وَهُوَ فَاسِد لِمَسَاقِ حَدِيث أُمّ عَطِيَّة هَذَا , وَلَوْلَا أَنَّ أُمّ عَطِيَّة فَهِمَتْ التَّحْرِيم لَمَا اِسْتَثْنَتْ. ‏ ‏قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا أَنَّ أُمّ عَطِيَّة صَرَّحَتْ بِأَنَّهَا مِنْ الْعِصْيَان فِي الْمَعْرُوف وَهَذَا وَصْف الْمُحَرَّم. وَمِنْهَا أَنَّ قَوْله \" إِلَّا آلَ فُلَان \" لَيْسَ فِيهِ نَصّ عَلَى أَنَّهَا تُسَاعِدهُمْ بِالنِّيَاحَةِ , فَيُمْكِن أَنَّهَا تُسَاعِدهُمْ بِاللِّقَاءِ وَالْبُكَاء الَّذِي لَا نِيَاحَة مَعَهُ. قَالَ وَهَذَا أَشْبَه مِمَّا قَبْله. ‏ ‏قُلْت : بَلْ يَرُدّ عَلَيْهِ وُرُود التَّصْرِيح بِالنِّيَاحَةِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ , وَيَرُدّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ اللِّقَاء وَالْبُكَاء الْمُجَرَّد لَمْ يَدْخُل فِي النَّهْي كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز تَقْرِيره , فَلَوْ وَقَعَ الِاقْتِصَار عَلَيْهِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَأْخِير الْمُبَايَعَة حَتَّى تَفْعَلهُ. وَمِنْهَا يُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَعَادَ \" إِلَّا آلَ فُلَان \" عَلَى سَبِيل الْإِنْكَار كَمَا قَالَ لِمَنْ اِسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ : مَنْ ذَا ؟ فَقَالَ : أَنَا. فَقَالَ : أَنَا أَنَا. فَأَعَادَ عَلَيْهِ كَلَامه مُنْكِرًا عَلَيْهِ. ‏ ‏قُلْت : وَيَرُدّ عَلَيْهِ [ مَا وَرَدَ ] عَلَى الْأَوَّل. وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِأُمِّ عَطِيَّة , قَالَ : وَهُوَ فَاسِد فَإِنَّهَا لَا تَخْتَصّ بِتَحْلِيلِ شَيْء مِنْ الْمُحَرَّمَات اِنْتَهَى. وَيَقْدَح فِي دَعْوَى تَخْصِيصهَا أَيْضًا ثُبُوت ذَلِكَ لِغَيْرِهَا , وَيُعْرَف مِنْهُ أَيْضًا الْخَدْش فِي الْأَجْوِبَة الْمَاضِيَة , فَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ \" لَمَّا أَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النِّسَاء فَبَايَعَهُنَّ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا الْآيَة قَالَتْ خَوْلَة بِنْت حَكِيم : يَا رَسُول اللَّه كَانَ أَبِي وَأَخِي مَاتَا فِي الْجَاهِلِيَّة , وَإِنَّ فُلَانَة أَسْعَدَتْنِي وَقَدْ مَاتَ أَخُوهَا \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق شَهْر بْن حَوْشَبٍ عَنْ أُمّ سَلَمَة الْأَنْصَارِيَّة وَهِيَ أَسْمَاء بِنْت يَزِيد قَالَتْ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّ بَنِي فُلَان أَسْعَدُونِي عَلَى عَمِّي وَلَا بُدّ مِنْ قَضَائِهِنَّ , فَأَبَى قَالَتْ : فَرَاجَعْته مِرَارًا فَأَذِنَ لِي , ثُمَّ لَمْ أَنُحْ بَعْد \" , وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مُصْعَب بْن نُوح قَالَ \" أَدْرَكْت عَجُوزًا لَنَا كَانَتْ فِيمَنْ بَايَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : فَأَخَذَ عَلَيْنَا وَلَا يَنُحْنَ , فَقَالَ عَجُوز : يَا نَبِيّ اللَّه إِنَّ نَاسًا كَانُوا أَسْعَدُونَا عَلَى مَصَائِب أَصَابَتْنَا , وَإِنَّهُمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَة فَأَنَا أُرِيد أَنْ أُسْعِدهُمْ , قَالَ : فَاذْهَبِي فَكَافِئِيهِمْ. قَالَتْ : فَانْطَلَقْت فَكَافَأْتهمْ. ثُمَّ إِنَّهَا أَتَتْ فَبَايَعَتْهُ \" وَظَهَرَ مِنْ هَذَا كُلّه أَنَّ أَقْرَب الْأَجْوِبَة أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَة ثُمَّ كُرِهَتْ كَرَاهَة تَنْزِيه ثُمَّ تَحْرِيم وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4514",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّبَيْرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ‏ { ‏وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ شَرَطَهُ اللَّهُ لِلنِّسَاءِ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الْثَّانِي : ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا وَهْب بْن جَرِير قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي ) ‏ ‏هُوَ جَرِير بْن حَازِم. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت الزُّبَيْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" الزُّبَيْر بْن خِرِّيت \" وَهُوَ بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ مُثَنَّاة ‏ ‏قَوْله : ( فِي قَوْله : ( وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوفٍ ) قَالَ : إِنَّمَا هُوَ شَرْط شَرَطَهُ اللَّه لِلنِّسَاءِ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى النِّسَاء. وَقَوْله \" فَبَايِعْهُنَّ \" فِي السِّيَاق حَذْف تَقْدِيره : فَإِنْ بَايَعْنَ عَلَى ذَلِكَ , أَوْ فَإِنْ اِشْتَرَطْنَ ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسهنَّ فَبَايِعْهُنَّ. وَاخْتُلِفَ فِي الشَّرْط فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهُ النِّيَاحَة كَمَا سَبَقَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْد مُسْلِم مَا يَدُلّ لِذَلِكَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق زُهَيْر بْن مُحَمَّد قَالَ فِي قَوْله : ( وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوفٍ ) : لَا يَخْلُو الرَّجُل بِامْرَأَةٍ. وَقَدْ جَمَعَ بَيْنهمَا قَتَادَةُ , فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ قَالَ \" أَخَذَ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَنُحْنَ وَلَا يُحَدِّثْنَ الرِّجَال , فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف : إِنَّ لَنَا أَضْيَافًا وَإِنَّا نَغِيب عَنْ نِسَائِنَا , فَقَالَ : لَيْسَ أُولَئِكَ عَنَيْت \" وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمُقَدَّم ذِكْره \" إِنَّمَا أُنَبِّئُكُنَّ بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي لَا يَعْصِينَنِي فِيهِ , لَا تَخْلُوُنَّ بِالرِّجَالِ وُحْدَانًا , وَلَا تَنُحْنَ نَوْح الْجَاهِلِيَّة \" وَمِنْ طَرِيق أَسِيد بْن أَبِي أَسِيد الْبَرَّاد عَنْ اِمْرَأَة مِنْ الْمُبَايِعَات قَالَتْ \" كَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَعْصِيه فِي شَيْء مِنْ الْمَعْرُوف , وَلَا نَخْمُش وَجْهًا , وَلَا نَنْشُر شَعَرًا , وَلَا نَشُقّ جَيْبًا , وَلَا نَدْعُو وَيْلًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "4515",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَاهُ قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو إِدْرِيسَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَتُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَسْرِقُوا وَقَرَأَ ‏ ‏آيَةَ النِّسَاءِ ‏ ‏وَأَكْثَرُ لَفْظِ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَرَأَ الْآيَةَ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ مِنْهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏فِي الْآيَةِ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الْثَّالِث : ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَاهُ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ تَقْدِيم الِاسْم عَلَى الصِّيغَة , وَالضَّمِير لِلْحَدِيثِ الَّذِي يُرِيد أَنْ يَذْكُرهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَرَأَ آيَة النِّسَاء ) ‏ ‏أَيْ آيَة بَيْعَة النِّسَاء وَهِيَ ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَك الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَك عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا ) الْآيَة , وَقَدْ قَدَّمْت فِي كِتَاب الْإِيمَان بَيَان وَقْت هَذِهِ الْمُبَايَعَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَكْثَر لَفْظ سُفْيَان قَرَأَ الْآيَة ) ‏ ‏ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" قَرَأَ فِي الْآيَة \" وَالْأَوَّل أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ أَصَابَ مِنْهَا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْأَشْيَاء الَّتِي تُوجِب الْحَدّ , فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر ) ‏ ‏زَادَ الْمُسْتَمْلِيّ \" فِي الْآيَة \" , وَوَصَلَهُ مُسْلِم عَنْ عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَقِب رِوَايَة سُفْيَان وَقَالَ فِي آخِره \" وَزَادَ الْحَدِيث : فَتَلَا عَلَيْنَا آيَة النِّسَاء أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه وَمَبَاحِثه فِي كِتَاب الْإِيمَان مُسْتَوْفًى. وَقَوْله \" بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ \" فِيهِ عِدَّة أَقْوَال : مِنْهَا أَنَّ الْمُرَاد بِمَا بَيْنَ الْأَيْدِي مَا يُكْتَسَب بِهَا وَكَذَا الْأَرْجُل , الثَّانِي هُمَا كِنَايَة عَنْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَقِيلَ عَنْ الْأَعْمَال الظَّاهِرَة وَالْبَاطِنَة , وَقِيلَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَل , وَقِيلَ مَا بَيْن الْأَيْدِي كَسْب الْعَبْد بِنَفْسِهِ وَبِالْأَرْجُلِ كَسْبه بِغَيْرِهِ , وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4516",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْحَسَنَ بْنَ مُسْلِمٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهِدْتُ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْفِطْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏وَعُثْمَانَ ‏ ‏فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدُ فَنَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ مَعَ ‏ ‏بِلَالٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ‏} ‏حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْآيَةِ كُلِّهَا ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏لَا يَدْرِي ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏مَنْ هِيَ ‏ ‏قَالَ فَتَصَدَّقْنَ وَبَسَطَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏ثَوْبَهُ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ ‏ ‏الْفَتَخَ ‏ ‏وَالْخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ ‏ ‏بِلَالٍ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الْرَّابِع : ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم حَدَّثَنَا هَارُون بْن مَعْرُوف حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن وَهْب قَالَ وَأَخْبَرَنِي اِبْن جُرَيْجٍ ) ‏ ‏قُلْت : نَزَلَ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد دَرَجَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِابْنِ جُرَيْجٍ , فَإِنَّهُ يَرْوِي عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِوَاسِطَةِ رَجُل وَاحِد كَأَبِي عَاصِم وَمُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ وَمَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم وَغَيْرهمْ , نَزَلَ فِيهِ دَرَجَة بِالنِّسْبَةِ لِابْنِ وَهْب فَإِنَّهُ يَرْوِي عَنْ جَمْع مِنْ أَصْحَابه كَأَحْمَد بْن صَالِح وَأَحْمَد بْن عِيسَى وَغَيْرهَا , وَكَأَنَّ السَّبَب فِيهِ تَصْرِيح اِبْن جُرَيْجٍ فِي هَذِهِ الطَّرِيق النَّازِلَة بِالْإِخْبَارِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ طَرَفًا مِنْ هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْعِيدَيْنِ عَنْ أَبِي عَاصِم عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِالْعُلُوِّ , وَهُوَ مِنْ أَوَّله إِلَى قَوْله \" قَبْل الْخُطْبَة \" وَصَرَّحَ فِيهِ اِبْن جُرَيْجٍ بِالْخَبَرِ , فَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ بِطُولِهِ عِنْد اِبْن أَبِي عَاصِم وَلَا عِنْد مَنْ لَقِيَهُ مِنْ أَصْحَاب اِبْن وَهْب , وَقَدْ عَلَاهُ أَبُو ذَرّ فِي رِوَايَته فَقَالَ \" حَدَّثَنَا عَلِيّ الْحَرْبِيّ حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي دَاوُدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة حَدَّثَنَا اِبْن وَهْب \" , وَوَقَعَ لِلْبُخَارِيِّ بِعُلُوٍّ فِي الْعِيدَيْنِ لَكِنَّهُ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ , وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ مُسْتَوْفًى , وَقَوْل اِبْن وَهْب \" وَأَخْبَرَنِي اِبْن جُرَيْجٍ \" مَعْطُوف عَلَى شَيْء مَحْذُوف. ‏"
    },
    {
        "id": "4517",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ لِي أَسْمَاءً أَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَأَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏وَأَنَا ‏ ‏الْمَاحِي ‏ ‏الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ ‏ ‏بِيَ الْكُفْرَ وَأَنَا ‏ ‏الْحَاشِرُ ‏ ‏الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا ‏ ‏الْعَاقِبُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جُبَيْر بْن مُطْعِم , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى أَوَائِل السِّيرَة النَّبَوِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "4518",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْغَيْثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ‏ ‏الْجُمُعَةِ ‏ { ‏وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ‏} ‏قَالَ قُلْتُ مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ حَتَّى سَأَلَ ثَلَاثًا وَفِينَا ‏ ‏سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ‏ ‏وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَهُ عَلَى ‏ ‏سَلْمَانَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ أَوْ رَجُلٌ مِنْ هَؤُلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏ثَوْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْغَيْثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ غَيْر مَنْسُوب , قَالَ الْجَيَّانِيُّ : وَكَلَام الْكَلَابَاذِيّ يَقْتَضِي أَنَّهُ اِبْن أَبِي حَازِم سَلَمَة بْن دِينَار , قَالَ : وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ لِأَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ عَنْ قُتَيْبَة عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ ثَوْر. ‏ ‏قُلْت : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ قُتَيْبَة , وَأَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم مُسْتَخْرِجَيْهِمَا مِنْ طَرِيق قُتَيْبَة , وَجَزَمَ أَبُو مَسْعُود أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَهُ \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْوَهَّاب أَنْبَأَنَا عَبْد الْعَزِيز الدَّرَاوَرْدِيُّ \" كَذَا فِيهِ , وَتَبِعَهُ الْمِزِّيُّ , وَظَاهِره أَنَّ الْبُخَارِيّ نَسَبَهُ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ نُسَخ الصَّحِيح , وَلَمْ أَقِف عَلَى رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم لِهَذَا الْحَدِيث فِي شَيْء مِنْ الْمَسَانِيد , وَلَكِنْ يُؤَيِّدهُ أَنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يُخَرِّج لِلدَّرَاوَرْدِيِّ إِلَّا مُتَابَعَة أَوْ مَقْرُونًا , وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ فَإِنَّهُ صَدَّرَهُ بِرِوَايَةِ سُلَيْمَان بْن بِلَال ثُمَّ تَلَاهُ بِرِوَايَةِ عَبْد الْعَزِيز. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ ثَوْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد الْمَدَنِيّ , وَأَبُو الْغَيْث بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَة اِسْمه سَالِم. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَة الْجُمُعَة وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) ‏ ‏كَأَنَّهُ يُرِيد أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَة مِنْ سُورَة الْجُمُعَة , وَإِلَّا فَقَدْ نَزَلَ مِنْهَا قَبْل إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة الْأَمْر بِالسَّعْيِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ ثَوْر عِنْد مُسْلِم \" نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَة الْجُمُعَة فَلَمَّا قَرَأَ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ قُلْت مَنْ هُمْ يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيِّ \" قَالُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُول اللَّه \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَقَالَ لَهُ رَجُل \" وَفِي رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيِّ \" قِيلَ مَنْ هُمْ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر عَنْ ثَوْر عِنْد التِّرْمِذِيّ \" فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِنَا \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم السَّائِل. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يُرَاجِعُوهُ ) ‏ ‏كَذَا فِي نُسْخَتِي مِنْ طَرِيق أَبِي ذَرّ , وَفِي غَيْرهَا \" فَلَمْ يُرَاجِعهُ \" وَهُوَ الصَّوَاب , أَيْ لَمْ يُرَاجِع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّائِل , أَيْ لَمْ يُعِدْ عَلَيْهِ جَوَابه حَتَّى سَأَلَهُ ثَلَاث مَرَّات. وَوَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيِّ قَالَ \" فَلَمْ يُرَاجِعهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى سَأَلَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال \" حَتَّى سَأَلَهُ ثَلَاث مَرَّات \" بِالْجَزْمِ , وَكَذَا فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَضَعَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَده عَلَى سَلْمَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْعَلَاء عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" يَده عَلَى فَخِذ سَلْمَان \". ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ كَانَ الْإِيمَان عِنْد الثُّرَيَّا ) ‏ ‏هِيَ نَجْم مَعْرُوف تَقَدَّمَ ذِكْره فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم. ‏ ‏قَوْله ( لَنَالَهُ رِجَال - أَوْ رَجُل - مِنْ هَؤُلَاءِ ) ‏ ‏هَذَا الشَّكّ مِنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال. بِدَلِيلِ الرِّوَايَة الَّتِي أَوْرَدَهَا بَعْده مِنْ غَيْر شَكّ مُقْتَصِرًا عَلَى قَوْله \" رِجَال مِنْ هَؤُلَاءِ \" وَهِيَ عِنْد مُسْلِم وَالنَّسَائِيِّ كَذَلِكَ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ سُلَيْمَان بِلَفْظِ \" لَنَالَهُ رِجَال مِنْ هَؤُلَاءِ \" أَيْضًا بِغَيْرِ شَكٍّ. وَعَبْد الْعَزِيز الْمَذْكُور هُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم وَالْجَيَّانِيّ ثُمَّ الْمِزِّيُّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ قُتَيْبَة عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ , وَجَزَمَ الْكَلَابَاذِيّ بِأَنَّهُ اِبْن أَبِي حَازِم , وَالْأَوَّل أَوْلَى فَإِنَّ الْحَدِيث مَشْهُور عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ , وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الْمَسَانِيد مِنْ حَدِيث أَبِي حَازِم , وَالدَّرَاوَرْدِيّ قَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْمُتَابَعَات غَيْر هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أَبْنَاء فَارِس ) قِيلَ إِنَّهُمْ مِنْ وَلَد هدرام بن أرفخشد بن سَامِ بْن نُوح وَأَنَّهُ وَلَدَ بِضْعَة عَشَر رَجُلًا كُلّهمْ كَانَ فَارِسًا شُجَاعًا فَسُمُّوا الْفُرْس لِلْفُرُوسِيَّةِ , وَقِيلَ فِي نَسَبهمْ أَقْوَال أُخْرَى. وَقَالَ صَاعِد فِي الطَّبَقَات كَانَ أَوَّلهمْ عَلَى دِين نُوح , ثُمَّ دَخَلُوا فِي دِين الصَّابِئَة فِي زَمَن طمهورث فَدَامُوا عَلَى ذَلِكَ أَكْثَر مِنْ أَلْفَيْ سَنَة , ثُمَّ تَمَجَّسُوا عَلَى يَد زَرَادِشْت. وَقَدْ أَطْنَبَ أَبُو نُعَيْم فِي أَوَّل \" تَارِيخ أَصْبَهَان \" فِي تَخْرِيج طُرُق هَذَا الْحَدِيث , أَعْنِي حَدِيث \" لَوْ كَانَ الدِّين عِنْد الثُّرَيَّا \" وَوَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه عِنْد أَحْمَد بِلَفْظِ \" لَوْ كَانَ الْعِلْم عِنْد الثُّرَيَّا \" وَفِي بَعْض طُرُقه عِنْد أَبِي نُعَيْم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ ذَلِكَ عِنْد نُزُول قَوْله تَعَالَى ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ) وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ صَدَرَ عِنْد نُزُول كُلّ مِنْ الْآيَتَيْنِ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم الْحَدِيث مُجَرَّدًا عَنْ السَّبَب مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن الْأَصَمّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" لَوْ كَانَ الدِّين عِنْد الثُّرَيَّا لَذَهَبَ رِجَال مِنْ أَبْنَاء فَارِس حَتَّى يَتَنَاوَلُوهُ \" , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ حَدَّثَنِي شَيْخ مِنْ أَهْل الشَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْوه وَزَادَ فِي آخِره \" بِرِقَّةِ قُلُوبهمْ \" , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَان عَنْ سَلْمَان الْفَارِسِيّ بِالزِّيَادَةِ , وَمِنْ طَرِيق أُخْرَى مِنْ هَذَا الْوَجْه فَزَادَ فِيهِ \" يَتَّبِعُونَ سُنَّتِي , وَيُكْثِرُونَ الصَّلَاة عَلَيَّ \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَقَعَ مَا قَالَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيَانًا , فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُمْ مَنْ اِشْتَهَرَ ذِكْره مِنْ حُفَّاظ الْآثَار وَالْعِنَايَة بِهَا مَا لَمْ يُشَارِكهُمْ فِيهِ كَثِير مِنْ أَحَد غَيْرهمْ. وَاخْتَلَفَ أَهْل النَّسَب فِي أَصْل فَارِس فَقِيلَ إِنَّهُمْ يَنْتَهِي نَسَبُهُمْ إِلَى جيومرت وَهُوَ آدَم , وَقِيلَ إِنَّهُ مِنْ وَلَد يَافِثَ بْن نُوح , وَقِيلَ مِنْ ذُرِّيَّة لَاوِي بْنِ سَامِ بْن نُوح , وَقِيلَ هُوَ فَارِس بْن يَاسُورَ بْن سَامٍ , وَقِيلَ هُوَ مِنْ وَلَد هدرام بن أرفخشد بْن سَامٍ , وَقِيلَ إِنَّهُمْ مِنْ وَلَد يُوسُف بْن يَعْقُوب بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم , وَالْأَوَّل أَشْهَر الْأَقْوَال عِنْدهمْ , وَاَلَّذِي يَلِيه أَرْجَحهَا عِنْد غَيْرهمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "4519",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُصَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقْبَلَتْ عِيرٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَثَارَ النَّاسُ إِلَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي حَفْص بْن عُمَر ) ‏ ‏هُوَ الْحَوْضِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حُصَيْن ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد وَعَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر ) ‏ ‏يَعْنِي كِلَاهُمَا عَنْ جَابِر , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة مِنْ طَرِيق زَائِدَة عَنْ حُصَيْن عَنْ سَالِم وَحْده قَالَ \" حَدَّثَنَا جَابِر \" وَالِاعْتِمَاد عَلَى سَالِم , وَأَمَّا أَبُو سُفْيَان وَاسْمه طَلْحَة بْنُ نَافِع فَلَيْسَ عَلَى شَرْطه , وَإِنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ مَقْرُونًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ حَدِيث فِي مَنَاقِب سَعْد بْن مُعَاذ قَرَنَهُ بِسَالِمٍ أَيْضًا , وَأَخْرَجَ لَهُ حَدِيثَيْنِ آخَرِينَ فِي الْأَشْرِبَة مَقْرُونَيْنِ بِأَبِي صَالِح عَنْ جَابِر , وَهَذَا جَمِيع مَا لَهُ عِنْده. ‏ ‏قَوْله : ( أَقْبَلَتْ عِير ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهَا فِي كِتَاب الْجُمُعَة مَعَ بَقِيَّة شَرْح هَذَا الْحَدِيث وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏ ‏قَوْله : ( فَثَارَ النَّاس إِلَّا اِثْنَا عَشَر رَجُلًا ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ \" إِلَّا اِثْنَيْ عَشَر رَجُلًا وَامْرَأَة \" وَهُوَ أَصَحّ مِمَّا رَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ قَالَ \" لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا رَجُلَانِ وَامْرَأَة \" وَوَقَعَ فِي الْكَشَّاف أَنَّ الَّذِينَ بَقُوا ثَمَانِيَة أَنْفُس وَقِيلَ أَحَد عَشَر وَقِيلَ اِثْنَا عَشَر وَقِيلَ أَرْبَعُونَ , وَالْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ لَا أَصْل لَهُمَا فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ , وَقَدْ مَضَى اِسْتِيفَاء الْقَوْل فِي هَذَا أَيْضًا فِي كِتَاب الْجُمُعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4520",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ فِي غَزَاةٍ فَسَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ‏ ‏يَقُولُ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ وَلَئِنْ رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِهِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي أَوْ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَعَانِي فَحَدَّثْتُهُ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ‏ ‏وَأَصْحَابِهِ فَحَلَفُوا مَا قَالُوا فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَصَدَّقَهُ فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ فَجَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ فَقَالَ لِي عَمِّي مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَقَتَكَ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ‏} ‏فَبَعَثَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَرَأَ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ يَا ‏ ‏زَيْدُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ السُّبَيْعِيُّ , وَلِإِسْرَائِيل فِيهِ إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيقه عَنْ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي سَعْد الْأَزْدِيِّ عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَعْد بَابَيْنِ مِنْ رِوَايَة زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق تَصْرِيحه بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ زَيْد. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت فِي غَزَاة ) ‏ ‏زَادَ بَعْد بَاب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِسْرَائِيل \" مَعَ عَمِّي \" وَهَذِهِ الْغَزَاة وَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْنِ كَعْب عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم عِنْد النَّسَائِيِّ أَنَّهَا غَزْوَة تَبُوك , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة زُهَيْر الْمَذْكُورَة \" فِي سَفَر أَصَابَ النَّاس فِيهِ شِدَّة \" وَأَخْرَجَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر مُرْسَلًا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا لَمْ يَرْتَحِل مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّي فِيهِ , فَلَمَّا كَانَ غَزْوَة تَبُوك نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ \" فَذَكَرَ الْقِصَّة , وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَهْل الْمَغَازِي أَنَّهَا غَزْوَة بَنِي الْمُصْطَلِق , وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي حَدِيث جَابِر مَا يُؤَيِّدهُ , وَعِنْد اِبْن عَائِذ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" مِنْ طَرِيقه ثُمَّ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة أَنَّ الْقَوْل الْآتِي ذِكْره صَدَرَ مِنْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ بَعْد أَنْ قَفَلُوا. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَمِعْت عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلُولَ رَأْس النِّفَاق , وَقَدْ تَقَدَّمَ خَبَره فِي تَفْسِير بَرَاءَة. ‏ ‏قَوْله : ( يَقُول لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ ) ‏ ‏هُوَ كَلَام عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ , وَلَمْ يَقْصِد الرَّاوِي بِسِيَاقِهِ التِّلَاوَةَ , وَغَلِطَ بَعْض الشُّرَّاح فَقَالَ هَذَا وَقَعَ فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود وَلَيْسَ فِي الْمَصَاحِف الْمُتَّفَق عَلَيْهَا فَيَكُون عَلَى سَبِيل الْبَيَان مِنْ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قُلْت : وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ قَالَهَا قَبْل أَنْ يَنْزِل الْقُرْآن بِحِكَايَةِ جَمِيع كَلَامه. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَئِنْ رَجَعْنَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" وَلَوْ رَجَعْنَا \" وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَبَعْد الْوَاو مَحْذُوف تَقْدِيره سَمِعْته يَقُول , وَوَقَعَ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده \" وَقَالَ لَئِنْ رَجَعْنَا \" وَهُوَ يُؤَيِّد مَا قُلْته. وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَعْب عَنْ زَيْد بَعْد بَاب \" وَقَالَ أَيْضًا لَئِنْ رَجَعْنَا \" وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث جَابِر سَبَب قَوْل عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَمِّي أَوْ لِعُمَر ) ‏ ‏كَذَا بِالشَّكِّ , وَفِي سَائِر الرِّوَايَات الْآتِيَة لِعَمِّي بِلَا شَكٍّ , وَكَذَا عِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي سَعْد الْأَزْدِيِّ عَنْ زَيْد , وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ أَنَّ الْمُرَاد بِعَمِّهِ سَعْد بْن عُبَادَةَ وَلَيْسَ عَمّه حَقِيقَة وَإِنَّمَا هُوَ سَيِّد قَوْمه الْخَزْرَج , وَعَمّ زَيْد بْن أَرْقَم الْحَقِيقِيّ ثَابِت بْن قَيْس لَهُ صُحْبَة , وَعَمّه زَوْج أُمّه عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة خَزْرَجِيّ أَيْضًا. وَوَقَعَ فِي مَغَازِي أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة أَنَّ مِثْل ذَلِكَ وَقَعَ لِأَوْسِ بْن أَرْقَم فَذَكَرَهُ لِعُمَر بْن الْخَطَّاب سَبَب الشَّكّ فِي ذِكْر عُمَر , وَجَزَمَ الْحَاكِم فِي \" الْإِكْلِيل \" أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَة وَهْم وَالصَّوَاب زَيْد بْن أَرْقَم. ‏ ‏قُلْت : وَلَا يَمْتَنِع تَعَدُّد الْمُخْبِر بِذَلِكَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ , إِلَّا أَنَّ الْقِصَّة مَشْهُورَة لِزَيْدِ بْن أَرْقَم , وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيث أَنَس قَرِيبًا مَا يَشْهَد لِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ ذَكَرَهُ عَمِّي , وَكَذَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ زَيْد \" فَأَخْبَرْت بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَكَذَا فِي مُرْسَل قَتَادَةَ , فَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ الْإِخْبَار مَجَازًا , لَكِنْ فِي مُرْسَل الْحَسَن عَنْ عَبْد الرَّزَّاق \" فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَلَّك أَخْطَأَ سَمْعك , لَعَلَّك شُبِّهَ عَلَيْك \" فَعَلَى هَذَا لَعَلَّهُ رَاسَلَ بِذَلِكَ أَوَّلًا عَلَى لِسَان عَمّه ثُمَّ حَضَرَ هُوَ فَأَخْبَرَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَلَفُوا مَا قَالُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة زُهَيْر \" فَأَجْهَدَ يَمِينه \" وَالْمُرَاد بِهِ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ , وَجُمِعَ بِاعْتِبَارِ مَنْ مَعَهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة \" فَبَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ فَسَأَلَهُ , فَحَلَفَ بِاَللَّهِ مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَكَذَّبَنِي ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ , فِي رِوَايَة زُهَيْر \" فَقَالُوا كَذَبَ زَيْدٌ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَهَذَا بِالتَّخْفِيفِ وَرَسُول اللَّه بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقه فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي سُفْيَان فِي قِصَّة هِرَقْل , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ زَيْد عِنْد النَّسَائِيِّ \" فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ : أَتَى زَيْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَذِبِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَصَدَّقَهُ ) ‏ ‏وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا فَصَدَّقَهُمْ , وَفْد مَضَى تَوْجِيههَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَصَابَنِي هَمّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة زُهَيْر \" فَوَقَعَ فِي نَفْسِي شِدَّة \" وَفِي رِوَايَة أَبِي سَعْد الْأَزْدِيِّ عَنْ زَيْد \" فَوَقَعَ عَلَيَّ مِنْ الْهَمّ مَا لَمْ يَقَع عَلَى أَحَد \" وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَعْب \" فَرَجَعْت إِلَى الْمَنْزِل فَنِمْت \" زَادَ التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته \" فَنِمْت كَئِيبًا حَزِينًا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي لَيْلَى \" حَتَّى جَلَسْت فِي الْبَيْت مَخَافَة إِذَا رَآنِي النَّاس أَنْ يَقُولُوا كَذَبْت \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لِي عَمِّي مَا أَرَدْت إِلَى أَنْ كَذَّبَك ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ عَنْ الْجُرْجَانِيِّ : فَقَالَ لِي عُمَر. قَالَ الْجَيَّانِيُّ : وَالصَّوَاب \" عَمِّي \" كَمَا عِنْد الْجَمَاعَة , اِنْتَهَى. وَقَدْ ذَكَرْت قَبْل ذَلِكَ مَا يَقْتَضِي اِحْتِمَال ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَقَتَك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة لِمُحَمَّدِ بْن كَعْب \" فَلَامَنِي الْأَنْصَار \" , وَعِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقه \" وَلَامَنِي قَوْمِي \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَعْب \" فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَيْ بِالْوَحْيِ , وَفِي رِوَايَة زُهَيْر \" حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة \" فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ أَبْصَرُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوحَى إِلَيْهِ فَنَزَلَتْ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي سَعْد قَالَ \" فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِير مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَفَقْت بِرَأْسِي مِنْ الْهَمّ أَتَانِي فَعَرَكَ بِأُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي , فَلَحِقَنِي أَبُو بَكْر فَسَأَلَنِي فَقُلْت لَهُ , فَقَالَ : أَبْشِرْ. ثُمَّ لَحِقَنِي عُمَر مِثْل ذَلِكَ , فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَة الْمُنَافِقِينَ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ ) ‏ ‏زَادَ آدَم إِلَى قَوْله \" هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - إِلَى قَوْله - لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ \" وَهُوَ يُبَيِّن أَنَّ رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَعْب مُخْتَصَرَة حَيْثُ اِقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى قَوْله \" وَنَزَلَ : هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا الْآيَة \" لَكِنْ وَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقه \" فَنَزَلَتْ هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا , حَتَّى بَلَغَ : لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّه قَدْ صَدَّقَك يَا زَيْد ) ‏ ‏وَفِي مُرْسَل الْحَسَن \" فَأَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُذُنِ الْغُلَام فَقَالَ : وَفَتْ أُذُنك يَا غُلَام \" مَرَّتَيْنِ. زَادَ زُهَيْر فِي رِوَايَته \" فَدَعَاهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَغْفِر لَهُمْ \" وَسَيَأْتِي شَرْحه بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد تَرْك مُؤَاخَذَة كُبَرَاء الْقَوْم بِالْهَفَوَاتِ لِئَلَّا يَنْفِر أَتْبَاعهمْ وَالِاقْتِصَار عَلَى مُعَاتَبَاتهمْ وَقَبُول أَعْذَارهمْ وَتَصْدِيق أَيْمَانهمْ وَإِنْ كَانَتْ الْقَرَائِن تُرْشِد إِلَى خِلَاف ذَلِكَ , لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّأْنِيس وَالتَّأْلِيف. وَفِيهِ جَوَاز تَبْلِيغ مَا لَا يَجُوز لِلْمَقُولِ فِيهِ , وَلَا يُعَدّ نَمِيمَة مَذْمُومَة إِلَّا إِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْإِفْسَاد الْمُطْلَق , وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَة تُرَجَّح عَلَى الْمَفْسَدَة فَلَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4521",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ ‏ ‏عَمِّي ‏ ‏فَسَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ ‏ ‏يَقُولُ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَقَالَ أَيْضًا لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ ‏ ‏لِعَمِّي ‏ ‏فَذَكَرَ ‏ ‏عَمِّي ‏ ‏لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ‏ ‏وَأَصْحَابِهِ فَحَلَفُوا مَا قَالُوا فَصَدَّقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَذَّبَنِي فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ‏} ‏فَأَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَرَأَهَا عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الَّذِي قَبْله مُسْتَوْفًى. ‏"
    },
    {
        "id": "4522",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ‏ { ‏لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏} ‏وَقَالَ أَيْضًا ‏ { ‏لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ } ‏أَخْبَرْتُ بِهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَامَنِي ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏وَحَلَفَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ‏ ‏مَا قَالَ ذَلِكَ فَرَجَعْتُ إِلَى الْمَنْزِلِ فَنِمْتُ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ وَنَزَلَ ‏ { ‏هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا ‏} ‏الْآيَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ ) ‏ ‏زَادَ التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته : مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرْت بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى لِسَان عَمِّي جَمْعًا بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون هُوَ أَيْضًا أَخْبَرَ حَقِيقَة بَعْد أَنْ أَنْكَرَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُتِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏بِضَمِّ هَمْزَة أُتِيَ , أَيْ بِالْوَحْيِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن أَبِي زَائِدَة ) ‏ ‏هُوَ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة , وَطَرِيقه هَذِهِ وَصَلَهَا النَّسَائِيُّ , وَقَدْ بَيَّنْت مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَة قَبْل. ‏ ‏قَوْله فِيهِ ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ الْأَعْمَش عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْهُ , وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَة عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة فَقَالَ عَنْ أَبِي حَمْزَة عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم , فَكَأَنَّ لِعَمْرِو بْن مُرَّة فِيهِ شَيْخَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4523",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ‏ ‏لِأَصْحَابِهِ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ وَقَالَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَأَرْسَلَ إِلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ‏ ‏فَسَأَلَهُ فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ قَالُوا كَذَبَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِمَّا قَالُوا شِدَّةٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَصْدِيقِي فِي ‏ { ‏إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ‏} ‏فَدَعَاهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ فَلَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَقَوْلُهُ ‏ { ‏خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ‏} ‏قَالَ كَانُوا رِجَالًا أَجْمَلَ شَيْءٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَوْله خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ قَالَ كَانُوا رِجَالًا أَجْمَل شَيْء ) ‏ ‏هَذَا تَفْسِير لِقَوْلِهِ : ( تُعْجِبُك أَجْسَامُهُمْ ) وَخُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ تَمْثِيل لِأَجْسَامِهِمْ , وَوَقَعَ هَذَا فِي نَفْس الْحَدِيث وَلَيْسَ مُدْرَجًا , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَمْرو بْن خَالِد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ زُهَيْر. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَرَأَ الْجُمْهُور \" خُشُبٌ \" بِضَمَّتَيْنِ , وَأَبُو عَمْرو وَالْأَعْمَش وَالْكِسَائِيّ بِإِسْكَانِ الشِّين. ‏"
    },
    {
        "id": "4524",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ ‏ ‏عَمِّي ‏ ‏فَسَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ ‏ ‏يَقُولُ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ ‏ ‏لِعَمِّي ‏ ‏فَذَكَرَ ‏ ‏عَمِّي ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَعَانِي فَحَدَّثْتُهُ فَأَرْسَلَ إِلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ‏ ‏وَأَصْحَابِهِ فَحَلَفُوا مَا قَالُوا وَكَذَّبَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَصَدَّقَهُمْ فَأَصَابَنِي غَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي وَقَالَ ‏ ‏عَمِّي ‏ ‏مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَقَتَكَ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ‏} ‏وَأَرْسَلَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَرَأَهَا وَقَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم مِنْ وَجْه آخَر كَمَا مَضَى بَيَانه. وَوَقَعَ لِأَكْثَر الرُّوَاة مُخْتَصَرًا مِنْ أَثْنَائِهِ , وَسَاقَهُ أَبُو ذَرّ تَامًّا إِلَّا قَوْله \" وَصَدَّقَهُمْ \". وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي السِّيَاق الَّذِي أَوْرَدَهُ خُصُوص مَا تَرْجَمَ بِهِ , وَالْجَوَاب أَنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَته فِي الْإِشَارَة إِلَى أَصْل الْحَدِيث , وَوَقَعَ فِي مُرْسَل الْحَسَن \" فَقَالَ قَوْم لِعَبْدِ اللَّه بْن أُبَيٍّ لَوْ أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَغْفَرَ لَك , فَجَعَلَ يَلْوِي رَأْسه , فَنَزَلَتْ \" وَكَذَا أَخْرَجَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ , وَعَنْ طَرِيق مُجَاهِد , وَمِنْ طَرِيق عِكْرِمَة أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4525",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا فِي غَزَاةٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مَرَّةً فِي جَيْشٍ ‏ ‏فَكَسَعَ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏رَجُلًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا ‏ ‏لَلْأَنْصَارِ ‏ ‏وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا ‏ ‏لَلْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏كَسَعَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ فَسَمِعَ بِذَلِكَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ‏ ‏فَقَالَ فَعَلُوهَا أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَامَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ وَكَانَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏أَكْثَرَ مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏حِينَ قَدِمُوا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏ثُمَّ إِنَّ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏كَثُرُوا بَعْدُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏فَحَفِظْتُهُ مِنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏وَقَعَ فِي آخِر الْبَاب \" قَالَ سُفْيَان فَحَفِظْته مِنْ عَمْرو قَالَ فَذَكَرَهُ \" وَوَقَعَ رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ الْآتِيَة بَعْد بَاب \" حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرو \". ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا فِي غَزَاة , قَالَ سُفْيَان مَرَّة فِي جَيْش ) ‏ ‏وَسَمَّى اِبْن إِسْحَاق هَذِهِ الْغَزْوَة غَزْوَة بَنِي الْمُصْطَلِق , وَكَذَا وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان قَالَ : يَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْغَزَاة غَزَاة بَنِي الْمُصْطَلِق , وَكَذَا فِي مُرْسَل عُرْوَة الَّذِي سَأَذْكُرُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَسَعَ رَجُل ) ‏ ‏الْكَسْع يَأْتِي تَفْسِيره بَعْد بَاب , وَالْمَشْهُور فِيهِ أَنَّهُ ضَرْب الدُّبُر بِالْيَدِ أَوْ بِالرِّجْلِ. وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ جَابِر \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَسَعَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار بِرِجْلِهِ \" وَذَلِكَ عِنْد أَهْل الْيَمَن شَدِيد , وَالرَّجُل الْمُهَاجِرِيُّ هُوَ جَهْجَاهُ بْن قَيْس - وَيُقَال اِبْن سَعِيد - الْغِفَارِيُّ , وَكَانَ مَعَ عُمَر بْن الْخَطَّاب يَقُود لَهُ فَرَسه , وَالرَّجُل الْأَنْصَارِيّ هُوَ سِنَان بْن وَبَرَة الْجُهَنِيّ حَلِيف الْأَنْصَار , وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا أَنَّ الْأَنْصَارِيّ كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ مِنْ جُهَيْنَة , وَأَنَّ الْمُهَاجِرِيّ كَانَ مِنْ غِفَار , وَسَمَّاهُمَا اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَنْ شُيُوخه , وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَعَمْرو بْن ثَابِت أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا غَزْوَة الْمُرَيْسِيعِ وَهِيَ الَّتِي هَدَمَ فِيهَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَاة الطَّاغِيَة الَّتِي كَانَتْ بَيْن قَفَا الْمُشَلَّل وَبَيْن الْبَحْر فَاقْتَتَلَ رَجُلَانِ فَاسْتَعْلَى الْمُهَاجِرِيُّ عَلَى الْأَنْصَارِيّ , فَقَالَ حَلِيف الْأَنْصَار : يَا مَعْشَر الْأَنْصَار , فَتَدَاعَوْا إِلَى أَنْ حُجِزَ بَيْنهمْ , فَانْكَفَأَ كُلّ مُنَافِق إِلَى عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ فَقَالُوا : كُنْت تُرْجَى وَتَدْفَع , فَصِرْت لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع , فَقَالَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ , فَذَكَرَ الْقِصَّة بِطُولِهَا , وَهُوَ مُرْسَل جَيِّد. وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الطُّرُق عَلَى أَنَّ الْمُهَاجِرِيّ وَاحِد. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر عِنْد مُسْلِم \" اِقْتَتَلَ غُلَامَانِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَغُلَام مِنْ الْأَنْصَار , فَنَادَى الْمُهَاجِرِيّ : يَا لَلْمُهَاجِرِينَ , وَنَادَى الْأَنْصَارِيّ : يَا لَلْأَنْصَار , فَخَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ أَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة , قَالُوا : لَا , إِنَّ غُلَامَيْنِ اِقْتَتَلَا فَكَسَعَ أَحَدهمَا الْآخَر , فَقَالَ : لَا بَأْس , وَلْيَنْصُرَنَّ الرَّجُل أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا \" الْحَدِيث. وَيُمْكِن تَأْوِيل هَذِهِ الرِّوَايَة بِأَنَّ قَوْله \" مِنْ الْمُهَاجِرِينَ \" بَيَان لِأَحَدِ الْغُلَامَيْنِ , وَالتَّقْدِير اِقْتَتَلَ غُلَامَانِ غُلَام مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَغُلَام مِنْ الْأَنْصَار فَحَذَفَ لَفْظ غُلَام مِنْ الْأَوَّل وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي بَقِيَّة الْخَبَر \" فَقَالَ الْمُهَاجِرِيّ \" فَأَفْرَدَهُ , فَتَتَوَافَق الرِّوَايَات. وَيُسْتَفَاد مِنْ قَوْله \" لَا بَأْس \" جَوَاز الْقَوْل الْمَذْكُور بِالْقَصْدِ الْمَذْكُور وَالتَّفْصِيل الْمُبَيَّن , لَا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة مِنْ نُصْرَة مَنْ يَكُون مِنْ الْقَبِيلَة مُطْلَقًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح قَوْله \" اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا \" مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب أَعِنْ أَخَاك \" مِنْ كِتَاب الْمَظَالِم. ‏ ‏قَوْله : ( يَا لَلْأَنْصَار ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَهِيَ لِلِاسْتِغَاثَةِ أَيْ أَغِيثُونِي , وَكَذَا قَوْل الْآخَر يَا لَلْمُهَاجِرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَة ) ‏ ‏أَيْ دَعْوَة الْجَاهِلِيَّة. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ الْمُرَاد الْكَسْعَة. وَمُنْتِنَة بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون النُّون وَكَسْر الْمُثَنَّاة مِنْ النَّتِن أَيْ أَنَّهَا كَلِمَة قَبِيحَة خَبِيثَة , وَكَذَا ثَبَتَتْ فِي بَعْض الرِّوَايَات. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَلُوهَا ) ‏ ‏؟ هُوَ اِسْتِفْهَام بِحَذْفِ الْأَدَاة أَيْ أَفَعَلُوهَا أَيْ الْأَثَرَة أَيْ شَرِكْنَاهُمْ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَأَرَادُوا الِاسْتِبْدَاد بِهِ عَلَيْنَا. وَفِي مُرْسَل قَتَادَةَ \" فَقَالَ رَجُل مِنْهُمْ عَظِيم النِّفَاق : مَا مَثَلنَا وَمَثَلهمْ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِل : سَمِّنْ كَلْبك يَأْكُلك \" وَعِنْد اِبْن إِسْحَاق : فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ أَقَدْ فَعَلُوهَا ؟ نَافَرُونَا وَكَاثَرُونَا فِي بِلَادنَا , وَاَللَّه مَا مَثَلنَا وَجَلَابِيب قُرَيْش هَذِهِ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِل : سَمِّنْ كَلْبك يَأْكُلك. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ عُمَر فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه دَعْنِي أَضْرِب عُنُقه ) ‏ ‏فِي مُرْسَل قَتَادَةَ \" فَقَالَ عُمَر : مُرْ مُعَاذًا أَنْ يَضْرِب عُنُقه \" وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ مُعَاذًا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَوْمه. ‏ ‏قَوْله : ( دَعْهُ لَا يَتَحَدَّث النَّاس أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُل أَصْحَابه ) ‏ ‏أَيْ أَتْبَاعه , وَيَجُوز فِي \" يَتَحَدَّث \" الرَّفْع عَلَى الِاسْتِئْنَاف وَالْكَسْر عَلَى جَوَاب الْأَمْر. وَفِي مُرْسَل قَتَادَةَ \" فَقَالَ لَا وَاَللَّه لَا يَتَحَدَّث النَّاس \" زَادَ اِبْن إِسْحَاق \" فَقَالَ مُرْ بِهِ مُعَاذ بْن بِشْر بْن وَقْش فَلْيَقْتُلْهُ , فَقَالَ : لَا وَلَكِنْ أَذِّنْ بِالرَّحِيلِ , فَرَاحَ فِي سَاعَة مَا كَانَ يَرْحَل فِيهَا , فَلَقِيَهُ أُسَيْد بْن حُضَيْر فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : فَأَنْتَ يَا رَسُول اللَّه الْأَعَزُّ وَهُوَ الْأَذَلّ \". قَالَ وَبَلَغَ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ مَا كَانَ مِنْ أَمْر أَبِيهِ فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : بَلَغَنِي أَنَّك تُرِيد قَتْل أَبِي فِيمَا بَلَغَك عَنْهُ , فَإِنْ كُنْت فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ فَأَنَا أَحْمِل إِلَيْك رَأْسه , فَقَالَ بَلْ تُرْفِق بِهِ وَتُحْسِن صُحْبَته. قَالَ فَكَانَ بَعْد ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ الْحَدَث كَانَ قَوْمه هُمْ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَر : كَيْف تَرَى \" ؟ وَوَقَعَ فِي مُرْسَل عِكْرِمَة عِنْد الطَّبَرِيِّ \" أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ وَالِدِي يُؤْذِي اللَّه وَرَسُوله , فَذَرْنِي حَتَّى أَقْتُلهُ , قَالَ لَا تَقْتُل أَبَاك \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَثُرُوا بَعْد ) ‏ ‏هَذَا مِمَّا يُؤَيِّد تَقَدُّم الْقِصَّة , وَيُوَضِّح وَهْم مَنْ قَالَ إِنَّهَا كَانَتْ بِتَبُوك لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ حِينَئِذٍ كَانُوا كَثِيرًا جِدًّا , وَقَدْ اِنْضَافَتْ إِلَيْهِمْ مُسْلِمَة الْفَتْح فِي غَزْوَة تَبُوك فَكَانُوا حِينَئِذٍ أَكْثَر مِنْ الْأَنْصَار. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4526",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ ‏ ‏بِالْحَرَّةِ ‏ ‏فَكَتَبَ إِلَيَّ ‏ ‏زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ‏ ‏وَبَلَغَهُ شِدَّةُ حُزْنِي يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ اغْفِرْ ‏ ‏لِلْأَنْصَارِ ‏ ‏وَلِأَبْنَاءِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَشَكَّ ‏ ‏ابْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏فِي أَبْنَاءِ أَبْنَاءِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَسَأَلَ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَقَالَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَذَا الَّذِي أَوْفَى اللَّهُ لَهُ بِأُذُنِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن الْفَضْل ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْعَبَّاس بْن رَبِيعَة بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب الْهَاشِمِيّ , تَابِعِيّ صَغِير مَدَنِيّ ثِقَة مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَنَس إِلَّا هَذَا الْحَدِيث , وَهُوَ مِنْ أَقْرَان مُوسَى بْن عُقْبَة الرَّاوِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَزِنْت عَلَى مَنْ أُصِيبَ بِالْحَرَّةِ ) ‏ ‏هُوَ بِكَسْرِ الزَّاي مِنْ الْحُزْن , زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن فُلَيْح عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة \" مِنْ قَوْمِي \" وَكَانَتْ وَقْعَة الْحَرَّة فِي سَنَة ثَلَاث وَسِتِّينَ , وَسَبَبهَا أَنَّ أَهْل الْمَدِينَة خَلَعُوا بَيْعَة يَزِيد بْنِ مُعَاوِيَة لَمَّا بَلَغَهُمْ مَا يَتَعَمَّدهُ مِنْ الْفَسَاد فَأَمَّرَ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّه بْن حَنْظَلَة بْن أَبِي عَامِر وَأَمَّرَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّه بْن مُطِيع الْعَدَوِيَّ , وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَزِيد بْن مُعَاوِيَة مُسْلِمَ بْن عَقَبَة الْمُرِّيّ فِي جَيْش كَثِير فَهَزَمَهُمْ وَاسْتَبَاحُوا الْمَدِينَة وَقَتَلُوا اِبْن حَنْظَلَة وَقُتِلَ مِنْ الْأَنْصَار شَيْءٌ كَثِير جِدًّا , وَكَانَ أَنَس يَوْمَئِذٍ بِالْبَصْرَةِ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَحَزِنَ عَلَى مَنْ أُصِيبَ مِنْ الْأَنْصَار , فَكَتَبَ إِلَيْهِ زَيْد بْن أَرْقَم وَكَانَ يَوْمَئِذٍ بِالْكُوفَةِ يُسَلِّيه , وَمُحَصَّل ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَصِير إِلَى مَغْفِرَة اللَّه لَا يَشْتَدّ الْحُزْن عَلَيْهِ , فَكَانَ ذَلِكَ تَعْزِيَة لِأَنَسٍ فِيهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَشَكَّ اِبْن الْفَضْل فِي أَبْنَاء أَبْنَاء الْأَنْصَار ) ‏ ‏رَوَاهُ النَّضْر بْن أَنَس عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم مَرْفُوعًا \" اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَار وَأَبْنَاء أَبْنَاء الْأَنْصَار \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْهُ مِنْ غَيْر شَكّ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ النَّضْر بْن أَنَس عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَنَس بْن مَالِك يُعَزِّيه فِيمَنْ أُصِيبَ مِنْ أَهْله وَبَنِي عَمّه يَوْم الْحَرَّة , فَكَتَبَ إِلَيْهِ : إِنِّي أُبَشِّرك بِبُشْرَى مِنْ اللَّه أَنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِذَرَارِيّ الْأَنْصَار وَلِذَرَارِيّ ذَرَارِيّهمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَسَأَلَ أَنَسًا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْده ) ‏ ‏هَذَا السَّائِل لَمْ أَعْرِف اِسْمه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون النَّضْر بْن أَنَس فَإِنَّهُ رَوَى حَدِيث الْبَاب عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم كَمَا تَرَى , وَزَعَمَ اِبْن التِّين أَنَّهُ وَقَعَ عِنْد الْقَابِسِيّ : فَسَأَلَ أَنَسٌ بَعْضَ بِالنَّصْبِ وَأَنَس بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِل , وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب , قَالَ الْقَابِسِيّ : الصَّوَاب أَنَّ الْمَسْئُول أَنَسٌ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْفَى اللَّه لَهُ بِأُذُنِهِ ) ‏ ‏أَيْ بِسَمْعِهِ , وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَالذَّال الْمُعْجَمَة وَيَجُوز فَتْحهمَا , أَيْ أَظْهَرَ صِدْقه فِيمَا أَعْلَمَ بِهِ , وَالْمَعْنَى أَوْفَى صِدْقه. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث جَابِر أَنَّ فِي مُرْسَل الْحَسَن \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِأُذُنِهِ فَقَالَ : وَفَّى اللَّه بِأُذُنِك يَا غُلَام \" كَأَنَّهُ جَعَلَ أُذُنه ضَامِنَة بِتَصْدِيقِ مَا ذَكَرَتْ أَنَّهَا سَمِعَتْ , فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآن بِتَصْدِيقِهِ صَارَتْ كَأَنَّهَا وَافِيَة بِضَمَانِهَا. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن فُلَيْح عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة \" قَالَ اِبْن شِهَاب سَمِعَ زَيْد بْن أَرْقَم رَجُلًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَقُول وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب : لَئِنْ كَانَ هَذَا صَادِقًا لِنَحْنُ شَرّ مِنْ الْحَمِير , فَقَالَ زَيْد : قَدْ وَاَللَّه صَدَقَ , وَلَأَنْتَ شَرّ مِنْ الْحِمَار. وَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمَ فَجَحَدَهُ الْقَائِل , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَى رَسُوله ( يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ مَا قَالُوا ) الْآيَة , فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة تَصْدِيقًا لِزَيْدٍ اِنْتَهَى. وَهَذَا مُرْسَل جَيِّد. وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ حَذَفَهُ لِكَوْنِهِ عَلَى غَيْر شَرْطه , وَلَا مَانِع مِنْ نُزُول الْآيَتَيْنِ فِي الْقِصَّتَيْنِ فِي تَصْدِيق زَيْد. ‏"
    },
    {
        "id": "4527",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُنَّا فِي غَزَاةٍ ‏ ‏فَكَسَعَ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏رَجُلًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا ‏ ‏لَلْأَنْصَارِ ‏ ‏وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا ‏ ‏لَلْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏فَسَمَّعَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ مَا هَذَا فَقَالُوا ‏ ‏كَسَعَ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏رَجُلًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا ‏ ‏لَلْأَنْصَارِ ‏ ‏وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا ‏ ‏لَلْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ قَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏وَكَانَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَكْثَرَ ثُمَّ كَثُرَ ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏بَعْدُ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ‏ ‏أَوَقَدْ فَعَلُوا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4528",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَتِلْكَ الْعِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَة لَهُ \" وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الطَّلَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4529",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَأَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏جَالِسٌ عِنْدَهُ فَقَالَ أَفْتِنِي فِي امْرَأَةٍ وَلَدَتْ بَعْدَ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏آخِرُ الْأَجَلَيْنِ قُلْتُ أَنَا ‏ { ‏وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏فَأَرْسَلَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏غُلَامَهُ ‏ ‏كُرَيْبًا ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏يَسْأَلُهَا فَقَالَتْ ‏ ‏قُتِلَ زَوْجُ ‏ ‏سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ ‏ ‏وَهِيَ حُبْلَى فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَخُطِبَتْ ‏ ‏فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏أَبُو السَّنَابِلِ ‏ ‏فِيمَنْ خَطَبَهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏وَأَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُعَظِّمُونَهُ فَذَكَرُوا لَهُ فَذَكَرَ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ فَحَدَّثْتُ ‏ ‏بِحَدِيثِ ‏ ‏سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَضَمَّزَ ‏ ‏لِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏فَفَطِنْتُ لَهُ فَقُلْتُ إِنِّي إِذًا لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏وَهُوَ فِي نَاحِيَةِ ‏ ‏الْكُوفَةِ ‏ ‏فَاسْتَحْيَا وَقَالَ لَكِنْ عَمُّهُ لَمْ يَقُلْ ذَاكَ فَلَقِيتُ ‏ ‏أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ فَذَهَبَ يُحَدِّثُنِي ‏ ‏حَدِيثَ ‏ ‏سُبَيْعَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ هَلْ سَمِعْتَ عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فِيهَا شَيْئًا ‏ ‏فَقَالَ كُنَّا عِنْدَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ وَلَا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةُ ‏ ‏النِّسَاءِ الْقُصْرَى ‏ ‏بَعْدَ ‏ ‏الطُّولَى ‏ { ‏وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ رَجُل إِلَى اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( آخِر الْأَجَلَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ يَتَرَبَّصْنَ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا وَلَوْ وَضَعَتْ قَبْل ذَلِكَ , فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ تَضَع تَتَرَبَّص إِلَى أَنْ تَضَع. وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ اِبْن عَبَّاس هَذَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى , وَنُقِلَ عَنْ سَحْنُون أَيْضًا , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ : قِيلَ لِابْنِ عَبَّاس فِي اِمْرَأَة وَضَعَتْ بَعْد وَفَاة زَوْجهَا بِعِشْرِينَ لَيْلَة أَيَصْلُحُ أَنْ تَتَزَوَّج ؟ قَالَ : لَا , إِلَى آخِر الْأَجَلَيْنِ. قَالَ أَبُو سَلَمَة : فَقُلْت قَالَ اللَّه ( وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) قَالَ إِنَّمَا ذَاكَ فِي الطَّلَاق. وَهَذَا السِّيَاق أَوْضَح لِمَقْصُودِ التَّرْجَمَة , لَكِنْ الْبُخَارِيّ عَلَى عَادَته فِي إِيثَار الْأَخْفَى عَلَى الْأَجْلَى , وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ وَابْن أَبِي حَاتِم بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَة إِلَى أُبَيِّ بْن كَعْب أَنَّهُ \" قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) الْمُطَلَّقَة ثَلَاثًا أَوْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجهَا ؟ قَالَ : هِيَ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا أَوْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا \" وَهَذَا الْمَرْفُوع وَإِنْ كَانَ لَا يَخْلُو شَيْء مِنْ أَسَانِيده عَنْ مَقَال لَكِنْ كَثْرَة طُرُقه تُشْعِر بِأَنَّ لَهُ أَصْلًا , وَيُعَضِّدهُ قِصَّة سُبَيْعَةَ الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : أَنَا مَعَ اِبْن أَخِي , يَعْنِي أَبَا سَلَمَة ) ‏ ‏أَيْ وَافَقَهُ فِيمَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَرْسَلَ كُرَيْبًا ) ‏ ‏هَذَا السِّيَاق ظَاهِره أَنَّ أَبَا سَلَمَة تَلَقَّى ذَلِكَ عَنْ كُرَيْب عَنْ أُمّ سَلَمَة , وَهُوَ الْمَحْفُوظ. وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيّ فِي الْجُمَع أَنَّ أَبَا مَسْعُود ذَكَرَهُ فِي \" الْأَطْرَاف \" فِي تَرْجَمَة أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة , قَالَ الْحُمَيْدِيّ : وَفِيهِ نَظَر , لِأَنَّ الَّذِي عِنْدنَا مِنْ الْبُخَارِيّ \" فَأَرْسَلَ اِبْنُ عَبَّاس غُلَامَهُ كُرَيْبًا فَسَأَلَهَا \" لَمْ يَذْكُر لَهَا اِسْمًا. كَذَا قَالَ. وَاَلَّذِي وَقَعَ لَنَا وَوَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ جَمِيع الرِّوَايَات فِي الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْمَوْضِع \" فَأَرْسَلَ اِبْنُ عَبَّاس غُلَامَهُ كُرَيْبًا إِلَى أُمّ سَلَمَة \" وَكَذَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير , وَقَدْ سَاقَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن يَسَار \" أَنَّ أَبَا سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن وَابْن عَبَّاس اِجْتَمَعَا عِنْد أَبِي هُرَيْرَة وَهُمَا يَذْكُرَانِ الْمَرْأَة تَنْفَس بَعْد وَفَاة زَوْجهَا بِلَيَالِي , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : عِدَّتهَا آخِر الْأَجَلَيْنِ , فَقَالَ أَبُو سَلَمَة : قَدْ حَلَّتْ , فَجَعَلَا يَتَنَازَعَانِ , فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : أَنَا مَعَ اِبْن أَخِي , فَبَعَثُوا كُرَيْبًا مَوْلَى اِبْن عَبَّاس إِلَى أُمّ سَلَمَة يَسْأَلهَا عَنْ ذَلِكَ \" فَهَذِهِ الْقِصَّة مَعْرُوفَة لِأُمِّ سَلَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَتْ قُتِلَ زَوْج سُبَيْعَةَ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَفِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّهُ مَاتَ , وَهُوَ الْمَشْهُور. وَاسْتَغْنَتْ أُمّ سَلَمَة بِسِيَاقِ قِصَّة سُبَيْعَةَ عَنْ الْجَوَاب بِلَا أَوْ نَعَمْ , لَكِنَّهُ اِقْتَضَى تَصْوِيب قَوْل أَبِي سَلَمَة , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى شَرْح قِصَّة سُبَيْعَةَ فِي كِتَاب الْعِدَد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ سُلَيْمَان بْن حَرْب وَأَبُو النُّعْمَان ) ‏ ‏وَهُوَ مُحَمَّد بْن الْفَضْل الْمَعْرُوف بِعَارِمٍ كِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , لَكِنْ ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيّ وَغَيْره فِي التَّعْلِيق , وَأَغْفَلَهُ الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" مَعَ ثُبُوته هُنَا فِي جَمِيع النُّسَخ , وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْمُعْجَم الْكَبِير \" عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ أَبِي النُّعْمَان بِلَفْظِهِ , وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن سُفْيَان عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سِيرِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت فِي حَلْقَة فِيهَا عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى , وَكَانَ أَصْحَابه يُعَظِّمُونَهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عَوْن عَنْ اِبْن سِيرِينَ بِلَفْظِ \" جَلَسْت إِلَى مَجْلِس مِنْ الْأَنْصَار فِيهِ عَظِيم مِنْ الْأَنْصَار \". ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرُوا لَهُ , فَذَكَرَ آخِر الْأَجَلَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ ذَكَرُوا لَهُ الْحَامِل تَضَع بَعْد وَفَاة زَوْجهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَدَّثْت بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْت الْحَارِث عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَسْعُود , وَسَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد بِهَذَا الْإِسْنَاد قِصَّة سُبَيْعَةَ بِتَمَامِهَا , وَكَذَا صَنَعَ أَبُو نُعَيْم. ‏ ‏قَوْله : ( فَضَمَّزَ ) ‏ ‏بِضَادٍ مُعْجَمَة وَمِيم ثَقِيلَة وَزَاي , قَالَ اِبْن التِّين : كَذَا فِي أَكْثَر النُّسَخ , وَمَعْنَاهُ أَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ اُسْكُتْ , ضَمَّزَ الرَّجُل إِذَا عَضَّ عَلَى شَفَتَيْهِ. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي عَبْد الْمَلِك أَنَّهَا بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَة أَيْ اِنْقَبَضَ. وَقَالَ عِيَاض : وَقَعَ عِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ كَذَلِكَ , وَعِنْد غَيْره مِنْ شُيُوخ أَبِي ذَرّ وَكَذَا عِنْد الْقَابِسِيّ بِنُونٍ بَدَل الزَّاي , وَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى مَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب. قَالَ : وَرِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ أَصْوَب , يُقَال ضَمَّزَنِي أَسْكَتَنِي , وَبَقِيَّة الْكَلَام يَدُلّ عَلَيْهِ. قَالَ : وَفِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن \" فَغَمَّضَ لِي \" أَيْ أَشَارَ بِتَغْمِيضِ عَيْنَيْهِ أَنْ اُسْكُتْ. ‏ ‏قُلْت : الَّذِي يُفْهَم مِنْ سِيَاق الْكَلَام أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مَقَالَته مِنْ غَيْر أَنْ يُوَجِّههُ بِذَلِكَ , بِدَلِيلِ قَوْله \" فَفَطِنْت لَهُ \" وَقَوْله \" فَاسْتَحْيَا \" فَلَعَلَّهَا فَغَمَزَ بِغَيْنٍ مُعْجَمَة بَدَل الضَّاد , أَوْ فَغَمَصَ بِصَادٍ مُهْمَلَة فِي آخِره أَيْ عَابَهُ , وَلَعَلَّ الرِّوَايَة الْمَنْسُوبَة لِابْنِ السَّكَن كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي إِذًا لَجَرِيء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِشَام عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ عَبْد بْن حُمَيْدٍ \" إِنِّي لَحَرِيص عَلَى الْكَذِب \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ كَذَبْت عَلَى عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة وَهُوَ فِي نَاحِيَة الْكُوفَة ) ‏ ‏هَذَا يُشْعِر بِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة وَقَعَتْ لَهُ وَعَبْد اللَّه بْن عُتْبَة حَيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَحْيَا ) ‏ ‏أَيْ مِمَّا وَقَعَ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَكِنْ عَمّه ) ‏ ‏يَعْنِي عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود ‏ ‏( لَمْ يَقُلْ ذَاكَ ) ‏ ‏كَذَا نَقَلَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْهُ , وَالْمَشْهُور عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ يَقُول خِلَاف مَا نَقَلَهُ اِبْن أَبِي لَيْلَى , فَلَعَلَّهُ كَانَ يَقُول ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ , أَوْ وَهَمَ النَّاقِل عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَقِيت أَبَا عَطِيَّة مَالِك بْن عَامِر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عَوْف \" مَالِك بْن عَامِر أَوْ مَالِك بْن عَوْف \" بِالشَّكِّ , وَالْمَحْفُوظ مَالِك بْن عَامِر , وَهُوَ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اِسْمه , وَالْقَائِل هُوَ اِبْن سِيرِينَ كَأَنَّهُ اِسْتَغْرَبَ مَا نَقَلَهُ اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ اِبْن مَسْعُود فَاسْتَثْبَتَ فِيهِ مِنْ غَيْره , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام عَنْ اِبْن سِيرِينَ \" فَلَمْ أَدْرِ مَا قَوْل اِبْن مَسْعُود فِي ذَلِكَ فَسَكَتَ , فَلَمَّا قُمْت لَقِيت أَبَا عَطِيَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَذَهَبَ يُحَدِّثنِي حَدِيث سُبَيْعَةَ ) ‏ ‏أَيْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَ بِهِ عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة عَنْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( هَلْ سَمِعْت ) ‏ ‏أَرَادَ اِسْتِخْرَاج مَا عِنْده فِي ذَلِكَ عَنْ اِبْن مَسْعُود لِمَا وَقَعَ عِنْده مِنْ التَّوَقُّف فِيمَا أَخْبَرَهُ بِهِ اِبْن أَبِي لَيْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : كُنَّا عِنْد عَبْد اللَّه ) ‏ ‏ابْن مَسْعُود ‏ ‏( فَقَالَ : أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم مِنْ طَرِيق الْحَارِث اِبْن عُمَيْر عَنْ أَيُّوب \" فَقَالَ أَبُو عَطِيَّة ذَكَرَ ذَلِكَ عِنْد اِبْن مَسْعُود فَقَالَ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ مَضَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر وَلَمْ تَضَع حَمْلهَا كَانَتْ قَدْ حَلَّتْ ؟ قَالُوا : لَا. قَالَ : فَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَارِث بْن عُمَيْر \" وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا \" وَهِيَ أَوْجَه , وَتُحْمَل الْأُولَى عَلَى الْمُشَاكَلَة أَيْ مِنْ الْأَخْذ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَة سُورَة الطَّلَاق. ‏ ‏قَوْله : ( لَنَزَلَتْ ) ‏ ‏هُوَ تَأْكِيد لِقَسَمٍ مَحْذُوف , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَارِث بْن عُمَيْر بَيَانه وَلَفْظه فَوَاَللَّهِ لَقَدْ نَزَلَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( سُورَة النِّسَاء الْقُصْرَى بَعْد الطُّولَى ) ‏ ‏أَيْ سُورَة الطَّلَاق بَعْد سُورَة الْبَقَرَة , وَالْمُرَاد بَعْض كُلّ , فَمِنْ الْبَقَرَة قَوْله : ( وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذْرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ) وَمِنْ الطَّلَاق قَوْله ( وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) وَمُرَاد اِبْن مَسْعُود إِنْ كَانَ هُنَاكَ نَسْخ فَالْمُتَأَخِّر هُوَ النَّاسِخ , وَإِلَّا فَالتَّحْقِيق أَنْ لَا نَسْخ هُنَاكَ بَلْ عُمُوم آيَة الْبَقَرَة مَخْصُوص بِآيَةِ الطَّلَاق. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق مَسْرُوق قَالَ : بَلَغَ اِبْن مَسْعُود أَنَّ عَلِيًّا يَقُول تَعْتَدّ آخِر الْأَجَلَيْنِ , فَقَالَ : مَنْ شَاءَ لَاعَنْته أَنَّ الَّتِي فِي النِّسَاء الْقُصْرَى أُنْزِلَتْ بَعْد سُورَة الْبَقَرَة , ثُمَّ قَرَأَ ( وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) وَعُرِفَ بِهَذَا مُرَاده بِسُورَةِ النِّسَاء الْقُصْرَى , وَفِيهِ جَوَاز وَصْف السُّورَة بِذَلِكَ. وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ قَالَ : لَا أَرَى قَوْله \" الْقُصْرَى \" مَحْفُوظًا وَلَا يُقَال فِي سُوَر الْقُرْآن قُصْرَى وَلَا صُغْرَى اِنْتَهَى. وَهُوَ رَدّ لِلْأَخْبَارِ الثَّابِتَة بِلَا مُسْتَنَد , وَالْقِصَر وَالطُّول أَمْر نِسْبِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَة الصَّلَاة قَوْل زَيْد بْن ثَابِت \" طُولَى الطُّولَيَيْنِ \" وَأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ سُورَة الْأَعْرَاف. ‏"
    },
    {
        "id": "4530",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ حَكِيمٍ هُوَ يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ الثَّقَفِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فِي الْحَرَامِ يُكَفَّرُ وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ { ‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏إِسْوَةٌ ‏ ‏حَسَنَةٌ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن حَكِيم ) ‏ ‏هُوَ يَعْلَى بْن حَكِيم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ عَنْ أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ بِأَنَّ أَحْمَد الْجُرْجَانِيَّ يَحْيَى عَنْ اِبْن حَكِيم لَمْ يُسَمِّهِ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن مُسَمًّى فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ يَحْيَى عَنْ يَعْلَى بْن حَكِيم \" قَالَ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيّ \" هِشَام عَنْ يَعْلَى بْن حَكِيم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر \" قَالَ الْجَيَّانِيُّ : وَهُوَ خَطَأ فَاحِش. قُلْت : سَقَطَ عَلَيْهِ لَفْظَة \" عَنْ \" بَيْن يَحْيَى وَابْن حَكِيم , قَالَ : وَرِوَايَة اِبْن السَّكَن رَافِعَة لِلنِّزَاعِ. ‏ ‏قُلْت : وَسَمَّاهُ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير فِي رِوَايَة مُعَاوِيَة بْن سَلَّامٍ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب الطَّلَاق. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مُعَاوِيَة الْمَذْكُورَة أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْحَرَام يُكَفِّر ) ‏ ‏أَيْ إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَام لَا تَطْلُق وَعَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين , وَفِي رِوَايَة مُعَاوِيَة الْمَذْكُورَة \" إِذَا حَرَّمَ اِمْرَأَته لَيْسَ بِشَيْءٍ \" وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الطَّلَاق. ‏ ‏وَقَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيق \" يُكَفِّر \" ضُبِطَ بِكَسْرِ الْفَاء أَيْ يُكَفِّر مَنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن وَحْده \" يَمِين تُكَفَّر \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْفَاء وَهَذَا أَوْضَح فِي الْمُرَاد , وَالْغَرَض مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَوْله فِيهِ ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى سَبَب نُزُول أَوَّل هَذِهِ السُّورَة , وَإِلَى قَوْله فِيهَا ( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ) وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْض حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر فِي الْقِصَّة الْآتِيَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" فَعَاتَبَهُ اللَّه فِي ذَلِكَ وَجَعَلَ لَهُ كَفَّارَة الْيَمِين \" وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِتَحْرِيمِهِ , فَفِي حَدِيث عَائِشَة ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ شُرْبه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَسَل عِنْد زَيْنَب بِنْت جَحْش , فَإِنَّ فِي آخِره \" وَلَنْ أَعُود لَهُ وَقَدْ حَلَفْت \" وَسَيَأْتِي شَرْح حَدِيث عَائِشَة مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الطَّلَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَوَقَعَ عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور بِإِسْنَادٍ صَحِيح إِلَى مَسْرُوق قَالَ \" حَلَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَفْصَةَ لَا يَقْرَب أَمَته وَقَالَ : هِيَ عَلَيَّ حَرَام. فَنَزَلَتْ الْكَفَّارَة لِيَمِينِهِ , وَأُمِرَ أَنْ لَا يُحَرِّم مَا أَحَلَّ اللَّه \" وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْقِصَّة مُدْرَجَة عِنْد اِبْن إِسْحَاق فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر الْآتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. وَأَخْرَجَ الضِّيَاء فِي \" الْمُخْتَارَة \" مِنْ مُسْنَد الْهَيْثَم بْن كُلَيْب ثُمَّ مِنْ طَرِيق جَرِير بْن حَازِم عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَفْصَةَ : لَا تُخْبِرِي أَحَدًا أَنَّ أُمّ إِبْرَاهِيم عَلَيَّ حَرَام , قَالَ فَلَمْ يَقْرَبهَا حَتَّى أَخْبَرَتْ عَائِشَة , فَأَنْزَلَ اللَّه ( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ). وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي عِشْرَة النِّسَاء وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ , دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَارِيَةَ بَيْت حَفْصَة , فَجَاءَتْ فَوَجَدَتْهَا مَعَهُ , فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه فِي بَيْتِي تَفْعَل هَذَا مَعِي دُون نِسَائِك \" فَذَكَرَ نَحْوه. ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" دَخَلَتْ حَفْصَة بَيْتهَا فَوَجَدَتْهُ يَطَأُ مَارِيَة , فَعَاتَبَتْهُ \" فَذَكَرَ نَحْوه. وَهَذِهِ طُرُق يُقَوِّي بَعْضهَا بَعْضًا , فَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْآيَة نَزَلَتْ فِي السَّبَبَيْنِ مَعًا , وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق حَمَّاد عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس هَذِهِ الْقِصَّة مُخْتَصَرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ لَهُ أَمَة يَطَؤُهَا فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَفْصَة وَعَائِشَة حَتَّى حَرَّمَهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك ) الْآيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4531",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا ‏ ‏فَوَاطَيْتُ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏وَحَفْصَةُ ‏ ‏عَلَى أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ أَكَلْتَ ‏ ‏مَغَافِيرَ ‏ ‏إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ ‏ ‏مَغَافِيرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏فَلَنْ أَعُودَ لَهُ وَقَدْ حَلَفْتُ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا ‏",
        "sharh": "سَيَأْتِي شَرْح حَدِيث عَائِشَة مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الطَّلَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4532",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يُحَدِّثُ أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏عَنْ آيَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ فَلَمَّا رَجَعْنَا وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ إِلَى ‏ ‏الْأَرَاكِ ‏ ‏لِحَاجَةٍ لَهُ قَالَ فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ أَزْوَاجِهِ فَقَالَ تِلْكَ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏وَعَائِشَةُ ‏ ‏قَالَ فَقُلْتُ وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَكَ قَالَ فَلَا تَفْعَلْ مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ فَاسْأَلْنِي فَإِنْ كَانَ لِي عِلْمٌ خَبَّرْتُكَ بِهِ قَالَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ قَالَ فَبَيْنَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَتَأَمَّرُهُ إِذْ قَالَتْ امْرَأَتِي لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَقُلْتُ لَهَا مَا لَكَ وَلِمَا هَا هُنَا وَفِيمَ تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ فَقَالَتْ لِي عَجَبًا لَكَ يَا ‏ ‏ابْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ وَإِنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ فَقَامَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَأَخَذَ رِدَاءَهُ مَكَانَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَقَالَ لَهَا يَا بُنَيَّةُ إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ فَقَالَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ فَقُلْتُ تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللَّهِ وَغَضَبَ رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا بُنَيَّةُ لَا ‏ ‏يَغُرَّنَّكِ ‏ ‏هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا حُبُّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِيَّاهَا يُرِيدُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَ ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏لِقَرَابَتِي مِنْهَا فَكَلَّمْتُهَا فَقَالَتْ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏عَجَبًا لَكَ يَا ‏ ‏ابْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَزْوَاجِهِ فَأَخَذَتْنِي وَاللَّهِ أَخْذًا كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏إِذَا غِبْتُ أَتَانِي بِالْخَبَرِ وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالْخَبَرِ وَنَحْنُ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ ‏ ‏غَسَّانَ ‏ ‏ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا فَقَدْ امْتَلَأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ فَإِذَا صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَدُقُّ الْبَابَ فَقَالَ افْتَحْ ‏ ‏افْتَحْ فَقُلْتُ جَاءَ ‏ ‏الْغَسَّانِيُّ ‏ ‏فَقَالَ بَلْ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ اعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَزْوَاجَهُ فَقُلْتُ رَغَمَ أَنْفُ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏وَعَائِشَةَ ‏ ‏فَأَخَذْتُ ثَوْبِي فَأَخْرُجُ حَتَّى جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏مَشْرُبَةٍ ‏ ‏لَهُ ‏ ‏يَرْقَى عَلَيْهَا بِعَجَلَةٍ وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ فَقُلْتُ لَهُ قُلْ هَذَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَأَذِنَ لِي قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَذَا الْحَدِيثَ فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ ‏ ‏أَدَمٍ ‏ ‏حَشْوُهَا لِيفٌ وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ ‏ ‏قَرَظًا ‏ ‏مَصْبُوبًا وَعِنْدَ رَأْسِهِ ‏ ‏أَهَبٌ ‏ ‏مُعَلَّقَةٌ فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَيْتُ فَقَالَ مَا يُبْكِيكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏وَقَيْصَرَ ‏ ‏فِيمَا هُمَا فِيهِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَكَثْت سَنَة أُرِيد أَنْ أَسْأَل عُمَر بْن الْخَطَّاب ) ‏ ‏فَذَكَرَ الْحَدِيث بِطُولِهِ فِي قِصَّة اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا , وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي النِّكَاح مُخْتَصَرًا مِنْ هَذَا الْوَجْه وَمُطَوَّلًا مِنْ وَجْه آخَر , وَتَقَدَّمَ طَرَف مِنْهُ فِي كِتَاب الْعِلْم وَفِي هَذِهِ الطَّرِيق هُنَا مِنْ الزِّيَادَة مُرَاجَعَة اِمْرَأَة عُمَر لَهُ وَدُخُوله عَلَى حَفْصَة بِسَبَبِ ذَلِكَ بِطُولِهِ , وَدُخُول عُمَر عَلَى أُمّ سَلَمَة. وَذَكَرَ فِي آخِر الْأُخْرَى قِصَّة اِعْتِزَاله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ , وَفِي آخِر حَدِيث عَائِشَة فِي التَّخْيِير , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ كُلّه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيق \" ثُمَّ قَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : وَاَللَّه إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة مَا نَعُدّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ \" ‏ ‏قَرَأْت بِخَطِّ أَبِي عَلِيّ الصَّدَفِيّ فِي هَامِش نُسْخَته : قِيلَ لَا بُدّ مِنْ اللَّام لِلتَّأْكِيدِ. ‏ ‏وَقَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيق \" لَا يَغُرَّنَّك هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا حُبُّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ‏ ‏هُوَ بِرَفْعِ حُبّ عَلَى أَنَّهُ بَدَل مِنْ فَاعِل أَعْجَبَ , وَيَجُوز النَّصْب عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول مِنْ أَجْله أَيْ مِنْ أَجْل حُبّه لَهَا , وَقَوْله فِيهِ \" قَرَظًا مَصْبُورًا \" أَيْ مَجْمُوعًا مِثْل الصُّبْرَة , وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" مَصْبُوبًا \" بِمُوَحَّدَتَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4533",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏مَنْ الْمَرْأَتَانِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَا أَتْمَمْتُ كَلَامِي حَتَّى قَالَ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَحَفْصَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , ‏ ‏وَيَحْيَى ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ , وَذَكَرَ طَرَفًا مِنْ الْحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب قَبْله. ‏"
    },
    {
        "id": "4534",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏عَنْ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَكَثْتُ سَنَةً فَلَمْ أَجِدْ لَهُ مَوْضِعًا حَتَّى خَرَجْتُ مَعَهُ حَاجًّا فَلَمَّا كُنَّا ‏ ‏بِظَهْرَانَ ‏ ‏ذَهَبَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لِحَاجَتِهِ فَقَالَ أَدْرِكْنِي بِالْوَضُوءِ فَأَدْرَكْتُهُ ‏ ‏بِالْإِدَاوَةِ ‏ ‏فَجَعَلْتُ أَسْكُبُ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَرَأَيْتُ مَوْضِعًا فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏مَنْ الْمَرْأَتَانِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَمَا أَتْمَمْتُ كَلَامِي حَتَّى قَالَ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَحَفْصَةُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر أَيْضًا فِي قِصَّة الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ , وَسَيَأْتِي شَرْحه. ‏"
    },
    {
        "id": "4535",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُنَّ ‏ { ‏عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ ‏ ‏يُبَدِّلَهُ ‏ ‏أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ‏} ‏فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيث أَنَس عَنْ عُمَر فِي مُوَافَقَاته , وَاقْتَصَرَ مِنْهُ عَلَى قِصَّة الْغَيْرَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي أَوَائِل الصَّلَاة تَامًّا , وَذَكَرْنَا كُلّ مُوَافَقَة مِنْهَا فِي بَابهَا , وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِالْغَيْرَةِ فِي كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4536",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ { ‏عُتُلٍّ ‏ ‏بَعْدَ ذَلِكَ ‏ ‏زَنِيمٍ ‏ } ‏قَالَ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏لَهُ ‏ ‏زَنَمَةٌ ‏ ‏مِثْلُ ‏ ‏زَنَمَةِ ‏ ‏الشَّاةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَحْمُود بْن غَيْلَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" مُحَمَّد \" وَكَأَنَّهُ الذُّهْلِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ مِنْ شُيُوخ الْمُصَنِّف , وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَاَلَّذِي هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حُصَيْن عَنْ مُجَاهِد ) ‏ ‏لِإِسْرَائِيل فِيهِ طَرِيق أُخْرَى أَخْرَجَهَا الْحَاكِم مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى أَيْضًا وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق وَكِيع كِلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوه. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق شَرِيق عَنْ أَبِي إِسْحَاق بِهَذَا الْإِسْنَاد وَقَالَ : الَّذِي يُعْرَف بِالشَّرِّ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( رَجُل مِنْ قُرَيْش لَه زَنَمَة مِثْل زَنَمَة الشَّاة ) ‏ ‏زَادَ أَبُو نُعَيْم فُِي مُسْتَخْرَجِهِ فِي آخِرِه يُعْرَفُ بِهَا وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر الْمَذْكُورَة \" يُعْرَف بِالشَّرِّ كَمَا تُعْرَف الشَّاة بِزَنَمَتِهَا \" وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَعْت فَلَمْ يُعْرَف حَتَّى قِيلَ زَنِيم فَعُرِفَ , وَكَانَتْ لَهُ زَنَمَة فِي عُنُقه يُعْرَف بِهَا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الزَّنِيم الْمُعَلَّق فِي الْقَوْم لَيْسَ مِنْهُمْ قَالَ الشَّاعِر : \" زَنِيم لَيْسَ يُعْرَف مَنْ أَبُوهُ \". وَقَالَ حَسَّان \" وَأَنْتَ زَنِيم نِيطَ فِي آلِ هَاشِم \" قَالَ : وَيُقَال لِلتَّيْسِ زَنِيم لَهُ زَنَمَتَانِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4537",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الْخُزَاعِيَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ ‏ ‏لَأَبَرَّهُ ‏ ‏أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ كُلُّ ‏ ‏عُتُلٍّ ‏ ‏جَوَّاظٍ ‏ ‏مُسْتَكْبِرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَعْبَد بْن خَالِد ) ‏ ‏هُوَ الْجُدُلِيّ بِضَمِّ الْجِيم وَالْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف اللَّام , كُوفِيّ ثِقَة , مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الزَّكَاة وَثَالِث يَأْتِي فِي الطِّبّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا أُخْبِركُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّة ؟ كُلّ ضَعِيف مُتَضَعِّف ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْعَيْن وَبِفَتْحِهَا وَهُوَ أَضْعَف. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" مُسْتَضْعَف \" وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عِنْد الْحَاكِم الضُّعَفَاء الْمَغْلُوبُونَ , وَلَهُ مِنْ حَدِيث سُرَاقَة بْن مَالِك : الضُّعَفَاء الْمَغْلُوبُونَ. وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة : الضَّعِيف الْمُسْتَضْعَف ذُو الطِّمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ. وَالْمُرَاد بِالضَّعِيفِ مَنْ نَفْسُهُ ضَعِيفَة لِتَوَاضُعِهِ وَضَعْف حَاله فِي الدُّنْيَا , وَالْمُسْتَضْعَف الْمُحْتَقَر لِخُمُولِهِ فِي الدُّنْيَا. ‏ ‏قَوْله : ( عُتُلٍّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَالْمُثَنَّاة بَعْدهَا لَام ثَقِيلَة قَالَ الْفَرَّاء : الشَّدِيد الْخُصُومَة. وَقِيلَ الْجَافِي عَنْ الْمَوْعِظَة. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْعُتُلّ الْفَظّ الشَّدِيد مِنْ كُلّ شَيْء , وَهُوَ هُنَا الْكَافِر , وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الْحَسَن : الْعُتُلّ الْفَاحِش الْآثِم. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْعُتُلّ الْغَلِيظ الْعَنِيف. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : السَّمِين الْعَظِيم الْعُنُق وَالْبَطْن. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : الْجَمُوع الْمَنُوع. وَقِيلَ : الْقَصِير الْبَطْن قُلْت : وَجَاءَ فِيهِ حَدِيث عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن غَنْم وَهُوَ مُخْتَلَف فِي صِحَّته قَالَ : سُئِلَ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْعُتُلّ الزَّنِيم قَالَ : هُوَ الشَّدِيد الْخَلْق الْمُصَحَّح , الْأَكُول الشَّرُوب , الْوَاجِد لِلطَّعَامِ وَالشَّرَاب , الظَّلُوم لِلنَّاسِ , الرَّحِيب الْجَوْف. ‏ ‏قَوْله : ( جَوَّاظ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَتَشْدِيد الْوَاو وَآخِره مُعْجَمَة الْكَثِير اللَّحْم الْمُخْتَال فِي مَشْيه حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ , وَقَالَ اِبْن فَارِس : قِيلَ هُوَ الْأَكُول , وَقِيلَ الْفَاجِر. وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث أَبُو دَاوُدَ عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ وَكِيع عَنْ الثَّوْرِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد مُخْتَصَرًا. \" لَا يَدْخُل الْجَنَّة جَوَّاظ وَلَا جَعْظَرِيّ \" قَالَ : وَالْجَوَّاظ الْفَظّ الْغَلِيظ اِنْتَهَى وَتَفْسِير الْجَوَّاظ لَعَلَّهُ مِنْ سُفْيَان , وَالْجَعْظَرِيّ بِفَتْحِ الْجِيم وَالظَّاء الْمُعْجَمَة بَيْنهمَا عَيْن مُهْمَلَة وَآخِره رَاء مَكْسُورَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة قِيلَ : هُوَ الْفَظّ الْغَلِيظ , وَقِيلَ : الَّذِي لَا يَمْرَض , وَقِيلَ : الَّذِي يَتَمَدَّح بِمَا لَيْسَ فِيهِ أَوْ عِنْده , وَأَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّهُ تَلَا قَوْله تَعَالَى ( مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ - إِلَى - زَنِيمٍ ) فَقَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" أَهْل النَّار كُلّ جَعْظَرِيّ جَوَّاظ مُسْتَكْبِر \". ‏"
    },
    {
        "id": "4538",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ فَيَبْقَى كُلُّ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا ‏ ‏رِيَاءً ‏ ‏وَسُمْعَةً ‏ ‏فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ ‏ ‏طَبَقًا وَاحِدًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4539",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏صَارَتْ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ ‏ ‏نُوحٍ ‏ ‏فِي ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏بَعْدُ أَمَّا ‏ ‏وَدٌّ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏لِكَلْبٍ ‏ ‏بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ ‏ ‏وَأَمَّا ‏ ‏سُوَاعٌ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏لِهُذَيْلٍ ‏ ‏وَأَمَّا ‏ ‏يَغُوثُ ‏ ‏فَكَانَتْ ‏ ‏لِمُرَادٍ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏لِبَنِي غُطَيْفٍ ‏ ‏بِالْجَوْفِ ‏ ‏عِنْدَ ‏ ‏سَبَإٍ ‏ ‏وَأَمَّا ‏ ‏يَعُوقُ ‏ ‏فَكَانَتْ ‏ ‏لِهَمْدَانَ ‏ ‏وَأَمَّا ‏ ‏نَسْرٌ ‏ ‏فَكَانَتْ ‏ ‏لِحِمْيَرَ ‏ ‏لِآلِ ‏ ‏ذِي الْكَلَاعِ ‏ ‏أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ ‏ ‏نُوحٍ ‏ ‏فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ ‏ ‏وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاء ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ وَهُوَ مَعْطُوف عَلَى كَلَام مَحْذُوف , وَقَدْ بَيَّنَهُ الْفَاكِهِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى { وَدًّا وَلَا سُوَاعًا } الْآيَة قَالَ : أَوْثَان كَانَ قَوْم نُوح يَعْبُدُونَهُمْ وَقَالَ عَطَاء كَانَ اِبْن عَبَّاس إِلَخْ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏قِيلَ هَذَا مُنْقَطِع لِأَنَّ عَطَاء الْمَذْكُور هُوَ الْخُرَاسَانِيّ وَلَمْ يَلْقَ اِبْن عَبَّاس , فَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق هَذَا الْحَدِيث فِي تَفْسِيره عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ فَقَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَالَ أَبُو مَسْعُود : ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيث فِي تَفْسِير اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَابْن جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَع التَّفْسِير مِنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ اِبْنه عُثْمَان بْن عَطَاء فَنَظَرَ فِيهِ. وَذَكَرَ صَالِح بْن أَحْمَد بْن حَنْبَل فِي \" الْعِلَل \" عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ قَالَ : سَأَلْت يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ حَدِيث اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ فَقَالَ : ضَعِيف. فَقُلْت : إِنَّهُ يَقُول أَخْبَرَنَا. قَالَ : لَا شَيْء , إِنَّمَا هُوَ كِتَاب دَفَعَهُ إِلَيْهِ اِنْتَهَى. وَكَانَ اِبْن جُرَيْجٍ يَسْتَجِيز إِطْلَاق أَخْبَرَنَا فِي الْمُنَاوَلَة وَالْمُكَاتَبَة. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أُخْبِرْت عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ أَنَّهُ ذَكَرَ عَنْ \" تَفْسِير اِبْن جُرَيْجٍ \" كَلَامًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُول عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , فَطَالَ عَلَى الْوَرَّاق أَنْ يَكْتُب الْخُرَاسَانِيّ كُلَّ حَدِيث فَتَرَكَهُ فَرَوَاهُ مَنْ رَوَى عَلَى أَنَّهُ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح اِنْتَهَى. وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْقِصَّة الَّتِي ذَكَرَهَا صَالِح بْن أَحْمَد عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ وَنَبَّهَ عَلَيْهَا أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ فِي \" تَقْيِيد الْمُهْمَل \" قَالَ اِبْن الْمَدِينِيّ سَمِعْت هِشَام بْن يُوسُف يَقُول قَالَ لِي اِبْن جُرَيْجٍ سَأَلْت عَطَاء عَنْ التَّفْسِير مِنْ الْبَقَرَة وَآلِ عِمْرَان ثُمَّ قَالَ : اُعْفُنِي مِنْ هَذَا. قَالَ قَالَ هِشَام فَكَانَ بَعْد إِذَا قَالَ قَالَ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ. قَالَ هِشَام : فَكَتَبْنَا ثُمَّ مَلِلْنَا , يَعْنِي كَتَبْنَا الْخُرَاسَانِيّ. قَالَ اِبْن الْمَدِينِيّ وَإِنَّمَا بَيَّنْت هَذَا لِأَنَّ مُحَمَّد بْن ثَوْر كَانَ يَجْعَلهَا - يَعْنِي فِي رِوَايَته عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ - عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس فَيُظَنّ أَنَّهُ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح. وَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيّ الْحَدِيث الْمَذْكُور مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس وَلَمْ يَقُلْ الْخُرَاسَانِيّ , وَأَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق كَمَا تَقَدَّمَ فَقَالَ الْخُرَاسَانِيّ. وَهَذَا مِمَّا اِسْتُعْظِمَ عَلَى الْبُخَارِيّ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ , لَكِنْ الَّذِي قَوِيَ عِنْدِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيث بِخُصُوصِهِ عِنْد اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَعَنْ عَطَاء بْنِ أَبِي رَبَاح جَمِيعًا ; وَلَا يَلْزَم مِنْ اِمْتِنَاع عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح مِنْ التَّحْدِيث بِالتَّفْسِيرِ أَنْ لَا يُحَدِّث بِهَذَا الْحَدِيث فِي بَاب آخَر مِنْ الْأَبْوَاب أَوْ فِي الْمُذَاكَرَة , وَإِلَّا فَكَيْف يَخْفَى عَلَى الْبُخَارِيّ ذَلِكَ مَعَ تَشَدُّده فِي شَرْط الِاتِّصَال وَاعْتِمَاده غَالِبًا فِي الْعِلَل عَلَى عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ شَيْخه وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّة. وَمِمَّا يُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُكْثِر مِنْ تَخْرِيج هَذِهِ النُّسْخَة وَإِنَّمَا ذَكَرَ بِهَذَا الْإِسْنَاد مَوْضِعَيْنِ هَذَا وَآخَر فِي النِّكَاح , وَلَوْ كَانَ خَفِيَ عَلَيْهِ لَاسْتَكْثَرَ مِنْ إِخْرَاجهَا لِأَنَّ ظَاهِرهَا أَنَّهَا عَلَى شَرْطه. ‏ ‏قَوْله : ( صَارَتْ الْأَوْثَان الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْم نُوح فِي الْعَرَب بَعْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ : كَانَتْ آلِهَة تَعْبُدهَا قَوْم نُوح ثُمَّ عَبَدَتْهَا الْعَرَب بَعْد , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ كَانُوا مَجُوسًا وَأَنَّهَا غَرِقَتْ فِي الطُّوفَان , فَلَمَّا نَضَبَ الْمَاء عَنْهَا أَخْرَجَهَا إِبْلِيس فَبَثَّهَا فِي الْأَرْض اِنْتَهَى. وَقَوْله كَانُوا مَجُوسًا غَلَط , فَإِنَّ الْمَجُوسِيَّة كَلِمَة حَدَثَتْ بَعْد ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيل , وَإِنْ كَانَ الْفُرْس يَدَّعُونَ خِلَاف ذَلِكَ. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي \" التَّعْرِيف \" أَنَّ يَغُوث هُوَ اِبْن شيث بْن آدَم فِيمَا قِيلَ , وَكَذَلِكَ سُوَاع وَمَا بَعْده وَكَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِدُعَائِهِمْ , فَلَمَّا مَاتَ مِنْهُمْ أَحَد مَثَّلُوا صُورَته تَمَسَّحُوا بِهَا إِلَى زَمَن مهلائيل فَعَبَدُوهَا بِتَدْرِيجِ الشَّيْطَان لَهُمْ , ثُمَّ صَارَتْ سُنَّة فِي الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة , وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ سَرَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْأَسْمَاء ؟ مِنْ قِبَل الْهِنْد فَقَدْ قِيلَ إِنَّهُمْ كَانُوا الْمَبْدَأ فِي عِبَادَة الْأَصْنَام بَعْد نُوح , أَمْ الشَّيْطَان أَلْهَمَ الْعَرَب ذَلِكَ اِنْتَهَى. وَمَا ذُكِرَ مِمَّا نَقَلَهُ تَلَقَّاهُ مِنْ \" تَفْسِير بَقِيّ بْن مَخْلَد فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ نَحْو ذَلِكَ عَلَى مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ اِبْن عَسْكَر فِي ذَيْله , وَفِيهِ أَنَّ تِلْكَ الْأَسْمَاء وَقَعَتْ إِلَى الْهِنْد فَسَمَّوْا بِهَا أَصْنَامهمْ ثُمَّ أَدْخَلَهَا إِلَى أَرْض الْعَرَب عَمْرو بْن لُحَيّ , وَعَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر أَنَّهُمْ كَانُوا أَوْلَاد آدَم لِصُلْبِهِ , وَكَانَ وَدّ أَكْبَرَهُمْ وَأَبَرّهمْ بِهِ , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" كِتَاب مَكَّة \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ قَالَ : كَانَ لِآدَم خَمْس بَنِينَ فَسَمَّاهُمْ قَالَ : وَكَانُوا عُبَّادًا. فَمَاتَ رَجُل مِنْهُمْ فَحَزِنُوا عَلَيْهِ. فَجَاءَ الشَّيْطَان فَصَوَّرَهُ لَهُمْ ثُمَّ قَالَ لِلْآخَرِ إِلَى آخِر الْقِصَّة , وَفِيهَا : فَعَبَدُوهَا حَتَّى بَعَثَ اللَّه نُوحًا. وَمِنْ طَرِيق أُخْرَى أَنَّ الَّذِي صَوَّرَهُ لَهُمْ رَجُل مِنْ وَلَد قَابِيل بْن آدَم. وَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْكَلْبِيّ قَالَ : كَانَ لِعَمْرِو بْن رَبِيعَة رَئِيٌّ مِنْ الْجِنّ , فَأَتَاهُ فَقَالَ : أَجِبْ أَبَا ثُمَامَة , وَادْخُلْ بِلَا مَلَامَة. ثُمَّ اِئْتِ سَيْف جَدَّة , تَجِد بِهَا أَصْنَامًا مُعَدَّة. ثُمَّ أَوْرِدْهَا تِهَامَة وَلَا تَهَب , ثُمَّ اُدْعُ الْعَرَب إِلَى عِبَادَتهَا تُجَبْ. قَالَ فَأَتَى عَمْرو سَاحِل جَدَّة فَوَجَدَ بِهَا وَدًّا وَسُوَاعًا وَيَغُوث وَيَعُوق وَنَسْرًا , وَهِيَ الْأَصْنَام الَّتِي عُبِدَتْ عَلَى عَهْد نُوح وَإِدْرِيس ثُمَّ إِنَّ الطُّوفَان طَرَحَهَا هُنَاكَ فَسَفَى عَلَيْهَا الرَّمْل فَاسْتَثَارَهَا عَمْرو وَخَرَجَ بِهَا إِلَى تِهَامَة وَحَضَرَ الْمَوْسِم فَدَعَا إِلَى عِبَادَتهَا فَأُجِيبَ ; وَعَمْرو بْن رَبِيعَة هُوَ عَمْرو بْن لُحَيّ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَّا وَدّ فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدُومَة الْجَنْدَل ) ‏ ‏قَالَ اِبْن إِسْحَاق : وَكَانَ لِكَلْبِ بْن وَبَرَة بْن قُضَاعَة. ‏ ‏قُلْت : وَبَرَة ;هُوَ اِبْن تَغْلِب بْن عِمْرَان بْن الْحَافّ بْن قُضَاعَة , وَدُومَة بِضَمِّ الدَّال , الْجَنْدَل بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون النُّون مَدِينَة مِنْ الشَّام مِمَّا يَلِي الْعِرَاق , وَوَدّ بِفَتْحِ الْوَاو وَقَرَأَهَا نَافِع وَحْده بِضَمِّهَا ( وَأَمَّا سُوَاع فَكَانَتْ لِهُذَيْل ) زَادَ أَبُو عُبَيْدَة بْن مُدْرِكَة بْن إِلْيَاس بْن مُضَر ; وَكَانُوا بِقُرْبِ مَكَّة. وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : كَانَ سُوَاع بِمَكَانٍ لَهُمْ يُقَال لَهُ رُهَاط بِضَمِّ الرَّاء وَتَخْفِيف الْهَاء مِنْ أَرْض الْحِجَاز مِنْ جِهَة السَّاحِل. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَّا يَغُوث فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْف ) ‏ ‏فِي مُرْسَل قَتَادَةَ \" فَكَانَتْ لِبَنِي غُطَيْف بْن مُرَاد \" وَهُوَ غُطَيْف بْن عَبْد اللَّه بْن نَاجِيَة بْن مُرَاد. وَرَوَى الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق قَالَ : كَانَتْ أَنْعَم مِنْ طَيِّئٍ وَجُرَش بْنِ مَذْحِج اِتَّخَذُوا يَغُوث لِجُرَش. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْجُرُفِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ غَيْر الْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ الْحَاء وَسُكُون الْوَاو , وَلَهُ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْجُرُف بِضَمِّ الْجِيم وَالرَّاء وَكَذَا فِي مُرْسَل قَتَادَةَ , وَلِلنَّسَفِيّ بِالْجَوْنِ بِجِيمٍ ثُمَّ وَاو ثُمَّ نُون , زَادَ غَيْر أَبِي ذَرّ : عِنْد سَبَأ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَّا يَعُوق فَكَانَتْ لِهَمْذَانَ ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : لِهَذَا الْحَيّ مِنْ هَمْدَانَ وَلِمُرَادِ بْن مَذْحِج , وَرَوَى الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق قَالَ : كَانَتْ خَيْوَان بَطْن مِنْ هَمْدَانَ اِتَّخَذُوا يَعُوق بِأَرْضِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَّا نَسْر فَكَانَتْ لِحِمْيَر لِآلِ ذِي الْكَلَاع ) ‏ ‏فِي مُرْسَل قَتَادَةَ \" لِذِي الْكَلَاع مِنْ حِمْيَر \" زَادَ الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق \" اِتَّخَذُوهُ بِأَرْضِ حِمْيَر \". ‏ ‏قَوْله : ( وَنَسْر , أَسْمَاء قَوْم صَالِحِينَ مِنْ قَوْم نُوح ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ , وَسَقَطَ لَفْظ \" وَنَسْر \" لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ وَهُوَ أَوْلَى , وَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّ قَوْله \" وَنَسْر \" غَلَط , وَكَذَا قَرَأْت بِخَطِّ الصَّدَفِيّ فِي هَامِش نُسْخَته. ثُمَّ قَالَ هَذَا الشَّارِح : وَالصَّوَاب وَهِيَ. ‏ ‏قُلْت : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن ثَوْر بَعْد قَوْله \" وَأَمَّا نَسْر فَكَانَتْ لِآلِ ذِي الْكَلَاع \" قَالَ \" وَيُقَال هَذِهِ أَسْمَاء قَوْم صَالِحِينَ \" وَهَذَا أَوْجَه الْكَلَام وَصَوَابه ; وَقَالَ بَعْض الشُّرَّاح : مُحَصَّل مَا قِيلَ فِي هَذِهِ الْأَصْنَام قَوْلَانِ : أَحَدهمَا أَنَّهَا كَانَتْ فِي قَوْم نُوح , وَالثَّانِي أَنَّهَا كَانَتْ أَسْمَاء رِجَال صَالِحِينَ إِلَى آخِر الْقِصَّة. ‏ ‏قُلْت : بَلْ مَرْجِع ذَلِكَ إِلَى قَوْل وَاحِد , وَقِصَّة الصَّالِحِينَ كَانَتْ مُبْتَدَأ عِبَادَة قَوْم نُوح هَذِهِ الْأَصْنَام ثُمَّ تَبِعَهُمْ مَنْ بَعْدهمْ عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ تُعْبَد حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْم ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ , وَلِأَبِي ذَرّ والْكُشْمِيهَنِيّ \" وَنُسِخَ الْعِلْم \" أَيْ عِلْم تِلْكَ الصُّوَر بِخُصُوصِهَا. وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر قَالَ : أَوَّل مَا حَدَثَتْ الْأَصْنَام عَلَى عَهْد نُوح , وَكَانَتْ الْأَبْنَاء تَبَرّ الْآبَاء , فَمَاتَ رَجُل مِنْهُمْ فَجَزِعَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ لَا يَصْبِر عَنْهُ ; فَاِتَّخَذَ مِثَالًا عَلَى صُورَته فَكُلَّمَا اِشْتَاقَ إِلَيْهِ نَظَرَهُ ثُمَّ مَاتَ فَفُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ حَتَّى تَتَابَعُوا عَلَى ذَلِكَ فَمَاتَ الْآبَاء , فَقَالَ الْأَبْنَاء. مَا اِتَّخَذَ آبَاؤُنَا هَذِهِ إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ آلِهَتهمْ , فَعَبَدُوهَا. وَحَكَى الْوَاقِدِيّ قَالَ : كَانَ وَدّ عَلَى صُورَة رَجُل , وَسُوَاع عَلَى صُورَة اِمْرَأَة , وَيَغُوث عَلَى صُورَة أَسَد , وَيَعُوق عَلَى صُورَة فَرَس , وَنَسْر عَلَى صُورَة طَائِر , وَهَذَا شَاذّ وَالْمَشْهُور أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى صُورَة الْبَشَر , وَهُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآثَار فِي سَبَب عِبَادَتهَا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4540",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى ‏ ‏سُوقِ عُكَاظٍ ‏ ‏وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ فَقَالُوا مَا لَكُمْ فَقَالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ قَالَ مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا مَا حَدَثَ فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي حَدَثَ فَانْطَلَقُوا فَضَرَبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا يَنْظُرُونَ مَا هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ قَالَ فَانْطَلَقَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ ‏ ‏تِهَامَةَ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِنَخْلَةَ ‏ ‏وَهُوَ عَامِدٌ إِلَى ‏ ‏سُوقِ عُكَاظٍ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ ‏ ‏فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ تَسَمَّعُوا لَهُ فَقَالُوا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَهُنَالِكَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا يَا قَوْمَنَا ‏ { ‏إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ‏} ‏وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ ‏} ‏وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي بِشْر ) ‏ ‏هُوَ جَعْفَر بْن أَبِي وَحْشِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( اِنْطَلَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا اِخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيّ هُنَا وَفِي صِفَة الصَّلَاة , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" عَنْ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ مُعَاذ بْن الْمُثَنَّى عَنْ مُسَدَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَزَادَ فِي أَوَّله \" مَا قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْجِنّ وَلَا رَآهُمْ اِنْطَلَقَ \" إِلَخْ , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ شَيْبَانَ بْن فَرُّوخ عَنْ أَبِي عَوَانَة بِالسَّنَدِ الَّذِي أَخْرَجَهُ بِهِ الْبُخَارِيّ , فَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ حَذَفَ هَذِهِ اللَّفْظَة عَمْدًا لِأَنَّ اِبْن مَسْعُود أَثْبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ عَلَى الْجِنّ , فَكَانَ ذَلِكَ مُقَدَّمًا عَلَى نَفْي اِبْن عَبَّاس. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ مُسْلِم فَأَخْرَجَ عَقِب حَدِيث اِبْن عَبَّاس هَذَا حَدِيثَ اِبْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" أَتَانِي دَاعِي الْجِنّ فَانْطَلَقْت مَعَهُ فَقَرَأْت عَلَيْهِ الْقُرْآن \" وَيُمْكِن الْجَمْع بِالتَّعَدُّدِ كَمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( فِي طَائِفَة مِنْ أَصْحَابه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْمَبْعَث فِي \" بَاب ذِكْر الْجِنّ \" أَنَّ اِبْن إِسْحَاق وَابْن سَعْد ذَكَرَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ ذِي الْقِعْدَة سَنَة عَشْر مِنْ الْمَبْعَث لَمَّا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الطَّائِف ثُمَّ رَجَعَ مِنْهَا , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث \" إِنَّ الْجِنّ رَأَوْهُ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاة الْفَجْر \" وَالصَّلَاة الْمَفْرُوضَة إِنَّمَا شُرِعَتْ لَيْلَة الْإِسْرَاء وَالْإِسْرَاء كَانَ عَلَى الرَّاجِح قَبْل الْهِجْرَة بِسَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاث فَتَكُون الْقِصَّة بَعْد الْإِسْرَاء , لَكِنَّهُ مُشْكِل مِنْ جِهَة أُخْرَى , لِأَنَّ مُحَصَّل مَا فِي الصَّحِيح كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق وَمَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى الطَّائِف لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابه إِلَّا زَيْد بْن حَارِثَة , وَهُنَا قَالَ إِنَّهُ اِنْطَلَقَ فِي طَائِفَة مِنْ أَصْحَابه , فَلَعَلَّهَا كَانَتْ وُجْهَة أُخْرَى. وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ لَاقَاهُ بَعْض أَصْحَابه فِي أَثْنَاء الطَّرِيق فَرَافَقُوهُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَامِدِينَ ) ‏ ‏أَيْ قَاصِدِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى سُوق عُكَاظ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْكَاف وَآخِره ظَاء مُعْجَمَة بِالصَّرْفِ وَعَدَمه , قَالَ اللِّحْيَانِيّ الصَّرْف لِأَهْلِ الْحِجَاز وَعَدَمه لُغَة تَمِيم , وَهُوَ مَوْسِم مَعْرُوف لِلْعَرَبِ. بَلْ كَانَ مِنْ أَعْظَم مَوَاسِمهمْ , وَهُوَ نَخْل فِي وَادٍ بَيْن مَكَّة وَالطَّائِف وَهُوَ إِلَى الطَّائِف أَقْرَب بَيْنهمَا عَشَرَة أَمْيَال , وَهُوَ وَرَاء قَرْن الْمَنَازِل بِمَرْحَلَةٍ مِنْ طَرِيق صَنْعَاء الْيَمَن. وَقَالَ الْبَكْرِيّ : أَوَّل مَا أُحْدِثَتْ قَبْل الْفِيل بِخَمْسَ عَشْرَة سَنَة , وَلَمْ تَزَلْ سُوقًا إِلَى سَنَة تِسْع وَعِشْرِينَ وَمِائَة , فَخَرَجَ الْخَوَارِج الْحَرُورِيَّة فَنَهَبُوهَا فَتُرِكَتْ إِلَى الْآن , كَانُوا يُقِيمُونَ بِهِ جَمِيع شَوَّال يَتَبَايَعُونَ وَيَتَفَاخَرُونَ وَتُنْشِد الشُّعَرَاء مَا تَجَدَّدَ لَهُمْ , وَقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ فِي أَشْعَارهمْ كَقَوْلِ حَسَّان : ‏ ‏سَأَنْشُرُ إِنْ حَيِيت لَكُمْ كَلَامًا ‏ ‏يُنْشَر فِي الْمَجَامِع مِنْ عُكَاظ ‏ ‏وَكَانَ الْمَكَان الَّذِي يَجْتَمِعُونَ بِهِ مِنْهُ يُقَال لَهُ الِابْتِدَاء , وَكَانَتْ هُنَاكَ صُخُور يَطُوفُونَ حَوْلهَا. ثُمَّ يَأْتُونَ مَجَنَّة فَيُقِيمُونَ بِهَا عِشْرِينَ لَيْلَة مِنْ ذِي الْقِعْدَة. ثُمَّ يَأْتُونَ ذَا الْمَجَاز , وَهُوَ خَلْف عَرَفَة فَيُقِيمُونَ بِهِ إِلَى وَقْت الْحَجّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْحَجّ شَيْء مِنْ هَذَا. وَقَالَ اِبْن التِّين : سُوق عُكَاظ مِنْ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفْسه , كَذَا قَالَ , وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ السُّوق كَانَتْ تُقَام بِمَكَانٍ مِنْ عُكَاظ يُقَال لَهُ الِابْتِدَاء لَا يَكُون كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ حِيلَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا لَام أَيْ حُجِزَ وَمُنِعَ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْن الشَّيَاطِين وَبَيْن خَبَرِ السَّمَاء وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُب ) ‏ ‏بِضَمَّتَيْنِ جَمْع شِهَاب , وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْحَيْلُولَة وَإِرْسَال الشُّهُب وَقَعَ فِي هَذَا الزَّمَان الْمُقَدَّم ذِكْره وَاَلَّذِي تَضَافَرَتْ بِهِ الْأَخْبَار أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُمْ مِنْ أَوَّلِ الْبَعْثَة النَّبَوِيَّة , وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّد تَغَايُر زَمَن الْقِصَّتَيْنِ , وَأَنَّ مَجِيء الْجِنّ لِاسْتِمَاعِ الْقُرْآن كَانَ قَبْل خُرُوجه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الطَّائِف بِسَنَتَيْنِ , وَلَا يُعَكِّر عَلَى ذَلِكَ إِلَّا قَوْله فِي هَذَا الْخَبَر إِنَّهُمَا رَأَوْهُ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاة الْفَجْر , لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْل فَرْض الصَّلَوَات لَيْلَة الْإِسْرَاء فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَبْل الْإِسْرَاء يُصَلِّي قَطْعًا , وَكَذَلِكَ أَصْحَابه لَكِنْ اُخْتُلِفَ هَلْ اُفْتُرِضَ قَبْل الْخَمْس شَيْء مِنْ الصَّلَاة أَمْ لَا ؟ فَيَصِحّ عَلَى هَذَا قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ الْفَرْض أَوَّلًا كَانَ صَلَاة قَبْل طُلُوع الشَّمْس وَصَلَاة قَبْل غُرُوبهَا , وَالْحُجَّة فِيهِ قَوْله تَعَالَى { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } وَنَحْوهَا مِنْ الْآيَات , فَيَكُونُ إِطْلَاق صَلَاة الْفَجْر فِي حَدِيث الْبَاب بِاعْتِبَارِ الزَّمَان لَا لِكَوْنِهَا إِحْدَى الْخَمْس الْمُفْتَرَضَة لَيْلَة الْإِسْرَاء , فَتَكُونُ قِصَّة الْجِنّ مُتَقَدِّمَة مِنْ أَوَّلِ الْمَبْعَث. وَهَذَا الْمَوْضِع مِمَّا لَمْ يُنَبِّه عَلَيْهِ أَحَد مِمَّنْ وَقَفْت عَلَى كَلَامِهِمْ فِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَالطَّبَرِيُّ حَدِيث الْبَاب بِسِيَاقِ سَالِم مِنْ الْإِشْكَال الَّذِي ذَكَرْته مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق السُّبَيْعِيِّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْنِ عَبَّاس قَالَ \" كَانَتْ الْجِنّ تَصْعَد إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا يَسْتَمِعُونَ الْوَحْي , فَإِذَا سَمِعُوا الْكَلِمَة زَادُوا فِيهَا أَضْعَافًا , فَالْكَلِمَة تَكُونُ حَقًّا وَأَمَّا مَا زَادُوا فَيَكُونُ بَاطِلًا , فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنِعُوا مَقَاعِدهمْ , وَلَمْ تَكُنْ النُّجُوم يُرْمَى بِهَا قَبْل ذَلِكَ \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَغَيْرهَا مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر مُطَوَّلًا وَأَوَّله \" كَانَ لِلْجِنِّ مَقَاعِد فِي السَّمَاء يَسْتَمِعُونَ الْوَحْي \" الْحَدِيث \" فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بُعِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَدُحِرَتْ الشَّيَاطِين مِنْ السَّمَاء , وَرُمُوا بِالْكَوَاكِبِ , فَجَعَلَ لَا يَصْعَد أَحَد مِنْهُمْ إِلَّا اِحْتَرَقَ , وَفَزِعَ أَهْل الْأَرْض لِمَا رَأَوْا مِنْ الْكَوَاكِب وَلَمْ تَكُنْ قَبْل ذَلِكَ فَقَالُوا : هَلَكَ أَهْل السَّمَاء كَانَ أَهْل الطَّائِف أَوَّل مَنْ تَفَطَّنَ لِذَلِكَ فَعَمَدُوا إِلَى أَمْوَالهمْ فَسَيَّبُوهَا وَإِلَى عَبِيدهمْ فَعَتَقُوهَا , فَقَالَ لَهُمْ رَجُل : وَيْلكُمْ لَا تُهْلِكُوا أَمْوَالكُمْ , فَإِنَّ مَعَالِمكُمْ مِنْ الْكَوَاكِب الَّتِي تَهْتَدُونَ بِهَا لَمْ يَسْقُط مِنْهَا شَيْء , فَأَقْلَعُوا. وَقَالَ إِبْلِيس : حَدَثَ فِي الْأَرْض حَدَث , فَأَتَى مِنْ كُلّ أَرْضٍ بِتُرْبَةٍ فَشَمَّهَا , فَقَالَ لِتُرْبَةِ تِهَامَة : هَاهُنَا حَدَثَ الْحَدَث , فَصَرَفَ إِلَيْهِ نَفَرًا مِنْ الْجِنّ , فَهُمْ الَّذِينَ اِسْتَمَعُوا الْقُرْآن \" وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ فِي \" كِتَاب الْمَبْعَث \" مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ أَنَّ الَّذِي قَالَ لِأَهْلِ الطَّائِف مَا قَالَ هُوَ عَبْد يَا لَيْل اِبْن عَمْرو , وَكَانَ قَدْ عَمِيَ , فَقَالَ لَهُمْ : لَا تَعْجَلُوا وَانْظُرُوا , فَإِنْ كَانَتْ النُّجُوم الَّتِي يُرْمَى بِهَا هِيَ الَّتِي تُعْرَف فَهُوَ عِنْد فَنَاء النَّاس , وَإِنْ كَانَتْ لَا تُعْرَف فَهُوَ مِنْ حَدَث فَنَظَرُوا فَإِذَا هِيَ نُجُوم لَا تُعْرَف , فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ سَمِعُوا بِمَبْعَثِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ مُطَوَّلًا , وَذَكَرَ اِبْنُ إِسْحَاق نَحْوَهُ مُطَوَّلًا بِغَيْرِ إِسْنَاد فِي \" مُخْتَصَر اِبْنِ هِشَام \" , زَادَ فِي رِوَايَة يُونُس بْن بُكَيْر فَسَاقَ سَنَده بِذَلِكَ عَنْ يَعْقُوب بْن عُتْبَة بْن الْمُغِيرَة بْنِ الْأَخْنَس أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيف يُقَال لَهُ عَمْرو بْن أُمَيَّة كَانَ مِنْ أَدْهَى الْعَرَب , وَكَانَ أَوَّل مَنْ فَزِعَ لَمَّا رُمِيَ بِالنُّجُومِ مِنْ النَّاس , فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَهُ اِبْنُ سَعْد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يَعْقُوب بْنِ عُتْبَة قَالَ : أَوَّل الْعَرَب فَزِعَ مِنْ رَمْي النُّجُوم ثَقِيف , فَأَتَوْا عَمْرو بْن أُمَيَّة. وَذَكَرَ الزُّبَيْر بْن بَكَّار فِي النَّسَب نَحْوَهُ بِغَيْرِ سِيَاقه , وَنُسِبَ الْقَوْل الْمَنْسُوب لِعَبْدِ يَا لَيْل لِعُتْبَةَ بْن رَبِيعه , فَلَعَلَّهُمَا تَوَارَدَا عَلَى ذَلِكَ. فَهَذِهِ الْأَخْبَار تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْقِصَّة وَقَعَتْ أَوَّلَ الْبَعْثَة وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ عِيَاض وَتَبِعَهُ الْقُرْطُبِيّ وَالنَّوَوِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ حَدِيث الْبَاب مَوْضِعًا آخَر وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِمَا ذَكَرْته , فَقَالَ عِيَاض : ظَاهِرُ الْحَدِيث أَنَّ الرَّمْي بِالشُّهُبِ لَمْ يَكُنْ قَبْل مَبْعَث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِنْكَارِ الشَّيَاطِين لَهُ وَطَلَبِهِمْ سَبَبه , وَلِهَذَا كَانَتْ الْكَهَانَة فَاشِيَة فِي الْعَرَب وَمَرْجُوعًا إِلَيْهَا فِي حُكْمهمْ , حَتَّى قُطِعَ سَبَبهَا بِأَنْ حِيلَ بَيْن الشَّيَاطِين وَبَيْن اِسْتِرَاق السَّمْع , كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَة { وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا , وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُد مِنْهَا مَقَاعِد لِلسَّمْعِ , فَمَنْ يَسْتَمِع الْآن يَجِد لَهُ شِهَابًا رَصَدًا } وَقَوْله تَعَالَى { إِنَّهُمْ عَنْ السَّمْع لَمَعْزُولُونَ } وَقَدْ جَاءَتْ أَشْعَار الْعَرَب بِاسْتِغْرَابِ رَمْيهَا وَإِنْكَاره إِذْ لَمْ يَعْهَدُوهُ قَبْل الْمَبْعَث , وَكَانَ ذَلِكَ أَحَد دَلَائِل نُبُوَّته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. يُؤَيِّدهُ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيث مِنْ إِنْكَار الشَّيَاطِين. قَالَ وَقَالَ بَعْضهمْ : لَمْ تَزَلْ الشُّهُب يُرْمَى بِهَا مُذْ كَانَتْ الدُّنْيَا , وَاحْتَجُّوا بِمَا جَاءَ فِي أَشْعَار الْعَرَب مِنْ ذَلِكَ قَالَ : وَهَذَا مَرْوِيّ عَنْ اِبْنِ عَبَّاس وَالزُّهْرِيّ , وَرَفَعَ فِيهِ اِبْنُ عَبَّاس حَدِيثًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ لِمَنْ اِعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ { فَمَنْ يَسْتَمِع الْآن يَجِد لَهُ شِهَابًا رَصَدًا } قَالَ : غُلِّظَ أَمْرهَا وَشُدِّدَ اِنْتَهَى. وَهَذَا الْحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ اِبْنِ عَبَّاس عَنْ رِجَال مِنْ الْأَنْصَار قَالُوا \" كُنَّا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ , فَقَالَ : مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذَا إِذَا رُمِيَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّة \" ؟ الْحَدِيث. وَأَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر قَالَ : سُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنْ النُّجُوم أَكَانَ يُرْمَى بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّة ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَلَكِنَّهُ إِذْ جَاءَ الْإِسْلَام غُلِّظَ وَشُدِّدَ. وَهَذَا جَمْع حَسَن. وَمُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِذَا رُمِيَ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّة \" أَيْ جَاهِلِيَّة الْمُخَاطَبِينَ , وَلَا يَلْزَم أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْل الْمَبْعَث فَإِنَّ الْمُخَاطَب بِذَلِكَ الْأَنْصَار , وَكَانُوا قَبْل إِسْلَامهمْ فِي جَاهِلِيَّة , فَإِنَّهُمْ لَمْ يُسْلِمُوا إِلَّا بَعْد الْمَبْعَث ثَلَاث عَشْرَة سَنَة. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : لَمْ يَزَلْ الْقَذْف بِالنُّجُومِ قَدِيمًا , وَهُوَ مَوْجُود فِي أَشْعَار قُدَمَاء الْجَاهِلِيَّة كَأَوْسِ بْن حَجَرٍ وَبِشْر بْن أَبِي حَازِم وَغَيْرهمَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يُجْمَع بِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ يُرْمَى بِهَا قَبْل الْمَبْعَث رَمْيًا يَقْطَع الشَّيَاطِين عَنْ اِسْتِرَاق السَّمْع , وَلَكِنْ كَانَتْ تُرْمَى تَارَة وَلَا تُرْمَى أُخْرَى , وَتُرْمَى مِنْ جَانِبٍ وَلَا تُرْمَى مِنْ جَمِيع الْجَوَانِب , وَلَعَلَّ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلّ جَانِبٍ دُحُورًا } اِنْتَهَى. ثُمَّ وَجَدْت عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه مَا يَرْفَع الْإِشْكَال وَيَجْمَع بَيْن مُخْتَلَف الْأَخْبَار قَالَ : كَانَ إِبْلِيس يَصْعَد إِلَى السَّمَاوَات كُلّهنَّ يَتَقَلَّب فِيهِنَّ كَيْف شَاءَ لَا يُمْنَع مُنْذُ أُخْرِجَ آدَمُ إِلَى أَنْ رُفِعَ عِيسَى , فَحُجِبَ حِينَئِذٍ مِنْ أَرْبَعِ سَمَاوَات , فَلَمَّا بُعِثَ نَبِيّنَا حُجِبَ مِنْ الثَّلَاث فَصَارَ يَسْتَرِق السَّمْع هُوَ وَجُنُوده وَيُقْذَفُونَ بِالْكَوَاكِبِ. وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْنِ عَبَّاس قَالَ : لَمْ تَكُنْ السَّمَاء تُحْرَس فِي الْفَتْرَة بَيْن عِيسَى وَمُحَمَّد , فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّد حُرِسَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَرُجِمَتْ الشَّيَاطِين , فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ قَالَ : إِنَّ السَّمَاء لَمْ تَكُنْ تُحْرَس إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْض نَبِيّ أَوْ دِين ظَاهِرٌ , وَكَانَتْ الشَّيَاطِين قَدْ اِتَّخَذَتْ مَقَاعِد يَسْمَعُونَ فِيهَا مَا يَحْدُث , فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّد رُجِمُوا. وَقَالَ الزَّيْن ابْن الْمُنِير : ظَاهِرُ الْخَبَر أَنَّ الشُّهُب لَمْ تَكُنْ يُرْمَى بِهَا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث مُسْلِم. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى { فَمَنْ يَسْتَمِع الْآن يَجِد لَهُ شِهَابًا رَصَدًا } فَمَعْنَاهُ أَنَّ الشُّهُب كَانَتْ تُرْمَى فَتُصِيب تَارَة وَلَا تُصِيب أُخْرَى , وَبَعْد الْبَعْثَة أَصَابَتْهُمْ إِصَابَة مُسْتَمِرَّة فَوَصَفُوهَا لِذَلِكَ بِالرَّصَدِ , لِأَنَّ الَّذِي يَرْصُد الشَّيْء لَا يُخْطِئهُ , فَيَكُونُ الْمُتَجَدِّد دَوَام الْإِصَابَة لَا أَصْلهَا. وَأَمَّا قَوْل السُّهَيْلِيّ : لَوْلَا أَنَّ الشِّهَاب قَدْ يُخْطِئ الشَّيْطَان لَمْ يَتَعَرَّض لَهُ مَرَّة أُخْرَى , فَجَوَابه أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَقَع التَّعَرُّض مَعَ تَحَقُّق الْإِصَابَة لِرَجَاءِ اِخْتِطَاف الْكَلِمَة وَإِلْقَائِهَا قَبْل إِصَابَة الشِّهَاب , ثُمَّ لَا يُبَالِي الْمُخْتَطِف بِالْإِصَابَةِ لِمَا طُبِعَ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرّ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَخْرَجَ الْعُقَيْلِيُّ وَابْنُ مَنْدَهْ وَغَيْرهمَا وَذَكَرَهُ أَبُو عُمَر بِغَيْرِ سَنَدٍ مِنْ طَرِيق لَهَب - بِفَتْحَتَيْنِ وَيُقَال بِالتَّصْغِيرِ - بْنِ مَالِك اللَّيْثِيِّ قَالَ : ذَكَرْت عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَهَانَة فَقُلْت : نَحْنُ أَوَّلُ مَنْ عَرَفَ حِرَاسَة السَّمَاء وَرَجْم الشَّيَاطِين وَمَنْعهمْ مِنْ اِسْتِرَاق السَّمْع عِنْد قَذْف النُّجُوم , وَذَلِكَ أَنَّا اِجْتَمَعْنَا عِنْد كَاهِنٍ لَنَا يُقَال لَهُ خُطْر بْن مَالِك - وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ مِائَتَانِ وَسِتَّة وَثَمَانُونَ سَنَة - فَقُلْنَا : يَا خُطْر , هَلْ عِنْدك عِلْم مِنْ هَذِهِ النُّجُوم الَّتِي يُرْمَى بِهَا , فَإِنَّا فَزِعْنَا مِنْهَا وَخِفْنَا سُوء عَاقِبَتهَا ؟ الْحَدِيث , وَفِيهِ : فَانْقَضَّ نَجْم عَظِيم مِنْ السَّمَاء , فَصَرَخَ الْكَاهِن رَافِعًا صَوْته : ‏ ‏أَصَابَهُ أَصَابَهُ ‏ ‏خَامَرَهُ عَذَابه ‏ ‏أَحْرَقَهُ شِهَابه ‏ ‏الْأَبْيَات , وَفِي الْخَبَر أَنَّهُ قَالَ أَيْضًا : ‏ ‏قَدْ مُنِعَ السَّمْع عُتَاة الْجَان ‏ ‏بِثَاقِبٍ يُتْلِف ذِي سُلْطَان ‏ ‏مِنْ أَجْل مَبْعُوث عَظِيم الشَّان ‏ ‏وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ : ‏ ‏أَرَى لِقَوْمِي مَا أَرَى لِنَفْسِي ‏ ‏أَنْ يَتَبَعُوا خَيْر نَبِيّ الْإِنْس ‏ ‏الْحَدِيث بِطُولِهِ , قَالَ أَبُو عُمَر : سَنَده ضَعِيف جِدًّا , وَلَوْلَا فِيهِ حُكْم لَمَا ذَكَرْته لِكَوْنِهِ عَلَمًا مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة وَالْأُصُول. فَإِنْ قِيلَ إِذَا كَانَ الرَّمْي بِهَا غُلِّظَ وَشُدِّدَ بِسَبَبِ نُزُول الْوَحْي فَهَلَّا اِنْقَطَعَ بِانْقِطَاعِ الْوَحْي بِمَوْتِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نُشَاهِدهَا الْآن يُرْمَى بِهَا ؟ فَالْجَوَاب يُؤْخَذ مِنْ حَدِيث الزُّهْرِيِّ الْمُتَقَدِّم , فَفِيهِ عِنْد مُسْلِم قَالُوا : كُنَّا نَقُول وُلِدَ اللَّيْلَة رَجُل عَظِيم وَمَاتَ رَجُل عَظِيم , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنَّهَا لَا تُرْمَى لِمَوْتِ أَحَد وَلَا لِحَيَاتِهِ , وَلَكِنْ رَبّنَا إِذَا قَضَى أَمْرًا أَخْبَرَ أَهْل السَّمَاوَات بَعْضهمْ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغ الْخَبَر السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَخْطَف الْجِنّ السَّمْع فَيَقْذِفُونَ بِهِ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ. فَيُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ سَبَب التَّغْلِيظ وَالْحِفْظ لَمْ يَنْقَطِع لِمَا يَتَجَدَّد مِنْ الْحَوَادِث الَّتِي تُلْقَى بِأَمْرِهِ إِلَى الْمَلَائِكَة , فَإِنَّ الشَّيَاطِين مَعَ شِدَّة التَّغْلِيظ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ بَعْد الْمَبْعَث لَمْ يَنْقَطِع طَمَعهمْ فِي اِسْتِرَاق السَّمْع فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْف بِمَا بَعْده , وَقَدْ قَالَ عُمَر لِغَيْلَان بْن سَلَمَة لَمَّا طَلَّقَ نِسَاءَهُ : إِنِّي أَحْسِب أَنَّ الشَّيَاطِين فِيمَا تَسْتَرِق السَّمْع سَمِعَتْ بِأَنَّك سَتَمُوتُ فَأَلْقَتْ إِلَيْك ذَلِكَ الْحَدِيث , أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَغَيْره. فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ اِسْتِرَاقهمْ السَّمْع اِسْتَمَرَّ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَانُوا يَقْصِدُونَ اِسْتِمَاع الشَّيْء مِمَّا يَحْدُث فَلَا يَصِلُونَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا إِنْ اِخْتَطَفَ أَحَدُهُمْ بِخِفَّةِ حَرَكَته خَطْفَة فَيَتْبَعهُ الشِّهَاب , فَإِنْ أَصَابَهُ قَبْل أَنْ يُلْقِيهَا لِأَصْحَابِهِ فَاتَتْ وَإِلَّا سَمِعُوهَا وَتَدَاوَلُوهَا , وَهَذَا يَرُدّ عَلَى قَوْل السُّهَيْلِيّ الْمُقَدَّم ذِكْرُهُ ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مَا حَال بَيْنكُمْ وَبَيْن خَبَر السَّمَاء إِلَّا مَا حَدَثَ ) ‏ ‏الَّذِي قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ هُوَ إِبْلِيس كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق الْمُتَقَدِّمَة قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَاضْرِبُوا مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا ) ‏ ‏أَيْ سِيرُوا فِيهَا كُلّهَا , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } وَفِي رِوَايَة نَافِع بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد أَحْمَد \" فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى إِبْلِيس , فَبَثَّ جُنُوده , فَإِذَا هُمْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِرَحْبَةٍ فِي نَخْلَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا ) ‏ ‏قِيلَ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ مِنْ الْجِنّ عَلَى دِين الْيَهُود , وَلِهَذَا قَالُوا \" أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى \" وَأَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق عُمَر بْن قَيْس عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُمْ كَانُوا تِسْعَة , وَمِنْ طَرِيق النَّضْر بْن عَرَبِيّ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس كَانُوا سَبْعَة مِنْ أَهْل نَصِيبِين , وَعِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق مُجَاهِد نَحْوه لَكِنْ قَالَ : كَانُوا أَرْبَعَة مِنْ نَصِيبِين وَثَلَاثَة مِنْ حَرَّان , وَهُمْ حسا ونسا وشاصر وماضر والأدرس ووردان وَالأحقب. وَنَقَلَ السُّهَيْلِيُّ فِي \" التَّعْرِيف \" أَنَّ اِبْن دُرَيْد ذَكَرَ مِنْهُمْ خَمْسَة : شاصر وماضر ومنشى وناشي وَالْأَحْقَب. قَالَ وَذَكَرَ يَحْيَى بْن سَلَّامٍ وَغَيْره قِصَّة عَمْرو بْن جَابِر وَقِصَّة سرق وَقِصَّة زوبعة قَالَ : فَإِنْ كَانُوا سَبْعَة فالأحقب لَقَب أَحَدهمْ لَا اِسْمه. وَاسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ اِبْن عَسْكَر مَا تَقَدَّمَ عَنْ مُجَاهِد قَالَ : فَإِذَا ضُمَّ إِلَيْهِمْ عَمْرو وزوبعة وَسرق وَكَانَ الأحقب لَقَبًا كَانُوا تِسْعَة. ‏ ‏قُلْت : هُوَ مُطَابِق لِرِوَايَةِ عُمَر بْن قَيْس الْمَذْكُورَة. وَقَدْ رَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْحَكَم بْن أَبَان عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : كَانُوا اِثْنَيْ عَشَر أَلْفًا مِنْ جَزِيرَة الْمَوْصِل , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ مَسْعُود : اُنْظُرْنِي حَتَّى آتِيك. وَخَطَّ عَلَيْهِ خَطًّا. الْحَدِيث. وَالْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ تَعَدُّد الْقِصَّة , فَإِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا أَوَّلًا كَانَ سَبَب مَجِيئِهِمْ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيث مِنْ إِرْسَال الشُّهُب , وَسَبَب مَجِيء الَّذِينَ فِي قِصَّة اِبْن مَسْعُود أَنَّهُمْ جَاءُوا لِقَصْدِ الْإِسْلَام وَسَمَاع الْقُرْآن وَالسُّؤَال عَنْ أَحْكَام الدِّين , وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي أَوَائِل الْمَبْعَث فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّة عَلَى تَعَدُّد الْقِصَّة فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَة إِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْد الْهِجْرَة , وَالْقِصَّة الْأُولَى كَانَتْ عَقِب الْمَبْعَث , وَلَعَلَّ مَنْ ذُكِرَ فِي الْقِصَص الْمُفَرَّقَة كَانُوا مِمَّنْ وَفَدَ بَعْد , لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كُلّ قِصَّة مِنْهَا إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ وَفَدَ , وَقَدْ ثَبَتَ تَعَدُّد وُفُودهمْ. وَتَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق كَثِير مِمَّا يَتَعَلَّق بِأَحْكَامِ الْجِنّ وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. ‏ ‏قَوْله : ( نَحْو تِهَامه ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُثَنَّاة اِسْم لِكُلِّ مَكَان غَيْر عَالٍ مِنْ بِلَاد الْحِجَاز , سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ حَرّهَا اِشْتِقَاقًا مِنْ التَّهَم بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ شِدَّة الْحَرّ وَسُكُون الرِّيح , وَقِيلَ مِنْ تَهِمَ الشَّيْء إِذَا تَغَيَّرَ , قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِتَغَيُّرِ هَوَائِهَا. قَالَ الْبَكْرِيّ : حَدّهَا مِنْ جِهَة الشَّرْق ذَات عِرْق , وَمِنْ قِبَل الْحِجَاز السَّرْج بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا جِيم قَرْيَة مِنْ عَمَل الْفَرْع بَيْنهَا وَبَيْن الْمَدِينَة اِثْنَانِ وَسَبْعُونَ مِيلًا. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق : فَانْطَلَقُوا فَإِذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ عَامِد ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَتَقَدَّمَ فِي صِفَة الصَّلَاة بِلَفْظِ \" عَامِدِينَ \" وَنُصِبَ عَلَى الْحَال مِنْ فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ , أَوْ ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْع تَعْظِيمًا لَهُ , وَهُوَ أَظْهَر لِمُنَاسَبَةِ الرِّوَايَة الَّتِي هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( بِنَخْلَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْمُعْجَمَة مَوْضِع بَيْن مَكَّة وَالطَّائِف , قَالَ الْبَكْرِيّ : عَلَى لَيْلَة مِنْ مَكَّة. وَهِيَ الَّتِي يُنْسَب إِلَيْهَا بَطْن نَخْل. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم بِنَخْلٍ بِلَا هَاء وَالصَّوَاب إِثْبَاتهَا. ‏ ‏قَوْله : ( يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاة الْفَجْر ) ‏ ‏لَمْ يُخْتَلَف عَلَى اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار قَالَ : قَالَ الزُّبَيْر - أَوْ اِبْن الزُّبَيْر - كَانَ ذَلِكَ بِنَخْلَةَ وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأ فِي الْعِشَاء , وَخَرَّجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : قَالَ الزُّبَيْر فَذَكَرَهُ , وَزَادَ : فَقَرَأَ { كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا }. وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم , وَهَذَا مُنْقَطِع , وَالْأَوَّل أَصَحّ. ‏ ‏قَوْله : ( تَسَمَّعُوا لَهُ ) ‏ ‏أَيْ قَصَدُوا لِسَمَاعِ الْقُرْآن وَأَصْغَوْا إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَهُنَالِكَ ) ‏ ‏هُوَ ظَرْف مَكَان وَالْعَامِل فِيهِ قَالُوا , وَفِي رِوَايَة \" فَقَالُوا \" وَالْعَامِل فِيهِ رَجَعُوا. ‏ ‏قَوْله : ( رَجَعُوا إِلَى قَوْمهمْ فَقَالُوا : يَا قَوْمنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ) ‏ ‏قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : ظَاهِر هَذَا أَنَّهُمْ آمَنُوا عِنْد سَمَاع الْقُرْآن , قَالَ : وَالْإِيمَان يَقَع بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا بِأَنْ يَعْلَم حَقِيقَة الْإِعْجَاز وَشُرُوط الْمُعْجِزَة فَيَقَع لَهُ الْعِلْم بِصِدْقِ الرَّسُول , أَوْ يَكُون عِنْده عِلْم مِنْ الْكُتُب الْأُولَى فِيهَا دَلَائِل عَلَى أَنَّهُ النَّبِيّ الْمُبَشَّر بِهِ , وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ فِي الْجِنّ مُحْتَمَل. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ ) ‏ ‏زَادَ التِّرْمِذِيّ \" قَالَ اِبْن عَبَّاس : وَقَوْل الْجِنّ لِقَوْمِهِمْ : لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا , قَالَ : لَمَّا رَأَوْهُ يُصَلِّي وَأَصْحَابه يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ يَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ , قَالَ فَتَعَجَّبُوا مِنْ طَوَاعِيَة أَصْحَابه لَهُ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْل الْجِنّ ) ‏ ‏هَذَا كَلَام اِبْن عَبَّاس , كَأَنَّهُ تَقَرَّرَ فِيهِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَوَّلًا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْتَمِع بِهِمْ , وَإِنَّمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِأَنَّهُمْ اِسْتَمَعُوا , وَمِثْله قَوْله تَعَالَى { وَإِذْ صَرَّفْنَا إِلَيْك نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا } الْآيَة. وَلَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ عَدَم ذِكْر اِجْتِمَاعه بِهِمْ حِين اِسْتَمَعُوا أَنْ لَا يَكُون اِجْتَمَعَ بِهِمْ بَعْد ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره. وَفِي الْحَدِيث إِثْبَات وُجُود الشَّيَاطِين وَالْجِنّ وَأَنَّهُمَا لِمُسَمًّى وَاحِد , وَإِنَّمَا صَارَا صِنْفَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْكُفْر وَالْإِيمَان , فَلَا يُقَال لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ إِنَّهُ شَيْطَان. وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة شُرِعَتْ قَبْل الْهِجْرَة. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّتهَا فِي السَّفَر. وَالْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاة الصُّبْح , وَأَنَّ الِاعْتِبَار بِمَا قَضَى اللَّه لِلْعَبْدِ مِنْ حُسْن الْخَاتِمَة لَا بِمَا ظَهَرَ مِنْهُ مِنْ الشَّرّ وَلَوْ بَلَغَ مَا بَلَغَ , لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَادَرُوا إِلَى الْإِيمَان بِمُجَرَّدِ اِسْتِمَاع الْقُرْآن لَوْ لَمْ يَكُونُوا عِنْد إِبْلِيس فِي أَعْلَى مَقَامَات الشَّرّ مَا اِخْتَارَهُمْ لِلتَّوَجُّهِ إِلَى الْجِهَة الَّتِي ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْحَدَث الْحَادِث مِنْ جِهَتهَا. وَمَعَ ذَلِكَ فَغَلَبَ عَلَيْهِمْ مَا قَضَى لَهُمْ مِنْ السَّعَادَة بِحُسْنِ الْخَاتِمَة , وَنَحْو ذَلِكَ قِصَّة سَحَرَة فِرْعَوْن , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الْقَدَر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4541",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ‏} ‏قُلْتُ يَقُولُونَ ‏ { ‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ‏} ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ ذَلِكَ وَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ الَّذِي قُلْتَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاوَرْتُ ‏ ‏بِحِرَاءٍ ‏ ‏فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا فَأَتَيْتُ ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏دَثِّرُونِي ‏ ‏وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا قَالَ فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا قَالَ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُوسَى الْبَلْخِيّ أَوْ اِبْن جَعْفَر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَلِيّ بْن الْمُبَارَك ) ‏ ‏هُوَ الْهُنَائِيّ بِضَمٍّ ثُمَّ نُون خَفِيفَة وَمَدّ. بَصْرِيّ ثِقَة مَشْهُور , مَا بَيْنه وَبَيْن عَبْد اللَّه بْنِ الْمُبَارَك الْمَشْهُور قَرَابَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4542",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏وَغَيْرُهُ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاوَرْتُ ‏ ‏بِحِرَاءٍ ‏ ‏مِثْلَ حَدِيثِ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَغَيْره ) ‏ ‏هُوَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق أَبِي عَرُوبَة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَأَبُو دَاوُدَ قَالَا حَدَّثَنَا حَرْب بْن شَدَّاد بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏كَذَا قَالَ أَكْثَر الرُّوَاة عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة , وَقَالَ شَيْبَانُ بْن عَبْد الرَّحْمَن : عَنْ يَحْيَى عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن قَارِظ عَنْ جَابِر , أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق آدَم بْن أَبِي إِيَاس عَنْ شَيْبَانَ , وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" التَّارِيخ \" عَنْ آدَم , وَرَوَاهُ سَعْد بْن حَفْص عَنْ شَيْبَانَ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَة وَهُوَ الْمَحْفُوظ. ‏ ‏قَوْله : ( مِثْل حَدِيث عُثْمَان بْن عُمَر عَنْ عَلِيّ بْن الْمُبَارَك ) ‏ ‏لَمْ يُخَرِّج الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ عُثْمَان بْن عُمَر الَّتِي أَحَالَ رِوَايَة حَرْب بْن شَدَّاد عَلَيْهَا , وَهِيَ عِنْد مُحَمَّد بْن بَشَّار شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ أَخْرَجَهُ أَبُو عَرُوبَة فِي \" كِتَاب الْأَوَائِل \" قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن عُمَر أَنْبَأَنَا عَلِيّ بْن الْمُبَارَك , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالْحَسَن بْن سُفْيَان جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُوسَى مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عَنْ عُثْمَان بْن عُمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "4543",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَرْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ أَوَّلُ فَقَالَ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ‏} ‏فَقُلْتُ أُنْبِئْتُ أَنَّهُ ‏ { ‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ‏} ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ أَوَّلُ فَقَالَ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ‏} ‏فَقُلْتُ أُنْبِئْتُ أَنَّهُ ‏ { ‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ‏} ‏فَقَالَ لَا أُخْبِرُكَ إِلَّا بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَاوَرْتُ فِي ‏ ‏حِرَاءٍ ‏ ‏فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ الْوَادِيَ فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَأَتَيْتُ ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏دَثِّرُونِي ‏ ‏وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَأَلْت أَبَا سَلَمَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت أُنْبِئْت أَنَّهُ اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ حَرْب \" قُلْت إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَوَّل مَا نَزَلَ اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك \" وَلَمْ يُبَيِّن يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير مَنْ أَنْبَأَهُ بِذَلِكَ , وَلَعَلَّهُ يُرِيد عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , كَمَا لَمْ يُبَيِّن أَبُو سَلَمَة مَنْ أَنْبَأَهُ بِذَلِكَ , وَلَعَلَّهُ يُرِيد عَائِشَة فَإِنَّ الْحَدِيث مَشْهُور عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْهُ مُطَوَّلًا , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ جَابِر تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَوَّلِيَّةِ فِي قَوْله \" أَوَّل مَا نَزَلَ سُورَة الْمُدَّثِّر \" أَوَّلِيَّة مَخْصُوصَة بِمَا بَعْد فَتْرَة الْوَحْي , أَوْ مَخْصُوصَة بِالْأَمْرِ بِالْإِنْذَارِ , لَا أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهَا أَوَّلِيَّة مُطْلَقَة , فَكَأَنَّ مَنْ قَالَ أَوَّل مَا نَزَلَ اِقْرَأْ أَرَادَ أَوَّلِيَّة مُطْلَقَة , وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا الْمُدَّثِّر أَرَادَ بِقَيْدِ التَّصْرِيح بِالْإِرْسَالِ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ اِسْتَخْرَجَ جَابِر \" أَوَّل مَا نَزَلَ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ \" بِاجْتِهَادٍ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ رِوَايَته , وَالصَّحِيح مَا وَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَرَأَيْت شَيْئًا - أَيْ جِبْرِيل - بِحِرَاءَ , فَقَالَ لِي : اِقْرَأْ فَخِفْت , فَأَتَيْت خَدِيجَة فَقُلْت : دَثِّرُونِي فَنَزَلَتْ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ \" قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْأَوَّلِيَّة فِي نُزُول يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ بِقَيْدِ السَّبَب , أَيْ هِيَ أَوَّل مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن بِسَبَبٍ مُتَقَدِّم وَهُوَ مَا وَقَعَ مِنْ التَّدَثُّر النَّاشِئ عَنْ الرُّعْب , وَأَمَّا اِقْرَأْ فَنَزَلَتْ اِبْتِدَاء بِغَيْرِ سَبَب مُتَقَدِّم , وَلَا يَخْفَى بُعْد هَذَا الِاحْتِمَال. وَفِي أَوَّل سُورَة نَزَلَتْ قَوْلٌ آخَر نُقِلَ عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ قَالَ : الْمُزَّمِّل نَزَلَتْ قَبْل الْمُدَّثِّر. وَعَطَاء ضَعِيف , وَرِوَايَته مُعْضِلَة لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت لِقَاؤُهُ لِصَحَابِيٍّ مُعَيَّن , وَظَاهِر الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة تَأَخُّر الْمُزَّمِّل لِأَنَّ فِيهَا ذِكْر قِيَام اللَّيْل وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا تَرَاخَى عَنْ اِبْتِدَاء نُزُول الْوَحْي , بِخِلَافِ الْمُدَّثِّر فَإِنَّ فِيهَا { قُمْ فَأَنْذِرْ }. وَعَنْ مُجَاهِد : أَوَّل سُورَة نَزَلَتْ ن وَالْقَلَمِ , وَأَوَّل سُورَة نَزَلَتْ بَعْد الْهِجْرَة وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. وَالْمُشْكِل مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير قَوْله \" جَاوَرْت بِحِرَاءَ شَهْرًا , فَلَمَّا قَضَيْت جِوَارِي نَزَلْت فَاسْتَبْطَنْت الْوَادِي , فَنُودِيت - إِلَى أَنْ قَالَ - فَرَفَعْت رَأْسِي فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْش فِي الْهَوَاء - يَعْنِي جِبْرِيل - فَأَتَيْت خَدِيجَة فَقُلْت : دَثِّرُونِي \". وَيُزِيل الْإِشْكَال أَحَد أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُون سَقَطَ عَلَى يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَشَيْخه مِنْ الْقِصَّة مَجِيء جِبْرِيل بِحِرَاءَ بِاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك وَسَائِر مَا ذَكَرَتْهُ عَائِشَة , وَإِمَّا أَنْ يَكُون جَاوَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمَ بِحِرَاءَ شَهْرًا آخَر , فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي مُرْسَل عُبَيْد بْن عُمَيْر عِنْد الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُجَاوِر فِي كُلّ سَنَة شَهْرًا وَهُوَ رَمَضَان , وَكَانَ ذَلِكَ فِي مُدَّة فَتْرَة الْوَحْي , فَعَادَ إِلَيْهِ جِبْرِيل بَعْد اِنْقِضَاء جِوَاره. ‏ ‏قَوْله : ( فَجُئِثْت ) يَأْتِي ضَبْطه فِي سُورَة اِقْرَأْ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4544",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ ‏ ‏فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي ‏ ‏بِحِرَاءٍ ‏ ‏جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَجَئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ ‏ ‏زَمِّلُونِي ‏ ‏زَمِّلُونِي ‏ ‏فَدَثَّرُونِي ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏وَالرِّجْزَ ‏ ‏فَاهْجُرْ ‏} ‏قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ وَهِيَ الْأَوْثَانُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4545",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ ‏ ‏فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي ‏ ‏بِحِرَاءٍ ‏ ‏قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَجَئِثْتُ مِنْهُ حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ ‏ ‏زَمِّلُونِي ‏ ‏زَمِّلُونِي ‏ ‏فَزَمَّلُونِي ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏فَاهْجُرْ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏وَالرِّجْزَ الْأَوْثَانَ ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4546",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ ‏ ‏وَكَانَ ثِقَةً ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ حَرَّكَ بِهِ لِسَانَهُ وَوَصَفَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏يُرِيدُ أَنْ يَحْفَظَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة وَكَانَ ثِقَة ) ‏ ‏هُوَ مَقُول اِبْن عُيَيْنَةَ , وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير كُوفِيّ مِنْ مَوَالِي آلِ جَعْدَة بْن هُبَيْرَة يُكَنَّى أَبَا الْحَسَن , وَاسْم أَبِيهِ لَا يُعْرَف , وَمَدَار هَذَا الْحَدِيث عَلَيْهِ. وَقَدْ تَابَعَهُ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , وَهُوَ مِنْ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ أَيْضًا عَنْهُ , فَمِنْ أَصْحَاب اِبْن عُيَيْنَةَ مَنْ وَصَلَهُ بِذِكْرِ اِبْن عَبَّاس فِيهِ مِنْهُمْ أَبُو كُرَيْب عِنْد الطَّبَرِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلَهُ مِنْهُمْ سَعِيد بْن مَنْصُور. ‏ ‏قَوْله : ( حَرَّكَ بِهِ لِسَانه وَوَصَفَ سُفْيَان يُرِيد أَنْ يَحْفَظهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور \" وَحَرَّكَ سُفْيَان شَفَتَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي كُرَيْب \" تَعَجَّلَ يُرِيد حِفْظه فَنَزَلَتْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّه : لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَك لِتَعْجَلَ بِهِ ) ‏ ‏إِلَى هُنَا رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَزَادَ غَيْره الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا , وَزَادَ سَعِيد بْن مَنْصُور فِي رِوَايَته فِي آخِر الْحَدِيث \" وَكَانَ لَا يَعْرِف خَتْم السُّورَة حَتَّى تَنْزِل بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم \". ‏"
    },
    {
        "id": "4547",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ‏ { ‏لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ‏} ‏قَالَ وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏كَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ ‏ { ‏لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ‏} ‏يَخْشَى أَنْ يَنْفَلِتَ مِنْهُ ‏ { ‏إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ‏} ‏أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ أَنْ تَقْرَأَهُ ‏ { ‏فَإِذَا قَرَأْنَاهُ ‏} ‏يَقُولُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ‏ { ‏فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ‏} ‏أَنْ نُبَيِّنَهُ عَلَى لِسَانِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4548",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فِي قَوْلِهِ ‏ { ‏لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ‏} ‏قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا نَزَلَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏بِالْوَحْيِ وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ الَّتِي فِي ‏ ‏لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ‏ { ‏لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ‏} ‏قَالَ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ ‏ { ‏فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ‏} ‏فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ ‏ { ‏ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ‏} ‏عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ قَالَ فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏أَطْرَقَ فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ‏} ‏تَوَعُّدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِذَا نَزَلَ جِبْرِيل عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة عَنْ مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي \" كَانَ يُعَالِج مِنْ التَّنْزِيل شِدَّة \" وَهَذِهِ الْجُمْلَة تَوْطِئَة لِبَيَانِ السَّبَب فِي النُّزُول , وَكَانَتْ الشِّدَّة تَحْصُل لَهُ عِنْد نُزُول الْوَحْي لِثِقَلِ الْقَوْل كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي مِنْ حَدِيث عَائِشَة , وَتَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثهَا فِي قِصَّة الْإِفْك \" فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذهُ مِنْ الْبُرَحَاء \" وَفِي حَدِيثهَا فِي بَدْء الْوَحْي أَيْضًا \" وَهُوَ أَشَدّه عَلَيَّ \" لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الشِّدَّة فِي الْحَالَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لَكِنْ إِحْدَاهُمَا أَشَدّ مِنْ الْأُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّك بِهِ لِسَانه وَشَفَتَيْهِ ) ‏ ‏اِقْتَصَرَ أَبُو عَوَانَة عَلَى ذِكْر الشَّفَتَيْنِ وَكَذَلِكَ إِسْرَائِيل , وَاقْتَصَرَ سُفْيَان عَلَى ذِكْر اللِّسَان , وَالْجَمِيع مُرَاد إِمَّا لِأَنَّ التَّحْرِيكَيْنِ مُتَلَازِمَانِ غَالِبًا , أَوْ الْمُرَاد يُحَرِّك فَمه الْمُشْتَمِل عَلَى الشَّفَتَيْنِ وَاللِّسَان , لَكِنْ لَمَّا كَانَ اللِّسَان هُوَ الْأَصْل فِي النُّطْق اِقْتَصَرَ فِي الْآيَة عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَشْتَدّ عَلَيْهِ ) ‏ ‏ظَاهِر هَذَا السِّيَاق أَنَّ السَّبَب فِي الْمُبَادَرَة حُصُول الْمَشَقَّة الَّتِي يَجِدهَا عِنْد النُّزُول , فَكَانَ يَتَعَجَّل بِأَخْذِهِ لِتَزُولَ الْمَشَقَّة سَرِيعًا. وَبَيَّنَ فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَشْيَة أَنْ يَنْسَاهُ حَيْثُ قَالَ \" فَقِيلَ لَهُ لَا تُحَرِّك بِهِ لِسَانك تَخْشَى أَنْ يَنْفَلِت \". وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق أَبِي رَجَاء عَنْ الْحَسَن \" كَانَ يُحَرِّك بِهِ لِسَانه يَتَذَكَّرهُ , فَقِيلَ لَهُ إِنَّا سَنُحَفِّظُهُ عَلَيْك \" وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ \" كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ عَجَّلَ يَتَكَلَّم بِهِ مِنْ حُبّه إِيَّاهُ , وَظَاهِره أَنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّم بِمَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْهُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا مِنْ شِدَّة حُبّه إِيَّاهُ , فَأُمِرَ أَنْ يَتَأَنَّى إِلَى أَنْ يَنْقَضِي النُّزُول. وَلَا بُعْد فِي تَعَدُّد السَّبَب. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة \" قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَأَنَا أُحَرِّكهُمَا كَمَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكهُمَا \" وَقَالَ سَعِيد \" أَنَا أُحَرِّكهُمَا كَمَا رَأَيْت اِبْن عَبَّاس يُحَرِّكهُمَا \" فَأُطْلِقَ فِي خَبَر اِبْن عَبَّاس وَقُيِّدَ بِالرُّؤْيَةِ فِي خَبَر سَعِيد لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس لَمْ يَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْحَال , لِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَبْدَأ الْمَبْعَث النَّبَوِيّ , وَلَمْ يَكُنْ اِبْن عَبَّاس وُلِدَ حِينَئِذٍ , وَلَكِنْ لَا مَانِع أَنْ يُخْبِر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ بَعْد فَيَرَاهُ اِبْن عَبَّاس حِينَئِذٍ , وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا عِنْد أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ مُسْنَده عَنْ أَبِي عَوَانَة بِسَنَدِهِ بِلَفْظِ \" قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَأَنَا أُحَرِّك لَك شَفَتِي كَمَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة إِبْرَاز الضَّمِير فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ حَيْثُ قَالَ فِيهَا \" فَأَنَا أُحَرِّكهُمَا \" وَلَمْ يَتَقَدَّم لِلشَّفَتَيْنِ ذِكْر , فَعَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّه ) ‏ ‏أَيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَاحْتَجَّ بِهَذَا مَنْ جَوَّزَ اِجْتِهَاد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَجَوَّزَ الْفَخْر الرَّازِيّ أَنْ يَكُون أُذِنَ لَهُ فِي الِاسْتِعْجَال إِلَى وَقْت وُرُود النَّهْي عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَم وُقُوع الِاجْتِهَاد فِي ذَلِكَ , وَالضَّمِير فِي \" بِهِ \" عَائِد عَلَى الْقُرْآن وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر , لَكِنْ الْقُرْآن يُرْشِد إِلَيْهِ , بَلْ دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاق الْآيَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعهُ فِي صَدْرك ) ‏ ‏كَذَا فَسَّرَهُ اِبْن عَبَّاس وَعَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ تَفْسِيره بِالْحِفْظِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة \" جَمْعه لَك فِي صَدْرك \" وَرِوَايَة جَرِير أَوْضَح. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ مَعْنَى جَمْعه تَأْلِيفه. ‏ ‏قَوْله : ( وَقُرْآنَهُ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل \" أَنْ تَقْرَأهُ \" أَيْ أَنْتَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ \" وَتَقْرَأهُ بَعْد \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا قَرَأْنَاهُ ) ‏ ‏أَيْ قَرَأَهُ عَلَيْك الْمَلَك ‏ ‏( فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ , فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ ) ‏ ‏هَذَا تَأْوِيل آخَر لِابْنِ عَبَّاس غَيْر الْمَنْقُول عَنْهُ فِي التَّرْجَمَة. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ مِثْل رِوَايَة جَرِير , وَفِي رِوَايَة إِسْرَائِيل نَحْو ذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة \" فَاسْتَمِعْ وَأَنْصِتْ \" وَلَا شَكّ أَنَّ الِاسْتِمَاع أَخَصّ مِنْ الْإِنْصَات لِأَنَّ الِاسْتِمَاع الْإِصْغَاء وَالْإِنْصَات السُّكُوت , وَلَا يَلْزَم مِنْ السُّكُوت الْإِصْغَاء , وَهُوَ مِثْل قَوْله تَعَالَى ( فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ) وَالْحَاصِل أَنَّ لِابْنِ عَبَّاس فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ( أَنْزَلْنَاهُ ) وَفِي قَوْله : ( فَاسْتَمِعْ ) قَوْلَيْنِ. وَعِنْد الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ فِي قَوْله اِسْتَمِعْ : اِتَّبِعْ حَلَاله وَاجْتَنِبْ حَرَامه. وَيُؤَيِّد مَا وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَاب قَوْله فِي آخِر الْحَدِيث \" فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيل أَطْرَقَ , فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ , وَالضَّمِير فِي قَوْله : ( فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ) لِجِبْرِيل , وَالتَّقْدِير : فَإِذَا اِنْتَهَتْ قِرَاءَة جِبْرِيل فَاقْرَأْ أَنْتَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ , عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنهُ بِلِسَانِك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل \" عَلَى لِسَانك \" , وَفِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة \" أَنْ تَقْرَأهُ \" وَهِيَ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّة , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْخِطَاب كَمَا هُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور مِنْ أَهْل السُّنَّة , وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ , لِمَا تَقْتَضِيه \" ثُمَّ \" مِنْ التَّرَاخِي. وَأَوَّل مَنْ اِسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَة الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الطَّيِّب وَتَبِعُوهُ , وَهَذَا لَا يَتِمّ إِلَّا عَلَى تَأْوِيل الْبَيَان بِتَبْيِينِ الْمَعْنَى , وَإِلَّا فَإِذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد اِسْتِمْرَار حِفْظه لَهُ وَظُهُوره عَلَى لِسَانه فَلَا , قَالَ الْآمِدِيّ : يَجُوز أَنْ يُرَاد بِالْبَيَانِ الْإِظْهَار لَا بَيَان الْمُجْمَل , يُقَال بَانَ الْكَوْكَب إِذَا ظَهَرَ , قَالَ : وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَاد جَمِيع الْقُرْآن , وَالْمُجْمَل إِنَّمَا هُوَ بَعْضه , وَلَا اِخْتِصَاص لِبَعْضِهِ بِالْأَمْرِ الْمَذْكُور دُون بَعْض. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ : يَجُوز أَنْ يُرَاد الْبَيَان التَّفْصِيلِيّ وَلَا يَلْزَم مِنْهُ جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان الْإِجْمَالِيّ , فَلَا يَتِمّ الِاسْتِدْلَال. وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ إِرَادَة الْمَعْنَيَيْنِ الْإِظْهَار وَالتَّفْصِيل وَغَيْر ذَلِكَ , لِأَنَّ قَوْله \" بَيَانه \" جِنْس مُضَاف فَيَعُمّ جَمِيع أَصْنَافه مِنْ إِظْهَاره وَتَبْيِين أَحْكَامه وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا مِنْ تَخْصِيص وَتَقْيِيد وَنَسْخ وَغَيْر ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِير مِنْ مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي بَدْء الْوَحْي وَأُعِيدَ بَعْضه هُنَا اِسْتِطْرَادًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4549",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ‏ ‏وَالْمُرْسَلَاتِ ‏ ‏وَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ ‏ ‏فِيهِ فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ فَابْتَدَرْنَاهَا فَسَبَقَتْنَا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ آدَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَفْصٌ ‏ ‏وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُغِيرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "قَوْله ‏ ‏: ( حَدَّثَنَا مَحْمُود ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غَيْلَان , وَعُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى هُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ لَكِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْهُ هَذَا بِوَاسِطَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" فِي غَار \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث كَمَا سَيَأْتِي \" بِمِنًى \" وَهَذَا أَصَحّ مِمَّا أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق أَبِي وَائِل عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِرَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث الْآتِيَة \" إِذْ وَثَبَتَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَابْتَدَرْنَاهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَسْوَد \" فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُقْتُلُوهَا , فَابْتَدَرْنَاهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَسَبَقَتْنَا ) ‏ ‏أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرهَا , وَالْحَاصِل أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَسْبِقُوهَا فَسَبَقَتْهُمْ , وَقَوْله \" فَابْتَدَرْنَاهَا \" أَيْ تَسَابَقْنَا أَيُّنَا يُدْرِكهَا , فَسَبَقَتْنَا كُلّنَا. وَهَذَا هُوَ الْوَجْه وَالْأَوَّل اِحْتِمَال بَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَنْصُور بِهَذَا , وَعَنْ إِسْرَائِيل عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ يَحْيَى بْن آدَم زَادَ لِإِسْرَائِيل فِيهِ شَيْخًا وَهُوَ الْأَعْمَش. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَابَعَهُ أَسْوَد بْن عَامِر عَنْ إِسْرَائِيل ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْإِمَام أَحْمَد عَنْهُ بِهِ , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَافَقَ إِسْرَائِيل عَلَى هَذَا شَيْبَانُ وَالثَّوْرِيُّ وَوَرْقَاء وَشَرِيك , ثُمَّ وَصَلَهُ عَنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ حَفْص وَأَبُو مُعَاوِيَة وَسُلَيْمَان بْن قَرْم عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ الْأَسْوَد ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ الثَّلَاثَة خَالَفُوا رِوَايَة إِسْرَائِيل عَنْ الْأَعْمَش فِي شَيْخ إِبْرَاهِيم , فَإِسْرَائِيل يَقُول : عَنْ الْأَعْمَش عَنْ عَلْقَمَة , وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : الْأَسْوَد. وَسَيَأْتِي فِي آخِر الْبَاب أَنَّ جَرِير بْن عَبْد الْحَمِيد وَافَقَهُمْ عَنْ الْأَعْمَش. فَأَمَّا رِوَايَة حَفْص وَهُوَ اِبْن غِيَاث فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف , وَسَتَأْتِي بَعْد بَاب. وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة فَتَقَدَّمَ بَيَان مَنْ وَصَلَهَا فِي بَدْء الْخَلْق. وَكَذَا رِوَايَة سُلَيْمَان بْن قَرْم , وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون الرَّاء بَصْرِيّ ضَعِيف الْحِفْظ , وَتَفَرَّدَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ بِتَسْمِيَةِ أَبِيهِ مُعَاذًا , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع الْمُعَلَّق. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ يَحْيَى بْن حَمَّاد أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَة عَنْ مُغِيرَة ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن مِقْسَم ‏ ‏( عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ مُغِيرَة وَافَقَ إِسْرَائِيل فِي شَيْخ إِبْرَاهِيم وَأَنَّهُ عَلْقَمَة , وَرِوَايَة يَحْيَى بْن حَمَّاد هَذِهِ وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ عَبْد اللَّه الْحَضْرَمِيّ حَدَّثَنَا الْفَضْل بْن سَهْل حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن حَمَّاد بِهِ وَلَفْظه \" كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ وَالْمُرْسَلَاتِ \" الْحَدِيث. وَحَكَى عِيَاض أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ \" وَقَالَ حَمَّاد أَنْبَأَنَا أَبُو عَوَانَة \" وَهُوَ غَلَط. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَسْوَد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا عَنْ الْأَسْوَد مِنْ غَيْر طَرِيق الْأَعْمَش وَمَنْصُور , وَرِوَايَة اِبْن إِسْحَاق هَذِهِ وَصَلَهَا أَحْمَد عَنْ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَسْوَد \" وَأَخْرَجَهَا اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق اللَّيْث بْن سَعْد عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَلَفْظه \" نَزَلَتْ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا بِحِرَاءَ لَيْلَة الْحَيَّة , قَالُوا : وَمَا لَيْلَة الْحَيَّة ؟ قَالَ : خَرَجَتْ حَيَّة فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُقْتُلُوهَا , فَتَغَيَّبَتْ فِي جُحْر , فَقَالَ : دَعُوهَا \" الْحَدِيث. وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ \" وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق \" وَهُوَ تَصْحِيف وَالصَّوَاب \" اِبْن إِسْحَاق \" وَهُوَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن يَسَار صَاحِب الْمَغَازِي. ‏"
    },
    {
        "id": "4550",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏بَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي غَارٍ إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ‏ ‏وَالْمُرْسَلَاتِ ‏ ‏فَتَلَقَّيْنَاهَا مِنْ ‏ ‏فِيهِ وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا إِذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَيْكُمْ اقْتُلُوهَا قَالَ فَابْتَدَرْنَاهَا فَسَبَقَتْنَا قَالَ فَقَالَ وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا ‏",
        "sharh": "ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيث الْمَذْكُور عَنْ قُتَيْبَة عَنْ جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة بِتَمَامِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4551",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصَرِ قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَرْفَعُ الْخَشَبَ بِقَصَرٍ ثَلَاثَةَ أَذْرُعِ أَوْ أَقَلَّ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتَاءِ فَنُسَمِّيهِ الْقَصَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا نَرْفَع الْخَشَب بِقَصَرِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَالْقَاف وَفَتْح الصَّاد الْمُهْمَلَة وَتَنْوِينَ الرَّاء وَبِالْإِضَافَةِ أَيْضًا وَهُوَ بِمَعْنَى الْغَايَة وَالْقَدْر , تَقُول قَصَرك وَقُصَارَاك مِنْ كَذَا مَا اِقْتَصَرْت عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاثَة أَذْرُع أَوْ أَقَلّ ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ \" أَوْ فَوْق ذَلِكَ \" وَهِيَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَحْده. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَرْفَعهُ لِلشِّتَاءِ فَنُسَمِّيه الْقَصْر ) ‏ ‏بِسُكُونِ الصَّاد وَبِفَتْحِهَا , وَهُوَ عَلَى الثَّانِي جَمْع قَصَرَة أَيْ كَأَعْنَاقِ الْإِبِل وَيُؤَيِّدهُ قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس كَالْقَصَرِ بِفَتْحَتَيْنِ , وَقِيلَ هُوَ أُصُول الشَّجَر , وَقِيلَ أَعْنَاق النَّخْل. وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : الْقَصْر الْبَيْت , وَمَنْ فَتَحَ أَرَادَ أُصُول النَّخْل الْمَقْطُوعَة , شَبَّهَهَا بِقَصَرِ النَّاس أَيْ أَعْنَاقهمْ , فَكَأَنَّ اِبْن عَبَّاس فَسَّرَ قِرَاءَته بِالْفَتْحِ بِمَا ذُكِرَ , وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْد مِنْ طَرِيق هَارُون الْأَعْرَج عَنْ حُسَيْن الْمُعَلِّم عَنْ أَبِي بِشْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس ( بِشَرَرٍ كَالْقَصَرِ ) بِفَتْحَتَيْنِ , قَالَ هَارُون : وَأَنْبَأَنَا أَبُو عَمْرو أَنَّ سَعِيدًا وَابْن عَبَّاس قَرَآ كَذَلِكَ , وَأَسْنَدَهُ أَبُو عُبَيْد عَنْ اِبْن مَسْعُود أَيْضًا بِفَتْحَتَيْنِ. وَأَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق قَيْس بْن الرَّبِيع عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَابِس \" سَمِعْت اِبْن عَبَّاس كَانَتْ الْعَرَب تَقُول فِي الْجَاهِلِيَّة اُقْصُرُوا لَنَا الْحَطَب , فَيُقْطَع عَلَى قَدْر الذِّرَاع وَالذِّرَاعَيْنِ \" وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي قَوْله تَعَالَى ( إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ قَالَ : لَيْسَتْ كَالشَّجَرِ وَالْجِبَال , وَلَكِنَّهَا مِثْل الْمَدَائِن وَالْحُصُون. ‏"
    },
    {
        "id": "4552",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصَرِ قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَعْمِدُ إِلَى الْخَشَبَةِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتَاءِ فَنُسَمِّيهِ الْقَصَرَ ‏ { ‏كَأَنَّهُ ‏ ‏جِمَالَاتٌ ‏ ‏صُفْرٌ ‏} ‏حِبَالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتَّى تَكُونَ كَأَوْسَاطِ الرِّجَالِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاثَة أَذْرُع ) ‏ ‏زَادَ الْمُسْتَمْلِيّ رِوَايَته \" أَوْ فَوْق ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنَّهُ جِمَالَاتٌ صُفْرٌ حِبَال السُّفُن تُجْمَع ) ‏ ‏أَيْ يُضَمّ بَعْضهَا إِلَى بَعْض لِيَقْوَى ( حَتَّى تَكُونَ كَأَوْسَاطِ الرِّجَال ) قُلْت هُوَ مِنْ تَتِمَّة الْحَدِيث , وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ الثَّوْرِيّ بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ فِي آخِره \" وَسَمِعْت اِبْن عَبَّاس يَسْأَل عَنْ قَوْله تَعَالَى ( كَأَنَّهُ جِمَالَاتٌ صُفْرٌ ) قَالَ : حِبَال السُّفُن يُجْمَع بَعْضهَا إِلَى بَعْض حَتَّى تَكُون كَأَوْسَاطِ الرِّجَال \" , وَفِي رِوَايَة قَيْس بْن الرَّبِيع عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبَّاس : هِيَ الْقَلُوص الَّتِي تَكُون فِي الْجُسُور , وَالْأَوَّل هُوَ الْمَحْفُوظ. ‏"
    },
    {
        "id": "4553",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي غَارٍ إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ‏ ‏وَالْمُرْسَلَاتِ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا وَإِنِّي لَأَتَلَقَّاهَا مِنْ ‏ ‏فِيهِ وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْتُلُوهَا فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏حَفِظْتُهُ مِنْ أَبِي فِي غَارٍ ‏ ‏بِمِنًى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِيهِ ( إِذْ وَثَبَتَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" إِذْ وَثَبَ \" بِالتَّذْكِيرِ , وَكَذَا قَالَ اُقْتُلُوهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُمَر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَفْص شَيْخ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَفِظْته مِنْ أَبِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ حَفِظْته. ‏ ‏قَوْله : ( فِي غَار بِمِنًى ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ أَبَاهُ زَادَ بَعْد قَوْله فِي الْحَدِيث : كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فِي غَار بِمِنًى \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا وَقَعَتْ أَيْضًا فِي رِوَايَة الْمُغِيرَة عَنْ إِبْرَاهِيم. ‏"
    },
    {
        "id": "4554",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبَيْتُ قَالَ أَرْبَعُونَ شَهْرًا قَالَ أَبَيْتُ قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أَبَيْتُ قَالَ ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ لَيْسَ مِنْ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ فِيه حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏\" مَا بَيْن النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي تَفْسِير الزُّمَر , وَقَوْله ‏ ‏\" أَبَيْت \" ‏ ‏بِضَمٍّ أَيْ أَنْ أَقُول مَا لَمْ أَسْمَع , وَبِالْفَتْحِ أَيْ أَنْ أَعْرِف ذَلِكَ فَإِنَّهُ غَيْب. ‏"
    },
    {
        "id": "4555",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ بِإِصْبَعَيْهِ هَكَذَا بِالْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي ‏ ‏الْإِبْهَامَ ‏ ‏بُعِثْتُ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4556",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعْد بْن هِشَام ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَامِر الْأَنْصَارِيّ , لِأَبِيهِ صُحْبَة , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع , وَآخَر مُعَلَّق فِي الْمَنَاقِب. ‏ ‏قَوْله : ( مَثَل ) ‏ ‏بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ صِفَته , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( مَثَل الْجَنَّة ). ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ حَافِظ لَهُ مَعَ السَّفَرَة الْكِرَام الْبَرَرَة ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : مَعْنَاهُ كَأَنَّهُ مَعَ السَّفَرَة فِيمَا يَسْتَحِقّهُ مِنْ الثَّوَاب. ‏ ‏قُلْت : أَرَادَ بِذَلِكَ تَصْحِيح التَّرْكِيب , وَإِلَّا فَظَاهِره أَنَّهُ لَا رَبْط بَيْن الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ مَثَل وَالْخَبَر الَّذِي هُوَ مَعَ السَّفَرَة , فَكَأَنَّهُ قَالَ : الْمَثَل بِمَعْنَى الشَّبِيه فَيَصِير كَأَنَّهُ قَالَ : شَبِيه الَّذِي يَحْفَظ كَائِن مَعَ السَّفَرَة فَكَيْف بِهِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَأَنَّهُ قَالَ صِفَته وَهُوَ حَافِظ لَهُ كَأَنَّهُ مَعَ السَّفَرَة , وَصِفَته وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيد أَنْ يَسْتَحِقّ أَجْرَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَثَل الَّذِي يَقْرَأ الْقُرْآن وَهُوَ يَتَعَاهَدهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيد فَلَهُ أَجْرَانِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين اُخْتُلِفَ هَلْ لَهُ ضِعْف أَجْر الَّذِي يَقْرَأ الْقُرْآن حَافِظًا أَوْ يُضَاعَف لَهُ أَجْره وَأَجْر الْأَوَّل أَعْظَم ؟ قَالَ : وَهَذَا أَظْهَر , وَلِمَنْ رَجَّحَ الْأَوَّل أَنْ يَقُول : الْأَجْر عَلَى قَدْر الْمَشَقَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "4557",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْنٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ { ‏يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ ‏ ‏لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏ } ‏حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَعْن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عِيسَى. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مَالِك ) ‏ ‏هَذَا الْحَدِيث مِنْ غَرَائِب حَدِيث مَالِك , وَلَيْسَ هُوَ فِي \" الْمُوَطَّأ \" , وَقَدْ تَابَعَ مَعْن بْن عِيسَى عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّه بْن وَهْب أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم , وَالْوَلِيد بْن مُسْلِم وَإِسْحَاق الْقَرَوِيّ وَسَعِيد بْن الزُّبَيْر وَعَبْد الْعَزِيز بْن يَحْيَى أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْغَرَائِب \" كُلّهمْ عَنْ مَالِك. ‏ ‏قَوْله : ( فِي رَشَحِهِ ) ‏ ‏بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ عَرَقه لِأَنَّهُ يَخْرُج مِنْ الْبَدَن شَيْئًا بَعْد شَيْء كَمَا يَرْشَح الْإِنَاء الْمُتَحَلِّل الْأَجْزَاء. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن دَاوُدَ \" حَتَّى إِنَّ الْعَرَق يُلْجِم أَحَدهمْ إِلَى أَنْصَاف أُذُنَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى أَنْصَاف أُذُنَيْهِ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ إِضَافَة الْجَمِيع إِلَى الْجَمِيع حَقِيقَة وَمَعْنًى , لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِد أُذُنَيْنِ. وَقَدْ رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" تَدْنُو الشَّمْس يَوْم الْقِيَامَة مِنْ الْخَلْق حَتَّى تَكُون مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيل , فَيَكُون النَّاس عَلَى قَدْر أَعْمَالهمْ فِي الْعَرَق : فَمِنْهُمْ مِنْ يَكُون إِلَى كَعْبَيْهِ , وَمِنْهُمْ مِنْ يَكُون إِلَى حَقْوَيْهِ , وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمهُ الْعَرَق إِلْجَامًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "4558",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي يُونُسَ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ إِلَّا هَلَكَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ‏} ‏قَالَ ذَاكَ الْعَرْضُ يُعْرَضُونَ وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الّقَطَّانُ , وَلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيث شَيْخ آخَر بِإِسْنَادٍ آخَر وَهُوَ مَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب , وَعُثْمَان بْن الْأَسْوَد أَيْ اِبْن أَبِي مُوسَى الْمَكِّيّ مَوْلَى بَنِي جُمَح , وَوَقَعَ عِنْد الْقَابِسِيّ عُثْمَان الْأَسْوَد صِفَة لِعُثْمَان وَهُوَ خَطَأ , وَاشْتَمَلَ مَا سَاقَهُ الْمُصَنِّف عَلَى ثَلَاثَة أَسَانِيد : عُثْمَان عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عَائِشَة , وَتَابَعَهُ أَيُّوب عَنْ عُثْمَان , وَخَالَفَهُمَا أَبُو يُونُس فَأَدْخَلَ بَيْن اِبْن أَبِي مُلَيْكَة وَعَائِشَة رَجُلًا وَهُوَ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة حَمَلَهُ عَنْ الْقَاسِم ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَة أَوْ سَمِعَهُ أَوَّلًا مِنْ عَائِشَة ثُمَّ اِسْتَثْبَتَ الْقَاسِم إِذْ فِي رِوَايَة الْقَاسِم زِيَادَة لَيْسَتْ عِنْده. وَقَدْ اِسْتَدْرَكَ الدَّارَقُطْنِيُّ هَذَا الْحَدِيث لِهَذَا الِاخْتِلَاف , وَأُجِيبَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ , وَنَبَّهَ الْجَيَّانِيُّ عَلَى خَبْط لِأَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ فِي هَذِهِ الْأَسَانِيد قَالَ : سَقَطَ عِنْده اِبْن أَبِي مُلَيْكَة مِنْ الْإِسْنَاد الْأَوَّل وَلَا بُدّ مِنْهُ , وَزِيدَ عِنْده الْقَاسِم بْن مُحَمَّد فِي الْإِسْنَاد الثَّانِي وَلَيْسَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة أَبِي يُونُس. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : جَمَعَ الْبُخَارِيّ بَيْن الْأَسَانِيد الثَّلَاثَة وَمُتُونهَا مُخْتَلِفَة. ‏ ‏قُلْت : وَسَأُبَيِّنُ ذَلِكَ وَأُوَضِّحهُ فِي كِتَاب الرِّقَاق مَعَ بَقِيَّة الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث , وَتَقَدَّمَتْ بَعْض مَبَاحِثه فِي أَوَاخِر كِتَاب الْعِلْم. ‏"
    },
    {
        "id": "4559",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ { ‏لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ‏} ‏حَالًا بَعْدَ حَالٍ قَالَ هَذَا نَبِيُّكُمْ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن عَبَّاس ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) حَالًا بَعْد حَال , قَالَ هَذَا نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ الْخِطَاب لَهُ , وَهُوَ عَلَى قِرَاءَة فَتْح الْمُوَحَّدَة وَبِهَا قَرَأَ اِبْن كَثِير وَالْأَعْمَش وَالْأَخَوَانِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ الْحَدِيث الْمَذْكُور عَنْ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم عَنْ هُشَيْمٍ بِلَفْظِ \" إِنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ يَقْرَأ ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) يَعْنِي نَبِيّكُمْ حَالًا بَعْد حَال \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْد فِي \" كِتَاب الْقِرَاءَات \" عَنْ هُشَيْمٍ وَزَادَ : يَعْنِي بِفَتْحِ الْبَاء , قَالَ الطَّبَرِيُّ : قَرَأَهَا اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعَامَّة قُرَّاء أَهْل مَكَّة وَالْكُوفَة بِالْفَتْحِ , وَالْبَاقُونَ بِالضَّمِّ عَلَى أَنَّهُ خِطَاب لِلْأُمَّةِ , وَرَجَّحَهَا أَبُو عُبَيْدَة لِسِيَاقِ مَا قَبْلهَا وَمَا بَعْدهَا. ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ الْحَسَن وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَغَيْرهمْ قَالُوا ( طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) يَعْنِي حَالًا بَعْد حَال , وَمِنْ طَرِيق الْحَسَن أَيْضًا وَأَبِي الْعَالِيَة وَمَسْرُوق قَالَ : السَّمَاوَات. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود إِلَى قَوْله : ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قَالَ : السَّمَاء. وَفِي لَفْظ لِلطَّبَرِيِّ عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : الْمُرَاد أَنَّ السَّمَاء تَصِير مَرَّة كَالدِّهَانِ , وَمَرَّة تُشَقَّق ثُمَّ تَحْمَرّ ثُمَّ تَنْفَطِر. وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الْأَوَّل وَأَصْل الطَّبَق الشِّدَّة , وَالْمُرَاد بِهَا هُنَا مَا يَقَع مِنْ الشَّدَائِد يَوْم الْقِيَامَة. وَالطَّبَق مَا طَابَقَ غَيْره , يُقَال مَا هَذَا بِطَبَقِ كَذَا أَيْ لَا يُطَابِقهُ. ‏ ‏وَمَعْنَى قَوْله \" حَالًا بَعْد حَال \" أَيْ حَال مُطَابَقَة لِلَّتِي قَبْلهَا فِي الشِّدَّة , أَوْ هُوَ جَمْع طَبَقَة وَهِيَ الْمَرْتَبَة , أَيْ هِيَ طَبَقَات بَعْضهَا أَشَدّ مِنْ بَعْض , وَقِيلَ الْمُرَاد اِخْتِلَاف أَحْوَال الْمَوْلُود مُنْذُ يَكُون جَنِينًا إِلَى أَنْ يَصِير إِلَى أَقْصَى الْعُمُر , فَهُوَ قَبْل أَنْ يُولَد جَنِين , ثُمَّ إِذَا وُلِدَ صَبِيّ , فَإِذَا فُطِمَ غُلَام , فَإِذَا بَلَغَ سَبْعًا يَافِع , فَإِذَا بَلَغَ عَشْرًا حَزَوَّر , فَإِذَا بَلَغَ خَمْس عَشْرَة قُمُدّ , فَإِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ عَنَطْنَط , فَإِذَا بَلَغَ ثَلَاثِينَ صَمْل , فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ كَهْل , فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ شَيْخ , فَإِذَا بَلَغَ ثَمَانِينَ هِمّ , فَإِذَا بَلَغَ تِسْعِينَ فَانٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "4560",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏ ‏فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا الْقُرْآنَ ثُمَّ جَاءَ ‏ ‏عَمَّارٌ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏وَسَعْدٌ ‏ ‏ثُمَّ جَاءَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فِي عِشْرِينَ ثُمَّ ‏ ‏جَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَا رَأَيْتُ ‏ ‏أَهْلَ الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ جَاءَ فَمَا جَاءَ حَتَّى قَرَأْتُ ‏ ‏سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ‏ ‏فِي سُوَرٍ مِثْلِهَا ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث الْبَرَاء فِي أَوَّل مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَة مِنْ الْمُهَاجِرِينَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل الْهِجْرَة , وَوَقَعَ فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث هُنَا \" يَقُولُونَ هَذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَحَذَفَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ , قَالَ : لِأَنَّ الصَّلَاة عَلَيْهِ إِنَّمَا شُرِعَتْ فِي السَّنَة الْخَامِسَة , وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى قَوْله تَعَالَى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَة سُورَة الْأَحْزَاب وَكَانَ نُزُولهَا فِي تِلْكَ السَّنَة عَلَى الصَّحِيح , لَكِنْ لَا مَانِع أَنْ تَتَقَدَّم الْآيَة الْمَذْكُورَة عَلَى مُعْظَم السُّورَة. ثُمَّ مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ لَفْظ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صُلْب الرِّوَايَة مِنْ لَفْظ الصَّحَابِيّ , وَمَا الْمَانِع أَنْ يَكُون ذَلِكَ صَدَرَ مِمَّنْ دُونه ؟ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يُنْدَب أَنْ يُصَلَّى عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْ يَتَرَضَّى عَنْ الصَّحَابِيّ وَلَوْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4561",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ‏} ‏انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ مِثْلُ ‏ ‏أَبِي زَمْعَةَ ‏ ‏وَذَكَرَ النِّسَاءَ فَقَالَ يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ فَيَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ مِنْ الضَّرْطَةِ وَقَالَ لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلُ ‏ ‏أَبِي زَمْعَةَ ‏ ‏عَمِّ ‏ ‏الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة بْن الزُّبَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه بْن زَمْعَةَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْأَسْوَد بْن الْمُطَّلِب بْن أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى صَحَابِيّ مَشْهُور , وَأُمّه قَرِيبَة أُخْت أُمّ سَلَمَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , وَكَانَ تَحْته زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّة ثَمُود مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَأَنَّهُ يَشْتَمِل عَلَى ثَلَاثَة أَحَادِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَذَكَرَ النَّاقَة ) ‏ ‏أَيْ نَاقَة صَالِح , وَالْوَاو عَاطِفَة عَلَى شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره : فَخَطَبَ فَذَكَرَ كَذَا وَذَكَرَ النَّاقَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَلَّذِي عَقَرَ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِحَذْفِ الْمَفْعُول , وَتَقَدَّمَ بِلَفْظِ \" عَقَرَهَا \" أَيْ النَّاقَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ اِنْبَعَثَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء بِلَفْظِ اِنْتَدَبَ , تَقُول نَدَبْته إِلَى كَذَا فَانْتَدَبَ لَهُ أَيْ أَمَرْته فَامْتَثَلَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَزِيز ) ‏ ‏أَيْ قَلِيل الْمِثْل. ‏ ‏قَوْله : ( عَارِم ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ صَعْب عَلَى مَنْ يَرُومهُ كَثِير الشَّهَامَة وَالشَّرّ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنِيع ) ‏ ‏أَيْ قَوِيّ ذُو مَنَعَة أَيْ رَهْط يَمْنَعُونَهُ مِنْ الضَّيْم , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء بِلَفْظِ \" ذُو مَنَعَة \" وَتَقَدَّمَ بَيَان اِسْمه وَسَبَب عَقْره النَّاقَة. ‏ ‏قَوْله : ( مِثْل أَبِي زَمْعَةَ ) ‏ ‏يَأْتِي فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( وَذَكَرَ النِّسَاء ) ‏ ‏أَيْ وَذَكَرَ فِي خُطْبَته النِّسَاء اِسْتِطْرَادًا إِلَى مَا يَقَع مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ. ‏ ‏قَوْله : ( يَعْمِد ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب النِّكَاح. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فِي ضَحِكٍ \" بِالتَّنْوِينِ وَقَالَ : لِمَ يَضْحَك أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَل ؟ يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَة إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , فَذَكَرَ الْحَدِيث بِتَمَامِهِ وَقَالَ فِي آخِره \" مِثْل أَبِي زَمْعَةَ عَمّ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام \" كَمَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيّ سَوَاء. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة لَكِنْ لَمْ يَقُلْ فِي آخِره \" عَمّ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام \" ‏ ‏قَوْله : ( عَمّ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام ) ‏ ‏هُوَ عَمّ الزُّبَيْر مَجَازًا لِأَنَّهُ الْأَسْوَد بْن الْمُطَّلِب بْن أَسَد , وَالْعَوَّام بْن خُوَيْلِدِ بْن أَسَد. فَنَزَلَ اِبْن الْعَمّ مَنْزِلَة الْأَخ فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ عَمًّا بِهَذَا الِاعْتِبَار , كَذَا جَزَمَ الدِّمْيَاطِيّ بِاسْمِ أَبِي زَمْعَةَ هُنَا وَهُوَ الْمُعْتَمَد وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد بِأَبِي زَمْعَةَ الصَّحَابِيّ الَّذِي بَايَعَ تَحْت الشَّجَرَة يَعْنِي وَهُوَ عُبَيْد الْبَلَوِيّ , قَالَ : وَوَجْه تَشْبِيهه بِهِ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي عِزَّة وَمَنَعَة فِي قَوْمه كَمَا كَانَ ذَلِكَ الْكَافِر , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد غَيْره مِمَّنْ يُكَنَّى أَبَا زَمْعَةَ مِنْ الْكُفَّار. ‏ ‏قُلْت : وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَد , وَالْغَيْر الْمَذْكُور هُوَ الْأَسْوَد , وَهُوَ جَدّ عَبْد اللَّه بْن زَمْعَةَ رَاوِي هَذَا الْخَبَر , لِقَوْلِهِ فِي نَفْس الْخَبَر \" عَمّ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام \" وَلَيْسَ بَيْن الْبَلَوِيّ وَبَيْن الزُّبَيْر نَسَب. وَقَدْ أَخْرَجَ الزُّبَيْر بْن بَكَّار هَذَا الْحَدِيث فِي تَرْجَمَة الْأَسْوَد بْن الْمُطَّلِب مِنْ طَرِيق عَامِر بْن صَالِح عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة وَزَادَ \" قَالَ فَتَحَدَّثَ بِهَا عُرْوَة وَأَبُو عُبَيْدَة بْن عَبْد اللَّه بْن زَمْعَةَ جَالِسٌ , فَكَأَنَّهُ وَجَدَ مِنْهَا , فَقَالَ لَهُ عُرْوَة : يَا اِبْن أَخِي , وَاَللَّه مَا حَدَّثَنِيهَا أَبُوك إِلَّا وَهُوَ يَفْخَر بِهَا , وَكَانَ الْأَسْوَد أَحَد الْمُسْتَهْزِئِينَ , وَمَاتَ عَلَى كُفْره بِمَكَّة , وَقُتِلَ اِبْنه زَمْعَةَ يَوْم بَدْر كَافِرًا أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4562",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏الشَّأْمَ ‏ ‏فَسَمِعَ بِنَا ‏ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏ ‏فَأَتَانَا فَقَالَ ‏ ‏أَفِيكُمْ مَنْ يَقْرَأُ فَقُلْنَا نَعَمْ قَالَ فَأَيُّكُمْ أَقْرَأُ فَأَشَارُوا إِلَيَّ فَقَالَ اقْرَأْ فَقَرَأْتُ ‏ { ‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ‏} ‏وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى قَالَ أَنْتَ سَمِعْتَهَا مِنْ ‏ ‏فِي صَاحِبِكَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ وَأَنَا سَمِعْتُهَا مِنْ ‏ ‏فِي النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهَؤُلَاءِ يَأْبَوْنَ عَلَيْنَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4563",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ أَصْحَابُ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏أَبِي الدَّرْدَاءِ ‏ ‏فَطَلَبَهُمْ فَوَجَدَهُمْ فَقَالَ ‏ ‏أَيُّكُمْ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ كُلُّنَا قَالَ فَأَيُّكُمْ أَحْفَظُ فَأَشَارُوا إِلَى ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏قَالَ كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ ‏ { ‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ‏} ‏قَالَ ‏ ‏عَلْقَمَةُ ‏ ‏وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى قَالَ أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ هَكَذَا وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونِي عَلَى أَنْ أَقْرَأَ ‏ { ‏وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ‏} ‏وَاللَّهِ لَا أُتَابِعُهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( حَدَّثَنَا عُمَر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَفْص بْن غِيَاث , وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرّ حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ حَفْص. ‏ ‏قَوْله : ( قَدِمَ أَصْحَاب عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَسْعُود ‏ ‏( عَلَى أَبِي الدَّرْدَاء , فَطَلَبَهُمْ فَوَجَدَهُمْ فَقَالَ : أَيّكُمْ يَقْرَأ عَلَيَّ قِرَاءَة عَبْد اللَّه ؟ قَالُوا : كُلّنَا. قَالَ : فَأَيّكُمْ أَحْفَظ ؟ وَأَشَارُوا إِلَى عَلْقَمَة ) ‏ ‏هَذَا صُورَته الْإِرْسَال , لِأَنَّ إِبْرَاهِيم مَا حَضَرَ الْقِصَّة , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله \" عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة \" فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْإِرْسَال فِي هَذَا الْحَدِيث , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْبَاب عِنْد أَبِي نُعَيْم أَيْضًا مَا يَقْتَضِي أَنَّ إِبْرَاهِيم سَمِعَهُ مِنْ عَلْقَمَة. وَقَوْله فِي آخِره ( وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونِي عَلَى أَنْ أَقْرَأ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَاَللَّه لَا أُتَابِعهُمْ ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ عَلْقَمَة فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَنِي أَنْ أَزُول عَمَّا أَقْرَأَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولُونَ لِي : اِقْرَأْ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى , وَإِنِّي وَاَللَّه لَا أُطِيعهُمْ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَابْن مَرْدَوَيْهِ. وَفِي هَذَا بَيَان وَاضِح أَنَّ قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود كَانَتْ كَذَلِكَ , وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي غَيْر هَذِهِ الطَّرِيق أَنَّهُ قَرَأَ \" وَاَلَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى \" كَذَا فِي كَثِير مِنْ كُتُب الْقِرَاءَات الشَّاذَّة , وَهَذِهِ الْقِرَاءَة لَمْ يَذْكُرهَا أَبُو عُبَيْد إِلَّا عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ , وَأَمَّا اِبْن مَسْعُود فَهَذَا الْإِسْنَاد الْمَذْكُور فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ مِنْ أَصَحّ الْأَسَانِيد يَرْوِي بِهِ الْأَحَادِيث. ‏ ‏قَوْله : ( كَيْف سَمِعْته ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَسْعُود ‏ ‏( يَقْرَأ وَاللَّيْلِ إِذْ يَغْشَى ؟ قَالَ عَلْقَمَة : وَالذَّكَر وَالْأُنْثَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان ( فَقَرَأْت وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَالذَّكَر وَالْأُنْثَى ) وَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّ اِبْن مَسْعُود كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ. وَفِي رِوَايَة إِسْرَائِيل عَنْ مُغِيرَة فِي الْمَنَاقِب \" وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالذَّكَر وَالْأُنْثَى \" بِحَذْفِ \" وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى \" كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَأَثْبَتَهَا الْبَاقُونَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهَؤُلَاءِ ) ‏ ‏أَيْ أَهْل الشَّام ‏ ‏( يُرِيدُونِي عَلَى أَنْ أَقْرَأ ( وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ) وَاَللَّه لَا أُتَابِعهُمْ ) ‏ ‏هَذَا أَبْيَن مِنْ الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا حَيْثُ قَالَ \" وَهَؤُلَاءِ يَأْبَوْنَ عَلَيَّ \" ثُمَّ هَذِهِ الْقِرَاءَة لَمْ تُنْقَل إِلَّا عَمَّنْ ذُكِرَ هُنَا , وَمَنْ عَدَاهُمْ قَرَءُوا \" وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى \" وَعَلَيْهَا اِسْتَقَرَّ الْأَمْر مَعَ قُوَّة إِسْنَاد ذَلِكَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاء وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ , وَلَعَلَّ هَذَا مِمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَته وَلَمْ يَبْلُغ النَّسْخُ أَبَا الدَّرْدَاء وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ. وَالْعَجَب مِنْ نَقْل الْحُفَّاظ مِنْ الْكُوفِيِّينَ هَذِهِ الْقِرَاءَة عَنْ عَلْقَمَة وَعَنْ اِبْن مَسْعُود وَإِلَيْهِمَا تَنْتَهِي الْقِرَاءَة بِالْكُوفَةِ ثُمَّ لَمْ يَقْرَأ بِهَا أَحَد مِنْهُمْ , وَكَذَا أَهْل الشَّام حَمَلُوا الْقِرَاءَة عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء وَلَمْ يَقْرَأ أَحَد مِنْهُمْ بِهَذَا , فَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي أَنَّ التِّلَاوَة بِهَا نُسِخَتْ. ‏"
    },
    {
        "id": "4564",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ‏ ‏فِي جَنَازَةٍ فَقَالَ ‏ ‏مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ فَقَالَ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏لِلْعُسْرَى ‏} ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَلِيّ قَالَ \" كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَقِيع الْغَرْقَد فِي جِنَازَة فَقَالَ : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد إِلَّا وَكُتِبَ مَقْعَده مِنْ الْجَنَّة وَمَقْعَده مِنْ النَّار \" ‏ ‏الْحَدِيث ذَكَرَهُ فِي خَمْسَة تَرَاجِم أُخْرَى لَا يَأْتِي فِي هَذِهِ السُّورَة كُلّهَا مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش إِلَّا الْخَامِس , فَمِنْ طَرِيق مَنْصُور , كِلَاهُمَا عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيّ , وَصَرَّحَ فِي التَّرْجَمَة الْأَخِيرَة بِسَمَاعِ الْأَعْمَش لَهُ مِنْ سَعْد , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْقَدَر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( بَاب قَوْله وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ) سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَة لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ وَالنَّسَفِيّ , وَسَقَطَ لَفْظ \" بَاب \" مِنْ التَّرَاجِم كُلّهَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4565",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ فِي جَنَازَةٍ فَأَخَذَ عُودًا يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ فَقَالَ ‏ ‏مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ أَوْ مِنْ الْجَنَّةِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ قَالَ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ‏ { ‏فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ‏} ‏الْآيَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي بِهِ ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏فَلَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4566",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ قَالَ لَا اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4567",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي ‏ ‏بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ‏ ‏فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ ‏ ‏مِخْصَرَةٌ ‏ ‏فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ وَمَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4568",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي جَنَازَةٍ فَأَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ الْأَرْضَ فَقَالَ ‏ ‏مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ قَالَ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4569",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏ثَلَاثًا فَجَاءَتْ ‏ ‏امْرَأَةٌ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ ‏ ‏أَوْ ثَلَاثَةٍ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ‏} ‏قَوْلُهُ ‏ { ‏مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ‏} ‏تُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ مَا تَرَكَكَ رَبُّكَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت جُنْدَب بْن سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الْبَجْلِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَتْ اِمْرَأَة فَقَالَتْ : يَا مُحَمَّد إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُون شَيْطَانك تَرَكَك ) ‏ ‏هِيَ أُمّ جَمِيل بِنْت حَرْب اِمْرَأَة أَبِي لَهَب. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي كِتَاب قِيَام اللَّيْل. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْمُفَضَّل بْن صَالِح عَنْ الْأَسْوَد بْن قَيْس بِلَفْظِ \" فَقَالَتْ اِمْرَأَة مِنْ أَهْله \" وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَسْوَد بْن قَيْس بِلَفْظِ \" حَتَّى قَالَ الْمُشْرِكُونَ \" وَلَا مُخَالَفَة لِأَنَّهُمْ قَدْ يُطْلِقُونَ لَفْظ الْجَمْع وَيَكُون الْقَائِل أَوْ الْفَاعِل وَاحِدًا , بِمَعْنَى أَنَّ الْبَاقِينَ رَاضُونَ بِمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الْوَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( قَرِبَك ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء , يُقَال يَقْرَبهُ بِفَتْحِ الرَّاء مُتَعَدِّيًا , وَمِنْهُ ( لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ ) , وَأَمَّا قَرُبَ بِالضَّمِّ فَهُوَ لَازِم. تَقُول قَرُبَ الشَّيْء أَيْ دَنَا. وَقَدْ بَيَّنْت هُنَاكَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أُخْرَى عِنْد الْحَاكِم \" فَقَالَتْ خَدِيجَة \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد \" فَقَالَتْ خَدِيجَة وَلَا أَرَى رَبّك \" وَمِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ \" فَقَالَتْ خَدِيجَة لِمَا تَرَى مِنْ جَزَعه \" وَهَذَانِ طَرِيقَانِ مُرْسَلَانِ وَرُوَاتهمَا ثِقَات , فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ كُلًّا مِنْ أُمّ جَمِيل وَخَدِيجَة قَالَتْ ذَلِكَ , لَكِنْ أُمّ جَمِيل عَبَّرَتْ - لِكَوْنِهَا كَافِرَة - بِلَفْظِ شَيْطَانك , وَخَدِيجَة عَبَّرَتْ - لِكَوْنِهَا مُؤْمِنَة - بِلَفْظِ رَبّك أَوْ صَاحِبك , وَقَالَتْ أُمّ جَمِيل شَمَاتَة وَخَدِيجَة تَوَجُّعًا. ‏ ‏قَوْله : ( بَاب قَوْله مَا وَدَّعَك رَبُّك وَمَا قَلَى ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَة فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ , وَهُوَ تَكْرَار بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلْبَاقِينَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهَا فِي الْأُولَى. ‏ ‏قَوْله : ( تُقْرَأ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف بِمَعْنًى وَاحِد مَا تَرَكَك رَبُّك ) ‏ ‏أَمَّا الْقِرَاءَة بِالتَّشْدِيدِ فَهِيَ قِرَاءَة الْجُمْهُور , وَقَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ عُرْوَة وَابْنه هِشَام وَابْن أَبِي عُلَيَّة , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة \" مَا وَدَّعَك \" يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ مِنْ التَّوْدِيع وَ \" مَا وَدَعَك \" يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ مِنْ وَدَعْت اِنْتَهَى , وَيُمْكِن تَخْرِيج كَوْنهمَا بِمَعْنًى وَاحِد عَلَى أَنَّ التَّوْدِيع مُبَالَغَة فِي الْوَدْع لِأَنَّ مَنْ وَدَّعَك مُفَارِقًا فَقَدْ بَالَغَ فِي تَرَكَك. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن عَبَّاس مَا تَرَكَك وَمَا أَبْغَضَك ) ‏ ‏وَصَلَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس بِهَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4570",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جُنْدُبًا الْبَجَلِيَّ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏امْرَأَةٌ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أُرَى صَاحِبَكَ إِلَّا أَبْطَأَكَ ‏ ‏فَنَزَلَتْ ‏ { ‏مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة : ( قَالَتْ اِمْرَأَة : يَا رَسُول اللَّه مَا أَرَى صَاحِبك إِلَّا أَبْطَأَك ) ‏ ‏هَذَا السِّيَاق يَصْلُح أَنْ يَكُون خِطَاب خَدِيجَة , دُون الْخِطَاب الْأَوَّل فَإِنَّهُ يَصْلُح أَنْ يَكُون خِطَاب حَمَّالَة الْحَطَب لِتَعْبِيرِهَا بِالشَّيْطَانِ وَالتَّرْك وَمُخَاطَبَتهَا بِمُحَمَّدٍ , بِخِلَافِ هَذِهِ فَقَالَتْ : صَاحِبك , وَقَالَتْ أَبْطَأَ , وَقَالَتْ يَا رَسُول اللَّه. وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ يَكُون مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة , وَهُوَ مُوَجَّه لِأَنَّ مَخْرَج الطَّرِيقَيْنِ وَاحِد. وَقَوْله \" أَبْطَأَك \" أَيْ صَيَّرَك بَطِيئًا فِي الْقِرَاءَة , لِأَنَّ بُطْأَهُ فِي الْإِقْرَاء يَسْتَلْزِم بُطْء الْآخَر فِي الْقِرَاءَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة \" إِلَّا أَبْطَأَ عَنْك \". ‏"
    },
    {
        "id": "4571",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَدِيٌّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ فِي سَفَرٍ فَقَرَأَ فِي الْعِشَاءِ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ‏ { ‏تَقْوِيمٍ ‏} ‏الْخَلْقِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تَقْوِيم : خَلْق ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ لِأَبِي نُعَيْم , وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد فِي قَوْله : ( أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) قَالَ : أَحْسَن خَلْق. وَأَخْرَجَ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ اِبْن عَبَّاس بِإِسْنَادٍ حَسَن قَالَ : أَعْدَل خَلْق. ‏ ‏قَوْله : ( أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا مَنْ آمَنَ ) كَذَا ثَبَتَ لِلنَّسَفِيّ وَحْده وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُمْ فِي بَدْء الْخَلْق. وَأَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَاصِم الْأَحْوَل عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : مَنْ قَرَأَ الْقُرْآن لَمْ يُرَدّ إِلَى أَرْذَل الْعُمُر وَذَلِكَ قَوْله : ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) قَالَ : الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآن. ‏ ‏قَوْله : ( يُقَال فَمَا يُكَذِّبُك فَمَا الَّذِي يُكَذِّبك بِأَنَّ النَّاس يُدَانُونَ بِأَعْمَالِهِمْ كَأَنَّهُ قَالَ : وَمَنْ يَقْدِر عَلَى تَكْذِيبك بِالثَّوَابِ وَالْعِقَاب ) فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ غَيْر الْكُشْمِيهَنِيِّ \" تُدَالُونَ \" بِلَامٍ بَدَل النُّون الْأُولَى , وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب , كَذَا هُوَ فِي كَلَام الْفَرَّاء بِلَفْظِهِ وَزَادَ فِي آخِره : بَعْدَمَا تَبَيَّنَ لَهُ كَيْفِيَّة خَلْقه. قَالَ اِبْن التِّين : كَأَنَّهُ جَعَلَ \" مَا \" لِمَنْ يَعْقِل وَهُوَ بَعِيد. وَقِيلَ : الْمُخَاطَب بِذَلِكَ الْإِنْسَان الْمَذْكُور , قِيلَ هُوَ عَلَى طَرِيق الِالْتِفَات وَهَذَا عَنْ مُجَاهِد , أَيْ مَا الَّذِي جَعَلَك كَاذِبًا ؟ لِأَنَّك إِذَا كَذَّبْت بِالْجَزَاءِ صِرْت كَاذِبًا , لِأَنَّ كُلّ مُكَذِّب بِالْحَقِّ فَهُوَ كَاذِب. وَأَمَّا تَعَقُّب اِبْن التِّين قَوْل الْفَرَّاء جَعْل \" مَا \" لِمَنْ يَعْقِل وَهُوَ بَعِيد , فَالْجَوَاب أَنَّهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ فِيمَنْ أُبْهِمَ أَمْره , وَمِنْهُ ( إِنِّي نَذَرْت لَك مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا ) ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عَدِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن ثَابِت الْكُوفِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَرَأَ فِي الْعِشَاء بِالتِّينِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي صِفَة الصَّلَاة. وَقَدْ كَثُرَ سُؤَال بَعْض النَّاس : هَلْ قَرَأَ بِهَا فِي الرَّكْعَة الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَة ؟ أَوْ قَرَأَ فِيهِمَا مَعًا كَأَنْ يَقُول أَعَادَهَا فِي الثَّانِيَة ؟ وَعَلَى أَنْ يَكُون قَرَأَ غَيْرهَا فَهَلْ عُرِفَ ؟ وَمَا كُنْت أَسْتَحْضِر لِذَلِكَ جَوَابًا , إِلَى أَنْ رَأَيْت فِي \" كِتَاب الصَّحَابَة لِأَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن \" فِي تَرْجَمَة زُرْعَة بْن خَلِيفَة رَجُل مِنْ أَهْل الْيَمَامَة أَنَّهُ قَالَ \" سَمِعْنَا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْنَاهُ فَعَرَضَ عَلَيْنَا الْإِسْلَام فَأَسْلَمْنَا وَأَسْهَمَ لَنَا , وَقَرَأَ فِي الصَّلَاة بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ \" فَيُمْكِن إِنْ كَانَتْ هِيَ الصَّلَاة الَّتِي عَيَّنَ الْبَرَاء بْن عَازِب أَنَّهَا الْعِشَاء أَنْ يُقَال قَرَأَ فِي الْأُولَى بِالتِّينِ وَفِي الثَّانِيَة بِالْقَدْرِ , وَيَحْصُل بِذَلِكَ جَوَاب السُّؤَال. وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّا لَا نَعْرِف فِي خَبَر مِنْ الْأَخْبَار أَنَّهُ قَرَأَ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُون إِلَّا فِي حَدِيث الْبَرَاء ثُمَّ حَدِيث زُرْعَة هَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4572",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مَرْوَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ سَلْمَوَيْهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ فَكَانَ يَلْحَقُ ‏ ‏بِغَارِ حِرَاءٍ ‏ ‏فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ ‏ ‏قَالَ وَالتَّحَنُّثُ التَّعَبُّدُ ‏ ‏اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏فَيَتَزَوَّدُ بِمِثْلِهَا ‏ ‏حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي ‏ ‏غَارِ حِرَاءٍ ‏ ‏فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ ‏ { ‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ‏ ‏الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ‏} ‏فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏زَمِّلُونِي ‏ ‏زَمِّلُونِي ‏ ‏فَزَمَّلُوهُ ‏ ‏حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ قَالَ ‏ ‏لِخَدِيجَةَ ‏ ‏أَيْ ‏ ‏خَدِيجَةُ ‏ ‏مَا لِي لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ قَالَتْ ‏ ‏خَدِيجَةُ ‏ ‏كَلَّا أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ ‏ ‏الْكَلَّ ‏ ‏وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ فَانْطَلَقَتْ بِهِ ‏ ‏خَدِيجَةُ ‏ ‏حَتَّى أَتَتْ بِهِ ‏ ‏وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ ‏ ‏وَهُوَ ابْنُ عَمِّ ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏أَخِي أَبِيهَا وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ وَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ ‏ ‏خَدِيجَةُ ‏ ‏يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ قَالَ ‏ ‏وَرَقَةُ ‏ ‏يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ ‏ ‏وَرَقَةُ ‏ ‏هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا ذَكَرَ حَرْفًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ ‏ ‏وَرَقَةُ ‏ ‏نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا أُوذِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ حَيًّا أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ ‏ ‏وَرَقَةُ ‏ ‏أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ قَالَ فِي حَدِيثِهِ بَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي ‏ ‏بِحِرَاءٍ ‏ ‏جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَفَرِقْتُ مِنْهُ فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ ‏ ‏زَمِّلُونِي ‏ ‏زَمِّلُونِي ‏ ‏فَدَثَّرُوهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ‏ ‏وَالرِّجْزَ ‏ ‏فَاهْجُرْ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏وَهِيَ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَ قَالَ ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن بُكَيْر حَدَّثَنَا اللَّيْث عَنْ عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب. وَحَدَّثَنِي سَعِيد بْن مَرْوَان ) ‏ ‏الْإِسْنَاد الْأَوَّل قَدْ سَاقَ الْبُخَارِيّ الْمَتْن بِهِ فِي أَوَّل الْكِتَاب , وَسَاقَ فِي هَذَا الْبَاب الْمَتْن بِالْإِسْنَادِ الثَّانِي , وَسَعِيد بْن مَرْوَان هَذَا هُوَ أَبُو عُثْمَان الْبَغْدَادِيّ نَزِيل نَيْسَابُور مِنْ طَبَقَة الْبُخَارِيّ , شَارَكَهُ فِي الرِّوَايَة عَنْ أَبِي نُعَيْم وَسُلَيْمَان بْن حَرْب وَنَحْوهمَا , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع , وَمَاتَ قَبْل الْبُخَارِيّ بِأَرْبَعِ سِنِينَ. وَلَهُمْ شَيْخ آخَر يُقَال لَهُ أَبُو عُثْمَان سَعِيد بْن مَرْوَان الرَّهَاوِيّ , حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو حَاتِم وَابْن أَبِي رِزْمَة وَغَيْرهمَا , وَفَرَّقَ الْبُخَارِيّ فِي \" التَّارِيخ \" بَيْنه وَبَيْن الْبَغْدَادِيّ , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمَا وَاحِد وَآخِرهمْ الْكَرْمَانِيُّ. وَمُحَمَّد بْن عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رِزْمَة بِكَسْرِ الرَّاء وَسُكُون الزَّاي. وَاسْم أَبِي رِزْمَة غَزْوَان , وَهُوَ مَرْوَزِيّ مِنْ طَبَقَة أَحْمَد بْن حَنْبَل , فَهُوَ مِنْ الطَّبَقَة الْوُسْطَى مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَمَعَ ذَلِكَ فَحَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ , وَلَيْسَ لَهُ عِنْده سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَا وَاسِطَة. وَشَيْخه أَبُو صَالِح سَلْمَوَيْهِ اِسْمه سُلَيْمَان بْن صَالِح اللَّيْثِيُّ الْمَرْوَزِيُّ يُلَقَّب سَلْمَوَيْهِ , وَيُقَال اِسْم أَبِيهِ دَاوُدُ , وَهُوَ مِنْ طَبَقَة الرَّاوِي عَنْهُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَة إِلَّا أَنَّهُ تَقَدَّمَتْ وَفَاته , وَكَانَ مِنْ أَخِصَّاء عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك وَالْمُكْثِرِينَ عَنْهُ. وَقَدْ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيّ بِالسِّنِّ لِأَنَّهُ مَاتَ سَنَة عَشْر وَمِائَتَيْنِ , وَمَا لَهُ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك الْإِمَام الْمَشْهُور , وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيّ فِي حَدِيثه فِي هَذَا الْإِسْنَاد دَرَجَتَيْنِ , وَفِي حَدِيث الزُّهْرِيِّ ثَلَاث دَرَجَات , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِل هَذَا الْكِتَاب , وَسَأَذْكُرُ هُنَا مَا لَمْ يَتَقَدَّم ذِكْره مِمَّا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ سِيَاق هَذِهِ الطَّرِيق وَغَيْرهَا مِنْ الْفَوَائِد. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ عَائِشَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : كَانَ أَوَّل مَا بُدِئَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّؤْيَا الصَّادِقَة ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة , لِأَنَّ عَائِشَة لَمْ تُدْرِك هَذِهِ الْقِصَّة فَتَكُون سَمِعَتْهَا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ صَحَابِيّ. وَتَعَقَّبَهُ مَنْ لَمْ يَفْهَم مُرَاده فَقَالَ : إِذَا كَانَ يَجُوز أَنَّهَا سَمِعَتْهَا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْف يُجْزَم بِأَنَّهَا مِنْ الْمَرَاسِيل ؟ وَالْجَوَاب أَنَّ مُرْسَل الصَّحَابِيّ مَا يَرْوِيه مِنْ الْأُمُور الَّتِي لَمْ يُدْرِك زَمَانهَا , بِخِلَافِ الْأُمُور الَّتِي يُدْرِك زَمَانهَا فَإِنَّهَا لَا يُقَال إِنَّهَا مُرْسَلَة , بَلْ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهَا أَوْ حَضَرَهَا وَلَوْ لَمْ يُصَرِّح بِذَلِكَ , وَلَا تَخْتَصّ هَذَا بِمُرْسَلِ الصَّحَابِيّ بَلْ مُرْسَل التَّابِعِيّ إِذَا ذَكَرَ قِصَّة لَمْ يَحْضُرهَا سُمِّيَتْ مُرْسَلَة , وَلَوْ جَازَ فِي نَفْس الْأَمْر أَنْ يَكُون سَمِعَهَا مِنْ الصَّحَابِيّ الَّذِي وَقَعَتْ لَهُ تِلْكَ الْقِصَّة. وَأَمَّا الْأُمُور الَّتِي يُدْرِكهَا فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهَا أَوْ حَضَرَهَا , لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُون سَالِمًا مِنْ التَّدْلِيس وَاَللَّه أَعْلَم. وَيُؤَيِّد أَنَّهَا سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلهَا فِي أَثْنَاء هَذَا الْحَدِيث \" فَجَاءَهُ الْمَلَك فَقَالَ : اِقْرَأْ. فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ فَأَخَذَنِي \" إِلَى آخِره. فَقَوْله قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي ظَاهِر فِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَهَا بِذَلِكَ فَتُحْمَل بَقِيَّة الْحَدِيث عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوَّل مَا بُدِئَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّؤْيَا الصَّادِقَة ) زَادَ فِي رِوَايَة عُقَيْل كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي \" مِنْ الْوَحْي \" أَيْ فِي أَوَّل الْمُبْتَدَآت مِنْ إِيجَاد الْوَحْي الرُّؤْيَا , وَأَمَّا مُطْلَق مَا يَدُلّ عَلَى نُبُوَّته فَتَقَدَّمَتْ لَهُ أَشْيَاء مِثْل تَسْلِيم الْحَجَر كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم وَغَيْر ذَلِكَ , وَ \" مَا \" فِي الْحَدِيث نَكِرَة مَوْصُوفَة , أَيْ أَوَّل شَيْء. وَوَقَعَ صَرِيحًا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن عَائِذ. وَوَقَعَ فِي مَرَاسِيل عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن حَزْم عِنْد الدُّولَابِيّ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَرَاهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ جِبْرِيل وَلَفْظه \" أَنَّهُ قَالَ لِخَدِيجَة بَعْد أَنْ أَقْرَأَهُ جِبْرِيل ( اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك ) : أَرَأَيْتُك الَّذِي كُنْت أُحَدِّثك أَنِّي رَأَيْته فِي الْمَنَام فَإِنَّهُ جِبْرِيل اِسْتَعْلَنَ \". ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْوَحْي ) يَعْنِي إِلَيْهِ وَهُوَ إِخْبَار عَمَّا رَآهُ مِنْ دَلَائِل نُبُوَّته مِنْ غَيْر أَنْ يُوحَى بِذَلِكَ إِلَيْهِ وَهُوَ أَوَّل ذَلِكَ مُطْلَقًا مَا سَمِعَهُ مِنْ بَحِيرَى الرَّاهِب , وَهُوَ عِنْد التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادٍ قَوِيّ عَنْ أَبِي مُوسَى , ثُمَّ مَا سَمِعَهُ عِنْد بِنَاء الْكَعْبَة حَيْثُ قِيلَ لَهُ \" اُشْدُدْ عَلَيْك إِزَارك \" وَهُوَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث جَابِر , وَكَذَلِكَ تَسْلِيم الْحَجَر عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة. ‏ ‏قَوْله : ( الصَّالِحَة ) قَالَ اِبْن الْمُرَابِط هِيَ الَّتِي لَيْسَتْ ضِغْثًا وَلَا مِنْ تَلْبِيس الشَّيْطَان وَلَا فِيهَا ضَرْب مَثَل مُشْكِل , وَتُعُقِّبَ الْأَخِير بِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِالْمُشْكِلِ مَا لَا يُوقَف عَلَى تَأْوِيله فَمُسَلَّم وَإِلَّا فَلَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَق الصُّبْح ) ‏ ‏يَأْتِي فِي سُورَة الْفَلَق قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاء ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِر فِي أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّادِقَة كَانَتْ قَبْل أَنْ يُحَبَّب إِلَيْهِ الْخَلَاء , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون لِتَرْتِيبِ الْأَخْبَار , فَيَكُون تَحْبِيب الْخَلْوَة سَابِقًا عَلَى الرُّؤْيَا الصَّادِقَة , وَالْأَوَّل أَظْهَر. ‏ ‏قَوْله : ( الْخَلَاء ) بِالْمَدِّ الْمَكَان الْخَالِي , وَيُطْلَق عَلَى الْخَلْوَة , وَهُوَ الْمُرَاد هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ يَلْحَق بِغَارِ حِرَاء ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَتَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي بِلَفْظِ \" فَكَانَ يَخْلُو \" وَهِيَ أَوْجَه. وَفِي رِوَايَة عُبَيْد بْن عُمَيْر عِنْد اِبْن إِسْحَاق \" فَكَانَ يُجَاوِر \". ‏ ‏قَوْله : ( اللَّيَالِي ذَوَات الْعَدَد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ كَانَ يَعْتَكِف شَهْر رَمَضَان. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَالتَّحَنُّث التَّعَبُّد ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِر فِي الْإِدْرَاج , إِذْ لَوْ كَانَ مِنْ بَقِيَّة كَلَام عَائِشَة لَجَاءَ فِيهِ قَالَتْ , وَهُوَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ كَلَام عُرْوَة أَوْ مَنْ دُونه , وَلَمْ يَأْتِ التَّصْرِيح بِصِفَةِ تَعَبُّده , لَكِنْ فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن عُمَيْر عِنْد اِبْن إِسْحَاق \" فَيُطْعِم مَنْ يَرِد عَلَيْهِ مِنْ الْمَسَاكِين \" وَجَاءَ عَنْ بَعْض الْمَشَايِخ أَنَّهُ كَانَ يَتَعَبَّد بِالتَّفَكُّرِ , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون عَائِشَة أَطْلَقَتْ عَلَى الْخَلْوَة بِمُجَرَّدِهَا تَعَبُّدًا , فَإِنَّ الِانْعِزَال عَنْ النَّاس وَلَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ عَلَى بَاطِل مِنْ جُمْلَة الْعِبَادَة كَمَا وَقَعَ لِلْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَام حَيْثُ قَالَ ( إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي ) , وَهَذَا يَلْتَفِت إِلَى مَسْأَلَة أُصُولِيَّة , وَهُوَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كَانَ قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ نَبِيّ قَبْله ؟ قَالَ الْجُمْهُور : لَا , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَابِعًا لَاسْتُبْعِدَ أَنْ يَكُون مَتْبُوعًا , وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَنَقَلَ مَنْ كَانَ يُنْسَب إِلَيْهِ. وَقِيلَ نَعَمْ وَاخْتَارَهُ اِبْن الْحَاجِب , وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينه عَلَى ثَمَانِيَة أَقْوَال : أَحَدهَا آدَم حَكَاهُ اِبْن بُرْهَان , الثَّانِي نُوح حَكَاهُ الْآمِدِيّ , الثَّالِث إِبْرَاهِيم ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَة وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَنْ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) , الرَّابِع مُوسَى , الْخَامِس عِيسَى , السَّادِس بِكُلِّ شَيْء بَلَغَهُ عَنْ شَرْع نَبِيّ مِنْ الْأَنْبِيَاء وَحُجَّته ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ ) , السَّابِع الْوَقْف وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ , وَلَا يَخْفَى قُوَّة الثَّالِث وَلَا سِيَّمَا مَعَ مَا نُقِلَ مِنْ مُلَازَمَته لِلْحَجِّ وَالطَّوَاف وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا بَقِيَ عِنْدهمْ مِنْ شَرِيعَة إِبْرَاهِيم وَاَللَّه أَعْلَم. وَهَذَا كُلّه قَبْل النُّبُوَّة , وَأَمَّا بَعْد النُّبُوَّة فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى أَهْله ) ‏ ‏يَعْنِي خَدِيجَة وَأَوْلَاده مِنْهَا , وَقَدْ سَبَقَ فِي تَفْسِير سُورَة النُّور فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْإِفْك تَسْمِيَة الزَّوْجَة أَهْلًا , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد أَقَارِبه أَوْ أَعَمّ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَرْجِع إِلَى خَدِيجَة فَيَتَزَوَّد ) ‏ ‏خَصَّ خَدِيجَة بِالذِّكْرِ بَعْد إِذْ عَبَّرَ بِالْأَهْلِ إِمَّا تَفْسِيرًا بَعْد إِبْهَام , وَإِمَّا إِشَارَة إِلَى اِخْتِصَاص التَّزَوُّد بِكَوْنِهِ مِنْ عِنْدهَا دُون غَيْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَتَزَوَّد لِمِثْلِهَا ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِمِثْلِهَا \" بِالْمُوَحَّدَةِ , وَالضَّمِير لِلَّيَالِيِ أَوْ لِلْخَلْوَةِ أَوْ لِلْعِبَادَةِ أَوْ لِلْمَرَّاتِ. أَيْ السَّابِقَة , ثُمَّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ يَتَزَوَّد وَيَخْلُو أَيَّامًا , ثُمَّ يَرْجِع وَيَتَزَوَّد وَيَخْلُو أَيَّامًا , ثُمَّ يَرْجِع وَيَتَزَوَّد وَيَخْلُو أَيَّامًا إِلَى أَنْ يَنْقَضِي الشَّهْر. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنْ يَتَزَوَّد لِمِثْلِهَا إِذَا حَالَ الْحَوْل وَجَاءَ ذَلِكَ الشَّهْر الَّذِي جَرَتْ عَادَته أَنْ يَخْلُو فِيهِ , وَهَذَا عِنْدِي أَظْهَر , وَيُؤْخَذ مِنْهُ إِعْدَاد الزَّاد لِلْمُخْتَلِي إِذَا كَانَ بِحَيْثُ يَتَعَذَّر عَلَيْهِ تَحْصِيله لِبُعْدِ مَكَان اِخْتِلَائِهِ مِنْ الْبَلَد مَثَلًا , وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَح فِي التَّوَكُّل وَذَلِكَ لِوُقُوعِهِ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد حُصُول النُّبُوَّة لَهُ بِالرُّؤْيَا الصَّالِحَة , وَإِنْ كَانَ الْوَحْي فِي الْيَقَظَة قَدْ تَرَاخَى عَنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ فِي غَار حِرَاء ) ‏ ‏جُمْلَة فِي مَوْضِع الْحَال. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَهُ الْمَلَك ) ‏ ‏هُوَ جِبْرِيل كَمَا جَزَمَ بِهِ السُّهَيْلِيُّ , وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَلَام وَرَقَة الْمَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب. وَوَقَعَ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي \" الدَّلَائِل \" فَجَاءَهُ الْمَلَك فِيهِ , أَيْ فِي غَار حِرَاء , كَذَا عَزَاهُ شَيْخنَا الْبُلْقِينِيّ لِلدَّلَائِلِ فَتَبِعْته , ثُمَّ وَجَدْته بِهَذَا اللَّفْظ فِي كِتَاب التَّعْبِير فَعَزْوه لَهُ أَوْلَى. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ يُجَاوِر فِي غَار حِرَاء فِي شَهْر رَمَضَان وَأَنَّ اِبْتِدَاء الْوَحْي جَاءَهُ وَهُوَ فِي الْغَار الْمَذْكُور اِقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ نُبِّئَ فِي شَهْر رَمَضَان وَيُعَكِّر عَلَى قَوْل اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ بُعِثَ عَلَى رَأْس الْأَرْبَعِينَ مَعَ قَوْله إِنَّهُ فِي شَهْر رَمَضَان وُلِدَ , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون الْمَجِيء فِي الْغَار كَانَ أَوَّلًا فِي شَهْر رَمَضَان وَحِينَئِذٍ نُبِّئَ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ ( اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك ) , ثُمَّ كَانَ الْمَجِيء الثَّانِي فِي شَهْر رَبِيع الْأَوَّل بِالْإِنْذَارِ وَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ ) فَيُحْمَل قَوْل اِبْن إِسْحَاق \" عَلَى رَأْس الْأَرْبَعِينَ \" أَيْ عِنْد الْمَجِيء بِالرِّسَالَةِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( اِقْرَأْ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا الْأَمْر لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيه وَالتَّيَقُّظ لِمَا سَيُلْقَى إِلَيْهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى بَابه مِنْ الطَّلَب فَيُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق فِي الْحَال وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون صِيغَة الْأَمْر مَحْذُوفَة أَيْ قُلْ اِقْرَأْ , وَإِنْ كَانَ الْجَوَاب مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَعَلَى مَا فُهِمَ مِنْ ظَاهِر اللَّفْظ , وَكَأَنَّ السِّرّ فِي حَذْفهَا لِئَلَّا يُتَوَهَّم أَنَّ لَفْظ قُلْ مِنْ الْقُرْآن , وَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْخِطَاب وَأَنَّ الْأَمْر عَلَى الْفَوْر , لَكِنْ يُمْكِن أَنْ يُجَاب بِأَنَّ الْفَوْر فُهِمَ مِنْ الْقَرِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَنَا بِقَارِئٍ ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق فِي مُرْسَل عُبَيْد بِنَّ عُمَيْر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَتَانِي جِبْرِيل بِنَمَطٍ مِنْ دِيبَاج فِيهِ كِتَاب قَالَ : اِقْرَأْ , قُلْت : مَا أَنَا بِقَارِئٍ \" قَالَ السُّهَيْلِيُّ قَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ : إِنَّ قَوْله : ( الم , ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ) إِشَارَة إِلَى الْكِتَاب الَّذِي جَاءَ بِهِ جِبْرِيل حَيْثُ قَالَ لَهُ \" اِقْرَأْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَغَطَّنِي ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه فِي بَدْء الْوَحْي , وَوَقَعَ فِي \" السِّيرَة لِابْنِ إِسْحَاق \" فَغَتَّنِى بِالْمُثَنَّاةِ بَدَل الطَّاء وَهُمَا بِمَعْنًى وَالْمُرَاد غَمَّنِي وَصَرَّحَ بِذَلِكَ اِبْن أَبِي شَيْبَة فِي مُرْسَل عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ رَوَى سَأَبِي بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ هَمْزَة مَفْتُوحَة ثُمَّ مُوَحَّدَة أَوْ مُثَنَّاة وَهُمَا جَمِيعًا بِمَعْنَى الْخَنْق , وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : مَعْنَى فَغَطَّنِي صَنَعَ بِي شَيْئًا حَتَّى أَلْقَانِي إِلَى الْأَرْض كَمَنْ تَأْخُذهُ الْغَشْيَة. وَالْحِكْمَة فِي هَذَا الْغَطّ شَغْله عَنْ الِالْتِفَات لِشَيْءٍ آخَر أَوْ لِإِظْهَارِ الشِّدَّة وَالْجَدّ فِي الْأَمْر تَنْبِيهًا عَلَى ثِقَل الْقَوْل الَّذِي سَيُلْقَى إِلَيْهِ , فَلَمَّا ظَهَرَ أَنَّهُ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ أُلْقِيَ إِلَيْهِ , وَهَذَا وَإِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْم اللَّه حَاصِل لَكِنْ لَعَلَّ الْمُرَاد إِبْرَازه لِلظَّاهِرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقِيلَ لِيُخْتَبَر هَلْ يَقُول مِنْ قِبَل نَفْسه شَيْئًا فَلَمَّا لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَيْهِ وَقِيلَ أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمهُ أَنَّ الْقِرَاءَة لَيْسَتْ مِنْ قُدْرَته وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهَا , وَقِيلَ : الْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ التَّخَيُّل وَالْوَهْم وَالْوَسْوَسَة لَيْسَتْ مِنْ صِفَات الْجِسْم ; فَلَمَّا وَقَعَ ذَلِكَ لِجِسْمِهِ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ أَمْر اللَّه. وَذَكَرَ بَعْض مَنْ لَقِينَاهُ أَنَّ هَذَا مِنْ خَصَائِص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذْ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَد مِنْ الْأَنْبِيَاء أَنَّهُ جَرَى لَهُ عِنْد اِبْتِدَاء الْوَحْي مِثْل ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَغَطَّنِي الثَّالِثَة ) ‏ ‏يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَنْ يُرِيد التَّأْكِيد فِي أَمْر وَإِيضَاح الْبَيَان فِيهِ أَنْ يُكَرِّرهُ ثَلَاثًا , وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَل ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ فِي كِتَاب الْعِلْم , وَلَعَلَّ الْحِكْمَة فِي تَكْرِير الْإِقْرَاء الْإِشَارَة إِلَى اِنْحِصَار الْإِيمَان الَّذِي يَنْشَأ الْوَحْي بِسَبَبِهِ فِي ثَلَاث : الْقَوْل , وَالْعَمَل , وَالنِّيَّة. وَأَنَّ الْوَحْي يَشْتَمِل عَلَى ثَلَاث : التَّوْحِيد , وَالْأَحْكَام وَالْقَصَص. وَفِي تَكْرِير الْغَطّ الْإِشَارَة إِلَى الشَّدَائِد الثَّلَاث الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ وَهِيَ : الْحَصْر فِي الشُّعَب , وَخُرُوجه فِي الْهِجْرَة وَمَا وَقَعَ لَهُ يَوْم أُحُد. وَفِي الْإِرْسَالَات الثَّلَاثَة إِشَارَة إِلَى حُصُول التَّيْسِير لَهُ عَقِب الثَّلَاث الْمَذْكُورَة : فِي الدُّنْيَا وَالْبَرْزَخ , وَالْآخِرَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك - إِلَى قَوْله - مَا لَمْ يَعْلَمْ ) ‏ ‏هَذَا الْقَدْر مِنْ هَذِهِ السُّورَة هُوَ الَّذِي نَزَلَ أَوَّلًا , بِخِلَافِ بَقِيَّة السُّورَة فَإِنَّمَا نَزَلَ بَعْد ذَلِكَ بِزَمَانٍ. وَقَدْ قَدَّمْت فِي تَفْسِير الْمُدَّثِّر بَيَان الِاخْتِلَاف فِي أَوَّل مَا نَزَلَ , وَالْحِكْمَة فِي هَذِهِ الْأَوَّلِيَّة أَنَّ هَذِهِ الْآيَات الْخَمْس اِشْتَمَلَتْ عَلَى مَقَاصِد الْقُرْآن : فَفِيهَا بَرَاعَة الِاسْتِهْلَال , وَهِيَ جَدِيرَة أَنْ تُسَمَّى عِنْوَان الْقُرْآن لِأَنَّ عِنْوَان الْكِتَاب يَجْمَع مَقَاصِده بِعِبَارَةٍ وَجِيزَة فِي أَوَّله , وَهَذَا بِخِلَافِ الْفَنّ الْبَدِيعِيّ الْمُسَمَّى الْعِنْوَان فَإِنَّهُمْ عَرَّفُوهُ بِأَنْ يَأْخُذ الْمُتَكَلِّم فِي فَنّ فَيُؤَكِّدهُ بِذِكْرِ مِثَال سَابِق , وَبَيَان كَوْنهَا اِشْتَمَلَتْ عَلَى مَقَاصِد الْقُرْآن أَنَّهَا تَنْحَصِر فِي عُلُوم التَّوْحِيد وَالْأَحْكَام وَالْأَخْبَار , وَقَدْ اِشْتَمَلَتْ عَلَى الْأَمْر بِالْقِرَاءَةِ وَالْبُدَاءَة فِيهَا بِبَسْمِ اللَّه , وَفِي هَذِهِ الْإِشَارَة إِلَى الْأَحْكَام وَفِيهَا مَا يَتَعَلَّق بِتَوْحِيدِ الرَّبّ وَإِثْبَات ذَاته وَصِفَاته مِنْ صِفَة ذَات وَصِفَة فِعْل , وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أُصُول الدِّين , وَفِيهَا مَا يَتَعَلَّق بِالْأَخْبَارِ مِنْ قَوْله : ( عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ). ‏ ‏قَوْله : ( بِاسْمِ رَبِّك ) اِسْتَدَلَّ بِهِ السُّهَيْلِيُّ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَة يُؤْمَر بِقِرَاءَتِهَا أَوَّلَ كُلّ سُورَة , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُون آيَة مِنْ كُلّ سُورَة , كَذَا قَالَ , وَقَرَّرَهُ الطِّيبِيُّ فَقَالَ : قَوْله : ( اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك ) قَدَّمَ الْفِعْل الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّق الْبَاء لِكَوْنِ الْأَمْر بِالْقِرَاءَةِ أَهَمّ , وَقَوْله : ( اِقْرَأْ ) أَمْر بِإِيجَادِ الْقِرَاءَة مُطْلَقًا , وَقَوْله \" بِاسْمِ رَبِّك \" حَال , أَيْ اِقْرَأْ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ رَبِّك : وَأَصَحّ تَقَادِيره قُلْ بِاسْمِ اللَّه ثُمَّ اِقْرَأْ , قَالَ فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْبَسْمَلَة مَأْمُور بِهَا فِي اِبْتِدَاء كُلّ قِرَاءَة اِنْتَهَى. لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُون مَأْمُورًا بِهَا , فَلَا تَدُلّ عَلَى أَنَّهَا آيَة مِنْ كُلّ سُورَة , وَهُوَ كَمَا قَالَ , لِأَنَّهَا لَوْ كَانَ لَلَزِمَ أَنْ تَكُون آيَة قَبْل كُلّ آيَة وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ أَبِي الْحَسَن بْن الْقَصَّار مِنْ الْمَالِكِيَّة أَنَّهُ قَالَ : فِي هَذِهِ الْقِصَّة رَدّ عَلَى الشَّافِعِيّ فِي قَوْله إِنَّ الْبَسْمَلَة آيَة مِنْ كُلّ سُورَة , قَالَ : لِأَنَّ هَذَا أَوَّل سُورَة أُنْزِلَتْ وَلَيْسَ فِي أَوَّلهَا الْبَسْمَلَة , فَقَدْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ فِيهَا الْأَمْر بِهَا وَإِنْ تَأَخَّرَ نُزُولهَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ : تَرْتِيب آي السُّوَر فِي النُّزُول لَمْ يَكُنْ شَرْطًا , وَقَدْ كَانَتْ الْآيَة تَنْزِل فَتُوضَع فِي مَكَان قَبْل الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلهَا ثُمَّ تَنْزِل الْأُخْرَى فَتُوضَع قَبْلهَا , إِلَى أَنْ اِسْتَقَرَّ الْأَمْر فِي آخِر عَهْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيب , وَلَوْ صَحَّ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ جِبْرِيل أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاسْتِعَاذَةِ وَالْبَسْمَلَة قَبْل قَوْله \" اِقْرَأْ \" لَكَانَ أَوْلَى فِي الِاحْتِجَاج , لَكِنْ فِي إِسْنَاده ضَعْف وَانْقِطَاع , وَكَذَا حَدِيث أَبِي مَيْسَرَة \" أَنَّ أَوَّل مَا أَمَرَ بِهِ جِبْرِيل قَالَ لَهُ : قُلْ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم , الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ \" هُوَ مُرْسَل وَإِنْ كَانَ رِجَاله ثِقَات , وَالْمَحْفُوظ أَنَّ أَوَّل مَا نَزَلَ ( اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك ) وَأَنَّ نُزُول الْفَاتِحَة كَانَ بَعْد ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( تَرْجُف بَوَادِره ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فُؤَاده \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي بَدْء الْوَحْي , وَتَرْجُف عِنْدهمْ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّة وَلَعَلَّهَا فِي رِوَايَة \" يَرْجُف فُؤَاده \" بِالتَّحْتَانِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ مَرَّتَيْنِ , كَذَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي , وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرّ هُنَا مَرَّة وَاحِدَة. وَالتَّزْمِيل التَّلْفِيف , وَقَالَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ مَا لَحِقَهُ مِنْ هَوْل الْأَمْر , وَجَرَتْ الْعَادَة بِسُكُونِ الرِّعْدَة بِالتَّلْفِيفِ. وَوَقَعَ فِي مُرْسَل عُبَيْد بْن عُمَيْر \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ فَسَمِعَ صَوْتًا مِنْ السَّمَاء يَقُول : يَا مُحَمَّد أَنْتَ رَسُول اللَّه , وَأَنَا جِبْرِيل , فَوَقَفْت أَنْظُر إِلَيْهِ فَمَا أَتَقَدَّم وَمَا أَتَأَخَّر , وَجَعَلْت أَصْرِف وَجْهِي فِي نَاحِيَة آفَاق السَّمَاء فَلَا أَنْظُر فِي نَاحِيَة مِنْهَا إِلَّا رَأَيْته كَذَلِكَ \" وَسَيَأْتِي فِي التَّعْبِير أَنَّ مِثْل ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ عِنْد فَتْرَة الْوَحْي , وَهُوَ الْمُعْتَمَد , فَإِنَّ إِعْلَامه بِالْإِرْسَالِ وَقَعَ بِقَوْلِهِ : ( قُمْ فَأَنْذِرْ ). ‏ ‏قَوْله : ( فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْع ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء أَيْ الْفَزَع , وَأَمَّا الَّذِي بِضَمِّ الرَّاء فَهُوَ مَوْضِع الْفَزَع مِنْ الْقَلْب. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لِخَدِيجَة : أَيْ خَدِيجَة , مَا لِي لَقَدْ خَشِيت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" قَدْ خَشِيت \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخْبَرَهَا الْخَبَر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي بِلَفْظِ \" فَقَالَهُ لِخَدِيجَة وَأَخْبَرَهَا الْخَبَر : لَقَدْ خَشِيت \" وَقَوْله \" وَأَخْبَرَهَا الْخَبَر \" جُمْلَة مُعْتَرِضَة بَيْن الْقَوْل وَالْمَقُول , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي مَا قَالُوهُ فِي مُتَعَلَّق الْخَشْيَة الْمَذْكُورَة. وَقَالَ عِيَاض : هَذَا وَقَعَ لَهُ أَوَّل مَا رَأَى التَّبَاشِير فِي النَّوْم ثُمَّ فِي الْيَقَظَة , وَسَمِعَ الصَّوْت قَبْل لِقَاء الْمَلَك , فَأَمَّا بَعْد مَجِيء الْمَلَك فَلَا يَجُوز عَلَيْهِ الشَّكّ وَلَا يُخْشَى مِنْ تَسَلُّط الشَّيْطَان. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّهُ خِلَاف صَرِيح الشِّفَاء , فَإِنَّهُ قَالَ بَعْد أَنْ غَطَّهُ الْمَلَك وَأَقْرَأَهُ ( اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك ) , قَالَ : إِلَّا أَنْ يَكُون أَرَادَ أَنَّ قَوْله \" خَشِيت عَلَى نَفْسِي \" وَقَعَ مِنْهُ إِخْبَارًا عَمَّا حَصَلَ لَهُ أَوَّلًا لَا أَنَّهُ حَالَة إِخْبَارهَا بِذَلِكَ جَازَتْ فَيَتَّجِه , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( كَلَّا أَبْشِرْ ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ قَطْع وَيَجُوز الْوَصْل , وَأَصْل الْبِشَارَة فِي الْخَيْر. وَفِي مُرْسَل عُبَيْد بْن عُمَيْر \" فَقَالَتْ أَبْشِرْ يَا اِبْن عَمّ وَاثْبُتْ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُون نَبِيّ هَذِهِ الْأُمَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُخْزِيك اللَّه ) ‏ ‏بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَتَحْتَانِيَّة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر فِي التَّعْبِير \" يُحْزِنك \" بِمُهْمَلَةٍ وَنُون ثُلَاثِيًّا وَرُبَاعِيًّا , قَالَ الْيَزِيدِيّ : أَحْزَنَهُ لُغَة تَمِيم , وَحَزَّنَهُ لُغَة قُرَيْش , وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا الضَّبْط مُسْلِم. وَالْخِزْي الْوُقُوع فِي بَلِيَّة وَشُهْرَة بِذِلَّةٍ , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي حَكِيم مُرْسَلًا \" أَنَّ خَدِيجَة قَالَتْ : أَيْ اِبْن عَمّ أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْبِرنِي بِصَاحِبِك إِذَا جَاءَ ؟ قَالَ : نَعَمْ. فَجَاءَهُ جِبْرِيل , فَقَالَ : يَا خَدِيجَة , هَذَا جِبْرِيل. قَالَتْ : قُمْ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِي الْيُسْرَى , ثُمَّ قَالَتْ : هَلْ تَرَاهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالَتْ فَتَحَوَّلْ إِلَى الْيُمْنَى كَذَلِكَ , ثُمَّ قَالَتْ : فَتَحَوَّلْ فَاجْلِسْ فِي حِجْرِي كَذَلِكَ , ثُمَّ أَلْقَتْ خِمَارهَا وَتَحَسَّرَتْ وَهُوَ فِي حِجْرهَا وَقَالَتْ : هَلْ تَرَاهُ ؟ قَالَ : لَا قَالَتْ : اُثْبُتْ , فَوَاَللَّهِ إِنَّهُ لَمَلَك وَمَا هُوَ بِشَيْطَانٍ \". وَفِي رِوَايَة مُرْسَلَة عِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي \" الدَّلَائِل \" أَنَّهَا ذَهَبَتْ إِلَى عَدَّاس وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَذَكَرَتْ لَهُ خَبَر جِبْرِيل فَقَالَ : هُوَ أَمِين اللَّه بَيْنه وَبَيْن النَّبِيِّينَ , ثُمَّ ذَهَبَتْ إِلَى وَرَقَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَتْ بِهِ إِلَى وَرَقَة ) ‏ ‏فِي مُرْسَل عُبَيْد بْن عُمَيْر أَنَّهَا أَمَرَتْ أَبَا بَكْر أَنْ يَتَوَجَّه مَعَهُ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عِنْد تَوْجِيههَا أَوْ مَرَّة أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( مَاذَا تَرَى ) ‏ ‏؟ فِي رِوَايَة اِبْن مَنْدَهْ فِي \" الصَّحَابَة \" مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر \" عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ وَرَقَة بْنِ نَوْفَل قَالَ : قُلْت يَا مُحَمَّد أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الَّذِي يَأْتِيك , قَالَ : يَأْتِينِي مِنْ السَّمَاء جَنَاحَاهُ لُؤْلُؤ وَبَاطِن قَدَمَيْهِ أَخْضَر \" ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ يَكْتُب الْكِتَاب الْعَرَبِيّ , وَيَكْتُب مِنْ الْإِنْجِيل بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّه ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ هُنَا وَفِي التَّعْبِير , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ فِي بَدْء الْوَحْي , وَنَبَّهْت عَلَيْهِ هُنَا لِأَنِّي نَسِيت هَذِهِ الرِّوَايَة هُنَاكَ لِمُسْلِمٍ فَقَطْ تَبَعًا لِلْقُطْبِ الْحَلَبِيّ , قَالَ النَّوَوِيّ : الْعِبَارَتَانِ صَحِيحَتَانِ. وَالْحَاصِل أَنَّهُ تَمَكَّنَ حَتَّى صَارَ يَكْتُب مِنْ الْإِنْجِيل أَيّ مَوْضِع شَاءَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَبِالْعِبْرَانِيَّةِ , قَالَ الدَّاوُدِيّ : كَتَبَ مِنْ الْإِنْجِيل الَّذِي هُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ هَذَا الْكِتَاب الَّذِي هُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْمَعْ مِنْ اِبْن أَخِيك ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي يَقُول. ‏ ‏قَوْله : ( أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى ) ‏ ‏كَذَا هُنَا عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي \" أَنْزَلَ اللَّه \" وَوَقَعَ فِي مُرْسَل أَبِي مَيْسَرَة \" أَبْشِرْ فَأَنَا أَشْهَد أَنَّك الَّذِي بَشَّرَ بِهِ اِبْن مَرْيَم , وَأَنَّك عَلَى مِثْل نَامُوس مُوسَى , وَأَنَّك نَبِيّ مُرْسَل , وَأَنَّك سَتُؤْمَرُ بِالْجِهَادِ وَهَذَا أَصْرَح مَا جَاءَ فِي إِسْلَام وَرَقَة أَخْرَجَهُ اِبْن إِسْحَاق. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ خَدِيجَة قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ وَرَقَة : كَانَ وَرَقَة صَدَّقَك. وَلَكِنَّهُ مَاتَ قَبْل أَنْ تَظْهَر , فَقَالَ : رَأَيْته فِي الْمَنَام وَعَلَيْهِ ثِيَاب بِيض \" , وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْل النَّار لَكَانَ لِبَاسه غَيْر ذَلِكَ. وَعِنْد الْبَزَّار وَالْحَاكِم عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا \" لَا تَسُبُّوا وَرَقَة فَإِنِّي رَأَيْت لَهُ جَنَّة أَوْ جَنَّتَيْنِ \" وَقَدْ اِسْتَوْعَبْت مَا وَرَدَ فِيهِ فِي تَرْجَمَة مِنْ كِتَابِي فِي الصَّحَابَة , وَتَقَدَّمَ بَعْض خَبَره فِي بَدْء الْوَحْي , وَتَقَدَّمَ أَيْضًا ذِكْر الْحِكْمَة فِي قَوْل وَرَقَة \" نَامُوس مُوسَى \" وَلَمْ يَقُلْ عِيسَى مَعَ أَنَّهُ كَانَ تَنَصَّرَ , وَأَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ فِي رِوَايَة الزُّبَيْر بْن بَكَّار بِلَفْظِ \" عِيسَى \" وَلَمْ يَقِف بَعْض مَنْ لَقِينَاهُ عَلَى ذَلِكَ فَبَالَغَ فِي الْإِنْكَار عَلَى النَّوَوِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ بِأَنَّهُ وَرَدَ فِي غَيْر الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظِ \" نَامُوس عِيسَى \" وَذَكَرَ الْقُطْب الْحَلَبِيّ فِي وَجْه الْمُنَاسَبَة لِذِكْرِ مُوسَى دُون عِيسَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَلَّهُ لَمَّا ذَكَرَ لِوَرَقَةَ مِمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنْ اِقْرَأْ وَيَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وَيَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ فَهِمَ وَرَقَة مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كُلِّفَ بِأَنْوَاعٍ مِنْ التَّكَالِيف فَنَاسَبَ ذِكْر مُوسَى لِذَلِكَ , لِأَنَّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى عِيسَى إِنَّمَا كَانَ مَوَاعِظ. كَذَا قَالَ , وَهُوَ مُتَعَقَّب فَإِنَّ نُزُول يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وَيَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ إِنَّمَا نَزَلَ بَعْد فَتْرَة الْوَحْي كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي تَفْسِير الْمُدَّثِّر , وَالِاجْتِمَاع بِوَرَقَةَ كَانَ فِي أَوَّل الْبَعْثَة. وَزَعْم أَنَّ الْإِنْجِيل كُلّه مَوَاعِظ مُتَعَقَّب أَيْضًا , فَإِنَّهُ مُنَزَّل أَيْضًا عَلَى الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَإِنْ كَانَ مُعْظَمهَا مُوَافِقًا لِمَا فِي التَّوْرَاة , لَكِنَّهُ نَسَخَ مِنْهَا أَشْيَاء بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ( وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) ‏ ‏قَوْله : ( فِيهَا ) ‏ ‏أَيْ أَيَّام الدَّعْوَة قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ , وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : الضَّمِير لِلنُّبُوَّةِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَعُود لِلْقِصَّةِ الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْتَنِي أَكُون حَيًّا ذَكَرَ حَرْفًا ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَتَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي بِلَفْظِ \" إِذْ يُخْرِجك قَوْمك \" وَيَأْتِي فِي رِوَايَة مَعْمَر فِي التَّعْبِير بِلَفْظِ \" حِين يُخْرِجك \" وَأَبْهَمَ مَوْضِع الْإِخْرَاج وَالْمُرَاد بِهِ مَكَّة , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَدِيّ فِي السُّنَن \" وَلَوْلَا أَنِّي أَخْرَجُونِي مِنْك مَا خَرَجْت \" يُخَاطِب مَكَّة. ‏ ‏قَوْله : ( يَوْمك ) ‏ ‏أَيْ وَقْت الْإِخْرَاج , أَوْ وَقْت إِظْهَار الدَّعْوَة , أَوْ وَقْت الْجِهَاد. وَتَمَسَّكَ اِبْن الْقَيِّم الْحَنْبَلِيّ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي بَدْء الْوَحْي \" ثُمَّ لَمْ يَنْشَب وَرَقَة أَنْ تُوُفِّيَ \" يَرِد مَا وَقَعَ فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة لِابْنِ إِسْحَاق أَنَّ وَرَقَة كَانَ يَمُرّ بِبِلَالٍ وَالْمُشْرِكُونَ يُعَذِّبُونَهُ وَهُوَ يَقُول أَحَد أَحَد فَيَقُول : أَحَد وَاَللَّه يَا بِلَال , لَئِنْ قَتَلُوك لَاِتَّخَذْت قَبْرك حَنَانًا , هَذَا وَاَللَّه أَعْلَم وَهْم , لِأَنَّ وَرَقَة قَالَ \" وَإِنْ أَدْرَكَنِي يَوْمك حَيًّا لَأَنْصُرَنَّك نَصْرًا مُؤَزَّرًا \" فَلَوْ كَانَ حَيًّا عِنْد اِبْتِدَاء الدَّعْوَة لَكَانَ أَوَّل مَنْ اِسْتَجَابَ وَقَامَ بِنَصْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقِيَامِ عُمَر وَحَمْزَة. ‏ ‏قُلْت : وَهَذَا اِعْتِرَاض سَاقِط , فَإِنَّ وَرَقَة إِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ \" فَإِنْ يُدْرِكنِي يَوْمك حَيًّا أَنْصُرك \" الْيَوْم الَّذِي يُخْرِجُوك فِيهِ , لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَنْهُ عِنْد قَوْله \" أَوْ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ \" وَتَعْذِيب بِلَال كَانَ بَعْد اِنْتِشَار الدَّعْوَة , وَبَيْن ذَلِكَ وَبَيْن إِخْرَاج الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّة لِلْحَبَشَةِ ثُمَّ لِلْمَدِينَةِ مُدَّة مُتَطَاوِلَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏زَادَ مَعْمَر بَعْد هَذَا كَلَامًا يَأْتِي ذِكْره فِي كِتَاب التَّعْبِير. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مُحَمَّد بْن شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي أَوَّل الْبَاب , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ حَدِيث جَابِر هَذَا بِالسَّنَدِ الْأَوَّل مِنْ السَّنَدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هُنَا فِي تَفْسِير سُورَة الْمُدَّثِّر. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخْبَرَنِي ) ‏ ‏هُوَ عَطْف عَلَى شَيْء , وَالتَّقْدِير قَالَ اِبْن شِهَاب فَأَخْبَرَنِي عُرْوَة بِمَا تَقَدَّمَ , وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة بِمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله قَالَ ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُحَدِّث عَنْ فَتْرَة الْوَحْي قَالَ فِي حَدِيثه : بَيْنَا أَنَا أَمْشِي ) ‏ ‏هَذَا يُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ فِي أَصْل الرِّوَايَة أَشْيَاء غَيْر هَذَا الْمَذْكُور , وَهَذَا أَيْضًا مِنْ مُرْسَل الصَّحَابِيّ لِأَنَّ جَابِرًا لَمْ يُدْرِكهُ زَمَان الْقِصَّة فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَمِعَهَا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ صَحَابِيّ آخَر حَضَرَهَا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُحَدِّث عَنْ فَتْرَة الْوَحْي ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة عُقَيْل فِي بَدْء الْوَحْي غَيْر مُصَرَّح بِذِكْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة فِي تَفْسِير الْمُدَّثِّر عَنْ جَابِر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" جَاوَرْت بِحِرَاءَ , فَلَمَّا قَضَيْت جِوَارِي هَبَطْت فَنُودِيت \" وَزَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته \" جَاوَرْت بِحِرَاءَ شَهْرًا \". ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت صَوْتًا مِنْ السَّمَاء فَرَفَعْت بَصَرِي ) ‏ ‏يُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز رَفْع الْبَصَر إِلَى السَّمَاء عِنْد وُجُود حَادِث مِنْ قِبَلهَا , وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّف فِي الْأَدَب , وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ رَفْع الْبَصَر إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة لِثُبُوتِ النَّهْي عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة مِنْ حَدِيث أَنَس , وَرَوَى اِبْن السُّنِّيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيف عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : أُمِرْنَا أَنْ لَا نُتْبِع أَبْصَارنَا الْكَوَاكِب إِذَا اِنْقَضَتْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير \" فَنَظَرْت عَنْ يَمِينِيّ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَنَظَرْت عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَنَظَرْت أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَنَظَرْت خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا , فَرَفَعْت رَأْسِي \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم بَعْد قَوْله شَيْئًا \" ثُمَّ نُودِيت فَنَظَرْت فَلَمْ أَرَ أَحَدًا , ثُمَّ نُودِيت فَرَفَعْت رَأْسِي \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا الْمَلَك الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ جَالِس عَلَى كُرْسِيّ ) ‏ ‏كَذَا لَهُ بِالرَّفْعِ , وَهُوَ عَلَى تَقْدِير حَذْف الْمُبْتَدَأ , أَيْ فَإِذَا صَاحِب الصَّوْت هُوَ الْمَلَك الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ وَهُوَ جَالِس , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم \" جَالِسًا \" بِالنَّصْبِ وَهُوَ عَلَى الْحَال , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير \" فَإِذَا هُوَ جَالِس عَلَى عَرْش بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض \". ‏ ‏قَوْله : ( فَفَزِعْت مِنْهُ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك عَنْ يُونُس , وَفِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عِنْد مُسْلِم \" فَجُئِثْت \" , وَفِي رِوَايَة عُقَيْل فِي بَدْء الْوَحْي \" فَرُعِبْت \" , وَفِي رِوَايَته فِي تَفْسِير الْمُدَّثِّر \" فَجُئِثْت \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ وَزَادَ \" فَجُئِثْت مِنْهُ فَرَقًا \" , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر فِيهِ \" فَجُئِثْت \" وَهَذِهِ اللَّفْظَة بِضَمِّ الْجِيم , وَذَكَرَ عِيَاض أَنَّهُ وَقَعَ لِلْقَابِسِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ قَالَ : وَفَسَّرَهُ بِأَسْرَعْت , قَالَ : وَلَا يَصِحّ مَعَ قَوْله \" حَتَّى هَوَيْت \" أَيْ سَقَطْت مِنْ الْفَزَع. ‏ ‏قُلْت : ثَبَتَ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن يُوسُف عَنْ اللَّيْث فِي ذِكْر الْمَلَائِكَة مِنْ بَدْء الْخَلْق وَلَكِنَّهَا بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمُثَلَّثَة بَعْدهَا مُثَنَّاة تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ مُثَنَّاة فَوْقَانِيَّة , وَمَعْنَاهَا إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة سَقَطْت عَلَى وَجْهِي حَتَّى صِرْت كَمَنْ حُثِيَ عَلَيْهِ التُّرَاب. قَالَ النَّوَوِيّ : وَبَعْد الْجِيم مُثَلَّثَتَانِ فِي رِوَايَة عُقَيْل وَمَعْمَر , وَفِي رِوَايَة يُونُس بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَة ثُمَّ مُثَلَّثَة وَهِيَ أَرْجَح مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى , قَالَ أَهْل اللُّغَة : جُئِثَ الرَّجُل فَهُوَ مَجْئُوث إِذَا فَزِعَ , وَعَنْ الْكِسَائِيّ جَئِثَ وَجُثِثَ فَهُوَ مَجْئُوث وَمَجْثُوث أَيْ مَذْعُور. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير \" فَقُلْت دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاء بَارِدًا \" وَكَأَنَّهُ رَوَاهَا بِالْمَعْنَى , وَالتَّزْمِيل وَالتَّدْثِير يَشْتَرِكَانِ فِي الْأَصْل وَإِنْ كَانَتْ بَيْنهمَا مُغَايَرَة فِي الْهَيْئَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقُلْت دَثِّرُونِي , فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاء \" وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ فَامْتَثَلُوا. وَأَغْفَلَ بَعْض الرُّوَاة ذِكْر الْأَمْر بِالصَّبِّ , وَالِاعْتِبَار بِمَنْ ضَبَطَ , وَكَأَنَّ الْحِكْمَة فِي الصَّبّ بَعْد التَّدَثُّر طَلَب حُصُول السُّكُون لِمَا وَقَعَ فِي الْبَاطِن مِنْ الِانْزِعَاج , أَوْ أَنَّ الْعَادَة أَنَّ الرِّعْدَة تَعْقُبهَا الْحُمَّى , وَقَدْ عُرِفَ مِنْ الطِّبّ النَّبَوِيّ مُعَالَجَتهَا بِالْمَاءِ الْبَارِد. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَلَتْ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) ‏ ‏يُعْرَف مِنْ اِتِّحَاد الْحَدِيثَيْنِ فِي نُزُول يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ عَقِب قَوْله دَثِّرُونِي وَزَمِّلُونِي أَنَّ الْمُرَاد بِزَمِّلُونِي دَثِّرُونِي , وَلَا يُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ نُزُول يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ حِينَئِذٍ لِأَنَّ نُزُولهَا تَأَخَّرَ عَنْ نُزُول يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ بِالِاتِّفَاقِ , لِأَنَّ أَوَّل يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ الْأَمْر بِالْإِنْذَارِ وَذَلِكَ أَوَّل مَا بُعِثَ , وَأَوَّل الْمُزَّمِّل الْأَمْر بِقِيَامِ اللَّيْل وَتَرْتِيل الْقُرْآن فَيَقْتَضِي تَقَدُّم نُزُول كَثِير مِنْ الْقُرْآن قَبْل ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْمُدَّثِّر أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ أَوَّلهَا إِلَى قَوْله : ( وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) وَفِيهَا مُحَصَّل مَا يَتَعَلَّق بِالرِّسَالَةِ , فَفِي الْآيَة الْأُولَى الْمُؤَانَسَة بِالْحَالَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا مِنْ التَّدَثُّر إِعْلَامًا بِعَظِيمِ قَدْره , وَفِي الثَّانِيَة الْأَمْر بِالْإِنْذَارِ قَائِمًا وَحُذِفَ الْمَفْعُول تَفْخِيمًا , وَالْمُرَاد بِالْقِيَامِ إِمَّا حَقِيقَته أَيْ قُمْ مِنْ مَضْجَعك , أَوْ مَجَازه أَيْ قُمْ مَقَام تَصْمِيم , وَأَمَّا الْإِنْذَار فَالْحِكْمَة فِي الِاقْتِصَار عَلَيْهِ هُنَا فَإِنَّهُ أَيْضًا بُعِثَ مُبَشِّرًا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّل الْإِسْلَام , فَمُتَعَلَّق الْإِنْذَار مُحَقَّق ; فَلَمَّا أَطَاعَ مَنْ أَطَاعَ نَزَلَتْ ( إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) وَفِي الثَّانِيَة تَكْبِير الرَّبّ تَمْجِيدًا وَتَعْظِيمًا , وَيُحْتَمَل الْحَمْل عَلَى تَكْبِير الصَّلَاة كَمَا حُمِلَ الْأَمْر بِالتَّطْهِيرِ عَلَى طَهَارَة الْبَدَن وَالثِّيَاب كَمَا تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ وَفِي الْآيَة الرَّابِعَة , وَأَمَّا الْخَامِسَة فَهِجْرَان مَا يُنَافِي التَّوْحِيد وَمَا يَئُول إِلَى الْعَذَاب , وَحَصَلَتْ الْمُنَاسَبَة بَيْن السُّورَتَيْنِ الْمُبْتَدَأ بِهِمَا النُّزُول فِيمَا اِشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَعَانِي الْكَثِيرَة بِاللَّفْظِ الْوَجِيز وَفِي عِدَّة مَا نَزَلَ مِنْ كُلّ مِنْهُمَا اِبْتِدَاء وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو سَلَمَة : وَهِيَ الْأَوْثَان الَّتِي كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَعْبُدُونَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ فِي تَفْسِير الْمُدَّثِّر , وَتَقَدَّمَ الْكَثِير مِنْ شَرْح حَدِيث عَائِشَة وَجَابِر فِي بَدْء الْوَحْي , وَبَقِيَتْ مِنْهُمَا فَوَائِد أَخَّرْتهَا إِلَى كِتَاب التَّعْبِير لِيَأْخُذ كُلّ مَوْضِع سَاقَهُمَا الْمُصَنِّف فِيهِ مُطَوَّلًا بِقِسْطٍ مِنْ الْفَائِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْي ) ‏ ‏أَيْ اِسْتَمَرَّ نُزُوله. ‏"
    },
    {
        "id": "4573",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ ‏ { ‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4574",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ جَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ ‏ { ‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ ح. وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي عُقَيْل قَالَ قَالَ مُحَمَّد أَخْبَرَنِي عُرْوَة ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة مَعْمَر فَسَيَأْتِي بِتَمَامِهَا فِي أَوَّل التَّعْبِير , وَأَمَّا رِوَايَة اللَّيْث فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي بَدْء الْوَحْي , ثُمَّ فِي الَّذِي قَبْله , ثُمَّ فِي التَّعْبِير , أَخْرَجَهُ فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر عَنْ اللَّيْث. فَأَمَّا فِي بَدْء الْوَحْي فَأَفْرَدَهُ , وَأَمَّا فِي الَّذِي قَبْله فَاخْتَصَرَهُ جِدًّا , وَسَاقَهُ قَبْله بِتَمَامِهِ لَكِنْ قَرَنَهُ بِرِوَايَةِ يُونُس وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظ يُونُس , وَأَمَّا التَّعْبِير فَقَرَنَهُ بِرِوَايَةِ مَعْمَر وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظ مَعْمَر أَيْضًا , وَلَكِنْ لَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة \" حَدَّثَنِي عُقَيْل قَالَ قَالَ مُحَمَّد \" وَإِنَّمَا فِي بَدْء الْوَحْي \" عَنْ عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب \" وَكَذَا فِي بَقِيَّة الْمَوَاضِع , وَكَذَا ذَكَرَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف عَنْ اللَّيْث فِي الْبَاب الَّذِي بَعْد هَذَا , وَذَكَرَهُ فِي بَدْء الْخَلْق عَنْهُ عَنْ اللَّيْث بِلَفْظِ \" حَدَّثَنِي عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب \" وَرَوَاهُ أَبُو صَالِح عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ اللَّيْث \" حَدَّثَنِي عُقَيْل قَالَ قَالَ مُحَمَّد بْن شِهَاب \" فَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ , وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّف مُتَابَعَة أَبِي صَالِح فِي بَدْء الْوَحْي , وَبَيَّنْت هُنَاكَ مَنْ وَصَلَهَا وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏"
    },
    {
        "id": "4575",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فَرَجَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏زَمِّلُونِي ‏ ‏زَمِّلُونِي ‏ ‏فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ‏",
        "sharh": "قَوْله : ( بَاب الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَسَقَطَتْ التَّرْجَمَة لِغَيْرِهِ , وَأَوْرَدَ طَرَفًا مِنْ حَدِيث بَدْء الْوَحْي عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف عَنْ اللَّيْث مُقْتَصِرًا مِنْهُ عَلَى قَوْله \" فَرَجَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَدِيجَة فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي , فَذَكَرَ الْحَدِيث \" كَذَا فِيهِ , وَقَدْ ذَكَرَ مِنْ الْحَدِيث فِي ذِكْر الْمَلَائِكَة مِنْ بَدْء الْخَلْق حَدِيث جَابِر مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4576",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏ ‏لَئِنْ رَأَيْتُ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏يُصَلِّي عِنْدَ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏لَأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقِهِ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَوْ فَعَلَهُ لَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْكَرِيمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيِّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَالِك وَهُوَ ثِقَة , وَفِي طَبَقَته عَبْد الْكَرِيم بْن أَبِي الْمُخَارِقِ وَهُوَ ضَعِيف. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو جَهْل ) ‏ ‏هَذَا مِمَّا أَرْسَلَهُ اِبْن عَبَّاس , لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِك زَمَن قَوْل أَبِي جَهْل ذَلِكَ , لِأَنَّ مَوْلِده قَبْل الْهِجْرَة بِنَحْوِ ثَلَاث سِنِينَ , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيف عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب قَالَ \" كُنْت يَوْمًا فِي الْمَسْجِد فَأَقْبَلَ أَبُو جَهْل فَقَالَ : إِنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ رَأَيْت مُحَمَّدًا سَاجِدًا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ فَعَلَهُ لَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَة ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد الْبَلَاذُرِيّ \" نَزَلَ اِثْنَا عَشَر مَلَكًا مِنْ الزَّبَانِيَة رُءُوسهمْ فِي السَّمَاء وَأَرْجُلهمْ فِي الْأَرْض \" وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي آخِره مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيِّ \" قَالَ اِبْن عَبَّاس لَوْ تَمَنَّى الْيَهُود الْمَوْت لَمَاتُوا , وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَرَجَعُوا لَا يَجِدُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا \" , وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْو حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَزَادَ فِي آخِره \" فَلَمْ يَفْجَأْهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ - أَيْ أَبُو جَهْل - يَنْكُص عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدِهِ , فَقِيلَ لَهُ , فَقَالَ : إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنه لَخَنْدَقًا مِنْ نَار وَهَوْلًا وَأَجْنِحَة. فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ دَنَا لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَة عُضْوًا عُضْوًا \" وَإِنَّمَا شَدَّدَ الْأَمْر فِي حَقّ أَبِي جَهْل , وَلَمْ يَقَع مِثْل ذَلِكَ لِعُقْبَةَ بْن أَبِي مُعَيْط حَيْثُ طَرَحَ سَلَى الْجَزُور عَلَى ظَهْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الطَّهَارَة لِأَنَّهُمَا وَإِنْ اِشْتَرَكَا فِي مُطْلَق الْأَذِيَّة حَالَة صَلَاته لَكِنْ زَادَ أَبُو جَهْل بِالتَّهْدِيدِ وَبِدَعْوَى أَهْل طَاعَته وَبِإِرَادَةِ وَطْء الْعُنُق الشَّرِيف , وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْمُبَالَغَة مَا اِقْتَضَى تَعْجِيل الْعُقُوبَة لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ , وَلِأَنَّ سَلَى الْجَزُور لَمْ يَتَحَقَّق نَجَاسَتهَا , وَقَدْ عُوقِبَ عُقْبَة بِدُعَائِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ شَارَكَهُ فِي فِعْله فَقُتِلُوا يَوْم بَدْر. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَمْرو بْن خَالِد عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ عَبْد الْكَرِيم ) ‏ ‏أَمَّا عَمْرو بْن خَالِد فَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَهُوَ الْحَرَّانِيُّ ثِقَة مَشْهُور , وَأَمَّا عُبَيْد اللَّه فَهُوَ اِبْن عَمْرو الرَّقِّيّ , وَعَبْد الْكَرِيم هُوَ الْجَزَرِيُّ الْمَذْكُور , وَهَذِهِ الْمُتَابَعَة وَصَلَهَا عَلِيّ بْن عَبْد الْعَزِيز الْبَغَوِيُّ فِي \" مُنْتَخَب الْمُسْنَد \" لَهُ عَنْ عَمْرو بْن خَالِد بِهَذَا ; وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق زَكَرِيَّا بْن عَدِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَمْرو بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور وَلَفْظه بَعْد قَوْله لَوْ فَعَلَ لَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَة \" عِيَانًا وَلَوْ أَنَّ الْيَهُود \" إِلَى آخِر الزِّيَادَة الَّتِي ذَكَرْتهَا مِنْ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَزَادَ بَعْد قَوْله لَمَاتُوا \" وَرَأَوْا مَقَاعِدهمْ مِنْ النَّار \". ‏"
    },
    {
        "id": "4577",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأُبَيٍّ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ‏ { ‏لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا ‏} ‏قَالَ وَسَمَّانِي قَالَ نَعَمْ فَبَكَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّه أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأ عَلَيْك لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة شُعْبَة , وَبَيَّنَ فِي رِوَايَة هَمَّام أَنَّ تَسْمِيَة السُّورَة لَمْ يَحْمِلهُ قَتَادَةُ عَنْ أَنَس فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِر الْحَدِيث \" قَالَ قَتَادَةُ : فَأُنْبِئْت أَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ \" وَسَقَطَ بَيَان ذَلِكَ مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة , هَذَا مَا فِي هَذِهِ الطُّرُق الثَّلَاثَة الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم وَأَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق زِرّ بْن حُبَيْشٍ عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب نَفْسه مُطَوَّلًا وَلَفْظه \" إِنَّ اللَّه أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأ عَلَيْك الْقُرْآن , قَالَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا. وَالْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ حَمْل الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد لِقِرَاءَتِهِ لَمْ يَكُنْ دُونَ غَيْرهَا , فَقِيلَ : الْحِكْمَة فِي تَخْصِيصهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ فِيهَا ( يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ) , وَفِي تَخْصِيص أُبَيِّ بْن كَعْب التَّنْوِيه بِهِ فِي أَنَّهُ أَقْرَأ الصَّحَابَة , فَإِذَا قَرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَظِيم مَنْزِلَته كَانَ غَيْره بِطَرِيقِ التَّبَع لَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب مَزِيد كَلَام فِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4578",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَسَّانُ بْنُ حَسَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأُبَيٍّ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ قَالَ ‏ ‏أُبَيٌّ ‏ ‏أَاللَّهُ سَمَّانِي لَكَ قَالَ اللَّهُ سَمَّاكَ لِي فَجَعَلَ ‏ ‏أُبَيٌّ ‏ ‏يَبْكِي قَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏فَأُنْبِئْتُ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ ‏ { ‏لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ }",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4579",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو جَعْفَرٍ الْمُنَادِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ الْقُرْآنَ قَالَ أَاللَّهُ سَمَّانِي لَكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَقَدْ ذُكِرْتُ عِنْدَ ‏ ‏رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن أَبِي دَاوُدَ أَبُو جَعْفَر الْمُنَادِي ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ عِنْد الْفِرْيَابِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ , وَاَلَّذِي وَقَعَ عِنْد النَّسَفِيّ \" حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَر الْمُنَادِي \" حَسْب , فَكَأَنَّ تَسْمِيَته مِنْ قِبَل الْفَرَبْرِيّ. فَعَلَى هَذَا لَمْ يُصِبْ مَنْ وَهَّمَ الْبُخَارِيَّ فِيهِ , وَكَذَا مَنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَحْمَد شَيْء وَاحِد , وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْخَطِيب عَنْ اللَّالِكَائِيّ اِحْتِمَالًا , قَالَ : وَاشْتَبَهَ عَلَى الْبُخَارِيّ , قَالَ : وَقِيلَ كَانَ لِأَبِي جَعْفَر أَخ اِسْمه أَحْمَد , قَالَ : وَهُوَ بَاطِل وَالْمَشْهُور أَنَّ اِسْم أَبِي جَعْفَر هَذَا مُحَمَّد وَهُوَ اِبْن عُبَيْد اللَّه بْن يَزِيد وَأَبُو دَاوُدَ كُنْيَة أَبِيهِ , وَلَيْسَ لِأَبِي جَعْفَر فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ عَاشَ بَعْد الْبُخَارِيّ سِتَّة عَشَر عَامًا , وَلَكِنَّهُ عَمَّرَ وَعَاشَ مِائَة سَنَة وَسَنَة وَأَشْهُرًا , وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ مَنْ لَمْ يُدْرِك الْبُخَارِيّ وَهُوَ أَبُو عَمْرو بْن السَّمَّاك فَشَارَكَ الْبُخَارِيّ فِي رِوَايَته عَنْ اِبْن الْمُنَادِي هَذَا الْحَدِيث وَبَيْنهمَا فِي الْوَفَاة ثَمَانٍ وَثَمَانُونَ سَنَة , وَهُوَ مِنْ لَطِيف مَا وَقَعَ مِنْ نَوْع السَّابِق وَاللَّاحِق. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ أُقْرِئَك ) ‏ ‏أَيْ أُعَلِّمك بِقِرَاءَتِي عَلَيْك كَيْف تَقْرَأ حَتَّى لَا تَتَخَالَف الرِّوَايَتَانِ , وَقِيلَ : الْحِكْمَة فِيهِ لِتَحَقُّقِ قَوْله تَعَالَى فِيهَا ( رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ). ‏ ‏قَوْله : ( فَذَرَفَتْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَقَبْلهَا الذَّال مُعْجَمَة , أَيْ تَسَاقَطَتْ بِالدُّمُوعِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث فِي مَنَاقِب أُبَيِّ بْن كَعْب. ‏"
    },
    {
        "id": "4580",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ ‏ ‏وِزْرٌ ‏ ‏فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي ‏ ‏مَرْجٍ ‏ ‏أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي ‏ ‏طِيَلِهَا ‏ ‏ذَلِكَ فِي ‏ ‏الْمَرْجِ ‏ ‏وَالرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ ‏ ‏طِيَلَهَا ‏ ‏فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا ‏ ‏أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ فَهِيَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَجْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِئَاءً ‏ ‏وَنِوَاءً ‏ ‏فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ ‏ ‏وِزْرٌ ‏ ‏فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْحُمُرِ قَالَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ ‏ ‏الْفَاذَّةَ ‏ ‏الْجَامِعَةَ ‏ { ‏فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4581",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏سُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْحُمُرِ فَقَالَ لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ ‏ { ‏فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4582",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى السَّمَاءِ قَالَ ‏ ‏أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوَّفًا فَقُلْتُ مَا هَذَا يَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قَالَ هَذَا الْكَوْثَرُ ‏",
        "sharh": "الْأَوَّل حَدِيث أَنَس وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل الْمَبْعَث فِي قِصَّة الْإِسْرَاء فِي أَوَاخِرهَا , وَيَأْتِي بِأَوْضَح مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَاخِر كِتَاب الرِّقَاق. ‏ ‏\" وَقَوْله لَمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى السَّمَاء قَالَ : أَتَيْت عَلَى نَهَر حَافَّتَاهُ قِبَاب اللُّؤْلُؤ مُجَوَّف , فَقُلْت : مَا هَذَا يَا جِبْرِيل ؟ قَالَ : هَذَا الْكَوْثَر. ‏ ‏هَكَذَا اِقْتَصَرَ عَلَى بَعْضه. وَسَاقَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن الْحَسَن عَنْ آدَم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَزَادَ بَعْد قَوْله الْكَوْثَر \" وَاَلَّذِي أَعْطَاك رَبّك , فَأَهْوَى الْمَلَك بِيَدِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْ طِينه مِسْكًا أَذْفَر \" وَأَوْرَدَهُ الْبُخَارِيّ بِهَذِهِ الزِّيَادَة فِي الرِّقَاق مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4583",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْكَاهِلِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُهَا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ‏ { ‏إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ‏} ‏قَالَتْ ‏ ‏نَهَرٌ أُعْطِيَهُ نَبِيُّكُمْ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَاطِئَاهُ عَلَيْهِ دُرٌّ مُجَوَّفٌ آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏وَأَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏وَمُطَرِّفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏",
        "sharh": "الثَّانِي حَدِيث عَائِشَة , وَأَبُو عُبَيْدَة رِوَايَة عَنْهَا هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة قَالَ سَأَلْتهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" قُلْت لِعَائِشَة \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ قَوْله تَعَالَى إِنَّا أَعْطَيْنَاك الْكَوْثَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" مَاء الْكَوْثَر \". ‏ ‏قَوْله : ( هُوَ نَهَر أُعْطِيَهُ نَبِيّكُمْ ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ \" فِي بُطْنَان الْجَنَّة. ‏ ‏قُلْت مَا بُطْنَان الْجَنَّة ؟ قَالَتْ : وَسَطهَا \" اِنْتَهَى. وَبُطْنَان بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدهَا نُون , وَوَسَط بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُرَاد بِهِ أَعْلَاهَا أَيْ أَرْفَعهَا قَدْرًا , أَوْ الْمُرَاد أَعْدَلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( شَاطِئَاهُ ) ‏ ‏أَيْ حَافَّتَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( دُرّ مُجَوَّف ) ‏ ‏أَيْ الْقِبَاب الَّتِي عَلَى جَوَانِبه. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ زَكَرِيَّا وَأَبُو الْأَحْوَص وَمُطَرِّف عَنْ أَبِي إِسْحَاق ) ‏ ‏أَمَّا زَكَرِيَّا فَهُوَ اِبْن أَبِي زَائِدَة , وَرِوَايَته عِنْد عَلِيّ بْنِ الْمَدِينِيّ عَنْ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا عَنْ أَبِيهِ , وَلَفْظه قَرِيب مِنْ لَفْظ أَبِي الْأَحْوَص. وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص وَهُوَ سَلَّام بْنُ سُلَيْمٍ فَوَصَلَهَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ وَلَفْظه \" الْكَوْثَر نَهَر بِفِنَاءِ الْجَنَّة شَاطِئَاهُ دُرّ مُجَوَّف ; وَفِيهِ مِنْ الْأَبَارِيق عَدَد النُّجُوم \" وَأَمَّا رِوَايَة مُطَرِّف وَهُوَ اِبْن طَرِيف بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَة فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقه , وَقَدْ بَيَّنْت مَا فِيهَا مِنْ زِيَادَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4584",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏فِي الْكَوْثَرِ هُوَ الْخَيْرُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ قَالَ ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏فَإِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏النَّهَرُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ مِنْ الْخَيْرِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس مِنْ رِوَايَة أَبِي بِشْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي الْكَوْثَر \" هُوَ الْخَيْر الْكَثِير الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّه إِيَّاهُ. قَالَ قُلْت لِسَعِيدِ بْن جُبَيْر عَنْهُ إِنَّهُ قَالَ فِي الْكَوْثَر : فَإِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهَر فِي الْجَنَّة , فَقَالَ سَعِيد : النَّهَر الَّذِي فِي الْجَنَّة مِنْ الْخَيْر الْكَثِير الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّه إِيَّاهُ \". هَذَا تَأْوِيل مِنْ سَعِيد بْن جُبَيْر جَمَعَ بِهِ بَيْن حَدِيثَيْ عَائِشَة وَابْن عَبَّاس , وَكَأَنَّ النَّاس الَّذِينَ عَنَاهُمْ أَبُو بِشْر أَبُو إِسْحَاق وَقَتَادَةُ وَنَحْوهمَا مِمَّنْ رَوَى ذَلِكَ صَرِيحًا أَنَّ الْكَوْثَر هُوَ النَّهَر , وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" الْكَوْثَر نَهَر فِي الْجَنَّة حَافَّتَاهُ مِنْ ذَهَب وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرّ وَالْيَاقُوت \" الْحَدِيث قَالَ : إِنَّهُ حَسَن صَحِيح. وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ طَرِيق الْمُخْتَار بْن فُلْفُل عَنْ أَنَس \" بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ غَفَا إِغْفَاءَة , ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه مُتَبَسِّمًا فَقُلْنَا : مَا أَضْحَكَك يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَة. فَقَرَأَ. بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم. إِنَّا أَعْطَيْنَاك الْكَوْثَر إِلَى آخِرهَا , ثُمَّ قَالَ : أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَر ؟ قُلْنَا : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم. قَالَ : فَإِنَّهُ نَهَر وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَلَيْهِ خَيْر كَثِير , وَهُوَ حَوْض تَرِد عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْم الْقِيَامَة \" الْحَدِيث. وَحَاصِل مَا قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّ قَوْل اِبْن عَبَّاس إِنَّهُ الْخَيْر الْكَثِير لَا يُخَالِف قَوْل غَيْره إِنَّ الْمُرَاد بِهِ نَهَر فِي الْجَنَّة , لِأَنَّ النَّهَر فَرْد مِنْ أَفْرَاد الْخَيْر الْكَثِير , وَلَعَلَّ سَعِيدًا أَوْمَأَ إِلَى أَنَّ تَأْوِيل اِبْن عَبَّاس أَوْلَى لِعُمُومِهِ , لَكِنْ ثَبَتَ تَخْصِيصه بِالنَّهَرِ مِنْ لَفْظ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا مَعْدِل عَنْهُ. وَقَدْ نَقَلَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْكَوْثَر أَقْوَالًا أُخْرَى غَيْر هَذَيْنِ تَزِيد عَلَى الْعَشَرَة , مِنْهَا قَوْل عِكْرِمَة : الْكَوْثَر النُّبُوَّة , وَقَوْل الْحَسَن : الْكَوْثَر الْقُرْآن , وَقِيلَ تَفْسِيره , وَقِيلَ الْإِسْلَام , وَقِيلَ إِنَّهُ التَّوْحِيد , وَقِيلَ كَثْرَة الْأَتْبَاع , وَقِيلَ الْإِيثَار , وَقِيلَ رِفْعَة الذِّكْر , وَقِيلَ نُور الْقَلْب , وَقِيلَ الشَّفَاعَة , وَقِيلَ الْمُعْجِزَات ; وَقِيلَ إِجَابَة الدُّعَاء , وَقِيلَ الْفِقْه فِي الدِّين , وَقِيلَ الصَّلَوَات الْخَمْس. وَسَيَأْتِي مَزِيد بَسْط فِي أَمْر الْكَوْثَر وَهَلْ الْحَوْض النَّبَوِيّ هُوَ أَوْ غَيْره فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.. ‏"
    },
    {
        "id": "4585",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ‏ ‏إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ‏ ‏إِلَّا يَقُولُ فِيهَا ‏ ‏سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي مُوَاظَبَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّسْبِيح وَالتَّحْمِيد وَالِاسْتِغْفَار وَغَيْره فِي رُكُوعه وَسُجُوده. أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ , وَفِي الْأُولَى التَّصْرِيح بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ بَعْد نُزُول السُّورَة. وَفِي الثَّانِيَة يَتَأَوَّل الْقُرْآن وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي صِفَة الصَّلَاة وَمَعْنَى قَوْله يَتَأَوَّل الْقُرْآن يَجْعَل مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ التَّسْبِيح وَالتَّحْمِيد وَالِاسْتِغْفَار فِي أَشْرَف الْأَوْقَات وَالْأَحْوَال. وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة فَزَادَ فِيهِ \" عَلَامَة فِي أُمَّتِي أَمَرَنِي رَبِّي إِذَا رَأَيْتهَا أُكْثِر مِنْ قَوْل سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ وَأَسْتَغْفِر اللَّه وَأَتُوب إِلَيْهِ , فَقَدْ رَأَيْت جَاءَ نَصْرُ اللَّه , وَالْفَتْح فَتْح مَكَّة وَرَأَيْت النَّاس يَدْخُلُونَ فِي دِين اللَّه أَفْوَاجًا \" وَقَالَ اِبْن الْقَيِّم فِي الْهَدْي : كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ( وَاسْتَغْفِرْهُ ) لِأَنَّهُ كَانَ يَجْعَل الِاسْتِغْفَار فِي خَوَاتِم الْأُمُور , فَيَقُول إِذَا سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاة : أَسْتَغْفِر اللَّه ثَلَاثًا. وَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاء قَالَ : غُفْرَانك. وَوَرَدَ الْأَمْر بِالِاسْتِغْفَارِ عِنْد اِنْقِضَاء الْمَنَاسِك ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ) الْآيَة. ‏ ‏قُلْت : وَيُؤْخَذ أَيْضًا مِنْ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) فَقَدْ كَانَ يَقُول عِنْد اِنْقِضَاء الْوُضُوء \" اللَّهُمَّ اِجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ \". ن يَجْعَل مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ التَّسْبِيح وَالتَّحْمِيد وَالِاسْتِغْفَار فِي أَشْرَفَ الْأَوْقَات وَالْأَحْوَال. وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْه مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة فَزَادَ فِيهِ \" عَلَامَة فِي أُمَّتِي أَمَرَنِي رَبِّي إِذَا رَأَيْتهَا أَكْثَر مِنْ قَوْل سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ وَأَسْتَغْفِر اللَّه وَأَتُوب إِلَيْهِ , فَقَدْ رَأَيْت جَاءَ نَصْر اللَّه , وَالْفَتْح فَتْح مَكَّة وَرَأَيْت النَّاس يَدْخُلُونَ فِي دَيْن اللَّه أَفْوَاجًا \" وَقَالَ اِبْن الْقِيَم فِي الْهَدْي : كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ( وَاسْتَغْفِرْهُ ) لِأَنَّهُ كَانَ يَجْعَل الِاسْتِغْفَار فِي خَوَاتِم الْأُمُور , فَيَقُول إِذَا سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاة : أَسْتَغْفِر اللَّه ثَلَاثًا. وَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاء قَالَ : غُفْرَانك. وَوَرَدَ الْأَمْر بِالِاسْتِغْفَارِ عِنْد اِنْقِضَاء الْمَنَاسِك ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس وَاسْتَغْفِرُوا اللَّه ) الْآيَة. ‏ ‏قُلْت : وَيُؤْخَذ أَيْضًا مِنْ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) فَقَدْ كَانَ يَقُول عِنْد اِنْقِضَاء الْوُضُوء \" اللَّهُمَّ اِجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4586",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ ‏ ‏سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4587",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏سَأَلَهُمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ‏ ‏إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ‏ ‏قَالُوا فَتْحُ الْمَدَائِنِ وَالْقُصُورِ قَالَ ‏ ‏مَا تَقُولُ يَا ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ أَجَلٌ أَوْ مَثَلٌ ضُرِبَ ‏ ‏لِمُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نُعِيَتْ لَهُ نَفْسُهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4588",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِنَّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ فَدَعَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ فَمَا رُئِيتُ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ قَالَ ‏ ‏مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ‏ ‏إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ‏ ‏فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَقَالَ لِي أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقُلْتُ لَا قَالَ فَمَا تَقُولُ قُلْتُ هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْلَمَهُ لَهُ قَالَ ‏ ‏إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ‏ ‏وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ ‏ { ‏فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ‏} ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ عُمَر يُدْخِلنِي مَعَ أَشْيَاخ بَدْر ) ‏ ‏أَيْ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار , وَكَانَتْ عَادَة عُمَر إِذَا جَلَسَ لِلنَّاسِ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ عَلَى قَدْر مَنَازِلهمْ فِي السَّابِقَة , وَكَانَ رُبَّمَا أَدْخَلَ مَعَ أَهْل الْمَدِينَة مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ فِيهِ مَزِيَّة تَجْبُر مَا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَأَنَّ بَعْضهمْ وَجَدَ ) ‏ ‏أَيْ غَضِبَ وَلَفْظ \" وَجَدَ \" الْمَاضِي يُسْتَعْمَل بِالِاشْتِرَاكِ بِمَعْنَى الْغَضَب وَالْحُبّ وَالْغِنَى وَاللِّقَاء , سَوَاء كَانَ الَّذِي يُلْقَى ضَالَّة أَوْ مَطْلُوبًا أَوْ إِنْسَانًا أَوْ غَيْر ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( لِمَ تُدْخِل هَذَا مَعَنَا , وَلَنَا أَبْنَاء مِثْله ) ‏ ‏؟ وَلِابْنِ سَعْد مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَلَك بْن أَبِي سُلَيْمَان عَنْ سَعِيد بْنِ جُبَيْر \" كَانَ أُنَاس مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَجَدُوا عَلَى عُمَر فِي إِدْنَائِهِ اِبْن عَبَّاس \" وَفِي تَارِيخ مُحَمَّد بْن عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عَاصِم بْن كُلَيْب عَنْ أَبِيهِ نَحْوه وَزَادَ \" وَكَانَ عُمَر أَمَرَهُ أَنْ لَا يَتَكَلَّم حَتَّى يَتَكَلَّمُوا , فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْء فَلَمْ يُجِيبُوا. وَأَجَابَهُ اِبْن عَبَّاس , فَقَالَ عُمَر : أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْل هَذَا الْغُلَام ؟ ثُمَّ قَالَ : إِنِّي كُنْت نَهَيْتُك أَنْ تَتَكَلَّم فَتَكَلَّمْ الْآن مَعَهُمْ. وَهَذَا الْقَائِل الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ هُنَا بِقَوْلِهِ \" بَعْضهمْ \" هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف الزُّهْرِيُّ أَحَد الْعَشَرَة كَمَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ عِنْد الْمُصَنِّف فِي عَلَامَات النُّبُوَّة مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ أَبِي بِشْر بِهَذَا الْإِسْنَاد \" كَانَ عُمَر يُدْنِي اِبْن عَبَّاس , فَقَالَ لَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف : إِنَّ لَنَا أَبْنَاء مِثْله \" وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ مِثْله أَيْ فِي مِثْل سِنّه , لَا فِي مِثْل فَضْله وَقَرَابَته مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَكِنْ لَا أَعْرِف لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف وَلَدًا فِي مِثْل سِنّ اِبْن عَبَّاس , فَإِنَّ أَكْبَر أَوْلَاده مُحَمَّد وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى , لَكِنَّهُ مَاتَ صَغِيرًا وَأَدْرَكَ عُمَر مِنْ أَوْلَاده إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَيُقَال إِنَّهُ وُلِدَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنَّهُ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُدْرِك مِنْ الْحَيَاة النَّبَوِيَّة إِلَّا سَنَة أَوْ سَنَتَيْنِ. لِأَنَّ أَبَاهُ تَزَوَّجَ أُمّه بَعْد فَتْح مَكَّة فَهُوَ أَصْغَر مِنْ اِبْن عَبَّاس بِأَكْثَر مِنْ عَشْر سِنِينَ , فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْمِثْلِيَّةِ غَيْر السِّنّ , أَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ \" لَنَا \" مَنْ كَانَ لَهُ وَلَد فِي مِثْل سِنّ اِبْن عَبَّاس مِنْ الْبَدْرِيِّينَ إِذْ ذَاكَ غَيْر الْمُتَكَلِّم. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عُمَر : إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ ) ‏ ‏فِي غَزْوَة الْفَتْح مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" إِنَّهُ مِمَّنْ عَلِمْتُمْ \" وَفِي رِوَايَة شُعْبَة \" إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ نَعْلَم \" وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَرَابَته مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ إِلَى مَعْرِفَته وَفِطْنَته , وَقَدْ رَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ \" قَالَ الْمُهَاجِرُونَ لِعُمَر : أَلَا تَدْعُو أَبْنَاءَنَا كَمَا تَدْعُوَا اِبْن عَبَّاس ؟ قَالَ ذَاكُمْ فَتَى الْكُهُول , إِنَّ لَهُ لِسَانًا سَئُولًا وَقَلْبًا عَقُولًا \" وَأَخْرَجَ الْخَرَائِطِيّ فِي \" مَكَارِم الْأَخْلَاق \" مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ , وَالزُّبَيْر بْن بَكَّار مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن يَسَار قَالَا \" قَالَ الْعَبَّاس لِابْنِهِ : إِنَّ هَذَا الرَّجُل - يَعْنِي عُمَر - يُدْنِيك , فَلَا تُفْشِيَنَّ لَهُ سِرًّا , وَلَا تَغْتَابَنَّ عِنْده أَحَدًا , وَلَا يَسْمَع مِنْك كَذِبًا \" وَفِي رِوَايَة عَطَاء بَدَل الثَّالِثَة , وَلَا تَبْتَدِئْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَسْأَلك عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَدَعَا ذَات يَوْم فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة لِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَدَعَاهُ \" وَفِي غَزْوَة الْفَتْح \" فَدَعَاهُمْ ذَات يَوْم وَدَعَانِي مَعَهُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا رُئِيت ) ‏ ‏بِضَمِّ الرَّاء وَكَسْر الْهَمْزَة , وَفِي غَزْوَة الْفَتْح مِنْ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" فَمَا أَرَيْته \" بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَة وَالْمَعْنَى وَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا لِيُرِيَهُمْ ) ‏ ‏زَادَ فِي غَزْوَة الْفَتْح \" مِنِّي \" أَيْ مِثْل مَا رَآهُ هُوَ مِنِّي مِنْ الْعِلْم , وَفِي رِوَايَة اِبْن سَعْد فَقَالَ \" أَمَا إِنِّي سَأُرِيكُمْ الْيَوْم مِنْهُ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ فَضْله \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا تَقُولُونَ فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) ‏ ‏فِي غَزْوَة الْفَتْح \" حَتَّى خَتَمَ السُّورَة \". ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا جَاءَ نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْبَاب الَّذِي قَبْله \" قَالُوا فَتْح الْمَدَائِن وَالْقُصُور \". ‏ ‏قَوْله : ( وَسَكَتَ بَعْضهمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ) ‏ ‏فِي غَزْوَة الْفَتْح \" وَقَالَ بَعْضهمْ لَا نَدْرِي أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضهمْ شَيْئًا \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لِي أَكَذَاك تَقُول يَا اِبْن عَبَّاس ؟ قُلْت : لَا. قَالَ : فَمَا تَقُول ) ‏ ‏؟ فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد \" فَقَالَ عُمَر يَا اِبْن عَبَّاس أَلَا تَتَكَلَّم ؟ فَقَالَ : أَعْلَمَهُ مَتَى يَمُوت , قَالَ : إِذَا جَاءَ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) ‏ ‏زَادَ فِي غَزْوَة الْفَتْح \" فَتْح مَكَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَذَلِكَ عَلَامَة أَجَلك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد \" فَهُوَ آيَتك فِي الْمَوْت \" وَفِي الْبَاب الَّذِي قَبْله \" أَجَل أَوْ مَثَل ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ , نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسه , وَوَهَمَ عَطَاء بْن السَّائِب فَرَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" لَمَّا نَزَلَتْ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقه , وَالصَّوَاب رِوَايَة حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت الَّتِي فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله بِلَفْظِ \" نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسه \" ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" لَمَّا نَزَلَتْ إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالْفَتْح نُعِيَتْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسه , فَأَخَذَ بِأَشَدّ مَا كَانَ قَطّ اِجْتِهَادًا فِي أَمْر الْآخِرَة \" , وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي رَزِين عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" لَمَّا نَزَلَتْ عَلِمَ أَنْ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسه \" , وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَة فِي أَوْسَط أَيَّام التَّشْرِيق فِي حَجَّة الْوَدَاع , فَعَرَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ الْوَدَاع \". وَسُئِلْت عَنْ قَوْل الْكَشَّاف : أَنَّ سُورَة النَّصْر نَزَلَتْ فِي حَجَّة الْوَدَاع أَيَّام التَّشْرِيق , فَكَيْف صُدِّرَتْ بِإِذَا الدَّالَّة عَلَى الِاسْتِقْبَال ؟ فَأَجَبْت بِضَعْفِ مَا نَقَلَهُ , وَعَلَى تَقْدِير صِحَّته فَالشَّرْط لَمْ يَتَكَمَّل بِالْفَتْحِ , لِأَنَّ مَجِيء النَّاس أَفْوَاجًا لَمْ يَكُنْ كَمُلَ , فَبَقِيَّة الشَّرْط مُسْتَقْبَل. وَقَدْ أَوْرَدَ الطِّيبِيُّ السُّؤَال وَأَجَابَ بِجَوَابَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ \" إِذَا \" قَدْ تَرِد بِمَعْنَى \" إِذْ \" كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً ) الْآيَة. ثَانِيهمَا أَنَّ كَلَام اللَّه قَدِيم , وَفِي كُلّ مِنْ الْجَوَابَيْنِ نَظَر لَا يَخْفَى. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا مَا تَقُول ) ‏ ‏فِي غَزْوَة الْفَتْح \" إِلَّا مَا تَعْلَم \" زَادَ أَحْمَد وَسَعِيد بْن مَنْصُور فِي رِوَايَتهمَا عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي بِشْر فِي هَذَا الْحَدِيث فِي آخِره \" فَقَالَ عُمَر : كَيْف تَلُومُونَنِي عَلَى حُبّ مَا تَرَوْنَ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد أَنَّهُ سَأَلَهُمْ حِينَئِذٍ عَنْ لَيْلَة الْقَدْر , وَذَكَرَ جَوَاب اِبْن عَبَّاس وَاسْتِنْبَاطه وَتَصْوِيب عُمَر قَوْله , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لِابْنِ عَبَّاس مَعَ عُمَر قِصَّة أُخْرَى فِي أَوَاخِر سُورَة الْبَقَرَة , لَكِنْ أَجَابُوا فِيهَا بِقَوْلِهِمْ : اللَّه أَعْلَم , فَقَالَ عُمَر : قُولُوا نَعْلَم أَوْ لَا نَعْلَم , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْء , الْحَدِيث. وَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِابْنِ عَبَّاس وَتَأْثِير لِإِجَابَةِ دَعْوَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعَلِّمهُ اللَّهُ التَّأْوِيل وَيُفَقِّههُ فِي الدِّين , كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم. وَفِيهِ جَوَاز تَحْدِيث الْمَرْء عَنْ نَفْسه بِمِثْلِ هَذَا لِإِظْهَارِ نِعْمَة اللَّه عَلَيْهِ , وَإِعْلَام مَنْ لَا يَعْرِف قَدْره لِيُنْزِلهُ مَنْزِلَته , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِد الصَّالِحَة , لَا لِلْمُفَاخَرَةِ وَالْمُبَاهَاة. وَفِيهِ جَوَاز تَأْوِيل الْقُرْآن بِمَا يُفْهَم مِنْ الْإِشَارَات , وَإِنَّمَا يَتَمَكَّن مِنْ ذَلِكَ مَنْ رَسَخَتْ قَدَمه فِي الْعِلْم , وَلِهَذَا قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ : أَوْ فَهْمًا يُؤْتِيه اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآن. ‏"
    },
    {
        "id": "4589",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ‏} ‏وَرَهْطَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى صَعِدَ ‏ ‏الصَّفَا ‏ ‏فَهَتَفَ يَا ‏ ‏صَبَاحَاهْ فَقَالُوا مَنْ هَذَا فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ قَالُوا مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا قَالَ فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ قَالَ ‏ ‏أَبُو لَهَبٍ ‏ ‏تَبًّا لَكَ مَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏تَبَّتْ يَدَا ‏ ‏أَبِي لَهَبٍ ‏ ‏وَتَبَّ ‏} ‏وَقَدْ تَبَّ هَكَذَا قَرَأَهَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَك الْأَقْرَبِينَ وَرَهْطَك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ الْأَعْمَش , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي تَفْسِير سُورَة الشُّعَرَاء مَعَ بَقِيَّة مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث وَفَوَائِده. ‏"
    },
    {
        "id": "4590",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ إِلَى ‏ ‏الْبَطْحَاءِ ‏ ‏فَصَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ فَنَادَى يَا ‏ ‏صَبَاحَاهْ فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَرَأَيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو لَهَبٍ ‏ ‏أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا تَبًّا لَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏تَبَّتْ يَدَا ‏ ‏أَبِي لَهَبٍ ‏ } ‏إِلَى آخِرِهَا ‏",
        "sharh": "وَقَوْله فِيهِ \" فَهَتَفَ \" أَيْ صَاحَ. وَقَوْله \" يَا صَبَاحَاهُ \" أَيْ هَجَمُوا عَلَيْكُمْ صَبَاحًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4591",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو لَهَبٍ ‏ ‏تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا ‏ ‏فَنَزَلَتْ ‏ { ‏تَبَّتْ يَدَا ‏ ‏أَبِي لَهَبٍ ‏ } ‏إِلَى آخِرِهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4592",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ قَالَ اللَّهُ ‏ ‏كَذَّبَنِي ابْنُ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْئًا أَحَدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَاد ) ‏ ‏لِشُعَيْبِ بْن أَبِي حَمْزَة فِيهِ إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ اللَّه تَعَالَى ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي الزِّنَاد بِلَفْظِ \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَاهُ يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ \" وَالشَّكّ فِيهِ مِنْ الْمُصَنِّف فِيمَا أَحْسَب. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اللَّه تَعَالَى كَذَّبَنِي اِبْن آدَم ) ‏ ‏سَأَذْكُرُ شَرْحه فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4593",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏قَالَ وَحَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ اللَّهُ ‏ ‏كَذَّبَنِي ابْنُ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ إِنِّي لَنْ أُعِيدَهُ كَمَا بَدَأْتُهُ وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُؤًا أَحَدٌ ‏ { ‏لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ‏ ‏كُفُؤًا ‏ ‏أَحَدٌ ‏} ‏كُفُؤًا وَكَفِيئًا وَكِفَاءً وَاحِدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن مَنْصُور ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , قَالَ الْمِزِّيُّ فِيَّ \" الْأَطْرَاف \" : فِي بَعْض النُّسَخ \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن نَصْر \" قُلْت : وَهِيَ رِوَايَة النَّسَفِيّ , وَهُمَا مَشْهُورَانِ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ مِمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق. ‏ ‏قَوْله : ( كَذَّبَنِي اِبْن آدَم وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق \" كَذَّبَنِي عَبْدِي \". ‏ ‏قَوْله : ( وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ) ‏ ‏ثَبَتَ هُنَا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ , وَكَذَا هُوَ عِنْد أَحْمَد , وَسَقَطَ بَقِيَّة الرُّوَاة عَنْ الْفَرْبَرِيّ وَكَذَا النَّسَفِيّ , وَالْمُرَاد بِهِ بَعْض بَنِي آدَم , وَهُمْ مَنْ أَنْكَرَ الْبَعْث مِنْ الْعَرَب وَغَيْرهمْ مِنْ عُبَّاد الْأَوْثَان وَالدَّهْرِيَّة وَمَنْ اِدَّعَى أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا مِنْ الْعَرَب أَيْضًا وَمِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَّا تَكْذِيبه إِيَّايَ أَنْ يَقُول إِنِّي لَنْ أُعِيدهُ كَمَا بَدَأْته ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ بِحَذْفِ الْفَاء فِي جَوَاب \" أَمَّا \" وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَعْرَج فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله \" فَأَمَّا تَكْذِيبه إِيَّايَ فَقَوْله لَنْ يُعِيدنِي \" وَفِي رِوَايَة أَحْمَد \" أَنْ يَقُول فَلْيُعِدْنَا كَمَا بَدَأَنَا \" وَهِيَ مِنْ شَوَاهِد وُرُود صِيغَة أَفْعَل بِمَعْنَى التَّكْذِيب , وَمِثْله قَوْله : ( قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا ) , وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَعْرَج فِي الْبَاب قَبْله \" وَلَيْسَ بِأَوَّلِ الْخَلْق بِأَهْوَن مِنْ إِعَادَته \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى لَفْظ \" أَهْوَن \" فِي بَدْء الْخَلْق وَقَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهَا بِمَعْنَى هَيِّن وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَوْجُه. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَا الصَّمَد الَّذِي لَمْ أَلِد وَلَمْ أُولَد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" وَأَنَا الْأَحَد الصَّمَد الَّذِي لَمْ يَلِد وَلَمْ يُولَد \" ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَهُوَ وِزَان مَا قَبْله. وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيّ \" وَلَمْ يَكُنْ لَهُ \" وَهُوَ اِلْتِفَات , وَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" وَلَمْ يَكُنْ لِي \" بَعْد قَوْله \" لَمْ يَلِد \" وَهُوَ اِلْتِفَات أَيْضًا. وَلَمَّا كَانَ الرَّبّ سُبْحَانه وَاجِب الْوُجُود لِذَاتِهِ قَدِيمًا مَوْجُودًا قَبْل وُجُود الْأَشْيَاء وَكَانَ كُلّ مَوْلُود مُحْدَثًا اِنْتَفَتْ عَنْهُ الْوَالِدِيَّة , وَلَمَّا كَانَ لَا يُشْبِههُ أَحَد مِنْ خَلْقه وَلَا يُجَانِسهُ حَتَّى يَكُون لَهُ مِنْ جِنْسه صَاحِبَة فَتَتَوَالَد اِنْتَفَتْ عَنْهُ الْوَالِدِيَّة , وَمِنْ هَذَا قَوْله تَعَالَى ( أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِمَعْنَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هَذَا , لَكِنْ قَالَ فِي آخِره \" فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذ صَاحِبَة أَوْ وَلَدًا \" بَدَل قَوْله \" وَأَنَا الْأَحَد الصَّمَد إِلَخْ \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الصَّحَابِيَّيْنِ حَفِظَ فِي آخِره مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَر. وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَنْ نَسَبَ غَيْره إِلَى أَمْر لَا يَلِيق بِهِ يُطْلَق عَلَيْهِ أَنَّهُ شَتَمَهُ , وَسَبَقَ فِي كِتَاب بَدْء الْخَلْق تَقْرِير ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( كُفُوًا وَكَفِيئًا وَكِفَاء وَاحِد ) ‏ ‏أَيْ بِمَعْنًى وَاحِد وَهُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة , وَالْأَوَّل بِضَمَّتَيْنِ وَالثَّانِي بِفَتْحِ الْكَاف وَكَسْر الْفَاء بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة ثُمَّ الْهَمْزَة وَالثَّالِث بِكَسْرِ الْكَاف ثُمَّ الْمَدّ , وَقَالَ الْفَرَّاء : كُفُوًا يُثَقَّل وَيُخَفَّف , أَيْ يُضَمّ وَيُسَكَّن. ‏ ‏قُلْت : وَبِالضَّمِّ قَرَأَ الْجُمْهُور , وَفَتَحَ حَفْص الْوَاو بِغَيْرِ هَمْز. وَبِالسُّكُونِ قَرَأَ حَمْزَة وَبِهَمْزٍ فِي الْوَصْل وَيُبَدِّلهَا وَاوًا فِي الْوَقْف , وَمُرَاد أَبِي عُبَيْدَة أَنَّهَا لُغَات لَا قِرَاءَات نَعَمْ رُوِيَ فِي الشَّوَاذّ عَنْ سُلَيْمَان بْن عَلِيّ الْعَبَّاسِيّ أَنَّهُ قَرَأَ بِكَسْرٍ ثُمَّ مَدّ , وَرُوِيَ عَنْ نَافِع مِثْله لَكِنْ بِغَيْرِ مَدّ. وَمَعْنَى الْآيَة أَنَّهُ لَمْ يُمَاثِلهُ أَحَد وَلَمْ يُشَاكِلهُ , أَوْ الْمُرَاد نَفْي الْكَفَاءَة فِي النِّكَاح نَفْيًا لِلْمُصَاحَبَةِ , وَالْأَوَّل أَوْلَى , فَإِنَّ سِيَاق الْكَلَام لِنَفْيِ الْمُكَافَأَة عَنْ ذَاته تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4594",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏وَعَبْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏عَنْ الْمُعَوِّذَتَيْنِ ‏ ‏فَقَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ قِيلَ لِي فَقُلْتُ فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَاصِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بَهْدَلَة. الْقَارِئ وَهُوَ اِبْن أَبِي النَّجُود. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَبْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي لُبَابَة بِمُوَحَّدَتَيْنِ الثَّانِيَة خَفِيفَة وَضَمّ أَوَّله. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلْت أُبَيَّ بْن كَعْب ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي تَفْسِير السُّورَة الَّتِي بَعْدهَا بِأَتَمّ مِنْ هَذَا السِّيَاق وَيُشْرَح ثَمَّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4595",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ‏ ‏ح ‏ ‏وَحَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زِرٍّ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا الْمُنْذِرِ ‏ ‏إِنَّ أَخَاكَ ‏ ‏ابْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏يَقُولُ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ ‏ ‏أُبَيٌّ ‏ ‏سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لِي قِيلَ لِي فَقُلْتُ قَالَ فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْن أَبِي لُبَابَة عَنْ زِرّ بْن حُبَيْشٍ , وَحَدَّثَنَا عَاصِم عَنْ زِرّ ) ‏ ‏الْقَائِل \" وَحَدَّثَنَا عَاصِم \" هُوَ سُفْيَان , وَكَأَنَّهُ كَانَ يَجْمَعهُمَا تَارَة وَيُفْرِدهُمَا أُخْرَى وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ التَّصْرِيح بِسَمَاعِ عَبْدَة وَعَاصِم لَهُ مِنْ زِرّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلْت أُبَيَّ بْن كَعْب قُلْت أَبَا الْمُنْذِر ) ‏ ‏هِيَ كُنْيَة أُبَيِّ بْن كَعْب , وَلَهُ كُنْيَة أُخْرَى أَبُو الطُّفَيْل. ‏ ‏قَوْله : ( يَقُول كَذَا وَكَذَا ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ هَذَا اللَّفْظ مُبْهَمًا , وَكَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة أَبْهَمَهُ اِسْتِعْظَامًا لَهُ. وَأَظُنّ ذَلِكَ مِنْ سُفْيَان فَإِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عَبْد الْجَبَّار بْن الْعَلَاء عَنْ سُفْيَان كَذَلِكَ عَلَى الْإِبْهَام , كُنْت أَظُنّ أَوَّلًا أَنَّ الَّذِي أَبْهَمَهُ الْبُخَارِيّ لِأَنَّنِي رَأَيْت التَّصْرِيح بِهِ فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ سُفْيَان وَلَفْظه \" قُلْت لِأَبِي إِنَّ أَخَاك يَحُكّهَا مِنْ الْمُصْحَف \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان وَمِنْ طَرِيقه أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" وَكَأَنَّ سُفْيَان كَانَ تَارَة يُصَرِّح بِذَلِكَ وَتَارَة يُبْهِمهُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا وَابْن حِبَّان مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَاصِم بِلَفْظِ \" إِنَّ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود كَانَ لَا يَكْتُب الْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي مُصْحَفه \" وَأَخْرَجَ أَحْمَد عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ عَاصِم بِلَفْظِ \" إِنَّ عَبْد اللَّه يَقُول فِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ \" وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ إِبْهَام , وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي زِيَادَات الْمُسْنَد وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد النَّخَعِيِّ قَالَ \" كَانَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَحُكّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفه وَيَقُول إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَاب اللَّه. قَالَ الْأَعْمَش : وَقَدْ حَدَّثَنَا عَاصِم عَنْ زِرّ عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث قُتَيْبَة الَّذِي فِي الْبَاب الْمَاضِي , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَفِي آخِره يَقُول \" إِنَّمَا أُمِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَعَوَّذ بِهِمَا \" قَالَ الْبَزَّار. وَلَمْ يُتَابِع اِبْن مَسْعُود عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَة. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَرَأَهُمَا فِي الصَّلَاة. ‏ ‏قُلْت : هُوَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر وَزَادَ فِيهِ اِبْن حِبَّان مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر \" فَإِنْ اِسْتَطَعْت أَنْ لَا تَفُوتك قِرَاءَتهمَا فِي صَلَاة فَافْعَلْ \" وَأَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي الْعَلَاء بْن الشِّخِّيرِ عَنْ رَجُل مِنْ الصَّحَابَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَهُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَقَالَ لَهُ : إِذَا أَنْتَ صَلَّيْت فَاقْرَأْ بِهِمَا \" وَإِسْنَاده صَحِيح وَلِسَعِيدِ بْن مَنْصُور مِنْ حَدِيث مُعَاذ بْن جَبَل \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الصُّبْح فَقَرَأَ فِيهِمَا بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ \" وَقَدْ تَأَوَّلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر الْبَاقِلَّانِيّ فِي كِتَاب \" الِانْتِصَار \" وَتَبِعَهُ عِيَاض وَغَيْره مَا حُكِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود فَقَالَ : لَمْ يُنْكِر اِبْن مَسْعُود كَوْنهمَا مِنْ الْقُرْآن وَإِنَّمَا أَنْكَرَ إِثْبَاتهمَا فِي الْمُصْحَف , فَإِنَّهُ كَانَ يَرَى أَنْ لَا يَكْتُب فِي الْمُصْحَف شَيْئًا إِلَّا إِنْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ فِي كِتَابَته فِيهِ , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ الْإِذْن فِي ذَلِكَ , قَالَ : فَهَذَا تَأْوِيل مِنْهُ وَلَيْسَ جَحْدًا لِكَوْنِهِمَا قُرْآنًا. وَهُوَ تَأْوِيل حَسَن إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة الَّتِي ذَكَرْتهَا تَدْفَع ذَلِكَ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا : وَيَقُول إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَاب اللَّه. نَعَمْ يُمْكِن حَمْل لَفْظ كِتَاب اللَّه عَلَى الْمُصْحَف فَيَتَمَشَّى التَّأْوِيل الْمَذْكُور. وَقَالَ غَيْر الْقَاضِي : لَمْ يَكُنْ اِخْتِلَاف اِبْن مَسْعُود مَعَ غَيْره فِي قُرْآنِيَّتهمَا , وَإِنَّمَا كَانَ فِي صِفَة مِنْ صِفَاتهمَا اِنْتَهَى. وَغَايَة مَا فِي هَذَا أَنَّهُ أَبْهَمَ مَا بَيَّنَهُ الْقَاضِي. وَمَنْ تَأَمَّلَ سِيَاق الطُّرُق الَّتِي أَوْرَدْتهَا لِلْحَدِيثِ اِسْتَبْعَدَ هَذَا الْجَمْع. وَأَمَّا قَوْل النَّوَوِيّ فِي شَرْح الْمُهَذَّب : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَالْفَاتِحَة مِنْ الْقُرْآن , وَأَنَّ مَنْ جَحَدَ مِنْهُمَا شَيْئًا كَفَرَ , وَمَا نُقِلَ عَنْ اِبْن مَسْعُود بَاطِل لَيْسَ بِصَحِيحٍ , فَفِيهِ نَظَر , وَقَدْ سَبَقَهُ لِنَحْوِ ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّد بْن حَزْم فَقَالَ فِي أَوَائِل \" الْمُحَلَّى \" : مَا نُقِلَ عَنْ اِبْن مَسْعُود مِنْ إِنْكَار قُرْآنِيَّة الْمُعَوِّذَتَيْنِ فَهُوَ كَذِب بَاطِل. وَكَذَا قَالَ الْفَخْر الرَّازِيَُّ فِي أَوَائِل تَفْسِيره : الْأَغْلَب عَلَى الظَّنّ أَنَّ هَذَا النَّقْل عَنْ اِبْن مَسْعُود كَذِب بَاطِل. وَالطَّعْن فِي الرِّوَايَات الصَّحِيحَة بِغَيْرِ مُسْتَنَد لَا يُقْبَل , بَلْ الرِّوَايَة صَحِيحَة وَالتَّأْوِيل مُحْتَمَل , وَالْإِجْمَاع الَّذِي نَقَلَهُ إِنْ أَرَادَ شُمُوله لِكُلِّ عَصْر فَهُوَ مَخْدُوش , وَإِنْ أَرَادَ اِسْتِقْرَاره فَهُوَ مَقْبُول. وَقَدْ قَالَ اِبْن الصَّبَّاغ فِي الْكَلَام عَلَى مَانِعِي الزَّكَاة : وَإِنَّمَا قَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْر عَلَى مَنْع الزَّكَاة وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِذَلِكَ , وَإِنَّمَا لَمْ يَكْفُرُوا لِأَنَّ الْإِجْمَاع لَمْ يَكُنْ يَسْتَقِرّ. قَالَ : وَنَحْنُ الْآن نُكَفِّر مَنْ جَحَدَهَا. قَالَ : وَكَذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْ اِبْن مَسْعُود فِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ , يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَثْبُت عِنْده الْقَطْع بِذَلِكَ , ثُمَّ حَصَلَ الِاتِّفَاق بَعْد ذَلِكَ. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ هَذَا الْمَوْضِع الْفَخْرُ الرَّازِيَُّ فَقَالَ : إِنْ قُلْنَا إِنَّ كَوْنهمَا مِنْ الْقُرْآن كَانَ مُتَوَاتِرًا فِي عَصْر اِبْن مَسْعُود لَزِمَ تَكْفِير مَنْ أَنْكَرَهَا , وَإِنْ قُلْنَا إِنَّ كَوْنهمَا مِنْ الْقُرْآن كَانَ لَمْ يَتَوَاتَر فِي عَصْر اِبْن مَسْعُود لَزِمَ أَنَّ بَعْض الْقُرْآن لَمْ يَتَوَاتَر. قَالَ : وَهَذِهِ عُقْدَة صَعْبَة. وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ مُتَوَاتِرًا فِي عَصْر اِبْن مَسْعُود لَكِنْ لَمْ يَتَوَاتَر عِنْد اِبْن مَسْعُود فَانْحَلَّتْ الْعُقْدَة بِعَوْنِ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قِيلَ لِي قُلْ , فَقُلْت. قَالَ فَنَحْنُ نَقُول كَمَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏الْقَائِل فَنَحْنُ نَقُول إِلَخْ هُوَ أُبَيّ بْن كَعْب. وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَط أَنَّ اِبْن مَسْعُود أَيْضًا قَالَ مِثْل ذَلِكَ , لَكِنْ الْمَشْهُور أَنَّهُ مِنْ قَوْل أُبَيّ بْن كَعْب فَلَعَلَّهُ اِنْقَلَبَ عَلَى رَاوِيه. وَلَيْسَ فِي جَوَاب أُبَيٍّ تَصْرِيح بِالْمُرَادِ , إِلَّا أَنَّ فِي الْإِجْمَاع عَلَى كَوْنهمَا مِنْ الْقُرْآن غُنْيَة عَنْ تَكَلُّف الْأَسَانِيد بِأَخْبَارِ الْآحَاد , وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ. ‏ ‏( خَاتِمَة ) ‏ ‏: اِشْتَمَلَ كِتَاب التَّفْسِير عَلَى خَمْسمِائَةِ حَدِيث وَثَمَانِيَة وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة وَمَا فِي حُكْمهَا , الْمَوْصُول مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعمِائَةِ حَدِيث وَخَمْسَة وَسِتُّونَ حَدِيثًا وَالْبَقِيَّة مُعَلَّقَة وَمَا فِي مَعْنَاهُ , الْمُكَرَّر مِنْ ذَلِكَ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى أَرْبَعمِائَةِ وَثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا , وَالْخَالِص مِنْهَا مِائَة حَدِيث وَحَدِيث , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيج بَعْضهَا وَلَمْ يُخَرِّج أَكْثَرهَا لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ ظَاهِرَة فِي الرَّفْع , وَالْكَثِير مِنْهَا مِنْ تَفَاسِير اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمَا وَهِيَ سِتَّة وَسِتُّونَ حَدِيثًا : حَدِيث أَبِي سَعِيد بْن الْمُعَلَّى فِي الْفَاتِحَة , وَحَدِيث عُمَر \" أُبَيّ أَقْرَؤُنَا \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَذَّبَنِي اِبْن آدَم \" وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَا تُصَدِّقُوا أَهْل الْكِتَاب \" وَحَدِيث أَنَس \" لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ غَيْرِي \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل الْقِصَاص \" وَحَدِيثه فِي تَفْسِير ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي ذَلِكَ , وَحَدِيث الْبَرَاء \" لَمَّا نَزَلَ رَمَضَان كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاء \" وَحَدِيث حُذَيْفَة فِي تَفْسِير ( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) , وَحَدِيث مَعْقِل بْن يَسَار فِي نُزُول ( وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ) , وَحَدِيث عُثْمَان فِي نُزُول ( وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذْرُونَ أَزْوَاجًا ) , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِيرهَا , وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجهَا , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر فِي \" أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ \" وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي ( وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ) , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي ( حَسْبُنَا اللَّهُ ) , وَحَدِيث \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه يَعْفُونَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ \" الْحَدِيث , وَوَقَعَ فِي آخِر حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد فِي قِصَّة عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَانَ الْمَال لِلْوَلَدِ \" وَحَدِيثه \" كَانَ إِذَا مَاتَ الرَّجُل كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقّ بِامْرَأَتِهِ \" وَحَدِيثه فِي ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) وَحَدِيثه \" كُنْت أَنَا وَأُمِّي مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ \" , وَحَدِيثه فِي نُزُول ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) , وَحَدِيثه فِي نُزُول ( إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ ) , وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي يُونُس بْن مَتَّى , وَحَدِيث حُذَيْفَة فِي النِّفَاق , وَحَدِيث عَائِشَة فِي لَغْو الْيَمِين , وَحَدِيثهَا عَنْ أَبِيهَا فِي كَفَّارَة الْيَمِين. وَحَدِيث جَابِر فِي نُزُول ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ ) , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْأَشْرِبَة , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي نُزُول ( لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ ) , وَحَدِيث الْحُرّ بْن قَيْس مَعَ عُمَر فِي قَوْله ( خُذْ الْعَفْوَ ) , وَحَدِيث اِبْن الزُّبَيْر فِي تَفْسِيرهَا , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِير ( الصُّمُّ الْبُكْمُ ) , وَحَدِيثه فِي تَفْسِير ( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ ) وَحَدِيث حُذَيْفَة \" مَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَاب هَذِهِ الْآيَة إِلَّا ثَلَاثَة , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّته مَعَ اِبْن الزُّبَيْر وَفِيهِ ذِكْر أَبِي بَكْر فِي الْغَار , وَحَدِيثه فِي تَفْسِير ( يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ) , وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي ( هَيْت لَك ) وَ ( بَلْ عَجِبْت ) , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي صِفَة مُسْتَرْقِي السَّمْع , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِير ( عِضِينَ ) , وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي \" الْكَهْف وَمَرْيَم مِنْ تِلَادِي \" , وَحَدِيثه \" كُنَّا نَقُول لِلْحَيِّ إِذَا كَثُرُوا \" , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِير ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا ) , وَحَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص فِي ( الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ) , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِير ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ) , وَحَدِيث عَائِشَة فِي نُزُول ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ ) , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي ( لَرَادّك إِلَى مَعَاد ) , وَحَدِيث أَبِي سَعِيد فِي الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي جَوَاب \" إِنِّي أَجِد فِي الْقُرْآن أَشْيَاء تَخْتَلِف عَلَيَّ \" وَحَدِيث عَائِشَة فِي تَفْسِير ( وَاَلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفّ لَكُمَا ) , وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل فِي الْبَوْل فِي الْمُغْتَسَل , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِير ( أَدْبَار السُّجُود ) , وَحَدِيثه فِي تَفْسِير ( اللَّات ) , وَحَدِيث عَائِشَة فِي نُزُول ( بَلْ السَّاعَة مَوْعِدهمْ ) , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِير ( وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوفٍ ) , وَحَدِيث أَنَس عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم فِي فَضْل الْأَنْصَار , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِير ( عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) وَحَدِيثه فِي ذِكْر الْأَوْثَان الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْم نُوح , وَحَدِيثه فِي تَفْسِير ( تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ) , وَحَدِيثه فِي تَفْسِير ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) , وَحَدِيثه فِي تَفْسِير ( فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ) , وَحَدِيث عَائِشَة فِي تَفْسِير ذِكْر الْكَوْثَر , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِيره بِالْخَيْرِ الْكَثِير , وَحَدِيث أُبَيِّ بْن كَعْب فِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ خَمْسمِائَةِ وَثَمَانُونَ أَثَرًا تَقَدَّمَ بَعْضهَا فِي بَدْء الْخَلْق وَغَيْره , وَهِيَ قَلِيلَة , وَقَدْ بَيَّنْت كُلّ وَاحِد مِنْهَا فِي مَوْضِعهَا. وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏"
    },
    {
        "id": "4596",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَيْبَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَتْنِي ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏لَبِثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ‏ ‏وَبِالْمَدِينَةِ ‏ ‏عَشْرَ سِنِينَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثَا اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة مَعًا : ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ شَيْبَانَ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير , وَأَبُو سَلَمَة هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله : ( لَبِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة عَشْر سِنِينَ يَنْزِل عَلَيْهِ الْقُرْآن وَبِالْمَدِينَةِ عَشْر سِنِينَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ , وَلِغَيْرِهِ \" وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا \" بِإِبْهَامِ الْمَعْدُود , وَهَذَا ظَاهِره أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشَ سِتِّينَ سَنَة إِذَا اِنْضَمَّ إِلَى الْمَشْهُور أَنَّهُ بُعِثَ عَلَى رَأْس الْأَرْبَعِينَ , لَكِنْ يُمْكِن أَنْ يَكُون الرَّاوِي أَلْغَى الْكَسْر كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة , فَإِنَّ كُلّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ عَاشَ سِتِّينَ أَوْ أَكْثَر مِنْ ثَلَاث وَسِتِّينَ جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ , فَالْمُعْتَمَد أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ , وَمَا يُخَالِف ذَلِكَ إِمَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى إِلْغَاء الْكَسْر فِي السِّنِينَ , وَإِمَّا عَلَى جَبْر الْكَسْر فِي الشُّهُور , وَأَمَّا حَدِيث الْبَاب فَيُمْكِن أَنْ يُجْمَع بَيْنه وَبَيْن الْمَشْهُور بِوَجْهٍ آخَر , وَهُوَ أَنَّهُ بُعِثَ عَلَى رَأْس الْأَرْبَعِينَ , فَكَانَتْ مُدَّة وَحْي الْمَنَام سِتَّة أَشْهُر إِلَى أَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْمَلَك فِي شَهْر رَمَضَان مِنْ غَيْر فَتْرَة , ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْي , ثُمَّ تَوَاتَرَ وَتَتَابَعَ , فَكَانَتْ مُدَّة تَوَاتُره وَتَتَابُعه بِمَكَّة عَشْر سِنِينَ مِنْ غَيْر فَتْرَة , أَوْ أَنَّهُ عَلَى رَأْس الْأَرْبَعِينَ قُرِنَ بِهِ مِيكَائِيل أَوْ إِسْرَافِيل فَكَانَ يُلْقِي إِلَيْهِ الْكَلِمَة أَوْ الشَّيْء مُدَّة ثَلَاث سِنِينَ كَمَا جَاءَ مِنْ وَجْه مُرْسَل , ثُمَّ قُرِنَ بِهِ جِبْرِيل فَكَانَ يَنْزِل عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ مُدَّة عَشْر سِنِينَ بِمَكَّة. وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْحَدِيث مِمَّا يَتَعَلَّق بِالتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ نَزَلَ مُفَرَّقًا وَلَمْ يَنْزِل جُمْلَة وَاحِدَة , وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْد وَالْحَاكِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" أُنْزِلَ الْقُرْآن جُمْلَة وَاحِدَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فِي لَيْلَة الْقَدْر , ثُمَّ أُنْزِلَ بَعْد ذَلِكَ فِي عِشْرِينَ سَنَة وَقَرَأَ ( وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاس عَلَى مُكْثٍ ) الْآيَة \" وَفِي رِوَايَة لِلْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل \" فُرِّقَ فِي السِّنِينَ \" وَفِي أُخْرَى صَحِيحَة لِابْنِ أَبِي شَيْبَة وَالْحَاكِم أَيْضًا \" وُضِعَ فِي بَيْت الْعِزَّة فِي السَّمَاء الدُّنْيَا , فَجَعَلَ جِبْرِيل يَنْزِل بِهِ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَإِسْنَاده صَحِيح , وَوَقَعَ فِي \" الْمِنْهَاج لِلْحَلِيمِيّ \" : أَنَّ جِبْرِيل كَانَ يُنَزِّل مِنْهُ مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ فِي لَيْلَة الْقَدْر إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا قَدْر مَا يَنْزِل بِهِ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ السَّنَة إِلَى لَيْلَة الْقَدْر الَّتِي تَلِيهَا , إِلَى أَنْ أَنْزَلَهُ كُلّه فِي عِشْرِينَ لَيْلَة مِنْ عِشْرِينَ سَنَة مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا , وَهَذَا أَوْرَدَهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ مِنْ طَرِيق ضَعِيفَة وَمُنْقَطِعَة أَيْضًا وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ نَزَلَ جُمْلَة وَاحِدَة مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا ثُمَّ أُنْزِلَ بَعْد ذَلِكَ مُفَرَّقًا هُوَ الصَّحِيح الْمُعْتَمَد وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِير لَيْلَة الْقَدْر أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ جُمْلَة وَاحِدَة وَأَنَّ الْحَفَظَة نَجَّمَتْهُ عَلَى جِبْرِيل فِي عِشْرِينَ لَيْلَة وَأَنَّ جِبْرِيل نَجَّمَهُ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِشْرِينَ سَنَة , وَهَذَا أَيْضًا غَرِيب , وَالْمُعْتَمَد أَنَّ جِبْرِيل كَانَ يُعَارِض النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَان بِمَا يَنْزِل بِهِ عَلَيْهِ فِي طُول السَّنَة , كَذَا جَزَمَ بِهِ الشَّعْبِيّ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَنْهُ أَبُو عُبَيْد وَابْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي أَنَّ أَوَّل نُزُول جِبْرِيل بِالْقُرْآنِ كَانَ فِي شَهْر رَمَضَان , وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَاب أَنَّ جِبْرِيل كَانَ يُعَارِض النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقُرْآنِ فِي شَهْر رَمَضَان , وَفِي ذَلِكَ حِكْمَتَانِ : إِحْدَاهُمَا تَعَاهُده , وَالْأُخْرَى تَبْقِيَة مَا لَمْ يُنْسَخ مِنْهُ وَرَفْع مَا نُسِخَ , فَكَانَ رَمَضَان ظَرْفًا لِإِنْزَالِهِ جُمْلَة وَتَفْصِيلًا وَعَرْضًا وَأَحْكَامًا. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" عَنْ وَاثِلَة بْن الْأَسْقَع أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" أُنْزِلَتْ التَّوْرَاة لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَان , وَالْإِنْجِيل لِثَلَاثَ عَشْرَة خَلَتْ مِنْهُ , وَالزَّبُور لِثَمَانِ عَشْرَة خَلَتْ مِنْهُ , وَالْقُرْآن لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ شَهْر رَمَضَان \". وَهَذَا كُلّه مُطَابِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون لَيْلَة الْقَدْر فِي تِلْكَ السَّنَة كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَة , فَأُنْزِلَ فِيهَا جُمْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا , ثُمَّ أُنْزِلَ فِي الْيَوْم الرَّابِع وَالْعِشْرِينَ إِلَى الْأَرْض أَوَّل ( اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك ) وَيُسْتَفَاد مِنْ حَدِيث الْبَاب أَنَّ الْقُرْآن نَزَلَ كُلّه بِمَكَّة وَالْمَدِينَة خَاصَّة , وَهُوَ كَذَلِكَ , لَكِنْ نَزَلَ كَثِير مِنْهُ فِي غَيْر الْحَرَمَيْنِ حَيْثُ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَر حَجّ أَوْ عُمْرَة أَوْ غَزَاة , وَلَكِنْ الِاصْطِلَاح أَنَّ كُلّ مَا نَزَلَ قَبْل الْهِجْرَة فَهُوَ مَكِّيّ , وَمَا نَزَلَ بَعْد الْهِجْرَة فَهُوَ مَدَنِيّ , سَوَاء نَزَلَ فِي الْبَلَد حَال الْإِقَامَة أَوْ فِي غَيْرهَا حَال السَّفَر , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي \" بَاب تَأْلِيف الْقُرْآن \". ‏"
    },
    {
        "id": "4597",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ أُنْبِئْتُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعِنْدَهُ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏مَنْ هَذَا أَوْ كَمَا قَالَ قَالَتْ هَذَا ‏ ‏دِحْيَةُ ‏ ‏فَلَمَّا قَامَ قَالَتْ وَاللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُخْبِرُ خَبَرَ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏أَوْ كَمَا قَالَ قَالَ أَبِي قُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا قَالَ مِنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الْثالث : ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُعْتَمِر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أُنْبِئْت أَنَّ جِبْرِيل ) ‏ ‏فَاعِل \" قَالَ \" هُوَ أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أُنْبِئْت ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَقَدْ عَيَّنَهُ فِي آخِر الْحَدِيث. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي أَوَّله زِيَادَة حَذَفَهَا الْبُخَارِيّ عَمْدًا لِكَوْنِهَا مَوْقُوفَة وَلِعَدَمِ تَعَلُّقهَا بِالْبَابِ وَهِيَ : عَنْ أَبِي عُثْمَان عَنْ سَلْمَان قَالَ \" لَا تَكُونَنَّ إِنْ اِسْتَطَعْت أَوَّل مَنْ يَدْخُل السُّوق \" الْحَدِيث مَوْقُوف , وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْبَرْقَانِيّ فِي مُسْتَخْرَجه مِنْ طَرِيق عَاصِم عَنْ أَبِي عُثْمَان عَنْ سَلْمَان مَرْفُوعًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لِأُمِّ سَلَمَة : مَنْ هَذَا ) ‏ ‏؟ فَاعِل ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , اِسْتَفْهَمَ أُمّ سَلَمَة عَنْ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثهُ هَلْ فَطِنَتْ لِكَوْنِهِ مَلَكًا أَوْ لَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ كَمَا قَالَ ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ الرَّاوِي شَكَّ فِي اللَّفْظ مَعَ بَقَاء الْمَعْنَى فِي ذِهْنه , وَهَذِهِ الْكَلِمَة كَثُرَ اِسْتِعْمَال الْمُحَدِّثِينَ لَهَا فِي مِثْل ذَلِكَ. قَالَ الدَّاوُدِيّ هَذَا السُّؤَال إِنَّمَا وَقَعَ بَعْد ذَهَاب جِبْرِيل , وَظَاهِر سِيَاق الْحَدِيث يُخَالِفهُ. كَذَا قَالَ , وَلَمْ يَظْهَر لِي مَا اِدَّعَاهُ مِنْ الظُّهُور , بَلْ هُوَ مُحْتَمِل لِلْأَمْرَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ هَذَا دِحْيَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن خَلِيفَة الْكَلْبِيّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْره فِي حَدِيث أَبِي سُفْيَان الطَّوِيل فِي قِصَّة هِرَقْل أَوَّل الْكِتَاب , وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالْجَمَالِ , وَكَانَ جِبْرِيل يَأْتِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَالِبًا عَلَى صُورَته. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا قَامَ ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ قَامَ ذَاهِبًا إِلَى الْمَسْجِد , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْكِر عَلَيْهَا مَا ظَنَّتْهُ مِنْ أَنَّهُ دِحْيَة اِكْتِفَاء بِمَا سَيَقَعُ مِنْهُ فِي الْخُطْبَة مِمَّا يُوَضِّح لَهَا الْمَقْصُود. ‏ ‏قَوْله : ( مَا حَسِبْته إِلَّا إِيَّاهُ ) ‏ ‏هَذَا كَلَام أَبِي سَلَمَة , وَعِنْد مُسْلِم \" فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَة أَيْمَن اللَّه مَا حَسِبْته إِلَّا إِيَّاهُ \" وَأَيْمَن مِنْ حُرُوف الْقَسَم , وَفِيهَا لُغَات قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانهَا. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى سَمِعْت خُطْبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِر بِخَبَرِ جِبْرِيل أَوْ كَمَا قَالَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" يُخْبِرنَا خَبَرنَا \" وَهُوَ تَصْحِيف نَبَّهَ عَلَيْهِ عِيَاض , قَالَ النَّوَوِيّ : وَهُوَ الْمَوْجُود فِي نُسَخ بِلَادنَا. ‏ ‏قُلْت : وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيث فِي شَيْء مِنْ الْمَسَانِيد إِلَّا مِنْ هَذَا الطَّرِيق فَهُوَ مِنْ غَرَائِب الصَّحِيح. وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات عَلَى بَيَان هَذَا الْخَبَر فِي أَيّ قِصَّة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فِي قِصَّة بَنِي قُرَيْظَة , فَقَدْ وَقَعَ فِي \" دَلَائِل الْبَيْهَقِيِّ \" وَفِي \" الْغَيْلَانِيَّات \" مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ أَبِيهِ \" عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا رَأَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَلِّم رَجُلًا وَهُوَ رَاكِب , فَلَمَّا دَخَلَ قُلْت : مَنْ هَذَا الَّذِي كُنْت تُكَلِّمهُ , قَالَ : بِمَنْ تُشَبِّهِينَهُ ؟ قُلْت : بِدِحْيَةَ بْن خَلِيفَة , قَالَ : ذَاكَ جِبْرِيل أَمَرَنِي أَنْ أَمْضِي إِلَى بَنِي قُرَيْظَة \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة الْخَفِيفَة , وَالْقَائِل هُوَ مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , وَقَوْله \" فَقُلْت لِأَبِي عُثْمَان , أَيْ النَّهْدِيّ الَّذِي حَدَّثَهُ بِالْحَدِيثِ , وَقَوْله \" مِمَّنْ سَمِعْت هَذَا ؟ قَالَ مِنْ أُسَامَة بْن زَيْد \" فِيهِ الِاسْتِفْسَار عَنْ اِسْم مِنْ أُبْهِمَ مِنْ الرُّوَاة وَلَوْ كَانَ الَّذِي أُبْهِمَ ثِقَة مُعْتَمَدًا , وَفَائِدَته اِحْتِمَال أَنْ لَا يَكُون عِنْد السَّامِع كَذَلِكَ , فَفِي بَيَانه رَفْع لِهَذَا الِاحْتِمَال , قَالَ عِيَاض وَغَيْره : وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ لِلْمَلَكِ أَنْ يَتَصَوَّر عَلَى صُورَة الْآدَمِيّ. وَأَنَّ لَهُ هُوَ فِي ذَاته صُورَة لَا يَسْتَطِيع الْآدَمِيّ أَنْ يَرَاهُ فِيهَا لِضَعْفِ الْقُوَى الْبَشَرِيَّة إِلَّا مَنْ يَشَاء اللَّه أَنْ يُقَوِّيه عَلَى ذَلِكَ , وَلِهَذَا كَانَ غَالِب مَا يَأْتِي جِبْرِيل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صُورَة الرَّجُل كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي \" وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّل لِي الْمَلَك رَجُلًا \" وَلَمْ يَرَ جِبْرِيل عَلَى صُورَته الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا إِلَّا مَرَّتَيْنِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّن وَجْه دُخُول حَدِيث أُسَامَة هَذَا فِي هَذَا الْبَاب. قَالُوا وُفِيَهُ فَضِيلَة لِأُمِّ سَلَمَة وَلِدِحْيَةَ , وَفِيهِ نَظَر , لِأَنَّ أَكْثَر الصَّحَابَة رَأَوْا جِبْرِيل فِي صُورَة الرَّجُل لَمَّا جَاءَ فَسَأَلَهُ عَنْ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَالْإِحْسَان , وَلِأَنَّ اِتِّفَاق الشَّبَه لَا يَسْتَلْزِم إِثْبَات فَضِيلَة مَعْنَوِيَّة , وَغَايَته أَنْ يَكُون لَهُ مَزِيَّة فِي حُسْن الصُّورَة حَسْب , وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ قَطَن حِين قَالَ إِنَّ الدَّجَّال أَشْبَه النَّاس بِهِ فَقَالَ \" أَيَضُرُّنِي شَبَهه ؟ قَالَ : لَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "4598",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الرَّابِع : ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو سَعِيد الْمَقْبُرِيُّ كَيْسَانُ , وَقَدْ سَمِعَ سَعِيد الْمَقْبُرِيُّ الْكَثِير مِنْ أَبِي هُرَيْرَة وَسَمِعَ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَوَقَعَ الْأَمْرَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَهُوَ دَالّ عَلَى تَثَبُّت سَعِيد وَتَحَرِّيه. ‏ ‏قَوْله : ( مَا مِنْ الْأَنْبِيَاء نَبِيّ إِلَّا أُعْطِيَ ) ‏ ‏هَذَا دَالّ عَلَى أَنَّ النَّبِيّ لَا بُدّ لَهُ مِنْ مُعْجِزَة تَقْتَضِي إِيمَان مَنْ شَاهَدَهَا بِصِدْقِهِ , وَلَا يَضُرّهُ مَنْ أَصَرَّ عَلَى الْمُعَانَدَة. ( مِنْ الْآيَات ) أَيْ الْمُعْجِزَات الْخَوَارِق. ‏ ‏قَوْله : ( مَا مِثْله آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَر ) ‏ ‏مَا مَوْصُولَة وَقَعَتْ مَفْعُولًا ثَانِيًا لِأُعْطِيَ , وَمِثْله مُبْتَدَأ , وَآمَنَ خَبَره , وَالْمِثْل يُطْلَق وَيُرَاد بِهِ عَيْن الشَّيْء وَمَا يُسَاوِيه , وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلّ نَبِيّ أُعْطِيَ آيَة أَوْ أَكْثَر مِنْ شَأْن مَنْ يُشَاهِدهَا مِنْ الْبَشَر أَنْ يُؤْمِن بِهِ لِأَجْلِهَا , وَعَلَيْهِ بِمَعْنَى اللَّام أَوْ الْبَاء الْمُوَحَّدَة , وَالنُّكْتَة فِي التَّعْبِير بِهَا تَضَمُّنهَا مَعْنَى الْغَلَبَة , أَيْ يُؤْمِن بِذَلِكَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع دَفْعه عَنْ نَفْسه , لَكِنْ قَدْ يَجْحَد فَيُعَانِد , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا ) وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الرَّاجِع إِلَى الْمَوْصُول ضَمِير الْمَجْرُور فِي عَلَيْهِ وَهُوَ حَال , أَيْ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ فِي التَّحَدِّي , وَالْمُرَاد بِالْآيَاتِ الْمُعْجِزَات وَمَوْقِع الْمِثْل مَوْقِعه مِنْ قَوْله : ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ) أَيْ عَلَى صِفَته مِنْ الْبَيَان وَعُلُوّ الطَّبَقَة فِي الْبَلَاغَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏: قَوْله \" آمَنَ \" وَقَعَ فِي رِوَايَة حَكَاهَا اِبْن قُرْقُول \" أُومِنَ \" بِضَمِّ الْهَمْزَة ثُمَّ وَاو وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الِاعْتِصَام قَالَ وَكَتَبَهَا بَعْضهمْ بِالْيَاءِ الْأَخِيرَة بَدَل الْوَاو وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ \" أَمِنَ \" بِغَيْرِ مَدّ مِنْ الْأَمَان , وَالْأَوَّل هُوَ الْمَعْرُوف. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيته وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّه إِلَيَّ ) ‏ ‏أَيْ إِنَّ مُعْجِزَتِي الَّتِي تَحَدَّيْت بِهَا الْوَحْيُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيَّ وَهُوَ الْقُرْآن لِمَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِعْجَاز الْوَاضِح , وَلَيْسَ الْمُرَاد حَصْر مُعْجِزَاته فِيهِ وَلَا أَنَّهُ لَمْ يُؤْتَ مِنْ الْمُعْجِزَات مَا أُوتِيَ مَنْ تَقَدَّمَهُ , بَلْ الْمُرَاد أَنَّهُ الْمُعْجِزَة الْعُظْمَى الَّتِي اُخْتُصَّ بِهَا دُون غَيْره , لِأَنَّ كُلّ نَبِيّ أُعْطِيَ مُعْجِزَة خَاصَّة بِهِ لَمْ يُعْطَهَا بِعَيْنِهَا غَيْره تَحَدَّى بِهَا قَوْمه , وَكَانَتْ مُعْجِزَة كُلّ نَبِيّ تَقَع مُنَاسِبَة لِحَالِ قَوْمه كَمَا كَانَ السِّحْر فَاشِيًا عِنْد فِرْعَوْن فَجَاءَهُ مُوسَى بِالْعَصَا عَلَى صُورَة مَا يَصْنَع السَّحَرَة لَكِنَّهَا تَلَقَّفَتْ مَا صَنَعُوا , وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ بِعَيْنِهِ لِغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ إِحْيَاء عِيسَى الْمَوْتَى وَإِبْرَاء الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص لِكَوْنِ الْأَطِبَّاء وَالْحُكَمَاء كَانُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَان فِي غَايَة الظُّهُور , فَأَتَاهُمْ مِنْ جِنْس عَمَلهمْ بِمَا لَمْ تَصِل قُدْرَتهمْ إِلَيْهِ , وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْعَرَب الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَايَة مِنْ الْبَلَاغَة جَاءَهُمْ بِالْقُرْآنِ الَّذِي تَحَدَّاهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْله فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّ الْقُرْآن لَيْسَ لَهُ مِثْل لَا صُورَة وَلَا حَقِيقَة , بِخِلَافِ غَيْره مِنْ الْمُعْجِزَات فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ مِثْل. وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّ كُلّ نَبِيّ أُعْطِيَ مِنْ الْمُعْجِزَات مَا كَانَ مِثْله لِمَنْ كَانَ قَبْله صُورَة أَوْ حَقِيقَة , وَالْقُرْآن لَمْ يُؤْتَ أَحَد قَبْله مِثْله , فَلِهَذَا أَرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ \" فَأَرْجُو أَنْ أَكُون أَكْثَرهمْ تَابِعًا \". وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّ الَّذِي أُوتِيته لَا يَتَطَرَّق إِلَيْهِ تَخْيِيل , وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام مُعْجِز لَا يَقْدِر أَحَد أَنْ يَأْتِي بِمَا يَتَخَيَّل مِنْهُ التَّشْبِيه بِهِ , بِخِلَافِ غَيْره فَإِنَّهُ قَدْ يَقَع فِي مُعْجِزَاتهمْ مَا يَقْدِر السَّاحِر أَنْ يُخَيِّل شَبَهه فَيَحْتَاج مَنْ يُمَيِّز بَيْنهمَا إِلَى نَظَر , وَالنَّظَر عُرْضَة لِلْخَطَأِ , فَقَدْ يُخْطِئ النَّاظِر فَيَظُنّ تَسَاوِيهِمَا. وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّ مُعْجِزَات الْأَنْبِيَاء اِنْقَرَضَتْ بِانْقِرَاضِ أَعْصَارهمْ فَلَمْ يُشَاهِدهَا إِلَّا مَنْ حَضَرَهَا , وَمُعْجِزَة الْقُرْآن مُسْتَمِرَّة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَخَرْقه لِلْعَادَةِ فِي أُسْلُوبه وَبَلَاغَته وَإِخْبَاره بِالْمَغِيبَاتِ , فَلَا يَمُرّ عَصْر مِنْ الْأَعْصَار إِلَّا وَيَظْهَر فِيهِ شَيْء مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ أَنَّهُ سَيَكُونُ يَدُلّ عَلَى صِحَّة دَعْوَاهُ , وَهَذَا أَقْوَى الْمُحْتَمَلَات , وَتَكْمِيله فِي الَّذِي بَعْده. وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُعْجِزَات الْمَاضِيَة كَانَتْ حِسِّيَّة تُشَاهَد بِالْأَبْصَارِ كَنَاقَةِ صَالِح وَعَصَا مُوسَى , وَمُعْجِزَة الْقُرْآن تُشَاهَد بِالْبَصِيرَةِ فَيَكُون مَنْ يَتْبَعهُ لِأَجْلِهَا أَكْثَر , لِأَنَّ الَّذِي يُشَاهَد بِعَيْنِ الرَّأْس يَنْقَرِض بِانْقِرَاضِ مُشَاهِده , وَاَلَّذِي يُشَاهَد بِعَيْنِ الْعَقْل بَاقٍ يُشَاهِدهُ كُلّ مَنْ جَاءَ بَعْد الْأَوَّل مُسْتَمِرًّا. ‏ ‏قُلْت : وَيُمْكِن نَظْم هَذِهِ الْأَقْوَال كُلّهَا فِي كَلَام وَاحِد ; فَإِنَّ مُحَصَّلهَا لَا يُنَافِي بَعْضه بَعْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَرْجُو أَنْ أَكُون أَكْثَرهمْ تَابِعًا يَوْم الْقِيَامَة ) ‏ ‏رَتَّبَ هَذَا الْكَلَام عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مُعْجِزَة الْقُرْآن الْمُسْتَمِرَّة لِكَثْرَةِ فَائِدَته وَعُمُوم نَفْعه , لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الدَّعْوَة وَالْحُجَّة وَالْإِخْبَار بِمَا سَيَكُونُ , فَعَمَّ نَفْعه مَنْ حَضَرَ وَمَنْ غَابَ وَمَنْ وُجِدَ وَمَنْ سَيُوجَدُ , فَحَسُنَ تَرْتِيب الرَّجْوَى الْمَذْكُورَة عَلَى ذَلِكَ , وَهَذِهِ الرَّجْوَى قَدْ تَحَقَّقَتْ , فَإِنَّهُ أَكْثَر الْأَنْبِيَاء تَبَعًا , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَتَعَلَّقَ هَذَا الْحَدِيث بِالتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّ الْقُرْآن إِنَّمَا نَزَلَ بِالْوَحْيِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الْمَلَك لَا بِالْمَنَامِ وَلَا بِالْإِلْهَامِ. وَقَدْ جَمَعَ بَعْضهمْ إِعْجَاز الْقُرْآن فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء : أَحَدهَا حُسْن تَأْلِيفه وَالْتِئَام كَلِمه مَعَ الْإِيجَاز وَالْبَلَاغَة , ثَانِيهَا صُورَة سِيَاقه وَأُسْلُوبه الْمُخَالِف لِأَسَالِيب كَلَام أَهْل الْبَلَاغَة مِنْ الْعَرَب نَظْمًا وَنَثْرًا حَتَّى حَارَتْ فِيهِ عُقُولهمْ وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى الْإِتْيَان بِشَيْءٍ مِثْله مَعَ تَوَفُّر دَوَاعِيهمْ عَلَى تَحْصِيل ذَلِكَ وَتَقْرِيعه لَهُمْ عَلَى الْعَجْز عَنْهُ , ثَالِثهَا مَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِخْبَار عَمَّا مَضَى مِنْ أَحْوَال الْأُمَم السَّالِفَة وَالشَّرَائِع الدَّاثِرَة مِمَّا كَانَ لَا يَعْلَم مِنْهُ بَعْضه إِلَّا النَّادِر مِنْ أَهْل الْكِتَاب , رَابِعهَا الْإِخْبَار بِمَا سَيَأْتِي مِنْ الْكَوَائِن الَّتِي وَقَعَ بَعْضهَا فِي الْعَصْر النَّبَوِيّ وَبَعْضهَا بَعْده. وَمِنْ غَيْر هَذِهِ الْأَرْبَعَة آيَات وَرَدَتْ بِتَعْجِيزِ قَوْم فِي قَضَايَا أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَهَا فَعَجَزُوا عَنْهَا مَعَ تَوَفُّر دَوَاعِيهمْ عَلَى تَكْذِيبه , كَتَمَنِّي الْيَهُود الْمَوْت , وَمِنْهَا الرَّوْعَة الَّتِي تَحْصُل لِسَامِعِهِ , وَمِنْهَا أَنَّ قَارِئَهُ لَا يَمَلّ مِنْ تَرْدَاده وَسَامِعه لَا يَمُجّهُ وَلَا يَزْدَاد بِكَثْرَةِ التَّكْرَار إِلَّا طَرَاوَة وَلَذَاذَة. وَمِنْهَا أَنَّهُ آيَة بَاقِيَة لَا تُعْدَم مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا , وَمِنْهَا جَمْعه لِعُلُومِ وَمَعَارِف لَا تَنْقَضِي عَجَائِبهَا وَلَا تَنْتَهِي فَوَائِدهَا. ا ه مُلَخَّصًا مِنْ كَلَام عِيَاض , وَغَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "4599",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَابَعَ عَلَى رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَحْيَ قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تَوَفَّاهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ الْوَحْيُ ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدُ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الّخَامِس : ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ النَّاقِد , وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \". وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ عَمْرو بْن مُحَمَّد النَّاقِد وَغَيْره عَنْ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم. وَوَقَعَ فِي الْأَطْرَاف لِخَلَفٍ \" حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ الْفَلَّاسُ \" وَرَأَيْت فِي نُسْخَة مُعْتَمَدَة مِنْ رِوَايَة النَّسَفِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ \" حَدَّثَنَا عَمْرو بْن خَالِد \" وَأَظُنّهُ تَصْحِيفًا , وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد , فَإِنَّ الثَّلَاثَة وَإِنْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , لَكِنْ النَّاقِد أَخَصّ مِنْ غَيْره بِالرِّوَايَةِ عَنْ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد , وَرِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ اِبْن شِهَاب مِنْ رِوَايَة الْأَقْرَان , بَلْ صَالِح بْن كَيْسَانَ أَكْبَر سِنًّا مِنْ اِبْن شِهَاب وَأَقْدَم سَمَاعًا , وَإِبْرَاهِيم بْن سَعْد قَدْ سَمِعَ مِنْ اِبْن شِهَاب كَمَا سَيَأْتِي تَصْرِيحه بِتَحْدِيثِهِ لَهُ فِي الْحَدِيث الْآتِي بَعْد بَاب وَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّه تَابَعَ عَلَى رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل وَفَاته ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" إِنَّ اللَّه تَابَعَ عَلَى رَسُوله الْوَحْي قَبْل وَفَاته \" أَيْ أَكْثَرَ إِنْزَاله قُرْب وَفَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالسِّرّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوُفُود بَعْد فَتْح مَكَّة كَثُرُوا وَكَثُرَ سُؤَالهمْ عَنْ الْأَحْكَام فَكَثُرَ النُّزُول بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَوَقَعَ لِي سَبَب تَحْدِيث أَنَس بِذَلِكَ مِنْ رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ الْإِمَامِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" سَأَلْت أَنَس بْن مَالِك : هَلْ فَتَرَ الْوَحْي عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يَمُوت ؟ قَالَ : أَكْثَر مَا كَانَ وَأَجَمّه \" أَوْرَدَهُ اِبْن يُونُس فِي \" تَارِيخ مِصْر \" فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بْن سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَوَفَّاهُ أَكْثَر مَا كَانَ الْوَحْي ) ‏ ‏أَيْ الزَّمَان الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ وَفَاته كَانَ نُزُول الْوَحْي فِيهِ أَكْثَر مِنْ غَيْره مِنْ الْأَزْمِنَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد ) ‏ ‏فِيهِ إِظْهَار مَا تَضَمَّنَتْهُ الْغَايَة فِي قَوْله \" حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّه \" , وَهَذَا الَّذِي وَقَعَ أَخِيرًا عَلَى خِلَاف مَا وَقَعَ أَوَّلًا , فَإِنَّ الْوَحْي فِي أَوَّل الْبَعْثَة فَتَرَ فَتْرَة ثُمَّ كَثُرَ , وَفِي أَثْنَاء النُّزُول بِمَكَّة لَمْ يَنْزِل مِنْ السُّوَر الطِّوَال إِلَّا الْقَلِيل , مِمَّا بَعْد الْهِجْرَة نَزَلَتْ السُّوَر الطِّوَال الْمُشْتَمِلَة عَلَى غَالِب الْأَحْكَام , إِلَّا أَنَّهُ كَانَ الزَّمَن الْأَخِير مِنْ الْحَيَاة النَّبَوِيَّة أَكْثَر الْأَزْمِنَة نُزُولًا بِالسَّبَبِ الْمُتَقَدِّم , وَبِهَذَا تَظْهَر مُنَاسَبَة هَذَا الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ لِتَضَمُّنِهِ الْإِشَارَة إِلَى كَيْفِيَّة النُّزُول. ‏"
    },
    {
        "id": "4600",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جُنْدَبًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اشْتَكَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ فَأَتَتْهُ ‏ ‏امْرَأَةٌ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏مَا أُرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا ‏ ‏سَجَى ‏ ‏مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا ‏ ‏قَلَى ‏ }",
        "sharh": "الْحَدِيث الْسَّادِس : ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث قَرِيبًا فِي سُورَة وَالضُّحَى , وَوَجْه إِيرَاده فِي هَذَا الْبَاب الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ تَأْخِير النُّزُول أَحْيَانًا إِنَّمَا كَانَ يَقَع لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ لَا لِقَصْدِ تَرْكه أَصْلًا , فَكَانَ نُزُوله عَلَى أَنْحَاء شَتَّى : تَارَة يَتَتَابَع , وَتَارَة يَتَرَاخَى. وَفِي إِنْزَاله مُفَرَّقًا وُجُوه مِنْ الْحِكْمَة : مِنْهَا تَسْهِيل حِفْظه لِأَنَّهُ لَوْ نَزَلَ جُمْلَة وَاحِدَة عَلَى أُمَّة أُمِّيَّة لَا يَقْرَأ غَالِبهمْ وَلَا يَكْتُب لَشَقَّ عَلَيْهِمْ حِفْظه. وَأَشَارَ سُبْحَانه وَتَعَالَى إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ رَدًّا عَلَى الْكُفَّار ( وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً , كَذَلِكَ - أَيْ أَنْزَلْنَاهُ مُفَرَّقًا - لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَك ) وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ). وَمِنْهَا مَا يَسْتَلْزِمهُ مِنْ الشَّرَف لَهُ وَالْعِنَايَة بِهِ لِكَثْرَةِ تَرَدُّد رَسُول رَبّه إِلَيْهِ يُعْلِمهُ بِأَحْكَامِ مَا يَقَع لَهُ وَأَجْوِبَة مَا يُسْأَل عَنْهُ مِنْ الْأَحْكَام وَالْحَوَادِث. وَمِنْهَا أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَة أَحْرُف , فَنَاسَبَ أَنْ يَنْزِل مُفَرَّقًا , إِذْ لَوْ نَزَلَ دَفْعَة وَاحِدَة لَشَقَّ بَيَانهَا عَادَة. وَمِنْهَا أَنَّ اللَّه قَدَّرَ أَنْ يُنْسَخ مِنْ أَحْكَامه مَا شَاءَ , فَكَانَ إِنْزَاله مُفَرَّقًا لِيَنْفَصِل النَّاسِخ مِنْ الْمَنْسُوخ أَوْلَى مِنْ إِنْزَالهمَا مَعًا. وَقَدْ ضَبَطَ النَّقَلَة تَرْتِيب نُزُول السُّوَر كَمَا سَيَأْتِي. ‏"
    },
    {
        "id": "4601",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَأَمَرَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ ‏ ‏وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ‏ ‏أَنْ يَنْسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَقَالَ لَهُمْ إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏فِي عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَإِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَأَخْبَرَنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" فَأَخْبَرَنِي أَنَس بْن مَالِك قَالَ فَأَمَرَ عُثْمَان \" هُوَ مَعْطُوف عَلَى شَيْء مَحْذُوف يَأْتِي بَيَانه فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , فَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّف مِنْ الْحَدِيث عَلَى مَوْضِع الْحَاجَة مِنْهُ وَهُوَ قَوْل عُثْمَان \" فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِهِمْ \" أَيْ قُرَيْش. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَنْسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِف ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَالضَّمِير لِلسُّوَرِ أَوْ لِلْآيَاتِ أَوْ الصُّحُف الَّتِي أُحْضِرَتْ مِنْ بَيْت حَفْصَة , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" أَنْ يَنْسَخُوا مَا فِي الْمَصَاحِف \" أَيْ يَنْقُلُوا الَّذِي فِيهَا إِلَى مَصَاحِف أُخْرَى , وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد لِأَنَّهُ كَانَ فِي صُحُف لَا مَصَاحِف. ‏"
    },
    {
        "id": "4602",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏كَانَ يَقُولُ ‏ ‏لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْجِعْرَانَةِ ‏ ‏عَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أَظَلَّ عَلَيْهِ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءَهُ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مُتَضَمِّخٌ ‏ ‏بِطِيبٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ فِي ‏ ‏جُبَّةٍ ‏ ‏بَعْدَ مَا ‏ ‏تَضَمَّخَ ‏ ‏بِطِيبٍ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَاعَةً فَجَاءَهُ الْوَحْيُ فَأَشَارَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏أَنْ تَعَالَ فَجَاءَ ‏ ‏يَعْلَى ‏ ‏فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا هُوَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ ‏ ‏يَغِطُّ ‏ ‏كَذَلِكَ سَاعَةً ثُمَّ ‏ ‏سُرِّيَ ‏ ‏عَنْهُ فَقَالَ ‏ ‏أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنْ الْعُمْرَةِ آنِفًا فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَجِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُسَدَّد حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" يَحْيَى بْن سَعِيد \" وَهُوَ الّقَطَّانُ , وَهَذَا الْحَدِيث وَقَعَ لَنَا مَوْصُولًا فِي رِوَايَة مُسَدَّد مِنْ رِوَايَة مُعَاذ بْن الْمُثَنَّى عَنْهُ كَمَا بَيَّنْته فِي \" تَعْلِيق التَّعْلِيق \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ يَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أُمَيَّة وَالِد صَفْوَان. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يَقُول : لَيْتَنِي أَرَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا صُورَته مُرْسَل , لِأَنَّ صَفْوَان بْن يَعْلَى مَا حَضَرَ الْقِصَّة , وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي كِتَاب الْعُمْرَة مِنْ كِتَاب اِلْحَحْ بِالْإِسْنَادِ الْآخَر الْمَذْكُور هُنَا عَنْ أَبِي نُعَيْم عَنْ هَمَّام فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ صَفْوَان بْن يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ \" فَوَضَحَ أَنَّهُ سَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن خَلَّاد عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بِنَحْوِ اللَّفْظ الَّذِي سَاقَهُ الْمُصَنِّف هُنَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحَجّ. وَقَدْ خَفِيَ وَجْه دُخُوله فِي هَذَا الْبَاب عَلَى كَثِير مِنْ الْأَئِمَّة حَتَّى قَالَ اِبْن كَثِير فِي تَفْسِيره : ذِكْر هَذَا الْحَدِيث فِي التَّرْجَمَة الَّتِي قَبْل هَذِهِ أَظْهَر وَأَبْيَن , فَلَعَلَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ بَعْض النُّسَّاخ. وَقِيلَ بَلْ أَشَارَ الْمُصَنِّف بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ) لَا يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرْسِلَ بِلِسَانِ قُرَيْش فَقَطْ لِكَوْنِهِمْ قَوْمه , بَلْ أَرْسَلَ بِلِسَانِ جَمِيع الْعَرَب لِأَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ كُلّهمْ , بِدَلِيلِ أَنَّهُ خَاطَبَ الْأَعْرَابِيّ الَّذِي سَأَلَهُ بِمَا يَفْهَمهُ بَعْد أَنْ نَزَلَ الْوَحْي عَلَيْهِ بِجَوَابِ مَسْأَلَته فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَحْي كَانَ يَنْزِل عَلَيْهِ بِمَا يَفْهَمهُ السَّائِل مِنْ الْعَرَب قُرَشِيًّا كَانَ أَوْ غَيْر قُرَشِيّ , وَالْوَحْي أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون قُرْآنًا يُتْلَى أَوْ لَا يُتْلَى. قَالَ اِبْن بَطَّال : مُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْوَحْي كُلّه مَتْلُوًّا كَانَ أَوْ غَيْر مَتْلُوّ إِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِ الْعَرَب , وَلَا يَرِد عَلَى هَذَا كَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ إِلَى النَّاس كَافَّة عَرَبًا وَعَجَمًا وَغَيْرهمْ لِأَنَّ اللِّسَان الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ بِهِ الْوَحْي عَرَبِيّ وَهُوَ يُبَلِّغهُ إِلَى طَوَائِف الْعَرَب وَهُمْ يُتَرْجِمُونَهُ لِغَيْرِ الْعَرَب بِأَلْسِنَتِهِمْ , وَلِذَا قَالَ اِبْن الْمُنِير : كَانَ إِدْخَال هَذَا الْحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله أَلْيَق , لَكِنْ لَعَلَّهُ قَصَدَ التَّنْبِيه عَلَى أَنَّ الْوَحْي بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّة كَانَ عَلَى صِفَة وَاحِدَة وَلِسَان وَاحِد. ‏"
    },
    {
        "id": "4603",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرْسَلَ إِلَيَّ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مَقْتَلَ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏الْيَمَامَةِ ‏ ‏فَإِذَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏عِنْدَهُ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ ‏ ‏اسْتَحَرَّ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْيَمَامَةِ ‏ ‏بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ ‏ ‏يَسْتَحِرَّ ‏ ‏الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ ‏ ‏الْعُسُبِ ‏ ‏وَاللِّخَافِ ‏ ‏وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ ‏ ‏أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ ‏ { ‏لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ‏} ‏حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ فَكَانَتْ الصُّحُفُ عِنْدَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏حَيَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد بْن السَّبَّاق ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة , مَدَنِيّ يُكَنَّى أَبَا سَعِيد , ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي الطَّبَقَة الْأُولَى مِنْ التَّابِعِينَ , لَكِنْ لَمْ أَرَ لَهُ رِوَايَة عَنْ أَقْدَم مِنْ سَهْل بْن حُنَيْف الَّذِي مَاتَ فِي خِلَافَة عَلِيّ , وَحَدِيثه عَنْهُ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , لَكِنَّهُ كَرَّرَهُ فِي التَّفْسِير وَالْأَحْكَام وَالتَّوْحِيد وَغَيْرهَا مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زَيْد بْن ثَابِت ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الصَّحِيح عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ قِصَّة زَيْد بْن ثَابِت مَعَ أَبِي بَكْر وَعُمَر عَنْ عُبَيْد بْنِ السَّبَّاق عَنْ زَيْد بْن ثَابِت , وَقِصَّة حُذَيْفَة مَعَ عُثْمَان عَنْ أَنَس بْن مَالِك , وَقِصَّة فَقْد زَيْد بْن ثَابِت الْآيَة مِنْ سُورَة الْأَحْزَاب فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن السَّبَّاق عَنْ خَارِجَة بْن زَيْد بْن ثَابِت عَنْ أَبِيهِ , وَقَدْ رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْن مَجْمَع عَنْ الزُّهْرِيِّ فَأَدْرَجَ قِصَّة آيَة سُورَة الْأَحْزَاب فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن السَّبَّاق , وَأَغْرَبَ عُمَارَة بْن غَزِيَّة فَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ \" عَنْ خَارِجَة بْن زَيْد بْن ثَابِت عَنْ أَبِيهِ \" وَسَاقَ الْقِصَص الثَّلَاث بِطُولِهَا : قِصَّة زَيْد مَعَ أَبِي بَكْر وَعُمَر ; ثُمَّ قِصَّة حُذَيْفَة مَعَ عُثْمَان أَيْضًا , ثُمَّ قِصَّة فَقْد زَيْد بْن ثَابِت الْآيَة مِنْ سُورَة الْأَحْزَاب أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ , وَبَيَّنَ الْخَطِيب فِي \" الْمُدْرَج \" أَنَّ ذَلِكَ وَهْم مِنْهُ وَأَنَّهُ أَدْرَجَ بَعْض الْأَسَانِيد عَلَى بَعْض. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الرَّسُول إِلَيْهِ بِذَلِكَ , وَرَوَيْنَا فِي الْجُزْء الْأَوَّل مِنْ \" فَوَائِد الدَّيْر عَاقُولِيّ \" قَالَ \" حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن بَشَّار حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد عَنْ زَيْد بْن ثَابِت قَالَ : قُبِضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ الْقُرْآن جُمِعَ فِي شَيْء \". ‏ ‏قَوْله : ( مَقْتَل أَهْل الْيَمَامَة ) ‏ ‏أَيْ عَقِب قَتْل أَهْل الْيَمَامَة. وَالْمُرَاد بِأَهْلِ الْيَمَامَة هُنَا مَنْ قُتِلَ بِهَا مِنْ الصَّحَابَة فِي الْوَقْعَة مَعَ مُسَيْلِمَة الْكَذَّاب , وَكَانَ مِنْ شَأْنهَا أَنَّ مُسَيْلِمَة اِدَّعَى النُّبُوَّة وَقَوِيَ أَمْره بَعْد مَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِارْتِدَادِ كَثِير مِنْ الْعَرَب , فَجَهَّزَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق خَالِد بْن الْوَلِيد فِي جَمْع كَثِير مِنْ الصَّحَابَة فَحَارَبُوهُ أَشَدّ مُحَارَبَة , إِلَى أَنْ خَذَلَهُ اللَّه وَقَتَلَهُ , وَقُتِلَ فِي غُضُون ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَة جَمَاعَة كَثِيرَة قِيلَ سَبْعمِائَةِ وَقِيلَ أَكْثَر. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ اِسْتَحَرَّ ) ‏ ‏بِسِينٍ مُهْمَلَة سَاكِنَة وَمُثَنَّاة مَفْتُوحَة بَعْدهَا حَاء مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ رَاء ثَقِيلَة , أَيْ اِشْتَدَّ وَكَثُرَ , وَهُوَ اِسْتَفْعَلَ مِنْ الْحَرّ لِأَنَّهُ الْمَكْرُوه غَالِبًا يُضَاف إِلَى الْحَرّ , كَمَا أَنَّ الْمَحْبُوب يُضَاف إِلَى الْبَرْد يَقُولُونَ : أَسْخَنَ اللَّه عَيْنه وَأَقَرَّ عَيْنه. وَوَقَعَ مِنْ تَسْمِيَة الْقُرَّاء الَّذِينَ أَرَادَ عُمَر فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ الْمَذْكُورَة قَتْل سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة وَلَفْظه \" فَلَمَّا قُتِلَ سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة خَشِيَ عُمَر أَنْ يَذْهَب الْقُرْآن , فَجَاءَ إِلَى أَبِي بَكْر \" وَسَيَأْتِي أَنَّ سَالِمًا أَحَد مَنْ أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَخْذِ الْقُرْآن عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ ) ‏ ‏أَيْ فِي الْمَوَاطِن أَيْ الْأَمَاكِن الَّتِي يَقَع فِيهَا الْقِتَال مَعَ الْكُفَّار , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ \" فِي الْمَوَاطِن \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" وَأَنَا أَخْشَى أَنْ لَا يَلْقَى الْمُسْلِمُونَ زَحْفًا آخَر إِلَّا اِسْتَحَرَّ الْقَتْل بِأَهْلِ الْقُرْآن \". ‏ ‏قَوْله : ( فَيَذْهَب كَثِير مِنْ الْقُرْآن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ مِنْ الزِّيَادَة \" إِلَّا أَنْ يَجْمَعُوهُ \" وَفِي رِوَايَة شُعَيْب \" قَبْل أَنْ يُقْتَل الْبَاقُونَ \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ قُتِلَ فِي وَقْعَة الْيَمَامَة كَانَ قَدْ حَفِظَ الْقُرْآن , لَكِنْ يُمْكِن أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ مَجْمُوعهمْ جَمَعَهُ لَا أَنَّ كُلّ فَرْد جَمَعَهُ , وَسَيَأْتِي مَزِيد بَيَان لِذَلِكَ فِي \" بَاب مَنْ جَمَعَ الْقُرْآن \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِعُمَر ) ‏ ‏هُوَ خِطَاب أَبِي بَكْر لِعُمَر , حَكَاهُ ثَانِيًا لِزَيْدِ بْن ثَابِت لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِ , وَهُوَ كَلَام مَنْ يُؤْثِر الِاتِّبَاع وَيَنْفِر مِنْ الِابْتِدَاع. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَفْعَلهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ تَصْرِيح زَيْد بْن ثَابِت. بِذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة عُمَارَة بْن غَزِيَّة \" فَنَفَرَ مِنْهَا أَبُو بَكْر وَقَالَ : أَفْعَل مَا لَمْ يَفْعَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ؟ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا لَمْ يَجْمَع الْقُرْآن فِي الْمُصْحَف لِمَا كَانَ يَتَرَقَّبهُ مِنْ وُرُود نَاسِخ لِبَعْضِ أَحْكَامه أَوْ تِلَاوَته , فَلَمَّا اِنْقَضَى نُزُوله بِوَفَاتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْهَمَ اللَّه الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ ذَلِكَ وَفَاء لِوَعْدِ الصَّادِق بِضَمَانِ حِفْظه عَلَى هَذِهِ الْأُمَّة الْمُحَمَّدِيَّة زَادَهَا اللَّه شَرَفًا , فَكَانَ اِبْتِدَاء ذَلِكَ عَلَى يَد الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِمَشُورَةِ عُمَر , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي دَاوُدَ فِي \" الْمَصَاحِف \" بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ عَبْد خَيْر قَالَ \" سَمِعْت عَلِيًّا يَقُول : أَعْظَم النَّاس فِي الْمَصَاحِف أَجْرًا أَبُو بَكْر , رَحْمَة اللَّه عَلَى أَبِي بَكْر , هُوَ أَوَّل مَنْ جَمَعَ كِتَاب اللَّه \" وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْر الْقُرْآن \" الْحَدِيث فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ , لِأَنَّ الْكَلَام فِي كِتَابَة مَخْصُوصَة عَلَى صِفَة مَخْصُوصَة , وَقَدْ كَانَ الْقُرْآن كُلّه كُتِبَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنْ غَيْر مَجْمُوع فِي مَوْضِع وَاحِد وَلَا مُرَتَّب السُّوَر , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي دَاوُدَ فِي \" الْمَصَاحِف \" مِنْ طَرِيق اِبْن سِيرِينَ قَالَ \" قَالَ عَلِيّ : لَمَّا مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آلَيْت أَنْ لَا آخُذ عَلَى رِدَائِي إِلَّا لِصَلَاةِ جُمُعَة حَتَّى أَجْمَع الْقُرْآن فَجَمَعَهُ \" فَإِسْنَاده ضَعِيف لِانْقِطَاعِهِ , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون مَحْفُوظًا فَمُرَاده بِجَمْعِهِ حِفْظه فِي صَدْره , قَالَ : وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه \" حَتَّى جَمَعْته بَيْن اللَّوْحَيْنِ \" وَهْم مِنْ رَاوِيه. ‏ ‏قُلْت : وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة عَبْد خَيْر عَنْ عَلِيّ أَصَحّ , فَهُوَ الْمُعْتَمَد. وَوَقَعَ عِنْد اِبْن أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا بَيَان السَّبَب فِي إِشَارَة عُمَر بْن الْخَطَّاب بِذَلِكَ , فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق الْحَسَن \" أَنَّ عُمَر سَأَلَ عَنْ آيَة مِنْ كِتَاب اللَّه فَقِيلَ : كَانَتْ مَعَ فُلَان فَقُتِلَ يَوْم الْيَمَامَة , فَقَالَ : إِنَّا لِلَّهِ , وَأَمَرَ بِجَمْعِ الْقُرْآن , فَكَانَ أَوَّل مَنْ جَمَعَهُ فِي الْمُصْحَف \" وَهَذَا مُنْقَطِع , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" فَكَانَ أَوَّل مَنْ جَمَعَهُ \" أَيْ أَشَارَ بِجَمْعِهِ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر فَنَسَبَ الْجَمْع إِلَيْهِ لِذَلِكَ. وَقَدْ تُسَوَّل لِبَعْضِ الرَّوَافِض أَنَّهُ يَتَوَجَّه الِاعْتِرَاض عَلَى أَبِي بَكْر بِمَا فَعَلَهُ مِنْ جَمْع الْقُرْآن فِي الْمُصْحَف فَقَالَ : كَيْف جَازَ أَنْ يَفْعَل شَيْئًا لَمْ يَفْعَلهُ الرَّسُول عَلَيْهِ أَفْضَل الصَّلَاة وَالسَّلَام ؟ وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ إِلَّا بِطَرِيقِ الِاجْتِهَاد السَّائِغ النَّاشِئ عَنْ النُّصْح مِنْهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتهمْ , وَقَدْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ فِي كِتَابَة الْقُرْآن وَنَهَى أَنْ يُكْتَب مَعَهُ غَيْره , فَلَمْ يَأْمُر أَبُو بَكْر إِلَّا بِكِتَابَةِ مَا كَانَ مَكْتُوبًا , وَلِذَلِكَ تَوَقَّفَ عَنْ كِتَابَة الْآيَة مِنْ آخِر سُورَة بَرَاءَة حَتَّى وَجَدَهَا مَكْتُوبَة , مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحْضِرهَا هُوَ وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ. وَإِذَا تَأَمَّلَ الْمُنْصِف مَا فَعَلَهُ أَبُو بَكْر مِنْ ذَلِكَ جَزَمَ بِأَنَّهُ يُعَدّ فِي فَضَائِله وَيُنَوِّه بِعَظِيمِ مَنْقَبَته , لِثُبُوتِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مَنْ سَنَّ سُنَّة حَسَنَة فَلَهُ أَجْرهَا وَأَجْر مَنْ عَمِلَ بِهَا \" فَمَا جَمَعَ الْقُرْآن أَحَد بَعْده إِلَّا وَكَانَ لَهُ مِثْل أَجْره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَقَدْ كَانَ لِأَبِي بَكْر مِنْ الِاعْتِنَاء بِقِرَاءَةِ الْقُرْآن مَا اِخْتَارَ مَعَهُ أَنْ يَرُدّ عَلَى اِبْن الدُّغُنَّة جِوَاره وَيَرْضَى بِجِوَارِ اللَّه وَرَسُوله , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْقِصَّة مَبْسُوطَة فِي فَضَائِله , وَقَدْ أَعْلَمَ اللَّه تَعَالَى فِي الْقُرْآن بِأَنَّهُ مَجْمُوع فِي الصُّحُف فِي قَوْله : ( يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ) الْآيَة , وَكَانَ الْقُرْآن مَكْتُوبًا فِي الصُّحُف , لَكِنْ كَانَتْ مُفَرَّقَة فَجَمَعَهَا أَبُو بَكْر فِي مَكَان وَاحِد , ثُمَّ كَانَتْ بَعْده مَحْفُوظَة إِلَى أَنْ أَمَرَ عُثْمَان بِالنَّسْخِ مِنْهَا فَنَسَخَ مِنْهَا عِدَّة مَصَاحِف وَأَرْسَلَ بِهَا إِلَى الْأَمْصَار , كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ زَيْد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن ثَابِت ‏ ‏( قَالَ أَبُو بَكْر ) ‏ ‏أَيْ قَالَ لِي ‏ ‏( إِنَّك رَجُل شَابّ عَاقِل لَا نَتَّهِمك , وَقَدْ كُنْت تَكْتُب الْوَحْي ) ‏ ‏ذَكَرَ لَهُ أَرْبَع صِفَات مُقْتَضِيَة خُصُوصِيَّته بِذَلِكَ : كَوْنه شَابًّا فَيَكُون أَنْشَط لِمَا يُطْلَب مِنْهُ , وَكَوْنه عَاقِلًا فَيَكُون أَوْعَى لَهُ , وَكَوْنه لَا يُتَّهَم فَتَرْكَن النَّفْس إِلَيْهِ , وَكَوْنه كَانَ يَكْتُب الْوَحْي فَيَكُون أَكْثَر مُمَارَسَة لَهُ. وَهَذِهِ الصِّفَات الَّتِي اِجْتَمَعَتْ لَهُ قَدْ تُوجَد فِي غَيْره لَكِنْ مُفَرَّقَة. وَقَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْعَقْل أَصْل الْخِصَال الْمَحْمُودَة لِأَنَّهُ لَمْ يَصِف زَيْدًا بِأَكْثَر مِنْ الْعَقْل وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِائْتِمَانِهِ وَرَفْع التُّهْمَة عَنْهُ , كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَر , وَسَيَأْتِي مَزِيد الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ \" فَقَالَ أَبُو بَكْر , أَمَّا إِذَا عَزَمْت عَلَى هَذَا فَأَرْسِلْ إِلَى زَيْد بْن ثَابِت فَادْعُهُ , فَإِنَّهُ كَانَ شَابًّا حَدَثًا نَقِيًّا يَكْتُب الْوَحْي لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَرْسِلْ إِلَيْهِ فَادْعُهُ حَتَّى يَجْمَعهُ مَعَنَا. قَالَ زَيْد بْن ثَابِت : فَأَرْسَلَا إِلَيَّ فَأَتَيْتهمَا , فَقَالَا لِي : إِنَّا نُرِيد أَنْ نَجْمَع الْقُرْآن فِي شَيْء , فَاجْمَعْهُ مَعَنَا. وَفِي رِوَايَة عُمَارَة بْن غَزِيَّة \" فَقَالَ لِي أَبُو بَكْر : إِنَّ هَذَا دَعَانِي إِلَى أَمْر , وَأَنْتَ كَاتِب الْوَحْي , فَإِنْ تَكُ مَعَهُ اِتَّبَعْتُكُمَا , وَإِنْ تُوَافِقنِي لَا أَفْعَل \" فَاقْتَضَى قَوْل عُمَر - فَنَفَرْت مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَ عُمَر , كَلِّمْهُ وَمَا عَلَيْكُمَا لَوْ فَعَلْتُمَا , قَالَ فَنَظَرْنَا فَقُلْنَا : لَا شَيْء وَاَللَّه , مَا عَلَيْنَا. قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا نَفَرَ أَبُو بَكْر أَوَّلًا ثُمَّ زَيْد بْن ثَابِت ثَانِيًا لِأَنَّهُمَا لَمْ يَجِدَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ فَكَرِهَا أَنْ يَحِلَّا أَنْفُسهمَا مَحَلّ مَنْ يَزِيد اِحْتِيَاطه لِلدِّينِ عَلَى اِحْتِيَاط الرَّسُول فَلَمَّا نَبَّهَهُمَا عُمَر عَلَى فَائِدَة ذَلِكَ وَأَنَّهُ خَشْيَة أَنْ يَتَغَيَّر الْحَال فِي الْمُسْتَقْبَل إِذَا لَمْ يُجْمَع الْقُرْآن فَيَصِير إِلَى حَالَة الْخَفَاء بَعْد الشُّهْرَة , رَجَعَا إِلَيْهِ. قَالَ : وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ فِعْل الرَّسُول إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ الْقَرَائِن - وَكَذَا تَرْكه - لَا يَدُلّ عَلَى وُجُوب وَلَا تَحْرِيم اِنْتَهَى. وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الزِّيَادَة عَلَى اِحْتِيَاط الرَّسُول , بَلْ هُوَ مُسْتَمَدّ مِنْ الْقَوَاعِد الَّتِي مَهَّدَهَا الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اِبْن الْبَاقِلَّانِيّ : كَانَ الَّذِي فَعَلَهُ أَبُو بَكْر مِنْ ذَلِكَ فَرْض كِفَايَة , بِدَلَالَةِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْر الْقُرْآن \" مَعَ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ) وَقَوْله : ( إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ) وَقَوْله : ( رَسُول مِنْ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَة ) قَالَ : فَكُلّ أَمْر يَرْجِع لِإِحْصَائِهِ وَحِفْظه فَهُوَ وَاجِب عَلَى الْكِفَايَة , وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ النَّصِيحَة لِلَّهِ وَرَسُوله وَكِتَابه وَأَئِمَّة الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتهمْ. قَالَ : وَقَدْ فَهِمَ عُمَر أَنَّ تَرْك النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمْعه لَا دَلَالَة فِيهِ عَلَى الْمَنْع , وَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْر لَمَّا رَأَى وَجْه الْإِصَابَة فِي ذَلِكَ , وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَنْقُول وَلَا فِي الْمَعْقُول مَا يُنَافِيه , وَمَا يَتَرَتَّب عَلَى تَرْك جَمْعه مِنْ ضَيَاع بَعْضه , ثُمَّ تَابَعَهُمَا زَيْد بْن ثَابِت وَسَائِر الصَّحَابَة عَلَى تَصْوِيب ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَاَللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْل جَبَل مِنْ الْجِبَال مَا كَانَ أَثْقَل عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ ) ‏ ‏كَأَنَّهُ جَمَعَ أَوَّلًا بِاعْتِبَارِ أَبِي بَكْر وَمَنْ وَافَقَهُ , وَأَفْرَدَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ الْآمِر وَحْده بِذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ \" لَوْ كَلَّفَنِي \" بِالْإِفْرَادِ أَيْضًا , وَإِنَّمَا قَالَ زَيْد بْن ثَابِت ذَلِكَ لِمَا خَشِيَهُ مِنْ التَّقْصِير فِي إِحْصَاء مَا أُمِرَ بِجَمْعِهِ , لَكِنْ اللَّه تَعَالَى يَسَّرَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ). ‏ ‏قَوْله : ( فَتَتَبَّعْت الْقُرْآن أَجْمَعهُ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْأَشْيَاء الَّتِي عِنْدِي وَعِنْد غَيْرِي. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْعُسُب ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ مُوَحَّدَة جَمْع عَسِيب وَهُوَ جَرِيد النَّخْل , كَانُوا يَكْشِطُونَ الْخُوص وَيَكْتُبُونَ فِي الطَّرَف الْعَرِيض. وَقِيلَ الْعَسِيب طَرَف الْجَرِيدَة الْعَرِيض الَّذِي لَمْ يَنْبُت عَلَيْهِ الْخُوص , وَاَلَّذِي يَنْبُت عَلَيْهِ الْخُوص هُوَ السَّعَف. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن شِهَاب \" الْقَصَب وَالْعُسُب وَالْكَرَانِيف وَجَرَائِد النَّخْل \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب \" مِنْ الرِّقَاع \" جَمْع رُقْعَة , وَقَدْ تَكُون مِنْ جِلْد أَوْ وَرَق أَوْ كَاغِد , وَفِي رِوَايَة عَمَّار بْنِ غَزِيَّة \" وَقِطَع الْأَدِيم \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" وَالصُّحُف \". ‏ ‏قَوْله : ( وَاللِّخَاف ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام ثُمَّ خَاء مُعْجَمَة خَفِيفَة وَآخِره فَاء جَمْع لَخْفَة بِفَتْحِ اللَّام وَسُكُون الْمُعْجَمَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" وَاللُّخُف \" بِضَمَّتَيْنِ وَفِي آخِره فَاء , قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي رِوَايَته : هِيَ الْحِجَارَة الرِّقَاق. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : صَفَائِح الْحِجَارَة الرِّقَاق. قَالَ الْأَصْمَعِيّ : فِيهَا عَرْض وَدِقَّة. وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَحْكَام عَنْ أَبِي ثَابِت أَحَد شُيُوخه أَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالْخَزَفِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي ثُمَّ فَاء وَهِيَ الْآنِيَة الَّتِي تُصْنَع مِنْ الطِّين الْمَشْوِيّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب \" وَالْأَكْتَاف \" جَمْع كَتِف وَهُوَ الْعَظْم الَّذِي لِلْبَعِيرِ أَوْ الشَّاة , كَانُوا إِذَا جَفَّ كَتَبُوا فِيهِ. وَفِي رِوَايَة عُمَارَة بْن غَزِيَّة \" وَكِسَر الْأَكْتَاف \" وَفِي رِوَايَة اِبْن مَجْمَع عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْد اِبْن أَبِي دَاوُدَ \" وَالْأَضْلَاع \" وَعِنْده مِنْ وَجْه آخَر \" وَالْأَقْتَاب \" بِقَافِ وَمُثَنَّاة وَآخِره مُوَحَّدَة جَمْع قَتَب بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْخَشَب الَّذِي يُوضَع عَلَى ظَهْر الْبَعِير لِيُرْكَب عَلَيْهِ , وَعِنْد اِبْن أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا فِي \" الْمَصَاحِف \" مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن حَاطِب قَالَ \" قَامَ عُمَر فَقَالَ : مَنْ كَانَ تَلَقَّى مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآن فَلْيَأْتِ بِهِ. وَكَانُوا يَكْتُبُونَ ذَلِكَ فِي الصُّحُف وَالْأَلْوَاح وَالْعُسُب قَالَ وَكَانَ لَا يَقْبَل مِنْ أَحَد شَيْئًا حَتَّى يَشْهَد شَاهِدَانِ \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ زَيْدًا كَانَ لَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ وِجْدَانه مَكْتُوبًا حَتَّى يَشْهَد بِهِ مَنْ تَلَقَّاهُ سَمَاعًا ; مَعَ كَوْن زَيْد كَانَ يَحْفَظهُ , وَكَانَ يَفْعَل ذَلِكَ مُبَالَغَة فِي الِاحْتِيَاط. وَعِنْد اِبْن أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ أَبَا بَكْر قَالَ لِعُمَر وَلِزَيْدٍ : اُقْعُدَا عَلَى بَاب الْمَسْجِد فَمَنْ جَاءَكُمَا بِشَاهِدَيْنِ عَلَى شَيْء مِنْ كِتَاب اللَّه فَاكْتُبَاهُ \" وَرِجَاله ثِقَات مَعَ اِنْقِطَاعه , وَكَأَنَّ الْمُرَاد بِالشَّاهِدَيْنِ الْحِفْظ وَالْكِتَاب , أَوْ الْمُرَاد أَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَكْتُوب كُتِبَ بَيْن يَدَيْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ الْمُرَاد أَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوه الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآن. وَكَانَ غَرَضهمْ أَنْ لَا يُكْتَب إِلَّا مِنْ عَيْن مَا كُتِبَ بَيْن يَدَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا مِنْ مُجَرَّد الْحِفْظ. ‏ ‏قَوْله : ( وَصُدُور الرِّجَال ) ‏ ‏أَيْ حَيْثُ لَا أَجِد ذَلِكَ مَكْتُوبًا. أَوْ الْوَاو بِمَعْنَى مَعَ أَيْ أَكْتُبهُ مِنْ الْمَكْتُوب الْمُوَافِق لِلْمَحْفُوظِ فِي الصَّدْر. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى وَجَدْت آخِر سُورَة التَّوْبَة مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيّ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" مَعَ خُزَيْمَةَ بْن ثَابِت \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَة التَّوْبَة \" مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيّ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" مُسْنَد الشَّامِيِّينَ \" مِنْ طَرِيق أَبِي الْيَمَان عَنْ شُعَيْب فَقَالَ فِيهِ \" خُزَيْمَةَ بْن ثَابِت الْأَنْصَارِيّ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق يُونُس بْن يَزِيد عَنْ اِبْن شِهَاب , وَقَوْل مَنْ قَالَ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ \" أَصَحّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي تَفْسِير سُورَة التَّوْبَة وَأَنَّ الَّذِي وُجِدَ مَعَهُ آخِر سُورَة التَّوْبَة غَيْر الَّذِي وُجِدَ مَعَهُ الْآيَة الَّتِي فِي الْأَحْزَاب , فَالْأَوَّل اِخْتَلَفَ الرُّوَاة فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ , فَمِنْ قَائِل \" مَعَ خُزَيْمَةَ \" وَمِنْ قَائِل \" مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ \" وَمِنْ شَاكّ فِيهِ يَقُول \" خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ \" وَالْأَرْجَح أَنَّ الَّذِي وُجِدَ مَعَهُ آخِر سُورَة التَّوْبَة أَبُو خُزَيْمَةَ بِالْكُنْيَةِ , وَاَلَّذِي وُجِدَ مَعَهُ الْآيَة مِنْ الْأَحْزَاب خُزَيْمَةُ. وَأَبُو خُزَيْمَةَ قِيلَ هُوَ اِبْن أَوْس بْن يَزِيد بْن أَصْرَم مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ دُون اِسْمه , وَقِيلَ هُوَ الْحَارِث بْن خُزَيْمَةَ , وَأَمَّا خُزَيْمَةُ فَهُوَ اِبْن ثَابِت ذُو الشَّهَادَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ صَرِيحًا فِي سُورَة الْأَحْزَاب. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ يَحْيَى بْن عَبَّاد بْنِ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" أَتَى الْحَارِث بْن خُزَيْمَةَ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ , مِنْ آخِر سُورَة بَرَاءَة فَقَالَ : أَشْهَد أَنِّي سَمِعْتهمَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَعَيْتهمَا , فَقَالَ عُمَر : وَأَنَا أَشْهَد لَقَدْ سَمِعْتهمَا. ثُمَّ قَالَ : لَوْ كَانَتْ ثَلَاث آيَات لَجَعَلْتهَا سُورَة عَلَى حِدَة , فَانْطُرُوا سُورَة مِنْ الْقُرْآن فَأَلْحِقُوهَا فِي آخِرهَا \" فَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون قَوْل زَيْد بْن ثَابِت \" وَجَدْتهَا مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ لَمْ أَجِدهَا مَعَ غَيْره \" أَيْ أَوَّل مَا كَتَبْت , ثُمَّ جَاءَ الْحَارِث بْن خُزَيْمَةَ بَعْد ذَلِكَ , أَوْ أَنَّ أَبَا خُزَيْمَةَ هُوَ الْحَارِث بْن خُزَيْمَةَ لَا اِبْن أَوْس. وَأَمَّا قَوْل عُمَر \" لَوْ كَانَتْ ثَلَاث آيَات \" فَظَاهِره أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَلِّفُونَ آيَات السُّوَر بِاجْتِهَادِهِمْ , وَسَائِر الْأَخْبَار تَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ. نَعَمْ تَرْتِيب السُّوَر بَعْضهَا إِثْر بَعْض كَانَ يَقَع بَعْضه مِنْهُمْ بِالِاجْتِهَادِ كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب تَأْلِيف الْقُرْآن \". ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ أَجِدهَا مَعَ أَحَد غَيْره ) ‏ ‏أَيْ مَكْتُوبَة , لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَكْتَفِي بِالْحِفْظِ دُون الْكِتَابَة. وَلَا يَلْزَم مِنْ عَدَم وِجْدَانه إِيَّاهَا حِينَئِذٍ أَنْ لَا تَكُون تَوَاتَرَتْ عِنْد مَنْ لَمْ يَتَلَقَّهَا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنَّمَا كَانَ زَيْد يَطْلُب التَّثَبُّت عَمَّنْ تَلَقَّاهَا بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَلَعَلَّهُمْ لَمَّا وَجَدَهَا زَيْد عِنْد أَبِي خُزَيْمَةَ تَذَّكَّرُوهَا كَمَا تَذَّكَّرهَا زَيْد. وَفَائِدَة التَّتَبُّع الْمُبَالَغَة فِي الِاسْتِظْهَار , وَالْوُقُوف عِنْدَمَا كُتِبَ بَيْن يَدَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا مِمَّا يَخْفَى مَعْنَاهُ. وَيُوهِم أَنَّهُ كَانَ يَكْتَفِي فِي إِثْبَات الْآيَة بِخَبَرِ الشَّخْص الْوَاحِد , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَقَدْ اِجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الْآيَة زَيْد بْن ثَابِت وَأَبُو خُزَيْمَةَ وَعُمَر. وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ قَالَ : لَمْ يَتَفَرَّد بِهَا أَبُو خُزَيْمَةَ , بَلْ شَارَكَهُ زَيْد بْنُ ثَابِت , فَعَلَى هَذَا تَثْبُت بِرَجُلَيْنِ ا ه. وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ قَوْلهمْ لَا يَثْبُت الْقُرْآن بِخَبَرِ الْوَاحِد أَيْ الشَّخْص الْوَاحِد , وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ , بَلْ الْمُرَاد بِخَبَرِ الْوَاحِد خِلَاف الْخَبَر الْمُتَوَاتِر , فَلَوْ بَلَغَتْ رُوَاة الْخَبَر عَدَدًا كَثِيرًا وَفَقَدَ شَيْئًا مِنْ شُرُوط الْمُتَوَاتِر لَمْ يَخْرُج عَنْ كَوْنه خَبَر الْوَاحِد. وَالْحَقّ أَنَّ الْمُرَاد بِالنَّفْيِ نَفْي وُجُودهَا مَكْتُوبَة , لَا نَفْي كَوْنهَا مَحْفُوظَة. وَقَدْ وَقَعَ عِنْد اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن حَاطِب \" فَجَاءَ خُزَيْمَةُ بْن ثَابِت فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَرَكْتُمْ آيَتَيْنِ فَلَمْ تَكْتُبُوهُمَا. قَالُوا : وَمَا هُمَا ؟ قَالَ : تَلَقَّيْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) إِلَى آخِر السُّورَة , فَقَالَ عُثْمَان : وَأَنَا أَشْهَد , فَكَيْف تَرَى أَنْ تَجْعَلهُمَا ؟ قَالَ : أَخْتِم بِهِمَا آخِر مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن \" وَمِنْ طَرِيق أَبِي الْعَالِيَة أَنَّهُمْ لَمَّا جَمَعُوا الْقُرْآن فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر كَانَ الَّذِي يُمْلِي عَلَيْهِمْ أُبَيَّ بْن كَعْب , فَلَمَّا اِنْتَهَوْا مِنْ بَرَاءَة إِلَى قَوْله : ( لَا يَفْقَهُونَ ) ظَنُّوا أَنَّ هَذَا آخِر مَا نَزَلَ مِنْهَا , فَقَالَ أُبَيّ بْن كَعْب : أَقْرَأَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَتَيْنِ بَعْدهنَّ ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) إِلَى آخِر السُّورَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَتْ الصُّحُف ) ‏ ‏أَيْ الَّتِي جَمَعَهَا زَيْد بْن ثَابِت. ‏ ‏قَوْله : ( عِنْد أَبِي بَكْر حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّه ) ‏ ‏فِي \" مُوَطَّأ اِبْن وَهْب \" عَنْ مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ \" جَمَعَ أَبُو بَكْر الْقُرْآن فِي قَرَاطِيس , وَكَانَ سَأَلَ زَيْد بْن ثَابِت فِي ذَلِكَ فَأَبَى حَتَّى اِسْتَعَانَ عَلَيْهِ بِعُمَر فَفَعَلَ وَعِنْد \" مُوسَى بْن عُقْبَة فِي الْمَغَازِي \" عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ \" لَمَّا أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ بِالْيَمَامَةِ فَزِعَ أَبُو بَكْر وَخَافَ أَنْ يَهْلِك مِنْ الْقُرَّاء طَائِفَة , فَأَقْبَلَ النَّاس بِمَا كَانَ مَعَهُمْ وَعِنْدهمْ , حَتَّى جُمِعَ عَلَى عَهْد أَبِي بَكْر فِي الْوَرَق فَكَانَ أَبُو بَكْر أَوَّل مَنْ جَمَعَ الْقُرْآن فِي الصُّحُف \" وَهَذَا كُلّه أَصَحّ مِمَّا وَقَعَ فِي رِوَايَة عُمَارَة بْن غَزِيَّة \" أَنَّ زَيْد بْن ثَابِت قَالَ : فَأَمَرَنِي أَبُو بَكْر فَكَتَبْت فِي قِطَع الْأَدِيم وَالْعُسُب , فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو بَكْر وَكَانَ عُمَر كَتَبْت ذَلِكَ فِي صَحِيفَة وَاحِدَة فَكَانَتْ عِنْده \" وَإِنَّمَا كَانَ فِي الْأَدِيم وَالْعُسُب أَوَّلًا قَبْل أَنْ يُجْمَع فِي عَهْد أَبِي بَكْر , ثُمَّ جُمِعَ فِي الصُّحُف فِي عَهْد أَبِي بَكْر كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَار الصَّحِيحَة الْمُتَرَادِفَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ عِنْد حَفْصَة بِنْت عُمَر ) ‏ ‏أَيْ بَعْد عُمَر فِي خِلَافَة عُثْمَان , إِلَى أَنْ شَرَعَ عُثْمَان فِي كِتَابَة الْمُصْحَف. وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عِنْد حَفْصَة لِأَنَّهَا كَانَتْ وَصِيَّة عُمَر , فَاسْتَمَرَّ مَا كَانَ عِنْده عِنْدهَا حَتَّى طَلَبَهُ مِنْهَا مَنْ لَهُ طَلَب ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4604",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ‏ ‏قَدِمَ عَلَى ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏يُغَازِي ‏ ‏أَهْلَ ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏فِي فَتْحِ ‏ ‏إِرْمِينِيَةَ ‏ ‏وَأَذْرَبِيجَانَ ‏ ‏مَعَ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏الْعِرَاقِ ‏ ‏فَأَفْزَعَ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ فَقَالَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏لِعُثْمَانَ ‏ ‏يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏فَأَرْسَلَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فَأَمَرَ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ ‏ ‏وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ‏ ‏فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَقَالَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏لِلرَّهْطِ ‏ ‏الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏الصُّحُفَ إِلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَقَدْتُ آيَةً مِنْ ‏ ‏الْأَحْزَابِ ‏ ‏حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ بِهَا فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ ‏ ‏خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ { ‏مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ‏} ‏فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل , ‏ ‏وَإِبْرَاهِيم ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعْد , وَهَذَا الْإِسْنَاد إِلَى اِبْن شِهَاب هُوَ الَّذِي قَبْله بِعَيْنِهِ , أَعَادَهُ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ لِابْنِ شِهَاب فِي قِصَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ وَإِنْ اِتَّفَقَتَا فِي كِتَابَة الْقُرْآن وَجَمْعه. وَعَنْ اِبْن شِهَاب قِصَّة ثَالِثَة كَمَا بَيَّنَّاهُ عَنْ خَارِجَة بْن زَيْد عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّة الْآيَة الَّتِي مِنْ الْأَحْزَاب وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي آخِر هَذِهِ الْقِصَّة الثَّانِيَة هُنَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ اِبْن شِهَاب مُفَرَّقًا , فَأَخْرَجَ الْقِصَّة الْأُولَى فِي تَفْسِير التَّوْبَة. وَأَخْرَجَ الثَّانِيَة قَبْل هَذَا بِبَابٍ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ. وَأَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي \" مُسْنَد الشَّامِيِّينَ \" وَابْن أَبِي دَاوُدَ فِي \" الْمَصَاحِف \" وَالْخَطِيب فِي \" الْمُدْرَج \" مِنْ طَرِيق أَبِي الْيَمَان بِتَمَامِهِ. وَأَخْرَجَ الْمُصَنِّف الثَّالِثَة فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ الْخَطِيب : رَوَى إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ اِبْن شِهَاب الْقِصَص الثَّلَاث , ثُمَّ سَاقَهَا مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ اِبْن شِهَاب مَسَاقًا وَاحِدًا مُفَصِّلًا لِلْأَسَانِيدِ الْمَذْكُورَة , قَالَ وَرَوَى الْقِصَص الثَّلَاث شُعَيْب عَنْ اِبْن شِهَاب , وَرَوَى قِصَّة آخِر التَّوْبَة مُفْرَدًا يُونُس بْن يَزِيد. ‏ ‏قُلْت : وَرِوَايَته تَأْتِي عَقِب هَذَا بِاخْتِصَارٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهَا اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يُونُس مُطَوَّلَة , وَفَاتَهُ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ لَهَا عَنْ اِبْن شِهَاب أَيْضًا , وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ قَبْل قَالَ : وَرَوَى قِصَّة آيَة الْأَحْزَاب مَعْمَر وَهِشَام بْن الْغَاز وَمُعَاوِيَة بْن يَحْيَى ثَلَاثَتهمْ عَنْ اِبْن شِهَاب ثُمَّ سَاقَهَا عَنْهُمْ. ‏ ‏قُلْت : وَفَاتَهُ رِوَايَة اِبْن أَبِي عَتِيق لَهَا عَنْ اِبْن شِهَاب وَهِيَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْجِهَاد. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْن شِهَاب أَنَّ أَنَس بْن مَالِك حَدَّثَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب \" ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَس بْن مَالِك \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ حُذَيْفَة بْن الْيَمَان قَدِمَ عَلَى عُثْمَان وَكَانَ يُغَازِي أَهْل الشَّام فِي فَتْح أَرْمِينِيَّة وَأَذْرَبِيجَان مَعَ أَهْل الْعِرَاق ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فِي أَهْل الْعِرَاق \" وَالْمُرَاد أَنَّ أَرْمِينِيَّة فُتِحَتْ فِي خِلَافَة عُثْمَان , وَكَانَ أَمِير الْعَسْكَر مِنْ أَهْل الْعِرَاق سَلْمَان بْن رَبِيعَة الْبَاهِلِيّ , وَكَانَ عُثْمَان أَمَرَ أَهْل الشَّام وَأَهْل الْعِرَاق أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى ذَلِكَ , وَكَانَ أَمِير أَهْل الشَّام عَلَى ذَلِكَ الْعَسْكَر حَبِيب بْن مَسْلَمَة الْفِهْرِيّ , وَكَانَ حُذَيْفَة مِنْ جُمْلَة مَنْ غَزَا مَعَهُمْ , وَكَانَ هُوَ عَلَى أَهْل الْمَدَائِن وَهِيَ مِنْ جُمْلَة أَعْمَال الْعِرَاق. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" وَكَانَ يُغَازِي أَهْل الشَّام فِي فَرْج أَرْمِينِيَّة وَأَذْرَبِيجَان مَعَ أَهْل الْعِرَاق \" قَالَ اِبْن أَبِي دَاوُد : الْفَرْج الثَّغْر. وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ حُذَيْفَة قَدِمَ عَلَى عُثْمَان وَكَانَ يَغْزُو مَعَ أَهْل الْعِرَاق قِبَل أَرْمِينِيَّة فِي غَزْوهمْ ذَلِكَ الْفَرْج مَعَ مَنْ اِجْتَمَعَ مِنْ أَهْل الْعِرَاق وَأَهْل الشَّام , وَفِي رِوَايَة يُونُس بْن يَزِيد \" اِجْتَمَعَ لِغَزْوِ أَذْرَبِيجَان وَأَرْمِينِيَّة أَهْل الشَّام وَأَهْل الْعِرَاق \". وَأَرْمِينِيَّة بِفَتْحِ الْهَمْزَة عِنْد اِبْن السَّمْعَانِيّ وَبِكَسْرِهَا عِنْد غَيْره , وَبِهِ جَزَمَ الْجَوَالِيقِيّ وَتَبِعَهُ اِبْن الصَّلَاح ثُمَّ النَّوَوِيّ , وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : مَنْ ضَمَّهَا فَقَدْ غَلِطَ , وَبِسُكُونِ الرَّاء وَكَسْر الْمِيم بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ نُون مَكْسُورَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة مَفْتُوحَة خَفِيفَة وَقَدْ تُثَقَّل قَالَهُ يَاقُوت , وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا أَرْمَنِيّ بِفَتْحِ الْهَمْزَة ضَبَطَهَا الْجَوْهَرِيّ. وَقَالَ اِبْن قُرْقُول : بِالتَّخْفِيفِ لَا غَيْر , وَحَكَى ضَمّ الْهَمْزَة وَغَلِطَ. وَإِنَّمَا الْمَضْمُوم هَمْزَتهَا أُرْمِيَة وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا أُرْمُوِيّ وَهِيَ بَلْدَة أُخْرَى مِنْ بِلَاد أَذْرَبِيجَان , وَأَمَّا أَرْمِينِيَّة فَهِيَ مَدِينَة عَظِيمَة مِنْ نَوَاحِي خِلَاط. وَمَدّ الْأَصِيلِيّ وَالْمُهَلَّب أَوَّله وَزَادَ الْمُهَلَّب الدَّال وَكَسْر الرَّاء وَتَقْدِيم الْمُوَحَّدَة , تَشْتَمِل عَلَى بِلَاد كَثِيرَة , وَهِيَ مِنْ نَاحِيَة الشَّمَال. قَالَ اِبْن السَّمْعَانِيّ : هِيَ مِنْ جِهَة بِلَاد الرُّوم يُضْرَب بِحُسْنِهَا وَطِيب هَوَائِهَا وَكَثْرَة مَائِهَا وَشَجَرهَا الْمَثَل. وَقِيلَ إِنَّهَا مِنْ بِنَاء أَرْمِين مِنْ وَلَد يَافِثَ بْن نُوح , وَأَذْرَبِيجَان بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء , وَقِيلَ بِسُكُونِ الذَّال وَفَتْح الرَّاء وَبِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ جِيم خَفِيفَة وَآخِره نُون , وَحَكَى اِبْن مَكِّيّ كَسْر أَوَّله , وَضَبَطَهَا صَاحِب \" الْمَطَالِع \" وَنَقَلَهُ عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ بِسُكُونِ الذَّال وَفَتْح الرَّاء بَلَد كَبِير مِنْ نَوَاحِي جِبَال الْعِرَاق غَرْبِيّ وَهِيَ الْآن تَبْرِيز وَقَصَبَاتهَا , وَهِيَ تَلِي أَرْمِينِيَّة مِنْ جِهَة غَرْبِيّهَا , وَاتَّفَقَ غَزْوهمَا فِي سَنَة وَاحِدَة , وَاجْتَمَعَ فِي غَزْوَة كُلّ مِنْهُمَا أَهْل الشَّام وَأَهْل الْعِرَاق , وَاَلَّذِي ذَكَرْته الْأَشْهَر فِي ضَبْطهَا , وَقَدْ تُمَدّ الْهَمْزَة وَقَدْ تُكْسَر وَقَدْ تُحْذَف وَقَدْ تُفْتَح الْمُوَحَّدَة وَقَدْ يُزَاد بَعْدهَا أَلِف مَعَ مَدّ الْأُولَى حَكَاهُ الْهَجَرِيُّ وَأَنْكَرَهُ الْجَوَالِيقِيّ , وَيُؤَكِّدهُ أَنَّهُمْ نَسَبُوا إِلَيْهَا آذَرِيّ بِالْمَدِّ اِقْتِصَارًا عَلَى الرُّكْن الْأَوَّل كَمَا قَالُوا فِي النِّسْبَة إِلَى بَعْلَبَكّ بَعْلِيّ , وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّة فِي سَنَة خَمْس وَعِشْرِينَ فِي السَّنَة الثَّالِثَة أَوْ الثَّانِيَة مِنْ خِلَافَة عُثْمَان. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص قَالَ \" خَطَبَ عُثْمَان فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس , إِنَّمَا قُبِضَ نَبِيّكُمْ مُنْذُ خَمْس عَشْرَة سَنَة , وَقَدْ اِخْتَلَفْتُمْ فِي الْقِرَاءَة \" الْحَدِيث فِي جَمْع الْقُرْآن , وَكَانَتْ خِلَافَة عُثْمَان بَعْد قَتْل عُمَر , وَكَانَ قَتْل عُمَر فِي أَوَاخِر ذِي الْحَجَّة سَنَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ مِنْ الْهِجْرَة بَعْد وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثَ عَشْرَة سَنَة إِلَّا ثَلَاثَة أَشْهُر , فَإِنْ كَانَ قَوْله \" خَمْس عَشْرَة سَنَة \" أَيْ كَامِلَة فَيَكُون ذَلِكَ بَعْد مُضِيّ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَة أَشْهُر مِنْ خِلَافَته , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ \" مُنْذُ ثَلَاث عَشْرَة سَنَة \" فَيُجْمَع بَيْنهمَا بِإِلْغَاءِ الْكَسْر فِي هَذِهِ وَجَبْره فِي الْأُولَى فَيَكُون ذَلِكَ بَعْد مُضِيّ سَنَة وَاحِدَة مِنْ خِلَافَته , فَيَكُون ذَلِكَ فِي أَوَاخِر سَنَة أَرْبَع وَعِشْرِينَ وَأَوَائِل سَنَة خَمْس وَعِشْرِينَ , وَهُوَ الْوَقْت الَّذِي ذَكَرَ أَهْل التَّارِيخ أَنَّ أَرْمِينِيَّة فُتِحَتْ فِيهِ , وَذَلِكَ فِي أَوَّل وِلَايَة الْوَلِيد بْن عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط عَلَى الْكُوفَة مِنْ قِبَل عُثْمَان. وَغَفَلَ بَعْض مَنْ أَدْرَكْنَاهُ فَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حُدُود سَنَة ثَلَاثِينَ وَلَمْ يَذْكُر لِذَلِكَ مُسْتَنَدًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَفْزَعَ حُذَيْفَة اِخْتِلَافهمْ فِي الْقِرَاءَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ \" فَيَتَنَازَعُونَ فِي الْقُرْآن , حَتَّى سَمِعَ حُذَيْفَة مِنْ اِخْتِلَافهمْ مَا ذَعَرَهُ \" وَفِي رِوَايَة يُونُس \" فَتَذَاكَرُوا الْقُرْآن , فَاخْتَلَفُوا فِيهِ حَتَّى كَادَ يَكُون بَيْنهمْ فِتْنَة \" , وَفِي رِوَايَة عُمَارَة بْن غَزِيَّة أَنَّ حُذَيْفَة قَدِمَ مِنْ غَزْوَة فَلَمْ يَدْخُل بَيْته حَتَّى أَتَى عُثْمَان فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ النَّاس , قَالَ. وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : غَزَوْت فَرْج أَرْمِينِيَّة , فَإِذَا أَهْل الشَّام يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَةِ أُبَيِّ بْن كَعْب فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَع أَهْل الْعِرَاق , وَإِذَا أَهْل الْعِرَاق يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَةِ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَع أَهْل الشَّام , فَيُكَفِّر بَعْضهمْ بَعْضًا \". وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن مُعَاوِيَة النَّخَعِيِّ قَالَ \" إِنِّي لَفِي الْمَسْجِد زَمَن الْوَلِيد بْن عُقْبَة فِي حَلْقَة فِيهَا حُذَيْفَة فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُول قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , وَسَمِعَ آخَر يَقُول قِرَاءَة أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ , فَغَضِبَ ثُمَّ قَامَ فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا كَانَ مَنْ قَبْلكُمْ اِخْتَلَفُوا , وَاَللَّه لَأَرْكَبَنَّ إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ \" وَمِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْهُ \" أَنَّ اِثْنَيْنِ اِخْتَلَفَا فِي آيَة مِنْ سُورَة الْبَقَرَة , قَرَأَ هَذَا ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) وَقَرَأَ هَذَا ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلْبَيْتِ ) فَغَضِبَ حُذَيْفَة وَاحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ \" وَمِنْ طَرِيق أَبِي الشَّعْثَاء قَالَ \" قَالَ حُذَيْفَة يَقُول أَهْل الْكُوفَة قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود , وَيَقُول أَهْل الْبَصْرَة قِرَاءَة أَبِي مُوسَى , وَاَللَّه لَئِنْ قَدِمْت عَلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لَآمُرَنَّهُ أَنْ يَجْعَلهَا قِرَاءَة وَاحِدَة \" وَمِنْ طَرِيق أُخْرَى أَنَّ اِبْن مَسْعُود قَالَ لِحُذَيْفَة : بَلَغَنِي عَنْك كَذَا , قَالَ : نَعَمْ كَرِهْت أَنْ يُقَال قِرَاءَة فُلَان وَقِرَاءَة فُلَان فَيَخْتَلِفُونَ كَمَا اِخْتَلَفَ أَهْل الْكِتَاب. وَهَذِهِ الْقِصَّة لِحُذَيْفَة يَظْهَر لِي أَنَّهَا مُتَقَدِّمَة عَلَى الْقِصَّة الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ فِي الْقِرَاءَة , فَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى الِاخْتِلَاف أَيْضًا بَيْن أَهْل الشَّام وَالْعِرَاق اِشْتَدَّ خَوْفه فَرَكِبَ إِلَى عُثْمَان وَصَادَفَ أَنَّ عُثْمَان أَيْضًا كَانَ وَقَعَ لَهُ نَحْو ذَلِكَ , فَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا فِي \" الْمَصَاحِف \" مِنْ طَرِيق أَبِي قِلَابَةَ قَالَ \" لَمَّا كَانَ فِي خِلَافَة عُثْمَان جَعَلَ الْمُعَلِّم يُعَلِّم قِرَاءَة الرَّجُل وَالْمُعَلِّم يُعَلِّم قِرَاءَة الرَّجُل , فَجَعَلَ الْغِلْمَان يَتَلَقَّوْنَ فَيَخْتَلِفُونَ , حَتَّى اِرْتَفَعَ ذَلِكَ إِلَى الْمُعَلِّمِينَ حَتَّى كَفَّرَ بَعْضهمْ بَعْضًا , فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَان فَخَطَبَ فَقَالَ : أَنْتُمْ عِنْدِي تَخْتَلِفُونَ , فَمَنْ نَأَى عَنِّي مِنْ الْأَمْصَار أَشَدّ اِخْتِلَافًا. فَكَأَنَّهُ وَاَللَّه أَعْلَم لَمَّا جَاءَهُ حُذَيْفَة وَأَعْلَمَهُ بِاخْتِلَافِ أَهْل الْأَمْصَار تَحَقَّقَ عِنْده مَا ظَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَة مُصْعَب بْن سَعْد \" فَقَالَ عُثْمَان : تَمْتَرُونَ فِي الْقُرْآن , تَقُولُونَ قِرَاءَة أُبَيٍّ قِرَاءَة عَبْد اللَّه , وَيَقُول الْآخَر وَاَللَّه مَا تُقِيم قِرَاءَتك \" وَمِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ : كَانَ الرَّجُل يَقْرَأ حَتَّى يَقُول الرَّجُل لِصَاحِبِهِ كَفَرْت بِمَا تَقُول , فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُثْمَان فَتَعَاظَمَ فِي نَفْسه. وَعِنْد اِبْن أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة بُكَيْر بْن الْأَشَجّ : أَنَّ نَاسًا بِالْعِرَاقِ يُسْأَل أَحَدهمْ عَنْ الْآيَة فَإِذَا قَرَأَهَا قَالَ : إِلَّا أَنِّي أُكَفَّر بِهَذِهِ , فَفَشَا ذَلِكَ فِي النَّاس , فَكُلِّمَ عُثْمَان فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَرْسَلَ عُثْمَان إِلَى حَفْصَة أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخهَا فِي الْمَصَاحِف ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس بْن يَزِيد \" فَاسْتَخْرَجَ الصَّحِيفَة الَّتِي كَانَ أَبُو بَكْر أَمَرَ زَيْدًا بِجَمْعِهَا فَنَسَخَ مِنْهَا مَصَاحِف فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْآفَاق \" وَالْفَرْق بَيْن الصُّحُف وَالْمُصْحَف أَنَّ الصُّحُف الْأَوْرَاق الْمُجَرَّدَة الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآن فِي عَهْد أَبِي بَكْر , وَكَانَتْ سُوَر مُفَرَّقَة كُلّ سُورَة مُرَتَّبَة بِآيَاتِهَا عَلَى حِدَة لَكِنْ لَمْ يُرَتَّب بَعْضهَا إِثْر بَعْض , فَلَمَّا نُسِخَتْ وَرُتِّبَ بَعْضهَا إِثْر بَعْض صَارَتْ مُصْحَفًا , وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُثْمَان أَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْد أَنْ اِسْتَشَارَ الصَّحَابَة , فَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح مِنْ طَرِيق سُوَيْد بْن غَفَلَةَ قَالَ \" قَالَ عَلِيّ : لَا تَقُولُوا فِي عُثْمَان إِلَّا خَيْرًا فَوَاَللَّهِ مَا فَعَلَ الَّذِي فَعَلَ فِي الْمَصَاحِف إِلَّا عَنْ مَلَأ مِنَّا \" قَالَ مَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَة ؟ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضهمْ يَقُول إِنَّ قِرَاءَتِي خَيْر مِنْ قِرَاءَتك وَهَذَا يَكَاد أَنْ يَكُون كُفْرًا , قُلْنَا : فَمَا تَرَى ؟ قَالَ : أَرَى أَنْ نَجْمَع النَّاس عَلَى مُصْحَف وَاحِد فَلَا تَكُون فُرْقَة وَلَا اِخْتِلَاف. قُلْنَا : فَنِعْمَ مَا رَأَيْت. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَ زَيْد بْن ثَابِت وَعَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَسَعِيد بْن الْعَاصِ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِف ) ‏ ‏وَعِنْد اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ \" جَمَعَ عُثْمَان اِثْنَيْ عَشَر رَجُلًا مِنْ قُرَيْش وَالْأَنْصَار مِنْهُمْ أُبَيّ بْن كَعْب , وَأَرْسَلَ إِلَى الرُّقْعَة الَّتِي فِي بَيْت عُمَر , قَالَ فَحَدَّثَنِي كَثِير بْن أَفْلَح وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُب قَالَ : فَكَانُوا إِذَا اِخْتَلَفُوا فِي الشَّيْء أَخَّرُوهُ , قَالَ اِبْن سِيرِينَ أَظُنّهُ لِيَكْتُبُوهُ عَلَى الْعَرْضَة الْأَخِيرَة \" وَفِي رِوَايَة مُصْعَب بْن سَعْد \" فَقَالَ عُثْمَان : مَنْ أَكْتَب النَّاس ؟ قَالُوا كَاتِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْد بْن ثَابِت. قَالَ : فَأَيّ النَّاس أَعْرَب - وَفِي رِوَايَة أَفْصَح - قَالُوا : سَعِيد بْن الْعَاصِ , قَالَ عُثْمَان : فَلْيُمْلِ سَعِيد وَلْيَكْتُبْ زَيْد \" وَمِنْ طَرِيق سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز أَنَّ عَرَبِيَّة الْقُرْآن أُقِيمَتْ عَلَى لِسَان سَعِيد بْن الْعَاصِ بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ بْن أُمَيَّة لِأَنَّهُ كَانَ أَشْبَههمْ لَهْجَة بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقُتِلَ أَبُوهُ الْعَاصِي يَوْم بَدْر مُشْرِكًا , وَمَاتَ جَدّه سَعِيد بْن الْعَاصِ قَبْل بَدْر مُشْرِكًا. ‏ ‏قُلْت : وَقَدْ أَدْرَكَ سَعِيد بْن الْعَاصِ هَذَا مِنْ حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْع سِنِينَ , قَالَهُ اِبْن سَعْد وَعَدُّوهُ لِذَلِكَ فِي الصَّحَابَة , وَحَدِيثه عَنْ عُثْمَان وَعَائِشَة فِي صَحِيح مُسْلِم , وَاسْتَعْمَلَهُ عُثْمَان عَلَى الْكُوفَة وَمُعَاوِيَة عَلَى الْمَدِينَة , وَكَانَ مِنْ أَجْوَاد قُرَيْش وَحُلَمَائِهَا , وَكَانَ مُعَاوِيَة يَقُول : لِكُلِّ قَوْم كَرِيم , وَكَرِيمنَا سَعِيد. وَكَانَتْ وَفَاته بِالْمَدِينَةِ سَنَة سَبْع أَوْ ثَمَان أَوْ تِسْع وَخَمْسِينَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُمَارَة بْن غَزِيَّة \" أَبَان بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ \" بَدَل \" سَعِيد \" قَالَ الْخَطِيب : وَوَهِمَ عُمَارَة فِي ذَلِكَ لِأَنَّ أَبَان قُتِلَ بِالشَّامِ فِي خِلَافَة عُمَر وَلَا مَدْخَل لَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّة , وَاَلَّذِي أَقَامَهُ عُثْمَان فِي ذَلِكَ هُوَ سَعِيد بْن الْعَاصِ بْنِ أَخِي أَبَان الْمَذْكُور ا ه. وَوَقَعَ مِنْ تَسْمِيَة بَقِيَّة مَنْ كَتَبَ أَوْ أَمْلَى عِنْد اِبْن أَبِي دَاوُدَ مُفَرَّقًا جَمَاعَة : مِنْهُمْ مَالِك بْن أَبِي عَامِر جَدّ مَالِك بْن أَنَس مِنْ رِوَايَته وَمِنْ رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ عَنْهُ , وَمِنْهُمْ كَثِير بْن أَفْلَح كَمَا تَقَدَّمَ , وَمِنْهُمْ أُبَيّ بْن كَعْب كَمَا ذَكَرْنَا , وَمِنْهُمْ أَنَس بْن مَالِك , وَعَبْد اللَّه بْن عَبَّاس. وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْن مَجْمَع عَنْ اِبْن شِهَاب فِي أَصْل حَدِيث الْبَاب , فَهَؤُلَاءِ تِسْعَة عَرَفْنَا تَسْمِيَتهمْ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَر , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل وَجَابِر بْنِ سَمُرَة قَالَ \" قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب : لَا يُمْلِيَنَّ فِي مَصَاحِفنَا إِلَّا غِلْمَان قُرَيْش وَثَقِيف \" وَلَيْسَ فِي الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ أَحَد مِنْ ثَقِيف بَلْ كُلّهمْ إِمَّا قُرَيْشِيّ أَوْ أَنْصَارِيّ , وَكَأَنَّ اِبْتِدَاء الْأَمْر كَانَ لِزَيْدٍ وَسَعِيد لِلْمَعْنَى الْمَذْكُور فِيهِمَا فِي رِوَايَة مُصْعَب , ثُمَّ اِحْتَاجُوا إِلَى مَنْ يُسَاعِد فِي الْكِتَابَة بِحَسَبِ الْحَاجَة إِلَى عَدَد الْمَصَاحِف الَّتِي تُرْسَل إِلَى الْآفَاق فَأَضَافُوا إِلَى زَيْد مَنْ ذُكِرَ ثُمَّ اِسْتَظْهَرُوا بِأُبَيّ بْن كَعْب فِي الْإِمْلَاء. وَقَدْ شَقَّ عَلَى اِبْن مَسْعُود صَرْفه عَنْ كِتَابَة الْمُصْحَف حَتَّى قَالَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ فِي آخِر حَدِيث إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ اِبْن شِهَاب مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْهُ , قَالَ اِبْن شِهَاب : فَأَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة بْن مَسْعُود أَنَّ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود كَرِهَ لِزَيْدِ بْن ثَابِت نَسْخ الْمَصَاحِف وَقَالَ : يَا مَعْشَر الْمُسْلِمِينَ أَعْزِل عَنْ نَسْخ كِتَابَة الْمَصَاحِف وَيَتَوَلَّاهَا رَجُل وَاَللَّه لَقَدْ أَسْلَمْت وَإِنَّهُ لَفِي صُلْب رَجُل كَافِر ؟ يُرِيد زَيْد بْن ثَابِت. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق خُمَيْر بْن مَالِك بِالْخَاءِ مُصَغَّر : سَمِعْت اِبْن مَسْعُود يَقُول لَقَدْ أَخَذْت مِنْ فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعِينَ سُورَة وَإِنَّ زَيْد بْن ثَابِت لَصَبِيّ مِنْ الصِّبْيَان. وَمِنْ طَرِيق أَبِي وَائِل عَنْ اِبْن مَسْعُود بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَة. وَمِنْ طَرِيق زِرّ بْن حُبَيْشٍ عَنْهُ مِثْله وَزَادَ : وَإِنَّ لِزَيْدِ بْن ثَابِت ذُؤَابَتَيْنِ. وَالْعُذْر لِعُثْمَان فِي ذَلِكَ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِالْمَدِينَةِ وَعَبْد اللَّه بِالْكُوفَةِ وَلَمْ يُؤَخِّر مَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يُرْسِل إِلَيْهِ وَيَحْضُر وَأَيْضًا فَإِنَّ عُثْمَان إِنَّمَا أَرَادَ نَسْخ الصُّحُف الَّتِي كَانَتْ جُمِعَتْ فِي عَهْد أَبِي بَكْر وَأَنْ يَجْعَلهَا مُصْحَفًا وَاحِدًا , وَكَانَ الَّذِي نَسَخَ ذَلِكَ فِي عَهْد أَبِي بَكْر هُوَ زَيْد بْن ثَابِت كَمَا تَقَدَّمَ لِكَوْنِهِ كَانَ كَاتِب الْوَحْي , فَكَانَتْ لَهُ فِي ذَلِكَ أَوَّلِيَّة لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ فِي آخِر الْحَدِيث الْمَذْكُور عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ مَقَالَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رِجَال مِنْ أَفَاضِل الصَّحَابَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عُثْمَان لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَة ) ‏ ‏يَعْنِي سَعِيدًا وَعَبْد اللَّه وَعَبْد الرَّحْمَن , لِأَنَّ سَعِيدًا أُمَوِيّ وَعَبْد اللَّه أَسَدِيّ وَعَبْد الرَّحْمَن مَخْزُومِيّ وَكُلّهَا مِنْ بُطُون قُرَيْش. ‏ ‏قَوْله : ( فِي شَيْء مِنْ الْقُرْآن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" فِي عَرَبِيَّة مِنْ عَرَبِيَّة الْقُرْآن \" وَزَادَ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد فِي حَدِيث الْبَاب \" قَالَ اِبْن شِهَاب فَاخْتَلَفُوا يَوْمَئِذٍ فِي التَّابُوت وَالتَّابُوه , فَقَالَ الْقُرَشِيُّونَ التَّابُوت وَقَالَ زَيْد التَّابُوه , فَرُفِعَ اِخْتِلَافهمْ إِلَى عُثْمَان فَقَالَ : اُكْتُبُوهُ التَّابُوت فَإِنَّهُ نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْش \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة أَدْرَجَهَا إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْن مَجْمَع فِي رِوَايَته عَنْ اِبْن شِهَاب فِي حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ الْخَطِيب : وَإِنَّمَا رَوَاهَا اِبْن شِهَاب مُرْسَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُف فِي الْمَصَاحِف رَدَّ عُثْمَان الصُّحُف إِلَى حَفْصَة ) ‏ ‏زَادَ أَبُو عُبَيْد وَابْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ \" كَانَ مَرْوَان يُرْسِل إِلَى حَفْصَة - يَعْنِي حِين كَانَ أَمِير الْمَدِينَة مِنْ جِهَة مُعَاوِيَة - يَسْأَلهَا الصُّحُف الَّتِي كُتِبَ مِنْهَا الْقُرْآن فَتَأْبَى أَنْ تُعْطِيه , قَالَ سَالِم فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ حَفْصَة وَرَجَعْنَا مِنْ دَفْنهَا أَرْسَلَ مَرْوَان بِالْعَزِيمَةِ إِلَى عَبْد اللَّه بْن عُمَر لِيُرْسِلَنَّ إِلَيْهِ تِلْكَ الصُّحُف , فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , فَأَمَرَ بِهَا مَرْوَان فَشُقِّقَتْ وَقَالَ : إِنَّمَا فَعَلْت هَذَا لِأَنِّي خَشِيت إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَان أَنْ يَرْتَاب فِي شَأْن هَذِهِ الصُّحُف مُرْتَاب \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عُبَيْدَة \" فَمُزِّقَتْ \" قَالَ أَبُو عُبَيْد : لَمْ يُسْمَع أَنَّ مَرْوَان مَزَّقَ الصُّحُف إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة. ‏ ‏قُلْت : قَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق يُونُس بْن يَزِيد عَنْ اِبْن شِهَاب نَحْوه وَفِيهِ \" فَلَمَّا كَانَ مَرْوَان أَمِير الْمَدِينَة أَرْسَلَ إِلَى حَفْصَة يَسْأَلهَا الصُّحُف , فَمَنَعَتْهُ إِيَّاهَا , قَالَ فَحَدَّثَنِي سَالِم بْن عَبْد اللَّه قَالَ : لَمَّا تُوُفِّيَتْ حَفْصَة \" فَذَكَرَهُ وَقَالَ فِيهِ \" فَشَقَّقَهَا وَحَرَّقَهَا \" وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة عُمَارَة بْن غَزِيَّة أَيْضًا بِاخْتِصَارٍ , لَكِنْ أَدْرَجَهَا أَيْضًا فِي حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت وَقَالَ فِيهِ \" فَغَسَلَهَا غَسْلًا \" وَعِنْد اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم أَوْ خَارِجَة أَنَّ أَبَا بَكْر لَمَّا جَمَعَ الْقُرْآن سَأَلَ زَيْد بْن ثَابِت النَّظَر فِي ذَلِكَ فَذَكَرَ الْحَدِيث مُخْتَصَرًا إِلَى أَنْ قَالَ \" فَأَرْسَلَ عُثْمَان إِلَى حَفْصَة فَطَلَبَهَا فَأَبَتْ حَتَّى عَاهَدَهَا لَيَرُدَّنَّهَا إِلَيْهَا , فَنَسَخَ مِنْهَا ثُمَّ رَدَّهَا , فَلَمْ تَزَلْ عِنْدهَا حَتَّى أَرْسَلَ مَرْوَان فَأَخَذَهَا فَحَرَّقَهَا \" وَيُجْمَع بِأَنَّهُ صَنَعَ بِالصُّحُفِ جَمِيع ذَلِكَ مِنْ تَشْقِيق ثُمَّ غَسْل ثُمَّ تَحْرِيق , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة فَيَكُون مَزَّقَهَا ثُمَّ غَسَلَهَا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَرْسَلَ إِلَى كُلّ أُفُق بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" فَأَرْسَلَ إِلَى كُلّ جُنْد مِنْ أَجْنَاد الْمُسْلِمِينَ بِمُصْحَفٍ \". وَاخْتَلَفُوا فِي عِدَّة الْمَصَاحِف الَّتِي أَرْسَلَ بِهَا عُثْمَان إِلَى الْآفَاق , فَالْمَشْهُور أَنَّهَا خَمْسَة , وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ فِي \" كِتَاب الْمَصَاحِف \" مِنْ طَرِيق حَمْزَة الزَّيَّات قَالَ : أَرْسَلَ عُثْمَان أَرْبَعَة مَصَاحِف , وَبَعَثَ مِنْهَا إِلَى الْكُوفَة بِمُصْحَفٍ فَوَقَعَ عِنْد رَجُل مِنْ مُرَاد , فَبَقِيَ حَتَّى كَتَبْت مُصْحَفِي عَلَيْهِ. قَالَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ أَبَا حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ يَقُول : كَتَبْت سَبْعَة مَصَاحِف إِلَى مَكَّة وَإِلَى الشَّام وَإِلَى الْيَمَن وَإِلَى الْبَحْرَيْنِ وَإِلَى الْبَصْرَة وَإِلَى الْكُوفَة , وَحَبَسَ بِالْمَدِينَةِ وَاحِدًا. وَأُخْرِجَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح إِلَى إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ قَالَ : قَالَ لِي رَجُل مِنْ أَهْل الشَّام مُصْحَفنَا وَمُصْحَف أَهْل الْبَصْرَة أَضْبَط مِنْ مُصْحَف أَهْل الْكُوفَة , قُلْت : لِمَ ؟ قَالَ : لِأَنَّ عُثْمَان بَعَثَ إِلَى الْكُوفَة لَمَّا بَلَغَهُ مِنْ اِخْتِلَافهمْ بِمُصْحَفٍ قَبْل أَنْ يُعْرَض , وَبَقِيَ مُصْحَفنَا وَمُصْحَف أَهْل الْبَصْرَة حَتَّى عُرِضَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْقُرْآن فِي كُلّ صَحِيفَة أَوْ مُصْحَف أَنْ يُحْرَق ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَكْثَر \" أَنْ يُخْرَق \" بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة , وَلِلْمَرْوَزِيّ بِالْمُهْمَلَةِ وَرَوَاهُ الْأَصِيلِيّ بِالْوَجْهَيْنِ , وَالْمُعْجَمَة أَثْبَت. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَنْ تُمْحَى أَوْ تُحْرَق \" وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب عِنْد اِبْن أَبِي دَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرهمَا \" وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُحَرِّقُوا كُلّ مُصْحَف يُخَالِف الْمُصْحَف الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ , قَالَ : فَذَلِكَ زَمَان حُرِّقَتْ الْمَصَاحِف بِالْعِرَاقِ بِالنَّارِ \" وَفِي رِوَايَة سُوَيْد بْن غَفَلَةَ عَنْ عَلِيّ قَالَ \" لَا تَقُولُوا لِعُثْمَان فِي إِحْرَاق الْمَصَاحِف إِلَّا خَيْرًا \" وَفِي رِوَايَة بُكَيْر بْن الْأَشَجّ \" فَأَمَرَ بِجَمْعِ الْمَصَاحِف فَأَحْرَقَهَا , ثُمَّ بَثَّ فِي الْأَجْنَاد الَّتِي كَتَبَ \" وَمِنْ طَرِيق مُصْعَب بْن سَعْد قَالَ \" أَدْرَكْت النَّاس مُتَوَافِرِينَ حِين حَرَّقَ عُثْمَان الْمَصَاحِف , فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ - أَوْ قَالَ - لَمْ يُنْكِر ذَلِكَ مِنْهُمْ أَحَد \" وَفِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ \" فَلَمَّا فَرَغَ عُثْمَان مِنْ الْمُصْحَف كَتَبَ إِلَى أَهْل الْأَمْصَار : إِنِّي قَدْ صَنَعْت كَذَا وَكَذَا وَمَحَوْت مَا عِنْدِي , فَامْحُوا مَا عِنْدكُمْ \" وَالْمَحْو أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون بِالْغَسْلِ أَوْ التَّحْرِيق , وَأَكْثَر الرِّوَايَات صَرِيح فِي التَّحْرِيق فَهُوَ الَّذِي وَقَعَ , وَيَحْتَمِل وُقُوع كُلّ مِنْهُمَا بِحَسَبِ مَا رَأَى مَنْ كَانَ بِيَدِهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَقَدْ جَزَمَ عِيَاض بِأَنَّهُمْ غَسَلُوهَا بِالْمَاءِ ثُمَّ أَحْرَقُوهَا مُبَالَغَة فِي إِذْهَابهَا. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز تَحْرِيق الْكُتُب الَّتِي فِيهَا اِسْم اللَّه بِالنَّارِ وَأَنَّ ذَلِكَ إِكْرَام لَهَا وَصَوْن عَنْ وَطْئِهَا بِالْأَقْدَامِ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ يُحَرِّق الرَّسَائِل الَّتِي فِيهَا الْبَسْمَلَة إِذَا اِجْتَمَعَتْ , وَكَذَا فَعَلَ عُرْوَة , وَكَرِهَهُ إِبْرَاهِيم , وَقَالَ اِبْن عَطِيَّة : الرِّوَايَة بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة أَصَحّ. وَهَذَا الْحُكْم هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت , وَأَمَّا الْآن فَالْغَسْل أَوْلَى لِمَا دَعَتْ الْحَاجَة إِلَى إِزَالَته. ‏ ‏وَقَوْله \" وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ \" ‏ ‏أَيْ بِمَا سِوَى الْمُصْحَف الَّذِي اِسْتَكْتَبَهُ وَالْمَصَاحِف الَّتِي نُقِلَتْ مِنْهُ وَسِوَى الصُّحُف الَّتِي كَانَتْ عِنْد حَفْصَة وَرَدَّهَا إِلَيْهَا , وَلِهَذَا اِسْتَدْرَكَ مَرْوَان الْأَمْر بَعْدهَا وَأَعْدَمَهَا أَيْضًا خَشْيَة أَنْ يَقَع لِأَحَدٍ مِنْهَا تَوَهُّم أَنَّ فِيهَا مَا يُخَالِف الْمُصْحَف الَّذِي اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْر كَمَا تَقَدَّمَ. وَاسْتُدِلَّ بِتَحْرِيقِ عُثْمَان الصُّحُف عَلَى الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْحُرُوف وَالْأَصْوَات لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن كَلَام اللَّه قَدِيمًا أَنْ تَكُون الْأَسْطُر الْمَكْتُوبَة فِي الْوَرَق قَدِيمَة , وَلَوْ كَانَتْ هِيَ عَيْن كَلَام اللَّه لَمْ يَسْتَجِزْ الصَّحَابَة إِحْرَاقهَا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب وَأَخْبَرَنِي خَارِجَة إِلَخْ ) ‏ ‏هَذِهِ هِيَ الْقِصَّة الثَّالِثَة وَهِيَ مَوْصُولَة إِلَى اِبْن شِهَاب بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه وَاضِحًا , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَة مُفْرَدَة فِي الْجِهَاد وَفِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب , وَظَاهِر حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت هَذَا أَنَّهُ فَقَدَ آيَة الْأَحْزَاب مِنْ الصُّحُف الَّتِي كَانَ نَسَخَهَا فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر حَتَّى وَجَدَهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِت. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْن مَجْمَع عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّ فَقْده إِيَّاهَا إِنَّمَا كَانَ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر , وَهُوَ وَهْم مِنْهُ , وَالصَّحِيح مَا فِي الصَّحِيح وَأَنَّ الَّذِي فَقَدَهُ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر الْآيَتَانِ مِنْ آخِر بَرَاءَة وَأَمَّا الَّتِي فِي الْأَحْزَاب فَفَقَدَهَا لَمَّا كَتَبَ الْمُصْحَف فِي خِلَافَة عُثْمَان , وَجَزَمَ اِبْن كَثِير بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَجْمَع , وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ اِبْن التِّين وَغَيْره : الْفَرْق بَيْن جَمْع أَبِي بَكْر وَبَيْن جَمْع عُثْمَان أَنَّ جَمْع أَبِي بَكْر كَانَ لِخَشْيَةِ أَنْ يَذْهَب مِنْ الْقُرْآن شَيْء بِذَهَابِ حَمَلَته , لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعًا فِي مَوْضِع وَاحِد فَجَمَعَهُ فِي صَحَائِف مُرَتِّبًا لِآيَاتِ سُوَره عَلَى مَا وَقَفَهُمْ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَجَمْع عُثْمَان كَانَ لَمَّا كَثُرَ الِاخْتِلَاف فِي وُجُوه الْقُرْآن حِين قَرَءُوهُ بِلُغَاتِهِمْ عَلَى اِتِّسَاع اللُّغَات , فَأَدَّى ذَلِكَ بِبَعْضِهِمْ إِلَى تَخْطِئَة بَعْض , فَخَشِيَ مِنْ تَفَاقُم الْأَمْر فِي ذَلِكَ , فَنَسَخَ تِلْكَ الصُّحُف فِي مُصْحَف وَاحِد مُرَتِّبًا لِسُوَرِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب تَأْلِيف الْقُرْآن \" وَاقْتَصَرَ مِنْ سَائِر اللُّغَات عَلَى لُغَة قُرَيْش مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ قَدْ وَسَّعَ فِي قِرَاءَته بِلُغَةِ غَيْرهمْ رَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّة فِي اِبْتِدَاء الْأَمْر , فَرَأَى أَنَّ الْحَاجَة إِلَى ذَلِكَ اِنْتَهَتْ فَاقْتَصَرَ عَلَى لُغَة وَاحِدَة , وَكَانَتْ لُغَة قُرَيْش أَرْجَح اللُّغَات فَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا , وَسَيَأْتِي مَزِيد بَيَان لِذَلِكَ بَعْد بَاب وَاحِد. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ اِبْن مَعِين لَمْ يَرْوِ أَحَد حَدِيث جَمْع الْقُرْآن أَحْسَن مِنْ سِيَاق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد , وَقَدْ رَوَى مَالِك طَرَفًا مِنْهُ عَنْ اِبْن شِهَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "4605",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ السَّبَّاقِ ‏ ‏قَالَ إِنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرْسَلَ إِلَيَّ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاتَّبِعْ الْقُرْآنَ فَتَتَبَّعْتُ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ ‏ ‏التَّوْبَةِ ‏ ‏آيَتَيْنِ مَعَ ‏ ‏أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ ‏ { ‏لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ‏} ‏إِلَى آخِرِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت فِي قِصَّته مَعَ أَبِي بَكْر فِي جَمْع الْقُرْآن , أَوْرَدَ مِنْهُ طَرَفًا , وَغَرَضه مِنْهُ قَوْل أَبِي بَكْر لِزَيْدٍ \" إِنَّك كُنْت تَكْتُب الْوَحْي \" وَقَدْ مَضَى الْبَحْث فِيهِ مُسْتَوْفًى فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏"
    },
    {
        "id": "4606",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ‏} { ‏وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏} ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ادْعُ لِي ‏ ‏زَيْدًا ‏ ‏وَلْيَجِئْ بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ وَالْكَتِفِ ‏ ‏أَوْ الْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ اكْتُبْ ‏ { ‏لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ ‏} ‏وَخَلْفَ ظَهْرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏ ‏الْأَعْمَى قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنِي فَإِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا ‏ { ‏لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ‏} { ‏وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏} { ‏غَيْرُ أُولِي ‏ ‏الضَّرَرِ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء وَهُوَ اِبْن عَازِب ‏ ‏\" لَمَّا نَزَلَتْ ( لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُدْعُ لِي زَيْدًا ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء بِلَفْظِ \" اُدْعُ لِي فُلَانًا \" ‏ ‏مِنْ رِوَايَة إِسْرَائِيل أَيْضًا , وَفِي رِوَايَة غَيْره \" اُدْعُ لِي زَيْدًا \" أَيْضًا وَتَقَدَّمَتْ الْقِصَّة هُنَاكَ مِنْ حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت نَفْسه. وَوَقَعَ هُنَا فَنَزَلَتْ مَكَانهَا ( لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ غَيْر أُولِي الضَّرَر ) هَكَذَا وَقَعَ بِتَأْخِيرِ لَفْظ ( غَيْر أُولِي الضَّرَر ) وَاَلَّذِي فِي التِّلَاوَة ( غَيْر أُولِي الضَّرَر ) قَبْل ( وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه ) وَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَى الصَّوَاب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِسْرَائِيل. ‏"
    },
    {
        "id": "4607",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقْرَأَنِي ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏حَرْفٍ ‏ ‏فَرَاجَعْتُهُ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ ‏ ‏أَحْرُفٍ ‏",
        "sharh": "أَحَدهمَا حَدِيث اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عُفَيْر ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاء مُصَغَّر , وَهُوَ سَعِيد بْن كَثِير بْن عُفَيْر يُنْسَب إِلَى جَدّه , وَهُوَ مِنْ حُفَّاظ الْمِصْرِيِّينَ وَثِقَاتهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ) ‏ ‏هَذَا مِمَّا لَمْ يُصَرِّح اِبْن عَبَّاس بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أُبَيِّ بْن كَعْب , فَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة بْن خَالِد عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب نَحْوه , وَالْحَدِيث مَشْهُور عَنْ أَبِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَغَيْره مِنْ حَدِيثه كَمَا سَأَذْكُرُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَقْرَأَنِي جِبْرِيل عَلَى حَرْف ) ‏ ‏فِي أَوَّل حَدِيث النَّسَائِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب \" أَقْرَأَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَة , فَبَيْنَمَا أَنَا فِي الْمَسْجِد إِذْ سَمِعْت رَجُلًا يَقْرَؤُهَا يُخَالِف قِرَاءَتِي \" الْحَدِيث. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب قَالَ \" كُنْت فِي الْمَسْجِد فَدَخَلَ رَجُل يُصَلِّي فَقَرَأَ قِرَاءَة أَنْكَرْتهَا عَلَيْهِ , ثُمَّ دَخَلَ آخَر فَقَرَأَ قِرَاءَة سِوَى قِرَاءَة صَاحِبه , فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاة دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَة أَنْكَرْتهَا عَلَيْهِ , وَدَخَلَ آخَر فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَة صَاحِبه , فَأَمَرَهُمَا فَقَرَآ , فَحَسَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَأْنهمَا قَالَ فَسَقَطَ فِي نَفْسِي وَلَا إِذْ كُنْت فِي الْجَاهِلِيَّة , فَضَرَبَ فِي صَدْرِيّ فَفِضْت عَرَقًا وَكَأَنَّمَا أَنْظُر إِلَى اللَّه فَرَقًا , فَقَالَ لِي يَا أُبَيّ , أُرْسِلَ إِلَيَّ أَنْ اِقْرَأْ الْقُرْآن عَلَى حَرْف \" الْحَدِيث. وَعِنْد الطَّبَرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَوَجَدْت فِي نَفْسِي وَسْوَسَة الشَّيْطَان حَتَّى اِحْمَرَّ وَجْهِي , فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ : اللَّهُمَّ اِخْسَأْ عَنْهُ الشَّيْطَان \". وَعِنْد الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أُبَيٍّ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَيْنه وَبَيْن اِبْن مَسْعُود , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كِلَاكُمَا مُحْسِن قَالَ أُبَيّ فَقُلْت : مَا كِلَانَا أَحْسَن وَلَا أَجْمَل , قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي \" الْحَدِيث. وَبَيَّنَ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي لَيْلَى عَنْ أُبَيٍّ الْمَكَان الَّذِي نَزَلَ فِيهِ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَفْظه \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْد أَضَاة بَنِي غِفَار فَآتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ : إِنَّ اللَّه يَأْمُرك أَنْ تُقْرِئ أُمَّتك الْقُرْآن عَلَى حَرْف الْحَدِيث. وَبَيَّنَ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيق أَنَّ السُّورَة الْمَذْكُورَة سُورَة النَّحْل. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَاجَعْته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ أُبَيٍّ \" فَرَدَدْت إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" إِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيق ذَلِكَ \". وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أُبَيٍّ \" فَقَالَ لِي الْمَلَك الَّذِي مَعِي : قُلْ عَلَى حَرْفَيْنِ , حَتَّى بَلَغْت سَبْعَة أَحْرُف \". وَفِي رِوَايَة لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق أَنَس عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب \" أَنَّ جِبْرِيل وَمِيكَائِيلَ أَتَيَانِي فَقَالَ جِبْرِيل : اِقْرَأْ الْقُرْآن عَلَى حَرْف , فَقَالَ مِيكَائِيل اِسْتَزِدْهُ \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرَة نَحْوه. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدهُ وَيَزِيدنِي ) ‏ ‏فِي حَدِيث أُبَيٍّ \" ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَة فَقَالَ عَلَى حَرْفَيْنِ \" ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَة فَقَالَ عَلَى ثَلَاثَة أَحْرُف , ثُمَّ جَاءَهُ الرَّابِعَة فَقَالَ : إِنَّ اللَّه يَأْمُرك أَنْ تُقْرِئ أُمَّتك عَلَى سَبْعَة أَحْرُف , فَأَيّمَا حَرْف قَرَءُوا عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابُوا \" وَفِي رِوَايَة لِلطَّبَرِيِّ \" عَلَى سَبْعَة أَحْرُف مِنْ سَبْعَة أَبْوَاب مِنْ الْجَنَّة \" وَفِي أُخْرَى لَهُ \" مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْهَا فَهُوَ كَمَا قَرَأَ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" ثُمَّ قَالَ : لَيْسَ مِنْهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ إِنْ قُلْت سَمِيعًا عَلِيمًا عَزِيزًا حَكِيمًا , مَا لَمْ تَخْتِم آيَة عَذَاب بِرَحْمَةٍ أَوْ آيَة رَحْمَة بِعَذَابٍ \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْه آخَر أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" يَا جِبْرِيل إِنِّي بُعِثْت إِلَى أُمَّة أُمِّيِّينَ , مِنْهُمْ الْعَجُوز وَالشَّيْخ الْكَبِير وَالْغُلَام وَالْجَارِيَة وَالرَّجُل الَّذِي لَمْ يَقْرَأ كِتَابًا قَطّ \" الْحَدِيث. وَفِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة عِنْد أَحْمَد \" كُلّهَا كَافٍ شَافٍ كَقَوْلِك هَلُمَّ وَتَعَالَ مَا لَمْ تَخْتِم \" الْحَدِيث. وَهَذِهِ الْأَحَادِيث تُقَوِّي أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَحْرُفِ اللُّغَات أَوْ الْقِرَاءَات , أَيْ أُنْزِلَ الْقُرْآن عَلَى سَبْع لُغَات أَوْ قِرَاءَات , وَالْأَحْرُف جَمْع حَرْف مِثْل فَلْس وَأَفْلُس , فَعَلَى الْأَوَّل يَكُون الْمَعْنَى عَلَى سَبْعَة أَوْجُه مِنْ اللُّغَات لِأَنَّ أَحَد مَعَانِي الْحَرْف فِي اللُّغَة الْوَجْه كَقَوْلِهِ تَعَالَ ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ) وَعَلَى الثَّانِي يَكُون الْمُرَاد مِنْ إِطْلَاق الْحَرْف عَلَى الْكَلِمَة مَجَازًا لِكَوْنِهِ بَعْضهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4608",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ ‏ ‏حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ‏ ‏يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكِدْتُ ‏ ‏أُسَاوِرُهُ ‏ ‏فِي الصَّلَاةِ فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ ‏ ‏فَلَبَّبْتُهُ ‏ ‏بِرِدَائِهِ فَقُلْتُ مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ قَالَ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ كَذَبْتَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ ‏ ‏الْفُرْقَانِ ‏ ‏عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْسِلْهُ اقْرَأْ يَا ‏ ‏هِشَامُ ‏ ‏فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ ثُمَّ قَالَ اقْرَأْ يَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ ‏ ‏إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن نَوْفَل الزُّهْرِيَّ , كَذَا رَوَاهُ عُقَيْل وَيُونُس وَشُعَيْب وَابْن أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَاقْتَصَرَ مَالِك عَنْهُ عَلَى عُرْوَة فَلَمْ يَذْكُر الْمِسْوَر فِي إِسْنَاده , وَاقْتَصَرَ عَبْد الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ فِيمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَة فَلَمْ يَذْكُر عَبْد الرَّحْمَن , وَذَكَرَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقه لَكِنْ أَحَالَ بِهِ قَالَ : كَرِوَايَةِ يُونُس وَكَأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس فَذَكَرَهُمَا , وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي الْمُحَارَبَة عَنْ اللَّيْث عَنْ يُونُس تَعْلِيقًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد ) ‏ ‏هُوَ بِالتَّنْوِينِ غَيْر مُضَاف لِشَيْءٍ. ‏ ‏قَوْله : ( الْقَارِيّ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْيَاء التَّحْتَانِيَّة نِسْبَة إِلَى الْقَارَة بَطْن مِنْ خُزَيْمَةَ بْن مُدْرِكَة , وَالْقَارَة لَقَب وَاسْمه أُثَيْع بِالْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّر اِبْن مُلَيْح بِالتَّصْغِيرِ وَآخِره مُهْمَلَة اِبْن الْهُون بِضَمِّ الْهَاء اِبْن خُزَيْمَةَ. وَقِيلَ بَلْ الْقَارة هُوَ الدِّيش بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُعْجَمَة مِنْ ذُرِّيَّة أُثَيْع الْمَذْكُور , وَلَيْسَ هُوَ مَنْسُوبًا إِلَى الْقِرَاءَة , وَكَانُوا قَدْ حَالَفُوا بَنِي زُهْرَة وَسَكَنُوا مَعَهُمْ بِالْمَدِينَةِ بَعْد الْإِسْلَام , وَكَانَ عَبْد الرَّحْمَن مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ , وَقَدْ ذُكِرَ فِي الصَّحَابَة لِكَوْنِهِ أُتِيَ بِهِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَغِير , أَخْرَجَ ذَلِكَ الْبَغَوِيُّ فِي مُسْنَد الصَّحَابَة بِإِسْنَادٍ لَا بَأْس بِهِ , وَمَاتَ سَنَة ثَمَان وَثَمَانِينَ فِي قَوْل الْأَكْثَر وَقِيلَ سَنَة ثَمَانِينَ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْأَشْخَاص , وَلَهُ عِنْده حَدِيث آخَر عَنْ عُمَر فِي الصِّيَام. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت هِشَام بْن حَكِيم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن حِزَام الْأَسَدِيَّ , لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَة , وَكَانَ إِسْلَامهمَا يَوْم الْفَتْح , وَكَانَ لِهِشَامٍ فَضْل , وَمَاتَ قَبْل أَبِيهِ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ رِوَايَة. وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِم حَدِيثًا وَاحِدًا مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَة عُرْوَة عَنْهُ , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ تَأَخَّرَ إِلَى خِلَافَة عُثْمَان وَعَلِيّ , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ اُسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر أَوْ عُمَر. وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد عَنْ مَعْن بْن عِيسَى عَنْ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيِّ : كَانَ هِشَام بْن حَكِيم يَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ , فَكَانَ عُمَر يَقُول إِذَا بَلَغَهُ الشَّيْء : أَمَّا مَا عِشْت أَنَا وَهِشَام فَلَا يَكُون ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( يَقْرَأ سُورَة الْفُرْقَان ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , وَكَذَا فِي سَائِر طُرُق الْحَدِيث فِي الْمَسَانِيد وَالْجَوَامِع , وَذَكَرَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّهُ وَقَعَ عِنْد الْخَطِيب فِي \" الْمُبْهَمَات \" سُورَة الْأَحْزَاب بَدَل الْفُرْقَان , وَهُوَ غَلَط مِنْ النُّسْخَة الَّتِي وُقِفَ عَلَيْهَا , فَإِنَّ الَّذِي فِي كِتَاب الْخَطِيب الْفُرْقَان كَمَا فِي رِوَايَة غَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( فَكِدْت أُسَاوِرُهُ ) ‏ ‏بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة أَيْ آخُذ بِرَأْسِهِ قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ , وَقَالَ غَيْره \" أُوَاثِبهُ \" وَهُوَ أَشْبَه , قَالَ النَّابِغَة : ‏ ‏فَبِتّ كَأَنَّ سَاوَرَتْنِي ضَئِيلَة ‏ ‏مِنْ الرَّقْش فِي أَنْيَابهَا السُّمّ نَاقِع ‏ ‏أَيْ وَاثَبَتْنِي , وَفِي بَانَتْ سُعَاد : ‏ ‏إِذَا يُسَاوِر قِرْنًا لَا يَحِلّ لَهُ ‏ ‏أَنْ يَتْرُك الْقِرْن إِلَّا وَهُوَ مَخْذُول ‏ ‏وَوَقَعَ عِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ وَالْقَابِسِيّ فِي رِوَايَة شُعَيْب الْآتِيَة بَعْد أَبْوَاب \" أُثَاوِرُهُ \" بِالْمُثَلَّثَةِ عِوَض الْمُهْمَلَة , قَالَ عِيَاض : وَالْمَعْرُوف الْأَوَّل. ‏ ‏قُلْت : لَكِنْ مَعْنَاهَا أَيْضًا صَحِيح , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك \" أَنْ أَعْجَل عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَتَصَبَّرْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" ثُمَّ أَمْهَلْته حَتَّى اِنْصَرَفَ \" أَيْ مِنْ الصَّلَاة , لِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" حَتَّى سَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَبَّبْته بِرِدَائِهِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مُشَدَّدَة وَالثَّانِيَة سَاكِنَة , أَيْ جَمَعْت عَلَيْهِ ثِيَابه عِنْد لَبَّته لِئَلَّا يَتَفَلَّت مِنِّي. وَكَانَ عُمَر شَدِيدًا فِي الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ , وَفَعَلَ ذَلِكَ عَنْ اِجْتِهَاد مِنْهُ لِظَنِّهِ أَنَّ هِشَامًا خَالَفَ الصَّوَاب , وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ قَالَ لَهُ أَرْسِلْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( كَذَبْت ) ‏ ‏فِيهِ إِطْلَاق ذَلِكَ عَلَى غَلَبَة الظَّنّ , أَوْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ كَذَبْت أَيْ أَخْطَأْت لِأَنَّ أَهْل الْحِجَاز يُطْلِقُونَ الْكَذِب فِي مَوْضِع الْخَطَأ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا ) ‏ ‏هَذَا قَالَهُ عُمَر اِسْتِدْلَالًا عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ تَخْطِئَة هِشَام , وَإِنَّمَا سَاغَ لَهُ ذَلِكَ لِرُسُوخِ قَدَمه فِي الْإِسْلَام وَسَابِقَته , بِخِلَافِ هِشَام فَإِنَّهُ كَانَ قَرِيب الْعَهْد بِالْإِسْلَامِ فَخَشِيَ عُمَر مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُون أَتْقَنَ الْقِرَاءَة , بِخِلَافِ نَفْسه فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَتْقَنَ مَا سَمِعَ , وَكَانَ سَبَب اِخْتِلَاف قِرَاءَتهمَا أَنَّ عُمَر حَفِظَ هَذِهِ السُّورَة مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِيمًا ثُمَّ لَمْ يَسْمَع مَا نَزَلَ فِيهَا بِخِلَافِ مَا حَفِظَهُ وَشَاهَدَهُ , وَلِأَنَّ هِشَامًا مِنْ مُسْلِمَة الْفَتْح فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَهُ عَلَى مَا نَزَلَ أَخِيرًا فَنَشَأَ اِخْتِلَافهمَا مِنْ ذَلِكَ , وَمُبَادَرَة عُمَر لِلْإِنْكَارِ مَحْمُولَة عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ حَدِيث \" أُنْزِلَ الْقُرْآن عَلَى سَبْعَة أَحْرُف \" إِلَّا فِي هَذِهِ الْوَقْعَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقْت بِهِ أَقُودهُ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَأَنَّهُ لَمَّا لَبَّبَهُ بِرِدَائِهِ صَارَ يَجُرّهُ بِهِ , فَلِهَذَا صَارَ قَائِدًا لَهُ , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ يَسُوقهُ , وَلِهَذَا قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا وَصَلَا إِلَيْهِ : أَرْسِلْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآن أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَة أَحْرُف ) ‏ ‏هَذَا أَوْرَدَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطْيِيبًا لِعُمَر لِئَلَّا يُنْكِر تَصْوِيب الشَّيْئَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ \" قَرَأَ رَجُل فَغَيَّرَ عَلَيْهِ عُمَر , فَاخْتَصَمَا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ الرَّجُل : أَلَمْ تُقْرِئنِي يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : بَلَى , قَالَ فَوَقَعَ فِي صَدْر عُمَر شَيْء عَرَفَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهه , قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْره وَقَالَ : أَبْعِدْ شَيْطَانًا. قَالَهَا ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ : يَا عُمَر , الْقُرْآن كُلّه صَوَاب , مَا لَمْ تَجْعَل رَحْمَة عَذَابًا أَوْ عَذَابًا رَحْمَة \" وَمِنْ طَرِيق اِبْن عُمَر \" سَمِعَ عُمَر رَجُلًا يَقْرَأ \" فَذَكَرَ نَحْوه وَلَمْ يَذْكُر \" فَوَقَعَ فِي صَدْر عُمَر \" لَكِنْ قَالَ فِي آخِره \" أُنْزِلَ الْقُرْآن عَلَى سَبْعَة أَحْرُف كُلّهَا كَافٍ شَافٍ \". وَوَقَعَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَة نَظِير مَا وَقَعَ لِعُمَر مَعَ هِشَام , مِنْهَا لِأُبَيّ بْنِ كَعْب مَعَ اِبْن مَسْعُود فِي سُورَة النَّحْل كَمَا تَقَدَّمَ , وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ أَبِي قَيْس مَوْلَى عَمْرو بْن الْعَاصِ عَنْ عَمْرو \" أَنَّ رَجُلًا قَرَأَ آيَة مِنْ الْقُرْآن , فَقَالَ لَهُ عَمْرو إِنَّمَا هِيَ كَذَا وَكَذَا , فَذَكَرَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ هَذَا الْقُرْآن أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَة أَحْرُف فَأَيّ ذَلِكَ قَرَأْتُمْ أَصَبْتُمْ , فَلَا تُمَارُوا فِيهِ \" إِسْنَاده حَسَن , وَلِأَحْمَد أَيْضًا وَأَبِي عُبَيْد وَالطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي جَهْم بْن الصِّمَّة \" أَنَّ رَجُلَيْنِ اِخْتَلَفَا فِي آيَة مِنْ الْقُرْآن كِلَاهُمَا يَزْعُم أَنَّهُ تَلَقَّاهَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ. وَلِلطَّبَرِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم قَالَ \" جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَقْرَأَنِي اِبْن مَسْعُود سُورَة أَقْرَأَنِيهَا زَيْد وَأَقْرَأَنِيهَا أُبَيّ بْن كَعْب , فَاخْتَلَفَتْ قِرَاءَتهمْ , فَبِقِرَاءَةِ أَيّهمْ آخُذ ؟ فَسَكَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلِيّ إِلَى جَنْبه - فَقَالَ عَلِيّ : لِيَقْرَأ كُلّ إِنْسَان مِنْكُمْ كَمَا عَلِمَ فَإِنَّهُ حَسَن جَمِيل \" وَلِابْنِ حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" أَقْرَأَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَة مِنْ آلِ حم , فَرُحْت إِلَى الْمَسْجِد فَقُلْت لِرَجُلٍ : اِقْرَأْهَا , فَإِذَا هُوَ يَقْرَأ حُرُوفًا مَا أَقْرَؤُهَا , فَقَالَ : أَقْرَأَنِيهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَانْطَلَقْنَا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْنَاهُ , فَتَغَيَّرَ وَجْهه وَقَالَ : إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ الِاخْتِلَاف , ثُمَّ أَسَرَّ إِلَى عَلِيّ شَيْئًا , فَقَالَ عَلِيّ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُركُمْ أَنْ يَقْرَأ كُلّ رَجُل مِنْكُمْ كَمَا عَلِمَ. قَالَ فَانْطَلَقْنَا وَكُلّ رَجُل مِنَّا يَقْرَأ حُرُوفًا لَا يَقْرَؤُهَا صَاحِبه \" وَأَصْل هَذَا سَيَأْتِي فِي آخِر حَدِيث فِي كِتَاب فَضَائِل الْقُرْآن. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَة عَلَى أَقْوَال كَثِيرَة بَلَّغَهَا أَبُو حَاتِم بْن حِبَّان إِلَى خَمْسَة وَثَلَاثِينَ قَوْلًا. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : أَكْثَرهَا غَيْر مُخْتَار. ‏ ‏قَوْله : ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْمُنْزَل. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى الْحِكْمَة فِي التَّعَدُّد الْمَذْكُور , وَأَنَّهُ لِلتَّيْسِيرِ عَلَى الْقَارِئ , وَهَذَا يُقَوِّي قَوْل مَنْ قَالَ : الْمُرَاد بِالْأَحْرُفِ تَأْدِيَة الْمَعْنَى بِاللَّفْظِ الْمُرَادِف وَلَوْ كَانَ مِنْ لُغَة وَاحِدَة , لِأَنَّ لُغَة هِشَام بِلِسَانِ قُرَيْش وَكَذَلِكَ عُمَر , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ اِخْتَلَفَتْ قِرَاءَتهمَا. نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَنُقِلَ عَنْ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَاد بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَة. وَذَهَبَ أَبُو عُبَيْد وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمُرَاد , اِخْتِلَاف اللُّغَات , وَهُوَ اِخْتِيَار اِبْن عَطِيَّة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ لُغَات الْعَرَب أَكْثَر مِنْ سَبْعَة , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد أَفْصَحهَا , فَجَاءَ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَزَلَ الْقُرْآن عَلَى سَبْع لُغَات. مِنْهَا خَمْس بِلُغَةِ الْعَجُز مِنْ هَوَازِن قَالَ : وَالْعَجُز سَعْد بْنُ بَكْر وَجُشَم بْنُ بَكْر وَنَصْر بْن مُعَاوِيَة وَثَقِيف , وَهَؤُلَاءِ كُلّهمْ مِنْ هَوَازِن , وَقَالَ لَهُمْ عُلْيَا هَوَازِن , وَلِهَذَا قَالَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء : أَفْصَح الْعَرَب عُلْيَا هَوَازِن وَسُفْلَى تَمِيم يَعْنِي بَنِي دَارِم. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَزَلَ الْقُرْآن بِلُغَةِ الْكَعْبَيْنِ كَعْب قُرَيْش , وَكَعْب خُزَاعَة قِيلَ وَكَيْف ذَاكَ ؟ قَالَ : لِأَنَّ الدَّار وَاحِدَة يَعْنِي أَنَّ خُزَاعَة كَانُوا جِيرَان قُرَيْش فَسَهُلَتْ عَلَيْهِمْ لُغَتهمْ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ : نَزَلَ بِلُغَةِ قُرَيْش وَهُذَيْل وَتَيْم الرَّبَاب وَالْأَزْد وَرَبِيعَة وَهَوَازِن وَسَعْد بْن بَكْر وَاسْتَنْكَرَهُ اِبْن قُتَيْبَة وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ) فَعَلَى هَذَا فَتَكُون اللُّغَات السَّبْع فِي بُطُون قُرَيْش , وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عَلِيّ الْأَهْوَازِيّ وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : لَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ كُلّ كَلِمَة تُقْرَأ عَلَى سَبْع لُغَات , بَلْ اللُّغَات السَّبْع مُفَرَّقَة فِيهِ , فَبَعْضه بِلُغَةِ قُرَيْش وَبَعْضه بِلُغَةِ هُذَيْل وَبَعْضه بِلُغَةِ هَوَازِن وَبَعْضه بِلُغَةِ الْيَمَن وَغَيْرهمْ. قَالَ : وَبَعْض اللُّغَات أَسْعَد بِهَا مِنْ بَعْض وَأَكْثَر نَصِيبًا وَقِيلَ : نَزَلَ بِلُغَةِ مُضَر خَاصَّة لِقَوْلِ عُمَر نَزَلَ الْقُرْآن بِلُغَةِ مُضَر. وَعَيَّنَ بَعْضهمْ فِيمَا حَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ السَّبْع مِنْ مُضَر أَنَّهُمْ هُذَيْل وَكِنَانَة وَقَيْس وَضَبَّة وَتَيْم الرَّبَاب وَأَسَد بْن خُزَيْمَةَ وَقُرَيْش فَهَذِهِ قَبَائِل مُضَر تَسْتَوْعِب سَبْع لُغَات. وَنَقَلَ أَبُو شَامَة عَنْ بَعْض الشُّيُوخ أَنَّهُ قَالَ : أُنْزِلَ الْقُرْآن أَوَّلًا بِلِسَانِ قُرَيْش وَمَنْ جَاوَرَهُمْ مِنْ الْعَرَب الْفُصَحَاء ثُمَّ أُبِيحَ لِلْعَرَبِ أَنْ يَقْرَءُوهُ بِلُغَاتِهِمْ الَّتِي جَرَتْ عَادَتْهُمْ بِاسْتِعْمَالِهَا عَلَى اِخْتِلَافهمْ فِي الْأَلْفَاظ وَالْإِعْرَاب , وَلَمْ يُكَلَّف أَحَد مِنْهُمْ الِانْتِقَال مِنْ لُغَته إِلَى لُغَة أُخْرَى لِلْمَشَقَّةِ وَلِمَا كَانَ فِيهِمْ مِنْ الْحَمِيَّة وَلِطَلَبِ تَسْهِيل فَهْم الْمُرَاد كُلّ ذَلِكَ مَعَ اِتِّفَاق الْمَعْنَى. وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّل اِخْتِلَافهمْ فِي الْقِرَاءَة كَمَا تَقَدَّمَ , وَتَصْوِيب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلًّا مِنْهُمْ. ‏ ‏قُلْت : وَتَتِمَّة ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ الْإِبَاحَة الْمَذْكُورَة لَمْ تَقَع بِالتَّشَهِّي , أَيْ إِنَّ كُلّ أَحَد يُغَيِّر الْكَلِمَة بِمُرَادِفِهَا فِي لُغَته , بَلْ الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ السَّمَاع مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُشِير إِلَى ذَلِكَ قَوْل كُلّ مِنْ عُمَر وَهِشَام فِي حَدِيث الْبَاب أَقْرَأَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنْ ثَبَتَ عَنْ غَيْر وَاحِد مِنْ الصَّحَابَة أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ بِالْمُرَادِفِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا لَهُ , وَمِنْ ثَمَّ أَنْكَرَ عُمَر عَلَى اِبْن مَسْعُود قِرَاءَته \" عَتَّى حِين \" أَيْ \" حَتَّى حِين \" وَكَتَبَ إِلَيْهِ : إِنَّ الْقُرْآن لَمْ يَنْزِل بِلُغَةِ هُذَيْل فَأَقْرِئْ النَّاس بِلُغَةِ قُرَيْش وَلَا تُقْرِئهُمْ بِلُغَةِ هُذَيْل. وَكَانَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَجْمَع عُثْمَان النَّاس عَلَى قِرَاءَة وَاحِدَة. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدِهِ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا مِنْ عُمَر عَلَى سَبِيل الِاخْتِيَار , لَا أَنَّ الَّذِي قَرَأَ بِهِ اِبْن مَسْعُود لَا يَجُوز. قَالَ : وَإِذَا أُبِيحَتْ قِرَاءَته عَلَى سَبْعَة أَوْجُه أُنْزِلَتْ جَازَ الِاخْتِيَار فِيمَا أُنْزِلَ , قَالَ أَبُو شَامَة : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاد عُمَر ثُمَّ عُثْمَان بِقَوْلِهِمَا \" نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْش \" أَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّل نُزُوله , ثُمَّ إِنَّ اللَّه تَعَالَى سَهَّلَهُ عَلَى النَّاس فَجَوَّزَ لَهُمْ أَنْ يَقْرَءُوهُ عَلَى لُغَاتهمْ عَلَى أَنْ لَا يَخْرُج ذَلِكَ عَنْ لُغَات الْعَرَب لِكَوْنِهِ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين. فَأَمَّا مَنْ أَرَادَ قِرَاءَته مِنْ غَيْر الْعَرَب فَالِاخْتِيَار لَهُ أَنْ يَقْرَأهُ بِلِسَانِ قُرَيْش لِأَنَّهُ الْأَوْلَى , وَعَلَى هَذَا يُحْمَل مَا كَتَبَ بِهِ عُمَر إِلَى اِبْن مَسْعُود لِأَنَّ جَمِيع اللُّغَات بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْعَرَبِيّ مُسْتَوِيَة فِي التَّعْبِير , فَإِذًا لَا بُدّ مِنْ وَاحِدَة , فَلْتَكُنْ بِلُغَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمَّا الْعَرَبِيّ الْمَجْبُول عَلَى لُغَته فَلَوْ كُلِّفَ قِرَاءَته بِلُغَةِ قُرَيْش لَعَثَرَ عَلَيْهِ التَّحَوُّل مَعَ إِبَاحَة اللَّه لَهُ أَنْ يَقْرَأهُ بِلُغَتِهِ , وَيُشِير إِلَى هَذَا قَوْله فِي حَدِيث أُبَيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ \" هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي \" وَقَوْله \" إِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيق ذَلِكَ \" , وَكَأَنَّهُ اِنْتَهَى عِنْد السَّبْع لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا تَحْتَاج لَفْظَة مِنْ أَلْفَاظه إِلَى أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ الْعَدَد غَالِبًا , وَلَيْسَ الْمُرَاد كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ كُلّ لَفْظَة مِنْهُ تُقْرَأ عَلَى سَبْعَة أَوْجُه قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ , بَلْ هُوَ غَيْر مُمْكِن بَلْ لَا يُوجَد فِي الْقُرْآن كَلِمَة تُقْرَأ عَلَى سَبْعَة أَوْجُه إِلَّا الشَّيْء الْقَلِيل مِثْل \" عَبَدَ الطَّاغُوت \". وَقَدْ أَنْكَرَ اِبْن قُتَيْبَة أَنْ يَكُون فِي الْقُرْآن كَلِمَة تُقْرَأ عَلَى سَبْعَة أَوْجُه , وَرَدَّ عَلَيْهِ اِبْن الْأَنْبَارِيّ بِمِثْلِ \" عَبَدَ الطَّاغُوت , وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ , وَجِبْرِيل \" وَيَدُلّ عَلَى مَا قَرَّرَهُ أَنَّهُ أُنْزِلَ أَوَّلًا بِلِسَانِ قُرَيْش ثُمَّ سَهَّلَ عَلَى الْأُمَّة أَنْ يَقْرَءُوهُ بِغَيْرِ لِسَان قُرَيْش وَذَلِكَ بَعْد أَنْ كَثُرَ دُخُول الْعَرَب فِي الْإِسْلَام , فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ وُرُود التَّخْفِيف بِذَلِكَ كَانَ بَعْد الْهِجْرَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث أُبَيِّ بْن كَعْب \" أَنَّ جِبْرِيل لَقِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عِنْد أَضَاة بَنِي غِفَار فَقَالَ : إِنَّ اللَّه يَأْمُرك أَنْ تُقْرِئ أُمَّتك الْقُرْآن عَلَى حَرْف , فَقَالَ : أَسْأَل اللَّه مُعَافَاته وَمَغْفِرَته , فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيق ذَلِكَ \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَأَضَاة بَنِي غِفَار هِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة بِغَيْرِ هَمْز وَآخِره تَاء تَأْنِيث , هُوَ مُسْتَنْقَع الْمَاء كَالْغَدِيرِ , وَجَمْعه أَضًا كَعَصًا , وَقِيلَ بِالْمَدِّ وَالْهَمْز مِثْل إِنَاء , وَهُوَ مَوْضِع بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة يُنْسَب إِلَى بَنِي غِفَار بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا عِنْده. وَحَاصِل مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ أَنَّ مَعْنَى قَوْله \" أُنْزِلَ الْقُرْآن عَلَى سَبْعَة أَحْرُف \" أَيْ أُنْزِلَ مُوَسَّعًا عَلَى الْقَارِئ أَنْ يَقْرَأهُ عَلَى سَبْعَة أَوْجُه , أَيْ يَقْرَأ بِأَيِّ حَرْف أَرَادَ مِنْهَا عَلَى الْبَدَل مِنْ صَاحِبه , كَأَنَّهُ قَالَ أُنْزِلَ عَلَى هَذَا الشَّرْط أَوْ عَلَى هَذِهِ التَّوْسِعَة وَذَلِكَ لِتَسْهِيلِ قِرَاءَته , إِذْ لَوْ أَخَذُوا بِأَنْ يَقْرَءُوهُ عَلَى حَرْف وَاحِد لَشَقَّ عَلَيْهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ اِبْن قُتَيْبَة فِي أَوَّل \" تَفْسِير الْمُشْكِل \" لَهُ : كَانَ مِنْ تَيْسِير اللَّه أَنْ أَمَرَ نَبِيّه أَنْ يَقْرَأ كُلّ قَوْم بِلُغَتِهِمْ , فَالْهُذَلِيّ يَقْرَأ عَتَّى حِين يُرِيد \" حَتَّى حِين \" وَالْأَسَدِيّ يَقْرَأ تِعْلِمُونَ بِكَسْرِ أَوَّله , وَالتَّمِيمِيّ يَهْمِز وَالْقُرَشِيّ لَا يَهْمِز , قَالَ وَلَوْ أَرَادَ كُلّ فَرِيق مِنْهُمْ أَنْ يَزُول عَنْ لُغَته وَمَا جَرَى عَلَيْهِ لِسَانه طِفْلًا وَنَاشِئًا وَكَهْلًا لَشَقَّ عَلَيْهِ غَايَة الْمَشَقَّة , فَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ , وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد أَنَّ كُلّ كَلِمَة مِنْهُ تُقْرَأ عَلَى سَبْعَة أَوْجُه لَقَالَ مَثَلًا أُنْزِلَ سَبْعَة أَحْرُف , وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنْ يَأْتِي فِي الْكَلِمَة وَجْه أَوْ وَجْهَانِ أَوْ ثَلَاثَة أَوْ أَكْثَر إِلَى سَبْعَة. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : أَنْكَرَ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم أَنْ يَكُون مَعْنَى الْأَحْرُف اللُّغَات , لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اِخْتِلَاف هِشَام وَعُمَر وَلُغَتهمَا وَاحِدَة , قَالُوا : وَإِنَّمَا الْمَعْنَى سَبْعَة أَوْجُه مِنْ الْمَعَانِي الْمُتَّفِقَة بِالْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَة , نَحْو أَقْبِلْ وَتَعَالَ وَهَلُمَّ. ثُمَّ سَاقَ الْأَحَادِيث الْمَاضِيَة الدَّالَّة عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قُلْت : وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن الْقَوْلَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَاد بِالْأَحْرُفِ تَغَايُر الْأَلْفَاظ مَعَ اِتِّفَاق الْمَعْنَى مَعَ اِنْحِصَار ذَلِكَ فِي سَبْع لُغَات , لَكِنْ لِاخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ فَائِدَة أُخْرَى , وَهِيَ مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو عَمْرو الدَّانِيّ أَنَّ الْأَحْرُف السَّبْعَة لَيْسَتْ مُتَفَرِّقَة فِي الْقُرْآن كُلّهَا وَلَا مَوْجُودَة فِيهِ فِي خَتْمَة وَاحِدَة , فَإِذَا قَرَأَ الْقَارِئ بِرِوَايَةٍ وَاحِدَة فَإِنَّمَا قَرَأَ بِبَعْضِ الْأَحْرُف السَّبْعَة لَا بِكُلِّهَا , وَهَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْأَحْرُفِ اللُّغَات , وَأَمَّا قَوْل مَنْ يَقُول بِالْقَوْلِ الْآخَر فَيَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي خَتْمَة وَاحِدَة بِلَا رَيْب , بَلْ يُمْكِن عَلَى ذَلِكَ الْقَوْل أَنْ تَصِل الْأَوْجُه السَّبْعَة فِي بَعْض الْقُرْآن كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏وَقَدْ حَمَلَ اِبْن قُتَيْبَة وَغَيْره الْعَدَد الْمَذْكُور عَلَى الْوُجُوه الَّتِي يَقَع بِهَا التَّغَايُر فِي سَبْعَة أَشْيَاء : ‏ ‏الْأَوَّل مَا تَتَغَيَّر حَرَكَته وَلَا يَزُول مَعْنَاهُ وَلَا صُورَته , مِثْل ( وَلَا يُضَارّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيد ) بِنَصْبِ الرَّاء وَرَفْعهَا. ‏ ‏الثَّانِي مَا يَتَغَيَّر بِتَغَيُّرِ الْفِعْل مِثْل \" بَعُدَ بَيْن أَسْفَارنَا \" وَ \" بَاعِدْ بَيْن أَسْفَارنَا \" بِصِيغَةِ الطَّلَب وَالْفِعْل الْمَاضِي. ‏ ‏الثَّالِث مَا يَتَغَيَّر بِنَقْطِ بَعْض الْحُرُوف الْمُهْمَلَة مِثْل \" ثُمَّ نُنْشِرُهَا بِالرَّاءِ وَالزَّاي \". ‏ ‏الرَّابِع مَا يَتَغَيَّر بِإِبْدَالِ حَرْف قَرِيب مِنْ مَخْرَج الْآخَر مِثْل \" طَلْح مَنْضُود \" فِي قِرَاءَة عَلِيٍّ وَطَلْع مَنْضُود. ‏ ‏الْخَامِس مَا يَتَغَيَّر بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِير مِثْل \" وَجَاءَتْ سَكْرَة الْمَوْت بِالْحَقِّ \" فِي قِرَاءَة أَبِي بَكْر الصَّدِيق وَطَلْحَة بْن مُصَرِّف وَزَيْن الْعَابِدِينَ \" وَجَاءَتْ سَكْرَة الْحَقّ بِالْمَوْتِ \". ‏ ‏السَّادِس مَا يَتَغَيَّر بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَان كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير عَنْ اِبْنِ مَسْعُود وَأَبِي الدَّرْدَاء \" وَاللَّيْل إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَار إِذَا تَجَلَّى وَالذَّكَر وَالْأُنْثَى \" هَذَا فِي النُّقْصَان , وَأَمَّا فِي الزِّيَادَة فَكَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير \" تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب \" فِي حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس \" وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك الْأَقْرَبِينَ , وَرَهْطك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ \". ‏ ‏السَّابِع مَا يَتَغَيَّر بِإِبْدَالِ كَلِمَة بِكَلِمَةٍ تَرَادُفهَا مِثْل \" الْعِهْن الْمَنْفُوش \" فِي قِرَاءَة اِبْنِ مَسْعُود وَسَعِيد بْن جُبَيْر كَالصُّوفِ الْمَنْفُوش , وَهَذَا وَجْه حَسَن لَكِنْ اِسْتَبْعَدَهُ قَاسِمِ بْن ثَابِت فِي \" الدَّلَائِل \" لِكَوْنِ الرُّخْصَة فِي الْقِرَاءَات إِنَّمَا وَقَعَتْ وَأَكْثَرهمْ يَوْمَئِذٍ لَا يَكْتُب وَلَا يَعْرِف الرَّسْم , وَإِنَّمَا كَانُوا يَعْرِفُونَ الْحُرُوف بِمَخَارِجِهَا. قَالَ : وَأَمَّا مَا وُجِدَ مِنْ الْحُرُوف الْمُتَبَايِنَة الْمَخْرَج الْمُتَّفِقَة الصُّورَة مِثْل \" نُنْشِرُهَا وَنُنْشِرُهَا \" فَإِنَّ السَّبَب فِي ذَلِكَ تَقَارُب مَعَانِيهَا , وَاتَّفَقَ تَشَابُه صُورَتهَا فِي الْخَطّ. ‏ ‏قُلْت : وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ تَوْهِين مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ اِبْنُ قُتَيْبَة , لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الِانْحِصَار الْمَذْكُور فِي ذَلِكَ وَقَعَ اِتِّفَاقًا , وَإِنَّمَا اِطَّلَعَ عَلَيْهِ بِالِاسْتِقْرَاءِ , وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَة الْبَالِغَة مَا لَا يَخْفَى. وَقَالَ أَبُو الْفَضْل الرَّازِيَُّ : الْكَلَام لَا يَخْرُج عَنْ سَبْعَة أَوْجُهٍ فِي الِاخْتِلَاف : الْأَوَّل اِخْتِلَاف الْأَسْمَاء مِنْ إِفْرَاد وَتَثْنِيَة وَجَمْع أَوْ تَذْكِير وَتَأْنِيث. الثَّانِي اِخْتِلَاف تَصْرِيف الْأَفْعَال مِنْ مَاضٍ وَمُضَارِع وَأَمْر , الثَّالِث وُجُوه الْإِعْرَاب , الرَّابِع النَّقْص وَالزِّيَادَة , الْخَامِس التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير , السَّادِس الْإِبْدَال , السَّابِع اِخْتِلَاف اللُّغَات كَالْفَتْحِ وَالْإِمَالَة وَالتَّرْقِيق وَالتَّفْخِيم وَالْإِدْغَام وَالْإِظْهَار وَنَحْوِ ذَلِكَ. ‏ ‏قُلْت : وَقَدْ أَخَذَ كَلَامِ اِبْنِ قُتَيْبَة وَنَقَّحَهُ. وَذَهَبَ قَوْم إِلَى أَنَّ السَّبْعَة الْأَحْرُف سَبْعَة أَصْنَاف مِنْ الْكَلَام , وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ اِبْنِ مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" كَانَ الْكِتَاب الْأَوَّل يَنْزِل مِنْ بَابِ وَاحِد عَلَى حَرْف وَاحِد , وَنَزَلَ الْقُرْآن مِنْ سَبْعَة أَبْوَاب عَلَى سَبْعَة أَحْرُف : زَاجِر وَآمِر وَحَلَال وَحَرَام وَمُحْكَم وَمُتَشَابِه وَأَمْثَال , فَأَحِلُّوا حَلَاله وَحَرِّمُوا حَرَامه , وَافْعَلُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ وَانْتَهُوا عَمَّا نُهِيتُمْ عَنْهُ , وَاعْتَبِرُوا بِأَمْثَالِهِ , وَاعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ , وَآمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ وَقُولُوا آمَنَّا بِهِ كُلّ مِنْ عِنْد رَبِّنَا \" أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْد وَغَيْره , قَالَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ : هَذَا حَدِيث لَا يَثْبُت , لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ اِبْنِ مَسْعُود وَلَمْ يَلْقَ اِبْن مَسْعُود , وَقَدْ رَدَّهُ قَوْم مِنْ أَهْل النَّظَر مِنْهُمْ أَبُو جَعْفَر أَحْمَد بْن أَبِي , عِمْرَان. ‏ ‏قُلْت : وَأَطْنَبَ الطَّبَرِيُّ فِي مُقَدِّمَة تَفْسِيره فِي الرَّدّ عَلَى مَنْ قَالَ بِهِ , وَحَاصِله أَنَّهُ يَسْتَحِيل أَنْ يَجْتَمِع فِي الْحَرْف الْوَاحِد هَذِهِ الْأَوْجُه السَّبْعَة. وَقَدْ صَحَّحَ الْحَدِيث الْمَذْكُور اِبْنُ حِبَّان وَالْحَاكِم , وَفِي تَصْحِيحه نَظَر لِانْقِطَاعِهِ بَيْن أَبِي سَلَمَة وَابْنِ مَسْعُود. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة مُرْسَلًا وَقَالَ هَذَا مُرْسَل جَيِّد , ثُمَّ قَالَ : إِنْ صَحَّ فَمَعْنَى قَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث \" سَبْعَة أَحْرُف \" أَيْ سَبْعَة أَوْجُهٍ كَمَا فَسَّرْت فِي الْحَدِيث , وَلَيْسَ الْمُرَاد الْأَحْرُف السَّبْعَة الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرهَا فِي الْأَحَادِيث الْأُخْرَى , لِأَنَّ سِيَاق تِلْكَ الْأَحَادِيث يَأْبَى حَمْلهَا عَلَى هَذَا , بَلْ هِيَ ظَاهِرَة فِي أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الْكَلِمَة الْوَاحِدَة تُقْرَأ عَلَى وَجْهَيْنِ وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة إِلَى سَبْعَة تَهْوِينًا وَتَيْسِيرًا , وَالشَّيْء الْوَاحِد لَا يَكُونُ حَرَامًا وَحَلَالًا فِي حَالَة وَاحِدَة. وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْأَهْوَازِيّ وَأَبُو الْعَلَاء الْهَمْدَانِيُّ : قَوْله زَاجِر وَآمِر اِسْتِئْنَاف كَلَامٍ آخَر , أَيْ هُوَ زَاجِر أَيْ الْقُرْآن ; وَلَمْ يَرِد بِهِ تَفْسِير الْأَحْرُف السَّبْعَة , وَإِنَّمَا تَوَهَّمَ ذَلِكَ مَنْ تَوَهَّمَهُ مِنْ جِهَة الِاتِّفَاق فِي الْعَدَد. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْض طُرُقه زَاجِرًا وَآمِرًا إِلَخْ بِالنَّصْبِ أَيْ نَزَلَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَة مِنْ الْأَبْوَاب السَّبْعَة. وَقَالَ أَبُو شَامَة : يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ التَّفْسِير الْمَذْكُور لِلْأَبْوَابِ لَا لِلْأَحْرُفِ , أَيْ هِيَ سَبْعَة أَبْوَاب مِنْ أَبْوَاب الْكَلَام وَأَقْسَامه , وَأَنْزَلَهُ اللَّه عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَاف لَمْ يَقْتَصِر مِنْهَا عَلَى صِنْف وَاحِد كَغَيْرِهِ مِنْ الْكُتُب. ‏ ‏قُلْت : وَمِمَّا يُوَضِّح أَنَّ قَوْله زَاجِر وَآمِر إِلَخْ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِلْأَحْرُفِ السَّبْعَة مَا وَقَعَ فِي مُسْلِم مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ اِبْنِ شِهَاب عَقِبِ حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس الْأَوَّل مِنْ حَدِيثَيْ هَذَا الْبَاب : قَالَ اِبْنُ شِهَاب بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ الْأَحْرُف السَّبْعَة إِنَّمَا هِيَ فِي الْأَمْر الَّذِي يَكُونُ وَاحِدًا لَا يَخْتَلِف فِي حَلَال وَلَا حَرَام , قَالَ أَبُو شَامَة : وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي الْأَحْرُف السَّبْعَة الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآن هَلْ هِيَ مَجْمُوعَة فِي الْمُصْحَف الَّذِي بِأَيْدِي النَّاس الْيَوْم أَوْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا حَرْف وَاحِد مِنْهَا , مَالَ اِبْنُ الْبَاقِلَّانِيّ إِلَى الْأَوَّل , وَصَرَّحَ الطَّبَرِيُّ وَجَمَاعَة بِالثَّانِي وَهُوَ الْمُعْتَمَد. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي \" الْمَصَاحِف \" عَنْ أَبِي الطَّاهِر بْن أَبِي السَّرْح قَالَ : سَأَلْت اِبْنَ عُيَيْنَةَ عَنْ اِخْتِلَاف قِرَاءَة الْمَدَنِيِّينَ وَالْعِرَاقِيِّينَ هَلْ هِيَ الْأَحْرُف السَّبْعَة ؟ قَالَ : لَا , وَإِنَّمَا الْأَحْرُف السَّبْعَة مِثْل هَلُمَّ وَتَعَالَ وَأَقْبِلْ , أَيّ ذَلِكَ قُلْت أَجْزَأَك. قَالَ وَقَالَ لِي اِبْنُ وَهْب مِثْله. وَالْحَقّ أَنَّ الَّذِي جُمِعَ فِي الْمُصْحَف هُوَ الْمُتَّفَق عَلَى إِنْزَاله الْمَقْطُوع بِهِ الْمَكْتُوب بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِيهِ بَعْض مَا اِخْتَلَفَ فِيهِ الْأَحْرُف السَّبْعَة لَا جَمِيعهَا , كَمَا وَقَعَ فِي الْمُصْحَف الْمَكِّيّ \" تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار \" فِي آخَرِ بَرَاءَة وَفِي غَيْره بِحَذْفِ \" مِنْ \" وَكَذَا مَا وَقَعَ مِنْ اِخْتِلَاف مَصَاحِف الْأَمْصَار مِنْ عِدَّة وَاوَات ثَابِتَة بَعْضهَا دُونَ بَعْض , وَعِدَّة هَاءَات وَعِدَّة لَامَات وَنَحْو ذَلِكَ , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ نَزَلَ بِالْأَمْرَيْنِ مَعًا , وَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابَتِهِ لِشَخْصَيْنِ أَوْ أَعْلَمَ بِذَلِكَ شَخْصًا وَاحِدًا وَأَمَرَهُ بِإِثْبَاتِهِمَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ , وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْقِرَاءَات مِمَّا لَا يُوَافِق الرَّسْم فَهُوَ مِمَّا كَانَتْ الْقِرَاءَة جُوِّزَتْ بِهِ تَوْسِعَة عَلَى النَّاس وَتَسْهِيلًا ; فَلَمَّا آلَ الْحَال إِلَى مَا وَقَعَ مِنْ الِاخْتِلَاف فِي زَمَن عُثْمَان وَكَفَّرَ بَعْضهمْ بَعْضًا اِخْتَارُوا الِاقْتِصَار عَلَى اللَّفْظ الْمَأْذُون فِي كِتَابَته وَتَرَكُوا الْبَاقِي. قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَصَارَ مَا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة مِنْ الِاقْتِصَار كَمَنْ اِقْتَصَرَ مِمَّا خُيِّرَ فِيهِ عَلَى خَصْلَة وَاحِدَة , لِأَنَّ أَمْرهمْ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْأَوْجُه الْمَذْكُورَة لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيل الْإِيجَاب بَلْ عَلَى سَبِيل الرُّخْصَة. ‏ ‏قُلْت : وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث الْبَاب \" فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ \" وَقَدْ قَرَّرَ الطَّبَرِيُّ ذَلِكَ تَقْرِيرًا أَطْنَبَ فِيهِ وَوَهَى مَنْ قَالَ بِخِلَافِهِ , وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْهُمْ أَبُو الْعَبَّاس بْن عَمَّار فِي \" شَرْح الْهِدَايَة \" وَقَالَ : أَصَحُّ مَا عَلَيْهِ الْحُذَّاق أَنَّ الَّذِي يَقْرَأ الْآن بَعْض الْحُرُوف السَّبْعَة الْمَأْذُون فِي قِرَاءَتهَا لَا كُلّهَا , وَضَابِطه مَا وَافَقَ رَسْم الْمُصْحَف , فَأَمَّا مَا خَالَفَهُ مِثْل \" أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِم الْحَجّ \" وَمِثْل \" إِذَا جَاءَ فَتْح اللَّه وَالنَّصْر \" فَهُوَ مِنْ تِلْكَ الْقِرَاءَات الَّتِي تُرِكَتْ إِنْ صَحَّ السَّنَد بِهَا , وَلَا يَكْفِي صِحَّة سَنَدهَا فِي إِثْبَات كَوْنهَا قُرْآنًا , وَلَا سِيَّمَا وَالْكَثِير مِنْهَا مِمَّا يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ مِنْ التَّأْوِيل الَّذِي قُرِنَ إِلَى التَّنْزِيل فَصَارَ يُظَنّ أَنَّهُ مِنْهُ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي \" شَرْح السُّنَّة \" : الْمُصْحَف الَّذِي اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْر هُوَ آخَرُ الْعَرْضَات عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَمَرَ عُثْمَان بِنَسْخِهِ فِي الْمَصَاحِف وَجَمَعَ النَّاس عَلَيْهِ , وَأَذْهَبَ مَا سِوَى ذَلِكَ قَطْعًا لِمَادَّةِ الْخِلَاف , فَصَارَ مَا يُخَالِف خَطّ الْمُصْحَف فِي حُكْم الْمَنْسُوخ وَالْمَرْفُوع كَسَائِرِ مَا نُسِخَ وَرُفِعَ , فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْدُو فِي اللَّفْظ إِلَى مَا هُوَ خَارِجِ عَنْ الرَّسْم وَقَالَ أَبُو شَامَة : ظَنَّ قَوْم أَنَّ الْقِرَاءَات السَّبْع الْمَوْجُودَة الْآن هِيَ الَّتِي أُرِيدَتْ فِي الْحَدِيث وَهُوَ خِلَاف إِجْمَاع أَهْل الْعِلْم قَاطِبَة , وَإِنَّمَا يَظُنّ ذَلِكَ بَعْض أَهْل الْجَهْل. وَقَالَ اِبْنُ عَمَّار أَيْضًا : لَقَدْ فَعَلَ مُسَبِّع هَذِهِ السَّبْعَة مَا لَا يَنْبَغِي لَهُ , وَأَشْكَلَ الْأَمْر عَلَى الْعَامَّة بِإِيهَامِهِ كُلّ مَنْ قَلَّ نَظَره أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَات هِيَ الْمَذْكُورَة فِي الْخَبَر , وَلَيْتَهُ إِذْ اِقْتَصَرَ نَقَصَ عَنْ السَّبْعَة أَوْ زَادَ لِيُزِيلَ الشُّبْهَة , وَوَقَعَ لَهُ أَيْضًا فِي اِقْتِصَاره عَنْ كُلّ إِمَام عَلَى رَاوِيَيْنِ أَنَّهُ صَارَ مَنْ سَمِعَ قِرَاءَة رَاوٍ ثَالِث غَيْرهمَا أَبْطَلَهَا وَقَدْ تَكُونُ هِيَ أَشْهَر وَأَصَحَّ وَأَظْهَر وَرُبَّمَا بَالَغَ مَنْ لَا يَفْهَم فَخَطَّأَ أَوْ كَفَّرَ. وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : لَيْسَتْ هَذِهِ السَّبْعَة مُتَعَيِّنَة لِلْجَوَازِ حَتَّى لَا يَجُوز غَيْرهَا كَقِرَاءَةِ أَبِي جَعْفَر وَشَيْبَة وَالْأَعْمَش وَنَحْوهمْ , فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِثْلهمْ أَوْ فَوْقهمْ. وَكَذَا قَالَ غَيْر وَاحِد مِنْهُمْ مَكِّيّ بْن أَبِي طَالِبِ وَأَبُو الْعَلَاء الْهَمْدَانِيُّ وَغَيْرهمْ مِنْ أَئِمَّة الْقُرَّاء. وَقَالَ أَبُو حَيَّان : لَيْسَ فِي كِتَاب اِبْنِ مُجَاهِد وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْقِرَاءَات الْمَشْهُورَة إِلَّا النَّزْر الْيَسِير , فَهَذَا أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء اُشْتُهِرَ عَنْهُ سَبْعَة عَشَر رَاوِيًا , ثُمَّ سَاقَ أَسْمَاءَهُمْ. وَاقْتَصَرَ فِي كِتَاب اِبْنِ مُجَاهِد عَلَى الْيَزِيدِيّ , وَاشْتُهِرَ عَنْ الْيَزِيدِيّ عَشَرَة أَنْفُس فَكَيْف يَقْتَصِر عَلَى السُّوسِيّ وَالدُّورِيّ وَلَيْسَ لَهُمَا مَزِيَّة عَلَى غَيْرهمَا لِأَنَّ الْجَمِيع مُشْتَرِكُونَ فِي الضَّبْط وَالْإِتْقَان وَالِاشْتِرَاك فِي الْأَخْذ , قَالَ : وَلَا أَعْرِفْ لِهَذَا سَبَبًا إِلَّا مَا قَضَى مِنْ نَقْص الْعِلْم فَاقْتَصَرَ هَؤُلَاءِ عَلَى السَّبْعَة ثُمَّ اِقْتَصَرَ مَنْ بَعْدهمْ مِنْ السَّبْعَة عَلَى النَّزْر الْيَسِير. وَقَالَ أَبُو شَامَة : لَمْ يُرِدْ اِبْنُ مُجَاهِد مَا نُسِبَ إِلَيْهِ , بَلْ أَخْطَأَ مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ ذَلِكَ , وَقَدْ بَالَغَ أَبُو طَاهِر بْن أَبِي هَاشِم صَاحِبُهُ فِي الرَّدّ عَلَى مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ أَنَّ مُرَاده بِالْقِرَاءَاتِ السَّبْع الْأَحْرُف السَّبْعَة الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث , قَالَ اِبْنُ أَبِي هِشَام : إِنَّ السَّبَب فِي اِخْتِلَاف الْقِرَاءَات السَّبْع وَغَيْرهَا أَنَّ الْجِهَات الَّتِي وُجِّهَتْ إِلَيْهَا الْمَصَاحِف كَانَ بِهَا مِنْ الصَّحَابَة مَنْ حَمَلَ عَنْهُ أَهْل تِلْكَ الْجِهَة , وَكَانَتْ الْمَصَاحِف خَالِيَة مِنْ النُّقَط وَالشَّكْل , قَالَ فَثَبَتَ أَهْل كُلّ نَاحِيَة عَلَى مَا كَانُوا تَلَقَّوْهُ سَمَاعًا عَنْ الصَّحَابَة بِشَرْطِ مُوَافَقَة الْخَطّ , وَتَرَكُوا مَا يُخَالِف الْخَطّ , اِمْتِثَالًا لِأَمْرِ عُثْمَان الَّذِي وَافَقَهُ عَلَيْهِ الصَّحَابَة لِمَا رَأَوْا فِي ذَلِكَ مِنْ الِاحْتِيَاط لِلْقُرْآنِ , فَمِنْ ثَمَّ نَشَأَ الِاخْتِلَاف بَيْن قُرَّاء الْأَمْصَار مَعَ كَوْنهمْ مُتَمَسِّكِينَ بِحَرْفٍ وَاحِد مِنْ السَّبْعَة. وَقَالَ مَكِّيّ بْن أَبِي طَالِبٍ : هَذِهِ الْقِرَاءَات الَّتِي يُقْرَأ بِهَا الْيَوْم وَصَحَّتْ رِوَايَاتهَا عَنْ الْأَئِمَّة جُزْء مِنْ الْأَحْرُف السَّبْعَة الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآن. ثُمَّ سَاقَ نَحْو مَا تَقَدَّمَ قَالَ : وَأَمَّا مَنْ ظَنَّ أَنَّ قِرَاءَة هَؤُلَاءِ الْقُرَّاء كَنَافِعٍ وَعَاصِم هِيَ الْأَحْرُف السَّبْعَة الَّتِي فِي الْحَدِيث فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا عَظِيمًا , قَالَ : وَيَلْزَم مِنْ هَذَا أَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ قِرَاءَة هَؤُلَاءِ السَّبْعَة مِمَّا ثَبَتَ عَنْ الْأَئِمَّة غَيْرهمْ وَوَافَقَ خَطّ الْمُصْحَف أَنْ لَا يَكُونَ قُرْآنًا , وَهَذَا غَلَط عَظِيم , فَإِنَّ الَّذِينَ صَنَّفُوا الْقِرَاءَات مِنْ الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمِينَ - كَأَبِي عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلَّامٍ , وَأَبِي حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ , وَأَبِي , جَعْفَر الطَّبَرِيِّ , وَإِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق , وَالْقَاضِي - قَدْ ذَكَرُوا أَضْعَاف هَؤُلَاءِ قُلْت : اِقْتَصَرَ أَبُو عُبَيْدَة فِي كِتَابه عَلَى خَمْسَة عَشَر رَجُلًا مِنْ كُلّ مِصْر ثَلَاثَة أَنْفُس فَذَكَرَ مِنْ مَكَّة اِبْنَ كَثِير وَابْنَ مُحَيْصِن , وَحُمَيْدًا الْأَعْرَج وَمِنْ أَهْل الْمَدِينَة : أَبَا جَعْفَر وَشَيْبَة وَنَافِعًا وَمِنْ أَهْل الْبَصْرَة , أَبَا عَمْرو , وَعِيسَى بْن عُمَر , وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي إِسْحَاق , وَمِنْ أَهْل الْكُوفَة : يَحْيَى بْن وَثَّاب , وَعَاصِمًا , وَالْأَعْمَش وَمِنْ أَهْل الشَّام : عَبْد اللَّه بْن عَامِر , وَيَحْيَى بْن الْحَارِث. قَالَ وَذَهَبَ عَنِّي اِسْمُ الثَّالِث وَلَمْ يَذْكُر فِي الْكُوفِيِّينَ حَمْزَة , وَلَا الْكِسَائِيّ بَلْ قَالَ : إِنَّ جُمْهُور أَهْل الْكُوفَة بَعْد الثَّلَاثَة صَارُوا إِلَى قِرَاءَة حَمْزَة وَلَمْ يَجْتَمِع عَلَيْهِ جَمَاعَتهمْ قَالَ : وَأَمَّا الْكِسَائِيّ فَكَانَ يَتَخَيَّر الْقِرَاءَات. فَأَخَذَ مِنْ قِرَاءَة الْكُوفِيِّينَ بَعْضًا وَتَرَكَ بَعْضًا وَقَالَ بَعْد أَنْ سَاقَ أَسْمَاء مَنْ نُقِلَتْ عَنْهُ الْقِرَاءَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ. فَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ يُحْكَى عَنْهُمْ عِظَم الْقِرَاءَة وَإِنْ كَانَ الْغَالِب عَلَيْهِمْ الْفِقْه وَالْحَدِيث , قَالَ : ثُمَّ قَامَ بَعْدهمْ بِالْقِرَاءَاتِ قَوْم لَيْسَتْ لَهُمْ أَسْنَانهمْ وَلَا تَقَدُّمهمْ غَيْر أَنَّهُمْ تَجَرَّدُوا لِلْقِرَاءَةِ وَاشْتَدَّتْ عِنَايَتهمْ بِهَا وَطَلَبهمْ لَهَا حَتَّى صَارُوا بِذَلِكَ أَئِمَّة يَقْتَدِي النَّاس بِهِمْ فِيهَا فَذَكَرَهُمْ , وَذَكَرَ أَبُو حَاتِم زِيَادَة عَلَى عِشْرِينَ رَجُلًا وَلَمْ يَذْكُر فِيهِمْ اِبْنَ عَامِر وَلَا حَمْزَة وَلَا الْكِسَائِيّ , وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابه اِثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ رَجُلًا , قَالَ مَكِّيّ : وَكَانَ النَّاس عَلَى رَأْس الْمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ عَلَى قِرَاءَة أَبِي عَمْرو وَيَعْقُوب , وَبِالْكُوفَةِ عَلَى قِرَاءَة حَمْزَة وَعَاصِم وَبِالشَّامِ عَلَى قِرَاءَة اِبْن عَامِر , وَبِمَكَّة عَلَى قِرَاءَة اِبْنِ كَثِير , وَبِالْمَدِينَةِ عَلَى قِرَاءَة نَافِع , وَاسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا كَانَ عَلَى رَأْس الثَّلَاثمِائَةِ أَثْبَتَ اِبْنُ مُجَاهِد اِسْم الْكِسَائِيّ وَحَذَفَ يَعْقُوب , قَالَ : وَالسَّبَب فِي الِاقْتِصَار عَلَى السَّبْعَة مَعَ أَنَّ فِي أَئِمَّة الْقُرَّاء مَنْ هُوَ أَجَلّ مِنْهُمْ قَدْرًا وَمِثْلهمْ أَكْثَر مِنْ عَدَدهمْ أَنَّ الرُّوَاة عَنْ الْأَئِمَّة كَانُوا كَثِيرًا جِدًّا , فَلَمَّا تَقَاصَرَتْ الْهِمَم اِقْتَصَرُوا - مِمَّا يُوَافِق خَطّ الْمُصْحَف - عَلَى مَا يَسْهُل حِفْظه وَتَنْضَبِط الْقِرَاءَة بِهِ , فَنَظَرُوا إِلَى مَنْ اُشْتُهِرَ بِالثِّقَةِ وَالْأَمَانَة وَطُول الْعُمُر فِي مُلَازَمَة الْقِرَاءَة وَالِاتِّفَاق عَلَى الْأَخْذ عَنْهُ فَأَفْرَدُوا مِنْ كُلّ مِصْر إِمَامًا وَاحِدًا , وَلَمْ يَتْرُكُوا مَعَ ذَلِكَ نَقْل مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّة غَيْر هَؤُلَاءِ مِنْ الْقِرَاءَات وَلَا الْقِرَاءَة بِهِ كَقِرَاءَةِ يَعْقُوب وَعَاصِم الْجَحْدَرِيِّ وَأَبِي جَعْفَر وَشَيْبَة وَغَيْرهمْ , قَالَ وَمِمَّنْ اِخْتَارَ مِنْ الْقِرَاءَات كَمَا اِخْتَارَ الْكِسَائِيّ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم وَالْمُفَضَّل وَأَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيُّ وَغَيْرهمْ وَذَلِكَ وَاضِح فِي تَصَانِيفهمْ فِي ذَلِكَ , وَقَدْ صَنَّفَ اِبْنُ جُبَيْر الْمَكِّيّ وَكَانَ قَبْل اِبْنِ مُجَاهِد كِتَابًا فِي الْقِرَاءَات فَاقْتَصَرَ عَلَى خَمْسَة اِخْتَارَ مِنْ كُلّ مِصْر إِمَامًا , وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَصَاحِف الَّتِي أَرْسَلَهَا عُثْمَان كَانَتْ خَمْسَة إِلَى هَذِهِ الْأَمْصَار , وَيُقَال إِنَّهُ وُجِّهَ بِسَبْعَةٍ هَذِهِ الْخَمْسَة وَمُصْحَفًا إِلَى الْيَمَن وَمُصْحَفًا إِلَى الْبَحْرَيْنِ لَكِنْ لَمْ نَسْمَع لِهَذَيْنِ الْمُصْحَفَيْنِ خَبَرًا , وَأَرَادَ اِبْنُ مُجَاهِد وَغَيْره مُرَاعَاة عَدَد الْمَصَاحِف فَاسْتَبْدَلُوا مِنْ غَيْر الْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَن قَارِئِينَ يَكْمُل بِهِمَا الْعَدَد فَصَادَفَ ذَلِكَ مُوَافَقَة الْعَدَد الَّذِي وَرَدَ الْخَبَر بِهَا وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآن أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَة أَحْرُف , فَوَقَعَ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَعْرِف أَصْل الْمَسْأَلَة وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِطْنَة فَظَنَّ أَنَّ الْمُرَاد بِالْقِرَاءَاتِ السَّبْع الْأَحْرُف السَّبْعَة , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ كَثُرَ اِسْتِعْمَالهمْ الْحَرْف فِي مَوْضِع الْقِرَاءَة فَقَالُوا : قَرَأَ بِحَرْفِ نَافِع بِحَرْفِ اِبْنِ كَثِير , فَتَأَكَّدَ ال"
    },
    {
        "id": "4609",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مَاهَكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنِّي عِنْدَ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏إِذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ فَقَالَ أَيُّ الْكَفَنِ خَيْرٌ قَالَتْ وَيْحَكَ وَمَا يَضُرُّكَ قَالَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَكِ قَالَتْ لِمَ قَالَ لَعَلِّي أُوَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ قَالَتْ وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ ‏ ‏إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنْ ‏ ‏الْمُفَصَّلِ ‏ ‏فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إِذَا ‏ ‏ثَابَ ‏ ‏النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ لَقَالُوا لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا لَقَالُوا لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا لَقَدْ نَزَلَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ ‏ { ‏بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ‏} ‏وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏وَالنِّسَاءِ ‏ ‏إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ قَالَ فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمُصْحَفَ فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّوَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ وَأَخْبَرَنِي يُوسُف ) ‏ ‏كَذَا عِنْدهمْ , وَمَا عَرَفْت مَاذَا عَطَفَ عَلَيْهِ , ثُمَّ رَأَيْت الْوَاو سَاقِطَة فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ , وَكَذَا مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ جَاءَهَا عِرَاقِيّ ) ‏ ‏أَيْ رَجُل مِنْ أَهْل الْعِرَاق , وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( أَيّ الْكَفَن خَيْر ؟ قَالَتْ وَيْحك وَمَا يَضُرّك ) ‏ ‏؟ لَعَلَّ هَذَا الْعِرَاقِيّ كَانَ سَمِعَ حَدِيث سَمُرَة الْمَرْفُوع \" اِلْبَسُوا مِنْ ثِيَابكُمْ الْبَيَاض وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ فَإِنَّهَا أَطْهَر وَأَطْيَب \" وَهُوَ عِنْد التِّرْمِذِيّ مُصَحَّحًا , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس : فَلَعَلَّ الْعِرَاقِيّ سَمِعَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَثْبِت عَائِشَة فِي ذَلِكَ , وَكَانَ أَهْل الْعِرَاق اُشْتُهِرُوا بِالتَّعَنُّتِ فِي السُّؤَال , فَلِهَذَا قَالَتْ لَهُ عَائِشه : وَمَا يَضُرّك ؟ تَعْنِي أَيّ كَفَن كَفَّنْت فِيهِ أَجْزَأَ. وَقَوْل اِبْن عُمَر الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ دَم الْبَعُوض مَشْهُور حَيْثُ قَالَ : اُنْظُرُوا إِلَى أَهْل الْعِرَاق , يَسْأَلُونَ عَنْ دَم الْبَعُوض وَقَدْ قَتَلُوا اِبْن بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَوْله : ( أُؤَلِّف عَلَيْهِ الْقُرْآن , فَإِنَّهُ يُقْرَأ غَيْر مُؤَلَّف ) ‏ ‏قَالَ اِبْن كَثِير : كَأَنَّ قِصَّة هَذَا الْعِرَاقِيّ كَانَتْ قَبْل أَنْ يُرْسِل عُثْمَان الْمُصْحَف إِلَى الْآفَاق , كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَر , فَإِنَّ يُوسُف بْن مَاهَك لَمْ يُدْرِك زَمَان أَرْسَلَ عُثْمَان الْمَصَاحِف إِلَى الْآفَاق , فَقَدْ ذَكَرَ الْمِزِّيُّ أَنَّ رِوَايَته عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب مُرْسَلَة وَأُبَيّ عَاشَ بَعْد إِرْسَال الْمَصَاحِف عَلَى الصَّحِيح , وَقَدْ صَرَّحَ يُوسُف فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ كَانَ عِنْد عَائِشَة حِين سَأَلَهَا هَذَا الْعِرَاقِيّ , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ هَذَا الْعِرَاقِيّ كَانَ مِمَّنْ يَأْخُذ بِقِرَاءَةِ اِبْن مَسْعُود , وَكَانَ اِبْن مَسْعُود لَمَّا حَضَرَ مُصْحَف عُثْمَان إِلَى الْكُوفَة لَمْ يُوَافِق عَلَى الرُّجُوع عَنْ قِرَاءَته وَلَا عَلَى إِعْدَام مُصْحَفه كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه بَعْد الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا , فَكَانَ تَأْلِيف مُصْحَفه مُغَايِرًا لِتَأْلِيفِ مُصْحَف عُثْمَان. وَلَا شَكّ أَنَّ تَأْلِيف الْمُصْحَف الْعُثْمَانِيّ أَكْثَر مُنَاسَبَة مِنْ غَيْره , فَلِهَذَا أَطْلَقَ الْعِرَاقِيّ أَنَّهُ غَيْر مُؤَلَّف , وَهَذَا كُلّه عَلَى أَنَّ السُّؤَال إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ تَرْتِيب السُّوَر. وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلهَا لَهُ \" وَمَا يَضُرّك أَيّه قَرَأْت قَبْل \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ تَفْصِيل آيَات كُلّ سُورَة لِقَوْلِهِ فِي آخِر الْحَدِيث \" فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آي السُّوَر \" أَيْ آيَات كُلّ سُورَة كَأَنْ تَقُول لَهُ سُورَة كَذَا مَثَلًا كَذَا كَذَا آيَة , الْأُولَى كَذَا الثَّانِيَة إِلَخْ , وَهَذَا يَرْجِع إِلَى اِخْتِلَاف عَدَد الْآيَات , وَفِيهِ اِخْتِلَاف بَيْن الْمَدَنِيّ وَالشَّامِيّ وَالْبَصْرِيّ , وَقَدْ اِعْتَنَى أَئِمَّة الْقُرَّاء بِجَمْعِ ذَلِكَ وَبَيَان الْخِلَاف فِيهِ , وَالْأَوَّل أَظْهَر - وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون السُّؤَال وَقَعَ عَنْ الْأَمْرَيْنِ وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ اِبْن بَطَّال : لَا نَعْلَم أَحَدًا قَالَ بِوُجُوبِ تَرْتِيب السُّوَر فِي الْقِرَاءَة لَا دَاخِل الصَّلَاة وَلَا خَارِجهَا , بَلْ يَجُوز أَنْ يَقْرَأ الْكَهْف قَبْل الْبَقَرَة وَالْحَجّ قَبْل الْكَهْف مَثَلًا , وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ السَّلَف مِنْ النَّهْي عَنْ قِرَاءَة الْقُرْآن مَنْكُوسًا فَالْمُرَاد بِهِ أَنْ يَقْرَأ مِنْ آخِر السُّورَة إِلَى أَوَّلهَا , وَكَانَ جَمَاعَة يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فِي الْقَصِيدَة مِنْ الشِّعْر مُبَالَغَة فِي حِفْظهَا وَتَذْلِيلًا لِلِسَانِهِ فِي سَرْدهَا , فَمَنَعَ السَّلَف ذَلِكَ فِي الْقُرْآن فَهُوَ حَرَام فِيهِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض فِي شَرْح حَدِيث حُذَيْفَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي صَلَاته فِي اللَّيْل بِسُورَةِ النِّسَاء قَبْل آلَ عِمْرَان : هُوَ كَذَلِكَ فِي مُصْحَف أُبَيِّ بْن كَعْب , وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ يَقُول إِنَّ تَرْتِيب السُّوَر اِجْتِهَاد وَلَيْسَ بِتَوْقِيفٍ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَوْل جُمْهُور الْعُلَمَاء وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيّ قَالَ : وَتَرْتِيب السُّوَر لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي التِّلَاوَة وَلَا فِي الصَّلَاة وَلَا فِي الدَّرْس وَلَا فِي التَّعْلِيم فَلِذَلِكَ اِخْتَلَفَتْ الْمَصَاحِف , فَلَمَّا كُتِبَ مُصْحَف عُثْمَان رَتَّبُوهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآن , فَلِذَلِكَ اِخْتَلَفَ تَرْتِيب مَصَاحِف الصَّحَابَة. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو كَلَام اِبْن بَطَّال ثُمَّ قَالَ : وَلَا خِلَاف أَنَّ تَرْتِيب آيَات كُلّ سُورَة عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ الْآن فِي الْمُصْحَف تَوْقِيف مِنْ اللَّه تَعَالَى وَعَلَى ذَلِكَ نَقَلَتْهُ الْأُمَّة عَنْ نَبِيّهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّل مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَة مِنْ الْمُفَصَّل فِيهَا ذِكْر الْجَنَّة وَالنَّار ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِره مُغَايِر لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ أَوَّل شَيْء نَزَلَ ( اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك ) وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْر الْجَنَّة وَالنَّار , فَلَعَلَّ \" مِنْ \" مُقَدَّرَة أَيْ مِنْ أَوَّل مَا نَزَلَ , أَوْ الْمُرَاد سُورَة الْمُدَّثِّر فَإِنَّهَا أَوَّل مَا نَزَلَ بَعْد فَتْرَة الْوَحْي وَفِي آخِرهَا ذِكْر الْجَنَّة وَالنَّار , فَلَعَلَّ آخِرهَا نَزَلَ قَبْل نُزُول بَقِيَّة سُورَة اِقْرَأْ , فَإِنَّ الَّذِي نَزَلَ أَوَّلًا مِنْ اِقْرَأْ كَمَا تَقَدَّمَ خَمْس آيَات فَقَطْ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى إِذَا ثَابَ ) ‏ ‏بِالْمُثَلَّثَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَة أَيْ رَجَعَ. ‏ ‏قَوْله : ( نَزَلَ الْحَلَال وَالْحَرَام ) ‏ ‏أَشَارَتْ إِلَى الْحِكْمَة الْإِلَهِيَّة فِي تَرْتِيب التَّنْزِيل , وَأَنَّ أَوَّل مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن الدُّعَاء إِلَى التَّوْحِيد , وَالتَّبْشِير لِلْمُؤْمِنِ وَالْمُطِيع بِالْجَنَّةِ وَلِلْكَافِرِ وَالْعَاصِي بِالنَّارِ , فَلَمَّا اِطْمَأَنَّتْ النُّفُوس عَلَى ذَلِكَ أُنْزِلَتْ الْأَحْكَام , وَلِهَذَا قَالَتْ \" وَلَوْ نَزَلَ أَوَّل شَيْء لَا تَشْرَبُوا الْخَمْر لَقَالُوا لَا نَدَعهَا \" وَذَلِكَ لِمَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ النُّفُوس مِنْ النَّفْرَة عَنْ تَرْك الْمَأْلُوف , وَسَيَأْتِي بَيَان الْمُرَاد بِالْمُفَصَّلِ فِي الْحَدِيث الرَّابِع. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّة إِلَخْ ) ‏ ‏أَشَارَتْ بِذَلِكَ إِلَى تَقْوِيَة مَا ظَهَرَ لَهَا مِنْ الْحِكْمَة الْمَذْكُورَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ نُزُول سُورَة الْقَمَر - وَلَيْسَ فِيهَا شَيْء مِنْ الْأَحْكَام - عَلَى نُزُول سُورَة الْبَقَرَة وَالنِّسَاء مَعَ كَثْرَة مَا اِشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَام , وَأَشَارَتْ بِقَوْلِهَا \" وَأَنَا عِنْده \" أَيْ بِالْمَدِينَةِ , لِأَنَّ دُخُولهَا عَلَيْهِ إِنَّمَا كَانَ بَعْد الْهِجْرَة اِتِّفَاقًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي مَنَاقِبهَا. وَفِي الْحَدِيث رَدّ عَلَى النَّحَّاس فِي زَعْمه أَنَّ سُورَة النِّسَاء مَكِّيَّة مُسْتَنِدًا إِلَى قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) نَزَلَتْ بِمَكَّة اِتِّفَاقًا فِي قِصَّة مِفْتَاح الْكَعْبَة , لَكِنَّهَا حُجَّة وَاهِيَة , فَلَا يَلْزَم مِنْ نُزُول آيَة أَوْ آيَات مِنْ سُورَة طَوِيلَة بِمَكَّة إِذَا نَزَلَ مُعْظَمهَا بِالْمَدِينَةِ أَنْ تَكُون مَكِّيَّة , بَلْ الْأَرْجَح أَنَّ جَمِيع مَا نَزَلَ بَعْد الْهِجْرَة مَعْدُود مِنْ الْمَدَنِيّ. وَقَدْ اِعْتَنَى بَعْض الْأَئِمَّة بِبَيَانِ مَا نَزَلَ مِنْ الْآيَات بِالْمَدِينَةِ فِي السُّوَر الْمَكِّيَّة. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن الضُّرَيْسِ فِي \" فَضَائِل الْقُرْآن \" مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الَّذِي نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ الْبَقَرَة ثُمَّ الْأَنْفَال ثُمَّ الْأَحْزَاب ثُمَّ الْمَائِدَة ثُمَّ الْمُمْتَحِنَة وَالنِّسَاء ثُمَّ إِذَا زُلْزِلَتْ ثُمَّ الْحَدِيد ثُمَّ الْقِتَال ثُمَّ الرَّعْد ثُمَّ الرَّحْمَن ثُمَّ الْإِنْسَان ثُمَّ الطَّلَاق ثُمَّ إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه ثُمَّ النُّور ثُمَّ الْمُنَافِقُونَ ثُمَّ الْمُجَادَلَة ثُمَّ الْحُجُرَات ثُمَّ التَّحْرِيم ثُمَّ الْجَاثِيَة ثُمَّ التَّغَابُن ثُمَّ الصَّفّ ثُمَّ الْفَتْح ثُمَّ بَرَاءَة , وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس أَنَّ سُورَة الْكَوْثَر مَدَنِيَّة فَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَاخْتُلِفَ فِي الْفَاتِحَة وَالرَّحْمَن وَالْمُطَفِّفِينَ وَإِذَا زُلْزِلَتْ وَالْعَادِيَات وَالْقَدْر وَأَرَأَيْت وَالْإِخْلَاص وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ , وَكَذَا اُخْتُلِفَ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الصَّفّ وَالْجُمُعَة وَالتَّغَابُن , وَهَذَا بَيَان مَا نَزَلَ بَعْد الْهِجْرَة مِنْ الْآيَات مِمَّا فِي الْمَكِّيّ , ‏ ‏فَمِنْ ذَلِكَ الْأَعْرَاف : نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا ( وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر - إِلَى - وَإِذْ أَخَذَ رَبّك ). ‏ ‏يُونُس : نَزَلَ مِنْهَا بِالْمَدِينَةِ ( فَإِنْ كُنْت فِي شَكّ ) آيَتَانِ وَقِيلَ ( وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِن بِهِ ) آيَة , وَقِيلَ مِنْ رَأْس أَرْبَعِينَ إِلَى آخِرهَا مَدَنِيّ. ‏ ‏هُود : ثَلَاث آيَات ( فَلَعَلَّك تَارِك - أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبّه - وَأَقِمْ الصَّلَاة طَرَفَيْ النَّهَار ). ‏ ‏النَّحْل ( ثُمَّ إِنَّ رَبّك لِلَّذِينَ هَاجَرُوا ) الْآيَة ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ ) إِلَى آخِر السُّورَة. ‏ ‏الْإِسْرَاء ( وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَك - وَقُلْ رَبّ أَدْخِلْنِي - وَإِذْ قُلْنَا لَك - إِنَّ رَبّك أَحَاطَ بِالنَّاسِ - وَيَسْأَلُونَك عَنْ الرُّوح - قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ). ‏ ‏الْكَهْف : مَكِّيَّة إِلَّا أَوَّلهَا إِلَى ( جُرُزًا ) وَآخِرهَا مِنْ ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ). ‏ ‏مَرْيَم : آيَة السَّجْدَة. ‏ ‏الْحَجّ : مِنْ أَوَّلهَا إِلَى ( شَدِيد ) وَ ( مَنْ كَانَ يَظُنّ ) وَ ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه ) وَ ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ) , ( وَلَوْلَا دَفْع اللَّه ) , وَ ( لِيَعْلَم الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم ) , وَ ( الَّذِينَ هَاجَرُوا ) وَمَا بَعْدهَا , وَمَوْضِع السَّجْدَتَيْنِ وَ ( هَذَانِ خَصْمَانِ ). ‏ ‏الْفُرْقَان : ( وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر - إِلَى - رَحِيمًا ). ‏ ‏الشُّعَرَاء : آخِرهَا مِنْ ( وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعهُمْ ). ‏ ‏الْقَصَص : ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب - إِلَى - الْجَاهِلِينَ ) وَ ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْك الْقُرْآن ). ‏ ‏الْعَنْكَبُوت : مِنْ أَوَّلهَا إِلَى ( وَيَعْلَم الْمُنَافِقِينَ ). ‏ ‏لُقْمَان : ( وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْض مِنْ شَجَرَة أَقْلَام ). ‏ ‏ألم تَنْزِيل : ( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا ) وَقِيلَ مِنْ ( تَتَجَافَى ). ‏ ‏سَبَأ : ( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم ). ‏ ‏الزُّمَر : ( قُلْ يَا عِبَادِي - إِلَى - يَشْعُرُونَ ). ‏ ‏الْمُؤْمِن : ( إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَات اللَّه ) وَاَلَّتِي تَلِيهَا. ‏ ‏الشُّورَى : ( أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَى ) وَ ( هُوَ الَّذِي يَقْبَل التَّوْبَة - إِلَى - شَدِيد ). ‏ ‏الْجَاثِيَة : ( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ). ‏ ‏الْأَحْقَاف : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْد اللَّه وَكَفَرْتُمْ بِهِ ) وَقَوْله : ( فَاصْبِرْ ). ‏ ‏ق : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَات - إِلَى - لُغُوب ). ‏ ‏النَّجْم : ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ - إِلَى - اِتَّقَى ). ‏ ‏الرَّحْمَن : ( يَسْأَلهُ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض ). ‏ ‏الْوَاقِعَة : ( وَتَجْعَلُونَ رِزْقكُمْ ). ن : مِنْ ( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ - إِلَى - يَعْلَمُونَ ) وَمِنْ ( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّك - إِلَى - الصَّالِحِينَ ). ‏ ‏الْمُرْسَلَات : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اِرْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ ) فَهَذَا مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ آيَات مِنْ سُوَر تَقَدَّمَ نُزُولهَا بِمَكَّة. وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ عُثْمَان قَالَ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا مَا يَنْزِل عَلَيْهِ الْآيَات فَيَقُول : ضَعُوهَا فِي السُّورَة الَّتِي يُذْكَر فِيهَا كَذَا \". ‏ ‏وَأَمَّا عَكْس ذَلِكَ وَهُوَ نُزُول شَيْء مِنْ سُورَة بِمَكَّة تَأَخَّرَ نُزُول تِلْكَ السُّورَة إِلَى الْمَدِينَة فَلَمْ أَرَهُ إِلَّا نَادِرًا , فَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَنْفَال مَدَنِيَّة , لَكِنْ قِيلَ إِنَّ قَوْله تَعَالَى ( وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا ) الْآيَة نَزَلَتْ بِمَكَّة ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَة الْأَنْفَال بِالْمَدِينَةِ , وَهَذَا غَرِيب جِدًّا. نَعَمْ نَزَلَ مِنْ السُّوَر الْمَدَنِيَّة الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرهَا بِمَكَّة ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَة الْأَنْفَال بَعْد الْهِجْرَة فِي الْعُمْرَة وَالْفَتْح وَالْحَجّ وَمَوَاضِع مُتَعَدِّدَة فِي الْغَزَوَات كَتَبُوك وَغَيْرهَا أَشْيَاء كَثِيرَة كُلّهَا تُسَمَّى الْمَدَنِيّ اِصْطِلَاحًا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4610",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏فِي ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏وَالْكَهْفِ ‏ ‏وَمَرْيَمَ ‏ ‏وَطه ‏ ‏وَالْأَنْبِيَاءِ ‏ ‏إِنَّهُنَّ مِنْ ‏ ‏الْعِتَاقِ الْأُوَلِ ‏ ‏وَهُنَّ مِنْ ‏ ‏تِلَادِي ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الْثَانِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي تَفْسِير سُبْحَان وَفِي الْأَنْبِيَاء , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا أَنَّ هَذِهِ السُّوَر نَزَلْنَ بِمَكَّة وَأَنَّهَا مُرَتَّبَة فِي مُصْحَف اِبْن مَسْعُود كَمَا هِيَ فِي مُصْحَف عُثْمَان , وَمَعَ تَقْدِيمهنَّ فِي النُّزُول فَهُنَّ مُؤَخَّرَات فِي تَرْتِيب الْمَصَاحِف. وَالْمُرَاد بِالْعِتَاقِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة أَنَّهُنَّ مِنْ قَدِيم مَا نَزَلَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4611",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَنْبَأَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَعَلَّمْتُ ‏ ‏سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ‏ ‏قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏الْحَدِيث الْثَالِث حَدِيث الْبَرَاء \" تَعَلَّمْت سُورَة ( سَبِّحْ اِسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى ) ‏ ‏قَبْل أَنْ يَقْدَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ‏ ‏هُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَحَادِيث الْهِجْرَة , وَالْغَرَض مِنْهُ أَنَّ هَذِهِ السُّورَة مُتَقَدِّمَة النُّزُول , وَهِيَ فِي أَوَاخِر الْمُصْحَف مَعَ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4612",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏لَقَدْ تَعَلَّمْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَؤُهُنَّ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَقَامَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَدَخَلَ مَعَهُ ‏ ‏عَلْقَمَةُ ‏ ‏وَخَرَجَ ‏ ‏عَلْقَمَةُ ‏ ‏فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ عِشْرُونَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ ‏ ‏الْمُفَصَّلِ ‏ ‏عَلَى تَأْلِيفِ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏آخِرُهُنَّ الْحَوَامِيمُ ‏ ‏حم الدُّخَانِ ‏ ‏وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الْرَّابِع : حَدِيث ابْن مَسْعُود أَيْضا ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ شَقِيق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَمَة وَهُوَ أَبُو وَائِل مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اِسْمه : وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش \" سَمِعْت أَبَا وَائِل \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي \" بَاب التَّرْتِيل \" بِلَفْظِ \" غَدَوْنَا عَلَى عَبْد اللَّه \" وَهُوَ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ تَعَلَّمْت النَّظَائِر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب الْجَمْع بَيْن سُورَتَيْنِ فِي الصَّلَاة \" مِنْ أَبْوَاب صِفَة الصَّلَاة , وَفِيهِ أَسْمَاء السُّوَر الْمَذْكُورَة , وَأَنَّ فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ تَأْلِيف مُصْحَف اِبْن مَسْعُود عَلَى غَيْر تَأْلِيف الْعُثْمَانِيّ , وَكَانَ أَوَّله الْفَاتِحَة ثُمَّ الْبَقَرَة ثُمَّ النِّسَاء ثُمَّ آلَ عِمْرَان وَلَمْ يَكُنْ عَلَى تَرْتِيب النُّزُول , وَيُقَال إِنَّ مُصْحَف عَلِيّ كَانَ عَلَى تَرْتِيب النُّزُول أَوَّله اِقْرَأْ ثُمَّ الْمُدَّثِّر ثُمَّ ن وَالْقَلَم ثُمَّ الْمُزَّمِّل ثُمَّ تَبَّتْ ثُمَّ التَّكْوِير ثُمَّ سَبِّحْ وَهَكَذَا إِلَى آخِر الْمَكِّيّ ثُمَّ الْمَدَنِيّ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏وَأَمَّا تَرْتِيب الْمُصْحَف عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآن فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر الْبَاقِلَّانِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ بِتَرْتِيبِهِ هَكَذَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ اِجْتِهَاد الصَّحَابَة , ثُمَّ رُجِّحَ الْأَوَّل بِمَا سَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْد هَذَا أَنَّهُ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَارِض بِهِ جِبْرِيل فِي كُلّ سَنَة. فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ عَارَضَهُ بِهِ هَكَذَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيب , وَبِهِ جَزَمَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ , وَفِيهِ نَظَر , بَلْ الَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ كَانَ يُعَارِضهُ بِهِ عَلَى تَرْتِيب النُّزُول. نَعَمْ تَرْتِيب بَعْض السُّوَر عَلَى بَعْض أَوْ مُعْظَمهَا لَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُون تَوْقِيفًا وَإِنْ كَانَ بَعْضه مِنْ اِجْتِهَاد بَعْض الصَّحَابَة , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَأَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ \" قُلْت لِعُثْمَان : مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الْأَنْفَال وَهِيَ مِنْ الْمَثَانِي وَإِلَى بَرَاءَة وَهِيَ مِنْ الْمُبِين فَقَرَنْتُمْ بِهِمَا وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنهمَا سَطْر بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم وَوَضَعْتُمُوهُمَا فِي السَّبْع الطِّوَال ؟ فَقَالَ عُثْمَان : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا مَا يَنْزِل عَلَيْهِ السُّورَة ذَات الْعَدَد , فَإِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْء - يَعْنِي مِنْهَا - دَعَا بَعْض مَنْ كَانَ يَكْتُب فَيَقُول : ضَعُوا هَؤُلَاءِ الْآيَات فِي السُّورَة الَّتِي يُذْكَر فِيهَا كَذَا , وَكَانَتْ الْأَنْفَال مِنْ أَوَائِل مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَبَرَاءَة مِنْ آخِر الْقُرْآن وَكَانَ قِصَّتهَا شَبِيهَة بِهَا فَظَنَنْت أَنَّهَا مِنْهَا. فَقُبِضَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّن لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا ا ه. فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ تَرْتِيب الْآيَات فِي كُلّ سُورَة كَانَ تَوْقِيفًا , وَلَمَّا لَمْ يُفْصِح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِ بَرَاءَة أَضَافَهَا عُثْمَان إِلَى الْأَنْفَال اِجْتِهَادًا مِنْهُ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ. وَنَقَلَ صَاحِب \" الْإِقْنَاع \" أَنَّ الْبَسْمَلَة لِبَرَاءَة ثَابِتَة فِي مُصْحَف اِبْن مَسْعُود , قَالَ : وَلَا يُؤْخَذ بِهَذَا. وَكَانَ مِنْ عَلَامَة اِبْتِدَاء السُّورَة نُزُول \" بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم \" أَوَّل مَا يَنْزِل شَيْء مِنْهَا كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن دِينَار عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَعْلَم خَتْم السُّورَة حَتَّى يَنْزِل بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم \" وَفِي رِوَايَة \" فَإِذَا نَزَلَتْ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم عَلِمُوا أَنَّ السُّورَة قَدْ اِنْقَضَتْ \" وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ تَرْتِيب الْمُصْحَف كَانَ تَوْقِيفًا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرهمَا عَنْ أَوْس بْن أَبِي أَوْس حُذَيْفَة الثَّقَفِيّ قَالَ \" كُنْت فِي الْوَفْد الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ ثَقِيف \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَقَالَ لَنَا رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنْ الْقُرْآن فَأَرَدْت أَنْ لَا أَخْرُج حَتَّى أَقْضِيه. قَالَ فَسَأَلْنَا أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا : كَيْف تُحَزِّبُونَ الْقُرْآن ؟ قَالُوا : نُحَزِّبُهُ ثَلَاث سُوَر وَخَمْس سُوَر وَسَبْع سُوَر وَتِسْع سُوَر وَإِحْدَى عَشْرَة وَثَلَاث عَشْرَة , وَحِزْب الْمُفَصَّل مِنْ ق حَتَّى تَخْتِم. ‏ ‏قُلْت : فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ تَرْتِيب السُّوَر عَلَى مَا هُوَ فِي الْمُصْحَف الْآن كَانَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَحْتَمِل أَنَّ الَّذِي كَانَ مُرَتَّبًا حِينَئِذٍ حِزْب الْمُفَصَّل خَاصَّة , بِخِلَافِ مَا عَدَاهُ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كَانَ فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير كَمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ النِّسَاء بَعْد الْبَقَرَة قَبْل آلَ عُمْرَانِ \" وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا الْحَدِيث - حَدِيث أَوْس - أَنَّ الرَّاجِح فِي الْمُفَصَّل أَنَّهُ مِنْ أَوَّل سُورَة ق إِلَى آخِر الْقُرْآن , لَكِنَّهُ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَة لَمْ تُعَدّ فِي الثُّلُث الْأَوَّل فَإِنَّهُ يَلْزَم مِنْ عَدّهَا أَنْ يَكُون أَوَّل الْمُفَصَّل مِنْ الْحُجُرَات وَبِهِ جَزَمَ جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة , وَقَدْ نَقَلْنَا الِاخْتِلَاف فِي تَحْدِيده فِي \" بَاب الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي الْمُغْرِب \" مِنْ أَبْوَاب صِفَة الصَّلَاة , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4613",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِأَنَّ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْقُرْآنَ فَإِذَا لَقِيَهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الصِّيَام مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد قَالَ أَنْبَأَنَا الزُّهْرِيُّ , وَإِبْرَاهِيم بْن سَعْد سَمِعَ مِنْ الزُّهْرِيِّ وَمِنْ صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَرِوَايَته عَلَى الصِّفَتَيْنِ تَكَرَّرَتْ فِي هَذَا الْكِتَاب كَثِيرًا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِد حَدِيث اِبْن عَبَّاس هَذَا فِي بَدْء الْوَحْي فَنَذْكُر هُنَا نُكَتًا مِمَّا لَمْ يَتَقَدَّم. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَد النَّاس ) ‏ ‏فِيهِ اِحْتِرَاس بَلِيغ لِئَلَّا يُتَخَيَّل مِنْ قَوْله \" وَأَجْوَد مَا يَكُون فِي رَمَضَان \" أَنَّ الْأَجْوَدِيَّة خَاصَّة مِنْهُ بِرَمَضَان فِيهِ فَأَثْبَتَ لَهُ الْأَجْوَدِيَّة الْمُطْلَقَة أَوَّلًا ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهَا زِيَادَة ذَلِكَ فِي رَمَضَان. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَجْوَد مَا يَكُون فِي رَمَضَان ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" وَكَانَ أَجْوَد مَا يَكُون فِي رَمَضَان \" وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَشْهُور فِي ضَبْط أَجْوَد أَنَّهُ بِالرَّفْعِ وَأَنَّ النَّصْب مُوَجَّه , وَهَذِهِ. الرِّوَايَة مِمَّا تُؤَيِّد الرَّفْع. ‏ ‏قَوْله : ( لِأَنَّ جِبْرِيل كَانَ يَلْقَاهُ ) ‏ ‏فِيهِ بَيَان سَبَب الْأَجْوَدِيَّة الْمَذْكُورَة , وَهِيَ أَبْيَن مِنْ الرِّوَايَة الَّتِي فِي بَدْء الْوَحْي بِلَفْظِ \" وَكَانَ أَجْوَد مَا يَكُون فِي رَمَضَان حِين يَلْقَاهُ جِبْرِيل \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي كُلّ لَيْلَة فِي شَهْر رَمَضَان حَتَّى يَنْسَلِخ ) ‏ ‏أَيْ رَمَضَان , وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّهُ كَانَ يَلْقَاهُ كَذَلِكَ فِي كُلّ رَمَضَان مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآن وَلَا يَخْتَصّ ذَلِكَ بِرَمَضَانَاتِ الْهِجْرَة , وَإِنْ كَانَ صِيَام شَهْر رَمَضَان إِنَّمَا فُرِضَ بَعْد الْهِجْرَة لِأَنَّهُ كَانَ يُسَمَّى رَمَضَان قَبْل أَنْ يُفْرَض صِيَامه. ‏ ‏قَوْله : ( يَعْرِض عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآن ) ‏ ‏هَذَا عَكْس مَا وَقَعَ فِي التَّرْجَمَة لِأَنَّ فِيهَا أَنَّ جِبْرِيل كَانَ يَعْرِض عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي هَذَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْرِض عَلَى جِبْرِيل , وَتَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي بِلَفْظِ \" وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلّ لَيْلَة مِنْ رَمَضَان فَيُدَارِسهُ الْقُرْآن \" فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ يَعْرِض عَلَى الْآخَر , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة آخِر أَحَادِيث الْبَاب كَمَا سَأُوَضِّحُهُ. وَفِي الْحَدِيث إِطْلَاق الْقُرْآن عَلَى بَعْضه وَعَلَى مُعْظَمه , لِأَنَّ أَوَّل رَمَضَان مِنْ بَعْد الْبَعْثَة لَمْ يَكُنْ نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن إِلَّا بَعْضه , ثُمَّ كَذَلِكَ كُلّ رَمَضَان بَعْده , إِلَى رَمَضَان الْأَخِير فَكَانَ قَدْ نَزَلَ كُلّه إِلَّا مَا تَأَخَّرَ نُزُوله بَعْد رَمَضَان الْمَذْكُور , وَكَانَ فِي سَنَة عَشْر إِلَى أَنْ مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَبِيع الْأَوَّل سَنَة إِحْدَى عَشْرَة , وَمِمَّا نَزَلَ فِي تِلْكَ الْمُدَّة قَوْله تَعَالَى ( الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ ) فَإِنَّهَا نَزَلَتْ يَوْم عَرَفَة وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا بِالِاتِّفَاقِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْكِتَاب , وَكَأَنَّ الَّذِي نَزَلَ فِي تِلْكَ الْأَيَّام لَمَّا كَانَ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ لِمَا تَقَدَّمَ اُغْتُفِرَ أَمْر مُعَارَضَته , فَيُسْتَفَاد مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآن يُطْلَق عَلَى الْبَعْض مَجَازًا , وَمِنْ ثَمَّ لَا يَحْنَث مَنْ حَلَفَ لَيَقْرَأَنَّ الْقُرْآن فَقَرَأَ بَعْضه , إِلَّا إِنْ قَصَدَ الْجَمِيع. وَاخْتُلِفَ فِي الْعَرْضَة الْأَخِيرَة هَلْ كَانَتْ بِجَمِيعِ الْأَحْرُف الْمَأْذُون فِي قِرَاءَتهَا أَوْ بِحَرْفٍ وَاحِد مِنْهَا ؟ وَعَلَى الثَّانِي فَهَلْ هُوَ الْحَرْف الَّذِي جَمَعَ عَلَيْهِ عُثْمَان جَمِيع النَّاس أَوْ غَيْره ؟ وَقَدْ رَوَى أَحْمَد وَابْن أَبِي دَاوُدَ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عُبَيْدَة بْن عَمْرو السَّلْمَانِيِّ \" أَنَّ الَّذِي جَمَعَ عَلَيْهِ عُثْمَان النَّاس يُوَافِق الْعَرْضَة الْأَخِيرَة \" وَمِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ \" كَانَ جِبْرِيل يُعَارِض النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقُرْآنِ - الْحَدِيث نَحْو حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَزَادَ فِي آخِره - : فَيَرَوْنَ أَنَّ قِرَاءَتنَا أَحْدَث الْقِرَاءَات عَهْدًا بِالْعَرْضَةِ الْأَخِيرَة \". وَعِنْد الْحَاكِم نَحْوه مِنْ حَدِيث سَمُرَة وَإِسْنَاده حَسَن , وَقَدْ صَحَّحَهُ هُوَ وَلَفْظه \" عُرِضَ الْقُرْآن عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرْضَات , وَيَقُولُونَ إِنَّ قِرَاءَتنَا هَذِهِ هِيَ الْعَرْضَة الْأَخِيرَة \" وَمِنْ طَرِيق مُجَاهِد \" عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : أَيّ الْقِرَاءَتَيْنِ تَرَوْنَ كَانَ آخِر الْقِرَاءَة ؟ قَالُوا : قِرَاءَة زَيْد بْنِ ثَابِت , فَقَالَ : لَا , إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْرِض الْقُرْآن كُلّ سَنَة عَلَى جِبْرِيل , فَلَمَّا كَانَ فِي السَّنَة الَّتِي قُبِضَ فِيهَا عَرَضَهُ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ وَكَانَتْ قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود آخِرهمَا \" وَهَذَا يُغَايِر حَدِيث سَمُرَة وَمَنْ وَافَقَهُ , وَعِنْد مُسَدَّد فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ \" أَنَّ اِبْن عَبَّاس سَمِعَ رَجُلًا يَقُول : الْحَرْف الْأَوَّل , فَقَالَ : مَا الْحَرْف الْأَوَّل ؟ قَالَ إِنَّ عُمَر بَعَثَ اِبْن مَسْعُود إِلَى الْكُوفَة مُعَلِّمًا فَأَخَذُوا بِقِرَاءَتِهِ فَغَيَّرَ عُثْمَان الْقِرَاءَة , فَهُمْ يَدْعُونَ قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود الْحَرْف الْأَوَّل , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّهُ لَآخِر حَرْف عَرَضَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جِبْرِيل \" وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي ظَبْيَانَ قَالَ \" قَالَ لِي اِبْن عَبَّاس : أَيّ الْقِرَاءَتَيْنِ تَقْرَأ ؟ قُلْت : الْقِرَاءَة الْأُولَى قِرَاءَة اِبْن أُمّ عَبْد - يَعْنِي عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود - قَالَ : بَلْ هِيَ الْأَخِيرَة , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْرِض عَلَى جِبْرِيل - الْحَدِيث وَفِي آخِره - فَحَضَرَ ذَلِكَ اِبْن مَسْعُود فَعَلِمَ مَا نُسِخَ مِنْ ذَلِكَ وَمَا بُدِّلَ \" وَإِسْنَاده صَحِيح , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن الْقَوْلَيْنِ بِأَنْ تَكُون الْعَرْضَتَانِ الْأَخِيرَتَانِ وَقَعَتَا بِالْحَرْفَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ. فَيَصِحّ إِطْلَاق الْآخِرِيَّة عَلَى كُلّ مِنْهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَجْوَد بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيح الْمُرْسَلَة ) ‏ ‏فِيهِ جَوَاز الْمُبَالَغَة فِي التَّشْبِيه , وَجَوَاز تَشْبِيه الْمَعْنَوِيّ بِالْمَحْسُوسِ لِيَقْرَب لِفَهْمِ سَامِعه , وَذَلِكَ أَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ أَوَّلًا وَصْف الْأَجْوَدِيَّة , ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَصِفهُ بِأَزْيَد مِنْ ذَلِكَ فَشَبَّهَ جُوده بِالرِّيحِ الْمُرْسَلَة , بَلْ جَعَلَهُ أَبْلَغ فِي ذَلِكَ مِنْهَا , لِأَنَّ الرِّيح قَدْ تَسْكُن. وَفِيهِ الِاحْتِرَاس لِأَنَّ الرِّيح مِنْهَا الْعَقِيم الضَّارَّة وَمِنْهَا الْمُبَشِّرَة بِالْخَيْرِ فَوَصَفَهَا بِالْمُرْسَلَةِ لِيُعَيِّن الثَّانِيَة , وَأَشَارَ إِلَى قَوْله تَعَالَى ( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاح بُشْرًا ) ( وَاَللَّه الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاح ) وَنَحْو ذَلِكَ , فَالرِّيح الْمُرْسَلَة تَسْتَمِرّ مُدَّة إِرْسَالهَا , وَكَذَا كَانَ عَمَله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَان دِيمَة لَا يَنْقَطِع , وَفِيهِ اِسْتِعْمَال أَفْعَل التَّفْضِيل فِي الْإِسْنَاد الْحَقِيقِيّ وَالْمَجَازِيّ , لِأَنَّ الْجُود مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقِيقَة وَمِنْ الرِّيح مَجَاز فَكَأَنَّهُ اِسْتَعَارَ لِلرِّيحِ جُودًا بِاعْتِبَارِ مَجِيئِهَا بِالْخَيْرِ فَأَنْزَلَهَا مَنْزِلَة مَنْ جَادَ , وَفِي تَقْدِيم مَعْمُول أَجْوَد عَلَى الْمُفَضَّل عَلَيْهِ نُكْتَة لَطِيفَة , وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَهُ لَظُنَّ تَعَلُّقه بِالْمُرْسَلَةِ , وَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَا يَتَغَيَّر بِهِ الْمَعْنَى الْمُرَاد بِالْوَصْفِ مِنْ الْأَجْوَدِيَّة إِلَّا أَنَّهُ تَفُوت فِيهِ الْمُبَالَغَة لِأَنَّ الْمُرَاد وَصْفه بِزِيَادَةِ الْأَجْوَدِيَّة عَلَى الرِّيح الْمُرْسَلَة مُطْلَقًا. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا سَبَقَ تَعْظِيم شَهْر رَمَضَان لِاخْتِصَاصِهِ بِابْتِدَاءِ نُزُول الْقُرْآن فِيهِ , ثُمَّ مُعَارَضَته مَا نَزَلَ مِنْهُ فِيهِ , وَيَلْزَم مِنْ ذَلِكَ كَثْرَة , نُزُول جِبْرِيل فِيهِ. وَفِي كَثْرَة نُزُوله مِنْ تَوَارُد الْخَيْرَات وَالْبَرَكَات مَا لَا يُحْصَى , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ فَضْل الزَّمَان إِنَّمَا يَحْصُل بِزِيَادَةِ الْعِبَادَة. وَفِيهِ أَنَّ مُدَاوَمَة التِّلَاوَة تُوجِب زِيَادَة الْخَيْر. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب تَكْثِير الْعِبَادَة فِي آخِر الْعُمُر , وَمُذَاكَرَة الْفَاضِل بِالْخَيْرِ وَالْعِلْم وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ لِزِيَادَةِ التَّذْكِرَة وَالِاتِّعَاظ. وَفِيهِ أَنَّ لَيْل رَمَضَان أَفْضَل مِنْ نَهَاره , وَأَنَّ الْمَقْصُود مِنْ التِّلَاوَة الْحُضُور وَالْفَهْم لِأَنَّ اللَّيْل مَظِنَّة ذَلِكَ لِمَا فِي النَّهَار مِنْ الشَّوَاغِل وَالْعَوَارِض الدُّنْيَوِيَّة وَالدِّينِيَّة , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَسِّم مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن فِي كُلّ سَنَة عَلَى لَيَالِي رَمَضَان أَجْزَاء فَيَقْرَأ كُلّ لَيْلَة جُزْءًا فِي جُزْء مِنْ اللَّيْلَة , وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ مَا كَانَ يَشْتَغِل بِهِ فِي كُلّ لَيْلَة مِنْ سِوَى ذَلِكَ مِنْ تَهَجُّد بِالصَّلَاةِ وَمِنْ رَاحَة بَدَن وَمِنْ تَعَاهُد أَهْل , وَلَعَلَّهُ كَانَ يُعِيد ذَلِكَ الْجُزْء مِرَارًا بِحَسَبِ تَعَدُّد الْحُرُوف الْمَأْذُون فِي قِرَاءَتهَا وَلِتَسْتَوْعِب بَرَكَة الْقُرْآن جَمِيع الشَّهْر , وَلَوْلَا التَّصْرِيح بِأَنَّهُ كَانَ يَعْرِضهُ مَرَّة وَاحِدَة وَفِي السَّنَة الْأَخِيرَة عَرَضَهُ مَرَّتَيْنِ لَجَازَ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِض جَمِيع مَا نَزَلَ عَلَيْهِ كُلّ لَيْلَة ثُمَّ يُعِيدهُ فِي بَقِيَّة اللَّيَالِي. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْد مِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد قَالَ : قُلْت لِلشَّعْبِيِّ : قَوْله تَعَالَى ( شَهْر رَمَضَان الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن ) أَمَا كَانَ يَنْزِل عَلَيْهِ فِي سَائِر السَّنَة ؟ قَالَ : بَلَى. وَلَكِنْ جِبْرِيل كَانَ يُعَارِض مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَان مَا أَنْزَلَ اللَّه فَيُحْكِم اللَّه مَا يَشَاء وَيُثْبِت مَا يَشَاء. فَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى الْحِكْمَة فِي التَّقْسِيط الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ لِتَفْصِيلِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمُحْكَم وَالْمَنْسُوخ. وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا الرِّوَايَة الْمَاضِيَة فِي بَدْء الْخَلْق بِلَفْظِ \" فَيُدَارِسهُ الْقُرْآن \" فَإِنَّ ظَاهِره أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ يَقْرَأ عَلَى الْآخَر , وَهِيَ مُوَافَقَة لِقَوْلِهِ \" يُعَارِضهُ \" فَيَسْتَدْعِي ذَلِكَ زَمَانًا زَائِدًا عَلَى مَا لَوْ قَرَأَ الْوَاحِد , وَلَا يُعَارِض ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ( سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى ) إِذَا قُلْنَا إِنَّ \" لَا \" نَافِيَة كَمَا هُوَ الْمَشْهُور وَقَوْل الْأَكْثَر , لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا أَقْرَأَهُ فَلَا يَنْسَى مَا أَقْرَأَهُ , وَمِنْ جُمْلَة الْإِقْرَاء مُدَارَسَة جِبْرِيل , أَوْ الْمُرَاد أَنَّ الْمَنْفِيّ بِقَوْلِهِ : ( فَلَا تَنْسَى ) النِّسْيَان الَّذِي لَا ذِكْر بَعْده لَا النِّسْيَان الَّذِي يَعْقُبهُ الذِّكْر فِي الْحَال حَتَّى لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ نَسِيَ شَيْئًا فَإِنَّهُ يُذَكِّرهُ إِيَّاهُ فِي الْحَال , وَسَيَأْتِي مَزِيد بَيَان لِذَلِكَ فِي \" بَاب نِسْيَان الْقُرْآن \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّة فَوَائِد حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي بَدْء الْوَحْي. ‏"
    },
    {
        "id": "4614",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرًا فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي الْعَام الَّذِي قُبِضَ فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا خَالِد بْن يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ الْكَاهِلِيّ , وَأَبُو بَكْر هُوَ اِبْن عَيَّاش بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُعْجَمَة. وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْحِ أَوَّله عُثْمَان بْن عَاصِم , وَذَكْوَان هُوَ أَبُو صَالِح السَّمَّان. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يُعْرَض عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَفِي بَعْضهَا بِفَتْحِ أَوَّله بِحَذْفِ الْفَاعِل , فَالْمَحْذُوف هُوَ جِبْرِيل صَرَّحَ بِهِ إِسْرَائِيل فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي حُصَيْن أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَفْظه \" كَانَ جِبْرِيل يَعْرِض عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآن فِي كُلّ رَمَضَان \" وَإِلَى هَذِهِ الرِّوَايَة أَشَارَ الْمُصَنِّف فِي التَّرْجَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( الْقُرْآن كُلّ عَامّ مَرَّة ) ‏ ‏سَقَطَ لَفْظ \" الْقُرْآن \" لِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ , زَادَ إِسْرَائِيل عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَيُصْبِح وَهُوَ أَجْوَد بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيح الْمُرْسَلَة \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة غَرِيبَة فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَإِنَّمَا هِيَ مَحْفُوظَة مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَام الَّذِي قُبِضَ فِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل \" عَرْضَتَيْنِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر الْحِكْمَة فِي تَكْرَار الْعَرْض فِي السَّنَة الْأَخِيرَة , وَيَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يَكُون السِّرّ فِي ذَلِكَ أَنَّ رَمَضَان مِنْ السَّنَة الْأُولَى لَمْ يَقَع فِيهِ مُدَارَسَة لِوُقُوعِ اِبْتِدَاء النُّزُول فِي رَمَضَان , ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْي ثُمَّ تَتَابَعَ فَوَقَعَتْ الْمُدَارَسَة فِي السَّنَة الْأَخِيرَة مَرَّتَيْنِ لِيَسْتَوِيَ عَدَد السِّنِينَ وَالْعَرْض. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ يَعْتَكِف فِي كُلّ عَامّ عَشْرًا فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي الْعَام الَّذِي قُبِضَ فِيهِ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ اِعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَان وَهُوَ مُنَاسِب لِفِعْلِ جِبْرِيل حَيْثُ ضَاعَفَ عَرْض الْقُرْآن فِي تِلْكَ السَّنَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون السَّبَب مَا تَقَدَّمَ فِي الِاعْتِكَاف أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِف عَشْرًا فَسَافَرَ عَامًا فَلَمْ يَعْتَكِف فَاعْتَكَفَ مِنْ قَابِل عِشْرِينَ يَوْمًا , وَهَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى فِي سَفَر وَقَعَ فِي شَهْر رَمَضَان \" وَكَانَ رَمَضَان مِنْ سَنَة تِسْع دَخَلَ وَهُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة تَبُوك , وَهَذَا بِخِلَافِ الْقِصَّة الْمُتَقَدِّمَة فِي كِتَاب الصِّيَام أَنَّهُ شَرَعَ فِي الِاعْتِكَاف فِي أَوَّل الْعَشْر الْأَخِير فَلَمَّا رَأَى مَا صَنَعَ أَزْوَاجه مِنْ ضَرْب الْأَخْبِيَة تَرَكَهُ ثُمَّ اِعْتَكَفَ عَشْرًا فِي شَوَّال , وَيَحْتَمِل اِتِّحَاد الْقِصَّة , وَيَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ تَكُون الْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث الْبَاب هِيَ الَّتِي أَوْرَدَهَا مُسْلِم وَأَصْلهَا عِنْد الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد قَالَ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَاوِز الْعَشْر الَّتِي فِي وَسَط الشَّهْر , فَإِذَا اِسْتَقْبَلَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَجَعَ , فَأَقَامَ فِي شَهْر جَاوَرَ فِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَة الَّتِي كَانَ يَرْجِع فِيهَا ثُمَّ قَالَ : إِنِّي كُنْت أُجَاوِر هَذِهِ الْعَشْر الْوَسَط ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِر الْعَشْر الْأَوَاخِر , فَجَاوَرَ الْعَشْر الْأَخِير \" الْحَدِيث , لِيَكُونَ الْمُرَاد بِالْعِشْرِينِ الْعَشْر الْأَوْسَط وَالْعَشْر الْأَخِير. ‏"
    },
    {
        "id": "4615",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏ذَكَرَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏فَقَالَ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏وَسَالِمٍ ‏ ‏وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ‏ ‏وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ‏",
        "sharh": "الْأَوَّل عَنْ عَمْرو هُوَ اِبْن مُرَّة , وَقَدْ نَسَبَهُ الْمُصَنِّف فِي الْمَنَاقِب مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَذُهْل الْكَرْمَانِيُّ. فَقَالَ : هُوَ عَمْرو بْن عَبْد اللَّه أَبُو إِسْحَاق السُّبَيْعِيُّ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَسْرُوق ) ‏ ‏جَاءَ عَنْ إِبْرَاهِيم وَهُوَ النَّخَعِيُّ فِيهِ شَيْخ آخَر أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَبِي سَعِيد الْمُؤَدَّب عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة عَنْ عَبْد اللَّه , وَهُوَ مَقْلُوب فَإِنَّ الْمَحْفُوظ فِي هَذَا عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ مَسْرُوق كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِبْرَاهِيم حَمَلَهُ عَنْ شَيْخَيْنِ وَالْأَعْمَش حَمَلَهُ عَنْ شَيْخَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( خُذُوا الْقُرْآن مِنْ أَرْبَعَة ) ‏ ‏أَيْ تَعَلَّمُوهُ مِنْهُمَا , وَالْأَرْبَعَة الْمَذْكُورُونَ اِثْنَانِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَهُمَا الْمُبْدَأ بِهِمَا وَاثْنَانِ مِنْ الْأَنْصَار , وَسَالِم هُوَ اِبْن مَعْقِل مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة , وَمُعَاذ هُوَ اِبْن جَبَل. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي مَنَاقِب سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة مِنْ هَذَا الْوَجْه وَفِي أَوَّله \" ذِكْر عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عِنْد عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فَقَالَ : ذَاكَ رَجُل لَا أَزَال أُحِبّهُ بَعْدَمَا سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : خُذُوا الْقُرْآن مِنْ أَرْبَعَة فَبَدَأَ بِهِ \" فَذَكَرَ حَدِيث الْبَاب. ‏ ‏وَيُسْتَفَاد مِنْهُ مَحَبَّة مَنْ يَكُون مَاهِرًا فِي الْقُرْآن , وَأَنَّ الْبُدَاءَة بِالرَّجُلِ فِي الذِّكْر عَلَى غَيْره فِي أَمْر اِشْتَرَكَ فِيهِ مَعَ غَيْره يَدُلّ عَلَى تَقَدُّمه فِيهِ , وَتَقَدَّمَ بَقِيَّة شَرْحه هُنَاكَ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِل أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ الْإِعْلَام بِمَا يَكُون بَعْده , أَيْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة يَبْقَوْنَ حَتَّى يَنْفَرِدُوا بِذَلِكَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْفَرِدُوا بَلْ الَّذِينَ مَهَرُوا فِي تَجْوِيد الْقُرْآن بَعْد الْعَصْر النَّبَوِيّ أَضْعَاف الْمَذْكُورِينَ , وَقَدْ قُتِلَ سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَقْعَة الْيَمَامَة , وَمَاتَ مُعَاذ فِي خِلَافَة عُمَر , وَمَاتَ أُبَيّ وَابْن مَسْعُود فِي خِلَافَة عُثْمَان , وَقَدْ تَأَخَّرَ زَيْد بْن ثَابِت وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ الرِّيَاسَة فِي الْقِرَاءَة وَعَاشَ بَعْدهمْ زَمَانًا طَوِيلًا , فَالظَّاهِر أَنَّهُ أَمَرَ بِالْأَخْذِ عَنْهُمْ فِي الْوَقْت الَّذِي صَدَرَ فِيهِ ذَلِكَ الْقَوْل , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُون أَحَد فِي ذَلِكَ الْوَقْت شَارَكَهُمْ فِي حِفْظ الْقُرْآن , بَلْ كَانَ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ مِثْل الَّذِينَ حَفِظُوهُ وَأَزْيَد مِنْهُمْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة بِئْر مَعُونَة أَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا بِهَا مِنْ الصَّحَابَة كَانَ يُقَال لَهُمْ الْقُرَّاء وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4616",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ خَطَبَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏وَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ ‏ ‏أَصْحَابُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ قَالَ ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏فَجَلَسْتُ فِي الْحِلَقِ أَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ فَمَا سَمِعْتُ رَادًّا يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏الْحَدِيث الْثَانِي قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُمَر بْن حَفْص حَدَّثَنَا أَبِي ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَحَكَى الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ عَنْ الْجُرْجَانِيِّ \" حَدَّثَنَا حَفْص بْن عُمَر حَدَّثَنَا أَبِي \" وَهُوَ خَطَأ مَقْلُوب , وَلَيْسَ لِحَفْصِ بْن عُمَر أَب يَرْوِي عَنْهُ فِي الصَّحِيح , وَإِنَّمَا هُوَ عُمَر بْن حَفْص بْن غِيَاث بَالِغِينَ الْمُعْجَمَة وَالتَّحْتَانِيَّة وَالْمُثَلَّثَة , وَكَانَ أَبُوهُ قَاضِي الْكُوفَة , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق سَهْل بْن بَحْر عَنْ عُمَر بْن حَفْص بْن غِيَاث وَنَسَبَهُ ثُمَّ قَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عُمَر بْن حَفْص. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا شَقِيق بْن سَلَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم وَالنَّسَائِيِّ جَمِيعًا عَنْ إِسْحَاق عَنْ عَبْدَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل وَهُوَ شَقِيق الْمَذْكُور , وَجَاءَ عَنْ الْأَعْمَش فِيهِ شَيْخ آخَر أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ الْحَسَن بْن إِسْمَاعِيل عَنْ عَبْدَة بْن سُلَيْمَان عَنْهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ هُبَيْرَة بْن يَرِيم عَنْ اِبْن مَسْعُود , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون لِلْأَعْمَشِ فِيهِ طَرِيقَانِ , وَإِلَّا فَإِسْحَاق وَهُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ أَتْقَن مِنْ الْحَسَن بْن إِسْمَاعِيل , مَعَ أَنَّ الْمَحْفُوظ عَنْ أَبِي إِسْحَاق فِيهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ وَإِسْرَائِيل وَغَيْرهمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ خُمَيْر بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة مُصَغَّر عَنْ اِبْن مَسْعُود , فَحَصَلَ الشُّذُوذ فِي رِوَايَة الْحَسَن بْن إِسْمَاعِيل فِي مَوْضِعَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( خَطَبَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فَقَالَ : وَاَللَّه لَقَدْ أَخَذْت مِنْ فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَة ) ‏ ‏زَادَ عَاصِم عَنْ بَدْر عَنْ عَبْد اللَّه \" وَأَخَذْت بَقِيَّة الْقُرْآن عَنْ أَصْحَابه \" وَعِنْد إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة فِي أَوَّله ( وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْم الْقِيَامَة ) ثُمَّ قَالَ : عَلَى قِرَاءَة مَنْ تَأْمُرُونَنِي أَنْ أَقْرَأ وَقَدْ قَرَأْت عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ وَأَبِي عَوَانَة وَابْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق اِبْن شِهَاب عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل قَالَ \" خَطَبَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَلَى الْمِنْبَر فَقَالَ ( وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْم الْقِيَامَة ) غُلُّوا مَصَاحِفكُمْ , وَكَيْف تَأْمُرُونَنِي أَنْ أَقْرَأ عَلَى قِرَاءَة زَيْد بْن ثَابِت وَقَدْ قَرَأْت مِنْ فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْله \" وَفِي رِوَايَة خُمَيْر بْن مَالِك الْمَذْكُورَة بَيَان السَّبَب فِي قَوْل اِبْن مَسْعُود هَذَا وَلَفْظه \" لَمَّا أُمِرَ بِالْمَصَاحِفِ أَنْ تُغَيَّر سَاءَ ذَلِكَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فَقَالَ مَنْ اِسْتَطَاعَ - وَقَالَ فِي آخِره - أَفَأَتْرُك مَا أَخَذْت مِنْ فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة لَهُ فَقَالَ \" إِنِّي غَالّ مُصْحَفِي , فَمَنْ اِسْتَطَاعَ أَنْ يَغُلّ مُصْحَفه فَلْيَفْعَلْ \" وَعِنْد الْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَبِي مَيْسَرَة قَالَ \" رُحْت فَإِذَا أَنَا بِالْأَشْعَرِيِّ وَحُذَيْفَة وَابْن مَسْعُود , فَقَالَ اِبْن مَسْعُود : وَاَللَّه لَا أَدْفَعهُ - يَعْنِي مُصْحَفه أَقْرَأَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّه لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي مِنْ أَعْلَمهُمْ بِكِتَابِ اللَّه ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْدَة وَأَبِي شِهَاب جَمِيعًا عَنْ الْأَعْمَش \" أَنِّي أَعْلَمهُمْ بِكِتَابِ اللَّه \" بِحَذْفِ \" مِنْ \" وَزَادَ \" وَلَوْ أَعْلَم أَنَّ أَحَدًا أَعْلَم مِنِّي لَرَحَلْت إِلَيْهِ \" وَهَذَا لَا يَنْفِي إِثْبَات \" مِنْ \" فَإِنَّهُ نَفَى الْأَغْلَبِيَّة وَلَمْ يَنْفِ الْمُسَاوَاة , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي الْحَدِيث الرَّابِع. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ ) ‏ ‏يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الزِّيَادَة فِي صِفَة مِنْ صِفَات الْفَضْل لَا تَقْتَضِي الْأَفْضَلِيَّة الْمُطْلَقَة , فَالْأَعْلَمِيَّة بِكِتَابِ اللَّه لَا تَسْتَلْزِم الْأَعْلَمِيَّة الْمُطْلَقَة , بَلْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون غَيْره أَعْلَم مِنْهُ بِعُلُومٍ أُخْرَى فَلِهَذَا قَالَ \" وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ \" وَسَيَأْتِي فِي هَذَا بَحْث فِي \" بَاب خَيْركُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآن وَعَلَّمَهُ \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ شَقِيق ) ‏ ‏أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور : ‏ ‏( فَجَلَسْت فِي الْحَلَق ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَاللَّام ‏ ‏( فَمَا سَمِعْت رَادًّا يَقُول غَيْر ذَلِكَ ) ‏ ‏يَعْنِي لَمْ يَسْمَع مَنْ يُخَالِف اِبْن مَسْعُود يَقُول غَيْر ذَلِكَ , أَوْ الْمُرَاد مَنْ يَرُدّ قَوْله ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" قَالَ شَقِيق فَجَلَسْت فِي حَلَق أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا سَمِعْت أَحَدًا يَرُدّ ذَلِكَ وَلَا يَعِيبهُ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي شِهَاب \" فَلَمَّا نَزَلَ عَنْ الْمِنْبَر جَلَسْت فِي الْحَلَق فَمَا أَحَد يُنْكِر مَا قَالَ \" وَهَذَا يُخَصِّص عُمُوم قَوْله \" أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" بِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ بِالْكُوفَةِ وَلَا يُعَارِض ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة بْن مَسْعُود عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث الْبَاب وَفِيهِ \" قَالَ الزُّهْرِيِّ : فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ كَرِهَهُ مِنْ قَوْل اِبْن مَسْعُود رِجَال مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّ الَّذِينَ كَرِهُوا ذَلِكَ مِنْ غَيْر الصَّحَابَة الَّذِينَ شَاهَدَهُمْ شَقِيق بِالْكُوفَةِ , وَيَحْتَمِل اِخْتِلَاف الْجِهَة. فَاَلَّذِي نَفَى شَقِيق أَنَّ أَحَدًا رَدَّهُ أَوْ عَابَهُ وَصْف اِبْن مَسْعُود بِأَنَّهُ أَعْلَمهُمْ بِالْقُرْآنِ , وَاَلَّذِي أَثْبَتَهُ الزُّهْرِيُّ مَا يَتَعَلَّق بِأَمْرِهِ بِغَلِّ الْمَصَاحِف , وَكَأَنَّ مُرَاد اِبْن مَسْعُود بِغَلِّ الْمَصَاحِف كَتْمهَا وَإِخْفَاؤُهَا لِئَلَّا تَخْرُج فَتُعْدَم وَكَأَنَّ اِبْن مَسْعُود رَأَى خِلَاف مَا رَأَى عُثْمَان وَمَنْ وَافَقَهُ فِي الِاقْتِصَار عَلَى قِرَاءَة وَاحِدَة وَإِلْغَاء مَا عَدَا ذَلِكَ , أَوْ كَانَ لَا يُنْكِر الِاقْتِصَار لِمَا فِي عَدَمه مِنْ الِاخْتِلَاف , بَلْ كَانَ يُرِيد أَنْ تَكُون قِرَاءَته هِيَ الَّتِي يُعَوَّل عَلَيْهَا دُون غَيْرهَا لِمَا لَهُ مِنْ الْمَزِيَّة فِي ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ لِغَيْرِهِ كَمَا يُؤْخَذ ذَلِكَ مِنْ ظَاهِر كَلَامه , فَلَمَّا فَاتَهُ ذَلِكَ وَرَأَى أَنَّ الِاقْتِصَار عَلَى قِرَاءَة زَيْد تَرْجِيح بِغَيْرِ مُرَجِّح عِنْده اِخْتَارَ اِسْتِمْرَار الْقِرَاءَة عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ , عَلَى أَنَّ اِبْن أَبِي دَاوُدَ تَرْجَمَ \" بَاب رَضِيَ اِبْن مَسْعُود بَعْد ذَلِكَ بِمَا صَنَعَ عُثْمَان \" لَكِنْ لَمْ يُورِد مَا يُصَرِّح بِمُطَابَقَةِ مَا تَرْجَمَ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4617",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏بِحِمْصَ ‏ ‏فَقَرَأَ ‏ ‏ابْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏سُورَةَ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّه ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَحْسَنْتَ وَوَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ فَقَالَ أَتَجْمَعُ أَنْ تُكَذِّبَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَتَشْرَبَ الْخَمْرَ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏الْحَدِيث الْثَالِث قَوْله : ( كُنَّا بِحِمْصَ فَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود سُورَة يُوسُف ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِره أَنَّ عَلْقَمَة حَضَرَ الْقِصَّة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي خَلِيفَة عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق يُوسُف الْقَاضِي عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ عَلْقَمَة قَالَ : كَانَ عَبْد اللَّه بِحِمْصَ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ الْأَعْمَش وَلَفْظه \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : كُنْت بِحِمْصَ , فَقَرَأْت \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ عَلْقَمَة لَمْ يَحْضُر الْقِصَّة وَإِنَّمَا نَقَلَهَا عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ طُرُق عَنْ الْأَعْمَش وَلَفْظه \" كُنْت جَالِسًا بِحِمْصَ \" وَعِنْد أَحْمَد عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش قَالَ \" عَنْ عَبْد اللَّه أَنَّهُ قَرَأَ سُورَة يُوسُف \" وَرِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عِنْد مُسْلِم لَكِنْ أَحَالَ بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ نَهِيك بْن سِنَان الَّذِي تَقَدَّمَتْ لَهُ مَعَ اِبْن مَسْعُود فِي الْقُرْآن قِصَّة غَيْر هَذِهِ , لَكِنْ لَمْ أَرَ ذَلِكَ صَرِيحًا. وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقَالَ لِي بَعْض الْقَوْم : اِقْرَأْ عَلَيْنَا , فَقَرَأْت عَلَيْهِمْ سُورَة يُوسُف , فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم : مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ \" فَإِنْ كَانَ السَّائِل هُوَ الْقَائِل وَإِلَّا فَفِيهِ مُبْهَم آخَر. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ قَرَأْت عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقُلْت وَيْحك , وَاَللَّه لَقَدْ أَقْرَأَنِيهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَوَجَدَ مِنْهُ رِيح الْخَمْر ) ‏ ‏هِيَ جُمْلَة حَالِيَّة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَبَيْنَمَا أَنَا أُكَلِّمهُ إِذْ وَجَدْت مِنْهُ رِيح الْخَمْر \". ‏ ‏قَوْله : ( فَضَرَبَهُ الْحَدّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقُلْت لَا تَبْرَح حَتَّى أَجْلِدك , قَالَ فَجَلَدْته الْحَدّ \" قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ اِبْن مَسْعُود كَانَتْ لَهُ وِلَايَة إِقَامَة الْحُدُود نِيَابَة عَنْ الْإِمَام , إِمَّا عُمُومًا وَإِمَّا خُصُوصًا , وَعَلَى أَنَّ الرَّجُل اِعْتَرَفَ بِشُرْبِهَا بِلَا عُذْر , وَإِلَّا فَلَا يَجِب الْحَدّ بِمُجَرَّدِ رِيحهَا. وَعَلَى أَنَّ التَّكْذِيب كَانَ بِإِنْكَارِ بَعْضه جَاهِلًا , إِذْ لَوْ كَذَّبَ بِهِ حَقِيقَة لَكَفَرَ , فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ جَحَدَ حَرْفًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآن كَفَرَ ا ه , وَالِاحْتِمَال الْأَوَّل جَيِّد , وَيُحْتَمَل أَيْضًا أَنْ يَكُون قَوْله \" فَضَرَبَهُ الْحَدّ \" أَيْ رَفَعَهُ إِلَى الْأَمِير فَضَرَبَهُ فَأَسْنَدَ الضَّرْب إِلَى نَفْسه مَجَازًا لِكَوْنِهِ كَانَ سَبَبًا فِيهِ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّمَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدّ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ مَنْ لَهُ الْوِلَايَة , أَوْ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ قَامَ عَنْ الْإِمَام بِوَاجِبٍ , أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَان وِلَايَته الْكُوفَة فَإِنَّهُ وَلِيَهَا فِي زَمَن عُمَر وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَة عُثْمَان اِنْتَهَى , وَالِاحْتِمَال الثَّانِي مُوَجَّه , وَفِي الْأَخِير غَفْلَة عَمَّا فِي أَوَّل الْخَبَر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِحِمْصَ , وَلَمْ يَلِهَا اِبْن مَسْعُود وَإِنَّمَا دَخَلَهَا غَازِيًا وَكَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَة عُمَر. وَأَمَّا الْجَوَاب الثَّانِي عَنْ الرَّائِحَة فَيَرُدّهُ النَّقْل عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ يَرَى وُجُوب الْحَدّ بِمُجَرَّدِ وُجُود الرَّائِحَة , وَقَدْ وَقَعَ مِثْل ذَلِكَ لِعُثْمَان فِي قِصَّة الْوَلِيد بْن عُقْبَة , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ إِثْر هَذَا الْحَدِيث النَّقْل عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى اِبْن مَسْعُود جَلْده الرَّجُل بِالرَّائِحَةِ وَحْدهَا إِذْ لَمْ يُقِرّ وَلَمْ يُشْهَد عَلَيْهِ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِي الْحَدِيث حُجَّة عَلَى مَنْ يَمْنَع وُجُوب الْحَدّ بِالرَّائِحَةِ كَالْحَنَفِيَّةِ وَقَدْ قَالَ بِهِ مَالِك وَأَصْحَابه وَجَمَاعَة مِنْ أَهْل الْحِجَاز. ‏ ‏قُلْت : وَالْمَسْأَلَة خِلَافِيَّة شَهِيرَة , وَلِلْمَانِعِ أَنْ يَقُول : إِذَا اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُون أَقَرَّ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ , وَلَمَّا حَكَى الْمُوَفَّق فِي \" الْمُغْنِي \" الْخِلَاف فِي وُجُوب الْحَدّ بِمُجَرَّدِ الرَّائِحَة اِخْتَارَ أَنْ لَا يُحَدّ بِالرَّائِحَةِ وَحْدهَا بَلْ لَا بُدّ مَعَهَا مِنْ قَرِينَة كَأَنْ يُوجَد سَكْرَان أَوْ يَتَقَيَّأَهَا , وَنَحْوه أَنْ يُوجَد جَمَاعَة شُهِرُوا بِالْفِسْقِ وَيُوجَد مَعَهُمْ خَمْر وَيُوجَد مِنْ أَحَدهمْ رَائِحَة الْخَمْر , وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِر عَنْ بَعْض السَّلَف أَنَّ الَّذِي يَجِب عَلَيْهِ الْحَدّ بِمُجَرَّدِ الرَّائِحَة مَنْ يَكُون مَشْهُورًا بِإِدْمَانِ شُرْب الْخَمْر وَقِيلَ بِنَحْوِ هَذَا التَّفْصِيل فِيمَنْ شَكَّ وَهُوَ فِي الصَّلَاة هَلْ خَرَجَ مِنْهُ رِيح أَوْ لَا فَإِنْ قَارَنَ ذَلِكَ وُجُود رَائِحَة دَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُود الْحَدَث فَيَتَوَضَّأ وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاة فَلْيَنْصَرِفْ , وَيُحْمَل مَا وَرَدَ مِنْ تَرْك الْوُضُوء مَعَ الشَّكّ عَلَى مَا إِذَا تَجَرَّدَ الظَّنّ عَنْ الْقَرِينَة , وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَة إِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الْحُدُود إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَأَمَّا الْجَوَاب عَنْ الثَّالِث فَجَيِّد أَيْضًا , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن مَسْعُود كَانَ لَا يَرَى بِمُؤَاخَذَةِ السَّكْرَان بِمَا يَصْدُر مِنْهُ مِنْ الْكَلَام فِي حَال سُكْره , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الرَّجُل كَذَّبَ اِبْن مَسْعُود وَلَمْ يُكَذِّب بِالْقُرْآنِ , وَهُوَ الَّذِي يَظْهَر مِنْ قَوْله \" مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ \" فَإِنَّ ظَاهِره أَنَّهُ أَثْبَتَ إِنْزَالهَا وَنَفَى الْكَيْفِيَّة الَّتِي أَوْرَدَهَا اِبْن مَسْعُود , وَقَالَ الرَّجُل ذَلِكَ إِمَّا جَهْلًا مِنْهُ أَوْ قِلَّة حِفْظ أَوْ عَدَم تَثَبُّت بَعَثَهُ عَلَيْهِ السُّكْر , وَسَيَأْتِي مَزِيد بَحْث فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الطَّلَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4618",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ وَلَا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ تُبَلِّغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏الْحَدِيث الْرَّابِع قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الضُّحَى الْكُوفِيّ , وَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة أَبِي حَمْزَة عَنْ الْأَعْمَش عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَفِي طَبَقَة مُسْلِم هَذَا رَجُلَانِ مِنْ أَهْل الْكُوفَة يُقَال لِكُلٍّ مِنْهُمَا مُسْلِم أَحَدهمَا يُقَال لَهُ الْأَعْوَر وَالْآخَر يُقَال لَهُ الْبُطَيْن , فَالْأَوَّل هُوَ مُسْلِم بْن كَيْسَانَ وَالثَّانِي مُسْلِم بْن عِمْرَان , وَلَمْ أَرَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا رِوَايَة عَنْ مَسْرُوق فَإِذَا أُطْلِقَ مُسْلِم عَنْ مَسْرُوق عُرِفَ أَنَّهُ هُوَ أَبُو الضُّحَى , وَلَوْ اِشْتَرَكُوا فِي أَنَّ الْأَعْمَش رَوَى عَنْ الثَّلَاثَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة قُطْبَة عَنْ الْأَعْمَش عِنْد مُسْلِم \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود \". ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عِنْد اِبْن أَبِي دَاوُدَ \" قَالَ عَبْد اللَّه لَمَّا صُنِعَ بِالْمَصَاحِفِ مَا صُنِعَ : وَاَللَّه إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فِيمَنْ أُنْزِلَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فِيمَا أُنْزِلَتْ \" وَمِثْله فِي رِوَايَة قُطْبَة وَجَرِير. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَوْ أَعْلَم أَحَدًا أَعْلَم مِنِّي بِكِتَابِ اللَّه تُبَلِّغهُ الْإِبِل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" تُبَلِّغنِيهِ \" وَهِيَ رِوَايَة جَرِير. ‏ ‏قَوْله : ( لَرَكِبْت إِلَيْهِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث الثَّانِي بِلَفْظِ \" لَرَحَلْت إِلَيْهِ \" وَلِأَبِي عُبَيْدَة مِنْ طَرِيق اِبْن سِيرِينَ \" نُبِّئْت أَنَّ اِبْن مَسْعُود قَالَ : لَوْ أَعْلَم أَحَدًا تُبَلِّغنِيهِ الْإِبِل أَحْدَث عَهْدًا بِالْعَرْضَةِ الْأَخِيرَة مِنِّي لَأَتَيْته - أَوْ قَالَ - لَتَكَلَّفْت أَنْ آتِيه \" وَكَأَنَّهُ اِحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ تُبَلِّغنِيهِ الْإِبِل عَمَّنْ لَا يَصِل إِلَيْهِ عَلَى الرَّوَاحِل إِمَّا لِكَوْنِهِ كَانَ لَا يَرْكَب الْبَحْر فَقَيَّدَ بِالْبَرِّ أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ جَازِمًا بِأَنَّهُ لَا أَحَد يَفُوقهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْبَشَر فَاحْتَرَزَ عَنْ سُكَّان السَّمَاء. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز ذِكْر الْإِنْسَان نَفْسه بِمَا فِيهِ مِنْ الْفَضِيلَة بِقَدْرِ الْحَاجَة , وَيُحْمَل مَا وَرَدَ مِنْ ذَمّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ فَخْرًا أَوْ إِعْجَابًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4619",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏وَأَبُو زَيْدٍ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏الْفَضْلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثُمَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الْخَامِس حَدِيث أَنَس , ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلْت أَنَس بْن مَالِك : مَنْ جَمَعَ الْقُرْآن عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : أَرْبَعَة كُلّهمْ مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَةَ فِي أَوَّل الْحَدِيث \" اِفْتَخَرَ الْحَيَّانِ الْأَوْس وَالْخَزْرَج , فَقَالَ الْأَوْس : مِنَّا أَرْبَعَة : مَنْ اِهْتَزَّ لَهُ الْعَرْش سَعْد بْن مُعَاذ , وَمَنْ عَدَلَتْ شَهَادَته شَهَادَة رَجُلَيْنِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِت , وَمَنْ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَة حَنْظَلَة بْن أَبِي عَامِر , وَمَنْ حَمَتْهُ الدَّبَر عَاصِم بْن ثَابِت. فَقَالَ الْخَزْرَج : مِنَّا أَرْبَعَة جَمَعُوا الْقُرْآن لَمْ يَجْمَعهُ غَيْرهمْ. فَذَكَرَهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو زَيْد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب زَيْد بْن ثَابِت مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ \" قُلْت لِأَنَسٍ : مَنْ أَبُو زَيْد ؟ قَالَ : أَحَد عُمُومَتِي \" وَتَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي اِسْم أَبِي زَيْد هُنَاكَ وَجَوَّزْت هُنَاكَ أَنْ لَا يَكُون لِقَوْلِ أَنَس \" أَرْبَعَة \" مَفْهُوم , لَكِنْ رِوَايَة سَعِيد الَّتِي ذَكَرْتهَا الْآن مِنْ عِنْد الطَّبَرِيِّ صَرِيحَة فِي الْحَصْر , وَسَعِيد ثَبَتَ فِي قَتَادَةَ. وَيُحْتَمَل مَعَ ذَلِكَ أَنَّ مُرَاد أَنَس \" لَمْ يَجْمَعهُ غَيْرهمْ \" أَيْ مِنْ الْأَوْس بِقَرِينَةِ الْمُفَاخَرَة الْمَذْكُورَة , وَلَمْ يُرِدْ نَفْي ذَلِكَ عَنْ الْمُهَاجِرِينَ , ثُمَّ فِي رِوَايَة سَعِيد أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْل الْخَزْرَج , وَلَمْ يُفْصِح بِاسْمِ قَائِل ذَلِكَ , لَكِنْ لَمَّا أَوْرَدَهُ أَنَس وَلَمْ يَتَعَقَّبهُ كَانَ كَأَنَّهُ قَائِل بِهِ وَلَا سِيَّمَا وَهُوَ مِنْ الْخَزْرَج. وَقَدْ أَجَابَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر الْبَاقِلَّانِيّ وَغَيْره عَنْ حَدِيث أَنَس هَذَا بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدهَا أَنَّهُ لَا مَفْهُوم لَهُ , فَلَا يَلْزَم أَنْ لَا يَكُون غَيْرهمْ جَمَعَهُ. ثَانِيهَا الْمُرَاد لَمْ يَجْمَعهُ عَلَى جَمِيع الْوُجُوه وَالْقِرَاءَات الَّتِي نَزَلَ بِهَا إِلَّا أُولَئِكَ. ثَالِثهَا لَمْ يَجْمَع مَا نُسِخَ مِنْهُ بَعْد تِلَاوَته وَمَا لَمْ يُنْسَخ إِلَّا أُولَئِكَ , وَهُوَ قَرِيب مِنْ الثَّانِي , رَابِعهَا أَنَّ الْمُرَاد بِجَمْعِهِ تَلَقِّيه مِنْ فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا بِوَاسِطَةٍ , بِخِلَافِ غَيْرهمْ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَلَقَّى بَعْضه بِالْوَاسِطَةِ. خَامِسهَا أَنَّهُمْ تَصَدَّوْا لِإِلْقَائِهِ وَتَعْلِيمه فَاشْتُهِرُوا بِهِ , وَخَفِيَ حَال غَيْرهمْ عَمَّنْ عُرِفَ حَالهمْ فَحَصَرَ ذَلِكَ فِيهِمْ بِحَسَبِ عِلْمه , وَلَيْسَ الْأَمْر فِي نَفْس الْأَمْر كَذَلِكَ , أَوْ يَكُون السَّبَب فِي خَفَائِهِمْ أَنَّهُمْ خَافُوا غَائِلَة الرِّيَاء وَالْعُجْب , وَأَمِنَ ذَلِكَ مَنْ أَظْهَرَهُ. سَادِسهَا الْمُرَاد بِالْجَمْعِ الْكِتَابَة , فَلَا يَنْفِي أَنْ يَكُون غَيْرهمْ جَمَعَهُ حِفْظًا عَنْ ظَهْر قَلْب , وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَجَمَعُوهُ كِتَابَة وَحَفِظُوهُ عَنْ ظَهْر قَلْب. سَابِعهَا الْمُرَاد أَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفْصِح بِأَنَّهُ جَمَعَهُ بِمَعْنَى أَكْمَلَ حِفْظه فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أُولَئِكَ , بِخِلَافِ غَيْرهمْ فَلَمْ يُفْصِح بِذَلِكَ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يُكْمِلهُ إِلَّا عِنْد وَفَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين نَزَلَتْ آخِر آيَة مِنْهُ , فَلَعَلَّ هَذِهِ الْآيَة الْأَخِيرَة وَمَا أَشْبَهَهَا مَا حَضَرَهَا إِلَّا أُولَئِكَ الْأَرْبَعَة مِمَّنْ جَمَعَ جَمِيع الْقُرْآن قَبْلهَا , وَإِنْ كَانَ قَدْ حَضَرَهَا مَنْ لَمْ يَجْمَع غَيْرهَا الْجَمْع الْبَيِّن. ثَامِنهَا أَنَّ الْمُرَاد بِجَمْعِهِ السَّمْع وَالطَّاعَة لَهُ وَالْعَمَل بِمُوجَبِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد فِي الزُّهْد مِنْ طَرِيق أَبِي الزَّاهِرِيَّة \" أَنَّ رَجُلًا أَتَى أَبَا الدَّرْدَاء فَقَالَ : إِنَّ اِبْنِي جَمَعَ الْقُرْآن , فَقَالَ : اللَّهُمَّ غَفْرًا , إِنَّمَا جَمَعَ الْقُرْآن مَنْ سَمِعَ لَهُ وَأَطَاعَ \" وَفِي غَالِب هَذِهِ الِاحْتِمَالَات تَكَلُّف وَلَا سِيَّمَا الْأَخِير وَقَدْ أَوْمَأْت قَبْل هَذَا إِلَى اِحْتِمَال آخَر , وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاد إِثْبَات ذَلِكَ لِلْخَزْرَجِ دُون الْأَوْس فَقَطْ , فَلَا يَنْفِي ذَلِكَ عَنْ غَيْر الْقَبِيلَتَيْنِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَمَنْ جَاءَ بَعْدهمْ , وَيُحْتَمَل أَنْ يُقَال : إِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَيْهِمْ أَنَس لِتَعَلُّقِ غَرَضه بِهِمْ , وَلَا يَخْفَى بُعْده. وَاَلَّذِي يَظْهَر مِنْ كَثِير مِنْ الْأَحَادِيث أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ يَحْفَظ الْقُرْآن فِي حَيَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَبْعَث أَنَّهُ بَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَاره فَكَانَ يَقْرَأ فِيهِ الْقُرْآن , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا كَانَ نَزَلَ مِنْهُ إِذْ ذَاكَ , وَهَذَا مِمَّا لَا يُرْتَاب فِيهِ مَعَ شِدَّة حِرْص أَبِي بَكْر عَلَى تَلَقِّي الْقُرْآن مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَرَاغ بَاله لَهُ وَهُمَا بِمَكَّة وَكَثْرَة مُلَازَمَة كُلّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ حَتَّى قَالَتْ عَائِشَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْتِيهِمْ بُكْرَة وَعَشِيَّة. وَقَدْ صَحَّحَ مُسْلِم حَدِيث \" يَؤُمّ الْقَوْم أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّه \" وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ , وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا بَكْر أَنْ يَؤُمّ فِي مَكَانه لَمَّا مَرِضَ فَيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَقْرَأهُمْ , وَتَقَدَّمَ عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ جَمَعَ الْقُرْآن عَلَى تَرْتِيب النُّزُول عَقِب مَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ \" جَمَعْت الْقُرْآن فَقَرَأْت بِهِ كُلّ لَيْلَة , فَبَلَغَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اِقْرَأْهُ فِي شَهْر \" الْحَدِيث , وَأَصْله فِي الصَّحِيح وَتَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث الَّذِي مَضَى ذِكْر اِبْن مَسْعُود وَسَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة وَكُلّ هَؤُلَاءِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ , وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْد الْقُرَّاء مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَدَّ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَطَلْحَة وَسَعْدًا وَابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَسَالِمًا وَأَبَا هُرَيْرَة وَعَبْد اللَّه بْن السَّائِب وَالْعَبَادِلَة , وَمِنْ النِّسَاء عَائِشَة وَحَفْصَة وَأُمّ سَلَمَة , وَلَكِنْ بَعْض هَؤُلَاءِ إِنَّمَا أَكْمَلَهُ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَرِد عَلَى الْحَصْر الْمَذْكُور فِي حَدِيث أَنَس , وَعَدَّ اِبْن أَبِي دَاوُدَ فِي \" كِتَاب الشَّرِيعَة \" مِنْ الْمُهَاجِرِينَ أَيْضًا تَمِيم بْن أَوْس الدَّارِيّ وَعُقْبَة بْن عَامِر \" وَمِنْ الْأَنْصَار عُبَادَةُ بْن الصَّامِت وَمُعَاذًا الَّذِي يُكَنَّى أَبَا حَلِيمَة وَمَجْمَع بْن حَارِثَة وَفَضَالَة بْن عُبَيْد وَمَسْلَمَة بْن مَخْلَد وَغَيْرهمْ , وَصَرَّحَ بِأَنَّ بَعْضهمْ إِنَّمَا جَمَعَهُ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمِمَّنْ جَمَعَهُ أَيْضًا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ذَكَرَهُ أَبُو عَمْرو الدَّانِيّ , وَعَدَّ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْقُرَّاء عَمْرو بْن الْعَاصِ وَسَعْد بْن عَبَّاد وَأُمّ وَرَقَة. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ الْفَضْل بْن مُوسَى عَنْ حُسَيْن بْن وَاقِد عَنْ ثُمَامَة عَنْ أَنَس ) ‏ ‏هَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْ الْفَضْل بْن مُوسَى بِهِ , ثُمَّ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى \" حَدَّثَنِي ثَابِت الْبُنَانِيُّ وَثُمَامَة عَنْ أَنَس قَالَ مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَجْمَع الْقُرْآن غَيْر أَرْبَعَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , فَخَالَفَ رِوَايَة قَتَادَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا التَّصْرِيح بِصِيغَةِ الْحَصْر فِي الْأَرْبَعَة , ثَانِيهمَا ذِكْر أَبِي الدَّرْدَاء بَدَل أُبَيِّ بْن كَعْب. فَأَمَّا الْأَوَّل فَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَاب عَنْهُ مِنْ عِدَّة أَوْجُه , وَقَدْ اِسْتَنْكَرَهُ جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة. قَالَ الْمَازِرِيُّ : لَا يَلْزَم مِنْ قَوْل أَنَس لَمْ يَجْمَعهُ غَيْرهمْ أَنْ يَكُون الْوَاقِع فِي نَفْس الْأَمْر كَذَلِكَ لِأَنَّ التَّقْدِير أَنْ لَا يَعْلَم أَنَّ سِوَاهُمْ جَمَعَهُ , وَإِلَّا فَكَيْف الْإِحَاطَة بِذَلِكَ مَعَ كَثْرَة الصَّحَابَة وَتَفَرُّقهمْ فِي الْبِلَاد , وَهَذَا لَا يَتِمّ إِلَّا إِنْ كَانَ لَقِيَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ عَلَى اِنْفِرَاده وَأَخْبَرَهُ عَنْ نَفْسه أَنَّهُ لَمْ يُكْمِل لَهُ جَمْع الْقُرْآن فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَذَا فِي غَايَة الْبُعْد فِي الْعَادَة , وَإِذَا كَانَ الْمَرْجِع إِلَى مَا فِي عِلْمه لَمْ يَلْزَم أَنْ يَكُون الْوَاقِع كَذَلِكَ. قَالَ وَقَدْ تَمَسَّكَ بِقَوْلِ أَنَس هَذَا جَمَاعَة مِنْ الْمَلَاحِدَة , وَلَا مُتَمَسَّك لَهُمْ فِيهِ فَإِنَّا لَا نُسَلِّم حَمْله عَلَى ظَاهِره. سَلَّمْنَاهُ , وَلَكِنْ مِنْ أَيْنَ لَهُمْ أَنَّ الْوَاقِع فِي نَفْس الْأَمْر كَذَلِكَ ؟ سَلَّمْنَاهُ , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن كُلّ وَاحِد مِنْ الْجَمّ الْغَفِير لَمْ يَحْفَظهُ كُلّه أَنْ لَا يَكُون حَفِظَ مَجْمُوعه الْجَمّ الْغَفِير , وَلَيْسَ مِنْ شَرْط التَّوَاتُر أَنْ يَحْفَظ كُلّ فَرْد جَمِيعه , بَلْ إِذَا حَفِظَ الْكُلّ الْكُلّ وَلَوْ عَلَى التَّوْزِيع كَفَى , وَاسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيّ عَلَى ذَلِكَ بِبَعْضِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ قُتِلَ يَوْم الْيَمَامَة سَبْعُونَ مِنْ الْقُرَّاء , وَقُتِلَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِئْرِ مَعُونَة مِثْل هَذَا الْعَدَد , قَالَ : وَإِنَّمَا خَصَّ أَنَس الْأَرْبَعَة بِالذِّكْرِ لِشِدَّةِ تَعَلُّقه بِهِمْ دُون غَيْرهمْ , أَوْ لِكَوْنِهِمْ كَانُوا فِي ذِهْنه دُون غَيْرهمْ. وَأَمَّا الْوَجْه الثَّانِي مِنْ الْمُخَالَفَة فَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هَذَانِ الْحَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ , وَلَا يَجُوزَانِ فِي الصَّحِيح مَعَ تَبَايُنهمَا , بَلَى الصَّحِيح أَحَدهمَا. وَجَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ ذِكْر أَبِي الدَّرْدَاء وَهْم وَالصَّوَاب أُبَيّ بْن كَعْب. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : لَا أَرَى ذِكْر أَبِي الدَّرْدَاء مَحْفُوظًا. ‏ ‏قُلْت : وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيّ إِلَى عَدَم التَّرْجِيح بِاسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ , فَطَرِيق قَتَادَةَ عَلَى شَرْطه وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهَا ثُمَامَة فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ , وَطَرِيق ثَابِت أَيْضًا عَلَى شَرْطه وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهَا أَيْضًا ثُمَامَة فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى , لَكِنْ مَخْرَج الرِّوَايَة عَنْ ثَابِت وَثُمَامَة بِمُوَافَقَتِهِ , وَقَدْ وَقَعَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى وَفِيهِ مَقَال وَإِنْ كَانَ عِنْد الْبُخَارِيّ مَقْبُولًا لَكِنْ لَا تُعَادِل رِوَايَته رِوَايَة قَتَادَةَ , وَيُرَجِّح رِوَايَة قَتَادَةَ حَدِيثُ عُمَر فِي ذِكْر أُبَيّ بْن كَعْب وَهُوَ خَاتِمَة أَحَادِيث الْبَاب , وَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ بِإِخْرَاجِهِ إِلَى ذَلِكَ لِتَصْرِيحِ عُمَر بِتَرْجِيحِهِ لَا الْقِرَاءَة عَلَى غَيْره , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَنَس حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيث فِي وَقْتَيْنِ فَذَكَرَهُ مَرَّة أُبَيّ بْن كَعْب وَمَرَّة بَدَّلَهُ أَبَا الدَّرْدَاء , وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ قَالَ \" جَمَعَ الْقُرْآن عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَة مِنْ الْأَنْصَار : مُعَاذ بْن جَبَل وَعُبَادَةُ بْن الصَّامِت وَأُبَيّ بْن كَعْب وَأَبُو الدَّرْدَاء وَأَبُو أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ \" وَإِسْنَاده حَسَن مَعَ إِرْسَاله , وَهُوَ شَاهِد جَيِّد لِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى فِي ذِكْر أَبِي الدَّرْدَاء وَإِنْ خَالَفَهُ فِي الْعَدَد وَالْمَعْدُود , وَمِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ قَالَ \" جَمَعَ الْقُرْآن فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّة مِنْهُمْ أَبُو الدَّرْدَاء وَمُعَاذ وَأَبُو زَيْد وَزَيْد بْن ثَابِت , وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة هُمْ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى , وَإِسْنَاده صَحِيح مَعَ إِرْسَاله. فَلِلَّهِ دَرّ الْبُخَارِيّ مَا أَكْثَر اِطِّلَاعه. وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذِهِ الرِّوَايَة الْمُرْسَلَة قُوَّة رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى وَأَنَّ لِرِوَايَتِهِ أَصْلًا وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَعَلَّ السَّامِع كَانَ يَعْتَقِد أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة لَمْ يَجْمَعُوا وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاء مِمَّنْ جَمَعَ فَقَالَ أَنَس ذَلِكَ رَدًّا عَلَيْهِ , وَأَتَى بِصِيغَةِ الْحَصْر اِدِّعَاء وَمُبَالَغَة , وَلَا يَلْزَم مِنْهُ النَّفْي عَنْ غَيْرهمْ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَة وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4620",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ‏ ‏وَثُمَامَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَاتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَمْ يَجْمَعْ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ ‏ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏ ‏وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏وَأَبُو زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو زَيْد قَالَ وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ ) ‏ ‏الْقَائِل ذَلِكَ هُوَ أَنَس , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب زَيْد بْن ثَابِت قَالَ قَتَادَةُ : قُلْت وَمَنْ أَبُو زَيْد ؟ قَالَ : أَحَد عُمُومَتِي , وَتَقَدَّمَ فِي غَزْوَة بَدْر مِنْ وَجْه آخَر عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس قَالَ \" مَاتَ أَبُو زَيْد وَكَانَ بَدْرِيًّا وَلَمْ يَتْرُك عَقِبًا \" وَقَالَ أَنَس : نَحْنُ , وَرِثْنَاهُ. وَقَوْله \" أَحَد عُمُومَتِي \" يَرُدّ قَوْل مَنْ سَمَّى أَبَا زَيْد الْمَذْكُور سَعْد بْن عُبَيْد بْن النُّعْمَان أَحَد بَنِي عَمْرو بْن عَوْف لِأَنَّ أَنَسًا خَزْرَجِيّ وَسَعْد بْن عُبَيْد أَوْسِيّ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون سَعْد بْن عُبَيْد مِمَّنْ جَمَعَ وَلَمْ يَطَّلِع أَنَس عَلَى ذَلِكَ , وَقَدْ قَالَ أَبُو أَحْمَد الْعَسْكَرِيّ : لَمْ يَجْمَعهُ مِنْ الْأَوْس غَيْره , وَقَالَ مُحَمَّد بْن حَبِيب فِي \" الْمُجْبِر \" : سَعْد بْن عُبَيْد وَنَسَبه كَانَ أَحَد مَنْ جَمَعَ الْقُرْآن فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا الْمُغَايَرَة بَيْن سَعْد بْن عُبَيْد وَبَيْن أَبِي زَيْد فَإِنَّهُ ذَكَرَهُمَا جَمِيعًا فَدَلَّ , عَلَى أَنَّهُ غَيْر الْمُرَاد فِي حَدِيث أَنَس. وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ فِيمَنْ جَمَعَ الْقُرْآن قَيْس بْن أَبِي صَعْصَعَة وَهُوَ خَزْرَجِيّ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُكَنَّى أَبَا زَيْد , وَسَعْد بْن الْمُنْذِر بْن أَوْس بْن زُهَيْر وَهُوَ خَزْرَجِيّ أَيْضًا لَكِنْ لَمْ أَرَ التَّصْرِيح بِأَنَّهُ يُكَنَّى أَبَا زَيْد , ثُمَّ وَجَدْت عِنْد أَبِي دَاوُدَ مَا يَرْفَع الْإِشْكَال مِنْ أَصْله , فَإِنَّهُ رَوَى بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ إِلَى ثُمَامَة عَنْ أَنَس أَنَّ أَبَا زَيْد الَّذِي جَمَعَ الْقُرْآن اِسْمه قَيْس بْن السَّكَن , قَالَ \" وَكَانَ رَجُلًا مِنَّا مِنْ بَنِي عَدِيّ بْن النَّجَّار أَحَد عُمُومَتِي وَمَاتَ , وَلَمْ يَدَع عَقِبًا , وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ \" قَالَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ : حَدَّثَنَا أَنَس بْن خَالِد الْأَنْصَارِيّ قَالَ هُوَ قَيْس بْن السَّكَن مِنْ زَعْوَرَاء مِنْ بَنِي عَدِيّ بْن النَّجَّار , قَالَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ : مَاتَ قَرِيبًا مِنْ وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبَ عِلْمه وَلَمْ يُؤْخَذ عَنْهُ وَكَانَ عَقَبِيًّا بَدْرِيًّا. ‏"
    },
    {
        "id": "4621",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أُبَيٌّ ‏ ‏أَقْرَؤُنَا وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ لَحَنِ ‏ ‏أُبَيٍّ ‏ ‏وَأُبَيٌّ ‏ ‏يَقُولُ أَخَذْتُهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَا أَتْرُكُهُ لِشَيْءٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏مَا ‏ ‏نَنْسَخْ ‏ ‏مِنْ آيَةٍ أَوْ ‏ ‏نُنْسِهَا ‏ ‏نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت ) ‏ ‏عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَدَّثَنَا حَبِيب \". ‏ ‏قَوْله : ( أُبَيّ أَقْرَؤُنَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَبِهِ جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" فَقَالَ : لَيْسَ فِي رِوَايَة صَدَقَة ذِكْرُ عَلِيّ. ‏ ‏قُلْت : وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ , فَأَوَّل الْحَدِيث عِنْده \" عَلِيّ أَقْضَانَا , وَأُبَيّ أَقْرَؤُنَا \" وَقَدْ أَلْحَقَ الدِّمْيَاطِيّ فِي نُسْخَته فِي حَدِيث الْبَاب ذِكْرَ عَلِيّ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ , لِأَنَّهُ سَاقِط مِنْ رِوَايَة الْفَرْبَرِيّ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَار رِوَايَته , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة عَنْ عَمْرو بْن عَلِيّ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان بِسَنَدِهِ هَذَا وَفِيهِ ذِكْرُ عَلِيّ عِنْد الْجَمِيع. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ لَحْنِ أُبَيّ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ قِرَاءَته , وَلَحْن الْقَوْل فَحْوَاهُ وَمَعْنَاهُ الْمُرَاد بِهِ هُنَا الْقَوْل. وَكَانَ أُبَيّ بْن كَعْب لَا يَرْجِع عَمَّا حَفِظَهُ مِنْ الْقُرْآن الَّذِي تَلَقَّاهُ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ أَخْبَرَهُ غَيْره أَنَّ تِلَاوَته نُسِخَتْ , لِأَنَّهُ إِذَا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصَلَ عِنْده الْقَطْع بِهِ فَلَا يَزُول عَنْهُ بِإِخْبَارِ غَيْره أَنَّ تِلَاوَته نُسِخَتْ , وَقَدْ اِسْتَدَلَّ عَلَيْهِ عُمَر بِالْآيَةِ الدَّالَّة عَلَى النَّسْخ وَهُوَ مِنْ أَوْضَحِ الِاسْتِدْلَال فِي ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَقِيَّة شَرْحِهِ فِي التَّفْسِير. ‏"
    },
    {
        "id": "4622",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أُصَلِّي فَدَعَانِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ أُجِبْهُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي قَالَ ‏ ‏أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ ‏ { ‏اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ‏} ‏ثُمَّ قَالَ أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَأَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قُلْتَ لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ ‏ ‏الْحَمْدُ لِلَّهِ ‏ ‏رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏ ‏هِيَ ‏ ‏السَّبْعُ ‏ ‏الْمَثَانِي ‏ ‏وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ‏ ‏الَّذِي أُوتِيتُهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد بْن الْمُعَلَّى فِي أَنَّهَا أَعْظَم سُورَة فِي الْقُرْآن , وَالْمُرَاد بِالْعَظِيمِ عِظَم الْقَدْر بِالثَّوَابِ الْمُرَتَّب عَلَى قِرَاءَتهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرهَا أَطْوَل مِنْهَا , وَذَلِكَ لِمَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعَانِي الْمُنَاسِبَة لِذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي أَوَّل التَّفْسِير. ‏"
    },
    {
        "id": "4623",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْبَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا فِي مَسِيرٍ لَنَا فَنَزَلْنَا فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ وَإِنَّ ‏ ‏نَفَرَنَا غَيْبٌ ‏ ‏فَهَلْ مِنْكُمْ ‏ ‏رَاقٍ ‏ ‏فَقَامَ مَعَهَا ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مَا كُنَّا ‏ ‏نَأْبُنُهُ ‏ ‏بِرُقْيَةٍ فَرَقَاهُ فَبَرَأَ فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ شَاةً وَسَقَانَا لَبَنًا فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً أَوْ كُنْتَ تَرْقِي قَالَ لَا مَا رَقَيْتُ إِلَّا ‏ ‏بِأُمِّ الْكِتَابِ ‏ ‏قُلْنَا لَا تُحْدِثُوا شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَ أَوْ نَسْأَلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا قَدِمْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏وَمَا كَانَ يُدْرِيهِ أَنَّهَا ‏ ‏رُقْيَةٌ ‏ ‏اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ فِي الرُّقْيَة بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْإِجَارَة , وَهُوَ ظَاهِر الدَّلَالَة عَلَى فَضْلِ الْفَاتِحَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : اِخْتُصَّتْ الْفَاتِحَة بِأَنَّهَا مَبْدَأ الْقُرْآن وَحَاوِيَة لِجَمِيعِ عُلُومه , لِاحْتِوَائِهَا عَلَى الثَّنَاء عَلَى اللَّه وَالْإِقْرَار بِعِبَادَتِهِ وَالْإِخْلَاص لَهُ وَسُؤَال الْهِدَايَة مِنْهُ وَالْإِشَارَة إِلَى الِاعْتِرَاف بِالْعَجْزِ عَنْ الْقِيَام بِنِعَمِهِ , وَإِلَى شَأْن الْمَعَاد وَبَيَان عَاقِبَة الْجَاحِدِينَ , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي أَنَّهَا كُلّهَا مَوْضِع الرُّقْيَة. وَذَكَرَ الرُّويَانِيّ فِي الْبَحْر أَنَّ الْبَسْمَلَة أَفْضَل آيَات الْقُرْآن وَتُعُقِّبَ بِحَدِيثِ آيَة الْكُرْسِيّ وَهُوَ الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو مَعْمَر حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث إِلَخْ ) ‏ ‏أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ مِنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ لِهِشَامٍ وَمِنْ مَعْبَد لِمُحَمَّدٍ , فَإِنَّهُ فِي الْإِسْنَاد الَّذِي سَاقَهُ أَوَّلًا بِالْعَنْعَنَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ عَنْ أَبِي مَعْمَر كَذَلِكَ , وَذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْد الْقَابِسِيّ عَنْ أَبِي زَيْد السَّنَد إِلَى مُحَمَّد بْن سِيرِينَ \" وَحَدَّثَنِي مَعْبَد بْن سِيرِينَ \" بِوَاوِ الْعَطْف قَالَ وَالصَّوَاب حَذْفهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4624",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَصَّ الْحَدِيثَ فَقَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ ‏ ‏آيَةَ الْكُرْسِيِّ ‏ ‏لَنْ يَزَالَ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ وَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش , وَلِشُعْبَةَ فِيهِ شَيْخ آخَر وَهُوَ مَنْصُور أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ حَفْص بْن عُمَر عَنْ شُعْبَة عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن زُرَيْعٍ عَنْ شُعْبَة كَذَلِكَ , وَجَمَعَ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة فَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي مُوسَى وَبُنْدَار وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ بِشْر بْن خَالِد ثَلَاثَتهمْ عَنْ غُنْدَر , أَمَّا الْأَوَّلَانِ فَقَالَا عَنْهُ عَنْ شُعْبَة عَنْ مَنْصُور وَأَمَّا بِشْر فَقَالَ عَنْهُ عَنْ شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ غُنْدَر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد النَّخَعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي مَسْعُود ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ غُنْدَر عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد عَنْ عَلْقَمَة عَنْ أَبِي مَسْعُود وَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ عَبْد الرَّحْمَن وَلَقِيت أَبَا مَسْعُود فَحَدَّثَنِي بِهِ \" وَسَيَأْتِي نَحْوه لِلْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْه آخَر فِي \" بَاب كَمْ يُقْرَأ مِنْ الْقُرْآن \" وَأَخْرَجَهُ فِي \" بَاب مَنْ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَقُول سُورَة كَذَا \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن وَعَلْقَمَة جَمِيعهمَا عَنْ أَبِي مَسْعُود , فَكَأَنَّ إِبْرَاهِيم حَمَلَهُ عَنْ عَلْقَمَة أَيْضًا بَعْد أَنْ حَدَّثَهُ بِهِ عَبْد الرَّحْمَن عَنْهُ , كَمَا لَقِيَ عَبْد الرَّحْمَن أَبَا مَسْعُود فَحَمَلَهُ عَنْهُ بَعْد أَنْ حَدَّثَهُ بِهِ عَلْقَمَة , وَأَبُو مَسْعُود هَذَا هُوَ عُقْبَة بْن عَمْرو الْأَنْصَارِيّ الْبَدْرِيّ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيَان حَاله فِي غَزْوَة بَدْر مِنْ الْمَغَازِي , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْدُوس بَدَله \" اِبْن مَسْعُود \" وَكَذَا عِنْد الْأَصِيلِيِّ عَنْ أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ وَصَوَّبَهُ الْأَصِيلِيّ فَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ بَلْ هُوَ تَصْحِيف , قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : الصَّوَاب \" عَنْ أَبِي مَسْعُود \" وَهُوَ عُقْبَة بْن عَمْرو. قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَعْمَش فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ عُقْبَةَ بْن عَمْرو \". ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا اِقْتَصَرَ الْبُخَارِيّ مِنْ الْمَتْن عَلَى هَذَا الْقَدْر , ثُمَّ حَوَّلَ السَّنَد إِلَى طَرِيق مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور وَأَكْمَلَ الْمَتْن فَقَالَ \" مِنْ آخِر سُورَة الْبَقَرَة فِي لَيْلَة كَفَتَاهُ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ حَجَّاج اِبْن مُحَمَّد عَنْ شُعْبَة فَقَالَ فِيهِ \" مِنْ سُورَة الْبَقَرَة \" لَمْ يَقُلْ \" آخِر \" فَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي تَحْوِيل السَّنَد لِيَسُوقَهُ عَلَى لَفْظ مَنْصُور. عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة غُنْدَر عِنْد أَحْمَد بِلَفْظِ \" مَنْ قَرَأَ الْآيَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ \" فَعَلَى هَذَا فَيَكُون اللَّفْظ الَّذِي سَاقه الْبُخَارِيّ لَفْظ مَنْصُور , وَلَيْسَ بَيْنه وَبَيْن لَفْظ الْأَعْمَش الَّذِي حَوَّلَهُ عَنْهُ مُغَايَرَة فِي الْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ آخِر سُورَة الْبَقَرَة ) ‏ ‏يَعْنِي مِنْ قَوْله تَعَالَى ( آمَنَ الرَّسُول ) إِلَى آخِر السُّورَة , وَآخِر الْآيَة الْأُولَى ( الْمَصِير ) وَمِنْ ثَمَّ إِلَى آخِر السُّورَة آيَة وَاحِدَة , وَأَمَّا ( مَا اِكْتَسَبَتْ ) فَلَيْسَتْ رَأْس آيَة بِاتِّفَاقِ الْعَادِّينَ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَلِيّ بْن سَعِيد الْعَسْكَرِيّ فِي \" ثَوَاب الْقُرْآن \" حَدِيث الْبَاب مِنْ طَرِيق عَاصِم بْن بَهْدَلَة عَنْ زِرِّ بْن حُبَيْش عَنْ عَلْقَمَة بْن قَيْس عَنْ عُقْبَةَ بْن عَمْرو بِلَفْظِ \" مَنْ قَرَأَهُمَا بَعْد الْعِشَاء الْآخِرَة أَجْزَأَتَا : آمَنَ الرَّسُول إِلَى آخِر السُّورَة \" وَمِنْ حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير رَفَعَهُ \" إِنَّ اللَّه كَتَبَ كِتَابًا أَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَة الْبَقَرَة وَقَالَ فِي آخِره : آمَنَ الرَّسُول \" وَأَصْله عِنْد التِّرْمِذِيّ وَ النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم. وَلِأَبِي عُبَيْد فِي \" فَضَائِل الْقُرْآن \" مِنْ مُرْسَل جُبَيْر بْن نُفَيْر نَحْوه وَزَادَ \" فَاقْرَءُوهُمَا وَعَلِّمُوهُمَا أَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَكُمْ , فَإِنَّهُمَا قُرْآن وَصَلَاة وَدُعَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( كَفَتَاهُ ) ‏ ‏أَيْ أَجْزَأَتَا عَنْهُ مِنْ قِيَام اللَّيْل بِالْقُرْآنِ , وَقِيلَ أَجْزَأَتَا عَنْهُ عَنْ قِرَاءَة الْقُرْآن مُطْلَقًا سَوَاء كَانَ دَاخِل الصَّلَاة أَمْ خَارِجهَا , وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَجْزَأَتَاهُ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالِاعْتِقَادِ لِمَا اِشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَان وَالْأَعْمَال إِجْمَالًا , وَقِيلَ مَعْنَاهُ كَفَتَاهُ كُلّ سُوء , وَقِيلَ كَفَتَاهُ شَرّ الشَّيْطَان , وَقِيلَ دَفَعَتَا عَنْهُ شَرّ الْإِنْس وَالْجِنّ , وَقِيلَ مَعْنَاهُ كَفَتَاهُ مَا حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِهِمَا مِنْ الثَّوَاب عَنْ طَلَب شَيْء آخَر , وَكَأَنَّهُمَا اِخْتَصَّتَا بِذَلِكَ لِمَا تَضَمَّنَتَاهُ مِنْ الثَّنَاء عَلَى الصَّحَابَة بِجَمِيلِ اِنْقِيَادهمْ إِلَى اللَّه وَابْتِهَالهمْ وَرُجُوعهمْ إِلَيْهِ وَمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ الْإِجَابَة إِلَى مَطْلُوبهمْ , وَذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ عَنْ النَّوَوِيّ أَنَّهُ قَالَ : كَفَتَاهُ عَنْ قِرَاءَة سُورَة الْكَهْف وَآيَة الْكُرْسِيّ , كَذَا نُقِلَ عَنْهُ جَازِمًا بِهِ , وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ النَّوَوِيّ وَإِنَّمَا قَالَ مَا نَصُّهُ : قِيلَ مَعْنَاهُ كَفَتَاهُ مِنْ قِيَام اللَّيْل , وَقِيلَ مِنْ الشَّيْطَان , وَقِيلَ مِنْ الْآفَات , وَيُحْتَمَل مِنْ الْجَمِيع. هَذَا آخِر كَلَامه. وَكَأَنَّ سَبَب الْوَهْم أَنَّ عِنْد النَّوَوِيّ عَقِب هَذَا بَاب فَضْل سُورَة الْكَهْف وَآيَة الْكُرْسِيّ فَلَعَلَّ النُّسْخَة الَّتِي وَقَعَتْ لِلْكَرْمَانِيّ سَقَطَ مِنْهَا لَفْظ بَاب وَصُحِّفَتْ فَضْل فَصَارَتْ وَقِيلَ , وَاقْتَصَرَ النَّوَوِيّ فِي \" الْأَذْكَار \" عَلَى الْأَوَّل وَالثَّالِث نَقْلًا ثُمَّ قَالَ : قُلْت وَيَجُوز أَنْ يُرَاد الْأَوَّلَانِ اِنْتَهَى. وَعَلَى هَذَا فَأَقُول : يَجُوز أَنْ يُرَاد جَمِيع مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَالْوَجْه الْأَوَّل وَرُدَّ صَرِيحًا مِنْ طَرِيق عَاصِم عَنْ عَلْقَمَة عَنْ أَبِي مَسْعُود رَفَعَهُ \" مَنْ قَرَأَ خَاتِمَة الْبَقَرَة أَجْزَأَتْ عَنْهُ قِيَام لَيْلَة \" وَيُؤَيِّد الرَّابِع حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير رَفَعَهُ \" إِنَّ اللَّه كَتَبَ كِتَابًا وَأَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَة الْبَقَرَة , لَا يُقْرَآنِ فِي دَار فَيَقْرَبهَا الشَّيْطَان ثَلَاث لَيَالٍ \" أَخْرَجَهُ الْحَاكِم وَصَحَّحَهُ , وَفِي حَدِيث مُعَاذ لَمَّا أَمْسَكَ الْجِنِّيّ وَآيَة ذَلِكَ \" لَا يَقْرَأ أَحَد مِنْكُمْ خَاتِمَة سُورَة الْبَقَرَة فَيَدْخُل أَحَد مِنْهَا بَيْته تِلْكَ اللَّيْلَة \" أَخْرَجَهُ الْحَاكِم أَيْضًا. الْحَدِيث الثَّانِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْوَكَالَة , وَقَوْله فِي آخِره \" صَدَقَك وَهُوَ كَذُوب \" هُوَ مِنْ التَّتْمِيم الْبَلِيغ , لِأَنَّهُ لَمَّا أَوْهَمَ مَدْحه بِوَصْفِهِ الصِّدْق فِي قَوْله صَدَقَك اِسْتَدْرَكَ نَفْي الصِّدْق عَنْهُ بِصِيغَةِ مُبَالَغَة , وَالْمَعْنَى صَدَقَك فِي هَذَا الْقَوْل مَعَ أَنَّ عَادَته الْكَذِب الْمُسْتَمِرّ , وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ قَدْ يَصْدُق الْكَذُوب , وَقَوْله \" ذَاكَ شَيْطَان \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَتَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَة أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا \" ذَاكَ الشَّيْطَان \" وَاللَّام فِيهِ لِلْجِنْسِ أَوْ الْعَهْد الذِّهْنِيّ مِنْ الْوَارِد أَنَّ لِكُلِّ آدَمِيّ شَيْطَانًا وُكِّلَ بِهِ , أَوْ اللَّام بَدَل مِنْ الضَّمِير كَأَنَّهُ قَالَ : ذَاكَ شَيْطَانك , أَوْ الْمُرَاد الشَّيْطَان الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث الْآخَر حَيْثُ قَالَ فِي الْحَدِيث \" وَلَا يَقْرَبك شَيْطَان \" وَشَرَحَهُ الطِّيبِيُّ عَلَى هَذَا فَقَالَ : هُوَ - أَيْ قَوْله فَلَا يَقْرَبك شَيْطَان - مُطْلَق شَائِع فِي جِنْسه , وَالثَّانِي فَرْدٌ مِنْ أَفْرَاد ذَلِكَ الْجِنْس. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ الْجَمْع بَيْن هَذِهِ الْقِصَّة وَبَيْن حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا الْمَاضِي فِي الصَّلَاة وَفِي التَّفْسِير وَغَيْرهمَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" إِنَّ \" شَيْطَانًا تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَة \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَلَوْلَا دَعْوَة أَخِي سُلَيْمَان لَأَصْبَحَ مَرْبُوطًا بِسَارِيَة \" وَتَقْرِير الْإِشْكَال أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِمْتَنَعَ مِنْ إِمْسَاكه مِنْ أَجْلِ دَعْوَة سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام حَيْثُ قَالَ ( وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) قَالَ اللَّه تَعَالَى ( فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيح ) ثُمَّ قَالَ ( وَالشَّيَاطِين ) وَفِي حَدِيث الْبَاب أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَمْسَكَ الشَّيْطَان الَّذِي رَآهُ وَأَرَادَ حَمْلَهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْجَوَاب أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالشَّيْطَانِ الَّذِي هَمَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُوثِقهُ هُوَ رَأْس الشَّيَاطِين الَّذِي يَلْزَم مِنْ التَّمَكُّن مِنْهُ التَّمَكُّن مِنْهُمْ فَيُضَاهِي حِينَئِذٍ مَا حَصَلَ لِسُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ تَسْخِير الشَّيَاطِين فِيمَا يُرِيد وَالتَّوَثُّق مِنْهُمْ , وَالْمُرَاد بِالشَّيْطَانِ فِي حَدِيث الْبَاب إِمَّا شَيْطَانه بِخُصُوصِهِ أَوْ آخَر فِي الْجُمْلَة لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ اِتِّبَاع غَيْره مِنْ الشَّيَاطِين فِي ذَلِكَ التَّمَكُّن , أَوْ الشَّيْطَان الَّذِي هَمَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَبْطِهِ تَبَدَّى لَهُ فِي صِفَته الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا , وَكَذَلِكَ كَانُوا فِي خِدْمَة سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى هَيْئَتهمْ , وَأَمَّا الَّذِي تَبَدَّى لِأَبِي هُرَيْرَة فِي حَدِيث الْبَاب فَكَانَ عَلَى هَيْئَة الْآدَمِيِّينَ فَلَمْ يَكُنْ فِي إِمْسَاكه مُضَاهَاة لِمُلْكِ سُلَيْمَان , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى ‏"
    },
    {
        "id": "4625",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏يَقْرَأُ سُورَةَ ‏ ‏الْكَهْفِ ‏ ‏وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ ‏ ‏بِشَطَنَيْنِ ‏ ‏فَتَغَشَّتْهُ ‏ ‏سَحَابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ ‏ ‏تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْبَرَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" سَمِعْت الْبَرَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ رَجُل ) ‏ ‏قِيلَ هُوَ أُسَيْد بْن حُضَيْر كَمَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثه نَفْسه بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب , لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ سُورَة الْبَقَرَة وَفِي هَذَا أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ سُورَة الْكَهْف وَهَذَا ظَاهِره التَّعَدُّد وَقَدْ وَقَعَ قَرِيب مِنْ الْقِصَّة الَّتِي لِأُسَيْد لِثَابِتِ بْن قَيْس بْن شِمَاس لَكِنْ فِي سُورَة الْبَقَرَة أَيْضًا. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق مُرْسَلَة قَالَ \" قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَم تَرَ ثَابِت بْن قَيْس لَمْ تَزَلْ دَاره الْبَارِحَة تَزْهَر بِمَصَابِيح ; قَالَ : فَلَعَلَّهُ قَرَأَ سُورَة الْبَقَرَة. فَسُئِلَ قَالَ : قَرَأْت سُورَة الْبَقَرَة \" وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَرَأَ سُورَة الْبَقَرَة وَسُورَة الْكَهْف جَمِيعًا أَوْ مِنْ كُلّ مِنْهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( بِشَطَنِين ) ‏ ‏جَمْع شَطَنٍ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْحَبْل , وَقِيلَ بِشَرْطِ طُوله , وَكَأَنَّهُ كَانَ شَدِيد الصُّعُوبَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَجَعَلَ فَرَسه يَنْفِر ) ‏ ‏بِنُونٍ وَفَاء وَمُهْمَلَة وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" يَنْقُز \" بِقَافٍ وَزَاي , وَخَطَّأَهُ عِيَاض , , فَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَة فَذَاكَ وَإِلَّا فَمَعْنَاهَا هُنَا وَاضِح. ‏ ‏قَوْله : ( تِلْكَ السَّكِينَة ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَزْن عَظِيمَة , وَحَكَى اِبْن قُرْقُولٍ وَالصَّغَانِيّ فِيهَا كَسْر أَوَّلهَا وَالتَّشْدِيد بِلَفْظِ الْمُرَادِف لِلْمُدْيَةِ ; وَقَدْ نَسَبَهُ اِبْن قُرْقُولٍ لِلْحَرْبِيِّ وَأَنَّهُ حَكَاهُ عَنْ بَعْض أَهْل اللُّغَة. وَتَقَرَّرَ لَفْظ السَّكِينَة فِي الْقُرْآن وَالْحَدِيث , فَرَوَى الطَّبَرِيُّ وَغَيْره عَنْ عَلِيّ قَالَ : هِيَ رِيح هَفَّافَة لَهَا وَجْه كَوَجْهِ الْإِنْسَان , وَقِيلَ لَهَا رَأْسَانِ , وَعَنْ مُجَاهِد لَهَا رَأْس كَرَأْسِ الْهِرّ وَعَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس لِعَيْنِهَا شُعَاع وَعَنْ السُّدِّيِّ : السَّكِينَة طَسْت مِنْ ذَهَبٍ مِنْ الْجَنَّة يُغْسَل فِيهَا قُلُوب الْأَنْبِيَاء , وَعَنْ أَبِي مَالِك قَالَ : هِيَ الَّتِي أَلْقَى فِيهَا مُوسَى الْأَلْوَاح وَالتَّوْرَاة وَالْعَصَا , وَعَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه : هِيَ رُوح مِنْ اللَّه , وَعَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم قَالَ : هِيَ الرَّحْمَة , وَعَنْهُ هِيَ سُكُون الْقَلْب وَهَذَا اِخْتِيَار الطَّبَرِيِّ , وَقِيلَ هِيَ الطُّمَأْنِينَة , وَقِيلَ الْوَقَار , وَقِيلَ الْمَلَائِكَة ذَكَرَهُ الصَّغَانِيّ. وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهَا مَقُولَة بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي , فَيُحْمَل كُلّ مَوْضِع وَرَدَتْ فِيهِ عَلَى مَا يَلِيق بِهِ , وَالَّذِي يَلِيق بِحَدِيثِ الْبَاب هُوَ الْأَوَّل , وَلَيْسَ قَوْل وَهْب بِبَعِيدٍ. وَأَمَّا قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّه سَكِينَته عَلَيْهِ ) وَقَوْله : ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَة فِي قُلُوب الْمُؤْمِنِينَ ) فَيُحْتَمَل الْأَوَّل وَيُحْتَمَل قَوْل وَهْب وَالضَّحَّاك , فَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّف حَدِيث الْبَاب فِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح كَذَلِكَ , وَأَمَّا الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى ( فِيهِ سَكِينَة مِنْ رَبّكُمْ ) فَيُحْتَمَل قَوْل السُّدِّيِّ وَأَبِي مَالِك , وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْمُخْتَار أَنَّهَا شَيْء مِنْ الْمَخْلُوقَات فِيهِ طُمَأْنِينَة وَرَحْمَة وَمَعَهُ الْمَلَائِكَة. ‏ ‏قَوْله : ( تَنَزَّلَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" تُنْزَل \" بِضَمِّ اللَّام بِغَيْرِ تَاء وَالْأَصْل تَتَنَزَّل , وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ \" نَزَلَتْ مَعَ الْقُرْآن أَوْ عَلَى الْقُرْآن \" ‏"
    },
    {
        "id": "4626",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ‏ ‏وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا فَسَأَلَهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى كُنْتُ أَمَامَ النَّاسِ وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي قَالَ فَقُلْتُ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ قَالَ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَرَأَ ‏ ‏إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسِير فِي بَعْض أَسْفَاره ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة الْفَتْح وَفِي التَّفْسِير أَنَّ هَذَا السِّيَاق صُورَته الْإِرْسَال وَأَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبَزَّار أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن خَالِد اِبْن عَثْمَة عَنْ مَالِك بِصَرِيحِ الِاتِّصَال وَلَفْظه \" عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَر \" ثُمَّ وَجَدْته فِي التَّفْسِير مِنْ جَامِع التِّرْمِذِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه فَقَالَ \" عَنْ أَبِيهِ سَمِعْت عُمَر \" ثُمَّ قَالَ \" حَدِيث حَسَن غَرِيب \" وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضهمْ عَنْ مَالِك فَأَرْسَلَهُ فَأَشَارَ إِلَى الطَّرِيق الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ وَمَا وَافَقَهَا , وَقَدْ بَيَّنْت فِي الْمُقَدِّمَة أَنَّ فِي أَثْنَاء السِّيَاق مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة أَسْلَمَ عَنْ عُمَر لِقَوْلِهِ فِيهِ \" قَالَ عُمَر فَحَرَّكْت بَعِيرِي إِلَخْ \" وَتَقَدَّمَتْ بَقِيَّة شَرْحِهِ فِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح ‏"
    },
    {
        "id": "4627",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏يَقْرَأُ ‏ ‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ‏ ‏يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ مِنْ السَّحَرِ ‏ ‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ‏ ‏لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي صَعْصَعَة ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ , وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ , وَرَوَاهُ أَبُو صَفْوَان الْأُمَوِيّ عَنْ مَالِك فَقَالَ \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي صَعْصَعَة عَنْ أَبِيهِ \" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ أَبِيهِ , وَمَعْن مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان , ثَلَاثَتهمْ عَنْ مَالِك , وَقَالَ بَعْده \" إِنَّ الصَّوَاب عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه , كَمَا فِي الْأَصْل , وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ مَالِك كَذَلِكَ وَقَالَ بَعْده \" الصَّوَاب عَبْد الرَّحْمَن اِبْن عَبْد اللَّه \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْل هَذَا الِاخْتِلَاف فِي حَدِيث آخَر عَنْ مَالِك كِتَاب الْأَذَان. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأ قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد يُرَدِّدهَا ) الْقَارِئ هُوَ قَتَادَةُ بْن النُّعْمَان , أَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي الْهَيْثَم عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ \" بَاتَ قَتَادَةُ بْن النُّعْمَان يَقْرَأ مِنْ اللَّيْل كُلّه قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد لَا يَزِيد عَلَيْهَا \" الْحَدِيث , وَالَّذِي سَمِعَهُ لَعَلَّهُ أَبُو سَعِيد رَاوِي الْحَدِيث لِأَنَّهُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ وَكَانَا مُتَجَاوِرَيْنِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ , فَكَأَنَّهُ أَبْهَمَ نَفْسه وَأَخَاهُ , وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن الطَّبَّاع عَنْ مَالِك فِي هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ \" إِنَّ لِي جَارًا يَقُوم بِاللَّيْلِ فَمَا يَقْرَأ إِلَّا ب قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد \". ‏ ‏قَوْله : ( يَقْرَأ قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَهْضَم \" يَقْرَأ قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد كُلّهَا يُرَدِّدهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ الرَّجُل ) ‏ ‏أَيْ السَّائِل. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَقَالّها ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ اللَّام وَأَصْله يَتَقَالَلْهَا أَيْ يَعْتَقِد أَنَّهَا قَلِيلَة , وَفِي رِوَايَة اِبْن الطَّبَّاع الْمَذْكُورَة \" كَأَنَّهُ يُقَلِّلهَا \" وَفِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ مَالِك \" فَكَأَنَّهُ اِسْتَقَلَّهَا \" وَالْمُرَاد اِسْتِقْلَال الْعَمَل لَا التَّنْقِيص. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ أَبُو مَعْمَر ) ‏ ‏قَالَ الدِّمْيَاطِيّ : هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن أَبِي الْحَجَّاج الْمِنْقَرِيّ , وَخَالَفَهُ الْمِزِّيُّ تَبَعًا لِابْنِ عَسَاكِر فَجَزَمَا بِأَنَّهُ إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم الْهُذَلِيّ وَهُوَ الصَّوَاب , وَإِنْ كَانَ كُلّ مِنْ الْمِنْقَرِيّ وَالْهُذَلِيّ يُكَنَّى أَبَا مَعْمَر وَكِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيث إِنَّمَا يُعْرَف بِالْهُذَلِيّ , بَلْ لَا نَعْرِف لِلْمِنْقَرِيّ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر شَيْئًا , وَقَدْ وَصَلَهُ ا النَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طُرُق عَنْ أَبِي مَعْمَر إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم الْهُذَلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ مَالِك ) ‏ ‏هُوَ مِنْ رِوَايَة الْأَقْرَان. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةُ بْن النُّعْمَان ) ‏ ‏هُوَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ , أُمّهمَا أُنَيْسَة بِنْت عَمْرو بْن قَيْس بْن مَالِك مِنْ بَنِي النَّجَّار. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَى الرَّجُل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوه ) ‏ ‏يَعْنِي نَحْو الْحَدِيث الَّذِي قَبْله , وَلَفْظه عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ فُلَانًا قَامَ اللَّيْلَة يَقْرَأ مِنْ السَّحَر قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد فَسَاقَ السُّورَة يُرَدِّدهَا لَا يَزِيد عَلَيْهَا وَكَأَنَّ الرَّجُل يَتَقَالّها , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهَا لِتَعْدِل ثُلُث الْقُرْآن \". ‏"
    },
    {
        "id": "4628",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏وَالضَّحَّاكُ الْمَشْرِقِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَصْحَابِهِ ‏ ‏أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ وَالضَّحَّاك الْمِشْرَقِيّ بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَفَتْح الرَّاء نِسْبَة إِلَى مِشْرَق بْن زَيْد اِبْن جُشَم بْن حَاشِد بَطْن مِنْ هَمْدَانَ , قَيَّدَهُ الْعَسْكَرِيّ وَقَالَ : مَنْ فَتَحَ الْمِيم فَقَدْ صَحَّفَ , كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى قَوْل اِبْن أَبِي حَاتِم مَشْرِق مَوْضِع , وَقَدْ ضَبَطَهُ بِفَتْحِ الْمِيم وَكَسْر الرَّاء الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْن مَاكُولَا وَتَبِعَهُمَا اِبْن السَّمْعَانِيّ فِي مَوْضِع , ثُمَّ غَفَلَ فَذَكَرَهُ بِكَسْرِ الْمِيم كَمَا قَالَ الْعَسْكَرِيّ لَكِنْ جَعَلَ قَافه فَاء , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْأَثِير فَأَصَابَ. وَالضَّحَّاك الْمَذْكُور هُوَ اِبْن شَرَاحِيل وَيُقَال شُرَاحْبِيل , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر يَأْتِي فِي كِتَاب الْأَدَب قَرَنَهُ فِيهِ بِأَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ , وَحَكَى الْبَزَّار أَنَّ بَعْضهمْ زَعَمَ أَنَّهُ الضَّحَّاك اِبْن مُزَاحِم وَهُوَ غَلَط. ‏ ‏قَوْله : ( أَيَعْجِزُ أَحَدكُمْ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْجِيم. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَقْرَأ ثُلُث الْقُرْآن فِي لَيْلَة ) ‏ ‏لَعَلَّ هَذِهِ قِصَّة أُخْرَى غَيْر قِصَّة قَتَادَةَ بْن النُّعْمَان. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي مَسْعُود الْأَنْصَارِيّ مِثْل حَدِيث أَبِي سَعِيد بِهَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اللَّه الْوَاحِد الصَّمَد ثُلُث الْقُرْآن ) ‏ ‏عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي خَالِد الْأَحْمَر عَنْ الْأَعْمَش \" فَقَالَ : يَقْرَأ قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد فَهِيَ ثُلُث الْقُرْآن \" فَكَأَنَّ رِوَايَة الْبَاب بِالْمَعْنَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي مَسْعُود الْمَذْكُور نَظِير ذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَمَّى السُّورَة بِهَذَا الِاسْم لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الصِّفَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ , أَوْ يَكُون بَعْض رُوَاته كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ , فَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ \" اللَّه أَحَد اللَّه الصَّمَد \" بِغَيْرِ \" قُلْ \" فِي أَوَّلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الْفَرَبْرِيّ. سَمِعْت أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بْن أَبِي حَاتِم وَرَاق أَبِي عَبْد اللَّه يَقُول قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : عَنْ إِبْرَاهِيم مُرْسَل , وَعَنْ الضَّحَّاك الْمِشْرَقِيّ مُسْنَد ) ثَبَتَ هَذَا عِنْد أَبِي ذَرّ عَنْ شُيُوخه , وَالْمُرَاد أَنَّ رِوَايَة إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد مُنْقَطِعَة وَرِوَايَة الضَّحَّاك عَنْهُ مُتَّصِلَة , وَأَبُو عَبْد اللَّه الْمَذْكُور هُوَ الْبُخَارِيّ الْمُصَنِّف , وَكَأَنَّ الْفَرْبَرِيّ مَا سَمِعَ هَذَا الْكَلَام مِنْهُ فَحَمَلَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَر عَنْهُ , وَأَبُو جَعْفَر كَانَ يُوَرِّق لِلْبُخَارِيّ أَيْ يَنْسَخ لَهُ وَكَانَ مِنْ الْمُلَازِمِينَ لَهُ وَالْعَارِفِينَ بِهِ وَالْمُكْثِرِينَ عَنْهُ , وَقَدْ ذَكَرَ الْفَرْبَرِيّ عَنْهُ فِي الْحَجّ وَالْمَظَالِم وَالِاعْتِصَام وَغَيْرهَا فَوَائِد عَنْ الْبُخَارِيّ وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْكَلَام أَنَّ الْبُخَارِيّ كَانَ يُطْلِق عَلَى الْمُنْقَطِع لَفْظ الْمُرْسَل وَعَلَى الْمُتَّصِل لَفْظ الْمُسْنَد , وَالْمَشْهُور فِي الِاسْتِعْمَال أَنَّ الْمُرْسَل مَا يُضِيفهُ التَّابِعِيّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْنَد مَا يُضِيفهُ الصَّحَابِيّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُون ظَاهِر الْإِسْنَاد إِلَيْهِ الِاتِّصَال , وَهَذَا الثَّانِي لَا يُنَافِي مَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّف. ‏ ‏قَوْله : ( ثُلُث الْقُرْآن ) ‏ ‏حَمَلَهُ بَعْض الْعُلَمَاء عَلَى ظَاهِره فَقَالَ : هِيَ ثُلُث بِاعْتِبَارِ مَعَانِي الْقُرْآن , لِأَنَّهُ أَحْكَام وَأَخْبَار وَتَوْحِيد وَقَدْ اِشْتَمَلَتْ هِيَ عَلَى الْقِسْم الثَّالِث فَكَانَتْ ثُلُثًا بِهَذَا الِاعْتِبَار , وَيَسْتَأْنِس لِهَذَا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدَة مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء قَالَ \" جَزَّأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآن ثَلَاثَة أَجْزَاء : فَجَعَلَ قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد جُزْءًا مِنْ أَجْزَاء الْقُرْآن \" وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : اِشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَة عَلَى اِسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى يَتَضَمَّنَانِ جَمِيع أَصْنَاف الْكَمَال لَمْ يُوجَدَا فِي غَيْرهَا مِنْ السُّوَر وَهُمَا الْأَحَد الصَّمَد , لِأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَحَدِيّة الذَّات الْمُقَدَّسَة الْمَوْصُوفَة بِجَمِيعِ أَوْصَاف الْكَمَال , وَبَيَان ذَلِكَ أَنَّ الْأَحَد يُشْعِر بِوُجُودِهِ الْخَاصّ الَّذِي لَا يُشَارِكهُ فِيهِ غَيْره , وَالصَّمَد يُشْعِر بِجَمِيعِ أَوْصَاف الْكَمَال لِأَنَّهُ الَّذِي اِنْتَهَى إِلَيْهِ سُؤْدُده فَكَانَ مَرْجِع الطَّلَب مِنْهُ وَإِلَيْهِ , وَلَا يَتِمّ ذَلِكَ عَلَى وَجْه التَّحْقِيق إِلَّا لِمَنْ حَازَ جَمِيع خِصَال الْكَمَال وَذَلِكَ لَا يَصْلُح إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى , فَلَمَّا اِشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَة عَلَى مَعْرِفَة الذَّات الْمُقَدَّسَة كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَمَام الْمَعْرِفَة بِصِفَاتِ الذَّات وَصِفَات الْفِعْل ثُلُثًا ا ه. وَقَالَ غَيْره : تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَة تَوْجِيه الِاعْتِقَاد وَصِدْق الْمَعْرِفَة وَمَا يَجِب إِثْبَاته لِلَّهِ مِنْ الْأَحَدِيَّةِ الْمُنَافِيَة لِمُطْلَقِ الشَّرِكَة , وَالصَّمَدِيَّة الْمُثْبِتَة لَهُ جَمِيع صِفَات الْكَمَال الَّذِي لَا يَلْحَقهُ نَقْصٌ , وَنَفْي الْوَلَد وَالْوَالِد الْمُقَرِّر لِكَمَالِ الْمَعْنَى , وَنَفْي الْكُفْء الْمُتَضَمِّن لِنَفْيِ الشَّبِيه وَالنَّظِير , وَهَذِهِ مَجْمَع التَّوْحِيد الِاعْتِقَادِيّ , وَلِذَلِكَ عَادَلَتْ ثُلُث الْقُرْآن لِأَنَّ الْقُرْآن خَبَر وَإِنْشَاء , وَالْإِنْشَاء أَمْر وَنَهْي وَإِبَاحَة , وَالْخَبَر خَبَر عَنْ الْخَالِق وَخَبَر عَنْ خَلْقه , فَأَخْلَصَتْ سُورَة الْإِخْلَاص الْخَبَر وَعَنْ اللَّه وَخَلَّصَتْ قَارِئَهَا مِنْ الشِّرْك الِاعْتِقَادِيّ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْمِثْلِيَّة عَلَى تَحْصِيل الثَّوَاب فَقَالَ : مَعْنَى كَوْنهَا ثُلُث الْقُرْآن أَنَّ ثَوَاب قِرَاءَتهَا يَحْصُل لِلْقَارِئِ مِثْل ثَوَاب مَنْ قَرَأَ ثُلُث الْقُرْآن وَقِيلَ مِثْله بِغَيْرِ تَضْعِيف , وَهِيَ دَعْوَى بِغَيْرِ دَلِيل , وَيُؤَيِّد الْإِطْلَاق مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث أَبِي سَعِيد الْأَخِير وَقَالَ فِيهِ \" قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد تَعْدِل ثُلُث الْقُرْآن \" وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُحْشُدُوا , فَسَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُث الْقُرْآن. فَخَرَجَ فَقَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد , ثُمَّ قَالَ : أَلَا إِنَّهَا تَعْدِل ثُلُث الْقُرْآن \" وَلِأَبِي عُبَيْد مِنْ حَدِيث أَبِيّ بْن كَعْب \" مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُث الْقُرْآن , وَإِذَا حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِره فَهَلْ ذَلِكَ لِثُلُثٍ مِنْ الْقُرْآن مُعَيَّن أَوْ لِأَيِّ ثُلُث فُرِضَ مِنْهُ ؟ فِيهِ نَظَر , وَيَلْزَم عَلَى الثَّانِي أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا كَانَ كَمَنْ قَرَأَ خَتْمَة كَامِلَة. وَقِيلَ : الْمُرَاد مَنْ عَمِلَ بِمَا تَضَمَّنَته مِنْ الْإِخْلَاص وَالتَّوْحِيد كَانَ كَمَنْ قَرَأَ ثُلُث الْقُرْآن. وَادَّعَى بَعْضهمْ أَنَّ قَوْله \" تَعْدِل ثُلُث الْقُرْآن \" يَخْتَصّ بِصَاحِبِ الْوَاقِعَة لِأَنَّهُ لَمَّا رَدَّدَهَا فِي لَيْلَته كَانَ كَمَنْ قَرَأَ ثُلُث الْقُرْآن بِغَيْرِ تَرْدِيد , قَالَ الْقَابِسِيّ : وَلَعَلَّ الرَّجُل الَّذِي جَرَى لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَحْفَظ غَيْرهَا فَلِذَلِكَ اِسْتَقَلَّ عَمَله , فَقَالَ لَهُ الشَّارِع ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي عَمَل الْخَيْر وَإِنْ قَلَّ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : مَنْ لَمْ يَتَأَوَّل هَذَا الْحَدِيث أَخْلَص مِمَّنْ أَجَابَ فِيهِ بِالرَّأْيِ. وَفِي الْحَدِيث إِثْبَات فَضْل قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد. وَقَدْ قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : إِنَّهَا تُضَاهِي كَلِمَة التَّوْحِيد لِمَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْجُمَل الْمُثْبِتَة وَالنَّافِيَة مَعَ زِيَادَة تَعْلِيل , وَمَعْنَى النَّفْي فِيهَا أَنَّهُ الْخَالِق الرَّزَّاق الْمَعْبُود , لِأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقه مَنْ يَمْنَعهُ كَالْوَالِدِ , وَلَا مَنْ يُسَاوِيه فِي ذَلِكَ كَالْكُفْءِ , وَلَا مَنْ يُعِينهُ عَلَى ذَلِكَ كَالْوَلَدِ. وَفِيهِ إِلْقَاء الْعَالِم الْمَسَائِل عَلَى أَصْحَابه , وَاسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي غَيْر مَا يَتَبَادَر لِلْفَهْمِ , لِأَنَّ الْمُتَبَادَر مِنْ إِطْلَاق ثُلُث الْقُرْآن أَنَّ الْمُرَاد ثُلُث حَجْمه الْمَكْتُوب مَثَلًا , وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْر مُرَاد. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَأَبُو الشَّيْخ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" إِذَا زُلْزِلَتْ تَعْدِل نِصْف الْقُرْآن , وَالْكَافِرُونَ تَعْدِل رُبْع الْقُرْآن \" وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا وَابْن أَبِي شَيْبَة وَأَبُو الشَّيْخ مِنْ طَرِيق سَلَمَة بْن وَرْدَان عَنْ أَنَس \" أَنَّ الْكَافِرُونَ وَالنَّصْر تَعْدِل كُلّ مِنْهُمَا رُبْع الْقُرْآن. وَإِذَا زُلْزِلَتْ تَعْدِل رُبْع الْقُرْآن \" زَادَ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَأَبُو الشَّيْخ \" وَآيَة الْكُرْسِيّ تَعْدِل رُبْع الْقُرْآن \" وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف لِضَعْفِ سَلَمَة وَإِنْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيّ فَلَعَلَّهُ تَسَاهَلَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مِنْ فَضَائِل الْأَعْمَال , وَكَذَا صَحَّحَ الْحَاكِم حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَفِي سَنَده يَمَان بْن الْمُغِيرَة وَهُوَ ضَعِيف عِنْدهمْ ‏"
    },
    {
        "id": "4629",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ ‏ ‏بِالْمُعَوِّذَاتِ ‏ ‏وَيَنْفُثُ ‏ ‏فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ إِذَا اِشْتَكَى يَقْرَأ عَلَى نَفْسه بِالْمُعَوِّذَاتِ ) ‏ ‏الْحَدِيث تَقَدَّمَ فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب , وَأَحَلْت بِشَرْحِهِ عَلَى كِتَاب الطِّبّ , وَرِوَايَة عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب فِي هَذَا الْبَاب وَإِنْ اِتَّحَدَ سَنَدهَا بِالَّذِي قَبْله مِنْ اِبْن شِهَاب فَصَاعِدًا لَكِنْ فِيهَا أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ الْمُعَوِّذَات عِنْد النَّوْم , فَهِيَ مُغَايِرَة لِحَدِيثِ مَالِك الْمَذْكُور , فَالَّذِي يَتَرَجَّح أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ عِنْد اِبْن شِهَاب بِسَنَدٍ وَاحِد عِنْد بَعْض الرُّوَاة عَنْهُ مَا لَيْسَ عِنْد بَعْض , فَأَمَّا مَالِك وَمَعْمَر وَيُونُس وَزِيَاد بْن سَعْد عِنْد مُسْلِم فَلَمْ تَخْتَلِف الرُّوَاة عَنْهُمْ فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْد الْوَجَع , وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِمَرَضِ الْمَوْت , وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ فِيهِ فِعْلَ عَائِشَة , وَلَمْ يُفَسِّر أَحَد مِنْهُمْ الْمُعَوِّذَات , وَأَمَّا عُقَيْل فَلَمْ تَخْتَلِف الرُّوَاة عَنْهُ فِي ذَلِكَ عِنْد النَّوْم. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يُونُس مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْهُ أَنَّهُ فِعْلُ عَائِشَة كَانَ بِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الطِّبّ , وَقَدْ جَعَلَهُمَا أَبُو مَسْعُود حَدِيثًا وَاحِدًا , وَتَعَقَّبَهُ أَبُو الْعَبَّاس الطَّرْقِيّ , وَفَرَّقَ بَيْنهمَا خَلَفٌ , وَتَبِعَهُ الْمِزِّيُّ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الطِّبّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ‏"
    },
    {
        "id": "4630",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ ‏ ‏نَفَثَ ‏ ‏فِيهِمَا ‏ ‏فَقَرَأَ فِيهِمَا ‏ ‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ‏ ‏وَ ‏ ‏قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ‏ ‏وَ ‏ ‏قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ‏ ‏ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4631",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ أَنَا ‏ ‏وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ ‏ ‏أَتَرَكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ شَيْءٍ قَالَ مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ ‏ ‏الدَّفَّتَيْنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَدَخَلْنَا عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ‏ ‏فَسَأَلْنَاهُ ‏ ‏فَقَالَ مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ ‏ ‏الدَّفَّتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \". ‏ ‏قَوْله : ( دَخَلْت أَنَا وَشَدَّاد بْن مَعْقِل ) ‏ ‏هُوَ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيّ , تَابِعِيّ كَبِير مِنْ أَصْحَاب اِبْن مَسْعُود وَعَلِيّ. وَلَمْ يَقَع لَهُ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ ذِكْر إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَأَبُوهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَاف , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي خَلْقِ أَفْعَال الْعِبَاد مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع عَنْ شَدَّاد بْن مَعْقِل عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود حَدِيثًا غَيْر هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَرَكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَيْء ) ‏ ‏؟ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" شَيْئًا سِوَى الْقُرْآن \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا مَا بَيْن الدَّفَّتَيْنِ ) ‏ ‏بِالْفَاءِ تَثْنِيَة دَفَّة بِفَتْحِ أَوَّله وَهُوَ اللَّوْح , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ , بَيْن اللَّوْحَيْنِ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَدَخَلْنَا ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ عَبْد الْعَزِيز , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَمْ يَدَع إِلَّا مَا فِي هَذَا الْمُصْحَف \" أَيْ لَمْ يَدَع مِنْ الْقُرْآن مَا يُتْلَى إِلَّا مَا هُوَ دَاخِل الْمُصْحَف الْمَوْجُود وَلَا يَرِد عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ قَالَ \" مَا عِنْدنَا إِلَّا كِتَاب اللَّه وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَة \" لِأَنَّ عَلِيًّا أَرَادَ الْأَحْكَام الَّتِي كَتَبَهَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ يَنْفِ أَنَّ عِنْده أَشْيَاء أُخَر مِنْ الْأَحْكَام الَّتِي لَمْ يَكُنْ كَتَبَهَا. وَأَمَّا جَوَاب اِبْن عَبَّاس وَابْن الْحَنَفِيَّة فَإِنَّمَا أَرَادَا مِنْ الْقُرْآن الَّذِي يُتْلَى , أَوْ أَرَادَا مِمَّا يَتَعَلَّق بِالْإِمَامَةِ , أَيْ لَمْ يَتْرُك شَيْئًا يَتَعَلَّق بِأَحْكَامِ الْإِمَامَة إِلَّا مَا هُوَ بِأَيْدِي النَّاس , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة مِنْ ذِكْرِ أَشْيَاء نَزَلَتْ مِنْ الْقُرْآن فَنُسِخَتْ تِلَاوَتهَا وَبَقِيَ حُكْمهَا أَوْ لَمْ يَبْقَ , مِثْل حَدِيث عُمَر \" الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّة \" وَحَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الْقُرَّاء الَّذِينَ قُتِلُوا فِي بِئْر مَعُونَة , قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمْ قُرْآنًا \" بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمنَا أَنَا لَقَدْ لَقِينَا رَبّنَا \" وَحَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب \" كَانَتْ الْأَحْزَاب قَدْر الْبَقَرَة \" وَحَدِيث حُذَيْفَة مَا يَقْرَءُونَ رُبْعهَا يَعْنِي بَرَاءَة , وَكُلّهَا أَحَادِيث صَحِيحَة. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن الضَّرِيس مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّهُ \" كَانَ يَكْرَه أَنْ يَقُول الرَّجُل قَرَأْت الْقُرْآن كُلّه , وَيَقُول : إِنَّ مِنْهُ قُرْآنًا قَدْ رُفِعَ \" وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ مَا يُعَارِض حَدِيث الْبَاب , لِأَنَّ جَمِيع ذَلِكَ مِمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَته فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏"
    },
    {
        "id": "4632",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ‏ ‏كَالْأُتْرُجَّةِ ‏ ‏طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى. ‏ ‏قَوْله : ( مَثَل الَّذِي يَقْرَأ الْقُرْآن كَالْأُتْرُجَّةِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة وَالرَّاء بَيْنهمَا مُثَنَّاة سَاكِنَة وَآخِره جِيم ثَقِيلَة , وَقَدْ تُخَفَّف. وَيُزَاد قَبْلهَا نُون سَاكِنَة , وَيُقَال بِحَذْفِ الْأَلِف مَعَ الْوَجْهَيْنِ فَتِلْكَ أَرْبَع لُغَات وَتَبْلُغ مَعَ التَّخْفِيف إِلَى ثَمَانِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( طَعْمهَا طَيِّب وَرِيحهَا طَيِّب ) ‏ ‏قِيلَ خَصَّ صِفَة الْإِيمَان بِالطَّعْمِ وَصِفَة التِّلَاوَة بِالرِّيحِ لِأَنَّ الْإِيمَان أَلْزَم لِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْقُرْآن إِذْ يُمْكِن حُصُول الْإِيمَان بِدُونِ الْقِرَاءَة , وَكَذَلِكَ الطَّعْم أَلْزَم لِلْجَوْهَرِ مِنْ الرِّيح فَقَدْ يَذْهَب رِيح الْجَوْهَر وَيَبْقَى طَعْمه , ثُمَّ قِيلَ : الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الْأُتْرُجَّة بِالتَّمْثِيلِ دُون غَيْرهَا مِنْ الْفَاكِهَة الَّتِي تَجْمَع طِيب الطَّعْم وَالرِّيح كَالتُّفَّاحَةِ لِأَنَّهُ يُتَدَاوَى بِقِشْرِهَا وَهُوَ مُفْرِح بِالْخَاصِّيَّةِ , وَيُسْتَخْرَج مِنْ حَبِّهَا دُهْن لَهُ مَنَافِع وَقِيلَ إِنَّ الْجِنّ لَا تَقْرَب الْبَيْت الَّذِي فِيهِ الْأُتْرُجّ فَنَاسَبَ أَنْ يُمَثِّلَ بِهِ الْقُرْآن الَّذِي لَا تَقْرَبهُ الشَّيَاطِين , وَغِلَاف حَبّه أَبْيَض فَيُنَاسِب قَلْب الْمُؤْمِن , وَفِيهَا أَيْضًا مِنْ الْمَزَايَا كِبْر جُرْمهَا وَحُسْن مَنْظَرهَا وَتَفْرِيح لَوْنهَا وَلِين مَلْمَسهَا , وَفِي أَكْلهَا مَعَ الِالْتِذَاذ طِيب نَكْهَة وَدِبَاغ مَعِدَة وَجَوْدَة هَضْمٍ , وَلَهَا مَنَافِع أُخْرَى مَذْكُورَة فِي الْمُفْرَدَات. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب \" الْمُؤْمِن الَّذِي يَقْرَأ الْقُرْآن وَيَعْمَل بِهِ \" وَهِيَ زِيَادَة مُفَسِّرَة لِلْمُرَادِ وَأَنَّ التَّمْثِيل وَقَعَ بِالَّذِي يَقْرَأ الْقُرْآن وَلَا يُخَالِف مَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْر وَنَهْي لَا مُطْلَق التِّلَاوَة , فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَثُرَ التَّقْسِيم كَأَنْ يُقَال الَّذِي يَقْرَأ وَيَعْمَل وَعَكْسه وَالَّذِي يَعْمَل وَلَا يَقْرَأ وَعَكْسه , وَالْأَقْسَام الْأَرْبَعَة مُمْكِنَة فِي غَيْر الْمُنَافِق وَأَمَّا الْمُنَافِق فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا قِسْمَانِ فَقَطْ لِأَنَّهُ لَا اِعْتِبَار بِعَمَلِهِ إِذَا كَانَ نِفَاقه نِفَاق كُفْرٍ , وَكَأَنَّ الْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي حُذِفَ مِنْ التَّمْثِيل قِسْمَانِ. الَّذِي يَقْرَأ وَلَا يَعْمَل , الَّذِي لَا يَعْمَل وَلَا يَقْرَأ , وَهُمَا شَبِيهَانِ بِحَالِ الْمُنَافِق فَيُمْكِن تَشْبِيه الْأَوَّل بِالرَّيْحَانَةِ وَالثَّانِي بِالْحَنْظَلَةِ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْمُنَافِق , وَالْقِسْمَانِ الْآخَرَانِ قَدْ ذُكِرَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا رِيح فِيهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" لَهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَمِثْل الْفَاجِر الَّذِي يَقْرَأ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" وَمِثْل الْمُنَافِق \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا رِيح لَهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" وَرِيحهَا مُرٌّ \" وَاسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ جِهَة أَنَّ الْمَرَارَة مِنْ أَوْصَاف الطُّعُوم فَكَيْف يُوصَف بِهَا الرِّيح ؟ وَأُجِيب بِأَنَّ رِيحهَا لَمَّا كَانَ كَرِيهًا اُسْتُعِيرَ لَهُ وَصْف الْمَرَارَة , وَأَطْلَقَ الزَّرْكَشِيّ هُنَا أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَة وَهْمٌ وَأَنَّ الصَّوَاب مَا فِي رِوَايَة هَذَا الْبَاب \" وَلَا رِيح لَهَا \" ثُمَّ قَالَ فِي كِتَاب الْأَطْعِمَة لَمَّا جَاءَ فِيهِ \" وَلَا رِيح لَهَا \" هَذَا أَصْوَب مِنْ رِوَايَة التِّرْمِذِيّ \" طَعْمهَا مُرّ وَرِيحهَا مُرّ \" ثُمَّ ذَكَرَ تَوْجِيههَا وَكَأَنَّهُ مَا اِسْتَحْضَرَ أَنَّهَا فِي هَذَا الْكِتَاب وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا فَلِذَلِكَ نَسَبَهَا لِلتِّرْمِذِيِّ. وَفِي الْحَدِيث فَضِيلَة حَامِلِي الْقُرْآن , وَضَرْب الْمَثَل لِلتَّقْرِيبِ لِلْفَهْمِ , وَأَنَّ الْمَقْصُود مِنْ تِلَاوَة الْقُرْآن الْعَمَل بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4633",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنْ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى ‏ ‏قِيرَاطٍ ‏ ‏فَعَمِلَتْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ ‏ ‏النَّصَارَى ‏ ‏ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ ‏ ‏بِقِيرَاطَيْنِ ‏ ‏قِيرَاطَيْنِ ‏ ‏قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ قَالُوا لَا قَالَ فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر \" إِنَّمَا أَجَلكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ قَبْلكُمْ \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْمَوَاقِيت مِنْ كِتَاب الصَّلَاة , وَمُطَابَقَة الْحَدِيث الْأَوَّل لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة ثُبُوت فَضْل قَارِئ الْقُرْآن عَلَى غَيْره فَيَسْتَلْزِم فَضْل الْقُرْآن عَلَى سَائِر الْكَلَام كَمَا فَضَّلَ الْأُتْرُجّ عَلَى سَائِر الْفَوَاكِه , وَمُنَاسَبَة الْحَدِيث الثَّانِي مِنْ جِهَة ثُبُوت فَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّة عَلَى غَيْرهَا مِنْ الْأُمَم وَثُبُوت الْفَضْل لَهَا بِمَا ثَبَتَ مِنْ فَضْل كِتَابهَا الَّذِي أُمِرَتْ بِالْعَمَلِ بِهِ ‏"
    },
    {
        "id": "4634",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏طَلْحَةُ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏آوْصَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَا فَقُلْتُ كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ أُمِرُوا بِهَا وَلَمْ يُوصِ قَالَ أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4635",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ يُرِيدُ يَجْهَرُ بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ اِبْن شِهَاب \" حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَة أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَأْذَن اللَّه لِنَبِيٍّ ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ بِنُونٍ وَمُوَحَّدَة , وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لِشَيْءٍ \" بِشِينٍ مُعْجَمَة وَكَذَا عِنْد مُسْلِم مِنْ جَمِيع طُرُقِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان الَّتِي تَلِي هَذِهِ فِي الْأَصْل كَالْجُمْهُورِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ كَرِوَايَةِ عُقَيْل. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَعِنْد أَبِي ذَرّ \" لِلنَّبِيِّ \" بِزِيَادَةِ اللَّام , فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظه فَهِيَ لِلْجِنْسِ , وَوَهَمَ مَنْ ظَنَّهَا لِلْعَهْدِ وَتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَاد نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَشَرَحَهُ عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَتَغَنَّى ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِدُونِ \" أَنْ \" وَزَعَمَ اِبْن الْجَوْزِيّ أَنَّ الصَّوَاب حَذْف \" أَنْ \" وَأَنَّ إِثْبَاتهَا وَهْمٌ مِنْ بَعْض الرُّوَاة لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْوُونَ بِالْمَعْنَى فَرُبَّمَا ظَنَّ بَعْضهمْ الْمُسَاوَاة فَوَقَعَ فِي الْخَطَأ لِأَنَّ الْحَدِيث لَوْ كَانَ بِلَفْظِ \" أَنْ \" لَكَانَ مِنْ الْإِذْن بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون الذَّال بِمَعْنَى الْإِبَاحَة وَالْإِطْلَاق , وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا هُنَا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْأَذَن بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الِاسْتِمَاع , وَقَوْله أَذِنَ أَيْ اِسْتَمَعَ , وَالْحَاصِل أَنَّ لَفْظ أَذِنَ بِفَتْحَةٍ ثُمَّ كَسْرَة فِي الْمَاضِي وَكَذَا فِي الْمُضَارِع مُشْتَرَك بَيْن الْإِطْلَاق وَالِاسْتِمَاع , تَقُول أَذِنَتْ آذَن بِالْمَدِّ , فَإِنْ أَرَدْت الْإِطْلَاق فَالْمَصْدَر بِكَسْرَةٍ ثُمَّ سُكُون , وَإِنْ أَرَدْت الِاسْتِمَاع فَالْمَصْدَر بِفَتْحَتَيْنِ , قَالَ عَدِيّ بْن زَيْد : ‏ ‏أَيُّهَا الْقَلْب تَعَلَّلْ بِدَدَنْ ‏ ‏إِنَّ هَمِّي فِي سَمَاع وَأَذَنْ ‏ ‏أَيْ فِي سَمَاع وَاسْتِمَاع , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : أَصْل الْأَذَن بِفَتْحَتَيْنِ أَنَّ الْمُسْتَمِع يَمِيل بِأُذُنِهِ إِلَى جِهَة مَنْ يَسْمَعهُ , وَهَذَا الْمَعْنَى فِي حَقّ اللَّه لَا يُرَاد بِهِ ظَاهِره وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيل التَّوَسُّع عَلَى مَا جَرَى بِهِ عُرْف الْمُخَاطَب , وَالْمُرَاد بِهِ فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى إِكْرَام الْقَارِئِ وَإِجْزَال ثَوَابه , لِأَنَّ ذَلِكَ ثَمَرَة الْإِصْغَاء. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة فِي هَذَا الْحَدِيث \" مَا أَذَنَ لِشَيْءٍ كَأَذَنِهِ \" بِفَتْحَتَيْنِ , وَمِثْله عِنْد اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَبِي حَفْصَة عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ أَبِي سَلَمَة , وَعِنْد أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ وَالْحَاكِم وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيث فَضَالَة بْن عُبَيْد اللَّه \" أَشَدّ أَذَنًا إِلَى الرَّجُل الْحَسَن الصَّوْت بِالْقُرْآنِ مِنْ صَاحِب الْقَيْنَة إِلَى قَيْنَته \". قُلْت : وَمَعَ ذَلِكَ كُلّه فَلَيْسَ مَا أَنْكَرَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ بِمُنْكَرٍ بَلْ هُوَ مُوَجَّه , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَة أُخْرَى كَذَلِكَ وَوَجَّهَهَا عِيَاض بِأَنَّ الْمُرَاد الْحَثّ عَلَى ذَلِكَ وَالْأَمْر بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ صَاحِب لَهُ يَجْهَر بِهِ ) ‏ ‏الضَّمِير فِي \" لَهُ \" لِأَبِي سَلَمَة , وَالصَّاحِب الْمَذْكُور هُوَ عَبْد الْحَمِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن الْخَطَّاب , بَيَّنَهُ الزُّبَيْدِيّ عَنْ اِبْن شِهَاب فِي هَذَا الْحَدِيث أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" مِنْ طَرِيقه بِلَفْظِ \" مَا أَذِنَ اللَّه لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ \" قَالَ اِبْن شِهَاب : وَأَخْبَرَنِي عَبْد الْحَمِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي سَلَمَة \" يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَر بِهِ \" فَكَأَنَّ هَذَا التَّفْسِير لَمْ يَسْمَعهُ اِبْن شِهَاب مِنْ أَبِي سَلَمَة وَسَمِعَهُ مِنْ عَبْد الْحَمِيد عَنْهُ فَكَانَ تَارَة يُسَمِّيه وَتَارَة يُبْهِمهُ , وَقَدْ أَدْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْهُ , قَالَ الذُّهْلِيُّ : وَهُوَ غَيْر مَحْفُوظ فِي حَدِيث مَعْمَر , وَقَدْ رَوَاهُ عَبْد الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَر بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة. قُلْت : وَهِيَ ثَابِتَة عَنْ أَبِي سَلَمَة مِنْ وَجْه آخَر أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَا أَذِنَ اللَّه لِشَيْءٍ كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَر بِهِ \" وَكَذَا ثَبَتَ عِنْده مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4636",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شِهَاب الْمَذْكُور فِي الطَّرِيق الْأُولَى , وَنَقَلَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ قَالَ : لَمْ يَقُلْ لَنَا سُفْيَان قَطُّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" حَدَّثَنَا اِبْن شِهَاب \" قُلْت : قَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان قَالَ \" سَمِعْت الزُّهْرِيَّ \" وَمِنْ طَرِيقه أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" , وَالْحُمَيْدِيّ مِنْ أَعْرَف النَّاس , بِحَدِيثِ سُفْيَان وَأَكْثَرهمْ تَثَبُّتًا عَنْهُ لِلسَّمَاعِ مِنْ شُيُوخهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان تَفْسِيره يُسْتَغْنَى بِهِ ) ‏ ‏كَذَا فَسَّرَهُ سُفْيَان , وَيُمْكِن أَنْ يُسْتَأْنَس بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن الضَّرِيس , وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي نَهْيك قَالَ \" لَقِيَنِي سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَأَنَا فِي السُّوق فَقَالَ : تُجَّار كَسَبَة , سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ \" وَقَدْ اِرْتَضَى أَبُو عُبَيْد تَفْسِير يَتَغَنَّى ب يَسْتَغْنِي وَقَالَ إِنَّهُ جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب , وَأَنْشَدَ الْأَعْشَى : ‏ ‏وَكُنْت اِمْرَأً زَمَنًا بِالْعِرَاقِ ‏ ‏خَفِيف الْمُنَاخ طَوِيل التَّغَنِّي ‏ ‏أَيْ كَثِير الِاسْتِغْنَاء وَقَالَ الْمُغِيرَة بْن حَبْنَاء : ‏ ‏كِلَانَا غَنِيّ عَنْ أَخِيهِ حَيَاته ‏ ‏وَنَحْنُ إِذَا مُتْنَا أَشَدّ تَغَانِيًا ‏ ‏قَالَ : فَعَلَى هَذَا يَكُون الْمَعْنَى مَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِالْقُرْآنِ عَنْ الْإِكْثَار مِنْ الدُّنْيَا فَلَيْسَ مِنَّا , أَيْ عَلَى طَرِيقَتنَا. وَاحْتَجَّ أَبُو عُبَيْد أَيْضًا بِقَوْلِ اِبْن مَسْعُود \" مَنْ قَرَأَ سُورَة آل عِمْرَان فَهُوَ غَنِيّ \" وَنَحْو ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْله يَتَغَنَّى عَلَى أَرْبَعَة أَقْوَال. أَحَدهَا تَحْسِين الصَّوْت , وَالثَّانِي الِاسْتِغْنَاء , وَالثَّالِث التَّحَزُّن قَالَهُ الشَّافِعِيّ , وَالرَّابِع التَّشَاغُل بِهِ تَقُول الْعَرَب تَغَنَّى بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ. قُلْت : وَفِيهِ قَوْل آخَر حَكَاهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ فِي \" الزَّاهِر \" قَالَ. الْمُرَاد بِهِ التَّلَذُّذ وَالِاسْتِحْلَاء لَهُ كَمَا يَسْتَلِذّ أَهْل الطَّرَب بِالْغِنَاءِ , فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ تَغَنِّيًا مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ يُفْعَل عِنْده مَا يُفْعَل عِنْد الْغِنَاء , وَهُوَ كَقَوْلِ النَّابِغَة : ‏ ‏بُكَاء حَمَامَة تَدْعُو هَدِيلًا ‏ ‏مُفَجَّعَة عَلَى فَنَن تُغَنِّي ‏ ‏أَطْلَقَ عَلَى صَوْتهَا غِنَاء لِأَنَّهُ يُطْرِب كَمَا يُطْرِب الْغِنَاء وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غِنَاء حَقِيقَة , وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ \" الْعَمَائِم تِيجَان الْعَرَب , لِكَوْنِهَا تَقُوم مَقَام التِّيجَان , وَفِيهِ قَوْل آخَر حَسَنٌ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلهُ هِجِّيرَاهُ كَمَا يَجْعَل الْمُسَافِر وَالْفَارِغ هِجِّيرَاهُ الْغِنَاء , قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : كَانَتْ الْعَرَب إِذَا رَكِبَتْ الْإِبِل تَتَغَنَّى وَإِذَا جَلَسَتْ فِي أَفْنَيْتهَا وَفِي أَكْثَر أَحْوَالهَا , فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآن أَحَبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُون هِجِّيرَاهُمْ الْقِرَاءَة مَكَان التَّغَنِّي. وَيُؤَيِّد الْقَوْل الرَّابِع بَيْت الْأَعْشَى الْمُتَقَدِّم فَإِنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ \" طَوِيل التَّغَنِّي \" طُول الْإِقَامَة لَا الِاسْتِغْنَاء لِأَنَّهُ أَلْيَق بِوَصْفِ الطُّول مِنْ الِاسْتِغْنَاء , يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ مُلَازِمًا لِوَطَنِهِ بَيْن أَهْله كَانُوا يَتَمَدَّحُونَ بِذَلِكَ قَالَ حَسَّان : ‏ ‏أَوْلَاد جَفْنَة حَوْل قَبْر أَبِيهِمْ ‏ ‏قَبْر اِبْن مَارِيَة الْكَرِيم الْمُفَضَّل ‏ ‏أَرَادَ أَنَّهُمْ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الِانْتِجَاع وَلَا يَبْرَحُونَ مِنْ أَوْطَانهمْ , فَيَكُون مَعْنَى الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى مُلَازَمَة الْقُرْآن وَأَنْ لَا يُتَعَدَّى إِلَى غَيْره , وَهُوَ يَئُول مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى إِلَى مَا اِخْتَارَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ تَخْصِيص الِاسْتِغْنَاء وَأَنَّهُ يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ غَيْره مِنْ الْكُتُب , وَقِيلَ الْمُرَاد مَنْ لَمْ يُغْنِهِ الْقُرْآن وَيَنْفَعهُ فِي إِيمَانه وَيُصَدِّق بِمَا فِيهِ مِنْ وَعْدٍ وَوَعِيد وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يَرْتَحْ لِقِرَاءَتِهِ وَسَمَاعه , وَلَيْسَ الْمُرَاد مَا اِخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد أَنَّهُ يُحَصِّل بِهِ الْغِنَى دُون الْفَقْر , لَكِنَّ الَّذِي اِخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد غَيْر مَدْفُوع إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْغِنَى الْمَعْنَوِيّ وَهُوَ غِنَى النَّفْس وَهُوَ الْقَنَاعَة لَا الْغِنَى الْمَحْسُوس الَّذِي هُوَ ضِدّ الْفَقْر , لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْصُل بِمُجَرَّدِ مُلَازَمَة الْقِرَاءَة إِلَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِالْخَاصِّيَّةِ , وَسِيَاق الْحَدِيث يَأْبَى الْحَمْل عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى الْحَثّ عَلَى تَكَلُّف ذَلِكَ , وَفِي تَوْجِيهه تَكَلُّف كَأَنَّهُ قَالَ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَطَلَّب الْغِنَى بِمُلَازَمَةِ تِلَاوَته , وَأَمَّا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيّ فَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا عَنْهُ فِي تَفْسِير الْخَبَر. وَإِنَّمَا قَالَ فِي مُخْتَصَر الْمُزَنِيِّ : وَأُحِبّ أَنْ يَقْرَأ حَدْرَا وَتَحْزِينًا اِنْتَهَى. قَالَ أَهْل اللُّغَة : حَدَرْت الْقِرَاءَة أَدْرَجْتهَا وَلَمْ أَمْطُطْهَا , وَقَرَأَ فُلَان تَحْزِينًا إِذَا رَقَّقَ صَوْته وَصَيَّرَهُ كَصَوْتِ الْحَزِين. وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ قَرَأَ سُورَة فَحَزَّنَهَا شِبْهُ الرَّثْي , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ اللَّيْث بْن سَعْد قَالَ يَتَغَنَّى بِهِ يَتَحَزَّن بِهِ وَيُرَقِّق بِهِ قَلْبه. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَأْوِيل اِبْن عُيَيْنَةَ لِلتَّغَنِّي بِالِاسْتِغْنَاءِ فَلَمْ يَرْتَضِهِ وَقَالَ : لَوْ أَرَادَ الِاسْتِغْنَاء لَقَالَ لَمْ يَسْتَغْنِ , وَإِنَّمَا أَرَادَ تَحْسِين الصَّوْت. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة وَعَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك وَالنَّضْر بْن شُمَيْلٍ , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة عَبْد الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَر عَنْ اِبْن شِهَاب فِي حَدِيث الْبَاب بِلَفْظِ \" مَا أُذِنَ لِنَبِيٍّ فِي التَّرَنُّم فِي الْقُرْآن \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ , وَعِنْده فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر \" مَا أُذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَن الصَّوْت \" وَهَذَا اللَّفْظ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة , وَعِنْد اِبْن أَبِي دَاوُدَ وَالطَّحَاوِيّ مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" حَسَن التَّرَنُّم بِالْقُرْآنِ \" قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَالتَّرَنُّم لَا يَكُون إِلَّا بِالصَّوْتِ إِذَا حَسَّنَهُ الْقَارِئ وَطَرِبَ بِهِ , قَالَ وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ الِاسْتِغْنَاء لَمَا كَانَ لِذِكْرِ الصَّوْت وَلَا لِذِكْرِ الْجَهْر مَعْنًى. وَأَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ وَالْكَجّيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث فَضَالَة بْن عُبَيْد مَرْفُوعًا \" اللَّه أَشَدّ أَذَنًا - أَيْ اِسْتِمَاعًا - لِلرَّجُلِ الْحَسَن الصَّوْت بِالْقُرْآنِ مِنْ صَاحِب الْقَيْنَة إِلَى قَيْنَته \" وَالْقَيْنَة الْمُغَنِّيَة , وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر رَفَعَهُ \" تَعَلَّمُوا الْقُرْآن وَغَنُّوا بِهِ وَأَفْشُوهُ \" كَذَا وَقَعَ عِنْده وَالْمَشْهُور عِنْد غَيْره فِي الْحَدِيث \" وَتَغَنُّوا بِهِ \" وَالْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب أَنَّ التَّغَنِّي التَّرْجِيع بِالصَّوْتِ كَمَا قَالَ حَسَّان : ‏ ‏تَغَنَّ بِالشَّعْرِ إِمَّا أَنْتَ قَائِله ‏ ‏إِنَّ الْغِنَاء بِهَذَا الشَّعْر مِضْمَار ‏ ‏قَالَ : وَلَا نَعْلَم فِي كَلَام الْعَرَب تَغَنَّى بِمَعْنَى اِسْتَغْنَى وَلَا فِي أَشْعَارهمْ , وَبَيْت الْأَعْشَى لَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ أَرَادَ طُول الْإِقَامَة , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ) وَقَالَ : بَيْت الْمُغِيرَة أَيْضًا لَا حُجَّة فِيهِ , لِأَنَّ التَّغَانِي تَفَاعُل بَيْن اِثْنَيْنِ وَلَيْسَ هُوَ بِمَعْنَى تَغَنَّى , قَالَ : وَإِنَّمَا يَأْتِي \" تَغَنَّى \" مِنْ الْغِنَى الَّذِي هُوَ ضِدّ الْفَقْر بِمَعْنَى تَفَعَّلَ أَيْ يُظْهِر خِلَاف مَا عِنْده , وَهَذَا فَاسِد الْمَعْنَى. قُلْت : وَيُمْكِن أَنْ يَكُون بِمَعْنَى تَكَلَّفَهُ أَيْ تَطَلَّبَهُ وَحَمَلَ نَفْسه عَلَيْهِ وَلَوْ شَقَّ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث \" فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا \" وَهُوَ فِي حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عِنْد أَبِي عَوَانَة. وَأَمَّا إِنْكَاره أَنْ يَكُون تَغَنَّى بِمَعْنَى اِسْتَغْنَى فِي كَلَام الْعَرَب فَمَرْدُود , وَمَنْ حَفِظَ حُجَّة عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد فِي حَدِيث الْخَيْل \" وَرَجُل رَبَطَهَا تَعَفُّفًا وَتَغَنِّيًا \" وَهَذَا مِنْ الِاسْتِغْنَاء بِلَا رَيْب , وَالْمُرَاد بِهِ يَطْلُب الْغِنَى بِهَا عَنْ النَّاس بِقَرِينَةِ قَوْله تَعَفُّفًا. وَمِمَّنْ أَنْكَرَ تَفْسِير يَتَغَنَّى ب يَسْتَغْنِي أَيْضًا الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : الِاسْتِغْنَاء بِهِ لَا يَحْتَاج إِلَى اِسْتِمَاع , لِأَنَّ الِاسْتِمَاع أَمْر خَاصّ زَائِد عَلَى الِاكْتِفَاء بِهِ , وَأَيْضًا فَالِاكْتِفَاء بِهِ عَنْ غَيْره أَمْر وَاجِب عَلَى الْجَمِيع , وَمَنْ لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ خَرَجَ عَنْ الطَّاعَة. ثُمَّ سَاقَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ : يَقُولُونَ إِذَا رَفَعَ صَوْته فَقَدْ تَغَنَّى. قُلْت : الَّذِي نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ بِمَعْنَى يُسْتَغْنَى أَتْقَنُ لِحَدِيثِهِ , وَقَدْ نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ مِثْله , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْنهمَا بِأَنَّ تَفْسِير يَسْتَغْنِي مِنْ جِهَته وَيَرْفَع عَنْ غَيْره , وَقَالَ عُمَر بْن شَبَّة : ذَكَرْت لِأَبِي عَاصِم النَّبِيل تَفْسِير اِبْن عُيَيْنَةَ فَقَالَ : لَمْ يَصْنَع شَيْئًا حَدَّثَنِي اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر قَالَ \" كَانَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام يَتَغَنَّى - يَعْنِي حِين يَقْرَأ - وَيَبْكِي وَيَبْكِي \" وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : أَنَّ دَاوُدَ كَانَ يَقْرَأ الزَّبُور بِسَبْعِينَ لَحْنًا , وَيَقْرَأ قِرَاءَة يَطْرَب مِنْهَا الْمَحْمُوم. وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبْكِي نَفْسه لَمْ تَبْقَ دَابَّة فِي بَرٍّ وَلَا بَحْر إِلَّا أَنْصَتَتْ لَهُ وَاسْتَمَعَتْ وَبَكَتْ. وَسَيَأْتِي حَدِيث \" إِنَّ أَبَا مُوسَى أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِير دَاوُدَ \" فِي \" بَاب حُسْن الصَّوْت بِالْقِرَاءَةِ \". وَفِي الْجُمْلَة مَا فَسَّرَ بِهِ اِبْن عُيَيْنَةَ لَيْسَ بِمَدْفُوعٍ , وَإِنْ كَانَتْ ظَوَاهِر الْأَخْبَار تُرَجِّح أَنَّ الْمُرَاد تَحْسِين الصَّوْت وَيُؤَيِّدهُ قَوْله \" يَجْهَر بِهِ \" فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ مَرْفُوعَة قَامَتْ الْحُجَّة , وَإِنْ كَانَتْ غَيْر مَرْفُوعَة فَالرَّاوِي أَعْرَف بِمَعْنَى الْخَبَر مِنْ غَيْره وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فَقِيهًا , وَقَدْ جَزَمَ الْحَلِيمِيّ بِأَنَّهَا مِنْ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة وَالْعَرَب تَقُول : سَمِعْت فُلَانًا يَتَغَنَّى بِكَذَا. أَيْ يَجْهَر بِهِ. وَقَالَ أَبُو عَاصِم : أَخَذَ بِيَدَيَّ اِبْن جُرَيْجٍ فَأَوْقَفَنِي عَلَى أَشْعَب فَقَالَ : غَنّ اِبْن أَخِي مَا بَلَغَ مِنْ طَمَعك ؟ فَذَكَرَ قِصَّة. فَقَوْله غَنِّ أَيْ أَخْبِرْنِي جَهْرًا صَرِيحًا. وَمِنْهُ قَوْل ذِي الرُّمَّة : ‏ ‏أُحِبُّ الْمَكَان الْقَفْر مِنْ أَجْل أَنَّنِي ‏ ‏بِهِ أَتَغَنَّى بِاسْمِهَا غَيْر مُعْجِم ‏ ‏أَيْ أَجْهَر وَلَا أُكَنِّي , وَالْحَاصِل أَنَّهُ يُمْكِن الْجَمْع بَيْن أَكْثَر التَّأْوِيلَات الْمَذْكُورَة , وَهُوَ أَنَّهُ يُحَسِّن بِهِ صَوْته جَاهِرًا بِهِ مُتَرَنِّمًا عَلَى طَرِيق التَّحَزُّن , مُسْتَغْنِيًا بِهِ عَنْ غَيْره مِنْ الْأَخْبَار , طَالِبًا بِهِ غِنَى النَّفْس رَاجِيًا بِهِ غِنَى الْيَد , وَقَدْ نَظَمْت ذَلِكَ فِي بَيْتَيْنِ : ‏ ‏تَغَنَّ بِالْقُرْآنِ حَسِّنْ بِهِ الصَّوْ ‏ ‏ت حَزِينًا جَاهِرًا رَنِّمِ ‏ ‏وَاسْتَغْنِ عَنْ كُتْب الْأُلَى طَالِبًا ‏ ‏غِنَى يَد وَالنَّفْس ثُمَّ اِلْزَمِ ‏ ‏وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِحُسْنِ الصَّوْت بِالْقُرْآنِ فِي تَرْجَمَة مُفْرَدَة. وَلَا شَكّ أَنَّ النُّفُوس تَمِيل إِلَى سَمَاع الْقِرَاءَة بِالتَّرَنُّمِ أَكْثَر مِنْ مَيْلِهَا لِمَنْ لَا يَتَرَنَّم , لِأَنَّ لِلتَّطْرِيبِ تَأْثِيرًا فِي رِقَّة الْقَلْب وَإِجْرَاء الدَّمْع. وَكَانَ بَيْن السَّلَف اِخْتِلَاف فِي جَوَاز الْقُرْآن بِالْأَلْحَانِ , أَمَّا تَحْسِين الصَّوْت وَتَقْدِيم حُسْنِ الصَّوْت عَلَى غَيْره فَلَا نِزَاع فِي ذَلِكَ , فَحَكَى عَبْد الْوَهَّاب الْمَالِكِيّ عَنْ مَالِك تَحْرِيم الْقِرَاءَة بِالْأَلْحَانِ , وَحَكَاهُ أَبُو الطَّيِّب الطَّبَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيّ وَابْن حَمْدَان الْحَنْبَلِيّ عَنْ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم , وَحَكَى اِبْن بَطَّال وَعِيَاض وَالْقُرْطُبِيّ مِنْ الْمَالِكِيَّة وَالْمَاوَرْدِيّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْغَزَالِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّة , وَصَاحِب الذَّخِيرَة مِنْ الْحَنَفِيَّة الْكَرَاهَة , وَاخْتَارَهُ أَبُو يَعْلَى وَابْن عَقِيل مِنْ الْحَنَابِلَة , وَحَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الْجَوَاز , وَهُوَ الْمَنْصُوص لِلشَّافِعِيِّ وَنَقَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ الْحَنَفِيَّة , وَقَالَ الْفُورَانِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّة فِي الْإِبَانَة يَجُوز بَلْ يُسْتَحَبّ , وَمَحَلّ هَذَا الِاخْتِلَاف إِذَا لَمْ يَخْتَلّ شَيْء مِنْ الْحُرُوف عَنْ مَخْرَجه , فَلَوْ تَغَيَّرَ قَالَ النَّوَوِيّ فِي \" التِّبْيَان \" أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمه وَلَفْظه : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى اِسْتِحْبَاب تَحْسِين الصَّوْت بِالْقُرْآنِ مَا لَمْ يَخْرُج عَنْ حَدّ الْقِرَاءَة بِالتَّمْطِيطِ , فَإِنْ خَرَجَ حَتَّى زَادَ حَرْفًا أَوْ أَخْفَاهُ حَرُمَ , قَالَ : وَأَمَّا الْقِرَاءَة بِالْأَلْحَانِ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيّ فِي مَوْضِع عَلَى كَرَاهَته وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر لَا بَأْس بِهِ , فَقَالَ أَصْحَابه : لَيْسَ عَلَى اِخْتِلَاف قَوْلَيْنِ , بَلْ عَلَى اِخْتِلَاف حَالَيْنِ , فَإِنْ لَمْ يَخْرُج بِالْأَلْحَانِ عَلَى الْمَنْهَج الْقَوِيم جَازَ وَإِلَّا حَرُمَ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّ الْقِرَاءَة بِالْأَلْحَانِ إِذَا اِنْتَهَتْ إِلَى إِخْرَاج بَعْض الْأَلْفَاظ عَنْ مَخَارِجهَا حَرُمَ وَكَذَا حَكَى اِبْن حَمْدَان الْحَنْبَلِيّ فِي \" الرِّعَايَة \" , وَقَالَ الْغَزَالِيّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَاحِب الذَّخِيرَة مِنْ الْحَنَفِيَّة : إِنْ لَمْ يُفْرِط فِي التَّمْطِيط الَّذِي يُشَوِّش النَّظْم اُسْتُحِبَّ وَإِلَّا فَلَا. وَأَغْرَبَ الرَّافِعِيّ فَحَكَى عَنْ \" أَمَالِي السَّرَخْسِيّ \" أَنَّهُ لَا يَضُرّ التَّمْطِيط مُطْلَقًا , وَحَكَاهُ اِبْن حَمْدَان رِوَايَة عَنْ الْحَنَابِلَة , وَهَذَا شُذُوذ لَا يُعَرَّج عَلَيْهِ. وَالَّذِي يَتَحَصَّل مِنْ الْأَدِلَّة أَنَّ حُسْنَ الصَّوْت بِالْقُرْآنِ مَطْلُوب , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا فَلْيُحَسِّنْهُ مَا اِسْتَطَاعَ كَمَا قَالَ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة أَحَد رُوَاة الْحَدِيث , وَقَدْ أَخْرَجَ ذَلِكَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح. وَمِنْ جُمْلَة تَحْسِينه أَنْ يُرَاعِي فِيهِ قَوَانِين النَّغَم فَإِنَّ الْحَسَن الصَّوْت يَزْدَاد حُسْنًا بِذَلِكَ , وَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي حُسْنِهِ , وَغَيْر الْحَسَن رُبَّمَا اِنْجَبَرَ بِمُرَاعَاتِهَا مَا لَمْ يَخْرُج عَنْ شَرْط الْأَدَاء الْمُعْتَبَر عِنْد أَهْل الْقِرَاءَات , فَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا لَمْ يَفِ تَحْسِين الصَّوْت بِقُبْحِ الْأَدَاء , وَلَعَلَّ هَذَا مُسْتَنَد مَنْ كَرِهَ الْقِرَاءَة بِالْأَنْغَامِ لِأَنَّ الْغَالِب عَلَى مَنْ رَاعَى الْأَنْغَام أَنْ لَا يُرَاعِي الْأَدَاء , فَإِنْ وُجِدَ مَنْ يُرَاعِيهِمَا مَعًا فَلَا شَكّ فِي أَنَّهُ أَرْجَح مِنْ غَيْره لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْمَطْلُوبِ مِنْ تَحْسِين الصَّوْت وَيَجْتَنِب الْمَمْنُوع مِنْ حُرْمَة الْأَدَاء وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4637",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَا حَسَدَ ) ‏ ‏أَيْ لَا رُخْصَة فِي الْحَسَد إِلَّا فِي خَصْلَتَيْنِ , أَوْ لَا يَحْسُن الْحَسَد إِنْ حَسُنَ , أَوْ أَطْلَقَ الْحَسَد مُبَالَغَة فِي الْحَثّ عَلَى تَحْصِيل الْخَصْلَتَيْنِ كَأَنَّهُ قِيلَ لَوْ لَمْ يَحْصُلَا إِلَّا بِالطَّرِيقِ الْمَذْمُوم لَكَانَ مَا فِيهِمَا مِنْ الْفَضْل حَامِلًا عَلَى الْإِقْدَام عَلَى تَحْصِيلهمَا بِهِ فَكَيْفَ وَالطَّرِيق الْمَحْمُود يُمْكِن تَحْصِيلهمَا بِهِ , وَهُوَ مِنْ جِنْس قَوْله تَعَالَى ( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات ) فَإِنَّ حَقِيقَة السَّبْق أَنْ يَتَقَدَّم عَلَى غَيْره فِي الْمَطْلُوب. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا عَلَى اِثْنَتَيْنِ ) ‏ ‏فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْمَاضِي وَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور تَلْوَ هَذَا \" إِلَّا فِي اِثْنَتَيْنِ \" تَقُول حَسَدْته عَلَى كَذَا أَيْ عَلَى وُجُود ذَلِكَ لَهُ , وَأَمَّا حَسَدْته فِي كَذَا فَمَعْنَاهُ حَسَدْته فِي شَأْن كَذَا وَكَأَنَّهَا سَبَبِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَامَ بِهِ آنَاء اللَّيْل ) ‏ ‏كَذَا فِي النُّسَخ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا مِنْ الْبُخَارِيّ , وَفِي \" مُسْتَخْرَج أَبِي نُعَيْم \" مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن زَنْجُويَةَ عَنْ أَبِي الْيَمَان شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" آنَاء اللَّيْل وَآنَاء النَّهَار \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن يَسَار عَنْ أَبِي الْيَمَان , وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم أَنَّ الْمُرَاد بِالْقِيَامِ بِهِ الْعَمَل بِهِ تِلَاوَة وَطَاعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4638",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ذَكْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ ‏ ‏يُهْلِكُهُ ‏ ‏فِي الْحَقِّ فَقَالَ رَجُلٌ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ الْوَاسِطِيُّ فِي قَوْل الْأَكْثَر , وَاسْم جَدّه عَبْد الْمَجِيد الْيَشْكُرِيّ , وَهُوَ ثِقَة مُتْقِن , عَاشَ بَعْد الْبُخَارِيّ نَحْو عِشْرِينَ سَنَة. وَقِيلَ اِبْن إِشْكَابَ وَهُوَ عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن إِبْرَاهِيم بْن إِشْكَابَ نُسِبَ إِلَى جَدّه , وَبِهَذَا جَزَمَ اِبْن عَدِيّ. وَقِيلَ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن إِبْرَاهِيم نُسِبَ إِلَى جَدّه وَهُوَ قَوْل الدَّارَقُطْنِيِّ وَأَبِي عَبْد اللَّه بْن مَنْدَهْ. وَسَيَأْتِي فِي النِّكَاح رِوَايَة الْفِرَبْرِيّ عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن إِبْرَاهِيم عَنْ حَجَّاج بْن مُحَمَّد. وَقَالَ الْحَاكِم : قِيلَ هُوَ عَلِيّ بْن إِبْرَاهِيم الْمَرْوَزِيُّ وَهُوَ مَجْهُول , وَقِيلَ الْوَاسِطِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( رَوْح ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُبَادَةَ وَقَدْ تَابَعَهُ بِشْر بْن مَنْصُور وَابْن أَبِي عَدِيّ وَالنَّضْر بْن شُمَيْلٍ كُلّهمْ عَنْ شُعْبَة , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : رَفَعَهُ هَؤُلَاءِ وَوَقَفَهُ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش , ‏ ‏( قَالَ سَمِعْت ذَكْوَانَ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو صَالِح السَّمَّان. قُلْت وَلِشُعْبَةَ عَنْ الْأَعْمَش فِيهِ شَيْخ آخَر أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر غُنْدَر عَنْ شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد عَنْ أَبِي كَبْشَة الْأَنْمَارِيّ. قُلْت : وَقَدْ أَشَرْت إِلَى مَتْن أَبِي كَبْشَة فِي كِتَاب الْعِلْم , وَسِيَاقه أَتَمّ مِنْ سِيَاق أَبِي هُرَيْرَة. وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي زَيْد الْهَرَوِيِّ عَنْ شُعْبَة , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ الْأَعْمَش بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا , وَهُوَ ظَاهِر فِي أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ مُتَغَايِرَانِ سَنَدًا وَمَتْنًا اِجْتَمَعَا لِشُعْبَةَ وَجَرِير مَعًا عَنْ الْأَعْمَش , وَأَشَارَ أَبُو عَوَانَة إِلَى أَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يُخَرِّج حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة لِهَذِهِ الْعِلَّة , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاضِحٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عِلَّة قَادِحَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَهُوَ يُهْلِكهُ فِي الْحَقّ ) ‏ ‏فِيهِ اِحْتِرَاس بَلِيغ , كَأَنَّهُ لَمَّا أَوْهَمَ الْإِنْفَاق فِي التَّبْذِير مِنْ جِهَة عُمُوم الْإِهْلَاك قَيَّدَهُ بِالْحَقِّ وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4639",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ قَالَ وَأَقْرَأَ ‏ ‏أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فِي إِمْرَةِ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏حَتَّى كَانَ ‏ ‏الْحَجَّاجُ ‏ ‏قَالَ وَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة ) ‏ ‏كَذَا يَقُول شُعْبَة , يَدْخُل بَيْن عَلْقَمَة بْن مَرْثَد وَأَبِي عَبْد الرَّحْمَن سَعْد بْن عُبَيْدَة. وَخَالَفَهُ سُفْيَان الثَّوْرِيّ فَقَالَ \" عَنْ عَلْقَمَة عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن \" وَلَمْ يَذْكُر سَعْد بْن عُبَيْدَة. وَقَدْ أَطْنَبَ الْحَافِظ أَبُو الْعَلَاء الْعَطَّار فِي كِتَابه \" الْهَادِي فِي الْقُرْآن \" فِي تَخْرِيج طُرُقه , فَذَكَرَ مِمَّنْ تَابَعَ شُعْبَة وَمَنْ تَابِع سُفْيَان جَمْعًا كَثِيرًا , وَأَخْرَجَهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي دَاوُدَ فِي أَوَّل الشَّرِيعَة لَهُ وَأَكْثَر مَنْ تَخْرِيج طُرُقه أَيْضًا , وَرَجَّحَ الْحُفَّاظ رِوَايَة الثَّوْرِيّ وَعَدُّوا رِوَايَة شُعْبَة مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ كَأَنَّ رِوَايَة سُفْيَان أَصَحّ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة. وَأَمَّا الْبُخَارِيّ فَأَخْرَجَ الطَّرِيقَيْنِ فَكَأَنَّهُ تَرَجَّحَ عِنْده أَنَّهُمَا جَمِيعًا مَحْفُوظَانِ , فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ عَلْقَمَة سَمِعَهُ أَوَّلًا مِنْ سَعْد ثُمَّ لَقِيَ أَبَا عَبْد الرَّحْمَن فَحَدَّثَهُ بِهِ , أَوْ سَمِعَهُ مَعَ سَعْد مِنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن فَثَبَّتَهُ فِيهِ سَعْد , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا فِي رِوَايَة سَعْد بْن عُبَيْدَة مِنْ الزِّيَادَة الْمَوْقُوفَة وَهِيَ قَوْل أَبِي عَبْد الرَّحْمَن \" فَذَلِكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي هَذَا الْمَقْعَد \" كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ. وَقَدْ شَذَّتْ رِوَايَة عَنْ الثَّوْرِيّ بِذِكْرِ سَعْد بْن عُبَيْدَة فِيهِ , قَالَ التِّرْمِذِيّ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّان حَدَّثَنَا سُفْيَان وَشُعْبَة عَنْ عَلْقَمَة عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة بِهِ \" وَقَالَ النَّسَائِيُّ \" أَنْبَأَنَا عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَة وَسُفْيَان أَنَّ عَلْقَمَة حَدَّثَهُمَا عَنْ سَعْد \" قَالَ التِّرْمِذِيّ قَالَ مُحَمَّد بْن بَشَّار : أَصْحَاب سُفْيَان لَا يَذْكُرُونَ فِيهِ سَعْد بْن عُبَيْدَة وَهُوَ الصَّحِيح ا ه. وَهَكَذَا حَكَمَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَلَى يَحْيَى الْقَطَّان فِيهِ بِالْوَهْمِ , وَقَالَ اِبْن عَدِيّ : جَمَعَ يَحْيَى الْقَطَّان بَيْن شُعْبَة وَسُفْيَان , فَالثَّوْرِيّ لَا يَذْكُر فِي إِسْنَاده سَعْد بْن عُبَيْدَة. وَهَذَا مِمَّا عُدَّ فِي خَطَأ يَحْيَى الْقَطَّان عَلَى الثَّوْرِيّ. وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : حَمَلَ يَحْيَى الْقَطَّان رِوَايَة الثَّوْرِيّ عَلَى رِوَايَة شُعْبَة فَسَاقَ الْحَدِيث عَنْهُمَا , وَحَمَلَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى فَسَاقَهُ عَلَى لَفْظ شُعْبَة , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ فَصَلَ بَيْن لَفْظَيْهِمَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ فَقَالَ \" قَالَ شُعْبَة خَيْركُمْ وَقَالَ سُفْيَان أَفْضَلكُمْ \". قُلْت : وَهُوَ تَعَقُّب وَاهٍ , إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ تَفْصِيله لِلَفْظِهِمَا فِي الْمَتْن أَنْ يَكُون فَصَّلَ لَفْظهمَا فِي الْإِسْنَاد \" قَالَ اِبْن عَدِيّ : يُقَال إِنَّ يَحْيَى الْقَطَّان لَمْ يُخْطِئ قَطُّ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث. وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ خَلّاد بْن يَحْيَى تَابَعَ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ الثَّوْرِيّ عَلَى زِيَادَة سَعْد بْن عُبَيْدَة وَهِيَ رِوَايَة شَاذَّة , وَأَخْرَجَ اِبْن عَدِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن آدَم عَنْ الثَّوْرِيّ وَقَيْس بْن الرَّبِيع , وَفِي رِوَايَة عَنْ يَحْيَى بْن آدَم عَنْ شُعْبَة وَقَيْس بْن الرَّبِيع جَمِيعًا عَنْ عَلْقَمَة عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة قَالَ وَكَذَا رَوَاهُ سَعِيد بْن سَالِم الْقَدَّاح عَنْ الثَّوْرِيّ وَمُحَمَّد بْن أَبَان كِلَاهُمَا عَنْ عَلْقَمَة بِزِيَادَةِ سَعْد وَزَادَ فِي إِسْنَاده رَجُلًا آخَر كَمَا سَأُبَيِّنُهُ , وَكُلّ هَذِهِ الرِّوَايَات وَهْمٌ , وَالصَّوَاب عَنْ الثَّوْرِيّ بِدُونِ ذِكْرِ سَعْد وَعَنْ شُعْبَة بِإِثْبَاتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُثْمَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شَرِيك عَنْ عَاصِم بْن بَهْدَلَة عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ \" خَيْركُمْ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآن وَأَقْرَأَهُ \" وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ : الصَّحِيح عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عُثْمَان. وَفِي رِوَايَة خَلّاد بْن يَحْيَى عَنْ الثَّوْرِيّ بِسَنَدِهِ قَالَ \" عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبَان بْن عُثْمَان عَنْ عُثْمَان \" قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هَذَا وَهْمٌ , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون السُّلَمِيّ أَخَذَهُ عَنْ أَبَان بْن عُثْمَان عَنْ عُثْمَان ثُمَّ لَقِيَ عُثْمَان فَأَخَذَهُ عَنْهُ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ أَبَا عَبْد الرَّحْمَن أَكْثَر مِنْ أَبَان. وَأَبَانُ اُخْتُلِفَ فِي سَمَاعه مِنْ أَبِيهِ أَشَدّ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِي سَمَاع أَبِي عَبْد الرَّحْمَن مِنْ عُثْمَان فَبَعُدَ هَذَا الِاحْتِمَال. وَجَاءَ مِنْ وَجْه آخَر كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن سَلَّام \" عَنْ مُحَمَّد بْن أَبَان سَمِعْت عَلْقَمَة يُحَدِّث عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبَان بْن عُثْمَان عَنْ عُثْمَان \" فَذَكَرَهُ وَقَالَ تَفَرَّدَ بِهِ سَعِيد بْن سَلَّام يَعْنِي عَنْ مُحَمَّد بْن أَبَان قُلْت : وَسَعِيد ضَعِيف , وَقَدْ قَالَ أَحْمَد : حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ شُعْبَة قَالَ لَمْ يَسْمَع أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ مِنْ عُثْمَان وَكَذَا نَقَلَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه عَنْ شُعْبَة ثُمَّ قَالَ : اِخْتَلَفَ أَهْل التَّمْيِيز فِي سَمَاع أَبِي عَبْد الرَّحْمَن مِنْ عُثْمَان وَنَقَلَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ عَنْ يَحْيَى بْن مَعِين مِثْل مَا قَالَ شُعْبَة. وَذَكَرَ الْحَافِظ أَبُو الْعَلَاء أَنَّ مُسْلِمًا سَكَتَ عَنْ إِخْرَاج هَذَا الْحَدِيث فِي صَحِيحه. قُلْت : قَدْ وَقَعَ فِي بَعْض الطُّرُق التَّصْرِيح بِتَحْدِيثِ عُثْمَان لِأَبِي عَبْد الرَّحْمَن , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ فِي تَرْجَمَة عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَبِي مَرْيَم مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَبْد الْكَرِيم عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن \" حَدَّثَنِي عُثْمَان \" وَفِي إِسْنَاده مَقَال , لَكِنْ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْبُخَارِيّ اِعْتَمَدَ فِي وَصْلِهِ وَفِي تَرْجِيح لِقَاء أَبِي عَبْد الرَّحْمَن لِعُثْمَان عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة مِنْ الزِّيَادَة , وَهِيَ أَنَّ أَبَا عَبْد الرَّحْمَن أَقْرَأَ مِنْ زَمَن عُثْمَان إِلَى زَمَن الْحَجَّاج , وَأَنَّ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ الْحَدِيث الْمَذْكُور , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَان , وَإِذَا سَمِعَهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَان وَلَمْ يُوصَف بِالتَّدْلِيسِ اِقْتَضَى ذَلِكَ سَمَاعه مِمَّنْ عَنْعَنَه عَنْهُ وَهُوَ عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَلَا سِيَّمَا مَعَ مَا اُشْتُهِرَ بَيْن الْقُرَّاء أَنَّهُ قَرَأَ الْقُرْآن عَلَى عُثْمَان , وَأَسْنَدُوا ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَة عَاصِم بْن أَبِي النَّجُود وَغَيْره , فَكَانَ هَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( خَيْركُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآن وَعَلَّمَهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلسَّرَخْسِيِّ \" أَوْ عَلَّمَهُ \" وَهِيَ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ , وَكَذَا لِأَحْمَد عَنْ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة وَزَادَ فِي أَوَّله \" إِنَّ \" وَأَكْثَر الرُّوَاة عَنْ شُعْبَة يَقُولُونَهُ بِالْوَاوِ , وَكَذَا وَقَعَ عِنْد أَحْمَد عَنْ بَهْز وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ عَنْ حَفْص بْن عُمَر كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَة وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عَلِيّ وَهِيَ أَظْهَر مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّ الَّتِي بِأَوْ تَقْتَضِي إِثْبَات الْخَيْرِيَّة الْمَذْكُورَة لِمَنْ فَعَلَ أَحَد الْأَمْرَيْنِ فَيَلْزَم أَنَّ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآن وَلَوْ لَمْ يُعَلِّمهُ غَيْره أَنْ يَكُون خَيْرًا مِمَّنْ عَمِلَ بِمَا فِيهِ مَثَلًا وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّمهُ , وَلَا يُقَال يَلْزَم عَلَى رِوَايَة الْوَاو أَيْضًا أَنَّ مَنْ تَعَلَّمَهُ وَعَلَّمَهُ غَيْره أَنْ يَكُون أَفْضَل مِمَّنْ عَمِلَ بِمَا فِيهِ مِنْ غَيْر أَنْ يَتَعَلَّمهُ وَلَمْ يُعَلِّمهُ غَيْره , لِأَنَّا نَقُول يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْخَيْرِيَّةِ مِنْ جِهَة حُصُول التَّعْلِيم بَعْد الْعِلْم , وَالَّذِي يُعَلِّم غَيْره يَحْصُل لَهُ النَّفْع الْمُتَعَدِّي بِخِلَافِ مَنْ يَعْمَل فَقَطْ , بَلْ مِنْ أَشْرَفِ الْعَمَل تَعْلِيم الْغَيْر , فَمُعَلِّم غَيْره يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون تَعَلَّمَهُ , وَتَعْلِيمُهُ لِغَيْرِهِ عَمَلٌ وَتَحْصِيل نَفْعٍ مُتَعَدٍّ , وَلَا يُقَال لَوْ كَانَ الْمَعْنَى حَوْل النَّفْع الْمُتَعَدِّي لَاشْتَرَكَ كُلّ مَنْ عَلَّمَ غَيْره عِلْمًا مَا فِي ذَلِكَ , لِأَنَّا نَقُول الْقُرْآن أَشْرَف الْعُلُوم فَيَكُون مَنْ تَعَلَّمَهُ وَعَلَّمَهُ لِغَيْرِهِ أَشْرَف مِمَّنْ تَعَلَّمَ غَيْر الْقُرْآن وَإِنْ عَلَّمَهُ فَيَثْبُت الْمُدَّعَى. وَلَا شَكّ أَنَّ الْجَامِع بَيْن تَعَلُّم الْقُرْآن وَتَعْلِيمه مُكَمِّل لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ جَامِع بَيْن النَّفْع الْقَاصِر وَالنَّفْع الْمُتَعَدِّي وَلِهَذَا كَانَ أَفْضَل , وَهُوَ مِنْ جُمْلَة مَنْ عَنَى سُبْحَانه وَتَعَالَى بِقَوْلِهِ : ( وَمَنْ أَحْسَن قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّه وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ ) وَالدُّعَاء إِلَى اللَّه يَقَع بِأُمُورٍ شَتَّى مِنْ جُمْلَتهَا تَعْلِيم الْقُرْآن وَهُوَ أَشْرَف الْجَمِيع , وَعَكْسه الْكَافِر الْمَانِع لِغَيْرِهِ مِنْ الْإِسْلَام كَمَا قَالَ تَعَالَى ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ) فَإِنْ قِيلَ : فَيَلْزَم عَلَى هَذَا أَنْ يَكُون الْمُقْرِئ أَفْضَل مِنْ الْفَقِيه قُلْنَا : لَا , لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانُوا فُقَهَاء النُّفُوس لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْل اللِّسَان فَكَانُوا يَدْرُونَ مَعَانِي الْقُرْآن بِالسَّلِيقَةِ أَكْثَر مِمَّا يَدْرِيهَا مَنْ بَعْدهمْ بِالِاكْتِسَابِ , فَكَانَ الْفِقْه لَهُمْ سَجِيَّة , فَمَنْ كَانَ فِي مِثْل شَأْنهمْ شَارَكَهُمْ فِي ذَلِكَ , لَا مَنْ كَانَ قَارِئًا أَوْ مُقْرِئًا مَحْضًا لَا يَفْهَم شَيْئًا مِنْ مَعَانِي مَا يَقْرَؤُهُ أَوْ يُقْرِئهُ. فَإِنْ قِيلَ فَيَلْزَم أَنْ يَكُون الْمُقْرِئ أَفْضَل مِمَّنْ هُوَ أَعْظَم غِنَاء فِي الْإِسْلَام بِالْمُجَاهَدَةِ وَالرِّبَاط وَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر مَثَلًا , قُلْنَا حَرْف الْمَسْأَلَة يَدُور عَلَى النَّفْع الْمُتَعَدِّي فَمَنْ كَانَ حُصُوله عِنْده أَكْثَر كَانَ أَفْضَل , فَلَعَلَّ \" مِنْ \" مُضْمَرَة فِي الْخَبَر , وَلَا بُدّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ مُرَاعَاة الْإِخْلَاص فِي كُلّ صِنْفٍ مِنْهُمْ. وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْخَيْرِيَّة وَإِنْ أُطْلِقَتْ لَكِنَّهَا مُقَيَّدَة بِنَاسٍ مَخْصُوصِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ كَانَ اللَّائِق بِحَالِهِمْ ذَلِكَ , أَوْ الْمُرَاد خَيْر الْمُتَعَلِّمِينَ مَنْ يُعَلِّم غَيْره لَا مَنْ يَقْتَصِر عَلَى نَفْسه , أَوْ الْمُرَاد مُرَاعَاة الْحَيْثِيَّة لِأَنَّ الْقُرْآن خَيْر الْكَلَام فَمُتَعَلِّمه خَيْر مِنْ مُتَعَلِّم غَيْره بِالنِّسْبَةِ إِلَى خَيْرِيَّة الْقُرْآن , وَكَيْفَمَا كَانَ فَهُوَ مَخْصُوص بِمَنْ عَلَّمَ وَتَعَلَّمَ بِحَيْثُ يَكُون قَدْ عَلِمَ مَا يَجِب عَلَيْهِ عَيْنًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَأَقْرَأَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن فِي إِمْرَة عُثْمَان حَتَّى كَانَ الْحَجَّاج ) ‏ ‏أَيْ حَتَّى وَلِيَ الْحَجَّاج عَلَى الْعِرَاق قُلْت : بَيْنَ أَوَّل خِلَافَة عُثْمَان وَآخِر وِلَايَة الْحَجَّاج اِثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَة إِلَّا ثَلَاثَة أَشْهُر وَبَيْن آخِر خِلَافَة عُثْمَان وَأَوَّل وِلَايَة الْحَجَّاج الْعِرَاق ثَمَانٍ وَثَلَاثُونَ سَنَة , وَلَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين اِبْتِدَاء إِقْرَاء أَبِي عَبْد الرَّحْمَن وَآخِره فَاللَّه أَعْلَم بِمِقْدَارِ ذَلِكَ , وَيُعْرَف مِنْ الَّذِي ذَكَرْته أَقْصَى الْمُدَّة وَأَدْنَاهَا , وَالْقَائِل \" وَأَقْرَأ إِلَخْ \" هُوَ سَعْد بْن عُبَيْدَة فَإِنَّنِي لَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَة إِلَّا مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ عَلْقَمَة , وَقَائِل \" وَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا \" هُوَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن , وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض نُسَخِ الْبُخَارِيّ \" قَالَ سَعْد بْن عُبَيْدَة وَأَقْرَأَنِي أَبُو عَبْد الرَّحْمَن \" قَالَ وَهِيَ أَنْسَب لِقَوْلِهِ \" وَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي إِلَخْ \" أَيْ أَنَّ إِقْرَاءَهُ إِيَّايَ هُوَ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى أَنْ قَعَدْت هَذَا الْمَقْعَد الْجَلِيل ا ه. وَالَّذِي فِي مُعْظَم النُّسَخ \" وَأَقْرَأ \" بِحَذْفِ الْمَفْعُول وَهُوَ الصَّوَاب , وَكَأَنَّ الْكَرْمَانِيّ ظَنَّ أَنَّ قَائِل \" وَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي \" هُوَ سَعْد بْن عُبَيْدَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَائِله أَبُو عَبْد الرَّحْمَن , وَلَوْ كَانَ كَمَا ظَنَّ لَلَزِمَ أَنْ تَكُون الْمُدَّة الطَّوِيلَة سِيقَتْ لِبَيَانِ زَمَان إِقْرَاء أَبِي عَبْد الرَّحْمَن لِسَعْدِ بْن عُبَيْدَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إِنَّمَا سِيقَتْ لِبَيَانِ طُول مُدَّته لِإِقْرَاءِ النَّاس الْقُرْآن , وَأَيْضًا فَكَانَ يَلْزَم أَنْ يَكُون سَعْد بْن عُبَيْدَة قَرَأَ عَلَى أَبِي عَبْد الرَّحْمَن مِنْ زَمَن عُثْمَان , وَسَعْد لَمْ يُدْرِك زَمَان عُثْمَان , فَإِنَّ أَكْبَرَ شَيْخ لَهُ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة وَقَدْ عَاشَ بَعْد عُثْمَان خَمْس عَشْرَة سَنَة , وَكَانَ يَلْزَم أَيْضًا أَنْ تَكُون الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ \" وَذَلِكَ \" إِلَى صَنِيع أَبِي عَبْد الرَّحْمَن , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إِلَى الْحَدِيث الْمَرْفُوع , أَيْ أَنَّ الْحَدِيث الَّذِي حَدَّثَ بِهِ عُثْمَان فِي أَفْضَلِيَّة مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآن وَعَلَّمَهُ حَمَلَ أَبَا عَبْد الرَّحْمَن أَنْ قَعَدَ يُعَلِّم النَّاس الْقُرْآن لِتَحْصِيلِ تِلْكَ الْفَضِيلَة , وَقَدْ وَقَعَ الَّذِي حَمَلْنَا كَلَامه عَلَيْهِ صَرِيحًا فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَحَجَّاج بْن مُحَمَّد جَمِيعًا عَنْ شُعْبَة عَنْ عَلْقَمَة بْن مَرْثَد عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة قَالَ \" قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن فَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي هَذَا الْمَقْعَد \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَة وَقَالَ فِيهِ \" مَقْعَدِي هَذَا \" , قَالَ وَعَلَّمَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن الْقُرْآن فِي زَمَن عُثْمَان حَتَّى بَلَغَ الْحَجَّاج , وَعِنْد أَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق بِشْر بْن أَبِي عَمْرو وَأَبِي غِيَاث وَأَبِي الْوَلِيد ثَلَاثَتهمْ عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن : فَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا , وَكَانَ يُعَلِّم الْقُرْآن \" وَالْإِشَارَة بِذَلِكَ إِلَى الْحَدِيث كَمَا قَرَّرْته , وَإِسْنَاده إِلَيْهِ إِسْنَاد مَجَازِيّ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْإِشَارَة بِهِ إِلَى عُثْمَان وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة أَيْضًا عَنْ يُوسُف بْن مُسْلِم عَنْ حَجَّاج بْن مُحَمَّد بِلَفْظِ \" قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن : وَهُوَ الَّذِي أَجْلَسَنِي هَذَا الْمَجْلِس \" وَهُوَ مُحْتَمِل أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4640",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , وَعَلْقَمَة بْن مَرْثَد بِمُثَلَّثَةٍ بِوَزْنِ جَعْفَر , وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَة , وَهُوَ مِنْ ثِقَات أَهْل الْكُوفَة مِنْ طَبَقَة الْأَعْمَش , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَآخَر فِي الْجَنَائِز مِنْ رِوَايَته عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة أَيْضًا , وَثَالِث فِي مَنَاقِب الصَّحَابَة وَقَدْ تَقَدَّمَا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ أَفْضَلكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآن أَوْ عَلَّمَهُ ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ عِنْدهمْ بِلَفْظِ \" أَوْ \" وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق بِشْر بْن السَّرِيّ عَنْ سُفْيَان \" خَيْركُمْ أَوْ أَفْضَلكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآن وَعَلَّمَهُ \" فَاخْتُلِفَ فِي رِوَايَة سُفْيَان أَيْضًا فِي أَنَّ الرِّوَايَة بِأَوْ أَوْ بِالْوَاوِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهه. وَفِي الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى تَعْلِيم الْقُرْآن , وَقَدْ سُئِلَ الثَّوْرِيّ عَنْ الْجِهَاد وَإِقْرَاء الْقُرْآن فَرَجَّحَ الثَّانِي وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيث أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي دَاوُدَ , وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ أَنَّهُ كَانَ يُقْرِئ الْقُرْآن خَمْس آيَات خَمْس آيَات , وَأَسْنَدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي الْعَالِيَة مِثْل ذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّ جِبْرِيل كَانَ يَنْزِل بِهِ كَذَلِكَ , وَهُوَ مُرْسَل جَيِّد , وَشَاهِده مَا قَدَّمْته فِي تَفْسِير الْمُدَّثِّر وَفِي تَفْسِير سُورَة اِقْرَأْ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف طَرَفًا مِنْ حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي قِصَّة الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسهَا , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَجْه إِدْخَاله فِي هَذَا الْبَاب أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَهُ الْمَرْأَة لِحُرْمَةِ الْقُرْآن ; وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ السِّيَاق يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ زَوَّجَهَا لَهُ عَلَى أَنْ يُعَلِّمهَا , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ مَعَ اِسْتِيفَاء شَرْحِهِ فِي كِتَاب النِّكَاح. وَقَالَ غَيْره وَجْه دُخُوله أَنَّ فَضْلَ الْقُرْآن ظَهَرَ عَلَى صَاحِبه فِي الْعَاجِل بِأَنْ قَامَ لَهُ مَقَام الْمَال الَّذِي يَتَوَصَّل بِهِ إِلَى بُلُوغ الْغَرَض , وَأَمَّا نَفْعُهُ فِي الْآجِل فَظَاهِر لَا خَفَاء بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4641",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏امْرَأَةٌ ‏ ‏فَقَالَتْ إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ فَقَالَ رَجُلٌ زَوِّجْنِيهَا قَالَ أَعْطِهَا ثَوْبًا قَالَ لَا أَجِدُ قَالَ أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَاعْتَلَّ لَهُ فَقَالَ مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَهَبَتْ نَفْسهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَمَوِيِّ \" وَلِلرَّسُولِ \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا مَعَك مِنْ الْقُرْآن ؟ قَالَ : كَذَا وَكَذَا ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا \" سُورَة كَذَا وَسُورَة كَذَا \" وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ عِنْد شَرْحِهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ‏"
    },
    {
        "id": "4642",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا فَقَالَ ‏ ‏هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا قَالَ انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي قَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّهَا قَالَ أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4643",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ ‏ ‏الْمُعَقَّلَةِ ‏ ‏إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا مَثَل صَاحِب الْقُرْآن ) ‏ ‏أَيْ مَعَ الْقُرْآن , وَالْمُرَاد بِالصَّاحِبِ الَّذِي أَلِفَه , قَالَ عِيَاض : الْمُؤَالَفَة الْمُصَاحَبَة , وَهُوَ كَقَوْلِهِ أَصْحَاب الْجَنَّة , وَقَوْله أَلِفَه أَيْ أَلِف تِلَاوَته , وَهُوَ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَأْلَفهَا نَظَرًا مِنْ الْمُصْحَف أَوْ عَنْ ظَهْرِ قَلْب , فَإِنَّ الَّذِي يُدَاوِم عَلَى ذَلِكَ يُذَلّ لَهُ لِسَانه وَيَسْهُل عَلَيْهِ قِرَاءَته , فَإِذَا هَجَرَهُ ثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَة وَشَقَّتْ عَلَيْهِ , وَقَوْله \" إِنَّمَا \" يَقْتَضِي الْحَصْر عَلَى الرَّاجِح , لَكِنَّهُ حَصْرٌ مَخْصُوص بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحِفْظ وَالنِّسْيَان بِالتِّلَاوَةِ وَالتَّرْك. ‏ ‏قَوْله : ( كَمِثْلِ صَاحِب الْإِبِل الْمُعَقَّلَة ) ‏ ‏أَيْ مَعَ الْإِبِل الْمُعَقَّلَة. وَالْمُعَقَّلَة بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْقَاف أَيْ الْمَشْدُودَة بِالْعِقَالِ وَهُوَ الْحَبْل الَّذِي يُشَدّ فِي رُكْبَة الْبَعِير , شَبَّهَ دَرْسَ الْقُرْآن وَاسْتِمْرَار تِلَاوَته بِرَبْطِ الْبَعِير الَّذِي يُخْشَى مِنْهُ الشِّرَاد , فَمَا زَالَ التَّعَاهُد مَوْجُودًا فَالْحِفْظ مَوْجُود , كَمَا أَنَّ الْبَعِير مَا دَامَ مَشْدُودًا بِالْعِقَالِ فَهُوَ مَحْفُوظ. وَخَصَّ الْإِبِل بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَشَدّ الْحَيَوَان الْإِنْسِيّ نُفُورًا , وَفِي تَحْصِيلهَا بَعْد اِسْتِمْكَان نُفُورهَا صُعُوبَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا ) ‏ ‏أَيْ اِسْتَمَرَّ إِمْسَاكه لَهَا , وَفِي رِوَايَة أَيُّوب عَنْ نَافِع عِنْد مُسْلِم \" فَإِنْ عَقَلَهَا حَفِظَهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ ) ‏ ‏أَيْ اِنْفَلَتَتْ. وَفِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عِنْد مُسْلِم \" إِنْ تَعَاهَدَهَا صَاحِبهَا فَعَقَلَهَا أَمْسَكَهَا , وَإِنْ أَطْلَقَ عُقُلَهَا ذَهَبَتْ \" وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع إِذَا قَامَ صَاحِب الْقُرْآن فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار ذَكَرَهُ , وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4644",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ نُسِّيَ وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَشَدُّ ‏ ‏تَفَصِّيًا ‏ ‏مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنْ النَّعَمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏بِشْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَرْعَرَة ) ‏ ‏بِعَيْنِ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة وَرَاء سَاكِنَة مُكَرَّرَتَيْنِ , وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق بْن سَلَمَة , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود , وَسَيَأْتِي فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة التَّصْرِيح بِسَمَاعِ شَقِيق لَهُ مِنْ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُول ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيّ : بِئْسَ هِيَ أُخْت نِعْمَ , فَالْأُولَى لِلذَّمِّ وَالْأُخْرَى لِلْمَدْحِ , وَهُمَا فِعْلَانِ غَيْر مُتَصَرِّفَيْنِ يَرْفَعَانِ الْفَاعِل ظَاهِرًا أَوْ مُضْمَرًا إِلَّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ ظَاهِرًا لَمْ يَكُنْ فِي الْأَمْر الْعَامّ إِلَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّام لِلْجِنْسِ أَوْ مُضَاف إِلَى مَا هُمَا فِيهِ حَتَّى يَشْتَمِل عَلَى الْمَوْصُوف بِأَحَدِهِمَا , وَلَا بُدّ مِنْ ذِكْرِهِ تَعَيُّنًا كَقَوْلِهِ نِعْمَ الرَّجُل زَيْد وَبِئْسَ الرَّجُل عَمْرو , فَإِنْ كَانَ الْفَاعِل مُضْمَرًا فَلَا بُدّ مِنْ ذِكْرِ اِسْم نَكِرَة يُنْصَب عَلَى التَّفْسِير لِلضَّمِيرِ كَقَوْلِهِ نِعْمَ رَجُلًا زَيْد , وَقَدْ يَكُون هَذَا التَّفْسِير \" مَا \" عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيث وَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ( فَنِعِمَّا هِيَ ) , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : و \" مَا \" نَكِرَة مَوْصُوفَة و \" أَنْ يَقُول \" مَخْصُوص بِالذَّمِّ , أَيْ بِئْسَ شَيْئًا كَانَ الرَّجُل يَقُول. ‏ ‏قَوْله : ( نَسِيت ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَتَخْفِيف السِّين اِتِّفَاقًا. ‏ ‏قَوْله : ( آيَة كَيْت وَكَيْت ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيّ : كَيْت وَكَيْت يُعَبَّر بِهِمَا عَنْ الْجُمَل الْكَثِيرَة وَالْحَدِيث الطَّوِيل , وَمِثْلهمَا ذَيْت وَذَيْت. وَقَالَ ثَعْلَب : كَيْت لِلْأَفْعَالِ وَذَيْت لِلْأَسْمَاءِ. وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَة مِثْل كَذَا إِلَّا أَنَّهَا خَاصَّة بِالْمُؤَنَّثِ , وَهَذَا مِنْ مُفْرَدَات الدَّاوُدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( بَلْ هُوَ نُسِّيَ ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون وَتَشْدِيد الْمُهْمَلَة الْمَكْسُورَة , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : رَوَاهُ بَعْض رُوَاة مُسْلِم مُخَفَّفًا. قُلْت : وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَد أَبِي يَعْلَى , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي دَاوُدَ فِي \" كِتَاب الشَّرِيعَة \" مِنْ طُرُق مُتَعَدِّدَة مَضْبُوطَة بِخَطٍّ مَوْثُوق بِهِ عَلَى كُلّ سِين عَلَامَة التَّخْفِيف وَقَالَ عِيَاض : كَانَ الْكِنَانِيّ - يَعْنِي أَبَا الْوَلِيد الْوَقْشِيَّ - لَا يُجِيز فِي هَذَا غَيْر التَّخْفِيف. قُلْت : وَالتَّثْقِيل هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي جَمِيع الرِّوَايَات فِي الْبُخَارِيّ , وَكَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات فِي غَيْره , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عُبَيْد فِي \" الْغَرِيب \" بَعْد قَوْله كَيْت وَكَيْت : لَيْسَ هُوَ نَسِيَ وَلَكِنَّهُ نُسِّيَ. الْأَوَّل بِفَتْحِ النُّون وَتَخْفِيف السِّين وَالثَّانِي بِضَمِّ النُّون وَتَثْقِيل السِّين , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : التَّثْقِيل مَعْنَاهُ أَنَّهُ عُوقِبَ بِوُقُوعِ النِّسْيَان عَلَيْهِ لِتَفْرِيطِهِ فِي مُعَاهَدَته وَاسْتِذْكَاره , قَالَ : وَمَعْنَى التَّخْفِيف أَنَّ الرَّجُل تَرَكَ غَيْر مُلْتَفِت إِلَيْهِ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( نَسُوا اللَّه فَنَسِيَهُمْ ) أَيْ تَرَكَهُمْ فِي الْعَذَاب أَوْ تَرَكَهُمْ مِنْ الرَّحْمَة. وَاخْتُلِفَ فِي مُتَعَلِّق الذَّمّ مِنْ قَوْله \" بِئْسَ \" عَلَى أَوْجُه : الْأَوَّل قِيلَ هُوَ عَلَى نِسْبَة الْإِنْسَان إِلَى نَفْسه النِّسْيَان وَهُوَ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ فَإِذَا نَسَبَهُ إِلَى نَفْسه أَوْهَمَ أَنَّهُ اِنْفَرَدَ بِفِعْلِهِ , فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُول أُنْسِيت أَوْ نُسِّيت بِالتَّثْقِيلِ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ فِيهِمَا , أَيْ أَنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي أَنْسَانِي كَمَا قَالَ ( وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى ) وَقَالَ ( أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) وَبِهَذَا الْوَجْه جَزَمَ اِبْن بَطَّال فَقَالَ : أَرَادَ أَنْ يَجْرِي عَلَى أَلْسُن الْعِبَاد نِسْبَة الْأَفْعَال إِلَى خَالِقهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِقْرَار لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالِاسْتِسْلَام لِقُدْرَتِهِ , وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ نِسْبَة الْأَفْعَال إِلَى مُكْتَسِبهَا مَعَ أَنَّ نِسْبَتهَا إِلَى مُكْتَسِبهَا جَائِز بِدَلِيلِ الْكِتَاب وَالسُّنَّة. ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيث الْآتِي فِي \" بَاب نِسْيَان الْقُرْآن \" قَالَ : وَقَدْ أَضَافَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام النِّسْيَان مَرَّة إِلَى نَفْسه وَمَرَّة إِلَى الشَّيْطَان فَقَالَ ( إِنِّي نَسِيت الْحُوت وَمَا أَنْسَانِيه إِلَّا الشَّيْطَان ) وَلِكُلِّ إِضَافَة مِنْهَا مَعْنًى صَحِيح , فَالْإِضَافَة إِلَى اللَّه بِمَعْنَى أَنَّهُ خَالِق الْأَفْعَال كُلّهَا , وَإِلَى النَّفْس لِأَنَّ الْإِنْسَان هُوَ الْمُكْتَسِب لَهَا , وَإِلَى الشَّيْطَان بِمَعْنَى الْوَسْوَسَة ا ه. وَوَقَعَ لَهُ ذُهُول فِيمَا نَسَبَهُ لِمُوسَى , وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام فَتَاهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسَبَ النِّسْيَان إِلَى نَفْسه يَعْنِي كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب نِسْيَان الْقُرْآن \" وَكَذَا نَسَبَهُ يُوشَع إِلَى نَفْسه حَيْثُ قَالَ ( نَسِيت الْحُوت ) وَمُوسَى إِلَى نَفْسه حَيْثُ قَالَ ( لَا تُؤَاخِذنِي بِمَا نَسِيت ) وَقَدْ سَبَقَ قَوْل الصَّحَابَة ( رَبّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا ) مَسَاق الْمَدْح , قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه ) فَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُتَعَلِّق الذَّمّ وَجَنَحَ إِلَى اِخْتِيَار الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ كَالْأَوَّلِ لَكِنَّ سَبَب الذَّمّ مَا فِيهِ مِنْ الْإِشْعَار بِعَدَمِ الِاعْتِنَاء بِالْقُرْآنِ إِذْ لَا يَقَع النِّسْيَان إِلَّا بِتَرْكِ التَّعَاهُد وَكَثْرَة الْغَفْلَة , فَلَوْ تَعَاهَدَهُ بِتِلَاوَتِهِ وَالْقِيَام بِهِ فِي الصَّلَاة لَدَامَ حِفْظه وَتَذَكُّره , فَإِذَا قَالَ الْإِنْسَان نَسِيت الْآيَة الْفُلَانِيَّة فَكَأَنَّهُ شَهِدَ عَلَى نَفْسه بِالتَّفْرِيطِ فَيَكُون مُتَعَلِّق الذَّمّ تَرْكُ الِاسْتِذْكَار وَالتَّعَاهُد لِأَنَّهُ الَّذِي يُورِث النِّسْيَان. الْوَجْه الثَّالِث , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون كَرِهَ لَهُ أَنْ يَقُول نَسِيت بِمَعْنَى تَرَكْت لَا بِمَعْنَى السَّهْو الْعَارِض , كَمَا قَالَ تَعَالَى ( نَسُوا اللَّه فَنَسِيَهُمْ ) وَهَذَا اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد وَطَائِفَة. الْوَجْه الرَّابِع , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فَاعِل نَسِيت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهُ قَالَ : لَا يَقُلْ أَحَد عَنِّي إِنِّي نَسِيت آيَة كَذَا , فَإِنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي نَسَّانِي ذَلِكَ لِحِكْمَةِ نَسْخِهِ وَرَفْعِ تِلَاوَته , وَلَيْسَ لِي فِي ذَلِكَ صُنْعٌ بَلْ اللَّه هُوَ الَّذِي يُنْسِينِي لِمَا تُنْسَخ تِلَاوَته ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه ) فَإِنَّ الْمُرَاد بِالْمَنْسِيِّ مَا يُنْسَخ تِلَاوَته فَيُنْسِي اللَّه نَبِيّه مَا يُرِيد نَسْخَ تِلَاوَته. الْوَجْه الْخَامِس , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ خَاصًّا بِزَمَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ مِنْ ضُرُوب النَّسْخ نِسْيَان الشَّيْء الَّذِي يَنْزِل ثُمَّ يُنْسَخ مِنْهُ بَعْد نُزُوله الشَّيْء فَيَذْهَب رَسْمه وَتُرْفَع تِلَاوَته وَيَسْقُط حِفْظه عَنْ حَمَلَتِهِ , فَيَقُول الْقَائِل نَسِيت آيَة كَذَا فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّم عَلَى مُحْكَمِ الْقُرْآن الضَّيَاع , وَأَشَارَ لَهُمْ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَقَع مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِإِذْنِ اللَّه لِمَا رَآهُ مِنْ الْحِكْمَة وَالْمَصْلَحَة. الْوَجْه السَّادِس , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَفِيهِ وَجْه آخَر وَهُوَ أَنَّ النِّسْيَان الَّذِي هُوَ خِلَاف الذِّكْر إِضَافَته إِلَى صَاحِبه مَجَاز لِأَنَّهُ عَارِض لَهُ لَا عَنْ قَصْدٍ مِنْهُ , لِأَنَّهُ لَوْ قَصَدَ نِسْيَان الشَّيْء لَكَانَ ذَاكِرًا لَهُ فِي حَال قَصْدِهِ , فَهُوَ كَمَا قَالَ مَا مَاتَ فُلَان وَلَكِنْ أُمِيت. قُلْت : وَهُوَ قَرِيب مِنْ الْوَجْه الْأَوَّل. وَأَرْجَح الْأَوْجُه الْوَجْه الثَّانِي , وَيُؤَيِّدهُ عَطْف الْأَمْر بِاسْتِذْكَارِ الْقُرْآن عَلَيْهِ. وَقَالَ عِيَاض : أَوَّل مَا يُتَأَوَّل عَلَيْهِ ذَمّ الْحَال لَا ذَمّ الْقَوْل , أَيْ بِئْسَ الْحَال حَال مَنْ حَفِظَهُ ثُمَّ غَفَلَ عَنْهُ حَتَّى نَسِيَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْكَرَاهَة فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآن ) ‏ ‏أَيْ وَاظِبُوا عَلَى تِلَاوَته وَاطْلُبُوا مِنْ أَنْفُسكُمْ الْمُذَاكَرَة بِهِ , قَالَ الطِّيبِيُّ : وَهُوَ عَطْف مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى عَلَى قَوْله \" بِئْسَ مَا لِأَحَدِكُمْ \" أَيْ لَا تُقَصِّرُوا فِي مُعَاهَدَته وَاسْتَذْكِرُوهُ , وَزَادَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَاصِم عَنْ أَبِي وَائِل فِي هَذَا الْمَوْضِع \" فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآن وَحْشِيّ \". وَكَذَا أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيق الْمُسَيِّب بْن رَافِع عَنْ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّهُ أَشَدّ تَفَصِّيًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء وَكَسْر الصَّاد الْمُهْمَلَة الثَّقِيلَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة خَفِيفَة أَيْ تَفَلُّتًا وَتَخَلُّصًا , تَقُول تَفَصّيْت كَذَا أَيْ أَحَطْت بِتَفَاصِيلِهِ. وَالِاسْم الْفَصَّة , وَوَقَعَ فِي حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر بِلَفْظِ \" تَفَلُّتًا \" وَكَذَا وَقَعَتْ عِنْد مُسْلِم فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب , وَنُصِبَ عَلَى التَّمْيِيز. وَفِي هَذَا الْحَدِيث زِيَادَة عَلَى حَدِيث اِبْن عُمَر , لِأَنَّ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر تَشْبِيه أَحَد الْأَمْرَيْنِ بِالْآخَرِ وَفِي هَذَا أَنَّ هَذَا أَبْلَغ فِي النُّفُور مِنْ الْإِبِل , وَلِذَا أَفْصَحَ بِهِ فِي الْحَدِيث الثَّالِث حَيْثُ قَالَ \" لَهُوَ أَشَدّ تَفَصِّيًا مِنْ الْإِبِل فِي عُقُلهَا \" لِأَنَّ مِنْ شَأْن الْإِبِل تَطَلُّب التَّفَلُّت مَا أَمْكَنَهَا فَمَتَى لَمْ يَتَعَاهَدهَا بِرِبَاطِهَا تَفَلَّتَتْ , فَكَذَلِكَ حَافِظ الْقُرْآن إِنْ لَمْ يَتَعَاهَدهُ تَفَلَّتَ بَلْ هُوَ أَشَدّ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا الْحَدِيث يُوَافِق الْآيَتَيْنِ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْك قَوْلًا ثَقِيلًا ) وَقَوْله تَعَالَى ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآن لِلذِّكْرِ ) , فَمَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِالْمُحَافَظَةِ وَالتَّعَاهُد يَسَّرَ لَهُ , وَمَنْ أَعْرَض عَنْهُ تَفَلَّتَ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُثْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي شَيْبَة , وَجَرِير هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , وَمَنْصُور هُوَ الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الَّذِي قَبْله. وَهَذِهِ الطَّرِيق عِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ وَحْده , وَثَبَتَتْ أَيْضًا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ , وَقَوْله \" مِثْله \" الضَّمِير لِلْحَدِيثِ الَّذِي قَبْله , وَهُوَ يُشْعِر بِأَنَّ سِيَاق جَرِير مُسَاوٍ لِسِيَاقِ شُعْبَة. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة مَقْرُونًا بِإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَزُهَيْر بْن حَرْب ثَلَاثَتهمْ عَنْ جَرِير وَلَفْظه مُسَاوٍ لِلَفْظِ شُعْبَة الْمَذْكُور إِلَّا أَنَّهُ قَالَ \" اِسْتَذْكِرُوا \" بِغَيْرِ وَاوٍ , وَقَالَ \" فَلَهُوَ أَشَدّ \" بَدَل قَوْله \" فَإِنَّهُ \" وَزَادَ بَعْد قَوْله مِنْ النَّعَم \" بِعُقُلِهَا \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة بِإِثْبَاتِ الْوَاو وَقَالَ فِي آخِره \" مِنْ عُقُله \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة ثَابِتَة عِنْده فِي حَدِيث شُعْبَة أَيْضًا مِنْ رِوَايَة غُنْدَر عَنْهُ بِلَفْظِ \" بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ - أَوْ لِأَحَدِهِمْ - أَنْ يَقُول : إِنِّي نَسِيت آيَة كَيْت وَكَيْت. قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ هُوَ نُسِّيَ , وَيَقُول اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآن إِلَخْ \" وَكَذَا ثَبَتَتْ عِنْده فِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ شَقِيق بْن سَلَمَة عَنْ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ بِشْر عَنْ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ شُعْبَة ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك تَابَعَ مُحَمَّد بْن عَرْعَرَة فِي رِوَايَة هَذَا الْحَدِيث عَنْ شُعْبَة وَبِشْر هُوَ اِبْن مُحَمَّد الْمَرْوَزِيُّ شَيْخ الْبُخَارِيّ , قَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ فِي بَدْء الْوَحْي وَغَيْره , وَنِسْبَة الْمُتَابَعَة إِلَيْهِ مَجَازِيَّة , وَقَدْ يُوهِم أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ عَنْ اِبْن الْمُبَارَك وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَخْرَجَ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق حِبَّانَ بْن مُوسَى عَنْ اِبْن الْمُبَارَك , وَيُوهِم أَيْضًا أَنَّ اِبْن عَرْعَرَة وَابْن الْمُبَارَك اِنْفَرَدَا بِذَلِكَ عَنْ شُعْبَة وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ رِوَايَة غُنْدَر وَقَدْ أَخْرَجَهَا أَحْمَد أَيْضًا عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ عَنْ حَجَّاج بْن مُحَمَّد وَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَابَعَهُ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدَة عَنْ شَقِيق سَمِعْت عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَمَّا عَبْدَة فَهُوَ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَة وَهُوَ اِبْن أَبِي لُبَابَة بِضَمِّ اللَّام وَمُوَحَّدَتَيْنِ مُخَفَّفًا , وَشَقِيق هُوَ أَبُو وَائِل , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود , وَهَذِهِ الْمُتَابَعَة وَصَلَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن بَكْر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ \" حَدَّثَنِي عَبْدَة بْن أَبِي لُبَابَة عَنْ شَقِيق بْن سَلَمَة سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود \" فَذَكَرَ الْحَدِيث إِلَى قَوْله \" بَلْ هُوَ نُسِّيَ \" وَلَمْ يَذْكُر مَا بَعْده. وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن جُحَادَة عَنْ عَبْدَة , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ أَرَادَ بِإِيرَادِ هَذِهِ الْمُتَابَعَة دَفْع تَعْلِيل مَنْ أَعَلَّ الْخَبَر بِرِوَايَةِ حَمَّاد بْن زَيْد وَأَبِي الْأَحْوَص لَهُ عَنْ مَنْصُور مَوْقُوفَة عَلَى اِبْن مَسْعُود , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : رَوَى حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ مَنْصُور وَعَاصِم الْحَدِيثَيْنِ مَعًا مَوْقُوفَيْنِ , وَكَذَا رَوَاهُمَا أَبُو الْأَحْوَص عَنْ مَنْصُور. وَأَمَّا اِبْن عُيَيْنَةَ فَأَسْنَدَ الْأَوَّل وَوَقَفَ الثَّانِي , قَالَ وَرَفَعَهُمَا جَمِيعًا إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ وَعُبَيْدَة بْن حُمَيْدٍ عَنْ مَنْصُور , وَهُوَ ظَاهِر سِيَاق سُفْيَان الثَّوْرِيّ. قُلْت : وَرِوَايَة عُبَيْدَة أَخْرَجَهَا اِبْن أَبِي دَاوُدَ. وَرِوَايَة سُفْيَان سَتَأْتِي عِنْد الْمُصَنِّف قَرِيبًا مَرْفُوعًا لَكِنْ اِقْتَصَرَ عَلَى الْحَدِيث الْأَوَّل , وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ عَاصِم عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه مَرْفُوعًا الْحَدِيثَيْنِ مَعًا , وَفِي رِوَايَة عَبْدَة بْن أَبِي لُبَابَة تَصْرِيح اِبْن مَسْعُود بِقَوْلِهِ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَذَلِكَ يُقَوِّي رِوَايَة مَنْ رَفَعَهُ عَنْ مَنْصُور وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4645",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ ‏ ‏تَفَصِّيًا ‏ ‏مِنْ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ بُرَيْد ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي بُرْدَة , وَشَيْخه أَبُو بُرْدَة هُوَ جَدّه الْمَذْكُور , وَأَبُو مُوسَى هُوَ الْأَشْعَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي عُقُلهَا ) ‏ ‏بِضَمَّتَيْنِ وَيَجُوز سُكُون الْقَاف جَمْعُ عِقَال بِكَسْرِ أَوَّله وَهُوَ الْحَبْل , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ عُقُلهَا \" وَذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ \" مِنْ عُلُلهَا \" بِلَامَيْنِ ; وَلَمْ أَقِف عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة , بَلْ هِيَ تَصْحِيف. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" بِعُقُلِهَا \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَنْ رَوَاهُ \" مِنْ عُقُلهَا \" فَهُوَ عَلَى الْأَصْل الَّذِي يَقْتَضِيه التَّعَدِّي مِنْ لَفْظ التَّفَلُّت , وَأَمَّا مَنْ رَوَاهُ بِالْبَاءِ أَوْ بِالْفَاءِ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِمَعْنَى \" مِنْ \" أَوْ لِلْمُصَاحَبَةِ أَوْ الظَّرْفِيَّة , وَالْحَاصِل تَشْبِيه مَنْ يَتَفَلَّت مِنْهُ الْقُرْآن بِالنَّاقَةِ الَّتِي تَفَلَّتَتْ مِنْ عِقَالهَا وَبَقِيَتْ مُتَعَلِّقَة بِهِ , كَذَا قَالَ , وَالتَّحْرِير أَنَّ التَّشْبِيه وَقَعَ بَيْن ثَلَاثَة بِثَلَاثَةِ : فَحَامِل الْقُرْآن شُبِّهَ بِصَاحِبِ النَّاقَة , وَالْقُرْآن بِالنَّاقَةِ , وَالْحِفْظ بِالرَّبْطِ. قَالَ الطِّيبِيُّ : لَيْسَ بَيْن الْقُرْآن وَالنَّاقَة مُنَاسَبَة لِأَنَّهُ قَدِيم وَهِيَ حَادِثَة , لَكِنْ وَقَعَ التَّشْبِيه فِي الْمَعْنَى. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الْحَضّ عَلَى مُحَافَظَة الْقُرْآن بِدَوَامِ دِرَاسَته وَتَكْرَار تِلَاوَته , وَضَرْبِ الْأَمْثَال لِإِيضَاحِ الْمَقَاصِد , وَفِي الْأَخِير الْقَسَم عِنْد الْخَبَر الْمَقْطُوع بِصِدْقِهِ مُبَالَغَة فِي تَثْبِيته فِي صُدُور سَامِعِيهِ وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود حُجَّة لِمَنْ قَالَ فِيمَنْ اِدَّعَى عَلَيْهِ بِمَالٍ فَأَنْكَرَ وَحَلَفَ ثُمَّ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَة فَقَالَ : كُنْت نَسِيت , أَوْ اِدَّعَى بَيِّنَة أَوْ إِبْرَاء , أَوْ اِلْتَمَسَ يَمِين الْمُدَّعِي أَنَّ ذَلِكَ يَكُون لَهُ وَيُعْذَر فِي ذَلِكَ , كَذَا قَالَ ‏"
    },
    {
        "id": "4646",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو إِيَاسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ فَتْحِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَى رَاحِلَتِهِ سُورَةَ ‏ ‏الْفَتْحِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4647",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُفَصَّلَ هُوَ الْمُحْكَمُ ‏ ‏قَالَ وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ وَقَدْ قَرَأْتُ الْمُحْكَمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُفَصَّل هُوَ الْمُحْكَم , قَالَ وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : تُوُفِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا اِبْن عَشْر سِنِينَ وَقَدْ قَرَأْت الْمُحْكَم ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ تَفْسِير الْمُفَصَّل بِالْمُحْكَمِ مِنْ كَلَام سَعِيد بْن جُبَيْر , وَهُوَ دَالّ عَلَى أَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" فَقُلْت لَهُ وَمَا الْمُحْكَم \" لِسَعِيدِ بْن جُبَيْر , وَفَاعِل قُلْت هُوَ أَبُو بِشْر بِخِلَافِ مَا يَتَبَادَر أَنَّ الضَّمِير لِابْنِ عَبَّاس وَفَاعِل قُلْت سَعِيد بْن جُبَيْر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كُلّ مِنْهُمَا سَأَلَ شَيْخه عَنْ ذَلِكَ , وَالْمُرَاد بِالْمُحْكَمِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَنْسُوخ , وَيُطْلَق الْمُحْكَم عَلَى ضِدّ الْمُتَشَابِه , وَهُوَ اِصْطِلَاح أَهْل الْأُصُول وَالْمُرَاد بِالْمُفَصَّلِ السُّوَر الَّتِي كَثُرَتْ فُصُولهَا وَهِيَ مِنْ الْحُجُرَات إِلَى آخِر الْقُرْآن عَلَى الصَّحِيح , وَلَعَلَّ الْمُصَنِّف أَشَارَ فِي التَّرْجَمَة إِلَى قَوْل اِبْن عَبَّاس \" سَلُونِي عَنْ التَّفْسِير فَإِنِّي حَفِظْت الْقُرْآن وَأَنَا صَغِير \" أَخْرَجَهُ اِبْن سَعِيد وَغَيْره بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْهُ. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ عِيَاض قَوْل اِبْن عَبَّاس \" تُوُفِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا اِبْن عَشْر سِنِينَ \" بِمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاع نَاهَزَ الِاحْتِلَام , وَسَيَأْتِي فِي الِاسْتِئْذَان مِنْ وَجْه آخَر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ وَأَنَا خَتِين \" وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُل حَتَّى يُدْرِك , وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ عِنْد مَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْن خَمْس عَشْرَة سَنَة. وَسَبَقَ إِلَى اِسْتِشْكَال ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : حَدِيث الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس - يَعْنِي الَّذِي مَضَى فِي الصَّلَاة - يُخَالِف هَذَا. وَبَالَغَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : حَدِيث أَبِي بِشْر - يَعْنِي الَّذِي فِي هَذَا الْبَاب - وَهْمٌ , وَأَجَابَ عِيَاض بِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله \" وَأَنَا اِبْن عَشْر سِنِينَ \" رَاجِع إِلَى حِفْظِ الْقُرْآن لَا إِلَى وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَكُون تَقْدِير الْكَلَام : تُوُفِّيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ جَمَعْت الْمُحْكَم وَأَنَا اِبْن عَشْر سِنِينَ فَفِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير , وَقَدْ قَالَ عَمْرو بْن عَلِيّ الْفَلَّاس : الصَّحِيح عِنْدنَا أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ لَهُ عِنْد وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاث عَشْرَة سَنَة قَدْ اِسْتَكْمَلَهَا. وَنَحْوه لِأَبِي عُبَيْد. وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُصْعَب الزُّبَيْرِيّ أَنَّهُ كَانَ اِبْن أَرْبَع عَشْرَة وَبِهِ جَزَمَ الشَّافِعِيّ فِي \" الْأُمّ \" ثُمَّ حَكَى أَنَّهُ قِيلَ سِتّ عَشْرَة وَحَكَى قَوْل ثَلَاث عَشْرَة وَهُوَ الْمَشْهُور , وَأَوْرَدَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" قَرَأَتْ الْمُحْكَم عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا اِبْن ثِنْتَيْ عَشْرَة \" فَهَذِهِ سِتَّة أَقْوَال , وَلَوْ وَرَدَ إِحْدَى عَشْرَة لَكَانَتْ سَبْعَة لِأَنَّهَا مِنْ عَشْر إِلَى سِتّ عَشْرَة. قُلْت : وَالْأَصْل فِيهِ قَوْل الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ وَغَيْره مِنْ أَهْل النَّسَب أَنَّ وِلَادَة اِبْن عَبَّاس كَانَتْ قَبْل الْهِجْرَة بِثَلَاثِ سِنِينَ وَبَنُو هَاشِم فِي الشِّعْب , وَذَلِكَ قَبْل وَفَاة أَبِي طَالِب. وَنَحْوه لِأَبِي عُبَيْد. وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن مُخْتَلِف الرِّوَايَات إِلَّا سِتّ عَشْرَة وَثِنْتَيْ عَشْرَة فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَثْبُت سَنَده , وَالْأَشْهَر بِأَنْ يَكُون نَاهَزَ الِاحْتِلَام لَمَّا قَارَبَ ثَلَاث عَشْرَة ثُمَّ بَلَغَ لَمَّا اِسْتَكْمَلَهَا وَدَخَلَ فِي الَّتِي بَعْدهَا ; فَإِطْلَاق خَمْس عَشْرَة بِالنَّظَرِ إِلَى جَبْر الْكَسْرَيْنِ , وَإِطْلَاق الْعَشْر وَالثَّلَاث عَشْرَة بِالنَّظَرِ إِلَى إِلْغَاء الْكَسْر , وَإِطْلَاق أَرْبَع عَشْرَة بِجَبْرِ أَحَدهمَا , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي \" بَاب الْخِتَان بَعْد الْكِبَر \" مِنْ كِتَاب الِاسْتِئْذَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّل الْمُفَصَّل مَعَ الِاتِّفَاق عَلَى أَنَّهُ آخِر جُزْء مِنْ الْقُرْآن عَلَى عَشَرَة أَقْوَال ذَكَرْتهَا فِي \" بَاب الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي الْمُغْرِب \" وَذَكَرْت قَوْلًا شَاذًّا أَنَّهُ جَمِيع الْقُرْآن ‏"
    },
    {
        "id": "4648",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏جَمَعْتُ الْمُحْكَمَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ وَمَا الْمُحْكَمُ قَالَ الْمُفَصَّلُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4649",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَمِعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ ‏ ‏يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏وَعَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا ) ‏ ‏أَيْ صَوْت رَجُل , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان اِسْمه فِي كِتَاب الشَّهَادَات. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَة مِنْ سُورَة كَذَا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين الْآيَات الْمَذْكُورَة , وَأَغْرَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ إِحْدَى وَعِشْرُونَ آيَة , لِأَنَّ اِبْن عَبْد الْحَكَم قَالَ فِيمَنْ أَقَرَّ أَنَّ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا أَنَّهُ يَلْزَمهُ أَحَد وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : يَكُون مُقِرًّا بِدِرْهَمَيْنِ لِأَنَّهُ أَقَلّ مَا يَقَع عَلَيْهِ ذَلِكَ. قَالَ : فَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمًا كَانَ مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ وَاحِد. ‏ ‏قَوْله فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة ( حَدَّثَنَا عِيسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام وَقَالَ أَسْقَطْتُهنَّ ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة بِالْمَتْنِ الْمَذْكُور وَزَادَ فِيهِ هَذِهِ اللَّفْظَة وَهِيَ \" أَسْقَطْتُهنَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَات مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" فَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّه , لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَة أَسْقَطْتُهنَّ مِنْ سُورَة كَذَا وَكَذَا \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَلِيّ بْن مُسْهِر وَعَبْدَة عَنْ هِشَام ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِأَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ \" تَابَعَهُ عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ عَبْدَة \" وَهُوَ غَلَط , فَإِنَّ عَبْدَة رَفِيق عَلِيّ بْن مُسْهِر لَا شَيْخه. وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّف طَرِيق عَلِيّ بْن مُسْهِر فِي آخِر الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا بِلَفْظِ \" أَسْقَطْتهَا \" وَأَخْرَجَ طَرِيق عَبْدَة وَهُوَ اِبْن سُلَيْمَان فِي الدَّعَوَات وَلَفْظه مِثْل لَفْظ عَلِيّ بْن مُسْهِر سَوَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "4650",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ فَقَالَ ‏ ‏يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّالِثَة ( كُنْت أُنْسِيتهَا ) ‏ ‏هِيَ مُفَسِّرَة لِقَوْلِهِ \" أَسْقَطْتُهَا \" فَكَأَنَّهُ قَالَ أَسْقَطْتُهَا نَسِيَانًا لَا عَمْدًا , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ هِشَام عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" كُنْت نَسِيتهَا \" بِفَتْحِ النُّون لَيْسَ قَبْلهَا هَمْزَة قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : النِّسْيَان مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآن يَكُون عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدهمَا نِسْيَانه الَّذِي يَتَذَكَّرهُ عَنْ قُرْبٍ , وَذَلِكَ قَائِم بِالطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّة , وَعَلَيْهِ يَدُلّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي السَّهْو \" إِنَّمَا أَنَا بِشْر مِثْلكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ \" وَالثَّانِي أَنْ يَرْفَعهُ اللَّه عَنْ قَلْبه عَلَى إِرَادَة نَسْخِ تِلَاوَته , وَهُوَ الْمُشَار إِلَيْهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى ( سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه ) قَالَ : فَأَمَّا الْقِسْم الْأَوَّل فَعَارِض سَرِيع الزَّوَال لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) وَأَمَّا الثَّانِي فَدَاخِل فِي قَوْله تَعَالَى ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا ) عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ بِضَمِّ أَوَّله مِنْ غَيْر هَمْزَة. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيه هَذِهِ الْقِرَاءَة وَبَيَان مَنْ قَرَأَ بِهَا فِي تَفْسِير الْبَقَرَة. وَفِي الْحَدِيث حُجَّة لِمَنْ أَجَازَ النِّسْيَان عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا لَيْسَ طَرِيقه الْبَلَاغ مُطْلَقًا , وَكَذَا فِيمَا طَرِيقه الْبَلَاغ لَكِنْ بِشَرْطَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ بَعْدَمَا يَقَع مِنْهُ تَبْلِيغه , وَالْآخَر أَنَّهُ لَا يَسْتَمِرّ عَلَى نِسْيَانه بَلْ يَحْصُل لَهُ تَذَكُّره إِمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِغَيْرِهِ. وَهَلْ يُشْتَرَط فِي هَذَا الْفَوْر ؟ قَوْلَانِ , فَأَمَّا قَبْل تَبْلِيغه فَلَا يَجُوز عَلَيْهِ فِيهِ النِّسْيَان أَصْلًا. وَزَعَمَ بَعْض الْأُصُولِيِّينَ وَبَعْض الصُّوفِيَّة أَنَّهُ لَا يَقَع مِنْهُ نِسْيَان أَصْلًا وَإِنَّمَا يَقَع مِنْهُ صُورَته لِيَسُنّ , قَالَ عِيَاض : لَمْ يَقُلْ بِهِ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ أَحَد إِلَّا أَبَا الْمُظَفَّر وَالتَّزْوِيج , وَهُوَ قَوْل ضَعِيف. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا جَوَاز رَفْع الصَّوْت بِالْقِرَاءَةِ فِي اللَّيْل وَفِي الْمَسْجِد وَالدُّعَاء لِمَنْ حَصَلَ لَهُ مِنْ جِهَته خَيْر وَإِنْ لَمْ يَقْصِد الْمَحْصُول مِنْهُ ذَلِكَ , وَاخْتَلَفَ السَّلَف فِي نِسْيَان الْقُرْآن فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِر , وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْد مِنْ طَرِيق الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم مَوْقُوفًا قَالَ : مَا مِنْ أَحَد تَعَلَّمَ الْقُرْآن ثُمَّ نَسِيَهُ إِلَّا بِذَنْبٍ أَحْدَثَهُ , لِأَنَّ اللَّه يَقُول ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) وَنِسْيَان الْقُرْآن مِنْ أَعْظَم الْمَصَائِب وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس مَرْفُوعًا \" عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوب أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَم مِنْ سُورَة مِنْ الْقُرْآن أُوتِيَهَا رَجُل ثُمَّ نَسِيَهَا \" فِي إِسْنَاده ضَعْف. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر مُرْسَل نَحْوه وَلَفْظه \" أَعْظَم مِنْ حَامِل الْقُرْآن وَتَارِكه \" وَمِنْ طَرِيق أَبِي الْعَالِيَة مَوْقُوفًا \" كُنَّا نَعُدّ مِنْ أَعْظَم الذُّنُوب أَنْ يَتَعَلَّم الرَّجُل الْقُرْآن ثُمَّ يَنَام عَنْهُ حَتَّى يَنْسَاهُ \" وَإِسْنَاده جَيِّد. وَمِنْ طَرِيق اِبْن سِيرِينَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح الَّذِي يَنْسَى الْقُرْآن كَانُوا يَكْرَهُونَهُ وَيَقُولُونَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا وَلِأَبِي دَاوُدَ عَنْ سَعْد بْن عُبَادَةَ مَرْفُوعًا \" مَنْ قَرَأَ الْقُرْآن ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّه وَهُوَ أَجْذَم \" وَفِي إِسْنَاده أَيْضًا مَقَال , وَقَدْ قَالَ بِهِ مِنْ الشَّافِعِيَّة أَبُو الْمَكَارِم وَالرُّويَانِيّ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْإِعْرَاض عَنْ التِّلَاوَة يَتَسَبَّب عَنْهُ نِسْيَان الْقُرْآن , وَنِسْيَانه يَدُلّ عَلَى عَدَم الِاعْتِنَاء بِهِ وَالتَّهَاوُن بِأَمْرِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَنْ حَفِظَ الْقُرْآن أَوْ بَعْضه فَقَدْ عَلَتْ رُتْبَته بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظهُ , فَإِذَا أَخَلَّ بِهَذِهِ الرُّتْبَة الدِّينِيَّة حَتَّى تَزَحْزَحَ عَنْهَا نَاسَبَ أَنْ يُعَاقَب عَلَى ذَلِكَ , فَإِنَّ تَرْكَ مُعَاهَدَة الْقُرْآن يُفْضِي إِلَى الرُّجُوع إِلَى الْجَهْل , وَالرُّجُوع إِلَى الْجَهْل بَعْد الْعِلْم شَدِيد. وَقَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ : يُكْرَه لِلرَّجُلِ أَنْ يَمُرّ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا لَا يَقْرَأ فِيهَا الْقُرْآن. ‏"
    },
    {
        "id": "4651",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِئْسَ ‏ ‏مَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن مَسْعُود ‏ ‏\" بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُول نَسِيت آيَة كَيْت وَكَيْت \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه قَرِيبًا. وَسُفْيَان فِي السَّنَد هُوَ الثَّوْرِيّ. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى \" أَجْذَم \" فَقِيلَ مَقْطُوع الْيَد , وَقِيلَ مَقْطُوع الْحُجَّة , وَقِيلَ مَقْطُوع السَّبَب مِنْ الْخَيْر وَقِيلَ خَالِي الْيَد مِنْ الْخَيْر , وَهِيَ مُتَقَارِبَة. وَقِيلَ يُحْشَر مَجْذُومًا حَقِيقَة. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة زَائِدَة بْن قُدَامَةَ عِنْد عَبْد بْن حُمَيْدٍ \" أَتَى اللَّه يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ مَجْذُوم \" وَفِيهِ جَوَاز قَوْل الْمَرْء أَسْقَطْت آيَة كَذَا مِنْ سُورَة كَذَا إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ قَالَ : لَا تَقُلْ أَسْقَطْت كَذَا ; بَلْ قُلْ أَغْفَلْت. وَهُوَ أَدَب حَسَن وَلَيْسَ وَاجِبًا ‏"
    },
    {
        "id": "4652",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مَسْعُود فِي الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِر سُورَة الْبَقَرَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4653",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ‏ ‏وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ ‏ ‏أَنَّهُمَا سَمِعَا ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ‏ ‏يَقْرَأُ سُورَةَ ‏ ‏الْفُرْقَانِ ‏ ‏فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهَا عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى سَلَّمَ ‏ ‏فَلَبَبْتُهُ ‏ ‏فَقُلْتُ مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ قَالَ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ كَذَبْتَ فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَهُوَ أَقْرَأَنِي هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَقُودُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ ‏ ‏الْفُرْقَانِ ‏ ‏عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا وَإِنَّكَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ ‏ ‏الْفُرْقَانِ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏هِشَامُ ‏ ‏اقْرَأْهَا فَقَرَأَهَا الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَكَذَا أُنْزِلَتْ ثُمَّ قَالَ اقْرَأْ يَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَرَأْتُهَا الَّتِي أَقْرَأَنِيهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَكَذَا أُنْزِلَتْ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُمَر ‏ ‏\" سَمِعْت هِشَام بْن حَكِيم بْن حِزَام يَقْرَأ سُورَة الْفُرْقَان \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب أُنْزِلَ الْقُرْآن عَلَى سَبْعَة أَحْرُف \". ‏"
    },
    {
        "id": "4654",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ آدَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَمِعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَارِئًا يَقْرَأُ مِنْ اللَّيْلِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ ‏ ‏يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب قَبْله , وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ ‏"
    },
    {
        "id": "4655",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَاصِلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَدَوْنَا عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ فَقَالَ ‏ ‏هَذًّا ‏ ‏كَهَذِّ ‏ ‏الشِّعْرِ إِنَّا قَدْ سَمِعْنَا الْقِرَاءَةَ وَإِنِّي لَأَحْفَظُ الْقُرَنَاءَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ حم ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا وَاصِل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَيَّانَ بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة الْأَحْدَب الْكُوفِيّ , وَوَقَعَ صَرِيحًا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَزَعَمَ خَلَفٌ فِي \" الْأَطْرَاف \" أَنَّهُ وَاصِل مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ بْن الْمُهَلَّب , وَغَلَّطُوهُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ بَصْرِيّ وَرِوَايَته عَنْ الْبَصْرِيِّينَ , وَلَيْسَتْ لَهُ رِوَايَة عَنْ الْكُوفِيِّينَ وَأَبُو وَائِل شَيْخ وَاصِل هَذَا كُوفِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : غَدَوْنَا عَلَى عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَسْعُود ( فَقَالَ رَجُل : قَرَأْت الْمُفَصَّل ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مَعَهُ الْبُخَارِيّ فَزَادَ فِي أَوَّله \" غَدَوْنَا عَلَى عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَوْمًا بَعْدَمَا صَلَّيْنَا الْغَدَاة , فَسَلَّمْنَا بِالْبَابِ فَأَذِنَ لَنَا , فَمَكَثْنَا بِالْبَابِ هُنَيْهَة , فَخَرَجَتْ الْجَارِيَة فَقَالَتْ : أَلَا تَدْخُلُونَ ؟ فَدَخَلْنَا , فَإِذَا هُوَ جَالِس يُسَبِّح فَقَالَ : مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا وَقَدْ أَذِنَ لَكُمْ ؟ قُلْنَا : ظَنَنَّا أَنَّ بَعْض أَهْل الْبَيْت نَائِم , قَالَ : ظَنَنْتُمْ بِآلِ أُمّ عَبْد غَفْلَة. فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم : قَرَأْت الْمُفَصَّل الْبَارِحَة كُلّه , فَقَالَ عَبْد اللَّه : هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْر \" وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد بْن يَزِيد \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ : قَرَأْت الْمُفَصَّل فِي رَكْعَة , فَقَالَ : بَلْ هَذَذْت كَهَذِّ الشِّعْر وَكَنَثْرِ الدَّقْل \" وَهَذَا الرَّجُل هُوَ نَهِيك بْن سِنَان كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَنْصُور عَنْ أَبِي وَائِل فِي هَذَا الْحَدِيث. وَقَوْله \" هَذًّا \" بِفَتْحِ الْهَاء وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْمُنَوَّنَة قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ سُرْعَة الْقِرَاءَة بِغَيْرِ تَأَمُّل كَمَا يُنْشَد الشِّعْر , وَأَصْل الْهَذّ سُرْعَة الدَّفْع. وَعِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق يَسَار عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" إِنَّمَا فُصِّلَ لِتُفَصِّلُوهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثَمَانِي عَشْرَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي \" بَاب تَأْلِيف الْقُرْآن \" مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ شَقِيق فَقَالَ فِيهِ \" عِشْرِينَ سُورَة مِنْ أَوَّل الْمُفَصَّل \" وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ الثَّمَان عَشَرَة غَيْر سُورَة الدُّخَان وَالَّتِي مَعَهَا , وَإِطْلَاق الْمُفَصَّل عَلَى الْجَمِيع تَغْلِيبًا , وَإِلَّا فَالدُّخَان لَيْسَتْ مِنْ الْمُفَصَّل عَلَى الْمُرَجَّح , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَأْلِيف اِبْن مَسْعُود عَلَى خِلَاف تَأْلِيف غَيْره , فَإِنَّ فِي آخِر رِوَايَة الْأَعْمَش عَلَى تَأْلِيف اِبْن مَسْعُود آخِرهُنَّ حم الدُّخَان وَعَمّ , فَعَلَى هَذَا لَا تَغْلِيب. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ آل حَامِيم ) ‏ ‏أَيْ السُّورَة الَّتِي أَوَّلهَا حم , وَقِيلَ : يُرِيد حم نَفْسهَا كَمَا فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى \" أَنَّهُ أُوتِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِير آل دَاوُدَ \" يَعْنِي دَاوُدَ نَفْسه , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْله \" آل دَاوُدَ \" يُرِيد بِهِ دَاوُدَ نَفْسه , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَدْخِلُوا آل فِرْعَوْن أَشَدّ الْعَذَاب ) وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ دَلِيله يُخَالِف تَأْوِيله , قَالَ : وَإِنَّمَا يَتِمّ مُرَاده لَوْ كَانَ الَّذِي يَدْخُل أَشَدّ الْعَذَاب فِرْعَوْن وَحْده. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَوْلَا أَنَّ هَذَا الْحَرْف وَرَدَ فِي الْكِتَابَة مُنْفَصِلًا يَعْنِي \" آل \" وَحْدهَا و \" حم \" وَحْدهَا لَجَازَ أَنْ تَكُون الْأَلِف وَاللَّام الَّتِي لِتَعْرِيفِ الْجِنْس , وَالتَّقْدِير : وَسُورَتَيْنِ مِنْ الْحَوَامِيم. قُلْت : لَكِنَّ الرِّوَايَة أَيْضًا لَيْسَتْ فِيهَا وَاو , نَعَمْ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش الْمَذْكُورَة \" آخِرهنَّ مِنْ الْحَوَامِيم \" وَهُوَ يُؤَيِّد الِاحْتِمَال الْمَذْكُور وَاللَّهُ أَعْلَم. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : قَوْله \" مِنْ آل حَامِيم \" مِنْ كَلَام أَبِي وَائِل , وَإِلَّا فَإِنَّ أَوَّل الْمُفَصَّل عِنْد اِبْن مَسْعُود مِنْ أَوَّل الْجَاثِيَة ا ه , وَهَذَا إِنَّمَا يَرِد لَوْ كَانَ تَرْتِيب مُصْحَف اِبْن مَسْعُود كَتَرْتِيبِ الْمُصْحَف الْعُثْمَانِيّ , وَالْأَمْر بِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّ تَرْتِيب السُّوَر فِي مُصْحَف اِبْن مَسْعُود يُغَايِر التَّرْتِيب فِي الْمُصْحَف الْعُثْمَانِيّ , فَلَعَلَّ هَذَا مِنْهَا وَيَكُون أَوَّل الْمُفَصَّل عِنْده أَوَّل الْجَاثِيَة وَالدُّخَان مُتَأَخِّرَة فِي تَرْتِيبه عَنْ الْجَاثِيَة لَا مَانِع مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ أَجَابَ النَّوَوِيّ عَلَى طَرِيق التَّنَزُّل بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ عِشْرِينَ مِنْ أَوَّل الْمُفَصَّل أَيْ مُعْظَم الْعِشْرِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4656",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فِي قَوْلِهِ ‏ { ‏لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ‏} ‏قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا نَزَلَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏بِالْوَحْيِ وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ الَّتِي فِي ‏ ‏لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ‏ { ‏لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ ‏} ‏فَإِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ ‏ { ‏وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ‏} ‏فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ ‏ { ‏ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ‏} ‏قَالَ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ قَالَ وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏أَطْرَقَ ‏ ‏فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي نُزُول قَوْله تَعَالَى ‏ ‏( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِير الْقِيَامَة , وَجَرِير الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد بِخِلَافِ الَّذِي فِي الْبَاب بَعْده , وَقَوْله فِيهِ \" وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّك بِهِ لِسَانه وَشَفَتَيْهِ \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهه فِي بَدْء الْوَحْي , وَوَقَعَ عِنْد الْمُسْتَمْلِي هُنَا \" وَكَانَ مِمَّنْ يُحَرِّك \" وَيَتَعَيَّن أَنْ يَكُون \" مِنْ \" فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ و \" مَنْ \" مَوْصُولَة وَاللَّه أَعْلَم. وَشَاهِد التَّرْجَمَة مِنْهُ النَّهْي عَنْ تَعْجِيله بِالتِّلَاوَةِ , فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اِسْتِحْبَاب التَّأَنِّي فِيهِ وَهُوَ الْمُنَاسِب لِلتَّرْتِيلِ. وَفِي الْبَاب حَدِيث حَفْصَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي أَثْنَاء حَدِيث وَفِيهِ \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَتِّل السُّورَة حَتَّى تَكُون أَطْوَل مِنْ أَطْوَل مِنْهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي حَدِيث عَلْقَمَة أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى اِبْن مَسْعُود فَقَالَ \" رَتِّلْ فِدَاك أَبِي وَأُمِّي فَإِنَّهُ زِينَة الْقُرْآن \" وَأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة وَقَعَتْ عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" وَأَخْرَجَهَا اِبْن أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا. وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4657",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ الْأَزْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏كَانَ يَمُدُّ مَدًّا ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُولَى كَانْ يَمُدّ مَدًّا بَيَّنَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة الْمُرَاد بِقَوْلِهِ ‏ ‏\" يَمُدّ \" ‏ ‏بِسْمِ اللَّه إِلَخْ يَمُدّ اللَّام الَّتِي قَبْل الْهَاء مِنْ الْجَلَالَة , وَالْمِيم الَّتِي قَبْل النُّون مِنْ الرَّحْمَن , وَالْحَاء مِنْ الرَّحِيم. ‏"
    },
    {
        "id": "4658",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ سُئِلَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏كَانَتْ مَدًّا ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏} ‏يَمُدُّ ‏ ‏بِبِسْمِ اللَّهِ وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَاصِم ) ‏ ‏وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ عَمْرو بْن حَفْص وَهُوَ غَلَط ظَاهِر. ‏ ‏قَوْله : ( سُئِلَ أَنَس ) ‏ ‏ظَهَرَ مِنْ الرِّوَايَة الْأُولَى أَنَّ قَتَادَةَ الرَّاوِي هُوَ السَّائِل , وَقَوْله الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" كَانَتْ مَدًّا \" أَيْ كَانَتْ ذَات مَدّ , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْم مِنْ طَرِيق أَبِي النُّعْمَان عَنْ جَرِير بْن حَازِم فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" كَانَ يَمُدّ صَوْته مَدًّا \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ ثَلَاثَة طُرُق أُخْرَى عَنْ جَرِير بْن حَازِم , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ جَرِير , وَفِي رِوَايَة لَهُ \" كَانَ يَمُدّ قِرَاءَته \" وَأَفَادَ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيث عَنْ قَتَادَةَ إِلَّا جَرِير بْن حَازِم وَهَمَّام بْن يَحْيَى , وَقَوْله فِي الثَّانِيَة \" يَمُدّ بِبِسْم اللَّه \" كَذَا وَقَعَ بِمُوَحَّدَةٍ قَبْل الْمُوَحَّدَة الَّتِي فِي بِسْمِ اللَّه , كَأَنَّهُ حَكَى لَفْظ بِسْمِ اللَّه كَمَا حَكَى لَفْظ الرَّحْمَن فِي قَوْله \" وَيَمُدّ بِالرَّحْمَنِ \" أَوْ جَعَلَهُ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَة عَلَمًا لِذَلِكَ. وَوَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْم مِنْ طَرِيق الْحَسَن الْحَلْوَانِيّ عَنْ عَمْرو بْن عَاصِم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" يَمُدّ بِسْمِ اللَّه وَيَمُدّ الرَّحْمَن وَيَمُدّ الرَّحِيم \" مِنْ غَيْر مُوَحَّدَة فِي الثَّلَاثَة وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي دَاوُدَ عَنْ يَعْقُوب بْن إِسْحَاق عَنْ عَمْرو بْن عَاصِم عَنْ هَمَّام وَجَرِير جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ \" يَمُدّ بِبَسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم \" بِإِثْبَاتِ الْمُوَحَّدَة فِي أَوَّله أَيْضًا , وَزَادَ فِي الْإِسْنَاد جَرِيرًا مَعَ هَمَّام فِي رِوَايَة عَمْرو بْن عَاصِم. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق قُطْبَة بْن مَالِك \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي فِي الْفَجْر ق فَمَرَّ بِهَذَا الْحَرْف ( لَهَا طَلْع نَضِيد ) فَمَدّ نَضِيد \" وَهُوَ شَاهِد جَيِّد لِحَدِيثِ أَنَس , وَأَصْله عِنْد مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث قُطْبَة نَفْسه. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بَعْضهمْ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي الصَّلَاة , وَرَامَ بِذَلِكَ مُعَارَضَة حَدِيث أَنَس أَيْضًا الْمُخَرَّج فِي صَحِيح مُسْلِم أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَقْرَؤُهَا فِي الصَّلَاة , وَفِي الِاسْتِدْلَال لِذَلِكَ بِحَدِيثِ الْبَاب نَظَر , وَقَدْ أَوْضَحْته فِيمَا كَتَبْته مِنْ النُّكَت عَلَى عُلُوم الْحَدِيث لِابْنِ الصَّلَاح , وَحَاصِله أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ وَصْفه بِأَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ الْبَسْمَلَة يَمُدّ فِيهَا أَنْ يَكُون قَرَأَ الْبَسْمَلَة فِي أَوَّل الْفَاتِحَة فِي كُلّ رَكْعَة , وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا وَرَدَ بِصُورَةِ الْمِثَال فَلَا تَتَعَيَّن الْبَسْمَلَة , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى ‏"
    },
    {
        "id": "4659",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِيَاسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ أَوْ جَمَلِهِ وَهِيَ تَسِيرُ بِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ ‏ ‏الْفَتْحِ ‏ ‏أَوْ مِنْ سُورَةِ ‏ ‏الْفَتْحِ ‏ ‏قِرَاءَةً لَيِّنَةً يَقْرَأُ وَهُوَ يُرَجِّعُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4660",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَهُ يَا ‏ ‏أَبَا مُوسَى ‏ ‏لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ ‏ ‏دَاوُدَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خَلَف أَبُو بَكْر ) ‏ ‏هُوَ الْحَدَّادِيّ بِالْمُهْمَلَاتِ وَفَتْح أَوَّله وَالتَّثْقِيل , بَغْدَادِيّ مُقْرِئ مِنْ صِغَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَعَاشَ بَعْد الْبُخَارِيّ خَمْس سِنِينَ. وَأَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمِيم اِسْمه عَبْد الْحَمِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْكُوفِيّ وَهُوَ وَالِد يَحْيَى بْن عَبْد الْحَمِيد الْكُوفِيّ الْحَافِظ صَاحِب الْمُسْنَد. وَلَيْسَ لِمُحَمَّدِ بْن خَلَف وَلَا لِشَيْخِهِ أَبِي يَحْيَى فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ أَدْرَكَ الْبُخَارِيّ أَبَا يَحْيَى بِالسِّنِّ , لَكِنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي بُرَيْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" سَمِعْت بُرَيْد بْن عَبْد اللَّه \" ‏ ‏قَوْله : ( يَا أَبَا مُوسَى , لَقَدْ أُوتِيت مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِير آل دَاوُدَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ عِنْده مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيق بُرَيْد , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق طَلْحَة بْن يَحْيَى عَنْ أَبِي بُرْدَة بِلَفْظِ \" لَوْ رَأَيْتنِي وَأَنَا أَسْتَمِع قِرَاءَتك الْبَارِحَة \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِيهِ بِزِيَادَةٍ فِيهِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَائِشَة مَرَّا بِأَبِي مُوسَى وَهُوَ يَقْرَأ فِي بَيْته , فَقَامَا يَسْتَمِعَانِ لِقِرَاءَتِهِ , ثُمَّ إِنَّهُمَا مَضَيَا. فَلَمَّا أَصْبَحَ لَقِيَ أَبُو مُوسَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا أَبَا مُوسَى , مَرَرْت بِك \" فَذَكَرَ الْحَدِيث فَقَالَ \" أَمَا إِنِّي لَوْ عَلِمْت بِمَكَانِك لَحَبَّرْته لَك تَحْبِيرًا \" وَلِابْنِ سَعْد مِنْ حَدِيث أَنَس بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْط مُسْلِم \" أَنَّ أَبَا مُوسَى قَامَ لَيْلَة يُصَلِّي , فَسَمِعَ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْته - وَكَانَ حُلْوَ الصَّوْت - فَقُمْنَ يَسْتَمِعْنَ , فَلَمَّا أَصْبَحَ قِيلَ لَهُ , فَقَالَ : لَوْ عَلِمْت لَحَبَّرْته لَهُنَّ تَحْبِيرًا \" وَلِلرُّويَانِيّ مِنْ طَرِيق مَالِك بْن مِغْوَل عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ نَحْو سِيَاق سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة وَقَالَ فِيهِ \" لَوْ عَلِمْت أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَمِع قِرَاءَتِي لَحَبَّرْتهَا تَحْبِيرًا \" وَأَصْلهَا عِنْد أَحْمَد , وَعِنْد الدَّارِمِيِّ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول لِأَبِي مُوسَى - وَكَانَ حَسَن الصَّوْت بِالْقُرْآنِ - لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِنْ مَزَامِير آل دَاوُدَ \" فَكَأَنَّ الْمُصَنِّف أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الطَّرِيق فِي التَّرْجَمَة , وَأَصْل هَذَا الْحَدِيث عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ الزُّهْرِيِّ مَوْصُولًا بِذِكْرِ أَبِي هُرَيْرَة فِيهِ وَلَفْظه \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ قِرَاءَة أَبِي مُوسَى فَقَالَ : لَقَدْ أُوتِيَ مِنْ مَزَامِير آل دَاوُدَ \" وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ , فَقَالَ مَعْمَر وَسُفْيَان \" عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَقَالَ اللَّيْث \" عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب \" مُرْسَلًا , وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْسَجَة عَنْ الْبَرَاء \" سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْت أَبِي مُوسَى فَقَالَ : كَأَنَّ صَوْت هَذَا مِنْ مَزَامِير آل دَاوُدَ \" وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيّ قَالَ \" دَخَلْت دَار أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَمَا سَمِعْت صَوْت صَنْجٍ وَلَا بَرَبْطٍ وَلَا نَايٍ أَحْسَن مِنْ صَوْته \" سَنَده صَحِيح وَهُوَ فِي \" الْحِلْيَة لِأَبِي نُعَيْم \" وَالصَّنْج بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون النُّون بَعْدهَا جِيم هُوَ آلَة تُتَّخَذ مِنْ نُحَاس كَالطَّبَقَيْنِ يُضْرَب أَحَدهمَا بِالْآخَرِ , وَالْبَرْبَط بِالْمُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنهمَا رَاء سَاكِنَة ثُمَّ طَاء مُهْمَلَة بِوَزْنِ جَعْفَر هُوَ آلَة تُشْبِه الْعُود فَارِسِيّ مُعَرَّب , وَالنَّاي بِنُونٍ بِغَيْرِ هَمْز هُوَ الْمِزْمَار. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْله \" آل دَاوُدَ \" يُرِيد دَاوُدَ نَفْسه , لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَوْلَاد دَاوُدَ وَلَا مِنْ أَقَارِبه كَانَ أُعْطِيَ مِنْ حُسْن الصَّوْت مَا أُعْطِيَ. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ مَا أَوْرَدَهُ مِنْ الطَّرِيق الْأُخْرَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ \" مَا نُقِلَ عَنْ السَّلَف فِي صِفَة صَوْت دَاوُدَ , وَالْمُرَاد بِالْمِزْمَارِ الصَّوْت الْحَسَن , وَأَصْله الْآلَة أُطْلِقَ اِسْمه عَلَى الصَّوْت لِلْمُشَابَهَةِ. وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة بَيِّنَة عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَة غَيْر الْمَقْرُوء وَسَيَأْتِي مَزِيد بَحْث فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ‏"
    },
    {
        "id": "4661",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ قُلْتُ ‏ ‏آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ ‏ ‏إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4662",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْرَأْ عَلَيَّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ نَعَمْ فَقَرَأْتُ سُورَةَ ‏ ‏النِّسَاءِ ‏ ‏حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ ‏ { ‏فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ‏} ‏قَالَ حَسْبُكَ الْآنَ فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4663",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏ابْنُ شُبْرُمَةَ ‏ ‏نَظَرْتُ كَمْ يَكْفِي الرَّجُلَ مِنْ الْقُرْآنِ فَلَمْ أَجِدْ سُورَةً أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ فَقُلْتُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏عَلْقَمَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏وَلَقِيتُهُ وَهُوَ يَطُوفُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فَذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَابْن شُبْرُمَةَ هُوَ عَبْد اللَّه قَاضِي الْكُوفَة وَلَمْ يُخْرِج لَهُ الْبُخَارِيّ إِلَّا فِي مَوْضِع وَاحِد يَأْتِي فِي الْأَدَب شَاهِدًا , وَأَخْرَجَ مِنْ كَلَامه غَيْر ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( كَمْ يَكْفِي الرَّجُل مِنْ الْقُرْآن ) ‏ ‏؟ أَيْ فِي الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , وَهُوَ مَوْصُول مِنْ تَتِمَّة الْخَبَر الْمَذْكُور , وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخَعِيُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْل الِاخْتِلَاف فِي رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد وَعَنْ عَلْقَمَة فِي \" بَاب فَضْل سُورَة الْبَقَرَة \" وَتَقَدَّمَ بَيَان الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" كَفَتَاهُ \" وَمَا اِسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن عُيَيْنَةَ إِنَّمَا يَجِيئ عَلَى أَحَد مَا قِيلَ فِي تَأْوِيل \" كَفَتَاهُ \" أَيْ فِي الْقِيَام فِي الصَّلَاة بِاللَّيْلِ , وَقَدْ خَفِيَتْ مُنَاسَبَة حَدِيث أَبِي مَسْعُود بِالتَّرْجَمَةِ عَلَى اِبْن كَثِير , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهَا مِنْ جِهَة أَنَّ الْآيَة الْمُتَرْجَم بِهَا تُنَاسِب مَا اِسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن عُيَيْنَةَ مِنْ حَدِيث أَبِي مَسْعُود وَالْجَامِع بَيْنهمَا أَنَّ كُلًّا مِنْ الْآيَة وَالْحَدِيث يَدُلّ عَلَى الِاكْتِفَاء , بِخِلَافِ مَا قَالَ اِبْن شُبْرُمَةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4664",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُغِيرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنْكَحَنِي أَبِي ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏ذَاتَ حَسَبٍ فَكَانَ يَتَعَاهَدُ ‏ ‏كَنَّتَهُ ‏ ‏فَيَسْأَلُهَا عَنْ ‏ ‏بَعْلِهَا ‏ ‏فَتَقُولُ نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا ‏ ‏كَنَفًا ‏ ‏مُنْذُ أَتَيْنَاهُ فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ الْقَنِي بِهِ فَلَقِيتُهُ بَعْدُ فَقَالَ ‏ ‏كَيْفَ تَصُومُ قَالَ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ وَكَيْفَ تَخْتِمُ قَالَ كُلَّ لَيْلَةٍ قَالَ صُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةً ‏ ‏وَاقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ قَالَ قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْجُمُعَةِ قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَفْطِرْ يَوْمَيْنِ وَصُمْ يَوْمًا قَالَ قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏صِيَامَ يَوْمٍ وَإِفْطَارَ يَوْمٍ وَاقْرَأْ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً فَلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَذَاكَ أَنِّي كَبِرْتُ وَضَعُفْتُ فَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ السُّبْعَ مِنْ الْقُرْآنِ بِالنَّهَارِ وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ يَعْرِضُهُ مِنْ النَّهَارِ لِيَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوَّى أَفْطَرَ أَيَّامًا وَأَحْصَى وَصَامَ مِثْلَهُنَّ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا فَارَقَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَيْهِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ثَلَاثٍ وَفِي خَمْسٍ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى سَبْعٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيُّ , وَمُغِيرَة هُوَ اِبْن مِقْسَم. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْكَحَنِي أَبِي ) ‏ ‏أَيْ زَوَّجَنِي , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ كَانَ الْمُشِير عَلَيْهِ بِذَلِكَ , وَإِلَّا فَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو حِينَئِذٍ كَانَ رَجُلًا كَامِلًا \". وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَامَ عَنْهُ بِالصَّدَاقِ وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( اِمْرَأَة ذَات حَسَب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ مُغِيرَة وَحُصَيْن عَنْ مُجَاهِد فِي هَذَا الْحَدِيث \" اِمْرَأَة مِنْ قُرَيْش \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَهِيَ أُمّ مُحَمَّد بِنْت مَحْمِيَّة - بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمِيم بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة مَفْتُوحَة خَفِيفَة - اِبْن جَزْء الزُّبَيْدِيّ حَلِيف قُرَيْش ذَكَرَهَا الزُّبَيْر وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( كَنَّته ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْكَاف وَتَشْدِيد النُّون هِيَ زَوْج الْوَلَد. ‏ ‏قَوْله : ( نِعْمَ الرَّجُل مِنْ رَجُل لَمْ يَطَأ لَنَا فِرَاشًا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن مَالِك : يُسْتَفَاد مِنْهُ وُقُوع التَّمْيِيز بَعْد فَاعِل \" نِعْمَ \" الظَّاهِر , وَقَدْ مَنَعَهُ سِيبَوَيْهِ وَأَجَازَهُ الْمُبَرِّد. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّقْدِير نِعْمَ الرَّجُل مِنْ الرِّجَال , قَالَ : وَقَدْ تُفِيد النَّكِرَة فِي الْإِثْبَات التَّعْمِيم كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ( عَلِمَتْ نَفْس مَا أَحْضَرَتْ ) قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ التَّجْرِيد , كَأَنَّهُ جَرَّدَ مِنْ رَجُل مَوْصُوف بِكَذَا وَكَذَا رَجُلًا فَقَالَ نِعْمَ الرَّجُل الْمُجَرَّد مِنْ كَذَا رَجُل صِفَته كَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَطَأ لَنَا فِرَاشًا ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يُضَاجِعنَا حَتَّى يَطَأ فِرَاشنَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يُفَتِّش لَنَا كَنَفًا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَاءٍ وَمُثَنَّاة ثَقِيلَة وَشِين مُعْجَمَة , وَفِي رِوَايَة أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِي \" وَلَمْ يَغْشَ \" بَغَيْنَ مُعْجَمَة سَاكِنَة بَعْدهَا شِين مُعْجَمَة وَكَنَفًا بِفَتْحِ الْكَاف وَالنُّون بَعْدهَا فَاء هُوَ السِّتْر وَالْجَانِب , وَأَرَادَتْ بِذَلِكَ الْكِنَايَة عَنْ عَدَم جِمَاعه لَهَا , لِأَنَّ عَادَة الرَّجُل أَنْ يُدْخِل يَده مَعَ زَوْجَته فِي دَوَاخِل أَمْرِهَا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْكَنَفِ الْكَنِيف وَأَرَادَتْ أَنَّهُ لَمْ يَطْعَم عِنْدهَا حَتَّى يَحْتَاج إِلَى أَنْ يُفَتِّش عَنْ مَوْضِع قَضَاء الْحَاجَة , كَذَا قَالَ وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَزَادَ فِي رِوَايَة هُشَيْمٍ \" فَأَقْبَلَ عَلَيَّ يَلُومنِي فَقَالَ : أَنْكَحْتُك اِمْرَأَة مِنْ قُرَيْش ذَات حَسَبٍ فَعَضَلْتهَا وَفَعَلْت , ثُمَّ اِنْطَلَقَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَكَانِي \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى عَمْرو ‏ ‏( ذَكَرَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏وَكَأَنَّهُ تَأَنَّى فِي شَكْوَاهُ رَجَاء أَنْ يَتَدَارَك , فَلَمَّا تَمَادَى عَلَى حَاله خَشِيَ أَنْ يَلْحَقهُ إِثْم بِتَضْيِيعِ حَقّ الزَّوْجَة فَشَكَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اِلْقَنِي ) ‏ ‏أَيْ قَالَ لِعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو وَفِي رِوَايَة هُشَيْمٍ \" فَأُرْسِلَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ لَقِيَهُ اِتِّفَاقًا فَقَالَ لَهُ اِجْتَمِعْ بِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ كَيْف تَصُوم ؟ قُلْت أَصُوم كُلّ يَوْم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِالصَّوْمِ فِي كِتَاب الصَّوْم مَشْرُوحًا , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْجُمُعَة , قُلْت أُطِيق أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ. قَالَ : صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ , قُلْت : أُطِيق أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ \" قَالَ الدَّاوُدِيُّ. هَذَا وَهْم مِنْ الرَّاوِي لِأَنَّ ثَلَاثَة أَيَّام مِنْ الْجُمُعَة أَكْثَر مِنْ فِطْر يَوْمَيْنِ وَصِيَام يَوْم , وَهُوَ إِنَّمَا يُدْرِجهُ مِنْ الصِّيَام الْقَلِيل إِلَى الصِّيَام الْكَثِير. قُلْت : وَهُوَ اِعْتِرَاض مُتَّجِه , فَلَعَلَّهُ وَقَعَ مِنْ الرَّاوِي فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير , وَقَدْ سَلِمَتْ رِوَايَة هُشَيْمٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ لَفْظه \" صُمْ فِي كُلّ شَهْر ثَلَاثَة أَيَّام , قُلْت , إِنِّي أَقْوَى أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ. فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَعنِي حَتَّى قَالَ صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَاقْرَأْ فِي كُلّ سَبْع لَيَالٍ مَرَّة ) ‏ ‏أَيْ اِخْتِمْ فِي كُلّ سَبْع ‏ ‏( فَلَيْتَنِي قَبِلْت ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة اِخْتِصَارًا , وَفِي غَيْرهَا مُرَاجَعَات كَثِيرَة فِي ذَلِكَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَانَ يَقْرَأ ) ‏ ‏هُوَ كَلَام مُجَاهِد يَصِف صَنِيع عَبْد اللَّه بْن عَمْرو لَمَّا كَبِرَ , وَقَدْ وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي , رِوَايَة هُشَيْمٍ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى بَعْض أَهْله ) ‏ ‏أَيْ عَلَى مَنْ تَيَسَّرَ مِنْهُمْ , وَإِنَّمَا كَانَ يَصْنَع ذَلِكَ بِالنَّهَارِ لِيَتَذَكَّر مَا يَقْرَأ بِهِ فِي قِيَام اللَّيْل خَشْيَة أَنْ يَكُون خَفِيَ عَلَيْهِ شَيْء مِنْهُ بِالنِّسْيَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوَّى أَفْطَرَ أَيَّامًا إِلَخْ ) ‏ ‏يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْأَفْضَل لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصُوم صَوْم دَاوُدَ أَنْ يَصُوم يَوْمًا وَيُفْطِر يَوْمًا دَائِمًا , وَيُؤْخَذ مِنْ صَنِيع عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ مِنْ ذَلِكَ وَصَامَ قَدْر مَا أَفْطَرَ أَنَّهُ يُجْزِئ عَنْهُ صِيَام يَوْم وَإِفْطَار يَوْم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ بَعْضهمْ فِي ثَلَاث أَوْ فِي سَبْع ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ \" فِي ثَلَاث وَفِي خَمْس \" وَسَقَطَ ذَلِكَ لِلنَّسَفِيِّ , وَكَأَنَّ الْمُصَنِّف أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى رِوَايَة شُعْبَة عَنْ مُغِيرَة بِهَذَا الْإِسْنَاد فَقَالَ \" اِقْرَأْ الْقُرْآن فِي كُلّ شَهْر \" قَالَ : إِنِّي أُطِيق أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ فِي ثَلَاث , فَإِنَّ الْخَمْس تُؤْخَذ مِنْهُ بِطَرِيقِ التَّضَمُّن , وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي كِتَاب الصِّيَام. ثُمَّ وَجَدْت فِي مُسْنَد الدَّارِمِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي فَرْوَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ \" قُلْت : يَا رَسُول اللَّه فِي كَمْ أَخْتِم الْقُرْآن ؟ قَالَ : اِخْتِمْهُ فِي شَهْر. قُلْت : إِنِّي أُطِيق , قَالَ : اِخْتِمْهُ فِي خَمْسَة وَعِشْرِينَ , قُلْت : إِنِّي أُطِيق. قَالَ : اِخْتِمْهُ فِي عِشْرِينَ. قُلْت : إِنِّي أُطِيق. قَالَ : اِخْتِمْهُ فِي خَمْس عَشْرَة. قُلْت : إِنِّي أُطِيق. قَالَ : اِخْتِمْهُ فِي خَمْس. قُلْت : إِنِّي أُطِيق. قَالَ : لَا \" وَأَبُو فَرْوَة هَذَا هُوَ الْجُهَنِيّ وَاسْمه عُرْوَة بْن الْحَارِث , وَهُوَ كُوفِيّ ثِقَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هُشَيْمٍ الْمَذْكُورَة \" قَالَ فَاقْرَأْهُ فِي كُلّ شَهْر , قُلْت : إِنِّي أَجِدنِي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ. قَالَ فَاقْرَأْهُ فِي كُلّ عَشَرَة أَيَّام. قُلْت : إِنِّي أَجِدنِي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ \" قَالَ أَحَدهمَا إِمَّا حُصَيْن وَإِمَّا مُغِيرَة \" قَالَ فَاقْرَأْهُ فِي كُلّ ثَلَاث \" وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مُصَحَّحًا مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن الشِّخِّير عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مَرْفُوعًا \" لَا يَفْقَه مَنْ قَرَأَ الْقُرْآن فِي أَقَلّ مِنْ ثَلَاث \" وَشَاهِده عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور بِإِسْنَادٍ صَحِيح مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن مَسْعُود \" اِقْرَءُوا الْقُرْآن فِي سَبْع وَلَا تَقْرَءُوهُ فِي أَقَلّ مِنْ ثَلَاث \" وَلِأَبِي عُبَيْد مِنْ طَرِيق الطَّيِّب بْن سَلْمَان عَنْ عُمْرَة عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَخْتِم الْقُرْآن فِي أَقَلّ مِنْ ثَلَاث \" وَهَذَا اِخْتِيَار أَحْمَد وَأَبِي عُبَيْد وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَغَيْرهمْ وَثَبَتَ عَنْ كَثِير مِنْ السَّلَف أَنَّهُمْ قَرَءُوا الْقُرْآن فِي دُون ذَلِكَ , قَالَ النَّوَوِيّ : وَالِاخْتِيَار أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِف بِالْأَشْخَاصِ , فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْفَهْم وَتَدْقِيق الْفِكْر اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْتَصِر عَلَى الْقَدْر الَّذِي لَا يَخْتَلّ بِهِ الْمَقْصُود مِنْ التَّدَبُّر وَاسْتِخْرَاج الْمَعَانِي , وَكَذَا مَنْ كَانَ لَهُ شُغْل بِالْعِلْمِ أَوْ غَيْره مِنْ مُهِمَّات الدِّين وَمَصَالِح الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّة يُسْتَحَبّ لَهُ أَنْ يَقْتَصِر مِنْهُ عَلَى الْقَدْر الَّذِي لَا يُخِلّ بِمَا هُوَ فِيهِ , وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَالْأَوْلَى لَهُ الِاسْتِكْثَار مَا أَمْكَنَهُ مِنْ غَيْر خُرُوج إِلَى الْمَلَل وَلَا يَقْرَؤُهُ هَذْرَمَة. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَكْثَرهمْ ) ‏ ‏أَيْ أَكْثَر الرُّوَاة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى سَبْع ) ‏ ‏كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى رِوَايَة أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو الْمَوْصُولَة عَقِب هَذَا , فَإِنَّ فِي آخِره \" وَلَا يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ \" أَيْ لَا يُغَيِّر الْحَال الْمَذْكُورَة إِلَى حَالَة أُخْرَى , فَأَطْلَقَ الزِّيَادَة وَالْمُرَاد النَّقْص , وَالزِّيَادَة هُنَا بِطَرِيقِ التَّدَلِّي أَيْ لَا يَقْرَؤُهُ فِي أَقَلّ مِنْ سَبْع. وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق وَهْب بْن مُنَبِّه \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّهُ سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي كَمْ يَقْرَأ الْقُرْآن ؟ قَالَ : فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا. ثُمَّ قَالَ : فِي شَهْر. ثُمَّ قَالَ : فِي عِشْرِينَ. ثُمَّ قَالَ : فِي خَمْس عَشْرَة , ثُمَّ قَالَ : فِي عَشْر. ثُمَّ قَالَ فِي سَبْع. ثُمَّ لَمْ يَنْزِل عَنْ سَبْع \" وَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اُحْتُمِلَ فِي الْجَمْع بَيْنه وَبَيْن رِوَايَة أَبِي فَرْوَة تَعَدُّد الْقِصَّة , فَلَا مَانِع أَنْ يَتَعَدَّد قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو لَك تَأْكِيدًا , وَيُؤَيِّدهُ الِاخْتِلَاف الْوَاقِع فِي السِّيَاق , وَكَأَنَّ النَّهْي عَنْ الزِّيَادَة لَيْسَ عَلَى التَّحْرِيم , كَمَا أَنَّ الْأَمْر فِي جَمِيع ذَلِكَ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ , وَعُرِفَ ذَلِكَ مِنْ قَرَائِن الْحَال الَّتِي أَرْشَدَ إِلَيْهَا السِّيَاق , وَهُوَ النَّظَر إِلَى عَجُزه عَنْ سِوَى ذَلِكَ فِي الْحَال أَوْ فِي الْمَآل , وَأَغْرَبَ بَعْض الظَّاهِرِيَّة فَقَالَ : يَحْرُم أَنْ يَقْرَأ الْقُرْآن فِي أَقَلّ مِنْ ثَلَاث , وَقَالَ النَّوَوِيّ : أَكْثَر الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا تَقْدِير فِي ذَلِكَ , وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ النَّشَاط وَالْقُوَّة , فَعَلَى هَذَا يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال وَالْأَشْخَاص وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4665",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي كَمْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير , وَمُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن وَقَعَ فِي الْإِسْنَاد الثَّانِي أَنَّهُ مَوْلَى زُهْرَة , وَهُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن ثَوْبَانَ , فَقَدْ ذَكَرَ اِبْن حِبَّان فِي \" الثِّقَات \" أَنَّهُ مَوْلَى الْأَخْنَس بْن شَرِيق الثَّقَفِيّ , وَكَانَ الْأَخْنَس يُنْسَب زُهْرِيًّا لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ حُلَفَائِهِمْ , وَجَزَمَ جَمَاعَة بِأَنَّ اِبْن ثَوْبَانَ عَامِرِيّ , فَلَعَلَّهُ كَانَ يُنْسَب عَامِرِيًّا بِالْأَصَالَةِ وَزُهْرِيًّا بِالْحِلْفِ وَنَحْو ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏هَذَا التَّعْلِيق وَهُوَ قَوْله \" وَقَالَ بَعْضهمْ إِلَخْ \" ذَهِلْت عَنْ تَخْرِيجه فِي \" تَعْلِيق التَّعْلِيق \" وَقَدْ يَسَّرَ اللَّه تَعَالَى بِتَحْرِيرِهِ هُنَا وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏ ‏قَوْله : ( فِي كَمْ تَقْرَأ الْقُرْآن ) ‏ ‏؟ كَذَا اِقْتَصَرَ الْبُخَارِيّ فِي إِسْنَاد الْعَالِي عَلَى بَعْض الْمَتْن ثُمَّ حَوَّلَهُ إِلَى الْإِسْنَاد الْآخَر , وَإِسْحَاق شَيْخه فِيهِ هُوَ اِبْن مَنْصُور , وَعُبَيْد اللَّه هُوَ اِبْن مُوسَى وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا هُنَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4666",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَيْبَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏بَنِي زُهْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ وَأَحْسِبُنِي قَالَ سَمِعْتُ أَنَا مِنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ قُلْتُ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً حَتَّى قَالَ فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَلَمَة - قَالَ وَأَحْسَبنِي قَالَ سَمِعْت أَنَا مِنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : خَالَفَ أَبَان بْن يَزِيد الْعَطَّار شَيْبَان بْن عَبْد الرَّحْمَن فِي هَذَا الْإِسْنَاد عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير , ثُمَّ سَاقه مِنْ وَجْهَيْنِ , عَنْ أَبَان عَنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة وَزَادَ فِي سِيَاقه بَعْد قَوْله اقْرَأْهُ فِي شَهْر \" قَالَ إِنِّي أَجِد قُوَّة. قَالَ فِي عِشْرِينَ. قَالَ : إِنِّي أَجِد قُوَّة. قَالَ : فِي عَشْر قَالَ : إِنِّي أَجِد قُوَّة. قَالَ : فِي سَبْع وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ \" قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَرَوَاهُ عِكْرِمَة بْن عَمَّار عَنْ يَحْيَى قَالَ \" حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَة \" بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقه , قُلْت : كَأَنَّ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير كَانَ يَتَوَقَّف فِي تَحْدِيث أَبِي سَلَمَة لَهُ ثُمَّ تَذَكَّر أَنَّهُ حَدَّثَهُ بِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ كَانَ يُصَرِّح بِتَحْدِيثِهِ ثُمَّ تَوَقَّفَ وَتَحَقَّقَ أَنَّهُ سَمِعَهُ بِوَاسِطَةِ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَلَا يَقْدَح فِي ذَلِكَ مُخَالَفَة أَبَان لِأَنَّ شَيْبَانَ أَحْفَظ مِنْ أَبَان , أَوْ كَانَ عِنْد يَحْيَى عَنْهُمَا وَيُؤَيِّدهُ اِخْتِلَاف سِيَاقهمَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصِّيَام مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَة مُصَرِّحًا بِالسَّمَاعِ بِغَيْرِ تَوَقُّف لَكِنْ لِبَعْضِ الْحَدِيث فِي قِصَّة الصِّيَام حَسْب. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : قِصَّة الصِّيَام لَمْ تَخْتَلِف عَلَى يَحْيَى فِي رِوَايَته إِيَّاهَا عَنْ أَبِي سَلَمَة عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بِغَيْرِ وَاسِطَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏الْمُرَاد بِالْقُرْآنِ فِي حَدِيث الْبَاب جَمِيعه , وَلَا يَرِد عَلَى هَذَا أَنَّ الْقِصَّة وَقَعَتْ قَبْل مَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُدَّةٍ وَذَلِكَ قَبْل أَنْ يَنْزِل بَعْض الْقُرْآن الَّذِي تَأَخَّرَ نُزُوله , لِأَنَّا نَقُول سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنَّ الْعِبْرَة بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْإِطْلَاق وَهُوَ الَّذِي فَهِمَ الصَّحَابِيّ فَكَانَ يَقُول : لَيْتَنِي لَوْ قَبِلْت الرُّخْصَة. وَلَا شَكّ أَنَّهُ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَدْ أَضَافَ الَّذِي نَزَلَ آخِرًا إِلَى مَا نَزَلَ أَوَّلًا , فَالْمُرَاد بِالْقُرْآنِ جَمِيع مَا كَانَ نَزَلَ إِذْ ذَاكَ وَهُوَ مُعْظَمه , وَوَقَعَتْ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ مَا نَزَلَ بَعْد ذَلِكَ يُوَزَّع بِقِسْطِهِ , وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4667",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏بَعْضُ الْحَدِيثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏وَبَعْضُ الْحَدِيثِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْرَأْ عَلَيَّ قَالَ قُلْتُ أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ ‏ ‏إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي قَالَ فَقَرَأْتُ ‏ ‏النِّسَاءَ ‏ ‏حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ ‏ { ‏فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ‏} ‏قَالَ لِي كُفَّ أَوْ أَمْسِكْ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَذْرِفَانِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4668",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْرَأْ عَلَيَّ قُلْتُ أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ ‏ ‏إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4669",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَيْثَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ ‏ ‏يَمْرُقُونَ ‏ ‏مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا ‏ ‏يَمْرُقُ ‏ ‏السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ فِي ذِكْرِ الْخَوَارِج , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَزَعَمَ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا ‏ ‏\" عَنْ سُوَيْد بْن غَفَلَة قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ‏ ‏قَالَ وَاخْتُلِفَ فِي صُحْبَة سُوَيْد , وَالصَّحِيح مَا هُنَا أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَذَا قَالَ مُعْتَمِدًا عَلَى الْغَلَط الَّذِي نَشَأَ لَهُ عَنْ السَّقْطِ , وَالَّذِي فِي جَمِيع نُسَخِ صَحِيح الْبُخَارِيّ \" عَنْ سُوَيْد بْن غَفَلَة عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : سَمِعْت \" وَكَذَا فِي جَمِيع الْمَسَانِيد , وَهُوَ حَدِيث مَشْهُور لِسُوَيْد بْن غَفَلَة عَنْ عَلِيّ , وَلَمْ يَسْمَع سُوَيْد مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّحِيح , وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَصِحّ , وَالَّذِي يَصِحّ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَة حِين نُفِضَتْ الْأَيْدِي مِنْ دَفْن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَصَحَّ سَمَاعه مِنْ الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ وَكِبَار الصَّحَابَة , وَصَحَّ أَنَّهُ أَدَّى صَدَقَة مَاله فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ أَبُو نُعَيْم : مَاتَ سَنَة ثَمَانِينَ , وَقَالَ أَبُو عُبَيْد سَنَة إِحْدَى , وَقَالَ عَمْرو بْن عَلِيّ سَنَة اِثْنَتَيْنِ , وَبَلَغَ مِائَة وَثَلَاثِينَ سَنَة. وَهُوَ جُعْفِيّ يُكَنَّى أَبَا أُمَيَّة , نَزَلَ الْكُوفَة وَمَاتَ بِهَا. وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي قِتَال الْخَوَارِج فِي كِتَاب الْمُحَارَبِينَ , وَقَوْله ‏ ‏\" الْأَحْلَام \" ‏ ‏أَيْ الْعُقُول , وَقَوْله ‏ ‏\" يَقُولُونَ مِنْ خَيْر قَوْل الْبَرِيَّة \" ‏ ‏هُوَ مِنْ الْمَقْلُوب وَالْمُرَاد مِنْ \" قَوْل خَيْر الْبَرِيَّة \" أَيْ مِنْ قَوْل اللَّه , وَهُوَ الْمُنَاسِب لِلتَّرْجَمَةِ , وَقَوْله ‏ ‏\" لَا يُجَاوِز حَنَاجِرهمْ \" ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيُّ : يُرِيد أَنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِشَيْءٍ مِنْهُ. قُلْت : إِنْ كَانَ مُرَاده بِالتَّعَلُّقِ الْحِفْظ فَقَطْ دُون الْعِلْم بِمَدْلُولِهِ فَعَسَى أَنْ يَتِمّ لَهُ مُرَاده , وَإِلَّا فَالَّذِي فَهِمَهُ الْأَئِمَّة مِنْ السِّيَاق أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الْإِيمَان لَمْ يَرْسَخ فِي قُلُوبهمْ لِأَنَّ مَا وَقَفَ عِنْد الْحُلْقُوم فَلَمْ يَتَجَاوَزهُ لَا يَصِل إِلَى الْقَلْب. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة نَحْو حَدِيث أَبِي سَعِيد مِنْ الزِّيَادَة \" لَا يُجَاوِز تَرَاقِيهمْ وَلَا تَعِيه قُلُوبهمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4670",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ‏ ‏يَمْرُقُونَ ‏ ‏مِنْ الدِّينِ كَمَا ‏ ‏يَمْرُقُ ‏ ‏السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ يَنْظُرُ فِي ‏ ‏النَّصْلِ ‏ ‏فَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَنْظُرُ فِي ‏ ‏الْقِدْحِ ‏ ‏فَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئًا ‏ ‏وَيَتَمَارَى ‏ ‏فِي ‏ ‏الْفُوقِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي سَعِيد فِي ذِكْرِ الْخَوَارِج أَيْضًا , وَسَيَأْتِي شَرْحه أَيْضًا فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ , وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَر فِي عَلَامَات النُّبُوَّة. وَمُنَاسَبَة هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْقِرَاءَة إِذَا كَانَتْ لِغَيْرِ اللَّه فَهِيَ لِلرِّيَاءِ أَوْ لِلتَّأَكُّلِ بِهِ وَنَحْو ذَلِكَ , فَالْأَحَادِيث الثَّلَاثَة دَالَّة لِأَرْكَانِ التَّرْجَمَة لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ رَايَا بِهِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى , وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَكَّلَ بِهِ وَهُوَ مُخَرَّج مِنْ حَدِيثه أَيْضًا , وَمِنْهُمْ مَنْ فَجَرَ بِهِ وَهُوَ مُخَرَّج مِنْ حَدِيث عَلِيّ وَأَبِي سَعِيد. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْد فِي \" فَضَائِل الْقُرْآن \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي سَعِيد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم رَفَعَهُ \" تَعَلَّمُوا الْقُرْآن وَاسْأَلُوا اللَّه بِهِ قَبْل أَنْ يَتَعَلَّمهُ قَوْم يَسْأَلُونَ بِهِ الدُّنْيَا , فَإِنَّ الْقُرْآن يَتَعَلَّمهُ ثَلَاثَة نَفَر : رَجُل يُبَاهِي بِهِ , وَرَجُل يَسْتَأْكِل بِهِ. وَرَجُل يَقْرَؤُهُ لِلَّهِ \" وَعِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَوْقُوفًا \" لَا تَضْرِبُوا كِتَاب اللَّه بَعْضه بِبَعْضٍ , فَإِنَّ ذَلِكَ يُوقِع الشَّكّ فِي قُلُوبكُمْ \" وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَأَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن شِبْل رَفَعَهُ \" اِقْرَءُوا الْقُرْآن وَلَا تَغْلُوا فِيهِ وَلَا تَحْفُوا عَنْهُ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ \" الْحَدِيث وَسَنَده قَوِيّ , وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْد عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود \" سَيَجِيءُ زَمَان يُسْأَل فِيهِ بِالْقُرْآنِ , فَإِذَا سَأَلُوكُمْ فَلَا تُعْطُوهُمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4671",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ ‏ ‏كَالْأُتْرُجَّةِ ‏ ‏طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ‏ ‏كَالرَّيْحَانَةِ ‏ ‏رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ أَوْ خَبِيثٌ وَرِيحُهَا مُرٌّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى الَّذِي تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي \" بَاب فَضْل الْقُرْآن عَلَى سَائِر الْكَلَام \" وَهُوَ ظَاهِر فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ. وَوَقَعَ هُنَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُعَاذ بْن مُعَاذ عَنْ شُعْبَة بِسَنَدِهِ \" قَالَ شُعْبَة وَحَدَّثَنِي شِبْل يَعْنِي اِبْن عَزْرَة أَنَّهُ سَمِعَ أَنَس بْن مَالِك \" بِهَذَا. قُلْت : وَهُوَ حَدِيث آخَر أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَثَل الْجَلِيس الصَّالِح وَالْجَلِيس السُّوء ‏"
    },
    {
        "id": "4672",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا اِخْتَلَفْتُمْ ) ‏ ‏أَيْ فِي فَهْمِ مَعَانِيه ( فَقُومُوا عَنْهُ ) أَيْ تَفَرَّقُوا لِئَلَّا يَتَمَادَى بِكَمْ الِاخْتِلَاف إِلَى الشَّرّ , قَالَ عِيَاض : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّهْي خَاصًّا زَمَنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِئَلَّا يَكُون ذَلِكَ سَبَبًا لِنُزُولِ مَا يَسُوؤُهُم كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ( لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى اِقْرَءُوا وَالْزَمُوا الِائْتِلَاف عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ وَقَادَ إِلَيْهِ , فَإِذَا وَقَعَ الِاخْتِلَاف أَوْ عَرَضَ عَارِض شُبْهَة يَقْتَضِي الْمُنَازَعَة الدَّاعِيَة إِلَى الِافْتِرَاق فَاتْرُكُوا الْقِرَاءَة , وَتَمَسَّكُوا بِالْمُحْكَمِ الْمُوجِب لِلْأُلْفَةِ وَاعْرِضُوا عَنْ الْمُتَشَابِه الْمُؤَدِّي إِلَى الْفُرْقَة , وَهُوَ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَإِذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَاحْذَرُوهُمْ \" وَيَحْتَمِل أَنَّهُ يَنْهَى عَنْ الْقِرَاءَة إِذَا وَقَعَ الِاخْتِلَاف فِي كَيْفِيَّة الْأَدَاء بِأَنْ يَتَفَرَّقُوا عِنْد الِاخْتِلَاف وَيَسْتَمِرّ كُلّ مِنْهُمْ عَلَى قِرَاءَته , وَمِثْله مَا تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن مَسْعُود لَمَّا وَقَعَ بَيْنه وَبَيْن الصَّحَابِيَّيْنِ الْآخَرَيْنِ الِاخْتِلَاف فِي الْأَدَاء , فَتَرَافَعُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ \" كُلّكُمْ مُحْسِن \" وَبِهَذِهِ النُّكْتَة تَظْهَر الْحِكْمَة فِي ذِكْرِ حَدِيث اِبْن مَسْعُود عَقِيب حَدِيث جُنْدُب. ‏"
    },
    {
        "id": "4673",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُنْدَبٍ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ ‏ ‏وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عِمْرَانَ ‏ ‏وَلَمْ يَرْفَعْهُ ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ‏ ‏وَأَبَانُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عِمْرَانَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جُنْدَبًا ‏ ‏قَوْلَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عِمْرَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏قَوْلَهُ ‏ ‏وَجُنْدَبٌ ‏ ‏أَصَحُّ وَأَكْثَرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ الْحَارِث بْن عُبَيْد وَسَعِيد بْن زَيْد عَنْ أَبِي عِمْرَانَ ) ‏ ‏أَيْ فِي رَفْعِ الْحَدِيث , فَأَمَّا مُتَابَعَة الْحَارِث وَهُوَ اِبْن قُدَامَةَ الْإِيَادِيّ فَوَصَلَهَا الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي غَسَّان مَالِك بْن إِسْمَاعِيل عَنْهُ , وَلَفْظه مِثْل رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد , وَأَمَّا مُتَابَعَة سَعِيد بْن زَيْد وَهُوَ أَخُو حَمَّاد بْن زَيْد فَوَصَلَهَا الْحَسَن بْن سُفْيَان فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق أَبِي هِشَام الْمَخْزُومِيّ عَنْهُ قَالَ \" سَمِعْت أَبَا عِمْرَان قَالَ حَدَّثَنَا جُنْدُب \" فَذَكَرَ الْحَدِيث مَرْفُوعًا وَفِي آخِره \" فَإِذَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ فَقُومُوا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَرْفَعهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة وَأَبَانُ ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن سَعِيد الْعَطَّار , أَمَّا رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة فَلَمْ تَقَع لِي مَوْصُولَة , وَأَمَّا رِوَايَة أَبَان فَوَقَعَتْ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ طَرِيق حِبَّان بْن هِلَال عَنْهُ وَلَفْظه \" قَالَ لَنَا جُنْدُب وَنَحْنُ غِلْمَان \" فَذَكَرَهُ لَكِنْ مَرْفُوعًا أَيْضًا , فَلَعَلَّهُ وَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْهُ مَوْقُوفًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة عَنْ أَبِي عِمْرَانَ سَمِعْت جُنْدُبًا قَوْله ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق بُنْدَار عَنْ غُنْدَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن عَوْن عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت عَنْ عُمَر قَوْله ) ‏ ‏اِبْن عَوْن هُوَ عَبْد اللَّه الْبَصْرِيّ الْإِمَام الْمَشْهُور وَهُوَ مِنْ أَقْرَان أَبِي عِمْرَانَ , وَرِوَايَته هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو عُبَيْد عَنْ مُعَاذ بْن مُعَاذ عَنْهُ , وَأَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَجُنْدُب أَصَحّ وَأَكْثَر ) ‏ ‏أَيْ أَصَحّ إِسْنَادًا وَأَكْثَر طَوْقًا , وَهُوَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ الْجَمّ الْغَفِير رَوَوْهُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ جُنْدُب , إِلَّا أَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ , وَالَّذِينَ رَفَعُوهُ ثِقَات حُفَّاظ فَالْحُكْم لَهُمْ. وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن عَوْن فَشَاذَّة لَمْ يُتَابَع عَلَيْهَا , قَالَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي دَاوُدَ : لَمْ يُخْطِئ اِبْن عَوْن قَطُّ إِلَّا فِي هَذَا , وَالصَّوَاب عَنْ جُنْدُب اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن عَوْن حَفِظَهُ وَيَكُون لِأَبِي عِمْرَانَ فِيهِ شَيْخ آخَر وَإِنَّمَا تَوَارَدَ الرُّوَاة عَلَى طَرِيق جُنْدُب لِعُلُوِّهَا وَالتَّصْرِيح بِرَفْعِهَا , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي عِمْرَانَ هَذَا حَدِيثًا آخَر فِي الْمَعْنَى أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق حَمَّاد عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَبَاح عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ \" هَاجَرْت إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَمِعَ رَجُلَيْنِ اِخْتَلَفَا فِي آيَة فَخَرَجَ يُعْرَف الْغَضَب فِي وَجْهه فَقَالَ. إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ بِالِاخْتِلَافِ فِي الْكِتَاب \" وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي أَنْ يَكُون لِطَرِيقِ اِبْن عَوْن أَصْلٌ وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4674",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ آيَةً سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خِلَافَهَا فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ فَاقْرَأَا أَكْبَرُ عِلْمِي قَالَ فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَأُهْلِكُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( النَّزَّال ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَتَشْدِيد الزَّاي وَآخِره لَام ‏ ‏( اِبْن سَبْرَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة الْهِلَالِيّ , تَابِعِيّ كَبِير , وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَهُ صُحْبَة , وَذَهِلَ الْمِزِّيُّ فَجَزَمَ فِي \" الْأَطْرَاف \" بِأَنَّ لَهُ صُحْبَة , وَجَزَمَ فِي \" التَّهْذِيب \" بِأَنَّ لَهُ رِوَايَة عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق مُرْسَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأ آيَة سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ خِلَافهَا ) ‏ ‏هَذَا الرَّجُل يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ أُبَيّ بْن كَعْب , فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّهُ سَمِعَ اِبْن مَسْعُود يَقْرَأ آيَة قَرَأَ خِلَافهَا وَفِيهِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كِلَاكُمَا مُحْسِن \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب أُنْزِلَ الْقُرْآن عَلَى سَبْعَة أَحْرُف \" بَيَان عِدَّة أَلْفَاظ لِهَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَاقْرَآ ) ‏ ‏بِصِيغَةِ الْأَمْر لِلِاثْنَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَكْبَرَ عِلْمِي ) ‏ ‏هَذَا الشَّكّ مِنْ شُعْبَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْد عَنْ حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ شُعْبَة قَالَ \" أَكْبَر عِلْمِي أَنِّي سَمِعْته وَحَدَّثَنِي عَنْهُ مَسْعُود \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ اِخْتَلَفُوا فَأَهْلَكَهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" فَأُهْلِكُوا \" بِضَمِّ أَوَّله , وَعِنْد اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق زِرّ بْن حُبَيْش عَنْ اِبْن مَسْعُود فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ الِاخْتِلَاف \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي مَعْنَى الِاخْتِلَاف فِي حَدِيث جُنْدُب الَّذِي قَبْله. وَفِي رِوَايَة زِرّ الْمَذْكُورَة مِنْ الْفَائِدَة أَنَّ السُّورَة الَّتِي اِخْتَلَفَ فِيهَا أُبَيّ وَابْن مَسْعُود كَانَتْ مِنْ آل حم , وَفِي \" الْمُبْهَمَات \" لِلْخَطِيبِ أَنَّهَا الْأَحْقَاف , وَوَقَعَ عِنْد عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي زِيَادَات الْمُسْنَد فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ اِخْتِلَافهمْ كَانَ فِي عَدَدهَا هَلْ هِيَ خَمْس وَثَلَاثُونَ آيَة أَوْ سِتّ وَثَلَاثُونَ الْحَدِيث , وَفِي هَذَا الْحَدِيث وَالَّذِي قَبْله الْحَضّ عَلَى الْجَمَاعَة وَالْأُلْفَة وَالتَّحْذِير مِنْ الْفُرْقَة وَالِاخْتِلَاف وَالنَّهْي عَنْ الْمِرَاء فِي الْقُرْآن بِغَيْرِ حَقّ , وَمِنْ شَرّ ذَلِكَ أَنْ تَظْهَر دَلَالَة الْآيَة عَلَى شَيْء يُخَالِف الرَّأْي فَيُتَوَسَّل بِالنَّظَرِ وَتَدْقِيقه إِلَى تَأْوِيلهَا وَحَمْلهَا عَلَى ذَلِكَ الرَّأْي وَيَقَع اللِّجَاج فِي ذَلِكَ وَالْمُنَاضَلَة عَلَيْهِ ‏ ‏( خَاتِمَة ) ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب فَضَائِل الْقُرْآن مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى تِسْعَة وَتِسْعِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا وَمَا الْتَحَقَ بِهِ مِنْ الْمُتَابَعَات تِسْعَة عَشَر حَدِيثًا وَالْبَاقِي مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَلَاثَة وَسَبْعُونَ حَدِيثًا وَالْبَاقِي خَالِص , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث أَنَس فِيمَنْ جَمَعَ الْقُرْآن , وَحَدِيث قَتَادَةَ بْن النُّعْمَان فِي فَضْل قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد , وَحَدِيث أَبِي سَعِيد فِي ذَلِكَ , وَحَدِيثه أَيْضًا \" أَيَعْجَزُ أَحَدكُمْ أَنْ يَقْرَأ ثُلُث الْقُرْآن \" وَحَدِيث عَائِشَة فِي قِرَاءَة الْمُعَوِّذَات عِنْد النَّوْم , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِرَاءَته الْمُفَصَّل , وَحَدِيثه \" لَمْ يَتْرُك إِلَّا مَا بَيْن الدَّفَّتَيْنِ \" وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اِثْنَتَيْنِ \" وَحَدِيث عُثْمَان \" إِنَّ خَيْركُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآن \" وَحَدِيث أَنَس \" كَانَتْ قِرَاءَته مَدًّا \" وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود \" أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأ آيَة \". وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ سَبْعَة آثَار. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4675",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ ‏ ‏تَقَالُّوهَا ‏ ‏فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَيْهِمْ فَقَالَ ‏ ‏أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي ‏ ‏لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس , وَهُوَ مِنْ الْمُتَّفَق عَلَيْهِ لَكِنْ مِنْ طَرِيقَيْنِ إِلَى أَنَس. ‏ ‏قَوْله ( جَاءَ ثَلَاثَة رَهْط ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ , وَفِي رِوَايَة ثَابِت عِنْد مُسْلِم \" أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا فَالرَّهْط مِنْ ثَلَاثَة إِلَى عَشَرَة , وَالنَّفَر مِنْ ثَلَاثَة إِلَى تِسْعَة , وَكُلّ مِنْهُمَا اِسْم جَمْع لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه. وَوَقَعَ فِي مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عِنْد عَبْد الرَّزَّاق أَنَّ الثَّلَاثَة الْمَذْكُورِينَ هُمْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ وَعُثْمَان بْن مَظْعُون وَعِنْد اِبْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ طَرِيق الْحَسَن الْعَدَنِيّ \" كَانَ عَلِيّ فِي أُنَاس مِمَّنْ أَرَادُوا أَنْ يُحَرِّمُوا الشَّهَوَات فَنَزَلَتْ الْآيَة فِي الْمَائِدَة \" وَوَقَعَ فِي \" أَسْبَاب الْوَاحِدِيّ \" بِغَيْرِ إِسْنَاد \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ النَّاس وَخَوَّفَهُمْ , فَاجْتَمَعَ عَشَرَة مِنْ الصَّحَابَة - وَهُمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَعَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَأَبُو ذَرّ وَسَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة وَالْمِقْدَاد وَسَلْمَان وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ وَمَعْقِل بْن مُقَرِّن - فِي بَيْت عُثْمَان بْن مَظْعُون , فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَصُومُوا النَّهَار وَيَقُومُوا اللَّيْل وَلَا يَنَامُوا عَلَى الْفُرُش وَلَا يَأْكُلُوا اللَّحْم وَلَا يَقْرَبُوا النِّسَاء وَيَجُبُّوا مَذَاكِيرهمْ \" فَإِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون الرَّهْط الثَّلَاثَة هُمْ الَّذِينَ بَاشَرُوا السُّؤَال فَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ بِخُصُوصِهِمْ تَارَة وَنُسِبَ تَارَة لِلْجَمِيعِ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي طَلَبه , وَيُؤَيِّد أَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَر مِنْ ثَلَاثَة فِي الْجُمْلَة مَا رَوَى مُسْلِم مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن هِشَام أَنَّهُ \" قَدِمَ الْمَدِينَة , فَأَرَادَ أَنْ يَبِيع عَقَاره فَيَجْعَلهُ فِي سَبِيل اللَّه , وَيُجَاهِد الرُّوم حَتَّى يَمُوت , فَلَقِيَ نَاسًا بِالْمَدِينَةِ فَنَهَوْهُ عَنْ ذَلِكَ , وَأَخْبَرُوهُ أَنَّ رَهْطًا سِتَّة أَرَادُوا ذَلِكَ فِي حَيَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَاهُمْ , فَلَمَّا حَدَّثُوهُ ذَلِكَ رَاجَعَ اِمْرَأَته وَكَانَ قَدْ طَلَّقَهَا \" يَعْنِي بِسَبَبِ ذَلِكَ , لَكِنْ فِي عَدِّ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مَعَهُمْ نَظَر , لِأَنَّ عُثْمَان بْن مَظْعُون مَاتَ قَبْل أَنْ يُهَاجِر عَبْد اللَّه فِيمَا أَحْسَب. ‏ ‏قَوْله ( يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ عَلْقَمَة \" فِي السِّرّ \". ‏ ‏قَوْله ( كَأَنَّهُمْ تَقَالّوهَا ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ اللَّام الْمَضْمُومَة أَيْ اِسْتَقَلُّوهَا , وَأَصْل تَقَالّوهَا تَقَالَلُوهَا أَيْ رَأَى كُلّ مِنْهُمْ أَنَّهَا قَلِيلَة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَدْ غَفَرَ اللَّه لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَمَوِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ \" قَدْ غُفِرَ لَهُ \" بِضَمِّ أَوَّله. وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْلَم بِحُصُولِ ذَلِكَ لَهُ يُحْتَاج إِلَى الْمُبَالَغَة فِي الْعِبَادَة عَسَى أَنْ يَحْصُل , بِخِلَافِ مَنْ حَصَلَ لَهُ , لَكِنْ قَدْ بَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ , فَأَشَارَ إِلَى هَذَا بِأَنَّهُ أَشَدّهمْ خَشْيَة وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِمَقَامِ الْعُبُودِيَّة فِي جَانِب الرُّبُوبِيَّة , وَأَشَارَ فِي حَدِيث عَائِشَة وَالْمُغِيرَة - كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاة اللَّيْل - إِلَى مَعْنًى آخَر بِقَوْلِهِ \" أَفَلَا أَكُون عَبْدًا شَكُورًا \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَحَدهمْ أَمَّا أَنَا فَأَنَا أُصَلِّي اللَّيْل أَبَدًا ) ‏ ‏هُوَ قَيْد لِلَّيْلِ لَا لِأُصَلِّيَ , وَقَوْله \" فَلَا أَتَزَوَّج أَبَدًا \" أَكَّدَ الْمُصَلِّي وَمُعْتَزِل النِّسَاء بِالتَّأْبِيدِ وَلَمْ يُؤَكِّد الصِّيَام لِأَنَّهُ لَا بُدّ لَهُ مِنْ فِطْر اللَّيَالِي وَكَذَا أَيَّام الْعِيد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقَالَ بَعْضهمْ لَا أَتَزَوَّج النِّسَاء , وَقَالَ بَعْضهمْ لَا آكُل اللَّحْم , وَقَالَ بَعْضهمْ لَا أَنَام عَلَى الْفِرَاش , وَظَاهِره مِمَّا يُؤَكِّد زِيَادَة عَدَد الْقَائِلِينَ. لِأَنَّ تَرْكَ أَكْل اللَّحْم أَخَصّ مِنْ مُدَاوَمَة الصِّيَام , وَاسْتِغْرَاق اللَّيْل بِالصَّلَاةِ أَخَصّ مِنْ تَرْكِ النَّوْم عَلَى الْفِرَاش. وَيُمْكِن التَّوْفِيق بِضُرُوبٍ مِنْ التَّجَوُّز. ‏ ‏قَوْله ( فَجَاءَ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ مَا بَال أَقْوَام قَالُوا كَذَا ؟ وَيُجْمَع بِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ عُمُومًا جَهْرًا مَعَ عَدَم تَعْيِينهمْ وَخُصُوصًا فِيمَا بَيْنه وَبَيْنهمْ رِفْقًا بِهِمْ وَسَتْرًا لَهُمْ. ‏ ‏قَوْله ( أَمَا وَاللَّه ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ الْمِيم حَرْف تَنْبِيه بِخِلَافِ قَوْله فِي أَوَّل الْخَبَر أَمَّا أَنَا فَإِنَّهَا بِتَشْدِيدِ الْمِيم لِلتَّقْسِيمِ. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى رَدّ مَا بَنَوْا عَلَيْهِ أَمْرَهُمْ مِنْ أَنَّ الْمَغْفُور لَهُ لَا يَحْتَاج إِلَى مَزِيد فِي الْعِبَادَة بِخِلَافِ غَيْره , فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ مَعَ كَوْنه يُبَالِغ فِي التَّشْدِيد فِي الْعِبَادَة أَخْشَى لِلَّهِ وَأَتْقَى مِنْ الَّذِينَ يُشَدِّدُونَ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشَدِّد لَا يَأْمَن مِنْ الْمَلَل بِخِلَافِ الْمُقْتَصِد فَأَنَّهُ أَمْكَنَ لِاسْتِمْرَارِهِ وَخَيْر الْعَمَل مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبه , وَقَدْ أَرْشَد إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر \" الْمُنْبَتّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى \" وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَتَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم شَيْء مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( لَكِنِّي ) ‏ ‏اِسْتِدْرَاك مِنْ شَيْء مَحْذُوف دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاق أَيْ أَنَا وَأَنْتُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيَّ الْعُبُودِيَّة سَوَاء , لَكِنْ أَنَا أَعْمَل كَذَا. ‏ ‏قَوْله ( فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَة لَا الَّتِي تُقَابِل الْفَرْض , وَالرَّغْبَة عَنْ الشَّيْء الْإِعْرَاض عَنْهُ إِلَى غَيْره , وَالْمُرَاد مَنْ تَرَكَ طَرِيقَتِي وَأَخَذَ بِطَرِيقَةِ غَيْرِي فَلَيْسَ مِنِّي , وَلَمَّحَ بِذَلِكَ إِلَى طَرِيق الرَّهْبَانِيَّة فَإِنَّهُمْ الَّذِينَ اِبْتَدَعُوا التَّشْدِيد كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّه تَعَالَى وَقَدْ عَابَهُمْ بِأَنَّهُمْ مَا وَفُّوهُ بِمَا اِلْتَزَمُوهُ , وَطَرِيقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَنِيفِيَّة السَّمْحَة فَيُفْطِر لِيَتَقَوَّى عَلَى الصَّوْم وَيَنَام لِيَتَقَوَّى عَلَى الْقِيَام وَيَتَزَوَّج لِكَسْرِ الشَّهْوَة وَإِعْفَاف النَّفْس وَتَكْثِير النَّسْل. وَقَوْله فَلَيْسَ مِنِّي إِنْ كَانَتْ الرَّغْبَة بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيل يُعْذَر صَاحِبه فِيهِ فَمَعْنَى \" فَلَيْسَ مِنِّي \" أَيْ عَلَى طَرِيقَتِي وَلَا يَلْزَم أَنْ يَخْرُج عَنْ الْمِلَّة وَإِنْ كَانَ إِعْرَاضًا وَتَنَطُّعًا يُفْضِي إِلَى اِعْتِقَاد أَرْجَحِيَّة عَمَله فَمَعْنَى فَلَيْسَ مِنِّي لَيْسَ عَلَى مِلَّتِي لِأَنَّ اِعْتِقَاد ذَلِكَ نَوْع مِنْ الْكُفْر. وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى فَضْلِ النِّكَاح وَالتَّرْغِيب فِيهِ , وَفِيهِ تَتَبُّع أَحُول الْأَكَابِر لِلتَّأَسِّي بِأَفْعَالِهِمْ وَأَنَّهُ إِذَا تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَته مِنْ الرِّجَال جَازَ اِسْتِكْشَافه مِنْ النِّسَاء , وَأَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى عَمَل بِرّ وَاحْتَاجَ إِلَى إِظْهَاره حَيْثُ يَأْمَن الرِّيَاء لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَمْنُوعًا. وَفِيهِ تَقْدِيم الْحَمْد وَالثَّنَاء عَلَى اللَّه عِنْد إِلْقَاء مَسَائِل الْعِلْم وَبَيَان الْأَحْكَام لِلْمُكَلَّفِينَ وَإِزَالَة الشُّبْهَة عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ , وَأَنَّ الْمُبَاحَات قَدْ تَنْقَلِب بِالْقَصْدِ إِلَى الْكَرَاهَة وَالِاسْتِحْبَاب. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : فِيهِ الرَّدّ عَلَى مَنْ مَنَعَ اِسْتِعْمَال الْحَلَال مِنْ الْأَطْعِمَة وَالْمَلَابِس وَآثَرَ غَلِيظ الثِّيَاب وَخَشِن الْمَأْكَل. قَالَ عِيَاض هَذَا مِمَّا اِخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَف فَمِنْهُمْ مَنْ نَحَا إِلَى مَا قَالَ الطَّبَرِيُّ وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُمْ الدُّنْيَا ) قَالَ وَالْحَقّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة فِي الْكُفَّار وَقَدْ أَخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَمْرَيْنِ. قُلْت : لَا يَدُلّ ذَلِكَ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ إِنْ كَانَ الْمُرَاد الْمُدَاوَمَة عَلَى إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ , وَالْحَقّ أَنَّ مُلَازَمَة اِسْتِعْمَال الطَّيِّبَات تُفْضِي إِلَى التَّرَفُّه وَالْبَطَر وَلَا يَأْمَن مِنْ الْوُقُوع فِي الشُّبُهَات لِأَنَّ مَنْ اِعْتَادَ ذَلِكَ قَدْ لَا يَجِدهُ أَحْيَانًا فَلَا يَسْتَطِيع الِانْتِقَال عَنْهُ فَيَقَع فِي الْمَحْظُور كَمَا أَنَّ مَنْعَ تَنَاوُل ذَلِكَ أَحْيَانًا يُفْضِي إِلَى التَّنَطُّع الْمَنْهِيّ عَنْهُ وَيَرُدّ عَلَيْهِ صَرِيح قَوْله تَعَالَى ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ ) كَمَا أَنَّ الْأَخْذ بِالتَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَة يُفْضِي إِلَى الْمَلَل الْقَاطِع لِأَصْلِهَا وَمُلَازَمَة الِاقْتِصَار عَلَى الْفَرَائِض مَثَلًا وَتَرْك التَّنَفُّل يُفْضِي إِلَى إِيثَار الْبَطَالَة وَعَدَم النَّشَاط إِلَى الْعِبَادَة وَخَيْر الْأُمُور الْوَسَط , وَفِي قَوْله إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ مَعَ مَا اِنْضَمَّ إِلَيْهِ إِشَارَة إِلَى ذَلِكَ , وَفِيهِ أَيْضًا إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْعِلْم بِاللَّهِ وَمَعْرِفَة مَا يَجِب مِنْ حَقّه أَعْظَم قَدْرًا مِنْ مُجَرَّد الْعِبَادَة الْبَدَنِيَّة , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4676",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏حَسَّانَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ‏ { ‏وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا ‏ ‏تُقْسِطُوا ‏ ‏فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ‏} ‏قَالَتْ ‏ ‏يَا ابْنَ أُخْتِي الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا فَيَرْغَبُ فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَدْنَى مِنْ سُنَّةِ صَدَاقِهَا فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فَيُكْمِلُوا الصَّدَاقَ وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَلِيّ سَمِعَ حَسَّان بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏لَمْ أَرَ عَلِيًّا هَذَا مَنْسُوبًا فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات , وَلَا نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ وَلَا نَسَبَهُ أَبُو نُعَيْم كَعَادَتِهِ , لَكِنْ جَزَمَ الْمِزِّيُّ تَبَعًا لِأَبِي مَسْعُود بِأَنَّهُ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ , وَكَأَنَّ الْحَامِل عَلَى ذَلِكَ شُهْرَة عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ فِي شُيُوخ الْبُخَارِيّ فَإِذَا أُطْلِقَ اِسْمه كَانَ الْحَمْل عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ غَيْره , وَإِلَّا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ حَسَّان - مِمَّنْ يُسَمَّى عَلِيًّا - عَلِيّ بْن حَجَر وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ أَيْضًا , وَكَانَ حَسَّان الْمَذْكُور قَاضِي كَرْمَانَ , وَوَثَّقَهُ اِبْن مَعِين وَغَيْره , وَلَكِنْ لَهُ أَفْرَاد , قَالَ اِبْن عَدِيّ : هُوَ مِنْ أَهْل الصِّدْق إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا غَلِطَ. قُلْت : وَلَمْ أَرَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ شَيْئًا اِنْفَرَدَ بِهِ , وَقَدْ أَدْرَكَهُ بِالسِّنِّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ لِأَنَّهُ مَاتَ سَنَة سِتّ وَمِائَتَيْنِ قَبْل أَنْ يَرْتَحِل الْبُخَارِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيث الْمَذْكُور فِيهِ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "4677",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ مَعَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَلَقِيَهُ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَخَلَوَا فَقَالَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏هَلْ لَكَ يَا ‏ ‏أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فِي أَنْ نُزَوِّجَكَ بِكْرًا تُذَكِّرُكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ فَلَمَّا رَأَى ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَنْ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى هَذَا أَشَارَ إِلَيَّ فَقَالَ يَا ‏ ‏عَلْقَمَةُ ‏ ‏فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ أَمَا لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ لَقَدْ قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ ‏ ‏الْبَاءَةَ ‏ ‏فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ ‏ ‏وِجَاءٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ , وَهَذَا الْإِسْنَاد مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ أَصَحّ الْأَسَانِيد , وَهِيَ تَرْجَمَة الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَة عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَلِلْأَعْمَشِ فِي هَذَا الْحَدِيث إِسْنَاد آخَر ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه بِإِسْنَادِهِ بِعَيْنِهِ إِلَى الْأَعْمَش. ‏ ‏قَوْله ( كُنْت مَعَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله ( فَلَقِيَهُ عُثْمَان بِمِنًى ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , وَفِي رِوَايَة زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة عَنْ الْأَعْمَش عِنْد اِبْن حِبَّان \" بِالْمَدِينَةِ \" وَهِيَ شَاذَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هِيَ كُنْيَة اِبْن مَسْعُود , وَظَنَّ اِبْن الْمُنَيِّر أَنَّ الْمُخَاطَب بِذَلِكَ اِبْن عُمَر لِأَنَّهَا كُنْيَته الْمَشْهُورَة , وَأَكَّدَ ذَلِكَ عِنْده أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَته مِنْ \" شَرْحِ اِبْن بَطَّال \" عَقِب التَّرْجَمَة \" فِيهِ اِبْن عُمَر , لَقِيَهُ عُثْمَان بِمِنًى \" وَقَصَّ الْحَدِيث. فَكَتَبَ اِبْن الْمُنَيِّر فِي حَاشِيَته : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ اِبْن عُمَر شَدَّدَ عَلَى نَفْسه فِي زَمَن الشَّبَاب , لِأَنَّهُ كَانَ فِي زَمَن عُثْمَان شَابًّا , كَذَا قَالَ , وَلَا مَدْخَل لِابْنِ عُمَر فِي هَذِهِ الْقِصَّة أَصْلًا , بَلْ الْقِصَّة وَالْحَدِيث لِابْنِ مَسْعُود , مَعَ أَنَّ دَعْوَى أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ شَابًّا إِذْ ذَاكَ فِيهِ نَظَر لِمَا سَأُبَيِّنُهُ قَرِيبًا. فَإِنَّهُ كَانَ إِذْ ذَاكَ جَاوَزَ الثَّلَاثِينَ. ‏ ‏قَوْله ( فَخَلَيَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" فَخَلَوَا \" قَالَ اِبْن التِّين : وَهِيَ الصَّوَاب , لِأَنَّهُ وَاوِيّ يَعْنِي مِنْ الْخَلْوَة مِثْل \" دَعَوَا \" قَالَ اللَّه تَعَالَى ( فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّه ) اِنْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عِنْد مُسْلِم. \" إِذْ لَقِيَهُ عُثْمَان فَقَالَ : هَلُمَّ يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَنِ , فَاسْتَخْلَاهُ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ عُثْمَان : هَلْ لَك يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن فِي أَنْ نُزَوِّجك بِكْرًا تُذَكِّرك مَا كُنْت تَعْهَد ) ‏ ‏لَعَلَّ عُثْمَان رَأَى بِهِ قَشَفًا وَرَثَاثَة هَيْئَة فَحَمَلَ ذَلِكَ عَلَى فَقْدِهِ الزَّوْجَة الَّتِي تُرَفِّههُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عِنْد أَحْمَد وَمُسْلِم \" وَلَعَلَّهَا أَنْ تُذَكِّر مَا مَضَى مِنْ زَمَانك \" وَفِي رِوَايَة جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عِنْد مُسْلِم \" لَعَلَّك يَرْجِع إِلَيْك مِنْ نَفْسك مَا كُنْت تَعْهَد \" وَفِي رِوَايَة زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة عِنْد اِبْن حِبَّان \" لَعَلَّهَا أَنْ تُذَكِّرك مَا فَاتَك \" وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مُعَاشَرَة الزَّوْجَة الشَّابَّة تَزِيد فِي الْقُوَّة وَالنَّشَاط , بِخِلَافِ عَكْسهَا فَبِالْعَكْسِ. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا رَأَى عَبْد اللَّه أَنْ لَيْسَ لَهُ حَاجَة إِلَى هَذَا أَشَارَ إِلَيَّ فَقَالَ : يَا عَلْقَمَة فَانْتَهَيْت إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُول أَمَا لَئِنْ قُلْت ذَلِكَ لَقَدْ ) ‏ ‏هَكَذَا عِنْد الْأَكْثَر أَنَّ مُرَاجَعَة عُثْمَان لِابْنِ مَسْعُود فِي أَمْر التَّزْوِيج كَانَتْ قَبْل اِسْتِدْعَائِهِ لِعَلْقَمَةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة جَرِير عِنْد مُسْلِم وَزَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة عِنْد اِبْن حِبَّان بِالْعَكْسِ , وَلَفْظ جَرِير بَعْد قَوْله فَاسْتَخْلَاهُ \" فَلَمَّا رَأَى عَبْد اللَّه أَنْ لَيْسَ لَهُ حَاجَة قَالَ لِي : تَعَالَ يَا عَلْقَمَة , قَالَ فَجِئْت , فَقَالَ لَهُ عُثْمَان : أَلَا نُزَوِّجك \" وَفِي رِوَايَة زَيْد \" فَلَقِيَ عُثْمَان , فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَقَامَا , وَتَنَحَّيْت عَنْهُمَا , فَلَمَّا رَأَى عَبْد اللَّه أَنْ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَة يُسِرّهَا قَالَ : اُدْنُ يَا عَلْقَمَة , فَانْتَهَيْت إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُول : أَلَا نُزَوِّجك \" وَيَحْتَمِل فِي الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ أَنْ يَكُون عُثْمَان أَعَادَ عَلَى اِبْن مَسْعُود مَا كَانَ قَالَ لَهُ بَعْد أَنْ اِسْتَدْعَى عَلْقَمَة , لِكَوْنِهِ فَهِمَ مِنْهُ إِرَادَة إِعْلَام عَلْقَمَة بِمَا كَانَ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( لَقَدْ قَالَ لَنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا مَعْشَر الشَّبَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة زَيْد \" لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَابًا فَقَالَ لَنَا \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" دَخَلْت مَعَ عَلْقَمَة وَالْأَسْوَد عَلَى عَبْد اللَّه , فَقَالَ عَبْد اللَّه : كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَابًا لَا نَجْد شَيْئًا , فَقَالَ لَنَا : يَا مَعْشَر الشَّبَاب \" وَفِي رِوَايَة جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عِنْد مُسْلِم فِي هَذِهِ الطَّرِيق \" قَالَ عَبْد الرَّحْمَن وَأَنَا يَوْمئِذٍ شَابّ , فَحَدَّثَ بِحَدِيثٍ رَأَيْت أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ مِنْ أَجْلِي \" وَفِي رِوَايَة وَكِيع عَنْ الْأَعْمَش \" وَأَنَا أُحَدِّث الْقَوْم \". ‏ ‏قَوْله ( يَا مَعْشَر الشَّبَاب ) الْمَعْشَر جَمَاعَة يَشْمَلهُمْ وَصْف مَا , وَالشَّبَاب جَمْعُ شَابّ وَيُجْمَع أَيْضًا عَلَى شَبَبَة وَشُبَّان بِضَمِّ أَوَّله وَالتَّثْقِيل , وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيّ أَنَّهُ لَمْ يُجْمَع فَاعِل عَلَى فَعَال غَيْره , وَأَصْله الْحَرَكَة وَالنَّشَاط , وَهُوَ اِسْم لِمَنْ بَلَغَ إِلَى أَنْ يُكْمِل ثَلَاثِينَ , هَكَذَا أَطْلَقَ الشَّافِعِيَّة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" يُقَال لَهُ حَدَث إِلَى سِتَّة عَشَر سَنَة , ثُمَّ شَابّ إِلَى اِثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ ثُمَّ كَهْل , وَكَذَا ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الشَّبَاب أَنَّهُ مِنْ لَدُنْ الْبُلُوغ إِلَى اِثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ , وَقَالَ اِبْن شَاس الْمَالِكِيّ فِي \" الْجَوَاهِر \" إِلَى أَرْبَعِينَ , وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْأَصَحّ الْمُخْتَار أَنَّ الشَّابّ مَنْ بَلَغَ وَلَمْ يُجَاوِز الثَّلَاثِينَ , ثُمَّ هُوَ كَهْل إِلَى أَنْ يُجَاوِز الْأَرْبَعِينَ , ثُمَّ هُوَ شَيْخ. وَقَالَ الرُّويَانِيّ وَطَائِفَة : مَنْ جَاوَزَ الثَّلَاثِينَ سُمِّيَ شَيْخًا , زَادَ اِبْن قُتَيْبَة : إِلَى أَنْ يَبْلُغ الْخَمْسِينَ , وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْإِسْفَراييِنِيّ عَنْ الْأَصْحَاب : الْمَرْجِع فِي ذَلِكَ إِلَى اللُّغَة , وَأَمَّا بَيَاض الشَّعْر فَيَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَمْزِجَة. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَة ) ‏ ‏خَصَّ الشَّبَاب بِالْخِطَابِ لِأَنَّ الْغَالِب وُجُود قُوَّة الدَّاعِي فِيهِمْ إِلَى النِّكَاح بِخِلَافِ الشُّيُوخ. وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى مُعْتَبَرًا إِذَا وُجِدَ السَّبَب فِي الْكُهُول وَالشُّيُوخ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( الْبَاءَة ) بِالْهَمْزِ وَتَاء تَأْنِيث مَمْدُود , وَفِيهَا لُغَة أُخْرَى بِغَيْرِ هَمْز وَلَا مَدّ , وَقَدْ يُهْمَز وَيُمَدّ بِلَا هَاء , وَيُقَال لَهَا أَيْضًا الْبَاهَة كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِهَاءٍ بَدَل الْهَمْزَة , وَقِيلَ بِالْمَدِّ الْقُدْرَة عَلَى مُؤَن النِّكَاح وَبِالْقَصْرِ الْوَطْء , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُرَاد بِالْبَاءَةِ النِّكَاح , وَأَصْله الْمَوْضِع الَّذِي يَتَبَوّؤُهُ وَيَأْوِي إِلَيْهِ , وَقَالَ الْمَازِرِيّ : اُشْتُقَّ الْعَقْد عَلَى الْمَرْأَة مِنْ أَصْل الْبَاءَة , لِأَنَّ مِنْ شَأْن مَنْ يَتَزَوَّج الْمَرْأَة أَنْ يُبَوِّئهَا مَنْزِلًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِالْبَاءَةِ هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِد : أَصَحّهمَا أَنَّ الْمُرَاد مَعْنَاهَا اللُّغَوِيّ وَهُوَ الْجِمَاع , فَتَقْدِيره مَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْجِمَاع لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُؤَنه - وَهِيَ مُؤَن النِّكَاح - فَلْيَتَزَوَّجْ , وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْجِمَاع لِعَجْزِهِ عَنْ مُؤَنه فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ لِيَدْفَع شَهْوَته وَيَقْطَع شَرّ مَنِيّه كَمَا يَقْطَعهُ الْوِجَاء , وَعَلَى هَذَا الْقَوْل وَقَعَ الْخِطَاب مَعَ الشَّبَاب الَّذِينَ هُمْ مَظِنَّة شَهْوَة النِّسَاء وَلَا يَنْفَكُّونَ عَنْهَا غَالِبًا. ‏ ‏وَالْقَوْل الثَّانِي أَنَّ الْمُرَاد هُنَا بِالْبَاءَةِ مُؤَن النِّكَاح , سُمِّيَتْ بِاسْمِ مَا يُلَازِمهَا , وَتَقْدِيره مَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ مُؤَن النِّكَاح فَلْيَتَزَوَّجْ , وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَصُمْ لِدَفْعِ شَهْوَته. وَالَّذِي حَمَلَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا عَلَى مَا قَالُوهُ قَوْله \" وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ \" قَالُوا : وَالْعَاجِز عَنْ الْجِمَاع لَا يُحْتَاج إِلَى الصَّوْم لِدَفْعِ الشَّهْوَة , فَوَجَبَ تَأْوِيل الْبَاءَة عَلَى الْمُؤَن. وَانْفَصَلَ الْقَائِلُونَ بِالْأَوَّلِ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّقْدِيرِ الْمَذْكُور اِنْتَهَى. وَالتَّعْلِيل الْمَذْكُور لِلْمَازِرِيّ. وَأَجَابَ عَنْهُ عِيَاض بِأَنَّهُ لَا يَبْعُد أَنْ تَخْتَلِف الِاسْتِطَاعَتَانِ , فَيَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" مَنْ اِسْتَطَاعَ الْبَاءَة \" أَيْ بَلَغَ الْجِمَاع وَقَدَر عَلَيْهِ فَلْيَتَزَوَّجْ. وَيَكُون قَوْله \" وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ \" أَيْ مَنْ لَمْ يَقْدِر عَلَى التَّزْوِيج. قُلْت : وَتَهَيَّأَ لَهُ هَذَا لِحَذْفِ الْمَفْعُول فِي الْمَنْفِيّ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْبَاءَة أَوْ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ التَّزْوِيج , وَقَدْ وَقَعَ كُلّ مِنْهُمَا صَرِيحًا , فَعِنْد التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش \" وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ الْبَاءَة \" وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه مِنْ طَرِيق أَبِي عَوَانَة عَنْ الْأَعْمَش \" مَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَزَوَّج فَلْيَتَزَوَّجْ \" وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي مَعْشَر عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ \" مَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ فَلْيَنْكِحْ \" وَمِثْله لِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيث عَائِشَة , وَلِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيث أَنَس وَأَمَّا تَعْلِيل الْمَازِرِيّ فَيُعَكِّر عَلَيْهِ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى الَّتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه بِلَفْظِ \" كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَابًا لَا نَجِد شَيْئًا \" فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْبَاءَةِ الْجِمَاع , وَلَا مَانِع مِنْ الْحَمْل عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمّ بِأَنْ يُرَاد بِالْبَاءَةِ الْقُدْرَة عَلَى الْوَطْء وَمُؤَن التَّزْوِيج , وَالْجَوَاب عَمَّا اِسْتَشْكَلَهُ الْمَازِرِيّ أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يُرْشِد مَنْ لَا يَسْتَطِيع الْجِمَاع مِنْ الشَّبَاب لِفَرْطِ حَيَاء أَوْ عَدَم شَهْوَة أَوْ عُنَّة مَثَلًا إِلَى مَا يُهَيِّئ لَهُ اِسْتِمْرَار تِلْكَ الْحَالَة , لِأَنَّ الشَّبَاب مَظِنَّة ثَوَرَان الشَّهْوَة الدَّاعِيَة إِلَى الْجِمَاع فَلَا يَلْزَم مِنْ كَسْرِهَا فِي حَالَة أَنْ يَسْتَمِرّ كَسْرُهَا , فَلِهَذَا أَرْشَد إِلَى مَا يَسْتَمِرّ بِهِ الْكَسْر الْمَذْكُور , فَيَكُون قَسَمَ الشَّبَاب إِلَى قِسْمَيْنِ : قِسْمٌ يَتُوقُونَ إِلَيْهِ وَلَهُمْ اِقْتِدَار عَلَيْهِ فَنَدَبَهُمْ إِلَى التَّزْوِيج دَفْعًا لِلْمَحْذُورِ , بِخِلَافِ الْآخَرِينَ فَنَدَبَهُمْ إِلَى أَمْر تَسْتَمِرّ بِهِ حَالَتهمْ , لِأَنَّ ذَلِكَ أَرْفَق بِهِمْ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد وَهِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَجِدُونَ شَيْئًا , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الَّذِي لَا يَجِد أُهْبَة النِّكَاح وَهُوَ تَائِق إِلَيْهِ يُنْدَب لَهُ التَّزْوِيج دَفْعًا لِلْمَحْذُورِ. ‏ ‏قَوْله ( فَلْيَتَزَوَّجْ ) ‏ ‏زَادَ فِي كِتَاب الصِّيَام مِنْ طَرِيق أَبِي حَمْزَة عَنْ الْأَعْمَش هُنَا \" فَإِنَّهُ أَغَضّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَن لِلْفَرْجِ \" وَكَذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة عِنْد جَمِيع مَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيث الْمَذْكُور مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَكَذَا ثَبَتَ بِإِسْنَادِهِ الْآخَر فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَيَغْلِب عَلَى ظَنِّي أَنَّ حَذْفَهَا مِنْ قِبَل حَفْص بْن غِيَاث شَيْخ شَيْخ الْبُخَارِيّ. وَإِنَّمَا آثَرَ الْبُخَارِيّ رِوَايَته عَلَى رِوَايَة غَيْره لِوُقُوعِ التَّصْرِيح فِيهَا مِنْ الْأَعْمَش بِالتَّحْدِيثِ , فَاغْتُفِرَ لَهُ اِخْتِصَار الْمَتْن لِهَذِهِ الْمَصْلَحَة. وَقَوْله \" أَغَضّ \" أَيْ أَشَدّ غَضًّا \" وَأَحْصَن \" أَيْ أَشَدّ إِحْصَانًا لَهُ وَمَنْعًا مِنْ الْوُقُوع فِي الْفَاحِشَة. وَمَا أَلْطَف مَا وَقَعَ لِمُسْلِمٍ حَيْثُ ذَكَرَ عَقِب حَدِيث اِبْن مَسْعُود هَذَا بِيَسِيرِ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ \" إِذَا أَحَدكُمْ أَعْجَبَتْهُ الْمَرْأَة فَوَقَعَتْ فِي قَلْبه فَلْيَعْمِدْ إِلَى اِمْرَأَته فَلْيُوَاقِعْهَا ; فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدّ مَا فِي نَفْسه \" فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى الْمُرَاد مِنْ حَدِيث الْبَاب. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يَحْتَمِل أَنْ تَكُون أَفْعَل عَلَى بَابهَا , فَإِنَّ التَّقْوَى سَبَب لِغَضِّ الْبَصَر وَتَحْصِين الْفَرْج , وَفِي مُعَارَضَتهَا الشَّهَوِيّة الدَّاعِيَة , وَبَعْد حُصُول التَّزْوِيج يَضْعُف هَذَا الْعَارِض فَيَكُون أَغَضّ وَأَحْصَن مِمَّا لَمْ يَكُنْ , لِأَنَّ وُقُوع الْفِعْل مَعَ ضَعْف الدَّاعِي أَنْدَر مِنْ وُقُوعه مِنْ وُجُود الدَّاعِي. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَفْعَل فِيهِ لِغَيْرِ الْمُبَالَغَة بَلْ إِخْبَار عَنْ الْوَاقِع فَقَطْ. ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُغِيرَة عَنْ إِبْرَاهِيم عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" وَمَنْ لَمْ يَقْدِر عَلَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ \" قَالَ الْمَازِرِيّ : فِيهِ إِغْرَاء بِالْغَائِبِ , وَمِنْ أُصُول النَّحْوِيِّينَ أَنْ لَا يُغْرِي الْغَائِب , وَقَدْ جَاءَ شَاذًّا قَوْل بَعْضهمْ عَلَيْهِ رَجُلًا لَيَسْنِي عَلَى جِهَة الْإِغْرَاء. وَتَعَقَّبَهُ عِيَاض بِأَنَّ هَذَا الْكَلَام مَوْجُود لِابْنِ قُتَيْبَة وَالزَّجَّاجِيّ , وَلَكِنْ فِيهِ غَلَط مِنْ أَوْجُه : أَمَّا أَوَّلًا فَمِنْ التَّعْبِير بِقَوْلِهِ لَا إِغْرَاء بِالْغَائِبِ , وَالصَّوَاب فِيهِ إِغْرَاء الْغَائِب , فَأَمَّا الْإِغْرَاء بِالْغَائِبِ فَجَائِز , وَنَصَّ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوز دُونه زَيْدًا وَلَا يَجُوز عَلَيْهِ زَيْدًا عِنْد إِرَادَة غَيْر الْمُخَاطَب , وَإِنَّمَا جَازَ لِلْحَاضِرِ لِمَا فِيهِ مِنْ دَلَالَة الْحَال , بِخِلَافِ الْغَائِب فَلَا يَجُوز لِعَدَمِ حُضُوره وَمَعْرِفَته بِالْحَالَةِ الدَّالَّة عَلَى الْمُرَاد. ‏ ‏وَأَمَّا ثَانِيًا فَإِنَّ الْمِثَال مَا فِيهِ حَقِيقَة الْإِغْرَاء وَإِنْ كَانَتْ صُورَته , فَلَمْ يُرِدْ الْقَائِل تَبْلِيغ الْغَائِب وَإِنَّمَا أَرَادَ الْإِخْبَار عَنْ نَفْسه بِأَنَّهُ قَلِيل الْمُبَالَاة بِالْغَائِبِ , وَمِثْله قَوْلهمْ : إِلَيْك عَنِّي , أَيْ اِجْعَلْ شُغْلك بِنَفْسِك , وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُغْرِيه بِهِ وَإِنَّمَا مُرَاده دَعْنِي وَكُنْ كَمَنْ شُغِلَ عَنِّي. ‏ ‏وَأَمَّا ثَالِثًا فَلَيْسَ فِي الْحَدِيث إِغْرَاء الْغَائِب بَلْ الْخِطَاب لِلْحَاضِرِينَ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ \" مَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ \" فَالْخِصَاء فِي قَوْله \" فَعَلَيْهِ \" لَيْسَتْ لِغَائِبِ وَإِنَّمَا هِيَ لِلْحَاضِرِ الْمُبْهَم , إِذْ لَا يَصِحّ خِطَابه بِالْكَافِ , وَنَظِير هَذَا قَوْله ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى - إِلَى أَنْ قَالَ - فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء ) وَمِثْله لَوْ قُلْت لِاثْنَيْنِ مَنْ قَامَ مِنْكُمَا فَلَهُ دِرْهَم فَالْهَاء لِلْمُبْهَمِ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ لَا لِغَائِبٍ ا ه مُلَخَّصًا. وَقَدْ اِسْتَحْسَنَهُ الْقُرْطُبِيّ. وَهُوَ حَسَن بَالِغ , وَقَدْ تَفَطَّنَ لَهُ الطِّيبِيُّ فَقَالَ : قَالَ أَبُو عُبَيْد قَوْله فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ إِغْرَاء غَائِب , وَلَا تَكَاد الْعَرَب تُغْرِي إِلَّا الشَّاهِد تَقُول عَلَيْك زَيْدًا وَلَا تَقُول عَلَيْهِ زَيْدًا إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث , قَالَ : وَجَوَابه أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الضَّمِير الْغَائِب رَاجِعًا إِلَى لَفْظَة \" مَنْ \" وَهِيَ عِبَارَة عَنْ الْمُخَاطَبِينَ فِي قَوْله \" يَا مَعْشَر الشَّبَاب \" وَبَيَان لِقَوْلِهِ \" مِنْكُمْ \" جَازَ قَوْله \" عَلَيْهِ \" لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخِطَاب. وَقَدْ أَجَابَ بَعْضهمْ بِأَنَّ إِيرَاد هَذَا اللَّفْظ فِي مِثَال إِغْرَاء الْغَائِب هُوَ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظ , وَجَوَاب عِيَاض بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى , وَأَكْثَر كَلَام الْعَرَب اِعْتِبَار اللَّفْظ. كَذَا قَالَ , وَالْحَقّ مَعَ عِيَاض , فَإِنَّ الْأَلْفَاظ تَوَابِع لِلْمَعَانِي , وَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ اللَّفْظ مُجَرَّدًا هُنَا. ‏ ‏قَوْله ( بِالصَّوْمِ ) عَدَلَ عَنْ قَوْله فَعَلَيْهِ بِالْجُوعِ وَقِلَّة مَا يُثِير الشَّهْوَة وَيَسْتَدْعِي طُغْيَان الْمَاء مِنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب إِلَى ذِكْرِ الصَّوْم إِذْ مَا جَاءَ لِتَحْصِيلِ عِبَادَة هِيَ بِرَأْسِهَا مَطْلُوبَة. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمَطْلُوب مِنْ الصَّوْم فِي الْأَصْل كَسْرُ الشَّهْوَة. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُ ) ‏ ‏أَيْ الصَّوْم. ‏ ‏قَوْله ( لَهُ وِجَاء ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْوَاو وَالْمَدّ , أَصْله الْغَمْز , وَمِنْهُ وَجَأَهُ فِي عُنُقه إِذَا غَمَزَهُ دَافِعًا لَهُ , وَوَجَأَهُ بِالسَّيْفِ إِذَا طَعَنَهُ بِهِ , وَوَجَأَ أُنْثَيَيْهِ غَمَزَهُمَا حَتَّى رَضَّهُمَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان الْمَذْكُورَة \" فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء وَهُوَ الْإِخْصَاء \" وَهِيَ زِيَادَة مُدْرَجَة فِي الْخَبَر لَمْ تَقَع إِلَّا فِي طَرِيق زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة هَذِهِ , وَتَفْسِير الْوِجَاء بِالْإِخْصَاءِ فِيهِ نَظَر. فَإِنَّ الْوِجَاء رَضُّ الْأُنْثَيَيْنِ وَالْإِخْصَاء سَلّهمَا , وَإِطْلَاق الْوِجَاء عَلَى الصِّيَام مِنْ مَجَاز الْمُشَابَهَة. وَقَالَ أَبُو عُبَيْد قَالَ بَعْضهمْ وَجَا بِفَتْحِ الْوَاو مَقْصُور , وَالْأَوَّل أَكْثَر. وَقَالَ أَبُو زَيْد لَا يُقَال وَجَاءَ إِلَّا فِيمَا لَمْ يَبْرَأ وَكَانَ قَرِيب الْعَهْد بِذَلِكَ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْجِمَاع فَالْمَطْلُوب مِنْهُ تَرْكُ التَّزْوِيج لِأَنَّهُ أَرْشَدَهُ إِلَى مَا يُنَافِيه وَيُضْعِف دَوَاعِيه. وَأَطْلَقَ بَعْضهمْ أَنَّهُ يُكْرَه فِي حَقّه. وَقَدْ قَسَّمَ الْعُلَمَاء الرَّجُل فِي التَّرْوِيج إِلَى أَقْسَام : ‏ ‏الْأَوَّل التَّائِق إِلَيْهِ الْقَادِر عَلَى مُؤَنه الْخَائِف عَلَى نَفْسه , فَهَذَا يُنْدَب لَهُ النِّكَاح عِنْد الْجَمِيع , وَزَادَ الْحَنَابِلَة فِي رِوَايَة أَنَّهُ يَجِب وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو عَوَانَة الْإِسْفَراييِنِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّة وَصَرَّحَ بِهِ فِي صَحِيحه , وَنَقَلَهُ الْمِصِّيصِيّ فِي \" شَرْح مُخْتَصَر الْجُوَيْنِيّ \" وَجْهًا , وَهُوَ قَوْل دَاوُدَ وَأَتْبَاعه. وَرَدّ عَلَيْهِمْ عِيَاض وَمَنْ تَبِعَهُ بِوَجْهَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا أَنَّ الْآيَة الَّتِي اِحْتَجُّوا بِهَا خَيَّرَتْ بَيْن النِّكَاح وَالتَّسَرِّي - يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ( فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ ) قَالُوا وَالتَّسَرِّي لَيْسَ وَاجِبًا اِتِّفَاقًا فَيَكُون التَّزْوِيج غَيْر وَاجِب إِذْ لَا يَقَع التَّخْيِير بَيْن وَاجِب وَمَنْدُوب , وَهَذَا الرَّدّ مُتَعَقَّب , فَإِنَّ الَّذِينَ قَالُوا بِوُجُوبِهِ قَيَّدُوهُ بِمَا إِذَا لَمْ يَنْدَفِع التَّوَقَان بِالتَّسَرِّي , فَإِذَا لَمْ يَنْدَفِع تَعَيَّنَ التَّزْوِيج , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ اِبْن حَزْم فَقَالَ : وَفُرِضَ عَلَى كُلّ قَادِر عَلَى الْوَطْء إِنْ وَجَدَ مَا يَتَزَوَّج بِهِ أَوْ يَتَسَرَّى أَنْ يَفْعَل أَحَدهمَا , فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَلْيُكْثِرْ مِنْ الصَّوْم , وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة مِنْ السَّلَف. ‏ ‏الْوَجْه الثَّانِي أَنَّ الْوَاجِب عِنْدهمْ الْعَقْد لَا الْوَطْء , وَالْعَقْد بِمُجَرَّدِهِ لَا يَدْفَع مَشَقَّة التَّوَقَان قَالَ : فَمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ لَمْ يَتَنَاوَلهُ الْحَدِيث , وَمَا تَنَاوَلَهُ الْحَدِيث لَمْ يَذْهَبُوا إِلَيْهِ , كَذَا قَالَ , وَقَدْ صَرَّحَ أَكْثَر الْمُخَالِفِينَ بِوُجُوبِ الْوَطْء فَانْدَفَعَ الْإِيرَاد. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : اِحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُوجِبهُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ \" قَالَ : فَلَمَّا كَانَ الصَّوْم الَّذِي هُوَ بَدَله لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَمُبْدَله مِثْله. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَمْر بِالصَّوْمِ مُرَتَّب عَلَى عَدَم الِاسْتِطَاعَة وَلَا اِسْتِحَالَة أَنْ يَقُول الْقَائِل أَوْجَبْت عَلَيْك كَذَا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَأَنْدُبك إِلَى كَذَا. وَالْمَشْهُور عَنْ أَحْمَد أَنَّهُ لَا يَجِب لِلْقَادِرِ التَّائِق إِلَّا إِذَا خَشِيَ الْعَنَت , وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة اِقْتَصَرَ اِبْن هُبَيْرَة. وَقَالَ الْمَازِرِيّ : الَّذِي نَطَقَ بِهِ مَذْهَب مَالِك أَنَّهُ مَنْدُوب , وَقَدْ يَجِب عِنْدنَا فِي حَقّ مَنْ لَا يَنْكَفّ عَنْ الزِّنَا إِلَّا بِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْمُسْتَطِيع الَّذِي يَخَاف الضَّرَر عَلَى نَفْسه وَدِينه مِنْ الْعُزُوبَة بِحَيْثُ لَا يَرْتَفِع عَنْهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالتَّزْوِيجِ لَا يَخْتَلِف فِي وُجُوب التَّزْوِيج عَلَيْهِ. وَنَبَّهَ اِبْن الرِّفْعَة عَلَى صُورَة يَجِب فِيهَا , وَهِيَ مَا إِذَا نَذَرَهُ حَيْثُ كَانَ مُسْتَحَبًّا. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : قَسَّمَ بَعْض الْفُقَهَاء النِّكَاح إِلَى الْأَحْكَام الْخَمْسَة , وَجَعَلَ الْوُجُوب فِيمَا إِذَا خَافَ الْعَنَت وَقَدَرَ عَلَى النِّكَاح وَتَعَذَّرَ التَّسَرِّي - وَكَذَا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ عَنْ بَعْض عُلَمَائِهِمْ وَهُوَ الْمَازِرِيّ قَالَ : فَالْوُجُوب فِي حَقّ مَنْ لَا يَنْكَفّ عَنْ الزِّنَا إِلَّا بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ وَالتَّحْرِيم فِي حَقّ مَنْ يُخِلّ بِالزَّوْجَةِ فِي الْوَطْء وَالْإِنْفَاق مَعَ عَدَم قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَتَوَقَانه إِلَيْهِ. وَالْكَرَاهَة فِي حَقّ مِثْل هَذَا حَيْثُ لَا إِضْرَار بِالزَّوْجَةِ , فَإِنْ اِنْقَطَعَ بِذَلِكَ عَنْ شَيْء مِنْ أَفْعَال الطَّاعَة مِنْ عِبَادَة أَوْ اِشْتِغَال بِالْعِلْمِ اِشْتَدَّتْ الْكَرَاهَة , وَقِيلَ الْكَرَاهَة فِيمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي حَال الْعُزُوبَة أَجْمَع مِنْهُ فِي حَال التَّزْوِيج. وَالِاسْتِحْبَاب فِيمَا إِذَا حَصَلَ بِهِ مَعْنًى مَقْصُودًا مِنْ كَسْرِ شَهْوَة وَإِعْفَاف نَفْس وَتَحْصِين فَرْج وَنَحْو ذَلِكَ. وَالْإِبَاحَة فِيمَا اِنْتَفَتْ الدَّوَاعِي وَالْمَوَانِع. وَمِنْهُمْ مَنْ اِسْتَمَرَّ بِدَعْوَى الِاسْتِحْبَاب فِيمَنْ هَذِهِ صِفَته لِلظَّوَاهِرِ الْوَارِدَة فِي التَّرْغِيب فِيهِ , قَالَ عِيَاض : هُوَ مَنْدُوب فِي حَقّ كُلّ مَنْ يُرْجَى مِنْهُ النَّسْل وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْوَطْء شَهْوَة , لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَإِنِّي مُكَاثِر بِكَمْ \" وَلِظَوَاهِر الْحَضّ عَلَى النِّكَاح وَالْأَمْر بِهِ , وَكَذَا فِي حَقّ مَنْ لَهُ رَغْبَة فِي نَوْع مِنْ الِاسْتِمْتَاع بِالنِّسَاءِ غَيْر الْوَطْء , فَأَمَّا مَنْ لَا يُنْسِل وَلَا أَرَبَ لَهُ فِي النِّسَاء وَلَا فِي الِاسْتِمْتَاع فَهَذَا مُبَاح فِي حَقّه إِذَا عَلِمَتْ الْمَرْأَة بِذَلِكَ وَرَضِيَتْ. وَقَدْ يُقَال : إِنَّهُ مَنْدُوب أَيْضًا لِعُمُومِ قَوْله \" لَا رَهْبَانِيَّة فِي الْإِسْلَام \". وَقَالَ الْغَزَالِيّ فِي الْإِحْيَاء : مَنْ اِجْتَمَعَتْ لَهُ فَوَائِد النِّكَاح وَانْتَفَتْ عَنْهُ آفَاته فَالْمُسْتَحَبّ فِي حَقّه التَّزْوِيج , وَمَنْ لَا فَالتَّرْك لَهُ أَفْضَل , وَمَنْ تَعَارَضَ الْأَمْر فِي حَقّه فَلْيَجْتَهِدْ وَيَعْمَل بِالرَّاجِحِ. قُلْت : الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ كَثِيرَة , فَأَمَّا حَدِيث \" فَإِنِّي مُكَاثِر بِكُمْ \" فَصَحَّ مِنْ حَدِيث أَنَس بِلَفْظِ \" تَزَوَّجُوا الْوَدُود الْوَلُود , فَإِنِّي مُكَاثِر بِكُمْ يَوْم الْقِيَامَة \" أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان , وَذَكَرَهُ الشَّافِعِيّ بَلَاغًا عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" تَنَاكَحُوا تَكَاثَرُوا فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمْ الْأُمَم \" وَلِلْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ \" تَزَوَّجُوا , فَإِنِّي مُكَاثِر بِكُمْ الْأُمَم , وَلَا تَكُونُوا كَرَهْبَانِيَّةِ النَّصَارَى \" وَوَرَدَ \" فَإِنِّي مُكَاثِر بِكُمْ \" أَيْضًا مِنْ حَدِيث الصُّنَابِحِيِّ وَابْن الْأَعْسَر وَمَعْقِل بْن يَسَار وَسَهْل بْن حُنَيْفٍ وَحَرْمَلَة بْن النُّعْمَان وَعَائِشَة وَعِيَاض بْن غَنْمٍ وَمُعَاوِيَة بْن حَيْدَة وَغَيْرهمْ , وَأَمَّا حَدِيث \" لَا رَهْبَانِيَّة فِي الْإِسْلَام \" فَلَمْ أَرَهُ بِهَذَا اللَّفْظ , لَكِنْ فِي حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" إِنَّ اللَّه أَبْدَلَنَا بِالرَّهْبَانِيَّةِ الْحَنِيفِيَّة السَّمْحَة \" وَعَنْ اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" لَا صَرُورَة فِي الْإِسْلَام \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَفِي الْبَاب حَدِيث النَّهْي عَنْ التَّبَتُّل وَسَيَأْتِي فِي بَاب مُفْرَد , وَحَدِيث \" مَنْ كَانَ مُوسِرًا فَلَمْ يَنْكِح فَلَيْسَ مِنَّا \" أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن أَبَا نَجِيح وَجَزَمَ بِأَنَّهُ مُرْسَل , وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْبَغَوِيُّ فِي \" مُعْجَم الصَّحَابَة \" وَحَدِيث طَاوُسٍ \" قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب لِأَبِي الزَّوَائِد : إِنَّمَا يَمْنَعك مِنْ التَّزْوِيج عَجْز أَوْ فُجُور , أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَاب الْأَوَّل الْإِشَارَة إِلَى حَدِيث عَائِشَة \" النِّكَاح سُنَّتِي , فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي \" وَأَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَنَس رَفَعَهُ \" مَنْ رَزَقَهُ اللَّه اِمْرَأَة صَالِحَة فَقَدْ أَعَانَهُ عَلَى شَطْرِ دِينه , فَلْيَتَّقِ اللَّه فِي الشَّطْر الثَّانِي \" وَهَذِهِ الْأَحَادِيث وَإِنْ كَانَ فِي الْكَثِير مِنْهَا ضَعْف فَمَجْمُوعهَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ لَمَّا يَحْصُل بِهِ الْمَقْصُود مِنْ التَّرْغِيب فِي التَّزْوِيج أَصْلًا , لَكِنْ فِي حَقّ مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ النَّسْل كَمَا تَقَدَّمَ , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا إِرْشَاد الْعَاجِز عَنْ مُؤَن النِّكَاح إِلَى الصَّوْم , لِأَنَّ شَهْوَة النِّكَاح تَابِعَة لِشَهْوَةِ الْأَكْل تَقْوَى بِقُوَّتِهِ وَتَضْعُف بِضَعْفِهِ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ عَلَى جَوَاز الْمُعَالَجَة لِقَطْعِ شَهْوَة النِّكَاح بِالْأَدْوِيَةِ , وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ فِي \" شَرْح السُّنَّة \" , وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل عَلَى دَوَاء يُسَكِّن الشَّهْوَة دُون مَا يَقْطَعهَا أَصَالَة لِأَنَّهُ قَدْ يَقْدِر بَعْد فَيَنْدَم لِفَوَاتِ ذَلِكَ فِي حَقّه , وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّة بِأَنَّهُ لَا يَكْسِرهَا بِالْكَافُورِ وَنَحْوه , وَالْحُجَّة فِيهِ أَنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى مَنْع الْجَبّ وَالْخِصَاء فَيَلْحَق بِذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ التَّدَاوِي بِالْقَطْعِ أَصْلًا , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَقْصُود مِنْ النِّكَاح الْوَطْء وَلِهَذَا شُرِعَ الْخِيَار فِي الْعُنَّة. وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى غَضّ الْبَصَر وَتَحْصِين الْفَرْج بِكُلِّ مُمْكِن وَعَدَم التَّكْلِيف بِغَيْرِ الْمُسْتَطَاع , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ حُظُوظ النُّفُوس وَالشَّهَوَات لَا تَتَقَدَّم عَلَى أَحْكَام الشَّرْع بَلْ هِيَ دَائِرَة مَعَهَا , وَاسْتَنْبَطَ الْقَرَافِيّ مِنْ قَوْله \" فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء \" أَنَّ التَّشْرِيك فِي الْعِبَادَة لَا يَقْدَح فِيهَا بِخِلَافِ الرِّيَاء , لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالصَّوْمِ الَّذِي هُوَ قُرْبَة وَهُوَ بِهَذَا الْقَصْد صَحِيح مُثَاب عَلَيْهِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَأَرْشَدَ إِلَيْهِ لِتَحْصِيلِ غَضّ الْبَصَر وَكَفّ الْفَرْج عَنْ الْوُقُوع فِي الْمُحَرَّم ا ه. فَإِنْ أَرَادَ تَشْرِيك عِبَادَة بِعِبَادَةٍ أُخْرَى فَهُوَ كَذَلِكَ وَلَيْسَ مَحَلّ النِّزَاع. وَإِنْ أَرَادَ تَشْرِيك الْعِبَادَة بِأَمْرٍ مُبَاح فَلَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يُسَاعِدهُ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الْمَالِكِيَّة عَلَى تَحْرِيم الِاسْتِمْنَاء لِأَنَّهُ أَرْشَد عِنْد الْعَجْز عَنْ التَّزْوِيج إِلَى الصَّوْم الَّذِي يَقْطَع الشَّهْوَة , فَلَوْ كَانَ الِاسْتِمْنَاء مُبَاحًا لَكَانَ الْإِرْشَاد إِلَيْهِ أَسْهَل. وَتُعُقِّبَ دَعْوَى كَوْنه أَسْهَلَ لِأَنَّ التَّرْك أَسْهَل مِنْ الْفِعْل. وَقَدْ أَبَاحَ الِاسْتِمْنَاء طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء , وَهُوَ عِنْد الْحَنَابِلَة وَبَعْض الْحَنَفِيَّة لِأَجْلِ تَسْكِين الشَّهْوَة , وَفِي قَوْل عُثْمَان لِابْنِ مَسْعُود \" أَلَا نُزَوِّجك شَابَّة \" اِسْتِحْبَاب نِكَاح الشَّابَّة وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ بِكْرًا , وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِيهِ بَعْد أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "4678",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَارَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ مَعَ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏وَالْأَسْوَدِ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ ‏ ‏الْبَاءَةَ ‏ ‏فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ ‏ ‏أَغَضُّ ‏ ‏لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ ‏ ‏وِجَاءٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4679",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏قَالَ حَضَرْنَا مَعَ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏جِنَازَةَ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏بِسَرِفَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏هَذِهِ زَوْجَةُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلَا تُزَعْزِعُوهَا وَلَا تُزَلْزِلُوهَا وَارْفُقُوا فَإِنَّهُ ‏ ‏كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تِسْعٌ كَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ وَلَا يَقْسِمُ ‏ ‏لِوَاحِدَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَطَاء قَالَ \" حَضَرْنَا مَعَ اِبْن عَبَّاس جِنَازَة مَيْمُونَة \" ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن بَكْر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( بِسَرِف ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الرَّاء بَعْدهَا فَاء : مَكَان مَعْرُوف بِظَاهِرِ مَكَّة , تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْحَجّ , وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ يَزِيد بْن الْأَصَمّ قَالَ \" دَفَنَّا مَيْمُونَة بِسَرِف فِي الظُّلَّة الَّتِي بَنَى بِهَا فِيهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ يَزِيد بْن الْأَصَمّ قَالَ \" صَلَّى عَلَيْهَا اِبْن عَبَّاس , وَنَزَلَ فِي قَبْرهَا عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن الْوَلِيد \". قُلْت : وَهِيَ خَالَة أَبِيهِ \" وَعُبَيْد اللَّه الْخَوْلَانِيّ \". قُلْت : وَكَانَ فِي حِجْرهَا \" وَيَزِيد بْن الْأَصَمّ \". قُلْت : وَهِيَ خَالَته كَمَا هِيَ خَالَة اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشهَا ) ‏ ‏بِعَيْنٍ مُهْمَلَة وَشِين مُعْجَمَة : السَّرِير الَّذِي يُوضَع عَلَيْهِ الْمَيِّت. ‏ ‏قَوْله ( فَلَا تُزَعْزِعُوهَا ) ‏ ‏بِزَاءَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ وَعَيْنَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ , وَالزَّعْزَعَة تَحْرِيك الشَّيْء الَّذِي يُرْفَع. وَقَوْله \" وَلَا تُزَلْزِلُوهَا \" الزَّلْزَلَة الِاضْطِرَاب. ‏ ‏قَوْله ( وَارْفُقُوا ) ‏ ‏إِشَارَة إِلَى أَنَّ مُرَاده السَّيْر الْوَسَط الْمُعْتَدِل , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ حُرْمَة الْمُؤْمِن بَعْد مَوْته بَاقِيَة كَمَا كَانَتْ فِي حَيَاته , وَفِيهِ حَدِيث \" كَسْر عَظْم الْمُؤْمِن مَيِّتًا كَكَسْرِهِ حَيًّا \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُ كَانَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْع نِسْوَة ) ‏ ‏أَيْ عِنْد مَوْته , وَهُنَّ سَوْدَة وَعَائِشَة وَحَفْصَة وَأُمّ سَلَمَة وَزَيْنَب بِنْت جَحْش وَأُمّ حَبِيبَة وَجُوَيْرِيَّة وَصَفِيَّة وَمَيْمُونَة. هَذَا تَرْتِيب تَزْوِيجه إِيَّاهُنَّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُنَّ , وَمَاتَ وَهُنَّ فِي عِصْمَته. وَاخْتُلِفَ فِي رَيْحَانَة هَلْ كَانَتْ زَوْجَة أَوْ سُرِّيَّة , وَهَلْ مَاتَتْ قَبْله أَوْ لَا ؟ ‏ ‏قَوْله ( كَانَ يَقْسِم لِثَمَانٍ وَلَا يَقْسِم لِوَاحِدَةٍ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته \" قَالَ عَطَاء : الَّتِي لَا يُقْسَم لَهَا صَفِيَّة بِنْت حُيَيّ بْن أَخْطَبَ \" قَالَ عِيَاض قَالَ الطَّحَاوِيُّ : هَذَا وَهْم وَصَوَابه سَوْدَة كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا وَهَبَتْ يَوْمهَا لِعَائِشَة. وَإِنَّمَا غَلِطَ فِيهِ اِبْن جُرَيْجٍ رَاوِيه عَنْ عَطَاء كَذَا قَالَ , قَالَ عِيَاض : قَدْ ذَكَرُوا فِي قَوْله تَعَالَى ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ) أَنَّهُ آوَى عَائِشَة وَحَفْصَة وَزَيْنَب وَأُمّ سَلَمَة فَكَانَ يُسْتَوْفَى لَهُنَّ الْقَسْم , وَأَرْجَأَ سَوْدَة وَجُوَيْرِيَّة وَأُمّ حَبِيبَة وَمَيْمُونَة وَصَفِيَّة فَكَانَ يَقْسِم لَهُنَّ مَا شَاءَ , قَالَ : فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ صَحِيحَة وَيَكُون ذَلِكَ فِي آخِر أَمْرِهِ حَيْثُ آوَى الْجَمِيع فَكَانَ يَقْسِم لِجَمِيعِهِنَّ إِلَّا لِصَفِيَّة. قُلْت : قَدْ أَخْرَجَ اِبْن سَعْد مِنْ ثَلَاثَة طُرُق أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِم لِصَفِيَّة كَمَا يَقْسِم لِنِسَائِهِ , لَكِنْ فِي الْأَسَانِيد الثَّلَاثَة الْوَاقِدِيُّ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَقَدْ تَعَصَّبَ مُغَلْطَايْ لِلْوَاقِدِيّ فَنَقَلَ كَلَامَ مَنْ قَوَّاهُ وَوَثَّقَهُ وَسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ مَنْ وَهَّاهُ وَاتَّهَمَهُ وَهُمْ أَكْثَر عَدَدًا وَأَشَدّ إِتْقَانًا وَأَقْوَى مَعْرِفَة بِهِ مِنْ الْأَوَّلِينَ , وَمِنْ جُمْلَة مَا قَوَّاهُ بِهِ أَنَّ الشَّافِعِيّ رَوَى عَنْهُ. وَقَدْ أَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ كَذَّبَهُ , وَلَا يُقَال فَكَيْف رَوَى عَنْهُ لِأَنَّا نَقُول : رِوَايَة الْعَدْل لَيْسَتْ بِمُجَرَّدِهَا تَوْثِيقًا , فَقَدْ رَوَى أَبُو حَنِيفَة عَنْ جَابِر الْجُعْفِيِّ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مَا رَأَيْت أَكْذَب مِنْهُ , فَيَتَرَجَّح أَنَّ مُرَاد اِبْن عَبَّاس بِالَّتِي لَا يَقْسِم لَهَا سَوْدَة كَمَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ , لِحَدِيثِ عَائِشَة \" إِنَّ سَوْدَة وَهَبَتْ يَوْمهَا لِعَائِشَة , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِم لِعَائِشَة يَوْمهَا وَيَوْم سَوْدَة \" وَسَيَأْتِي فِي بَاب مُفْرَد وَهُوَ قَبْل كِتَاب الطَّلَاق بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ بَابًا وَيَأْتِي بَسْطُ الْقِصَّة هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يُقَال لَا يَلْزَم مِنْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَبِيت عِنْد سَوْدَة أَنْ لَا يَقْسِم لَهَا , بَلْ كَانَ يَقْسِم لَهَا لَكِنْ يَبِيت عِنْد عَائِشَة لِمَا وَقَعَ مِنْ تِلْكَ الْهِبَة. نَعَمْ يَجُوز نَفْي الْقَسْمِ عَنْهَا مَجَازًا , وَالرَّاجِح عِنْدِي مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح , وَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ حَذَفَ هَذِهِ الزِّيَادَة عَمْدًا. وَقَدْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم أَيْضًا فِيهِ زِيَادَة أُخْرَى مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ , قَالَ عَطَاء : وَكَانَتْ آخِرهنَّ مَوْتًا مَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ. كَذَا قَالَ , فَأَمَّا كَوْنهَا آخِرهنَّ مَوْتًا فَقَدْ وَافَقَ عَلَيْهِ اِبْن سَعْد وَغَيْره قَالُوا : وَكَانَتْ وَفَاتهَا سَنَة إِحْدَى وَسِتِّينَ , وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا : مَاتَتْ سَنَة سِتّ وَخَمْسِينَ , وَيُعَكِّر عَلَيْهِ أَنَّ أُمّ سَلَمَة عَاشَتْ إِلَى قَتْلِ الْحُسَيْن بْن عَلِيّ وَكَانَ قَتْله يَوْم عَاشُورَاء سَنَة إِحْدَى وَسِتِّينَ , وَقِيلَ بَلْ مَاتَتْ أُمّ سَلَمَة سَنَة تِسْع وَخَمْسِينَ , وَالْأَوَّل أَرْجَح. وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُونَا مَاتَتَا فِي سَنَة وَاحِدَة لَكِنْ تَأَخَّرَتْ مَيْمُونَة. وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا إِنَّهَا مَاتَتْ سَنَة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَقِيلَ , سَنَة سِتّ وَسِتِّينَ , وَعَلَى هَذَا لَا تَرْدِيد فِي آخِرِيّتهَا فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْله : وَمَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ , فَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ عِيَاض فَقَالَ : ظَاهِره أَنَّهُ أَرَادَ مَيْمُونَة , كَيْف يَلْتَئِم مَعَ قَوْله فِي أَوَّل الْحَدِيث إِنَّهَا مَاتَتْ بِسَرِف , وَسَرِف مِنْ مَكَّة بِلَا خِلَاف , فَيَكُون قَوْله بِالْمَدِينَةِ وَهْمًا. قُلْت : يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالْمَدِينَةِ الْبَلَد وَهِيَ مَكَّة. وَالَّذِي فِي أَوَّل الْحَدِيث أَنَّهُمْ حَضَرُوا جِنَازَتهَا بِسَرِف , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا مَاتَتْ بِسَرِف فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مَاتَتْ دَاخِل مَكَّة وَأَوْصَتْ أَنْ تُدْفَن بِالْمَكَانِ الَّذِي دَخَلَ بِهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ فَنَفَّذَ اِبْن عَبَّاس وَصِيَّتهَا , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ اِبْن سَعْد لَمَّا ذَكَرَ حَدِيث اِبْن جُرَيْجٍ هَذَا قَالَ بَعْده : وَقَالَ غَيْر اِبْن جُرَيْجٍ فِي هَذَا الْحَدِيث تُوُفِّيَتْ بِمَكَّة فَحَمَلَهَا اِبْن عَبَّاس حَتَّى دَفَنَهَا بِسَرِف. ‏"
    },
    {
        "id": "4680",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ ‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏حَدَّثَهُمْ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَطُوف عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَة بِغُسْلٍ وَاحِد وَلَهُ تِسْع نِسْوَة \" وَتَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْغُسْل , وَهُوَ ظَاهِر فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ , وَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مِنْ خَصَائِصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزِّيَادَة عَلَى أَرْبَع نِسْوَة يَجْمَع بَيْنهنَّ , وَاخْتَلَفُوا هَلْ لِلزِّيَادَةِ اِنْتِهَاء أَوْ لَا , وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْقَسْم لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ. وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي بَابه. وَقَوْله \" وَقَالَ لِي خَلِيفَة إِلَخْ \" قَصَدَ بِهِ بَيَان تَصْرِيح قَتَادَةَ بِتَحْدِيثِ أَنَس لَهُ بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4681",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَقَبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَلْحَةَ الْيَامِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏هَلْ تَزَوَّجْتَ قُلْتُ لَا قَالَ فَتَزَوَّجْ فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحَكَم الْأَنْصَارِيّ ) ‏ ‏هُوَ الْمَرْوَزِيُّ , مَاتَ سَنَة سِتّ وَعِشْرِينَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ رَقَبَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَالْمُوَحَّدَة هُوَ اِبْن مِصْقَلَة بِصَادٍ مُهْمَلَة سَاكِنَة ثُمَّ قَاف وَيُقَال بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة بَدَل الصَّاد , وَطَلْحَة هُوَ اِبْن مُصَرِّف الْيَامِيّ بِتَحْتَانِيَّةٍ مُخَفَّفًا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لِي اِبْن عَبَّاس هَلْ تَزَوَّجْت ؟ قُلْت لَا ) ‏ ‏زَادَ فِيهِ أَحْمَد بْن مَنِيع فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر \" قَالَ لِي اِبْن عَبَّاس وَذَلِكَ قَبْل أَنْ يَخْرُج وَجْهِي - أَيْ قَبْل أَنْ يَلْتَحِي - هَلْ تَزَوَّجْت ؟ قُلْت لَا , وَمَا أُرِيدُ ذَلِكَ يَوْمِي هَذَا \" وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق أَبِي بِشْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر \" قَالَ لِي اِبْن عَبَّاس : هَلْ تَزَوَّجْت ؟ قُلْت مَا ذَاكَ فِي \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّ خَيْر هَذِهِ الْأُمَّة أَكْثَرهَا نِسَاء ) ‏ ‏قَيَّدَ بِهَذِهِ الْأُمَّة لِيَخْرُج مِثْل سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام , فَإِنَّهُ كَانَ أَكْثَر نِسَاء كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَته , وَكَذَلِكَ أَبُوهُ دَاوُدَ , وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" تَزَوَّجُوا فَإِنَّ خَيْرنَا كَانَ أَكْثَرنَا نِسَاء \" قِيلَ الْمَعْنَى خَيْر أُمَّة مُحَمَّد مَنْ كَانَ أَكْثَر نِسَاء مِنْ غَيْره مِمَّنْ يَتَسَاوَى مَعَهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْفَضَائِل. وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ مُرَاد اِبْن عَبَّاس بِالْخَيْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِالْأُمَّةِ أَخِصّاء أَصْحَابه ; وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ تَرْكَ التَّزْوِيج مَرْجُوح , إِذْ لَوْ كَانَ رَاجِحًا مَا آثَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْره , وَكَانَ مَعَ كَوْنه أَخْشَى النَّاس لِلَّهِ وَأَعْلَمهمْ بِهِ يُكْثِر التَّزْوِيج لِمَصْلَحَةِ تَبْلِيغ الْأَحْكَام الَّتِي لَا يَطَّلِع عَلَيْهَا الرِّجَال , وَلِإِظْهَارِ الْمُعْجِزَة الْبَالِغَة فِي خَرْقِ الْعَادَة لِكَوْنِهِ كَانَ لَا يَجِد مَا يَشْبَع بِهِ مِنْ الْقُوت غَالِبًا , وَإِنْ وَجَدَ كَانَ يُؤْثِر بِأَكْثَرِهِ , وَيَصُوم كَثِيرًا وَيُوَاصِل , وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يَطُوف عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَة الْوَاحِدَة , وَلَا يُطَاق ذَلِكَ إِلَّا مَعَ قُوَّة الْبَدَن , وَقُوَّة الْبَدَن كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل أَحَادِيث الْبَاب تَابِعَة لِمَا يَقُوم بِهِ مِنْ اِسْتِعْمَال الْمُقَوِّيَات مِنْ مَأْكُول وَمَشْرُوب , وَهِيَ عِنْده نَادِرَة أَوْ مَعْدُومَة. وَوَقَعَ فِي \" الشِّفَاء \" أَنَّ الْعَرَب كَانَتْ تَمْدَح بِكَثْرَةِ النِّكَاح لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرُّجُولِيَّة , إِلَى أَنْ قَالَ : وَلَمْ تَشْغَلهُ كَثْرَتهنَّ عَنْ عِبَادَة رَبّه , بَلْ زَادَهُ ذَلِكَ عِبَادَة لِتَحْصِينِهِنَّ وَقِيَامه بِحُقُوقِهِنَّ وَاكْتِسَابه لَهُنَّ وَهِدَايَته إِيَّاهُنَّ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّحْصِينِ قَصْر طَرْفهنَّ عَلَيْهِ فَلَا يَتَطَلَّعْنَ إِلَى غَيْره , بِخِلَافِ الْعُزْبَة فَإِنَّ الْعَفِيفَة تَتَطَلَّع بِالطَّبْعِ الْبَشَرِيّ إِلَى التَّزْوِيج , وَذَلِكَ هُوَ الْوَصْف اللَّائِق بِهِنَّ. وَالَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ كَلَام أَهْل الْعِلْم فِي الْحِكْمَة فِي اِسْتِكْثَاره مِنْ النِّسَاء عَشَرَة أَوْجُه تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى بَعْضهَا. ‏ ‏أَحَدهَا أَنْ يُكْثِر مَنْ يُشَاهِد أَحْوَاله الْبَاطِنَة فَيَنْتَفِي عَنْهُ مَا يَظُنّ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَنَّهُ سَاحِر أَوْ غَيْر ذَلِكَ. ‏ ‏ثَانِيهَا لِتَتَشَرَّف بِهِ قَبَائِل الْعَرَب بِمُصَاهَرَتِهِ فِيهِمْ. ‏ ‏ثَالِثهَا لِلزِّيَادَةِ فِي تَأَلُّفهمْ لِذَلِكَ. ‏ ‏رَابِعهَا لِلزِّيَادَةِ فِي التَّكْلِيف حَيْثُ كُلِّفَ أَنْ لَا يَشْغَلهُ مَا حُبِّبَ إِلَيْهِ مِنْهُنَّ عَنْ الْمُبَالَغَة فِي التَّبْلِيغ. ‏ ‏خَامِسهَا لِتَكْثُر عَشِيرَته مِنْ جِهَة نِسَائِهِ فَتُزَاد أَعْوَانه عَلَى مَنْ يُحَارِبهُ. ‏ ‏سَادِسهَا نَقْل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الَّتِي لَا يَطَّلِع عَلَيْهَا الرِّجَال , لِأَنَّ أَكْثَر مَا يَقَع مَعَ الزَّوْجَة مِمَّا شَأْنه أَنْ يَخْتَفِي مِثْله. ‏ ‏سَابِعهَا الِاطِّلَاع عَلَى مَحَاسِن أَخْلَاقه الْبَاطِنَة , فَقَدْ تَزَوَّجَ أُمّ حَبِيبَة وَأَبُوهَا إِذْ ذَاكَ يُعَادِيه , وَصَفِيَّة بَعْد قَتْلِ أَبِيهَا وَعَمّهَا وَزَوْجهَا , فَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَكْمَل الْخَلْق فِي خُلُقه لَنَفَرْنَ مِنْهُ , بَلْ الَّذِي وَقَعَ أَنَّهُ كَانَ أَحَبّ إِلَيْهِنَّ مِنْ جَمِيع أَهْلهنَّ. ‏ ‏ثَامِنهَا مَا تَقَدَّمَ مَبْسُوطًا مِنْ خَرْقِ الْعَادَة لَهُ فِي كَثْرَة الْجِمَاع مَعَ التَّقَلُّل مِنْ الْمَأْكُول وَالْمَشْرُوب وَكَثْرَة الصِّيَام وَالْوِصَال , وَقَدْ أَمَرَ مَنْ لَمْ يَقْدِر عَلَى مُؤَن النِّكَاح بِالصَّوْمِ , وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ كَثْرَته تَكْسِر شَهْوَته فَانْخَرَقَتْ هَذِهِ الْعَادَة فِي حَقّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏تَاسِعهَا وَعَاشِرهَا مَا تَقَدَّمَ نَقْله عَنْ صَاحِب \" الشِّفَاء \" مِنْ تَحْصِينهنَّ وَالْقِيَام بِحُقُوقِهِنَّ , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد بْن مَنِيع مِنْ الزِّيَادَة فِي آخِره \" أَمَا إِنَّهُ يُسْتَخْرَج مِنْ صُلْبك مَنْ كَانَ مُسْتَوْدَعًا \" وَفِي الْحَدِيث الْحَضّ عَلَى التَّزَوُّج وَتَرْك الرَّهْبَانِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "4682",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعَمَلُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4683",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا ‏ ‏نَسْتَخْصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4684",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏فَآخَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَهُ وَبَيْنَ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏وَعِنْدَ ‏ ‏الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏امْرَأَتَانِ ‏ ‏فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ فَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ فَأَتَى السُّوقَ فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَشَيْئًا مِنْ سَمْنٍ فَرَآهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ ‏ ‏وَضَرٌ ‏ ‏مِنْ صُفْرَةٍ فَقَالَ ‏ ‏مَهْيَمْ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَقَالَ تَزَوَّجْتُ ‏ ‏أَنْصَارِيَّةً ‏ ‏قَالَ فَمَا سُقْتَ إِلَيْهَا قَالَ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4685",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ‏ ‏التَّبَتُّلَ ‏ ‏وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ ‏ ‏يَعْنِي النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ‏ ‏وَلَوْ أَجَازَ لَهُ ‏ ‏التَّبَتُّلَ ‏ ‏لَاخْتَصَيْنَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص فِي قِصَّة عُثْمَان بْن مَظْعُون أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ إِلَى اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيِّ , وَقَدْ أَوْرَدَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب بِلَفْظِ \" أَرَادَ عُثْمَان بْن مَظْعُون أَنْ يَتَبَتَّل , فَنَهَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَعَرَفَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله \" رَدَّ عَلَى عُثْمَان \" أَيْ لَمْ يَأْذَن لَهُ بَلْ نَهَاهُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث عُثْمَان بْن مَظْعُون نَفْسه \" أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُول اللَّه إِنِّي رَجُل يَشُقّ عَلَيَّ الْعُزُوبَة , فَأْذَنْ لِي فِي الْخِصَاء. قَالَ : لَا , وَلَكِنْ عَلَيْك بِالصِّيَامِ \" الْحَدِيث. وَمِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْعَاصِ \" أَنَّ عُثْمَان قَالَ : يَا رَسُول اللَّه اِئْذَنْ لِي فِي الِاخْتِصَاء , فَقَالَ : إِنَّ اللَّه قَدْ أَبْدَلَنَا بِالرَّهْبَانِيَّةِ الْحَنِيفِيَّة السَّمْحَة \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الَّذِي طَلَبَهُ عُثْمَان هُوَ الِاخْتِصَاء حَقِيقَة فَعَبَّرَ عَنْهُ الرَّاوِي بِالتَّبَتُّلِ لِأَنَّهُ يَنْشَأ عَنْهُ , فَلِذَلِكَ قَالَ \" وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا \" وَيَحْتَمِل عَكْسه وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِ سَعْد \" وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا \" لَفَعَلْنَا فِعْلَ مَنْ يَخْتَصِي وَهُوَ الِانْقِطَاع عَنْ النِّسَاء. قَالَ الطَّبَرِيُّ : التَّبَتُّل الَّذِي أَرَادَهُ عُثْمَان بْن مَظْعُون تَحْرِيم النِّسَاء وَالطِّيب وَكُلّ مَا يُلْتَذّ بِهِ , فَلِهَذَا أَنْزَلَ فِي حَقّه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَات مَا أَحَلَّ اللَّه لَكُمْ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَاب الْأَوَّل مِنْ كِتَاب النِّكَاح تَسْمِيَة مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ مَعَ عُثْمَان بْن مَظْعُون وَمَنْ وَافَقَهُ , وَكَانَ عُثْمَان مِنْ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَام , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّته مَعَ لَبِيد بْن رَبِيعَة فِي كِتَاب الْمَبْعَث , وَتَقَدَّمَتْ قِصَّة وَفَاته فِي كِتَاب الْجَنَائِز , وَكَانَتْ فِي ذِي الْحَجَّة سَنَة اِثْنَتَيْنِ مِنْ الْهِجْرَة , وَهُوَ أَوَّل مِنْ دُفِنَ بِالْبَقِيعِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْله \" وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا \" كَانَ الظَّاهِر أَنْ يَقُول وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَتَبَتَّلْنَا , لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ هَذَا الظَّاهِر إِلَى قَوْله \" لَاخْتَصَيْنَا \" لِإِرَادَةِ الْمُبَالَغَة , أَيْ لَبَالَغْنَا فِي التَّبَتُّل حَتَّى يُفْضِي بِنَا الْأَمْر إِلَى الِاخْتِصَاء , وَلَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَة الِاخْتِصَاء لِأَنَّهُ حَرَام , وَقِيلَ بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِره , وَكَانَ ذَلِكَ قَبْل النَّهْي عَنْ الِاخْتِصَاء , وَيُؤَيِّدهُ تَوَارُد اِسْتِئْذَان جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ كَأَبِي هُرَيْرَة وَابْن مَسْعُود وَغَيْرهمَا , وَإِنَّمَا كَانَ التَّعْبِير بِالْخِصَاءِ أَبْلَغ مِنْ التَّعْبِير بِالتَّبَتُّلِ لِأَنَّ وُجُود الْآلَة يَقْتَضِي اِسْتِمْرَار وُجُود الشَّهْوَة , وَوُجُود الشَّهْوَة يُنَافِي الْمُرَاد مِنْ التَّبَتُّل , فَيَتَعَيَّن الْخِصَاء طَرِيقًا إِلَى تَحْصِيل الْمَطْلُوب , وَغَايَته أَنَّ فِيهِ أَلَمًا عَظِيمًا فِي الْعَاجِل يُغْتَفَر فِي جَنْب مَا يَنْدَفِع بِهِ الْآجِل , فَهُوَ كَقَطْعِ الْإِصْبَع إِذَا وَقَعَتْ فِي الْيَد الْأَكِلَة صِيَانَة لِبَقِيَّةِ الْيَد , وَلَيْسَ الْهَلَاك بِالْخِصَاءِ مُحَقَّقًا بَلْ هُوَ نَادِر , وَيَشْهَد لَهُ كَثْرَة وُجُوده فِي الْبَهَائِم مَعَ بَقَائِهَا , وَعَلَى هَذَا فَلَعَلَّ الرَّاوِي عَبَّرَ بِالْخِصَاءِ عَنْ الْجَبّ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُحَصِّل الْمَقْصُود. وَالْحِكْمَة فِي مَنْعهمْ مِنْ الِاخْتِصَاء إِرَادَة تَكْثِير النَّسْل لِيَسْتَمِرّ جِهَاد الْكُفَّار , وَإِلَّا لَوْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ لَأَوْشَكَ تَوَارُدهمْ عَلَيْهِ فَيَنْقَطِع النَّسْل فَيَقِلّ الْمُسْلِمُونَ بِانْقِطَاعِهِ وَيَكْثُر الْكُفَّار , فَهُوَ خِلَاف الْمَقْصُود مِنْ الْبَعْثَة الْمُحَمَّدِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "4686",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ فَقُلْنَا أَلَا ‏ ‏نَسْتَخْصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ ‏ ‏رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ‏} ‏وَقَالَ ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي ‏ ‏الْعَنَتَ ‏ ‏وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْل بِبَابٍ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِسْمَاعِيل بِلَفْظِ \" عَنْ اِبْن مَسْعُود \" وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ جَرِير بِلَفْظِ \" سَمِعْت عَبْد اللَّه \" , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِسْمَاعِيل. ‏ ‏قَوْله ( أَلَا نَسْتَخْصِي ) ‏ ‏أَيْ أَلَا نَسْتَدْعِي مَنْ يَفْعَل لَنَا الْخِصَاء أَوْ نُعَالِج ذَلِكَ أَنْفُسنَا. ‏ ‏وَقَوْله ( فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏هُوَ نَهْي تَحْرِيم بِلَا خِلَاف فِي بَنِي آدَم , لِمَا تَقَدَّمَ. وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ الْمَفَاسِد تَعْذِيب النَّفْس وَالتَّشْوِيه مَعَ إِدْخَال الضَّرَر الَّذِي قَدْ يُفْضِي إِلَى الْهَلَاك. وَفِيهِ إِبْطَال مَعْنَى الرُّجُولِيَّة وَتَغْيِير خَلْقِ اللَّه وَكُفْر النِّعْمَة , لِأَنَّ خَلْقَ الشَّخْص رَجُلًا مِنْ النِّعَم الْعَظِيمَة فَإِذَا أَزَالَ ذَلِكَ فَقَدْ تَشَبَّهَ بِالْمَرْأَةِ وَاخْتَارَ النَّقْص عَلَى الْكَمَال. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْخِصَاء فِي غَيْر بَنِي آدَم مَمْنُوع فِي الْحَيَوَان إِلَّا لِمَنْفَعَةٍ حَاصِلَة فِي ذَلِكَ كَتَطْيِيبِ اللَّحْم أَوْ قَطْع ضَرَر عَنْهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : يَحْرُم خِصَاء الْحَيَوَان غَيْر الْمَأْكُول مُطْلَقًا , وَأَمَّا الْمَأْكُول فَيَجُوز فِي صَغِيره دُون كَبِيره. وَمَا أَظُنّهُ يَدْفَع مَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيّ مِنْ إِبَاحَة ذَلِكَ فِي الْحَيَوَان الْكَبِير عِنْد إِزَالَة الضَّرَر. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة السَّابِقَة فِي تَفْسِير الْمَائِدَة \" ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا بَعْد ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله ( أَنْ نَنْكِح الْمَرْأَة بِالثَّوْبِ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى أَجَلٍ فِي نِكَاح الْمُتْعَة. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَرَأَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا عَبْد اللَّه \" وَكَذَا وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي تَفْسِير الْمَائِدَة. ‏ ‏قَوْله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَات مَا أَحَلَّ اللَّه لَكُمْ) الْآيَة. ‏ ‏سَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيّ إِلَى ‏ ‏قَوْله ( الْمُعْتَدِينَ ) ‏ ‏وَظَاهِر اِسْتِشْهَاد اِبْن مَسْعُود بِهَذِهِ الْآيَة هُنَا يُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ يَرَى بِجَوَازِ الْمُتْعَة , فَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ بَلَغَهُ النَّاسِخ , ثُمَّ بَلَغَهُ فَرَجَعَ بَعْد. قُلْت : يُؤَيِّدهُ مَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد \" فَفَعَلَهُ ثُمَّ تَرَك ذَلِكَ \" قَالَ : وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيل \" ثُمَّ جَاءَ تَحْرِيمهَا بَعْد \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ إِسْمَاعِيل \" ثُمَّ نُسِخَ \" وَسَيَأْتِي مَزِيد الْبَحْث فِي حُكْم الْمُتْعَة بَعْد أَرْبَعَة وَعِشْرِينَ بَابًا. ‏ ‏و ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ أَصْبَغُ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا , وَكَلَام أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" يُشْعِر بِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ حَدِيثًا , وَقَدْ وَصَلَهُ جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ فِي كِتَاب الْقَدَر وَالْجَوْزَقِيّ فِي \" الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ \" وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طُرُق عَنْ أَصْبَغَ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق حَرْمَلَة عَنْ اِبْن وَهْب , وَذَكَرَ مُغَلْطَايْ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْد الطَّبَرِيِّ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَصْبَغَ بْن مُحَمَّد وَهُوَ غَلَط , هُوَ أَصْبَغُ بْن الْفَرَج لَيْسَ فِي آبَائِهِ مُحَمَّد. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي رَجُل شَابّ وَأَنَا أَخَاف ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَإِنِّي أَخَاف \" وَكَذَا فِي رِوَايَة حَرْمَلَة. ‏ ‏قَوْله ( الْعَنَت ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون ثُمَّ مُثَنَّاة هُوَ الزِّنَا هُنَا , وَيُطْلَق الْإِثْم وَالْفُجُور وَالْأَمْر الشَّاقّ وَالْمَكْرُوه , وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : أَصْل الْعَنَت الشِّدَّة. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا أَجِد مَا أَتَزَوَّج النِّسَاء , فَسَكَتَ عَنِّي ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ , وَفِي رِوَايَة حَرْمَلَة \" وَلَا أَجِد مَا أَتَزَوَّج النِّسَاء , فَائْذَن لِي أَخْتَصِي \" وَبِهَذَا يَرْتَفِع الْإِشْكَال عَنْ مُطَابَقَة الْجَوَاب لِلسُّؤَالِ. ‏ ‏قَوْله ( جَفَّ الْقَلَم بِمَا أَنْتَ لَاقٍ ) ‏ ‏أَيْ نَفَذَ الْمَقْدُور بِمَا كُتِبَ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَبَقِيَ الْقَلَم الَّذِي كُتِبَ بِهِ جَافًّا لَا مِدَاد فِيهِ لِفَرَاغِ مَا كُتِبَ بِهِ , قَالَ عِيَاض : كِتَابَة اللَّه وَلَوْحه وَقَلَمه مِنْ غَيْبِ عِلْمه الَّذِي نُؤْمِن بِهِ وَنَكِل عِلْمه إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ وَحَكَاهَا الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْع وَوَقَعَتْ فِي الْمَصَابِيح \" فَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ \" قَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَاهُ اِقْتَصِرْ عَلَى الَّذِي أَمَرْتُك بِهِ أَوْ اُتْرُكْهُ وَافْعَلْ مَا ذَكَرْت مِنْ الْخِصَاء ا ه. وَأَمَّا اللَّفْظ الَّذِي وَقَعَ فِي الْأَصْل فَمَعْنَاهُ فَافْعَلْ مَا ذَكَرْت أَوْ اُتْرُكْهُ وَاتَّبِعْ مَا أَمَرْتُك بِهِ , وَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَلَيْسَ الْأَمْر فِيهِ لِطَلَبِ الْفِعْل بَلْ هُوَ لِلتَّهْدِيدِ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَقُلْ الْحَقّ مِنْ رَبّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) وَالْمَعْنَى إِنْ فَعَلْت أَوْ لَمْ تَفْعَل فَلَا بُدّ مِنْ نُفُوذ الْقَدَر , وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّض لِحُكْمِ الْخِصَاء. وَمُحَصِّل الْجَوَاب أَنَّ جَمِيع الْأُمُور بِتَقْدِيرِ اللَّه فِي الْأَزَل , فَالْخِصَاء وَتَرْكه سَوَاء , فَإِنَّ الَّذِي قُدِّرَ لَا بُدّ أَنْ يَقَع. وَقَوْله \" عَلَى ذَلِكَ \" هِيَ مُتَعَلِّقَة بِمُقَدَّرٍ أَيْ اُخْتُصَّ حَال اِسْتِعْلَائِك عَلَى الْعِلْم بِأَنَّ كُلّ شَيْء بِقَضَاءِ اللَّه وَقَدَرِهِ , وَلَيْسَ إِذْنًا فِي الْخِصَاء , بَلْ فِيهِ إِشَارَة إِلَى النَّهْي عَنْ ذَلِكَ , كَأَنَّهُ قَالَ إِذَا عَلِمْت أَنَّ كُلّ شَيْء بِقَضَاءِ اللَّه فَلَا فَائِدَة فِي الِاخْتِصَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عُثْمَان بْن مَظْعُون لَمَّا اِسْتَأْذَنَهُ فِي ذَلِكَ. وَكَانَتْ وَفَاته قَبْل هِجْرَة أَبِي هُرَيْرَة بِمُدَّةٍ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ \" شَكَا رَجُل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعُزُوبَة فَقَالَ أَلَا أَخْتَصِي ؟ قَالَ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَصَى أَوْ اِخْتَصَى \" وَفِي الْحَدِيث ذَمّ الِاخْتِصَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَأَنَّ الْقَدَر إِذَا نَفَذَ لَا تَنْفَع الْحِيَل. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة شَكْوَى الشَّخْص مَا يَقَع لَهُ لِلْكَبِيرِ وَلَوْ كَانَ مِمَّا يُسْتَهْجَن وَيُسْتَقْبَح. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِد الصَّدَاق لَا يَتَعَرَّض لِلتَّزْوِيجِ. وَفِيهِ جَوَاز تَكْرَار الشَّكْوَى إِلَى ثَلَاث , وَالْجَوَاب لِمَنْ لَا يَقْنَع بِالسُّكُوتِ , وَجَوَاز السُّكُوت عَنْ الْجَوَاب لِمَنْ يَظُنّ بِهِ أَنَّهُ يَفْهَم الْمُرَاد مِنْ مُجَرَّد السُّكُوت. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب أَنْ يُقَدِّم طَالِب الْحَاجَة بَيْن يَدَيْ حَاجَته عُذْرَهُ فِي السُّؤَال. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة نَفَعَ اللَّه بِهِ : وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَهْمَا أَمْكَنَ الْمُكَلَّف فِعْلُ شَيْء مِنْ الْأَسْبَاب الْمَشْرُوعَة لَا يَتَوَكَّل إِلَّا بَعْد عَمَلِهَا لِئَلَّا يُخَالِف الْحِكْمَة , فَإِذَا لَمْ يَقْدِر عَلَيْهِ وَطَّنَ نَفْسه عَلَى الرِّضَا بِمَا قَدَّرَهُ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ وَلَا يَتَكَلَّف مِنْ الْأَسْبَاب مَا لَا طَاقَة بِهِ لَهُ. وَفِيهِ أَنَّ الْأَسْبَاب إِذَا لَمْ تُصَادِف الْقَدَر لَا تُجْدِي. فَإِنْ قِيلَ : لِمَ لَمْ يُؤْمَر أَبُو هُرَيْرَة بِالصِّيَامِ لِكَسْرِ شَهْوَته كَمَا أُمِرَ غَيْره ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ الْغَالِب مِنْ حَاله مُلَازَمَة الصِّيَام لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْل الصُّفَّة. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبُو هُرَيْرَة سَمِعَ \" يَا مَعْشَر الشَّبَاب مَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَة فَلْيَتَزَوَّجْ \" الْحَدِيث , لَكِنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فِي حَال الْغَزْو كَمَا وَقَعَ لِابْنِ مَسْعُود , وَكَانُوا فِي حَال الْغَزْو يُؤْثِرُونَ الْفِطْر عَلَى الصِّيَام لِلتَّقَوِّي عَلَى الْقِتَال , فَأَدَّاهُ اِجْتِهَاده إِلَى حَسْمِ مَادَّة الشَّهْوَة بِالِاخْتِصَاءِ كَمَا ظَهَرَ لِعُثْمَانَ فَمَنَعَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا لَمْ يُرْشِدهُ إِلَى الْمُتْعَة الَّتِي رَخَّصَ فِيهَا لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَجِد شَيْئًا , وَمَنْ لَمْ يَجِد شَيْئًا أَصْلًا لَا ثَوْبًا وَلَا غَيْره فَكَيْف يَسْتَمْتِع وَالَّتِي يَسْتَمْتِع بِهَا لَا بُدّ لَهَا مِنْ شَيْء ‏"
    },
    {
        "id": "4687",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا وَوَجَدْتَ شَجَرًا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا فِي أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ قَالَ ‏ ‏فِي الَّذِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا تَعْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي أَخِي ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الْحَمِيد , ‏ ‏وَسُلَيْمَان ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال. ‏ ‏قَوْله ( فِيهِ شَجَرَة قَدْ أُكِلَ مِنْهَا , وَوَجَدْت شَجَرًا لَمْ يُؤْكَل مِنْهَا ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ \" وَوَجَدْت شَجَرَة \" وَذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ بِلَفْظِ \" فِيهِ شَجَرَة قَدْ أُكِلَ مِنْهَا \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" بِصِيغَةِ الْجَمْع وَهُوَ أَصْوَب لِقَوْلِهِ بَعْد \" فِي أَيِّهَا \" أَيْ فِي أَيِّ الشَّجَر , وَلَوْ أَرَادَ الْمَوْضِعَيْنِ لَقَالَ فِي أَيّهمَا. ‏ ‏قَوْله ( تُرْتِع ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله , أَرْتَعَ بَعِيره إِذَا تَرَكَهُ يَرْعَى مَا شَاءَ وَرَتَعَ الْبَعِير فِي الْمَرْعَى إِذَا أَكَلَ مَا شَاءَ وَرَتَعَه اللَّه أَيْ أَنْبَتَ لَهُ مَا يَرْعَاهُ عَلَى سَعَة. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ فِي الَّتِي لَمْ يَرْتَع مِنْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم \" قَالَ فِي الشَّجَرَة الَّتِي \" وَهُوَ أَوْضَح. وَقَوْله \" يَعْنِي إِلَخْ \" زَادَ أَبُو نُعَيْم قَبْل هَذَا \" قَالَتْ فَأَنَا هِيَهْ \" بِكَسْرِ الْهَاء وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة فَسُكُون الْهَاء وَهِيَ لِلسَّكْتِ , وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة ضَرْبِ الْمَثَل وَتَشْبِيه شَيْء مَوْصُوف بِصِفَةٍ بِمِثْلِهِ مَسْلُوب الصِّفَة , وَفِيهِ بَلَاغَة عَائِشَة وَحُسْن تَأَتِّيهَا فِي الْأُمُور , وَمَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فِي الَّتِي لَمْ يُرْتَع مِنْهَا \" أَيْ أُوثِرَ ذَلِكَ فِي الِاخْتِيَار عَلَى غَيْره , فَلَا يَرُدّ عَلَى ذَلِكَ كَوْن الْوَاقِع مِنْهُ أَنَّ الَّذِي تَزَوَّجَ مِنْ الثَّيِّبَات أَكْثَر , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون عَائِشَة كُنْت بِذَلِكَ عَنْ الْمَحَبَّة بَلْ عَنْ أَدَقّ مِنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4688",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةِ حَرِيرٍ فَيَقُولُ هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَأَكْشِفُهَا فَإِذَا هِيَ أَنْتِ فَأَقُولُ إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث عَائِشَة \" أُرِيتُك فِي الْمَنَام \" سَيَأْتِي شَرْحه بَعْد سِتَّة وَعِشْرِينَ بَابًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ أَنَّ الْمَلَك الَّذِي جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصُورَتِهَا جِبْرِيل ‏"
    },
    {
        "id": "4689",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَيَّارٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَفَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ غَزْوَةٍ فَتَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ كَانَتْ مَعَهُ فَانْطَلَقَ بَعِيرِي كَأَجْوَدِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ الْإِبِلِ فَإِذَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ مَا يُعْجِلُكَ قُلْتُ كُنْتُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرُسٍ قَالَ أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا قُلْتُ ‏ ‏ثَيِّبًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ قَالَ فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ قَالَ أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا أَيْ عِشَاءً لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ ‏ ‏وَتَسْتَحِدَّ ‏ ‏الْمُغِيبَةُ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث جَابِر فِي قِصَّة بَعِيره , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الشُّرُوط فِيمَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( مَا يُعْجِلك ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله , أَيْ مَا سَبَب إِسْرَاعك ؟ ‏ ‏قَوْله ( كُنْت حَدِيث عَهْد بِعُرْسٍ ) ‏ ‏أَيْ قَرِيب عَهْد بِالدُّخُولِ عَلَى الزَّوْجَة. وَفِي رِوَايَة عَطَاء عَنْ جَابِر فِي الْوَكَالَة \" فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَة - عَلَى سَاكِنهَا أَفْضَل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَالتَّحِيَّة وَالْإِكْرَام - أَخَذْت أَرْتَحِل , قَالَ : أَيْنَ تُرِيد ؟ قُلْت : تَزَوَّجْت \" وَفِي رِوَايَة أَبِي عُقَيْل عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل عَنْ جَابِر \" مَنْ أَحَبّ أَنْ يَتَعَجَّل إِلَى أَهْله فَلْيَتَعَجَّلْ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا ؟ قُلْت : ثَيِّبًا ) ‏ ‏هُوَ مَنْصُوب بِفِعْلٍ مَحْذُوف تَقْدِيره أَتَزَوَّجْتَ وَتَزَوَّجْتُ , وَكَذَا وَقَعَ فِي ثَانِي حَدِيث الْبَاب \" فَقُلْت تَزَوَّجْت ثَيِّبًا \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ فِي الْوَكَالَة مِنْ طَرِيق وَهْب بْن كَيْسَانَ عَنْ جَابِر قَالَ أَتَزَوَّجْت ؟ قُلْت : نَعَمْ. قَالَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا ؟ قُلْت ثَيِّبًا. وَفِي الْمَغَازِي عَنْ قُتَيْبَة عَنْ سُفْيَان عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ جَابِر بِلَفْظِ \" هَلْ نَكَحْت يَا جَابِر ؟ قُلْت نَعَمْ قَالَ : مَاذَا , أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا ؟ قُلْت : لَا بَلْ ثَيِّبًا \" وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد عَنْ سُفْيَان فِي هَذَا الْحَدِيث \" قُلْت : ثَيِّب \" وَهُوَ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف تَقْدِيره الَّتِي تَزَوَّجْتهَا ثَيِّب , وَكَذَا وَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ جَابِر. ‏ ‏قَوْله ( فَهَلَّا جَارِيَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وَهْب بْن كَيْسَانَ \" أَفَلَا جَارِيَة \" وَهُمَا بِالنَّصْبِ أَيْ فَهَلَّا تَزَوَّجْت ؟ وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب الدَّوْرَقِيّ عَنْ هِشَام بِإِسْنَادِ حَدِيث الْبَاب \" هَلَّا بِكْرًا \" ؟ وَسَيَأْتِي قَبِيل أَبْوَاب الطَّلَاق , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ جَابِر , وَهُوَ مَعْنَى رِوَايَة مُحَارِب الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب بِلَفْظِ \" الْعَذَارَى \" وَهُوَ جَمْع عَذْرَاء بِالْمَدِّ. ‏ ‏قَوْله ( تُلَاعِبهَا وَتُلَاعِبك ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة النَّفَقَات \" وَتُضَاحِكهَا وَتُضَاحِكك \" وَهُوَ مِمَّا يُؤَيِّد أَنَّهُ مِنْ اللَّعِب وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث كَعْب بْن عُجْرَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث جَابِر وَقَالَ فِيهِ \" وَتَعَضّهَا وَتَعَضّك \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِأَبِي عُبَيْدَة \" تُذَاعِبُها وَتُذَاعِبُك \" بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة بَدَل اللَّام , وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَارَب بْن دِثَار عَنْ جَابِر ثَانِي حَدِيثِي الْبَاب بِلَفْظِ \" مَالَك وَلِلْعَذَارَى وَلِعَابهَا \" فَقَدْ ضَبَطَهُ الْأَكْثَر بِكَسْرِ اللَّام وَهُوَ مَصْدَر مِنْ الْمُلَاعَبَة أَيْضًا , يُقَال لَاعَبَ لِعَابًا وَمُلَاعَبَة مِثْل قَاتَلَ قِتَالًا وَمُقَاتَلَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بِضَمِّ اللَّام وَالْمُرَاد بِهِ الرِّيق , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى مَصّ لِسَانهَا وَرَشْف شَفَتَيْهَا , وَذَلِكَ يَقَع عِنْد الْمُلَاعَبَة وَالتَّقْبِيل , وَلَيْسَ هُوَ بِبَعِيدٍ كَمَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ , وَيُؤَيِّد أَنَّهُ بِمَعْنًى آخَر غَيْر الْمَعْنَى الْأَوَّل قَوْل شُعْبَة فِي الْبَاب أَنَّهُ عَرَضَ ذَلِكَ عَلَى عَمْرو بْن دِينَار فَقَالَ اللَّفْظ الْمُوَافِق لِلْجَمَاعَةِ وَفِي رِوَايَة مُسْلِم التَّلْوِيح بِإِنْكَارِ عَمْرو رِوَايَة مُحَارِب بِهَذَا اللَّفْظ وَلَفْظ \" إِنَّمَا قَالَ جَابِر تُلَاعِبهَا وَتُلَاعِبك \" فَلَوْ كَانَتْ الرِّوَايَتَانِ مُتَّحِدَتَيْنِ فِي الْمَعْنَى لَمَا أَنْكَرَ عَمْرو ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يُجِيز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة وَهْب بْن كَيْسَانَ مِنْ الزِّيَادَة \" قُلْت كُنَّ لِي أَخَوَات فَأَحْبَبْت أَنْ أَتَزَوَّج اِمْرَأَة تَجْمَعهُنَّ وَتَمْشُطهُنَّ وَتَقُوم عَلَيْهِنَّ \" أَيْ فِي غَيْر ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحهنَّ , وَهُوَ مِنْ الْعَامّ بَعْد الْخَاصّ , وَفِي رِوَايَة عَمْرو عَنْ جَابِر الْآتِيَة فِي النَّفَقَات \" هَلَكَ أَبِي وَتَرَكَ سَبْعَ بَنَات - أَوْ تِسْع بَنَات - فَتَزَوَّجْت ثَيِّبًا , كَرِهْت أَنْ أَجِيئهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ. فَقَالَ : بَارَكَ اللَّه لَك \" أَوْ \" قَالَ خَيْرًا \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ عَمْرو فِي الْمَغَازِي \" وَتَرَكَ تِسْع بَنَات كُنَّ لِي تِسْع أَخَوَات , فَكَرِهْت أَنْ أَجْمَع إِلَيْهِنَّ جَارِيَة خَرْقَاء مِثْلهنَّ , وَلَكِنْ اِمْرَأَة تَقُوم عَلَيْهِنَّ وَتُمْشُطهُنَّ. قَالَ : أَصَبْت \" وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء وَغَيْره عَنْ جَابِر \" فَأَرَدْت أَنْ أَنْكِح اِمْرَأَة قَدْ جَرَّبَتْ خَلَا مِنْهَا , قَالَ فَذَلِكَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّوْفِيق بَيْن مُخْتَلِف الرِّوَايَات فِي عَدَد أَخَوَات جَابِر فِي الْمَغَازِي , وَلَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَتهنَّ. وَأَمَّا اِمْرَأَة جَابِر الْمَذْكُورَة فَاسْمهَا سَهْلَة بِنْت مَسْعُود بْن أَوْس بْن مَالِك الْأَنْصَارِيَّة الْأَوْسِيَّة ذَكَرَهُ اِبْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَدْخُل قَالَ : أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا أَيْ عِشَاء ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَيُعَارِضهُ الْحَدِيث الْآخَر الْآتِي قَبْل أَبْوَاب الطَّلَاق \" لَا يَطْرُق أَحَدكُمْ أَهْله لَيْلًا \" وَهُوَ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ جَابِر أَيْضًا , وَيَجْمَع بَيْنهمَا أَنَّ الَّذِي فِي الْبَاب لِمَنْ عُلِمَ مَجِيئُهُ وَالْعِلْم بِوُصُولِهِ , وَالْآتِي لِمَنْ قَدِمَ بَغْتَة. وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى \" يَتَخَوّنَهُم بِذَلِكَ \" وَسَيَأْتِي مَزِيد بَحْث فِيهِ هُنَاكَ. وَفِي الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى نِكَاح الْبِكْر , وَقَدْ وَرَدَ بِأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن سَالِم بْن عُتْبَةَ بْن عُوَيْم بْن سَاعِدَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه بِلَفْظِ \" عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ , فَإِنَّهُنَّ أَعْذَب أَفْوَاهًا وَأَنْتَق أَرْحَامًا \" أَيْ أَكْثَر حَرَكَة , وَالنَّتَق بِنُونٍ وَمُثَنَّاة الْحَرَكَة , وَيُقَال أَيْضًا لِلرَّمْيِ , فَلَعَلَّهُ يُرِيد أَنَّهَا كَثِيرَة الْأَوْلَاد. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود نَحْوه وَزَادَ \" وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ \" وَلَا يُعَارِضهُ الْحَدِيث السَّابِق , \" عَلَيْكُمْ بِالْوَلُودِ \" مِنْ جِهَة أَنَّ كَوْنهَا بِكْرًا لَا يُعْرَف بِهِ كَوْنهَا كَثِيرَة الْوِلَادَة , فَإِنَّ الْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْبِكْر مَظِنَّة فَيَكُون الْمُرَاد بِالْوَلُودِ مَنْ هِيَ كَثِيرَة الْوِلَادَة بِالتَّجْرِبَةِ أَوْ بِالْمَظِنَّةِ , وَأَمَّا مَنْ جُرِّبَتْ فَظَهَرَتْ عَقِيمًا وَكَذَا الْآيِسَة فَالْخَبَرَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى مَرْجُوحِيّتِهِما. وَفِيهِ فَضِيلَة لِجَابِرٍ لِشَفَقَتِهِ عَلَى أَخَوَاته وَإِيثَاره مَصْلَحَتهنَّ عَلَى حَظّ نَفْسه. وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا تَزَاحَمَتْ مَصْلَحَتَانِ قُدِّمَ أَهَمّهمَا لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوَّبَ فِعْل جَابِر وَدَعَا لَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ. وَيُؤْخَذ مِنْهُ الدُّعَاء لِمَنْ فَعَلَ خَيْرًا وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّق بِالدَّاعِي. وَفِيهِ سُؤَال الْإِمَام أَصْحَابه عَنْ أُمُورهمْ , وَتَفَقُّده أَحْوَالهمْ , وَإِرْشَاده إِلَى مَصَالِحهمْ وَتَنْبِيههمْ عَلَى وَجْه الْمَصْلَحَة وَلَوْ كَانَ فِي بَاب النِّكَاح وَفِيمَا يُسْتَحَيَا مِنْ ذِكْرِهِ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة خِدْمَة الْمَرْأَة زَوْجهَا وَمَنْ كَانَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ مِنْ وَلَد وَأَخ وَعَائِلَة , وَأَنَّهُ لَا حَرَج عَلَى الرَّجُل فِي قَصْده ذَلِكَ مِنْ اِمْرَأَته وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَجِب عَلَيْهَا , لَكِنْ يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْعَادَة جَارِيَة بِذَلِكَ , فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة \" خَرْقَاء \" بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا قَاف , هِيَ الَّتِي لَا تَعْمَل بِيَدِهَا شَيْئًا , وَهِيَ تَأْنِيث الْأَخْرَق وَهُوَ الْجَاهِل بِمَصْلَحَةِ نَفْسه وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله ( تَمْتَشِط الشَّعِثَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَكَسْر الْعَيْن الْمُهْمَلَة ثُمَّ مُثَلَّثَة , أَطْلَقَ عَلَيْهَا ذَلِكَ لِأَنَّ الَّتِي يَغِيب زَوْجهَا فِي مَظِنَّة عَدَم التَّزَيُّن. ‏ ‏قَوْله ( تَسْتَحِدّ ) ‏ ‏بِحَاءٍ مُهْمَلَة أَيْ تَسْتَعْمِل الْحَدِيدَة وَهِيَ الْمُوسَى. وَالْمُغِيبَة بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْر الْمُعْجَمَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ مُوَحَّدَة مَفْتُوحَة أَيْ الَّتِي غَابَ عَنْهَا زَوْجهَا , وَالْمُرَاد إِزَالَة الشَّعْر عَنْهَا وَعَبَّرَ بِالِاسْتِحْدَادِ لِأَنَّهُ الْغَالِب اِسْتِعْمَاله فِي إِزَالَة الشَّعْر , وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَنْع إِزَالَته بِغَيْرِ الْمُوسَى , وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4690",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَارِبٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏تَزَوَّجْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا تَزَوَّجْتَ فَقُلْتُ تَزَوَّجْتُ ‏ ‏ثَيِّبًا ‏ ‏فَقَالَ مَا لَكَ وَلِلْعَذَارَى وَلِعَابِهَا ‏ ‏فَذَكَرْتُ ذَلِكَ ‏ ‏لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( تَزَوَّجْت , فَقَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَزَوَّجْت ) ؟ ‏ ‏هَذَا ظَاهِره أَنَّ السُّؤَال وَقَعَ عَقِب تَزَوُّجه , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاق الْحَدِيث الَّذِي قَبْله , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث جَمَلِ جَابِر فِي كِتَاب الشُّرُوط فِي آخِره أَنَّ بَيْن تَزَوُّجه وَالسُّؤَال الَّذِي دَار بَيْنه وَبَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي ذَلِكَ مُدَّة طَوِيلَة ‏"
    },
    {
        "id": "4691",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِرَاكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَطَبَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ فَقَالَ ‏ ‏أَنْتَ أَخِي فِي دِينِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَهِيَ لِي حَلَالٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَبِيب , ‏ ‏وَعِرَاك ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الرَّاء ثُمَّ كَاف هُوَ اِبْن مَالِك تَابِعِيّ شَهِير , ‏ ‏وَعُرْوَة ‏ ‏هُوَ اِبْن الزُّبَيْر. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ عَائِشَة ) ‏ ‏قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَيْسَ فِي الرِّوَايَة مَا تَرْجَمَ بِهِ الْبَاب , وَصِغَر عَائِشَة عَنْ كِبَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْلُوم مِنْ غَيْر هَذَا الْخَبَر , ثُمَّ الْخَبَر الَّذِي أَوْرَدَهُ مُرْسَل , فَإِنْ كَانَ يَدْخُل مِثْل هَذَا فِي الصَّحِيح فَيَلْزَمهُ فِي غَيْره مِنْ الْمَرَاسِيل. قُلْت : الْجَوَاب عَنْ الْأَوَّل يُمْكِن أَنْ يُؤْخَذ مِنْ قَوْل أَبِي بَكْر \" إِنَّمَا أَنَا أَخُوك \" فَإِنَّ الْغَالِب فِي بِنْت الْأَخ أَنْ تَكُون أَصْغَر مِنْ عَمّهَا , وَأَيْضًا فَيَكْفِي مَا ذُكِرَ فِي مُطَابَقَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ وَلَوْ كَانَ مَعْلُومًا مِنْ خَارِج. وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ صُورَة سِيَاقه الْإِرْسَال فَهُوَ مِنْ رِوَايَة عُرْوَة فِي قِصَّة وَقَعَتْ لِخَالَتِهِ عَائِشَة وَجَدّه لِأُمِّهِ أَبِي بَكْر , فَالظَّاهِر أَنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَنْ خَالَته عَائِشَة أَوْ عَنْ أُمّه أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر , وَقَدْ قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : إِذَا عُلِمَ لِقَاء الرَّاوِي لِمَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ مُدَلِّسًا حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى سَمَاعه مِمَّنْ أَخْبَرَ عَنْهُ وَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِصِيغَةٍ تَدُلّ عَلَى ذَلِكَ , وَمِنْ أَمْثِلَة ذَلِكَ رِوَايَة مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة فِي قِصَّة سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هَذَا يَدْخُل فِي الْمُسْنَد لِلِقَاءِ عُرْوَة عَائِشَة وَغَيْرهَا مِنْ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلِقَائِهِ سَهْلَة زَوْج أَبِي حُذَيْفَة أَيْضًا. وَأَمَّا الْإِلْزَام فَالْجَوَاب عَنْهُ أَنَّ الْقِصَّة الْمَذْكُورَة لَا تَشْتَمِل عَلَى حُكْم مُتَأَصِّل , فَوَقَعَ فِيهَا التَّسَاهُل فِي صَرِيح الِاتِّصَال , فَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ إِيرَاد جَمِيع الْمَرَاسِيل فِي الْكِتَاب الصَّحِيح. نَعَمْ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ السِّيَاق الْمَذْكُور مُرْسَل , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو مَسْعُود وَأَبُو نُعَيْم وَالْحُمَيْدِيّ , وَقَالَ اِبْن بَطَّال. يَجُوز تَزْوِيج الصَّغِيرَة بِالْكَبِيرِ إِجْمَاعًا وَلَوْ كَانَتْ فِي الْمَهْد , لَكِنْ لَا يُمَكَّن مِنْهَا حَتَّى تَصْلُح لِلْوَطْءِ , فَرَمَزَ بِهَذَا إِلَى أَنْ لَا فَائِدَة لِلتَّرْجَمَةِ لِأَنَّهُ أَمْر مُجْمَع عَلَيْهِ. قَالَ : وَيُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث أَنَّ الْأَب يُزَوِّج الْبِكْر الصَّغِيرَة بِغَيْرِ اِسْتِئْذَانهَا. قُلْت : كَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ عَدَم ذِكْرِهِ , وَلَيْسَ بِوَاضِحِ الدَّلَالَة , بَلْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَبْل وُرُود الْأَمْر بِاسْتِئْذَانِ الْبِكْر وَهُوَ الظَّاهِر , فَإِنَّ الْقِصَّة وَقَعَتْ بِمَكَّة قَبْل الْهِجْرَة. وَقَوْل أَبِي بَكْر \" إِنَّمَا أَنَا أَخُوك \" حَصْرٌ مَخْصُوص بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَحْرِيم نِكَاح بِنْت الْأَخ , وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَوَاب \" أَنْتَ أَخِي فِي دِين اللَّه وَكِتَابه \" إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة ) وَنَحْو ذَلِكَ , وَقَوْله \" وَهِيَ لِي حَلَال \" مَعْنَاهُ وَهِيَ مَعَ كَوْنهَا بِنْت أَخِي يَحِلّ لِي نِكَاحهَا لِأَنَّ الْأُخُوَّة الْمَانِعَة مِنْ ذَلِكَ أُخُوَّة النَّسَب وَالرَّضَاع لَا أُخُوَّة الدِّين. وَقَالَ مُغَلْطَايْ : فِي صِحَّة هَذَا الْحَدِيث نَظَر , لِأَنَّ الْخُلَّة لِأَبِي بَكْر إِنَّمَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ , وَخُطْبَة عَائِشَة كَانَتْ بِمَكَّة , فَكَيْف يَلْتَئِم قَوْله \" إِنَّمَا أَنَا أَخُوك \". وَأَيْضًا فَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَاشَرَ الْخُطْبَة بِنَفْسِهِ كَمَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي عَاصِم مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن حَاطِب عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ خَوْلَة بِنْت حَكِيم إِلَى أَبِي بَكْر يَخْطُب عَائِشَة , فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْر : وَهَلْ تَصْلُح لَهُ ؟ إِنَّمَا هِيَ بِنْت أَخِيهِ , فَرَجَعَتْ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا : ارْجِعِي فَقُولِي لَهُ أَنْتَ أَخِي فِي الْإِسْلَام وَابْنَتك تَصْلُح لِي , فَأَتَيَت أَبَا بَكْر فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : اُدْعِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَاءَ فَأَنْكَحَهُ \" قُلْت : اِعْتِرَاضه الثَّانِي يَرُدّ الِاعْتِرَاض الْأَوَّل مِنْ وَجْهَيْنِ , إِذْ الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث الْأُخُوَّة وَهِيَ أُخُوَّة الدِّين , وَالَّذِي اِعْتَرَضَ بِهِ الْخُلَّة وَهِيَ أَخَصّ مِنْ الْأُخُوَّة. ثُمَّ الَّذِي وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ إِنَّمَا هُوَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا \" الْحَدِيث الْمَاضِي فِي الْمَنَاقِب مِنْ رِوَايَة أَبِي سَعِيد , فَلَيْسَ فِيهِ إِثْبَات الْخُلَّة إِلَّا بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ. ‏ ‏الْوَجْه الثَّانِي أَنَّ فِي الثَّانِي إِثْبَات مَا نَفَاهُ فِي الْأَوَّل , وَالْجَوَاب عَنْ اِعْتِرَاضه بِالْمُبَاشَرَةِ إِمْكَان الْجَمْع بِأَنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ بَعْد أَنْ رَاسَلَهُ ‏"
    },
    {
        "id": "4692",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( خَيْر نِسَاء رَكِبْنَ الْإِبِل ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي ذِكْرِ مَرْيَم عَلَيْهَا السَّلَام قَوْل أَبِي هُرَيْرَة فِي آخِره \" وَلَمْ تَرْكَب مَرْيَم بِنْت عِمْرَان بَعِيرًا قَطُّ \" فَكَأَنَّهُ أَرَادَ إِخْرَاج مَرْيَم مِنْ هَذَا التَّفْضِيل لِأَنَّهَا لَمْ تَرْكَب بَعِيرًا قَطُّ , فَلَا يَكُون فِيهِ تَفْضِيل نِسَاء قُرَيْش عَلَيْهَا , وَلَا يُشَكّ أَنَّ لِمَرْيَم فَضْلًا وَأَنَّهَا أَفْضَل مِنْ جَمِيع نِسَاء قُرَيْش إِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا نَبِيَّة أَوْ مِنْ أَكْثَرهنَّ إِنْ لَمْ تَكُنْ نَبِيَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي الْمَنَاقِب فِي حَدِيث \" خَيْر نِسَائِهَا مَرْيَم وَخَيْر نِسَائِهَا خَدِيجَة \" وَأَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا خَيْر نِسَاء الْأَرْض فِي عَصْرهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ لَا يُحْتَاج فِي إِخْرَاج مَرْيَم مِنْ هَذَا التَّفْضِيل إِلَى الِاسْتِنْبَاط مِنْ قَوْله \" رَكِبْنَ الْإِبِل \" لِأَنَّ تَفْضِيل الْجُمْلَة لَا يَسْتَلْزِم ثُبُوت كُلّ فَرْد فَرْد مِنْهَا , فَإِنَّ قَوْله \" رَكِبْنَ الْإِبِل \" إِشَارَة إِلَى الْعَرَب لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ يَكْثُر مِنْهُمْ رُكُوب الْإِبِل , وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْعَرَب خَيْر مِنْ غَيْرهمْ مُطْلَقًا فِي الْجُمْلَة فَيُسْتَفَاد مِنْهُ تَفْضِيلهنَّ مُطْلَقًا عَلَى نِسَاء غَيْرهنَّ مُطْلَقًا , وَيُمْكِن أَنْ يُقَال أَيْضًا : إِنَّ الظَّاهِر أَنَّ الْحَدِيث سِيقَ فِي مَعْرِض التَّرْغِيب فِي نِكَاح الْقُرَشِيَّات , فَلَيْسَ فِيهِ التَّعَرُّض لِمَرْيَم وَلَا لِغَيْرِهَا مِمَّنْ اِنْقَضَى زَمَنهنَّ. ‏ ‏قَوْله ( صَالِح نِسَاء قُرَيْش ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْإِفْرَادِ , وَفِي رِوَايَة غَيْر الْكُشْمِيهَنِيّ \" صُلّحُ \" بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيد اللَّام بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِر النَّفَقَات مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" نِسَاء قُرَيْش \" وَالْمُطْلَق مَحْمُول عَلَى الْمُقَيَّد. فَالْمَحْكُوم لَهُ بِالْخَيْرِيَّةِ الصَّالِحَات مِنْ نِسَاء قُرَيْش لَا عَلَى الْعُمُوم , وَالْمُرَاد بِالصَّلَاحِ هُنَا صَلَاح الدِّين , وَحُسْن الْمُخَالَطَة مَعَ الزَّوْج وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( أَحْنَاهُ ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا نُون : أَكْثَره شَفَقَة , وَالْحَانِيَة عَلَى وَلَدهَا هِيَ الَّتِي تَقُوم عَلَيْهِمْ فِي حَال يُتْمهمْ فَلَا تَتَزَوَّج , فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلَيْسَتْ بِحَانِيَةٍ قَالَهُ الْهَرَوِيُّ ; وَجَاءَ الضَّمِير مُذَكَّرًا وَكَانَ الْقِيَاس أَحْنَاهُنَّ , وَكَأَنَّهُ ذَكَّرَ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظ وَالْجِنْس أَوْ الشَّخْص أَوْ الْإِنْسَان , وَجَاءَ نَحْو ذَلِكَ فِي حَدِيث أَنَس \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَن النَّاس وَجْهًا وَأَحْسَنه خُلُقًا , بِالْإِفْرَادِ فِي الثَّانِي وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قَوْل أَبِي سُفْيَان عِنْدِي أَحْسَن الْعَرَب وَأَجْمَله أُمّ حَبِيبَة بِالْإِفْرَادِ فِي الثَّانِي أَيْضًا , قَالَ أَبُو حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ : لَا يَكَادُونَ يَتَكَلَّمُونَ بِهِ إِلَّا مُفْرَدًا. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى وَلَده ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَلَى وَلَد \" بِلَا ضَمِير وَهُوَ أَوْجَه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" عَلَى يَتِيم \" وَفِي أُخْرَى \" عَلَى طِفْل \" وَالتَّقْيِيد بِالْيُتْمِ وَالصِّغَر يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُعْتَبَرًا مِنْ ذِكْرِ بَعْض أَفْرَاد الْعُمُوم , لِأَنَّ صِفَة الْحُنُوّ عَلَى الْوَلَد ثَابِتَة لَهَا , لَكِنْ ذُكِرَتْ الْحَالَتَانِ لِكَوْنِهِمَا أَظْهَر فِي ذَلِكَ ‏ ‏قَوْله ( وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْج ) ‏ ‏أَيْ أَحْفَظ وَأَصْوَن لِمَالِهِ بِالْأَمَانَةِ فِيهِ وَالصِّيَانَة لَهُ وَتَرْك التَّبْذِير فِي الْإِنْفَاق. ‏ ‏قَوْله ( فِي ذَات يَده ) ‏ ‏أَيْ فِي مَاله الْمُضَاف إِلَيْهِ , وَمِنْهُ قَوْلهمْ فُلَان قَلِيل ذَات الْيَد أَيْ قَلِيل الْمَال , وَفِي الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى نِكَاح الْأَشْرَاف خُصُوصًا الْقُرَشِيَّات , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ نَسَبهَا أَعْلَى تَأَكَّدَ الِاسْتِحْبَاب. وَيُؤْخَذ مِنْهُ اِعْتِبَار الْكَفَاءَة فِي النَّسَب , وَأَنَّ غَيْر الْقُرَشِيَّات لَيْسَ كُفْأً لَهُنَّ , وَفَضْل الْحُنُوّ وَالشَّفَقَة وَحُسْن التَّرْبِيَة وَالْقِيَام عَلَى الْأَوْلَاد وَحِفْظ مَال الزَّوْج وَحُسْن التَّدْبِير فِيهِ. وَيُؤْخَذ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّة إِنْفَاق الزَّوْج عَلَى زَوْجَته , وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِر النَّفَقَات بَيَان سَبَب هَذَا الْحَدِيث ‏"
    },
    {
        "id": "4693",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَالِحُ بْنُ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الشَّعْبِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَلِيدَةٌ فَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا وَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِي فَلَهُ أَجْرَانِ وَأَيُّمَا مَمْلُوكٍ أَدَّى حَقَّ مَوَالِيهِ وَحَقَّ رَبِّهِ فَلَهُ أَجْرَانِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الشَّعْبِيُّ ‏ ‏خُذْهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ قَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْتَقَهَا ثُمَّ أَصْدَقَهَا ‏",
        "sharh": "الْأَوَّل حَدِيث أَبِي مُوسَى , قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْعِلْم. وَقَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيق \" أَيّمَا رَجُل كَانَتْ عِنْده وَلِيدَة \" أَيْ أَمَة , وَأَصْلهَا مَا وُلِدَ مِنْ الْإِمَاء فِي مِلْكِ الرَّجُل , ثُمَّ أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَى كُلّ أَمَة. ‏ ‏قَوْله ( فَلَهُ أَجْرَانِ ) ‏ ‏ذَكَرَ مِمَّنْ يَحْصُل لَهُمْ تَضْعِيف الْأَجْر مَرَّتَيْنِ ثَلَاثَة أَصْنَاف : مُتَزَوِّج الْأَمَة بَعْد عِتْقهَا , وَمُؤْمِن أَهْل الْكِتَاب وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الْعِلْم , وَالْمَمْلُوك الَّذِي يُؤَدِّي حَقّ اللَّه وَحَقّ مَوَالِيه وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِتْق. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" أَرْبَعَة يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ \" فَذَكَرَ الثَّلَاثَة كَالَّذِي هُنَا وَزَادَ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير حَدِيث الْمَاهِر بِالْقُرْآنِ , وَالَّذِي يَقْرَأ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقّ , وَحَدِيث زَيْنَب اِمْرَأَة اِبْن مَسْعُود فِي الَّتِي تَتَصَدَّق عَلَى قَرِيبهَا لَهَا أَجْرَان أَجْر الصَّدَقَة وَأَجْر الصِّلَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة. وَحَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ فِي الْحَاكِم إِذَا أَصَابَ لَهُ أَجْرَان وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَام ; وَحَدِيث جَرِير \" مَنْ سَنّ سُنَّة حَسَنَة \" وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَنْ دَعَا إِلَى هُدَى \" وَحَدِيث أَبِي مَسْعُود \" مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْر \" وَالثَّلَاثَة بِمَعْنًى وَهُنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي الَّذِي تَيَمَّمَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاء فَأَعَادَ الصَّلَاة , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَك الْأَجْر مَرَّتَيْنِ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَدْ يَحْصُل بِمَزِيدِ التَّتَبُّع أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ. وَكُلّ هَذَا دَالّ عَلَى أَنْ لَا مَفْهُوم لِلْعَدَدِ الْمَذْكُور فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى. وَفِيهِ دَلِيل عَلَى مَزِيد فَضْلِ مَنْ أَعْتَقَ أَمَته ثُمَّ تَزَوَّجَهَا سَوَاء أَعْتَقَهَا اِبْتِدَاء لِلَّهِ أَوْ لِسَبَبٍ. وَقَدْ بَالَغَ قَوْم فَكَرِهُوهُ فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغهُمْ الْخَبَر , فَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة هُشَيْمٍ عَنْ صَالِح بْن صَالِح الرَّاوِي الْمَذْكُور وَفِيهِ قَالَ \" رَأَيْت رَجُلًا مِنْ أَهْل خُرَاسَان سَأَلَ الشَّعْبِيّ فَقَالَ : إِنَّ مَنْ قَبْلنَا مِنْ أَهْل خُرَاسَان يَقُولُونَ فِي الرَّجُل إِذَا أَعْتَقَ أَمَته ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَهُوَ كَالرَّاكِبِ بَدَنَته. فَقَالَ الشَّعْبِيّ \" فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَاله ثِقَات عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ يَقُول ذَلِكَ , وَأَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ اِبْن عُمَر مِثْله : وَعِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَنَس أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ \" إِذَا أَعْتَقَ أَمَته لِلَّهِ فَلَا يَعُود فِيهَا \" وَمِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ أَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَطَاء وَالْحَسَن أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بِذَلِكَ بَأْسًا. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ أَبُو بَكْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَيَّاش بِتَحْتَانِيَّةٍ وَآخِره مُعْجَمَة , وَأَبُو حُصَيْنٍ هُوَ عُثْمَان بْن عَاصِم ‏ ‏( عَنْ أَبِي بُرْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي مُوسَى. وَهَذَا الْإِسْنَاد مُسَلْسَل بِالْكُوفِيِّينَ وَبِالْكُنَى. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَهَا ثُمَّ أَصْدَقهَا ) ‏ ‏كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ الرِّوَايَة إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالتَّزْوِيجِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَنْ يَقَع بِمَهْرٍ جَدِيد سِوَى الْعِتْق , لَا كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّة صَفِيَّة كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , فَأَفَادَتْ هَذِهِ الطَّرِيق ثُبُوت الصَّدَاق , فَإِنَّهُ لَمْ يَقَع التَّصْرِيح بِهِ فِي الطَّرِيق الْأُولَى بَلْ ظَاهِرهَا أَنْ يَكُون الْعِتْق نَفْس الْمَهْر. وَقَدْ وَصَلَ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش هَذِهِ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَده عَنْهُ فَقَالَ \" حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر الْخَيَّاط \" فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ بِلَفْظِ \" إِذَا أَعْتَقَ الرَّجُل أَمَته ثُمَّ أَمْهَرهَا مَهْرًا جَدِيدًا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ , وَكَأَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ يَتَعَانَى الْخِيَاطَة فِي وَقْت , وَهُوَ أَحَد الْحُفَّاظ الْمَشْهُورِينَ فِي الْحَدِيث , وَالْقُرَّاء الْمَذْكُورِينَ فِي الْقِرَاءَة , وَأَحَد الرُّوَاة عَنْ عَاصِم وَلَهُ اِخْتِيَار. وَقَدْ اِحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيّ وَوَصَلَهُ مِنْ طَرِيقه أَيْضًا الْحَسَن بْن سُفْيَان وَأَبُو بَكْر الْبَزَّار فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن وَلَفْظه عِنْده \" ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بِمَهْرٍ جَدِيد \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ يَحْيَى بْن عَبْد الْحَمِيد الْحِمّانِيّ فِي مُسْنَده عَنْ أَبِي بَكْر بِهَذَا اللَّفْظ , وَلَمْ يَقَع لِابْنِ حَزْم إِلَّا مِنْ رِوَايَة الْحِمّانِيّ فَضَعَّفَ هَذِهِ الزِّيَادَة بِهِ وَلَمْ يُصِبْ. وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْم أَنَّ أَبَا بَكْر تَفَرَّدَ بِهَا عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ , وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ فِيهِ اِضْطِرَابًا عَلَى أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش , كَأَنَّهُ عَنَى فِي سِيَاق الْمَتْن لَا فِي الْإِسْنَاد , وَلَيْسَ ذَلِكَ الِاخْتِلَاف اِضْطِرَابًا لِأَنَّهُ يَرْجِع إِلَى مَعْنًى وَاحِد وَهُوَ ذِكْر الْمَهْر , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ عِتْقَ الْأَمَة لَا يَكُون نَفْس الصَّدَاق , وَلَا دَلَالَة فِيهِ , بَلْ هُوَ شَرْط لِمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْأَجْرَانِ الْمَذْكُورَانِ , وَلَيْسَ قَيْدًا فِي الْجَوَاز. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ \" عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى \" وَالصَّوَاب مَا عِنْد الْجَمَاعَة \" عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى \" بِحَذْفِ عَنْ الَّتِي قَبْل أَبِي مُوسَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4694",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَكْذِبْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ بَيْنَمَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏مَرَّ بِجَبَّارٍ وَمَعَهُ ‏ ‏سَارَةُ ‏ ‏فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَأَعْطَاهَا ‏ ‏هَاجَرَ ‏ ‏قَالَتْ كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْكَافِرِ وَأَخْدَمَنِي ‏ ‏آجَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سَعْد بْن تَلِيد ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَكَسْر اللَّام الْخَفِيفَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُهْمَلَة , مِصْرِيّ مَشْهُور , وَكَذَا شَيْخه , وَبَقِيَّة الْإِسْنَاد إِلَى أَبِي هُرَيْرَة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة , وَمُحَمَّد هُوَ اِبْن سِيرِينَ. وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" عَنْ أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرّ بَدَله \" عَنْ مُجَاهِد \" وَهُوَ خَطَأ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء \" عَنْ مُحَمَّد بْن مَحْبُوب عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد \" عَلَى الصَّوَاب لَكِنَّهُ سَاقه هُنَاكَ مَوْقُوفًا , وَاخْتَلَفَ هُنَا الرُّوَاة : فَوَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَالنَّسَفِيِّ مَوْقُوفًا أَيْضًا , وَلِغَيْرِهِمَا مَرْفُوعًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن حَرْب شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ مَوْقُوفًا , وَكَذَا ذَكَرَ أَبُو نُعَيْم أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا لِلْبُخَارِيّ مَوْقُوفًا , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْحُمَيْدِيُّ , وَأَظُنّهُ الصَّوَاب فِي رِوَايَة حَمَّاد عَنْ أَيُّوب , وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ السِّرّ فِي إِيرَاد رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم مَعَ كَوْنهَا نَازِلَة , وَلَكِنَّ الْحَدِيث فِي الْأَصْل ثَابِت الرَّفْع , لَكِنَّ اِبْن سِيرِينَ كَانَ يَقِف كَثِيرًا مِنْ حَدِيثه تَخْفِيفًا. وَأَغْرَبَ الْمِزِّيُّ فَعَزَا رِوَايَة حَمَّاد هَذِهِ هُنَا إِلَى رِوَايَة اِبْن رُمَيْح عَنْ الْفَرْبَرِيّ , وَغَفَلَ عَنْ ثُبُوتهَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَالْأَصِيلِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ الرُّوَاة مِنْ طَرِيق الْفِرْبَرِيّ حَتَّى فِي رِوَايَة أَبِي الْوَقْت , وَهِيَ ثَابِتَة أَيْضًا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ. فَمَا أَدْرِي مَا وَجْه تَخْصِيص ذَلِكَ بِرِوَايَةِ اِبْن رُمَيْح. ‏ ‏قَوْله ( لَمْ يَكْذِب إِبْرَاهِيم إِلَّا ثَلَاث كَذَبَات الْحَدِيث ) ‏ ‏سَاقه مُخْتَصَرًا هُنَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : مُطَابَقَة حَدِيث هَاجَر لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهَا كَانَتْ مَمْلُوكَة , وَقَدْ صَحَّ أَنَّ إِبْرَاهِيم أَوْلَدَهَا بَعْد أَنْ مَلَكَهَا فَهِيَ سُرِّيَّة. قُلْت : إِنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ صَرِيحًا فِي الصَّحِيح فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ , وَإِنَّمَا الَّذِي فِي الصَّحِيح أَنَّ سَارَّة مَلَكَتْهَا وَأَنَّ إِبْرَاهِيم أَوْلَدَهَا إِسْمَاعِيل , وَكَوْنه مَا كَانَ بِالَّذِي يَسْتَوْلِد أَمَة اِمْرَأَته إِلَّا بِمِلْكٍ مَأْخُوذ مِنْ خَارِج الْحَدِيث غَيْر الَّذِي فِي الصَّحِيح , وَقَدْ سَاقه أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق هِشَام بْن حَسَّان عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْحَدِيث قَالَ فِي آخِره \" فَاسْتَوْهَبَهَا إِبْرَاهِيم مِنْ سَارَّة , فَوَهَبَتْهَا لَهُ \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث حَارِثَة بْن مُضَرِّب عَنْ عَلِيّ عِنْد الْفَاكِهِيّ \" إِنَّ إِبْرَاهِيم اِسْتَوْهَبَ هَاجَرَ مِنْ سَارَّة فَوَهَبَتْهَا لَهُ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُسِرّهَا فَالْتَزَمَ ذَلِكَ , ثُمَّ غَارَتْ مِنْهَا فَكَانَ ذَلِكَ السَّبَب فِي تَحْوِيلهَا مَعَ اِبْنهَا إِلَى مَكَّة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "4695",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَالْمَدِينَةِ ‏ ‏ثَلَاثًا ‏ ‏يُبْنَى عَلَيْهِ ‏ ‏بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ‏ ‏فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى ‏ ‏وَلِيمَتِهِ ‏ ‏فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ أُمِرَ ‏ ‏بِالْأَنْطَاعِ ‏ ‏فَأَلْقَى فِيهَا مِنْ التَّمْرِ ‏ ‏وَالْأَقِطِ ‏ ‏وَالسَّمْنِ فَكَانَتْ ‏ ‏وَلِيمَتَهُ ‏ ‏فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَقَالُوا إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّى لَهَا خَلْفَهُ وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَنَس قَالَ ( أَقَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن خَيْبَر وَالْمَدِينَة ثَلَاثًا ) ‏ ‏الْحَدِيث , وَفِيهِ ( فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ , أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينه ؟ ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس عِنْد مُسْلِم \" فَقَالَ النَّاس : لَا نَدْرِي أَتَزَوَّجَهَا أَمْ اِتَّخَذَهَا أُمّ وَلَد \" وَشَاهِد التَّرْجَمَة مِنْهُ تَرَدُّد الصَّحَابَة فِي صَفِيَّة هَلْ هِيَ زَوْجَة أَوْ سُرِّيَّة فَيُطَابِق أَحَد رُكْنَيْ التَّرْجَمَة , قَالَ بَعْض الشُّرَّاح : دَلَّ تَرَدُّد الصَّحَابَة فِي صَفِيَّة هَلْ هِيَ زَوْجَة أَوْ سُرِّيَّة عَلَى أَنَّ عِتْقهَا لَمْ يَكُنْ نَفْس الصَّدَاق , كَذَا قَالَ : وَهُوَ مُتَعَقَّب بِأَنَّ التَّرَدُّد إِنَّمَا كَانَ فِي أَوَّل الْحَال ثُمَّ ظَهَرَ بَعْد ذَلِكَ أَنَّهَا زَوْجَة , وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَة لِمَا ذُكِرَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّة النِّكَاح بِغَيْرِ شُهُود لِأَنَّهُ لَوْ حَضَرَ فِي تَزْوِيج صَفِيَّة شُهُود لَمَا خَفِيَ عَنْ الصَّحَابَة حَتَّى يَتَرَدَّدُوا , وَلَا دَلَالَة فِيهِ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنَّ الَّذِينَ حَضَرُوا التَّزْوِيج غَيْر الَّذِينَ تَرَدَّدُوا , وَعَلَى تَسْلِيم أَنْ يَكُون الْجَمِيع تَرَدَّدُوا فَذَلِكَ مَذْكُور مِنْ خَصَائِصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَتَزَوَّج بِلَا وَلِيّ وَلَا شُهُود كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّة زَيْنَب بِنْت جَحْش , وَقَدْ سَبَقَ شَرْح أَوَّل الْحَدِيث فِي غَزْوَة خَيْبَر مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي , وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِالْعِتْقِ فِي الَّذِي بَعْده ‏"
    },
    {
        "id": "4696",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏وَشُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْتَقَ ‏ ‏صَفِيَّةَ ‏ ‏وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4697",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَتْ ‏ ‏امْرَأَةٌ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأْسَهُ فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا فَقَالَ ‏ ‏وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي قَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدَهَا فَقَالَ تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4698",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ‏ ‏وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَبَنَّى ‏ ‏سَالِمًا ‏ ‏وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ ‏ ‏هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏وَهُوَ مَوْلًى ‏ ‏لِامْرَأَةٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏كَمَا تَبَنَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَيْدًا ‏ ‏وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏وَمَوَالِيكُمْ ‏} ‏فَرُدُّوا إِلَى آبَائِهِمْ فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌ كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّينِ فَجَاءَتْ ‏ ‏سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَشِيِّ ثُمَّ العَامِرِيِّ ‏ ‏وَهِيَ امْرَأَةُ ‏ ‏أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نَرَى ‏ ‏سَالِمًا ‏ ‏وَلَدًا وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ‏ ‏فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الْأَوَّل حَدِيث عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ أَبَا حُذَيْفَة ) ‏ ‏اِسْمه مُهَشِّم عَلَى الْمَشْهُور وَقِيلَ هِشَام وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ وَهُوَ خَال مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان ‏ ‏قَوْله ( تَبَنَّى ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَالْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد النُّون بَعْدهَا أَلِف أَيْ اِتَّخَذَهُ وَلَدًا , وَسَالِم هُوَ اِبْن مَعْقِل مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة , وَلَمْ يَكُنْ مَوْلَاهُ وَإِنَّمَا كَانَ يُلَازِمهُ , بَلْ كَانَ مِنْ حُلَفَائِهِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ , وَكَانَ اِسْتِشْهَاد أَبِي حُذَيْفَة وَسَالِم جَمِيعًا يَوْم الْيَمَامَة فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله ( وَأَنْكَحَهُ ) ‏ ‏أَيْ زَوَّجَهُ ‏ ‏( هِنْدًا ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَوَقَعَ عِنْد مَالِك \" فَاطِمَة \" فَلَعَلَّ لَهَا اِسْمَيْنِ , وَالْوَلِيد ِبْن عُتْبَةَ أَحَد مَنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ كَافِرًا , وَقَوْله \" بِنْت أَخِيهِ \" بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْمُعْجَمَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة هُوَ الصَّحِيح , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات بِضَمِّ الْهَمْزَة وَسُكُون الْخَاء ثُمَّ مُثَنَّاة وَهُوَ غَلَط. ‏ ‏قَوْله ( وَهُوَ مَوْلَى اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان اِسْمهَا فِي غَزْوَة بَدْر. ‏ ‏قَوْله ( كَمَا تَبَنَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدًا ) ‏ ‏أَيْ اِبْن حَارِثَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ خَبَره بِذَلِكَ فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب. ‏ ‏قَوْله ( فَمَنْ لَمْ يُعْلَم لَهُ أَب ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّل يُعْلَم وَفَتْح اللَّام عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّين ) ‏ ‏لَعَلَّ فِي هَذَا إِشَارَة إِلَى قَوْلهمْ \" مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة \" وَإِنَّ سَالِمًا لَمَّا نَزَلَتْ ( اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ) كَانَ مِمَّنْ لَا يُعْلَم لَهُ أَب فَقِيلَ لَهُ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّا كُنَّا نَرَى ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون أَيْ نَعْتَقِد. ‏ ‏قَوْله ( سَالِمًا وَلَدًا ) ‏ ‏زَادَ الْبَرْقَانِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي الْيَمَان شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ \" فَكَانَ يَأْوِي مَعِي وَمَعَ أَبِي حُذَيْفَة فِي بَيْت وَاحِد فَيَرَانِي فُضُلًا \" وَفُضُلًا بِضَمِّ الْفَاء وَالْمُعْجَمَة أَيْ مُتَبَذِّلَة فِي ثِيَاب الْمِهْنَة , يُقَال تَفَضَّلَتْ الْمَرْأَة إِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ , هَذَا قَوْل الْخَطَّابِيّ وَتَبِعَهُ اِبْن الْأَثِير وَزَادَ \" وَكَانَتْ فِي ثَوْب وَاحِد \" وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : قَالَ الْخَلِيل رَجُل فُضُل مُتَوَشِّح فِي ثَوْب وَاحِد يُخَالِف بَيْن طَرَفَيْهِ , قَالَ : فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّهُ كَانَ يَدْخُل عَلَيْهَا وَهِيَ مُنْكَشِف بَعْضهَا. وَعَنْ اِبْن وَهْب : فُضُل مَكْشُوفَة الرَّأْس وَالصَّدْر , وَقِيلَ الْفُضُل الَّذِي عَلَيْهِ ثَوْب وَاحِد وَلَا إِزَار تَحْته. وَقَالَ صَاحِب الصِّحَاح : تَفَضَّلَتْ الْمَرْأَة فِي بَيْتهَا إِذَا كَانَتْ فِي ثَوْب وَاحِد كَقَمِيصِ لَا كُمَّيْنِ لَهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّه فِيهِ مَا قَدْ عَلِمْت ) ‏ ‏أَيْ الْآيَة الَّتِي سَاقَهَا قَبْل وَهِيَ ( اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ) وَقَوْله ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ). ‏ ‏قَوْله ( فَذَكَرَ الْحَدِيث ) ‏ ‏سَاقَ بَقِيَّته الْبَرْقَانِيّ وَأَبُو دَاوُدَ \" فَكَيْفَ تَرَى ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْضِعِيهِ , فَأَرْضَعَتْهُ خَمْس رَضَعَات فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدهَا مِنْ الرَّضَاعَة \" فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَة تَأْمُر بَنَات إِخْوَتهَا وَبَنَات أَخَوَاتهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ عَائِشَة أَنْ يَرَاهَا وَيَدْخُل عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْس رَضَعَات ثُمَّ يَدْخُل عَلَيْهَا , وَأَبَتْ أُمّ سَلَمَة وَسَائِر أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَة أَحَدًا مِنْ النَّاس حَتَّى يَرْضَع فِي الْمَهْد , وَقُلْنَ لِعَائِشَة : وَاللَّه مَا نَدْرِي لَعَلَّهَا رُخْصَة مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَالِمٍ دُون النَّاس. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق فَيَّاض بْن زُهَيْر عَنْ أَبِي الْيَمَان فِيهِ مَعَ عُرْوَة أَبُو عَائِذ اللَّه بْن رَبِيعَة وَمَعَ عَائِشَة أُمّ سَلَمَة وَقَالَ فِي آخِره : لَمْ يَذْكُرهُمَا الْبُخَارِيّ فِي إِسْنَاده. قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْن بَكَّارٍ عَنْ أَبِي الْيَمَان مُخْتَصَرًا كَرِوَايَةِ الْبُخَارِيّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي غَزْوَة بَدْر مِنْ طَرِيق عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ كَذَلِكَ وَاخْتَصَرَ الْمَتْن أَيْضًا. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : عَنْ عُرْوَة وَابْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي رَبِيعَة كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق يُونُس كَمَا تَرَى. وَأَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن رَبِيعَة , وَالذُّهْلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَخِي الزُّهْرِيِّ كُلّهمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ كَمَا قَالَ عُقَيْل. وَكَذَا أَخْرَجَهُ مَالِك وَابْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ , لَكِنَّهُ عِنْد أَكْثَر الرُّوَاة عَنْ مَالِك مُرْسَل. وَخَالَفَ الْجَمِيع عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن مُسَافِر عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : عَنْ عُرْوَة وَعَمْرَة كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَة أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. قَالَ الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" هَذِهِ الرِّوَايَات كُلّهَا عِنْدنَا مَحْفُوظَة إِلَّا رِوَايَة اِبْن مُسَافِر فَإِنَّهَا غَيْر مَحْفُوظَة , أَيْ ذِكْرُ عَمْرَة فِي إِسْنَاده , قَالَ : وَالرَّجُل الْمَذْكُور مَعَ عُرْوَة لَا أَعْرِفهُ إِلَّا أَنَّنِي أَتَوَهَّم أَنَّهُ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي رَبِيعَة , فَإِنَّ أُمّه أُمّ كُلْثُوم بِنْت أَبِي بَكْر , فَهُوَ اِبْن أُخْت عَائِشَة , كَمَا أَنَّ عُرْوَة اِبْن أُخْتهَا , وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيِّ حَدِيثَيْنِ غَيْر هَذَا قَالَ : وَهُوَ بِرِوَايَةِ يَحْيَى بْن سَعِيد أَشْبَهَ حَيْثُ قَالَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي رَبِيعَة فَنَسَبَهُ لِجَدِّهِ , وَأَمَّا قَوْل شُعَيْب أَبُو عَائِذ اللَّه فَهُوَ مَجْهُول. قُلْت : لَعَلَّهَا كُنْيَة إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور , وَقَدْ نَقَلَ الْمِزِّيُّ فِي \" التَّهْذِيب \" قَوْل الذُّهْلِيِّ هَذَا وَأَقَرَّهُ , وَخَالَفَ فِي \" الْأَطْرَاف \" فَقَالَ : أَظُنّهُ الْحَارِث بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي رَبِيعَة , يَعْنِي عَمّ إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور. وَالَّذِي أَظُنّ أَنَّ قَوْل الذُّهْلِيِّ أَشْبَهَ بِالصَّوَابِ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ أَبُو عُبَيْدَة بْن عَبْد اللَّه بْن زَمْعَة , فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيقه مِنْ وَجْه آخَر , فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد , وَكَأَنَّ مَا عَدَاهُ تَصْحِيف وَاللَّه أَعْلَم. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ عَائِشَة , وَمِنْ طَرِيق زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة عَنْ أُمّ سَلَمَة , فَلَهُ أَصْل مِنْ حَدِيثهمَا , فَفِي رِوَايَة لِلْقَاسِمِ عِنْده \" جَاءَتْ سَهْلَة بِنْت سُهَيْل بْن عَمْرو فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ فِي وَجْه أَبِي حُذَيْفَة مِنْ دُخُول سَالِم وَهُوَ حَلِيفه , فَقَالَ : أَرْضِعِيهِ. فَقَالَتْ : وَكَيْف أُرْضِعهُ وَهُوَ رَجُل كَبِير ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ رَجُل كَبِير \" وَفِي لَفْظ فَقَالَتْ \" إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغ الرِّجَال , وَأَنَّهُ يَدْخُل عَلَيْنَا , وَإِنِّي أَظُنّ أَنَّ فِي نَفْس أَبِي حُذَيْفَة شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَ أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ. فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ : إِنِّي قَدْ أَرْضَعْته فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْس أَبِي حُذَيْفَة \" وَفِي بَعْض طُرُق حَدِيث زَيْنَب \" قَالَتْ أُمّ سَلَمَة لِعَائِشَة : إِنَّهُ يَدْخُل عَلَيْك الْغُلَام الَّذِي مَا أُحِبّ أَنْ يَدْخُل عَلَيَّ , فَقَالَتْ : أَمَا لَك فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْوَة , إِنَّ اِمْرَأَة أَبِي حُذَيْفَة \" فَذَكَرَتْ الْحَدِيث مُخْتَصَرًا. وَفِي رِوَايَة \" الْغُلَام الَّذِي قَدْ اِسْتَغْنَى عَنْ الرَّضَاعَة \" وَفِيهَا \" فَقَالَ : أَرَضِيعه. قَالَتْ : إِنَّهُ ذُو لِحْيَة. فَقَالَ : أَرْضِعِيهِ يَذْهَب مَا فِي وَجْه أَبِي حُذَيْفَة. قَالَتْ فَوَاللَّهِ مَا عَرَفْته فِي وَجْه أَبِي حُذَيْفَة \" وَفِي لَفْظ عَنْ أُمّ سَلَمَة \" أَبَى سَائِر أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ أَحَدًا بِتِلْكَ الرَّضَاعَة , وَقُلْنَ لِعَائِشَة : وَاللَّه مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخْصَة لِسَالِمٍ , فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنَا أَحَد بِهَذِهِ الرَّضَاعَة وَلَا رَأَيْتنَا \". قُلْت : وَهَذَا الْعُمُوم مَخْصُوص بِغَيْرِ حَفْصَة كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَاب الرَّضَاع , وَنَذْكُر هُنَاكَ حُكْم هَذِهِ الْمَسْأَلَة أَعْنِي إِرْضَاع الْكَبِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4699",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَقَالَ لَهَا ‏ ‏لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ قَالَتْ وَاللَّهِ لَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً فَقَالَ لَهَا حُجِّي وَاشْتَرِطِي وَقُولِي ‏ ‏اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي وَكَانَتْ تَحْتَ ‏ ‏الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة ضُبَاعَة بِنْت الزُّبَيْر بْن عَبْد الْمُطَّلِب الْهَاشِمِيَّة بِنْت عَمّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِاشْتِرَاط فِي الْحَجِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي أَبْوَاب الْمُحْصَر مِنْ كِتَاب الْحَجّ وَقَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث ‏ ‏\" مَا أَجِدنِي \" ‏ ‏أَيْ مَا أَجِد نَفْسِي وَاتِّحَاد الْفَاعِل وَالْمَفْعُول مَعَ كَوْنهمَا ضَمِيرَيْنِ لِشَيْءٍ وَاحِد مِنْ خَصَائِص أَفْعَال الْقُلُوب. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز الْيَمِين فِي دَرَج الْكَلَام بِغَيْرِ قَصْد. وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَة لَا يَجِب عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَأْمِر زَوْجهَا فِي حَجّ الْفَرْض , كَذَا قِيلَ , وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه لَا يَجُوز لَهُ مَنْعهَا أَنْ يَسْقُط عَنْهَا اِسْتِئْذَانه. ‏ ‏قَوْله فِي آخِره ( وَكَانَتْ تَحْت الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد ) ‏ ‏ظَاهِر سِيَاقه أَنَّهُ مِنْ كَلَام عَائِشَة , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ مِنْ كَلَام عُرْوَة , وَهَذَا الْقَدْر هُوَ الْمَقْصُود مِنْ هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب , فَإِنَّ الْمِقْدَاد وَهُوَ اِبْن عَمْرو الْكِنْدِيّ نُسِبَ إِلَى الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث الزُّهْرِيِّ لِكَوْنِهِ تَبَنَّاهُ , فَكَانَ مِنْ حُلَفَاء قُرَيْش , وَتَزَوَّجَ ضُبَاعَة وَهِيَ هَاشِمِيَّة , فَلَوْلَا أَنَّ الْكَفَاءَة لَا تُعْتَبَر بِالنَّسَبِ , لَمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجهَا لِأَنَّهَا فَوْقه فِي النَّسَب. وَلِلَّذِي يَعْتَبِر الْكَفَاءَة فِي النَّسَب أَنْ يُجِيب بِأَنَّهَا رَضِيَتْ هِيَ وَأَوْلِيَاؤُهَا فَسَقَطَ حَقّهمْ مِنْ الْكَفَاءَة , وَهُوَ جَوَاب صَحِيح إِنْ ثَبَتَ أَصْل اِعْتِبَار الْكَفَاءَة فِي النَّسَب , ‏"
    },
    {
        "id": "4700",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ ‏ ‏تَرِبَتْ يَدَاكَ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الثَّالِث حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله ( تُنْكَح الْمَرْأَة لِأَرْبَعٍ ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِ أَرْبَع. ‏ ‏قَوْله ( لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ مُوَحَّدَة أَيْ شَرَفهَا , وَالْحَسَب فِي الْأَصْل الشَّرَف بِالْآبَاءِ وَبِالْأَقَارِبِ , مَأْخُوذ مِنْ الْحِسَاب , لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَفَاخَرُوا عَدُّوا مَنَاقِبهمْ وَمَآثِر آبَائِهِمْ وَقَوْمهمْ وَحَسَبُوهَا فَيُحْكَم لِمَنْ زَادَ عَدَده عَلَى غَيْره. وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْحَسَبِ هُنَا الْفِعَال الْحَسَنَة. وَقِيلَ الْمَال وَهُوَ مَرْدُود لِذِكْرِ الْمَال قَبْله وَذَكَرَهُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَل يَحْيَى بْن جَعْدَة عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور \" عَلَى دِينهَا وَمَالهَا وَعَلَى حَسَبهَا وَنَسَبهَا \" وَذِكْرُ النَّسَب عَلَى هَذَا تَأْكِيد , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الشَّرِيف النَّسِيب يُسْتَحَبّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّج نَسِيبَة إِلَّا إِنْ تَعَارَضَ نَسِيبَة غَيْر دَيِّنَة وَغَيْر نَسِيبَة دَيِّنَة فَتُقَدَّم ذَات الدِّين , وَهَكَذَا فِي كُلّ الصِّفَات. وَأَمَّا قَوْل بَعْص الشَّافِعِيَّة يُسْتَحَبّ أَنْ لَا تَكُون الْمَرْأَة ذَات قَرَابَة قَرِيبَة فَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى الْخَبَر فَلَا أَصْل لَهُ أَوْ إِلَى التَّجْرِبَة وَهُوَ أَنَّ الْغَالِب أَنَّ الْوَلَد بَيْن الْقَرِيبَيْنِ يَكُون أَحْمَق فَهُوَ مُتَّجِه. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ \" إِنَّ أَحْسَاب أَهْل الدُّنْيَا الَّذِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ الْمَال \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ حَسَب مَنْ لَا حَسَب لَهُ , فَيَقُوم النَّسَب الشَّرِيف لِصَاحِبِهِ مَقَام الْمَال لِمَنْ لَا نَسَب لَهُ , وَمِنْهُ حَدِيث سَمُرَة رَفَعَهُ \" الْحَسَب الْمَال , وَالْكَرَم التَّقْوَى \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِم , وَبِهَذَا الْحَدِيث تَمَسَّكَ مَنْ اِعْتَبَرَ الْكَفَاءَة بِالْمَالِ وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , أَوْ أَنَّ مِنْ شَأْن أَهْل الدُّنْيَا رِفْعَة مَنْ كَانَ كَثِير الْمَال وَلَوْ كَانَ وَضِيعًا , وَضِعَة مَنْ كَانَ مُقِلًّا وَلَوْ كَانَ رَفِيع النَّسَب كَمَا هُوَ مَوْجُود مُشَاهَد , فَعَلَى الِاحْتِمَال الْأَوَّل يُمْكِن أَنْ يُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث اِعْتِبَار الْكَفَاءَة بِالْمَالِ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ , لَا عَلَى الثَّانِي لِكَوْنِهِ سِيقَ فِي الْإِنْكَار عَلَى مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم الْحَدِيث مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ جَابِر وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْحَسَب اِقْتَصَرَ عَلَى الدِّين وَالْمَال وَالْجَمَال. ‏ ‏قَوْله ( وَجَمَالهَا ) ‏ ‏يُؤْخَذ مِنْهُ اِسْتِحْبَاب تَزَوُّج الْجَمِيلَة إِلَّا إِنْ تُعَارِض الْجَمِيلَةُ الْغَيْرَ دَيِّنَة وَالْغَيْرُ جَمِيلَة الدِّينَةَ , نَعَمْ لَوْ تَسَاوَتَا فِي الدِّين فَالْجَمِيلَة أَوْلَى , وَيَلْتَحِق بِالْحَسَنَةِ الذَّات الْحَسَنَة الصِّفَات , وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُون خَفِيفَة الصَّدَاق. ‏ ‏قَوْله ( فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّين ) ‏ ‏فِي حَدِيث جَابِر \" فَعَلَيْك بِذَاتِ الدِّين \" وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّائِق بِذِي الدِّين وَالْمُرُوءَة أَنْ يَكُون الدِّين مَطْمَح نَظَرِهِ فِي كُلّ شَيْء لَا سِيَّمَا فِيمَا تَطُول صُحْبَته فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحْصِيلِ صَاحِبَة الدِّين الَّذِي هُوَ غَايَة الْبُغْيَة. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عِنْد اِبْن مَاجَهْ رَفَعَهُ لَا تَزَوَّجُوا النِّسَاء لِحُسْنِهِنَّ فَعَسَى حُسْنهنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ - أَيْ يُهْلِكهُنَّ - وَلَا تَزَوَّجُوهُنَّ لِأَمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالهنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ , وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّين , وَلَأَمَة سَوْدَاء ذَات دِين أَفْضَل \". ‏ ‏قَوْله ( تَرِبَتْ يَدَاك ) ‏ ‏أَيْ لَصِقَتَا بِالتُّرَابِ وَهِيَ كِنَايَة عَنْ الْفَقْر وَهُوَ خَبَر بِمَعْنَى الدُّعَاء , لَكِنْ لَا يُرَاد بِهِ حَقِيقَته , وَبِهَذَا جَزَمَ صَاحِب \" الْعُمْدَة \" , زَادَ غَيْره أَنَّ صُدُور ذَلِكَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَقّ مُسْلِم لَا يُسْتَجَاب لِشَرْطِهِ ذَلِكَ عَلَى رَبّه , وَحَكَى اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّ مَعْنَاهُ اِسْتَغْنَتْ , وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَعْرُوف أَتْرَبَ إِذَا اِسْتَغْنَى وَتَرِبَ إِذَا اِفْتَقَرَ , وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْغِنَى النَّاشِئ عَنْ الْمَال تُرَاب لِأَنَّ جَمِيع مَا فِي الدُّنْيَا تُرَاب وَلَا يَخْفَى بُعْده , وَقِيلَ مَعْنَاهُ ضَعْف عَقْلك , وَقِيلَ اِفْتَقَرَتْ مِنْ الْعِلْم , وَقِيلَ فِيهِ تَقْدِير شَرْط أَيْ وَقَعَ لَك ذَلِكَ إِنْ لَمْ تَفْعَل وَرَجَّحَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ , وَقِيلَ مَعْنَى اِفْتَقَرَتْ حَابَتْ , وَصَحَّفَهُ بَعْضهمْ فَقَالَهُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ مَعْنَى تَرِبَتْ تَفَرَّقَتْ وَهُوَ مِثْل حَدِيث \" نَهَى عَنْ الصَّلَاة إِذَا صَارَتْ الشَّمْس كَالْأَثَارِب \" وَهُوَ جَمْع ثُرُوب وَأَثْرُب مِثْل فُلُوس وَأَفْلُس وَهِيَ جَمْع ثَرْب بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الرَّاء وَهُوَ الشَّحْم الرَّقِيق الْمُتَفَرِّق الَّذِي يَغْشَى الْكَرِش , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَدَب. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ هَذِهِ الْخِصَال الْأَرْبَع هِيَ الَّتِي يُرْغَب فِي نِكَاح الْمَرْأَة لِأَجْلِهَا , فَهُوَ خَبَر عَمَّا فِي الْوُجُود مِنْ ذَلِكَ لَا أَنَّهُ وَقَعَ الْأَمْر بِذَلِكَ بَلْ ظَاهِره إِبَاحَة النِّكَاح لِقَصْدِ كُلّ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّ قَصْدَ الدِّين أَوْلَى , قَالَ وَلَا يُظَنّ مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ هَذِهِ الْأَرْبَع تُؤْخَذ مِنْهَا الْكَفَاءَة أَيْ تَنْحَصِر فِيهَا , فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَد فِيمَا عَلِمْت وَإِنْ كَانُوا اِخْتَلَفُوا فِي الْكَفَاءَة مَا هِيَ. وَقَالَ الْمُهَلَّب : فِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاع بِمَالِ الزَّوْجَة , فَإِنْ طَابَتْ نَفْسهَا بِذَلِكَ حَلَّ لَهُ وَإِلَّا فَلَهُ مِنْ ذَلِكَ قَدْر مَا بَذَلَ لَهَا مِنْ الصَّدَاق. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا التَّفْصِيل لَيْسَ فِي الْحَدِيث. وَلَمْ يَنْحَصِر قَصْد نِكَاح الْمَرْأَة لِأَجْلِ مَالهَا فِي اِسْتِمْتَاع الزَّوْج , بَلْ قَدْ يَقْصِد تَزْوِيج ذَات الْغِنَى لِمَا عَسَاهُ يَحْصُل لَهُ مِنْهَا مِنْ وَلَد فَيَعُود إِلَيْهِ ذَلِكَ الْمَال بِطَرِيقِ الْإِرْث إِنْ وَقَعَ , أَوْ لِكَوْنِهَا تَسْتَغْنِي بِمَالِهَا عَنْ كَثْرَة مُطَالَبَته بِمَا يَحْتَاج إِلَيْهِ نِسَاء وَنَحْو ذَلِكَ. وَأَعْجَب مِنْهُ اِسْتِدْلَال بَعْض الْمَالِكِيَّة بِهِ عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَحْجُر عَلَى اِمْرَأَته فِي مَالهَا , قَالَ : لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَزَوَّجَ لِأَجْلِ الْمَال فَلَيْسَ لَهَا تَفْوِيته عَلَيْهِ , وَلَا يَخْفَى وَجْه الرَّدّ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4701",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا قَالُوا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ قَالَ ثُمَّ سَكَتَ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا قَالُوا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل وَهُوَ اِبْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله ( اِبْن أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الْعَزِيز. ‏ ‏قَوْله ( مَرَّ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه ‏ ‏قَوْله ( حَرِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الرَّاء وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة أَيْ حَقِيق وَجَدِير. ‏ ‏قَوْله ( يُشَفَّع ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيد الْفَاء الْمَفْتُوحَة أَيْ تُقْبَل شَفَاعَته. ‏ ‏قَوْله ( فَمَرَّ رَجُل مِنْ فُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَفِي \" مُسْنَد الرُّويَانِيّ \" و \" فُتُوح مِصْر لِابْنِ عَبْد الْحَكَم \" و \" مُسْنَد الصَّحَابَة الَّذِينَ دَخَلُوا مِصْر \" مِنْ طَرِيق أَبِي سَالِم الْجَيْشَانِيّ عَنْ أَبِي ذَرّ أَنَّهُ جُعَيْل بْن سُرَاقَة. ‏ ‏قَوْله ( فَمَرَّ رَجُل ) فِي رِوَايَة الرِّقَاق قَالَ \" فَسَكَتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَرَّ رَجُل \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي طَرِيق أُخْرَى تَأْتِي فِي الرِّقَاق بِلَفْظِ \" فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْده جَالِس : مَا رَأْيك فِي هَذَا \" وَكَأَنَّهُ جَمَعَ هُنَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْجَالِسِينَ عِنْدَهُ كَانُوا جَمَاعَة لَكِنْ الْمُجِيب وَاحِد , وَقَدْ سَمَّى مِنْ الْمُجِيبِينَ أَبُو ذَرّ فِيمَا أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن جُبَيْر بْن نُفَيْر عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( أَنْ لَا يَسْمَع ) زَادَ فِي رِوَايَة الرِّقَاق \" أَنْ لَا يَسْمَع لِقَوْلِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( هَذَا ) ‏ ‏أَيْ الْفَقِير ‏ ‏( خَيْر مِنْ مِلْء الْأَرْض مِثْل هَذَا ) ‏ ‏أَيْ الْغَنِيّ , وَمِلْء بِالْهَمْزِ وَيَجُوز فِي مِثْل النَّصْب وَالْجَرّ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : إِنْ كَانَ الْأَوَّل كَافِرًا فَوَجْهه ظَاهِر , وَإِلَّا فَيَكُون ذَلِكَ مَعْلُومًا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَحْيِ قُلْت : يُعْرَف الْمُرَاد مِنْ الطَّرِيق الْأُخْرَى الَّتِي سَتَأْتِي فِي كِتَاب الرِّقَاق بِلَفْظِ \" قَالَ رَجُل مِنْ أَشْرَاف النَّاس : هَذَا وَاللَّه حَرِيّ إِلَخْ \" فَحَاصِل الْجَوَاب أَنَّهُ أَطْلَقَ تَفْضِيل الْفَقِير الْمَذْكُور عَلَى الْغَنِيّ الْمَذْكُور , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ تَفْضِيل كُلّ غَنِيّ عَلَى كُلّ فَقِير , وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الرِّقَاق \" فَضْل الْفَقْر \" وَيَأْتِي الْبَحْث فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ‏"
    },
    {
        "id": "4702",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ { ‏وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا ‏ ‏تُقْسِطُوا ‏ ‏فِي الْيَتَامَى ‏} ‏قَالَتْ يَا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا وَيُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِصَ صَدَاقَهَا فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلَّا أَنْ ‏ ‏يُقْسِطُوا ‏ ‏فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ قَالَتْ وَاسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ‏} ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ لَهُمْ أَنَّ الْيَتِيمَةَ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ وَمَالٍ رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا وَنَسَبِهَا وَسُنَّتِهَا فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ وَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبَةً عَنْهَا فِي قِلَّةِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ تَرَكُوهَا وَأَخَذُوا غَيْرَهَا مِنْ النِّسَاءِ قَالَتْ فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْهَا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا فِيهَا إِلَّا أَنْ ‏ ‏يُقْسِطُوا ‏ ‏لَهَا وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا الْأَوْفَى فِي الصَّدَاقِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4703",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏وَسَالِمٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4704",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذَكَرُوا الشُّؤْمَ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4705",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَسْكَنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4706",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أُسَامَة بْن زَيْد ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ أَبِيهِ مَعَ أُسَامَة سَعِيد بْن زَيْد , وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيّ لَا نَعْلَم أَحَدًا قَالَ فِيهِ \" عَنْ سَعِيد بْن زَيْد \" غَيْر مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان. ‏ ‏قَوْله ( مَا تَرَكْت بَعْدِي فِتْنَة أَضَرّ عَلَى الرِّجَال مِنْ النِّسَاء ) ‏ ‏قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين السُّبْكِيُّ : فِي إِيرَاد الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث عَقِب حَدِيثَيْ اِبْن عُمَر وَسَهْل بَعْد ذِكْرِ الْآيَة فِي التَّرْجَمَة إِشَارَة إِلَى تَخْصِيص الشُّؤْم بِمَنْ تَحْصُل مِنْهَا الْعَدَاوَة وَالْفِتْنَة , لَا كَمَا يَفْهَمهُ بَعْض النَّاس مِنْ التَّشَاؤُم بِكَعْبِهَا أَوْ أَنَّ لَهَا تَأْثِيرًا فِي ذَلِكَ , وَهُوَ شَيْء لَا يَقُول بِهِ أَحَد مِنْ الْعُلَمَاء , وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا سَبَب فِي ذَلِكَ فَهُوَ جَاهِل , وَقَدْ أَطْلَقَ الشَّارِع عَلَى مَنْ يَنْسُب الْمَطَر إِلَى النَّوْء الْكُفْر فَكَيْف بِمَنْ يَنْسُب مَا يَقَع مِنْ الشَّرّ إِلَى الْمَرْأَة مِمَّا لَيْسَ لَهَا فِيهِ مَدْخَل , وَإِنَّمَا يَتَّفِق مُوَافَقَة قَضَاء وَقَدَر فَتَنْفِر النَّفْس مِنْ ذَلِكَ , فَمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَلَا يَضُرّهُ أَنْ يَتْرُكهَا مِنْ غَيْر أَنْ يَعْتَقِد نِسْبَة الْفِعْل إِلَيْهَا. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ فِي كِتَاب الْجِهَاد , وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الْفِتْنَة بِالنِّسَاءِ أَشَدّ مِنْ الْفِتْنَة بِغَيْرِهِنَّ , وَيَشْهَد لَهُ قَوْله تَعَالَى ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبّ الشَّهَوَات مِنْ النِّسَاء ) فَجَعَلَهُنَّ مِنْ حُبّ الشَّهَوَات , وَبَدَأَ بِهِنَّ قَبْل بَقِيَّة الْأَنْوَاع إِشَارَة إِلَى أَنَّهُنَّ الْأَصْل فِي ذَلِكَ , وَيَقَع فِي الْمُشَاهَدَة حُبّ الرَّجُل وَلَد مِنْ اِمْرَأَته الَّتِي هِيَ عِنْده أَكْثَر مِنْ حُبّه وَلَدَهُ مِنْ غَيْرهَا , وَمِنْ أَمْثِلَة ذَلِكَ قِصَّة النُّعْمَان بْن بَشِير فِي الْهِبَة , وَقَدْ قَالَ بَعْض الْحُكَمَاء : النِّسَاء شَرّ كُلّهنَّ وَأَشَرّ مَا فِيهِنَّ عَدَم الِاسْتِغْنَاء عَنْهُنَّ وَمَعَ أَنَّهَا نَاقِصَة الْعَقْل وَالدِّين تَحْمِل الرَّجُل عَلَى تَعَاطِي مَا فِيهِ نَقْصُ الْعَقْل وَالدِّين كَشَغْلِهِ عَنْ طَلَب أُمُور الدِّين وَحَمْلِهِ عَلَى التَّهَالُك عَلَى طَلَب الدُّنْيَا وَذَلِكَ أَشَدّ الْفَسَاد وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي أَثْنَاء حَدِيث \" وَاتَّقُوا النِّسَاء , فَإِنَّ أَوَّل فِتْنَة بَنِي إِسْرَائِيل كَانَتْ فِي النِّسَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "4707",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ فِي ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏ثَلَاثُ سُنَنٍ عَتَقَتْ فَخُيِّرَتْ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبُرْمَةٌ عَلَى النَّارِ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ فَقَالَ أَلَمْ أَرَ ‏ ‏الْبُرْمَةَ ‏ ‏فَقِيلَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ قَالَ هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4708",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ { ‏وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا ‏ ‏تُقْسِطُوا ‏ ‏فِي الْيَتَامَى ‏} ‏قَالَتْ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ وَهُوَ وَلِيُّهَا فَيَتَزَوَّجُهَا عَلَى مَالِهَا وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا وَلَا يَعْدِلُ فِي مَالِهَا فَلْيَتَزَوَّجْ مَا طَابَ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهَا مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4709",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ عِنْدَهَا وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُرَاهُ فُلَانًا لِعَمِّ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏مِنْ الرَّضَاعَةِ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا لِعَمِّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ دَخَلَ عَلَيَّ فَقَالَ ‏ ‏نَعَمْ ‏ ‏الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم الْأَنْصَارِيّ , وَقَدْ رَوَاهُ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْهُ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانه , لَكِنَّهُ اِخْتَصَرَهُ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَتْن دُون الْقِصَّة , أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله ( وَأَنَّهَا سَمِعْت صَوْت رَجُل يَسْتَأْذِن فِي بَيْت حَفْصَة ) ‏ ‏أَيْ بِنْت عُمَر أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذَا الرَّجُل. ‏ ‏قَوْله ( أُرَاهُ ) ‏ ‏أَيْ أَظُنّهُ. ‏ ‏قَوْله ( فُلَانًا لِعَمِّ حَفْصَة ) ‏ ‏اللَّام بِمَعْنَى عَنْ , أَيْ قَالَ ذَلِكَ عَنْ عَمّ حَفْصَة. وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَتْ عَائِشَة ) ‏ ‏فِيهِ اِلْتِفَات وَكَانَ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ يَقُول \" قُلْت \". ‏ ‏قَوْله ( لَوْ كَانَ فُلَان حَيًّا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه أَيْضًا , وَوَهِمَ مَنْ فَسَّرَهُ بِأَفْلَح أَخِي أَبِي الْقُعَيْس لِأَنَّ أَبَا الْقُعَيْس وَالِد عَائِشَة مِنْ الرَّضَاعَة , وَأَمَّا أَفْلَح فَهُوَ أَخُوهُ وَهُوَ عَمّهَا مِنْ الرَّضَاعَة كَمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ عَاشَ حَتَّى جَاءَ يَسْتَأْذِن عَلَى عَائِشَة فَأَمَرَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَأْذَن لَهُ بَعْد أَنْ اِمْتَنَعَتْ , وَقَوْلهَا هُنَا \" لَوْ كَانَ حَيًّا \" يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَاتَ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَخًا لَهُمَا آخَر , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون ظَنَّتْ أَنَّهُ مَاتَ لِبُعْدِ عَهْدهَا بِهِ ثُمَّ قَدِمَ بَعْد ذَلِكَ فَاسْتَأْذَنَ. وَقَالَ اِبْن التِّين : سُئِلَ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن عَنْ قَوْل عَائِشَة \" لَوْ كَانَ فُلَان حَيًّا \" أَيْنَ هُوَ مِنْ الْحَدِيث الْآخَر الَّذِي فِيهِ فَأَبَيْت أَنْ آذَن لَهُ , فَالْأَوَّل ذَكَرْت أَنَّهُ مَيِّت وَالثَّانِي ذَكَرْت أَنَّهُ حَيّ ؟ فَقَالَ : هُمَا عَمَّانِ مِنْ الرَّضَاعَة أَحَدهمَا وُضِعَ مَعَ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَهُوَ الَّذِي قَالَتْ فِيهِ لَوْ كَانَ حَيًّا , وَالْآخَر أَخُو أَبِيهَا مِنْ الرَّضَاعَة. قُلْت : الثَّانِي ظَاهِر مِنْ الْحَدِيث , وَالْأَوَّل حَسَن مُحْتَمِل , وَقَدْ اِرْتَضَاهُ عِيَاض , إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَاج إِلَى نَقْل لِكَوْنِهِ جَزَمَ بِهِ , قَالَ : وَقَالَ اِبْن أَبِي حَازِم أَرَى أَنَّ الْمَرْأَة الَّتِي أَرْضَعَتْ عَائِشَة اِمْرَأَة أَخِي الَّذِي اِسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا. قُلْت : وَهَذَا بَيِّن فِي الْحَدِيث الثَّانِي لَا يَحْتَاج إِلَى ظَنٍّ وَلَا هُوَ مُشْكِل , إِنَّمَا الْمُشْكِل كَوْنهَا سَأَلَتْ عَنْ الْأَوَّل ثُمَّ تَوَقَّفَتْ فِي الثَّانِي , وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْقُرْطُبِيّ قَالَ : هُمَا سُؤَالَانِ وَقَعَا مَرَّتَيْنِ فِي زَمَنَيْنِ عَنْ رَجُلَيْنِ , وَتَكَرَّرَ مِنْهَا ذَلِكَ إِمَّا لِأَنَّهَا نَسِيَتْ الْقِصَّة الْأُولَى , وَإِمَّا لِأَنَّهَا جَوَّزَتْ تَغَيُّر الْحُكْم فَأَعَادَتْ السُّؤَال ا ه. وَتَمَامه أَنْ يُقَال : السُّؤَال الْأَوَّل كَانَ قَبْل الْوُقُوع وَالثَّانِي بَعْد الْوُقُوع , فَلَا اِسْتِبْعَاد فِي تَجْوِيز مَا ذُكِرَ مِنْ نِسْيَان أَوْ تَجْوِيز النَّسْخ. وَيُؤْخَذ مِنْ كَلَام عِيَاض جَوَاب آخَر وَهُوَ أَنَّ أَحَد الْعَمَّيْنِ كَانَ أَعْلَى وَالْآخَر أَدْنَى , أَوْ أَحَدهمَا كَانَ شَقِيقًا وَالْآخَر لِأَبٍ فَقَطْ أَوْ لِأُمٍّ فَقَطْ , أَوْ أَرْضَعَتْهَا زَوْجَة أَخِيهِ بَعْد مَوْته وَالْآخَر فِي حَيَاته. وَقَالَ اِبْن الْمُرَابِط : حَدِيث عَمّ حَفْصَة قَبْل حَدِيث عَمّ عَائِشَة , وَهُمَا مُتَعَارِضَانِ فِي الظَّاهِر لَا فِي الْمَعْنَى , لِأَنَّ عَمّ حَفْصَة أَرْضَعَتْهُ الْمَرْأَة مَعَ عُمَر فَالرَّضَاعَة فِيهِمَا مِنْ قِبَل الْمَرْأَة , وَعَمّ عَائِشَة إِنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَل الْفَحْل , كَانَتْ اِمْرَأَة أَبِي الْقُعَيْس أَرْضَعَتْهَا فَجَاءَ أَخُوهُ يَسْتَأْذِن عَلَيْهَا فَأَبَتْ فَأَخْبَرَهَا الشَّارِع أَنَّ لَبَن الْفَحْل يُحَرِّم كَمَا يُحَرِّم مِنْ قِبَل الْمَرْأَة ا ه , فَكَأَنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُون عَمّ عَائِشَة الَّذِي سَأَلْت عَنْهُ فِي قِصَّة عَمّ حَفْصَة كَانَ نَظِير عَمّ حَفْصَة فِي ذَلِكَ , فَلِذَلِكَ سَأَلْت ثَانِيًا فِي قِصَّة أَبِي الْقُعَيْس , وَهَذَا إِنْ كَانَ وَجَدَهُ مَنْقُولًا فَلَا مَحِيد عَنْهُ وَإِلَّا فَهُوَ حَمْلٌ حَسَن , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( الرَّضَاعَة تُحَرِّم مَا تُحَرِّم الْوِلَادَة ) ‏ ‏أَيْ وَتُبِيح مَا تُبِيح , وَهُوَ بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا يَتَعَلَّق بِتَحْرِيمِ النِّكَاح وَتَوَابِعه , وَانْتِشَار الْحُرْمَة بَيْن الرَّضِيع وَأَوْلَاد الْمُرْضِعَة وَتَنْزِيلهمْ مَنْزِلَة الْأَقَارِب فِي جَوَاز النَّظَر وَالْخَلْوَة وَالْمُسَافَرَة وَلَكِنْ لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ بَاقِي أَحْكَام الْأُمُومَة مِنْ التَّوَارُث وَوُجُوب الْإِنْفَاق وَالْعِتْق بِالْمِلْكِ وَالشَّهَادَة وَالْعَقْل وَإِسْقَاط الْقِصَاص. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة \" مَا تُحَرِّم الْوِلَادَة \" وَفِي رِوَايَة \" مَا يَحْرُم مِنْ النَّسَب \" وَهُوَ دَالّ عَلَى جَوَاز نَقْلِ الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّفْظَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ , قُلْت : الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَد , فَإِنَّ الْحَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَانِ فِي الْقِصَّة وَالسَّبَب وَالرَّاوِي , وَإِنَّمَا يَأْتِي مَا قَالَ إِذَا اِتَّحَدَ ذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ عَائِشَة \" يَحْرُم مِنْ الرَّضَاع مَا يَحْرُم مِنْ النَّسَب مِنْ خَال أَوْ عَمّ أَوْ أَخ \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى أَنَّ الرَّضَاع يَنْشُر الْحُرْمَة بَيْن الرَّضِيع وَالْمُرْضِعَة وَزَوْجهَا , يَعْنِي الَّذِي وَقَعَ الْإِرْضَاع بَيْن وَلَده مِنْهَا أَوْ السَّيِّد , فَتَحْرُم عَلَى الصَّبِيّ لِأَنَّهَا تَصِير أُمّه , وَأُمّهَا لِأَنَّهَا جِدَّته فَصَاعِدًا , وَأُخْتهَا لِأَنَّهَا خَالَته , وَبِنْتهَا لِأَنَّهَا أُخْته , وَبِنْت بِنْتهَا فَنَازِلًا لِأَنَّهَا بِنْت أُخْته , وَبِنْت صَاحِب اللَّبَن لِأَنَّهَا أُخْته , وَبِنْت بِنْته فَنَازِلًا لِأَنَّهَا بِنْت أُخْته , وَأُمّه فَصَاعِدًا لِأَنَّهَا جِدَّته , وَأُخْته لِأَنَّهَا عَمَّته , وَلَا يَتَعَدَّى التَّحْرِيم إِلَى أَحَد مِنْ قَرَابَة الرَّضِيع , فَلَيْسَتْ أُخْته مِنْ الرَّضَاعَة أُخْتًا لِأَخِيهِ وَلَا بِنْتًا لِأَبِيهِ إِذْ لَا رَضَاع بَيْنهمْ , وَالْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّ سَبَب التَّحْرِيم مَا يَنْفَصِل مِنْ أَجْزَاء الْمَرْأَة وَزَوْجهَا وَهُوَ اللَّبَن , فَإِذَا اِغْتَذَى بِهِ الرَّضِيع صَارَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِمَا فَانْتَشَرَ التَّحْرِيم بَيْنهمْ , بِخِلَافِ قَرَابَات الرَّضِيع لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنهمْ وَبَيْن الْمُرْضِعَة وَلَا زَوْجهَا نَسَبٌ وَلَا سَبَب , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4710",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قِيلَ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا تَتَزَوَّجُ ‏ ‏ابْنَةَ ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس ‏ ‏قَوْله ( عَنْ جَابِر بْن زَيْد ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الشَّعْثَاء الْبَصْرِيّ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ , وَأَمَّا جَابِر بْن يَزِيد الْكُوفِيّ فَأَوَّل اِسْم أَبِيهِ تَحْتَانِيَّة وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح شَيْء. ‏ ‏قَوْله ( قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏الْقَائِل لَهُ ذَلِكَ هُوَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيثه قَالَ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه مَالَك تَنَوَّق فِي قُرَيْش وَتَدْعُنَا ؟ قَالَ : وَعِنْدكُمْ شَيْء ؟ قُلْت : نَعَمْ اِبْنَة حَمْزَة \" الْحَدِيث , وَقَوْله \" تَنَوَّق \" ضُبِطَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَالنُّون وَتَشْدِيد الْوَاو بَعْدهَا قَاف أَيْ تَخْتَار مُشْتَقّ مِنْ النِّيقَة بِكَسْرِ النُّون وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا قَاف , وَهِيَ الْخِيَار مِنْ الشَّيْء يُقَال تَنَوَّقَ تَنَوُّقًا أَيْ بَالَغَ فِي اِخْتِيَار الشَّيْء وَانْتِقَائِهِ. وَعِنْد بَعْض رُوَاة مُسْلِم \" تَتُوق \" بِمُثَنَّاةِ مَضْمُومَة بَدَل النُّون وَسُكُون الْوَاو مِنْ التَّوْق أَيْ تَمِيل وَتَشْتَهِي , وَوَقَعَ عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب \" قَالَ عَلِيّ : يَا رَسُول اللَّه أَلَا تَتَزَوَّج بِنْت عَمّك حَمْزَة فَإِنَّهَا مِنْ أَحْسَن فَتَاة فِي قُرَيْش \" وَكَأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَعْلَم بِأَنَّ حَمْزَة رَضِيع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ جَوَّزَ الْخُصُوصِيَّة , أَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل تَقْرِير الْحُكْم. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَبَعِيد أَنْ يُقَال عَنْ عَلِيّ لَمْ يَعْلَم بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّهَا اِبْنَة أَخِي مِنْ الرَّضَاعَة ) ‏ ‏زَادَ هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ \" وَيَحْرُم مِنْ الرَّضَاعَة مَا يَحْرُم مِنْ النَّسَب \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقه فِي كِتَاب الشَّهَادَات , وَكَذَا عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ , وَهُوَ الْمُطَابِق لِلَفْظِ التَّرْجَمَة. قَالَ الْعُلَمَاء : يُسْتَثْنَى مِنْ عُمُوم قَوْله \" يَحْرُم مِنْ الرَّضَاع مَا يَحْرُم مِنْ النَّسَب \" أَرْبَع نِسْوَة يَحْرُمْنَ فِي النَّسَب مُطْلَقًا وَفِي الرَّضَاع قَدْ لَا يَحْرُمْنَ , الْأُولَى أُمّ الْأَخ فِي النَّسَب حَرَام لِأَنَّهَا إِمَّا أُمّ وَإِمَّا زَوْج أَب , وَفِي الرَّضَاع قَدْ تَكُون أَجْنَبِيَّة فَتُرْضِع الْأَخ فَلَا تَحْرُم عَلَى أَخِيهِ. الثَّانِيَة أُمّ الْحَفِيد. حَرَام فِي النَّسَب لِأَنَّهَا إِمَّا بِنْت أَوْ زَوْج اِبْن , وَفِي الرَّضَاع قَدْ تَكُون أَجْنَبِيَّة فَتُرْضِع الْحَفِيد فَلَا تَحْرُم عَلَى جَدّه. الثَّالِثَة جَدَّة الْوَلَد فِي النَّسَب حَرَام لِأَنَّهَا إِمَّا أُمّ أَوْ أُمّ زَوْجَة , وَفِي الرَّضَاع قَدْ تَكُون أَجْنَبِيَّة أَرْضَعَتْ الْوَلَد فَيَجُوز لِوَالِدِهِ أَنْ يَتَزَوَّجهَا. الرَّابِعَة أُخْت الْوَلَد حَرَام فِي النَّسَب لِأَنَّهَا بِنْت أَوْ رَبِيبَة , وَفِي الرَّضَاع قَدْ تَكُون أَجْنَبِيَّة فَتُرْضِع الْوَلَد فَلَا تَحْرُم عَلَى الْوَالِد. وَهَذِهِ الصُّوَر الْأَرْبَع اِقْتَصَرَ عَلَيْهَا جَمَاعَة , وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْجُمْهُور شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَفِي التَّحْقِيق لَا يُسْتَثْنَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَحْرُمْنَ مِنْ جِهَة النَّسَب وَإِنَّمَا حَرُمْنَ مِنْ جِهَة الْمُصَاهَرَة. وَاسْتَدْرَكَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ أُمّ الْعَمّ وَأُمّ الْعَمَّة وَأُمّ الْخَال وَأُمّ الْخَالَة فَإِنَّهُنَّ يَحْرُمْنَ فِي النَّسَب لَا فِي الرَّضَاع وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومه وَاللَّهُ أَعْلَم. قَالَ مُصْعَب الزُّبَيْرِيّ : كَانَتْ ثُوَيْبَة - يَعْنِي الْآتِي ذِكْرهَا فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده - أَرْضَعَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَمَا أَرْضَعَتْ حَمْزَة ثُمَّ أَرْضَعَتْ أَبَا سَلَمَة. قُلْت : وَبِنْت حَمْزَة تَقَدَّمَ ذِكْرهَا وَتَسْمِيَتهَا فِي كِتَاب الْمَغَازِي فِي شَرْح حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب فِي قَوْله \" فَتَبِعَتْهُمْ بِنْت حَمْزَة تُنَادِي : يَا عَمّ \" الْحَدِيث. وَجُمْلَة مَا تَحَصَّلَ لَنَا مِنْ الْخِلَاف فِي اِسْمهَا سَبْعَة أَقْوَال : أُمَامَةُ وَعِمَارَة وَسَلْمَى وَعَائِشَة وَفَاطِمَة وَأَمَة اللَّه وَيَعْلَى , وَحَكَى الْمِزِّيُّ فِي أَسْمَائِهَا أُمّ الْفَضْل لَكِنْ صَرَّحَ اِبْن بَشْكُوَالٍ بِأَنَّهَا كُنْيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4711",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّ ‏ ‏أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ انْكِحْ ‏ ‏أُخْتِي ‏ ‏بِنْتَ ‏ ‏أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكِ فَقُلْتُ نَعَمْ لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ذَلِكِ لَا يَحِلُّ لِي قُلْتُ فَإِنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ ‏ ‏بِنْتَ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ بِنْتَ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏قُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ ‏ ‏رَبِيبَتِي ‏ ‏فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي ‏ ‏وَأَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏ثُوَيْبَةُ ‏ ‏فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏وثُوَيْبَةُ ‏ ‏مَوْلَاةٌ ‏ ‏لِأَبِي لَهَبٍ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَبُو لَهَبٍ ‏ ‏أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا مَاتَ ‏ ‏أَبُو لَهَبٍ ‏ ‏أُرِيَهُ ‏ ‏بَعْضُ أَهْلِهِ ‏ ‏بِشَرِّ ‏ ‏حِيبَةٍ ‏ ‏قَالَ لَهُ مَاذَا لَقِيتَ قَالَ ‏ ‏أَبُو لَهَبٍ ‏ ‏لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ‏ ‏ثُوَيْبَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُمّ حَبِيبَة وَهِيَ زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( انْكِح أُخْتِي ) ‏ ‏أَيْ تَزَوَّجْ. ‏ ‏قَوْله ( بِنْت أَبِي سُفْيَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْد مُسْلِم وَالنَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" اِنْكِحْ أُخْتِي عِزَّة بِنْت أَبِي سُفْيَان \" وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" اِنْكِحْ أُخْتِي عَزَّة \" وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيث عِنْد الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهَا قَالَتْ \" يَا رَسُول اللَّه هَلْ لَك فِي حَمْنَة بِنْت أَبِي سُفْيَان ؟ قَالَ : أَصْنَع مَاذَا ؟ قَالَتْ : تَنْكِحهَا \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف بَعْد أَبْوَاب مِنْ رِوَايَة هِشَام لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ بِنْت أَبِي سُفْيَان , وَلَفْظه \" فَقَالَ فَأَفْعَل مَاذَا \" ؟ وَفِيهِ شَاهِد عَلَى جَوَاز تَقْدِيم الْفِعْل عَلَى \" مَا \" الِاسْتِفْهَامِيَّة خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَهُ مِنْ النُّحَاة. وَعِنْد أَبِي مُوسَى فِي \" الذَّيْل \" دُرَّة بِنْت أَبِي سُفْيَان , وَهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان عَنْ هِشَام , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق الْحُمَيْدِيّ وَقَالَا : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ الْحُمَيْدِيّ , وَهُوَ كَمَا قَالَا قَدْ أَخْرَجَهُ عَنْهُ لَكِنْ حُذِفَ هَذَا الِاسْم وَكَأَنَّهُ عَمْدًا , وَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة وَحَذَفَهُ الْبُخَارِيّ أَيْضًا مِنْهَا ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الصَّوَاب دُرَّة وَسَيَأْتِي بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب , وَجَزَمَ الْمُنْذِرِيُّ بِأَنَّ اِسْمهَا حَمْنَة كَمَا فِي الطَّبَرَانِيِّ , وَقَالَ عِيَاض. لَا نَعْلَم لِعَزَّة ذِكْرًا فِي بَنَات أَبِي سُفْيَان إِلَّا فِي رِوَايَة يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب , وَقَالَ أَبُو مُوسَى : الْأَشْهَر فِيهَا عَزَّة. ‏ ‏قَوْله ( أَوَ تُحِبِّينَ ذَلِكَ ) ؟ هُوَ اِسْتِفْهَام تَعَجُّب مِنْ كَوْنهَا تَطْلُب أَنْ يَتَزَوَّج غَيْرهَا مَعَ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ النِّسَاء مِنْ الْغَيْرَة. ‏ ‏قَوْله ( لَسْت لَك بِمُخْلِيَةٍ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَكَسْر اللَّام اِسْم فَاعِل مِنْ أَخْلَى يُخْلِي , أَيْ لَسْت بِمُنْفَرِدَةٍ بِك وَلَا خَالِيَة مِنْ ضَرَّة. وَقَالَ بَعْضهمْ هُوَ بِوَزْنِ فَاعِل الْإِخْلَاء مُتَعَدِّيًا وَلَازِمًا , مِنْ أَخْلَيْت بِمَعْنَى خَلَوْت مِنْ الضَّرَّة , أَيْ لَسْت بِمُتَفَرِّغَةٍ وَلَا خَالِيَة مِنْ ضَرَّة , وَفِي بَعْض الرَّوِيَّات بِفَتْحِ اللَّام بِلَفْظِ الْمَفْعُول حَكَاهَا الْكَرْمَانِيُّ. وَقَالَ عِيَاض : مُخْلِيَة أَيْ مُنْفَرِدَة يُقَال أَخْلِ أَمَرَك وَأَخْلُ بِهِ أَيْ اِنْفَرَدَ بِهِ , وَقَالَ صَاحِب النِّهَايَة : مَعْنَاهُ لَمْ أَجِدك خَالِيًا مِنْ الزَّوْجَات , وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَوْلهمْ اِمْرَأَة مُخْلِيَة إِذَا خَلَتْ مِنْ الْأَزْوَاج. ‏ ‏قَوْله ( وَأَحَبّ مَنْ شَارَكَنِي ) ‏ ‏مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ أَيْ إِلَى , وَفِي رِوَايَة هِشَام الْآتِيَة قَرِيبًا \" مَنْ شَرِكَنِي \" بِغَيْرِ أَلِفٍ , وَكَذَا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , وَكَذَا عِنْد مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله ( فِي خَيْر ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّنْكِيرِ أَيْ أَيّ خَيْر كَانَ , وَفِي رِوَايَة هِشَام \" فِي الْخَيْر \" قِيلَ الْمُرَاد بِهِ صُحْبَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَضَمِّنَة لِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ السَّاتِرَة لِمَا لَعَلَّهُ يَعْرِض مِنْ الْغَيْرَة الَّتِي جَرَتْ بِهَا الْعَادَة بَيْن الزَّوْجَات , لَكِنْ فِي رِوَايَة هِشَام الْمَذْكُورَة \" وَأَحَبّ مَنْ شَرِكَنِي فِيك أَخِي \" فَعَرَفَ أَنَّ الْمُرَاد بِالْخَيْرِ ذَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّا نُحَدَّث ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْحَاء عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَفِي رِوَايَة هِشَام الْمَذْكُورَة \" قُلْت بَلَغَنِي \" وَفِي رِوَايَة عُقَيْل فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدهَا \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه فَوَاللَّهِ إِنَّا لِنَتَحَدَّث \" وَفِي رِوَايَة وَهْب عَنْ هِشَام عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرْت \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّك تُرِيد أَنْ تَنْكِح ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِشَام الْآتِيَة \" بَلَغَنِي أَنَّك تَخْطُب \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم مَنْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ , وَلَعَلَّهُ كَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَإِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْخَبَر لَا أَصْل لَهُ , وَهَذَا مِمَّا يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى ضَعْف الْمَرَاسِيل. ‏ ‏قَوْله ( بِنْت أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُقَيْل الْآتِيَة وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ وَمِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ وَمِنْ طَرِيق عِرَاك عَنْ زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة \" دُرَّة بِنْت أَبِي سَلَمَة \" وَهِيَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الرَّاء , وَفِي رِوَايَة حَكَاهَا عِيَاض وَخَطَّأَهَا بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَب عَنْ أُمّ سَلَمَة دُرَّة أَوْ \" ذَرَّة \" عَلَى الشَّكّ , شَكّ زُهَيْر رَاوِيَة عَنْ هِشَام. وَوَقَعَ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ مِنْ رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان عَنْ هِشَام \" بَلَغَنِي أَنَّك تَخْطُب زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَى خَطَئِهِ. وَوَقَعَ عِنْد أَبِي مُوسَى فِي \" ذَيْل الْمَعْرِفَة \" حَمْنَة بِنْت أَبِي سَلَمَة وَهُوَ خَطَأ , وَقَوْله بِنْت أُمّ سَلَمَة هُوَ اِسْتِفْهَام اِسْتِثْبَات لِرَفْعِ الْإِشْكَال , أَوْ اِسْتِفْهَام إِنْكَار , وَالْمَعْنَى أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ بِنْت أَبِي سَلَمَة مِنْ أُمّ سَلَمَة فَيَكُون تَحْرِيمهَا مِنْ وَجْهَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه , وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرهَا فَمِنْ وَجْه وَاحِد , وَكَأَنَّ أُمّ حَبِيبَة لَمْ تَطَّلِع عَلَى تَحْرِيم ذَلِكَ إِمَّا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل نُزُول آيَة التَّحْرِيم وَإِمَّا بَعْد ذَلِكَ وَظَنَّتْ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَذَا قَالَ الْكَرْمَانِيُّ , وَالِاحْتِمَال الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَد , وَالْأَوَّل يَدْفَعهُ سِيَاق الْحَدِيث , وَكَأَنَّ أُمّ حَبِيبَة اِسْتَدَلَّتْ عَلَى جَوَاز الْجَمْع بَيْن الْأُخْتَيْنِ بِجَوَازِ الْجَمْع بَيْن الْمَرْأَة وَابْنَتهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , لِأَنَّ الرَّبِيبَة حَرُمَتْ عَلَى التَّأْبِيد وَالْأُخْت حَرُمَتْ فِي صُورَة الْجَمْع فَقَطْ , فَأَجَابَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلّ , وَأَنَّ الَّذِي بَلَغَهَا مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقٍّ , وَأَنَّهَا تَحْرُم عَلَيْهِ مِنْ جِهَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِيهِ تَعْلِيل الْحُكْم بِعِلَّتَيْنِ , فَإِنَّهُ عَلَّلَ تَحْرِيمهَا بِكَوْنِهَا رَبِيبَة وَبِكَوْنِهَا بِنْت أَخ مِنْ الرَّضَاعَة , كَذَا قَالَ , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَ بِهَا مَانِع وَاحِد لَكَفَى فِي التَّحْرِيم فَكَيْف وَبِهَا مَانِعَانِ فَلَيْسَ مِنْ التَّعْلِيل بِعِلَّتَيْنِ فِي شَيْء , لِأَنَّ كُلّ وَصْفَيْنِ يَجُوز أَنْ يُضَاف الْحُكْم إِلَى كُلّ مِنْهُمَا لَوْ اِنْفَرَدَ فَإِمَّا أَنْ يَتَعَاقَبَا فَيُضَاف الْحُكْم إِلَى الْأَوَّل مِنْهُمَا كَمَا فِي السَّبَبَيْنِ إِذَا اِجْتَمَعَا , وَمِثَاله لَوْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَحْدَثَ بِغَيْرِ تَخَلُّل طَهَارَة فَالْحَدَث الثَّانِي لَمْ يَعْمَل شَيْئًا أَوْ يُضَاف الْحُكْم إِلَى الثَّانِي كَمَا فِي اِجْتِمَاع السَّبَب وَالْمُبَاشَرَة , وَقَدْ يُضَاف إِلَى أَشْبَههمَا وَأَنْسَبهمَا سَوَاء كَانَ الْأَوَّل أَمْ الثَّانِي , فَعَلَى كُلّ تَقْدِير لَا يُضَاف إِلَيْهِمَا جَمِيعًا , وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ يُوجَد فَالْإِضَافَة إِلَى الْمَجْمُوع وَيَكُون كُلّ مِنْهُمَا جُزْء عِلَّة لَا عِلَّة مُسْتَقِلَّة فَلَا تَجْتَمِع عِلَّتَانِ عَلَى مَعْلُول وَاحِد , هَذَا الَّذِي يَظْهَر وَالْمَسْأَلَة مَشْهُورَة فِي الْأُصُول وَفِيهَا خِلَاف , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَالصَّحِيح جَوَازه لِهَذَا الْحَدِيث وَغَيْره. وَفِي الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى أَنَّ التَّحْرِيم بِالرَّبِيبَةِ أَشَدّ مِنْ التَّحْرِيم بِالرَّضَاعَةِ. وَقَوْله \" رَبِيبَتِي \" أَيْ بِنْت زَوْجَتِي , مُشْتَقَّة مِنْ الرَّبّ وَهُوَ الْإِصْلَاح لِأَنَّهُ يَقُوم بِأَمْرِهَا , وَقِيلَ مِنْ التَّرْبِيَة. وَهُوَ غَلَط مِنْ جِهَة الِاشْتِقَاق , وَقَوْله \" فِي حِجْرِي \" رَاعَى فِيهِ لَفْظ الْآيَة وَإِلَّا فَلَا مَفْهُوم لَهُ , كَذَا عِنْد الْجُمْهُور وَأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِب , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي بَاب مُفْرَد. وَفِي رِوَايَة عِرَاك عَنْ زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" لَوْ أَنِّي لَمْ أَنْكِح أُمّ سَلَمَة مَا حَلَّتْ لِي , إِنَّ أَبَاهَا أَخِي مِنْ الرَّضَاعَة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَام \" وَاللَّه لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي مَا حَلَّتْ لِي \" فَذَكَرَ اِبْن حَزْم أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ اِحْتَجَّ بِهِ عَلَى أَنْ لَا فَرْقَ بَيْن اِشْتِرَاط كَوْنهَا فِي الْحَجْر أَوْ لَا , وَهُوَ ضَعِيف لِأَنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة وَالَّذِينَ زَادُوا فِيهَا لَفْظ \" فِي حِجْرِي \" حُفَّاظ أَثَبَات. ‏ ‏قَوْله ( أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَة ) ‏ ‏أَيْ أَرْضَعَتْ أَبَا سَلَمَة , وَهُوَ مِنْ تَقْدِيم الْمَفْعُول عَلَى الْفَاعِل. ‏ ‏قَوْله ( ثُوَيْبَة ) ‏ ‏بِمُثَلَّثَةٍ وَمُوَحَّدَة وَمُصَغَّر , كَانَتْ مَوْلَاة لِأَبِي لَهَب بْن عَبْد الْمُطَّلِب عَمّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( فَلَا تَعْرِضْنَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْعَيْن وَكَسْر الرَّاء بَعْدهَا مُعْجَمَة سَاكِنَة ثُمَّ نُون عَلَى الْخِطَاب لِجَمَاعَةِ النِّسَاء , وَبِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد النُّون خِطَاب لِأُمِّ حَبِيبَة وَحْدهَا , وَالْأَوَّل أَوْجَه. وَقَالَ اِبْن التِّين : ضُبِطَ بِضَمِّ الضَّاد فِي بَعْض الْأُمَّهَات , وَلَا أَعْلَم لَهُ وَجْهًا لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْخِطَاب لِجَمَاعَةِ النِّسَاء وَهُوَ الْأَبْيَن فَهُوَ بِسُكُونِ الضَّاد لِأَنَّهُ فِعْل مُسْتَقْبَل مَبْنِيّ عَلَى أَصْله , وَلَوْ أَدْخَلْت عَلَيْهِ التَّأْكِيد فَشَدَّدْت النُّون لَكَانَ تَعْرِضَنَانِّ لِأَنَّهُ يَجْتَمِع ثَلَاث نُونَات فَيُفَرَّق بَيْنهنَّ بِأَلِفٍ , وَإِنْ كَانَ الْخِطَاب لِأُمِّ حَبِيبَة خَاصَّة فَتَكُون الضَّاد مَكْسُورَة وَالنُّون مُشَدَّدَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ. جَاءَ بِلَفْظِ الْجَمْع وَإِنْ كَانَتْ الْقِصَّة لِاثْنَيْنِ وَهُمَا أُمّ حَبِيبَة وَأُمّ سَلَمَة رَدْعًا وَزَجْرًا أَنْ تَعُود وَاحِدَة مِنْهُمَا أَوْ غَيْرهمَا إِلَى مِثْل ذَلِكَ , وَهَذَا كَمَا لَوْ رَأَى رَجُل اِمْرَأَة تُكَلِّم رَجُلًا فَقَالَ لَهَا أَتُكَلِّمِينَ الرِّجَال فَإِنَّهُ مُسْتَعْمَل شَائِع , وَكَانَ لِأُمِّ سَلَمَة مِنْ الْأَخَوَات قَرِيبَة زَوْج زَمْعَة بْن الْأَسْوَد , وَقَرِيبَة الصُّغْرَى زَوْج عُمَر ثُمَّ مُعَاوِيَة , وَعَزَّة بِنْت أَبِي أُمَيَّة زَوْج مُنَبِّه بْن الْحَجَّاج , وَلَهَا مِنْ الْبَنَات زَيْنَب رَاوِيَة الْخَبَر , وَدُرَّة الَّتِي قِيلَ إِنَّهَا مَخْطُوبَة. وَكَانَ لِأُمِّ حَبِيبَة مِنْ الْأَخَوَات هِنْد زَوْج الْحَارِث بْن نَوْفَل , وَجُوَيْرِيَّة زَوْج السَّائِب بْن أَبِي حُبَيْش , وَأُمَيْمَة زَوْج صَفْوَان بْن أُمَيَّة , وَأُمّ الْحَكَم زَوْج عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان , وَصَخْرَة زَوْج سَعِيد بْن الْأَخْنَس , وَمَيْمُونَة زَوْج عُرْوَة بْن مَسْعُود. وَلَهَا مِنْ الْبَنَات حَبِيبَة وَقَدْ رَوَتْ عَنْهَا الْحَدِيث وَلَهَا صُحْبَة وَكَانَ لِغَيْرِهِمَا مِنْ أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْأَخَوَات أُمّ كُلْثُوم وَأُمّ حَبِيبَة اِبْنَتَا زَمْعَة أُخْتَا سَوْدَة , وَأَسْمَاء أُخْت عَائِشَة , وَزَيْنَب بِنْت عُمَر أُخْت حَفْصَة وَغَيْرهنَّ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عُرْوَة ) ‏ ‏هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ عَلَّقَ الْمُصَنِّف طَرَفًا مِنْهُ فِي آخِر النَّفَقَات فَقَالَ \" قَالَ شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُرْوَة \" فَذَكَرَهُ. وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الذُّهْلِيِّ عَنْ أَبِي الْيَمَان بِإِسْنَادِهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَثُوَيْبَة مَوْلَاة لِأَبِي لَهَب ) ‏ ‏قُلْت : ذَكَرَهَا اِبْن مَنْدَهْ فِي \" الصَّحَابَة \" وَقَالَ : اُخْتُلِفَ فِي إِسْلَامهَا. وَقَالَ أَبُو نُعَيْم : لَا نَعْلَم أَحَدًا ذَكَرَ إِسْلَامهَا غَيْره , وَالَّذِي فِي السِّيَر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكْرِمهَا , وَكَانَتْ تَدْخُل عَلَيْهِ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ خَدِيجَة , وَكَانَ يُرْسِل إِلَيْهَا الصِّلَة مِنْ الْمَدِينَة , إِلَى أَنْ كَانَ بَعْد فَتْح خَيْبَر مَاتَتْ وَمَاتَ اِبْنهَا مَسْرُوح. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ أَبُو لَهَب أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ عِتْقه لَهَا كَانَ قَبْل إِرْضَاعهَا , وَالَّذِي فِي السِّيَر يُخَالِفهُ , وَهُوَ أَنَّ أَبَا لَهَب أَعْتَقَهَا قَبْل الْهِجْرَة وَذَلِكَ بَعْد الْإِرْضَاع بِدَهْرٍ طَوِيل وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَيْضًا أَنَّ عِتْقهَا كَانَ قَبْل الْإِرْضَاع , وَسَأَذْكُرُ كَلَامه. ‏ ‏قَوْله ( أُرِيَهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الرَّاء وَفَتْح التَّحْتَانِيَّة عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله ( بَعْض أَهْله ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ النَّائِب عَنْ الْفَاعِل. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ الْعَبَّاس قَالَ : لَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَب رَأَيْته فِي مَنَامِي بَعْد حَوْل فِي شَرّ حَال فَقَالَ : مَا لَقِيت بَعْدكُمْ رَاحَة , إِلَّا أَنَّ الْعَذَاب يُخَفَّف عَنِّي كُلّ يَوْم اِثْنَيْنِ , قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُلِدَ يَوْم الِاثْنَيْنِ , وَكَانَتْ ثُوَيْبَة بَشَّرَتْ أَبَا لَهَب بِمَوْلِدِهِ فَأَعْتَقَهَا. ‏ ‏قَوْله ( بِشَرِّ حِيبَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُوَحَّدَة أَيْ سُوء حَال , وَقَالَ اِبْن فَارِس : أَصْلهَا الْحَوْبَة وَهِيَ الْمَسْكَنَة وَالْحَاجَة , فَالْيَاء فِي حِيبَة مُنْقَلِبَة عَنْ وَاو لِانْكِسَارِ مَا قَبْلهَا. وَوَقَعَ فِي \" شَرْح السُّنَّة لِلْبَغْوِيِّ \" بِفَتْحِ الْحَاء , وَوَقَعَ عِنْد الْمُسْتَمْلِي بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة أَيْ فِي حَالَة خَائِبَة مِنْ كُلّ خَيْر , وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : هُوَ تَصْحِيف , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يُرْوَى بِالْمُعْجَمَةِ , وَوَجَدَتْهُ فِي نُسْخَة مُعْتَمَدَة بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَهُوَ الْمَعْرُوف , وَحَكَى فِي \" الْمَشَارِق \" عَنْ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بِالْجِيمِ وَلَا أَظُنّهُ إِلَّا تَصْحِيفًا , وَهُوَ تَصْحِيف كَمَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله ( مَاذَا لَقِيت ) ‏ ‏أَيْ بَعْد الْمَوْت. ‏ ‏قَوْله ( لَمْ أَلْقَ بَعْدكُمْ , غَيْر أَنِّي ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول بِحَذْفِ الْمَفْعُول , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَمْ أَلْقَ بَعْدكُمْ رَخَاء \" وَعِنْد عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ \" لَمْ أَلْقَ بَعْدكُمْ رَاحَة \" قَالَ اِبْن بَطَّال : سَقَطَ الْمَفْعُول مِنْ رِوَايَة الْبُخَارِيّ , وَلَا يَسْتَقِيم الْكَلَام إِلَّا بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( غَيْر أَنِّي سَقَيْت فِي هَذِهِ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول بِالْحَذْفِ أَيْضًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق الْمَذْكُورَة \" وَأَشَارَ إِلَى النُّقْرَة الَّتِي تَحْت إِبْهَامه وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمَذْكُورَة وَأَشَارَ إِلَى النُّقْرَة الَّتِي بَيْن الْإِبْهَام وَالَّتِي تَلِيهَا مِنْ الْأَصَابِع \" وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِل مِنْ طَرِيق.. كَذَا مِثْله بِلَفْظِ \" يَعْنِي النُّقْرَة إِلَخْ \" وَفِي ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى حَقَارَة مَا سُقِيَ مِنْ الْمَاء. ‏ ‏قَوْله ( بِعَتَاقَتِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن , فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق \" بِعِتْقِي \" وَهُوَ أَوْجَه وَالْوَجْه الْأَوْلَى أَنْ يَقُول بِإِعْتَاقِي , لِأَنَّ الْمُرَاد التَّخْلِيص مِنْ الرِّقّ. وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْكَافِر قَدْ يَنْفَعهُ الْعَمَل الصَّالِح فِي الْآخِرَة ; لَكِنَّهُ مُخَالِف لِظَاهِرِ الْقُرْآن , قَالَ اللَّه تَعَالَ ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَنْثُورًا ) وَأُجِيب أَوَّلًا بِأَنَّ الْخَبَر مُرْسَل أَرْسَلَهُ عُرْوَة وَلَمْ يَذْكُر مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون مَوْصُولًا فَالَّذِي فِي الْخَبَر رُؤْيَا مَنَام فَلَا حُجَّة فِيهِ , وَلَعَلَّ الَّذِي رَآهَا لَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ أَسْلَمَ بَعْد فَلَا يُحْتَجّ بِهِ , وَثَانِيًا عَلَى تَقْدِير الْقَبُول فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَا يَتَعَلَّق بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْصُوصًا مِنْ ذَلِكَ , بِدَلِيلِ قِصَّة أَبِي طَالِب كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْهُ فَنُقِلَ مِنْ الْغَمَرَات إِلَى الضَّحْضَاح. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : مَا وَرَدَ مِنْ بُطْلَان الْخَيْر لِلْكُفَّارِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَكُون لَهُمْ التَّخَلُّص مِنْ النَّار وَلَا دُخُول الْجَنَّة , وَيَجُوز أَنْ يُخَفِّف عَنْهُمْ مِنْ الْعَذَاب الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَهُ عَلَى مَا اِرْتَكَبُوهُ مِنْ الْجَرَائِم سِوَى الْكُفْر بِمَا عَمِلُوهُ مِنْ الْخَيْرَات. وَأَمَّا عِيَاض فَقَالَ : اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْكُفَّار لَا تَنْفَعهُمْ أَعْمَالهمْ وَلَا يُثَابُونَ عَلَيْهَا بِنَعِيمٍ وَلَا تَخْفِيف عَذَاب ; وَإِنْ كَانَ بَعْضهمْ أَشَدّ عَذَابًا مِنْ بَعْض. قُلْت : وَهَذَا لَا يَرُدّ الِاحْتِمَال الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ , فَإِنَّ جَمِيع مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّق بِذَنْبِ الْكُفْر , وَأَمَّا ذَنْب غَيْر الْكُفْر فَمَا الْمَانِع مِنْ تَخْفِيفه ؟ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذَا التَّخْفِيف خَاصّ بِهَذَا وَبِمَنْ وَرَدَ النَّصّ فِيهِ. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّر فِي الْحَاشِيَة : هُنَا قَضِيَّتَانِ إِحْدَاهُمَا مُحَال وَهِيَ اِعْتِبَار طَاعَة الْكَافِر مَعَ كُفْره , لِأَنَّ شَرْط الطَّاعَة أَنْ تَقَع بِقَصْدٍ صَحِيح , وَهَذَا مَفْقُود مِنْ الْكَافِر. الثَّانِيَة إِثَابَة الْكَافِر عَلَى بَعْض الْأَعْمَال تَفَضُّلًا مِنْ اللَّه تَعَالَى , وَهَذَا لَا يُحِيلهُ الْعَقْل , فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِتْق أَبِي لَهَب لِثُوَيْبَة قُرْبَة مُعْتَبَرَة , وَيَجُوز أَنْ يَتَفَضَّل اللَّه عَلَيْهِ بِمَا شَاءَ كَمَا تَفَضَّلَ عَلَى أَبِي طَالِب , وَالْمُتَّبَع فِي ذَلِكَ التَّوْقِيف نَفْيًا وَإِثْبَاتًا. قُلْت : وَتَتِمَّة هَذَا أَنْ يَقَع التَّفَضُّل الْمَذْكُور إِكْرَامًا لِمَنْ وَقَعَ مِنْ الْكَافِر الْبِرّ لَهُ وَنَحْو ذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4712",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَشْعَثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ فَكَأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ فَقَالَتْ إِنَّهُ أَخِي فَقَالَ ‏ ‏انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْأَشْعَث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي الشَّعْثَاء وَاسْمه سَلِيم بْن الْأَسْوَد الْمُحَارِبِيّ الْكُوفِيّ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدهَا رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه وَأَظُنّهُ اِبْنًا لِأَبِي الْقُعَيْس , وَغَلِطَ مَنْ قَالَ هُوَ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد رَضِيع عَائِشَة لِأَنَّ عَبْد اللَّه هَذَا تَابِعِيّ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّة , وَكَأَنَّ أُمّه الَّتِي أَرْضَعَتْ عَائِشَة عَاشَتْ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَلَدَتْهُ فَلِهَذَا قِيلَ لَهُ رَضِيع عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله ( فَكَأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَجْهه كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَحْوَص عَنْ أَشْعَث \" وَعِنْدِي رَجُل قَاعِد فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَرَأَيْت الْغَضَب فِي وَجْهه \" وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ عَنْ حَفْص بْن عُمَر عَنْ شُعْبَة \" فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَتَغَيَّرَ وَجْهه \" وَتَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الْمَاضِيَة فِي الشَّهَادَات \" فَقَالَ : يَا عَائِشَة مَنْ هَذَا \" ؟. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَتْ إِنَّهُ أَخِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة \" إِنَّهُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَة \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ غُنْدَر بِدُونِهَا , وَتَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَات مِنْ طَرِيق سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ أَشْعَث فَذَكَرَهَا , وَكَذَا ذَكَرهَا أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق شُعْبَة وَسُفْيَان جَمِيعًا عَنْ الْأَشْعَث. ‏ ‏قَوْله ( اُنْظُرْنَ مَا إِخْوَانكُنَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ إِخْوَانكُنَّ \" وَهِيَ أَوْجَه , وَالْمَعْنَى تَأَمَّلْن مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ هَلْ هُوَ رَضَاع صَحِيح بِشَرْطِهِ : مِنْ وُقُوعه فِي زَمَن الرَّضَاعَة , وَمِقْدَار الِارْتِضَاع فَإِنَّ الْحُكْم الَّذِي يَنْشَأ مِنْ الرَّضَاع إِنَّمَا يَكُون إِذَا وَقَعَ الرَّضَاع الْمُشْتَرَط. قَالَ الْمُهَلَّب : مَعْنَاهُ اُنْظُرْنَ مَا سَبَب هَذِهِ الْأُخُوَّة , فَإِنَّ حُرْمَة الرَّضَاع إِنَّمَا هِيَ فِي الصِّغَر حَتَّى تَسُدّ الرَّضَاعَة الْمَجَاعَة. وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي جَاعَ كَانَ طَعَامه الَّذِي يُشْبِعهُ اللَّبَن مِنْ الرَّضَاع لَا حَيْثُ يَكُون الْغِذَاء بِغَيْرِ الرَّضَاع. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّمَا الرَّضَاعَة مِنْ الْمَجَاعَة ) ‏ ‏فِيهِ تَعْلِيل الْبَاعِث عَلَى إِمْعَان النَّظَر وَالْفِكْر , لِأَنَّ الرَّضَاعَة تُثْبِت النَّسَب وَتَجْعَل الرَّضِيع مُحَرَّمًا. وَقَوْله \" مِنْ الْمَجَاعَة \" أَيْ الرَّضَاعَة الَّتِي تَثْبُت بِهَا الْحُرْمَة وَتَحِلّ بِهَا الْخَلْوَة هِيَ حَيْثُ يَكُون الرَّضِيع طِفْلًا لِسَدِّ اللَّبَن جَوْعَته , لِأَنَّ مَعِدَته ضَعِيفَة يَكْفِيهَا اللَّبَن وَيَنْبُت بِذَلِكَ لَحْمه فَيَصِير كَجُزْءٍ مِنْ الْمُرْضِعَة فَيَشْتَرِك فِي الْحُرْمَة مَعَ أَوْلَادهَا , فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا رَضَاعَة مُعْتَبَرَة إِلَّا الْمُغْنِيَة عَنْ الْمَجَاعَة أَوْ الْمُطْعِمَة مِنْ الْمَجَاعَة , كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوع ) وَمِنْ شَوَاهِده حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" لَا رَضَاع إِلَّا مَا شَدَّ الْعَظْم , وَأَنْبَتَ اللَّحْم \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا , وَحَدِيث أُمّ سَلَمَة \" لَا يُحَرِّم مِنْ الرَّضَاع إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاء \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ. وَيُمْكِن أَنْ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى أَنَّ الرَّضْعَة الْوَاحِدَة لَا تُحَرِّم لِأَنَّهَا لَا تُغْنِي مِنْ جُوع , وَإِذَا كَانَ يَحْتَاج إِلَى تَقْدِير فَأَوْلَى مَا يُؤْخَذ بِهِ مَا قَدَّرَتْهُ الشَّرِيعَة وَهُوَ خَمْس رَضَعَات , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّغْذِيَة بِلَبَنِ الْمُرْضِعَة يُحَرِّم سَوَاء كَانَ بِشُرْبٍ أَمْ أَكْلٍ بِأَيِّ صِفَة كَانَ , حَتَّى الْوَجُور وَالسَّعُوط وَالثَّرْد وَالطَّبْخ وَغَيْر ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُور مِنْ الْعَدَد لِأَنَّ ذَلِكَ يَطْرُد الْجُوع , وَهُوَ مَوْجُود فِي جَمِيع مَا ذُكِرَ فَيُوَافِق الْخَبَر وَالْمَعْنَى وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُور. لَكِنْ اِسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّة الْحُقْنَة وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ اللَّيْث وَأَهْل الظَّاهِر فَقَالُوا إِنَّ الرَّضَاعَة الْمُحَرِّمَة إِنَّمَا تَكُون بِالْتِقَامِ الثَّدْي وَمَصّ اللَّبَن مِنْهُ , وَأَوْرَدَ عَلِيّ بْن حَزْم أَنَّهُ يَلْزَم عَلَى قَوْلهمْ إِشْكَال فِي اِلْتِقَام سَالِم ثَدْي سَهْلَة وَهِيَ أَجْنَبِيَّة مِنْهُ , فَإِنَّ عِيَاضًا أَجَابَ عَنْ الْإِشْكَال بِاحْتِمَالِ أَنَّهَا حَلَبَتْهُ ثُمَّ شَرِبَهُ مِنْ غَيْر أَنْ يَمَسّ ثَدْيهَا , قَالَ النَّوَوِيّ : وَهُوَ اِحْتِمَال حَسَن , لَكِنَّهُ لَا يُفِيد اِبْن حَزْم , لِأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي الرَّضَاع إِلَّا بِالْتِقَامِ الثَّدْي , لَكِنْ أَجَابَ النَّوَوِيّ بِأَنَّهُ عُفِيَ عَنْ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ. وَأَمَّا اِبْن حَزْم فَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ سَالِم عَلَى جَوَاز مَسّ الْأَجْنَبِيّ ثَدْي الْأَجْنَبِيَّة وَالْتِقَام ثَدْيهَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْتَضِع مِنْهَا مُطْلَقًا ; وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَة إِنَّمَا تُعْتَبَر فِي حَال الصِّغَر لِأَنَّهَا الْحَال الَّذِي يُمْكِن طَرْد الْجُوع فِيهَا بِاللَّبَنِ بِخِلَافِ حَال الْكِبَر , وَضَابِط ذَلِكَ تَمَام الْحَوْلَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّرْجَمَة , وَعَلَيْهِ دَلَّ حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور وَحَدِيث أُمّ سَلَمَة \" لَا رَضَاع إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاء وَكَانَ قَبْل الْفِطَام \" وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّان , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِي قَوْله \" فَإِنَّمَا الرَّضَاعَة مِنْ الْمَجَاعَة \" تَثْبِيت قَاعِدَة كُلِّيَّة صَرِيحَة فِي اِعْتِبَار الرَّضَاع فِي الزَّمَن الَّذِي يُسْتَغْنَى بِهِ الرَّضِيع عَنْ الطَّعَام بِاللَّبَنِ , وَيُعْتَضَد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّة أَقْصَى مُدَّة الرَّضَاع الْمُحْتَاج إِلَيْهِ عَادَة الْمُعْتَبَر شَرْعًا , فَمَا زَادَ عَلَيْهِ لَا يَحْتَاج إِلَيْهِ عَادَة فَلَا يُعْتَبَر شَرْعًا , إِذْ لَا حُكْم لِلنَّادِرِ وَفِي اِعْتِبَار إِرْضَاع الْكَبِير اِنْتَهَاك حُرْمَة الْمَرْأَة بِارْتِضَاعِ الْأَجْنَبِيّ مِنْهَا لِاطِّلَاعِهِ عَلَى عَوْرَتهَا وَلَوْ بِالْتِقَامِهِ ثَدْيهَا. قُلْت : وَهَذَا الْأَخِير عَلَى الْغَالِب وَعَلَى مَذْهَب مَنْ يَشْتَرِط اِلْتِقَام الثَّدْي , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْل خَمْسَة أَبْوَاب أَنَّ عَائِشَة كَانَتْ لَا تُفَرِّق فِي حُكْم الرَّضَاع بَيْن حَال الصِّغَر وَالْكِبَر , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ ذَلِكَ مَعَ كَوْن هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَتهَا وَاحْتَجَّتْ هِيَ بِقِصَّةِ سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة فَلَعَلَّهَا فَهِمَتْ مِنْ قَوْله \" إِنَّمَا الرَّضَاعَة مِنْ الْمَجَاعَة اِعْتِبَار مِقْدَار مَا يَسُدّ الْجَوْعَة مِنْ لَبَن الْمُرْضِعَة لِمَنْ يَرْتَضِع مِنْهَا , وَذَلِكَ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون الْمُرْتَضِع صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا فَلَا يَكُون الْحَدِيث نَصًّا فِي مَنْع اِعْتِبَار رَضَاع الْكَبِير , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس مَعَ تَقْدِير ثُبُوته لَيْسَ نَصًّا فِي ذَلِكَ وَلَا حَدِيث أُمّ سَلَمَة لِجَوَازِ أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ الرَّضَاع بَعْد الْفِطَام مَمْنُوع , ثُمَّ لَوْ وَقَعَ رُتِّبَ عَلَيْهِ حُكْم التَّحْرِيم , فَمَا فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة مَا يَدْفَع هَذَا الِاحْتِمَال , فَلِهَذَا عَمِلَتْ عَائِشَة بِذَلِكَ , وَحَكَاهُ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِابْنِ الصَّبَّاغ وَغَيْره عَنْ دَاوُدَ. وَفِيهِ نَظَرٌ. وَكَذَا نَقَلَ الْقُرْطُبِيّ عَنْ دَاوُدَ أَنَّ رَضَاع الْكَبِير يُفِيد رَفْعَ الِاحْتِجَاب مِنْهُ , وَمَالَ إِلَى هَذَا الْقَوْل اِبْن الْمَوَّاز مِنْ الْمَالِكِيَّة. وَفِي نِسْبَة ذَلِكَ لِدَاوُدَ نَظَرٌ فَإِنَّ اِبْن حَزْم ذَكَرَ عَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ مَعَ الْجُمْهُور , وَكَذَا نَقَلَ غَيْره مِنْ أَهْل الظَّاهِر وَهُمْ أَخْبَرُ بِمَذْهَبِ صَاحِبهمْ , وَإِنَّمَا الَّذِي نَصَرَ مَذْهَب عَائِشَة هَذَا وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ هُوَ اِبْن حَزْم وَنَقَلَهُ عَنْ عَلِيّ , وَهُوَ مِنْ رِوَايَة الْحَارِث الْأَعْوَر عَنْهُ , وَلِذَلِكَ ضَعَّفَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ : قَالَ رَجُل لِعَطَاءٍ إِنَّ اِمْرَأَة سَقَتْنِي مِنْ لَبَنهَا بَعْدَمَا كَبِرْتُ أَفَأَنْكِحهَا ؟ قَالَ : لَا. قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ : فَقُلْت لَهُ : هَذَا رَأْيك ؟ قَالَ : نَعَمْ. كَانَتْ عَائِشَة تَأْمُر بِذَلِكَ بَنَات أَخِيهَا , وَهُوَ قَوْل اللَّيْث بْن سَعْد , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَمْ يَخْتَلِف عَنْهُ فِي ذَلِكَ. قُلْت : وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي \" تَهْذِيب الْآثَار \" فِي مُسْنَد عَلِيٍّ هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَسَاقَ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح عَنْ حَفْصَة مِثْل قَوْل عَائِشَة , وَهُوَ مِمَّا يَخُصّ بِهِ عُمُوم قَوْل أُمّ سَلَمَة \" أَبَى سَائِر أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَة أَحَدًا \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَغَيْره , وَنَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَالْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَعُرْوَة فِي آخَرِينَ , وَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى الْقُرْطُبِيّ حَيْثُ خَصَّ الْجَوَاز بَعْد عَائِشَة بِدَاوُدَ , وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى اِعْتِبَار الصِّغَر فِي الرَّضَاع الْمُحَرِّم وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطه , وَأَجَابُوا عَنْ قِصَّة سَالِم بِأَجْوِبَةٍ : مِنْهَا أَنَّهُ حُكْمٌ مَنْسُوخ وَبِهِ جَزَمَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ فِي أَحْكَامه , وَقَرَّرَهُ بَعْضهمْ بِأَنَّ قِصَّة سَالِم كَانَتْ فِي أَوَائِل الْهِجْرَة وَالْأَحَادِيث الدَّالَّة عَلَى اِعْتِبَار الْحَوْلَيْنِ مِنْ رِوَايَة أَحْدَاث الصَّحَابَة فَدَلَّ عَلَى تَأَخُّرهَا , وَهُوَ مُسْتَنَدٌ ضَعِيف إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ تَأَخُّر إِسْلَام الرَّاوِي وَلَا صِغَره أَنْ لَا يَكُون مَا رَوَاهُ مُتَقَدِّمًا , وَأَيْضًا فَفِي سِيَاق قِصَّة سَالِم مَا يُشْعِر بِسَبْقِ الْحُكْم بِاعْتِبَارِ الْحَوْلَيْنِ لِقَوْلِ اِمْرَأَة أَبِي حُذَيْفَة فِي بَعْض طُرُقه حَيْثُ قَالَ لَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَرْضِعِيهِ , قَالَتْ : وَكَيْف أُرْضِعهُ وَهُوَ رَجُل كَبِير ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ رَجُل كَبِير \" وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ قَالَتْ \" إِنَّهُ ذُو لِحْيَة , قَالَ : أَرْضِعِيهِ \" وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِف أَنَّ الصِّغَر مُعْتَبَر فِي الرَّضَاع الْمُحَرِّم. وَمِنْهَا دَعْوَى الْخُصُوصِيَّة بِسَالِمٍ وَامْرَأَة أَبِي حُذَيْفَة , وَالْأَصْل فِيهِ قَوْل أُمّ سَلَمَة وَأَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخْصَة أَرْخَصَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَالِمٍ خَاصَّة , وَقَرَّرَهُ اِبْن الصَّبَّاغ وَغَيْره بِأَنَّ أَصْل قِصَّة سَالِم مَا كَانَ وَقَعَ مِنْ التَّبَنِّي الَّذِي أَدَّى إِلَى اِخْتِلَاط سَالِم بِسَهْلَةَ , فَلَمَّا نَزَلَ الِاحْتِجَاب وَمُنِعُوا مِنْ التَّبَنِّي شَقَّ ذَلِكَ عَلَى سَهْلَة فَوَقَعَ التَّرْخِيص لَهَا فِي ذَلِكَ لِرَفْعِ مَا حَصَلَ لَهَا مِنْ الْمَشَقَّة , وَهَذَا فِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ يَقْتَضِي إِلْحَاق مَنْ يُسَاوِي سَهْلَة فِي الْمَشَقَّة وَالِاحْتِجَاج بِهَا فَتَنْفِي الْخُصُوصِيَّة وَيَثْبُت مَذْهَب الْمُخَالِف , لَكِنْ يُفِيد الِاحْتِجَاج. وَقَرَّرَهُ آخَرُونَ بِأَنَّ الْأَصْل أَنَّ الرَّضَاع لَا يُحَرِّم , فَلَمَّا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصِّغَر خُولِفَ الْأَصْل لَهُ وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْل , وَقِصَّة سَالِم وَاقِعَة عَيْن يَطْرُقهَا اِحْتِمَال الْخُصُوصِيَّة فَيَجِب الْوُقُوف عَنْ الِاحْتِجَاج بِهَا. وَرَأَيْت بِخَطِّ تَاج الدِّين السُّبْكِيّ أَنَّهُ رَأَى فِي تَصْنِيف لِمُحَمَّدِ بْن خَلِيل الْأَنْدَلُسِيّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي أَنَّ عَائِشَة وَإِنْ صَحَّ عَنْهَا الْفُتْيَا بِذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَقَع مِنْهَا إِدْخَال أَحَد مِنْ الْأَجَانِب بِتِلْكَ الرَّضَاعَة , قَالَ تَاج الدِّين : ظَاهِر الْأَحَادِيث تَرُدّ عَلَيْهِ , وَلَيْسَ عِنْدِي فِيهِ قَوْل جَازِم لَا مِنْ قَطْع وَلَا مِنْ ظَنٍّ غَالِب , كَذَا قَالَ , وَفِيهِ غَفْلَة عَمَّا ثَبَتَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَكَانَتْ عَائِشَة تَأْمُر بَنَات إِخْوَتهَا وَبَنَات أَخَوَاتهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُل عَلَيْهَا وَيَرَاهَا وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْس رَضَعَات ثُمَّ يَدْخُل عَلَيْهَا \" وَإِسْنَاده صَحِيح , وَهُوَ صَرِيح , فَأَيّ ظَنٍّ غَالِب وَرَاء هَذَا ؟ وَاللَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا جَوَاز دُخُول مَنْ اِعْتَرَفَتْ الْمَرْأَة بِالرَّضَاعَةِ مَعَهُ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ يَصِير أَخًا لَهَا وَقَبُول قَوْلهَا فِيمَنْ اِعْتَرَفَتْ بِهِ , وَأَنَّ الزَّوْج يَسْأَل زَوْجَته عَنْ سَبَب إِدْخَال الرِّجَال بَيْته وَالِاحْتِيَاط فِي ذَلِكَ وَالنَّظَر فِيهِ , وَفِي قِصَّة سَالِم جَوَاز الْإِرْشَاد إِلَى الْحِيَل , وَقَالَ اِبْن الرِّفْعَة يُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز تَعَاطِي مَا يُحَصِّل الْحِلّ فِي الْمُسْتَقْبَل وَإِنْ كَانَ لَيْسَ حَلَالًا فِي الْحَال. ‏"
    },
    {
        "id": "4713",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَفْلَحَ ‏ ‏أَخَا ‏ ‏أَبِي الْقُعَيْسِ ‏ ‏جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا وَهُوَ عَمُّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏لِمَالِك فِيهِ شَيْخ آخَر وَهُوَ هِشَام بْن عُرْوَة , وَسِيَاقه لِلْحَدِيثِ عَنْ عُرْوَة أَتَمّ , وَسَيَأْتِي قُبَيْل كِتَاب الطَّلَاق. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْس ) ‏ ‏بِقَافٍ وَعَيْن وَسِين مُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّر , وَتَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَات مِنْ طَرِيق الْحَكَم عَنْ عُرْوَة \" اِسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَح فَلَمْ آذَن لَهُ \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه أَفْلَح بْن قُعَيْس وَالْمَحْفُوظ أَفْلَح أَخُو أَبِي الْقُعَيْس , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِسْم أَبِيهِ قُعَيْسًا أَوْ اِسْم جَدّه فَنُسِبَ إِلَيْهِ فَتَكُون كُنْيَة أَبِي الْقُعَيْس وَافَقَتْ اِسْم أَبِيهِ أَوْ اِسْم جَدّه , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" فَإِنَّ أَخَا بَنِي الْقُعَيْس \" وَكَذَا وَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق وَهْب بْن كَيْسَانَ عَنْ عُرْوَة , وَقَدْ مَضَى فِي تَفْسِير الْأَحْزَاب مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ اِبْن شِهَاب بِلَفْظِ \" إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْس \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق يُونُس وَمَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَهُوَ الْمَحْفُوظ عَنْ أَصْحَاب الزُّهْرِيِّ , لَكِنْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَفْلَح بْن أَبِي الْقُعَيْس , وَكَذَا لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيِّ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء \" أَخْبَرَنِي عُرْوَة أَنَّ عَائِشَة قَالَتْ اِسْتَأْذَنَ عَلَيَّ عَمِّي مِنْ الرَّضَاعَة أَبُو الْجَعْد \" قَالَ فَقَالَ لِي هِشَام : إِنَّمَا هُوَ أَبُو الْقُعَيْس. وَكَذَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام \" اِسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا أَبُو الْقُعَيْس \" وَسَائِر الرُّوَاة عَنْ هِشَام قَالُوا أَفْلَح أَخُو أَبِي الْقُعَيْس كَمَا هُوَ الْمَشْهُور , وَكَذَا قَالَ سَائِر أَصْحَاب عُرْوَة , وَوَقَعَ عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن مُحَمَّد \" أَنَّ أَبَا قُعَيْس أَتَى عَائِشَة يَسْتَأْذِن عَلَيْهَا \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق الْقَاسِم عَنْ أَبِي قُعَيْس , وَالْمَحْفُوظ أَنَّ الَّذِي اِسْتَأْذَنَ هُوَ أَفْلَحُ وَأَبُو الْقُعَيْس هُوَ أَخُوهُ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : كُلّ مَا جَاءَ مِنْ الرِّوَايَات وَهْمٌ إِلَّا مَنْ قَالَ أَفْلَح أَخُو أَبِي الْقُعَيْس أَوْ قَالَ أَبُو الْجَعْد لِأَنَّهَا كُنْيَة أَفْلَح. قُلْت : وَإِذَا تَدَبَّرْت مَا حَرَّرْت عَرَفْت أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الرِّوَايَات لَا وَهْمَ فِيهِ وَلَمْ يُخْطِئ عَطَاء فِي قَوْله أَبُو الْجَعْد فَإِنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون حَفِظَ كُنْيَة أَفْلَح , وَأَمَّا اِسْم أَبِي الْقُعَيْس فَلَمْ أَقِف عَلَيْهِ إِلَّا فِي كَلَام الدَّارَقُطْنِيِّ فَقَالَ : هُوَ وَائِل بْن أَفْلَح الْأَشْعَرِيّ , وَحَكَى هَذَا اِبْن عَبْد الْبَرّ ثُمَّ حَكَى أَيْضًا أَنَّ اِسْمه الْجَعْد , فَعَلَى هَذَا يَكُون أَخُوهُ وَافَقَ اِسْمه اِسْم أَبِيهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبُو الْقُعَيْس نَسَبٌ لِجَدِّهِ وَيَكُون اِسْمه وَائِل بْن قُعَيْس بْن أَفْلَح بْن الْقُعَيْس , وَأَخُوهُ أَفْلَح بْن قُعَيْس بْن أَفْلَح أَبُو الْجَعْد , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي \" الِاسْتِيعَاب \" : لَا أَعْلَم لِأَبِي الْقُعَيْس ذِكْرًا إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( وَهُوَ عَمّهَا مِنْ الرَّضَاعَة ) ‏ ‏فِيهِ اِلْتِفَات , وَكَانَ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ يَقُول \" وَهُوَ عَمِّي \" وَكَذَا وَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق مَعْنٍ عَنْ مَالِك , وَفِي رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد مُسْلِم \" وَكَانَ أَبُو الْقُعَيْس أَخَا عَائِشَة مِنْ الرَّضَاعَة \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَبَيْت أَنْ آذَن لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عِرَاك الْمَاضِيَة فِي الشَّهَادَات \" فَقَالَ أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمّك \" ؟ وَفِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ كَمَا مَضَى فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب \" فَقُلْت : لَا آذَن لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا الْقُعَيْس لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي , وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي اِمْرَأَة أَبِي الْقُعَيْس \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُسْلِم \" وَكَانَ أَبُو الْقُعَيْس زَوْج الْمَرْأَة الَّتِي أَرْضَعَتْ عَائِشَة \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَمَرَنِي أَنْ آذَن لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" اِئْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمّك تَرِبَتْ يَمِينك \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان يَدَاك أَوْ يَمِينك , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ اللَّفْظَة فِي \" بَاب الْأَكْفَاء فِي الدِّين \" وَفِي رِوَايَة مَالِك عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة \" إِنَّهُ عَمّك فَلْيَلِجْ عَلَيْك \" وَفِي رِوَايَة الْحَكَم \" صَدَقَ أَفْلَحُ , اِئْذَنِي لَهُ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيِّ عَنْ هِشَام عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" دَخَلَ عَلَيَّ أَفْلَحُ فَاسْتَتَرْت مِنْهُ فَقَالَ أَتَسْتَتِرِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمّك ؟ قُلْت : مِنْ أَيْنَ ؟ قَالَ : أَرْضَعَتْك اِمْرَأَة أَخِي , قُلْت إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَة وَلَمْ يُرْضِعنِي الرَّجُل \" الْحَدِيث , وَيُجْمَع بِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا أَوَّلًا فَاسْتَتَرَتْ وَدَار بَيْنهمَا الْكَلَام , ثُمَّ جَاءَ يَسْتَأْذِن ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا قَبِلَتْ قَوْله فَلَمْ تَأْذَن لَهُ حَتَّى تَسْتَأْذِن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب فِي آخِره مِنْ الزِّيَادَة \" قَالَ عُرْوَة : فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَة تَقُول حَرِّمُوا مِنْ الرَّضَاع مَا يَحْرُم مِنْ النَّسَب \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ \" مَا تُحَرِّمُونَ مِنْ النَّسَب \" وَهَذَا ظَاهِره الْوَقْف , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ عِرَاك عَنْ عُرْوَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَحْتَجِبِي مِنْهُ , فَإِنَّهُ يَحْرُم مِنْ الرَّضَاعَة مَا يَحْرُم مِنْ النَّسَب \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة عَنْ عَائِشَة أَيْضًا مَرْفُوعَة مِنْ وَجْه آخَر فِي أَوَّل أَبْوَاب الرَّضَاع. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ لَبَن الْفَحْل يُحَرِّم فَتَنْتَشِر الْحُرْمَة مَنْ اِرْتَضَعَ الصَّغِير بِلَبَنِهِ , فَلَا تَحِلّ لَهُ بِنْت زَوْج الْمَرْأَة الَّتِي أَرْضَعَتْهُ مِنْ غَيْرهَا مَثَلًا , وَفِيهِ خِلَاف قَدِيم حُكِيَ عَنْ اِبْن عُمَر وَابْن الزُّبَيْر وَرَافِع بْن خَدِيج وَزَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة وَغَيْرهمْ , وَنَقَلَهُ اِبْن بَطَّال عَنْ عَائِشَة وَفِيهِ نَظَرٌ , وَمِنْ التَّابِعِينَ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَأَبِي سَلَمَة وَالْقَاسِم وَسَالِم وَسُلَيْمَان بْن يَسَار وَعَطَاء بْن يَسَار وَالشَّعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَأَبِي قِلَابَةَ وَإِيَاس بْن مُعَاوِيَة أَخْرَجَهَا اِبْن أَبِي شَيْبَة وَعَبْد الرَّزَّاق وَسَعِيد بْن مَنْصُور وَابْن الْمُنْذِر , وَعَنْ اِبْن سِيرِينَ \" نُبِّئْت أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْل الْمَدِينَة اِخْتَلَفُوا فِيهِ \" وَعَنْ زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة أَنَّهَا سَأَلَتْ وَالصَّحَابَة مُتَوَافِرُونَ وَأُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ فَقَالُوا الرَّضَاعَة مِنْ قِبَلِ الرَّجُل لَا تُحَرِّم شَيْئًا , وَقَالَ بِهِ مِنْ الْفُقَهَاء رَبِيعَة الرَّأْي وَإِبْرَاهِيم بْن عُلَيَّة وَابْن بِنْت الشَّافِعِيّ وَدَاوُدُ وَأَتْبَاعه , وَأَغْرَبَ عِيَاض وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَخْصِيصهمْ ذَلِكَ بِدَاوُدَ وَإِبْرَاهِيم مَعَ وُجُود الرِّوَايَة عَمَّنْ ذَكَرْنَا بِذَلِكَ , وَحُجَّتهمْ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ( وَأُمَّهَاتكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ) وَلَمْ يَذْكُر الْعَمَّة وَلَا الْبِنْت كَمَا ذَكَرَهُمَا فِي النَّسَب , وَأَجِيبُوا بِأَنَّ تَخْصِيص الشَّيْء بِالذِّكْرِ لَا يَدُلّ عَلَى نَفْي الْحُكْم عَمَّا عَدَاهُ , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ مِنْ حَيْثُ النَّظَر بِأَنَّ اللَّبَن لَا يَنْفَصِل مِنْ الرَّجُل وَإِنَّمَا يَنْفَصِل مِنْ الْمَرْأَة فَكَيْف تَنْتَشِر الْحُرْمَة إِلَى الرَّجُل ؟ وَالْجَوَاب أَنَّهُ قِيَاس فِي مُقَابَلَة النَّصّ فَلَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ , وَأَيْضًا فَإِنَّ سَبَب اللَّبَن هُوَ مَاء الرَّجُل وَالْمَرْأَة مَعًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُون الرَّضَاع مِنْهُمَا كَالْجَدِّ لَمَّا كَانَ سَبَب الْوَلَد أَوْجَبَ تَحْرِيم وَلَد الْوَلَد بِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِوَلَدِهِ , وَإِلَى هَذَا أَشَارَ اِبْن عَبَّاس بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة \" اللِّقَاح وَاحِد \" أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَطْء يُدِرّ اللَّبَن فَلِلْفَحْلِ فِيهِ نَصِيب. وَذَهَبَ الْجُمْهُور مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاء الْأَمْصَار كَالْأَوْزَاعِيّ فِي أَهْل الشَّام وَالثَّوْرِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَصَاحِبَيْهِ فِي أَهْل الْكُوفَة وَابْن جُرَيْجٍ فِي أَهْل مَكَّة وَمَالِك فِي أَهْل الْمَدِينَة وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي ثَوْر وَأَتْبَاعهمْ إِلَى أَنَّ لَبَن الْفَحْل يُحَرِّم وَحُجَّتهمْ هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح , وَأَلْزَمَ الشَّافِعِيّ الْمَالِكِيَّة فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة بِرَدِّ أَصْلِهِمْ بِتَقْدِيمِ عَمَل أَهْل الْمَدِينَة وَلَوْ خَالَفَ الْحَدِيث الصَّحِيح إِذَا كَانَ مِنْ الْآحَاد لِمَا رَوَاهُ عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد عَنْ رَبِيعَة مِنْ أَنَّ لَبَن الْفَحْل لَا يُحَرِّم , قَالَ عَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد : وَهَذَا رَأْي فُقَهَائِنَا إِلَّا الزُّهْرِيّ فَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا نَعْلَم شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْخَاصَّة أَوْلَى بِأَنْ يَكُون عَامًّا ظَاهِرًا مِنْ هَذَا , وَقَدْ تَرَكُوهُ لِلْخَبَرِ الْوَارِد , فَيَلْزَمهُمْ عَلَى هَذَا إِمَّا أَنْ يَرُدُّوا هَذَا الْخَبَر وَهُمْ لَمْ يَرُدُّوهُ أَوْ يَرُدُّوا مَا خَالَفَ الْخَبَر , وَعَلَى كُلّ حَال هُوَ الْمَطْلُوب. قَالَ الْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب : يُتَصَوَّر تَجْرِيد لَبَن الْفَحْل بِرَجُلٍ لَهُ اِمْرَأَتَانِ تُرْضِع إِحْدَاهُمَا صَبِيًّا وَالْأُخْرَى صَبِيَّة فَالْجُمْهُور قَالُوا يَحْرُم عَلَى الصَّبِيّ تَزْوِيج الصَّبِيَّة , وَقَالَ مَنْ خَالَفَهُمْ : يَجُوز , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ اِدَّعَى الرَّضَاع وَصَدَّقَهُ الرَّضِيع يَثْبُت حُكْمُ الرَّضَاع بَيْنهمَا وَلَا يَحْتَاج إِلَى بَيِّنَة , لِأَنَّ أَفْلَح اِدَّعَى وَصَدَّقَتْهُ عَائِشَة وَأَذِنَ الشَّارِع بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ. وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الشَّارِع اِطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْر دَعْوَى أَفْلَحَ وَتَسْلِيم عَائِشَة , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ قَلِيل الرَّضَاع يُحَرِّم كَمَا يُحَرِّم كَثِيره لِعَدَمِ الْاسْتِفْصَال فِيهِ , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّ عَدَم الذِّكْرِ لَا يَدُلّ عَلَى الْعَدَم الْمَحْض وَفِيهِ أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي حُكْم يَتَوَقَّف عَنْ الْعَمَل حَتَّى يَسْأَل الْعُلَمَاء عَنْهُ , وَأَنَّ مَنْ اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ الشَّيْء طَالَبَ الْمُدَّعِي بِبَيَانِهِ لِيَرْجِع إِلَيْهِ أَحَدهمَا , وَأَنَّ الْعَالِم إِذَا سُئِلَ يُصَدِّق مَنْ قَالَ الصَّوَاب فِيهَا , وَفِيهِ وُجُوب اِحْتِجَاب الْمَرْأَة مِنْ الرِّجَال الْأَجَانِب وَمَشْرُوعِيَّة اِسْتِئْذَان الْمَحْرَم عَلَى مَحْرَمه , وَأَنَّ الْمَرْأَة لَا تَأْذَن فِي بَيْت الرَّجُل إِلَّا بِإِذْنِهِ , وَفِيهِ جَوَاز التَّسْمِيَة بِأَفْلَحَ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْمُسْتَفْتِي إِذَا بَادَرَ بِالتَّعْلِيلِ قَبْلَ سَمَاع الْفَتْوَى أَنْكَرَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ لَهَا \" تَرِبَتْ يَمِينك \" فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ حَقّهَا أَنْ تَسْأَل عَنْ الْحُكْم فَقَطْ وَلَا تُعَلِّل , وَأَلْزَمَ بِهِ بَعْضهمْ مَنْ أَطْلَقَ مِنْ الْحَنَفِيَّة الْقَائِلِينَ أَنَّ الصَّحَابِيّ إِذَا رَوَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا وَصَحَّ عَنْهُ ثُمَّ صَحَّ عَنْهُ الْعَمَل بِخِلَافِهِ أَنَّ الْعَمَل بِمَا رَأَى لَا بِمَا رَوَى , لِأَنَّ عَائِشَة صَحَّ عَنْهَا أَنْ لَا اِعْتِبَار بِلَبَنِ الْفَحْل ذَكَرَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ وَسَعِيد بْن مَنْصُور فِي السُّنَن وَأَبُو عُبَيْد فِي كِتَاب النِّكَاح بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ , وَأَخَذَ الْجُمْهُور وَمِنْهُمْ الْحَنَفِيَّة بِخِلَافِ ذَلِكَ وَعَمِلُوا بِرِوَايَتِهَا فِي قِصَّة أَخِي أَبِي الْقُعَيْس وَحَرَّمُوهُ بِلَبَنِ الْفَحْل فَكَانَ يَلْزَمهُمْ عَلَى قَاعِدَتهمْ أَنْ يَتَّبِعُوا عَمَلَ عَائِشَة وَيُعْرِضُوا عَنْ رِوَايَتهَا , وَلَوْ كَانَ رَوَى هَذَا الْحُكْمَ غَيْر عَائِشَة لَكَانَ لَهُمْ مَعْذِرَة لَكِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرهَا , وَهُوَ إِلْزَام قَوِيّ ‏"
    },
    {
        "id": "4714",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏قالَ وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ ‏ ‏عُقْبَةَ ‏ ‏لَكِنِّي لِحَدِيثِ ‏ ‏عُبَيْدٍ ‏ ‏أَحْفَظُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ أَرْضَعْتُكُمَا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ تَزَوَّجْتُ ‏ ‏فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ ‏ ‏فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ لِي إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا وَهِيَ كَاذِبَةٌ فَأَعْرَضَ عَنِّي فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ قُلْتُ إِنَّهَا كَاذِبَةٌ قَالَ ‏ ‏كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا دَعْهَا عَنْكَ وَأَشَارَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى يَحْكِي ‏ ‏أَيُّوبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , وَإِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّة , وَعُبَيْد بْن أَبِي مَرْيَم مَكِّيّ مَا لَهُ فِي الصَّحِيح سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَلَا أَعْرِف مِنْ حَاله شَيْئًا إِلَّا أَنَّ اِبْن حِبَّان ذَكَرَهُ فِي ثِقَات التَّابِعِينَ , وَقَدْ أَوْضَحْت فِي الشَّهَادَات بَيَان الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده عَلَى اِبْن أَبِي مُلَيْكَة , وَأَنَّ الْعُمْدَة فِيهِ عَلَى سَمَاع اِبْن أَبِي مُلَيْكَة لَهُ مِنْ عُقْبَةَ بْن الْحَارِث نَفْسه , وَتَقَدَّمَ تَسْمِيَة الْمَرْأَة الْمُعَبَّر عَنْهَا هُنَا بِفُلَانَةَ بِنْت فُلَان وَتَسْمِيَة أَبِيهَا , وَأَمَّا الْمُرْضِعَة السَّوْدَاء فَمَا عَرَفْت اِسْمهَا بَعْد. ‏ ‏قَوْله ( فَأَعْرَضَ عَنِّي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" فَأَعْرَضَ عَنْهُ \" وَفِيهِ اِلْتِفَات. ‏ ‏قَوْله ( دَعْهَا عَنْك , وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى يَحْكِي أَيُّوب ) ‏ ‏يَعْنِي يَحْكِي إِشَارَة أَيُّوب , وَالْقَائِل عَلِيّ وَالْحَاكِي إِسْمَاعِيل , وَالْمُرَاد حِكَايَة فِعْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ أَشَارَ بِيَدِهِ وَقَالَ بِلِسَانِهِ \" دَعْهَا عَنْك \" فَحَكَى ذَلِكَ كُلّ رَاوٍ لِمَنْ دُونه. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَة لَا يُشْتَرَط فِيهَا عَدَد الرَّضَعَات وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ عَدَم ذِكْرِهَا عَدَم الِاشْتِرَاط لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَبْل تَقْرِير حُكْمِ اِشْتِرَاط الْعَدَد , أَوْ بَعْد اِشْتِهَاره فَلَمْ يَحْتَجْ لِذِكْرِهِ فِي كُلّ وَاقِعَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ. وَيُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث عِنْد مَنْ يَقُول إِنَّ الْأَمْر بِفِرَاقِهَا لَمْ يَكُنْ لِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ بِقَوْلِ الْمُرْضِعَة بَلْ لِلِاحْتِيَاطِ أَنْ يَحْتَاط مَنْ يُرِيد أَنْ يَتَزَوَّج أَوْ يُزَوِّج ثُمَّ اِطَّلَعَ عَلَى أَمْر فِيهِ خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء كَمَنْ زَنَى بِهَا أَوْ بَاشَرَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ زَنَى بِهَا أَصْله أَوْ فَرْعُهُ أَوْ خُلِقَتْ مِنْ زِنَاهُ بِأُمِّهَا أَوْ شَكَّ فِي تَحْرِيمهَا عَلَيْهِ بِصِهْرٍ أَوْ قَرَابَة وَنَحْو ذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4715",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ حَبِيبَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي ‏ ‏بِنْتِ ‏ ‏أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَأَفْعَلُ مَاذَا قُلْتُ تَنْكِحُ قَالَ أَتُحِبِّينَ قُلْتُ لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِيكَ ‏ ‏أُخْتِي ‏ ‏قَالَ إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي قُلْتُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ قَالَ ابْنَةَ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏قُلْتُ نَعَمْ قَالَ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي مَا حَلَّتْ لِي أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ‏ ‏ثُوَيْبَةُ ‏ ‏فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏دُرَّةُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنَا هِشَام دُرَّة بِنْت أُمّ سَلَمَة ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ اللَّيْث رَوَاهُ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فَسَمَّى بِنْت أُمّ سَلَمَة دُرَّة , وَكَأَنَّهُ رَمَزَ بِذَلِكَ إِلَى غَلَطِ مَنْ سَمَّاهَا زَيْنَب , وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّهَا فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان ; وَأَنَّ الْمُصَنِّف أَخْرَجَهُ عَنْ الْحُمَيْدِيّ فَلَمْ يُسَمِّهَا , وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّف الْحَدِيث أَيْضًا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده مِنْ طَرِيق اللَّيْث أَيْضًا عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة فَسَمَّاهَا أَيْضًا دُرَّة ‏"
    },
    {
        "id": "4716",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّ ‏ ‏أُمَّ حَبِيبَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ انْكِحْ ‏ ‏أُخْتِي ‏ ‏بِنْتَ ‏ ‏أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَتُحِبِّينَ قُلْتُ نَعَمْ لَسْتُ لَكَ ‏ ‏بِمُخْلِيَةٍ ‏ ‏وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ ‏ ‏أُخْتِي ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ذَلِكِ لَا يَحِلُّ لِي قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ ‏ ‏دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ بِنْتَ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي ‏ ‏وَأَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏ثُوَيْبَةُ ‏ ‏فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4717",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏دَاوُدُ ‏ ‏وَابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَاصِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان الْبَصْرِيّ الْأَحْوَل. ‏ ‏قَوْله ( الشَّعْبِيّ سَمِعَ جَابِرًا ) ‏ ‏كَذَا قَالَ عَاصِم وَحْده. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ دَاوُد وَابْن عَوْن عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة دَاوُدَ وَهُوَ اِبْن أَبِي هِنْد فَوَصَلَهَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالدَّارِمِيُّ مِنْ طَرِيقه قَالَ \" حَدَّثَنَا عَامِر هُوَ الشَّعْبِيّ أَنْبَأَنَا أَبُو هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُنْكَح الْمَرْأَة عَلَى عَمَّتِهَا. أَوْ الْمَرْأَة عَلَى خَالَتهَا , أَوْ الْعَمَّة عَلَى بِنْت أَخِيهَا , أَوْ الْخَالَة عَلَى بِنْت أُخْتهَا لَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى وَلَا الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى \" لَفْظ الدَّارِمِيِّ وَالتِّرْمِذِيّ نَحْوه , وَلَفْظ أَبِي دَاوُدَ \" لَا تُنْكَح الْمَرْأَة عَلَى عَمَّتهَا وَلَا عَلَى خَالَتهَا \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد فَقَالَ \" عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَكَانَ لِدَاوُدَ فِيهِ شَيْخَيْنِ , وَهُوَ مَحْفُوظ لِابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ غَيْر هَذَا الْوَجْه. وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن عَوْن وَهُوَ عَبْد اللَّه فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق خَالِد بْن الْحَارِث عَنْهُ بِلَفْظِ \" لَا تُزَوَّج الْمَرْأَة عَلَى عَمَّتهَا وَلَا عَلَى خَالَتهَا \" وَوَقَعَ لَنَا فِي \" فَوَائِد أَبِي مُحَمَّد بْن أَبِي شُرَيْحٍ \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَوْن بِلَفْظِ \" نَهَى أَنْ تُنْكَح الْمَرْأَة عَلَى اِبْنَة أَخِيهَا أَوْ اِبْنَة أُخْتهَا \" وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَحْفُوظَانِ , وَقَدْ رَوَاهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَاصِم عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ جَابِر أَوْ أَبِي هُرَيْرَة لَكِنْ نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث لَمْ يُرْوَ مِنْ وَجْهٍ يُثْبِتهُ أَهْل الْحَدِيث إِلَّا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَرُوِيَ مِنْ وُجُوه لَا يُثْبِتهَا أَهْل الْعِلْم بِالْحَدِيثِ , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ كَمَا قَالَ , قَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيث عَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَأَنَس وَأَبِي سَعِيد وَعَائِشَة , وَلَيْسَ فِيهَا شَيْء عَلَى شَرْطِ الصَّحِيح , وَإِنَّمَا اِتَّفَقَا عَلَى إِثْبَات حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ رِوَايَة عَاصِم عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ جَابِر وَبَيَّنَ الِاخْتِلَاف عَلَى الشَّعْبِيّ فِيهِ , قَالَ : وَالْحُفَّاظ يَرَوْنَ رِوَايَة عَاصِم خَطَأ , وَالصَّوَاب رِوَايَة اِبْن عَوْن وَدَاوُد بْن أَبِي هِنْد ا ه. وَهَذَا الِاخْتِلَاف لَمْ يَقْدَح عِنْد الْبُخَارِيّ , لِأَنَّ الشَّعْبِيّ أَشْهَر بِجَابِر مِنْهُ بِأَبِي هُرَيْرَة , وَلِلْحَدِيثِ طُرُق أُخْرَى عَنْ جَابِر بِشَرْطِ الصَّحِيح أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر , وَالْحَدِيث مَحْفُوظ أَيْضًا مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَلِكُلٍّ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ مَا يُعَضِّدهُ , وَقَوْل مَنْ نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُمْ تَضْعِيف حَدِيث جَابِر مُعَارَض بِتَصْحِيحِ التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّان وَغَيْرهمَا لَهُ , وَكَفَى بِتَخْرِيجِ الْبُخَارِيّ لَهُ مَوْصُولًا قُوَّة. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : كَانَ بَعْض أَهْل الْحَدِيث يَزْعُم أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيث غَيْر أَبِي هُرَيْرَة - يَعْنِي مِنْ وَجْه يَصِحّ - وَكَأَنَّهُ لَمْ يُصَحِّح حَدِيث الشَّعْبِيّ عَنْ جَابِر وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَالْحَدِيثَانِ جَمِيعًا صَحِيحَانِ. وَأَمَّا مَنْ نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُمْ رَوَوْهُ مِنْ الصَّحَابَة غَيْر هَذَيْنِ فَقَدْ ذَكَرَ مِثْل ذَلِكَ التِّرْمِذِيّ بِقَوْلِهِ \" وَفِي الْبَاب \" لَكِنْ لَمْ يَذْكُر اِبْن مَسْعُود وَلَا اِبْن عَبَّاس وَلَا أَنَسًا , وَزَادَ بَدَلهمْ أَبَا مُوسَى وَأَبَا أُمَامَةَ وَسَمُرَة. وَوَقَعَ لِي أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء وَمِنْ حَدِيث عَتَّاب بْن أُسَيْد وَمِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَمَنْ حَدِيث زَيْنَب اِمْرَأَة اِبْن مَسْعُود فَصَارَ عِدَّة مَنْ رَوَاهُ غَيْر الْأَوَّلِينَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفْسًا , وَأَحَادِيثهمْ مَوْجُودَة عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة وَأَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَهْ وَأَبِي يَعْلَى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيِّ وَابْن حِبَّان وَغَيْرهمْ , وَلَوْلَا خَشْيَة التَّطْوِيل لَأَوْرَدْتهَا مُفَصَّلَة , لَكِنْ فِي لَفْظ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُجْمَع بَيْن الْعَمَّة وَالْخَالَة وَبَيْن الْعَمَّتَيْنِ وَالْخَالَتَيْنِ , وَفِي رِوَايَته عِنْد اِبْن حِبَّان \" نَهَى أَنْ تُزَوَّج الْمَرْأَة عَلَى الْعَمَّة وَالْخَالَة , وَقَالَ : إِنَّكُنَّ إِذَا فَعَلْتُنَّ ذَلِكَ قَطَعْتُنَّ أَرْحَامكُنَّ , قَالَ الشَّافِعِيّ : تَحْرِيم الْجَمْع بَيْن مَنْ ذُكِرَ هُوَ قَوْل مَنْ لَقِيته مِنْ الْمُفْتِينَ لَا اِخْتِلَاف بَيْنهمْ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْد تَخْرِيجه : الْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد عَامَّة أَهْل الْعِلْم لَا نَعْلَم بَيْنهمْ اِخْتِلَافًا أَنَّهُ لَا يَحِلّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْمَع بَيْن الْمَرْأَة وَعَمَّتهَا أَوْ خَالَتهَا وَلَا أَنْ تُنْكَح الْمَرْأَة عَلَى عَمَّتهَا أَوْ خَالَتهَا. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : لَسْت أَعْلَم فِي مَنْع ذَلِكَ اِخْتِلَافًا الْيَوْم , وَإِنَّمَا قَالَ بِالْجَوَازِ فِرْقَة مِنْ الْخَوَارِج , وَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْم بِالسُّنَّةِ وَاتَّفَقَ أَهْل الْعِلْم عَلَى الْقَوْل بِهِ لَمْ يَضُرّهُ خِلَاف مَنْ خَالَفَهُ , وَكَذَا نَقَلَ الْإِجْمَاع اِبْن عَبْد الْبَرّ وَابْن حَزْم وَالْقُرْطُبِيّ وَالنَّوَوِيّ , لَكِنْ اِسْتَثْنَى اِبْن حَزْم عُثْمَان الْبَتِّيّ وَهُوَ أَحَد الْفُقَهَاء الْقُدَمَاء مِنْ أَهْل الْبَصْرَة وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الْمُثَنَّاة , وَاسْتَثْنَى النَّوَوِيّ طَائِفَة مِنْ الْخَوَارِج وَالشِّيعَة , وَاسْتَثْنَى الْقُرْطُبِيّ الْخَوَارِج وَلَفْظه : اِخْتَارَ الْخَوَارِج الْجَمْعَ بَيْن الْأُخْتَيْنِ وَبَيْن الْمَرْأَة وَعَمَّتهَا وَخَالَتهَا , وَلَا يُعْتَدّ بِخِلَافِهِمْ لِأَنَّهُمْ مَرَقُوا مِنْ الدِّين ا ه. وَفِي نَقْلِهِ عَنْهُمْ جَوَاز الْجَمْع بَيْن الْأُخْتَيْنِ غَلَط بَيِّنٌ , فَإِنَّ عُمْدَتهمْ التَّمَسُّك بِأَدِلَّةِ الْقُرْآن لَا يُخَالِفُونَهَا الْبَتَّة وَإِنَّمَا يَرُدُّونَ الْأَحَادِيث لِاعْتِقَادِهِمْ عَدَم الثِّقَة بِنَقَلَتِهَا , وَتَحْرِيم الْجَمْع بَيْن الْأُخْتَيْنِ بِنُصُوصِ الْقُرْآن. وَنَقَلَ اِبْن دَقِيق الْعِيد تَحْرِيم الْجَمْع بَيْن الْمَرْأَة وَعَمَّتهَا عَنْ جُمْهُور الْعُلَمَاء وَلَمْ يُعَيِّن الْمُخَالِف. ‏ ‏قَوْله ( لَا يَجْمَع وَلَا يَنْكِح ) كُلّه فِي الرِّوَايَات بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَر عَنْ الْمَشْرُوعِيَّة وَهُوَ يَتَضَمَّن النَّهْي قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى عَمَّتهَا ) ظَاهِره تَخْصِيص الْمَنْع بِمَا إِذَا تَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى , وَيُؤْخَذ مِنْهُ مَنْع تَزْوِيجهمَا مَعًا , فَإِنْ جَمَعَ بَيْنهمَا بِعَقْدٍ بَطَلَا أَوْ مُرَتَّبًا بَطَلَ الثَّانِي. ‏"
    },
    {
        "id": "4718",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4719",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَالْمَرْأَةُ وَخَالَتُهَا ‏ ‏فَنُرَى خَالَةَ أَبِيهَا بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ ‏ ‏لِأَنَّ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏حَرِّمُوا مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( فَنُرَى ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون أَيْ نَظُنّ , وَبِفَتْحِهَا أَيْ نَعْتَقِد. ‏ ‏قَوْله ( خَالَة أَبِيهَا بِتِلْكَ الْمَنْزِلَة ) ‏ ‏أَيْ مِنْ التَّحْرِيم. ‏ ‏قَوْله ( لِأَنَّ عُرْوَة حَدَّثَنِي إِلَخْ ) ‏ ‏فِي أَخْذ هَذَا الْحُكْمِ مِنْ هَذَا الْحَدِيث نَظَر , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ إِلْحَاق مَا يُحَرِّم بِالصِّهْرِ بِمَا يُحَرِّم بِالنَّسَبِ كَمَا يُحَرِّم بِالرَّضَاعِ مَا يُحَرِّم بِالنَّسَبِ , وَلَمَّا كَانَتْ خَالَة الْأَب مِنْ الرَّضَاع لَا يَحِلّ نِكَاحهَا فَكَذَلِكَ خَالَة الْأَب لَا يُجْمَع بَيْنهَا وَبَيْن بِنْت اِبْن أَخِيهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور. قَالَ النَّوَوِيّ : اِحْتَجَّ الْجُمْهُور بِهَذِهِ الْأَحَادِيث وَخَصُّوا بِهَا عُمُوم الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاء ذَلِكُمْ ) وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى جَوَاز تَخْصِيص عُمُوم الْقُرْآن بِخَبَرِ الْآحَاد , وَانْفَصَلَ صَاحِب الْهِدَايَة مِنْ الْحَنَفِيَّة عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا مِنْ الْأَحَادِيث الْمَشْهُورَة الَّتِي تَجُوز الزِّيَادَة عَلَى الْكِتَاب بِمِثْلِهَا , وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4720",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ الشِّغَارِ وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا ‏ ‏صَدَاقٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( نَهَى عَنْ الشِّغَار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك \" نَهَى عَنْ نِكَاح الشِّغَار , ذَكَرَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَهُوَ مُرَاد مَنْ حَذَفَهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَالشِّغَار أَنْ يُزَوِّج الرَّجُل اِبْنَته إِلَخْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : ذَكَرَ تَفْسِير الشِّغَار جَمِيع رُوَاة مَالِك عَنْهُ. قُلْت : وَلَا يَرُدّ عَلَى إِطْلَاقه أَنَّ أَبَا دَاوُدَ أَخْرَجَهُ عَنْ الْقَعْنَبِيِّ فَلَمْ يَذْكُر التَّفْسِير , وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق مَعْنِ بْن عِيسَى لِأَنَّهُمَا اِخْتَصَرَا ذَلِكَ فِي تَصْنِيفهمَا , وَإِلَّا فَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مَعْنٍ بِالتَّفْسِيرِ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيب فِي \" الْمُدْرَج \" مِنْ طَرِيق الْقَعْنَبِيِّ. نَعَمْ اِخْتَلَفَ الرُّوَاة عَنْ مَالِك فِيمَنْ يُنْسَب إِلَيْهِ تَفْسِير الشِّغَار , فَالْأَكْثَر لَمْ يَنْسُبُوهُ لِأَحَدٍ , وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ فِيمَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْمَعْرِفَة \" : لَا أَدْرِي التَّفْسِير عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَنْ اِبْن عُمَر أَوْ عَنْ نَافِع أَوْ عَنْ مَالِك , وَنَسَبَهُ مُحْرِز بْن عَوْن وَغَيْره لِمَالِك. قَالَ الْخَطِيب : تَفْسِير الشِّغَار لَيْسَ مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْل مَالِك وُصِلَ بِالْمَتْنِ الْمَرْفُوع , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ اِبْن مَهْدِيّ وَالْقَعْنَبِيّ وَمُحْرِز بْن عَوْن , ثُمَّ سَاقه كَذَلِكَ عَنْهُمْ , وَرِوَايَة مُحْرِز بْن عَوْن عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي \" الْمُوَطَّآت \" وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق خَالِد بْن مَخْلَد عَنْ مَالِك قَالَ : سَمِعْت أَنَّ الشِّغَار أَنْ يُزَوِّج الرَّجُل إِلَخْ , وَهَذَا دَالّ عَلَى أَنَّ التَّفْسِير مِنْ مَنْقُول مَالِك لَا مِنْ مَقُوله. وَوَقَعَ عِنْد الْمُصَنِّف - كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب تَرْك الْحِيَل - مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع فِي هَذَا الْحَدِيث تَفْسِير الشِّغَار مِنْ قَوْل نَافِع وَلَفْظه \" قَالَ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر قُلْت لِنَافِعِ : مَا الشِّغَار ؟ فَذَكَرَهُ \" فَلَعَلَّ مَالِكًا أَيْضًا نَقَلَهُ عَنْ نَافِع , وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِّي : الظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ جُمْلَة الْحَدِيث , وَعَلَيْهِ يُحْمَل حَتَّى يَتَبَيَّن أَنَّهُ مِنْ قَوْل الرَّاوِي وَهُوَ نَافِع. قُلْت : قَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ , وَلَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه لَمْ يَرْفَعهُ أَنْ لَا يَكُون فِي نَفْس الْأَمْر مَرْفُوعًا , فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ غَيْر رِوَايَته , فَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة وَابْن نُمَيْر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر أَيْضًا عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْله سَوَاء , قَالَ : وَزَادَ اِبْن نُمَيْر \" وَالشِّغَار أَنْ يَقُول الرَّجُل لِلرَّجُلِ زَوِّجْنِي اِبْنَتك وَأُزَوِّجك اِبْنَتِي وَزَوَّجَنِي أُخْتك وَأُزَوِّجك أُخْتِي \" وَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ كَلَام عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر فَيَرْجِع إِلَى نَافِع , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَلَقَّاهُ عَنْ أَبِي الزِّنَاد , وَيُؤَيِّد الِاحْتِمَال الثَّانِي وُرُوده فِي حَدِيث أَنَس وَجَابِر وَغَيْرهمَا أَيْضًا , فَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ ثَابِت وَأَبَان عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا \" لَا شِغَار فِي الْإِسْلَام , وَالشِّغَار أَنْ يُزَوِّج الرَّجُل الرَّجُل أُخْته بِأُخْتِهِ \" وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق نَافِع بْن يَزِيد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر مَرْفُوعًا \" نُهِيَ عَنْ الشِّغَار , وَالشِّغَار أَنْ يَنْكِح هَذِهِ بِهَذِهِ بِغَيْرِ صَدَاق , بُضْعُ هَذِهِ صَدَاق هَذِهِ وَبُضْعُ هَذِهِ صَدَاق هَذِهِ , وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخ فِي كِتَاب النِّكَاح مِنْ حَدِيث أَبِي رَيْحَانَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُشَاغَرَة , وَالْمُشَاغَرَة أَنْ يَقُول زَوِّجْ هَذَا مِنْ هَذِهِ وَهَذِهِ مِنْ هَذَا بِلَا مَهْر \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : تَفْسِير الشِّغَار صَحِيح مُوَافِق لِمَا ذَكَرَهُ أَهْل اللُّغَة فَإِنْ كَانَ مَرْفُوعًا فَهُوَ الْمَقْصُود , وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْل الصَّحَابِيّ فَمَقْبُول أَيْضًا لِأَنَّهُ أَعْلَم بِالْمَقَالِ وَأَقْعَدُ بِالْحَالِ ا ه. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْفُقَهَاء هَلْ يُعْتَبَر فِي الشِّغَار الْمَمْنُوع ظَاهِر الْحَدِيث فِي تَفْسِيره , فَإِنَّ فِيهِ وَصْفَيْنِ أَحَدهمَا تَزْوِيج مِنْ الْوَلِيَّيْنِ وَلِيَّته لِلْآخَرِ بِشَرْطِ أَنْ يُزَوِّجهُ وَلِيَّته , وَالثَّانِي خُلُوّ بُضْعِ كُلّ مِنْهُمَا مِنْ الصَّدَاق , فَمِنْهُمْ مَنْ اِعْتَبَرَهُمَا مَعًا حَتَّى لَا يَمْنَع مِثْلًا إِذَا زَوَّجَ كُلّ مِنْهُمَا الْآخَر بِغَيْرِ شَرْط وَإِنْ لَمْ يَذْكُر الصَّدَاق , أَوْ زَوَّجَ كُلّ مِنْهُمَا الْآخَر بِالشَّرْطِ وَذَكَرَ الصَّدَاق. وَذَهَبَ أَكْثَر الشَّافِعِيَّة إِلَى أَنَّ عِلَّة النَّهْي الِاشْتِرَاك فِي الْبُضْع لِأَنَّ بُضْع كُلّ مِنْهُمَا يَصِير مَوْرِد الْعَقْد , وَجَعْل الْبُضْع صَدَاقًا مُخَالِف لَا يُرَاد عَقْد النِّكَاح , وَلَيْسَ الْمُقْتَضِي لِلْبُطْلَانِ تَرْك ذِكْرِ الصَّدَاق لِأَنَّ النِّكَاح يَصِحّ بِدُونِ تَسْمِيَة الصَّدَاق. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا لَمْ يُصَرِّحَا بِذِكْرِ الْبُضْع فَالْأَصَحّ عِنْدهمْ الصِّحَّة , وَلَكِنْ وُجِدَ نَصّ الشَّافِعِيّ عَلَى خِلَافه وَلَفْظه : إِذَا زَوَّجَ الرَّجُل اِبْنَته أَوْ الْمَرْأَة يَلِي أَمْرهَا مَنْ كَانَتْ لِآخَر عَلَى أَنَّ صَدَاق كُلّ وَاحِدَة بُضْع الْأُخْرَى أَوْ عَلَى أَنْ يُنْكِحهُ الْأُخْرَى وَلَمْ يُسَمِّ أَحَد مِنْهُمَا لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقًا فَهَذَا الشِّغَار الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَنْسُوخ , هَكَذَا سَاقَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح عَنْ الشَّافِعِيّ , قَالَ : وَهُوَ الْمُوَافِق لِلتَّفْسِيرِ الْمَنْقُول فِي الْحَدِيث , وَاخْتَلَفَ نَصّ الشَّافِعِيّ فِيمَا إِذَا سَمَّى مَعَ ذَلِكَ مَهْرًا فَنَصَّ فِي \" الْإِمْلَاء \" عَلَى الْبُطْلَان , وَظَاهِر نَصّه فِي \" الْمُخْتَصَر \" الصِّحَّة , وَعَلَى ذَلِكَ اِقْتَصَرَ فِي النَّقْل عَنْ الشَّافِعِيّ مَنْ يَنْقُل الْخِلَاف مِنْ أَهْل الْمَذَاهِب , وَقَالَ الْقَفَّال : الْعِلَّة فِي الْبُطْلَانِ التَّعْلِيق وَالتَّوْقِيف , فَكَأَنَّهُ يَقُول لَا يَنْعَقِد لَك نِكَاح بِنْتِي حَتَّى يَنْعَقِد لِي نِكَاح بِنْتك. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانَ اِبْن أَبِي هُرَيْرَة يُشَبِّه بِرَجُلٍ تَزَوَّجَ اِمْرَأَة وَيَسْتَثْنِي عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا وَهُوَ مِمَّا لَا خِلَاف فِي فَسَاده , وَتَقْرِير ذَلِكَ أَنَّهُ يُزَوِّج وَلِيَّته وَيَسْتَثْنِي بُضْعهَا حَيْثُ يَجْعَلهُ صَدَاقًا لِلْأُخْرَى. وَقَالَ الْغَزَالِيّ فِي \" الْوَسِيط \" : صُورَته الْكَامِلَة أَنْ يَقُول زَوَّجْتُك اِبْنَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجنِي اِبْنَتك عَلَى أَنْ يَكُون بُضْع كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا صَدَاقًا لِلْأُخْرَى , وَمَهْمَا اِنْعَقَدَ نِكَاح اِبْنَتِي اِنْعَقَدَ نِكَاح اِبْنَتك. قَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" يَنْبَغِي أَنْ يُزَاد : وَلَا يَكُون مَعَ الْبُضْع شَيْء آخَر لِيَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَى تَحْرِيمه فِي الْمَذْهَب. وَنَقَلَ الْخَرَقِيّ أَنَّ أَحْمَد نَصَّ عَلَى أَنَّ عِلَّة الْبُطْلَانِ تَرْكُ ذِكْرِ الْمَهْر , وَرَجَّحَ اِبْن تَيْمِيَةَ فِي \" الْمُحَرَّر \" أَنَّ الْعِلَّة التَّشْرِيك فِي الْبُضْع , وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد هُوَ ظَاهِر التَّفْسِير الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث لِقَوْلِهِ فِيهِ وَلَا صَدَاق بَيْنهمَا , فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّ جِهَة الْفَسَاد ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ ذُكِرَ لِمُلَازَمَتِهِ لِجِهَةِ الْفَسَاد , ثُمَّ قَالَ : وَعَلَى الْجُمْلَة فَفِيهِ شُعُور بِأَنَّ عَدَم الصَّدَاق لَهُ مَدْخَل فِي النَّهْي , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أَبِي رَيْحَانَة الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : أَجْمَع الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ نِكَاح الشِّغَار لَا يَجُوز , وَلَكِنْ اِخْتَلَفُوا فِي صِحَّته فَالْجُمْهُور عَلَى الْبُطْلَان , وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِك يُفْسَخ قَبْل الدُّخُول لَا بَعْده , وَحَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّة إِلَى صِحَّته وَوُجُوب مَهْر الْمِثْل , وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيِّ وَمَكْحُول وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْث وَرِوَايَة عَنْ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي ثَوْر , وَهُوَ قَوْل عَلَى مَذْهَب الشَّافِعِيّ , لِاخْتِلَافِ الْجِهَة. لَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيّ : إِنَّ النِّسَاء مُحَرَّمَات إِلَّا مَا أَحَلَّ اللَّه أَوْ مِلْك يَمِين , فَإِذَا وَرَدَ النَّهْي عَنْ نِكَاح تَأَكَّدَ التَّحْرِيم ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ذِكْرُ الْبِنْت فِي تَفْسِير الشِّغَار مِثَال , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة أُخْرَى ذِكْرُ الْأُخْت , قَالَ النَّوَوِيّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَيْر الْبَنَات مِنْ الْأَخَوَات وَبَنَات الْأَخ وَغَيْرهنَّ كَالْبَنَاتِ فِي ذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4721",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ ‏ ‏مِنْ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ فَلَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏تُرْجِئُ ‏ ‏مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ‏} ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ ‏ ‏وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏وَعَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ ‏ ‏( قَالَ كَانَتْ خَوْلَة ) ‏ ‏هَذَا مُرْسَل , لِأَنَّ عُرْوَة لَمْ يُدْرِك زَمَن الْقِصَّة , لَكِنَّ السِّيَاق يُشْعِر بِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْ عَائِشَة. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّف عَقِب هَذِهِ الطَّرِيق رِوَايَة مَنْ صَرَّحَ فِيهِ بِذِكْرِ عَائِشَة تَعْلِيقًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْأَحْزَاب مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام كَذَلِكَ مَوْصُولًا. ‏ ‏قَوْله ( بِنْت حَكِيم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أُمَيَّة بْن الْأَوْقَص السِّلْمِيَّة , وَكَانَتْ زَوْج عُثْمَان بْن مَظْعُون , وَهِيَ مِنْ السَّابِقَات إِلَى الْإِسْلَام , وَأُمّهَا مِنْ بَنِي أُمَيَّة. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ اللَّائِي وَهَبْنَ ) ‏ ‏وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة الْمَذْكُورَة \" قَالَتْ كُنْت أَغَار مِنْ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسهنَّ \" وَهَذَا يُشْعِر بِتَعَدُّدِ الْوَاهِبَات وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرهنَّ فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي سَعِيد الْمُؤَدِّب الْآتِي ذِكْرُهَا فِي الْمُعَلَّقَات عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" قَالَتْ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَوْلَة بِنْت حَكِيم \" وَهَذَا مَحْمُول عَلَى تَأْوِيل أَنَّهَا السَّابِقَة إِلَى ذَلِكَ , أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوه الَّتِي لَا تَقْتَضِي الْحَصْر الْمُطْلَق. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَتْ عَائِشَة : أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَة أَنْ تَهَب نَفْسهَا ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن بِشْر الْمَوْصُولَة عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا كَانَتْ تُعَيِّر اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسهنَّ. ‏ ‏قَوْله ( أَنْ تَهَب نَفْسهَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن بِشْر \" بِغَيْرِ صَدَاق \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا نَزَلَتْ : تُرْجِئ مَنْ تَشَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبَدَة بْن سُلَيْمَان \" فَأَنْزَلَ اللَّه تُرْجِئ \" وَهَذَا أَظْهَر فِي أَنَّ نُزُول الْآيَة بِهَذَا السَّبَب , قَالَ الْقُرْطُبِيّ حَمَلَتْ عَائِشَة عَلَى هَذَا التَّقْبِيح الْغَيْرَة الَّتِي طُبِعَتْ عَلَيْهَا النِّسَاء وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ اللَّه أَبَاحَ لِنَبِيِّهِ ذَلِكَ وَأَنَّ جَمِيع النِّسَاء لَوْ مُلِكْنَ لَهُ رِقّهنَّ لَكَانَ قَلِيلًا. ‏ ‏قَوْله ( مَا أَرَى رَبّك إِلَّا يُسَارِع فِي هَوَاك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن بِشْر \" إِنِّي لِأَرَى رَبّك يُسَارِع لَك فِي هَوَاك \" أَيْ فِي رِضَاك , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذَا قَوْل أَبْرَزَهُ الدَّلَال وَالْغَيْرَة , وَهُوَ مِنْ نَوْع قَوْلهَا مَا أَحْمَدكُمَا وَلَا أَحْمَد إِلَّا اللَّه , وَإِلَّا فَإِضَافَة الْهَوَى إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُحْمَل عَلَى ظَاهِره , لِأَنَّهُ لَا يَنْطِق عَنْ الْهَوَى وَلَا يَفْعَل بِالْهَوَى , وَلَوْ قَالَتْ إِلَى مَرْضَاتك لَكَانَ أَلْيَق , وَلَكِنَّ الْغَيْرَة يُغْتَفَر لِأَجْلِهَا إِطْلَاق مِثْل ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( رَوَاهُ أَبُو سَعِيد الْمُؤَدِّب وَمُحَمَّد بْن بِشْر وَعَبَدَة عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة يَزِيد بَعْضهمْ عَلَى بَعْض ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة أَبِي سَعِيد وَاسْمه مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن أَبِي الْوَضَّاح فَوَصَلَهَا اِبْن مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِير وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق مَنْصُور بْن أَبِي مُزَاحِم عَنْهُ مُخْتَصَرًا كَمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ \" قَالَتْ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَوْلَة بِنْت حَكِيم \" حَسْب , وَأَمَّا رِوَايَة مُحَمَّد بْن بِشْر فَوَصَلَهَا الْإِمَام أَحْمَد عَنْهُ بِتَمَامِ الْحَدِيث , وَقَدْ بَيَّنْت مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَة وَفَائِدَة , وَأَمَّا رِوَايَة عَبَدَة وَهُوَ اِبْن سُلَيْمَان فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقه وَهِيَ نَحْو رِوَايَة مُحَمَّد بْن بِشْر ‏"
    },
    {
        "id": "4722",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ أَنْبَأَنَا ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُحْرِمٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنَا عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , وَجَابِر بْن زَيْد هُوَ أَبُو الشَّعْثَاء. ‏ ‏قَوْله ( تَزَوَّجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْحَجّ مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ \" تَزَوَّجَ مَيْمُونَة وَهُوَ مُحْرِم \" وَفِي رِوَايَة عَطَاء الْمَذْكُورَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد النَّسَائِيِّ \" تَزَوَّجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَيْمُونَة وَهُوَ مُحْرِم جَعَلَتْ أَمْرهَا إِلَى الْعَبَّاس فَأَنْكَحَهَا إِيَّاهُ \" وَتَقَدَّمَ فِي عُمْرَة الْقَضَاء مِنْ رِوَايَة عِكْرِمَة بِلَفْظِ حَدِيث الْأَوْزَاعِيِّ وَزَادَ \" وَبَنَى بِهَا وَهِيَ حَلَال \" وَمَاتَتْ بِسَرِف , قَالَ الْأَثْرَم : قُلْت لِأَحْمَد إِنَّ أَبَا ثَوْر يَقُول بِأَيِّ شَيْء يَدْفَع حَدِيث اِبْن عَبَّاس - أَيْ مَعَ صِحَّته - قَالَ فَقَالَ : اللَّه الْمُسْتَعَان , اِبْن الْمُسَيِّب يَقُول : وَهَمَ اِبْن عَبَّاس , وَمَيْمُونَة تَقُول تَزَوَّجَنِي وَهُوَ حَلَال ا ه. وَقَدْ عَارَضَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس حَدِيث عُثْمَان \" لَا يَنْكِح الْمُحْرِم وَلَا يُنْكَح \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَيُجْمَع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِحَمْلِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : اِخْتَلَفَتْ الْآثَار فِي هَذَا الْحُكْم ; لَكِنَّ الرِّوَايَة أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَال , جَاءَتْ مِنْ طُرُق شَتَّى , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس صَحِيح الْإِسْنَاد , لَكِنَّ الْوَهْمَ إِلَى الْوَاحِد أَقْرَب إِلَى الْوَهْم مِنْ الْجَمَاعَة فَأَقَلّ أَحْوَال الْخَبَرَيْنِ أَنْ يَتَعَارَضَا فَتُطْلَب الْحُجَّة مِنْ غَيْرهمَا وَحَدِيث عُثْمَان صَحِيح فِي مَنْعِ نِكَاح الْمُحْرِم فَهُوَ الْمُعْتَمَد ا ه , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر كِتَاب الْحَجّ الْبَحْث فِي ذَلِكَ مُلَخَّصًا وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ حَدِيث عُثْمَان عَلَى الْوَطْء , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ فِيهِ \" لَا يَنْكِح بِفَتْحِ أَوَّله وَلَا يُنْكَح بِضَمِّ أَوَّله وَلَا يَخْطُب \" وَوَقَعَ فِي صَحِيح اِبْن حِبَّان زِيَادَة \" وَلَا يَخْطُب عَلَيْهِ \" وَيَتَرَجَّح حَدِيث عُثْمَان بِأَنَّهُ تَقْعِيد قَاعِدَة , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس وَاقِعَة عَيْن تَحْتَمِل أَنْوَاعًا مِنْ الِاحْتِمَالَات : فَمِنْهَا أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ يَرَى أَنَّ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْي يَصِير مُحْرِمًا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ عَنْهُ فِي كِتَاب الْحَجّ , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَلَّدَ الْهَدْي فِي عُمْرَته تِلْكَ الَّتِي تَزَوَّجَ فِيهَا مَيْمُونَة , فَيَكُون إِطْلَاقه أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِم أَيْ عَقَدَ عَلَيْهَا بَعْد أَنْ قَلَّدَ الْهَدْي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَلَبَّسَ بِالْإِحْرَامِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَرْسَلَ إِلَيْهَا أَبَا رَافِع يَخْطُبهَا فَجَعَلَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْعَبَّاس فَزَوَّجَهَا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ طَرِيق مَطَر الْوَرَّاق عَنْ رَبِيعَة بْن أَبِي عَبْد الرَّحْمَن عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ أَبِي رَافِع \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال , وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَال , وَكُنْت أَنَا الرَّسُول بَيْنهمَا \" قَالَ التِّرْمِذِيّ : لَا نَعْلَم أَحَدًا أَسْنَدَهُ غَيْر حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ مَطَر , وَرَوَاهُ مَالِك عَنْ رَبِيعَة عَنْ سُلَيْمَان مُرْسَلًا. وَمِنْهَا أَنَّ قَوْل اِبْن عَبَّاس تَزَوَّجَ مَيْمُونَة وَهُوَ مُحْرِم أَيْ دَاخِل الْحَرَام أَوْ فِي الشَّهْر الْحَرَام , قَالَ الْأَعْشَى \" قَتَلُوا كِسْرَى بِلَيْلٍ مُحْرِمًا \" أَيْ فِي الشَّهْر الْحَرَام , وَقَالَ آخَر \" قَتَلُوا اِبْن عَفَّانَ الْخَلِيفَة مُحْرِمًا \" أَيْ فِي الْبَلَد الْحَرَام , وَإِلَى هَذَا التَّأْوِيل جَنَحَ اِبْن حِبَّان فَجَزَمَ بِهِ فِي صَحِيحه. وَعَارَضَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَيْضًا حَدِيث يَزِيد بْن الْأَصَمّ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ قَالَ \" وَكَانَتْ خَالَته كَمَا كَانَتْ خَالَة اِبْن عَبَّاس \" وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يَزِيد اِبْن الْأَصَمّ قَالَ \" حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَال , قَالَ : وَكَانَتْ خَالَتِي وَخَالَة اِبْن عَبَّاس \" وَأَمَّا أَثَر اِبْن الْمُسَيِّب الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَحْمَد فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس الْحَدِيث قَالَ : وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ذَهِلَ اِبْن عَبَّاس وَإِنْ كَانَتْ خَالَته مَا تَزَوَّجَهَا إِلَّا بَعْدَمَا أَحَلَّ , قَالَ الطَّبَرِيُّ : الصَّوَاب مِنْ الْقَوْل عِنْدنَا أَنَّ نِكَاح الْمُحْرِم فَاسِد لِصِحَّةِ حَدِيث عُثْمَان , وَأَمَّا قِصَّة مَيْمُونَة فَتَعَارَضَتْ الْأَخْبَار فِيهَا ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيق أَيُّوب قَالَ : أُنْبِئْت أَنَّ الِاخْتِلَاف فِي زَوَاج مَيْمُونَة إِنَّمَا وَقَعَ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَعَثَ إِلَى الْعَبَّاس لِيَنْكِحهَا إِيَّاهُ فَأَنْكَحَهُ , فَقَالَ بَعْضهمْ أَنْكَحَهَا قَبْل أَنْ يُحْرِم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالَ بَعْضهمْ بَعْدَمَا أَحْرَمَ , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عُمَر وَعَلِيًّا وَغَيْرهمَا مِنْ الصَّحَابَة فَرَّقُوا بَيْن مُحْرِم نَكَحَ وَبَيْن اِمْرَأَته وَلَا يَكُون هَذَا إِلَّا عَنْ ثَبْتٍ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَدَّمْت فِي الْحَجّ أَنَّ حَدِيث اِبْن عَبَّاس جَاءَ مِثْله صَحِيحًا عَنْ عَائِشَة وَأَبِي هُرَيْرَة , فَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَالْبَزَّار مِنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْهَا وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان , وَأَكْثَر مَا أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِحٍ فِيهِ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ \" أَخْبَرَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ أَنْبَأَنَا أَبُو عَاصِم عَنْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عَائِشَة مِثْله \" قَالَ عَمْرو بْن عَلِيّ قُلْت لِأَبِي عَاصِم : أَنْتَ أَمْلَيْت عَلَيْنَا مِنْ الرُّقْعَة لَيْسَ فِيهِ عَائِشَة , فَقَالَ : دَعْ عَائِشَة حَتَّى أَنْظُر فِيهِ , وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح لَوْلَا هَذِهِ الْقِصَّة , لَكِنْ هُوَ شَاهِد قَوِيّ أَيْضًا وَأَمَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِي إِسْنَاده كَامِل أَبُو الْعَلَاء وَفِيهِ ضَعْف , لَكِنَّهُ يَعْتَضِد بِحَدِيثَيْ اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة , وَفِيهِ رَدّ عَلَى قَوْل اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ اِبْن عَبَّاس تَفَرَّدَ مِنْ بَيْن الصَّحَابَة بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِم , وَجَاءَ عَنْ الشَّعْبِيّ وَمُجَاهِد مُرْسَلًا مِثْله أَخْرَجَهُمَا اِبْن أَبِي شَيْبَة , وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر قَالَ : سَأَلْت أَنَسًا عَنْ نِكَاح الْمُحْرِم فَقَالَ : لَا بَأْس بِهِ وَهَلْ هُوَ [ إِلَّا ] كَالْبَيْعِ وَإِسْنَاده قَوِيّ لَكِنَّهُ قِيَاس فِي مُقَابِل النَّصّ فَلَا عِبْرَة بِهِ , وَكَأَنَّ أَنَسًا لَمْ يَبْلُغهُ حَدِيث عُثْمَان ‏"
    },
    {
        "id": "4723",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏يَقُولُ أَخْبَرَنِي ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏وَأَخُوهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ زَمَنَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي طَالِب , وَأَبُوهُ مُحَمَّد هُوَ الَّذِي يُعْرَف بِابْنِ الْحَنَفِيَّة , وَأَخُوهُ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد. أَمَّا الْحَسَن فَأَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا , مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي الْغُسْل مِنْ رِوَايَته عَنْ جَابِر , وَيَأْتِي لَهُ فِي هَذَا الْبَاب آخَر عَنْ جَابِر وَسَلَمَة بْن الْأَكْوَع , وَأَمَّا أَخُوهُ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد فَكُنْيَته أَبُو هَاشِم وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَوَثَّقَهُ اِبْن سَعْد وَالنَّسَائِيُّ وَالْعِجْلِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ طَرِيق أُخْرَى فِي غَزْوَة خَيْبَر مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي , وَتَأْتِي أُخْرَى فِي كِتَاب الذَّبَائِح , وَأُخْرَى فِي تَرْكِ الْحِيَل ; وَقَرَنَهُ فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة بِأَخِيهِ الْحَسَن , وَذَكَرَ فِي التَّارِيخ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" أَخْبَرَنَا الْحَسَن وَعَبْد اللَّه اِبْنَا مُحَمَّد بْن عَلِيّ وَكَانَ الْحَسَن أَوْثَقهمَا \" وَلِأَحْمَد عَنْ سُفْيَان \" وَكَانَ الْحَسَن أَرْضَاهُمَا إِلَى أَنْفُسنَا , وَكَانَ عَبْد اللَّه يَتَّبِع السَّبَئِيَّة \" ا ه وَالسَّبَئِيَّة بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة يُنْسَبُونَ إِلَى عَبْد اللَّه بْن سَبَأ , وَهُوَ مِنْ رُؤَسَاء الرَّوَافِض , وَكَانَ الْمُخْتَار بْن أَبِي عُبَيْد عَلَى رَأْيه , وَلَمَّا غُلِبَ عَلَى الْكُوفَة وَتَتَبَّعَ قَتَلَة الْحُسَيْن فَقَتَلَهُمْ أَحَبَّتْهُ الشِّيعَة ثُمَّ فَارَقَهُ أَكْثَرهمْ لَمَّا ظَهَرَ مِنْهُ مِنْ الْأَكَاذِيب , وَكَانَ مِنْ رَأْي السَّبَئِيَّة مُوَالَاة مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب. وَكَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ الْمَهْدِيّ وَأَنَّهُ لَا يَمُوت حَتَّى يَخْرُج فِي آخِر الزَّمَان. وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ بِمَوْتِهِ وَزَعَمَ أَنَّ الْأَمْر بَعْده صَارَ إِلَى اِبْنه أَبِي هَاشِم هَذَا. وَمَاتَ أَبُو هَاشِم فِي آخِر وِلَايَة سُلَيْمَان بْن عَبْد الْمَلِك سَنَة ثَمَان أَوْ تِسْع وَتِسْعِينَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِيهِمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيِّ فِي \" الْمُوَطَّآت \" مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ \" عَنْ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَبْد اللَّه وَالْحَسَن اِبْنَيْ مُحَمَّد أَخْبَرَاهُ أَنَّ أَبَاهُمَا مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَخْبَرَهُمَا \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ عَلِيًّا قَالَ لِابْنِ عَبَّاس ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَيَان تَحْدِيثه لَهُ بِهَذَا الْحَدِيث فِي تَرْكِ الْحِيَل بِلَفْظِ \" أَنَّ عَلِيًّا قِيلَ لَهُ أَنَّ اِبْن عَبَّاس لَا يَرَى بِمُتْعَةِ النِّسَاء بَأْسًا \" وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ وَيَحْيَى بْن سَعِيد كِلَاهُمَا عَنْ مَالِك عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ \" أَنَّ عَلِيًّا سَمِعَ اِبْن عَبَّاس وَهُوَ يُفْتِي فِي مُتْعَة النِّسَاء فَقَالَ : أَمَا عَلِمْت \" وَأَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ هُشَيْمٍ \" عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ الزُّهْرِيِّ بِدُونِ ذِكْرِ مَالِك وَلَفْظه \" أَنَّ عَلِيًّا مَرَّ بِابْنِ عَبَّاس وَهُوَ يُفْتِي فِي مُتْعَة النِّسَاء أَنَّهُ لَا بَأْس بِهَا \" , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق جُوَيْرِيَةَ عَنْ مَالِك يُسْنِدهُ أَنَّهُ \" سَمِعَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب يَقُول لِفُلَانٍ إِنَّك رَجُل تَائِه \" وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ أَيْضًا \" تَكَلَّمَ عَلِيّ وَابْن عَبَّاس فِي مُتْعَة النِّسَاء فَقَالَ لَهُ عَلِيّ : إِنَّك اِمْرُؤُ تَائِه \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْه آخَر أَنَّهُ \" سَمِعَ اِبْن عَبَّاس يَلِينَ فِي مُتْعَة النِّسَاء فَقَالَ لَهُ : مَهْلًا يَا اِبْن عَبَّاس \" وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق مَعْمَر \" رَخَّصَ فِي مُتْعَة النِّسَاء \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُتْعَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ سُفْيَان نَهَى عَنْ نِكَاح الْمُتْعَة. ‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة زَمَن خَيْبَر ) ‏ ‏هَكَذَا لِجَمِيعِ الرُّوَاة عَنْ الزُّهْرِيِّ \" خَيْبَر \" بِالْمُعْجَمَةِ أَوَّله وَالرَّاء آخِره إِلَّا مَا رَوَاهُ عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ مَالِك فِي هَذَا الْحَدِيث فَإِنَّهُ قَالَ \" حُنَيْن \" بِمُهْمَلَةٍ أَوَّله وَنُونَيْنِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَنَبَّهَا عَلَى أَنَّهُ وَهْمٌ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْد الْوَهَّاب , وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد فَقَالَ خَيْبَر عَلَى الصَّوَاب , وَأَغْرَب مِنْ ذَلِكَ رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاشِد عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ بِلَفْظِ \" نَهَى فِي غَزْوَة تَبُوك عَنْ نِكَاح الْمُتْعَة \" وَهُوَ خَطَأ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( زَمَن خَيْبَر ) الظَّاهِر أَنَّهُ ظَرْف لِلْأَمْرَيْنِ , وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْحُمَيْدِيّ أَنَّ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ كَانَ يَقُول : قَوْله \" يَوْم خَيْبَر \" يَتَعَلَّق بِالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّة لَا بِالْمُتْعَةِ , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَمَا قَالَهُ مُحْتَمِل يَعْنِي فِي رِوَايَته هَذِهِ , وَأَمَّا غَيْره فَصَرَّحَ أَنَّ الظَّرْف يَتَعَلَّق بِالْمُتْعَةِ , وَقَدْ مَضَى فِي غَزْوَة خَيْبَر مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي وَيَأْتِي فِي الذَّبَائِح مِنْ طَرِيق مَالِك بِلَفْظِ \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم خَيْبَر عَنْ مُتْعَة النِّسَاء وَعَنْ لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ أَيْضًا , وَسَيَأْتِي فِي تَرْكِ الْحِيَل فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا يَوْم خَيْبَر \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَزَادَ مِنْ طَرِيقه \" فَقَالَ مَهْلًا يَا اِبْن عَبَّاس \" وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق مَعْمَر بِسَنَدِهِ أَنَّهُ \" بَلَغَهُ أَنَّ اِبْن عَبَّاس رَخَّصَ فِي مُتْعَة النِّسَاء , فَقَالَ لَهُ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا يَوْم خَيْبَر , وَعَنْ لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة يُونُس بْن يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيِّ مِثْل رِوَايَة مَالِك , وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك وَيُونُس وَأُسَامَة بْن زَيْد ثَلَاثَتهمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ , وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ اِبْن عُيَيْنَةَ رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" نَهَى عَنْ أَكْل الْحُمُر الْأَهْلِيَّة عَام خَيْبَر , وَعَنْ الْمُتْعَة بَعْد ذَلِكَ أَوْ فِي غَيْر ذَلِكَ الْيَوْم \" ا ه وَهَذَا اللَّفْظ الَّذِي ذَكَرَهُ لَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن أَبِي عُمَر وَالْحُمَيْدِيّ وَإِسْحَاق فِي مَسَانِيدهمْ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ بِاللَّفْظِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقه , لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ زَادَ لَفْظ \" نِكَاح \" كَمَا بَيَّنْته , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة وَإِبْرَاهِيم بْن مُوسَى وَالْعَبَّاس بْن الْوَلِيد , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَمُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر وَزُهَيْر بْن حَرْب جَمِيعًا عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ بِمِثْلِ لَفْظ مَالِك , وَكَذَا أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ لَكِنْ قَالَ \" زَمَن \" بَدَل \" يَوْم \" قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَيَتَّصِل بِهَذَا الْحَدِيث تَنْبِيه عَلَى إِشْكَال لِأَنَّ فِيهِ النَّهْي عَنْ نِكَاح الْمُتْعَة يَوْم خَيْبَر , وَهَذَا شَيْء لَا يَعْرِفهُ أَحَد مِنْ أَهْل السِّيَر وَرُوَاة الْأَثَر , قَالَ : فَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ وَقَعَ تَقْدِيم وَتَأْخِير فِي لَفْظ الزُّهْرِيِّ , وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ سَبَقَهُ إِلَيْهِ غَيْره فِي النَّقْل عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ , فَذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ مِنْ طَرِيق قَاسِم بْن أَصَبْغ أَنَّ الْحُمَيْدِيّ ذَكَرَ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ أَنَّ النَّهْي زَمَن خَيْبَر عَنْ لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة , وَأَمَّا الْمُتْعَة فَكَانَ فِي غَيْر يَوْم خَيْبَر , ثُمَّ رَاجَعْت \" مُسْنَد الْحُمَيْدِيّ \" مِنْ طَرِيق قَاسِم بْن أَصْبَغَ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيل السُّلَمِيّ عَنْهُ فَقَالَ بَعْد سِيَاق الْحَدِيث \" قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ : يَعْنِي أَنَّهُ نَهَى عَنْ لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة زَمَن خَيْبَر , وَلَا يَعْنِي نِكَاح الْمُتْعَة \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَعَلَى هَذَا أَكْثَر النَّاس. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : يُشْبِه أَنْ يَكُون كَمَا قَالَ لِصِحَّةِ الْحَدِيث فِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِيهَا بَعْد ذَلِكَ ثُمَّ نَهَى عَنْهَا , فَلَا يَتِمّ اِحْتِجَاج عَلِيّ إِلَّا إِذَا وَقَعَ النَّهْي أَخِيرًا لِتَقُومَ بِهِ الْحُجَّة عَلَى اِبْن عَبَّاس. وَقَالَ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه سَمِعْت أَهْل الْعِلْم يَقُولُونَ : مَعْنَى حَدِيث عَلِيّ أَنَّهُ نَهَى يَوْم خَيْبَر عَنْ لُحُوم الْحُمُر , وَأَمَّا الْمُتْعَة فَسَكَتَ عَنْهَا وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا يَوْم الْفَتْح ا ه. وَالْحَامِل لِهَؤُلَاءِ عَلَى هَذَا مَا ثَبَتَ مِنْ الرُّخْصَة فِيهَا بَعْد زَمَن خَيْبَر كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ , لَكِنْ يُمْكِن الِانْفِصَال عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ تَبْلُغهُ الرُّخْصَة فِيهَا يَوْم الْفَتْح لِوُقُوعِ النَّهْي عَنْهَا عَنْ قُرْبٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه , وَيُؤَيِّد ظَاهِر حَدِيث عَلِيّ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيق سَالِم بْن عَبْد اللَّه \" أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ اِبْن عُمَر عَنْ الْمُتْعَة فَقَالَ : حَرَام. فَقَالَ : إِنَّ فُلَانًا يَقُول فِيهَا. فَقَالَ : وَاللَّه لَقَدْ عَلِمَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَهَا يَوْم خَيْبَر وَمَا كُنَّا مُسَافِحِينَ \" قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي وَقْتِ تَحْرِيم نِكَاح الْمُتْعَة فَأَغْرَب مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ رِوَايَة مَنْ قَالَ فِي غَزْوَة تَبُوك , ثُمَّ رِوَايَة الْحَسَن أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي عُمْرَة الْقَضَاء , وَالْمَشْهُور فِي تَحْرِيمهَا أَنَّ ذَلِكَ فِي غَزْوَة الْفَتْح كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث الرَّبِيع بْن سَبْرَة عَنْ أَبِيهِ وَفِي رِوَايَة عَنْ الرَّبِيع أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاع , قَالَ وَمَنْ قَالَ مِنْ الرُّوَاة كَانَ فِي غَزْوَة أَوْطَاسٍ فَهُوَ مُوَافِق لِمَنْ قَالَ عَام الْفَتْح ا ه. فَتَحَصَّلَ مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ سِتَّة مَوَاطِن : خَيْبَر , ثُمَّ عُمْرَة الْقَضَاء , ثُمَّ الْفَتْح , ثُمَّ أَوَطَاسَ , ثُمَّ تَبُوك , ثُمَّ حَجَّة الْوَدَاع. وَبَقِيَ عَلَيْهِ حُنَيْن لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي رِوَايَة قَدْ نَبَّهْت عَلَيْهَا قَبْلُ , فَإِمَّا أَنْ يَكُون ذَهِلَ عَنْهَا أَوْ تَرَكَهَا عَمْدًا لِخَطَأِ رُوَاتهَا , أَوْ لِكَوْنِ غَزْوَة أَوْطَاسٍ وَحُنَيْن وَاحِدَة. فَأَمَّا رِوَايَة تَبُوك فَأَخْرَجَهَا إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيقه مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَ بِثَنِيَّةِ الْوَدَاع رَأَى مَصَابِيح وَسَمِعَ نِسَاء يَبْكِينَ , فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , نِسَاء كَانُوا تَمَتَّعُوا مِنْهُنَّ. فَقَالَ : هَدَمَ الْمُتْعَةَ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْمِيرَاثُ \" وَأَخْرَجَهُ الْحَازِمِيُّ مِنْ حَدِيث جَابِر قَالَ \" خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى غَزْوَة تَبُوك حَتَّى إِذَا كُنَّا عِنْد الْعَقَبَة مِمَّا يَلِي الشَّام جَاءَتْ نِسْوَة قَدْ كُنَّا تَمَتَّعْنَا بِهِنَّ يَطُفْنَ بِرِحَالِنَا , فَجَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ , قَالَ فَغَضِبَ وَقَامَ خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَنَهَى عَنْ الْمُتْعَة , فَتَوَادَعْنَا يَوْمئِذٍ فَسُمِّيَتْ ثَنِيَّة الْوَدَاع \". وَأَمَّا رِوَايَة الْحَسَن وَهُوَ الْبَصْرِيّ فَأَخْرَجَهَا عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيقه وَزَادَ \" مَا كَانَتْ قَبْلهَا وَلَا بَعْدهَا \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة مُنْكَرَة مِنْ رَاوِيهَا عَمْرو بْن عُبَيْد , وَهُوَ سَاقِط الْحَدِيث , وَقَدْ أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق صَحِيحَة عَنْ الْحَسَن بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة. وَأَمَّا غَزْوَة الْفَتْح فَثَبَتَتْ فِي صَحِيح مُسْلِم كَمَا قَالَ : وَأَمَّا أَوْطَاس فَثَبَتَتْ فِي مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع. وَأَمَّا حَجَّة الْوَدَاع فَوَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث الرَّبِيع بْن سَبْرَة عَنْ أَبِيهِ. وَأَمَّا قَوْله لَا مُخَالَفَة بَيْن أَوْطَاس وَالْفَتْح فَفِيهِ نَظَرٌ , لِأَنَّ الْفَتْح كَانَ فِي رَمَضَان ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى أَوْطَاسٍ فِي شَوَّال , وَفِي سِيَاق مُسْلِم أَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ مَكَّة حَتَّى حَرُمَتْ , وَلَفْظَة \" إِنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَتْح , فَأَذِنَ لَنَا فِي مُتْعَة النِّسَاء , فَخَرَجْت أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِي - فَذَكَرَ قِصَّة الْمَرْأَة , إِلَى أَنْ قَالَ - ثُمَّ اِسْتَمْتَعْت مِنْهَا , فَلَمْ أَخْرُج حَتَّى حَرَّمَهَا \" وَفِي لَفْظ لَهُ \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا بَيْن الرُّكْن وَالْبَاب وَهُوَ يَقُول \" بِمِثْلِ حَدِيث اِبْن نُمَيْر وَكَانَ تَقَدَّمَ فِي حَدِيث اِبْن نُمَيْر أَنَّهُ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاس إِنِّي قَدْ كُنْت أَذِنْت لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاع مِنْ النِّسَاء , وَأَنَّ اللَّه قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" وَفِي رِوَايَة \" أَمَرَنَا بِالْمُتْعَةِ عَام الْفَتْح حِين دَخَلْنَا مَكَّة , ثُمَّ لَمْ نَخْرُج حَتَّى نَهَانَا عَنْهَا \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" أَمَرَ أَصْحَابه بِالتَّمَتُّعِ مِنْ النِّسَاء - فَذَكَرَ الْقِصَّة قَالَ - فَكُنَّ مَعَنَا ثَلَاثًا , ثُمَّ أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِرَاقِهِنَّ \" وَفِي لَفْظ \" فَقَالَ إِنَّهَا حَرَام مِنْ يَوْمكُمْ هَذَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" فَأَمَّا أَوْطَاس فَلَفْظ مُسْلِم \" رَخَّصَ لَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام أَوْطَاس فِي الْمُتْعَة ثَلَاثًا , ثُمَّ نَهَى عَنْهَا \" وَظَاهِر الْحَدِيثَيْنِ الْمُغَايَرَة , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَطْلَقَ عَلَى عَام الْفَتْح عَام أَوْطَاس لِتُقَارِبهُمَا , وَلَوْ وَقَعَ فِي سِيَاقه أَنَّهُمْ تَمَتَّعُوا مِنْ النِّسَاء فِي غَزْوَة أَوْطَاس لَمَّا حَسُنَ هَذَا الْجَمْع , نَعَمْ وَيَبْعُد أَنْ يَقَع الْإِذْن فِي غَزْوَة أَوْطَاس بَعْد أَنْ يَقَع التَّصْرِيح قَبْلهَا فِي غَزْوَة الْفَتْح بِأَنَّهَا حَرُمَتْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَا يَصِحّ مِنْ الرِّوَايَات شَيْء بِغَيْرِ عِلَّة إِلَّا غَزْوَة الْفَتْح. وَأَمَّا غَزْوَة خَيْبَر وَإِنْ كَانَتْ طُرُق الْحَدِيث فِيهَا صَحِيحَة فَفِيهَا مِنْ كَلَام أَهْل الْعِلْم مَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا عُمْرَة الْقَضَاء فَلَا يَصِحّ الْأَثَر فِيهَا لِكَوْنِهِ مِنْ مُرْسَل الْحَسَن وَمَرَاسِيله ضَعِيفَة لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذ عَنْ كُلّ أَحَد , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوته فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَيَّام خَيْبَر لِأَنَّهُمَا كَانَا فِي سَنَة وَاحِدَة فِي الْفَتْح وَأَوْطَاس سَوَاء. وَأَمَّا قِصَّة تَبُوك فَلَيْسَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة التَّصْرِيح بِأَنَّهُمْ اِسْتَمْتَعُوا مِنْهُنَّ فِي تِلْكَ الْحَالَة , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ قَدِيمًا ثُمَّ وَقَعَ التَّوْدِيع مِنْهُنَّ حِينَئِذٍ وَالنَّهْي , أَوْ كَانَ النَّهْي وَقَعَ قَدِيمًا فَلَمْ يَبْلُغ بَعْضهمْ فَاسْتَمَرَّ عَلَى الرُّخْصَة , فَلِذَلِكَ قَرَنَ النَّهْي بِالْغَضَبِ لِتَقَدُّمِ النَّهْي فِي ذَلِكَ , عَلَى أَنَّ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَقَالًا , فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَة مُؤَمِّل بْن إِسْمَاعِيل عَنْ عِكْرِمَة بْن عَمَّار وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَقَال. وَأَمَّا حَدِيث جَابِر فَلَا يَصِحّ فَإِنَّهُ مِنْ طَرِيق عَبَّاد بْن كَثِير وَهُوَ مَتْرُوك. وَأَمَّا حَجَّة الْوَدَاع فَهُوَ اِخْتِلَاف عَلَى الرَّبِيع بْن سَبْرَة , وَالرِّوَايَة عَنْهُ بِأَنَّهَا فِي الْفَتْح أَصَحّ وَأَشْهَر , فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَلَيْسَ فِي سِيَاق أَبِي دَاوُدَ سِوَى مُجَرَّد النَّهْي , فَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ إِعَادَة النَّهْي لِيَشِيعَ وَيَسْمَعهُ مَنْ لَمْ يَسْمَعهُ قَبْل ذَلِكَ. فَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْمَوَاطِن كَمَا قُلْنَا صَحِيحًا صَرِيحًا سِوَى غَزْوَة خَيْبَر وَغَزْوَة الْفَتْح , وَفِي غَزْوَة خَيْبَر مِنْ كَلَام أَهْل الْعِلْم مَا تَقَدَّمَ , وَزَادَ اِبْن الْقَيِّم فِي \" الْهَدْي \" أَنَّ الصَّحَابَة لَمْ يَكُونُوا يَسْتَمْتِعُونَ بِالْيَهُودِيَّاتِ , يَعْنِي فَيَقْوَى أَنَّ النَّهْي لَمْ يَقَع يَوْم خَيْبَر أَوْ لَمْ يَقَع هُنَاكَ نِكَاح مُتْعَة , لَكِنْ يُمْكِن أَنْ يُجَاب بِأَنَّ يَهُود خَيْبَر كَانُوا يُصَاهِرُونَ الْأَوْس وَالْخَزْرَج قَبْل الْإِسْلَام فَيَجُوز أَنْ يَكُون هُنَاكَ مِنْ نِسَائِهِمْ مَنْ وَقَعَ التَّمَتُّع بِهِنَّ فَلَا يَنْهَض الِاسْتِدْلَال بِمَا قَالَ , قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي \" الْحَاوِي \" : فِي تَعْيِين مَوْضِع تَحْرِيم الْمُتْعَة وَجْهَانِ أَحَدهمَا أَنَّ التَّحْرِيم تَكَرَّرَ لِيَكُونَ أَظْهَر وَأَنْشَر حَتَّى يَعْلَمهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْضُر فِي بَعْض الْمَوَاطِن مَنْ لَا يَحْضُر فِي غَيْرهَا , وَالثَّانِي أَنَّهَا أُبِيحَتْ مِرَارًا , وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَرَّة الْأَخِيرَة \" إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" إِشَارَة إِلَى أَنَّ التَّحْرِيم الْمَاضِي كَانَ مُؤْذِنًا بِأَنَّ الْإِبَاحَة تَعْقُبهُ , بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّهُ تَحْرِيم مُؤَبَّد لَا تَعْقُبهُ إِبَاحَة أَصْلًا , وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَد , وَيَرُدّ الْأَوَّل التَّصْرِيح بِالْإِذْنِ فِيهَا فِي الْمَوْطِن الْمُتَأَخِّر عَنْ الْمَوْطِن الَّذِي وَقَعَ التَّصْرِيح فِيهِ بِتَحْرِيمِهَا كَمَا فِي غَزْوَة خَيْبَر ثُمَّ الْفَتْح. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الصَّوَاب أَنَّ تَحْرِيمهَا وَإِبَاحَتهَا وَقَعَا مَرَّتَيْنِ فَكَانَتْ مُبَاحَة قَبْل خَيْبَر ثُمَّ حُرِّمَتْ فِيهَا ثُمَّ أُبِيحَتْ عَام الْفَتْح وَهُوَ عَام أَوْطَاس ثُمَّ حُرِّمَتْ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا , قَالَ : وَلَا مَانِع مِنْ تَكْرِير الْإِبَاحَة. وَنَقَلَ غَيْره عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّ الْمُتْعَة نُسِخَتْ مَرَّتَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل النِّكَاح حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي سَبَب الْإِذْن فِي نِكَاح الْمُتْعَة وَأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا غَزَوْا اِشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْعُزْبَة فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الِاسْتِمْتَاع فَلَعَلَّ النَّهْي كَانَ يَتَكَرَّر فِي كُلّ مَوَاطِن بَعْد الْإِذْن , فَلَمَّا وَقَعَ فِي الْمَرَّة الْأَخِيرَة أَنَّهَا حُرِّمَتْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَمْ يَقَع بَعْد ذَلِكَ إِذْن وَاللَّهُ أَعْلَم. وَالْحِكْمَة فِي جَمْع عَلِيّ بَيْن النَّهْي عَنْ الْحُمُر وَالْمُتْعَة أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ يُرَخِّص فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا , وَسَيَأْتِي النَّقْل عَنْهُ فِي الرُّخْصَة فِي الْحُمُر الْأَهْلِيَّة فِي أَوَائِل كِتَاب الْأَطْعِمَة , فَرَدَّ عَلَيْهِ عَلِيّ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا وَأَنَّ ذَلِكَ يَوْم خَيْبَر , فَإِمَّا أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره وَأَنَّ النَّهْي عَنْهُمَا وَقَعَ فِي زَمَن وَاحِد. وَإِمَّا أَنْ يَكُون الْإِذْن الَّذِي وَقَعَ عَام الْفَتْح لَمْ يَبْلُغ عَلِيًّا لِقِصَرِ مُدَّة الْإِذْن وَهُوَ ثَلَاثَة أَيَّام كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْحَدِيث فِي قِصَّة تَبُوك عَلَى نَسْخِ الْجَوَاز فِي السَّفَر لِأَنَّهُ نَهَى عَنْهَا فِي أَوَائِل إِنْشَاء السَّفَر مَعَ أَنَّهُ كَانَ سَفَرًا بَعِيدًا وَالْمَشَقَّة فِيهِ شَدِيدَة كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث فِي تَوْبَة كَعْب , وَكَانَ عِلَّة الْإِبَاحَة وَهِيَ الْحَاجَة الشَّدِيدَة اِنْتَهَتْ مِنْ بَعْد فَتْحِ خَيْبَر وَمَا بَعْدهَا وَاللَّه أَعْلَم. وَالْجَوَاب عَنْ قَوْل السُّهَيْلِيّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي خَيْبَر نِسَاء يُسْتَمْتَع بِهِنَّ ظَاهِر مِمَّا بَيَّنْته مِنْ الْجَوَاب عَنْ قَوْل اِبْن الْقَيِّم لَمْ تَكُنْ الصَّحَابَة يَتَمَتَّعُونَ بِالْيَهُودِيَّاتِ , وَأَيْضًا فَيُقَال كَمَا تَقَدَّمَ لَمْ يَقَع فِي الْحَدِيث التَّصْرِيح بِأَنَّهُمْ اِسْتَمْتَعُوا فِي خَيْبَر , وَإِنَّمَا فِيهِ مُجَرَّد النَّهْي , فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ التَّمَتُّع مِنْ النِّسَاء كَانَ حَلَالًا وَسَبَب تَحْلِيله مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود حَيْثُ قَالَ \" كُنَّا نَغْزُو وَلَيْسَ لَنَا شَيْء - ثُمَّ قَالَ - فَرَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِح الْمَرْأَة بِالثَّوْبِ \" فَأَشَارَ إِلَى سَبَب ذَلِكَ وَهُوَ الْحَاجَة مَعَ قِلَّة الشَّيْء , وَكَذَا فِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد الَّذِي أَخْرَجَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِلَفْظِ \" إِنَّمَا رَخَّصَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُتْعَة لِعُزْبَةٍ كَانَتْ بِالنَّاسِ شَدِيدَة , ثُمَّ نَهَى عَنْهَا \" فَلَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَر وَسَّعَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمَال وَمِنْ السَّبْي فَنَاسَبَ النَّهْي عَنْ الْمُتْعَة لِارْتِفَاعِ سَبَب الْإِبَاحَة , وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ تَمَام شُكْرِ نِعْمَة اللَّه عَلَى التَّوْسِعَة بَعْد الضِّيق , أَوْ كَانَتْ الْإِبَاحَة إِنَّمَا تَقَع فِي الْمَغَازِي الَّتِي يَكُون فِي الْمَسَافَة إِلَيْهَا بُعْدٌ وَمَشَقَّة , وَخَيْبَر بِخِلَافِ ذَلِكَ لِأَنَّهَا بِقُرْبِ الْمَدِينَة فَوَقَعَ النَّهْي عَنْ الْمُتْعَة فِيهَا إِشَارَة إِلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْر تَقَدُّم إِذْن فِيهَا , ثُمَّ لَمَّا عَادُوا إِلَى سَفْرَة بَعِيدَة الْمُدَّة وَهِيَ غَزَاة الْفَتْح وَشَقَّتْ عَلَيْهِمْ الْعُزُوبَة أَذِنَ لَهُمْ فِي الْمُتْعَة لَكِنْ مُقَيَّدًا بِثَلَاثَةِ أَيَّام فَقَطْ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ , ثُمَّ نَهَاهُمْ بَعْد اِنْقِضَائِهَا عَنْهَا كَمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَة سَلَمَة , وَهَكَذَا يُجَاب عَنْ كُلّ سَفْرَة ثَبَتَ فِيهَا النَّهْي بَعْد الْإِذْن , وَأَمَّا حَجَّة الْوَدَاع فَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ وَقَعَ فِيهَا النَّهْي مُجَرَّدًا إِنْ ثَبَتَ الْخَبَر فِي ذَلِكَ , لِأَنَّ الصَّحَابَة حَجُّوا فِيهَا بِنِسَائِهِمْ بَعْد أَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُونُوا فِي شِدَّة وَلَا طُول عُزْبَةٍ , وَإِلَّا فَمَخْرَج حَدِيث سَبْرَة رَاوِيه هُوَ مِنْ طَرِيق اِبْنه الرَّبِيع عَنْهُ , وَقَدْ اِخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي تَعْيِينهَا ; وَالْحَدِيث وَاحِد فِي قِصَّة وَاحِدَة فَتَعَيَّنَ التَّرْجِيح , وَالطَّرِيق الَّتِي أَخْرَجَهَا مُسْلِم مُصَرِّحَة بِأَنَّهَا فِي زَمَن الْفَتْح أَرْجَح فَتَعَيَّنَ الْمَصِير إِلَيْهَا وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4724",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جَمْرَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ ‏ ‏فَرَخَّصَ فَقَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْحَالِ الشَّدِيدِ وَفِي النِّسَاءِ قِلَّةٌ ‏ ‏أَوْ نَحْوَهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏نَعَمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي جَمْرَة ) ‏ ‏هُوَ الضُّبَعِيُّ بِالْجِيمِ وَالرَّاء , وَرَأَيْته بِخَطِّ بَعْض مَنْ شَرَحَ هَذَا الْكِتَاب بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي وَهُوَ تَصْحِيف. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت اِبْن عَبَّاس يُسْأَل ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله. ‏ ‏قَوْله ( فَرَخَّصَ ) ‏ ‏أَيْ فِيهَا , وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه صَرِيحًا , وَأَظُنّهُ عِكْرِمَة. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْحَال الشَّدِيد , وَفِي النِّسَاء قِلَّة أَوْ نَحْوه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْجِهَاد وَالنِّسَاء قَلِيل \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ اِبْن عَبَّاس نَعَمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" صَدَقَ \". وَعِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ خَالِد بْن الْمُهَاجِر أَوْ اِبْن أَبِي عُمْرَة الْأَنْصَارِيّ \" قَالَ رَجُل - يَعْنِي لِابْنِ عَبَّاس , وَصَرَّحَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَته - إِنَّمَا كَانَتْ - يَعْنِي الْمُتْعَة - رُخْصَة فِي أَوَّل الْإِسْلَام لِمَنْ اُضْطُرَّ إِلَيْهَا كَالْمَيْتَةِ وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير \" وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : قُلْت لِابْنِ عَبَّاس لَقَدْ سَارَتْ بِفُتْيَاك الرُّكْبَان , وَقَالَ فِيهَا الشُّعَرَاء , يَعْنِي فِي الْمُتْعَة. فَقَالَ : وَاللَّه مَا بِهَذَا أَفْتَيْت وَمَا هِيَ إِلَّا كَالْمَيْتَةِ لَا تَحِلّ إِلَّا لِلْمُضْطَرِّ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَزَادَ فِي آخِره : أَلَا إِنَّمَا هِيَ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير. وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّد بْن خَلَف الْمَعْرُوف بِوَكِيعِ فِي كِتَاب \" الْغُرَرِ مِنْ الْأَخْبَار \" بِإِسْنَادٍ أَحْسَن مِنْهُ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر بِالْقِصَّةِ , لَكِنْ لَيْسَ فِي آخِره قَوْل اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور. وَفِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ قَرِيبًا نَحْوه فَهَذِهِ أَخْبَار يَقْوَى بَعْضهَا بِبَعْضٍ , وَحَاصِلهَا أَنَّ الْمُتْعَة إِنَّمَا رُخِّصَ فِيهَا بِسَبَبِ الْعُزْبَة فِي حَال السَّفَر وَهُوَ يُوَافِق حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْمَاضِي فِي أَوَائِل النِّكَاح. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ بِإِسْنَادٍ حَسَن \" إِنَّمَا كَانَتْ الْمُتْعَة لِحَرْبِنَا وَخَوْفنَا \" وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن كَعْبٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" إِنَّمَا كَانَتْ الْمُتْعَة فِي أَوَّل الْإِسْلَام , كَانَ الرَّجُل يَقْدَم الْبَلَد لَيْسَ لَهُ فِيهَا مَعْرِفَة , فَيَتَزَوَّج الْمَرْأَة بِقَدْرِ مَا يُقِيم فَتَحْفَظ لَهُ مَتَاعه \" فَإِسْنَاده ضَعِيف , وَهُوَ شَاذّ مُخَالِف لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عِلَّة إِبَاحَتهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4725",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏كُنَّا فِي جَيْشٍ فَأَتَانَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا فَاسْتَمْتِعُوا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّمَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَوَافَقَا فَعِشْرَةُ مَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثُ لَيَالٍ فَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يَتَزَايَدَا أَوْ يَتَتَارَكَا تَتَارَكَا ‏ ‏فَمَا أَدْرِي أَشَيْءٌ كَانَ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَبَيَّنَهُ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي الْوَزِير عَنْ سُفْيَان \" عَنْ عَمْرو بْن دِينَار \" وَهُوَ غَرِيب مِنْ حَدِيث اِبْن عُيَيْنَةَ قَلَّ مَنْ رَوَاهُ مِنْ أَصْحَابه عَنْهُ , وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مَعَ كَوْنه مُعَنْعَنًا لِوُرُودِهِ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار مِنْ غَيْر طَرِيق سُفْيَان , نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَهُوَ كَمَا قَالَ قَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق شُعْبَة وَرَوْح بْن الْقَاسِم , وَأَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ كُلّهمْ عَنْ عَمْرو. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْحَسَن بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ , وَهُوَ الْمَاضِي ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيث الْأَوَّل , وَفِي رِوَايَة شُعْبَة الْمَذْكُورَة عَنْ عَمْرو \" سَمِعْت الْحَسَن بْن مُحَمَّد \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه وَسَلَمَة بْن الْأَكْوَع ) ‏ ‏فِي رِوَايَة رَوْح بْن الْقَاسِم تَقْدِيم سَلَمَة عَلَى جَابِر , وَقَدْ أَدْرَكَهُمَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد جَمِيعًا لَكِنْ رِوَايَته عَنْ جَابِر أَشْهَر. ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا فِي جَيْش ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِينه , لَكِنْ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي الْعُمَيْسِ عَنْ إِيَاس بْن سَلَمَة بْن الْأَكْوَع عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" رَخَّصَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام أَوْطَاس فِي الْمُتْعَة ثَلَاثًا ثُمَّ نَهَى عَنْهَا \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ضَبْطُ جَيْش فِي جَمِيع الرِّوَايَات بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُعْجَمَة , وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" حُنَيْن \" بِالْمُهْمَلَةِ وَنُونَيْنِ بِاسْمِ مَكَان الْوَقْعَة الْمَشْهُورَة وَلَمْ أَقِف عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَتَانَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , لَكِنْ فِي رِوَايَة شُعْبَة \" خَرَجَ عَلَيْنَا مُنَادِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَيُشْبِه أَنْ يَكُون هُوَ بِلَال. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا فَاسْتَمْتِعُوا ) ‏ ‏زَادَ شُعْبَة فِي رِوَايَته \" يَعْنِي مُتْعَة النِّسَاء \" وَضُبِطَ فَاسْتَمْتِعُوا بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَكَسْرهَا بِلَفْظِ الْأَمْر وَبِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم حَدِيث جَابِر مِنْ طُرُق أُخْرَى , مِنْهَا عَنْ أَبِي نَضْرَة عَنْ جَابِر أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمُتْعَة فَقَالَ \" فَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَمِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ جَابِر \" اِسْتَمْتَعْنَا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَعُمَر \" وَأُخْرِجَ عَنْ مُحَمَّد اِبْن رَافِع عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر سَمِعْت جَابِرًا \" نَحْوه وَزَادَ \" حَتَّى نَهَى عَنْهَا عُمَر فِي شَأْن عَمْرو بْن حُرَيْثٍ \" وَقِصَّة عَمْرو بْن حُرَيْثٍ أَخْرَجَهَا عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفه بِهَذَا الْإِسْنَاد عَنْ جَابِر قَالَ \" قَدِمَ عَمْرو اِبْن حُرَيْثٍ الْكُوفَة فَاسْتَمْتَعَ بِمَوْلَاةٍ فَأَتَى بِهَا عَمْرو حُبْلَى , فَسَأَلَهُ فَاعْتَرَفَ , قَالَ فَذَلِكَ حِين نَهَى عَنْهَا عُمَر \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَة سَلَمَة بْن الْأَكْوَع الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَنْ تَخْرِيج مُسْلِم \" ثُمَّ نَهَى عَنْهَا \" ضَبَطْنَاهُ \" نَهَى \" بِفَتْحِ النُّون وَرَأَيْته فِي رِوَايَة مُعْتَمَدَة \" نَهَا \" بِالْأَلِفِ قَالَ : فَإِنْ قِيلَ بَلْ هِيَ بِضَمِّ النُّون وَالْمُرَاد بِالنَّاهِي فِي حَدِيث سَلَمَة عُمَر كَمَا فِي حَدِيث جَابِر قُلْنَا هُوَ مُحْتَمَل , لَكِنْ ثَبَتَ نَهْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا فِي حَدِيث الرَّبِيع بْن سَبْرَة بْن مَعْبَد عَنْ أَبِيهِ بَعْد الْإِذْن فِيهِ , وَلَمْ نَجْد عَنْهُ الْإِذْن فِيهِ بَعْد النَّهْي عَنْهُ , فَنَهْي عُمَر مُوَافِق لِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْت : وَتَمَامه أَنْ يُقَال : لَعَلَّ جَابِرًا وَمَنْ نُقِلَ عَنْهُ اِسْتِمْرَارهمْ عَلَى ذَلِكَ بَعْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنْ نَهَى عَنْهَا عُمَر لَمْ يَبْلُغهُمْ النَّهْي. وَمِمَّا يُسْتَفَاد أَيْضًا أَنَّ عُمَر لَمْ يَنْهَ عَنْهَا اِجْتِهَادًا وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا مُسْتَنِدًا إِلَى نَهْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح عَنْهُ بِذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن حَفْص عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" لَمَّا وَلِيَ عُمَر خَطَبَ فَقَالَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَة ثَلَاثًا ثُمَّ حَرَّمَهَا \" وَأَخْرَجَ اِبْن الْمُنْذِر وَالْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيق سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" صَعِدَ عُمَر الْمِنْبَر فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : مَا بَال رِجَال يَنْكِحُونَ هَذِهِ الْمُتْعَة بَعْد نَهْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا \" , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ فِي صَحِيح اِبْن حِبَّان \" فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَدَمَ الْمُتْعَةَ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ \" وَلَهُ شَاهِد صَحِيح عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اِبْن أَبِي ذِئْب إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طُرُق عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب. ‏ ‏قَوْله ( أَيّمَا رَجُل وَامْرَأَة تَوَافَقَا فَعِشْرَة مَا بَيْنهمَا ثَلَاث لَيَالٍ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" بِعَشَرَةٍ \" بِالْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَة بَدَل الْفَاء الْمَفْتُوحَة , وَبِالْفَاءِ أَصَحّ , وَهِيَ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره. وَالْمَعْنَى أَنَّ إِطْلَاق الْأَجَل مَحْمُول عَلَى التَّقْيِيد بِثَلَاثَةِ أَيَّام بِلَيَالِيِهِنَّ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنْ أَحَبَّا ) ‏ ‏أَيْ بَعْد اِنْقِضَاء الثَّلَاث ‏ ‏( أَنْ يَتَزَايَدَا ) ‏ ‏أَيْ فِي الْمُدَّة ; يَعْنِي تَزَايَدَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ التَّصْرِيح بِذَلِكَ , وَكَذَا فِي قَوْله أَنْ يَتَتَارَكَا أَيْ يَتَفَارَقَا تَتَارَكَا. وَفِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم \" أَنْ يَتَنَاقَضَا تَنَاقَضَا \" وَالْمُرَاد بِهِ التَّفَارُق. ‏ ‏قَوْله ( فَمَا أَدْرِي أَشَيْءٌ كَانَ لَنَا خَاصَّة أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّة ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ التَّصْرِيح بِالِاخْتِصَاصِ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قَالَ \" إِنَّمَا أُحِلَّتْ لَنَا أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتْعَة النِّسَاء ثَلَاثَة أَيَّام , ثُمَّ نَهَى عَنْهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَدْ بَيَّنَهُ عَلِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَنْسُوخ ) ‏ ‏يُرِيد بِذَلِكَ تَصْرِيح عَلِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْهَا بَعْد الْإِذْن فِيهَا , وَقَدْ بَسَطْنَاهُ فِي الْحَدّ الْأَوَّل. وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَلِيّ قَالَ \" نَسَخَ رَمَضَان كُلّ صَوْم , وَنَسَخَ الْمُتْعَة الطَّلَاق وَالْعِدَّة وَالْمِيرَاث \" وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي نِكَاح الْمُتْعَة , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : جَاءَ عَنْ الْأَوَائِل الرُّخْصَة فِيهَا , وَلَا أَعْلَم الْيَوْم أَحَدًا يُجِيزهَا إِلَّا بَعْض الرَّافِضَة , وَلَا مَعْنَى لِقَوْلٍ يُخَالِف كِتَاب اللَّه وَسُنَّة رَسُوله. وَقَالَ عِيَاض : ثُمَّ وَقَعَ الْإِجْمَاع مِنْ جَمِيع الْعُلَمَاء عَلَى تَحْرِيمهَا إِلَّا الرَّوَافِض. وَأَمَّا اِبْن عَبَّاس فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَبَاحَهَا , وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ اِبْن بَطَّال : رَوَى أَهْل مَكَّة وَالْيَمَن عَنْ اِبْن عَبَّاس إِبَاحَة الْمُتْعَة , وَرُوِيَ عَنْهُ الرُّجُوع بِأَسَانِيد ضَعِيفَة وَإِجَازَة الْمُتْعَة عَنْهُ أَصَحّ , وَهُوَ مَذْهَب الشِّيعَة. قَالَ : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَتَى وَقَعَ الْآن أُبْطِل سَوَاء كَانَ قَبْل الدُّخُول أَمْ بَعْده , إِلَّا قَوْل زُفَر إِنَّهُ جَعَلَهَا كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَة , وَيَرُدّهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَمَنْ كَانَ عِنْده مِنْهُنَّ شَيْء فَلْيُخَلِّ سَبِيلهَا \". قُلْت : وَهُوَ فِي حَدِيث الرَّبِيع بْن سَبْرَة عَنْ أَبِيهِ عِنْد مُسْلِم. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَحْرِيم الْمُتْعَة كَالْإِجْمَاعِ إِلَّا عَنْ بَعْض الشِّيعَة , وَلَا يَصِحّ عَلَى قَاعِدَتهمْ فِي الرُّجُوع فِي الْمُخْتَلِفَات إِلَى عَلِيّ وَآل بَيْته فَقَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيّ أَنَّهَا نُسِخَتْ. وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمُتْعَة فَقَالَ \" هِيَ الزِّنَا بِعَيْنِهِ \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَيُحْكَى عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ جَوَازهَا ا ه. وَقَدْ نَقَلَ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهَا بَعْد أَنْ رَوَى بِالْبَصْرَةِ فِي إِبَاحَتهَا ثَمَانِيَة عَشَر حَدِيثًا. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : مَا حَكَاهُ بَعْض الْحَنَفِيَّة عَنْ مَالِك مِنْ الْجَوَاز خَطَأ , فَقَدْ بَالَغَ الْمَالِكِيَّة فِي مَنْعِ النِّكَاح الْمُؤَقَّت حَتَّى أَبْطَلُوا تَوْقِيت الْحِلّ بِسَبَبِهِ فَقَالُوا : لَوْ عَلَّقَ عَلَى وَقْت لَا بُدّ مِنْ مَجِيئِهِ وَقَعَ الطَّلَاق الْآن لِأَنَّهُ تَوْقِيت لِلْحِلِّ فَيَكُون فِي مَعْنَى نِكَاح الْمُتْعَة. قَالَ عِيَاض : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ شَرْط الْبُطْلَان التَّصْرِيح بِالشَّرْطِ , فَلَوْ نَوَى عِنْد الْعَقْد أَنْ يُفَارِق بَعْد مُدَّة صَحَّ نِكَاحه , إِلَّا الْأَوْزَاعِيّ فَأَبْطَلَهُ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُحَدّ نَاكِح الْمُتْعَة أَوْ يُعَزَّر ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَأْخَذهمَا أَنَّ الِاتِّفَاق بَعْد الْخِلَاف هَلْ يُرْفَع الْخِلَاف الْمُتَقَدِّم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الرِّوَايَات كُلّهَا مُتَّفِقَة عَلَى أَنَّ زَمَن إِبَاحَة الْمُتْعَة لَمْ يَطُلْ وَأَنَّهُ حَرُمَ , ثُمَّ أَجْمَع السَّلَف وَالْخَلَف عَلَى تَحْرِيمهَا إِلَّا مَنْ لَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ مِنْ الرَّوَافِض. وَجَزَمَ جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة بِتَفَرُّدِ اِبْن عَبَّاس بِإِبَاحَتِهَا فَهِيَ مِنْ الْمَسْأَلَة الْمَشْهُورَة وَهِيَ نُدْرَة الْمُخَالِف , وَلَكِنْ قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : أَصْحَاب اِبْن عَبَّاس مِنْ أَهْل مَكَّة وَالْيَمَن عَلَى إِبَاحَتهَا , ثُمَّ اِتَّفَقَ فُقَهَاء الْأَمْصَار عَلَى تَحْرِيمهَا , وَقَالَ اِبْن حَزْم : ثَبَتَ عَلَى إِبَاحَتهَا بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْن مَسْعُود وَمُعَاوِيَة وَأَبُو سَعِيد وَابْن عَبَّاس وَسَلَمَة وَمَعْبَد اِبْنَا أُمَيَّة بْن خَلَف وَجَابِر وَعَمْرو بْن حُرَيْثٍ وَرَوَاهُ جَابِر عَنْ جَمِيع الصَّحَابَة مُدَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَعُمَر إِلَى قُرْبِ آخِر خِلَافَة عُمَر , قَالَ : وَمِنْ التَّابِعِينَ طَاوُسٌ وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعَطَاء وَسَائِر فُقَهَاء مَكَّة. قُلْت : وَفِي جَمِيع مَا أَطْلَقَهُ نَظَر , أَمَّا اِبْن مَسْعُود فَمُسْتَنَده فِيهِ الْحَدِيث الْمَاضِي فِي أَوَائِل النِّكَاح , وَقَدْ بَيَّنْت فِيهِ مَا نَقَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ الزِّيَادَة فِيهِ الْمُصَرِّحَة عَنْهُ بِالتَّحْرِيمِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد وَفِي آخِره \" فَفَعَلْنَا ثُمَّ تَرَك ذَلِكَ \". وَأَمَّا مُعَاوِيَة فَأَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق صَفْوَان بْن يَعْلَى بْن أُمَيَّة \" أَخْبَرَنِي يَعْلَى أَنَّ مُعَاوِيَة اِسْتَمْتَعَ بِامْرَأَةٍ بِالطَّائِفِ \" وَإِسْنَاده صَحِيح , لَكِنْ فِي رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر عِنْد عَبْد الرَّزَّاق أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَدِيمًا وَلَفْظه \" اِسْتَمْتَعَ مُعَاوِيَة مَقْدِمه الطَّائِف بِمَوْلَاةٍ لِبَنِي الْحَضْرَمِيّ يُقَال لَهَا مُعَانَة , قَالَ جَابِر : ثُمَّ عَاشَتْ مُعَانَة إِلَى خِلَافَة مُعَاوِيَة فَكَانَ يُرْسِل إِلَيْهَا بِجَائِزَةٍ كُلّ عَام \" وَقَدْ كَانَ مُعَاوِيَة مُتَّبِعًا لِعُمَر مُقْتَدِيًا بِهِ فَلَا يَشُكّ أَنَّهُ عَمَل بِقَوْلِهِ بَعْد النَّهْي , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الطَّحَاوِيُّ : خَطَبَ عُمَر فَنَهَى عَنْ الْمُتْعَة , وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ ذَلِكَ مُنْكِر , وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى مُتَابَعَتهمْ لَهُ عَلَى مَا نَهَى عَنْهُ. وَأَمَّا أَبُو سَعِيد فَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ أَنَّ عَطَاء قَالَ \" أَخْبَرَنِي مَنْ شِئْت عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ : لَقَدْ كَانَ أَحَدنَا يَسْتَمْتِع بِمِلْءِ الْقَدَح سَوِيقًا \" وَهَذَا - مَعَ كَوْنه ضَعِيفًا لِلْجَهْلِ بِأَحَدِ رُوَاته - لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّهُ كَانَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَمَّا اِبْن عَبَّاس فَتَقَدَّمَ النَّقْل عَنْهُ وَالِاخْتِلَاف هَلْ رَجَعَ أَوْ لَا. وَأَمَّا سَلَمَة وَمَعْبَد فَقِصَّتهمَا وَاحِدَة اِخْتُلَفَ فِيهَا هَلْ وَقَعَتْ لِهَذَا أَوْ لِهَذَا , فَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" لَمْ يَرْعَ عُمَر إِلَّا أُمّ أَرَاكَة قَدْ خَرَجَتْ حُبْلَى , فَسَأَلَهَا عُمَر فَقَالَتْ : اِسْتَمْتَعَ بِي سَلَمَة بْن أُمَيَّة \" وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ طَاوُسٍ فَسَمَّاهُ مَعْبَد بْن أُمَيَّة. وَأَمَّا جَابِر فَمُسْتَنَده قَوْله \" فَعَلْنَاهَا \" وَقَدْ بَيَّنْته قَبْل , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي نُصْرَة عَنْ جَابِر عِنْد مُسْلِم \" فَنَهَانَا عُمَر فَلَمْ نَفْعَلهُ بَعْد \" فَإِنْ كَانَ قَوْله فَعَلْنَا يَعُمّ جَمِيع الصَّحَابَة فَقَوْله ثُمَّ لَمْ نَعُدْ يَعُمّ جَمِيع الصَّحَابَة فَيَكُون إِجْمَاعًا , وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ مُسْتَنَده الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الَّتِي بَيِّنَاهَا. وَأَمَّا عَمْرو بْن حُرَيْثٍ وَكَذَا قَوْله رَوَاهُ جَابِر عَنْ جَمِيع الصَّحَابَة فَعَجِيب , وَإِنَّمَا قَالَ جَابِر \" فَعَلْنَاهَا \" وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي تَعْمِيم جَمِيع الصَّحَابَة بَلْ يَصْدُق عَلَى فِعْل نَفْسه وَحْدَهُ , وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ التَّابِعِينَ فَهُوَ عِنْد عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُمْ بِأَسَانِيد صَحِيحَة , وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ جَابِر عِنْد مُسْلِم \" فَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَهَانَا عُمَر فَلَمْ نَعُدْ لَهَا \" فَهَذَا يَرُدّ عَدَّهُ جَابِرًا فِيمَنْ ثَبَتَ عَلَى تَحْلِيلهَا , وَقَدْ اِعْتَرَفَ اِبْن حَزْم مَعَ ذَلِكَ بِتَحْرِيمِهَا لِثُبُوتِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّهَا حَرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" قَالَ فَأَمِنَّا بِهَذَا الْقَوْل نَسْخ التَّحْرِيم. وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4726",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مِهْرَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ عِنْدَ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏وَعِنْدَهُ ابْنَةٌ لَهُ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا قَالَتْ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَكَ بِي حَاجَةٌ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏بِنْتُ أَنَسٍ ‏ ‏مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا وَا ‏ ‏سَوْأَتَاهْ وَا ‏ ‏سَوْأَتَاهْ ‏ ‏قَالَ هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ رَغِبَتْ فِي النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مَرْحُوم ) ‏ ‏زَادَ أَبُو ذَرّ \" اِبْن عَبْد الْعَزِيز بْن مِهْرَانَ \" وَهُوَ بَصْرِيّ مَوْلَى آل أَبِي سُفْيَان ثِقَة مَاتَ سَنَة سَبْع وَثَمَانِينَ وَمِائَة , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ أَوْرَدَهُ عَنْهُ فِي كِتَاب الْأَدَب أَيْضًا , وَذَكَرَ الْبَزَّار أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ ثَابِت. ‏ ‏قَوْله ( وَعِنْده اِبْنَة لَهُ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا وَأَظُنّهَا أُمَيْنَة بِالتَّصْغِيرِ. ‏ ‏قَوْله ( جَاءَتْ أَمْرَأَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِينهَا , وَأَشْبَه مَنْ رَأَيْت بِقِصَّتِهَا مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اِسْمهنَّ فِي الْوَاهِبَات لَيْلَى بِنْت قَيْس بْن الْخَطِيم , وَيَظْهَر لِي أَنَّ صَاحِبَة هَذِهِ الْقِصَّة غَيْر الَّتِي فِي حَدِيث سَهْلٍ. ‏ ‏قَوْله ( وَاسَوْأَتَاه ) ‏ ‏أَصْل السَّوْءَة - وَهِيَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا هَمْزَة - الْفِعْلَة الْقَبِيحَة , وَتُطْلَق عَلَى الْفَرْجِ , وَالْمُرَاد هُنَا الْأَوَّل , وَالْأَلِف لِلنُّدْبَةِ وَالْهَاء لِلسَّكْتِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4727",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا فَقَالَ ‏ ‏مَا عِنْدَكَ قَالَ مَا عِنْدِي شَيْءٌ قَالَ اذْهَبْ فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي وَلَهَا نِصْفُهُ قَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏وَمَا لَهُ رِدَاءٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ فَرَآهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَعَاهُ أَوْ دُعِيَ لَهُ فَقَالَ لَهُ مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ فَقَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا لِسُوَرٍ يُعَدِّدُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمْلَكْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي قِصَّة الْوَاهِبَة مُطَوَّلًا , وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْد سِتَّة عَشَر بَابًا , وَفِي الْحَدِيثَيْنِ جَوَاز عَرْضِ الْمَرْأَة نَفْسهَا عَلَى الرَّجُل وَتَعْرِيفه رَغْبَتهَا فِيهِ وَأَنْ لَا غَضَاضَة عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ , وَأَنَّ الَّذِي تَعْرِض الْمَرْأَة نَفْسهَا عَلَيْهِ بِالِاخْتِيَارِ لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَرِّح لَهَا بِالرَّدِّ بَلْ يَكْفِي السُّكُوت. وَقَالَ الْمُهَلَّب : فِيهِ أَنَّ عَلَى الرَّجُل أَنْ يُنْكِحهَا إِلَّا إِذَا وَجَدَ فِي نَفْسه رَغْبَة فِيهَا , وَلِذَلِكَ صَعَّدَ النَّظَر فِيهَا وَصَوَّبَهُ اِنْتَهَى. وَلَيْسَ فِي الْقِصَّة دَلَالَة لِمَا ذَكَرَهُ قَالَ : وَفِيهِ جَوَاز سُكُوت الْعَالِم وَمَنْ سُئِلَ حَاجَة إِذَا لَمْ يُرِدْ الْإِسْعَاف , وَأَنَّ ذَلِكَ أَلْيَن فِي صَرْفِ السَّائِل وَأَأْدَب مِنْ الرَّدّ بِالْقَوْلِ ‏"
    },
    {
        "id": "4728",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏حِينَ تَأَيَّمَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتُوُفِّيَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏أَتَيْتُ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ‏ ‏فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَقَالَ سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي فَلَبِثْتُ ‏ ‏لَيَالِيَ ثُمَّ لَقِيَنِي فَقَالَ قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَلَقِيتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ‏ ‏فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ ‏ ‏فَصَمَتَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا وَكُنْتُ أَوْجَدَ عَلَيْهِ مِنِّي عَلَى ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فَلَبِثْتُ ‏ ‏لَيَالِيَ ثُمَّ ‏ ‏خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ فَلَقِيَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئًا قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏قُلْتُ نَعَمْ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ عَلَيَّ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ذَكَرَهَا فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَوْ تَرَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَبِلْتُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حِين تَأَيَّمَتْ ) ‏ ‏بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَة وَتَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة أَيْ صَارَتْ أَيِّمًا , وَهِيَ الَّتِي يَمُوت زَوْجهَا أَوْ تَبِين مِنْهُ وَتَنْقَضِي عِدَّتهَا , وَأَكْثَر مَا تُطْلَق عَلَى مَنْ مَاتَ زَوْجهَا. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : الْعَرَب تُطْلِق عَلَى كُلّ اِمْرَأَة لَا زَوْج لَهَا وَكُلّ رَجُل لَا اِمْرَأَة لَهُ أَيِّمًا , زَادَ فِي \" الْمَشَارِق \" وَإِنْ كَانَ بِكْرًا. وَسَيَأْتِي مَزِيدًا لِهَذَا فِي \" بَاب لَا يُنْكِح الْأَب وَغَيْره الْبِكْر وَلَا الثَّيِّب إِلَّا بِرِضَاهَا \". ‏ ‏قَوْله ( مِنْ خُنَيْس ) ‏ ‏بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَنُون وَسِين مُهْمَلَة مُصَغَّر. ‏ ‏قَوْله ( اِبْن حُذَافَة ) ‏ ‏عِنْد أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ اِبْن شِهَاب وَهِيَ رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ \" اِبْن حُذَافَة أَوْ حُذَيْفَة \" وَالصَّوَاب حُذَافَة , وَهُوَ أَخُو عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَغَازِي. وَمِنْ الرُّوَاة مِنْ فَتَحَ أَوَّل خُنَيْس وَكَسَرَ ثَانِيه , وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور بِالتَّصْغِيرِ , وَعِنْد مَعْمَر كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِحَاءٍ مُهْمَلَة وَمُوَحَّدَة وَشِينٍ مُعْجَمَة. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : اِخْتُلِفَ عَلَى عَبْد الرَّزَّاق فَرَوَى عَنْهُ عَلِيّ الصَّوَاب وَرَوَى عَنْهُ بِالشَّكِّ. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مَعْمَر كَمَا سَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب \" مِنْ أَهْل بَدْر \". ‏ ‏قَوْله ( فَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ ) ‏ ‏قَالُوا مَاتَ بَعْد غَزْوَة أُحُدٍ مِنْ جِرَاحَة أَصَابَتْهُ بِهَا , وَقِيلَ بَلْ بَعْد بَدْر وَلَعَلَّهُ أَوْلَى , فَإِنَّهُمْ قَالُوا إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا بَعْد خَمْسَة وَعِشْرِينَ شَهْرًا مِنْ الْهِجْرَة , وَفِي رِوَايَة بَعْد ثَلَاثِينَ شَهْرًا , وَفِي رِوَايَةٍ بَعْد عِشْرِينَ شَهْرًا , وَكَانَتْ أُحُد بَعْد بَدْر بِأَكْثَر مِنْ ثَلَاثِينَ شَهْرًا , وَلَكِنَّهُ يَصِحّ عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ بَعْد ثَلَاثِينَ عَلَى إِلْغَاء الْكَسْر , وَجَزَمَ اِبْن سَعْد بِأَنَّهُ مَاتَ عَقِب قُدُوم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَدْر وَبِهِ جَزَمَ اِبْن سَيِّد النَّاس , وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّهُ شَهِدَ أُحُدًا وَمَاتَ مِنْ جِرَاحَة بِهَا , وَكَانَتْ حَفْصَة أَسَنّ مِنْ أَخِيهَا عَبْد اللَّه فَإِنَّهَا وُلِدَتْ قَبْل الْبِعْثَة بِخَمْسِ سِنِينَ وَعَبْد اللَّه وَلَد بَعْد الْبَعْثَة بِثَلَاثِ أَوْ أَرْبَع. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب ) ‏ ‏أَعَادَ ذَلِكَ لِوُقُوعِ الْفَصْل , وَإِلَّا فَقَوْله أَوَّلًا \" إِنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب \" لَا بُدّ لَهُ مِنْ تَقْدِير , قَالَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عِنْد النَّسَائِيِّ وَأَحْمَد عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر قَالَ \" تَأَيَّمَتْ حَفْصَة \". ‏ ‏قَوْله ( أَتَيْت عُثْمَان فَعَرَضْت عَلَيْهِ حَفْصَة ؟ فَقَالَ : سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي , إِلَى أَنْ قَالَ قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّج ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الصَّحِيح , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة رِبْعِيّ بْن حِرَاش عَنْ عُثْمَان عِنْد الطَّبَرِيِّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِم \" أَنَّ عُثْمَان خَطَبَ إِلَى عُمَر بِنْته فَرَدَّهُ , فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا رَاحَ إِلَيْهِ عُمَر قَالَ : يَا عُمَر أَلَا أَدُلّك عَلَى خَتَنٍ خَيْر مِنْ عُثْمَان , وَأَدُلّ عُثْمَان عَلَى خَتَن خَيْر مِنْك ؟ قَالَ : نَعَمْ يَا نَبِيّ اللَّه. قَالَ : تُزَوِّجنِي بِنْتك وَأُزَوِّج عُثْمَان بِنْتِي \" قَالَ الْحَافِظ الضِّيَاء : إِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ , لَكِنْ فِي الصَّحِيح أَنَّ عُمَر عَرَضَ عَلَى عُثْمَان حَفْصَة فَرَدَّ عَلَيْهِ \" قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّج \". قُلْت : أَخْرَجَ اِبْن سَعْد مِنْ مُرْسَل الْحَسَن نَحْو حَدِيث رِبْعِيّ , وَمِنْ مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَتَمّ مِنْهُ , وَزَادَ فِي آخِره \" فَخَارَ اللَّه لَهُمَا جَمِيعًا \". وَيَحْتَمِل فِي الْجَمْعِ بَيْنهمَا أَنْ يَكُون عُثْمَان خَطَبَ أَوَّلًا إِلَى عُمَر فَرَدَّهُ كَمَا فِي رِوَايَة رَبْعِيّ , وَسَبَب رَدّه يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ جِهَتهَا وَهِيَ أَنَّهَا لَمْ تَرْغَب فِي التَّزَوُّج عَنْ قُرْبٍ مِنْ وَفَاة زَوْجهَا , وَيَحْتَمِل غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَاب الَّتِي لَا غَضَاضَة فِيهَا عَلَى عُثْمَان فِي رَدّ عُمَر لَهُ , ثُمَّ لَمَّا اِرْتَفَعَ السَّبَب بَادَرَ عُمَر فَعَرَضَهَا عَلَى عُثْمَان رِعَايَة لِخَاطِرِهِ كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب , وَلَعَلَّ عُثْمَان بَلَغَهُ مَا بَلَغَ أَبَا بَكْر مِنْ ذِكْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ مِنْ تَرْكِ إِفْشَاء ذَلِكَ , وَرَدَّ عَلَى عُمَر بِجَمِيلٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد \" فَقَالَ عُثْمَان : مَالِي فِي النِّسَاء مِنْ حَاجَة \" وَذَكَرَ اِبْن سَعْد عَنْ الْوَاقِدِيِّ بِسَنَدٍ لَهُ \" أَنَّ عُمَر عَرَضَ حَفْصَة عَلَى عُثْمَان حِين تُوُفِّيَتْ رُقَيَّة بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعُثْمَان يَوْمئِذٍ يُرِيد أُمّ كُلْثُوم بِنْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْت : وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّد أَنَّ مَوْت خُنَيْس كَانَ بَعْد بَدْر فَإِنَّ رُقَيَّة مَاتَتْ لَيَالِي بَدْر وَتَخَلَّفَ عُثْمَان عَنْ بَدْر لِتَمْرِيضِهَا. وَقَدْ أَخْرَجَ إِسْحَاق فِي مُسْنَده وَابْن سَعْد مِنْ مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ \" تَأَيَّمَتْ حَفْصَة مِنْ زَوْجهَا وَتَأَيَّمَ عُثْمَان مِنْ رُقَيَّة , فَمَرَّ عُمَر بِعُثْمَان وَهُوَ حَزِين فَقَالَ : هَلْ لَك فِي حَفْصَة ؟ فَقَدْ اِنْقَضَتْ عِدَّتهَا مِنْ فُلَان \" وَاسْتُشْكِلَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَاتَ بَعْد أُحُد لَلَزِمَ أَنْ لَا تَنْقَضِي عِدَّتهَا إِلَّا فِي سَنَة أَرْبَع , وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون وَضَعَتْ عَقِب وَفَاته وَلَوْ سِقْطًا فَحَلَّتْ. ‏ ‏قَوْله ( سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي ) أَيْ أَتَفَكَّر , وَيُسْتَعْمَل النَّظَر أَيْضًا بِمَعْنَى الرَّأْفَة لَكِنْ تَعْدِيَته بِاللَّامِ , وَبِمَعْنَى الرُّؤْيَة وَهُوَ الْأَصْل وَيُعَدَّى بِإِلَى. وَقَدْ يَأْتِي بِغَيْرِ صِلَة وَهُوَ بِمَعْنَى الِانْتِظَار. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عُمَر فَلَقِيت أَبَا بَكْر ) ‏ ‏هَذَا يُشْعِر بِأَنَّهُ عَقِب رَدّ عُثْمَان لَهُ عَرَضَهَا عَلَى أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله ( فَصَمَتَ أَبُو بَكْر ) ‏ ‏أَيْ سَكَتَ وَزْنًا وَمَعْنًى , وَقَوْله بَعْد ذَلِكَ \" فَلَمْ يَرْجِع إِلَيَّ شَيْئًا \" تَأْكِيد لِرَفْعِ الْمَجَاز , لِاحْتِمَالِ أَنْ يَظُنّ أَنَّهُ صَمَتَ زَمَانًا ثُمَّ تَكَلَّمَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاء مِنْ يَرْجِع. ‏ ‏قَوْله ( وَكُنْت أُوجِد عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ أَشَدّ مَوْجِدَة أَيْ غَضَبًا عَلَى أَبَى بَكْر مِنْ غَضَبِي عَلَى عُثْمَان , وَذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدهمَا مَا كَانَ بَيْنهمَا مِنْ أَكِيد الْمَوَدَّة , وَلِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ آخَى بَيْنهمَا , وَأَمَّا عُثْمَان فَلَعَلَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْ عُمَر رَدّه فَلَمْ يَعْتِب عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يُجِبْهُ لِمَا سَبَقَ مِنْهُ فِي حَقّه , وَالثَّانِي لِكَوْنِ عُثْمَان أَجَابَهُ أَوَّلًا ثُمَّ اِعْتَذَرَ لَهُ ثَانِيًا , وَلِكَوْنِ أَبِي بَكْر لَمْ يُعِدْ عَلَيْهِ جَوَابًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد \" فَغَضِبَ عَلَى أَبِي بَكْر وَقَالَ فِيهَا : كُنْت أَشَدّ غَضَبًا حِين سَكَتَ مِنِّي عَلَى عُثْمَان \". ‏ ‏قَوْله ( لَقَدْ وَجَدْت عَلَيَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَعَلَّك وَجَدْت \" وَهِيَ أَوْجَه. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ أَرْجِع ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْجِيم أَيْ أَعُدْ عَلَيْك الْجَوَاب. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا إِنِّي كُنْت عَلِمْت أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ذَكَرَهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد \" فَقَالَ أَبُو بَكْر : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ ذَكَرَ مِنْهَا شَيْئًا وَكَانَ سِرًّا. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد \" وَكَرِهْت أَنْ أُفْشِيَ سِرّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَوْ تَرَكَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلْتهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر الْمَذْكُورَة \" نَكَحْتهَا \". وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْلَا هَذَا الْعُذْر لَقِبَلهَا , فَيُسْتَفَاد مِنْهُ عُذْره فِي كَوْنه لَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ عُثْمَان قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّج , وَفِيهِ فَضْلُ كِتْمَان السِّرّ فَإِذَا أَظْهَرهُ صَاحِبه اِرْتَفَعَ الْحَرَج عَمَّنْ سَمِعَهُ. وَفِيهِ عِتَاب الرَّجُل لِأَخِيهِ وَعَتْبه عَلَيْهِ وَاعْتِذَاره إِلَيْهِ وَقَدْ جُبِلَتْ الطِّبَاع الْبَشَرِيَّة عَلَى ذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَب كِتْمَان أَبِي بَكْر ذَلِكَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَبْدُو لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجهَا فَيَقَع فِي قَلْب عُمَر اِنْكِسَار , وَلَعَلَّ اِطِّلَاع أَبِي بَكْر عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَدَ خِطْبَة حَفْصَة كَانَ بِإِخْبَارِهِ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَّا عَلَى سَبِيل الِاسْتِشَارَة وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَكْتُم عَنْهُ شَيْئًا مِمَّا يُرِيدهُ حَتَّى وَلَا مَا فِي الْعَادَة عَلَيْهِ غَضَاضَة وَهُوَ كَوْن اِبْنَته عَائِشَة عِنْده , وَلَمْ يَمْنَعهُ ذَلِكَ مِنْ اِطِّلَاعه عَلَى مَا يُرِيد لِوُثُوقِهِ بِإِيثَارِهِ إِيَّاهُ عَلَى نَفْسه , وَلِهَذَا اِطَّلَعَ أَبُو بَكْر عَلَى ذَلِكَ قَبْل اِطِّلَاع عُمَر الَّذِي يَقَع الْكَلَام مَعَهُ فِي الْخِطْبَة. وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الصَّغِير لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْطُب اِمْرَأَة أَرَادَ الْكَبِير أَنْ يَتَزَوَّجهَا وَلَوْ لَمْ تَقَع الْخِطْبَة فَضْلًا عَنْ الرُّكُون. وَفِيهِ الرُّخْصَة فِي تَزْوِيج مَنْ عَرَّضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِطْبَتِهَا أَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجهَا لِقَوْلِ الصِّدِّيق : لَوْ تَرَكَهَا لَقَبِلْتهَا. وَفِيهِ عَرْض الْإِنْسَان بِنْته وَغَيْرهَا مِنْ مَوْلَيَاته عَلَى مَنْ يُعْتَقَد خَيْره وَصَلَاحه لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْع الْعَائِد عَلَى الْمَعْرُوضَة عَلَيْهِ , وَأَنَّهُ لَا اِسْتِحْيَاء فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْس بِعَرْضِهَا عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مُتَزَوِّجًا لِأَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ حِينَئِذٍ مُتَزَوِّجًا. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يُفْشِي سِرّ فُلَان فَأَفْشَى فُلَان سِرّ نَفْسه ثُمَّ تَحَدَّثَ بِهِ الْحَالِف لَا يَحْنَث لِأَنَّ صَاحِب السِّرّ هُوَ الَّذِي أَفْشَاهُ فَلَمْ يَكُنْ الْإِفْشَاء مِنْ قِبَل الْحَالِف , وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ حَدَّثَ وَاحِد آخَر بِشَيْءٍ وَاسْتَحْلَفَهُ لِيَكْتُمهُ فَلَقِيَهُ رَجُل فَذَكَرَ لَهُ أَنَّ صَاحِب الْحَدِيث حَدَّثَهُ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُ بِهِ فَأَظْهَر التَّعَجُّب وَقَالَ مَا ظَنَنْت أَنَّهُ حَدَّثَ بِذَلِكَ غَيْرِي فَإِنَّ هَذَا يَحْنَث , لِأَنَّ تَحْلِيفه وَقَعَ عَلَى أَنَّهُ يَكْتُم أَنَّهُ حَدَّثَهُ وَقَدْ أَفْشَاهُ. وَفِيهِ أَنَّ الْأَب يَخْطُب إِلَيْهِ بِنْته الثَّيِّب كَمَا يَخْطُب إِلَيْهِ الْبِكْر وَلَا تَخْطُب إِلَى نَفْسهَا كَذَا قَالَ اِبْن بَطَّال , وَقَوْله لَا تَخْطُب إِلَى نَفْسهَا لَيْسَ فِي الْخَبَر مَا يَدُلّ عَلَيْهِ. قَالَ وَفِيهِ أَنَّهُ يُزَوِّج بِنْته الثَّيِّب مِنْ غَيْر أَنْ يَسْتَأْمِرهَا إِذَا عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَكْرَه ذَلِكَ وَكَانَ الْخَاطِب كُفُوًا لَهَا , وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث تَصْرِيح بِالنَّفْيِ الْمَذْكُور إِلَّا أَنَّهُ يُؤْخَذ مِنْ غَيْره , وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ \" إِنْكَاح الرَّجُل بِنْته الْكَبِيرَة \" فَإِنْ أَرَادَ بِالرِّضَا لَمْ يُخَالِف الْقَوَاعِد , وَأَنْ أَرَادَ بِالْإِخْبَارِ فَقَدْ يَمْنَع , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4729",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّ ‏ ‏أُمَّ حَبِيبَةَ ‏ ‏قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّكَ نَاكِحٌ ‏ ‏دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعَلَى ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏لَوْ لَمْ أَنْكِحْ ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏مَا حَلَّتْ لِي إِنَّ أَبَاهَا أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف طَرَفًا مِنْ حَدِيث أُمّ حَبِيبَة فِي قِصَّة بِنْت أُمّ سَلَمَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه قَرِيبًا وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ هُنَا مَقْصُود التَّرْجَمَة اِسْتِغْنَاء بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ وَهُوَ قَوْلهَا \" اِنْكِحْ أُخْتِي بِنْت أَبِي سُفْيَان \" وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4730",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَيْتُكِ فِي الْمَنَامِ يَجِيءُ بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَقَالَ لِي هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ فَإِذَا أَنْتِ هِيَ فَقُلْتُ إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله ( أُرِيتُك ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة ‏ ‏( فِي الْمَنَام ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة فِي أَوَائِل النِّكَاح \" مَرَّتَيْنِ \". ‏ ‏قَوْله ( يَجِيء بِك الْمَلَك ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" إِذَا رَجُل يَحْمِلك \" فَكَأَنَّ الْمَلَك تَمَثَّلَ لَهُ حِينَئِذٍ رَجُلًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عَائِشَة \" جَاءَ بِي جِبْرِيل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( فِي سَرَقَة مِنْ حَرِير ) ‏ ‏السَّرَقَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالرَّاء وَالْقَاف هِيَ الْقِطْعَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان \" فِي خِرْقَة حَرِير \" وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : السَّرَقَة الثَّوْب , فَإِنْ أَرَادَ تَفْسِيره هُنَا فَصَحِيح , وَإِلَّا فَالسَّرَقَة أَعَمّ. وَأَغْرَبَ الْمُهَلَّب فَقَالَ : السَّرَقَة كَالْكَلَّةِ أَوْ كَالْبُرْقُعِ. وَعِنْد الْآجُرّيّ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ عَائِشَة \" لَقَدْ نَزَلَ جِبْرِيل بِصُورَتِي فِي رَاحَته حِين أُمِرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَوَّجنِي \" وَيُجْمَع بَيْن هَذَا وَبَيْن مَا قَبْله بِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّ صُورَتهَا كَانَتْ فِي الْخِرْقَة وَالْخِرْقَة فِي رَاحَته , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون نَزَلَ بِالْكَيْفِيَّتَيْنِ لِقَوْلِهَا فِي نَفْس الْخَبَر \" نَزَلَ مَرَّتَيْنِ \" ‏ ‏قَوْله ( فَكَشَفْت عَنْ وَجْهك الثَّوْب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" فَأَكْشِفهَا \" فَعَبَّرَ بِلَفْظِ الْمُضَارِع اِسْتِحْضَارًا لِصُورَةِ الْحَال. قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَأَى مِنْهَا مَا يَجُوز لِلْخَاطِبِ أَنْ يَرَاهُ , وَيَكُون الضَّمِير فِي \" أَكْشِفهَا \" لِلسَّرَقَةِ أَيْ أَكْشِفهَا عَنْ الْوَجْه , وَكَأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء وَحْيٌ , وَأَنَّ عِصْمَتهمْ فِي الْمَنَام كَالْيَقَظَةِ , وَسَيَأْتِي فِي اللِّبَاس فِي الْكَلَام عَلَى تَحْرِيم التَّصْوِير مَا يَتَعَلَّق بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا : وَقَالَ أَيْضًا : فِي الِاحْتِجَاج بِهَذَا الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ نَظَرٌ , لِأَنَّ عَائِشَة كَانَتْ إِذْ ذَاكَ فِي سِنّ الطُّفُولِيَّة فَلَا عَوْرَة فِيهَا الْبَتَّة , وَلَكِنْ يُسْتَأْنَس بِهِ فِي الْجُمْلَة فِي أَنَّ النَّظَر إِلَى الْمَرْأَة قَبْل الْعَقْد فِيهِ مَصْلَحَة تَرْجِع إِلَى الْعَقْد. ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا أَنْتِ هِيَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَإِذَا هِيَ أَنْتِ \" وَكَذَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة. ‏ ‏قَوْله ( يُمْضِهِ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله , قَالَ عِيَاض : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَبْل الْبَعْثَة فَلَا إِشْكَال فِيهِ , وَإِنْ كَانَ بَعْدهَا فَفِيهِ ثَلَاث اِحْتِمَالَات : أَحَدهَا التَّرَدُّد هَلْ هِيَ زَوْجَته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أَوْ فِي الْآخِرَة فَقَطْ , ثَانِيهَا أَنَّهُ لَفْظ شَكّ لَا يُرَاد بِهِ ظَاهِره وَهُوَ أَبْلَغ فِي التَّحَقُّق , وَيُسَمَّى فِي الْبَلَاغَة مَزْجُ الشَّكّ بِالْيَقِينِ , ثَالِثهَا وَجْه التَّرَدُّد هَلْ هِيَ رُؤْيَا وَحْيٍ عَلَى ظَاهِرهَا وَحَقِيقَتهَا أَوْ هِيَ رُؤْيَا وَحْي لَهَا تَعْبِير ؟ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ جَائِز فِي حَقّ الْأَنْبِيَاء. قُلْت : الْأَخِير هُوَ الْمُعْتَمَد , وَبِهِ جَزَمَ السُّهَيْلِيُّ عَنْ اِبْن الْعَرَبِيّ , ثُمَّ قَالَ : وَتَفْسِيره بِاحْتِمَالِ غَيْرهَا لَا أَرْضَاهُ , وَالْأَوَّل يَرُدّهُ أَنَّ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ وُجِدَتْ فَإِنَّ ظَاهِر قَوْله \" فَإِذَا هِيَ أَنْتِ \" مُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ قَدْ رَآهَا وَعَرَفَهَا قَبْل ذَلِكَ , وَالْوَاقِع أَنَّهَا وُلِدَتْ بَعْد الْبَعْثَة. وَيَرُدّ أَوَّل الِاحْتِمَالَات الثَّلَاث رِوَايَة اِبْن حِبَّان فِي آخِر حَدِيث الْبَاب \" هِيَ زَوْجَتك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة \" وَالثَّانِي بَعِيد , وَاللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4731",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيْ رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا فَقَالَ ‏ ‏هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا قَالَ انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي قَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدَهَا قَالَ أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل فِي قِصَّة الْوَاهِبَة , وَالشَّاهِد مِنْهُ لِلتَّرْجَمَةِ قَوْله فِيهِ \" فَصَعَّدَ النَّظَر إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ \" وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي \" بَاب التَّزْوِيج عَلَى الْقُرْآن وَبِغَيْرِ صَدَاق \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسه ) ‏ ‏وَذَكَرَ الْحَدِيث كُلّه , كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيّ , وَسَاقَ الْبَاقُونَ الْحَدِيث بِطُولِهِ , قَالَ الْجُمْهُور : لَا بَأْس أَنْ يَنْظُر الْخَاطِب إِلَى الْمَخْطُوبَة. قَالُوا : وَلَا يَنْظُر إِلَى غَيْر وَجْههَا وَكَفَّيْهَا. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَجْتَهِد وَيَنْظُر إِلَى مَا يُرِيد مِنْهَا إِلَّا الْعَوْرَة. وَقَالَ اِبْن حَزْم. يَنْظُر إِلَى مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ مِنْهَا. وَعَنْ أَحْمَد ثَلَاث رِوَايَات : الْأُولَى كَالْجُمْهُورِ , وَالثَّانِيَة يَنْظُر إِلَى مَا يَظْهَر غَالِبًا , وَالثَّالِثَة يَنْظُر إِلَيْهَا مُتَجَرِّدَة وَقَالَ الْجُمْهُور أَيْضًا : يَجُوز أَنْ يَنْظُر إِلَيْهَا إِذَا أَرَادَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنهَا. وَعَنْ مَالِك رِوَايَة يُشْتَرَط إِذْنهَا. وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ قَوْم أَنَّهُ لَا يَجُوز النَّظَر إِلَى الْمَخْطُوبَة قَبْل الْعَقْد بِحَالٍ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ أَجْنَبِيَّة , وَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَة ‏"
    },
    {
        "id": "4732",
        "content": "‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَنْبَسَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا وَنِكَاحٌ آخَرُ كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا أَرْسِلِي إِلَى فُلَانٍ ‏ ‏فَاسْتَبْضِعِي ‏ ‏مِنْهُ وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ ‏ ‏الِاسْتِبْضَاعِ وَنِكَاحٌ آخَرُ يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا تَقُولُ لَهُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ وَنِكَاحُ الرَّابِعِ يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا وَهُنَّ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا وَدَعَوْا لَهُمْ ‏ ‏الْقَافَةَ ‏ ‏ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ ‏ ‏فَالْتَاطَ ‏ ‏بِهِ وَدُعِيَ ابْنَهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا بُعِثَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب وَمِنْ طَرِيق عَنْبَسَةَ بْن خَالِد جَمِيعًا عَنْ يُونُس بْن يَزِيد عَنْ اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيِّ , وَقَوْله \" وَقَالَ , يَحْيَى بْن سُلَيْمَان \" هُوَ الْجُعْفِيُّ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ سَاقه الْمُصَنِّف عَلَى لَفْظ عَنْبَسَةَ. وَأَمَّا لَفْظ اِبْن وَهْب فَلَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن سُلَيْمَان إِلَى الْآن لَكِنْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق أَصْبَغ وَأَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن وَهْب وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْجَوْزَقِيّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن صَالِح ثَلَاثَتهمْ عَنْ اِبْن وَهْب. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى أَرْبَعَة أَنْحَاء ) ‏ ‏جَمْع نَحْو أَيْ ضَرْبٍ وَزْنًا وَمَعْنًى , وَيُطْلَق النَّحْو أَيْضًا عَلَى الْجِهَة وَالنَّوْع , وَعَلَى الْعِلْم الْمَعْرُوف اِصْطِلَاحًا. ‏ ‏قَوْله ( أَرْبَعَة ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْره بَقِيَ عَلَيْهَا أَنْحَاء لَمْ تَذْكُرهَا : الْأَوَّل نِكَاح الْخِدْن وَهُوَ فِي قَوْله تَعَالَى ( وَلَا مُتَّخِذَات أَخْدَان ) كَانُوا يَقُولُونَ : مَا اِسْتَتَرَ فَلَا بَأْس بِهِ , وَمَا ظَهَرَ فَهُوَ لَوْمٌ. الثَّانِي نِكَاح الْمُتْعَة وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه. الثَّالِث نِكَاح الْبَدَل , وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" كَانَ الْبَدَل فِي الْجَاهِلِيَّة أَنْ يَقُول الرَّجُل لِلرَّجُلِ اِنْزِلْ لِي عَنْ اِمْرَأَتك وَأَنْزِل لَك عَنْ اِمْرَأَتِي وَأَزِيدك \" وَلَكِنْ إِسْنَاده ضَعِيف جِدًّا. قُلْت وَالْأَوَّل لَا يُرَدّ لِأَنَّهَا أَرَادَتْ ذِكْرَ بَيَان نِكَاح مَنْ لَا زَوْج لَهَا أَوْ مَنْ أَذِنَ لَهَا زَوْجهَا فِي ذَلِكَ , وَالثَّانِي يَحْتَمِل أَنْ لَا يُرَدّ لِأَنَّ الْمَمْنُوع مِنْهُ كَوْنه مُقَدَّرًا بِوَقْتٍ لَا أَنَّ عَدَم الْوَلِيّ فِيهِ شَرْط وَعَدَم وُرُود الثَّالِث أَظْهَر مِنْ الْجَمِيع. ‏ ‏قَوْله ( وَلِيَّته أَوْ اِبْنَته ) ‏ ‏هُوَ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ. ‏ ‏قَوْله ( فَيُصْدِقهَا ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله ‏ ‏( ثُمَّ يَنْكِحهَا ) ‏ ‏أَيْ يُعَيِّن صَدَاقهَا وَيُسَمِّي مِقْدَاره ثُمَّ يَعْقِد عَلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله ( وَنِكَاح الْآخَر ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ بِالْإِضَاقَةِ أَيْ وَنِكَاح الْمُصَنِّف الْآخَر , وَهُوَ مِنْ إِضَافَة الشَّيْء لِنَفْسِهِ عَلَى رَأْي الْكُوفِيِّينَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْبَاقِينَ \" وَنِكَاح آخَر \" بِالتَّنْوِينِ بِغَيْرِ لَام وَهُوَ الْأَشْهَر فِي الِاسْتِعْمَال. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمِيم بَعْدهَا مُثَلَّثَة أَيْ حَيْضهَا , وَكَأَنَّ السِّرّ فِي ذَلِكَ أَنْ يَسْرَع عُلُوقهَا مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ بَعْدهَا ضَاد مُعْجَمَة أَيْ اُطْلُبِي مِنْهُ الْمُبَاضَعَة وَهُوَ الْجِمَاع. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَصْبَغَ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ اِسْتَرْضِعِي \" بِرَاءِ بَدَل الْمُوَحَّدَة. قَالَ رَاوِيَة مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الصَّغَانِيِّ : الْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب يَعْنِي بِالْمُوَحَّدَةِ , وَالْمَعْنَى اُطْلُبِي مِنْهُ الْجِمَاع لِتَحْمِلِي مِنْهُ , وَالْمُبَاضَعَة الْمُجَامَعَة مُشْتَقَّة مِنْ الْبُضْع وَهُوَ الْفَرْج. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّمَا يَفْعَل ذَلِكَ رَغْبَة فِي نَجَابَة الْوَلَد ) ‏ ‏أَيْ اِكْتِسَابًا مِنْ مَاء الْفَحْل لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ مِنْ أَكَابِرهمْ وَرُؤَسَائِهِمْ فِي الشَّجَاعَة أَوْ الْكَرَم أَوْ غَيْر ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( فَكَانَ هَذَا النِّكَاح نِكَاح الِاسْتِبْضَاع ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ وَالتَّقْدِير يُسَمَّى وَبِالرَّفْعِ أَيْ هُوَ. ‏ ‏قَوْله ( وَنِكَاح آخَر يَجْتَمِع الرَّهْط مَا دُون الْعَشَرَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ تَفْسِير الرَّهْط فِي أَوَائِل الْكِتَاب , وَلَمَّا كَانَ هَذَا النِّكَاح يَجْتَمِع عَلَيْهِ أَكْثَر مِنْ وَاحِد كَانَ لَا بُدّ مِنْ ضَبْطِ الْعَدَد الزَّائِد لِئَلَّا يَنْتَشِر. ‏ ‏قَوْله ( كُلّهمْ يُصِيبهَا ) ‏ ‏أَيْ يَطَؤُهَا , وَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُون عَنْ رِضًا مِنْهَا وَتَوَاطُؤ بَيْنهمْ وَبَيْنهَا. ‏ ‏قَوْله ( وَمَرَّ لَيَالٍ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَفِي رِوَايَة غَيْره \" وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ \". ‏ ‏قَوْله ( قَدْ عَرَفْتُمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَرَفْت \" عَلَى خِطَاب الْوَاحِد. ‏ ‏قَوْله ( وَقَدْ وَلَدْت ) ‏ ‏بِالضَّمِّ لِأَنَّهُ كَلَامهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَهُوَ اِبْنك ) ‏ ‏أَيْ إِنْ كَانَ ذَكَرًا , فَلَوْ كَانَتْ أُنْثَى لَقَالَتْ هِيَ اِبْنَتك , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَا تَفْعَل ذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ ذَكَرًا لِمَا عُرِفَ مِنْ كَرَاهَتهمْ فِي الْبِنْت , وَقَدْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَقْتُل بِنْته الَّتِي يَتَحَقَّق أَنَّهَا بِنْت فَضْلًا عَمَّنْ تَجِيء بِهَذِهِ الصِّفَة. ‏ ‏قَوْله ( فَيَلْحَق بِهِ وَلَدهَا ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ \" فَيَلْتَحَق \" بِزِيَادَةِ مُثَنَّاة. ‏ ‏قَوْله ( لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَمْتَنِع بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَنِكَاح الرَّابِع ) ‏ ‏تَقَدَّمَ تَوْجِيهه. ‏ ‏قَوْله ( لَا تَمْنَع مَنْ جَاءَهَا ) ‏ ‏وَلِلْأَكْثَرِ لَا تَمْتَنِع مِمَّنْ جَاءَهَا. ‏ ‏قَوْله ( وَهُنَّ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابهنَّ رَايَات تَكُون عَلَمًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام أَيْ عَلَامَة. وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَة قَالَ \" تَبَرَّزَ عُمَر بِأَجْيَاد , فَدَعَا بِمَاءٍ , فَأَتَتْهُ أُمّ مَهْزُول - وَهِيَ مِنْ الْبَغَايَا التِّسْع اللَّاتِي كُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّة - فَقَالَتْ : هَذَا مَاء وَلَكِنَّهُ فِي إِنَاء لَمْ يُدْبَغ , فَقَالَ : هَلُمَّ فَإِنَّ اللَّه جَعَلَ الْمَاء طَهُورًا \" وَمِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر \" أَنَّ اِمْرَأَة كَانَتْ يُقَال لَهَا أُمّ مَهْزُول تُسَافِح فِي الْجَاهِلِيَّة , فَأَرَادَ بَعْض الصَّحَابَة أَنْ يَتَزَوَّجهَا فَنَزَلَتْ : الزَّانِي لَا يَنْكِح إِلَّا زَانِيَة أَوْ مُشْرِكَة \" وَمِنْ طَرِيق مُجَاهِد فِي هَذِهِ الْآيَة قَالَ \" هُنَّ بَغَايَا , كُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّة مَعْلُومَات لَهُنَّ رَايَات يُعْرَفْنَ بِهَا \" وَمِنْ طَرِيق عَاصِم بْن الْمُنْذِر عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر مِثْله وَزَادَ \" كَرَايَاتِ الْبَيْطَار \" وَقَدْ سَاقَ هِشَام بْن الْكَلْبِيّ فِي \" كِتَاب الْمَثَالِب \" أَسَامِي صَوَاحِبَات الرَّايَات فِي الْجَاهِلِيَّة فَسَمَّى مِنْهُنَّ أَكْثَر مِنْ عَشْر نِسْوَة مَشْهُورَات تَرَكْت ذِكْرهنَّ اِخْتِيَارًا. ‏ ‏قَوْله ( لِمَنْ أَرَادَهُنَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَمَنْ أَرَادَهُنَّ \". ‏ ‏قَوْله ( الْقَافَة ) ‏ ‏جَمْع قَائِف بِقَافٍ ثُمَّ فَاء وَهُوَ الَّذِي يَعْرِف شَبَه الْوَلَد بِالْوَالِدِ بِالْآثَارِ الْخَفِيَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَالْتَاطَتْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَالْتَاطَ \" بِغَيْرِ مُثَنَّاة أَيْ اِسْتَلْحَقَتْهُ بِهِ , وَأَصْل اللَّوْط بِفَتْحِ اللَّام اللُّصُوق. ‏ ‏قَوْله ( هَدَمَ نِكَاح الْجَاهِلِيَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيِّ \" نِكَاح أَهْل الْجَاهِلِيَّة \". ‏ ‏قَوْله ( كُلّه ) ‏ ‏دَخَلَ فِيهِ مَا ذَكَرْت وَمَا اِسْتَدْرَكَ عَلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا نِكَاح النَّاس الْيَوْم ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي بَدَأْت بِذِكْرِهِ , وَهُوَ أَنْ يَخْطُب الرَّجُل إِلَى الرَّجُل فَيُزَوِّجهُ. اِحْتَجَّ بِهَذَا عَلَى اِشْتِرَاط الْوَلِيّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عَائِشَة وَهِيَ الَّتِي رَوَتْ هَذَا الْحَدِيث كَانَتْ تُجِيز النِّكَاح بِغَيْرِ وَلِيٍّ , كَمَا رَوَى مَالِك أَنَّهَا زَوَّجَتْ بِنْت عَبْد الرَّحْمَن أَخِيهَا وَهُوَ غَائِب فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ : مِثْلِي يُفْتَات عَلَيْهِ فِي بَنَاته ؟ وَأُجِيب بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ فِي الْخَبَر التَّصْرِيح بِأَنَّهَا بَاشَرَتْ الْعَقْد , فَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْبِنْت الْمَذْكُورَة ثَيِّبًا وَدَعَتْ إِلَى كُفْء وَأَبُوهَا غَائِب فَانْتَقَلَتْ الْوِلَايَة إِلَّا الْوَلِيّ الْأَبْعَد أَوْ إِلَى السُّلْطَان. وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا \" أَنْكَحَتْ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَخِيهَا فَضَرَبَتْ بَيْنهمْ بِسِتْرٍ ثُمَّ تَكَلَّمَتْ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَقْد أَمَرْت رَجُلًا فَأَنْكَحَ ثُمَّ قَالَتْ : لَيْسَ إِلَى النِّسَاء نِكَاح \" أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق. ‏"
    },
    {
        "id": "4733",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ { ‏وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ‏} ‏قَالَتْ ‏ ‏هَذَا فِي الْيَتِيمَةِ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ شَرِيكَتَهُ فِي مَالِهِ وَهُوَ أَوْلَى بِهَا فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَنْكِحَهَا فَيَعْضُلَهَا لِمَالِهَا وَلَا يُنْكِحَهَا غَيْرَهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَشْرَكَهُ أَحَدٌ فِي مَالِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُوسَى أَوْ اِبْن جَعْفَر كَمَا بَيَّنْته فِي الْمُقَدِّمَة , وَسَاقَ الْحَدِيث عَنْ عَائِشَة مُخْتَصَرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب التَّفْسِير. ‏"
    },
    {
        "id": "4734",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏حِينَ ‏ ‏تَأَيَّمَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏ابْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏تُوُفِّيَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لَقِيتُ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ‏ ‏فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَقَالَ سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي فَلَبِثْتُ ‏ ‏لَيَالِيَ ثُمَّ لَقِيَنِي فَقَالَ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَلَقِيتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عُمَر \" تَأَيَّمَتْ حَفْصَة \" ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه قَرِيبًا وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ اِعْتِبَار الْوَلِيّ فِي الْجُمْلَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4735",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ { ‏فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ‏} ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ ‏ ‏أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ قَالَ زَوَّجْتُ ‏ ‏أُخْتًا لِي ‏ ‏مِنْ ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏فَطَلَّقَهَا حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا فَقُلْتُ لَهُ زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ فَطَلَّقْتَهَا ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا لَا وَاللَّهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ ‏ { ‏فَلَا ‏ ‏تَعْضُلُوهُنَّ ‏ } ‏فَقُلْتُ الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مَعْقِل بْن يَسَار. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي عَمْرو ) ‏ ‏وَهُوَ النَّيْسَابُورِيّ قَاضِيهَا يُكَنَّى أَبَا عَلِيّ , وَاسْم أَبِي عَمْرو حَفْص بْن عَبْد اللَّه بْن رَاشِد. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن طَهْمَانَ : وَيُونُس هُوَ اِبْن عُبَيْد , وَالْحَسَن هُوَ الْبَصْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ) ‏ ‏أَيْ فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة. وَوَقَعَ فِي تَفْسِير الطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي وَلِيّ النِّكَاح أَنْ يُضَارّ وَلِيَّته فَيَمْنَعهَا مِنْ النِّكَاح. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي مَعْقِل بْن يَسَار أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ ) ‏ ‏هَذَا صَرِيح فِي رَفْعِ هَذَا الْحَدِيث وَوَصْلِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة مُعَلَّقًا لِإِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ , وَمَوْصُولًا أَيْضًا لِعَبَّادِ بْن رَاشِد عَنْ الْحَسَن , وَبِصُورَةِ الْإِرْسَال مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد عَنْ يُونُس , وَقَوِيَتْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ بِوَصْلِهِ بِمُتَابَعَةِ عَبَّاد بْن رَاشِد عَلَى تَصْرِيح الْحَسَن بِقَوْلِهِ \" حَدَّثَنِي مَعْقِل بْن يَسَار \". ‏ ‏قَوْله ( زَوَّجْت أُخْتًا لِي ) ‏ ‏اِسْمهَا جُمَيْل بِالْجِيمِ مُصَغَّر بِنْت يَسَار , وَقَعَ فِي تَفْسِير الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ وَبِهِ جَزَمَ اِبْن مَاكُولَا , وَسَمَّاهَا اِبْن فَتْحُون كَذَلِكَ لَكِنْ بِغَيْرِ تَصْغِير وَسَيَأْتِي مُسْتَنَده , وَقِيلَ اِسْمهَا لَيْلَى حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ فِي \" مُبْهَمَات الْقُرْآن \" وَتَبِعَهُ الْبَدْرِيّ , وَقِيلَ فَاطِمَة وَقَعَ ذَلِكَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق , وَيَحْتَمِل التَّعَدُّد بِأَنْ يَكُون لَهَا اِسْمَانِ وَلَقَب أَوْ لَقَبَانِ وَاسْم. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ رَجُل ) ‏ ‏قِيلَ هُوَ أَبُو الْبَدّاح بْن عَاصِم الْأَنْصَارِيّ , هَكَذَا وَقَعَ فِي \" أَحْكَام الْقُرْآن لِإِسْمَاعِيل الْقَاضِي \" مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ \" أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن مَعْقِل أَنَّ جُمَيْل بِنْت يَسَار أُخْت مَعْقِل كَانَتْ تَحْت أَبِي الْبَدّاح بْن عَاصِم فَطَلَّقَهَا فَانْقَضَتْ عِدَّتهَا. فَخَطَبَهَا \" وَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو مُوسَى فِي \" ذَيْل الصَّحَابَة \" وَذَكَرَهُ أَيْضًا الثَّعْلَبِيّ وَلَفْظه \" نَزَلَتْ فِي جُمَيْلَة بِنْت يَسَار أُخْت مَعْقِل وَكَانَتْ تَحْت أَبِي الْبَدّاح بْن عَاصِم بْن عَدِيّ بْن الْعَجْلَان \" وَاسْتَشْكَلَهُ الذُّهْلِيُّ بِأَنَّ الْبَدّاح تَابِعِيّ عَلَى الصَّوَاب , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَحَابِيًّا آخَر. وَجَزَمَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ الْبَدّاح بْن عَاصِم وَكُنْيَته أَبُو عَمْرو فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ أَخُو الْبَدّاح التَّابِعِيّ. وَوَقَعَ لَنَا فِي \" كِتَاب الْمَجَاز \" لِلشَّيْخِ عِزّ الدِّين بْن عَبْد السَّلَام أَنَّ اِسْم زَوْجهَا عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبَّاد بْن رَاشِد عَنْ الْحَسَن عَنْ الْبَزَّار وَالدَّارَقُطْنِيّ \" فَأَتَانِي اِبْن عَمٍّ لِي فَخَطَبَهَا مَعَ الْخُطَّاب \" وَفِي هَذَا نَظَر لِأَنَّ مَعْقِل بْن يَسَار مُزَنِيّ وَأَبُو الْبَدّاح أَنْصَارِيّ فَيَحْتَمِل أَنَّهُ اِبْن عَمّه لِأُمِّهِ أَوْ مِنْ الرَّضَاعَة. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى إِذَا اِنْقَضَتْ عِدَّتهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبَّاد بْن رَاشِد \" فَاصْطَحَبَا مَا شَاءَ اللَّه ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلَاقًا لَهُ رَجْعَة ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى اِنْقَضَتْ عِدَّتهَا فَخَطَبَهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَجَاءَ يَخْطُبهَا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ وَلِيّهَا وَهُوَ أَخُوهَا كَمَا قَالَ أَوَّلًا \" زَوَّجْت أُخْتًا لِي مِنْ رَجُل \". ‏ ‏قَوْله ( وَأَفْرَشْتُك ) ‏ ‏أَيْ جَعَلْتهَا لَك فِرَاشًا , فِي رِوَايَة الثَّعْلَبِيّ \" وَأَفْرَشْتُك كَرِيمَتِي وَآثَرْتُك بِهَا عَلَى قَوْمِي \". وَهَذَا مِمَّا يُبْعِد أَنَّهُ اِبْن عَمّه. ‏ ‏قَوْله ( لَا وَاللَّه لَا تَعُود إِلَيْك أَبَدًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبَّاد بْن رَاشِد \" لَا أُزَوِّجك أَبَدًا \" زَادَ الثَّعْلَبِيّ وَحَمْزَة \" آنَفَا \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالنُّون وَالْفَاء. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْس بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الثَّعْلَبِيّ \" وَكَانَ رَجُل صِدْق \" قَالَ اِبْن التِّين : أَيْ كَانَ جَيِّدًا. وَهَذَا مِمَّا غَيَّرَتْهُ الْعَامَّة فَكَنُّوا بِهِ عَمَّنْ لَا خَيْر فِيهِ كَذَا قَالَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُبَارَك بْن فَضَالَة عَنْ الْحَسَن عِنْد أَبِي مُسْلِم الْكَجِّيّ \" قَالَ الْحَسَن عَلِمَ اللَّه حَاجَة الرَّجُل إِلَى اِمْرَأَته وَحَاجَة الْمَرْأَة إِلَى زَوْجهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة : فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ) ‏ ‏هَذَا صَرِيح فِي نُزُول هَذِهِ الْآيَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة , وَلَا يَمْنَع ذَلِكَ كَوْن ظَاهِر الْخِطَاب فِي السِّيَاق لِلْأَزْوَاجِ حَيْثُ وَقَعَ فِيهَا ( وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء ) , لَكِنَّ قَوْله فِي بَقِيَّتهَا ( أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجهنَّ ) ظَاهِر فِي أَنَّ الْعَضْل يَتَعَلَّق بِالْأَوْلِيَاءِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير بَيَان الْعَضْلِ الَّذِي يَتَعَلَّق بِالْأَوْلِيَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى ( لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ) فَيُسْتَدَلّ فِي كُلّ مَكَان بِمَا يَلِيق بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت الْآن أَفْعَل يَا رَسُول اللَّه. قَالَ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ ) ‏ ‏أَيْ أَعَادَهَا إِلَيْهِ بِعَقْدٍ جَدِيد. وَفِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" فَقُلْت الْآن أَقْبَل أَمْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُسْلِم الْكَجِّيّ مِنْ طَرِيق مُبَارَك بْن فَضَالَة عَنْ الْحَسَن \" فَسَمِعَ ذَلِكَ مَعْقِل بْن يَسَار فَقَالَ : سَمْعًا لِرَبِّي وَطَاعَة , فَدَعَا زَوْجهَا فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ \" وَمِنْ رِوَايَة الثَّعْلَبِيّ \" فَإِنِّي أُومِنُ بِاللَّهِ \" فَأَنْكَحَهَا إِيَّاهُ وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينه \" وَفِي رِوَايَة عَبَّاد بْن رَاشِد \" فَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي وَأَنْكَحْتهَا إِيَّاهُ \" قَالَ الثَّعْلَبِيّ : ثُمَّ هَذَا قَوْل أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ. وَعَنْ السُّدِّيِّ : نَزَلَتْ فِي جَابِر بْن عَبْد اللَّه زَوْج بِنْت عَمّه فَطَلَّقَهَا زَوْجهَا تَطْلِيقَة وَانْقَضَتْ عِدَّتهَا ثُمَّ أَرَادَ تَزْوِيجهَا , وَكَانَتْ الْمَرْأَة تُرِيدهُ فَأَبَى جَابِر , فَنَزَلَتْ , قَالَ اِبْن بَطَّال : اِخْتَلَفُوا فِي الْوَلِيّ فَقَالَ الْجُمْهُور وَمِنْهُمْ مَالِك وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَغَيْرهمْ : الْأَوْلِيَاء فِي النِّكَاح هُمْ الْعَصَبَة , وَلَيْسَ لِلْخَالِ وَلَا وَالِد الْأُمّ وَلَا الْإِخْوَة مِنْ الْأُمّ وَنَحْو هَؤُلَاءِ وِلَايَة. وَعَنْ الْحَنَفِيَّة هُمْ مِنْ الْأَوْلِيَاء , وَاحْتَجَّ الْأَبْهَرِيّ بِأَنَّ الَّذِي يَرِث الْوَلَاء هُمْ الْعَصَبَة دُون ذَوِي الْأَرْحَام قَالَ : فَذَلِكَ عُقْدَة النِّكَاح. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا مَاتَ الْأَب فَأَوْصَى رَجُلًا عَلَى أَوْلَاده هَلْ يَكُون أَوْلَى مِنْ الْوَلِيّ الْقَرِيب فِي عُقْدَة النِّكَاح أَوْ مِثْله أَوْ لَا وِلَايَة لَهُ ؟ فَقَالَ رَبِيعَة وَأَبُو حَنِيفَة وَمَالِك : الْوَصِيّ أَوْلَى , وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِأَنَّ الْأَب لَوْ جَعَلَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ فِي حَيَاته لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاء أَنْ يَعْتَرِض عَلَيْهِ , فَكَذَلِكَ بَعْد مَوْته. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْوِلَايَة اِنْتَقَلَتْ بِالْمَوْتِ فَلَا يُقَاسَ بِحَالِ الْحَيَاة وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء اِشْتِرَاط الْوَلِيّ فِي النِّكَاح فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى ذَلِكَ وَقَالُوا : لَا تُزَوِّج الْمَرْأَة نَفْسهَا أَصْلًا , وَاحْتَجُّوا بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَة , وَمِنْ أَقْوَاهَا هَذَا السَّبَب الْمَذْكُور فِي نُزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة , وَهِيَ أَصَرْحُ دَلِيل عَلَى اِعْتِبَار الْوَلِيّ وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِعَضْلِهِ مَعْنًى , وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَ لَهَا أَنْ تُزَوِّج نَفْسهَا لَمْ تَحْتَجْ إِلَى أَخِيهَا , وَمَنْ كَانَ أَمْره إِلَيْهِ لَا يُقَال إِنَّ غَيْره مَنَعَهُ مِنْهُ. وَذَكَرَ اِبْن الْمُنْذِر أَنَّهُ لَا يُعْرَف عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة خِلَاف ذَلِكَ , وَعَنْ مَالِك رِوَايَة أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ غَيْره شَرِيفَة زَوَّجَتْ نَفْسهَا. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَة إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط الْوَلِيّ أَصْلًا , وَيَجُوز أَنْ تُزَوِّج نَفْسهَا وَلَوْ بِغَيْرِ إِذْن وَلِيّهَا إِذَا تَزَوَّجَتْ كُفُؤًا , وَاحْتَجَّ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْبَيْع فَإِنَّهَا تَسْتَقِلّ بِهِ , وَحَمْلُ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي اِشْتِرَاط الْوَلِيّ عَلَى الصَّغِيرَة وَخُصّ بِهَذَا الْقِيَام عُمُومهَا , وَهُوَ عَمَل سَائِغ فِي الْأُصُول , وَهُوَ جَوَاز تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ , لَكِنَّ حَدِيث مَعْقِل الْمَذْكُور رَفَعَ هَذَا الْقِيَاس , وَيَدُلّ عَلَى اِشْتِرَاط الْوَلِيّ فِي النِّكَاح دُون غَيْره لَيَنْدَفِع عَنْ مُولِيَته الْعَار بِاخْتِيَارِ الْكُفْء , وَانْفَصَلَ بَعْضهمْ عَنْ هَذَا الْإِيرَاد بِالْتِزَامِهِمْ اِشْتِرَاط الْوَلِيّ وَلَكِنْ لَا يَمْنَع ذَلِكَ تَزْوِيجهَا نَفْسهَا , وَيَتَوَقَّف ذَلِكَ إِجَازَة الْوَلِيّ كَمَا قَالُوا لِمَا فِي الْبَيْع , وَهُوَ مَذْهَب الْأَوْزَاعِيِّ. وَقَالَ أَبُو ثَوْر نَحْوه لَكِنْ قَالَ : يُشْتَرَط إِذْن الْوَلِيّ لَهَا فِي تَزْوِيج نَفْسهَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِذْن الْوَلِيّ لَا يَصِحّ إِلَّا لِمَنْ يَنُوب عَنْهُ وَالْمَرْأَة لَا تَنُوب عَنْهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَقّ لَهَا , وَلَوْ أَذِنَ لَهَا فِي إِنْكَاح نَفْسهَا صَارَتْ كَمَنْ أَذِنَ لَهَا فِي الْبَيْع مِنْ نَفْسهَا وَلَا يَصِحّ. وَفِي حَدِيث مَعْقِل أَنَّ الْوَلِيّ إِذَا عَضَل لَا يُزَوِّج السُّلْطَان إِلَّا بَعْد أَنْ يَأْمُرهُ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْعَضْلِ , فَإِنْ أَجَابَ فَذَاكَ , وَإِنْ أَصَرَّ زَوَّجَ عَلَيْهِ الْحَاكِم , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4736",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏فِي قَوْلِهِ ‏ { ‏وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ‏} ‏إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَتْ هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ الرَّجُلِ قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فَيَحْبِسُهَا فَنَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث عَائِشَة فِي قَوْله تَعَالَى ( وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء ) أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي التَّفْسِير , وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ أَنَّ قَوْله \" فَرَغِبَ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجهَا \" أَعَمّ مِنْ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ يَأْمُر غَيْره فَيُزَوِّجهُ , وَبِهِ اِحْتَجَّ مُحَمَّد بْن الْحَسَن عَلَى الْجَوَاز , لِأَنَّ اللَّه لَمَّا عَاتَبَ الْأَوْلِيَاء فِي تَزْوِيج مَنْ كَانَتْ مِنْ أَهْل الْمَال وَالْجَمَال بِدُونِ سُنَّتهَا مِنْ الصَّدَاق وَعَاتَبَهُمْ عَلَى تَرْكِ تَزْوِيج مَنْ كَانَتْ قَلِيلَة الْمَال وَالْجَمَال دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَلِيّ يَصِحّ مِنْهُ. تَزْوِيجهَا مِنْ نَفْسه , إِذْ لَا يُعَاتِب أَحَد عَلَى تَرْكِ مَا هُوَ حَرَام عَلَيْهِ , وَدَلَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يَتَزَوَّجهَا وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَة لِأَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُقْسِط لَهَا فِي الصَّدَاق , وَلَوْ كَانَتْ بَالِغًا لَمَا مَنَعَ أَنْ يَتَزَوَّجهَا بِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ , فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَاد مَنْ لَا أَمْرَ لَهَا فِي نَفْسهَا. وَقَدْ أُجِيب بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِذَلِكَ السَّفِيهَة فَلَا أَثَر لِرِضَاهَا بِدُونِ مَهْر مِثْلهَا كَالْبِكْرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4737",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جُلُوسًا فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تَعْرِضُ نَفْسَهَا عَلَيْهِ فَخَفَّضَ فِيهَا النَّظَرَ وَرَفَعَهُ فَلَمْ يُرِدْهَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ زَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏أَعِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ قَالَ وَلَا خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ قَالَ وَلَا خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ أَشُقُّ بُرْدَتِي هَذِهِ فَأُعْطِيهَا النِّصْفَ وَآخُذُ النِّصْفَ قَالَ لَا هَلْ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي الْوَاهِبَة , وَسَيَأْتِي شَرْحه قَرِيبًا , وَوَجْه الْأَخْذ مِنْهُ الْإِطْلَاق أَيْضًا , لَكِنْ اِنْفَصَلَ مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مَعْدُود مِنْ خَصَائِصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُزَوِّج نَفْسه وَبِغَيْرِ وَلِيّ وَلَا شُهُود. وَلَا اِسْتِئْذَان وَبِلَفْظِ الْهِبَة كَمَا يَأْتِي تَقْرِيره , وَقَوْله فِيهِ \" فَلَمْ يُرِدْهَا \" بِسُكُونِ الدَّال مِنْ الْإِرَادَة , وَحَكَى بَعْض الشُّرَّاح تَشْدِيد الدَّال وَفَتْح أَوَّله وَهُوَ مُحْتَمَل ‏"
    },
    {
        "id": "4738",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4739",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏وَأُنْبِئْتُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُ تِسْعَ سِنِينَ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ حَدِيث عَائِشَة وَقَوْله فِيهِ ‏ ‏\" قَالَ هِشَام \" ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عُرْوَة , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏\" وَقَوْله وَأُنْبِئْت إِلَخْ \" ‏ ‏لَمْ يُسَمَّ مَنْ أَنْبَأَهُ بِذَلِكَ , وَيُشْبِه أَنْ يَكُون حَمَلَهُ عَنْ اِمْرَأَته فَاطِمَة بِنْت الْمُنْذِر عَنْ جَدَّتهَا أَسْمَاء , قَالَ اِبْن بَطَّال : دَلَّ حَدِيث الْبَاب عَلَى أَنَّ الْأَب أَوْلَى فِي تَزْوِيج اِبْنَته مِنْ الْإِمَام , وَأَنَّ السُّلْطَان وَلِيّ مَنْ لَا وَلِيّ لَهَا , وَأَنَّ الْوَلِيّ مِنْ شُرُوط النِّكَاح. قُلْت : وَلَا دَلَالَة فِي الْحَدِيثَيْنِ عَلَى اِشْتِرَاط شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا فِيهِمَا وُقُوع ذَلِكَ , وَلَا يَلْزَم مِنْهُ مَنْعُ مَا عَدَاهُ , وَإِنَّمَا يُؤْخَذ ذَلِكَ مِنْ أَدِلَّة أُخْرَى. وَقَالَ : وَفِيهِ أَنَّ النَّهْي عَنْ إِنْكَاح الْبِكْر حَتَّى تَسْتَأْذِن مَخْصُوص بِالْبَالِغِ حَتَّى يُتَصَوَّر مِنْهَا الْإِذْن , وَأَمَّا الصَّغِيرَة فَلَا إِذْن لَهَا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي بَاب مُفْرَد ‏"
    },
    {
        "id": "4740",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ إِنِّي وَهَبْتُ مِنْ نَفْسِي فَقَامَتْ طَوِيلًا فَقَالَ رَجُلٌ زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ قَالَ ‏ ‏هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا قَالَ مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي فَقَالَ إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ فَالْتَمِسْ شَيْئًا فَقَالَ مَا أَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَلَمْ يَجِدْ فَقَالَ أَمَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ قَالَ نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا لِسُوَرٍ سَمَّاهَا فَقَالَ قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي الْوَاهِبَة مِنْ طَرِيق مَالِك بِلَفْظِ \" زَوَّجْتُكهَا \" بِالْإِفْرَادِ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" زَوَّجْنَاكهَا \" بِنُونِ التَّعْظِيم , وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيح بِأَنَّ السُّلْطَان وَلِيّ فِي حَدِيث عَائِشَة الْمَرْفُوع \" أَيّمَا اِمْرَأَة نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْن وَلِيّهَا فَنِكَاحهَا بَاطِل \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" وَالسُّلْطَان وَلِيّ مِنْ لَا وَلِيّ لَهَا \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ حَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَة وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم , لَكِنَّهُ لِمَا لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطه اِسْتَنْبَطَهُ مِنْ قَصَّهُ الْوَاهِبَة. وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" لَا نِكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ , وَالسُّلْطَان وَلِيّ مَنْ لَا وَلِيّ لَهُ \" وَفِي إِسْنَاده الْحَجَّاج بْن أَرْطَاةَ وَفِيهِ مَقَال , وَأَخْرَجَهُ سُفْيَان فِي جَامِعه وَمِنْ طَرِيقه الطَّبَرَانِيّ فِي \" الْأَوْسَط \" بِإِسْنَادٍ آخَر حَسَن عَنْ اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ \" لَا نِكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِد أَوْ سُلْطَان \" ‏"
    },
    {
        "id": "4741",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَهُمْ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى ‏ ‏تُسْتَأْمَرَ ‏ ‏وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ إِذْنُهَا قَالَ أَنْ تَسْكُتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق خَالِد بْن الْحَارِث عَنْ هِشَام عَنْ يَحْيَى \" حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَة \". ‏ ‏قَوْله ( لَا تُنْكِح ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْحَاء لِلنَّهْيِ , وَبِرَفْعِهَا لِلْخَبَرِ وَهُوَ أَبْلَغ فِي الْمَنْع , وَتَقَدَّمَ تَفْسِير الْأَيِّم فِي \" بَاب عَرْضِ الْإِنْسَان اِبْنَته \" وَظَاهِر هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْأَيِّم هِيَ الثَّيِّب الَّتِي فَارَقَتْ1 زَوْجهَا بِمَوْتٍ أَوْ طَلَاق لِمُقَابَلَتِهَا بِالْبِكْرِ , وَهَذَا هُوَ الْأَصْل فِي الْأَيِّم , وَمِنْهُ قَوْلهمْ \" الْغَزْو مَأْيَمَة \" أَيْ يَقْتُل الرِّجَال فَتَصِير النِّسَاء أَيَامَى , وَقَدْ تُطْلَق عَلَى مَنْ لَا زَوْج لَهَا أَصْلًا , وَنَقَلَهُ عِيَاض عَنْ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَإِسْمَاعِيل الْقَاضِي وَغَيْرهمَا أَنَّهُ يُطْلَق عَلَى كُلّ مَنْ لَا زَوْج لَهَا صَغِيرَة كَانَتْ أَوْ كَبِيرَة بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا , وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ الْقَوْلَيْنِ لِأَهْلِ اللُّغَة. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيث عِنْد اِبْن الْمُنْذِر وَالدَّارِمِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ \" لَا تُنْكَح الثَّيِّب \" وَوَقَعَ عِنْد اِبْن الْمُنْذِر فِي رِوَايَة عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيث الثَّيِّب تُشَاوَر. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى تُسْتَأْمَر ) ‏ ‏أَصْل الِاسْتِئْمَار طَلَب الْأَمْر , فَالْمَعْنَى لَا يَعْقِد عَلَيْهَا حَتَّى يَطْلُب الْأَمْر مِنْهَا , وَيُؤْخَذ مِنْ قَوْله تُسْتَأْمَر أَنَّهُ لَا يَعْقِد إِلَّا بَعْد أَنْ تَأْمُر بِذَلِكَ , وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَة عَلَى عَدَم اِشْتِرَاط الْوَلِيّ فِي حَقّهَا , بَلْ فِيهِ إِشْعَار بِاشْتِرَاطِهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا تُنْكَح الْبِكْر حَتَّى تُسْتَأْذَن ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة التَّفْرِقَة بَيْن الثَّيِّب وَالْبِكْر , فَعَبَّرَ لِلثَّيِّبِ بِالِاسْتِئْمَارِ وَلِلْبِكْرِ بِالِاسْتِئْذَانِ , فَيُؤْخَذ مِنْهُ فَرْقٌ بَيْنهمَا مِنْ جِهَة أَنَّ الِاسْتِئْمَار يَدُلّ عَلَى تَأْكِيد الْمُشَاوَرَة وَجَعْل الْأَمْر إِلَى الْمُسْتَأْمَرَة , وَلِهَذَا يَحْتَاج الْوَلِيّ إِلَى صَرِيح إِذْنهَا فِي الْعَقْد , فَإِذَا صَرَّحْت بِمَنْعِهِ اِمْتَنَعَ اِتِّفَاقًا وَالْبِكْر بِخِلَافِ ذَلِكَ , وَالْإِذْن دَائِر بَيْن الْقَوْل وَالسُّكُوت بِخِلَافِ الْأَمْر فَإِنَّهُ صَرِيح فِي الْقَوْل وَإِنَّمَا جَعَلَ السُّكُوت إِذْنًا فِي حَقّ الْبِكْر لِأَنَّهَا قَدْ تَسْتَحِي أَنْ تُفْصِح. ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة \" قُلْنَا \" وَحَدِيث عَائِشَة صَرِيح فِي أَنَّهَا هِيَ السَّائِلَة عَنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( كَيْف إِذْنهَا ) ‏ ‏فِي حَدِيث عَائِشَة \" قُلْت إِنَّ الْبِكْر تَسْتَحِي \" وَسَتَأْتِي أَلْفَاظه. ‏"
    },
    {
        "id": "4742",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَمْرٍو ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي قَالَ ‏ ‏رِضَاهَا صَمْتُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَمْرو بْن الرَّبِيع بْن طَارِق ) ‏ ‏أَيْ اِبْن قُرَّة الْهِلَالِيّ أَبُو حَفْص الْمِصْرِيّ وَأَصْله كُوفِيّ سَمِعَ مِنْ مَالِك وَاللَّيْث وَيَحْيَى بْن أَيُّوب وَغَيْرهمْ , رَوَى عَنْهُ الْقُدَمَاء مِثْل يَحْيَى بْن مَعِين وَإِسْحَاق الْكَوْسَج وَأَبِي عُبَيْد وَإِبْرَاهِيم بْن هَانِئ , وَهُوَ مِنْ قُدَمَاء شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَلَمْ أَرَ لَهُ عَنْهُ فِي الْجَامِع إِلَّا هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَمَاتَ سَنَة تِسْع عَشْرَة وَمِائَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا اللَّيْث ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَنْبَأَنَا \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي عَمْرو مَوْلَى عَائِشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ ذَكْوَانَ \" وَسَيَأْتِي فِي تَرْكِ الْحِيَل , وَيَأْتِي فِي الْإِكْرَاه مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" عَنْ أَبِي عَمْرو هُوَ ذَكْوَانُ \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ الْبِكْر تَسْتَحِي ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق اللَّيْث مُخْتَصَرًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ فِي تَرْكِ الْحِيَل \" قَالَتْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبِكْر تُسْتَأْذَن , قُلْت \" فَذَكَرَ مِثْله. وَفِي الْإِكْرَاه بِلَفْظِ \" قُلْت : يَا رَسُول اللَّه , تُسْتَأْمَر النِّسَاء فِي أَبْضَاعهنَّ ؟ قَالَ : نَعَمْ. قُلْت : فَإِنَّ الْبِكْر تُسْتَأْمَر فَتَسْتَحِي فَتَسْكُت \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجَارِيَة يَنْكِحهَا أَهْلهَا , أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لَا ؟ قَالَ : نَعَمْ تُسْتَأْمَر. قُلْت : فَإِنَّهَا تَسْتَحِي \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ رِضَاهَا صَمْتهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" قَالَ سُكَاتهَا إِذْنهَا \" وَفِي لَفْظ لَهُ \" قَالَ إِذْنهَا صُمَاتهَا \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ أَيْضًا \" قَالَ فَذَلِكَ إِذْنهَا إِذَا هِيَ سَكَتَتْ \" وَدَلَّتْ رِوَايَة الْبُخَارِيّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْجَارِيَةِ فِي رِوَايَة مُسْلِم الْبِكْر دُون الثَّيِّب. وَعِنْد مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَالْبِكْر تُسْتَأْذَن فِي نَفْسهَا , وَإِذْنهَا صُمَاتهَا \" وَفِي لَفْظ لَهُ \" وَالْبِكْر يَسْتَأْذِنهَا أَبُوهَا فِي نَفْسهَا \" قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : يُسْتَحَبّ إِعْلَام الْبِكْر أَنَّ سُكُوتهَا إِذْن , لَكِنْ لَوْ قَالَتْ بَعْد الْعَقْد مَا عَلِمْت أَنَّ صَمْتِي إِذْن لَمْ يَبْطُل الْعَقْد بِذَلِكَ عِنْد الْجُمْهُور , وَأَبْطَلَهُ بَعْض الْمَالِكِيَّة , وَقَالَ اِبْن شَعْبَان مِنْهُمْ : يُقَال لَهَا ذَلِكَ ثَلَاثًا إِنْ رَضِيت فَاسْكُتِي وَإِنْ كَرِهْت فَانْطِقِي. وَقَالَ بَعْضهمْ : يُطَال الْمَقَام عِنْدهَا لِئَلَّا تَخْجَل فَيَمْنَعهَا ذَلِكَ مِنْ الْمُسَارَعَة. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا لَمْ تَتَكَلَّم بَلْ ظَهَرَتْ مِنْهَا قَرِينَة السُّخْط أَوْ الرِّضَا بِالتَّبَسُّمِ مَثَلًا أَوْ الْبُكَاء , فَعِنْد الْمَالِكِيَّة إِنْ نَفَرَتْ أَوْ بَكَتْ أَوْ قَامَتْ أَوْ ظَهَرَ مِنْهَا مَا يَدُلّ عَلَى الْكَرَاهَة لَمْ تُزَوَّج , وَعِنْد الشَّافِعِيَّة لَا أَثَر لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَنْع إِلَّا إِنْ قُرِنَتْ مَعَ الْبُكَاء الصِّيَاح وَنَحْوه , وَفَرَّقَ بَعْضهمْ بَيْن الدَّمْع فَإِنْ كَانَ حَارًّا دَلَّ عَلَى الْمَنْع وَإِنْ كَانَ بَارِدًا دَلَّ عَلَى الرِّضَا. قَالَ : وَفِي هَذَا الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْبِكْر الَّتِي أُمِرَ بِاسْتِئْذَانِهَا هِيَ الْبَالِغ , إِذْ لَا مَعْنَى لِاسْتِئْذَانِ مَنْ لَا تَدْرِي مَا الْإِذْن , وَمَنْ يَسْتَوِي سُكُوتهَا وَسَخَطهَا. وَنَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ مَالِك أَنَّ سُكُوت الْبِكْر الْيَتِيمَة قَبْل إِذْنهَا وَتَفْوِيضهَا لَا يَكُون رِضًا مِنْهَا , بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ بَعْد تَقْوِيضهَا إِلَى وَلِيّهَا. وَخَصَّ بَعْض الشَّافِعِيَّة الِاكْتِفَاء بِسُكُوتِ الْبِكْر الْبَالِغ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَب وَالْجَدّ دُون غَيْرهمَا , لِأَنَّهَا تَسْتَحِي مِنْهُمَا أَكْثَر مِنْ غَيْرهمَا. وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور اِسْتِعْمَال الْحَدِيث فِي جَمِيع الْأَبْكَار بِالنِّسْبَةِ لِجَمِيعِ الْأَوْلِيَاء , وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَب يُزَوِّج الْبِكْر الْبَالِغ بِغَيْرِ إِذْنهَا فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَنَفِيَّة وَوَافَقَهُمْ أَبُو ثَوْر : يُشْتَرَط اِسْتِئْذَانهَا , فَلَوْ عَقَدَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ اِسْتِئْذَان لَمْ يَصِحّ. وَقَالَ الْآخَرُونَ : يَجُوز لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجهَا وَلَوْ كَانَتْ بَالِغًا بِغَيْرِ اِسْتِئْذَان , وَهُوَ قَوْل اِبْن أَبِي لَيْلَى وَمَالِك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَمِنْ حُجَّتهمْ مَفْهُوم حَدِيث الْبَاب لِأَنَّهُ جَعَلَ الثَّيِّب أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ وَلِيّ الْبِكْر أَحَقّ بِهَا مِنْهَا. وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ بِحَدِيثِ يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا \" تُسْتَأْمَر الْيَتِيمَة فِي نَفْسهَا , فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إِذْنهَا \" قَالَ فَقُيِّدَ ذَلِكَ بِالْيَتِيمَةِ فَيُحْمَل الْمُطْلَق عَلَيْهِ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس الَّذِي ذَكَرْته بِلَفْظِ \" يَسْتَأْذِنهَا أَبُوهَا \" فَنَصَّ عَلَى ذِكْرِ الْأَب. وَأَجَابَ الشَّافِعِيّ بِأَنَّ الْمُؤَامَرَة قَدْ تَكُون عَنْ اِسْتِطَابَة النَّفْس , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" وَأْمُرُوا النِّسَاء فِي بَنَاتهنَّ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , قَالَ الشَّافِعِيّ : لَا خِلَاف أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأُمِّ أَمْر , لَكِنَّهُ عَلَى مَعْنَى اِسْتِطَابَة النَّفْس. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : زِيَادَة ذِكْرِ الْأَب فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس غَيْر مَحْفُوظَة , قَالَ الشَّافِعِيّ : زَادَهَا اِبْن عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثه , وَكَانَ اِبْن عُمَر وَالْقَاسِم وَسَالِم يُزَوِّجُونَ الْأَبْكَار لَا يَسْتَأْمِرُونَهُنَّ ; قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَالْمَحْفُوظ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" الْبِكْر تُسْتَأْمَر \" وَرَوَاهُ صَالِح بْن كَيْسَانَ بِلَفْظِ \" وَالْيَتِيمَة تُسْتَأْمَر \" وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى وَمُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْبِكْرِ الْيَتِيمَة. قُلْت. وَهَذَا لَا يَدْفَع زِيَادَة الثِّقَة الْحَافِظ بِلَفْظِ الْأَب , وَلَوْ قَالَ قَائِل : بَلْ الْمُرَاد بِالْيَتِيمَةِ الْبِكْر لَمْ يُدْفَع. وَتُسْتَأْمَر بِضَمِّ أَوَّله يَدْخُل فِيهِ الْأَب وَغَيْره فَلَا تَعَارُض بَيْن الرِّوَايَات , وَيَبْقَى النَّظَر فِي أَنَّ الِاسْتِئْمَار هَلْ هُوَ شَرْط فِي صِحَّة الْعَقْد أَوْ مُسْتَحَبّ عَلَى مَعْنَى اِسْتِطَابَة النَّفْس كَمَا قَالَ الشَّافِعِيّ ؟ كُلّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ مُحْتَمِل , وَسَيَأْتِي مَزِيد بَحْث فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الصَّغِيرَة الثَّيِّب لَا إِجْبَار عَلَيْهَا لِعُمُومِ كَوْنهَا أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا , وَعَلَى أَنَّ مَنْ زَالَتْ بَكَارَتهَا بِوَطْءٍ وَلَوْ كَانَ زِنًا لَا إِجْبَار عَلَيْهَا لِأَبٍ وَلَا غَيْره لِعُمُومِ قَوْله \" الثَّيِّب أَحَقّ بِنَفْسِهَا \" وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : هِيَ كَالْبِكْرِ , وَخَالَفَهُ حَتَّى صَاحِبَاهُ , وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ عِلَّة الِاكْتِفَاء بِسُكُوتِ الْبِكْر هُوَ الْحَيَاء وَهُوَ بَاقٍ فِي هَذِهِ لِأَنَّ الْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِيمَنْ زَالَتْ بَكَارَتهَا بِوَطْءٍ لَا فِيمَنْ اِتَّخَذَتْ الزِّنَا دَيْدَنًا وَعَادَة وَأُجِيب بِأَنَّ الْحَدِيث نَصَّ عَلَى أَنَّ الْحَيَاء يَتَعَلَّق بِالْبِكْرِ وَقَابَلَهَا بِالثَّيِّبِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمهمَا مُخْتَلِف , وَهَذِهِ ثَيِّب لُغَة وَشَرْعًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ كُلّ ثَيِّب فِي مِلْكِهِ دَخَلْت إِجْمَاعًا , وَأَمَّا بَقَاء حَيَائِهَا كَالْبِكْرِ فَمَمْنُوع لِأَنَّهَا تَسْتَحْيِ مِنْ ذِكْرِ وُقُوع الْفُجُور مِنْهَا , وَأَمَّا ثُبُوت الْحَيَاء مِنْ أَصْل النِّكَاح فَلَيْسَتْ فِيهِ كَالْبِكْرِ الَّتِي لَمْ تُجَرِّبهُ قَطُّ , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ : إِنَّ لِلثَّيِّبِ أَنْ تَتَزَوَّج بِغَيْرِ وَلِيّ , وَلَكِنَّهَا لَا تُزَوِّج نَفْسهَا بَلْ تَجْعَل أَمْرهَا إِلَى رَجُل فَيُزَوِّجهَا , حَكَاهُ اِبْن حَزْم عَنْ دَاوُدَ , وَتَعَقَّبَهُ بِحَدِيثِ عَائِشَة \" أَيّمَا اِمْرَأَة نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْن وَلِيّهَا فَنِكَاحهَا بَاطِل \" وَهُوَ حَدِيث صَحِيح كَمَا تَقَدَّمَ , وَهُوَ يُبَيِّن أَنَّ مَعْنَى قَوْله \" أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا أَنَّهُ لَا يَنْفُذ عَلَيْهَا أَمَرَهُ بِغَيْرِ إِذْنهَا وَلَا يَجْبُرهَا , فَإِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّج لَمْ يَجُزْ لَهَا إِلَّا بِإِذْنِ وَلِيّهَا وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْبِكْر إِذَا أَعْلَنَتْ بِالْمَنْعِ لَمْ يَجُزْ النِّكَاح , وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّف فِي التَّرْجَمَة , وَإِنْ أَعْلَنَتْ بِالرِّضَا فَيَجُوز بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَشَذَّ بَعْض أَهْل الظَّاهِر فَقَالَ : لَا يَجُوز أَيْضًا وُقُوفًا عِنْد ظَاهِر قَوْله \" وَإِذْنهَا أَنْ تَسْكُت \" ‏"
    },
    {
        "id": "4743",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَمُجَمِّعٍ ابْنَيْ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الْأَنْصَارِيَّةِ ‏ ‏أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا ‏ ‏وَهْيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَدَّ نِكَاحَهُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏وَمُجَمِّعَ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَاهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا يُدْعَى ‏ ‏خِذَامًا ‏ ‏أَنْكَحَ ابْنَةً لَهُ نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَمُجَمِّع ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْجِيم وَكَسْر الْمِيم الثَّقِيلَة ثُمَّ عَيْن مُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْله ( اِبْنَيْ يَزِيد بْن جَارِيَة ) ‏ ‏بِالْجِيمِ أَيْ اِبْن عَامِر بْن الْعَطَّاف الْأَنْصَارِيّ الْأَوْسِيّ مِنْ بَنِي عَمْرو بْن عَوْف , وَهُوَ اِبْن أَخِي مُجَمِّع بْن جَارِيَة الصَّحَابِيّ الَّذِي جَمَعَ الْقُرْآن فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْرَجَ لَهُ أَصْحَاب السُّنَن , وَقَدْ وَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمَا وَاحِد , وَمِنْهُ قِيلَ إِنَّ لِمُجَمِّعِ بْن يَزِيد صُحْبَة لَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا الصُّحْبَة لِعَمِّهِ مُجَمِّع بْن جَارِيَة , وَلَيْسَ لِمُجَمِّعِ بْن يَزِيد فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ قَرَنَهُ فِيهِ بِأَخِيهِ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد , وَعَبْد الرَّحْمَن وُلِدَ عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَزَمَ بِهِ الْعَسْكَرِيّ وَغَيْره , وَهُوَ أَخُو عَاصِم بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب لِأُمِّهِ , قَالَ اِبْن سَعْد : وَلِيَ الْقَضَاء لِعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز يَعْنِي لَمَّا كَانَ أَمِير الْمَدِينَة , وَمَاتَ سَنَة ثَلَاث وَتِسْعِينَ وَقِيلَ سَنَة ثَمَان , وَوَثَّقَهُ جَمَاعَة , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ أَيْضًا سِوَى هَذَا الْحَدِيث. وَقَدْ وَافَقَ مَالِكًا عَلَى إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم وَإِنْ اِخْتَلَفَ الرُّوَاة عَنْهُمَا فِي وَصْل هَذَا الْحَدِيث عَنْ خَنْسَاء وَفِي إِرْسَاله حَيْثُ قَالَ بَعْضهمْ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن وَمُجَمِّع أَنَّ خَنْسَاء زُوِّجَتْ , وَكَذَا اِخْتَلَفُوا عَنْهُمَا فِي نَسَبِ عَبْد الرَّحْمَن وَمُجَمِّع : فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْقَطَ يَزِيد وَقَالَ اِبْنَيْ جَارِيَة وَالصَّوَاب وَصْلُهُ وَإِثْبَات يَزِيد فِي نَسَبِهِمَا , وَقَدْ أَخْرَجَ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ الْمُصَنِّف فِي تَرْك الْحِيَل بِصُورَةِ الْإِرْسَال كَمَا سَيَأْتِي , وَأَخْرَجَهَا أَحْمَد عَنْهُ كَذَلِكَ , وَأَوْرَدَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقه مَوْصُولَة , وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْمُوَطِّئَات \" مِنْ طَرِيق مُعَلَّى بْن مَنْصُور عَنْ مَالِك بِصُورَةِ الْإِرْسَال أَيْضًا وَالْأَكْثَر وَصَلُوهُ عَنْهُ , وَخَالَفَهُمَا مَعًا سُفْيَان الثَّوْرِيّ فِي رَاوٍ مِنْ السَّنَد فَقَالَ \" عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد بْن وَدِيعَة عَنْ خَنْسَاء \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي \" الْكُبْرَى \" وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُبَارَك عَنْهُ , وَهِيَ رِوَايَة شَاذَّة لَكِنْ يَبْعُد أَنْ يَكُون لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم فِيهِ شَيْخَانِ , وَعَبْد اللَّه بْن يَزِيد بْن وَدِيعَة هَذَا لَمْ أَرَ مَنْ تَرْجَمَ لَهُ , وَلَمْ يَذْكُر الْبُخَارِيّ وَلَا اِبْن أَبِي حَاتِم وَلَا اِبْن حِبَّان إِلَّا عَبْد اللَّه بْن وَدِيعَة بْن خَدَّام الَّذِي رَوَى عَنْ سَلْمَان الْفَارِسِيّ فِي غُسْلِ الْجُمُعَة وَعَنْهُ الْمَقْبُرِيّ , وَهُوَ تَابِعِيّ غَيْر مَشْهُور إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث , وَوَثَّقَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْن حِبَّان , وَقَدْ ذَكَرَهُ اِبْن مَنْدَهْ فِي \" الصَّحَابَة \" وَخَطَّاهُ أَبُو نُعَيْم فِي ذَلِكَ , وَأَظُنّ شَيْخ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم اِبْن أَخِيهِ , وَعَبْد اللَّه بْن يَزِيد بْن وَدِيعَة هَذَا مِمَّنْ أَغْفَلَهُ الْمِزِّيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ فَلَمْ يَذْكُرُوهُ فِي رِجَال الْكُتُب السِّتَّة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ خَنْسَاء بِنْت خِدَام ‏ ‏) ‏ ‏بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ نُون ثُمَّ مُهْمَلَة وَزْن حَمْرَاء , وَأَبُوهَا بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمُهْمَلَة , قِيلَ اِسْم أَبِيهِ وَدِيعَة , وَالصَّحِيح أَنَّ اِسْم أَبِيهِ خَالِد وَوَدِيعَة اِسْم جَدّه فِيمَا أَحْسَب , وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة لِأَحْمَد مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ الْحَجَّاج بْن السَّائِب مُرْسَلًا فِي هَذِهِ الْقِصَّة , وَلَكِنْ قَالَ فِي تَسْمِيَتهَا خُنَاس بِتَخْفِيفِ النُّون وَزْن فُلَان , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ وَابْن السَّكَن خَنْسَاء , وَوَصَلَ الْحَدِيث عَنْهَا فَقَالَ \" عَنْ حَجَّاج بْن السَّائِب بْن أَبِي لُبَابَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدَّته خَنْسَاء \" وَخُنَاس مُشْتَقّ مِنْ خَنْسَاء كَمَا يُقَال فِي زَيْنَب زُنَاب , وَكُنْيَة خِدَام وَالِد خَنْسَاء أَبُو وَدِيعَة كَنَّاهُ أَبُو نُعَيْم , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ عِنْد عَبْد الرَّزَّاق مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ خِدَامًا أَبَا وَدِيعَة أَنْكَحَ اِبْنَته رَجُلًا \" الْحَدِيث , وَوَقَعَ عِنْد الْمُسْتَغْفِريّ مِنْ طَرِيق رَبِيعَة بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد اِبْن جَارِيَة أَنَّ وَدِيعَة بْن خِدَام زَوَّجَ اِبْنَته , وَهُوَ وَهْمٌ فِي اِسْمه , وَلَعَلَّهُ كَانَ : أَنَّ خِدَامًا أَبَا وَدِيعَة , فَانْقَلَبَ. وَقَدْ ذَكَرْت فِي كِتَاب الصَّحَابَة مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ لِوَدِيعَةَ بْن خِدَام أَيْضًا صُحْبَة , وَلَهُ قِصَّة مَعَ عُمَر فِي مِيرَاث سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة ذَكَرَهَا الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه , وَقَدْ أَطَلْت فِي هَذَا الْمَوْضِع , لَكِنْ جَرَّ الْكَلَام بَعْضه بَعْضًا وَلَا يَخْلُو مِنْ فَائِدَة. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّب فَكَرِهَتْ ذَلِكَ ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ الْمَذْكُورَة \" قَالَتْ أَنْكَحَنِي أَبِي وَأَنَا كَارِهَة وَأَنَا بِكْر \" وَالْأَوَّل أَرْجَح , فَقَدْ ذَكَرَ الْحَدِيث الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طُرُق شُعْبَة عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ الْقَاسِم فَقَالَ فِي رِوَايَته \" وَأَنَا أُرِيدَ أَنْ أَتَزَوَّج عَمّ وَلَدِي \" وَكَذَا أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْجَحْشِيّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار تَزَوَّجَ خَنْسَاء بِنْت خِدَام فَقُتِلَ عَنْهَا يَوْم أُحُد , فَأَنْكَحَهَا أَبُوهَا رَجُلًا , فَأَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنَّ أَبِي أَنْكَحَنِي , وَإِنَّ عَمّ وَلَدِي أَحَبّ إِلَيَّ \" فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ وَلَدَتْ مِنْ زَوْجهَا الْأَوَّل , وَاسْتَفَدْنَا مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة نِسْبَة زَوْجهَا الْأَوَّل وَاسْمه أُنَيْس بْن قَتَادَةَ سَمَّاهُ الْوَاقِدِيُّ فِي رِوَايَته مِنْ وَجْه آخَر عَنْ خَنْسَاء , وَوَقَعَ فِي \" الْمُبْهَمَات لِلْقُطْبِ الْقَسْطَلَّانِيّ \" أَنَّ اِسْمه أُسَيْر وَأَنَّهُ اُسْتُشْهِدَ بِبَدْرٍ وَلَمْ يَذْكُر لَهُ مُسْتَنَدًا , وَأَمَّا الثَّانِي الَّذِي كَرِهَتْهُ فَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه إِلَّا أَنَّ الْوَاقِدِيّ ذَكَرَ بِإِسْنَادٍ لَهُ أَنَّهُ مِنْ بَنِي مُزَيْنَةَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ الْحَجَّاج بْن السَّائِب بْن أَبِي لُبَابَة عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا أَنَّهُ مِنْ بَنِي عَمْرو بْن عَوْف , وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ خِدَامًا أَبَا وَدِيعَة أَنْكَحَ اِبْنَته رَجُلًا , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُكْرِهُوهُنَّ , فَنَكَحَتْ بَعْد ذَلِكَ أَبَا لُبَابَة وَكَانَتْ ثَيِّبًا \" وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس فَذَكَرَ نَحْو الْقِصَّة قَالَ فِيهِ \" فَنَزَعَهَا مِنْ زَوْجهَا وَكَانَتْ ثَيِّبًا , فَنَكَحَتْ بَعْده أَبَا لُبَابَة \" وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق أَيْضًا عَنْ الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِث عَنْ نَافِع بْن جُبَيْر قَالَ \" تَأَيَّمَتْ خَنْسَاء , فَزَوَّجَهَا أَبُوهَا \" الْحَدِيث نَحْوه وَفِيهِ \" فَرَدَّ نِكَاحه , وَنَكَحَتْ أَبَا لُبَابَة \" وَهَذِهِ أَسَانِيد يَقْوَى بَعْضهَا بِبَعْضٍ. كُلّهَا دَالَّة عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ ثَيِّبًا. نَعَمْ أَخْرَجَ النَّسَائِي مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاء عَنْ جَابِر \" أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ اِبْنَته وَهِيَ بِكْر مِنْ غَيْر أَمْرهَا , فَأَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَرَّقَ بَيْنهمَا \" وَهَذَا سَنَد ظَاهِره الصِّحَّة , وَلَكِنْ لَهُ عِلَّة أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فَأَدْخَلَ بَيْنه وَبَيْن عَطَاء إِبْرَاهِيم بْن مُرَّة وَفِيهِ مَقَال , وَأَرْسَلَهُ فَلَمْ يَذْكُر فِي إِسْنَاده جَابِرًا. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق جَرِير بْن حَازِم عَنْ أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ جَارِيَة بَكْرًا أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَة , فَخَيَّرَهَا \" وَرِجَاله ثِقَات , لَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زُرْعَة إِنَّهُ خَطَأ وَأَنَّ الصَّوَاب إِرْسَاله. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ نِكَاح بِكْر وَثَيِّب أَنْكَحَهُمَا أَبُوهُمَا وَهُمَا كَارِهَتَانِ \" قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْد الْمَلِك الدماري وَفِيهِ ضَعْف , وَالصَّوَاب عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ الْمُهَاجِر بْن عِكْرِمَة مُرْسَل , وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنْ ثَبَتَ الْحَدِيث فِي الْبِكْر حُمِلَ عَلَى أَنَّهَا زُوِّجَتْ بِغَيْرِ كُفْء وَاللَّهُ أَعْلَم قُلْت : وَهَذَا الْجَوَاب هُوَ الْمُعْتَمَد , فَإِنَّهَا وَاقِعَة عَيْن فَلَا يَثْبُت الْحُكْم فِيهَا تَعْمِيمًا , وَأَمَّا الطَّعْن فِي الْحَدِيث فَلَا مَعْنَى لَهُ فَإِنَّ طُرُقه يَقْوَى بَعْضهَا بِبَعْضٍ , وَلِقِصَّةِ خَنْسَاء بِنْت خِدَام طَرِيق أُخْرَى أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق هُشَيْمٍ عَنْ عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ خَنْسَاء بِنْت خِدَام زَوَّجَهَا أَبُوهَا وَهِيَ كَارِهَة , فَأَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ نِكَاحهَا \" وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ بِكْرًا وَلَا ثَيِّبًا , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : رَوَاهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ عُمَر مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُر أَبَا هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ وَيَزِيد هُوَ اِبْن هَارُون وَيَحْيَى هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رَجُلًا يُدْعَى خِدَامًا أَنْكَحَ اِبْنَة لَهُ نَحْوه ) ‏ ‏سَاقَ أَحْمَد لَفْظه عَنْ يَزِيد بْن هَارُون بِهَذَا الْإِسْنَاد \" أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ يُدْعَى خِدَامًا أَنْكَحَ اِبْنَته , فَكَرِهَتْ نِكَاح أَبِيهَا , فَأَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَرَدَّ عَنْهَا نِكَاح أَبِيهَا , فَتَزَوَّجَتْ أَبَا لُبَابَة بْن عَبْد الْمُنْذِر \" فَذَكَر يَحْيَى بْن سَعِيد أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهَا كَانَتْ ثَيِّبًا , وَهَذَا يُوَافِق مَا تَقَدَّمَ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْر بْن شَيْبَة عَنْ يَزِيد بْن هَارُون , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طُرُق عَنْ يَزِيد كَذَلِكَ , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد نَحْوه. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عِيسَى بْن يُونُس عَنْ يَحْيَى كَذَلِكَ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ يَحْيَى كَذَلِكَ , لَكِنْ اِقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ مُجَمِّع بْن يَزِيد , وَالَّذِي بَلَّغَ يَحْيَى ذَلِكَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم , فَسَيَأْتِي فِي تَرْكِ الْحِيَل مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ الْقَاسِم \" أَنَّ اِمْرَأَة مِنْ وَلَد جَعْفَر تَخَوَّفَتْ أَنْ يُزَوِّجهَا وَلِيّهَا وَهِيَ كَارِهَة فَأَرْسَلَتْ إِلَى شَيْخَيْنِ مِنْ الْأَنْصَار عَبْد الرَّحْمَن وَمُجَمِّع اِبْنِي جَارِيَة قَالَا : فَلَا تَخْشَيْنَ فَإِنَّ خَنْسَاء بِنْت خِدَام أَنْكَحَهَا أَبُوهَا وَهِيَ كَارِهَة فَرَدَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ قَالَ سُفْيَان : وَأَمَّا عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم فَسَمِعْته يَقُول عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَنْسَاء اِنْتَهَى , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَنْسَاء مَوْصُولًا , وَالْمَرْأَة الَّتِي مِنْ وَلَد جَعْفَر هِيَ أُمّ جَعْفَر بِنْت الْقَاسِم بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب , وَوَلِيّهَا هُوَ عَمّ أَبِيهَا مُعَاوِيَة بْن عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر , أَخْرَجَهُ الْمُسْتَغْفِريّ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن الْهَادِ عَنْ رَبِيعَة بِإِسْنَادِهِ أَنَّهَا تَأَيَّمَتْ مِنْ زَوْجهَا حَمْزَة بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , فَأَرْسَلَتْ إِلَى الْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَإِلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد فَقَالَتْ : إِنِّي لَا آمَن مُعَاوِيَة أَنْ يَضَعنِي حَيْثُ لَا يُوَافِقنِي , فَقَالَ لَهَا عَبْد الرَّحْمَن : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ صَنَعَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ , فَذَكَرَ الْحَدِيث إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَضْبِط اِسْم وَالِد خَنْسَاء وَلَا سَمَّى بِنْته كَمَا قَدَّمْته. وَكُنْت ذَكَرْت فِي الْمُقَدِّمَة فِي تَسْمِيَة الْمَرْأَة مِنْ وَلَد جَعْفَر وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهَا غَيْر الَّذِي هُنَا , وَالْمَذْكُور هُنَا هُوَ الْمُعْتَمَد , وَقَدْ حَصَلَ مِنْ تَحْرِير ذَلِكَ مَا لَا أَظُنّ أَنَّهُ يُزَاد عَلَيْهِ , فَلِلَّهِ الْحَمْد عَلَى جَمِيع مِنَنِهِ ‏"
    },
    {
        "id": "4744",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَ لَهَا يَا ‏ ‏أُمَّتَاهْ ‏ { ‏وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا ‏ ‏تُقْسِطُوا ‏ ‏فِي الْيَتَامَى ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ‏} ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏يَا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا وَيُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ صَدَاقِهَا فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلَّا أَنْ ‏ ‏يُقْسِطُوا ‏ ‏لَهُنَّ فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏اسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ‏} ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْيَتِيمَةَ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ مَالٍ وَجَمَالٍ رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا وَنَسَبِهَا وَالصَّدَاقِ وَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبًا عَنْهَا فِي قِلَّةِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ تَرَكُوهَا وَأَخَذُوا غَيْرَهَا مِنْ النِّسَاءِ قَالَتْ فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْهَا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا فِيهَا إِلَّا أَنْ ‏ ‏يُقْسِطُوا ‏ ‏لَهَا وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا الْأَوْفَى مِنْ الصَّدَاقِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَان أَخْبَرَنَا شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏تَقَدَّمَ طَرِيق اللَّيْث مَوْصُولًا فِي \" بَاب الْأَكْفَاء فِي الْمَال \" وَسَاقَ الْمَتْن هُنَاكَ عَلَى لَفْظه وَهُنَا عَلَى لَفْظ شُعَيْب , وَقَدْ أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فِي كِتَاب الْوَصَايَا كَمَا تَقَدَّمَ , وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4745",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا فَقَالَ ‏ ‏مَا لِي ‏ ‏الْيَوْمَ فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا قَالَ مَا عِنْدَكَ قَالَ مَا عِنْدِي شَيْءٌ قَالَ أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ قَالَ مَا عِنْدِي شَيْءٌ قَالَ فَمَا عِنْدَكَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة ( فَقَالَ مَالِي الْيَوْم فِي النِّسَاء مِنْ حَاجَة ) ‏ ‏فِيهِ إِشْكَال مِنْ جِهَة أَنَّ فِي حَدِيث \" فَصَعَّدَ النَّظَر إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ \" فَهَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُرِيد التَّزْوِيج لَوْ أَعْجَبَتْهُ , فَكَانَ مَعْنَى الْحَدِيث مَالِي فِي النِّسَاء إِذَا كُنَّ بِهَذِهِ الصِّفَة مِنْ حَاجَة. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون جَوَاز النَّظَر مُطْلَقًا مِنْ خَصَائِصه وَإِنْ لَمْ يُرِدْ التَّزْوِيج , وَتَكُون فَائِدَته اِحْتِمَال أَنَّهَا تُعْجِبهُ فَيَتَزَوَّجهَا مَعَ اِسْتِغْنَائِهِ حِينَئِذٍ عَنْ زِيَادَةٍ عَلَى مَنْ عِنْده مِنْ النِّسَاء صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏"
    },
    {
        "id": "4746",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏نَافِعًا ‏ ‏يُحَدِّثُ أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَبِيعَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيع بَعْضكُمْ عَلَى بَيْع بَعْض ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْبُيُوع وَالْبَحْث فِي اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِ , وَهَذَا اللَّفْظ لَا يُعَارِض ذَلِكَ مِنْ جِهَة أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ هُمْ الْمُسْلِمُونَ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يَخْطُب ) ‏ ‏بِالْجَزْمِ عَلَى النَّهْي , أَيْ وَقَالَ لَا يَخْطُب. وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى أَنَّهُ نَفْي , وَسِيَاق ذَلِكَ بِصِيغَةِ الْخَبَر أَبْلَغ فِي الْمَنْع , وَيَجُوز النَّصْب عَطْفًا عَلَى قَوْله \" يَبِيع \" عَلَى أَنَّ لَا فِي قَوْله \" وَلَا يَخْطُب \" زَائِدَة , وَيُؤَيِّد الرَّفْع قَوْله فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عِنْد مُسْلِم \" وَلَا يَبِيع الرَّجُل عَلَى بَيْع أَخِيهِ وَلَا يَخْطُب \" بِرَفْعِ الْعَيْن مِنْ يَبِيع وَالْبَاء مِنْ يَخْطُب وَإِثْبَات التَّحْتَانِيَّة فِي يَبِيع. ‏ ‏قَوْله ( أَوْ يَأْذَن لَهُ الْخَاطِب ) ‏ ‏أَيْ حَتَّى يَأْذَن الْأَوَّل لِلثَّانِي. ‏"
    },
    {
        "id": "4747",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَأْثُرُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا إِخْوَانًا وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ( اللَّيْث عَنْ جَعْفَر بْن رَبِيعَة ) ‏ ‏لِلَّيْثِ فِيهِ إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقه عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن شِمَاسَة عَنْ عُقْبَةَ بْن عَامِر فِي قِصَّة الْخِطْبَة فَقَطْ ; وَسَأَذْكُرُ لَفْظه. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة يَأْثُر ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّ الْمُثَلَّثَة تَقُول أَثَرْت الْحَدِيث آثُره بِالْمَدِّ أَثْرًا بِفَتْحِ أَوَّله ثُمَّ سُكُون إِذَا ذَكَرْته عَنْ غَيْرك , وَوَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّان عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا. ‏ ‏قَوْله ( إِيَّاكُمْ وَالظَّنّ إِلَخْ ) ‏ ‏يَأْتِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي كِتَاب الْأَدَب مَعَ شَرْحه , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق , أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن مِلْحَانِ عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَزَادَ فِي الْمَتْن زِيَادَات ذَكَرَهَا الْبُخَارِيّ مُفَرَّقَة لَكِنْ مِنْ غَيْر هَذَا الْوَجْه , قَالَ الْجُمْهُور : هَذَا النَّهْي لِلتَّحْرِيمِ , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا النَّهْي لِلتَّأْدِيبِ وَلَيْسَ بِنَهْيِ تَحْرِيم يُبْطِل الْعَقْد عِنْد الْفُقَهَاء , كَذَا قَالَ , وَلَا مُلَازَمَة بَيْن كَوْنه لِلتَّحْرِيمِ وَبَيْن الْبُطْلَان عِنْد الْجُمْهُور بَلْ هُوَ عِنْدهمْ لِلتَّحْرِيمِ وَلَا يُبْطِل الْعَقْد , بَلْ حَكَى النَّوَوِيّ أَنَّ النَّهْي فِيهِ لِلتَّحْرِيمِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَكِنْ اِخْتَلَفُوا فِي شُرُوطه فَقَالَ الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَابِلَة : مَحَلّ التَّحْرِيم مَا إِذَا صَرَّحَتْ الْمَخْطُوبَة أَوْ وَلِيّهَا الَّذِي أَذِنَتْ لَهُ حَيْثُ يَكُون إِذْنهَا مُعْتَبَرًا بِالْإِجَابَةِ , فَلَوْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِالرَّدِّ فَلَا تَحْرِيم , فَلَوْ لَمْ يَعْلَم الثَّانِي بِالْحَالِ فَيَجُوز الْهُجُوم عَلَى الْخِطْبَة لِأَنَّ الْأَصْل الْإِبَاحَة , وَعِنْد الْحَنَابِلَة فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ , وَإِنْ وَقَعَتْ الْإِجَابَة بِالتَّعْرِيضِ كَقَوْلِهَا لَا رَغْبَة عَنْك فَقَوْلَانِ عِنْد الشَّافِعِيَّة , الْأَصَحّ وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة لَا يَحْرُم أَيْضًا , وَإِذَا لَمْ تَرُدّ وَلَمْ تَقْبَل فَيَجُوز , وَالْحُجَّة فِيهِ قَوْل فَاطِمَة : خَطَبَنِي مُعَاوِيَة وَأَبُو جَهْم فَلَمْ يُنْكِر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا بَلْ خَطَبَهَا لِأُسَامَة , وَأَشَارَ النَّوَوِيّ وَغَيْره إِلَى أَنَّهُ لَا حُجَّة فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَا خَطَبَا مَعًا أَوْ لَمْ يَعْلَم الثَّانِي بِخِطْبَةِ الْأَوَّل , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ بِأُسَامَة وَلَمْ يَخْطُب , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون خَطَبَ فَكَأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ لَهَا مَا فِي مُعَاوِيَة وَأَبِي جَهْم ظَهَرَ مِنْهَا الرَّغْبَة عَنْهُمَا فَخَطَبَهَا لِأُسَامَة. وَحَكَى التِّرْمِذِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّ مَعْنَى حَدِيث الْبَاب إِذَا خَطَبَ الرَّجُل الْمَرْأَة فَرَضِيَتْ بِهِ وَرَكَنَتْ إِلَيْهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْطُب عَلَى خِطْبَته , فَإِذَا لَمْ يَعْلَم بِرِضَاهَا وَلَا رُكُونهَا فَلَا بَأْس أَنْ يَخْطُبهَا , وَالْحُجَّة فِيهِ قِصَّة فَاطِمَة بِنْت قَيْس فَإِنَّهَا لَمْ تُخْبِرهُ بِرِضَاهَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَوْ أَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ لَمْ يُشِرْ عَلَيْهَا بِغَيْرِ مَنْ اِخْتَارَتْ فَلَوْ لَمْ تُوجَد مِنْهَا إِجَابَة وَلَا رَدّ فَقَطَعَ بَعْض الشَّافِعِيَّة بِالْجَوَازِ , وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَى الْقَوْلَيْنِ , وَنَصَّ الشَّافِعِيّ فِي الْبِكْر عَلَى أَنَّ سُكُوتهَا رِضًا بِالْخَاطِبِ , وَعَنْ بَعْض الْمَالِكِيَّة لَا تُمْنَع الْخِطْبَة إِلَّا عَلَى خِطْبَة مَنْ وَقَعَ بَيْنهمَا التَّرَاضِي عَلَى الصَّدَاق , وَإِذَا وُجِدَتْ شُرُوط التَّحْرِيم وَوَقَعَ الْعَقْد لِلثَّانِي فَقَالَ الْجُمْهُور يَصِحّ مَعَ اِرْتِكَاب التَّحْرِيم , وَقَالَ دَاوُد يُفْسَخ النِّكَاح قَبْل الدُّخُول وَبَعْده , وَعِنْد الْمَالِكِيَّة خِلَاف كَالْقَوْلَيْنِ , وَقَالَ بَعْضهمْ يُفْسَخ قَبْله لَا بَعْده , وَحُجَّة الْجُمْهُور أَنَّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ الْخِطْبَة وَالْخِطْبَة لَيْسَتْ شَرْطًا صِحَّة النِّكَاح فَلَا يُفْسَخ النِّكَاح بِوُقُوعِهَا غَيْر صَحِيحَة , وَحَكَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ بَعْض الْعُلَمَاء قَالَ : أَنَّ هَذَا النَّهْي مَنْسُوخ بِقِصَّةِ فَاطِمَة بِنْت قَيْس , ثُمَّ رَدَّهُ وَغَلَّطَهُ بِأَنَّهَا جَاءَتْ مُسْتَشِيرَة فَأُشِير عَلَيْهَا بِمَا هُوَ الْأَوْلَى وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خِطْبَة عَلَى خِطْبَة كَمَا تَقَدَّمَ , ثُمَّ إِنَّ دَعْوَى النَّسْخ فِي مِثْل هَذَا غَلَط , لِأَنَّ الشَّارِع أَشَارَ إِلَى عِلَّة النَّهْي فِي حَدِيث عُقْبَةَ بْن عَامِر بِالْأُخُوَّةِ , وَهِيَ صِفَة لَازِمَة وَعِلَّة مَطْلُوبَة لِلدَّوَامِ فَلَا يَصِحّ أَنْ يَلْحَقهَا النَّسْخُ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْخَاطِب الْأَوَّل إِذَا أَذِنَ لِلْخَاطِبِ الثَّانِي فِي التَّزْوِيج اِرْتَفَعَ التَّحْرِيم , وَلَكِنْ هَلْ يَخْتَصّ ذَلِكَ بِالْمَأْذُونِ لَهُ أَوْ يَتَعَدَّى لِغَيْرِهِ ؟ لِأَنَّ مُجَرَّد الْإِذْن الصَّادِر مِنْ الْخَاطِب الْأَوَّل دَالّ عَلَى إِعْرَاضه عَنْ تَزْوِيج تِلْكَ الْمَرْأَة وَبِإِعْرَاضِهِ وَيَجُوز لِغَيْرِهِ أَنْ يَخْطُبهَا , الظَّاهِر الثَّانِي فَيَكُون الْجَوَاز لِلْمَأْذُونِ لَهُ بِالتَّنْصِيصِ وَلِغَيْرِ الْمَأْذُون لَهُ بِالْإِلْحَاقِ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي الْحَدِيث الثَّانِي مِنْ الْبَاب \" أَوْ يَتْرُك \" , وَصَرَّحَ الرُّويَانِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّة بِأَنَّ مَحَلّ التَّحْرِيم إِذَا كَانَتْ الْخِطْبَة مِنْ الْأَوَّل جَائِزَة , فَإِنْ كَانَتْ مَمْنُوعَة كَخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّة لَمْ يَضُرّ الثَّانِي بَعْد اِنْقِضَاء الْعِدَّة أَنْ يَخْطُبهَا وَهُوَ وَاضِح لِأَنَّ الْأَوَّل لَمْ يَثْبُت لَهُ بِذَلِكَ حَقّ , وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" عَلَى خِطْبَة أَخِيهِ \" أَنَّ مَحَلّ التَّحْرِيم إِذَا كَانَ الْخَاطِب مُسْلِمًا فَلَوْ خَطَبَ الذِّمِّيّ ذِمِّيَّة فَأَرَادَ الْمُسْلِم أَنْ يَخْطُبهَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا , وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيِّ وَوَافَقَهُ مِنْ الشَّافِعِيَّة اِبْن الْمُنْذِر وَابْنِ جُوَيْرِيَّة وَالْخَطَّابِيّ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي أَوَّل حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر عِنْد مُسْلِم \" الْمُؤْمِن أَخُو الْمُؤْمِن فَلَا يَحِلّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاع عَلَى بَيْع أَخِيهِ وَلَا يَخْطُب عَلَى خِطْبَتِهِ حَتَّى يَذَرَ \" وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَطَعَ اللَّه الْأُخُوَّة بَيْن الْكَافِر وَالْمُسْلِم فَيَخْتَصّ النَّهْي بِالْمُسْلِمِ. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : الْأَصْل فِي هَذَا الْإِبَاحَة حَتَّى يَرِد الْمَنْع , وَقَدْ وَرَدَ الْمَنْع مُقَيَّدًا بِالْمُسْلِمِ فَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى أَصْل الْإِبَاحَة , وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى إِلْحَاق الذِّمِّيّ بِالْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ التَّعْبِير بِأَخِيهِ خُرِّجَ عَلَى الْغَالِب فَلَا مَفْهُوم لَهُ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ ) وَكَقَوْلِهِ ( وَرَبَائِبكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُوركُمْ ) وَنَحْو ذَلِكَ. وَبَنَاهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَنْهِيّ عَنْهُ هَلْ هُوَ مِنْ حُقُوق الْعَقْد وَاحْتِرَامه أَوْ مِنْ حُقُوق الْمُتَعَاقِدَيْنِ ؟ فَعَلَى الْأَوَّل فَالرَّاجِح مَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ , وَعَلَى الثَّانِي فَالرَّاجِح مَا قَالَ غَيْره , وَقَرِيب مِنْ هَذَا الْبِنَاء اِخْتِلَافهمْ فِي ثُبُوت الشُّفْعَة لِلْكَافِرِ فَمَنْ جَعَلَهَا مِنْ حُقُوق الْمِلْك أَثْبَتَهَا لَهُ وَمَنْ جَعَلَهَا مِنْ حُقُوق الْمَالِك مَنَعَ , وَقَرِيب مِنْ هَذَا الْبَحْث مَا نُقِلَ عَنْ اِبْن الْقَاسِم صَاحِب مَالِك أَنَّ الْخَاطِب الْأَوَّل إِذَا كَانَ فَاسِقًا جَازَ لِلْعَفِيفِ أَنْ يَخْطُب عَلَى خِطْبَته , وَرَجَّحَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ مِنْهُمْ وَهُوَ مُتَّجِه فِيمَا إِذَا كَانَتْ الْمَخْطُوبَة عَفِيفَة فَيَكُون الْفَاسِق غَيْر كُفْء لَهَا فَتَكُون خِطْبَته كَلَا خِطْبَة. وَلَمْ يَعْتَبِر الْجُمْهُور ذَلِكَ إِذَا صَدَرَتْ مِنْهَا عَلَامَة الْقَبُول , وَقَدْ أَطْلَقَ بَعْضهمْ الْإِجْمَاع عَلَى خِلَاف هَذَا الْقَوْل , وَيَلْتَحِق بِهَذَا مَا حَكَاهُ بَعْضهمْ مِنْ الْجَوَاز إِذَا لَمْ يَكُنْ الْخَاطِب الْأَوَّل أَهْلًا فِي الْعَادَة لَخِطْبَة تِلْكَ الْمَرْأَة كَمَا لَوْ خَطَبَ سُوقِيّ بِنْت مَلِكٍ وَهَذَا يَرْجِع إِلَى التَّكَافُؤ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيم خِطْبَة الْمَرْأَة عَلَى خِطْبَة اِمْرَأَة أُخْرَى إِلْحَاقًا لِحُكْمِ النِّسَاء بِحُكْمِ الرِّجَال , وَصُورَته أَنْ تَرْغَب اِمْرَأَة فِي رَجُل وَتَدْعُوهُ إِلَى تَزْوِيجهَا فَيُجِيبهَا كَمَا تَقَدَّمَ فَتَجِيء اِمْرَأَة أُخْرَى فَتَدْعُوهُ وَتُرَغِّبهُ فِي نَفْسهَا وَتُزَهِّدهُ فِي الَّتِي قَبْلهَا , وَقَدْ صَرَّحُوا بِاسْتِحْبَابِ خِطْبَة أَهْل الْفَضْل مِنْ الرِّجَال , وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ هَذَا إِذَا كَانَ الْمَخْطُوب عَزَمَ أَنْ لَا يَتَزَوَّج إِلَّا بِوَاحِدَةٍ , فَأَمَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنهمَا فَلَا تَحْرِيم , وَسَيَأْتِي بَعْد سِتَّة أَبْوَاب فِي \" بَاب الشُّرُوط الَّتِي لَا تَحِلّ فِي النِّكَاح \" مَزِيد بَحْث فِي هَذَا. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى يَنْكِح ) ‏ ‏أَيْ حَتَّى يَتَزَوَّج الْخَاطِب الْأَوَّل فَيَحْصُل الْيَأْس الْمَحْض , ‏ ‏وَقَوْله \" أَوْ يَتْرُك \" ‏ ‏أَيْ الْخَاطِب الْأَوَّل التَّزْوِيج فَيَجُوز حِينَئِذٍ لِلثَّانِي الْخِطْبَة , فَالْغَايَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ : الْأُولَى تَرْجِع إِلَى الْيَأْس , وَالثَّانِيَة تَرْجِع إِلَى الرَّجَاء , وَنَظِير الْأُولَى قَوْله تَعَالَى ( حَتَّى يَلِج الْجَمَل فِي سَمِّ الْخِيَاط ) ‏"
    },
    {
        "id": "4748",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏حِينَ ‏ ‏تَأَيَّمَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لَقِيتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ ‏ ‏فَلَبِثْتُ ‏ ‏لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَقِيَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ إِلَّا أَنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ذَكَرَهَا فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَوْ تَرَكَهَا لَقَبِلْتُهَا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ يُونُس وَمُوسَى بْن عُقْبَة وَابْن أَبِي عَتِيق عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏أَيْ بِإِسْنَادِهِ , أَمَّا مُتَابَعَة يُونُس وَهُوَ اِبْن يَزِيد فَوَصَلَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" مِنْ طَرِيق أَصْبَغَ عَنْ اِبْن وَهْب عَنْهُ , وَأَمَّا مُتَابَعَة الْآخَرِينَ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْهُمَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة مَعْمَر مِنْ رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ أَيْضًا عَنْ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا ‏"
    },
    {
        "id": "4749",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلَانِ ‏ ‏مِنْ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عُمَر \" جَاءَ رَجُلَانِ مِنْ الْمَشْرِق فَخَطَبَا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ الْبَيَان لَسِحْرًا \" ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" سِحْرًا \" بِغَيْرِ لَام , وَهُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث سَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي الطِّبّ مَعَ شَرْحِهِ. قَالَ اِبْن التِّين : أَدْخَلَ هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب النِّكَاح وَلَيْسَ هُوَ مَوْضِعه , قَالَ : وَالْبَيَان نَوْعَانِ , الْأَوَّل مَا يُبَيِّن بِهِ الْمُرَاد , وَالثَّانِي تَحْسِين اللَّفْظ حَتَّى يَسْتَمِيل قُلُوب السَّامِعِينَ. وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي يُشَبَّه بِالسَّحَرِ , وَالْمَذْمُوم مِنْهُ مَا يُقْصَد بِهِ الْبَاطِل , وَشَبَّهَهُ بِالسَّحَرِ لِأَنَّ السَّحَر صَرْف الشَّيْء عَنْ حَقِيقَته. قُلْت : فَمِنْ هُنَا تُؤْخَذ الْمُنَاسَبَة وَيُعْرَف أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعه , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْخِطْبَة وَإِنْ كَانَتْ مَشْرُوعَة فِي النِّكَاح فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُون مُقْتَصِدَة , وَلَا يَكُون فِيهَا مَا يَقْتَضِي صَرْف الْحَقّ إِلَى الْبَاطِل بِتَحْسِينِ الْكَلَام. وَالْعَرَب تُطْلِق لَفْظ السَّحَر عَلَى الصَّرْف تَقُول : مَا سَحَرك عَنْ كَذَا ؟ أَيْ مَا صَرَفَك عَنْهُ ؟ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث صَخْر بْن عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه رَفَعَهُ \" إِنَّ مِنْ الْبَيَان سِحْرًا. قَالَ فَقَالَ صَعْصَعَة بْن صُوحَان : صَدَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , الرَّجُل يَكُون عَلَيْهِ الْحَقّ وَهُوَ أَلْحَن بِالْحُجَّةِ مِنْ صَاحِب الْحَقّ فَيَسْحَر النَّاس بَيَانه فَيَذْهَب بِالْحَقِّ \" وَقَالَ الْمُهَلَّب : وَجْه إِدْخَال هَذَا الْحَدِيث فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة أَنَّ الْخُطْبَة فِي النِّكَاح إِنَّمَا شُرِعَتْ لِلْخَاطِبِ لِيَسْهُلَ أَمْره فَشُبِّهَ حُسْن التَّوَصُّل إِلَى الْحَاجَة بِحُسْنِ الْكَلَام فِيهَا بِاسْتِنْزَالِ الْمَرْغُوب إِلَيْهِ بِالْبَيَانِ بِالسِّحْرِ , وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ النُّفُوس طُبِعَتْ عَلَى الْأَنَفَة مِنْ ذِكْرِ الْمَوْلَيَات فِي أَمْر النِّكَاح , فَكَانَ حُسْن التَّوَصُّل لِرَفْعِ تِلْكَ الْأَنَفَة وَجْهًا مِنْ وُجُوه السِّحْر الَّذِي يَصْرِف الشَّيْء إِلَى غَيْره. وَوَرَدَ فِي تَفْسِير خُطْبَة النِّكَاح أَحَادِيث مِنْ أَشْهَرهَا مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَة وَابْن حِبَّان عَنْ اِبْن مَسْعُود مَرْفُوعًا \" إِنَّ الْحَمْد لِلَّهِ نَحْمَدهُ , وَنَسْتَعِينهُ وَنَسْتَغْفِرهُ \" الْحَدِيث. قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَسَن رَوَاهُ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي الْأَحْوَص عَنْ اِبْن مَسْعُود وَقَالَ شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي عُبَيْدَة عَنْ أَبِيهِ , قَالَ فَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيح لِأَنَّ إِسْرَائِيل رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق فَجَمَعَهُمَا. قَالَ وَقَدْ قَالَ أَهْل الْعِلْم : إِنَّ النِّكَاح جَائِز بِغَيْرِ خُطْبَة , وَهُوَ قَوْل سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَغَيْره مِنْ أَهْل الْعِلْم ا ه. وَقَدْ شَرَطَهُ فِي النِّكَاح بَعْض أَهْل الظَّاهِر وَهُوَ شَاذّ ‏"
    },
    {
        "id": "4750",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ ‏ ‏جَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَخَلَ حِينَ ‏ ‏بُنِيَ عَلَيَّ ‏ ‏فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَالَ ‏ ‏دَعِي هَذِهِ وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا خَالِد بْن ذَكْوَانَ ) ‏ ‏هُوَ الْمَدَنِيّ يُكَنَّى أَبَا الْحَسَن , وَهُوَ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ ‏ ‏قَوْله ( جَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُل عَلَيَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَدَخَلَ عَلَيَّ \" وَوَقَعَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ فِي أَوَّله قِصَّة مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَبِي , الْحُسَيْن وَاسْمه خَالِد الْمَدَنِيّ قَالَ \" كُنَّا بِالْمَدِينَةِ يَوْم عَاشُورَاء وَالْجَوَارِي يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَتَغَنَّيْنَ , فَدَخَلْنَا عَلَى الرُّبَيّع بِنْت مُعَوِّذ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهَا , فَقَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ \" الْحَدِيث , هَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن هَارُون عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة فَقَالَ \" عَنْ أَبِي جَعْفَر الْخَطْمِيّ \" بَدَل أَبِي الْحُسَيْن. ‏ ‏قَوْله ( حِين بَنَى عَلَيَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة صَبِيحَة عُرْسِي , وَالْبِنَاء الدُّخُول بِالزَّوْجَةِ , وَبَيَّنَ اِبْن سَعْد أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ حِينَئِذٍ إِيَاس بْن الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيّ وَأَنَّهَا وَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّد بْن إِيَاس قِيلَ لَهُ صُحْبَة. ‏ ‏قَوْله ( كَمَجْلِسِك ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام أَيْ مَكَانك , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ وَرَاء حِجَاب , أَوْ كَانَ قَبْل نُزُول آيَة الْحِجَاب , أَوْ جَازَ النَّظَر لِلْحَاجَةِ أَوْ عِنْد الْأَمْن مِنْ الْفِتْنَة ا ه. وَالْأَخِير هُوَ الْمُعْتَمَد , وَالَّذِي وَضَحَ لَنَا بِالْأَدِلَّةِ الْقَوِيَّة أَنَّ مِنْ خَصَائِص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَاز الْخَلْوَة بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَالنَّظَر إِلَيْهَا , وَهُوَ الْجَوَاب الصَّحِيح عَنْ قِصَّة أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَانَ فِي دُخُوله عَلَيْهَا وَنَوْمه عِنْدهَا وَتَفْلِيَتهَا رَأْسه وَلَمْ يَكُنْ بَيْنهمَا مَحْرَمِيّة وَلَا زَوْجِيَّة , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ تَكُون الرِّوَايَة \" مَجْلِسك \" بِفَتْحِ اللَّام أَيْ جُلُوسك وَلَا إِشْكَال فِيهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَات لَنَا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهنَّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة بِلَفْظِ جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ , فَيَحْتَمِل أَنَّ كَوْن الثِّنْتَانِ هُمَا الْمُغَنِّيَتَانِ وَمَعَهُمَا مَنْ يَتْبَعهُمَا أَوْ يُسَاعِدهُمَا فِي ضَرْبِ الدُّفّ مِنْ غَيْر غِنَاء , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب النِّسْوَة اللَّاتِي يُهْدِينَ الْمَرْأَة إِلَى زَوْجهَا \" زِيَادَة فِي هَذَا. ‏ ‏قَوْله ( وَيَنْدُبْنَ ) ‏ ‏مِنْ النُّدْبَة بِضَمِّ النُّون وَهِيَ ذِكْرُ أَوْصَاف الْمَيِّت بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَتَعْدِيد مَحَاسِنه بِالْكَرَمِ وَالشَّجَاعَة وَنَحْوهَا. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْم بَدْر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي وَإِنَّ الَّذِي قُتِلَ مِنْ آبَائِهَا إِنَّمَا قُتِلَ بِأُحُدٍ , وَآبَاؤُهَا الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا مُعَوِّذ وَمُعَاذ وَعَوْف وَأَحَدهمْ أَبُوهَا وَالْآخَرَانِ عَمَّاهَا أَطْلَقَتْ الْأُبُوَّة عَلَيْهِمَا تَغْلِيبًا. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ دَعِي هَذِهِ ) ‏ ‏أَيْ اُتْرُكِي مَا يَتَعَلَّق بِمَدْحِي الَّذِي فِيهِ الْإِطْرَاء الْمَنْهِيّ عَنْهُ , زَادَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة \" لَا يَعْلَم مَا فِي غَد إِلَّا اللَّه \" فَأَشَارَ إِلَى عِلَّة الْمَنْع. ‏ ‏قَوْله ( وَقُولِي بِالَّذِي كُنْت تَقُولِينَ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى جَوَاز سَمَاع الْمَدْح وَالْمَرْثِيَة مِمَّا لَيْسَ فِيهِ مُبَالَغَة تُفْضِي إِلَى الْغُلُوّ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِنِسَاءٍ مِنْ الْأَنْصَار فِي عُرْس لَهُنَّ وَهُنَّ يُغَنِّينَ : ‏ ‏وَأَهْدَى لَهَا كَبْشًا تَنَحْنَحَ فِي الْمِرْبَد ‏ ‏وَزَوْجك فِي الْبَادِي وَتَعْلَم مَا فِي غَد ‏ ‏فَقَالَ : لَا يَعْلَم مَا فِي غَد إِلَّا اللَّه \" قَالَ الْمُهَلَّب : فِي هَذَا الْحَدِيث إِعْلَان النِّكَاح بِالدُّفِّ وَبِالْغِنَاءِ الْمُبَاح , وَفِيهِ إِقْبَال الْإِمَام إِلَى الْعُرْس وَإِنْ كَانَ فِيهِ لَهْو مَا لَمْ يَخْرُج عَنْ حَدّ الْمُبَاح. وَفِيهِ جَوَاز مَدْح الرَّجُل فِي وَجْهه مَا لَمْ يَخْرُج إِلَى مَا لَيْسَ فِيهِ. وَأَغْرَبَ اِبْن التِّين فَقَالَ : إِنَّمَا نَهَاهَا لِأَنَّ مَدْحه حَقّ وَالْمَطْلُوب فِي النِّكَاح اللَّهْو فَلَمَّا أَدْخَلَتْ الْجَدّ فِي اللَّهْو مَنَعَهَا , كَذَا قَالَ , وَتَمَام الْخَبَر الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ يَرُدّ عَلَيْهِ , وَسِيَاق الْقِصَّة يُشْعِر بِأَنَّهُمَا لَوْ اِسْتَمَرَّتَا عَلَى الْمَرَاثِي لَمْ يَنْهَهُمَا , وَغَالِب حُسْن الْمَرَاثِي جَدّ لَا لَهْو , وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهَا مَا ذُكِرَ مِنْ الْإِطْرَاء حَيْثُ أَطْلَقَ عِلْم الْغَيْب لَهُ وَهُوَ صِفَة تَخْتَصّ بِاللَّهِ تَعَالَى قَالَ تَعَالَى ( قُلْ لَا يَعْلَم مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا اللَّه ) وَقَوْله لِنَبِيِّهِ ( قُلْ لَا أَمْلِك لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه , وَلَوْ كُنْت أَعْلَم الْغَيْب لَاسْتَكْثَرْت مِنْ الْخَيْر ) وَسَائِر مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِر بِهِ مِنْ الْغُيُوب بِإِعْلَامِ اللَّه تَعَالَى إِيَّاهُ لَا أَنَّهُ يَسْتَقِلّ بِعِلْمِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ( عَالِم الْغَيْب فَلَا يُظْهِر عَلَى غَيْبه أَحَدًا إِلَّا مَنْ اِرْتَضَى مِنْ رَسُول ) وَسَيَأْتِي مَزِيد بَحْث مَسْأَلَة الْغِنَاء فِي الْعُرْس بَعْد اثْنَى عَشَر بَابًا ‏"
    },
    {
        "id": "4751",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ‏ ‏تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ ‏ ‏فَرَأَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَشَاشَةَ الْعُرْسِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ إِنِّي تَزَوَّجْتُ ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ‏ ‏تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ قَتَادَةُ عَنْ أَنَس ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب , وَهُوَ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْهُمَا , فَبَيَّنَ أَنَّ عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب أَطْلَقَ عَنْ أَنَس النَّوَاة وَقَتَادَة زَادَ أَنَّهَا مِنْ ذَهَبٍ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله \" وَعَنْ قَتَادَةَ \" مُعَلَّقًا. وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ الْحَدِيث عَنْ يُوسُف الْقَاضِي عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب بِطَرِيقِ عَبْد الْعَزِيز فَقَطْ , وَأَخْرَجَ طَرِيق قَتَادَةَ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن الْجَعْد وَعَاصِم بْن عَلِيّ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَة , وَكَذَا صَنَعَ أَبُو نُعَيْم أَخْرَجَ مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان طَرِيق عَبْد الْعَزِيز وَحْده وَأَخْرَجَ طَرِيق قَتَادَةَ مِنْ رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَة , وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4752",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا حَازِمٍ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنِّي لَفِي الْقَوْمِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ قَامَتْ ‏ ‏امْرَأَةٌ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ فَلَمْ يُجِبْهَا شَيْئًا ثُمَّ قَامَتْ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ فَلَمْ يُجِبْهَا شَيْئًا ثُمَّ قَامَتْ الثَّالِثَةَ فَقَالَتْ إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْكِحْنِيهَا قَالَ ‏ ‏هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ لَا قَالَ اذْهَبْ فَاطْلُبْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ فَطَلَبَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ هَلْ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ بَعْد هَذَا لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَته أَتَمّ مِنْهُ , وَالْإِسْمَاعِيلِيّ أَتَمّ مِنْ اِبْن مَاجَهْ , وَالطَّبَرَانِيُّ مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ مَعْمَر ; وَأَخْرَجَ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ أَيْضًا مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ. وَهَذَا الْحَدِيث مَدَاره عَلَى أَبِي حَازِم سَلَمَة بْن دِينَار الْمَدَنِيّ وَهُوَ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , حَدَّثَ بِهِ كِبَار الْأَئِمَّة عَنْهُ مِثْل مَالِك , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَته فِي الْوَكَالَة وَقَبْل أَبْوَاب هُنَا , وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَالثَّوْرِيُّ كَمَا ذَكَرْته , وَحَمَّاد بْن زَيْد وَرِوَايَته فِي فَضَائِل الْقُرْآن , وَتَقَدَّمَتْ قَبْل أَبْوَاب هُنَا أَيْضًا وَأَخْرَجَهَا مُسْلِم , وَفُضَيْل بْن سُلَيْمَان وَمُحَمَّد بْن مُطَرِّف أَبِي غَسَّان , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَتهمَا قَرِيبًا فِي النِّكَاح وَلَمْ يُخْرِجهُمَا مُسْلِم , وَيَعْقُوب بْن عَبْد الرَّحْمَن الْإِسْكَنْدَرانيّ وَعَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم وَرِوَايَتهمَا فِي النِّكَاح أَيْضًا , وَيَعْقُوب أَيْضًا فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَعَبْد الْعَزِيز يَأْتِي فِي اللِّبَاس وَأَخْرَجَهَا مُسْلِم , وَعَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد الدَّرَاوَرْدِيّ وَزَائِدَة بْن قُدَامَةَ وَرِوَايَتهمَا عِنْد مُسْلِم , وَمَعْمَر وَرِوَايَته عِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيّ , وَهِشَام بْن سَعْد وَرِوَايَته فِي \" صَحِيح أَبِي عَوَانَة \" وَالطَّبَرَانِيّ , وَمُبَشِّر بْن مُبَشِّر وَرِوَايَته عِنْد الطَّبَرَانِيِّ , وَعَبْد الْمَلِك بْن جُرَيْجٍ وَرِوَايَته عِنْد أَبِي الشَّيْخ فِي كِتَاب النِّكَاح , وَقَدْ رَوَى طَرَفًا مِنْهُ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ سَهْل بْن سَعْد أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَجَاءَتْ الْقِصَّة أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَبِي دَاوُدَ بِاخْتِصَارٍ وَالنَّسَائِيّ مُطَوَّلًا , وَابْن مَسْعُود عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ , وَمِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد أَبِي عُمَر بْن حَيْوَةَ فِي فَوَائِده , وَضُمَيْرَة جَدّ حُسَيْن بْن عَبْد اللَّه عِنْد الطَّبَرَانِيِّ , وَجَاءَتْ مُخْتَصَرَة مِنْ حَدِيث أَنَس كَمَا تَقَدَّمَ قَبْل أَبْوَاب , وَعِنْد التِّرْمِذِيّ طَرَف مِنْهُ آخَر , وَمِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْد تَمَّام فِي فَوَائِده , وَمِنْ حَدِيث جَابِر وَابْن عَبَّاس عِنْد أَبِي الشَّيْخ فِي كِتَاب النِّكَاح , وَسَأَذْكُرُ مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَات مِنْ فَائِدَة زَائِدَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَهْل بْن سَعْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِم أَنَّ سَهْل بْن سَعْد أَخْبَرَهُ. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي لَفِي الْقَوْم عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَامَتْ اِمْرَأَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة فُضَيْلِ بْن سُلَيْمَان \" كُنَّا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُلُوسًا فَجَاءَتْهُ اِمْرَأَة , وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن سَعْد \" بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَتْ إِلَيْهِ اِمْرَأَة \" وَكَذَا فِي مُعْظَم الرِّوَايَات \" أَنَّ اِمْرَأَة جَاءَتْ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَيُمْكِن رَدّ رِوَايَة سُفْيَان إِلَيْهَا بِأَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله \" قَامَتْ \" وَقَفَتْ , وَالْمُرَاد أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى أَنْ وَقَفَتْ عِنْدهمْ , لَا أَنَّهَا كَانَتْ جَالِسَة فِي الْمَجْلِس فَقَامَتْ. وَفِي رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيِّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" جَاءَتْ اِمْرَأَة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِد \" فَأَفَادَ تَعْيِين الْمَكَان الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْقِصَّة. وَهَذِهِ الْمَرْأَة لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا , وَوَقَعَ فِي \" الْأَحْكَام لِابْنِ الْقَصّاع \" أَنَّهَا خَوْلَة بِنْت حَكِيم أَوْ أُمّ شَرِيك , وَهَذَا نَقْلٌ مِنْ اِسْم الْوَاهِبَة الْوَارِد فِي قَوْله تَعَالَى ( وَامْرَأَة مُؤْمِنَة إِنْ وَهَبَتْ نَفْسهَا لِلنَّبِيِّ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان اِسْمهَا فِي تَفْسِير الْأَحْزَاب وَمَا يَدُلّ عَلَى تَعَدُّد الْوَاهِبَة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَتْ يَا رَسُول اللَّه إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسهَا لَك ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ عَلَى طَرِيق الِالْتِفَات , وَكَذَا فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد لَكِنْ قَالَ \" إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ \" وَكَانَ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ تَقُول إِنِّي قَدْ وَهَبْت نَفْسِي لَك , وَبِهَذَا اللَّفْظ وَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك , وَكَذَا فِي رِوَايَة زَائِدَة عِنْد الطَّبَرَانِيِّ , وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب , وَكَذَا الثَّوْرِيّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَقَالَتْ يَا رَسُول اللَّه جِئْت أَهَب نَفْسِي لَك \" وَفِي رِوَايَة فُضَيْلِ بْن سُلَيْمَان \" فَجَاءَتْهُ اِمْرَأَة تَعْرِض نَفْسهَا عَلَيْهِ \" وَفِي كُلّ هَذِهِ الرِّوَايَات حَذْف مُضَاف تَقْدِيره أَمْر نَفْسِي أَوْ نَحْوه , وَإِلَّا فَالْحَقِيقَة غَيْر مُرَادَة لِأَنَّ رَقَبَة الْحُرّ لَا تُمْلَك , فَكَأَنَّهَا قَالَتْ أَتَزَوَّجك مِنْ غَيْر عِوَض. ‏ ‏قَوْله ( فَرَ فِيهَا رَأْيك ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِرَاءٍ وَاحِدَة مَفْتُوحَة بَعْدهَا فَاء التَّعْقِيب , وَهِيَ فِعْلُ أَمْر مِنْ الرَّأْي , وَلِبَعْضِهِمْ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَة بَعْد الرَّاء وَكُلّ صَوَاب , وَوَقَعَ بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَة فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ يُجِبْهَا شَيْئًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر وَالثَّوْرِيِّ وَزَائِدَة \" فَصُمْت \" , وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب وَابْن حَازِم وَهِشَام بْن سَعْد \" فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَصَعَّدَ النَّظَر إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ \" وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْعَيْن مِنْ صَعَّدَ وَالْوَاو مِنْ صَوَّبَ , وَالْمُرَاد أَنَّهُ نَظَرَ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلهَا , وَالتَّشْدِيد إِمَّا لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّأَمُّل وَإِمَّا لِلتَّكْرِيرِ , وَبِالثَّانِي جَزَمَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" قَالَ : أَيْ نَظَرَ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلهَا مِرَارًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة فُضَيْلِ بْن سُلَيْمَان \" فَخَفَّضَ فِيهَا الْبَصَر وَرَفَّعَهُ \" وَهُمَا بِالتَّشْدِيدِ أَيْضًا وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" النَّظَر \" بَدَل الْبَصَر , وَقَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسه \" وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْله \" فَصَمَتَ \" وَقَالَ فِي رِوَايَة فُضَيْلِ بْن سُلَيْمَان \" فَلَمْ يَرُدّهَا \" وَقَدْ قَدَّمْت ضَبْط هَذِهِ اللَّفْظَة فِي \" بَاب إِذَا كَانَ الْوَلِيّ هُوَ الْخَاطِب \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَامَتْ فَقَالَتْ ) ‏ ‏وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْكُشْمِيهَنِي وَسِيَاق لَفْظهَا كَالْأَوَّلِ , وَعِنْدهمَا أَيْضًا \" ثُمَّ قَامَتْ الثَّالِثَة \" وَسِيَاقهَا كَذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر وَالثَّوْرِيِّ مَعًا عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" فَصَمَتَ , ثُمَّ عَرَضَتْ نَفْسهَا عَلَيْهِ فَصَمَتَ , فَلَقَدْ رَأَيْتهَا قَائِمَة مَلِيًّا تَعْرِض نَفْسهَا عَلَيْهِ وَهُوَ صَامِت \" وَفِي رِوَايَة مَالِك \" فَقَامَتْ طَوِيلًا \" وَمِثْله لِلثَّوْرِيِّ عَنْهُ وَهُوَ نَعْت مَصْدَر مَحْذُوف أَيْ قِيَامًا طُولًا , أَوْ لِظَرْفٍ مَحْذُوف أَيْ زَمَانًا طَوِيلًا , وَفِي رِوَايَة مُبَشِّر \" فَقَامَتْ حَتَّى رَثَيْنَا لَهَا مِنْ طُول الْقِيَام , زَادَ فِي رِوَايَة يَعْقُوب وَابْن أَبِي حَازِم \" فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَة أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد أَنَّهَا \" وَهَبَتْ نَفْسهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فَقَالَ : مَا لِي فِي النِّسَاء حَاجَة \" وَيُجْمَع بَيْنهَا وَبَيْن مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي آخِر الْحَال , فَكَأَنَّهُ صَمَتَ أَوَّلًا لِتَفْهَم أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا , فَلَمَّا أَعَادَتْ الطَّلَب أَفْصَح لَهَا بِالْوَاقِعِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد النَّسَائِيِّ \" جَاءَتْ اِمْرَأَة إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَضَتْ نَفْسهَا عَلَيْهِ , فَقَالَ لَهَا اِجْلِسِي , فَجَلَسَتْ سَاعَة ثُمَّ قَامَتْ , فَقَالَ : اِجْلِسِي بَارَكَ اللَّه فِيك , أَمَّا نَحْنُ فَلَا حَاجَة لَنَا فِيك \" فَيُؤْخَذ مِنْهُ وُفُور أَدَب الْمَرْأَة مَعَ شِدَّة رَغْبَتهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُبَالِغ فِي الْإِلْحَاح فِي الطَّلَب , وَفَهِمَتْ مِنْ السُّكُوت عَدَم الرَّغْبَة , لَكِنَّهَا لَمَّا لَمْ تَيْأَس مِنْ الرَّدّ جَلَسَتْ تَنْتَظِر الْفَرَجَ , وَسُكُوته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَّا حَيَاء مِنْ مُوَاجَهَتهَا بِالرَّدِّ وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَدِيد الْحَيَاء جِدًّا كَمَا تَقَدَّمَ فِي صِفَته أَنَّهُ كَانَ أَشَدّ حَيَاء مِنْ الْعَذْرَاء فِي خِدْرهَا , وَإِمَّا اِنْتِظَارًا لِلْوَحْيِ , وَإِمَّا تَفَكُّرًا فِي جَوَاب يُنَاسِب الْمَقَام. ‏ ‏قَوْله ( فَقَامَ رَجُل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة فُضَيْلِ بْن سُلَيْمَان \" مِنْ أَصْحَابه \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر وَالثَّوْرِيِّ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" فَقَامَ رَجُل أَحْسِبهُ مِنْ الْأَنْصَار \" وَفِي رِوَايَة زَائِدَة عِنْده \" فَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يَنْكِح هَذِهِ ؟ فَقَامَ رَجُل \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه أَنْكِحْنِيهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَك بِهَا حَاجَة \" وَنَحْوه لِيَعْقُوب وَابْن أَبِي حَازِم وَمَعْمَر وَالثَّوْرِيِّ وَزَائِدَة , وَلَا يُعَارِض هَذَا قَوْله فِي حَدِيث حَمَّاد بْن زَيْد \" لَا حَاجَة لِي \" لِجَوَازِ أَنْ تَتَجَدَّد الرَّغْبَة فِيهَا بَعْد أَنْ لَمْ تَكُنْ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ هَلْ عِنْدك مِنْ شَيْء ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مَالِك \" تُصْدِقهَا \" وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" أَلَك مَال \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَعْقُوب وَابْن أَبِي حَازِم \" قَالَ لَا وَاللَّه يَا رَسُول اللَّه \" زَادَ فِي رِوَايَة هِشَام بْن سَعْد \" قَالَ فَلَا بُدّ لَهَا مِنْ شَيْء \" وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" عِنْدك شَيْء ؟ قَالَ : لَا , قَالَ : إِنَّهُ لَا يَصْلُح \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد النَّسَائِيِّ بَعْد قَوْله لَا حَاجَة لِي \" وَلَكِنْ تُمْلِكِينِي أَمْرك , قَالَتْ نَعَمْ. فَنَظَرَ فِي وُجُوه الْقَوْم فَدَعَا رَجُلًا فَقَالَ : إِنِّي أُرِيدَ أَنْ أُزَوِّجك هَذَا إِنْ رَضِيت , قَالَتْ مَا رَضِيت لِي فَقَدْ رَضِيت \" وَهَذَا إِنْ كَانَتْ الْقِصَّة مُتَّحِدَة يَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَقَعَ نَظَره فِي وُجُوه الْقَوْم بَعْد أَنْ سَأَلَهُ الرَّجُل أَنْ يُزَوِّجهَا لَهُ فَاسْتَرْضَاهَا أَوَّلًا ثُمَّ تَكَلَّمَ مَعَهُ فِي الصَّدَاق , وَإِنْ كَانَتْ الْقِصَّة مُتَعَدِّدَة فَلَا إِشْكَال. وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي \" فَوَائِد أَبِي عُمَر بْن حَيْوَةَ \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ \" إِنَّ هَذِهِ اِمْرَأَة رَضِيَتْ بِي فَزَوِّجْهَا مِنِّي , قَالَ : فَمَا مَهْرهَا ؟ قَالَ مَا عِنْدِي شَيْء : قَالَ : اُمْهُرْهَا مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ. قَالَ : وَالَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أَمْلِك شَيْئًا \" وَهَذِهِ الْأَظْهَر فِيهَا التَّعَدُّد. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اِذْهَبْ فَاطْلُبْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَعْقُوب وَابْن أَبِي حَازِم وَابْن جُرَيْجٍ \" اِذْهَبْ إِلَى أَهْلك فَانْظُرْ هَلْ تَجِد شَيْئًا. فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا وَاللَّه يَا رَسُول اللَّه مَا وَجَدْت شَيْئًا. قَالَ اُنْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيد , فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا وَاللَّه يَا رَسُول اللَّه وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيد \" وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك : ثُمَّ ذَهَبَ يَطْلُب مَرَّتَيْنِ , لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ. وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن سَعْد \" فَذَهَبَ فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِد شَيْئًا فَرَجَعَ فَقَالَ لَمْ أَجِد شَيْئًا فَقَالَ لَهُ : اِذْهَبْ فَالْتَمِسْ \" وَقَالَ فِيهِ \" فَقَالَ : وَلَا خَاتَم مِنْ حَدِيد لَمْ أَجِدهُ , ثُمَّ جَلَسَ \" وَوَقَعَ فِي خَاتَم النَّصْب عَلَى الْمَفْعُولِيَّة لِأَلْتَمِس , وَالرَّفْع عَلَى تَقْدِير مَا حَصَلَ لِي وَلَا خَاتَم وَلَوْ فِي قَوْله وَلَوْ خَاتَمًا تَقْلِيلِيّة , قَالَ عِيَاض وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ خِلَاف ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" قَالَ قُمْ إِلَى النِّسَاء. فَقَامَ إِلَيْهِنَّ فَلَمْ يَجِد عِنْدهنَّ شَيْئًا \" وَالْمُرَاد بِالنِّسَاءِ أَهْل الرَّجُل كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ رِوَايَة يَعْقُوب. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ هَلْ مَعَك مِنْ الْقُرْآن شَيْء ) ‏ ‏: كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ بِاخْتِصَارٍ ذِكْرُ الْإِزَار , وَثَبَتَ ذِكْرُهُ فِي رِوَايَة مَالِك وَجَمَاعَة , مِنْهُمْ مَنْ قَدَّمَ ذِكْره عَلَى الْأَمْر بِالْتِمَاسِ الشَّيْء أَوْ الْخَاتَم , وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَّرَهُ , فَفِي رِوَايَة مَالِك قَالَ \" هَلْ عِنْدك مِنْ شَيْء تُصْدِقهَا إِيَّاهُ ؟ قَالَ : مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا. فَقَالَ إِزَارك إِنْ أَعْطَيْتهَا جَلَسْت لَا إِزَار لَك , فَالْتَمِسْ شَيْئًا \" وَيَجُوز فِي قَوْله \" إِزَارك \" الرَّفْع عَلَى الِابْتِدَاء وَالْجُمْلَة الشَّرْطِيَّة الْخَبَر وَالْمَفْعُول الثَّانِي مَحْذُوف تَقْدِيره إِيَّاهُ , وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة , وَيَجُوز النَّصْب عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول ثَانٍ لِأَعْطَيْتُهَا , وَالْإِزَار يُذَكَّر وَيُؤَنَّث. وَقَدْ جَاءَ هُنَا مُذَكَّرًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يَعْقُوب وَابْن أَبِي حَازِم بَعْد قَوْله \" اِذْهَبْ إِلَى أَهْل - إِلَى أَنْ قَالَ - وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيد , وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي \" قَالَ سَهْل أَيْ اِبْن سَعْد الرَّاوِي : مَا لَهُ رِدَاء فَلَهَا نِصْفه \" قَالَ مَا تَصْنَع بِإِزَارِك إِنْ لَبِسْتَهُ \" الْحَدِيث , وَوَقَعَ لِلْقُرْطُبِيِّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَهْمٌ فَإِنَّهُ ظَنَّ أَنَّ قَوْله فَلَهَا نِصْفه مِنْ كَلَام سَهْل بْن سَعْد فَشَرَحَهُ بِمَا نَصَّهُ وَقَوْل سَهْل مَا لَهُ رِدَاء فَلَهَا نِصْفه ظَاهِره لَوْ كَانَ لَهُ رِدَاء لَشَرِكَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ , وَهَذَا بَعِيد إِذْ لَيْسَ فِي كَلَام النَّبِيّ وَلَا الرَّجُل مَا يَدُلّ عَلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ , قَالَ وَيُمْكِن أَنْ يُقَال إِنَّ مُرَاد سَهْل أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ رِدَاء مُضَاف إِلَى الْإِزَار لَكَانَ لِلْمَرْأَةِ نِصْف مَا عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ إِمَّا الرِّدَاء وَإِمَّا الْإِزَار لِتَعْلِيلِهِ الْمَنْع بِقَوْلِهِ \" إِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك مِنْهُ شَيْء \" فَكَأَنَّهُ قَالَ لَوْ كَانَ عَلَيْك ثَوْب تَنْفَرِد أَنْتَ بِلُبْسِهِ وَثَوْب آخَر تَأْخُذهُ هِيَ تَنْفَرِد بِلُبْسِهِ لَكَانَ لَهَا أَخْذه , فَإِمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَلَا اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخَذَ كَلَامه هَذَا بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ فَذَكَرَهُ مُلَخَّصًا , وَهُوَ كَلَام صَحِيح لَكِنَّهُ مَبْنِيّ عَلَى الْفَهْم الَّذِي دَخَلَهُ الْوَهْم , وَالَّذِي قَالَ \" فَلَهَا نِصْفه \" هُوَ الرَّجُل صَاحِب الْقِصَّة , وَكَلَام سَهْل إِنَّمَا هُوَ قَوْله \" مَا لَهُ رِدَاء فَقَطْ \" وَهِيَ جُمْلَة مُعْتَرَضَة , وَتَقْدِير الْكَلَام : وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي فَلَهَا نِصْفه , وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة أَبِي غَسَّان مُحَمَّد بْن مُطَرِّف وَلَفْظه \" وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي وَلَهَا نِصْفه \" قَالَ سَهْل : وَمَا لَهُ رِدَاء. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَقَامَ رَجُل عَلَيْهِ إِزَار وَلَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاء \" وَمَعْنَى قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنْ لَبِسْتَهُ إِلَخْ \" أَيْ إِنْ لَبِسْتَهُ كَامِلًا وَإِلَّا فَمِنْ الْمَعْلُوم مِنْ ضِيق حَالهمْ وَقِلَّة الثِّيَاب عِنْدهمْ أَنَّهَا لَوْ لَبِسَتْهُ بَعْد أَنْ تَشُقّهُ لَمْ يَسْتُرهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالنَّفْيِ نَفْي الْكَمَال لِأَنَّ الْعَرَب قَدْ تَنْفِي جُمْلَة الشَّيْء إِذَا اِنْتَفَى كَمَاله وَالْمَعْنَى لَوْ شَقَقْته بَيْنكُمَا نِصْفَيْنِ لَمْ يَحْصُل كَمَال سِتْرك بِالنِّصْفِ إِذَا لَبِسْته وَلَا هِيَ , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عِنْد الطَّبَرَانِيِّ مَا وَجَدْت وَاللَّه شَيْئًا غَيْر ثَوْبِي هَذَا أَشْقُقهُ بَيْنِي وَبَيْنهَا قَالَ مَا فِي ثَوْبك فَضْل عَنْك , وَفِي رِوَايَة فُضَيْلِ بْن سُلَيْمَان \" وَلَكِنِّي أَشُقّ بُرْدَتِي هَذِهِ فَأُعْطِيهَا النِّصْف وَآخُذ النِّصْف \" وَفِي رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيّ \" قَالَ مَا أَمْلِك إِلَّا إِزَارِي هَذَا , قَالَ : أَرَأَيْت إِنْ لَبِسَتْهُ فَأَيّ شَيْء تَلْبَس \" وَفِي رِوَايَة مُبَشِّر \" هَذِهِ الشَّمْلَة الَّتِي عَلَيَّ لَيْسَ عِنْدِي غَيْرهَا \" وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن سَعْد \" مَا عَلَيْهِ إِلَّا ثَوْب وَأَحَد عَاقِد طَرَفَيْهِ عَلَى عُنُقه \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَجَابِر \" وَاللَّه مَا لِي ثَوْب إِلَّا هَذَا الَّذِي عَلَيَّ \" وَكُلّ هَذَا مِمَّا يُرَجِّح الِاحْتِمَال الْأَوَّل وَاللَّهُ أَعْلَم. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد \" فَقَالَ أَعْطِهَا ثَوْبًا , قَالَ لَا أَجِد , قَالَ أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيد فَاعْتَلَّ لَهُ \" وَمَعْنَى قَوْله \" فَاعْتَلَّ لَهُ \" أَيْ اِعْتَذَرَ بِعَدَمِ وِجْدَانه كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ رِوَايَة غَيْره , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي غَسَّان قَبْل قَوْله : هَلْ مَعَك مِنْ الْقُرْآن شَيْء \" فَجَلَسَ الرَّجُل حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسه قَامَ فَرَآهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَاهُ أَوْ دَعَّى لَهُ \" وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَقَامَ طَوِيلًا ثُمَّ وَلَّى , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيّ الرَّجُل \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم وَيَعْقُوب مِثْله لَكِنْ قَالَ \" فَرَآهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدَعَّى لَهُ , فَلَمَّا جَاءَ قَالَ : مَاذَا مَعَك مِنْ الْقُرْآن ؟ \" وَيَحْتَمِل أَنَّ كَوْن هَذَا بَعْد قَوْله كَمَا فِي رِوَايَة مَالِك \" هَلْ مَعَك مِنْ الْقُرْآن شَيْء \" فَاسْتَفْهَمَهُ حِينَئِذٍ عَنْ كَمَّيِّتِهِ , وَوَقَعَ الْأَمْرَانِ فِي رِوَايَة مَعْمَر قَالَ \" فَهَلْ تَقْرَأ مِنْ الْقُرْآن شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : مَاذَا ؟ قَالَ : سُورَة كَذَا \" وَعُرِفَ بِهَذَا الْمُرَاد بِالْمَعِيَّةِ وَأَنَّ مَعْنَاهَا الْحِفْظ عَنْ ظَهْرِ قَلْبه , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَبَيَان مَنْ زَادَ فِيهِ \" أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبك \" وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالَ مَعِي سُورَة كَذَا وَمَعِي سُورَة كَذَا , قَالَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبك ؟ قَالَ نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله ( سُورَة كَذَا وَسُورَة كَذَا ) ‏ ‏زَادَ مَالِك تَسْمِيَتهَا , وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب وَابْن أَبِي حَازِم \" عَدَّهُنَّ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي غَسَّان \" لِسُوَرٍ يُعَدِّدهَا \" وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ سَهْل بْن سَعْد \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَ رَجُلًا اِمْرَأَة عَلَى سُورَتَيْنِ مِنْ الْقُرْآن يُعَلِّمهَا إِيَّاهُمَا \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" مَا تَحْفَظ مِنْ الْقُرْآن ؟ قَالَ : سُورَة الْبَقَرَة أَوْ الَّتِي تَلِيهَا \" كَذَا فِي كِتَابَيْ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ بِلَفْظِ \" أَوْ \" وَزَعَمَ بَعْض مَنْ لَقِينَاهُ أَنَّهُ عِنْد أَبِي دَاوُدَ بِالْوَاوِ وَعِنْد النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ \" أَوْ \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" قَالَ نَعَمْ سُورَة الْبَقَرَة وَسُورَة الْمُفَصَّل \" وَفِي حَدِيث ضُمَيْرَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَ رَجُلًا عَلَى سُورَة الْبَقَرَة لَمْ يَكُنْ عِنْده شَيْء \" وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ \" زَوَّجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابه اِمْرَأَة عَلَى سُورَة مِنْ الْمُفَصَّل جَعَلَهَا مَهْرهَا وَأَدْخَلَهَا عَلَيْهِ وَقَالَ : عَلِّمْهَا \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور \" فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَة وَهِيَ اِمْرَأَتك \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أُزَوِّجهَا مِنْك عَلَى أَنْ تُعَلِّمهَا أَرْبَع - أَوْ خَمْس - سُوَر مِنْ كِتَاب اللَّه \" وَفِي مُرْسَل أَبِي النُّعْمَان الْأَزْدِيّ عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور \" زَوَّجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِمْرَأَة عَلَى سُورَة مِنْ الْقُرْآن \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَجَابِر \" هَلْ تَقْرَأ مِنْ لِقُرْآنِ شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ , إِنَّا أَعْطَيْنَاك الْكَوْثَر. قَالَ : أَصْدِقْهَا إِيَّاهَا \" وَيُجْمَع بَيْن هَذِهِ الْأَلْفَاظ بِأَنَّ بَعْض الرُّوَاة حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظ بَعْض , أَوْ أَنَّ الْقَصَص مُتَعَدِّدَة. ‏ ‏قَوْله ( اِذْهَبْ فَقَدْ أَنْكَحْتُكهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة زَائِدَة مِثْله , لَكِنْ قَالَ فِي آخِره \" فَعَلِّمْهَا مِنْ الْقُرْآن \" وَفِي رِوَايَة مَالِك \" قَالَ لَهُ قَدْ زَوَّجْتُكهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآن \" وَمِثْله فِي رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيّ عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ , وَكَذَا فِي رِوَايَة فُضَيْلِ بْن سُلَيْمَان وَمُبَشِّر , وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ عِنْد اِبْن مَاجَهْ \" قَدْ زَوَّجْتُكهَا عَلَى مَا مَعَك مِنْ الْقُرْآن \" وَمِثْله فِي رِوَايَة هِشَام بْن سَعْد وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَنْكَحْتُكهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآن \" وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ وَمَعْمَر عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" قَدْ مَلَّكْتُكهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآن \" , وَكَذَا فِي رِوَايَة يَعْقُوب وَابْن أَبِي حَازِم وَابْن جُرَيْجٍ وَحَمَّاد بْن زَيْد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عِنْد أَحْمَد \" قَدْ أَمْلَكْتُكهَا \" وَالْبَاقِي مِثْله , وَقَالَ فِي أُخْرَى \" فَرَأَيْته يَمْضِي وَهِيَ تَتْبَعهُ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي غَسَّان \" أَمْكَنَّاكَهَا \" وَالْبَاقِي مِثْله , وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" قَدْ أَنْكَحْتُكهَا عَلَى أَنْ تُقْرِئهَا وَتُعَلِّمهَا , وَإِذَا رَزَقَك اللَّه عَوَّضْتهَا , فَتَزَوَّجَهَا الرَّجُل عَلَى ذَلِكَ \". وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَشْيَاء غَيْر مَا تَرْجَمَ بِهِ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْوَكَالَة وَفَضَائِل الْقُرْآن وَعِدَّة تَرَاجِم فِي كِتَاب النِّكَاح , وَقَدْ بَيَّنْت فِي كُلّ وَاحِد تَوْجِيه التَّرْجَمَة وَمُطَابَقَتهَا لِلْحَدِيثِ وَوَجْه الِاسْتِنْبَاط مِنْهَا. وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي كِتَاب اللِّبَاس وَالتَّوْحِيد كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره. وَفِيهِ أَيْضًا أَنْ لَا حَدّ لِأَقَلّ الْمَهْر , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : فِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَقَلّ الْمَهْر عَشَرَة دَرَاهِم وَكَذَا مَنْ قَالَ رُبْع دِينَار , قَالَ : لِأَنَّ خَاتَمًا مِنْ حَدِيد لَا يُسَاوِي ذَلِكَ. وَقَالَ الْمَازِرِيّ تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ أَجَازَ النِّكَاح بِأَقَلّ مِنْ رُبْع دِينَار لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَج التَّعْلِيل وَلَكِنْ مَالِك قَاسَهُ عَلَى الْقَطْع فِي السَّرِقَة. قَالَ عِيَاض : تَفَرَّدَ بِهَذَا مَالِك عَنْ الْحِجَازِيِّينَ , لَكِنْ مُسْتَنَده الِالْتِفَات إِلَى قَوْله تَعَالَى ( أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ ) وَبِقَوْلِهِ ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا ) فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد مَا لَهُ بَال مِنْ الْمَال وَأَقَلّه مَا اُسْتُبِيحَ بِهِ قَطْع الْعُضْو الْمُحْتَرَم , قَالَ : وَأَجَازَهُ الْكَافَّة بِمَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الزَّوْجَانِ أَوْ مِنْ الْعَقْد إِلَيْهِ بِمَا فِيهِ مَنْفَعَة كَالسَّوْطِ وَالنَّعْل إِنْ كَانَتْ قِيمَته أَقَلّ مِنْ دِرْهَم , وَبِهِ قَالَ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ وَأَبُو الزِّنَاد وَرَبِيعَة وَابْن أَبِي ذِئْب وَغَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة غَيْر مَالِك وَمَنْ تَبِعَهُ وَابْن جُرَيْجٍ وَمُسْلِم بْن خَالِد وَغَيْرهمَا مِنْ أَهْل مَكَّة وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي أَهْل الشَّام وَاللَّيْث فِي أَهْل مِصْر وَالثَّوْرِيّ وَابْن أَبِي لَيْلَى وَغَيْرهمَا مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ غَيْر أَبِي حَنِيفَة وَمَنْ تَبِعَهُ وَالشَّافِعِيّ وَدَاوُدُ وَفُقَهَاء أَصْحَاب الْحَدِيث وَابْن وَهْب مِنْ الْمَالِكِيَّة. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : أَقَلّه عَشَرَة , وَابْن شُبْرُمَةَ أَقَلّه خَمْسَة , وَمَالِك أَقَلّه ثَلَاثَة أَوْ رُبْع دِينَار بِنَاء عَلَى اِخْتِلَافهمْ فِي مِقْدَار مَا يَجِب فِيهِ الْقَطْع. وَقَدْ قَالَ الدَّرَاوَرْدِيّ لِمَالِك لَمَّا سَمِعَهُ يَذْكُر هَذِهِ الْمَسْأَلَة : تَعَرّقْتَ يَا أَبَا عَبْد اللَّه , أَيْ سَلَكْت سَبِيل أَهْل الْعِرَاق فِي قِيَاسهمْ مِقْدَار الصَّدَاق عَلَى مِقْدَار نِصَاب السَّرِقَة وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : اِسْتَدَلَّ مَنْ قَاسَهُ بِنِصَابِ السَّرِقَة بِأَنَّهُ عُضْو آدَمِيّ مُحْتَرَم فَلَا يُسْتَبَاح بِأَقَلّ مِنْ كَذَا قِيَاسًا عَلَى يَد السَّارِق , وَتَعَقَّبَهُ الْجُمْهُور بِأَنَّهُ قِيَاس فِي مُقَابِل النَّصّ فَلَا يَصِحّ , وَبِأَنَّ الْيَد تُقْطَع وَتَبِين وَلَا كَذَلِكَ الْفَرْجُ , وَبِأَنَّ الْقَدْر الْمَسْرُوق يَجِب عَلَى السَّارِق رَدّه مَعَ الْقَطْع وَلَا كَذَلِكَ الصَّدَاق. وَقَدْ ضَعَّفَ جَمَاعَة مِنْ الْمَالِكِيَّة أَيْضًا هَذَا الْقِيَاس , فَقَالَ أَبُو الْحَسَن اللَّخْمِيّ : قِيَاس قَدْر الصَّدَاق بِنِصَابِ السَّرِقَة لَيْسَ بِالْبَيِّنِ , لِأَنَّ الْيَد إِنَّمَا قُطِعَتْ فِي رُبْع دِينَار نَكَالًا لِلْمَعْصِيَةِ , وَالنِّكَاح مُسْتَبَاح بِوَجْهٍ جَائِز , وَنَحْوه لِأَبِي عَبْد اللَّه بْن الْفَخَّار مِنْهُمْ. نَعَمْ قَوْله تَعَالَى ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا ) يَدُلّ عَلَى أَنَّ صَدَاق الْحُرَّة لَا بُدّ وَأَنْ يَكُون مَا يَنْطَلِق عَلَيْهِ اِسْم مَال لَهُ قَدْر لِيَحْصُل الْفَرْق بَيْنه وَبَيْن مَهْر الْأَمَة , وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ( أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ ) فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى اِشْتِرَاط مَا يُسَمَّى مَالًا فِي الْجُمْلَة قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَقَدْ حَدّه بَعْض الْمَالِكِيَّة بِمَا تَجِب فِيهِ الزَّكَاة , وَهُوَ أَقْوَى مِنْ قِيَاسه عَلَى نِصَاب السَّرِقَة , وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ رَدّه إِلَى الْمُتَعَارَف. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَزْنُ الْخَاتَم مِنْ الْحَدِيد لَا يُسَاوِي رُبْع دِينَار , وَهُوَ مِمَّا لَا جَوَاب عَنْهُ وَلَا عُذْر فِيهِ , لَكِنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابنَا نَظَرُوا إِلَى قَوْله تَعَالَى ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا ) فَمَنَعَ اللَّه الْقَادِر عَلَى الطَّوْل مِنْ نِكَاح الْأَمَة , فَلَوْ كَانَ الطَّوْل دِرْهَمًا مَا تَعَذَّرَ عَلَى أَحَد. ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِأَنَّ ثَلَاثَة دَرَاهِم كَذَلِكَ , يَعْنِي فَلَا حُجَّة فِيهِ لِلتَّحْدِيدِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ الِاخْتِلَاف فِي الْمُرَاد بِالطَّوْلِ. وَفِيهِ أَنَّ الْهِبَة فِي النِّكَاح خَاصَّة بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِ الرَّجُل \" زَوِّجْنِيهَا \" وَلَمْ يَقُلْ هَبْهَا لِي. وَلِقَوْلِهَا هِيَ \" وَهَبْت نَفْسِي لَك \" وَسَكَتَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ , فَدَلَّ عَلَى جَوَازه لَهُ خَاصَّة , مَعَ قَوْله تَعَالَى ( خَالِصَة لَك مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ ) وَفِيهِ جَوَاز اِنْعِقَاد نِكَاحه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَفْظِ الْهِبَة دُون غَيْره مِنْ الْأُمَّة عَلَى أَحَد الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ , وَالْآخَر لَا بُدّ مِنْ لَفْظ النِّكَاح أَوْ التَّزْوِيج. وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَام يُزَوِّج مَنْ لَيْسَ لَهَا وَلِيّ خَاصّ لِمَنْ يَرَاهُ كُفُؤًا لَهَا وَلَكِنْ لَا بُدّ مِنْ رِضَاهَا بِذَلِكَ , وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَيْسَ فِي الْخَبَر أَنَّهُ اِسْتَأْذَنَهَا وَلَا أَنَّهَا وَكَلَّته وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ( النَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ ) يَعْنِي فَيَكُون خَاصًّا بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُزَوِّج مَنْ شَاءَ مِنْ النِّسَاء بِغَيْرِ اِسْتِئْذَانهَا لِمَنْ شَاءَ , وَبِنَحْوِهِ قَالَ اِبْن أَبِي زَيْد. وَأَجَابَ اِبْن بَطَّال بِأَنَّهَا لَمَّا قَالَتْ لَهُ \" وَهَبْت نَفْسِي لَك \" كَانَ كَالْإِذْنِ مِنْهَا فِي تَزْوِيجهَا لِمَنْ أَرَادَ , لِأَنَّهَا لَا تُمْلَك حَقِيقَة , فَيَصِير الْمَعْنَى جَعَلْت لَك أَنْ تَتَصَرَّف فِي تَزْوِيجِي ا ه. وَلَوْ رَاجَعَا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة لَمَا اِحْتَاجَا إِلَى هَذَا التَّكَلُّف , فَإِنَّ فِيهِ كَمَا قَدَّمْته \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمَرْأَةِ : إِنِّي أُرِيدَ أَنْ أُزَوِّجك هَذَا إِنْ رَضِيت , فَقَالَتْ : مَا رَضِيت لِي فَقَدْ رَضِيت. وَفِيهِ جَوَاز تَأَمُّل مَحَاسِن الْمَرْأَة لِإِرَادَةِ تَزْوِيجهَا وَإِنْ لَمْ تَتَقَدَّم الرَّغْبَة فِي تَزْوِيجهَا وَلَا وَقَعَتْ خِطْبَتهَا , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعَّدَ فِيهَا النَّظَر وَصَوَّبَهُ , وَفِي الصِّيغَة مَا يَدُلّ عَلَى الْمُبَالَغَة فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَتَقَدَّم مِنْهُ رَغْبَة فِيهَا وَلَا خِطْبَة , ثُمَّ قَالَ \" لَا حَاجَة لِي فِي النِّسَاء \" وَلَوْ لَمْ يَقْصِد أَنَّهُ إِذَا رَأَى مِنْهَا مَا يُعْجِبهُ أَنَّهُ يَقْبَلهَا مَا كَانَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَأَمُّلهَا فَائِدَة. وَيُمْكِن الِانْفِصَال عَنْ ذَلِكَ بِدَعْوَى الْخُصُوصِيَّة لَهُ لِمَحَلِّ الْعِصْمَة. وَالَّذِي تَحَرَّرَ عِنْدنَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَحْرُم عَلَيْهِ النَّظَر إِلَى الْمُؤْمِنَات الْأَجْنَبِيَّات بِخِلَافِ غَيْره. وَسَلَكَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي الْجَوَاب مَسْلَكًا آخَر فَقَالَ : يَحْتَمِل أَنَّ ذَلِكَ قَبْل الْحِجَاب , أَوْ بَعْده لَكِنْهَا كَانَتْ مُتَلَفِّفَة , وَسِيَاق الْحَدِيث يَبْعُد مَا قَالَ. وَفِيهِ أَنَّ الْهِبَة لَا تَتِمّ إِلَّا بِالْقَبُولِ , لِأَنَّهَا لَمَّا قَالَتْ \" وَهَبْت نَفْسِي لَك \" وَلَمْ يَقُلْ قَبِلْت لَمْ يَتِمّ مَقْصُودهَا وَلَوْ قَبِلَهَا لَصَارَتْ زَوْجًا لَهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِر عَلَى الْقَائِل \" زَوِّجْنِيهَا \" وَفِيهِ جَوَاز الْخِطْبَة عَلَى خِطْبَة مَنْ خَطَبَ إِذَا لَمْ يَقَع بَيْنهمَا رُكُون وَلَا سِيَّمَا إِذَا لَاحَتْ مَخَايِل الرَّدّ , قَالَهُ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ , وَتَعَقَّبَهُ عِيَاض وَغَيْره بِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّم عَلَيْهَا خِطْبَة لِأَحَدٍ وَلَا مَيْل , بَلْ هِيَ أَرَادَتْ أَنْ يَتَزَوَّجهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَضَتْ نَفْسهَا مَجَّانًا مُبَالَغَة مِنْهَا فِي تَحْصِيل مَقْصُودهَا فَلَمْ يَقْبَل , وَلَمَّا قَالَ \" لَيْسَ لِي حَاجَة فِي النِّسَاء \" عَرَفَ الرَّجُل أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلهَا فَقَالَ \" زَوِّجْنِيهَا \" ثُمَّ بَالَغَ فِي الِاحْتِرَاز فَقَالَ \" إِنْ لَمْ يَكُنْ لَك بِهَا حَاجَة \" وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بَعْد تَصْرِيحه بِنَفْيِ الْحَاجَة لِاحْتِمَالِ أَنْ يَبْدُو لَهُ بَعْد ذَلِكَ مَا يَدْعُوهُ إِلَى إِجَابَتهَا , فَكَانَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى وُفُور فِطْنَة الصَّحَابِيّ الْمَذْكُور وَحُسْن أَدَبه. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْبَاجِيّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْحُكْم الَّذِي ذَكَرَهُ يُسْتَنْبَط مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة , لِأَنَّ الصَّحَابِيّ لَوْ فَهِمَ أَنَّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا رَغْبَة لَمْ يَطْلُبهَا , فَكَذَلِكَ مَنْ فَهِمَ أَنَّ لَهُ رَغْبَة فِي تَزْوِيج اِمْرَأَة لَا يَصْلُح لِغَيْرِهِ أَنْ يُزَاحِمهُ فِيهَا حَتَّى يَظْهَر عَدَم رَغْبَته فِيهَا إِمَّا بِالتَّصْرِيحِ أَوْ مَا فِي حُكْمه. وَفِيهِ أَنَّ النِّكَاح لَا بُدّ فِيهِ مِنْ الصَّدَاق لِقَوْلِهِ \" هَلْ عِنْدك مِنْ شَيْء تَصْدُقهَا \" ؟ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَطَأ فَرْجًا وُهِبَ لَهُ دُون الرَّقَبَة بِغَيْرِ صَدَاق. وَفِيهِ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُر الصَّدَاق فِي الْعَقْد لِأَنَّهُ أَقْطَع لِلنِّزَاعِ وَأَنْفَع لِلْمَرْأَةِ , فَلَوْ عَقَدَ بِغَيْرِ ذِكْرِ صَدَاق صَحَّ وَوَجَبَ لَهَا مَهْر الْمِثْل بِالدُّخُولِ عَلَى الصَّحِيح , وَقِيلَ بِالْعَقْدِ. وَوَجْه كَوْنه أَنْفَع لَهَا أَنَّهُ يَثْبُت لَهَا نِصْف الْمُسَمَّى أَنْ لَوْ طُلِّقَتْ قَبْل الدُّخُول. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب تَعْجِيل تَسْلِيم الْمَهْر. وَفِيهِ جَوَاز الْحَلِف بِغَيْرِ اِسْتِحْلَاف لِلتَّأْكِيدِ , لَكِنَّهُ يُكْرَه لِغَيْرِ ضَرُورَة وَفِي قَوْله \" أَعْنَدك شَيْء ؟ فَقَالَ : لَا \" دَلِيل عَلَى تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقَرِينَةِ , لِأَنَّ لَفْظ شَيْء يَشْمَل الْخَطِير وَالتَّافَة , وَهُوَ كَانَ لَا يَعْدَم شَيْئًا تَافِهًا كَالنَّوَاةِ وَنَحْوهَا , لَكِنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَاد مَا لَهُ قِيمَة فِي الْجُمْلَة , فَلِذَلِكَ نَفَى أَنْ يَكُون عِنْده. وَنَقَلَ عِيَاض الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ مِثْل الشَّيْء الَّذِي لَا يُتَمَوَّل وَلَا لَهُ قِيمَة لَا يَكُون صَدَاقًا وَلَا يَحِلّ بِهِ النِّكَاح , فَإِنْ ثَبَتَ نَقْلُهُ فَقَدْ خَرَقَ هَذَا الْإِجْمَاع أَبُو مُحَمَّد بْن حَزْم فَقَالَ : يَجُوز بِكُلِّ مَا يُسَمَّى شَيْئًا وَلَوْ كَانَ حَبَّة مِنْ شَعِير , وَيُؤَيِّد مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْكَافَّة قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" اِلْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيد \" لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ مَوْرِد التَّقْلِيل بِالنِّسْبَةِ لِمَا فَوْقه , وَلَا شَكّ أَنَّ الْخَاتَم مِنْ الْحَدِيد لَهُ قِيمَة وَهُوَ أَعْلَى خَطَرًا مِنْ النَّوَاة وَحَبَّة الشَّعِير , وَمَسَاق الْخَبَر يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْء دُونه يَسْتَحِلّ بِهِ الْبُضْع , وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيث فِي أَقَلّ الصَّدَاق لَا يَثْبُت مِنْهَا شَيْء , مِنْهَا عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق أَبِي لَبِيبَة رَفَعَهُ \" مَنْ اِسْتَحَلَّ بِدِرْهَمٍ فِي النِّكَاح فَقَدْ اِسْتَحَلَّ وَمِنْهَا عِنْد أَبِي دَاوُدَ عَنْ جَابِر رَفَعَهُ \" مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاق اِمْرَأَة سَوِيقًا أَوْ تَمْرًا فَقَدْ اِسْتَحَلَّ \" , وَعِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عَامِر بْن رَبِيعَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ نِكَاح اِمْرَأَة عَلَى نَعْلَيْنِ \" وَعِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي أَثْنَاء حَدِيث الْمَهْر \" وَلَوْ عَلَى سِوَاك مِنْ أَرَاك \" وَأَقْوَى شَيْء وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم كُنَّا نَسْتَمْتِع بِالْقَبْضَةِ مِنْ التَّمْر وَالدَّقِيق عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَهَى عَنْهَا عُمَر \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنَّمَا نَهَى عُمَر عَنْ النِّكَاح إِلَى أَجْلٍ لَا عَنْ قَدْرِ الصَّدَاق , وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَفِيهِ دَلِيل لِلْجُمْهُورِ لِجَوَازِ النِّكَاح بِالْخَاتَمِ الْحَدِيد وَمَا هُوَ نَظِير قِيمَته , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ مِنْ الْمَالِكِيَّة كَمَا تَقَدَّمَ : لَا شَكّ أَنَّ خَاتَم الْحَدِيد لَا يُسَاوِي رُبْع دِينَار , وَهَذَا لَا جَوَاب عَنْهُ لِأَحَدٍ وَلَا عُذْر فِيهِ , وَانْفَصَلَ بَعْض الْمَالِكِيَّة عَنْ هَذَا الْإِيرَاد مَعَ قُوَّته بِأَجْوِبَةٍ : مِنْهَا أَنَّ قَوْله \" وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيد \". خُرِّجَ مَخْرَج الْمُبَالَغَة فِي طَلَب التَّيْسِير عَلَيْهِ وَلَمْ يُرِدْ عَيْن الْخَاتَم الْحَدِيد وَلَا قَدْر قِيمَته حَقِيقَة , لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَا أَجِد شَيْئًا عُرِفَ أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَاد بِالشَّيْءِ مَا لَهُ قِيمَة فَقِيلَ لَهُ وَلَوْ أَقَلّ مَا لَهُ قِيمَة كَخَاتَمِ الْحَدِيد , وَمِثْله \" تَصَدَّقُوا وَلَوْ بِظَلْفٍ مُحَرَّقٍ وَلَوْ بِفِرْسِنِ شَاة \" مَعَ أَنَّ الظِّلْف وَالْفِرْسِن لَا يُنْتَفَع بِهِ وَلَا يُتَصَدَّق بِهِ , وَمِنْهَا اِحْتِمَال أَنَّهُ طَلَب مِنْهُ مَا يُعَجِّل نَقْدَهُ قَبْل الدُّخُول لَا أَنَّ ذَلِكَ جَمِيع الصَّدَاق , وَهَذَا جَوَاب اِبْن الْقَصَّار , وَهَذَا يَلْزَم مِنْهُ الرَّدّ عَلَيْهِمْ حَيْثُ اِسْتَحَبُّوا تَقْدِيم رُبْع دِينَار أَوْ قِيمَته قَبْل الدُّخُول لَا أَقَلّ , وَمِنْهَا دَعْوَى اِخْتِصَاص الرَّجُل الْمَذْكُور بِهَذَا الْقَدْر دُون غَيْره وَهَذَا جَوَاب الْأَبْهَرِيّ , وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ الْخُصُوصِيَّة تَحْتَاج إِلَى دَلِيل خَاصّ. وَمِنْهَا اِحْتِمَال أَنْ تَكُون قِيمَته إِذْ ذَاكَ ثَلَاثَة دَرَاهِم أَوْ رُبْع دِينَار. وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ سَهْل بْن سَعْد \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَ رَجُلًا بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيد فَصّه فِضَّة \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز اِتِّخَاذ الْخَاتَم مِنْ الْحَدِيد , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَعَلَى وُجُوب تَعْجِيل الصَّدَاق قَبْل الدُّخُول , إِذْ لَوْ سَاغَ تَأْخِيره لَسَأَلَهُ هَلْ يَقْدِر عَلَى تَحْصِيل مَا يُمْهِرهَا بَعْد أَنْ يَدْخُل عَلَيْهَا وَيَتَقَرَّر ذَلِكَ فِي ذِمَّته , وَيُمْكِن الِانْفِصَال عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ بِالْأَوْلَى , وَالْحَامِل عَلَى هَذَا التَّأْوِيل ثُبُوت جَوَاز نِكَاح الْمُفَوِّضَة وَثُبُوت جَوَاز النِّكَاح عَلَى مُسَمَّى فِي الذِّمَّة وَاللَّهُ أَعْلَم. وَفِيهِ أَنَّ إِصْدَاق مَا يُتَمَوَّل يُخْرِجهُ عَنْ يَد مَالِكه حَتَّى أَنَّ مَنْ أَصْدَقَ جَارِيَة مَثَلًا حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا وَكَذَا اِسْتِخْدَامهَا بِغَيْرِ إِذْنِ مَنْ أَصْدَقهَا , وَأَنَّ صِحَّة الْمَبِيع تَتَوَقَّف عَلَى صِحَّة تَسْلِيمه فَلَا يَصِحّ مَا تَعَذَّرَ إِمَّا حِسًّا كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاء وَإِمَّا شَرْعًا كَالْمَرْهُونِ , وَكَذَا الَّذِي لَوْ زَالَ إِزَاره لَانْكَشَفَتْ عَوْرَته , كَذَا قَالَ عِيَاض وَفِيهِ نَظَر , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز جَعْلِ الْمَنْفَعَة صَدَاقًا وَلَوْ كَانَ تَعْلِيم الْقُرْآن , قَالَ الْمَازِرِيّ : هَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْبَاء لِلتَّعْوِيضِ كَقَوْلِك بِعْتُك ثَوْبِي بِدِينَارٍ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر وَإِلَّا لَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى اللَّام عَلَى مَعْنَى تَكْرِيمه لِكَوْنِهِ حَامِلًا لِلْقُرْآنِ لَصَارَتْ الْمَرْأَة بِمَعْنَى الْمَوْهُوبَة وَالْمَوْهُوبَة خَاصَّة بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ا ه. وَانْفَصَلَ الْأَبْهَرِيّ - وَقَبِلَهُ الطَّحَاوِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا كَأَبِي مُحَمَّد بْن أَبِي زَيْد - عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا خَاصّ بِذَلِكَ الرَّجُل , لِكَوْنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجُوز لَهُ نِكَاح الْوَاهِبَة فَكَذَلِكَ يَجُوز لَهُ أَنْ يُنْكِحهَا لِمَنْ شَاءَ بِغَيْرِ صَدَاق , وَنَحْوه لِلدَّاوُدِيّ وَقَالَ : إِنْكَاحهَا إِيَّاهُ بِغَيْرِ صَدَاق لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ , وَقَوَّاهُ بَعْضهمْ بِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ \" مَلَّكْتُكهَا \" لَمْ يُشَاوِرهَا وَلَا اِسْتَأْذَنَهَا , وَهَذَا ضَعِيف لِأَنَّهَا هِيَ أَوَّلًا فَوَّضَتْ أَمْرهَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة الْبَاب \" فَرَ فِيَّ رَأْيك \" وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظ الْخَبَر الَّتِي ذَكَرْنَاهَا , فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى مُرَاجَعَتهَا فِي تَقْدِير الْمَهْر وَصَارَتْ كَمَنْ قَالَتْ لِوَلِيِّهَا زَوِّجْنِي بِمَا تَرَى مِنْ قَلِيل الصَّدَاق وَكَثِيره , وَاحْتَجَّ لِهَذَا الْقَوْل بِمَا أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ مُرْسَل أَبِي النُّعْمَان الْأَزْدِيّ قَالَ \" زَوَّجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِمْرَأَة عَلَى سُورَة مِنْ الْقُرْآن وَقَالَ : لَا تَكُون لِأَحَدٍ بَعْدك مَهْرًا \" وَهَذَا مَعَ إِرْسَاله فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَف , وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق مَكْحُول قَالَ : لَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَخْرَجَ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق اللَّيْث بْن سَعْد نَحْوه. وَقَالَ عِيَاض : يَحْتَمِل قَوْله \" بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآن \" وَجْهَيْنِ أَظْهَرهُمَا أَنْ يُعَلِّمهَا مَا مَعَهُ مِنْ الْقُرْآن أَوْ مِقْدَارًا مُعَيَّنًا مِنْهُ وَيَكُون ذَلِكَ صَدَاقهَا وَقَدْ جَاءَ هَذَا التَّفْسِير عَنْ مَالِك , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي بَعْض طُرُقه الصَّحِيحَة \" فَعَلَّمَهَا مِنْ الْقُرْآن \" كَمَا تَقَدَّمَ , وَعَيَّنَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِقْدَار مَا يُعَلِّمهَا وَهُوَ عِشْرُونَ آيَة , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْبَاء بِمَعْنَى اللَّام أَيْ لِأَجَلِ مَا مَعَك مِنْ الْقُرْآن فَأَكْرَمه بِأَنْ زَوَّجَهُ الْمَرْأَة بِلَا مَهْر لِأَجْلِ كَوْنه حَافِظًا لِلْقُر"
    },
    {
        "id": "4753",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لِرَجُلٍ ‏ ‏تَزَوَّجْ وَلَوْ بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُوسَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ اِبْن السَّكَن وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ الرَّجُل : تَزَوَّجْ وَلَوْ بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيد ) ‏ ‏هَذَا مُخْتَصَر مِنْ الْحَدِيث الطَّوِيل الَّذِي قَبْله , وَقَدْ ذَكَرْت مَنْ سَاقه عَنْ الثَّوْرِيّ مُطَوَّلًا وَهُوَ عَبْد الرَّزَّاق , لَكِنَّهُ قَرَنَهُ فِي رِوَايَته بِمَعْمَرٍ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ أَتَمَّ مِمَّا هُنَا , وَقَدْ ذَكَرْت مَا فِي رِوَايَته مِنْ فَائِدَة زَائِده فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله , وَتَقَدَّمَ مِنْ الْكَلَام فِيهِ مَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4754",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد ) ‏ ‏هُوَ الطَّيَالِسِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الشُّرُوط عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف عَنْ اللَّيْث \" حَدَّثَنِي يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي الْخَيْر ) ‏ ‏هُوَ مَرْثَد بْن عَبْد اللَّه الْيَزَنِيّ , وَعُقْبَة هُوَ اِبْن عَامِر الْجُهَنِيّ. ‏ ‏قَوْله ( أَحَقّ مَا أَوْفَيْتُمْ مِنْ الشُّرُوط أَنْ تُوفُوا بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن يُوسُف \" أَحَقّ الشُّرُوط أَنْ تُوفُوا بِهِ \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب أَنَّهُ \" أَحَقّ الشُّرُوط أَنْ يُوفَى بِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( مَا اِسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوج ) ‏ ‏أَيْ أَحَقّ الشُّرُوط بِالْوَفَاءِ شُرُوط النِّكَاح لِأَنَّ أَمْرَهُ أَحْوَط وَبَابه أَضْيَق. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الشُّرُوط فِي النِّكَاح مُخْتَلِفَة , فَمِنْهَا مَا يَجِب الْوَفَاء بِهِ اِتِّفَاقًا وَهُوَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ مِنْ إِمْسَاكٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ , وَعَلَيْهِ حَمَلَ بَعْضهمْ هَذَا الْحَدِيث. وَمِنْهَا مَا لَا يُوفَى بِهِ اِتِّفَاقًا كَسُؤَالِ طَلَاق أُخْتهَا , وَسَيَأْتِي حُكْمه فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. وَمِنْهَا مَا اِخْتُلِفَ فِيهِ كَاشْتِرَاطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّج عَلَيْهَا أَوْ لَا يَتَسَرَّى أَوْ لَا يَنْقُلهَا مِنْ مَنْزِلهَا إِلَى مَنْزِله. وَعِنْد الشَّافِعِيَّة الشُّرُوط فِي النِّكَاح عَلَى ضَرْبَيْنِ : مِنْهَا مَا يَرْجِع إِلَى الصَّدَاق فَيَجِب الْوَفَاء بِهِ , وَمَا يَكُون خَارِجًا عَنْهُ فَيَخْتَلِف الْحُكْم فِيهِ , فَمِنْهُ مَا يَتَعَلَّق بِحَقِّ الزَّوْج وَسَيَأْتِي بَيَانه , وَمِنْهُ مَا يَشْتَرِطهُ الْعَاقِد لِنَفْسِهِ خَارِجًا عَنْ الصَّدَاق وَبَعْضهمْ يُسَمِّيه الْحُلْوَان , فَقِيلَ هُوَ لِلْمَرْأَةِ مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْل عَطَاء وَجَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيّ وَأَبُو عُبَيْد , وَقِيلَ هُوَ لِمَنْ شَرَطَهُ قَالَهُ مَسْرُوق وَعَلِيّ بْن الْحُسَيْن , وَقِيلَ يَخْتَصّ ذَلِكَ بِالْأَبِ دُون غَيْره مِنْ الْأَوْلِيَاء , وَقَالَ الشَّافِعِيّ إِنْ وَقَعَ نَفْس الْعَقْد وَجَبَ لِلْمَرْأَةِ مَهْر مِثْلهَا , وَإِنْ وَقَعَ خَارِجًا عَنْهُ لَمْ يَجِب , وَقَالَ مَالِك إِنْ وَقَعَ فِي حَال الْعَقْد فَهُوَ مِنْ جُمْلَة الْمَهْر , أَوْ خَارِجًا عَنْهُ فَهُوَ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ , وَجَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيث مَرْفُوع أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيّمَا اِمْرَأَة نَكَحَتْ عَلَى صَدَاق أَوْ حَيَاء أَوْ عِدَّة قَبْل عِصْمَة النِّكَاح فَهُوَ لَهَا , فَمَا كَانَ بَعْد عِصْمَة النِّكَاح فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيه , وَأَحَقّ مَا أَكْرَم بِهِ الرَّجُل اِبْنَته أَوْ أُخْته , وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن أَرْطَاةَ عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة نَحْوه , وَقَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْد تَخْرِيجه : وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد بَعْض أَهْل الْعِلْم مِنْ الصَّحَابَة مِنْهُمْ عُمَر قَالَ \" إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُل الْمَرْأَة وَشَرَطَ أَنْ لَا يُخْرِجهَا لَزِمَ \" وَبِهِ يَقُول الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , كَذَا قَالَ , وَالنَّقْل فِي هَذَا عَنْ الشَّافِعِيّ غَرِيب , بَلْ الْحَدِيث عِنْدهمْ مَحْمُول عَلَى الشُّرُوط الَّتِي لَا تُنَافِي مُقْتَضَى النِّكَاح بَلْ تَكُون مِنْ مُقْتَضَيَاته وَمَقَاصِده كَاشْتِرَاطِهِ الْعِشْرَة بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِنْفَاق وَالْكِسْوَة وَالسُّكْنَى وَأَنْ لَا يُقَصِّر فِي شَيْء مِنْ حَقّهَا مِنْ قِسْمَة وَنَحْوهَا , وَكَشَرْطِهِ عَلَيْهَا أَلَّا تَخْرُج إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَمْنَعهُ نَفْسهَا وَلَا تَتَصَرَّف فِي مَتَاعه إِلَّا بِرِضَاهُ وَنَحْو ذَلِكَ , وَأَمَّا شَرْط يُنَافِي مُقْتَضَى النِّكَاح كَأَنْ لَا يَقْسِم لَهَا أَوْ لَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا أَوْ لَا يُنْفِق أَوْ نَحْو ذَلِكَ فَلَا يَجِب الْوَفَاء بِهِ بَلْ إِنْ وَقَعَ فِي صُلْب الْعَقْد كَفَى وَصَحَّ النِّكَاح بِمَهْرِ الْمِثْل , وَفِي وَجْه يَجِب الْمُسَمَّى وَلَا أَثَر لِلشَّرْطِ , وَفِي قَوْل لِلشَّافِعِيِّ يَبْطُل النِّكَاح. وَقَالَ أَحْمَد وَجَمَاعَة : يَجِب الْوَفَاء بِالشَّرْطِ مُطْلَقًا. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ اِبْن دَقِيق الْعِيد حَمْلَ الْحَدِيث عَلَى الشُّرُوط الَّتِي هِيَ مِنْ مُقْتَضَيَات النِّكَاح قَالَ : تِلْكَ الْأُمُور لَا تُؤَثِّر الشُّرُوط فِي إِيجَابهَا , فَلَا تَشْتَدّ الْحَاجَة إِلَى تَعْلِيق الْحُكْمِ بِاشْتِرَاطِهَا , وَسِيَاق الْحَدِيث يَقْتَضِي خِلَاف ذَلِكَ , لِأَنَّ لَفْظ \" أَحَقّ الشُّرُوط \" \" يَقْتَضِي أَنْ يَكُون بَعْض الشُّرُوط يَقْتَضِي الْوَفَاء بِهَا وَبَعْضهَا أَشَدّ اِقْتِضَاء , وَالشُّرُوط هِيَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْد مُسْتَوِيَة فِي وُجُوب الْوَفَاء بِهَا. قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَقَالَ عَلِيّ سَبَقَ شَرْط اللَّه شَرْطهَا , قَالَ : وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيّ وَبَعْض أَهْل الْكُوفَة , وَالْمُرَاد فِي الْحَدِيث الشُّرُوط الْجَائِزَة لَا الْمَنْهِيّ عَنْهَا ا ه. وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ عُمَر , فَرَوَى اِبْن وَهْب بِإِسْنَادٍ جَيِّد عَنْ عُبَيْد بْن السَّبَّاق \" أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ اِمْرَأَة فَشَرَطَ لَهَا أَنْ لَا يُخْرِجهَا مِنْ دَارهَا , فَارْتَفَعُوا إِلَى عُمَر فَوَضَعَ الشَّرْط وَقَالَ : الْمَرْأَة مَعَ زَوْجهَا \" قَالَ أَبُو عُبَيْد : تَضَادَّتْ الرِّوَايَات عَنْ عُمَر فِي هَذَا , وَقَدْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّل عَمْرو بْن الْعَاصِ , وَمَنْ التَّابِعِينَ طَاوُسٌ وَأَبُو الشَّعْثَاء وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ اللَّيْث وَالثَّوْرِيُّ وَالْجُمْهُور بِقَوْلِ عَلِيّ حَتَّى لَوْ كَانَ صَدَاق مِثْلهَا مِائَة مَثَلًا فَرَضِيت بِخَمْسِينَ عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجهَا فَلَهُ إِخْرَاجهَا وَلَا يَلْزَمهُ إِلَّا الْمُسَمَّى وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّة : لَهَا أَنْ تَرْجِع عَلَيْهِ بِمَا نَقَصَتْهُ لَهُ مِنْ الصَّدَاق. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يَصِحّ النِّكَاح وَيَلْغُو الشَّرْط وَيَلْزَمهُ مَهْر الْمِثْل وَعَنْهُ يَصِحّ وَتَسْتَحِقّ الْكُلّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : وَالَّذِي نَأْخُذ بِهِ أَنَّا نَأْمُرهُ بِالْوَفَاءِ بِشَرْطِهِ مِنْ غَيْر أَنْ يَحْكُم عَلَيْهِ بِذَلِكَ. قَالَ : وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَوْ اِشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَأهَا لَمْ يَجِب الْوَفَاء بِذَلِكَ الشَّرْط فَكَذَلِكَ هَذَا وَمِمَّا يُقَوِّي حَمْل حَدِيث عُقْبَةَ عَلَى النَّدْب مَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة بَرِيرَة \" كُلّ شَرْط لَيْسَ فِي كِتَاب اللَّه فَهُوَ بَاطِل \" وَالْوَطْء وَالْإِسْكَان وَغَيْرهمَا مِنْ حُقُوق الزَّوْج إِذَا شَرَطَ عَلَيْهِ إِسْقَاط شَيْء مِنْهَا كَانَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَاب اللَّه فَيَبْطُل , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع الْإِشَارَة إِلَى حَدِيث \" الْمُسْلِمُونَ عِنْد شُرُوطهمْ , إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا \" وَحَدِيث \" الْمُسْلِمُونَ عِنْد شَرْطهمْ مَا وَافَقَ الْحَقّ \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الصَّغِير \" بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ جَابِر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ أُمّ مُبَشِّر بِنْت الْبَرَاء بْن مَعْرُور فَقَالَتْ : إِنِّي شَرَطْت لِزَوْجِي أَنْ لَا أَتَزَوَّج بَعْده , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَذَا لَا يَصْلُح \" وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيث \" اِسْتِحْبَاب تَقَدُّمَة شَيْء مِنْ الْمَهْر قَبْل الدُّخُول \" وَفِي اِنْتِزَاعه مِنْ الْحَدِيث الْمَذْكُور غُمُوض , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4755",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَكَرِيَّاءَ هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ ‏ ‏صَحْفَتَهَا ‏ ‏فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( لَا يَحِلّ لِامْرَأَةٍ تَسْأَل طَلَاق أُخْتهَا لِتَسْتَفْرِغ صَحْفَتهَا , فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيّ بِهَذَا اللَّفْظ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق اِبْن الْجُنَيْد عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" لَا يَصْلُح لِامْرَأَةِ أَنْ تَشْتَرِط طَلَاق أُخْتهَا لِتُكْفِئ إِنَاءَهَا \" وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي حَاتِم الرَّازِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى لَكِنْ قَالَ \" لَا يَنْبَغِي \" بَدَل \" لَا يَصْلُح \" وَقَالَ \" لِتُكْفِئ \" , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن زَكَرِيَّاء بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ اِبْن الْجُنَيْد لَكِنْ قَالَ \" لِتُكْفِئ \" فَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ مِنْ هَذَا الْوَجْه مِنْ رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن مِلْحَانَ عَنْ اللَّيْث عَنْ جَعْفَر بْن رَبِيعَة عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي حَدِيث طَوِيل أَوَّله \" إِيَّاكُمْ وَالظَّنّ - وَفِيهِ - وَلَا تَسْأَل الْمَرْأَة طَلَاق أُخْتهَا لِتَسْتَفْرِغ إِنَاء صَاحِبَتهَا وَلِتُنْكَح , فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا \" وَهَذَا قَرِيب مِنْ اللَّفْظ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيّ هُنَا. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ مِنْ أَوَّل الْحَدِيث إِلَى قَوْله \" حَتَّى يَنْكِح أَوْ يَتْرُك \" وَنَبَّهْت عَلَى ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي \" بَاب لَا يَخْطُب عَلَى خِطْبَة أَخِيهِ \" فَإِمَّا أَنْ يَكُون عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى حَدَّثَ بِهِ عَلَى اللَّفْظَيْنِ أَوْ اِنْتَقَلَ الذِّهْن مِنْ مَتْنٍ إِلَى مَتْنٍ , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْقَدَرِ مِنْ رِوَايَة أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" لَا تَسْأَل الْمَرْأَة طَلَاق أُخْتهَا لِتَسْتَفْرِغ صَحْفَتهَا وَلِتَنْكِح , فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا \" وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي حَدِيث أَوَّله \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيع حَاضِرٌ لِبَادٍ - وَفِي آخِره - وَلَا تَسْأَل الْمَرْأَة طَلَاق أُخْتهَا لِتُكْفِئ مَا فِي إِنَائِهَا \". ‏ ‏قَوْله ( لَا يَحِلّ ) ظَاهِر فِي تَحْرِيم ذَلِكَ , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبَب يَجُوز ذَلِكَ كَرِيبَةٍ فِي الْمَرْأَة لَا يَنْبَغِي مَعَهَا أَنْ تَسْتَمِرّ فِي عِصْمَة الزَّوْج وَيَكُون ذَلِكَ عَلَى سَبِيل النَّصِيحَة الْمَحْضَة أَوْ لِضَرَرٍ يَحْصُل لَهَا مِنْ الزَّوْج أَوْ لِلزَّوْجِ مِنْهَا أَوْ يَكُون سُؤَالهَا ذَلِكَ بِعِوَضٍ وَلِلزَّوْجِ رَغْبَة فِي ذَلِكَ فَيَكُون كَالْخُلْعِ مَعَ الْأَجْنَبِيّ إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِد الْمُخْتَلِفَة. وَقَالَ اِبْن حَبِيب : حَمَلَ الْعُلَمَاء هَذَا النَّهْي عَلَى النَّدْب , فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُفْسَخ النِّكَاح وَتَعَقَّبَهُ اِبْن بَطَّال بِأَنَّ نَفْي الْحِلّ صَرِيح فِي التَّحْرِيم , وَلَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْهُ فَسْخُ النِّكَاح , وَإِنَّمَا فِيهِ التَّغْلِيظ عَلَى الْمَرْأَة أَنْ تَسْأَل طَلَاق الْأُخْرَى , وَلِتَرْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّه لَهَا. ‏ ‏قَوْله ( أُخْتهَا ) قَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث نَهْي الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة أَنْ تَسْأَل رَجُلًا طَلَاق زَوْجَته وَأَنْ يَتَزَوَّجهَا هِيَ فَيَصِير لَهَا مِنْ نَفَقَته وَمَعْرُوفه وَمُعَاشَرَته مَا كَانَ لِلْمُطَلَّقَةِ , فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ \" تُكْفِئ مَا فِي صَحْفَتهَا , قَالَ وَالْمُرَاد بِأُخْتِهَا غَيْرهَا سَوَاء كَانَتْ أُخْتهَا مِنْ النَّسَب أَوْ الرَّضَاع أَوْ الدِّين , وَيَلْحَق بِذَلِكَ الْكَافِرَة فِي الْحُكْم وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُخْتًا فِي الدِّين إِمَّا لِأَنَّ الْمُرَاد الْغَالِب أَوْ أَنَّهَا أُخْتهَا فِي الْجِنْس الْآدَمِيّ , وَحَمَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ الْأُخْت هُنَا عَلَى الضَّرَّة فَقَالَ : فِيهِ مِنْ الْفِقْه أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَسْأَل الْمَرْأَة زَوْجهَا أَنْ يُطَلِّق ضَرَّتهَا لِتَنْفَرِد بِهِ , وَهَذَا يُمْكِن فِي الرِّوَايَة الَّتِي وَقَعَتْ بِلَفْظِ \" لَا تَسْأَل الْمَرْأَة طَلَاق أُخْتهَا \" , وَأَمَّا الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا لَفْظ الشَّرْط فَظَاهِرهَا أَنَّهَا فِي الْأَجْنَبِيَّة وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِيهَا \" وَلِتَنْكِح \" أَيْ وَلِتَتَزَوَّج الزَّوْج الْمَذْكُور مِنْ غَيْر أَنْ يَشْتَرِط أَنْ يُطَلِّق الَّتِي قَبْلهَا , وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد هُنَا بِالْأُخْتِ الْأُخْت فِي الدِّين ; وَيُؤَيِّدهُ زِيَادَة اِبْن حِبَّان فِي آخِره مِنْ طَرِيق أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" لَا تَسْأَل الْمَرْأَة طَلَاق أُخْتهَا لِتَسْتَفْرِغ صَحْفَتهَا فَإِنَّ الْمُسْلِمَة أُخْت الْمُسْلِمَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب لَا يَخْطُب الرَّجُل عَلَى خِطْبَة أَخِيهِ \" نَقْلُ الْخِلَاف عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَبَعْض الشَّافِعِيَّة أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوص بِالْمُسْلِمَةِ , وَبِهِ جَزَمَ أَبُو الشَّيْخ فِي كِتَاب النِّكَاح , وَيَأْتِي مِثْله هُنَا , وَيَجِيء عَلَى رَأْي اِبْن الْقَاسِم أَنْ يُسْتَثْنَى مَا إِذَا كَانَ الْمَسْئُول طَلَاقهَا فَاسِقَة , وَعِنْد الْجُمْهُور لَا فَرْقَ. ‏ ‏قَوْله ( لِتَسْتَفْرِغ صَحْفَتهَا ) يُفَسِّر الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" تَكْتَفِئ \" وَهُوَ بِالْهَمْزِ اِفْتِعَال مِنْ كَفَأْت الْإِنَاء إِذَا قَلَبْته وَأَفْرَغْت مَا فِيهِ , وَكَذَا يَكْفَأ وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْكَاف وَبِالْهَمْزِ , وَجَاءَ أَكْفَأْت الْإِنَاء إِذَا أَمَلْته وَهُوَ فِي رِوَايَة اِبْن الْمُسَيِّب \" لِتُكْفِئ \" بِضَمِّ أَوَّله مِنْ أَكْفَأْت وَهِيَ بِمَعْنَى أَمَلْته وَيُقَال بِمَعْنَى أَكْبَبْته أَيْضًا , وَالْمُرَاد بِالصَّحْفَةِ مَا يَحْصُل مِنْ الزَّوْج كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَام النَّوَوِيّ , وَقَالَ صَاحِب النِّهَايَة : الصَّحْفَة إِنَاء كَالْقَصْعَةِ الْمَبْسُوطَة , قَالَ : وَهَذَا مَثَل , يُرِيد الِاسْتِئْثَار عَلَيْهَا بِحَظِّهَا فَيَكُون كَمَنْ قَلَبَ إِنَاء غَيْره فِي إِنَائِهِ , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : هَذِهِ اِسْتِعَارَة مُسْتَمْلَحَة تَمْثِيلِيَّة , شَبَّهَ النَّصِيب وَالْبَخْت بِالصَّحْفَةِ وَحُظُوظهَا وَتَمَتُّعَاتهَا بِمَا يُوضَع فِي الصَّحْفَة مِنْ الْأَطْعِمَة اللَّذِيذَة , وَشَبَّهَ الِافْتِرَاق الْمُسَبَّب عَنْ الطَّلَاق بِاسْتِفْرَاغِ الصَّحْفَة عَنْ تِلْكَ الْأَطْعِمَة , ثُمَّ أَدْخَلَ الْمُشَبَّه فِي جِنْس الْمُشَبَّه بِهِ وَاسْتَعْمَلَ فِي الْمُشَبَّه مَا كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْمُشَبَّه بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَلِتَنْكِح ) بِكَسْرِ اللَّام وَبِإِسْكَانِهَا وَبِسُكُونِ الْحَاء عَلَى الْأَمْر , وَيَحْتَمِل النَّصْب عَطْفًا عَلَى قَوْله \" لِتَكْتَفِئ \" فَيَكُون تَعْلِيلًا لِسُؤَالِ طَلَاقهَا , وَيَتَعَيَّن عَلَى هَذَا كَسْر اللَّام , ثُمَّ يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد وَلِتَنْكِح ذَلِكَ الرَّجُل مِنْ غَيْر أَنْ تَتَعَرَّض لِإِخْرَاجِ الضَّرَّة مِنْ عِصْمَته بَلْ تَكِل الْأَمْر فِي ذَلِكَ إِلَى مَا يُقَدِّرهُ اللَّه , وَلِهَذَا خَتَمَ بِقَوْلِهِ \" فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا \" إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا وَإِنْ سَأَلْت ذَلِكَ وَأَلَحَّتْ فِيهِ وَاشْتَرَطَتْهُ فَإِنَّهُ لَا يَقَع مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا قَدَّرَهُ اللَّه , فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَتَعَرَّض هِيَ لِهَذَا الْمَحْذُور الَّذِي لَا يَقَع مِنْهُ شَيْء بِمُجَرَّدِ إِرَادَتهَا , وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّد أَنَّ الْأُخْت مِنْ النَّسَب أَوْ الرَّضَاع لَا تَدْخُل فِي هَذَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد وَلِتَنْكِح غَيْره وَتُعْرِض عَنْ هَذَا الرَّجُل , أَوْ الْمُرَاد مَا يَشْمَل الْأَمْرَيْنِ , وَالْمَعْنَى وَلِتَنْكِح مَنْ تَيَسَّرَ لَهَا فَإِنْ كَانَتْ الَّتِي قَبْلهَا أَجْنَبِيَّة فَلْتَنْكِحْ الرَّجُل الْمَذْكُور وَإِنْ كَانَتْ أُخْتهَا فَلْتَنْكِحْ غَيْره , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4756",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ‏ ‏جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا قَالَ زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ الْمُصَنِّف هَذِهِ الْقِصَّة فِي هَذَا الْبَاب مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ حُمَيْدٍ مُخْتَصَرَة , وَسَيَأْتِي شَرْحهَا فِي \" بَاب الْوَلِيمَة وَلَوْ بِشَاةٍ \" مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ‏"
    },
    {
        "id": "4757",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَوْلَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِزَيْنَبَ ‏ ‏فَأَوْسَعَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا فَخَرَجَ كَمَا يَصْنَعُ إِذَا تَزَوَّجَ فَأَتَى حُجَرَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُو وَيَدْعُونَ لَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ فَرَأَى رَجُلَيْنِ فَرَجَعَ لَا أَدْرِي ‏ ‏آخْبَرْتُهُ أَوْ أُخْبِرَ بِخُرُوجِهِمَا ‏",
        "sharh": "قَوْله ( بَاب ) كَذَا لَهُمْ بِغَيْرِ تَرْجَمَة \" وَسَقَطَ لَفْظ بَاب مِنْ رِوَايَة النَّسَفِيّ , وَكَذَا مِنْ شَرْحِ اِبْن بَطَّال , ثُمَّ اِسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّ الْحَدِيث الْمَذْكُور لَا يَتَعَلَّق بِتَرْجَمَةِ الصُّفْرَة لِلْمُتَزَوِّجِ , وَأُجِيب بِمَا ثَبَتَ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات مِنْ لَفْظ \" بَاب \" وَالسُّؤَال بَاقٍ فَإِنَّ الْإِتْيَان بِلَفْظِ بَاب وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَرْجَمَة لَكِنَّهُ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَاب الَّذِي قَبْله كَمَا تَقَرَّرَ غَيْر مَرَّة , ‏ ‏وَالْحَدِيث الْمَذْكُور هُنَا حَدِيث أَنَس \" أَوْلَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَيْنَب \" ‏ ‏يَعْنِي بِنْت جَحْش أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب مَعَ شَرْحِهِ , وَمُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي قِصَّة تَزْوِيج زَيْنَب بِنْت جَحْش ذِكْرٌ لِلصُّفْرَةِ , فَكَأَنَّهُ يَقُول : الصُّفْرَة لِلْمُتَزَوِّجِ مِنْ الْجَائِز لَا مِنْ الْمَشْرُوط لِكُلِّ مُتَزَوِّج ‏"
    },
    {
        "id": "4758",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى عَلَى ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏أَثَرَ صُفْرَةٍ قَالَ مَا هَذَا قَالَ إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ ‏ ‏بَارَكَ اللَّهُ لَكَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4759",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَتَتْنِي ‏ ‏أُمِّي ‏ ‏فَأَدْخَلَتْنِي الدَّارَ فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فِي الْبَيْتِ فَقُلْنَ عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4760",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَزَا ‏ ‏نَبِيٌّ ‏ ‏مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ ‏ ‏يَبْنِيَ ‏ ‏بِهَا وَلَمْ ‏ ‏يَبْنِ ‏ ‏بِهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَاضِي فِي كِتَاب الْجِهَاد ثُمَّ فِي فَرْض الْخُمُس , وَقَدْ شَرَحْته فِيهِ وَبَيَّنْت الِاخْتِلَاف فِي اِسْم النَّبِيّ الَّذِي غَزَا هَلْ هُوَ يُوشَع أَوْ دَاوُدَ , قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر. يُسْتَفَاد مِنْهُ الرَّدّ عَلَى الْعَامَّة فِي تَقْدِيمهمْ الْحَجّ عَلَى الزَّوَاج ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ التَّعَفُّف إِنَّمَا يَتَأَكَّد بَعْد الْحَجّ , بَلْ الْأَوْلَى أَنْ يَتَعَفَّف ثُمَّ يَحُجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4761",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي ذَلِكَ , قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي مَنَاقِبهَا ‏"
    },
    {
        "id": "4762",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَالْمَدِينَةِ ‏ ‏ثَلَاثًا يُبْنَى عَلَيْهِ ‏ ‏بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ‏ ‏فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى ‏ ‏وَلِيمَتِهِ ‏ ‏فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ أَمَرَ ‏ ‏بِالْأَنْطَاعِ ‏ ‏فَأُلْقِيَ فِيهَا مِنْ التَّمْرِ ‏ ‏وَالْأَقِطِ ‏ ‏وَالسَّمْنِ فَكَانَتْ ‏ ‏وَلِيمَتَهُ ‏ ‏فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَقَالُوا إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّى لَهَا خَلْفَهُ وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة صَفِيَّة بِنْت حُيَيِّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل النِّكَاح. ‏ ‏وَقَوْله \" ثَلَاثًا يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّة \" ‏ ‏أَيْ تُجَلَّى عَلَيْهِ , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ سُنَّة الْإِقَامَة عِنْد الثَّيِّب لَا تَخْتَصّ بِالْحَضَرِ وَلَا تَتَقَيَّد بِمَنْ لَهُ اِمْرَأَة غَيْرهَا. وَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز تَأْخِير الْأَشْغَال الْعَامَّة لِلشُّغْلِ الْخَاصّ إِذَا كَانَ لَا يَفُوت بِهِ غَرَض , وَالِاهْتِمَام بِوَلِيمَةِ الْعُرْس وَإِقَامَة سُنَّة النِّكَاح بِإِعْلَامِهِ وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ‏"
    },
    {
        "id": "4763",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَتَتْنِي أُمِّي فَأَدْخَلَتْنِي الدَّارَ فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ضُحًى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4764",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلْ اتَّخَذْتُمْ ‏ ‏أَنْمَاطًا ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَّى لَنَا ‏ ‏أَنْمَاطٌ ‏ ‏قَالَ إِنَّهَا سَتَكُونُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4765",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهَا زَفَّتْ ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏إِلَى ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ فَإِنَّ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏يُعْجِبُهُمْ اللَّهْوُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِنَّهَا زَفَّتْ اِمْرَأَة إِلَى رَجُل مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا صَرِيحًا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَة كَانَتْ يَتِيمَة فِي حِجْرِ عَائِشَة , وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيِّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق شَرِيك عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنْكَحَتْ عَائِشَة قَرَابَة لَهَا \" وَلِأَبِي الشَّيْخ مِنْ حَدِيث جَابِر \" أَنَّ عَائِشَة زَوَّجَتْ بِنْت أَخِيهَا أَوْ ذَات قَرَابَة مِنْهَا \" وَفِي \" أَمَالِي الْمَحَامِلِيّ \" مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ جَابِر \" نَكَحَ بَعْض أَهْل الْأَنْصَار بَعْض أَهْل عَائِشَة فَأَهْدَتْهَا إِلَى قُبَاء \" وَكُنْت ذَكَرْت فِي الْمُقَدِّمَة تَبَعًا لِابْنِ الْأَثِير فِي \" أُسْد الْغَابَة \" فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّ اِسْم هَذِهِ الْيَتِيمَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث عَائِشَة الْفَارِعَة بِنْت أَسْعَد بْن زُرَارَة , وَأَنَّ اِسْم زَوْجهَا نُبَيْط بْن جَابِر الْأَنْصَارِيّ , وَقَالَ فِي تَرْجَمَة الْفَارِعَة : أَنَّ أَبَاهَا أَسْعَد بْن زُرَارَة أَوْصَى بِهَا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزَوَّجَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُبَيْط بْن جَابِر , ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيق الْمُعَافَة بْن عِمْرَان الْمَوْصِلِيّ حَدِيث عَائِشَة الَّذِي ذَكَرْته أَوَّلًا مِنْ طَرِيق بَهِيَّة عَنْهَا ثُمَّ قَالَ \" هَذِهِ الْيَتِيمَة هِيَ الْفَارِعَة الْمَذْكُورَة \" كَذَا قَالَ , وَهُوَ مُحْتَمِل , لَكِنْ مَنَعَ مِنْ تَفْسِيرهَا بِهَا مَا وَقَعَ مِنْ الزِّيَادَة أَنَّهَا كَانَتْ قَرَابَة عَائِشَة فَيَجُوز التَّعَدُّد , وَلَا يَبْعُد تَفْسِير الْمُبْهَمَة فِي حَدِيث الْبَاب بِالْفَارِعَةِ إِذْ لَيْسَ فِيهِ تَقْيِيد بِكَوْنِهَا قَرَابَة عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله ( مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْو ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شَرِيك فَقَالَ : فَهَلْ بَعَثْتُمْ مَعَهَا جَارِيَة تَضْرِب بِالدُّفِّ وَتُغَنِّي ؟ قُلْت : تَقُول مَاذَا ؟ قَالَ تَقُول : ‏ ‏أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ ‏ ‏فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ ‏ ‏وَلَوْلَا الذَّهَب الْأَحْمَر ‏ ‏مَا حَلَّتْ بِوَادِيكُمْ ‏ ‏وَلَوْلَا الْحِنْطَة السَّمَرَاء ‏ ‏مَا سَمِنَتْ عَذَارِيكُمْ ‏ ‏وَفِي حَدِيث جَابِر بَعْضه , وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَوَّله إِلَى قَوْله \" وَحَيَّاكُمْ \". ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّ الْأَنْصَار يُعْجِبهُمْ اللَّهْو ) ‏ ‏فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَجَابِر \" قَوْم فِيهِمْ غَزَل \" وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد الْمَحَامِلِيّ \" أَدْرِكِيهَا يَا زَيْنَب , اِمْرَأَة كَانَتْ تُغَنِّي بِالْمَدِينَةِ , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ تَسْمِيَة الْمُغَنِّيَة الثَّانِيَة فِي الْقِصَّة الَّتِي وَقَعَتْ فِي حَدِيث عَائِشَة الْمَاضِي فِي الْعِيدَيْنِ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ \" دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدهَا جَارِيَتَانِ تُغَنَّيَانِ \" وَكُنْت ذَكَرْت هُنَاكَ أَنَّ اِسْم إِحْدَاهُمَا حَمَامَة كَمَا ذَكَرَهُ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا فِي \" كِتَاب الْعِيدَيْنِ \" لَهُ بِإِسْنَادٍ حَسَن , وَأَنِّي لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الْأُخْرَى , وَقَدْ جَوَّزْت الْآن أَنْ تَكُون هِيَ زَيْنَب هَذِهِ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَامِر بْن سَعْد عَنْ قَرَظَة بْن كَعْب وَأَبِي مَسْعُود الْأَنْصَارِيَّيْنِ قَالَ \" أَنَّهُ رَخَّصَ لَنَا فِي اللَّهْو عِنْد الْعُرْس \" الْحَدِيث وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث السَّائِب بْن يَزِيد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَقِيلَ لَهُ أَتُرَخِّصُ فِي هَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ , إِنَّهُ نِكَاح لَا سِفَاح , أَشِيدُوا النِّكَاح \" وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عِنْد أَحْمَد وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم \" أَعْلِنُوا النِّكَاح \" زَادَ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ \" وَسَنَده ضَعِيف , وَلِأَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن حَاطِب \" فَصْل مَا بَيْن الْحَلَال وَالْحَرَام الضَّرْب بِالدُّفِّ \" وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" وَاضْرِبُوا \" عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصّ بِالنِّسَاءِ لَكِنَّهُ ضَعِيف , وَالْأَحَادِيث الْقَوِيَّة فِيهَا الْإِذْن فِي ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ فَلَا يَلْتَحِق بِهِنَّ الرِّجَال لِعُمُومِ النَّهْي عَنْ التَّشَبُّه بِهِنَّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4766",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏قِلَادَةً فَهَلَكَتْ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَاسًا ‏ ‏مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا فَأَدْرَكَتْهُمْ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ فَلَمَّا أَتَوْا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ فَنَزَلَتْ ‏ ‏آيَةُ التَّيَمُّمِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ‏ ‏جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا وَجُعِلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4767",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَقُولُ حِينَ يَأْتِي أَهْلَهُ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا ثُمَّ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ أَوْ قُضِيَ وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ شَيْبَانَ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ , وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ هُوَ أَوَّلهمْ. ‏ ‏قَوْله ( أَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدهمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْميهَنِيّ هُنَا , وَلِغَيْرِهِ بِحَذْفِ \" أَنْ \" وَتَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ رِوَايَة هَمَّام عَنْ مَنْصُور بِحَذْفِ \" لَوْ \" وَلَفْظه \" أَمَا أَنَّ أَحَدكُمْ إِذَا أَتَى أَهْله \" وَفِي رِوَايَة جَرِير عَنْ مَنْصُور عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره \" لَوْ أَنَّ أَحَدكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْله \" وَهِيَ مُفَسِّرَة لِغَيْرِهَا مِنْ الرِّوَايَات دَالَّة عَلَى أَنَّ الْقَوْل قَبْل الشُّرُوع. ‏ ‏قَوْله ( حِين يَأْتِي أَهْله ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل عَنْ مَنْصُور عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَمَا أَنَّ أَحَدكُمْ لَوْ يَقُول حِين يُجَامِع أَهْله \" وَهُوَ ظَاهِر أَنَّ الْقَوْل يَكُون مَعَ الْفِعْل , لَكِنْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَاز , وَعِنْده فِي رِوَايَة رَوْح بْن الْقَاسِم عَنْ مَنْصُور \" لَوْ أَنَّ أَحَدهمْ إِذَا جَامَعَ اِمْرَأَته ذَكَرَ اللَّه \". ‏ ‏قَوْله ( بِسْمِ اللَّه , اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة رَوْحٍ \" ذَكَرَ اللَّه ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي \" وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ مَنْصُور فِي بَدْء الْخَلْق \" جَنِّبْنِي \" بِالْإِفْرَادِ أَيْضًا وَفِي رِوَايَة هَمَّام \" جَنِّبْنَا \". ‏ ‏قَوْله ( الشَّيْطَان ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" جَنِّبْنِي وَجَنِّبْ مَا رَزَقْتنِي مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قُدِّرَ بَيْنهمَا وَلَدٌ أَوْ قُضِيَ وَلَد ) ‏ ‏كَذَا بِالشَّكِّ , وَزَادَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" ثُمَّ قُدِّرَ بَيْنهمَا فِي ذَلِكَ - أَيْ الْحَال - وَلَد \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُور \" فَإِنْ قَضَى اللَّه بَيْنهمَا وَلَدًا \" وَمِثْله فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل , وَفِي رِوَايَة شُعْبَة \" فَإِنْ كَانَ بَيْنهمَا وَلَد \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقه \" فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّر بَيْنهمَا وَلَد فِي ذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة جَرِير \" ثُمَّ قُدِّرَ أَنْ يَكُون \" وَالْبَاقِي مِثْله , وَنَحْوه فِي رِوَايَة رَوْح بْن الْقَاسِم وَفِي رِوَايَة هَمَّام \" فَرُزِقَا وَلَدًا \". ‏ ‏قَوْله ( لَمْ يَضُرّهُ شَيْطَان أَبَدًا ) ‏ ‏كَذَا بِالتَّنْكِيرِ , وَمِثْله فِي رِوَايَة جَرِير , وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عِنْد مُسْلِم وَأَحْمَد \" لَمْ يُسَلَّط عَلَيْهِ الشَّيْطَان أَوْ لَمْ يَضُرّهُ الشَّيْطَان \" وَتَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ رِوَايَة هَمَّام وَكَذَا فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَإِسْرَائِيل وَرَوْح بْن الْقَاسِم بِلَفْظِ الشَّيْطَان \" وَاللَّام لِلْعَهْدِ الْمَذْكُور فِي لَفْظ الدُّعَاء , وَلِأَحْمَد عَنْ عَبْد الْعَزِيز الْعُمّيّ عَنْ مَنْصُور \" لَمْ يَضُرّ ذَلِكَ الْوَلَد الشَّيْطَان أَبَدًا \" وَفِي مُرْسَل الْحَسَن عَنْ عَبْد الرَّزَّاق \" إِذَا أَتَى الرَّجُل أَهْله فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّه اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقَتْنَا وَلَا تَجْعَل لِلشَّيْطَانِ نَصِيبًا فِيمَا رَزَقْتنَا , فَكَانَ يُرْجَى إِنْ حَمَلْت أَنْ يَكُون وَلَدًا صَالِحًا \" وَاخْتُلِفَ فِي الضَّرَر الْمَنْفِيّ بَعْد الِاتِّفَاق عَلَى مَا نَقَلَ عِيَاض عَلَى عَدَم الْحَمْل عَلَى الْعُمُوم فِي أَنْوَاع الضَّرَر , وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِي الْحَمْل عَلَى عُمُوم الْأَحْوَال مِنْ صِيغَة النَّفْي مَعَ التَّأْبِيد , وَكَانَ سَبَب ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق \" إِنَّ كُلّ بَنِي آدَم يَطْعَن الشَّيْطَان فِي بَطْنه حِين يُولَد إِلَّا مَنْ اِسْتَثْنَى \" فَإِنَّ فِي هَذَا الطَّعْن نَوْع ضَرَر فِي الْجُمْلَة , مَعَ أَنَّ ذَلِكَ سَبَب صُرَاخه. ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فَقِيلَ : الْمَعْنَى لَمْ يُسَلَّط عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ بَرَكَة التَّسْمِيَة , بَلْ يَكُون مِنْ جُمْلَة الْعِبَاد الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان ) وَيُؤَيِّدهُ مُرْسَل الْحَسَن الْمَذْكُور , وَقِيلَ الْمُرَاد لَمْ يُطَعْنَ فِي بَطْنه , وَهُوَ بَعِيد لِمُنَابَذَتِهِ ظَاهِر الْحَدِيث الْمُتَقَدِّم , وَلَيْسَ تَخْصِيصه بِأَوْلَى مِنْ تَخْصِيص هَذَا , وَقِيلَ الْمُرَاد لَمْ يَصْرَعهُ , وَقِيلَ لَمْ يَضُرّهُ فِي بَدَنه , وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يَحْتَمِل أَنْ لَا يَضُرّهُ فِي دِينه أَيْضًا , وَلَكِنْ يُبْعِدهُ اِنْتِفَاء الْعِصْمَة. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اِخْتِصَاص مَنْ خُصَّ بِالْعِصْمَةِ بِطَرِيقِ الْوُجُوب لَا بِطَرِيقِ الْجَوَاز , فَلَا مَانِع أَنْ يُوجَد مَنْ لَا يَصْدُر مِنْهُ مَعْصِيَة عَمْدًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاجِبًا لَهُ , وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مَعْنَى \" لَمْ يَضُرّهُ \" أَيْ لَمْ يَفْتِنهُ عَنْ دِينه إِلَى الْكُفْر , وَلَيْسَ الْمُرَاد عِصْمَته مِنْهُ عَنْ الْمَعْصِيَة , وَقِيلَ لَمْ يَضُرّهُ بِمُشَارَكَةِ أَبِيهِ فِي جِمَاع أُمّه كَمَا جَاءَ عَنْ مُجَاهِد \" أَنَّ الَّذِي يُجَامِع وَلَا يُسَمِّي يَلْتَفّ الشَّيْطَان عَلَى إِحْلِيله فَيُجَامِع مَعَهُ \" وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَب الْأَجْوِبَة , وَيَتَأَيَّد الْحَمْل عَلَى الْأَوَّل بِأَنَّ الْكَثِير مِمَّنْ يَعْرِف هَذَا الْفَضْل الْعَظِيم يَذْهَل عَنْهُ عِنْد إِرَادَة الْمُوَاقَعَة وَالْقَلِيل الَّذِي قَدْ يَسْتَحْضِرهُ وَيَفْعَلهُ لَا يَقَع مَعَهُ الْحَمْل , فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ نَادِرًا لَمْ يَبْعُد. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا اِسْتِحْبَاب التَّسْمِيَة وَالدُّعَاء وَالْمُحَافَظَة عَلَى ذَلِكَ حَتَّى فِي حَالَة الْمَلَاذ كَالْوِقَاعِ , وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الطَّهَارَة وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ. وَفِيهِ الِاعْتِصَام بِذِكْرِ اللَّه وَدُعَائِهِ مِنْ الشَّيْطَان وَالتَّبَرُّك بِاسْمِهِ وَالِاسْتِعَاذَة بِهِ مِنْ جَمِيع الْأَسْوَاء وَفِيهِ الِاسْتِشْعَار بِأَنَّهُ الْمُيَسِّر لِذَلِكَ الْعَمَل وَالْمُعِين عَلَيْهِ. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الشَّيْطَان مُلَازِم لِابْنِ آدَم لَا يَنْطَرِدُ عَنْهُ إِلَّا إِذَا ذَكَرَ اللَّه. وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْعِ الْمُحْدِث أَنْ يَذْكُر اللَّه , وَيَخْدِش فِيهِ الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة \" إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ \" وَهُوَ نَظِير مَا وَقَعَ مِنْ الْقَوْل عِنْد الْخَلَاء , وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّف ذَلِكَ وَأَشَارَ إِلَى الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا \" إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُل \" وَتَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الطَّهَارَة بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته ‏"
    },
    {
        "id": "4768",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ مَقْدَمَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَكَانَ أُمَّهَاتِي يُوَاظِبْنَنِي عَلَى خِدْمَةِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَخَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً فَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ الْحِجَابِ حِينَ أُنْزِلَ وَكَانَ أَوَّلَ مَا أُنْزِلَ فِي ‏ ‏مُبْتَنَى ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏أَصْبَحَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَا عَرُوسًا فَدَعَا الْقَوْمَ فَأَصَابُوا مِنْ الطَّعَامِ ثُمَّ خَرَجُوا وَبَقِيَ رَهْطٌ مِنْهُمْ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَطَالُوا الْمُكْثَ فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَخَرَجَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ لِكَيْ يَخْرُجُوا فَمَشَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَشَيْتُ حَتَّى جَاءَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَى ‏ ‏زَيْنَبَ ‏ ‏فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ لَمْ يَقُومُوا فَرَجَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَجَعْتُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ خَرَجُوا فَضَرَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنِي وَبَيْنَهُ بِالسِّتْرِ وَأُنْزِلَ الْحِجَابُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث أَنَس ( مَقْدَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْف أَيْ زَمَان قُدُومه , وَسَيَأْتِي فِي الْأَشْرِبَة مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس \" قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة وَأَنَا اِبْن عَشْر سِنِينَ , وَمَاتَ وَأَنَا اِبْن عِشْرِينَ \" وَتَقَدَّمَ قَبْل بَابَيْنِ فِي الْحَدِيث الْمُعَلَّق عَنْ أَبِي عُثْمَان عَنْ أَنَس أَنَّهُ خَدَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْر سِنِينَ , وَيَأْتِي فِي كِتَاب الْآدَاب مِنْ طَرِيق سَلَام بْن مِسْكِين عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ \" خَدَمْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْر سِنِينَ , وَاللَّه مَا قَالَ لِي أُفّ قَطُّ \" الْحَدِيث. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس فِي حَدِيث آخِره \" قَالَ أَنَس وَاللَّه لَقَدْ خَدَمْته تِسْع سِنِينَ \" وَلَا مُنَافَاة بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ , فَإِنَّ مُدَّة خِدْمَته كَانَتْ تِسْع سِنِينَ وَبَعْض أَشْهُر فَأَلْغَى الزِّيَادَة تَارَة وَجَبَرَ الْكَسْر أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله ( فَكُنَّ أُمَّهَاتِي ) ‏ ‏يَعْنِي أُمّه وَخَالَته وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمَا , وَإِنْ ثَبَتَ كَوْن مُلَيْكَة جَدَّته فَهِيَ مُرَادَة هُنَا لَا مَحَالَة. ‏ ‏قَوْله ( يُوَاظِبْنَنِي ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِظَاءِ مُشَالَة وَمُوَحَّدَة ثُمَّ نُونَيْنِ مِنْ الْمُوَاظَبَة , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِطَاءٍ مُهْمَلَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة مَهْمُوزَة بَدَل الْمُوَحَّدَة مِنْ الْمُوَاطَأَة وَهِيَ الْمُوَافَقَة , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ يُوَطِّننِي بِتَشْدِيدِ الطَّاء الْمُهْمَلَة وَنُونَيْنِ الْأُولَى مُشَدَّدَة بِغَيْرِ أَلِف بَعْد الْوَاو وَلَا حَرْف آخَر بَعْد الطَّاء مِنْ التَّوْطِين , وَفِي لَفْظ لَهُ مِثْله لَكِنْ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَة بَعْدهَا النُّونَانِ مِنْ التَّوْطِئَة تَقُول وَطْأَته عَلَى كَذَا أَيْ حَرَّضْته عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَكُنْت أَعْلَم النَّاس بِشَأْنِ الْحِجَاب ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ وَبَسْط شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب ‏"
    },
    {
        "id": "4769",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ‏ ‏وَتَزَوَّجَ ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏كَمْ أَصْدَقْتَهَا قَالَ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمُوا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏نَزَلَ ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَنَزَلَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ‏ ‏فَقَالَ أُقَاسِمُكَ مَالِي وَأَنْزِلُ لَكَ عَنْ إِحْدَى ‏ ‏امْرَأَتَيَّ ‏ ‏قَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ فَخَرَجَ إِلَى السُّوقِ فَبَاعَ وَاشْتَرَى فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ فَتَزَوَّجَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَقَدْ صَرَّحَ بِتَحْدِيثِ حُمَيْدٍ لَهُ وَسَمَاع حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس فَأُمِنَ تَدْلِيسهمَا , لَكِنَّهُ فَرَّقَهُ حَدِيثَيْنِ : فَذَكَرَ فِي الْأَوَّل سُؤَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد الرَّحْمَن عَنْ قَدْر الصَّدَاق , وَفِي الثَّانِي أَوَّل الْقِصَّة قَالَ \" لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَة نَزَلَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَار \" وَعَبَّرَ فِي هَذَا بِقَوْلِهِ \" وَعَنْ حُمَيْدٍ قَالَ سَمِعْت أَنَسًا \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا كَمَا قَالَ فِي الَّذِي قَبْله , وَهَذَا مَعْطُوف فِيمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ وَغَيْره عَلَى الْأَوَّل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُعَلَّقًا وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ مُحَمَّد بْن خَلّاد عَنْ سُفْيَان حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ سَمِعْت أَنَسًا \" وَسَاقَ الْحَدِيثَيْنِ مَعًا , وَأَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَده وَمِنْ طَرِيقه أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" عَنْ سُفْيَان بِالْحَدِيثِ كُلّه مُفَرَّقًا وَقَالَ فِي كُلّ مِنْهُمَا \" حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي عُمَر فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان , وَمِنْ طَرِيقه الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس وَسَاقَ الْجَمِيع حَدِيثًا وَاحِدًا , وَقَدَّمَ الْقِصَّة الثَّانِيَة عَلَى الْأُولَى كَمَا فِي وَرَايَة غَيْر سُفْيَان ; فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل النِّكَاح مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ وَفِي \" بَاب الصُّفْرَة لِلْمُتَزَوِّجِ \" مِنْ رِوَايَة مَالِك وَفِي \" فَضْل الْأَنْصَار \" مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر , وَفِي أَوَّل الْبُيُوع مِنْ رِوَايَة زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة , وَيَأْتِي فِي الْأَدَب مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان كُلّهمْ عَنْ حُمَيْدٍ. وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّد بْن سَعْد فِي \" الطَّبَقَات \" عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ عَنْ حُمَيْدٍ , وَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَا يُدْعَى لِلْمُتَزَوِّجِ \" مِنْ رِوَايَة ثَابِت , وَفِي \" بَاب وَآتُوا النِّسَاء صَدَقَاتهنَّ \" مِنْ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب وَقَتَادَة كُلّهمْ عَنْ أَنَس , وَأَوْرَدَهُ فِي أَوَّل كِتَاب الْبُيُوع مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف نَفْسه , وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتهمْ مِنْ فَائِدَة زَائِدَة. وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَنَس بَيَان مَنْ زَادَ فِي رِوَايَته فَجَعَلَهُ مِنْ حَدِيث أَنَس عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَأَكْثَر الطُّرُق تَجْعَلهُ مِنْ مُسْنَد أَنَس , وَالَّذِي يَظْهَر مِنْ مَجْمُوع الطُّرُق أَنَّهُ حَضَرَ الْقِصَّة وَإِنَّمَا نُقِلَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن مِنْهَا مَا لَمْ يَقَع لَهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَة ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , وَفِي رِوَايَة اِبْن سَعْد \" لَمَّا قَدِمَ عَبْد الرَّحْمَن اِبْن عَوْف الْمَدِينَة \". ‏ ‏قَوْله ( نَزَلَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَار ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي أَوَّل الْهِجْرَة. ‏ ‏قَوْله ( فَنَزَلَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف عَلَى سَعْد بْن الرَّبِيع ) ‏ ‏فِي رِوَايَة زُهَيْر \" لَمَّا قَدِمَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف الْمَدِينَة آخَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنه وَبَيْن سَعْد بْن الرَّبِيع الْأَنْصَارِيّ \" وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر \" قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْد الرَّحْمَن فَآخَى \" وَنَحْوه فِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف نَفْسه , وَفِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ عَنْ حُمَيْدٍ عِنْد النَّسَائِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ \" آخَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن قُرَيْش وَالْأَنْصَار. فَآخَى بَيْن سَعْد وَعَبْد الرَّحْمَن \" وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر \" قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَآخَى \" زَادَ زُهَيْر فِي رِوَايَته \" وَكَانَ سَعْد ذَا غِنًى \" وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر \" لَقَدْ عَلِمَتْ الْأَنْصَار أَنِّي مِنْ أَكْثَرهَا مَالًا \" وَكَانَ كَثِير الْمَال , وَفِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن \" إِنِّي أَكْثَر الْأَنْصَار مَالًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَة سَعْد بْن الرَّبِيع فِي \" فَضَائِل الْأَنْصَار \" وَقِصَّة مَوْته فِي \" غَزْوَة أَحَد \" وَوَقَعَ عِنْد عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق ثَابِت عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بَيْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَعُثْمَان بْن عَفَّان فَقَالَ عُثْمَان لِعَبْدِ الرَّحْمَن : إِنَّ لِي حَائِطَيْنِ \" الْحَدِيث , وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ رَاوِيه عُمَارَة اِبْن زَاذَانَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أُقَاسِمك مَالِي وَأَنْزِل لَك عَنْ إِحْدَى اِمْرَأَتَيَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد \" فَانْطَلَقَ بِهِ سَعْد إِلَى مَنْزِله فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَا وَقَالَ : لِي اِمْرَأَتَانِ وَأَنْتَ أَخِي لَا اِمْرَأَة لَك , فَأَنْزِل عَنْ إِحْدَاهُمَا فَتَتَزَوَّجهَا , قَالَ : لَا وَاللَّه , قَالَ : هَلُمَّ إِلَى حَدِيقَتِي أُشَاطِركهَا , قَالَ فَقَالَ : لَا \" وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ \" فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاسِمهُ أَهْله وَمَاله \" وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر \" وَلِي اِمْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْك فَأُطَلِّقهَا , فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجَهَا \" وَفِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف \" فَأَقْسِم لَك نِصْف مَالِي , وَانْظُرْ أَيّ زَوْجَتَيَّ هَوَيْت فَأَنْزِل لَك عَنْهَا فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتهَا \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد , وَفِي لَفْظ \" فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْك فَسَمِّهَا لِي فَأُطَلِّقهَا , فَإِذَا اِنْقَضَتْ عِدَّتهَا فَتَزَوَّجَهَا \" وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عِنْد أَحْمَد \" فَقَالَ لَهُ سَعْد : أَيْ أَخِي , أَنَا أَكْثَر أَهْل الْمَدِينَة مَالًا , فَانْظُرْ شَطْر مَالِي فَخُذْهُ , وَتَحْتِيّ اِمْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَيّهمَا أَعْجَب إِلَيْك حَتَّى أُطَلِّقهَا \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم اِمْرَأَتَيْ سَعْد بْن الرَّبِيع إِلَّا أَنَّ اِبْن سَعْد ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مِنْ الْوَلَد أُمّ سَعْد وَاسْمهَا جَمِيلَة وَأُمّهَا عَمْرَة بِنْت حَزْمٍ , وَتَزَوَّجَ زَيْد بْن ثَابِت أُمّ سَعْد فَوَلَدَتْ لَهُ اِبْنه خَارِجَة , فَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا تَسْمِيَة إِحْدَى اِمْرَأَتَيْ سَعْد. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي التَّفْسِير قِصَّة مَجِيء اِمْرَأَة سَعْد اِبْن الرَّبِيع بِابْنَتَيْ سَعْد لَمَّا اُسْتُشْهِدَ فَقَالَتْ \" إِنَّ عَمّهمَا أَخَذَ مِيرَاثهمَا , فَنَزَلَتْ آيَة الْمَوَارِيث \" وَسَمَّاهَا إِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي \" أَحْكَام الْقُرْآن \" بِسَنَدٍ لَهُ مُرْسَل عَمْرَة بِنْت حَزْمٍ. ‏ ‏قَوْله ( بَارَكَ اللَّه فِي أَهْلِك وَمَالِكِ ) ‏ ‏فِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن \" لَا حَاجَة لِي فِي ذَلِكَ , هَلْ مِنْ سُوق فِيهِ تِجَارَة ؟ قَالَ : سُوق بَنِي قَيْنُقَاع \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْط قَيْنُقَاع فِي أَوَّل الْبُيُوع , وَكَذَا فِي رِوَايَة زُهَيْر \" دُلُّونِي عَلَى السُّوق \" زَادَ فِي رِوَايَة حَمَّاد \" فَدَلُّوهُ \". ‏ ‏قَوْله ( فَخَرَجَ إِلَى السُّوق فَبَاعَ وَاشْتَرَى , فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ أَقِط وَسَمْن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَمَّاد \" فَاشْتَرَى وَبَاعَ فَرَبِحَ , فَجَاءَ بِشَيْءٍ مِنْ سَمْن وَأَقِط \" وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ \" دُلَّنِي عَلَى السُّوق , فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِط وَسَمْن \" وَفِيهِ حَذْف بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى , وَفِي رِوَايَة زُهَيْر \" فَمَا رَجَعَ حَتَّى اِسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا فَأَتَى بِهِ أَهْل مَنْزِله \" وَنَحْوه لِيَحْيَى بْن سَعِيد وَكَذَا لِأَحْمَد عَنْ اِبْن عُلَيَّة عَنْ حُمَيْدٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَتَزَوَّجَ ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف \" ثُمَّ تَابَعَ الْغَدْو \" يَعْنِي إِلَى السُّوق فِي رِوَايَة زُهَيْر \" فَمَكَثْنَا مَا شَاءَ اللَّه , ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرُ صُفْرَة \" وَنَحْوه لِابْنِ عُلَيَّة , وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ وَالْأَنْصَارِيّ \" فَلَقِيَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" زَادَ اِبْن سَعْد \" فِي سِكَّة مِنْ سِكَك الْمَدِينَة وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَة \" وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ ثَابِت \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف أَثَر صُفْرَة \" وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة \" وَعَلَيْهِ رَدْع زَعْفَرَان \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ ثَابِت عِنْد أَحْمَد \" وَعَلَيْهِ وَضَر مِنْ خَلُوق \" وَأَوَّل حَدِيث مَالِك \" أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ أَثَر صُفْرَة \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن نَفْسه , وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب \" فَرَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَاشَة الْعُرْس وَالْوَضَر \" بِفَتْحِ الْوَاو وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَآخِره رَاء هُوَ فِي الْأَصْل الْأَثَر , وَالرَّدْع بِمُهْمَلَاتٍ - مَفْتُوح الْأَوَّل سَاكِن الثَّانِي - هُوَ أَثَر الزَّعْفَرَان , وَالْمُرَاد بِالصُّفْرَةِ سُفْرَة الْخَلُوق وَالْخَلُوق طِيب يُصْنَع مِنْ زَعْفَرَان وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله فِي أَوَّل الرِّوَايَة الْأُولَى ( سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَتَزَوَّجَ اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏هَذِهِ الْجُمْلَة حَالِيَّة أَيْ سَأَلَهُ حِين تَزَوَّجَ , وَهَذِهِ الْمَرْأَة جَزَمَ الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ فِي \" كِتَاب النَّسَب \" أَنَّهَا بِنْت أَبِي الْحَيْسَر أَنَس بْن رَافِع بْن اِمْرِئِ الْقَيْس بْن زَيْد بْن عَبْد الْأَشْهَل , وَفِي تَرْجَمَة عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف مِنْ \" طَبَقَات اِبْن سَعْد \" أَنَّهَا بِنْت أَبِي الْحَشَّاش وَسَاقَ نَسَبَهُ , وَأَظُنّهُمَا ثِنْتَيْنِ , فَإِنَّ فِي رِوَايَة الزُّبَيْر قَالَ \" وَلَدَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَن الْقَاسِم وَعَبْد اللَّه \" وَفِي رِوَايَة اِبْن سَعْد \" وَلَدَتْ لَهُ إِسْمَاعِيل وَعَبْد اللَّه \" وَذَكَرَ اِبْن الْقَدَّاح فِي \" نَسَبِ الْأَوْس \" أَنَّهَا أُمّ إِيَاس بِنْت أَبِي الْحَيْسَر بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنهمَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة وَآخِره رَاء وَاسْمه أَنَس بْن رَافِع الْأَوْسِيّ , وَفِي رِوَايَة مَالِك \" فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار \" وَفِي رِوَايَة زُهَيْر وَابْن عُلَيَّة وَابْن سَعْد وَغَيْرهمْ \" فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَهْيَمْ \" ؟ وَمَعْنَاهُ مَا شَأْنك أَوْ مَا هَذَا ؟ وَهِيَ كَلِمَة اِسْتِفْهَام مَبْنِيَّة عَلَى السُّكُون , وَهَلْ هِيَ بَسِيطَة أَوْ مَرْكَبَة ؟ قَوْلَانِ لِأَهْلِ اللُّغَة. وَقَالَ اِبْن مَالِك : هِيَ اِسْم فِعْل بِمَعْنَى أَخْبِرْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَط \" فَقَالَ لَهُ مَهْيَمْ ؟ وَكَانَتْ كَلِمَته إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْأَل عَنْ الشَّيْء \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن \" مَهَيْن \" بِنُونٍ آخِره بَدَل الْمِيم وَالْأَوَّل هُوَ الْمَعْرُوف. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ ثَابِت عِنْد الْمُصَنِّف وَكَذَا فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب عِنْد أَبِي عَوَانَة \" قَالَ مَا هَذَا \" وَقَالَ فِي جَوَابه \" تَزَوَّجْت اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْف \" أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ خُضِبَ بِالصُّفْرَةِ فَقَالَ : مَا هَذَا الْخِضَاب , أَعْرَسْت ؟ قَالَ نَعَمْ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( كَمْ أَصْدَقْتهَا ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة وَمَعْمَر عَنْ ثَابِت وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ \" عَلَى كَمْ \" , وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ وَزُهَيْر \" مَا سُقْت إِلَيْهَا \" وَكَذَا فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن نَفْسه , وَفِي رِوَايَة مَالِك \" كَمْ سُقْت إِلَيْهَا \". ‏ ‏قَوْله ( وَزْن نَوَاة ) ‏ ‏بِنَصْبِ النُّون عَلَى تَقْدِير فِعْل أَيْ أَصْدَقْتهَا , وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى تَقْدِير مُبْتَدَأ أَيْ الَّذِي أَصْدَقْتهَا هُوَ. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ ذَهَبٍ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ الْجَزْم بِهِ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ وَالثَّوْرِيِّ , وَكَذَا فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت وَحُمَيْدٍ , وَفِي رِوَايَة زُهَيْر وَابْن عُلَيَّة \" نَوَاة مِنْ ذَهَب , أَوْ وَزْن نَوَاة مِنْ ذَهَب \" وَكَذَا فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن نَفْسه بِالشَّكِّ , وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب \" عَلَى وَزْن نَوَاة \" وَعَنْ قَتَادَةَ \" عَلَى وَزْن نَوَاة مِنْ ذَهَب \" وَمِثْل الْأَخِير فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ ثَابِت , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي عَوَانَة عَنْ قَتَادَةَ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ أَبِي حَمْزَة عَنْ أَنَس \" عَلَى وَزْن نَوَاة. قَالَ فَقَالَ رَجُل مِنْ وَلَد عَبْد الرَّحْمَن : مِنْ ذَهَب \" وَرَجَّحَ الدَّاوُدِيُّ رِوَايَة مَنْ قَالَ \" عَلَى نَوَاة مِنْ ذَهَب \" وَاسْتَنْكَرَ رِوَايَة مَنْ رَوَى \" وَزْن نَوَاة \" وَاسْتِنْكَاره هُوَ الْمُنْكَر لِأَنَّ الَّذِينَ جَزَمُوا بِذَلِكَ أَئِمَّة حُفَّاظ , قَالَ عِيَاض لَا وَهْمَ فِي الرِّوَايَة لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ نَوَاة تَمْر أَوْ غَيْره أَوْ كَانَ لِلنَّوَاةِ قَدْر مَعْلُوم صَلُحَ أَنْ يُقَال فِي كُلّ ذَلِكَ وَزْن نَوَاة , وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" نَوَاة \" فَقِيلَ الْمُرَاد وَاحِدَة نَوَى التَّمْر كَمَا يُوزَن بِنَوَى الْخَرُّوب وَأَنَّ الْقِيمَة عَنْهَا يَوْمئِذٍ كَانَتْ خَمْسَة دَرَاهِم , وَقِيلَ كَانَ قَدْرُهَا يَوْمئِذٍ رُبْع دِينَار , وَرُدَّ بِأَنَّ نَوَى التَّمْر يَخْتَلِف فِي الْوَزْن فَكَيْف يُجْعَل مِعْيَارًا لِمَا يُوزَن بِهِ ؟ وَقِيلَ : لَفْظ النَّوَاة مِنْ ذَهَب عِبَارَة عَمَّا قِيمَته خَمْسَة دَرَاهِم مِنْ الْوَرِق , وَجَزَمَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَاخْتَارَهُ الْأَزْهَرِيّ وَنَقَلَهُ عِيَاض عَنْ أَكْثَر الْعُلَمَاء , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن بِشْر عَنْ قَتَادَةَ \" وَزْن نَوَاة مِنْ ذَهَب قُوِّمَتْ خَمْسَة دَرَاهِم \" وَقِيلَ وَزْنهَا مِنْ الذَّهَب خَمْسَة دَرَاهِم حَكَاهُ اِبْن قُتَيْبَة وَجَزَمَ بِهِ اِبْن فَارِس , وَجَعَلَهُ الْبَيْضَاوِيّ الظَّاهِر , وَاسْتُبْعِدَ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون ثَلَاثَة مَثَاقِيل وَنِصْفًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَجَّاج بْن أَرْطَاةَ عَنْ قَتَادَةَ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ \" قُوِّمَتْ ثَلَاثَة دَرَاهِم وَثُلُثًا \" وَإِسْنَاده ضَعِيف , وَلَكِنْ جَزَمَ بِهِ أَحْمَد , وَقِيلَ ثَلَاثَة وَنِصْف , وَقِيلَ ثَلَاثَة وَرُبْع , وَعَنْ بَعْض الْمَالِكِيَّة النَّوَاة عِنْد أَهْل الْمَدِينَة رُبْع دِينَار , وَيُؤَيِّد هَذَا مَا وَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَط فِي آخِر حَدِيث قَالَ أَنَس جَاءَ وَزْنهَا رُبْع دِينَار , وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيّ : النَّوَاة رُبْع النَّشّ وَالنَّشّ نِصْف أُوقِيَّة وَالْأُوقِيَّة أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَيَكُون خَمْسَة دَرَاهِم , وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْد : إِنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف دَفَعَ خَمْسَة دَرَاهِم , وَهِيَ تُسَمَّى نَوَاة كَمَا تُسَمَّى الْأَرْبَعُونَ أُوقِيَّة , وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَوَانَة وَآخَرُونَ. قَوْله آخِر الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ) لَيْسَتْ \" لَوْ \" هَذِهِ الِامْتِنَاعِيّة وَإِنَّمَا هِيَ الَّتِي لِلتَّقْلِيلِ , وَزَادَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد \" فَقَالَ بَارَكَ اللَّه لَك \" قَبْل قَوْله \" أَوْلِمْ \" , وَكَذَا فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت وَحُمَيْدٍ وَزَادَ فِي آخِر الْحَدِيث \" قَالَ عَبْد الرَّحْمَن : فَلَقَدْ رَأَيْتنِي وَلَوْ رَفَعْت حَجَرًا لَرَجَوْت أَنْ أُصِيب ذَهَبًا أَوْ فِضَّة , فَكَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى إِجَابَة الدَّعْوَة النَّبَوِيَّة بِأَنْ يُبَارِك اللَّه لَهُ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بَعْد قَوْله أَعْرَسْت \" قَالَ نَعَمْ. قَالَ : أَوْلَمْت ؟ قَالَ : لَا. فَرَمَى إِلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَوَاةٍ مِنْ ذَهَب فَقَالَ : أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ \" وَهَذَا لَوْ صَحَّ كَانَ فِيهِ أَنَّ الشَّاة مِنْ إِعَانَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ يُعَكِّر عَلَى مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّاة أَقَلّ مَا يُشْرَع لِلْمُوسِرِ , وَلَكِنَّ الْإِسْنَاد ضَعِيف كَمَا تَقَدَّمَ. وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ ثَابِت \" قَالَ أَنَس : فَلَقَدْ رَأَيْته قُسِمَ لِكُلِّ اِمْرَأَة مِنْ نِسَائِهِ بَعْد مَوْته مِائَة أَلْف \". قُلْت : مَاتَ عَنْ أَرْبَع نِسْوَة فَيَكُون جَمِيع تَرِكَته ثَلَاثَة آلَاف أَلْف وَمِائَتَيْ أَلْف , وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِتَرِكَةِ الزُّبَيْر الَّتِي تَقَدَّمَ شَرْحهَا فِي فَرْض الْخُمُس قَلِيل جِدًّا , فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون هَذِهِ دَنَانِير وَتِلْكَ دَرَاهِم لِأَنَّ كَثْرَة مَال عَبْد الرَّحْمَن مَشْهُورَة جِدًّا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَوْكِيد أَمْر الْوَلِيمَة وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ. وَعَلَى أَنَّهَا تَكُون بَعْد الدُّخُول , وَلَا دَلَالَة فِيهِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهَا تُسْتَدْرَك إِذَا فَاتَتْ بَعْد الدُّخُول , وَعَلَى أَنَّ الشَّاة أَقَلّ مَا تُجْزِئ عَنْ الْمُوسِر , وَلَوْلَا ثُبُوت أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَمَ عَلَى بَعْض نِسَائِهِ كَمَا سَيَأْتِي بِأَقَلّ مِنْ الشَّاة لَكَانَ يُمْكِن أَنْ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّاة أَقَلّ مَا تُجْزِئ فِي الْوَلِيمَة , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا بُدّ مِنْ تَقْيِيده بِالْقَادِرِ عَلَيْهَا , وَأَيْضًا فَيُعَكِّر عَلَى الِاسْتِدْلَال أَنَّهُ خِطَاب وَاحِد , وَفِيهِ اِخْتِلَاف هَلْ يَسْتَلْزِم الْعُمُوم أَوْ لَا , وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيّ فِيمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قَالَ : لَا أَعْلَمهُ أَمْر بِذَلِكَ غَيْر عَبْد الرَّحْمَن , وَلَا أَعْلَمهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَك الْوَلِيمَة فَجَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا فِي كَوْن الْوَلِيمَة لَيْسَتْ بِحَتْمِ , وَيُسْتَفَاد مِنْ السِّيَاق طَلَب تَكْثِير الْوَلِيمَة لِمَنْ يَقْدِر , قَالَ عِيَاض : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لَا حَدّ لِأَكْثَرِهَا , وَأَمَّا أَقَلّهَا فَكَذَلِكَ , وَمَهْمَا تَيَسَّرَ أَجْزَأ , وَالْمُسْتَحَبّ أَنَّهَا عَلَى قَدْر حَال الزَّوْج , وَقَدْ تَيَسَّرَ عَلَى الْمُوسِر الشَّاة فَمَا فَوْقهَا , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي تَكْرَارهَا فِي الْأَيَّام بَعْد قَلِيل. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا مَنْقَبَة لِسَعْدِ بْن الرَّبِيع فِي إِيثَاره عَلَى نَفْسه بِمَا ذَكَرَ , وَلِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف فِي تَنَزُّهه عَنْ شَيْء يَسْتَلْزِم الْحَيَاء وَالْمُرُوءَة اِجْتِنَابه وَلَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الْمُؤَاخَاة وَحُسْن الْإِيثَار مِنْ الْغَنِيّ لِلْفَقِيرِ حَتَّى بِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ , وَاسْتِحْبَاب رَدّ مِثْل ذَلِكَ عَلَى مَنْ آثَرَ بِهِ لِمَا يَغْلِب فِي الْعَادَة مِنْ تُكَلِّف مِثْل ذَلِكَ , فَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّف جَازَ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ بِقَصْدٍ صَحِيح عَوَّضَهُ اللَّه خَيْرًا مِنْهُ وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب التَّكَسُّب , وَأَنْ لَا نَقْصَ عَلَى مَنْ يَتَعَاطَى مِنْ ذَلِكَ مَا يَلِيق بِمُرُوءَةِ مِثْله , وَكَرَاهَة قَبُول مَا يَتَوَقَّع مِنْهُ الذُّلّ مِنْ هِبَة وَغَيْرهَا , وَأَنَّ الْعَيْش مِنْ عَمَل الْمَرْء بِتِجَارَةٍ أَوْ حِرْفَة أَوْلَى لِنَزَاهَةِ الْأَخْلَاق مِنْ الْعَيْش بِالْهِبَةِ وَنَحْوهَا. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الدُّعَاء لِلْمُتَزَوِّجِ , وَسُؤَال الْإِمَام وَالْكَبِير أَصْحَابه وَأَتْبَاعه عَنْ أَحْوَالهمْ , وَلَا سِيَّمَا إِذَا رَأَى مِنْهُمْ مَا لَمْ يَعْهَد. وَجَوَاز خُرُوج الْعَرُوس وَعَلَيْهِ أَثَر الْعُرْس مِنْ خَلُوق وَغَيْره , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز التَّزَعْفُر لِلْعَرُوسِ , وَخَصَّ بِهِ عُمُوم النَّهْي عَنْ التَّزَعْفُر لِلرِّجَالِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي كِتَاب اللِّبَاس , وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون تِلْكَ الصُّفْرَة كَانَتْ فِي ثِيَابه دُون جَسَده , وَهَذَا الْجَوَاب لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى طَرِيقَتهمْ فِي جَوَازه فِي الثَّوْب دُون الْبَدَن , وَقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ مَالِك عَنْ عُلَمَاء الْمَدِينَة , وَفِيهِ حَدِيث أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ \" لَا يَقْبَل اللَّه صَلَاة رَجُل فِي جَسَده شَيْء مِنْ خَلُوق \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , فَإِنَّ مَفْهُومه أَنَّ مَا عَدَا الْجَسَد لَا يَتَنَاوَلهُ الْوَعِيد , وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا فِي الثَّوْب أَيْضًا , وَتَمَسَّكُوا بِالْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ صَحِيحَة , وَفِيهَا مَا هُوَ صَرِيح فِي الْمُدَّعِي كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه , وَعَلَى هَذَا فَأُجِيب عَنْ قِصَّة عَبْد الرَّحْمَن بِأَجْوِبَةِ : أَحَدهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل النَّهْي وَهَذَا يَحْتَاج إِلَى تَارِيخ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ سِيَاق قِصَّة عَبْد الرَّحْمَن يُشْعِر بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَائِل الْهِجْرَة , وَأَكْثَر مَنْ رَوَى النَّهْي مِمَّنْ تَأَخَّرَتْ هِجْرَته. ثَانِيهَا أَنَّ أَثَر الصُّفْرَة الَّتِي كَانَتْ عَلَى عَبْد الرَّحْمَن تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنْ جِهَة زَوْجَته فَكَانَ ذَلِكَ غَيْر مَقْصُود لَهُ , وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيّ وَعَزَاهُ لِلْمُحَقِّقِينَ , وَجَعَلَهُ الْبَيْضَاوِيّ أَصْلًا رَدَّ إِلَيْهِ أَحَد الِاحْتِمَالَيْنِ أَبَدَاهُمَا فِي قَوْله \" مَهْيَمْ \" فَقَالَ : مَعْنَاهُ مَا السَّبَب فِي الَّذِي أَرَاهُ عَلَيْك ؟ فَلِذَلِكَ أَجَابَ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَ قَالَ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِسْتِفْهَام إِنْكَار لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّهْي عَنْ التَّضَمُّخ بِالْخَلُوقِ , فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ تَزَوَّجْت , أَيْ فَتَعَلَّقَ بِي مِنْهَا وَلَمْ أَقْصِد إِلَيْهِ. ثَالِثهَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ اِحْتَاجَ إِلَى التَّطَيُّب لِلدُّخُولِ عَلَى أَهْله فَلَمْ يَجِد مَنْ طِيبِ الرِّجَال حِينَئِذٍ شَيْئًا فَتَطَيَّبَ مِنْ طِيب الْمَرْأَة , وَصَادَفَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ صُفْرَة فَاسْتَبَاحَ الْقَلِيل مِنْهُ عِنْد عَدَم غَيْره جَمْعًا بَيْن الدَّلِيلَيْنِ , وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْر فِي التَّطَيُّب لِلْجُمْعَةِ وَلَوْ مِنْ طِيب الْمَرْأَة فَبَقِيَ أَثَر ذَلِكَ عَلَيْهِ. رَابِعهَا كَانَ يَسِيرًا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَثَره فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِر. خَامِسهَا وَبِهِ جَزَمَ الْبَاجِيّ أَنَّ الَّذِي يُكْرَه مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ زَعْفَرَان وَغَيْره مِنْ أَنْوَاع الطِّيب , وَأَمَّا مَا كَانَ لَيْسَ بِطِيبٍ فَهُوَ جَائِز. سَادِسهَا أَنَّ النَّهْي عَنْ التَّزَعْفُر لِلرِّجَالِ لَيْسَ عَلَى التَّحْرِيم بِدَلَالَةِ تَقْرِيره لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف فِي هَذَا الْحَدِيث. سَابِعهَا أَنَّ الْعَرُوس يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ شَابًّا , ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْد قَالَ : وَكَانُوا يُرَخِّصُونَ لِلشَّابِّ فِي ذَلِكَ أَيَّام عُرْسه , قَالَ وَقِيلَ : كَانَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام مَنْ تَزَوَّجَ لَبِسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا عَلَامَة لِزَوَاجِهِ لِيُعَانَ عَلَى وَلِيمَة عُرْسه , قَالَ وَهَذَا غَيْر مَعْرُوف. قُلْت : وَفِي اِسْتِفْهَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْتَصّ بِالتَّزْوِيجِ , لَكِنْ وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه عِنْد أَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ \" فَأَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى عَلَيَّ بَشَاشَة الْعُرْس فَقَالَ : أَتَزَوَّجْت ؟ قُلْت : تَزَوَّجْت اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار \" فَقَدْ يُتَمَسَّك بِهَذَا السِّيَاق لِلْمُدَّعِي وَلَكِنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة , وَفِي أَكْثَر الرِّوَايَات أَنَّهُ قَالَ لَهُ \" مَهْيَمْ أَوْ مَا هَذَا \" فَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَبَشَاشَة الْعُرْس أَثَره وَحُسْنه أَوْ فَرَحه وَسُرُوره , يُقَال بَشَّ فُلَان بِفُلَانٍ أَيْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَرِحًا بِهِ مُلَطِّفًا بِهِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ النِّكَاح لَا بُدّ فِيهِ مِنْ صَدَاق لِاسْتِفْهَامِهِ عَلَى الْكَمْيَّة , وَلَمْ يَقُلْ هَلْ أَصْدَقهَا أَوْ لَا ؟ وَيُشْعِر ظَاهِره بِأَنَّهُ يَحْتَاج إِلَى تَقْدِير لِإِطْلَاقِ لَفْظ \" كَمْ \" الْمَوْضُوعَة لِلتَّقْدِيرِ , كَذَا قَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة , وَفِيهِ نَظَر لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْمُرَاد الِاسْتِخْبَار عَنْ الْكَثْرَة أَوْ الْقِلَّة فَيُخْبِرهُ بَعْد ذَلِكَ بِمَا يَلِيق بِحَالِ مِثْله , فَلَمَّا قَالَ لَهُ الْقَدْر لَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ بَلْ أَقَرَّهُ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِسْتِحْبَاب تَقْلِيل الصَّدَاق لِأَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف كَانَ مِنْ مَيَاسِير الصَّحَابَة وَقَدْ أَقَرَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِصْدَاقه وَزْن نَوَاة مِنْ ذَهَبٍ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّل الْأَمْر حِين قَدِمَ الْمَدِينَة وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهُ الْيَسَار بَعْد ذَلِكَ مِنْ مُلَازَمَة التِّجَارَة حَتَّى ظَهَرَتْ مِنْهُ مِنْ الْإِعَانَة فِي بَعْض الْغَزَوَات مَا اشْتَهَرَ , وَذَلِكَ بِبَرَكَةِ دُعَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الْمُوَاعَدَة لِمَنْ يُرِيد أَنْ يَتَزَوَّج بِهَا إِذَا طَلَّقَهَا زَوْجهَا وَأَوْفَتْ الْعِدَّة , لِقَوْلِ سَعْد بْن الرَّبِيع \" اُنْظُرْ أَيّ زَوْجَتَيّ أَعْجَب إِلَيْك حَتَّى أُطَلِّقهَا فَإِذَا اِنْقَضَتْ عِدَّتهَا تَزَوَّجْتهَا \" وَوَقَعَ تَقْرِير ذَلِكَ , وَيُعَكِّر عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يُنْقَل أَنَّ الْمَرْأَة عَلِمْت بِذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا وَلَمْ يَقَع تَعْيِينهَا , لَكِنْ الِاطِّلَاع عَلَى أَحْوَالهمْ إِذْ ذَاكَ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا عَلِمَتَا مَعًا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل نُزُول آيَة الْحِجَاب فَكَانُوا يَجْتَمِعُونَ , وَلَوْلَا وُثُوق سَعْد بْن الرَّبِيع مِنْ كُلّ مِنْهُمَا بِالرِّضَا مَا جَزَمَ بِذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : لَا يَسْتَلْزِم الْمُوَاعَدَة بَيْن الرَّجُلَيْنِ وُقُوع الْمُوَاعَدَة بَيْن الْأَجْنَبِيّ وَالْمَرْأَة , لِأَنَّهَا إِذَا مُنِعَ وَهِيَ فِي الْعِدَّة مِنْ خِطْبَتهَا تَصْرِيحًا فَفِي هَذَا يَكُون بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهَا إِذَا طَلُقَتْ دَخَلْت الْعِدَّة قَطْعًا , قَالَ : وَلَكِنَّهَا وَإِنْ اِطَّلَعَتْ عَلَى ذَلِكَ فَهِيَ بَعْد اِنْقِضَاء عِدَّتهَا بِالْخِيَارِ , وَالنَّهْي إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ الْمُوَاعَدَة بَيْن الْأَجْنَبِيّ وَالْمَرْأَة أَوْ وَلِيّهَا لَا مَعَ أَجْنَبِيّ آخَر. وَفِيهِ جَوَاز نَظَر الرَّجُل إِلَى الْمَرْأَة قَبْل أَنْ يَتَزَوَّجهَا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏حَقّه أَنْ يَذْكُر فِي مَكَانه مِنْ كِتَاب الْأَدَب , لَكِنْ تَعَجَّلْته هُنَا لِتَكْمِيلِ فَوَائِد الْحَدِيث , وَذَلِكَ أَنَّ الْبُخَارِيّ تَرْجَمَ فِي كِتَاب الْأَدَب \" بَاب الْإِخَاء وَالْحَلِف \" ثُمَّ سَاقَ حَدِيث الْبَاب مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان عَنْ حُمَيْدٍ وَاخْتَصَرَهُ فَاقْتَصَرَ مِنْهُ عَلَى قَوْله \" عَنْ أَنَس قَالَ : لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَآخَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنه وَبَيْن سَعْد بْن الرَّبِيع فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ \" فَرَأَى ذَلِكَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ فَظَنَّ أَنَّهُ حَدِيث مُسْتَقِلّ فَتَرْجَمَ فِي أَبْوَاب الْوَلِيمَة : ذِكْر الْوَلِيمَة لِلْإِخَاءِ , ثُمَّ سَاقَ هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ وَقَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ. وَكَوْن هَذَا طُرَفًا مِنْ حَدِيث الْبَاب لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مُمَارَسَة بِهَذَا الْفَنّ , وَالْبُخَارِيّ يَصْنَع ذَلِكَ كَثِيرًا , وَالْأَمْر لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف بِالْوَلِيمَةِ إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ الزَّوَاج لَا لِأَجْلِ الْإِخَاء , وَقَدْ تَعَرَّضَ الْمُحِبّ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ أَبَدَاهُ اِحْتِمَالًا , وَلَا يَحْتَمِل جَرَيَان هَذَا الِاحْتِمَال مِمَّنْ يَكُون مُحَدِّثًا , فَاللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4770",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى ‏ ‏زَيْنَبَ ‏ ‏أَوْلَمَ بِشَاةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث \" مَا أَوْلَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْء مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَب \" ‏ ‏هِيَ بِنْت جَحْش كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , وَحَمَّاد الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده هُوَ اِبْن زَيْد وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ بِحَسَبِ الِاتِّفَاق لَا التَّحْدِيد كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْد , وَقَدْ يُؤْخَذ مِنْ عِبَارَة صَاحِب \" التَّنْبِيه \" مِنْ الشَّافِعِيَّة أَنَّ الشَّاة حَدّ لِأَكْثَر الْوَلِيمَة لِأَنَّهُ قَالَ : وَأَكْمَلهَا شَاة , لَكِنْ نَقَلَ عِيَاض الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهُ لَا حَدّ لِأَكْثَرِهَا , وَقَالَ اِبْن أَبِي عَصْرُون : أَقَلّهَا لِلْمُوسِرِ شَاة , وَهَذَا مُوَافِق لِحَدِيثِ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف الْمَاضِي وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4771",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْتَقَ ‏ ‏صَفِيَّةَ ‏ ‏وَتَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا ‏ ‏بِحَيْسٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَنْ عَبْد الْوَارِث \" ‏ ‏وَشُعَيْب ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَبْحَاب , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث فِي \" بَاب مَنْ جَعَلَ عِتْق الْأَمَة صَدَاقهَا \" وَقَوْله فِي آخِره \" وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بِحَيْسٍ \" تَقَدَّمَ فِي \" بَاب اِتِّخَاذ السَّرَارِيّ \" مِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" أَنَّهُ أَمَرَ بِالْأَنْطَاعِ فَأُلْقِيَ فِيهَا مِنْ التَّمْر وَالْأَقِط وَالسَّمْن فَكَانَتْ وَلِيمَته \" وَلَا مُخَالَفَة بَيْنهمَا لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ أَجْزَاء الْحَيْس , قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْحَيْس يُؤْخَذ التَّمْر فَيُنْزَع نَوَاهُ وَيُخْلَط بِالْأَقِطِ أَوْ الدَّقِيق أَوْ السَّوِيق ا ه. وَلَوْ جُعِلَ فِيهِ السَّمْن لَمْ يَخْرُج عَنْ كَوْنه حَيْسًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4772",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَيَانٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَنَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِامْرَأَةٍ فَأَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا إِلَى الطَّعَامِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة الْجُعْفِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ بَيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِشْر الْأَحْمَسِيُّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ عَنْ مَالِك بْن إِسْمَاعِيل شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ عَنْ زُهَيْر \" حَدَّثَنَا بَيَان \". ‏ ‏قَوْله ( بِامْرَأَةٍ ) ‏ ‏يَغْلِب عَلَى الظَّنّ أَنَّهَا زَيْنَب بِنْت جَحْش لِمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي رِوَايَة أَبِي عُثْمَان عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ يَدْعُو رِجَالًا إِلَى الطَّعَام , ثُمَّ تَبَيَّنَ ذَلِكَ وَاضِحًا مِنْ رِوَايَة التِّرْمِذِيّ لِهَذَا الْحَدِيث تَامًّا مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ بَيَان بْن بِشْر فَزَادَ بَعْد قَوْله إِلَى الطَّعَام \" فَلَمَّا أَكَلُوا وَخَرَجُوا قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى رَجُلَيْنِ جَالِسَيْنِ \" فَذَكَرَ قِصَّة نُزُول ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوت النَّبِيّ ) الْآيَة , وَهَذَا فِي قِصَّة زَيْنَب بِنْت جَحْش لَا مَحَالَة كَمَا تَقَدَّمَ سِيَاقه مُطَوَّلًا وَشَرْحُهُ فِي تَفْسِير الْأَحْزَاب ‏"
    },
    {
        "id": "4773",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ ذُكِرَ ‏ ‏تَزْوِيجُ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏عِنْدَ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْلَمَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَيْهَا أَوْلَمَ بِشَاةٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4774",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّهِ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَوْلَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الْفِرْيَابِيّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا وَمَنْ تَبِعَهُمَا , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ كَلَام أَهْل النَّقْد , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ يَكُون سُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ وَمُحَمَّد بْن يُوسُف هُوَ الْبِيكِنْدِيّ , وَأَيَّدَ ذَلِكَ أَنَّ السُّفْيَانَيْنِ رَوَيَا عَنْ مَنْصُور بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَالْمَجْزُوم بِهِ عِنْدنَا أَنَّهُ الْفِرْيَابِيّ عَنْ الثَّوْرِيّ. قَالَ الْبَرْقَانِيّ : رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَوَكِيع وَالْفِرْيَابِيّ وَرَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ الثَّوْرِيّ فَجَعَلُوهُ مِنْ رِوَايَة صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة , وَرَوَاهُ أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ وَمُؤَمِّل بْن إِسْمَاعِيل وَيَحْيَى بْن الْيَمَان عَنْ الثَّوْرِيّ فَقَالُوا فِيهِ عَنْ صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة عَنْ عَائِشَة , قَالَ : وَالْأَوَّل أَصَحّ , وَصَفِيَّة لَيْسَتْ بِصَحَابِيَّةٍ وَحَدِيثهَا مُرْسَل , قَالَ : وَقَدْ نَصَرَ النَّسَائِيُّ قَوْل مَنْ لَمْ يَقُلْ عَنْ عَائِشَة , وَأَوْرَدَهُ عَنْ بُنْدَار عَنْ اِبْن مَهْدِيّ وَقَالَ إِنَّهُ مُرْسَل ا ه. وَرِوَايَة وَكِيع أَخْرَجَهَا اِبْن أَبِي شَيْبَة فِي مُصَنَّفه عَنْهُ , وَأَصْلَحَ فِي بَعْض النُّسَخ بِذِكْرِ عَائِشَة , وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ فَاعِله. وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن أَبِي حَكِيم الْعَدَنِيّ , وَأَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي \" كِتَاب أَخْلَاق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير الْعَبْدِيّ كِلَاهُمَا عَنْ الثَّوْرِيّ كَمَا قَالَ الْفِرْيَابِيّ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ الثَّوْرِيّ بِذِكْرِ عَائِشَة فِيهِ , وَزَعَمَ اِبْن الْمَوّاق أَنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن آدَم عَنْ الثَّوْرِيّ وَقَالَ : لَيْسَ هُوَ بِدُونِ الْفِرْيَابِيّ , كَذَا قَالَ , وَلَمْ يُخْرِجهُ النَّسَائِيُّ إِلَّا مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن الْيَمَان وَهُوَ ضَعِيف , وَكَذَلِكَ مُؤَمِّل بْن إِسْمَاعِيل فِي حَدِيثه عَنْ الثَّوْرِيّ ضَعْف , وَأَقْوَى مَنْ زَادَ فِيهِ عَائِشَة أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْهُ وَيَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , وَالَّذِينَ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَائِشَة أَكْثَر عَدَدًا وَأَحْفَظ وَأَعْرَف بِحَدِيثِ الثَّوْرِيّ مِمَّنْ زَادَ , فَالَّذِي يَظْهَر عَلَى قَوَاعِد الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد , وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ عُمَر بْن مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن التَّلّ رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الثَّوْرِيّ فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ مَنْصُور بْن صَفِيَّة عَنْ صَفِيَّة بِنْت حُيَيِّ \" قَالَ وَهُوَ غَلَط لَا شَكّ فِيهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاد بَعْض مَنْ أَطْلَقَ أَنَّهُ مُرْسَل يَعْنِي مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة , لِأَنَّ صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة مَا حَضَرَتْ قِصَّة زَوَاج الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث لِأَنَّهَا كَانَتْ بِمَكَّة طِفْلَة أَوْ لَمْ تُولَد بَعْد ; وَتَزْوِيج الْمَرْأَة كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه , وَأَمَّا جَزْمُ الْبَرْقَانِيّ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ بِدُونِ ذِكْرِ عَائِشَة يَكُون مُرْسَلًا فَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ النَّسَائِيُّ ثُمَّ الدَّارَقُطْنِيُّ فَقَالَ هَذَا مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي تُعَدّ فِيمَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ مِنْ الْمَرَاسِيل وَكَذَا جَزَمَ اِبْن سَعْد وَابْن حِبَّان بِأَنَّ صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة تَابِعِيَّة , لَكِنْ ذَكَرَ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ فِي كِتَاب الْحَجّ عَقِب حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس فِي تَحْرِيم مَكَّة قَالَ \" وَقَالَ أَبَان بْن صَالِح عَنْ الْحَسَن بْن مُسْلِم عَنْ صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة قَالَتْ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مِثْله , قَالَ : وَوَصَلَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْه. قُلْت : وَكَذَا وَصَلَهُ الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ. ثُمَّ قَالَ الْمِزِّيُّ : لَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ صَرِيحًا فِي صُحْبَتهَا , لَكِنَّ أَبَان بْن صَالِح ضَعِيف , كَذَا أَطْلَقَ هُنَا وَلَمْ يَنْقُل فِي تَرْجَمَة أَبَان بْن صَالِح فِي التَّهْذِيب تَضْعِيفه عَنْ أَحَد , بَلْ نَقَلَ تَوْثِيقه عَنْ يَحْيَى بْن مَعِين وَأَبِي حَاتِم وَأَبِي زُرْعَة وَغَيْرهمْ , وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي \" مُخْتَصَر التَّهْذِيب \" : مَا رَأَيْت أَحَدًا ضَعَّفَ أَبَان بْن صَالِح , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَى قَوْل اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي \" التَّمْهِيد \" لَمَّا ذَكَرَ حَدِيث جَابِر فِي اِسْتِقْبَال قَاضِي الْحَاجَة الْقِبْلَة مِنْ رِوَايَة أَبَان بْن صَالِح الْمَذْكُور : هَذَا لَيْسَ صَحِيحًا لِأَنَّ أَبَان بْن صَالِح ضَعِيف , كَذَا قَالَ وَكَأَنَّهُ اِلْتَبَسَ عَلَيْهِ بِأَبَان بْن أَبِي عَيَّاش الْبَصْرِيّ صَاحِب أَنَس فَإِنَّهُ ضَعِيف بِاتِّفَاقٍ , وَهُوَ أَشْهَر وَأَكْثَر حَدِيثًا وَرُوَاة مِنْ أَبَان بْن صَالِح ; وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ اِبْن حَزْمٍ الْحَدِيث الْمَذْكُور عَنْ جَابِر قَالَ : أَبَان بْن صَالِح لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ. قُلْت : وَلَكِنْ يَكْفِي تَوْثِيق اِبْن مَعِين وَمَنْ ذَكَرَ لَهُ , وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَيْضًا اِبْن جُرَيْجٍ وَأُسَامَة بْن زَيْد اللَّيْثِيّ وَغَيْرهمَا , وَأَشْهَر مَنْ رَوَى عَنْهُ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق. وَقَدْ ذَكَرَ الْمِزِّيُّ أَيْضًا حَدِيث صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة قَالَتْ \" طَافَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعِير يَسْتَلِم الْحَجَر بِمِحْجَنٍ وَأَنَا أَنْظُر إِلَيْهِ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ , قَالَ الْمِزِّيُّ : هَذَا يُضْعِف قَوْل مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُون لَهَا رُؤْيَة , فَإِنَّ إِسْنَاده حَسَن. قُلْت : وَإِذَا ثَبَتَتْ رُؤْيَتهَا لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَبَطْت ذَلِكَ فَمَا الْمَانِع أَنْ تَسْمَع خِطْبَته وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ مَنْصُور بْن صَفِيَّة ) ‏ ‏هِيَ أُمّه وَاسْم أَبِيهِ عَبْد الرَّحْمَن بْن طَلْحَة بْن الْحَارِث بْن طَلْحَة بْن أَبِي طَلْحَة الْقُرَشِيّ الْعَبْدَرِيّ الْحَجَبَيّ , قُتِلَ جَدّه الْأَعْلَى الْحَارِث يَوْم أُحُد كَافِرًا وَكَذَا أَبُوهُ طَلْحَة بْن أَبِي طَلْحَة , وَلِجَدِّهِ الْأَدْنَى طَلْحَة بْن الْحَارِث رُؤْيَة , وَقَدْ أَغْفَلَ ذِكْره مَنْ صَنَّفَ فِي الصَّحَابَة وَهُوَ وَارِد عَلَيْهِمْ , وَوَقَعَ فِي \" رِجَال الْبُخَارِيّ لِلْكَلَابَاذِيّ \" أَنَّهُ مَنْصُور بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن طَلْحَة بْن عُمَر بْن عَبْد الرَّحْمَن التَّيْمِيّ , وَوَهَمَ فِي ذَلِكَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الرَّضِيّ الشَّاطِبِيّ فِيمَا قَرَأْت بِخَطِّهِ. ‏ ‏قَوْله ( أَوْلَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعْض نِسَائِهِ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين اِسْمهَا صَرِيحًا , وَأَقْرَب مَا يُفَسَّر بِهِ أُمّ سَلَمَة , فَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن سَعْد عَنْ شَيْخه الْوَاقِدِيّ بِسَنَدٍ لَهُ إِلَى أُمّ سَلَمَة قَالَتْ \" لَمَّا خَطَبَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَر قِصَّة تَزْوِيجه بِهَا - فَأَدْخَلَنِي بَيْت زَيْنَب بِنْت خُزَيْمَةَ , فَإِذَا جَرَّة فِيهَا شَيْء مِنْ شَعِير , فَأَخَذْته فَطَحَنْته ثُمَّ عَصَدْته فِي الْبُرْمَة وَأَخَذْت شَيْئًا مِنْ إِهَالَة فَأَدَمْته فَكَانَ ذَلِكَ طَعَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد أَيْضًا وَأَحْمَد بِإِسْنَادٍ صَحِيح إِلَى أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث أَنَّ أُمّ سَلَمَة أَخْبَرَتْهُ فَذَكَرَ قِصَّة خِطْبَتهَا وَتَزْوِيجهَا وَفِيهِ قَالَتْ \" فَأَخَذْت ثَفَالِي وَأَخْرَجْت حَبَّات مِنْ شَعِير كَانَتْ فِي جَرَّتِي وَأَخْرَجْت شَحْمًا فَعَصَدْته لَهُ ثُمَّ بَاتَ ثُمَّ أَصْبَحَ \" الْحَدِيث , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا لَكِنْ لَمْ يَذْكُر الْمَقْصُود هُنَا وَأَصْله فِي مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر بِدُونِهِ , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق شَرِيك عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس قَالَ \" أَوْلَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمّ سَلَمَة بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ \" فَهُوَ وَهْم مِنْ شَرِيك لِأَنَّهُ كَانَ سَيّءَ الْحِفْظ , أَوْ مِنْ الرَّاوِي عَنْهُ وَهُوَ جَنْدَل بْن وَالِق فَإِنَّ مُسْلِمًا وَالْبَزَّار ضَعَّفَاهُ وَقَوَّاهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَالْبُسْتِيّ , وَإِنَّمَا هُوَ الْمَحْفُوظ مِنْ حَدِيث حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس أَنَّ ذَلِكَ فِي قِصَّة صَفِيَّة كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال وَغَيْره عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا فِي أَوَائِل النِّكَاح لِلْبُخَارِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس , وَأَخْرَجَ أَصْحَاب السُّنَن مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَس نَحْوه فِي قِصَّة صَفِيَّة وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِنِسَائِهِ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ أَزْوَاجه , أَيْ مَنْ يُنْسَب إِلَيْهِ مِنْ النِّسَاء فِي الْجُمْلَة , فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ قَالَتْ \" لَقَدْ أَوْلَمَ عَلِيٌّ بِفَاطِمَة فَمَا كَانَتْ وَلِيمَة فِي ذَلِكَ الزَّمَان أَفْضَل مِنْ وَلِيمَته , رَهَنَ دِرْعه عِنْد يَهُودِيّ بِشَطْرِ شَعِير \" وَلَا شَكّ أَنَّ الْمُدَّيْنِ نِصْف الصَّاع ; فَكَأَنَّهُ قَالَ : شَطْر صَاع , فَيَنْطَبِق عَلَى الْقِصَّة الَّتِي فِي الْبَاب , وَتَكُون نِسْبَة الْوَلِيمَة إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجَازِيَّة إِمَّا لِكَوْنِهِ الَّذِي وَفَّى الْيَهُودِيّ ثَمَن شَعِيره أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِير ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة كُلّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ الثَّوْرِيّ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِمَّنْ قَدَّمْت ذِكْرَهُ , إِلَّا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ فَوَقَعَ فِي رِوَايَته \" بِصَاعَيْنِ مِنْ شَعِير \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَته , وَهُوَ وَإِنْ كَانَ أَحْفَظ مَنْ رَوَاهُ عَنْ الثَّوْرِيّ لَكِنَّ الْعَدَد الْكَثِير أَوْلَى بِالضَّبْطِ مِنْ الْوَاحِد كَمَا قَالَ الشَّافِعِيّ فِي غَيْر هَذَا , وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4775",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عُمَر أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" إِذَا دُعِيَ أَحَدكُمْ إِلَى الْوَلِيمَة فَلْيَأْتِهَا \" ‏ ‏سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْد بَابَيْنِ , وَقَوْله \" فَلْيَأْتِهَا \" أَيْ فَلْيَأْتِ مَكَانهَا , وَالتَّقْدِير إِذَا دُعِيَ إِلَى مَكَان وَلِيمَة فَلْيَأْتِهَا وَلَا يَضُرّ إِعَادَة الضَّمِير مُؤَنَّثًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4776",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فُكُّوا الْعَانِيَ وَأَجِيبُوا الدَّاعِيَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي مُوسَى أَوْرَدَهُ لِقَوْلِهِ فِيهِ \" وَأَجِيبُوا الدَّاعِي \" ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد , قَالَ اِبْن التِّين : قَوْله \" وَأَجِيبُوا الدَّاعِي \" يُرِيد إِلَى وَلِيمَة الْعُرْس كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث اِبْن عُمَر الَّذِي قَبْله يَعْنِي فِي تَخْصِيص الْأَمْر بِالْإِتْيَانِ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْوَلِيمَة. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَوْله \" الدَّاعِي \" عَامّ , وَقَدْ قَالَ الْجُمْهُور تَجِب فِي وَلِيمَة النِّكَاح وَتُسْتَحَبّ فِي غَيْرهَا فَيَلْزَم اِسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي الْإِيجَاب وَالنَّدْب وَهُوَ مُمْتَنِع قَالَ وَالْجَوَاب أَنَّ الشَّافِعِيّ أَجَازَهُ , وَحَمَلَهُ غَيْره عَلَى عُمُوم الْمَجَاز ا ه. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا اللَّفْظ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فَالْمُرَاد بِهِ خَاصّ , وَأَمَّا اِسْتِحْبَاب إِجَابَة طَعَام غَيْر الْعُرْس فَمِنْ دَلِيل آخَر. ‏"
    },
    {
        "id": "4777",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَشْعَثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَمَرَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ وَإِجَابَةِ الدَّاعِي وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ وَعَنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَعَنْ الْمَيَاثِرِ ‏ ‏وَالْقَسِّيَّةِ ‏ ‏وَالْإِسْتَبْرَقِ ‏ ‏وَالدِّيبَاجِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏وَالشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَشْعَثَ ‏ ‏فِي إِفْشَاءِ السَّلَامِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب \" أَمَرَنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا - وَفِي آخِره - وَإِجَابَة الدَّاعِي \" ‏ ‏أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَحْوَص عَنْ الْأَشْعَث وَهُوَ اِبْن أَبِي الشَّعْثَاء سَلِيم الْمَحَارِبِيّ ثُمَّ قَالَ بَعْده \" تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَة وَالشَّيْبَانِيّ عَنْ أَشْعَث فِي إِفْشَاء السَّلَام \" فَأَمَّا مُتَابَعَة أَبِي عَوَانَة فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْأَشْرِبَة عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ أَبِي عَوَانَة عَنْ أَشْعَث بْن سَلِيم بِهِ , وَأَمَّا مُتَابَعَة الشَّيْبَانِيِّ وَهُوَ أَبُو إِسْحَاق فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان عَنْ قُتَيْبَة عَنْ جَرِير عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَشْعَث بْن أَبِي الشَّعْثَاء بِهِ , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي مَوَاضِع أُخْرَى مِنْ غَيْر رِوَايَة هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ \" رَدّ السَّلَام \" بَدَل إِفْشَاء السَّلَام فَهَذِهِ نُكْتَة الِاقْتِصَار. ‏"
    },
    {
        "id": "4778",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَعَا ‏ ‏أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي عُرْسِهِ وَكَانَتْ ‏ ‏امْرَأَتُهُ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ خَادِمَهُمْ وَهِيَ الْعَرُوسُ قَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏تَدْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْقَعَتْ ‏ ‏لَهُ تَمَرَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي عَنْ أَبِي حَازِم , وَذَكَرَ الْكَرْمَانِيّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم عَنْ سَهْل , وَهُوَ سَهْو إِذْ لَا بُدّ مِنْ وَاسِطَة بَيْنهمَا إِمَّا أَبُوهُ أَوْ غَيْره , قُلْت : لَعَلَّ الرِّوَايَة عَنْ عَبْد الْعَزِيز عَنْ أَبِي حَازِم فَتَصَحَّفَتْ \" عَنْ \" فَصَارَتْ \" اِبْن \" وَسَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث بَعْد خَمْسَة أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "4779",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ‏ ‏شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن شِهَاب عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ كَانَ يَقُول \" شَرّ الطَّعَام الْوَلِيمَة يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاء وَيُتْرَك الْفُقَرَاء , وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَة فَقَدْ عَصَى اللَّه وَرَسُوله \" ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مَعْن بْن عِيسَى عَنْ مَالِك \" الْمَسَاكِين \" بَدَل الْفُقَرَاء , وَأَوَّل هَذَا الْحَدِيث مَوْقُوف وَلَكِنَّ آخِره يَقْتَضِي رَفْعه , ذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن بَطَّال قَالَ : وَمِثْله حَدِيث أَبِي الشَّعْثَاء \" أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَبْصَرَ رَجُلًا خَارِجًا مِنْ الْمَسْجِد بَعْد الْأَذَان فَقَالَ : أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِم \" قَالَ : وَمِثْل هَذَا لَا يَكُون رَأْيًا , وَلِهَذَا أَدْخَلَهُ الْأَئِمَّة فِي مَسَانِيدهمْ اِنْتَهَى. وَذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ جُلّ رُوَاة مَالِك لَمْ يُصَرِّحُوا بِرَفْعِهِ , وَقَالَ فِيهِ رَوْح بْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك بِسَنَدِهِ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" اِنْتَهَى. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن مَسْلَمَةَ اِبْن قُعْنُب عَنْ مَالِك , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مَعْمَر وَسُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ شَيْخ مَالِك كَمَا قَالَ مَالِك وَمِنْ رِوَايَة أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج كَذَلِكَ , وَالْأَعْرَج شَيْخ الزُّهْرِيِّ فِيهِ هُوَ عَبْد الرَّحْمَن كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان قَالَ \" سَأَلْت الزُّهْرِيَّ فَقَالَ : حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة \" فَذَكَرَهُ. وَلِسُفْيَان فِيهِ شَيْخ آخَر بِإِسْنَادٍ آخَر إِلَى أَبِي هُرَيْرَة صَرَّحَ فِيهِ بِرَفْعِهِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق سُفْيَان \" سَمِعْت زِيَاد بْن سَعْد يَقُول سَمِعْت ثَابِتًا الْأَعْرَج يُحَدِّث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" فَذَكَرَ نَحْوه , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا صَرِيحًا , وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر كَذَلِكَ , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ اللَّام فِي \" الدَّعْوَة \" لِلْعَهْدِ مِنْ الْوَلِيمَة الْمَذْكُورَة أَوَّلًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْوَلِيمَة إِذَا أُطْلِقَتْ حُمِلَتْ عَلَى طَعَام الْعُرْس بِخِلَافِ سَائِر الْوَلَائِم فَإِنَّهَا تُقَيَّد , وَقَوْله \" يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاء \" أَيْ أَنَّهَا تَكُون شَرّ الطَّعَام إِذَا كَانَتْ بِهَذِهِ الصِّفَة , وَلِهَذَا قَالَ اِبْن مَسْعُود \" إِذَا خُصَّ الْغَنِيّ وَتُرِك الْفَقِير أُمِرْنَا أَنْ لَا نُجِيب \" قَالَ قَالَ اِبْن بَطَّال : وَإِذَا مَيَّزَ الدَّاعِي بَيْن الْأَغْنِيَاء وَالْفُقَرَاء فَأَطْعَمَ كُلًّا عَلَى حِدَة لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْس , وَقَدْ فَعَلَهُ اِبْن عُمَر. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ \" مَنْ \" مُقَدَّرَة كَمَا يُقَال \" شَرّ النَّاس مَنْ أَكَلَ وَحْده \" أَيْ مِنْ شَرّهمْ , وَإِنَّمَا سَمَّاهُ شَرًّا لِمَا ذُكِرَ عَقِبه فَكَأَنَّهُ قَالَ : شَرّ الطَّعَام الَّذِي شَأْنه كَذَا , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : اللَّام فِي الْوَلِيمَة لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيّ , إِذْ كَانَ مِنْ عَادَة الْجَاهِلِيَّة أَنْ يَدْعُوا الْأَغْنِيَاء وَيَتْرُكُوا الْفُقَرَاء. وَقَوْله \" يُدْعَى إِلَخْ \" اِسْتِئْنَاف وَبَيَان لِكَوْنِهَا شَرّ الطَّعَام , وَقَوْله \" وَمَنْ تَرَك إِلَخْ \" حَال وَالْعَامِل يُدْعَى , أَيْ يُدْعَى الْأَغْنِيَاء وَالْحَال أَنَّ الْإِجَابَة وَاجِبَة فَيَكُون دُعَاؤُهُ سَبَبًا لِأَكْلِ الْمَدْعُوّ شَرّ الطَّعَام , وَيَشْهَد لَهُ مَا ذَكَرَهُ اِبْن بَطَّال أَنَّ اِبْن حَبِيب رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ كَانَ يَقُول : أَنْتُمْ الْعَاصُونَ فِي الدَّعْوَة , تَدْعُونَ مَنْ لَا يَأْتِي وَتَدْعُونَ مَنْ يَأْتِي , يَعْنِي بِالْأَوَّلِ الْأَغْنِيَاء وَبِالثَّانِي الْفُقَرَاء. ‏ ‏قَوْله ( شَرّ الطَّعَام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى عَنْ مَالِك \" بِئْسَ الطَّعَام \" وَالْأَوَّل رِوَايَة الْأَكْثَر , وَكَذَا فِي بَقِيَّة الطُّرُق. ‏ ‏قَوْله ( يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة ثَابِت الْأَعْرَج \" يَمْنَعهَا مَنْ يَأْتِيهَا وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا \" وَالْجُمْلَة فِي مَوْضِع الْحَال لِطَعَامِ الْوَلِيمَة ; فَلَوْ دَعَا الدَّاعِي عَامًّا لَمْ يَكُنْ طَعَامه شَرّ الطَّعَام. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" بِئْسَ الطَّعَام طَعَام الْوَلِيمَة يُدْعَى إِلَيْهِ الشَّبْعَان وَيُحْبَس عَنْهُ الْجَيْعَان \". ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ تَرَك الدَّعْوَة ) ‏ ‏أَيْ تَرَك إِجَابَة الدَّعْوَة , وَفِي رِوَايَة اِبْن عُمَر الْمَذْكُورَة \" وَمَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ \" وَهُوَ تَفْسِير لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. ‏ ‏قَوْله ( فَقَدْ عَصَى اللَّه وَرَسُوله ) ‏ ‏هَذَا دَلِيل وُجُوب الْإِجَابَة , لِأَنَّ الْعِصْيَان لَا يُطْلَق إِلَّا عَلَى تَرْك الْوَاجِب. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِابْنِ عُمَر عِنْد أَبِي عَوَانَة \" مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَة فَلَمْ يَأْتِهَا فَقَدْ عَصَى اللَّه وَرَسُوله \" ‏"
    },
    {
        "id": "4780",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبَدَان ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان , وَأَبُو حَمْزَة بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي هُوَ الْيَشْكُرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي حَازِم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْهِبَة مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش , وَهُوَ لَا يَرْوِي عَنْ مَشَايِخه إِلَّا مَا ظَهَرَ لَهُ سَمَاعهمْ فِيهِ وَأَبُو حَازِم هَذَا هُوَ سَلْمَان بِسُكُونِ اللَّام مَوْلَى عَزَّة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الزَّاي , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَلَمَة بْن دِينَار الرَّاوِي عَنْ سَهْل بْن سَعْد الْمُقَدَّم ذِكْره قَرِيبًا , فَإِنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا مَدَنِيَّيْنِ لَكِنَّ رَاوِي حَدِيث الْبَاب أَكْبَر مِنْ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله ( وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاع لَقَبِلْت ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَاب الْأَعْمَش , وَتَقَدَّمَ فِي الْهِبَة مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش بِلَفْظِ \" ذِرَاع وَكُرَاع \" بِالتَّغْيِيرِ , وَالذِّرَاع أَفْضَل مِنْ الْكُرَاع , وَفِي الْمَثَل \" أَنْفَقَ الْعَبْد كُرَاعًا وَطَلَب ذِرَاعًا \" وَقَدْ زَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح وَكَذَا وَقَعَ لِلْغَزالِيّ أَنَّ الْمُرَاد بِالْكُرَاعِ فِي هَذَا الْحَدِيث الْمَكَان الْمَعْرُوف بِكُرَاعِ الْغَمِيمِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة هُوَ مَوْضِع بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَغَازِي , وَزَعَمَ أَنَّهُ أَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْمُبَالَغَة فِي الْإِجَابَة وَلَوْ بَعُدَ الْمَكَان , لَكِنَّ الْمُبَالَغَة فِي الْإِجَابَة مَعَ حَقَارَة الشَّيْء أَوْضَح فِي الْمُرَاد , وَلِهَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْكُرَاعِ هُنَا كُرَاع الشَّاة , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيه ذَلِكَ فِي أَوَائِل الْهِبَة فِي حَدِيث \" يَا نِسَاء الْمُسْلِمَات , لَا تَحْقِرَنَّ جَارَة لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسَن شَاة \" وَأَغْرَبَ الْغَزَالِيّ فِي \" الْإِحْيَاء \" فَذَكَرَ الْحَدِيث بِلَفْظِ \" وَلَوْ دُعِيت إِلَى كُرَاع الْغَمِيمِ \" وَلَا أَصْل لِهَذِهِ الزِّيَادَة. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا \" لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاع لَقَبِلْت , وَلَوْ دُعِيت لِمِثْلِهِ لَأَجَبْت \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أُمّ حَكِيم بِنْت وَادِع أَنَّهَا \" قَالَتْ يَا رَسُول اللَّه أَتَكْرَهُ الْهَدِيَّة ؟ فَقَالَ : مَا أَقْبَح رَدّ الْهَدِيَّة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَيُسْتَفَاد سَبَبه مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة. وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى حُسْن خُلُقه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَوَاضُعه وَجَبْره لِقُلُوبِ النَّاس , وَعَلَى قَبُول الْهَدِيَّة وَإِجَابَة مَنْ يَدْعُو الرَّجُل إِلَى مَنْزِله وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الَّذِي يَدْعُوهُ إِلَيْهِ شَيْء قَلِيل , قَالَ الْمُهَلَّب : لَا يَبْعَث عَلَى الدَّعْوَة إِلَى الطَّعَام إِلَّا صِدْقُ الْمَحَبَّة وَسُرُور الدَّاعِي بِأَكْلِ الْمَدْعُوّ مِنْ طَعَامه وَالتَّحَبُّب إِلَيْهِ بِالْمُؤَاكَلَةِ وَتَوْكِيد الذِّمَام مَعَهُ بِهَا , فَلِذَلِكَ حَضَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِجَابَة وَلَوْ نَزَرَ الْمَدْعُوّ إِلَيْهِ. وَفِيهِ الْحَضّ عَلَى الْمُوَاصَلَة وَالتَّحَابّ وَالتَّآلُف , وَإِجَابَة الدَّعْوَة لِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ , وَقَبُول الْهَدِيَّة كَذَلِكَ ‏"
    },
    {
        "id": "4781",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا قَالَ وَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِ الْعُرْسِ وَهُوَ صَائِمٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ الْبَغْدَادِيّ , أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيّ هُنَا فَقَطْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَضَائِل الْقُرْآن رِوَايَته عَنْ عَلِيّ بْن إِبْرَاهِيم عَنْ رَوْح بْن عِبَادَة فَقِيلَ : هُوَ هَذَا نَسَبه إِلَى جَدّه , وَقِيلَ غَيْره كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه , وَذَكَرَ أَبُو عَمْرو وَالْمُسْتَمْلِي أَنَّ الْبُخَارِيّ لَمَّا حَدَّثَ عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن إِبْرَاهِيم هَذَا سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ : مُتْقِن. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ نَافِع ) ‏ ‏فِي رِوَايَة فُضَيْلِ بْن سُلَيْمَان عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة \" حَدَّثَنِي نَافِع \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ كَانَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ نَافِع وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" إِذَا دُعِيَ أَحَدكُمْ إِلَى وَلِيمَة عُرْس فَلْيُجِبْ \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" إِذَا دَعَا أَحَدكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوه \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" مَنْ دُعِيَ إِلَى عُرْس أَوْ نَحْوه فَلْيُجِبْ \" وَهَذَا يُؤَيِّد مَا فَهِمَهُ اِبْن عُمَر وَأَنَّ الْأَمْر بِالْإِجَابَةِ لَا يَخْتَصّ بِطَعَامِ الْعُرْس , وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيث بَعْض الشَّافِعِيَّة فَقَالَ بِوُجُوبِ الْإِجَابَة إِلَى الدَّعْوَة مُطْلَقًا عُرْسًا كَانَ أَوْ غَيْره بِشَرْطِهِ ; وَنَقَلَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن الْحَسَن الْعَنْبَرِيّ قَاضِي الْبَصْرَة وَزَعَمَ اِبْن حَزْم أَنَّهُ قَوْل جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَيُعَكِّر عَلَيْهِ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاصِ وَهُوَ مِنْ مَشَاهِير الصَّحَابَة أَنَّهُ قَالَ فِي وَلِيمَة الْخِتَان لَمْ يَكُنْ يُدْعَى لَهَا , لَكِنْ يُمْكِن الِانْفِصَال عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَع الْقَوْل بِالْوُجُوبِ لَوْ دُعُوا , وَعِنْد عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ دَعَا بِالطَّعَامِ فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم : أَعْفِنِي , فَقَالَ اِبْن عُمَر : إِنَّهُ لَا عَافِيَة لَك مِنْ هَذَا , فَقُمْ. وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيّ وَعَبْد الرَّزَّاق بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ اِبْن صَفْوَان دَعَاهُ فَقَالَ : إِنِّي مَشْغُول , وَإِنْ لَمْ تُعْفِنِي جِئْته. وَجَزَمَ بِعَدَمِ الْوُجُوب فِي غَيْر وَلِيمَة النِّكَاح الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وَالْحَنَابِلَة وَجُمْهُور الشَّافِعِيَّة ; وَبَالَغَ السَّرَخْسِيّ مِنْهُمْ فَنَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاع , وَلَفْظ الشَّافِعِيّ : إِتْيَان دَعْوَة الْوَلِيمَة حَقّ , وَالْوَلِيمَة الَّتِي تُعْرَف وَلِيمَة الْعُرْس , وَكُلّ دَعْوَة دُعِيَ إِلَيْهَا رَجُل وَلِيمَة فَلَا أُرَخِّص لِأَحَدٍ فِي تَرْكِهَا , وَلَوْ تَرَكَهَا لَمْ يَتَبَيَّن أَنَّهُ عَاصٍ فِي تَرْكهَا كَمَا تَبَيَّنَ لِي فِي وَلِيمَة الْعُرْس. ‏ ‏قَوْله ( فِي الْعُرْس وَغَيْر الْعُرْس وَهُوَ صَائِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ هَارُون بْن عَبْد اللَّه عَنْ حَجَّاج بْن مُحَمَّد \" وَيَأْتِيهَا وَهُوَ صَائِم \" وَلِأَبِي عَوَانَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ نَافِع \" وَكَانَ اِبْن عُمَر يُجِيب صَائِمًا وَمُفْطِرًا \" وَوَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع فِي آخِر الْحَدِيث الْمَرْفُوع \" فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ , وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام بْن حَسَّان فِي آخِره \" وَالصَّلَاة الدُّعَاء \" وَهُوَ مِنْ تَفْسِير هِشَام رَاوِيه , وَيُؤَيِّدهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى , وَحَمَلَهُ بَعْض الشُّرَّاح عَلَى ظَاهِره فَقَالَ : إِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَشْتَغِلْ بِالصَّلَاةِ لِيَحْصُل لَهُ فَضْلهَا , وَيَحْصُل لِأَهْلِ الْمَنْزِل وَالْحَاضِرِينَ بَرَكَتهَا. وَفِيهِ نَظَر لِعُمُومِ قَوْله \" لَا صَلَاة بِحَضْرَةِ طَعَام \" لَكِنْ يُمْكِن تَخْصِيصه بِغَيْرِ الصَّائِم , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب حَقّ إِجَابَة الْوَلِيمَة \" أَنَّ أُبَيّ بْن كَعْب لَمَّا حَضَرَ الْوَلِيمَة وَهُوَ صَائِم أَثْنَى وَدَعَا , وَعِنْد أَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق عُمَر بْن مُحَمَّد عَنْ نَافِع : كَانَ اِبْن عُمَر إِذَا دُعِيَ آجَابَ , فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا أَكَلَ , وَإِنْ كَانَ صَائِمًا دَعَا لَهُمْ وَبَرَّكَ ثُمَّ اِنْصَرَفَ. وَفِي الْحُضُور فَوَائِد أُخْرَى كَالتَّبَرُّكِ بِالْمَدْعُوِّ وَالتَّجَمُّل بِهِ وَالِانْتِفَاع بِإِشَارَتِهِ وَالصِّيَانَة عَمَّا لَا يَحْصُل لَهُ الصِّيَانَة لَوْ لَمْ يَحْضُر , وَفِي الْإِخْلَال بِالْإِجَابَةِ تَفْوِيت ذَلِكَ , وَلَا يَخْفَى مَا يَقَع لِلدَّاعِي مِنْ ذَلِكَ مِنْ التَّشْوِيش , وَعُرِفَ مِنْ قَوْله \" فَلْيَدْعُ لَهُمْ \" حُصُول الْمَقْصُود مِنْ الْإِجَابَة بِذَلِكَ وَأَنَّ الْمَدْعُوّ لَا يَجِب عَلَيْهِ الْأَكْل , وَهَلْ يُسْتَحَبّ لَهُ أَنْ يُفْطِر إِنْ كَانَ صَوْمه تَطَوُّعًا ؟ قَالَ أَكْثَر الشَّافِعِيَّة وَبَعْض الْحَنَابِلَة : إِنْ كَانَ يَشُقّ عَلَى صَاحِب الدَّعْوَة صَوْمه فَالْأَفْضَل الْفِطْر وَإِلَّا فَالصَّوْم , وَأَطْلَقَ الرُّويَانِيّ وَابْن الْفَرَّاء اِسْتِحْبَاب الْفِطْر , وَهَذَا عَلَى رَأْي مَنْ يُجَوِّز الْخُرُوج مِنْ صَوْم النَّفْل , وَأَمَّا مَنْ يُوجِبهُ فَلَا يَجُوز عِنْده الْفِطْر كَمَا فِي صَوْم الْفَرْض , وَيَبْعُد إِطْلَاق اِسْتِحْبَاب الْفِطْر مَعَ وُجُود الْخِلَاف وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ وَقْت الْإِفْطَار قَدْ قَرُبَ. وَيُؤْخَذ مِنْ فِعْل اِبْن عُمَر أَنَّ الصَّوْم لَيْسَ عُذْرًا فِي تَرْك الْإِجَابَة وَلَا سِيَّمَا مَعَ وُرُود الْأَمْر لِلصَّائِمِ بِالْحُضُورِ وَالدُّعَاء , نَعَمْ لَوْ اِعْتَذَرَ بِهِ الْمَدْعُوّ فَقَبِلَ الدَّاعِي عُذْره لِكَوْنِهِ يَشُقّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَأْكُل إِذَا حَضَرَ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي التَّأَخُّر. وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم \" إِذَا دُعِيَ أَحَدكُمْ إِلَى طَعَام فَلْيُجِبْ , فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَك \" فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْمُفْطِر وَلَوْ حَضَرَ لَا يَجِب عَلَيْهِ الْأَكْل , وَهُوَ أَصَحّ الْوَجْهَيْنِ عِنْد الشَّافِعِيَّة. وَقَالَ اِبْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصَره : وَوُجُوب أَكْل الْمُفْطِر مُحْتَمَل , وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَة بِعَدَمِ الْوُجُوب , وَاخْتَارَ النَّوَوِيّ الْوُجُوب , وَبِهِ قَالَ أَهْل الظَّاهِر , وَالْحُجَّة لَهُمْ قَوْله فِي إِحْدَى رِوَايَات اِبْن عُمَر عِنْد مُسْلِم \" فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ \" قَالَ النَّوَوِيّ : وَتُحْمَل رِوَايَة جَابِر عَلَى مَنْ كَانَ صَائِمًا , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ فِيهِ بِلَفْظِ \" مَنْ دُعِيَ إِلَى طَعَام وَهُوَ صَائِم فَلْيُجِبْ , فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ \" وَيَتَعَيَّن حَمْله عَلَى مَنْ كَانَ صَائِمًا نَفْلًا , وَيَكُون فِيهِ حُجَّة لِمَنْ اِسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَخْرُج مِنْ صِيَامه لِذَلِكَ , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ \" دَعَا رَجُل إِلَى طَعَام , فَقَالَ رَجُل : إِنِّي صَائِم , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعَاكُمْ أَخَاكُمْ وَتَكَلَّفَ لَكُمْ , أَفْطِرْ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانه إِنْ شِئْت \" فِي إِسْنَاده رَاوٍ ضَعِيف لَكِنَّهُ تُوبِعَ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4782",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبْصَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نِسَاءً وَصِبْيَانًا مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ فَقَامَ ‏ ‏مُمْتَنًّا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن الْمُبَارَك ) ‏ ‏هُوَ الْعَيْشِيّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالشِّين , وَلَيْسَ هُوَ أَخَا عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك الْمَشْهُور , ‏ ‏وَعَبْد الْوَارِث ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَامَ مُمْتَنًّا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم بَعْدهَا مِيم سَاكِنَة وَمُثَنَّاة مَفْتُوحَة وَنُون ثَقِيلَة بَعْدهَا أَلِف , أَيْ قَامَ قِيَامًا قَوِيًّا , مَأْخُوذ مِنْ الْمُنَّة بِضَمِّ الْمِيم وَهِيَ الْقُوَّة , أَيْ قَامَ إِلَيْهِمْ مُسْرِعًا مُشْتَدًّا فِي ذَلِكَ فَرِحًا بِهِمْ , وَقَالَ أَبُو مَرْوَان بْن سِرَاج وَرَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيّ أَنَّهُ مِنْ الِامْتِنَان لِأَنَّ مَنْ قَامَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكْرَمه بِذَلِكَ فَقَدْ اِمْتَنَّ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ لَا أَعْظَم مِنْهُ , قَالَ : وَيُؤَيِّدهُ قَوْله بَعْد ذَلِكَ \" أَنْتُمْ أَحَبّ النَّاس إِلَيَّ \" وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْقَابِسِيّ قَالَ : قَوْله \" مُمْتَنًّا \" يَعْنِي مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : يَمْتَنّ عَلَيْهِمْ بِمَحَبَّتِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أُخْرَى \" مَتِينًا \" بِوَزْنِ عَظِيم , أَيْ قَامَ قِيَامًا مُسْتَوِيًا مُنْتَصِبًا طَوِيلًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن \" فَقَامَ يَمْشِي \" قَالَ عِيَاض : وَهُوَ تَصْحِيف. قُلْت : وَيُؤَيِّد التَّأْوِيل الْأَوَّل مَا تَقَدَّمَ فِي \" فَضَائِل الْأَنْصَار \" عَنْ أَبِي مَعْمَر عَنْ عَبْد الْوَارِث بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب بِلَفْظِ \" فَقَامَ مُمْثِلًا \" بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الْمِيم الثَّانِيَة بَعْدهَا مُثَلَّثَة مَكْسُورَة وَقَدْ تُفْتَح , وَضُبِطَ أَيْضًا بِفَتْحِ الْمِيم الثَّانِيَة وَتَشْدِيد الْمُثَلَّثَة وَالْمَعْنَى مُنْتَصِبًا قَائِمًا , قَالَ اِبْن التِّين : كَذَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ , وَالَّذِي فِي اللُّغَة : مَثُلَ بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّ الْمُثَلَّثَة وَبِفَتْحِهَا قَائِمًا يَمْثُل بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة مُثُولًا فَهُوَ مَاثِل إِذَا اِنْتَصَبَ قَائِمًا , قَالَ عِيَاض : وَجَاءَ هُنَا مُمَثِّلًا يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ أَيْ مُكَلِّفًا نَفْسه ذَلِكَ ا ه. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ إِبْرَاهِيم بْن الْحَجَّاج عَنْ عَبْد الْوَارِث \" فَقَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ مَثِيلًا \" بِوَزْنِ عَظِيم وَهُوَ فَعِيل مِنْ مَاثِل , وَعَنْ إِبْرَاهِيم بْن هَاشِم عَنْ إِبْرَاهِيم اِبْن الْحَجَّاج مِثْله وَزَادَ \" يَعْنِي مَاثِلًا \". ‏ ‏قَوْله ( اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبّ النَّاس إِلَيَّ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي مَعْمَر \" قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات \" وَتَقْدِيم لَفْظ اللَّهُمَّ يَقَع لِلتَّبَرُّكِ أَوْ لِلِاسْتِشْهَادِ بِاللَّهِ فِي صِدْقه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن عُلَيَّة عَنْ عَبْد الْعَزِيز \" اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ \" وَالْبَاقِي مِثْله وَأَعَادَهَا ثَلَاث مَرَّات , وَقَدْ اِتَّفَقَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَلَى رِوَايَة هِشَام بْن زَيْد عَنْ أَنَس \" جَاءَتْ اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهَا صَبِيّ لَهَا فَكَلَّمَهَا وَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَأَحَبّ النَّاس إِلَيَّ مَرَّتَيْنِ \" وَفِي رِوَايَة تَأْتِي فِي كِتَاب النُّذُور \" ثَلَاث مَرَّات \" و \" مِنْ \" فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مُقَدَّرَة بِدَلِيلِ رِوَايَة حَدِيث الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "4783",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اشْتَرَتْ ‏ ‏نُمْرُقَةً ‏ ‏فِيهَا تَصَاوِيرُ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مَاذَا أَذْنَبْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا بَالُ هَذِهِ ‏ ‏النُّمْرُقَةِ ‏ ‏قَالَتْ فَقُلْتُ اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ وَقَالَ إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4784",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا عَرَّسَ ‏ ‏أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ‏ ‏دَعَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْحَابَهُ فَمَا صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا وَلَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ إِلَّا امْرَأَتُهُ ‏ ‏أُمُّ أُسَيْدٍ ‏ ‏بَلَّتْ تَمَرَاتٍ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ الطَّعَامِ أَمَاثَتْهُ لَهُ فَسَقَتْهُ تُتْحِفُهُ بِذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَهْل ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا \" سَمِعْت سَهْل بْن سَعْد \". ‏ ‏قَوْله ( لَمَّا عَرَّسَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِتَشْدِيدِ الرَّاء , وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ فَقَالَ : أَعْرَسَ وَلَا تَقُلْ عَرَّسَ. ‏ ‏قَوْله ( أَبُو أُسَيْد ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة \" دَعَا أَبُو أُسَيْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُرْسه \" وَزَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" وَأَصْحَابه \" وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( فَمَا صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا وَلَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ إِلَّا اِمْرَأَته أُمّ أُسَيْد ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة , وَهِيَ مِمَّنْ وَافَقَتْ كُنْيَتهَا كُنْيَة زَوْجهَا , وَاسْمهَا سَلَّامَة بِنْت وُهَيْب. ‏ ‏قَوْله ( بَلَّتْ تَمَرَات ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ لَامَ ثَقِيلَة أَيْ أَنْقَعَتْ كَمَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا , وَإِنَّمَا ضَبَطْته لِأَنِّي رَأَيْته فِي شَرْح اِبْن التِّين \" ثَلَاث \" بِلَفْظِ الْعَدَد وَهُوَ تَصْحِيف , وَزَادَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا \" فَقَالَتْ أَوْ قَالَ \" كَذَا بِالشَّكِّ لِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيّ وَلَهُ \" فَقَالَتْ أَوْ مَا تَدْرُونَ \" بِالْجَزْمِ وَتَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة \" قَالَ سَهْل \" وَهِيَ الْمُعْتَمَدَة , فَالْحَدِيث مِنْ رِوَايَة سَهْل وَلَيْسَ لِأُمِّ أُسَيْد فِيهِ رِوَايَة , وَعَلَى هَذَا فَقَوْله \" أَتَدْرُونَ مَا أَنْقَعَتْ \" يَكُون بِفَتْحِ الْعَيْن وَسُكُون التَّاء فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَعَلَى رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ يَكُون بِسُكُونِ الْعَيْن وَضَمّ التَّاء. ‏ ‏قَوْله ( فِي تَوْر ) ‏ ‏بِالْمُثَنَّاةِ إِنَاء يَكُون مِنْ نُحَاس وَغَيْره , وَقَدْ بَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ حِجَارَة. ‏ ‏قَوْله ( أَمَاثَتْهُ ) ‏ ‏بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاة , قَالَ اِبْن التِّين : كَذَا وَقَعَ رُبَاعِيًّا وَأَهْل اللُّغَة يَقُولُونَهُ ثُلَاثِيًّا \" مَاثَتْهُ \" بِغَيْرِ أَلِف أَيْ مَرَسَتْهُ بِيَدِهَا , يُقَال مَاثَهُ يَمُوثهُ وَيَمِيثهُ بِالْوَاوِ وَبِالْيَاءِ وَقَالَ الْخَلِيل : مَثَّتْ الْمِلْح فِي الْمَاء مَيْثًا أَذَبْته وَقَدْ اِنْمَاثَ هُوَ ا ه , وَقَدْ أَثْبَت الْهَرَوِيُّ اللُّغَتَيْنِ مَاثَهُ وَأَمَاثَهُ ثُلَاثِيًّا وَرُبَاعِيًّا. ‏ ‏قَوْله ( تُحْفَة بِذَلِكَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ تُحْفَة بِوَزْنِ لُقْمَة , وَلِلْأَصِيلِيّ مِثْله , وَعَنْهُ بِوَزْنِ تَخُصّهُ , وَهُوَ كَذَلِكَ لِابْنِ السَّكَن بِالْخَاءِ وَالصَّاد الثَّقِيلَة , وَكَذَا هُوَ لِمُسْلِمٍ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ أَتْحَفَتْهُ بِذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ تُتْحِفهُ بِذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز خِدْمَة الْمَرْأَة زَوْجهَا وَمَنْ يَدْعُوهُ , وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ عِنْد أَمْن الْفِتْنَة وَمُرَاعَاة مَا يَجِب عَلَيْهَا مِنْ السِّتْر , وَجَوَاز اِسْتِخْدَام الرَّجُل اِمْرَأَته فِي مِثْل ذَلِكَ , وَشُرْب مَا لَا يُسْكِر فِي الْوَلِيمَة , وَفِيهِ جَوَاز إِيثَار كَبِير الْقَوْم فِي الْوَلِيمَة بِشَيْءٍ دُون مَنْ مَعَهُ ‏"
    },
    {
        "id": "4785",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّ ‏ ‏دَعَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِعُرْسِهِ فَكَانَتْ امْرَأَتُهُ خَادِمَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَهِيَ الْعَرُوسُ فَقَالَتْ أَوْ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا ‏ ‏أَنْقَعَتْ ‏ ‏لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْقَعَتْ ‏ ‏لَهُ تَمَرَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4786",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمَرْأَةُ كَالضِّلَعِ إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا وَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب الْمُدَارَاة ) هُوَ بِغَيْرِ هَمْزٍ بِمَعْنَى الْمُجَامَلَة وَالْمُلَايَنَة , وَأَمَّا بِالْهَمْزِ فَمَعْنَاهُ الْمُدَافَعَة وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا. وَقَوْله : ( مَعَ النِّسَاء ) وَقَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْمَرْأَة كَالضِّلَعِ ) أَوْرَدَهُ فِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" الْمَرْأَة كَالضِّلَعِ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ الْبُخَارِيّ بِلَفْظِ \" إِنَّمَا \" فِي أَوَّلِهِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْبُخَارِيّ قَالَ : \" حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه وَهُوَ الْأُوَيْسِيّ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِك \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ خَالِد بْن مَخْلَد , وَمِنْ طَرِيق إِسْحَق بْن إِبْرَاهِيم بْن سُوَيْد عَنْ الْأُوَيْسِيّ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِك وَأَوَّله \" إِنَّمَا \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْمَاعِيل التِّرْمِذِيّ عَنْ الْأُوَيْسِيّ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق خَالِد بْن مَخْلَد وَأَوَّله \" إِنَّ الْمَرْأَة \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة سُفْيَان عَنْ أَبِي الزِّنَاد بِلَفْظِ \" إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَع , لَنْ تَسْتَقِيم لَكَ عَلَى طَرِيقَة \". قَوْله ( عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن دَاوُدَ عَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي \" الْغَرَائِب \" عَنْ مَالِك \" أَخْبَرَنِي أَبُو الزِّنَاد أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن هُرْمُز وَهُوَ الْأَعْرَج أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة \" وَسَاقَ الْمَتْن بِنَحْوِ لَفْظ سُفْيَان لَكِنْ قَالَ \" عَلَى خَلِيقَة وَاحِدَة إِنَّمَا هِيَ كَالضِّلَعِ \" الْحَدِيث. وَوَقَعَ لَنَا بِلَفْظِ الْمُدَارَاة مِنْ حَدِيث سَمُرَة رَفَعَهُ \" خُلِقَتْ الْمَرْأَة مِنْ ضِلَع , فَإِنْ تُقِمْهَا تَكْسِرهَا , فَدَارهَا تَعِشْ بِهَا \" أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط ‏ ‏وَقَوْله \" وَفِيهَا عِوَج \" ‏ ‏بِكَسْرِ الْعَيْن وَفَتْح الْوَاو بَعْدهَا جِيم لِلْأَكْثَرِ وَبِالْفَتْحِ لِبَعْضِهِمْ , وَقَالَ أَهْل اللُّغَة : الْعِوَج بِالْفَتْحِ فِي كُلّ مُنْتَصِب كَالْحَائِطِ وَالْعُود وَشِبْهه , وَبِالْكَسْرِ مَا كَانَ فِي بِسَاط أَوْ أَرْض أَوْ مَعَاش أَوْ دِين. وَنَقَلَ اِبْن قُرْقُولٍ عَنْ أَهْل اللُّغَة أَنَّ الْفَتْح فِي الشَّخْص الْمَرْئِيّ وَالْكَسْر فِيمَا لَيْسَ بِمَرْئِيٍّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : بِالْفَتْحِ فِي الْأَجْسَام وَبِالْكَسْرِ فِي الْمَعَانِي , وَهُوَ نَحْو الَّذِي قَبْله. وَانْفَرَدَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ فَقَالَ : كِلَاهُمَا بِالْكَسْرِ وَمَصْدَرهمَا بِالْفَتْحِ ‏"
    },
    {
        "id": "4787",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ مَيْسَرَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَمَّار الْأَشْجَعِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْره فِي بَدْء الْخَلْق , ‏ ‏وَأَبُو حَازِم ‏ ‏هُوَ الْأَشْجَعِيّ سَلْمَان مَوْلَى عَزَّة بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ زَاي ثَقِيلَة. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلَا يُؤْذِي جَاره , وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ) ‏ ‏الْحَدِيث , هُمَا حَدِيثَانِ يَأْتِي شَرْح الْأَوَّل مِنْهُمَا فِي كِتَاب الْأَدَب , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ حُسَيْن بْن عَلِيّ الْجُعْفِيِّ شَيْخ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَلَمْ يَذْكُر الْحَدِيث الْأَوَّل , وَذَكَرَ بَدَله \" مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر , فَإِذَا شَهِدَ اِمْرُؤٌ فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ أَوْ لِيَسْكُت \". وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهَا أَحَادِيث كَانَتْ عِنْد حُسَيْن الْجُعْفِيِّ عَنْ زَائِدَة بِهَذَا الْإِسْنَاد فَرُبَّمَا جَمَعَ وَرُبَّمَا أَفْرَدَ , وَرُبَّمَا اِسْتَوْعَبَ وَرُبَّمَا اِقْتَصَرَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حُسَيْن بْن عَلِيّ مُقْتَصِرًا عَلَى الثَّانِي , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ الْقَاسِم بْن زَكَرِيَّا عَنْ حُسَيْن بْن عَلِيّ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ اِبْن يَعْلَى عَنْ إِسْحَاق بْن أَبِي إِسْرَائِيل عَنْ حُسَيْن بْن عَلِيّ بِالْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَة وَزَادَ \" وَمَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيُحْسِنْ قِرَى ضَيْفه \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الضَّاد وَالْمُعْجَمَة وَفَتْح اللَّام وَقَدْ تُسَكَّن , وَكَأَنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى مَا أَخْرَجَهُ اِبْن إِسْحَاق فِي \" الْمُبْتَدَأ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس \" إِنَّ حَوَّاء خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعِ آدَم الْأَقْصَر الْأَيْسَر وَهُوَ نَائِم \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَازِم وَغَيْره مِنْ حَدِيث مُجَاهِد , وَأَغْرَبَ النَّوَوِيّ فَعَزَاهُ لِلْفُقَهَاءِ أَوْ بَعْضهمْ فَكَانَ الْمَعْنَى أَنَّ النِّسَاء خُلِقْنَ مِنْ أَصْل خُلِقَ مِنْ شَيْء مُعْوَجّ , وَهَذَا لَا يُخَالِف الْحَدِيث الْمَاضِي مِنْ تَشْبِيه الْمَرْأَة بِالضِّلْعِ , بَلْ يُسْتَفَاد مِنْ هَذَا نُكْتَة التَّشْبِيه وَأَنَّهَا عَوْجَاء مِثْله لِكَوْنِ أَصْلهَا مِنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَاب بَدْء الْخَلْق. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّ أَعْوَج شَيْء فِي الضِّلَع أَعْلَاهُ ) ‏ ‏ذَكَرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِمَعْنَى الْكَسْر , لِأَنَّ الْإِقَامَة أَمْرهَا أَظْهَر فِي الْجِهَة الْعُلْيَا , أَوْ إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ أَعْوَج أَجْزَاء الضِّلْع مُبَالَغَة فِي إِثْبَات هَذِهِ الصِّفَة لَهُنَّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلًا لِأَعْلَى الْمَرْأَة لِأَنَّ أَعْلَاهَا رَأْسهَا , وَفِيهِ لِسَانهَا وَهُوَ الَّذِي يَحْصُل مِنْهُ الْأَذَى , وَاسْتَعْمَلَ \" أَعْوَج \" وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعُيُوب لِأَنَّهُ أَفْعَل لِلصِّفَةِ وَأَنَّهُ شَاذّ , وَإِنَّمَا يَمْتَنِع عِنْد الِالْتِبَاس بِالصِّفَةِ فَإِذَا تَمَيَّزَ عَنْهُ بِالْقَرِينَةِ جَازَ الْبِنَاء. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمهُ كَسَرْته ) ‏ ‏الضَّمِير لِلضِّلْعِ لَا لِأَعْلَى الضِّلْع , وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي قَبْله \" إِنْ أَقَمْتهَا كَسَرْتهَا \" وَالضَّمِير أَيْضًا لِلضِّلْعِ وَهُوَ يُذَكَّر وَيُؤَنَّث , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِلْمَرْأَةِ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله بَعْده \" وَإِنْ اِسْتَمْتَعْت بِهَا \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِكَسْرِهِ الطَّلَاق , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ أَبِي الزِّنَاد عِنْد مُسْلِم \" وَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمهَا كَسَرْتهَا وَكَسْرهَا طَلَاقهَا \". ‏ ‏قَوْله ( وَإِنْ تَرَكْته لَمْ يَزَلْ أَعْوَج ) ‏ ‏أَيْ وَإِنْ لَمْ تُقِمْهُ , وَقَوْله \" فَاسْتَوْصُوا \" أَيْ أُوصِيكُمْ بِهِنَّ خَيْرًا فَاقْبَلُوا وَصِيَّتِي فِيهِنَّ وَاعْمَلُوا بِهَا , قَالَهُ الْبَيْضَاوِيّ. وَالْحَامِل عَلَى هَذَا التَّقْدِير أَنَّ الِاسْتِيصَاء اِسْتِفْعَال , وَظَاهِره طَلَب الْوَصِيَّة وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَاد , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَوْجِيهَات أُخَر فِي بَدْء الْخَلْق. ‏ ‏قَوْله ( بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ) ‏ ‏كَانَ فِيهِ رَمْزًا إِلَى التَّقْوِيم يَرْفُق بِحَيْثُ لَا يُبَالِغ فِيهِ فَيَكْسِر وَلَا يَتْرُكهُ فَيَسْتَمِرّ عَلَى عِوَجه , وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُؤَلِّف بِاتِّبَاعِهِ بِالتَّرْجَمَةِ الَّتِي بَعْده \" بَاب قُوا أَنْفُسكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا \" فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنْ لَا يَتْرُكهَا عَلَى الِاعْوِجَاج إِذَا تَعَدَّتْ مَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ مِنْ النَّقْص إِلَى تَعَاطِي الْمَعْصِيَة بِمُبَاشَرَتِهَا أَوْ تَرْكِ الْوَاجِب , وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنْ يَتْرُكهَا عَلَى اِعْوِجَاجهَا فِي الْأُمُور الْمُبَاحَة. وَفِي الْحَدِيث النَّدْب إِلَى الْمُدَارَاة لِاسْتِمَالَةِ النُّفُوس وَتَأَلُّف الْقُلُوب. وَفِيهِ سِيَاسَة النِّسَاء بِأَخْذِ الْعَفْو مِنْهُنَّ وَالصَّبْر عَلَى عِوَجهنَّ , وَأَنَّ مَنْ رَامَ تَقْوِيمهنَّ فَإِنَّهُ الِانْتِفَاع بِهِنَّ مَعَ أَنَّهُ لَا غِنَى لِلْإِنْسَانِ عَنْ اِمْرَأَة يَسْكُن إِلَيْهَا وَيَسْتَعِين بِهَا عَلَى مَعَاشه , فَكَأَنَّهُ قَالَ : الِاسْتِمْتَاع بِهَا لَا يَتِمّ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4788",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَتَّقِي الْكَلَامَ ‏ ‏وَالِانْبِسَاطَ إِلَى نِسَائِنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَيْبَةَ ‏ ‏أَنْ يَنْزِلَ فِينَا شَيْءٌ فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَكَلَّمْنَا وَانْبَسَطْنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار ) ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا نَتَّقِي ) ‏ ‏أَيْ نَتَجَنَّب , وَقَدْ بَيَّنَ سَبَب ذَلِكَ بِقَوْلِهِ \" هَيْبَة أَنْ يَنْزِل فِينَا شَيْء \" أَيْ مِنْ الْقُرْآن , وَوَقَعَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة اِبْن مَهْدِيّ عَنْ الثَّوْرِيّ عِنْد اِبْن مَاجَهْ. وَقَوْله \" فَلَمَّا تُوُفِّيَ \" يُشْعِر بِأَنَّ الَّذِي كَانُوا يَتْرُكُونَهُ كَانَ مِنْ الْمُبَاح , لَكِنَّ الَّذِي يَدْخُل تَحْت الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة , فَكَانُوا يَخَافُونَ أَنْ يَنْزِل فِي ذَلِكَ مَنْع أَوْ تَحْرِيم , وَبَعْد الْوَفَاة النَّبَوِيَّة أَمِنُوا ذَلِكَ فَفَعَلُوهُ تَمَسُّكًا بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّة ‏"
    },
    {
        "id": "4789",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4790",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ‏ ‏قَالَا أَخْبَرَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لَا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا قَالَتْ الْأُولَى زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ ‏ ‏غَثٍّ ‏ ‏عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ لَا سَهْلٍ ‏ ‏فَيُرْتَقَى وَلَا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ قَالَتْ الثَّانِيَةُ زَوْجِي لَا ‏ ‏أَبُثُّ ‏ ‏خَبَرَهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أَذَرَهُ إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ ‏ ‏وَبُجَرَهُ ‏ ‏قَالَتْ الثَّالِثَةُ زَوْجِي ‏ ‏الْعَشَنَّقُ ‏ ‏إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ قَالَتْ الرَّابِعَةُ زَوْجِي ‏ ‏كَلَيْلِ ‏ ‏تِهَامَةَ ‏ ‏لَا حَرٌّ وَلَا ‏ ‏قُرٌّ ‏ ‏وَلَا مَخَافَةَ وَلَا سَآمَةَ قَالَتْ الْخَامِسَةُ زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ قَالَتْ السَّادِسَةُ زَوْجِي إِنْ أَكَلَ ‏ ‏لَفَّ ‏ ‏وَإِنْ شَرِبَ ‏ ‏اشْتَفَّ ‏ ‏وَإِنْ اضْطَجَعَ الْتَفَّ وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ ‏ ‏الْبَثَّ ‏ ‏قَالَتْ السَّابِعَةُ زَوْجِي ‏ ‏غَيَايَاءُ ‏ ‏أَوْ عَيَايَاءُ ‏ ‏طَبَاقَاءُ ‏ ‏كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ ‏ ‏شَجَّكِ ‏ ‏أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلًّا لَكِ قَالَتْ الثَّامِنَةُ زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ وَالرِّيحُ رِيحُ ‏ ‏زَرْنَبٍ ‏ ‏قَالَتْ التَّاسِعَةُ زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ طَوِيلُ النِّجَادِ عَظِيمُ الرَّمَادِ قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنْ ‏ ‏النَّادِ قَالَتْ الْعَاشِرَةُ زَوْجِي مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ وَإِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ ‏ ‏الْمِزْهَرِ ‏ ‏أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ قَالَتْ ‏ ‏الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ زَوْجِي ‏ ‏أَبُو زَرْعٍ ‏ ‏وَمَا ‏ ‏أَبُو زَرْعٍ ‏ ‏أَنَاسَ ‏ ‏مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ ‏ ‏وَبَجَّحَنِي ‏ ‏فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ ‏ ‏بِشِقٍّ ‏ ‏فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ ‏ ‏صَهِيلٍ ‏ ‏وَأَطِيطٍ ‏ ‏وَدَائِسٍ ‏ ‏وَمُنَقٍّ فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ ‏ ‏أُمُّ أَبِي زَرْعٍ ‏ ‏فَمَا ‏ ‏أُمُّ أَبِي زَرْعٍ ‏ ‏عُكُومُهَا ‏ ‏رَدَاحٌ ‏ ‏وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ ‏ ‏ابْنُ أَبِي زَرْعٍ ‏ ‏فَمَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي زَرْعٍ ‏ ‏مَضْجَعُهُ ‏ ‏كَمَسَلِّ ‏ ‏شَطْبَةٍ وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ ‏ ‏الْجَفْرَةِ ‏ ‏بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ ‏ ‏فَمَا ‏ ‏بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ ‏ ‏طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا وَمِلْءُ كِسَائِهَا وَغَيْظُ جَارَتِهَا جَارِيَةُ ‏ ‏أَبِي زَرْعٍ ‏ ‏فَمَا جَارِيَةُ ‏ ‏أَبِي زَرْعٍ ‏ ‏لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا وَلَا ‏ ‏تُنَقِّثُ ‏ ‏مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا وَلَا تَمْلَأُ بَيْتَنَا ‏ ‏تَعْشِيشًا ‏ ‏قَالَتْ خَرَجَ ‏ ‏أَبُو زَرْعٍ ‏ ‏وَالْأَوْطَابُ ‏ ‏تُمْخَضُ ‏ ‏فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا رَكِبَ شَرِيًّا وَأَخَذَ خَطِّيًّا وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا وَقَالَ كُلِي ‏ ‏أُمَّ زَرْعٍ ‏ ‏وَمِيرِي أَهْلَكِ قَالَتْ فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ ‏ ‏أَبِي زَرْعٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُنْتُ لَكِ ‏ ‏كَأَبِي زَرْعٍ ‏ ‏لِأُمِّ زَرْعٍ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏تُعَشِّشُ ‏ ‏بَيْتَنَا تَعْشِيشًا ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُهُمْ فَأَتَقَمَّحُ بِالْمِيمِ وَهَذَا أَصَحُّ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4791",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏الْحَبَشُ ‏ ‏يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ فَسَتَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا أَنْظُرُ فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ حَتَّى كُنْتُ أَنَا أَنْصَرِفُ فَاقْدُرُوا قَدْرَ ‏ ‏الْجَارِيَةِ ‏ ‏الْحَدِيثَةِ السِّنِّ تَسْمَعُ اللَّهْوَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( قَدْر الْجَارِيَة الْحَدِيثَة السِّنّ ) ‏ ‏أَيْ الْقَرِيبَة الْعَهْد بِالصِّغَرِ , وَقَدْ بَيَّنْت فِي شَرْح الْمَتْن فِي الْعِيدَيْنِ أَنَّهَا كَانَتْ يَوْمئِذٍ بِنْت خَمْس عَشْرَة سَنَة أَوْ أَزْيَد , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ الزُّهْرِيِّ \" الْجَارِيَة الْعَرِبَة \" وَهِيَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْرِ الرَّاء بَعْدهَا مُوَحَّدَة , وَتَقَدَّمَ تَفْسِيره فِي صِفَة الْجَنَّة مِنْ بَدْء الْخَلْق. ‏"
    },
    {
        "id": "4792",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَرْأَتَيْنِ ‏ ‏مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ ‏ ‏صَغَتْ ‏ ‏قُلُوبُكُمَا ‏} ‏حَتَّى حَجَّ وَحَجَجْتُ مَعَهُ ‏ ‏وَعَدَلَ ‏ ‏وَعَدَلْتُ ‏ ‏مَعَهُ ‏ ‏بِإِدَاوَةٍ ‏ ‏فَتَبَرَّزَ ثُمَّ جَاءَ فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْهَا فَتَوَضَّأَ فَقُلْتُ لَهُ ‏ ‏يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ ‏ ‏صَغَتْ ‏ ‏قُلُوبُكُمَا ‏} ‏قَالَ وَاعَجَبًا لَكَ يَا ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏هُمَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَحَفْصَةُ ‏ ‏ثُمَّ اسْتَقْبَلَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏الْحَدِيثَ يَسُوقُهُ قَالَ كُنْتُ أَنَا ‏ ‏وَجَارٌ لِي ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فِي ‏ ‏بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏وَهُمْ مِنْ ‏ ‏عَوَالِي الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْوَحْيِ أَوْ غَيْرِهِ وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَكُنَّا مَعْشَرَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏نَغْلِبُ النِّسَاءَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ ‏ ‏فَطَفِقَ ‏ ‏نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَصَخِبْتُ ‏ ‏عَلَى امْرَأَتِي فَرَاجَعَتْنِي فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي قَالَتْ وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيُرَاجِعْنَهُ وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ فَأَفْزَعَنِي ذَلِكَ وَقُلْتُ لَهَا قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكِ مِنْهُنَّ ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي فَنَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهَا أَيْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ قَالَتْ نَعَمْ فَقُلْتُ قَدْ خِبْتِ وَخَسِرْتِ أَفَتَأْمَنِينَ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَهْلِكِي لَا تَسْتَكْثِرِي النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ وَلَا تَهْجُرِيهِ وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ وَلَا ‏ ‏يَغُرَّنَّكِ ‏ ‏أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ ‏ ‏أَوْضَأَ ‏ ‏مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُرِيدُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَكُنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّ ‏ ‏غَسَّانَ ‏ ‏تُنْعِلُ الْخَيْلَ لِغَزْوِنَا فَنَزَلَ صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ فَرَجَعَ إِلَيْنَا عِشَاءً فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا وَقَالَ أَثَمَّ هُوَ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ قَدْ حَدَثَ الْيَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ قُلْتُ مَا هُوَ أَجَاءَ ‏ ‏غَسَّانُ ‏ ‏قَالَ لَا بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَهْوَلُ طَلَّقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نِسَاءَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اعْتَزَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَزْوَاجَهُ فَقُلْتُ خَابَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏وَخَسِرَتْ قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَشْرُبَةً ‏ ‏لَهُ فَاعْتَزَلَ فِيهَا وَدَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَإِذَا هِيَ تَبْكِي فَقُلْتُ مَا يُبْكِيكِ أَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ هَذَا أَطَلَّقَكُنَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ لَا أَدْرِي هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي ‏ ‏الْمَشْرُبَةِ ‏ ‏فَخَرَجْتُ فَجِئْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَإِذَا حَوْلَهُ ‏ ‏رَهْطٌ ‏ ‏يَبْكِي بَعْضُهُمْ فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ ‏ ‏الْمَشْرُبَةَ ‏ ‏الَّتِي فِيهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِغُلَامٍ ‏ ‏لَهُ أَسْوَدَ اسْتَأْذِنْ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏فَدَخَلَ الْغُلَامُ فَكَلَّمَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ كَلَّمْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ ‏ ‏الرَّهْطِ ‏ ‏الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ اسْتَأْذِنْ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ مَعَ ‏ ‏الرَّهْطِ ‏ ‏الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ الْغُلَامَ فَقُلْتُ اسْتَأْذِنْ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَقَالَ قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ فَلَمَّا ‏ ‏وَلَّيْتُ ‏ ‏مُنْصَرِفًا قَالَ إِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي فَقَالَ قَدْ أَذِنَ لَكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ ‏ ‏أَدَمٍ ‏ ‏حَشْوُهَا لِيفٌ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ فَرَفَعَ إِلَيَّ بَصَرَهُ فَقَالَ لَا فَقُلْتُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعْشَرَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏نَغْلِبُ النِّسَاءَ فَلَمَّا قَدِمْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأَيْتَنِي وَدَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهَا لَا ‏ ‏يَغُرَّنَّكِ ‏ ‏أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ ‏ ‏أَوْضَأَ ‏ ‏مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُرِيدُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَبَسُّمَةً أُخْرَى فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ فَرَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ غَيْرَ ‏ ‏أَهَبَةٍ ‏ ‏ثَلَاثَةٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ فَإِنَّ ‏ ‏فَارِسَ ‏ ‏وَالرُّومَ ‏ ‏قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَجَلَسَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ أَوَفِي هَذَا أَنْتَ يَا ‏ ‏ابْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلُوا طَيِّبَاتِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نِسَاءَهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ قَالَ مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللَّهُ فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً دَخَلَ عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَبَدَأَ بِهَا فَقَالَتْ لَهُ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ كُنْتَ قَدْ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا وَإِنَّمَا أَصْبَحْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَعُدُّهَا عَدًّا فَقَالَ الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً فَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ ‏ ‏التَّخَيُّرِ ‏ ‏فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ فَاخْتَرْتُهُ ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ كُلَّهُنَّ فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَل عُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن الْمَاضِيَة فِي تَفْسِير التَّحْرِيم عَنْ اِبْن عَبَّاس \" مَكَثْت سَنَة أُرِيد أَنْ أَسْأَل عُمَر \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْمَرْأَتَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُبَيْد \" عَنْ آيَة \". ‏ ‏قَوْله ( اللَّتَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع النُّسَخ , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن التِّين \" الَّتِي \" بِالْإِفْرَادِ وَخَطَّأَهَا فَقَالَ : الصَّوَاب \" اللَّتَيْنِ \" بِالتَّثْنِيَةِ. قُلْت : وَلَوْ كَانَتْ مَحْفُوظَة لَأَمْكَنَ تَوْجِيههَا. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى حَجَّ وَحَجَجْت مَعَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُبَيْد \" فَمَا أَسْتَطِيع أَنْ أَسْأَلهُ هَيْبَة لَهُ , حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا \" وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن رُومَان عِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَرَدْت أَنْ أَسْأَل عُمَر فَكُنْت أَهَابَهُ , حَتَّى حَجَجْنَا مَعَهُ , فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجّنَا قَالَ : مَرْحَبًا بِابْنِ عَمّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَا حَاجَتك \" ؟ ‏ ‏قَوْله ( وَعَدَلَ ) ‏ ‏أَيْ عَنْ الطَّرِيق الْجَادَّة الْمَسْلُوكَة إِلَى طَرِيق لَا يُسْلَك غَالِبًا لِيَقْضِيَ حَاجَته , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد \" فَخَرَجْت مَعَهُ , فَلَمَّا رَجَعْنَا وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيق عَدَلَ إِلَى الْأَرَاك لِحَاجَةٍ لَهُ \" وَبَيَّنَ مُسْلِم فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة وَابْن عُيَيْنَةَ أَنَّ الْمَكَان الْمَذْكُور هُوَ مَرّ الظَّهْرَان , وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطه فِي الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله ( وَعَدَلْت مَعَهُ بِإِدَاوَةٍ فَتَبَرَّزَ ) ‏ ‏أَيْ قَضَى حَاجَته , وَتَقَدَّمَ ضَبْط الْإِدَاوَة وَتَفْسِيرهَا فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَأَصْل تَبَرَّزَ مِنْ الْبِرَاز وَهُوَ الْمَوْضِع الْخَالِي الْبَارِز عَنْ الْبُيُوت , ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى نَفْس الْفِعْل , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة الْمَذْكُورَة عِنْد الطَّيَالِسِيِّ \" فَدَخَلَ عُمَر الْأَرَاك فَقَضَى حَاجَته , وَقَعَدْت لَهُ حَتَّى خَرَجَ \" فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْمُسَافِر إِذَا يَجِد الْفَضَاء لِقَضَاءِ حَاجَته اِسْتَتَرَ بِمَا يُمْكِنهُ السِّتْر بِهِ مِنْ شَجَر الْبَادِيَة. ‏ ‏قَوْله ( فَسَكَبْت عَلَى يَدَيْهِ مِنْهَا فَتَوَضَّأَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيِّ الْمَاضِيَة فِي الْمَظَالِم \" فَسَكَبْت مِنْ الْإِدَاوَة \". ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت لَهُ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مَنْ الْمَرْأَتَانِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ \" فَقُلْت يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أُرِيدَ أَنْ أَسْأَلك عَنْ حَدِيث مُنْذُ سَنَة فَتَمْنَعنِي هَيْبَتك أَنْ أَسْأَلك \" وَتَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير مِنْ رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن \" فَوَقَفْت لَهُ حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ سِرْت مَعَهُ فَقُلْت : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مَنْ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَزْوَاجه ؟ قَالَ : تِلْكَ حَفْصَة وَعَائِشَة. فَقُلْت : وَاللَّه إِنْ كُنْت لَأُرِيد أَنْ أَسْأَلك عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَة فَمَا أَسْتَطِيع هَيْبَة لَك. قَالَ : فَلَا تَفْعَل , مَا ظَنَنْت أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْم فَاسْأَلْنِي , فَإِنْ كَانَ لِي عِلْم خَبَّرْتُك بِهِ \" وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن رُومَان الْمَذْكُورَة فَقَالَ \" مَا تَسْأَل عَنْهُ أَحَدًا أَعْلَم بِذَلِكَ مِنِّي \". ‏ ‏قَوْله ( اللَّتَانِ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ وَقَعَ عِنْده \" الَّتِي \" بِالْإِفْرَادِ , قَالَ وَالصَّوَاب \" اللَّتَانِ \" بِالتَّثْنِيَةِ. ‏ ‏وَقَوْله قَالَ اللَّه تَعَالَى ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّه فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبكُمَا ) ‏ ‏أَيْ قَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُمَا إِنْ تَتُوبَا مِنْ التَّعَاوُن عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله بَعْد ‏ ‏( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ تَتَعَاوَنَا كَمَا تَقَدَّمَ تَفْسِيره فِي تَفْسِير السُّورَة , وَمَعْنَى تَظَاهُرهمَا أَنَّهُمَا تَعَاوَنَتَا حَتَّى حَرَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفْسه مَا حَرَّمَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه , ‏ ‏وَقَوْله ( قُلُوبكُمَا ) ‏ ‏كَثُرَ اِسْتِعْمَالهمْ فِي مَوْضِع التَّثْنِيَة بِلَفْظِ الْجَمْع كَقَوْلِهِمْ وَضَعَا رِحَالهمَا أَيْ رَحْلَيْ رَاحِلَتَيْهِمَا. ‏ ‏قَوْله ( وَاعَجَبًا لَك يَا اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْعِلْم وَأَنَّ عُمَر تَعَجَّبَ مِنْ اِبْن عَبَّاس مَعَ شُهْرَته بِعِلْمِ التَّفْسِير كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا الْقَدْر مَعَ شُهْرَته وَعَظَمَته فِي نَفْس عُمَر وَتَقَدُّمه فِي الْعِلْم عَلَى غَيْره كَمَا تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ وَاضِحًا فِي تَفْسِير سُورَة النَّصْر , وَمَعَ مَا كَانَ اِبْن عَبَّاس مَشْهُورًا بِهِ مِنْ الْحِرْص عَلَى طَلَب الْعِلْم وَمُدَاخَلَة كِبَار الصَّحَابَة وَأُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ , أَوْ تَعَجَّبَ مِنْ حِرْصه عَلَى طَلَب فُنُون التَّفْسِير حَتَّى مَعْرِفَة الْمُبْهَم , وَوَقَعَ فِي \" الْكَشَّاف \" كَأَنَّهُ كَرِهَ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ. قُلْت : وَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ الزُّهْرِيُّ فِي هَذِهِ الْقِصَّة بِعَيْنِهَا فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْهُ قَالَ بَعْد قَوْله \" قَالَ عُمَر وَاعَجَبًا لَك يَا اِبْن عَبَّاس \" : قَالَ الزُّهْرِيّ كَرِهَ وَاللَّه مَا سَأَلَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَكْتُمهُ وَلَا يَسْتَبْعِد الْقُرْطُبِيّ مَا فَهِمَهُ الزُّهْرِيُّ , وَلَا بُعْد فِيهِ. قُلْت : وَيَجُوز فِي \" عَجَبًا \" التَّنْوِين وَعَدَمه , قَالَ اِبْن مَالِك : \" وَا \" فِي قَوْله \" وَا عَجَبًا \" إِنْ كَانَ مُنَوَّنًا فَهُوَ اِسْم فِعْل بِمَعْنَى أَعْجَب , وَمِثْله وَاهًا وَوَيْ , وَقَوْله بَعْده عَجَبًا جِيءَ بِهَا تَعَجُّبًا تَوْكِيدًا , وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَنْوِين فَالْأَصْل فِيهِ وَا عَجَبِي فَأَبْدَلَتْ الْكِسْرَة فَتْحَة فَصَارَتْ الْيَاء أَلِفًا كَقَوْلِهِمْ يَا أَسَفًا وَيَا حَسْرَتَا , وَفِيهِ شَاهِد لِجَوَازِ اِسْتِعْمَال \" وَا \" فِي مُنَادًى غَيْر مَنْدُوب وَهُوَ مَذْهَب الْمُبَرِّد وَهُوَ مَذْهَب صَحِيح ا ه. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر \" وَا عَجَبِي لَك \". ‏ ‏قَوْله ( عَائِشَة وَحَفْصَة ) ‏ ‏كَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة وَحْده عَنْهُ \" حَفْصَة وَأُمّ سَلَمَة \" كَذَا حَكَاهُ عَنْهُ مُسْلِم , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَده عَنْهُ فَقَالَ \" عَائِشَة وَحَفْصَة \" مِثْل الْجَمَاعَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد أَنَّ اِبْن عَبَّاس هُوَ الْمُبْتَدِئ بِسُؤَالِ عُمَر عَنْ ذَلِكَ , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْه آخَر ضَعِيف عَنْ عِمْرَان بْن الْحَكَم السُّلَمِيّ \" حَدَّثَنِي اِبْن عَبَّاس قَالَ : كُنَّا نَسِير فَلَحِقَنَا عُمَر وَنَحْنُ نَتَحَدَّث فِي شَأْن حَفْصَة وَعَائِشَة , فَسَكَتْنَا حِين لَحِقَنَا , فَعَزَمَ عَلَيْنَا أَنْ تُخْبِرهُ , فَقُلْنَا : تَذَاكَرْنَا شَأْن عَائِشَة وَحَفْصَة وَسَوْدَة \" فَذَكَرَ طَرَفًا مِنْ هَذَا الْحَدِيث وَلَيْسَ بِتَمَامِهِ , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ سَابِقَة وَلَمْ يَتَمَكَّن اِبْن عَبَّاس مِنْ سُؤَال عُمَر عَنْ شَرْح الْقِصَّة عَلَى وَجْههَا إِلَّا فِي الْحَال الثَّانِي. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ اِسْتَقْبَلَ عُمَر الْحَدِيث يَسُوقهُ ) ‏ ‏أَيْ الْقِصَّة الَّتِي كَانَتْ سَبَب نُزُول الْآيَة الْمَسْئُول عَنْهَا. ‏ ‏قَوْله ( كُنْت أَنَا وَجَار لِي مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْعِلْم , وَمَضَى فِي الْمَظَالِم بِلَفْظِ \" إِنِّي كُنْت وَجَار لِي \" بِالرَّفْعِ , وَيَجُوز فِيهِ النَّصْب عَطْفًا عَلَى الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي قَوْله إِنِّي. ‏ ‏قَوْله ( فِي بَنِي أُمَيَّة بْن زَيْد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَالِك بْن عَوْف بْن عَمْرو بْن عَوْف مِنْ الْأَوْس. ‏ ‏قَوْله ( وَهُمْ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَة ) ‏ ‏أَيْ السُّكَّان , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُقَيْل \" وَهِيَ \" أَيْ الْقَرْيَة , وَالْعَوَالِي جَمْع عَالِيَة وَهِيَ قُرًى بِقُرْبِ الْمَدِينَة مِمَّا يَلِي الْمَشْرِق وَكَانَتْ مَنَازِل الْأَوْس , وَاسْم الْجَار الْمَذْكُور أَوْس بْن خَوْلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث الْأَنْصَارِيّ سَمَّاهُ اِبْن سَعْد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة فَذَكَرَ حَدِيثًا وَفِيهِ \" وَكَانَ عُمَر مُؤَاخِيًا أَوْس بْن خَوْلِيّ لَا يَسْمَع شَيْئًا إِلَّا حَدَّثَهُ وَلَا يَسْمَع عُمَر شَيْئًا إِلَّا حَدَّثَهُ , فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد , وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم عَمَّنْ قَالَ إِنَّهُ عِتْبَان بْن مَالِك فَهُوَ مِنْ تَرْكِيب اِبْن بَشْكُوَالٍ فَإِنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُون الْجَار الْمَذْكُور عِتْبَان لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بَيْنه وَبَيْن عُمَر , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ الْإِخَاء أَنْ يَتَجَاوَرَا , وَالْأَخْذ بِالنَّصِّ مُقَدَّم عَلَى الْأَخْذ بِالِاسْتِنْبَاطِ , وَقَدْ صَرَّحَتْ الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة عَنْ اِبْن سَعْد أَنَّ عُمَر كَانَ مُؤَاخِيًا لِأَوْسٍ فَهَذَا بِمَعْنَى الصَّدَاقَة لَا بِمَعْنَى الْإِخَاء الَّذِي كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِهِ ثُمَّ نُسِخَ , وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ اِبْن سَعْد بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بَيْن أَوْس بْن خَوْلِيّ وَشُجَاع بْن وَهْب كَمَا صَرَّحَ بِهِ بِأَنَّهُ آخَى بَيْن عُمَر وَعِتْبَان بْن مَالِك , فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله \" كَانَ مُؤَاخِيًا \" أَيْ مُصَادِقًا , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن \" وَكَانَ لِي صَاحِب مِنْ الْأَنْصَار \". ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا نَزَلْت ) ‏ ‏الظَّاهِر أَنَّ إِذَا شَرْطِيَّة , وَيَجُوز أَنْ تَكُون ظَرْفِيَّة. ‏ ‏قَوْله ( جِئْته بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَر ذَلِكَ الْيَوْم مِنْ الْوَحْي أَوْ غَيْره ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْحَوَادِث الْكَائِنَة عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي رِوَايَة اِبْن سَعْد الْمَذْكُورَة \" لَا يَسْمَع شَيْئًا إِلَّا حَدَّثَهُ بِهِ وَلَا يَسْمَع عُمَر شَيْئًا إِلَّا حَدَّثَهُ بِهِ \" , وَسَيَأْتِي فِي خَبَر الْوَاحِد فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن بِلَفْظِ \" إِذَا غَابَ وَشَهِدْت أَتَيْته بِمَا يَكُون مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ \" يَحْضُر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غِبْت وَأَحْضُرهُ إِذَا غَابَ وَيُخْبِرنِي وَأُخْبِرهُ \". ‏ ‏قَوْله ( وَكُنَّا مَعْشَر قُرَيْش نَغْلِب النِّسَاء ) ‏ ‏أَيْ نَحْكُم عَلَيْهِنَّ وَلَا يَحْكُمْنَ عَلَيْنَا , بِخِلَافِ الْأَنْصَار فَكَانُوا بِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن رُومَان \" كُنَّا وَنَحْنُ بِمَكَّة لَا يُكَلِّم أَحَد اِمْرَأَته إِلَّا إِذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَة قَضَى مِنْهَا حَاجَته \" وَفِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن \" مَا نَعُدّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا \" وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ \" كُنَّا لَا نَعْتَدّ بِالنِّسَاءِ وَلَا نُدْخِلهُنَّ فِي أُمُورنَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَطَفِقَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء وَقَدْ تَفَتَّحَ أَيْ جَعَلَ أَوْ أَخَذَ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُنَّ أَخَذْنَ فِي تَعَلُّم ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ أَدَب نِسَاء الْأَنْصَار ) ‏ ‏أَيْ مِنْ سِيرَتهنَّ وَطَرِيقَتهنَّ , وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْمَظَالِم \" مِنْ أَرَب \" بِالرَّاءِ وَهُوَ الْعَقْل , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عِنْد مُسْلِم \" يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ \" وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن رُومَان \" فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَة تَزَوَّجْنَا مِنْ نِسَاء الْأَنْصَار فَجَعَلْنَ يُكَلِّمْنَنَا وَيُرَاجِعْنَنَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَسَخِبْت ) ‏ ‏بِسِينِ مُهْمَلَة ثُمَّ خَاء مُعْجَمَة ثُمَّ مُوَحَّدَة , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَة بَدَل السِّين وَهُمَا بِمَعْنًى , وَالصَّخَب وَالسَّخَب الزَّجْر مِنْ الْغَضَب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيِّ الْمَاضِيَة فِي الْمَظَالِم \" فَصِحْت \" بِحَاءٍ مُهْمَلَة مِنْ الصِّيَاح وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْت , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن \" فَبَيْنَمَا أَنَا فِي أَمْر أَتَأَمَّرهُ \" أَيْ أَتَفَكَّر فِيهِ وَأُقَدِّرهُ \" فَقَالَتْ اِمْرَأَتِي لَوْ صَنَعْت كَذَا وَكَذَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَنْكَرْت أَنْ تُرَاجِعنِي ) ‏ ‏أَيْ تُرَادِدنِي فِي الْقَوْل وَتُنَاظِرنِي فِيهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن \" فَقُلْت لَهَا وَمَا تَكَلُّفك فِي أَمْر أُرِيدهُ ؟ فَقَالَتْ لِي : عَجَبًا لَك يَا ابْن الْخَطَّاب , مَا تُرِيد أَنْ تُرَاجَع \" وَسَيَأْتِي فِي اللِّبَاس مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام وَذَكَرهنَّ اللَّه رَأَيْنَ لَهُنَّ بِذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا مِنْ غَيْر أَنْ نُدْخِلهُنَّ فِي شَيْء مِنْ أُمُورنَا , وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْن اِمْرَأَتِي كَلَام فَأَغْلَظَتْ لِي \" وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن رُومَان \" فَقُمْت إِلَيْهَا بِقَضِيبٍ فَضَرَبْتهَا بِهِ , فَقَالَتْ : يَا عَجَبًا لَك يَا اِبْن الْخَطَّاب \". ‏ ‏قَوْله ( وَلِمَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام وَفَتْح الْمِيم. ‏ ‏قَوْله ( تُنْكِر أَنْ أُرَاجِعك فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُرَاجِعْنَهُ , وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لِتَهْجُرهُ الْيَوْم حَتَّى اللَّيْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن \" وَإِنَّ اِبْنَتك لِتُرَاجِع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَظَلّ يَوْمه غَضْبَان \" وَوَقَعَ فِي الْمَظَالِم بِلَفْظِ \" غَضْبَانًا \" وَفِيهِ نَظَر , وَفِي رِوَايَته الَّتِي فِي اللِّبَاس \" قَالَتْ : تَقُول لِي هَذَا وَابْنَتك تُؤْذِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ \" فَقُلْت : مَتَى كُنْت تَدْخُلِينَ فِي أُمُورنَا ؟ فَقَالَتْ : يَا اِبْن الْخَطَّاب , مَا يَسْتَطِيع أَحَد أَنْ يُكَلِّمك , وَابْنَتك تُكَلِّم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَظَلّ غَضْبَان. ‏ ‏قَوْله ( لَتَهْجُرهُ الْيَوْم حَتَّى اللَّيْل ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ فِيهِمَا وَبِالْجَرِّ فِي اللَّيْل أَيْضًا أَيْ مِنْ أَوَّل النَّهَار إِلَى أَنْ يَدْخُل اللَّيْل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد حَتَّى أَنَّهَا لَتَهْجُرهُ اللَّيْل مُضَافًا إِلَى الْيَوْم. ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت لَهَا قَدْ خَابَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ \" خَابَ \" بِخَاءٍ مُعْجَمَة ثُمَّ مُوَحَّدَة , وَفِي رِوَايَة عُقَيْل \" فَقُلْت : قَدْ جَاءَتْ مَنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ مِنْهُنَّ بِعَظِيمٍ \" بِالْجِيمِ ثُمَّ مُثَنَّاة فِعْلٌ مَاضٍ مِنْ الْمَجِيء , وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي هَذِهِ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا بِعَظِيمٍ , وَأَمَّا سَائِر الرِّوَايَات فَفِيهَا \" خَابَتْ وَخَسِرَتْ \" فَخَابَتْ بِالْخَاءِ الْمُعَجَّمَة لِعَطْفِ وَخَسِرَتْ عَلَيْهَا , وَقَدْ أَغْفَلَ مَنْ جَزَمَ أَنَّ الصَّوَاب بِالْجِيمِ وَالْمُثَنَّاة مُطْلَقًا. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة أُخْرَى \" مَنْ فَعَلَتْ \" فَالتَّذْكِير بِالنَّظَرِ إِلَى اللَّفْظ وَالتَّأْنِيث بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ جَمَعْت عَلَيَّ ثِيَابِي ) ‏ ‏أَيْ لَبِسْتهَا جَمِيعهَا. فِيهِ إِيمَاء إِلَى أَنَّ الْعَادَة أَنَّ الشَّخْص يَضَع فِي الْبَيْت بَعْض ثِيَابه فَإِذَا خَرَجَ إِلَى النَّاس لَبِسَهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَدَخَلْت عَلَى حَفْصَة ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْنَته , وَبَدَأَ بِهَا لِمَنْزِلَتِهَا مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَتْ : نَعَمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن \" إِنَّا لِنُرَاجِعهُ \" وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة \" فَقُلْت أَلَا تَتَّقِينَ اللَّه \". ‏ ‏قَوْله ( أَفَتَأْمَنِينَ أَنْ يَغْضَب اللَّه لِغَضَبِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَهْلِكِي ) ؟ ‏ ‏كَذَا هُوَ بِالنَّصْبِ لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُقَيْل \" فَتَهْلَكِينَ \" وَهُوَ عَلَى تَقْدِير مَحْذُوف , وَتَقَدَّمَ فِي بَاب الْمَعْرِفَة مِنْ كِتَاب الْمَظَالِم \" أَفَتَأْمَن أَنْ يَغْضَب اللَّه لِغَضَبِ رَسُوله فَتَهْلِكِينَ \" قَالَ أَبُو عَلِيّ الصَّدَفِيّ : الصَّوَاب \" أَفَتَأْمَنِينَ \" وَفِي آخِره \" فَتَهْلَكِي \" كَذَا قَالَ , وَلَيْسَ بِخَطَأٍ لِإِمْكَانِ تَوْجِيهه , وَفِي رِوَايَة عُبَيْد اِبْن حُنَيْن \" فَتَهْلَكْنَ \" بِسُكُونِ الْكَاف عَلَى خِطَاب جَمَاعَة النِّسَاء , وَعِنْده \" فَقُلْت تَعَلَّمِينَ \" وَهُوَ بِتَشْدِيدِ اللَّام \" إِنِّي أُحَذِّرك عُقُوبَة اللَّه وَغَضَب رَسُوله \". ‏ ‏قَوْله ( لَا تَسْتَكْثِرِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ لَا تَطْلُبِي مِنْهُ الْكَثِير , وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن رُومَان \" لَا تُكَلِّمِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ رَسُول اللَّه لَيْسَ عِنْده دَنَانِير وَلَا دَرَاهِم , فَمَا كَانَ لَك مِنْ حَاجَة حَتَّى دُهْنَة فَسَلِينِي \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْء ) ‏ ‏أَيْ لَا تُرَادِدِيه فِي الْكَلَام وَلَا تَرُدِّي عَلَيْهِ قَوْله. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا تَهْجُرِيهِ ) ‏ ‏أَيْ وَلَوْ هَجَرَك. ‏ ‏قَوْله ( مَا بَدَا لَك ) ‏ ‏أَيْ ظَهَرَ لَك. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يَغُرّنّك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْأَلِف وَبِكَسْرِهَا أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( جَارَتك ) ‏ ‏أَيْ ضَرَّتك , أَوْ هُوَ عَلَى حَقِيقَته لِأَنَّهَا كَانَتْ مُجَاوِرَة لَهَا , وَالْأَوَّل أَنْ يَحْمِل اللَّفْظ هُنَا عَلَى مَعْنَيَيْهِ لِصَلَاحِيَّتِهِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا , وَالْعَرَب تُطْلِق عَلَى الضَّرَّة جَارَة لِتَجَاوُرِهِمَا الْمَعْنَوِيّ لِكَوْنِهِمَا عِنْد شَخْص وَاحِد وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِسِّيًّا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ هَذَا فِي أَوَاخِر شَرْح حَدِيث أُمّ زَرْع , وَوَقَعَ فِي حَدِيث حَمَل بْن مَالِك \" كُنْت بَيْن جَارَتَيْنِ \" يَعْنِي ضَرَّتَيْنِ , فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى فَقَالَ \" اِمْرَأَتَيْنِ \" وَكَانَ اِبْن سِيرِينَ يَكْرَه تَسْمِيَتهَا ضَرَّة وَيَقُول : إِنَّهَا لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع وَلَا تَذْهَب مِنْ رِزْق الْأُخْرَى بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا هِيَ جَارَة , وَالْعَرَب تُسَمِّي صَاحِب الرَّجُل وَخَلِيطه جَارًا وَتُسَمِّي الزَّوْجَة أَيْضًا جَارَة لِمُخَالَطَتِهَا الرَّجُل. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : اِخْتَارَ عُمَر تَسْمِيَتهَا جَارَة أَدَبًا مِنْهُ أَنْ يُضَاف لَفْظ الضَّرَر إِلَى أَحَد مِنْ أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ. ‏ ‏قَوْله ( أَوْضَأ ) ‏ ‏مِنْ الْوَضَاءَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر \" أَوْسَم \" بِالْمُهْمَلَةِ مِنْ الْوَسَامَة وَهِيَ الْعَلَامَة , وَالْمُرَاد أَجْمَل كَأَنَّ الْجَمَال وَسَمَهُ أَيْ أَعْلَمَهُ بِعَلَامَةٍ. ‏ ‏قَوْله ( وَأَحَبّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏الْمَعْنَى لَا تَغْتَرِّي بِكَوْنِ عَائِشَة تَفْعَل مَا نَهَيْتُك عَنْهُ فَلَا يُؤَاخِذهَا بِذَلِكَ فَإِنَّهَا تُدِلّ بِجَمَالِهَا وَمَحَبَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا , فَلَا تَغْتَرِّي أَنْتِ بِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تَكُونِي عِنْده فِي تِلْكَ الْمَنْزِلَة , فَلَا يَكُون لَك مِنْ الْإِدْلَال مِثْل الَّذِي لَهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن أَبْيَن مِنْ هَذَا وَلَفْظه \" وَلَا يَغُرّنّك هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنهَا حُبّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهَا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال عِنْد مُسْلِم \" أَعْجَبَهَا حُسْنهَا وَحُبّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" بِوَاوِ الْعَطْف وَهِيَ أَبْيَن , وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ \" لَا تَغْتَرِّي بِحُسْنِ عَائِشَة وَحُبّ رَسُول اللَّه إِيَّاهَا \" وَعِنْد اِبْن سَعْد فِي رِوَايَة أُخْرَى \" إِنَّهُ لَيْسَ لَك مِثْل حُظْوَة عَائِشَة وَلَا حُسْن زَيْنَب \" يَعْنِي بِنْت جَحْش , وَالَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال وَالطَّيَالِسِيّ يُؤَيِّد مَا حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ عَنْ بَعْض الْمَشَايِخ أَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ بَاب حَذْف حَرْف الْعَطْف وَاسْتَحْسَنَهُ مَنْ سَمِعَهُ وَكَتَبُوهُ حَاشِيَة , قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَلَيْسَ كَمَا قَالَ , بَلْ هُوَ مَرْفُوع عَلَى الْبَدَل مِنْ الْفَاعِل الَّذِي فِي أَوَّل الْكَلَام وَهُوَ هَذِهِ مِنْ قَوْله \" لَا يَغُرّنّك هَذِهِ \" فَهَذِهِ فَاعِل و \" الَّتِي \" نَعْت و \" حُبّ \" بَدَل اِشْتِمَال كَمَا تَقُول أَعْجَبَنِي يَوْم الْجُمُعَة صَوْم فِيهِ وَسَرَّنِي زَيْد حُبّ النَّاس لَهُ ا ه. وَثُبُوت الْوَاو يَرُدّ عَلَى رَدّه , وَقَدْ قَالَ عِيَاض : يَجُوز فِي \" حُبّ \" الرَّفْع عَلَى أَنَّهُ عَطْف بَيَان أَوْ بَدَل اِشْتِمَال , أَوْ عَلَى حَذْف حَرْف الْعَطْف , قَالَ : وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِض. وَقَالَ اِبْن التِّين : حُبّ فَاعِل وَحُسْنهَا بِالنَّصْبِ مَفْعُول مِنْ أَجْلِهِ وَالتَّقْدِير أَعْجَبَهَا حُبّ رَسُول اللَّه إِيَّاهَا مِنْ أَجْلِ حُسْنهَا , قَالَ : وَالضَّمِير الَّذِي يَلِي أَعْجَبَهَا مَنْصُوب فَلَا يَصِحّ بَدَل الْحُسْن مِنْهُ وَلَا الْحُبّ , وَزَادَ عُبَيْد فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" ثُمَّ خَرَجْت حَتَّى دَخَلْت عَلَى أُمّ سَلَمَة لِقَرَابَتِي مِنْهَا \" يَعْنِي لِأَنَّ أُمّ عُمَر كَانَتْ مَخْزُومِيَّة مِثْل أُمّ سَلَمَة , وَهِيَ أُمّ سَلَمَة بِنْت أَبِي أُمَيَّة بْن الْمُغِيرَة , وَوَالِدَة عُمَر حَنْتَمَة بِنْت هَاشِم بْن الْمُغِيرَة. فَهِيَ بِنْت عَمّ أُمّه , وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن رُومَان \" وَدَخَلْت عَلَى أُمّ سَلَمَة وَكَانَتْ خَالَتِي \" وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهَا خَالَة لِكَوْنِهَا فِي دَرَجَة أُمّه , وَهِيَ بِنْت عَمّهَا. وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون ارْتَضَعَتْ مَعَهَا أَوْ أُخْتهَا مِنْ أُمّهَا. ‏ ‏قَوْله ( دَخَلْت فِي كُلّ شَيْء ) ‏ ‏يَعْنِي مِنْ أُمُور النَّاس , وَأَرَادَتْ الْغَالِب بِدَلِيلِ قَوْلهَا \" حَتَّى تَبْتَغِي أَنْ تَدْخُل بَيْن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَزْوَاجه \" فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ دَخَلَ فِي عُمُوم قَوْلهَا \" كُلّ شَيْء \" لَكِنَّهَا لَمْ تَرُدّهُ. مَنَعَهُ عَمَّا يُرِيد أَنْ يَفْعَلهُ ‏ ‏قَوْله ( فَأَخَذَتْنِي وَاللَّه أَخْذًا ) ‏ ‏أَيْ مَنَعَتْنِي مِنْ الَّذِي كُنْت أُرِيدهُ , تَقُول أَخَذَ فُلَان عَلَى يَد فُلَان أَيْ مَنَعَهُ عَمَّا يُرِيد أَنْ يَفْعَلهُ. ‏ ‏قَوْله ( كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْض مَا كُنْت أَجِد ) ‏ ‏أَيْ أَخَذَتْنِي بِلِسَانِهَا أَخْذًا دَفَعَنِي عَنْ مَقْصِدِي وَكَلَامِي ; وَفِي رِوَايَة لِابْنِ سَعْد \" فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَة : أَيْ وَاللَّه , إِنَّا لِنُكَلِّمهُ. فَإِنْ تَحْمِل ذَلِكَ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ , وَإِنْ نَهَانَا عَنْهُ كَانَ أَطْوَع عِنْدنَا مِنْك , قَالَ عُمَر : فَنَدِمْت عَلَى كَلَامِي لَهُنَّ \" وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن رُومَان \" مَا يَمْنَعنَا أَنْ نَغَار عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَزْوَاجكُمْ يَغَرْنَ عَلَيْكُمْ \" وَكَانَ الْحَامِل لِعُمَر عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُ شِدَّة شَفَقَته وَعِظَم نَصِيحَته فَكَانَ يَبْسُط عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُول لَهُ اِفْعَلْ كَذَا وَلَا تَفْعَل كَذَا , كَقَوْلِهِ اُحْجُبْ نِسَاءَك. وَقَوْله لَا تُصَلِّ عَلَى عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَغَيْر ذَلِكَ , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَمِل ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِصِحَّةِ نَصِيحَته وَقُوَّته فِي الْإِسْلَام. وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّف فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة مِنْ حَدِيث أَنَس عَنْ عُمَر قَالَ \" وَافَقْت اللَّه فِي ثَلَاث \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْض نِسَائِهِ فَدَخَلْت عَلَيْهِنَّ فَقُلْت : لَئِنْ اِنْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدّلَنّ اللَّه رَسُوله خَيْرًا مِنْكُنَّ , حَتَّى أَتَيْت إِحْدَى نِسَائِهِ فَقَالَتْ : يَا عُمَر , أَمَا فِي رَسُول اللَّه مَا يَعِظ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظهُنَّ أَنْتَ \" ؟ وَهَذِهِ الْمَرْأَة هِيَ زَيْنَب بِنْت جَحْش كَمَا أَخْرَجَ الْخَطِيب فِي \" الْمُبْهَمَات \" , وَجَوَّزَ بَعْضهمْ أَنَّهَا أُمّ سَلَمَة لِكَلَامِهَا الْمَذْكُور فِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر هُنَا , لَكِنَّ التَّعَدُّد أَوْلَى , فَإِنَّ فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث عِنْد أَحْمَد وَابْن مَرْدَوَيْهِ \" وَبَلَغَنِي مَا كَانَ مِنْ أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ فَاسْتَقْرَيْتهنَّ أَقُول لَتَكُفّنّ \" الْحَدِيث , وَيُؤَيِّد التَّعَدُّد اِخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فِي جَوَابَيْ أُمّ سَلَمَة وَزَيْنَب وَاللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَكُنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّان تَنْعِل الْخَيْل ) ‏ ‏فِي الْمَظَالِم بِلَفْظِ \" تَنْعِل النِّعَال \" أَيْ تَسْتَعْمِل النِّعَال وَهِيَ نِعَال الْخَيْل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَة وَيُؤَيِّدهُ لَفْظ الْخَيْل فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , و \" تَنْعِل \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِفَتْحِ أَوَّله , وَأَنْكَرَ الْجَوْهَرِيّ ذَلِكَ فِي الدَّابَّة فَقَالَ : أَنْعَلْتُ الدَّابَّة وَلَا تَقُلْ نَعَلْتُ , فَيَكُون عَلَى هَذَا بِضَمِّ أَوَّله. وَحَكَى عِيَاض فِي تُنْعِل الْخَيْل الْوَجْهَيْنِ , وَغَفَلَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ فَرَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ : الْمَوْجُود فِي الْبُخَارِيّ تَنْعِل النِّعَال فَاعْتَمَدَ عَلَى الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْمَظَالِم , وَلَمْ يَسْتَحْضِر الَّتِي هُنَا وَهِيَ الَّتِي تَكَلَّمَ عَلَيْهَا عِيَاض. ‏ ‏قَوْله ( لِتَغْزُونَا ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن \" وَنَحْنُ نَتَخَوَّف مَلِكًا مِنْ مُلُوك غَسَّان ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيد أَنْ يَسِير إِلَيْنَا , فَقَدْ اِمْتَلَأَتْ صُدُورنَا مِنْهُ \" وَفِي رِوَايَته الَّتِي فِي اللِّبَاس \" وَكَانَ مَنْ حَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ اِسْتَقَامَ لَهُ , فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَلِك غَسَّان بِالشَّامِ كُنَّا نَخَاف أَنْ يَأْتِينَا \" وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ \" وَلَمْ يَكُنْ أَحَد أَخْوَف عِنْدنَا مِنْ أَنْ يَغْزُونَا مَلِك مِنْ مُلُوك غَسَّان \". ‏ ‏قَوْله ( فَنَزَلَ صَاحِبِي الْأَنْصَارِيّ يَوْم نَوْبَته , فَرَجَعَ إِلَيْنَا عِشَاء , فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا وَقَالَ : أَثَمَّ هُوَ ) ؟ ‏ ‏أَيْ فِي الْبَيْت , وَذَلِكَ لِبُطْءِ إِجَابَتهمْ لَهُ فَظَنَّ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْبَيْت , وَفِي رِوَايَة عُقَيْل \" أَنَائِم هُوَ \" ؟ وَهِيَ أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله ( فَفَزِعْت ) ‏ ‏أَيْ خِفْت مِنْ شِدَّة ضَرْبِ الْبَاب بِخِلَافِ الْعَادَة. ‏ ‏قَوْله ( فَخَرَجْت إِلَيْهِ فَقَالَ : قَدْ حَدَث الْيَوْم أَمْر عَظِيم. قُلْت : مَا هُوَ ؟ أَجَاءَ غَسَّان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" أَجَاءَتْ \" , وَفِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن \" أَجَاءَ الْغَسَّانِيّ \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَسْمِيَته فِي كِتَاب الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله ( لَا , بَلْ أَعْظَم مِنْ ذَلِكَ وَأَهْوَل ) ‏ ‏هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُمَر , لِكَوْنِ حَفْصَة بِنْته مِنْهُنَّ. ‏ ‏قَوْله ( طَلَّقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع الطُّرُق عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي ثَوْر \" طَلَّقَ \" بِالْجَزْمِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَمْرَة عَنْ عَائِشَة عِنْد اِبْن سَعْد \" فَقَالَ الْأَنْصَارِيّ : أَمْر عَظِيم. فَقَالَ عُمَر : لَعَلَّ الْحَارِث بْن أَبِي شِمْر سَارَ إِلَيْنَا. فَقَالَ الْأَنْصَارِيّ : أَعْظَم مِنْ ذَلِكَ. قَالَ : مَا هُوَ ؟ قَالَ : مَا أُرَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَدْ طَلَّقَ نِسَاءَهُ \" وَأَخْرَجَ نَحْوه مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة وَسَمَّى الْأَنْصَارِيّ أَوْس بْن خَوْلِيّ كَمَا تَقَدَّمَ , وَوَقَعَ قَوْله \" طَلَّقَ \" مَقْرُونًا بِالظَّنِّ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عُبَيْد بْن حُنَيْن سَمِعَ اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر ) ‏ ‏يَعْنِي بِهَذَا الْحَدِيث ( فَقَالَ ) يَعْنِي الْأَنْصَارِيّ ‏ ‏( اِعْتَزَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْوَاجه ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر الْبُخَارِيّ هُنَا مِنْ رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن إِلَّا هَذَا الْقَدْر , وَأَمَّا مَا بَعْده وَهُوَ قَوْله \" فَقُلْت خَابَتْ حَفْصَة وَخَسِرَتْ \" فَهُوَ بَقِيَّة رِوَايَة اِبْن أَبِي ثَوْر , لِأَنَّ هَذَا التَّعْلِيق قَدْ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّف فِي تَفْسِير سُورَة التَّحْرِيم بِلَفْظِ \" فَقُلْت جَاءَ الْغَسَّانِيّ ؟ فَقَالَ : بَلْ أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ , اِعْتَزَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْوَاجه. فَقُلْت : رَغِمَ أَنْف حَفْصَة وَعَائِشَة \" وَظَنَّ بَعْض النَّاس أَنَّ مِنْ قَوْله \" اِعْتَزَلَ \" إِلَى آخِر الْحَدِيث مِنْ سِيَاق الطَّرِيق الْمُعَلَّق , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا بَيَّنْته , وَالْمَوْقِع فِي ذَلِكَ إِيرَاد الْبُخَارِيّ بِهَذِهِ اللَّفْظَة الْمُعَلَّقَة عَنْ عُبَيْد بْن حُنَيْن فِي أَثْنَاء الْمَتْن الْمُسَاق مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي ثَوْر , فَصَارَ الظَّاهِر أَنَّهُ تَحَوَّلَ إِلَى سِيَاق عُبَيْد بْن حُنَيْن , وَقَدْ سَلِمَ مِنْ هَذَا الْإِشْكَال النَّسَفِيّ فَلَمْ يَسُقْ الْمَتْن وَلَا الْقَدْر الْمُعَلَّق بَلْ قَالَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث \" وَاجْتَزَأَ بِمَا وَقَعَ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي ثَوْر فِي الْمَظَالِم وَمِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن حُنَيْن فِي تَفْسِير التَّحْرِيم , وَوَقَعَ فِي \" مُسْتَخْرَج أَبِي نُعَيْم \" ذِكْرُ الْقَدْر الْمُعَلَّق عَنْ عُبَيْد بْن حُنَيْن فِي آخِر الْحَدِيث وَلَا إِشْكَال فِيهِ , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّن أَنَّ هَذَا اللَّفْظ وَهُوَ \" طَلَّقَ نِسَاءَهُ \" لَمْ تَتَّفِق الرِّوَايَات عَلَيْهِ , فَلَعَلَّ بَعْضهمْ رَوَاهَا بِالْمَعْنَى , نَعَمْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق سِمَاك بْن زُمَيْل عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ عُمَر قَالَ \" فَدَخَلْت الْمَسْجِد فَإِذَا النَّاس يَقُولُونَ : طَلَّقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ \" وَعِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق سَلَمَة بْن كُهَيْل عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ عُمَر قَالَ \" لَقِيَنِي عَبْد اللَّه بْن عُمَر بِبَعْضِ طُرُق الْمَدِينَة فَقَالَ : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَّقَ نِسَاءَهُ \" وَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى أَنَّ اِبْن عُمَر لَاقَى أَبَاهُ وَهُوَ جَاءَ مِنْ مَنْزِله فَأَخْبَرَهُ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَهُ بِهِ الْأَنْصَارِيّ , وَلَعَلَّ الْجَزْم وَقَعَ مِنْ إِشَاعَة بَعْض أَهْل النِّفَاق فَتَنَاقَلَهُ النَّاس , وَأَصْله مَا وَقَعَ مِنْ اِعْتِزَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ وَلَمْ تَجْرِ عَادَته بِذَلِكَ فَظَنُّوا أَنَّهُ طَلَّقَهُنَّ , وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَاتِب عُمَر الْأَنْصَارِيّ عَلَى مَا جَزَمَ لَهُ بِهِ مِنْ وُقُوع ذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث سِمَاك بْن الْوَلِيد عِنْد مُسْلِم فِي آخِره \" وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْر مِنْ الْأَمْن أَوْ الْخَوْف أَذَاعُوا بِهِ - إِلَى قَوْله - يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) قَالَ : فَكُنْت أَنَا أَسْتَنْبِط ذَلِكَ الْأَمْر \" وَالْمَعْنَى لَوْ رَدُّوهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَكُون هُوَ الْمُخْبِر بِهِ أَوْ إِلَى أُولِي الْأَمْر كَأَكَابِر الصَّحَابَة لَعَلِمُوهُ لِفَهْمِ الْمُرَاد مِنْهُ بِاسْتِخْرَاجِهِمْ بِالْفَهْمِ وَالتَّلَطُّف مَا يَخْفَى عَنْ غَيْرهمْ , وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِالْإِذَاعَةِ قَوْلهمْ وَإِشَاعَتهمْ أَنَّهُ طَلَّقَ نِسَاءَهُ بِغَيْرِ تَحَقُّق وَلَا تَثَبُّت حَتَّى شَفَى عُمَر فِي الِاطِّلَاع عَلَى حَقِيقَة ذَلِكَ وَفِي الْمُرَاد بِالْمُذَاعِ , وَفِي الْآيَة أَقْوَال أُخْرَى لَيْسَ هَذَا مَوْضِع بَسْطِهَا. ‏ ‏قَوْله ( خَابَتْ حَفْصَة وَخَسِرَتْ ) ‏ ‏إِنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِمَكَانَتِهَا مِنْهُ لِكَوْنِهَا بِنْته. وَلِكَوْنِهِ كَانَ قَرِيب الْعَهْد بِتَحْذِيرِهَا مِنْ وُقُوع ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حَنِين \" فَقُلْت : رَغِمَ أَنْف حَفْصَة وَعَائِشَة \" وَكَأَنَّهُ خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِمَا كَانَتَا السَّبَب فِي ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه. ‏ ‏قَوْله ( قَدْ كُنْت أَظُنّ هَذَا يُوشِك أَنْ يَكُون ) ‏ ‏بِكَسْرِ الشِّين مِنْ \" يُوشِك \" أَيْ يَقْرُب , وَذَلِكَ لِمَا كَانَ تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ أَنَّ مُرَاجَعَتهنَّ قَدْ تَقْضِي إِلَى الْغَضَب الْمُفْضِي إِلَى الْفُرْقَة. ‏ ‏قَوْله ( فَصَلَّيْت صَلَاة الْفَجْر مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سِمَاك \" دَخَلْت الْمَسْجِد فَإِذَا النَّاس يَنْكُثُونَ الْحَصَا وَيَقُولُونَ : طَلَّقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ , وَذَلِكَ قَبْل أَنْ يُؤْمَرْنَ بِالْحِجَابِ \" كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَهُوَ غَلَط بَيِّنٌ فَإِنَّ نُزُول الْحِجَاب كَانَ فِي أَوَّل زَوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْنَب بِنْت جَحْش كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه وَاضِحًا فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب , وَهَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ سَبَب نُزُول آيَة التَّخْيِير وَكَانَتْ زَيْنَب بِنْت جَحْش فِيمَنْ خُيِّرَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ عُمَر لَهَا فِي قَوْله \" وَلَا حُسْن زَيْنَب بِنْت جَحْش \" وَسَيَأْتِي بَعْد ثَمَانِيَة أَبْوَاب مِنْ طَرِيق أَبِي الضُّحَى عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" أَصْبَحْنَا يَوْمًا وَنِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْكِينَ , فَخَرَجْت إِلَى الْمَسْجِد فَجَاءَ عُمَر فَصَعِدَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي غُرْفَة لَهُ \" فَذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّة مُخْتَصَرًا , فَحُضُور اِبْن عَبَّاس وَمُشَاهَدَته لِذَلِكَ يَقْتَضِي تَأَخُّر هَذِهِ الْقِصَّة عَنْ الْحِجَاب , فَإِنَّ بَيْن الْحِجَاب وَانْتِقَال اِبْن عَبَّاس إِلَى الْمَدِينَة مَعَ أَبَوَيْهِ نَحْو أَرْبَع سِنِينَ , لِأَنَّهُمْ قَدِمُوا بَعْد فَتْح مَكَّة , فَآيَة التَّخْيِير عَلَى هَذَا نَزَلَتْ سَنَة تِسْع لِأَنَّ الْفَتْح كَانَ سَنَة ثَمَان وَالْحِجَاب كَانَ سَنَة أَرْبَع أَوْ خَمْس , وَهَذَا مِنْ رِوَايَة عِكْرِمَة بْن عَمَّار بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَ بِهِ مُسْلِم أَيْضًا قَوْل أَبِي سُفْيَان \" عِنْدِي أَجْمَل الْعَرَب أُمّ حَبِيبَة أُزَوِّجكهَا , قَالَ نَعَمْ \" وَأَنْكَرَهُ الْأَئِمَّة وَبَالَغَ اِبْن حَزْم فِي إِنْكَاره , وَأَجَابُوا بِتَأْوِيلَاتٍ بَعِيدَة , وَلَمْ يَتَعَرَّض لِهَذَا الْمَوْضِع وَهُوَ نَظِير ذَلِكَ الْمَوْضِع , وَاللَّهُ الْمُوَفِّق. وَأَحْسَن مَحَامِله عِنْدِي أَنْ يَكُون الرَّاوِي لَمَّا رَأَى قَوْل عُمَر أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَة ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل الْحِجَاب فَجَزَمَ بِهِ , لَكِنَّ جَوَابه أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ الدُّخُول رَفْع الْحِجَاب فَقَدْ دَخَلَ مِنْ الْبَاب وَتُخَاطِبهُ مِنْ وَرَاء الْحِجَاب , كَمَا لَا يَلْزَم مِنْ وَهْمِ الرَّاوِي فِي لَفْظَة مِنْ الْحَدِيث أَنْ يُطْرَح حَدِيثه كُلّه. وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مَوْضِع آخَر مُشْكِل , وَهُوَ قَوْله فِي آخِر الْحَدِيث بَعْد قَوْله فَضَحِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَنَزَلَ رَسُول اللَّه وَنَزَلْت أَتَشَبَّث بِالْجِذْعِ , وَنَزَلَ رَسُوله اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْض مَا يَمَسّهُ بِيَدِهِ , فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا كُنْت فِي الْغُرْفَة تِسْعًا وَعِشْرِينَ \" فَإِنَّ ظَاهِره أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ عَقِب مَا خَاطَبَهُ عُمَر فَيَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُون عُمَر تَأَخَّرَ كَلَامه مَعَهُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا , وَسِيَاق غَيْره ظَاهِر فِي أَنَّهُ تَكَلَّمَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْم , وَكَيْف يُمْهِل عُمَر تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا لَا يَتَكَلَّم فِي ذَلِكَ وَهُوَ مُصَرَّح بِأَنَّهُ لَمْ يَصْبِر سَاعَة فِي الْمَسْجِد حَتَّى يَقُوم وَيَرْجِع إِلَى الْغُرْفَة وَيَسْتَأْذِن , وَلَكِنَّ تَأْوِيل هَذَا سَهْل , وَهُوَ أَنْ يَحْمِل قَوْله \" فَنَزَلَ \" أَيْ بَعْد أَنْ مَضَتْ الْمُدَّة , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّد إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْمُدَّة الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا , فَاتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ عِنْده عِنْد إِرَادَته النُّزُول فَنَزَلَ مَعَهُ , ثُمَّ خَشِيَ أَنْ يَكُون نَسِيَ فَذَكَّرَهُ كَمَا ذَكَّرَتْهُ عَائِشَة سَيَأْتِي , وَمِمَّا يُؤَيِّد تَأَخُّر قِصَّة التَّخْيِير مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْل عُمَر فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْنٍ الَّتِي قَدَّمْت الْإِشَارَة إِلَيْهَا فِي الْمَظَالِم \" وَكَانَ مَنْ حَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ اِسْتَقَامَ لَهُ إِلَّا مَلِك غَسَّان بِالشَّامِ \" فَإِنَّ الِاسْتِقَامَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا إِنَّمَا وَقَعَتْ بَعْد فَتْح مَكَّة , وَقَدْ مَضَى فِي غَزْوَة الْفَتْح مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن سَلَمَة الْجَرْمِيّ \" وَكَانَتْ الْعَرَب تَلُوم بِإِسْلَامِهِمْ الْفَتْح فَيَقُولُونَ : اُتْرُكُوهُ وَقَوْمه , فَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيّ , فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَة الْفَتْح بَادَرَ كُلّ قَوْم بِإِسْلَامِهِمْ \" ا ه. وَالْفَتْح كَانَ فِي رَمَضَان سَنَة ثَمَان , وَرُجُوع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة فِي أَوَاخِر ذِي الْقَعْدَة مِنْهَا فَلِهَذَا كَانَتْ سَنَة تِسْع تُسَمَّى سَنَة الْوُفُود لِكَثْرَةِ مَنْ وَفَدَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَرَب. فَظَهَرَ أَنَّ اِسْتِقَامَة مَنْ حَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَتْ بَعْد الْفَتْح فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ التَّخْيِير كَانَ فِي أَوَّل سَنَة تِسْع كَمَا قَدَّمْته. وَمِمَّنْ جَزَمَ بِأَنَّ آيَة التَّخْيِير كَانَتْ سَنَة تِسْع الدِّمْيَاطِيّ وَأَتْبَاعه وَهُوَ الْمُعْتَمَد. ‏ ‏قَوْله ( وَدَخَلْت عَلَى حَفْصَة فَإِذَا هِيَ تَبْكِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سِمَاك أَنَّهُ \" دَخَلَ أَوَّلًا عَلَى عَائِشَة فَقَالَ : يَا بِنْت أَبِي بَكْر ; أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنك أَنْ تُؤْذِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَتْ : مَا لِي وَلَك يَا اِبْن الْخَطَّاب ؟ عَلَيْك بِعَيْبَتِك \" وَهِيَ بِعَيْنٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة وَتَحْتَانِيَّة سَاكِنَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة ثُمَّ مُثَنَّاة أَيْ عَلَيْك بِخَاصَّتِك وَمَوْضِع سِرّك , وَأَصْل الْعَيْبَة الْوِعَاء الَّذِي تُجْعَل فِيهِ الثِّيَاب وَنَفِيس الْمَتَاع , فَأَطْلَقَتْ عَائِشَة عَلَى حَفْصَة أَنَّهَا عَيْبَة عُمَر بِطَرِيقِ التَّشْبِيه , وَمُرَادهَا عَلَيْك بِوَعْظِ اِبْنَتك. ‏ ‏قَوْله ( أَلَم أَكُنْ حَذَّرْتُك ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة سِمَاك \" لَقَدْ عَلِمْت أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُحِبّك , وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَك , فَبَكَتْ أَشَدّ الْبُكَاء \" لِمَا اِجْتَمَعَ عِنْدهَا مِنْ الْحُزْن عَلَى فِرَاق رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِمَا تَتَوَقَّعهُ مِنْ شِدَّة غَضَب أَبِيهَا عَلَيْهَا , وَقَدْ قَالَ لَهَا فِيمَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ : وَاللَّه إِنْ كَانَ طَلَّقَك لَا أُكَلِّمك أَبَدًا وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد وَالدَّارِمِيُّ وَالْحَاكِم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَّقَ حَفْصَة ثُمَّ رَاجَعَهَا , وَلِابْنِ سَعْد مِثْله مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر وَإِسْنَاده حَسَن , وَمِنْ طَرِيق قَيْس بْن زَيْد مِثْله وَزَادَ \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ جِبْرِيل أَتَانِي فَقَالَ لِي : رَاجِع حَفْصَة فَإِنَّهَا صَوَّامَة قَوَّامَة , وَهِيَ زَوْجَتك فِي الْجَنَّة \" وَقَيْس مُخْتَلَف فِي صُحْبَته , وَنَحْوه عِنْده مِنْ مُرْسَل مُحَمَّد بْن سِيرِينَ. ‏ ‏قَوْله ( هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِل فِي الْمَشْرُبَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَمَاك \" فَقُلْت لَهَا أَيْنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : هُوَ فِي خِزَانَته فِي الْمَشْرُبَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْط الْمَشْرُبَة وَتَفْسِيرهَا فِي كِتَاب الْمَظَالِم وَأَنَّهَا بِضَمِّ الرَّاء وَبِفَتْحِهَا وَجَمْعهَا مَشَارِب وَمَشْرُبَات. ‏ ‏قَوْله ( فَخَرَجْت فَجِئْت إِلَى الْمِنْبَر فَإِذَا حَوْله رَهْط يَبْكِي بَعْضهمْ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَتهمْ , وَفِي رِوَايَة سِمَاك بْن الْوَلِيد \" دَخَلْت الْمَسْجِد فَإِذَا النَّاس يَنْكُثُونَ بِالْحَصَا \" أَيْ يَضْرِبُونَ بِهِ الْأَرْض كَفِعْلِ الْمَهْمُوم الْمُفَكِّر. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِد ) ‏ ‏أَيْ مِنْ شُغُلِ قَلْبه بِمَا بَلَغَهُ مِنْ اِعْتِزَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُون إِلَّا عَنْ غَضَب مِنْهُ , وَلِاحْتِمَالِ صِحَّة مَا أُشِيعَ مِنْ تَطْلِيق نِسَائِهِ وَمِنْ جُمْلَتهنَّ حَفْصَة بِنْت عُمَر فَتَنْقَطِع الْوُصْلَة بَيْنهمَا , وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّة عَلَي"
    },
    {
        "id": "4793",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( لَا تَصُوم ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ بِلَفْظِ الْخَبَر وَالْمُرَاد بِهِ النَّهْي , وَأَغْرَبَ اِبْن التِّين وَالْقُرْطُبِيّ فَخَطَّأَ رِوَايَة الرَّفْع , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِلْمُسْتَمْلِي \" لَا تَصُومَنّ \" بِزِيَادَةِ نُون التَّوْكِيد , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر بِلَفْظِ \" لَا تَصُمْ \" وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى بَعْد بَاب وَاحِد. ‏"
    },
    {
        "id": "4794",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار ) ‏ ‏هُوَ بُنْدَار , وَذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ عَنْ أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ \" اِبْن سِنَان \" بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ نُونَيْنِ وَهُوَ غَلَط. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش , وَأَبُو حَازِم هُوَ سَلْمَان الْأَشْجَعِيّ. وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" عَنْ زُرَارَة \" هُوَ اِبْن أَبِي أَوْفَى قَاضِي الْبَصْرَة يُكَنَّى أَبَا حَاجِب , لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثَانِ فَقَطْ هَذَا وَآخَر مَضَى فِي الْعِتْق , وَلَهُ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ حَدِيث آخَر يَأْتِي فِي الدِّيَات , وَتَقَدَّمَ لَهُ فِي تَفْسِير عَبَسَ حَدِيث مِنْ رِوَايَته عَنْ سَعْد بْن هِشَام عَنْ عَائِشَة , وَهَذَا جَمِيع مَا لَهُ فِي الصَّحِيح , وَكُلّهَا مِنْ رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا دَعَا الرَّجُل اِمْرَأَته إِلَى فِرَاشه ) ‏ ‏قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : الظَّاهِر أَنَّ الْفِرَاش كِنَايَة عَنْ الْجِمَاع , وَيُقَوِّيه قَوْله \" الْوَلَد لِلْفِرَاشِ \" أَيْ لِمَنْ يَطَأ فِي الْفِرَاش , وَالْكِنَايَة عَنْ الْأَشْيَاء الَّتِي يُسْتَحَى مِنْهَا كَثِيرَة فِي الْقُرْآن وَالسُّنَّة , قَالَ : وَظَاهِر الْحَدِيث اِخْتِصَاص اللَّعْن بِمَا إِذَا وَقَعَ مِنْهَا ذَلِكَ لَيْلًا لِقَوْلِهِ \" حَتَّى تُصْبِح \" وَكَأَنَّ السِّرّ تَأَكُّد ذَلِكَ الشَّأْن فِي اللَّيْل وَقُوَّة الْبَاعِث عَلَيْهِ , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوز لَهَا الِامْتِنَاع فِي النَّهَار , وَإِنَّمَا خُصَّ اللَّيْل بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الْمَظِنَّة لِذَلِكَ ا ه. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة يَزِيد بْن كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِم عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , مَا مِنْ رَجُل يَدْعُو اِمْرَأَته إِلَى فِرَاشهَا فَتَأْبَى عَلَيْهِ إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاء سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا \" وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان مِنْ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ \" ثَلَاثَة لَا تُقْبَل لَهُمْ صَلَاة وَلَا يَصْعَد لَهُمْ إِلَى السَّمَاء حَسَنَة : الْعَبْد الْآبِق حَتَّى يَرْجِع , وَالسَّكْرَان حَتَّى يَصْحُو , وَالْمَرْأَة السَّاخِط عَلَيْهَا زَوْجهَا حَتَّى يَرْضَى \" فَهَذِهِ الْإِطْلَاقَات تَتَنَاوَل اللَّيْل وَالنَّهَار. ‏ ‏قَوْله ( فَأَبَتْ أَنْ تَجِيء ) ‏ ‏زَادَ أَبُو عَوَانَة عَنْ الْأَعْمَش كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق \" فَبَاتَ غَضْبَان عَلَيْهَا \" وَبِهَذِهِ الزِّيَادَة يُتَّجَه وُقُوع اللَّعْن , لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ يَتَحَقَّق ثُبُوت مَعْصِيَتهَا , بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَغْضَب مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُون إِمَّا لِأَنَّهُ عَذَرَهَا , وَإِمَّا لِأَنَّهُ تَرَك حَقّه مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْله فِي رِوَايَة زُرَارَة \" إِذَا بَاتَتْ الْمَرْأَة مُهَاجِرَة فِرَاش زَوْجهَا \" فَلَيْسَ هُوَ عَلَى ظَاهِره فِي لَفْظ الْمُفَاعَلَة , بَلْ الْمُرَاد أَنَّهَا هِيَ الَّتِي هَجَرَتْ , وَقَدْ تَأْتِي لَفْظ الْمُفَاعَلَة وَيُرَاد بِهَا نَفْس الْفِعْل وَلَا يَتَّجِه عَلَيْهَا اللَّوْم إِلَّا إِذَا بَدَأَتْ هِيَ بِالْهَجْرِ فَغَضِبَ هُوَ لِذَلِكَ أَوْ هَجَرَهَا وَهِيَ ظَالِمَة فَلَمْ تَسْتَنْصِل مِنْ ذَنْبهَا وَهَجَرَتْهُ , أَمَّا لَوْ بَدَأَ هُوَ بِهَجْرِهَا ظَالِمًا لَهَا فَلَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة \" إِذَا بَاتَتْ الْمَرْأَة هَاجِرَة \" بِلَفْظِ اِسْم الْفَاعِل. ‏ ‏قَوْله ( لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَة حَتَّى تُصْبِح ) ‏ ‏فِي رِوَايَة زُرَارَة \" حَتَّى تَرْجِع \" وَهِيَ أَكْثَر فَائِدَة , وَالْأُولَى مَحْمُولَة عَلَى الْغَالِب كَمَا تَقَدَّمَ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" اِثْنَانِ لَا تُجَاوِز صَلَاتهمَا رُءُوسهمَا : عَبْد آبِق , وَامْرَأَة غَضِبَ زَوْجهَا حَتَّى تَرْجِع \" وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم. قَالَ الْمُهَلَّب : هَذَا الْحَدِيث يُوجِب أَنَّ مَنْع الْحُقُوق - فِي الْأَبْدَانِ كَانَتْ أَوْ فِي الْأَمْوَال - مِمَّا يُوجِب سُخْط اللَّه , إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدهَا بِعَفْوِهِ , وَفِيهِ جَوَاز لَعْن الْعَاصِي الْمُسْلِم إِذَا كَانَ عَلَى وَجْه الْإِرْهَاب عَلَيْهِ لِئَلَّا يُوَاقِع الْفِعْل , فَإِذَا وَاقَعَهُ فَإِنَّمَا يُدْعَى لَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالْهِدَايَة. قُلْت : لَيْسَ هَذَا التَّقْيِيد مُسْتَفَادًا مِنْ هَذَا الْحَدِيث بَلْ مِنْ أَدِلَّة أُخْرَى , وَقَدْ اِرْتَضَى بَعْض مَشَايِخنَا مَا ذَكَرَهُ الْمُهَلَّب مِنْ الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى جَوَاز لَعْنِ الْعَاصِي الْمُعَيَّن وَفِيهِ نَظَرٌ , وَالْحَقّ أَنَّ مَنْ مَنَعَ اللَّعْن أَرَادَ بِهِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيّ وَهُوَ الْإِبْعَاد مِنْ الرَّحْمَة , وَهَذَا لَا يَلِيق أَنْ يُدْعَى بِهِ عَلَى الْمُسْلِم بَلْ يُطْلَب لَهُ الْهِدَايَة وَالتَّوْبَة وَالرُّجُوع عَنْ الْمَعْصِيَة , وَالَّذِي أَجَازَهُ أَرَادَ بِهِ مَعْنَاهُ الْعُرْفِيّ وَهُوَ مُطْلَق السَّبّ , وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّه إِذَا كَانَ بِحَيْثُ يَرْتَدِع الْعَاصِي بِهِ وَيَنْزَجِر , وَأَمَّا حَدِيث الْبَاب فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَنَّ الْمَلَائِكَة تَفْعَل ذَلِكَ وَلَا يَلْزَم مِنْهُ جَوَازه عَلَى الْإِطْلَاق. وَفِيهِ أَنَّ الْمَلَائِكَة تَدْعُو عَلَى أَهْل الْمَعْصِيَة مَا دَامُوا فِيهَا وَذَلِكَ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ يَدْعُونَ لِأَهْلِ الطَّاعَة مَا دَامُوا فِيهَا كَذَا قَالَ الْمُهَلَّب وَفِيهِ نَظَر أَيْضًا , قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : وَهَلْ الْمَلَائِكَة الَّتِي تَلْعَنهَا هُمْ الْحَفَظَة أَوْ غَيْرهمْ ؟ يَحْتَمِل الْأَمْرَيْنِ. قُلْت : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون بَعْض الْمَلَائِكَة مُوَكَّلًا بِذَلِكَ , وَيُرْشِد إِلَى التَّعْمِيم قَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِم \" الَّذِي فِي السَّمَاء \" إِنْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ سُكَّانهَا قَالَ : وَفِيهِ دَلِيل عَلَى قَبُول دُعَاء الْمَلَائِكَة مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَوَّفَ بِذَلِكَ. وَفِيهِ الْإِرْشَاد إِلَى مُسَاعَدَة الزَّوْج وَطَلَب مَرْضَاته. وَفِيهِ أَنَّ صَبْر الرَّجُل عَلَى تَرْك الْجِمَاع أَضْعَف مِنْ صَبْر الْمَرْأَة. قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ أَقْوَى التَّشْوِيشَات عَلَى الرَّجُل دَاعِيَة النِّكَاح وَلِذَلِكَ حَضَّ الشَّارِع النِّسَاء عَلَى مُسَاعَدَة الرِّجَال فِي ذَلِكَ ا ه. أَوْ السَّبَب فِيهِ الْحَضّ عَلَى التَّنَاسُل. وَيُرْشِد إِلَيْهِ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي التَّرْغِيب فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل النِّكَاح , قَالَ : وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى مُلَازَمَة طَاعَة اللَّه وَالصَّبْر عَلَى عِبَادَته جَزَاء عَلَى مُرَاعَاته لِعَبْدِهِ حَيْثُ لَمْ يَتْرُك شَيْئًا مِنْ حُقُوقه إِلَّا جَعَلَ لَهُ مَنْ يَقُوم بِهِ حَتَّى جَعَلَ مَلَائِكَته تَلْعَن مَنْ أَغْضَب عَبْده بِمَنْعِ شَهْوَة مِنْ شَهَوَاته , فَعَلَى الْعَبْد أَنْ يُوَفِّي حُقُوق رَبّه الَّتِي طَلَبهَا مِنْهُ ; وَإِلَّا فَمَا أَقْبَح الْجَفَاء مِنْ الْفَقِير الْمُحْتَاج إِلَى الْغَنِيّ الْكَثِير الْإِحْسَان. ا ه مُلَخَّصًا مِنْ كَلَام اِبْن أَبِي جَمْرَة رَحِمَهُ اللَّه. ‏"
    },
    {
        "id": "4795",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زُرَارَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا بَاتَتْ الْمَرْأَةُ مُهَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4796",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏أَيْضًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏فِي الصَّوْمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْأَعْرَج ) ‏ ‏كَذَا يَقُول شُعَيْب عَنْ أَبِي الزِّنَاد , وَقَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد \" عَنْ مُوسَى بْن أَبِي عُثْمَان عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَقَدْ بَيَّنَهُ الْمُصَنِّف بَعْد. ‏ ‏قَوْله ( لَا يَحِلّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُوم وَزَوْجهَا ) ‏ ‏يَلْتَحِق بِهِ السَّيِّد بِالنِّسْبَةِ لِأَمَتِهِ الَّتِي يَحِلّ لَهُ وَطْؤُهَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام \" وَبَعْلهَا \" وَهِيَ أَفْيَد لِأَنَّ اِبْن حَزْم نَقَلَ عَنْ أَهْل اللُّغَة أَنَّ الْبَعْل اِسْم لِلزَّوْجِ وَالسَّيِّد , فَإِنْ ثَبَتَ وَإِلَّا أُلْحِقَ السَّيِّد بِالزَّوْجِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْمَعْنَى. ‏ ‏قَوْله ( شَاهِد ) ‏ ‏أَيْ حَاضِر. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا بِإِذْنِهِ ) ‏ ‏يَعْنِي فِي غَيْر صِيَام أَيَّام رَمَضَان , وَكَذَا فِي غَيْر رَمَضَان مِنْ الْوَاجِب إِذَا تَضَيّقَ الْوَقْت , وَقَدْ خَصَّهُ الْمُصَنِّف فِي التَّرْجَمَة الْمَاضِيَة قَبْل بَاب بِالتَّطَوُّعِ , وَكَأَنَّهُ تَلَقَّاهُ مِنْ رِوَايَة الْحَسَن بْن عَلِيّ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق فَإِنَّ فِيهَا \" لَا تَصُوم الْمَرْأَة غَيْر رَمَضَان \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا فِي أَثْنَاء حَدِيث \" وَمِنْ حَقّ الزَّوْج عَلَى زَوْجَته أَنْ لَا تَصُوم تَطَوُّعًا إِلَّا بِإِذْنِهِ , فَإِنْ فَعَلَتْ لَمْ يُقْبَل مِنْهَا \" وَقَدْ قَدَّمْت اِخْتِلَاف الرِّوَايَات فِي لَفْظ \" وَلَا تَصُوم \" , وَدَلَّتْ رِوَايَة الْبَاب عَلَى تَحْرِيم الصَّوْم الْمَذْكُور عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , قَالَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح الْمُهَذَّب \" : وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا يُكْرَه , وَالصَّحِيح الْأَوَّل , قَالَ : فَلَوْ صَامَتْ بِغَيْرِ إِذْنه صَحَّ وَأَثِمَتْ لِاخْتِلَافِ الْجِهَة وَأَمْر قَبُوله إِلَى اللَّه , قَالَهُ الْعِمْرَانِيّ. قَالَ النَّوَوِيّ : وَمُقْتَضَى الْمَذْهَب عَدَم الثَّوَاب , وَيُؤَكِّد التَّحْرِيم ثُبُوت الْخَبَر بِلَفْظِ النَّهْي , وَوُرُوده بِلَفْظِ الْخَبَر لَا يَمْنَع ذَلِكَ , بَلْ هُوَ أَبْلَغ , لِأَنَّهُ يَدُلّ عَلَى تَأَكُّد الْأَمْر فِيهِ فَيَكُون تَأَكُّده بِحَمْلِهِ عَلَى التَّحْرِيم. قَالَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح مُسْلِم \" : وَسَبَب هَذَا التَّحْرِيم أَنَّ لِلزَّوْجِ حَقّ الِاسْتِمْتَاع بِهَا فِي كُلّ وَقْت , وَحَقّه وَاجِب عَلَى الْفَوْر فَلَا يَفُوتهُ بِالتَّطَوُّعِ وَلَا بِوَاجِبٍ عَلَى التَّرَاخِي , وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ لَهَا الصَّوْم بِغَيْرِ إِذْنه وَإِذَا أَرَادَ الِاسْتِمْتَاع بِهَا جَازَ وَيُفْسِد صَوْمهَا لِأَنَّ الْعَادَة أَنَّ الْمُسْلِم يَهَاب اِنْتَهَاك الصَّوْم بِالْإِفْسَادِ , وَلَا شَكّ أَنَّ الْأَوْلَى لَهُ خِلَاف ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَثْبُت دَلِيل كَرَاهَته , نَعَمْ لَوْ كَانَ مُسَافِرًا فَمَفْهُوم الْحَدِيث فِي تَقْيِيده بِالشَّاهِدِ يَقْتَضِي جَوَاز التَّطَوُّع لَهَا إِذَا كَانَ زَوْجهَا مُسَافِرًا , فَلَوْ صَامَتْ وَقَدِمَ فِي أَثْنَاء الصِّيَام فَلَهُ إِفْسَاد صَوْمهَا ذَلِكَ مِنْ غَيْر كَرَاهَة , وَفِي مَعْنَى الْغَيْبَة أَنْ يَكُون مَرِيضًا بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع الْجِمَاع , وَحَمَل الْمُهَلَّب النَّهْي الْمَذْكُور عَلَى التَّنْزِيه فَقَالَ : هُوَ مِنْ حُسْنِ الْمُعَاشَرَة , وَلَهَا أَنْ تَفْعَل مِنْ غَيْر الْفَرَائِض بِغَيْرِ إِذْنه مَا لَا يَضُرّهُ وَلَا يَمْنَعهُ مِنْ وَاجِبَاته , وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْطِل شَيْئًا مِنْ طَاعَة اللَّه إِذَا دَخَلْت فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنه ا ه , وَهُوَ خِلَاف الظَّاهِر. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ حَقّ الزَّوْج آكَد عَلَى الْمَرْأَة مِنْ التَّطَوُّع بِالْخَيْرِ , لِأَنَّ حَقّه وَاجِب وَالْقِيَام بِالْوَاجِبِ مُقَدَّم عَلَى الْقِيَام بِالتَّطَوُّعِ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا تَأْذَن فِي بَيْته ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَهُوَ شَاهِد إِلَّا بِإِذْنِهِ \" وَهَذَا الْقَيْدُ لَا مَفْهُوم لَهُ بَلْ خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِب , وَإِلَّا فَغَيْبَة الزَّوْج لَا تَقْتَضِي الْإِبَاحَة لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْذَن لِمَنْ يَدْخُل بَيْته , بَلْ يَتَأَكَّد حِينَئِذٍ عَلَيْهَا الْمَنْع لِثُبُوتِ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَنْ الدُّخُول عَلَى الْمُغَيَّبَات أَيْ مَنْ غَابَ عَنْهَا زَوْجهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَهُ مَفْهُوم , وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا حَضَرَ تَيَسَّرَ اِسْتِئْذَانه وَإِذَا غَابَ تَعَذَّرَ فَلَوْ دَعَتْ الضَّرُورَة إِلَى الدُّخُول عَلَيْهَا لَمْ تَفْتَقِر إِلَى اِسْتِئْذَانه لِتَعَذُّرِهِ. ثُمَّ هَذَا كُلّه فِيمَا يَتَعَلَّق بِالدُّخُولِ عَلَيْهَا , أَمَّا مُطْلَق دُخُول الْبَيْت بِأَنْ تَأْذَن لِشَخْصٍ فِي دُخُول مَوْضِع مِنْ حُقُوق الدَّار الَّتِي هِيَ فِيهَا أَوْ إِلَى دَار مُنْفَرِدَة عَنْ سَكَنَهَا فَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ مُلْتَحِق بِالْأَوَّلِ , وَقَالَ النَّوَوِيّ : فِي هَذَا الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَا يَفْتَات عَلَى الزَّوْج بِالْإِذْنِ فِي بَيْته إِلَّا بِإِذْنِهِ , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا لَا تَعْلَم رِضَا الزَّوْج بِهِ , أَمَّا لَوْ عَلِمَتْ رِضَا الزَّوْج بِذَلِكَ فَلَا حَرَج عَلَيْهَا , كَمَنْ جَرَتْ عَادَته بِإِدْخَالِ الضِّيفَان مَوْضِعًا مُعَدًّا لَهُمْ سَوَاء كَانَ حَاضِرًا أَمْ غَائِبًا فَلَا يَفْتَقِر إِدْخَالهمْ إِلَى إِذْن خَاصّ لِذَلِكَ , وَحَاصِله أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ اِعْتِبَار إِذْنه تَفْصِيلًا أَوْ إِجْمَالًا. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا بِإِذْنِهِ ) ‏ ‏أَيْ الصَّرِيح , وَهَلْ يَقُوم مَا يَقْتَرِن بِهِ عَلَامَة رِضَاهُ مَقَام التَّصْرِيح بِالرِّضَا ؟ فِيهِ نَظَرٌ. ‏ ‏قَوْله ( وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَة عَنْ غَيْر أَمْرِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَيْهِ شَطْرُهُ ) ‏ ‏أَيْ نِصْفه , وَالْمُرَاد نِصْف الْأَجْر كَمَا جَاءَ وَاضِحًا فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي الْبُيُوع , وَيَأْتِي فِي النَّفَقَات بِلَفْظِ \" إِذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَة مِنْ كَسْب زَوْجهَا عَنْ غَيْر أَمْرِهِ فَلَهُ نِصْف أَجْره \" فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" فَلَهَا نِصْف أَجْره \" وَأَغْرَبَ الْخَطَّابِيُّ فَحَمَلَ قَوْله \" يُؤَدِّي إِلَيْهِ شَطْره \" عَلَى الْمَال الْمُنْفَق , وَأَنَّهُ يَلْزَم الْمَرْأَة إِذَا أَنْفَقَتْ بِغَيْرِ أَمْر زَوْجهَا زِيَادَة عَلَى الْوَاجِب لَهَا أَنْ تَغْرَم الْقَدْر الزَّائِد , وَأَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَاد بِالشَّطْرِ فِي الْخَبَر لِأَنَّ الشَّطْر يُطْلَق عَلَى النِّصْف وَعَلَى الْجُزْء , قَالَ : وَنَفَقَتهَا مُعَاوَضَة فَتُقَدَّر بِمَا يُوَازِيهَا مِنْ الْفَرْض وَتَرُدّ الْفَضْل عَنْ مِقْدَار الْوَاجِب , وَإِنَّمَا جَازَ لَهَا فِي قَدْر الْوَاجِب لِقِصَّةِ هِنْد \" خُذِي مِنْ مَاله بِالْمَعْرُوفِ \" ا ه. وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الرِّوَايَة الْأُخْرَى يَرُدّ عَلَيْهِ. وَقَدْ اِسْتَشْعَرَ الْإِيرَاد فَحُمِلَ الْحَدِيث الْآخَر عَلَى مَعْنَى آخَر وَجَعَلَهُمَا حَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الدَّلَالَة , وَالْحَقّ أَنَّهُمَا حَدِيث وَاحِد رُوِيَا بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَة. وَأَمَّا تَقْيِيده بِقَوْلِهِ \" عَنْ غَيْر أَمْرِهِ \" فَقَالَ النَّوَوِيّ : عَنْ غَيْر أَمْره الصَّرِيح فِي ذَلِكَ الْقَدْر الْمُعَيَّن , وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ وُجُود إِذْن سَابِق عَامّ يَتَنَاوَل هَذَا الْقَدْر وَغَيْره إِمَّا بِالصَّرِيحِ وَإِمَّا بِالْعُرْفِ. قَالَ : وَيَتَعَيَّن هَذَا التَّأْوِيل لِجَعْلِ الْأَجْر بَيْنهمَا نِصْفَيْنِ , وَمَعْلُوم أَنَّهَا إِذَا أَنْفَقَتْ مِنْ مَاله بِغَيْرِ إِذْنه لَا الصَّرِيح وَلَا الْمَأْخُوذ مِنْ الْعُرْف لَا يَكُون لَهَا أَجْر بَلْ عَلَيْهَا وِزْر , فَيَتَعَيَّن تَأْوِيله. قَالَ : وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا كُلّه مَفْرُوض فِي قَدْر يَسِير يَعْلَم رِضَا الْمَالِك بِهِ عُرْفًا , فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ. وَيُؤَيِّدهُ قَوْله - يَعْنِي كَمَا مَرَّ فِي حَدِيث عَائِشَة فِي كِتَاب الزَّكَاة وَالْبُيُوع - \" إِذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَة مِنْ طَعَام بَيْتهَا غَيْر مُفْسِدَة \" فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ قَدْر يُعْلَم رِضَا الزَّوْج بِهِ فِي الْعَادَة , قَالَ : وَنَبَّهَ بِالطَّعَامِ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِمَّا يُسْمَح بِهِ عَادَة , بِخِلَافِ النَّقْدَيْنِ فِي حَقّ كَثِير مِنْ النَّاس وَكَثِير مِنْ الْأَحْوَال. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي شَرْح حَدِيث عَائِشَة فِي الزَّكَاة مَبَاحِث لَطِيفَة وَأَجْوِبَة فِي هَذَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالتَّنْصِيفِ فِي حَدِيث الْبَاب الْحَمْل عَلَى الْمَال الَّذِي يُعْطِيه الرَّجُل فِي نَفَقَة الْمَرْأَة , فَإِذَا أَنْفَقَتْ مِنْهُ بِغَيْرِ عِلْمه كَانَ الْأَجْر بَيْنهمَا : لِلرَّجُلِ لِكَوْنِهِ الْأَصْل فِي اِكْتِسَابه وَلِكَوْنِهِ يُؤْجَر عَلَى مَا يُنْفِقهُ عَلَى أَهْله كَمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَغَيْره , وَلِلْمَرْأَةِ لِكَوْنِهِ مِنْ النَّفَقَة الَّتِي تَخْتَصّ بِهَا. وَيُؤَيِّد هَذَا الْحَمْل مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَقِب حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هَذَا قَالَ فِي الْمَرْأَة تَصَدَّق مِنْ بَيْت زَوْجهَا ؟ قَالَ : لَا إِلَّا مِنْ قُوتهَا وَالْأَجْر بَيْنهمَا , وَلَا يَحِلّ لَهَا أَنْ تَصَدَّقَ مِنْ مَال زَوْجهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَة أَبِي الْحَسَن بْن الْعَبْد عَقِبه : هَذَا يُضَعِّف حَدِيث هَمَّام ا ه , وَمُرَاده أَنَّهُ يُضَعِّف حَمْله عَلَى التَّعْمِيم , أَمَّا الْجَمْع بَيْنهمَا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الثَّانِي فَلَا , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة مِنْ حَدِيث سَعْد قَالَ \" قَالَتْ اِمْرَأَة يَا نَبِيّ اللَّه إِنَّا كَلٌّ عَلَى آبَائِنَا وَأَزْوَاجنَا وَأَبْنَائِنَا , فَمَا يَحِلّ لَنَا مِنْ أَمْوَالهمْ ؟ قَالَ : الرُّطَب تَأْكُلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ \". وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ \" لَا تُنْفِق اِمْرَأَة شَيْئًا مِنْ بَيْت زَوْجهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ , قِيلَ : وَلَا الطَّعَام ؟ قَالَ : ذَاكَ أَفْضَل أَمْوَالنَا \" وَظَاهِرهمَا التَّعَارُض , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الْمُرَاد بِالرُّطَبِ مَا يَتَسَارَع إِلَيْهِ الْفَسَاد فَأَذِنَ فِيهِ , بِخِلَافِ غَيْره وَلَوْ كَانَ طَعَامًا وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَرَوَاهُ أَبُو الزِّنَاد أَيْضًا عَنْ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي الصَّوْم ) ‏ ‏يُشِير إِلَى أَنَّ رِوَايَة شُعَيْب عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج اِشْتَمَلَتْ عَلَى ثَلَاثَة أَحْكَام , وَأَنَّ لِأَبِي الزِّنَاد فِي أَحَد الثَّلَاثَة وَهُوَ صِيَام الْمَرْأَة إِسْنَادًا آخَر , وَمُوسَى الْمَذْكُور هُوَ اِبْن أَبِي عُثْمَان , وَأَبُوهُ أَبُو عُثْمَان يُقَال لَهُ التَّبَّان بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة ثَقِيلَة وَاسْمه سَعْد وَيُقَال عِمْرَانَ , وَهُوَ مَوْلَى الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة , لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ وَصَلَ حَدِيثه الْمَذْكُور أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ مُوسَى بْن أَبِي عُثْمَان بِقِصَّةِ الصَّوْم فَقَطْ , وَالدَّارِمِيُّ أَيْضًا وَابْن خُزَيْمَةَ وَأَبُو عَوَانَة وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج بِهِ , قَالَ أَبُو عَوَانَة فِي رِوَايَة عَلِيِّ اِبْن الْمَدِينِيّ : حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَان بَعْد ذَلِكَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ مُوسَى بْن أَبِي عُثْمَان , فَرَاجَعْته فِيهِ فَثَبَتَ عَلَى مُوسَى وَرَجَعَ عَنْ الْأَعْرَج. وَرَوَيْنَاهُ عَالِيًا فِي \" جُزْء إِسْمَاعِيل بْن نُجَيْد \" مِنْ رِوَايَة الْمُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي الزِّنَاد. وَفِي الْحَدِيث حُجَّة عَلَى الْمَالِكِيَّة فِي تَجْوِيز دُخُول الْأَب وَنَحْوه بَيْت الْمَرْأَة بِغَيْرِ إِذْن زَوْجهَا , وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيث بِأَنَّهُ مُعَارَض بِصِلَةِ الرَّحِم , وَإِنَّ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَجْهِيًّا فَيَحْتَاج إِلَى مُرَجِّح , وَيُمْكِن أَنْ يُقَال : صِلَة الرَّحِم إِنَّمَا تُنْدَب بِمَا يَمْلِكهُ الْوَاصِل , وَالتَّصَرُّف فِي بَيْت الزَّوْج لَا تَمْلِكهُ الْمَرْأَة إِلَّا بِإِذْنِ الزَّوْج , فَكَمَا لِأَهْلِهَا أَنْ لَا تَصِلهُمْ بِمَالِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِذْنهَا لَهُمْ فِي دُخُول الْبَيْت كَذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4797",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏التَّيْمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةَ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ وَأَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ ‏",
        "sharh": "قَوْله ( بَاب ) كَذَا لَهُمْ بِغَيْرِ تَرْجَمَة , ‏ ‏وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث أُسَامَة لِقَوْلِهِ فِيهِ \" وَقَفْت عَلَى بَاب النَّار فَإِذَا عَامَّة مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاء \" ‏ ‏وَسَقَطَ لِلنَّسَفِيِّ لَفْظ \" بَاب \" فَصَارَ الْحَدِيث الَّذِي فِيهِ مِنْ جُمْلَة الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَمُنَاسَبَته لَهُ مِنْ جِهَة الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ النِّسَاء غَالِبًا يَرْتَكِبْنَ النَّهْي الْمَذْكُور , وَمِنْ ثَمَّ كُنَّ أَكْثَر مَنْ دَخَلَ النَّار , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4798",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا ثُمَّ رَأَيْنَاكَ ‏ ‏تَكَعْكَعْتَ ‏ ‏فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ أَوْ أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِكُفْرِهِنَّ قِيلَ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي خُسُوف الشَّمْس بِطُولِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي آخِر أَبْوَاب الْكُسُوف , وَقَوْله فِيهِ \" لَوْ أَحْسَنْت إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْر \" فِيهِ إِشَارَة إِلَى وُجُود سَبَب التَّعْذِيب لِأَنَّهَا بِذَلِكَ كَالْمُصِرَّةِ عَلَى كُفْر النِّعْمَة , وَالْإِصْرَار عَلَى الْمَعْصِيَة مِنْ أَسْبَاب الْعَذَاب , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْمُهَلَّب. ‏"
    },
    {
        "id": "4799",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏وَسَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ بِمَعْنَى حَدِيث أُسَامَة الْمَاضِي فِي الْبَاب قَبْله. ‏ ‏وَقَوْله \" تَابَعَهُ أَيُّوب وَسَلْمُ بْن زَرِير \" ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُمَا تَابَعَا عَوْفًا عَنْ أَبِي رَجَاء وَهُوَ الْعُطَارِدِيّ فِي رِوَايَة هَذَا الْحَدِيث عَنْ عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب فَضْل الْفَقْر \" مِنْ الرِّقَاق أَنَّ حَمَّاد بْن نَجِيح وَصَخْر بْن جُوَيْرِيَةَ خَالَفَا فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي رَجَاء فَقَالَا \" عَنْهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس \". وَمُتَابَعَة أَيُّوب وَصَلَهَا النَّسَائِيُّ وَاخْتَلَفَ فِيهِ عَلَى أَيُّوب فَقَالَ عَبْد الْوَارِث عَنْهُ هَكَذَا , وَقَالَ الثَّقَفِيّ وَابْن عُلَيَّة وَغَيْرهمَا \" عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي رَجَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس \". وَأَمَّا مُتَابَعَة سَلْم بْن زَرِير فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي صِفَة الْجَنَّة مِنْ بَدْء الْخَلْق وَفِي \" بَاب فَضْل الْفَقْر \" مِنْ الرِّقَاق , وَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث مَعَ حَدِيث أُسَامَة فِي \" بَاب صِفَة الْجَنَّة وَالنَّار \" مِنْ كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4800",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَلَا تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4801",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْأَمِيرُ رَاعٍ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4802",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آلَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا وَقَعَدَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ فَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ ‏ ‏آلَيْتَ ‏ ‏عَلَى شَهْرٍ قَالَ إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ‏",
        "sharh": "وَ قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيث أَنَس الْمَذْكُور قَرِيبًا فِي آخِر حَدِيث عُمَر الطَّوِيل ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" إِنَّك آلَيْتَ شَهْرًا \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْكُشْمِيهَنِيّ \" آلَيْتَ عَلَى شَهْر \" ‏ ‏وَقَوْله \" فَقِيلَ يَا رَسُول اللَّه \" ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ عَائِشَة كَمَا تَقَدَّمَ وَاضِحًا فِي آخِر حَدِيث عُمَر الْمَذْكُور , وَتَقَدَّمَ فِيهِ أَنَّ عُمَر وَغَيْره أَيْضًا سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4803",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عِكْرِمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ شَهْرًا فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا عَلَيْهِنَّ أَوْ رَاحَ ‏ ‏فَقِيلَ لَهُ ‏ ‏يَا نَبِيَّ اللَّهِ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا قَالَ ‏ ‏إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عِكْرِمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث ) ‏ ‏أَيْ اِبْن هِشَام بْن الْمُغِيرَة , وَهُوَ أَخُو أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن أَحَد الْفُقَهَاء السَّبْعَة , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي الصِّيَام عَنْ أَبِي عَاصِم وَحْده بِهِ , وَقَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيق \" لَا يَدْخُل عَلَى بَعْض نِسَائِهِ \" كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة. وَهُوَ يُشْعِر بِأَنَّ اللَّاتِي أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُل عَلَيْهِنَّ هُنَّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُنَّ مَا وَقَعَ مِنْ سَبَب الْقَسْم لَا جَمِيع النِّسْوَة , لَكِنْ اِتَّفَقَ أَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة اِنْفَكَّتْ رِجْله كَمَا فِي حَدِيث أَنَس الْمُتَقَدِّم فِي أَوَائِل الصِّيَام , فَاسْتَمَرَّ مُقِيمًا فِي الْمَشْرُبَة ذَلِكَ الشَّهْر كُلّه , وَهُوَ يُؤَيِّد أَنَّ سَبَب الْقَسْم مَا تَقَدَّمَ فِي مَارِيَة فَإِنَّهَا تَقْتَضِي اِخْتِصَاص بَعْض النِّسْوَة دُون بَعْض بِخِلَافِ قِصَّة الْعَسَل فَإِنَّهُنَّ اِشْتَرَكْنَ فِيهَا إِلَّا صَاحِبَة الْعَسَل وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُنَّ بَدَأَتْ بِذَلِكَ , وَكَذَلِكَ قِصَّة طَلَب النَّفَقَة وَالْغَيْرَة فَإِنَّهُنَّ اِجْتَمَعْنَ فِيهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4804",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو يَعْفُورٍ ‏ ‏قَالَ تَذَاكَرْنَا عِنْدَ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏فَقَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ أَصْبَحْنَا يَوْمًا وَنِسَاءُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَبْكِينَ عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ أَهْلُهَا فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ مَلْآنُ مِنْ النَّاسِ فَجَاءَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَصَعِدَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي غُرْفَةٍ لَهُ فَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَنَادَاهُ فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ فَقَالَ ‏ ‏لَا وَلَكِنْ ‏ ‏آلَيْتُ ‏ ‏مِنْهُنَّ شَهْرًا فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَبُو يَعْفُور ) ‏ ‏بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَضَمّ الْفَاء وَسُكُون الْوَاو وَآخِره رَاء هُوَ الْأَصْغَر. وَاسْمه عَبْد الرَّحْمَن بْن عُبَيْد , كُوفِيّ ثِقَة لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث وَآخَر تَقَدَّمَ فِي آخِر لَيْلَة الْقَدْر حَدَّثَ بِهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي الضُّحَى. ‏ ‏قَوْله ( تَذَاكَرْنَا عِنْد أَبِي الضُّحَى فَقَالَ : حَدَّثَنَا اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر مَا تَذَاكَرُوا بِهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَحْمَد بْن عَبْد الْحَكَم عَنْ مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فَأَوْضَحَهُ , وَلَفْظه \" تَذَاكَرْنَا الشَّهْر , فَقَالَ بَعْضنَا ثَلَاثِينَ , وَقَالَ بَعْضنَا تِسْعًا وَعِشْرِينَ , فَقَالَ أَبُو الضُّحَى : اِبْن عَبَّاس \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة وَقَالَ فِيهِ \" تَذَاكَرْنَا الشَّهْر عِنْد أَبِي الضُّحَى \". ‏ ‏قَوْله ( فَدَخَلْت الْمَسْجِد , فَإِذَا هُوَ مَلْآن مِنْ النَّاس ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِر فِي حُضُور اِبْن عَبَّاس هَذِهِ الْقِصَّة , وَحَدِيثه الطَّوِيل , بَلْ الَّذِي مَضَى قَرِيبًا يُشْعِر بِأَنَّهُ مَا عُرِفَ الْقِصَّة إِلَّا مِنْ عُمَر , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَرَفَهَا مُجْمَلَة فَفَصَّلَهَا عُمَر لَهُ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( فِي غُرْفَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" فِي عُلَيَّة \" بِمُهْمَلَةٍ مَضْمُومَة وَقَدْ تُكْسَر , وَبِلَامٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّة ثَقِيلَتَيْنِ , هِيَ الْمَكَان الْعَالِي وَهِيَ الْغُرْفَة , وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ مَشْرُبَة وَفُسِّرَتْ فِيمَا مَضَى , وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحِيم بْن سُلَيْمَان عَنْ أَبِي يَعْفُور \" فِي غُرْفَة لَيْسَ عِنْده فِيهَا إِلَّا بِلَال \". ‏ ‏قَوْله ( فَنَادَاهُ فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الْأُصُول الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا مِنْ الْبُخَارِيّ بِحَذْفِ فَاعِل \" فَنَادَاهُ \" فَإِنَّ الضَّمِير لِعُمَر وَهُوَ الَّذِي دَخَلَ , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم وَلَفْظه بَعْد قَوْله فَسَلَّمَ \" فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَد , فَانْصَرَفَ , فَنَادَاهُ بِلَال فَدَخَلَ \" وَمِثْله لِلنَّسَائِيّ لَكِنْ قَالَ \" فَنَادَى بِلَال \" بِحَذْفِ الْمَفْعُول وَهُوَ الضَّمِير فِي رِوَايَة غَيْره , وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَد , فَانْحَطَّ , فَدَعَاهُ بِلَال فَسَلَّمَ ثُمَّ دَخَلَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث الطَّوِيل أَنَّ فِي رِوَايَة سِمَاك بْن الْوَلِيد عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر عِنْد مُسْلِم أَنَّ اِسْم الْغُلَام الَّذِي أَذِنَ لَهُ رَبَاح , فَلَوْلَا قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" لَيْسَ عِنْده فِيهَا إِلَّا بِلَال \" لَجَوَّزْت أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا كَانَا عِنْده , لَكِنْ يَجُوز أَنْ يَكُون الْحَصْر لِلْعِنْدِيَّةِ الدَّاخِلَة وَيَكُون رَبَاح كَانَ عَلَى أُسْكُفَّة الْبَاب كَمَا تَقَدَّمَ , وَعِنْد الْإِذْن نَادَاهُ بِلَال فَأَسْمَعهُ رَبَاح فَيَجْتَمِع الْخَبَرَانِ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَا , وَلَكِنْ آلَيْت مِنْهُنَّ شَهْرًا ) ‏ ‏أَيْ حَلَفْت أَنْ لَا أَدْخُل عَلَيْهِنَّ شَهْرًا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه وَاضِحًا فِي شَرْح حَدِيث عُمَر الْمُطَوَّل. ‏"
    },
    {
        "id": "4805",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , ‏ ‏وَهِشَام ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة , ‏ ‏وَعَبْد اللَّه بْن زَمْعَة ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان نَسَبه فِي تَفْسِير سُورَة وَالشَّمْس. ‏ ‏قَوْله ( لَا يَجْلِد أَحَدكُمْ ) ‏ ‏كَذَا فِي نُسَخ الْبُخَارِيّ بِصِيغَةِ النَّهْي , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَحْمَد بْن سُفْيَان النَّسَائِيِّ عَنْ الْفِرْيَابِيّ - وَهُوَ مُحَمَّد بْن يُوسُف شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ - بِصِيغَةِ الْخَبَر وَلَيْسَ فِي أَوَّله صِيغَة النَّهْي , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْفِرْيَابِيّ , وَكَذَا تَوَارَدَ عَلَيْهِ أَصْحَاب هِشَام بْن عُرْوَة , وَتَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير مِنْ رِوَايَة وُهَيْب , وَيَأْتِي فِي الْأَدَب مِنْ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ وَعَنْ وَكِيع وَعَنْ أَبِي مُعَاوِيَة وَعَنْ اِبْن نُمَيْر , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة اِبْن نُمَيْر , وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَة عَبْدَة بْن سُلَيْمَان , فَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة وَعَبْدَة \" إِلَامَ يَجْلِد \" وَفِي رِوَايَة وَكِيع وَابْن نُمَيْر \" عَلَامَ يَجْلِد \" وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" وَعَظَهُمْ فِي النِّسَاء فَقَالَ : يَضْرِب أَحَدكُمْ اِمْرَأَته \" وَهُوَ مُوَافِق لِرِوَايَةِ أَحْمَد بْن سُفْيَان , وَلَيْسَ عِنْد وَاحِد مِنْهُمْ صِيغَة النَّهْي. ‏ ‏قَوْله ( جَلْد الْعَبْد ) ‏ ‏أَيْ مِثْل جَلْد الْعَبْد , وَفِي إِحْدَى رِوَايَتَيْ اِبْن نُمَيْر عِنْد مُسْلِم \" ضَرْب الْأَمَة \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ \" كَمَا يُضْرَب الْعَبْد وَالْأَمَة \" وَفِي رِوَايَة أَحْمَد بْن سُفْيَان \" جَلْد الْبَعِير أَوْ الْعَبْد \" وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَب مِنْ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" ضَرْب الْفَحْل أَوْ الْعَبْد \" وَالْمُرَاد بِالْفَحْلِ الْبَعِير , وَفِي حَدِيث لَقِيط بْن صُبْرَة عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" وَلَا تَضْرِب ظَعِينَتك ضَرْبك أَمَتك \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يُجَامِعهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" وَلَعَلَّهُ أَنْ يُضَاجِعهَا \" وَهِيَ رِوَايَة الْأَكْثَر , وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عُيَيْنَةَ فِي الْأَدَب \" ثُمَّ لَعَلَّهُ يُعَانِقهَا \". وَقَوْله \" فِي آخِر الْيَوْم \" فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عِنْد أَحْمَد \" مِنْ آخِر اللَّيْل \" وَلَهُ عِنْد النَّسَائِيِّ \" آخِر النَّهَار \" وَفِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر وَالْأَكْثَر \" فِي آخِر يَوْمه \" وَفِي رِوَايَة وَكِيع \" آخِر اللَّيْل أَوْ مِنْ آخِر اللَّيْل \" وَكُلّهَا مُتَقَارِبَة. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز تَأْدِيب الرَّقِيق بِالضَّرْبِ الشَّدِيد , وَالْإِيمَاء إِلَى جَوَاز ضَرْب النِّسَاء دُون ذَلِكَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّف بِقَوْلِهِ \" غَيْر مُبَرِّح \" , وَفِي سِيَاقه اِسْتِبْعَاد وُقُوع الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْعَاقِل : أَنْ يُبَالِغ فِي ضَرْب اِمْرَأَته ثُمَّ يُجَامِعهَا مِنْ بَقِيَّة يَوْمه أَوْ لَيْلَته , وَالْمُجَامَعَة أَوْ الْمُضَاجَعَة إِنَّمَا تُسْتَحْسَن مَعَ مَيْل النَّفْس وَالرَّغْبَة فِي الْعِشْرَة , وَالْمَجْلُود غَالِبًا يَنْفِر مِمَّنْ جَلَدَهُ , فَوَقَعَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَمّ ذَلِكَ وَأَنَّهُ إِنْ كَانَ وَلَا بُدّ فَلْيَكُنْ التَّأْدِيب بِالضَّرْبِ الْيَسِير بِحَيْثُ لَا يَحْصُل مِنْهُ النُّفُور التَّامّ فَلَا يُفْرِط فِي الضَّرْب وَلَا يُفْرِط فِي التَّأْدِيب , قَالَ الْمُهَلَّب : بَيَّنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ \" جَلْد الْعَبْد \" أَنَّ ضَرْبَ الرَّقِيق فَوْق ضَرْب الْحُرّ لِتَبَايُنِ حَالَتَيْهِمَا , وَلِأَنَّ ضَرْب الْمَرْأَة إِنَّمَا أُبِيحَ مِنْ أَجْل عِصْيَانهَا زَوْجهَا فِيمَا يَجِب مِنْ حَقّه عَلَيْهَا ا ه. وَقَدْ جَاءَ النَّهْي عَنْ ضَرْب النِّسَاء مُطْلَقًا , فَعِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث إِيَاس بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي ذُبَاب بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَة \" لَا تَضْرِبُوا إِمَاء اللَّه \" فَجَاءَ عُمَر فَقَالَ : قَدْ ذَئِرَ النِّسَاء عَلَى أَزْوَاجهنَّ , فَأَذِنَ لَهُمْ فَضَرَبُوهُنَّ , فَأَطَافَ بِآلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاء كَثِير فَقَالَ : لَقَدْ أَطَافَ بِآلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعُونَ اِمْرَأَة كُلّهنَّ يَشْكِينَ أَزْوَاجهنَّ , وَلَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَاركُمْ \" وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي صَحِيح اِبْن حِبَّان , وَآخَر مُرْسَل مِنْ حَدِيث أُمّ كُلْثُوم بِنْت أَبِي بَكْر عِنْد الْبَيْهَقِيِّ , وَقَوْله \" ذَئِرَ \" بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَكَسْر الْهَمْزَة بَعْدهَا رَاء أَيْ نَشَزَ بِنُونٍ وَمُعْجَمَة وَزَاي , وَقِيلَ مَعْنَاهُ غَضِبَ وَاسْتَبَّ , قَالَ الشَّافِعِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّهْي عَلَى الِاخْتِيَار وَالْإِذْن فِيهِ عَلَى الْإِبَاحَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَبْل نُزُول الْآيَة بِضَرْبِهِنَّ ثُمَّ أَذِنَ بَعْد نُزُولهَا فِيهِ , وَفِي قَوْله \" لَنْ يَضْرِب خِيَاركُمْ \" دَلَالَة عَلَى أَنَّ ضَرَبَهُنَّ مُبَاح فِي الْجُمْلَة , وَمَحَلّ ذَلِكَ أَنْ يَضْرِبهَا تَأْدِيبًا إِذَا رَأَى مِنْهَا مَا يَكْرَه فِيمَا يَجِب عَلَيْهَا فِيهِ طَاعَته , فَإِنْ اِكْتَفَى بِالتَّهْدِيدِ وَنَحْوه كَانَ أَفْضَل , وَمَهْمَا أَمْكَنَ الْوُصُول إِلَى الْغَرَض بِالْإِيهَامِ لَا يَعْدِل إِلَى الْفِعْل , لِمَا فِي وُقُوع ذَلِكَ مِنْ النَّفْرَة الْمُضَادَّة لِحُسْنِ الْمُعَاشَرَة الْمَطْلُوبَة فِي الزَّوْجِيَّة , إِلَّا إِذَا كَانَ فِي أَمْر يَتَعَلَّق بِمَعْصِيَةِ اللَّه. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي الْبَاب حَدِيث عَائِشَة \" مَا ضَرَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِمْرَأَة لَهُ وَلَا خَادِمًا قَطُّ , وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ إِلَّا فِي سَبِيل اللَّه أَوْ تُنْتَهَك حُرُمَات اللَّه فَيَنْتَقِم لِلَّهِ \" وَسَيَأْتِي مَزِيد فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاء اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4806",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفِيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏زَوَّجَتْ ابْنَتَهَا ‏ ‏فَتَمَعَّطَ ‏ ‏شَعَرُ رَأْسِهَا فَجَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَتْ إِنَّ زَوْجَهَا أَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ فِي شَعَرِهَا فَقَالَ ‏ ‏لَا إِنَّهُ قَدْ لُعِنَ ‏ ‏الْمُوصِلَاتُ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيث الَّتِي طَلَبَتْ أَنْ تَصِل شَعْر اِبْنَتهَا , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّهُ قَدْ لُعِنَ الْمُوَصِّلَات ) ‏ ‏كَذَا بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ , وَالْمُوَصِّلَات بِتَشْدِيدِ الصَّاد الْمَكْسُورَة وَيَجُوز فَتْحهَا , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" الْمُوَصَّلَات \" وَهُوَ يُؤَيِّد رِوَايَة الْفَتْح ‏"
    },
    {
        "id": "4807",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ { ‏وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ ‏ ‏بَعْلِهَا ‏ ‏نُشُوزًا ‏ ‏أَوْ إِعْرَاضًا ‏} ‏قَالَتْ هِيَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لَا يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا وَيَتَزَوَّجُ غَيْرَهَا تَقُولُ لَهُ أَمْسِكْنِي وَلَا تُطَلِّقْنِي ثُمَّ تَزَوَّجْ غَيْرِي فَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَيَّ وَالْقِسْمَةِ لِي فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ‏ { ‏فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ ‏ ‏يَصَّالَحَا ‏ ‏بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4808",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء عَنْ جَابِر : كُنَّا نَعْزِل عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ بْن يَحْيَى بْن سَعِيد الْأُمَوِيّ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء أَنَّهُ \" سَمِعَ جَابِرًا سُئِلَ عَنْ الْعَزْل فَقَالَ : كُنَّا نَصْنَعهُ \". ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ ‏ ‏( قَالَ قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار ‏ ‏( أَخْبَرَنِي عَطَاء أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُول ) ‏ ‏هَذَا مِمَّا نَزَلَ فِيهِ عَمْرو بْن دِينَار , فَإِنَّهُ سَمِعَ الْكَثِير مِنْ جَابِر نَفْسه ; ثُمَّ أَدْخَلَ فِي هَذَا بَيْنهمَا وَاسِطَة , وَقَدْ تَوَارَدَتْ الرِّوَايَات مِنْ أَصْحَاب سُفْيَان عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَا وَقَعَ فِي \" مُسْنَد أَحْمَد \" فِي النُّسَخ الْمُتَأَخِّرَة فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْإِسْنَاد عَطَاء , لَكِنَّهُ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق الْمُسْنَد بِإِثْبَاتِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَد. ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا نَعْزِل وَالْقُرْآن يَنْزِل , وَعَنْ عَمْرو عَنْ عَطَاء عَنْ جَابِر كُنَّا نَعْزِل عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآن يَنْزِل ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" كَانَ يُعْزَل \" بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الزَّاي عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَكَأَنَّ اِبْن عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِهِ مَرَّتَيْنِ : فَمَرَّة ذَكَرَ فِيهَا الْأَخْبَار وَالسَّمَاع فَلَمْ يَقُلْ فِيهَا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَرَّة ذَكَرَهُ بِالْعَنْعَنَةِ فَذَكَرهَا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طُرُق عَنْ سُفْيَان صَرَّحَ فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ قَالَ \" حَدَّثَنَا عَمْرو بْن دِينَار \" وَزَادَ اِبْن أَبِي عُمَر فِي رِوَايَته عَنْ سُفْيَان \" عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَزَادَ إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى فِي رِوَايَته عَنْ سُفْيَان أَنَّهُ قَالَ حِين رَوَى هَذَا الْحَدِيث \" أَيْ لَوْ كَانَ حَرَامًا لَنَزَلَ فِيهِ \" وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم هَذِهِ الزِّيَادَة عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ سُفْيَان فَسَاقَهُ بِلَفْظِ \" كُنَّا نَعْزِل وَالْقُرْآن يَنْزِل \" قَالَ سُفْيَان : لَوْ كَانَ شَيْئًا يَنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآن , فَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّ سُفْيَان قَالَهُ اِسْتِنْبَاطًا , وَأَوْهَمَ كَلَام صَاحِب \" الْعُمْدَة \" وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ نَفْس الْحَدِيث فَأَدْرَجَهَا , وَلَيْسَ الْأَمْر كَذَلِكَ فَإِنِّي تَتَبَّعْته مِنْ الْمَسَانِيد فَوَجَدْت أَكْثَر رُوَاته عَنْ سُفْيَان لَا يَذْكُرُونَ هَذِهِ الزِّيَادَة , وَشَرَحَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد عَلَى مَا وَقَعَ فِي \" الْعُمْدَة \" فَقَالَ : اِسْتِدْلَال جَابِر بِالتَّقْرِيرِ مِنْ اللَّه غَرِيب , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون اِسْتَدَلَّ بِتَقْرِيرِ الرَّسُول لَكِنَّهُ مَشْرُوط بِعِلْمِهِ بِذَلِكَ اِنْتَهَى. وَيَكْفِي فِي عِلْمه بِهِ قَوْل الصَّحَابِيّ إِنَّهُ فَعَلَهُ فِي عَهْده , وَالْمَسْأَلَة مَشْهُورَة فِي الْأُصُول وَفِي عِلْم الْحَدِيث وَهِيَ أَنَّ الصَّحَابِيّ إِذَا أَضَافَهُ إِلَى زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ حُكْم الرَّفْع عِنْد الْأَكْثَر , لِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَأَقَرَّهُ لِتَوَفُّرِ دَوَاعِيهمْ عَلَى سُؤَالهمْ إِيَّاهُ عَنْ الْأَحْكَام , وَإِذَا لَمْ يُضِفْهُ فَلَهُ حُكْم الرَّفْع عِنْد قَوْم , وَهَذَا مِنْ الْأَوَّل فَإِنَّ جَابِرًا صَرَّحَ بِوُقُوعِهِ فِي عَهْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ وَرَدَتْ عِدَّة طُرُق تُصَرِّح بِاطِّلَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ , وَالَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الَّذِي اِسْتَنْبَطَ ذَلِكَ سَوَاء كَانَ هُوَ جَابِرًا أَوْ سُفْيَان أَرَادَ بِنُزُولِ الْقُرْآن مَا يَقْرَأ , أَعَمّ مِنْ الْمُتَعَبَّد بِتِلَاوَتِهِ أَوْ غَيْره مِمَّا يُوحَى إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَأَنَّهُ يَقُول : فَعَلْنَاهُ فِي زَمَن التَّشْرِيع وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ نُقَرّ عَلَيْهِ , وَإِلَى ذَلِكَ يُشِير قَوْل اِبْن عُمَر \" كُنَّا نَتَّقِي الْكَلَام وَالِانْبِسَاط إِلَى نِسَائِنَا هَيْبَة أَنْ يَنْزِل فِينَا شَيْء عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمْنَا وَانْبَسَطْنَا \" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر قَالَ \" كُنَّا نَعْزِل عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَنْهَنَا \" وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر \" أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ لِي جَارِيَة وَأَنَا أَطُوف عَلَيْهَا وَأَنَا أَكْرَه أَنْ تَحْمِل , فَقَالَ : اِعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْت , فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا. فَلَبِثَ الرَّجُل ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّ الْجَارِيَة قَدْ حَبِلَتْ , قَالَ : قَدْ أَخْبَرْتُك \" وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْقِصَّة عِنْده مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ بِإِسْنَادٍ لَهُ آخَر إِلَى جَابِر وَفِي آخِره \" فَقَالَ أَنَا عَبْد اللَّه وَرَسُوله \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ وَابْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ آخَر عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ بِمَعْنَاهُ , فَفِي هَذِهِ الطُّرُق مَا أَغْنَى عَنْ الِاسْتِنْبَاط , فَإِنَّ فِي إِحْدَاهَا التَّصْرِيح بِاطِّلَاعِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْأُخْرَى إِذْنه فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ السِّيَاق يُشْعِر بِأَنَّهُ خِلَاف الْأَوْلَى كَمَا سَأَذْكُرُ الْبَحْث فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4809",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَصَبْنَا سَبْيًا فَكُنَّا نَعْزِلُ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَوَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا هِيَ ‏ ‏كَائِنَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( جُوَيْرِيَةُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَسْمَاء الضُّبَعِيُّ يُشَارِك مَالِكًا فِي الرِّوَايَة عَنْ نَافِع وَتَفَرَّدَ عَنْهُ بِهَذَا الْحَدِيث وَبِغَيْرِهِ , وَهُوَ مِنْ الثِّقَات الْأَثْبَات , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقه : صَحِيح غَرِيب تَفَرَّدَ بِهِ جُوَيْرِيَّة عَنْ مَالِك. قُلْت : وَلَمْ أَرَهُ إِلَّا مِنْ رِوَايَة اِبْن أَخِيهِ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَسْمَاء عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏لِمَالِكٍ فِيهِ إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الْعِتْق , وَأَبُو دَاوُدَ وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق عَنْهُ عَنْ رَبِيعَة عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّان عَنْ اِبْن مُحَيْرِيزٍ , وَكَذَا هُوَ فِي \" الْمُوَطَّأ \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن مُحَيْرِيزٍ ) ‏ ‏بِحَاءٍ مُهْمَلَة ثُمَّ رَاء ثُمَّ زَاي مُصَغَّرًا , اِسْمه عَبْد اللَّه , وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة يُونُس كَمَا سَيَأْتِي فِي الْقَدْر عَنْ الزُّهْرِيّ \" أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن مُحَيْرِيزٍ الْجُمَحِيُّ \" وَهُوَ مَدَنِيّ سَكَنَ الشَّام , وَمُحَيْرِيز أَبُوهُ هُوَ اِبْن جُنَادَةَ بْن وَهْب وَهُوَ مِنْ رَهْط أَبِي مَحْذُورَة الْمُؤَذِّن وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ , وَوَافَقَ مَالِكًا عَلَى هَذَا السَّنَد شُعَيْب كَمَا مَضَى فِي الْبُيُوع , وَيُونُس كَمَا سَيَأْتِي فِي الْقَدَرِ , وَعُقَيْل وَالزُّبَيْدِيّ كِلَاهُمَا عِنْد النَّسَائِيّ , وَخَالَفَهُمْ مَعْمَر فَقَالَ \" عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاء بْن يَزِيد عَنْ أَبِي سَعِيد \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَخَالَفَ الْجَمِيع إِبْرَاهِيم بْن سَعْد فَقَالَ \" عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عَتَبَة عَنْ أَبِي سَعِيد \" أَخْرَجَهُ النِّسَائِيّ أَيْضًا , قَالَ النَّسَائِيُّ : رِوَايَة مَالِك وَمَنْ وَافَقَهُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي سَعِيد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس \" أَنَّ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ \" وَفِي رِوَايَة رَبِيعَة فِي الْمَغَازِي \" عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّان عَنْ اِبْن مُحَيْرِيزٍ أَنَّهُ قَالَ : دَخَلْت الْمَسْجِد فَرَأَيْت أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيَّ فَجَلَسْت إِلَيْهِ فَسَأَلْته عَنْ الْعَزْل \" كَذَا عِنْد الْبُخَارِيّ , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" دَخَلْت أَنَا وَأَبُو صِرْمَة عَلَى أَبِي سَعِيد فَسَأَلَهُ أَبُو صِرْمَة فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيد هَلْ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُر الْعَزْل \" ؟ وَأَبُو صِرْمَة بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الرَّاء اِسْمه مَالِك وَقِيلَ قَيْس صَحَابِيّ مَشْهُور مِنْ الْأَنْصَار , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة لِلنِّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق الضَّحَّاك بْن عُثْمَان \" عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى عَنْ اِبْن مُحَيْرِيزٍ عَنْ أَبِي سَعِيد وَأَبِي صِرْمَة قَالَا : أَصَبْنَا سَبَايَا \" وَالْمَحْفُوظ الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله ( أَصَبْنَا سَبْيًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب فِي الْبُيُوع وَيُونُس الْمَذْكُورَة أَنَّهُ \" بَيْنَمَا هُوَ جَالِس عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" زَادَ يُونُس \" جَاءَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار \" وَفِي رِوَايَة رَبِيعَة الْمَذْكُورَة \" خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة بَنِي الْمُصْطَلِق فَسَبْينَا كَرَائِم الْعَرَب , وَطَالَتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَة وَرَغِبْنَا فِي الْفِدَاء فَأَرَدْنَا أَنْ نَسْتَمْتِع وَنَعْزِل , فَقُلْنَا نَفْعَل ذَلِكَ وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَظْهُرنَا لَا نَسْأَلهُ , فَسَأَلْنَاهُ \". ‏ ‏قَوْله ( فَكُنَّا نَعْزِل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس وَشُعَيْب فَقَالَ \" إِنَّا نُصِيب سَبْيًا وَنُحِبّ الْمَال فَكَيْف تَرَى فِي الْعَزْل \" وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن بِشْر \" عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ : ذُكِرَ الْعَزْل عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَمَا ذَلِكُمْ ؟ قَالُوا : الرَّجُل تَكُون لَهُ الْمَرْأَة تُرْضِع لَهُ فَيُصِيب مِنْهَا وَيَكْرَه أَنْ تَحْمِل مِنْهُ , وَالرَّجُل تَكُون لَهُ الْأَمَة فَيُصِيب مِنْهَا وَيَكْرَه أَنْ تَحْمِل مِنْهُ , فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِشَارَة إِلَى أَنَّ سَبَب الْعَزْل شَيْئَانِ أَحَدهمَا كَرَاهَة مَجِيء الْوَلَد مِنْ الْأَمَة وَهُوَ إِمَّا أَنَفَة مِنْ ذَلِكَ وَإِمَّا لِئَلَّا يَتَعَذَّر بَيْع الْأَمَة إِذَا صَارَتْ أُمَّ وَلَد وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَأَذْكُرُهُ بَعْده , وَالثَّانِي كَرَاهَة أَنْ تَحْمِل الْمَوْطُوءَة وَهِيَ تُرْضِع فَيَضُرّ ذَلِكَ بِالْوَلَدِ الْمُرْضَع. ‏ ‏قَوْله ( أَوَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ) ‏ ‏؟ هَذَا الِاسْتِفْهَام يُشْعِر بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ اِطَّلَعَ عَلَى فِعْلهمْ ذَلِكَ , فَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ قَوْل الصَّحَابِيّ كُنَّا نَفْعَل كَذَا فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْفُوع مُعْتَلًّا بِأَنَّ الظَّاهِر اِطِّلَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ , فَفِي هَذَا الْخَبَر أَنَّهُمْ فَعَلُوا الْعَزْل وَلَمْ يَعْلَم بِهِ حَتَّى سَأَلُوهُ عَنْهُ , نَعَمْ لِلْقَائِلِ أَنْ يَقُول كَانَتْ دَوَاعِيهمْ مُتَوَفِّرَة عَلَى سُؤَاله عَنْ أُمُور الدِّين , فَإِذَا فَعَلُوا الشَّيْء وَعَلِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِع عَلَيْهِ بَادَرُوا إِلَى سُؤَاله عَنْ الْحُكْم فِيهِ فَيَكُون الظُّهُور مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة رَبِيعَة \" لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا \" , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن بِشْر عَنْ أَبِي سَعِيد \" لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَلِكَ \" قَالَ اِبْن سِيرِينَ : قَوْله \" لَا عَلَيْكُمْ \" أَقْرَب إِلَى النَّهْي , وَلَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن عَوْن عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ نَحْوه دُون قَوْل مُحَمَّد , قَالَ اِبْن عَوْن فَحَدَّثْت بِهِ الْحَسَن فَقَالَ : وَاللَّه لِكَأَنَّ هَذَا زَجْر , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : كَأَنَّ هَؤُلَاءِ فَهِمُوا مِنْ \" لَا \" النَّهْي عَمَّا سَأَلُوهُ عَنْهُ فَكَأَنَّ عِنْدهمْ بَعْد \" لَا \" حَذْفًا تَقْدِيره لَا تَعْزِلُوا وَعَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا , وَيَكُون قَوْله \" وَعَلَيْكُمْ إِلَخْ \" تَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَصْل عَدَم هَذَا التَّقْدِير , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَتْرُكُوا , وَهُوَ الَّذِي يُسَاوِي أَنْ لَا تَفْعَلُوا , وَقَالَ غَيْره : قَوْله \" لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا \" أَيْ لَا حَرَج عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا , فَفِيهِ نَفْي الْحَرَج عَنْ عَدَم الْفِعْل فَأَفْهَم ثُبُوت الْحَرَج فِي فِعْل الْعَزْل , وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد نَفْي الْحَرَج عَنْ الْفِعْل لَقَالَ : لَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَّا إِنْ اِدَّعَى أَنَّ \" لَا \" زَائِدَة فَيُقَال الْأَصْل عَدَم ذَلِكَ ; وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُجَاهِد الْآتِيَة فِي التَّوْحِيد تَعْلِيقًا وَوَصَلَهَا مُسْلِم وَغَيْره \" ذُكِرَ الْعَزْل عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : وَلَمْ يَفْعَل ذَلِكَ أَحَدكُمْ \" ؟ وَلَمْ يَقُلْ لَا يَفْعَل ذَلِكَ , فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح لَهُمْ بِالنَّهْيِ , وَإِنَّمَا أَشَارَ أَنَّ الْأَوْلَى تَرْك ذَلِكَ , لِأَنَّ الْعَزْل إِنَّمَا كَانَ خَشْيَة حُصُول الْوَلَد فَلَا فَائِدَة فِي ذَلِكَ , لِأَنَّ اللَّه إِنْ كَانَ قَدَّرَ خَلْق الْوَلَد لَمْ يَمْنَع الْعَزْل ذَلِكَ فَقَدْ يَسْبِق الْمَاء وَلَا يَشْعُر الْعَازِل فَيَحْصُل الْعُلُوق وَيَلْحَقهُ الْوَلَد وَلَا رَادّ لِمَا قَضَى اللَّه , وَالْفِرَار مِنْ حُصُول الْوَلَد يَكُون لِأَسْبَابٍ : مِنْهَا خَشْيَة عُلُوق الزَّوْجَة الْأَمَة لِئَلَّا يَصِير الْوَلَد رَقِيقًا , أَوْ خَشْيَة دُخُول الضَّرَر عَلَى الْوَلَد الْمُرْضَع إِذَا كَانَتْ الْمَوْطُوءَة تُرْضِعهُ , أَوْ فِرَارًا مِنْ كَثْرَة الْعِيَال إِذَا كَانَ الرَّجُل مُقِلًّا فَيَرْغَب عَنْ قِلَّة الْوَلَد لِئَلَّا يَتَضَرَّر بِتَحْصِيلِ الْكَسْب , وَكُلّ ذَلِكَ لَا يُغْنِي شَيْئًا. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَالْبَزَّار وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَنَس \" أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَنْ الْعَزْل , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ أَنَّ الْمَاء الَّذِي يَكُون مِنْهُ الْوَلَد أَهْرَقْتَه عَلَى صَخْرَة لَأَخْرَجَ اللَّه مِنْهَا وَلَدًا \" وَبِهِ شَاهِدَانِ فِي \" الْكَبِير لِلطَّبَرَانِيِّ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس وَفِي \" الْأَوْسَط \" لَهُ عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَلَيْسَ فِي جَمِيع الصُّوَر الَّتِي يَقَع الْعَزْل بِسَبَبِهَا مَا يَكُون الْعَزْل فِيهِ رَاجِحًا سِوَى الصُّورَة الْمُتَقَدِّمَة مِنْ عِنْد مُسْلِم فِي طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن بِشْر عَنْ أَبِي سَعِيد وَهِيَ خَشْيَة أَنْ يَضُرّ الْحَمْل بِالْوَلَدِ الْمُرْضِع لِأَنَّهُ مِمَّا جُرِّبَ فَضَرّ غَالِبًا , لَكِنْ وَقَعَ فِي بَقِيَّة الْحَدِيث عِنْد مُسْلِم أَنَّ الْعَزْل بِسَبَبِ ذَلِكَ لَا يُفِيد لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقَع الْحَمْل بِغَيْرِ الِاخْتِيَار , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد \" جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي أَعْزِل عَنْ اِمْرَأَتِي شَفَقَة عَلَى وَلَدهَا , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا , مَا ضَرّ ذَلِكَ فَارِس وَلَا الرُّوم \". وَفِي الْعَزْل أَيْضًا إِدْخَال ضَرَر عَلَى الْمَرْأَة لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيت لَذَّتهَا. وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي حُكْم الْعَزْل قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّهُ لَا يَعْزِل عَنْ الزَّوْجَة الْحُرَّة إِلَّا بِإِذْنِهَا , لِأَنَّ الْجِمَاع مِنْ حَقّهَا , وَلَهَا الْمُطَالَبَة بِهِ وَلَيْسَ الْجِمَاع الْمَعْرُوف إِلَّا مَا لَا يَلْحَقهُ عَزْل. وَوَافَقَهُ فِي نَقْل هَذَا الْإِجْمَاع اِبْن هُبَيْرَة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْرُوف عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنَّ الْمَرْأَة لَا حَقّ لَهَا فِي الْجِمَاع أَصْلًا , ثُمَّ فِي خُصُوص هَذِهِ الْمَسْأَلَة عِنْد الشَّافِعِيَّة خِلَاف مَشْهُور فِي جَوَاز الْعَزْل عَنْ الْحُرَّة بِغَيْرِ إِذْنهَا , قَالَ الْغَزَالِيّ وَغَيْره : يَجُوز , وَهُوَ الْمُصَحَّح عِنْد الْمُتَأَخِّرِينَ , وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور لِذَلِكَ بِحَدِيثِ عَنْ عُمَر أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ بِلَفْظِ \" نَهَى عَنْ الْعَزْل عَنْ الْحُرَّة إِلَّا بِإِذْنِهَا \" وَفِي إِسْنَاده اِبْن لَهِيعَة , وَالْوَجْه الْآخَر لِلشَّافِعِيَّةِ الْجَزْم بِالْمَنْعِ إِذَا اِمْتَنَعَتْ , وَفِيمَا إِذَا رَضِيَتْ وَجْهَانِ أَصَحّهمَا الْجَوَاز , وَهَذَا كُلّه فِي الْحُرَّة وَأَمَّا الْأَمَة فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَة فَهِيَ مُرَتَّبَة عَلَى الْحُرَّة إِنْ جَازَ فِيهَا فَفِي الْأَمَة أَوْلَى , وَإِنْ اِمْتَنَعَ فَوَجْهَانِ أَصَحّهمَا الْجَوَاز تَحَرُّزًا مِنْ إِرْقَاق الْوَلَد , وَإِنْ كَانَتْ سُرِّيَّة جَازَ بِلَا خِلَاف عِنْدهمْ إِلَّا فِي وَجْه حَكَاهُ الرُّويَانِيّ فِي الْمَنْع مُطْلَقًا كَمَذْهَبِ اِبْن حَزْم , وَإِنْ كَانَتْ السُّرِّيَّة مُسْتَوْلَدَة فَالرَّاجِح الْجَوَاز فِيهِ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ رَاسِخَة فِي الْفِرَاش , وَقِيلَ حُكْمهَا حُكْم الْأَمَة الْمُزَوَّجَة. هَذَا وَاتَّفَقَتْ الْمَذَاهِب الثَّلَاثَة عَلَى أَنَّ الْحُرَّة لَا يَعْزِل عَنْهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا وَأَنَّ الْأَمَة يَعْزِل عَنْهَا بِغَيْرِ إِذْنهَا , وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُزَوَّجَة فَعِنْد الْمَالِكِيَّة يَحْتَاج إِلَى إِذْن سَيِّدهَا , وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة , وَالرَّاجِح عَنْ مُحَمَّد. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَأَحْمَد : الْإِذْن لَهَا , وَهِيَ رِوَايَة عَنْ أَحْمَد , وَعَنْهُ بِإِذْنِهَا , وَعَنْهُ يُبَاح الْعَزْل مُطْلَقًا , وَعَنْهُ الْمَنْع مُطْلَقًا. وَالَّذِي اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ جَنَحَ إِلَى التَّفْصِيل لَا يَصِحّ إِلَّا عِنْد عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : تُسْتَأْمَر الْحُرَّة فِي الْعَزْل وَلَا تُسْتَأْمَر الْأَمَة السُّرِّيَّة فَإِنْ كَانَتْ أَمَة تَحْت حُرّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْمِرهَا وَهَذَا نَصّ فِي الْمَسْأَلَة , فَلَوْ كَانَ مَرْفُوعًا لَمْ يَجُزْ الْعُدُول عَنْهُ. وَقَدْ اِسْتَنْكَرَ اِبْن الْعَرَبِيّ الْقَوْل بِمَنْعِ الْعَزْل عَمَّنْ يَقُول بِأَنَّ الْمَرْأَة لَا حَقّ لَهَا فِي الْوَطْء , وَنَقَلَ عَنْ مَالِك أَنَّ لَهَا حَقّ الْمُطَالَبَة بِهِ إِذَا قَصَدَ بِتَرْكِهِ إِضْرَارهَا. وَعَنْ الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة لَا حَقّ لَهَا فِيهِ إِلَّا فِي وَطْئَة وَاحِدَة يَسْتَقِرّ بِهَا الْمَهْر , قَالَ فَإِذَا كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ فَكَيْف يَكُون لَهَا حَقّ فِي الْعَزْل , فَإِنْ خَصُّوهُ بِالْوَطْئَة الْأُولَى فَيُمْكِن وَإِلَّا فَلَا يَسُوغ فِيمَا بَعْد ذَلِكَ إِلَّا عَلَى مَذْهَب مَالِك بِالشَّرْطِ الْمَذْكُور ا ه. وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيّ غَرِيب , وَالْمَعْرُوف عِنْد أَصْحَابه أَنَّهُ لَا حَقّ لَهَا أَصْلًا , نَعَمْ جَزَمَ اِبْن حَزْم بِوُجُوبِ الْوَطْء وَبِتَحْرِيمِ الْعَزْل , وَاسْتَنَدَ إِلَى حَدِيث جُذَامَة بِنْت وَهْب \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْعَزْل فَقَالَ : ذَلِكَ الْوَأْد الْخَفِيّ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَهَذَا مُعَارَض بِحَدِيثَيْنِ أَحَدهمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن ثَوْبَانَ عَنْ جَابِر قَالَ \" كَانَتْ لَنَا جِوَارِي وَكُنَّا نَعْزِل , فَقَالَتْ الْيَهُود إِنَّ تِلْكَ الْمَوْءُودَة الصُّغْرَى , فَسُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : كَذَبَتْ الْيَهُود , لَوْ أَرَادَ اللَّه خَلْقه لَمْ تَسْتَطِعْ رَدَّهُ \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق هِشَام وَعَلِيّ بْن الْمُبَارَك وَغَيْرهمَا عَنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي مُطِيع بْن رِفَاعَة عَنْ أَبِي سَعِيد نَحْوه , وَمِنْ طَرِيق أَبِي عَامِر عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْوه , وَمِنْ طَرِيق سُلَيْمَان الْأَحْوَل أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرو بْن دِينَار يَسْأَل أَبَا سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ الْعَزْل فَقَالَ : زَعَمَ أَبُو سَعِيد , فَذَكَرَ نَحْوه , قَالَ فَسَأَلْت أَبَا سَلَمَة أَسَمِعْته مِنْ أَبِي سَعِيد ؟ قَالَ لَا , وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي رَجُل عَنْهُ. ‏ ‏وَالْحَدِيث الثَّانِي فِي النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَهَذِهِ طُرُق يَقْوَى بَعْضهَا بِبَعْضٍ , وَجُمِعَ بَيْنهَا وَبَيْن حَدِيث جُذَامَة بِحَمْلِ حَدِيث جُذَامَة عَلَى التَّنْزِيه وَهَذِهِ طَرِيقَة الْبَيْهَقِيِّ , وَمِنْهُمْ مَنْ ضَعَّفَ حَدِيث جُذَامَة بِأَنَّهُ مُعَارَض بِمَا هُوَ أَكْثَر طُرُقًا مِنْهُ , وَكَيْف يُصَرِّح بِتَكْذِيبِ الْيَهُود فِي ذَلِكَ ثُمَّ يُثْبِتهُ ؟ وَهَذَا دَفْع لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة بِالتَّوَهُّمِ , وَالْحَدِيث صَحِيح لَا رَيْب فِيهِ وَالْجَمْع مُمْكِن , وَمِنْهُمْ مَنْ اِدَّعَى أَنَّهُ مَنْسُوخ , وَرُدَّ بِعَدَمِ مَعْرِفَة التَّارِيخ , وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون حَدِيث جُذَامَة عَلَى وَفْقِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْر أَوَّلًا مِنْ مُوَافَقَة أَهْل الْكِتَاب , وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبّ مُوَافَقَة أَهْل الْكِتَاب فِيمَا لَمْ يُنْزَل عَلَيْهِ , ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّه بِالْحُكْمِ فَكَذَبَ الْيَهُود فِيمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن رُشْد ثُمَّ اِبْن الْعَرَبِيّ بِأَنَّهُ لَا يَجْزِم بِشَيْءٍ تَبَعًا لِلْيَهُودِ ثُمَّ يُصَرِّح بِتَكْذِيبِهِمْ فِيهِ , وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ حَدِيث جُذَامَة بِثُبُوتِهِ فِي الصَّحِيح , وَضَعَّفَ مُقَابِله بِأَنَّهُ حَدِيث وَاحِد اُخْتُلِفَ فِي إِسْنَاده فَاضْطَرَبَ , وَرُدَّ بِأَنَّ الِاخْتِلَاف إِنَّمَا يَقْدَح حَيْثُ لَا يَقْوَى بَعْض الْوُجُوه فَمَتَى قَوِيَ بَعْضهَا عُمِلَ بِهِ , وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ وَالْجَمْع مُمْكِن. وَرَجَّحَ اِبْن حَزْم الْعَمَل بِحَدِيثِ جُذَامَة بِأَنَّ أَحَادِيث غَيْرهَا تُوَافِق أَصْل الْإِبَاحَة وَحَدِيثهَا يَدُلّ عَلَى الْمَنْع قَالَ : فَمَنْ اِدَّعَى أَنَّهُ أُبِيحَ بَعْد أَنْ مَنَعَ فَعَلَيْهِ الْبَيَان. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَدِيثهَا لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمَنْع إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ تَسْمِيَته وَأْدًا خَفِيًّا عَلَى طَرِيق التَّشْبِيه أَنْ يَكُون حَرَامًا , وَخَصَّهُ بَعْضهمْ بِالْعَزْلِ عَنْ الْحَامِل لِزَوَالِ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ يَحْذَرهُ الَّذِي يَعْزِل مِنْ حُصُول الْحَمْل , لَكِنْ فِيهِ تَضْيِيع الْحَمْل لِأَنَّ الْمَنِيّ يَغْذُوهُ فَقَدْ يُؤَدِّي الْعَزْل إِلَى مَوْته أَوْ إِلَى ضَعْفه الْمُفْضِي إِلَى مَوْته فَيَكُون وَأْدًا خَفِيًّا , وَجَمَعُوا أَيْضًا بَيْن تَكْذِيب الْيَهُود فِي قَوْلهمْ الْمَوْءُودَة الصُّغْرَى وَبَيْن إِثْبَات كَوْنه وَأْدًا خَفِيًّا فِي حَدِيث جُذَامَة بِأَنَّ قَوْلهمْ الْمَوْءُودَة الصُّغْرَى يَقْتَضِي أَنَّهُ وَأْد ظَاهِر , لَكِنَّهُ صَغِير بِالنِّسْبَةِ إِلَى دَفْنِ الْمَوْلُود بَعْد وَضْعه حَيًّا , فَلَا يُعَارِض قَوْله إِنَّ الْعَزْل وَأْد خَفِيّ فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي حُكْم الظَّاهِر أَصْلًا فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حُكْم , وَإِنَّمَا جَعَلَهُ وَأْدًا مِنْ جِهَة اِشْتِرَاكهمَا فِي قَطْع الْوِلَادَة. وَقَالَ بَعْضهمْ : قَوْله الْوَأْد الْخَفِيّ وَرَدَ عَلَى طَرِيق التَّشْبِيه لِأَنَّهُ قَطَعَ طَرِيق الْوِلَادَة قَبْل مَجِيئِهِ فَأَشْبَهَ قَتْلَ الْوَلَد بَعْد مَجِيئِهِ , قَالَ اِبْن الْقَيِّم : الَّذِي كَذَبَتْ فِيهِ الْيَهُود زَعْمهمْ أَنَّ الْعَزْل لَا يُتَصَوَّر مَعَهُ الْحَمْل أَصْلًا وَجَعَلُوهُ بِمَنْزِلَةِ قَطْع النَّسْل بِالْوَأْدِ , فَأَكْذَبهمْ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَمْنَع الْحَمْل إِذَا شَاءَ اللَّه خَلَقَهُ , وَإِذَا لَمْ يُرِدْ خَلْقه لَمْ يَكُنْ وَأْدًا حَقِيقَة , وَإِنَّمَا سَمَّاهُ وَأْدًا خَفِيًّا فِي حَدِيث جُذَامَة لِأَنَّ الرَّجُل إِنَّمَا يَعْزِل هَرَبًا مِنْ الْحَمْل فَأَجْرَى قَصْده لِذَلِكَ مَجْرَى الْوَأْد , لَكِنَّ الْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ الْوَأْد ظَاهِر بِالْمُبَاشَرَةِ اِجْتَمَعَ فِيهِ الْقَصْد وَالْفِعْل , وَالْعَزْل يَتَعَلَّق بِالْقَصْدِ صَرْفًا فَلِذَلِكَ وَصْفه بِكَوْنِهِ خَفِيًّا , فَهَذِهِ عِدَّة أَجْوِبَة يَقِف مَعَهَا الِاسْتِدْلَال بِحَدِيثِ جُذَامَة عَلَى الْمَنْع. وَقَدْ جَنَحَ إِلَى الْمَنْع مِنْ الشَّافِعِيَّة اِبْن حِبَّان فَقَالَ فِي صَحِيحه \" ذِكْر الْخَبَر الدَّالّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْفِعْل مَزْجُور عَنْهُ لَا يُبَاح اِسْتِعْمَاله \" ثُمَّ سَاقَ حَدِيث أَبِي ذَرّ رَفَعَهُ \" ضَعْهُ فِي حَلَاله وَجَنِّبْهُ حَرَامه وَأَقْرِرْهُ , فَإِنْ شَاءَ اللَّه أَحْيَاهُ وَإِنْ شَاءَ أَمَاتَهُ وَلَك أَجْر \" ا ه. وَلَا دَلَالَة فِيمَا سَاقه عَلَى مَا اِدَّعَاهُ مِنْ التَّحْرِيم بَلْ هُوَ أَمْر إِرْشَاد لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بَقِيَّة الْأَخْبَار وَاللَّهُ أَعْلَم. وَمِنْ عِنْد عَبْد الرَّزَّاق وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُون الْعَزْل وَأْدًا وَقَالَ : الْمَنِيّ يَكُون نُطْفَة ثُمَّ عَلَقَة ثُمَّ مُضْغَة ثُمَّ عَظْمًا ثُمَّ يُكْسَى لَحْمًا , قَالَ : وَالْعَزْل قَبْل ذَلِكَ كُلّه. وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عَدِيّ بْن الْخِيَار عَنْ عَلِيّ نَحْوه فِي قِصَّة حَرْب عِنْد عُمَر وَسَنَده جَيِّد. وَاخْتَلَفُوا فِي عِلَّة النَّهْي عَنْ الْعَزْل : فَقِيلَ لِتَفْوِيتِ حَقّ الْمَرْأَة , وَقِيلَ لِمُعَانَدَةِ الْقَدَر , وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه مُعْظَم الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ , وَالْأَوَّل مَبْنِيّ عَلَى صِحَّة الْخَبَر الْمُفَرِّق بَيْن الْحُرَّة وَالْأَمَة. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ : مَوْضِع الْمَنْع أَنَّهُ يَنْزِع بِقَصْدِ الْإِنْزَال خَارِج الْفَرْج خَشْيَة الْعُلُوق وَمَتَى فُقِدَ ذَلِكَ لَمْ يُمْنَع , وَكَأَنَّهُ رَاعَى سَبَب الْمَنْع فَإِذَا فَقَدَ بَقِيَ أَصْل الْإِبَاحَة فَلَهُ أَنْ يَنْزِع مَتَى شَاءَ حَتَّى لَوْ نَزَعَ فَأَنْزَلَ خَارِج الْفَرْج اِتِّفَاقًا لَمْ يَتَعَلَّق بِهِ النَّهْي وَاللَّهُ أَعْلَم. وَيُنْتَزَع مِنْ حُكْم الْعَزْل حُكْم مُعَالَجَة الْمَرْأَة إِسْقَاط النُّطْفَة قَبْل نَفْخ الرُّوحِ , فَمَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ هُنَاكَ فَفِي هَذِهِ أَوْلَى , وَمَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ يُمْكِن أَنْ يَلْتِحَق بِهِ هَذَا , وَيُمْكِن أَنْ يُفَرَّق بِأَنَّهُ أَشَدّ لِأَنَّ الْعَزْل لَمْ يَقَع فِيهِ تَعَاطِي السَّبَب وَمُعَالَجَة السِّقْط تَقَع بَعْد تَعَاطِي السَّبَب , وَيَلْتَحِق بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة تَعَاطِي الْمَرْأَة مَا يَقْطَع الْحَبَل مِنْ أَصْله , وَقَدْ أَفْتَى بَعْض مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّة بِالْمَنْعِ , وَهُوَ مُشْكِل عَلَى قَوْلهمْ بِإِبَاحَةِ الْعَزْل مُطْلَقًا. وَاللَّهُ أَعْلَم. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" وَأَصَبْنَا كَرَائِم الْعَرَب وَطَالَتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَة وَأَرَدْنَا أَنْ نَسْتَمْتِع وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاء \" لِمَنْ أَجَازَ اِسْتِرْقَاق الْعَرَب وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي \" بَاب مَنْ مُلِكَ مِنْ الْعَرَب رَقِيقًا \" فِي كِتَاب الْعِتْق , وَلِمَنْ أَجَازَ وَطْء الْمُشْرِكَات بِمِلْكِ الْيَمِين وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب لِأَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِق كَانُوا أَهْل أَوْثَان , وَقَدْ اِنْفَصَلَ عَنْهُ مَنْ مَنَعَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ دَانَ بِدِينِ أَهْل الْكِتَاب وَهُوَ بَاطِل , وَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي أَوَّل الْأَمْر ثُمَّ نُسِخَ , وَفِيهِ نَظَر إِذْ النَّسْخ لَا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ , وَبِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون الْمَسْبِيَّات أَسْلَمْنَ قَبْل الْوَطْء وَهَذَا لَا يَتِمّ مَعَ قَوْله فِي الْحَدِيث وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاء فَإِنَّ الْمُسْلِمَة لَا تُعَاد لِلْمُشْرِكِ , نَعَمْ يُمْكِن حَمْلُ الْفِدَاء عَلَى مَعْنَى أَخَصّ وَهُوَ أَنَّهُنَّ يَفْدِينَ أَنْفُسهنَّ فَيُعْتَقْنَ مِنْ الرِّقّ , وَلَا يَلْزَم مِنْهُ إِعَادَتهنَّ لِلْمُشْرِكِينَ , وَحَمَلَهُ بَعْضهمْ عَلَى إِرَادَة الثَّمَن لِأَنَّ الْفِدَاء الْمُتَخَوَّف مِنْ فَوْته هُوَ الثَّمَن , وَيُؤَيِّد هَذَا الْحَمْل قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه إِنَّا أَصَبْنَا سَبْيًا وَنُحِبّ الْأَثْمَان فَكَيْف تَرَى فِي الْعَزْل \" ؟ وَهَذَا أَقْوَى مِنْ جَمِيع مَا تَقَدَّمَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4810",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَطَارَتْ الْقُرْعَةُ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏وَحَفْصَةَ ‏ ‏وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏يَتَحَدَّثُ فَقَالَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ تَنْظُرِينَ وَأَنْظُرُ فَقَالَتْ بَلَى فَرَكِبَتْ فَجَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى جَمَلِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَعَلَيْهِ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏فَسَلَّمَ عَلَيْهَا ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلُوا وَافْتَقَدَتْهُ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ رِجْلَيْهَا بَيْنَ الْإِذْخِرِ وَتَقُولُ يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ الْقَاسِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي بَكْر , وَابْن أَبِي مُلَيْكَة يَرْوِي عَنْ عَائِشَة تَارَة بِالْوَاسِطَةِ وَتَارَة بِغَيْرِهَا. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا أَرَادَ سَفَرًا ) مَفْهُومه اِخْتِصَاص الْقُرْعَة بِحَالَةِ السَّفَر , وَلَيْسَ عَلَى عُمُومه بَلْ لِتَعَيُّنِ الْقُرْعَة مَنْ يُسَافِر بِهَا , وَتَجْرِي الْقُرْعَة أَيْضًا فِيمَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْسِم بَيْن زَوْجَاته فَلَا يَبْدَأ بِأَيِّهِنَّ شَاءَ بَلْ يَقْرَع بَيْنهنَّ فَيَبْدَأ بِالَّتِي تَخْرُج لَهَا الْقُرْعَة , إِلَّا أَنْ يَرْضَيْنَ بِشَيْءٍ فَيَجُوز بِلَا قُرْعَة. ‏ ‏قَوْله ( أَقْرَعَ بَيْن نِسَائِهِ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن سَعْد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة \" فَكَانَ إِذَا خَرَجَ سَهْم غَيْرِي عَرَفَ فِيهِ الْكَرَاهِيَة \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّة الْقُرْعَة فِي الْقِسْمَة بَيْن الشُّرَكَاء وَغَيْر ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الشَّهَادَات , وَالْمَشْهُور عَنْ الْحَنَفِيَّة وَالْمَالِكِيَّة عَدَم اِعْتِبَار الْقُرْعَة , قَالَ عِيَاض : هُوَ مَشْهُور عَنْ مَالِك وَأَصْحَابه لِأَنَّهُ مِنْ بَاب الْخَطَر وَالْقِمَار , وَحُكِيَ عَنْ الْحَنَفِيَّة إِجَازَتهَا ا ه , وَقَدْ قَالُوا بِهِ فِي مَسْأَلَة الْبَاب. وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مِنْ الْمَالِكِيَّة بِأَنَّ بَعْض النِّسْوَة قَدْ تَكُون أَنْفَع فِي السَّفَر مِنْ غَيْرهَا فَلَوْ خَرَجَتْ الْقُرْعَة لِلَّتِي لَا نَفْعَ بِهَا فِي السَّفَر لَأَضَرّ بِحَالِ الرَّجُل , وَكَذَا بِالْعَكْسِ قَدْ يَكُون بَعْض النِّسَاء أَقْوَم بِبَيْتِ الرَّجُل مِنْ الْأُخْرَى , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِف ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَال النِّسَاء , وَتَخْتَصّ مَشْرُوعِيَّة الْقُرْعَة بِمَا إِذَا اِتَّفَقَتْ أَحْوَالهنَّ لِئَلَّا تَخْرُج وَاحِدَة مَعَهُ فَيَكُون تَرْجِيحًا بِغَيْرِ مُرَجِّح ا ه. وَفِيهِ مُرَاعَاة لِلْمَذْهَبِ مَعَ الْأَمْن مِنْ رَدّ الْحَدِيث أَصْلًا لِحَمْلِهِ عَلَى التَّخْصِيص , فَكَأَنَّهُ خَصَّصَ الْعُمُوم بِالْمَعْنَى. ‏ ‏قَوْله ( فَطَارَتْ الْقُرْعَة لِعَائِشَة وَحَفْصَة ) ‏ ‏أَيْ فِي سَفْرَةٍ مِنْ السَّفْرَات , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهَا طَارَتْ أَيْ حَصَلَتْ , وَطَيْر كُلّ إِنْسَان نَصِيبه , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز قَوْل أُمّ الْعَلَاء لَمَّا اِقْتَسَمَ الْأَنْصَار الْمُهَاجِرِينَ قَالَتْ \" وَطَارَ لَنَا عُثْمَان بْن مَظْعُون \" أَيْ حَصَلَ فِي نَصِيبنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَة يَتَحَدَّث ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ الْمُهَلَّب عَلَى أَنَّ الْقَسْم لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا دَلَالَة فِيهِ لِأَنَّ عِمَاد الْقَسْم اللَّيْل فِي الْحَضَر , وَأَمَّا فِي السَّفَر فَعِمَاد الْقَسْم فِيهِ النُّزُول , وَأَمَّا حَالَة السَّيْر فَلَيْسَتْ مِنْهُ لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَاللَّفْظ لَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة \" قَلَّ يَوْم إِلَّا وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوف عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيُقَبِّل وَيَلْمِس مَا دُون الْوِقَاع , فَإِذَا جَاءَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمهَا بَاتَ عِنْدهَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَتْ حَفْصَة ) ‏ ‏أَيْ لِعَائِشَة. ‏ ‏قَوْله ( أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَة بَعِيرِي إِلَخْ ) ‏ ‏كَأَنَّ عَائِشَة أَجَابَتْ إِلَى ذَلِكَ لِمَا شَوَّقَتْهَا إِلَيْهِ مِنْ النَّظَر إِلَى مَا لَمْ تَكُنْ هِيَ تَنْظُر , وَهَذَا مُشْعِر بِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا حَال السَّيْر مُتَقَارِبَتَيْنِ بَلْ كَانَتْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا مِنْ جِهَة كَمَا جَرَتْ الْعَادَة مِنْ السَّيْر قِطَارَيْنِ , وَإِلَّا فَلَوْ كَانَتَا مَعًا لَمْ تَخْتَصّ إِحْدَاهُمَا بِنَظَرِ مَا لَمْ تَنْظُرهُ الْأُخْرَى , وَيَحْتَمِل أَنْ تُرِيد بِالنَّظَرِ وَطْأَة الْبَعِير وَجَوْدَة سَيْره. ‏ ‏قَوْله ( فَجَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جَمَل عَائِشَة وَعَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَكَاهَا الْكَرْمَانِيُّ \" وَعَلَيْهَا \" وَكَأَنَّهُ عَلَى إِرَادَة النَّاقَة. ‏ ‏قَوْله ( فَسَلَّمَ عَلَيْهَا ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر فِي الْخَبَر أَنَّهُ تَحَدَّثَ مَعَهَا فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أُلْهِمَ مَا وَقَعَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَقَعَ ذَلِكَ اِتِّفَاقًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَحَدَّثَ وَلَمْ يُنْقَل. ‏ ‏قَوْله ( وَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَة ) ‏ ‏أَيْ حَالَة الْمُسَايَرَة , لِأَنَّ قَطْع الْمَأْلُوف صَعْب. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ رِجْلَيْهَا بَيْن الْإِذْخَر ) ‏ ‏كَأَنَّهَا لَمَّا عَرَفَتْ أَنَّهَا الْجَانِيَة فِيمَا أَجَابَتْ إِلَيْهِ حَفْصَة عَاتَبَتْ نَفْسهَا عَلَى تِلْكَ الْجِنَايَة. وَالْإِذْخَر نَبْتٌ مَعْرُوف تُوجَد فِيهِ الْهَوَامّ غَالِبًا فِي الْبَرِّيَّة. ‏ ‏قَوْله ( وَتَقُول رَبّ سَلِّطْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" يَا رَبّ سَلِّطْ \" بِإِثْبَاتِ حَرْف النِّدَاء وَهِيَ رِوَايَة مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله ( تَلْدَغنِي ) ‏ ‏بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا أَسْتَطِيع أَنْ أَقُول لَهُ شَيْئًا ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ الظَّاهِر أَنَّهُ كَلَام حَفْصَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كَلَام عَائِشَة , وَلَمْ يَظْهَر لِي هَذَا الظَّاهِر بَلْ هُوَ كَلَام عَائِشَة , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم فِي جَمِيع مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ طُرُقه إِلَّا مَا سَأَذْكُرُهُ بَعْد قَوْله تَلْدَغنِي \" رَسُولك لَا أَسْتَطِيع أَنْ أَقُول لَهُ شَيْئًا \" وَرَسُولك بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف تَقْدِيره هُوَ رَسُولك , وَيَجُوز النَّصْب عَلَى تَقْدِير فِعْل , وَإِنَّمَا لَمْ تَتَعَرَّض لِحَفْصَةَ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي أَجَابَتْهَا طَائِعَة فَعَادَتْ عَلَى نَفْسهَا بِاللَّوْمِ , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي نُعَيْم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بَعْد قَوْله تَلْدَغنِي \" وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُر وَلَا أَسْتَطِيع أَنْ أَقُول لَهُ شَيْئًا \" وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْقَوْلِ فِي قَوْلهَا أَنْ أَقُول أَيْ أَحْكِي لَهُ الْوَاقِعَة لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَعْذُرنِي فِي ذَلِكَ , وَظَاهِر رِوَايَة غَيْره تُفْهِم أَنَّ مُرَادهَا بِالْقَوْلِ أَنَّهَا لَا تَسْتَطِيع أَنْ تَقُول فِي حَقّه شَيْئًا كَمَا تَقَدَّمَ , قَالَ الدَّاوُدِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْمُسَايَرَة فِي لَيْلَة عَائِشَة وَلِذَلِكَ غَلَبْت عَلَيْهَا الْغَيْرَة فَدَعَتْ عَلَى نَفْسهَا بِالْمَوْتِ , وَيُعَقَّب بِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ أَنَّهُ يُوجِب الْقَسْم فِي الْمُسَايَرَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذْ لَوْ كَانَ لَمَا كَانَ يَخُصّ عَائِشَة بِالْمُسَايَرَةِ دُون حَفْصَة حَتَّى تَحْتَاج حَفْصَة تَتَحَيَّل عَلَى عَائِشَة , وَلَا يُتَّجَه الْقَسْم فِي حَالَة السَّيْر إِلَّا إِذَا كَانَتْ الْخَلْوَة لَا تَحْصُل إِلَّا فِيهِ بِأَنْ يَرْكَب مَعَهَا فِي الْهَوْدَج وَعِنْد النُّزُول يَجْتَمِع الْكُلّ فِي الْخَيْمَة فَيَكُون حِينَئِذٍ عِمَاد الْقَسْم السَّيْر , أَمَّا الْمُسَايَرَة فَلَا , وَهَذَا كُلّه مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْقَسْم كَانَ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ مُعْظَم الْأَخْبَار , وَيُؤَيِّد الْقَوْل بِالْقُرْعَةِ أَنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مُدَّة السَّفَر لَا يُحَاسِب بِهَا الْمُقِيمَة بَلْ يَبْتَدِئ إِذَا رَجَعَ بِالْقَسْمِ فِيمَا يَسْتَقْبِل , فَلَوْ سَافَرَ بِمَنْ شَاءَ بِغَيْرِ قُرْعَة فَقَدَّمَ بَعْضهنَّ فِي الْقَسْم لَلَزِمَ مِنْهُ إِذَا رَجَعَ أَنْ يُوَفِّي مَنْ تَخَلَّفَ حَقّهَا , وَقَدْ نَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِب , فَظَهَرَ أَنَّ لِلْقُرْعَةِ فَائِدَة وَهِيَ أَنْ لَا يُؤْثِر بَعْضهنَّ بِالتَّشَهِّي لِمَا يَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَرْكِ الْعَدْل بَيْنهنَّ , وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم : لَوْ كَانَ الْمُسَافِر يَقْسِم لِمَنْ خَلَفَ لَمَا كَانَ لِلْقُرْعَةِ مَعْنَى بَلْ مَعْنَاهَا أَنْ تَصِير هَذِهِ الْأَيَّام لِمَنْ خَرَجَ سَهْمهَا خَالِصَة اِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ الْإِطْلَاق فِي تَرْكِ الْقَضَاء فِي السَّفَر مَا دَامَ اِسْم السَّفَر مَوْجُودًا , فَلَوْ سَافَرَ إِلَى بَلْدَة فَأَقَامَ بِهَا زَمَانًا طَوِيلًا ثُمَّ سَافَرَ رَاجِعًا فَعَلَيْهِ قَضَاء مُدَّة الْإِقَامَة وَفِي مُدَّة الرُّجُوع خِلَاف عِنْد الشَّافِعِيَّة وَالْمَعْنَى فِي سُقُوط الْقَضَاء أَنَّ الَّتِي سَافَرَتْ وَفَازَتْ بِالصُّحْبَةِ لَحِقَهَا مِنْ تَعَب السَّفَر وَمَشَقَّته مَا يُقَابِل ذَلِكَ وَالْمُقِيمَة عَكْسهَا فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا ‏"
    },
    {
        "id": "4811",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ ‏ ‏وَهَبَتْ يَوْمَهَا ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْسِمُ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏بِيَوْمِهَا وَيَوْمِ ‏ ‏سَوْدَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مَالِك بْن إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ أَبُو غَسَّان النَّهْدِيُّ , وَزُهَيْر هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ سَوْدَة بِنْت زَمْعَة ) ‏ ‏هِيَ زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ بِمَكَّة بَعْد مَوْت خَدِيجَة وَدَخَلَ عَلَيْهَا بِهَا وَهَاجَرَتْ مَعَهُ , وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق شَرِيك عَنْ هِشَام فِي آخِر حَدِيث الْبَاب \" قَالَتْ عَائِشَة : وَكَانَتْ أَوَّل اِمْرَأَة تَزَوَّجَهَا بَعْدِي \" وَمَعْنَاهُ عَقَدَ عَلَيْهَا بَعْد أَنْ عَقَدَ عَلَى عَائِشَة , وَأَمَّا دُخُوله عَلَيْهَا فَكَانَ قَبْل دُخُوله عَلَى عَائِشَة بِالِاتِّفَاقِ , وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ اِبْن الْجَوْزِيّ. ‏ ‏قَوْله ( وَهَبَتْ يَوْمهَا لِعَائِشَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْهِبَة مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة بِلَفْظِ \" يَوْمهَا وَلَيْلَتهَا \" وَزَادَ فِي آخِره \" تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عُقْبَة بْن خَالِد عَنْ هِشَام \" لَمَّا أَنْ كَبِرَتْ سَوْدَة وَهَبَتْ \" وَلَهُ نَحْوه مِنْ رِوَايَة جَرِير عَنْ هِشَام , وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيث وَزَادَ فِيهِ بَيَان سَبَبه أَوْضَحَ مِنْ رِوَايَة مُسْلِم , فَرَوَى عَنْ أَحْمَد بْن يُونُس عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُفَضِّل بَعْضنَا عَلَى بَعْض فِي الْقَسْم \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" وَلَقَدْ قَالَتْ سَوْدَة بِنْت زَمْعَة حِين أَسَنَّتْ وَخَافَتْ أَنْ يُفَارِقهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُول اللَّه يَوْمِي لِعَائِشَة , فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهَا , فَفِيهَا وَأَشْبَاههَا نَزَلَتْ ( وَإِنْ اِمْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلهَا نُشُوزًا ) الْآيَة \" وَتَابَعَهُ اِبْن سَعْد عَنْ الْوَاقِدِيّ عَنْ اِبْن أَبِي الزِّنَاد فِي وَصْلِهِ , وَرَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ اِبْن أَبِي الزِّنَاد مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُر فِيهِ عَنْ عَائِشَة , وَعِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَوْصُولًا نَحْوه , وَكَذَا قَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر بِمَعْنَى ذَلِكَ , فَتَوَارَدَتْ هَذِهِ الرِّوَايَات عَلَى أَنَّهَا خَشِيَتْ الطَّلَاق فَوَهَبَتْ , وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد بِسَنَدٍ رِجَاله ثِقَات مِنْ رِوَايَة الْقَاسِم اِبْن أَبِي بَزَّة مُرْسَلًا \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَّقَهَا فَقَعَدَتْ لَهُ عَلَى طَرِيقه فَقَالَتْ : وَالَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا لِي فِي الرِّجَال حَاجَة , وَلَكِنْ أُحِبّ أَنْ أُبْعَث مَعَ نِسَائِك يَوْم الْقِيَامَة , فَأَنْشُدك بِالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْك الْكِتَاب هَلْ طَلَّقْتنِي لِمَوْجِدَةٍ وَجَدْتهَا عَلَيَّ ؟ قَالَ : لَا. قَالَتْ : فَأَنْشُدك لَمَا رَاجَعْتنِي , فَرَاجَعَهَا. قَالَتْ : فَإِنِّي قَدْ جَعَلْت يَوْمِي وَلَيْلَتِي لِعَائِشَة حِبَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِم لِعَائِشَة بِيَوْمِهَا وَيَوْم سَوْدَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير عَنْ هِشَام عِنْد مُسْلِم \" فَكَانَ يَقْسِم لِعَائِشَة يَوْمَيْنِ يَوْمهَا وَيَوْم سَوْدَة \" وَقَدْ بَيَّنْت كَلَامهمْ فِي كَيْفِيَّة هَذَا الْقَسْم أَوَّل الْبَاب ‏"
    },
    {
        "id": "4812",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَكِنْ قَالَ ‏ ‏السُّنَّةُ إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( بِشْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُفَضَّل , ‏ ‏وَخَالِد ‏ ‏هُوَ اِبْن مِهْرَانَ الْحَذَّاء. ‏ ‏قَوْله ( وَلَوْ شِئْت أَنْ أَقُول قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ قَالَ السُّنَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق هُشَيْمٍ عَنْ خَالِد فِي آخِر الْحَدِيث \" قَالَ خَالِد : لَوْ شِئْت أَنْ أَقُول رَفَعَهُ لَصَدَقْت , وَلَكِنَّهُ قَالَ السُّنَّة \" فَبَيَّنَ أَنَّهُ قَوْل خَالِد , وَهُوَ اِبْن مِهْرَانَ الْحَذَّاء رَاوِيَة عَنْ أَبِي قِلَابَةَ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى سُفْيَان الثَّوْرِيّ فِي تَعْيِين قَائِل ذَلِكَ هَلْ هُوَ خَالِد أَوْ شَيْخه أَبُو قِلَابَةَ , وَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه مَعَ شَرْح الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "4813",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏وَخَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مِنْ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ قَالَ ‏ ‏أَبُو قِلَابَةَ ‏ ‏وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ إِنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏وَخَالِدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏وَلَوْ شِئْتُ قُلْتُ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يُوسُف بْن رَاشِد ) ‏ ‏هُوَ يُوسُف بْن مُوسَى بْن رَاشِد نُسِبَ لِجَدِّهِ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة عَنْ سُفْيَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة نُعَيْم مِنْ طَرِيق حَمْزَة بْن عَوْن عَنْ أَبِي أُسَامَة \" حَدَّثَنَا سُفْيَان \". ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَيُّوب ) ‏ ‏هُوَ السِّخْتِيَانِيّ وَخَالِد هُوَ الْحَذَّاء. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُمَا جَمِيعًا رَوَيَاهُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ. لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ سَاقه عَلَى لَفْظ خَالِد. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ مِنْ السُّنَّة ) ‏ ‏أَيْ سُنَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , هَذَا الَّذِي يَتَبَادَر لِلْفَهْمِ مِنْ قَوْل الصَّحَابِيّ , وَقَدْ مَضَى فِي الْحَجّ قَوْل سَلَام بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر لَمَّا سَأَلَهُ الزُّهْرِيّ عَنْ قَوْل اِبْن عُمَر لِلْحَجَّاجِ \" إِنْ كُنْت تُرِيد السُّنَّة هَلْ تُرِيد سُنَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ لَهُ سَالِم : وَهَلْ يَعْنُونَ بِذَلِكَ إِلَّا سُنَّته \". ‏ ‏قَوْله ( إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُل الْبِكْر عَلَى الثَّيِّب ) ‏ ‏أَيْ يَكُون عِنْده اِمْرَأَة فَيَتَزَوَّج مَعَهَا بِكْرًا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( أَقَامَ عِنْدهَا سَبْعًا وَقَسَمَ , ثُمَّ قَالَ : أَقَامَ عِنْدهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْبُخَارِيّ بِالْوَاوِ فِي الْأُولَى وَبِلَفْظِ \" ثُمَّ \" فِي الثَّانِيَة , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم مِنْ طَرِيق حَمْزَة بْن عَوْن عَنْ أَبِي أُسَامَة بِلَفْظِ \" ثُمَّ \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : وَلَوْ شِئْت لَقُلْت أَنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَانَ صَادِقًا وَيَكُون رُوِيَ بِالْمَعْنَى وَهُوَ جَائِز عِنْده , لَكِنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمُحَافَظَة عَلَى اللَّفْظ أَوْلَى. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : قَوْل أَبِي قِلَابَةَ يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنْ يَكُون ظَنَّ أَنَّهُ سَمِعَهُ عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا لَفْظًا فَتَحَرَّزَ عَنْهُ تَوَرُّعًا , وَالثَّانِي أَنْ يَكُون رَأَى أَنَّ قَوْل أَنَس \" مِنْ السُّنَّة \" فِي حُكْم الْمَرْفُوع , فَلَوْ عَبَّرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَرْفُوع عَلَى حَسَبِ اِعْتِقَاده لَصَحَّ لِأَنَّهُ فِي حُكْم الْمَرْفُوع , قَالَ : وَالْأَوَّل أَقْرَب , لِأَنَّ قَوْله \" مِنْ السُّنَّة \" يَقْتَضِي أَنْ يَكُون مَرْفُوعًا بِطَرِيقٍ اِجْتِهَادِيّ مُحْتَمَل , وَقَوْله \" أَنَّهُ رَفَعَهُ \" نَصّ فِي رَفْعه وَلَيْسَ لِلرَّاوِي أَنْ يَنْقُل مَا هُوَ ظَاهِر مُحْتَمَل إِلَى مَا هُوَ نَصّ غَيْر مُحْتَمَل اِنْتَهَى , وَهُوَ بَحْث مُتَّجِه , وَلَمْ يُصِبْ مَنْ رَدَّهُ بِأَنَّ الْأَكْثَر عَلَى أَنَّ قَوْل الصَّحَابِيّ \" مِنْ السُّنَّة كَذَا \" فِي حُكْم الْمَرْفُوع لِاتِّجَاهِ الْفَرْق بَيْن مَا هُوَ مَرْفُوع وَمَا هُوَ فِي حُكْم الْمَرْفُوع , لَكِنْ بَاب الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى مُتَّسِع , وَقَدْ وَافَقَ هَذِهِ الرِّوَايَة اِبْن عُلَيَّة عَنْ خَالِد فِي نِسْبَة هَذَا الْقَوْل إِلَى أَبِي قِلَابَةَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَنَسَبَهُ بِشْر بْن الْمُفَضَّل وَهُشَيم إِلَى خَالِد , وَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا كَمَا تَقَدَّمَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون كُلّ مِنْهُمَا قَالَ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا سُفْيَان عَنْ أَيُّوب وَخَالِد ) ‏ ‏يَعْنِي بِهَذَا الْإِسْنَاد وَالْمَتْن. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ خَالِد وَلَوْ شِئْت لَقُلْت رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَأَنَّ الْبُخَارِيّ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّن أَنَّ الرِّوَايَة عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ اِخْتَلَفَتْ فِي نِسْبَة هَذَا الْقَوْل هَلْ هُوَ قَوْل أَبِي قِلَابَةَ أَوْ قَوْل خَالِد , وَيَظْهَر لِي أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة خَالِد عَنْ أَبِي قِلَابَةَ دُون رِوَايَة أَيُّوب , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله مِنْ وَجْه آخَر عَنْ خَالِد وَذَكَرَ الزِّيَادَة فِي صَدْر الْحَدِيث , وَقَدْ وَصَلَ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق الْمَذْكُورَة مُسْلِم فَقَالَ \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن رَافِع حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق وَلَفْظه : مِنْ السُّنَّة أَنْ يُقِيم عِنْد الْبِكْر سَبْعًا , قَالَ خَالِد إِلَخْ \" وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيّ وَالْقَاسِم اِبْن يَزِيد الْجَرْمِيّ عَنْ الثَّوْرِيّ عَنْهُمَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَرَوَاهُ عَبْد اللَّه بْن الْوَلِيد الْعَدْنِيّ عَنْ سُفْيَان كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ , وَشَذَّ أَبُو قِلَابَةَ الرِّقَاشِيّ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي عَاصِم عَنْ سُفْيَان عَنْ خَالِد وَأَيُّوب جَمِيعًا وَقَالَ فِيهِ \" قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه عَنْهُ وَقَالَ \" حَدَّثْنَاهُ الصَّغَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَقَالَ : هُوَ غَرِيب لَا أَعْلَم مَنْ قَالَهُ غَيْر أَبِي قِلَابَةَ \" اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَيُّوب مِنْ رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْهُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَس قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ , وَهُوَ يُؤَيِّد مَا ذَكَرْته أَنَّ السِّيَاق فِي رِوَايَة سُفْيَان لِخَالِدِ , وَرِوَايَة أَيُّوب هَذِهِ إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون أَبُو قِلَابَةَ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ أَيُّوب جَزَمَ بِرَفْعِهِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان أَيْضًا عَنْهُ عَنْ عَبْد الْجَبَّار بْن الْعَلَاء عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوب وَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ , وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ أَيُّوب مِثْله , فَبَيَّنْت أَنَّ رِوَايَة خَالِد هِيَ الَّتِي قَالَ فِيهَا \" مِنْ السُّنَّة \" وَأَنَّ رِوَايَة أَيُّوب قَالَ فِيهَا \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَدْل يَخْتَصّ بِمَنْ لَهُ زَوْجَة قَبْل الْجَدِيدَة , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : جُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حَقّ لِلْمَرْأَةِ بِسَبَبِ الزِّفَاف وَسَوَاء كَانَ عِنْده زَوْجَة أَمْ لَا , وَحَكَى النَّوَوِيّ أَنَّهُ يُسْتَحَبّ إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْده غَيْرهَا وَإِلَّا فَيَجِب. وَهَذَا يُوَافِق كَلَام أَكْثَر الْأَصْحَاب , وَاخْتَارَ النَّوَوِيّ أَنْ لَا فَرْق , وَإِطْلَاق الشَّافِعِيّ يُعَضِّدهُ , وَلَكِنْ يَشْهَد لِلْأَوَّلِ قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب \" إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْر عَلَى الثَّيِّب \" وَيُمْكِن أَنْ يَتَمَسَّك لِلْآخَرِ بِسِيَاقِ بِشْر عَنْ خَالِد الَّذِي فِي الْبَاب قَبْله فَإِنَّهُ قَالَ \" إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْر أَقَامَ عِنْدهَا سَبْعًا \" الْحَدِيث وَلَمْ يُقَيِّدهُ بِمَا إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى غَيْرهَا , لَكِنَّ الْقَاعِدَة أَنَّ الْمُطْلَق مَحْمُول عَلَى الْمُقَيَّد , بَلْ ثَبَتَ فِي رِوَايَة خَالِد التَّقْيِيد , فَعِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق هُشَيْمٍ عَنْ خَالِد \" إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْر عَلَى الثَّيِّب \" الْحَدِيث. وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب \" ثُمَّ قَسَمَ \" لِأَنَّ الْقَسْم إِنَّمَا يَكُون لِمَنْ عِنْده زَوْجَة أُخْرَى , وَفِيهِ حُجَّة عَلَى الْكُوفِيِّينَ فِي قَوْلهمْ : أَنَّ الْبِكْر وَالثَّيِّب سَوَاء فِي الثَّلَاث , وَعَلَى الْأَوْزَاعِيِّ فِي قَوْله لِلْبِكْرِ ثَلَاث وَلِلثَّيِّبِ يَوْمَانِ , وَفِيهِ حَدِيث مَرْفُوع عَنْ عَائِشَة أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيف جِدًّا وَخَصَّ مِنْ عُمُوم حَدِيث الْبَاب مَا لَوْ أَرَادَتْ الثَّيِّب أَنْ يُكْمِل لَهَا السَّبْع فَإِنَّهُ إِذَا أَجَابَهَا سَقَطَ حَقّهَا مِنْ الثَّلَاث وَقَضَى السَّبْع لِغَيْرِهَا , لِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدهَا ثَلَاثًا وَقَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلك هَوَان , إِنْ شِئْت سَبَّعْت لَك , وَإِنْ سَبَّعْت لَك سَبَّعْت لِنِسَائِي \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" إِنْ شِئْت ثَلَّثْت ثُمَّ دُرْت , قَالَتْ ثَلِّثْ \" وَحَكَى الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي \" الْمُهَذَّب \" وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ يَقْضِي السَّبْع أَوْ الْأَرْبَع الْمَزِيدَة , وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَر إِنْ اِخْتَارَ السَّبْع قَضَاهَا كُلّهَا وَإِنْ أَقَامَهَا بِغَيْرِ اِخْتِيَارهَا قَضَى الْأَرْبَع الْمَزِيدَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏يُكْرَه أَنْ يَتَأَخَّر فِي السَّبْع أَوْ الثَّلَاث عَنْ صَلَاة الْجَمَاعَة وَسَائِر أَعْمَال الْبِرّ الَّتِي كَانَ يَفْعَلهَا ; نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ. وَقَالَ الرَّافِعِيّ : هَذَا فِي النَّهَار , وَأَمَّا فِي اللَّيْل فَلَا , لِأَنَّ الْمَنْدُوب لَا يُتْرَك لَهُ الْوَاجِب , وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَاب : يُسَوِّي بَيْن الزَّوْجَات فِي الْخُرُوج إِلَى الْجَمَاعَة وَفِي سَائِر أَعْمَال الْبِرّ , فَيَخْرُج فِي لَيَالِي الْكُلّ أَوْ لَا يَخْرُج أَصْلًا , فَإِنْ خَصَّصَ حَرُمَ عَلَيْهِ , وَعَدُّوا هَذَا مِنْ الْأَعْذَار فِي تَرْكِ الْجَمَاعَة. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : أَفْرَطَ بَعْض الْفُقَهَاء فَجَعَلَ مَقَامه عِنْدهَا عُذْرًا فِي إِسْقَاط الْجُمُعَة , وَبَالَغَ فِي التَّشْنِيع. وَأُجِيب بِأَنَّهُ قِيَاس قَوْل مَنْ يَقُول بِوُجُوبِ الْمَقَام عِنْدهَا وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّة , وَرَوَاهُ اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك , وَعَنْهُ يُسْتَحَبّ وَهُوَ وَجْه لِلشَّافِعِيَّةِ , فَعَلَى الْأَصَحّ يَتَعَارَض عِنْده الْوَاجِبَانِ , فَقَدَّمَ حَقّ الْآدَمِيّ , هَذَا تَوْجِيهه , فَلَيْسَ بِشَنِيعٍ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا , وَتَجِب الْمُوَالَاة فِي السَّبْع وَفِي الثَّلَاث , فَلَوْ فَرَّقَ لَمْ يُحْسَب عَلَى الرَّاجِح لِأَنَّ الْحِشْمَة لَا تَزُول بِهِ , ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْن الْحُرَّة وَالْأَمَة , وَقِيلَ هِيَ عَلَى النِّصْف مِنْ الْحُرَّة وَيُجْبَر الْكَسْر. ‏"
    },
    {
        "id": "4814",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏حَدَّثَهُمْ ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4815",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فَرْوَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا انْصَرَفَ مِنْ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ فَدَخَلَ عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَاحْتَبَسَ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اِنْصَرَفَ مِنْ الْعَصْر دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ \" الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي بِأَتَمّ مِنْ هَذَا فِي \" بَاب لَمْ تُحَرِّم مَا أَحَلَّ اللَّه لَك \" مِنْ كِتَاب الطَّلَاق , وَقَوْله \" فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ \" زَادَ فِيهِ اِبْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة \" بِغَيْرِ وِقَاع \" وَقَدْ بَيَّنْته فِي \" بَاب الْقُرْعَة بَيْن النِّسَاء \" وَهُوَ مِمَّا يُؤَكِّد الرَّدّ عَلَى اِبْن الْعَرَبِيّ فِيمَا اِدَّعَاهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4816",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ‏ ‏أَيْنَ أَنَا غَدًا أَيْنَ أَنَا غَدًا يُرِيدُ يَوْمَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ فَكَانَ فِي بَيْتِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ فِي بَيْتِي فَقَبَضَهُ اللَّهُ وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي وَسَحْرِي وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة فِي آخِر الْمَغَازِي , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا أَنَّ الْقَسْم لَهُنَّ يَسْقُط بِإِذْنِهِنَّ فِي ذَلِكَ , فَكَأَنَّهُنَّ وَهَبْنَ أَيَّامهنَّ تِلْكَ لِلَّتِي هُوَ فِي بَيْتهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَعْض طُرُقه التَّصْرِيح بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4817",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏دَخَلَ عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَا بُنَيَّةِ لَا ‏ ‏يَغُرَّنَّكِ ‏ ‏هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا حُبُّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِيَّاهَا يُرِيدُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَبَسَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4818",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏حَدَّثَتْنِي ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي ضَرَّةً فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إِنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِينِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , وَيَحْيَى فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان , وَأَفَادَ تَصْرِيح هِشَام بِتَحْدِيثِ فَاطِمَة وَهِيَ بِنْت الْمُنْذِر بْن الزُّبَيْر وَهِيَ بِنْت عَمّه وَزَوْجَته , وَأَسْمَاء هِيَ بِنْت أَبِي بَكْر الصِّدِّيق جَدَّتهمَا مَعًا. وَقَدْ اِتَّفَقَ الْأَكْثَر مِنْ أَصْحَاب هِشَام عَلَى هَذَا الْإِسْنَاد , وَانْفَرَدَ مَعْمَر وَالْمُبَارَك بْن فَضَالَة بِرِوَايَتِهِ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة فَقَالَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مَعْمَر وَقَالَ : إِنَّهُ أَخْطَأَ وَالصَّوَاب حَدِيث أَسْمَاء. وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" التَّتَبُّع \" أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة عَبْدَة بْن سُلَيْمَان وَوَكِيع كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة مِثْل رِوَايَة مَعْمَر , قَالَ : وَهَذَا لَا يَصِحّ , وَأَحْتَاج أَنْ أَنْظُر فِي كِتَاب مُسْلِم فَإِنِّي وَجَدْته فِي رُقْعَة , وَالصَّوَاب عَنْ عَبْدَة وَوَكِيع عَنْ فَاطِمَة عَنْ أَسْمَاء لَا عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة , وَكَذَا قَالَ سَائِر أَصْحَاب هِشَام. قُلْت : هُوَ ثَابِت فِي النُّسَخ الصَّحِيحَة مِنْ مُسْلِم فِي كِتَاب اللِّبَاس , أَوْرَدَهُ عَنْ اِبْن نُمَيْر عَنْ عَبْدَة وَوَكِيع عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة , ثُمَّ أَوْرَدَهُ عَنْ اِبْن نُمَيْر عَنْ عَبْدَة وَحْده عَنْ هِشَام عَنْ فَاطِمَة عَنْ أَسْمَاء , فَاقْتَضَى أَنَّهُ عِنْد عَبْدَة عَلَى الْوَجْهَيْنِ , وَعِنْد وَكِيع بِطَرِيقِ عَائِشَة فَقَطْ , ثُمَّ أَوْرَدَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة وَمِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام عَنْ فَاطِمَة , وَكَذَا أَوْرَدَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّد بْن آدَم وَأَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدَة عَنْ هِشَام , وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَد اِبْن أَبِي شَيْبَة , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي ضَمْرَة وَمِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن مُسْهِر , وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الطُّفَاوِيّ وَأَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق ‏ ‏مُرَجَّى بْن رَجَاء كُلّهمْ عَنْ هِشَام عَنْ فَاطِمَة , فَالظَّاهِر أَنَّ الْمَحْفُوظ عَنْ عَبْدَة عَنْ هِشَام عَنْ فَاطِمَة , وَأَمَّا وَكِيع فَقَدْ أَخْرَجَ رِوَايَته الْجَوْزَقِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن هَاشِم الطُّوسِيِّ عَنْهُ مِثْل مَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم , فَلْيُضَمَّ إِلَى مَعْمَر وَمُبَارَك بْن فَضَالَة وَيُسْتَدْرَك عَلَى الدَّارَقُطْنِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اِمْرَأَة قَالَتْ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين هَذِهِ الْمَرْأَة وَلَا عَلَى تَعْيِين زَوْجهَا. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ لِي ضَرَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" إِنَّ لِي جَارَة \" وَهِيَ الضَّرَّة كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( إِنْ تَشَبَّعْت مِنْ زَوْجِي غَيْر الَّذِي يُعْطِينِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" أَنَّ اِمْرَأَة قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه أَقُول إِنَّ زَوْجِي أَعْطَانِي مَا لَمْ يُعْطِنِي \" ؟ ‏ ‏قَوْله ( الْمُتَشَبِّع بِمَا لَمْ يُعْطَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" بِمَا لَمْ يُعْطَهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4819",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنْ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( شَقِيق ) ‏ ‏هُوَ أَبُو وَائِل الْأَسَدِيُّ ‏ ‏وَعَبْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله ( مَا مِنْ أَحَد أَغْيَر مِنْ اللَّه ) ‏ ‏\" مِنْ \" زَائِدَة بِدَلِيلِ الْحَدِيث الَّذِي بَعْده , وَيَجُوز فِي \" أَغْيَر \" الرَّفْع وَالنَّصْب عَلَى اللُّغَتَيْنِ الْحِجَازِيَّة وَالتَّمِيمِيَّة فِي \" مَا \" وَيَجُوز فِي النَّصْب أَنْ يَكُون \" أَغْيَر \" فِي مَوْضِع خَفْض عَلَى النَّعْت لِأَحَدٍ , وَفِي الرَّفْع أَنْ يَكُون صِفَة لِأَحَدٍ , وَالْخَبَر مَحْذُوف فِي الْحَالَيْنِ تَقْدِيره مَوْجُود وَنَحْوه , وَالْكَلَام عَلَى غَيْرَة اللَّه ذُكِرَ فِي الَّذِي قَبْله , وَبَقِيَّة شَرْح الْحَدِيث يَأْتِي فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ قَبْل حَدِيث اِبْن مَسْعُود تَرْجَمَة صُورَتهَا \" فِي الْغَيْرَة وَالْمَدْح \" وَمَا رَأَيْت ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ نُسَخ الْبُخَارِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4820",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَا أُمَّةَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏مَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَرَى عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ تَزْنِي يَا أُمَّةَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله ( يَا أُمَّة مُحَمَّد , مَا أَحَد أَغْيَر مِنْ اللَّه أَنْ يَزْنِي عَبْده أَوْ أَمَته تَزْنِي ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ عِنْده هُنَا عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَلَمَة وَهُوَ الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِك , وَوَقَعَ فِي سَائِر الرِّوَايَات عَنْ مَالِك \" أَوْ تَزْنِي أَمَته \" عَلَى وِزَان الَّذِي قَبْله , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْكُسُوف عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَةَ هَذَا بِهَذَا الْإِسْنَاد كَالْجَمَاعَةِ , فَيَظْهَر أَنَّهُ مِنْ سَبْقِ الْقَلَم هُنَا , وَلَعَلَّ لَفْظَة \" تَزْنِي \" سَقَطَتْ غَلَطًا مِنْ الْأَصْل ثُمَّ أُلْحِقَتْ فَأَخَّرَهَا النَّاسِخ عَنْ مَحِلّهَا. وَهَذَا الْقَدْر الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف مِنْ هَذَا الْحَدِيث هُوَ طَرَف مِنْ الْخُطْبَة الْمَذْكُورَة فِي كِتَاب الْكُسُوف , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى هُنَاكَ بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4821",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏أُمِّهِ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏أَنَّهَا ‏ ‏سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا شَيْءَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ عُرْوَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَجَّاج بْن أَبِي عُثْمَان عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عِنْد مُسْلِم \" حَدَّثَنِي عُرْوَة \" وَرِوَايَة أَبِي سَلَمَة عَنْ عُرْوَة مِنْ رِوَايَة الْقَرِين عَنْ الْقَرِين لِأَنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي السِّنّ وَاللِّقَاء , وَإِنْ كَانَ عُرْوَة أَسَنّ مِنْ أَبِي سَلَمَة قَلِيلًا. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أُمّه أَسْمَاء ) ‏ ‏هِيَ بِنْت أَبِي بَكْر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم الْمَذْكُورَة \" أَنَّ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر الصِّدِّيق حَدَّثَتْهُ \". ‏ ‏قَوْله ( لَا شَيْء أَغْيَر مِنْ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَجَّاج الْمَذْكُورَة \" لَيْسَ شَيْء أَغْيَر مِنْ اللَّه \" وَهُمَا بِمَعْنًى. ‏"
    },
    {
        "id": "4822",
        "content": "‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ يَحْيَى أَنَّ أَبَا سَلَمَة حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة حَدَّثَهُ ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ , وَهُوَ مَعْطُوف عَلَى السَّنَد الَّذِي قَبْله فَهُوَ مَوْصُول , وَلَمْ يَسُقْ الْبُخَارِيّ الْمَتْن مِنْ رِوَايَة هَمَّام بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى رِوَايَة شَيْبَانَ فَسَاقَهُ عَلَى رِوَايَته , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ لَفْظهمَا وَاحِد , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة حَجَّاج بْن أَبِي عُثْمَان عِنْد مُسْلِم بِتَقْدِيمِ حَدِيث أَبِي سَلَمَة عَنْ عُرْوَة عَلَى حَدِيثه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَكْس مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام عِنْد الْبُخَارِيّ , وَأَوْرَدَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ رِوَايَة حَرْب بْن شَدَّاد عَنْ يَحْيَى بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة فَقَطْ مِثْل مَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَة شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى , ثُمَّ أَوْرَدَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة هِشَام الدَّسْتُوَائِيّ عَنْ يَحْيَى بِحَدِيثِ أَسْمَاء فَقَطْ , فَكَأَنَّ يَحْيَى كَانَ يَجْمَعهُمَا تَارَة وَيُفْرِد أُخْرَى , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بِحَدِيثِ أَسْمَاء فَقَطْ وَزَادَ فِي أَوَّله \" عَلَى الْمِنْبَر \". ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اللَّه يَغَار ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة حَجَّاج عِنْد مُسْلِم \" وَإِنْ الْمُؤْمِن يَغَار \". ‏ ‏قَوْله ( وَغَيْرَة اللَّه أَنْ يَأْتِي الْمُؤْمِن مَا حَرَّمَ اللَّه ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسْلِم لَكِنْ بِلَفْظِ \" مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ \" عَلَى الْبِنَاء لِلْفَاعِلِ وَزِيَادَة \" عَلَيْهِ \" وَالضَّمِير لِلْمُؤْمِنِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" وَغَيْرَة اللَّه أَنْ لَا يَأْتِي \" بِزِيَادَةِ \" لَا \" وَكَذَا رَأَيْتهَا ثَابِتَة فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ , وَأَفْرَطَ الصَّغَانِيُّ فَقَالَ : كَذَا لِلْجَمِيعِ وَالصَّوَاب حَذْف \" لَا \" , كَذَا قَالَ وَمَا أَدْرِي مَا أَرَادَ بِالْجَمِيعِ , بَلْ أَكْثَر رُوَاة الْبُخَارِيّ عَلَى حَذْفهَا وِفَاقًا لِمَنْ رَوَاهُ غَيْر الْبُخَارِيّ كَمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا , وَقَدْ وَجَّهَهَا الْكَرْمَانِيُّ وَغَيْره بِمَا حَاصِله : أَنَّ غَيْرَة اللَّه لَيْسَتْ هِيَ الْإِتْيَان وَلَا عَدَمه , فَلَا بُدّ مِنْ تَقْدِير مِثْل لِأَنَّ لَا يَأْتِي أَيْ غَيْرَة اللَّه عَلَى النَّهْي عَنْ الْإِتْيَان أَوْ نَحْو ذَلِكَ , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : التَّقْدِير غَيْرَة اللَّه ثَابِتَة لِأَجْلِ أَنْ لَا يَأْتِي. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَعَلَى تَقْدِير أَنْ لَا يَسْتَقِيم الْمَعْنَى بِإِثْبَاتِ \" لَا \" فَذَلِكَ دَلِيل عَلَى زِيَادَتهَا وَقَدْ عُهِدَتْ زِيَادَتهَا فِي الْكَلَام كَثِيرًا مِثْل قَوْله ( مَا مَنَعَك أَنْ لَا تَسْجُد - لِئَلَّا يَعْلَم أَهْل الْكِتَاب ) وَغَيْر ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4823",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏تَزَوَّجَنِي ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏وَمَا لَهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا شَيْءٍ غَيْرَ نَاضِحٍ وَغَيْرَ فَرَسِهِ فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ وَأَسْتَقِي الْمَاءَ ‏ ‏وَأَخْرِزُ ‏ ‏غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ وَكَانَ يَخْبِزُ جَارَاتٌ لِي مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ ‏ ‏الزُّبَيْرِ ‏ ‏الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى رَأْسِي وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ ‏ ‏فَرْسَخٍ ‏ ‏فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ إِخْ إِخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ وَذَكَرْتُ ‏ ‏الزُّبَيْرَ ‏ ‏وَغَيْرَتَهُ وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنِّي قَدْ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى فَجِئْتُ ‏ ‏الزُّبَيْرَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَلَى رَأْسِي النَّوَى وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَنَاخَ لِأَرْكَبَ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ فَقَالَ وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ قَالَتْ حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ تَكْفِينِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي مَحْمُود ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غَيْلَان الْمَرْوَزِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ أَسْمَاء ) ‏ ‏هِيَ أُمّه الْمُقَدَّم ذِكْرهَا قَبْل. ‏ ‏قَوْله ( تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْعَوَامّ ( وَمَا لَهُ فِي الْأَرْض مِنْ مَال وَلَا مَمْلُوك وَلَا شَيْء غَيْر نَاضِح وَغَيْر فَرَسه ) أَمَّا عَطْف الْمَمْلُوك عَلَى الْمَال فَعَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْمَالِ الْإِبِل أَوْ الْأَرَاضِي الَّتِي تُزْرَع , وَهُوَ اِسْتِعْمَال مَعْرُوف لِلْعَرَبِ يُطْلِقُونَ الْمَال عَلَى كُلّ مِنْ ذَلِكَ , وَالْمُرَاد بِالْمَمْلُوكِ عَلَى هَذَا الرَّقِيق مِنْ الْعَبِيد وَالْإِمَاء , وَقَوْلهَا بَعْد ذَلِكَ \" وَلَا شَيْء \" مِنْ عَطْف الْعَامّ عَلَى الْخَاصّ يَشْمَل كُلّ مَا يُتَمَلَّك أَوْ يُتَمَوَّل لَكِنَّ الظَّاهِر أَنَّهَا لَمْ تُرِدْ إِدْخَال مَا لَا بُدّ لَهُ مِنْهُ مِنْ مَسْكَن وَمَلْبَس وَمَطْعَم وَرَأْس مَال تِجَارَة , وَدَلَّ سِيَاقهَا عَلَى أَنَّ الْأَرْض الَّتِي يَأْتِي ذِكْرهَا لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَة لِلزُّبَيْرِ وَإِنَّمَا كَانَتْ إِقْطَاعًا , فَهُوَ يَمْلِك مَنْفَعَتهَا لَا رَقَبَتهَا , وَلِذَلِكَ لَمْ تَسْتَثْنِهَا كَمَا اِسْتَثْنَتْ الْفَرَس وَالنَّاضِح , وَفِي اِسْتِثْنَائِهَا النَّاضِح وَالْفَرَس نَظَر اِسْتَشْكَلَهُ الداودي , لِأَنَّ تَزْوِيجهَا كَانَ بِمَكَّة قَبْل الْهِجْرَة , وَهَاجَرَتْ وَهِيَ حَامِل بِعَبْدِ اللَّه بْن الزُّبَيْر كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي كِتَاب الْهِجْرَة , وَالنَّاضِح وَهُوَ الْجَمَل الَّذِي يُسْقَى عَلَيْهِ الْمَاء إِنَّمَا حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ الْأَرْض الَّتِي أَقْطَعهَا , قَالَ الدَّاوُدِيّ : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِمَكَّة فَرَس وَلَا نَاضِح , وَالْجَوَاب مَنْع هَذَا النَّفْي وَأَنَّهُ لَا مَانِع أَنْ يَكُون الْفَرَس وَالْجَمَل كَانَا لَهُ بِمَكَّة قَبْل أَنْ يُهَاجِر , فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ فِي يَوْم بَدْر عَلَى فَرَس وَلَمْ يَكُنْ قَبْل بَدْر غَزْوَة حَصَلَتْ لَهُمْ مِنْهَا غَنِيمَة , وَالْجَمَل يَحْتَمِل أَنْ يَكُون كَانَ لَهُ بِمَكَّة وَلَمَّا قَدِمَ بِهِ الْمَدِينَة وَأُقْطِعَ الْأَرْض الْمَذْكُورَة أَعَدَّهُ لِسَقْيِهَا وَكَانَ يَنْتَفِع بِهِ قَبْل ذَلِكَ فِي غَيْر السَّقْي فَلَا إِشْكَال. ‏ ‏قَوْله ( فَكُنْت أَعْلِف فَرَسه ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي أُسَامَة \" وَأَكْفِيه مُؤْنَته وَأَسُوسهُ وَأَدُقّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ وَأَعْلِفهُ \" وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ أَسْمَاء \" كُنْت أَخْدُم الزُّبَيْر خِدْمَة الْبَيْت وَكَانَ لَهُ فَرَس وَكُنْت أَسُوسهُ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ خِدْمَته شَيْء أَشَدّ عَلَيَّ مِنْ سِيَاسَة الْفَرَس كُنْت أَحُشّ لَهُ وَأَقُوم عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله ( وَأَسْتَقِي الْمَاء ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلسَّرَخْسِيِّ \" وَأَسْقِي \" بِغَيْرِ مُثَنَّاة وَهُوَ عَلَى حَذْف الْمَفْعُول أَيْ وَأَسْقِي الْفَرَس أَوْ النَّاضِح الْمَاء , وَالْأَوَّل أَشْمَل مَعْنَى وَأَكْثَر فَائِدَة. ‏ ‏قَوْله ( وَأَخْرِز ) ‏ ‏بِخَاءِ مُعْجَمَة ثُمَّ رَاءٍ ثُمَّ زَاي ‏ ‏( غَرْبه ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا مُوَحَّدَة هُوَ الدَّلْو. ‏ ‏قَوْله ( وَأَعْجِن ) ‏ ‏أَيْ الدَّقِيق وَهُوَ يُؤَيِّد مَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ الْمَال , إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَاد نَفْي أَنْوَاع الْمَال لَانْتَفَى الدَّقِيق الَّذِي يُعْجَن , لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ مُرَادهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيث الْهِجْرَة أَنَّ الزُّبَيْر لَاقَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْر رَاجِعًا مِنْ الشَّام بِتِجَارَةٍ وَأَنَّهُ كَسَاهُمَا ثِيَابًا. ‏ ‏قَوْله ( وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِن أَخْبِز فَكَانَ يَخْبِز جَارَات لِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَكَانَ يَخْبِز لِي \" وَهَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ فِي كَلَامهَا شَيْئًا مَحْذُوفًا تَقْدِيره تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْر بِمَكَّة وَهُوَ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَة , وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَة , وَكُنْت أَصْنَع كَذَا إِلَخْ , لِأَنَّ النِّسْوَة مِنْ الْأَنْصَار إِنَّمَا جَاوَرْنَهَا بَعْد قُدُومهَا الْمَدِينَة قَطْعًا , وَكَذَلِكَ مَا سَيَأْتِي مِنْ حِكَايَة نَقْلِهَا النَّوَى مِنْ أَرْض الزُّبَيْر. ‏ ‏قَوْله ( وَكُنَّ نِسْوَة صَدْقٍ ) ‏ ‏أَضَافَتْهُنَّ إِلَى الصِّدْق مُبَالَغَة فِي تَلَبُّسهنَّ بِهِ فِي حُسْن الْعِشْرَة وَالْوَفَاء بِالْعَهْدِ. ‏ ‏قَوْله ( وَكُنْت أَنْقُل النَّوَى مِنْ أَرْض الزُّبَيْر الَّتِي أَقْطَعهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي كِتَاب فَرْض الْخُمُس بَيَان حَال الْأَرْض الْمَذْكُورَة وَأَنَّهَا كَانَتْ مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَى رَسُوله مِنْ أَمْوَال بَنِي النَّضِير , وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَائِل قُدُومه الْمَدِينَة كَمَا تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله ( وَهِيَ مِنِّي ) ‏ ‏أَيْ مِنْ مَكَان سُكْنَاهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ إِخْ إِخْ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْخَاء , كَلِمَة تُقَال لِلْبَعِيرِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنِيخهُ. ‏ ‏قَوْله ( لِيَحْمِلنِي خَلْفه ) ‏ ‏كَأَنَّهَا فَهِمَتْ ذَلِكَ مِنْ قَرِينَة الْحَال , وَإِلَّا فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يُرْكِبهَا وَمَا مَعَهَا وَيَرْكَب هُوَ شَيْئًا آخَر غَيْر ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( فَاسْتَحْيَيْت أَنْ أَسِير مَعَ الرِّجَال ) ‏ ‏هَذَا بَنَتْهُ عَلَى مَا فَهِمَتْهُ مِنْ الِارْتِدَاف , وَإِلَّا فَعَلَى الِاحْتِمَال الْآخَر مَا تَتَعَيَّن الْمُرَافَقَة. ‏ ‏قَوْله ( وَذَكَرْت الزُّبَيْر وَغَيْرَته , وَكَانَ أَغْيَر النَّاس ) ‏ ‏هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ عَلِمْته , أَيْ أَرَادَتْ تَفْضِيله عَلَى أَبْنَاء جِنْسه فِي ذَلِكَ , أَوْ \" مِنْ \" مُرَادَة , ثُمَّ رَأَيْتهَا ثَابِتَة فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَفْظه \" وَكَانَ مِنْ أَغْيَر النَّاس \". ‏ ‏قَوْله ( وَاللَّه لَحَمْلك النَّوَى عَلَى رَأْسك كَانَ أَشَدّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبك مَعَهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ كَانَ أَشَدّ عَلَيْك وَسَقَطَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة مِنْ رِوَايَة مُسْلِم , وَوَجْه الْمُفَاضَلَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الزُّبَيْر أَنَّ رُكُوبهَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْشَأ مِنْهُ كَبِير أَمْر مِنْ الْغَيْرَة لِأَنَّهَا أُخْت اِمْرَأَته , فَهِيَ فِي تِلْكَ الْحَالَة لَا يَحِلّ لَهُ تَزْوِيجهَا أَنْ لَوْ كَانَتْ خَلِيَّة مِنْ الزَّوْج , وَجَوَاز أَنْ يَقَع لَهَا مَا وَقَعَ لِزَيْنَب بِنْت جَحْش بَعِيد جِدًّا لِأَنَّهُ يَزِيد عَلَيْهِ لُزُوم فِرَاقه لِأُخْتِهَا , فَمَا بَقِيَ إِلَّا اِحْتِمَال أَنْ يَقَع لَهَا مِنْ بَعْض الرِّجَال مُزَاحَمَة بِغَيْرِ قَصْد , وَأَنْ يَنْكَشِف مِنْهَا حَالَة السَّيْر مَا لَا تُرِيد اِنْكِشَافه وَنَحْو ذَلِكَ , وَهَذَا كُلّه أَخَفّ مِمَّا تَحَقَّقَ مِنْ تَبَذُّلهَا بِحَمْلِ النَّوَى عَلَى رَأْسهَا مِنْ مَكَان بَعِيد لِأَنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّم خِسَّة النَّفْس وَدَنَاءَة الْهِمَّة وَقِلَّة الْغَيْرَة وَلَكِنْ كَانَ السَّبَب الْحَامِل عَلَى الصَّبْر عَلَى ذَلِكَ شَغْل زَوْجهَا وَأَبِيهَا بِالْجِهَادِ وَغَيْره مِمَّا يَأْمُرهُمْ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُقِيمهُمْ فِيهِ , وَكَانُوا لَا يَتَفَرَّغُونَ لِلْقِيَامِ بِأُمُورِ الْبَيْت بِأَنْ يَتَعَاطَوْا ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمْ , وَلِضِيقِ مَا بِأَيْدِيهِمْ عَلَى اِسْتِخْدَام مَنْ يَقُوم بِذَلِكَ عَنْهُمْ , فَانْحَصَرَ الْأَمْر فِي نِسَائِهِمْ فَكُنَّ يَكْفِينَهُمْ مُؤْنَة الْمَنْزِل وَمَنْ فِيهِ لِيَتَوَفَّرُوا هُمْ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنْ نَصْر الْإِسْلَام مَعَ مَا يَنْضَمّ إِلَى ذَلِكَ مِنْ الْعَادَة الْمَانِعَة مِنْ تَسْمِيَة ذَلِكَ عَارًا مَحْضًا. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْر بِخَادِمٍ تَكْفِينِي سِيَاسَة الْفَرَس فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَكَفَتْنِي \" وَهِيَ أَوْجَهُ , لِأَنَّ الْأُولَى تَقْتَضِي أَنَّهُ أَرْسَلَهَا لِذَلِكَ خَاصَّة , بِخِلَافِ رِوَايَة مُسْلِم وَقَدْ وَقَعَ عِنْده فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة \" جَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْي فَأَعْطَاهَا خَادِمًا , قَالَتْ كَفَتْنِي سِيَاسَة الْفَرَس فَأَلْقَتْ عَنِّي مُؤْنَته \" وَيُجْمَع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ السَّبْي لَمَّا جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى أَبَا بَكْر مِنْهُ خَادِمًا لِيُرْسِلهُ إِلَى اِبْنَته أَسْمَاء فَصَدَقَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُعْطِي , وَلَكِنْ وَصَلَ ذَلِكَ إِلَيْهَا بِوَاسِطَةٍ. وَوَقَعَ عِنْده فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّهَا بَاعَتْهَا بَعْد ذَلِكَ وَتَصَدَّقَتْ بِثَمَنِهَا , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهَا اِسْتَغْنَتْ عَنْهَا بِغَيْرِهَا. وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّة عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْأَة الْقِيَام بِجَمِيعِ مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ زَوْجهَا مِنْ الْخِدْمَة , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو ثَوْر , وَحَمَلَهُ الْبَاقُونَ عَلَى أَنَّهَا تَطَوَّعَتْ بِذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَازِمًا , أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُهَلَّب وَغَيْره. وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَة وَأَمْثَالهَا كَانَتْ فِي حَال ضَرُورَة كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا يَطَّرِد الْحُكْم فِي غَيْرهَا مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِثْل حَالهمْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فَاطِمَة سَيِّدَة نِسَاء الْعَالَمِينَ شَكَتْ مَا تَلْقَى يَدَاهَا مِنْ الرَّحَى وَسَأَلَتْ أَبَاهَا خَادِمًا فَدَلَّهَا عَلَى خَيْر مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ ذِكْر اللَّه تَعَالَى , وَالَّذِي يَتَرَجَّح حَمْل الْأَمْر فِي ذَلِكَ عَلَى عَوَائِد الْبِلَاد فَإِنَّهَا مُخْتَلِفَة فِي هَذَا الْبَاب , قَالَ الْمُهَلَّب : وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَة الشَّرِيفَة إِذَا تَطَوَّعَتْ بِخِدْمَةِ زَوْجهَا بِشَيْءٍ لَا يَلْزَمهَا لَمْ يُنْكِر عَلَيْهَا ذَلِكَ أَب وَلَا سُلْطَان , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى مَا أَصْله مِنْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ تَطَوُّعًا , وَلِخَصْمِهِ أَنْ يَعْكِس فَيَقُول لَوْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا مَا سَكَتَ أَبُوهَا مَثَلًا عَلَى ذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّة عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا , وَلَا أَقَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ مَعَ عَظَمَة الصِّدِّيق عِنْده ; قَالَ : وَفِيهِ جَوَاز اِرْتِدَاف الْمَرْأَة خَلْف الرَّجُل فِي مَوْكِب الرِّجَال , قَالَ : وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث أَنَّهَا اِسْتَتَرَتْ وَلَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا بِذَلِكَ , فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْحِجَاب إِنَّمَا هُوَ فِي حَقّ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة ا ه. وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْقِصَّة كَانَتْ قَبْل نُزُول الْحِجَاب وَمَشْرُوعِيَّته , وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة النُّور \" لَمَّا نَزَلَتْ ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبهنَّ ) أَخَذْنَ أُزُرهنَّ مِنْ قِبَلَ الْحَوَاشِي فَشَقَقْنَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا \" وَلَمْ تَزَلْ عَادَة النِّسَاء قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَسْتُرْنَ وُجُوههنَّ عَنْ الْأَجَانِب , وَالَّذِي ذَكَرَ عِيَاض أَنَّ الَّذِي اُخْتُصَّ بِهِ أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ سِتْر شُخُوصهنَّ زِيَادَة عَلَى سِتْر أَجْسَامهنَّ , وَقَدْ ذَكَرْت الْبَحْث مَعَهُ فِي ذَلِكَ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع. قَالَ الْمُهَلَّب : وَفِيهِ غَيْرَة الرَّجُل عِنْد اِبْتِذَال أَهْله فِيمَا يَشُقّ مِنْ الْخِدْمَة وَأَنَفَة نَفْسه مِنْ ذَلِكَ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ ذَات حَسَب اِنْتَهَى. وَفِيهِ مَنْقَبَة لِأَسْمَاء وَلِلزُّبَيْرِ وَلِأَبِي بَكْر وَلِنِسَاءِ الْأَنْصَار. ‏"
    },
    {
        "id": "4824",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ ‏ ‏إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ فَجَمَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِلَقَ الصَّحْفَةِ ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ ‏ ‏غَارَتْ ‏ ‏أُمُّكُمْ ‏ ‏ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ ‏ ‏بِصَحْفَةٍ ‏ ‏مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , وَابْن عُلَيَّة اِسْمه إِسْمَاعِيل. ‏ ‏وَقَوْله عَنْ أَنَس ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْمَظَالِم بَيَان مَنْ صَرَّحَ عَنْ حُمَيْدٍ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَنَس , وَكَذَا تَسْمِيَة الْمَرْأَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ , وَأَنَّ الَّتِي كَانَتْ فِي بَيْتهَا هِيَ عَائِشَة وَأَنَّ الَّتِي هِيَ أَرْسَلَتْ الطَّعَام زَيْنَب بِنْت جَحْش وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( غَارَتْ أُمّكُمْ ) ‏ ‏الْخِطَاب لِمَنْ حَضَرَ , وَالْمُرَاد بِالْأُمِّ هِيَ الَّتِي كَسَرَتْ الصَّحْفَة وَهِيَ مِنْ أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه , وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" أُمّكُمْ \" سَارَة , وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام عِنْده لَا تَتَعَجَّبُوا مِمَّا وَقَعَ مِنْ هَذِهِ مِنْ الْغَيْرَة فَقَدْ غَارَتْ قَبْل ذَلِكَ أُمّكُمْ حَتَّى أَخْرَجَ إِبْرَاهِيم وَلَده إِسْمَاعِيل وَهُوَ طِفْل مَعَ أُمّه إِلَى وَادٍ غَيْر ذِي زَرْع , وَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَهُ بَعْض تَوْجِيه لَكِنَّ الْمُرَاد خِلَافه وَأَنَّ الْمُرَاد كَاسِرَة الصَّحْفَة وَعَلَى هَذَا حَمَلَهُ جَمِيع مَنْ شَرَحَ هَذَا الْحَدِيث وَقَالُوا : فِيهِ إِشَارَة إِلَى عَدَم مُؤَاخَذَة الْغَيْرَاء بِمَا يَصْدُر مِنْهَا لِأَنَّهَا فِي تِلْكَ الْحَالَة يَكُون عَقْلهَا مَحْجُوبًا بِشِدَّةِ الْغَضَب الَّذِي أَثَارَتْهُ الْغَيْرَة. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ لَا بَأْس بِهِ عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا \" أَنَّ الْغَيْرَاء لَا تُبْصِر أَسْفَل الْوَادِي مِنْ أَعْلَاهُ \" قَالَهُ فِي قِصَّة. وَعَنْ اِبْن مَسْعُود رَفَعَهُ \" إِنَّ اللَّه كَتَبَ الْغَيْرَة عَلَى النِّسَاء , فَمَنْ صَبَرَ مِنْهُنَّ كَانَ لَهَا أَجْر شَهِيد \" أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَأَشَارَ إِلَى صِحَّته وَرِجَاله ثِقَات , لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي عُبَيْد بْن الصَّبَاح مِنْهُمْ. وَفِي إِطْلَاق الدَّاوُدِيّ عَلَى سَارَة أَنَّهَا أُمّ الْمُخَاطَبِينَ نَظَر أَيْضًا , فَإِنَّهُمْ إِنْ كَانُوا مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيل فَأُمّهمْ هَاجَر لَا سَارَة , وَيَبْعُد أَنْ يَكُونُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل حَتَّى يَصِحّ أَنَّ أُمّهمْ سَارَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4825",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ الْجَنَّةَ أَوْ ‏ ‏أَتَيْتُ الْجَنَّةَ فَأَبْصَرْتُ قَصْرًا فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا قَالُوا ‏ ‏لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ فَلَمْ يَمْنَعْنِي إِلَّا عِلْمِي بِغَيْرَتِكَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَعَلَيْكَ أَغَارُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مُعْتَمِر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ وَعُبَيْد اللَّه هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث عَنْ جَابِر مُطَوَّلًا فِي مَنَاقِب عُمَر مَعَ شَرْحه. ‏"
    },
    {
        "id": "4826",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جُلُوسٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا قَالُوا هَذَا ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا فَبَكَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَهُوَ فِي الْمَجْلِسِ ثُمَّ قَالَ أَوَعَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغَارُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( بَيْنَمَا أَنَا نَائِم رَأَيْتنِي فِي الْجَنَّة ) ‏ ‏هَذَا يُعَيِّن أَحَد الِاحْتِمَالَيْنِ فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله حَيْثُ قَالَ فِيهِ \" دَخَلْت الْجَنَّة أَوْ أَتَيْت الْجَنَّة \" وَأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْيَقِظَة أَوْ فِي النَّوْم فَبَيَّنَ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي النَّوْم. ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا اِمْرَأَة تَتَوَضَّأ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ النَّقْل عَنْ الْخَطَّابِيّ فِي زَعْمِهِ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة تَصْحِيف وَأَنَّ الْقُرْطُبِيّ عَزَا هَذَا الْكَلَام لِابْنِ قُتَيْبَة , وَهُوَ كَذَلِكَ أَوْرَدَهُ فِي \" غَرِيب الْحَدِيث \" مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَتَلَقَّاهُ عَنْهُ الْخَطَّابِيُّ فَذَكَرَهُ فِي شَرْح الْبُخَارِيّ وَارْتَضَاهُ اِبْن بَطَّال فَقَالَ يُشْبِه أَنْ تَكُون هَذِهِ الرِّوَايَة الصَّوَاب. وَتَتَوَضَّأ تَصْحِيف , لِأَنَّ الْحُور طَاهِرَات لَا وُضُوء عَلَيْهِنَّ , وَكَذَا كُلّ مَنْ دَخَلَ الْجَنَّة لَا تَلْزَمهُ طَهَارَة , وَقَدْ قَدَّمْت الْبَحْث مَعَ الْخَطَّابِيّ فِي هَذَا فِي مَنَاقِب عُمَر بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته , وَقَدْ اِسْتَدَلَّ الدَّاوُدِيُّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْحُور فِي الْجَنَّة يَتَوَضَّئُونَ وَيُصَلِّينَ قُلْت : وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الْجَنَّة لَا تَكْلِيف فِيهَا بِالْعِبَادَةِ أَنْ لَا يَصْدُر مِنْ أَحَد مِنْ الْعِبَاد بِاخْتِيَارِهِ مَا شَاءَ مِنْ أَنْوَاع الْعِبَادَة. ثُمَّ قَالَ اِبْن بَطَّال : يُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث أَنَّ مَنْ عَلِمَ مِنْ صَاحِبه خُلُقًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَرَّض لِمَا يُنَافِرهُ ا ه. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ نُسِبَ إِلَى مَنْ اِتَّصَفَ بِصِفَةِ صَلَاح مَا يُغَايِر ذَلِكَ يُنْكَر عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْجَنَّة مَوْجُودَة وَكَذَلِكَ الْحُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ فِي بَدْء الْخَلْقِ , وَسَائِر فَوَائِده تَقَدَّمَتْ فِي مَنَاقِب عُمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "4827",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قَالَتْ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ فَقَالَ أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لَا وَرَبِّ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ لَا وَرَبِّ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَتْ قُلْتُ أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عُبَيْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنِي \" بِالْإِفْرَادِ. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي لَأَعْلَم إِذَا كُنْت عَنِّي رَاضِيَة إِلَخْ ) ‏ ‏يُؤْخَذ مِنْهُ اِسْتِقْرَاء الرَّجُل حَال الْمَرْأَة مِنْ فِعْلهَا وَقَوْلهَا فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْمَيْلِ إِلَيْهِ وَعَدَمه , وَالْحُكْم بِمَا تَقْتَضِيه الْقَرَائِن فِي ذَلِكَ , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَزَمَ بِرِضَا عَائِشَة وَغَضَبهَا بِمُجَرَّدِ ذِكْرهَا لِاسْمِهِ وَسُكُوتهَا , فَبَنَى عَلَى تَغَيُّر الْحَالَتَيْنِ مِنْ الذِّكْر وَالسُّكُوت تَغَيُّر الْحَالَتَيْنِ مِنْ الرِّضَا وَالْغَضَب , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ شَيْء آخَر أَصْرَح مِنْهُ لَكِنْ لَمْ يُنْقَل وَقَوْل عَائِشَة \" أَجَل يَا رَسُول اللَّه مَا أَهْجُر إِلَّا اِسْمك \" قَالَ الطِّيبِيُّ : هَذَا الْحَصْر لَطِيف جِدًّا لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي حَال الْغَضَب الَّذِي يَسْلُب الْعَاقِل اِخْتِيَاره لَا تَتَغَيَّر عَنْ الْمَحَبَّة الْمُسْتَقِرَّة فَهُوَ كَمَا قِيلَ : ‏ ‏إِنِّي لِأَمْنَحك الصُّدُود وَإِنَّنِي ‏ ‏قَسَمًا إِلَيْك مَعَ الصُّدُود لَأَمْيَل ‏ ‏وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : مُرَادهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَتْرُك التَّسْمِيَة اللَّفْظِيَّة وَلَا يَتْرُك قَلْبهَا التَّعَلُّق بِذَاتِهِ الْكَرِيمَة مَوَدَّة وَمَحَبَّة ا ه. وَفِي اِخْتِيَار عَائِشَة ذِكْر إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام دُون غَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء دَلَالَة عَلَى مَزِيد فِطْنَتهَا , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى النَّاس بِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقُرْآن , فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهَا بُدّ مِنْ هَجْر الِاسْم الشَّرِيف أَبْدَلَتْهُ بِمَنْ هُوَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ حَتَّى لَا تَخْرُج عَنْ دَائِرَة التَّعَلُّق فِي الْجُمْلَة. وَقَالَ الْمُهَلَّب : يُسْتَدَلّ بِقَوْلِ عَائِشَة عَلَى أَنَّ الِاسْم غَيْر الْمُسَمَّى إِذْ لَوْ كَانَ الِاسْم عَيْن الْمُسَمَّى لَكَانَتْ بِهَجْرِهِ تَهْجُر ذَاته وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ثُمَّ أَطَالَ فِي تَقْرِير هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَمَحَلّ الْبَحْث فِيهَا كِتَاب التَّوْحِيد حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّف , أَعَانَ اللَّه تَعَالَى عَلَى الْوُصُول إِلَى ذَلِكَ بِحَوْلِهِ وَقُوَّته. ‏"
    },
    {
        "id": "4828",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَمَا غِرْتُ عَلَى ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏لِكَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِيَّاهَا وَثَنَائِهِ عَلَيْهَا وَقَدْ أُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ لَهَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن أَبِي رَجَاء ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الْوَلِيد الْهَرَوِيُّ , وَاسْم أَبِي رَجَاء عَبْد اللَّه بْن أَيُّوب. ‏ ‏قَوْله ( مَا غِرْت عَلَى اِمْرَأَة ) ‏ ‏بَيَّنْت سَبَب ذَلِكَ وَأَنَّهُ كَثْرَة ذِكْرِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا , وَهِيَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَة وَقَدْ أَمِنَتْ مُشَارَكَتهَا لَهَا فِيهِ لَكِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَرْجِيحهَا عِنْده , فَهُوَ الَّذِي هَيَّجَ الْغَضَب الَّذِي يُثِير الْغَيْرَة بِحَيْثُ قَالَتْ مَا تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب خَدِيجَة \" أَبْدَلَك اللَّه خَيْرًا مِنْهَا. فَقَالَ : مَا أَبْدَلَنِي اللَّه خَيْرًا مِنْهَا \" وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ وَاخَذَ عَائِشَة لِقِيَامِ مَعْذِرَتهَا بِالْغَيْرَةِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا النِّسَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِث الْحَدِيث مِنْ كِتَاب الْمَنَاقِب مُسْتَوْفَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "4829",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ إِنَّ ‏ ‏بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ‏ ‏اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يُنْكِحُوا ‏ ‏ابْنَتَهُمْ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَلَا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ ‏ ‏فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي ‏ ‏يُرِيبُنِي ‏ ‏مَا أَرَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا هَكَذَا قَالَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ الْمِسْوَر ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ اللَّيْث وَتَابَعَهُ عَمْرو بْن دِينَار وَغَيْر وَاحِد , وَخَالَفَهُمْ أَيُّوب فَقَالَ \" عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَسَن , وَذَكَرَ الِاخْتِلَاف فِيهِ ثُمَّ قَالَ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن أَبِي مُلَيْكَة حَمَلَهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا ا ه. وَالَّذِي يَظْهَر تَرْجِيح رِوَايَة اللَّيْث لِكَوْنِهِ تُوبِعَ وَلِكَوْنِ الْحَدِيث قَدْ جَاءَ عَنْ الْمِسْوَر مِنْ غَيْر رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَرْض الْخُمُس وَفِي الْمَنَاقِب مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ عَنْ الْمِسْوَر وَزَادَ فِيهِ فِي الْخُمُس قِصَّة سَيْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَلِكَ سَبَب تَحْدِيث الْمِسْوَر لِعَلِيِّ بْن الْحُسَيْن بِهَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ ذَكَرْت مَا يَتَعَلَّق بِقِصَّةِ السَّيْف عَنْهُ هُنَاكَ , وَلَا أَزَال أَتَعَجَّب مِنْ الْمِسْوَر كَيْف بَالَغَ فِي تَعَصُّبه لِعَلِيِّ بْن الْحُسَيْن حَتَّى قَالَ : إِنَّهُ لَوْ أَوْدَعَ عِنْده السَّيْف لَا يُمَكِّن أَحَدًا مِنْهُ حَتَّى تَزْهَق رُوحه , رِعَايَة لِكَوْنِهِ اِبْن اِبْن فَاطِمَة مُحْتَجًّا بِحَدِيثِ الْبَاب , وَلَمْ يُرَاعِ خَاطِرَهُ فِي أَنَّ ظَاهِر سِيَاق الْحَدِيث الْمَذْكُور غَضَاضَة عَلَى عَلِيّ بْن الْحُسَيْن لِمَا فِيهِ مِنْ إِيهَام غَضّ مِنْ جَدّه عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب حَيْثُ أَقْدَم عَلَى خِطْبَة بِنْت أَبِي جَهْل عَلَى فَاطِمَة حَتَّى اِقْتَضَى أَنْ يَقَع مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِنْكَار مَا وَقَعَ , بَلْ أَتَعَجَّب مِنْ الْمِسْوَر تَعَجُّبًا آخَر أَبْلَغَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَبْذُل نَفْسه دُون السَّيْف رِعَايَة لِخَاطِرِ وَلَد اِبْن فَاطِمَة , وَمَا بَذَلَ نَفْسه دُون اِبْن فَاطِمَة نَفْسه أَعْنِي الْحُسَيْن وَالِد عَلِيّ الَّذِي وَقَعَتْ لَهُ مَعَهُ الْقِصَّة حَتَّى قُتِلَ بِأَيْدِي ظَلَمَة الْوُلَاة , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عُذْره أَنَّ الْحُسَيْن لَمَّا خَرَجَ إِلَى الْعِرَاق مَا كَانَ الْمِسْوَر وَغَيْره مِنْ أَهْل الْحِجَاز يَظُنُّونَ أَنَّ أَمْرَهُ يَئُول إِلَى مَا آلَ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَرْض الْخُمُس وَجْه الْمُنَاسَبَة بَيْن قِصَّة السَّيْف وَقِصَّة الْخِطْبَة بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ عَلِيّ بْن حُسَيْن عَنْ الْمِسْوَر الْمَاضِيَة فِي فَرْض الْخُمُس \" يَخْطُب النَّاس عَلَى مِنْبَره هَذَا وَأَنَا يَوْمئِذٍ مُحْتَلِم \" قَالَ اِبْن سَيِّد النَّاس : هَذَا غَلَط. وَالصَّوَاب مَا وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ \" كَالْمُحْتَلِمِ \" أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن مَعِين عَنْ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور إِلَى عَلِيّ بْن الْحُسَيْن قَالَ : وَالْمِسْوَر لَمْ يَحْتَلِم فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِأَنَّهُ وُلِدَ بَعْد اِبْن الزُّبَيْر , فَيَكُون عُمْره عِنْد وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِي سِنِينَ. قُلْت : كَذَا جَزَمَ بِهِ , وَفِيهِ نَظَر , فَإِنَّ الصَّحِيح أَنَّ اِبْن الزُّبَيْر وُلِدَ فِي السَّنَة الْأُولَى فَيَكُون عُمْره عِنْد الْوَفَاة النَّبَوِيَّة تِسْع سِنِينَ فَيَجُوز أَنْ يَكُون اِحْتَلَمَ فِي أَوَّل سِنِي الْإِمْكَان , أَوْ يُحْمَل قَوْله مُحْتَلِم عَلَى الْمُبَالَغَة وَالْمُرَاد التَّشْبِيه فَتَلْتَئِم الرِّوَايَتَانِ , وَإِلَّا فَابْن ثَمَان سِنِينَ لَا يُقَال لَهُ مُحْتَلِم وَلَا كَالْمُحْتَلِمِ إِلَّا أَنْ يُرِيد بِالتَّشْبِيهِ أَنَّهُ كَانَ كَالْمُحْتَلِمِ فِي الْحِذْق وَالْفَهْم وَالْحِفْظ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ بَنِي هِشَام بْن الْمُغِيرَة ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم هَاشِم بْن الْمُغِيرَة وَالصَّوَاب هِشَام لِأَنَّهُ جَدّ الْمَخْطُوبَة. ‏ ‏قَوْله ( اِسْتَأْذَنُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" اِسْتَأْذَنُونِي \" ‏ ‏( فِي أَنْ يُنْكِحُوا اِبْنَتهمْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ) ‏ ‏هَكَذَا فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة أَنَّ سَبَب الْخُطْبَة اِسْتِئْذَان بَنِي هِشَام بْن الْمُغِيرَة , وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بِسَبَبٍ آخَر وَلَفْظه \" أَنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْت أَبِي جَهْل عَلَى فَاطِمَة , فَلَمَّا سَمِعْت بِذَلِكَ فَاطِمَة أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنَّ قَوْمك يَتَحَدَّثُونَ \" كَذَا فِي رِوَايَة شُعَيْب , وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن أَبِي زِيَاد عَنْهُ فِي صَحِيح اِبْن حِبَّان \" فَبَلَغَ ذَلِكَ فَاطِمَة فَقَالَتْ : إِنَّ النَّاس يَزْعُمُونَ أَنَّك لَا تَغْضَب لِبَنَاتِك , وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِح بِنْت أَبِي جَهْل \" هَكَذَا أَطْلَقَتْ عَلَيْهِ اِسْم فَاعِل مَجَازًا لِكَوْنِهِ أَرَادَ ذَلِكَ وَصَمَّمَ عَلَيْهِ فَنَزَّلَتْهُ مَنْزِلَة مَنْ فَعَلَهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي زِيَاد \" خَطَبَ \" وَلَا إِشْكَال فِيهَا , قَالَ الْمِسْوَر : فَقَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَوَقَعَ عِنْد الْحَاكِم مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ أَبِي حَنْظَلَة \" أَنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْت أَبِي جَهْل , فَقَالَ لَهُ أَهْلهَا : لَا نُزَوِّجك عَلَى فَاطِمَة \". قُلْت : فَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَبَب اِسْتِئْذَانهمْ. وَجَاءَ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا اِسْتَأْذَنَ بِنَفْسِهِ , فَأَخْرَجَ الْحَاكِم بِإِسْنَادٍ صَحِيح إِلَى سُوَيْد بْن غَفَلَة - وَهُوَ أَحَد الْمُخَضْرَمِينَ مِمَّنْ أَسْلَمَ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَلْقَهُ. قَالَ \" خَطَبَ عَلِيّ بِنْت أَبِي جَهْل إِلَى عَمّهَا الْحَارِث بْن هِشَام , فَاسْتَشَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَعَنْ حَسَبهَا تَسْأَلنِي ؟ فَقَالَ : لَا وَلَكِنْ أَتَأْمُرُنِي بِهَا ؟ قَالَ : لَا , فَاطِمَة مُضْغَة مِنِّي , وَلَا أَحْسَب إِلَّا أَنَّهَا تَحْزَن أَوْ تَجْزَع , فَقَالَ عَلِيّ لَا آتِي شَيْئًا تَكْرَههُ \" وَلَعَلَّ هَذَا الِاسْتِئْذَان وَقَعَ بَعْد خُطْبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا خَطَبَ وَلَمْ يَحْضُر عَلِيٌّ الْخُطْبَة الْمَذْكُورَة فَاسْتَشَارَ , فَلَمَّا قَالَ لَهُ \" لَا \" لَمْ يَتَعَرَّض بَعْد ذَلِكَ لِطَلَبِهَا , وَلِهَذَا جَاءَ آخِر حَدِيث شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ \" فَتَرَكَ عَلِيّ الْخِطْبَة \" وَهِيَ بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة \" فَسَكَتَ عَلِيّ عَنْ ذَلِكَ النِّكَاح \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَا آذَن , ثُمَّ لَا آذَن , ثُمَّ لَا آذَن ) ‏ ‏كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى تَأْبِيد مُدَّة مَنْع الْإِذْن وَكَأَنَّهُ أَرَادَ رَفْعَ الْمَجَاز لِاحْتِمَالِ أَنْ يَحْمِل النَّفْي عَلَى مُدَّة بِعَيْنِهَا فَقَالَ ثُمَّ لَا آذَن \" أَيْ وَلَوْ مَضَتْ الْمُدَّة الْمَفْرُوضَة تَقْدِيرًا لَا آذَن بَعْدهَا ثُمَّ كَذَلِكَ أَبَدًا , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى مَا فِي حَدِيث الزُّهْرِيِّ مِنْ أَنَّ بَنِي هِشَام بْن الْمُغِيرَة اِسْتَأْذَنُوا , وَبَنُو هِشَام هُمْ أَعْمَام بِنْت أَبِي جَهْل لِأَنَّهُ أَبُو الْحَكَم عَمْرو بْن هِشَام بْن الْمُغِيرَة وَقَدْ أَسْلَمَ أَخَوَاهُ الْحَارِث بْن هِشَام وَسَلَمَة بْن هِشَام عَام الْفَتْح وَحَسُنَ إِسْلَامهمَا , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ جَوَابهمَا الْمُتَقَدِّم لِعَلِيٍّ. وَمِمَّنْ يَدْخُل فِي إِطْلَاق بَنِي هِشَام بْن الْمُغِيرَة عِكْرِمَة بْن أَبِي جَهْل بْن هِشَام , وَقَدْ أَسْلَمَ أَيْضًا وَحَسُنَ إِسْلَامه , وَاسْم الْمَخْطُوبَة تَقَدَّمَ بَيَانه فِي \" بَاب ذِكْرِ أَصْهَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مِنْ كِتَاب الْمَنَاقِب وَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَتَّاب بْن أَسِيد بْن أَبِي الْعِيص لَمَّا تَرَكَهَا عَلِيّ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ زِيَادَة فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ فِي ذِكْر أَبِي الْعَاصِ بْن الرَّبِيع وَالْكَلَام عَلَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي , وَوَعَدَنِي وَوَفَّى لِي \" وَتَوْجِيه مَا وَقَعَ مِنْ عَلِيّ فِي هَذِهِ الْقِصَّة أَغْنَى عَنْ إِعَادَته. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا أَنْ يُرِيد اِبْن أَبِي طَالِب أَنْ يُطَلِّق اِبْنَتِي وَيَنْكِح اِبْنَتهمْ ) ‏ ‏هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ بَعْض مَنْ يَبْغَض عَلِيًّا وَشَى بِهِ أَنَّهُ مُصَمِّم عَلَى ذَلِكَ , وَإِلَّا فَلَا يَظُنّ بِهِ أَنَّهُ يَسْتَمِرّ عَلَى الْخِطْبَة بَعْد أَنْ اِسْتَشَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنَعَهُ , وَسِيَاق سُوَيْد بْن غَفَلَة يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْل أَنْ تَعْلَم بِهِ فَاطِمَة , فَكَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهَا ذَلِكَ وَشَكَتْ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد أَنْ أَعْلَمهُ عَلَى أَنَّهُ تَرَك أَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ , وَزَادَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ \" وَإِنِّي لَسْت أُحَرِّم حَلَالًا , وَلَا أُحَلِّل حَرَامًا , وَلَكِنْ وَاللَّه لَا تُجْمَع بِنْت رَسُول اللَّه وَبِنْت عَدُوّ اللَّه عِنْد رَجُل أَبَدًا \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا \" وَفِي رِوَايَة شُعَيْب \" عِنْد رَجُل وَاحِد أَبَدًا \" قَالَ اِبْن التِّين : أَصَحّ مَا تُحْمَل عَلَيْهِ هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ عَلَى عَلِيٍّ أَنْ يَجْمَع بَيْن اِبْنَته وَبَيْن اِبْنَة أَبِي جَهْل لِأَنَّهُ عَلَّلَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُؤْذِيه وَأَذِيَّته حَرَام بِالِاتِّفَاقِ , وَمَعْنَى قَوْله \" لَا أُحَرِّم حَلَالًا \" أَيْ هِيَ لَهُ حَلَال لَوْ لَمْ تَكُنْ عِنْده فَاطِمَة , وَأَمَّا الْجَمْع بَيْنهمَا الَّذِي يَسْتَلْزِم تَأَذِّي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَأَذِّي فَاطِمَة بِهِ فَلَا , وَزَعَمَ غَيْره أَنَّ السِّيَاق يُشْعِر بِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاح لِعَلِيٍّ , لَكِنَّهُ مَنَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِعَايَة لِخَاطِرِ فَاطِمَة وَقَبِلَ هُوَ ذَلِكَ اِمْتِثَالًا لِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ لَا يَبْعُد أَنْ يُعَدّ فِي خَصَائِص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يُتَزَوَّج عَلَى بَنَاته , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ خَاصًّا بِفَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَام. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَة مِنِّي ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة أَيْ قِطْعَة , وَوَقَعَ فِي حَدِيث سُوَيْد بْن غَفَلَة كَمَا تَقَدَّمَ \" مُضْغَة \" بِضَمِّ الْمِيم وَبِغَيْنٍ مُعْجَمَة , وَالسَّبَب فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب أَنَّهَا كَانَتْ أُصِيبَتْ بِأُمِّهَا ثُمَّ بِأَخَوَاتِهَا وَاحِدَة بَعْد وَاحِدَة فَلَمْ يَبْقَ لَهَا مَنْ تَسْتَأْنِس بِهِ مِمَّنْ يُخَفِّف عَلَيْهَا الْأَمْر مِمَّنْ تُفْضِي إِلَيْهِ بِسِرِّهَا إِذَا حَصَلَتْ لَهَا الْغَيْرَة. ‏ ‏قَوْله ( يَرِيبنِي مَا أَرَابَهَا ) ‏ ‏كَذَا هُنَا مِنْ أَرَابَ رُبَاعِيًّا وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" مَا رَابَهَا \" مِنْ رَابَ ثُلَاثِيًّا , وَزَادَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ \" وَأَنَا أَتَخَوَّف أَنْ تُفْتَن فِي دِينهَا \" يَعْنِي أَنَّهَا لَا تَصْبِر عَلَى الْغَيْرَة فَيَقَع مِنْهَا فِي حَقّ زَوْجهَا فِي حَال الْغَضَب مَا لَا يَلِيق بِحَالِهَا فِي الدِّين , وَفِي رِوَايَة شُعَيْب \" وَأَنَا أَكْرَه أَنْ يَسُوءهَا \" أَيْ تَزْوِيج غَيْرهَا عَلَيْهَا , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَنْ يَفْتِنُوهَا \" وَهِيَ بِمَعْنَى أَنْ تُفْتَن. ‏ ‏قَوْله ( وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي حَنْظَلَة \" فَمَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي \" وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر \" يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا وَيَنْصِبنِي مَا أَنْصَبهَا \" وَهُوَ بِنُونِ وَمُهْمَلَة وَمُوَحَّدَة مِنْ النَّصَب بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ التَّعَب , وَفِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع عَنْ الْمِسْوَر \" يَقْبِضنِي مَا يَقْبِضهَا وَيَبْسُطنِي مَا يَبْسُطهَا \" أَخْرَجَهَا الْحَاكِم. وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ فَاطِمَة لَوْ رَضِيَتْ بِذَلِكَ لَمْ يُمْنَع عَلِيّ مِنْ التَّزْوِيج بِهَا أَوْ بِغَيْرِهَا , وَفِي الْحَدِيث تَحْرِيم أَذَى مَنْ يَتَأَذَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَأَذِّيه , لِأَنَّ أَذَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَام اِتِّفَاقًا قَلِيله وَكَثِيره , وَقَدْ جَزَمَ بِأَنَّهُ يُؤْذِيه مَا يُؤْذِي فَاطِمَة فَكُلّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ فِي حَقّ فَاطِمَة شَيْء فَتَأَذَّتْ بِهِ فَهُوَ يُؤْذِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَهَادَةِ هَذَا الْخَبَر الصَّحِيح , وَلَا شَيْء أَعْظَم فِي إِدْخَال الْأَذَى عَلَيْهَا مِنْ قَتْلِ وَلَدهَا , وَلِهَذَا عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مُعَاجَلَة مَنْ تَعَاطَى ذَلِكَ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَلَعَذَاب الْآخِرَة أَشَدّ. وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ يَقُول بِسَدِّ الذَّرِيعَة , لِأَنَّ تَزْوِيج مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَة حَلَال لِلرِّجَالِ مَا لَمْ يُجَاوِز الْأَرْبَع , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَال لِمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَر فِي الْمَآل. وَفِيهِ بَقَاء عَار الْآبَاء قِي أَعْقَابهمْ لِقَوْلِهِ \" بِنْت عَدُوّ اللَّه \" فَإِنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِأَنَّ لِلْوَصْفِ تَأْثِيرًا فِي الْمَنْع , مَعَ أَنَّهَا هِيَ كَانَتْ مُسْلِمَة حَسَنَة الْإِسْلَام. وَقَدْ اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ مَنَعَ كَفَاءَة مَنْ مَسَّ أَبَاهُ الرِّقّ ثُمَّ أُعْتِقَ بِمَنْ لَمْ يَمَسّ أَبَاهَا الرِّقّ , وَمَنْ مَسَّهُ الرِّقّ بِمَنْ لَمْ يَمَسّهَا هِيَ بَلْ مَسَّ أَبَاهَا فَقَطْ. وَفِيهِ أَنَّ الْغَيْرَاء إِذَا خُشِيَ عَلَيْهَا أَنْ تُفْتَن فِي دِينهَا كَانَ لِوَلِيِّهَا أَنْ يَسْعَى فِي إِزَالَة ذَلِكَ كَمَا فِي حُكْم النَّاشِز , كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَر , وَيُمْكِن أَنْ يُزَاد فِيهِ شَرْط أَنْ لَا يَكُون عِنْدهَا مَنْ تَتَسَلَّى بِهِ وَيُخَفِّف عَنْهَا الْحملة كَمَا تَقَدَّمَ , وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذ جَوَاب مَنْ اِسْتَشْكَلَ اِخْتِصَاص فَاطِمَة بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْغَيْرَة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَب إِلَى خَشْيَة الِافْتِتَان فِي الدِّين وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَكْثِر مِنْ الزَّوْجَات وَتُوجَد مِنْهُنَّ الْغَيْرَة كَمَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث , وَمَعَ ذَلِكَ مَا رَاعَى ذَلِكَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَقّهنَّ كَمَا رَعَاهُ فِي حَقّ فَاطِمَة. وَمُحَصِّل الْجَوَاب أَنَّ فَاطِمَة كَانَتْ إِذْ ذَاكَ كَمَا تَقَدَّمَ فَاقِدَة مَنْ تَرْكَن إِلَيْهِ مَنْ يُؤْنِسهَا وَيُزِيل وَحْشَتهَا مِنْ أُمّ أَوْ أُخْت , بِخِلَافِ أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ كَانَتْ تَرْجِع إِلَى مَنْ يَحْصُل لَهَا مَعَهُ ذَلِكَ وَزِيَادَة عَلَيْهِ وَهُوَ زَوْجهنَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا كَانَ عِنْده مِنْ الْمُلَاطَفَة وَتَطْيِيب الْقُلُوب وَجَبْر الْخَوَاطِر بِحَيْثُ إِنَّ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ تَرْضَى مِنْهُ لِحُسْنِ خُلُقه وَجَمِيل خَلْقه بِجَمِيعِ مَا يَصْدُر مِنْهُ بِحَيْثُ لَوْ وُجِدَ مَا يُخْشَى وُجُوده مِنْ الْغَيْرَة لَزَالَ عَنْ قُرْبٍ , وَقِيلَ : فِيهِ حُجَّة لِمَنْ مَنَعَ الْجَمْع بَيْن الْحُرَّة وَالْأَمَة. وَيُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث إِكْرَام مَنْ يَنْتَسِب إِلَى الْخَيْر أَوْ الشَّرَف أَوْ الدِّيَانَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4830",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحَوْضِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ مِنْ ‏ ‏أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ‏ ‏أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ وَيَكْثُرَ الزِّنَا وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً ‏ ‏الْقَيِّمُ ‏ ‏الْوَاحِدُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أَحْمَد الْجُرْجَانِيّ \" هَمَّام \" وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَهَمَّام وَهِشَام كِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخ حَفْص بْن عُمَر الْمَذْكُور وَهُوَ الْحَوْضِيّ , وَسَيَأْتِي فِي الْأَشْرِبَة عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم عَنْ هِشَام. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ مِنْ أَشْرَاط السَّاعَة ) ‏ ‏الْحَدِيث تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى يَكُون لِخَمْسِينَ اِمْرَأَة ) ‏ ‏هَذَا لَا يُنَافِي الَّذِي قَبْله لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ دَاخِلَة فِي الْخَمْسِينَ , وَلَعَلَّ الْعَدَد بِعَيْنِهِ غَيْر مُرَاد بَلْ أُرِيدَ الْمُبَالَغَة فِي كَثْرَة النِّسَاء بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَالِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ عَدَد مَنْ يَلُذْنَ بِهِ وَالْخَمْسِينَ عَدَد مَنْ يَتْبَعهُ وَهُوَ أَعَمّ مِنْ أَنَّهُنَّ يَلُذْنَ بِهِ فَلَا مُنَافَاة. ‏ ‏قَوْله ( الْقَيِّم الْوَاحِد ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي يَقُوم بِأُمُورِهِنَّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُكَنَّى بِهِ عَنْ اِتِّبَاعهنَّ لَهُ لِطَلَبِ النِّكَاح حَلَالًا أَوْ حَرَامًا. وَفِي الْحَدِيث الْإِخْبَار بِمَا سَيَقَعُ فَوَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ , وَالصَّحِيح مِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ مُطْلَقًا , وَأَمَّا مَا وَرَدَ مُقَدَّرًا بِوَقْتٍ مُعَيَّن فَقَالَ أَحْمَد لَا يَصِحّ مِنْهُ شَيْء , وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِير مِنْ مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْعِلْم. ‏"
    },
    {
        "id": "4831",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ ‏ ‏الْحَمْوَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْحَمْوُ ‏ ‏الْمَوْتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ اللَّيْث وَعَمْرو بْن الْحَارِث وَحَيْوَة وَغَيْرهمْ \" أَنَّ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب حَدَّثَهُمْ \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي الْخَيْر ) ‏ ‏هُوَ مَرْثَد بْن عَبْد اللَّه الْيَزَنِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عُقْبَة بْن عَامِر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" : سَمِعْت عُقْبَةَ بْن عَامِر. ‏ ‏قَوْله ( إِيَّاكُمْ وَالدُّخُول ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى التَّحْذِير , وَهُوَ تَنْبِيه الْمُخَاطَب عَلَى مَحْذُور لِيَحْتَرِز عَنْهُ كَمَا قِيلَ إِيَّاكَ وَالْأَسَد , وَقَوْله \" إِيَّاكُمْ \" مَفْعُول بِفِعْلِ مُضْمَر تَقْدِيره اِتَّقُوا , وَتَقْدِير الْكَلَام اِتَّقُوا أَنْفُسكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا عَلَى النِّسَاء وَالنِّسَاء أَنْ يَدْخُلْنَ عَلَيْكُمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب بِلَفْظِ لَا تَدْخُلُوا عَلَى النِّسَاء , وَتَضَمَّنَ مَنْعَ الدُّخُول مَنْع الْخَلْوَة بِهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَته. ‏ ‏قَوْله ( أَفَرَأَيْت الْحَمْو ) ‏ ‏زَادَ اِبْن وَهْب فِي رِوَايَته عِنْد مُسْلِم \" سَمِعْت اللَّيْث يَقُول الْحَمْو أَخُو الزَّوْج وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِب الزَّوْج اِبْن الْعَمّ وَنَحْوه \" وَوَقَعَ عِنْد التِّرْمِذِيّ بَعْد تَخْرِيج الْحَدِيث \" قَالَ التِّرْمِذِيّ : يُقَال هُوَ أَخُو الزَّوْج , كُرِهَ لَهُ أَنْ يَخْلُو بِهَا. قَالَ : وَمَعْنَى الْحَدِيث عَلَى نَحْو مَا رُوِيَ لَا يَخْلُوَنّ رَجُل بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثهمَا الشَّيْطَان ا ه. وَهَذَا الْحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث عَامِر بْن رَبِيعَة وَقَالَ النَّوَوِيّ : اِتَّفَقَ أَهْل الْعِلْم بِاللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الْأَحْمَاء أَقَارِب زَوْج الْمَرْأَة كَأَبِيهِ وَعَمّه وَأَخِيهِ وَابْن أَخِيهِ وَابْن عَمّه وَنَحْوهمْ , وَأَنَّ الْأَخْتَان أَقَارِب زَوْجَة الرَّجُل , وَأَنَّ الْأَصْهَار تَقَع عَلَى النَّوْعَيْنِ ا ه. وَقَدْ اِقْتَصَرَ أَبُو عُبَيْد وَتَبِعَهُ اِبْن فَارِس وَالدَّاوُدِيّ عَلَى أَنَّ الْحَمْو أَبُو الزَّوْجَة , زَادَ اِبْن فَارِس : وَأَبُو الزَّوْج , يَعْنِي أَنَّ وَالِد الزَّوْج حَمْو الْمَرْأَة وَوَالِد الزَّوْجَة حَمْو الرَّجُل , وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ عُرْف النَّاس الْيَوْم. وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ وَتَبِعَهُ الطَّبَرِيُّ وَالْخَطَّابِيّ مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيّ , وَكَذَا نُقِلَ عَنْ الْخَلِيل , وَيُؤَيِّدهُ قَوْل عَائِشَة \" مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْن عَلِيّ إِلَّا مَا كَانَ بَيْن الْمَرْأَة وَأَحْمَائِهَا \" وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيّ : الْمُرَاد فِي الْحَدِيث أَقَارِب الزَّوْج غَيْر آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ , لِأَنَّهُمْ مَحَارِم لِلزَّوْجَةِ يَجُوز لَهُمْ الْخَلْوَة بِهَا وَلَا يُوصَفُونَ بِالْمَوْتِ. قَالَ وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْأَخ وَابْن الْأَخ وَالْعَمّ وَابْن الْعَمّ وَابْن الْأُخْت وَنَحْوهمْ مِمَّا يَحِلّ لَهَا تَزْوِيجه لَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَزَوِّجَة , وَجَرَتْ الْعَادَة بِالتَّسَاهُلِ فِيهِ فَيَخْلُو الْأَخ بِامْرَأَةِ أَخِيهِ فَشَبَّهَهُ بِالْمَوْتِ وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيّ ا ه. وَقَدْ جَزَمَ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره كَمَا تَقَدَّمَ وَتَبِعَهُ الْمَازِرِيّ بِأَنَّ الْحَمْو أَبُو الزَّوْج , وَأَشَارَ الْمَازِرِيّ إِلَى أَنَّهُ ذُكِرَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَنْع غَيْره بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَتَبِعَهُ اِبْن الْأَثِير فِي \" النِّهَايَة \" وَرَدَّهُ النَّوَوِيّ فَقَالَ : هَذَا كَلَام فَاسِد مَرْدُود لَا يَجُوز حَمْل الْحَدِيث عَلَيْهِ ا ه. وَسَيَظْهَرُ فِي كَلَام الْأَئِمَّة فِي تَفْسِير الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" الْحَمْو الْمَوْت \" مَا تَبَيَّنَ مِنْهُ أَنَّ كَلَام الْمَازِرِيّ لَيْسَ بِفَاسِدٍ , وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْط الْحَمْو فَصَرَّحَ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث حَمْء بِالْهَمْزِ , وَأَمَّا الْخَطَّابِيُّ فَضَبَطَهُ بِوَاوٍ بِغَيْرِ هَمْز لِأَنَّهُ قَالَ وَزْن دَلْو , وَهُوَ الَّذِي اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيُّ وَابْن الْأَثِير وَغَيْرهمَا , وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدنَا فِي رِوَايَات الْبُخَارِيّ , وَفِيهِ لُغَتَانِ أُخْرَيَانِ إِحْدَاهُمَا حَم بِوَزْنِ أَخ وَالْأُخْرَى حَمَى بِوَزْنِ عَصَا , وَيَخْرُج مِنْ ضَبْط الْمَهْمُوز بِتَحْرِيكِ الْمِيم لُغَة أُخْرَى خَامِسَة حَكَاهَا صَاحِب \" الْمُحْكَم \". ‏ ‏قَوْله ( الْحَمْو الْمَوْت ) ‏ ‏قِيلَ الْمُرَاد أَنَّ الْخَلْوَة بِالْحَمْوِ قَدْ تُؤَدِّي إِلَى هَلَاك الدِّين إِنْ وَقَعَتْ الْمَعْصِيَة , أَوْ إِلَى الْمَوْت إِنْ وَقَعَتْ الْمَعْصِيَة وَوَجَبَ الرَّجْم , أَوْ إِلَى هَلَاك الْمَرْأَة بِفِرَاقِ زَوْجهَا إِذَا حَمَلَتْهُ الْغَيْرَة عَلَى تَطْلِيقهَا , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ كُلّه الْقُرْطُبِيّ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : الْمَعْنَى أَنَّ خَلْوَة الرَّجُل بِامْرَأَةِ أَخِيهِ أَوْ اِبْن أَخِيهِ تَنْزِل مَنْزِلَة الْمَوْت , وَالْعَرَب تَصِف الشَّيْء الْمَكْرُوه بِالْمَوْتِ , قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ , هِيَ كَلِمَة تَقُولهَا الْعَرَب مَثَلًا كَمَا تَقُول الْأَسَد الْمَوْت أَيْ لِقَاؤُهُ فِيهِ الْمَوْت , وَالْمَعْنَى اِحْذَرُوهُ كَمَا تَحْذَرُونَ الْمَوْت. وَقَالَ صَاحِب \" مَجْمَع الْغَرَائِب \" : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ الْمَرْأَة إِذَا خَلَتْ فَهِيَ مَحَلّ الْآفَة وَلَا يُؤْمَن عَلَيْهَا أَحَد فَلْيَكُنْ حَمْوهَا الْمَوْت , أَيْ لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَخْلُو بِهَا إِلَّا الْمَوْت كَمَا قِيلَ نِعْمَ الصِّهْر الْقَبْر , وَهَذَا لَائِق بِكَمَالِ الْغَيْرَة وَالْحَمِيَّة. وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : مَعْنَى قَوْله الْحَمْو الْمَوْت أَيْ فَلْيَمُتْ وَلَا يَفْعَل هَذَا. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ فَقَالَ : هَذَا كَلَام فَاسِد وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنَّ الْخَلْوَة بِقَرِيبِ الزَّوْج أَكْثَر مِنْ الْخَلْوَة بِغَيْرِهِ وَالشَّرّ يُتَوَقَّع مِنْهُ أَكْثَر مِنْ غَيْره وَالْفِتْنَة بِهِ أَمْكَن لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْوُصُول إِلَى الْمَرْأَة وَالْخَلْوَة بِهَا مِنْ غَيْر نَكِير عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيّ. وَقَالَ عِيَاض : مَعْنَاهُ أَنَّ الْخَلْوَة بِالْأَحْمَاءِ مُؤَدِّيَة إِلَى الْفِتْنَة وَالْهَلَاك فِي الدِّين فَجَعَلَهُ كَهَلَاكِ الْمَوْت وَأَوْرَدَ الْكَلَام مَوْرِد التَّغْلِيظ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : الْمَعْنَى أَنَّ دُخُول قَرِيب الزَّوْج عَلَى اِمْرَأَة الزَّوْج يُشْبِه الْمَوْت فِي الِاسْتِقْبَاح وَالْمَفْسَدَة , أَيْ فَهُوَ مُحَرَّم مَعْلُوم التَّحْرِيم , وَإِنَّمَا بَالَغَ فِي الزَّجْر عَنْهُ وَشَبَّهَهُ بِالْمَوْتِ لِتَسَامُحِ النَّاس بِهِ مِنْ جِهَة الزَّوْج وَالزَّوْجَة لِإِلْفِهِمْ بِذَلِكَ حَتَّى كَأَنَّهُ لَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ مِنْ الْمَرْأَة فَخَرَّجَ هَذَا مَخْرَج قَوْل الْعَرَب : الْأَسَد الْمَوْت , وَالْحَرْب الْمَوْت , أَيْ لِقَاؤُهُ يُفْضِي إِلَى الْمَوْت , وَكَذَلِكَ دُخُوله عَلَى الْمَرْأَة قَدْ يُفْضِي إِلَى مَوْت الدِّين أَوْ إِلَى مَوْتهَا بِطَلَاقِهَا عِنْد غَيْرَة الزَّوْج أَوْ إِلَى الرَّجْم إِنْ وَقَعَتْ الْفَاحِشَة. وَقَالَ اِبْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة : الْمَعْنَى أَنَّ خَلْوَة الْمَحْرَم بِهَا أَشَدّ مِنْ خَلْوَة غَيْره مِنْ الْأَجَانِب , لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَسَّنَ لَهَا أَشْيَاء وَحَمَلَهَا عَلَى أُمُور تَثْقُل عَلَى الزَّوْج مِنْ اِلْتِمَاس مَا لَيْسَ فِي وُسْعه , فَتَسُوء الْعِشْرَة بَيْن الزَّوْجَيْنِ بِذَلِكَ , وَلِأَنَّ الزَّوْج قَدْ لَا يُؤْثِر أَنْ يَطَّلِع وَالِد زَوْجَته أَوْ أَخُوهَا عَلَى بَاطِن حَاله وَلَا عَلَى مَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ ا ه , فَكَأَنَّهُ قَالَ الْحَمْو الْمَوْت أَيْ لَا بُدّ مِنْهُ وَلَا يُمْكِن حَجْبه عَنْهَا , كَمَا أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ الْمَوْت , وَأَشَارَ إِلَى هَذَا الْأَخِير الشَّيْخ تَقِي الدِّين فِي شَرْح الْعُمْدَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏مَحْرَم الْمَرْأَة مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحهَا عَلَى التَّأْبِيد إِلَّا أُمّ الْمَوْطُوءَة بِشُبْهَةٍ وَالْمُلَاعَنَة فَإِنَّهُمَا حَرَامَانِ عَلَى التَّأْبِيد وَلَا مَحْرَمِيّة هُنَاكَ , وَكَذَا أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ , وَأَخْرَجَهُنَّ بَعْضهمْ بِقَوْلِهِ فِي التَّعْرِيف بِسَبَبٍ مُبَاح لَا لِحُرْمَتِهَا. وَخَرَجَ بِقَيْدِ التَّأْبِيد أُخْت الْمَرْأَة وَعَمَّتهَا وَخَالَتهَا وَبِنْتهَا إِذَا عَقَدَ عَلَى الْأُمّ وَلَمْ يَدْخُل بِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4832",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْبَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَاكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا قَالَ ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , ‏ ‏وَقَوْله \" حَدَّثَنَا عَمْرو \" ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْجِهَاد بَعْض هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي نُعَيْم عَنْ سُفْيَان عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , وَسُفْيَان الْمَذْكُور هُوَ الثَّوْرِيّ لَا اِبْن عُيَيْنَةَ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِث الْحَدِيث الْمَذْكُور مُسْتَوْفَاة فِي أَوَاخِر كِتَاب الْحَجّ , وَسِيَاقه هُنَاكَ أَتَمّ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4833",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَخَلَا بِهَا فَقَالَ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنَّكُنَّ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد بْن أَنَس , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" فَضَائِل الْأَبْصَار \" مِنْ طَرِيق بَهْز بْن أَسَد عَنْ شُعْبَة \" أَخْبَرَنِي هِشَام بْن زَيْد \" وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله ( جَاءَتْ اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة بَهْز بْن أَسَد \" وَمَعَهَا صَبِيّ لَهَا فَكَلَّمَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَخَلَا بِهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ فِي بَعْض الطُّرُق , قَالَ الْمُهَلَّب : لَمْ يُرِدْ أَنَس أَنَّهُ خَلَا بِهَا بِحَيْثُ غَابَ عَنْ أَبْصَار مَنْ كَانَ مَعَهُ , وَإِنَّمَا خَلَا بِهَا بِحَيْثُ لَا يَسْمَع مَنْ حَضَرَ شَكْوَاهَا وَلَا مَا دَار بَيْنهمَا مِنْ الْكَلَام , وَلِهَذَا سَمِعَ أَنَس آخِر الْكَلَام فَنَقَلَهُ وَلَمْ يَنْقُل مَا دَار بَيْنهمَا لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعهُ ا ه. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس \" أَنَّ اِمْرَأَة كَانَ فِي عَقْلهَا شَيْء قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ لِي إِلَيْك حَاجَة , فَقَالَ : يَا أُمّ فُلَان اُنْظُرِي أَيّ السِّكَك شِئْت حَتَّى أَقْضِي لَك حَاجَتك \" وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ نَحْو هَذَا السِّيَاق مِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي عَقْلهَا شَيْء. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ وَاللَّه إِنَّكُمْ لَأَحَبّ النَّاس إِلَيَّ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة بَهْز \" مَرَّتَيْنِ \" وَأَخْرَجَهُ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور مِنْ طَرِيق وَهْب بْن جَرِير عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" ثَلَاث مَرَّات \" وَفِي الْحَدِيث مَنْقَبَة لِلْأَنْصَارِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَضَائِل الْأَنْصَار تَوْجِيه قَوْله \" أَنْتُمْ أَحَبّ النَّاس إِلَيَّ \". وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ حَدِيث عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب عَنْ أَنَس مِثْل هَذَا اللَّفْظ أَيْضًا فِي حَدِيث آخَر , وَفِيهِ سَعَة حِلْمه وَتَوَاضُعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَبْره عَلَى قَضَاء حَوَائِج الصَّغِير وَالْكَبِير , وَفِيهِ أَنَّ مُفَاوَضَة الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة سِرًّا لَا يَقْدَح فِي الدِّين عِنْد أَمْن الْفِتْنَة , وَلَكِنَّ الْأَمْر كَمَا قَالَتْ عَائِشَة \" وَأَيّكُمْ يَمْلِك إِرْبه كَمَا كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلِك إِرْبه \". ‏"
    },
    {
        "id": "4834",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ عِنْدَهَا وَفِي الْبَيْتِ مُخَنَّثٌ فَقَالَ ‏ ‏الْمُخَنَّثُ ‏ ‏لِأَخِي ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ‏ ‏إِنْ فَتَحَ اللَّهُ لَكُمْ ‏ ‏الطَّائِفَ ‏ ‏غَدًا أَدُلُّكَ عَلَى ‏ ‏بِنْتِ ‏ ‏غَيْلَانَ ‏ ‏فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَدْخُلَنَّ هَذَا عَلَيْكُنَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان ‏ ‏( عَنْ هِشَام ) هُوَ اِبْن عُرْوَة ( عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة عَنْ أُمّ سَلَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" عَنْ هِشَام فِي غَزْوَة الطَّائِف عَنْ أُمّهَا أُمّ سَلَمَة \" هَكَذَا قَالَ أَصْحَاب هِشَام بْن عُرْوَة وَهُوَ الْمَحْفُوظ وَسَيَأْتِي فِي اللِّبَاس مِنْ طَرِيق زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة \" عَنْ هِشَام أَنَّ عُرْوَة أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمّ سَلَمَة أَخْبَرَتْهَا \" وَخَالَفَهُمْ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ هِشَام فَقَالَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرو بْن أَبِي سَلَمَة \" وَقَالَ مَعْمَر \" عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة \" وَرَوَاهُ مَعْمَر أَيْضًا عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة , وَأَرْسَلَهُ مَالِك فَلَمْ يَذْكُر فَوْق عُرْوَة أَحَدًا أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ , وَرِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدهَا وَفِي الْبَيْت ) ‏ ‏أَيْ الَّتِي هِيَ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( مُخَنَّث ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة الطَّائِف أَنَّ اِسْمه هِيت , وَأَنَّ اِبْن عُيَيْنَةَ ذَكَرَهُ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِغَيْرِ إِسْنَاد , وَذَكَرَ اِبْن حَبِيب فِي \" الْوَاضِحَة \" عَنْ حَبِيب كَاتِب مَالِك قَالَ \" قُلْت لِمَالِك إِنَّ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ زَادَ فِي حَدِيث بِنْت غَيْلَان أَنَّ الْمُخَنَّث هِيت وَلَيْسَ فِي كِتَابك هِيت , فَقَالَ : صَدَقَ هُوَ كَذَلِكَ \" وَأَخْرَجَ الْجُوزَجَانِيُّ فِي تَارِيخه مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ قَالَ \" كَانَ مُخَنَّث يَدْخُل عَلَى أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَال لَهُ هِيت \" وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَأَبُو عَوَانَة وَابْن حِبَّان كُلّهمْ مِنْ طَرِيق يُونُس \" عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَنَّ هِيتًا كَانَ يَدْخُل \" الْحَدِيث. وَرَوَى الْمُسْتَغْفِريّ مِنْ مُرْسَل مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَى هِيتًا فِي كَلِمَتَيْنِ تَكَلَّمَ بِهِمَا مِنْ أَمْر النِّسَاء , قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر : إِذَا اِفْتَتَحْتُمْ الطَّائِف غَدًا فَعَلَيْك بِابْنَةِ غَيْلَان \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث الْبَاب وَزَادَ \" اِشْتَدَّ غَضَب اللَّه عَلَى قَوْم رَغِبُوا عَنْ خَلْق اللَّه وَتَشَبَّهُوا بِالنِّسَاءِ \" وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة وَالدَّوْرَقِيّ وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّار مِنْ طَرِيق عَامِر بْن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عَنْ أَبِيهِ أَنَّ اِسْم الْمُخَنَّث هِيت أَيْضًا , لَكِنْ ذَكَرَ فِيهِ قِصَّة أُخْرَى. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي أَنَّ اِسْم الْمُخَنَّث فِي حَدِيث الْبَاب مَاتِع وَهُوَ بِمُثَنَّاةٍ وَقِيلَ بِنُونٍ , فَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ قَالَ \" كَانَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة الطَّائِف مَوْلًى لِخَالَتِهِ فَاخِتَة بِنْت عَمْرو بْن عَائِذ مُخَنَّث يُقَال لَهُ مَاتِع يَدْخُل عَلَى نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَكُون فِي بَيْته لَا يَرَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَفْطِن لِشَيْءٍ مِنْ أَمْر النِّسَاء مِمَّا يَفْطِن لَهُ الرِّجَال وَلَا أَنَّ لَهُ إِرْبَة فِي ذَلِكَ , فَسَمِعَهُ يَقُول لِخَالِدِ بْن الْوَلِيد : يَا خَالِد إِنْ اِفْتَتَحْتُمْ الطَّائِف فَلَا تَنْفَلِتَنّ مِنْك بَادِيَة بِنْت غَيْلَان بْن سَلَمَة , فَإِنَّهَا تُقْبِل بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِر بِثَمَانٍ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ : لَا أُرَى هَذَا الْخَبِيث يَفْطِن لِمَا أَسْمَع , ثُمَّ قَالَ لِنِسَائِهِ : لَا تُدْخِلَنّ هَذَا عَلَيْكُنَّ , فَحُجِبَ عَنْ بَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَحَكَى أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي كَوْن مَاتِع لَقَب هِيت أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ أَنَّهُمَا اِثْنَانِ خِلَافًا , وَجَزَمَ الْوَاقِدِيُّ بِالتَّعَدُّدِ فَإِنَّهُ قَالَ : كَانَ هِيت مَوْلَى عَبْد اللَّه بْن أَبِي أُمَيَّة , وَكَانَ مَاتِع مَوْلَى فَاخِتَة , وَذُكِرَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَاهُمَا مَعًا إِلَى الْحِمَى , وَذَكَرَ الْبَارُودِيّ فِي \" الصَّحَابَة \" مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن مُهَاجِر عَنْ أَبِي بَكْر بْن حَفْص \" أَنَّ عَائِشَة قَالَتْ لِمُخَنَّثٍ كَانَ بِالْمَدِينَةِ يُقَال لَهُ أَنَّة بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَتَشْدِيد النُّون : أَلَا تَدُلّنَا عَلَى اِمْرَأَة نَخْطُبهَا عَلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر ؟ قَالَ : بَلَى , فَوَصَفَ اِمْرَأَة تُقْبِل بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِر بِثَمَانٍ , فَسَمِعَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا أَنَّة اخْرُج مِنْ الْمَدِينَة إِلَى حَمْرَاء الْأَسَد وَلْيَكُنْ بِهَا مَنْزِلك \" وَالرَّاجِح أَنَّ اِسْم الْمَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب هِيت , وَلَا يَمْتَنِع أَنْ يَتَوَارَدُوا فِي الْوَصْف الْمَذْكُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة الطَّائِف ضَبْط هِيت , وَوَقَعَ فِي أَوَّل رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة عِنْد مُسْلِم \" كَانَ يَدْخُل عَلَى أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَنَّث وَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْر أُولِي الْإِرْبَة ; فَدَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا وَهُوَ عِنْد بَعْض نِسَائِهِ وَهُوَ يَنْعَت اِمْرَأَة \" الْحَدِيث , وَعُرِفَ مِنْ حَدِيث الْبَاب تَسْمِيَة الْمَرْأَة وَأَنَّهَا أُمّ سَلَمَة وَالْمُخَنَّث بِكَسْرِ النُّون وَبِفَتْحِهَا مَنْ يُشْبِه خَلْقه النِّسَاء فِي حَرَكَاته وَكَلَامه وَغَيْر ذَلِكَ , فَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْل الْخِلْقَة لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ لَوْم وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّف إِزَالَة ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ بِقَصْدٍ مِنْهُ وَتَكَلُّف لَهُ فَهُوَ الْمَذْمُوم وَيُطْلَق عَلَيْهِ اِسْم مُخَنَّث سَوَاء فَعَلَ الْفَاحِشَة أَوْ لَمْ يَفْعَل , قَالَ اِبْن حَبِيب : الْمُخَنَّث هُوَ الْمُؤَنَّث مِنْ الرِّجَال وَإِنْ لَمْ تُعْرَف مِنْهُ الْفَاحِشَة , مَأْخُوذ مِنْ التَّكَسُّر فِي الْمَشْي وَغَيْره , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَدَب لَعْن مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَّبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَقِيلَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ هَذَا يَتَشَبَّه بِالنِّسَاءِ , فَنَفَاهُ إِلَى النَّقِيع , فَقِيلَ أَلَا تَقْتُلهُ فَقَالَ : إِنِّي نُهِيت عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لِأَخِي أُمّ سَلَمَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْح حَاله فِي غَزْوَة الطَّائِف , وَوَقَعَ فِي مُرْسَل اِبْن الْمُنْكَدِر أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر فَيُحْمَل عَلَى تَعَدُّد الْقَوْل مِنْهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا : لِأَخِي عَائِشَة وَلِأَخِي أُمّ سَلَمَة. وَالْعَجَب أَنَّهُ لَمْ يُقَدِّر أَنَّ الْمَرْأَة الْمَوْصُوفَة حَصَلَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا , لِأَنَّ الطَّائِف لَمْ يُفْتَح حِينَئِذٍ , وَقُتِلَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أُمَيَّة فِي حَال الْحِصَار , وَلَمَّا أَسْلَمَ غَيْلَان بْن سَلَمَة وَأَسْلَمَتْ بِنْته بَادِيَة تَزَوَّجَهَا عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَقُدِّرَ أَنَّهَا اُسْتُحِيضَتْ عِنْده وَسَأَلَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُسْتَحَاضَة , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَتَزَوَّجَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر لَيْلَى بِنْت الْجُودِيّ وَقِصَّته مَعَهَا مَشْهُورَة , وَقَدْ وَقَعَ حَدِيث فِي سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص أَنَّهُ خَطَبَ اِمْرَأَة بِمَكَّة فَقَالَ : مَنْ يُخْبِرنِي عَنْهَا ؟ فَقَالَ مُخَنَّث يُقَال لَهُ هِيت : أَنَا أَصِفهَا لَك. فَهَذِهِ قِصَص وَقَعَتْ لِهِيت. ‏ ‏قَوْله ( إِنْ فَتَحَ اللَّه لَكُمْ الطَّائِف غَدًا ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام فِي أَوَّله \" وَهُوَ مُحَاصِر الطَّائِف يَوْمئِذٍ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي غَزْوَة الطَّائِف وَاضِحًا. ‏ ‏قَوْله ( فَعَلَيْك ) هُوَ إِغْرَاء مَعْنَاهُ ‏ ‏اِحْرِص عَلَى تَحْصِيلهَا وَالْزَمْهَا. ‏ ‏قَوْله ( غَيْلَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة \" لَوْ قَدْ فُتِحَتْ لَكُمْ الطَّائِف لَقَدْ أَرَيْتُك بَادِيَة بِنْت غَيْلَان \" وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْط بَادِيَة فَالْأَكْثَر بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّة وَقِيلَ بِنُونٍ بَدَل التَّحْتَانِيَّة حَكَاهُ أَبُو نُعَيْم , وَلِبَادِيَةَ ذِكْرٌ فِي الْمَغَازِي , ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ خَوْلَة بِنْت حَكِيم قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ فَتَحَ اللَّه عَلَيْك الطَّائِف أَعْطِنِي حُلِيّ بَادِيَة بِنْت غَيْلَان وَكَانَتْ مِنْ أَحْلَى نِسَاء ثَقِيف , وَغَيْلَان هُوَ اِبْن سَلَمَة بْن مُعَتِّب بِمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُثَنَّاة ثَقِيلَة ثُمَّ مُوَحَّدَة اِبْن مَالِك الثَّقَفِيّ , وَهُوَ الَّذِي أَسْلَمَ وَتَحْته عَشْر نِسْوَة فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْتَار أَرْبَعًا , وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاء ثَقِيف وَعَاشَ إِلَى أَوَاخِر خِلَافَة عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( تُقْبِل بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِر بِثَمَانٍ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن حَبِيب عَنْ مَالِك مَعْنَاهُ أَنَّ أَعْكَانَهَا يَنْعَطِف بَعْضهَا عَلَى بَعْض وَهِيَ فِي بَطْنهَا أَرْبَع طَرَائِق وَتَبْلُغ أَطْرَافهَا إِلَى خَاصِرَتهَا فِي كُلّ جَانِب أَرْبَع , وَلِإِرَادَةِ الْعُكَن ذِكْر الْأَرْبَع وَالثَّمَان. فَلَوْ أَرَادَ الْأَطْرَاف لَقَالَ بِثَمَانِيَةٍ. ثُمَّ رَأَيْت فِي \" بَاب إِخْرَاج الْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنْ الْبُيُوت \" عَقِب هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة فِي غَيْر رِوَايَة أَبِي ذَرّ : قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه تُقْبِل بِأَرْبَعٍ يَعْنِي بِأَرْبَعِ عُكَن بِبَطْنِهَا فَهِيَ تُقْبِل بِهِنَّ , وَقَوْله وَتُدْبِر بِثَمَانٍ يَعْنِي أَطْرَاف هَذِهِ الْعُكَن الْأَرْبَع لِأَنَّهَا مُحِيطَة بِالْجَنْبِ حِين يَتَجَعَّد. ثُمَّ قَالَ : وَإِنَّمَا قَالَ بِثَمَانٍ وَلَمْ يَقُلْ بِثَمَانِيَةٍ - وَوَاحِد الْأَطْرَاف مُذَكَّر - لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ثَمَانِيَة أَطْرَاف ا ه. وَحَاصِله أَنَّ لِقَوْلِهِ ثَمَانٍ بِدُونِ الْهَاء تَوْجِيهَيْنِ إِمَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يُصَرِّح بِلَفْظِ الْأَطْرَاف وَإِمَّا لِأَنَّهُ أَرَادَ الْعُكَن , وَتَفْسِير مَالِك الْمَذْكُور تَبِعَهُ فِيهِ الْجُمْهُور , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيد أَنَّ لَهَا فِي بَطْنهَا أَرْبَع عُكَن فَإِذَا أَقْبَلَتْ رُؤْيَت مَوَاضِعهَا بَارِزَة مُتَكَسِّرًا بَعْضهَا عَلَى بَعْض وَإِذَا أَدْبَرَتْ كَانَتْ أَطْرَاف هَذِهِ الْعُكَن الْأَرْبَع عِنْد مُنْقَطِع جَنْبَيْهَا ثَمَانِيَة. وَحَاصِله أَنَّهُ وَصَفَهَا بِأَنَّهَا مَمْلُوءَة الْبَدَن بِحَيْثُ يَكُون لِبَطْنِهَا عُكَن وَذَلِكَ لَا يَكُون إِلَّا لِلسَّمِينَةِ مِنْ النِّسَاء , وَجَرَتْ عَادَة الرِّجَال غَالِبًا فِي الرَّغْبَة فِيمَنْ تَكُون بِتِلْكَ الصِّفَة , وَعَلَى هَذَا فَقَوْله فِي حَدِيث سَعْد \" إِنْ أَقْبَلَتْ قُلْت تَمْشِي بِسِتٍّ , وَإِنْ أَدْبَرَتْ قُلْت تَمْشِي بِأَرْبَعٍ \" كَأَنَّهُ يَعْنِي يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا وَطَرَفَيْ ذَاكَ مِنْهَا مُقْبِلَة وَرُدَّ فِيهَا مُدْبِرَة , وَإِنَّمَا نَقَصَ إِذَا أَدْبَرَتْ لِأَنَّ الثَّدْيَيْنِ يَحْتَجِبَانِ حِينَئِذٍ. وَذَكَرَ اِبْن الْكَلْبِيّ فِي الصِّفَة الْمَذْكُورَة زِيَادَة بَعْد قَوْله وَتُدْبِر بِثَمَانٍ \" بِثَغْرٍ كَالْأُقْحُوَانِ , إِنْ قَعَدَتْ تَثَنَّتْ , وَإِنْ تَكَلَّمَتْ تَغَنَّتْ. وَبَيْن رِجْلَيْهَا مِثْل الْإِنَاء الْمَكْفُوء \" مَعَ شِعْرٍ آخَر. وَزَادَ الْمَدِينِيّ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن رُومَان عَنْ عُرْوَة مُرْسَلًا فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" أَسْفَلهَا كَثِيب وَأَعْلَاهَا عَسِيب \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدْخُلَنّ هَذَا عَلَيْكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَلَيْكُنَّ \" وَهِيَ رِوَايَة مُسْلِم , وَزَادَ فِي آخِر رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا أُرَى هَذَا يَعْرِف مَا هَاهُنَا لَا يَدْخُل عَلَيْكُنَّ. قَالَتْ فَحَجَبُوهُ \" وَزَادَ أَبُو يَعْلَى فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي آخِره \" وَأَخْرَجَهُ فَكَانَ بِالْبَيْدَاءِ يَدْخُل كُلّ يَوْم جُمْعَة يَسْتَطْعِم , وَزَادَ اِبْن الْكَلْبِيّ فِي حَدِيثه \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ غَلْغَلْت النَّظَر إِلَيْهَا يَا عَدُوّ اللَّه. ثُمَّ أَجَلَاهُ عَنْ الْمَدِينَة إِلَى الْحِمَى \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث سَعْد الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ \" إِنَّهُ خَطَبَ اِمْرَأَة بِمَكَّة , فَقَالَ هِيت : أَنَا أَنْعَتهَا لَك : إِذَا أَقْبَلَتْ قُلْت تَمْشِي بِسِتٍّ , وَإِذَا أَدْبَرَتْ قُلْت تَمْشِي بِأَرْبَعٍ. وَكَانَ يَدْخُل عَلَى سَوْدَة فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أُرَاهُ إِلَّا مُنْكَرًا فَمَنَعَهُ. وَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَة نَفَاهُ \" وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن رُومَان الْمَذْكُورَة \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَالِك قَاتَلَك اللَّه , إِنْ كُنْت لَأَحْسَبك مِنْ غَيْر أُولِي الْإِرْبَة مِنْ الرِّجَال , وَسَيَّرَهُ إِلَى خَاخٍ \" بِمُعْجَمَتَيْنِ وَقَدْ ضُبِطَتْ فِي حَدِيث عَلِيّ فِي قِصَّة الْمَرْأَة الَّتِي حَمَلْت كِتَاب حَاطِب إِلَى قُرَيْش , قَالَ الْمُهَلَّب : إِنَّمَا حَجَبَهُ عَنْ الدُّخُول إِلَى النِّسَاء لَمَّا سَمِعَهُ يَصِف الْمَرْأَة بِهَذِهِ الصِّفَة الَّتِي تُهَيِّج قُلُوب الرِّجَال فَمَنَعَهُ لِئَلَّا يَصِف الْأَزْوَاج لِلنَّاسِ فَيَسْقُط مَعْنَى الْحِجَاب ا ه , وَفِي سِيَاق الْحَدِيث مَا يُشْعِر بِأَنَّهُ حَجَبَهُ لِذَاتِهِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ \" لَا أُرَى هَذَا يَعْرِف مَا هَاهُنَا \" وَلِقَوْلِهِ \" وَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْر أُولِي الْإِرْبَة , فَلَمَّا ذَكَرَ الْوَصْف الْمَذْكُور دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أُولِي الْإِرْبَة فَنَفَاهُ لِذَلِكَ \" وَيُسْتَفَاد مِنْهُ حَجْبُ النِّسَاء عَمَّنْ يَفْطِن لِمَحَاسِنِهِنَّ , وَهَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي إِبْعَاد مَنْ يُسْتَرَاب بِهِ فِي أَمْر مِنْ الْأُمُور , قَالَ الْمُهَلَّب : وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ أَجَازَ بَيْع الْعَيْن الْمَوْصُوفَة بِدُونِ الرُّؤْيَة لِقِيَامِ الصِّفَة مَقَام الرُّؤْيَة فِي هَذَا الْحَدِيث , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنَيِّر بِأَنَّ مَنْ اِقْتَصَرَ فِي بَيْع جَارِيَة عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْحَدِيث مِنْ الصِّفَة لَمْ يَكْفِ فِي صِحَّة الْبَيْع اِتِّفَاقًا فَلَا دَلَالَة فِيهِ. قُلْت : إِنَّمَا أَرَادَ الْمُهَلَّب أَنَّهُ يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْوَصْف يَقُوم مَقَام الرُّؤْيَة فَإِذَا اِسْتَوْعَبَ الْوَصْف حَتَّى قَامَ مَقَام الرُّؤْيَة الْمُعْتَبَرَة أَجْزَأَ , هَذَا مُرَاده , وَانْتِزَاعه مِنْ الْحَدِيث ظَاهِر. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا تَعْزِير مَنْ يَتَشَبَّه بِالنِّسَاءِ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ الْبُيُوت وَالنَّفْي إِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِرَدْعِهِ , وَظَاهِر الْأَمْر وُجُوب ذَلِكَ , وَتَشَبُّه النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَالرِّجَال بِالنِّسَاءِ مِنْ قَاصِد مُخْتَار حَرَام اِتِّفَاقًا , وَسَيَأْتِي لَعْنُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي كِتَاب اللِّبَاس. ‏"
    },
    {
        "id": "4835",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَوْزَاعِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَسْأَمُ ‏ ‏فَاقْدُرُوا قَدْرَ ‏ ‏الْجَارِيَةِ ‏ ‏الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4836",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏خَرَجَتْ ‏ ‏سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ ‏ ‏لَيْلًا فَرَآهَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَعَرَفَهَا فَقَالَ إِنَّكِ وَاللَّهِ يَا ‏ ‏سَوْدَةُ ‏ ‏مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَرَجَعَتْ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ وَهُوَ فِي حُجْرَتِي يَتَعَشَّى وَإِنَّ فِي يَدِهِ ‏ ‏لَعَرْقًا ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَرُفِعَ عَنْهُ وَهُوَ يَقُولُ قَدْ ‏ ‏أَذِنَ اللَّهُ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَوَائِجِكُنَّ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث عَائِشَة \" خَرَجَتْ سَوْدَة لِحَاجَتِهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه وَتَوْجِيه الْجَمْع بَيْنه وَبَيْن حَدِيثهَا الْآخَر فِي نُزُول الْحِجَاب فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب , وَذَكَرْت هُنَاكَ التَّعَقُّب عَلَى عِيَاض فِي زَعْمِهِ أَنَّ أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ كَانَ يَحْرُم عَلَيْهِنَّ إِبْرَاز أَشْخَاصهنَّ وَلَوْ كُنَّ مُنْتَقِبَات مُتَلَفِّفَات , وَالْحَاصِل فِي رَدّ قَوْله كَثْرَة الْأَخْبَار الْوَارِدَة أَنَّهُنَّ كُنَّ يَحْجُجْنَ وَيَطُفْنَ وَيَخْرُجْنَ إِلَى الْمَسَاجِد فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْده ‏"
    },
    {
        "id": "4837",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا اسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا ‏",
        "sharh": "قَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِث حَدِيث اِبْن عُمَر فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "4838",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏عَمِّي مِنْ الرَّضَاعَةِ ‏ ‏فَاسْتَأْذَنَ عَلَيَّ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُ عَمُّكِ فَأْذَنِي لَهُ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّهُ عَمُّكِ ‏ ‏فَلْيَلِجْ ‏ ‏عَلَيْكِ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4839",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ ‏ ‏فَتَنْعَتَهَا ‏ ‏لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( لَا تُبَاشِر الْمَرْأَة الْمَرْأَة ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَته \" فِي الثَّوْب الْوَاحِد \". ‏ ‏قَوْله ( فَتَنْعَتهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُر إِلَيْهَا ) ‏ ‏قَالَ الْقَابِسِيّ هَذَا أَصْل لِمَالِك فِي سَدّ الذَّرَائِع , فَإِنَّ الْحِكْمَة فِي هَذَا النَّهْي خَشْيَة أَنْ يُعْجِب الزَّوْج الْوَصْف الْمَذْكُور فَيُفْضِي ذَلِكَ إِلَى تَطْلِيق الْوَاصِفَة أَوْ الِافْتِتَان بِالْمَوْصُوفَةِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْ اِبْن مَسْعُود بِلَفْظِ \" لَا تُبَاشِر الْمَرْأَة الْمَرْأَة وَلَا الرَّجُل الرَّجُل \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة ثَبَتَتْ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْده وَعِنْد مُسْلِم وَأَصْحَاب السُّنَن مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد بِأَبْسَط مِنْ هَذَا وَلَفْظه \" لَا يَنْظُر الرَّجُل إِلَى عَوْرَة الرَّجُل وَلَا تَنْظُر الْمَرْأَة إِلَى عَوْرَة الْمَرْأَة وَلَا يُفِضْ الرَّجُل إِلَى الرَّجُل فِي الثَّوْب الْوَاحِد وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَة إِلَى الْمَرْأَة فِي الثَّوْب الْوَاحِد \" قَالَ النَّوَوِيّ : فِيهِ تَحْرِيم نَظَر الرَّجُل إِلَى عَوْرَة الرَّجُل وَالْمَرْأَة إِلَى عَوْرَة الْمَرْأَة , وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَاف فِيهِ , وَكَذَا الرَّجُل إِلَى عَوْرَة الْمَرْأَة وَالْمَرْأَة إِلَى عَوْرَة الرَّجُل حَرَام بِالْإِجْمَاعِ , وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَظَرِ الرَّجُل إِلَى عَوْرَة الرَّجُل وَالْمَرْأَة إِلَى عَوْرَة الْمَرْأَة عَلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَيُسْتَثْنَى الزَّوْجَانِ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا النَّظَر إِلَى عَوْرَة صَاحِبه , إِلَّا أَنَّ فِي السَّوْأَة اِخْتِلَافًا وَالْأَصَحّ الْجَوَاز لَكِنْ يُكْرَه حَيْثُ لَا سَبَب , وَأَمَّا الْمَحَارِم فَالصَّحِيح أَنَّهُ يُبَاح نَظَر بَعْضهمْ إِلَى بَعْض لِمَا فَوْق السُّرَّة وَتَحْت الرُّكْبَة , قَالَ وَجَمِيع مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّحْرِيم حَيْثُ لَا حَاجَة , وَمِنْ الْجَوَاز حَيْثُ لَا شَهْوَة. وَفِي الْحَدِيث تَحْرِيم مُلَاقَاة بَشَرَتَيْ الرَّجُلَيْنِ بِغَيْرِ حَائِل إِلَّا عِنْد ضَرُورَة , وَيُسْتَثْنَى الْمُصَافَحَة , وَيَحْرُم لَمْسُ عَوْرَة غَيْره بِأَيِّ مَوْضِع مِنْ بَدَنه كَانَ بِالِاتِّفَاقِ , قَالَ النَّوَوِيّ : وَمِمَّا تَعُمّ بِهِ الْبَلْوَى وَيَتَسَاهَل فِيهِ كَثِير مِنْ النَّاس الِاجْتِمَاع فِي الْحَمَّام فَيَجِب عَلَى مَنْ فِيهِ أَنْ يَصُونَ نَظَرَهُ وَيَده وَغَيْرهمَا عَنْ عَوْرَة غَيْره وَأَنْ يَصُونَ عَوْرَته عَنْ بَصَر غَيْره , وَيَجِب الْإِنْكَار عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ , وَلَا يَسْقُط الْإِنْكَار بِظَنِّ عَدَم الْقَبُول إِلَّا إِنْ خَافَ عَلَى نَفْسه أَوْ غَيْره فِتْنَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِير مِنْ مَسَائِل هَذَا الْبَاب فِي كِتَاب الطَّهَارَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4840",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تُبَاشِرْ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ ‏ ‏فَتَنْعَتَهَا ‏ ‏لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4841",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ‏ ‏عَلَيْهِمَا السَّلَام ‏ ‏لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمِائَةِ امْرَأَةٍ تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ فَأَطَافَ بِهِنَّ وَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ ‏ ‏يَحْنَثْ ‏ ‏وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مَحْمُود ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غَيْلَان وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق شَيْخه عَبْد بْن حُمَيْدٍ عِنْد مُسْلِم وَعَبَّاس الْعَنْبَرِيّ عِنْد النَّسَائِيِّ فَقَالَا \" تِسْعِينَ اِمْرَأَة \" وَتَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَة سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَام مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء بَيَان الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ مُسْتَوْفًى وَكَيْفِيَّة الْجَمْع بَيْن الْمُخْتَلِف مَعَ شَرْح بَقِيَّة الْحَدِيث. قَالَ اِبْن التِّين : قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" لَمْ يَحْنَث \" أَيْ لَمْ يَتَخَلَّف مُرَاده , لِأَنَّ الْحِنْث لَا يَكُون إِلَّا عَنْ يَمِين , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سُلَيْمَان حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ. قُلْت : أَوْ نَزَّلَ التَّأْكِيد الْمُسْتَفَاد مِنْ قَوْله \" لَأَطُوفَنّ \" مَنْزِلَة الْيَمِين , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الِاسْتِثْنَاء بَعْد تَخَلُّل الْكَلَام الْيَسِير , وَفِيهِ نَظَر سَيَأْتِي إِيضَاحه فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَالَ اِبْن الرِّفْعَة : يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ اِتِّصَال الِاسْتِثْنَاء بِالْحَلِفِ يُؤَثِّر فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدهُ قَبْل فَرَاغ الْيَمِين ‏"
    },
    {
        "id": "4842",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَكْرَهُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ ‏ ‏طُرُوقًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يُكْرَه أَنْ يَأْتِي الرَّجُل أَهْله طُرُوقًا ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يُطْرَق أَهْله لَيْلًا , وَكَانَ يَأْتِيهِمْ غَدْوَة أَوْ عَشِيَّة \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , قَالَ أَهْل اللُّغَة : الطُّرُوق بِالضَّمِّ الْمَجِيء بِاللَّيْلِ مِنْ سَفَر أَوْ مِنْ غَيْره عَلَى غَفْلَة , وَيُقَال لِكُلِّ آتٍ بِاللَّيْلِ طَارِق وَلَا يُقَال بِالنَّهَارِ إِلَّا مَجَازًا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي أَوَاخِر الْحَجّ فِي الْكَلَام عَلَى الرِّوَايَة الثَّانِيَة حَيْثُ قَالَ لَا يَطْرُق أَهْله لَيْلًا , وَمِنْهُ حَدِيث \" طَرَقَ عَلِيًّا وَفَاطِمَة \" وَقَالَ بَعْض أَهْل اللُّغَة : أَصْل الطُّرُوق الدَّفْع وَالضَّرْب , وَبِذَلك سُمِّيَتْ الطَّرِيق لِأَنَّ الْمَارَّة تَدُقّهَا بِأَرْجُلِهَا , وَسَمَّى الْآتِي بِاللَّيْلِ طَارِقًا لِأَنَّهُ يَحْتَاج غَالِبًا إِلَى دَقّ الْبَاب , وَقِيلَ أَصْل الطُّرُوق السُّكُون وَمِنْهُ أَطْرَقَ رَأْسه , فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل يَسْكُن فِيهِ سَمَّى الْآتِي فِيهِ طَارِقًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4843",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمْ الْغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله فِي طَرِيق عَاصِم عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ جَابِر \" إِذَا أَطَالَ أَحَدكُمْ الْغَيْبَة فَلَا يَطْرُق أَهْله لَيْلًا \" ‏ ‏التَّقْيِيد فِيهِ بِطُولِ الْغَيْبَة يُشِير إِلَى أَنَّ عِلَّة النَّهْي إِنَّمَا تُوجَد حِينَئِذٍ , فَالْحُكْم يَدُور مَعَ عِلَّته وُجُودًا وَعَدَمًا , فَلَمَّا كَانَ الَّذِي يَخْرُج لِحَاجَتِهِ مَثَلًا نَهَارًا وَيَرْجِع لَيْلًا لَا يَتَأَتَّى لَهُ مَا يَحْذَر مِنْ الَّذِي يُطِيل الْغَيْبَة كَانَ طُول الْغَيْبَة مَظِنَّة الْأَمْن مِنْ الْهُجُوم , فَيَقَع الَّذِي يَهْجُم بَعْد طُول الْغَيْبَة غَالِبًا مَا يُكْرَه , إِمَّا أَنْ يَجِد أَهْله عَلَى غَيْر أُهْبَة مِنْ التَّنَظُّف وَالتَّزَيُّن الْمَطْلُوب مِنْ الْمَرْأَة فَيَكُون ذَلِكَ سَبَب النَّفْرَة بَيْنهمَا , وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث الْبَاب الَّذِي بَعْده بِقَوْلِهِ \" كَيْ تَسْتَحِدّ الْمُغِيبَة , وَتَمْتَشِط الشَّعِثَة \" وَيُؤْخَذ مِنْهُ كَرَاهَة مُبَاشَرَة الْمَرْأَة فِي الْحَالَة الَّتِي تَكُون فِيهَا غَيْر مُتَنَظِّفَة لِئَلَّا يَطَّلِع مِنْهَا عَلَى مَا يَكُون سَبَبًا لِنَفْرَتِهِ مِنْهَا , وَإِمَّا أَنْ يَجِدهَا عَلَى حَالَة غَيْر مُرْضِيَّة وَالشَّرْع مُحَرِّض عَلَى السَّتْر وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ \" أَنْ يَتَخَوّنَهُم وَيَتَطَلَّب عَثَرَاتهمْ \" فَعَلَى هَذَا مَنْ أَعْلَم أَهْله بِوُصُولِهِ وَأَنَّهُ يَقْدُم فِي وَقْت كَذَا مَثَلًا لَا يَتَنَاوَلهُ هَذَا النَّهْي , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه , ثُمَّ سَاقَ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر قَالَ \" قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَة فَقَالَ : لَا تَطْرُقُوا النِّسَاء , وَأَرْسَلَ مَنْ يُؤَذِّن النَّاس أَنَّهُمْ قَادِمُونَ \" قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة نَفَعَ اللَّه بِهِ : فِيهِ النَّهْي عَنْ طُرُوق الْمُسَافِر أَهْله عَلَى غِرَّة مِنْ غَيْر تَقَدُّم إِعْلَام مِنْهُ لَهُمْ بِقُدُومِهِ , وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ مَا وَقَعَتْ إِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي الْحَدِيث قَالَ : وَقَدْ خَالَفَ بَعْضهمْ فَرَأَى عِنْد أَهْله رَجُلًا فَعُوقِبَ بِذَلِكَ عَلَى مُخَالَفَته ا ه. وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيث أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطْرَق النِّسَاء لَيْلًا , فَطَرَقَ رَجُلَانِ كِلَاهُمَا وَجَدَ مَعَ اِمْرَأَته مَا يَكْرَه \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس نَحْوه وَقَالَ فِيهِ \" فَكِلَاهُمَا وَجَدَ مَعَ اِمْرَأَته رَجُلًا \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث مُحَارِب عَنْ جَابِر \" أَنَّ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة أَتَى اِمْرَأَته لَيْلًا وَعِنْدهَا اِمْرَأَة تُمَشِّطهَا فَظَنَّهَا رَجُلًا فَأَشَارَ إِلَيْهَا بِالسَّيْفِ فَلَمَّا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَطْرُق الرَّجُل أَهْله لَيْلًا \" أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه. وَفِي الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى التَّوَادّ وَالتَّحَابّ خُصُوصًا بَيْن الزَّوْجَيْنِ , لِأَنَّ الشَّارِع رَاعَى ذَلِكَ بَيْن الزَّوْجَيْنِ مَعَ اِطِّلَاع كُلّ مِنْهُمَا عَلَى مَا جَرَتْ الْعَادَة بِسِتْرِهِ حَتَّى إِنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا لَا يَخْفَى عَنْهُ مِنْ عُيُوب الْآخَر شَيْء فِي الْغَالِب , وَمَعَ ذَلِكَ فَنَهَى عَنْ الطُّرُوق لِئَلَّا يَطَّلِع عَلَى مَا تَنْفِر نَفْسه عَنْهُ فَيَكُون مُرَاعَاة ذَلِكَ فِي غَيْر الزَّوْجَيْنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الِاسْتِحْدَاد وَنَحْوه مِمَّا تَتَزَيَّن بِهِ الْمَرْأَة لَيْسَ دَاخِلًا فِي النَّهْي عَنْ تَغْيِير الْخِلْقَة , وَفِيهِ التَّحْرِيض عَلَى تَرْكِ التَّعَرُّض لِمَا يُوجِب سُوء الظَّنّ بِالْمُسْلِمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4844",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هُشَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَيَّارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي غَزْوَةٍ فَلَمَّا قَفَلْنَا تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ قَطُوفٍ فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ مَا يُعْجِلُكَ قُلْتُ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ قَالَ فَبِكْرًا تَزَوَّجْتَ أَمْ ثَيِّبًا قُلْتُ بَلْ ثَيِّبًا قَالَ ‏ ‏فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ قَالَ فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا أَيْ عِشَاءً لِكَيْ تَمْتَشِطَ ‏ ‏الشَّعِثَةُ ‏ ‏وَتَسْتَحِدَّ ‏ ‏الْمُغِيبَةُ ‏ ‏قَالَ وَحَدَّثَنِي الثِّقَةُ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ‏ ‏الْكَيْسَ ‏ ‏الْكَيْسَ ‏ ‏يَا ‏ ‏جَابِرُ ‏ ‏يَعْنِي الْوَلَدَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَيَّار ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَاب تَزْوِيج الثَّيِّبَات عَنْ أَبِي النُّعْمَان عَنْ هُشَيْم \" قَالَ حَدَّثَنَا سَيَّار \" وَكَذَا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده \" حَدَّثَنَا يَعْقُوب الدَّوْرَقِيّ حَدَّثَنَا هُشَيْم أَنْبَأَنَا سَيَّار \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الشَّعْبِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق شُرَيْح بْن النُّعْمَان عَنْ هُشَيْم \" حَدَّثَنَا سَيَّار حَدَّثَنَا الشَّعْبِيّ \" وَلِأَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر \" سَمِعْت الشَّعْبِيّ \" ‏ ‏قَوْله ( قَفَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) بِفَتْحِ الْقَاف وَتَخْفِيف الْفَاء أَيْ رَجَعْنَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي بَاب \" تَزْوِيج الثَّيِّبَات \" ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا أَيْ عِشَاء ) ‏ ‏هَذَا التَّفْسِير فِي نَفْس الْخَبَر , وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْجَمْعِ بَيْن هَذَا الْأَمْرِ بِالدُّخُولِ لَيْلًا وَالنَّهْي عَنْ الطُّرُوق لَيْلًا بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْأَمْرِ الدُّخُول فِي أَوَّل اللَّيْل وَبِالنَّهْيِ الدُّخُول فِي أَثْنَائِهِ ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الْعُمْرَة فِي طَرِيق الْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ الْأَمْر بِالدُّخُولِ لَيْلًا لِمَنْ أَعْلَم أَهْله بِقُدُومِهِ فَاسْتَعَدُّوا لَهُ , وَالنَّهْي عَمَّنْ لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( وَحَدَّثَنِي الثِّقَة أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيث : الْكَيْس الْكَيْس يَا جَابِر , يَعْنِي الْوَلَد ) ‏ ‏الْقَائِل \" وَحَدَّثَنِي \" هُوَ هُشَيْم , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : كَأَنَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ هُشَيْمًا حَمَلَ هَذِهِ الزِّيَادَة عَنْ شُعْبَة لِأَنَّهُ أَوْرَدَ طَرِيق شُعْبَة عَلَى أَثَر حَدِيث هُشَيْم. وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : الْقَائِل \" وَحَدَّثَنِي \" هُوَ هُشَيْم أَوْ الْبُخَارِيّ ا ه وَهُوَ جَارٍ عَلَى ظَاهِر اللَّفْظ , وَالْمُعْتَمَد أَنَّ الْقَائِل هُشَيْم كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4845",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَيَّارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا دَخَلْتَ لَيْلًا فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى ‏ ‏تَسْتَحِدَّ ‏ ‏الْمُغِيبَةُ ‏ ‏وَتَمْتَشِطَ ‏ ‏الشَّعِثَةُ ‏ ‏قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَعَلَيْكَ ‏ ‏بِالْكَيْسِ ‏ ‏الْكَيْسِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏الْكَيْسِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِذَا دَخَلْت لَيْلًا فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِك ) ‏ ‏مَعْنَى الدُّخُولِ الْأَوَّل الْقُدُومُ أَيْ إِذَا دَخَلْت الْبَلَد فَلَا تَدْخُلْ الْبَيْت. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ : قَالَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ عَنْ أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَكَم عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر \" قَالَ وَقَالَ \" بِإِثْبَاتِ الْوَاو , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَلَفْظه \" قَالَ وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلْت فَعَلَيْك بِالْكَيْسِ الْكَيْس \". ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ عُبَيْد اللَّه عَنْ وَهْب عَنْ جَابِر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَيْس ) ‏ ‏عُبَيْد اللَّه هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ , وَوَهْب هُوَ اِبْن كَيْسَانَ , وَالْمُتَابِعُ فِي الْحَقِيقَة هُوَ وَهْب لَكِنَّهُ نَسَبهَا إِلَى عُبَيْد اللَّه لِتَفَرُّدِهِ بِذَلِكَ عَنْ وَهْب , نَعَمْ قَدْ رَوَى مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ وَهْب بْن كَيْسَانَ هَذَا الْحَدِيث مُطَوَّلًا وَفِيهِ مَقْصُود الْبَاب , لَكِنْ بِلَفْظٍ آخَرَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ , وَرِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَة فِي أَوَائِل الْبُيُوع فِي أَثْنَاء حَدِيث أَوَّله \" كُنْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاة فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي \" فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي قِصَّة الْجَمَل بِطُولِهَا , وَفِيهِ قِصَّة تَزْوِيج جَابِر وَقَوْله \" أَفَلَا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُك \" وَفِيهِ \" أَمَّا إِنَّك قَادِم , فَإِذَا قَدِمْت زَفَرَ الْكَيْس \" وَقَوْله زَفَرَ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا عَلَى الْإِغْرَاء وَقِيلَ عَلَى التَّحْذِير مِنْ تَرْك الْجِمَاع , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْكَيْس هُنَا بِمَعْنَى الْحَذَر , وَقَدْ يَكُون الْكَيْس بِمَعْنَى الرِّفْق وَحُسْن التَّأَتِّي. وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : الْكَيْس الْعَقْل , كَأَنَّهُ جَعَلَ طَلَب الْوَلَد عَقْلًا. وَقَالَ غَيْره : أَرَادَ الْحَذَر مِنْ الْعَجْز عَنْ الْجِمَاع فَكَأَنَّهُ حَثّ عَلَى الْجِمَاع. قُلْت : جَزَمَ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه بَعْد تَخْرِيج هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّ الْكَيْس الْجِمَاع وَتَوْجِيهه عَلَى مَا ذُكِرَ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِسْحَاق \" فَإِذَا قَدِمْت فَاعْمَلْ عَمَلًا كَيِّسًا \" وَفِيهِ \" قَالَ جَابِر : فَدَخَلْنَا حِين أَمْسَيْنَا , فَقُلْت لِلْمَرْأَةِ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي أَنْ أَعْمَلَ عَمَلًا كَيِّسًا , قَالَتْ : سَمْعًا وَطَاعَة , فَدُونك. قَالَ : فَبِتّ مَعَهَا حَتَّى أَصْبَحْت \" أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه. قَالَ عِيَاض : فَسَّرَ الْبُخَارِيّ وَغَيْره الْكَيْس بِطَلَبِ الْوَلَد وَالنَّسْل , وَهُوَ صَحِيح , قَالَ صَاحِب \" الْأَفْعَال \" : كَاسَ الرَّجُل فِي عَمَله حَذَقَ , وَكَاسَ وَلَد وَلَدًا كَيِّسًا. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ : كَاسَ الرَّجُل وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ كَيِّس ا ه مُجَرَّدِهِ. وَأَصْل الْكَيْس الْعَقْل كَمَا ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ, لَكِنَّهُ بِمُجَرَّدِهِ لَيْسَ الْمُرَاد هُنَا , وَالشَّاهِد لِكَوْنِ الْكَيْس يُرَاد بِهِ الْعَقْل قَوْل الشَّاعِر : ‏ ‏وَإِنَّمَا الشِّعْرُ لُبُّ الْمَرْءِ يَعْرِضُهُ ‏ ‏عَلَى الرِّجَال فَإِنْ كَيْسًا وَإِنْ حُمْقًا ‏ ‏فَقَابَلَهُ بِالْحُمْقِ وَهُوَ ضِدّ الْعَقْل , وَمِنْهُ حَدِيث \" الْكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسه وَعَمِلَ لِمَا بَعْد الْمَوْت , وَالْأَحْمَق مَنْ أَتْبَع نَفْسه هَوَاهَا \" وَأَمَّا حَدِيث \" كُلّ شَيْء بِقَدَرٍ , حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ \" فَالْمُرَاد بِهِ الْفِطْنَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4846",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَيَّارٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي غَزْوَةٍ فَلَمَّا ‏ ‏قَفَلْنَا ‏ ‏كُنَّا قَرِيبًا مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي ‏ ‏قَطُوفٍ ‏ ‏فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي ‏ ‏فَنَخَسَ ‏ ‏بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ كَانَتْ مَعَهُ فَسَارَ بَعِيرِي كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ الْإِبِلِ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ قَالَ أَتَزَوَّجْتَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا قَالَ قُلْتُ بَلْ ثَيِّبًا قَالَ ‏ ‏فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ قَالَ فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا أَيْ عِشَاءً لِكَيْ تَمْتَشِطَ ‏ ‏الشَّعِثَةُ ‏ ‏وَتَسْتَحِدَّ ‏ ‏الْمُغِيبَةُ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏"
    },
    {
        "id": "4847",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اخْتَلَفَ النَّاسُ بِأَيِّ شَيْءٍ دُووِيَ جُرْحُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏فَسَأَلُوا ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ بَقِيَ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالَ وَمَا بَقِيَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏تَغْسِلُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ ‏ ‏وَعَلِيٌّ ‏ ‏يَأْتِي بِالْمَاءِ عَلَى ‏ ‏تُرْسِهِ ‏ ‏فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَحُرِّقَ فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ سَلَمَةُ بْن دِينَارٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَلِيِّ بْن عَبْد اللَّه عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا أَبُو حَازِم \" تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْجِهَاد. ‏ ‏قَوْله ( اِخْتَلَفَ النَّاس إِلَخْ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كَانُوا يَتَّبِعُونَ أَحْوَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلّ شَيْء حَتَّى فِي مِثْل هَذَا , فَإِنَّ الَّذِي يُدَاوَى بِهِ الْجُرْح لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهِ إِذَا كَانَ طَاهِرًا , وَمَعَ ذَلِكَ فَتَرَدَّدُوا فِيهِ حَتَّى سَأَلُوا مَنْ شَاهَدَ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ بَقِيَ مِنْ الصَّحَابَة بِالْمَدِينَةِ ) ‏ ‏فِيهِ اِحْتِرَاز عَمَّنْ بَقِيَ مِنْ الصَّحَابَة بِالْمَدِينَةِ وَبِغَيْرِ الْمَدِينَة , فَأَمَّا الْمَدِينَة فَكَانَ بِهَا فِي آخِرِ حَيَاة سَهْل بْن سَعْد مَحْمُود بْن الرَّبِيع وَمُحَمَّد بْن لَبِيد , وَكِلَاهُمَا لَهُ رُؤْيَة وَعُدَّ فِي الصَّحَابَة , وَأَمَّا مِنْ الصَّحَابَة الَّذِينَ ثَبَتَ سَمَاعهمْ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا كَانَ بَقِيَ بِالْمَدِينَةِ حِينَئِذٍ إِلَّا سَهْل بْن سَعْد عَلَى الصَّحِيح , وَأَمَّا بِغَيْرِ الْمَدِينَة فَبَقِيَ أَنَس بْن مَالِك بِالْبَصْرَةِ وَغَيْره بِغَيْرِهَا , وَقَدْ اِسْتَوْعَبْت الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَى \" عُلُوم الْحَدِيث لِابْنِ الصَّلَاح \". ‏ ‏قَوْله ( مَا بَقِيَ لِلنَّاسِ أَحَد أَعْلَم بِهِ مِنِّي ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ نَفَى أَنْ يَكُون بَقِيَ أَحَد أَعْلَم مِنْهُ فَلَا يَنْفِي أَنْ يَكُون بَقِيَ مِثْله , وَلَكِنْ كَثُرَ اِسْتِعْمَال هَذَا التَّرْكِيب فِي نَفْي الْمِثْل أَيْضًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى شَرْح الْحَدِيث فِي \" بَاب غَزْوَة أُحُد \" وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا كَوْن فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام بَاشَرَتْ ذَلِكَ مِنْ أَبِيهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُطَابِق الْآيَة وَهِيَ جَوَاز إِبْدَاء الْمَرْأَة زِينَتهَا لِأَبِيهَا وَسَائِر مَنْ ذُكِرَ فِي الْآيَة. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ مُغَلْطَايُ الِاحْتِجَاج بِقِصَّةِ فَاطِمَة هَذِهِ لِأَنَّهَا صَدَرَتْ قَبْل الْحِجَاب , وَأُجِيب بِأَنَّ التَّمَسُّك مِنْهَا بِالِاسْتِصْحَابِ , وَنُزُول الْآيَة كَانَ مُتَرَاخِيًا عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ وَقَعَ مُطَابِقًا. فَإِنْ قِيلَ لَمْ يَذْكُر فِي الْآيَة الْعَمّ وَالْخَال , فَالْجَوَاب أَنَّهُ اِسْتَغْنَى عَنْ ذَكَرهمَا بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِمَا لِأَنَّ الْعَمّ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَة الْأَب وَالْخَال مَنْزِلَة الْأُمّ. وَقِيلَ لِأَنَّهُمَا يَنْعَتَانِهَا لِوَلَدَيْهِمَا , قَالَهُ عِكْرِمَة وَالشَّعْبِيّ , وَكَرِهَا لِذَلِكَ أَنْ تَضَع الْمَرْأَة خِمَارهَا عِنْد عَمّهَا وَخَالهَا , أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُمَا وَخَالَفَهُمَا الْجُمْهُور. ‏ ‏قَوْله ( فَأُخِذَ حَصِير فَحُرِّقَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الرَّاء , وَضَبْطه بَعْضهمْ بِالتَّخْفِيفِ ‏"
    },
    {
        "id": "4848",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏سَأَلَهُ رَجُلٌ شَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعِيدَ أَضْحًى أَوْ فِطْرًا قَالَ نَعَمْ وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ ‏ ‏يَعْنِي مِنْ صِغَرِهِ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا وَلَا إِقَامَةً ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِينَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ يَدْفَعْنَ إِلَى ‏ ‏بِلَالٍ ‏ ‏ثُمَّ ارْتَفَعَ هُوَ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏إِلَى بَيْتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْمَرْوَزِيُّ , ‏ ‏وَعَبْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْهُ ) ‏ ‏أَيْ مَنْزِلَتِي مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( يَعْنِي مِنْ صِغَره ) ‏ ‏فِيهِ اِلْتِفَاتٌ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" مِنْ صِغَرِي \" وَهُوَ عَلَى الْأَصْل. ‏ ‏قَوْله ( فَرَأَيْتهنَّ يَهْوِينَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْوَاو وَبِفَتْحِ أَوَّله هَوَى بِفَتْحِ الْوَاو وَيَهْوِي بِكَسْرِهَا. ‏ ‏قَوْله ( إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ ) ‏ ‏أَيْ يُخْرِجْنَ الْحُلِيَّ. ‏ ‏قَوْله ( يَدْفَعْنَ ) ‏ ‏أَيْ ذَلِكَ ( إِلَى بِلَالٍ ). ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ اِرْتَفَعَ هُوَ وَبِلَال إِلَى بَيْته ) ‏ ‏أَيْ رَجَعَ : وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْعِيدَيْنِ , وَالْحُجَّةُ مِنْهُ هُنَا مُشَاهَدَة اِبْن عَبَّاس مَا وَقَعَ مِنْ النِّسَاء حِينَئِذٍ وَكَانَ صَغِيرًا فَلَمْ يَحْتَجِبْنَ مِنْهُ , وَأَمَّا بِلَال فَكَانَ مِنْ مِلْك الْيَمِين , كَذَا أَجَابَ بَعْض الشُّرَّاح , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ حُرًّا. وَالْجَوَاب أَنَّهُ يَجُوز أَنْ لَا يَكُون فِي تِلْكَ الْحَالَة يُشَاهِدُهُنَّ مُسْفِرَاتٍ. وَقَدْ أَخَذَ بَعْض الظَّاهِرِيَّة بِظَاهِرِهِ فَقَالَ : يَجُوز لِلْأَجْنَبِيِّ رُؤْيَة وَجْه الْأَجْنَبِيَّة وَكَفَّيْهَا , وَاحْتَجَّ بِأَنَّ جَابِرًا رَوَى الْحَدِيث وَبِلَال بَسَطَ ثَوْبه لِلْأَخْذِ مِنْهُمْ , وَظَاهِر الْحَال أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إِلَّا بِظُهُورِ وُجُوهِهِنَّ وَأَكُفِّهِنَّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4849",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَاتَبَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4850",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ طَلَّقَ ‏ ‏امْرَأَتَهُ ‏ ‏وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته ) ‏ ‏فِي مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ نَافِع \" أَنَّ اِبْن عُمَر طَلَّقَ اِمْرَأَة لَهُ \" وَعِنْده مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" طَلَّقْت اِمْرَأَتِي \" وَكَذَا فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ أَنَس بْن سِيرِينَ عَنْ اِبْن عُمَر , قَالَ النَّوَوِيّ فِي تَهْذِيبه : اِسْمهَا آمِنَة بِنْت غَفَّار قَالَهُ اِبْن بَاطِيشٍ , وَنَقَلَهُ عَنْ النَّوَوِيّ جَمَاعَة مِمَّنْ بَعْده مِنْهُمْ الذَّهَبِيّ فِي \" تَجْرِيد الصَّحَابَة \" لَكِنْ قَالَ فِي مُبْهَمَاته : فَكَأَنَّهُ أَرَادَ مُبْهَمَات التَّهْذِيب. وَأَوْرَدَهَا الذَّهَبِيّ فِي آمِنَة بِالْمَدِّ وَكَسْر الْمِيم ثُمَّ نُون وَأَبُوهَا غِفَار ضَبَطَهُ اِبْن يَقَظَة بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء , وَلَكِنِّي رَأَيْت مُسْتَنِد اِبْن بَاطِيشٍ فِي أَحَادِيث قُتَيْبَة جَمْع سَعِيد الْعَيَّار بِسَنَدٍ فِيهِ اِبْن لَهِيعَة أَنَّ اِبْن عُمَر طَلَّقَ اِمْرَأَته آمِنَة بِنْت عَمَّار ; كَذَا رَأَيْتهَا فِي بَعْض الْأُصُول بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ مِيم ثَقِيلَة وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ مَا رَأَيْته فِي مُسْنَد أَحْمَد قَالَ \" حَدَّثَنَا يُونُس حَدَّثَنَا اللَّيْث عَنْ نَافِع أَنَّ عَبْد اللَّه طَلَّقَ اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض , فَقَالَ عُمَر : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ عَبْد اللَّه طَلَّقَ اِمْرَأَته النَّوَار , فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعهَا \" الْحَدِيث , وَهَذَا الْإِسْنَاد عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ , وَيُونُس شَيْخ أَحْمَد هُوَ اِبْن مُحَمَّد الْمُؤَدِّب مِنْ رِجَالهمَا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ قُتَيْبَة عَنْ اللَّيْث وَلَكِنْ لَمْ تُسَمَّ عِنْدهمَا , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يَكُون اِسْمهَا آمِنَة وَلَقَبهَا النَّوَار. ‏ ‏قَوْله ( وَهِيَ حَائِض ) ‏ ‏فِي رِوَايَة قَاسِم بْن أَصْبَغ مِنْ طَرِيق عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته وَهِيَ فِي دَمهَا حَائِض , وَعِنْد الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق مَيْمُون بْن مِهْرَانَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته فِي حَيْضهَا. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة مَالِك وَمِثْله عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر عَنْ اِبْن عُمَر , وَأَكْثَر الرُّوَاة لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ اِسْتِغْنَاء بِمَا فِي الْخَبَر أَنَّ عُمَر سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَاسْتَلْزَمَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي عَهْده , وَزَادَ اللَّيْث عَنْ نَافِع \" تَطْلِيقَة وَاحِدَة \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَقَالَ فِي آخِره \" جَوَّدَ اللَّيْث فِي قَوْله تَطْلِيقَة وَاحِدَة \" ا ه , وَكَذَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ \" مَكَثْت عِشْرِينَ سَنَةً يُحَدِّثنِي مَنْ لَا أَتَّهِم أَنَّ اِبْن عُمَر طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا وَهِيَ حَائِض فَأُمِرَ أَنْ يُرَاجِعهَا , فَكُنْت لَا أَتَّهِمهُمْ وَلَا أَعْرِف وَجْه الْحَدِيث , حَتَّى لَقِيت أَبَا غَلَّاب يُونُس بْن جُبَيْر وَكَانَ ذَا ثَبَتٍ , فَحَدَّثَنِي أَنَّهُ سَأَلَ اِبْن عُمَر فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ \" طَلَّقَ اِمْرَأَته تَطْلِيقَة وَهِيَ حَائِض \" وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ قَالَ \" طَلَّقَ اِبْن عُمَر اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض وَاحِدَة \" وَمِنْ طَرِيق عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ الْحَسَن عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ \" طَلَّقَ اِمْرَأَته تَطْلِيقَة وَهِيَ حَائِض \". ‏ ‏قَوْله ( فَسَأَلَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ نَافِع \" فَأَتَى عُمَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ \" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَكَذَا سَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْ يُونُس بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عُمَر , وَكَذَا عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة يُونُس بْن عُبَيْد عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ يُونُس بْن جُبَيْر , وَكَذَا عِنْده فِي رِوَايَة طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عُمَر , وَكَذَا فِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ الْمَذْكُورَة , وَزَادَ فِيهِ الزُّهْرِيُّ فِي رِوَايَته كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير \" عَنْ سَالِم أَنَّ اِبْن عُمَر أَخْبَرَهُ , فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة غَيْر سَالِم , وَهُوَ أَجَلُّ مَنْ رَوَى الْحَدِيث عَنْ اِبْن عُمَر , وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ الطَّلَاق فِي الْحَيْض كَانَ تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ. وَإِلَّا لَمْ يَقَع التَّغَيُّظ عَلَى أَمْر لَمْ يَسْبِق النَّهْي عَنْهُ. وَلَا يُعَكِّر عَلَى ذَلِكَ مُبَادَرَة عُمَر بِالسُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون عَرَفَ حُكْم الطَّلَاق فِي الْحَيْض وَأَنَّهُ مَنْهِيّ عَنْهُ وَلَمْ يَعْرِف مَاذَا يَصْنَع مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : سُؤَال عُمَر مُحْتَمِل لِأَنْ يَكُون أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا قَبْلهَا مِثْلهَا فَسَأَلَ لِيَعْلَم , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَمَّا رَأَى فِي الْقُرْآن قَوْله ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) وَقَوْله ( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء ) أَرَادَ أَنْ يَعْلَم أَنَّ هَذَا قُرْء أَمْ لَا ؟ وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون سَمِعَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْي فَجَاءَ لِيَسْأَل عَنْ الْحُكْم بَعْد ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَتَغَيُّظُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَّا لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَقْتَضِي الْمَنْع كَانَ ظَاهِرًا فَكَانَ مُقْتَضَى الْحَال التَّثَبُّت فِي ذَلِكَ , أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مُقْتَضَى الْحَال مُشَاوَرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ إِذَا عَزَمَ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يَتَعَلَّق بِهِ مَسْأَلَة أُصُولِيَّة , وَهِيَ أَنَّ الْأَمْر بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ هَلْ هُوَ أَمْر بِذَلِكَ أَمْ لَا ؟ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعُمَر مُرْهُ , فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَأْمُرهُ. قُلْت : هَذِهِ الْمَسْأَلَة ذَكَرَهَا اِبْن الْحَاجِب فَقَالَ : الْأَمْر بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا بِذَلِكَ الشَّيْء , لَنَا لَوْ كَانَ لَكَانَ مُرْ عَبْدك بِكَذَا تَعَدِّيًا , وَلَكَانَ يُنَاقِض قَوْلك لِلْعَبْدِ لَا تَفْعَل. قَالُوا : فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ أَمْر اللَّه وَرَسُوله وَمِنْ قَوْل الْمَلِك لِوَزِيرِهِ قُلْ لِفُلَانٍ اِفْعَلْ. قُلْنَا لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُبَلِّغ. قُلْت : وَالْحَاصِل أَنَّ النَّفْي إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ تَجَرَّدَ الْأَمْر , وَأَمَّا إِذَا وُجِدَتْ قَرِينَة تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْآمِر الْأَوَّل أَمَرَ الْمَأْمُور الْأَوَّل أَنْ يُبَلِّغ الْمَأْمُور الثَّانِي فَلَا , وَيَنْبَغِي أَنْ يُنَزَّلَ كَلَام الْفَرِيقَيْنِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيل فَيَرْتَفِع الْخِلَاف. وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْن الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ : إِنْ كَانَ الْأَمْر الْأَوَّل بِحَيْثُ يَسُوغ لَهُ الْحُكْمُ عَلَى الْمَأْمُور الثَّانِي فَهُوَ آمِر لَهُ وَإِلَّا فَلَا , وَهَذَا قَوِيّ , وَهُوَ مُسْتَفَاد مِنْ الدَّلِيل الَّذِي اِسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن الْحَاجِب عَلَى النَّفْي , لِأَنَّهُ لَا يَكُون مُتَعَدِّيًا إِلَّا إِذَا أَمَرَ مَنْ لَا حُكْم لَهُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَصِير مُتَصَرِّفًا فِي مِلْك غَيْره بِغَيْرِ إِذْنه , وَالشَّارِع حَاكِم عَلَى الْآمِر وَالْمَأْمُور فَوُجِدَ فِيهِ سُلْطَان التَّكْلِيف عَلَى الْفَرِيقَيْنِ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( وَأْمُرْ أَهْلَك بِالصَّلَاةِ ) فَإِنَّ كُلّ أَحَد يَفْهَم مِنْهُ أَمْر اللَّه لِأَهْلِ بَيْته بِالصَّلَاةِ , وَمِثْله حَدِيث الْبَاب , فَإِنَّ عُمَر إِنَّمَا اِسْتَفْتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ لِيَمْتَثِل مَا يَأْمُرهُ بِهِ وَيُلْزِم اِبْنه بِهِ , فَمَنْ مَثَّلَ بِهَذَا الْحَدِيث لِهَذِهِ الْمَسْأَلَة فَهُوَ غَالِطٌ , فَإِنَّ الْقَرِينَة وَاضِحَة فِي أَنَّ عُمَر فِي هَذِهِ الْكَائِنَة كَانَ مَأْمُورًا بِالتَّبْلِيغِ , وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَيُّوب عَنْ نَافِع \" فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعهَا \" وَفِي رِوَايَة أَنَس بْن سِيرِينَ وَيُونُس بْن جُبَيْر وَطَاوُسٍ عَنْ اِبْن عُمَر وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم \" فَلْيُرَاجِعْهَا \" وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" فَرَاجَعَهَا عَبْد اللَّه كَمَا أَمَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر عَنْ اِبْن عُمَر \" لِيُرَاجِعْهَا \" وَفِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِهَذَا \" وَقَدْ اِقْتَضَى كَلَام سُلَيْمٍ الرَّازِيّ فِي \" التَّقْرِيب \" أَنَّهُ يَجِب عَلَى الثَّانِي الْفِعْل جَزْمًا وَإِنَّمَا الْخِلَاف فِي تَسْمِيَته آمِرًا فَرَجَعَ الْخِلَاف عِنْده لَفْظِيًّا. وَقَالَ الْفَخْر الرَّازِيّ فِي \" الْمَحْصُول \" : الْحَقّ أَنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا قَالَ لِزَيْدٍ أَوْجَبْت عَلَى عَمْرو كَذَا وَقَالَ لِعَمْرٍو كُلّ مَا أَوْجَبَ عَلَيْك زَيْد فَهُوَ وَاجِب عَلَيْك كَانَ الْأَمْر بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرًا بِالشَّيْءِ. قُلْت : وَهَذَا يُمْكِن أَنْ يُؤْخَذ مِنْهُ التَّفْرِقَة بَيْن الْأَمْر الصَّادِر مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ غَيْره , فَمهمَا أَمَرَ الرَّسُول أَحَدًا أَنْ يَأْمُر بِهِ غَيْره وَجَبَ لِأَنَّ اللَّه أَوْجَبَ طَاعَته وَهُوَ أَوْجَبَ طَاعَة أَمِيره كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح \" مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه , وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي \" وَأَمَّا غَيْره مِمَّنْ بَعْده فَلَا , وَفِيهِمْ تَظْهَر صُورَة التَّعَدِّي الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا اِبْن الْحَاجِب. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَرَدَّد فِي اِقْتِضَاء ذَلِكَ الطَّلَب , وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَر فِي أَنَّ لَوَازِم صِيغَة الْأَمْر هَلْ هِيَ لَوَازِم صِيغَة الْأَمْر بِالْأَمْرِ أَوْ لَا ؟ بِمَعْنَى أَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي الدَّلَالَة عَلَى الطَّلَب مِنْ وَجْه وَاحِد أَوْ لَا. قُلْت : وَهُوَ حَسَن , فَإِنَّ أَصْل الْمَسْأَلَة الَّتِي اِنْبَنَى عَلَيْهَا هَذَا الْخِلَاف حَدِيث \" مُرُوا أَوْلَادكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ \" فَإِنَّ الْأَوْلَاد لَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ فَلَا يَتَّجِهُ عَلَيْهِمْ الْوُجُوب , وَإِنَّمَا الطَّلَب مُتَوَجِّه عَلَى أَوْلِيَائِهِمْ أَنْ يُعَلِّمُوهُمْ ذَلِكَ , فَهُوَ مَطْلُوب مِنْ الْأَوْلَاد بِهَذِهِ الطَّرِيق وَلَيْسَ مُسَاوِيًا لِلْأَمْرِ الْأَوَّل , وَهَذَا إِنَّمَا عَرَضَ مِنْ أَمْر خَارِج وَهُوَ اِمْتِنَاع تَوَجُّه الْأَمْر عَلَى غَيْر الْمُكَلَّف , وَهُوَ بِخِلَافِ الْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث الْبَاب. وَالْحَاصِل أَنَّ الْخِطَاب إِذَا تَوَجَّهَ لِمُكَلَّفٍ أَنْ يَأْمُر مُكَلَّفًا آخَر بِفِعْلِ شَيْء كَانَ الْمُكَلَّف الْأَوَّل مُبَلِّغًا مَحْضًا وَالثَّانِي مَأْمُور مِنْ قِبَل الشَّارِع , وَهَذَا كَقَوْلِهِ لِمَالِك بْن الْحُوَيْرِث وَأَصْحَابه \" وَمُرُوهُمْ بِصَلَاةِ كَذَا فِي حِين كَذَا \" وَقَوْله لِرَسُولِ اِبْنَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ \" وَنَظَائِره كَثِيرَة , فَإِذَا أَمَرَ الْأَوَّل الثَّانِي بِذَلِكَ فَلَمْ يَمْتَثِلهُ كَانَ عَاصِيًا , وَإِنْ تَوَجَّهَ الْخِطَاب مِنْ الشَّارِع لِمُكَلَّفٍ أَنْ يَأْمُر غَيْر مُكَلَّف أَوْ تَوَجَّهَ الْخِطَاب مِنْ غَيْر الشَّارِع بِأَمْرِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ الْأَمْر أَنْ يَأْمُر مَنْ لَا أَمْر لِلْأَوَّلِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ الْأَمْر بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرًا بِالشَّيْءِ فَالصُّورَة الْأَوْلَى هِيَ الَّتِي نَشَأَ عَنْهَا الِاخْتِلَاف وَهُوَ أَمْر أَوْلِيَاء الصِّبْيَان أَنْ يَأْمُرُوا الصِّبْيَان , وَالصُّورَة الثَّانِيَة هِيَ الَّتِي يَتَصَوَّر فِيهَا أَنْ يَكُون الْأَمْر مُتَعَدِّيًا بِأَمْرِهِ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَأْمُر الثَّانِي , فَهَذَا فَصْل الْخِطَاب فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَاللَّهُ الْمُسْتَعَان. وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوب الْمُرَاجَعَة , فَذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِك وَأَحْمَد فِي رِوَايَة , وَالْمَشْهُور عَنْهُ - وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور - أَنَّهَا مُسْتَحَبَّة , وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اِبْتِدَاء النِّكَاح لَا يَجِب فَاسْتِدَامَتُهُ كَذَلِكَ , لَكِنْ صَحَّحَ صَاحِب \" الْهِدَايَة \" مِنْ الْحَنَفِيَّة أَنَّهَا وَاجِبَة , وَالْحُجَّة لِمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ وُرُود الْأَمْر بِهَا , وَلِأَنَّ الطَّلَاق لَمَّا كَانَ مُحَرَّمًا فِي الْحَيْض كَانَتْ اِسْتِدَامَة النِّكَاح فِيهِ وَاجِبَة , فَلَوْ تَمَادَى الَّذِي طَلَّقَ فِي الْحَيْض حَتَّى طَهُرَتْ قَالَ مَالِك وَأَكْثَر أَصْحَابه : يُجْبَر عَلَى الرَّجْعَة أَيْضًا , وَقَالَ أَشْهَب مِنْهُمْ إِذَا طَهُرَتْ اِنْتَهَى الْأَمْر بِالرَّجْعَةِ , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا إِذَا اِنْقَضَتْ عِدَّتهَا أَنْ لَا رَجْعَة , وَأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ فِي طُهْر قَدْ مَسَّهَا فِيهِ لَا يُؤْمَر بِمُرَاجَعَتِهَا , كَذَا نَقَلَهُ اِبْن بَطَّالٍ وَغَيْره , لَكِنَّ الْخِلَاف فِيهِ ثَابِت قَدْ حَكَاهُ الْحَنَّاطِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّة وَجْهًا , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ قَبْل الدُّخُول وَهِيَ حَائِض لَمْ يُؤْمَر بِالْمُرَاجَعَةِ إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ زُفَر فَطَرَدَ الْبَاب. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا ) ‏ ‏أَيْ يَسْتَمِرّ بِهَا فِي عِصْمَته. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى تَطْهُر ثُمَّ تَحِيض ثُمَّ تَطْهُر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع \" ثُمَّ لِيَدَعْهَا حَتَّى تَطْهُر , ثُمَّ تَحِيض حَيْضَة أُخْرَى فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة اللَّيْث وَأَيُّوب عَنْ نَافِع , وَكَذَا عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن دِينَار , وَكَذَا عِنْدهمَا مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم , وَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ سَالِم بِلَفْظِ \" مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا , ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا \" قَالَ الشَّافِعِيّ : غَيْر نَافِع إِنَّمَا رَوَى \" حَتَّى تَطْهُر مِنْ الْحَيْضَة الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ \" رَوَاهُ يُونُس بْن جُبَيْر وَأَنَس بْن سِيرِينَ وَسَالِم قُلْت : وَهُوَ كَمَا قَالَ , لَكِنَّ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم مُوَافَقَة لِرِوَايَةِ نَافِع , وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ , وَالزِّيَادَة مِنْ الثِّقَة مَقْبُولَة وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَافِظًا. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ فَقَالَ الشَّافِعِيّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَرَادَ بِذَلِكَ - أَيْ بِمَا فِي رِوَايَة نَافِع - أَنْ يَسْتَبْرِئهَا بَعْد الْحَيْضَة الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا بِطُهْرٍ تَامّ ثُمَّ حَيْض تَامّ لِيَكُونَ تَطْلِيقهَا وَهِيَ تَعْلَم عِدَّتهَا إِمَّا بِحَمْلٍ أَوْ بِحَيْضٍ , أَوْ لِيَكُونَ تَطْلِيقُهَا بَعْد عِلْمه بِالْحَمْلِ وَهُوَ غَيْر جَاهِل بِمَا صَنَعَ إِذْ يَرْغَب فَيُمْسِكُ لِلْحَمْلِ أَوْ لِيَكُونَ إِنْ كَانَتْ سَأَلَتْ الطَّلَاق غَيْر حَامِل أَنْ تَكُفّ عَنْهُ. وَقِيلَ : الْحِكْمَة فِيهِ أَنْ لَا تَصِير الرَّجْعَة لِغَرَضِ الطَّلَاق , فَإِذَا أَمْسَكَهَا زَمَانًا يَحِلّ لَهُ فِيهِ طَلَاقهَا ظَهَرَتْ فَائِدَة الرَّجْعَة , لِأَنَّهُ قَدْ يَطُول مَقَامه مَعَهَا , فَقَدْ يُجَامِعهَا فَيَذْهَب مَا فِي نَفْسه مِنْ سَبَب طَلَاقهَا فَيُمْسِكُهَا. وَقِيلَ : إِنَّ الطُّهْر الَّذِي يَلِي الْحَيْض الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ كَقُرْءٍ وَاحِد , فَلَوْ طَلَّقَهَا فِيهِ لَكَانَ كَمَنْ طَلَّقَ فِي الْحَيْض , وَهُوَ مُمْتَنَع مِنْ الطَّلَاق فِي الْحَيْض , فَلَزِمَ أَنْ يَتَأَخَّر إِلَى الطُّهْر الثَّانِي. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَاز تَطْلِيقهَا فِي الطُّهْر الَّذِي يَلِي الْحَيْضَة الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الطَّلَاق وَالرَّجْعَة. وَفِيهِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ أَصَحّهمَا الْمَنْع , وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي , وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه ظَاهِر الزِّيَادَة الَّتِي فِي الْحَدِيث. وَعِبَارَة الْغَزَالِيّ فِي \" الْوَسِيط \" وَتَبِعَهُ مُجَلِّي : هِلّ يَجُوز أَنْ يُطَلِّق فِي هَذَا الطُّهْر ؟ وَجْهَانِ. وَكَلَام الْمَالِكِيَّة يَقْتَضِي أَنَّ التَّأْخِير مُسْتَحَبّ. وَقَالَ اِبْن تَيْمِيَّةَ فِي \" الْمُحَرَّر \" : وَلَا يُطَلِّقهَا فِي الطُّهْر الْمُتَعَقِّب لَهُ فَإِنَّهُ بِدْعَة , وَعَنْهُ - أَيْ عَنْ أَحْمَد - جَوَاز ذَلِكَ. وَفِي كُتُب الْحَنَفِيَّة عَنْ أَبِي حَنِيفَة الْجَوَاز , وَعَنْ أَبِي يُوسُف وَمُحَمَّد الْمَنْع , وَوَجْه الْجَوَاز أَنَّ التَّحْرِيم إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ الْحَيْض , فَإِذَا طَهُرَتْ زَالَ مُوجِب التَّحْرِيم فَجَازَ طَلَاقهَا فِي هَذَا الطُّهْر كَمَا يَجُوز فِي الطُّهْر الَّذِي بَعْده , وَكَمَا يَجُوز طَلَاقهَا فِي الطُّهْر إِنْ لَمْ يَتَقَدَّم طَلَاق فِي الْحَيْض , وَقَدْ ذَكَرْنَا حِجَج الْمَانِعِينَ , وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا عَقِب تِلْكَ الْحَيْضَة كَانَ قَدْ رَاجَعَهَا لِيُطَلِّقهَا , وَهَذَا عَكَسَ مَقْصُود الرَّجْعَة فَإِنَّهَا شُرِعَتْ لِإِيوَاءِ الْمَرْأَة وَلِهَذَا سَمَّاهَا إِمْسَاكًا فَأَمَرَهُ أَنْ يُمْسِكهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْر وَأَنْ لَا يُطَلِّق فِيهِ حَتَّى تَحِيض حَيْضَة أُخْرَى ثُمَّ تَطْهُر لِتَكُونَ الرَّجْعَة لِلْإِمْسَاكِ لَا لِلطَّلَاقِ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ الشَّارِع أَكَّدَ هَذَا الْمَعْنَى حَيْثُ أَمَرَ بِأَنْ يُمْسِكهَا فِي الطُّهْر الَّذِي يَلِي الْحَيْض الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ , لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر \" مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعهَا فَإِذَا طَهُرَتْ أَمْسَكَهَا حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ أُخْرَى فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا \" فَإِذَا كَانَ قَدْ أَمَرَهُ بِأَنْ يُمْسِكهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْر فَكَيْف يُبِيح لَهُ أَنْ يُطَلِّقهَا فِيهِ ؟ وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْي عَنْ الطَّلَاق فِي طُهْر جَامَعَهَا فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْل أَنْ يَمَسّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَيُّوب \" ثُمَّ يُطَلِّقهَا قَبْل أَنْ يَمَسّهَا \" وَفِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر \" فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْل أَنْ يُجَامِعهَا أَوْ يُمْسِكهَا \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة اللَّيْث , وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم \" فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْل أَنْ يَمَسّهَا \" وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ سَالِم \" ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا \" وَتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الزِّيَادَة مَنْ اِسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيم الطَّلَاق فِي طُهْر جَامَعَ فِيهِ مَا إِذَا ظَهَرَ الْحَمْل فَإِنَّهُ لَا يَحْرُم. وَالْحِكْمَة فِيهِ أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ الْحَمْل فَقَدْ أَقْدَم عَلَى ذَلِكَ عَلَى بَصِيرَة فَلَا يَنْدَم عَلَى الطَّلَاق , وَأَيْضًا فَإِنَّ زَمَن الْحَمْل زَمَن الرَّغْبَة فِي الْوَطْء فَإِقْدَامه عَلَى الطَّلَاق فِيهِ يَدُلّ عَلَى رَغْبَته عَنْهَا , وَمَحَلّ ذَلِكَ أَنْ يَكُون الْحَمْل مِنْ الْمُطَلِّق , فَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْره بِأَنْ نَكَحَ حَامِلًا مِنْ زِنًا وَوَطِئَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا أَوْ وُطِئَتْ مَنْكُوحَةٌ بِشُبْهَةٍ ثُمَّ حَمَلَتْ مِنْهُ فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَإِنَّ الطَّلَاق يَكُون بِدْعِيًّا , لِأَنَّ عِدَّة الطَّلَاق تَقَع بَعْد وَضْع الْحَمْل وَالنَّقَاء مِنْ النِّفَاس , فَلَا تُشْرَع عَقِب الطَّلَاق فِي الْعِدَّة كَمَا فِي الْحَامِل مِنْهُ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي قَوْله \" ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ \" دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَهِيَ حَائِض : إِذَا طَهُرْتِ فَأَنْتِ طَالِق لَا يَكُون مُطَلِّقًا لِلسُّنَّةِ , لِأَنَّ الْمُطَلِّق لِلسُّنَّةِ هُوَ الَّذِي يَكُون مُخَيَّرًا عِنْد وُقُوع طَلَاقه بَيْن إِيقَاع الطَّلَاق وَتَرْكه , وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" قَبْل أَنْ يَمَسّ \" عَلَى أَنَّ الطَّلَاق فِي طُهْر جَامَعَ فِيهِ حَرَامٌ , وَبِهِ صَرَّحَ الْجُمْهُور , فَلَوْ طَلَّقَ هَلْ يُجْبَر عَلَى الرَّجْعَة كَمَا يُجْبَر عَلَيْهَا إِذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ حَائِض ؟ طَرَدَهُ بَعْض الْمَالِكِيَّة فِيهِمَا , وَالْمَشْهُور عَنْهُمْ إِجْبَاره فِي الْحَائِض دُون الطَّاهِر , وَقَالُوا فِيمَا إِذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ حَائِض : يُجْبَر عَلَى الرَّجْعَة , فَإِنْ اِمْتَنَعَ أَدَّبَهُ الْحَاكِم , فَإِنْ أَصَرَّ اِرْتَجَعَ الْحَاكِم عَلَيْهِ. وَهَلْ يَجُوز لَهُ وَطْؤُهَا ؟ بِذَلِكَ رِوَايَتَانِ لَهُمْ أَصَحّهمَا الْجَوَاز , وَعَنْ دَاوُدَ يُجْبَر عَلَى الرَّجْعَة إِذَا طَلَّقَهَا حَائِضًا وَلَا يُجْبَر إِذَا طَلَّقَهَا نُفَسَاء ; وَهُوَ جُمُود. وَوَقَعَ فِيهِ رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن مَوْلَى آل طَلْحَة عَنْ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر \" ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا \" وَفِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق اِبْن أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ حَيْضهَا \" وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاء فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ طَاهِرًا هَلْ الْمُرَاد بِهِ اِنْقِطَاع الدَّم أَوْ التَّطَهُّر بِالْغُسْلِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ , وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد , وَالرَّاجِح الثَّانِي , لِمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع فِي هَذِهِ الْقِصَّة قَالَ \" مُرْ عَبْد اللَّه فَلْيُرَاجِعْهَا , فَإِذَا اِغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضَتهَا الْأُخْرَى فَلَا يَمَسّهَا حَتَّى يُطَلِّقهَا , وَإِنْ شَاءَ يُمْسِكهَا فَلْيُمْسِكْهَا \" وَهَذَا مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ \" فَإِذَا طَهُرَتْ \" فَلْيُحْمَلْ عَلَيْهِ , وَيَتَفَرَّع مِنْ هَذَا أَنَّ الْعِدَّة هَلْ تَنْقَضِي بِانْقِطَاعِ الدَّم وَتَرْتَفِع الرَّجْعَة , أَوْ لَا بُدّ مِنْ الِاغْتِسَال ؟ فِيهِ خِلَاف أَيْضًا. وَالْحَاصِل أَنَّ الْأَحْكَام الْمُرَتَّبَة عَلَى الْحَيْض نَوْعَانِ : الْأَوَّل يَزُول بِانْقِطَاعِ الدَّم كَصِحَّةِ الْغُسْل وَالصَّوْم وَتَرَتُّب الصَّلَاة فِي الذِّمَّة , وَالثَّانِي لَا يَزُول إِلَّا بِالْغُسْلِ كَصِحَّةِ الصَّلَاة وَالطَّوَاف وَجَوَاز اللُّبْث فِي الْمَسْجِد , فَهَلْ يَكُون الطَّلَاق مِنْ النَّوْع الْأَوَّل أَوْ مِنْ الثَّانِي ؟ وَتَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ \" ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا \" مَنْ ذَهَب إِلَى أَنَّ طَلَاق الْحَامِل سُنِّيٌّ , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَة أَنَّهُ لَيْسَ بِسُنِّيٍّ وَلَا بِدْعِيّ. ‏ ‏قَوْله ( فَتِلْكَ الْعِدَّة الَّتِي أَمَرَ اللَّه أَنْ يُطَلَّق لَهَا النِّسَاء ) ‏ ‏أَيْ أَذِنَ , وَهَذَا بَيَان لِمُرَادِ الْآيَة وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) وَصَرَّحَ مَعْمَر فِي رِوَايَته عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع بِأَنَّ هَذَا الْكَلَام عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي رِوَايَة الزُّبَيْر عِنْد مُسْلِم قَالَ اِبْن عُمَر \" وَقَرَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء ) الْآيَة \" وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْإِقْرَاء أَطْهَار لِلْأَمْرِ بِطَلَاقِهَا فِي الطُّهْر , وَقَوْله ( فَطُلَقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) أَيْ وَقْت اِبْتِدَاء عِدَّتهنَّ , وَقَدْ جَعَلَ لِلْمُطَلَّقَةِ تَرَبُّص ثَلَاثَة قُرُوء , فَلَمَّا نَهَى عَنْ الطَّلَاق فِي الْحَيْض وَقَالَ إِنَّ الطَّلَاق فِي الطُّهْر هُوَ الطَّلَاق الْمَأْذُون فِيهِ عُلِمَ أَنَّ الْإِقْرَاء الْأَطْهَار , قَالَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ. وَسَأَذْكُرُ بَقِيَّة فَوَائِد حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4851",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏طَلَّقَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏امْرَأَتَهُ ‏ ‏وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لِيُرَاجِعْهَا قُلْتُ تُحْتَسَبُ قَالَ ‏ ‏فَمَهْ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا قُلْتُ تُحْتَسَبُ قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حُسِبَتْ عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( شُعْبَة عَنْ أَنَس بْن سِيرِينَ قَالَ سَمِعْت اِبْن عُمَر قَالَ : طَلَّقَ اِبْن عُمَر اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض , فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَر لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لِيُرَاجِعْهَا. قُلْت : تُحْتَسَبُ ؟ قَالَ : فَمَهْ ) ؟ ‏ ‏الْقَائِل \" قُلْت \" هُوَ أَنَس بْن سِيرِينَ وَالْمَقُول لَهُ اِبْن عُمَر بَيَّنَ ذَلِكَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَته عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن جَعْفَر , وَقَدْ سَاقَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي سُلَيْمَان عَنْ اِبْن سِيرِينَ مُطَوَّلًا كَمَا سَأَذْكُرُهُ بَعْد ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ يُونُس بْن جُبَيْر ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله \" عَنْ أَنَس بْن سِيرِينَ \" فَهُوَ مَوْصُول , وَهُوَ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ , وَلَقَدْ أَفْرَدَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ \" سَمِعْت يُونُس بْن جُبَيْر \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ) ‏ ‏هَكَذَا اِخْتَصَرَهُ , وَمُرَاده أَنَّ يُونُس بْن جُبَيْر حَكَى الْقِصَّة نَحْو مَا ذَكَرَهَا أَنَس بْن سِيرِينَ سِوَى مَا بَيَّنَ مِنْ سِيَاقه. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت تُحْتَسَبُ ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ أَوَّله , وَالْقَائِل هُوَ يُونُس بْن جُبَيْر. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَرَأَيْته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَرَأَيْت إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ \" وَقَدْ اِخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيُّ اِكْتِفَاء بِسِيَاقِ أَنَس بْن سِيرِينَ , وَقَدْ سَاقَهُ مُسْلِم حَيْثُ أَفْرَدَهُ وَلَفْظه \" سَمِعْت اِبْن عُمَر يَقُول : طَلَّقْت اِمْرَأَتِي وَهِيَ حَائِض , فَأَتَى عُمَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : لِيُرَاجِعْهَا , فَإِذَا طَهُرَتْ فَإِنْ شَاءَ فَلْيُطَلِّقْهَا. قَالَ قُلْت لِابْنِ عُمَر : أَفَيُحْسَبُ بِهَا ؟ قَالَ : مَا يَمْنَعهُ ؟ أَرَأَيْت إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ \". وَقَالَ أَحْمَدُ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَعَبْد اللَّه بْن بُكَيْر قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَة \" فَذَكَرَهُ أَتَمَّ مِنْهُ وَفِي أَوَّله أَنَّهُ \" سَأَلَ اِبْن عُمَر عَنْ رَجُل طَلَّقَ اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض - وَفِيهِ - فَقَالَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ إِنْ بَدَا لَهُ طَلَاقهَا طَلَّقَهَا فِي قُبُل عِدَّتهَا وَفِي قُبُل طُهْرهَا. قَالَ قُلْت لِابْنِ عُمَر : أَفَتَحْتَسِبُ طَلَاقَهَا ذَلِكَ طَلَاقًا ؟ قَالَ : نَعَمْ , أَرَأَيْت إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ \" وَقَدْ سَاقَهُ الْبُخَارِيّ فِي آخِر الْبَاب الَّذِي بَعْد هَذَا نَحْو هَذَا السِّيَاق مِنْ رِوَايَة هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ بِطُولِهِ وَفِيهِ \" قُلْت : فَهَلْ عُدَّ ذَلِكَ طَلَاقًا ؟ قَالَ : أَرَأَيْت إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ \" وَسَيَأْتِي فِي أَبْوَاب الْعِدَد فِي \" بَاب مُرَاجَعَة الْحَائِض \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ يُونُس بْنِ جُبَيْر مُخْتَصَرًا وَفِيهِ \" قُلْت : فَتَعْتَدّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَة ؟ قَالَ : أَرَأَيْت إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ مُطَوَّلًا وَلَفْظه \" فَقُلْت لَهُ : إِذَا طَلَّقَ الرَّجُل اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض أَيَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَة ؟ قَالَ : فَمَهْ ؟ أَوْ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" فَقُلْت : أَفَتُحْتَسَب عَلَيْهِ \" وَالْبَاقِي مِثْله. وَقَوْله \" فَمَهْ \" أَصْله فَمَا , وَهُوَ اِسْتِفْهَام فِيهِ اِكْتِفَاء أَيْ فَمَا يَكُون إِنْ لَمْ تُحْتَسَب , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْهَاء أَصْلِيَّة وَهِيَ كَلِمَة تُقَال لِلزَّجْرِ أَيْ كُفَّ عَنْ هَذَا الْكَلَام فَإِنَّهُ لَا بُدّ مِنْ وُقُوع الطَّلَاق بِذَلِكَ , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : قَوْل اِبْن عُمَر \" فَمَهْ \" مَعْنَاهُ فَأَيُّ شَيْءٍ يَكُون إِذَا لَمْ يُعْتَدّ بِهَا ؟ إِنْكَارًا لِقَوْلِ السَّائِل \" أَيُعْتَدُّ بِهَا \" فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَهَلْ مِنْ ذَلِكَ بُدٌّ ؟ وَقَوْله \" أَرَأَيْت إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ \" أَيْ إِنْ عَجَزَ عَنْ فَرْضٍ فَلَمْ يُقِمْهُ , أَوْ اِسْتَحْمَقَ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ أَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ ؟ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي الْكَلَام حَذْفٌ , أَيْ أَرَأَيْت إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ أَيَسْقُطُ عَنْهُ الطَّلَاقَ حُمْقُهُ أَوْ يُبْطِلُهُ عَجْزُهُ ؟ وَحَذَفَ الْجَوَاب لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون \" إِنْ \" نَافِيَة بِمَعْنَى مَا أَيْ لَمْ يَعْجِر اِبْن عُمَر وَلَا اِسْتَحْمَقَ , لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِفْلٍ وَلَا مَجْنُون. قَالَ : وَإِنْ كَانَتْ الرِّوَايَة بِفَتْحِ أَلِف أَنْ فَمَعْنَاهُ أَظْهَرُ , وَالتَّاء مِنْ اِسْتَحْمَقَ مَفْتُوحَة قَالَهُ اِبْن الْخَشَّاب وَقَالَ : الْمَعْنَى فَعَلَ فِعْلًا يُصَيِّرُهُ أَحْمَق عَاجِزًا فَيَسْقُط عَنْهُ حُكْمَ الطَّلَاق عَجْزُهُ أَوْ حُمْقُهُ , وَالسِّين وَالتَّاء فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ تَكَلَّفَ الْحُمْق بِمَا فَعَلَهُ مِنْ تَطْلِيق اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض. وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول بِضَمِّ التَّاء مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ , أَيْ إِنَّ النَّاس اِسْتَحْمَقُوهُ بِمَا فَعَلَ , وَهُوَ مُوَجَّهٌ. وَقَالَ الْمُهَلَّب : مَعْنَى قَوْله \" إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ \" يَعْنِي عَجَزَ فِي الْمُرَاجَعَة الَّتِي أُمِرَ بِهَا عَنْ إِيقَاع الطَّلَاق أَوْ فَقَدَ عَقْله فَلَمْ تُمْكِنُ مِنْهُ الرَّجْعَةُ أَتَبْقَى الْمَرْأَةُ مُعَلَّقَةً لَا ذَاتَ بَعْلٍ وَلَا مُطَلَّقَةً ؟ وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ , فَلَا بُدّ أَنْ تُحْتَسَب بِتِلْكَ التَّطْلِيقَة الَّتِي أَوْقَعَهَا عَلَى غَيْر وَجْههَا , كَمَا أَنَّهُ لَوْ عَجَزَ عَنْ فَرْض آخَر لِلَّهِ فَلَمْ يُقِمْهُ وَاسْتَحْمَقَ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ مَا كَانَ يُعْذَرُ بِذَلِكَ وَيَسْقُطُ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَر ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَهُوَ ظَاهِر كَلَام أَبِي نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" وَلِلْبَاقِينَ \" وَقَالَ أَبُو مَعْمَر \" وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَسَقَطَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة النَّسَفِيّ أَصْلًا. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْنِ عُمَر قَالَ : حُسِبَتْ عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ الْحِسَاب , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيق عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث عَنْ أَبِيهِ مِثْل مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مُخْتَصَرًا وَزَادَ \" يَعْنِي حِين طَلَّقَ اِمْرَأَته فَسَأَلَ عُمَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ \" قَالَ النَّوَوِيّ : شَذَّ بَعْض أَهْل الظَّاهِر فَقَالَ إِذَا طَلَّقَ الْحَائِض لَمْ يَقَع الطَّلَاق لِأَنَّهُ غَيْر مَأْذُون فِيهِ فَأَشْبَهَ طَلَاق الْأَجْنَبِيَّة وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض. وَقَالَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ : لَا يُخَالِف فِي ذَلِكَ إِلَّا أَهْل الْبِدَع وَالضَّلَال يَعْنِي الْآن. قَالَ : وَرُوِيَ مِثْله عَنْ بَعْض التَّابِعِينَ وَهُوَ شُذُوذ وَحَكَاهُ اِبْنِ الْعَرَبِيّ وَغَيْره عَنْ اِبْنِ عُلَيَّةَ يَعْنِي إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّةَ الَّذِي قَالَ الشَّافِعِيّ فِي حَقِّهِ : إِبْرَاهِيم ضَالّ , جَلَسَ فِي بَابِ الضَّوَالّ يُضِلّ النَّاس. وَكَانَ بِمِصْرَ , وَلَهُ مَسَائِل يَنْفَرِد بِهَا. وَكَانَ مِنْ فُقَهَاء الْمُعْتَزِلَة. وَقَدْ غَلِطَ فِيهِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمَنْقُول عَنْهُ الْمَسَائِل الشَّاذَّة أَبُوهُ , وَحَاشَاهُ , فَإِنَّهُ مِنْ كِبَار أَهْل السُّنَّة. وَكَأَنَّ النَّوَوِيّ أَرَادَ بِبَعْضِ الظَّاهِرِيَّة اِبْنِ حَزْم , فَإِنَّهُ مِمَّنْ جَرَّدَ الْقَوْل بِذَلِكَ وَانْتَصَرَ لَهُ وَبَالَغَ , وَأَجَابَ عَنْ أَمْرِ اِبْنِ عُمَر بِالْمُرَاجَعَةِ بِأَنَّ اِبْنِ عُمَر كَانَ اِجْتَنَبَهَا فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدهَا إِلَيْهِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمُعَاشَرَة فَحَمَلَ الْمُرَاجَعَة عَلَى مَعْنَاهَا اللُّغَوِيّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَمْل عَلَى الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة مُقَدَّم عَلَى اللُّغَوِيَّة اِتِّفَاقًا , وَأَجَابَ عَنْ قَوْل اِبْنِ عُمَر \" حُسِبَتْ عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ \" بِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح بِمَنْ حَسَبَهَا عَلَيْهِ , وَلَا حُجَّة فِي أَحَدِ دُونِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مِثْل قَوْل الصَّحَابِيّ \" أُمِرْنَا فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا \" فَإِنَّهُ يَنْصَرِف إِلَى مَنْ لَهُ الْأَمْر حِينَئِذٍ وَهُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَذَا قَالَ بَعْض الشُّرَّاح , وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجِئْ فِيهِ الْخِلَاف الَّذِي فِي قَوْل الصَّحَابِيّ أُمِرْنَا بِكَذَا فَإِنَّ ذَاكَ مَحَلّه حَيْثُ يَكُونُ اِطِّلَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ صَرِيحًا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي قِصَّة اِبْنِ عُمَر هَذِهِ فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْآمِر بِالْمُرَاجَعَةِ وَهُوَ الْمُرْشِد لِابْنِ عُمَر فِيمَا يَفْعَل إِذَا أَرَادَ طَلَاقهَا بَعْد ذَلِكَ , وَإِذَا أَخْبَرَ اِبْنِ عُمَر أَنَّ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ حُسِبَتْ عَلَيْهِ بِتَطْلِيقَةٍ كَانَ اِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ الَّذِي حَسَبَهَا عَلَيْهِ غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعِيدًا جِدًّا مَعَ اِحْتِفَاف الْقَرَائِن فِي هَذِهِ الْقِصَّة بِذَلِكَ , كَيْف يَتَخَيَّل أَنَّ اِبْنِ عُمَر يَفْعَل فِي الْقِصَّة شَيْئًا بِرَأْيِهِ وَهُوَ يَنْقُل أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَغَيَّظَ مِنْ صَنِيعه كَيْف لَمْ يُشَاوِرْهُ فِيمَا يَفْعَل فِي الْقِصَّة الْمَذْكُورَة , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْنِ وَهْب فِي مُسْنَده عَنْ اِبْنِ أَبِي ذِئْب أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ \" أَنَّ اِبْنِ عُمَر طَلَّقَ اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض , فَسَأَلَ عُمَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُر \" قَالَ اِبْنِ أَبِي ذِئْب فِي الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَهِيَ وَاحِدَة \" قَالَ اِبْنِ أَبِي ذِئْب : وَحَدَّثَنِي حَنْظَلَة بْن أَبِي سُفْيَان أَنَّهُ سَمِعَ سَالِمًا يُحَدِّث عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ , وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن هَارُونُ عَنْ اِبْنِ أَبِي ذِئْب وَابْنِ إِسْحَاق جَمِيعًا عَنْ نَافِع عَنْ اِبْنِ عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" هِيَ وَاحِدَة \" , وَهَذَا نَصّ فِي مَوْضِع الْخِلَاف فَيَجِب الْمَصِير إِلَيْهِ. وَقَدْ أَوْرَدَهُ بَعْض الْعُلَمَاء عَلَى اِبْنِ حَزْم فَأَجَابَهُ بِأَنَّ قَوْله \" هِيَ وَاحِدَة \" لَعَلَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَلْزَمَهُ بِأَنَّهُ نَقَضَ أَصْله لِأَنَّ الْأَصْل لَا يُدْفَع بِالِاحْتِمَالِ. وَعِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ أَنَسٍ بْن سِيرِينَ عَنْ اِبْنِ عُمَر فِي الْقِصَّة \" فَقَالَ عُمَر : يَا رَسُول اللَّه أَفَتُحْتَسَب بِتِلْكَ التَّطْلِيقَة ؟ قَالَ : نَعَمْ \". وَرِجَاله إِلَى شُعْبَة ثِقَات. وَعِنْده مِنْ طَرِيق سَعِيد اِبْنِ عَبْد الرَّحْمَن الْجُمَحِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْنِ عُمَر \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ : إِنِّي طَلَّقْت اِمْرَأَتِي الْبَتَّة وَهِيَ حَائِض , فَقَالَ : عَصَيْت رَبِّك , وَفَارَقْتَ اِمْرَأَتك. قَالَ فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ اِبْنَ عُمَر أَنْ يُرَاجِع اِمْرَأَته , قَالَ : إِنَّهُ أَمَرَ اِبْنَ عُمَر أَنْ يُرَاجِعَهَا بِطَلَاقٍ بَقِيَ لَهُ , وَأَنْتَ لَمْ تُبْقِ مَا تَرْتَجِع بِهِ اِمْرَأَتك \" وَفِي هَذَا السِّيَاق رَدّ عَلَى مَنْ حَمَلَ الرَّجْعَة فِي قِصَّة اِبْنِ عُمَر عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيّ , وَقَدْ وَافَقَ اِبْنَ حَزْم عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ , وَلَهُ كَلَامٌ طَوِيل فِي تَقْرِير ذَلِكَ وَالِانْتِصَار لَهُ. وَأَعْظَمُ مَا اِحْتَجُّوا بِهِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر عَنْ اِبْنِ عُمَر عِنْد مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَفِيهِ \" فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِيُرَاجِعْهَا , فَرَدَّهَا وَقَالَ : إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ يُمْسِك \" لَفْظ مُسْلِم , وَلِلنَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ \" فَرَدَّهَا عَلَيَّ \" زَادَ أَبُو دَاوُدَ \" وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا \" وَإِسْنَاده عَلَى شَرْط الصَّحِيح فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ , وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظه ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي عَاصِم عَنْهُ وَقَالَ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّة , ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ قَالَ مِثْل حَدِيث حَجَّاج وَفِيهِ بَعْض الزِّيَادَة , فَأَشَارَ إِلَى هَذِهِ الزِّيَادَة , وَلَعَلَّهُ طَوَى ذِكْرهَا عَمْدًا. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ الْحَدِيث عَنْ رَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ فَذَكَرَهَا , فَلَا يُتَخَيَّلُ اِنْفِرَاد عَبْد الرَّزَّاق بِهَا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْهُ اِبْنُ عُمَر جَمَاعَة , وَأَحَادِيثهمْ كُلّهَا عَلَى خِلَاف مَا قَالَ أَبُو الزُّبَيْر وَقَالَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ : قَوْله \" وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا \" مُنْكَر لَمْ يَقُلْهُ غَيْر أَبِي الزُّبَيْر , وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا خَالَفَهُ فِيهِ مِثْله فَكَيْف بِمَنْ هُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ , وَلَوْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ : وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا مُسْتَقِيمًا لِكَوْنِهَا لَمْ تَقَع عَلَى السُّنَّة. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ أَهْل الْحَدِيث : لَمْ يَرْوِ أَبُو الزُّبَيْر حَدِيثًا أَنْكَرَ مِنْ هَذَا , وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونُ مَعْنَاهُ : وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا تَحْرُم مَعَهُ الْمُرَاجَعَة , أَوْ لَمْ يَرَهَا شَيْئًا جَائِزًا فِي السُّنَّة مَاضِيًا فِي الِاخْتِيَار وَإِنْ كَانَ لَازِمًا لَهُ مَعَ الْكَرَاهَة. وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْمَعْرِفَة \" عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ ذَكَرَ رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر فَقَالَ : نَافِع أَثْبَتُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْر وَالْأَثْبَتُ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذ بِهِ إِذَا تَخَالَفَا , وَقَدْ وَافَقَ نَافِعًا غَيْرُهُ مِنْ أَهْل الثَّبَتِ. قَالَ : وَبَسَطَ الشَّافِعِيّ الْقَوْل فِي ذَلِكَ وَحَمَلَ قَوْله لَمْ يَرَهَا شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعُدَّهَا شَيْئًا صَوَابًا غَيْر خَطَأ , بَلْ يُؤْمَر صَاحِبِهِ أَنْ لَا يُقِيم عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْمُرَاجَعَةِ , وَلَوْ كَانَ طَلَّقَهَا طَاهِرًا لَمْ يُؤْمَر بِذَلِكَ , فَهُوَ كَمَا يُقَال لِلرَّجُلِ إِذَا أَخْطَأَ فِي فِعْله أَوْ أَخْطَأَ فِي جَوَابه لَمْ يَصْنَع شَيْئًا أَيْ لَمْ يَصْنَع شَيْئًا صَوَابًا , قَالَ اِبْنُ عَبْد الْبَرّ : وَاحْتَجَّ بَعْض مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الطَّلَاق لَا يَقَع بِمَا رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : إِذَا طَلَّقَ الرَّجُل اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض لَمْ يَعْتَدّ بِهَا فِي قَوْل اِبْنِ عُمَر , قَالَ اِبْنُ عَبْد الْبَرّ : وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ لَمْ تَعْتَدّ الْمَرْأَة بِتِلْكَ الْحَيْضَة فِي الْعِدَّة , كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مَنْصُوصًا أَنَّهُ قَالَ : يَقَع عَلَيْهَا الطَّلَاق وَلَا تَعْتَدّ بِتِلْكَ الْحَيْضَة ا ه. وَقَدْ رَوَى عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْنِ عُمَر نَحْوَا مَا نَقَلَهُ اِبْنُ عَبْد الْبَرّ عَنْ الشَّعْبِيّ أَخْرَجَهُ اِبْن حَزْم بِإِسْنَادٍ صَحِيح , وَالْجَوَاب عَنْهُ مِثْله. وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن مَالِك \" عَنْ اِبْنِ عُمَر أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ \" وَهَذِهِ مُتَابَعَات لِأَبِي الزُّبَيْر , إِلَّا أَنَّهَا قَابِلَة لِلتَّأْوِيلِ , وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاء الصَّرِيح فِي قَوْل اِبْنِ عُمَر إِنَّهَا حُسِبَتْ عَلَيْهِ بِتَطْلِيقَةٍ. وَهَذَا الْجَمْع الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره يَتَعَيَّن , وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَغْلِيظ بَعْض الثِّقَات وَأَمَّا قَوْل اِبْنِ عُمَر \" إِنَّهَا حُسِبَتْ عَلَيْهِ بِتَطْلِيقَةٍ \" فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّح بِرَفْعِ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ فِيهِ تَسْلِيمَ أَنَّ اِبْن عُمَر قَالَ إِنَّهَا حُسِبَتْ عَلَيْهِ , فَكَيْف يَجْتَمِع مَعَ هَذَا قَوْله إِنَّهُ لَمْ يَعْتَدّ بِهَا أَوْ لَمْ يَرَهَا شَيْئًا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُخَالِف ؟ لِأَنَّهُ إِنْ جَعَلَ الضَّمِير لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَزِمَ مِنْهُ أَنَّ اِبْن عُمَر خَالَفَ مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة بِخُصُوصِهَا لِأَنَّهُ قَالَ إِنَّهَا حُسِبَتْ عَلَيْهِ بِتَطْلِيقَةٍ فَيَكُونُ مَنْ حَسَبَهَا عَلَيْهِ خَالَفَ كَوْنه لَمْ يَرَهَا شَيْئًا , وَكَيْف يُظَنّ بِهِ ذَلِكَ مَعَ اِهْتِمَامه وَاهْتِمَام أَبِيهِ بِسُؤَالِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ لِيَفْعَل مَا يَأْمُرهُ بِهِ ؟ وَإِنْ جَعَلَ الضَّمِير فِي لَمْ يَعْتَدّ بِهَا أَوْ لَمْ يَرَهَا لِابْنِ عُمَر لَزِمَ مِنْهُ التَّنَاقُض فِي الْقِصَّة الْوَاحِدَة فَيَفْتَقِر إِلَى التَّرْجِيح , وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَخْذ بِمَا رَوَاهُ الْأَكْثَر وَالْأَحْفَظ أَوْلَى مِنْ مُقَابِله عِنْد تَعَذُّر الْجَمْع عِنْد الْجُمْهُور وَاللَّهُ أَعْلَمْ. وَاحْتَجَّ اِبْنِ الْقَيِّم لِتَرْجِيحِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ شَيْخه بِأَقْيِسَةٍ تَرْجِع إِلَى مَسْأَلَة أَنَّ النَّهْي يَقْتَضِي الْفَسَاد فَقَالَ : الطَّلَاق يَنْقَسِم إِلَى حَلَال وَحَرَام , فَالْقِيَاس أَنَّ حَرَامه بَاطِل كَالنِّكَاحِ وَسَائِر الْعُقُود , وَأَيْضًا فَكَمَا أَنَّ النَّهْي يَقْتَضِي التَّحْرِيم فَكَذَلِكَ يَقْتَضِي الْفَسَاد , وَأَيْضًا فَهُوَ طَلَاق مَنَعَ مِنْهُ الشَّرْع فَأَفَادَ مَنْعه عَدَم جَوَاز إِيقَاعه فَكَذَلِكَ يُفِيد عَدَم نُفُوذه وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلْمَنْعِ فَائِدَة , لِأَنَّ الزَّوْج لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا أَنْ يُطَلِّق اِمْرَأَته عَلَى وَجْه فَطَلَّقَهَا عَلَى غَيْر الْوَجْه الْمَأْذُون فِيهِ لَمْ يَنْفُذ , فَكَذَلِكَ لَمْ يَأْذَنْ الشَّارِع لِلْمُكَلَّفِ فِي الطَّلَاق إِلَّا إِذَا كَانَ مُبَاحًا , فَإِذَا طَلَّقَ طَلَاقًا مُحَرَّمًا لَمْ يَصِحّ. وَأَيْضًا فَكُلّ مَا حَرَّمَهُ اللَّه مِنْ الْعُقُود مَطْلُوب الْإِعْدَام , فَالْحُكْم بِبُطْلَانِ مَا حَرَّمَهُ أَقْرَب إِلَى تَحْصِيل هَذَا الْمَطْلُوب مِنْ تَصْحِيحه , وَمَعْلُوم أَنَّ الْحَلَال الْمَأْذُون فِيهِ لَيْسَ الْحَرَام الْمَمْنُوع مِنْهُ. ثُمَّ أَطَالَ مِنْ هَذَا الْجِنْس بِمُعَارَضَاتٍ كَثِيرَةٍ لَا تَنْهَض مَعَ التَّنْصِيص عَلَى صَرِيح الْأَمْر بِالرَّجْعَةِ فَإِنَّهَا فَرْعُ وُقُوع الطَّلَاق عَلَى تَصْرِيح صَاحِبِ الْقِصَّة بِأَنَّهَا حُسِبَتْ عَلَيْهِ تَطْلِيقَة , وَالْقِيَاس فِي مُعَارَضَة النَّصّ فَاسِدُ الِاعْتِبَار وَاللَّهُ أَعْلَم. وَقَدْ عُورِضَ بِقِيَاسٍ أَحْسَن مِنْ قِيَاسه فَقَالَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ : لَيْسَ الطَّلَاق مِنْ أَعْمَال الْبِرّ الَّتِي يُتَقَرَّب بِهَا , وَإِنَّمَا هُوَ إِزَالَة عِصْمَة فِيهَا حَقِّ آدَمِيّ , فَكَيْفَمَا أَوْقَعَهُ وَقَعَ , سَوَاء أُجِرَ فِي ذَلِكَ أَمْ أَثِمَ , وَلَوْ لَزِمَ الْمُطِيع وَلَمْ يَلْزَم الْعَاصِي لَكَانَ الْعَاصِي أَخَفّ حَالًا مِنْ الْمُطِيع. ثُمَّ قَالَ اِبْنِ الْقَيِّم : لَمْ يَرِد التَّصْرِيح بِأَنَّ اِبْنِ عُمَر اِحْتَسَبَ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَة إِلَّا فِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْهُ عِنْد الْبُخَارِيّ , وَلَيْسَ فِيهَا تَصْرِيح بِالرَّفْعِ , قَالَ : فَانْفِرَاد سَعِيد بْن جُبَيْر بِذَلِكَ كَانْفِرَادِ أَبِي الزُّبَيْر بِقَوْلِهِ لَمْ يَرَهَا شَيْئًا , فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاقَطَا وَإِمَّا أَنْ تُرَجَّح رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر لِتَصْرِيحِهَا بِالرَّفْعِ , وَتُحْمَل رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عَلَى أَنَّ أَبَاهُ هُوَ الَّذِي حَسَبَهَا عَلَيْهِ بَعْد مَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَقْت الَّذِي أَلْزَمَ النَّاس فِيهِ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاث بَعْد أَنْ كَانُوا فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُحْتَسَب عَلَيْهِمْ بِهِ ثَلَاثًا إِذَا كَانَ بِلَفْظٍ وَاحِد. قُلْت : وَغَفَلَ رَحِمَهُ اللَّه عَمَّا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَنَس بْن سِيرِينَ عَلَى وِفَاق مَا رَوَى سَعِيد بْن جُبَيْر , وَفِي سِيَاقه مَا يُشْعِر بِأَنَّهُ إِنَّمَا رَاجَعَهَا فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَفْظه \" سَأَلْت اِبْنِ عُمَر عَنْ اِمْرَأَته الَّتِي طَلَّقَ فَقَالَ. طَلَّقْتهَا وَهِيَ حَائِض , فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَر لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا لِطُهْرِهَا , قَالَ فَرَاجَعْتهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا لِطُهْرِهَا قُلْت فَاعْتَدَدْت بِتِلْكَ التَّطْلِيقَة وَهِيَ حَائِض ؟ فَقَالَ مَا لِي لَا اِعْتَدَّ بِهَا وَإِنْ كُنْت عَجَزَتْ وَاسْتَحْمَقَتْ \" وَعِنْد مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق اِبْنِ أَخِي اِبْنِ شِهَاب عَنْ عَمِّهِ عَنْ سَالِم فِي حَدِيث الْبَاب \" وَكَانَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر طَلَّقَهَا تَطْلِيقَة فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقهَا فَرَاجَعَهَا كَمَا أَمَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة الزُّبَيْدِيّ عَنْ اِبْنِ شِهَاب \" قَالَ اِبْنِ عُمَر فَرَاجَعْتهَا وَحُسِبَتْ لَهَا التَّطْلِيقَة الَّتِي طَلَّقْتُهَا \" وَعِنْد الشَّافِعِيّ عَنْ مُسْلِم بْن خَالِد عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ \" أَنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَى نَافِع يَسْأَلُونَهُ : هَلْ حُسِبَتْ تَطْلِيقَة اِبْنِ عُمَر عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ \". وَفِي حَدِيث اِبْنِ عُمَر مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الرَّجْعَة يَسْتَقِلّ بِهَا الزَّوْج دُون الْوَلِيّ وَرِضَا الْمَرْأَة , لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ دُون غَيْره , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ) وَفِيهِ أَنَّ الْأَب يَقُوم عَنْ اِبْنِهِ الْبَالِغ الرَّشِيد فِي الْأُمُور الَّتِي تَقَع لَهُ مِمَّا يَحْتَشِم الِابْن مِنْ ذِكْره , وَيَتَلَقَّى عَنْهُ مَا لَعَلَّهُ يَلْحَقهُ مِنْ الْعِتَاب عَلَى فِعْله شَفَقَة مِنْهُ وَبِرًّا. وَفِيهِ أَنَّ طَلَاق الطَّاهِرَة لَا يُكْرَه لِأَنَّهُ أَنْكَرَ إِيقَاعه فِي الْحَيْض لَا فِي غَيْره , وَلِقَوْلِهِ فِي آخِر الْحَدِيث \" فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ \". وَفِيهِ أَنَّ الْحَامِل لَا تَحِيض لِقَوْلِهِ فِي طَرِيق سَالِم الْمُتَقَدِّمَة \" ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا \" فَحَرَّمَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّلَاق فِي زَمَن الْحَيْض وَأَبَاحَهُ فِي زَمَن الْحَمْل , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَيْض الْحَامِل لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِير فِي تَطْوِيل الْعِدَّة وَلَا تَخْفِيفهَا لِأَنَّهَا بِوَضْعِ الْحَمْل فَأَبَاحَ الشَّارِع طَلَاقهَا حَامِلًا مُطْلَقًا , وَأَمَّا غَيْر الْحَامِل فَفَرَّقَ بَيْن الْحَائِض وَالطَّاهِر لِأَنَّ الْحَيْض يُؤَثِّر فِي الْعِدَّة فَالْفَرْق بَيْن الْحَامِل وَغَيْرهَا إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ الْحَمْل لَا بِسَبَبِ الْحَيْض وَلَا الطُّهْر. وَفِيهِ أَنَّ الْأَقْرَاء فِي الْعِدَّة هِيَ الْأَطْهَار , وَسَيَأْتِي تَقْرِير ذَلِكَ فِي كِتَاب الْعِدَّة. وَفِيهِ تَحْرِيم الطَّلَاق فِي طُهْر جَامَعَهَا فِيهِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور , وَقَالَ الْمَالِكِيَّة لَا يَحْرُم ; وَفِي رِوَايَة كَالْجُمْهُورِ , وَرَجَّحَهَا الْفَاكِهَانِيّ لِكَوْنِهِ شَرَطَ فِي الْإِذْن فِي الطَّلَاق عَدَم الْمَسِيس , وَالْمُعَلَّق بِشَرْطٍ مَعْدُومٌ عِنْد عَدَمه ‏"
    },
    {
        "id": "4852",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏أَيُّ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَةَ ‏ ‏الْجَوْنِ ‏ ‏لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ فَقَالَ لَهَا ‏ ‏لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ الْحَقِي بِأَهْلِكِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ أَبِي مَنِيعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏",
        "sharh": "أَحَدُهَا حَدِيثُ عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اِبْنَة الْجَوْن ) ‏ ‏زَادَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ \" الْكَلْبِيَّة \" وَهُوَ بَعِيدٌ عَلَى مَا سَأُبَيِّنُهُ , وَوَقَعَ فِي \" كِتَاب الصَّحَابَة لِأَبِي نُعَيْمٍ \" مِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن الْقَاسِم عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ \" عَنْ عَائِشَة أَنَّ عَمْرَة بِنْت الْجَوْن تَعَوَّذَتْ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ , قَالَ : لَقَدْ عُذْت بِمَعَاذٍ \" الْحَدِيث. وَعُبَيْد مَتْرُوك. وَالصَّحِيح أَنَّ اِسْمهَا أُمَيْمَة بِنْت النُّعْمَان بْن شَرَاحِيلَ كَمَا فِي حَدِيث أَبِي أُسَيْدٍ , وَقَالَ مَرَّة : أُمَيْمَة بِنْت شَرَاحِيلَ فَنُسِبَتْ لِجَدِّهَا , وَقِيلَ اِسْمهَا أَسْمَاء كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي حَدِيث أَبِي أُسَيْدٍ مَعَ شَرْحه مُسْتَوْفًى , وَرَوَى اِبْن سَعْد عَنْ الْوَاقِدِيِّ عَنْ اِبْن أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" تَزَوَّجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِلَابِيَّةَ \" فَذَكَرَ مِثْل حَدِيث الْبَاب , وَقَوْله الْكِلَابِيَّةَ غَلَطٌ وَإِنَّمَا هِيَ الْكِنْدِيَّة , فَكَأَنَّمَا الْكَلِمَة تَصَحَّفَتْ. نَعَمْ لِلْكِلَابِيَّة قِصَّة أُخْرَى ذَكَرَهَا اِبْن سَعْد أَيْضًا بِهَذَا السَّنَد إِلَى الزُّهْرِيِّ وَقَالَ : اِسْمهَا فَاطِمَة بِنْت الضَّحَّاك بْن سُفْيَان , فَاسْتَعَاذَتْ مِنْهُ فَطَلَّقَهَا , فَكَانَتْ تَلْقُط الْبَعْر وَتَقُول : أَنَا الشَّقِيَّة. قَالَ وَتُوُفِّيَتْ سَنَة سِتِّينَ. وَمِنْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه \" أَنَّ الْكِنْدِيَّة لَمَّا وَقَعَ التَّخْيِير اِخْتَارَتْ قَوْمهَا فَفَارَقَهَا , فَكَانَتْ تَقُول : أَنَا الشَّقِيَّة \". وَمِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي هِنْد أَنَّهَا اِسْتَعَاذَتْ مِنْهُ فَأَعَاذَهَا. وَمِنْ طَرِيق الْكَلْبِيّ اِسْمهَا الْعَالِيَة بِنْت ظَبْيَانِ بْن عَمْرو , وَحَكَى اِبْن سَعْد أَيْضًا أَنَّ اِسْمهَا عَمْرَة بِنْت يَزِيد بْن عُبَيْد , وَقِيلَ بِنْت يَزِيد بْن الْجَوْن. وَأَشَارَ اِبْن سَعْد إِلَى أَنَّهَا وَاحِدَة اُخْتُلِفَ فِي اِسْمهَا , وَالصَّحِيح أَنَّ الَّتِي اِسْتَعَاذَتْ مِنْهُ هِيَ الْجَوْنِيَّةُ. وَرَوَى اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى قَالَ : لَمْ تَسْتَعِذْ مِنْهُ اِمْرَأَة غَيْرهَا. قُلْت : وَهُوَ الَّذِي يَغْلِب عَلَى الظَّنّ , لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَقَعَ لِلْمُسْتَعِيذَةِ بِالْخَدِيعَةِ الْمَذْكُورَة فَيَبْعُدُ أَنْ تُخْدَع أُخْرَى بَعْدهَا بِمِثْلِ مَا خُدِعَتْ بِهِ بَعْد شُيُوع الْخَبَر بِذَلِكَ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ الْجَوْنِيَّةَ. وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَب فِرَاقه فَقَالَ قَتَادَةُ : لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا دَعَاهَا فَقَالَتْ : تَعَالَى أَنْتَ. فَطَلَّقَهَا. وَقِيلَ كَانَ بِهَا وَضَحٌ كَالْعَامِرِيَّةِ قَالَ وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهَا قَالَتْ أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْك فَقَالَ قَدْ عُذْت بِمَعَاذٍ وَقَدْ أَعَاذَك اللَّهُ مِنِّي فَطَلَّقَهَا. قَالَ وَهَذَا بَاطِل إِنَّمَا قَالَ لَهُ هَذَا اِمْرَأَة مِنْ بَنِي الْعَنْبَر وَكَانَتْ جَمِيلَة فَخَافَ نِسَاؤُهُ أَنْ تَغْلِبَهُنَّ عَلَيْهِ فَقُلْنَ لَهَا إِنَّهُ يُعْجِبهُ أَنْ يُقَال لَهُ نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْك فَفَعَلَتْ فَطَلَّقَهَا , كَذَا قَالَ , وَمَا أَدْرِي لِمَ حَكَمَ بِبُطْلَانِ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَة الرِّوَايَات الْوَارِدَة فِيهِ وَثُبُوته فِي حَدِيث عَائِشَة فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. وَالْقَوْل الَّذِي نَسَبه لِقَتَادَةَ ذَكَرَ مِثْله أَبُو سَعِيد النَّيْسَابُورِيّ عَنْ شَرْقِيّ بْنِ قُطَامِيّ. ‏ ‏قَوْله ( رَوَاهُ حَجَّاج بْن أَبِي مَنِيع عَنْ جَدّه ) ‏ ‏هُوَ حَجَّاج بْن يُوسُف بْن أَبِي مَنِيع وَأَبُو مَنِيع هُوَ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي زِيَاد الْوَصَّافِي بِفَتْحِ الْوَاو وَتَشْدِيد الْمُهْمَلَة وَبِالْفَاءِ وَكَانَ يَكُون بِحَلَب , وَلَمْ يُخْرِجْ لَهُ الْبُخَارِيّ إِلَّا مُعَلَّقًا وَكَذَا لِجَدِّهِ. وَهَذِهِ الطَّرِيق وَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي ذِئْب أَيْضًا عَنْ الزُّهْرِيِّ نَحْوه وَزَادَ فِي آخِره \" قَالَ الزُّهْرِيُّ جَعَلَهَا تَطْلِيقَة \" أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ , وَقَوْله \" اِلْحَقِي بِأَهْلِك \" بِكَسْرِ الْأَلِف مِنْ اِلْحَقِي وَفَتْح الْحَاء بِخِلَافِ قَوْله فِي الْحَدِيث الثَّانِي أَلْحِقْهَا فَإِنَّهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْحَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "4853",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَسِيلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى انْطَلَقْنَا إِلَى ‏ ‏حَائِطٍ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ الشَّوْطُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى ‏ ‏حَائِطَيْنِ ‏ ‏فَجَلَسْنَا بَيْنَهُمَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اجْلِسُوا هَا هُنَا وَدَخَلَ وَقَدْ أُتِيَ ‏ ‏بِالْجَوْنِيَّةِ ‏ ‏فَأُنْزِلَتْ فِي بَيْتٍ فِي نَخْلٍ فِي بَيْتِ ‏ ‏أُمَيْمَةَ بِنْتِ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ ‏ ‏وَمَعَهَا دَايَتُهَا حَاضِنَةٌ لَهَا فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ هَبِي نَفْسَكِ لِي قَالَتْ وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ قَالَ فَأَهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ فَقَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ فَقَالَ ‏ ‏قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا أُسَيْدٍ ‏ ‏اكْسُهَا ‏ ‏رَازِقِيَّتَيْنِ ‏ ‏وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الْحُسَيْنُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏وَأَبِي أُسَيْدٍ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُمَيْمَةَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ ‏ ‏فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا فَكَأَنَّهَا كَرِهَتْ ذَلِكَ فَأَمَرَ ‏ ‏أَبَا أُسَيْدٍ ‏ ‏أَنْ يُجَهِّزَهَا وَيَكْسُوَهَا ثَوْبَيْنِ ‏ ‏رَازِقِيَّيْنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن غَسِيل ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَر بِغَيْرِ أَلِف وَلَام وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ \" اِبْن الْغَسِيل \" وَهُوَ أَوْجُه وَلَعَلَّهَا كَانَتْ اِبْن غَسِيل الْمَلَائِكَة فَسَقَطَ لَفْظ الْمَلَائِكَة , وَالْأَلِف وَاللَّام بَدَل الْإِضَافَة , وَعَبْد الرَّحْمَن يُنْسَب إِلَى جَدّ أَبِيهِ وَهُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن سُلَيْمَان بْن عَبْد اللَّه بْن حَنْظَلَة بْن أَبِي عَامِر الْأَنْصَارِيّ , وَحَنْظَلَة هُوَ غَسِيل الْمَلَائِكَة اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَهُوَ جُنُب فَغَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَة وَقِصَّته مَشْهُورَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْجُرْجَانِيّ عَبْد الرَّحِيم وَالصَّوَاب عَبْد الرَّحْمَن كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْجَيَّانِيّ. ‏ ‏قَوْله ( إِلَى حَائِط يُقَال لَهُ الشَّوْط ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا مُهْمَلَة وَقِيلَ مُعْجَمَة هُوَ بُسْتَانٌ فِي الْمَدِينَة مَعْرُوفٌ. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى اِنْتَهَيْنَا إِلَى حَائِطِينَ جَلَسْنَا بَيْنهمَا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِجْلِسُوا هَاهُنَا وَدَخَلَ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى الْحَائِط. لَهُ رِوَايَة لِابْنِ سَعْد عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ \" تَزَوَّجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي الْجَوْن فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِهَا فَأَتَيْته بِهَا فَأَنْزَلْتهَا بِالشَّوْطِ مِنْ وَرَاء ذُبَاب فِي أُطُمٍ , ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْته , فَخَرَجَ يَمْشِي وَنَحْنُ مَعَهُ. وَذُبَاب بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَمُوَحَّدَتَيْنِ مُخَفَّفًا جَبَل مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ , وَالْأُطُم الْحُصُون وَهُوَ الْأُجُم أَيْضًا وَالْجَمْع آطَام وَآجَام كَعُنُقٍ وَأَعْنَاق , وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ سَعْد أَنَّ النُّعْمَان بْن الْجَوْن الْكِنْدِيّ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْلِمًا فَقَالَ : أَلَا أُزَوِّجُك أَجْمَلَ أَيِّمٍ فِي الْعَرَب ؟ فَتَزَوَّجَهَا وَبَعَثَ مَعَهُ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيّ , قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ : فَأَنْزَلْتهَا فِي بَنِي سَاعِدَة فَدَخَلَ عَلَيْهَا نِسَاء الْحَيّ فَرِحِينَ بِهَا وَخَرَجْنَ فَذَكَرْنَ مِنْ جَمَالهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَأُنْزِلَتْ فِي بَيْت فِي نَخْل فِي بَيْت أُمَيْمَة بِنْت النُّعْمَان بْن شَرَاحِيلَ ) ‏ ‏هُوَ بِالتَّنْوِينِ فِي الْكُلّ , وَأُمَيْمَة بِالرَّفْعِ إِمَّا بَدَلًا عَنْ الْجَوْنِيَّةِ وَإِمَّا عَطْف بَيَان , وَظَنَّ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّهُ بِالْإِضَافَةِ فَقَالَ فِي الْكَلَام عَلَى الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا : تَزَوَّجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَيْمَة بِنْت شَرَاحِيلَ وَلَعَلَّ الَّتِي نَزَلَتْ فِي بَيْتهَا بِنْت أَخِيهَا ; وَهُوَ مَرْدُود فَإِنَّ مَخْرَج الطَّرِيقِينَ وَاحِد , وَإِنَّمَا جَاءَ الْوَهْم مِنْ إِعَادَة لَفْظ \" فِي بَيْت \" وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي قُتَيْبَة فِي مُسْنَده عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ \" فِي بَيْت فِي النَّخْل أُمَيْمَة إِلَخْ \" وَجَزَمَ هِشَام بْن الْكَلْبِيّ بِأَنَّهَا أَسْمَاء بِنْت النُّعْمَان بْن شَرَاحِيلَ بْن الْأَسْوَد بْن الْجَوْن الْكِنْدِيَّة , وَكَذَا جَزَمَ بِتَسْمِيَتِهَا أَسْمَاء مُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَمُحَمَّد بْن حَبِيب وَغَيْرهمَا , فَلَعَلَّ اِسْمهَا أَسْمَاء وَلَقَبهَا أُمَيْمَة. وَوَقَعَ فِي الْمَغَازِي رِوَايَة يُونُس بْن بُكَيْر عَنْ اِبْن إِسْحَاق \" أَسْمَاء بِنْت كَعْب الْجَوْنِيَّةُ \" فَلَعَلَّ فِي نَسَبهَا مِنْ اِسْمه كَعْب نَسَبَهَا إِلَيْهِ , وَقِيلَ هِيَ أَسْمَاء بِنْت الْأَسْوَد بْن الْحَارِث بْن النُّعْمَان. ‏ ‏قَوْله ( وَمَعَهَا دَايَتُهَا حَاضِنَة لَهَا ) ‏ ‏الدَّايَة بِالتَّحْتَانِيَّةِ الظِّئْر الْمُرْضِع وَهِيَ مُعَرَّبَةٌ , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَة هَذِهِ الْحَاضِنَة. ‏ ‏قَوْله ( هَبِي نَفْسك لِي إِلَخْ ) ‏ ‏السُّوقَة بِضَمِّ السِّين الْمُهْمَلَة يُقَال لِلْوَاحِدِ مِنْ الرَّعِيَّة وَالْجَمْع , قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلِكَ يَسُوقهُمْ فَيُسَاقُونَ إِلَيْهِ وَيَصْرِفهُمْ عَلَى مُرَاده , وَأَمَّا أَهْل السُّوق فَالْوَاحِد مِنْهُمْ سُوقِيّ , قَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ : هَذَا مِنْ بَقِيَّة مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الْجَاهِلِيَّة , وَالسُّوقَة عِنْدهمْ مَنْ لَيْسَ بِمَلِكٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ , فَكَأَنَّهَا اِسْتَبْعَدَتْ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَلِكَةَ مَنْ لَيْسَ بِمَلِكٍ , وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خُيِّرَ أَنْ يَكُون مَلِكًا نَبِيًّا فَاخْتَارَ أَنْ يَكُون عَبْدًا نَبِيًّا تَوَاضُعًا مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَبِّهِ. وَلَمْ يُؤَاخِذهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلَامِهَا مَعْذِرَةً لَهَا لِقُرْبِ عَهْدهَا بِجَاهِلِيَّتِهَا , وَقَالَ غَيْره يَحْتَمِل أَنَّهَا لَمْ تَعْرِفهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَاطَبَتْهُ بِذَلِكَ , وَسِيَاق الْقِصَّة مِنْ مَجْمُوع طُرُقهَا يَأْبَى هَذَا الِاحْتِمَال , نَعَمْ سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الْأَشْرِبَة مِنْ طَرِيق أَبِي حَازِم عَنْ سَهْل بْن سَعْد قَالَ \" ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِمْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَب , فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيّ أَنْ يُرْسِل إِلَيْهَا فَقَدِمَتْ , فَنَزَلَتْ فِي أُجُم بَنِي سَاعِدَة , فَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءَ بِهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَإِذَا اِمْرَأَة مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا , فَلَمَّا كَلَّمَهَا قَالَتْ : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْك , قَالَ : لَقَدْ أَعَذْتُك مِنِّي. فَقَالُوا لَهَا أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا ؟ هَذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ لِيَخْطُبك , قَالَتْ كُنْت أَنَا أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَتْ الْقِصَّة وَاحِدَة فَلَا يَكُون قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب أَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا وَلَا قَوْله فِي حَدِيث عَائِشَة اِلْحَقِي بِأَهْلِك تَطْلِيقًا , وَيَتَعَيَّن أَنَّهَا لَمْ تَعْرِفهُ َ. وَإِنْ كَانَتْ الْقِصَّة مُتَعَدِّدَة وَلَا مَانِع مِنْ ذَلِكَ فَلَعَلَّ هَذِهِ الْمَرْأَة هِيَ الْكِلَابِيَّة الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الِاضْطِرَاب. وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن سَعْد بِسَنَدٍ فِيهِ الْعَزْرَمِيّ الضَّعِيف عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" كَانَ فِي نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَّا بِنْت سَفِيَّانِ بْن عَوْف بْن كَعْب بْن أَبِي بِكْر بْن كِلَاب , قَالَ : وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيّ يَخْطُب عَلَيْهِ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي عَامِر يُقَال لَهَا عَمْرَة بِنْت يَزِيد بْن عُبَيْد بْن رُؤَاس بْن كِلَاب بْن رَبِيعَة بْن عَامِر , قَالَ اِبْن سَعْد : اِخْتَلَفَ عَلَيْنَا اِسْم الْكِلَابِيَّة فَقِيلَ فَاطِمَة بِنْت الضَّحَّاك بْن سُفْيَان وَقِيلَ عَمْرَة بِنْت يَزِيد بْن عُبَيْد وَقِيلَ سَنَّا بِنْت سُفْيَان بْن عَوْف وَقِيلَ الْعَالِيَة بِنْت ظَبْيَان بْن عَمْرو بْن عَوْف , فَقَالَ بَعْضهمْ هِيَ وَاحِدَة اُخْتُلِفَ فِي اِسْمهَا , وَقَالَ بَعْضهمْ بَلْ كُنَّ جَمْعًا وَلَكِنْ لِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ قِصَّة غَيْر قِصَّة صَاحِبَتهَا \". ثُمَّ تَرْجَمَ الْجَوْنِيَّةَ فَقَالَ : أَسْمَاء بِنْت النُّعْمَان. ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَاحِد بْن أَبِي عَوْن قَالَ \" قَدِمَ النُّعْمَان بْن أَبِي الْجَوْن الْكِنْدِيّ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْلِمًا فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَلَا أُزَوِّجك أَجْمَل أَيِّمٍ فِي الْعَرَب , كَانَتْ تَحْت اِبْن عَمّ لَهَا فَتُوُفِّيَ وَقَدْ رَغِبَتْ فِيك ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ : فَابْعَثْ مَنْ يَحْمِلهَا إِلَيْك. فَبَعَثَ مَعَهُ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيّ. قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ فَأَقَمْت ثَلَاثَة أَيَّام ثُمَّ تَحَمَّلَتْ مَعِي فِي مِحَفَّة فَأَقْبَلْت بِهَا حَتَّى قَدِمْت الْمَدِينَة فَأَنْزَلْتهَا فِي بَنِي سَاعِدَة , وَوَجَّهْت إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَنِي عَمْرو بْن عَوْف فَأَخْبَرْته \" الْحَدِيث. قَالَ اِبْن أَبِي عَوْن : وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَبِيع الْأَوَّل سَنَة تِسْع. ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عُمَر بْن الْحَكَم عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ \" بَعَثَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْجَوْنِيَّةِ فَحَمَلْتهَا حَتَّى نَزَلْت بِهَا فِي أُطُم بَنِي سَاعِدَة , ثُمَّ جِئْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْته , فَخَرَجَ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْهِ حَتَّى جَاءَهَا \" الْحَدِيث. وَمِنْ طَرِيق سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى قَالَ : اِسْم الْجَوْنِيَّةِ أَسْمَاء بِنْت النُّعْمَان بْن أَبِي الْجَوْن , قِيلَ لَهَا اِسْتَعِيذِي مِنْهُ فَإِنَّهُ أَحْظَى لَك عِنْده , وَخُدِعَتْ لِمَا رُئِيَ مِنْ جَمَالهَا , وَذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى مَا قَالَتْ فَقَالَ : إِنَّهُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ وَكَيْدُهُنَّ. فَهَذِهِ تَتَنَزَّلُ قِصَّتهَا عَلَى حَدِيث أَبِي حَازِم عَنْ سَهْل بْن سَعْد , وَأَمَّا الْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث الْبَاب مِنْ رِوَايَة عَائِشَة فَيُمْكِنُ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَى هَذِهِ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الِاسْتِعَاذَة , وَالْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث أَبِي أُسَيْدٍ فِيهَا أَشْيَاء مُغَايِرَة لِهَذِهِ الْقِصَّة , فَيَقْوَى التَّعَدُّد , وَيَقْوَى أَنَّ الَّتِي فِي حَدِيث أَبِي أُسَيْدٍ اِسْمهَا أُمَيْمَة وَاَلَّتِي فِي حَدِيث سَهْل اِسْمهَا أَسْمَاء وَاللَّهُ أَعْلَم. وَأُمَيْمَة كَانَ قَدْ عَقَدَ عَلَيْهَا ثُمَّ فَارَقَهَا وَهَذِهِ لَمْ يُعْقِد عَلَيْهَا بَلْ جَاءَ لِيَخْطُبهَا فَقَطْ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَهْوَى بِيَدِهِ ) ‏ ‏أَيْ أَمَالَهَا إِلَيْهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد \" فَأَهْوَى إِلَيْهَا لِيُقَبِّلهَا , وَكَانَ إِذَا اِخْتَلَى النِّسَاء أَقْعَى وَقَبَّلَ \" وَفِي رِوَايَة لِابْنِ سَعْد \" فَدَخَلَ عَلَيْهَا دَاخِل مِنْ النِّسَاء وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَل النِّسَاء فَقَالَتْ : إِنَّك مِنْ الْمُلُوك فَإِنْ كُنْت تُرِيدِينَ أَنْ تَحْظَيْ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا جَاءَك فَاسْتَعِيذِي مِنْهُ \" وَوَقَعَ عِنْده عَنْ هِشَام بْن مُحَمَّد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْغَسِيل بِإِسْنَادٍ حَدِيث الْبَاب \" إِنَّ عَائِشَة وَحَفْصَة دَخَلَتَا عَلَيْهَا أَوَّل مَا قَدِمْت فَمَشَّطَتَاهَا وَخَضَّبَتَاهَا , وَقَالَتْ لَهَا إِحْدَاهُمَا : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبهُ مِنْ الْمَرْأَة إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا أَنْ تَقُول أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْك \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ : قَدْ عُذْت بِمَعَاذٍ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم مَا يُسْتَعَاذ بِهِ , أَوْ اِسْم مَكَان الْعَوْذ , وَالتَّنْوِين فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ. وَفِي رِوَايَة اِبْن سَعْد \" فَقَالَ بِكُمِّهِ عَلَى وَجْهه وَقَالَ : عُذْت مَعَاذًا. ثَلَاث مَرَّات \" وَفِي أُخْرَى لَهُ \" فَقَالَ آمَنُ عَائِذٍ اللَّهُ \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ : يَا أَبَا أُسَيْدٍ اُكْسُهَا رَازِقِيَّيْنِ ) ‏ ‏بِرَاءٍ ثُمَّ زَاي ثُمَّ قَاف بِالتَّثْنِيَةِ صِفَة مَوْصُوف مَحْذُوف لِلْعِلْمِ بِهِ , وَالرَّازِقِيَّة ثِيَاب مِنْ كَتَّان بِيض طِوَال قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة. وَقَالَ غَيْره. يَكُون فِي دَاخِل بَيَاضهَا زُرْقَة , وَالرَّازِقِيّ الصَّفِيق. قَالَ اِبْن التِّين : مَتَّعَهَا بِذَلِكَ إِمَّا وُجُوبًا وَإِمَّا تَفَضُّلًا. قُلْت : وَسَيَأْتِي حُكْم الْمُتْعَة فِي كِتَاب النَّفَقَات. ‏ ‏قَوْله ( وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : لَيْسَ فِي هَذَا أَنَّهُ وَاجَهَهَا بِالطَّلَاقِ. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنَيِّرِبِأَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ فِي حَدِيث عَائِشَة أَوَّل أَحَادِيث الْبَاب , فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ قَالَ لَهَا اِلْحَقِي بِأَهْلِك , ثُمَّ لَمَّا خَرَجَ إِلَى أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ لَهُ أَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا , فَلَا مُنَافَاة , فَالْأَوَّل قَصَدَ بِهِ الطَّلَاق وَالثَّانِي أَرَادَ بِهِ حَقِيقَة اللَّفْظ وَهُوَ أَنْ يُعِيدهَا إِلَى أَهْلهَا , لِأَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ هُوَ الَّذِي كَانَ أَحْضَرَهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِابْنِ سَعْد عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ \" فَأَمَرَنِي فَرَدَدْتهَا إِلَى قَوْمهَا \" وَفِي أُخْرَى لَهُ \" فَلَمَّا وَصَلْت بِهَا تَصَايَحُوا وَقَالُوا : إِنَّك لَغَيْرُ مُبَارَكَة , فَمَا دَهَاك ؟ قَالَتْ : خُدِعْتُ. قَالَ فَتُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَة عُثْمَان \" ْر. قَالَ \" وَحَدَّثَنِي هِشَام بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة أَنَّهَا مَاتَتْ كَمَدًا \" ثُمَّ رُوِيَ بِسَنَدٍ فِيهِ الْكَلْبِيُّ \" أَنَّ الْمُهَاجِر بْن أَبِي أُمَيَّة تَزَوَّجَهَا , فَأَرَادَ عُمَر مُعَاقَبَتهَا فَقَالَتْ : مَا ضُرِبَ عَلَيَّ الْحِجَاب , وَلَا سُمِّيتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. فَكَفّ عَنْهَا \" وَعَنْ الْوَاقِدِيِّ : سَمِعْت مَنْ يَقُول إِنَّ عِكْرِمَة بْن أَبِي جَهْل خَلَفَ عَلَيْهَا , قَالَ : وَلَيْسَ ذَلِكَ بِثَبْتٍ. وَلَعَلَّ اِبْن بَطَّالٍ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُوَاجِهَّا بِلَفْظِ الطَّلَاق. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك كَتَبَ إِلَيْهِ يَسْأَلهُ , فَكَتَبَ إِلَيْهِ : مَا تَزَوَّجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِنْدِيَّة إِلَّا أُخْت بَنِي الْجَوْن فَمَلَكَهَا. فَلَمَّا قَدِمْت الْمَدِينَة نَظَرَ إِلَيْهَا فَطَلَّقَهَا وَلَمْ يَبْنِ بِهَا. فَقَوْله فَطَلَّقَهَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور قَبْلُ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَاجَهَهَا بِلَفْظِ الطَّلَاق , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِيرَاد التَّرْجَمَة بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَام دُون بَتّ الْحُكْم. وَاعْتَرَضَ بَعْضهمْ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجهَا إِذْ لَمْ يَجْرِ ذِكْر صُورَة الْعَقْد , وَامْتَنَعَتْ أَنْ تَهَب لَهُ نَفْسهَا فَكَيْف يُطَلِّقهَا ؟ وَالْجَوَاب أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ مِنْ نَفْسه بِغَيْرِ إِذْن الْمَرْأَة وَبِغَيْرِ إِذْن وَلِيّهَا , فَكَانَ مُجَرَّد إِرْسَاله إِلَيْهَا وَإِحْضَارهَا وَرَغْبَته فِيهَا كَافِيًا فِي ذَلِكَ , وَيَكُون قَوْله \" هَبِي لِي نَفْسك \" تَطْيِيبًا لِخَاطِرِهَا وَاسْتِمَالَة لِقَلْبِهَا , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة لِابْنِ سَعْد \" إِنَّهُ اِتَّفَقَ مَعَ أَبِيهَا عَلَى مِقْدَار صَدَاقهَا , وَأَنَّ أَبَاهَا قَالَ لَهُ : إِنَّهَا رَغِبَتْ فِيك وَخَطَبَتْ إِلَيْك \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ الْحُسَيْن بْن الْوَلِيد النَّيْسَابُورِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْغَسِيل ‏ ‏( عَنْ عَبَّاس بْن سَهْل عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي أُسَيْدٍ ) ‏ ‏هَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق أَبِي أَحْمَد الْفَرَّاء عَنْ الْحُسَيْن , وَمُرَاد الْبُخَارِيّ مِنْهُ أَنَّ الْحُسَيْن بْن الْوَلِيد شَارَكَ أَبَا نُعَيْمٍ فِي رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْغَسِيل , لَكِنْ اِخْتَلَفَا فِي شَيْخ عَبْد الرَّحْمَن فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ حَمْزَة وَقَالَ الْحُسَيْن عَبَّاس بْن سَهْل , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق ثَالِثَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن فَبَيَّنَ أَنَّهُ عِنْد عَبْد الرَّحْمَن بِالْإِسْنَادَيْنِ , لَكِنْ طَرِيق أَبِي أُسَيْدٍ عَنْ حَمْزَة اِبْنه عَنْهُ وَطَرِيق سَهْل بْن سَعْد عَنْ عَبَّاس اِبْنه عَنْهُ , وَكَأَنَّ حَمْزَة حَذَفَ فِي رِوَايَة الْحُسَيْن بْن الْوَلِيد فَصَارَ الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة عَبَّاس بْن سَهْل عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَالتَّحْرِير مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الثَّالِثَة وَهِيَ رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن أَبِي الْوَزِير وَاسْم أَبِي الْوَزِير عُمَر بْن مُطَرِّف , وَهُوَ حِجَازِيّ نَزَلَ الْبَصْرَة , وَقَدْ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيّ وَلَمْ يَلْقَهُ فَحَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ , وَذَكَرَهُ فِي تَارِيخه فَقَالَ : مَاتَ بَعْد أَبِي عَاصِم سَنَة اِثْنَتَيْ عَشْرَة , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى إِقَامَة إِسْنَاده أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْهُ. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏الْأَوَّل قَالَ الْقَاضِي عِيَاض فِي أَوَائِل كِتَاب الْجِهَاد مِنْ \" شَرْح مُسْلِم \" قَالَ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه : الْحُسَيْن بْن الْوَلِيد بْن عَلِيّ النَّيْسَابُورِيّ الْقُرَشِيّ مَاتَ سَنَة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ , وَلَمْ يَذْكُر فِي بَاب الْحَسَن مُكَبَّرًا مِنْ اِسْمه الْحَسَن بْن الْوَلِيد , وَذَكَرَ فِي صَحِيحه فِي كِتَاب الطَّلَاق الْحَسَن بْن الْوَلِيد النَّيْسَابُورِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَبَّاس بْنِ سَهْل عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي أُسَيْدٍ \" تَزَوَّجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَيْمَة بِنْت شَرَاحِيلَ \" كَذَا ذَكَرَهُ مُكَبَّرًا. قُلْت : لَمْ أَرَهُ فِي شَيْء مِنْ النُّسَخ الْمُعْتَمَدَة مِنْ الْبُخَارِيّ إِلَّا مُصَغَّرًا , وَيُؤَيِّدهُ اِقْتِصَاره عَلَيْهِ فِي تَارِيخه وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏الثَّانِي وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أَحْمَد الْجُرْجَانِيّ فِي السَّنَد الْأَوَّل \" عَنْ حَمْزَة بْن أَبِي أُسَيْدٍ عَنْ عَبَّاس بْن سَهْل عَنْ أَبِيهِ \" وَهُوَ خَطَأ سَقَطَتْ الْوَاو مِنْ قَوْله \" وَعَنْ عَبَّاس \" وَقَدْ ثَبَتَتْ عِنْد جَمِيع الرُّوَاة , وَفِي الْحَدِيث أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ اِلْحَقِي بِأَهْلِك وَأَرَادَ الطَّلَاق طَلُقَتْ , فَإِنْ لَمْ يُرِدْ الطَّلَاق لَمْ تَطْلُقْ عَلَى مَا وَقَعَ فِي حَدِيث كَعْب بْن مَالِك الطَّوِيل فِي قِصَّة تَوْبَته \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَعْتَزِل اِمْرَأَته قَالَ لَهَا اِلْحَقِي بِأَهْلِك فَكُونِي فِيهِمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ هَذَا الْأَمْر \" وَقَدْ مَضَى الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي شَرْحه. ‏"
    },
    {
        "id": "4854",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي غَلَّابٍ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ تَعْرِفُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏طَلَّقَ ‏ ‏امْرَأَتَهُ ‏ ‏وَهِيَ حَائِضٌ فَأَتَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ‏ ‏فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَإِذَا طَهُرَتْ فَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا قُلْتُ فَهَلْ عَدَّ ذَلِكَ طَلَاقًا قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي طَلَاق اِمْرَأَته , وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى قَبْلُ , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" أَتَعْرِفُ اِبْن عُمَر \" إِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ يَعْرِف أَنَّهُ يَعْرِفهُ وَهُوَ الَّذِي يُخَاطِبهُ لِيُقَرِّرَهُ عَلَى اِتِّبَاع السُّنَّة , وَعَلَى الْقَبُول مِنْ نَاقِلهَا , وَأَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَامَّةَ الِاقْتِدَاءُ بِمَشَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ , فَقَرَّرَهُ عَلَى مَا يَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ لَا أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَعْرِفهُ , قَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ : لَيْسَ فِيهِ مُوَاجِهَة اِبْن عُمَر الْمَرْأَة بِالطَّلَاقِ , وَإِنَّمَا فِيهِ \" طَلَّقَ اِبْن عُمَر اِمْرَأَته \" لَكِنَّ الظَّاهِر مِنْ حَالِهِ الْمُوَاجِهَةُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا طَلَّقَهَا عَنْ شِقَاق ا ه. وَلَمْ يَذْكُر مُسْتَنَده فِي الشِّقَاق الْمَذْكُور , فَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ لَا يَكُون عَنْ شِقَاق بَلْ عَنْ سَبَب آخَر , وَقَدْ رَوَى أَحْمَد وَالْأَرْبَعَة وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق حَمْزَة بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" كَانَ تَحْتِي اِمْرَأَةٌ أُحِبُّهَا , وَكَانَ عُمَر يَكْرَههَا فَقَالَ : طَلِّقْهَا , فَأَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَطِعْ أَبَاك \" فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون هِيَ هَذِهِ , وَلَعَلَّ عُمَر لَمَّا أَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا وَشَاوَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَامْتَثَلَ أَمْره اِتَّفَقَ أَنَّ الطَّلَاق وَقَعَ وَهِيَ فِي الْحَيْض فَعَلِمَ عُمَر بِذَلِكَ فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ السِّرّ فِي تَوَلِّيهِ السُّؤَال عَنْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ وَقَعَ مِنْ قِبَلِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4855",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ ‏ ‏جَاءَ إِلَى ‏ ‏عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ يَا ‏ ‏عَاصِمُ ‏ ‏أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ سَلْ لِي يَا ‏ ‏عَاصِمُ ‏ ‏عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلَ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ عَلَى ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا رَجَعَ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏إِلَى أَهْلِهِ جَاءَ ‏ ‏عُوَيْمِرٌ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏عَاصِمُ ‏ ‏مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا قَالَ ‏ ‏عُوَيْمِرٌ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا فَأَقْبَلَ ‏ ‏عُوَيْمِرٌ ‏ ‏حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَسْطَ النَّاسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا قَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏فَتَلَاعَنَا ‏ ‏وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ ‏ ‏عُوَيْمِرٌ ‏ ‏كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ ‏ ‏الْمُتَلَاعِنَيْنِ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ سَهْل بْنِ سَعْد فِي قِصَّة الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب اللِّعَان , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله فِي آخِر الْحَدِيث , ‏ ‏( فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْل أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏الْحَدِيث , وَقَدْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُفَارَقَة فِي الْمُلَاعَنَة وَقَعَتْ بِنَفْسِ اللِّعَان فَلَمْ يُصَادِف تَطْلِيقه إِيَّاهَا ثَلَاثًا مَوْقِعًا , وَأُجِيب بِأَنَّ الِاحْتِجَاج بِهِ مِنْ كَوْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ إِيقَاع الثَّلَاث مَجْمُوعَة , فَلَوْ كَانَ مَمْنُوعًا لَأَنْكَرَهُ , وَلَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَة بِنَفْسِ اللِّعَان , ‏"
    },
    {
        "id": "4856",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏امْرَأَةَ ‏ ‏رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ ‏ ‏جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏رِفَاعَةَ ‏ ‏طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي وَإِنِّي نَكَحْتُ بَعْدَهُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ الْقُرَظِيَّ ‏ ‏وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى ‏ ‏رِفَاعَةَ ‏ ‏لَا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الثَّانِي : حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة رِفَاعَة الْقُرَظِيّ وَامْرَأَته , سَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب إِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بَعْد الْعِدَّة زَوْجًا غَيْره فَلَمْ يَمَسَّهَا \" وَشَاهِد التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْله \" فَبَتَّ طَلَاقِي \" فَإِنَّهُ ظَاهِر فِي أَنَّهُ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِق الْبَتَّة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ طَلَّقَهَا طَلَاقًا حَصَلَ بِهِ قَطْع عِصْمَتهَا مِنْهُ , وَهُوَ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون طَلَّقَهَا ثَلَاثًا مَجْمُوعَة أَوْ مُفَرَّقَة , وَيُؤَيِّد الثَّانِي أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَدَب مِنْ وَجْه آخَر أَنَّهَا قَالَتْ طَلَّقَنِي آخِر ثَلَاث تَطْلِيقَات , وَهَذَا يُرَجِّحُ أَنَّ الْمُرَاد بِالتَّرْجَمَةِ بَيَان مَنْ أَجَازَ الطَّلَاق الثَّلَاث وَلَمْ يَكْرَههُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاد التَّرْجَمَة أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ , وَكُلّ حَدِيث يَدُلّ عَلَى حُكْم فَرْد مِنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4857",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏طَلَّقَ ‏ ‏امْرَأَتَهُ ‏ ‏ثَلَاثًا ‏ ‏فَتَزَوَّجَتْ ‏ ‏فَطَلَّقَ فَسُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَحِلُّ لِلْأَوَّلِ قَالَ ‏ ‏لَا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا كَمَا ذَاقَ الْأَوَّلُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏الْحَدِيث الثَّالِث : حَدِيث عَائِشَة أَيْضًا \" أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا , فَسُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَحِلُّ لِلْأَوَّلِ ؟ قَالَ : لَا \" ‏ ‏الْحَدِيث , وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُخْتَصَرًا مِنْ قِصَّة رِفَاعَة فَقَدْ ذَكَرْت تَوْجِيه الْمُرَاد بِهِ , وَإِنْ كَانَ فِي قِصَّة أُخْرَى فَالتَّمَسُّك بِظَاهِرِ قَوْله \" طَلَّقَهَا ثَلَاثًا \" فَإِنَّهُ ظَاهِر فِي كَوْنهَا مَجْمُوعَة , وَسَيَأْتِي فِي شَرْح قِصَّة رِفَاعَة أَنَّ غَيْره وَقَعَ لَهُ مَعَ اِمْرَأَة نَظِير مَا وَقَعَ لِرِفَاعَةَ , فَلَيْسَ التَّعَدُّد فِي ذَلِكَ بِبَعِيدٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "4858",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاخْتَرْنَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عُمَر بْن حَفْص ) ‏ ‏أَيْ اِبْن غِيَاث الْكُوفِيّ , , ‏ ‏وَقَوْله \" مُسْلِم \" ‏ ‏هُوَ اِبْن صُبَيْح بِالتَّصْغِيرِ أَبُو الضُّحَى مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اِسْمه , وَفِي طَبَقَته مُسْلِم الْبَطِين وَهُوَ مِنْ رِجَال الْبُخَارِيّ لَكِنَّهُ وَإِنْ رَوَى عَنْهُ الْأَعْمَش لَا يَرْوِي عَنْ مَسْرُوق , وَفِي طَبَقَتهمَا مُسْلِم بْن كَيْسَانَ الْأَعْوَر وَلَيْسَ هُوَ مِنْ رِجَال الصَّحِيح وَلَا لَهُ رِوَايَة عَنْ مَسْرُوق. ‏ ‏قَوْله ( خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ عَنْ مَسْرُوق \" خَيَّرَ نِسَاءَهُ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله ( فَاخْتَرْنَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ , فَلَمْ يَعُدَّ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الدَّال وَضَمّ الْعَيْن مِنْ الْعَدَد , وَفِي رِوَايَة فَلَمْ \" يَعْدُدْ \" بِفَكِّ الْإِدْغَام وَفِي أُخْرَى \" فَلَمْ يَعْتَدّ \" بِسُكُونِ الْعَيْن وَفَتْح الْمُثَنَّاة وَتَشْدِيد الدَّال مِنْ الِاعْتِدَاد , وَقَوْله \" فَلَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا \" فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلَاقًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "4859",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَامِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ الْخِيَرَةِ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏خَيَّرَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَفَكَانَ طَلَاقًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَسْرُوقٌ ‏ ‏لَا أُبَالِي أَخَيَّرْتُهَا وَاحِدَةً أَوْ مِائَةً بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ أَبِي خَالِدٍ. ‏ ‏قَوْله ( سَأَلْت عَائِشَة عَنْ الْخِيَرَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَفَتْح التَّحْتَانِيَّة بِمَعْنَى الْخِيَار. ‏ ‏قَوْله ( أَفَكَانَ طَلَاقًا ؟ ) ‏ ‏هُوَ اِسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ , وَلِأَحْمَد عَنْ وَكِيع عَنْ إِسْمَاعِيل \" فَهَلْ كَانَ طَلَاقًا ؟ \" وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ إِسْمَاعِيل. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ مَسْرُوق : لَا أُبَالِي أَخَيَّرْتهَا وَاحِدَة أَوْ مِائَة بَعْد أَنْ تَخْتَارنِي ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ إِسْمَاعِيل فَقَدَّمَ كَلَام مَسْرُوق الْمَذْكُور وَلَفْظه عَنْ مَسْرُوق \" قَالَ مَا أُبَالِي \" فَذَكَرَ مِثْله وَزَادَ \" أَوْ أَلْفًا , وَلَقَدْ سَأَلْت عَائِشَة \" فَذَكَرَ حَدِيثهَا , وَبِقَوْلِ عَائِشَة الْمَذْكُور يَقُول جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاء الْأَمْصَار , وَهُوَ أَنَّ مَنْ خَيَّرَ زَوْجَته فَاخْتَارَتْهُ لَا يَقَع عَلَيْهِ بِذَلِكَ طَلَاقٌ , لَكِنْ اِخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا اِخْتَارَتْ نَفْسهَا هَلْ يَقَع طَلْقَة وَاحِدَة رَجْعِيَّة أَوْ بَائِنًا أَوْ يَقَع ثَلَاثًا ؟ وَحَكَى التِّرْمِذِيّ عَنْ عَلِيّ : إِنْ اِخْتَارَتْ نَفْسهَا فَوَاحِدَة بَائِنَة , وَإِنْ اِخْتَارَتْ زَوْجهَا فَوَاحِدَة رَجْعِيَّة , وَعَنْ زَيْد بْن ثَابِت : إِنْ اِخْتَارَتْ نَفْسهَا فَثَلَاث وَإِنْ اِخْتَارَتْ زَوْجهَا فَوَاحِدَة بَائِنَة , وَعَنْ عُمَر وَابْن مَسْعُود : إِنْ اِخْتَارَتْ نَفْسهَا فَوَاحِدَة بَائِنَة , وَعَنْهُمَا رَجْعِيَّة , وَإِنْ اِخْتَارَتْ زَوْجهَا فَلَا شَيْء. وَيُؤَيِّد قَوْل الْجُمْهُور مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ التَّخْيِير تَرْدِيد بَيْن شَيْئَيْنِ , فَلَوْ كَانَ اِخْتِيَارهَا لِزَوْجِهَا طَلَاقًا لَاتَّحَدَا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اِخْتِيَارهَا لِنَفْسِهَا بِمَعْنَى الْفِرَاق وَاخْتِيَارهَا لِزَوْجِهَا بِمَعْنَى الْبَقَاء فِي الْعِصْمَة , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق زَاذَانَ قَالَ \" كُنَّا جُلُوسًا عِنْد عَلِيّ فَسُئِلَ عَنْ الْخِيَار فَقَالَ : سَأَلَنِي عَنْهُ عُمَر فَقُلْت : إِنْ اِخْتَارَتْ نَفْسهَا فَوَاحِدَة بَائِن , وَإِنْ اِخْتَارَتْ زَوْجهَا فَوَاحِدَة رَجْعِيَّة , قَالَ : لَيْسَ كَمَا قُلْت , إِنْ اِخْتَارَتْ زَوْجهَا فَلَا شَيْء , قَالَ : فَلَمْ أَجِد بُدًّا مِنْ مُتَابَعَته , فَلَمَّا وُلِّيت رَجَعْت إِلَى مَا كُنْت أَعْرِف , قَالَ عَلِيّ : وَأَرْسَلَ عُمَر إِلَى زَيْد بْن ثَابِت فَقَالَ \" فَذَكَرَ مِثْل مَا حَكَاهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيّ , وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طُرُق عَنْ عَلِيّ نَظِير مَا حَكَاهُ عَنْهُ زَاذَانَ مِنْ اِخْتِيَاره , وَأَخَذَ مَالِك بِقَوْلِ زَيْد بْن ثَابِت وَاحْتَجَّ بَعْض أَتْبَاعه لِكَوْنِهَا إِذَا اِخْتَارَتْ نَفْسهَا يَقَع ثَلَاثًا بِأَنَّ مَعْنَى الْخِيَار بَتُّ أَحَد الْأَمْرَيْنِ : إِمَّا الْأَخْذ , وَإِمَّا التَّرْك , فَلَوْ قُلْنَا إِذَا اِخْتَارَتْ نَفْسهَا تَكُون طَلْقَة رَجْعِيَّة لَمْ يُعْمَل بِمُقْتَضَى اللَّفْظ لِأَنَّهَا تَكُون بَعْدُ فِي أَسْر الزَّوْج وَتَكُون كَمَنْ خُيِّرَ بَيْن شَيْئَيْنِ فَاخْتَارَ غَيْرهمَا , وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَة بِقَوْلِ عُمَر وَابْن مَسْعُود فِيمَا إِذَا اِخْتَارَتْ نَفْسهَا فَوَاحِدَة بَائِنَة وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْإِيرَادُ السَّابِقُ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : التَّخْيِير كِنَايَة , فَإِذَا خَيَّرَ الزَّوْج اِمْرَأَته وَأَرَادَ بِذَلِكَ تَخْيِيرهَا بَيْن أَنْ تَطْلُق مِنْهُ وَبَيْن أَنْ تَسْتَمِرّ فِي عِصْمَته فَاخْتَارَتْ نَفْسهَا وَأَرَادَتْ بِذَلِكَ الطَّلَاق طَلُقَتْ , فَلَوْ قَالَتْ : لَمْ أُرِدْ بِاخْتِيَارِ نَفْسِي الطَّلَاق صُدِّقَتْ , وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ التَّصْرِيح فِي التَّخْيِير بِالتَّطْلِيقِ أَنَّ الطَّلَاق يَقَع جَزْمًا , نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا حَافِظُ الْوَقْتِ أَبُو الْفَضْل الْعِرَاقِيُّ فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" وَنَبَّهَ صَاحِبُ. \" الْهِدَايَة \" مِنْ الْحَنَفِيَّة عَلَى اِشْتِرَاط ذِكْر النَّفْس فِي التَّخْيِير , فَلَوْ قَالَ مَثَلًا اِخْتَارِي فَقَالَتْ اِخْتَرْت لَمْ يَكُنْ تَخْيِيرًا بَيْن الطَّلَاق وَعَدَمه وَهُوَ ظَاهِر , لَكِنَّ مَحِلّه الْإِطْلَاق فَلَوْ قَصَدَ ذَلِكَ بِهَذَا اللَّفْظ سَاغَ , وَقَالَ صَاحِب \" الْهِدَايَة \" أَيْضًا إِنْ قَالَ \" اِخْتَارِي \" يَنْوِي بِهِ الطَّلَاق فَلَهَا أَنْ تُطَلِّق نَفْسهَا وَيَقَع بَائِنًا , فَلَوْ لَمْ يَنْوِ فَهُوَ بَاطِل , وَكَذَا لَوْ قَالَ اِخْتَارِي فَقَالَتْ اِخْتَرْت فَلَوْ نَوَى فَقَالَتْ اِخْتَرْت نَفْسِي وَقَعَتْ طَلْقَة رَجْعِيَّة. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُؤْخَذ مِنْ قَوْل عَائِشَة \" فَاخْتَرْنَاهُ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا \" أَنَّهَا لَوْ اِخْتَارَتْ نَفْسهَا لَكَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا , وَوَافَقَهُ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" فَقَالَ : فِي الْحَدِيث أَنَّ الْمُخَيَّرَة إِذَا اِخْتَارَتْ نَفْسهَا أَنَّ نَفْس ذَلِكَ الِاخْتِيَار يَكُون طَلَاقًا مِنْ غَيْر اِحْتِيَاج إِلَى نُطْق بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاق , قَالَ : وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ مَفْهُوم قَوْل عَائِشَة الْمَذْكُور. قُلْت : لَكِنَّ ظَاهِر الْآيَة أَنَّ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَكُون طَلَاقًا , بَلْ لَا بُدّ مِنْ إِنْشَاء الزَّوْج الطَّلَاق ; لِأَنَّ فِيهَا ( فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ ) أَيْ بَعْد الِاخْتِيَار , وَدَلَالَةُ الْمَنْطُوق مُقَدَّمَةٌ عَلَى دَلَالَة الْمَفْهُوم. وَاخْتَلَفُوا فِي التَّخْيِير هَلْ بِمَعْنَى التَّمْلِيك أَوْ بِمَعْنَى التَّوْكِيل ؟ وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ الْمُصَحَّح عِنْد أَصْحَابه أَنَّهُ تَمْلِيكٌ , وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّة بِشَرْطِ مُبَادَرَتهَا لَهُ حَتَّى لَوْ أَخَّرَتْ بِقَدْرِ مَا يَنْقَطِع الْقَبُول عَنْ الْإِيجَاب فِي الْعَقْد ثُمَّ طَلُقَتْ لَمْ يَقَع , وَفِي وَجْهٍ لَا يَضُرُّ التَّأْخِيرُ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِس وَبِهِ جَزَمَ اِبْن الْقَاصّ , وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة , وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيّ وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : الرَّاجِح أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّد وَلَا يُشْتَرَط فِيهِ الْفَوْر , بَلْ مَتَى طَلُقَتْ نَفَذَ , وَهُوَ قَوْل الْحَسَن وَالزُّهْرِيّ , وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْد وَمُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ الشَّافِعِيَّة وَالطَّحَاوِيّ مِنْ الْحَنَفِيَّة , وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ الْبَاب حَيْثُ وَقَعَ فِيهِ \" إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك \" الْحَدِيث , فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ فَسْخٌ لَهَا إِذْ أَخْبَرَهَا أَنْ لَا تَخْتَار شَيْئًا حَتَّى تَسْتَأْذِن أَبَوَيْهَا ثُمَّ تَفْعَل مَا يُشِيرَانِ بِهِ عَلَيْهَا , وَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَم اِشْتِرَاط الْفَوْر فِي جَوَاب التَّخْيِير. قُلْت : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَال يُشْتَرَط الْفَوْر أَوْ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِس عِنْد الْإِطْلَاق , فَأَمَّا لَوْ صَرَّحَ الزَّوْج بِالْفُسْحَةِ فِي تَأْخِيره بِسَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَيَتَرَاخَى , وَهَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي قِصَّة عَائِشَة , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون كُلُّ خِيَارٍ كَذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4860",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏طَلَّقَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏امْرَأَتَهُ ‏ ‏فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ فَطَلَّقَهَا وَكَانَتْ مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ فَلَمْ تَصِلْ مِنْهُ إِلَى شَيْءٍ تُرِيدُهُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ طَلَّقَهَا فَأَتَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي وَإِنِّي تَزَوَّجْتُ زَوْجًا غَيْرَهُ فَدَخَلَ بِي وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ الْهُدْبَةِ فَلَمْ يَقْرَبْنِي إِلَّا هَنَةً وَاحِدَةً لَمْ يَصِلْ مِنِّي إِلَى شَيْءٍ فَأَحِلُّ ‏ ‏لِزَوْجِي الْأَوَّلِ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِكِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ ‏ ‏الْآخَرُ ‏ ‏عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة اِمْرَأَة رِفَاعَة لِقَوْلِهِ فِيهِ \" لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِك الْأَوَّل حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ عُسَيْلَتك \" وَسَيَأْتِي شَرْحه قَرِيبًا. وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَلَمْ يَقْرَبْنِي إِلَّا هَنَةً وَاحِدَة \" هُوَ بِلَفْظِ حَرْف الِاسْتِثْنَاء , وَاَلَّتِي بَعْده بِفَتْحِ الْهَاء وَتَخْفِيف النُّون , وَحَكَى الْهَرَوِيُّ تَشْدِيدهَا وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْأَزْهَرِيّ قَبْله , وَقَالَ الْخَلِيل : هِيَ كَلِمَة يُكَنَّى بِهَا عَنْ الشَّيْء يُسْتَحَيَا مِنْ ذِكْره بِاسْمِهِ , قَالَ اِبْن التِّين مَعْنَاهُ لَمْ يَطَأْنِي إِلَّا مَرَّة وَاحِدَة يُقَال هَنَّ اِمْرَأَتَهُ إِذَا غَشِيَهَا. وَنَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ فِي أَكْثَر النُّسَخ بِمُوَحَّدَةٍ ثَقِيلَة أَيْ مَرَّة , وَاَلَّذِي ذَكَرَ صَاحِب \" الْمَشَارِق \" أَنَّ الَّذِي رَوَاهُ بِالْمُوَحَّدَةِ هُوَ اِبْن السَّكَن قَالَ : وَعِنْد الْكَافَّة بِالنُّونِ , وَحَكَى فِي مَعْنَى هِبَة بِالْمُوَحَّدَةِ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاد بِهَا مَرَّة وَاحِدَة , قَالَ وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْهِبَةِ الْوَقْعَة يُقَال حَدَرَ هِبَة السَّيْف أَيْ وَقْعَته , وَقِيلَ هِيَ مِنْ هَبَّ إِذَا اِحْتَاجَ إِلَى الْجِمَاع يُقَال هَبَّ التَّيْسُ يَهُبُّ هَبِيبًا. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏زَعَمَ اِبْنُ بَطَّالٍ أَنَّ الْبُخَارِيّ يَرَى أَنَّ التَّحْرِيم يَتَنَزَّل مَنْزِلَة الطَّلَاق الثَّلَاث , وَشَرَحَ كَلَامه عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ بَعْد أَنَّ سَاقَ الِاخْتِلَاف فِي الْمَسْأَلَة : وَفِي قَوْل مَسْرُوق مَا أُبَالِي حَرَّمْت اِمْرَأَتِي أَوْ جَفْنَة ثَرِيد , وَقَوْل الشَّعْبِيّ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَام أَهْوَن مِنْ فِعْلِي هَذَا الْقَوْل شُذُوذٌ , وَعَلَيْهِ رَدَّ الْبُخَارِيُّ , قَالَ وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ أَنَّ مَنْ حَرَّمَ زَوْجَته أَنَّهَا ثَلَاث تَطْلِيقَات بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ , قَالَ فَلَمَّا كَانَتْ الثَّلَاث تُحَرِّمهَا كَانَ التَّحْرِيم ثَلَاثًا , قَالَ وَإِلَى هَذِهِ الْحُجَّة أَشَارَ الْبُخَارِيّ بِإِيرَادِ حَدِيث رِفَاعَة لِأَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا فَلَمْ تَحِلّ لَهُ مُرَاجَعَتهَا إِلَّا بَعْد زَوْج , فَكَذَلِكَ مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسه اِمْرَأَته فَهُوَ كَمَنْ طَلَّقَهَا ا ه. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ , وَاَلَّذِي يَظْهَر مِنْ مَذْهَب الْبُخَارِيّ أَنَّ الْحَرَام يَنْصَرِفُ إِلَى نِيَّة الْقَائِل , وَلِذَلِكَ صَدَّرَ الْبَاب بِقَوْلِ الْحَسَن الْبَصْرِيّ , وَهَذِهِ عَادَته فِي مَوْضِع الِاخْتِلَاف مَهْمَا صَدَّرَ بِهِ مِنْ النَّقْل عَنْ صَحَابِيّ أَوْ تَابِعِيّ فَهُوَ اِخْتِيَاره , وَحَاشَا الْبُخَارِيّ أَنْ يَسْتَدِلّ بِكَوْنِ الثَّلَاث تُحَرِّم أَنَّ كُلّ تَحْرِيم لَهُ حُكْم الثَّلَاث مَعَ ظُهُور مَنْع الْحَصْر , لِأَنَّ الطَّلْقَة الْوَاحِدَة تُحَرِّم غَيْر الْمَدْخُول بِهَا مُطْلَقًا وَالْبَائِن تُحَرِّم الْمَدْخُول بِهَا إِلَّا بَعْد عَقْد جَدِيد , وَكَذَلِكَ الرَّجْعِيَّة إِذَا اِنْقَضَتْ عِدَّتهَا فَلَمْ يَنْحَصِر التَّحْرِيم فِي الثَّلَاث , وَأَيْضًا فَالتَّحْرِيم أَعَمّ مِنْ التَّطْلِيق ثَلَاثًا فَكَيْف يُسْتَدَلّ بِالْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصّ ؟ وَمِمَّا يُؤَيِّد مَا اِخْتَرْنَاهُ أَوَّلًا تَعْقِيبُ الْبُخَارِيّ الْبَاب بِتَرْجَمَةِ \" لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك \" وَسَاقَ فِيهِ قَوْل اِبْن عَبَّاس \" إِذَا حَرَّمَ اِمْرَأَته فَلَيْسَ بِشَيْءٍ \" كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4861",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَقَالَ ‏ { ‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن الصَّبَّاح ) ‏ ‏هُوَ الْبَزَّار آخِره رَاء مُهْمَلَة وَهُوَ وَاسِطِي نَزَلَ بَغْدَاد , وَثَّقَهُ الْجُمْهُور وَلَيَّنَهُ النَّسَائِيُّ قَلِيلًا , وَأَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيّ فِي الْإِيمَان وَالصَّلَاة وَغَيْرهمَا فَلَمْ يُكْثِر , وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ عَنْ الْحَسَن بْن الصَّبَّاح الزَّعْفَرَانِيّ , لَكِنْ إِذَا وَقَعَ هَكَذَا يَكُون نُسِبَ لِجَدِّهِ فَهُوَ الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن الصَّبَّاح وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَنْهُ فِي الْحَدِيث الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَاب , وَفِي الرُّوَاة مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَمَنْ فِي طَبَقَتهمْ مُحَمَّد بْن الصَّبَّاح الدُّولَابِيُّ أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيّ فِي الصَّلَاة وَالْبُيُوع وَغَيْرهمَا , وَلَيْسَ هُوَ أَخًا لِلْحَسَنِ بْن الصَّبَّاح وَمُحَمَّد بْن الصَّبَّاح الْجَرْجَرَائِيّ أَخْرَجَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ , وَهُوَ غَيْر الدُّولَابِيّ , وَعَبْد اللَّه بْن الصَّبَّاح الْعَطَّار أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيّ فِي الْبُيُوع وَغَيْره وَلَيْسَ أَحَد مِنْ هَؤُلَاءِ أَخًا لِلْآخَرِ. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعَ الرَّبِيع بْن نَافِع ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُ سَمِعَ وَلَفْظ \" أَنَّهُ \" يُحْذَف خَطًّا وَيُنْطَق بِهِ , وَقَلَّ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ كَمَا وَقَعَ التَّنْبِيه عَلَى لَفْظ \" قَالَ \". وَالرَّبِيع بْن نَافِع هُوَ أَبُو تَوْبَة بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا مُوَحَّدَة مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اِسْمه , حَلَبِيّ نَزَلَ طَرَسُوسَ , أَخْرَجَ عَنْهُ السِّتَّة إِلَّا التِّرْمِذِيّ بِوَاسِطَةٍ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ فَأَخْرَجَ عَنْهُ الْكَثِير بِغَيْرِ وَاسِطَة وَأَخْرَجَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ أَيْضًا. وَأَدْرَكَهُ الْبُخَارِيّ وَلَكِنْ لَمْ أَرَ لَهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْكِتَاب شَيْئًا بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَأَخْرَجَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ إِلَّا الْمَوْضِع الْمُتَقَدِّم فِي الْمُزَارَعَة فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ \" قَالَ الرَّبِيع بْن نَافِع \" وَلَمْ يَقُلْ \" حَدَّثَنَا \" فَمَا أَدْرِي لَقِيَهُ أَوْ لَمْ يَلْقَهُ , وَلَيْسَ لَهُ عِنْده إِلَّا هَذَانِ الْمَوْضِعَانِ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَّامٍ بِتَشْدِيدِ اللَّام وَشَيْخه يَحْيَى وَمَنْ فَوْقه ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا حَرَّمَ اِمْرَأَته لَيْسَ بِشَيْءٍ ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ وَلِلْأَكْثَرِ \" لَيْسَتْ \" أَيْ الْكَلِمَة وَهِيَ قَوْله أَنْتِ عَلَيَّ حَرَام أَوْ مُحَرَّمَة أَوْ نَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبَّاس مُسْتَدِلًّا عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) يُشِير بِذَلِكَ إِلَى قِصَّة التَّحْرِيم , وَقَدْ وَقَعَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي تَفْسِير سُورَة التَّحْرِيم , وَذَكَرْت فِي \" بَاب مَوْعِظَة الرَّجُل اِبْنَته \" فِي كِتَاب النِّكَاح فِي شَرْح الْحَدِيث الْمُطَوَّل فِي ذَلِكَ مِنْ رِوَايَة اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر بَيَان الِاخْتِلَاف هَلْ الْمُرَاد تَحْرِيم الْعَسَل أَوْ تَحْرِيم مَارِيَة وَأَنَّهُ قِيلَ فِي السَّبَب غَيْر ذَلِكَ , وَاسْتَوْعَبْت مَا يَتَعَلَّق بِوَجْهِ الْجَمْع بَيْن تِلْكَ الْأَقْوَال بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ لَهُ أَمَة يَطَؤُهَا , فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَفْصَة وَعَائِشَة حَتَّى حَرَّمَهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة : يَا أَيّهَا النَّبِيّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك \" وَهَذَا أَصَحّ طُرُق هَذَا السَّبَب , وَلَهُ شَاهِد مُرْسَل أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ التَّابِعِيّ الشَّهِير قَالَ \" أَصَابَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمّ إِبْرَاهِيم وَلَده فِي بَيْت بَعْض نِسَائِهِ , فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه فِي بَيْتِي وَعَلَى فِرَاشِي , فَجَعَلَهَا عَلَيْهِ حَرَامًا , فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه كَيْفَ تُحَرِّم عَلَيْك الْحَلَال ! فَحَلَفَ لَهَا بِاَللَّهِ لَا يُصِيبهَا , فَنَزَلَتْ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك \" قَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ : فَقَوْل الرَّجُل لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَام لَغْو , وَإِنَّمَا تَلْزَمهُ كَفَّارَة يَمِين إِنْ حَلَفَ. وَقَوْله \" لَيْسَ بِشَيْءٍ \" يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالنَّفْيِ التَّطْلِيق , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِهِ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ وَالْأَوَّل أَقْرَب , وَيُؤَيِّدهُ مَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق هِشَام الدَّسْتُوَائِيّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير بِهَذَا الْإِسْنَاد مَوْضِعهَا \" فِي الْحَرَام يُكَفِّر \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْمُبَارَك الصُّورِيّ عَنْ مُعَاوِيَة بْن سَلَام بِإِسْنَادِ حَدِيث الْبَاب بِلَفْظِ \" إِذَا حَرَّمَ الرَّجُل اِمْرَأَته فَإِنَّمَا هِيَ يَمِين يُكَفِّرهَا \" فَعُرِفَ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" لَيْسَ بِشَيْءٍ \" أَيْ لَيْسَ بِطَلَاقٍ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق سَالِم الْأَفْطَس عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ فَقَالَ : إِنِّي جَعَلْت اِمْرَأَتِي عَلَيَّ حَرَامًا , قَالَ : كَذَبْت مَا هِيَ بِحَرَامٍ , ثُمَّ تَلَا ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك ) ثُمَّ قَالَ لَهُ \" عَلَيْك رَقَبَةٌ \" , ا ه وَكَأَنَّهُ أَشَارَ عَلَيْهِ بِالرَّقَبَةِ لِأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّهُ مُوسِر , فَأَرَادَ أَنْ يُكَفِّر بِالْأَغْلَظِ مِنْ كَفَّارَة الْيَمِين لَا أَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ عِتْقُ الرَّقَبَة , وَيَدُلّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ مِنْ التَّصْرِيح بِكَفَّارَةِ الْيَمِين. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة شُرْب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَسَل عِنْد بَعْض نِسَائِهِ فَأَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا مِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن عُمَيْر عَنْ عَائِشَة وَفِيهِ أَنَّ شُرْب الْعَسَل كَانَ عِنْد زَيْنَب بِنْت جَحْش , وَالثَّانِي مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة وَفِيهِ أَنَّ شُرْب الْعَسَل كَانَ عِنْد حَفْصَة بِنْت عُمَر , فَهَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَأَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ شُرْب الْعَسَل كَانَ عِنْد سَوْدَة , وَأَنَّ عَائِشَة وَحَفْصَة هُمَا اللَّتَانِ تَوَاطَأَتَا عَلَى وَفْق مَا فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن عُمَيْر وَإِنْ اِخْتَلَفَا فِي صَاحِبَة الْعَسَل. وَطَرِيق الْجَمْع بَيْن هَذَا الِاخْتِلَاف الْحَمْل عَلَى التَّعَدُّد فَلَا يَمْتَنِع تَعَدُّد السَّبَب لِلْأَمْرِ الْوَاحِد , فَإِنْ جُنِحَ إِلَى التَّرْجِيح فَرِوَايَةُ عُبَيْد بْن عُمَيْر أَثْبَتُ لِمُوَافَقَةِ اِبْن عَبَّاس لَهَا عَلَى أَنَّ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ حَفْصَة وَعَائِشَة عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير وَفِي الطَّلَاق مِنْ جَزْم عُمَر بِذَلِكَ , فَلَوْ كَانَتْ حَفْصَة صَاحِبَة الْعَسَل لَمْ تُقْرَن فِي التَّظَاهُر بِعَائِشَة , لَكِنْ يُمْكِنُ تَعَدُّد الْقِصَّة فِي شُرْب الْعَسَل وَتَحْرِيمه وَاخْتِصَاص النُّزُول بِالْقِصَّةِ الَّتِي فِيهَا أَنَّ عَائِشَة وَحَفْصَة هُمَا الْمُتَظَاهِرَتَانِ , وَيُمْكِن أَنْ تَكُون الْقِصَّة الَّتِي وَقَعَ فِيهَا شُرْب الْعَسَل عِنْد حَفْصَة كَانَتْ سَابِقَة. وَيُؤَيِّد هَذَا الْحَمْل أَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة الَّتِي فِيهَا أَنَّ شُرْب الْعَسَل كَانَ عِنْد حَفْصَة تَعَرُّض لِلْآيَةِ وَلَا لِذِكْرِ سَبَب النُّزُول , وَالرَّاجِح أَيْضًا أَنَّ صَاحِبَة الْعَسَل زَيْنَب لَا سَوْدَة لِأَنَّ طَرِيق عُبَيْد بْن عُمَيْر أَثْبَت مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَة بِكَثِيرٍ , وَلَا جَائِز أَنْ تَتَّحِد بِطَرِيقِ هِشَام بْن عُرْوَة لِأَنَّ فِيهَا أَنَّ سَوْدَة كَانَتْ مِمَّنْ وَافَقَ عَائِشَة عَلَى قَوْلهَا \" أَجِد رِيح مَغَافِير \" وَيُرَجِّحهُ أَيْضًا مَا مَضَى فِي كِتَاب الْهِبَة عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ حِزْبَيْنِ : أَنَا وَسَوْدَة وَحَفْصَة وَصَفِيَّة فِي حِزْب , وَزَيْنَب بِنْت جَحْش وَأُمّ سَلَمَة وَالْبَاقِيَات فِي حِزْب \" فَهَذَا يُرَجِّح أَنَّ زَيْنَب هِيَ صَاحِبَة الْعَسَل وَلِهَذَا غَارَتْ عَائِشَة مِنْهَا لِكَوْنِهَا مِنْ غَيْر حِزْبهَا وَاللَّهُ أَعْلَم , وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَزْم الدَّاوُدِيّ بِأَنَّ تَسْمِيَة الَّتِي شَرِبَتْ الْعَسَل حَفْصَة غَلَط وَإِنَّمَا هِيَ صَفِيَّة بِنْت حُيَيٍّ أَوْ زَيْنَب بِنْت جَحْش , وَمِمَّنْ جَنَحَ إِلَى التَّرْجِيح عِيَاض , وَمِنْهُ تَلَقَّفَ الْقُرْطُبِيّ , وَكَذَا نَقَلَهُ النَّوَوِيّ عَنْ عِيَاض وَأَقَرَّهُ فَقَالَ عِيَاض : رِوَايَة عُبَيْد بْن عُمَيْر أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهَا ظَاهِر كِتَاب اللَّه , لِأَنَّ فِيهِ ( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ) فَهُمَا ثِنْتَانِ لَا أَكْثَر , وَلِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر , قَالَ فَكَأَنَّ الْأَسْمَاء اِنْقَلَبَتْ عَلَى رَاوِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى , وَتَعَقَّبَ الْكَرْمَانِيُّ مَقَالَة عِيَاض فَأَجَادَ فَقَالَ : مَتَى جَوَّزْنَا هَذَا اِرْتَفَعَ الْوُثُوق بِأَكْثَر الرِّوَايَات. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا أَنَّ الْمُتَظَاهِرَات عَائِشَة وَسَوْدَة وَصَفِيَّة لَيْسَتْ بِصَحِيحَةِ لِأَنَّهَا مُخَالَفَة لِلتِّلَاوَةِ لِمَجِيئِهَا بِلَفْظِ خِطَاب الِاثْنَيْنِ وَلَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَجَاءَتْ بِخِطَابِ جَمَاعَة الْمُؤَنَّث. ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْأَصِيلِيّ وَغَيْره أَنَّ رِوَايَة عُبَيْد بْن عُمَيْر أَصَحّ وَأَوْلَى , وَمَا الْمَانِع أَنْ تَكُون قِصَّة حَفْصَة سَابِقَة , فَلَمَّا قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ تَرَكَ الشُّرْب مِنْ غَيْر تَصْرِيح بِتَحْرِيمٍ وَلَمْ يَنْزِل فِي ذَلِكَ شَيْء , ثُمَّ لَمَّا شَرِبَ فِي بَيْت زَيْنَب تَظَاهَرَتْ عَائِشَة وَحَفْصَة عَلَى ذَلِكَ الْقَوْل فَحَرَّمَ حِينَئِذٍ الْعَسَل فَنَزَلَتْ الْآيَة. قَالَ : وَأَمَّا ذِكْر سَوْدَة مَعَ الْجَزْم بِالتَّثْنِيَةِ فِيمَنْ تَظَاهَرَ مِنْهُنَّ فَبِاعْتِبَارِ أَنَّهَا كَانَتْ كَالتَّابِعَةِ لِعَائِشَة وَلِهَذَا وَهَبَتْ يَوْمهَا لَهَا , فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل الْهِبَة فَلَا اِعْتِرَاض بِدُخُولِهِ عَلَيْهَا , وَإِنْ كَانَ بَعْده فَلَا يَمْتَنِع هِبَتهَا يَوْمهَا لِعَائِشَة أَنْ يَتَرَدَّد إِلَى سَوْدَة. قُلْت : لَا حَاجَة إِلَى الِاعْتِذَار عَنْ ذَلِكَ , فَإِنَّ ذِكْر سَوْدَة إِنَّمَا جَاءَ فِي قِصَّة شُرْب الْعَسَل عِنْد حَفْصَة وَلَا تَثْنِيَة فِيهِ وَلَا نُزُول عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْجَمْع الَّذِي ذَكَرَهُ , وَأَمَّا قِصَّة الْعَسَل عِنْد زَيْنَب بِنْت جَحْش فَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّ عَائِشَة قَالَتْ \" تَوَاطَأْت أَنَا وَحَفْصَة \" فَهُوَ مُطَابِق لِمَا جَزَمَ بِهِ عُمَر مِنْ أَنَّ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ عَائِشَة وَحَفْصَة وَمُوَافِق لِظَاهِرِ الْآيَة وَاللَّهُ أَعْلَم. وَوَجَدَتْ لِقِصَّةِ شُرْب الْعَسَل عِنْد حَفْصَة شَاهِدًا فِي تَفْسِير اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن رُومَان عَنْ اِبْن عَبَّاس وَرُوَاته لَا بَأْس بِهِمْ , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى غَالِب أَلْفَاظه , وَوَقَعَ فِي تَفْسِير السُّدِّيّ أَنَّ شُرْب الْعَسَل كَانَ عِنْد أُمّ سَلَمَة أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْره وَهُوَ مَرْجُوح لِإِرْسَالِهِ وَشُذُوذه , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4862",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَبَّاحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ زَعَمَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا فَتَوَاصَيْتُ أَنَا ‏ ‏وَحَفْصَةُ ‏ ‏أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلْتَقُلْ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ ‏ ‏مَغَافِيرَ ‏ ‏أَكَلْتَ ‏ ‏مَغَافِيرَ ‏ ‏فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ ‏ ‏لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏وَلَنْ أَعُودَ لَهُ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ ‏} ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏وَحَفْصَةَ ‏ { ‏وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ ‏} ‏لِقَوْلِهِ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد الْمِصِّيصِيّ. ‏ ‏قَوْله ( زَعَمَ عَطَاء ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاح , وَأَهْل الْحِجَاز يُطْلِقُونَ الزَّعْمَ عَلَى مُطْلَقِ الْقَوْلِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام بْنِ يُوسُف عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء وَقَدْ مَضَى فِي التَّفْسِير. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْكُث عِنْد زَيْنَب بِنْت جَحْش وَيَشْرَب عِنْدهَا عَسَلًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِشَام \" يَشْرَب عَسَلًا عِنْد زَيْنَب ثُمَّ يَمْكُث عِنْدهَا \" وَلَا مُغَايَرَة بَيْنهمَا لِأَنَّ الْوَاو لَا تُرَتِّبُ. ‏ ‏قَوْله ( فَتَوَاصَيْت ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِالصَّادِ مِنْ الْمُوَاصَاةِ , وَفِي رِوَايَة هِشَام \" فَتَوَاطَيْتُ \" بِالطَّاءِ مِنْ الْمُوَاطَأَة , وَأَصْله تَوَاطَأْت بِالْهَمْزَةِ فَسُهِّلَتْ الْهَمْزَة فَصَارَتْ يَاء , وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ أَيَّتُنَا دَخَلَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ حَجَّاج بْن مُحَمَّد \" أَنَّ أَيَّتُنَا مَا دَخَلَ \" بِزِيَادَةِ مَا وَهِيَ زَائِدَةٌ. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي لِأَجِد رِيح مَغَافِير , أَكَلْت مَغَافِير ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِشَام بِتَقْدِيمِ أَكَلْت مَغَافِير وَتَأْخِير إِنِّي أَجِد. وَأَكَلْت اِسْتِفْهَام مَحْذُوف الْأَدَاة , وَالْمَغَافِير بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء وَبِإِثْبَاتِ التَّحْتَانِيَّة بَعْد الْفَاء فِي جَمِيع نُسَخ الْبُخَارِيّ , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ عَنْ مُسْلِم فِي بَعْض الْمَوَاضِع مِنْ الْحَدِيث بِحَذْفِهَا , قَالَ عِيَاض وَالصَّوَاب إِثْبَاتهَا لِأَنَّهَا عِوَضٌ مِنْ الْوَاو الَّتِي فِي الْمُفْرَد وَإِنَّمَا حُذِفَتْ فِي ضَرُورَة الشِّعْر ا ه , وَمُرَاده أَنَّ الْمَغَافِير جَمْع مَغْفُور بِضَمِّ أَوَّله وَيُقَال بِثَاءٍ مُثَلَّثَة بَدَل الْفَاء حَكَاهُ أَبُو حَنِيفَة الدِّينَوَرِيّ فِي النَّبَات , قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : لَيْسَ فِي الْكَلَام مَفْعُول بِضَمِّ أَوَّله إِلَّا مُغْفُور وَمُغْزُول بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة مِنْ أَسْمَاء الْكَمْأَة وَمُنْخُور بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة مِنْ أَسْمَاء الْأَنْف وَمُغْلُوق بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَاحِد الْمَغَالِيق , قَالَ : وَالْمُغْفُور صَمْغ حُلْوٌ لَهُ رَائِحَة كَرِيهَة , وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ أَنَّ الْمُغْفُور شَبِيه بِالصَّمْغِ يَكُون فِي الرِّمْث بِكَسْرِ الرَّاء وَسُكُون الْمِيم بَعْدهَا مُثَلَّثَة وَهُوَ مِنْ الشَّجَر الَّتِي تَرْعَاهَا الْإِبِل وَهُوَ مِنْ الْحَمْض , وَفِي الصَّمْغ الْمَذْكُور حَلَاوَة , يُقَال أَغَفَرَ الرِّمْث إِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ فِيهِ. وَذَكَرَ أَبُو زَيْد الْأَنْصَارِيّ أَنَّ الْمُغْفُور يَكُون أَيْضًا فِي الْعُشَر بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْمُعْجَمَة , وَفِي الثُّمَام وَالسِّلْم وَالطَّلْح. وَاخْتُلِفَ فِي مِيم مُغْفُور فَقِيلَ زَائِدَة وَهُوَ قَوْل الْفَرَّاء وَعِنْد الْجُمْهُور أَنَّهَا مِنْ أَصْل الْكَلِمَة , وَيُقَال لَهُ أَيْضًا مِغْفَار بِكَسْرِ أَوَّله وَمُغْفَر بِضَمِّ أَوَّله وَبِفَتْحِهِ وَبِكَسْرِهِ عَنْ الْكِسَائِيّ وَالْفَاء مَفْتُوحَة فِي الْجَمِيع , وَقَالَ عِيَاض : زَعَمَ الْمُهَلَّب أَنَّ رَائِحَة الْمَغَافِير وَالْعُرْفُط حَسَنَة وَهُوَ خِلَاف مَا يَقْتَضِيه الْحَدِيث وَخِلَاف مَا قَالَهُ أَهْل اللُّغَة ا ه , وَلَعَلَّ الْمُهَلَّب قَالَ \" خَبِيثَة \" بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة ثُمَّ مُثَلَّثَة فَتَصَحَّفَتْ أَوْ اِسْتَنَدَ إِلَى مَا نُقِلَ عَنْ الْخَلِيل وَقَدْ نَسَبَهُ اِبْن بَطَّالٍ إِلَى الْعَيْن أَنَّ الْعُرْفُط شَجَر الْعِضَاه وَالْعِضَاه كُلّ شَجَر لَهُ شَوْك وَإِذَا اِسْتَيْك بِهِ كَانَتْ لَهُ رَائِحَة حَسَنَة تُشْبِه رَائِحَة طَيِّبِ النَّبِيذ ا ه , وَعَلَى هَذَا فَيَكُون رِيح عِيدَانِ الْعُرْفُط طَيِّبًا وَرِيح الصَّمْغ الَّذِي يَسِيل مِنْهُ غَيْر طَيِّبَة وَلَا مُنَافَاة فِي ذَلِكَ وَلَا تَصْحِيف , وَقَدْ حَكَى الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" أَنَّ رَائِحَة وَرَق الْعُرْفُط طَيِّبَة فَإِذَا رَعَتْهُ الْإِبِل خَبُثَتْ رَائِحَته , وَهَذَا طَرِيق آخَر فِي الْجَمْع حَسَن جِدًّا. ‏ ‏قَوْله ( فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهَا , وَأَظُنّهَا حَفْصَة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَا بَأْس شَرِبْت عَسَلًا ) كَذَا وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ شُيُوخه , وَوَقَعَ لِلْبَاقِينَ \" لَا بَلْ شَرِبْت عَسَلًا \" وَكَذَا وَقَعَ فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور لِلْجَمِيعِ حَيْثُ سَاقَهُ الْمُصَنِّف مِنْ هَذَا الْوَجْه إِسْنَادًا وَمَتْنًا , كَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ حَجَّاج وَمُسْلِم وَأَصْحَاب السُّنَن وَالْمُسْتَخْرَجَات مِنْ طَرِيق حَجَّاج , فَظَهَرَ أَنَّ لَفْظَة \" بَأْس \" هُنَا مُغَيَّرَة مِنْ لَفْظه \" بَلْ \" وَفِي رِوَايَة هِشَام \" فَقَالَ لَا وَلَكِنِّي كُنْت أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْد زَيْنَب بِنْت جَحْش \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَنْ أَعُود لَهُ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة هِشَام \" وَقَدْ حَلَفْت لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا \" وَبِهَذِهِ الزِّيَادَة تُظْهِرُ مُنَاسَبَةَ قَوْله فِي رِوَايَة حَجَّاج بْن مُحَمَّد فَنَزَلَتْ \" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك \" قَالَ عِيَاض حُذِفَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ رِوَايَة حَجَّاج بْن مُحَمَّد فَصَارَ النَّظْم مُشْكِلًا , فَزَالَ الْإِشْكَال بِرِوَايَةِ هِشَام بْن يُوسُف. وَاسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره بِقَوْلِهِ \" حَلَفْت \" عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَة الَّتِي أُشِير إِلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى ( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ) هِيَ عَنْ الْيَمِين الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ \" حَلَفْت \" فَتَكُون الْكَفَّارَة لِأَجْلِ الْيَمِين لَا لِمُجَرَّدِ التَّحْرِيم , وَهُوَ اِسْتِدْلَال قَوِيّ لِمَنْ يَقُول إِنَّ التَّحْرِيم لَغْو لَا كَفَّارَة فِيهِ بِمُجَرَّدِهِ , وَحَمَلَ بَعْضهمْ قَوْله \" حَلَفْت \" عَلَى التَّحْرِيم وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ‏ ‏قَوْله ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ ) ‏ ‏أَيْ تَلَا مِنْ أَوَّل السُّورَة إِلَى هَذَا الْمَوْضِع ( فَقَالَ لِعَائِشَة وَحَفْصَة ) أَيْ الْخِطَاب لَهُمَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" فَنَزَلَتْ \" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك - إِلَى قَوْله - إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ \" وَهَذَا أَوْضَحُ مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا , لِقَوْلِهِ بَلْ شَرِبْت عَسَلًا ) ‏ ‏هَذَا الْقَدْر بَقِيَّة الْحَدِيث , كُنْت أَظُنّهُ مِنْ تَرْجَمَة الْبُخَارِيّ عَلَى ظَاهِر مَا سَأَذْكُرُهُ عَنْ رِوَايَة النَّسَفِيّ حَتَّى وَجَدْته مَذْكُورًا فِي آخِر الْحَدِيث عِنْد مُسْلِم وَكَأَنَّ الْمَعْنَى : وَأَمَّا الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ) فَهُوَ لِأَجْلِ قَوْله \" بَلْ شَرِبْت عَسَلًا \" , وَالنُّكْتَة فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة دَاخِلَة فِي الْآيَات الْمَاضِيَة لِأَنَّهَا قَبْل قَوْله ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ ) وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَات عَنْ الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا إِلَّا النَّسَفِيّ فَوَقَعَ عِنْده بَعْد قَوْله \" فَنَزَلَتْ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك \" مَا صُورَته : قَوْله تَعَالَى ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ ) لِعَائِشَة وَحَفْصَة ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ) لِقَوْلِهِ \" بَلْ شَرِبْت عَسَلًا \" فَجَعَلَ بَقِيَّة الْحَدِيث تَرْجَمَة لِلْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيه , وَالصَّوَاب مَا وَقَعَ عِنْد الْجَمَاعَة لِمُوَافَقَةِ مُسْلِم وَغَيْره عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَقِيَّة حَدِيث اِبْن عُمَيْر. ‏"
    },
    {
        "id": "4863",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحِبُّ الْعَسَلَ وَالْحَلْوَاءَ وَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ فَدَخَلَ عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ‏ ‏فَاحْتَبَسَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَحْتَبِسُ فَغِرْتُ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لِي أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ فَسَقَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْهُ شَرْبَةً فَقُلْتُ أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ فَقُلْتُ ‏ ‏لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ‏ ‏إِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ فَإِذَا دَنَا مِنْكِ فَقُولِي أَكَلْتَ ‏ ‏مَغَافِيرَ ‏ ‏فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ لَا فَقُولِي لَهُ مَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ سَقَتْنِي ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏شَرْبَةَ عَسَلٍ فَقُولِي لَهُ جَرَسَتْ نَحْلُهُ ‏ ‏الْعُرْفُطَ ‏ ‏وَسَأَقُولُ ذَلِكِ وَقُولِي أَنْتِ يَا ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏ذَاكِ قَالَتْ تَقُولُ ‏ ‏سَوْدَةُ ‏ ‏فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَأَرَدْتُ أَنْ أُبَادِيَهُ بِمَا أَمَرْتِنِي بِهِ فَرَقًا مِنْكِ فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا قَالَتْ لَهُ ‏ ‏سَوْدَةُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلْتَ ‏ ‏مَغَافِيرَ ‏ ‏قَالَ لَا قَالَتْ فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ قَالَ ‏ ‏سَقَتْنِي ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏شَرْبَةَ عَسَلٍ فَقَالَتْ جَرَسَتْ نَحْلُهُ ‏ ‏الْعُرْفُطَ ‏ ‏فَلَمَّا دَارَ إِلَيَّ قُلْتُ لَهُ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَمَّا دَارَ إِلَى ‏ ‏صَفِيَّةَ ‏ ‏قَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمَّا دَارَ إِلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَسْقِيكَ مِنْهُ قَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ قَالَتْ تَقُولُ ‏ ‏سَوْدَةُ ‏ ‏وَاللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ قُلْتُ لَهَا اسْكُتِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبّ الْعَسَل وَالْحَلْوَى ) ‏ ‏قَدْ أَفْرَدَ هَذَا الْقَدْر مِنْ هَذَا الْحَدِيث كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَة وَفِي الْأَشْرِبَة وَفِي غَيْرهمَا مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , وَهُوَ عِنْده بِتَقْدِيمِ الْحَلْوَى عَلَى الْعَسَل , وَلِتَقْدِيمِ كُلّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَر جِهَة مِنْ جِهَات التَّقْدِيم , فَتَقْدِيم الْعَسَل لِشَرَفِهِ وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ مِنْ أُصُول الْحَلْوَى وَلِأَنَّهُ مُفْرَد وَالْحَلْوَى مُرَكَّبَة , وَتَقْدِيم الْحَلْوَى لِشُمُولِهَا وَتَنَوُّعهَا لِأَنَّهَا تُتَّخَذُ مِنْ الْعَسَل وَمِنْ غَيْره , وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ عَطْف الْعَامّ عَلَى الْخَاصّ كَمَا زَعَمَ بَعْضهمْ وَإِنَّمَا الْعَامّ الَّذِي يَدْخُل الْجَمِيع فِيهِ , الْحُلْو بِضَمِّ أَوَّله وَلَيْسَ بَعْد الْوَاو شَيْء , وَوَقَعَتْ الْحَلْوَاء فِي أَكْثَر الرِّوَايَات عَنْ أَبِي أُسَامَة بِالْمَدِّ وَفِي بَعْضهَا بِالْقَصْرِ وَهِيَ رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر , وَذَكَرَتْ عَائِشَة هَذَا الْقَدْر فِي أَوَّل الْحَدِيث تَمْهِيدًا لِمَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ قِصَّة الْعَسَل , وَسَأَذْكُرُ مَا يَتَعَلَّق بِالْحَلْوَى وَالْعَسَل مَبْسُوطًا فِي كِتَاب الْأَطْعِمَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ إِذَا اِنْصَرَفَ مِنْ الْعَصْر ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَخَالَفَهُمْ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة فَقَالَ \" الْفَجْر \" أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْن حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيره عَنْ أَبِي النُّعْمَان عَنْ حَمَّاد , وَيُسَاعِدهُ رِوَايَة يَزِيد بْن رُومَان عَنْ اِبْن عَبَّاس فَفِيهَا \" وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الصُّبْح جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ وَجَلَسَ النَّاس حَوْله حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس , ثُمَّ يَدْخُل عَلَى نِسَائِهِ اِمْرَأَة اِمْرَأَة يُسَلِّم عَلَيْهِنَّ وَيَدْعُو لَهُنَّ , فَإِذَا كَانَ يَوْم إِحْدَاهُنَّ كَانَ عِنْدهَا \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الَّذِي كَانَ يَقَع فِي أَوَّل النَّهَار سَلَامًا وَدُعَاء مَحْضًا , وَاَلَّذِي فِي آخِره مَعَهُ جُلُوس وَاسْتِئْنَاس وَمُحَادَثَة , لَكِنَّ الْمَحْفُوظ فِي حَدِيث عَائِشَة ذِكْر الْعَصْر وَرِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة شَاذَّةٌ. ‏ ‏قَوْله ( دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة أَجَازَ إِلَى نِسَائِهِ أَيْ مَشَى , وَيَجِيء بِمَعْنَى قَطَعَ الْمَسَافَة وَمِنْهُ فَأَكُون أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّل مَنْ يُجِيز أَيْ أَوَّل مَنْ يَقْطَع مَسَافَة الصِّرَاط. ‏ ‏قَوْله ( فَيَدْنُو مِنْهُنَّ ) ‏ ‏أَيْ فَيُقَبِّلُ وَيُبَاشِر مِنْ غَيْر جِمَاع كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى. ‏ ‏قَوْله ( فَاحْتَبَسَ ) ‏ ‏أَيْ أَقَامَ , زَادَ أَبُو أُسَامَة \" عِنْدَهَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَسَأَلْت عَنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس بَيَان ذَلِكَ وَلَفْظه \" فَأَنْكَرَتْ عَائِشَة اِحْتِبَاسه عِنْد حَفْصَة فَقَالَتْ جُوَيْرِيَةُ لِحَبَشِيَّةٍ عَنْدهَا يُقَال لَهَا خَضْرَاء : إِذَا دَخَلَ عَلَى حَفْصَة فَادْخُلِي عَلَيْهَا فَانْظُرِي مَا يَصْنَع \". ‏ ‏قَوْله ( أَهْدَتْ لَهَا اِمْرَأَة مِنْ قَوْمهَا عُكَّة عَسَل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذِهِ الْمَرْأَة وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّهَا أُهْدِيَتْ لِحَفْصَةَ عُكَّة فِيهَا عَسَل مِنْ الطَّائِف \". ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت لِسَوْدَةَ بِنْت زَمْعَةَ إِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" فَذَكَرْت ذَلِكَ لِسَوْدَةَ وَقُلْت لَهَا : إِنَّهُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْك سَيَدْنُو مِنْك \" وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة \" إِذَا دَخَلَ عَلَى إِحْدَاكُنَّ فَلْتَأْخُذْ بِأَنْفِهَا , فَإِذَا قَالَ : مَا شَأْنك ؟ فَقُولِي : رِيح الْمَغَافِير \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْمَغَافِير قَبْلُ. ‏ ‏قَوْله ( سَقَتْنِي حَفْصَة شَرْبَة عَسَل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة \" إِنَّمَا هِيَ عُسَيْلَة سَقَتْنِيهَا حَفْصَةُ \". ‏ ‏قَوْله ( جَرَسَتْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَالرَّاء بَعْدهَا مُهْمَلَة أَيْ رَعَتْ نَحْلُ هَذَا الْعَسَل الَّذِي شَرِبْته الشَّجَرَ الْمَعْرُوفَ بِالْعُرْفُطِ , وَأَصْل الْجَرْس الصَّوْتُ الْخَفِيُّ , وَمِنْهُ فِي حَدِيث صِفَة الْجَنَّة \" يَسْمَع جَرْس الطَّيْر \" وَلَا يُقَال جَرَسَ بِمَعْنَى رَعَى إِلَّا لِلنَّحْلِ , وَقَالَ الْخَلِيل جَرَسَتْ النَّحْلُ الْعَسَل تَجْرُسُهُ جَرْسًا إِذَا لَحِسَتْهُ , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة \" جَرَسَتْ نَحْلهَا الْعُرْفُط إِذًا \" وَالضَّمِير لِلْعُسَيْلَةِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَته. ‏ ‏قَوْله ( الْعُرْفُط ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَالْفَاء بَيْنهمَا رَاء سَاكِنَة وَآخِره طَاء مُهْمَلَة هُوَ الشَّجَر الَّذِي صَمْغه الْمَغَافِير , قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : هُوَ نَبَات مُرٌّ لَهُ وَرَقَة عَرِيضَة تُفْرَشُ بِالْأَرْضِ وَلَهُ شَوْكَة وَثَمَرَة بَيْضَاء كَالْقُطْنِ مِثْل زِرّ الْقَمِيص , وَهُوَ خَبِيث الرَّائِحَة. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حِكَايَة عِيَاض عَنْ الْمُهَلَّب مَا يَتَعَلَّق بِرَائِحَةِ الْعُرْفُط وَالْبَحْث مَعَهُ فِيهِ قَبْلُ. ‏ ‏قَوْله ( وَقُولِي أَنْتِ يَا صَفِيَّة ) ‏ ‏أَيْ بِنْت حُيَيٍّ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , وَفِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" وَقُولِيهِ أَنْتِ يَا صَفِيَّة \" أَيْ قُولِي , الْكَلَام الَّذِي عَلَّمْتِهِ لِسَوْدَةَ , زَادَ أَبُو أُسَامَة فِي رِوَايَته \" وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْتَدّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَد مِنْهُ الرِّيح \" أَيْ الْغَيْر الطَّيِّب , وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن رُومَان عَنْ اِبْن عَبَّاس \" وَكَانَ أَشَدّ شَيْء عَلَيْهِ أَنْ يُوجَد مِنْهُ رِيحٌ سَيِّئٌ \" وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة \" وَكَانَ يَكْرَه أَنْ يُوجَد مِنْهُ رِيح كَرِيهَة لِأَنَّهُ يَأْتِيه الْمَلَك \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يُوجَد مِنْهُ الرِّيح الطَّيِّب \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَتْ تَقُول سَوْدَة : فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَامَ عَلَى الْبَاب فَأَرَدْت أَنْ أُبَادِئَهُ بِاَلَّذِي أَمَرَتْنِي بِهِ فَرَقًا مِنْك ) ‏ ‏أَيْ خَوْفًا , وَفِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَة قَالَتْ تَقُول سَوْدَة : وَاَللَّه لَقَدْ كِدْت أَنْ أُبَادِرهُ بِاَلَّذِي قُلْت لِي \" وَضُبِطَ \" أُبَادِئهُ \" فِي أَكْثَر الرِّوَايَات بِالْمُوَحَّدَةِ مِنْ الْمُبَادَأَة وَهِيَ بِالْهَمْزَةِ , وَفِي بَعْضهَا بِالنُّونِ بِغَيْرِ هَمْزَة مِنْ الْمُنَادَاة , وَأَمَّا أُبَادِرهُ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة فَمِنْ الْمُبَادَرَة , وَوَقَعَ فِيهَا عِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ وَالْأَصِيلِيّ وَأَبِي الْوَقْت كَالْأَوَّلِ بِالْهَمْزَةِ بَدَل الرَّاء , وَفِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر بِالنُّونِ. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا دَارَ إِلَيَّ قُلْت نَحْوَ ذَلِكَ , فَلَمَّا دَارَ إِلَى صَفِيَّة قَالَتْ لَهُ مِثْل ذَلِكَ ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِلَفْظِ \" نَحْوَ \" عِنْد إِسْنَاد الْقَوْل لِعَائِشَة وَبِلَفْظِ مِثْل عِنْد إِسْنَاده لِصَفِيَّة , وَلَعَلَّ السِّرّ فِيهِ أَنَّ عَائِشَة لَمَّا كَانَتْ الْمُبْتَكِرَة لِذَلِكَ عَبَّرَتْ عَنْهُ بِأَيِّ لَفْظ حَسَن بِبَالِهَا حِينَئِذٍ فَلِهَذَا قَالَتْ نَحْو وَلَمْ تَقُلْ مِثْل , وَأَمَّا صَفِيَّة فَإِنَّهَا مَأْمُورَة بِقَوْلِ شَيْء فَلَيْسَ لَهَا فِيهِ تَصَرُّف , إِذْ لَوْ تَصَرَّفَتْ فِيهِ لَخَشِيَتْ مِنْ غَضَب الْآمِرَة لَهَا , فَلِهَذَا عَبَّرَتْ عَنْهُ بِلَفْظِ مِثْل , هَذَا الَّذِي ظَهَرَ لِي فِي الْفَرْق أَوَّلًا , ثُمَّ رَاجَعْت سِيَاق أَبِي أُسَامَة فَوَجَدْته عَبَّرَ بِالْمِثْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ , فَغَلَبَ عَلَى الظَّنّ أَنَّ تَغْيِير ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا دَارَ إِلَى حَفْصَة ) ‏ ‏أَيْ فِي الْيَوْم الثَّانِي. ‏ ‏قَوْله ( لَا حَاجَة لِي فِيهِ ) ‏ ‏كَأَنَّهُ اِجْتَنَبَهُ لِمَا وَقَعَ عِنْده مِنْ تَوَارُد النِّسْوَة الثَّلَاث عَلَى أَنَّهُ نَشَأَتْ مِنْ شُرْبه لَهُ رِيح مُنْكَرَة فَتَرَكَهُ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ. ‏ ‏قَوْله ( تَقُول سَوْدَة ) ‏ ‏زَادَ اِبْن أَبِي أُسَامَة فِي رِوَايَته \" سُبْحَانَ اللَّهِ \". ‏ ‏قَوْله ( وَاَللَّه لَقَدْ حَرَمْنَاهُ ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ الرَّاء أَيْ مَنَعْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت لَهَا اُسْكُتِي ) ‏ ‏كَأَنَّهَا خَشِيَتْ أَنْ يَفْشُو ذَلِكَ فَيَظْهَر مَا دَبَّرَتْهُ مِنْ كَيَدِهَا لِحَفْصَةَ. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد مَا جُبِلَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ مِنْ الْغَيْرَة , وَأَنَّ الْغَيْرَاءَ تُعْذَر فِيمَا يَقَع مِنْهَا مِنْ الِاحْتِيَال فِيمَا يَدْفَعُ عَنْهَا تَرَفُّعَ ضَرَّتِهَا عَلَيْهَا بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ , وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب تَرْك الْحِيَل \" مَا يُكْرَه مِنْ اِحْتِيَال الْمَرْأَة مِنْ الزَّوْج وَالضَّرَائِر \" وَفِيهِ الْأَخْذ بِالْحَزْمِ فِي الْأُمُور وَتَرْك مَا يَشْتَبِهُ الْأَمْرُ فِيهِ مِنْ الْمُبَاح خَشْيَة مِنْ الْوُقُوع فِي الْمَحْذُور. وَفِيهِ مَا يَشْهَد بِعُلُوِّ مَرْتَبَة عَائِشَة عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَتْ ضَرَّتهَا تَهَابهَا وَتُطِيعهَا فِي كُلّ شَيْء تَأْمُرهَا بِهِ حَتَّى فِي مِثْل هَذَا الْأَمْر مَعَ الزَّوْج الَّذِي هُوَ أَرْفَع النَّاس قَدْرًا. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى وَرَع سَوْدَة لِمَا ظَهَرَ مِنْهَا مِنْ التَّنَدُّم عَلَى مَا فَعَلَتْ لِأَنَّهَا وَافَقَتْ أَوَّلًا عَلَى دَفْع تَرَفُّع حَفْصَة عَلَيْهِنَّ بِمَزِيدِ الْجُلُوس عِنْدهَا بِسَبَبِ الْعَسَل , وَرَأَتْ أَنَّ التَّوَصُّل إِلَى بُلُوغ الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ لِحَسْمِ مَادَّة شُرْب الْعَسَل الَّذِي هُوَ سَبَب الْإِقَامَة , لَكِنْ أَنْكَرَتْ بَعْد ذَلِكَ أَنَّهُ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَنْع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمْر كَانَ يَشْتَهِيه وَهُوَ شُرْب الْعَسَل مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ اِعْتِرَاف عَائِشَة الْآمِرَة لَهَا بِذَلِكَ فِي صَدْر الْحَدِيث , فَأَخَذَتْ سَوْدَة تَتَعَجَّب مِمَّا وَقَعَ مِنْهُنَّ فِي ذَلِكَ , وَلَمْ تَجْسُر عَلَى التَّصْرِيح بِالْإِنْكَارِ , وَلَا رَاجَعَتْ عَائِشَة بَعْد ذَلِكَ لَمَّا قَالَتْ لَهَا \" اُسْكُتِي \" بَلْ أَطَاعَتْهَا وَسَكَتَتْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اِعْتِذَارهَا فِي أَنَّهَا كَانَتْ تَهَابهَا وَإِنَّمَا كَانَتْ تَهَابهَا لِمَا تَعْلَم مِنْ مَزِيد حُبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا أَكْثَر مِنْهُنَّ , فَخَشِيَتْ إِذَا خَالَفَتْهَا أَنْ تُغْضِبهَا , وَإِذَا أَغْضَبَتْهَا لَا تَأْمَن أَنْ تُغَيِّر عَلَيْهَا خَاطِر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَحْتَمِل ذَلِكَ , فَهَذَا مَعْنَى خَوْفهَا مِنْهَا. وَفِيهِ أَنَّ عِمَادَ الْقَسْم اللَّيْلُ , وَأَنَّ النَّهَار يَجُوز الِاجْتِمَاع فِيهِ بِالْجَمِيعِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَقَع الْمُجَامَعَة إِلَّا مَعَ الَّتِي هُوَ فِي نَوْبَتهَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره. وَفِيهِ اِسْتِعْمَال الْكِنَايَات فِيمَا يُسْتَحَيَا مِنْ ذِكْره لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث \" فَيَدْنُو مِنْهُنَّ \" وَالْمُرَاد فَيُقَبِّلُ وَنَحْو ذَلِكَ , وَيُحَقِّقُ ذَلِكَ قَوْل عَائِشَة لِسَوْدَةَ \" إِذَا دَخَلَ عَلَيْك فَإِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْك , فَقُولِي لَهُ إِنِّي أَجِد كَذَا \" وَهَذَا إِنَّمَا يَتَحَقَّق بِقُرْبِ الْفَم مِنْ الْأَنْف , وَلَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ تَكُنْ الرَّائِحَة طَافِحَة , بَلْ الْمَقَام يَقْتَضِي أَنَّ الرَّائِحَة لَمْ تَكُنْ طَافِحَة لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ طَافِحَة لَكَانَتْ بِحَيْثُ يُدْرِكهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَأَنْكَرَ عَلَيْهَا عَدَمَ وُجُودهَا مِنْهُ , فَلَمَّا أَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ دَلَّ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّهَا لَوْ قُدِّرَ وُجُودهَا لَكَانَتْ خَفِيَّة وَإِذَا كَانَتْ خَفِيَّة لَمْ تُدْرَك بِمُجَرَّدِ الْمُجَالَسَة وَالْمُحَادَثَة مِنْ غَيْر قُرْب الْفَم مِنْ الْأَنْف , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4864",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏إِذَا طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم , ‏ ‏وَهِشَام ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ زُرَارَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ فِي أَوَائِل الْعِتْق , وَذَكَرْت فِيهِ بَعْض فَوَائِده , وَيَأْتِي بَقِيَّتهَا فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور , ‏ ‏وَقَوْله \" مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا \" ‏ ‏بِالْفَتْحِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَذَكَرَ الْمُطَرِّزِيّ عَنْ أَهْل اللُّغَة أَنَّهُمْ يَقُولُونَهُ بِالضَّمِّ يُرِيدُونَ بِغَيْرِ اِخْتِيَارهَا , وَقَدْ أَسْنَدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ قَالَ لَيْسَ عِنْد قَتَادَةَ حَدِيث أَحْسَن مِنْ هَذَا , وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة فِي أَنَّ الْمُوَسْوَسَ لَا يَقَع طَلَاقه وَالْمَعْتُوه وَالْمَجْنُون أَوْلَى مِنْهُ بِذَلِكَ , وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِهَذَا الْحَدِيث لِلْجُمْهُورِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِق وَنَوَى فِي نَفْسه ثَلَاثًا أَنَّهُ لَا يَقَع إِلَّا وَاحِدَة - خِلَافًا لِلشَّافِعَيَّ وَمَنْ وَافَقَهُ - قَالَ : لِأَنَّ الْخَبَر دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز وُقُوع الطَّلَاق بِنِيَّةٍ لَا لَفْظ مَعَهَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَفَظَ بِالطَّلَاقِ وَنَوَى الْفُرْقَة التَّامَّة فَهِيَ نِيَّة صَحِبَهَا لَفْظ ; وَاحْتُجَّ بِهِ أَيْضًا لِمَنْ قَالَ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا فُلَانَة وَنَوَى بِذَلِكَ طَلَاقهَا أَنَّهَا لَا تَطْلُق , خِلَافًا لِمَالِك وَغَيْره , لِأَنَّ الطَّلَاق لَا يَقَع بِالنِّيَّةِ دُون اللَّفْظ وَلَمْ يَأْتِ بِصِيغَةٍ لَا صَرِيحَة وَلَا كِنَايَة , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَتَبَ الطَّلَاق طَلُقَتْ اِمْرَأَته لِأَنَّهُ عَزَمَ بِقَلْبِهِ وَعَمَل بِكِتَابَتِهِ وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَشَرْط مَالِك فِيهِ الْإِشْهَاد عَلَى ذَلِكَ , وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : إِذَا طَلَّقَ نَفْسه طَلُقَتْ - وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ اِبْن سِيرِينَ وَالزُّهْرِيّ - وَعَنْ مَالِك رِوَايَة ذَكَرَهَا أَشْهَب عَنْهُ وَقَوَّاهَا اِبْن الْعَرَبِيّ , بِأَنَّ مَنْ اِعْتَقَدَ الْكُفْر بِقَلْبِهِ كَفَرَ وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى الْمَعْصِيَة أَثِمَ , وَكَذَلِكَ مَنْ رَاءَى بِعَمَلِهِ وَأُعْجِبَ , وَكَذَا مَنْ قَذَفَ مُسْلِمًا بِقَلْبِهِ , وَكُلّ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَال الْقَلْب دُون اللِّسَان. وَأُجِيب بِأَنَّ الْعَفْو عَنْ حَدِيث النَّفْس مِنْ فَضَائِل هَذِهِ الْأُمَّة , وَالْمُصِرّ عَلَى الْكُفْر لَيْسَ مِنْهُمْ , وَبِأَنَّ الْمُصِرّ عَلَى الْمَعْصِيَة الْآثِم مَنْ تَقَدَّمَ لَهُ عَمَل الْمَعْصِيَة لَا مَنْ لَمْ يَعْمَل مَعْصِيَة قَطُّ , وَأَمَّا الرِّيَاء وَالْعُجْب وَغَيْر ذَلِكَ فَكُلّه مُتَعَلِّق بِالْأَعْمَالِ. وَاحْتَجَّ الْخَطَّابِيُّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الظِّهَار لَا يَصِير مُظَاهِرًا قَالَ : وَكَذَلِكَ الطَّلَاق , وَكَذَا لَوْ حَدَّثَ نَفْسه بِالْقَذْفِ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا , وَلَوْ كَانَ حَدِيث النَّفْس يُؤَثِّر لَأَبْطَلَ الصَّلَاة , وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيث الصَّحِيح عَلَى أَنَّ تَرْك الْحَدِيث مَنْدُوب فَلَوْ وَقَعَ لَمْ تَبْطُل , وَتَقَدَّمَ الْبَحْث فِي الصَّلَاة فِي ذَلِكَ فِي قَوْل عُمَر \" إِنِّي لَأُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلَاة \" الْحَدِيث الثَّانِي حَدِيث جَابِر فِي قِصَّة الَّذِي أَقَرَّ بِالزِّنَا فَرُجِمَ , ذَكَرهَا مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ جَابِر , وَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحُدُود , وَالْمُرَاد مِنْهُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي التَّرْجَمَة مِنْ قَوْله \" هَلْ بِك جُنُون \" فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَجْنُونًا لَمْ يُعْمَل بِإِقْرَارِهِ , وَمَعْنَى الِاسْتِفْهَام هَلْ كَانَ بِك جُنُون أَوْ هَلْ تُجَنّ تَارَة وَتُفِيق تَارَة ؟ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ حِين الْمُخَاطَبَة مُفِيقًا. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون وَجَّهَ لَهُ الْخِطَاب وَالْمُرَاد اِسْتِفْهَام مَنْ حَضَرَ مِمَّنْ يَعْرِف حَاله , وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏الْحَدِيث الثَّالِث حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْقِصَّة الْمَذْكُورَة , أَوْرَدَهَا مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَسَيَأْتِي شَرْحُهَا أَيْضًا فِي الْحُدُود , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" أَنَّ الْآخِر قَدْ زَنَى \" بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة أَيْ الْمُتَأَخِّر عَنْ السَّعَادَة وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْأَرْذَل. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ قَتَادَةُ إِذَا طَلَّقَ فِي نَفْسه فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ) ‏ ‏وَصَلَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَن قَالَا : مَنْ طَلَّقَ سِرًّا فِي نَفْسه فَلَيْسَ طَلَاقه ذَلِكَ بِشَيْءٍ , وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور وَخَالَفَهُمْ اِبْن سِيرِينَ وَابْن شِهَاب فَقَالَا تَطْلُقُ , وَهِيَ رِوَايَة عَنْ مَالِك. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ هَذَا الْأَثَر عَنْ قَتَادَةَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ عَقِب حَدِيث قَتَادَةَ الْمَرْفُوع الْمَذْكُور هُنَا بَعْدُ , فَلَمَّا سَاقَهُ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَذَكَرَ الْحَدِيث الْمَرْفُوع قَالَ بَعْده \" قَالَ قَتَادَةُ \" فَذَكَرَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب ثَلَاثَة أَحَادِيث. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ‏"
    },
    {
        "id": "4865",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏أَسْلَمَ ‏ ‏أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّهِ الَّذِي أَعْرَضَ فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ فَدَعَاهُ فَقَالَ هَلْ بِكَ جُنُونٌ هَلْ أَحْصَنْتَ قَالَ نَعَمْ ‏ ‏فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ بِالْمُصَلَّى فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ جَمَزَ حَتَّى أُدْرِكَ ‏ ‏بِالْحَرَّةِ ‏ ‏فَقُتِلَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4866",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَسْلَمَ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏الْأَخِرَ ‏ ‏قَدْ زَنَى ‏ ‏يَعْنِي نَفْسَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏الْأَخِرَ ‏ ‏قَدْ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لَهُ الرَّابِعَةَ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ فَقَالَ هَلْ بِكَ جُنُونٌ قَالَ لَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَنْ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ جَمَزَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ ‏ ‏بِالْحَرَّةِ ‏ ‏فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله \" شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ إِلَخْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبْهَمَهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ شُعَيْبًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا الْقَدْر عِنْده عَنْ غَيْر أَبِي سَلَمَة فَأُدْرِجَ فِي رِوَايَة يُونُس عَنْهُ , وَقَوْله فِي هَذِهِ الزِّيَادَة \" أَذْلَقَتْهُ \" بِذَالٍ مُعْجَمَة وَقَاف أَيْ أَصَابَتْهُ بِحَدِّهَا , ‏ ‏وَقَوْله \" جَمَزَ \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَالْمِيم وَبِزَايٍ أَيْ أَسْرَعَ هَارِبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4867",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏امْرَأَةَ ‏ ‏ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏أَتَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ ‏ ‏مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏لَا يُتَابَعُ فِيهِ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي أَزْهَر بْن جَمِيل ) ‏ ‏هُوَ بَصْرِيّ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّد , مَاتَ سَنَة إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ , وَلَمْ يُخْرِجْ عَنْهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْجَامِع \" غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْهُ , وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ لَمْ يُتَابَع عَلَى ذِكْر اِبْن عَبَّاس فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي , لَكِنْ جَاءَ الْحَدِيث مَوْصُولًا مِنْ طَرِيق أُخْرَى كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَاب أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا خَالِدُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ مِهْرَانَ الْحَذَّاء. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ اِمْرَأَة ثَابِت بْن قَيْس ) ‏ ‏أَيْ اِبْن شَمَّاس بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة خَطِيبُ الْأَنْصَار , تَقَدَّمَ ذِكْره فِي الْمَنَاقِب , وَأَبْهَمَ فِي هَذِهِ الطَّرِيق اِسْم الْمَرْأَة وَفِي الطُّرُق الَّتِي بَعْدهَا , وَسُمِّيَتْ فِي آخِر الْبَاب فِي طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة مُرْسَلًا جَمِيلَة , وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة أَنَّ أُخْت عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ يَعْنِي كَبِير الْخَزْرَج وَرَأْسَ النِّفَاق الَّذِي تَقَدَّمَ خَبَره فِي تَفْسِير سُورَة بَرَاءَة وَفِي تَفْسِير سُورَة الْمُنَافِقِينَ , فَظَاهِره أَنَّهَا جَمِيلَة بِنْت أُبَيّ وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ جَمِيلَة بِنْت سَلُول جَاءَتْ \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ , وَسَلُول اِمْرَأَةٌ اُخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ هِيَ أُمّ أُبَيّ أَوْ اِمْرَأَته. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث الرُّبَيِّع بِنْت مُعَوِّذ أَنَّ ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس ضَرَبَ اِمْرَأَته فَكَسَرَ يَدهَا , وَهِيَ جَمِيلَة بِنْت عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ فَأَتَى أَخُوهَا يَشْتَكِي إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيث , وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن سَعْد فِي \" الطَّبَقَات \" فَقَالَ : جَمِيلَة بِنْت عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ وَكَانَتْ تَحْت حَنْظَلَة بْن أَبِي عَامِر غَسِيل الْمَلَائِكَة فَقُتِلَ عَنْهَا بِأُحُدٍ وَهِيَ حَامِلٌ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْد اللَّه بْن حَنْظَلَة فَخَلَفَ عَلَيْهَا ثَابِت بْن قَيْس فَوَلَدَتْ لَهُ اِبْنه مُحَمَّدًا ثُمَّ اِخْتَلَعَتْ مِنْهُ فَتَزَوَّجَهَا مَالِك بْن الدُّخْشُم ثُمَّ خُبَيْبُ بْن أَسَاف , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر أَنَّ ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس كَانَتْ عِنْده زَيْنَب بِنْت عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ بْن سَلُول وَكَانَ أَصْدَقهَا حَدِيقَة فَكَرِهَتْهُ , الْحَدِيث أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَسَنَده قَوِيّ مَعَ إِرْسَاله , وَلَا تَنَافِي بَيْنه وَبَيْن الَّذِي قَبْله لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون لَهَا اِسْمَانِ أَوْ أَحَدهمَا لَقَبٌ , وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذ بِهَذَا الْجَمْع فَالْمَوْصُول أَصَحّ , وَقَدْ اُعْتُضِدَ بِقَوْلِ أَهْل النَّسَب أَنَّ اِسْمهَا جَمِيلَة , وَبِهِ جَزَمَ الدِّمْيَاطِيّ وَذَكَرَ أَنَّهَا كَانَتْ أُخْت عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ شَقِيقَة أُمّهمَا خَوْلَة بِنْت الْمُنْذِر بْن حَرَام. قَالَ الدِّمْيَاطِيّ وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ مِنْ أَنَّهَا بِنْت أُبَيّ وَهْمٌ. قُلْت : وَلَا يَلِيق إِطْلَاق كَوْنه وَهْمًا فَإِنَّ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ أُخْت عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَهِيَ أُخْت عَبْد اللَّه بِلَا شَكّ , لَكِنْ نُسِبَ أَخُوهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِلَى جَدّه أُبَيّ كَمَا نُسِبَتْ هِيَ فِي رِوَايَة قَتَادَةَ إِلَى جَدَّتهَا سَلُول , فَبِهَذَا يُجْمَع بَيْن الْمُخْتَلَف مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا اِبْن الْأَثِير وَتَبِعَهُ النَّوَوِيّ فَجَزَمَا بِأَنَّ قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهَا بِنْت عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَهْمٌ وَأَنَّ الصَّوَاب أَنَّهَا أُخْت عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَا بَلْ الْجَمْع أَوْلَى , وَجَمَعَ بَعْضهمْ بِاتِّحَادِ اِسْم الْمَرْأَة وَعَمَّتهَا وَأَنَّ ثَابِتًا خَالَعَ الثِّنْتَيْنِ وَاحِدَة بَعْد أُخْرَى , وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ , وَلَا سِيَّمَا مَعَ اِتِّحَاد الْمَخْرَج. وَقَدْ كَثُرَتْ نِسْبَة الشَّخْص إِلَى جَدّه إِذَا كَانَ مَشْهُورًا , وَالْأَصْل عَدَم التَّعَدُّد حَتَّى يَثْبُت صَرِيحًا. وَجَاءَ فِي اِسْم اِمْرَأَة ثَابِت بْن قَيْس قَوْلَانِ آخَرَانِ أَحَدهمَا أَنَّهَا مَرْيَم الْمَغَالِيَّة أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْن الْوَلِيد بْن عُبَادَةَ بْن الصَّامِت عَنْ الرُّبَيِّع بِنْت مُعَوِّذ قَالَتْ اخْتَلَعْت مِنْ زَوْجِي \" فَذَكَرَتْ قِصَّة فِيهَا \" وَإِنَّمَا تَبِعَ عُثْمَان فِي ذَلِكَ قَضَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرْيَم الْمَغَالِيَّة , وَكَانَتْ تَحْت ثَابِت بْن قَيْس فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ \" وَإِسْنَاده جَيِّد , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : اِضْطَرَبَ الْحَدِيث فِي تَسْمِيَة اِمْرَأَة ثَابِت , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون الْخُلْع تَعَدَّدَ مِنْ ثَابِت اِنْتَهَى. وَتَسْمِيَتهَا مَرْيَم يُمْكِن رَدّه لِلْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمَغَالِيَّة وَهِيَ بِفَتْحِ الْمِيم وَتَخْفِيف الْغَيْن الْمُعْجَمَة نِسْبَة إِلَى مَغَالَة وَهِيَ اِمْرَأَة مِنْ الْخَزْرَج وَلَدَتْ لِعَمْرِو بْن مَالِك بْن النَّجَّار وَلَده عَدِيًّا , فَبَنُو عَدِيّ بْن النَّجَّار يُعْرَفُونَ كُلّهمْ بِبَنِي مَغَالَة , وَمِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَحَسَّان بْن ثَابِت وَجَمَاعَة مِنْ الْخَزْرَج , فَإِذَا كَانَ آل عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ مِنْ بَنِي مَغَالَة فَيَكُون الْوَهْم وَقَعَ فِي اِسْمهَا , أَوْ يَكُون مَرْيَم اِسْمًا ثَالِثًا , أَوْ بَعْضهَا لَقَب لَهَا. وَالْقَوْل الثَّانِي فِي اِسْمهَا أَنَّهَا حَبِيبَة بِنْت سَهْل أَخْرَجَهُ مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ عَنْ عَمْرَة بِنْت عَبْد الرَّحْمَن عَنْ حَبِيبَة بِنْت سَهْل أَنَّهَا كَانَتْ تَحْت ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس , وَأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الصُّبْح فَوَجَدَ حَبِيبَة عِنْد بَابه فِي الْغَلَس [ قَالَ ] : مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَتْ : أَنَا حَبِيبَة بِنْت سَهْل. قَالَ : مَا شَأْنك ؟ قَالَتْ : لَا أَنَا وَلَا ثَابِتُ بْن قَيْس لِزَوْجِهَا \" الْحَدِيث , وَأَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن الثَّلَاثَة , وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن عَمْر بْن حَزْم \" عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة أَنَّ حَبِيبَة بِنْت سَهْل كَانَتْ عِنْد ثَابِت \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ اُخْتُلِفَ فِي اِمْرَأَة ثَابِت بْن قَيْس , فَذَكَرَ الْبَصْرِيُّونَ أَنَّهَا جَمِيلَة بِنْت أُبَيّ وَذَكَرَ الْمَدَنِيُّونَ أَنَّهَا حَبِيبَة بِنْت سَهْل. قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ وَقَعَتَا لِامْرَأَتَيْنِ لِشُهْرَةِ الْخَبَرَيْنِ وَصِحَّة الطَّرِيقِينَ وَاخْتِلَاف السِّيَاقَيْنِ , بِخِلَافِ مَا وَقَعَ مِنْ الِاخْتِلَاف فِي تَسْمِيَة جَمِيلَة وَنَسَبِهَا فَإِنَّ سِيَاق قِصَّتهَا مُتَقَارِب فَأَمْكَنَ رَدّ الِاخْتِلَاف فِيهِ إِلَى الْوِفَاق , وَسَأُبَيِّنُ اِخْتِلَاف الْقِصَّتَيْنِ عِنْد سِيَاق أَلْفَاظ قِصَّة جَمِيلَة. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّار مِنْ حَدِيث عُمَر قَالَ \" أَوَّل مُخْتَلِعَة فِي الْإِسْلَام حَبِيبَة بِنْت سَهْل كَانَتْ تَحْت ثَابِت بْن قَيْس الْحَدِيث , وَهَذَا عَلَى تَقْدِير التَّعَدُّد يَقْتَضِي أَنَّ ثَابِتًا تَزَوَّجَ حَبِيبَة قَبْل جَمِيلَة , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ثُبُوت مَا ذَكَرَهُ الْبَصْرِيُّونَ إِلَّا كَوْن مُحَمَّد بْن ثَابِت بْن قَيْس مِنْ جَمِيلَة لَكَانَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّة تَزَوُّجِ ثَابِتٍ بِجَمِيلَة. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ لِابْنِ الْجَوْزِيّ فِي تَنْقِيحه أَنَّهَا سَهْلَة بِنْت حَبِيب , فَمَا أَظُنّهُ إِلَّا مَقْلُوبًا , وَالصَّوَاب حَبِيبَة بِنْت سَهْل , وَقَدْ تَرْجَمَ لَهَا اِبْن سَعْد فِي \" الطَّبَقَات \" فَقَالَ : بِنْت سَهْل بْن ثَعْلَبَة بْن الْحَارِث , وَسَاقَ نَسَبهَا إِلَى مَالِك بْنِ النَّجَّار وَأَخْرَجَ حَدِيثهَا عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد قَالَ \" كَانَتْ حَبِيبَة بِنْت سَهْل تَحْت ثَابِت بْن قَيْس , وَكَانَ فِي خُلُقه شِدَّة \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث مَالِك وَزَادَ فِي آخِره \" وَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَمَّ أَنْ يَتَزَوَّجهَا ثُمَّ كَرِهَ ذَلِكَ لِغَيْرَةِ الْأَنْصَار وَكَرِهَ أَنْ يَسُوءَهُمْ فِي نِسَائِهِمْ. ‏ ‏قَوْله ( أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه ثَابِت بْن قَيْس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان عَنْ أَيُّوب وَهِيَ الَّتِي عُلِّقَتْ هُنَا وَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ \" جَاءَتْ اِمْرَأَة ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس الْأَنْصَارِيّ \" , وَفِي رِوَايَة سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَقَالَتْ بِأَبِي وَأُمِّي \" أَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق , وَيَجُوز كَسْرهَا مِنْ الْعِتَاب يُقَال عَتَبْت عَلَى فُلَان أَعْتُب عَتْبًا وَالِاسْم الْمَعْتَبَة , وَالْعِتَاب هُوَ الْخِطَاب بِالْإِدْلَالِ , وَفِي رِوَايَة بِكَسْرِ الْعَيْن بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة مِنْ الْعَيْب وَهِيَ أَلْيَقُ بِالْمُرَادِ. ‏ ‏قَوْله ( فِي خُلُق وَلَا دِينٍ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام وَيَجُوز إِسْكَانُهَا , أَيْ لَا أُرِيدَ مُفَارَقَته لِسُوءِ خُلُقه وَلَا لِنُقْصَانِ دِينه , زَادَ فِي رِوَايَة أَيُّوب الْمَذْكُورَة \" وَلَكِنِّي لَا أُطِيقهُ \" كَذَا فِيهِ لَمْ يَذْكُر مُمَيِّز عَدَم الطَّاقَة , وَبَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ \" لَا أُطِيقهُ بُغْضًا \" وَهَذَا ظَاهِره أَنَّهُ لَمْ يَصْنَع بِهَا شَيْئًا يَقْتَضِي الشَّكْوَى مِنْهُ بِسَبَبِهِ , لَكِنْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة النَّسَائِيِّ أَنَّهُ كَسَرَ يَدهَا , فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّهُ سَيِّئُ الْخُلُق , لَكِنَّهَا مَا تَعِيبهُ بِذَلِكَ بَلْ بِشَيْءٍ آخَر. وَكَذَا وَقَعَ فِي قِصَّة حَبِيبَة بِنْت سَهْل عِنْد أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ ضَرَبَهَا فَكَسَرَ بَعْضهَا لَكِنْ لَمْ تَشْكُهُ وَاحِدَة مِنْهُمَا بِسَبَبِ ذَلِكَ , بَلْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِسَبَبٍ آخَر وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ دَمِيم الْخِلْقَة , فَفِي حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عِنْد اِبْن مَاجَهْ \" كَانَتْ حَبِيبَة بِنْت سَهْل عِنْد ثَابِت بْن قَيْس وَكَانَ رَجُلًا دَمِيمًا , فَقَالَتْ : وَاَللَّهِ لَوْلَا مَخَافَة اللَّه إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ لَبَصَقْت فِي وَجْهه \" وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر قَالَ \" بَلَغَنِي أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه بِي مِنْ الْجَمَال مَا تَرَى , وَثَابِت رَجُل دَمِيم \" وَفِي رِوَايَة مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي جَرِير عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَوَّل خُلْعٍ كَانَ فِي الْإِسْلَام اِمْرَأَة ثَابِت بْن قَيْس , أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه لَا يَجْتَمِع رَأْسِي وَرَأْس ثَابِت أَبَدًا , إِنِّي رَفَعْت جَانِب الْخِبَاء فَرَأَيْته أَقْبَلَ فِي عِدَّةٍ , فَإِذَا هُوَ أَشَدّهمْ سَوَادًا وَأَقْصَرُهُمْ قَامَة وَأَقْبَحهمْ وَجْهًا. فَقَالَ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَته ؟ قَالَتْ : نَعَمْ , وَإِنْ شَاءَ زِدْته. فَفَرَّقَ بَيْنهمَا \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَكِنِّي أَكْرَه الْكُفْر فِي الْإِسْلَام ) ‏ ‏أَيْ أَكْرَه إِنْ أَقَمْت عِنْده أَنْ أَقَع فِيمَا يَقْتَضِي الْكُفْر , وَانْتَفَى أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ يَحْمِلهَا عَلَى الْكُفْر وَيَأْمُرهَا بِهِ نِفَاقًا بِقَوْلِهَا \" لَا أَعْتُب عَلَيْهِ فِي دَيْن \" فَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ. وَرِوَايَة جَرِير بْن حَازِم فِي أَوَاخِر الْبَاب تُؤَيِّد ذَلِكَ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا \" إِلَّا أَنِّي أَخَاف الْكُفْر \" وَكَأَنَّهَا أَشَارَتْ إِلَى أَنَّهَا قَدْ تَحْمِلهَا شِدَّة كَرَاهَتهَا لَهُ عَلَى إِظْهَار الْكُفْر لِيَنْفَسِخ نِكَاحهَا مِنْهُ , وَهِيَ كَانَتْ تَعْرِف أَنَّ ذَلِكَ حَرَام لَكِنْ خَشِيَتْ أَنْ تَحْمِلهَا شِدَّة الْبُغْض عَلَى الْوُقُوع فِيهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ تُرِيد بِالْكُفْرِ كُفْرَان الْعَشِير إِذْ هُوَ تَقْصِير الْمَرْأَة فِي حَقّ الزَّوْج. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْمَعْنَى أَخَاف عَلَى نَفْسِي فِي الْإِسْلَام مَا يُنَافِي حُكْمه مِنْ نُشُوز وَفَرْك وَغَيْره مِمَّا يُتَوَقَّع مِنْ الشَّابَّة الْجَمِيلَة الْمُبْغِضَة لِزَوْجِهَا إِذَا كَانَ بِالضِّدِّ مِنْهَا , فَأَطْلَقَتْ عَلَى مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْإِسْلَام الْكُفْر. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فِي كَلَامهَا إِضْمَار , أَيْ إِكْرَاه لَوَازِم الْكُفْر مِنْ الْمُعَادَاة وَالشِّقَاق وَالْخُصُومَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان \" وَلَكِنِّي لَا أُطِيقهُ \" وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" وَلَكِنْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( أَتَرُدِّينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ \" فَتَرُدِّينَ \" وَالْفَاء عَاطِفَة عَلَى مُقَدَّر مَحْذُوف , وَفِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم \" تَرُدِّينَ \" وَهِيَ اِسْتِفْهَام مَحْذُوف الْأَدَاة كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَة الْأُخْرَى. ‏ ‏قَوْله ( حَدِيقَته ) ‏ ‏أَيْ بُسْتَانه , وَوَقَعَ فِي حَدِيث عُمَر أَنَّهُ كَانَ أَصْدَقهَا الْحَدِيقَة الْمَذْكُورَة وَلَفْظه \" وَكَانَ تَزَوَّجَهَا عَلَى حَدِيقَة نَخْل \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَتْ نَعَمْ ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيث عُمَر \" فَقَالَ ثَابِت أَيَطِيبُ ذَلِكَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله ( اِقْبَلْ الْحَدِيقَة وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَة ) ‏ ‏هُوَ أَمْر إِرْشَاد وَإِصْلَاح لَا إِيجَاب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم \" فَرُدَّتْ عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِفِرَاقِهَا \" وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا السِّيَاق عَلَى أَنَّ الْخُلْع لَيْسَ بِطَلَاقٍ , وَفِيهِ نَظَر فَلَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يُثْبِتُ ذَلِكَ وَلَا مَا يَنْفِيه , فَإِنَّ قَوْله \" طَلِّقْهَا إِلَخْ \" يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد طَلِّقْهَا عَلَى ذَلِكَ فَيَكُون طَلَاقًا صَرِيحًا عَلَى عِوَض , وَلَيْسَ الْبَحْث فِيهِ إِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِيمَا إِذَا وَقَعَ لَفْظ الْخُلْع أَوْ مَا كَانَ فِي حُكْمه مِنْ غَيْر تَعَرُّض لِطَلَاقٍ بِصَرَاحَةٍ وَلَا كِنَايَة هَلْ يَكُون الْخُلْع طَلَاقًا وَفَسْخًا ؟ وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّ الْخُلْع وَقَعَ قَبْل الطَّلَاق أَوْ بِالْعَكْسِ , نَعَمْ فِي رِوَايَة خَالِد الْمُرْسَلَة ثَانِيَة أَحَادِيث الْبَاب \" فَرَدَّتْهَا وَأَمَرَهُ فَطَلَّقَهَا \" وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي تَقْدِيم الْعَطِيَّة عَلَى الْأَمْر بِالطَّلَاقِ , بَلْ يَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يَكُون الْمُرَاد إِنْ أَعْطَتْك طَلِّقْهَا , وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا التَّصْرِيح بِوُقُوعِ صِيغَة الْخُلْع , وَوَقَعَ فِي مُرْسَل أَبِي الزُّبَيْر عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ \" فَأَخَذَهَا لَهُ وَخَلَّى سَبِيلهَا \" وَفِي حَدِيث حَبِيبَة بِنْت سَهْل \" فَأَخَذَهَا مِنْهَا وَجَلَسَتْ فِي أَهْلهَا \" لَكِنْ مُعْظَم الرِّوَايَات فِي الْبَاب تُسَمِّيه خُلْعًا , فَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن مُسْلِم عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّهَا اِخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجهَا \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْبُخَارِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( لَا يُتَابَع فِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏أَيْ لَا يُتَابَع أَزْهَر بْن جَمِيل عَنْ ذِكْر اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا الْحَدِيث بَلْ أَرْسَلَهُ غَيْره , وَمُرَاده بِذَلِكَ خُصُوص طَرِيق خَالِد الْحَذَّاء عَنْ عِكْرِمَة , وَلِهَذَا عَقَّبَهُ بِرِوَايَةِ خَالِد وَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الطَّحَّان عَنْ خَالِد وَهُوَ الْحَذَّاء عَنْ عِكْرِمَة مُرْسَلًا ثُمَّ بِرِوَايَةِ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان عَنْ خَالِد الْحَذَّاء مُرْسَلًا وَعَنْ أَيُّوب مَوْصُولًا , وَرِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان عَنْ أَيُّوب الْمَوْصُولَة وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4868",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُخْتَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏تَرُدِّينَ حَدِيقَتَهُ قَالَتْ نَعَمْ فَرَدَّتْهَا وَأَمَرَهُ يُطَلِّقْهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَطَلِّقْهَا ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏جَاءَتْ ‏ ‏امْرَأَةُ ‏ ‏ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَعْتِبُ عَلَى ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ قَالَتْ نَعَمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة ( لَا أُطِيقهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه وَهُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ بِالْقَافِ , وَذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضهَا أُطِيعهُ \" بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَهُوَ تَصْحِيف. ثُمَّ أَشَارَ الْبُخَارِيّ إِلَى أَنَّهُ اُخْتُلِفَ عَلَى أَيُّوب أَيْضًا فِي وَصْل الْخَبَر وَإِرْسَاله فَاتَّفَقَ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان وَجَرِير بْن حَازِم عَلَى وَصْله , وَخَالَفَهُمَا حَمَّاد بْن زَيْد فَقَالَ \" عَنْ أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة \" مُرْسَلًا. وَيُؤْخَذ مِنْ إِخْرَاج الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث فِي الصَّحِيح فَوَائِد : مِنْهَا أَنَّ الْأَكْثَر إِذَا وَصَلُوا وَأَرْسَلَ الْأَقَلّ قُدِّمَ الْوَاصِل وَلَوْ كَانَ الَّذِي أَرْسَلَ أَحْفَظ , وَلَا يَلْزَم مِنْهُ أَنَّهُ تَقَدَّمَ رِوَايَة الْوَاصِل عَلَى الْمُرْسِل دَائِمًا. وَمِنْهَا أَنَّ الرَّاوِي إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الدَّرَجَة الْعُلْيَا مِنْ الضَّبْط وَوَافَقَهُ مَنْ هُوَ مِثْله اِعْتَضَدَ وَقَاوَمَتْ الرِّوَايَتَانِ رِوَايَة الضَّابِط الْمُتْقِن. وَمِنْهَا أَنَّ أَحَادِيث الصَّحِيح مُتَفَاوِتَة الْمَرْتَبَة إِلَى صَحِيح وَأَصَحّ. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد - غَيْر مَا تَقَدَّمَ - أَنَّ الشِّقَاق إِذَا حَصَلَ مِنْ قِبَل الْمَرْأَة فَقَطْ جَازَ الْخُلْع وَالْفِدْيَة , وَلَا يَتَقَيَّد ذَلِكَ بِوُجُودِهِ مِنْهُمَا جَمِيعًا , وَأَنَّ ذَلِكَ يُشْرَع إِذَا كَرِهَتْ الْمَرْأَة عِشْرَة الرَّجُل وَلَوْ لَمْ يَكْرَههَا وَلَمْ يَرَ مِنْهَا مَا يَقْتَضِي فِرَاقهَا. وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ وَمُحَمَّد بْن سِيرِينَ : لَا يَجُوز لَهُ أَخْذ الْفِدْيَة مِنْهَا إِلَّا أَنْ يَرَى عَلَى بَطْنهَا رَجُلًا , أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة , وَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَبْلُغهُمَا الْحَدِيث. وَاسْتَدَلَّ اِبْن سِيرِينَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ( إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ آيَة الْبَقَرَة فَسَّرَتْ الْمُرَاد بِذَلِكَ مَعَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيث. ثُمَّ ظَهَرَ لِي لِمَا قَالَهُ اِبْن سِيرِينَ تَوْجِيه , وَهُوَ تَخْصِيصه بِمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِبَل الرَّجُل بِأَنْ يَكْرَههَا وَهِيَ لَا تَكْرَههُ فَيُضَاجِرُهَا لِتَفْتَدِي مِنْهُ. فَوَقَعَ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَرَاهَا عَلَى فَاحِشَة وَلَا يَجِد بَيِّنَة وَلَا يُحِبّ أَنْ يَفْضَحهَا فَيَجُوز حِينَئِذٍ أَنْ يَفْتَدِي مِنْهَا وَيَأْخُذ مِنْهَا مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ وَيُطَلِّقهَا , فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَة لِلْحَدِيثِ لِأَنَّ الْحَدِيث وَرَدَ فِيمَا إِذَا كَانَتْ الْكَرَاهَة مِنْ قِبَلهَا , وَاخْتَارَ اِبْن الْمُنْذِر أَنَّهُ لَا يَجُوز حَتَّى يَقَع الشِّقَاق بَيْنهمَا جَمِيعًا , وَإِنْ وَقَعَ مِنْ أَحَدهمَا لَا يَنْدَفِع الْإِثْم , وَهُوَ قَوِيّ مُوَافِق لِظَاهِرِ الْآيَتَيْنِ وَلَا يُخَالِف مَا وَرَدَ فِيهِ , وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ وَالشَّعْبِيّ وَجَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ , وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْره عَنْ ظَاهِر الْآيَة بِأَنَّ الْمَرْأَة إِذَا لَمْ تَقُمْ بِحُقُوقِ الزَّوْج الَّتِي أُمِرَتْ بِهَا كَانَ ذَلِكَ مُنَفِّرًا لِلزَّوْجِ عَنْهَا غَالِبًا وَمُقْتَضِيًا لِبُغْضِهِ لَهَا فَنَسَبَتْ الْمَخَافَة إِلَيْهِمَا لِذَلِكَ , وَعَنْ الْحَدِيث بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَفْسِر ثَابِتًا هَلْ أَنْتَ كَارِههَا كَمَا كَرِهَتْك أَمْ لَا ؟ وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَة إِذَا سَأَلَتْ زَوْجهَا الطَّلَاق عَلَى مَال فَطَلَّقَهَا وَقَعَ الطَّلَاق. فَإِنْ لَمْ يَقَع الطَّلَاق صَرِيحًا وَلَا نَوَيَاهُ فَفِيهِ الْخِلَاف الْمُتَقَدِّم مِنْ قَبْل. وَاسْتُدِلَّ لِمَنْ قَالَ بِأَنَّهُ فَسْخ بِمَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث الْبَاب مِنْ الزِّيَادَة , فَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن مُسْلِم عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ فِي قِصَّة اِمْرَأَة ثَابِت بْن قَيْس \" فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدّ بِحَيْضَةٍ \" وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث الرُّبَيِّع بِنْت مُعَوِّذ \" أَنَّ عُثْمَان أَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدّ بِحَيْضَةٍ \" قَالَ \" وَتَبِعَ عُثْمَان فِي ذَلِكَ قَضَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اِمْرَأَة ثَابِت بْن قَيْس \" وَفِي رِوَايَة لِلنَّسَائِيِّ وَالطَّبَرِيّ مِنْ حَدِيث الرُّبَيِّع بِنْت مُعَوِّذ \" أَنَّ ثَابِت بْن قَيْس ضَرَبَ اِمْرَأَته - فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث الْبَاب وَقَالَ فِي آخِره - خُذْ الَّذِي لَهَا وَخَلّ سَبِيلهَا , قَالَ : نَعَمْ , فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَرَبَّص حَيْضَة وَتَلْحَق بِأَهْلِهَا \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا أَقْوَى دَلِيل لِمَنْ قَالَ إِنَّ الْخُلْع فَسْخ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ , إِذْ لَوْ طَلَاقًا لَمْ تَكْتَفِ بِحَيْضَةٍ لِلْعِدَّةِ ا ه. وَقَدْ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد إِنَّ الْخُلْع فَسْخ. وَقَالَ فِي رِوَايَة : وَإِنَّهَا لَا تَحِلّ لِغَيْرِ زَوْجهَا حَتَّى تَمْضِي ثَلَاثَة أَقَرَاء. فَلَمْ يَكُنْ عِنْده بَيْن كَوْنه فَسْخًا وَبَيْن النَّقْص مِنْ الْعِدَّة تَلَازُم , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفِدْيَة لَا تَكُون إِلَّا بِمَا أَعْطَى الرَّجُل الْمَرْأَة عَيْنًا أَوْ قَدْرهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَته \" وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي آخِر حَدِيث الْبَاب عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيّ \" فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا وَلَا يَزْدَاد \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء عَنْ سَعِيد قَالَ أَيُّوب لَا أَحْفَظ \" وَلَا تَزْدَدْ \" وَرَوَاهُ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء مُرْسَلًا فَفِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك وَعَبْد الْوَهَّاب عَنْهُ \" أَمَّا الزِّيَادَة فَلَا \" , زَادَ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ مَالِك وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ \" وَكَرِهَ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَى \" ذَكَرَ ذَلِكَ كُلّه الْبَيْهَقِيُّ , قَالَ وَوَصَلَهُ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِذِكْرِ اِبْن عَبَّاس فِيهِ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخ قَالَ : وَهُوَ غَيْر مَحْفُوظ , يَعْنِي الصَّوَاب إِرْسَاله. وَفِي مُرْسَل أَبِي الزُّبَيْر عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيّ \" أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَته الَّتِي أَعْطَاك ؟ قَالَتْ , نَعَمْ وَزِيَادَة , قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا الزِّيَادَة فَلَا , وَلَكِنْ حَدِيقَته , قَالَتْ نَعَمْ. فَأَخَذَ مَاله وَخَلَّى سَبِيلهَا \" وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات. وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه سَمِعَهُ أَبُو الزُّبَيْر مِنْ غَيْر وَاحِد فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ صَحَابِيّ فَهُوَ صَحِيح وَإِلَّا فَيُعْتَضَد بِمَا سَبَقَ , لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَة عَلَى الشَّرْط , فَقَدْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ عَلَى سَبِيل الْإِشَارَة رِفْقًا بِهَا. وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ عَلِيّ \" لَا يَأْخُذ مِنْهَا فَوْق مَا أَعْطَاهَا \" وَعَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاء وَالزُّهْرِيّ مِثْله , وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَأَخْرَجَ إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق عَنْ مَيْمُون بْن مِهْرَانَ \" مَنْ أَخَذَ أَكْثَر مِمَّا أَعْطَى لَمْ يُسَرِّح بِإِحْسَانِ \" وَمُقَابِل هَذَا مَا أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ \" مَا أُحِبّ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا مَا أَعْطَاهَا لِيَدَعْ لَهَا شَيْئًا \" وَقَالَ مَالِك لَمْ أَزَلْ أَسْمَع أَنَّ الْفِدْيَة تَجُوز بِالصَّدَاقِ وَبِأَكْثَر مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ ) وَلِحَدِيثِ حَبِيبَة بِنْت سَهْل , فَإِذَا كَانَ النُّشُوز مِنْ قِبَلهَا حَلَّ لِلزَّوْجِ مَا أَخَذَ مِنْهَا بِرِضَاهَا , وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَله لَمْ يَحِلّ لَهُ وَيَرُدّ عَلَيْهَا إِنْ أَخَذَ وَتَمْضِي الْفُرْقَة. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِذَا كَانَتْ غَيْر مُؤَدِّيَة لِحَقِّهِ كَارِهَة لَهُ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ , فَإِنَّهُ يَجُوز أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسًا بِغَيْرِ سَبَب فَبِالسَّبَبِ أَوْلَى. وَقَالَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي : اِدَّعَى بَعْضهمْ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ ) أَيْ بِالصَّدَاقِ وَهُوَ مَرْدُود لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ فِي الْآيَة بِذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّ الْخُلْع جَائِز فِي الْحَيْض لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَفْصِلهَا أَحَائِض هِيَ أَمْ لَا ؟ لَكِنْ يَجُوز أَنْ يَكُون تَرَكَ ذَلِكَ لِسَبْقِ الْعِلْم بِهِ أَوْ كَانَ قَبْل تَقْرِيره فَلَا دَلَالَة فِيهِ لِمَنْ يَخُصّهُ مِنْ مَنْع طَلَاق الْحَائِض , وَهَذَا كُلّه تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ الْخُلْع طَلَاق. وَفِيهِ أَنَّ الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي تَرْهِيب الْمَرْأَة مِنْ طَلَب طَلَاق زَوْجهَا مَحْمُولَة عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بِسَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ \" أَيُّمَا اِمْرَأَة سَأَلَتْ زَوْجهَا الطَّلَاق فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَة الْجَنَّة \" رَوَاهُ أَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان ; وَيَدُلّ عَلَى تَخْصِيصه قَوْله فِي بَعْض طُرُقه \" مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ \" وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة \" الْمُنْتَزِعَات وَالْمُخْتَلِعَات هُنَّ الْمُنَافِقَات \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ , وَفِي صِحْته نَظَر لِأَنَّ الْحَسَن عِنْد الْأَكْثَر لَمْ يَسْمَع مِنْ أَبِي هُرَيْرَة , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ : قَالَ الْحَسَن لَمْ أَسْمَع مِنْ أَبِي هُرَيْرَة غَيْر هَذَا الْحَدِيث. وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا إِلَّا مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَهُوَ تَكَلُّفٌ , وَمَا الْمَانِع أَنْ يَكُون سَمِعَ هَذَا مِنْهُ فَقَطْ وَصَارَ يُرْسِل عَنْهُ غَيْر ذَلِكَ فَتَكُون قِصَّته فِي ذَلِكَ كَقِصَّتِهِ مَعَ سَمُرَة فِي حَدِيث الْعَقِيقَة كَمَا يَأْتِي فِي بَابه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْحَسَن مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُر فِيهِ أَبَا هُرَيْرَة. وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابِيّ إِذَا أَفْتَى بِخِلَافِ مَا رَوَى أَنَّ الْمُعْتَبَر مَا رَوَاهُ لَا مَا رَآهُ , لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس رَوَى قِصَّة اِمْرَأَة ثَابِت بْن قَيْس الدَّالَّة عَلَى أَنَّ الْخُلْع طَلَاق وَكَانَ يُفْتِي بِأَنَّ الْخُلْع لَيْسَ بِطَلَاقٍ , لَكِنْ اِدَّعَى اِبْن عَبْد الْبَرّ شُذُوذ ذَلِكَ عَنْ اِبْن عَبَّاس إِذْ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَحَدٌ نَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ إِلَّا طَاوُسًا , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ طَاوُسًا ثِقَةٌ حَافِظٌ فَقِيهٌ فَلَا يَضُرّهُ تَفَرُّدُهُ , وَقَدْ تَلَقَّى الْعُلَمَاء ذَلِكَ بِالْقَبُولِ. وَلَا أَعْلَم مَنْ ذَكَرَ الِاخْتِلَاف فِي الْمَسْأَلَة إِلَّا وَجَزَمَ أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ يَرَاهُ فَسْخًا. نَعَمْ أَخْرَجَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح \" أَنَّ طَاوُسًا لَمَّا قَالَ إِنَّ الْخُلْع لَيْسَ بِطَلَاقٍ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ أَهْل مَكَّة , فَاعْتَذَرَ وَقَالَ : إِنَّمَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس \" قَالَ إِسْمَاعِيل : لَا نَعْلَم أَحَدًا قَالَهُ غَيْره ا ه. وَلَكِنَّ الشَّأْن فِي كَوْن قِصَّة ثَابِت صَرِيحَة فِي كَوْن الْخُلْع طَلَاقًا. ‏ ‏( تَكْمِيلٌ ) : ‏ ‏نَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ مَالِك أَنَّ الْمُخْتَلِعَة هِيَ الَّتِي اِخْتَلَعَتْ مِنْ جَمِيع مَالهَا , وَأَنَّ الْمُفْتَدِيَة الَّتِي اِفْتَدَتْ بِبَعْضِ مَالهَا , وَأَنَّ الْمُبَارِئَة الَّتِي بَارَأَتْ زَوْجهَا قَبْل الدُّخُول. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَقَدْ يُسْتَعْمَل بَعْضُ ذَلِكَ مَوْضِع بَعْضٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "4869",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُرَادٌ أَبُو نُوحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَتْ ‏ ‏امْرَأَةُ ‏ ‏ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنْقِمُ عَلَى ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ إِلَّا أَنِّي أَخَافُ الْكُفْرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ فَقَالَتْ نَعَمْ فَرَدَّتْ عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جَمِيلَةَ ‏ ‏فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا قُرَاد ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَاف وَتَخْفِيف الرَّاء وَآخِره دَال مُهْمَلَة وَهُوَ لَقَب وَاسْمه عَبْد الرَّحْمَن بْن غَزْوَانَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الزَّاي وَأَبُو نُوح كُنْيَته , وَهُوَ مِنْ كِبَار الْحُفَّاظ وَثَّقُوهُ , وَلَكِنْ خَطَّئُوهُ فِي حَدِيث وَاحِد حَدَّثَ بِهِ عَنْ اللَّيْث خُولِفَ فِيهِ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع , وَوَقَعَ عِنْده فِي آخِره \" فَرُدَّتْ عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا \" كَذَا فِيهِ \" فَرَدَّتْ عَلَيْهِ \" بِحَذْفِ الْمَفْعُول وَالْمُرَاد الْحَدِيقَة الَّتِي وَقَعَ ذِكْرهَا. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذ مَا أَعْطَاهَا وَيُخَلِّي سَبِيلهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "4870",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏بَنِي الْمُغِيرَةِ ‏ ‏اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يَنْكِحَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏ابْنَتَهُمْ ‏ ‏فَلَا آذَنُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْمِسْوَر فِي خِطْبَة عَلِيٍّ بِنْتَ أَبِي جَهْل قَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي النِّكَاح , وَاعْتَرَضَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَة عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ , وَنَقَلَ اِبْن بَطَّالٍ قَبْله عَنْ الْمُهَلَّب قَالَ : إِنَّمَا حَاوَلَ الْبُخَارِيّ بِإِيرَادِهِ أَنْ يَجْعَل قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَلَا آذَن \" خُلْعًا وَلَا يَقْوَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْخَبَر \" إِلَّا أَنْ يُرِيد اِبْن أَبِي طَالِب أَنْ يُطَلِّق اِبْنَتِي \" فَدَلَّ عَلَى الطَّلَاق , فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلّ بِالطَّلَاقِ عَلَى الْخُلْع فَهُوَ ضَعِيف وَإِنَّمَا يُؤْخَذ مِنْهُ الْحُكْم بِقَطْعِ الذَّرَائِع. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِفِي الْحَاشِيَة : يُمْكِن أَنْ يُؤْخَذ مِنْ كَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ \" فَلَا آذَن \" إِلَى أَنَّ عَلِيًّا يَتْرُك الْخِطْبَة , فَإِذَا سَاغَ جَوَاز الْإِشَارَة بِعَدَمِ النِّكَاح اِلْتَحَقَ بِهِ جَوَاز الْإِشَارَة بِقَطْعِ النِّكَاح. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ تُؤْخَذ مُطَابَقَة التَّرْجَمَة مِنْ كَوْن فَاطِمَة مَا كَانَتْ تَرْضَى بِذَلِكَ , فَكَانَ الشِّقَاق بَيْنهَا وَبَيْن عَلِيٍّ مُتَوَقَّعًا , فَأَرَادَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفْع وُقُوعه بِمَنْعِ عَلِيٍّ مِنْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِيمَاء وَالْإِشَارَة , وَهِيَ مُنَاسَبَة جَيِّدَة , وَيُؤْخَذ مِنْ الْآيَة وَمِنْ الْحَدِيث الْعَمَل بِسَدِّ الذَّرَائِع , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمْر بِبَعْثَةِ الْحَكَمَيْنِ عِنْد خَوْف الشِّقَاق قَبْل وُقُوعه , كَذَا قَالَ الْمُهَلَّب , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْخَوْفِ وُجُود عَلَامَات الشِّقَاق الْمُقْتَضِي لِاسْتِمْرَارِ النَّكَد وَسُوء الْمُعَاشَرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4871",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ فِي ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏ثَلَاثُ سُنَنٍ إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ ‏ ‏وَأُدْمٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أُدْمِ ‏ ‏الْبَيْتِ فَقَالَ أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ فِيهَا لَحْمٌ قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ قَالَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة بَرِيرَة أَوْرَدَ الْمُصَنِّف فِي أَوَّل الصَّلَاة وَفِي عِدَّة أَبْوَاب مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا , وَطَرِيق رَبِيعَة الَّتِي أَوْرَدَهَا هُنَا أَوْرَدَهَا مَوْصُولَة مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْهُ عَنْ الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة , وَأَوْرَدَهَا فِي الْأَطْعِمَة مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْهُ عَنْ الْقَاسِم مُرْسَلًا , وَلَا يَضُرّ إِرْسَاله لِأَنَّ مَالِكًا أَحْفَظُ مِنْ إِسْمَاعِيل وَأَتْقَنُ , وَقَدْ وَافَقَهُ أُسَامَة بْن زَيْد وَغَيْر وَاحِد عَنْ الْقَاسِم , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة , لَكِنْ صَدَّرَهُ بِقِصَّةِ اِشْتِرَاط الَّذِينَ بَاعُوهَا عَلَى عَائِشَة أَنْ يَكُون لَهُمْ الْوَلَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْعِتْق , وَكَذَا رَوَاهُ عُرْوَة وَعَمْرَة وَالْأَسْوَد وَأَيْمَن الْمَكِّيّ عَنْ عَائِشَة , وَكَذَا رَوَاهُ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ عَائِشَة , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عَائِشَة , وَرَوَى قِصَّة الْبُرْمَة وَاللَّحْم أَنَس وَتَقَدَّمَ حَدِيثه فِي الْهِبَة وَيَأْتِي , وَرَوَى اِبْن عَبَّاس قِصَّة تَخْيِيرهَا لَمَّا عَتَقَتْ كَمَا يَأْتِي بَعْدُ وَطُرُقه كُلُّهَا صَحِيحَةٌ. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ فِي بَرِيرَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ذِكْرهَا وَضَبْط اِسْمهَا فِي أَوَاخِر الْعِتْق , وَقِيلَ إِنَّهَا نَبَطِيَّة بِفَتْحِ النُّون وَالْمُوَحَّدَة وَقِيلَ إِنَّهَا قِبْطَة بِكَسْرِ الْقَاف وَسُكُون الْمُوَحَّدَة , وَقِيلَ إِنَّ اِسْم أَبِيهَا صَفْوَان وَأَنَّ لَهُ صُحْبَة , وَاخْتُلِفَ فِي مَوَالِيهَا فَفِي رِوَايَة أُسَامَة بْن زَيْد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة أَنَّ بَرِيرَة كَانَتْ لِنَاسٍ مِنْ الْأَنْصَار , وَكَذَا عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة سَمَّاك عَنْ عَبْد الرَّحْمَن , وَوَقَعَ فِي بَعْض الشُّرُوح لِآلِ أَبِي لَهَب وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ قَائِله اِنْتَقَلَ وَهْمُهُ مِنْ أَيْمَن أَحَد رُوَاة قِصَّة بَرِيرَة عَنْ عَائِشَة إِلَى بَرِيرَة , وَقِيلَ لِآلِ بَنِي هِلَال أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة جَرِير عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله ( ثَلَاث سُنَن ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ أَبِيهِ \" ثَلَاث قَضِيَّات \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ \" قَضَى فِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَع قَضِيَّات \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث عَائِشَة وَزَادَ \" وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدّ عِدَّة الْحُرَّة \" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَهَذِهِ الزِّيَادَة لَمْ تَقَع فِي حَدِيث عَائِشَة فَلِذَلِكَ اِقْتَصَرَتْ عَلَى ثَلَاث , لَكِنْ أَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" أَمَرْت بَرِيرَة أَنْ تَعْتَدّ بِثَلَاثِ حِيَض \" وَهَذَا مِثْل حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله \" تَعْتَدّ عِدَّة الْحُرَّة \" وَيُخَالِف مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْ اِبْن عَبَّاس \" تَعْتَدّ بِحَيْضَةٍ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي عِدَّة الْمُخْتَلِعَة وَأَنَّ مَنْ قَالَ الْخُلْع فَسْخ قَالَ تَعْتَدّ بِحَيْضَةٍ , وَهُنَا لَيْسَ اِخْتِيَار الْعَتِيقَة نَفْسهَا طَلَاقًا فَكَانَ الْقِيَاس أَنْ تَعْتَدّ بِحَيْضَةٍ , لَكِنَّ الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ بَلْ هُوَ فِي أَعْلَى دَرَجَات الصِّحَّة , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي مَعْشَر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ عِدَّة بَرِيرَة عِدَّة الْمُطَلَّقَة \" وَهُوَ شَاهِدٌ قَوِيٌّ , لِأَنَّ أَبَا مَعْشَر وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْف لَكِنْ يَصْلُح فِي الْمُتَابَعَات. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِأَسَانِيد صَحِيحَة عَنْ عُثْمَان وَابْن عُمَر وَزَيْد بْن ثَابِت وَآخَرِينَ \" أَنَّ الْأَمَة إِذَا أُعْتِقَتْ تَحْت الْعَبْد فَطَلَاقُهَا طَلَاقُ عَبْد وَعِدَّتهَا عِدَّة حُرَّة \" وَقَدْ قَدَّمْت فِي الْعِتْق أَنَّ الْعُلَمَاء صَنَّفُوا فِي قِصَّة بَرِيرَة تَصَانِيف , وَأَنَّ بَعْضهمْ أَوْصَلَهَا إِلَى أَرْبَعِمِائَةِ فَائِدَة , وَلَا يُخَالِف ذَلِكَ قَوْل عَائِشَة \" ثَلَاث سُنَن \" لِأَنَّ مُرَاد عَائِشَة مَا وَقَعَ مِنْ الْأَحْكَام فِيهَا مَقْصُودًا خَاصَّة , لَكِنْ لَمَّا كَانَ كُلّ حُكْم مِنْهَا يَشْتَمِل عَلَى تَقْعِيد قَاعِدَة يَسْتَنْبِط الْعَالِم الْفَطِن مِنْهَا فَوَائِد جَمَّة وَقَعَ التَّكَثُّر مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّة , وَانْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي سِيَاق الْقِصَّة غَيْر مَقْصُود , فَإِنَّ فِي ذَلِكَ أَيْضًا فَوَائِد تُؤْخَذ بِطَرِيقِ التَّنْصِيص أَوْ الِاسْتِنْبَاط , أَوْ اِقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاث أَوْ الْأَرْبَع لِكَوْنِهَا أَظْهَر مَا فِيهَا وَمَا عَدَاهَا إِنَّمَا يُؤْخَذ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاط , أَوْ لِأَنَّهَا أَهَمُّ وَالْحَاجَة إِلَيْهَا أَمَسُّ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : مَعْنَى ثَلَاث أَوْ أَرْبَع أَنَّهَا شُرِعَتْ فِي قِصَّتهَا , وَمَا يَظْهَر فِيهَا مِمَّا سِوَى ذَلِكَ فَكَانَ قَدْ عُلِمَ مِنْ غَيْر قِصَّتهَا , وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ : لَيْسَ فِي كَلَام عَائِشَة حَصْرٌ , وَمَفْهُوم الْعَدَد لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الِاعْتِذَارَات الَّتِي لَا تَدْفَع سُؤَال مَا الْحِكْمَة فِي الِاقْتِصَار عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر \" فِي أَنْ تَقَرّ تَحْت زَوْجهَا أَوْ تُفَارِقهُ \" وَتَقَرّ بِفَتْحِ وَتَشْدِيد الرَّاء أَيْ تَدُوم , وَتَقَدَّمَ فِي الْعِتْق مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة \" فَدَعَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسهَا \" وَفِي رِوَايَة لِلدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيق أَبَان بْن صَالِح عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبَرِيرَةِ : اِذْهَبِي فَقَدْ عَتَقَ مَعَك بُضْعك \" زَادَ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ مُرْسَلًا \" فَاخْتَارِي \" وَيَأْتِي تَمَام ذَلِكَ فِي شَرْح الْبَاب الَّذِي بَعْد هَذَا بِبَابَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ ) ‏ ‏هَذِهِ السُّنَّة الثَّانِيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان سَبَبهَا مُسْتَوْفًى فِي الْعِتْق وَالشُّرُوط , وَفِي رِوَايَة نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر الْمَاضِيَة وَكَذَا عَنْ عِدَّة طُرُق عَنْ عَائِشَة \" إِنَّمَا الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ \" وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ كَلِمَة \" إِنَّمَا \" تُفِيد الْحَصْر وَإِلَّا لَمَا لَزِمَ مِنْ إِثْبَات الْوَلَاء لِلْمُعْتِقِ نَفْيه عَنْ غَيْره وَهُوَ الَّذِي أُرِيدَ مِنْ الْخَبَر , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ لَا وَلَاء لِلْإِنْسَانِ عَلَى أَحَد بِغَيْرِ الْعِتْق فَيَنْتَفِي مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَده أَحَد , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الْفَرَائِض وَأَنَّهُ لَا وَلَاء لِلْمُلْتَقِطِ خِلَافًا لِإِسْحَاق , وَلَا لِمَنْ حَالَفَ إِنْسَانًا خِلَافًا لِطَائِفَةٍ مِنْ السَّلَف , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة. وَيُؤْخَذ مِنْ عُمُومه أَنَّ الْحَرْبِيّ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ أَسْلَمَا أَنَّهُ يَسْتَمِرّ وَلَاؤُهُ لَهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ إِنَّهُ قِيَاس قَوْل مَالِك , وَوَافَقَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو يُوسُف , وَخَالَفَ أَصْحَابه فَإِنَّهُمْ قَالُوا لِلْعَتِيقِ فِي هَذِهِ الصُّورَة أَنْ يَتَوَلَّى مَنْ يَشَاء. ‏ ‏قَوْله ( وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر \" بَيْت عَائِشَة \". ‏ ‏قَوْله ( وَالْبُرْمَة تَفُور بِلَحْمٍ , فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْز وَأُدْم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر \" فَدَعَا بِالْغَدَاءِ فَأُتِيَ بِخُبْزٍ \". ‏ ‏قَوْله ( أَلَمِ أَرَ الْبُرْمَة فِيهَا لَحْم ؟ قَالُوا : بَلَى , وَلَكِنْ ذَاكَ لَحْم تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَة وَأَنْتَ لَا تَأْكُل الصَّدَقَة ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة فِي الزَّكَاة \" وَأُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمٍ فَقَالُوا هَذَا مَا تُصَدِّق بِهِ عَلَى بَرِيرَة \" وَكَذَا فِي حَدِيث أَنَس فِي الْهِبَة , وَيَجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ لَمَّا سَأَلَ عَنْهُ أُتِيَ بِهِ وَقِيلَ لَهُ هَلْ ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة فِي كِتَاب الْهِبَة \" فَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ فَقِيلَ هَذَا تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَة \" فَإِنْ كَانَ الضَّمِير لِبَرِيرَةَ فَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى الصَّدَقَة عَلَيْهَا هَدِيَّة لَهَا , وَإِنْ كَانَ لِعَائِشَة فَلِأَنَّ بَرِيرَة لَمَّا تَصَدَّقُوا عَلَيْهَا بِاللَّحْمِ أَهْدَتْ مِنْهُ لِعَائِشَة. وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أُسَامَة بْن زَيْد عَنْ الْقَاسِم عِنْد أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ \" وَدَخَلَ عَلِيّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمِرْجَل يَفُور بِلَحْمٍ , فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا ؟ قُلْت : أَهْدَتْهُ لَنَا بَرِيرَة وَتُصَدِّقَ بِهِ عَلَيْهَا \" وَعِنْد أَحْمَد وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة \" وَكَانَ النَّاس يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا فَتُهْدِي لَنَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة مَا يَتَعَلَّق بِهَذَا الْمَعْنَى , وَاللَّحْم الْمَذْكُور وَقَعَ فِي بَعْض الشُّرُوح أَنَّهُ كَانَ لَحْم بَقَر , وَفِيهِ نَظَر بَلْ جَاءَ عَنْ عَائِشَة \" تُصَدِّقَ عَلَى مَوْلَاتِي بِشَاةٍ مِنْ الصَّدَقَة \" فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذ بِهِ , وَوَقَعَ بَعْد قَوْله \" هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَة وَلَنَا هَدِيَّة \" مِنْ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة الْمَذْكُورَة \" فَكُلُوهُ \" , وَسَأَذْكُرُ فَوَائِده بَعْد بَابَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ‏"
    },
    {
        "id": "4872",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏وَهَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُهُ عَبْدًا ‏ ‏يَعْنِي زَوْجَ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : رَأَيْته عَبْدًا يَعْنِي زَوْج بَرِيرَة ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مِنْ هَذَا الْوَجْه وَهُوَ لَفْظ شُعْبَة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مِرْبَع عَنْ أَبِي الْوَلِيد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ عَنْ شُعْبَة وَحْده , وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الصَّمَد عَنْ شُعْبَة \" رَأَيْته يَبْكِي \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" لَقَدْ رَأَيْته يَتْبَعهَا \" وَأَمَّا لَفْظ هَمَّام فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَفَّانَ عَنْهُ بِلَفْظِ \" أَنَّ زَوْج بَرِيرَة كَانَ عَبْدًا أَسْوَد يُسَمَّى مُغِيثًا , فَخَيَّرَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدّ \" وَسَاقَهُ أَحْمَد عَنْ عَفَّانَ عَنْ هَمَّام مُطَوَّلًا وَفِيهِ أَنَّهَا تَعْتَدّ عِدَّة الْحُرَّة. ثُمَّ أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ الْحَدِيث مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ فِي أَحَدهمَا \" ذَاكَ مُغِيث عَبْد بَنِي فُلَان \" يَعْنِي زَوْج بَرِيرَة , وَفِي الْأُخْرَى \" كَانَ زَوْج بَرِيرَة عَبْدًا أَسْوَد يُقَال لَهُ مُغِيث \" وَهَكَذَا جَاءَ مِنْ غَيْر وَجْه أَنَّ اِسْمه مُغِيث , وَضُبِطَ فِي الْبُخَارِيّ بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْمُعْجَمَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ مُثَلَّثَة , وَوَقَعَ عِنْد الْعَسْكَرِيّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة وَآخِره مُوَحَّدَة , وَالْأَوَّل أَثْبَتُ وَبِهِ جَزَمَ اِبْن مَاكُولَا وَغَيْره , وَوَقَعَ عِنْد الْمُسْتَغْفِرِي فِي \" الصَّحَابَة \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْنِ عَجْلَان عَنْ يَحْيَى بْن عُرْوَة عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة فِي قِصَّة بَرِيرَة أَنَّ اِسْم زَوْج بَرِيرَة مَقْسِم , وَمَا أَظُنّهُ إِلَّا تَصْحِيفًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4873",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذَاكَ ‏ ‏مُغِيثٌ ‏ ‏عَبْدُ ‏ ‏بَنِي فُلَانٍ ‏ ‏يَعْنِي زَوْجَ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏يَبْكِي عَلَيْهَا ‏",
        "sharh": "قَوْله ‏ ‏( عَبْدًا لِبَنِي فُلَان ) ‏ ‏عِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ أَيُّوب \" كَانَ عَبْدًا أَسْوَد لِبَنِيَّ الْمُغِيرَة \" وَفِي رِوَايَة هُشَيْم عَنْ سَعِيد بْن مَنْصُور \" وَكَانَ عَبْدًا لِآلِ الْمُغِيرَة مِنْ بَنِي مَخْزُوم \" وَوَقَعَ فِي الْمَعْرِفَة لِابْنِ مَنْدَهْ مُغِيث مَوْلَى أَحْمَد بْن جَحْش , ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة مِثْل مَا وَقَعَ فِي التِّرْمِذِيّ , لَكِنْ عِنْد أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ اِبْن إِسْحَاق \" وَهِيَ عِنْد مُغِيث عَبْد لِآلِ أَبِي أَحْمَد \" وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ \" مَوْلَى بَنِي مُطِيع \" وَالْأَوَّل أَثْبَت لِصِحَّةِ إِسْنَاده وَيَبْعُدُ الْجَمْع لِأَنَّ بَنِي الْمُغِيرَة مِنْ آل مَخْزُوم فِي رِوَايَة هُشَيْم وَبَنِي جَحْش مِنْ أَسَد بْن خُزَيْمَةَ وَبَنِي مُطِيع مِنْ آل عَدِيّ بْن كَعْب , وَيُمْكِن أَنْ يُدَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنهمْ عَلَى بُعْدِهِ , أَوْ اِنْتَقَلَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4874",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ زَوْجُ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏مُغِيثٌ ‏ ‏عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ وَرَاءَهَا فِي سِكَكِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4875",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ زَوْجَ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ ‏ ‏مُغِيثٌ ‏ ‏كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِعبَّاسٍ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَبَّاسُ ‏ ‏أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ ‏ ‏مُغِيثٍ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏وَمِنْ بُغْضِ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏مُغِيثًا ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ رَاجَعْتِهِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي قَالَ إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ قَالَتْ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَّامٍ عَلَى مَا بَيَّنْت فِي الْمُقَدِّمَة وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار وَابْن مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَمُحَمَّد بْن خَلَّاد الْبَاهِلِيّ قَالُوا \" حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ \" , وَابْن بَشَّار وَابْن الْمُثَنَّى مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَحَدهمَا. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ وَخَالِد شَيْخه هُوَ الْحَذَّاء , وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله عَنْ قُتَيْبَة عَنْ عَبْد الْوَهَّاب وَهُوَ الثَّقَفِيّ هَذَا عَنْ أَيُّوب , فَكَأَنَّ لَهُ فِيهِ شَيْخَيْنِ لَكِنَّ رِوَايَة خَالِد الْحَذَّاء أَتَمّ سِيَاقًا كَمَا تَرَى , وَطَرِيق أَيُّوب أَخْرُجهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْوَلِيد الْبَصْرِيّ عَنْ عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ , وَطَرِيق خَالِد أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِيّ عَنْ الثَّقَفِيّ أَيْضًا وَسَاقَهُ عَنْهُمَا نَحْو مَا وَقَعَ عِنْد الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله ( يَطُوف خَلْفهَا يَبْكِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وُهَيْب عَنْ أَيُّوب فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله \" يَتْبَعهَا فِي سِكَك الْمَدِينَة يَبْكِي عَلَيْهَا \" وَالسِّكَك بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْكَاف جَمْع سِكَّة وَهِيَ الطُّرُق , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة \" فِي طُرُق الْمَدِينَة وَنَوَاحِيهَا , وَأَنَّ دُمُوعه تَسِيل عَلَى لِحْيَته يَتَرَضَّاهَا لِمُخْتَارِهِ فَلَمْ تَفْعَل \" وَهَذَا ظَاهِره أَنَّ سُؤَاله لَهَا كَانَ قَبْل الْفُرْقَة , وَظَاهِر قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَة الْبَاب \" لَوْ رَاجَعْتِيهِ \" أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد الْفُرْقَة , وَبِهِ جَزَمَ اِبْن بَطَّالٍ فَقَالَ : لَوْ كَانَ قَبْل الْفُرْقَة لَقَالَ لَوْ اِخْتَرْته , قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلُ وَبَعْدُ. وَقَدْ تَمَسَّكَ بِرِوَايَةِ سَعِيد مَنْ لَمْ يَشْتَرِط الْفَوْر فِي الْخِيَار هُنَا , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْدُ. ‏ ‏قَوْله ( يَا عَبَّاس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب وَالِد رَاوِي الْحَدِيث , وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ , وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ يَا عَبَّاس \" وَعِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ هُشَيْم قَالَ \" أَنْبَأَنَا خَالِد هُوَ الْحَذَّاء بِسَنَدِهِ أَنَّ الْعَبَّاس كَانَ كَلَّمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَطْلُب إِلَيْهَا فِي ذَلِكَ \" وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ قِصَّة بَرِيرَة كَانَتْ مُتَأَخِّرَة فِي السَّنَة التَّاسِعَة أَوْ الْعَاشِرَة , لِأَنَّ الْعَبَّاس إِنَّمَا سَكَنَ الْمَدِينَة بَعْد رُجُوعهمْ مِنْ غَزْوَة الطَّائِف وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِر سَنَة ثَمَان , وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا قَوْل اِبْن عَبَّاس إِنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ , وَهُوَ إِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَة مَعَ أَبَوَيْهِ. وَيُؤَيِّد تَأَخُّر قِصَّتهَا أَيْضًا - بِخِلَافِ قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْل الْإِفْك - أَنَّ عَائِشَة فِي ذَلِكَ الزَّمَان كَانَتْ صَغِيرَة , فَيَبْعُد وُقُوع تِلْكَ الْأُمُور وَالْمُرَاجَعَة وَالْمُسَارَعَة إِلَى الشِّرَاء وَالْعِتْق مِنْهَا يَوْمَئِذٍ , وَأَيْضًا فَقَوْل عَائِشَة \" إِنْ شَاءَ مَوَالِيك أَنْ أَعُدّهَا لَهُمْ عَدَّة وَاحِدَة \" فِيهِ إِشَارَة إِلَى وُقُوع ذَلِكَ فِي آخِر الْأَمْر لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَوَّل الْأَمْر فِي غَايَة الضِّيق ثُمَّ حَصَلَ لَهُمْ التَّوَسُّع بَعْد الْفَتْح , وَفِي كُلّ ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قِصَّتهَا كَانَتْ مُتَقَدِّمَة قَبْل قِصَّة الْإِفْك , وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ وُقُوعُ ذِكْرهَا فِي حَدِيث الْإِفْك , وَقَدْ قَدَّمْت الْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ هُنَاكَ. ثُمَّ رَأَيْت الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين السُّبْكِيّ اِسْتَشْكَلَ الْقِصَّة ثُمَّ جَوَّزَ أَنَّهَا كَانَتْ تَخْدُم عَائِشَة قَبْل شِرَائِهَا أَوْ اِشْتَرَتْهَا وَأَخَّرَتْ عِتْقهَا إِلَى بَعْد الْفَتْح أَوْ دَامَ حُزْن زَوْجهَا عَلَيْهَا مُدَّة طَوِيلَة أَوْ كَانَ حَصَلَ الْفَسْخ وَطَلَبَ أَنْ تَرُدّهُ بِعَقْدٍ جَدِيد أَوْ كَانَتْ لِعَائِشَة ثُمَّ بَاعَتْهَا ثُمَّ اِسْتَعَادَتْهَا بَعْد الْكِتَابَة ا ه , وَأَقْوَى الِاحْتِمَالَات الْأَوَّل كَمَا تَرَى. ‏ ‏قَوْله ( لَوْ رَاجَعْته ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول بِمُثَنَّاةٍ وَاحِدَة وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ \" لَوْ رَاجَعْتِيهِ \" بِإِثْبَاتِ تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة بَعْد الْمُثَنَّاة وَهِيَ لُغَة ضَعِيفَة , وَزَادَ اِبْن مَاجَهْ \" فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدك \" وَظَاهِره أَنَّهُ كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَد. ‏ ‏قَوْله ( تَأْمُرنِي ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالَ لَا \" وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ الْأَمْر لَا يَنْحَصِر فِي صِيغَة اِفْعَلْ لِأَنَّهُ خَاطَبَهَا بِقَوْلِهِ \" لَوْ رَاجَعْتِيهِ. فَقَالَتْ : أَتَأْمُرُنِي \" أَيْ تُرِيد بِهَذَا الْقَوْل الْأَمْر فَيَجِبُ عَلَيَّ ؟ وَعِنْد اِبْن مَسْعُود مِنْ مُرْسَل اِبْن سِيرِينَ بِسَنَدٍ صَحِيح \" فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه أَشَيْءٌ وَاجِبٌ عَلَيَّ ؟ قَالَ : لَا \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ : إِنَّمَا أَنَا أَشْفَع ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ \" إِنَّمَا أَشْفَع \" أَيْ أَقُول ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الشَّفَاعَة لَهُ لَا عَلَى سَبِيل الْحَتْم عَلَيْك. ‏ ‏قَوْله ( فَلَا حَاجَة لِي فِيهِ ) ‏ ‏أَيْ فَإِذَا لَمْ تُلْزِمْنِي بِذَلِكَ لَا أَخْتَارُ الْعَوْد إِلَيْهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده \" لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا كُنْت عِنْده \". ‏"
    },
    {
        "id": "4876",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏فَأَبَى مَوَالِيهَا إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطُوا الْوَلَاءَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَأُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِلَحْمٍ فَقِيلَ إِنَّ هَذَا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏فَقَالَ هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏وَزَادَ فَخُيِّرَتْ مِنْ زَوْجِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( بَابٌ ) كَذَا لَهُمْ بِغَيْرِ تَرْجَمَة , وَهُوَ مِنْ مُتَعَلَّقَات مَا قَبْله , وَأَوْرَدَ فِيهِ قِصَّة بَرِيرَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء عَنْ شُعْبَة عَنْ الْحَكَم ‏ ‏وَهُوَ اِبْنُ عُتَيْبَة بِمُثَنَّاةٍ وَمُوَحَّدَة مُصَغَّر عَنْ إِبْرَاهِيم وَهُوَ النَّخَعِيُّ عَنْ الْأَسْوَد وَهُوَ اِبْنِ يَزِيد \" أَنَّ عَائِشَة أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِي بَرِيرَة \" فَسَاقَ الْقِصَّة مُخْتَصَرَة وَصُورَة سِيَاقه الْإِرْسَال , لَكِنْ أَوْرَدَهُ فِي كَفَّارَات الْأَيْمَان مُخْتَصَرًا عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ شُعْبَة فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة \" وَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي الْفَرَائِض عَنْ حَفْص اِبْنِ عُمَر عَنْ شُعْبَة وَزَادَ فِي آخِره \" قَالَ الْحَكَم : وَكَانَ زَوْجهَا حُرًّا \" ثُمَّ أَوْرَدَهُ بَعْده مِنْ طَرِيق مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ الْأَسْوَد أَنَّ عَائِشَة فَسَاقَ نَحْو سِيَاق الْبَاب وَزَادَ فِيهِ \" وَخُيِّرَتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسهَا وَقَالَتْ : لَوْ أُعْطِيت كَذَا وَكَذَا مَا كُنْت مَعَهُ , قَالَ الْأَسْوَد : وَكَانَ زَوْجهَا حُرًّا \" قَالَ الْبُخَارِيّ : قَوْل الْأَسْوَد مُنْقَطِع , وَقَوْل اِبْنِ عَبَّاس \" رَأَيْته عَبْدًا \" أَصَحّ. وَقَالَ فِي الَّذِي قَبْله فِي قَوْل الْحَكَم نَحْو ذَلِكَ , وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ عَقِب رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن رَجَاء هَذِهِ عَنْ آدَم عَنْ شُعْبَة وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه لَكِنْ قَالَ \" وَزَادَ : فَخُيِّرَتْ مِنْ زَوْجهَا \" وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الزَّكَاة عَنْ آدَم بِهَذَا الْإِسْنَاد فَلَمْ يَذْكُر هَذِهِ الزِّيَادَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ آدَم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَجَعَلَ الزِّيَادَة مِنْ قَوْل إِبْرَاهِيم وَلَفْظه فِي آخِره \" قَالَ الْحَكَم قَالَ إِبْرَاهِيم : وَكَانَ زَوْجهَا حُرًّا فَخُيِّرَتْ مِنْ زَوْجهَا \" فَظَهَرَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة مُدْرَجَة وَحَذَفَهَا فِي الزَّكَاة لِذَلِكَ , وَإِنَّمَا أَوْرَدَهَا هُنَا مُشِيرًا إِلَى أَنَّ أَصْل التَّخْيِير فِي قِصَّة بَرِيرَة ثَابِت مِنْ طَرِيق أُخْرَى وَقَدْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" : لَمْ يُخْتَلَف عَلَى عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا , وَكَذَا قَالَ جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة , وَأَبُو الْأَسْوَد وَأُسَامَة بْن زَيْد عَنْ الْقَاسِم. قُلْت : وَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاة فِيهِ غَلَط , فَأَخْرَجَ قَاسِمِ بْن أَصْبَغ فِي مُصَنَّفه وَابْن حَزْم مِنْ طَرِيقه قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدْ بْن يَزِيد الْمُعَلَّم حَدَّثَنَا مُوسَى بْن مُعَاوِيَة عَنْ جَرِير عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة \" كَانَ زَوْج بَرِيرَة حُرًّا \" وَهَذَا وَهْم مِنْ مُوسَى أَوْ مِنْ أَحْمَد , فَإِنَّ الْحُفَّاظ مِنْ أَصْحَاب هِشَام وَمِنْ أَصْحَاب جَرِير قَالُوا كَانَ عَبْدًا , مِنْهُمْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَحَدِيثه عَنْ النَّسَائِيِّ , وَعُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة وَحَدِيثه عِنْد أَبِي دَاوُدَ , وَعَلِيّ بْن حَجَرِ وَحَدِيثه عِنْد التِّرْمِذِيّ , وَأَصْله عِنْد مُسْلِم وَأَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَكَذَا قَالَ أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ هَشَّام بْن عُرْوَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ أَبِيهِ. قُلْت : وَرَوَاهُ شُعْبَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن فَقَالَ كَانَ حُرًّا , ثُمَّ رَجَعَ عَبْد الرَّحْمَن فَقَالَ مَا أَدْرِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِتْق قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ عِمْرَان بْن حَدِير عَنْ عِكْرِمَة عَنْ عَائِشَة كَانَ حُرًّا وَهُوَ وَهْم , قُلْت : فِي شَيْئَيْنِ فِي قَوْله حُرّ وَفِي قَوْله عَائِشَة , وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ رِوَايَة عِكْرِمَة عَنْ اِبْنِ عَبَّاس , وَلَمْ يُخْتَلَف عَلَى اِبْنِ عَبَّاس فِي أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا , وَكَذَا جَزَمَ بِهِ التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْنِ عُمَر وَحَدِيثه عِنْد الشَّافِعِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرهمَا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث صَفِيَّة بِنْتِ أَبِي عُبَيْد قَالَتْ كَانَ زَوْج بَرِيرَة عَبْدًا وَسَنَده صَحِيح , وَقَالَ النَّوَوِيّ : يُؤَيِّد قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا قَوْل عَائِشَة كَانَ عَبْدًا , وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرهَا , فَأَخْبَرَتْ وَهِيَ صَاحِبَة الْقِصَّة بِأَنَّهُ كَانَ عَبْدًا , ثُمَّ عَلَّلَتْ بِقَوْلِهَا \" وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرهَا \" وَمِثْل هَذَا لَا يَكَاد أَحَد يَقُولهُ إِلَّا تَوْقِيفًا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة جَرِير عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة فِي آخِرِ الْحَدِيث , وَهِيَ مُدْرَجَة مِنْ قَوْل عُرْوَة , بَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة مَالِك وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ. نَعَمْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أُسَامَة بْن زَيْد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" كَانَتْ بَرِيرَة مُكَاتَبَة لِأُنَاسٍ مِنْ الْأَنْصَار وَكَانَتْ تَحْتَ عَبْد \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ , وَأُسَامَة فِيهِ مَقَال , وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقَال إِلَّا بِتَوْقِيفٍ فَمَرْدُودَة فَإِنَّ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَجَالًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا تَوْجِيهه مِنْ حَيْثُ النَّظَر أَيْضًا , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ \" وَقَالَ إِبْرَاهِيم عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة : كَانَ حُرًّا \". قُلْت : وَأَصْرَح مَا رَأَيْته فِي ذَلِكَ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" حَدَّثَنَا الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : كَانَ زَوْج بَرِيرَة حُرًّا فَلَمَّا عَتَقَتْ خُيِّرَتْ \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَدْ عَنْهُ , وَأَخْرَجَ اِبْنِ أَبِي شَيْبَة عَنْ إِدْرِيس عَنْ الْأَعْمَش بِهَذَا السَّنَد عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" كَانَ زَوْج بَرِيرَة حُرًّا \" وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ النَّخَعِيّ عَنْ الْأَسْوَد أَنَّ عَائِشَة حَدَّثَتْهُ \" أَنَّ زَوْج بَرِيرَة كَانَ حُرًّا حِين أُعْتِقَتْ \" فَدَلَّتْ الرِّوَايَات الْمُفَصَّلَة الَّتِي قَدَّمْتهَا آنِفًا عَلَى أَنَّهُ مَدْرَج مِنْ قَوْل الْأَسْوَد أَوْ مَنْ دُونه فَيَكُونُ مِنْ أَمْثِلَة مَا أُدْرِجَ فِي أَوَّلِ الْخَبَر وَهُوَ نَادِر فَإِنَّ الْأَكْثَر أَنْ يَكُونُ فِي آخِره وَدُونه أَنْ يَقَع فِي وَسَطِهِ , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُونَ مَوْصُولًا فَتُرَجَّح رِوَايَة مَنْ قَالَ كَانَ عَبْدًا بِالْكَثْرَةِ , وَأَيْضًا فَآلُ الْمَرْء أَعْرَف بِحَدِيثِهِ , فَإِنَّ الْقَاسِم اِبْنُ أَخِي عَائِشَة وَعُرْوَة اِبْنُ أُخْتهَا وَتَابَعَهُمَا غَيْرهمَا فَرِوَايَتهمَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَة الْأَسْوَد فَإِنَّهُمَا أَقْعَد بِعَائِشَةِ وَأَعْلَم بِحَدِيثِهَا وَاَللَّه أَعْلَم. وَيَتَرَجَّح أَيْضًا بِأَنَّ عَائِشَة كَانَتْ تَذْهَب إِلَى أَنَّ الْأَمَة إِذَا عَتَقَتْ تَحْت الْحُرّ لَا خِيَار لَهَا , وَهَذَا بِخِلَافِ مَا رَوَى الْعِرَاقِيُّونَ عَنْهَا فَكَانَ يَلْزَم عَلَى أَصْل مَذْهَبهمْ أَنْ يَأْخُذُوا بِقَوْلِهَا وَيَدَعُوا مَا رُوِيَ عَنْهَا لَا سِيَّمَا وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْهَا فِيهِ , وَادَّعَى بَعْضهمْ أَنَّهُ يُمْكِن الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِحَمْلِ قَوْل مَنْ قَالَ كَانَ عَبْدًا عَلَى اِعْتِبَار مَا كَانَ عَلَيْهِ ثُمَّ أُعْتِقَ , فَلِذَلِكَ قَالَ مَنْ قَالَ كَانَ حُرًّا , وَيَرُدّ هَذَا الْجَمْع مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْل عُرْوَة \" كَانَ عَبْدًا وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ تُخَيَّرْ \" وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ بِلَفْظِ \" أَنَّ زَوْج بَرِيرَة كَانَ عَبْدًا أَسْوَد يَوْم أَعْتَقَتْ \" فَهَذَا يُعَارِض الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة عَنْ الْأَسْوَد , وَيُعَارِض الِاحْتِمَال الْمَذْكُور اِحْتِمَال أَنْ يَكُونُ مَنْ قَالَ كَانَ حُرًّا أَرَادَ مَا آل إِلَيْهِ أَمْره , وَإِذَا تَعَارَضَا إِسْنَادًا وَاحْتِمَالًا اُحْتِيجَ إِلَى التَّرْجِيح وَرِوَايَة الْأَكْثَر يُرَجَّح بِهَا وَكَذَلِكَ الْأَحْفَظ وَكَذَلِكَ الْأَلْزَم , وَكُلّ ذَلِكَ مَوْجُود فِي جَانِبِ مَنْ قَالَ كَانَ عَبْدًا. وَفِي قِصَّة بَرِيرَة مِنْ الْفَوَائِد وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضهَا فِي الْمَسَاجِد وَفِي الزَّكَاة وَالْكَثِير مِنْهَا فِي الْعِتْق : جَوَاز الْمُكَاتَبَة بِالسُّنَّةِ تَقْرِيرًا لِحُكْمِ الْكِتَاب , وَقَدْ رَوَى اِبْنِ أَبِي شَيْبَة فِي \" الْأَوَائِل \" بِسَنَدٍ صَحِيح أَنَّهَا أَوَّلُ كِتَابَة كَانَتْ فِي الْإِسْلَام , وَيَرُدّ عَلَيْهِ قِصَّة سَلْمَان , فَيُجْمَع بِأَنَّ أَوَّلِيَّته فِي الرِّجَال وَأَوَّلِيَّة بَرِيرَة فِي النِّسَاء , وَقَدْ قِيلَ إِنَّ أَوَّلُ مُكَاتَب فِي الْإِسْلَام أَبُو أُمَيَّة عَبْد عُمَر , وَادَّعَى الرُّويَانِيّ أَنَّ الْكِتَابَة لَمْ تَكُنْ تُعْرَف فِي الْجَاهِلِيَّة وَخُولِفَ. وَيُؤْخَذ مِنْ مَشْرُوعِيَّة نُجُوم الْكِتَابَة الْبَيْع إِلَى أَجَلٍ وَالِاسْتِقْرَاض وَنَحْوِ ذَلِكَ , وَفِيهِ إِلْحَاق الْإِمَاء بِالْعَبِيدِ لِأَنَّ الْآيَة طَاهِرَة فِي الذُّكُور , وَفِيهِ جَوَاز كِتَابَة أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الرَّقِيقَيْنِ , وَيُلْحَق بِهِ جَوَاز بَيْع أَحَدِهِمَا دُونِ الْآخَر , وَجَوَاز كِتَابَة مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا حِرْفَة , كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ طَلَبِهَا مِنْ عَائِشَة الْإِعَانَة عَلَى حَالِهَا أَنْ يَكُونُ لَا مَالَ لَهَا وَلَا حِرْفَة , وَفِيهِ جَوَاز بَيْع الْمُكَاتَب إِذَا رَضِيَ وَلَمْ يُعَجِّزْ نَفْسه إِذَا وَقَعَ التَّرَاضِي بِذَلِكَ , وَحَمَلَهُ مَنْ مَنَعَ عَلَى أَنَّهَا عَجَّزَتْ نَفْسهَا قَبْل الْبَيْع وَيَحْتَاج إِلَى دَلِيل , وَقِيلَ إِنَّمَا وَقَعَ الْبَيْع عَلَى نُجُوم الْكِتَابَة وَهُوَ بَعِيد جِدًّا وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْمُكَاتَب عَبْد مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْء , فَيَتَفَرَّع مِنْهُ إِجْرَاء أَحْكَام الرَّقِيق كُلّهَا فِي النِّكَاح وَالْجِنَايَات وَالْحُدُود وَغَيْرهَا. وَقَدْ أَكْثَرَ بِسَرَدِهَا مَنْ ذَكَرْنَا أَنَّهُمْ جَمَعُوا الْفَوَائِد الْمُسْتَنْبَطَة مِنْ حَدِيث بَرِيرَة. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَدَّى أَكْثَرَ نُجُومه لَا يَعْتِقُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْأَكْثَر , وَأَنَّ مَنْ أَدَّى مِنْ النُّجُوم بِقَدْرِ قِيمَته يُعْتَق , وَأَنَّ مَنْ أَدَّى بَعْض نُجُومه لَمْ يُعْتَق مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ فِي شِرَاء بَرِيرَة مِنْ غَيْر اسْتِفْصَال. وَفِيهِ جَوَاز بَيْعِ الْمُكَاتَب وَالرَّقِيق بِشَرْطِ الْعِتْق , وَأَنَّ بَيْع الْأَمَة الْمُزَوَّجَة لَيْسَ طَلَاقًا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره قَرِيبًا وَأَنَّ عِتْقهَا لَيْسَ طَلَاقًا وَلَا فَسْخًا لِثُبُوتِ التَّخْيِير , فَلَوْ طَلُقَتْ بِذَلِكَ وَاحِدَة لَكَانَ لِزَوْجِهَا الرَّجْعَة وَلَمْ يَتَوَقَّف عَلَى إِذْنهَا , أَوْ ثَلَاثًا لَمْ يَقُلْ لَهَا لَوْ رَاجَعْتِيهِ لِأَنَّهَا مَا كَانَتْ تَحِلّ لَهُ إِلَّا بَعْد زَوْج آخَر , وَأَنَّ بَيْعهَا لَا يُبِيح لِمُشْتَرِيهَا وَطَأْهَا لِأَنَّ تَخْيِيرهَا يَدُلّ عَلَى بَقَاء عُلْقَة الْعِصْمَة وَأَنَّ سَيِّد الْمُكَاتَب لَا يَمْنَعهُ مِنْ الِاكْتِسَاب وَأَنَّ اِكْتِسَابه مِنْ حِين الْكِتَابَة يَكُونُ لَهُ جَوَاز سُؤَال الْمُكَاتَب مَنْ يُعِينهُ عَلَى بَعْض نُجُومه وَإِنْ لَمْ تَحِلّ , وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي تَعْجِيزه , وَجَوَاز سُؤَال مَا لَا يُضْطَرّ السَّائِل إِلَيْهِ فِي الْحَال , وَجَوَاز الِاسْتِعَانَة بِالْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَة , وَجَوَاز تَصَرُّفهَا فِي مَالِهَا بِغَيْرِ إِذْن زَوْجهَا , وَبَذْل الْمَال فِي طَلَب الْأَجْر حَتَّى فِي الشِّرَاء بِالزِّيَادَةِ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْل بِقَصْدِ التَّقَرُّب بِالْعِتْقِ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز شِرَاء مَنْ يَكُونُ مُطْلَق التَّصَرُّف السِّلْعَة بِأَكْثَر مِنْ ثَمَنِهَا لِأَنَّ عَائِشَة بَذَلَتْ نَقْدًا مَا جَعَلُوهُ نَسِيئَة فِي تِسْع سِنِينَ لِحُصُولِ الرَّغْبَة فِي النَّقْد أَكْثَرِ مِنْ النَّسِيئَة , وَجَوَاز السُّؤَال فِي الْجُمْلَة لِمَنْ يَتَوَقَّع الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ فَتُحْمَلُ الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي الزَّجْر عَنْ السُّؤَال عَلَى الْأَوْلَوِيَّة. وَفِيهِ جَوَاز سَعْي الْمَرْقُوق فِي فِكَاك رَقَبَتِهِ وَلَوْ كَانَ بِسُؤَالِ مَنْ يَشْتَرِي لِيَعْتِق وَإِنْ أَضَرّ ذَلِكَ بِسَيِّدِهِ لِتَشَوُّفِ الشَّارِع إِلَى الْعِتْق , وَفِيهِ بُطْلَان الشُّرُوط الْفَاسِدَة فِي الْمُعَامَلَات وَصِحَّة الشُّرُوط الْمَشْرُوعَة لِمَفْهُومِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كُلّ شَرْط لَيْسَ فِي كِتَاب اللَّه فَهُوَ بَاطِل \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطه فِي الشُّرُوط , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَنْ اِسْتَثْنَى خِدْمَة الْمَرْقُوق عِنْد بَيْعه لَمْ يَصِحّ شَرْطه , وَأَنَّ مَنْ شَرَطَ شَرْطًا فَاسِدًا لَمْ يَسْتَحِقّ الْعُقُوبَة إِلَّا إِنْ عَلِمَ بِتَحْرِيمِهِ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ , وَأَنَّ سَيِّد الْمُكَاتَب لَا يَمْنَعهُ مِنْ السَّعْي فِي تَحْصِيل مَالِ الْكِتَابَة وَلَوْ كَانَ حَقّه فِي الْخِدْمَة ثَابِتًا , وَأَنَّ الْمُكَاتَب إِذَا أَدَّى نُجُومه مِنْ الصَّدَقَة لَمْ يَرُدّهَا السَّعِيد وَإِذَا أَدَّى نُجُومه قَبْل حُلُولهَا كَذَلِكَ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ يَعْتِقُ أَخْذًا مِنْ قَوْل مَوَالِي بَرِيرَة \" إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِب عَلَيْك \" فَإِنَّ ظَاهِرِهِ فِي قَبُول تَعْجِيل مَا اِتَّفَقُوا عَلَى تَأْجِيله وَمِنْ لَازِمِهِ حُصُول الْعِتْق , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ مَنْ تَبَرَّعَ عَنْ الْمُكَاتَب بِمَا عَلَيْهِ عَتَقَ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَم وُجُوب الْوَضْع عَنْ الْمُكَاتَب لِقَوْلِ عَائِشَة \" أَعُدّهَا لَهُمْ عَدَّة وَاحِدَة \" وَلَمْ يُنْكَر , وَأُجِيبَ بِجَوَازِ قَصْد دَفْعهمْ لَهَا بَعْد الْقَبْض. وَفِيهِ جَوَاز إِبْطَال الْكِتَابَة وَفَسْخ عَقْدهَا إِذَا تَرَاضَى السَّيِّد وَالْعَبْد , وَإِنْ كَانَ فِيهِ إِبْطَال التَّحْرِير لِتَقْرِيرِ بَرِيرَة عَلَى السَّعْي بَيْن عَائِشَة وَمَوَالِيهَا فِي فَسْخ كِتَابَتهَا لِتَشْتَرِيَهَا عَائِشَة. وَفِيهِ ثُبُوت الْوَلَاء لِلْمُعْتِقِ وَالرَّدّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ , وَيُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ عِدَّة مَسَائِل كَعِتْقِ السَّائِبَة وَاللَّقِيط وَالْحَلِيف وَنَحْوِ ذَلِكَ كَثُرَ بِهَا الْعَدَد مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى حَدِيث بَرِيرَة. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْخُطْبَة فِي الْأَمْر الْمُهِمّ وَالْقِيَام فِيهَا , وَتَقْدِمَةُ الْحَمْد وَالثَّنَاء , وَقَوْل أَمَّا بَعْد عِنْد اِبْتِدَاء الْكَلَام فِي الْحَاجَة , وَأَنَّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ مَا يُنْكَر اُسْتُحِبَّ عَدَم تَعْيِينه ; وَأَنَّ اِسْتِعْمَال السَّجْع فِي الْكَلَام لَا يُكْرَه إِلَّا إِذَا قَصَدَ إِلَيْهِ وَوَقَعَ مُتَكَلَّفًا. وَفِيهِ جَوَاز الْيَمِين فِيمَا لَا تَجِب فِيهِ وَلَا سِيَّمَا عِنْد الْعَزْم عَلَى فِعْل شَيْء , وَأَنَّ لَغْو الْيَمِين لَا كَفَّارَة فِيهِ لِأَنَّ عَائِشَة حَلَفْت أَنْ لَا تَشْتَرِط ثُمَّ قَالَ لَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِشْتَرِطِي وَلَمْ يُنْقَل كَفَّارَة. وَفِيهِ مُنَاجَاة الِاثْنَيْنِ بِحَضْرَةِ الثَّالِث فِي الْأَمْر يَسْتَحِي مِنْهُ الْمُنَاجِي وَيَعْلَم أَنَّ مَنْ نَاجَاهُ يُعْلِم الثَّالِث بِهِ وَيُسْتَثْنَى ذَلِكَ مِنْ النَّهْي الْوَارِد فِيهِ , وَفِيهِ جَوَاز سُؤَال الثَّالِث عَنْ الْمُنَاجَاة الْمَذْكُورَة إِذَا ظَنَّ أَنَّ لَهُ تَعَلُّقًا بِهِ وَجَوَاز إِظْهَار السِّرّ فِي ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَة لِلْمُنَاجِي. وَفِيهِ جَوَاز الْمُسَاوَمَة فِي الْمُعَامَلَة وَالتَّوْكِيل فِيهَا وَلَوْ لِلرَّقِيقِ , وَاسْتِخْدَام الرَّقِيق فِي الْأَمْر الَّذِي يَتَعَلَّق بِمَوَالِيهِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنُوا فِي ذَلِكَ بِخُصُوصِهِ. وَفِيهِ ثُبُوت الْوَلَاء لِلْمَرْأَةِ الْمُعْتِقَة فَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُوم الْوَلَاء لُحْمَة كَلُحْمَةِ النَّسَب فَإِنَّ الْوَلَاء لَا يَنْتَقِل إِلَى الْمَرْأَة بِالْإِرْثِ بِخِلَافِ النَّسَب. وَفِيهِ أَنَّ الْكَافِر يَرِثُ وَلَاء عَتِيقه الْمُسْلِم وَإِنْ كَانَ لَا يَرِثُ قَرِيبه الْمُسْلِم , وَأَنَّ الْوَلَاء لَا يُبَاع وَلَا يُوهَب وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ مُفْرَد فِي الْعِتْق , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَعْنَى قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" الْوَلَاء لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِق \" أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُعْطَى الْمَالِك لَا مَنْ بَاشَرَ الْإِعْطَاء مُطْلَقًا فَلَا يَدْخُل الْوَكِيل , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ عِنْد أَحْمَد \" لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِق وَوَلِيَ النِّعْمَة \" وَفِيهِ ثُبُوت الْخِيَار لِلْأَمَةِ إِذَا عَتَقَتْ عَلَى التَّفْصِيل الْمُتَقَدِّم وَأَنَّ خِيَارهَا يَكُونُ عَلَى الْفَوْر لِقَوْلِهِ فِي بَعْض طُرُقه \" إِنَّهَا عَتَقَتْ فَدَعَاهَا فَخَيَّرَهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسهَا \" وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ أَقْوَال : ‏"
    },
    {
        "id": "4877",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ قَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا أَعْلَمُ مِنْ الْإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏وَهُوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4878",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْمُؤْمِنِينَ كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ لَا يُقَاتِلُهُمْ وَلَا يُقَاتِلُونَهُ وَكَانَ إِذَا هَاجَرَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَمَةٌ فَهُمَا حُرَّانِ وَلَهُمَا مَا ‏ ‏لِلْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ مِثْلَ حَدِيثِ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ أَهْلِ الْعَهْدِ لَمْ يُرَدُّوا وَرُدَّتْ أَثْمَانُهُمْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏كَانَتْ قَرِيبَةُ بِنْتُ ‏ ‏أَبِي أُمَيَّةَ ‏ ‏عِنْدَ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ‏ ‏فَطَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَهَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏وَكَانَتْ ‏ ‏أُمُّ الْحَكَمِ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏تَحْتَ ‏ ‏عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ الْفِهْرِيِّ ‏ ‏فَطَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَهَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمانَ الثَّقَفِيُّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنْبَأَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عَطَاء ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى شَيْء مَحْذُوف , كَأَنَّهُ كَانَ فِي جُمْلَة أَحَادِيث حَدَّثَ بِهَا اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء ثُمَّ قَالَ \" وَقَالَ عَطَاء \" كَمَا قَالَ بَعْد فَرَاغه مِنْ الْحَدِيث \" قَالَ وَقَالَ عَطَاء \" فَذَكَرَ الْحَدِيث الثَّانِي بَعْد سِيَاقه مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ مِثْل حَدِيث مُجَاهِد. وَفِي هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد عِلَّة كَاَلَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي تَفْسِير سُورَة نُوح , وَقَدْ قَدَّمْت الْجَوَاب عَنْهَا , وَحَاصِلهَا أَنَّ أَبَا مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ جَزَمُوا بِأَنَّ عَطَاء الْمَذْكُور هُوَ الْخُرَاسَانِيّ , وَأَنَّ اِبْن جَرِير لَمْ يَسْمَع مِنْهُ التَّفْسِير وَإِنَّمَا أَخَذَهُ عَنْ أَبِيهِ عُثْمَان عَنْهُ , وَعُثْمَان ضَعِيف , وَعَطَاء الْخُرَاسَانِيّ لَمْ يَسْمَع مِنْ اِبْن عَبَّاس وَحَاصِله الْجَوَاب جَوَاز أَنْ يَكُون الْحَدِيث عِنْد اِبْن جُرَيْجٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ , لِأَنَّ مِثْل ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَى الْبُخَارِيّ مَعَ تَشَدُّده فِي شَرْط الِاتِّصَال , مَعَ كَوْن الَّذِي نَبَّهَ عَلَى الْعِلَّة الْمَذْكُورَة هُوَ عَلَى بْن الْمَدِينِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ الْمَشْهُور بِهِ , وَعَلَيْهِ يُعَوَّل غَالِبًا فِي هَذَا الْفَنّ خُصُوصًا عِلَل الْحَدِيث. وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَج هَذَا الْحَدِيث عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيّ ثُمَّ عَلَى أَبِي نُعَيْمٍ فَلَمْ يُخْرِجَاهُ إِلَّا مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ نَفْسه. ‏ ‏قَوْله ( لَمْ تُخْطَب ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله ‏ ‏( حَتَّى تَحِيض وَتَطْهُر ) ‏ ‏تَمَسَّكَ بِظَاهِرِهِ الْحَنَفِيَّة , وَأَجَابَ الْجُمْهُور بِأَنَّ الْمُرَاد تَحِيض ثَلَاث حِيَض , لِأَنَّهَا صَارَتْ بِإِسْلَامِهَا وَهِجْرَتهَا مِنْ الْحَرَائِر بِخِلَافِ مَا لَوْ سُبِيَتْ. وَقَوْله \" فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا مَعَهَا \" يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ أَهْل الْحَرْب. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ أَهْل الْعَهْد مِثْل حَدِيث مُجَاهِد ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَعْنِي بِحَدِيثِ مُجَاهِد الَّذِي وَصَفَهُ بِالْمِثْلِيَّةِ الْكَلَام الْمَذْكُور بَعْد هَذَا وَهُوَ قَوْله \" وَإِنْ هَاجَرَ عَبْد أَوْ أَمَة لِلْمُشْرِكِينَ إِلَخْ \" , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد بِهِ كَلَامًا آخَر يَتَعَلَّق بِنِسَاءِ أَهْل الْعَهْد وَهُوَ أَوْلَى , لِأَنَّهُ قَسَمَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى قِسْمَيْنِ : أَهْل حَرْب , وَأَهْل عَهْد. وَذَكَرَ حُكْم نِسَاء أَهْل الْحَرْب ثُمَّ حُكْم أَرِقَّائِهِمْ , فَكَأَنَّهُ أَحَالَ بِحُكْمِ نِسَاء أَهْل الْعَهْد عَلَى حَدِيث مُجَاهِد , ثُمَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ حُكْم أَرِقَّائِهِمْ. وَحَدِيث مُجَاهِد فِي ذَلِكَ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْهُ فِي قَوْله ( وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ ) أَيْ إِنْ أَصَبْتُمْ مَغْنَمًا مِنْ قُرَيْش فَاعْطُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجهمْ مِثْل مَا أَنْفَقُوا عِوَضًا , وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَوَّلًا عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ كَمَا بَيَّنْته قَبْلُ. ‏ ‏قَوْله ( كَانَتْ قُرَيْبَة ) ‏ ‏بِالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَة مُصَغَّرَة فِي أَكْثَر النُّسَخ , وَضَبَطَهَا الدِّمْيَاطِيّ بِفَتْحِ الْقَاف وَتَبِعَهُ الذَّهَبِيّ , وَكَذَلِكَ هُوَ فِي نُسْخَة مُعْتَمَدَة مِنْ طَبَقَات اِبْن سَعْد. وَكَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ فِي حَدِيث عَائِشَة الْمَاضِي فِي الشُّرُوط. وَلِلْأَكْثَرِ بِالتَّصْعِيرِ كَاَلَّذِي هُنَا , وَحَكَى اِبْن التِّين فِي هَذَا الِاسْم الْوَجْهَيْنِ , وَقَالَ شَيْخنَا فِي الْقَامُوس بِالتَّصْغِيرِ وَقَدْ تُفْتَح. ‏ ‏قَوْله ( اِبْنَة أَبِي أُمَيَّة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْمُغِيرَة بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن مَخْزُوم , وَهِيَ أُخْت أُمّ سَلَمَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَسْلَمَتْ فِي هَذَا الْوَقْت , وَهُوَ مَا بَيْن عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة وَفَتْح مَكَّة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي النَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيح مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام عَنْ أُمّ سَلَمَة فِي قِصَّة تَزْوِيج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا فَفِيهِ \" وَكَانَتْ أُمّ سَلَمَة تُرْضِع زَيْنَب بِنْتهَا فَجَاءَ عَمَّار فَأَخَذَهَا , فَجَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَيْنَ زُنَابُ ؟ فَقَالَتْ قُرَيْبَة بِنْت أَبِي أُمَيَّة صَادَفَهَا عِنْدهَا : أَخَذَهَا عَمَّار \" الْحَدِيث فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا هَاجَرَتْ قَدِيمًا لِأَنَّ تَزْوِيج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمِّ سَلَمَة كَانَ بَعْد أُحُد وَقَبْل الْحُدَيْبِيَة بِثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَكْثَر , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون جَاءَتْ إِلَى الْمُدِينَة زَائِرَة لِأُخْتِهَا قَبْل أَنْ تُسْلِم , أَوْ كَانَتْ مُقِيمَة عِنْد زَوْجهَا عُمَر عَلَى دِينهَا قَبْل أَنْ تَنْزِل الْآيَة , وَلَيْسَ فِي مُجَرَّد كَوْنهَا كَانَتْ حَاضِرَة عِنْد تَزْوِيج أُخْتهَا أَنْ تَكُون حِينَئِذٍ مُسْلِمَة. لَكِنْ يَرُدّهُ أَنَّ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ لَمَّا نَزَلَتْ ( وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر ) فَذَكَرَ الْقِصَّة وَفِيهَا \" فَطَلَّقَ عُمَر اِمْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ بِمَكَّة \" فَهَذَا يَرُدّ أَنَّهَا كَانَتْ مُقِيمَة وَلَا يَرُدّ أَنَّهَا جَاءَتْ زَائِرَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لِأُمِّ سَلَمَة أُخْتَانِ كُلّ مِنْهُمَا تُسَمَّى قُرَيْبَة تَقَدَّمَ إِسْلَام إِحْدَاهُمَا وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة عِنْد تَزْوِيج أُمّ سَلَمَة وَتَأَخَّرَ إِسْلَام الْأُخْرَى وَهِيَ الْمَذْكُورَة هُنَا , وَيُؤَيِّد هَذَا الثَّانِي أَنَّ اِبْن سَعْد قَالَ فِي \" الطَّبَقَات \" قُرَيْبَة الصُّغْرَى بِنْت أَبِي أُمَيَّة أُخْت أُمّ سَلَمَة تَزَوَّجَهَا عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْد اللَّه وَحَفْصَة وَأُمّ حَكِيم , وَسَاقَ بِسَنَدٍ صَحِيح أَنَّ قُرَيْبَة قَالَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَن وَكَانَ فِي خُلُقه شِدَّة \" لَقَدْ حَذَّرُونِي مِنْك , قَالَ : فَأَمْرك بِيَدِك , قَالَتْ : لَا أَخْتَار عَلَى اِبْن الصِّدِّيق أَحَدًا. فَأَقَامَ عَلَيْهَا \" وَتَقَدَّمَ فِي الشُّرُوط مِنْ وَجْه آخَر فِي هَذِهِ الْقِصَّة فِي آخِر حَدِيث الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ مَرْوَان وَالْمِسْوَر فَذَكَرَ الْحَدِيث ثُمَّ قَالَ \" وَبَلَغْنَا أَنَّ عُمَر طَلَّقَ اِمْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْك قُرَيْبَة وَابْنَة أَبِي جَرْوَل , فَتَزَوَّجَ قُرَيْبَة مُعَاوِيَة وَتَزَوَّجَ الْأُخْرَى أَبُو جَهْم بْن حُذَيْفَة \" وَهُوَ مُطَابِق لِمَا هُنَا وَزَائِد عَلَيْهِ , وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر مِثْله لَكِنْ قَالَ \" وَتَزَوَّجَ الْأُخْرَى صَفْوَان بْن أُمَيَّة \" فَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يَكُون أَحَدهمَا تَزَوَّجَ قَبْل الْآخِر وَأَمَّا بِنْت أَبِي جَرْوَل فَوَقَعَ فِي الْمَغَازِي الْكُبْرَى لِابْنِ إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة أَنَّهَا أُمّ كُلْثُوم بِنْت عَمْرو بْن جَرْوَل \" فَكَأَنَّ أَبَاهَا كَنَّى بِاسْمِ وَالِده , وَجَرْوَل بِفَتْحِ الْجِيم , وَقَدْ بَيَّنْت فِي آخِر الْحَدِيث الطَّوِيل فِي الشُّرُوط أَنَّ الْقَائِل \" وَبَلَغْنَا \" هُوَ الزُّهْرِيُّ وَبَيَّنْت هُنَاكَ مَنْ وَصَلَهُ عَنْهُ مِنْ الرُّوَاة وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم بِسَنَدٍ حَسَنٍ مِنْ رِوَايَة بَنِي طَلْحَة مُسَلْسَلًا بِهِمْ عَنْ مُوسَى بْن طَلْحَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة ( وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر ) طَلَّقْت اِمْرَأَتِي أَرْوَى بِنْت رَبِيعَة بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَطَلَّقَ عُمَر قُرَيْبَة وَأُمّ كُلْثُوم بِنْت جَرْوَل \" وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق سَلَمَة بْن الْفَضْل عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق قَالَ \" قَالَ الزُّهْرِيُّ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة طَلَّقَ عُمَر قُرَيْبَة وَأُمّ كُلْثُوم وَطَلَّقَ طَلْحَة أَرْوَى بِنْت رَبِيعَة فَرَّقَ بَيْنهمَا الْإِسْلَام , حَتَّى نَزَلَتْ ( وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر ) ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْد أَنْ أَسْلَمَتْ خَالِد بْن سَعِيد بْن الْعَاصِي \". وَاخْتُلِفَ فِي تَرْك رَدّ النِّسَاء إِلَى أَهْل مَكَّة مَعَ وُقُوع الصُّلْح بَيْنهمْ وَبَيْن الْمُسْلِمِينَ فِي الْحُدَيْبِيَة عَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ رَدُّوهُ وَمَنْ جَاءَ مِنْ الْمُسْمَلِينَ إِلَيْهِمْ لَمْ يَرُدُّوهُ هَلْ نُسِخَ حُكْم النِّسَاء مِنْ ذَلِكَ فَمُنِعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ رَدّهنَّ أَوْ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي أَصْل الصُّلْح أَوْ هُوَ عَامّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوص وَبَيَّنَ ذَلِكَ عِنْد نُزُول الْآيَة ؟ وَقَدْ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِالثَّانِي بِمَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه \" عَلَى أَنْ لَا يَأْتِيك مِنَّا رَجُل إِلَّا رَدَدْته \" فَمَفْهُومه أَنَّ النِّسَاء لَمْ يَدْخُلْنَ وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق مُقَاتِل بْن حَيَّانِ \" أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رُدَّ عَلَيْنَا مَنْ هَاجَرَ مِنْ نِسَائِنَا , فَإِنَّ شَرْطَنَا أَنَّ مَنْ أَتَاك مِنَّا أَنْ تَرُدَّهُ عَلَيْنَا. فَقَالَ : كَانَ الشَّرْط فِي الرِّجَال وَلَمْ يَكُنْ فِي النِّسَاء \" وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ كَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ , لَكِنْ يُؤَيِّد الْأَوَّل وَالثَّالِث مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الشُّرُوط أَنَّ أُمّ كُلْثُوم بِنْت عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْطٍ لَمَّا هَاجَرَتْ جَاءَ أَهْلهَا يَسْأَلُونَ رَدّهَا فَلَمْ يَرُدّهَا لَمَّا نَزَلَتْ ( إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَات مُهَاجِرَات ) الْآيَة , وَالْمُرَاد قَوْله فِيهَا ( فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار ) وَذَكَرَ اِبْن الطِّلَاع فِي أَحْكَامه أَنَّ سُبَيْعَة الْأَسْلَمِيَّة هَاجَرَتْ فَأَقْبَلَ زَوْجهَا فِي طَلَبهَا , فَنَزَلَتْ الْآيَة , فَرَدَّ عَلَى زَوْجهَا مَهْرهَا وَاَلَّذِي أَنْفَقَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَرُدّهَا , وَاسْتُشْكِلَ هَذَا بِمَا فِي الصَّحِيح أَنَّ سُبَيْعَة الْأَسْلَمِيَّة مَاتَ عَنْهَا سَعْد بْن خَوْلَة وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا فِي حَجَّة الْوَدَاع , فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا تَقَدَّمَتْ هِجْرَتهَا وَهِجْرَة زَوْجهَا , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يَكُون سَعْد بْن خَوْلَة إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا بَعْد أَنْ هَاجَرَتْ , وَيَكُون الزَّوْج الَّذِي جَاءَ فِي طَلَبهَا وَلَمْ تُرَدّ عَلَيْهِ آخَر لَمْ يُسْلِم يَوْمَئِذٍ , وَقَدْ ذَكَرْت فِي أَوَّل الشُّرُوط أَسْمَاء عِدَّة مِمَّنْ هَاجَرَ مِنْ نِسَاء الْكُفَّار فِي هَذِهِ الْقِصَّة ‏"
    },
    {
        "id": "4879",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَتْ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمْتَحِنُهُنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ‏} ‏إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ لَا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ غَيْرَ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِالْكَلَامِ وَاللَّهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى النِّسَاءِ إِلَّا بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ قَدْ بَايَعْتُكُنَّ كَلَامًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر حَدَّثَنِي اِبْن وَهْب ) ‏ ‏ذَكَرَ أَبُو مَسْعُود أَنَّهُ وَصَلَهُ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر , وَقَدْ وَصَلَهُ أَيْضًا الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" عَنْ إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر وَسَيَأْتِي اللَّفْظ فِي الْبُخَارِيّ كَرِوَايَةِ يُونُس , فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي الطَّاهِر بْن السَّرْح عَنْ اِبْن وَهْب كَذَلِكَ , وَأَمَّا لَفْظ رِوَايَة عَقِيل فَتَقَدَّمَتْ فِي أَوَّل الشُّرُوط , وَأَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيّ إِلَى أَنَّ رِوَايَة عَقِيل الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب لَا تُخَالِفهَا. ‏ ‏قَوْله ( كَانَتْ الْمُؤْمِنَات إِذَا هَاجَرْنَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة قَبْل عَام الْفَتْح. ‏ ‏قَوْله ( يَمْتَحِنهُنَّ بِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى ) ‏ ‏أَيْ يَخْتَبِرهُنَّ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْإِيمَانِ فِيمَا يَرْجِع إِلَى ظَاهِر الْحَال دُون الِاطِّلَاع عَلَى مَا فِي الْقُلُوب , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ). ‏ ‏قَوْله ( مُهَاجِرَات ) ‏ ‏جَمْع مُهَاجِرَة وَالْمُهَاجَرَة بِفَتْحِ الْجِيم الْمُغَاضَبَة , قَالَ الْأَزْهَرِيّ : أَصْل الْهِجْرَة خُرُوج الْبَدْوِيّ مِنْ الْبَادِيَة إِلَى الْقَرْيَة وَإِقَامَته بِهَا , وَالْمُرَاد بِهَا هَاهُنَا خُرُوج النِّسْوَة مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة مُسْلِمَات. ‏ ‏قَوْله ( إِلَى آخِر الْآيَة ) ‏ ‏يَحْتَمِل الْآيَة بِعَيْنِهَا وَآخِرهَا ( وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالْآيَةِ الْقِصَّة وَآخِرهَا ( غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الشُّرُوط مِنْ طَرِيق عَقِيل وَحْده عَنْ اِبْن شِهَاب عَقِب حَدِيثه عَنْ عُرْوَة عَنْ الْمِسْوَر وَمَرْوَان \" قَالَ عُرْوَة فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْتَحِنهُنَّ بِهَذِهِ الْآيَة : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذًا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَات مُهَاجِرَات - إِلَى - غَفُورٌ رَحِيمٌ \" وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي تَفْسِير الْمُمْتَحِنَة. ‏ ‏قَوْله ( قَالَتْ عَائِشَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْط مِنْ الْمُؤْمِنَات فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ ) ‏ ‏يُشِير إِلَى شَرْط الْإِيمَان , وَأَوْضَح مِنْ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" كَانَ اِمْتِحَانهنَّ أَنْ يَشْهَدْنَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه \" وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَالْبَزَّار مِنْ طَرِيق أَبِي نَصْر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" كَانَ يَمْتَحِنهُنَّ : وَاَللَّهِ مَا خَرَجَتْ مِنْ بُغْض زَوْج , وَاَللَّهِ مَا خَرَجَتْ رَغْبَة عَنْ أَرْض , إِلَى أَرْض , وَاَللَّهِ مَا خَرَجَتْ اِلْتِمَاس دُنْيَا , وَاَللَّهِ مَا خَرَجَتْ إِلَّا حُبًّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ \" وَمِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد نَحْو هَذَا وَلَفْظه \" فَاسْأَلُوهُنَّ عَمَّا جَاءَ بِهِنَّ , فَإِنْ كَانَ مِنْ غَضَب عَلَى أَزْوَاجهنَّ أَوْ سُخْطه أَوْ غَيْره وَلَمْ يُؤْمِنَّ فَأَرْجِعُوهُنَّ إِلَى أَزْوَاجهنَّ \" وَمِنْ طَرِيق قَتَادَةَ \" كَانَتْ مِحْنَتهنَّ أَنْ يُسْتَحْلَفْنَ بِاَللَّهِ مَا أَخْرَجَكُنَّ نُشُوز , وَمَا أَخْرَجَكُنَّ إِلَّا حُبّ الْإِسْلَام وَأَهْله فَإِذَا قُلْنَ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُنَّ \" فَكُلّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي رِوَايَة الْعَوْفِيّ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى زِيَادَةٍ لَمْ يَذْكُرهَا. ‏ ‏قَوْله ( اِنْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ ) ‏ ‏بَيَّنَتْهُ بَعْد ذَلِكَ بِقَوْلِهَا فِي آخِرِ الْحَدِيث ( فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ كَلَامًا ) أَيْ كَلَامًا يَقُولهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَقِيل الْمَذْكُورَة \" كَلَامًا يُكَلِّمهَا بِهِ وَلَا يُبَايِع بِضَرْبِ الْيَد عَلَى الْيَد , كَمَا كَانَ يُبَايِع الرِّجَال \" وَقَدْ أَوْضَحَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا \" مَا مَسَّتْ يَد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَد اِمْرَأَة قَطُّ , زَادَ فِي رِوَايَة عَقِيل فِي الْمُبَايَعَة غَيْر أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِالْكَلَامِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْمُمْتَحِنَة وَفِي غَيْر مَوْضِع حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَفِيهِ \" حَتَّى أَتَى النِّسَاء فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَك الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَك - الْآيَة كُلّهَا. ثُمَّ قَالَ حِين فَرَغَ - : أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكَ ؟ فَقَالَتْ اِمْرَأَة مِنْهُنَّ نَعَمْ \" وَقَدْ وَرَدَ مَا قَدْ يُخَالِف ذَلِكَ , وَلَعَلَّهَا أَشَارَتْ إِلَى رَدّه , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِير سُورَة الْمُمْتَحِنَة. وَاخْتُلِفَ فِي اِسْتِمْرَار حُكْم اِمْتِحَان مَنْ هَاجَرَ مِنْ الْمُؤْمِنَات : فَقِيلَ مَنْسُوخ ,. بَلْ اِدَّعَى بَعْضهمْ الْإِجْمَاع عَلَى نَسْخه , وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4880",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَخِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏آلَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ نِسَائِهِ وَكَانَتْ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ فَأَقَامَ فِي ‏ ‏مَشْرُبَةٍ ‏ ‏لَهُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ثُمَّ نَزَلَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتَ شَهْرًا فَقَالَ الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس عَنْ أَخِيهِ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْر بْن عَبْد الْحَمِيد بْن أَبِي أُوَيْس عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه الْأَصْبَحِيّ اِبْن عَمّ مَالِك , وَسُلَيْمَان هُوَ اِبْن بِلَال , وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد بِالنِّسْبَةِ لِحُمَيْدٍ دَرَجَتَيْنِ , لِأَنَّهُ أَخْرَجَ فِي كِتَابه عَنْ بَعْض أَصْحَابه بِلَا وَاسِطَة كَمُحَمَّدِ بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ , وَدَرَجَة بِالنِّسْبَةِ لِسُلَيْمَان بْن بِلَال فَإِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْهُ الْكَثِير بِوَاسِطَةِ وَاحِد فَقَطْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ فِي الصِّيَام وَفِي النِّكَاح كَذَلِكَ , وَالنُّكْتَة فِي اِخْتِيَار هَذَا الْإِسْنَاد النَّازِل التَّصْرِيح فِيهِ عَنْ حُمَيْدٍ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَنَس , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان قَوْله \" آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا \" وَشَرْحه فِي أَوَاخِر الْكَلَام عَلَى شَرْح حَدِيث عُمَر فِي الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ فِي النِّكَاح , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس هَذَا فِي أَوَائِل الصَّلَاة زِيَادَة قِصَّة مَشْهُورَة سُقُوطه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْفَرَس وَصَلَاته بِأَصْحَابِهِ جَالِسًا , وَتَقَدَّمَ شَرْح الزِّيَادَة هُنَاكَ. وَمِنْ أَحْكَام الْإِيلَاء أَيْضًا عِنْد الْجُمْهُور أَنْ يَحْلِف عَلَى أَرْبَعَة أَشْهُر فَصَاعِدًا فَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَنْقَصَ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا , وَقَالَ إِسْحَاق إِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأ عَلَى يَوْم فَصَاعِدًا ثُمَّ لَمْ يَطَأ حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر كَانَ إِيلَاء , وَجَاءَ عَنْ بَعْض التَّابِعِينَ مِثْله وَأَنْكَرَهُ الْأَكْثَر , وَصَنِيع الْبُخَارِيّ ثُمَّ التِّرْمِذِيّ فِي إِدْخَال حَدِيث أَنَس فِي بَاب الْإِيلَاء يَقْتَضِي مُوَافَقَة إِسْحَاق فِي ذَلِكَ , وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ قَوْله تَعَالَى ( تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) عَلَى الْمُدَّة الَّتِي تُضْرَب لِلْمُولِي , فَإِنْ فَاءَ بَعْدهَا وَإِلَّا أُلْزِمَ بِالطَّلَاقِ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء \" إِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَقْرَب اِمْرَأَته - سَمَّى أَجَلًا أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ - فَإِنْ مَضَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر \" يَعْنِي أُلْزِمَ حُكْم الْإِيلَاء. وَأَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ \" إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبهَا اللَّيْلَة , فَتَرَكَهَا أَرْبَعَة أَشْهُر مِنْ أَجَل يَمِينه تِلْكَ فَهُوَ إِيلَاء \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَانَ إِيلَاء الْجَاهِلِيَّة السَّنَة وَالسَّنَتَيْنِ , فَوَقَّتَ اللَّهُ لَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُر , فَمَنْ كَانَ إِيلَاؤُهُ أَقَلّ مِنْ أَرْبَعَة أَشْهُر فَلَيْسَ بِإِيلَاءٍ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4881",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ يَقُولُ فِي الْإِيلَاءِ الَّذِي سَمَّى اللَّهُ ‏ ‏لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدَ الْأَجَلِ إِلَّا أَنْ يُمْسِكَ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يَعْزِمَ بِالطَّلَاقِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يُوقَفُ حَتَّى يُطَلِّقَ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يُطَلِّقَ ‏ ‏وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏وَعَلِيٍّ ‏ ‏وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ‏ ‏وَعَائِشَةَ ‏ ‏وَاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا كَانَ يَقُول فِي الْإِيلَاء الَّذِي سَمَّى اللَّه تَعَالَى : لَا يَحِلّ لِأَحَدٍ بَعْد الْأَجَل ) ‏ ‏الَّذِي يَحْلِف عَلَيْهِ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ زَوْجَته ‏ ‏( إِلَّا أَنْ يُمْسِك بِالْمَعْرُوفِ , أَوْ يَعْزِم كَمَا أَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ) ‏ ‏هُوَ قَوْل الْجُمْهُور فِي أَنَّ الْمُدَّة إِذَا اِنْقَضَتْ يُخَيَّرُ الْحَالِف : فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ , وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّق. وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ إِنْ فَاءَ بِالْجِمَاعِ قَبْل اِنْقِضَاء الْمُدَّة اِسْتَمَرَّتْ عِصْمَته , وَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّة وَقَعَ الطَّلَاق بِنَفْسِ مُضِيّ الْمُدَّة قِيَاسًا عَلَى الْعِدَّة , لِأَنَّهُ لَا تَرَبُّص عَلَى الْمَرْأَة بَعْد اِنْقِضَائِهَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ظَاهِر الْقُرْآن التَّفْصِيل فِي الْإِيلَاء بَعْد مُضِيّ الْمُدَّة , بِخِلَافِ الْعِدَّة فَإِنَّهَا شُرِعَتْ فِي الْأَصْل لِلْبَائِنَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا بَعْد اِنْقِطَاع عِصْمَتهَا لِبَرَاءَةِ الرَّحِم فَلَمْ يَبْقَ بَعْد مُضِيّ الْمُدَّة تَفْصِيل وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَبِسَنَدٍ آخَر لَا بَأْس بِهِ عَنْ عَلِيّ \" إِنْ مَضَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر وَلَمْ يَفِئْ طَلُقَتْ طَلْقَة بَائِنَة \" وَبِسَنَدٍ حَسَن عَنْ عَلِيّ وَزَيْد بْن ثَابِت مِثْله , وَعَنْ جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ مِنْ الْكُوفِيِّينَ وَمِنْ غَيْرهمْ كَابْنِ الْحَنَفِيَّة وَقَبِيصَة بْن ذُؤَيْب وَعَطَاء وَالْحَسَن وَابْن سِيرِينَ مِثْله , وَمِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَأَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن وَرَبِيعَة وَمَكْحُول وَالزُّهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيِّ تَطْلُقُ لَكِنْ طَلْقَة رَجْعِيَّة. وَأَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق جَابِر بْن زَيْد \" إِذَا آلَى فَمَضَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر طَلُقَتْ بَائِنًا وَلَا عِدَّة عَلَيْهَا \" وَأَخْرَجَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي \" أَحْكَام الْقُرْآن \" بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله , وَأَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق مَسْرُوق \" إِذَا مَضَتْ الْأَرْبَعَة بَانَتْ بِطَلْقَةٍ وَتَعْتَدّ بِثَلَاثِ حِيَض \" وَأَخْرَجَ إِسْمَاعِيل مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مَسْرُوق عَنْ اِبْن مَسْعُود مِثْله , وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَبِي قِلَابَةَ \" أَنَّ النُّعْمَان بْن بَشِير آلَى مِنْ اِمْرَأَته , فَقَالَ اِبْن مَسْعُود. إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ بِتَطْلِيقَةٍ \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏سَقَطَ أَثَر اِبْن عُمَر هَذَا وَأَثَره الْمَذْكُور بَعْد ذَلِكَ وَكَذَا مَا بَعْده إِلَى آخِر الْبَاب مِنْ رِوَايَة النَّسَفِيِّ , وَثَبَتَ لِلْبَاقِينَ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ لِي إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس الْمَذْكُور قَبْل , وَفِي بَعْض الرِّوَايَات \" قَالَ إِسْمَاعِيل \" مُجَرَّدًا وَبِهِ جَزَمَ بَعْض الْحُفَّاظ فَعَلَّمَ عَلَيْهِ عَلَامَة التَّعْلِيق , وَالْأَوَّل الْمُعْتَمَد , وَهُوَ ثَابِت فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر يُوقَف ) ‏ ‏, فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ يُوقِفهُ ‏ ‏( حَتَّى يُطَلِّق , وَلَا يَقَع عَلَيْهِ الطَّلَاق حَتَّى يُطَلِّق ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْه مُخْتَصَرًا , وَهُوَ فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ مَالِك أَخَصْر مِنْهُ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مَعْن بْن عِيسَى عَنْ مَالِك بِلَفْظِ \" أَنَّهُ كَانَ يَقُول : أَيّمَا رَجُل آلَى مِنْ اِمْرَأَته فَإِذَا مَضَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر يُوقَف حَتَّى يُطَلِّق أَوْ يَفِيء , وَلَا يَقَع عَلَيْهِ طَلَاق إِذَا مَضَتْ حَتَّى يُوقَف \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ عَنْ مَالِك وَزَادَ \" فَإِمَّا أَنْ يُطَلِّق وَإِمَّا أَنْ يَفِيء \" وَهَذَا تَفْسِير لِلْآيَةِ مِنْ اِبْن عُمَر , وَتَفْسِير الصَّحَابَة فِي مِثْل هَذَا لَهُ حُكْم الرَّفْع عِنْد الشَّيْخَيْنِ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم كَمَا نَقَلَهُ الْحَاكِم , فَيَكُون فِيهِ تَرْجِيح لِمَنْ قَالَ يُوقَف. ‏ ‏قَوْله ( وَيُذْكَر ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ الْإِيقَاف ‏ ‏( عَنْ عُثْمَان وَعَلِيّ وَأَبِي الدَّرْدَاء وَعَائِشَة وَاثْنَيْ عَشَر رَجُلًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَمَّا قَوْل عُثْمَان فَوَصَلَهُ الشَّافِعِيّ وَابْن أَبِي شَيْبَة وَعَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ \" أَنَّ عُثْمَان بْن عَفَّانَ كَانَ يُوقِف الْمُولِي , فَإِمَّا أَنْ يَفِيء وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّق \" وَفِي سَمَاع طَاوُسٍ مِنْ عُثْمَان نَظَر , لَكِنْ قَدْ أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي \" الْأَحْكَام \" مِنْ وَجْه آخَر مُنْقَطِع عَنْ عُثْمَان \" أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْإِيلَاء شَيْئًا وَإِنْ مَضَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر حَتَّى يُوقَف \" وَمِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ عُمَر نَحْوه , وَهَذَا مُنْقَطِع أَيْضًا , وَالطَّرِيقَانِ عَنْ عُثْمَان يُعَضِّدُ أَحَدهمَا الْآخِر. وَجَاءَ عَنْ عُثْمَان خِلَافه : فَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيق عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عُثْمَان وَزَيْد بْن ثَابِت \" إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر فَهِيَ تَطْلِيقَة بَائِنَة \" وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَد عَنْ ذَلِكَ فَرَجَّحَ رِوَايَة طَاوُسٍ. وَأَمَّا قَوْل عَلِيٍّ فَوَصَلَهُ الشَّافِعِيّ وَأَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن سَلَمَة \" أَنَّ عَلِيًّا وَقَّفَ الْمُولِي \" وَسَنَده صَحِيح. وَأَخْرَجَ مَالِك عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْو قَوْل اِبْن عُمَر \" إِذَا مَضَتْ الْأَرْبَعَة أَشْهُر لَمْ يَقَع عَلَيْهِ الطَّلَاق حَتَّى يُوقَف , فَإِمَّا أَنْ يُطَلِّق وَإِمَّا أَنْ يَفِيء \" وَهَذَا مُنْقَطِع يَعْتَضِد بِاَلَّذِي قَبْله. وَأَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى \" شَهِدْت عَلِيًّا أَوْقَفَ رَجُلًا عِنْد الْأَرْبَعَة بِالرَّحْبَةِ إِمَّا أَنْ يَفِيء وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّق \" وَسَنَده صَحِيح أَيْضًا. وَأَخْرَجَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَلِيّ نَحْوه وَزَادَ فِي آخِره \" وَيُجْبَر عَلَى ذَلِكَ \". وَأَمَّا قَوْل أَبِي الدَّرْدَاء فَوَصَلَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَإِسْمَاعِيل الْقَاضِي مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب \" أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاء قَالَ يُوقَف فِي الْإِيلَاء عِنْد اِنْقِضَاء الْأَرْبَعَة , فَأَمَّا أَنْ يُطَلِّق وَإِمَّا أَنْ يَفِيء \" وَسَنَده صَحِيح إِنْ ثَبَتَ سَمَاع سَعِيد بْن الْمُسَيِّب مِنْ أَبِي الدَّرْدَاء. وَأَمَّا قَوْل عَائِشَة فَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ \" أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاء وَعَائِشَة قَالَا \" فَذَكَرَ مِثْله , وَهَذَا مُنْقَطِع. وَأَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ \" أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَرَى الْإِيلَاء شَيْئًا حَتَّى يُوقَف \" وَلِلشَّافِعِيِّ عَنْهَا نَحْوه وَسَنَده صَحِيح أَيْضًا. وَأَمَّا الرِّوَايَة بِذَلِكَ عَنْ اثْنَيْ عَشَر رَجُلًا مِنْ الصَّحَابَة فَأَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ مِنْ طَرِيق عَبْد رَبِّهِ بْن سَعِيد \" عَنْ ثَابِت بْن عُبَيْد مَوْلَى زَيْد بْنِ ثَابِت عَنْ اثْنَيْ عَشَر رَجُلًا مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : الْإِيلَاء لَا يَكُون طَلَاقًا حَتَّى يُوقَف \" وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه فَقَالَ \" بِضْعَة عَشَر \" وَأَخْرَجَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ \" عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار قَالَ : أَدْرَكْت بِضْعَة عَشَر رَجُلًا مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : الْإِيلَاء لَا يَكُون طَلَاقًا حَتَّى يُوقَف \" وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق \" سَهْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت اثْنَيْ عَشَر رَجُلًا مِنْ الصَّحَابَة عَنْ الرَّجُل يُولِي , فَقَالُوا : لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء حَتَّى تَمْضِي أَرْبَعَة أَشْهُر فَيُوقَف , فَإِنْ فَاءَ وَإِلَّا طَلَّقَ وَأَخْرَجَ إِسْمَاعِيل مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد \" عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار قَالَ : أَدْرَكْنَا النَّاس يَقِفُونَ الْإِيلَاء إِذَا مَضَتْ الْأَرْبَعَة \" وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَسَائِر أَصْحَاب الْحَدِيث , إِلَّا أَنَّ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّة بَعْد ذَلِكَ تَفَارِيع يَطُول شَرْحهَا : مِنْهَا أَنَّ الْجُمْهُور ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الطَّلَاق يَكُون فِيهِ رَجْعِيًّا , لَكِنْ قَالَ مَالِك لَا تَصِحّ رَجْعَته إِلَّا إِنْ جَامَعَ فِي الْعِدَّة. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : ظَاهِر كِتَاب اللَّه تَعَالَى عَلَى أَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُر , وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعَة أَشْهُر أَجَلًا فَلَا سَبِيل عَلَيْهِ فِيهَا حَتَّى تَنْقَضِي , فَإِذَا اِنْقَضَتْ فِعْلَيْهِ أَحَد أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَفِيء وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّق , فَلِهَذَا قُلْنَا لَا يَلْزَمهُ الطَّلَاق بِمُجَرَّدِ مُضِيّ الْمُدَّة حَتَّى يُحْدِث رُجُوعًا أَوْ طَلَاقًا , ثُمَّ رَجَّحَ قَوْل الْوَقْف بِأَنَّ أَكْثَر الصَّحَابَة قَالَ بِهِ , وَالتَّرْجِيح قَدْ يَقَع بِالْأَكْثَرِ مَعَ مُوَافَقَة ظَاهِر الْقُرْآن. وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ بَعْض الْأَئِمَّة قَالَ لَمْ يَجِد فِي شَيْء مِنْ الْأَدِلَّة أَنَّ الْعَزِيمَة عَلَى الطَّلَاق تَكُون طَلَاقًا , وَلَوْ جَازَ لَكَانَ الْعَزْم عَلَى الْفَيْء يَكُون فَيْئًا وَلَا قَائِل بِهِ , وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي شَيْء مِنْ اللُّغَة أَنَّ الْيَمِين الَّتِي لَا يَنْوِي بِهَا الطَّلَاق تَقْتَضِي طَلَاقًا. وَقَالَ غَيْره : الْعَطْف عَلَى الْأَرْبَعَة أَشْهُر بِالْفَاءِ يَدُلّ عَلَى أَنَّ التَّخْيِير بَعْد مُضِيّ الْمُدَّة , وَاَلَّذِي يَتَبَادَر مِنْ لَفْظ التَّرَبُّص أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمُدَّة الْمَضْرُوبَة لِيَقَع التَّخْيِير بَعْدهَا. وَقَالَ غَيْره : جَعَلَ اللَّه الْفَيْء وَالطَّلَاق مُعَلَّقَيْنِ بِفِعْلِ الْمُولِي بَعْد الْمُدَّة , وَهُوَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ( فَإِنْ فَاءُوا , وَإِنْ عَزَمُوا ) فَلَا يَتَّجِه قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّ الطَّلَاق يَقَع بِمُجَرَّدِ مُضِيّ الْمُدَّة. وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4882",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُنْبَعِثِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُئِلَ عَنْ ‏ ‏ضَالَّةِ الْغَنَمِ فَقَالَ ‏ ‏خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ وَسُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ فَغَضِبَ وَاحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ وَقَالَ مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا الْحِذَاءُ وَالسِّقَاءُ تَشْرَبُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا وَسُئِلَ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ اعْرِفْ ‏ ‏وِكَاءَهَا ‏ ‏وَعِفَاصَهَا ‏ ‏وَعَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَعْرِفُهَا وَإِلَّا فَاخْلِطْهَا بِمَالِكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏فَلَقِيتُ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْهُ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا فَقُلْتُ أَرَأَيْتَ حَدِيثَ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏المُنْبَعِثِ ‏ ‏فِي أَمْرِ الضَّالَّةِ هُوَ عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَيَقُولُ ‏ ‏رَبِيعَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُنْبَعِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏فَلَقِيتُ ‏ ‏رَبِيعَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ , وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ يَزِيد مَوْلَى الْمُنْبَعِث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ \" سَمِعْت يَزِيد مَوْلَى الْمُنْبَعِث قَالَ جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ حَدِيث اللُّقَطَة , وَهَذَا صُورَته الْإِرْسَال , وَلِهَذَا قَالَ بَعْد فَرَاغ الْمَتْن : قَالَ سُفْيَان فَلَقِيت رَبِيعَة بْن أَبِي عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ سُفْيَان : وَلَمْ أَحْفَظ عَنْهُ شَيْئًا غَيْر هَذَا , فَقُلْت : أَرَأَيْت حَدِيث يَزِيد مَوْلَى الْمُنْبَعِث فِي أَمْر الضَّالَّة هُوَ عَنْ زَيْد بْن خَالِد ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ سُفْيَان : قَالَ يَحْيَى يَعْنِي اِبْن سَعِيد الَّذِي حَدَّثَهُ مُرْسَلًا , وَيَقُول رَبِيعَة عَنْ يَزِيد مَوْلَى الْمُنْبَعِث عَنْ يَزِيد بْن خَالِد قَالَ سُفْيَان : فَلَقِيت رَبِيعَة فَقُلْت لَهُ , أَيْ قُلْت لَهُ الْكَلَام الَّذِي تَقَدَّمَ وَهُوَ قَوْله \" أَرَأَيْت حَدِيث يَزِيد إِلَخْ \" وَحَاصِل ذَلِكَ أَنَّ يَحْيَى بْن سَعِيد حَدَّثَ بِهِ عَنْ يَزِيد مَوْلَى الْمُنْبَعِث مُرْسَلًا , ثُمَّ ذَكَرَ لِسُفْيَان أَنَّ رَبِيعَة يُحَدِّث بِهِ عَنْ يَزِيد مَوْلَى الْمُنْبَعِث عَنْ زَيْد بْن خَالِد فَيُوصِلهُ فَحَمَلَ ذَلِكَ سُفْيَان عَلَى أَنْ لَقِيَ رَبِيعَة فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَاعْتَرَفَ لَهُ بِهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سُفْيَان عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ يَزِيد مُرْسَلًا وَعَنْ رَبِيعَة مَوْصُولًا وَسَاقَهُ بِسِيَاقَةٍ وَاحِدَة , وَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن الْمَدِينِيّ مِنْ التَّفْصِيل أَتْقَنُ وَأَضْبَطُ , فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ السِّيَاق لِيَحْيَى بْن سَعِيد وَأَنَّ رَبِيعَة لَمْ يُحَدِّث سُفْيَان إِلَّا بِإِسْنَادِهِ فَقَطْ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ إِسْحَاق بْن إِسْمَاعِيل عَنْ سُفْيَان عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ رَبِيعَة قَالَ سُفْيَان : فَلَقِيت رَبِيعَة فَقَالَ حَدَّثَنِي بِهِ يَزِيد عَنْ زَيْد , وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ إِيهَام , وَرِوَايَة اِبْن الْمَدِينِيّ أَوْضَح وَقَدْ وَافَقَهُ الْحُمَيْدِيّ وَلَفْظه : قَالَ سُفْيَان فَأَتَيْت رَبِيعَة فَقُلْت لَهُ : الْحَدِيث الَّذِي يُحَدِّثهُ يَزِيد مَوْلَى الْمُنْبَعِث فِي اللُّقَطَة هُوَ عَنْ زَيْد بْن خَالِد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ سُفْيَان : كُنْت أَكْرَههُ لِلرَّأْيِ , أَيْ لِأَجْلِ كَثْرَة فَتْوَاهُ بِالرَّأْيِ , قَالَ فَلِذَلِكَ لَمْ أَسْأَلهُ إِلَّا عَنْ إِسْنَاده وَهَذَا السَّبَب فِي قِلَّة رِوَايَة سُفْيَان عَنْ رَبِيعَة أَوْلَى مِنْ السَّبَب الَّذِي أَبَدَاهُ اِبْن التِّين فَقَالَ : كَانَ قَصْد سُفْيَان لِطَلَبِ الْحَدِيث أَكْثَر مِنْ قَصْده لِطَلَبِ الْفِقْه , وَكَانَ الْفِقْه عِنْد رَبِيعَة أَكْثَر مِنْهُ عِنْد الزُّهْرِيِّ فَلِذَلِكَ أَكْثَر عَنْهُ سُفْيَان دُون رَبِيعَة , مَعَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ تَقَدَّمَتْ وَفَاته عَلَى وَفَاة رَبِيعَة بِنَحْوِ عَشْر سِنِينَ بَلْ أَكْثَر ا ه. وَاقْتَضَى قَوْل سُفْيَان بْن عُيَيْنَة هَذَا أَنَّ يَحْيَى بْن سَعِيد مَا سَمِعَهُ مِنْ شَيْخه يَزِيد مَوْلَى الْمُنْبَعِث مَوْصُولًا وَإِنَّمَا وَصَلَهُ لَهُ رَبِيعَة , وَلَكِنْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث لَا اللُّقَطَة مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ يَزِيد عَنْ زَيْد مَوْصُولًا , فَلَعَلَّ يَحْيَى بْن سَعِيد لِمَا حَدَّثَ بِهِ اِبْن عُيَيْنَة مَا كَانَ يَتَذَكَّر وَصَلَهُ أَوْ دَلَّسَهُ لِسُلَيْمَان بْن بِلَال حِين حَدَّثَهُ بِهِ مَوْصُولًا وَإِنَّمَا سَمِعَ وَصْله مِنْ رَبِيعَة فَأَسْقَطَ رَبِيعَة. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال مَوْصُولًا أَيْضًا , وَمِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد وَرَبِيعَة جَمِيعًا عَنْ يَزِيد عَنْ زَيْد مَوْصُولًا , وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ حَمَلَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث اللُّقَطَة مُسْتَوْفًى فِي بَابهَا , وَأَرَادَ الْمُصَنِّف بِذِكْرِهِ هَاهُنَا الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ التَّصَرُّف فِي مَال الْغَيْر إِذَا غَابَ جَائِز مَا لَمْ يَكُنْ الْمَال مِمَّا لَا يُخْشَى ضَيَاعه كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْصِيل بَيْن الْإِبِل وَالْغَنَم. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ : لَمَّا تَعَارَضَتْ الْآثَار فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَجَبَ الرُّجُوع إِلَى الْحَدِيث الْمَرْفُوع فَكَانَ فِيهِ أَنَّ ضَالَّة الْغَنَم يَجُوز التَّصَرُّف فِيهَا قَبْل تَحَقُّق وَفَاة صَاحِبهَا , فَكَانَ إِلْحَاق الْمَال الْمَفْقُود بِهَا مُتَّجِهًا. وَفِيهِ أَنَّ ضَالَّة الْإِبِل لَا يُتَعَرَّض لَهَا لِاسْتِقْلَالِهَا بِأَمْرِ نَفْسهَا فَاقْتَضَى أَنَّ الزَّوْجَة كَذَلِكَ لَا يُتَعَرَّض لَهَا حَتَّى يَتَحَقَّق خَبَر وَفَاته , فَالضَّابِط أَنَّ كُلّ شَيْء يُخْشَى ضَيَاعه يَجُوز التَّصَرُّف فِيهِ صَوْنًا لَهُ عَنْ الضَّيَاع , وَمَا لَا فَلَا وَأَكْثَر أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ حُكْم ضَالَّة الْغَنَم حُكْم الْمَال فِي وُجُوب تَعْوِيضه لِصَاحِبِهِ إِذَا حَضَرَ. وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4883",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى بَعِيرِهِ وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ وَكَبَّرَ ‏ ‏وَقَالَتْ ‏ ‏زَيْنَبُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فُتِحَ مِنْ ‏ ‏رَدْمِ ‏ ‏يَأْجُوجَ ‏ ‏وَمَأْجُوجَ ‏ ‏مِثْلُ هَذِهِ وَعَقَدَ تِسْعِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَبُو عَامِر ) ‏ ‏هُوَ الْعَقَدِيّ , وَإِبْرَاهِيم شَيْخه جَزَمَ الْمِزِّيُّ بِأَنَّهُ اِبْن طَهْمَانَ , وَزَعَمَ بَعْض , الشُّرَّاح أَنَّهُ أَبُو إِسْحَاق الْفَزَارِيُّ وَالْأَوَّل أَرُجُح. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن أَبِي بُكَيْر عَنْ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ عَنْ خَالِد وَهُوَ الْحَذَّاء , وَتَقَدَّمَ الْحَدِيث مَشْرُوحًا فِي كِتَاب الْحَجّ , وَفِيهِ \" كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْن أَشَارَ إِلَيْهِ \". الثَّامِن. ‏ ‏قَوْلَة ( وَقَالَتْ زَيْنَب ) ‏ ‏هِيَ بِنْتُ جَحْشٍ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ. ‏ ‏قَوْله ( مِثْل هَذِهِ وَهَذِهِ وَعَقَدَ تِسْعِينَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَعَلَامَات النُّبُوَّة مَوْصُولًا , وَيَأْتِي فِي الْفِتَن لَكِنْ بِلَفْظِ \" وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَام وَاَلَّتِي تَلِيهَا وَهِيَ صُورَة عَقْد التِّسْعِينَ \" وَسَيَأْتِي فِي الْفِتَن مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" وَعَقَدَ تِسْعِينَ \" وَوَجْه إِدْخَاله فِي التَّرْجَمَة أَنَّ الْعَقْد عَلَى صِفَة مَخْصُوصَة لِإِرَادَةِ عَدَد مَعْلُوم يَتَنَزَّل مَنْزِلَة الْإِشَارَة الْمُفْهِمَة , فَإِذَا اِكْتَفَى بِهَا عَنْ النُّطْق مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ دَلَّ عَلَى اِعْتِبَار الْإِشَارَة مِمَّنْ لَا يَقْدِر عَلَى النُّطْق بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4884",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ قَائِمٌ ‏ ‏يُصَلِّي فَسَأَلَ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ وَقَالَ بِيَدِهِ وَوَضَعَ أُنْمُلَتَهُ عَلَى بَطْنِ الْوُسْطَى وَالْخِنْصِرِ قُلْنَا يُزَهِّدُهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الْأُوَيْسِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَدَا يَهُودِيٌّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى جَارِيَةٍ فَأَخَذَ ‏ ‏أَوْضَاحًا ‏ ‏كَانَتْ عَلَيْهَا ‏ ‏وَرَضَخَ ‏ ‏رَأْسَهَا فَأَتَى بِهَا أَهْلُهَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهِيَ فِي آخِرِ رَمَقٍ وَقَدْ أُصْمِتَتْ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ قَتَلَكِ فُلَانٌ لِغَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا قَالَ فَقَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا فَأَشَارَتْ أَنْ لَا فَقَالَ فَفُلَانٌ لِقَاتِلِهَا فَأَشَارَتْ أَنْ نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرُضِخَ ‏ ‏رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سَلَمَة بْن عَلْقَمَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَاللَّام شَيْخ ثِقَة , وَهُوَ بَصْرِيٌّ وَكَذَا سَائِر رَوَاةُ هَذَا الْإِسْنَاد , وَقَدْ يَلْتَبِس بِمَسْلَمَةَ بْن عَلْقَمَة شَيْخ بَصْرِيّ أَيْضًا لَكِنْ فِي أَوَّل اِسْمه زِيَادَة مِيم وَالْمُهْمَلَة سَاكِنَة وَهُوَ دُون سَلَمَة بْن عَلْقَمَة فِي الطَّبَقَة وَالثِّقَة. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بِيَدِهِ ) ‏ ‏أَيْ أَشَارَ بِهَا وَهُوَ مِنْ إِطْلَاق الْقَوْل عَلَى الْفِعْل. ‏ ‏قَوْله ( وَوَضَعَ أُنْمُلَتَهُ عَلَى بَطْن الْوُسْطَى وَالْخِنْصَر قُلْنَا يُزَهِّدُهَا ) ‏ ‏أَيْ يُقَلِّلُهَا , بَيَّنَ أَبُو مُسْلِم الْكَجِّيّ فِي رِوَايَته عَنْ مُسَدَّدٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ أَنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ هُوَ بِشْر بْن الْمُفَضَّل رَاوِيه عَنْ سَلَمَة بْن عَلْقَمَة , فَعَلَ هَذَا فَفِي سِيَاق الْبُخَارِيّ إِدْرَاج وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْمُرَاد بِوَضْعِ الْأُنْمُلَة فِي وَسَط الْكَفّ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ سَاعَة الْجُمُعَة فِي وَسَط يَوْم الْجُمُعَة , وَبِوَضْعِهَا عَلَى الْخِنْصَر الْإِشَارَة إِلَى أَنَّهَا فِي آخِر النَّهَار لِأَنَّ الْخِنْصَر آخِر أَصَابِع الْكَفّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْط الْأَقَاوِيل فِي تَعْيِين وَقْتهَا فِي كِتَاب الْجُمُعَة. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ الْأُوَيْسِيّ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه شَيْخ الْبُخَارِيّ , أَخْرَجَ عَنْهُ الْكَثِير فِي الْعِلْم وَفِي غَيْره , وَقَدْ أَوْرَدَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن سُفْيَان عَنْهُ , وَيَأْتِي فِي الدِّيَات مِنْ وَجْه آخَر عَنْ شُعْبَة مَعَ شَرْحه. وَقَوْله فِيهِ \" أَوْضَاحًا \" جَمْع وَضَح بِفَتْحِ أَوَّله وَالْمُعْجَمَة ثُمَّ مُهْمَلَة هُوَ الْبَيَاض , وَالْمُرَاد هُنَا حُلِيّ مِنْ فِضَّة. وَقَوْله \" رَضَخَ \" بِرَاءِ مُهْمَلَة ثُمَّ ضَاد وَخَاء مُعْجَمَتَيْنِ أَيْ كَسْر رَأْسهَا , وَهِيَ فِي آخِر رَمَقٍ أَيْ نَفَس وَزْنًا وَمَعْنَى , وَقَوْله \" أُصْمِتَتْ \" بِضَمِّ أَوَّله أَيْ وَقَعَ بِهَا الصَّمْت أَيْ خَرَس فِي لِسَانهَا مَعَ حُضُور ذِهْنهَا , وَفِيهِ فَأَشَارَتْ أَنْ لَا \" وَفِيهِ \" فَأَشَارَتْ أَنْ نَعَمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "4885",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الْفِتْنَةُ مِنْ هَا هُنَا وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي ذِكْر الْفِتَن , يَأْتِي شَرْحه فِي الْفِتَن , وَفِيهِ \" وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِق \". ‏"
    },
    {
        "id": "4886",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا غَرَبَتْ الشَّمْسُ قَالَ ‏ ‏لِرَجُلٍ ‏ ‏انْزِلْ ‏ ‏فَاجْدَحْ ‏ ‏لِي قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ ثُمَّ قَالَ انْزِلْ ‏ ‏فَاجْدَحْ ‏ ‏قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا ثُمَّ قَالَ انْزِلْ ‏ ‏فَاجْدَحْ ‏ ‏فَنَزَلَ ‏ ‏فَجَدَحَ ‏ ‏لَهُ فِي الثَّالِثَةِ فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ فَقَالَ إِذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِي أَوْفَى. ‏ ‏قَوْله ( فَاجْدَحْ لِي ) ‏ ‏بِجِيمٍ ثُمَّ مُهْمَلَة أَيْ حَرِّكْ السَّوِيق بِعُودِ لِيَذُوبَ فِي الْمَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب مَتَى يَحِلّ فِطْر الصَّائِم \" مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى مِنْ كِتَاب الصِّيَام , وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا قَوْله \" ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ قِبَل الْمَشْرِق \". ‏"
    },
    {
        "id": "4887",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ نِدَاءُ ‏ ‏بِلَالٍ ‏ ‏أَوْ قَالَ أَذَانُهُ ‏ ‏مِنْ سَحُورِهِ فَإِنَّمَا يُنَادِي ‏ ‏أَوْ قَالَ يُؤَذِّنُ ‏ ‏لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ كَأَنَّهُ ‏ ‏يَعْنِي الصُّبْحَ ‏ ‏أَوْ الْفَجْرَ ‏ ‏وَأَظْهَرَ ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏يَدَيْهِ ثُمَّ مَدَّ إِحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ لَدُنْ ثَدْيَيْهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ شَيْئًا إِلَّا مَادَّتْ عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ يُنْفِقُ إِلَّا لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا فَهُوَ يُوسِعُهَا فَلَا تَتَّسِعُ وَيُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ إِلَى حَلْقِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي عُثْمَان وَهُوَ النَّهْدِيّ عَنْ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله ( لِيَرْجِعَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله كَسْر الْجِيم , ‏ ‏و \" قَائِمكُمْ \" ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , ‏ ‏وَقَوْله \" لَيْسَ أَنْ يَقُول \" ‏ ‏هُوَ مِنْ إِطْلَاق الْقَوْل عَلَى الْفِعْل , ‏ ‏وَقَوْله \" كَأَنَّهُ يَعْنِي الصُّبْح أَوْ الْفَجْر \" ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَتَقَدَّمَ فِي بَاب الْأَذَان قَبْل الْفَجْر مِنْ كِتَاب الصَّلَاة بِلَفْظِ \" يَقُول الْفَجْر \" بِغَيْرِ شَكٍّ. ‏ ‏قَوْله ( وَأَظْهَرَ يَزِيدُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زُرَيْعٍ رَاوِيه. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ مَدَّ إِحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْأَذَان عَلَى كَيْفِيَّة أُخْرَى , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" لَيْسَ الْفَجْر الْمُعْتَرِض وَلَكِنْ الْمُسْتَطِيل \" وَبِهِ يَظْهَر الْمُرَاد مِنْ الْإِشَارَة الْمَذْكُورَة ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اللَّيْث ) ‏ ‏تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَى إِسْنَاده فِي أَوَائِل الزَّكَاة مَعَ شَرْحه , ‏ ‏وَقَوْله هُنَا \" جُبَّتَانِ \" ‏ ‏بِجِيمٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة , ‏ ‏وَقَوْله \" إِلَّا مَادَّتْ \" ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الدَّال مِنْ الْمَدّ , وَأَصْله مَادَدْت فَأُدْغِمَتْ وَذَكَرَهُ اِبْن بَطَّالٍ بِلَفْظِ \" مَارَتْ \" بِرَاءٍ خَفِيفَة بَدَل الدَّال , وَنُقِلَ عَنْ الْخَلِيل مَارَ الشَّيْء يَمُور مَوْرًا إِذَا تَرَدَّدَ , ‏ ‏وَقَوْله \" مِنْ لَدْن ثَدْيَيْهِمَا \" ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ بِالتَّثْنِيَةِ وَلِغَيْرِهِ \" ثَدْيهمَا \" بِصِيغَةِ الْجَمْع , قَالَ اِبْن التِّين وَهُوَ الصَّوَاب فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُل ثَدْيَيْنِ فَيَكُون لَهُمَا أَرْبَعَة كَذَا قَالَ , وَلَيْسَتْ الرِّوَايَة بِالتَّثْنِيَةِ خَطَأ بَلْ هِيَ مُوَجَّهَة وَالتَّقْدِير ثَدْيَيْ مِنْهُمَا. ‏ ‏وَقَوْله \" تَجُنّ \" ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّ , الْجِيم قَيَّدَهُ اِبْن التِّين قَالَ وَيَجُوز بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْجِيم مِنْ الرُّبَاعِيّ , قُلْت : وَهُوَ الثَّابِت فِي مُعْظَم الرِّوَايَات , وَمَوْضِع التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" وَيُشِير بِإِصْبَعِهِ إِلَى حَلْقه \" قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : ذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ الْإِشَارَة إِذَا كَانَتْ مُفْهِمَة تَتَنَزَّل مَنْزِلَة النُّطْق , وَخَالَفَهُ الْحَنَفِيَّة فِي بَعْض ذَلِكَ , وَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ رَدّ عَلَيْهِمْ بِهَ[\u0013‎ٹ الْأَحَادِيث الَّتِي جَعَلَ فِيهَا النَّبِيّ صَلَّى ا[\u0013‎ٹه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِشَارَة قَائِمَة مَقَام النُّطْق , وَإِذَا جَازَتْ الْإِشَارَة فِي أَحْكَام مُخْتَلِفَة فِي الدِّيَانَة فَهِيَ لِمَنْ لَا يُمْكِنهُ النُّطْق أَجَوْز وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ : أَرَادَ الْبُخَارِيّ أَنَّ الْإِشَارَة بِالطَّلَاقِ وَغَيْره مِنْ الْأَخْرَس وَغَيْره الَّتِي يُفْهَم مِنْهَا الْأَصْل وَالْعَدَد نَافِذ كَاللَّفْظِ ا ه. وَيَظْهَر لِي أَنَّ الْبُخَارِيّ أَوْرَدَ هَذِهِ التَّرْجَمَة وَأَحَادِيثهَا تَوْطِئَة لِمَا يَذْكُرهُ مِنْ الْبَحْث فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه مَعَ مَنْ فَرَّقَ بَيْن لِعَان الْأَخْرَس وَطَلَاقه وَاللَّهُ أَعْلَم. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْإِشَارَة الْمُفْهِمَة , فَأَمَّا فِي حُقُوق اللَّه فَقَالُوا يَكْفِي وَلَوْ مِنْ الْقَادِر عَلَى النُّطْق , وَأَمَّا فِي حُقُوق الْآدَمِيِّينَ كَالْعُقُودِ وَالْإِقْرَار وَالْوَصِيَّة وَنَحْو ذَلِكَ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ اِعْتُقِلَ لِسَانُهُ , ثَالِثهَا عَنْ أَبِي حَنِيفَة : إِنْ كَانَ مَأْيُوسًا مِنْ نُطْقه , وَعَنْ بَعْض الْحَنَابِلَة : إِنْ اِتَّصَلَ بِالْمَوْتِ. وَرَجَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ. وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ : إِنْ سَبَقَهُ كَلَام , وَنُقِلَ عَنْ مَكْحُول إِنْ قَالَ فُلَان حُرّ ثُمَّ أَصْمُت فَقِيلَ لَهُ : وَفُلَان ؟ فَأَوْمَأَ صَحَّ. وَأَمَّا الْقَادِر عَلَى النُّطْق فَلَا تَقُوم إِشَارَته مَقَام نُطْقه عِنْد الْأَكْثَرِينَ وَاخْتُلِفَ هَلْ يَقُوم مَقَام النِّيَّة كَمَا لَوْ طَلَّقَ اِمْرَأَته فَقِيلَ لَهُ : كَمْ طَلْقَة ؟ فَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4888",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏بَنُو النَّجَّارِ ‏ ‏ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ‏ ‏بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ ‏ ‏ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ‏ ‏بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ‏ ‏ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ‏ ‏بَنُو سَاعِدَةَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ فَقَبَضَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ بَسَطَهُنَّ كَالرَّامِي بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ وَفِي كُلِّ دُورِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏خَيْرٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي فَضْل دُور الْأَنْصَار وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْمَنَاقِب , فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ هُنَاكَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيّ , وَأَوْرَدَهُ هُنَا عَنْ أَنَس بِغَيْرِ وَاسِطَة وَالطَّرِيقَانِ صَحِيحَانِ , وَفِي زِيَادَة أَنَس هَذِهِ الْإِشَارَة وَلَيْسَتْ فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ , وَفِي رِوَايَة عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مِنْ الزِّيَادَة قِصَّة لِسَعْدِ بْن عُبَادَةَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْمَقْصُود مِنْ الْحَدِيث هُنَا قَوْله \" ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ فَقَبَضَ أَصَابِعه ثُمَّ بَسَطَهُنَّ كَالرَّامِي بِيَدِهِ \" فَفِيهِ اِسْتِعْمَال الْإِشَارَة الْمُفْهِمَة مَقْرُونَة بِالنُّطْقِ , وَقَوْله كَالرَّامِي بِيَدِهِ أَيْ كَاَلَّذِي يَكُون بِيَدِهِ الشَّيْء قَدْ ضَمَّ أَصَابِعه عَلَيْهِ ثُمَّ رَمَاهُ فَانْتَشَرَتْ. ‏"
    },
    {
        "id": "4889",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏سَمِعْتُهُ مِنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ أَوْ كَهَاتَيْنِ وَقَرَنَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو حَازِم ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ عِنْده وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ سُفْيَان بِلَفْظِ \" عَنْ أَبِي حَازِم \" وَصَرَّحَ الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان بِالتَّحْدِيثِ فَقَالَ فِي رِوَايَته \" حَش\u0012‎ٹَنَا أَبُو حَازِم أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلًا \" أَخْرَجَهش\u0012‎ٹبُو نُعَيْمٍ. ‏ ‏قَوْله ( كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ أَوْ كَهَاتَيْنِ ) ‏ ‏شَيْء مِنْ الرَّاوِي , وَاقْتَصَرَ الْحُمَيْدِيّ عَلَى قَوْله \" كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( وَفَرَّقَ وَأَشَارَ سُفْيَان بِالسَّبَّابَةِ ) سَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَدْ اِنْقَضَى مِنْ يَوْم بَعْثَته إِلَى يَوْمنَا هَذَا - يَعْنِي سَنَة سَبْع وَسِتِّينَ وَسَبْعمِائَةِ - سَبْعمِائَةِ وَثَمَانُونَ سَنَة , فَكَيْف تَكُون الْمُقَارَبَة ؟ وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الَّذِي بَقِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا مَضَى قَدْر فَضْل الْوُسْطَى إِلَى السَّبَّابَة. قُلْت : وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ حَيْثُ أَشَرْت إِلَيْهِ ‏"
    },
    {
        "id": "4890",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ‏ ‏يَعْنِي ثَلَاثِينَ ثُمَّ قَالَ وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ‏ ‏يَعْنِي تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَقُولُ مَرَّةً ثَلَاثِينَ وَمَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر \" الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا \" تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الصِّيَام. ‏"
    },
    {
        "id": "4891",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَأَشَارَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِهِ نَحْوَ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏الْإِيمَانُ هَا هُنَا مَرَّتَيْنِ أَلَا وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي ‏ ‏الْفَدَّادِينَ ‏ ‏حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ ‏ ‏رَبِيعَةَ ‏ ‏وَمُضَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي مَسْعُود - ‏ ‏وَهُوَ عُقْبَة بْن عَمْرو - وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ والْكُشْمِيهَنِيّ \" اِبْن مَسْعُود \" قَالَ عِيَاض : وَهُوَ وَهْمٌ , وَهُوَ كَمَا قَالَ , فَقَدْ تَقَدَّمَ كَذَلِكَ فِي بَدْء الْخَلْق وَالْمَنَاقِب وَالْمَغَازِي مِنْ طُرُق عَنْ إِسْمَاعِيل وَهُوَ اِبْن أَبِي خَالِد عَنْ قَيْس وَهُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَصَرَّحَ فِي بَدْء الْخَلْق بِاسْمِهِ وَلَفْظه \" حَدَّثَنِي قَيْس عَنْ عُقْبَة بْن عَمْرو أَبِي مَسْعُود \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي ذِكْر الْجِنّ فِي بَدْء الْخَلْق , وَبَقِيَّة شَرْحه فِي أَوَّل الْمَنَاقِب. ‏"
    },
    {
        "id": "4892",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل فِي فَضْل كَافِل الْيَتِيم , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" بِالسَّبَّابَةِ \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِالسَّبَّاحَةِ \" وَهُمَا بِمَعْنًى. ‏"
    },
    {
        "id": "4893",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ لِي غُلَامٌ أَسْوَدُ فَقَالَ ‏ ‏هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ مَا أَلْوَانُهَا قَالَ حُمْرٌ قَالَ هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَنَّى ذَلِكَ قَالَ لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ قَالَ فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : أَخْرَجَهُ أَبُو مُصْعَب فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ مَالِك , وَتَابَعَهُ جَمَاعَة مِنْ الرُّوَاة خَارِج الْمُوَطَّأ , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن الْحَسَن عَنْ مَالِك \" أَنَا الزُّهْرِيُّ \" وَمِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَسْمَاء عَنْ مَالِك , وَمِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب \" أَخْبَرَنِي اِبْن أَبِي ذِئْب وَمَالِك كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن شِهَاب \" وَطَرِيق اِبْن وَهْب هَذِهِ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَخْبَرَهُ ) ‏ ‏كَذَا لِأَكْثَر أَصْحَاب الزُّهْرِيِّ , وَخَالَفَهُمْ يُونُس فَقَالَ عَنْهُ \" عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الِاعْتِصَام مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْهُ , وَهُوَ مَصِير مِنْ الْبُخَارِيّ إِلَى أَنَّهُ عِنْد الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد وَأَبِي سَلَمَة مَعًا , وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى ذَلِكَ , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة يَحْيَى بْن الضَّحَّاك عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا جَمِيعًا , وَقَدْ أَطْلَقَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ الْمَحْفُوظ رِوَايَة مَالِك وَمَنْ تَابَعَهُ , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى الْعَمَل بِالتَّرْجِيحِ , وَأَمَّا طَرِيق الْجَمْع فَهُوَ مَا صَنَعَهُ الْبُخَارِيّ , وَيَتَأَيَّد أَيْضًا بِأَنَّ عَقِيلًا رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ \" بَلَغْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَإِنَّ ذَلِكَ , يُشْعِر بِأَنَّهُ عِنْده عَنْ غَيْر وَاحِد , وَإِلَّا لَوْ كَانَ عَنْ وَاحِد فَقَطْ كَسَعِيدٍ مَثَلًا لَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُصْعَب \" جَاءَ أَعْرَابِيّ \" وَكَذَا سَيَأْتِي فِي الْحُدُود عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس عَنْ مَالِك , وَلِلنَّسَائِيِّ \" جَاءَ رَجُل مِنْ أَهْل الْبَادِيَة \" وَكَذَا فِي رِوَايَة أَشْهَب عَنْ مَالِك عِنْد الدَّارَقُطْنِي , وَفِي رِوَايَة اِبْن وَهْب الَّتِي عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" أَنَّ أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِي فَزَارَة \" وَكَذَا عِنْد مُسْلِم وَأَصْحَاب السُّنَن مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ اِبْن شِهَاب , وَاسْم هَذَا الْأَعْرَابِيّ ضَمْضَم بْن قَتَادَةَ أَخْرَجَ حَدِيثه عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد فِي \" الْمُبْهَمَات \" لَهُ مِنْ طَرِيق قُطْبَة بِنْت عَمْرو بْن هَرَم أَنَّ مَدْلُوكًا حَدَّثَهَا \" أَنَّ ضَمْضَم بْن قَتَادَةَ وُلِدَ لَهُ مَوْلُود أَسْوَد مِنْ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي عِجْل فَشَكَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَلْ لَك مِنْ إِبِل \" ؟ ‏ ‏قَوْله ( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب \" صَرَخَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ اِمْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَد ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الْمَرْأَة وَلَا عَلَى اِسْم الْغُلَام , وَزَادَ فِي رِوَايَة يُونُس \" وَإِنِّي أَنْكَرْته \" أَيْ اِسْتَنْكَرْته بِقَلْبِيِّ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ أَنْكَرَ كَوْنه اِبْنه بِلِسَانِهِ وَإِلَّا لَكَانَ تَصْرِيحًا بِالنَّفْيِ لَا تَعْرِيضًا , وَوَجْه التَّعْرِيض , أَنَّهُ قَالَ غُلَامًا أَسْوَد أَيْ وَأَنَا أَبْيَض فَكَيْف يَكُون مِنِّي ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد مُسْلِم \" وَهُوَ حِينَئِذٍ يُعَرِّض بِأَنْ يَنْفِيه \" وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ التَّعْرِيض بِالْقَذْفِ لَيْسَ قَذْفًا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور , وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيّ بِهَذَا الْحَدِيث لِذَلِكَ , وَعَنْ الْمَالِكِيَّة يَجِب بِهِ الْحَدّ إِذَا كَانَ مَفْهُومًا , وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيث بِمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي آخِر شَرْحه. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِي الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ نَظَر , لِأَنَّ الْمُسْتَفْتِي لَا يَجِب عَلَيْهِ حَدّ وَلَا تَعْزِير. قُلْت : وَفِي هَذَا الْإِطْلَاق نَظَر , لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَفْتِي بِلَفْظِ لَا يَقْتَضِي الْقَذْف وَبِلَفْظِ يَقْتَضِيه , فَمِنْ الْأَوَّل أَنْ يَقُول مَثَلًا إِذَا كَانَ زَوْج الْمَرْأَة أَبْيَض فَأَتَتْ بِوَلَدٍ أَسْوَد : مَا الْحُكْم ؟ وَمِنْ الثَّانِي أَنْ يَقُول مَثَلًا : إِنَّ اِمْرَأَتِي أَتَتْ بِوَلَدٍ أَسْوَد وَأَنَا أَبْيَضُ فَيَكُون تَعْرِيضًا , أَوْ يَزِيد فِيهِ مَثَلًا زَنَتْ فَيَكُون تَصْرِيحًا , وَاَلَّذِي وَرَدَ فِي حَدِيث الْبَاب هُوَ الثَّانِي فَيَتِمّ الِاسْتِدْلَال. وَقَدْ نَبَّهَ الْخَطَّابِيُّ عَلَى عَكْس هَذَا فَقَالَ : لَا يَلْزَم الزَّوْج إِذَا صَرَّحَ بِأَنَّ الْوَلَد الَّذِي وَضَعَتْهُ اِمْرَأَته لَيْسَ مِنْهُ حَدّ قَذْفه لِجَوَازِ أَنْ يُرِيد أَنَّهَا وُطِئَتْ بِشِهْبَةِ أَوْ وَضَعَتْهُ مِنْ الزَّوْج الَّذِي قَبْله إِذَا كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ : فَمَا أَلْوَانهَا ؟ قَالَ : حُمْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن مُصْعَب عَنْ مَالِك عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ \" قَالَ رُمْكٌ \" وَالْأَرْمَك الْأَبْيَض إِلَى حُمْرَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيره فِي شَرْح حَدِيث جَمَل جَابِر فِي الشَّرْط. ‏ ‏قَوْله ( فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ ) ‏ ‏بِوَزْنِ أَحْمَرَ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا ) بِضَمِّ الْوَاو بِوَزْنِ حُمْر , وَالْأَوْرَق الَّذِي فِيهِ سَوَاد لَيْسَ بِحَالِك بَلْ يَمِيل إِلَى الْغَبَرَة , وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَمَامَةِ وَرْقَاء. ‏ ‏قَوْله ( فَأَنَّى ذَلِكَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون الثَّقِيلَة أَيْ مِنْ أَيْنَ أَتَاهَا اللَّوْن الَّذِي خَالَفَهَا , هَلْ هُوَ بِسَبَبِ فَحْل مِنْ غَيْر لَوْنهَا طَرَأَ عَلَيْهَا أَوْ لِأَمْرٍ آخُرَّ ؟. ‏ ‏قَوْله ( لَعَلَّ نَزَعَهُ عِرْق ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة \" لَعَلَّهُ \" وَلَا إِشْكَال فِيهَا بِخِلَافِ الْأَوَّل فَجَزَمَ جَمْعٌ بِأَنَّ الصَّوَاب النَّصْب أَيْ لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ , وَقَالَ الصَّغَانِيّ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فِي الْأَصْل \" لَعَلَّهُ \" فَسَقَطَتْ الْهَاء , وَوَجَّهَهُ اِبْن مَالِك بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ حَذَفَ مِنْهُ ضَمِير الشَّأْن , وَيُؤَيِّد تَوْجِيهه مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة , وَالْمَعْنَى يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي أُصُولهَا مَا هُوَ بِاللَّوْنِ الْمَذْكُور فَاجْتَذَبَهُ إِلَيْهِ فَجَاءَ عَلَى لَوْنه , وَادَّعَى الدَّاوُدِيّ أَنَّ لَعَلَّ هُنَا لِلتَّحْقِيقِ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَعَلَّ اِبْنك هَذَا نَزَعَهُ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ بِحَذْفِ الْفَاعِل , وَلِغَيْرِهِ \" نَزَعَهُ عِرْق \" وَكَذَا فِي سَائِر الرِّوَايَات , وَالْمُرَاد بِالْعِرْقِ الْأَصْل مِنْ النَّسَب شَبَهه بِعِرْقِ الشَّجَرَة , وَمِنْهُ قَوْلهمْ : فُلَان عَرِيق فِي الْأَصَالَة أَيْ أَنَّ أَصْله مُتَنَاسِب , وَكَذَا مُعْرِق فِي الْكَرْم أَوْ اللُّؤْم , وَأَصْل النَّزْع الْجَذْب , وَقَدْ يُطْلَق عَلَى الْمَيْل , وَمِنْهُ مَا وَقَعَ فِي قِصَّة عَبْد اللَّه بْن سَلَام حِين سُئِلَ عَنْ شَبَه الْوَلَد بِأَبِيهِ أَوْ بِأُمِّهِ : نَزَعَ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمّه , وَفِي الْحَدِيث ضَرَبَ الْمَثَل , وَتَشْبِيه الْمَجْهُول بِالْمَعْلُومِ تَقْرِيبًا لِفَهْمِ السَّائِل , وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِصِحَّةِ الْعَمَل بِالْقِيَاسِ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ أَصْل فِي قِيَاس الشَّبَه. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِيهِ دَلِيل عَلَى صِحَّة الْقِيَاس وَالِاعْتِبَار بِالنَّظِيرِ ; وَتَوَقَّفَ فِيهِ اِبْن دَقِيق الْعِيد فَقَالَ : هُوَ تَشْبِيه فِي أَمْر وُجُودِيّ , وَالنِّزَاع إِنَّمَا هُوَ فِي التَّشْبِيه فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مِنْ طَرِيق وَاحِدَة قَوِيَّة. وَفِيهِ أَنَّ الزَّوْج لَا يَجُوز لَهُ الِانْتِفَاء مِنْ وَلَده بِمُجَرَّدِ الظَّنّ , وَأَنَّ الْوَلَد يَلْحَق بِهِ وَلَوْ خَالَفَ لَوْنه لَوْن أُمّه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ تَبَعًا لِابْنِ رُشْد : لَا خِلَاف فِي أَنَّهُ لَا يَحِلّ نَفْي الْوَلَد بِاخْتِلَافِ الْأَلْوَان الْمُتَقَارِبَة كَالْأُدْمَةِ وَالسُّمْرَة , وَلَا فِي الْبَيَاض وَالسَّوَاد إِذَا كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِالْوَطْءِ وَلَمْ تَمْضِ مُدَّة الِاسْتِبْرَاء , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ فِي مَذْهَبه , وَإِلَّا فَالْخِلَاف ثَابِت عِنْد الشَّافِعِيَّة بِتَفْصِيلِ فَقَالُوا : إِنْ لَمْ يَنْضَمّ إِلَيْهِ قَرِينَة زِنًا لَمْ يَجُزْ النَّفْي , فَإِنْ اِتَّهَمَهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ عَلَى لَوْن الرَّجُل الَّذِي اِتَّهَمَهَا بِهِ جَازَ النَّفْي عَلَى الصَّحِيح , وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْآتِي فِي اللِّعَان مَا يُقَوِّيه. وَعِنْد الْحَنَابِلَة يَجُوز النَّفْي مَعَ الْقَرِينَة مُطْلَقًا , وَالْخِلَاف إِنَّمَا هُوَ عِنْد عَدَمهَا , وَهُوَ عَكْس تَرْتِيب الْخِلَاف عِنْد الشَّافِعِيَّة. وَفِيهِ تَقْدِيم حُكْم الْفِرَاش عَلَى مَا يُشْعِر بِهِ مُخَالَفَة الشَّبَه. وَفِيهِ الِاحْتِيَاط لِلْأَنْسَابِ وَإِبْقَائِهَا مَعَ الْإِمْكَان , وَالزَّجْر عَنْ تَحْقِيق ظَنّ السُّوء. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يُؤْخَذ مِنْهُ مَنْع التَّسَلْسُل , وَأَنَّ الْحَوَادِث لَا بُدّ لَهَا أَنْ تَسْتَنِد إِلَى أَوَّل لَيْسَ بِحَادِثِ. وَفِيهِ أَنَّ التَّعْرِيض بِالْقَذْفِ لَا يُثْبِت حُكْم الْقَذْف حَتَّى يَقَع التَّصْرِيح خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ , وَأَجَابَ بَعْض الْمَالِكِيَّة أَنَّ التَّعْرِيض الَّذِي يَجِب بِهِ الْقَذْف عِنْدهمْ هُوَ مَا يُفْهَم مِنْهُ الْقَذْف كَمَا يَفْهَم مِنْ التَّصْرِيح , وَهَذَا الْحَدِيث لَا حُجَّة فِيهِ لِدَفْعِ ذَلِكَ , فَإِنَّ الرَّجُل لَمْ يُرِدْ قَذْفًا , بَلْ جَاءَ سَائِلًا مُسْتَفْتِيًا عَنْ الْحُكْم لِمَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الرِّيبَة , فَلَمَّا ضُرِبَ لَهُ الْمَثَل أَذْعَنَ , وَقَالَ الْمُهَلَّب : التَّعْرِيض إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيل السُّؤَال لَا حَدّ فِيهِ , وَإِنَّمَا يَجِب الْحَدّ فِي التَّعْرِيض إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيل الْمُوَاجَهَة وَالْمُشَاتَمَة. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ : الْفَرْق بَيْن الزَّوْج وَالْأَجْنَبِيّ فِي التَّعْرِيض أَنَّ الْأَجْنَبِيّ يَقْصِد الْأَذِيَّة الْمَحْضَة , وَالزَّوْج قَدْ يُعْذَر بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِيَانَة النَّسَب , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4894",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَأَحْلَفَهُمَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر مِنْ رِوَايَة جُوَيْرِيَة بْن أَسْمَاء عَنْ نَافِع مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ \" فَأَحْلَفَهُمَا \" وَكَذَا سَيَأْتِي بَعْد سِتَّة أَبْوَاب مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع , وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير النُّور مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر بِلَفْظِ \" لَاعَنَ بَيْن رَجُل وَامْرَأَة \" وَالْمُرَاد بِالْإِحْلَافِ هُنَا النُّطْق بِكَلِمَاتِ اللِّعَان , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ اللِّعَان يَمِين , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : اللِّعَان شَهَادَة وَهُوَ وَجْه لِلشَّافِعِيَّةِ , وَقِيلَ شَهَادَة فِيهَا شَائِبَة الْيَمِين , وَقِيلَ بِالْعَكْسِ , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : لَيْسَ بِيَمِينٍ وَلَا شَهَادَة , وَانْبَنَى عَلَى الْخِلَاف أَنَّ اللِّعَان يُشْرَع بَيْن كُلّ زَوْجَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ حُرَّيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ عَدْلَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ بِنَاء عَلَى أَنَّهُ يَمِين , فَمَنْ صَحَّ يَمِينه صَحَّ لِعَانه , وَقِيلَ لَا يَصِحّ اللِّعَان إِلَّا مِنْ زَوْجَيْنِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ , لِأَنَّ اللِّعَان شَهَادَة وَلَا يَصِحّ مِنْ مَحْدُود فِي قَذَفَ , وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة لَلْأَوَّلِينَ لِتَسْوِيَةِ الرَّاوِي بَيْن لَاعَنَ وَحَلَفَ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الْيَمِين مَا دَلَّ عَلَى حَثّ أَوْ مَنْع أَوْ تَحْقِيق خَبَر وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" فَقَالَ لَهُ : اِحْلِفْ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ إِنِّي لِصَادِقِ , يَقُول ذَلِكَ أَرْبَع مَرَّات أَخْرَجَهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم عَنْ أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة عَنْهُ , وَسَيَأْتِي قَرِيبًا \" لَوْلَا الْأَيْمَان لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْن \" وَاعْتَلَّ بَعْض الْحَنَفِيَّة بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ يَمِينًا لَمَا تَكَرَّرَتْ , وَأُجِيب بِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ الْقِيَاس تَغْلِيظًا لِحُرْمَةِ الْفُرُوج كَمَا خَرَجَتْ الْقَسَامَة لِحُرْمَةِ الْأَنْفُس , وَبِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ شَهَادَة لَمْ تُكَرَّر أَيْضًا. وَاَلَّذِي تَحَرَّرْ لِي أَنَّهَا مِنْ حَيْثُ الْجَزْم بِنَفْيِ الْكَذِب وَإِثْبَات الصِّدْق يَمِين , لَكِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهَا شَهَادَة لِاشْتِرَاطِ أَنْ لَا يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِالظَّنِّ بَلْ لَا بُدّ مِنْ وُجُود عِلْم كُلّ مِنْهُمَا بِالْأَمْرَيْنِ عِلْمًا يَصِحّ مَعَهُ أَنْ يَشْهَد بِهِ , وَيُؤَيِّد كَوْنهَا يَمِينًا أَنَّ الشَّخْص لَوْ قَالَ أَشْهَد بِاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا لَعُدَّ حَالِفًا. وَقَدْ قَالَ الْقَفَّال فِي \" مَحَاسِن الشَّرِيعَة \" : كُرِّرَتْ أَيْمَان اللِّعَان لِأَنَّهَا أُقِيمَتْ مَقَام أَرْبَع شُهُود فِي غَيْره لِيُقَامَ عَلَيْهَا الْحَدّ , وَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَتْ شَهَادَات. ‏"
    },
    {
        "id": "4895",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ ‏ ‏قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَجَاءَ فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏كَذَا وَصَلَهُ هِشَام بْن حَسَّان عَنْ عِكْرِمَة , وَتَابَعَهُ عَبَّاد بْن مَنْصُور عَنْ عِكْرِمَة أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَن , وَسَاقَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَده مُطَوَّلًا , وَاخْتُلِفَ عَلَى أَيُّوب : فَرَوَاهُ جَرِير اِبْن حَازِم عَنْهُ مَوْصُولًا أَخْرَجَهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْخِلَافِيَّات \" وَغَيْرهَا وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن أَبِي حَاتِم وَابْن الْمُنْذِر وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب مَوْصُولًا , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق حَمَّاد مُرْسَلًا , قَالَ التِّرْمِذِيّ سَأَلْت مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الِاخْتِلَاف فَقَالَ : حَدِيث عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا مَحْفُوظ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ هِلَال بْن أُمَيَّة قَذَفَ اِمْرَأَته فَجَاءَ فَشَهِدَ ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا , وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير النُّور مُطَوَّلًا , وَفِيهِ شَرْح قَوْله \" الْبَيِّنَة أَوْ حَدّ فِي ظَهْرك \" وَفِيهِ قَوْل هِلَال \" لَيُنْزِلَنَّ اللَّه مَا يُبَرِّئ ظَهْرِي مِنْ الْجَلْد فَنَزَلَتْ \" وَوَقَعَ فِيهِ أَنَّهُ اِتَّهَمَهُمَا بِشَرِيكِ بْن سَحْمَاء , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس \" أَنَّ شَرِيك بْن سَحْمَاء كَانَ أَخَا الْبَرَاء بْن مَالِك لِأُمِّهِ \" وَهُوَ مُشْكِل فَإِنَّ أُمّ الْبَرَاء هِيَ أُمّ أَنَس بْن مَالِك وَهِيَ أُمّ سُلَيْمٍ وَلَمْ تَكُنْ سَحْمَاء وَلَا تُسَمَّى سَحْمَاء فَلَعَلَّ شَرِيكًا كَانَ أَخَاهُ مِنْ الرَّضَاعَة. وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي الْخِلَافِيَّات مِنْ مُرْسَل مُحَمَّد بْن سِيرِينَ \" أَنَّ شَرِيكًا كَانَ يَأْوِي إِلَى مَنْزِل هِلَال \" وَفِي تَفْسِير مُقَاتِل : أَنَّ وَالِدَة شَرِيك الَّتِي يُقَال لَهَا سَحْمَاء كَانَتْ حَبَشِيَّة وَقِيلَ كَانَتْ يَمَانِيَّة , وَعِنْد الْحَاكِم مِنْ مُرْسَل اِبْن سِيرِينَ \" كَانَتْ أَمَة سَوْدَاء \" وَاسْم وَالِد شَرِيك عَبْدَة بْن مُغِيث بْن الْجَدّ بْن الْعَجْلَان , وَحَكَى عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الصَّحَابَة أَنَّ لَفْظ شَرِيك صِفَة لَا اِسْم , وَأَنَّهُ كَانَ شَرِيكًا لِرَجُلِ يَهُودِيّ يُقَال لَهُ اِبْن سَحْمَاء , وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْمَعْرِفَة \" عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّ شَرِيك بْن سَحْمَاء كَانَ يَهُودِيًّا , وَأَشَارَ عِيَاض إِلَى بُطْلَان هَذَا الْقَوْل وَجَزَمَ بِذَلِكَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لَهُ وَقَالَ : كَانَ صَحَابِيًّا , وَكَذَا عَدَّهُ جَمْع فِي الصَّحَابَة فَيَجُوز أَنْ يَكُون أَسْلَمَ بَعْد ذَلِكَ. وَيُعَكِّر عَلَى هَذَا قَوْل اِبْن الْكَلْبِيّ : إِنَّهُ شَهِدَ أُحُدًا ; وَكَذَا قَوْل غَيْره إِنَّ أَبَاهُ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا ; فَاَللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة ( فَجَاءَ فَشَهِدَ وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : اللَّه يَعْلَم أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِب ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ هَذَا الْكَلَام صَدَرَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَال مُلَاعَنَتهمَا , بِخِلَافِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ قَالَهُ بَعْد فَرَاغهمَا , وَزَادَ فِي تَفْسِير النُّور مِنْ هَذَا الْوَجْه بَعْد قَوْله فَشَهِدَتْ \" فَلَمَّا كَانَ عِنْد الْخَامِسَة وَقَّفُوهَا وَقَالُوا : إِنَّهَا مُوجِبَة \" وَوَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَأَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَضَع يَده عِنْد الْخَامِسَة عَلَى فِيهِ , ثُمَّ عَلَى فِيهَا , وَقَالَ : إِنَّهَا مُوجِبَة \" قَالَ اِبْن عَبَّاس \" فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى قُلْنَا إِنَّهَا تَرْجِع , ثُمَّ قَالَتْ : لَا أَفْضَح قَوْمِي سَائِر الْيَوْم , فَمَضَتْ \" وَفِيهِ أَيْضًا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ إِلَخْ \" وَسَأَذْكُرُ شَرْحه فِي \" بَاب التَّلَاعُن فِي الْمَسْجِد \" ‏"
    },
    {
        "id": "4896",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ ‏ ‏جَاءَ إِلَى ‏ ‏عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ يَا ‏ ‏عَاصِمُ ‏ ‏أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ سَلْ لِي يَا ‏ ‏عَاصِمُ ‏ ‏عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلَ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ذَلِكَ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ عَلَى ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا رَجَعَ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ ‏ ‏عُوَيْمِرٌ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏عَاصِمُ ‏ ‏مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏لِعُوَيْمِرٍ ‏ ‏لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ ‏ ‏عُوَيْمِرٌ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا فَأَقْبَلَ ‏ ‏عُوَيْمِرٌ ‏ ‏حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَسَطَ النَّاسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا قَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏فَتَلَاعَنَا ‏ ‏وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ ‏ ‏تَلَاعُنِهِمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُوَيْمِرٌ ‏ ‏كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَكَانَتْ سُنَّةَ ‏ ‏الْمُتَلَاعِنَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الشَّافِعِيّ عَنْ مَالِك \" حَدَّثَنِي اِبْن شِهَابٍ \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِك \" عُوَيْمِر بْن أَشْقَر \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق عِيَاض بْن عَبْد اللَّه الْفِهْرِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَوَقَعَ فِي \" الِاسْتِيعَاب \" عُوَيْمِر بْن أَبْيَض , وَعِنْد الْخَطِيب فِي \" الْمُبْهَمَات \" عُوَيْمِر بْن الْحَارِث , وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد فَإِنَّ الطَّبَرِيَّ نَسَبه فِي \" تَهْذِيب الْآثَار \" فَقَالَ : هُوَ عُوَيْمِر بْن الْحَارِث بْن زَيْد بْن الْجَدّ بْن عَجْلَان , فَلَعَلَّ أَبَاهُ كَانَ يُلَقَّب أَشْقَر أَوْ أَبْيَض , وَفِي الصَّحَابَة اِبْن أَشْقَر آخَر وَهُوَ مَازَنِي أَخْرَجَ لَهُ اِبْن مَاجَهْ. وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَات عَنْ اِبْن شِهَاب عَلَى أَنَّهُ فِي مُسْنَد سَهْل إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة وَإِبْرَاهِيم بْن سَعْد كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ سَهْل عَنْ عَاصِم بْن عَدِيّ قَالَ : كَانَ عُوَيْمِر رَجُلًا مِنْ بَنَى الْعَجْلَان , فَقَالَ \" أَيْ عَاصِم فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَالْمَحْفُوظ الْأَوَّل , وَسَيَأْتِي عَنْ سَهْل أَنَّهُ حَضَرَ الْقِصَّة , فَسَتَأْتِي فِي الْحُدُود مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ \" قَالَ سَهْل بْن سَعِيد شَهِدْت الْمُتَلَاعِن وَأَنَا اِبْن خَمْس عَشْرَة سَنَة \" وَوَقَعَ فِي نُسْخَة أَبِي الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْل بْن سَعْد قَالَ \" تُوُفِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا اِبْن خَمْس عَشْرَة سَنَة \" فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قِصَّة اللِّعَان كَانَتْ فِي السَّنَة الْأَخِيرَة مِنْ زَمَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنْ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو حَاتِم وَابْن حِبَّان بِأَنَّ اللِّعَان كَانَ فِي شَعْبَان سَنَة تِسْع , وَجَزَمَ بِهِ غَيْر وَاحِد مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ قِصَّة اللِّعَان كَانَتْ بِمُنْصَرِفِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَبُوك , وَهُوَ قَرِيب مِنْ قَوْل الطَّبَرِيِّ , وَمَنْ وَافَقَهُ , لَكِنْ فِي إِسْنَاده الْوَاقِدِيُّ فَلَا بُدّ مِنْ تَأْوِيل أَحَد الْقَوْلَيْنِ , فَإِنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَطَرِيق شُعَيْب أَصَحّ. وَمِمَّا يُوهِن رِوَايَة الْوَاقِدِيِّ مَا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْل السِّيَر أَنَّ التَّوَجُّه إِلَى تَبُوك كَانَ فِي رَجَب , وَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ هِلَال بْن أُمَيَّة أَحَد الثَّلَاثَة الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ , وَفِي قِصَّته أَنَّ اِمْرَأَته اِسْتَأْذَنَتْ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَخْدُمهُ فَأَذِنَ لَهَا بِشَرْطٍ أَنْ لَا يَقْرَبهَا فَقَالَتْ : إِنَّهُ لَا حِرَاك بِهِ , وَفِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد أَنْ مَضَى لَهُمْ أَرْبَعُونَ يَوْمًا , فَكَيْف تَقَع قِصَّة اللِّعَان فِي الشَّهْر الَّذِي اِنْصَرَفُوا فِيهِ مِنْ تَبُوك وَيَقَع لِهِلَالِ مَعَ كَوْنه فِيمَا ذَكَرَ مِنْ الشُّغْل بِنَفْسِهِ وَهِجْرَان النَّاس لَهُ وَغَيْر ذَلِكَ , وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ آيَة اللِّعَان نَزَلَتْ فِي حَقّه , وَكَذَا عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس أَنَّهُ أَوَّل مَنْ لَاعَنَ فِي الْإِسْلَام , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبَّاد بْن مَنْصُور فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَأَحْمَد \" حَتَّى جَاءَ هِلَال بْن أُمَيَّة وَهُوَ أَحَد الثَّلَاثَة الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ فَوَجَدَ عِنْد أَهْله رَجُلًا \" الْحَدِيث , فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قِصَّة اللِّعَان تَأَخَّرَتْ عَنْ قِصَّة تَبُوك وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْقِصَّة كَانَتْ مُتَأَخِّرَة , وَلَعَلَّهَا كَانَتْ فِي شَعْبَان سَنَة عَشْر لَا تِسْع , وَكَانَتْ الْوَفَاة النَّبَوِيَّة فِي شَهْر رَبِيع الْأَوَّل سَنَة إِحْدَى عَشْرَة بِاتِّفَاقٍ , فَيَلْتَئِم حِينَئِذٍ مَعَ حَدِيث سَهْل بْن سَعْد , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" كُنَّا لَيْلَة جُمْعَة فِي الْمَسْجِد إِذْ جَاءَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار \" فَذَكَرَ الْقِصَّة فِي اللِّعَان بِاخْتِصَارِ , فَعَيَّنَ الْيَوْم لَكِنْ لَمْ يُعَيِّن الشَّهْر وَلَا السَّنَة. ‏ ‏قَوْله ( جَاءَ إِلَى عَاصِم بْن عَدِيّ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْجَدّ بْن الْعَجْلَان الْعَجْلَانِيّ , وَهُوَ اِبْن عَمّ وَالِد عُوَيْمِر , وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ الَّتِي مَضَتْ فِي التَّفْسِير \" وَكَانَ عَاصِم سَيِّد بَنِي عَجْلَان \" وَالْجَدّ بِفَتْحِ الْجِيم وَتَشْدِيد الدَّال وَالْعَجْلَان بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْجِيم هُوَ اِبْن حَارِثَة بْن ضُبَيْعَةَ مِنْ بَنِي بَلِيٍّ بْن عَمْرو بْن الْحَافّ بْن قُضَاعَة , وَكَانَ الْعَجْلَان حَالَفَ بَنِي عَمْرو بْن عَوْف بْن مَالِك بْن الْأَوْس مِنْ الْأَنْصَار فِي الْجَاهِلِيَّة وَسَكَنَ الْمَدِينَة فَدَخَلُوا فِي الْأَنْصَار. وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن الْكَلْبِيّ أَنَّ اِمْرَأَة عُوَيْمِر هِيَ بِنْت عَاصِم الْمَذْكُور وَأَنَّ اِسْمهَا خَوْلَة , وَقَالَ اِبْن مَنْدَهْ فِي \" كِتَاب الصَّحَابَة \" خَوْلَة بِنْت عَاصِم الَّتِي. قَذَفَهَا زَوْجهَا فَلَاعَنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنهمَا , لَهَا ذِكْر وَلَا تُعْرَف لَهَا رِوَايَة , وَتَبِعَهُ أَبُو نُعَيْمٍ , وَلَمْ يَذْكُرَا سَلَفهمَا فِي ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ اِبْن الْكَلْبِيّ , وَذَكَرَ مُقَاتِل بْن سُلَيْمَان فِيمَا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ أَنَّهَا خَوْلَة بِنْت قَيْس , وَذَكَرَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ أَنَّهَا بِنْت أَخِي عَاصِم , فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق الْحَكَم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى \" أَنَّ عَاصِم بْن عَدِيّ لَمَّا نَزَلَتْ ( وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات ) قَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَيْنَ لِأَحَدِنَا أَرْبَعَة شُهَدَاء ؟ فَابْتُلِيَ بِهِ فِي بِنْت أَخِيهِ \" وَفِي سَنَده مَعَ إِرْسَاله ضَعْف. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي التَّفْسِير عَنْ مُقَاتِل بْن حَيَّانِ قَالَ \" لَمَّا سَأَلَ عَاصِم عَنْ ذَلِكَ ابْتُلِيَ بِهِ فِي أَهْل بَيْته , فَأَتَاهُ اِبْن عَمّه تَحْته اِبْنَة عَمّه رَمَاهَا بِابْنِ عَمَّة الْمَرْأَة وَالزَّوْج وَالْحَلِيل ثَلَاثَتهمْ بَنُو عَمّ عَاصِم \" وَعَنْ اِبْن مَرْدَوَيْهِ فِي مُرْسَل اِبْن أَبِي لَيْلَى الْمَذْكُور أَنَّ الرَّجُل الَّذِي رَمَى عُوَيْمِر اِمْرَأَته بِهِ هُوَ شَرِيك بْن سَحْمَاء. وَهُوَ يَشْهَد لِصِحَّةِ هَذِهِ الرِّوَايَة لِأَنَّهُ اِبْن عَمّ عُوَيْمِر كَمَا بَيَّنْت نَسَبه فِي الْبَاب الْمَاضِي , وَكَذَا فِي مُرْسَل مُقَاتِل بْن حَيَّانِ عِنْد أَبِي حَاتِم , فَقَالَ الزَّوْج لِعَاصِمِ : يَا اِبْن عَمّ أُقْسِمَ بِاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْت شَرِيك بْن سَحْمَاء عَلَى بَطْنهَا وَإِنَّهَا لَحُبْلَى وَمَا قَرُبْتهَا مُنْذُ أَرْبَعَة أَشْهُر , وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ \" لَاعَنَ بَيْن عُوَيْمِر الْعَجْلَانِيّ وَامْرَأَته , فَأَنْكَرَ حَمْلهَا الَّذِي فِي بَطْنهَا وَقَالَ : هُوَ لِابْنِ سَحْمَاء \" وَلَا يَمْتَنِع أَنْ يُتَّهَم شَرِيك بْن سَحْمَاء بِالْمَرْأَتَيْنِ مَعًا. وَأَمَّا قَوْل اِبْن الصَّبَّاغ فِي \" الشَّامِل \" أَنَّ الْمُزَنِيّ ذَكَرَ فِي \" الْمُخْتَصَر \" أَنَّ الْعَجْلَانِيّ قَذَفَ زَوْجَته بِشَرِيكِ بْن سَحْمَاء وَهُوَ سَهْو فِي النَّقْل , وَإِنَّمَا الْقَاذِف بِشَرِيكِ هِلَال بْن أُمَيَّة , فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْرِف مُسْتَنَد الْمُزَنِيّ فِي ذَلِكَ وَإِذَا جَاءَ الْخَبَر مِنْ طُرُق مُتَعَدِّدَة فَإِنَّ بَعْضهَا يُعَضِّد بَعْضًا , وَالْجَمْع مُمْكِن فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِير إِلَيْهِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّغْلِيط. ‏ ‏قَوْله ( أَرَأَيْت رَجُلًا ) ‏ ‏أَيْ أَخْبِرْنِي عَنْ حُكْم رَجُل. ‏ ‏قَوْله ( وَجَدَ مَعَ اِمْرَأَته رَجُلًا ) ‏ ‏كَذَا اِقْتَصَرَ عَلَى قَوْله \" مَعَ \" فَاسْتَعْمَلَ الْكِنَايَة , فَإِنَّ مُرَاده مَعِيَّة خَاصَّة , وَمُرَاده أَنْ يَكُون وَجَدَهُ عِنْد الرُّؤْيَة. ‏ ‏قَوْله ( أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ) ‏ ‏أَيْ قِصَاصًا لَتَقَدَّمَ عِلْمه بِحُكْمِ الْقِصَاص لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ( النَّفْس بِالنَّفْسِ ) لَكِنْ فِي طُرُقه اِحْتِمَال أَنْ يُخَصّ مِنْ ذَلِكَ مَا يَقَع بِالسَّبَبِ الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى الصَّبْر عَلَيْهِ غَالِبًا مِنْ الْغَيْرَة الَّتِي فِي طَبْع الْبَشَر , وَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ \" أَمْ كَيْف يَفْعَل \" ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل \" بَاب الْغَيْرَة \" اِسْتِشْكَال سَعْد بْن عُبَادَةَ مِثْل ذَلِكَ وَقَوْله \" لَوْ رَأَيْته لَضَرَبْته بِالسَّيْفِ غَيْر مُصَفَّح \" وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير النُّور قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّة لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ مِثْل ذَلِكَ \" الْبَيِّنَة , وَإِلَّا حَدّ فِي ظَهْرك \" وَذَلِكَ كُلّه قَبْل أَنْ يَنْزِل اللِّعَان. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ اِمْرَأَته رَجُلًا فَتَحَقَّقَ الْأَمْر فَقَتَلَهُ هَلْ يُقْتَل بِهِ ؟ فَمَنَعَ الْجُمْهُور الْإِقْدَام وَقَالُوا : يُقْتَصّ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةِ الزِّنَا أَوْ عَلَى الْمَقْتُول بِالِاعْتِرَافِ أَوْ يَعْتَرِف بِهِ وَرَثَته فَلَا يُقْتَل الْقَاتِل بِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُون الْمَقْتُول مُحْصَنًا , وَقِيلَ بَلْ يُقْتَل بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِيم الْحَدّ بِغَيْرِ إِذْن الْإِمَام , وَقَالَ بَعْض السَّلَف : بَلْ لَا يُقْتَل أَصْلًا وَيُعَزَّر فِيمَا فَعَلَهُ إِذَا ظَهَرَتْ أَمَارَات صِدْقه , وَشَرَطَ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَمَنْ تَبِعَهُمَا أَنْ يَأْتِي بِشَاهِدَيْنِ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ , وَوَافَقَهُمْ اِبْن الْقَاسِم وَابْن حَبِيب مِنْ الْمَالِكِيَّة , لَكِنْ زَادَ أَنْ يَكُون الْمَقْتُول قَدْ أُحْصِنَ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَاهِر تَقْرِير عُوَيْمِر عَلَى مَا قَالَ يُؤَيِّد قَوْلهمْ , كَذَا قَالَ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَقَوْله \" أَمْ كَيْف يَفْعَل \" ؟ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون \" أَمْ \" مُتَّصِلَة وَالتَّقْدِير : أَمْ يَصْبِر عَلَى مَا بِهِ مِنْ الْمَضَض , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مُنْقَطِعَة بِمَعْنَى الْإِضْرَاب أَيْ بَلْ هُنَاكَ حُكْم آخَر لَا يَعْرِفهُ وَيُرِيد أَنْ يَطَّلِع عَلَيْهِ , فَلِذَلِكَ قَالَ : سَلْ لِي يَا عَاصِم. وَإِنَّمَا خَصَّ عَاصِمًا بِذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ كَبِير قَوْمه وَصِهْره عَلَى اِبْنَته أَوْ اِبْنَة أَخِيهِ , وَلَعَلَّهُ كَانَ اِطَّلَعَ عَلَى مَخَايِل مَا سَأَلَ عَنْهُ لَكِنْ لَمْ يَتَحَقَّقهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يُفْصِح بِهِ , أَوْ اِطَّلَعَ حَقِيقَة لَكِنْ خَشِيَ إِذَا صَرَّحَ بِهِ مِنْ الْعُقُوبَة الَّتِي تَضَمَّنَهَا مَنْ رَمَى الْمُحْصَنَة بِغَيْرِ بَيِّنَة , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن الْعَرَبِيّ قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لَمْ يَقَع لَهُ شَيْء مِنْ ذَلِكَ لَكِنْ اِتَّفَقَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نَفْسه إِرَادَة الِاطِّلَاع عَلَى الْحُكْم فَابْتُلِيَ بِهِ كَمَا يُقَال الْبَلَاء مُوَكَّل بِالْمَنْطِقِ , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ : إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُك عَنْهُ قَدْ اُبْتُلِيَتْ بِهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد مُسْلِم فِي قِصَّة الْعَجْلَانِيّ \" فَقَالَ : أَرَأَيْت إِنْ وَجَدَ رَجُل مَعَ اِمْرَأَته رَجُلًا , فَإِنْ تَكَلَّمَ بِهِ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيم , وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْل ذَلِكَ \". وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْده أَيْضًا \" إِنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ , أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ , وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظ \" وَهَذِهِ أَتَمّ الرِّوَايَات فِي هَذَا الْمَعْنَى. ‏ ‏قَوْله ( فَكَرِهَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِل وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْكَاف وَضَمّ الْمُوَحَّدَة أَيْ عَظُمَ وَزْنًا وَمَعْنًى , وَسَبَبه أَنَّ الْحَامِل لِعَاصِمٍ عَلَى السُّؤَال غَيْره فَاخْتَصَّ هُوَ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ , وَلِهَذَا قَالَ لِعُوَيْمِر لَمَّا رَجَعَ فَاسْتَفْهَمَهُ عَنْ الْجَوَاب : لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏الْأَوَّل تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير النُّور أَنَّ النَّوَوِيّ نَقَلَ عَنْ الْوَاحِدِيّ أَنَّ عَاصِمًا أَحَد مَنْ لَاعَنَ , وَتَقَدَّمَ إِنْكَار ذَلِكَ. ثُمَّ وَقَفْت عَلَى مُسْتَنَده وَهُوَ مَذْكُور فِي \" مَعَانِي الْقُرْآن لِلْفَرَّاءِ \" لَكِنَّهُ غَلَط. الثَّانِي وَقَعَ فِي السِّيرَة لِابْنِ حِبَال+ فِي حَوَادِث سَنَة تِسْع \" ثُمَّ لَاعَنَ بَيْن عُوَيْمِر بْن الْحَارِث الْعَجْلَانِيّ وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ عَاصِم وَبَيْن اِمْرَأَته بَعْد الْعَصْر فِي الْمَسْجِد \" وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْض شُيُوخنَا قَوْله \" وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ عَاصِم \" وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ تَحْرِيف , وَكَأَنَّهُ كَانَ فِي الْأَصْل \" الَّذِي سَأَلَ لَهُ عَاصِم \" وَاَللَّه أَعْلَم. وَسَبَب كَرَاهَة ذَلِكَ مَا قَالَ الشَّافِعِيّ : كَانَتْ الْمَسَائِل فِيمَا لَمْ يَنْزِل فِيهِ حُكْم زَمَن نُزُول الْوَحْي مَمْنُوعَة لِئَلَّا يَنْزِل الْوَحْي بِالتَّحْرِيمِ فِيمَا لَمْ يَكُنْ قَبْل ذَلِكَ مُحَرَّمًا فَيُحَرَّم , وَيَشْهَد لَهُ الْحَدِيث الْمُخَرَّج فِي الصَّحِيح \" أَعْظَم النَّاس جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْء لَمْ يُحَرَّم فَحُرِّمَ مِنْ أَجْل مَسْأَلَته \" وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْمُرَاد كَرَاهَة الْمَسَائِل الَّتِي لَا يَحْتَاج إِلَيْهَا , لَا سِيَّمَا مَا كَانَ فِيهِ هَتْك سِتْر مُسْلِم أَوْ إِشَاعَة فَاحِشَة أَوْ شَنَاعَة عَلَيْهِ , وَلَيْسَ الْمُرَاد الْمَسَائِل الْمُحْتَاج إِلَيْهَا إِذَا وَقَعَتْ , فَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسْأَلُونَ عَنْ النَّوَازِل فَيُجِيبهُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ كَرَاهَة , فَلَمَّا كَانَ فِي سُؤَال عَاصِم شَنَاعَة وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ تَسْلِيط الْيَهُود وَالْمُنَافِقِينَ عَلَى أَعْرَاض الْمُسْلِمِينَ كَرِهَ مَسْأَلَته , وَرُبَّمَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة تَضْيِيق , وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبّ التَّيْسِير عَلَى أُمَّته وَشَوَاهِد ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيث كَثِيرَة , وَفِي حَدِيث جَابِر \" مَا نَزَلَتْ آيَة اللِّعَان إِلَّا لِكَثْرَةِ السُّؤَال \" أَخْرَجَهُ الْخَطِيب فِي \" الْمُبْهَمَات \" مِنْ طَرِيق مَجَالِد عَنْ عَامِر عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ عُوَيْمِر : وَاَللَّهِ لَا اِنْتَهِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مَا اِنْتَهَى \" أَيْ مَا أَرْجِع عَنْ السُّؤَال وَلَوْ نَهَيْت عَنْهُ , زَادَ اِبْن أَبِي ذِئْب فِي رِوَايَته عَنْ اِبْن شِهَاب فِي هَذَا الْحَدِيث كَمَا سَيَأْتِي الِاعْتِصَام \" فَأَنْزَلَ اللَّه الْقُرْآن خَلْف عَاصِم \" أَيْ بَعْد أَنْ رَجَعَ مِنْ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْد هَذَا \" فَأَنْزَلَ اللَّه فِي شَأْنه مَا ذَكَرَ فِي الْقُرْآن مِنْ أَمْر الْمُلَاعَنَة \" وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ قَدْ أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرُ حَتَّى جَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ ‏ ‏( وَسَط النَّاس ) ‏ ‏بِفَتْحِ السِّين وَبِسُكُونِهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أَنْزَلَ اللَّه فِيك وَفِي صَاحِبَتك ) ‏ ‏ظَاهِر هَذَا السِّيَاق أَنَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ إِشَارَة إِلَى خُصُوص مَا وَقَعَ لَهُ مَعَ اِمْرَأَته , فَيَتَرَجَّح أَحَد الِاحْتِمَالَات الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا اِبْن الْعَرَبِيّ , لَكِنْ ظَهَرَ لِي مِنْ بَقِيَّة الطُّرُق أَنَّ فِي السِّيَاق اِخْتِصَارًا , وَيُوَضِّح ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصَّة الْعَجْلَانِيّ بَعْد قَوْله \" إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرِ عَظِيم , وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْل ذَلِكَ \" فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا كَانَ بَعْد ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُك عَنْهُ قَدْ اُبْتُلِيت بِهِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر اِمْرَأَته إِلَّا بَعْد أَنْ اِنْصَرَفَ ثُمَّ عَادَ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" إِنَّ الرَّجُل لَمَّا قَالَ : وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظ , قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ اِفْتَحْ , وَجَعَلَ يَدْعُو , فَنَزَلَتْ آيَة اللِّعَان \" وَهَذَا ظَاهِره أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ عَقِب السُّؤَال , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَتَخَلَّل بَيْن الدُّعَاء وَالنُّزُول زَمَن بِحَيْثُ يَذْهَب عَاصِم وَيَعُود عُوَيْمِرُ , وَهَذَا كُلّه ظَاهِر جِدًّا فِي أَنَّ الْقِصَّة نَزَلَتْ بِسَبَبِ عُوَيْمِر , وَيُعَارِضهُ مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير النُّور مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ هِلَال بْن أُمَيَّة قَذَفَ اِمْرَأَته بِشَرِيكِ بْن سَحْمَاء \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبَيِّنَة أَوْ حَدّ فِي ظَهْرك. فَقَالَ هِلَال : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ إِنَّنِي لَصَادِقٌ , وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّه فِيَّ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الْحَدّ , فَنَزَلَ جِبْرِيل فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ : وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجهمْ \" الْحَدِيث. وَفِي رِوَايَة عَبَّاد بْن مَنْصُور عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا الْحَدِيث عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" فَقَالَ هِلَال : وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَجْعَل اللَّه لِي فَرَجًا. قَالَ فَبَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي \" وَفِي حَدِيث أَنَس عِنْد مُسْلِم \" أَنَّ هِلَال بْن أُمَيَّة قَذَفَ اِمْرَأَته بِشَرِيكِ بْن سَحْمَاء وَكَانَ أَخَا الْبَرَاء بْن مَالِك لِأُمِّهِ , وَكَانَ أَوَّل رَجُل لَاعَنَ فِي الْإِسْلَام \" فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ بِسَبَبِ هِلَال , وَقَدْ قَدَّمْت اِخْتِلَاف أَهْل الْعِلْم فِي الرَّاجِح مِنْ ذَلِكَ , وَبَيَّنْت كَيْفِيَّة الْجَمْع بَيْنهمَا فِي تَفْسِير سُورَة النُّور بِأَنْ يَكُون هِلَال سَأَلَ أَوَّلًا ثُمَّ سَأَلَ عُوَيْمِرُ فَنَزَلَتْ فِي شَأْنهمَا مَعًا , وَظَهَرَ لِي الْآن اِحْتِمَال أَنْ يَكُون عَاصِم سَأَلَ قَبْل النُّزُول ثُمَّ جَاءَ هِلَال بَعْده فَنَزَلَتْ عِنْد سُؤَاله , فَجَاءَ عُوَيْمِرُ فِي الْمَرَّة الثَّانِيَة الَّتِي قَالَ فِيهَا \" إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُك عَنْهُ قَدْ اُبْتُلِيت بِهِ \" فَوَجَدَ الْآيَة نَزَلَتْ فِي شَأْن هِلَال , فَأَعْلَمَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ , يَعْنِي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي كُلّ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ , لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصّ بِهِلَالٍ. وَكَذَا يُجَاب عَلَى سِيَاق حَدِيث اِبْن مَسْعُود يَحْتَمِل أَنَّهُ لَمَّا شَرَعَ يَدْعُو بَعْد تَوَجَّهَ الْعَجْلَانِيّ جَاءَ هِلَال فَذَكَرَ قِصَّته فَنَزَلَتْ , فَجَاءَ عُوَيْمِرُ فَقَالَ : قَدْ نَزَلَ فِيك وَفِي صَاحِبَتك. ‏ ‏قَوْله ( فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا ) ‏ ‏يَعْنِي فَذَهَبَ فَأَتَى بِهَا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ اللِّعَان يَكُون عِنْد الْحَاكِم وَبِأَمْرِهِ , فَلَوْ تَرَاضَيَا بِمَنْ يُلَاعِن بَيْنهمَا فَلَاعَنَ لَمْ يَصِحّ , لِأَنَّ فِي اللِّعَان مِنْ التَّغْلِيظ مَا يَقْتَضِي أَنْ يَخْتَصّ بِهِ الْحُكَّام. وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ \" أَيْ الْآيَات الَّتِي فِي سُورَة النُّور وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ , وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَاب الدُّنْيَا أَهْوَن مِنْ عَذَاب الْآخِرَة , قَالَ : لَا وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا كَذَبْت عَلَيْهَا. ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَاب الدُّنْيَا أَهْوَن مِنْ عَذَاب الْآخِرَة قَالَتْ : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ سَهْلٌ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمُبْدَأ بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَتَلَاعَنَا ) ‏ ‏فِيهِ حَذْف تَقْدِيره فَذَهَبَ فَأَتَى بِهَا فَسَأَلَهَا فَأَنْكَرَتْ ; فَأَمَرَ بِاللِّعَانِ فَتَلَاعَنَا. ‏ ‏قَوْله ( وَأَنَا مَعَ النَّاس عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن جُرَيْجٍ كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده \" فِي الْمَسْجِد \" وَزَادَ اِبْن إِسْحَاق رِوَايَته عَنْ اِبْن شِهَاب فِي هَذَا الْحَدِيث \" بَعْد الْعَصْر \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد. وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر \" بَعْد الْعَصْر عِنْد الْمِنْبَر \" وَسَنَده ضَعِيف , وَاسْتُدِلَّ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللِّعَان يَكُون بِحَضْرَةِ الْحُكَّام وَبِمَجْمَعِ مِنْ النَّاس , وَهُوَ أَحَد أَنْوَاع التَّغْلِيظ. ثَانِيهَا الزَّمَان. ثَالِثهَا الْمَكَان. وَهَذَا التَّغْلِيظ مُسْتَحَبّ وَقِيلَ وَاجِب. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏لَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ طُرُق حَدِيث سَهْل صِفَة تَلَاعُنِهِمَا إِلَّا مَا فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ الْمَاضِيَة فِي التَّفْسِير فَإِنَّهُ قَالَ \" فَأَمَرَهُمَا بِالْمُلَاعَنَةِ بِمَا سَمَّى فِي كِتَابه \" وَظَاهِره أَنَّهُمَا لَمْ يَزِيدَا عَلَى مَا فِي الْآيَة , وَحَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد مُسْلِم صَرِيح فِي ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِ \" فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَع شَهَادَات بِاَللَّهِ إِنَّهُ لِمَنْ الصَّادِقِينَ , وَالْخَامِسَة أَنَّ لَعْنَة اللَّه عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ , , ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ \" الْحَدِيث. وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود نَحْوه لَكِنْ زَادَ فِيهِ \" فَذَهَبَتْ لِتَلْتَعِنَ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَهْ , فَأَبَتْ , فَالْتَعَنَتْ \" وَفِي حَدِيث أَنَس عِنْد أَبِي يَعْلَى وَأَصْله فِي مُسْلِم \" فَدَعَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَتَشْهَدُ بِاَللَّهِ إِنَّك لِمَنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا ؟ فَشَهِدَ بِذَلِكَ أَرْبَعًا ثُمَّ قَالَ لَهُ فِي الْخَامِسَة : وَلَعْنَة اللَّه عَلَيْك إِنْ كُنْت مِنْ الْكَاذِبِينَ ؟ فَفَعَلَ , ثُمَّ دَعَاهَا فَذَكَرَ نَحْوه , فَلَمَّا كَانَ فِي الْخَامِسَة سَكَتَتْ سَكْتَة حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهَا سَتَعْتَرِفُ , ثُمَّ قَالَتْ : لَا أَفْضَح قَوْمِي سَائِر الْيَوْم , فَمَضَتْ عَلَى الْقَوْل \". وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس مِنْ طَرِيق عَاصِم بْن كُلَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْن أَبِي حَاتِم \" فَدَعَا الرَّجُل , فَشَهِدَ أَرْبَع شَهَادَات بِاَللَّهِ إِنَّهُ لِمَنْ الصَّادِقِينَ , فَأُمِرَ بِهِ فَأَمْسَكَ عَلَى فِيهِ , فَوَعَظَهُ فَقَالَ : كُلّ شَيْء أَهْوَن عَلَيْك مِنْ لَعْنَة اللَّه. ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَقَالَ : لَعْنَة اللَّه عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ. وَقَالَ فِي الْمَرْأَة نَحْو ذَلِكَ \" وَهَذِهِ الطَّرِيق لَمْ يُسَمَّ فِيهَا الزَّوْج وَلَا الزَّوْجَة , بِخِلَافِ حَدِيث أَنَس فَصَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّهَا فِي قِصَّة هِلَال بْن أُمَيَّة , فَإِنْ كَانَتْ الْقِصَّة وَاحِدَة وَقَعَ الْوَهْم فِي تَسْمِيَة الْمُلَاعِن كَمَا جَزَمَ بِهِ غَيْر وَاحِد مِمَّنْ ذَكَرْته فِي التَّفْسِير. فَهَذِهِ زِيَادَة مِنْ ثِقَة فَتُعْتَمَدُ , وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَدِّدَة فَقَدْ ثَبَتَ بَعْضهَا فِي قَصَّهُ اِمْرَأَة هِلَال كَمَا ذَكَرْته فِي آخِر \" بَاب يَبْدَأ الرَّجُل بِالتَّلَاعُنِ \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنهمَا قَالَ عُوَيْمِر : كَذَبْت عَلَيْهَا يَا رَسُول اللَّه إِنْ أَمْسَكْتهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" إِنْ حَبَسْتهَا فَقَدْ ظَلَمْتهَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" ظَلَمْتهَا إِنْ أَمْسَكْتهَا فَهِيَ الطَّلَاق فَهِيَ الطَّلَاق \" وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَة وَلَمْ يُتَابَع عَلَيْهَا , وَكَأَنَّهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى لِاعْتِقَادِهِ مَنْع جَمْع الطَّلْقَات الثَّلَاث بِكَلِمَةٍ وَاحِدَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ مِنْ قَبْل فِي أَوَائِل الطَّلَاق , وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" طَلَّقَهَا ثَلَاثًا \" أَنَّ الْفُرْقَة بَيْن الْمُتَلَاعِنَيْنِ تَتَوَقَّف عَلَى تَطْلِيق الرَّجُل كَمَا تَقَدَّمَ نَقْله عَنْ عُثْمَان الْبَتِّيّ , وَأُجِيب بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" فَرَّقَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن الْمُتَلَاعِنَيْنِ \" فَإِنَّ حَدِيث سَهْل وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصَّة وَاحِدَة , وَظَاهِر حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّ الْفُرْقَة وَقَعَتْ بِتَفْرِيقِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي \" شَرْح مُسْلِم لِلنَّوَوِيِّ \" قَوْله \" كَذَبْت عَلَيْهَا \" أَيْ ثُمَّ عَقَّبَ قَوْله ذَلِكَ بِطَلَاقِهَا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللِّعَان لَا يُحَرِّمهَا عَلَيْهِ , فَأَرَادَ تَحْرِيمهَا بِالطَّلَاقِ فَقَالَ \" هِيَ طَالِق ثَلَاثًا. فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا \" أَيْ لَا مِلْك لَك عَلَيْهَا فَلَا يَقَع طَلَاقك اِنْتَهَى. وَهُوَ يُوهِم أَنَّ قَوْله \" لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا \" وَقَعَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقِب قَوْل الْمُلَاعِن هِيَ طَالِق ثَلَاثًا وَأَنَّهُ مَوْجُود كَذَلِكَ فِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد الَّذِي شَرَحَهُ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ قَوْله لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا لَمْ يَقَع فِي حَدِيث سَهْل , وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر عَقِب قَوْله \" اللَّه يَعْلَم أَنَّ أَحَدكُمَا كَاذِب , لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا \" وَفِيهِ \" قَالَ يَا رَسُول اللَّه مَالِي \" الْحَدِيث كَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ قَوْله \" لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا \" إِنَّمَا اِسْتَدَلَّ مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ أَصْحَابنَا لِوُقُوعِ الْفُرْقَة بِنَفْسِ الطَّلَاق مِنْ عُمُوم لَفْظه لَا مِنْ خُصُوص السِّيَاق وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اِبْن شِهَاب فَكَانَتْ سُنَّة الْمُتَلَاعِنَيْنِ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِك \" فَكَانَتْ تِلْكَ وَهِيَ إِشَارَة إِلَى الْفُرْقَة , وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ فِي الْبَاب بَعْده \" فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْل أَنْ يَأْمُرهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين فَرَغَا مِنْ التَّلَاعُن , فَفَارَقَهَا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ذَلِكَ تَفْرِيق بَيْن كُلّ مُتَلَاعِنَيْنِ \" كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي , وَلِلْبَاقِينَ \" فَكَانَ ذَلِكَ تَفْرِيقًا , وَلِلْكُشْمِيهَنِي \" فَصَارَ \" بَدَل \" فَكَانَ \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ بِلَفْظِ \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَلِكَ التَّفْرِيق بَيْن كُلّ مُتَلَاعِنَيْنِ \" وَهُوَ يُؤَيِّد رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي , وَمِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ بِمِثْلِ حَدِيث مَالِك , قَالَ مُسْلِم : لَكِنْ أُدْرِجَ قَوْله \" وَكَانَ فِرَاقُهُ إِيَّاهَا بَعْدُ سُنَّةً بَيْن الْمُتَلَاعِنَيْنِ \" وَكَذَا ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" اِخْتِلَاف الرُّوَاة عَلَى اِبْن شِهَاب ثُمَّ عَلَى مَالِك فِي تَعْيِين مَنْ قَالَ \" فَكَانَ فِرَاقُهَا سُنَّةً \" هَلْ هُوَ مِنْ قَوْل سَهْل أَوْ مِنْ قَوْل اِبْن شِهَاب , وَذَكَرَ ذَلِكَ الشَّافِعِيّ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ نِسْبَته إِلَى اِبْن شِهَاب لَا تَمْنَع نِسْبَته إِلَى سَهْل , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عِيَاض بْن عَبْد اللَّه الْفِهْرِيّ عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَهْل قَالَ \" فَطَلَّقَهَا ثَلَاث تَطْلِيقَات عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْفَذَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ مَا صُنِعَ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَّة \" قَالَ سَهْل \" حَضَرْت هَذَا عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَمَضَتْ السُّنَّة بَعْد فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّق بَيْنهمَا ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا \" فَقَوْله \" فَمَضَتْ السُّنَّة \" ظَاهِر فِي أَنَّهُ مِنْ تَمَام قَوْل سَهْل , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ مِنْ قَوْل اِبْن شِهَاب , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ اِبْن جُرَيْجٍ كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده أَوْرَدَ قَوْل اِبْن شِهَاب فِي ذَلِكَ بَعْد ذِكْر حَدِيث سَهْل فَقَالَ بَعْد قَوْله ذَلِكَ تَفْرِيق بَيْن كُلّ مُتَلَاعِنَيْنِ : قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ اِبْن شِهَاب كَانَتْ السُّنَّة بَعْدهَا أَنْ يُفَرَّق بَيْن الْمُتَلَاعِنَيْنِ , ثُمَّ وَجَدْت فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ آخِر الْحَدِيث. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : قَوْله \" ذَلِكَ تَفْرِيق بَيْن الْمُتَلَاعِنَيْنِ \" مِنْ قَوْل الزُّهْرِيِّ وَلَيْسَ مِنْ الْحَدِيث. اِنْتَهَى , وَهُوَ خِلَاف ظَاهِر سِيَاق اِبْن جُرَيْجٍ فَكَأَنَّ الْمُصَنِّف رَأَى أَنَّهُ مُدْرَج فَنَبَّهَ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4897",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُلَاعَنَةِ ‏ ‏وَعَنْ السُّنَّةِ فِيهَا ‏ ‏عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏أَخِي ‏ ‏بَنِي سَاعِدَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِهِ مَا ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَمْرِ ‏ ‏الْمُتَلَاعِنَيْنِ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏قَضَى اللَّهُ فِيكَ وَفِي امْرَأَتِكَ قَالَ ‏ ‏فَتَلَاعَنَا ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ فَرَغَا مِنْ ‏ ‏التَّلَاعُنِ ‏ ‏فَفَارَقَهَا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ذَاكَ تَفْرِيقٌ بَيْنَ كُلِّ ‏ ‏مُتَلَاعِنَيْنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَكَانَتْ السُّنَّةُ بَعْدَهُمَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ ‏ ‏الْمُتَلَاعِنَيْنِ ‏ ‏وَكَانَتْ حَامِلًا وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى لِأُمِّهِ قَالَ ثُمَّ جَرَتْ السُّنَّةُ فِي مِيرَاثِهَا أَنَّهَا تَرِثُهُ وَيَرِثُ مِنْهَا مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ قَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ قَصِيرًا كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أُرَاهَا إِلَّا قَدْ صَدَقَتْ وَكَذَبَ عَلَيْهَا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ أَعْيَنَ ذَا ‏ ‏أَلْيَتَيْنِ ‏ ‏فَلَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى الْمَكْرُوهِ مِنْ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن جَعْفَرٍ. ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي اِبْن شِهَاب عَنْ الْمُلَاعَنَة وَعَنْ السُّنَّة فِيهَا عَنْ حَدِيث سَهْل بْن سَعْد أَخِي بَنِي سَاعِدَة ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد الطَّبَرِيِّ فِي أَوَّل الْإِسْنَاد زِيَادَة , فَإِنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَة فِي هَذِهِ الْآيَة ( وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ) نَزَلَتْ فِي هِلَال بْن أُمَيَّة فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا , قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي اِبْن شِهَاب فَذَكَرَهُ , فَكَأَنَّ اِبْن جُرَيْجٍ أَشَارَ إِلَى بَيَان الِاخْتِلَاف فِي الَّذِي نَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ , وَقَدْ ذَكَرْت مَا فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ مِنْ الْفَائِدَة فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ وَكَانَتْ حَامِلًا وَكَانَ اِبْنهَا يُدْعَى لِأُمِّهِ , قَالَ : ثُمَّ جَرَتْ السُّنَّة فِي مِيرَاثهَا أَنَّهَا تَرِثهُ وَيَرِث مِنْهَا مَا فَرَضَ اللَّه لَهَا ) ‏ ‏هَذِهِ الْأَقْوَال كُلّهَا أَقْوَال اِبْن شِهَاب , وَهُوَ مَوْصُول إِلَيْهِ بِالسَّنَدِ الْمُبْدَأ بِهِ , وَقَدْ وَصَلَهُ سُوَيْد بْن سَعِيد عَنْ مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَهْل بْن سَعْد , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" : لَا أَعْلَم أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ مَالِك غَيْره. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق فُلَيْح بْن سُلَيْمَان عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْل , فَذَكَر قِصَّة الْمُتَلَاعِنَيْنِ مُخْتَصَرَة وَفِيهِ \" فَفَارَقَهَا , فَكَانَتْ سُنَّة أَنْ يُفَرَّق بَيْن الْمُتَلَاعِنَيْنِ , وَكَانَتْ حَامِلًا - إِلَى قَوْله - مَا فَرَضَ اللَّه لَهَا \" , وَظَاهِر أَنَّهُ مِنْ قَوْل سَهْل مَعَ اِحْتِمَال أَنْ يَكُون مِنْ قَوْل اِبْن شِهَاب كَمَا تَقَدَّمَ , وَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّ اللِّعَان بَيْنهمَا وَقَعَ وَهِيَ حَامِل , وَيَتَأَيَّد بِمَا فِي رِوَايَة الْعَبَّاس بْن سَهْل بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَاصِمِ بْن عَدِيّ : أَمْسِكْ الْمَرْأَة عِنْدك حَتَّى تَلِد \" , وَتَقَدَّمَ فِي أَثْنَاء الْبَاب الَّذِي قَبْله مِنْ مُرْسَل مُقَاتِل بْنِ حَيَّانِ وَمِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر أَيْضًا التَّصْرِيح بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَهْل بْنِ سَعْد السَّاعِدِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمُبْدَأ بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ اِبْن شِهَاب \" أُحَيْمِر \" بِالتَّصْغِيرِ , وَفِي مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عِنْد الشَّافِعِيّ \" أَشْقَر \" قَالَ ثَعْلَب الْمُرَاد بِالْأَحْمَرِ الْأَبْيَض , لِأَنَّ الْحُمْرَة إِنَّمَا تَبْدُو فِي الْبَيَاض , قَالَ : وَالْعَرَب لَا تُطْلِق الْأَبْيَض فِي اللَّوْن وَإِنَّمَا تَقُولهُ فِي نَعْت الطَّاهِر وَالنَّقِيّ وَالْكَرِيم وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( قَصِيرًا كَأَنَّهُ وَحَرَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاو وَالْمُهْمَلَة : دُوَيْبَة تَتَرَامَى عَلَى الطَّعَام وَاللَّحْم فَتُفْسِدهُ , وَهِيَ مِنْ نَوْع الْوَزَغ. ‏ ‏قَوْله ( فَلَا أَرَاهَا إِلَّا صَدَقَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبَّاس بْن سَهْل عَنْ أَبِيهِ عِنْد أَبِي دَاوُدَ فَهُوَ لِأَبِيهِ الَّذِي اِنْتَفَى مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَد أَعْيَن ذَا أَلْيَتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ عَظِيمَتَيْنِ , وَيُوَضِّحهُ مَا فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الْمَذْكُورَة مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" أَدْعَج الْعَيْنَيْنِ عَظِيم الْأَلْيَتَيْنِ \" وَمِثْله فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ الْمَاضِيَة فِي التَّفْسِير وَزَادَ \" خَدَلَّج السَّاقَيْنِ \" وَالدَّعَج شِدَّة سَوَاد الْحَدَقَة وَالْأَعْيَن الْكَبِير الْعَيْن , وَفِي رِوَايَة عَبَّاس بْن سَهْل الْمَذْكُورَة \" وَإِنْ وَلَدَتْهُ قَطَط الشَّعْر أَسْوَد اللِّسَان فَهُوَ لِابْنِ سَحْمَاء \" وَالْقَطَط تَفَلْفُل الشَّعْر. ‏ ‏قَوْله ( فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى الْمَكْرُوه مِنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْت الَّذِي نَعَتَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَصْدِيق عُوَيْمِر \" وَفِي رِوَايَة عَبَّاس الْمَذْكُورَة \" قَالَ عَاصِم : فَلَمَّا وَقَعَ أَخَذْته إِلَيَّ فَإِذَا رَأْسه مِثْل فَرْوَة الْحَمَل الصَّغِير , ثُمَّ أَخَذْت بِفَقْمَيْهِ فَإِذَا هُوَ مِثْل النَّبْعَة , وَاسْتَقْبَلَنِي لِسَانه أَسْوَد مِثْل الثَّمَرَة فَقُلْت : صَدَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" , وَالْحَمَل بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمِيم وَلَد الضَّأْن , وَالنَّبْعَة وَاحِدَة النَّبْع بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُهْمَلَة , وَهُوَ شَجَر يُتَّخَذ مِنْهُ الْقِسِيّ وَالسِّهَام , وَلَوْن قِشْره أَحْمَر إِلَى الصُّفْرَة ‏"
    },
    {
        "id": "4898",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّهُ ذُكِرَ ‏ ‏التَّلَاعُنُ ‏ ‏عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ ‏ ‏فِي ذَلِكَ قَوْلًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَالَ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا الْأَمْرِ إِلَّا لِقَوْلِي فَذَهَبَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ ‏ ‏سَبْطَ ‏ ‏الشَّعَرِ وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ ‏ ‏خَدْلًا ‏ ‏آدَمَ كَثِيرَ اللَّحْمِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ بَيِّنْ فَجَاءَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ ‏ ‏فَلَاعَنَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَهُمَا قَالَ رَجُلٌ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فِي الْمَجْلِسِ هِيَ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ ‏ ‏رَجَمْتُ ‏ ‏أَحَدًا بِغَيْرِ ‏ ‏بَيِّنَةٍ ‏ ‏رَجَمْتُ ‏ ‏هَذِهِ فَقَالَ لَا تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ السُّوءَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏خَدِلًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد \" أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن الْقَاسِم \" وَسَيَأْتِي بَعْد سِتَّة أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَهُوَ وَالِد عَبْد الرَّحْمَن رَاوِيه عَنْهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" عَنْ أَبِيهِ \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ ذُكِرَ التَّلَاعُن ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُ قَالَ ذَكَرَ فَحَذَفَ لَفْظ \" قَالَ \" وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان الْآتِيَة , وَقَوْله \" ذُكِرَ \" بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَقَوْله \" التَّلَاعُن \" وَقَعَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان \" الْمُتَلَاعِنَانِ \" وَالْمُرَاد ذِكْر حُكْم الرَّجُل يَرْمِي اِمْرَأَته بِالزِّنَا فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّلَاعُنِ بِاعْتِبَارِ مَا آل إِلَيْهِ الْأَمْر بَعْد نُزُول الْآيَة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ عَاصِم بْن عَدِيّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا ثُمَّ اِنْصَرَفَ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مَعْنَى قَوْله \" قَوْلًا \" أَيْ كَلَامًا لَا يَلِيق بِهِ كَعُجْبِ النَّفْس وَالنَّخْوَة وَالْمُبَالَغَة فِي الْغَيْرَة وَعَدَم الْمَرَدّ إِلَى إِرَادَة اللَّه وَقُدْرَته. قُلْت : وَكُلّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ الْوَاقِع , وَإِنَّمَا الْمُرَاد بِقَوْلِ عَاصِم مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ الْحُكْم الَّذِي أَمَرَهُ عُوَيْمِر أَنْ يَسْأَل لَهُ عَنْهُ. وَإِنَّمَا جَزَمْت بِذَلِكَ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ لِي أَنَّ حَدِيثَيْ سَهْل بْن سَعْد وَابْن عَبَّاس مِنْ رِوَايَة الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْهُ فِي قِصَّة وَاحِدَة , بِخِلَافِ رِوَايَة عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فَإِنَّهَا فِي قِصَّة أُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير النُّور عَنْ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ الْقَاسِم رَوَى قِصَّة اللِّعَان عَنْ اِبْن عَبَّاس كَمَا رَوَاهُ سَهْل بْن سَعْد وَغَيْره فِي أَنَّ الْمُلَاعِن , وَبَيَّنْت هُنَاكَ تَوْجِيهه , وَعَلَى هَذَا فَالْقَوْل الْمُبْهَم عَنْ عَاصِم فِي رِوَايَة الْقَاسِم هَذِهِ هُوَ قَوْله \" أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَدَ مَعَ اِمْرَأَته رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ \" ؟ الْحَدِيث , وَلَا مَانِع أَنْ يُرْوَى اِبْن عَبَّاس الْقِصَّتَيْنِ مَعًا , وَيُؤَيِّد التَّعَدُّد اِخْتِلَاف السِّيَاقَيْنِ وَخُلُوّ أَحَدهمَا عَمَّا وَقَعَ فِي الْآخَر وَمَا وَقَعَ بَيْن الْقِصَّتَيْنِ مِنْ الْمُغَايَرَة كَمَا أُبَيِّنهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَتَاهُ رَجُل مِنْ قَوْمه ) ‏ ‏هُوَ عُوَيْمِرُ كَمَا تَقَدَّمَ , وَلَا يُمْكِن تَفْسِيره بِهِلَالِ بْن أُمَيَّة لِأَنَّهُ لَا قَرَابَة بَيْنه وَبَيْن عَاصِم , لِأَنَّهُ هِلَال بْن أُمَيَّة بْن عَامِر بْن عَبْد قَيْس مِنْ بَنِي وَاقِف , وَهُوَ مَالِك بْن اِمْرِئِ الْقِيس بْن مَالِك بْن الْأَوْس , فَلَا يَجْتَمِع مَعَ بَنِي عَمْرو بْن عَوْف الَّذِي يَنْتَهِي عَاصِم إِلَى حِلْفهمْ إِلَّا فِي مَالِك بْن الْأَوْس لِأَنَّ عَمْرو بْن عَوْف هُوَ اِبْن مَالِك. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ عَاصِم مَا اُبْتُلِيت بِهَذَا إِلَّا لِقَوْلِي ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ , لِأَنَّ عُوَيْمِر بْن عَمْرو كَانَتْ تَحْته بِنْت عَاصِم أَوْ بِنْت أَخِيهِ فَلِذَلِكَ أَضَافَ ذَلِكَ إِلَى نَفْسه بِقَوْلِهِ \" مَا اُبْتُلِيت \" وَقَوْله \" إِلَّا بِقَوْلِي \" أَيْ بِسُؤَالِي عَمَّا لَمْ يَقَع , كَأَنَّهُ قَالَ فَعُوقِبْت بِوُقُوعِ ذَلِكَ فِي آل بَيْتِي , وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ مَثَلًا لَوْ وَجَدْت أَحَدًا يَفْعَل ذَلِكَ لَقَتَلْته , أَوْ عَيَّرَ أَحَدًا بِذَلِكَ فَابْتُلِيَ بِهِ , وَكَلَامه أَيْضًا بِمَعْزِلٍ عَنْ الْوَاقِع , فَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَل مُقَاتِل بْن حَيَّانِ عِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم \" فَقَالَ عَاصِم : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ , هَذَا وَاَللَّه بِسُؤَالِي عَنْ هَذَا الْأَمْر بَيْن النَّاس فَابْتُلِيت بِهِ \" وَاَلَّذِي كَانَ قَالَ \" لَوْ رَأَيْته لَضَرَبْته بِالسَّيْفِ \" هُوَ سَعْد بْن عُبَادَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْغَيْرَة \" وَقَدْ أَوْرَدَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة مُرْسَلًا , وَوَصَلَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ بِذِكْرِ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" لَمَّا نَزَلَتْ ( وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات ) قَالَ سَعْد بْن عُبَادَةَ : إِنْ أَنَا رَأَيْت لَكَاع يَفْجُر بِهَا رَجُل \" فَذَكَرَ الْقِصَّة وَفِيهِ \" فَوَاَللَّهِ مَا لَبِثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ هِلَال بْن أُمَيَّة فَذَكَرَ قِصَّته , وَهُوَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَة عَبَّاد بْن مَنْصُور عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , فَوَضَحَ أَنَّ قَوْل عَاصِم كَانَ فِي قِصَّة عُوَيْمِر وَقَوْل سَعْد بْن عُبَادَةَ كَانَ فِي قِصَّة هِلَال , فَالْكَلَامَانِ مُخْتَلِفَانِ , وَهُوَ مِمَّا يُؤَيِّد تَعَدُّد الْقِصَّة , وَيُؤَيِّد التَّعَدُّد أَيْضًا أَنَّهُ وَقَعَ فِي آخِر حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد الْحَاكِم \" قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ أَكْثَر غَاشِيَة مِنْهُ \" وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره \" قَالَ عِكْرِمَة : فَكَانَ بَعْد ذَلِكَ أَمِيرًا عَلَى مِصْر وَمَا يُدْعَى لِأَبٍ \" فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ وَلَد الْمُلَاعَنَة عَاشَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَانًا , وَقَوْله \" عَلَى مِصْر \" أَيْ مِنْ الْأَمْصَار , وَظَنَّ بَعْض شُيُوخنَا أَنَّهُ أَرَادَ مِصْر الْبَلَد الْمَشْهُور فَقَالَ : فِيهِ نَظَر , لِأَنَّ أُمَرَاء مِصْر مَعْرُوفُونَ مَعْدُودُونَ لَيْسَ فِيهِمْ هَذَا , وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر عِنْد اِبْن سَعْد فِي \" الطَّبَقَات \" أَنَّ وَلَد الْمُلَاعَنَة عَاشَ بَعْد ذَلِكَ سَنَتَيْنِ وَمَاتَ , فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُقَوِّي التَّعَدُّد وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُل ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي رَمَى اِمْرَأَتَهُ. ‏ ‏قَوْله ( مُصْفَرًّا ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْفَاء وَتَشْدِيد الرَّاء , أَيْ قَوِيَ الصُّفْرَة , وَهَذَا لَا يُخَالِف قَوْله فِي حَدِيث سَهْل أَنَّهُ كَانَ أَحْمَر أَوْ أَشْقَر لِأَنَّ ذَاكَ لَوْنه الْأَصْلِيّ وَالصُّفْرَة عَارِضَة , وَقَوْله قَلِيل اللَّحْم أَيْ نَحِيف الْجِسْم , وَقَوْله سَبْط الشَّعَرِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة هُوَ ضِدّ الْجُعُودَة. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ الَّذِي اِدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْد أَهْله آدَم ) ‏ ‏بِالْمَدِّ أَيْ لَوْنه قَرِيبٌ مِنْ السَّوَاد. ‏ ‏قَوْله ( خَدَلًّا ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة ثُمَّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد اللَّام أَيْ مُمْتَلِئ السَّاقَيْنِ , وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن بْن فَارِس \" مُمْتَلِئ الْأَعْضَاء \" , وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : لَا يَكُون إِلَّا مَعَ غِلَظ الْعَظْم مَعَ اللَّحْم. ‏ ‏قَوْله ( كَثِير اللَّحْم ) ‏ ‏أَيْ فِي جَمِيع جَسَده. يَحْتَمِل أَنْ تَكُون صِفَة شَارِحَة لِقَوْلِهِ \" خَدَلًّا \" بِنَاء عَلَى أَنَّ الْخَدَلّ الْمُمْتَلِئ الْبَدَن , وَأَمَّا عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ أَنَّهُ الْمُمْتَلِئ السَّاق فَيَكُون فِيهِ تَعْمِيم بَعْد تَخْصِيص , وَزَادَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال الْآتِيَة \" جَعْدًا قَطَطًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيره فِي شَرْح حَدِيث سَهْل قَرِيبًا , وَهَذِهِ الصِّفَة مُوَافَقَة لِلَّتِي فِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد حَيْثُ فِيهِ \" عَظِيم الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّج السَّاقَيْنِ إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ بَيِّنِ ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْله ( فَجَاءَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَان بْن بِلَال \" فَوَضَعَتْ \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَاعَنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنهمَا ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِره أَنَّ الْمُلَاعَنَة بَيْنهمَا تَأَخَّرَتْ حَتَّى وَضَعَتْ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ قَوْله \" فَلَاعَنَ \" مُعَقَّبٌ بِقَوْلِهِ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِاَلَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ اِمْرَأَته , وَاعْتَرَضَ قَوْله \" وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُل إِلَخْ \" وَالْحَامِل عَلَى ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَدِلَّة عَلَى أَنَّ رِوَايَة الْقَاسِم هَذِهِ مُوَافَقَة لِحَدِيثِ سَهْل بْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله ( لَوْ كُنْت رَاجِمًا بِغَيْرِ بَيِّنَة ) ‏ ‏تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ نُكُول الْمَرْأَة عَنْ اللِّعَان لَا يُوجِب عَلَيْهَا الْحَدّ , وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَاب الرَّأْي , وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْحُدُود لَا تَثْبُت بِالنُّكُولِ , وَبِأَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كُنْت رَاجِمًا لَمْ يَقَع بِسَبَبِ اللِّعَان فَقَطْ. وَقَالَ أَحْمَد : إِذَا اِمْتَنَعَتْ تُحْبَس , وَأَهَاب أَنْ أَقُول تُرْجَم , لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ صَرِيحًا ثُمَّ رَجَعَتْ لَمْ تُرْجَم فَكَيْف تُرْجَم إِذَا أَبَتْ الِالْتِعَان. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ رَجُل لِابْنِ عَبَّاس فِي الْمَجْلِس ) ‏ ‏يَأْتِي بَيَانه فِي \" بَاب قَوْل الْإِمَام اللَّهُمَّ بَيِّنِ \" قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو صَالِح وَعَبْد اللَّه بْن يُوسُف : آدَم خَدْلًا ) ‏ ‏يَعْنِي بِسُكُونِ الدَّال وَيُقَال بِفَتْحِهَا مُخَفَّفًا فِي الْوَجْهَيْنِ وَبِالسُّكُونِ ذَكَرَهُ أَهْل اللُّغَة. وَأَبُو صَالِح هَذَا هُوَ عَبْد اللَّه بْن صَالِح كَاتِب اللَّيْث , وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ عَنْ أَبِي ذَرّ \" وَقَالَ لَنَا أَبُو صَالِح \" وَرِوَايَة عَبْد اللَّه بْن يُوسُف وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْحُدُود ‏"
    },
    {
        "id": "4899",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَقَالَ فَرَّقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ أَخَوَيْ ‏ ‏بَنِي الْعَجْلَانِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ فَأَبَيَا وَقَالَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ فَأَبَيَا فَقَالَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ فَأَبَيَا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏فَقَالَ لِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏إِنَّ فِي الْحَدِيثِ شَيْئًا لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ قَالَ ‏ ‏قَالَ الرَّجُلُ مَالِي قَالَ قِيلَ لَا مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّةَ. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت لِابْنِ عُمَر : رَجُل قَذَفَ اِمْرَأَته ) ‏ ‏أَيْ مَا الْحُكْم فِيهِ ؟ وَقَدْ أَوْرَدَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد بْنِ جُبَيْر فَزَادَ فِي أَوَّله \" قَالَ لَمْ يُفَرِّق الْمُصْعَب - يَعْنِي اِبْن الزُّبَيْر - بَيْن الْمُتَلَاعِنَيْنِ , أَيْ حَيْثُ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْعِرَاق , قَالَ سَعْد فَذَكَرْت ذَلِكَ لِابْنِ عُمَر. وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد \" سُئِلَتْ عَنْ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فِي اِمْرَأَة مُصْعَب بْنِ الزُّبَيْر فَمَا دَرَيْت مَا أَقُول , فَمَضَيْت إِلَى مَنْزِل اِبْن عُمَر بِمَكَّة \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَقُلْت يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن , الْمُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَيْنهمَا ؟ قَالَ : سُبْحَان اللَّه , نَعَمْ , إِنَّ أَوَّل مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلَان اِبْن فُلَان , وَعُرِفَ مِنْ قَوْله بِمَكَّة أَنَّ فِي الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا حَذْفًا تَقْدِيره فَسَافَرْت إِلَى مَكَّة فَذَكَرْت ذَلِكَ لِابْنِ عُمَر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ \" كُنَّا بِالْكُوفَةِ نَخْتَلِف فِي الْمُلَاعَنَة , يَقُول بَعْضنَا يُفَرَّق بَيْنهمَا وَيَقُول بَعْضنَا لَا يُفَرَّق \" وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْخِلَاف فِي ذَلِكَ كَانَ قَدِيمًا , وَقَدْ اِسْتَمَرَّ عُثْمَان الْبَتِّيّ مِنْ فُقَهَاء الْبَصْرَة عَلَى أَنَّ اللِّعَان لَا يَقْتَضِي الْفُرْقَة كَمَا تَقَدَّمَ نَقْله عَنْهُ. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ حَدِيث اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( فَرَّقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَان ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْد بَاب , وَتَقَدَّمَتْ تَسْمِيَتهمَا فِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أَحْمَد الْجُرْجَانِيّ \" بَيْن أَحَد بَنِي الْعَجْلَان \" بِحَاءٍ وَدَال مُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ تَصْحِيف. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ : اللَّه يَعْلَم إِنَّ أَحَدَكُمَا لَكَاذِبٌ ) ‏ ‏كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَسَقَطَتْ اللَّام لِغَيْرِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِب ؟ فَأَبَيَا ) ‏ ‏ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل صُدُور اللِّعَان بَيْنهمَا , وَسَيَأْتِي أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَيُّوب ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمُبْدَأ بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لِي عَمْرو بْن دِينَار أَنَّ فِي الْحَدِيث شَيْئًا لَا أَرَاك تُحَدِّثهُ , قَالَ قَالَ الرَّجُل : مَالِي , قَالَ قِيلَ لَا مَال لَك إِلَى آخِره ) ‏ ‏حَاصِله أَنَّ عَمْرو بْن دِينَار وَأَيُّوب سَمِعَا الْحَدِيث جَمِيعًا مِنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فَحَفِظَ فِيهِ عَمْرو مَا لَمْ يَحْفَظهُ أَيُّوب , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة حَيْثُ رَوَاهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْد هَذَا , فَوَقَعَ فِي رِوَايَته عَنْ عَمْرو بِسَنَدِهِ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ : حِسَابكُمَا عَلَى اللَّه , أَحَدكُمَا كَاذِب , لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا. قَالَ : مَالِي قَالَ لَا مَال لَك \" أَمَّا مَعْنَى قَوْله \" لَا سَبِيل لَك \" أَيْ لَا تَسْلِيط , وَأَمَّا قَوْله \" مَالِي \" فَإِنَّهُ فَاعِل فِعْل مَحْذُوف , كَأَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا قَالَ : أَيَذْهَبُ مَالِي ؟ وَالْمُرَاد بِهِ الصَّدَاق. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : قَوْله \" مَالِي \" أَيْ الصَّدَاق الَّذِي دَفَعْته إِلَيْهَا , فَأُجِيب بِأَنَّك اِسْتَوْفَيْته بِدُخُولِك عَلَيْهَا , وَتَمْكِينهَا لَك مِنْ نَفْسهَا. ثُمَّ أَوْضَحَ لَهُ ذَلِكَ بِتَقْسِيمِ مُسْتَوْعَب فَقَالَ : إِنْ كُنْت صَادِقًا فِيمَا اِدَّعَيْته عَلَيْهَا فَقَدْ اِسْتَوْفَيْت حَقّك مِنْهَا قَبْل ذَلِكَ , وَإِنْ كُنْت كَذَبَتْ عَلَيْهَا فَذَلِكَ أَبْعَد لَك مِنْ مُطَالَبَتهَا لِئَلَّا تَجْمَع عَلَيْهَا الظُّلْم فِي عِرْضهَا وَمُطَالَبَتهَا بِمَالٍ قَبَضَتْهُ مِنْك قَبْضًا صَحِيحًا تَسْتَحِقُّهُ. وَعُرِفَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة اِسْم الْقَائِل \" لَا مَال لَك \" حَيْثُ أُبْهِم فِي حَدِيث الْبَاب بِلَفْظِ \" قِيلَ لَا مَال لَك \" مَعَ أَنَّ النَّسَائِيَّ رَوَاهُ عَنْ زِيَاد بْن أَيُّوب عَنْ اِبْن عُلَيَّةَ بِلَفْظِ \" قَالَ لَا مَال لَك \" وَقَوْله \" فَقَدْ دَخَلْت بِهَا \" فَسَّرَهُ فِي رِوَايَة سُفْيَان بِلَفْظِ \" فَهُوَ بِمَا اِسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجهَا \" وَقَوْله \" فَهُوَ أَبْعَد مِنْك \" كَذَا عِنْد النَّسَائِيِّ أَيْضًا , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عُلَيَّةَ \" فَهُوَ أَبْعَد لَك \" وَسَيَأْتِي قَبْل كِتَاب النَّفَقَات سَوَاء مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن دِينَار عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر بِلَفْظِ \" فَذَلِكَ أَبْعَد وَأَبْعَد لَك مِنْهَا \" وَكَرَّرَ لَفْظ أَبْعَد تَأْكِيدًا , قَوْله \" ذَلِكَ \" الْإِشَارَة إِلَى الْكَذِب , لِأَنَّهُ مَعَ الصِّدْق يَبْعُد عَلَيْهِ اِسْتِحْقَاق إِعَادَة الْمَال فَفِي الْكَذِب أَبْعَد , وَيُسْتَفَاد مِنْ قَوْله \" فَهُوَ بِمَا اِسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجهَا \" أَنَّ الْمُلَاعَنَة لَوْ أَكَذَبَتْ نَفْسهَا بَعْد اللِّعَان وَأَقَرَّتْ بِالزِّنَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْحَدّ , لَكِنْ لَا يَسْقُط مَهْرهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4900",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏الْمُتَلَاعِنَيْنِ ‏ ‏فَقَالَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ ‏ ‏حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا قَالَ مَالِي قَالَ لَا مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَفِظْتُهُ مِنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏لَاعَنَ ‏ ‏امْرَأَتَهُ فَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ ‏ ‏وَفَرَّقَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ‏ ‏فَرَّقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ أَخَوَيْ ‏ ‏بَنِي الْعَجْلَانِ ‏ ‏وَقَالَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَفِظْتُهُ مِنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏وَأَيُّوبَ ‏ ‏كَمَا أَخْبَرْتُكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ \" عَنْ سُفْيَان أَنْبَأَنَا عَمْرو \" فَذَكَرَهُ. وَقَدْ بَيَّنْت مَا فِيهِ فِي الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ سُفْيَان حَفِظْته مِنْ عَمْرو ) ‏ ‏هَذَا كَلَام عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه يُرِيد بَيَان سَمَاع سُفْيَان لَهُ مِنْ عَمْرو. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَيُّوب ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمُبْدَأ بِهِ وَلَيْسَ بِتَعْلِيقٍ , وَحَاصِله أَنَّ الْحَدِيث كَانَ عِنْد سُفْيَان عَنْ عَمْرو بْن دِينَار وَعَنْ أَيُّوب جَمِيعًا عَنْ اِبْن عُمَر , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" قَالَ وَحَدَّثَنَا أَيُّوب فِي مَجْلِس عَمْرو بْن دِينَار فَحَدَّثَهُ عَمْرو بِحَدِيثِهِ هَذَا فَقَالَ لَهُ أَيُّوب : أَنْتَ أَحْسَن حَدِيثًا مِنِّي \" وَقَدْ بَيَّنْت فِي الَّذِي قَبْله سَبَب ذَلِكَ , وَهُوَ أَنَّ فِيهِ عِنْد عَمْرو مَا لَيْسَ عِنْد أَيُّوب. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ إِطْلَاق الْقَوْل عَلَى الْفِعْل , ‏ ‏وَقَوْله \" وَفَرَّقَ سُفْيَان بَيْن السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى \" ‏ ‏جُمْلَة مُعْتَرِضَة أَرَادَ بِهَا بَيَان الْكَيْفِيَّة , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ لَا يُجْزَم بِذَلِكَ إِلَّا عَنْ تَوْقِيف , وَقَوْله فَرَّقَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ هُوَ جَوَاب السُّؤَال. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ : اللَّه يَعْلَم أَنَّ أَحَدكُمَا كَاذِب ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض ظَاهِره أَنَّهُ قَالَ هَذَا الْكَلَام بَعْد فَرَاغهمَا مِنْ اللِّعَان , فَيُؤْخَذ مِنْهُ عَرَضَ التَّوْبَة عَلَى الْمُذْنِب وَلَوْ بِطَرِيقِ الْإِجْمَال , وَأَنَّهُ يَلْزَم مِنْ كَذِبه التَّوْبَة مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : قَالَ ذَلِكَ قَبْل اللِّعَان تَحْذِيرًا لَهُمَا مِنْهُ , وَالْأَوَّل أَظْهَر وَأَوْلَى بِسِيَاقِ الْكَلَام. قُلْت : وَاَلَّذِي قَالَهُ الدَّاوُدِيّ أَوْلَى مِنْ جِهَة أُخْرَى وَهِيَ مَشْرُوعِيَّة الْمَوْعِظَة قَبْل الْوُقُوع فِي الْمَعْصِيَة , بَلْ هُوَ أَحْرَى مِمَّا بَعْد الْوُقُوع , وَأَمَّا سِيَاق الْكَلَام فَمُحْتَمِل فِي رِوَايَة اِبْن عُمَر لِلْأَمْرَيْنِ , وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس فَسِيَاقه ظَاهِر فِيمَا قَالَ الدَّاوُدِيّ , فَفِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم عَنْ أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرِيِّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي قِصَّة هِلَال بْن أُمَيَّة \" قَالَ فَدَعَاهُمَا حِين نَزَلَتْ آيَة الْمُلَاعَنَة فَقَالَ : اللَّه يَعْلَم أَنَّ أَحَدكُمَا كَاذِب , فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِب ؟ فَقَالَ هِلَال : وَاَللَّه إِنِّي لَصَادِق \" الْحَدِيث , وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مِنْ رِوَايَة عِكْرِمَة فِي قِصَّة غَيْر الْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد وَابْن عُمَر , فَيَصِحّ الْأَمْرَانِ مَعًا بِاعْتِبَارِ التَّعَدُّد. ‏"
    },
    {
        "id": "4901",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ قَذَفَهَا وَأَحْلَفَهُمَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4902",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَاعَنَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4903",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَاعَنَ ‏ ‏بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ فَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَاعَنَ بَيْن رَجُل وَامْرَأَته فَانْتَفَى مِنْ وَلَدهَا ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : الْفَاء سَبَبِيَّة أَيْ الْمُلَاعَنَة سَبَب الِانْتِفَاء , فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْمُلَاعَنَة سَبَب ثُبُوت الِانْتِفَاء فَجَيِّد , وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْمُلَاعَنَة سَبَب وُجُود الِانْتِفَاء فَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَعَرَّض لِنَفْيِ الْوَلَد فِي الْمُلَاعَنَة لَمْ يَنْتِف , وَالْحَدِيث فِي الْمُوَطَّأ بِلَفْظِ \" وَانْتَفَى \" بِالْوَاوِ لَا بِالْفَاءِ. وَذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ بَعْض الرُّوَاة عَنْ مَالِك ذَكَرَهُ بِلَفْظِ \" وَانْتَقَلَ \" يَعْنِي بِقَافٍ بَدَل الْفَاء وَلَامٍ آخِرَهُ وَكَأَنَّهُ تَصْحِيف , وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاهُ قَرِيب مِنْ الْأَوَّل , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي تَفْسِير النُّور مِنْ وَجْه آخَر عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" أَنَّ رَجُلًا رَمَى اِمْرَأَته وَانْتَفَى مِنْ وَلَدهَا , فَأَمَرَهُمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَلَاعَنَا \" فَوَضَحَ أَنَّ الِانْتِفَاء سَبَب الْمُلَاعَنَة لَا الْعَكْس , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى مَشْرُوعِيَّة اللِّعَان لِنَفْيِ الْوَلَد , وَعَنْ أَحْمَد يَنْتَفِي الْوَلَد بِمُجَرَّدِ اللِّعَان وَلَوْ لَمْ يَتَعَرَّض الرَّجُل لِذِكْرِهِ فِي اللِّعَان , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَوْ اِسْتَلْحَقَهُ لَحِقَهُ , وَإِنَّمَا يُؤَثِّر لِعَان الرَّجُل دَفْع حَدّ الْقَذْف عَنْهُ وَثُبُوت زِنَا الْمَرْأَة ثُمَّ يَرْتَفِع عَنْهَا الْحَدّ بِالْتِعَانِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِنْ نَفَى الْوَلَد فِي الْمُلَاعَنَة اِنْتَفَى وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّض لَهُ فَلَهُ أَنْ يُعِيد اللِّعَان لِانْتِفَائِهِ وَلَا إِعَادَة عَلَى الْمَرْأَة , وَإِنْ أَمْكَنَهُ الرَّفْع إِلَى الْحَاكِم فَأَخَّرَ بِغَيْرِ عُذْر حَتَّى وَلَدَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِيه كَمَا فِي الشُّفْعَة. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط فِي نَفْي الْحَمْل تَصْرِيح الرَّجُل بِأَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْ زِنًا , وَلَا أَنَّهُ اِسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ , وَعَنْ الْمَالِكِيَّة يُشْتَرَط ذَلِكَ , وَاحْتَجَّ بَعْض مَنْ خَالَفَهُمْ بِأَنَّهُ نَفَى الْحَمْل عَنْهُ مِنْ غَيْر أَنْ يَتَعَرَّض لِذَلِكَ بِخِلَافِ اللِّعَان النَّاشِئ عَنْ قَذْفهَا , وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ بِأَنَّ الْحَامِل قَدْ تَحِيض فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ الِاسْتِبْرَاء , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لَيْسَ عَنْ هَذَا جَوَاب مُقْنِع. ‏ ‏قَوْله ( فَفَرَّقَ بَيْنهمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَد بِالْمَرْأَةِ ) ‏ ‏قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ مَالِك بِهَذِهِ الزِّيَادَة , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : ذَكَرُوا أَنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِهَذِهِ اللَّفْظَة فِي حَدِيث اِبْن عُمَر , وَقَدْ جَاءَتْ مِنْ أَوْجُه أُخْرَى فِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ \" ثُمَّ خَرَجَتْ حَامِلًا فَكَانَ الْوَلَد إِلَى أُمّه \" وَمِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" وَكَانَ الْوَلَد يُدْعَى إِلَى أُمّه \" وَمَعْنَى قَوْله أَلْحَقَ الْوَلَد بِأُمِّهِ أَيْ صَيَّرَهُ لَهَا وَحْدهَا وَنَفَاهُ عَنْ الزَّوْج فَلَا تَوَارُث بَيْنهمَا , وَأَمَّا أُمّه فَتَرِث مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّه لَهَا كَمَا وَقَعَ صَرِيحًا فِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد كَمَا تَقَدَّمَ فِي شَرْح حَدِيثه فِي آخِره , وَكَانَ اِبْنهَا يُدْعَى لِأُمِّهِ , ثُمَّ جَرَتْ السُّنَّة فِي مِيرَاثهَا أَنَّهَا تَرِثهُ وَيَرِث مِنْهَا مَا فَرَضَ اللَّه لَهَا. وَقِيلَ مَعْنَى إِلْحَاقه بِأُمِّهِ أَنَّهُ صَيَّرَهَا لَهُ أَبَا وَأَمَّا فَتَرِث جَمِيع مَاله إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِث آخَر مِنْ وَلَد وَنَحْوه , وَهُوَ قَوْل اِبْن مَسْعُود وَوَاثِلَة وَطَائِفَة وَرِوَايَة عَنْ أَحْمَد وَرَوَى أَيْضًا عَنْ اِبْن الْقَاسِم , وَعَنْهُ مَعْنَاهُ أَنَّ عَصَبَة أُمّه تَصِير عَصَبَة لَهُ وَهُوَ قَوْل عَلِيّ وَابْن عُمَر وَالْمَشْهُور عَنْ أَحْمَد , وَقِيلَ تَرِثهُ أُمّه وَإِخْوَته مِنْهَا بِالْفَرْضِ وَالرَّدّ وَهُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْد وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن وَرِوَايَة عَنْ أَحْمَد , قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَرِثهُ ذُو فَرْض بِحَالٍ فَعَصَبَتُهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْوَلَد الْمَنْفِيّ بِاللِّعَانِ لَوْ كَانَ بِنْتًا حَلَّ لِلْمُلَاعِنِ نِكَاحهَا , وَهُوَ وَجْه شَاذّ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّة , وَالْأَصَحّ كَقَوْلِ الْجُمْهُور أَنَّهَا تَحْرُم لِأَنَّهَا رَبِيبَتُهُ فِي الْجُمْلَة ‏"
    },
    {
        "id": "4904",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏ذُكِرَ ‏ ‏الْمُتَلَاعِنَانِ ‏ ‏عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ ‏ ‏فِي ذَلِكَ قَوْلًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَالَ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا الْأَمْرِ إِلَّا لِقَوْلِي فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ ‏ ‏سَبْطَ ‏ ‏الشَّعَرِ وَكَانَ الَّذِي وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ آدَمَ ‏ ‏خَدْلًا ‏ ‏كَثِيرَ اللَّحْمِ ‏ ‏جَعْدًا ‏ ‏قَطَطًا ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ بَيِّنْ فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَهَا ‏ ‏فَلَاعَنَ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَهُمَا فَقَالَ رَجُلٌ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فِي الْمَجْلِسِ هِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ ‏ ‏رَجَمْتُ ‏ ‏أَحَدًا بِغَيْرِ ‏ ‏بَيِّنَةٍ ‏ ‏لَرَجَمْتُ ‏ ‏هَذِهِ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏لَا تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ السُّوءَ فِي الْإِسْلَامِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيّ. ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم ) ‏ ‏ثَبَتَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة وَكَذَا رِوَايَة اللَّيْث السَّابِقَة قَبْل أَرْبَعَة أَبْوَاب أَنَّ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ الْقَاسِم الَّتِي أَخْرَجَهَا الشَّافِعِيّ وَغَيْره وَقَعَتْ فِيهَا تَسْوِيَة , وَيَحْيَى وَإِنْ كَانَ سَمِعَ مِنْ الْقَاسِم لَكِنَّهُ مَا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيث إِلَّا مِنْ وَلَده عَبْد الرَّحْمَن عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدهَا فَلَاعَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنهمَا ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ الْمُلَاعَنَة تَأَخَّرَتْ إِلَى وَضْع الْمَرْأَة لَكِنْ قَدْ أَوْضَحْت أَنَّ رِوَايَة اِبْن عَبَّاس هَذِهِ هِيَ فِي الْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد , وَتَقَدَّمَ قَبْلُ مِنْ حَدِيث سَهْل أَنَّ اللِّعَان وَقَعَ بَيْنهمَا قَبْل أَنْ تَضَع , فَعَلَى هَذَا تَكُون الْفَاء فِي قَوْله \" فَلَاعَنَ \" مُعَقَّبَة بِقَوْلِهِ \" فَأَخْبَرَهُ بِاَلَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ اِمْرَأَته \" وَأَمَّا قَوْله \" وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُل مُصْفَرًّا إِلَخْ \" فَهُوَ كَلَام اِعْتَرَضَ بَيْن الْجُمْلَتَيْنِ , وَيُحْتَمَل - عَلَى بُعْدٍ - أَنْ تَكُون الْمُلَاعَنَة وَقَعَتْ مَرَّة بِسَبَبِ الْقَذْف وَأُخْرَى بِسَبَبِ الِانْتِفَاء وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ رَجُل لِابْنِ عَبَّاس ) ‏ ‏هَذَا السَّائِل هُوَ عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد بْن الْهَاد , وَهُوَ اِبْن خَالَة اِبْن عَبَّاس , سَمَّاهُ أَبُو الزِّنَاد عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد فِي هَذَا الْحَدِيث كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب الْحُدُود. ‏ ‏قَوْله ( كَانَتْ تُظْهَر فِي الْإِسْلَام السُّوء ) ‏ ‏أَيْ كَانَتْ تُعْلِن بِالْفَاحِشَةِ , وَلَكِنْ لَمْ يَثْبُت عَلَيْهَا ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ وَلَا اِعْتِرَاف. قَالَ الدَّاوُدِيّ : فِيهِ جَوَاز عَيْب مَنْ يَسْلُك مَسَالِكِ السُّوء , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اِبْنِ عَبَّاس لَمْ يُسَمِّهَا. فَإِنْ أَرَادَ إِظْهَار الْعَيْب عَلَى الْإِبْهَام فَمُحْتَمَل , وَقَدْ مَضَى فِي التَّفْسِير فِي رِوَايَة عِكْرِمَة عَنْ اِبْنِ عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَاب اللَّه لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ \" أَيْ لَوْلَا مَا سَبَقَ مِنْ حُكْم اللَّه , أَيْ أَنَّ اللِّعَان يَدْفَع الْحَدّ عَنْ الْمَرْأَة لَأَقَمْت عَلَيْهَا الْحَدّ مِنْ أَجْل الشَّبَه الظَّاهِر بِاَلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْكُم بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَمْ يَنْزِل عَلَيْهِ فِيهِ وَحْي خَاصّ فَإِذَا أُنْزِلَ الْوَحْي بِالْحُكْمِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة قَطَعَ النَّظَر وَعَمِلَ بِمَا نَزَلَ وَأَجْرَى الْأَمْر عَلَى الظَّاهِر وَلَوْ قَامَتْ قَرِينَة تَقْتَضِي خِلَاف الظَّاهِر , وَفِي أَحَادِيث اللِّعَان مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُفْتِي إِذَا سُئِلَ عَنْ وَاقِعَة وَلَمْ يَعْلَم حُكْمهَا وَرَجَا أَنْ يَجِد فِيهَا نَصًّا لَا يُبَادِر إِلَى الِاجْتِهَاد فِيهَا. وَفِيهِ الرِّحْلَة فِي الْمَسْأَلَة النَّازِلَة , لِأَنَّ سَعِيد بْن جُبَيْر رَحَلَ مِنْ الْعِرَاق إِلَى مَكَّة مِنْ أَجْل مَسْأَلَة الْمُلَاعَنَة. وَفِيهِ إِتْيَان الْعَالِم فِي مَنْزِله وَلَوْ كَانَ فِي قَائِلَته إِذَا عَرَفَ الْآتِي أَنَّهُ لَا يَشُقّ عَلَيْهِ. وَفِيهِ تَعْظِيم الْعَالِم وَمُخَاطَبَته بِكُنْيَتِهِ. وَفِيهِ التَّسْبِيح عِنْد التَّعَجُّب , وَإِشْعَار بِسَعَةِ عِلْم سَعِيد بْن جُبَيْر لِأَنَّ اِبْن عُمَر عَجِبَ مِنْ خَفَاء مِثْل هَذَا الْحُكْم عَلَيْهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ تَعَجُّبه لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الْحُكْم الْمَذْكُور كَانَ مَشْهُورًا مِنْ قَبْل فَتَعَجَّبَ كَيْف خَفِيَ عَلَى بَعْض النَّاس. وَفِيهِ بَيَان أَوَّلِيَّات الْأَشْيَاء وَالْعِنَايَة بِمَعْرِفَتِهَا لِقَوْلِ اِبْنِ عُمَر \" أَوَّل مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلَان \" وَقَوْل أَنَس \" أَوَّل لِعَان كَانَ \" وَفِيهِ أَنَّ الْبَلَاء مُوَكَّل بِالْمَنْطِقِ , وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقَع بِالنَّاطِقِ وَقَعَ بِمَنْ لَهُ بِهِ صِلَة , وَأَنَّ الْحَاكِم يَرْدَع الْخَصْم عَنْ التَّمَادِي عَلَى الْبَاطِل بِالْمَوْعِظَةِ وَالتَّذْكِير وَالتَّحْذِير وَيُكَرِّر ذَلِكَ لِيَكُونَ أَبْلَغ. وَفِيهِ اِرْتِكَاب أَخَفّ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِتَرْكِ أَثْقَلِهِمَا , لِأَنَّ مَفْسَدَة الصَّبْر عَلَى خِلَاف مَا تُوجِبهُ الْغَيْرَة مَعَ قُبْحه وَشِدَّته أَسْهَل مِنْ الْإِقْدَام عَلَى الْقَتْل الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الِاقْتِصَاص مِنْ الْقَاتِل , وَقَدْ نَهَجَ لَهُ الشَّارِع سَبِيلًا إِلَى الرَّاحَة مِنْهَا إِمَّا بِالطَّلَاقِ وَإِمَّا بِاللِّعَانِ. وَفِيهِ أَنَّ الِاسْتِفْهَام بِأَرَأَيْت كَانَ قَدِيمًا , وَأَنَّ خَبَر الْوَاحِد يُعْمَل بِهِ إِذَا كَانَ ثِقَة , وَأَنَّهُ يُسَنّ لِلْحَاكِمِ وَعْظ الْمُتَلَاعِنَيْنِ عِنْد إِرَادَة التَّلَاعُن , وَيَتَأَكَّد عِنْد الْخَامِسَة , وَنَقَلَ اِبْنُ دَقِيق الْعِيد عَنْ الْفُقَهَاء أَنَّهُمْ خَصُّوهُ بِالْمَرْأَةِ عِنْد إِرَادَة تَلَفُّظهَا بِالْغَضَبِ , وَاسْتَشْكَلَهُ بِمَا فِي حَدِيث اِبْنِ عُمَر , لَكِنْ قَدْ صَرَّحَ جَمَاعَة مِنْ الشَّافِعِيَّة وَغَيْرهمْ بِاسْتِحْبَابِ وَعْظهمَا مَعًا. وَفِيهِ ذِكْر الدَّلِيل مَعَ بَيَان الْحُكْم. وَفِيهِ كَرَاهَة الْمَسَائِل الَّتِي يَتَرَتَّب عَلَيْهَا هَتْك الْمُسْلِم أَوْ التَّوَصُّل إِلَى أَذِيَّته بِأَيِّ سَبَب كَانَ , وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيّ إِشَارَة إِلَى أَنَّ كَرَاهَة ذَلِكَ كَانَتْ خَاصَّة بِزَمَنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْل نُزُول الْوَحْي لِئَلَّا تَقَع الْمَسْأَلَة عَنْ شَيْء مُبَاح فَيَقَع التَّحْرِيم بِسَبَبِ الْمَسْأَلَة , وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح \" أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْء لَمْ يُحَرَّم فَحُرِّمَ مِنْ أَجْل مَسْأَلَته \" وَقَدْ اِسْتَمَرَّ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف عَلَى كَرَاهَة السُّؤَال عَمَّا لَمْ يَقَع , لَكِنْ عَمِلَ الْأَكْثَر عَلَى خِلَافه فَلَا يُحْصَى مَا فَرَّعَهُ الْفُقَهَاء مِنْ الْمَسَائِل قَبْل وُقُوعهَا. وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابَة كَانُوا يَسْأَلُونَ عَنْ الْحُكْم الَّذِي لَمْ يَنْزِل فِيهِ وَحْي. وَفِيهِ أَنَّ لِلْعَالِمِ إِذَا كَرِهَ السُّؤَال أَنْ يَعِيبهُ وَيُهْجِنهُ , وَأَنَّ مَنْ لَقِيَ شَيْئًا مِنْ الْمَكْرُوه بِسَبَبِ غَيْره يُعَاتِبهُ عَلَيْهِ , وَأَنَّ الْمُحْتَاج إِلَى مَعْرِفَة الْحُكْم لَا يَرُدّهُ كَرَاهَة الْعَالِم لِمَا سَأَلَ عَنْهُ وَلَا غَضَبه عَلَيْهِ وَلَا جَفَاؤُهُ لَهُ بَلْ يُعَاوِد مُلَاطَفَته إِلَى أَنْ يَقْضِي حَاجَتِهِ , وَأَنَّ السُّؤَال عَمَّا يَلْزَم مِنْ أُمُور الدِّين مَشْرُوع سِرًّا وَجَهْرًا , وَأَنْ لَا عَيْب فِي ذَلِكَ عَلَى السَّائِل وَلَوْ كَانَ مِمَّا يُسْتَقْبَح. وَفِيهِ التَّحْرِيض عَلَى التَّوْبَة , وَالْعَمَل بِالسِّتْرِ , وَانْحِصَار الْحَقّ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ عِنْد تَعَذُّر الْوَاسِطَة لِقَوْلِهِ \" إِنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِب \" وَأَنَّ الْخَصْمَيْنِ الْمُتَكَاذِبَيْنِ لَا يُعَاقَب وَاحِد مِنْهُمَا وَإِنْ أَحَاطَ الْعِلْم بِكَذِبِ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ. وَفِيهِ أَنَّ اللِّعَان إِذَا وَقَعَ سَقَطَ حَدِّ الْقَذْف عَنْ الْمُلَاعِن لِلْمَرْأَةِ وَلِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ , لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِي بَعْض طُرُقه بِتَسْمِيَةِ الْمَقْذُوف , وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَل أَنَّ الْقَاذِف حُدَّ , قَالَ الدَّاوُدِيّ : لَمْ يَقُلْ بِهِ مَالِك لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ الْحَدِيث وَلَوْ بَلَغَهُ لَقَالَ بِهِ وَأَجَابَ بَعْض مَنْ قَالَ يُحَدّ مِنْ الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة بِأَنَّ الْمَقْذُوف لَمْ يَطْلُب وَهُوَ حَقُّهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْقَل أَنَّ الْقَاذِف حُدَّ لِأَنَّ الْحَدّ سَقَطَ مِنْ أَصْله بِاللِّعَانِ. وَذَكَرَ عِيَاض أَنَّ بَعْض أَصْحَابهمْ اِعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ شَرِيكًا كَانَ يَهُودِيًّا , وَقَدْ بَيَّنْت مَا فِيهِ فِي \" بَابِ يَبْدَأ الرَّجُل بِالتَّلَاعُنِ \". وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِمَام أَنْ يُعْلِم الْمَقْذُوف بِمَا وَقَعَ مِنْ قَاذِفه. وَفِيهِ أَنَّ الْحَامِل تُلَاعَن قَبْل الْوَضْع لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث \" اُنْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ إِلَخْ \" كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث سَهْل وَفِي حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس. وَعِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث اِبْنِ مَسْعُود \" فَجَاءَ يَعْنِي الرَّجُل هُوَ وَامْرَأَته فَتَلَاعَنَا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَلَّهَا أَنْ تَجِيء بِهِ أَسْوَد جَعْدًا , فَجَاءَتْ بِهِ أَسْوَد جَعْدًا \" وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ مِنْ أَهْل الرَّأْي مُعْتَلًّا بِأَنَّ الْحَمْل لَا يُعْلَم لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَفْخَة , وَحُجَّة الْجُمْهُور أَنَّ اللِّعَان شُرِعَ لِدَفْعِ حَدِّ الْقَذْف عَنْ الرَّجُل وَدَفْع حَدِّ الرَّجْم عَنْ الْمَرْأَة , فَلَا فَرْق بَيْن أَنْ تَكُون حَامِلًا أَوْ حَائِلًا , وَلِذَلِكَ يُشْرَع اللِّعَان مَعَ الْآيِسَة. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الصَّغِيرَة : فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الرَّجُل إِذَا قَذَفَهَا فَلَهُ أَنْ يَلْتَعِن لِدَفْعِ حَدِّ الْقَذْف عَنْهُ دُونهَا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنْ لَا كَفَّارَة فِي الْيَمِين الْغَمُوس لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنْت فِي هَذِهِ الْقِصَّة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْحَانِث , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ مُجْمَلًا بِأَنْ يَقُول مَثَلًا فَلْيُكَفِّرْ الْحَانِث مِنْكُمَا عَنْ يَمِينِهِ كَمَا أَرْشَدَ أَحَدهمَا إِلَى التَّوْبَة , وَفِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام \" الْبَيِّنَة وَإِلَّا حَدّ فِي ظَهْرك \" دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْقَاذِف لَوْ عَجَزَ عَنْ الْبَيِّنَة فَطَلَبَ تَحْلِيف الْمَقْذُوف لَا يُجَاب , لِأَنَّ الْحَصْر الْمَذْكُور لَمْ يَتَغَيَّر مِنْهُ إِلَّا زِيَادَة مَشْرُوعِيَّة اللِّعَان. وَفِيهِ جَوَاز ذِكْر الْأَوْصَاف الْمَذْمُومَة عِنْد الضَّرُورَة الدَّاعِيَة إِلَى ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الْغِيبَة الْمُحَرَّمَة , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ اللِّعَان لَا يُشْرَع إِلَّا لِمَنْ لَيْسَتْ لَهُ بَيِّنَة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَوْ اِسْتَطَاعَ إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَى زِنَاهَا سَاغَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنهَا لِنَفْيِ الْوَلَد لِأَنَّهُ لَا يَنْحَصِر فِي الزِّنَا , وَبِهِ قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا. وَفِيهِ أَنَّ الْحُكْم يَتَعَلَّق بِالظَّاهِرِ وَأَمْر السَّرَائِر مَوْكُول إِلَى اللَّه تَعَالَى , قَالَ اِبْنِ التِّين وَبِهِ اِحْتَجَّ الشَّافِعِيّ عَلَى قَبُول تَوْبَة الزِّنْدِيق , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ الْحُكْم يَتَعَلَّق بِالظَّاهِرِ فِيمَا لَا يَتَعَلَّق فِيهِ حُكْم لِلْبَاطِنِ , وَالزِّنْدِيق قَدْ عُلِمَ بَاطِنه بِمَا تَقَدَّمَ فَلَا يُقْبَل مِنْهُ ظَاهِر مَا يُبْدِيه بَعْد ذَلِكَ كَذَا قَالَ , وَحُجَّة الشَّافِعِيّ ظَاهِرَة لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَحَقَّقَ أَنَّ أَحَدهمَا كَاذِبٌ وَكَانَ قَادِرًا عَلَى الِاطِّلَاع عَلَى عَيْن الْكَاذِب لَكِنْ أَخْبَرَ أَنَّ الْحُكْم بِظَاهِرِ الشَّرْع يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُنَقِّب عَنْ الْبَوَاطِن , وَقَدْ لَاحَتْ الْقَرَائِن بِتَعْيِينِ الْكَاذِب فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَمَعَ ذَلِكَ فَأَجْرَاهُمَا عَلَى حُكْم الظَّاهِر وَلَمْ يُعَاقِب الْمَرْأَة. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْحَاكِم لَا يَكْتَفِي بِالْمَظِنَّةِ وَالْإِشَارَة فِي الْحُدُود إِذَا خَالَفَتْ الْحُكْم الظَّاهِر كَيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا أَنْكَرَ وَلَا بَيِّنَة , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيّ عَلَى إِبْطَال الِاسْتِحْسَان لِقَوْلِهِ \" لَوْلَا الْأَيْمَان لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ \". وَفِيهِ أَنَّ الْحَاكِم إِذَا بَذَلَ وُسْعه وَاسْتَوْفَى الشَّرَائِط لَا يُنْقَض حُكْمه إِلَّا إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ إِخْلَال شَرْط أَوْ تَفْرِيط فِي سَبَب. وَفِيهِ أَنَّ اللِّعَان يُشْرَع فِي كُلّ اِمْرَأَة دُخِلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُل , وَنَقَلَ فِيهِ اِبْنُ الْمُنْذِر الْإِجْمَاع , وَفِي صَدَاق غَيْر الْمَدْخُول بِهَا خِلَاف لِلْحَنَابِلَةِ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي بَابِهِ. فَلَوْ نَكَحَ فَاسِدًا أَوْ طَلَّقَ بَائِنًا فَوَلَدَتْ فَأَرَادَ نَفْي الْوَلَد فَلَهُ الْمُلَاعَنَة , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يَلْحَقهُ الْوَلَد وَلَا نَفْي وَلَا لِعَان لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّة. وَكَذَا لَوْ قَذَفَهَا ثُمَّ أَبَانَهَا بِثَلَاثِ فَلَهُ اللِّعَان , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْنُ أَبِي شَيْبَة عَنْ هُشَيْم عَنْ مُغِيرَة قَالَ الشَّعْبِيّ إِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَوَضَعَتْ فَانْتَفَى مِنْهُ فَلَهُ أَنْ يُلَاعِن , فَقَالَ لَهُ الْحَارِث : إِنَّ اللَّه يَقُول ( وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجهمْ ) أَفَتَرَاهَا لَهُ زَوْجَة ؟ فَقَالَ الشَّعْبِيّ : إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنْ اللَّه إِذَا رَأَيْت الْحَقّ أَنْ لَا أَرْجِعَ إِلَيْهِ , فَلَوْ اِلْتَعْنَ ثَلَاث مَرَّات فَقَطْ فَالْتَعَنَتْ الْمَرْأَة مِثْله فَفَرَّقَ الْحَاكِم بَيْنهمَا لَمْ تَقَع الْفُرْقَة عِنْد الْجُمْهُور لِأَنَّ ظَاهِر الْقُرْآن أَنَّ الْحَدّ وَجَبَ عَلَيْهِمَا وَأَنَّهُ لَا يَنْدَفِع إِلَّا بِمَا ذُكِرَ فَيَتَعَيَّن الْإِتْيَان بِجَمِيعِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : أَخْطَأَ السُّنَّةَ وَتَحْصُل الْفُرْقَة لِأَنَّهُ أَتَى بِالْأَكْثَرِ فَتَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْم , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الِالْتِعَان يَنْتَفِي بِهِ الْحَمْل خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَة وَرِوَايَة عَنْ أَحْمَد لِقَوْلِهِ \" اُنْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ \" إِلَخْ , فَإِنَّ الْحَدِيث ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا وَقَدْ أَلْحَقَ الْوَلَد مَعَ ذَلِكَ بِأُمِّهِ. وَفِيهِ جَوَاز الْحَلِف عَلَى مَا يَغْلِب عَلَى الظَّنّ وَيَكُونُ الْمُسْتَنَد التَّمَسُّك بِالْأَصْلِ أَوْ قُوَّة الرَّجَاء مِنْ اللَّه عِنْد تَحَقُّق الصِّدْق لِقَوْلِ مَنْ سَأَلَهُ هِلَال \" وَاَللَّه لَيَجْلِدَنَّك \" وَلِقَوْلِ هِلَال \" وَاَللَّه لَا يَضْرِبنِي وَقَدْ عَلِمَ أَنِّي رَأَيْت حَتَّى اِسْتَفْتَيْت \". وَفِيهِ أَنَّ الْيَمِين الَّتِي يُعْتَدّ بِهَا فِي الْحُكْم مَا يَقَع بَعْد إِذْن الْحَاكِم لِأَنَّ هِلَالًا قَالَ \" وَاَللَّه إِنِّي لَصَادِقٌ \" ثُمَّ لَمْ يَحْتَسِب بِهَا مِنْ كَلِمَات اللِّعَان الْخَمْس. وَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ بِإِلْغَاءِ حُكْم الْقَافَة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِلْغَاء حُكْم الشَّبَه هُنَا إِنَّمَا وَقَعَ حَيْثُ عَارَضَهُ حُكْم الظَّاهِر بِالشَّرْعِ , وَإِنَّمَا يُعْتَبَر حُكْم الْقَافَة حَيْثُ لَا يُوجَد ظَاهِرٌ يُتَمَسَّك بِهِ , وَيَقَع الِاشْتِبَاه فَيُرْجَعُ حِينَئِذٍ إِلَى الْقَافَة , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ‏"
    },
    {
        "id": "4905",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ ‏ ‏تَزَوَّجَ ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏ثُمَّ طَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ فَأَتَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّهُ لَا يَأْتِيهَا وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ ‏ ‏هُدْبَةٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان , ‏ ‏(وَهِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏( وَقَوْله \" حَدَّثَنِي عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة إِلَخْ ) ‏ ‏سَاقَهُ عَلَى لَفْظ عَبْدَة , وَإِنَّمَا اِحْتَاجَ إِلَى رِوَايَة يَحْيَى لِتَصْرِيحِ هِشَام فِي رِوَايَته بِقَوْلِهِ \" حَدَّثَنِي أَبِي \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رِفَاعَة الْقُرَظِيّ ) ‏ ‏هُوَ رِفَاعَة الْقُرَظِيِّ بْن سَمَوْأَل بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمِيم وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا هَمْزَة ثُمَّ لَامٌ , وَالْقُرَظِيّ بِالْقَافِ وَالظَّاء الْمُعْجَمَة وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْط قُرَيْظَة وَالنَّضِير فِي أَوَائِل الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله ( تَزَوَّجَ اِمْرَأَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَمْرو بْن عَلِيّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" اِمْرَأَة مِنْ بَنِي قُرَيْظَة \" وَسَمَّاهَا مَالِك مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن الزَّبِيرِ نَفْسه كَمَا أَخْرَجَهُ اِبْن وَهْب وَالطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي \" الْغَرَائِب \" مَوْصُولًا وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأ مُرْسَل تَمِيمَة بِنْت وَهْب , وَهِيَ بِمُثَنَّاةٍ وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ بِفَتْحِهَا أَوْ بِالتَّصْغِيرِ وَالثَّانِي أَرْجَح وَوَقَعَ مَجْزُومًا بِهِ فِي النِّكَاح لِسَعِيدِ بْن أَبِي عَرُوبَة مِنْ رِوَايَته عَنْ قَتَادَةَ , وَقِيلَ اِسْمهَا سُهَيْمَة بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ مُصَغَّر أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَكَأَنَّهُ تَصْحِيف , وَعِنْد اِبْن مَنْدَهْ أُمَيْمَة بِأَلِفٍ أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس وَسُمِّيَ أَبَاهَا الْحَارِث , وَهِيَ وَاحِدَة اُخْتُلِفَ فِي التَّلَفُّظ بِاسْمِهَا وَالرَّاجِح الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ طَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَتْ آخَر ) ‏ ‏سَمَّاهُ مَالِك فِي رِوَايَته عَبْد الرَّحْمَن بْن الزَّبِيرِ وَأَبُوهُ بِفَتْحِ الزَّاي , وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَات كُلّهَا عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة أَنَّ الزَّوْج الْأَوَّل رِفَاعَة وَالثَّانِي عَبْد الرَّحْمَن , وَكَذَا قَالَ عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة فِي كِتَاب النِّكَاح لَهُ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ تَمِيمَة بِنْت أَبِي عُبَيْد الْقُرَظِيَّة كَانَتْ تَحْت رِفَاعَة فَطَلَّقَهَا فَخَلَفَ عَلَيْهَا عَبْد الرَّحْمَن بْن الزَّبِيرِ , وَتَسْمِيَته لِأَبِيهَا لَا تُنَافِي رِوَايَة مَالِك فَلَعَلَّ اِسْمه وَهْب وَكُنْيَته أَبُو عُبَيْد إِلَّا مَا وَقَعَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَة سَلَمَة بْن الْفَضْل عَنْهُ وَتَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَتْ اِمْرَأَة مِنْ قُرَيْظَة يُقَال لَهَا تَمِيمَة تَحْت عَبْد الرَّحْمَن بْن الزَّبِيرِ فَطَلَّقَهَا. فَتَزَوَّجَهَا رِفَاعَة ثُمَّ فَارَقَهَا , فَأَرَادَتْ أَنْ تَرْجِع إِلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن الزَّبِيرِ , وَهُوَ مَعَ إِرْسَاله مَقْلُوب , وَالْمَحْفُوظ مَا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الْجَمَاعَة عَنْ هِشَام , وَقَدْ وَقَعَ لِامْرَأَةِ أُخْرَى قَرِيب مِنْ قِصَّتهَا فَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن الْعَبَّاس أَيْ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب \" أَنَّ الْغُمَيْصَاء أَوْ الرُّمَيْصَاء أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشْكُو مِنْ زَوْجهَا أَنَّهُ لَا يَصِل إِلَيْهَا , فَلَمْ يَلْبَث أَنْ جَاءَ فَقَالَ : إِنَّهَا كَاذِبَة وَلَكِنَّهَا تُرِيد أَنْ تَرْجِع إِلَى زَوْجهَا الْأَوَّل , فَقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ لَهَا حَتَّى تَذُوق عُسَيْلَته \" وَرِجَاله ثِقَات لَكِنْ اِخْتَلَفَ فِيهِ عَلَى سُلَيْمَان بْن يَسَار. وَوَقَعَ عِنْد شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ \" عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس \" مُكَبَّر وَتُعُقِّبَ عَلَى اِبْن عَسَاكِر وَالْمِزِّيّ أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا هَذَا الْحَدِيث فِي \" الْأَطْرَاف \" وَلَا تَعَقُّبَ عَلَيْهِمَا فَإِنَّهُمَا ذَكَرَاهُ فِي مُسْنَد عُبَيْد اللَّه بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ الصَّوَاب , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي سَمَاعه مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنَّهُ وُلِدَ فِي عَصْره فَذُكِرَ لِذَلِكَ فِي الصَّحَابَة , وَاسْم زَوْج الْغُمَيْصَاء هَذِهِ عَمْرو بْن حَزْم أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو مُسْلِم الْكَجِّيّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الصَّحَابَة مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة أَنَّ عَمْرو بْن حَزْم طَلَّقَ الْغُمَيْصَاء فَتَزَوَّجَهَا رَجُل قَبْل أَنْ يَمَسّهَا فَأَرَادَتْ أَنْ تَرْجِع إِلَى زَوْجهَا الْأَوَّل الْحَدِيث وَلَمْ أَعْرِف اِسْم زَوْجهَا الثَّانِي , وَوَقَعَتْ لِثَالِثَةِ قِصَّة أُخْرَى مَعَ رِفَاعَة رَجُل آخَر غَيْر الْأَوَّل وَالزَّوْج الثَّانِي عَبْد الرَّحْمَن بْن الزَّبِير أَيْضًا أَخْرَجَهُ مُقَاتِل بْن حَيَّانِ فِي تَفْسِيره وَمِنْ طَرِيقه اِبْن شَاهِينَ فِي \" الصَّحَابَة \" ثُمَّ أَبُو مُوسَى قَوْله تَعَالَى ( فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) قَالَ \" نَزَلَتْ فِي عَائِشَة بِنْت عَبْد الرَّحْمَن بْن عَقِيل النَّضْرِيّة كَانَتْ تَحْت رِفَاعَة بْن وَهْب بْن عَتِيك وَهُوَ اِبْن عَمّهَا فَطَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا فَتَزَوَّجَتْ بَعْده عَبْد الرَّحْمَن بْن الزَّبِير ثُمَّ طَلَّقَهَا فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إِنَّهُ طَلَّقَنِي قَبْل أَنْ يَمَسّنِي أَفَأَرْجِع إِلَى اِبْن عَمِّي زَوْجِي الْأَوَّل ؟ قَالَ : لَا \" الْحَدِيث وَهَذَا الْحَدِيث إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَالْوَاضِح مِنْ سِيَاقه أَنَّهَا قِصَّة أُخْرَى وَأَنَّ كُلًّا مِنْ رِفَاعَة الْقُرَظِيّ وَرِفَاعَة النَّضْرِيّ وَقَعَ لَهُ مَعَ زَوْجَة لَهُ طَلَاق فَتَزَوَّجَ كُلًّا مِنْهُمَا عَبْد الرَّحْمَن بْن الزَّبِير فَطَلَّقَهَا قَبْل أَنْ يَمَسّهَا فَالْحُكْم فِي قِصَّتهمَا مُتَّحِدٌ مَعَ تَغَايُر الْأَشْخَاص , وَبِهَذَا يَتَبَيَّن خَطَأ مَنْ وَحَّدَ بَيْنهمَا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ رِفَاعَة بْن سَمَوْأَل هُوَ رِفَاعَة بْن وَهْب فَقَالَ اُخْتُلِفَ فِي اِمْرَأَة رِفَاعَة عَلَى خَمْسَة أَقْوَال , فَذَكَرَ الِاخْتِلَاف فِي النُّطْق بِتَمِيمَةِ وَضَمَّ إِلَيْهَا عَائِشَة وَالتَّحْقِيق مَا تَقَدَّمَ. وَوَقَعَتْ لِأَبِي رُكَانَة قِصَّة أُخْرَى سَأَذْكُرُهَا آخِرَ هَذَا الْبَاب. ‏ ‏قَوْله ( فَأَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره يَظْهَر مِنْ الرِّوَايَات الْأُخْرَى , فَعِنْد الْمُصَنِّف مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام \" فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا غَيْره فَلَمْ يَصِل مِنْهَا إِلَى شَيْء يُرِيدهُ \" وَعِنْد أَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ هِشَام \" فَنَكَحَهَا عَبْد الرَّحْمَن بْن الزَّبِيرِ فَاعْتُرِضَ عَنْهَا \" وَكَذَا فِي رِوَايَة مَالِك بْن عَبْد الرَّحْمَن اِبْن الزَّبِيرِ نَفْسه وَزَادَ \" فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسّهَا \" وَقَوْله فَاعْتُرِضَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاة وَآخِره ضَاد مُعْجَمَة أَيْ حَصَلَ لَهُ عَارِض حَال بَيْنه وَبَيْن إِتْيَانهَا إِمَّا مِنْ الْجِنّ وَإِمَّا مِنْ الْمَرَض. ‏ ‏قَوْله ( فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّهُ لَا يَأْتِيهَا ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام \" فَلَمْ يَقْرَبْنِي إِلَّا هَنَةً وَاحِدَة وَلَمْ يَصِل مِنِّي إِلَى شَيْء \" وَالْهَنَة بِفَتْحِ الْهَاء وَتَخْفِيف النُّون الْمَرَّة الْوَاحِدَة الْحَقِيرَة. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا مِثْل هُدْبَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَاء وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة مَفْتُوحَة هُوَ طَرَف الثَّوْب الَّذِي لَمْ يُنْسَج مَأْخُوذ مِنْ هُدْب الْعَيْن وَهُوَ شَعْر الْجَفْن , وَأَرَادَتْ أَنَّ ذَكَرَهُ يُشْبِه الْهُدْبَة فِي الِاسْتِرْخَاء وَعَدَم الِانْتِشَار , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ وَطْء الزَّوْج الثَّانِي لَا يَكُون مُحَلِّلًا اِرْتِجَاع الزَّوْج الْأَوَّل لِلْمَرْأَةِ إِلَّا إِنْ كَانَ حَال وَطْئِهِ مُنْتَشِرًا فَلَوْ كَانَ ذَكَرَهُ أَشَلّ أَوْ كَانَ هُوَ عِنِّينًا أَوْ طِفْلًا لَمْ يَكْفِ عَلَى أَصَحّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاء , وَهُوَ الْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَا ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْه مُخْتَصَرًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي \" بَاب مِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَام \" : \" وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا مِثْل الْهُدْبَة فَلَمْ يَقْرَبنِي إِلَّا هَنَة وَاحِدَة وَلَمْ يَصِل مِنِّي إِلَى شَيْء أَفَأَحِلُّ لِزَوْجِي الْأَوَّل ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِك الْأَوَّل \" الْحَدِيث , وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَوَائِل الطَّلَاق \" وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْل الْهُدْبَة. فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَلَّك تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَة , لَا \" الْحَدِيث. وَسَيَأْتِي فِي اللِّبَاس مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة \" أَنَّ رِفَاعَة طَلَّقَ اِمْرَأَته فَتَزَوَّجَهَا عَبْد الرَّحْمَن بْن الزَّبِيرِ , قَالَتْ عَائِشَة : فَجَاءَتْ وَعَلَيْهَا خِمَار أَخْضَر فَشَكَتْ إِلَيْهَا - أَيْ إِلَى عَائِشَة - مِنْ زَوْجهَا وَأَرَتْهَا خَضْرَة بِجِلْدِهَا , فَلَمَّا جَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنِّسَاء يُبْصِرْنَ بَعْضهنَّ بَعْضًا قَالَتْ عَائِشَة \" مَا رَأَيْت مَا يَلْقَى الْمُؤْمِنَات , لَجِلْدهَا أَشَدّ خَضْرَة مِنْ ثَوْبهَا. وَسَمِعَ زَوْجهَا فَجَاءَ وَمَعَهُ اِبْنَانِ لَهُ مِنْ غَيْرهَا , قَالَتْ : وَاَللَّه مَالِي إِلَيْهِ مِنْ ذَنْب إِلَّا أَنَّ مَا مَعَهُ لَيْسَ بِأَغْنَى عَنِّي مِنْ هَذِهِ - وَأَخَذَتْ هُدْبَة مِنْ ثَوْبهَا - فَقَالَ : كَذَبَتْ وَاَللَّه يَا رَسُول اللَّه , إِنِّي لَأَنْفُضهَا نَفْض الْأَدِيم , وَلَكِنْهَا نَاشِزَة تُرِيد رِفَاعَة. قَالَ : فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ تَحِلّ لَهُ \" الْحَدِيث. وَكَأَنَّ هَذِهِ الْمُرَاجَعَة بَيْنهمَا هِيَ الَّتِي حَمَلَتْ خَالِد بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ عَلَى قَوْله الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة فَإِنَّ فِي آخِرِ الْحَدِيث كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب اللِّبَاس مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْهُ \" قَالَ فَسَمِعَ خَالِد بْن سَعِيد قَوْلهَا وَهُوَ بِالْبَابِ فَقَالَ : يَا أَبَا بَكْر أَلَا تَنْهِي هَذِهِ عَمَّا تَجْهَر بِهِ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَوَاَللَّهِ مَا يَزِيد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّبَسُّم \". وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَة عَلَيْهِ مِنْ سَلُّوك الْأَدَب بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْكَارهمْ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ أَوْ قَوْله لِقَوْلِ خَالِد بْن سَعِيد لِأَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَهُوَ جَالِس \" أَلَا تَنْهِي هَذِهِ \" ؟ وَإِنَّمَا قَالَ خَالِد ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ خَارِج الْحُجْرَة , فَاحْتَمَلَ عِنْده أَنْ يَكُون هُنَاكَ مَا يَمْنَعهُ مِنْ مُبَاشَرَة نَهْيهَا بِنَفْسِهِ , فَأَمَرَ بِهِ أَبَا بَكْر لِكَوْنِهِ كَانَ جَالِسًا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشَاهِدًا لِصُورَةِ الْحَال , وَلِذَلِكَ لَمَّا رَأَى أَبُو بَكْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَسَّم عِنْد مَقَالَتهَا لَمْ يَزْجُرهَا , وَتَبَسُّمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ تَعَجُّبًا مِنْهَا , إِمَّا لِتَصْرِيحِهَا بِمَا يَسْتَحِي النِّسَاء مِنْ التَّصْرِيح بِهِ غَالِبًا , وَإِمَّا لِضَعْفِ عَقْل النِّسَاء لِكَوْنِ الْحَامِل لَهَا عَلَى ذَلِكَ شِدَّة بُغْضهَا فِي الزَّوْج الثَّانِي وَمَحَبَّتهَا فِي الرُّجُوع إِلَى الزَّوْج الْأَوَّل , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز وُقُوع ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي جَمِيع الطُّرُق مِنْ قَوْل خَالِد بْن سَعِيد لِأَبِي بَكْر \" أَلَا تَنْهِي هَذِهِ عَمَّا تَجْهَر بِهِ \" ؟ أَيْ تَرْفَع بِهِ صَوْتهَا , وَذَكَره الدَّاوُدِيّ بِلَفْظِ \" تَهْجُر \" بِتَقْدِيمِ التَّاء عَلَى الْجِيم , وَالْهُجْر بِضَمِّ الْهَاء الْفُحْش مِنْ الْقَوْل , وَالْمَعْنَى هُنَا عَلَيْهِ , لَكِنَّ الثَّابِت فِي الرِّوَايَات مَا ذَكَرْته , وَذَكَرَ عِيَاض أَنَّهُ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي غَيْر الصَّحِيح. وَتَقَدَّمَ الْبَحْث فِي الشَّهَادَات مَعَ مَنْ اِسْتَدَلَّ بِكَلَامِ خَالِد هَذَا لِجَوَازِ الشَّهَادَة عَلَى الصَّوْت. ‏ ‏أَحَدهَا وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْر , وَعَنْهُ يَمْتَدّ خِيَارهَا ثَلَاثًا , وَقِيلَ بِقِيَامِهَا مِنْ مَجْلِس الْحَاكِم وَقِيلَ مِنْ مَجْلِسهَا وَهُمَا عَنْ أَهْل الرَّأْي , وَقِيلَ يَمْتَدّ أَبَدًا وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَد وَأَحَد أَقْوَال الشَّافِعِيّ , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِنْ مَكَّنَتْهُ مِنْ وَطْئِهَا سَقَطَ خِيَارهَا , وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِهِ بِمَا جَاءَ فِي بَعْض طُرُقه وَهُوَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق اِبْنِ إِسْحَاق بِأَسَانِيد عَنْ عَائِشَة أَنَّ بَرِيرَة أُعْتِقَتْ فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِي آخِره \" إِنْ قَرُبَكِ فَلَا خِيَار لَكِ \" وَرَوَى مَالِك بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ حَفْصَة أَنَّهَا أَفْتَتْ بِذَلِكَ , وَأَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ اِبْنِ عُمَر مِثْله , قَالَ اِبْنُ عَبْد الْبَرّ : لَا أَعْلَمُ لَهُمَا مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَة , وَقَالَ بِهِ جَمْع مِنْ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ الْفُقَهَاء السَّبْعَة , وَاخْتُلِفَ فِيمَا لَوْ وَطِئَهَا قَبْل عِلْمهَا بِأَنَّ لَهَا الْخِيَار هَلْ يَسْقُط أَوْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ أَصَحُّهُمَا عِنْد الْحَنَابِلَة لَا فَرْق , وَعِنْد الشَّافِعِيَّة تُعْذَر بِالْجَهْلِ , وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيِّ : إِنْ وَطِئَك فَلَا خِيَار لَك , وَيُؤْخَذ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَة أَنَّ الْمَرْأَة إِذَا وَجَدْت بِزَوْجِهَا عَيْبًا ثُمَّ مَكَّنَتْهُ مِنْ الْوَطْء بَطَلَ خِيَارهَا. وَفِيهِ أَنَّ الْخِيَار فَسْخ لَا يَمْلِك الزَّوْج فِيهِ رَجْعَة , وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ لَهُ الرَّجْعَة بِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَوْ رَاجَعْتِيهِ \" وَلَا حُجَّة فِيهِ وَإِلَّا لَمَا كَانَ لَهَا اِخْتِيَار فَتَعَيَّنَ حَمْل الْمُرَاجَعَة فِي الْحَدِيث عَلَى مَعْنَاهَا اللُّغَوِيّ وَالْمُرَاد رُجُوعهَا إِلَى عِصْمَته , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا ) مَعَ أَنَّهَا فِي الْمُطَلِّق ثَلَاثًا. وَفِيهِ إِبْطَال قَوْل مَنْ زَعَمَ اِسْتِحَالَة أَنْ يُحِبّ أَحَد الشَّخْصَيْنِ الْآخَر وَالْآخَر يُبْغِضهُ لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا \" ؟ نَعَمْ يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَكْثَر الْأَغْلَب , وَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ التَّعَجُّب لِأَنَّهُ عَلَى خِلَاف الْمُعْتَاد , وَجَوَّزَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة نَفَعَ اللَّه بِهِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِمَّا ظَهَرَ مِنْ كَثْرَة اِسْتِمَالَة مُغِيث لَهَا بِأَنْوَاعٍ مِنْ الِاسْتِمَالَات كَإِظْهَارِهِ حُبّهَا وَتَرَدُّده خَلْفهَا وَبُكَائِهِ عَلَيْهَا مَعَ مَا يَنْضَمّ إِلَى ذَلِكَ مِنْ اِسْتِمَالَته لَهَا بِالْقَوْلِ الْحَسَنِ وَالْوَعْد الْجَمِيل , وَالْعَادَة فِي مِثْل ذَلِكَ أَنْ يَمِيل الْقَلْب وَلَوْ كَانَ نَافِرًا فَلَمَّا خَالَفَتْ الْعَادَة وَقَعَ التَّعَجُّب , وَلَا يَلْزَم مِنْهُ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ. وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْء إِذَا خُيِّرَ بَيْن مُبَاحَيْنِ فَآثَرَ مَا يَنْفَعهُ لَمْ يُلَمْ وَلَوْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِرَفِيقِهِ. وَفِيهِ اِعْتِبَار الْكَفَاءَة فِي الْحُرِّيَّة. وَفِيهِ سُقُوط الْكَفَاءَة بِرِضَا الْمَرْأَة الَّتِي لَا وَلِيّ لَهَا , وَأَنَّ مَنْ خَيَّرَ اِمْرَأَته فَاخْتَارَتْ فِرَاقه وَقَعَ وَانْفَسَخَ النِّكَاح بَيْنهمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ , وَأَنَّهَا لَوْ اِخْتَارَتْ الْبَقَاء مَعَهُ لَمْ يَنْقُص عَدَد الطَّلَاق. وَكَثُرَ بَعْض مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى حَدِيث بَرِيرَة هُنَا فِي سَرْد تَفَارِيع التَّخْيِير. وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَة إِذَا ثَبَتَ لَهَا الْخِيَار فَقَالَتْ لَا حَاجَة لِي بِهِ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ حُكْم الْفِرَاق , كَذَا قِيلَ وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْل اِخْتِيَارهَا الْفِرَاق وَلَمْ يَقَع إِلَّا بِهَذَا الْكَلَام وَفِيهِ مِنْ النَّظَر مَا تَقَدَّمَ. وَفِيهِ جَوَاز دُخُول النِّسَاء الْأَجَانِب بَيْت الرَّجُل سَوَاء كَانَ فِيهِ أَمْ لَا. وَفِيهِ أَنَّ الْمُكَاتَبَة لَا يَلْحَقهَا فِي الْعِتْق وَلَدُهَا وَلَا زَوْجُهَا. وَفِيهِ تَحْرِيم الصَّدَقَة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُطْلَقًا , وَجَوَاز التَّطَوُّع مِنْهَا عَلَى مَا يَلْحَق بِهِ فِي تَحْرِيم صَدَقَة الْفَرْض كَأَزْوَاجِهِ وَمَوَالِيه , وَأَنَّ مَوَالِي أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَحْرُم عَلَيْهِنَّ الصَّدَقَة وَإِنْ حَرُمَتْ عَلَى الْأَزْوَاج , وَجَوَاز أَكْل الْغَنِيّ مَا تُصَدِّق بِهِ عَلَى الْفَقِير إِذَا أَهْدَاهُ لَهُ وَبِالْبَيْعِ أَوْلَى , وَجَوَاز قَبُول الْغَنِيّ هَدِيَّة الْفَقِير. وَفِيهِ الْفَرْق بَيْن الصَّدَقَة وَالْهَدِيَّة فِي الْحُكْم. وَفِيهِ نُصْح أَهْل الرَّجُل لَهُ فِي الْأُمُور كُلّهَا وَجَوَاز أَكْل الْإِنْسَان مِنْ طَعَام مَنْ يُسَرّ بِأَكْلِهِ مِنْهُ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ بِخُصُوصِهِ , وَبِأَنَّ الْأَمَة إِذَا عَتَقَتْ جَازَ لَهَا التَّصَرُّف بِنَفْسِهَا فِي أُمُورهَا وَلَا حَجْرَ لِمُعْتِقِهَا عَلَيْهَا إِذَا كَانَتْ رَشِيدَة , وَأَنَّهَا تَتَصَرَّف فِي كَسْبهَا دُون إِذْن زَوْجهَا إِنْ كَانَ لَهَا زَوْج. وَفِيهِ جَوَاز الصَّدَقَة عَلَى مَنْ يَمُونهُ غَيْره لِأَنَّ عَائِشَة كَانَتْ تَمُون بَرِيرَة وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهَا قَبُولهَا الصَّدَقَة , وَأَنَّ لِمَنْ أَهْدَى لِأَهْلِهِ شَيْء أَنْ يُشْرِك نَفْسه مَعَهُمْ فِي الْإِخْبَار عَنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ \" وَهُوَ لَنَا هَدِيَّة \" وَأَنَّ مَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الصَّدَقَة جَازَ لَهُ أَكْل عَيْنهَا إِذَا تَغَيَّرَ حُكْمهَا , وَأَنَّهُ يَجُوز لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُدْخِل إِلَى بَيْت زَوْجهَا مَا لَا يَمْلِكهُ بِغَيْرِ عِلْمه , وَأَنْ تَتَصَرَّف فِي بَيْته بِالطَّبْخِ وَغَيْره بَالَاته وَوُقُوده , وَجَوَاز أَكْل الْمَرْء مَا يَجِدهُ فِي بَيْته إِذَا غَلَبَ الْحِلّ فِي الْعَادَة , وَأَنَّهُ يَنْبَغِي تَعْرِيفه بِمَا يَخْشَى تَوَقُّفه عَنْهُ , وَاسْتِحْبَاب السُّؤَال عَمَّا يُسْتَفَاد بِهِ عِلْم أَوْ أَدَب أَوْ بَيَان حُكْم أَوْ رَفْع شُبْهَة وَقَدْ يَجِب , وَسُؤَال الرَّجُل عَمَّا لَمْ يَعْهَدهُ فِي بَيْته , وَأَنَّ هَدِيَّة الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى لَا تَسْتَلْزِم الْإِثَابَة مُطْلَقًا , وَقَبُول الْهَدِيَّة وَإِنْ نَزَرَ قَدْرهَا جَبْر لِلْمُهْدِي , وَأَنَّ الْهَدِيَّة تُمْلَك بِوَضْعِهَا فِي بَيْت الْمُهْدِي لَهُ وَلَا يَحْتَاج إِلَى التَّصْرِيح بِالْقَبُولِ , وَأَنَّ لِمَنْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِصَدَقَةٍ أَنْ يَتَصَرَّف فِيهَا بِمَا شَاءَ وَلَا يَنْقُص أَجْر الْمُتَصَدِّق , وَأَنَّهُ لَا يَجِب السُّؤَال عَنْ أَصْل الْمَال الْوَاصِل إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شُبْهَة , وَلَا عَنْ الذَّبِيحَة إِذَا ذُبِحَتْ بَيْن الْمُسْلِمِينَ , وَأَنَّ مَنْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ قَلِيل لَا يَتَسَخَّطهُ. وَفِيهِ مُشَاوَرَة الْمَرْأَة زَوْجهَا فِي التَّصَرُّفَات , وَسُؤَال الْعَالِم عَنْ الْأُمُور الدِّينِيَّة , وَإِعْلَام الْعَالِم بِالْحُكْمِ لِمَنْ رَآهُ يَتَعَاطَى أَسْبَابه وَلَوْ لَمْ يَسْأَل وَمُشَاوَرَة الْمَرْأَة إِذَا ثَبَتَ لَهَا حُكْم التَّخْيِير فِي فِرَاق زَوْجهَا أَوْ الْإِقَامَة عِنْده , وَأَنَّ عَلَى الَّذِي يُشَاوِر بَذْل النَّصِيحَة. وَفِيهِ جَوَاز مُخَالَفَة الْمُشِير فِيمَا يُشِير بِهِ فِي غَيْر الْوَاجِب , وَاسْتِحْبَاب شَفَاعَة الْحَاكِم فِي الرِّفْق بِالْخَصْمِ حَيْثُ لَا ضَرَر وَلَا إِلْزَام , وَلَا لَوْم عَلَى مَنْ خَالَفَ وَلَا غَضَب وَلَوْ عَظُمَ قَدْرُ الشَّافِع , وَتَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ \" شَفَاعَة الْحَاكِم فِي الْخُصُوم قَبْل فَصْل الْحُكْم وَلَا يَجِب عَلَى الْمَشْفُوع عِنْده الْقَبُول \" , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ التَّصْمِيم فِي الشَّفَاعَة لَا يَسُوغُ فِيمَا تَشُقّ الْإِجَابَة فِيهِ عَلَى الْمَسْئُول بَلْ يَكُونُ عَلَى وَجْه الْعَرْض وَالتَّرْغِيب. وَفِيهِ جَوَاز الشَّفَاعَة قَبْل أَنْ يَسْأَلهَا الْمَشْفُوع لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل أَنَّ مُغِيثًا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَشْفَع لَهُ , كَذَا قِيلَ , وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّ فِي بَعْض الطُّرُق أَنَّ الْعَبَّاس هُوَ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُ مُغِيث سَأَلَ الْعَبَّاس فِي ذَلِكَ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُ الْعَبَّاس اِبْتَدَأَ ذَلِكَ مِنْ قِبَل نَفْسه شَفَقَة مِنْهُ عَلَى مُغِيث , وَيُؤْخَذ مِنْهُ اِسْتِحْبَاب إِدْخَال السُّرُور عَلَى قَلْب الْمُؤْمِن. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة نَفَعَ اللَّهُ بِهِ : فِيهِ أَنَّ الشَّافِع يُؤْجَر وَلَوْ لَمْ تَحْصُل إِجَابَته , وَأَنَّ الْمَشْفُوع عِنْده إِذَا كَانَ دُون قَدْر الشَّافِع لَمْ تَمْتَنِع الشَّفَاعَة , قَالَ : وَفِيهِ تَنْبِيه الصَّاحِب صَاحِبَهُ عَلَى الِاعْتِبَار بِآيَاتِ اللَّه وَأَحْكَامه لِتَعْجِيبِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَبَّاس مِنْ حُبِّ مُغِيث بَرِيرَة , قَالَ : وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ نَظَرَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ كُلّه بِحُضُورٍ وَفِكْر , وَأَنَّ كُلّ مَا خَالَفَ الْعَادَة يُتَعَجَّب مِنْهُ وَيُعْتَبَر بِهِ. وَفِيهِ حُسْن أَدَبِ بَرِيرَة لِأَنَّهَا لَمْ تُفْصِح بِرَدِّ الشَّفَاعَة وَإِنَّمَا قَالَتْ \" لَا حَاجَة لِي فِيهِ \". وَفِيهِ أَنَّ فَرْط الْحُبّ يُذْهِبُ الْحَيَاء لِمَا ذُكِرَ مِنْ حَالِ مُغِيث وَغَلَبَة الْوَجْد عَلَيْهِ حَتَّى لَمْ يَسْتَطِعْ كِتْمَان حُبِّهَا , وَفِي تَرْك النَّكِير عَلَيْهِ بَيَان جَوَاز قَبُول عُذْر مَنْ كَانَ فِي مِثْل حَالِهِ مِمَّنْ يَقَع مِنْهُ مَا لَا يَلِيق بِمَنْصِبِهِ إِذَا وَقَعَ بِغَيْرِ اِخْتِيَاره , وَيُسْتَنْبَط مِنْ هَذَا مَعْذِرَة أَهْل الْمَحَبَّة فِي اللَّه إِذَا حَصَلَ لَهُمْ الْوَجْد مِنْ سَمَاع مَا يَفْهَمُونَ مِنْهُ الْإِشَارَة أَنَّ أَحْوَالهمْ حَيْثُ يَظْهَر مِنْهُمْ مَا لَا يَصْدُر عَنْ اِخْتِيَار مِنْ الرَّقْص وَنَحْوِهِ , وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الْإِصْلَاح بَيْن الْمُتَنَافِرَيْنِ سَوَاء كَانَا زَوْجَيْنِ أَمْ لَا , وَتَأْكِيد الْحُرْمَة بَيْن الزَّوْجَيْنِ إِذَا كَانَ بَيْنهمَا وَلَد لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ \" وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الشَّافِع يَذْكُر لِلْمَشْفُوعِ عِنْده مَا يَبْعَث إِلَى قَبُوله مِنْ مُقْتَضَى الشَّفَاعَة وَالْحَامِل عَلَيْهَا , وَفِيهِ جَوَاز شِرَاء الْأَمَة دُون وَلَدِهَا وَأَنَّ الْوَلَد يَثْبُت بِالْفِرَاشِ وَالْحُكْم بِظَاهِرِ الْأَمْر فِي ذَلِكَ. قُلْت : وَلَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة أَحَدٍ مِنْ أَوْلَاد بَرِيرَة , وَالْكَلَام مُحْتَمِل لِأَنْ يُرِيد بِهِ أَنَّهُ أَبُو وَلَدِهَا بِالْقُوَّةِ لَكِنَّهُ خِلَاف الظَّاهِر. وَفِيهِ جَوَاز نِسْبَة الْوَلَد إِلَى أُمِّهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَة الثَّيِّب لَا إِجْبَار عَلَيْهَا وَلَوْ كَانَتْ مَعْتُوقَة , وَجَوَاز خِطْبَة الْكَبِير وَالشَّرِيف لِمَنْ هُوَ دُونه. وَفِيهِ حُسْن الْأَدَب فِي الْمُخَاطَبَة حَتَّى مِنْ الْأَعْلَى مَعَ الْأَدْنَى , وَحُسْنِ التَّلَطُّف فِي الشَّفَاعَة. وَفِيهِ أَنَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَخْطُب مُطَلَّقَته بِغَيْرِ إِذْن سَيِّد , وَأَنَّ خِطْبَة الْمُعْتَدَّة لَا تَحْرُم عَلَى الْأَجْنَبِيّ إِذَا خَطَبَهَا لِمُطَلَّقِهَا , وَأَنَّ فَسْخ النِّكَاح لَا رَجْعَة فِيهِ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيد , وَأَنَّ الْحُبّ وَالْبُغْض بَيْن الزَّوْجَيْنِ لَا لَوْم فِيهِ عَلَى وَاحِد مِنْهُمَا لِأَنَّهُ بِغَيْرِ اِخْتِيَار , وَجَوَاز بُكَاء الْمُحِبّ عَلَى فِرَاق حَبِيبه وَعَلَى مَا يَفُوتهُ مِنْ الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة وَمِنْ الدِّينِيَّة بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَأَنَّهُ لَا عَار عَلَى الرَّجُل فِي إِظْهَار حُبِّهِ لِزَوْجَتِهِ , وَأَنَّ الْمَرْأَة إِذَا أَبْغَضَتْ الزَّوْج لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهَا إِكْرَاههَا عَلَى عِشْرَته , وَإِذَا أَحَبَّتْهُ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهَا التَّفْرِيق بَيْنهمَا , وَجَوَاز مَيْل الرَّجُل إِلَى اِمْرَأَة يَطْمَع فِي تَزْوِيجهَا أَوْ رَجَعْتهَا , وَجَوَاز كَلَام الرَّجُل لِمُطَلَّقَتِهِ فِي الطُّرُق وَاسْتِعْطَافه لَهَا وَاتِّبَاعهَا أَيْنَ سَلَكَتْ كَذَلِكَ , وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ الْجَوَاز عِنْد أَمْن الْفِتْنَة , وَجَوَاز الْإِخْبَار عَمَّا يَظْهَر مِنْ حَالِ الْمَرْء وَإِنْ لَمْ تُفْصِح بِهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ مَا قَالَ. وَفِيهِ جَوَاز رَدّ الشَّافِع الْمِنَّة عَلَى الْمَشْفُوع إِلَيْهِ بِقَبُولِ شَفَاعَته , لِأَنَّ قَوْل بَرِيرَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَتَأْمُرُنِي \" ظَاهِر فِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ \" نَعَمْ \" لَقَبِلَتْ شَفَاعَته , فَلَمَّا قَالَ \" لَا \" عُلِمَ أَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهَا مَا فُهِمَ مِنْ الْمِنَّة فِي اِمْتِثَال الْأَمْر , كَذَا قِيلَ وَهُوَ مُتَكَلَّف , بَلْ يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ بَرِيرَة عَلِمَتْ أَنَّ أَمْره وَاجِب الِامْتِثَال , فَلَمَّا عَرَضَ عَلَيْهَا مَا عَرَضَ اِسْتَفْصَلَتْ هَلْ هُوَ أَمْر فَيَجِب عَلَيْهَا اِمْتِثَاله , أَوْ مَشُورَة فَتَتَخَيَّر فِيهَا ؟ وَفِيهِ أَنَّ كَلَام الْحَاكِم بَيْن الْخُصُوم فِي مَشُورَة وَشَفَاعَة وَنَحْوِهِمَا لَيْسَ حُكْمًا. وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوز لِمَنْ سُئِلَ قَضَاء حَاجَة أَنْ يَشْتَرِط عَلَى الطَّالِب مَا يَعُود عَلَيْهِ نَفْعه , لِأَنَّ عَائِشَة شَرَطَتْ أَنْ يَكُونَ لَهَا الْوَلَاء إِذَا أَدَّتْ الثَّمَن دَفْعَة وَاحِدَة. وَفِيهِ جَوَاز أَدَاءِ الدَّيْن عَلَى الْمَدِين , وَأَنَّهُ يَبْرَأ بِأَدَاءِ غَيْره عَنْهُ , وَإِفْتَاء الرَّجُل زَوْجَته فِيمَا لَهَا حَظّ وَغَرَض إِذَا كَانَ حَقًّا , وَجَوَاز حُكْم الْحَاكِم لِزَوْجَتِهِ بِالْحَقِّ , وَجَوَاز قَوْل مُشْتَرِي الرَّقِيق اِشْتَرَيْته لِأُعْتِقهُ تَرْغِيبًا لِلْبَائِعِ فِي تَسْهِيل الْبَيْع , وَجَوَاز الْمُعَامَلَة بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير عَدَدًا إِذَا كَانَ قَدْرهَا بِالْكِتَابَةِ مَعْلُومًا لِقَوْلِهَا \" أَعُدّهَا \" وَلِقَوْلِهَا \" تِسْع أَوَاقٍ \" وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ جَوَاز بَيْع الْمُعَاطَاة. وَفِيهِ جَوَاز عَقْد الْبَيْع بِالْكِتَابَةِ لِقَوْلِهِ \" خُذِيهَا \" وَمِثْله قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْر فِي حَدِيث الْهِجْرَة \" قَدْ أَخَذْتهَا بِالثَّمَنِ \". وَفِيهِ أَنَّ حَقَّ اللَّه مُقَدَّم عَلَى حَقِّ الْآدَمِيّ لِقَوْلِهِ \" شَرْط اللَّه أَحَقّ وَأَوْثَق \" وَمِثْله الْحَدِيث الْآخَر \" دَيْن اللَّه أَحَقّ أَنْ يُقْضَى \" وَفِيهِ جَوَاز الِاشْتِرَاك فِي الرَّقِيق لِتَكَرُّرِ ذِكْر أَهْل بَرِيرَة فِي الْحَدِيث , وَفِي رِوَايَة \" كَانَتْ لِنَاسٍ مِنْ الْأَنْصَار \" وَيَحْتَمِل مَعَ ذَلِكَ الْوَحْدَة وَإِطْلَاق مَا فِي الْخَبَر عَلَى الْمَجَاز. وَفِيهِ أَنَّ الْأَيْدِيَ ظَاهِرَة فِي الْمِلْك , وَأَنَّ مُشْتَرِيَ السِّلْعَة لَا يُسْأَلُ عَنْ أَصْلهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ رِيبَةٌ. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب إِظْهَار أَحْكَام الْعَقْد لِلْعَالِمِ بِهَا إِذَا كَانَ الْعَاقِد يَجْهَلهَا. وَفِيهِ أَنَّ حُكْم الْحَاكِم لَا يُغَيِّر الْحُكْم الشَّرْعِيّ فَلَا يُحِلّ حَرَامًا وَلَا عَكْسه. وَفِيهِ قَبُول خَبَر الْوَاحِد الثِّقَة وَخَبَر الْعَبْد وَالْأَمَة وَرِوَايَتهمَا. وَفِيهِ أَنَّ الْبَيَان بِالْفِعْلِ أَقْوَى مِنْ الْقَوْل , وَجَوَاز تَأْخِير الْبَيَان إِلَى وَقْت الْحَاجَة وَالْمُبَادَرَة إِلَيْهِ عِنْد الْحَاجَة , وَفِيهِ أَنَّ الْحَاجَة إِذَا اِقْتَضَتْ بَيَان حُكْم عَامّ وَجَبَ إِعْلَانه أَوْ نُدِبَ بِحَسَبِ الْحَال. وَفِيهِ جَوَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى وَالِاخْتِصَار مِنْ الْحَدِيث , وَالِاقْتِصَار عَلَى بَعْضه بِحَسَبِ الْحَاجَة , فَإِنَّ الْوَاقِعَة وَاحِدَة وَقَدْ رُوِيَتْ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَة وَزَادَ بَعْض الرُّوَاة مَا لَمْ يَذْكُر الْآخَر وَلَمْ يَقْدَح ذَلِكَ فِي صِحَّته عِنْد أَحَدِ الْعُلَمَاء. وَفِيهِ أَنَّ الْعِدَّة بِالنِّسَاءِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس أَنَّهَا أُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدّ عِدَّة الْحُرَّة , وَلَوْ كَانَ بِالرِّجَالِ لَأُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدّ بِعِدَّةِ الْإِمَاء. وَفِيهِ أَنَّ عِدَّة الْأَمَة إِذَا عَتَقَتْ تَحْت عَبْد فَاخْتَارَتْ نَفْسهَا ثَلَاثَة قُرُوء , وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه \" تَعْتَدّ بِحَيْضَةٍ \" فَهُوَ مَرْجُوح , وَيَحْتَمِل أَنْ أَصْله \" تَعْتَدّ بِحَيْضٍ \" فَيَكُونُ الْمُرَاد جِنْس مَا تَسْتَبْرِئ بِهِ رَحِمهَا لَا الْوَحْدَة وَفِيهِ تَسْمِيَة الْأَحْكَام سُنَنًا وَإِنْ كَانَ بَعْضهَا وَاجِبًا , وَأَنَّ تَسْمِيَة مَا دُون الْوَاجِب سُنَّةً اِصْطِلَاح حَادِثٌ. وَفِيهِ جَوَاز جَبْر السَّيِّد أَمَته عَلَى تَزْوِيج مَنْ لَا تَخْتَارهُ إِمَّا لِسُوءِ خُلُقه أَوْ خَلْقه وَهِيَ بِالضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ , فَقَدْ قِيلَ إِنَّ بَرِيرَة كَانَتْ جَمِيلَة غَيْر سَوْدَاء بِخِلَافِ زَوْجهَا وَقَدْ زُوِّجَتْ مِنْهُ وَظَهَرَ عَدَم اِخْتِيَارهَا لِذَلِكَ بَعْد عِتْقهَا. وَفِيهِ أَنَّ أَحَد الزَّوْجَيْنِ قَدْ يُبْغِض الْآخَر وَلَا يُظْهِر لَهُ ذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُونُ بَرِيرَة مَعَ بُغْضهَا مُغِيثًا كَانَتْ تَصِير عَلَى حُكْم اللَّه عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ وَلَا تُعَامِلهُ بِمَا يَقْضِيه الْبُغْض إِلَى أَنْ فَرَّجَ اللَّه عَنْهَا. وَفِيهِ تَنْبِيه صَاحِبِ الْحَقّ عَلَى مَا وَجَبَ لَهُ إِذَا جَهِلَهُ , وَاسْتِقْلَال الْمُكَاتَب بِتَعْجِيزِ نَفْسه , وَإِطْلَاق الْأَهْل عَلَى السَّادَة وَإِطْلَاق الْعَبِيد عَلَى الْأَرِقَّاء , وَجَوَاز تَسْمِيَة الْعَبْد مُغِيثًا , وَأَنَّ مَال الْكِتَابَة لَا حَدّ لِأَكْثَرِهِ وَأَنَّ لِلْمُعْتِقِ أَنْ يَقْبَل الْهَدِيَّة مِنْ مُعْتِقه وَلَا يَقْدَح ذَلِكَ فِي ثَوَاب الْعِتْق , وَجَوَاز الْهَدِيَّة لِأَهْلِ الرَّجُل بِغَيْرِ اِسْتِئْذَانِهِ , وَقَبُول الْمَرْأَة ذَلِكَ حَيْثُ لَا رِيبَة وَفِيهِ سُؤَال الرَّجُل عَمَّا لَمْ يَعْهَدهُ فِي بَيْته , وَلَا يَرُدّ عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّة أُمّ زَرْع حَيْثُ وَقَعَ فِي سِيَاق الْمَدْح \" وَلَا يَسْأَل عَمَّا عَهِدَ \" لِأَنَّ مَعْنَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَسْأَل عَنْ شَيْء عَهِدَهُ وَفَاتَ فَلَا يَقُول لِأَهْلِهِ أَيْنَ ذَهَبَ ؟ وَهُنَا سَأَلَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْء رَآهُ وَعَايَنَهُ ثُمَّ أُحْضِر لَهُ غَيْره فَسَأَلَ عَنْ سَبَب ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعْلَم أَنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ إِحْضَاره لَهُ شُحًّا عَلَيْهِ بَلْ لِتَوَهُّمِ تَحْرِيمه , فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ الْجَوَاز. وَقَالَ اِبْنِ دَقِيق الْعِيد : فِيهِ دَلَالَة عَلَى تَبْسِيط الْإِنْسَان فِي السُّؤَال عَنْ أَحْوَال مَنْزِله وَمَا عَهِدَهُ فِيهِ قَبْل وَالْأَوَّل أَظْهَر , وَعِنْدِي أَنَّهُ مَبْنِيّ عَلَى خِلَاف مَا اِنْبَنَى عَلَيْهِ الْأَوَّل , لِأَنَّ الْأَوَّل بُنِيَ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ حَقِيقَة الْأَمْر فِي اللَّحْم وَأَنَّهُ مِمَّا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَة , وَالثَّانِي بُنِيَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّق مِنْ أَيْنَ هُوَ فَجَائِز أَنْ يَكُونَ مِمَّا أُهْدِيَ لِأَهْلِ بَيْته مِنْ بَعْض إِلْزَامهَا كَأَقَارِبِهَا مَثَلًا وَلَمْ يَتَعَيَّنْ الْأَوَّل. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِب السُّؤَال عَنْ أَصْل الْمَال الْوَاصِل إِلَيْهِ إِذَا لَمْ يُظَنّ تَحْرِيمه أَوْ تَظْهَر فِيهِ شُبْهَة , إِذْ لَمْ يَسْأَل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَى بَرِيرَة وَلَا عَنْ حَالِهِ , كَذَا قِيلَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَى بَرِيرَة بِالصَّدَقَةِ فَلَمْ يَتِمّ هَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4906",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ عَنْ ‏ ‏أُمِّهَا ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً مِنْ ‏ ‏أَسْلَمَ ‏ ‏يُقَالُ لَهَا ‏ ‏سُبَيْعَةُ ‏ ‏كَانَتْ تَحْتَ ‏ ‏زَوْجِهَا ‏ ‏تُوُفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ حُبْلَى فَخَطَبَهَا ‏ ‏أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ ‏ ‏فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَهُ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ تَنْكِحِيهِ حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الْأَجَلَيْنِ فَمَكُثَتْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ ثُمَّ جَاءَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏انْكِحِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّ زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة أَخْبَرَتْهُ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الْأَسَد الْمَخْزُومِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي تَفْسِير الطَّلَاق مِنْ رِوَايَة أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ كُرَيْب عَنْ أُمّ سَلَمَة , وَذَلِكَ لَمَّا وَقَعَتْ الْمُرَاجَعَة بَيْنه وَبَيْن اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ , وَتَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ مَشْرُوحًا هُنَاكَ. وَقَدْ رَوَاهُ مَالِك عَنْ عَبْد رَبّه بْن سَعِيد عَنْ أَبِي سَلَمَة وَفِيهِ \" فَدَخَلَ أَبُو سَلَمَة عَلَى أُمّ سَلَمَة \" أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف هُنَا مُخْتَصَرًا , وَأَوْرَدَ الْقِصَّة مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنَ بِاخْتِصَارٍ أَيْضًا. الطَّرِيق الْأُولَى طَرِيق الْأَعْرَج \" أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن أَنَّ زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمّهَا أُمّ سَلَمَة \" كَذَا رَوَاهُ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي سَلَمَة , وَرَوَاهُ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير \" عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ كُرَيْب عَنْ أُمّ سَلَمَة \" كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة الطَّلَاق , وَفِيهِ قِصَّة لِأَبِي سَلَمَة مَعَ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن يَسَار \" أَنَّ اِبْن عَبَّاس وَأَبَا سَلَمَة اِجْتَمَعَا عِنْد أَبِي هُرَيْرَة , فَبَعَثُوا كُرَيْبًا إِلَى أُمّ سَلَمَة يَسْأَلهَا عَنْ ذَلِكَ \" فَذَكَرَتْ الْقِصَّة , وَهُوَ شَاهِد لِرِوَايَةِ الْأَعْرَج. وَأَخْرَجَهُ مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ عَبْد رَبِّهِ بْن سَعِيد \" عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ : دَخَلْت عَلَى أَمْ سَلَمَة \" , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن أَبِي عَاصِم \" أَنَّ أَبَا سَلَمَة أَخْبَرَهُ \" فَذَكَرَ قِصَّته مَعَ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة , قَالَ \" فَأَخْبَرَنِي رَجُل مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيُّ \" عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ : دَخَلْت عَلَى سُبَيْعَة \" وَهَذَا الِاخْتِلَاف عَلَى أَبِي سَلَمَة لَا يَقْدَح فِي صِحَّة الْخَبَر , فَإِنَّ لِأَبِي سَلَمَة اِعْتِنَاء بِالْقِصَّةِ مِنْ حِين تَنَازَعَ هُوَ وَابْن عَبَّاس فِيهَا , فَكَأَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَر مِنْ كُرَيْب عَنْ أُمّ سَلَمَة لَمْ يَقْتَنِع بِذَلِكَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا ثُمَّ دَخَلَ عَلَى سُبَيْعَة صَاحِبَة الْقِصَّة نَفْسهَا ثُمَّ تَحَمَّلَهَا عَنْ رَجُل مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَذَا الرَّجُل يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ كَمَا يَأْتِي فِي الطَّرِيق الثَّالِثَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبَا هُرَيْرَة فَإِنَّ فِي آخِر الْحَدِيث عِنْد النَّسَائِيِّ \" فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة أَشْهَد عَلَى ذَلِكَ \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبُو سَلَمَة أَبْهَمَهُ أَوَّلًا لَمَّا قَالَ \" أَخْبَرَنِي رَجُل مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ رِوَايَة صَالِح بْن أَبِي حَسَّان عَنْ أَبِي سَلَمَة فَذَكَر قِصَّته مَعَ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" فَأَرْسَلُوا إِلَى عَائِشَة فَذَكَرَتْ حَدِيث سُبَيْعَة فَهُوَ شَاذّ , وَصَالِح بْن أَبِي حَسَّان مُخْتَلَف فِيهِ , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ سَبَب الْوَهْم الَّذِي حَكَاهُ الْحُمَيْدِيّ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَذَكَرْته فِي تَفْسِير الطَّلَاق. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبَان الْعَطَّار عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير فِي هَذَا الْحَدِيث \" أَنَّ اِبْن عَبَّاس اِحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ) وَأَنَّ أَبَا سَلَمَة قَالَ لَهُ : يَا اِبْن عَبَّاس أَقَالَ اللَّه آخِر الْأَجَلَيْنِ ؟ أَرَأَيْت لَوْ مَضَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر وَلَمْ تَضَع أَتَتَزَوَّجُ ؟ فَقَالَ لِغُلَامِهِ : اِذْهَبْ إِلَى أُمّ سَلَمَة \". ‏ ‏قَوْله فِي الطَّرِيق الْأُولَى ( أَنَّ اِمْرَأَة مِنْ أَسْلَمَ يُقَال لَهَا سُبَيْعَة ) ‏ ‏هِيَ بِمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَة ثُمَّ مُهْمَلَة تَصْغِير سَبْع , وَوَقَعَ فِي الْمَغَازِي \" سُبَيْعَة بِنْت الْحَارِث \" وَذَكَرهَا اِبْن سَعْد فِي الْمُهَاجِرَات , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِابْنِ إِسْحَاق عِنْد أَحْمَد \" سُبَيْعَة بِنْت أَبِي بَرْزَة الْأَسْلَمِيّ \" فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ أَبُو بَرْزَة آخَر غَيْر الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور , وَهُوَ إِمَّا كُنْيَة لِلْحَارِثِ وَالِد سُبَيْعَة أَوْ نُسِبَتْ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة إِلَى جَدّ لَهَا. ‏ ‏قَوْله ( كَانَتْ تَحْت زَوْجهَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ أَيْضًا تَسْمِيَته \" سَعْد بْن خَوْلَة \" وَفِيهِ أَنَّهُ مِنْ بَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ , وَثَبَتَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ حُلَفَائِهِمْ. ‏ ‏قَوْله ( تُوُفِّيَ عَنْهَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي حَجَّة الْوَدَاع , وَنَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ الِاتِّفَاق عَلَى ذَلِكَ , وَفِي ذَلِكَ نَظَر فَقَدْ ذَكَرَ : مُحَمَّد بْن سَعْد أَنَّهُ مَاتَ قَبْل الْفَتْح , وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ سَبْع , وَقَدْ ذَكَرْت شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَاب الْوَصَايَا , وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الطَّلَاق أَنَّهُ قُتِلَ , وَمُعْظَم الرِّوَايَات عَلَى أَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَوَقَعَ لِلْكِرْمَانِيِّ : لَعَلَّ سُبَيْعَة قَالَتْ قُتِلَ بِنَاء عَلَى ظَنّ مِنْهَا فِي ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُقْتَل , وَهَذَا الْجَمْع يَمُجّهُ السَّمْع , وَإِذَا ظَنَّتْ سُبَيْعَة أَنَّهُ قُتِلَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهَا أَنَّهُ لَمْ يُقْتَل فَكَيْفَ تَجْزِم بَعْد دَهْر طَوِيل بِأَنَّهُ قُتِلَ ؟ فَالْمُعْتَمَد أَنَّ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا قُتِلَ إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة تَرَجَّحَتْ لِأَنَّهَا لَا تُنَافِي مَاتَ أَوْ تُوُفِّيَ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْس الْأَمْر قُتِلَ فَهِيَ رِوَايَة شَاذَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَخَطَبَهَا أَبُو السَّنَابِل ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَنُون ثُمَّ مُوَحَّدَة جَمْع سُنْبُلَة , اُخْتُلِفَ فِي اِسْمه فَقِيلَ عَمْرو قَالَهُ اِبْن الْبَرْقِيّ عَنْ اِبْن هِشَام عَمَّنْ يَثِق بِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ. وَقِيلَ عَامِر رَوَى عَنْ اِبْن إِسْحَاق , وَقِيلَ حَبَّة بِمُوَحَّدَةِ بَعْد الْمُهْمَلَة , وَقِيلَ بِنُونٍ وَقِيلَ لَبَيْدَرَيْهِ , وَقِيلَ أَصْرَم , وَقِيلَ عَبْد اللَّه , وَوَقَعَ فِي بَعْض الشُّرُوح وَقِيلَ بَغِيض. قُلْت : وَهُوَ غَلَط وَالسَّبَب فِيهِ أَنَّ بَعْض الْأَئِمَّة سُئِلَ عَنْ اِسْمه فَقَالَ : بَغِيض يَسْأَل عَنْ بَغِيض , فَظَنَّ الشَّارِح أَنَّهُ اِسْمه , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ فِي بَقِيَّة الْخَبَر اِسْمه لَبَيْدَرَيْهِ , وَجَزَمَ الْعَسْكَرِيّ بِأَنَّ اِسْمه كُنْيَته , وَبَعْكك بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة ثُمَّ كَافَيْنِ بِوَزْنِ جَعْفَر بْن الْحَارِث بْن عَمِيلَة بْن السَّبَّاق بْن عَبْد الدَّار , وَكَذَا نَسَبه اِبْن إِسْحَاق , وَقِيلَ هُوَ اِبْن بَعْكك بْن الْحَجَّاج بْن الْحَارِث بْنِ السَّبَّاق نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن الْكَلْبِيّ اِبْن عَبْد الْبَرّ قَالَ : وَكَانَ مِنْ الْمُؤَلَّفَة وَسَكَنَ الْكُوفَة , وَكَانَ شَاعِرًا , وَنَقَلَ التِّرْمِذِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَعْلَم أَنَّ أَبَا السَّنَابِل عَاشَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَذَا قَالَ , لَكِنْ جَزَمَ اِبْن سَعْد أَنَّهُ بَقِيَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنًا , وَقَالَ اِبْن مَنْدَهْ فِي \" الصَّحَابَة \" عِدَاده فِي أَهْل الْكُوفَة , وَكَذَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ أَنَّهُ سَكَنَ الْكُوفَة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ خَلِيفَة قَالَ : أَقَامَ بِمَكَّة حَتَّى مَاتَ , وَتَبِعَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَيُؤَيِّد كَوْنه عَاشَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْل اِبْن الْبَرْقِيّ : أَنَّ أَبَا السَّنَابِل تَزَوَّجَ سُبَيْعَة بَعْد ذَلِكَ , وَأَوْلَدَهَا سَنَابِل بْن أَبِي السَّنَابِل , وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُون أَبُو السَّنَابِل عَاشَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد رَبّه بْن سَعِيد عَنْ أَبِي سَلَمَة أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ الشَّابّ , وَكَذَا فِي رِوَايَة دَاوُدَ بْن أَبِي عَاصِم أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ فَتًى مِنْ قَوْمهَا , وَتَقَدَّمَ أَنَّ قِصَّتهَا كَانَتْ بَعْد حَجَّة الْوَدَاع فَيَحْتَاج - إِنْ كَانَ الشَّابّ دَخَلَ عَلَيْهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا - إِلَى زَمَان عِدَّة مِنْهُ ثُمَّ إِلَى زَمَان الْحَمْل حَتَّى تَضَع وَتَلِد سَنَابِل حَتَّى صَارَ أَبُوهُ يُكَنَّى بِهِ أَبَا السَّنَابِل , وَقَدْ أَفَادَ مُحَمَّد بْن وَضَّاحٍ فِيمَا حَكَاهُ اِبْن بَشْكُوَالٍ وَغَيْره عَنْهُ أَنَّ اِسْم الشَّابّ - الَّذِي خَطَبَ سُبَيْعَة هُوَ وَأَبُو السَّنَابِل فَآثَرَتْهُ عَلَى أَبِي السَّنَابِل - أَبُو الْبَشَر بْن الْحَارِث , وَضَبْطه بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة , وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ قِصَّة سُبَيْعَة مِنْ رِوَايَة الْأَسْوَد عِنْد أَبِي السَّنَابِل بِسَنَدٍ عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ إِلَى الْأَسْوَد وَهُوَ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ مِنْ أَصْحَاب اِبْن مَسْعُود وَلَمْ يُوصَف بِالتَّدْلِيسِ , فَالْحَدِيث صَحِيح عَلَى شَرْط مُسْلِم , لَكِنَّ الْبُخَارِيّ عَلَى قَاعِدَته فِي اِشْتِرَاط ثُبُوت اللِّقَاء وَلَوْ مَرَّة فَلِهَذَا قَالَ مَا نَقَلَهُ التِّرْمِذِيّ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحهُ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة \" الْمُوَطَّأ \" فَخَطَبَهَا رَجُلَانِ أَحَدهمَا شَابّ وَكَهْل , فَحَطَّتْ إِلَى الشَّابّ , فَقَالَ الْكَهْل لَمْ تَحِلِّي , وَكَانَ أَهْلهَا غُيَّبًا فَرَجَا أَنْ يُؤْثِرُوهُ بِهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَتْ وَاَللَّهِ مَا يَصْلُح أَنْ تَنْكِحِيهِ حَتَّى تَعْتَدِّي آخِر الْأَجَلَيْنِ , فَمَكَثَتْ قَرِيبًا مِنْ عَشْر لَيَالٍ ثُمَّ جَاءَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اِنْكِحِي ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : هَكَذَا وَقَعَ عِنْد جَمِيعهمْ \" فَقَالَتْ وَاَللَّه مَا يَصْلُح \" إِلَّا لِابْنِ السَّكَن فَعِنْده \" فَقَالَ \" مَكَان \" فَقَالَتْ \" وَهُوَ الصَّوَاب. قُلْت : وَكَذَا فِي الْأَصْل الَّذِي عِنْدنَا مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ مَشَايِخه , بَلْ قَالَ اِبْن التِّين أَنَّهُ عِنْد جَمِيعهمْ \" فَقَالَ \" إِلَّا عِنْد الْقَابِسِيّ \" فَقَالَتْ \" بِزِيَادَةِ التَّاء , وَهَذَا أَقْرَب مِمَّا قَالَ عِيَاض. ثُمَّ قَالَ عِيَاض : وَالْحَدِيث مَبْتُور نَقَصَ مِنْهُ قَوْلهَا \" فَنُفِسَتْ بَعْد لَيَالٍ فَخُطِبَتْ إِلَخْ \". قُلْت : قَدْ ثَبَتَ الْمَحْذُوف فِي رِوَايَة اِبْن مِلْحَانِ الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ وَلَفْظه \" فَمَكَثَتْ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَة ثُمَّ نُفِسَتْ \" وَقَدْ وَقَعَ لِلْبُخَارَيَّ اِخْتِصَار الْمَتْن فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة بِأَبْلَغ مِنْ هَذَا , فَإِنَّهُ اِقْتَصَرَ مِنْهُ عَلَى قَوْله \" إِنَّهُ كَتَبَ إِلَى اِبْن أَرْقَم أَنْ يَسْأَل سُبَيْعَة الْأَسْلَمِيَّة كَيْف أَفْتَاهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَتْ : أَفْتَانِي إِذَا حَلَلْت أَنْ أَنْكِح \" فَأَبْهَمَ اِسْم اِبْن أَرْقَم وَنَسَبَهُ إِلَى جَدّه كَمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ وَطَوَى ذِكْر أَكْثَر الْقِصَّة وَتَقْدِيره : فَأَتَاهَا فَسَأَلَهَا , فَأَخْبَرْته , فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْجَوَاب : إِنِّي سَأَلْتهَا فَذَكَرْت الْقِصَّة , وَفِي آخِرهَا \" فَقَالَتْ إِلَخْ \". وَقَدْ وَقَعَ بَيَانه وَاضِحًا فِي تَفْسِير الطَّلَاق مِنْ رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ وَفِيهِ \" فَكَتَبَ عُمَر بْن عَبْد اللَّه بْن الْأَرْقَم إِلَى عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ يُخْبِرهُ أَنَّ سُبَيْعَة بِنْت الْحَارِث أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْت سَعْد بْن خَوْلَة فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّة الْوَدَاع وَهِيَ حَامِل , فَلَمْ تَنْشَب أَنْ وَضَعَتْ حَمْلهَا , فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ , فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِل بْن بَعْكك رَجُل مِنْ بَنِي عَبْد الدَّار فَقَالَ : مَا لِي أَرَاك تَجَمَّلْت لِلْخُطَّابِ تَرْجِينَ النِّكَاح ؟ فَإِنَّك وَاَللَّه مَا أَنْتَ بِنَاكِحٍ حَتَّى يَمُرّ عَلَيْك أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر , قَالَتْ سُبَيْعَة : فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ جَمَعْت عَلَيَّ ثِيَابِي حِين أَمْسَيْت فَأَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ , فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْت حِين وَضَعْت حَمْلِيّ , وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إِنْ بَدَا لِي \". وَقَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيق الثَّانِيَة \" فَمَكَثَتْ قَرِيبًا مِنْ عَشْر لَيَالٍ ثُمَّ جَاءَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قَدْ يُخَالِف فِي الظَّاهِر قَوْله فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ الْمَذْكُورَة \" فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ جَمَعْت عَلِيّ ثِيَابِي حِين أَمْسَيْت \" فَإِنَّهُ ظَاهِر فِي أَنَّهَا تَوَجَّهْت إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسَاء الْيَوْم الَّذِي قَالَ لَهَا فِيهِ أَبُو السَّنَابِل مَا قَالَ , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْنهمَا أَنْ يُحْمَل قَوْلهَا حِين أَمْسَيْت عَلَى إِرَادَة وَقْت تَوَجُّههَا , وَلَا يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي الْيَوْم الَّذِي قَالَ لَهَا فِيهِ مَا قَالَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4907",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اللَّيْثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ شِهَابٍ ‏ ‏كَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى ‏ ‏ابْنِ الْأَرْقَمِ ‏ ‏أَنْ يَسْأَلَ ‏ ‏سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ ‏ ‏كَيْفَ أَفْتَاهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏أَفْتَانِي إِذَا وَضَعْتُ أَنْ أَنْكِحَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( اللَّيْث عَنْ يَزِيد ) ‏ ‏قَالَ الدِّمْيَاطِيّ فِي حَوَاشِيه : هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن الْهَاد , وَوَهِمَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ اِبْن أَبِي حَبِيب , كَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن مِلْحَانِ عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ اللَّيْث. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ اِبْن شِهَاب كَتَبَ إِلَيْهِ ) ‏ ‏هُوَ حُجَّة فِي جَوَاز الرِّوَايَة بِالْمُكَاتَبَةِ , وَقَدْ سَبَقَ فِي غَرْوَة بَدْر مِنْ الْمَغَازِي مُعَلَّقًا عَنْ اللَّيْث عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب أَتَمّ سِيَاقًا مِمَّا هُنَا , وَوَصَلَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس كَذَلِكَ , وَوَافَقَهُ الزُّبَيْدِيّ عَنْ اِبْن شِهَاب أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَقِيل عَنْ اِبْن شِهَاب فَخَالَفَ فِي بَعْض رُوَاته. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ بْن مَسْعُود , وَقَدْ سَلَف فِي تَفْسِير الطَّلَاق أَنَّ اِبْن سِيرِينَ حَدَّثَ بِهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ عَنْ سُبَيْعَة , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَبْد اللَّه بْن عَتَبَة لَقَى سُبَيْعَة بَعْد أَنْ كَانَ بَلَغَهُ عَنْهَا مِمَّنْ سَيَذْكُرُ مِنْ الْوَسَائِط. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرْسَلَهُ عَنْهَا لِابْنِ سِيرِينَ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ \" عَنْ خَلَّاس عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ بْن مَسْعُود عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّ سُبَيْعَة بِنْت الْحَارِث \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى اِبْن الْأَرْقَم ) ‏ ‏جَزَمَ جَمْع مِنْ الشُّرَّاح أَنَّهُ عَبْد اللَّه بْن الْأَرْقَم الزُّهْرِيُّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور , وَوَهَمُوا فِي ذَلِكَ , وَإِنَّمَا هُوَ وَلَده عُمَر بْن عَبْد اللَّه , كَذَلِكَ وَقَعَ وَاضِحًا مُفَسَّرًا فِي رِوَايَة يُونُس , وَلَيْسَ لِعُمَر الْمَذْكُور فِي الصَّحِيحَيْنِ سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَقِيل \" عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ اِلْقَ سُبَيْعَة فَسَلْهَا كَيْف قَضَى لَهَا , قَالَ فَأَخْبَرَنِي زُفَر بْن أَوْس بْن الْحَدَثَانِ أَنَّ سُبَيْعَة أَخْبَرَتْهُ \" وَالْقَائِل \" أَخْبَرَنِي زُفَر \" هُوَ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه \" بَيَّنَ ذَلِكَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق أَبِي زَيْد بْن أُنَيْسَة عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ اِبْن شِهَاب , وَوَضَح بِذَلِكَ أَنَّ لِابْنِ شِهَاب عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ فِيهِ طَرِيقَيْنِ. الطَّرِيق الثَّالِثَة رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ \" عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ أَنَّ سُبَيْعَة الْأَسْلَمِيَّة نُفِسَتْ \" وَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمِسْوَر حَمَلَهُ أَوْ أَرْسَلَهُ عَنْ سُبَيْعَة أَوْ حَضَرَ الْقِصَّة , فَإِنَّهُ حَفِظَ خُطْبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْن فَاطِمَة الزَّهْرَاء وَكَانَتْ قَبْل قِصَّة سُبَيْعَة , فَلَعَلَّهُ حَضَرَ قِصَّة سُبَيْعَة أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4908",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ ‏ ‏نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ ‏ ‏زَوْجِهَا ‏ ‏بِلَيَالٍ فَجَاءَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ فَأَذِنَ لَهَا فَنَكَحَتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( أَنَّ سُبَيْعَة نُفِسَتْ ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون وَكَسْر الْفَاء أَيْ وَلَدَتْ. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك ) ‏ ‏كَذَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالتَّصْغِيرِ , وَاخْتُلِفَ فِي تَوْجِيهه فَقِيلَ : هِيَ تَصْغِير الْعَسَل لِأَنَّ الْعَسَل مُؤَنَّث , جَزَمَ بِهِ الْقَزَّاز ثُمَّ قَالَ وَأَحْسَب التَّذْكِير لُغَة. وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّث , وَقِيلَ لِأَنَّ الْعَرَب إِذَا حَفَرَتْ الشَّيْء أَدْخَلَتْ فِيهِ هَاءِ التَّأْنِيث , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلهمْ دُرَيْهِمَات فَجَمَعُوا الدِّرْهَم جَمْع الْمُؤَنَّث عِنْد إِرَادَة التَّحْقِير , وَقَالُوا أَيْضًا فِي تَصْغِير هِنْد هُنَيْدَة. وَقِيلَ التَّأْنِيث بِاعْتِبَارِ الْوَطْأَة إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا تَكْفِي فِي الْمَقْصُود مِنْ تَحْلِيلهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّل , وَقِيلَ الْمُرَاد قِطْعَة مِنْ الْعَسَل وَالتَّصْغِير لِلتَّقْلِيلِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْقَدْر الْقَلِيل كَافٍ فِي تَحْصِيل الْحِلّ , قَالَ الْأَزْهَرِيّ : الصَّوَاب أَنَّ مَعْنَى الْعُسَيْلَة حَلَاوَة الْجِمَاع الَّذِي يَحْصُل بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَة فِي الْفَرْج , وَأَنَّثَ تَشْبِيهًا بِقِطْعَةٍ مِنْ عَسَلٍ. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : صُغِّرَتْ لِشِدَّةِ شَبَههَا بِالْعَسَلِ وَقِيلَ : مَعْنَى الْعُسَيْلَة النُّطْفَة , وَهَذَا يُوَافِق قَوْل الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ. وَقَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء : ذَوْق الْعُسَيْلَة كِنَايَة عَنْ الْمُجَامَعَة وَهُوَ تَغْيِيب حَشَفَة الرَّجُل فِي فَرْج الْمَرْأَة , وَزَادَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : حُصُول الْإِنْزَال. وَهَذَا الشَّرْط اِنْفَرَدَ بِهِ عَنْ الْجَمَاعَة قَالَهُ اِبْنِ الْمُنْذِر وَآخَرُونَ. وَقَالَ اِبْنِ بَطَّالٍ : شَذَّ الْحَسَن فِي هَذَا , وَخَالَفَهُ سَائِر الْفُقَهَاء وَقَالُوا : يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مَا يُوجِب الْحَدّ وَيُحْصِنُ الشَّخْص وَيُوجِب كَمَال الصَّدَاق وَيُفْسِد الْحَجّ وَالصَّوْم. قَالَ أَبُو عُبَيْد : الْعُسَيْلَة لَذَّة الْجِمَاع وَالْعَرَب تُسَمِّي كُلّ شَيْء تَسْتَلِذّهُ عَسَلًا , وَهُوَ فِي التَّشْدِيد يُقَابِل قَوْل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فِي الرُّخْصَة , وَيَرُدّ قَوْل الْحَسَنِ أَنَّ الْإِنْزَال لَوْ كَانَ شَرْطًا لَكَانَ كَافِيًا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِذَا كَانَ بَعِيد الْعَهْد بِالْجِمَاعِ مَثَلًا أَنْزَلَ قَبْل تَمَام الْإِيلَاج , وَإِذَا أَنْزَلَ كُلّ مِنْهُمَا قَبْل تَمَام الْإِيلَاج لَمْ يَذُقْ عُسَيْلَة صَاحِبِهِ , لَا إِنْ فَسَّرَتْ الْعُسَيْلَة بِالْإِمْنَاءِ وَلَا بِلَذَّةِ الْجِمَاع قَالَ اِبْنِ الْمُنْذِر : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى اِشْتِرَاط الْجِمَاع لِتَحِلّ لِلْأَوَّلِ , إِلَّا سَعِيد بْن الْمُسَيِّب. ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ الصَّحِيح عَنْهُ قَالَ : يَقُول النَّاس لَا تَحِلّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى يُجَامِعهَا الثَّانِي , وَأَنَا أَقُولُ : إِذَا تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا صَحِيحًا لَا يُرِيد بِذَلِكَ إِحْلَالهَا لِلْأَوَّلِ فَلَا بَأْس أَنْ يَتَزَوَّجهَا الْأَوَّل. وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْنِ أَبِي شَيْبَة وَسَعِيد بْن مَنْصُور , وَفِيهِ تُعُقِّبَ عَلَى مَنْ اِسْتَبْعَدَ صِحَّته عَنْ سَعِيد , قَالَ اِبْنِ الْمُنْذِر : وَهَذَا الْقَوْل لَا نَعْلَم أَحَدًا وَافَقَهُ عَلَيْهِ إِلَّا طَائِفَة مِنْ الْخَوَارِج , وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ الْحَدِيث فَأَخَذَ بِظَاهِرِ الْقُرْآن. قُلْت : سِيَاق كَلَامِهِ يُشْعِر بِذَلِكَ. وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى ضَعْف الْخَبَر الْوَارِد فِي ذَلِكَ. وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ عَلْقَمَة بْن مَرْثَد عَنْ سَالِم بْن رَزِين عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب \" عَنْ اِبْنِ عُمَر رَفَعَهُ فِي الرَّجُل تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَة فَيُطَلِّقُهَا ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا آخَر فَيُطَلِّقهَا قَبْل أَنْ يَدْخُل بِهَا فَتَرْجِع إِلَى الْأَوَّل , فَقَالَ : لَا , حَتَّى تَذُوق الْعُسَيْلَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ عَلْقَمَة بْن مَرْثَد فَقَالَ عَنْ رَزِين بْن سُلَيْمَان الْأَحْمَرِيّ عَنْ اِبْنِ عُمَر نَحْوِهِ , قَالَ النَّسَائِيُّ : هَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ , وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الثَّوْرِيّ أَتْقَنَ وَأَحْفَظ مِنْ شُعْبَة , وَرِوَايَته أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ شَيْخ عَلْقَمَة شَيْخهمَا هُوَ رَزِين بْن سُلَيْمَان كَمَا قَالَ الثَّوْرِيّ لَا سَالِم بْن رَزِين كَمَا قَالَ شُعْبَة , فَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَة عَنْ عَلْقَمَة كَذَلِكَ , مِنْهُمْ غَيْلَان بْن جَامِعِ أَحَد الثِّقَات. ثَانِيهمَا أَنَّ الْحَدِيث لَوْ كَانَ عِنْد سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ اِبْنِ عُمَر مَرْفُوعًا مَا نَسَبَهُ إِلَى مَقَالَة النَّاس الَّذِينَ خَالَفَهُمْ , وَيُؤْخَذ مِنْ كَلَامِ اِبْنِ الْمُنْذِر أَنَّ نَقْل أَبِي جَعْفَر النَّحَّاس فِي \" مَعَانِي الْقُرْآن \" وَتَبِعَهُ عَبْد الْوَهَّاب الْمَالِكِيّ فِي \" شَرْح الرِّسَالَة \" الْقَوْل بِذَلِكَ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَهْمٌ , وَأَعْجَبَ مِنْهُ أَنَّ أَبَا حِبَّان جَزَمَ بِهِ عَنْ السَّعِيد بْن سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَسَعِيد بْن جُبَيْر , وَلَا يُعْرَف لَهُ سَنَدٌ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي شَيْء مِنْ الْمُصَنَّفَات , وَكَفَى قَوْل اِبْنِ الْمُنْذِر حُجَّة فِي ذَلِكَ. وَحَكَى اِبْنِ الْجَوْزِيّ عَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ وَافَقَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَلَى ذَلِكَ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَيُسْتَفَاد مِنْ الْحَدِيث عَلَى قَوْل الْجُمْهُور أَنَّ الْحُكْم يَتَعَلَّق بِأَقَلّ مَا يَنْطَلِق عَلَيْهِ الِاسْم , خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ حُصُول جَمِيعه. وَفِي قَوْله \" حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته إِلَخْ \" إِشْعَار بِإِمْكَانِ ذَلِكَ , لَكِنْ قَوْلهَا \" لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا مِثْل هَذِهِ الْهُدْبَة \" ظَاهِرِ فِي تَعَذُّر الْجِمَاع الْمُشْتَرَط , فَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ مُرَادهَا بِالْهُدْبَةِ التَّشْبِيه بِهَا فِي الدِّقَّة وَالرِّقَّة لَا فِي الرَّخَاوَة وَعَدَم الْحَرَكَة وَاسْتُبْعِدَ مَا قَالَ , وَسِيَاق الْخَبَر يُعْطِي بِأَنَّهَا شَكَتْ مِنْهُ عَدَم الِانْتِشَار , وَلَا يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" حَتَّى تَذُوقِي \" لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى الْإِمْكَان وَهُوَ جَائِز الْوُقُوع , فَكَأَنَّهُ قَالَ اِصْبِرِي حَتَّى يَتَأَتَّى مِنْهُ ذَلِكَ , وَإِنْ تَفَارَقَا فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ إِرَادَة الرُّجُوع إِلَى رِفَاعَة مِنْ زَوْج آخَر يَحْصُل لَهَا مِنْهُ ذَلِكَ. وَاسْتُدِلَّ بِإِطْلَاقِ وُجُود الذَّوْق مِنْهُمَا الِاشْتِرَاط عَلَى الزَّوْجَيْنِ بِهِ حَتَّى لَوْ وَطِئَهَا نَائِمَة أَوْ مُغْمًى عَلَيْهَا لَمْ يَكْفِ وَلَوْ أَنْزَلَ هُوَ. وَبَالَغَ اِبْنِ الْمُنْذِر فَنَقَلَهُ عَنْ جَمِيع الْفُقَهَاء. وَتُعُقِّبَ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِيهِ حُجَّة لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا نَائِمَة أَوْ مُغْمًى عَلَيْهَا لَمْ تَحِلّ. وَجَزَمَ اِبْنُ الْقَاسِم بِأَنَّ وَطْء الْمَجْنُون يُحَلِّل , وَخَالَفَهُ أَشْهَبُ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز رُجُوعهَا لِزَوْجِهَا الْأَوَّل إِذَا حَصَلَ الْجِمَاع مِنْ الثَّانِي , لَكِنْ شَرَطَ الْمَالِكِيَّة وَنَقَلَ عَنْ عُثْمَان وَزَيْد بْن ثَابِت أَنْ لَا يَكُون فِي ذَلِكَ مُخَادَعَة مِنْ الزَّوْج الثَّانِي وَلَا إِرَادَة تَحْلِيلهَا لِلْأَوَّلِ. وَقَالَ الْأَكْثَر : إِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْعَقْد فَسَدَ وَإِلَّا فَلَا , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي نِكَاح فَاسِدٍ لَمْ يُحَلِّل , وَشَذَّ الْحَكَم فَقَالَ يَكْفِي , وَأَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ أَمَة ثُمَّ بَتَّ طَلَاقهَا ثُمَّ مَلَكهَا لَمْ يَحِلّ لَهُ أَنْ يَطَأهَا حَتَّى تَتَزَوَّج غَيْره. وَقَالَ اِبْنِ عَبَّاس وَبَعْض أَصْحَابه وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ : تَحِلّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِين , وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا وَطِئَهَا حَائِضًا أَوْ بَعْد أَنْ طَهُرَتْ قَبْل أَنْ تَطْهُر أَوْ أَحَدِهِمَا صَائِم أَوْ مُحْرِم. وَقَالَ اِبْنُ حَزْم : أَخَذَ الْحَنَفِيَّة بِالشَّرْطِ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَائِشَة , وَهُوَ زَائِد عَلَى ظَاهِرِ الْقُرْآن , وَلَمْ يَأْخُذُوا بِحَدِيثِهَا فِي اِشْتِرَاط خَمْس رَضَعَات لِأَنَّهُ زَائِد عَلَى مَا فِي الْقُرْآن , فَيَلْزَمهُمْ الْأَخْذ بِهِ أَوْ تَرْك حَدِيث الْبَاب , وَأَجَابُوا بِأَنَّ النِّكَاح عِنْدهمْ حَقِيقَة فِي الْوَطْء فَالْحَدِيث مُوَافِق لِظَاهِرِ الْقُرْآن , وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهَا \" بَتَّ طَلَاقِي \" عَلَى أَنَّ الْبَتَّة ثَلَاث تَطْلِيقَات , وَهُوَ عَجَبٌ مِمَّنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ فَإِنَّ الْبَتّ بِمَعْنَى الْقَطْع وَالْمُرَاد بِهِ قَطْع الْعِصْمَة , وَهُوَ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون بِالثَّلَاثِ مَجْمُوعَة أَوْ بِوُقُوعِ الثَّالِثَة الَّتِي هِيَ آخِر ثَلَاث تَطْلِيقَات , وَسَيَأْتِي فِي اللِّبَاس صَرِيحًا أَنَّهُ طَلَّقَهَا آخِر ثَلَاث تَطْلِيقَات فَبَطَلَ الِاحْتِجَاج بِهِ. وَنَقَلَ اِبْنُ الْعَرَبِيّ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ أَوْرَدَ عَلَى حَدِيث الْبَاب مَا مُلَخَّصه أَنَّهُ يَلْزَم مِنْ الْقَوْل بِهِ إِمَّا الزِّيَادَة بِخَبَرِ الْوَاحِد عَلَى مَا فِي الْقُرْآن فَيَسْتَلْزِم نَسْخَ الْقُرْآن بِالسُّنَّةِ الَّتِي لَمْ تَتَوَاتَر , أَوْ حَمْل اللَّفْظ الْوَاحِد عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْإِلْبَاس. وَالْجَوَاب عَنْ الْأَوَّل أَنَّ الشَّرْط إِذَا كَانَ مِنْ مُقْتَضَيَات اللَّفْظ لَمْ تَكُنْ إِضَافَته نَسْخًا وَلَا زِيَادَة , وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ النِّكَاح فِي الْآيَة أُضِيف إِلَيْهَا وَهِيَ لَا تَتَوَلَّى الْعَقْد بِمُجَرَّدِهَا فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ فِي حَقِّهَا الْوَطْء , وَمِنْ شَرْطه اِتِّفَاقًا أَنْ يَكُونُ وَطْئًا مُبَاحًا فَيَحْتَاج إِلَى سَبَقَ الْعَقْد. وَيُمْكِن أَنْ يُقَال : لَمَّا كَانَ اللَّفْظ مُحْتَمِلًا لِلْمَعْنَيَيْنِ بَيَّنَتْ السُّنَّة أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُصُولهمَا , فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة لَا حَقَّ لَهَا فِي الْجِمَاع لِأَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَة شَكَتْ أَنَّ زَوْجهَا لَا يَطَؤُهَا وَأَنَّ ذَكَرَهُ لَا يَنْتَشِر وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مَا يُغْنِي عَنْهَا وَلَمْ يَفْسَخ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِكَاحهَا بِذَلِكَ , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّةَ وَدَاوُد بْن عَلِيّ : لَا يُفْسَخ بِالْعُنَّةِ وَلَا يُضْرَب لِلْعِنِّينِ أَجَلٌ. وَقَالَ اِبْنُ الْمُنْذِر : اِخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَة تُطَالِب الرَّجُل بِالْجِمَاعِ , فَقَالَ الْأَكْثَر إِنْ وَطِئَهَا بَعْد أَنْ دَخَلَ بِهَا مَرَّة وَاحِدَة لَمْ يُؤَجَّل أَجَل الْعِنِّين , وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَة وَمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق. وَقَالَ أَبُو ثَوْر : إِنْ تَرَكَ جِمَاعهَا لِعِلَّةٍ أُجِّلَ لَهُ سَنَة , وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عِلَّة فَلَا تَأْجِيل , وَقَالَ عِيَاض , اِتَّفَقَ كَافَّة الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ حَقًّا فِي الْجِمَاع , فَيَثْبُت الْخِيَار لَهَا إِذَا تَزَوَّجَتْ الْمَجْبُوب وَالْمَمْسُوح جَاهِلَة بِهِمَا , وَيُضْرَب لِلْعِنِّينِ أَجَل سَنَة لِاحْتِمَالِ زَوَال مَا بِهِ. وَأَمَّا اِسْتِدْلَال دَاوُدَ وَمَنْ يَقُول بِقَوْلِهِ بِقِصَّةِ اِمْرَأَة رِفَاعَة فَلَا حُجَّة فِيهَا , لِأَنَّ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّ الزَّوْج الثَّانِي كَانَ أَيْضًا طَلَّقَهَا كَمَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم صَرِيحًا مِنْ طَرِيق الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" طَلَّقَ رَجُل اِمْرَأَته ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا رَجُل آخَر فَطَلَّقَهَا قَبْل أَنْ يَدْخُل بِهَا فَأَرَادَ زَوْجهَا الْأَوَّل أَنْ يَتَزَوَّجهَا , فَسُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : لَا \" الْحَدِيث , وَأَصْله عِنْد الْبُخَارِيّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الطَّلَاق. وَوَقَعَ فِي حَدِيث الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة كَمَا سَيَأْتِي فِي اللِّبَاس فِي آخِر الْحَدِيث بَعْد قَوْله : لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك \" قَالَ فَفَارَقَتْهُ بَعْدُ \" زَادَ اِبْنُ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهَا \" جَاءَتْ بَعْد ذَلِكَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إِنَّهُ - يَعْنِي زَوْجهَا الثَّانِي - مَسَّهَا فَمَنَعَهَا أَنْ تَرْجِع إِلَى زَوْجهَا الْأَوَّل \" وَصَرَّحَ مُقَاتِل بْن حَيَّانَ فِي تَفْسِيره مُرْسَلًا أَنَّهَا \" قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّهُ كَانَ مَسَّنِي , فَقَالَ كَذَبْت بِقَوْلِكِ الْأَوَّل فَلَنْ أُصَدِّقَكِ فِي الْآخِر , وَأَنَّهَا أَتَتْ أَبَا بَكْر ثُمَّ عُمَر فَمَنَعَاهَا \" وَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة الْأَخِيرَة فِي رِوَايَة اِبْنِ جُرَيْجٍ الْمَذْكُورَة أَخْرَجَهَا عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ , وَوَقَعَ عِنْد مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ الْمِسْوَر بْن رِفَاعَة عَنْ الزُّبَيْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الزَّبِيرِ , زَادَ خَارِج الْمُوَطَّأ فِيمَا رَوَاهُ اِبْنُ وَهْب عَنْهُ وَتَابَعَهُ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ عَنْ مَالِك عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ فِي \" الْغَرَائِب \" عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ رِفَاعَة طَلَّقَ اِمْرَأَته تَمِيمَة بِنْت وَهْب ثَلَاثًا , فَنَكَحَهَا عَبْد الرَّحْمَن , فَاعْتُرِضَ عَنْهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسّهَا فَفَارَقَهَا , فَأَرَادَ رِفَاعَة أَنْ يَتَزَوَّجهَا \" الْحَدِيث. وَوَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة \" سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَجُل طَلَّقَ اِمْرَأَته فَتَزَوَّجَتْ غَيْره فَدَخَلَ بِهَا وَطَلَّقَهَا قَبْل أَنْ يُوَاقِعهَا أَتَحِلُّ لِلْأَوَّلِ ؟ قَالَ : لَا \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة نَحْوِهِ , وَالطَّبَرِيّ أَيْضًا وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث أَنَسٍ كَذَلِكَ , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْنِ سَلَمَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ عَمْرو بْن حَزْم طَلَّقَ الْغُمَيْصَاء فَنَكَحَهَا رَجُل فَطَلَّقَهَا قَبْل أَنْ يَمَسّهَا , فَسَأَلَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَا , حَتَّى يَذُوق الْآخَر عُسَيْلَتهَا وَتَذُوق عُسَيْلَته \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرُوَاته ثِقَات , فَإِنْ كَانَ حَمَّاد بْن سَلَمَة حَفِظَهُ فَهُوَ حَدِيث آخَر لِعَائِشَة فِي قِصَّة أُخْرَى غَيْر قِصَّة اِمْرَأَة رِفَاعَة , وَلَهُ شَاهِدِ مِنْ حَدِيث عُبَيْد اللَّه - بِالتَّصْغِيرِ - اِبْنِ عَبَّاس عِنْد النَّسَائِيِّ فِي ذِكْره الْغُمَيْصَاء , لَكِنَّ سِيَاقه يُشْبِه قِصَّة رِفَاعَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ شَرْح هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّهُ وَقَعَ لِكُلٍّ مِنْ رِفَاعَة بْن سَمَوْأَل وَرِفَاعَة بْن وَهْب أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَزَوَّجَهَا عَبْد الرَّحْمَن بْن الزَّبِيرِ وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا شَكَتْ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا مِثْل الْهُدْبَة , فَلَعَلَّ إِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ شَكَتْهُ قَبْل أَنْ يُفَارِقهَا وَالْأُخْرَى بَعْد أَنْ فَارَقَهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُونَ الْقِصَّة وَاحِدَة وَوَقَعَ الْوَهْم مِنْ بَعْض الرُّوَاة فِي التَّسْمِيَة أَوْ فِي النِّسْبَة وَتَكُونُ الْمَرْأَة شَكَتْ مَرَّتَيْنِ مِنْ قَبْل الْمُفَارَقَة وَمَنْ بَعْدهَا , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس قَالَ \" طَلَّقَ عَبْد يَزِيد أَبُو رُكَانَة أُمّ رُكَانَة وَنَكَحَ اِمْرَأَة مِنْ مُزَيْنَة , فَجَاءَتْ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : مَا يُغْنِي عَنِّي إِلَّا كَمَا تُغْنِي هَذِهِ الشَّعْرَة - لِشَعْرَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ رَأْسهَا - فَفَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنه , قَالَ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ يَزِيد : طَلِّقْهَا وَرَاجِعْ أُمّ رُكَانَة , فَفَعَلَ \" فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّة لِمَسْأَلَةِ الْعِنِّين , وَاللَّهُ أَعْلَم بِالصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4909",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَهُمَا يَذْكُرَانِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏طَلَّقَ ‏ ‏بِنْتَ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ ‏ ‏فَانْتَقَلَهَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَأَرْسَلَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِيِنَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ ‏ ‏وَهُوَ أَمِيرُ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏اتَّقِ اللَّهَ وَارْدُدْهَا إِلَى بَيْتِهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرْوَانُ ‏ ‏فِي حَدِيثِ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ ‏ ‏غَلَبَنِي وَقَالَ ‏ ‏الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَوَمَا بَلَغَكِ شَأْنُ ‏ ‏فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ‏ ‏قَالَتْ لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَرْوَانُ بْنُ الحَكَمِ ‏ ‏إِنْ كَانَ بِكِ شَرٌّ فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنْ الشَّرِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس. ‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن سَعِيد بْن الْعَاصِ بْن أُمَيَّة وَكَانَ أَبُوهُ أَمِير الْمَدِينَة لِمُعَاوِيَةِ ; وَيَحْيَى هُوَ أَخُو عَمْرو بْن سَعِيد الْمَعْرُوف بِالْأَشْدَقِ. ‏ ‏قَوْله ( طَلَّقَ بِنْت عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَكَم ) ‏ ‏هِيَ بِنْت أَخِي مَرْوَان الَّذِي كَانَ أَمِير الْمَدِينَة أَيْضًا لِمُعَاوِيَةِ حِينَئِذٍ وَوَلِيَ الْخِلَافَة بَعْد ذَلِكَ , وَاسْمهَا عَمْرَة فِيمَا قِيلَ , وَسَيَأْتِي فِي الْخَبَر الثَّالِث أَنَّهُ طَلَّقَهَا الْبَتَّة. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ مَرْوَان فِي حَدِيث سُلَيْمَان أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن غَلَبَنِي ) ‏ ‏وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَى يَحْيَى بْن سَعِيد , وَهُوَ الَّذِي فَصَلَ بَيْن حَدِيثَيْ شَيْخَيْهِ فَسَاقَ مَا اِتَّفَقَا عَلَيْهِ ثُمَّ بَيَّنَ لَفْظ سُلَيْمَان وَهُوَ اِبْن يَسَار وَحْده وَلَفْظ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَحْده , وَقَوْل مَرْوَان إِنَّ عَبْد الرَّحْمَن غَلَبَنِي أَيْ لَمْ يُطِعْنِي فِي رَدّهَا إِلَى بَيْتهَا , وَقِيلَ مُرَاده غَلَبَنِي بِالْحُجَّةِ لِأَنَّهُ اِحْتَجَّ بِالشَّرِّ الَّذِي كَانَ بَيْنهمَا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَتْ لَا يَضُرّك أَنْ لَا تَذْكُر حَدِيث فَاطِمَة ) ‏ ‏أَيْ لِأَنَّهُ لَا حُجَّة فِيهِ لِجَوَازِ اِنْتِقَال الْمُطَلَّقَة مِنْ مَنْزِلهَا بِغَيْرِ سَبَبٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ مَرْوَان بْن الْحَكَم إِنْ كَانَ بِكِ شَرّ ) ‏ ‏أَيْ إِنْ كَانَ عِنْدك أَنَّ سَبَب خُرُوج فَاطِمَة مَا وَقَعَ بَيْنهَا وَبَيْن أَقَارِب زَوْجهَا مِنْ الشَّرّ فَهَذَا السَّبَب مَوْجُود وَلِذَلِكَ قَالَ \" فَحَسْبك مَا بَيْن هَذَيْنِ مِنْ الشَّرّ \" , وَهَذَا مَصِير مِنْ مَرْوَان إِلَى الرُّجُوع عَنْ رَدّ خَبَر فَاطِمَة فَقَدْ كَانَ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَة بِنْت قَيْس كَمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ \" أَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن عُثْمَان بْن عَفَّانَ طَلَّقَ بِنْت سَعِيد بْن زَيْد الْبَتَّة وَأُمّهَا حُزْمَة بِنْت قَيْس , فَأَمَرَتْهَا خَالَتهَا فَاطِمَة بِنْت قَيْس بِالِانْتِقَالِ , فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَرْوَان فَأَنْكَرَ , فَذَكَرَتْ أَنَّ خَالَتهَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْتَاهَا بِذَلِكَ , فَأَرْسَلَ مَرْوَان قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب إِلَى فَاطِمَة يَسْأَلهَا عَنْ ذَلِكَ فَذَكَرَتْ \" الْحَدِيث , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ دُون مَا فِي أَوَّله وَزَادَ \" فَقَالَ مَرْوَان لَمْ يَسْمَع هَذَا الْحَدِيث إِلَّا مِنْ اِمْرَأَة فَسَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا عَلَيْهَا النَّاس \" وَسَيَأْتِي لَهُ طَرِيق أُخْرَى فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , فَكَأَنَّ مَرْوَان أَنْكَرَ الْخُرُوج مُطْلَقًا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْجَوَاز بِشَرْطِ وُجُود عَارِض يَقْتَضِي جَوَاز خُرُوجهَا مِنْ مَنْزِل الطَّلَاق كَمَا سَيَأْتِي. ‏"
    },
    {
        "id": "4910",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏مَا ‏ ‏لِفَاطِمَةَ ‏ ‏أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ ‏ ‏يَعْنِي فِي قَوْلِهَا لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار ) ‏ ‏كَذَا فِي الرِّوَايَات الَّتِي اِتَّصَلَتْ لَنَا مِنْ طَرِيق الْفَرَبْرِيّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ اِبْن عَبْد الْكَرِيم عَنْ بُنْدَار وَهُوَ مُحَمَّد بْن بَشَّار , وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ مُحَمَّد غَيْر مَنْسُوب وَهُوَ مُحَمَّد بْن بَشَّار كَذَا نَسَبه أَبُو مَسْعُود. قُلْت وَلَمْ أَرَهُ غَيْر مَنْسُوب إِلَّا فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ عَنْ الْبُخَارِيّ , وَكَأَنَّهُ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي \" أَطْرَاف خُلْف \" وَمِنْهَا نَقْل الْمِزِّيّ , وَلَمْ أُنَبِّه عَلَى هَذَا الْمَوْضِع فِي الْمُقَدِّمَة اِعْتِمَادًا عَلَى مَا اِتَّصَلَ لَنَا مِنْ الرِّوَايَات إِلَى الْفَرَبْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا قَالَتْ : مَا لِفَاطِمَة , أَلَا تَتَّقِي اللَّه ؟ يَعْنِي فِي قَوْلهَا : لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَة ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" مَا لِفَاطِمَة خَيْر أَنْ تَذْكُر هَذَا \" كَأَنَّهَا تُشِير إِلَى أَنَّ سَبَب الْإِذْن فِي اِنْتِقَال فَاطِمَة مَا تَقَدَّمَ فِي الْخَبَر الَّذِي قَبْله , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مَيْمُون بْن مِهْرَانَ قَالَ \" قَدِمْت الْمَدِينَة فَقُلْت لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب : إِنَّ فَاطِمَة بِنْت قَيْس طَلُقَتْ فَخَرَجَتْ مِنْ بَيْتهَا , فَقَالَ : إِنَّهَا كَانَتْ لَسُنَّةً \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن يَسَار \" إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ سُوء الْخُلُق \". ‏"
    },
    {
        "id": "4911",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏أَلَمْ تَرَيْ إِلَى ‏ ‏فُلَانَةَ بِنْتِ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏طَلَّقَهَا ‏ ‏زَوْجُهَا ‏ ‏الْبَتَّةَ ‏ ‏فَخَرَجَتْ فَقَالَتْ ‏ ‏بِئْسَ مَا صَنَعَتْ قَالَ أَلَمْ تَسْمَعِي فِي قَوْلِ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏قَالَتْ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَابَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَشَدَّ الْعَيْبِ وَقَالَتْ إِنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏كَانَتْ فِي مَكَانٍ ‏ ‏وَحْشٍ ‏ ‏فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عُرْوَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الزُّبَيْر ‏ ‏( لِعَائِشَة : أَلَم تَرَيْ إِلَى فُلَانَة بِنْت الْحَكَم ) ‏ ‏نَسَبهَا إِلَى جَدّهَا , وَهِيَ بِنْت عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَكَم كَمَا فِي الطَّرِيق الْأُولَى. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَتْ بِئْسَ مَا صَنَعَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مَا صَنَعَ \" أَيْ زَوْجهَا فِي تَمْكِينهَا مِنْ ذَلِكَ , أَوْ أَبُوهَا فِي مُوَافَقَتهَا , وَلِهَذَا أَرْسَلَتْ عَائِشَة إِلَى مَرْوَان عَمّهَا وَهُوَ الْأَمِير أَنْ يَرُدّهَا إِلَى مَنْزِل الطَّلَاق. ‏ ‏قَوْله ( أَلَم تَسْمَعِي قَوْل فَاطِمَة ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فَاعِل \" قَالَ \" هُوَ عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله ( قَالَتْ : أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْر فِي ذِكْر هَذَا الْحَدِيث ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ \" تَزَوَّجَ يَحْيَى بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ بِنْت عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَكَم فَطَلَّقَهَا وَأَخْرَجَهَا , فَأَتَيْت عَائِشَة فَأَخْبَرَتْهَا فَقَالَتْ : مَا لِفَاطِمَة خَيْر فِي أَنْ تَذْكُر هَذَا الْحَدِيث \" كَأَنَّهَا تُشِير إِلَى مَا تَقَدَّمَ وَأَنَّ الشَّخْص لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُر شَيْئًا عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَة. ‏ ‏قَوْله ( وَزَادَ اِبْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ : عَابَتْ عَائِشَة أَشَدّ الْعَيْب وَقَالَتْ : إِنَّ فَاطِمَة كَانَتْ فِي مَكَان وَحْش , فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتهَا فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الزِّنَاد بِلَفْظِ \" لَقَدْ عَابَتْ \" وَزَادَ \" يَعْنِي فَاطِمَة بِنْت قَيْس \" وَقَوْله \" وَحْش \" بِفَتْحِ الْوَاو وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُعْجَمَة أَيْ خَال لَا أَنِيس بِهِ , وَلِرِوَايَةِ اِبْن أَبِي الزِّنَاد هَذِهِ شَاهِد مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة لَكِنْ قَالَ \" عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَاطِمَة بِنْت قَيْس قَالَتْ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّ زَوْجِيّ طَلَّقَنِي ثَلَاثًا فَأَخَاف أَنْ يُقْتَحَم عَلَيَّ , فَأَمَرَهَا فَتَحَوَّلَتْ \" وَقَدْ أَخْذ الْبُخَارِيّ التَّرْجَمَة مِنْ مَجْمُوع مَا وَرَدَ فِي قِصَّة فَاطِمَة فَرَتَّبَ الْجَوَاز عَلَى أَحَد الْأَمْرَيْنِ : إِمَّا خَشْيَة الِاقْتِحَام عَلَيْهَا وَإِمَّا أَنْ يَقَع مِنْهَا عَلَى أَهْل مُطَلِّقهَا فُحْش مِنْ الْقَوْل , وَلَمْ يَرَ بَيْن الْأَمْرَيْنِ فِي قِصَّة فَاطِمَة مُعَارِضَة لِاحْتِمَالِ وُقُوعهمَا مَعًا فِي شَأْنهَا. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ : ذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة عِلَّتَيْنِ وَذَكَرَ فِي الْبَاب وَاحِدَة فَقَطْ , وَكَأَنَّهُ أَوْمَأَ إِلَى الْأُخْرَى إِمَّا لِوُرُودِهَا عَلَى غَيْر شَرْطه وَإِمَّا لِأَنَّ الْخَوْف عَلَيْهَا إِذَا اِقْتَضَى خُرُوجهَا , فَمِثْله الْخَوْف مِنْهَا , بَلْ لَعَلَّهُ أَوْلَى فِي جَوَاز إِخْرَاجهَا , فَلَمَّا صَحَّ عِنْده مَعْنَى الْعِلَّة الْأُخْرَى ضَمَّنَهَا التَّرْجَمَة. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الِاقْتِصَار فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث عَلَى بَعْضه لَا يَمْنَع قَبُول بَعْض آخَر إِذَا صَحَّ طَرِيقه , فَلَا مَانِع أَنْ يَكُون أَصْل شَكْوَاهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ اِسْتِقْلَال النَّفَقَة , وَأَنَّهُ اِتَّفَقَ أَنَّهُ بَدَا مِنْهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ شَرّ لِأَصْهَارِهَا وَاطَّلَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلهمْ وَخَشِيَ عَلَيْهَا إِنْ اِسْتَمَرَّتْ هُنَاكَ أَنْ يَتْرُكُوهَا بِغَيْرِ أَنِيس فَأُمِرَتْ بِالِانْتِقَالِ. قُلْت : وَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ بِالثَّانِي إِلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَاب قَبْله مِنْ قَوْل مَرْوَان لِعَائِشَة \" إِنْ كَانَ بِك شَرّ \" فَإِنَّهُ يُومِئ إِلَى أَنَّ السَّبَب فِي تَرْك أَمْرهَا بِمُلَازَمَةِ السَّكَن مَا وَقَعَ بَيْنهَا وَبَيْن أَقَارِب زَوْجهَا مِنْ الشَّرّ. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : سِيَاق الْحَدِيث يَقْتَضِي أَنَّ سَبَب الْحُكْمِ أَنَّهَا اِخْتَلَفَتْ مَعَ الْوَكِيل بِسَبَبِ اِسْتِقْلَالهَا مَا أَعْطَاهَا , وَأَنَّهَا لَمَّا قَالَ لَهَا الْوَكِيل لَا نَفَقَة لَك سَأَلَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجَابَهَا بِأَنَّهَا لَا نَفَقَة لَهَا وَلَا سُكْنَى , فَاقْتَضَى أَنَّ التَّعْلِيل إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ مَا جَرَى مِنْ الِاخْتِلَاف لَا بِسَبَبِ الِاقْتِحَام وَالْبَذَاءَة , فَإِنْ قَامَ دَلِيل أَقْوَى مِنْ هَذَا الظَّاهِر عُمِلَ بِهِ. قُلْت : الْمُتَّفَق عَلَيْهِ فِي جَمِيع طُرُقه أَنَّ الِاخْتِلَاف كَانَ فِي النَّفَقَة , ثُمَّ اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَات : فَفِي بَعْضهَا \" فَقَالَ لَا نَفَقَة لَك وَلَا سُكْنَى \" وَفِي بَعْضهَا أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهَا \" لَا نَفَقَة لَك \" اِسْتَأْذَنَتْهُ فِي الِانْتِقَال فَأَذِنَ لَهَا , وَكُلّهَا فِي صَحِيح مُسْلِم , فَإِذَا جَمَعَتْ أَلْفَاظ الْحَدِيث مِنْ جَمِيع طُرُقه خَرَجَ مِنْهَا أَنَّ سَبَب اِسْتِئْذَانهَا فِي الِانْتِقَال مَا ذَكَرَ مِنْ الْخَوْف عَلَيْهَا وَمِنْهَا , وَاسْتَقَامَ الِاسْتِدْلَال حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّ السُّكْنَى لَمْ تَسْقُط لِذَاتِهَا وَإِنَّمَا سَقَطَتْ لِلسَّبَبِ الْمَذْكُور. نَعَمْ كَانَتْ فَاطِمَة بِنْت قَيْس تَجْزِم بِإِسْقَاطِ سُكْنَى الْبَائِن وَنَفَقَتهَا وَتَسْتَدِلّ لِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْره , وَلِهَذَا كَانَتْ عَائِشَة تُنْكِر عَلَيْهَا. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏طَعَنَ أَبُو مُحَمَّد بْن حَزْم فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي الزِّنَاد الْمُعَلَّقَة فَقَالَ : عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الزِّنَاد ضَعِيف جِدًّا , وَحَكَمَ عَلَى رِوَايَته هَذِهِ بِالْبُطْلَانِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُخْتَلَف فِيهِ , وَمَنْ طَعَنَ فِيهِ لَمْ يَذْكُر مَا يَدُلّ عَلَى تَرْكه فَضْلًا عَنْ بُطْلَان رِوَايَته , وَقَدْ جَزَمَ يَحْيَى بْن مَعِين بِأَنَّهُ أَثْبَت النَّاس فِي هِشَام بْن عُرْوَة , وَهَذَا مِنْ رِوَايَته عَنْ هِشَام , فَلِلَّهِ دَرُّ الْبُخَارِيِّ مَا أَكْثَرَ اِسْتِحْضَارَهُ وَأَحْسَنَ تَصَرُّفَهُ فِي الْحَدِيث وَالْفِقْه. وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي نَفَقَة الْمُطَلَّقَة الْبَائِن وَسُكْنَاهَا : فَقَالَ الْجُمْهُور لَا نَفَقَة لَهَا. وَلَهَا السُّكْنَى , وَاحْتَجُّوا لِإِثْبَاتِ السُّكْنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) وَلِإِسْقَاطِ النَّفَقَة بِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى ( وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) فَإِنَّ مَفْهُومه أَنَّ غَيْر الْحَامِل لَا نَفَقَة لَهَا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهَا بِالذِّكْرِ مَعْنًى , وَالسِّيَاق يُفْهِم أَنَّهَا فِي غَيْر الرَّجْعِيَّة , لِأَنَّ نَفَقَة الرَّجْعِيَّة وَاجِبَة لَوْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا. وَذَهَبَ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر إِلَى أَنَّهُ لَا نَفَقَة لَهَا وَلَا سُكْنَى عَلَى ظَاهِر حَدِيث فَاطِمَة بِنْت قَيْس , وَنَازَعُوا فِي تَنَاوُل الْآيَة الْأُولَى الْمُطَلَّقَة الْبَائِن , وَقَدْ اِحْتَجَّتْ فَاطِمَة بِنْت قَيْس صَاحِبَة الْقِصَّة عَلَى مَرْوَان حِين بَلَغَهَا إِنْكَاره بِقَوْلِهَا : بَيْنِي وَبَيْنكُمْ كِتَاب اللَّه , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتهنَّ - إِلَى قَوْله - يُحْدِث بَعْد ذَلِكَ أَمْرًا ) قَالَتْ هَذَا لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَة , فَأَيّ أَمْر يَحْدُثُ بَعْد الثَّلَاث ؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَة وَلَيْسَتْ حَامِلًا فَعَلَامَ يَحْبِسُونَهَا ؟ وَقَدْ وَافَقَ فَاطِمَة عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( يُحْدِثُ بَعْد ذَلِكَ أَمْرًا ) الْمُرَاجَعَة قَتَادَةُ وَالْحَسَن وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاك أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمْ وَلَمْ يَحْكِ عَنْ أَحَد غَيْرهمْ خِلَافه , وَحَكَى غَيْره أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَمْرِ مَا يَأْتِي مِنْ قِبَل اللَّه تَعَالَى مِنْ نَسْخ أَوْ تَخْصِيص أَوْ نَحْو ذَلِكَ فَلَمْ يَنْحَصِر ذَلِكَ فِي الْمُرَاجَعَة , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ فَاطِمَة فِي آخِر حَدِيثهَا مَرْفُوعًا \" إِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَة لِمَنْ يَمْلِك الرَّجْعَة \" فَهُوَ مِنْ أَكْثَر الرِّوَايَات مَوْقُوف عَلَيْهَا , وَقَدْ بَيَّنَ الْخَطِيب فِي \" الْمُدْرَج \" أَنَّ مَجَالِد بْن سَعِيد تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ وَهُوَ ضَعِيف , وَمَنْ أَدْخَلَهُ فِي رِوَايَة غَيْر رِوَايَة مَجَالِد عَنْ الشَّعْبِيّ فَقَدْ أَدْرَجَهُ , وَهُوَ كَمَا قَالَ , وَقَدْ تَابَعَ بَعْض الرُّوَاة عَنْ الشَّعْبِيّ فِي رَفْعه مُجَالِدًا لَكِنَّهُ أَضْعَف مِنْهُ. وَأَمَّا قَوْلهَا \" إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَة فَعَلَامَ يَحْبِسُونَهَا \" ؟ فَأَجَابَ بَعْض الْعُلَمَاء عَنْهُ بِأَنَّ السُّكْنَى الَّتِي تَتْبَعهَا النَّفَقَة هُوَ حَال الزَّوْجِيَّة الَّذِي يُمْكِن مَعَهُ الِاسْتِمْتَاع وَلَوْ كَانَتْ رَجْعِيَّة , وَأَمَّا السُّكْنَى بَعْد الْبَيْنُونَة فَهُوَ حَقّ لِلَّهِ تَعَالَى بِدَلِيلِ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ لَوْ اِتَّفَقَا عَلَى إِسْقَاط الْعِدَّة لَمْ تَسْقُط بِخِلَافِ الرَّجْعِيَّة فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا مُلَازَمَة بَيْن السُّكْنَى وَالنَّفَقَة. وَقَدْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْل فَاطِمَة أَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد وَأَتْبَاعهمْ. وَذَهَبَ أَهْل الْكُوفَة مِنْ الْحَنَفِيَّة وَغَيْرهمْ إِلَى أَنَّ لَهَا النَّفَقَة وَالْكِسْوَة , وَأَجَابُوا عَنْ الْآيَة بِأَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا قَيَّدَ النَّفَقَة بِحَالَةِ الْحَمْل لِيَدُلّ عَلَى إِيجَابهَا فِي غَيْر حَالَة الْحَمْل بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , لِأَنَّ مُدَّة الْحَمْل تَطُول غَالِبًا. وَرَدَّهُ اِبْن السَّمْعَانِيّ بِمَنْعِ الْعِلَّة فِي طُول مُدَّة الْحَمْل , بَلْ تَكُون مُدَّة الْحَمْل أَقْصَر مِنْ غَيْرهَا تَارَة وَأَطْوَل أُخْرَى فَلَا أَوْلَوِيَّة ; وَبِأَنَّ قِيَاس الْحَائِل عَلَى الْحَامِل فَاسِد , لِأَنَّهُ يَتَضَمَّن إِسْقَاط تَقْيِيد وَرَدَ بِهِ النَّصّ فِي الْقُرْآن وَالسُّنَّة. وَأَمَّا قَوْل بَعْضهمْ إِنَّ حَدِيث فَاطِمَة أَنْكَرَهُ السَّلَف عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَام عَائِشَة , وَكَمَا أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق , أَبِي إِسْحَاق \" كُنْت مَعَ الْأَسْوَد بْن يَزِيد فِي الْمَسْجِد فَحَدَّثَ الشَّعْبِيّ بِحَدِيثِ فَاطِمَة بِنْت قَيْس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْعَل لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَة , فَأَخَذَ الْأَسْوَد كَفًّا مِنْ حَصَى فَحَصَبَهُ بِهِ وَقَالَ : وَيْلك تُحَدِّث بِهَذَا ؟ قَالَ عُمَر : لَا نَدَعُ كِتَاب رَبّنَا وَسُنَّة نَبِيّنَا لِقَوْلِ اِمْرَأَة لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتهنَّ ) فَالْجَوَاب عَنْهُ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ قَالَ : قَوْله فِي حَدِيث عُمَر \" وَسُنَّة نَبِيّنَا \" غَيْر مَحْفُوظ وَالْمَحْفُوظ \" لَا نَدْعُ كِتَاب رَبّنَا \" وَكَأَنَّ الْحَامِل لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَكْثَر الرِّوَايَات لَيْسَتْ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَة , لَكِنْ ذَلِكَ لَا يَرُدّ رِوَايَة النَّفَقَة , وَلَعَلَّ عُمَر أَرَادَ بِسُنَّةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَحْكَامه مِنْ اِتِّبَاع كِتَاب اللَّه , لَا أَنَّهُ أَرَادَ سُنَّة مَخْصُوصَة فِي هَذَا , وَلَقَدْ كَانَ الْحَقّ يَنْطِق عَلَى لِسَان عُمَر , فَإِنَّ قَوْله \" لَا نَدْرِي حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ \" قَدْ ظَهَرَ مِصْدَاقه فِي أَنَّهَا أَطْلَقَتْ فِي مَوْضِع التَّقْيِيد أَوْ عَمَّمَتْ فِي مَوْضِع التَّخْصِيص كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه , وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي كَلَام عُمَر مَا يَقْتَضِي إِيجَاب النَّفَقَة وَإِنَّمَا أَنْكَرَ إِسْقَاط السُّكْنَى. وَادَّعَى بَعْض الْحَنَفِيَّة أَنَّ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث عُمَر \" لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا السُّكْنَى وَالنَّفَقَة \" وَرَدَّهُ اِبْن السَّمْعَانِيّ بِأَنَّهُ مِنْ قَوْل بَعْض الْمُجَازِفِينَ فَلَا تَحِلّ رِوَايَته , وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَد ثُبُوت ذَلِكَ عَنْ عُمَر أَصْلًا , وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَا وَرَدَ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ عَنْ عُمَر لِكَوْنِهِ لَمْ يَلْقَهُ , وَقَدْ بَالَغَ الطَّحَاوِيُّ فِي تَقْرِير مَذْهَبه فَقَالَ : خَالَفَتْ فَاطِمَة سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ عُمَر رَوَى خِلَاف مَا رَوَتْ , فَخَرَجَ الْمَعْنَى الَّذِي أَنْكَرَ عَلَيْهَا عُمَر خُرُوجًا صَحِيحًا , وَبَطَل حَدِيث فَاطِمَة فَلَمْ يَجِب الْعَمَل بِهِ أَصْلًا , وَعُمْدَته عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ الْمُخَالَفَة مَا رَوَى عُمَر بْن الْخَطَّاب , فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ عَنْ عُمَر قَالَ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَة \" وَهَذَا مُنْقَطِعٌ لَا تَقُوم بِهِ حُجَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "4912",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حِبَّانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حِبَّان ) ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّله وَالْمُوَحَّدَة هُوَ اِبْن مُوسَى , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ عَائِشَة أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَة ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن شِهَاب مُخْتَصَرًا , وَأَوْرَدَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّ أَبَا سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن أَخْبَرَهُ \" أَنَّ فَاطِمَة بِنْت قَيْس أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْتَفْتِيه فِي خُرُوجهَا مِنْ بَيْتهَا , فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِل إِلَى اِبْن أُمّ مَكْتُوم الْأَعْمَى , فَأَبَى مَرْوَان أَنْ يُصَدِّق فِي خُرُوج الْمُطَلَّقَة مِنْ بَيْتهَا \" وَقَالَ عُرْوَة \" إِنَّ عَائِشَة أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَة بِنْت قَيْس \". ‏"
    },
    {
        "id": "4913",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَنْفِرَ إِذَا ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏عَلَى بَابِ خِبَائِهَا كَئِيبَةً فَقَالَ لَهَا ‏ ‏عَقْرَى أَوْ حَلْقَى إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ ‏ ‏فَانْفِرِي ‏ ‏إِذًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَائِشَة فِي قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَفِيَّة لَمَّا حَاضَتْ فِي أَيَّام مِنًى \" إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْحَجّ قَالَ الْمُهَلَّب : فِيهِ شَاهِد لِتَصْدِيقِ النِّسَاء فِيمَا يَدَّعِينَهُ مِنْ الْحَيْض لِكَوْنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يُؤَخِّر السَّفَر وَيَحْبِس مَنْ مَعَهُ لِأَجْلِ حَيْض صَفِيَّة , وَلَمْ يَمْتَحِنهَا فِي ذَلِكَ وَلَا أَكْذَبَهَا. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ : لَمَّا رَتَّبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُجَرَّد قَوْل صَفِيَّة إِنَّهَا حَائِض تَأْخِيره السَّفَر أُخِذَ مِنْهُ تَعَدِّي الْحُكْم إِلَى الزَّوْج , فَتُصَدِّق الْمَرْأَة فِي الْحَيْض وَالْحَمْل بِاعْتِبَارِ رَجْعَة الزَّوْج وَسُقُوطهَا وَإِلْحَاق الْحَمْل بِهِ ‏"
    },
    {
        "id": "4914",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏زَوَّجَ ‏ ‏مَعْقِلٌ ‏ ‏أُخْتَهُ ‏ ‏فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً ‏",
        "sharh": "حَدِيث مَعْقِل بْن يَسَار فِي تَزْوِيج أُخْته , أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ : الْأُولَى قَوْله \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد \" كَذَا لِلْجَمِيعِ غَيْر مَنْسُوب وَهُوَ اِبْن سَلَّامٍ , وَعَبْد الْوَهَّاب شَيْخه هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ , وَيُونُس هُوَ اِبْن عُبَيْد الْبَصْرِيّ. الطَّرِيق الثَّانِيَة مِنْ طَرِيق سَعِيد وَهُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَةَ قَالَ فِي رِوَايَته \" حَدَّثَنَا الْحَسَن أَنَّ مَعْقِل بْن يَسَار كَانَتْ أُخْته تَحْت رَجُل \" وَقَالَ فِي رِوَايَة يُونُس عَنْ الْحَسَن \" زَوَّجَ مَعْقِل أُخْته \" وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث وَشَرْحه فِي \" بَاب لَا نِكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ \" مِنْ كِتَاب النِّكَاح وَبَيَّنْت هُنَاكَ مَنْ وَصَلَهُ وَأَرْسَلَهُ , وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة أَيْضًا مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا , ‏"
    },
    {
        "id": "4915",
        "content": "‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏أُخْتُهُ ‏ ‏تَحْتَ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ خَلَّى عَنْهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ خَطَبَهَا ‏ ‏فَحَمِيَ ‏ ‏مَعْقِلٌ ‏ ‏مِنْ ذَلِكَ أَنَفًا فَقَالَ خَلَّى عَنْهَا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا ثُمَّ يَخْطُبُهَا فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ‏} ‏إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَرَأَ عَلَيْهِ فَتَرَكَ ‏ ‏الْحَمِيَّةَ ‏ ‏وَاسْتَقَادَ لِأَمْرِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَةَ قَالَ فِي رِوَايَته ‏ ‏( حَدَّثَنَا الْحَسَن أَنَّ مَعْقِل بْن يَسَار كَانَتْ أُخْته تَحْت رَجُل ) ‏ ‏وَقَالَ فِي رِوَايَة يُونُس عَنْ الْحَسَن \" زَوَّجَ مَعْقِل أُخْته \" وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث وَشَرْحه فِي \" بَاب لَا نِكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ \" مِنْ كِتَاب النِّكَاح وَبَيَّنْت هُنَاكَ مَنْ وَصَلَهُ وَأَرْسَلَهُ , وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة أَيْضًا مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا , ‏ ‏وَقَوْله \" فَحَمِيَ \" ‏ ‏بِوَزْنِ عَلِمَ بِكَسْرِ ثَانِيه , ‏ ‏وَقَوْله \" أَنَفًا \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالنُّون مُنَوَّن أَيْ تَرَكَ الْفِعْل غَيْظًا وَتَرَفُّعًا , ‏ ‏وَقَوْله \" فَتَرَكَ الْحَمِيَّة \" ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ , ‏ ‏وَقَوْله \" وَاسْتَقَادَ لِأَمْرِ اللَّه \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِقَافٍ أَيْ أَعْطَى مَقَادَته , وَالْمَعْنَى أَطَاعَ وَامْتَثَلَ. وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَاسْتَرَادَ \" بِرَاء بَدَل الْقَاف مِنْ الرَّوْد وَهُوَ الطَّلَب , أَوْ الْمَعْنَى أَرَادَ رُجُوعهَا وَرَضِيَ بِهِ. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ رِوَايَة الْقَابِسِيّ وَاسْتَقَادَ بِتَشْدِيدِ الدَّال , وَرَدَّهُ بِأَنَّ الْمُفَاعَلَة لَا تَجْتَمِع مَعَ سِين الِاسْتِفْعَال. ‏"
    },
    {
        "id": "4916",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏طَلَّقَ ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً ‏ ‏فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضِهَا فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ وَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ لِأَحَدِهِمْ إِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ ‏ ‏وَزَادَ فِيهِ ‏ ‏غَيْرُهُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اللَّيْثِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏لَوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَرَنِي بِهَذَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي طَلَاق الْحَائِض , وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَّل كِتَاب الطَّلَاق , ‏ ‏وَقَوْله \" وَزَادَ فِيهِ غَيْره عَنْ اللَّيْث \" ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه فِي أَوَّل الطَّلَاق أَيْضًا حَيْثُ قَالَ فِيهِ \" وَقَالَ اللَّيْث إِلَخْ \" وَفِيهِ تَسْمِيَة الْغَيْر الْمَذْكُور , وَقَالَ اِبْن بَطَّالٍ مَا مُلَخَّصه. الْمُرَاجَعَة عَلَى ضَرْبَيْنِ , إِمَّا فِي الْعِدَّة فَهِيَ عَلَى مَا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِمُرَاجَعَتِهَا وَلَمْ يَذْكُر أَنَّهُ اِحْتَاجَ إِلَى عَقْد جَدِيد , وَإِمَّا بَعْد الْعِدَّة فَعَلَى مَا فِي حَدِيث مَعْقِل , وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحُرّ إِذَا طَلَّقَ الْحُرَّة بَعْد الدُّخُول بِهَا تَطْلِيقَة أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ فَهُوَ أَحَقّ بِرَجْعَتِهَا وَلَوْ كَرِهَتْ الْمَرْأَة ذَلِكَ , فَإِنْ لَمْ يُرَاجِع حَتَّى اِنْقَضَتْ الْعِدَّة فَتَصِير أَجْنَبِيَّة فَلَا تَحِلّ لَهُ إِلَّا بِنِكَاحٍ مُسْتَأْنَف. وَاخْتَلَفَ السَّلَف فِيمَا يَكُون بِهِ الرَّجُل مُرَاجِعًا , فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِذَا جَامَعَهَا فَقَدْ رَاجَعَهَا وَجَاءَ ذَلِكَ عَنْ بَعْض التَّابِعِينَ وَبِهِ قَالَ مَالِك وَإِسْحَاق بِشَرْطِ أَنْ يَنْوِي بِهِ الرَّجْعَة , وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ كَالْأَوْزَاعِيِّ وَزَادُوا : وَلَوْ لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَ إِلَى فَرْجهَا بِشَهْوَةٍ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ لَا تَكُون الرَّجْعَة إِلَّا بِالْكَلَامِ , وَانْبَنَى عَلَى هَذَا الْخِلَاف جَوَاز الْوَطْء وَتَحْرِيمه , وَحُجَّة الشَّافِعِيّ أَنَّ الطَّلَاق مُزِيل لِلنِّكَاحِ , وَأَقْرَب مَا يَظْهَر ذَلِكَ فِي حِلّ الْوَطْء وَعَدَمه , لِأَنَّ الْحِلّ مَعْنًى يَجُوز أَنْ يَرْجِع فِي النِّكَاح وَيَعُود كَمَا فِي إِسْلَام أَحَد الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ إِسْلَام الْآخَر فِي الْعِدَّة , وَكَمَا يَرْتَفِع بِالصَّوْمِ وَالْإِحْرَام وَالْحَيْض ثُمَّ يَعُود بِزَوَالِ هَذِهِ الْمَعَانِي. وَحُجَّة مَنْ أَجَازَ أَنَّ النِّكَاح لَوْ زَالَ لَمْ تَعُدْ الْمَرْأَة إِلَّا بِعَقْدٍ جَدِيد وَبِصِحَّةِ الْخُلْع فِي الرَّجْعِيَّة وَلِوُقُوعِ الطَّلْقَة الثَّانِيَة , وَالْجَوَاب عَنْ كُلّ ذَلِكَ أَنَّ النِّكَاح مَا زَالَ أَصْله وَإِنَّمَا زَالَ وَصْفه , وَقَالَ اِبْن السَّمْعَانِيّ : الْحَقّ أَنَّ الْقِيَاس يَقْتَضِي أَنَّ الطَّلَاق إِذَا وَقَعَ زَالَ النِّكَاح كَالْعِتْقِ , لَكِنَّ الشَّرْع أَثْبَتَ الرَّجْعَة فِي النِّكَاح دُون الْعِتْق فَافْتَرَقَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4917",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏طَلَّقَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏امْرَأَتَهُ ‏ ‏وَهِيَ حَائِضٌ فَسَأَلَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُطَلِّقَ مِنْ قُبُلِ عِدَّتِهَا قُلْتُ فَتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي ذَلِكَ , ظَاهِر فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِل الطَّلَاق. ‏"
    },
    {
        "id": "4918",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏زَيْنَبُ ‏ ‏دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏فَدَعَتْ ‏ ‏أُمُّ حَبِيبَةَ ‏ ‏بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الْأَسَد. وَهِيَ بِنْت أُمّ سَلَمَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهِيَ رَبِيبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَعَمَ اِبْن التِّين أَنَّهَا لَا رِوَايَة لَهَا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَذَا قَالَ , وَقَدْ أَخْرَجَ لَهَا مُسْلِم حَدِيثهَا \" كَانَ اِسْمِي بَرَّة فَسَمَّانِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْنَب \" الْحَدِيث , وَأَخْرَجَ لَهَا الْبُخَارِيّ حَدِيثًا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل السِّيرَة النَّبَوِيَّة. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مِنْهَا الْحَدِيثَانِ الْأَوَّلَانِ فِي كِتَاب الْجَنَائِز مَعَ كَثِير مِنْ شَرْحهمَا , وَالْكَلَام عَلَى قَوْله فِي الْأَوَّل حِين تُوُفِّيَ أَبُوهَا وَفِي الثَّانِي حِين تُوُفِّيَ أَخُوهَا وَأَنَّهُ سُمِّيَ فِي بَعْض الْمُوَطَّآت عَبْد اللَّه. وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيح اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق أَبِي مُصْعَب , وَأَنَّ الْمَعْرُوف أَنَّ عَبْد اللَّه بْن جَحْش قُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا وَزَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة يَوْمَئِذٍ طِفْلَة فَيَسْتَحِيل أَنْ تَكُون دَخَلَت عَلَى زَيْنَب بِنْت جَحْش فِي تِلْكَ الْحَالَة , وَأَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُون عُبَيْد اللَّه الْمُصَغَّر فَإِنَّ دُخُول زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة عِنْد بُلُوغ الْخَبَر إِلَى الْمَدِينَة بِوَفَاتِهِ كَانَ وَهِيَ مُمَيِّزَة , وَأَنْ يَكُون أَبَا أَحْمَد بْن جَحْش فَإِنَّ اِسْمه \" عَبْد \" بِغَيْرِ إِضَافَة لِأَنَّهُ مَاتَ فِي خِلَافَة عُمَر فَيَجُوز أَنْ يَكُون مَاتَ قَبْل زَيْنَب , لَكِنْ وَرَدَ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ حَضَرَ دَفْنهَا. وَيَلْزَم عَلَى الْأَمْرَيْنِ أَنْ يَكُون وَقَعَ فِي الِاسْم تَغْيِير أَوْ الْمَيِّت كَانَ أَخَا زَيْنَب بِنْت جَحْش مِنْ أُمّهَا أَوْ مِنْ الرَّضَاعَة. ‏ ‏قَوْله ( لَا يَحِلّ ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيم الْإِحْدَاد عَلَى غَيْر الزَّوْج وَهُوَ وَاضِح , وَعَلَى وُجُوب الْإِحْدَاد الْمُدَّة الْمَذْكُورَة عَلَى الزَّوْج وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاء وَقَعَ بَعْد النَّفْي فَيَدُلّ عَلَى الْحِلّ فَوْق الثَّلَاث عَلَى الزَّوْج لَا عَلَى الْوُجُوب , وَأُجِيب بِأَنَّ الْوُجُوب اُسْتُفِيدَ مِنْ دَلِيل آخَر كَالْإِجْمَاعِ , وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَنْقُول عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّ الْإِحْدَاد لَا يَجِب أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة , وَنَقَلَ الْخَلَّال بِسَنَدِهِ عَنْ أَحْمَد عَنْ هُشَيْم عَنْ دَاوُدَ عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْرِف الْإِحْدَاد , قَالَ أَحْمَد : مَا كَانَ بِالْعِرَاقِ أَشَدّ تَبَحُّرًا مِنْ هَذَيْنِ - يَعْنِي الْحَسَن وَالشَّعْبِيّ - قَالَ : وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا ا ه , وَمُخَالَفَتهمَا لَا تَقْدَح فِي الِاحْتِجَاج وَإِنْ كَانَ فِيهَا رَدّ عَلَى مَنْ اِدَّعَى الْإِجْمَاع. وَفِي أَثَر الشَّعْبِيّ تَعَقُّب عَلَى اِبْن الْمُنْذِر حَيْثُ نَفَى الْخِلَاف فِي الْمَسْأَلَة إِلَّا عَنْ الْحَسَن , وَأَيْضًا فَحَدِيث الَّتِي شَكَتْ عَيْنهَا - وَهُوَ ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب - دَالّ عَلَى الْوُجُوب , وَإِلَّا لَمْ يَمْتَنِع التَّدَاوِي الْمُبَاح , وَأُجِيب أَيْضًا بِأَنَّ السِّيَاق يَدُلّ عَلَى الْوُجُوب , فَإِنَّ كُلّ مَا مُنِعَ مِنْهُ إِذَا دَلَّ دَلِيل عَلَى جَوَازه كَانَ ذَلِكَ الدَّلِيل دَالًّا بِعَيْنِهِ عَلَى الْوُجُوب كَالْخِتَانِ وَالزِّيَادَة عَلَى الرُّكُوع فِي الْكُسُوف وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( لِامْرَأَةٍ ) ‏ ‏تَمَسَّكَ بِمَفْهُومِهِ الْحَنَفِيَّة فَقَالُوا : لَا يَجِب الْإِحْدَاد عَلَى الصَّغِيرَة , وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى وُجُوب الْإِحْدَاد عَلَيْهَا كَمَا تَجِب الْعِدَّة , وَأَجَابُوا عَنْ التَّقْيِيد بِالْمَرْأَةِ أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِب , وَعَنْ كَوْنهَا غَيْر مُكَلَّفَة بِأَنَّ الْوَلِيّ هُوَ الْمُخَاطَب بِمَنْعِهَا مِمَّا تُمْنَع مِنْهُ الْمُعْتَدَّة , وَدَخَلَ فِي عُمُوم قَوْله \" اِمْرَأَة \" الْمَدْخُول بِهَا وَغَيْر الْمَدْخُول بِهَا حُرَّة كَانَتْ أَوْ أَمَة وَلَوْ كَانَتْ مُبَعَّضَة أَوْ مُكَاتَبَة أَوْ أُمّ وَلَد إِذَا مَاتَ عَنْهَا زَوْجهَا لَا سَيِّدهَا لِتَقْيِيدِهِ بِالزَّوْجِ فِي الْخَبَر خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله ( تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ الْحَنَفِيَّة بِأَنْ لَا إِحْدَاد عَلَى الذِّمِّيَّة لِلتَّقْيِيدِ بِالْإِيمَانِ , وَبِهِ قَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة وَأَبُو ثَوْر , وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ بِذَلِكَ , وَأَجَابَ الْجُمْهُور بِأَنَّهُ ذُكِرَ تَأْكِيدًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْر فَلَا مَفْهُوم لَهُ , كَمَا يُقَال هَذَا طَرِيق الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ يَسْلُكهُ غَيْرهمْ. وَأَيْضًا فَالْإِحْدَاد مِنْ حَقّ الزَّوْج , وَهُوَ مُلْتَحَقٌ بِالْعِدَّةِ فِي حِفْظ النَّسَب , فَتَدْخُل الْكَافِرَة فِي ذَلِكَ بِالْمَعْنَى كَمَا دَخَلَ الْكَافِر فِي النَّهْي عَنْ السَّوْم عَلَى سَوْم أَخِيهِ , وَلِأَنَّهُ حَقّ لِلزَّوْجِيَّةِ فَأَشْبَهَ النَّفَقَة وَالسُّكْنَى , وَنَقَلَ السُّبْكِيّ فِي فَتَاوِيه عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ الذِّمِّيَّة دَاخِلَة فِي قَوْله \" تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر \" وَرَدَّ عَلَى قَائِله وَبَيَّنَ فَسَاد شُبْهَته فَأَجَادَ , وَقَالَ النَّوَوِيّ : قَيَّدَ بِوَصْفِ الْإِيمَان لِأَنَّ الْمُتَّصِف بِهِ هُوَ الَّذِي يَنْقَاد لِلشَّرْعِ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَفِي رِوَايَة عِنْد الْمَالِكِيَّة أَنَّ الذِّمِّيَّة الْمُتَوَفَّيْ عَنْهَا تَعْتَدّ بِالْأَقْرَاءِ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هُوَ قَوْل مَنْ قَالَ لَا إِحْدَاد عَلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى مَيِّت ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ لَا إِحْدَاد عَلَى اِمْرَأَة الْمَفْقُود لِأَنَّهُ لَمْ تَتَحَقَّق وَفَاته خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا عَلَى زَوْج ) ‏ ‏أُخِذَ مِنْ هَذَا الْحَصْر أَنْ لَا يُزَاد عَلَى الثَّلَاث فِي غَيْر الزَّوْج أَبَا كَانَ أَوْ غَيْره , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي \" الْمَرَاسِيل \" مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحُدّ عَلَى أَبِيهَا سَبْعَة أَيَّام , وَعَلَى مَنْ سِوَاهُ ثَلَاثَة أَيَّام \" فَلَوْ صَحَّ لَكَانَ خُصُوص الْأَب يَخْرُج مِنْ هَذَا الْعُمُوم , لَكِنَّهُ مُرْسَل أَوْ مُعْضَل , لِأَنَّ جُلّ رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ التَّابِعِينَ وَلَمْ يَرْوِ عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة إِلَّا الشَّيْء الْيَسِير عَنْ بَعْض صِغَار الصَّحَابَة. وَوَهِمَ بَعْض الشُّرَّاح فَتَعَقَّبَ عَلَى أَبِي دَاوُدَ تَخْرِيجه فِي \" الْمَرَاسِيل \" فَقَالَ : عَمْرو بْن شُعَيْب لَيْسَ تَابِعِيًّا فَلَا يَخْرُج حَدِيثه فِي الْمَرَاسِيل , وَهَذَا التَّعَقُّب مَرْدُود لِمَا قُلْنَاهُ , وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون أَبُو دَاوُدَ كَانَ لَا يَخُصّ الْمَرَاسِيل بِرِوَايَةِ التَّابِعِيّ كَمَا هُوَ مَنْقُول عَنْ غَيْره أَيْضًا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِلْأَصَحِّ عِنْد الشَّافِعِيَّة فِي أَنْ لَا إِحْدَاد عَلَى الْمُطَلَّقَة , فَأَمَّا الرَّجْعِيَّة فَلَا إِحْدَاد عَلَيْهَا إِجْمَاعًا , وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي الْبَائِن , فَقَالَ الْجُمْهُور لَا إِحْدَاد , وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّة وَأَبُو عُبَيْد وَأَبُو ثَوْر : عَلَيْهَا الْإِحْدَاد قِيَاسًا عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا , وَبِهِ قَالَ بَعْض الشَّافِعِيَّة وَالْمَالِكِيَّة , وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ الْإِحْدَاد شُرِعَ لِأَنَّ تَرْكه مِنْ التَّطَيُّب وَاللُّبْس وَالتَّزَيُّن يَدْعُو إِلَى الْجِمَاع فَمُنِعَتْ الْمَرْأَة مِنْهُ زَجْرًا لَهَا عَنْ ذَلِكَ \" فَكَانَ ذَلِكَ ظَاهِرًا فِي حَدِيث الْمَيِّت لِأَنَّهُ يَمْنَعهُ الْمَوْت عَنْ مَنْع الْمُعْتَدَّة مِنْهُ عَنْ التَّزْوِيج وَلَا تُرَاعِيه هِيَ وَلَا تَخَاف مِنْهُ , بِخِلَافِ الْمُطَلِّق الْحَيّ فِي ذَلِكَ , وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَتْ الْعِدَّة عَلَى كُلّ مُتَوَفًّى عَنْهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَة قَبْل الدُّخُول فَلَا إِحْدَاد عَلَيْهَا اِتِّفَاقًا \" وَبِأَنَّ الْمُطَلَّقَة الْبَائِن يُمْكِنهَا الْعَوْد إِلَى الزَّوْج بِعَيْنِهِ بِعَقْدٍ جَدِيد , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُلَاعَنَة لَا إِحْدَاد عَلَيْهَا , وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَرْكه لِفِقْدَانِ الزَّوْج بِعَيْنِهِ لَا لِفِقْدَانِ الزَّوْجِيَّة. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الْإِحْدَاد عَلَى غَيْر الزَّوْج مِنْ قَرِيب وَنَحْوه ثَلَاث لَيَالٍ فَمَا دُونهَا وَتَحْرِيمه فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا , وَكَأَنَّ هَذَا الْقَدْر أُبِيحَ لِأَجْلِ حَظّ النَّفْس وَمُرَاعَاتهَا وَغَلَبَة الطِّبَاع الْبَشَرِيَّة , وَلِهَذَا تَنَاوَلَتْ أُمّ حَبِيبَة وَزَيْنَب بِنْت جَحْش رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا الطِّيب لِتَخْرُجَا عَنْ عُهْدَة الْإِحْدَاد , وَصَرَّحَتْ كُلّ مِنْهُمَا بِأَنَّهَا لَمْ تَتَطَيَّب لِحَاجَةٍ , إِشَارَة إِلَى أَنَّ آثَار الْحُزْن بَاقِيَة عِنْدهَا , لَكِنَّهَا لَمْ يَسَعْهَا إِلَّا اِمْتِثَال الْأَمْر. ‏ ‏قَوْله ( أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا ) ‏ ‏قِيلَ الْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ الْوَلَد يَتَكَامَل تَخْلِيقه وَتُنْفَخ فِيهِ الرُّوح بَعْد مُضِيّ مِائَة وَعِشْرِينَ يَوْمًا , وَهِيَ زِيَادَة عَلَى أَرْبَعَة أَشْهُر بِنُقْصَانِ الْأَهِلَّة فَجُبِرَ الْكَسْر إِلَى الْعَقْد عَلَى طَرِيق الِاحْتِيَاط , وَذَكَرَ الْعَشْر مُؤَنَّثًا لِإِرَادَةِ اللَّيَالِي وَالْمُرَاد مَعَ أَيَّامهَا عِنْد الْجُمْهُور , فَلَا تَحِلّ حَتَّى تَدْخُل اللَّيْلَة الْحَادِيَة عَشَر. وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَبَعْض السَّلَف تَنْقَضِي بِمُضِيِّ اللَّيَالِي الْعَشْر بَعْد مُضِيّ الْأَشْهُر وَتَحِلّ فِي أَوَّل الْيَوْم الْعَاشِر , وَاسْتُثْنِيَتْ الْحَامِل كَمَا تَقَدَّمَ شَرْح حَالهَا قَبْلُ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث سُبَيْعَة بِنْت الْحَارِث , وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيث قَوِيّ الْإِسْنَاد أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان عَنْ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ قَالَتْ \" دَخَلَ عَلَيَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْم الثَّالِث مِنْ قَتْل جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب فَقَالَ : لَا تُحِدِّي بَعْد يَوْمك \" هَذَا لَفْظ أَحْمَد , وَفِي رِوَايَة لَهُ وَلِابْنِ حِبَّان وَالطَّحَاوِيّ \" لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَر أَتَانَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : تَسَلَّبِي ثَلَاثًا ثُمَّ اِصْنَعِي مَا شِئْت \" قَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" : ظَاهِره أَنَّهُ لَا يَجِب الْإِحْدَاد عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بَعْد الْيَوْم الثَّالِث لِأَنَّ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ كَانَتْ زَوْج جَعْفَر بْنِ أَبِي طَالِب بِالِاتِّفَاقِ وَهِيَ وَالِدَة أَوْلَاده عَبْد اللَّه وَمُحَمَّد وَعَوْن وَغَيْرهمْ , قَالَ : بَلْ ظَاهِر النَّهْي أَنَّ الْإِحْدَاد لَا يَجُوز , وَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث شَاذّ مُخَالِف لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة , وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافه , قَالَ وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : إِنَّ جَعْفَرًا قُتِلَ شَهِيدًا وَالشُّهَدَاء أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ. قَالَ : وَهَذَا ضَعِيف لِأَنَّهُ لَمْ يَرِد فِي حَقّ غَيْر جَعْفَر مِنْ الشُّهَدَاء مِمَّنْ قُطِعَ بِأَنَّهُمْ شُهَدَاء كَمَا قُطِعَ لِجَعْفَرٍ - كَحَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَّلِب عَمّه وَكَعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو بْن حَرَام وَالِد جَابِر - ا ه كَلَام شَيْخنَا مُلَخَّصًا. وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ مَنْسُوخ , وَأَنَّ الْإِحْدَاد كَانَ عَلَى الْمُعْتَدَّة فِي بَعْض عِدَّتهَا فِي وَقْت ثُمَّ أُمِرَتْ بِالْإِحْدَادِ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا , ثُمَّ سَاقَ أَحَادِيث الْبَاب وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلّ عَلَى مَا اِدَّعَاهُ مِنْ النَّسْخ. لَكِنَّهُ يُكْثِر مِنْ اِدِّعَاء النَّسْخ بِالِاحْتِمَالِ فَجَرَى عَلَى عَادَته , وَيُحْتَمَل وَرَاء ذَلِكَ أَجْوِبَة أُخْرَى : أَحَدهَا أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْإِحْدَادِ الْمُقَيَّد بِالثَّلَاثِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْإِحْدَاد الْمَعْرُوف فَعَلَتْهُ أَسْمَاء مُبَالَغَة فِي حُزْنهَا عَلَى جَعْفَر فَنَهَاهَا عَنْ ذَلِكَ بَعْد الثَّلَاث. ثَانِيهَا أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا فَوَضَعَتْ بَعْد ثَلَاث فَانْقَضَتْ الْعِدَّة فَنَهَاهَا بَعْدهَا عَنْ الْإِحْدَاد , وَلَا يَمْنَع ذَلِكَ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" ثَلَاثًا \" لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِطَّلَعَ عَلَى أَنَّ عِدَّتهَا تَنْقَضِي عِنْد الثَّلَاث. ثَالِثهَا لَعَلَّهُ كَانَ أَبَانَهَا بِالطَّلَاقِ قَبْل اِسْتِشْهَاده فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إِحْدَاد. رَابِعهَا أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ أَعَلَّ الْحَدِيث بِالِانْقِطَاعِ فَقَالَ : لَمْ يَثْبُت سَمَاع عَبْد اللَّه بْن شِدَاد مِنْ أَسْمَاء , وَهَذَا تَعْلِيل مَدْفُوع , فَقَدْ صَحَّحَهُ أَحْمَد لَكِنَّهُ قَالَ : إِنَّهُ مُخَالِف لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة فِي الْإِحْدَاد , قُلْت : وَهُوَ مَصِير مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ يُعِلُّهُ بِالشُّذُوذِ. وَذَكَرَ الْأَثْرَم أَنَّ أَحْمَد سُئِلَ عَنْ حَدِيث حَنْظَلَة عَنْ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" لَا إِحْدَاد فَوْق ثَلَاث \" فَقَالَ : هَذَا مُنْكَر , وَالْمَعْرُوف عَنْ اِبْن عُمَر مِنْ رَأْيه ا ه. وَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِغَيْرِ الْمَرْأَة الْمُعْتَدَّة فَلَا نَكَارَة فِيهِ , بِخِلَافِ حَدِيث أَسْمَاء وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَغْرَبَ اِبْن حِبَّان فَسَاقَ الْحَدِيث بِلَفْظِ \" تَسَلَّمِي \" بِالْمِيمِ بَدَل الْمُوَحَّدَة وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ أَمَرَهَا بِالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّه , وَلَا مَفْهُوم لِتَقْيِيدِهَا بِالثَّلَاثِ بَلْ الْحِكْمَة فِيهِ كَوْن الْقَلَق يَكُون فِي اِبْتِدَاء الْأَمْر أَشَدّ فَلِذَلِكَ قَيَّدَهَا بِالثَّلَاثِ , هَذَا مَعْنَى كَلَامه , فَصَحَّفَ الْكَلِمَة وَتَكَلَّفَ لِتَأْوِيلِهَا. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ وَغَيْره \" فَأَمَرَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَتَسَلَّب ثَلَاثًا \" فَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4919",
        "content": "‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏زَيْنَبُ ‏ ‏فَدَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏حِينَ تُوُفِّيَ ‏ ‏أَخُوهَا ‏ ‏فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ ثُمَّ قَالَتْ أَمَا وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ ‏لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4920",
        "content": "‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏زَيْنَبُ ‏ ‏وَسَمِعْتُ ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏تَقُولُ جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَتَكْحُلُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِزَيْنَبَ ‏ ‏وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ فَقَالَتْ ‏ ‏زَيْنَبُ ‏ ‏كَانَتْ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ ‏ ‏حِفْشًا ‏ ‏وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى ‏ ‏بَعَرَةً فَتَرْمِي ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ ‏ ‏سُئِلَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏مَا تَفْتَضُّ بِهِ قَالَ ‏ ‏تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( قَالَتْ زَيْنَب وَسَمِعْت أُمّ سَلَمَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَهُوَ الْحَدِيث الثَّالِث , وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأ \" سَمِعْت أُمِّي أُمّ سَلَمَة \" زَادَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَالِك \" بِنْت أَبِي أُمَيَّة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( جَاءَتْ اِمْرَأَة ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ حُمَيْد بْن نَافِع \" مِنْ قُرَيْش \" وَسَمَّاهَا اِبْن وَهْب فِي مُوَطَّئِهِ , وَأَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي أَحْكَامه مِنْ طَرِيق عَاتِكَة بِنْت نُعَيْم بْن عَبْد اللَّه أَخْرَجَهُ اِبْن وَهْب \" عَنْ أَبِي الْأَسْوَد النَّوْفَلِي عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ زَيْنَب عَنْ أُمّهَا أُمّ سَلَمَة أَنَّ عَاتِكَة بِنْت نُعَيْم بْن عَبْد اللَّه أَتَتْ تَسْتَفْتِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنَّ اِبْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجهَا وَكَانَتْ تَحْت الْمُغِيرَة الْمَخْزُومِيّ وَهِيَ تُحِدّ وَتَشْتَكِي عَيْنهَا \" الْحَدِيث , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَة عِمْرَان بْن هَارُون الرَّمْلِيّ عَنْ اِبْن لَهِيعَة لَكِنَّهُ قَالَ \" بِنْت نُعَيْمٍ \" وَلَمْ يُسَمِّهَا , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَهْ فِي \" الْمَعْرِفَة \" مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن صَالِح \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُقْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ حُمَيْدٍ بْن نَافِع عَنْ زَيْنَب عَنْ أُمّهَا عَنْ عَاتِكَة بِنْت نُعَيْمٍ أُخْت عَبْد اللَّه بْن نُعَيْم جَاءَتْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إِنَّ اِبْنَتهَا تُوُفِّيَ زَوْجهَا \" الْحَدِيث. وَعَبْد اللَّه بْن عُقْبَة هُوَ اِبْن لَهِيعَة نَسَبه لِجَدِّهِ , وَمُحَمَّد بْنُ عَبْد الرَّحْمَن هُوَ أَبُو الْأَسْوَد , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلِابْنِ لَهِيعَة طَرِيقَانِ , وَلَمْ تُسَمَّ الْبِنْت الَّتِي تُوُفِّيَ زَوْجهَا وَلَمْ تُنْسَب فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمُغِيرَة الْمَخْزُومِيّ فَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم أَبِيهِ , وَقَدْ أَغْفَلَهُ اِبْن مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَة وَكَذَا أَبُو مُوسَى فِي الذَّيْل عَلَيْهِ وَكَذَا اِبْن عَبْد الْبَرّ , لَكِنْ اِسْتَدْرَكَهُ اِبْن فَتَحُونَ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَدْ اِشْتَكَتْ عَيْنهَا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد يَجُوز فِيهِ وَجْهَانِ ضَمّ النُّون عَلَى الْفَاعِلِيَّة عَلَى أَنْ تَكُون الْعَيْن هِيَ الْمُشْتَكِيَة وَفَتْحهَا عَلَى أَنْ يَكُون فِي اِشْتَكَتْ ضَمِير الْفَاعِل وَهِيَ الْمَرْأَة وَرَجَّحَ هَذَا , وَوَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" عَيْنَاهَا \" يَعْنِي وَهُوَ يُرَجِّح الضَّمّ وَهَذِهِ الرِّوَايَة فِي مُسْلِم , وَعَلَى الضَّمّ اِقْتَصَرَ النَّوَوِيّ وَهُوَ الْأَرْجَح , وَاَلَّذِي رَجَّحَ الْأَوَّل هُوَ الْمُنْذِرِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( أَفَتَكْحُلُهَا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْحَاء. ‏ ‏قَوْله ( لَا , مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلّ ذَلِكَ يَقُول لَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ حُمَيْدِ بْن نَافِع فَقَالَ \" لَا تَكْتَحِل \" قَالَ النَّوَوِيّ : فِيهِ دَلِيل عَلَى تَحْرِيم الِاكْتِحَال عَلَى الْحَادَّة سَوَاء اِحْتَاجَتْ إِلَيْهِ أَمْ لَا. وَجَاءَ فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة فِي الْمُوَطَّأ وَغَيْره \" اِجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ \" وَوَجْه الْجَمْع أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَحْتَجْ إِلَيْهِ لَا يَحِلّ , وَإِذَا اِحْتَاجَتْ لَمْ يَجُزْ بِالنَّهَارِ وَيَجُوز بِاللَّيْلِ مَعَ أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكه , فَإِنْ فَعَلَتْ مَسَحَتْهُ بِالنَّهَارِ. قَالَ وَتَأَوَّلَ بَعْضهمْ حَدِيث الْبَاب عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّق الْخَوْف عَلَى عَيْنهَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي حَدِيث شُعْبَة الْمَذْكُور \" فَخَشُوا عَلَى عَيْنهَا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن مَنْدَهْ الْمُقَدَّم ذَكَرهَا \" رَمِدَتْ رَمَدًا شَدِيدًا وَقَدْ خَشِيَتْ عَلَى بَصَرهَا \" وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ أَنَّهَا قَالَتْ فِي الْمَرَّة الثَّانِيَة \" إِنَّهَا تَشْتَكِي عَيْنهَا فَوْق مَا يُظَنّ , فَقَالَ لَا \" وَفِي رِوَايَة الْقَاسِم بْن أَصْبَغ أَخْرَجَهَا اِبْن حَزْم \" إِنِّي أَخْشَى أَنْ تَنْفَقِئ عَيْنهَا , قَالَ لَا وَإِنْ اِنْفَقَأَتْ \" وَسَنَده صَحِيح , وَبِمِثْلِ ذَلِكَ أَفْتَتْ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة , وَبِهَذَا قَالَ مَالِك فِي رِوَايَة عَنْهُ بِمَنْعِهِ مُطْلَقًا , وَعَنْهُ يَجُوز إِذَا خَافَتْ عَلَى عَيْنهَا بِمَا لَا طِيب فِيهِ , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيَّة مُقَيَّدًا بِاللَّيْلِ , وَأَجَابُوا عَنْ قِصَّة الْمَرْأَة بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ يَحْصُل لَهَا الْبُرْء بِغَيْرِ الْكُحْل كَالتَّضْمِيدِ بِالصَّبْرِ وَنَحْوه , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ صَفِيَّة بِنْت أَبِي عُبَيْد أَنَّهَا أَحَدَّتْ عَلَى اِبْن عُمَر فَلَمْ تَكْتَحِل حَتَّى كَادَتْ عَيْنَاهَا تَزِيغَانِ فَكَانَتْ تَقْطُر فِيهِمَا الصَّبْر , وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ النَّهْي عَلَى كُحْل مَخْصُوص وَهُوَ مَا يَقْتَضِي التَّزَيُّن بِهِ لِأَنَّ مَحْض التَّدَاوِي قَدْ يَحْصُل بِمَا لَا زِينَة فِيهِ فَلَمْ يَنْحَصِر فِيمَا فِيهِ زِينَة. وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء : يَجُوز ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ فِيهِ طِيب , وَحَمَلُوا النَّهْي عَلَى التَّنْزِيه جَمْعًا بَيْن الْأَدِلَّة. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل بِالنَّصْبِ عَلَى حِكَايَة لَفْظ الْقُرْآن , وَلِبَعْضِهِمْ بِالرَّفْعِ وَهُوَ وَاضِح , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِيهِ إِشَارَة إِلَى تَقْلِيل الْمُدَّة بِالنِّسْبَةِ لِمَا كَانَ قَبْل ذَلِكَ وَتَهْوِين الصَّبْر عَلَيْهَا وَلِهَذَا قَالَ بَعْده \" وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّة تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْس الْحَوْل \" وَفِي التَّقْيِيد بِالْجَاهِلِيَّةِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْحُكْم فِي الْإِسْلَام صَارَ بِخِلَافِهِ , وَهُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا وُصِفَ مِنْ الصَّنِيع , لَكِنَّ التَّقْدِير بِالْحَوْلِ اِسْتَمَرَّ فِي الْإِسْلَام بِنَصِّ قَوْله تَعَالَى ( وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ ) ثُمَّ نُسِخَتْ بِالْآيَةِ الَّتِي قَبْل وَهِيَ ( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا ). ‏ ‏قَوْله ( قَالَ حُمَيْدٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن نَافِع رَاوِي الْحَدِيث , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَبْدُوء بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت لِزَيْنَب ) ‏ ‏هِيَ بِنْت أَبِي سَلَمَة ‏ ‏( وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ ) ؟ ‏ ‏أَيْ بَيِّنِي لِي الْمُرَاد بِهَذَا الْكَلَام الَّذِي خُوطِبَتْ بِهِ هَذِهِ الْمَرْأَة. ‏ ‏قَوْله ( كَانَتْ الْمَرْأَة إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجهَا دَخَلَتْ حِفْشًا إِلَخْ ) ‏ ‏هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة لَمْ تُسْنِدهُ زَيْنَب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعْبَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه مَرْفُوعًا كُلّه لَكِنَّهُ بِاخْتِصَارِ وَلَفْظه \" فَقَالَ لَا تَكْتَحِل , قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُث فِي شَرّ أَحْلَاسهَا أَوْ شَرّ بَيْتهَا , فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْب رَمَتْ بِبَعْرَةٍ , فَلَا حَتَّى تَمْضِي أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر \" وَهَذَا لَا يَقْتَضِي إِدْرَاج رِوَايَة الْبَاب لِأَنَّ شُعْبَة مِنْ أَحْفَظ النَّاس فَلَا يَقْضِي عَلَى رِوَايَته بِرِوَايَةِ غَيْره بِالِاحْتِمَالِ , وَلَعَلَّ الْمَوْقُوف مَا فِي رِوَايَة الْبَاب مِنْ الزِّيَادَة الَّتِي لَيْسَتْ فِي رِوَايَة شُعْبَة. وَالْحِفْش بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْفَاء بَعْدهَا مُعْجَمَة فَسَّرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق مَالِك : الْبَيْت الصَّغِير , وَعِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك : الْحِفْش الْخُصّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة بَعْدهَا مُهْمَلَة , وَهُوَ أَخَصّ مِنْ الَّذِي قَبْله. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : الْحِفْش الْبَيْت الذَّلِيل الشَّعِث الْبِنَاء , وَقِيلَ هُوَ شَيْء مِنْ خُوص يُشْبِه الْقُفَّة تَجْمَع فِيهِ الْمُعْتَدَّة مَتَاعهَا مِنْ غَزْل أَوْ نَحْوه , وَظَاهِر سِيَاق الْقِصَّة يَأْبَى هَذَا خُصُوصًا رِوَايَة شُعْبَة , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة لِلنَّسَّائِيَّ \" عَمَدَتْ إِلَى شَرّ بَيْت لَهَا فَجَلَسَتْ فِيهِ \" وَلَعَلَّ أَصْل الْحِفْش مَا ذَكَرَ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الْبَيْت الصَّغِير الْحَقِير عَلَى طَرِيق الِاسْتِعَارَة , وَالْأَحْلَاس فِي رِوَايَة شُعْبَة بِمُهْمَلَتَيْنِ جَمْع حِلْس بِكَسْرِ ثُمَّ سُكُون وَهُوَ الثَّوْب أَوْ الْكِسَاء الرَّقِيق يَكُون تَحْت الْبَرْذعَة , وَالْمُرَاد أَنَّ الرَّاوِي شَكَّ فِي أَيّ اللَّفْظَيْنِ وَقَعَ وَصْف ثِيَابهَا أَوْ وَصْف مَكَانهَا , وَقَدْ ذُكِرَا مَعًا فِي رِوَايَة الْبَاب. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى يَمُرّ بِهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَهَا \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ ) ‏ ‏بِالتَّنْوِينِ ‏ ‏( حِمَارٍ ) ‏ ‏بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِين عَلَى الْبَدَل , ‏ ‏وَقَوْله \" أَوْ شَاة أَوْ طَائِر \" ‏ ‏لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ , وَإِطْلَاق الدَّابَّة عَلَى مَا ذَكَرَ هُوَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة لَا الْعُرْفِيَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَتَفْتَضُّ ) ‏ ‏بِفَاءٍ ثُمَّ مُثَنَّاة ثُمَّ ضَاد مُعْجَمَة ثَقِيلَة ; فَسَّرَهُ مَالِك فِي آخِر الْحَدِيث فَقَالَ : تَمْسَح بِهِ جِلْدهَا , وَأَصْل الْفَضّ الْكَسْر أَيْ تَكْسِر مَا كَانَتْ فِيهِ وَتَخْرُج مِنْهُ بِمَا تَفْعَلهُ بِالدَّابَّةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِلنَّسَائِيِّ \" تُقْبَص \" بِقَافِ ثُمَّ مُوَحَّدَة ثُمَّ مُهْمَلَة خَفِيفَة , وَهِيَ رِوَايَة الشَّافِعِيّ , وَالْقَبْص الْأَخْذ بِأَطْرَافِ الْأَنَامِل , قَالَ الْأَصْبِهَانِي وَابْن الْأَثِير : هُوَ كِنَايَة عَنْ الْإِسْرَاع , أَيْ تَذْهَب بِعَدْوٍ وَسُرْعَة إِلَى مَنْزِل أَبَوَيْهَا لِكَثْرَةِ حَيَائِهَا لِقُبْحِ مَنْظَرهَا أَوْ لِشِدَّةِ شَوْقهَا إِلَى التَّزْوِيج لِبُعْدِ عَهْدهَا بِهِ. وَالْبَاء فِي قَوْلهَا \" بِهِ \" سَبَبِيَّة , وَالضَّبْط الْأَوَّل أَشْهَر. قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : سَأَلْت الْحِجَازِيِّينَ عَنْ الِافْتِضَاض فَذَكَرُوا أَنَّ الْمُعْتَدَّة كَانَتْ لَا تَمَسّ مَاء وَلَا تُقَلِّم ظُفْرًا وَلَا تُزِيل شَعْرًا ثُمَّ تَخْرُج بَعْد الْحَوْل بِأَقْبَح مَنْظَر ثُمَّ تَفْتَضّ أَيْ تَكْسِر مَا هِيَ فِيهِ مِنْ الْعِدَّة بِطَائِرِ تَمْسَح بِهِ قُبُلهَا وَتَنْبِذهُ فَلَا يَكَاد يَعِيش بَعْدَمَا تَفْتَضّ بِهِ. قُلْت : وَهَذَا لَا يُخَالِف تَفْسِير مَالِك , لَكِنَّهُ أَخَصّ مِنْهُ , لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْجِلْد وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ جِلْد الْقُبُل , وَقَالَ اِبْن وَهْب : مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَمْسَح بِيَدِهَا عَلَى الدَّابَّة وَعَلَى ظَهْره , وَقِيلَ الْمُرَاد تَمْسَح بِهِ ثُمَّ تَفْتَضّ أَيْ تَغْتَسِل , وَالِافْتِضَاض الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ الْعَذْب لِإِزَالَةِ الْوَسَخ وَإِرَادَة النَّقَاء حَتَّى تَصِير بَيْضَاء نَقِيَّة كَالْفِضَّةِ , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَخْفَش : مَعْنَاهُ تَتَنَظَّف فَتَنْتَقِي مِنْ الْوَسَخ فَتُشْبِه الْفِضَّة فِي نَقَائِهَا وَبَيَاضهَا , وَالْغَرَض بِذَلِكَ الْإِشَارَة إِلَى إِهْلَاك مَا هِيَ فِيهِ , وَمِنْ الرَّمْي الِانْفِصَالُ مِنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ). ‏ ‏جَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ تَكُون الْبَاء فِي قَوْله \" فَتَفْتَضّ بِهِ \" لِلتَّعَدِّيَةِ أَوْ تَكُون زَائِدَة أَيْ تَفْتَضّ الطَّائِر بِأَنْ تَكْسِر بَعْض أَعْضَائِهِ اِنْتَهَى. وَيَرُدّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِير الِافْتِضَاض صَرِيحًا. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ تَخْرُج فَتُعْطَى بَعْرَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَيَجُوز فَتْحهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَتَرْمِي بِهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُطَرَّف وَابْن الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِك \" تَرْمِي بِبَعْرَةٍ مِنْ بَعْر الْغَنَم أَوْ الْإِبِل فَتَرْمِي بِهَا أَمَامهَا فَيَكُون ذَلِكَ إِحْلَالًا لَهَا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن وَهْب \" فَتَرْمِي بِبَعْرَةِ مِنْ بَعْر الْغَنَم مِنْ وَرَاء ظَهْرهَا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعْبَة الْآتِيَة \" فَإِذَا كَانَ حَوْل فَمَرَّ كَلْب رَمَتْ بِبَعْرَةٍ \" وَظَاهِره أَنَّ رَمْيهَا الْبَعْرَة يَتَوَقَّف عَلَى مُرُور الْكَلْب سَوَاء طَالَ زَمَن اِنْتِظَار مُرُوره أَمْ قَصُرَ , وَبِهِ جَزَمَ بَعْض الشُّرَّاح. وَقِيلَ تَرْمِي بِهَا مَنْ عَرَضَ مِنْ كَلْب أَوْ غَيْره تُرِي مَنْ حَضَرَهَا أَنَّ مُقَامهَا حَوْلًا أَهْوَن عَلَيْهَا مِنْ بَعْرَة تَرْمِي بِهَا كَلْبًا أَوْ غَيْره. وَقَالَ عِيَاض. يُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الْكَلْب إِذَا مَرَّ اُفْتُضَّتْ بِهِ ثُمَّ رَمَتْ الْبَعْرَة. قُلْت : وَلَا يَخْفَى بُعْده , وَالزِّيَادَة مِنْ الثِّقَة مَقْبُولَة وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَافِظًا , فَإِنَّهُ لَا مُنَافَاة بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ حَتَّى يَحْتَاج إِلَى الْجَمْع. وَاخْتَلَفَ فِي الْمُرَاد بِرَمْيِ الْبَعْرَة فَقِيلَ : هُوَ إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا رَمَتْ الْعِدَّة رَمْي الْبَعْرَة , وَقِيلَ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْفِعْل الَّذِي فَعَلَتْهُ مِنْ التَّرَبُّص وَالصَّبْر عَلَى الْبَلَاء الَّذِي كَانَتْ فِيهِ لِمَا اِنْقَضَى كَانَ عِنْدهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَعْرَة الَّتِي رَمَتْهَا اِسْتِحْقَارًا لَهُ وَتَعْظِيمًا لِحَقِّ زَوْجهَا , وَقِيلَ بَلْ تَرْمِيهَا عَلَى سَبِيل التَّفَاؤُل بِعَدَمِ عَوْدهَا إِلَى مِثْل ذَلِكَ ‏"
    },
    {
        "id": "4921",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّهَا ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا فَخَشُوا عَلَى عَيْنَيْهَا فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ فَقَالَ ‏ ‏لَا تَكَحَّلْ قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ ‏ ‏أَحْلَاسِهَا ‏ ‏أَوْ شَرِّ بَيْتِهَا ‏ ‏فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ ‏ ‏بِبَعَرَةٍ فَلَا حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ ‏ ‏وَسَمِعْتُ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏تُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أُمِّ حَبِيبَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُمّ سَلَمَة الْمَاضِي فِي الْبَاب قَبْله , وَكَذَا حَدِيث أُمّ حَبِيبَة , أَوْرَدَهُمَا مِنْ طَرِيق شُعْبَة بِاخْتِصَارٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ قَبْلُ. ‏ ‏وَقَوْله \" لَا تَكْتَحِل \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بِلَا تَاءٍ بَيْن الْكَاف وَالْحَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "4922",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أُمُّ عَطِيَّةَ ‏ ‏نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إِلَّا بِزَوْجٍ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ حَدِيث أُمّ عَطِيَّة مُخْتَصَرًا , وَفِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه مُطَوَّلًا , ‏ ‏وَقَوْله \" إِلَّا بِزَوْجٍ \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" إِلَّا عَلَى زَوْجٍ \" ‏"
    },
    {
        "id": "4923",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلَا نَكْتَحِلَ وَلَا نَطَّيَّبَ وَلَا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ ‏ ‏عَصْبٍ ‏ ‏وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي ‏ ‏نُبْذَةٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏كُسْتِ ‏ ‏أَظْفَارٍ وَكُنَّا نُنْهَى عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( كُنَّا نُنْهَى ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله , وَقَدْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا نَلْبَس ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْب عَصْب ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَة ثُمَّ سَاكِنَة ثُمَّ مُوَحَّدَة وَهُوَ بِالْإِضَافَةِ وَهِيَ بُرُود الْيَمَن يُعْصَب غَزْلهَا أَيْ يُرْبَط ثُمَّ يُصْبَغ ثُمَّ يُنْسَج مَعْصُوبًا فَيَخْرُج مُوشًى لِبَقَاءِ مَا عُصِبَ بِهِ أَبْيَض لَمْ يَنْصَبِغ , وَإِنَّمَا يُعْصَب السَّدَى دُون اللُّحْمَة. وَقَالَ صَاحِب \" الْمُنْتَهَى \" الْعَصْب هُوَ الْمَفْتُول مِنْ بُرُود الْيَمَن. وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدَنِيّ فِي \" ذَيْل الْغَرِيب \" عَنْ بَعْض أَهْل الْيَمَن أَنَّهُ مِنْ دَابَّة بَحْرِيَّة تُسَمَّى فَرَس فِرْعَوْن يُتَّخَذُ مِنْهَا الْخَرَز وَغَيْره وَيَكُون أَبْيَض , وَهَذَا غَرِيب , وَأَغْرَبُ مِنْهُ قَوْلُ السُّهَيْلِيّ : إِنَّهُ نَبَات لَا يَنْبُت إِلَّا بِالْيَمَنِ وَعَزَاهُ لِأَبِي حَنِيفَة الدِّينَوَرِيّ , وَأَغْرَب مِنْهُ قَوْل الدَّاوُدِيّ : الْمُرَاد بِالثَّوْبِ الْعَصْب الْخَضِرَة وَهِيَ الْحِبَرَة , وَلَيْسَ لَهُ سَلَف فِي أَنَّ الْعَصْب الْأَخْضَر , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز لِلْحَادَّةِ لُبْس الثِّيَاب الْمُعَصْفَرَة وَلَا الْمُصْبَغَة , إِلَّا مَا صُبِغَ بِسَوَادٍ فَرَخَّصَ فِيهِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ لِكَوْنِهِ لَا يُتَّخَذ لِلزِّينَةِ بَلْ هُوَ مِنْ لِبَاس الْحُزْن , وَكَرِهَ عُرْوَة الْعَصْب أَيْضًا , وَكَرِهَ مَالِك غَلِيظه. قَالَ النَّوَوِيّ : الْأَصَحّ عِنْد أَصْحَابنَا تَحْرِيمه مُطْلَقًا , وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِمَنْ أَجَازَهُ , وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يُؤْخَذ مِنْ مَفْهُوم الْحَدِيث جَوَاز مَا لَيْسَ بِمَصْبُوغٍ وَهِيَ الثِّيَاب الْبِيض , وَمَنَعَ بَعْض الْمَالِكِيَّة الْمُرْتَفِع مِنْهَا الَّذِي يُتَزَيَّن بِهِ , وَكَذَلِكَ الْأَسْوَد إِذَا كَانَ مِمَّا يُتَزَيَّن بِهِ , قَالَ النَّوَوِيّ : وَرَخَّصَ أَصْحَابنَا فِيمَا لَا يُتَزَيَّن بِهِ وَلَوْ كَانَ مَصْبُوغًا. وَاخْتُلِفَ فِي الْحَرِير فَالْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة مَنْعه مُطْلَقًا مَصْبُوغًا أَوْ غَيْر مَصْبُوغ , لِأَنَّهُ أُبِيحَ لِلنِّسَاءِ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ وَالْحَادَّة مَمْنُوعَة مِنْ التَّزَيُّن فَكَانَ فِي حَقّهَا كَالرِّجَالِ , وَفِي التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة وَبِاللُّؤْلُؤِ وَنَحْوه وَجْهَانِ الْأَصَحّ جَوَازه , وَفِيهِ نَظَر مِنْ جِهَة الْمَعْنَى فِي الْمَقْصُود بِلُبْسِهِ , وَفِي الْمَقْصُود بِالْإِحْدَادِ , فَإِنَّهُ عِنْد تَأَمُّلهَا يَتَرَجَّح الْمَنْعُ وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله أَيْضًا وَقَدْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله ( عِنْد الطُّهْر إِذَا اِغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" حَيْضهَا \" وَفِي الَّذِي بَعْده \" وَلَا تَمَسّ طِيبًا إِلَّا أَدْنَى طُهْرهَا إِذَا طَهُرَتْ \". ‏ ‏قَوْله ( فِي نُبْذَة ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون وَسُكُون الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُعْجَمَة أَيْ قِطْعَة , وَتُطْلَق عَلَى الشَّيْء الْيَسِير. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ كُسْت أَظْفَار ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالْكَافِ وَبِالْإِضَافَةِ , وَفِي الَّذِي بَعْده \" مِنْ قُسْط وَأَظْفَار \" بِقَافِ وَوَاو عَاطِفَة وَهُوَ أَوْجُه , وَخَطَّأَ عِيَاض الْأَوَّل , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الْحَيْض. وَقَالَ بَعْده \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه \" وَهُوَ الْبُخَارِيّ \" الْقُسْط وَالْكُسْت مِثْل الْكَافُور وَالْقَافُور \" أَيْ يَجُوز فِي كُلّ مِنْهُمَا الْكَاف وَالْقَاف وَزَادَ الْقُسْط أَنَّهُ يُقَال بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة بَدَل الطَّاء , فَأَرَادَ الْمِثْلِيَّة فِي الْحَرْف الْأَوَّل فَقَطْ. قَالَ النَّوَوِيّ : الْقُسْط وَالْأَظْفَار نَوْعَانِ مَعْرُوفَانِ مِنْ الْبَخُور وَلَيْسَا مِنْ مَقْصُود الطِّيب , رُخِّصَ فِيهِ لِلْمُغْتَسِلَةِ مِنْ الْحَيْض لِإِزَالَةِ الرَّائِحَة الْكَرِيهَة تَتْبَعُ بِهِ أَثَر الدَّم لَا لِلتَّطَيُّبِ. قُلْت : الْمَقْصُود مِنْ التَّطَيُّب بِهِمَا أَنْ يُخْلَطَا فِي أَجْزَاء أُخَر مِنْ غَيْرهمَا ثُمَّ تُسْحَق فَتَصِير طِيبًا , وَالْمَقْصُود بِهِمَا هُنَا كَمَا قَالَ الشَّيْخ أَنْ تَتَبَّعَ بِهِمَا أَثَر الدَّم لِإِزَالَةِ الرَّائِحَة لَا لِلتَّطَيُّبِ , وَزَعَمَ الدَّاوُدِيّ أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهَا تَسْحَق الْقُسْط وَتُلْقِيه فِي الْمَاء آخِر غُسْلهَا لِتَذْهَب رَائِحَة الْحَيْض , وَرَدَّهُ عِيَاض بِأَنَّ ظَاهِر الْحَدِيث يَأْبَاهُ , وَأَنَّهُ لَا يَحْصُل مِنْهُ رَائِحَة طَيِّبَة إِلَّا مِنْ التَّبَخُّر بِهِ , كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَر , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز اِسْتِعْمَال مَا فِيهِ مَنْفَعَة لَهَا مِنْ جِنْس مَا مُنِعَتْ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّزَيُّنِ أَوْ التَّطَيُّب كَالتَّدَهُّنِ بِالزَّيْتِ فِي شَعْر الرَّأْس أَوْ غَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "4924",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ لِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا لَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ ‏ ‏عَصْبٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَتْنَا ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏حَدَّثَتْنِي ‏ ‏أُمُّ عَطِيَّةَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا تَمَسَّ طِيبًا إِلَّا أَدْنَى طُهْرِهَا إِذَا طَهُرَتْ ‏ ‏نُبْذَةً ‏ ‏مِنْ ‏ ‏قُسْطٍ ‏ ‏وَأَظْفَارٍ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏الْقُسْطُ وَالْكُسْتُ مِثْلُ الْكَافُورِ ‏ ‏وَالْقَافُورِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أُمّ عَطِيَّة مُصَرِّحًا بِرَفْعِهِ , وَزَادَ فِي أَوَّله \" لَا يَحِلّ لِامْرَأَةٍ \" ‏ ‏الْحَدِيث مِثْل حَدِيث أُمّ حَبِيبَة الْمَاضِي قَبْله , وَزَادَ بَعْد قَوْله إِلَّا عَلَى زَوْج \" فَإِنَّهَا لَا تَكْتَحِل وَلَا تَلْبَس ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْب عَصْب \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الَّذِي قَبْله , وَوَقَعَ فِيهِ \" فَوْق ثَلَاث \" وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيث أُمّ حَبِيبَة فِي الطَّرِيق الْأُولَى \" ثَلَاث لَيَالٍ \" وَفِي الطَّرِيق الثَّانِيَة \" ثَلَاثَة أَيَّام \" وَجُمِعَ بِإِرَادَةِ اللَّيَالِي بِأَيَّامِهَا , وَيُحْمَل الْمُطْلَق هُنَا عَلَى الْمُقَيَّد الْأَوَّل وَلِذَلِكَ أَنَّثَ , وَهُوَ مَحْمُول أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد ثَلَاث لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا , وَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّهَا تَحُدّ ثَلَاث لَيَالٍ فَقَطْ , فَإِنْ مَاتَ فِي أَوَّل اللَّيْل أَقْلَعَتْ فِي أَوَّل الْيَوْم الثَّالِث وَإِنْ مَاتَ فِي أَثْنَاء اللَّيْل أَوْ فِي أَوَّل النَّهَار أَوْ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ تُقْلِع إِلَّا فِي صَبِيحَة الْيَوْم الرَّابِع , وَلَا تَلْفِيق. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ الْأَنْصَارِيّ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ الْكَثِير بِوَاسِطَةِ وَبِلَا وَاسِطَة , ‏ ‏وَهِشَام ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ الْمَذْكُور فِي الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله ( نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَمَسّ طِيبًا ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَهُوَ فِي الْأَصْل مِثْل الْحَدِيث الَّذِي قَبْله , وَقَدْ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ الطَّرِيق أَبِي حَاتِم الرَّازِيّ عَنْ الْأَنْصَارِيّ بِلَفْظِ. \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُحِدّ الْمَرْأَة فَوْق ثَلَاثَة أَيَّام , إِلَّا عَلَى زَوْج فَإِنَّهَا تُحِدّ عَلَيْهِ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا , وَلَا تَلْبَس ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْب عَصْب , وَلَا تَكْتَحِل , وَلَا تَمَسّ طِيبًا \". ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا أَدْنَى طُهْرهَا ) ‏ ‏أَيْ عِنْد قُرْب طُهْرهَا أَوْ أَقَلّ طُهْرهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه قَبْلُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث أُمّ حَبِيبَة مِنْ طَرِيق سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر وَهُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم شَيْخ مَالِك فِيهِ , وَقَدْ مَضَى شَرْحه أَيْضًا ‏"
    },
    {
        "id": "4925",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شِبْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ { ‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ‏} ‏قَالَ كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا وَاجِبًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ‏} ‏قَالَ جَعَلَ اللَّهُ لَهَا تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ‏ { ‏غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ‏} ‏فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ‏ { ‏غَيْرَ إِخْرَاجٍ ‏} ‏وَقَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏إِنْ شَاءَتْ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهَا وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ ‏ { ‏فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلَا سُكْنَى لَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن مَنْصُور ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا السَّنَد , وَبَيَّنْت هُنَاكَ مَا قِيلَ فِيهِ مِنْ تَعْلِيق وَغَيْره , وَوَقَعَ هُنَاكَ \" إِسْحَاق \" غَيْر مَنْسُوب وَفُسِّرَ بِابْنِ رَاهْوَيْهِ , وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيق أَنَّهُ اِبْن مَنْصُور , وَلَعَلَّهُ كَانَ عِنْده عَنْهُمَا جَمِيعًا. وَقَوْله \" كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّة , تَعْتَدّ عِنْد أَهْل زَوْجهَا وَاجِبًا \" كَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ , وَذَكَر \" وَاجِبًا \" إِمَّا لِأَنَّهُ صِفَة مَحْذُوف أَيْ أَمْرًا وَاجِبًا , أَوْ ضَمَّنَ الْعِدَّة مَعْنَى الِاعْتِدَاد. وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة \" وَاجِب \" عَلَى أَنَّهُ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف , قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : ذَهَب مُجَاهِد إِلَى أَنَّ الْآيَة وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا ) نَزَلَتْ قَبْل الْآيَة الَّتِي فِيهَا ( وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْل غَيْر إِخْرَاج ) كَمَا هِيَ قَبْلهَا فِي التِّلَاوَة , وَكَأَنَّ الْحَامِل لَهُ عَلَى ذَلِكَ اِسْتِشْكَال أَنْ يَكُون النَّاسِخ قَبْل الْمَنْسُوخ , فَرَأَى أَنَّ اِسْتِعْمَالهَا مُمْكِن بِحُكْمِ غَيْر مُتَدَافِع , لِجَوَازِ أَنْ يُوجِب اللَّه عَلَى الْمُعْتَدَّة تَرَبُّص أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر وَيُوجِب عَلَى أَهْلهَا أَنْ تَبْقَى عِنْدهمْ سَبْعَة أَشْهُر وَعِشْرِينَ لَيْلَة تَمَام الْحَوْل إِنْ أَقَامَتْ عِنْدهمْ ا ه مُلَخَّصًا. قَالَ : وَهُوَ قَوْل لَمْ يَقْلُهُ أَحَد مِنْ الْمُفَسِّرِينَ غَيْره وَلَا تَابَعَهُ عَلَيْهَا مِنْ الْفُقَهَاء أَحَد , وَأَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ آيَة الْحَوْل مَنْسُوخَة وَأَنَّ السُّكْنَى تَبَع لِلْعِدَّةِ , فَلَمَّا نُسِخَ الْحَوْل فِي الْعِدَّة بِالْأَرْبَعَةِ أَشْهُر وَعَشْر نُسِخَتْ السُّكْنَى أَيْضًا. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَمْ يَخْتَلِف الْعُلَمَاء أَنَّ الْعِدَّة بِالْحَوْلِ نُسِخَتْ إِلَى أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفُوا فِي قَوْله ( غَيْر إِخْرَاج ) فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ نُسِخَ أَيْضًا , وَرَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد فَذَكَرَ حَدِيث الْبَاب قَالَ : وَلَمْ يُتَابَع عَلَى ذَلِكَ , وَلَا قَالَ أَحَد مِنْ عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بِهِ فِي مُدَّة الْعِدَّة , بَلْ رَوَى اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِد فِي قَدْرهَا مِثْل مَا عَلَيْهِ النَّاس , فَارْتَفَعَ الْخِلَاف وَاخْتَصَّ مَا نُقِلَ عَنْ مُجَاهِد وَغَيْره بِمُدَّةِ السُّكْنَى , عَلَى أَنَّهُ أَيْضًا شَاذّ لَا يُعَوَّل عَلَيْهِ. وَاَللَّه أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4926",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏لَمَّا جَاءَهَا نَعِيُّ أَبِيهَا دَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَحَتْ ذِرَاعَيْهَا وَقَالَتْ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4927",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ‏ ‏وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ ‏ ‏وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي مَسْعُود ‏ ‏- وَهُوَ عُقْبَة بْن عَمْرو الْأَنْصَارِيّ - فِي النَّهْي عَنْ ثَمَن الْكَلْب وَحُلْوَانِ الْكَاهِن وَمَهْر الْبَغِيّ , ‏ ‏وَقَوْله \" عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن \" ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث بْن هِشَام , فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ \" عَنْ سُفْيَان حَدَّثَنَا الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن \". وَتَقَدَّمَ شَرْحه فِي آخِر الْبُيُوع ‏"
    },
    {
        "id": "4928",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَعَنَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَاشِمَةَ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْشِمَةَ ‏ ‏وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَنَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَكَسْبِ ‏ ‏الْبَغِيِّ ‏ ‏وَلَعَنَ الْمُصَوِّرِينَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ فِي لَعْن الْوَاشِمَة الْحَدِيث , وَفِيهِ ‏ ‏( وَنَهَى عَنْ ثَمَن الْكَلْب وَكَسْب الْبَغِيّ وَلَعَنَ الْمُصَوِّرِينَ ) ‏ ‏وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي آخِر الْبُيُوع ‏"
    },
    {
        "id": "4929",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ كَسْبِ الْإِمَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي النَّهْي عَنْ كَسْب الْإِمَاء ‏ ‏, قَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة فِي آخِر الْبُيُوع. قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : قَالَ الْجُمْهُور مَنْ عَقَدَ عَلَى مَحْرَم وَهُوَ عَالِم بِالتَّحْرِيمِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدّ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيم الْعَقْد , فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شُبْهَة يُدْرَأ بِهَا الْحَدّ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة الْعَقْد شُبْهَة. وَاحْتَجَّ لَهُ بِمَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَة لَهُ فِيهَا شَرِكَة فَإِنَّهَا مُحَرَّمَة عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا حَدّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ. وَأُجِيب بِأَنَّ حِصَّته مِنْ الْمِلْك اِقْتَضَتْ حُصُول الشُّبْهَة , بِخِلَافِ الْمَحْرَم لَهُ فَلَا مِلْك لَهُ فِيهَا أَصْلًا فَافْتَرَقَا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ اِبْن الْقَاسِم مِنْ الْمَالِكِيَّة : يَجِب الْحَدّ فِي وَطْء الْحُرَّة وَلَا يَجِب فِي الْمَمْلُوكَة وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4930",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَقَالَ فَرَّقَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ أَخَوَيْ ‏ ‏بَنِي الْعَجْلَانِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ فَأَبَيَا فَقَالَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ فَأَبَيَا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏فَقَالَ لِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ قَالَ ‏ ‏قَالَ الرَّجُلُ مَالِي قَالَ لَا مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْهُ فِي قِصَّة الْمُلَاعَنَة وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَاب اللِّعَان. ‏"
    },
    {
        "id": "4931",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ ‏ ‏حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي قَالَ لَا مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ وَأَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ حَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصَّة الْمُلَاعَن ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" وَإِنْ كُنْت كَاذِبًا \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَإِنْ كُنْت كَذَبْت عَلَيْهَا. ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الطَّلَاق وَتَوَابِعه مِنْ اللِّعَان وَالظِّهَار وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى مِائَة وَثَمَانِيَة عَشَر حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا سِتَّة وَعِشْرُونَ حَدِيثًا وَالْبَاقِي مَوْصُول , الْمُكَرَّر مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اِثْنَانِ وَتِسْعُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِص سِتَّة وَعِشْرُونَ حَدِيثًا , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث عَائِشَة وَحَدِيث أَبِي أُسَيْدٍ وَحَدِيث سَهْل بْنِ سَعْد ثَلَاثَتهَا فِي قِصَّة الْجَوْنِيَّةِ , وَحَدِيث عَلِيّ \" أَلَم تَعْلَم أَنَّ الْقَلَم رُفِعَ عَنْ النَّائِم \" الْحَدِيث وَهُوَ مُعَلَّق , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة ثَابِت بْن قَيْس فِي الْخُلْع , وَحَدِيثه فِي زَوْج بَرِيرَة , وَحَدِيثه \" كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ \" , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي نِكَاح الذِّمِّيَّة , وَحَدِيثه فِي تَفْسِير الْإِيلَاء , وَحَدِيث الْمِسْوَر فِي شَأْن سُبَيْعَة , وَحَدِيث عَائِشَة \" كَانَتْ فَاطِمَة بِنْت قَيْس فِي مَكَان وَحْش \" وَهُوَ مُعَلَّق. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ تِسْعُونَ أَثَرًا. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4932",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي مَسْعُود الْأَنْصَارِيّ ‏ ‏وَهُوَ عُقْبَة بْن عَمْرو. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَدِيّ بْن ثَابِت ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَان مِنْ وَجْه آخَر عَنْ شُعْبَة \" أَخْبَرَنِي عَدِيّ بْن ثَابِت \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي مَسْعُود الْأَنْصَارِيّ فَقُلْت : عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏الْقَائِل \" فَقُلْت \" هُوَ شُعْبَة , بَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة لَهُ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْجَعْد عَنْ شُعْبَة فَذَكَرَهُ إِلَى أَنْ قَالَ \" عَنْ أَبِي مَسْعُود فَقَالَ. قَالَ شُعْبَة : قُلْت قَالَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ نَعَمْ \" وَتَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْإِيمَان عَنْ أَبِي مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ مُرَاجَعَة , وَذَكَر الْمَتْن مِثْله. وَفِي الْمَغَازِي عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم عَنْ شُعْبَة عَنْ عَدِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَسْعُود الْبَدْرِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَذَكَرَ الْمَتْن مُخْتَصَرًا لَيْسَ فِيهِ \" وَهُوَ يَحْتَسِبهَا \" وَهَذَا مُقَيَّد لِمُطْلَقِ مَا جَاءَ فِي أَنَّ الْإِنْفَاق عَلَى الْأَهْل صَدَقَة كَحَدِيثِ سَعْد رَابِع أَحَادِيث الْبَاب حَيْثُ قَالَ فِيهِ \" وَمَهْمَا أَنْفَقَتْ فَهُوَ لَك صَدَقَة \" وَالْمُرَاد بِالِاحْتِسَابِ الْقَصْد إِلَى طَلَب الْأَجْر , وَالْمُرَاد بِالصَّدَقَةِ الثَّوَاب وَإِطْلَاقهَا عَلَيْهِ مَجَاز وَقَرِينَته الْإِجْمَاع عَلَى جَوَاز الْإِنْفَاق عَلَى الزَّوْجَة الْهَاشِمِيَّة مَثَلًا. وَهُوَ مِنْ مَجَاز التَّشْبِيه وَالْمُرَاد بِهِ أَصْل الثَّوَاب لَا فِي كَمَيِّتِهِ وَلَا كَيْفِيَّته , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْأَجْر لَا يَحْصُل بِالْعَمَلِ إِلَّا مَقْرُونًا بِالنِّيَّةِ , وَلِهَذَا أَدْخَلَ الْبُخَارِيّ حَدِيث أَبِي مَسْعُود الْمَذْكُور فِي \" بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَة \" وَحَذَفَ الْمِقْدَار مِنْ قَوْله \" إِذَا أَنْفَقَ \" لِإِرَادَةِ التَّعْمِيم لِيَشْمَل الْكَثِير وَالْقَلِيل. وَقَوْله \" عَلَى أَهْله \" يَحْتَمِل أَنْ يَشْمَل الزَّوْجَة وَالْأَقَارِب , وَيَحْتَمِل أَنْ يَخْتَصّ الزَّوْجَة وَيَلْحَق بِهِ مَنْ عَدَاهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , لِأَنَّ الثَّوَاب إِذَا ثَبَتَ فِيمَا هُوَ وَاجِب فَثُبُوته فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَوْلَى. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ مَا مُلَخَّصَة : الْإِنْفَاق عَلَى الْأَهْل وَاجِب , وَاَلَّذِي يُعْطِيه يُؤْجَر عَلَى ذَلِكَ بِحَسَبِ قَصْده , وَلَا مُنَافَاة بَيْن كَوْنهَا وَاجِبَة وَبَيْن تَسْمِيَتهَا صَدَقَة , بَلْ هِيَ أَفْضَل مِنْ صَدَقَة التَّطَوُّع. وَقَالَ الْمُهَلَّب : النَّفَقَة عَلَى الْأَهْل وَاجِبَة بِالْإِجْمَاعِ , وَإِنَّمَا سَمَّاهَا الشَّارِع صَدَقَة خَشْيَة أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ قِيَامهمْ بِالْوَاجِبِ لَا أَجْر لَهُمْ فِيهِ , وَقَدْ عَرَفُوا مَا فِي الصَّدَقَة مِنْ الْأَجْر فَعَرَّفَهُمْ أَنَّهَا لَهُمْ صَدَقَة , حَتَّى لَا يُخْرِجُوهَا إِلَى غَيْر الْأَهْل إِلَّا بَعْد أَنْ يَكْفُوهُمْ ; تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي تَقْدِيم الصَّدَقَة الْوَاجِبَة قَبْل صَدَقَة التَّطَوُّع , وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ : تَسْمِيَة النَّفَقَة صَدَقَة مِنْ جِنْس تَسْمِيَة الصَّدَاق نَحْلَة , فَلَمَّا كَانَ اِحْتِيَاج الْمَرْأَة إِلَى الرَّجُل كَاحْتِيَاجِهِ إِلَيْهَا - فِي اللَّذَّة وَالتَّأْنِيس وَالتَّحْصِين وَطَلَب الْوَلَد - كَانَ الْأَصْل أَنْ لَا يَجِب لَهَا عَلَيْهِ شَيْء , إِلَّا أَنَّ اللَّه خَصَّ الرَّجُل بِالْفَضْلِ عَلَى الْمَرْأَة بِالْقِيَامِ عَلَيْهَا وَرَفَعَهُ عَلَيْهَا بِذَلِكَ دَرَجَة , فَمِنْ ثَمَّ جَازَ إِطْلَاق النِّحْلَة عَلَى الصَّدَاق , وَالصَّدَقَة عَلَى النَّفَقَة ‏"
    },
    {
        "id": "4933",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ قَالَ اللَّهُ ‏ ‏أَنْفِقْ يَا ابْنَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏أُنْفِقْ عَلَيْكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَهَذَا الْحَدِيث لَيْسَ فِي \" الْمُوَطَّأ \" وَهُوَ عَلَى شَرْط شَيْخنَا فِي \" تَقْرِيب الْأَسَانِيد \" , لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي \" الْمُوَطَّأ \" لَمْ يُخْرِجهُ كَأَنْظَارِهِ , لَكِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم , وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن يُوسُف كِلَاهُمَا عَنْ مَالِك. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اللَّه أَنْفِقْ يَا اِبْن آدَم أُنْفِقْ عَلَيْك ) ‏ ‏أَنْفِقْ الْأُولَى بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْقَاف بِصِيغَةِ الْأَمْر بِالْإِنْفَاقِ , وَالثَّانِيَة بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الْقَاف عَلَى الْجَوَاب بِصِيغَةِ الْمُضَارِع , وَهُوَ وَعْد بِالْخُلْفِ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفهُ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَدْر الْمَذْكُور مِنْ هَذَا الْحَدِيث فِي تَفْسِير سُورَة هُود مِنْ طَرِيق شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة عَنْ أَبِي الزِّنَاد فِي أَثْنَاء حَدِيث وَلَفْظه \" قَالَ اللَّه أَنْفِقْ أُنْفِق عَلَيْك \" وَقَالَ \" يَدُ اللَّهِ مَلْأَى \" الْحَدِيث وَهَذَا الْحَدِيث الثَّانِي أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن دَاوُدَ عَنْ مَالِك وَقَالَ صَحِيح تَفَرَّدَ بِهِ سَعِيد عَنْ مَالِك , وَأَخْرَجَ مُسْلِم الْأَوَّل مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ لِي : أَنْفِقْ أُنْفِق عَلَيْك \" الْحَدِيث , وَفَرَّقَهُ الْبُخَارِيّ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب التَّوْحِيد , وَلَيْسَ فِي رِوَايَته \" قَالَ لِي \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة الْبَاب \" يَا اِبْن آدَم \" النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد جِنْس بَنِي آدَم وَيَكُون تَخْصِيصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِضَافَتِهِ إِلَى نَفْسه لِكَوْنِهِ رَأْس النَّاس , فَتَوَجَّهَ الْخِطَاب إِلَيْهِ لِيَعْمَل بِهِ وَيُبَلِّغ أُمَّته , وَفِي تَرْك تَقْيِيد النَّفَقَة بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مَا يُرْشِد إِلَى أَنَّ الْحَثّ عَلَى الْإِنْفَاق يَشْمَل جَمِيع أَنْوَاع الْخَيْر , وَسَيَأْتِي شَرْح حَدِيث شُعَيْب مَبْسُوطًا فِي التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ‏"
    },
    {
        "id": "4934",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْغَيْثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ ثَوْر بْن زَيْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّدِ بْن الْحَسَن فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ مَالِك \" أَخْبَرَنِي ثَوْر \". ‏ ‏قَوْله ( السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَة وَالْمِسْكِين كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيل اللَّه ) ‏ ‏كَذَا قَالَ جَمِيع أَصْحَاب مَالِك عَنْهُ فِي \" الْمُوَطَّأ \" وَغَيْره , وَأَكْثَرهمْ سَاقَهُ عَلَى لَفْظ رِوَايَة مَالِك عَنْ صَفْوَان بْن سُلَيْمٍ بِهِ مُرْسَلًا ثُمَّ قَالَ \" وَعَنْ ثَوْر بِسَنَدِهِ مِثْله \" وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَدَب عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس عَنْ مَالِك كَذَلِكَ , وَاقْتَصَرَ أَبُو قُرَّة مُوسَى بْن طَارِق عَلَى رِوَايَة مَالِك عَنْ ثَوْر فَقَالَ \" السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَة وَالْمِسْكِين لَهُ صَدَقَة \" بَيَّنَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْمُوَطَّآت \". ‏ ‏قَوْله ( أَوْ الْقَائِم اللَّيْل الصَّائِم النَّهَار ) ‏ ‏هَكَذَا لِلْجَمِيعِ عَنْ مَالِك بِالشَّكِّ لَكِنْ لِأَكْثَرِهِمْ - مِثْل مَعْن بْن عِيسَى وَابْن وَهْب وَابْن بُكَيْر فِي آخَرِينَ - بِلَفْظِ \" أَوْ كَاَلَّذِي يَصُوم النَّهَار وَيَقُوم اللَّيْل \" , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ ثَوْر بِمِثْلِ هَذَا اللَّفْظ , لَكِنْ قَالَهُ بِالْوَاوِ لَا بِلَفْظِ أَوْ , وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَب مِنْ رِوَايَة الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِك بِلَفْظِ \" وَأَحْسَبهُ قَالَ : كَالْقَائِمِ لَا يَفْتُر , وَالصَّائِم لَا يُفْطِر \" شَكَّ الْقَعْنَبِيّ , وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأَكْثَر بِالشَّكِّ عَنْ مَالِك لَكِنْ بِمَعْنَاهُ , فَيُحْمَل اِخْتِصَاص الْقَعْنَبِيّ بِاللَّفْظِ الَّذِي أَوْرَدَهُ , وَمَعْنَى السَّاعِي الَّذِي يَذْهَب وَيَجِيء فِي تَحْصِيل مَا يَنْفَع الْأَرْمَلَة وَالْمِسْكِين. وَالْأَرْمَلَة بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَة الَّتِي لَا زَوْج لَهَا , وَالْمِسْكِين تَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الزَّكَاة , وَقَوْله \" الْقَائِم اللَّيْل \" يَجُوز فِي اللَّيْل الْحَرَكَات الثَّلَاث كَمَا فِي قَوْلهمْ الْحَسَن الْوَجْه , وَمُطَابَقَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة إِمْكَان اِتِّصَاف الْأَهْل أَيْ الْأَقَارِب بِالصِّفَتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ , فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْفَضْل لِمَنْ يُنْفِق عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ بِقَرِيبٍ مِمَّنْ اِتَّصَفَ بِالْوَصْفَيْنِ , فَالْمُنْفِق عَلَى الْمُتَّصِف أَوْلَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4935",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَقُلْتُ لِي مَالٌ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قَالَ لَا قُلْتُ فَالشَّطْرِ قَالَ لَا قُلْتُ فَالثُّلُثِ قَالَ ‏ ‏الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا فِي ‏ ‏فِي امْرَأَتِكَ وَلَعَلَّ اللَّهَ يَرْفَعُكَ يَنْتَفِعُ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرُّ بِكَ آخَرُونَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص فِي الْوَصِيَّة بِالثُّلُثِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْوَصَايَا , وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا قَوْله ‏ ‏( وَمَهْمَا أَنْفَقْت فَهُوَ لَك صَدَقَة , حَتَّى اللُّقْمَة تَرْفَعهَا فِي فِي اِمْرَأَتك ) ‏ ‏وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث مُجَاهِد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" دِينَار أَعْطَيْته مِسْكِينًا , وَدِينَار أَعْطَيْته فِي رَقَبَة , وَدِينَار أَعْطَيْته فِي سَبِيل اللَّه , وَدِينَار أَنْفَقْته عَلَى أَهْلك , قَالَ :. الدِّينَار الَّذِي أَنْفَقْته عَلَى أَهْلك أَعْظَم أَجْرًا \" وَمِنْ حَدِيث أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاء عَنْ ثَوْبَانَ رَفَعَهُ \" أَفْضَل دِينَار يُنْفِقهُ الرَّجُل دِينَار يُنْفِقهُ عَلَى عِيَاله , وَدِينَار يُنْفِقهُ عَلَى دَابَّته فِي سَبِيل اللَّه , وَدِينَار يُنْفِقهُ عَلَى أَصْحَابه فِي سَبِيل اللَّه \" قَالَ أَبُو قِلَابَةَ بَدَأَ بِالْعِيَالِ , وَأَيُّ رَجُل أَعْظَم أَجْرًا مِنْ رَجُل يُنْفِق عَلَى عِيَاله يُعِفُّهُمْ وَيَنْفَعُهُمْ اللَّهُ بِهِ ؟ قَالَ الطَّبَرِيُّ : الْبُدَاءَة فِي الْإِنْفَاق بِالْعِيَالِ , يَتَنَاوَل النَّفْس , لِأَنَّ نَفْس الْمَرْء مِنْ جُمْلَة عِيَاله بَلْ هِيَ أَعْظَم حَقًّا عَلَيْهِ مِنْ بَقِيَّة عِيَاله , إِذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ إِحْيَاء غَيْره بِإِتْلَافِ نَفْسه , ثُمَّ الْإِنْفَاق عَلَى عِيَاله كَذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4936",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ‏ ‏تَقُولُ الْمَرْأَةُ إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي وَيَقُولُ الْعَبْدُ أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي وَيَقُولُ ‏ ‏الِابْنُ أَطْعِمْنِي إِلَى مَنْ تَدَعُنِي ‏ ‏فَقَالُوا يَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَا هَذَا مِنْ ‏ ‏كِيسِ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَفْضَل الصَّدَقَة مَا تَرَكَ غِنًى ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَّل الزَّكَاة وَبَيَان اِخْتِلَاف أَلْفَاظه وَكَذَا قَوْله \" وَالْيَد الْعُلْيَا \" وَقَوْله \" وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول \" أَيْ بِمَنْ يَجِب عَلَيْك نَفَقَته , يُقَال عَالَ الرَّجُل أَهْله إِذَا مَانَهُمْ , أَيْ قَامَ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ قُوت وَكِسْوَة. وَهُوَ أَمْرٌ بِتَقْدِيمِ مَا يَجِبُ عَلَى مَا لَا يَجِبُ. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر اُخْتُلِفَ فِي نَفَقَة مَنْ بَلَغَ مِنْ الْأَوْلَاد وَلَا مَال لَهُ وَلَا كَسْب , فَأَوْجَبَتْ طَائِفَة النَّفَقَة لِجَمِيعِ الْأَوْلَاد أَطْفَالًا كَانُوا أَوْ بَالِغِينَ إِنَاثًا وَذُكْرَانًا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمْوَال يَسْتَغْنُونَ بِهَا , وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ الْوَاجِب أَنْ يُنْفِق عَلَيْهِمْ حَتَّى يَبْلُغ الذَّكَر أَوْ تَتَزَوَّج الْأُنْثَى ثُمَّ لَا نَفَقَة عَلَى الْأَب إِلَّا إِنْ كَانُوا زَمْنَى , فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ أَمْوَال فَلَا وُجُوب عَلَى الْأَب. وَأَلْحَق الشَّافِعِيّ وَلَد الْوَلَد وَإِنْ سَفَلَ بِالْوَلَدِ فِي ذَلِكَ , وَقَوْله \" تَقُول الْمَرْأَة \" وَقَعَ فِي رِوَايَة لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِح بِهِ \" فَقِيلَ مَنْ أَعُول يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ اِمْرَأَتك \" الْحَدِيث , وَهُوَ وَهْم وَالصَّوَاب مَا أَخْرَجَهُ هُوَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَجْلَان بِهِ وَفِيهِ \" فَسُئِلَ أَبُو هُرَيْرَة : مَنْ تَعُول يَا أَبَا هُرَيْرَة \" وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا بَعْض الشُّرَّاح وَغَفَلَ عَنْ الرِّوَايَة الْأُخْرَى , وَرَجَّحَ مَا فَهِمَهُ بِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق عَاصِم عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" الْمَرْأَة تَقُول لِزَوْجِهَا أَطْعِمْنِي \" وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّ فِي حِفْظ عَاصِم شَيْئًا , وَالصَّوَاب التَّفْصِيل , وَكَذَا وَقَعَ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب \" قَالَ أَبُو هُرَيْرَة تَقُول اِمْرَأَتك إِلَخْ \" وَهُوَ مَعْنَى قَوْله فِي آخِر حَدِيث الْبَاب \" لَا هَذَا مِنْ كِيس أَبِي هُرَيْرَة \" وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمَذْكُورَة \" قَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَة شَيْء تَقُول مِنْ رَأْيك أَوْ مِنْ قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : هَذَا مِنْ كِيسِي \" وَقَوْله مِنْ كِيسِي هُوَ بِكَسْرِ الْكَاف لِلْأَكْثَرِ أَيْ مِنْ حَاصِله إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ مِنْ اِسْتِنْبَاطه مِمَّا فَهِمَهُ مِنْ الْحَدِيث الْمَرْفُوع مَعَ الْوَاقِع , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ بِفَتْحِ الْكَاف أَيْ مِنْ فِطْنَته. ‏ ‏قَوْله ( تَقُول الْمَرْأَة إِمَّا أَنْ تُطْعِمنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ حَفْص بْن غِيَاث بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب \" إِمَّا أَنْ تُنْفِق عَلَيَّ \". ‏ ‏قَوْله ( وَيَقُول الْعَبْد أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَيَقُول خَادِمك أَطْعِمْنِي وَإِلَّا فَبِعْنِي. ‏ ‏قَوْله ( وَيَقُول الِابْن أَطْعِمْنِي , إِلَى مَنْ تَدَعنِي ) ؟ ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ \" تَكِلنِي \" وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ الْأَوْلَاد لَهُ مَال أَوْ حِرْفَة لَا تَجِب نَفَقَته عَلَى الْأَب , لِأَنَّ الَّذِي يَقُول \" إِلَى مِنْ تَدَعنِي \" ؟ إِنَّمَا هُوَ مَنْ لَا يَرْجِع إِلَى شَيْء سِوَى نَفَقَة الْأَب , وَمَنْ لَهُ حِرْفَة أَوْ مَال لَا يَحْتَاج إِلَى قَوْل ذَلِكَ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ \" إِمَّا أَنْ تُطْعِمنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقنِي \" مَنْ قَالَ يُفَرَّق بَيْن الرَّجُل وَامْرَأَته إِذَا أَعْسَر بِالنَّفَقَةِ وَاخْتَارَتْ فِرَاقه , وَهُوَ قَوْل جُمْهُور الْعُلَمَاء. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : يَلْزَمهَا الصَّبْر , وَتَتَعَلَّق النَّفَقَة بِذِمَّتِهِ. وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُور بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ) , وَأَجَابَ الْمُخَالِف بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفِرَاق وَاجِبًا لَمَا جَازَ الْإِبْقَاء إِذَا رَضِيَتْ , وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْإِجْمَاع دَلَّ عَلَى جَوَاز الْإِبْقَاء إِذَا رَضِيَتْ فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى عُمُوم النَّهْي. وَطَعَنَ بَعْضهمْ فِي الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة بِأَنَّ اِبْن عَبَّاس وَجَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ قَالُوا : نَزَلَتْ فِيمَنْ كَانَ يُطَلِّق فَإِذَا كَادَتْ الْعِدَّة تَنْقَضِي رَاجَعَ , وَالْجَوَاب أَنَّ مِنْ قَاعِدَتهمْ \" أَنَّ الْعِبْرَة بِعُمُومِ اللَّفْظ \". حَتَّى تَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ جَابِر بْن سَمُرَة \" اُسْكُنُوا فِي الصَّلَاة \" اُتْرُكْ رَفْع الْيَدَيْنِ عِنْد الرُّكُوع مَعَ أَنَّهُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْإِشَارَة بِالْأَيْدِي فِي التَّشَهُّد بِالسَّلَامِ عَلَى فُلَان وَفُلَان , وَهُنَا تَمَسَّكُوا بِالسَّبَبِ. وَاسْتُدِلَّ لِلْجُمْهُورِ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الرَّقِيق وَالْحَيَوَان , فَإِنَّ مَنْ أَعْسَرَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعه اِتِّفَاقًا. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4937",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4938",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُيَيْنَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏الثَّوْرِيُّ ‏ ‏هَلْ سَمِعْتَ فِي الرَّجُلِ يَجْمَعُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ أَوْ بَعْضِ السَّنَةِ قَالَ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏فَلَمْ يَحْضُرْنِي ثُمَّ ذَكَرْتُ حَدِيثًا ‏ ‏حَدَّثَنَاهُ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَبِيعُ نَخْلَ ‏ ‏بَنِي النَّضِيرِ ‏ ‏وَيَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَلَّامٍ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة , وَلِلْأَكْثَرِ \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد \" حَسْب. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لِي مَعْمَر قَالَ لِي الثَّوْرِيّ ) ‏ ‏هَذَا الْحَدِيث مِمَّا فَاتَ اِبْن عُيَيْنَة سَمَاعه مِنْ الزُّهْرِيِّ فَرَوَاهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ مَعْمَر , وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ الزُّهْرِيِّ بِأَتَمّ مِنْ سِيَاق مَعْمَر , وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة الْحَشْر. وَأَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيّ وَأَحْمَد فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ سُفْيَان عَمّ مَعْمَر وَعَمْرو بْن دِينَار جَمِيعًا عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم رِوَايَة مَعْمَر وَحْدهَا عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى عَنْ سُفْيَان عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسُقْ لَفْظه وَقَدْ أَخْرَجَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ رِوَايَة مَعْمَر مُنْفَرِدَة عَنْ سُفْيَان عَنْهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" كَانَ يُنْفِق عَلَى أَهْله نَفَقَة سَنَة مِنْ مَال بَنِي النَّضِير وَيَجْعَل مَا بَقِيَ فِي الْكُرَاع وَالسِّلَاح \" وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم الْحَدِيث مُطَوَّلًا مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَفِي كُلّ مِنْ الْإِسْنَادَيْنِ رِوَايَة الْأَقْرَان , فَإِنَّ اِبْن عُيَيْنَة عَنْ مَعْمَر قَرِينَانِ , وَعَمْرو بْن دِينَار عَنْ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ. وَيُؤْخَذ مِنْهُ الْمُذَاكَرَة بِالْعِلْمِ وَإِلْقَاء الْعَالِم الْمَسْأَلَة عَلَى نَظِيره لِيَسْتَخْرِجَ مَا عِنْده مِنْ الْحِفْظ , وَتَثَبُّت مَعْمَر وَإِنْصَافه لِكَوْنِهِ اِعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْضِر إِذْ ذَاكَ فِي الْمَسْأَلَة شَيْئًا , ثُمَّ لَمَّا تَذَكَّرَهَا أَخْبَرَ بِالْوَاقِعَةِ كَمَا هِيَ وَلَمْ يَأْنَف مِمَّا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ يَبِيع نَخْل بَنِي النَّضِير وَيَحْبِس لِأَهْلِهِ قُوت سَنَتهمْ ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا ثُمَّ سَاقَ الْمُصَنِّف الْحَدِيث بِطُولِهِ مِنْ طَرِيق عَقِيل عَنْ اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيِّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِل فَرْض الْخُمُس. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِي الْحَدِيث جَوَاز الِادِّخَار لِلْأَهْلِ قُوت سَنَة , وَفِي السِّيَاق مَا يُؤْخَذ مِنْهُ الْجَمْع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث \" كَانَ لَا يَدَّخِر شَيْئًا لِغَدٍ \" فَيُحْمَل عَلَى الِادِّخَار لِنَفْسِهِ وَحَدِيث الْبَاب عَلَى الِادِّخَار لِغَيْرِهِ , وَلَوْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ مُشَارَكَة , لَكِنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ الْمَقْصِد بِالِادِّخَارِ دُونه حَتَّى لَوْ لَمْ يُوجَدُوا لَمْ يَدَّخِر , قَالَ : وَالْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى لِسَان الطَّرِيقَة جَعَلُوا أَوْ بَعْضهمْ مَا زَادَ عَلَى السَّنَة خَارِجًا عَنْ طَرِيقَة التَّوَكُّل اِنْتَهَى. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى الرَّدّ عَلَى الطَّبَرِيِّ حَيْثُ اِسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى جَوَاز الِادِّخَار مُطْلَقًا خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ , وَفِي الَّذِي نَقَلَهُ الشَّيْخ تَقْيِيد بِالسَّنَةِ اِتِّبَاعًا لِلْخَبَرِ الْوَارِد , لَكِنْ اِسْتِدْلَال الطَّبَرِيِّ قَوِيّ , بَلْ التَّقْيِيد بِالسَّنَةِ إِنَّمَا جَاءَ مِنْ ضَرُورَة الْوَاقِع لِأَنَّ الَّذِي كَانَ يَدَّخِر لَمْ يَكُنْ يَحْصُل إِلَّا مِنْ السَّنَة إِلَى السَّنَة , لِأَنَّهُ كَانَ إِمَّا تَمْرًا وَإِمَّا شَعِيرًا , فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ شَيْئًا مِمَّا يُدَّخَر كَانَ لَا يَحْصُل إِلَّا مِنْ سَنَتَيْنِ إِلَى سَنَتَيْنِ لَاقْتَضَى الْحَال جَوَاز الِادِّخَار لِأَجْلِ ذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَمَعَ كَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْتَبِس قُوت سَنَة لِعِيَالِهِ فَكَانَ فِي طُول السَّنَة رُبَّمَا اِسْتَجَرَّهُ مِنْهُمْ لِمَنْ يَرِد عَلَيْهِ وَيُعَوِّضهُمْ عَنْهُ , وَلِذَلِكَ مَاتَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعه مَرْهُونَة عَلَى شَعِير اِقْتَرَضَهُ قُوتًا لِأَهْلِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَاز اِدِّخَار الْقُوت لِمَنْ يَشْتَرِيه مِنْ السُّوق , قَالَ عِيَاض : أَجَازَهُ قَوْم وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيث , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ مِنْ مُغَلٍّ الْأَرْض , وَمَنَعَهُ قَوْم إِلَّا إِنْ كَانَ لَا يَضُرّ بِالسِّعْرِ , وَهُوَ مُتَّجِه إِرْفَاقًا بِالنَّاسِ. ثُمَّ مَحِلّ هَذَا الِاخْتِلَاف إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي حَال الضِّيق , وَإِلَّا فَلَا يَجُوز الِادِّخَار فِي تِلْكَ الْحَالَة أَصْلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4939",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏انْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏إِذْ أَتَاهُ حَاجِبُهُ ‏ ‏يَرْفَا ‏ ‏فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَالزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعْدٍ ‏ ‏يَسْتَأْذِنُونَ قَالَ نَعَمْ فَأَذِنَ لَهُمْ قَالَ فَدَخَلُوا وَسَلَّمُوا فَجَلَسُوا ثُمَّ لَبِثَ ‏ ‏يَرْفَا ‏ ‏قَلِيلًا فَقَالَ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏هَلْ لَكَ فِي ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ فَأَذِنَ لَهُمَا فَلَمَّا دَخَلَا سَلَّمَا وَجَلَسَا فَقَالَ ‏ ‏عَبَّاسٌ ‏ ‏يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا فَقَالَ الرَّهْطُ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏اتَّئِدُوا أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَفْسَهُ قَالَ الرَّهْطُ قَدْ قَالَ ذَلِكَ فَأَقْبَلَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ذَلِكَ قَالَا قَدْ قَالَ ذَلِكَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي هَذَا الْمَالِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ قَالَ اللَّهُ ‏ { ‏مَا ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏قَدِيرٌ ‏} ‏فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ وَلَا ‏ ‏اسْتَأْثَرَ ‏ ‏بِهَا عَلَيْكُمْ لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَبَثَّهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَيَاتَهُ أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ قَالُوا نَعَمْ قَالَ ‏ ‏لِعَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ قَالَا نَعَمْ ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ فَقَبَضَهَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ وَأَقْبَلَ عَلَى ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏تَزْعُمَانِ أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏كَذَا وَكَذَا وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ فِيهَا صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَقُلْتُ أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ وَأَتَى هَذَا يَسْأَلُنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا فَقُلْتُ إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَبِمَا عَمِلْتُ بِهِ فِيهَا مُنْذُ وُلِّيتُهَا وَإِلَّا فَلَا تُكَلِّمَانِي فِيهَا فَقُلْتُمَا ادْفَعْهَا إِلَيْنَا بِذَلِكَ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ فَقَالَ الرَّهْطُ نَعَمْ قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَى ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ قَالَا نَعَمْ قَالَ أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ فَوَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا فَأَنَا أَكْفِيَكُمَاهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4940",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏جَاءَتْ ‏ ‏هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ ‏ ‏رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا قَالَ ‏ ‏لَا إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة هِنْد اِمْرَأَة أَبِي سُفْيَان سَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب ‏"
    },
    {
        "id": "4941",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَة مِنْ كَسْب زَوْجهَا \" ‏ ‏قَدْ مَرَّ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِر النِّكَاح. ‏"
    },
    {
        "id": "4942",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهِمَا السَّلَام ‏ ‏أَتَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنْ الرَّحَى وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ فَلَمْ تُصَادِفْهُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏قَالَ فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْنَا نَقُومُ فَقَالَ عَلَى مَكَانِكُمَا فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي فَقَالَ ‏ ‏أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ فِي طُلِبَ فَاطِمَة الْخَادِم , وَالْحُجَّة مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدهَا مِنْ الرَّحَى \" , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي أَوَائِل فَرْض الْخُمُس وَأَنَّ شَرْحه يَأْتِي فِي كِتَاب الدَّعَوَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَسَأَذْكُرُ شَيْئًا مِمَّا يَتَعَلَّق بِهَذَا الْبَاب فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. وَيُسْتَفَاد مِنْ قَوْله \" أَلَا أَدُلّكُمَا عَلَى خَيْر مِمَّا سَأَلْتُمَا \" أَنَّ الَّذِي يُلَازِم ذِكْر اللَّه يُعْطَى قُوَّة أَعْظَم مِنْ الْقُوَّة الَّتِي يَعْمَلهَا لَهُ الْخَادِم , أَوْ تَسْهُل الْأُمُور عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَكُون تَعَاطِيه أُمُوره أَسْهَلَ مِنْ تَعَاطِي الْخَادِم لَهَا , هَكَذَا اِسْتَنْبَطَهُ بَعْضهمْ مِنْ الْحَدِيث , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ نَفْع التَّسْبِيح مُخْتَصّ بِالدَّارِ الْآخِرَة وَنَفْع الْخَادِم مُخْتَصّ بِالدَّارِ الدُّنْيَا , وَالْآخِرَة خَيْرٌ وَأَبْقَى ‏"
    },
    {
        "id": "4943",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏أَتَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَسْأَلُهُ خَادِمًا فَقَالَ ‏ ‏أَلَا أُخْبِرُكِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْهُ تُسَبِّحِينَ اللَّهَ عِنْدَ مَنَامِكِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدِينَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتُكَبِّرِينَ اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏إِحْدَاهُنَّ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ فَمَا تَرَكْتُهَا بَعْدُ قِيلَ وَلَا لَيْلَةَ ‏ ‏صِفِّينَ ‏ ‏قَالَ وَلَا لَيْلَةَ ‏ ‏صِفِّينَ ‏",
        "sharh": "\" 7997 \" حَدِيث عَلِيٍّ الْمَذْكُور فِي الَّذِي قَبْله وَسِيَاقه أَخْصَر مِنْهُ , قَالَ الطَّبَرِيُّ : يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ كُلّ مَنْ كَانَتْ لَهَا طَاقَة مِنْ النِّسَاء عَلَى خِدْمَة بَيْتهَا فِي خَبْز أَوْ طَحْن أَوْ غَيْر ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَم الزَّوْج إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا أَنَّ مِثْلهَا يَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ. وَوَجْه الْأَخْذ أَنَّ فَاطِمَة لَمَّا سَأَلَتْ أَبَاهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَادِم لَمْ يَأْمُر زَوْجهَا بِأَنْ يَكْفِيهَا ذَلِكَ إِمَّا بِإِخْدَامِهَا خَادِمًا أَوْ بِاسْتِئْجَارِ مَنْ يَقُوم بِذَلِكَ أَوْ بِتَعَاطِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَوْ كَانَتْ كِفَايَة ذَلِكَ إِلَى عَلِيّ لَأَمَرَهُ بِهِ كَمَا أَمَرَهُ أَنْ يَسُوق إِلَيْهَا صَدَاقهَا قَبْل الدُّخُول , مَعَ أَنَّ سَوْق الصَّدَاق لَيْسَ بِوَاجِبٍ إِذَا رَضِيَتْ الْمَرْأَة أَنْ تُؤَخِّرهُ , فَكَيْف يَأْمُرهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ وَيَتْرُك أَنْ يَأْمُرهُ بِالْوَاجِبِ ؟ وَحَكَى اِبْن حَبِيب عَنْ أَصْبَغ وَابْن الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِك أَنَّ خِدْمَة الْبَيْت تَلْزَم الْمَرْأَة وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَة ذَات قَدْر وَشَرَف إِذَا كَانَ الزَّوْج مُعْسِرًا , قَالَ : وَلِذَلِكَ أَلْزَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ بِالْخِدْمَةِ الْبَاطِنَة وَعَلِيًّا بِالْخِدْمَةِ الظَّاهِرَة. وَحَكَى اِبْن بَطَّالٍ أَنَّ بَعْض الشُّيُوخ قَالَ : لَا نَعْلَم فِي شَيْء مِنْ الْآثَار أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى عَلَى فَاطِمَة بِالْخِدْمَةِ الْبَاطِنَة , وَإِنَّمَا جَرَى الْأَمْر بَيْنهمْ عَلَى مَا تَعَارَفُوهُ مِنْ حُسْن الْعِشْرَة وَجَمِيل الْأَخْلَاق , وَأَمَّا أَنْ تُجْبَر الْمَرْأَة عَلَى شَيْء مِنْ الْخِدْمَة فَلَا أَصْل لَهُ , بَلْ الْإِجْمَاع مُنْعَقِد عَلَى أَنَّ عَلَى الزَّوْج مُؤْنَة الزَّوْجَة كُلّهَا. وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الزَّوْج لَيْسَ لَهُ إِخْرَاج خَادِم الْمَرْأَة مِنْ بَيْته , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمهُ نَفَقَة الْخَادِم عَلَى حَسْب الْحَاجَة إِلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَالْكُوفِيُّونَ : يُفْرَض لَهَا وَلِخَادِمِهَا النَّفَقَة إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ تُخْدَم. وَقَالَ مَالِك وَاللَّيْث وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن : يُفْرَض لَهَا وَلِخَادِمِهَا إِذَا كَانَتْ خَطِيرَة وَشَذَّ أَهْل الظَّاهِر فَقَالُوا لَيْسَ عَلَى الزَّوْج أَنْ يُخْدِمَهَا وَلَوْ كَانَتْ بِنْت الْخَلِيفَة , وَحُجَّة الْجَمَاعَة قَوْله تَعَالَى ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) وَإِذَا اِحْتَاجَتْ إِلَى مَنْ يَخْدُمهَا فَامْتَنَعَ لَمْ يُعَاشِرهَا بِالْمَعْرُوفِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِير مِنْ مَبَاحِث هَذَا الْبَاب فِي \" بَاب الْغَيْرَة \" مِنْ أَوَاخِر النِّكَاح فِي شَرْح حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر فِي ذَلِكَ ‏"
    },
    {
        "id": "4944",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏مَا كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَصْنَعُ فِي الْبَيْتِ قَالَتْ كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( كَانَ يَكُون ) ‏ ‏سَقَطَ لَفْظ \" يَكُون \" مِنْ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْط الْمَهْنَة وَأَنَّهُ بِفَتْحِ الْمِيم وَيَجُوز كَسْرهَا فِي كِتَاب الصَّلَاة , وَقَالَ اِبْن التِّين : ضُبِطَ فِي الْأُمَّهَات بِكَسْرِ الْمِيم , وَضَبَطَهُ الْهَرَوِيُّ بِالْفَتْحِ , وَحَكَى الْأَزْهَرِيّ عَنْ شِمْرٍ عَنْ مَشَايِخه أَنَّ كَسْرهَا خَطَأ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَان خَرَجَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مَعَ شَرْح بَقِيَّة الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَاب فَضْل الْجَمَاعَة مِنْ كِتَاب الصَّلَاة. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ هُنَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْده تَرْجَمَة نَصّهَا \" بَاب هَلْ لِي مِنْ أَجْر فِي بَنِي أَبِي سَلَمَة \" وَبَعْده الْحَدِيث الْآتِي فِي \" بَاب وَعَلَى الْوَارِث مِثْلُ ذَلِكَ \" وَالرَّاجِح مَا عِنْد الْجَمَاعَة ‏"
    },
    {
        "id": "4945",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ ‏ ‏قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ ‏ ‏رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَقَالَ ‏ ‏خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان , ‏ ‏وَهِشَام ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ هِنْدًا بِنْت عُتْبَةَ ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة هِنْدًا بِالصَّرْفِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة الْمَاضِيَة فِي الْمَظَالِم بِغَيْرِ صَرْف \" هِنْد بِنْت عُتْبَةَ بْن رَبِيعَة \" أَيْ اِبْن عَبْد شَمْس بْن عَبْد مَنَافٍ. وَفِي رِوَايَة الشَّافِعِيّ عَنْ أَنَس بْن عِيَاض عَنْ هِشَام \" أَنَّ هِنْدًا أُمّ مُعَاوِيَة وَكَانَتْ هِنْد لَمَّا قُتِلَ أَبُوهَا عُتْبَةَ وَعَمّهَا شَيْبَة وَأَخُوهَا الْوَلِيد يَوْم بَدْر شَقَّ عَلَيْهَا , فَلَمَّا كَانَ يَوْم أُحُد وَقُتِلَ حَمْزَة فَرِحَتْ بِذَلِكَ وَعَمَدَتْ إِلَى بَطْنه فَشَقَّتْهَا وَأَخَذَتْ كَبِدَهُ فَلَاكَتْهَا ثُمَّ لَفَظَتْهَا , فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح وَدَخَلَ أَبُو سُفْيَان مَكَّة مُسْلِمًا - بَعْد أَنْ أَسَرَتْهُ خَيْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ اللَّيْلَة فَأَجَارَهُ الْعَبَّاس - غَضِبَتْ هِنْد لِأَجْلِ إِسْلَامه , وَأَخَذَتْ بِلِحْيَتِهِ ثُمَّ إِنَّهَا بَعْد اِسْتِقْرَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة جَاءَتْ فَأَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْمَنَاقِب أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ \" يَا رَسُول اللَّه مَا كَانَ عَلَى ظَهْر الْأَرْض مِنْ أَهْل خِبَاء أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْل خِبَائِك , وَمَا عَلَى ظَهْر الْأَرْض الْيَوْم أَهْل خِبَاء أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْل خِبَائِك. فَقَالَ : أَيْضًا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. ثُمَّ قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ أَبَا سُفْيَان إِلَخْ \" وَذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّهَا مَاتَتْ فِي الْمُحَرَّم سَنَةَ أَرْبَع عَشْرَة يَوْم مَاتَ أَبُو قُحَافَة وَالِد أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد فِي \" الطَّبَقَات \" مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا عَاشَتْ بَعْد ذَلِكَ , فَرَوَى عَنْ الْوَاقِدِيِّ عَنْ اِبْن أَبِي سَبْرَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن حَزْم \" أَنَّ عُمَر اِسْتَعْمَلَ مُعَاوِيَة عَلَى عَمَل أَخِيهِ , فَلَمْ يَزَلْ وَالِيًا لِعُمَر حَتَّى قُتِلَ وَاسْتُخْلِفَ عُثْمَان فَأَقَرَّهُ عَلَى عَمَله وَأَفْرَدَهُ بِوِلَايَةِ الشَّام جَمِيعًا , وَشَخَصَ أَبُو سُفْيَان إِلَى مُعَاوِيَة وَمَعَهُ اِبْنَاهُ عُتْبَةَ وَعَنْبَسَة , فَكَتَبَتْ هِنْد إِلَى مُعَاوِيَة قَدْ قَدِمَ عَلَيْك أَبُوك وَأَخَوَاك , فَاحْمِلْ أَبَاك عَلَى فَرَس وَأَعْطِهِ أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم , وَاحْمِلْ عُتْبَةَ عَلَى بَغْل وَأَعْطِهِ أَلْفَيْ دِرْهَم , وَاحْمِلْ عَنْبَسَةَ عَلَى حِمَار وَاعْطُهُ أَلْف دِرْهَم , فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَان : أَشْهَد بِاَللَّهِ أَنَّ هَذَا عَنْ رَأْي هِنْد \" قُلْت : كَانَ عُتْبَةَ مِنْهَا وَعَنْبَسَة مِنْ غَيْرهَا أُمّه عَاتِكَة بِنْت أَبِي أُزَيْهِر الْأَزْدِيّ. وَفِي \" الْأَمْثَال لِلْمَيْدَانِيِّ \" أَنَّهَا عَاشَتْ بَعْد وَفَاة أَبِي سُفْيَان , فَإِنَّهُ ذَكَرَ قِصَّة فِيهَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ مُعَاوِيَة أَنْ يُزَوِّجهُ أُمّه فَقَالَ : إِنَّهَا قَعَدَتْ عَنْ الْوَلَد. وَكَانَتْ وَفَاة أَبِي سُفْيَان فِي خِلَافَة عُثْمَان سَنَة اِثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ أَبَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ صَخْر بْن حَرْب بْن أُمَيَّة بْن عَبْد شَمْس زَوْجهَا , وَكَانَ قَدْ رَأْس فِي قُرَيْش بَعْد وَقْعَة بَدْر , وَسَارَ بِهِمْ فِي أُحُد , وَسَاقَ الْأَحْزَاب يَوْم الْخَنْدَق , ثُمَّ أَسْلَمَ لَيْلَة الْفَتْح كَمَا تَقَدَّمَ مَبْسُوطًا فِي الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله ( رَجُل شَحِيح ) ‏ ‏تَقَدَّمَ قَبْلُ بِثَلَاثَةِ أَبْوَاب \" رَجُل مِسِّيك \" وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطه فَالْأَكْثَر بِكَسْرِ الْمِيم وَتَشْدِيد السِّين عَلَى الْمُبَالَغَة , وَقِيلَ بِوَزْنِ شَحِيح , قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا هُوَ الْأَصَحّ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّل أَشْهَر فِي الرِّوَايَة , وَلَمْ يَظْهَر لِي كَوْن الثَّانِي أَصَحّ فَإِنَّ الْآخَر مُسْتَعْمَل كَثِيرًا مِثْل شِرِّيب وَسِكِّير وَإِنْ كَانَ الْمُخَفَّف أَيّهمَا فِيهِ نَوْع مُبَالَغَة لَكِنَّ الْمُشَدَّد أَبْلَغ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ عِبَارَة النِّهَايَة فِي كِتَاب الْأَشْخَاص حَيْثُ قَالَ : الْمَشْهُور فِي كُتُب اللُّغَة الْفَتْح وَالتَّخْفِيف. وَفِي كُتُب الْمُحَدِّثِينَ الْكَسْر وَالتَّشْدِيد. وَالشُّحّ الْبُخْل مَعَ حِرْص , وَالشُّحّ أَعَمّ مِنْ الْبُخْل لِأَنَّ الْبُخْل يَخْتَصّ بِمَنْعِ الْمَال وَالشُّحّ بِكُلِّ شَيْء , وَقِيلَ الشُّحّ لَازِم كَالطَّبْعِ وَالْبُخْل غَيْر لَازِم , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَمْ تُرِدْ هِنْد وَصْف أَبِي سُفْيَان بِالشُّحِّ فِي جَمِيع أَحْوَاله , وَإِنَّمَا وَصَفَتْ حَالهَا مَعَهُ وَأَنَّهُ كَانَ يُقَتِّر عَلَيْهَا وَعَلَى أَوْلَادهَا , وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِم الْبُخْل مُطْلَقًا فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الرُّؤَسَاء يَفْعَل ذَلِكَ مَعَ أَهْله وَيُؤْثِر الْأَجَانِب اِسْتِئْلَافًا لَهُمْ. قُلْت : وَوَرَدَ فِي بَعْض الطُّرُق لِقَوْلِ هِنْد هَذَا سَبَب يَأْتِي ذِكْره قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا مَا أَخَذْت مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَم ) ‏ ‏زَادَ الشَّافِعِيّ فِي رِوَايَته \" سِرًّا , فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ شَيْء ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ \" فَهَلْ عَلَيَّ حَرَج أَنْ أُطْعِم مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالنَا ؟ ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الْمَظَالِم \" لَا حَرَج عَلَيْك أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالْمَعْرُوفِ \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَوْله \" خُذِي \" أَمْر إِبَاحَة بِدَلِيلِ قَوْله \" لَا حَرَج \" وَالْمُرَاد بِالْمَعْرُوفِ الْقَدْر الَّذِي عُرِفَ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ الْكِفَايَة قَالَ : وَهَذِهِ الْإِبَاحَة وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَة لَفْظًا لَكِنَّهَا مُقَيَّدَة مَعْنًى , كَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ صَحَّ مَا ذَكَرْت. وَقَالَ غَيْره : يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ صِدْقهَا فِيمَا ذَكَرَتْ فَاسْتَغْنَى عَنْ التَّقْيِيد. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى جَوَاز ذِكْر الْإِنْسَان بِمَا لَا يُعْجِبهُ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْه الِاسْتِفْتَاء وَالِاشْتِكَاء وَنَحْوِ ذَلِكَ , وَهُوَ أَحَدُ الْمَوَاضِع الَّتِي تُبَاح فِيهَا الْغِيبَة. وَفِيهِ مِنْ الْفَوَائِد جَوَاز ذِكْر الْإِنْسَان بِالتَّعْظِيمِ كَاللَّقَبِ وَالْكُنْيَة , كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَر , لِأَنَّ أَبَا سُفْيَان كَانَ مَشْهُورًا بِكُنْيَتِهِ دُونِ اِسْمِهِ فَلَا يَدُلّ قَوْلهَا \" إِنَّ أَبَا سُفْيَان \" عَلَى إِرَادَة التَّعْظِيم. وَفِيهِ جَوَاز اِسْتِمَاع كَلَامِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ فِي غِيبَة الْآخِر. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ نَسَبَ إِلَى نَفْسه أَمْرًا عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَة فَلْيَقْرُنْهُ بِمَا يُقِيم عُذْره فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَاز سَمَاع كَلَامِ الْأَجْنَبِيَّة عِنْد الْحُكْم وَالْإِفْتَاء عِنْد مَنْ يَقُول إِنَّ صَوْتهَا عَوْرَة وَيَقُول جَازَ هُنَا لِلضَّرُورَةِ. وَفِيهِ أَنَّ الْقَوْل قَوْل الزَّوْجَة فِي قَبْض النَّفَقَة , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْج إِنَّهُ مُنْفِق لَكُلِّفَتْ هَذِهِ الْبَيِّنَة عَلَى إِثْبَات عَدَم الْكِفَايَة وَأَجَابَ الْمَازِرِيّ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَعْلِيق الْفُتْيَا لَا الْقَضَاء. وَفِيهِ وُجُوب نَفَقَة الزَّوْجَة وَأَنَّهَا مُقَدَّرَة بِالْكِفَايَةِ , وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الْعُلَمَاء , وَهُوَ قَوْل لِلشَّافِعَيَّ حَكَاهُ الْجُوَيْنِيّ , وَالْمَشْهُور عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ قَدَّرَهَا بِالْأَمْدَادِ فَعَلَى الْمُوسِر كُلّ يَوْم مُدَّانِ وَالْمُتَوَسِّط مُدّ وَنِصْف وَالْمُعْسِر مُدّ , وَتَقْرِيرهَا بِالْأَمْدَادِ رِوَايَة عَنْ مَالِك أَيْضًا , قَالَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح مُسْلِم \" : وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة عَلَى أَصْحَابنَا. قُلْت : وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الرَّدّ عَلَيْهِمْ , لَكِنَّ التَّقْدِير بِالْأَمْدَادِ مُحْتَاج إِلَى دَلِيل فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَتْ الْكِفَايَة فِي حَدِيث الْبَاب عَلَى الْقَدْر الْمُقَدَّر بِالْأَمْدَادِ , فَكَأَنَّهُ كَانَ يُعْطِيهَا وَهُوَ مُوسِر مَا يُعْطِي الْمُتَوَسِّط فَأَذِنَ لَهَا فِي أَخْذِ التَّكْمِلَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ فِي \" بَابِ وُجُوب النَّفَقَة عَلَى الْأَهْل \" وَفِيهِ اِعْتِبَار النَّفَقَة بِحَالِ الزَّوْجَة , وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّة , وَاخْتَارَ الْخَصَّاف مِنْهُمْ أَنَّهَا مُعْتَبَرَة بِحَالِ الزَّوْجَيْنِ مَعًا , قَالَ صَاحِب \" الْهِدَايَة \" وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى , وَالْحُجَّة فِيهِ ضَمّ قَوْله تَعَالَى ( لِيُنْفِق ذُو سَعَة مِنْ سَعَته ) الْآيَة إِلَى هَذَا الْحَدِيث , وَذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّة إِلَى اِعْتِبَار حَالِ الزَّوْج تَمَسُّكًا بِالْآيَةِ , وَهُوَ قَوْل بَعْض الْحَنَفِيَّة , وَفِيهِ وُجُوب نَفَقَة الْأَوْلَاد بِشَرْطِ الْحَاجَة , وَالْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة اِعْتِبَار الصِّغَر أَوْ الزَّمَانَة. وَفِيهِ وُجُوب نَفَقَة خَادِم الْمَرْأَة عَلَى الزَّوْج , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لِأَنَّ أَبَا سُفْيَان كَانَ رَئِيس قَوْمه وَيَبْعُد أَنْ يَمْنَع زَوْجَته وَأَوْلَاده النَّفَقَة , فَكَأَنَّهُ كَانَ يُعْطِيهَا قَدْر كِفَايَتهَا وَوَلَدِهَا دُون مَنْ يَخْدُمهُمْ فَأَضَافَتْ ذَلِكَ إِلَى نَفْسهَا لِأَنَّ خَادِمهَا دَاخِل فِي جُمْلَتهَا. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يُتَمَسَّكَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي بَعْض طُرُقه \" أَنْ أُطْعِم مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالنَا \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوب نَفَقَة الِابْن عَلَى الْأَب وَلَوْ كَانَ الِابْن كَبِيرًا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا وَاقِعَة عَيْن وَلَا عُمُوم فِي الْأَفْعَال , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُ الْمُرَاد بِقَوْلِهَا \" بَنِيّ \" بَعْضهمْ أَيْ مَنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا زَمِنًا لَا جَمِيعهمْ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ عِنْد غَيْره حَقّ وَهُوَ عَاجِز عَنْ اِسْتِيفَائِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذ مِنْ مَالِهِ قَدْر حَقِّهِ بِغَيْرِ إِذْنه , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة , وَتُسَمَّى مَسْأَلَة الظَّفَر , وَالرَّاجِح عِنْدهمْ لَا يَأْخُذ غَيْر جِنْس حَقِّهِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ جِنْس حَقِّهِ , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة الْمَنْع , وَعَنْهُ يَأْخُذ جِنْس حَقِّهِ وَلَا يَأْخُذ مِنْ غَيْر جِنْس حَقِّهِ إِلَّا أَحَد النَّقْدَيْنِ بَدَل الْآخَر , وَعَنْ مَالِك ثَلَاث رِوَايَات كَهَذِهِ الْآرَاء , وَعَنْ أَحْمَد الْمَنْع مُطْلَقًا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَشْخَاص وَالْمُلَازَمَة , قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُؤْخَذ مِنْ حَدِيث هِنْد جَوَاز أَخْذ الْجِنْس وَغَيْر الْجِنْس , لِأَنَّ مَنْزِل الشَّحِيح لَا يَجْمَع كُلّ مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ مِنْ النَّفَقَة وَالْكِسْوَة وَسَائِر الْمَرَافِق اللَّازِمَة وَقَدْ أَطْلَقَ لَهَا الْإِذْن فِي أَخْذِ الْكِفَايَة مِنْ مَالِهِ , قَالَ : وَيَدُلّ عَلَى صِحَّة ذَلِكَ قَوْلهَا فِي رِوَايَة أُخْرَى \" وَإِنَّهُ لَا يُدْخِل عَلَى بَيْتِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي \". قُلْت : وَلَا دَلَالَة فِيهِ لِمَا اِدَّعَاهُ مِنْ أَنَّ بَيْت الشَّحِيح لَا يَحْتَوِي عَلَى كُلّ مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ لِأَنَّهَا نَفَتْ الْكِفَايَة مُطْلَقًا فَتَنَاوَلَ جِنْس مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ وَمَا لَا يَحْتَاج إِلَيْهِ , وَدَعْوَاهُ أَنَّ مَنْزِل الشَّحِيح كَذَلِكَ مُسَلَّمَة لَكِنْ مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ مَنْزِل أَبِي سُفْيَان كَانَ كَذَلِكَ ؟ وَاَلَّذِي يَظْهَر مِنْ سِيَاق الْقِصَّة أَنَّ مَنْزِله كَانَ فِيهِ كُلّ مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَا يُمَكِّنهَا إِلَّا مِنْ الْقَدْر الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ فَاسْتَأْذَنَتْ أَنْ تَأْخُذ زِيَادَة عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمه , وَقَدْ وَجَّهَ اِبْنُ الْمُنَيِّرِقَوْله إِنَّ فِي قِصَّة هِنْد دَلَالَة عَلَى أَنَّ لِصَاحِبِ الْحَقّ أَنْ يَأْخُذ مِنْ غَيْر جِنْس حَقِّهِ بِحَيْثُ يَحْتَاج إِلَى التَّقْوِيم , لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَذِنَ لِهِنْدٍ أَنْ تَفْرِض لِنَفْسِهَا وَعِيَالهَا قَدْر الْوَاجِب , وَهَذَا هُوَ التَّقْوِيم بِعَيْنِهِ بَلْ هُوَ أَدَقّ مِنْهُ وَأَعْسَر. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ : مَدْخَلًا فِي الْقِيَام عَلَى أَوْلَادهَا وَكَفَالَتهمْ وَالْإِنْفَاق عَلَيْهِمْ , وَفِيهِ اِعْتِمَاد الْعُرْف فِي الْأُمُور الَّتِي لَا تَحْدِيد فِيهَا مِنْ قِبَل الشَّرْع. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِيهِ اِعْتِبَار الْعُرْف فِي الشَّرْعِيَّات خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ لَفْظًا وَعَمِلَ بِهِ مَعْنًى كَالشَّافِعِيَّةِ , كَذَا قَالَ , وَالشَّافِعِيَّة إِنَّمَا أَنْكَرُوا الْعَمَل بِالْعُرْفِ إِذَا عَارَضَهُ النَّصّ الشَّرْعِيّ أَوْ لَمْ يُرْشِد النَّصّ الشَّرْعِيّ إِلَى الْعُرْف , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ عَلَى جَوَاز الْقَضَاء عَلَى الْغَائِب , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَحْكَام أَنَّ الْبُخَارِيّ تَرْجَمَ \" الْقَضَاء عَلَى الْغَائِب \" وَأَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ هِشَام بِلَفْظِ \" إِنَّ أَبَا سُفْيَان رَجُل شَحِيح فَأَحْتَاج أَنْ آخُذ مِنْ مَالِهِ , قَالَ : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ \" وَذَكَرَ النَّوَوِيّ أَنَّ جَمْعًا مِنْ الْعُلَمَاء مِنْ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ وَمِنْ غَيْرهمْ اِسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيث لِذَلِكَ , حَتَّى قَالَ الرَّافِعِيّ فِي \" الْقَضَاء عَلَى الْغَائِب \" : اِحْتَجَّ أَصْحَابنَا عَلَى الْحَنَفِيَّة فِي مَنْعهمْ الْقَضَاء عَلَى الْغَائِب بِقِصَّةِ هِنْد , وَكَانَ ذَلِكَ قَضَاء مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى زَوْجهَا وَهُوَ غَائِب , قَالَ النَّوَوِيّ : وَلَا يَصِحّ الِاسْتِدْلَال , لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ بِمَكَّة وَكَانَ أَبُو سُفْيَان حَاضِرًا بِهَا , وَشَرْط الْقَضَاء عَلَى الْغَائِب أَنْ يَكُونُ غَائِبًا عَنْ الْبَلَد أَوْ مُسْتَتِرًا لَا يَقْدِر عَلَيْهِ أَوْ مُتَعَزِّزًا , وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الشَّرْط فِي أَبِي سُفْيَان مَوْجُودًا فَلَا يَكُونُ قَضَاء عَلَى الْغَائِب بَلْ هُوَ إِفْتَاء , وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيّ فِي عِدَّة مَوَاضِع أَنَّهُ كَانَ إِفْتَاء ا ه وَاسْتَدَلَّ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ غَائِبًا بِقَوْلِ هِنْد \" لَا يُعْطِينِي \" إِذْ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَقَالَتْ لَا يُنْفِق عَلَيَّ , لِأَنَّ الزَّوْج هُوَ الَّذِي يُبَاشِر الْإِنْفَاق. وَهَذَا ضَعِيف لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَادَته أَنْ يُعْطِيهَا جُمْلَة وَيَأْذَن لَهَا فِي الْإِنْفَاق مُفَرَّقًا. نَعَمْ قَوْل النَّوَوِيّ إِنَّ أَبَا سُفْيَان كَانَ حَاضِرًا بِمَكَّة حَقّ , وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى الْجَزْم بِذَلِكَ السُّهَيْلِيّ , بَلْ أَوْرَدَ أَخَصّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ أَبَا سُفْيَان كَانَ جَالِسًا مَعَهَا فِي الْمَجْلِس , لَكِنْ لَمْ يَسُقْ إِسْنَاده , وَقَدْ ظَفِرْت بِهِ فِي \" طَبَقَات اِبْنِ سَعْد \" أَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ رِجَاله رِجَال الصَّحِيح , إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَل عَنْ الشَّعْبِيّ \" أَنَّ هِنْدًا لَمَّا بَايَعَتْ وَجَاءَ قَوْله وَلَا يَسْرِقْنَ قَالَتْ : قَدْ كُنْت أَصَبْت مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَان فَقَالَ أَبُو سُفْيَان : فَمَا أَصَبْت مِنْ مَالِي فَهُوَ حَلَال لَك \". قُلْت : وَيُمْكِن تَعَدُّد الْقِصَّة وَأَنَّ هَذَا وَقَعَ لَمَّا بَايَعَتْ ثُمَّ جَاءَتْ مَرَّة أُخْرَى فَسَأَلَتْ عَنْ الْحُكْم , وَتَكُونُ فَهِمَتْ مِنْ الْأَوَّل إِحْلَال أَبِي سُفْيَان لَهَا مَا مَضَى فَسَأَلَتْ عَمَّا يُسْتَقْبَل , لَكِنْ يُشْكِل عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ اِبْنِ مَنْدَهْ فِي \" الْمَعْرِفَة \" مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن زَاذَانَ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" قَالَتْ هِنْد لِأَبِي سُفْيَان : إِنِّي أُرِيدَ أَنْ أُبَايِع , قَالَ : فَإِنْ فَعَلْت فَاذْهَبِي مَعَك بِرَجُلٍ مِنْ قَوْمك , فَذَهَبَتْ إِلَى عُثْمَان فَذَهَبَ مَعَهَا , فَدَخَلَتْ مُنْتَقِبَة فَقَالَ : بَايِعِي أَنْ لَا تُشْرِكِي \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" فَلَمَّا فَرَغَتْ قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أَبَا سُفْيَان رَجُل بَخِيل - الْحَدِيث - قَالَ : مَا تَقُول يَا أَبَا سُفْيَان ؟ قَالَ : أَمَّا يَابِسًا فَلَا , وَأَمَّا رَطْبًا فَأُحِلّهُ \" وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي \" الْمَعْرِفَة \" أَنَّ عَبْد اللَّه تَفَرَّدَ بِهِ بِهَذَا السِّيَاق وَهُوَ ضَعِيف , وَأَوَّل حَدِيثه يَقْتَضِي أَنَّ أَبَا سُفْيَان لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَآخِرُهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَاضِرًا ; لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونُ كُلّ مِنْهُمَا تَوَجَّهَ وَحْده أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ لَمَّا اِشْتَكَتْ مِنْهُ , وَيُؤَيِّد هَذَا الِاحْتِمَال الثَّانِي مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي تَفْسِير الْمُمْتَحِنَة مِنْ \" الْمُسْتَدْرَك \" عَنْ فَاطِمَة بِنْتِ عُتْبَةَ \" أَنَّ أَبَا حُذَيْفَة بْن عُتْبَةَ ذَهَبَ بِهَا وَبِأُخْتِهَا هِنْد يُبَايِعَانِ , فَلَمَّا اِشْتَرَطَ وَلَا يَسْرِقْنَ قَالَتْ هِنْد : لَا أُبَايِعك عَلَى السَّرِقَة , إِنِّي أَسْرِق مِنْ زَوْجِي , فَكَفَّ حَتَّى أَرْسَلَ إِلَى أَبِي سُفْيَان يَتَحَلَّل لَهَا مِنْهُ فَقَالَ : أَمَّا الرَّطْب فَنَعَمْ وَأَمَّا الْيَابِس فَلَا \" وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يُرِدْ أَنَّ قِصَّة هِنْد كَانَ قَضَاء عَلَى أَبِي سُفْيَان وَهُوَ غَائِب , بَلْ اِسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى صِحَّة الْقَضَاء عَلَى الْغَائِب وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَضَاء عَلَى غَائِب بِشَرْطِهِ , بَلْ لَمَّا كَانَ أَبُو سُفْيَان غَيْر حَاضِرِ مَعَهَا فِي الْمَجْلِس وَأَذِنَ لَهَا أَنْ تَأْخُذ مِنْ مَالَهُ بِغَيْرِ إِذْنه قَدْر كِفَايَتهَا كَانَ فِي ذَلِكَ نَوْع قَضَاء عَلَى الْغَائِب فَيَحْتَاج مَنْ مَنَعَهُ أَنْ يُجِيب عَنْ هَذَا , وَقَدْ اِنْبَنَى عَلَى هَذَا الْخِلَاف يَتَفَرَّع مِنْهُ وَهُوَ أَنَّ الْأَب إِذَا غَابَ أَوْ اِمْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاق عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِير أَذِنَ الْقَاضِي لِلْأُمِّ إِذَا كَانَتْ فِيهَا أَهْلِيَّة ذَلِكَ فِي الْأَخْذ مِنْ مَالِ الْأَب إِنْ أَمْكَنَ أَوْ فِي الِاسْتِقْرَاض عَلَيْهِ وَالْإِنْفَاق عَلَى الصَّغِير , وَهَلْ لَهَا الِاسْتِقْلَال بِذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْن الْقَاضِي ؟ وَجْهَانِ يَنْبَنِيَانِ عَلَى الْخِلَاف فِي قِصَّة هِنْد , فَإِنْ كَانَتْ إِفْتَاء جَازَ لَهَا الْأَخْذ بِغَيْرِ إِذْن , وَإِنْ كَانَتْ قَضَاء فَلَا يَجُوز إِلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي. وَمِمَّا رَجَّحَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ قَضَاء لَا فُتْيَا التَّعْبِير بِصِيغَةِ الْأَمْر حَيْثُ قَالَ لَهَا \" خُذِي \" وَلَوْ كَانَ فُتْيَا لَقَالَ مَثَلًا : لَا حَرَج عَلَيْك إِذَا أَخَذْت , وَلِأَنَّ الْأَغْلَب مِنْ تَصَرُّفَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هُوَ الْحُكْم. وَمِمَّا رَجَّحَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ فَتْوَى وُقُوع الِاسْتِفْهَام فِي الْقِصَّة فِي قَوْلهَا \" هَلْ عَلَيَّ جُنَاح \" ؟ وَلِأَنَّهُ فَوَّضَ تَقْدِير الِاسْتِحْقَاق إِلَيْهَا , وَلَوْ كَانَ قَضَاء لَمْ يُفَوِّضهُ إِلَى الْمُدَّعِي , وَلِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْلِفهَا عَلَى مَا اِدَّعَتْهُ وَلَا كَلَّفَهَا الْبَيِّنَة , وَالْجَوَاب أَنَّ فِي تَرْك تَحْلِيفهَا أَوْ تَكْلِيفهَا الْبَيِّنَة حُجَّة لِمَنْ أَجَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُم بِعِلْمِهِ فَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ صِدْقهَا فِي كُلّ مَا اِدَّعَتْ بِهِ , وَعَنْ الِاسْتِفْهَام أَنَّهُ لَا اِسْتِحَالَة فِيهِ مِنْ طَالِب الْحُكْم , وَعَنْ تَفْوِيض قَدْر الِاسْتِحْقَاق أَنَّ الْمُرَاد الْمَوْكُول إِلَى الْعُرْف كَمَا تَقَدَّمَ , وَسَيَأْتِي بَيَان الْمَذَاهِب فِي الْقَضَاء عَلَى الْغَائِب فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏أَشْكَلَ عَلَى بَعْضهمْ اِسْتِدْلَال الْبُخَارِيّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى مَسْأَلَة الظَّفَر فِي كِتَاب الْأَشْخَاص حَيْثُ تَرْجَمَ لَهُ \" قِصَاص الْمَظْلُوم إِذَا وَجَدَ مَال ظَالِمه \" وَاسْتِدْلَاله بِهِ عَلَى جَوَاز الْقَضَاء عَلَى الْغَائِب , لِأَنَّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى مَسْأَلَة الظَّفَر لَا تَكُون إِلَّا عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ مَسْأَلَة هِنْد كَانَتْ عَلَى طَرِيق الْفَتْوَى , وَالِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى مَسْأَلَة الْقَضَاء عَلَى الْغَائِب لَا يَكُون إِلَّا عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهَا كَانَتْ حُكْمًا. وَالْجَوَاب أَنْ يُقَال : كُلّ حُكْم يَصْدُر مِنْ الشَّارِع فَإِنَّهُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَة الْإِفْتَاء بِذَلِكَ الْحُكْم فِي مِثْل تِلْكَ الْوَاقِعَة , فَيَصِحّ الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْقِصَّة لِلْمَسْأَلَتَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْبَاب مُقَدَّمًا عَلَى بَابَيْنِ عِنْد أَبِي نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" ‏"
    },
    {
        "id": "4946",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏وَأَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ نِسَاءُ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَقَالَ الْآخَرُ ‏ ‏صَالِحُ نِسَاءِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ ‏ ‏وَيُذْكَرُ عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏وَابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا اِبْن طَاوُسٍ ) ‏ ‏اِسْمه عَبْد اللَّه. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِيهِ وَأَبُو الزِّنَاد ) ‏ ‏هُوَ عَطْف عَلَى اِبْن طَاوُسٍ لَا عَلَى طَاوُسٍ. وَحَاصِله أَنَّ لِسُفْيَان بْن عُيَيْنَة فِيهِ إِسْنَادَيْنِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَة. وَوَقَعَ فِي مُسْنَد الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" وَحَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَاد \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله ( خَيْر نِسَاء رَكِبْنَ الْإِبِل نِسَاء قُرَيْش , وَقَالَ الْآخَر : صَالِح نِسَاء قُرَيْش ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" صُلَّح \" بِضَمِّ الصَّاد وَتَشْدِيد اللَّام بَعْدهَا مُهْمَلَة وَهِيَ صِيغَة جَمْع , وَحَاصِله أَنَّ أَحَد شَيْخَيْ سُفْيَان اِقْتَصَرَ عَلَى نِسَاء قُرَيْش وَزَادَ الْآخَر صَالِح , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم عَنْ اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان \" قَالَ أَحَدهمَا : صَالِح نِسَاء قُرَيْشٍ , وَقَالَ الْآخَر : نِسَاء قُرَيْش \" وَلَمْ أَرَهُ عَنْ سُفْيَان إِلَّا مُبْهَمًا , لَكِنْ ظَهَرَ مِنْ رِوَايَة شُعَيْب عَنْ أَبِي الزِّنَاد الْمَاضِيَة فِي أَوَّل النِّكَاح وَمِنْ رِوَايَة مَعْمَر عَنْ اِبْن طَاوُسٍ عِنْد مُسْلِم أَنَّ الَّذِي زَادَ لَفْظَة \" صَالِح \" هُوَ اِبْن طَاوُسٍ وَوَقَعَ فِي أَوَّله عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بَيَان سَبَب الْحَدِيث وَلَفْظه \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ أُمّ هَانِئ بِنْت أَبِي طَالِب فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي قَدْ كَبِرْت وَلِي عِيَال \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَلَهُ \" أَحْنَاهُ عَلَى \" بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ نُون مِنْ الْحُنُوّ وَهُوَ الْعَطْف وَالشَّفَقَة \" وَأَرْعَاهُ \" مِنْ الرِّعَايَة وَهِيَ الْإِبْقَاء , قَالَ اِبْن التِّين : الْحَانِيَة عِنْد أَهْل اللُّغَة الَّتِي تُقِيم عَلَى وَلَدهَا فَلَا تَتَزَوَّج , فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلَيْسَتْ بِحَانِيَةٍ. ‏ ‏قَوْله ( فِي ذَات يَده ) ‏ ‏قَالَ قَاسِم بْن ثَابِت فِي \" الدَّلَائِل \" : ذَات يَده وَذَات بَيْننَا وَنَحْو ذَلِكَ صِفَة لِمَحْذُوفِ مُؤَنَّث كَأَنَّهُ يَعْنِي الْحَال الَّتِي هِيَ بَيْنهمْ , وَالْمُرَاد بِذَاتِ يَده مَاله وَمَكْسَبه. وَأَمَّا قَوْلهمْ لَقِيته ذَات يَوْم فَالْمُرَاد لُقَاة أَوْ مَرَّة , فَلَمَّا حَذَفَ الْمَوْصُوف وَبَقِيَتْ الصِّفَة صَارَتْ كَالْحَالِ. ‏ ‏قَوْله ( وَيُذْكَر عَنْ مُعَاوِيَة وَابْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَمَّا حَدِيث مُعَاوِيَة وَهُوَ اِبْن أَبِي سُفْيَان فَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق زَيْد بْن غِيَاث عَنْ مُعَاوِيَة \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ مِثْل رِوَايَة اِبْن طَاوُسٍ فِي جُمْلَة أَحَادِيث وَرِجَاله مُوَثَّقُونَ , وَفِي بَعْضهمْ مَقَال لَا يَقْدَح. وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس فَأَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا مِنْ طَرِيق شَهْر بْن حَوْشَبٍ حَدَّثَنِي اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ اِمْرَأَة مِنْ قَوْمه يُقَال لَهَا سَوْدَة وَكَانَ لَهَا خَمْسَة صِبْيَان أَوْ سِتَّة مِنْ بَعْل لَهَا مَاتَ , فَقَالَتْ لَهُ : مَا يَمْنَعنِي مِنْك أَنْ لَا تَكُون أَحَبَّ الْبَرِّيَّة إِلَيَّ إِلَّا أَنِّي أُكْرِمُكَ أَنْ تَضْغُوَ هَذِهِ الصِّبْيَة عِنْد رَأْسك , فَقَالَ لَهَا : يَرْحَمك اللَّه إِنَّ خَيْر نِسَاء رَكِبْنَ أَعْجَاز الْإِبِل صَالِح نِسَاء قُرَيْش \" الْحَدِيث وَسَنَده حَسَن , وَلَهُ طَرِيق أُخْرَى أَخْرَجَهَا قَاسِم بْن ثَابِت فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق , الْحَكَم بْن أَبَان عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس بِاخْتِصَارِ الْقِصَّة , وَهَذِهِ الْمَرْأَة يَحْتَمِل أَنْ تَكُون أُمّ هَانِئ الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَلَعَلَّهَا كَانَتْ تُلَقَّب سَوْدَة فَإِنَّ الْمَشْهُور أَنَّ اِسْمهَا فَاخِتَة وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون اِمْرَأَة أُخْرَى , وَلَيْسَتْ سَوْدَة بِنْت زِمْعَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا قَدِيمًا بِمَكَّة بَعْد مَوْت خَدِيجَة وَدَخَلَ بِهَا قَبْل أَنْ يَدْخُل بِعَائِشَة وَمَاتَ وَهِيَ فِي عِصْمَته , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَاضِحًا , وَتَقَدَّمَ شَرْح الْمَتْن مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِل كِتَاب النِّكَاح ‏"
    },
    {
        "id": "4947",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آتَى إِلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حُلَّةً سِيَرَاءَ فَلَبِسْتُهَا فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَشَقَّقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَلِيّ فِي الْحُلَّة السِّيَرَاء وَقَوْله \" فَشَقَقْتهَا بَيْن نِسَائِي \" ‏ ‏قَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِوَجْه الْمُطَابَقَة أَنَّ الَّذِي حَصَلَ لِزَوْجَتِهِ فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام مِنْ الْحُلَّة قِطْعَة فَرَضِيَتْ بِهَا اِقْتِصَادًا بِحَسَبِ الْحَال لَا إِسْرَافًا , وَأَمَّا حُكْم الْمَسْأَلَة فَقَالَ اِبْن بَطَّالٍ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ مَعَ النَّفَقَة عَلَى الزَّوْج كِسْوَتهَا وُجُوبًا , وَذَكَرَ بَعْضهمْ أَنَّهُ يَلْزَمهُ أَنْ يَكْسُوهَا مِنْ الثِّيَاب كَذَا , وَالصَّحِيح فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَحْمِل أَهْل الْبُلْدَان عَلَى نَمَط وَاحِد , وَأَنَّ عَلَى أَهْل كُلّ بَلَد مَا يَجْرِي فِي عَادَتِهُمْ بِقَدْرِ مَا يُطِيقهُ الزَّوْج عَلَى قَدْر الْكِفَايَة لَهَا , وَعَلَى قَدْر يُسْره وَعُسْره ا ه. وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدّ عَلَى الشَّافِعِيَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي النَّفَقَة قَرِيبًا وَالْكِسْوَة فِي مَعْنَاهَا , وَحَدِيث عَلِيّ سَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله \" آتَى إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" بِالْمَدِّ أَيْ أَعْطَى , ثُمَّ ضَمَّنَ أَعْطَى مَعْنَى أَهْدَى أَوْ أَرْسَلَ لِذَلِكَ عَدَّاهُ بِإِلَيَّ وَهِيَ بِالتَّشْدِيدِ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ \" بَعَثَ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن عَبْدُوس \" أَهْدَى \" وَلَا تَضْمِين فِيهَا , وَمَنْ قَرَأَ \" إِلَى \" بِالتَّخْفِيفِ بِلَفْظِ حَرْف الْجَرّ و \" أَتَى \" بِمَعْنَى جَاءَ لَزِمَهُ أَنْ يَقُول \" حُلَّة سِيَرَاء \" بِالرَّفْعِ وَيَكُون فِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره فَأَعْطَانِيهَا فَلَبِسْتهَا إِلَى آخِره , قَالَ اِبْن التِّين : ضُبِطَ عِنْد الشَّيْخ أَبِي الْحَسَن \" أَتَى \" بِالْقَصْرِ أَيْ جَاءَ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى جَاءَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحُلَّةِ فَحَذَفَ ضَمِير الْمُتَكَلِّم وَحَذَفَ الْبَاء فَانْتَصَبَتْ ; وَالْحُلَّة إِزَار وَرِدَاء , وَالسِّيَرَاء بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَفَتْح التَّحْتَانِيَّة وَبِالْمَدِّ مِنْ أَنْوَاع الْحَرِير , وَقَوْله \" بَيْن نِسَائِي \" يُوهِمُ زَوْجَاته وَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِينَئِذٍ زَوْجَة إِلَّا فَاطِمَة , فَالْمُرَاد بِنِسَائِهِ زَوْجَته مَعَ أَقَارِبه , وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة \" بَيْن الْفَوَاطِم \" ‏"
    },
    {
        "id": "4948",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَلَكَ أَبِي وَتَرَكَ سَبْعَ بَنَاتٍ أَوْ تِسْعَ بَنَاتٍ فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً ثَيِّبًا فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَزَوَّجْتَ يَا ‏ ‏جَابِرُ ‏ ‏فَقُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا قُلْتُ بَلْ ثَيِّبًا قَالَ ‏ ‏فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏هَلَكَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ فَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ أَوْ قَالَ خَيْرًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4949",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏فَقَالَ هَلَكْتُ قَالَ وَلِمَ قَالَ ‏ ‏وَقَعْتُ ‏ ‏عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَانَ قَالَ ‏ ‏فَأَعْتِقْ رَقَبَةً قَالَ لَيْسَ عِنْدِي قَالَ فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا أَسْتَطِيعُ قَالَ فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لَا أَجِدُ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ أَيْنَ السَّائِلُ قَالَ هَا أَنَا ذَا قَالَ تَصَدَّقْ بِهَذَا قَالَ عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ ‏ ‏لَابَتَيْهَا ‏ ‏أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا فَضَحِكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ قَالَ فَأَنْتُمْ إِذًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة الَّذِي وَقَعَ عَلَى اِمْرَأَته فِي رَمَضَان , قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الصِّيَام ‏"
    },
    {
        "id": "4950",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي ‏ ‏بَنِي ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ قَالَ ‏ ‏نَعَمْ لَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4951",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏هِنْدُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ ‏ ‏رَجُلٌ شَحِيحٌ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِينِي وَبَنِيَّ قَالَ ‏ ‏خُذِي بِالْمَعْرُوفِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4952",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ ‏ ‏هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ , وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ \" وَأَمَّا لَفْظ التَّرْجَمَة فَأَوْرَدَهُ فِي الِاسْتِقْرَاض مِنْ طَرِيق أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ ; وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا \" وَمِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَمْرَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَمَنْ تَرَكَ دُنْيَا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ \" وَالضَّيَاع تَقَدَّمَ ضَبْطه وَتَفْسِيره فِي الْكَفَالَة وَفِي الِاسْتِقْرَاض , وَتَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث فِي الْكَفَالَة وَفِي تَفْسِير الْأَحْزَاب , وَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْفَرَائِض إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَأَرَادَ الْمُصَنِّف بِإِدْخَالِهِ فِي أَبْوَاب النَّفَقَات الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ أَوْلَاد وَلَمْ يَتْرُك لَهُمْ شَيْئًا فَإِنَّ نَفَقَتهمْ تَجِب فِي بَيْت مَال الْمُسْلِمِينَ وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4953",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّ ‏ ‏أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ قُلْتُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ انْكِحْ ‏ ‏أُخْتِي ‏ ‏بِنْتَ ‏ ‏أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَتُحِبِّينَ ذَلِكِ قُلْتُ نَعَمْ لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي الْخَيْرِ ‏ ‏أُخْتِي ‏ ‏فَقَالَ إِنَّ ذَلِكِ لَا يَحِلُّ لِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ إِنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ ‏ ‏دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏فَقَالَ بِنْتَ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي إِنَّهَا بِنْتُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي ‏ ‏وَأَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏ثُوَيْبَةُ ‏ ‏فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏ثُوَيْبَةُ ‏ ‏أَعْتَقَهَا ‏ ‏أَبُو لَهَبٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏ذَكَرَ حَدِيث أُمّ حَبِيبَة فِي قَوْلهَا \" اِنْكِحْ أُخْتِي \" ‏ ‏وَفِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا ذَكَرَتْ لَهُ دُرَّة بِنْت أَبِي سَلَمَة فَقَالَ \" بِنْت أُمّ سَلَمَة \" ؟ وَإِنَّمَا اِسْتَثْبَتَهَا فِي ذَلِكَ لِيَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْحُكْم , لِأَنَّ بِنْت أَبِي سَلَمَة مِنْ غَيْر أُمّ سَلَمَة تَحِلّ لَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ أَبُو سَلَمَة رَضِيعه , لِأَنَّهَا لَيْسَتْ رَبِيبَة , بِخِلَافِ بِنْت أَبِي سَلَمَة مِنْ أُمّ سَلَمَة. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب النِّكَاح وَقَوْله فِي آخِره \" قَالَ شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُرْوَة ثُوَيْبَة أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَب \" تَقَدَّمَ هَذَا التَّعْلِيق مَوْصُولًا فِي جُمْلَة الْحَدِيث الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ فِي أَوَائِل النِّكَاح , وَسِيَاق مُرْسَل عُرْوَة أَتَمّ مِمَّا هُنَا , وَتَقَدَّمَ شَرْحه , وَأَرَادَ بِذِكْرِهِ هُنَا إِيضَاح أَنَّ ثُوَيْبَة كَانَتْ مَوْلَاة لِيُطَابِق التَّرْجَمَة , وَوَجْه إِيرَادهَا فِي أَبْوَاب النَّفَقَات الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ إِرْضَاع الْأُمّ لَيْسَ مُتَحَتِّمًا بَلْ لَهَا أَنْ تُرْضِع وَلَهَا أَنْ تَمْتَنِع , فَإِذَا اِمْتَنَعَتْ كَانَ لِلْأَبِ أَوْ الْوَلِيّ إِرْضَاع الْوَلَد بِالْأَجْنَبِيَّةِ حُرَّة كَانَتْ أَوْ أَمَة مُتَبَرِّعَة كَانَتْ أَوْ بِأُجْرَةٍ وَالْأُجْرَة تَدْخُل فِي النَّفَقَة. وَقَالَ اِبْن بَطَّالٍ : كَانَتْ الْعَرَب تَكْرَه رَضَاع الْإِمَاء وَتَرْغَب فِي رَضَاع الْعَرَبِيَّة لِنَجَابَةِ الْوَلَد , فَأَعْلَمهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ رَضَعَ مِنْ غَيْر الْعَرَب وَأَنْجَبَ وَأَنَّ رَضَاع الْإِمَاء لَا يُهَجِّنُ ا ه وَهُوَ مَعْنًى حَسَن , إِلَّا أَنَّهُ لَا يُفِيد الْجَوَاب عَنْ السُّؤَال الَّذِي أَوْرَدْته. وَكَذَا قَوْل اِبْن الْمُنَيِّرِ : أَشَارَ الْمُصَنِّف إِلَى أَنَّ حُرْمَة الرَّضَاع تَنْتَشِر , سَوَاء كَانَتْ الْمُرْضِعَة حُرَّة أَمْ أَمَة. وَاللَّهُ أَعْلَم ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب النَّفَقَات مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى خَمْسَة وَعِشْرِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا ثَلَاثَة وَجَمِيعهَا مُكَرَّر إِلَّا ثَلَاثَة أَحَادِيث وَهِيَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَة \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة فِي نِسَاء قُرَيْش وَهُمَا مُعَلَّقَانِ , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيج حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة دُونهمَا. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار الْمَوْقُوفَة عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , ثَلَاثَة آثَار : أَثَر الْحَسَن فِي أَوَّله , وَأَثَر الزُّهْرِيِّ فِي الْوَالِدَات يُرْضِعْنَ , وَأَثَر أَبِي هُرَيْرَة الْمُتَّصِل بِحَدِيثِ \" أَفْضَل الصَّدَقَة مَا تَرَكَ غِنًى \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" تَقُول الْمَرْأَة إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي إِلَخْ \" وَبَيَّنَ فِي آخِره أَنَّهُ مِنْ كَلَام أَبِي هُرَيْرَة فَهُوَ مَوْقُوف مُتَّصِل الْإِسْنَاد , وَهُوَ مِنْ أَفْرَاده عَنْ مُسْلِم , بِخِلَافِ غَالِب الْآثَار الَّتِي يُورِدهَا فَإِنَّهَا مُعَلَّقَة. وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4954",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ وَفُكُّوا ‏ ‏الْعَانِيَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَالْعَانِي ‏ ‏الْأَسِيرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَطْعِمُوا الْجَائِع , وَعُودُوا الْمَرِيض ) ‏ ‏الْحَدِيث تَقَدَّمَ فِي الْوَلِيمَة مِنْ كِتَاب النِّكَاح بِلَفْظِ \" أَجِيبُوا الدَّاعِي \" بَدَل أَطْعِمُوا الْجَائِع وَمَخْرَجهمَا وَاحِد , وَكَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخِر , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْأَمْر هُنَا لِلنَّدَبِ وَقَدْ يَكُون وَاجِبًا فِي بَعْض الْأَحْوَال ا ه. وَيُؤْخَذ مِنْ الْأَمْر بِإِطْعَامِ الْجَائِع جَوَاز الشِّبَع لِأَنَّهُ مَا دَامَ قَبْل الشِّبَع فَصِفَة الْجُوع قَائِمَة بِهِ وَالْأَمْر بِإِطْعَامِهِ مُسْتَمِرّ. ‏ ‏قَوْله ( وَفَكُّوا الْعَانِي ) ‏ ‏أَيْ خَلِّصُوا الْأَسِير , مِنْ فَكَكْت الشَّيْء فَانْفَكَّ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ سُفْيَان : وَالْعَانِي الْأَسِير ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان مَنْ أَدْرَجَهُ فِي النِّكَاح , وَقِيلَ لِلْأَسِيرِ عَانٍ مَنْ عَنَا يَعْنُو إِذَا خَضَعَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4955",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ عِيسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا شَبِعَ آلُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ طَعَامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَا شَبِعَ آل مُحَمَّد مِنْ طَعَام ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى قُبِضَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِم بِلَفْظِ \" مَا شَبِعَ مُحَمَّد وَأَهْله ثَلَاثَة أَيَّام تِبَاعًا \" أَيْ مُتَوَالِيَة , وَسَيَأْتِي بَعْد هَذَا مِنْ حَدِيث عَائِشَة التَّقْيِيد أَيْضًا بِثَلَاثٍ , لَكِنَّ فِيهِ \" مِنْ خُبْز الْبُرّ \" وَعِنْد مُسْلِم \" ثَلَاث لَيَالٍ \" وَيُؤْخَذ مِنْهَا أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَيَّامِ هُنَا بِلِيَالِهَا , كَمَا أَنَّ الْمُرَاد بِاللَّيَالِيِ هُنَاكَ بِأَيَّامِهَا , وَأَنَّ الشِّبَع الْمَنْفِيّ بِقَيْدِ التَّوَالِي لَا مُطْلَقًا. وَلِمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة \" مَا شَبِعَ مِنْ خُبْز شَعِير يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ \" وَيُؤْخَذ مَقْصُوده مِنْ جَوَاز الشِّبَع فِي الْجُمْلَة مِنْ الْمَفْهُوم , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ سَبَب عَدَم شِبَعهمْ غَالِبًا كَانَ بِسَبَبِ قِلَّة الشَّيْء عِنْدهمْ , عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ يَجِدُونَ وَلَكِنْ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسهمْ , وَسَيَأْتِي بَعْد هَذَا وَفِي الرِّقَاق أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَع مِنْ خُبْز الشَّعِير \" وَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِي شَرْحه فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4956",
        "content": "‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَصَابَنِي جَهْدٌ شَدِيدٌ فَلَقِيتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَاسْتَقْرَأْتُهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَدَخَلَ دَارَهُ وَفَتَحَهَا عَلَيَّ فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي مِنْ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَقَامَنِي وَعَرَفَ الَّذِي بِي فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَحْلِهِ فَأَمَرَ لِي بِعُسٍّ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ عُدْ يَا ‏ ‏أَبَا هِرٍّ ‏ ‏فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ ثُمَّ قَالَ عُدْ فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِي فَصَارَ كَالْقِدْحِ قَالَ فَلَقِيتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏وَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِي وَقُلْتُ لَهُ فَوَلَّى اللَّهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ يَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَاللَّهِ لَقَدْ اسْتَقْرَأْتُكَ الْآيَةَ وَلَأَنَا أَقْرَأُ لَهَا مِنْكَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَاللَّهِ لَأَنْ أَكُونَ أَدْخَلْتُكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : أَصَابَنِي جَهْد شَدِيد ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْله. وَذَكَرَ مُحَدِّث الدِّيَار الْحَلَبِيَّة بُرْهَان الدِّين أَنَّ شَيْخنَا الشَّيْخ سِرَاج الدِّين الْبُلْقِينِيَّ اِسْتَشْكَلَ هَذَا التَّرْكِيب وَقَالَ : قَوْله \" وَعَنْ أَبِي حَازِم \" لَا يَصِحّ عَطْفه عَلَى قَوْله عَنْ أَبِيهِ لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ إِسْقَاط فُضَيْلٍ فَيَكُون مُنْقَطِعًا إِذْ يَصِير التَّقْدِير عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أَبِي حَازِم , قَالَ : وَلَا يَصِحّ عَطْفه عَلَى قَوْله \" وَعَنْ أَبِي حَازِم \" لِأَنَّ الْمُحَدِّث الَّذِي لَمْ يُعَيَّن هُوَ مُحَمَّد بْنُ فُضَيْلٍ فَيَلْزَم الِانْقِطَاع أَيْضًا. قَالَ : وَكَانَ اللَّائِق أَنْ يَقُول : وَبِهِ إِلَى أَبِي حَازِم انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ تَلَقَّفَهُ مِنْ شَيْخنَا فِي مَجْلِس بِسَمَاعِهِ لِلْبُخَارِيِّ , وَإِلَّا فَلَمْ يُسْمَع بِأَنَّ الشَّيْخ شَرَحَ هَذَا الْمَوْضِع , وَالْأَوَّل مُسَلَّم , وَالثَّانِي مَرْدُود لِأَنَّهُ لَا مَانِع مِنْ عَطْف الرَّاوِي لِحَدِيثِ عَلَى الرَّاوِي بِعَيْنِهِ لِحَدِيثٍ آخَرَ , فَكَأَنَّ يُوسُف قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِم بِكَذَا وَعَنْ أَبِي حَازِم بِكَذَا , وَاللَّائِق الَّذِي ذَكَرَهُ صَحِيح لَكِنَّهُ لَا يَتَعَيَّن , بَلْ لَوْ قَالَ : وَبِهِ إِلَى أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِم لَصَحَّ , أَوْ حَذَفَ قَوْله \" عَنْ أَبِيهِ \" فَقَالَ : وَبِهِ عَنْ أَبِي حَازِم لَصَحَّ , وَحَدَّثَنَا تَكُون بِهِ مُقَدَّرَة وَالْمُقَدَّرَة فِي حُكْم الْمَلْفُوظ. وَأَوْضَح مِنْهُ أَنَّ قَوْله \" وَعَنْ أَبِي حَازِم \" مَعْطُوف عَلَى قَوْله \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ إِلَخْ \" فَحَذَفَ مَا بَيْنهمَا لِلْعِلْمِ بِهِ , وَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّ هَذَا مُعَلَّقٌ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن أَبَانَ عَنْ مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ بِسَنَدٍ الْبُخَارِيّ فِيهِ , فَظَهَرَ أَنَّهُ مَعْطُوف عَلَى السَّنَد الْمَذْكُور كَمَا قُلْته أَوَّلًا وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏ ‏قَوْله ( أَصَابَنِي جَهْد شَدِيد ) أَيْ مِنْ الْجُوع , وَالْجَهْد تَقَدَّمَ أَنَّهُ بِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ بِمَعْنًى وَالْمُرَاد بِهِ الْمَشَقَّة , وَهُوَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَاسْتَقْرَأْته آيَة ) ‏ ‏أَيْ سَأَلْته أَنْ يَقْرَأ عَلَيَّ آيَة مِنْ الْقُرْآن مُعَيَّنَة عَلَى طَرِيق الِاسْتِفَادَة , وَفِي غَالِب النُّسَخ \" فَاسْتَقْرَيْته \" بِغَيْرِ هَمْزَة , وَهُوَ جَائِز عَلَى التَّسْهِيل وَإِنْ كَانَ أَصْله الْهَمْزَة. ‏ ‏قَوْله ( فَدَخَلَ دَاره وَفَتَحَهَا عَلَيَّ ) ‏ ‏أَيْ قَرَأَهَا عَلَيَّ وَأَفْهَمَنِي إِيَّاهَا , وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَة أَبِي هُرَيْرَة فِي \" الْحِلْيَة لِأَبِي نُعَيْمٍ \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ الْآيَة الْمَذْكُورَة مِنْ سُورَة آل عُمْرَانِ , وَفِيهِ \" فَقُلْت لَهُ أَقْرِئْنِي وَأَنَا لَا أُرِيدَ الْقِرَاءَة وَإِنَّمَا أُرِيدَ الْإِطْعَام \" وَكَأَنَّهُ سَهَّلَ الْهَمْزَة فَلَمْ يَفْطِن عُمَر لِمُرَادِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَخَرَرْت لِوَجْهِي مِنْ الْجَهْد ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَوَّلًا وَهُوَ شِدَّة الْجُوع , وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي \" الْحِلْيَة \" أَنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ صَائِمًا وَأَنَّهُ لَمْ يَجِد مَا يُفْطِر عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَمَرَ لِي بِعُسٍّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُهْمَلَة هُوَ الْقَدْح الْكَبِير. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى اِسْتَوَى بَطْنِي ) ‏ ‏أَيْ اِسْتَقَامَ مِنْ اِمْتِلَائِهِ مِنْ اللَّبَن. ‏ ‏قَوْله ( كَالْقِدْحِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَسُكُون الدَّال بَعْدهَا حَاء مُهْمَلَة هُوَ السَّهْم الَّذِي لَا رِيش لَهُ , وَسَيَأْتِي لِأَبِي هُرَيْرَة قِصَّة فِي شُرْب اللَّبَن مُطَوَّلَة فِي كِتَاب الرِّقَاق , وَفِيهَا أَنَّهُ قَالَ \" اِشْرَبْ , فَقَالَ : لَا أَجِد لَهُ مَسَاغًا \" وَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز الشِّبَع وَلَوْ حُمِلَ الْمُرَاد بِنَفْيِ الْمَسَاغ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَته لَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ زَادَ عَلَى الشِّبَع , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏ذَكَرَ لِي مُحَدِّث الدِّيَار الْحَلَبِيَّة بُرْهَان الدِّين أَنَّ شَيْخنَا سِرَاج الدِّين الْبُلْقِينِيَّ قَالَ : لَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة مَا يَدُلّ عَلَى الْأَطْعِمَة الْمُتَرْجَم عَلَيْهَا الْمَتْلُوّ فِيهَا الْآيَات الْمَذْكُورَة قُلْت : وَهُوَ ظَاهِر إِذَا كَانَ الْمُرَاد مُجَرَّد ذِكْر أَنْوَاع الْأَطْعِمَة , أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُرَاد بِهَا ذَلِكَ وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ مِنْ أَحْوَالهَا وَصِفَاتهَا فَالْمُنَاسَبَة ظَاهِرَة , لِأَنَّ مِنْ جُمْلَة أَحْوَالهَا النَّاشِئَة عَنْهَا الشِّبَع وَالْجُوع ; وَمِنْ جُمْلَة صِفَاتهَا الْحِلّ وَالْحُرْمَة وَالْمُسْتَلَذّ وَالْمُسْتَخْبَث , وَمِمَّا يَنْشَأ عَنْهَا الْإِطْعَام وَتَرْكه , وَكُلّ ذَلِكَ ظَاهِر مِنْ الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة. وَأَمَّا الْآيَات فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتْ الْإِذْن فِي تَنَاوُل الطَّيِّبَات , فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْأَحَادِيثِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصّ بِنَوْعٍ مِنْ الْحَلَال وَلَا الْمُسْتَلَذّ وَلَا بِحَالَةِ الشِّبَع وَلَا بِسَدِّ الرَّمَق , بَلْ يَتَنَاوَل ذَلِكَ بِحَسَبِ الْوِجْدَان وَبِحَسَبِ الْحَاجَة , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله ( تَوَلَّى ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ بَاشَرَهُ مِنْ إِشْبَاعِي وَدَفْع الْجُوع عَنِّي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي رِوَايَة \" تَوَلَّى اللَّهُ ذَلِكَ \" قَالَ و \" مَنْ \" عَلَى هَذَا مَفْعُول , وَعَلَى الْأَوَّل فَاعِل اِنْتَهَى. وَيَكُون \" تَوَلَّى \" عَلَى الثَّانِي بِمَعْنَى وَلَّى. ‏ ‏قَوْله ( وَلَأَنَا أَقْرَأ لَهَا مِنْك ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ عُمَر لَمَّا قَرَأَهَا عَلَيْهِ تَوَقَّفَ فِيهَا أَوْ فِي شَيْء مِنْهَا حَتَّى سَاغَ لِأَبِي هُرَيْرَة مَا قَالَ , وَلِذَلِكَ أَقَرَّهُ عُمَر عَلَى قَوْله. ‏ ‏قَوْله ( أَدْخَلْتُك ) ‏ ‏أَيْ الدَّار وَأَطْعَمْتُك. ‏ ‏قَوْله ( حُمْر النَّعَم ) ‏ ‏أَيْ الْإِبِل , وَلِلْحُمْرِ مِنْهَا فَضْل , عَلَى غَيْرهَا مِنْ أَنْوَاعهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب الْبَحْث فِي تَخْصِيصهَا بِالذِّكْرِ وَالْمُرَاد بِهِ , وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" كُنْت أَسْتَقْرِئ الرَّجُل الْآيَة وَهِيَ مَعِي كَيْ يَنْقَلِب مَعِي فَيُطْعِمنِي \" قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : فِيهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ عَادَتهمْ إِذَا اِسْتَقْرَأَ أَحَدهمْ صَاحِبه الْقُرْآن أَنْ يَحْمِلهُ إِلَى مَنْزِله وَيُطْعِمهُ مَا تَيَسَّرَ , وَيُحْمَل مَا وَقَعَ مِنْ عُمَر عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهُ شُغْل عَاقَهُ عَنْ ذَلِكَ , أَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْده مَا يُطْعِمهُ حِينَئِذٍ اِنْتَهَى وَيُبْعِد الْأَخِير تَأَسُّف عُمَر عَلَى فَوْت ذَلِكَ. وَذَكَرَ لِي مُحَدِّث الدِّيَار الْحَلَبِيَّة أَنَّ شَيْخنَا سِرَاج الدِّين الْبُلْقِينِيَّ اِسْتَبْعَدَ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة لِعُمَر \" لَأَنَا أَقْرَأ لَهَا مِنْك يَا عُمَر \" مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا مَهَابَة عُمَر , وَالثَّانِي عَدَم اِطِّلَاع أَبِي هُرَيْرَة عَلَى أَنَّ عُمَر لَمْ يَكُنْ يَقْرَؤُهَا مِثْله. قُلْت : عَجِبْت مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاض , فَإِنَّهُ يَتَضَمَّن الطَّعْن عَلَى بَعْض رُوَاة الْحَدِيث الْمَذْكُور بِالْغَلَطِ مَعَ وُضُوح تَوْجِيهه , أَمَّا الْأَوَّل فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَة خَاطَبَ عُمَر بِذَلِكَ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَالَة كَانَ عُمَر فِيهَا فِي صُورَة الْخَجْلَان مِنْهُ فَجَسَرَ عَلَيْهِ , وَأَمَّا الثَّالِث فَيَعْكِس وَيُقَال : وَمَا كَانَ أَبُو هُرَيْرَة لِيَقُولَ ذَلِكَ إِلَّا بَعْد اِطِّلَاعه , فَلَعَلَّهُ سَمِعَهَا مِنْ لَفْظ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أُنْزِلَتْ وَمَا سَمِعَهَا عُمَر مَثَلًا إِلَّا بِوَاسِطَةٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "4957",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنَا سُفْيَان , قَالَ الْوَلِيد بْن كَثِير أَخْبَرَنِي ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا وَهُوَ مِنْ تَأْخِير الصِّيغَة عَنْ الرَّاوِي , وَهُوَ جَائِز. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيقه عَنْ سُفْيَان قَالَ \" حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن كَثِير \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن خَلَّاد عَنْ سُفْيَان عَنْ الْوَلِيد بِالْعَنْعَنَةِ ثُمَّ قَالَ آخِره \" فَسَأَلُوهُ عَنْ إِسْنَاده فَقَالَ : حَدَّثَنِي الْوَلِيد بْن كَثِير \" وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي سِيَاق عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه لَهُ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّة , وَلِسُفْيَان بْن عُيَيْنَة فِي هَذَا الْحَدِيث سَنَد آخَر أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّد بْن مَنْصُور وَابْن مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّد بْن الصَّبَّاح كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَان عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة , وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى هِشَام فِي سَنَده فَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ عَرَّجَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيق لِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الْأَسَد بْن هِلَال بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن مَخْزُوم , وَاسْم أَبِي سَلَمَة عَبْد اللَّه , وَأُمّ عُمَر الْمَذْكُور هِيَ أُمّ سَلَمَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي آخِر الْبَاب الَّذِي يَلِيه وَصْفه بِأَنَّهُ \" رَبِيب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ‏ ‏قَوْله ( كُنْت غُلَامًا ) ‏ ‏أَيْ دُون الْبُلُوغ , يُقَال لِلصَّبِيِّ مِنْ حِين يُولَد إِلَى أَنْ يَبْلُغ الْحُلُم غُلَام , وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّهُ وُلِدَ فِي السَّنَة الثَّانِيَة مِنْ الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة بِأَرْضِ الْحَبَشَة , وَتَبِعَهُ غَيْر وَاحِد , وَفِيهِ نَظَر بَلْ الصَّوَاب أَنَّهُ وُلِدَ قَبْل ذَلِكَ , فَقَدْ صَحَّ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر أَنَّهُ قَالَ \" كُنْت أَنَا وَعُمَر بْن أَبِي سَلَمَة مَعَ النِّسْوَة يَوْم الْخَنْدَق , وَكَانَ أَكْبَر مِنِّي بِسَنَتَيْنِ \" اِنْتَهَى. وَمَوْلِد اِبْن الزُّبَيْر فِي السَّنَة الْأُولَى عَلَى الصَّحِيح فَيَكُون مَوْلِد عُمَر قَبْل الْهِجْرَة بِسَنَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( فِي حِجْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْجِيم , أَيْ فِي تَرْبِيَته وَتَحْت نَظَره وَأَنَّهُ يُرَبِّيه فِي حِضْنِهِ تَرْبِيَة الْوَلَد , قَالَ عِيَاض : الْحَجْر يُطْلَق عَلَى الْحَضْن وَعَلَى الثَّوْب فَيَجُوز فِيهِ الْفَتْح وَالْكَسْر , وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ مَعْنَى الْحَضَانَة فَبِالْفَتْحِ لَا غَيْر , فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَنْع مِنْ التَّصَرُّف فَبِالْفَتْحِ فِي الْمَصْدَر وَبِالْكَسْرِ فِي الِاسْم لَا غَيْر. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَتْ يَدِي تَطِيش فِي الصَّحْفَة ) ‏ ‏أَيْ عِنْد الْأَكْل , وَمَعْنَى تَطِيش - وَهُوَ بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَة وَالشِّين الْمُعْجَمَة بِوَزْنِ تَطِير تَتَحَرَّك فَتَمِيل إِلَى نَوَاحِي الْقَصْعَة وَلَا تَقْتَصِر عَلَى مَوْضِع وَاحِد , قَالَهُ الطِّيبِيُّ قَالَ : وَالْأَصْل أَطِيش بِيَدَيْ فَأَسْنَدَ الطَّيْشَ إِلَى يَده مُبَالَغَة , وَقَالَ غَيْره : مَعْنَى تَطِيش تَخِفّ وَتُسْرِع وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه بِلَفْظِ \" أَكَلْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا فَجَعَلْت آكُل مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَة \" وَهُوَ يُفَسِّر الْمُرَاد , وَالصَّحْفَة مَا تُشْبِع خَمْسَة وَنَحْوهَا , وَهِيَ أَكْبَر مِنْ الْقَصْعَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عُرْوَة \" عَنْ عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْده طَعَام فَقَالَ : اُدْنُ يَا بُنَيّ \" وَيَأْتِي فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي آخِر الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ وَعِنْده رَبِيبه \" وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ مَجِيء الطَّعَام وَافَقَ دُخُوله. ‏ ‏قَوْله ( يَا غُلَام سَمِّ اللَّه ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى اِسْتِحْبَاب التَّسْمِيَة عَلَى الطَّعَام فِي أَوَّله , وَفِي نَقْل الْإِجْمَاع عَلَى الِاسْتِحْبَاب نَظَر , إِلَّا إِنْ أُرِيدَ بِالِاسْتِحْبَابِ أَنَّهُ رَاجِح الْفِعْل , وَإِلَّا فَقَدْ ذَهَب جَمَاعَة إِلَى وُجُوب ذَلِكَ , وَهُوَ قَضِيَّة الْقَوْل بِإِيجَابِ الْأَكْل بِالْيَمِينِ لِأَنَّ صِيغَة الْأَمْر بِالْجَمِيعِ وَاحِدَة. ‏ ‏قَوْله ( وَكُلْ بِيَمِينِك وَمِمَّا يَلِيك ) ‏ ‏قَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \". حَمَلَهُ أَكْثَر الشَّافِعِيَّة عَلَى النَّدْب , وَبِهِ جَزَمَ الْغَزَالِيّ ثُمَّ النَّوَوِيّ , لَكِنْ نَصَّ الشَّافِعِيّ فِي \" الرِّسَالَة \" وَفِي مَوْضِع آخَر مِنْ \" الْأُمّ \" عَلَى الْوُجُوب. قُلْت : وَكَذَا ذَكَرَهُ عَنْهُ الصَّيْرَفِيّ فِي \" شَرْح الرِّسَالَة \" وَنَقَلَ \" الْبُوَيْطِيّ فِي مُخْتَصَره \" أَنَّ الْأَكْل مِنْ رَأْس الثَّرِيد وَالتَّعْرِيس عَلَى الطَّرِيق وَالْقِرَان فِي التَّمْر وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ الْأَمْر بِضِدِّهِ حَرَام , وَمَثَّلَ الْبَيْضَاوِيّ فِي مِنْهَاجه لِلنَّدَبِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كُلْ مِمَّا يَلِيك \" وَتَعَقَّبَهُ تَاج الدِّين السُّبْكِيّ فِي شَرْحه بِأَنَّ الشَّافِعِيّ نَصَّ فِي غَيْر مَوْضِع عَلَى أَنَّ مَنْ أَكَلَ مِمَّا لَا يَلِيه عَالِمًا بِالنَّهْيِ كَانَ عَاصِيًا آثِمًا. قَالَ : وَقَدْ جَمَعَ وَالِدِي نَظَائِر هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب لَهُ سَمَّاهُ \" كَشْف اللَّبْس عَنْ الْمَسَائِل الْخَمْس \" وَنَصَرَ الْقَوْل بِأَنَّ الْأَمْر فِيهَا لِلْوُجُوبِ. قُلْت : وَيَدُلّ عَلَى وُجُوب الْأَكْل بِالْيَمِينِ وُرُود الْوَعِيد فِي الْأَكْل بِالشِّمَالِ فَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَأْكُل بِشِمَالِهِ فَقَالَ : كُلْ بِيَمِينِك قَالَ : لَا أَسْتَطِيع. قَالَ : لَا اِسْتَطَعْت. فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ بَعْد \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث سُبَيْعَة الْأَسْلَمِيَّة مِنْ حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى سُبَيْعَة الْأَسْلَمِيَّة تَأْكُل بِشِمَالِهَا فَقَالَ : أَخَذَهَا دَاء غَزَّة , فَقَالَ : إِنَّ بِهَا قُرْحَة , قَالَ : وَإِنْ , فَمَرَّتْ بِغَزَّة فَأَصَابَهَا طَاعُون فَمَاتَتْ \" وَأَخْرَجَ مُحَمَّد بْن الرَّبِيع الْجِيزِيّ فِي \" مُسْنَد الصَّحَابَة الَّذِينَ نَزَلُوا مِصْر \" وَسَنَده حَسَن وَثَبَتَ النَّهْي عَنْ الْأَكْل بِالشِّمَالِ وَأَنَّهُ مِنْ عَمَل الشَّيْطَان مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر وَمِنْ حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم وَعِنْد أَحْمَد بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ عَائِشَة رَفَعَتْهُ \" مَنْ أَكَلَ بِشِمَالِهِ أَكَلَ مَعَهُ الشَّيْطَان \" الْحَدِيث. وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ أَنَّ مَعْنَى قَوْله \" إِنَّ الشَّيْطَان يَأْكُل بِشِمَالِهِ أَيْ يَحْمِل أَوْلِيَاءَهُ مِنْ الْإِنْس عَلَى ذَلِكَ لِيُضَادّ بِهِ عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ \" قَالَ الطِّيبِيُّ : وَتَحْرِيره لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ , فَإِنْ فَعَلْتُمْ كُنْتُمْ مِنْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَان , فَإِنَّ الشَّيْطَان يَحْمِل أَوْلِيَاءَهُ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى. وَفِيهِ عُدُول عَنْ الظَّاهِر , وَالْأَوْلَى حَمْل الْخَبَر عَلَى ظَاهِره وَأَنَّ الشَّيْطَان يَأْكُل حَقِيقَة لِأَنَّ الْعَقْل لَا يُحِيل ذَلِكَ , وَقَدْ ثَبَتَ الْخَبَر بِهِ فَلَا يَحْتَاج إِلَى تَأْوِيله , وَحَكَى الْقُرْطُبِيّ فِي ذَلِكَ اِحْتِمَالَيْنِ ثُمَّ قَالَ : وَالْقُدْرَة صَالِحَة. ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ عِنْد مُسْلِم أَنَّ الشَّيْطَان يَسْتَحِلّ الطَّعَام إِذَا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ , قَالَ : وَهَذَا عِبَارَة عَنْ تَنَاوُله , وَقِيلَ مَعْنَاهُ اِسْتِحْسَانه رَفْع الْبَرَكَة مِنْ ذَلِكَ الطَّعَام إِذَا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَإِنَّ الشَّيْطَان يَأْكُل بِشِمَالِهِ \" ظَاهِره أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ تَشَبَّهَ بِالشَّيْطَانِ , وَأَبْعَدَ وَتَعَسَّفَ مَنْ أَعَادَ الضَّمِير فِي شِمَاله عَلَى الْآكِل , قَالَ النَّوَوِيّ : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث اِسْتِحْبَاب الْأَكْل وَالشُّرْب بِالْيَمِينِ وَكَرَاهَة ذَلِكَ بِالشِّمَالِ , وَكَذَلِكَ كُلّ أَخْذ وَعَطَاء كَمَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث اِبْن عُمَر , وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْر مِنْ مَرَض أَوْ جِرَاحَة فَإِنْ كَانَ فَلَا كَرَاهَة كَذَا قَالَ , وَأَجَابَ عَنْ الْإِشْكَال فِي الدُّعَاء عَلَى الرَّجُل الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ وَاعْتَذَرَ فَلَمْ يَقْبَل عُذْره بِأَنَّ عِيَاضًا اِدَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا , وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّ جَمَاعَة ذَكَرُوهُ فِي الصَّحَابَة وَسَمَّوْهُ بُسْرًا بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة , وَاحْتَجَّ عِيَاض بِمَا وَرَدَ فِي خَبَره أَنَّ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْكِبْر , وَرَدَّهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّ الْكِبْر وَالْمُخَالَفَة لَا يَقْتَضِي النِّفَاق لَكِنَّهُ مَعْصِيَة إِنْ كَانَ الْأَمْرُ أَمْرَ إِيجَاب. قُلْت : وَلَمْ يَنْفَصِل عَنْ اِخْتِيَاره أَنَّ الْأَمْرَ أَمْرُ نَدْب , وَقَدْ صَرَّحَ اِبْن الْعَرَبِيّ بِإِثْمِ مَنْ أَكَلَ بِشِمَالِهِ , وَاحْتَجَّ بِأَنَّ كُلّ فِعْل يُنْسَب إِلَى الشَّيْطَان حَرَام. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ هَذَا الْأَمْر عَلَى جِهَة النَّدْب لِأَنَّهُ مِنْ بَاب تَشْرِيف الْيَمِين عَلَى الشِّمَال لِأَنَّهَا أَقْوَى فِي الْغَالِب وَأَسْبَق لِلْأَعْمَالِ وَأَمْكَن فِي الْأَشْغَال , وَهِيَ مُشْتَقَّة مِنْ الْيُمْن , وَقَدْ شَرَّفَ اللَّه أَصْحَاب الْجَنَّة إِذْ نَسَبَهُمْ إِلَى الْيَمِين , وَعَكْسه فِي أَصْحَاب الشِّمَال قَالَ : وَعَلَى الْجُمْلَة فَالْيَمِين وَمَا نُسِبَ إِلَيْهَا وَمَا اُشْتُقَّ مِنْهَا مَحْمُود لُغَة وَشَرْعًا وَدِينًا , وَالشِّمَال عَلَى نَقِيض ذَلِكَ , وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمِنْ الْآدَاب الْمُنَاسِبَة لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق وَالسِّيرَة الْحَسَنَة عِنْد الْفُضَلَاء اِخْتِصَاص الْيَمِين بِالْأَعْمَالِ الشَّرِيفَة وَالْأَحْوَال النَّظِيفَة , وَقَالَ أَيْضًا : كُلّ هَذِهِ الْأَوَامِر مِنْ الْمَحَاسِن الْمُكَمِّلَة وَالْمَكَارِم الْمُسْتَحْسَنَة وَالْأَصْل فِيمَا كَانَ مِنْ هَذَا التَّرْغِيب وَالنَّدْب قَالَ : وَقَوْله \" كُلْ مِمَّا يَلِيك \" مَحِلّه مَا إِذَا كَانَ الطَّعَام نَوْعًا وَاحِدًا , لِأَنَّ كُلّ أَحَد كَالْحَائِزِ لِمَا يَلِيه مِنْ الطَّعَام , فَأَخْذ الْغَيْر لَهُ تَعَدٍّ عَلَيْهِ , مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَقَذُّر النَّفْس مِمَّا خَاضَتْ فِيهِ الْأَيْدِي , وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَار الْحِرْص وَالنَّهَم , وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ سُوء أَدَب بِغَيْرِ فَائِدَة , أَمَّا إِذَا اِخْتَلَفَتْ الْأَنْوَاع فَقَدْ أَبَاحَ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ. كَذَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله ( فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الطَّاء أَيْ صِفَة أَكْلِي , أَيْ لَزِمْت ذَلِكَ وَصَارَ عَادَة لِي. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَفِي بَعْض الرِّوَايَات بِالضَّمِّ يُقَال طُعْم إِذَا أَكْل وَالطُّعْمَة الْأَكْلَة , وَالْمُرَاد جَمِيع مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِابْتِدَاء بِالتَّسْمِيَةِ وَالْأَكْل بِالْيَمِينِ مِمَّا يَلِيهِ. وَقَوْله بَعْدُ بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاء أَيْ اِسْتَمَرَّ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِي فِي الْأَكْل , وَفِي الْحَدِيث أَنَّهُ يَنْبَغِي اِجْتِنَاب الْأَعْمَال الَّتِي تُشْبِه أَعْمَال الشَّيَاطِين وَالْكُفَّار , وَأَنَّ لِلشَّيْطَانِ يَدَيْنِ , وَأَنَّهُ يَأْكُل وَيَشْرَب وَيَأْخُذ وَيُعْطِي. وَفِيهِ جَوَاز ا الدُّعَاء عَلَى مَنْ خَالَفَ الْحُكْم الشَّرْعِيّ. وَفِيهِ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر حَتَّى فِي حَال الْأَكْل. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب تَعْلِيم أَدَب الْأَكْل وَالشُّرْب. وَفِيهِ مَنْقَبَة لِعُمَر بْن أَبِي سَلَمَة لِامْتِثَالِهِ الْأَمْر وَمُوَاظَبَته عَلَى مُقْتَضَاهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4958",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدِّيلِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏وَهُوَ ابْنُ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ أَكَلْتُ يَوْمًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَعَامًا فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُلْ مِمَّا يَلِيكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن جَعْفَر ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن أَبِي كَثِير الْمَدَنِيِّ , وَحَلْحَلَة بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنهمَا لَامٌ سَاكِنَة ثُمَّ لَامٌ مَفْتُوحَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4959",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِطَعَامٍ وَمَعَهُ رَبِيبُهُ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ وَهْب بْن كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ قَالَ : أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ أَصْحَاب مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْهُ وَصُورَته الْإِرْسَال وَقَدْ وَصَلَهُ خَالِد بْن مَخْلَد وَيَحْيَى بْن صَالِح الْوُحَاظِيّ فَقَالَا \" عَنْ مَالِك عَنْ وَهْب بْن كَيْسَانَ عَنْ جَابِر \" وَهُوَ مُنْكَر , وَإِنَّمَا اِسْتَجَازَ الْبُخَارِيّ إِخْرَاجه - وَإِنْ كَانَ الْمَحْفُوظ فِيهِ عَنْ مَالِك الْإِرْسَال - لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قَبْله صِحَّة سَمَاع وَهْب بْن كَيْسَانَ عَنْ عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة , وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا قَصُرَ بِإِسْنَادِهِ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّح بِوَصْلِهِ وَهُوَ فِي الْأَصْل مَوْصُول , وَلَعَلَّهُ وَصَلَهُ مَرَّة فَحَفِظَ ذَلِكَ عَنْهُ خَالِد وَيَحْيَى بْن صَالِح وَهُمَا ثِقَتَانِ , أَخْرَجَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْغَرَائِب \" عَنْهُمَا , وَاقْتَصَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي \" التَّمْهِيد \" عَلَى ذِكْر رِوَايَة خَالِد بْن مَخْلَد وَحْده. ‏"
    },
    {
        "id": "4960",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِطَعَامٍ صَنَعَهُ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَأَيْتُهُ ‏ ‏يَتَتَبَّعُ ‏ ‏الدُّبَّاءَ ‏ ‏مِنْ حَوَالَيْ ‏ ‏الْقَصْعَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ ‏ ‏الدُّبَّاءَ ‏ ‏مِنْ يَوْمِئِذٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّ خَيَّاطًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه لَكِنْ فِي رِوَايَة ثُمَامَة عَنْ أَنَس أَنَّهُ كَانَ غُلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي لَفْظ \" أَنَّ مَوْلًى لَهُ خَيَّاطًا دَعَاهُ \". ‏ ‏قَوْله ( لِطَعَامٍ صَنَعَهُ ) ‏ ‏كَانَ الطَّعَام الْمَذْكُور ثَرِيدًا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَنَس فَذَهَبْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْته يَتَتَبَّع الدُّبَّاء ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ قُتَيْبَة شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِتَمَامِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف عَنْ مَالِك بِالزِّيَادَةِ وَلَفْظه \" فَقَرَّبَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزًا وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاء وَقَدِيد \" وَأَفَادَ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن عَنْ \" مُسْتَخْرَج الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَنَّ الْخُبْز الْمَذْكُور كَانَ خُبْز شَعِير وَغَفَلَ عَمَّا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" بَاب الْمَرَق \" كَمَا سَيَأْتِي عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَة عَنْ مَالِك بِلَفْظِ \" خُبْز شَعِير \" وَالثَّانِي مِثْله , وَكَذَا أَوْرَدَهُ بَعْد بَاب آخَر عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس عَنْ مَالِك بِتَمَامِهِ , وَهُوَ عِنْد مُسْلِم عَنْ قُتَيْبَة أَيْضًا , وَقَدْ أَفْرَدَ الْبُخَارِيّ لِكُلِّ وَاحِدَة تَرْجَمَة , وَهِيَ الْمَرَق وَالدُّبَّاء وَالثَّرِيد وَالْقَدِيد. ‏ ‏قَوْله ( الدُّبَّاء ) بِضَمِّ الدَّال الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة مَمْدُود وَيَجُوز الْقَصْر حَكَاهُ الْقَزَّاز وَأَنْكَرَهُ الْقُرْطُبِيّ هُوَ الْقَرْع , وَقِيلَ خَاصّ بِالْمُسْتَدِيرِ مِنْهُ , وَوَقَعَ فِي \" شَرْح الْمُهَذَّب لِلنَّوَوِيِّ \" أَنَّهُ الْقَرْع الْيَابِس , وَمَا أَظُنّهُ إِلَّا سَهْوًا , وَهُوَ الْيَقْطِين أَيْضًا وَاحِده دُبَّاةٌ وَدِبَّة , وَكَلَام أَبِي عُبَيْد الْهَرَوِيُّ يَقْتَضِي أَنَّ الْهَمْزَة زَائِدَة فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي \" دَبَب \" وَأَمَّا الْجَوْهَرِيّ فَأَخْرَجَهُ فِي الْمُعْتَلّ عَلَى أَنَّ هَمْزَته مُنْقَلِبَة , وَهُوَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ , لَكِنْ قَالَ الزَّمَخْشَرِي : لَا نَدْرِي هِيَ مُنْقَلِبَة عَنْ وَاو أَوْ يَاء , وَيَأْتِي فِي رِوَايَة ثُمَامَة عَنْ أَنَس \" فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِكَ جَعَلْت أَجْمَعهُ بَيْن يَدَيْهِ , وَفِي رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" فَجَعَلْت أَجْمَعهُ وَأُدْنِيه مِنْهُ \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ أَزَل أُحِبّ الدُّبَّاء مِنْ يَوْمِئِذٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة ثُمَامَة \" قَالَ أَنَس : لَا أَزَالَ أُحِبّ الدُّبَّاء بَعْدَمَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ مَا صَنَعَ \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس فَجَعَلْت أُلْقِيه إِلَيْهِ وَلَا أَطْعَمهُ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ ثَابِت وَعَاصِم عَنْ أَنَس فَذَكَر الْحَدِيث \" قَالَ ثَابِت فَسَمِعْت أَنَسًا يَقُول : فَمَا صُنِعَ لِي طَعَامٌ بَعْدُ أَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُصْنَعَ فِيهِ دُبَّاءُ إِلَّا صُنِعَ \" , وَلِابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس قَالَ \" بَعَثَتْ مَعِي أُمّ سُلَيْمٍ بِمِكْتَلٍ فِيهِ رُطَب إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أَجِدهُ , وَخَرَجَ قَرِيبًا إِلَى مَوْلَى لَهُ دَعَاهُ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا , فَأَتَيْته وَهُوَ يَأْكُل فَدَعَانِي فَأَكَلْت مَعَهُ , قَالَ وَصُنِعَ لَهُ ثَرِيدَة بِلَحْمِ وَقَرْع فَإِذَا هُوَ يُعْجِبهُ الْقَرْع , فَجَعَلْت أَجْمَعهُ فَأُدْنِيه مِنْهُ \" الْحَدِيث , وَأَخْرَجَ مُسْلِم بَعْضه مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" كَانَ يُعْجِبهُ الْقَرْع \" وَلِلنَّسَائِيِّ \" كَانَ يُحِبّ الْقَرْع وَيَقُول : إِنَّهَا شَجَرَة أَخِي يُونُس \" وَيُجْمَع بَيْن قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَلَمْ أَجِدهُ \" وَبَيْن حَدِيث الْبَاب \" ذَهَبْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَنَّهُ أَطْلَقَ الْمَعِيَّة بِاعْتِبَارِ مَا آل إِلَيْهِ الْحَال , وَيُحْتَمَل تَعَدُّد الْقِصَّة عَلَى بُعْدٍ , وَفِي الْحَدِيث جَوَاز أَكْل الشَّرِيف طَعَام مَنْ دُونه مِنْ مُحْتَرِفٍ وَغَيْره وَإِجَابَة دَعَوْته , وَمُؤَاكَلَة الْخَادِم , وَبَيَان مَا كَانَ فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّوَاضُع وَاللُّطْف بِأَصْحَابِهِ وَتَعَاهُدهمْ بِالْمَجِيءِ إِلَى مَنَازِلهمْ , وَفِيهِ الْإِجَابَة إِلَى الطَّعَام وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا وَمُنَاوَلَة الضِّيفَانِ بَعْضهمْ بَعْضًا مِمَّا وُضِعَ بَيْن أَيْدِيهمْ , وَإِنَّمَا يَمْتَنِع مَنْ يَأْخُذ مِنْ قُدَّام الْآخِر شَيْئًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي بَاب مُفْرَد. وَفِيهِ جَوَاز تَرْك الْمُضِيف الْأَكْل مَعَ الضَّيْف لِأَنَّ فِي رِوَايَة ثُمَامَة عَنْ أَنَس فِي حَدِيث الْبَاب \" أَنَّ الْخَيَّاط قَدَّمَ لَهُمْ الطَّعَام ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَمَله \" فَيُؤْخَذ جَوَاز ذَلِكَ مِنْ تَقْرِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الطَّعَام كَانَ قَلِيلًا فَآثَرَهُمْ بِهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون كَانَ مُكْتَفِيًا مِنْ الطَّعَام أَوْ كَانَ صَائِمًا أَوْ كَانَ شُغْله قَدْ تَحَتَّمَ عَلَيْهِ تَكْمِيله. وَفِيهِ الْحِرْص عَلَى التَّشَبُّه بِأَهْلِ الْخَيْر وَالِاقْتِدَاء بِهِمْ فِي الْمَطَاعِم وَغَيْرهَا. وَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِأَنَسٍ لِاقْتِفَائِهِ أَثَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى فِي الْأَشْيَاء الْجِبِلِّيَّة , وَكَانَ يَأْخُذ نَفْسه بِاتِّبَاعِهِ فِيهَا , رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4961",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَشْعَثَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي طُهُورِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بِوَاسِطٍ ‏ ‏قَبْلَ هَذَا ‏ ‏فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ قَالَ بِوَاسِطٍ قَبْل هَذَا فِي شَأْنه كُلّه ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ شُعْبَة , وَالْمَقُول عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ بِوَاسِطٍ هُوَ أَشْعَث وَهُوَ اِبْن أَبِي الشَّعْثَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ مَعَ مَبَاحِث الْحَدِيث فِي \" بَاب التَّيَمُّن \" مِنْ كِتَاب الْوُضُوء , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ قَالَ بَعْض الْمَشَايِخ : الْقَائِل بِوَاسِطٍ هُوَ أَشْعَث , كَذَا نُقِلَ , وَلَيْسَ بِصَوَابٍ مِمَّنْ قَالَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4962",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏لِأُمِّ سُلَيْمٍ ‏ ‏لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتْ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْسَلَكَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ بِطَعَامٍ قَالَ فَقُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِمَنْ مَعَهُ قُومُوا فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ ‏ ‏أَبَا طَلْحَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أُمَّ سُلَيْمٍ ‏ ‏قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ فَقَالَتْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَانْطَلَقَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَقْبَلَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى دَخَلَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلُمِّي يَا ‏ ‏أُمَّ سُلَيْمٍ ‏ ‏مَا عِنْدَكِ فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَأَمَرَ بِهِ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏عُكَّةً ‏ ‏لَهَا ‏ ‏فَأَدَمَتْهُ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ أَذِنَ لِعَشَرَةٍ فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالْقَوْمُ ثَمَانُونَ رَجُلًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي تَكْثِير الطَّعَام بِبَرَكَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة وَفِيهِ \" فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا \". ‏"
    },
    {
        "id": "4963",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ وَحَدَّثَ ‏ ‏أَبُو عُثْمَانَ ‏ ‏أَيْضًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثِينَ وَمِائَةً فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ فَعُجِنَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ ‏ ‏مُشْعَانٌّ ‏ ‏طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبَيْعٌ أَمْ عَطِيَّةٌ ‏ ‏أَوْ قَالَ هِبَةٌ ‏ ‏قَالَ لَا بَلْ بَيْعٌ قَالَ فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً فَصُنِعَتْ فَأَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِسَوَادِ الْبَطْنِ يُشْوَى وَايْمُ اللَّهِ مَا مِنْ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ إِلَّا قَدْ ‏ ‏حَزَّ ‏ ‏لَهُ ‏ ‏حُزَّةً ‏ ‏مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَهَا لَهُ ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا قَصْعَتَيْنِ فَأَكَلْنَا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا وَفَضَلَ فِي الْقَصْعَتَيْنِ فَحَمَلْتُهُ عَلَى الْبَعِيرِ أَوْ كَمَا قَالَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن اِبْن أَبِي بَكْر فِي إِطْعَام الْقَوْم مِنْ سَوَاد بَطْن الشَّاة , وَكَانُوا ثَلَاثِينَ وَمِائَة رَجُل , وَفِيهِ \" فَأَكَلْنَا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا \" , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْهِبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4964",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ شَبِعْنَا مِنْ الْأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَائِشَة \" تُوُفِّيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين شَبِعْنَا مِنْ الْأَسْوَدَيْنِ التَّمْر وَالْمَاء \" ‏ ‏, وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ شِبَعهمْ لَمْ يَقَع قَبْل زَمَان وَفَاته قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ قُلْت : لَكِنَّ ظَاهِره غَيْر مُرَاد , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة خَيْبَر مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَر قُلْنَا الْآن نَشْبَع مِنْ التَّمْر \" وَمِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر قَالَ \" مَا شَبِعْنَا حَتَّى فَتْحنَا خَيْبَر \" فَالْمُرَاد أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبِعَ حِين شَبِعُوا وَاسْتَمَرَّ شِبَعهمْ , وَابْتِدَاؤُهُ مِنْ فَتْح خَيْبَر وَذَلِكَ قَبْل مَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثِ سِنِينَ , وَمُرَاد عَائِشَة بِمَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ مِنْ الشِّبَع هُوَ مِنْ التَّمْر خَاصَّة دُون الْمَاء لَكِنْ قَرَنَتْهُ بِهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ تَمَام الشِّبَع حَصَلَ بِجَمْعِهِمَا , فَكَأَنَّ الْوَاو فِيهِ بِمَعْنَى مَعَ , لَا أَنَّ الْمَاء وَحْده يُوجَد الشِّبَع مِنْهُ , وَلِمَا عَبَّرَتْ عَنْ التَّمْر بِوَصْفٍ وَاحِد وَهُوَ السَّوَاد عَبَّرَتْ عَنْ الشِّبَع وَالرِّيّ بِفِعْلِ وَاحِد وَهُوَ الشِّبَع , وَقَوْله فِي حَدِيث أَنَس عَنْ أَبِي طَلْحَة \" سَمِعْت صَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَعِيفًا أَعْرِف فِيهِ الْجُوع \" كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع فِي صَوْته لِمَا تَكَلَّمَ إِذْ ذَاكَ الْفَخَامَة الْمَأْلُوفَة مِنْهُ , فَحَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْجُوع بِقَرِينَةِ الْحَال الَّتِي كَانُوا فِيهَا , وَفِيهِ رَدّ عَلَى دَعْوَى اِبْن حِبَّان أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجُوع , وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ \" أَبَيْت يُطْعِمنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي \" وَتُعُقِّبَ بِالْحَمْلِ عَلَى تَعَدُّد الْحَال : فَكَانَ يَجُوع أَحْيَانَا لِيَتَأَسَّى بِهِ أَصْحَابه وَلَا سِيَّمَا مَنْ لَا يَجِد مَدَدًا وَأَدْرَكَهُ أَلَم الْجُوع صَبْر فَضُوعِفَ لَهُ , وَقَدْ بَسَطْت هَذَا فِي مَكَان آخَر. وَيُؤْخَذ مِنْ قِصَّة أَبِي طَلْحَة أَنَّ مِنْ أَدَب مِنْ يُضِيف أَنْ يَخْرُج مَعَ الضَّيْف إِلَى بَاب الدَّار تَكَرُّمَة لَهُ , قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث جَوَاز الشِّبَع وَأَنَّ تَرْكه أَحْيَانَا أَفْضَل , وَقَدْ وَرَدَ عَنْ سَلْمَان وَأَبِي جُحَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" إِنَّ أَكْثَر النَّاس شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلهمْ جُوعًا فِي الْآخِرَة \" قَالَ الطَّبَرِيُّ غَيْر أَنَّ الشِّبَع وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَإِنَّ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ , وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ سَرَف ; وَالْمُطْلَق مِنْهُ مَا أَعَانَ الْآكِل عَلَى طَاعَة رَبّه وَلَمْ يَشْغَلهُ ثِقَله عَنْ أَدَاء مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ا ه. وَحَدِيث سَلْمَان الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ بِسَنَدٍ لِين , وَأَخْرَجَ عَنْ اِبْن عُمَر نَحْوه وَفِي سَنَده مَقَال أَيْضًا , وَأَخْرَجَ الْبَزَّار نَحْوه مِنْ حَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيف , قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهِم لِمَا ذَكَرَ قِصَّة أَبِي الْهَيْثَم إِذْ ذَبَحَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِصَاحِبَيْهِ الشَّاة فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا. وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز الشِّبَع , وَمَا جَاءَ مِنْ النَّهْي عَنْهُ مَحْمُول عَلَى الشِّبَع الَّذِي يُثْقِل الْمَعِدَة وَيُثَبِّط صَاحِبه عَنْ الْقِيَام لِلْعِبَادَةِ وَيُفْضِي إِلَى الْبَطَر وَالْأَشَرّ وَالنَّوْم وَالْكَسَل , وَقَدْ تَنْتَهِي كَرَاهَته إِلَى التَّحْرِيم بِحَسَبِ مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ الْمَفْسَدَة. وَذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ تَبَعًا لِابْنِ الْمُنَيِّرِأَنَّ الشِّبَع الْمَذْكُور مَحْمُول عَلَى شِبَعهمْ الْمُعْتَاد مِنْهُمْ وَهُوَ أَنَّ الثُّلُث لِلطَّعَامِ وَالثُّلُث لِلشَّرَابِ وَالثُّلُث لِلنَّفْسِ , وَيَحْتَاج فِي دَعْوَى أَنَّ تِلْكَ عَادَتهمْ إِلَى نَقْل خَاصّ , وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيث حَسَن أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث الْمِقْدَام بْن مَعْدِي كَرِبَ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَا مَلَأ آدَمِي وِعَاء شَرًّا مِنْ بَطْن , بِحَسْب اِبْن آدَم لُقَيْمَات يُقِمْنَ صُلْبه , فَإِنْ غَلَبَ الْآدَمِيّ نَفْسه فَثُلُث لِلطَّعَامِ وَثُلُث لِلشَّرَابِ وَثُلُث لِلنَّفَسِ \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" شَرْح الْأَسْمَاء \" لَوْ سَمِعَ بُقْرَاط بِهَذِهِ الْقِسْمَة , لَعَجِبَ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَة. وَقَالَ الْغَزَالِيّ قَبْله فِي بَاب كَسْر الشَّهْوَتَيْنِ مِنْ \" الْإِحْيَاء \" ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث لِبَعْضِ الْفَلَاسِفَة فَقَالَ : مَا سَمِعْت كَلَامًا فِي قِلَّة الْأَكْل أَحْكَم مِنْ هَذَا. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ أَثَر الْحِكْمَة فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور وَاضِح , وَإِنَّمَا خُصَّ الثَّلَاثَة بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَسْبَاب حَيَاة الْحَيَوَان , وَلِأَنَّهُ لَا يَدْخُل الْبَطْن سِوَاهَا. وَهَلْ الْمُرَاد بِالثُّلُثِ التَّسَاوِي عَلَى ظَاهِر الْخَبَر , أَوْ التَّقْسِيم إِلَى ثَلَاثَة أَقْسَام مُتَقَارِبَة ؟ مَحَلّ اِحْتِمَال , وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لَمَّحَ بِذِكْرِ الثُّلُث إِلَى قَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَرِ \" الثُّلُث كَثِير \" وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ : ذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي الْأَشْرِبَة فِي \" بَاب شُرْب اللَّبَن لِلْبَرَكَةِ \" حَدِيث أَنَس وَفِيهِ قَوْله \" فَجَعَلْت لَا آلُو مَا جَعَلْت فِي بَطْنِي مِنْهُ \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الشِّبَع الْمُشَار إِلَيْهِ فِي أَحَادِيث الْبَاب مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ طَعَام بَرَكَة. قُلْت : وَهُوَ مُحْتَمِل إِلَّا فِي حَدِيث عَائِشَة ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب , فَإِنَّ الْمُرَاد بِهِ الشِّبَع الْمُعْتَاد لَهُمْ , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَاخْتُلِفَ فِي حَدّ الْجُوع عَلَى رَأْيَيْنِ ذَكَرهمَا فِي الْإِحْيَاء \" أَحَدهمَا أَنْ يَشْتَهِي الْخُبْز وَحْده , فَمَتَى طَلَبَ الْأُدْم فَلَيْسَ بِجَائِعٍ. ثَانِيهمَا أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ رِيقه عَلَى الْأَرْض لَمْ يَقَع عَلَيْهِ الذُّبَاب. وَذَكَرَ أَنَّ مَرَاتِب الشِّبَع تَنْحَصِر فِي سَبْعَة : ‏ ‏الْأَوَّلُ مَا تَقُومُ بِهِ الْحَيَاةُ , ‏ ‏الثَّانِي أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يَصُوم وَيُصَلِّي عَنْ قِيَام وَهَذَانِ وَاجِبَانِ , ‏ ‏الثَّالِث أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يَقْوَى عَلَى أَدَاء النَّوَافِل , ‏ ‏الرَّابِع أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يَقْدِر عَلَى التَّكَسُّب وَهَذَانِ مُسْتَحَبَّانِ , ‏ ‏الْخَامِس أَنْ يَمْلَأ الثُّلُث وَهَذَا جَائِز , ‏ ‏السَّادِس أَنْ يَزِيد عَلَى ذَلِكَ وَبِهِ يَثْقُل الْبَدَن وَيُكْثِر النَّوْم وَهَذَا مَكْرُوهٌ , ‏ ‏السَّابِع أَنْ يَزِيد حَتَّى يَتَضَرَّر وَهِيَ الْبِطْنَة الْمَنْهِيّ عَنْهَا وَهَذَا حَرَام ا ه. وَيُمْكِن دُخُول الثَّالِث فِي الرَّابِع وَالْأَوَّل فِي الثَّانِي وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي سِيَاق السَّنَد مُعْتَمِر وَهُوَ اِبْن سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَان أَيْضًا , فَزَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ ظَاهِره أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَ عَنْ غَيْر أَبِي عُثْمَان ثُمَّ قَالَ وَحَدَّثَ أَبُو عُثْمَان أَيْضًا. قُلْت : وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَاد وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ أَبَا عُثْمَان حَدَّثَهُ بِحَدِيثٍ سَابِق عَلَى هَذَا ثُمَّ حَدَّثَهُ بِهَذَا فَلِذَلِكَ قَالَ \" أَيْضًا \" أَيْ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ بَعْد حَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "4965",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏بُشَيْرَ بْنَ يَسَارٍ ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَلَمَّا كُنَّا ‏ ‏بِالصَّهْبَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَهِيَ مِنْ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏عَلَى رَوْحَةٍ ‏ ‏دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِطَعَامٍ فَمَا أُتِيَ إِلَّا ‏ ‏بِسَوِيقٍ ‏ ‏فَلُكْنَاهُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏سَمِعْتُهُ مِنْهُ عَوْدًا وَبَدْءًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4966",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ كُنَّا عِنْدَ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏وَعِنْدَهُ خَبَّازٌ لَهُ فَقَالَ ‏ ‏مَا أَكَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خُبْزًا مُرَقَّقًا وَلَا شَاةً ‏ ‏مَسْمُوطَةً ‏ ‏حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( كُنَّا عِنْد أَنَس وَعِنْده خَبَّاز لَهُ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَته , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ قَتَادَةَ \" كُنَّا نَأْتِي أَنَسًا وَخَبَّازه قَائِم \" زَادَ اِبْن مَاجَهْ \" وَخِوَانه مَوْضُوع , فَيَقُول : كُلُوا \" وَفِي الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق رَاشِد بْن أَبِي رَاشِد قَالَ \" كَانَ لِأَنَسٍ غُلَام يَعْمَل لَهُ النَّقَانِق يَطْبُخ لَهُ لَوْنَيْنِ طَعَامًا وَيَخْبِز لَهُ الْحُوَّارَى وَيَعْجِنهُ بِالسَّمْنِ \" ا ه. وَالْحُوَّارَى بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْوَاو وَفَتْح الرَّاء : الْخَالِص الَّذِي يُنْخَل مَرَّة بَعْد مَرَّة. ‏ ‏قَوْله ( مَا أَكَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزًا مُرَقَّقًا وَلَا شَاة مَسْمُوطَة ) ‏ ‏الْمَسْمُوط الَّذِي أُزِيل شَعْره بِالْمَاءِ الْمُسَخَّن وَشُوِيَ بِجِلْدِهِ أَوْ يُطْبَخ , وَإِنَّمَا يُصْنَع ذَلِكَ فِي الصَّغِير السِّنّ الطَّرِيّ , وَهُوَ مِنْ فِعْل الْمُتْرَفِينَ مِنْ وَجْهَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا الْمُبَادَرَة إِلَى ذَبْح مَا لَوْ بَقِيَ لَازْدَادَ ثَمَنه , ‏ ‏وَثَانِيهمَا أَنَّ الْمَسْلُوخ يُنْتَفَع بِجِلْدِهِ فِي اللُّبْس وَغَيْره وَالسَّمْط يُفْسِدهُ , وَقَدْ جَرَى اِبْن بَطَّالٍ عَلَى أَنَّ الْمَسْمُوط الْمَشْوِيّ , فَقَالَ مَا مُلَخَّصه : يُجْمَع بَيْن هَذَا وَبَيْن حَدِيث عَمْرو بْن أُمَيَّة \" أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَزّ مِنْ كَتِف شَاة \" وَحَدِيث أُمّ سَلَمَة الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ \" أَنَّهَا قَرَّبَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَنْبًا مَشْوِيًّا فَأَكَلَ مِنْهُ \" بِأَنْ يُقَال : مُحْتَمِل أَنْ يَكُون لَمْ يُتَّفَق أَنْ تُسُمِّطَ لَهُ شَاة بِكَمَالِهَا , لِأَنَّهُ قَدْ اِحْتَزَّ مِنْ الْكَتِف مَرَّة وَمِنْ الْجَنْب أُخْرَى , وَذَلِكَ لَحْم مَسْمُوط. أَوْ يُقَال : إِنَّ أَنَسًا قَالَ \" لَا أَعْلَم \" وَلَمْ يُقْطَع بِهِ , وَمَنْ عَلِمَ حُجَّة عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَم. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنَيِّرِبِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَزّ الْكَتِف مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الشَّاة كَانَتْ مَسْمُوطَة , بَلْ إِنَّمَا حَزَّهَا لِأَنَّ الْعَرَب كَانَتْ عَادَتهَا غَالِبًا أَنَّهَا لَا تُنْضِج اللَّحْم فَاحْتِيجَ إِلَى الْحَزّ , قَالَ : وَلَعَلَّ اِبْن بَطَّالٍ لَمَّا رَأَى الْبُخَارِيّ تَرْجَمَ بَعْد هَذَا \" بَاب شَاة مَسْمُوطَة , وَالْكَتِف وَالْجَنْب \" ظَنَّ أَنَّ مَقْصُوده إِثْبَات أَنَّهُ أَكْل السَّمِيط. قُلْت : وَلَا يَلْزَم أَيْضًا مِنْ كَوْنهَا مَشْوِيَّة وَاحْتَزَّ مِنْ كَتِفهَا أَوْ جَنْبهَا أَنْ تَكُون مَسْمُوطَة ; فَإِنَّ شَيَّ الْمَسْلُوخ أَكْثَر مِنْ شَيّ الْمَسْمُوط , لَكِنْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَكَلَ الْكُرَاع وَهُوَ لَا يُؤْكَل إِلَّا مَسْمُوطًا. وَهَذَا لَا يَرُدّ عَلَى أَنَس فِي نَفْي رِوَايَة الشَّاة الْمَسْمُوطَة , وَقَدْ وَافَقَهُ أَبُو هُرَيْرَة عَلَى نَفْي أَكْل الرُّقَاق أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق اِبْن عَطَاء عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ \" زَارَ قَوْمه فَأَتَوْهُ بِرُقَاقٍ فَبَكَى وَقَالَ : مَا رَأَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا بِعَيْنِهِ \" قَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْل أَنَس \" مَا أَعْلَم رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ \" نَفَى الْعِلْم وَأَرَادَ نَفْيَ الْمَعْلُوم , وَهُوَ مِنْ بَاب نَفْي الشَّيْء بِنَفْيِ لَازِمه , وَإِنَّمَا صَحَّ هَذَا مِنْ أَنَس لِطُولِ لُزُومه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَم مُفَارَقَته لَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4967",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏هُوَ الْإِسْكَافُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا عَلِمْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَكَلَ عَلَى ‏ ‏سُكْرُجَةٍ ‏ ‏قَطُّ وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَطُّ وَلَا أَكَلَ عَلَى ‏ ‏خِوَانٍ ‏ ‏قَطُّ ‏ ‏قِيلَ ‏ ‏لِقَتَادَةَ ‏ ‏فَعَلَامَ كَانُوا يَأْكُلُونَ قَالَ ‏ ‏عَلَى السُّفَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ يُونُس قَالَ عَنْ عَلِيّ : هُوَ الْإِسْكَاف ) ‏ ‏عَلِيّ هُوَ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ وَهُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ \" وَمُرَاده أَنَّ يُونُس وَقَعَ فِي السَّنَد غَيْر مَنْسُوب فَنَسَبَهُ عَلِيّ لِيَتَمَيَّز , فَإِنَّ فِي طَبَقَته يُونُس بْن عُبَيْد الْبَصْرِيّ أَحَد الثِّقَات الْمُكْثِرِينَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّد بْن مُثَنَّى عَنْ مُعَاذ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ يُونُس بْن أَبِي الْفُرَات الْإِسْكَاف , وَلَيْسَ لِيُونُس هَذَا فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَهُوَ بَصْرِيّ وَثَّقَهُ أَحْمَد وَابْن مَعِين وَغَيْرهمَا , وَقَالَ اِبْن عَدِيّ : لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ , وَقَالَ اِبْن سَعْد : كَانَ مَعْرُوفًا وَلَهُ أَحَادِيث , وَقَالَ اِبْن حِبَّان. لَا يَجُوز أَنْ يُحْتَجّ بِهِ , كَذَا قَالَ وَمَنْ وَثَّقَهُ أَعْرَف بِحَالِهِ مِنْ اِبْن حِبَّان , وَالرَّاوِي عَنْهُ هِشَام هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ وَهُوَ مِنْ الْمُكْثِرِينَ عَنْ قَتَادَةَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْهُ هَذَا , وَفِي الْحَدِيث رِوَايَة الْأَقْرَان لِأَنَّ هِشَامًا وَيُونُس مِنْ طَبَقَة وَاحِدَة , وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَةَ وَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الرِّقَاق , لَكِنْ ذَكَرَ اِبْن عَدِيٍّ أَنَّ يَزِيد بْن زُرَيْعٍ رَوَاهُ عَنْ سَعِيد فَقَالَ \" عَنْ يُونُس عَنْ قَتَادَةَ \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَمِعَهُ أَوَّلًا عَنْ قَتَادَةَ بِوَاسِطَةٍ ثُمَّ حَمَلَهُ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَة فَكَانَ يُحَدِّث بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ وَرَوَاهُ سَعِيد بْن بِشْر عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ \" عَنْ الْحَسَن قَالَ دَخَلْنَا عَلَى عَاصِم بْنِ حَدْرَة فَقَالَ : مَا أَكَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خِوَان قَطُّ \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَهْ فِي \" الْمَعْرِفَة \" فَإِنْ كَانَ سَعِيد بْن بِشْر حَفِظَهُ فَهُوَ حَدِيث آخَر لِقَتَادَةَ لِاخْتِلَافِ مَسَاق الْخَبَرَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى سُكُرُّجَة ) ‏ ‏بِضَمِّ السِّين وَالْكَاف وَالرَّاء الثَّقِيلَة بَعْدهَا جِيم مَفْتُوحَة , قَالَ عِيَاض : كَذَا قَيَّدْنَاهُ وَنُقِلَ عَنْ اِبْن مَكِّيٍّ أَنَّهُ صَوَّبَ فَتْح الرَّاء , قُلْت : وَبِهَذَا جَزَمَ التُّورْبَشْتِيُّ وَزَادَ : لِأَنَّهُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ , وَالرَّاء فِي الْأَصْل مَفْتُوحَة وَلَا حُجَّة فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْم الْأَعْجَمِيّ إِذَا نَطَقَتْ بِهِ الْعَرَب لَمْ تُبْقِهِ عَلَى أَصْله غَالِبًا. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : قَالَهُ لَنَا شَيْخنَا أَبُو مَنْصُور اللُّغَوِيّ يَعْنِي الْجَوَالِيقِيّ بِفَتْحِ الرَّاء , قَالَ : وَكَانَ بَعْض أَهْل اللُّغَة يَقُول : الصَّوَاب أُسْكُرُّجَة وَهِيَ فَارِسِيَّة مُعَرَّبَة , وَتَرْجَمَتهَا مُقَرِّب الْخِلّ , وَقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَب قَالَ أَبُو عَلِيّ فَإِنْ حَقَّرَتْ حَذَفَتْ الْجِيم وَالرَّاء , وَقُلْت أَسْكَرَ , وَيَجُوز إِشْبَاع الْكَاف حَتَّى تَزِيد يَاء , وَقِيَاس مَا ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ فِي \" بَرَّيْهِمْ بَرَّيْهِيم \" أَنْ يُقَال فِي سُكَيْرَجَة سُكَيْرِيجَة , وَاَلَّذِي سَبَقَ أَوْلَى. قَالَ اِبْن مَكِّيٍّ وَهِيَ صِحَاف صِغَار يُؤْكَل فِيهَا , وَمِنْهَا الْكَبِير وَالصَّغِير , فَالْكَبِيرَة تَحْمِل قَدْر سِتّ أَوَاقٍ وَقِيلَ مَا بَيْن ثُلُثَيْ أُوقِيَّة إِلَى أُوقِيَّة , قَالَ : وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْعَجَم كَانَتْ تَسْتَعْمِلهُ فِي الْكَوَامِيخ وَالْجَوَارِش لِلتَّشَهِّي وَالْهَضْم , وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : السُّكُرُّجَة قَصْعَة مَدْهُونَة , وَنَقَلَ اِبْن قُرْقُولٍ عَنْ غَيْره أَنَّهَا قَصْعَة ذَات قَوَائِم مِنْ عُود كَمَائِدَةٍ صَغِيرَة وَالْأَوَّل أَوْلَى , قَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" : تَرْكه الْأَكْل فِي السُّكُرُّجَة إِمَّا لِكَوْنِهَا لَمْ تَكُنْ تُصْنَع عِنْدهمْ إِذْ ذَاكَ أَوْ اِسْتِصْغَارًا لَهَا لِأَنَّ عَادَتهمْ الِاجْتِمَاع عَلَى الْأَكْل أَوْ لِأَنَّهَا - كَمَا تَقَدَّمَ - كَانَتْ تُعَدّ لِوَضْعِ الْأَشْيَاء الَّتِي تُعِين عَلَى الْهَضْم وَلَمْ يَكُونُوا غَالِبًا يَشْبَعُونَ , فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَاجَة بِالْهَضْمِ. ‏ ‏قَوْله ( قِيلَ لِقَتَادَةَ ) ‏ ‏الْقَائِلُ هُوَ الرَّاوِي. ‏ ‏قَوْله ( فَعَلَامَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بِالْإِشْبَاعِ. ‏ ‏قَوْله ( يَأْكُلُونَ ) ‏ ‏كَذَا عَدَلَ عَنْ الْوَاحِد إِلَى الْجَمْع , إِشَارَة إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْده بَلْ كَانَ أَصْحَابه يَقْتَفُونَ أَثَره وَيَقْتَدُونَ بِفِعْلِهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى السُّفَر ) ‏ ‏جَمْع سُفْرَة وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانهَا فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث عَائِشَة الطَّوِيل فِي الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة , وَأَنَّ أَصْلهَا الطَّعَام الَّذِي يَتَّخِذهُ الْمُسَافِر , وَأَكْثَر مَا يُصْنَع فِي جِلْد فَنُقِلَ اِسْم الطَّعَام إِلَى مَا يُوضَع فِيهِ كَمَا سُمِّيَتْ الْمَزَادَة رِوَايَة ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة صَفِيَّة فَسَاقَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ سَاقَهُ فِي غَزْوَة خَيْبَر بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَوْرَدَهُ هُنَا بِعَيْنِهِ أَتَمَّ مِنْ سِيَاقه هُنَا وَلَفْظه \" أَقَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن خَيْبَر وَالْمَدِينَة ثَلَاث لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّة \" وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا بَيْن قَوْله إِلَى وَلِيمَته وَبَيْن قَوْله أَمْر بِالْأَنْطَاعِ \" وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْز وَلَا لَحْم وَمَا كَانَ فِيهَا إِلَّا أَنْ أَمَرَ \" فَذَكَرَهُ وَزَادَ بَعْد قَوْله وَالسَّمْن \" فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "4968",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَبْنِي ‏ ‏بِصَفِيَّةَ ‏ ‏فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى ‏ ‏وَلِيمَتِهِ ‏ ‏أَمَرَ ‏ ‏بِالْأَنْطَاعِ ‏ ‏فَبُسِطَتْ فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمْرُ ‏ ‏وَالْأَقِطُ ‏ ‏وَالسَّمْنُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏بَنَى ‏ ‏بِهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ صَنَعَ ‏ ‏حَيْسًا ‏ ‏فِي ‏ ‏نِطَعٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عَمْرو عَنْ أَنَس : بَنَى بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطْعٍ ) ‏ ‏هُوَ أَيْضًا طَرَف مِنْ حَدِيث وَصَلَهُ الْمُؤَلِّف فِي الْمَغَازِي مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو مَوْلَى الْمُطَّلِب عَنْ أَنَس بْن مَالِك بِتَمَامِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "4969",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَهْلُ الشَّأْمِ ‏ ‏يُعَيِّرُونَ ‏ ‏ابْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏يَقُولُونَ يَا ابْنَ ‏ ‏ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ ‏ ‏فَقَالَتْ لَهُ ‏ ‏أَسْمَاءُ ‏ ‏يَا بُنَيَّ إِنَّهُمْ يُعَيِّرُونَكَ بِالنِّطَاقَيْنِ هَلْ تَدْرِي مَا كَانَ النِّطَاقَانِ إِنَّمَا كَانَ ‏ ‏نِطَاقِي شَقَقْتُهُ نِصْفَيْنِ ‏ ‏فَأَوْكَيْتُ ‏ ‏قِرْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِأَحَدِهِمَا وَجَعَلْتُ فِي سُفْرَتِهِ آخَرَ قَالَ فَكَانَ ‏ ‏أَهْلُ الشَّأْمِ ‏ ‏إِذَا عَيَّرُوهُ بِالنِّطَاقَيْنِ يَقُولُ إِيهًا ‏ ‏وَالْإِلَهِ ‏ ‏تِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( هِشَام عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ وَهْب بْن كَيْسَانَ ) ‏ ‏هِشَام هُوَ اِبْن عُرْوَة حَمَلَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ وَهْب بْنِ كَيْسَانَ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن يُونُس عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ هِشَام عَنْ وَهْب بْن كَيْسَانَ \" فَقَطْ وَتَقَدَّمَ أَصْل هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة \" مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ اِمْرَأَته فَاطِمَة بِنْت الْمُنْذِر كِلَاهُمَا عَنْ أَسْمَاء , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ هِشَامًا حَمَلَهُ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ اِمْرَأَته وَعَنْ وَهْب بْن كَيْسَانَ وَلَعَلَّ عِنْده عَنْ بَعْضهمْ مَا لَيْسَ عِنْد الْآخَر , فَإِنَّ الرِّوَايَة الَّتِي تَقَدَّمَتْ لَيْسَ فِيهَا قَوْله يُعَيِّرُونَ وَهُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة مِنْ الْعَار , وَابْن الزُّبَيْر هُوَ عَبْد اللَّه , وَالْمُرَاد بِأَهْلِ الشَّام عَسْكَر الْحَجَّاج بْن يُوسُف حَيْثُ كَانُوا يُقَاتِلُونَهُ مِنْ قِبَل عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان , أَوْ عَسْكَر الْحُصَيْن بْن نُمَيْر الَّذِينَ قَاتَلُوهُ قَبْل ذَلِكَ مِنْ قِبَل يَزِيد بْنِ مُعَاوِيَة. ‏ ‏قَوْله ( يُعَيِّرُونَك بِالنِّطَاقَيْنِ ) ‏ ‏قِيلَ الْأَفْصَح أَنْ يُعَدَّى التَّعْيِير بِنَفْسِهِ تَقُول عَيَّرْته كَذَا , وَقَدْ سُمِعَ هَكَذَا مِثْل مَا هُنَا. ‏ ‏قَوْله ( وَهَلْ تَدْرِي مَا كَانَ النِّطَاقَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ بَعْض الشُّرَّاح , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الصَّوَاب النِّطَاقَانِ بِالرَّفْعِ , وَأَنَا لَمْ أَقِف عَلَيْهِ فِي النُّسَخ إِلَّا بِالرَّفْعِ , فَإِنْ ثَبَتَ رِوَايَة بِغَيْرِ الْأَلْف أَمْكَنَ تَوْجِيهُهَا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون كَانَ فِي الْأَصْل \" وَهَلْ تَدْرِي مَا كَانَ شَأْن النِّطَاقَيْنِ \" فَسَقَطَ لَفْظ شَأْن أَوْ نَحْوه. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّمَا كَانَ نِطَاقِي شَقَقْته نِصْفَيْنِ فَأَوْكَيْت ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة أَنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق هُوَ الَّذِي أَمَرَهَا بِذَلِكَ لَمَّا هَاجَرَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله ( يَقُول إِيهًا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِبَعْضِهِمْ \" اِبْنهَا \" بِمُوَحَّدَةٍ وَنُون وَهُوَ تَصْحِيف , وَقَدْ وُجِّهَ بِأَنَّهُ مَقُول الرَّاوِي وَالضَّمِير لِأَسْمَاءِ وَابْنهَا هُوَ اِبْن الزُّبَيْر , وَأَغْرَبَ اِبْن التِّين فَقَالَ : هُوَ فِي سَائِر الرِّوَايَات \" اِبْنهَا \" وَذَكَره الْخَطَّابِيُّ بِلَفْظِ \" إِيهًا \" ا ه و ‏ ‏قَوْله ( وَالْإِلَه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد بْن يُونُس \" إِيهًا وَرَبّ الْكَعْبَة \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِيهًا بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَبِالتَّنْوِينِ مَعْنَاهَا الِاعْتِرَاف بِمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ وَالتَّقْرِير لَهُ , تَقُول الْعَرَب فِي اِسْتِدْعَاء الْقَوْل مِنْ الْإِنْسَان : إِيهًا وَإِيه بِغَيْرِ تَنْوِينٍ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ ثَعْلَب وَغَيْره إِذَا اِسْتَزَدْت مِنْ الْكَلَام قُلْت إِيه , وَإِذَا أَمَرْت بِقَطْعِهِ قُلْت إِيهًا ا ه. وَلَيْسَ هَذَا الِاعْتِرَاض بِجَيِّدٍ لِأَنَّ غَيْر ثَعْلَب قَدْ جَزَمَ بِأَنَّ إِيهًا كَلِمَة اِسْتِزَادَة , وَارْتَضَاهُ وَحَرَّرَهُ بَعْضهمْ فَقَالَ : إِيهًا بِالتَّنْوِينِ , لِلِاسْتِزَادَةِ وَبِغَيْرِ التَّنْوِين لِقَطْعِ الْكَلَام , وَقَدْ تَأْتِي أَيْضًا بِمَعْنَى كَيْف. ‏ ‏قَوْله ( تِلْكَ شَكَاة ظَاهِر عَنْك عَارهَا ) ‏ ‏شَكَاة بِفَتْحِ الشِّين الْمُعْجَمَة مَعْنَاهُ رَفْع الصَّوْت بِالْقَوْلِ الْقَبِيح , وَلِبَعْضِهِمْ بِكَسْرِ الشِّين , وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَهُوَ مَصْدَر شَكَا يَشْكُو شِكَايَة وَشَكْوَى وَشَكَاة , وَظَاهِر أَيْ زَائِل , قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ اِرْتَفَعَ عَنْك فَلَمْ يَعْلَق بِك , وَالظُّهُور يُطْلَق عَلَى الصُّعُود وَالِارْتِفَاع , وَمِنْ هَذَا قَوْل اللَّه تَعَالَى ( فَمَا اِسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ) أَيْ يَعْلُوا عَلَيْهِ مِنْهُ ( وَمَعَارِج عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ) قَالَ : وَتَمَثَّلَ اِبْن الزُّبَيْر بِمِصْرَاعِ بَيْت لِأَبِي ذُؤَيْب الْهُذَلِيِّ وَأَوَّله \" وَعَيَّرَهَا الْوَاشُونَ أَنِّي أُحِبّهَا \" يَعْنِي لَا بَأْس بِهَذَا الْقَوْل وَلَا عَار فِيهِ , قَالَ مُغَلْطَاي : وَبَعْد بَيْت الْهُذَلِيِّ : ‏ ‏فَإِنْ أَعْتَذِرْ مِنْهَا فَإِنِّي مُكَذَّب ‏ ‏وَإِنْ تَعْتَذِرْ يُرْدَدْ عَلَيْك اِعْتِذَارُهَا ‏ ‏وَأَوَّل هَذِهِ الْقَصِيدَة : ‏ ‏هَلْ الدَّهْر إِلَّا لَيْلَة وَنَهَارهَا ‏ ‏وَإِلَّا طُلُوع الشَّمْس ثُمَّ غِيَارهَا ‏ ‏أَبَى الْقَلْب إِلَّا أُمّ عَمْرو فَأَصْبَحَتْ ‏ ‏تُحْرِّق نَارِي بِالشَّكَاةِ وَنَارهَا ‏ ‏وَبَعْده \" وَعَيَّرَهَا الْوَاشُونَ أَنِّي أُحِبّهَا \" الْبَيْت , وَهِيَ قَصِيدَة تَزِيد عَلَى ثَلَاثِينَ بَيْتًا. وَتَرَدَّدَ اِبْن قُتَيْبَة هَلْ أَنْشَأَ اِبْن الزُّبَيْر هَذَا الْمِصْرَاع أَوْ أَنْشَدَهُ مُتَمَثِّلًا بِهِ ؟ وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ غَيْره الثَّانِي وَهُوَ الْمُعْتَمَد , لِأَنَّ هَذَا مَثَل مَشْهُور , وَكَانَ اِبْن الزُّبَيْر يُكْثِر التَّمَثُّل بِالشِّعْرِ , وَقَلَّمَا أَنْشَأَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "4970",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ حُفَيْدٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ ‏ ‏خَالَةَ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَهْدَتْ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَمْنًا وَأَقِطًا وَأَضُبًّا فَدَعَا بِهِنَّ فَأُكِلْنَ عَلَى مَائِدَتِهِ وَتَرَكَهُنَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَالْمُسْتَقْذِرِ لَهُنَّ وَلَوْ كُنَّ حَرَامًا مَا أُكِلْنَ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا أَمَرَ بِأَكْلِهِنَّ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي أَكْل خَالِد الضَّبّ عَلَى مَائِدَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَيَأْتِي شَرْحه بَعْد فِي كِتَاب الصَّيْد وَالذَّبَائِح. وَقَوْله \" عَلَى مَائِدَته \" أَيْ الشَّيْء الَّذِي يُوضَع عَلَى الْأَرْض صِيَانَة لِلطَّعَامِ كَالْمِنْدِيلِ وَالطَّبَق وَغَيْر ذَلِكَ , وَلَا يُعَارِض هَذَا حَدِيث أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَكْل عَلَى الْخِوَان \" لِأَنَّ الْخِوَان أَخَصّ مِنْ الْمَائِدَة. وَنَفْيُ الْأَخَصّ لَا يَسْتَلْزِم نَفْي الْأَعَمّ , وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَوَاب بَعْض الشُّرَّاح بِأَنَّ أَنَسًا إِنَّمَا نَفَى عِلْمه قَالَ : وَلَا يُعَارِضهُ قَوْل مَنْ عَلِمَ , وَاخْتُلِفَ فِي الْمَائِدَة فَقَالَ الزَّجَّاج هِيَ عِنْدِي مِنْ مَادَ يَمِيد إِذَا تَحَرَّكَ. وَقَالَ غَيْره : مِنْ مَادَ يَمِيد إِذَا أَعْطَى , قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَهِيَ فَاعِلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة مِنْ الْعَطَاء قَالَ الشَّاعِر ‏ ‏كُنْت لِلْمُنْتَجَعِينَ مَائِدًا ‏"
    },
    {
        "id": "4971",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالصَّهْبَاءِ ‏ ‏وَهِيَ عَلَى رَوْحَةٍ مِنْ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَدَعَا بِطَعَامٍ فَلَمْ يَجِدْهُ إِلَّا ‏ ‏سَوِيقًا ‏ ‏فَلَاكَ مِنْهُ فَلُكْنَا مَعَهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ ثُمَّ صَلَّى وَصَلَّيْنَا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سُوَيْد بْن النُّعْمَان , قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الطَّهَارَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4972",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَيْفُ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا ‏ ‏مَحْنُوذًا ‏ ‏قَدْ قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا ‏ ‏حُفَيْدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏فَقَدَّمَتْ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطَعَامٍ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ وَيُسَمَّى لَهُ فَأَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ فَقَالَتْ ‏ ‏امْرَأَةٌ ‏ ‏مِنْ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَهُ عَنْ الضَّبِّ فَقَالَ ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏لَا وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ قَالَ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْظُرُ إِلَيَّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة الضَّبّ , سَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الصَّيْد وَالذَّبَائِح. وَوَقَعَ فِيهِ \" فَقَالَتْ اِمْرَأَة مِنْ النِّسْوَة الْحُضُور \" كَذَا وَقَعَ بِلَفْظِ جَمْع الْمُذَكَّر , وَكَأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْأَشْخَاص , وَفِيهِ \" أَخْبِرْنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ \" وَهَذِهِ الْمَرْأَة وَرَدَ التَّصْرِيح بِأَنَّهَا مَيْمُونَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ وَلَفْظه \" فَقَالَتْ مَيْمُونَة : أَخْبِرُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا هُوَ , فَلَمَّا أَخْبَرُوهُ تَرَكَهُ \" وَعِنْد مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" فَقَالَتْ مَيْمُونَة : يَا رَسُول اللَّه إِنَّهُ لَحْم ضَبّ , فَكَفّ يَده \". ‏"
    },
    {
        "id": "4973",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَعَامُ ‏ ‏الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" طَعَام الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الثَّلَاثَة وَطَعَام الثَّلَاثَة يَكْفِي الْأَرْبَعَة \" ‏ ‏وَاسْتُشْكِلَ الْجَمْع بَيْن التَّرْجَمَة وَالْحَدِيث , فَإِنَّ قَضِيَّة التَّرْجَمَة مَرْجِعهَا النِّصْف وَقَضِيَّة الْحَدِيث مُرَجَّعهَا الثُّلُث ثُمَّ الرُّبْع. وَأُجِيب بِأَنَّهُ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى لَفْظ حَدِيث آخَر وَرَدَ لَيْسَ عَلَى شَرْطه وَبِأَنَّ الْجَامِع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ مُطْلَق طَعَام الْقَلِيل يَكْفِي الْكَثِير لَكِنَّ أَقْصَاهُ الضَّعْف , وَكَوْنه يَكْفِي مِثْله لَا يَنْفِي أَنْ يَكْفِي دُونه. نَعَمْ كَوْن طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الِاثْنَيْنِ يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ طَعَام الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الثَّلَاثَة بِطَرِيقِ الْأَوْلَى بِخِلَافِ عَكْسه. وَنُقِلَ عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ جَرِير قَالَ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الطَّعَام الَّذِي يُشْبِع الْوَاحِد يَكْفِي قُوت الِاثْنَيْنِ , وَيُشْبِع الِاثْنَيْنِ قُوت الْأَرْبَعَة. وَقَالَ الْمُهَلَّب الْمُرَاد بِهَذِهِ الْأَحَادِيث الْحَضّ عَلَى الْمَكَارِم وَالتَّقَنُّع بِالْكِفَايَةِ , يَعْنِي وَلَيْسَ الْمُرَاد الْحَصْر فِي مِقْدَار الْكِفَايَة , وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْمُوَاسَاة وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلِاثْنَيْنِ إِدْخَال ثَالِث لِطَعَامِهِمَا وَإِدْخَال رَابِع أَيْضًا بِحَسَبِ مَنْ يَحْضُر. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عُمَر عِنْد اِبْن مَاجَهْ بِلَفْظِ \" طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الِاثْنَيْنِ وَأَنَّ طَعَام الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة وَأَنَّ طَعَام الْأَرْبَعَة يَكْفِي الْخَمْسَة وَالسِّتَّة \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر فِي قِصَّة أَضْيَاف أَبِي بَكْر \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَانَ عِنْده طَعَام اِثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ , وَمَنْ كَانَ عِنْده طَعَام أَرْبَعَة فَلْيُذْهِبْ بِخَامِسٍ أَوْ سَادِس \" وَعِنْد الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر مَا يُرْشِد إِلَى الْعِلَّة فِي ذَلِكَ وَأَوَّله \" كُلُوا جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا فَإِنَّ طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الِاثْنَيْنِ \" الْحَدِيث فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْكِفَايَة تَنْشَأ عَنْ بَرَكَة الِاجْتِمَاع , وَأَنَّ الْجَمْع كُلَّمَا كَثُرَ اِزْدَادَتْ الْبَرَكَة وَقَدْ أَشَارَ التِّرْمِذِيّ إِلَى حَدِيث اِبْن عُمَر وَعِنْد الْبَزَّار مِنْ حَدِيث سَمُرَة نَحْو حَدِيث عُمَر وَزَادَ بِهِ آخِره \" وَيَد اللَّه عَلَى الْجَمَاعَة \" وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر يُؤْخَذ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة اِسْتِحْبَاب الِاجْتِمَاع عَلَى الطَّعَام , وَأَنْ لَا يَأْكُل الْمَرْء وَحْده ا ه. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمُوَاسَاة إِذَا حَصَلَتْ حَصَلَتْ مَعَهَا الْبَرَكَة فَتَعُمّ الْحَاضِرِينَ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَسْتَحْقِر مَا عِنْده فَيَمْتَنِع مِنْ تَقْدِيمه , فَإِنَّ الْقَلِيل قَدْ يَحْصُل بِهِ الِاكْتِفَاء , بِمَعْنَى حُصُول سَدّ الرَّمَق وَقِيَام الْبِنْيَة , لَا حَقِيقَة الشِّبَع. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ : وَرَدَ حَدِيث بِلَفْظِ التَّرْجَمَة لَكِنَّهُ لَمْ يُوَافِق شَرْط الْبُخَارِيّ فَاسْتَقْرَأَ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيث الْبَاب , لِأَنَّ مَنْ أَمْكَنَهُ تَرْك الثُّلُث أَمْكَنَهُ تَرْك النِّصْف لِتَقَارُبِهِمَا اِنْتَهَى. وَتَعَقَّبَهُ مُغَلْطَاي بِأَنَّ التِّرْمِذِيّ أَخْرَجَ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر , وَهُوَ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ اِنْتَهَى. وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ فَإِنَّ الْبُخَارِيّ وَإِنْ كَانَ أَخْرَجَ لِأَبِي سُفْيَان , لَكِنْ أَخْرَجَ لَهُ مَقْرُونًا بِأَبِي صَالِح عَنْ جَابِر ثَلَاثَة أَحَادِيث فَقَطْ , فَلَيْسَ عَلَى شَرْطه , ثُمَّ لَا أَدْرِي لِمَ خَصَّهُ بِتَخْرِيجِ التِّرْمِذِيّ مَعَ أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان أَيْضًا , وَلَعَلَّ اِبْن الْمُنَيِّرِاِعْتَمَدَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ اِبْن بَطَّالٍ أَنَّ اِبْن وَهْب رَوَى الْحَدِيث بِلَفْظِ التَّرْجَمَة عَنْ اِبْن لَهِيعَة عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر , وَابْن لَهِيعَة لَيْسَ مِنْ شَرْط الْبُخَارِيّ قَطْعًا , لَكِنْ يَرُدّ عَلَيْهِ أَنَّ اِبْن بَطَّالٍ قَصَّرَ بِنَسَبِهِ الْحَدِيث , وَإِلَّا فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ وَمِنْ طَرِيق سُفْيَان الثَّوْرِيّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر وَصَرَّحَ بِطَرِيقِ اِبْن جُرَيْجٍ بِسَمَاعِ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر , فَالْحَدِيث صَحِيح لَكِنْ لَا عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَفِي الْبَاب عَنْ اِبْن عُمَر وَسَمُرَة كَمَا تَقَدَّمَ , وَفِيهِ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَيْضًا فِي الطَّبَرَانِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "4974",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏لَا يَأْكُلُ حَتَّى يُؤْتَى بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَدْخَلْتُ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَكَلَ كَثِيرًا فَقَالَ يَا ‏ ‏نَافِعُ ‏ ‏لَا تُدْخِلْ هَذَا عَلَيَّ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْوَارِث , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مَنْسُوبًا. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ وَاقِد بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( فَأَدْخَلْت رَجُلًا يَأْكُل مَعَهُ فَأَكَلَ كَثِيرًا ) ‏ ‏لَعَلَّهُ أَبُو نَهِيك الْمَذْكُور بَعْد قَلِيل. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَجَعَلَ اِبْن عُمَر يَضَع بَيْن يَدَيْهِ وَيَضَع بَيْن يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَأْكُل أَكْلًا كَثِيرًا. ‏ ‏قَوْله ( لَا تُدْخِل هَذَا عَلَيَّ ) ‏ ‏وَذَكَرَ الْحَدِيث هَكَذَا حَمَلَ اِبْن عُمَر الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره , وَلَعَلَّهُ كَرِهَ دُخُوله عَلَيْهِ لِمَا رَآهُ مُتَّصِفًا بِصِفَةٍ وُصِفَ بِهَا الْكَافِر. ‏"
    },
    {
        "id": "4975",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَإِنَّ الْكَافِرَ ‏ ‏أَوْ الْمُنَافِقَ فَلَا أَدْرِي أَيَّهُمَا قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمِثْلِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان , وَعُبَيْد اللَّه هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّ الْكَافِر , أَوْ الْمُنَافِق فَلَا أَدْرِي أَيّهمَا قَالَ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هَذَا الشَّكّ مِنْ عَبْدَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر بِلَفْظِ \" الْكَافِر \" بِغَيْرِ شَكّ , وَكَذَا رَوَاهُ عَمْرو بْن دِينَار كَمَا يَأْتِي فِي الْبَاب , وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة غَيْر اِبْن عُمَر مِمَّنْ رَوَى الْحَدِيث مِنْ الصَّحَابَة , إِلَّا أَنَّهُ وَرَدَ عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي رِوَايَة لَهُ مِنْ حَدِيث سَمُرَة بِلَفْظِ \" الْمُنَافِق \" بَدَل الْكَافِر. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اِبْن بُكَيْر ) ‏ ‏هُوَ يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن بُكَيْر , وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيقه , وَوَقَعَ لَنَا فِي الْمُوَطَّأ مِنْ رِوَايَته عَنْ مَالِك وَلَفْظه \" الْمُؤْمِن يَأْكُل فِي مِعًى وَاحِد , وَالْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَة أَمْعَاء \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب \" أَخْبَرَنِي مَالِك وَغَيْر وَاحِد أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُمْ \" فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ \" الْمُسْلِم \" فَظَهَرَ أَنَّ مُرَاد الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ \" مِثْله \" أَيْ مِثْل أَصْل الْحَدِيث لَا خُصُوص الشَّكّ الْوَاقِع فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع. ‏"
    },
    {
        "id": "4976",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَبُو نَهِيكٍ ‏ ‏رَجُلًا أَكُولًا ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ فَقَالَ فَأَنَا أُومِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِتَحْدِيثِهِ لِسُفْيَان فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده وَمِنْ طَرِيقه أَبُو نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \". ‏ ‏قَوْله ( كَانَ أَبُو نَهِيك ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْهَاء ‏ ‏( رَجُلًا أَكُولًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ \" قِيلَ لِابْنِ عُمَر إِنَّ أَبَا نَهِيك رَجُل مِنْ أَهْل مَكَّة يَأْكُل أَكْلًا كَثِيرًا \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ فَأَنَا أُومِنُ بِاَللَّهِ وَرَسُوله ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ \" فَقَالَ الرَّجُل أَنَا أُومِن بِاَللَّهِ \" إِلَخْ وَمِنْ ثَمَّ أَطْبَقَ الْعُلَمَاء عَلَى حَمْل الْحَدِيث عَلَى غَيْر ظَاهِره كَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحه. ‏"
    },
    {
        "id": "4977",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ( يَأْكُل الْمُسْلِم فِي مِعًى وَاحِد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" الْمُؤْمِن يَشْرَب فِي مِعًى وَاحِد \" الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "4978",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا فَأَسْلَمَ فَكَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا قَلِيلًا فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ سَلْمَان بِسُكُونِ اللَّام الْأَشْجَعِيّ وَلَيْسَ هُوَ سَلَمَة بْن دِينَار الزَّاهِد فَإِنَّهُ أَصْغَر مِنْ الْأَشْجَعِيّ وَلَمْ يُدْرِك أَبَا هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُل أَكَلَا كَثِيرًا فَأَسْلَمَ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَافَهُ ضَيْف وَهُوَ كَافِر فَأَمَرَ لَهُ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابهَا ثُمَّ أُخْرَى ثُمَّ أُخْرَى حَتَّى شَرِبَ حِلَاب سَبْع شِيَاه , ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ فَأَمَرَ لَهُ بِشَاةٍ فَشَرِبَ حِلَابهَا ثُمَّ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا \" الْحَدِيث وَهَذَا الرَّجُل يُشْبِه أَنْ يَكُون جَهْجَاه الْغِفَارِيَّ , فَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقه أَنَّهُ قَدِمَ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمه يُرِيدُونَ الْإِسْلَام , فَحَضَرُوا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَغْرِب , فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : لِيَأْخُذ كُلّ رَجُل بِيَدِ جَلِيسه , فَلَمْ يَبْقَ غَيْرِي , فَكُنْت رَجُلًا عَظِيمًا طَوِيلًا لَا يُقْدِم عَلَيَّ أَحَد , فَذَهَبَ بِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَنْزِله فَحَلَبَ لِي عَنْزًا فَأَتَيْت عَلَيْهِ ثُمَّ حَلَبَ لِي آخَر حَتَّى حَلَبَ سَبْعَة أَعْنُز فَأَتَيْت عَلَيْهَا , ثُمَّ أُتِيت بِصَنِيعِ بُرْمَة فَأَتَيْت عَلَيْهَا , فَقَالَتْ أُمّ أَيْمَن : أَجَاعَ اللَّهُ مَنْ أَجَاعَ رَسُول اللَّه , فَقَالَ : مَهْ يَا أُمّ أَيْمَن , أَكَلَ رِزْقه , وَرِزْقنَا عَلَى اللَّه. فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَة الثَّانِيَة وَصَلَّيْنَا الْمَغْرِب صَنَعَ مَا صَنَعَ فِي الَّتِي قَبْلهَا فَحَلَبَ لِي عَنْزًا وَرَوَيْت وَشَبِعْت , فَقَالَتْ أُمّ أَيْمَن : أَلَيْسَ هَذَا ضَيْفنَا ؟ قَالَ : إِنَّهُ أَكَلَ فِي مِعًى وَاحِد اللَّيْلَة وَهُوَ مُؤْمِن , وَأَكَلَ قَبْل ذَلِكَ فِي سَبْعَة أَمْعَاء , الْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَة أَمْعَاء وَالْمُؤْمِن يَأْكُل فِي مِعًى وَاحِد \" وَفِي إِسْنَاد الْجَمِيع مُوسَى بْن عُبَيْدَة وَهُوَ ضَعِيف. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَقَالَ \" جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَة رِجَال , فَأَخَذَ كُلّ رَجُل مِنْ الصَّحَابَة رَجُلًا وَأَخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا , فَقَالَ لَهُ مَا اِسْمك ؟ قَالَ : أَبُو غَزْوَانَ. قَالَ فَحَلَبَ لَهُ سَبْع شِيَاه فَشَرِبَ لَبَنهَا كُلّه , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَك يَا أَبَا غَزْوَانَ أَنْ تُسْلِم ؟ قَالَ : نَعَمْ. فَأَسْلَمَ , فَمَسَحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدْره , فَلَمَّا أَصْبَحَ حَلَبَ لَهُ شَاة وَاحِدَة فَلَمْ يَتِمّ لَبَنهَا , فَقَالَ : مَا لَك يَا أَبَا غَزْوَانَ ؟ قَالَ : وَاَلَّذِي بَعَثَك نَبِيًّا لَقَدْ رُوِيت. قَالَ : إِنَّك أَمْس كَانَ لَك سَبْعَة أَمْعَاء وَلَيْسَ لَك الْيَوْم إِلَّا مِعًى وَاحِد \" وَهَذِهِ الطَّرِيق أَقْوَى مِنْ طَرِيق جَهْجَاه , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون تِلْكَ كُنْيَته , لَكِنْ يُقَوِّي التَّعَدُّد أَنَّ أَحْمَد أَخْرَجَ مِنْ حَدِيث أَبِي بَصْرَة الْغِفَارِيَّ قَالَ \" أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرْت قَبْل أَنْ أُسْلِم , فَحَلَبَ لِي شُوَيْهَة كَانَ يَحْلُبهَا لِأَهْلِهِ فَشَرِبْتهَا , فَلَمَّا أَصْبَحْت أَسْلَمْت حَلَبَ لِي فَشَرِبْت مِنْهَا فَرُوِيت , فَقَالَ : أَرُوِيت ؟ قُلْت : قَدْ رُوِيت مَا لَا رُوِيت قَبْل الْيَوْم \" الْحَدِيث , وَهَذَا لَا يُفَسَّر بِهِ الْمُبْهَم فِي حَدِيث الْبَاب وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا , لَكِنْ لَيْسَ فِي قِصَّته خُصُوص الْعَدَد. وَلِأَحْمَد أَيْضًا وَلِأَبِي مُسْلِم الْكَجِّيّ وَقَاسِمِ بْن ثَابِت فِي \" الدَّلَائِل \" وَالْبَغَوِيّ فِي \" الصَّحَابَة \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن مَعْن بْن نَضْلَةَ الْغِفَارِيِّ \" حَدَّثَنِي جَدِّي نَضْلَةُ بْن عَمْرو قَالَ : أَقْبَلْت فِي لِقَاحٍ لِي حَتَّى أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمْت ثُمَّ أَخَذْت عُلْبَة فَحَلَبْت فِيهَا فَشَرِبَهَا فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنْ كُنْت لَأَشْرَبهَا مِرَارًا لَا أَمْتَلِئ \" وَفِي لَفْظ \" إِنْ كُنْت لَأَشْرَب السَّبْعَة , فَمَا أَمْتَلِئ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَهَذَا أَيْضًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّر بِهِ مُبْهَم حَدِيث الْبَاب لِاخْتِلَافِ السِّيَاق. وَوَقَعَ فِي كَلَامِ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ أَنَّهُ نَضْرَة بْن نَضْرَة الْغِفَارِيُّ , وَذَكَرَ اِبْنِ إِسْحَاق فِي السِّيرَة مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة ثُمَامَة بْن أَثَال أَنَّهُ لَمَّا أُسِرَ ثُمَّ أَسْلَمَ وَقَعَتْ لَهُ قِصَّة تُشْبِه قِصَّة جَهْجَاه , فَيَجُوز أَنْ يُفَسَّر بِهِ , وَبِهِ صَدَّرَ الْمَازِرِيّ كَلَامه. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْحَدِيث فَقِيلَ : لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ ظَاهِره وَإِنَّمَا هُوَ مَثَل ضُرِبَ لِلْمُؤْمِنِ وَزُهْده فِي الدُّنْيَا وَالْكَافِر وَحِرْصه عَلَيْهَا , فَكَانَ الْمُؤْمِن لِتَقَلُّلِهِ مِنْ الدُّنْيَا يَأْكُل فِي مِعًى وَاحِد , وَالْكَافِر لِشِدَّةِ رَغْبَته فِيهَا وَاسْتِكْثَاره مِنْهَا يَأْكُل فِي سَبْعَة أَمْعَاء , فَلَيْسَ الْمُرَاد حَقِيقَة الْأَمْعَاء وَلَا خُصُوص الْأَكْل وَإِنَّمَا الْمُرَاد التَّقَلُّل مِنْ الدُّنْيَا وَالِاسْتِكْثَار مِنْهَا , فَكَأَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ تَنَاوُل الدُّنْيَا بِالْأَكْلِ وَعَنْ أَسْبَاب ذَلِكَ بِالْأَمْعَاءِ , وَوَجْه الْعَلَاقَة ظَاهِر , وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِن يَأْكُل الْحَلَال وَالْكَافِر يَأْكُل الْحَرَام , وَالْحَلَال أَقَلّ مِنْ الْحَرَام فِي الْوُجُود نَقَلَهُ اِبْنِ التِّين , وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ نَحْو الَّذِي قَبْله عَنْ أَبِي جَعْفَر بْن أَبِي عِمْرَان فَقَالَ : حَمَلَ قَوْم هَذَا الْحَدِيث عَلَى الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا كَمَا تَقُول فُلَان يَأْكُل الدُّنْيَا أَكْلًا أَيْ يَرْغَب فِيهَا وَيَحْرِص عَلَيْهَا , فَمَعْنَى الْمُؤْمِن يَأْكُل فِي مِعًى وَاحِد أَيْ يَزْهَد فِيهَا فَلَا يَتَنَاوَل مِنْهَا إِلَّا قَلِيلًا , وَالْكَافِر فِي سَبْعَة أَيْ يَرْغَب فِيهَا فَيَسْتَكْثِر مِنْهَا. وَقِيلَ الْمُرَاد حَضّ الْمُؤْمِن عَلَى قِلَّة الْأَكْل إِذَا عُلِمَ أَنَّ كَثْرَة الْأَكْل صِفَة الْكَافِر , فَإِنَّ نَفْس الْمُؤْمِن تَنْفِر مِنْ الِاتِّصَاف بِصِفَةِ الْكَافِر , وَيَدُلّ عَلَى أَنَّ كَثْرَة الْأَكْل مِنْ صِفَة الْكُفَّار قَوْله تَعَالَى ( وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُل الْأَنْعَام ) وَقِيلَ بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ. ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَال : أَحَدهَا أَنَّهُ وَرَدَ فِي شَخْص بِعَيْنِهِ وَاللَّام عَهْدِيَّة لَا جِنْسِيَّة , جَزَمَ بِذَلِكَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ فَقَالَ : لَا سَبِيل إِلَى حَمْله عَلَى الْعُمُوم لِأَنَّ الْمُشَاهَدَة تَدْفَعهُ , فَكَمْ مِنْ كَافِر يَكُون أَقَلّ أَكْلًا مِنْ مُؤْمِن وَعَكْسه , وَكَمْ مِنْ كَافِر أَسْلَمَ فَلَمْ يَتَغَيَّر مِقْدَار أَكْله , قَالَ : وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ فِي رَجُل بِعَيْنِهِ , وَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِهِ مَالِك الْحَدِيث الْمُطْلَق , وَكَذَا الْبُخَارِيّ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : هَذَا إِذَا كَانَ كَافِرًا كَانَ يَأْكُل فِي سَبْعَة أَمْعَاء فَلَمَّا أَسْلَمَ عُوفِيَ وَبُورِكَ لَهُ فِي نَفْسه فَكَفَاهُ جُزْء مِنْ سَبْعَة أَجْزَاء مِمَّا كَانَ يَكْفِيه وَهُوَ كَافِر ا ه. وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ فِي \" مُشْكِل الْآثَار \" فَقَالَ : قِيلَ إِنَّ هَذَا الْحَدِيث كَانَ فِي كَافِر مَخْصُوص وَهُوَ الَّذِي شَرِبَ حِلَاب السَّبْع شِيَاه , قَالَ : وَلَيْسَ لِلْحَدِيثِ عِنْدنَا مَحْمَل غَيْر هَذَا الْوَجْه , وَالسَّابِق إِلَى ذَلِكَ أَوَّلًا أَبُو عُبَيْدَة , وَقَدْ تُعُقِّبَ هَذَا الْحَمْل بِأَنَّ اِبْن عُمَر رَاوِي الْحَدِيث فَهِمَ مِنْهُ الْعُمُوم فَلِذَلِكَ مَنَعَ الَّذِي رَآهُ يَأْكُل كَثِيرًا مِنْ الدُّخُول عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ. ثُمَّ كَيْف يَتَأَتَّى حَمْله عَلَى شَخْص بِعَيْنِهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرْجِيح بِتَعَدُّدِ الْوَاقِعَة وَيُورِد الْحَدِيث الْمَذْكُور عَقِب كُلّ وَاحِدَة مِنْهَا فِي حَقِّ الَّذِي وَقَعَ لَهُ نَحْو ذَلِكَ. الْقَوْل الثَّانِي أَنَّ الْحَدِيث خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِب , وَلَيْسَتْ حَقِيقَة الْعَدَد مُرَادَة , قَالُوا تَخْصِيص السَّبْعَة لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّكْثِير كَمَا قَوْله تَعَالَى ( وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ) وَالْمَعْنَى أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِن التَّقَلُّل مِنْ الْأَكْل لِاشْتِغَالِهِ بِأَسْبَابِ الْعِبَادَة وَلِعِلْمِهِ بِأَنَّ مَقْصُود الشَّرْع مِنْ الْأَكْل مَا يَسُدّ الْجُوع وَيُمْسِك الرَّمَق وَيُعِين عَلَى الْعِبَادَة , وَلِخَشْيَتِهِ أَيْضًا مِنْ حِسَاب مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ , وَالْكَافِر بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلّه فَإِنَّهُ لَا يَقِف مَعَ مَقْصُود الشَّرْع , بَلْ هُوَ تَابِع لِشَهْوَةِ نَفْسه مُسْتَرْسِل فِيهَا غَيْر خَائِف مِنْ تَبَعَات الْحَرَام , فَصَارَ أَكْل الْمُؤْمِن - لَمَّا ذَكَرْته - إِذَا نُسِبَ إِلَى أَكْلِ الْكَافِر كَأَنَّهُ بِقَدْرِ السَّبْع مِنْهُ , وَلَا يَلْزَم مِنْ هَذَا اِطِّرَاده فِي حَقِّ كُلّ مُؤْمِن وَكَافِر , فَقَدْ يَكُونُ فِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَأْكُل كَثِيرًا إِمَّا بِحَسَبِ الْعَادَة وَإِمَّا لِعَارِضٍ يَعْرِض لَهُ مِنْ مَرَض بَاطِن أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ , وَيَكُونُ فِي الْكُفَّار مَنْ يَأْكُل قَلِيلًا إِمَّا لِمُرَاعَاةِ الصِّحَّة عَلَى رَأْي الْأَطِبَّاء , وَإِمَّا لِلرِّيَاضَةِ عَلَى رَأْي الرُّهْبَان , وَإِمَّا لِعَارِضٍ كَضَعْفِ الْمَعِدَة. قَالَ الطِّيبِيُّ : وَمُحَصَّل الْقَوْل أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِن الْحِرْص عَلَى الزَّهَادَة وَالِاقْتِنَاع بِالْبُلْغَةِ , بِخِلَافِ الْكَافِر , فَإِذَا وَجَدَ مُؤْمِن أَوْ كَافِر عَلَى غَيْر هَذَا الْوَصْف لَا يَقْدَح فِي الْحَدِيث. وَمِنْ هَذَا قَوْله تَعَالَى ( الزَّانِي لَا يَنْكِح إِلَّا زَانِيَة أَوْ مُشْرِكَة ) الْآيَة , وَقَدْ يُوجَد مِنْ الزَّانِي نِكَاح الْحُرَّة وَمِنْ الزَّانِيَة نِكَاح الْحُرّ. الْقَوْل الثَّالِث أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُؤْمِنِ فِي هَذَا الْحَدِيث التَّامّ الْإِيمَان , لِأَنَّ مَنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ وَكَمُلَ إِيمَانُهُ اِشْتَغَلَ فِكْره فِيمَا يَصِير إِلَيْهِ مِنْ الْمَوْت وَمَا بَعْده فَيَمْنَعهُ شِدَّة الْخَوْف وَكَثْرَة الْفِكْر وَالْإِشْفَاق عَلَى نَفْسه مِنْ اِسْتِيفَاء شَهْوَته , كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيث لِأَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ \" مَنْ كَثُرَ تَفَكُّره قَلَّ طُعْمه , وَمَنْ قَلَّ تَفَكُّره كَثُرَ طُعْمه وَقَسَا قَلْبه \" وَيُشِير إِلَى ذَلِكَ حَدِيث أَبِي سَعِيد الصَّحِيح \" إِنَّ هَذَا الْمَال حُلْوَة خَضِرَة , فَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ كَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُل وَلَا يَشْبَع \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُؤْمِنِ , مَنْ يَقْتَصِد فِي مَطْعَمه , وَأَمَّا الْكَافِر فَمِنْ شَأْنِهِ الشَّرَه فَيَأْكُل بِالنَّهَمِ كَمَا تَأْكُل الْبَهِيمَة وَلَا يَأْكُل بِالْمَصْلَحَةِ لِقِيَامِ الْبِنْيَة , وَقَدْ رَدَّ هَذَا الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ : قَدْ ذُكِرَ عَنْ غَيْر وَاحِد مِنْ أَفَاضِل السَّلَف الْأَكْل الْكَثِير , فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْصًا فِي إِيمَانهمْ. الرَّابِع أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الْمُؤْمِن يُسَمِّي اللَّه تَعَالَى عِنْد طَعَامه وَشَرَابه فَلَا يُشْرِكهُ الشَّيْطَان فَيَكْفِيه الْقَلِيل , وَالْكَافِر لَا يُسَمِّي فَيُشْرِكهُ الشَّيْطَان كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره قَبْلُ , , وَفِي صَحِيح مُسْلِم فِي حَدِيث مَرْفُوع \" إِنَّ الشَّيْطَان يَسْتَحِلّ الطَّعَام إِنْ لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ \". الْخَامِس أَنَّ الْمُؤْمِن يَقِلّ حِرْصه عَلَى الطَّعَام فَيُبَارَك لَهُ فِيهِ وَفِي مَأْكَله فَيَشْبَع مِنْ الْقَلِيل , وَالْكَافِر طَامِح الْبَصَر إِلَى الْمَأْكَل كَالْأَنْعَامِ فَلَا يَشْبَعهُ الْقَلِيل , وَهَذَا يُمْكِن ضَمّه إِلَى الَّذِي قَبْله وَيُجْعَلَانِ جَوَابًا وَاحِدًا مَرْكَبًا. السَّادِس قَالَ النَّوَوِيّ الْمُخْتَار أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ بَعْض الْمُؤْمِنِينَ يَأْكُل فِي مِعًى وَاحِد وَأَنَّ أَكْثَر الْكُفَّار يَأْكُلُونَ فِي سَبْعَة أَمْعَاء , وَلَا يَلْزَم أَنْ يَكُون كُلّ وَاحِد مِنْ السَّبْعَة مِثْل مِعًى الْمُؤْمِن ا ه , وَيَدُلّ عَلَى تَفَاوُت الْأَمْعَاء مَا ذَكَرَهُ عِيَاض عَنْ أَهْل التَّشْرِيح أَنَّ أَمْعَاء الْإِنْسَان سَبْعَة : الْمَعِدَة , ثُمَّ ثَلَاثَة أَمْعَاء بَعْدهَا مُتَّصِلَة بِهَا : الْبَوَّاب , ثُمَّ الصَّائِم. ثُمَّ الرَّقِيق وَالثَّلَاثَة رِقَاق , ثُمَّ الْأَعْوَر , وَالْقَوْلُون , وَالْمُسْتَقِيم وَكُلّهَا غِلَاظ. فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ الْكَافِر لِكَوْنِهِ يَأْكُل بِشَرَاهَةٍ لَا يُشْبِعهُ إِلَّا مِلْء أَمْعَائِهِ السَّبْعَة , وَالْمُؤْمِن يُشْبِعهُ مِلْء مِعًى وَاحِد. وَنَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ عَنْ الْأَطِبَّاء فِي تَسْمِيَة الْأَمْعَاء السَّبْعَة أَنَّهَا الْمَعِدَة , ثُمَّ ثَلَاثَة مُتَّصِلَة بِهَا رِقَاق وَهِيَ الِاثْنَا عَشْرِيّ , وَالصَّائِم , وَالْقَوْلُون , ثُمَّ ثَلَاثَة غِلَاظ وَهِيَ الْفَانَفِيّ بِنُونٍ وَفَاءَيْنِ أَوْ قَافَيْنِ , وَالْمُسْتَقِيم , وَالْأَعْوَر. السَّابِع قَالَ النَّوَوِيّ يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالسَّبْعَةِ فِي الْكَافِر صِفَات هِيَ الْحِرْص وَالشَّرَه وَطُول الْأَمَل وَالطَّمَع وَسُوء الطَّبْع وَالْحَسَد وَحُبِّ السِّمَن , وَبِالْوَاحِدِ فِي الْمُؤْمِن سَدّ خَلَّته. الثَّامِن قَالَ الْقُرْطُبِيّ : شَهَوَات الطَّعَام سَبْع. شَهْوَة الطَّبْع , وَشَهْوَة النَّفْس , وَشَهْوَة الْعَيْن , وَشَهْوَة الْفَم , وَشَهْوَة الْأُذُن , وَشَهْوَة الْأَنْف , وَشَهْوَة الْجُوع وَهِيَ الضَّرُورِيَّة الَّتِي يَأْكُل بِهَا الْمُؤْمِن , وَأَمَّا الْكَافِر فَيَأْكُل بِالْجَمِيعِ. ثُمَّ رَأَيْت أَصْل مَا ذَكَرَهُ فِي كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي بَكْر بْن الْعَرَبِيّ مُلَخَّصًا وَهُوَ أَنَّ الْأَمْعَاء السَّبْعَة كِنَايَة عَنْ الْحَوَاسّ الْخَمْس وَالشَّهْوَة وَالْحَاجَة , قَالَ الْعُلَمَاء يُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث الْحَضّ عَلَى التَّقَلُّل مِنْ الدُّنْيَا وَالْحَثّ عَلَى الزُّهْد فِيهَا وَالْقَنَاعَة بِمَا تَيَسَّرَ مِنْهَا , وَقَدْ كَانَ الْعُقَلَاء فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام يَتَمَدَّحُونَ بِقِلَّةِ الْأَكْل وَيَذُمُّونَ كَثْرَة الْأَكْل كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث أُمّ زَرْع أَنَّهَا قَالَتْ فِي مَعْرِض الْمَدْح لِابْنِ أَبِي زَرْع \" وَيُشْبِعهُ ذِرَاع الْجَفْرَة \" وَقَالَ حَاتِم الطَّائِيّ : ‏ ‏فَإِنَّك إِنْ أَعْطَيْت بَطْنَكَ سُؤْلَهُ ‏ ‏وَفَرْجَكَ نَالَا مُنْتَهَى الذَّمِّ أَجْمَعَا ‏ ‏وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. وَقَالَ اِبْنِ التِّين : قِيلَ إِنَّ النَّاس فِي الْأَكْل عَلَى ثَلَاث طَبَقَات : طَائِفَة تَأْكُل كُلّ مَطْعُوم مِنْ حَاجَة وَغَيْر حَاجَة وَهَذَا فِعْل أَهْل الْجَهْل , وَطَائِفَة تَأْكُل عِنْد الْجُوع بِقَدْرِ مَا يَسُدّ الْجُوع حَسْب , وَطَائِفَة يُجَوِّعُونَ أَنْفُسهمْ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ قَمْع شَهْوَة النَّفْس وَإِذَا أَكَلُوا أَكَلُوا مَا يَسُدّ الرَّمَق ا ه مُلَخَّصًا. وَهُوَ صَحِيح , لَكِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّض لِتَنْزِيلِ الْحَدِيث عَلَيْهِ وَهُوَ لَائِقٌ بِالْقَوْلِ الثَّانِي. ‏"
    },
    {
        "id": "4979",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا جُحَيْفَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا آكُلُ مُتَّكِئًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مِسْعَر ) ‏ ‏كَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ فَقَالَ \" حَدَّثَنَا سُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ \" فَكَانَ لِأَبِي نُعَيْمٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَلِيّ بْن الْأَقْمَر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَمْرو بْن الْحَارِث بْن مُعَاوِيَة الْهَمْدَانِيِّ بِسُكُونِ الْمِيم الْوَادِعِيّ الْكُوفِيّ , ثِقَة عِنْد الْجَمِيع , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت أَبَا جُحَيْفَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ عَلِيّ بْن الْأَقْمَر \" عَنْ عَوْن بْن أَبِي جُحَيْفَةَ \" وَهَذَا يُوَضِّح أَنَّ رِوَايَة رُقَيَّة لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ عَلِيّ بْن الْأَقْمَر عَنْ عَوْن بْن أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد لِتَصْرِيحِ عَلِيّ بْن الْأَقْمَر فِي رِوَايَة مِسْعَر بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَبِي جُحَيْفَةَ بِدُونِ وَاسِطَة. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون سَمِعَهُ مِنْ عَوْن أَوَّلًا عَنْ أَبِيهِ ثُمَّ لَقِيَ أَبَاهُ , أَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَثَبَّتَهُ فِيهِ عَوْن. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي لَا آكُل مُتَّكِئًا ) ‏ ‏ذَكَرَ فِي الطَّرِيق الَّتِي بَعْدهَا لَهُ سَبَبًا مُخْتَصَرًا وَلَفْظه \" فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْده لَا آكُل وَأَنَا مُتَّكِئ \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : اللَّفْظ الثَّانِي أَبْلَغ مِنْ الْأَوَّل فِي الْإِثْبَات , وَأَمَّا فِي النَّفْي فَالْأَوَّل أَبْلَغ ا ه. وَكَانَ سَبَب هَذَا الْحَدِيث قِصَّة الْأَعْرَابِيّ الْمَذْكُور فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُسْر عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَن قَالَ \" أَهْدَيْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاة فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُل , فَقَالَ لَهُ أَعْرَابِيّ : مَا هَذِهِ الْجِلْسَة ؟ فَقَالَ إِنَّ اللَّه جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلنِي جَبَّارًا عَنِيدًا \" قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : إِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ. ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ \" أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلَك لَمْ يَأْتِهِ قَبْلهَا فَقَالَ : إِنَّ رَبّك يُخَيِّرك بَيْن أَنْ تَكُون عَبْدًا نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا نَبِيًّا , قَالَ فَنَظَرَ إِلَى جِبْرِيل كَالْمُسْتَشِيرِ لَهُ , فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَنْ تَوَاضَعْ , فَقَالَ : بَلْ عَبْدًا نَبِيًّا. قَالَ فَمَا أَكَلَ مُتَّكِئًا \" ا ه وَهَذَا مُرْسَل أَوْ مُعْضَل , وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ اِبْن عَبَّاس يُحَدِّث , فَذَكَرَ نَحْوه. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ قَالَ \" مَا رُئِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُل مُتَّكِئًا قَطُّ \" وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ مُجَاهِد قَالَ \" مَا أَكَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئًا إِلَّا مَرَّة ثُمَّ نَزَعَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدك وَرَسُولك \" وَهَذَا مُرْسَل , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ تِلْكَ الْمَرَّة الَّتِي فِي أَثَر مُجَاهِد مَا اِطَّلَعَ عَلَيْهَا عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , فَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن شَاهِينَ فِي نَاسِخه مِنْ مُرْسَل عَطَاء بْن يَسَار \" أَنَّ جِبْرِيل رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُل مُتَّكِئًا فَنَهَاهُ \" وَمِنْ حَدِيث أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَهَاهُ جِبْرِيل عَنْ الْأَكْل مُتَّكِئًا لَمْ يَأْكُل مُتَّكِئًا بَعْد ذَلِكَ \" وَاخْتُلِفَ فِي صِفَة الِاتِّكَاء فَقِيلَ : أَنْ يَتَمَكَّن فِي الْجُلُوس لِلْأَكْلِ عَلَى أَيِّ صِفَة كَانَ , وَقِيلَ أَنْ يَمِيل عَلَى أَحَد شِقَّيْهِ , وَقِيلَ أَنْ يَعْتَمِد عَلَى يَده الْيُسْرَى مِنْ الْأَرْض , قَالَ الْخَطَّابِيُّ تَحْسَب الْعَامَّةُ أَنَّ الْمُتَّكِئ هُوَ الْآكِل عَلَى أَحَد شِقَّيْهِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ الْمُعْتَمِد عَلَى الْوِطَاء الَّذِي تَحْته , قَالَ وَمَعْنَى الْحَدِيث إِنَى لَا أَقْعُد مُتَّكِئًا عَلَى الْوِطَاء عِنْد الْأَكْل فِعْل مَنْ يَسْتَكْثِر مِنْ الطَّعَام , فَإِنِّي لَا آكُل إِلَّا الْبُلْغَة مِنْ الزَّاد فَلِذَلِكَ أَقْعُد مُسْتَوْفِزًا. وَفِي حَدِيث أَنَس \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْل تَمْرًا وَهُوَ مُقْعٍ \" وَفِي رِوَايَة \" وَهُوَ مُحْتَفِز \" وَالْمُرَاد الْجُلُوس عَلَى وَرِكَيْهِ غَيْر مُتَمَكِّن , وَأَخْرَجَ اِبْن عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيف : زَجَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَعْتَمِد الرَّجُل عَلَى يَده الْيُسْرَى عِنْد الْأَكْل , قَالَ مَالِك هُوَ نَوْع مِنْ الِاتِّكَاء. قُلْت : وَفِي هَذَا إِشَارَة مِنْ مَالِك إِلَى كَرَاهَة كُلّ مَا يُعَدّ الْآكِل فِيهِ مُتَّكِئًا , وَلَا يَخْتَصّ بِصِفَةٍ بِعَيْنِهَا. وَجَزَمَ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي تَفْسِير الِاتِّكَاء بِأَنَّهُ بِالْمَيْلِ عَلَى أَحَد الشِّقَّيْنِ , وَلَمْ يَلْتَفِت لِإِنْكَارِ الْخَطَّابِيُّ ذَلِكَ. وَحَكَى اِبْن الْأَثِير فِي \" النِّهَايَة \" إِنَّ مَنْ فَسَّرَ الِاتِّكَاء بِالْمِيلِ عَلَى أَحَد الشِّقَّيْنِ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَذْهَب الطِّبّ بِأَنَّهُ لَا يَنْحَدِر فِي مَجَارِي الطَّعَام سَهْلًا وَلَا يُسِيغُهُ هَنِيئًا وَرُبَّمَا تَأَذَّى بِهِ , وَاخْتَلَفَ السَّلَف فِي حُكْم الْأَكْل مُتَّكِئًا فَزَعَمَ اِبْن الْقَاصّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخَصَائِص النَّبَوِيَّة , وَتَعَقَّبَهُ الْبَيْهَقِيُّ فَقَالَ : قَدْ يُكْرَه لِغَيْرِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ مِنْ فِعْل الْمُتَعَظِّمِينَ وَأَصْله مَأْخُوذ مِنْ مُلُوك الْعَجَم , قَالَ فَإِنْ كَانَ بِالْمَرْءِ مَانِع لَا يَتَمَكَّن مَعَهُ مِنْ الْأَكْل إِلَّا مُتَّكِئًا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ كَرَاهَة , ثُمَّ سَاقَ عَنْ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف أَنَّهُمْ أَكَلُوا كَذَلِكَ , وَأَشَارَ إِلَى حَمْل ذَلِكَ عَنْهُمْ عَلَى الضَّرُورَة , وَفِي الْحَمْل نَظَر. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عَبَّاس وَخَالِد بْن الْوَلِيد وَعَبِيدَة السَّلْمَانِيّ وَمُحَمَّد بْن سِيرِينَ وَعَطَاء بْن يَسَار وَالزُّهْرِيّ جَوَاز ذَلِكَ مُطْلَقًا , وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنه مَكْرُوهًا أَوْ خِلَاف الْأَوْلَى فَالْمُسْتَحَبّ فِي صِفَة الْجُلُوس لِلْآكِلِ أَنْ يَكُون جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَظُهُور قَدَمَيْهِ , أَوْ يَنْصِب الرِّجْل الْيُمْنَى وَيَجْلِس عَلَى الْيُسْرَى , وَاسْتَثْنَى الْغَزَالِيّ مِنْ كَرَاهَة الْأَكْل مُضْطَجِعًا أَكْل الْبَقْل , وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّة الْكَرَاهَة , وَأَقْوَى مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ قَالَ \" كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَأْكُلُوا اِتِّكَاءَة مَخَافَة أَنْ تَعْظُم بُطُونهمْ \" وَإِلَى ذَلِكَ بَقِيَّة مَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الْأَخْبَار فَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَوَجْه الْكَرَاهَة فِيهِ ظَاهِر , وَكَذَلِكَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْن الْأَثِير مِنْ جِهَة الطِّبّ وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "4980",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ ‏ ‏لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4981",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِضَبٍّ مَشْوِيٍّ فَأَهْوَى إِلَيْهِ لِيَأْكُلَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّهُ ضَبٌّ فَأَمْسَكَ يَدَهُ فَقَالَ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏أَحَرَامٌ هُوَ قَالَ ‏ ‏لَا وَلَكِنَّهُ لَا يَكُونُ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ فَأَكَلَ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْظُرُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏بِضَبٍّ ‏ ‏مَحْنُوذٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة خَالِد بْن الْوَلِيد فِي الضَّبّ , سَيَأْتِي شَرْحهَا فِي كِتَاب الصَّيْد وَالذَّبَائِح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَأَشَارَ اِبْن بَطَّالٍ إِلَى أَنَّ أَخْذ الْحُكْم لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِر مِنْ جِهَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْوَى لِيَأْكُل ثُمَّ لَمْ يَمْتَنِع إِلَّا لِكَوْنِهِ ضَبًّا فَلَوْ كَانَ غَيْر ضَبّ لَأَكَلَ. ‏ ‏قَوْله فِي آخِره ( وَقَالَ مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب بِضَبٍّ مَحْنُوذ ) ‏ ‏يَأْتِي مَوْصُولًا فِي الذَّبَائِح مِنْ طَرِيق مَالِك ‏"
    },
    {
        "id": "4982",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِمَّنْ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي ‏ ‏أَنْكَرْتُ ‏ ‏بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتْ الْأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ لَهُمْ فَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذُهُ مُصَلًّى فَقَالَ سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ ‏ ‏عِتْبَانُ ‏ ‏فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ لِي أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيْتِ فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَبَّرَ فَصَفَفْنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرٍ صَنَعْنَاهُ فَثَابَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ فَاجْتَمَعُوا فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ أَيْنَ ‏ ‏مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ ‏ ‏فَقَالَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَقُلْ ‏ ‏أَلَا تَرَاهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ قُلْنَا فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏ثُمَّ سَأَلْتُ ‏ ‏الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏أَحَدَ ‏ ‏بَنِي سَالِمٍ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ سَرَاتِهِمْ عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏مَحْمُودٍ ‏ ‏فَصَدَّقَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي مَحْمُود بْن الرَّبِيع الْأَنْصَارِيّ أَنَّ عِتْبَانَ بْن مَالِك - وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْأَنْصَار أَنَّهُ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول الْمُعْتَمَدَة , وَنَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْض النُّسَخ \" عَنْ عِتْبَانَ \" وَهُوَ أَوْضَح قَالَ : وَلِلْأَوَّلِ وَجْه وَهُوَ أَنْ تَكُون \" أَنَّ \" الثَّانِيَة تَوْكِيدًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مُتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ). قُلْت : فَيَصِير التَّقْدِير أَنَّ عِتْبَانَ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا بَيْنهمَا أَشْيَاء اِعْتَرَضَتْ فَيَصِحّ كَمَا قَالَ , لَكِنْ يَبْقَى ظَاهِره أَنَّهُ مِنْ مُسْنَد مَحْمُود بْن الرَّبِيع فَيَكُون مُرْسَلًا لِأَنَّهُ ذَكَرَ قِصَّة مَا أَدْرَكَهَا , وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إِنَّ عِتْبَانَ بْن مَالِك قَالَ أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ يُسَاوِي مَا لَوْ قَالَ عَنْ عِتْبَانَ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ مَضَى بَيَان ذَلِكَ بِأَوْضَح مِنْ هَذَا فِي الْبَاب الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اِبْن شِهَاب : ثُمَّ سَأَلْت الْحُصَيْن ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَالْحُصَيْن بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّر , وَقَدْ قَدَّمْت فِي الصَّلَاة أَنَّ الْقَابِسِيّ رَوَاهُ بِضَادِ مُعْجَمَة وَلَمْ يُوَافِق عَلَى ذَلِكَ , وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الشَّيْخ أَبِي عِمْرَان قَالَ : لَمْ يُدْخِل الْبُخَارِيّ فِي جَامِعه الْحُضَيْر يَعْنِي بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الضَّاد وَآخِره رَاءٍ وَأَدْخَلَ الْحُصَيْن بِمُهْمَلَتَيْنِ وَنُون يُشِير بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ لِأُسَيْدِ بْن حُضَيْرٍ وَلَمْ يُخْرِج لَهُ الْبُخَارِيّ , وَهَذَا قُصُور مِمَّنْ قَالَهُ , فَإِنَّ أُسَيْد بْن حُضَيْرٍ وَإِنْ لَمْ يُخْرِج لَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَته مَوْصُولًا لَكِنَّهُ عَلَّقَ عَنْهُ وَوَقَعَ ذِكْره عِنْده فِي غَيْر مَوْضِع فَلَا يَلِيق نَفْي إِدْخَاله فِي كِتَابه , عَلَى أَنَّهُ قَلَّمَا يُلْتَبَس مِنْ أَجْل تَفْرِيق النُّون وَإِنَّمَا اللَّبْس الْحُصَيْن بِمُهْمَلَتَيْنِ وَنُون وَهْم جَمَاعَة فِي الْأَسْمَاء وَالْكُنَى وَالْآبَاء , وَالْحُضَيْن مِثْله لَكِنْ بِضَادٍ مُعْجَمَة , وَهُوَ وَاحِد أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِم وَهُوَ حُضَيْن بْن مُنْذِر أَبُو سَاسَان لَهُ صُحْبَة , وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى وَهْم الْقَابِسِيّ فِي ذَلِكَ عِيَاض وَأَضَافَ إِلَيْهِ الْأَصِيلِيّ فَقَالَ : قَالَ الْقَابِسِيّ لَيْسَ فِي الْبُخَارِيّ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة سِوَى الْحُضَيْن بْن مُحَمَّد , قَالَ عِيَاض : وَكَذَا وَجَدْت الْأَصِيلِيّ قَيَّدَهُ فِي أَصْله وَهُوَ وَهْمٌ وَالصَّوَابُ مَا لِلْجَمَاعَةِ بِصَادٍ مُهْمَلَة ا ه. وَمَا نَسَبه إِلَى الْأَصِيلِيّ لَيْسَ بِمُحَقَّقِ , لِأَنَّ النُّقْطَة فَوْق الْحَرْف لَا يَتَعَيَّن أَنْ تَكُون مِنْ كَاتِب الْأَصْل بِخِلَافِ الْقَابِسِيّ فَإِنَّهُ أَفْصَحَ بِهِ حَتَّى قَالَ أَبُو لَبِيد الْوَقْشِيّ : كَذَا قُرِئَ عَلَيْهِ , قَالُوا وَهُوَ خَطَأٌ وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4983",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَهْدَتْ خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ضِبَابًا وَأَقِطًا وَلَبَنًا فَوُضِعَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدَتِهِ فَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُوضَعْ وَشَرِبَ اللَّبَنَ وَأَكَلَ ‏ ‏الْأَقِطَ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الضَّبّ لِقَوْلِهِ فِيهِ \" أَهْدَتْ خَالَتِي ضِبَابًا وَأَقِطًا وَلَبَنًا \" وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الذَّبَائِح. ‏"
    },
    {
        "id": "4984",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنْ كُنَّا لَنَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ لَهَا فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ إِذَا صَلَّيْنَا زُرْنَاهَا فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا وَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلَا ‏ ‏نَقِيلُ ‏ ‏إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَاللَّهِ مَا فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي قِصَّة الْعَجُوز الَّتِي كَانَتْ تَصْنَع لَهُمْ أُصُول السِّلْق فِي قَدْر يَوْم الْجُمُعَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْجُمُعَة , وَأُحِيلَ بِشَيْءٍ مِنْهُ عَلَى كِتَاب الِاسْتِئْذَان , وَقَدْ فَرَّقَهُ الْبُخَارِيّ حَدِيثَيْنِ مِنْ رِوَايَة أَبِي غَسَّان عَنْ أَبِي حَازِم. وَوَقَعَ هُنَا مِنْ الزِّيَادَة فِي آخِر الْحَدِيث \" وَاَللَّهِ مَا فِيهِ شَحْم وَلَا وَدَك \" وَتَقَدَّمَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَة أَنَّ السِّلْق يَكُون عَرْقه أَيْ عِوَضًا عَنْ عِرْقه , فَإِنَّ الْعَرْق بِفَتْحِ الْعَيْن وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا قَاف الْعَظْم عَلَيْهِ بَقِيَّة اللَّحْم , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ لَحْم فَهُوَ عِرَاق , وَقَدْ صَرَّحَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَحْم وَلَا وَدَك , وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاو وَالْمُهْمَلَة بَعْدهَا كَاف وَهُوَ الدَّسَم وَزْنًا وَمَعْنًى , وَعَطْفه عَلَى الشَّحْم مِنْ عَطْف الْأَعَمّ عَلَى الْأَخَصّ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث مَا كَانَ السَّلَف عَلَيْهِ مِنْ الِاقْتِصَاد وَالصَّبْر عَلَى قِلَّة الشَّيْء إِلَى أَنْ فَتَحَ اللَّه تَعَالَى لَهُمْ الْفُتُوح الْعَظِيمَة , فَمِنْهُمْ مَنْ تَبَسَّطَ فِي الْمُبَاحَات مِنْهَا , وَمِنْهُمْ مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى الدُّون مَعَ الْقُدْرَة زُهْدًا وَوَرَعًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4985",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَعَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَتِفًا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏وَعَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْتَشَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَرْقًا مِنْ قِدْرٍ فَأَكَلَ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سِيرِينَ. وَوَقَعَ مَنْسُوبًا رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ , قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : لَا يَصِحّ لِابْنِ سِيرِينَ سَمَاعٌ مِنْ اِبْن عَبَّاس وَلَا مِنْ اِبْن عُمَر. قُلْت : سَبَقَ إِلَى ذَلِكَ يَحْيَى بْن مَعِين , وَكَذَا قَالَ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد عَنْ أَبِيهِ : لَمْ يَسْمَع مُحَمَّد بْن سِيرِينَ مِنْ اِبْن عَبَّاس , يَقُول : بَلَغْنَا. وَقَالَ اِبْن الْمَدِينِيّ قَالَ شُعْبَة : أَحَادِيث مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس إِنَّمَا سَمِعَهَا مِنْ عِكْرِمَة , لَقِيَهُ أَيَّام الْمُخْتَار. قُلْت : وَكَذَا قَالَ خَالِد الْحَذَّاء : كُلّ شَيْء يَقُول اِبْن سِيرِينَ \" ثَبَتَ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" سَمِعَهُ مِنْ عِكْرِمَة ا ه. وَاعْتِمَاد الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْمَتْن إِنَّمَا هُوَ عَلَى السَّنَد الثَّانِي , وَقَدْ ذَكَرْت أَنَّ اِبْن الطَّبَّاع أَدْخَلَ فِي الْأَوَّل عِكْرِمَة بَيْن اِبْن سِيرِينَ وَابْن عَبَّاس , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ بِإِيرَادِ السَّنَد الثَّانِي إِلَى مَا ذَكَرْت مِنْ أَنَّ اِبْن سِيرِينَ لَمْ يَسْمَع مِنْ اِبْن عَبَّاس قُلْت : وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عِيسَى بْن الطَّبَّاع عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد فَأَدْخَلَ بَيْن مُحَمَّد بْن سِيرِينَ وَابْن عَبَّاس عِكْرِمَة , وَإِنَّمَا صَحَّ عِنْده لِمَجِيئِهِ بِالطَّرِيقِ الْأُخْرَى الثَّانِيَة فَأَوْرَدَهُ عَلَى الْوَجْه الَّذِي سَمِعَهُ. ‏ ‏قَوْله ( تَعَرَّقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتِفًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَطَاء بْن يَسَار عَنْ اِبْن عَبَّاس كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَة \" أَكَلَ كَتِفًا \" وَعِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَدِيَّةٍ خُبْز وَلَحْم فَأَكَلَ ثَلَاث لُقَم \" الْحَدِيث , فَأَفَادَتْ تَعْيِين جِهَة اللَّحْم وَمِقْدَار مَا أَكَلَ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ أَيُّوب ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى السَّنَد الَّذِي قَبْله , وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّق. وَقَدْ أَوْرَدَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق الْفَضْل بْن الْحُبَاب عَنْ الْحَجَبِيّ وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْوَهَّاب شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , حَاصِله أَنَّ الْحَدِيث عِنْد حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب بِسَنَدَيْنِ عَلَى لَفْظَيْنِ : أَحَدهَا عَنْ اِبْن سِيرِينَ بِاللَّفْظِ الْأَوَّل , وَالثَّانِي عَنْهُ عَنْ عِكْرِمَة وَعَاصِم الْأَحْوَل بِاللَّفْظِ الثَّانِي , وَمُفَاد الْحَدِيثَيْنِ وَاحِد وَهُوَ تَرْك إِيجَاب الْوُضُوء مِمَّا مَسَّتْ النَّار , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَصَلَهُ إِبْرَاهِيم بْن زِيَاد وَأَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الْمُوصِلِيّ وَعَارِم وَيَحْيَى بْن غِيلَان وَالْحَوْضِيّ كُلّهمْ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد , وَأَرْسَلَهُ مُحَمَّد بْن عُبَيْد بْن حِسَاب فَلَمْ يَذْكُر فِيهِ اِبْن عَبَّاس. قُلْت : وَوَصْله صَحِيح اِتِّفَاقًا لِأَنَّهُمْ أَكْثَر وَأَحْفَظ وَقَدْ وَصَلُوا وَأَرْسَلَ فَالْحُكْم لَهُمْ عَلَيْهِ , وَقَدْ وَصَلَهُ آخَرُونَ غَيْر مِنْ سُمِّيَ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد , وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4986",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ الْمَدَنِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "4987",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا مَعَ رِجَالٍ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَازِلٌ أَمَامَنَا وَالْقَوْمُ مُحْرِمُونَ وَأَنَا غَيْرُ مُحْرِمٍ فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي فَلَمْ يُؤْذِنُونِي لَهُ وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ فَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ فَقُمْتُ إِلَى الْفَرَسِ فَأَسْرَجْتُهُ ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ فَقُلْتُ لَهُمْ نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ فَقَالُوا لَا وَاللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَغَضِبْتُ فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُمَا ثُمَّ رَكِبْتُ فَشَدَدْتُ عَلَى الْحِمَارِ فَعَقَرْتُهُ ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وَقَدْ مَاتَ فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ فَرُحْنَا وَخَبَأْتُ الْعَضُدَ مَعِي فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ‏ ‏مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ فَأَكَلَهَا حَتَّى تَعَرَّقَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي ‏ ‏زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ فِي قِصَّة الْحِمَار الْوَحْشِيّ , وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحَجّ. وَأَبُو حَازِم الْمَدَنِيّ فِي إِسْنَاده هُوَ سَلَمَة بْن دِينَار صَاحِب سَهْل بْن سَعْد , وَمُرَاده مِنْهُ قَوْله فِي آخِره \" فَنَاوَلْته الْعَضُد فَأَكَلَهَا حَتَّى تَعَرَّقَهَا \" أَيْ حَتَّى لَمْ يُبْقِ عَلَى عَظْمهَا لَحْمًا. وَقَوْله فِي آخِره \" قَالَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَحَدَّثَنِي زَيْد بْن أَسْلَمَ \" هُوَ مَعْطُوف عَلَى السَّنَد الَّذِي قَبْله. وَالْحَاصِل أَنَّ لِمُحَمَّدِ بْن جَعْفَر - أَيْ اِبْن أَبِي كَثِير شَيْخ شَيْخ الْبُخَارِيّ - فِيهِ إِسْنَادَيْنِ , وَوَقَعَ لِلنَّسَفِيِّ وَالْأَكْثَر \" قَالَ اِبْن جَعْفَر \" غَيْر مُسَمَّى , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" قَالَ أَبُو جَعْفَر \" فَإِنْ كَانَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر يُكَنَّى أَبَا جَعْفَر صَحَّتْ رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ , وَإِلَّا فَهُوَ اِبْن لَا أَب. وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "4988",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ الَّتِي يَحْتَزُّ بِهَا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَمْرو بْن أُمَيَّة أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَزّ مِنْ كَتِف شَاة الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي كِتَاب الطَّهَارَة , ‏ ‏وَمَعْنَى يَحْتَزّ ‏ ‏يَقْطَع. و أَخْرَجَ أَصْحَاب السُّنَن الثَّلَاثَة مِنْ حَدِيث الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة \" بِتّ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ يَحُزّ لِي مِنْ جَنْب حَتَّى أَذَّنَ بِلَال , فَطَرَحَ السِّكِّين , وَقَالَ : مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ ؟ قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : هَذَا الْحَدِيث يَرُدّ حَدِيث أَبِي مَعْشَر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة رَفَعَتْهُ \" لَا تَقْطَعُوا اللَّحْم بِالسِّكِّينِ فَإِنَّهُ مِنْ صَنِيع الْأَعَاجِم , وَانْهَشُوهُ فَإِنَّهُ أَهْنَأ وَأَمْرَأ \" قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهُوَ حَدِيث لَيْسَ بِالْقُوَى. قُلْت : لَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث صَفْوَان بْن أُمَيَّة أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ بِلَفْظِ \" اِنْهَشُوا اللَّحْم نَهْشًا فَإِنَّهُ أَهْنَأ وَأَمْرَأ \" وَقَالَ لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث عَبْد الْكَرِيم ا ه. وَعَبْد الْكَرِيم هُوَ أَبُو أُمَيَّة بْن أَبِي الْمُخَارِقِ ضَعِيف , لَكِنْ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي عَاصِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ صَفْوَان بْن أُمَيَّة فَهُوَ حَسَن , لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ مَا زَادَهُ أَبُو مَعْشَر مِنْ التَّصْرِيح بِالنَّهْيِ عَنْ قَطْع اللَّحْم بِالسِّكِّينِ وَأَكْثَر مَا فِي حَدِيث صَفْوَان أَنَّ النَّهْش أَوْلَى , وَقَدْ وَقَعَ فِي أَوَّل حَدِيث الشَّفَاعَة الطَّوِيل الْمَاضِي فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق أَبِي زُرْعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمِ الذِّرَاع فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَة \" الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "4989",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا عَابَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَعَامًا قَطُّ إِنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ الْأَشْجَعِيّ وَلِلْأَعْمَشِ فِيهِ شَيْخ آخَر أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْهُ عَنْ أَبِي يَحْيَى مَوْلَى جَعْدَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة وَجَمَاعَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي حَازِم , وَاقْتَصَرَ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي حَازِم لِكَوْنِهِ عَنْ شَرْطه دُون أَبِي يَحْيَى , وَأَبُو يَحْيَى مَوْلَى جَعْدَة بْن هُبَيْرَة الْمَخْزُومِيّ مَدَنِيّ مَا لَهُ عِنْد مُسْلِم سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ أَشَارَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة فِيمَا رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْهُ إِلَى أَنَّ أَبَا مُعَاوِيَة تَفَرَّدَ بِقَوْلِهِ \" عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي يَحْيَى \" فَقَالَ لَمَّا أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقه يُخَالِفهُ فِيهِ بِقَوْلِهِ عَنْ أَبِي حَازِم , وَذَكَره الدَّارَقُطْنِيُّ فِيمَا اِنْتَقَدَ عَلَى مُسْلِم , وَأَجَابَ عِيَاض بِأَنَّهُ مِنْ الْأَحَادِيث الْمُعَلَّلَة الَّتِي ذَكَرَ مُسْلِم فِي خُطْبَة كِتَابه أَنَّهُ يُورِدهَا وَيُبَيِّن عِلَّتهَا , كَذَا قَالَ , وَالتَّحْقِيق أَنَّ هَذَا لَا عِلَّة فِيهِ لِرِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَة الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا , وَإِنَّمَا كَانَ يَأْتِي هَذَا لَوْ اِقْتَصَرَ عَلَى أَبِي يَحْيَى فَيَكُون حِينَئِذٍ شَاذًّا , أَمَّا بَعْد أَنْ وَافَقَ الْجَمَاعَة عَلَى أَبِي حَازِم فَتَكُون زِيَادَة مَحْضَة حَفِظَهَا أَبُو مُعَاوِيَة دُون بَقِيَّة أَصْحَاب الْأَعْمَش ; وَهُوَ مِنْ أَحْفَظهُمْ عَنْهُ فَيُقْبَل , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ ) ‏ ‏يَعْنِي مِثْل مَا وَقَعَ لَهُ فِي الضَّبّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي يَحْيَى \" وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِهِ سَكَتَ \" أَيْ عَنْ عَيْبه , قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : هَذَا مِنْ حُسْن الْأَدَب , لِأَنَّ الْمَرْء قَدْ لَا يَشْتَهِي الشَّيْء وَيَشْتَهِيه غَيْره , وَكُلّ مَأْذُون فِي أَكْله مِنْ قِبَل الشَّرْع لَيْسَ فِيهِ عَيْب. ‏"
    },
    {
        "id": "4990",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏سَهْلًا ‏ ‏هَلْ رَأَيْتُمْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏النَّقِيَّ ‏ ‏قَالَ لَا فَقُلْتُ فَهَلْ كُنْتُمْ تَنْخُلُونَ الشَّعِيرَ قَالَ لَا وَلَكِنْ كُنَّا نَنْفُخُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَبُو غَسَّان ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن مُطَرِّف , ‏ ‏وَأَبُو حَازِم ‏ ‏هُوَ سَلَمَة بْن دِينَار وَهُوَ غَيْر الَّذِي قَبْله وَهُوَ أَصْغَر مِنْهُ وَإِنْ اِشْتَرَكَا فِي كَوْن كُلّ مِنْهُمَا تَابِعِيًّا. ‏ ‏قَوْله ( النَّقِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون أَيْ خُبْز الدَّقِيق الْحُوَّارَى وَهُوَ النَّظِيف الْأَبْيَض , وَفِي حَدِيث الْبَعْث \" يُحْشَر النَّاس عَلَى أَرْض عَفْرَاء كَقَرْصَةِ النَّقِيّ \" وَذَكَره فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي حَازِم أَتَمّ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لَا ) ‏ ‏هُوَ مُوَافِق لِحَدِيثِ أَنَس الْمُتَقَدِّم \" مَا رَأَى مُرَقَّقًا قَطُّ \". ‏ ‏قَوْله ( فَهَلْ كُنْتُمْ تَنْخُلُونَ الشَّعِير ) ‏ ‏أَيْ بَعْد طَحْنه. ‏ ‏قَوْله ( وَلَكِنْ كُنَّا نَنْفُخهُ ) ‏ ‏ذَكَرَهُ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده بِلَفْظِ \" هَلْ كَانَتْ لَكُمْ فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَاخِل ؟ قَالَ : مَا رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْخُلًا مِنْ حِين اِبْتَعَثَهُ اللَّه حَتَّى قَبَضَهُ اللَّه تَعَالَى \" وَأَظُنّهُ اِحْتَرَزَ عَمَّا قَبْل الْبَعْثَة لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ سَافَرَ فِي تِلْكَ الْمُدَّة إِلَى الشَّام تَاجِرًا وَكَانَتْ الشَّام إِذْ ذَاكَ مَعَ الرُّوم , وَالْخُبْز النَّقِيّ عِنْدهمْ كَثِير , وَكَذَا الْمَنَاخِل وَغَيْرهَا مِنْ آلَات التَّرَفُّه , فَلَا رَيْب أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ عِنْدهمْ , فَأَمَّا بَعْد الْبَعْثَة فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا بِمَكَّة وَالطَّائِف وَالْمَدِينَة , وَوَصَلَ إِلَى تَبُوك وَهِيَ مِنْ أَطْرَاف الشَّام لَكِنْ لَمْ يَفْتَحهَا وَلَا طَالَتْ إِقَامَته بِهَا , وَقَوْل الْكَرْمَانِيُّ : نَخَلْت الدَّقِيق أَيْ غَرْبَلْته , الْأَوْلَى أَنْ يَقُول : أَيْ أَخْرَجْت مِنْهُ النُّخَالَة. ‏"
    },
    {
        "id": "4991",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّاسٍ الْجُرَيْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَسَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ تَمْرًا فَأَعْطَى كُلَّ إِنْسَانٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ فَأَعْطَانِي سَبْعَ تَمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ ‏ ‏حَشَفَةٌ ‏ ‏فَلَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ تَمْرَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْهَا شَدَّتْ فِي مَضَاغِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِسْمَة التَّمْر , سَيَأْتِي شَرْحه فِي بَاب بَعْد \" بَاب الْقِثَّاء وَالرُّطَب \" ‏ ‏وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" شَدَّتْ فِي مَضَاغِي \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَقَدْ تُكْسَر وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَةِ وَبَعْد الْأَلْف غَيْن مُعْجَمَة هُوَ مَا يُمْضَغُ أَوْ هُوَ الْمَضْغ نَفْسه وَمُرَاده أَنَّهَا كَانَتْ فِيهَا قُوَّة عِنْد مَضْغِهَا فَطَالَ مَضْغُهُ لَهَا كَالْعِلْكِ , وَسَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب بِلَفْظِ \" هِيَ أَشَدُّهُنَّ لِضِرْسِي \". ‏"
    },
    {
        "id": "4992",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ أَوْ الْحَبَلَةِ حَتَّى يَضَعَ أَحَدُنَا مَا تَضَعُ الشَّاةُ ثُمَّ أَصْبَحَتْ ‏ ‏بَنُو أَسَدٍ ‏ ‏تُعَزِّرُنِي ‏ ‏عَلَى الْإِسْلَامِ خَسِرْتُ إِذًا وَضَلَّ سَعْيِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث إِسْمَاعِيل ‏ ‏وَهُوَ اِبْن خَالِد عَنْ قَيْس وَهُوَ اِبْن أَبِي حَازِم عَنْ سَعْد وَهُوَ اِبْن أَبِي وَقَّاص , وَوَقَعَ فِي شَرْح اِبْن بَطَّالٍ وَتَبِعَهُ اِبْن الْمُلَقِّن \" عَنْ قَيْس بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ \" كَأَنَّهُ تَوَهَّمَهُ قَيْس بْن سَعْد بْن عُبَادَةَ , وَهُوَ غَلَط فَاحِش , فَقَدْ مَضَى الْحَدِيث فِي مَنَاقِب سَعْد مِنْ طَرِيق وَهُوَ اِبْن أَبِي حَازِم \" سَمِعْت سَعْدًا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ قَيْس \" سَمِعْت سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص \". ‏ ‏قَوْله ( رَأَيْتنِي سَابِع سَبْعَة مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذَا فِيهِ إِشَارَة إِلَى قِدَم إِسْلَامه , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي مَنَاقِبه مِنْ كِتَاب الْمَنَاقِب , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ أَنَّ السَّبْعَة الْمَذْكُورِينَ أَبُو بَكْر وَعُثْمَان وَعَلِيّ وَزَيْد بْنُ حَارِثَة وَالزُّبَيْر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , وَكَانَ إِسْلَام الْأَرْبَعَة بِدُعَاءِ أَبِي بَكْر لَهُمْ إِلَى الْإِسْلَام فِي أَوَائِل الْبَعْثَة , وَأَمَّا عَلِيّ وَزَيْد بْن حَارِثَة فَأَسْلَمَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّل مَا بُعِثَ. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا وَرَق الْحَبْلَة أَوْ الْحُبُلَة ) ‏ ‏الْأَوَّل بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة , وَالثَّانِي بِضَمِّهِمَا وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ , وَالْمُرَاد بِهِ ثَمَر الْعِضَاه وَثَمَر السَّمَر , وَهُوَ يُشْبِه اللُّوبِيَا , وَقِيلَ الْمُرَاد عُرُوق الشَّجَر وَسَيَأْتِي بَسْطه فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4993",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏هَلْ أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏النَّقِيَّ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏النَّقِيَّ ‏ ‏مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ قَالَ فَقُلْتُ هَلْ كَانَتْ لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنَاخِلُ قَالَ مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُنْخُلًا مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ قَالَ قُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ قَالَ كُنَّا نَطْحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مَا طَارَ وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل فِي النَّقِيّ وَالْمَنَاخِل , تَقَدَّمَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ , ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِره \" وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ \" ‏ ‏بِمُثَلَّثَةٍ وَرَاء ثَقِيلَة أَيْ بَلَلْنَاهُ بِالْمَاءِ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَكَلْنَاهُ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد أَكَلُوهُ بِغَيْرِ عَجْن وَلَا خَبْز , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى عَجْنه بَعْد الْبَلّ وَخَبْزه ثُمَّ أَكْلِهِ. وَالْمُنْخُل مِنْ الْأَدَوَات الَّتِي جَاءَتْ بِضَمِّ أَوَّلهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "4994",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ فَدَعَوْهُ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ وَقَالَ ‏ ‏خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ \" مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْن أَيْدِيهمْ شَاة مَصْلِيَّة \" ‏ ‏أَيْ مَشْوِيَّة , وَالصِّلَاء بِالْكَسْرِ وَالْمَدّ الشَّيّ. ‏ ‏قَوْله ( فَدَعَوْهُ فَأَبَى أَنْ يَأْكُل ) ‏ ‏لَيْسَ هَذَا مِنْ تَرْك إِجَابَة الدَّعْوَة لِأَنَّهُ فِي الْوَلِيمَة لَا فِي كُلّ الطَّعَام , وَكَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة اِسْتَحْضَرَ حِينَئِذٍ مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ مِنْ شِدَّة الْعَيْش فَزَهِدَ فِي أَكْل الشَّاة وَلِذَلِكَ قَالَ \" خَرَجَ وَلَمْ يَشْبَع مِنْ خُبْز الشَّعِير \" وَقَدْ مَضَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَّل الْأَطْعِمَة , وَيَأْتِي مَزِيد لَهُ فِي كِتَاب الرِّقَاق. ‏"
    },
    {
        "id": "4995",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا أَكَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏خِوَانٍ ‏ ‏وَلَا فِي ‏ ‏سُكْرُجَةٍ ‏ ‏وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِقَتَادَةَ ‏ ‏عَلَامَ يَأْكُلُونَ قَالَ ‏ ‏عَلَى السُّفَرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي الْخِوَان وَالسُّكُرُّجَة , تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "4996",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا شَبِعَ آلُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُنْذُ قَدِمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏مِنْ طَعَامِ الْبُرِّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي طَعَام الْبُرّ , تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي أَوَّل الْأَطْعِمَة , وَيَأْتِي فِي الرِّقَاق أَيْضًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4997",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ ‏ ‏تَلْبِينَةٍ ‏ ‏فَطُبِخَتْ ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتْ ‏ ‏التَّلْبِينَةُ ‏ ‏عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ كُلْنَ مِنْهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏التَّلْبِينَةُ ‏ ‏مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ ‏",
        "sharh": "سَيَأْتِي شَرْح حَدِيث عَائِشَة فِي كِتَاب الطِّبّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "4998",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجَمَلِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا ‏ ‏مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ‏ ‏وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ‏ ‏وَفَضْلُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ ‏ ‏الثَّرِيدِ ‏ ‏عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي فَضْل عَائِشَة , قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي تَرْجَمَة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام عِنْد ذِكْر اِمْرَأَة فِرْعَوْن وَفِي تَرْجَمَة مَرْيَم. وَالْجَمَلِيّ فِي إِسْنَاد حَدِيث أَبِي مُوسَى بِفَتْحِ الْجِيم وَتَخْفِيف الْمِيم نِسْبَة إِلَى بَنِي جَمَل حَيّ مِنْ مُرَاد , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث هُنَاكَ , وَتَقْرِير فَضْل الثَّرِيد , وَوَرَدَ فِيهِ أَخَصّ مِنْ هَذَا : فَعِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" دَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَرَكَةِ فِي السُّحُور وَالثَّرِيد \" وَفِي سَنَده ضَعْف , ولِلطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث سَلْمَان رَفَعَهُ \" الْبَرَكَة فِي ثَلَاثَة : الْجَمَاعَة وَالسُّحُور وَالثَّرِيد \" ‏"
    },
    {
        "id": "4999",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي طُوَالَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَضْلُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ ‏ ‏الثَّرِيدِ ‏ ‏عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي فَضْل عَائِشَة , قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء ‏ ‏وَأَبُو طُوَالَة ‏ ‏فِي حَدِيث أَنَس هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن حَرَم , وَزَعَمَ عِيَاض أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ هُنَا \" عَنْ اِبْن أَبِي طُوَالَة \" وَهُوَ خَطَأ وَلَمْ أَرَهُ فِي النُّسْخَة الَّتِي عِنْدنَا مِنْ طَرِيق أَبِي ذَرّ إِلَّا عَلَى الصَّوَاب , وَذَكَرَ الْقَابِسِيّ \" حَدَّثَنَا خَالِد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طُوَالَة \" وَهُوَ تَصْحِيف , وَإِنَّمَا هُوَ \" عَنْ أَبِي طُوَالَة \" ‏"
    },
    {
        "id": "5000",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا حَاتِمٍ الْأَشْهَلَ بْنَ حَاتِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثُمَامَةَ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى غُلَامٍ لَهُ خَيَّاطٍ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ ‏ ‏قَصْعَةً ‏ ‏فِيهَا ‏ ‏ثَرِيدٌ ‏ ‏قَالَ وَأَقْبَلَ عَلَى عَمَلِهِ قَالَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَتَبَّعُ ‏ ‏الدُّبَّاءَ ‏ ‏قَالَ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُهُ فَأَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَمَا زِلْتُ بَعْدُ أُحِبُّ ‏ ‏الدُّبَّاءَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَسٍ فِي الْخَيَّاط. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعَ أَبَا حَاتِم ) ‏ ‏هُوَ أَشْهَل بْن حَاتِم الْبَصْرِيّ , وَوَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ تَسْمِيَته وَتَسْمِيَة أَبِيهِ فِي الْأَصْل وَفِي نُسْخَة حَدَّثَنَا أَشْهَل بْن حَاتِم , وَابْن عَوْن هُوَ عَبْد اللَّه. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى غُلَام لَهُ خَيَّاط ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ , وَتَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث فِي \" بَاب مَنْ تَتَبَّعَ حَوَالَيْ الْقَصْعَة \" ‏"
    },
    {
        "id": "5001",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ كُنَّا نَأْتِي ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ قَالَ كُلُوا ‏ ‏فَمَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ وَلَا رَأَى شَاةً ‏ ‏سَمِيطًا ‏ ‏بِعَيْنِهِ قَطُّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس وَفِيهِ \" وَلَا رَأَى شَاة سَمِيطَة \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَسْمُوطَة \" وَحَدِيث عَمْرو بْن أُمَيَّة \" يَحْتَزّ مِنْ كَتِف شَاة \" وَقَدْ تَقَدَّمَا قَرِيبًا. وَأَمَّا الْجَنْب فَأَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيث أُمّ سَلَمَة \" إِنَّهَا قَرَّبَتْ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَنْبًا مَشْوِيًّا فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاة \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ , وَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب قَطْع اللَّحْم بِالسِّكِّينِ \" الْإِشَارَة إِلَى حَدِيث الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة , وَفِيهِ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ \" ضِفْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ , فَأَخَذَ الشَّفْرَة - فَجَعَلَ يَحْتَزّ لِي بِهَا مِنْهُ \" قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : يُجْمَع بَيْن هَذَا الْحَدِيث وَكَذَا حَدِيث عَمْرو بْن أُمَيَّة وَبَيْن قَوْل أَنَس \" إِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَى شَاة مَسْمُوطَة \" فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْخُبْز الْمُرَقَّق \" وَقَدْ مَضَى الْبَحْث فِيهِ مُسْتَوْفًى. ‏"
    },
    {
        "id": "5002",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5003",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏أَنَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ قَالَتْ ‏ ‏مَا فَعَلَهُ إِلَّا فِي عَامٍ جَاعَ النَّاسُ فِيهِ فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ وَإِنْ كُنَّا لَنَرْفَعُ ‏ ‏الْكُرَاعَ ‏ ‏فَنَأْكُلُهُ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ قِيلَ مَا اضْطَرَّكُمْ إِلَيْهِ فَضَحِكَتْ قَالَتْ مَا شَبِعَ آلُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَابِس عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ عَابِس بِمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَة ثُمَّ مُهْمَلَة اِبْن رَبِيعَة النَّخَعِيُّ الْكُوفِيّ , تَابِعِيّ كَبِير , وَيَلْتَبِس بِهِ عَابِس بْن رَبِيعَة الْغُطَيْفِيّ صَحَابِيّ ذَكَرَهُ اِبْن يُونُس وَقَالَ : لَهُ صُحْبَة وَشَهِدَ فَتْح مِصْر , وَلَمْ أَجِد لَهُمْ عَنْهُ رِوَايَة. ‏ ‏قَوْله ( قَالَتْ مَا فَعَلَهُ إِلَّا فِي عَام جَاعَ النَّاس فِيهِ , فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِم الْغَنِيّ الْفَقِير ) ‏ ‏بَيَّنَتْ عَائِشَة فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ النَّهْي عَنْ اِدِّخَار لُحُوم الْأَضَاحِيّ بَعْد ثَلَاث نُسِخَ وَأَنَّ سَبَب النَّهْي كَانَ خَاصًّا بِذَلِكَ الْعَام لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَتْهَا , وَسَيَأْتِي بَسْط هَذَا فِي أَوَاخِر كِتَاب الْأَضَاحِيّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَغَرَض الْبُخَارِيّ مِنْهُ قَوْلهَا \" وَإِنْ كُنَّا لَنَرْفَع الْكَرَاع إِلَخْ \" فَإِنَّ فِيهِ بَيَان جَوَاز اِدِّخَار اللَّحْم وَأَكْل الْقَدِيد , وَثَبَتَ أَنَّ سَبَب ذَلِكَ قِلَّة اللَّحْم عِنْدهمْ بِحَيْثُ إنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَشْبَعُونَ مِنْ خُبْز الْبُرّ ثَلَاثَة أَيَّام مُتَوَالِيَة. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اِبْن كَثِير ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد وَهُوَ مِنْ مَشَايِخ الْبُخَارِيّ , وَغَرَضه تَصْرِيح سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ بِإِخْبَارِ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَابِس لَهُ بِهِ وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْكَبِير \" عَنْ مُعَاذ بْن الْمُثَنَّى عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5004",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الْهَدْيِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُيَيْنَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِعَطَاءٍ ‏ ‏أَقَالَ حَتَّى جِئْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏قَالَ لَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث جَابِر ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَسُفْيَان الَّذِي قَبْله لِي حَدِيث عَائِشَة هُوَ الثَّوْرِيُّ كَمَا بَيَّنْته. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ مُحَمَّد عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ ) ‏ ‏قِيلَ إِنَّ مُحَمَّدًا هَذَا هُوَ اِبْن سَلَّامٍ. وَقَدْ وَقَعَ لِي الْحَدِيث فِي مُسْنَد مُحَمَّد بْنِ يَحْيَى بْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان وَلَفْظه \" كُنَّا نَعْزِل عَنْ عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآن يَنْزِل , وَكُنَّا نَتَزَوَّد لُحُوم الْهَدْي إِلَى الْمَدِينَة \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اِبْن جُرَيْجٍ إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَ الْمُصَنِّف أَصْل الْحَدِيث فِي \" بَاب مَا يُؤْكَل مِنْ الْبُدْن \" مِنْ كِتَاب الْحَجّ وَلَفْظه \" كُنَّا لَا نَأْكُل مِنْ لُحُوم بُدْننَا فَوْق ثَلَاث. فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كُلُوا وَتَزَوَّدُوا \" وَلَمْ يَذْكُر هَذِهِ الزِّيَادَة , وَقَدْ ذَكَرهَا مُسْلِم فِي رِوَايَته عَنْ مُحَمَّد بْن حَاتِم عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بِالسَّنَدِ الَّذِي أَخْرَجَهُ بِهِ الْبُخَارِيّ فَقَالَ بَعْد قَوْله كُلُوا وَتَزَوَّدُوا \" قُلْت لِعَطَاءِ : أَقَالَ جَابِر حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَة ؟ قَالَ : نَعَمْ \" كَذَا وَقَعَ عِنْده بِخِلَافِ مَا وَقَعَ عِنْد الْبُخَارِيّ \" قَالَ لَا \" وَاَلَّذِي وَقَعَ عِنْد الْبُخَارِيّ هُوَ الْمُعْتَمَد , فَإِنَّ أَحْمَد أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَده عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد كَذَلِكَ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرو بْن عَلِيّ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد , وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى اِخْتِلَاف الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم فِي هَذِهِ اللَّفْظَة الْحُمَيْدِيّ فِي جَمْعه وَتَبِعَهُ عِيَاض وَلَمْ يَذْكُرَا تَرْجِيحًا , وَأَغْفَلَ ذَلِكَ شُرَّاح الْبُخَارِيّ أَصْلًا فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ. ثُمَّ لَيْسَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" لَا \" نَفْي الْحُكْم بَلْ مُرَاده أَنَّ جَابِرًا لَمْ يُصَرِّح بِاسْتِمْرَارِ ذَلِكَ مِنْهُمْ حَتَّى قَدِمُوا , فَيَكُون عَلَى هَذَا مَعْنَى قَوْله فِي رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار عَنْ عَطَاء \" كُنَّا نَتَزَوَّد لُحُوم الْهَدْي إِلَى الْمَدِينَة \" أَيْ لِتَوَجُّهِنَا إِلَى الْمَدِينَة , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ بَقَاؤُهَا مَعَهُمْ حَتَّى يَصِلُوا الْمَدِينَة وَاللَّهُ أَعْلَم , لَكِنْ قَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث ثَوْبَانَ قَالَ \" ذَبَحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُضْحِيَّته ثُمَّ قَالَ لِي : يَا ثَوْبَانُ أَصْلِحْ لَحْم هَذِهِ , فَلَمْ أَزِلْ أُطْعِمهُ مِنْهُ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَة. قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : فِي الْحَدِيث رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنْ الصُّوفِيَّة أَنَّهُ لَا يَجُوز اِدِّخَار طَعَام لِغَدٍ , وَأَنَّ اِسْم الْوِلَايَة لَا يَسْتَحِقّ لِمَنْ اِدَّخَرَ شَيْئًا وَلَوْ قَلَّ , وَأَنَّ مَنْ اِدَّخَرَ أَسَاءَ الظَّنّ بِاَللَّهِ. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث كِفَايَة فِي الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5005",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏الْتَمِسْ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي فَخَرَجَ بِي ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏يُرْدِفُنِي ‏ ‏وَرَاءَهُ فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُلَّمَا نَزَلَ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَأَقْبَلَ ‏ ‏بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ‏ ‏قَدْ حَازَهَا فَكُنْتُ أَرَاهُ يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ أَوْ بِكِسَاءٍ ثُمَّ ‏ ‏يُرْدِفُهَا ‏ ‏وَرَاءَهُ حَتَّى إِذَا كُنَّا ‏ ‏بِالصَّهْبَاءِ ‏ ‏صَنَعَ ‏ ‏حَيْسًا ‏ ‏فِي ‏ ‏نِطَعٍ ‏ ‏ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ ‏ ‏أُحُدٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي ‏ ‏مُدِّهِمْ ‏ ‏وَصَاعِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله \" وَضَلَع الدَّيْن \" ‏ ‏بِفَتْحِ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَاللَّام أَيْ ثِقَله , وَحَكَى اِبْن التِّين سُكُون اللَّام وَفَسَّرَهُ بِالْمَيْلِ , وَيَأْتِي مَزِيد لِشَرْحِ هَذَا الدُّعَاء فِي كِتَاب الدَّعَوَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله \" يَحْوِي \" بِحَاءٍ مُهْمَلَة وَوَاو ثَقِيلَة أَيْ يَجْعَل لَهَا حَوِيَّة , وَهُوَ كِسَاء مَحْشُوّ يُدَار حَوْل سَنَام الرَّاحِلَة يَحْفَظ رَاكِبهَا مِنْ السُّقُوط وَيَسْتَرِيح بِالِاسْتِنَادِ إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى بَدَا لَهُ أُحُد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَاخِر الْحَجّ , وَقَوْله \" مِثْل مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيم مَكَّة \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ \" مِثْل \" مَنْصُوب بِنَزْعِ الْخَافِض أَيْ بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ بِهِ , وَلَيْسَتْ لَفْظَة \" بِهِ \" زَائِدَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5006",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏فَاسْتَسْقَى فَسَقَاهُ ‏ ‏مَجُوسِيٌّ ‏ ‏فَلَمَّا وَضَعَ الْقَدَحَ فِي يَدِهِ رَمَاهُ بِهِ وَقَالَ لَوْلَا أَنِّي نَهَيْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَمْ أَفْعَلْ هَذَا وَلَكِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا ‏ ‏الدِّيبَاجَ ‏ ‏وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الْآخِرَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5007",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ ‏ ‏الْأُتْرُجَّةِ ‏ ‏رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى \" مَثَل الْمُؤْمِن الَّذِي يَقْرَأ الْقُرْآن \" وَقَدْ سَبَقَ شَرْحه فِي فَضَائِل الْقُرْآن , وَالْغَرَض مِنْهُ تَكْرَار ذِكْر الطَّعْم فِيهِ , وَالطَّعَام يُطْلَق بِمَعْنَى الطَّعْم. ‏"
    },
    {
        "id": "5008",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَضْلُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ ‏ ‏الثَّرِيدِ ‏ ‏عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي فَضْل عَائِشَة , وَقَدْ مَضَى التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ قَرِيبًا وَذُكِرَ فِيهِ الطَّعَام. ‏"
    },
    {
        "id": "5009",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ فَإِذَا قَضَى ‏ ‏نَهْمَتَهُ ‏ ‏مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ ‏",
        "sharh": "\" 8104 \" ‏ ‏\" السَّفَر قِطْعَة مِنْ الْعَذَاب \" ذَكَرَهُ لِقَوْلِهِ فِيهِ \" يَمْنَع أَحَدكُمْ نَوْمه وَطَعَامه \" ‏ ‏وَقَدْ مَضَى شَرْحه فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الْعُمْرَة بَعْد كِتَاب الْحَجّ , قَالَ اِبْن بَطَّالٍ , : مَعْنَى هَذِهِ التَّرْجَمَة إِبَاحَة أَكْل الطَّعَام الطَّيِّب , وَأَنَّ الزُّهْد لَيْسَ فِي خِلَاف ذَلِكَ , فَإِنَّ تَشْبِيه الْمُؤْمِن بِمَا طَعْمه طَيِّب وَتَشْبِيه الْكَافِر بِمَا طَعْمه مُرّ تَرْغِيبًا فِي أَكْل الطَّعَام الطَّيِّب وَالْحُلْو , قَالَ : وَإِنَّمَا كَرِهَ السَّلَف الْإِدْمَان عَلَى أَكْل الطَّيِّبَات خَشْيَة أَنْ يَصِير ذَلِكَ عَادَة فَلَا تَصْبِر النَّفْس عَلَى فَقْدهَا. قَالَ : وَأَمَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْآدَمِيّ لَا بُدّ لَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ طَعَام يُقِيم بِهِ جَسَده وَيَقْوَى بِهِ عَلَى طَاعَة رَبّه , وَأَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَلَا جَبَل النُّفُوس عَلَى ذَلِكَ لِقَوَامِ الْحَيَاة , لَكِنَّ الْمُؤْمِن يَأْخُذ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ إِيثَاره أَمْر الْآخِرَة عَلَى الدُّنْيَا. وَزَعَمَ مُغَلْطَاي أَنَّ اِبْن بَطَّالٍ قَالَ قَبْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَا مَعْنَاهُ : لَيْسَ فِيهِ ذِكْر الطَّعَام , قَالَ مُغَلْطَاي : قَوْله \" لَيْسَ فِيهِ ذِكْر الطَّعَام \" ذُهُول شَدِيد , فَإِنَّ لَفْظ الْمَتْن \" يَمْنَع أَحَدكُمْ نَوْمه وَطَعَامه \" ا ه وَتَعَقَّبَهُ صَاحِبُهُ الشَّيْخ سِرَاج الدِّين بْن الْمُلَقِّن بِأَنَّهُ لَا ذُهُول , فَإِنَّ عِبَارَة اِبْن بَطَّالٍ لَيْسَ فِيهَا ذِكْر أَفْضَل الطَّعَام وَلَا أَدْنَاهُ , وَهُوَ كَمَا قَالَ فَلَمْ يَذْهَل. ‏"
    },
    {
        "id": "5010",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ فِي ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏ثَلَاثُ سُنَنٍ أَرَادَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَنْ تَشْتَرِيَهَا فَتُعْتِقَهَا فَقَالَ أَهْلُهَا وَلَنَا الْوَلَاءُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَوْ شِئْتِ ‏ ‏شَرَطْتِيهِ لَهُمْ فَإِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ قَالَ وَأُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي أَنْ تَقِرَّ تَحْتَ ‏ ‏زَوْجِهَا ‏ ‏أَوْ تُفَارِقَهُ وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمًا بَيْتَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَعَلَى النَّارِ بُرْمَةٌ تَفُورُ فَدَعَا بِالْغَدَاءِ فَأُتِيَ بِخُبْزٍ ‏ ‏وَأُدْمٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أُدْمِ ‏ ‏الْبَيْتِ فَقَالَ أَلَمْ أَرَ لَحْمًا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنَّهُ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏فَأَهْدَتْهُ لَنَا فَقَالَ هُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا وَهَدِيَّةٌ لَنَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة بَرِيرَة , وَفِيهِ \" فَأُتِيَ بِأُدُمٍ مِنْ أُدْمِ الْبَيْت \" وَفِيهِ ذِكْر اللَّحْم الَّذِي تُصَدِّق بِهِ عَلَى بَرِيرَة وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْكَلَام عَلَى قِصَّة بَرِيرَة فِي الطَّلَاق. وَحَكَى اِبْن بَطَّالٍ عَنْ الطَّبَرِيِّ قَالَ : دَلَّتْ الْقِصَّة عَلَى إِيثَاره عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام اللَّحْم إِذَا وَجَدَ إِلَيْهِ السَّبِيل. ‏ ‏ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث بَرِيرَة رَفَعَهُ \" سَيِّد الْإِدَام فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة اللَّحْم \" وَأَمَّا مَا وَرَدَ عَنْ عُمَر وَغَيْره مِنْ السَّلَف مِنْ إِيثَار أَكْل غَيْر اللَّحْم عَلَى اللَّحْم فَإِمَّا لِقَمْعِ النَّفْس عَنْ تَعَاطِي الشَّهَوَات وَالْإِدْمَان عَلَيْهَا , وَإِمَّا لِكَرَاهَةِ الْإِسْرَاف وَالْإِسْرَاع فِي تَبْذِير الْمَال لِقِلَّةِ الشَّيْء عِنْدهمْ إِذْ ذَاكَ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث جَابِر لَمَّا أَضَافَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَبَحَ لَهُ الشَّاة , فَلَمَّا قَدَّمَهَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ : كَأَنَّك قَدْ عَلِمْت حُبّنَا لِلَّحْمِ. وَكَانَ ذَلِكَ لِقِلَّةِ الشَّيْء عِنْدهمْ فَكَانَ حُبّهمْ لَهُ لِذَلِكَ ا ه مُلَخَّصًا. وَحَدِيث بَرِيرَة أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ , وَحَدِيث جَابِر أَخْرَجَهُ أَحْمَد مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيق نُبَيْح الْعَنْزِيّ عَنْهُ , وَأَصْله فِي الصَّحِيح بِدُونِ الزِّيَادَة. وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الْأُدْم : فَالْجُمْهُور أَنَّهُ مَا يُؤْكَل بِهِ الْخُبْز بِمَا يُطَيِّبهُ سَوَاء كَانَ مَرَقًا أَمْ لَا , وَاشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف الِاصْطِنَاع , وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة \" فَقَالَ أَهْلهَا وَلَنَا الْوَلَاء \" هُوَ مَعْطُوف عَلَى مَحْذُوف تَقْدِيره نَبِيعهَا وَلَنَا الْوَلَاء , وَفِيهِ \" فَقَالَ لَوْ شِئْت شُرُطَاتِهِ \" بِإِثْبَاتِ التَّحْتَانِيَّة وَهِيَ نَاشِئَة عَنْ إِشْبَاع حَرَكَة الْمُثَنَّاة , وَفِيهِ \" وَأَعْتَقَتْ , فَخُيِّرَتْ بَيْن أَنْ تَقَرّ تَحْت زَوْجهَا أَوْ تُفَارِقهُ \" قَالَ اِبْن التِّين : يَصِحّ أَنْ يَكُون أَصْله مِنْ وَقَرَ فَتَكُون الرَّاء مُخَفَّفَة يَعْنِي وَالْقَاف مَكْسُورَة , يُقَال وَقَرْت أَقَرّ إِذَا جَلَسْت مُسْتَقِرًّا وَالْمَخْذُوف فَاء الْفِعْل , قَالَ : وَيَصِحّ أَنْ تَكُون الْقَاف مَفْتُوحَة - يَعْنِي مَعَ تَشْدِيد الرَّاء - مِنْ قَوْلهمْ قَرَرْت بِالْمَكَانِ أَقَرّ , يُقَال بِفَتْحِ الْقَاف وَيَجُوز بِكَسْرِهَا مِنْ قُرَيْقِر ا ه مُلَخَّصًا , وَالثَّالِث هُوَ الْمَحْفُوظ فِي الرِّوَايَة. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث هُنَا مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ رَبِيعَة عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد قَالَ : كَانَ فِي بَرِيرَة ثَلَاث سُنَن. وَسَاقَ الْحَدِيث. وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَسْنَدَهُ عَنْ عَائِشَة وَتَعَقَّبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : هَذَا الْحَدِيث الَّذِي صَحَّحَهُ مُرْسَل. وَهُوَ كَمَا قَالَ مِنْ ظَاهِر سِيَاقه , لَكِنَّ الْبُخَارِيّ اِعْتَمَدَ عَلَى إِيرَاده مَوْصُولًا مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ رَبِيعَة عَنْ الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاح وَالطَّلَاق , لَكِنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَته مِنْ تَجَنُّب إِيرَاد الْحَدِيث عَلَى هَيْئَته كُلّهَا فِي بَاب آخَر , وَقَدْ بَيَّنْت وَصْل هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب لَا يَكُون بَيْع الْأَمَة طَلَاقًا \" مِنْ كِتَاب الطَّلَاق , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5011",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يُحِبّ الْحَلْوَى وَالْعَسَل ) ‏ ‏كَذَا فِي الرِّوَايَة لِلْجَمِيعِ بِالْقَصْرِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب الطَّلَاق بِالْوَجْهَيْنِ. وَهُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث تَقَدَّمَ فِي قِصَّة التَّخْيِير , قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : الْحَلْوَى وَالْعَسَل مِنْ جُمْلَة الطَّيِّبَات الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى ( كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَات ) وَفِيهِ تَقْوِيَة لِقَوْلِ مَنْ قَالَ الْمُرَاد بِهِ الْمُسْتَلَذّ مِنْ الْمُبَاحَات. وَدَخَلَ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث كُلّ مَا يُشَابِه الْحَلْوَى وَالْعَسَل مِنْ أَنْوَاع الْمَآكِل اللَّذِيذَة كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي أَوَّل كِتَاب الْأَطْعِمَة. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَتَبِعَهُ اِبْن التِّين : لَمْ يَكُنْ حُبّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا عَلَى مَعْنَى كَثْرَة التَّشَهِّي لَهَا وَشِدَّة نِزَاع النَّفْس إِلَيْهَا , وَإِنَّمَا كَانَ يَنَال مِنْهَا إِذَا أُحْضِرَتْ إِلَيْهِ نَيْلًا صَالِحًا فَيُعْلَم بِذَلِكَ أَنَّهَا تُعْجِبهُ. وَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز اِتِّخَاذ الْأَطْعِمَة مِنْ أَنْوَاعٍ شَتَّى , وَكَانَ بَعْض أَهْل الْوَرَع يَكْرَه ذَلِكَ وَلَا يُرَخِّص أَنْ يَأْكُل مِنْ الْحَلَاوَة إِلَّا مَا كَانَ حُلْوه بِطَبْعِهِ كَالتَّمْرِ وَالْعَسَل , وَهَذَا الْحَدِيث يَرُدّ عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا تَوَرَّعَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ السَّلَف مَنْ آثَرَ تَأْخِير تَنَاوُل الطَّيِّبَات إِلَى الْآخِرَة مَعَ الْقُدْرَة عَلَى ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا تَوَاضُعًا لَا شُحًّا. وَوَقَعَ فِي كِتَاب \" فِقْه اللُّغَة لِلثَّعَالِبِيِّ \" أَنَّ حَلْوَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي كَانَ يُحِبّهَا هِيَ الْمَجِيع بِالْجِيمِ وَزْن عَظِيم , وَهُوَ ثَمَر يُعْجَن بِلَبَنِ , وَسَيَأْتِي فِي بَاب الْجَمْع بَيْن لَوْنَيْنِ ذِكْر مَنْ رَوَى حَدِيث اللَّه أَنَّهُ كَانَ يُحِبّ الزُّبْد وَالتَّمْر , وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَلْوَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَشْرَب كُلّ يَوْم قَدَح عَسَل يُمْزَج بِالْمَاءِ , وَأَمَّا الْحَلْوَى الْمَصْنُوعَة فَمَا كَانَ يَعْرِفهَا. وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْحَلْوَى الْفَالُوذَج لَا الْمَعْقُودَة عَلَى النَّار وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5012",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَيْبَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي الْفُدَيْكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أَلْزَمُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِشِبَعِ بَطْنِي حِينَ لَا آكُلُ الْخَمِيرَ وَلَا أَلْبَسُ الْحَرِيرَ وَلَا يَخْدُمُنِي فُلَانٌ وَلَا فُلَانَةُ وَأُلْصِقُ بَطْنِي بِالْحَصْبَاءِ وَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الْآيَةَ وَهِيَ مَعِي كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي وَخَيْرُ النَّاسِ لِلْمَسَاكِينِ ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا ‏ ‏الْعُكَّةَ ‏ ‏لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ فَنَشْتَقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن شَيْبَة ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد الْمَلِك بْن مُحَمَّد بْن شَيْبَة الْحِزَامِيّ بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي الْمَدَنِيّ نَسَبه إِلَى جَدّ أَبِيهِ , وَغَلِطَ بَعْضهمْ فَقَالَ : عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي شَيْبَة وَلَفْظ \" أَبِي \" زِيَادَة عَلَى سَبِيل الْغَلَط الْمَحْض , وَمَا لِعَبْدِ الرَّحْمَن فِي الْبُخَارِيّ سِوَى مَوْضِعَيْنِ هَذَا أَحَدهمَا. ‏ ‏قَوْله ( اِبْن أَبِي الْفُدَيْك ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل , وَأَكْثَر مَا يَرِد بِغَيْرِ أَلْف وَلَامٍ. ‏ ‏قَوْله ( كُنْت أَلْزَم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي الْمَنَاقِب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب وَأَوَّله \" يَقُول النَّاس أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَة \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( لِشِبَعِ بَطْنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِشِبَعِ \" بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمَعْنَى مُخْتَلِف , فَإِنَّ الَّذِي بِالْبَاءِ يُشْعِر بِالْمُعَاوَضَةِ لَكِنْ رِوَايَة اللَّام لَا تَنْفِيهَا. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا أَلْبَس الْحَرِير ) ‏ ‏كَذَا هُنَا لِلْجَمِيعِ. وَتَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب بِلَفْظِ \" الْحَبِير \" بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَل الرَّاء الْأُولَى , وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِرَاءَيْنِ , وَقَالَ عِيَاض : هُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ وَالْأَصِيلِيّ وَعَبْدُوس , وَكَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْحَمَوِيِّ وَكَذَا هُوَ لِلنَّسَفِيِّ , وَلِلْبَاقِينَ بِرَاءَيْنِ كَاَلَّذِي هُنَا , وَرَجَّحَ عِيَاض الرِّوَايَة بِالْمُوَحَّدَةِ وَقَالَ : هُوَ الثَّوْب الْمُحَبَّر , وَهُوَ الْمُزَيَّن الْمُلَوَّن مَأْخُوذ مِنْ التَّحْبِير وَهُوَ التَّحْسِين , وَقِيلَ الْحَبِير ثَوْب وَشْي مُخَطَّط , وَقِيلَ هُوَ الْجَدِيد. وَإِنَّمَا كَانَتْ رِوَايَة الْحَرِير مَرْجُوحَة لِأَنَّ السِّيَاق يُشْعِر بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ بَعْد أَنْ كَانَ لَا يَفْعَلهُ , وَهُوَ كَانَ لَا يَلْبَس الْحَرِير لَا أَوَّلًا وَلَا آخِرًا , بِخِلَافِ أَكْله الْخَمِير وَلُبْسه الْحَبِير فَإِنَّهُ صَارَ يَفْعَلهُ بَعْد أَنْ كَانَ لَا يَجِدهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يَخْدُمنِي فُلَان وَفُلَانَة ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبُو هُرَيْرَة هُوَ الَّذِي كَنَّى وَقَصَدَ الْإِبْهَام لِإِرَادَةِ التَّعْظِيم وَالتَّهْوِيل , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون سَمَّى مُعَيَّنًا وَكَنَّى عَنْهُ الرَّاوِي. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" وَلَقَدْ رَأَيْتنِي وَإِنِّي لَأَجِير لِابْنِ عَفَّانَ وَبِنْت غَزْوَانَ بِطَعَامِ بَطْنِي وَعُقْبَة رِجْلِي أَسُوق بِهِمْ إِذَا اِرْتَحَلُوا وَأَخْدُمهُمْ إِذَا نَزَلُوا , فَقَالَتْ لِي يَوْمًا , لَتَرِدَنَّ حَافِيًا وَلَتَرْكَبَنَّ قَائِمًا , فَزَوَّجَنِيهَا اللَّهُ تَعَالَى فَقُلْت لَهَا لَتَرِدِنَّ حَافِيَة وَلَتَرْكَبِنَّ قَائِمَة \" وَسَنَده صَحِيح , وَهُوَ فِي آخِر حَدِيث أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ , وَالتِّرْمِذِيّ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة. وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد أَيْضًا وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق سَلِيم بْن حَيَّانِ سَمِعْت أَبِي يَقُول \" سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول : نَشَأْت يَتِيمًا , وَهَاجَرْت مِسْكِينًا , كُنْت أَجِيرًا لِبُسْرَةَ بِنْت غَزْوَانَ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( وَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُل الْآيَة وَهِيَ مَعِي ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْح قِصَّته فِي ذَلِكَ مَعَ عُمَر فِي أَوَائِل الْأَطْعِمَة , وَقِصَّته فِي ذَلِكَ مَعَ جَعْفَر فِي كِتَاب الْمَنَاقِب. ‏ ‏قَوْله ( وَخَيْر النَّاس لِلْمَسَاكِينِ جَعْفَر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْمَنَاقِب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ الزِّيَادَة فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم الْمَخْزُومِيّ عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَكَانَ جَعْفَر يُحِبّ الْمَسَاكِين وَيَجْلِس إِلَيْهِمْ وَيُحَدِّثهُمْ وَيُحَدِّثُونَهُ , وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَنِّيه أَبَا الْمَسَاكِين \" قُلْت : وَإِبْرَاهِيم الْمَخْزُومِيّ هُوَ اِبْن الْفَضْل وَيُقَال اِبْن إِسْحَاق الْمَخْزُومِيّ مَدَّنِي ضَعِيف لَيْسَ مِنْ شَرْط هَذَا الْكِتَاب , وَقَدْ أَوْرَدْت هَذِهِ الزِّيَادَة فِي الْمَنَاقِب عَنْ التِّرْمِذِيّ وَهِيَ مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم أَيْضًا وَأَشَارَ إِلَى ضَعْف إِبْرَاهِيم , قَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ : مُنَاسَبَة حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْحَلْوَى تُطْلَق عَلَى الشَّيْء الْحُلْو , وَلَمَّا كَانَتْ الْعُكَّة يَكُون فِيهَا غَالِبًا الْعَسَل وَرُبَّمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْض طُرُقه نَاسَبَ التَّبْوِيب قُلْت : إِذَا كَانَ وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه الْعَسَل طَابَق التَّرْجَمَة لِأَنَّهَا مُشْتَمِلَة عَلَى ذِكْر الْحَلْوَى وَالْعَسَل مَعًا , فَيُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث أَحَد رُكْنَيْ التَّرْجَمَة وَلَا يُشْتَرَط أَنْ يَشْتَمِل كُلّ حَدِيث فِي الْبَاب عَلَى جَمِيع مَا تَضَمَّنَتْهُ التَّرْجَمَة بَلْ يَكْفِي التَّوْزِيع , وَإِطْلَاق الْحَلْوَى عَلَى كُلّ شَيْء حُلْو خِلَاف الْعُرْف , وَقَدْ جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ بِخِلَافِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَهُوَ الْمُعْتَمَد. ‏ ‏قَوْله ( فَنَشْتَقُّهَا ) ‏ ‏قَيَّدَهُ عِيَاض بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء , وَرَجَّحَ اِبْن التِّين أَنَّهُ بِالْقَافِ لِأَنَّ مَعْنَى الَّذِي بِالْفَاءِ أَنْ يَشْرَب مَا فِي الْإِنَاء كَمَا تَقَدَّمَ , وَالْمُرَاد هُنَا أَنَّهُمْ لَعِقُوا مَا فِي الْعُكَّة بَعْد أَنْ قَطَعُوهَا لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5013",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثُمَامَةَ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَى مَوْلًى لَهُ خَيَّاطًا ‏ ‏فَأُتِيَ ‏ ‏بِدُبَّاءٍ ‏ ‏فَجَعَلَ يَأْكُلُهُ فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْكُلُهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الْخَيَّاط مِنْ طَرِيق ثُمَامَة عَنْ أَنَس وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه وَضَبْطه , وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى مَوْضِع شَرْحه قَرِيبًا وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق حَكِيم بْن جَابِر عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" دَخَلْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْته وَعِنْده هَذَا الدُّبَّاء فَقُلْت مَا هَذَا ؟ قَالَ الْقَرْع , وَهُوَ الدُّبَّاء , نُكَثِّر بِهِ طَعَامنَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "5014",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏أَبُو شُعَيْبٍ ‏ ‏وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ فَقَالَ اصْنَعْ لِي طَعَامًا أَدْعُو رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَامِسَ خَمْسَةٍ فَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَامِسَ خَمْسَةٍ فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّكَ دَعَوْتَنَا خَامِسَ خَمْسَةٍ وَهَذَا رَجُلٌ قَدْ تَبِعَنَا فَإِنْ شِئْتَ أَذِنْتَ لَهُ وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ قَالَ بَلْ أَذِنْتُ لَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيْلَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِذَا كَانَ الْقَوْمُ عَلَى الْمَائِدَةِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوا مِنْ مَائِدَةٍ إِلَى مَائِدَةٍ أُخْرَى وَلَكِنْ يُنَاوِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي تِلْكَ الْمَائِدَةِ أَوْ يَدَعُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ أَبِي مَسْعُود ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ الْأَعْمَش \" حَدَّثَنَا شَقِيق وَهُوَ أَبُو وَائِل حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُود \" وَسَيَأْتِي بَعْد اِثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ بَابًا. وَلِلْأَعْمَشِ فِيهِ شَيْخ آخَر نَبَّهْت عَلَيْهِ فِي أَوَائِل الْبُيُوع أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق زُهَيْر وَغَيْره عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ أَبِي وَائِل عَنْ أَبِي مَسْعُود وَهُوَ عُقْبَة بْن عَمْرو , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ الْمُتَأَخِّرَة \" عَنْ اِبْن مَسْعُود \" وَهُوَ تَصْحِيف. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ مِنْ الْأَنْصَار رَجُل يُقَال لَهُ أَبُو شُعَيْب ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْبُيُوع أَنَّ اِبْن نُمَيْر عِنْد أَحْمَد وَالْمَحَامِلِيّ رَوَاهُ عَنْ الْأَعْمَش فَقَالَ فِيهِ عَنْ أَبِي مَسْعُود عَنْ أَبِي شُعَيْب \" جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَد أَبِي شُعَيْبٍ. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ لَهُ غُلَام لَحَّام ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع مِنْ طَرِيق حَفْص بْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش بِلَفْظِ \" قَصَّاب \" وَمَضَى تَفْسِيرُهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ اِصْنَعْ لِي طَعَامًا أَدْعُو رَسُول اللَّه خَامِس خَمْسَة ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة حَفْص \" اِجْعَلْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَة فَإِنِّي أُرِيدَ أَنَّ أَدْعُو رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ عَرَفْت فِي وَجْهه الْجُوع \" وَفِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" اِجْعَلْ لِي طَعِيمًا \" وَفِي رِوَايَة جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عِنْد مُسْلِم \" اِصْنَعْ لَنَا طَعَامًا لِخَمْسَةِ نَفَر \". ‏ ‏قَوْله ( فَدَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَامِس خَمْسَة ) ‏ ‏فِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره فَصَنَعَ فَدَعَاهُ , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عِنْد مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَسَاقَ لَفْظهَا \" فَدَعَاهُ وَجُلَسَاءَهُ الَّذِينَ مَعَهُ \" وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَة وَهُوَ خَامِسهمْ , يُقَال خَامِس أَرْبَعَة وَخَامِس خَمْسَة بِمَعْنَى , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( ثَانِيَ اِثْنَيْنِ ) وَقَالَ ( ثَالِثُ ثَلَاثَة ) وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" رَابِعُ أَرْبَعَة \" وَمَعْنَى خَامِس أَرْبَعَة أَيْ زَائِد عَلَيْهِمْ وَخَامِس خَمْسَة أَيْ أَحَدهمْ , وَالْأَجْوَد نَصْب خَامِس عَلَى الْحَال , وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى تَقْدِير حَذْف أَيْ وَهُوَ خَامِس أَوْ وَأَنَا خَامِس وَالْجُمْلَة حِينَئِذٍ حَالِيَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَتَبِعَهُمْ رَجُل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة عَنْ الْأَعْمَش فِي الْمَظَالِم \" فَاتَّبَعَهُمْ \" وَهِيَ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنَى تَبِعَهُمْ وَكَذَا فِي رِوَايَة جَرِير وَأَبِي مُعَاوِيَة , وَذَكَرهَا الدَّاوُدِيّ بِهَمْزَةِ قَطْع , وَتَكَلَّفَ اِبْن التِّين فِي تَوْجِيههَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث \" فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُل \". ‏ ‏قَوْله ( وَهَذَا رَجُل تَبِعَنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة وَجَرِير \" اِتَّبَعَنَا \" بِالتَّشْدِيدِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" لَمْ يَكُنْ مَعَنَا حِين دَعَوْتنَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَإِنْ شِئْت أَذِنْت لَهُ وَإِنْ شِئْت تَرَكْته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة \" وَإِنْ شِئْت أَنْ يَرْجِع رَجَعَ \" وَفِي رِوَايَة جَرِير \" وَإِنْ شِئْت رَجَعَ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" فَإِنَّهُ اِتَّبَعَنَا وَلَمْ يَكُنْ مَعَنَا حِين دَعَوْتنَا فَإِنْ أَذِنْت لَهُ دَخَلَ \" ‏ ‏قَوْله ( بَلْ أَذِنْت لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" لَا بَلْ أَذِنْت لَهُ \" وَفِي رِوَايَة جَرِير \" لَا بَلْ أَذِنْت لَهُ يَا رَسُول اللَّه \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" فَقَدْ أَذِنَّا لَهُ فَلْيَدْخُلْ \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذَا الرَّجُل فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث وَلَا عَلَى اِسْم وَاحِد مِنْ الْأَرْبَعَة. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد جَوَاز الِاكْتِسَاب بِصَنْعَةِ الْجِزَارَة وَاسْتِعْمَال الْعَبْد فِيمَا يُطِيق مِنْ الصَّنَائِع وَانْتِفَاعه بِكَسْبِهِ مِنْهَا. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة الضِّيَافَة وَتَأَكُّد اِسْتِحْبَابهَا لِمَنْ غَلَبَتْ حَاجَته لِذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ صَنَعَ طَعَامًا لِغَيْرِهِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْن أَنْ يُرْسِلهُ إِلَيْهِ أَوْ يَدْعُوهُ إِلَى مَنْزِله , وَأَنَّ مَنْ دَعَا أَحَدًا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَدْعُو مَعَهُ مَنْ يَرَى مِنْ أَخِصَّائِهِ وَأَهْل مُجَالَسَته , وَفِيهِ الْحُكْم بِالدَّلِيلِ لِقَوْلِهِ \" إِنِّي عَرَفْت فِي وَجْهه الْجُوع \". وَأَنَّ الصَّحَابَة كَانُوا يُدِيمُونَ النَّظَر إِلَى وَجْهه تَبَرُّكًا بِهِ , وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُطِيل النَّظَر فِي وَجْهه حَيَاء مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ عَمْرو بْن الْعَاصِ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُوع أَحْيَانَا , وَفِيهِ إِجَابَة الْإِمَام وَالشَّرِيف وَالْكَبِير دَعْوَة مَنْ دُونهمْ وَأَكْلهمْ طَعَام ذِي الْحِرْفَة غَيْر الرَّفِيعَة كَالْجَزَّارِ وَأَنَّ تَعَاطِيَ مِثْل تِلْكَ الْحِرْفَة لَا يَضَع قَدْر مَنْ يَتَوَقَّى فِيهَا مَا يَكْرَه وَلَا تَسْقُط بِمُجَرَّدِ تَعَاطِيهَا شَهَادَته , وَأَنَّ مَنْ صَنَعَ طَعَامًا لِجَمَاعَةٍ فَلْيَكُنْ عَلَى قَدْرهمْ إِنْ لَمْ يَقْدِر عَلَى أَكْثَر وَلَا يَنْقُص مِنْ قَدْرهمْ مُسْتَنِدًا إِلَى أَنَّ طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الِاثْنَيْنِ , وَفِيهِ أَنَّ مَنْ دَعَا قَوْمًا مُتَّصِفِينَ بِصِفَةٍ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ حِينَئِذٍ أَنَّهُ لَا يَدْخُل فِي عُمُوم الدَّعْوَة , وَإِنْ قَالَ قَوْم إِنَّهُ يَدْخُل فِي الْهَدِيَّة كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ جُلَسَاء الْمَرْء شُرَكَاؤُهُ فِيمَا يُهْدَى إِلَيْهِ , وَأَنَّ مَنْ تَطَفَّلَ فِي الدَّعْوَة كَانَ لِصَاحِبِ الدَّعْوَة الِاخْتِيَار فِي حِرْمَانه فَإِنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إِذْنه كَانَ لَهُ إِخْرَاجه , وَأَنَّ مَنْ قَصَدَ التَّطْفِيل لَمْ يَمْنَع اِبْتِدَاء لِأَنَّ الرَّجُل تَبِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدّهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَطِيب نَفْس صَاحِب الدَّعْوَة بِالْإِذْنِ لَهُ , وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون هَذَا الْحَدِيث أَصْلًا فِي جَوَاز التَّطْفِيل لَكِنْ يُقَيَّد بِمَنْ اِحْتَاجَ إِلَيْهِ , وَقَدْ جَمَعَ الْخَطِيب فِي أَخْبَار الطُّفَيْلِيِّينَ جُزْءًا فِيهِ عِدَّة فَوَائِد : مِنْهَا أَنَّ الطُّفَيْلِيّ مَنْسُوب إِلَى رَجُل كَانَ يُقَال لَهُ طُفَيْل مِنْ بَنِي عَبْد اللَّه بْن غَطَفَان كَثُرَ مِنْهُ الْإِتْيَان إِلَى الْوَلَائِم بِغَيْرِ دَعْوَة فَسُمِّيَ \" طُفَيْل الْعَرَائِس \" فَسُمِّيَ مَنْ اِتَّصَفَ بَعْد بِصِفَتِهِ طُفَيْلِيًّا , وَكَانَتْ الْعَرَب تُسَمِّيه الْوَارِش بِشِينٍ مُعْجَمَة وَتَقُولُ لِمَنْ يَتْبَع الْمُدَّعُو بِغَيْرِ دَعَوْهُ \" ضَيْفِن \" بِنُونٍ زَائِدَة , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فِي هَذِهِ التَّسْمِيَة مُنَاسَبَة اللَّفْظ لِلْمَعْنَى فِي التَّبَعِيَّة مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَابِع لِلضَّيْفِ وَالنُّون تَابِعَة لِلْكَلِمَةِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَنْع اِسْتِتْبَاع الْمُدَّعُو غَيْره إِلَّا إِذَا عَلِمَ مِنْ الدَّاعِي الرِّضَا بِذَلِكَ , وَأَنَّ الطُّفَيْلِيّ يَأْكُل حَرَامًا , وَلِنَصْرِ بْن عَلِيّ الْجَهْضَمِيّ فِي ذَلِكَ قِصَّة جَرَتْ لَهُ مَعَ طُفَيْلِيّ , وَاحْتَجَّ نَصْر بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" مَنْ دَخَلَ بِغَيْرِ دَعْوَة دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا \" وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ الطُّفَيْلِيّ بِأَشْيَاء يُؤْخَذ مِنْهَا تَقْيِيد الْمَنْع بِمَنْ لَا يَحْتَاج إِلَى ذَلِكَ مِمَّنْ يَتَطَفَّل , وَبِمَنْ يَتَكَرَّه صَاحِب الطَّعَام الدُّخُول إِلَيْهِ إِمَّا لِقِلَّةِ الشَّيْء أَوْ اِسْتِثْقَال الدَّاخِل , وَهُوَ يُوَافِق قَوْل الشَّافِعِيَّة لَا يَجُوز التَّطْفِيل إِلَّا لِمَنْ كَانَ بَيْنه وَبَيْن صَاحِب الدَّار اِنْبِسَاط. وَفِيهِ أَنَّ الْمُدَّعُو لَا يَمْتَنِع مِنْ الْإِجَابَة إِذَا اِمْتَنَعَ الدَّاعِي مِنْ الْإِذْن لِبَعْضِ مَنْ صَحِبَهُ , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس \" أَنَّ فَارِسِيًّا كَانَ طَيِّب الْمَرَق صَنَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا ثُمَّ دَعَاهُ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَهَذِهِ لِعَائِشَة ؟ قَالَ : لَا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا \" فَيُجَاب عَنْهُ بِأَنَّ الدَّعْوَة لَمْ تَكُنْ لِوَلِيمَةٍ وَإِنَّمَا صَنَعَ الْفَارِسِيّ طَعَامًا بِقَدْرِ مَا يَكْفِي الْوَاحِد فَخَشِيَ إِنْ أَذِنَ لِعَائِشَة أَنْ لَا يَكْفِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْفَرْق أَنَّ عَائِشَة كَانَتْ حَاضِرَة عِنْد الدَّعْوَة بِخِلَافِ الرَّجُل , وَأَيْضًا فَالْمُسْتَحَبّ لِلدَّاعِي أَنْ يَدْعُو خَوَاصّ الْمُدَّعُو مَعَهُ كَمَا فَعَلَ اللَّحَّام بِخِلَافِ الْفَارِسِيّ فَلِذَلِكَ اِمْتَنَعَ مِنْ الْإِجَابَة إِلَّا أَنْ يَدْعُوهَا , أَوْ عَلِمَ حَاجَة عَائِشَة لِذَلِكَ الطَّعَام بِعَيْنِهِ , أَوْ أَحَبَّ أَنْ تَأْكُل مَعَهُ مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْصُوفًا بِالْجَوْدَةِ وَلَمْ يُعْلَم مِثْله فِي قِصَّة اللَّحَّام , وَأَمَّا قِصَّة أَبِي طَلْحَة حَيْثُ دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْعَصِيدَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ : قُومُوا , فَأَجَابَ عَنْهُ الْمَازِرِيّ أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلِمَ رِضَا أَبِي طَلْحَة فَلَمْ يَسْتَأْذِنهُ وَلَمْ يَعْلَم رِضَا أَبِي شُعَيْب فَاسْتَأْذَنَهُ , وَلِأَنَّ الَّذِي أَكَلَهُ الْقَوْم عِنْد أَبِي طَلْحَة كَانَ مِمَّا خَرَقَ اللَّه فِيهِ الْعَادَة لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَانَ جُلّ مَا أَكَلُوهُ مِنْ الْبَرَكَة الَّتِي لَا صَنِيع لِأَبِي طَلْحَة فِيهَا فَلَمْ يَفْتَقِر إِلَى اِسْتِئْذَانه , أَوْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنه وَبَيْن الْقَصَّاب مِنْ الْمَوَدَّة مَا بَيْنَهُ وَبَيْن أَبِي طَلْحَة , أَوْ لِأَنَّ أَبَا طَلْحَة صَنَعَ الطَّعَام لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَصَرَّفَ فِيهِ كَيْف أَرَادَ وَأَبُو شُعَيْب صَنَعَهُ لَهُ وَلِنَفْسِهِ وَلِذَلِكَ حَدَّدَ بِعَدَدٍ مُعَيَّن لِيَكُونَ مَا يَفْضُل عَنْهُمْ لَهُ وَلِعِيَالِهِ مَثَلًا وَاطَّلَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ فَاسْتَأْذَنَهُ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا يُصْلِح نَفْسه وَعِيَاله. وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ اُسْتُؤْذِنَ فِي مِثْل ذَلِكَ أَنْ يَأْذَن لِلطَّارِئِ كَمَا فِعْل أَبُو شُعَيْب وَذَلِكَ مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق , وَلَعَلَّهُ سَمِعَ الْحَدِيث الْمَاضِي \" طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الِاثْنَيْنِ \" أَوْ رَجَا أَنْ يَعُمّ الزَّائِد بَرَكَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنَّمَا اِسْتَأْذَنَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ , وَلَعَلَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَمْنَع الطَّارِئ. وَأَمَّا تَوَقُّف الْفَارِسِيّ فِي الْإِذْن لِعَائِشَة ثَلَاثًا وَامْتِنَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِجَابَته فَأَجَابَ عِيَاض بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ إِنَّمَا صَنَعَ قَدْر مَا يَكْفِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْده وَعَلِمَ حَاجَته لِذَلِكَ فَلَوْ تَبِعَهُ غَيْره لَمْ يَسُدّ حَاجَته , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِعْتَمَدَ عَلَى مَا أَلِفَ مِنْ إِمْدَاد اللَّه تَعَالَى لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَمَا اِعْتَادَهُ مِنْ الْإِيثَار عَلَى نَفْسه وَمِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق مَعَ أَهْله , وَكَانَ مِنْ شَأْنه أَنْ لَا يُرَاجَع بَعْد ثَلَاث فَلِذَلِكَ رَجَعَ الْفَارِسِيّ عَنْ الْمَنْع , وَفِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّهُ اِتَّبَعَنَا رَجُل لَمْ يَكُنْ مَعَنَا حِين دَعَوْتنَا \" إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُمْ حَالَة الدَّعْوَة لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الِاسْتِئْذَان عَلَيْهِ , فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الدَّاعِي لَوْ قَالَ لِرَسُولِهِ اُدْعُ فُلَانًا وَجُلَسَاءَهُ جَازَ لِكُلِّ مَنْ كَانَ جَلِيسًا لَهُ أَنْ يَحْضُر مَعَهُ , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يُسْتَحَبّ أَوْ لَا يَجِب حَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ إِلَّا بِالتَّعْيِينِ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُظْهِر الدَّاعِي الْإِجَابَة وَفِي نَفْسه الْكَرَاهَة لِئَلَّا يُطْعِم مَا تَكْرَههُ نَفْسه , وَلِئَلَّا يَجْمَع الرِّيَاء وَالْبُخْل وَصِفَة ذِي الْوَجْهَيْنِ , كَذَا اِسْتَدَلَّ بِهِ عِيَاض , وَتَعَقَّبَهُ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ , بَلْ فِيهِ مُطْلَق الِاسْتِئْذَان وَالْإِذْن وَلَمْ يُكَلِّفهُ أَنْ يَطَّلِع عَلَى رِضَاهُ بِقَلْبِهِ ; قَالَ : وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون الدَّاعِي يَكْرَه ذَلِكَ فِي نَفْسه فَيَنْبَغِي لَهُ مُجَاهِدَة نَفْسه عَلَى دَفْع تِلْكَ الْكَرَاهَة. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ النَّفْس تَكُون بِذَلِكَ طَيِّبَة لَا شَكَّ أَنَّهُ أَوْلَى لَكِنْ لَيْسَ فِي سِيَاق هَذِهِ الْقِصَّة ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَالتَّعَقُّب عَلَيْهِ وَاضِح لِأَنَّهُ سَاقَهُ مَسَاق مَنْ يَسْتَنْبِطهُ مِنْ حَدِيث الْبَاب وَلَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ , وَفِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" اِتَّبَعَنَا رَجُل \" فَأَبْهَمَهُ وَلَمْ يُعَيِّنهُ أَدَب حَسَن لِئَلَّا يَنْكَسِر خَاطِر الرَّجُل , وَلَا بُدّ أَنْ يَنْضَمّ إِلَى هَذَا أَنَّهُ اِطَّلَعَ عَلَى أَنَّ الدَّاعِي لَا يَرُدّهُ وَإِلَّا فَكَانَ يَتَعَيَّن فِي ثَانِي الْحَال فَيَحْصُل كَسْر خَاطِره , وَأَيْضًا فَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" إِنَّ هَذَا اِتَّبَعَنَا \" وَيُجْمَع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ أَبْهَمَهُ لَفْظًا وَعَيَّنَهُ إِشَارَة , وَفِيهِ نَوْع رِفْق بِهِ بِحَسَبِ الطَّاقَة. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ هُنَا عِنْد أَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِي وَحْده \" قَالَ مُحَمَّد بْن يُوسُف وَهُوَ الْفِرْيَابِيّ سَمِعْت مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل هُوَ الْبُخَارِيّ يَقُول : إِذَا كَانَ الْقَوْم عَلَى الْمَائِدَة فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوا مِنْ مَائِدَة إِلَى مَائِدَة أُخْرَى , وَلَكِنْ يُنَاوِل بَعْضهمْ بَعْضًا فِي تِلْكَ الْمَائِدَة أَوْ يَدَعُوا \" أَيْ يَتْرُكُوا , وَكَأَنَّهُ اِسْتَنْبَطَ ذَلِكَ مِنْ اِسْتِئْذَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّاعِي فِي الرَّجُل الطَّارِئ , وَوَجْه أَخَذَهُ مِنْهُ أَنَّ الَّذِينَ دُعُوا صَارَ لَهُمْ بِالدَّعْوَةِ عُمُوم إِذْن بِالتَّصَرُّفِ فِي الطَّعَام الْمُدَّعُو إِلَيْهِ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُدْعَ فَيَتَنَزَّل مَنْ وُضِعَ بَيْن يَدَيْهِ الشَّيْء مَنْزِلَة مَنْ دُعِيَ لَهُ أَوْ يُنَزَّلُ الشَّيْء الَّذِي وُضِعَ بَيْن يَدَيْ غَيْره مَنْزِلَة مَنْ لَمْ يُدْعَ إِلَيْهِ , وَأَغْفَلَ مَنْ وَقَفْت عَلَى كَلَامه مِنْ الشُّرَّاح التَّنْبِيه عَلَى ذَلِكَ ‏"
    },
    {
        "id": "5015",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏النَّضْرَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ غُلَامًا أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى غُلَامٍ لَهُ خَيَّاطٍ فَأَتَاهُ ‏ ‏بِقَصْعَةٍ ‏ ‏فِيهَا طَعَامٌ وَعَلَيْهِ ‏ ‏دُبَّاءٌ ‏ ‏فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَتَبَّعُ ‏ ‏الدُّبَّاءَ ‏ ‏قَالَ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ جَعَلْتُ أَجْمَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ فَأَقْبَلَ الْغُلَامُ عَلَى عَمَلِهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏لَا أَزَالُ أُحِبُّ ‏ ‏الدُّبَّاءَ ‏ ‏بَعْدَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَنَعَ مَا صَنَعَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الْخَيَّاط , قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى , وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّ قَوْله \" وَأَقْبَلَ عَلَى عَمَله \" لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة , قَالَ : وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيّ إِيرَاده مِنْ رِوَايَة النَّضْر بْن شُمَيْلٍ عَنْ اِبْن عَوْن. قُلْت : بَلْ لِتَرْجَمَتِهِ فَائِدَة , وَلَا مَانِع مِنْ إِرَادَة الْفَائِدَتَيْنِ الْإِسْنَادِيَّة وَالْمَتْنِيَّة , وَمَعَ اِعْتِرَاف الْإِسْمَاعِيلِيّ بِغَرَابَةِ الْحَدِيث مِنْ حَدِيث النَّضْر فَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة أَزْهَر عَنْ اِبْن عَوْن فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقَع لَهُ مِنْ حَدِيث النَّضْر , وَقَالَ اِبْن بَطَّالٍ : لَا أَعْلَم فِي اِشْتِرَاط أَكْل الدَّاعِي مَعَ الضَّيْف إِلَّا أَنَّهُ أَبْسَط لِوَجْهِهِ , وَأَذْهَب لِاحْتِشَامِهِ , فَمَنْ فَعَلَ فَهُوَ أَبْلَغ فِي قِرَى الضَّيْف وَمَنْ تَرَكَ فَجَائِز , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّة أَضْيَاف أَبِي بَكْر أَنَّهُمْ اِمْتَنَعُوا أَنْ يَأْكُلُوا حَتَّى يَأْكُل مَعَهُمْ وَأَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ ‏"
    },
    {
        "id": "5016",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِطَعَامٍ صَنَعَهُ فَذَهَبْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَرَّبَ خُبْزَ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ ‏ ‏دُبَّاءٌ ‏ ‏وَقَدِيدٌ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَتَبَّعُ ‏ ‏الدُّبَّاءَ ‏ ‏مِنْ حَوَالَيْ ‏ ‏الْقَصْعَةِ ‏ ‏فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ ‏ ‏الدُّبَّاءَ ‏ ‏بَعْدَ يَوْمِئِذٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس الْمَذْكُور قَبْل وَهُوَ ظَاهِر فِيمَا تَرْجُم لَهُ , قَالَ اِبْن التِّين : فِي قِصَّة الْخَيَّاط رِوَايَات فِيمَا أُحْضِر , فَفِي بَعْضهَا قَرَّبَ مَرَقًا وَفِي بَعْضهَا قَدِيدًا وَفِي أُخْرَى خُبْز شَعِير وَفِي أُخْرَى ثَرِيدًا , قَالَ : وَالزِّيَادَة مِنْ الثِّقَة مَقْبُولَة. قَالَ الدَّاوُدِيّ : وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَكْتُبُونَ فَرُبَّمَا غَفَلَ الرَّاوِي عِنْد مَا يَحْدُث عَنْ كَلِمَة , يَعْنِي وَيَحْفَظهَا غَيْره مِنْ الثِّقَات فَيَعْتَمِد عَلَيْهَا , قُلْت : أَتَمّ الرِّوَايَات مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْبَاب عَنْ مَالِك \" فَقَرَّبَ خُبْز شَعِير وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاء وَقَدِيد \" فَلَمْ يُفْتِهَا إِلَّا ذِكْر الثَّرِيد , وَفِي خُصُوص التَّنْصِيص عَلَى الْمَرَق حَدِيث صَرِيح لَيْسَ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ وَكَذَلِكَ اِبْن حِبَّان عَنْ أَبِي ذَرّ رَفَعَهُ وَفِيهِ \" وَإِذَا طَبَخْت قِدْرًا فَأَكْثِرْ مَرَقَته , وَاغْرِفْ لِجَارِك مِنْهُ \" وَعِنْد أَحْمَد وَالْبَزَّار مِنْ حَدِيث جَابِر نَحْوه. وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِر فِي حَدِيثه الطَّوِيل فِي صِفَة الْحَجّ عِنْد مُسْلِم وَأَصْحَاب السُّنَن \" ثُمَّ أَخَذَ مِنْ كُلّ بَدَنَة بَضْعَة وَجُعِلَتْ فِي قِدْر وَطُبِخَتْ , فَأَكَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى مِنْ لَحْمهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "5017",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُتِيَ بِمَرَقَةٍ فِيهَا ‏ ‏دُبَّاءٌ ‏ ‏وَقَدِيدٌ ‏ ‏فَرَأَيْتُهُ ‏ ‏يَتَتَبَّعُ ‏ ‏الدُّبَّاءَ ‏ ‏يَأْكُلُهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5018",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا فَعَلَهُ إِلَّا فِي عَامٍ جَاعَ النَّاسُ أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ وَإِنْ كُنَّا لَنَرْفَعُ ‏ ‏الْكُرَاعَ ‏ ‏بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ ‏ ‏وَمَا شَبِعَ آلُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" مَا فَعَلَهُ إِلَّا فِي عَام جَاعَ النَّاس أَرَادَ أَنْ يُطْعِم الْغَنِيّ الْفَقِير \" الْحَدِيث , قُلْت. وَهُوَ مُخْتَصَر مِنْ حَدِيثهَا الْمَاضِي فِي \" بَاب مَا كَانَ السَّلَف يَدَّخِرُونَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا وَأَوَّله سُؤَال التَّابِعِيّ عَنْ النَّهْي عَنْ الْأَكْل مِنْ لُحُوم الْأَضَاحِيّ فَوْق ثَلَاث فَأَجَابَتْ بِذَلِكَ , فَيُعْرَف مِنْهُ أَنَّ مَرْجِع الضَّمِير فِي قَوْلهَا \" مَا فَعَلَهُ \" إِلَى النَّهْي عَنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5019",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِطَعَامٍ صَنَعَهُ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ ‏ ‏وَقَدِيدٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوْلِ الصَّحْفَةِ ‏ ‏فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ثُمَامَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏فَجَعَلْتُ أَجْمَعُ الدُّبَّاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الْخَيَّاط وَفِيهِ \" وَقَالَ ثُمَامَة عَنْ أَنَس : فَجَعَلْت أَجْمَعُ الدُّبَّاء بَيْن يَدَيْهِ \" وَصَلَهُ قَبْل بَابَيْنِ مِنْ طَرِيق ثُمَامَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَنْ تَتَبَّعَ حَوَالَيْ الْقَصْعَة \" أَنَّ فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" فَجَعَلْت أَجْمَعهُ فَأُدْنِيه مِنْهُ \" وَهُوَ الْمُطَابِق لِلتَّرْجَمَةِ , لِأَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن أَنْ يُنَاوِلهُ مِنْ إِنَاء أَوْ يَضُمّ ذَلِكَ إِلَيْهِ فِي نَفْس الْإِنَاء الَّذِي يَأْكُل مِنْهُ , قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : إِنَّمَا جَازَ أَنْ يُنَاوِل بَعْضهمْ بَعْضًا فِي مَائِدَة وَاحِدَة لِأَنَّ ذَلِكَ الطَّعَام قُدِّمَ لَهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ , فَلَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوهُ كُلّه وَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْأَمْر بِأَكْلِ كُلّ وَاحِد مِمَّا يَلِيه فَمَنْ نَاوَلَ صَاحِبه مِمَّا بَيْن يَدَيْهِ فَكَأَنَّهُ آثَرَهُ بِنَصِيبِهِ مَعَ مَا لَهُ فِيهِ مَعَهُ مِنْ الْمُشَارَكَة , وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ كَانَ عَلَى مَائِدَة أُخْرَى فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لِلْمُنَاوِلِ حَقّ فِيمَا بَيْن يَدَيْهِ لَكِنْ لَا حَقّ لِلْآخَرِ فِي تَنَاوُله مِنْهُ إِذْ لَا شَرِكَة لَهُ فِيهِ , وَقَدْ أَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيّ إِلَى أَنَّ قِصَّة الْخَيَّاط لَا حُجَّة فِيهَا لِجَوَازِ الْمُنَاوَلَة لِأَنَّهُ طَعَام اُتُّخِذَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُصِدَ بِهِ , وَاَلَّذِي جَمَعَ لَهُ الدُّبَّاء بَيْن يَدَيْهِ خَادِمه , يَعْنِي فَلَا حُجَّة فِي ذَلِكَ لِجَوَازِ مُنَاوَلَة الضِّيفَانِ بَعْضهمْ بَعْضًا مُطْلَقًا ‏"
    },
    {
        "id": "5020",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْكُلُ الرُّطَبَ ‏ ‏بِالْقِثَّاءِ ‏",
        "sharh": "\" 8124 \" ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , وَعَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَة. ‏ ‏قَوْله ( رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُل الرُّطَب بِالْقِثَّاءِ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فِي الْحَدِيث أَكْل الرُّطَب بِالْقِثَّاءِ وَالتَّرْجَمَة بِالْعَكْسِ , وَأَجَابَ بِأَنَّ الْبَاء لِلْمُصَاحَبَةِ أَوْ لِلْمُلَاصَقَةِ , فَكُلّ مِنْهُمَا مُصَاحِب لِلْآخِرِ أَوْ مُلَاصِق. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَتْ التَّرْجَمَة فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ عَلَى وَفْق لَفْظ الْحَدِيث , وَهُوَ عِنْد مُسْلِم عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى وَعَبْد اللَّه اِبْن عَوْن جَمِيعًا عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بِسَنَدِ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" يَأْكُل الْقِثَّاء بِالرُّطَبِ \" كَلَفْظِ التَّرْجَمَة , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث فِي \" بَاب الْجَمْع بَيْن اللَّوْنَيْنِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5021",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّاسٍ الْجُرَيْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ تَضَيَّفْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏سَبْعًا فَكَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَخَادِمُهُ يَعْتَقِبُونَ اللَّيْلَ أَثْلَاثًا ‏ ‏يُصَلِّي هَذَا ثُمَّ يُوقِظُ هَذَا وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ أَصْحَابهِ تَمْرًا فَأَصَابَنِي سَبْعُ تَمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُولَى ( تَضَيَّفْتُ ) ‏ ‏بِضَادِ مُعْجَمَة وَفَاء أَيْ نَزَلْت بِهِ ضَيْفًا , ‏ ‏وَقَوْله \" سَبْعًا \" ‏ ‏أَيْ سَبْع لَيَالٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَكَانَ هُوَ وَامْرَأَته ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّهَا بُسْرَة بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة بِنْت غَزْوَانَ بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الزَّاي , وَهِيَ صَحَابِيَّة أُخْت عُتْبَةَ الصَّحَابِيّ الْجَلِيل أَمِير الْبَصْرَة. ‏ ‏قَوْله ( وَخَادِمه ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا. ‏ ‏قَوْله ( يَعْتَقِبُونَ ) ‏ ‏بِالْقَافِ أَيْ يَتَنَاوَلُونَ قِيَام اللَّيْل ‏ ‏وَقَوْله \" أَثْلَاثًا \" ‏ ‏أَيْ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ يَقُوم ثُلُث اللَّيْل , فَمِنْ بَدَأَ إِذَا فَرَغَ مِنْ ثُلُثه أَيْقَظَ الْآخَر. ‏ ‏قَوْله ( وَسَمِعَتْهُ يَقُول ) ‏ ‏الْقَائِل أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ وَالْمَسْمُوع أَبُو هُرَيْرَة , وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد وَالْإِسْمَاعِيلِيّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بَعْد قَوْله ثُمَّ يُوقِظ هَذَا \" قُلْت : يَا أَبَا هُرَيْرَة كَيْف تَصُوم ؟ قَالَ : أَمَّا أَنَا فَأَصُوم مِنْ أَوَّل الشَّهْر ثَلَاثًا , فَإِنْ حَدَثَ لِي حَدَثٌ كَانَ لِي أَجْرُ شَهْر \" قَالَ \" وَسَمِعْته يَقُول قَسَمَ \" وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ حَذَفَ هَذِهِ الزِّيَادَة لِكَوْنِهَا مَوْقُوفَة. وَقَدْ أَخْرَجَ بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي الصَّلَاة التَّحْرِيض عَلَى صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر مَرْفُوعًا , وَأَخْرَجَهُ فِي الصِّيَام مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي عُثْمَان , وَهُوَ السَّبَب فِي سُؤَال أَبِي عُثْمَان أَبَا هُرَيْرَة عَنْ كَيْفِيَّة صَوْمه - يَعْنِي مِنْ أَيِّ الشَّهْر تَصُوم الثَّلَاث الْمَذْكُورَة - وَقَدْ سَبَقَ بَيَان فِي كِتَاب الصِّيَام. ‏ ‏قَوْله ( إِحْدَاهُنَّ حَشَفَة ) ‏ ‏زَادَ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة \" فَلَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ تَمْرَة أَعْجَب إِلَيَّ مِنْهَا \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5022",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَسَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَنَا تَمْرًا فَأَصَابَنِي مِنْهُ خَمْسٌ أَرْبَعُ تَمَرَاتٍ وَحَشَفَةٌ ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَشَفَةَ هِيَ أَشَدُّهُنَّ لِضِرْسِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَرْبَعُ تَمْر ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِين فِيهِمَا وَهُوَ وَاضِح , وَفِي رِوَايَة \" أَرْبَع تَمْرَة \" بِزِيَادَةِ هَاء فِي آخِره أَيْ كُلّ وَاحِدَة مِنْ الْأَرْبَع تَمْرَة , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَإِنْ وَقَعَ بِالْإِضَافَةِ وَالْجَرّ فَشَاذّ عَلَى خِلَاف الْقِيَاس , وَإِنَّمَا جَاءَ فِي مِثْل ثَلَاثِمِائَةٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. ‏ ‏قَوْله ( وَحَشَفَة ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَة مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ فَاء : أَيْ رَدِيئَة , وَالْحَشَف رَدِيء التَّمْر , وَذَلِكَ أَنْ تَيْبَس الرُّطَبَة فِي النَّخْلَة قَبْل أَنْ يَنْتَهِي طِيبهَا , وَقِيلَ لَهَا حَشَفَة لِيُبْسِهَا , وَقِيلَ مُرَاده صَلْبَة , قَالَ عِيَاض : فَعَلَى هَذَا فَهُوَ بِسُكُونِ الشِّين , قُلْت : بَلْ الثَّابِت فِي الرِّوَايَات بِالتَّحْرِيكِ , وَلَا مُنَافَاة بَيْن كَوْنهَا رَدِيئَة وَصَلْبَة. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ طَرِيق عَاصِم مِنْ حَدِيث أَبِي يَعْلَى عَنْ مُحَمَّد بْن بَكَّارٍ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن زَكَرِيَّا بِسَنَدِ الْبُخَارِيّ فِيهِ وَزَادَ فِي آخِره \" قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : إِنَّ أَبْخَل النَّاس مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ , وَأَعْجَز النَّاس مَنْ عَجَزَ عَنْ الدُّعَاء \" وَهَذَا مَوْقُوف صَحِيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ حَذَفَهُ لِكَوْنِهِ مَوْقُوفًا وَلِعَدَمِ تَعَلُّقه بِالْبَابِ , وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5023",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِي رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏يَهُودِيٌّ وَكَانَ يُسْلِفُنِي فِي تَمْرِي إِلَى ‏ ‏الْجِدَادِ ‏ ‏وَكَانَتْ ‏ ‏لِجَابِرٍ ‏ ‏الْأَرْضُ الَّتِي بِطَرِيقِ ‏ ‏رُومَةَ ‏ ‏فَجَلَسَتْ فَخَلَا عَامًا فَجَاءَنِي الْيَهُودِيُّ عِنْدَ ‏ ‏الْجَدَادِ ‏ ‏وَلَمْ أَجُدَّ مِنْهَا شَيْئًا فَجَعَلْتُ أَسْتَنْظِرُهُ إِلَى قَابِلٍ فَيَأْبَى فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ امْشُوا نَسْتَنْظِرْ ‏ ‏لِجَابِرٍ ‏ ‏مِنْ الْيَهُودِيِّ فَجَاءُونِي فِي نَخْلِي فَجَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُكَلِّمُ الْيَهُودِيَّ فَيَقُولُ ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏لَا أُنْظِرُهُ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَامَ فَطَافَ فِي النَّخْلِ ثُمَّ جَاءَهُ فَكَلَّمَهُ فَأَبَى فَقُمْتُ فَجِئْتُ بِقَلِيلِ رُطَبٍ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ أَيْنَ عَرِيشُكَ يَا ‏ ‏جَابِرُ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ افْرُشْ لِي فِيهِ فَفَرَشْتُهُ فَدَخَلَ فَرَقَدَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَجِئْتُهُ بِقَبْضَةٍ أُخْرَى فَأَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ قَامَ فَكَلَّمَ الْيَهُودِيَّ فَأَبَى عَلَيْهِ فَقَامَ فِي الرِّطَابِ فِي النَّخْلِ الثَّانِيَةَ ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏جَابِرُ ‏ ‏جُدَّ وَاقْضِ فَوَقَفَ فِي الْجَدَادِ فَجَدَدْتُ مِنْهَا مَا قَضَيْتُهُ وَفَضَلَ مِنْهُ فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَشَّرْتُهُ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ بِنَاءٌ وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ { ‏مَعْرُوشَاتٍ ‏} ‏مَا يُعَرَّشُ مِنْ الْكُرُومِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يُقَالُ عُرُوشُهَا أَبْنِيَتُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَبُو غَسَّان ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن مُطَرِّف , وَأَبُو حَازِم هُوَ سَلَمَة بْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي رَبِيعَة ) ‏ ‏هُوَ الْمَخْزُومِيّ , وَاسْم أَبِي رَبِيعَة عَمْرو وَيُقَال حُذَيْفَة وَكَانَ يُلَقَّب ذَا الرُّمْحَيْنِ , وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي رَبِيعَة مِنْ مُسْلِمَة الْفَتْح وَوَلِيَ الْجُنْد مِنْ بِلَاد الْيَمَن لِعُمَر فَلَمْ يَزَلْ بِهَا إِلَى أَنْ جَاءَ سَنَة حَصْر عُثْمَان لِيَنْصُرهُ فَسَقَطَ عَنْ رَاحِلَته فَمَاتَ , وَلِإِبْرَاهِيم عَنْهُ رِوَايَة فِي النَّسَائِيِّ , قَالَ أَبُو حَاتِم إِنَّهَا مُرْسَلَة , وَلَيْسَ لِإِبْرَاهِيم فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَأُمّه أُمّ كُلْثُوم بِنْت أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَلَهُ رِوَايَة عَنْ أُمّه وَخَالَته عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ بِالْمَدِينَةِ يَهُودِيٌّ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ يُسَلِّفنِي فِي تَمْرِي إِلَى الْجِذَاذ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْجِيم وَيَجُوز فَتْحهَا وَالذَّال مُعْجَمَة وَيَجُوز إِهْمَالهَا , أَيْ زَمَن قَطْع ثَمَر النَّخْل وَهُوَ الصِّرَام , قَدْ اِسْتَشْكَلَ الْإِسْمَاعِيلِيّ ذَلِكَ وَأَشَارَ إِلَى شُذُوذ هَذِهِ الرِّوَايَة فَقَالَ : هَذِهِ الْقِصَّة - يَعْنِي دُعَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّخْل بِالْبَرَكَةِ - رَوَاهَا الثِّقَات الْمَعْرُوفُونَ فِيمَا كَانَ عَلَى وَالِد جَابِر مِنْ الدَّيْن , وَكَذَا قَالَ اِبْن التِّين : الَّذِي فِي أَكْثَر الْأَحَادِيث أَنَّ الدَّيْن كَانَ عَلَى وَالِد جَابِر قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالسَّلَف إِلَى الْجَذَاذ مِمَّا لَا يُجِيزهُ الْبُخَارِيّ وَغَيْره. وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد نَظَر. قُلْت : لَيْسَ فِي الْإِسْنَاد مَنْ يُنْظَر فِي حَاله سِوَى إِبْرَاهِيم , وَقَدْ ذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي ثِقَات التَّابِعِينَ , وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا وَلَده إِسْمَاعِيل وَالزُّهْرِيّ , وَأَمَّا اِبْن الْقَطَّان فَقَالَ : لَا يَعْرِف حَاله. وَأَمَّا السَّلَف إِلَى الْجِذَاذ فَيُعَارِضهُ الْأَمْر بِالسَّلَمِ إِلَى أَجْل مَعْلُوم فَيَحْمِل عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِي الِاقْتِصَار عَلَى الْجِذَاذ اِخْتِصَار , وَأَنَّ الْوَقْت كَانَ فِي أَصْل الْعَقْد مُعَيَّنًا , وَأَمَّا الشُّذُوذ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فَيَنْدَفِع بِالتَّعَدُّدِ , فَإِنَّ فِي السِّيَاق اِخْتِلَافًا ظَاهِرًا , فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرَّكَ فِي النَّخْل الْمُخَلَّف عَنْ وَالِد جَابِر حَتَّى وَفَى مَا كَانَ عَلَى أَبِيهِ مِنْ التَّمْر كَمَا تَقَدَّمَ بَيَان طُرُقه وَاخْتِلَاف أَلْفَاظه فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , ثُمَّ بَرَّكَ أَيْضًا فِي النَّخْل الْمُخْتَصّ بِجَابِرٍ فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ مِنْ الدَّيْن وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَتْ لِجَابِرٍ الْأَرْض الَّتِي بِطَرِيقِ رُومَة ) ‏ ‏فِيهِ اِلْتِفَات , أَوْ هُوَ مَدْرَج مِنْ كَلَام الرَّاوِي , لَكِنْ يَرُدّهُ وَيُعَضِّد الْأَوَّل أَنَّ فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق الرَّمَادِيّ عَنْ سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" وَكَانَتْ لِي الْأَرْض الَّتِي بِطَرِيقِ رُومَة \" وَرُومَة بِضَمِّ الرَّاء وَسُكُون الْوَاو هِيَ الْبِئْر الَّتِي اِشْتَرَاهَا عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَسَبَّلَهَا وَهِيَ فِي نَفْس الْمَدِينَة , وَقَدْ قِيلَ إِنَّ رُومَة رَجُل مِنْ بَنِي غَفَّار كَانَتْ لَهُ الْبِئْر قَبْل أَنْ يَشْتَرِيهَا عُثْمَان نُسِبَتْ إِلَيْهِ , وَنَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" دَوْمَة \" بِدَالٍ بَدَل الرَّاء قَالَ وَلَعَلَّهَا دَوْمَة الْجَنْدَل. قُلْت : وَهُوَ بَاطِل فَإِنَّ دَوْمَة الْجَنْدَل لَمْ تَكُنْ إِذْ ذَاكَ فُتِحَتْ حَتَّى يُمْكِن أَنْ يَكُون لِجَابِرٍ فِيهَا أَرْض , وَأَيْضًا فَفِي الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشَى إِلَى أَرْض جَابِر وَأَطْعَمَهُ مِنْ رُطَبهَا وَنَامَ فِيهَا وَقَامَ فَبَرَّكَ فِيهَا حَتَّى أَوْفَاهُ , فَلَوْ كَانَتْ بِطَرِيقِ دَوْمَة الْجَنْدَل لَاحْتَاجَ إِلَى السَّفَر , لِأَنَّ بَيْن دَوْمَة الْجَنْدَل وَبَيْن الْمَدِينَة عَشْرَ مَرَاحِل كَمَا بَيَّنَهُ أَبُو عُبَيْد الْبَكْرِيّ , وَقَدْ أَشَارَ صَاحِب \" الْمَطَالِع \" إِلَى أَنَّ دَوْمَة هَذِهِ هِيَ بِئْر رُومَة الَّتِي اِشْتَرَاهَا عُثْمَان وَسَبَّلَهَا وَهِيَ دَاخِل الْمَدِينَة فَكَأَنَّ أَرْض جَابِر كَانَتْ بَيْن الْمَسْجِد النَّبَوِيّ وَرُومَة. ‏ ‏قَوْله ( فَجَلَسَتْ فَخَلَّا عَامًا ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : كَذَا لِلْقَابِسِيِّ وَأَبِي ذَرّ وَأَكْثَر الرُّوَاة بِالْجِيمِ وَاللَّام , قَالَ : وَكَانَ أَبُو مَرْوَان بْن سِرَاج يُصَوِّب هَذِهِ الرِّوَايَة إِلَّا أَنَّهُ يَضْبِطهَا فَجَلَسَتْ أَيْ بِسُكُونِ السِّين وَضَمّ التَّاء عَلَى أَنَّهَا مُخَاطَبَة جَابِر وَتَفْسِيره. أَيْ تَأَخَّرْت عَنْ الْقَضَاء , فَخَلَّا بِفَاءٍ مُعْجَمَة وَلَام مُشَدَّدَة مِنْ التَّخْلِيَة أَوْ مُخَفَّفَة مِنْ الْخُلُوّ أَيْ تَأَخُّر السَّلَف عَامًا , قَالَ عِيَاض : لَكِنْ ذِكْر الْأَرْض أَوَّل الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْخَبَر عَنْ الْأَرْض لَا عَنْ نَفْسه اِنْتَهَى , فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ ضَبْط الرِّوَايَة عِنْد عِيَاض بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّاء وَالضَّمِير لِلْأَرْضِ , وَبَعْده نَخْلًا بِنُونٍ ثُمَّ مُعْجَمَة سَاكِنَة أَيْ تَأَخَّرَتْ الْأَرْض عَنْ الْإِثْمَار مِنْ جِهَة النَّخْل , قَالَ : وَوَقَعَ لِلْأَصِيلِيّ \" فَحَبَسَتْ \" بِحَاءٍ مُهْمَلَة ثُمَّ مُوَحَّدَة , وَعَتِد أَبِي الْهَيْثَم \" فَخَاسَتْ \" بَعْد الْخَاء الْمُعْجَمَة أَلْف أَيْ خَالَفَتْ مَعْهُودهَا وَحَمْلهَا , يُقَال خَاسَ عَهْده إِذَا خَانَهُ أَوْ تَغَيَّرَ عَنْ عَادَته وَخَاسَ الشَّيْء إِذَا تَغَيَّرَ قَالَ وَهَذِهِ الرِّوَايَة أَثْبَتهَا. قُلْت : وَحَكَى غَيْره \" خَنَسَتْ \" بِخَاءِ مُعْجَمَة ثُمَّ نُون أَيْ تَأَخَّرَتْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" بِهَذِهِ الصُّورَة , فَمَا أَدْرِي بِحَاءٍ مُهْمَلَة ثُمَّ مُوَحَّدَة أَوْ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ نُون , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَخَنَسَتْ عَلَيَّ عَامًا وَأَظُنّهَا بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ سِين مُهْمَلَة ثَقِيلَة وَبَعْدهَا عَلَيَّ بِفَتْحَتَيْنِ وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة , فَكَأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْأَصْل بِصُورَةِ نَخْلًا وَكَذَا فَخَلَّا تَصْحِيف مِنْ هَذِهِ اللَّفْظَة , وَهِيَ عَلَى كَتْب الْيَاء بِأَلِفِ ثُمَّ حَرَّفَ الْعَيْن وَالْعِلْم عِنْد اللَّه. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِي \" قَالَ مُحَمَّد بْن يُوسُف \" هُوَ الْفَرَبْرِيّ قَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن أَبِي حَاتِم وَرَّاق الْبُخَارِيّ قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل هُوَ الْبُخَارِيّ فَحَلَّا لَيْسَ عِنْدِي مُقَيَّدًا أَيْ مَضْبُوطًا ثُمَّ قَالَ \" فَخَلَّا لَيْسَ فِيهِ شَكّ \". قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهه , لَكِنِّي وَجَدْته فِي النُّسْخَة بِجِيمٍ وَبِالْحَاءِ الْمُعْجَمَة أَظْهَر. ‏ ‏قَوْله ( وَلَمْ أَجِد ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْجِيم وَتَشْدِيد الدَّال. ‏ ‏قَوْله ( أَسْتَنْظِرُهُ ) ‏ ‏أَيْ أَسْتَمْهِلهُ ‏ ‏( إِلَى قَابِل ) ‏ ‏أَيْ إِلَى عَام ثَانٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَأُخْبِرَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة وَفَتْح الرَّاء عَلَى الْفِعْل الْمَاضِي الْمَبْنِيّ لِلْمَجْهُولِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِضَمِّ الرَّاء عَلَى صِيغَة الْمُضَارَعَة وَالْفَاعِل جَابِر , وَذَكَره كَذَلِكَ مُبَالَغَة فِي اِسْتِحْضَار صُورَة الْحَال , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" فَأَخْبَرْت. ‏ ‏قَوْله ( فَيَقُول أَبَا الْقَاسِم لَا أُنْظِرُهُ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ أَدَاة النِّدَاء. ‏ ‏قَوْله ( أَيْنَ عَرِيشُك ) ‏ ‏أَيْ الْمَكَان الَّذِي اِتَّخَذْته فِي الْبُسْتَان لِتَسْتَظِلّ بِهِ وَتَقِيل فِيهِ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( فَجِئْته بِقَبْضَةٍ أُخْرَى ) ‏ ‏أَيْ مِنْ رُطَب. ‏ ‏قَوْله ( فَقَامَ فِي الرِّطَاب فِي النَّخْل الثَّانِيَة ) ‏ ‏أَيْ الْمَرَّة الثَّانِيَة , وَفِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْمٍ \" فَقَامَ فَطَافَ \" بَدَل قَوْله فِي الرِّطَاب. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَالَ يَا جَابِر جُذَّ ) ‏ ‏فِعْل أَمْر بِالْجِذَاذِ ‏ ‏( وَاقْضِ ) ‏ ‏أَيْ أَوْفِ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَشْهَد أَنِّي رَسُول اللَّه ) ‏ ‏قَالَ ذَلِكَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا فِيهِ مِنْ خَرْق الْعَادَة الظَّاهِر مِنْ إِيفَاء الْكَثِير مِنْ الْقَلِيل الَّذِي لَمْ يَكُنْ يُظَنّ أَنَّهُ يُوَفِّي مِنْهُ الْبَعْض فَضْلًا عَنْ الْكُلّ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَفْضُلَ فَضْلَةٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَفْضُلَ قَدْرُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْن. ‏ ‏قَوْله ( عَرْش وَعَرِيش بِنَاء , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَعْرُوشَات مَا يُعَرَّش مِنْ الْكَرْم وَغَيْر ذَلِكَ , يُقَال عُرُوشهَا أَبْنِيَتهَا ) ‏ ‏ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي , وَالنَّقْل عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي أَوَّل سُورَة الْأَنْعَام , وَفِيهِ النَّقْل عَنْ غَيْره بِأَنَّ الْمَعْرُوش مِنْ الْكَرْم مَا يَقُوم عَلَى سَاق , وَغَيْر الْمَعْرُوش مَا يُبْسَط عَلَى وَجْه الْأَرْض , وَقَوْله عَرْش وَعَرِيش بِنَاء هُوَ تَفْسِير أَبِي عُبَيْدَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْله عَنْهُ فِي تَفْسِير الْأَعْرَاف , وَقَوْله \" عُرُوشهَا أَبْنِيَتهَا \" هُوَ تَفْسِير قَوْله \" خَاوِيَة عَلَى عُرُوشهَا \" وَهُوَ تَفْسِير أَبِي عُبَيْدَة أَيْضًا , وَالْمُرَاد هُنَا تَفْسِير عَرْش جَابِر الَّذِي رَقَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ , فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ مَا يَسْتَظِلّ بِهِ , وَقِيلَ الْمُرَاد بِهِ السَّرِير , قَالَ اِبْن التِّين : فِي الْحَدِيث أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَخْلُونَ مِنْ دَيْن لِقِلَّةِ الشَّيْء إِذْ ذَاكَ عِنْدهمْ , وَأَنَّ الِاسْتِعَاذَة مِنْ الدَّيْن أُرِيدَ بِهَا الْكَثِير مِنْهُ أَوْ مَا لَا يَجِد لَهُ وَفَاء , وَمِنْ ثَمَّ مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعه مَرْهُونَة عَلَى شَعِير أَخَذَهُ لِأَهْلِهِ. وَفِيهِ زِيَارَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابه وَدُخُول الْبَسَاتِين وَالْقَيْلُولَة فِيهَا وَالِاسْتِظْلَال بِظِلَالِهَا , وَالشَّفَاعَة فِي إِنْظَار الْوَاجِد غَيْر الْعَيْن الَّتِي اُسْتُحِقَّتْ عَلَيْهِ لِيَكُونَ أَرْفَق بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5024",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جُلُوسٌ إِذَا أُتِيَ بِجُمَّارِ نَخْلَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ ‏ ‏يَعْنِي النَّخْلَةَ فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ الْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ فَسَكَتُّ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هِيَ النَّخْلَةُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي النَّخْلَة , قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَاب الْعِلْم مُسْتَوْفًى. ‏"
    },
    {
        "id": "5025",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُمْعَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَرْوَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا جُمْعَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيم وَسُكُون الْمِيم ‏ ‏( اِبْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن زِيَاد بْن شَدَّاد السُّلَمِيّ أَبُو بَكْر الْبَلْخِيّ , يُقَال إِنَّ اِسْمه يَحْيَى وَجُمْعَة لَقَبه. وَيُقَال لَهُ أَيْضًا أَبُو خَاقَان , كَانَ مِنْ أَئِمَّة الرَّأْي أَوَّلًا ثُمَّ صَارَ مِنْ أَئِمَّة الْحَدِيث قَالَهُ اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات , وَمَاتَ سَنَة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ بَلْ وَلَا فِي الْكُتُب السِّتَّة سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي شَرْح حَدِيث الْعَجْوَة فِي كِتَاب الطِّبّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله هُنَا \" مَنْ تَصَبَّحَ كُل يَوْم سَبْع تَمَرَات \" وَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ بِزِيَادَةِ الْبَاء فِي أَوَّله فَقَالَ \" بِسَبْعِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5026",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَصَابَنَا عَامُ سَنَةٍ مَعَ ‏ ‏ابْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَرَزَقَنَا تَمْرًا فَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏يَمُرُّ بِنَا وَنَحْنُ نَأْكُلُ وَيَقُولُ لَا ‏ ‏تُقَارِنُوا ‏ ‏فَإِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ‏ ‏الْقِرَانِ ‏ ‏ثُمَّ يَقُولُ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏الْإِذْنُ مِنْ قَوْلِ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( جَبَلَةُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَالْمُوَحَّدَة الْخَفِيفَة. ‏ ‏قَوْله ( اِبْن سُحَيْمٍ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّر كُوفِيّ تَابِعِيّ ثِقَة مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ غَيْر اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا شَيْءٌ. ‏ ‏قَوْله ( أَصَابَنَا عَامُ سَنَةٍ ) ‏ ‏بِالْإِضَافَةِ أَيْ عَام قَحْط , وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَده عَنْ شُعْبَة \" أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ \". ‏ ‏قَوْله ( مَعَ اِبْن الزُّبَيْر ) ‏ ‏يَعْنِي عَبْد اللَّه لَمَّا كَانَ خَلِيفَة , وَتَقَدَّمَ فِي الْمَظَالِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فِي بَعْض أَهْل الْعِرَاق \". ‏ ‏قَوْله ( فَرُزِقْنَا تَمْرًا ) ‏ ‏أَيْ أَعْطَانَا فِي أَرْزَاقنَا تَمْرًا , وَهُوَ الْقَدْر الَّذِي يُصْرَف لَهُمْ فِي كُلّ سَنَة مِنْ مَال الْخَرَاج وَغَيْره بَدَل النَّقْد تَمْرًا لِقِلَّةِ النَّقْدَا إِذْ ذَاكَ بِسَبَبِ الْمَجَاعَة الَّتِي حَصَلَتْ. ‏ ‏قَوْله ( وَيَقُول لَا تُقَارِنُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْوَلِيد فِي الشَّرِكَة \" فَيَقُول لَا تَقْرُنُوا \" وَكَذَا لِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَدِهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْإِقْرَان ) ‏ ‏كَذَا لِأَكْثَر الرُّوَاة وَقَدْ أَوْضَحْت فِي كِتَاب الْحَجّ أَنَّ اللُّغَة الْفُصْحَى بِغَيْرِ أَلِف , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ بِلَفْظِ \" الْقُرْآن \" وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَد عَنْ حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ شُعْبَة , وَقَالَ عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة \" الْإِقْرَان \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَوَقَعَ عِنْد جَمِيع رُوَاة مُسْلِم \" الْإِقْرَان \" وَفِي تَرْجَمَة أَبِي دَاوُدَ \" بَاب الْإِقْرَان فِي التَّمْر وَلَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة مَعْرُوفَة , وَأَقْرَن مِنْ الرُّبَاعِيّ وَقَرَنَ مِنْ الثُّلَاثِيّ وَهُوَ الصَّوَاب , قَالَ الْفَرَّاء : قَرَنَ بَيْن الْحَجّ وَالْعُمْرَة وَلَا يُقَال أَقْرَنَ , وَإِنَّمَا يُقَال أَقْرَنَ لِمَا قُوِيَ عَلَيْهِ وَأَطَاقَهُ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ) قَالَ : لَكِنْ جَاءَ فِي اللُّغَة أَقْرَنَ الدَّم فِي الْعِرْق أَيْ كَثُرَ فَيُحْمَل حَمْل الْإِقْرَان فِي الْخَبَر عَلَى ذَلِكَ , فَيَكُون مَعْنَاهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْإِكْثَار مِنْ أَكْل التَّمْر إِذَا كَانَ مَعَ غَيْره , وَيَرْجِع مَعْنَاهُ إِلَى الْقِرَان الْمَذْكُور. قُلْت : لَكِنْ يَصِير أَعَمّ مِنْهُ. وَالْحَقّ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة مِنْ اِخْتِلَاف الرُّوَاة , وَقَدْ مَيَّزَ أَحْمَد بَيْن مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ أَقْرَنَ وَبِلَفْظِ قَرَنَ مِنْ أَصْحَاب شُعْبَة , وَكَذَا قَالَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ شُعْبَة الْقِرَان , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الشَّيْبَانِيِّ الْإِقْرَان , وَفِي رِوَايَة مِسْعَر الْقِرَان. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يَقُول إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِن الرَّجُل أَخَاهُ ) ‏ ‏أَيْ فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ جَازَ , وَالْمُرَاد بِالْأَخِ رَفِيقه الَّذِي اِشْتَرَكَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ التَّمْر. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ شُعْبَة : الْإِذْن مِنْ قَوْل اِبْن عُمَر ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الَّذِي قَبْله , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَده عَنْ شُعْبَة مُدْرَجًا , وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَة عَنْ أَبِي الْوَلِيد وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ , وَأَصْله لِمُسْلِمٍ كَذَلِكَ عَنْ مُعَاذ بْن مُعَاذ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ يَزِيد وَبَهْز وَغَيْرهمَا عَنْ شُعْبَة , وَتَابَعَ آدَم عَلَى فَصْل الْمَوْقُوف مِنْ الْمَرْفُوع شَبَابَة بْن سِوَار عَنْ شُعْبَة أَخْرَجَهُ الْخَطِيب مِنْ طَرِيقه مِثْل مَا سَاقَهُ آدَم إِلَى قَوْله \" الْإِقْرَان , قَالَ اِبْن عُمَر إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِن الرَّجُل مِنْكُمْ أَخَاهُ \" وَكَذَا قَالَ عَاصِم بْن عَلِيّ عَنْ شُعْبَة \" أَرَى الْإِذْن مِنْ قَوْل اِبْن عُمَر \" أَخْرَجَهُ الْخَطِيب , وَقَدْ فَصَّلَهُ أَيْضًا عَنْ شُعْبَة سَعِيد بْن عَامِر الضُّبَعِيِّ فَقَالَ فِي رِوَايَته , قَالَ شُعْبَة \" إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِن أَحَدكُمْ أَخَاهُ \" هُوَ مِنْ قَوْل اِبْن عُمَر , أَخْرَجَهُ الْخَطِيب أَيْضًا إِلَّا أَنَّ سَعِيدًا أَخْطَأَ فِي اِسْم التَّابِعِيّ فَقَالَ \" عَنْ شُعْبَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر \" وَالْمَحْفُوظ \" جَبَلَة بْن سُحَيْمٍ \" كَمَا قَالَ الْجَمَاعَة. وَالْحَاصِل أَنَّ أَصْحَاب شُعْبَة اِخْتَلَفُوا فَأَكْثَرهمْ رَوَاهُ عَنْهُ مُدْرَجًا : وَطَائِفَة مِنْهُمْ رَوَوْا عَنْهُ التَّرَدُّد فِي كَوْن هَذِهِ الزِّيَادَة مَرْفُوعَة أَوْ مَوْقُوفَة , وَشَبَابَة فَصَّلَ عَنْهُ , وَآدَم جَزَمَ عَنْهُ بِأَنَّ الزِّيَادَة مِنْ قَوْل اِبْن عُمَر , وَتَابَعَهُ سَعِيد بْن عَامِر إِلَّا أَنَّهُ خَالَفَ فِي التَّابِعِيّ , فَلَمَّا اِخْتَلَفُوا عَلَى شُعْبَة وَتَعَارَضَ جَزْمه وَتَرَدُّده وَكَانَ الَّذِي رَوَوْا عَنْهُ التَّرَدُّد أَكْثَر نَظَرْنَا فِيمَنْ رَوَاهُ غَيْره مِنْ التَّابِعِينَ فَرَأَيْنَاهُ قَدْ وَرَدَ عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَابْن إِسْحَاق الشَّيْبَانِيِّ وَمِسْعَر وَزَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة , فَأَمَّا الثَّوْرِيّ فَتَقَدَّمَتْ رِوَايَته فِي الشَّرِكَة وَلَفْظه \" نَهَى أَنْ يَقْرُن الرَّجُل بَيْن التَّمْرَتَيْنِ جَمِيعًا حَتَّى يَسْتَأْذِن أَصْحَابه \" وَهَذَا ظَاهِره الرَّفْع مَعَ اِحْتِمَال الْإِدْرَاج , وَأَمَّا رِوَايَة الشَّيْبَانِيِّ فَأَخْرَجَهَا أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ \" نَهَى عَنْ الْإِقْرَان إِلَّا أَنْ تَسْتَأْذِن أَصْحَابك \" وَالْقَوْل فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ , وَأَمَّا رِوَايَة زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة فَأَخْرَجَهَا اِبْن حِبَّان فِي النَّوْع الثَّامِن وَالْخَمْسِينَ مِنْ الْقَسَم الثَّانِي مِنْ صَحِيحه بِلَفْظِ \" مَنْ أَكَلَ مَعَ قَوْم مِنْ تَمْر فَلَا يَقْرُن , فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَلْيَسْتَأْذِنْهُمْ , فَإِنْ أَذِنُوا فَلْيَفْعَلْ \" وَهَذَا أَظْهَر فِي الرَّفْع مَعَ اِحْتِمَال الْإِدْرَاج أَيْضًا. ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَنْ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْر اِبْن عُمَر فَوَجَدْنَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَسِيَاقه يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْر بِالِاسْتِئْذَانِ مَرْفُوع , وَذَلِكَ أَنَّ إِسْحَاق فِي مُسْنَده وَمِنْ طَرِيقه اِبْن حِبَّان أَخْرَجَا مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ كُنْت فِي أَصْحَاب الصُّفَّة فَبَعَثَ إِلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمْر عَجْوَة فَكَبَّ بَيْننَا فَكُنَّا نَأْكُل الثِّنْتَيْنِ مِنْ الْجُوع , فَجَعَلَ أَصْحَابنَا إِذَا قَرَنَ أَحَدهمْ قَالَ لِصَاحِبِهِ إِنِّي قَدْ قَرَنْت فَاقْرِنُوا \" وَهَذَا الْفِعْل مِنْهُمْ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَالّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَشْرُوعًا لَهُمْ مَعْرُوفًا , وَقَوْل الصَّحَابِيّ \" كُنَّا نَفْعَل فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا \" لَهُ حُكْم الرَّفْع عِنْد الْجُمْهُور. وَأَصْرَح مِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ هَذَا الْوَجْه وَلَفْظه \" قَسَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمْرًا بَيْن أَصْحَابه فَكَانَ بَعْضهمْ يَقْرُن , فَنَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْرُن إِلَّا بِإِذْنِ أَصْحَابه \" فَاَلَّذِي تَرَجَّحَ عِنْدِي أَنْ لَا إِدْرَاج فِيهِ. وَقَدْ اِعْتَمَدَ الْبُخَارِيّ هَذِهِ الزِّيَادَة وَتَرْجَمَ عَلَيْهَا فِي كِتَاب الْمَظَالِم وَفِي الشَّرِكَة , وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن اِبْن عُمَر ذَكَرَ الْإِذْن مَرَّة غَيْر مَرْفُوع أَنْ لَا يَكُون مُسْتَنَده فِيهِ الرَّفْع , وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ اُسْتُفْتِيَ فِي ذَلِكَ فَأَفْتَى , وَالْمُفْتِي قَدْ لَا يَنْشَط فِي فَتْوَاهُ إِلَى بَيَان الْمُسْتَنَد , فَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مِسْعَر عَنْ صِلَة قَالَ \" سُئِلَ اِبْن عُمَر عَنْ قِرَان التَّمْر قَالَ : لَا تَقْرُن , إِلَّا أَنْ تَسْتَأْذِن أَصْحَابك \" , فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ لَمَّا حَدَّثَ بِالْقِصَّةِ ذَكَرهَا كُلّهَا مَرْفُوعَة , وَلَمَّا اُسْتُفْتِيَ أَفْتَى بِالْحُكْمِ الَّذِي حَفِظَهُ عَلَى وَفْقه. وَلَمْ يُصَرِّح حِينَئِذٍ بِرَفْعِهِ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حُكْم الْمَسْأَلَة : قَالَ النَّوَوِيّ : اِخْتَلَفُوا فِي هَذَا النَّهْي هَلْ هُوَ عَلَى التَّحْرِيم أَوْ الْكَرَاهَة ؟ وَالصَّوَاب التَّفْصِيل , فَإِنْ كَانَ الطَّعَام مُشْتَرَكًا بَيْنهمْ فَالْقِرَان حَرَام إِلَّا بِرِضَاهُمْ , وَيَحْصُل بِتَصْرِيحِهِمْ أَوْ بِمَا يَقُوم مَقَامه مِنْ قَرِينَة حَال بِحَيْثُ يَغْلِب عَلَى الظَّنّ ذَلِكَ , فَإِنْ كَانَ الطَّعَام لِغَيْرِهِمْ حَرُمَ وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ وَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْأَكْل اُشْتُرِطَ رِضَاهُ , وَيَحْرُم لِغَيْرِهِ وَيَجُوز لَهُ هُوَ إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يَسْتَأْذِن الْآكِلِينَ مَعَهُ , وَحَسُنَ لِلْمُضِيفِ أَنْ لَا يَقْرُن لِيُسَاوِي ضَيْفه , إِلَّا إِنْ كَانَ الشَّيْء كَثِيرًا يَفْضُل عَنْهُمْ , مَعَ أَنَّ الْأَدَب فِي الْأَكْل مُطْلَقًا تَرْك مَا يَقْتَضِي الشَّرَه , إِلَّا أَنْ يَكُون مُسْتَعْجِلًا يُرِيد الْإِسْرَاع لِشُغْلٍ آخَر. وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ شَرْط هَذَا الِاسْتِئْذَان إِنَّمَا كَانَ فِي زَمَنهمْ حَيْثُ كَانُوا فِي قِلَّة مِنْ الشَّيْء. فَأَمَّا الْيَوْم مَعَ اِتِّسَاع الْحَال فَلَا يَحْتَاج إِلَى اِسْتِئْذَان. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّ الصَّوَاب التَّفْصِيل , لِأَنَّ الْعِبْرَة بِعُمُومِ اللَّفْظ لَا بِخُصُوصِ السَّبَب , كَيْف وَهُوَ غَيْر ثَابِت. قُلْت : حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي قَدَّمْته يُرْشِد إِلَيْهِ وَهُوَ قَوِيّ , وَقِصَّة اِبْن الزُّبَيْر فِي حَدِيث الْبَاب كَذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة : إِنَّمَا وَقَعَ النَّهْي عَنْ الْقِرَان لِأَنَّ فِيهِ شَرَهًا وَذَلِكَ يُزْرِي بِصَاحِبِهِ , أَوْ لِأَنَّ فِيهِ غَبْنًا بِرَفِيقِهِ , وَقِيلَ إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ شِدَّة الْعَيْش وَقِلَّة الشَّيْء , وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ يُوَاسُونَ مِنْ الْقَلِيل وَإِذَا اِجْتَمَعُوا رُبَّمَا آثَرَ بَعْضهمْ بَعْضًا , وَقَدْ يَكُون فِيهِمْ مَنْ اِشْتَدَّ جُوعه حَتَّى يَحْمِلهُ ذَلِكَ عَلَى الْقَرْن بَيْن التَّمْرَتَيْنِ أَوْ تَعْظِيم اللُّقْمَة فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى الِاسْتِئْذَان فِي ذَلِكَ تَطْيِبًا لِنُفُوسِ الْبَاقِينَ , وَأَمَّا قِصَّة جَبَلَةَ بْن سُحَيْمٍ فَظَاهِرهَا أَنَّهَا مِنْ أَجْل الْغَبَن وَلِكَوْنِ مِلْكهمْ فِيهِ سَوَاء , وَرُوِيَ نَحْوه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي أَصْحَاب الصُّفَّة اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن شَاهِين فِي النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ وَهُوَ فِي \" مُسْنَد الْبَزَّار \" مِنْ طَرِيق اِبْن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ \" كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْقِرَان فِي التَّمْر , وَأَنَّ اللَّه وَسَّعَ عَلَيْكُمْ فَاقْرِنُوا \" فَلَعَلَّ النَّوَوِيّ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْحَدِيث فَإِنَّ فِي إِسْنَاده ضَعْفًا , قَالَ الْحَازِمِي : حَدِيث النَّهْي أَصَحّ وَأَشْهَر , إِلَّا أَنَّ الْخَطْب فِيهِ يَسِير , لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَاب الْعِبَادَات وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيل الْمَصَالِح الدُّنْيَوِيَّة فَيَكْفِي فِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ , وَيُعَضِّدهُ إِجْمَاع الْأُمَّة عَلَى جَوَاز ذَلِكَ. كَذَا قَالَ , وَمُرَاده بِالْجَوَازِ فِي حَال كَوْن الشَّخْص مَالِكًا لِذَلِكَ الْمَأْكُول وَلَوْ بِطَرِيقِ الْإِذْن لَهُ فِيهِ كَمَا قَرَّرَهُ النَّوَوِيّ , وَإِلَّا فَلَمْ يُجِزْ أَحَد مِنْ الْعُلَمَاء أَنْ يَسْتَأْثِر أَحَد بِمَالِ غَيْره بِغَيْرِ إِذْنه , حَتَّى لَوْ قَامَتْ قَرِينَة تَدُلّ عَلَى أَنَّ الَّذِي وَضَعَ الطَّعَام بَيْن الضِّيفَان لَا يُرْضِيه اِسْتِئْثَار بَعْضهمْ عَلَى بَعْض حَرُمَ الِاسْتِئْثَار جَزْمًا , وَإِنَّمَا تَقَع الْمُكَارَمَة فِي ذَلِكَ إِذَا قَامَتْ قَرِينَة الرِّضَا. وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي \" ذَيْل الْغَرِيبَيْنِ \" عَنْ عَائِشَة وَجَابِر اِسْتِقْبَاح الْقِرَان لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّرَه وَالطَّمَع الْمُزْرِي بِصَاحِبِهِ. وَقَالَ مَالِك : لَيْسَ بِجَمِيلٍ أَنْ يَأْكُل أَكْثَر مِنْ رُفْقَته. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏فِي مَعْنَى التَّمْر الرُّطَب وَكَذَا الزَّبِيب وَالْعِنَب وَنَحْوهمَا , لِوُضُوحِ الْعِلَّة الْجَامِعَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : حَمَلَ أَهْل الظَّاهِر هَذَا النَّهْي عَلَى التَّحْرِيم , وَهُوَ سَهْو مِنْهُمْ وَجَهْل بِمَسَاقِ الْحَدِيث وَبِالْمَعْنَى , وَحَمَلَهُ الْجُمْهُور عَلَى حَال الْمُشَارَكَة فِي الْأَكْل وَالِاجْتِمَاع عَلَيْهِ بِدَلِيلِ فَهْم اِبْن عُمَر رَاوِيه وَهُوَ أَفْهَم لِلْمَقَالِ وَأَقْعَد بِالْحَالِ. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مِمَّنْ يُوضَع الطَّعَام بَيْن يَدَيْهِ مَتَى يَمْلِكهُ ؟ فَقِيلَ بِالْوَضْعِ , وَقِيلَ بِالرَّفْعِ إِلَى فِيهِ وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ , فَعَلَى الْأَوَّل فَمِلْكهمْ فِيهِ سَوَاء , فَلَا يَجُوز أَنْ يَقْرُن إِلَّا بِإِذْنِ الْبَاقِينَ , وَعَلَى الثَّانِي يَجُوز أَنْ يَقْرُن ; لَكِنَّ التَّفْصِيل الَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيه الْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة. نَعَمْ مَا يُوضَع بَيْن يَدَيْ الضِّيفَان وَكَذَلِكَ النِّثَار فِي الْأَعْرَاس سَبِيله فِي الْعُرْف سَبِيل الْمُكَارَمَة لَا التَّشَاحّ , لِاخْتِلَافِ النَّاس فِي مِقْدَار الْأَكْل , وَفِي الِاحْتِيَاج إِلَى التَّنَاوُل مِنْ الشَّيْء , وَلَوْ حُمِلَ الْأَمْر عَلَى تَسَاوِي السُّهْمَان بَيْنهمْ لَضَاقَ الْأَمْر عَلَى الْوَاضِع وَالْمَوْضُوع لَهُ , وَلَمَا سَاغَ لِمَنْ لَا يَكْفِيه الْيَسِير أَنْ يَتَنَاوَل أَكْثَر مِنْ نَصِيب مَنْ يُشْبِعهُ الْيَسِير , وَلَمَا لَمْ يَتَشَاحَّ النَّاس فِي ذَلِكَ وَجَرَى عَمَلهمْ عَلَى الْمُسَامَحَة فِيهِ عُرِفَ أَنَّ الْأَمْر فِي ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاق فِي كُلّ حَالَة , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5027",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْكُلُ الرُّطَبَ ‏ ‏بِالْقِثَّاءِ ‏",
        "sharh": "يَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5028",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِنَّ ‏ ‏مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً تَكُونُ مِثْلَ الْمُسْلِمِ وَهِيَ النَّخْلَةُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر مُخْتَصَرًا قَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ قَرِيبًا وَأَنَّهُ مَرَّ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْعِلْم. ‏"
    },
    {
        "id": "5029",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْكُلُ الرُّطَبَ ‏ ‏بِالْقِثَّاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَقَدْ تَقَدَّمَ إِخْرَاج الْبُخَارِيّ لِهَذَا الْحَدِيث قَبْل هَذَا الْبَاب سَوَاء وَكَذَا فِيمَا قَبْله بِأَبْوَابٍ بِأَعْلَى مِنْ هَذَا دَرَجَة وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّ مَدَاره عَلَى إِبْرَاهِيم بْن سَعْد , قَالَ التِّرْمِذِيّ صَحِيح غَرِيب لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثه. ‏ ‏قَوْله ( يَأْكُل الرُّطَب بِالْقِثَّاءِ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ كَيْفِيَّة أَكْله لَهُمَا , فَأَخْرَجَ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر قَالَ \" رَأَيْت فِي يَمِين النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِثَّاء وَفِي شِمَاله رُطَبًا وَهُوَ يَأْكُل مِنْ ذَا مَرَّةً وَمِنْ ذَا مَرَّةً \" وَفِي سَنَده ضَعْف , وَأَخْرَجَ فِيهِ وَهُوَ فِي الطِّبّ لِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيث أَنَس \" كَانَ يَأْخُذ الرُّطَب بِيَمِينِهِ وَالْبِطِّيخ بِيَسَارِهِ , فَيَأْكُل الرُّطَب بِالْبِطِّيخِ , وَكَانَ أَحَبَّ الْفَاكِهَة إِلَيْهِ \" وَسَنَده ضَعِيف أَيْضًا , وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَع بَيْن الرُّطَب وَالْخِرْبِز \" وَهُوَ بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَكَسْر الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا زَاي نَوْع مِنْ الْبِطِّيخ الْأَصْفَر , وَقَدْ تُكَبَّر الْقِثَّاء فَتَصْفَرّ مِنْ شِدَّة الْحَرّ فَتَصِير كَالْخِرْبِز كَمَا شَاهَدْته كَذَلِكَ بِالْحِجَازِ , وَفِي هَذَا تَعَقُّب عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَاد بِالْبِطِّيخِ فِي الْحَدِيث الْأَخْضَر , وَاعْتَلَّ بِأَنَّ فِي الْأَصْفَر حَرَارَة كَمَا فِي الرُّطَب , وَقَدْ وَرَدَ التَّعْلِيل بِأَنَّ أَحَدهمَا يُطْفِئ حَرَارَة الْآخَر , وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ فِي الْأَصْفَر بِالنِّسْبَةِ لِلرُّطَبِ بُرُودَة وَإِنْ كَانَ فِيهِ - لِحَلَاوَتِهِ - طَرَف حَرَارَة , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَفِي النَّسَائِيِّ أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ الْبِطِّيخ بِالرُّطَبِ \" وَفِي رِوَايَة لَهُ جَمَعَ بَيْن الْبِطِّيخ وَالرُّطَب جَمِيعًا , وَأَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ عَنْ عَائِشَة \" أَرَادَتْ أُمِّي تُعَالِجُنِي لِلسُّمْنَةِ لِتُدْخِلنِي عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا اِسْتَقَامَ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى أَكَلْت الرُّطَب بِالْقِثَّاءِ فَسَمِنْت كَأَحْسَن سُمْنَة \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثهَا \" لَمَّا تَزَوَّجَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَالَجُونِي بِغَيْرِ شَيْء , فَأَطْعَمُونِي الْقِثَّاء بِالتَّمْرِ فَسَمِنْت عَلَيْهِ كَأَحْسَن الشَّحْم \" وَعِنْد أَبِي نُعَيْمٍ فِي الطِّبّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَوَيْهَا بِذَلِكَ \" وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيث اِبْن بُسْر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبّ الزُّبْد وَالتَّمْر \" الْحَدِيث , وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" دَخَلْت عَلَى رَجُل وَهُوَ يَتَمَجَّع لَبَنًا بِتَمْرٍ فَقَالَ : اُدْنُ , فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهُمَا الْأَطْيَبَيْنِ \" وَإِسْنَاده قَوِيّ , قَالَ النَّوَوِيّ : فِي حَدِيث الْبَاب جَوَاز أَكْل الشَّيْئَيْنِ مِنْ الْفَاكِهَة وَغَيْرهَا مَعًا وَجَوَاز أَكْل طَعَامَيْنِ مَعًا , وَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز التَّوَسُّع فِي الْمَطَاعِم , وَلَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء فِي جَوَاز ذَلِكَ. وَمَا نُقِلَ عَنْ السَّلَف مِنْ خِلَاف هَذَا مَحْمُول عَلَى الْكَرَاهَة مَنْعًا لِاعْتِيَادِ التَّوَسُّع وَالتَّرَفُّه وَالْإِكْثَار لِغَيْرِ مَصْلَحَة دِينِيَّة , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ , يُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز مُرَاعَاة صِفَات الْأَطْعِمَة وَطَبَائِعهَا وَاسْتِعْمَالهَا عَلَى الْوَجْه اللَّائِق بِهَا عَلَى قَاعِدَة الطِّبّ , لِأَنَّ فِي الرُّطَب حَرَارَة وَفِي الْقِثَّاء بُرُودَة , فَإِذَا أُكِلَا مَعًا اِعْتَدَلَا , وَهَذَا أَصْل كَبِير فِي الْمُرَكَّبَات مِنْ الْأَدْوِيَة. وَتَرْجَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبّ \" بَاب الْأَشْيَاء الَّتِي تُؤْكَل مَعَ الرُّطَب لِيَذْهَب ضَرَره \" فَسَاقَ هَذَا الْحَدِيث , لَكِنْ لَمْ يَذْكُر الزِّيَادَة الَّتِي تَرْجَمَ بِهَا , وَهِيَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ فِي حَدِيث عَائِشَة بِلَفْظِ \" كَانَ يَأْكُل الْبِطِّيخ بِالرُّطَبِ فَيَقُول : يُكْسَرُ حَرّ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا وَبَرْد هَذَا بِحَرِّ هَذَا \" وَالطِّبِّيخ بِتَقْدِيمِ الطَّاء لُغَة فِي الْبِطِّيخ بِوَزْنِهِ , وَالْمُرَاد بِهِ الْأَصْفَر بِدَلِيلِ وُرُود الْحَدِيث بِلَفْظِ الْخِرْبِز بَدَل الْبِطِّيخ , وَكَانَ يُكْثِر وُجُوده بِأَرْضِ الْحِجَاز بِخِلَافِ الْبِطِّيخ الْأَخْضَر. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏سَقَطَتْ هَذَا التَّرْجَمَة وَحَدِيثهَا مِنْ رِوَايَة النَّسَفِيِّ , وَلَمْ يَذْكُرهُمَا الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5030",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏ح ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏سِنَانٍ أَبِي رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ سُلَيْمٍ ‏ ‏أُمَّهُ عَمَدَتْ إِلَى مُدٍّ مِنْ شَعِيرٍ جَشَّتْهُ وَجَعَلَتْ مِنْهُ خَطِيفَةً وَعَصَرَتْ عُكَّةً عِنْدَهَا ثُمَّ بَعَثَتْنِي إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ فَدَعَوْتُهُ قَالَ وَمَنْ مَعِي فَجِئْتُ فَقُلْتُ إِنَّهُ يَقُولُ وَمَنْ مَعِي فَخَرَجَ إِلَيْهِ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ صَنَعَتْهُ ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏فَدَخَلَ فَجِيءَ بِهِ وَقَالَ ‏ ‏أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً فَدَخَلُوا فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ قَالَ أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً فَدَخَلُوا فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ قَالَ أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً حَتَّى عَدَّ أَرْبَعِينَ ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَامَ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ هَلْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْجَعْد أَبِي عُثْمَان عَنْ أَنَس , وَعَنْ هِشَام عَنْ مُحَمَّد عَنْ أَنَس , وَعَنْ سِنَان أَبِي رَبِيعَة عَنْ أَنَس ) ‏ ‏هَذِهِ الْأَسَانِيد الثَّلَاثَة لِحَمَّادِ بْن زَيْد , وَهِشَام هُوَ اِبْن حَسَّان , وَمُحَمَّد هُوَ اِبْن سِيرِينَ , وَسِنَان أَبُو رَبِيعَة قَالَ عِيَاض وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن سِنَان بْن أَبِي رَبِيعَة وَهُوَ خَطَأ وَإِنَّمَا هُوَ سِنَان أَبُو رَبِيعَة وَأَبُو رَبِيعَة كُنْيَته. قُلْت : الْخَطَأ فِيهِ مِمَّنْ دُون اِبْن السَّكَن , وَسِنَان هُوَ اِبْن رَبِيعَة وَهُوَ أَبُو رَبِيعَة وَافَقَتْ كُنْيَته اِسْم أَبِيهِ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَهُوَ مَقْرُون بِغَيْرِهِ , وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ اِبْن مَعِين وَأَبُو حَاتِم , وَقَالَ اِبْن عَدِيٍّ : لَهُ أَحَادِيث قَلِيلَة , وَأَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْس بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( جَشَّتْهُ ) ‏ ‏بِجِيمٍ وَشِين مُعْجَمَة أَيْ جَعَلَتْهُ جَشِيشًا , وَالْجَشِيش دَقِيق غَيْر نَاعِم. ‏ ‏قَوْله ( خَطِيفَة ) ‏ ‏بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَطَاء مُهْمَلَة وَزْن عَصِيدَة وَمَعْنَاهُ , كَذَا تَقَدَّمَ الْجَزْم بِهِ فِي \" عَلَامَات النُّبُوَّة \" وَقِيلَ أَصْله أَنْ يُؤْخَذ لَبَن وَيُذَرُّ عَلَيْهِ دَقِيقٌ وَيُطْبَخ وَيَلْعَقهَا النَّاس فَيَخْطَفُونَهَا بِالْأَصَابِعِ وَالْمَلَاعِق فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ , وَهِيَ فَعَيْلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذِهِ الْقِصَّة مُسْتَوْفًى فِي \" عَلَامَات النُّبُوَّة \" وَسِيَاق الْحَدِيث هُنَاكَ أَتَمّ مِمَّا هُنَا. وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" إِنَّمَا هُوَ شَيْء صَنَعَتْهُ أُمّ سُلَيْمٍ \" أَيْ هُوَ شَيْء قَلِيل , لِأَنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى صَنْعَته اِمْرَأَة بِمُفْرَدِهَا لَا يَكُون كَثِيرًا فِي الْعَادَة , وَقَدْ قَدَّمْت فِي \" عَلَامَات النُّبُوَّة \" أَنَّ فِي بَعْض رِوَايَات مُسْلِم مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ فِي سِيَاق الْبَاب هُنَا اِخْتِصَارًا مِثْل قَوْله فِي رِوَايَة يَعْقُوب بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس \" فَقَالَ أَبُو طَلْحَة يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا أَرْسَلْت أَنَسًا يَدْعُوك وَحْدك , وَلَمْ يَكُنْ عِنْدنَا مَا يُشْبِع مِنْ أَرَى \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَنَس \" فَقَالَ أَبُو طَلْحَة : إِنَّمَا هُوَ قُرْص , فَقَالَ : إِنَّ اللَّه سَيُبَارَكُ فِيهِ \" قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : الِاجْتِمَاع عَلَى الطَّعَام مِنْ أَسْبَاب الْبَرَكَة , وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث وَحْشِيّ بْن حَرْب رَفَعَهُ \" اِجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامكُمْ وَاذْكُرُوا اِسْم اللَّه يُبَارَك لَكُمْ \" قَالَ : وَإِنَّمَا أَدْخَلَهُمْ عَشَرَة عَشَرَة وَاللَّهُ أَعْلَم لِأَنَّهَا كَانَتْ قَصْعَة وَاحِدَة وَلَا يُمْكِن الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة أَنْ يَقْدِرُوا عَلَى التَّنَاوُل مِنْهَا مَعَ قِلَّة الطَّعَام , فَجَعَلَهُمْ عَشَرَة عَشَرَة لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ الْأَكْل وَلَا يَزْدَحِمُوا , قَالَ : وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث الْمَنْع عَنْ اِجْتِمَاع أَكْثَر مِنْ عَشَرَة عَلَى الطَّعَام. ‏"
    },
    {
        "id": "5031",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏قَالَ قِيلَ ‏ ‏لِأَنَسٍ ‏ ‏مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ فِي الثُّومِ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ أَكَلَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5032",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏زَعَمَ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5033",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ‏ ‏نَجْنِي ‏ ‏الْكَبَاثَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ ‏ ‏أَيْطَبُ فَقَالَ أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ قَالَ نَعَمْ وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا رَعَاهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الرَّاء قَبْلهَا مِيم مَفْتُوحَة وَالظَّاء مُعْجَمَة بِلَفْظِ تَثْنِيَة الظَّهْر , مَكَان مَعْرُوف عَلَى مَرْحَلَة مِنْ مَكَّة. ‏ ‏قَوْله ( نَجْنِي ) ‏ ‏أَيْ نَقْتَطِفُ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُ أَيْطَبُ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا , وَهُوَ لُغَة بِمَعْنَى أَطْيَب وَهُوَ مَقْلُوبه , كَمَا قَالُوا جَذَبَ وَجَبَذَ. ‏ ‏قَوْله ( فَقِيلَ أَكُنْت تَرْعَى الْغَنَم ) ؟ ‏ ‏فِي السُّؤَال اِخْتِصَار وَالتَّقْدِير : أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَم حَتَّى عَرَفْت أَطْيَب الْكَبَاث ؟ لِأَنَّ رَاعِي الْغَنَم يُكْثِر تَرَدُّده تَحْت الْأَشْجَار لِطَلَبِ الْمَرْعَى مِنْهَا وَالِاسْتِظْلَال تَحْتهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي قِصَّة مُوسَى مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الْحِكْمَة فِي رَعْي الْأَنْبِيَاء الْغَنَم فِي أَوَائِل الْإِجَارَة , وَأَفَادَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّ الْحِكْمَة فِي اِخْتِصَاصهَا بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا لَا تُرْكَب فَلَا تَزْهُو نَفْس رَاكِبهَا , قَالَ : وَفِيهِ إِبَاحَة أَكْل ثَمَر الشَّجَر الَّذِي لَا يُمْلَك , قَالَ اِبْن بَطَّالٍ كَانَ هَذَا فِي أَوَّل الْإِسْلَام عِنْد عَدَم الْأَقْوَات , فَإِذْ قَدْ أَغْنَى اللَّه عِبَاده بِالْحِنْطَةِ أَوْ الْحُبُوب الْكَثِيرَة وَسَعَة الرِّزْق فَلَا حَاجَة بِهِمْ إِلَى ثَمَر الْأَرَاك. قُلْت : إِنْ أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام الْإِشَارَة إِلَى كَرَاهَة تَنَاوُله فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ , وَلَا يَلْزَم مِنْ وُجُود مَا ذُكِرَ مَنْع مَا أُبِيحَ بِغَيْرِ ثَمَن , بَلْ كَثِير مِنْ أَهْل الْوَرَع لَهُمْ رَغْبَة فِي مِثْل هَذِهِ الْمُبَاحَات أَكْثَر مِنْ تَنَاوُل مَا يُشْتَرَى وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏تَكْمِلَةٌ : ‏ ‏أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن شَرِيك عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر بِسَنَدِهِ الْمَاضِي فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء إِلَى جَابِر فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره \" وَقَالَ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم بَدْر يَوْم جُمْعَة لِثَلَاثِ عَشْرَة بَقِيَتْ مِنْ رَمَضَان \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر دُون التَّارِيخ , يَعْنِي دُون قَوْله \" إِنَّ ذَلِكَ كَانَ إِلَخْ \" وَهُوَ قَالَ , وَلَعَلَّ هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ اِبْن شِهَاب أَحَد رُوَاته. ‏"
    },
    {
        "id": "5034",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَلَمَّا كُنَّا ‏ ‏بِالصَّهْبَاءِ ‏ ‏دَعَا بِطَعَامٍ فَمَا أُتِيَ إِلَّا بِسَوِيقٍ فَأَكَلْنَا فَقَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏بُشَيْرًا ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُوَيْدٌ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَلَمَّا كُنَّا ‏ ‏بِالصَّهْبَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَهِيَ مِنْ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏عَلَى رَوْحَةٍ دَعَا بِطَعَامٍ فَمَا أُتِيَ إِلَّا بِسَوِيقٍ فَلُكْنَاهُ فَأَكَلْنَا مَعَهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا مَعَهُ ثُمَّ صَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏كَأَنَّكَ تَسْمَعُهُ مِنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏",
        "sharh": "حَدِيث سُوَيْد بْن النُّعْمَان فِي الْمَضْمَضَة بَعْد السَّوِيق , وَسَاقَهُ بِسَنَدٍ وَاحِد بِلَفْظَيْنِ قَالَ فِي أَحَدهمَا \" فَأَكَلْنَا \" وَزَادَ فِي الْآخَرِ \" فَلُكْنَاهُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنه فِي أَوَائِل الْأَطْعِمَة , وَقَالَ فِي آخِره هُنَاكَ \" قَالَ سَمِعْته مِنْهُ عَوْدًا عَلَى بَدْء \" وَقَالَ فِي آخِره هُنَا \" قَالَ سُفْيَان : كَأَنَّك تَسْمَعهُ مِنْ يَحْيَى بْن سَعِيد \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ عَلِيًّا وَهُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ سَمِعَهُ مِنْ سُفْيَان مِرَارًا فَرُبَّمَا غَيَّرَ فِي بَعْضهَا بَعْض الْأَلْفَاظ. ‏"
    },
    {
        "id": "5035",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ عَطَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ وَمِنْ طَرِيقه الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَدَّثَنَا عَمْرو بْن دِينَار أَخْبَرَنِي عَطَاء \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عِنْد مُسْلِم \" سَمِعْت عَطَاء سَمِعْت اِبْن عَبَّاس \" زَادَ اِبْن أَبِي عُمَر فِي رِوَايَته عَنْ سُفْيَان سَمِعْت عُمَر بْن قَيْس يَسْأَل عَمْرو بْن دِينَار عَنْ هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ : هُوَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : فَإِنَّ عَطَاء حَدَّثَنَاهُ عَنْ جَابِر , قَالَ حَفِظْنَاهُ عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس قَبْل أَنْ يَقْدَم عَلَيْنَا جَابِر \" ا ه. وَهَذَا إِنْ كَانَ عُمَر بْن قَيْس حَفِظَهُ اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون عَطَاء سَمِعَهُ مِنْ جَابِر بَعْد أَنْ سَمِعَهُ مِنْ اِبْن عَبَّاس , وَيُؤَيِّدهُ ثُبُوته مِنْ حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْر طَرِيق عَطَاء , وَفِي سِيَاقه زِيَادَة لَيْسَتْ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس , فَفِي أَوَّله \" إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَة أَحَدكُمْ فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى وَلَا يَدَعهَا لِلشَّيْطَانِ \" ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث الْبَاب , وَفِي آخِره زِيَادَة أَيْضًا سَأَذْكُرُهَا , فَلَعَلَّ ذَلِكَ سَبَب أَخْذ عَطَاء لَهُ عَنْ جَابِر. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا أَكَلَ أَحَدكُمْ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَآخَرِينَ عَنْ سُفْيَان \" طَعَامًا \" , وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" إِذَا أَكَلَ أَحَدكُمْ مِنْ الطَّعَام \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَا يَمْسَح يَده ) ‏ ‏فِي حَدِيث كَعْب بْن مَالِك عِنْد مُسْلِم \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُل بِثَلَاثِ أَصَابِع , فَإِذَا فَرَغَ لَعِقَهَا \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَطْلَقَ عَلَى الْأَصَابِع الْيَد , وَيُحْتَمَل وَهُوَ الْأَوْلَى أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْيَدِ الْكَفّ كُلّهَا فَيَشْمَل الْحُكْم مَنْ أَكَلَ بِكَفِّهِ كُلّهَا أَوْ بِأَصَابِعِهِ فَقَطْ أَوْ بِبَعْضِهَا : وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" : يَدُلّ عَلَى الْأَكْل بِالْكَفِّ كُلّهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَرَّق الْعَظْم وَيَنْهَش اللَّحْم , وَلَا يُمْكِن ذَلِكَ عَادَة إِلَّا بِالْكَفِّ كُلّهَا. وَقَالَ شَيْخنَا : فِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ يُمْكِن بِالثَّلَاثِ , سَلَّمْنَا لَكِنْ هُوَ مُمْسِك بِكَفِّهِ كُلّهَا لَا آكُل بِهَا , سَلَّمْنَا لَكِنْ مَحَلّ الضَّرُورَة لَا يَدُلّ عَلَى عُمُوم الْأَحْوَال. وَيُؤْخَذ مِنْ حَدِيث كَعْب بْن مَالِك أَنَّ السُّنَّة الْأَكْل بِثَلَاثِ أَصَابِع وَإِنْ كَانَ الْأَكْل بِأَكْثَر مِنْهَا جَائِزًا , وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَان \" عَنْ عُبَيْد اللَّه بْنِ أَبِي يَزِيد أَنَّهُ رَأَى اِبْن عَبَّاس إِذَا أَكَلَ لَعِقَ أَصَابِعه الثَّلَاث \" قَالَ عِيَاض : وَالْأَكْل بِأَكْثَر مِنْهَا مِنْ الشَّرَه وَسُوء الْأَدَب وَتَكْبِير اللُّقْمَة , وَلِأَنَّهُ غَيْر مُضْطَرّ إِلَى ذَلِكَ لِجَمْعِهِ اللُّقْمَة وَإِمْسَاكهَا مِنْ جِهَاتهَا الثَّلَاث , فَإِنْ اِضْطَرَّ إِلَى ذَلِكَ لِخِفَّةِ الطَّعَام وَعَدَم تَلْفِيفه بِالثَّلَاثِ فَيَدْعَمهُ بِالرَّابِعَةِ أَوْ الْخَامِسَة , وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ مُرْسَل اِبْن شِهَاب \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَكَلَ أَكَلَ بِخَمْسٍ \" فَيُجْمَع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث كَعْب بِاخْتِلَافِ الْحَال. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى يَلْعَقهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله مِنْ الثُّلَاثِيّ أَيْ يَلْعَقهَا هُوَ ( أَوْ يُلْعِقهَا ) بِضَمِّ أَوَّله مِنْ الرُّبَاعِيّ أَيْ يَلْعَقهَا غَيْره , قَالَ النَّوَوِيّ : الْمُرَاد إِلْعَاق غَيْره مِمَّنْ لَا يَتَقَذَّر ذَلِكَ مِنْ زَوْجَة وَجَارِيَة وَخَادِم وَوَلَد , وَكَذَا مَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُمْ كَتِلْمِيذٍ يَعْتَقِد الْبَرَكَة بِلَعْقِهَا , وَكَذَا لَوْ أَلْعَقهَا شَاة وَنَحْوهَا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنَّ قَوْله \" أَوْ \" شَكّ مِنْ الرَّاوِي , ثُمَّ قَالَ : فَإِنْ كَانَا جَمِيعًا مَحْفُوظَيْنِ فَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُلْعِقَهَا صَغِيرًا أَوْ مَنْ يَعْلَم أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّر بِهَا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَرَادَ أَنْ يَلْعَق إِصْبَعه فَمه فَيَكُون بِمَعْنَى يَلْعَقهَا , يَعْنِي فَتَكُون \" أَوْ \" لِلشَّكِّ. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : جَاءَتْ عِلَّة هَذَا مُبَيَّنَة فِي بَعْض الرِّوَايَات فَإِنَّهُ \" لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامه الْبَرَكَة \" وَقَدْ يُعْلَلْ بِأَنَّ مَسْحهَا قَبْل ذَلِكَ فِيهِ زِيَادَة تَلْوِيث لِمَا يُمْسَح بِهِ مَعَ الِاسْتِغْنَاء عَنْهُ بِالرِّيقِ , لَكِنْ إِذَا صَحَّ الْحَدِيث بِالتَّعْلِيلِ لَمْ يُعْدَل عَنْهُ. قُلْت : الْحَدِيث صَحِيح أَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي آخِر حَدِيث جَابِر وَلَفْظه مِنْ حَدِيث جَابِر \" إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَة أَحَدكُمْ فَلْيُمِطْ مَا أَصَابَهَا مِنْ أَذًى وَلْيَأْكُلْهَا , وَلَا يَمْسَح يَده حَتَّى يَلْعَقهَا أَوْ يُلْعِقهَا , فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيّ طَعَامه الْبَرَكَة \" زَادَ فِيهِ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَلَا يَرْفَع الصَّحْفَة حَتَّى يَلْعَقهَا أَوْ يُلْعِقهَا \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر نَحْوه بِسَنَدٍ صَحِيح , وَلِلطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد نَحْوه بِلَفْظِ \" فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامه يُبَارَك لَهُ \" وَلِمُسْلِمٍ نَحْوه مِنْ حَدِيث أَنَس وَمِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا , وَالْعِلَّة الْمَذْكُورَة لَا تَمْنَع مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخ , فَقَدْ يَكُون لِلْحُكْمِ عِلَّتَانِ فَأَكْثَر , وَالتَّنْصِيص عَلَى وَاحِدَة لَا يَنْفِي غَيْرهَا , وَقَدْ أَبْدَى عِيَاض عِلَّة أُخْرَى فَقَالَ : إِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ لِئَلَّا يُتَهَاوَن بِقَلِيلِ الطَّعَام. قَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى قَوْله \" فِي أَيِّ طَعَامه الْبَرَكَة \" : أَنَّ الطَّعَام الَّذِي يَحْضُر الْإِنْسَان فِيهِ بَرَكَة لَا يَدْرِي أَنَّ تِلْكَ الْبَرَكَة فِيمَا أَكَلَ أَوْ فِيمَا بَقِيَ عَلَى أَصَابِعه أَوْ فِيمَا بَقِيَ فِي أَسْفَل الْقَصْعَة أَوْ فِي اللُّقْمَة السَّاقِطَة , فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافَظ عَلَى هَذَا كُلّه لِتَحْصِيلِ الْبَرَكَة ا ه. وَقَدْ وَقَعَ لِمُسْلِمِ فِي رِوَايَة أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر أَوَّل الْحَدِيث \" إِنَّ الشَّيْطَان يَحْضُر أَحَدكُمْ عِنْد كُلّ شَيْء مِنْ شَأْنه , حَتَّى يَحْضُرهُ عِنْد طَعَامه , فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدكُمْ اللُّقْمَة فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا وَلَا يَدْعُهَا لِلشَّيْطَانِ \" وَلَهُ نَحْوه فِي حَدِيث أَنَس وَزَادَ \" وَأَمَرَ بِأَنْ تُسْلَت الْقَصْعَة \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : السَّلْت تَتَبُّع مَا بَقِيَ فِيهَا مِنْ الطَّعَام , قَالَ النَّوَوِيّ : وَالْمُرَاد بِالْبَرَكَةِ مَا تَحْصُل بِهِ التَّغْذِيَة وَتَسْلَم عَاقَبَتْهُ مِنْ الْأَذَى وَيُقَوِّي عَلَى الطَّاعَة , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه. وَفِي الْحَدِيث رَدّ عَلَى مَنْ كَرِهَ لَعْق الْأَصَابِع اِسْتِقْذَارًا , نَعَمْ يَحْصُل ذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ فِي أَثْنَاء الْأَكْل لِأَنَّهُ يُعِيد أَصَابِعه فِي الطَّعَام وَعَلَيْهَا أَثَر رِيقه , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : عَابَ قَوْم أَفْسَدَ عَقْلهمْ التَّرَفُّه فَزَعَمُوا أَنَّ لَعْق الْأَصَابِع مُسْتَقْبَح , كَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الطَّعَام الَّذِي عَلِقَ بِالْأَصَابِعِ أَوْ الصَّحْفَة جُزْء مِنْ أَجْزَاء مَا أَكَلُوهُ , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ سَائِر أَجْزَائِهِ مُسْتَقْذَرًا لَمْ يَكُنْ الْجُزْء الْيَسِير مِنْهُ مُسْتَقْذَرًا , وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَكْبَر مِنْ مَصّه أَصَابِعه بِبَاطِنِ شَفَتَيْهِ. وَلَا يَشُكّ عَاقِل فِي أَنْ لَا بَأْس بِذَلِكَ , فَقَدْ يُمَضْمِض الْإِنْسَان فَيُدْخِل إِصْبَعه فِي فِيهِ فَيُدَلِّك أَسْنَانه وَبَاطِن فَمه ثُمَّ لَمْ يَقُلْ أَحَد إِنَّ ذَلِكَ قَذَارَة أَوْ سُوء أَدَب. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب مَسْح الْيَد بَعْد الطَّعَام , قَالَ عِيَاض : مَحَلّه فِيمَا لَمْ يَحْتَجْ فِيهِ إِلَى الْغَسْل مِمَّا لَيْسَ فِيهِ غَمْرٌ وَلُزُوجَةٌ مِمَّا لَا يُذْهِبهُ إِلَّا الْغَسْل , لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث مِنْ التَّرْغِيب فِي غَسْله وَالْحَذَر مِنْ تَرْكه. كَذَا قَالَ وَحَدِيث الْبَاب يَقْتَضِي مَنْع الْغَسْل وَالْمَسْح بِغَيْرِ لَعْق لِأَنَّهُ صَرِيح فِي الْأَمْر بِاللَّعْقِ دُونهمَا تَحْصِيلًا لِلْبَرَكَةِ , نَعَمْ قَدْ يَتَعَيَّن النَّدْب إِلَى الْغَسْل بَعْد اللَّعْق لِإِزَالَةِ الرَّائِحَة , وَعَلَيْهِ يُحْمَل الْحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيح عَلَى شَرْط مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" مَنْ بَاتَ وَفِي يَده غَمْر وَلَمْ يَغْسِلهُ فَأَصَابَهُ شَيْء فَلَا يَلُومَن إِلَّا نَفْسه \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ دُون قَوْله \" وَلَمْ يَغْسِلهُ \" وَفِيهِ الْمُحَافَظَة عَلَى عَدَم إِهْمَال شَيْء مِنْ فَضْل اللَّه كَالْمَأْكُولِ أَوْ الْمَشْرُوب وَإِنْ كَانَ تَافِهًا حَقِيرًا فِي الْعُرْف. ‏ ‏( تَكْمِلَةٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيث كَعْب بْن عُجْرَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي \" الْأَوْسَط \" صِفَة لَعْق الْأَصَابِع وَلَفْظه \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُل بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاث : بِالْإِبْهَامِ وَاَلَّتِي تَلِيهَا وَالْوُسْطَى , ثُمَّ رَأَيْته يَلْعَق أَصَابِعه الثَّلَاث قَبْل أَنْ يَمْسَحهَا : الْوُسْطَى , ثُمَّ الَّتِي تَلِيهَا , ثُمَّ الْإِبْهَام \" قَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" كَأَنَّ السِّرّ فِيهِ أَنَّ الْوُسْطَى أَكْثَر تَلْوِيثًا لِأَنَّهَا أَطْوَل فَيَبْقَى فِيهَا مِنْ الطَّعَام أَكْثَر مِنْ غَيْرهَا , وَلِأَنَّهَا لِطُولِهَا أَوَّل مَا تَنْزِل فِي الطَّعَام , وَيَحْتَمِل أَنَّ الَّذِي يَلْعَق يَكُون بَطْن كَفّه إِلَى جِهَة وَجْهه , فَإِذَا اِبْتَدَأَ بِالْوُسْطَى اِنْتَقَلَ إِلَى السَّبَّابَة عَلَى جِهَة يَمِينه وَكَذَلِكَ الْإِبْهَام , وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "5036",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ فَقَالَ لَا قَدْ ‏ ‏كُنَّا زَمَانَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا نَجِدُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ الطَّعَامِ إِلَّا قَلِيلًا فَإِذَا نَحْنُ وَجَدْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لَنَا مَنَادِيلُ إِلَّا أَكُفَّنَا وَسَوَاعِدَنَا وَأَقْدَامَنَا ثُمَّ نُصَلِّي وَلَا نَتَوَضَّأُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن فُلَيْح ) ‏ ‏أَيْ اِبْن سُلَيْمَان الْمَدَنِيّ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ سَعِيد بْن الْحَارِث ) ‏ ‏أَيْ اِبْن يَحْيَى الْمُعَلَّى الْأَنْصَارِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيد , فَجَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" بِأَنَّ مُحَمَّد بْن أَبِي يَحْيَى هُوَ اِبْن فُلَيْح لِأَنَّ فُلَيْحًا يُكَنَّى أَبَا يَحْيَى وَهُوَ مَعْرُوف بِالرِّوَايَةِ عَنْ سَعِيد بْن الْحَارِث. وَقَالَ غَيْره : هُوَ مُحَمَّد بْن أَبِي يَحْيَى الْأَسْلَمِي وَالِد إِبْرَاهِيم شَيْخ الشَّافِعِيّ , وَاسْم أَبِي يَحْيَى سَمْعَانِ , وَكَأَنَّ الْحَامِل عَلَى ذَلِكَ كَوْن اِبْن وَهْب يَرْوِي عَنْ فُلَيْح نَفْسه فَاسْتَبْعَدَ قَائِل ذَلِكَ أَنْ يُرْوَى عَنْ اِبْنه مُحَمَّد بْن فُلَيْح عَنْهُ , وَلَا عَجَب فِي ذَلِكَ. وَاَلَّذِي تَرَجَّحَ عِنْدِي الْأَوَّل فَإِنَّ لَفْظهمَا وَاحِد. ‏ ‏قَوْله ( سَأَلَهُ عَنْ الْوُضُوء مِمَّا مَسَّتْ النَّار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي عَامِر عَنْ فُلَيْح عَنْ سَعِيد \" قُلْت لِجَابِرِ : هَلْ عَلَيَّ فِيمَا مَسَّتْ النَّار وُضُوء \" ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْم الْمَسْح فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَحُكْم الْوُضُوء مِمَّا مَسَّتْ النَّار فِي كِتَاب الطَّهَارَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5037",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُمَامَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ ‏ ‏الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , ‏ ‏وَثَوْر بْن يَزِيد ‏ ‏هُوَ الشَّامِيّ , وَأَوَّل اِسْم أَبِيهِ يَاء تَحْتَانِيَّة. وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْإِسْنَاد عَنْ ثَوْر نَازِلًا ثُمَّ أَوْرَدَهُ عَالِيًا عَنْهُ وَمَدَاره فِي أَكْثَر الطُّرُق عَلَيْهِ , وَقَدْ تَابَعَهُ بَعْضه عَامِر بْن جَشِيب وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَكَسْر الشِّين الْمُعْجَمَة وَآخِره مُوَحَّدَة وَزْن عَظِيم , أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْن أَبِي عَاصِم مِنْ طَرِيقه فَقَالَ فِي سِيَاقه \" عَنْ عَامِر عَنْ خَالِد قَالَ : شَهِدْنَا صَنِيعًا - أَيْ وَلِيمَة - فِي مَنْزِل عَبْد الْأَعْلَى وَمَعَنَا أَبُو أُمَامَةَ \" وَذَكَره الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه مِنْ هَذَا الْوَجْه فَقَالَ \" عَبْد الْأَعْلَى بْن هِلَال السُّلَمِيّ \". ‏ ‏قَوْله ( إِذَا رَفَعَ مَائِدَته ) ‏ ‏قَدْ ذَكَرَهُ فِي الْبَاب بِلَفْظِ \" إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامه \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ ثَوْر بِلَفْظِ \" إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامه وَرُفِعَتْ مَائِدَته \" فَجَمَعَ اللَّفْظَيْنِ , وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ ثَوْر بِلَفْظِ \" إِذَا رَفَعَ طَعَامه مِنْ بَيْن يَدَيْهِ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَامِر بْن جَشِيب بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ \" عَلَّمَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقُول عِنْد فَرَاغِي مِنْ الطَّعَام وَرَفْع الْمَائِدَة \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْكُل عَلَى خِوَان قَطُّ , وَقَدْ فَسَّرُوا الْمَائِدَة بِأَنَّهَا خِوَان عَلَيْهِ طَعَام , وَأَنَّ بَعْضهمْ أَجَابَ أَنَّ أَنَسًا مَا رَأَى ذَلِكَ وَرَآهُ غَيْره , وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي , أَوْ الْمُرَاد بِالْخِوَانِ صِفَة مَخْصُوصَة , وَالْمَائِدَة تُطْلَق عَلَى كُلّ مَا يُوضَع عَلَيْهِ الطَّعَام لِأَنَّهَا إِمَّا مِنْ مَادَ يَمِيد إِذَا تَحَرَّكَ أَوْ أَطْعَمَ , وَلَا يَخْتَصّ ذَلِكَ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَة , وَقَدْ تُطْلَق الْمَائِدَة وَيُرَاد بِهَا نَفْس الطَّعَام أَوْ بَقِيَّتُهُ أَوْ إِنَاؤُهُ , وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا أَكَلَ الطَّعَام عَلَى شَيْء ثُمَّ رُفِعَ قِيلَ رُفِعَتْ الْمَائِدَة. ‏ ‏قَوْله ( الْحَمْد لِلَّهِ كَثِيرًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْوَلِيد عَنْ ثَوْر عِنْد اِبْن مَاجَهْ \" الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا \". ‏ ‏قَوْله ( غَيْر مَكْفِيٍّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْكَاف وَكَسْر الْفَاء وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة , قَالَ اِبْن بَطَّالٍ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ كَفَأْت الْإِنَاء , فَالْمَعْنَى : غَيْر مَرْدُود عَلَيْهِ إِنْعَامه. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ الْكِفَايَة أَيْ إِنَّ اللَّه غَيْر مَكْفِيّ رِزْق عِبَاده , لِأَنَّهُ لَا يَكْفِيهِمْ أَحَدٌ غَيْره. وَقَالَ اِبْن التِّين : أَيْ غَيْر مُحْتَاج إِلَى أَحَد , لَكِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُطْعِم عِبَاده وَيَكْفِيهِمْ , وَهَذَا قَوْل الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ الْقَزَّاز :. مَعْنَاهُ أَنَا غَيْر مُكَتَّف بِنَفْسِي عَنْ كِفَايَته , وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : مَعْنَاهُ لَمْ أَكْتَفِ مِنْ فَضْل اللَّه وَنِعْمَته. وَقَالَ اِبْن التِّين : وَقَوْل الْخَطَّابِيُّ أَوْلَى لِأَنَّ مَفْعُولًا بِمَعْنَى مُفْتَعَل فِيهِ بُعْدٌ وَخُرُوج عَنْ الظَّاهِر , وَهَذَا كُلّه عَلَى أَنَّ الضَّمِير لِلَّهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الضَّمِير لِلْحَمْدِ , وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ : الضَّمِير لِلطَّعَامِ , وَمَكْفِيّ بِمَعْنَى مَقْلُوب مِنْ الْإِكْفَاء وَهُوَ الْقَلْب غَيْر أَنَّهُ لَا يَكْفِي الْإِنَاء لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ. وَذَكَرَ اِبْن الْجَوْزِيّ عَنْ أَبِي مَنْصُور الْجَوَالِيقِيّ أَنَّ الصَّوَاب غَيْر مُكَافَأ بِالْهَمْزَةِ , أَيْ إِنَّ نِعْمَة اللَّه لَا تُكَافَأ. قُلْت : وَثَبَتَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة هَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , لَكِنَّ الَّذِي فِي حَدِيث الْبَاب غَيْر مَكْفِيّ بِالْيَاءِ , وَلِكُلٍّ مَعْنًى. ‏"
    },
    {
        "id": "5038",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُمَامَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ وَقَالَ مَرَّةً إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ ‏ ‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَرْوَانَا غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مَكْفُورٍ وَقَالَ مَرَّةً الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّنَا غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى رَبَّنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( كَفَانَا وَأَرْوَانَا ) ‏ ‏هَذَا يُؤَيِّد الضَّمِير إِلَى اللَّه تَعَالَى لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْكَافِي لَا الْمُكَفِّي , وَكَفَانَا هُوَ مِنْ الْكِفَايَة , وَهِيَ أَعَمّ مِنْ الشِّبَع وَالرِّيّ وَغَيْرهمَا , فَأَرْوَانَا عَلَى هَذَا مِنْ الْخَاصّ بَعْد الْعَامّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن عَنْ الْفَرَبْرِيّ \" وَأَوَانَا \" بِالْمَدِّ مِنْ الْإِيوَاء. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب \" الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَّغَهُ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا \" وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد وَأَبِي أُمَامَةَ وَزِيَادَة فِي حَدِيث مُطَوَّل , وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن جُبَيْر الْمِصْرِيّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ رَجُل خَدَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَان سِنِينَ أَنَّهُ \" كَانَ يَسْمَع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامه يَقُول : بِسْمِ اللَّه , فَإِذَا فَرَغَ قَالَ : اللَّهُمَّ أَطْعَمْت وَسَقَيْت وَأَغْنَيْت وَأَقْنَيْت وَهَدَيْت وَأَحْيَيْت , فَلَك الْحَمْد عَلَى مَا أَعْطَيْت \" وَسَنَدُهُ صَحِيح. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا مَكْفُور ) ‏ ‏أَيْ مَجْحُود فَضْله وَنِعْمَته , وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي أَنَّ الضَّمِير لِلَّهِ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا مُوَدَّع ) ‏ ‏بِفَتْحِ الدَّال الثَّقِيلَة أَيْ غَيْر مَتْرُوك , وَيُحْتَمَل كَسْرهَا عَلَى أَنَّهُ حَال مِنْ الْقَائِل أَيْ غَيْر تَارِك. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَبِالتَّنْوِينِ. ‏ ‏قَوْله ( رَبُّنَا ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف , أَيْ هُوَ رَبّنَا , أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأ خَبَره مُتَقَدِّم , وَيَجُوز النَّصْب عَلَى الْمَدْح أَوْ الِاخْتِصَاص أَوْ إِضْمَار أَعَنَى , قَالَ اِبْن التِّين وَيَجُوز الْجَرّ عَلَى أَنَّهُ يَدُلّ عَلَى الضَّمِير فِي عَنْهُ , وَقَالَ غَيْره عَلَى الْبَدَل مِنْ الِاسْم فِي قَوْله \" الْحَمْد لِلَّهِ \" وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ \" رَبّنَا \" بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاء مَعَ ( حَذْف أَدَاة النِّدَاء , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : بِحَسَبِ رَفْعِ \" غَيْر \" أَيْ وَنَصْبِهِ وَرَفْعِ \" رَبّنَا \" وَنَصْبه , وَالِاخْتِلَاف فِي مَرْجِع الضَّمِير يُكْثِر التَّوْجِيهَات فِي هَذَا الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "5039",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ أَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَعِلَاجَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مُحَمَّد بْن زِيَادٍ ) ‏ ‏هُوَ الْجُمَحِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ ‏ ‏( خَادِمُهُ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنْ لَمْ يُجْلِسهُ مَعَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُلْ \" وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيلِيّ بْن أَبِي خَالِد عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ \" فَلْيُجْلِسْهُ مَعَهُ , فَإِنْ لَمْ يُجْلِسهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ \" وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد عَنْ عَجْلَان عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَادْعُهُ فَإِنْ أَبَى فَأَطْعِمْهُ مِنْهُ \" وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن رَبِيعَة عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَلْيَدْعُهُ فَلْيَأْكُلْ مَعَهُ , فَإِنْ لَمْ يَفْعَل \" وَفَاعِل أَبَى وَكَذَا إِنْ لَمْ يَفْعَل يَحْتَمِل أَنْ يَكُون السَّيِّد , وَالْمَعْنَى إِذَا تَرَفَّعَ عَنْ مُؤَاكَلَة غُلَامه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْخَادِم إِذَا تَوَاضَعَ عَنْ مُؤَاكَلَة سَيِّده , وَيُؤَيِّد الِاحْتِمَال الْأَوَّل أَنَّ فِي رِوَايَة جَابِر عِنْد أَحْمَد \" أُمِرْنَا أَنْ نَدْعُوهُ , فَإِنْ كَرِهَ أَحَدنَا أَنْ يَطْعَم مَعَهُ فَلْيُطْعِمْهُ فِي يَده \" وَإِسْنَاده حَسَن. ‏ ‏قَوْله ( فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَة أَوْ أُكْلَتَيْن ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة أَيْ اللُّقْمَة , وَأَوْ لِلتَّقْسِيمِ بِحَسَبِ حَال الطَّعَام وَحَال الْخَادِم , وَقَوْله \" أَوْ لُقْمَة أَوْ لُقْمَتَيْنِ \" هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِلَفْظِ \" لُقْمَة \" فَقَطْ وَفِي رِوَايَة مُسْلِم تَقْيِيد ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ الطَّعَام قَلِيلًا وَلَفْظه \" فَإِنْ كَانَ الطَّعَام مَشْفُوهًا قَلِيلًا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" يَعْنِي قَلِيلًا فَلْيَضَعْ فِي يَده مِنْهُ أُكْلَة أَوْ أُكْلَتَيْن \" قَالَ أَبُو دَاوُدَ : يَعْنِي لُقْمَة أَوْ لُقْمَتَيْنِ , وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الطَّعَام إِذَا كَانَ كَثِيرًا فَإِمَّا أَنْ يُقْعِدهُ مَعَهُ وَإِمَّا أَنْ يَجْعَل حَظّه مِنْهُ كَثِيرًا. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ ) ‏ ‏أَيْ عِنْد الطَّبْخ ‏ ‏( وَعِلَاجه ) ‏ ‏أَيْ عِنْد تَحْصِيل آلَاته , وَقَبْل وَضْع الْقِدْر عَلَى النَّار , وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا أَنَّ فِي مَعْنَى الطَّبَّاخ حَامِل الطَّعَام لِوُجُودِ الْمَعْنَى فِيهِ وَهُوَ تَعَلُّق نَفْسه بِهِ , بَلْ يُؤْخَذ مِنْهُ الِاسْتِحْبَاب فِي مُطْلَق خَدَم الْمَرْء مِمَّنْ يُعَانِي ذَلِكَ , وَإِلَى ذَلِكَ يُومِئ إِطْلَاق التَّرْجَمَة , وَفِي هَذَا تَعْلِيل الْأَمْر الْمَذْكُور , وَإِشَارَة إِلَى أَنَّ لِلْعَيْنِ حَظًّا فِي الْمَأْكُول فَيَنْبَغِي صَرْفهَا بِإِطْعَامِ صَاحِبهَا مِنْ ذَلِكَ الطَّعَام لِتَسْكُن نَفْسه فَيَكُون أَكَفّ لِشَرِّهِ. قَالَ الْمُهَلَّب : هَذَا الْحَدِيث يُفَسِّر حَدِيث أَبِي ذَرّ فِي الْأَمْر بِالتَّسْوِيَةِ مَعَ الْخَادِم فِي الْمَطْعَم وَالْمَلْبَس , فَإِنَّهُ جَعَلَ الْخِيَار إِلَى السَّيِّد فِي إِجْلَاس الْخَادِم مَعَهُ وَتَرْكه. قُلْت : وَلَيْسَ فِي الْأَمْر فِي قَوْله فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ \" أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَطْعَمُونَ \" إِلْزَام بِمُؤَاكَلَةِ الْخَادِم , بَلْ فِيهِ أَنْ لَا يَسْتَأْثِر عَلَيْهِ بِشَيْءِ بَلْ يُشْرِكهُ فِي كُلّ شَيْء , لَكِنْ بِحَسَبِ مَا يَدْفَع بِهِ شَرّ عَيْنه. وَقَدْ نَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ جَمِيع أَهْل الْعِلْم أَنَّ الْوَاجِب إِطْعَام الْخَادِم مِنْ غَالِب الْقُوت الَّذِي يَأْكُل مِنْهُ مِثْله فِي تِلْكَ الْبَلَد , وَكَذَلِكَ الْقَوْل فِي الْأُدْم وَالْكِسْوَة , وَأَنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَسْتَأْثِر بِالنَّفِيسِ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَل أَنْ يُشْرِك مَعَهُ الْخَادِم فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَاخْتَلَفَ حُكْم هَذَا الْأَمْر بِالْإِجْلَاسِ أَوْ الْمُنَاوَلَة , فَقَالَ الشَّافِعِيّ بَعْد أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيث : هَذَا عِنْدنَا وَاللَّهُ أَعْلَم عَلَى وَجْهَيْنِ : أَوَّلهمَا بِمَعْنَاهُ أَنَّ إِجْلَاسه مَعَهُ أَفْضَل , فَإِنْ لَمْ يَفْعَل فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ , أَوْ يَكُون بِالْخِيَارِ بَيْن أَنْ يُجْلِسهُ أَوْ يُنَاوِلهُ , وَقَدْ يَكُون أَمْره اِخْتِيَارًا غَيْر حَتْم ا ه. وَرَجَّحَ الرَّافِعِيّ الِاحْتِمَال الْأَخِير , وَحَمَلَ الْأَوَّل عَلَى الْوُجُوب , وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْإِجْلَاس لَا يَتَعَيَّن , لَكِنْ إِنْ فَعَلَهُ كَانَ أَفْضَل وَإِلَّا تَعَيَّنَتْ الْمُنَاوَلَة , وَيُحْتَمَل أَنَّ الْوَاجِب أَحَدهمَا لَا بِعَيْنِهِ. وَالثَّانِي أَنَّ الْأَمْر لِلنَّدَبِ مُطْلَقًا. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏فِي قَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَإِنْ كَانَ الطَّعَام مَشْفُوهًا \" بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء فَسَّرَهُ بِالْقَلِيلِ , وَأَصْله الْمَاء الَّذِي تَكْثُر عَلَيْهِ الشِّفَاه حَتَّى يَقِلّ إِشَارَة إِلَى أَنَّ مَحِلّ الْإِجْلَاس أَوْ الْمُنَاوَلَة مَا إِذَا كَانَ الطَّعَام قَلِيلًا وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كَثِيرًا وَسِعَ السَّيِّد وَالْخَادِم , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعِلَّة فِي الْأَمْر بِذَلِكَ أَنْ تَسْكُن نَفْس الْخَادِم بِذَلِكَ , وَهُوَ حَاصِل مَعَ الْكَثْرَة دُون الْقِلَّة , فَإِنَّ الْقِلَّة مَظِنَّة أَنْ لَا يَفْضُل مِنْهُ شَيْء. وَيُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" فَإِنْ كَانَ مَشْفُوهًا \" أَنَّ الْأَمْر الْوَارِد لِمَنْ طَبَخَ بِتَكْثِيرِ الْمَرَق لَيْسَ عَلَى سَبِيل الْوُجُوب , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5040",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏يُكْنَى ‏ ‏أَبَا شُعَيْبٍ ‏ ‏وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ فَعَرَفَ الْجُوعَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَهَبَ إِلَى غُلَامِهِ اللَّحَّامِ فَقَالَ اصْنَعْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَامِسَ خَمْسَةٍ فَصَنَعَ لَهُ ‏ ‏طُعَيِّمًا ثُمَّ أَتَاهُ فَدَعَاهُ فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا شُعَيْبٍ ‏ ‏إِنَّ رَجُلًا تَبِعَنَا فَإِنْ شِئْتَ أَذِنْتَ لَهُ وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ قَالَ لَا بَلْ أَذِنْتُ لَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مَسْعُود فِي قِصَّة الْغُلَام اللَّحَّام , قَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى قَبْل أَكْثَر مِنْ عِشْرِينَ بَابًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5041",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَحْتَزُّ ‏ ‏مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ الَّتِي كَانَ ‏ ‏يَحْتَزُّ ‏ ‏بِهَا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي يُونُس ) ‏ ‏أَيْ اِبْن يَزِيد ‏ ‏( عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّات عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اللَّيْث , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة عَنْ يُونُس. ‏ ‏قَوْله ( فَأَلْقَاهَا ) ‏ ‏أَيْ الْقِطْعَة اللَّحْم الَّتِي كَانَ اِحْتَزَّهَا , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الضَّمِير لِلْكَتِفِ , وَأَنَّثَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ اِكْتَسَبَ التَّأْنِيث مِنْ الْمُضَاف إِلَيْهِ أَوْ هُوَ مُؤَنَّث سَمَاعِيّ , قَالَ : وَدَلَالَته عَلَى التَّرْجَمَة مِنْ جِهَة أَنَّهُ اِسْتَنْبَطَ مِنْ اِشْتِغَاله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَكْلِ وَقْت الصَّلَاة. قُلْت : وَيَظْهَر لِي أَنَّ الْبُخَارِيّ أَرَادَ بِتَقْدِيمِ هَذَا الْحَدِيث بَيَان أَنَّ الْأَمْر فِي حَدِيث اِبْن عُمَر وَعَائِشَة بِتَرْكِ الْمُبَادَرَة إِلَى الصَّلَاة قَبْل تَنَاوُل الطَّعَام لَيْسَ عَلَى الْوُجُوب. ‏"
    },
    {
        "id": "5042",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُ تَعَشَّى مَرَّةً وَهُوَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوه ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى السَّنَد الَّذِي قَبْله , وَهُوَ مِنْ رِوَايَة وُهَيْب عَنْ أَيُّوب , وَكَذَا أَثَر اِبْن عُمَر أَنَّهُ تَعَشَّى , مَرَّة وَهُوَ يَسْمَع قِرَاءَة الْإِمَام , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن سَهْل بْن عَسْكَر عَنْ مُعَلَّى بْن أَسَد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَاد الثَّانِي وَلَفْظه \" إِذَا وُضِعَ الْعَشَاء \" الْحَدِيث , وَأَخْرَجَ أَثَر اِبْن عُمَر مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَارِث عَنْ أَيُّوب وَلَفْظه \" قَالَ فَتَعَشَّى اِبْن عُمَر لَيْلَة وَهُوَ يَسْمَع قِرَاءَة الْإِمَام \". ‏"
    },
    {
        "id": "5043",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة عَائِشَة ( قَالَ وُهَيْب وَيَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ هِشَام ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عُرْوَة ‏ ‏( إِذَا وُضِعَ الْعَشَاء ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ هَذَيْنِ رَوَيَاهُ عَنْ هِشَام بِلَفْظِ \" إِذَا وُضِعَ \" بَدَل \" إِذَا حَضَرَ \" وَهِيَ الَّتِي وَصَلَهَا فِي الْبَاب مِنْ رِوَايَة سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ عَنْ هِشَام , فَأَمَّا رِوَايَة وُهَيْب فَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن حِسَان وَمُعَلَّى بْن أَسَد قَالَا حَدَّثَنَا وُهَيْب بِهِ وَلَفْظه \" إِذَا وُضِعَ الْعَشَاء وَأُقِيمَتْ الصَّلَاة فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ \" وَأَمَّا رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد وَهُوَ الْقَطَّان فَوَصَلَهَا أَحْمَد عَنْهُ بِهَذَا اللَّفْظ أَيْضًا , وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّف بِلَفْظِ \" إِذَا حَضَرَ \" وَفِي بَعْض الرِّوَايَات عَنْهُ \" وُضِعَ \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن عَلِيّ الْفَلَّاس عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بِلَفْظِ \" إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاة وَقُرِّبَ الْعَشَاء فَكُلُوا ثُمَّ صَلُّوا \" وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ أَكْثَر أَصْحَاب هِشَام رَوَوْهُ عَنْهُ بِلَفْظِ \" إِذَا وُضِعَ \" وَأَنَّ بَعْضهمْ قَالَ \" إِذَا حَضَرَ \" وَجَاءَ عَنْ شُعْبَة وُضِعَ وَحَضَرَ , وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق \" إِذَا قُدِّمَ \". قُلْت : قُدِّمَ وَقُرِّبَ وَوُضِعَ مُتَقَارِبَات الْمَعْنَى , فَيُحْمَل حَضَرَ عَلَيْهَا , وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهَا فِي الْأَصْل أَعَمّ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5044",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحِجَابِ كَانَ ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏يَسْأَلُنِي عَنْهُ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَرُوسًا ‏ ‏بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏وَكَانَ تَزَوَّجَهَا ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَ مَا قَامَ الْقَوْمُ حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَشَى وَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ قَامُوا فَضَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا وَأُنْزِلَ الْحِجَابُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة زَيْنَب بِنْت جَحْش وَالْبِنَاء عَلَيْهَا وَنُزُول آيَة الْحِجَاب ‏ ‏وَقَوْله \" أَصْبَحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرُوسًا بِزَيْنَب \" ‏ ‏الْعَرُوس نَعْت يَسْتَوِي فِيهِ الرَّجُل وَالْمَرْأَة وَالْعُرْس مُدَّة بِنَاء الرَّجُل بِالْمَرْأَةِ وَأَصْله اللُّزُوم , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي الْأَمْر بِالِانْتِشَارِ بَعْد صَلَاة الْجُمُعَة فِي أَوَّل الْبَيْع فِي قَوْله تَعَالَى ( فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاة فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْض ) وَأَمَّا الِانْتِشَار هُنَا بَعْد الْأَكْل فَالْمُرَاد بِهِ التَّوَجُّه عَنْ مَكَان الطَّعَام لِلتَّخْفِيفِ عَنْ صَاحِب الْمَنْزِل هُوَ مُقْتَضَى الْآيَة , وَقَدْ مَرَّ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب. ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْأَطْعِمَة مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى مِائَة حَدِيث وَاثْنَيْ عَشَر حَدِيثًا , الْمُعَلَّق أَرْبَعَة عَشَر طَرِيقًا وَالْبَاقِي مَوْصُول , الْمُكَرَّر مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى تِسْعُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِص اِثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي اِسْتِقْرَائِهِ عُمَر الْآيَة , وَحَدِيث أَنَس \" مَا رَأَى شَاة سَمِيطًا \" , وَحَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ \" لَا آكُل مُتَّكِئًا \" , وَحَدِيث سَهْل \" مَا رَأَى النَّقِيّ \" , وَحَدِيث جَابِر فِي وَفَاء دَيْنه لَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهَا قِصَّة لَهُ غَيْر قِصَّته فِي وَفَاء دَيْن أَبِيهِ , وَحَدِيث أَنَس \" إِذَا حَضَرَ الطَّعَام وَالصَّلَاة \" , وَحَدِيث جَابِر فِي الْمَنَادِيل , وَحَدِيث أَبِي أُمَامَةَ فِي الدُّعَاء بَعْد الْأَكْل , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الطَّاعِم الشَّاكِر. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ سِتَّة آثَار. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5045",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏بُرَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَمَّاهُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَحَنَّكَهُ ‏ ‏بِتَمْرَةٍ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَدَفَعَهُ إِلَيَّ وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( بُرَيْد ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاء مُصَغَّر هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي بُرْدَة وَهُوَ يَرْوِي عَنْ جَدّه أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ نَسْخه وَإِبْرَاهِيم بْن أَبِي مُوسَى الْمَذْكُور فِي هَذَا الْحَدِيث ذَكَرَهُ جَمَاعَة فِي الصَّحَابَة لِمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث , وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ تَكُون لَهُ رِوَايَة , وَقَدْ ذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي الصَّحَابَة وَقَالَ : لَمْ يَسْمَع مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا , ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي ثِقَات التَّابِعِينَ وَلَيْسَ ذَلِكَ تَنَاقُضًا مِنْهُ بَلْ هُوَ بِالِاعْتِبَارَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَتَيْت بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيم فَحَنَّكَهُ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ أَسْرَعَ بِإِحْضَارِهِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّ تَحْنِيكه كَانَ بَعْد تَسْمِيَته , فَفِيهِ تَعْجِيل تَسْمِيَة الْمَوْلُود وَلَا يُنْتَظَر بِهَا إِلَى السَّابِع. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السُّنَن الثَّلَاثَة مِنْ حَدِيث الْحَسَن عَنْ سَمُرَة فِي حَدِيث الْعَقِيقَة \" تُذْبَح عَنْهُ يَوْم السَّابِع وَيُسَمَّى \" فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة هَلْ هِيَ \" يُسَمَّى \" أَوْ \" يُدْمَى \" بِالدَّالِ بَدَل السِّين ؟ وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. وَيَدُلّ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَة لَا تَخْتَصّ بِالسَّابِعِ مَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاح مِنْ حَدِيث أَبِي أُسَيْدٍ أَنَّهُ \" أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنِهِ حِين وُلِدَ فَسَمَّاهُ الْمُنْذِر \" وَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث ثَابِت عَنْ أَنَس رَفَعَهُ قَالَ \" وُلِدَ لِي اللَّيْلَة غُلَام فَسَمَّيْته بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيم , ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أُمّ سَيْف \" الْحَدِيث. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : تَسْمِيَة الْمَوْلُود حِين يُولَد أَصَحّ مِنْ الْأَحَادِيث فِي تَسْمِيَته يَوْم السَّابِع. قُلْت : قَدْ وَرَدَ فِيهِ غَيْر مَا ذُكِرَ , فَفِي الْبَزَّار وَصَحِيحَيْ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" عَقَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحَسَن وَالْحُسَيْن يَوْم السَّابِع وَسَمَّاهُمَا \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه \" أَمَرَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَسْمِيَةِ الْمَوْلُود لِسَابِعِهِ \" وَهَذَا مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي يَتَعَيَّن فِيهَا أَنَّ الْجَدّ هُوَ الصَّحَابِيّ لَا جَدّ عَمْرو الْحَقِيقِيّ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَمْرو. وَفِي الْبَاب عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" سَبْعَة مِنْ السُّنَّة فِي الصَّبِيّ : يَوْم السَّابِع يُسَمَّى وَيُخْتَن وَيُمَاط عَنْهُ الْأَذَى وَتُثْقَب أُذُنه وَيُعَقّ عَنْهُ وَيُحْلَق رَأْسه وَيُلَطَّخ مِنْ عَقِيقَته وَيُتَصَدَّق بِوَزْنِ شَعْر رَأْسه ذَهَبًا أَوْ فِضَّة \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" وَفِي سَنَده ضَعْف , وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" إِذَا كَانَ يَوْم السَّابِع لِلْمَوْلُودِ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى وَسَمُّوهُ \" وَسَنَده حَسَن. ‏"
    },
    {
        "id": "5046",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِصَبِيٍّ ‏ ‏يُحَنِّكُهُ ‏ ‏فَبَالَ عَلَيْهِ فَأَتْبَعَهُ الْمَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان ‏ ‏وَهِشَام ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله ( أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَبِيٍّ يُحَنِّكهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة لَيْسَ فِيهِ ذِكْر التَّحْنِيك , وَبَيَّنْت هُنَاكَ مَا قِيلَ فِي اِسْمه. ‏"
    },
    {
        "id": "5047",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهَا حَمَلَتْ ‏ ‏بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏قَالَتْ فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ فَأَتَيْتُ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَنَزَلْتُ ‏ ‏قُبَاءً ‏ ‏فَوَلَدْتُ ‏ ‏بِقُبَاءٍ ‏ ‏ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ ثُمَّ ‏ ‏دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا ثُمَّ تَفَلَ فِي ‏ ‏فِيهِ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏حَنَّكَهُ ‏ ‏بِالتَّمْرَةِ ثُمَّ دَعَا لَهُ فَبَرَّكَ عَلَيْهِ وَكَانَ ‏ ‏أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ ‏ ‏فَفَرِحُوا بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا لِأَنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ إِنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏قَدْ سَحَرَتْكُمْ فَلَا يُولَدُ لَكُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَسْمَاء فِي وِلَادَة عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي بَاب هِجْرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة \" وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِي سَنَده. وَوَقَعَ فِي آخِره هُنَا مِنْ الزِّيَادَة \" فَفَرِحُوا بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا \" لِأَنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ إِنَّ الْيَهُود قَدْ سَحَرَتْكُمْ فَلَا يُولَد لَكُمْ \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى مَا قَدَّمْته أَنَّ وِلَادَته كَانَتْ بَعْد اِسْتِقْرَارهمْ بِالْمَدِينَةِ , وَمَا وَقَعَ فِي أَوَّل الْحَدِيث أَنَّهُ وَلَدَتْهُ بِقُبَاءٍ ثُمَّ أَتَتْ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرِد أَنَّهَا أَحْضَرَتْهُ لَهُ بِقُبَاءٍ , وَإِنَّمَا حَمَلَتْهُ مِنْ قُبَاء إِلَى الْمَدِينَة. وَقَدْ أَخْرَجَ \" اِبْن سَعْد فِي الطَّبَقَات \" مِنْ رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن قَالَ \" لِمَا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَة أَقَامُوا لَا يُولَد لَهُمْ , فَقَالُوا : سَحَرَتْنَا يَهُود , حَتَّى كَثُرَتْ فِي ذَلِكَ الْقَالَة , فَكَانَ أَوَّل مَوْلُود بَعْد الْهِجْرَة عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , فَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ تَكْبِيرَة وَاحِدَة حَتَّى اِرْتَجَّتْ الْمَدِينَة تَكْبِيرًا \" وَقَوْله \" وَأَنَا مُتِمٌّ \" بِكَسْرِ الْمُثَنَّاة أَيْ شَارَفْت تَمَام الْحَمْل , وَقَوْله \" تَفَلَ \" بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ فَاء \" وَبَرَّكَ \" بِالتَّشْدِيدِ أَيْ دَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ : ‏"
    },
    {
        "id": "5048",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏ابْنٌ ‏ ‏لِأَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏يَشْتَكِي فَخَرَجَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏فَقُبِضَ الصَّبِيُّ فَلَمَّا رَجَعَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏قَالَ مَا فَعَلَ ابْنِي قَالَتْ ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ ‏ ‏وَارُوا ‏ ‏الصَّبِيَّ فَلَمَّا أَصْبَحَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ ‏ ‏أَعْرَسْتُمْ اللَّيْلَةَ قَالَ نَعَمْ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا قَالَ لِي ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏احْفَظْهُ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَرْسَلَتْ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَمَعَهُ شَيْءٌ قَالُوا نَعَمْ تَمَرَاتٌ فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَضَغَهَا ثُمَّ أَخَذَ مِنْ ‏ ‏فِيهِ فَجَعَلَهَا فِي ‏ ‏فِي الصَّبِيِّ ‏ ‏وَحَنَّكَهُ ‏ ‏بِهِ وَسَمَّاهُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏وَسَاقَ الْحَدِيثَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة اِبْن أَبِي طَلْحَة ‏ ‏وَاسْمه عَبْد اللَّه وَهُوَ وَالِد إِسْحَاق , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْجَنَائِز وَفِي الزَّكَاة. ‏ ‏قَوْله ( أَعْرَسْتُمْ ) ‏ ‏؟ هُوَ اِسْتِفْهَام مَحْذُوف الْأَدَاة وَالْعَيْن سَاكِنَة , أَعْرَسَ الرَّجُل إِذَا بَنَى بِامْرَأَتِهِ , وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى الْوَطْء لِأَنَّهُ يَتْبَع الْبِنَاء غَالِبًا , وَوَقَعَ رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" أَعَرَّسْتُمْ \" ؟ بِفَتْحِ الْعَيْن وَتَشْدِيد الرَّاء فَقَالَ عِيَاض : هُوَ غَلَط لِأَنَّ التَّعْرِيس النُّزُول , وَأَثْبَتَ غَيْره أَنَّهَا لُغَة , يُقَال أَعْرَسَ وَعَرَّسَ إِذَا دَخَلَ بِأَهْلِهِ وَالْأَفْصَح أَعْرَسَ قَالَهُ اِبْن التَّيْمِيِّ فِي كِتَاب التَّحْرِير فِي شَرْح مُسْلِم لَهُ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لِي أَبُو طَلْحَة اِحْفَظْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" اِحْفَظِيهِ \" وَالْأَوَّل أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى - إِلَى أَنْ قَالَ - وَسَاقَ الْحَدِيث ) ‏ ‏هَذَا يُوهِم أَنَّهُ يُرِيد الْحَدِيث الَّذِي قَبْله وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظهمَا مُخْتَلِف , وَهُمَا حَدِيثَانِ عِنْد اِبْن عَوْن : أَحَدهمَا عِنْده عَنْ أَنَس بْن سِيرِينَ وَهُوَ الْمَذْكُور هُنَا , وَالثَّانِي عِنْده عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَنَس , وَقَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّف فِي اللِّبَاس بِهَذَا الْإِسْنَاد وَلَفْظه \" أَنَّ أُمّ سُلَيْمٍ قَالَتْ لِي : يَا أَنَس , اُنْظُرْ هَذَا الْغُلَام فَلَا تُصِيبَن شَيْئًا حَتَّى تَغْدُو بِهِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَغَدَوْت بِهِ فَإِذَا هُوَ فِي حَائِط لَهُ وَعَلَيْهِ خَمِيصَة وَهُوَ يَسِم الظَّهْر الَّذِي قَدِمَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْح \" ثُمَّ وَجَدْت فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ بَعْد قَوْله وَسَاقَ الْحَدِيث \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه اِخْتَلَفَا فِي أَنَس بْن سِيرِينَ وَمُحَمَّد بْن سِيرِينَ أَيْ أَنَّ اِبْن أَبِي عَدِيٍّ وَيَزِيد بْن هَارُون اِخْتَلَفَا شَيْخ عَبْد اللَّه بْن عَوْن وَهَذَا يَتَعَيَّن أَنَّهُمَا عِنْده حَدِيث اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظه. وَذَكَرَ الْمِزِّيُّ أَنَّ حَمَّاد بْن سَعْد وَافَقَ اِبْن أَبِي عَدِيٍّ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقه لَكِنِّي لَمْ أَرَهُ فِي كِتَاب مُسْلِم مُسَمًّى بَلْ قَالَ \" عَنْ اِبْن سِيرِينَ \" وَيُؤَيِّد رِوَايَة اِبْن أَبِي عَدِيٍّ أَنَّ أَحْمَد أَخْرَجَ الْحَدِيث مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ ‏"
    },
    {
        "id": "5049",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَعَ الْغُلَامِ ‏ ‏عَقِيقَةٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏وَقَتَادَةُ ‏ ‏وَهِشَامٌ ‏ ‏وَحَبِيبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلْمَانَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏غَيْرُ وَاحِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏وَهِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الرَّبَابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلْمَانَ ‏ ‏قَوْلَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلْمَانُ بْنُ عَامِرٍ الضَّبِّيُّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَعَ الْغُلَامِ ‏ ‏عَقِيقَةٌ ‏ ‏فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سِيرِينَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَلْمَان بْن عَامِر ) ‏ ‏هُوَ الضَّبِّيّ , وَهُوَ صَحَابِيّ سَكَنَ الْبَصْرَة , مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ عِدَّة طُرُق مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا مَوْصُولًا مِنْ الطَّرِيق الْأُولَى لَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّح بِرَفْعِهِ فِيهَا ; وَمُعَلَّقًا مِنْ الطُّرُق الْأُخْرَى صَرَّحَ فِي طَرِيق مِنْهَا بِوَقْفِهِ وَمَا عَدَاهَا مَرْفُوع. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ لَمْ يُخْرِج الْبُخَارِيّ فِي الْبَاب حَدِيثًا صَحِيحًا عَلَى شَرْطه , أَمَّا حَدِيث حَمَّاد بْن زَيْد يَعْنِي الَّذِي أَوْرَدَهُ مَوْصُولًا فَجَاءَ بِهِ مَوْقُوفًا وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر إِمَاطَة الْأَذَى الَّذِي تَرْجَمَ بِهِ , وَأَمَّا حَدِيث جَرِير بْن حَازِم فَذَكَرَهُ بِلَا خَبَر , وَأَمَّا حَدِيث حَمَّاد بْن سَلَمَة فَلَيْسَ مِنْ شَرْطه فِي الِاحْتِجَاج. قُلْت : أَمَّا حَدِيث حَمَّاد بْن زَيْد فَهُوَ الْمُعْتَمَد عَلَيْهِ عِنْد الْبُخَارِيّ , لَكِنَّهُ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , فَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ كَذَلِكَ مِنْ شَيْخه أَبِي النُّعْمَان , وَاكْتَفَى بِهِ كَعَادَتِهِ فِي الْإِشَارَة إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض الْحَدِيث الَّذِي يُورِدهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ يُونُس بْن مُحَمَّد عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد فَزَادَ فِي الْمَتْن \" فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا , وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى \" وَلَمْ يُصَرِّح بِرَفْعِهِ , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ يُونُس بْن مُحَمَّد عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ هِشَام عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ فَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ عَبْد الْوَهَّاب عَنْ اِبْن عَوْن وَسَعِيد عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ سَلْمَان مَرْفُوعًا , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب فَقَالَ فِيهِ \" رَفَعَهُ \" وَأَمَّا حَدِيث جَرِير بْن حَازِم وَقَوْله أَنَّهُ ذَكَرَهُ بِلَا خَبَر , يَعْنِي لَمْ يَقُلْ فِي أَوَّل الْإِسْنَاد أَنْبَأَنَا أَصْبَغ بَلْ قَالَ \" قَالَ أَصْبَغ \" لَكِنَّ أَصْبَغ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ قَدْ أَكْثَر عَنْهُ فِي الصَّحِيح , فَعَلَى قَوْل الْأَكْثَر هُوَ مَوْصُول كَمَا قَرَّرَهُ اِبْن الصَّلَاح فِي \" عُلُوم الْحَدِيث \" وَعَلَى قَوْل اِبْن حَزْم هُوَ مُنْقَطِع وَهَذَا كَلَام الْإِسْمَاعِيلِيّ يُشِير إِلَى مُوَافَقَته , وَقَدْ زَيَّفَ النَّاس كَلَام اِبْن حَزْم فِي ذَلِكَ , وَأَمَّا كَوْن حَمَّاد بْنِ سَلَمَة عَلَى شَرْطه فِي الِاحْتِجَاج فَمُسَلَّم , لَكِنْ لَا يَضُرّهُ إِيرَاده لِلِاسْتِشْهَادِ كَعَادَتِهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ حَجَّاج ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُنْهَال , وَحَمَّاد هُوَ اِبْن سَلَمَة , وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّحَاوِيُّ وَابْن عَبْد الْبَرّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق الْقَاضِي عَنْ حَجَّاج بْن مِنْهَال \" حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة بِهِ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة عَفَّانَ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حِبَّان بْن هِلَال وَعَبْد الْأَعْلَى بْن حَمَّاد وَإِبْرَاهِيم بْن الْحَجَّاج كُلّهمْ عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة فَزَادُوا مَعَ الْأَرْبَعَة الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ الْبُخَارِيّ - وَهُمْ أَيُّوب وَقَتَادَة وَهِشَام وَهُوَ اِبْن حَسَّان وَحَبِيب وَهُوَ اِبْن الشَّهِيد - يُونُس وَهُوَ اِبْن عُبَيْد وَيَحْيَى بْن عَتِيق , لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضهمْ عَنْ حَمَّاد مَا لَمْ يَذْكُر الْآخَر , وَسَاقَ الْمَتْن كُلّه عَلَى لَفْظ حِبَّان , وَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ وَلَفْظه \" فِي الْغُلَام عَقِيقَة فَأَهْرِقُوا عَنْهُ الدَّم , وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيّ مَوْصُولًا مُجَرَّدًا ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي حُذَيْفَة عَنْ سُفْيَان عَنْ أَيُّوب كَذَلِكَ , فَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ حَدِيث سَلْمَان بْن عَامِر , وَخَالَفَهُمْ وُهَيْب فَقَالَ \" عَنْ أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد عَنْ أُمّ عَطِيَّة قَالَتْ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول مَعَ الْغُلَام \" فَذَكَرَ مِثْله سَوَاء , أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجه مِنْ رِوَايَة حَوْثَرَة بْن مُحَمَّد بْن أَبِي هِشَام عَنْ وُهَيْب بِهِ , وَوُهَيْب مِنْ رِجَال الصَّحِيحَيْنِ وَأَبُو هِشَام اِسْمه الْمُغِيرَة بْن سَلَمَة اِحْتَجَّ بِهِ مُسْلِم وَأَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيّ تَعْلِيقًا وَوَثَّقَهُ اِبْن الْمَدِينِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرهمَا , وَحَوْثَرَة بِحَاءٍ مُهْمَلَة وَمُثَلَّثَة وَزْن جَوْهَرَة بَصْرِيّ يُكَنَّى أَبَا الْأَزْهَر اِحْتَجَّ بِهِ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه , وَأَخْرَجَ عَنْهُ مِنْ السِّتَّة اِبْن مَاجَهْ , وَذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ رَوَى عَنْهُ فِي كِتَاب بَدْء الْوَحْي خَارِج السُّنَن , وَذَكَره اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات , فَالْإِسْنَاد قَوِيّ إِلَّا أَنَّهُ شَاذّ , وَالْمَحْفُوظ عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ سَلْمَان بْن عَامِر , فَلَعَلَّ بَعْض رُوَاته دَخَلَ عَلَيْهِ حَدِيث فِي حَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ غَيْر وَاحِد عَنْ عَاصِم وَهِشَام عَنْ حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ عَنْ الرَّبَاب عَنْ سَلْمَان بْن عَامِر الضَّبِّيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏قُلْت مِنْ الَّذِينَ أَبْهَمَهُمْ عَنْ عَاصِم سُفْيَان بْن عُيَيْنَة أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد فَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ , وَذَكَرَ الْمَتْن الْمَذْكُور وَحَدِيثَيْنِ آخَرَيْنِ : أَحَدهمَا فِي الْفِطْر عَلَى التَّمْر , وَالثَّانِي فِي الصَّدَقَة عَلَى ذِي الْقَرَابَة , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق وَالنَّسَائِيِّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الزُّهْرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن عُيَيْنَة بِقِصَّةِ الْعَقِيقَة حَسْب , وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَته عَنْ الرَّبَاب عَنْ عَمّهَا سَلْمَان بِهِ , وَالرَّبَاب بِفَتْحِ الرَّاء وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ مُخَفَّفًا مَا لَهَا فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ هِشَام بْن حَسَّان عَبْد الرَّزَّاق أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ عَنْ هِشَام بِالْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَة , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق , وَمِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقه عَنْ هِشَام بِهِ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام لَكِنْ لَمْ يَذْكُر الرَّبَاب فِي إِسْنَاده , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ سَعِيد بْن عَامِر وَالْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُكَيْر السَّهْمِيّ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام , ‏ ‏قَوْله ( وَرَوَاهُ يَزِيد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ سَلْمَان قَوْله ) ‏ ‏قُلْت : وَصَلَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي \" بَيَان الْمُشْكِل \" فَقَالَ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خُزَيْمَةَ حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن مِنْهَال حَدَّثَنَا يَزِيد بْن إِبْرَاهِيم بِهِ مَوْقُوفًا \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ أَصْبَغ أَخْبَرَنِي اِبْن وَهْب إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى عَنْ اِبْن وَهْب بِهِ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : ذَكَرَ الْبُخَارِيّ اِبْن وَهْب بِلَا خَبَر , وَقَدْ قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل : حَدِيث جَرِير بْن حَازِم كَأَنَّهُ عَلَى التَّوَهُّم أَوْ كَمَا قَالَ. قُلْت : لَفْظ الْأَثْرَم عَنْ أَحْمَد حَدَّثَ بِالْوَهْمِ بِمِصْرَ وَلَمْ يَكُنْ يَحْفَظ , وَكَذَا ذَكَرَ السَّاجِيُّ ا ه وَهَذَا مِمَّا حَدَّثَ بِهِ جَرِير بِمِصْرَ , لَكِنْ قَدْ وَافَقَهُ غَيْره عَلَى رَفْعه عَنْ أَيُّوب , نَعَمْ قَوْله عَنْ مُحَمَّد \" حَدَّثَنَا سَلْمَان بْن عَامِر \" هُوَ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ , وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الطُّرُق يُقَوِّي بَعْضهَا بَعْضًا , وَالْحَدِيث مَرْفُوع لَا يَضُرّهُ رِوَايَة مَنْ وَقَفَهُ. ‏ ‏قَوْله ( مَعَ الْغُلَام عَقِيقَة ) ‏ ‏تَمَسَّكَ بِمَفْهُومِهِ الْحَسَن وَقَتَادَة فَقَالَا : يُعَقّ عَنْ الصَّبِيّ وَلَا يُعَقّ عَنْ الْجَارِيَة , وَخَالَفَهُمْ الْجُمْهُور فَقَالُوا : يُعَقّ عَنْ الْجَارِيَة أَيْضًا , وَحُجَّتهمْ الْأَحَادِيث الْمُصَرِّحَة بِذِكْرِ الْجَارِيَة , وَسَأَذْكُرُهَا بَعْد هَذَا , فَلَوْ وُلِدَ اِثْنَانِ فِي بَطْن اُسْتُحِبَّ عَنْ كُلّ وَاحِد عَقِيقَة , ذَكَرَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ اللَّيْث وَقَالَ : لَا أَعْلَم عَنْ أَحَد مِنْ الْعُلَمَاء خِلَافه. ‏ ‏قَوْله ( فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا ) ‏ ‏كَذَا أَبْهَمَ مَا يُهْرَاق فِي هَذَا الْحَدِيث وَكَذَا فِي حَدِيث سَمُرَة الْآتِي بَعْده , وَفَسَّرَ ذَلِكَ فِي عِدَّة أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث عَائِشَة أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ مِنْ رِوَايَة يُوسُف بْن مَاهَك \" أَنَّهُمْ دَخَلُوا عَلَى حَفْصَة بِنْت عَبْد الرَّحْمَن - أَيْ اِبْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق - فَسَأَلُوهَا عَنْ الْعَقِيقَة , فَأَخْبَرَتْهُمْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ عَنْ الْغُلَام شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ , وَعَنْ الْجَارِيَة شَاة \" وَأَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن الْأَرْبَعَة مِنْ حَدِيث أُمّ كُرْز أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْعَقِيقَة فَقَالَ عَنْ الْغُلَام شَاتَانِ وَعَنْ الْجَارِيَة شَاة وَاحِدَة , وَلَا يَضُرّكُمْ ذُكْرَانًا كُنَّ أَوْ إِنَاثًا \" قَالَ التِّرْمِذِيّ صَحِيح , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه رَفَعَهُ أَثْنَاء حَدِيث قَالَ \" مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْسَك عَنْ وَلَده فَلْيَفْعَلْ : عَنْ الْغُلَام شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ , وَعَنْ الْجَارِيَة شَاة \" قَالَ دَاوُدُ بْن قَيْس رِوَايَة عَنْ عَمْرو \" سَأَلْت زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ قَوْله مُكَافِئَتَانِ فَقَالَ : مُتَشَابِهَتَانِ تُذْبَحَانِ جَمِيعًا أَيْ لَا يُؤَخَّر ذَبْح إِحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى \" وَحَكَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَد الْمُكَافِئَتَانِ الْمُتَقَارِبَتَانِ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ فِي السِّنّ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : مَعْنَاهُ مُتَعَادِلَتَانِ لِمَا يَجْزِي فِي الزَّكَاة وَفِي الْأُضْحِيَّة , وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ كُلّه مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور فِي حَدِيث أُمّ كُرْز مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد بِلَفْظِ \" شَاتَانِ مِثْلَانِ \" وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيث آخَر \" قِيلَ : مَا الْمُكَافِئَتَانِ ؟ قَالَ الْمِثْلَانِ \" وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ زَيْد بْن أَسْلَمَ مِنْ ذَبْح إِحْدَاهُمَا عَقِب الْأُخْرَى حَسَن , وَيُحْتَمَل الْحَمْل عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ مَعًا , وَرَوَى الْبَزَّار وَأَبُو الشَّيْخ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" أَنَّ الْيَهُود تَعُقّ عَنْ الْغُلَام كَبْشًا وَلَا تَعُقّ عَنْ الْجَارِيَة , فَعُقُّوا عَنْ الْغُلَام كَبْشَيْنِ وَعَنْ الْجَارِيَة كَبْشًا \" وَعِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَسْمَاء بِنْت يَزِيد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْعَقِيقَة حَقّ عَنْ الْغُلَام شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنْ الْجَارِيَة شَاة \" وَعَنْ أَبِي سَعِيد نَحْو حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخ , وَتَقَدَّمَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَوَّل الْبَاب , وَهَذِهِ الْأَحَادِيث حُجَّة لِلْجُمْهُورِ فِي التَّفْرِقَة بَيْن الْغُلَام وَالْجَارِيَة , وَعَنْ مَالِك هُمَا سَوَاء فَيَعُقّ عَنْ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا شَاة , وَاحْتَجَّ لَهُ بِمَا جَاءَ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَّ عَنْ الْحَسَن وَالْحُسَيْن كَبْشًا كَبْشًا \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَا حُجَّة فِيهِ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ \" كَبْشَيْنِ كَبْشَيْنِ \" وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه مِثْله , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوت رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يُرَدّ بِهِ الْأَحَادِيث الْمُتَوَارِدَة فِي التَّنْصِيص عَلَى التَّثْنِيَة لِلْغُلَامِ , بَلْ غَايَته أَنْ يَدُلّ عَلَى جَوَاز الِاقْتِصَار , وَهُوَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ الْعَدَد لَيْسَ شَرْطًا بَلْ مُسْتَحَبّ. وَذَكَرَ الْحَلِيمِيّ أَنَّ الْحِكْمَة فِي كَوْن الْأُنْثَى عَلَى النِّصْف مِنْ الذَّكَر أَنَّ الْمَقْصُود اِسْتِبْقَاء النَّفْس فَأَشْبَهَتْ الدِّيَة , وَقَوَّاهُ اِبْن الْقَيِّمِ بِالْحَدِيثِ الْوَارِد فِي أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ ذَكَرًا أَعْتَقَ عُضْو مِنْهُ , وَمَنْ أَعْتَقَ جَارِيَتَيْنِ كَذَلِكَ , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فِي ذَلِكَ الْوَقْت مَا تَيَسَّرَ الْعَدَد. وَاسْتَدَلَّ بِإِطْلَاقِ الشَّاة وَالشَّاتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط فِي الْعَقِيقَة مَا يُشْتَرَط فِي الْأُضْحِيَّة , وَفِيهِ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ , وَأَصَحّهمَا يُشْتَرَط وَهُوَ بِالْقِيَاسِ لَا بِالْخَبَرِ , وَيُذْكَر الشَّاة وَالْكَبْش عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّن الْغَنَم لِلْعَقِيقَةِ , وَبِهِ تَرْجَمَ أَبُو الشَّيْخ الْأَصْبِهَانِي وَنَقَلَهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ حَفْصَة بِنْت عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر , وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّة : لَا نَصَّ لِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ , وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ غَيْرهَا , وَالْجُمْهُور عَلَى إِجْزَاء الْإِبِل وَالْبَقَر أَيْضًا , وَفِيهِ حَدِيث عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَأَبِي الشَّيْخ عَنْ أَنَس رَفَعَهُ \" يَعُقّ عَنْهُ مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم \" وَنَصَّ أَحْمَد عَلَى اِشْتِرَاط كَامِلَة , وَذَكَرَ الرَّافِعِيّ بَحْثًا أَنَّهَا تَتَأَدَّى بِالسَّبْعِ كَمَا فِي الْأُضْحِيَّة وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَأَمِيطُوا ) ‏ ‏أَيْ أَزِيلُوا وَزْنًا وَمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله ( الْأَذَى ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة وَابْن عَوْن عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ \" إِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَذَى حَلْق الرَّأْس فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ \" وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ \" لَمْ أَجِد مَنْ يُخْبِرنِي عَنْ تَفْسِير الْأَذَى \" ا ه. وَقَدْ جَزَمَ الْأَصْمَعِيّ بِأَنَّهُ حَلْق الرَّأْس , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ الْحَسَن كَذَلِكَ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد الْحَاكِم \" وَأَمَرَ أَنْ يُمَاط عَنْ رُءُوسهمَا الْأَذَى \" وَلَكِنْ لَا يَتَعَيَّن ذَلِكَ فِي حَلْق الرَّأْس , فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرَانِيّ \" وَيُمَاط عَنْهُ الْأَذَى وَيُحْلَق رَأْسه \" فَعَطَفَهُ عَلَيْهِ , فَالْأَوْلَى حَمْل الْأَذَى عَلَى مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ حَلْق الرَّأْس , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب \" وَيُمَاط عَنْهُ أَقْذَاره \" رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ. ‏"
    },
    {
        "id": "5050",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ ‏ ‏قَالَ أَمَرَنِي ‏ ‏ابْنُ سِيرِينَ ‏ ‏أَنْ أَسْأَلَ ‏ ‏الْحَسَنَ ‏ ‏مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَ ‏ ‏الْعَقِيقَةِ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ مِنْ ‏ ‏سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْأَسْوَد ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ بْن الْأَسْوَد بْن أَبِي الْأَسْوَد - نُسِبَ لِجَدِّ جَدّه - وَرُبَّمَا يُنْسَب لِجَدِّ أَبِيهِ فَقِيلَ عَبْد اللَّه بْن الْأَسْوَد مَعْرُوف مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَشَيْخه قُرَيْش بْن أَنَس بَصْرِيّ ثِقَة يُكَنَّى أَبَا أَنَس , كَانَ قَدْ تَغَيَّرَ سَنَة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ , وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ سِتّ سِنِينَ , فَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْل ذَلِكَ فَسَمَاعه صَحِيح , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْهُ , وَلَمْ أَرَهُ فِي نُسَخ الْجَامِع إِلَّا عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْأَسْوَد , فَكَأَنَّ لَهُ فِيهِ شَيْخَيْنِ. وَقَدْ تَوَقَّفَ الْبَرْزَنْجِيّ فِي صِحَّة هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَجْل اِخْتِلَاط قُرَيْش , وَزَعَمَ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ وَأَنَّهُ وَهْم , وَكَأَنَّهُ تَبِعَ فِي ذَلِكَ مَا حَكَاهُ الْأَثْرَم عَنْ أَحْمَد أَنَّهُ ضَعَّفَ حَدِيث قُرَيْش هَذَا وَقَالَ : مَا أَرَاهُ بِشَيْءٍ لَكِنْ وَجَدْنَا لَهُ مُتَابِعًا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخ وَالْبَزَّار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة كَمَا سَأَذْكُرُهُ , وَأَيْضًا فَسَمَاع عَلِيِّ بْن الْمَدِينِيّ وَأَقْرَانه مِنْ قُرَيْش كَانَ قَبْل اِخْتِلَاطه , فَلَعَلَّ أَحْمَد إِنَّمَا ضَعَّفَهُ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ إِنَّمَا حَدَّثَ بِهِ بَعْد الِاخْتِلَاط. ‏ ‏قَوْله ( حَدِيث الْعَقِيقَة ) ‏ ‏لَمْ يَقَع فِي الْبُخَارِيّ بَيَان الْحَدِيث الْمَذْكُور وَكَأَنَّهُ اِكْتَفَى عَنْ إِيرَاده بِشُهْرَتِهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن مِنْ رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" الْغُلَام مُرْتَهِن بِعَقِيقَتِهِ , تُذْبَح عَنْهُ يَوْم السَّابِع , وَيُحْلَق رَأْسه , وَيُسَمَّى \" قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَسَن صَحِيح , وَقَدْ جَاءَ مِثْله عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَأَبُو الشَّيْخ فِي كِتَاب الْعَقِيقَة مِنْ رِوَايَة إِسْرَائِيل عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُخْتَار عَنْهُ وَرِجَاله ثِقَات , فَكَأَنَّ اِبْن سِيرِينَ لَمَّا كَانَ الْحَدِيث عِنْده عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَبَلَغَهُ أَنَّ الْحَسَن يُحَدِّث بِهِ اِحْتَمَلَ عِنْده أَنْ يَكُون يَرْوِيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا وَعَنْ غَيْره فَسَأَلَ فَأَخْبَرَ الْحَسَن أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ سَمُرَة فَقَوَّى الْحَدِيث بِرِوَايَةِ هَذَيْنِ التَّابِعِيَّيْنِ الْجَلِيلَيْنِ عَنْ الصَّحَابِيَّيْنِ , وَلَمْ تَقَع فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هَذِهِ الْكَلِمَة الْأَخِيرَة وَهِيَ \" وَيُسَمَّى \" وَقَدْ اِخْتَلَفَ فِيهَا أَصْحَاب قَتَادَةَ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ \" يُسَمَّى \" بِالسِّينِ. وَقَالَ هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ \" يُدْمَى \" بِالدَّالِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ : خُولِفَ هَمَّام وَهُوَ وَهْم مِنْهُ وَلَا يُؤْخَذ بِهِ , قَالَ : وَيُسَمَّى أَصَحُّ. ثُمَّ ذَكَرَهُ مِنْ رِوَايَة غَيْر قَتَادَةَ بِلَفْظِ \" وَيُسَمَّى \" وَاسْتُشْكِلَ مَا قَالَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَا فِي بَقِيَّة رِوَايَة هَمَّام عِنْده أَنَّهُمْ سَأَلُوا قَتَادَةَ عَنْ الدَّم كَيْف يُصْنَع بِهِ فَقَالَ إِذَا ذُبِحَتْ الْعَقِيقَة أُخِذَتْ مِنْهَا صُوفَة وَاسْتَقْبَلْت بِهِ أَوْدَاجهَا ثُمَّ تُوضَع عَلَى يَافُوخ الصَّبِيّ حَتَّى يَسِيل عَلَى رَأْسه مِثْل الْخَيْط ثُمَّ يَغْسِل رَأْسه بَعْدُ وَيُحْلَقُ. فَيَبْعُدُ مَعَ هَذَا الضَّبْط أَنْ يُقَال إِنَّ هَمَّامًا وَهِمَ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله \" وَيُدْمَى \" إِلَّا أَنْ يُقَال إِنَّ أَصْل الْحَدِيث \" وَيُسَمَّى \" وَأَنَّ قَتَادَةَ ذَكَرَ الدَّم حَاكِيًا عَمَّا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَصْنَعُونَهُ , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ اِبْنُ عَبْد الْبَرّ : لَا يُحْتَمَل هَمَّام فِي هَذَا الَّذِي اِنْفَرَدَ بِهِ , فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَهُوَ مَنْسُوخ ا ه. وَقَدْ رَجَّحَ اِبْن حَزْم رِوَايَة هَمَّام وَحَمَلَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْله \" وَيُسَمَّى \" عَلَى التَّسْمِيَة عِنْد الذَّبْح , لِمَا أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق هِشَام عَنْ قَتَادَةَ قَالَ \" يُسَمَّى عَلَى الْعَقِيقَة كَمَا سَمَّى عَلَى الْأُضْحِيَّة : بِسْمِ اللَّه عَقِيقَة فُلَان \" وَمِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ نَحْوه وَزَادَ \" اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك , عَقِيقَة فُلَان , بِسْمِ اللَّه وَاَللَّه أَكْبَر. ثُمَّ ذَبَحَ \" وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ : يُسَمَّى يَوْم يُعَقّ عَنْهُ ثُمَّ يُحْلَق , وَكَانَ يَقُول : يُطْلَى رَأْسه بِالدَّمِ. وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلّ عَلَى النَّسْخ فِي عِدَّة أَحَادِيث , مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ فِي صَحِيحه عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذَا عَقُّوا عَنْ الصَّبِيّ خَضَّبُوا قُطْنَة بِدَمِ الْعَقِيقَة , فَإِذَا حَلَقُوا رَأْس الصَّبِيّ وَضَعُوهَا عَلَى رَأْسه , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِجْعَلُوا مَكَان الدَّم خَلُوقًا \" زَادَ أَبُو الشَّيْخ \" وَنَهَى أَنْ يُمَسّ رَأْس الْمَوْلُود بِدَمٍ \". وَأَخْرَجَ اِبْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة أَيُّوب بْن مُوسَى عَنْ يَزِيد اِبْنِ عَبْد اللَّه الْمُزَنِيِّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" يُعَقّ عَنْ الْغُلَام , وَلَا يُمَسّ رَأْسه بِدَمٍ \" وَهَذَا مُرْسَل , فَإِنَّ يَزِيدًا لَا صُحْبَة لَهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ هَذَا الْوَجْه فَقَالَ \" عَنْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَمَعَ ذَلِكَ فَقَالُوا إِنَّهُ مُرْسَل , وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث عَائِشَة وَلَمْ يُصَرِّح بِرَفْعِهِ , قَالَ \" فَلَمَّا جَاءَ اللَّه بِالْإِسْلَامِ كُنَّا نَذْبَح شَاة وَنَحْلِق رَأْسه وَنُلَطِّخهُ بِزَعْفَرَانٍ \" وَهَذَا شَاهِدٌ لِحَدِيثِ عَائِشَة , وَلِهَذَا كَرِهَ الْجُمْهُور التَّدْمِيَة. وَنَقَلَ اِبْن حَزْم اِسْتِحْبَاب التَّدْمِيَة عَنْ اِبْنِ عُمَر وَعَطَاء وَلَمْ يَنْقُل اِبْن الْمُنْذِر اِسْتِحْبَابهَا إِلَّا عَنْ الْحَسَنِ وَقَتَادَة , بَلْ عِنْد اِبْنِ أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَرِهَ التَّدْمِيَة , وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِالتَّسْمِيَةِ وَآدَابهَا فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله \" مُرْتَهِن بِعَقِيقَتِهِ \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : اِخْتَلَفَ النَّاس فِي هَذَا , وَأَجْوَد مَا قِيلَ فِيهِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَد بْن حَنْبَلٍ قَالَ : هَذَا فِي الشَّفَاعَة , يُرِيد أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعَقّ عَنْهُ فَمَاتَ طِفْلًا لَمْ يَشْفَع فِي أَبَوَيْهِ , وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَقِيقَة لَازِمَة لَا بُدَّ مِنْهَا , فَشَبَّهَ الْمَوْلُود فِي لُزُومهَا وَعَدَم اِنْفِكَاكه مِنْهَا بِالرَّهْنِ فِي يَد الْمُرْتَهِن , وَهَذَا يُقَوِّي قَوْل مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ , وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنَّهُ مَرْهُون بِأَذَى شَعْره , وَلِذَلِكَ جَاءَ \" فَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى \" ا ه وَاَلَّذِي نُقِلَ عَنْ أَحْمَد قَالَهُ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ أَسْنَدَهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ , وَأَخْرَجَ اِبْن حَزْم عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيّ قَالَ : إِنَّ النَّاس يُعْرَضُونَ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى الْعَقِيقَة كَمَا يُعْرَضُونَ عَلَى الصَّلَوَات الْخَمْس , وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ قَوْلًا آخَر يَتَمَسَّك بِهِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْعَقِيقَة , قَالَ اِبْنِ حَزْم : وَمِثْله عَنْ فَاطِمَة بِنْتِ الْحُسَيْن. وَقَوْله \" يُذْبَح عَنْهُ يَوْم السَّابِع \" تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْعَقِيقَة مُؤَقَّتَة بِالْيَوْمِ السَّابِع , وَأَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْله لَمْ يَقَع الْمَوْقِع , وَأَنَّهَا تَفُوت بَعْده , وَهُوَ قَوْل مَالِك. وَقَالَ أَيْضًا : إِنَّ مَنْ مَاتَ قَبْل السَّابِع سَقَطَتْ الْعَقِيقَة. وَفِي رِوَايَة اِبْنِ وَهْب عَنْ مَالِك : أَنَّ مَنْ لَمْ يُعَقّ عَنْهُ فِي السَّابِع الْأَوَّل عُقَّ عَنْهُ فِي السَّابِع الثَّانِي , قَالَ اِبْن وَهْب : وَلَا بَأْس أَنْ يُعَقّ عَنْهُ فِي السَّابِع الثَّالِث. وَنَقَلَ التِّرْمِذِيّ عَنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ تُذْبَح الْعَقِيقَة يَوْم السَّابِع , فَإِنْ لَمْ يَتَهَيَّأ فَيَوْم الرَّابِع عَشَر , فَإِنْ لَمْ يَتَهَيَّأ عَقَّ عَنْهُ يَوْم أَحَد وَعِشْرِينَ وَلَمْ أَرَ هَذَا صَرِيحًا إِلَّا عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه الْبُوشَنْجِيّ , وَنَقَلَهُ صَالِح بْن أَحْمَد عَنْ أَبِيهِ. وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيث أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ , وَإِسْمَاعِيل ضَعِيف , وَذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ. وَعِنْد الْحَنَابِلَة فِي اِعْتِبَار الْأَسَابِيع بَعْد ذَلِكَ رِوَايَتَانِ , وَعِنْد الشَّافِعِيَّة أَنَّ ذِكْر الْأَسَابِيع لِلِاخْتِيَارِ لَا لِلتَّعْيِينِ , فَنَقَلَ الرَّافِعِيّ أَنَّهُ يَدْخُل وَقْتهَا بِالْوِلَادَةِ , قَالَ : وَذِكْر السَّابِع فِي الْخَبَر بِمَعْنَى أَنْ لَا تُؤَخَّر عَنْهُ اِخْتِيَارًا , ثُمَّ قَالَ : وَالِاخْتِيَار أَنْ لَا تُؤَخَّر عَنْ الْبُلُوغ فَإِنْ أُخِّرَتْ عَنْ الْبُلُوغ سَقَطَتْ عَمَّنْ كَانَ يُرِيد أَنْ يَعُقّ عَنْهُ , لَكِنْ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَعُقّ عَنْ نَفْسه فَعَلَ. وَأَخْرَجَ اِبْنُ أَبِي شَيْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ : لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَمْ يُعَقّ عَنِّي لَعَقَقْت عَنْ نَفْسِي. وَاخْتَارَهُ الْقَفَّال. وَنَقَلَ عَنْ نَصَّ الشَّافِعِيّ فِي الْبُوَيْطِيّ أَنَّهُ لَا يُعَقّ عَنْ كَبِير , وَلَيْسَ هَذَا نَصًّا فِي مَنْع أَنْ يَعُقّ الشَّخْص عَنْ نَفْسه , بَلْ يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد أَنْ لَا يَعُقّ عَنْ غَيْره إِذَا كَبِرَ , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْحَدِيث الَّذِي وَرَدَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَّ عَنْ نَفْسه بَعْد النُّبُوَّة لَا يَثْبُت. وَهُوَ كَذَلِكَ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مُحَرَّر - وَهُوَ بِمُهْمَلَاتِ - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ , قَالَ الْبَزَّار : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْد اللَّه وَهُوَ ضَعِيف ا ه. وَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ : أَحَدُهُمَا مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم عَنْ قَتَادَةَ وَإِسْمَاعِيل ضَعِيف أَيْضًا , وَقَدْ قَالَ عَبْد الرَّزَّاق : أَنَّهُمْ تَرَكُوا حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُحَرَّر مِنْ أَجْل هَذَا الْحَدِيث , فَلَعَلَّ إِسْمَاعِيل سَرَقَهُ مِنْهُ. ثَانِيهمَا مِنْ رِوَايَة أَبِي بَكْر الْمُسْتَمْلِي عَنْ الْهَيْثَم بْن جَمِيل وَدَاوُد بْن الْمُخَبِّر قَالَا حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْمَثْنَى عَنْ ثُمَامَة عَنْ أَنَسٍ , وَدَاوُد ضَعِيف لَكِنَّ الْهَيْثَم ثِقَة , وَعَبْد اللَّه مِنْ رِجَال الْبُخَارِيّ , فَالْحَدِيث قَوِيّ الْإِسْنَاد , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُحَمَّد بْن عَبْد الْمَلِك بْن أَيْمَن عَنْ إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق السَّرَّاج عَنْ عَمْرو النَّاقِد , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" عَنْ أَحْمَدْ بْن مَسْعُود كِلَاهُمَا عَنْ الْهَيْثَم بْن جَمِيل وَحْده بِهِ , فَلَوْلَا مَا فِي عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى مِنْ الْمَقَال لَكَانَ هَذَا الْحَدِيث صَحِيحًا , لَكِنْ قَدْ قَالَ اِبْنُ مَعِين : لَيْسَ بِشَيْءٍ , وَقَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِقَوِيٍّ , وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَا أُخْرِجُ حَدِيثه , وَقَالَ السَّاجِيُّ : فِيهِ ضَعْف لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الْحَدِيث رَوَى مَنَاكِير , وَقَالَ الْعُقَيْلِيّ : لَا يُتَابَع عَلَى أَكْثَرِ حَدِيثه , قَالَ اِبْن حِبَّانَ فِي الثِّقَات : رُبَّمَا أَخْطَأَ , وَوَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا , فَهَذَا مِنْ الشُّيُوخ الَّذِينَ إِذَا اِنْفَرَدَ أَحَدُهُمْ بِالْحَدِيثِ لَمْ يَكُنْ حُجَّة , وَقَدْ مَشَى الْحَافِظ الضِّيَاء عَلَى ظَاهِرِ الْإِسْنَاد فَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث فِي الْأَحَادِيث الْمُخْتَارَة مِمَّا لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : إِنْ صَحَّ هَذَا الْخَبَر كَانَ مِنْ خَصَائِصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالُوا فِي تَضْحِيَته عَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّته , وَعِنْد عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ \" مَنْ لَمْ يَعُقّ عَنْهُ أَجْزَأْته أُضْحِيَّته \" وَعِنْد اِبْنِ أَبِي شَيْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ وَالْحَسَنِ \" يُجْزِئ عَنْ الْغُلَام الْأُضْحِيَّة مِنْ الْعَقِيقَة \" وَقَوْله \" يَوْم السَّابِع \" أَيْ مِنْ يَوْم الْوِلَادَة , وَهَلْ يُحْسَب يَوْم الْوِلَادَة ؟ قَالَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ نَصَّ مَالِك عَلَى أَنَّ أَوَّل السَّبْعَة الْيَوْم الَّذِي يَلِي يَوْم الْوِلَادَة , إِلَّا إِنْ وُلِدَ قَبْل طُلُوع الْفَجْر , وَكَذَا نَقَلَهُ الْبُوَيْطِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ , وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ وَجْهَيْنِ وَرَجَّحَ الْحُسْبَان , وَاخْتَلَفَ تَرْجِيح النَّوَوِيّ. وَقَوْله \" يُذْبَح \" بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , فِيهِ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنْ الذَّابِح , وَعِنْد الشَّافِعِيَّة يَتَعَيَّنُ مَنْ تَلْزَمهُ نَفَقَة الْمَوْلُود , وَعَنْ الْحَنَابِلَة يَتَعَيَّنُ الْأَب إِلَّا إِنْ تَعَذَّرَ بِمَوْتٍ أَوْ اِمْتِنَاع , قَالَ الرَّافِعِيّ : وَكَأَنَّ الْحَدِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْن مُؤَوَّل , قَالَ النَّوَوِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُونُ أَبَوَاهُ حِينَئِذٍ كَانَا مُعْسِرَيْنِ أَوْ تَبَرَّعَ بِإِذْنِ الْأَب , أَوْ قَوْله \" عَقَّ \" أَيْ أَمَرَ , أَوْ هُوَ مِنْ خَصَائِصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ضَحَّى عَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّته , وَقَدْ عَدَّهُ بَعْضهمْ مِنْ خَصَائِصه , وَنَصَّ مَالِك عَلَى أَنَّهُ يُعَقّ عَنْ الْيَتِيم مِنْ مَالِهِ , وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيَّة , وَقَوْله \" وَيُحْلَق رَأْسه \" أَيْ جَمِيعه لِثُبُوتِ النَّهْي عَنْ الْقَزَع كَمَا سَيَأْتِي فِي اللِّبَاس , وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ كَرَاهَة حَلْق رَأْس الْجَارِيَة , وَعَنْ بَعْض الْحَنَابِلَة يُحْلَق , وَفِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم فِي حَدِيث الْعَقِيقَة عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْن \" يَا فَاطِمَة اِحْلِقِي رَأْسه وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْره , قَالَ فَوَزَنَّاهُ فَكَانَ دِرْهَمًا أَوْ بَعْض دِرْهَم \" وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيث أَبِي رَافِعٍ \" لَمَّا وَلَدَتْ فَاطِمَة حَسَنًا قَالَتْ. يَا رَسُول اللَّه أَلَا أَعُقَّ عَنْ اِبْنِي بِدَمٍ ؟ قَالَ : لَا وَلَكِنْ اِحْلِقِي رَأْسه وَتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْره فِضَّة , فَفَعَلَتْ , فَلَمَّا وَلَدَتْ حُسَيْنًا فَعَلَتْ مِثْل ذَلِكَ \" قَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَقَّ عَنْهُ ثُمَّ اِسْتَأْذَنَتْهُ فَاطِمَة أَنْ تَعُقّ هِيَ عَنْهُ أَيْضًا فَمَنَعَهَا , قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَنَعَهَا لَضِيق مَا عِنْدهمْ حِينَئِذٍ فَأَرْشَدَهَا إِلَى نَوْع مِنْ الصَّدَقَة أَخَفّ , ثُمَّ تَيَسَّرَ لَهُ عَنْ قُرْب مَا عَقَّ بِهِ عَنْهُ , وَعَلَى هَذَا فَقَدْ يُقَال يَخْتَصّ ذَلِكَ بِمَنْ لَمْ يَعُقّ عَنْهُ , لَكِنْ أَخْرَجَ سَعِيد بْنِ مَنْصُور مِنْ مُرْسَل أَبِي جَعْفَر الْبَاقِر صَحِيحًا \" إِنَّ فَاطِمَة كَانَتْ إِذًا وَلَدَتْ وَلَدًا حَلَقَتْ شَعْره وَتَصَدَّقَتْ بِزِنَتِهِ وَرِقًا \" وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" يُذْبَح وَيُحْلَق وَيُسَمَّى \" بِالْوَاوِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط التَّرْتِيب فِي ذَلِكَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة لِأَبِي الشَّيْخ فِي حَدِيث سَمُرَة \" يُذْبَح يَوْم سَابِعه ثُمَّ يُحْلَق \" وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ يَبْدَأ بِالذَّبْحِ قَبْل الْحَلْق , وَحَكَى عَنْ عَطَاء عَكْسه , وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيّ عَنْ نَصّ الشَّافِعِيّ , وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي \" التَّهْذِيب \" يُسْتَحَبّ الذَّبْح قَبْل الْحَلْق , وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح الْمُهَذَّب \" وَاللَّهُ أَعْلَمُ ‏"
    },
    {
        "id": "5051",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا ‏ ‏فَرَعَ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏عَتِيرَةَ ‏ ‏وَالْفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاجِ كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ ‏ ‏وَالْعَتِيرَةُ ‏ ‏فِي رَجَبٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَا فَرَع وَلَا عَتِيرَة \" مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه - وَهُوَ اِبْن الْمُبَارَك - عَنْ مَعْمَر حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ , وَفِيهِ تَفْسِير الْفَرَع وَالْعَتِيرَة , وَظَاهِره الرَّفْع. وَوَقَعَ فِي \" الْمُحْكَم \" أَنَّ الْفَرَع أَوَّل نِتَاج الْإِبِل وَالْغَنَم , كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَذْبَحُونَهُ لِأَصْنَامِهِمْ , وَالْفَرَع ذَبْح كَانُوا إِذَا بَلَغَتْ الْإِبِل مَا تَمَنَّاهُ صَاحِبهَا ذَبَحُوهُ , وَكَذَلِكَ إِذَا بَلَغَتْ الْإِبِل مِائَة يَعْتَرّ مِنْهَا بَعِيرًا كُلّ عَام وَلَا يَأْكُل مِنْهُ هُوَ وَلَا أَهْل بَيْته , وَالْفَرَع أَيْضًا طَعَام يُصْنَع لِنِتَاجِ الْإِبِل كَالْخَرَسِ لِلْوِلَادَةِ , وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِي الْعَتِيرَة آخِر الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا مُنَاسَبَة ذِكْر الْبُخَارِيّ حَدِيث الْفَرَع مَعَ الْعَقِيقَة ‏"
    },
    {
        "id": "5052",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ ‏ ‏قَالَ وَالْفَرَعُ أَوَّلُ نِتَاجٍ كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيَتِهِمْ ‏ ‏وَالْعَتِيرَةُ ‏ ‏فِي رَجَبٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَلَا عَتِيرَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمُثَنَّاة بِوَزْنِ عَظِيمَة , قَالَ الْقَزَّاز سُمِّيَتْ عَتِيرَة بِمَا يُفْعَل مِنْ الذَّبْح وَهُوَ الْعَتْر \" فَهِيَ فَعَيْلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة هَكَذَا جَاءَ بِلَفْظِ النَّفْي وَالْمُرَاد بِهِ النَّهْي , وَقَدْ وَرَدَ بِصِيغَةِ النَّهْي فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِأَحْمَد \" لَا فَرَع وَلَا عَتِيرَة فِي الْإِسْلَام \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ وَالْفَرَع ) ‏ ‏لَمْ يَتَعَيَّن هَذَا الْقَائِل هُنَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر مَوْصُولًا التَّفْسِير بِالْحَدِيثِ , وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ \" الْفَرَع أَوَّل النِّتَاج \" الْحَدِيث جَعَلَهُ مَوْقُوفًا عَلَى سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَحْسَب التَّفْسِير فِيهِ مِنْ قَوْل الزُّهْرِيِّ. قُلْت : قَدْ أَخْرَجَ أَبُو قُرَّة فِي \" السُّنَن \" الْحَدِيث عَنْ عَبْد الْمَجِيد بْن أَبِي دَاوُدَ عَنْ مَعْمَر , وَصَرَّحَ فِي رِوَايَته أَنَّ تَفْسِير الْفَرَع وَالْعَتِيرَة مِنْ قَوْل الزُّهْرِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( أَوَّل النِّتَاج ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" نِتَاج \" بِغَيْرِ أَلْف وَلَام , وَهُوَ بِكَسْرِ النُّون بَعْدهَا مُثَنَّاة خَفِيفَة وَآخِره جِيم. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ يُنْتَج لَهُمْ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح ثَالِثه : يُقَال نُتِجَتْ النَّاقَة بِضَمِّ النُّون وَكَسْر الْمُثَنَّاة إِذَا وَلَدَتْ , وَلَا يُسْتَعْمَل هَذَا الْفِعْل إِلَّا هَكَذَا وَإِنْ كَانَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ. ‏ ‏قَوْله ( كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ بَعْضهمْ \" ثُمَّ يَأْكُلُونَهُ وَيُلْقَى جِلْده عَلَى الشَّجَر \" فِيهِ إِشَارَة إِلَى عِلَّة النَّهْي , وَاسْتَنْبَطَ الشَّافِعِيّ مِنْهُ الْجَوَاز إِذَا كَانَ الذَّبْح لِلَّهِ جَمْعًا بَيْنه وَبَيْن حَدِيث \" الْفَرَع حَقّ \" وَهُوَ حَدِيث أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ رِوَايَة دَاوُدَ بْن قَيْس عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , كَذَا فِي رِوَايَة الْحَاكِم \" سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْفَرَع قَالَ : الْفَرَع حَقّ , وَأَنْ تَتْرُكهُ حَتَّى يَكُون بِنْت مَخَاض أَوْ اِبْن لَبُون فَتَحْمِل عَلَيْهِ فِي سَبِيل اللَّه أَوْ تُعْطِيه أَرْمَلَة خَيْر مِنْ أَنْ تَذْبَحهُ يُلْصَق لَحْمه بِوَبَرِهِ وَتُوَلِّهِ نَاقَتك \" وَلِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيق عَمَّار بْن أَبِي عَمَّار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ قَوْله \" الْفَرَعَة حَقّ ; وَلَا تَذْبَحهَا وَهِيَ تُلْصَق فِي يَدك , وَلَكِنْ أَمْكِنْهَا مِنْ اللَّبَن حَتَّى إِذَا كَانَتْ مِنْ خِيَار الْمَال فَاذْبَحْهَا , قَالَ الشَّافِعِيّ فِيمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق الْمُزَنِيِّ عَنْهُ : الْفَرَع شَيْء كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَذْبَحُونَهُ يَطْلُبُونَ بِهِ الْبَرَكَة فِي أَمْوَالهمْ , فَكَانَ أَحَدهمْ يَذْبَح بِكْر نَاقَته أَوْ شَاته رَجَاء الْبَرَكَة فِيمَا يَأْتِي بَعْده , فَسَأَلُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حُكْمهَا فَأَعْلَمهُمْ أَنَّهُ لَا كَرَاهَة عَلَيْهِمْ فِيهِ , وَأَمَرَهُمْ اِسْتِحْبَابًا أَنْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى يَحْمِل عَلَيْهِ فِي سَبِيل اللَّه. وَقَوْله \" حَقّ \" أَيْ لَيْسَ بِبَاطِلٍ , وَهُوَ كَلَام خَرَجَ عَلَى جَوَاب السَّائِل , وَلَا مُخَالَفَة بَيْنه وَبَيْن حَدِيث الْآخَر \" لَا فَرَع وَلَا عَتِيرَة \" فَإِنَّ مَعْنَاهُ لَا فَرَع وَاجِب وَلَا عَتِيرَة وَاجِبَة. وَقَالَ غَيْره مَعْنَى قَوْله \" لَا فَرَع وَلَا عَتِيرَة \" أَيْ لَيْسَا فِي تَأَكُّد الِاسْتِحْبَاب كَالْأُضْحِيَّةِ , وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَقَالَ النَّوَوِيّ : نَصَّ الشَّافِعِيّ فِي حَرْمَلَة عَلَى أَنَّ الْفَرَع وَالْعَتِيرَة مُسْتَحَبَّانِ , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَابْن الْمُنْذِر عَنْ نُبَيْشَة - بِنُونٍ وَمُوَحَّدَة وَمُعْجَمه مُصَغَّر - قَالَ \" نَادَى رَجُل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا كُنَّا نُعَتِّر عَتِيرَة فِي الْجَاهِلِيَّة فِي رَجَب , فَمَا تَأْمُرنَا ؟ قَالَ : اِذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أَيِّ شَهْر كَانَ. قَالَ : إِنَّا كُنَّا نُفَرِّع فِي الْجَاهِلِيَّة. قَالَ : فِي كُلّ سَائِمَة فَرَع تُغَذُّوهُ مَاشِيَتك حَتَّى إِذَا اِسْتَحْمَلَ ذَبَحْته فَتَصَدَّقْت بِلَحْمِهِ , فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْر \" وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ \" السَّائِمَة مِائَة \" فَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُبْطِل الْفَرَع وَالْعَتِيرَة مِنْ أَصْلهمَا , وَإِنَّمَا أَبْطَلَ صِفَة مِنْ كُلّ مِنْهُمَا , فَمِنْ الْفَرَع كَوْنه يُذْبَح أَوَّل مَا يُولَد , وَمِنْ الْعَتِيرَة خُصُوص الذَّبْح فِي شَهْر رَجَب. وَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَ أَصْحَاب السُّنَن مِنْ طَرِيق أَبِي رَمَلَة عَنْ مُحَنِّف بْن مُحَمَّد بْن سَلِيم قَالَ \" كُنَّا وُقُوفًا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَة , فَسَمِعْته يَقُول : يَا أَيّهَا النَّاس عَلَى كُلّ أَهْل بَيْت فِي كُلّ عَام أُضْحِيَّة وَعَتِيرَة , هَلْ تَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَة ؟ هِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الرَّجَبِيَّة \" فَقَدْ ضَعَّفَهُ الْخَطَّابِيُّ , لَكِنْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيّ. وَجَاءَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مِخْنَف بْن سُلَيْمٍ. وَيُمْكِن رَدّه إِلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ حَدِيث نُبَيْشَة. وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث الْحَارِث بْن عَمْرو أَنَّهُ \" لَقِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّة الْوَدَاع , فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه الْعَتَائِر وَالْفَرَائِع ؟ قَالَ : مَنْ شَاءَ عَتَّرَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُعَتِّر وَمَنْ شَاءَ فَرَّعَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُفَرِّع \" وَهَذَا صَرِيح فِي عَدَم الْوُجُوب لَكِنْ لَا يَنْفِي الِاسْتِحْبَاب وَلَا يُثْبِتهُ , فَيُؤْخَذ الِاسْتِحْبَاب مِنْ حَدِيث آخَر. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي الْعُشَرَاء عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْعَتِيرَة فَحَسَّنَهَا \" وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق وَكِيع بْن عُدَيْس عَنْ عَمّه أَبِي رَزِين الْعُقَيْلِيّ قَالَ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا كُنَّا نَذْبَح ذَبَائِح فِي رَجَب فَنَأْكُل وَنُطْعِم مَنْ جَاءَنَا , فَقَالَ : لَا بَأْس بِهِ. قَالَ وَكِيع بْن عُدَيْس : فَلَا أَدْعُهُ \" وَجَزَمَ أَبُو عُبَيْد بِأَنَّ الْعَتِيرَة تُسْتَحَبّ , وَفِي هَذَا تَعَقُّب عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ اِبْن سِيرِينَ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ. وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ اِبْن عَوْن أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلهُ , وَمَالَ اِبْن الْمُنْذِر إِلَى هَذَا وَقَالَ : كَانَتْ الْعَرَب تَفْعَلهُمَا وَفَعَلَهُمَا بَعْض أَهْل الْإِسْلَام بِالْإِذْنِ , ثُمَّ نَهَى عَنْهُمَا , وَالنَّهْي لَا يَكُون إِلَّا عَنْ شَيْء كَانَ يُفْعَل , وَمَا قَالَ أَحَد إِنَّهُ نَهَى عَنْهُمَا ثُمَّ أَذِنَ فِي فِعْلهمَا ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْعُلَمَاء تَرْكهمَا إِلَّا اِبْن سِيرِينَ , وَكَذَا ذَكَرَ عِيَاض أَنَّ الْجُمْهُور عَلَى النَّسْخ , وَبِهِ جَزَمَ الْحَازِمِيّ , وَمَا تَقَدَّمَ نَقْله عَنْ الشَّافِعِيّ يَرُدّ عَلَيْهِمْ , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيُّ - وَاللَّفْظ لَهُ - بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عَائِشَة \" أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفَرَعَةِ فِي كُلّ خَمْسِينَ وَاحِدَة \". ‏ ‏قَوْله ( وَالْعَتِيرَة فِي رَجَب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ \" وَالْعَتِيرَة الشَّاة تُذْبَح عَنْ أَهْل بَيْت فِي رَجَب \" وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : الْعَتِيرَة هِيَ الرَّجَبِيَّة ذَبِيحَة كَانُوا يَذْبَحُونَهَا فِي الْجَاهِلِيَّة فِي رَجَب يَتَقَرَّبُونَ بِهَا لِأَصْنَامِهِمْ , وَقَالَ غَيْره : الْعَتِيرَة نَذْر كَانُوا يُنْذَرُونَهُ , مَنْ بَلَغَ مَاله كَذَا أَنْ يَذْبَح مِنْ كُلّ عَشَرَة مِنْهَا رَأْسًا فِي رَجَب. وَذَكَرَ اِبْن سِيدَهْ أَنَّ الْعَتِيرَة أَنَّ الرَّجُل كَانَ يَقُول الْجَاهِلِيَّة إِنْ بَلَغَ إِلَى مِائَة عَتَّرَتْ مِنْهَا عَتِيرَة , زَادَ فِي الصِّحَاح فِي رَجَب. وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ تَقْيِيدهَا بِالْعَشْرِ الْأَوَّل مِنْ رَجَب , وَنَقَلَ النَّوَوِيّ الِاتِّفَاق عَلَيْهِ , وَفِيهِ نَظَرٌ ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْعَقِيقَة وَمَا مَعَهُ مِنْ الْفَرَع وَالْعَتِيرَة عَلَى اثْنَيْ عَشَر حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا ثَلَاثَة وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَة وَالْخَالِص أَرْبَعَة , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيج حَدِيث أَنَس وَأَبِي هُرَيْرَة وَاخْتَصَّ بِتَخْرِيجِ حَدِيث سَلْمَان وَسَمُرَة. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار قَوْل سَلْمَان فِي الْعَقِيقَة , وَتَفْسِير الْفَرَع وَالْعَتِيرَة. وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5053",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ صَيْدِ ‏ ‏الْمِعْرَاضِ ‏ ‏قَالَ مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ وَمَا أَصَابَ ‏ ‏بِعَرْضِهِ ‏ ‏فَهُوَ ‏ ‏وَقِيذٌ ‏ ‏وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ الْكَلْبِ فَقَالَ ‏ ‏مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ‏ ‏ذَكَاةٌ ‏ ‏وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ أَوْ كِلَابِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ فَخَشِيتَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ وَقَدْ قَتَلَهُ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي زَائِدَة , وَعَامِر هُوَ الشَّعْبِيُّ , وَهَذَا السَّنَد كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم ) ‏ ‏هُوَ الطَّائِيّ , فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عِيسَى بْن يُونُس عَنْ زَكَرِيَّا حَدَّثَنَا عَامِر حَدَّثَنَا عَدِّي قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ ذَكَرْته بِقَوْلِهِ \" حَدَّثَنَا عَامِر حَدَّثَنَا عَدِيّ \" يُشِير إِلَى أَنَّ زَكَرِيَّا مُدَلِّس وَقَدْ عَنْعَنَهُ. قُلْت : وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن أَبِي السَّفَر عَنْ الشَّعْبِيّ \" سَمِعْت عَدِيّ بْن حَاتِم \" وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق \" حَدَّثَنِي الشَّعْبِيّ سَمِعْت عَدِيّ بْن حَاتِم وَكَانَ لَنَا جَارًا وَدَخِيلًا وَرَبِيطًا بِالنَّهَرَيْنِ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَأَبُوهُ حَاتِم هُوَ الْمَشْهُور بِالْجُودِ , وَكَانَ هُوَ أَيْضًا جَوَادًا , وَكَانَ إِسْلَامه سَنَة الْفَتْح , وَثَبَتَ هُوَ وَقَوْمه عَلَى الْإِسْلَام , وَشَهِدَ الْفُتُوح بِالْعِرَاقِ , ثُمَّ كَانَ مَعَ عَلِيّ وَعَاشَ إِلَى سَنَة ثَمَان وَسِتِّينَ. ‏ ‏قَوْله ( الْمِعْرَاض ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَآخِره مُعْجَمَة , قَالَ الْخَلِيل وَتَبِعَهُ جَمَاعَة : سَهْم لَا رِيش لَهُ وَلَا نَصْل. وَقَالَ اِبْن دُرَيْدٍ وَتَبِعَهُ اِبْن سِيدَهْ : سَهْم طَوِيل لَهُ أَرْبَع قُذَذ رِقَاق , فَإِذَا رَمَى بِهِ اِعْتَرَضَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمِعْرَاض نَصْل عَرِيض لَهُ ثِقَل وَرَزَانَة , وَقِيلَ عُود رَقِيق الطَّرَفَيْنِ غَلِيظ الْوَسَط وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحُذَافَةِ , وَقِيلَ خَشَبَة ثَقِيلَة آخِرهَا عَصَا مُحَدَّد رَأْسهَا وَقَدْ لَا يُحَدَّد ; وَقَوَّى هَذَا الْأَخِير النَّوَوِيّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّهُ الْمَشْهُور. وَقَالَ اِبْن التِّين : الْمِعْرَاض عَصًا فِي طَرَفهَا حَدِيدَة يَرْمِي الصَّائِد بِهَا الصَّيْد , فَمَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَهُوَ ذَكِيّ فَيُؤْكَل , وَمَا أَصَابَ بِغَيْرِ حَدّه فَهُوَ وَقِيذ. ‏ ‏قَوْله ( وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي السَّفَر عَنْ الشَّعْبِيّ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" بِعَرْضِهِ فَقُتِلَ فَإِنَّهُ وَقِيذ فَلَا تَأْكُل \" وَقِيذ بِالْقَافِ وَآخِره ذَال مُعْجَمَة وَزْن عَظِيم , فَعِيلَ بِمَعْنَى مَفْعُول , وَهُوَ مَا قُتِلَ بِعَصًا أَوْ حَجَر أَوْ مَا لَا حَدّ لَهُ , وَالْمَوْقُوذَة تَقَدَّمَ تَفْسِيرهَا وَأَنَّهَا الَّتِي تُضْرَب بِالْخَشَبَةِ حَتَّى تَمُوت. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام بْن الْحَارِث عَنْ عَدِيّ الْآتِيَة بَعْد بَاب \" قُلْت إِنَّا نَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ قَالَ : كُلّ مَا خَزَقَ \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي بَعْدهَا قَاف أَيْ نَفَذَ , يُقَال سَهْم خَازِق أَيْ نَافِذ , وَيُقَال بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة بَدَل الزَّاي , وَقِيلَ الْخَزْق - بِالزَّايِ وَقِيلَ تُبْدَل سِينًا - الْخَدْش وَلَا يَثْبُت فِيهِ , فَإِنْ قِيلَ بِالرَّاءِ فَهُوَ أَنْ يَثْقُبهُ. وَحَاصِله أَنَّ السَّهْم وَمَا فِي مَعْنَاهُ إِذَا أَصَابَ الصَّيْد بِحَدِّهِ حَلَّ وَكَانَتْ تِلْكَ ذَكَاته , وَإِذَا أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ لَمْ يَحِلّ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْخَشَبَة الثَّقِيلَة وَالْحَجَر وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْمُثَقَّل , وَقَوْله \" بِعَرْضِهِ \" بِفَتْحِ الْعَيْن أَيْ بِغَيْرِ طَرَفه الْمُحَدَّد , وَهُوَ حُجَّة لِلْجُمْهُورِ فِي التَّفْصِيل الْمَذْكُور , وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْره مِنْ فُقَهَاء الشَّام حَلَّ ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( وَسَأَلْته عَنْ صَيْد الْكَلْب فَقَالَ : مَا أَمْسَكَ عَلَيْك فَكُلْ , فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْب ذَكَاةٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْنِ أَبِي السَّفَر \" إِذَا أَرْسَلْت كَلْبك فَسَمَّيْت فَكُلْ \" وَفِي رِوَايَة بَيَان بْن عَمْرو عَنْ الشَّعْبِيّ الْآتِيَة بَعْد أَبْوَاب \" إِذَا أَرْسَلْت كِلَابك الْمُعَلَّمَة وَذَكَرْت اِسْم اللَّه فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْك \" وَالْمُرَاد بِالْمُعَلَّمَةِ الَّتِي إِذَا أَغْرَاهَا صَاحِبِهَا عَلَى الصَّيْد طَلَبْته , وَإِذَا زَجَرَهَا اِنْزَجَرَتْ وَإِذَا أَخَذَتْ الصَّيْد حَبَسَتْهُ عَلَى صَاحِبِهَا. وَهَذَا الثَّالِث مُخْتَلَف فِي اِشْتِرَاطه , وَاخْتُلِفَ مَتَى يَعْلَم ذَلِكَ مِنْهَا فَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي \" التَّهْذِيب \" : أَقَلّه ثَلَاث مَرَّات , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَدْ يَكْفِي مَرَّتَيْنِ , وَقَالَ الرَّافِعِيّ : لَمْ يُقَدِّرهُ الْمُعْظَم لِاضْطِرَابِ الْعُرْف وَاخْتِلَاف طِبَاع الْجَوَارِح فَصَارَ الْمَرْجِع إِلَى الْعُرْف. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُجَالِد عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ عَدِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ أَمَّا التِّرْمِذِيّ فَلَفْظه \" سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَيْد الْبَازِي فَقَالَ : مَا أَمْسَكَ عَلَيْك فَكُلْ \" وَأَمَّا أَبُو دَاوُدَ فَلَفْظه \" مَا عَلَّمْت مِنْ كَلْب أَوْ بَازٍ ثُمَّ أَرْسَلْته وَذَكَرْت اِسْم اللَّه فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْك. قُلْت : وَإِنْ قَتَلَ ؟ قَالَ : إِذَا قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُل مِنْهُ \" قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أَهْل الْعِلْم لَا يَرَوْنَ بِصَيْدِ الْبَاز وَالصُّقُور بَأْسًا ا ه. وَفِي مَعْنَى الْبَاز الصَّقْر وَالْعُقَاب وَالْبَاشِق وَالشَّاهِينَ , وَقَدْ فَسَّرَ مُجَاهِد الْجَوَارِح فِي الْآيَة بِالْكِلَابِ وَالطُّيُور , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ اِبْنِ عُمَر وَابْنِ عَبَّاس مِنْ التَّفْرِقَة بَيْن صَيْد الْكَلْب وَالطَّيْر. ‏ ‏قَوْله ( إِذْ أَرْسَلْت كِلَابك الْمُعَلَّمَة فَإِنْ وَجَدْت مَعَ كَلْبك كَلْبًا غَيْره ) ‏ ‏فِي رِوَايَة بَيَان \" وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَاب مِنْ غَيْرهَا فَلَا تَأْكُل \" وَزَادَ فِي رِوَايَته بَعْد قَوْله مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْك \" وَإِنْ قَتَلْنَ , إِلَّا أَنْ يَأْكُل الْكَلْب فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسه \" وَفِي رِوَايَة اِبْنِ أَبِي السَّفَر \" قُلْت , فَإِنْ أَكَلَ ؟ قَالَ : فَلَا تَأْكُل , فَإِنَّهُ لَمْ يُمْسِك عَلَيْك إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسه \" , وَسَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب زِيَادَة فِي رِوَايَة عَاصِم عَنْ الشَّعْبِيّ فِي رَمْي الصَّيْد إِذَا غَابَ عَنْهُ وَوَجَدَهُ بَعْد يَوْم أَوْ أَكْثَر. وَفِي الْحَدِيث اِشْتِرَاط التَّسْمِيَة عِنْد الصَّيْد , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة كَمَا سَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب \" وَمَا صِدْت بِكَلْبِك الْمُعَلَّم فَذَكَرْت اِسْم اللَّه فَكُلْ \" وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّتهَا إِلَّا أَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي كَوْنهَا شَرْطًا فِي حِلّ الْأَكْل فَذَهَبَ الشَّافِعِيّ وَطَائِفَة - وَهِيَ رِوَايَة عَنْ مَالِك وَأَحْمَد - أَنَّهَا سُنَّة , فَمَنْ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَمْ يَقْدَح فِي حِلّ الْأَكْل. وَذَهَبَ أَحْمَد فِي الرَّاجِح عَنْهُ وَأَبُو ثَوْر وَطَائِفَة إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَة لِجَعْلِهَا شَرْطًا فِي حَدِيث عَدِيٍّ , وَلِإِيقَافِ الْإِذْن فِي الْأَكْل عَلَيْهَا فِي حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة , وَالْمُعَلَّق بِالْوَصْفِ يَنْتَفِي عِنْد اِنْتِفَائِهِ عِنْد مَنْ يَقُول بِالْمَفْهُومِ , وَالشَّرْط أَقْوَى مِنْ الْوَصْف , وَيَتَأَكَّد الْقَوْل بِالْوُجُوبِ بِأَنَّ الْأَصْل تَحْرِيم الْمَيْتَة , وَمَا أُذِنَ فِيهِ مِنْهَا تُرَاعَى صِفَته , فَالْمُسَمَّى عَلَيْهَا وَافَقَ الْوَصْف وَغَيْر الْمُسَمَّى بَاقٍ عَلَى أَصْل التَّحْرِيم. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَة وَمَالِك وَالثَّوْرِيُّ وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء إِلَى الْجَوَاز لِمَنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا لَا عَمْدًا , لَكِنْ اُخْتُلِفَ عَنْ الْمَالِكِيَّة : هَلْ تَحْرُم أَوْ تُكْرَه ؟ وَعِنْد الْحَنَفِيَّة تَحْرُم , وَعِنْد الشَّافِعِيَّة فِي الْعَمْد ثَلَاثَة أَوْجُهٍ : أَصَحُّهَا يُكْرَه الْأَكْل , وَقِيلَ خِلَاف الْأَوْلَى , وَقِيلَ يَأْثَم بِالتَّرْكِ وَلَا يَحْرُم الْأَكْل. وَالْمَشْهُور عَنْ أَحْمَد التَّفْرِقَة بَيْن الصَّيْد وَالذَّبِيحَة , فَذَهَبَ فِي الذَّبِيحَة إِلَى هَذَا الْقَوْل الثَّالِث , وَسَيَأْتِي حُجَّة مَنْ لَمْ يَشْتَرِطهُ فِيهَا فِي الذَّبَائِح مُفَصَّلَة , وَفِيهِ إِبَاحَة الِاصْطِيَاد بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَة , وَاسْتَثْنَى أَحْمَد وَإِسْحَاق الْكَلْب الْأَسْوَد وَقَالَا : لَا يَحِلّ الصَّعِيد بِهِ لِأَنَّهُ شَيْطَان وَنَقَلَ عَنْ الْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيم وَقَتَادَة نَحْو ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَاز أَكْلِ مَا أَمْسَكَهُ الْكَلْب بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَة وَلَوْ لَمْ يُذْبَح لِقَوْلِهِ \" إِنَّ أَخْذ الْكَلْب ذَكَاةٌ \" فَلَوْ قَتَلَ الصَّيْد بِظُفْرِهِ أَوْ نَابَهُ حَلَّ , وَكَذَا بِثِقَلِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ الرَّاجِح عِنْدهمْ , وَكَذَا لَوْ لَمْ يَقْتُلهُ الْكَلْب لَكِنْ تَرَكَهُ وَبِهِ رَمَقَ وَلَمْ يَبْقَ زَمَن يُمْكِن صَاحِبِهِ فِيهِ لَحَاقُهُ وَذَبَحَهُ فَمَاتَ حَلَّ , لِعُمُومِ قَوْله \" فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْب ذَكَاة \" وَهَذَا فِي الْمُعَلَّم , فَلَوْ وَجَدَهُ حَيًّا حَيَاة مُسْتَقِرَّة وَأَدْرَكَ ذَكَاته لَمْ يَحِلّ إِلَّا بِالتَّذْكِيَةِ , فَلَوْ لَمْ يَذْبَحهُ مَعَ الْإِمْكَان حَرُمَ , سَوَاء كَانَ عَدَم الذَّبْح اِخْتِيَارًا أَوْ إِضْرَارًا كَعَدَمِ حُضُور آلَة الذَّبْح , فَإِنْ كَانَ الْكَلْب غَيْر مُعَلَّم اِشْتَرَطَ إِدْرَاك تَذْكِيَته , فَلَوْ أَدْرَكَهُ مَيِّتًا لَمْ يَحِلّ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَحِلّ أَكْلُ مَا شَارَكَهُ فِيهِ كَلْب آخَر فِي اِصْطِيَاده , وَمَحَلّه مَا إِذَا اِسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَرْسَلَهُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل الذَّكَاة , فَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْل الذَّكَاة حَلَّ , ثُمَّ يَنْظُر فَإِنْ أَرْسَلَاهُمَا مَعًا فَهُوَ لَهُمَا وَإِلَّا فَلِلْأَوَّلِ , وَيُؤْخَذ ذَلِكَ مِنْ التَّعْلِيل فِي قَوْله \" فَإِنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبك وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْره \" فَإِنَّهُ يَفْهَم مِنْهُ أَنَّ الْمُرْسِل لَوْ سَمَّى عَلَى الْكَلْب لَحَلَّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة بَيَان عَنْ الشَّعْبِيّ \" وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَاب مِنْ غَيْرهَا فَلَا تَأْكُل \" فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ حَيًّا وَفِيهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّة فَذَكَّاهُ حَلَّ , لِأَنَّ الِاعْتِمَاد فِي الْإِبَاحَة عَلَى التَّذْكِيَة لَا عَلَى إِمْسَاك الْكَلْب. وَفِيهِ تَحْرِيم أَكْلِ الصَّيْد الَّذِي أَكَلَ الْكَلْب مِنْهُ وَلَوْ كَانَ الْكَلْب مُعَلَّمًا , وَقَدْ عَلَّلَ فِي الْحَدِيث بِالْخَوْفِ مِنْ أَنَّهُ \" إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسه \" وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور , وَهُوَ الرَّاجِح مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ , وَقَالَ فِي الْقَدِيم - وَهُوَ قَوْل مَالِك وَنَقَلَ عَنْ بَعْض الصَّحَابَة - يَحِلّ , وَاحْتَجُّوا بِمَا وَرَدَ فِي حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ \" أَنَّ أَعْرَابِيًّا يُقَال لَهُ أَبُو ثَعْلَبَة قَالَ : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ لِي كِلَابًا مُكَلَّبَة , فَأَفْتِنِي فِي صَيْدهَا. قَالَ : كُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْك. قَالَ : وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ ؟ قَالَ : وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلَا بَأْس بِسَنَدِهِ. وَسَلَكَ النَّاس فِي الْجَمْع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ طُرُقًا : مِنْهَا لِلْقَائِلِينَ بِالتَّحْرِيمِ حَمْل حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة : عَلَى مَا إِذَا قَتَلَهُ وَخَلَّاهُ ثُمَّ عَادَ فَأَكَلَ مِنْهُ , وَمِنْهَا التَّرْجِيح فَرِوَايَة عَدِيٍّ فِي الصَّحِيحَيْنِ مُتَّفَق عَلَى صِحَّتهَا , وَرِوَايَة أَبِي ثَعْلَبَة الْمَذْكُورَة فِي غَيْر الصَّحِيحَيْنِ مُخْتَلَف فِي تَضْعِيفهَا , وَأَيْضًا فَرِوَايَة عَدِيٍّ صَرِيحَة مَقْرُونَة بِالتَّعْلِيلِ الْمُنَاسِب لِلتَّحْرِيمِ وَهُوَ خَوْف الْإِمْسَاك عَلَى نَفْسه مُتَأَيِّدَة بِأَنَّ الْأَصْل فِي الْمَيْتَة التَّحْرِيم , فَإِذَا شَكَكْنَا فِي السَّبَب الْمُبِيح رَجَعْنَا إِلَى الْأَصْل وَظَاهِرِ الْقُرْآن أَيْضًا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ( فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ) فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا أَنَّ الَّذِي يُمْسِكهُ مِنْ غَيْر إِرْسَال لَا يُبَاح , وَيَتَقَوَّى أَيْضًا بِالشَّاهِدِ مِنْ حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس عِنْد أَحْمَد \" إِذَا أَرْسَلْت الْكَلْب فَأَكَلَ الصَّيْد فَلَا تَأْكُل , فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسه. وَإِذَا أَرْسَلْته فَقَتَلَ وَلَمْ يَأْكُل فَكُلْ , فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى صَاحِبِهِ \" وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْنِ عَبَّاس وَابْنِ أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث أَبِي رَافِعٍ بِمَعْنَاهُ , وَلَوْ كَانَ مُجَرَّد الْإِمْسَاك كَافِيًا لِمَا اُحْتِيجَ إِلَى زِيَادَة ( عَلَيْكُمْ ). وَمِنْهَا لِلْقَائِلِينَ بِالْإِبَاحَةِ حَمْل حَدِيث عَدِيٍّ عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه , وَحَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة عَلَى بَيَان الْجَوَاز. قَالَ بَعْضهمْ : وَمُنَاسَبَة ذَلِكَ أَنَّ عَدِيًّا كَانَ مُوسِرًا فَاخْتِيرَ لَهُ الْحَمْل عَلَى الْأَوْلَى , بِخِلَافِ أَبِي ثَعْلَبَة فَإِنَّهُ كَانَ بِعَكْسِهِ. وَلَا يَخْفَى ضَعْف هَذَا التَّمَسُّك مَعَ التَّصْرِيح بِالتَّعْلِيلِ فِي الْحَدِيث بِخَوْفِ الْإِمْسَاك عَلَى نَفْسه. وَقَالَ اِبْنِ التِّين : قَالَ بَعْض أَصْحَابنَا هُوَ عَامّ فَيُحْمَل عَلَى الَّذِي أَدْرَكَهُ مَيِّتًا مِنْ شِدَّة الْعَدْو أَوْ مِنْ الصَّدْمَة فَأَكَلَ مِنْهُ , لِأَنَّهُ صَارَ عَلَى صِفَة لَا يَتَعَلَّق بِهَا الْإِرْسَال وَلَا الْإِمْسَاك عَلَى صَاحِبِهِ , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُ مَعْنَى قَوْله \" فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُل أَيْ لَا يُوجَد مِنْهُ غَيْر مُجَرَّد الْأَكْل دُون إِرْسَال الصَّائِد لَهُ , وَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَة مَقْطُوعَة عَمَّا قَبْلهَا. وَلَا يَخْفَى تَعَسُّف هَذَا وَبُعْده. وَقَالَ اِبْن الْقَصَّار : مُجَرَّد إِرْسَالنَا الْكَلْب إِمْسَاكٌ عَلَيْنَا , لِأَنَّ الْكَلْب لَا نِيَّة لَهُ وَلَا يَصِحّ مِنْهُ مَيْزهَا , وَإِنَّمَا يَتَصَيَّد بِالتَّعْلِيمِ ; فَإِذَا كَانَ الِاعْتِبَار بِأَنْ يُمْسِك عَلَيْنَا أَوْ عَلَى نَفْسه وَاخْتَلَفَ الْحُكْم فِي ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَتَمَيَّز ذَلِكَ بِنِيَّةِ مَنْ لَهُ نِيَّة وَهُوَ مُرْسِله , فَإِذَا أَرْسَلَهُ فَقَدْ أَمْسَكَ عَلَيْهِ وَإِذَا لَمْ يُرْسِلهُ لَمْ يُمْسِك عَلَيْهِ , كَذَا قَالَ : وَلَا يَخْفَى بُعْده أَيْضًا وَمُصَادَمَته لِسِيَاقِ الْحَدِيث. وَقَدْ قَالَ الْجُمْهُور : إِنَّ مَعْنَى قَوْله ( أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ) صِدْنَ لَكُمْ , وَقَدْ جَعَلَ الشَّارِع أَكْله مِنْهُ عَلَامَة عَلَى أَنَّهُ أَمْسَكَ لِنَفْسِهِ لَا لِصَاحِبِهِ فَلَا يُعْدَل عَنْ ذَلِكَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة لِابْنِ أَبِي شَيْبَة \" إِنْ شَرِبَ مِنْ دَمِهِ فَلَا تَأْكُل فَإِنَّهُ لَمْ يُعَلَّمْ مَا عَلَّمَتْهُ \" وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ إِذَا شَرَعَ فِي أَكْله دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ التَّعْلِيمَ الْمُشْتَرَطَ. وَسَلَكَ بَعْض الْمَالِكِيَّة التَّرْجِيح فَقَالَ : هَذِهِ اللَّفْظَة ذَكَرَهَا الشَّعْبِيّ وَلَمْ يَذْكُرهَا هَمَّام , وَعَارَضَهَا حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة , وَهَذَا تَرْجِيح مَرْدُود لِمَا تَقَدَّمَ. وَتَمَسَّك بَعْضهمْ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَاز أَكْله إِذَا أَخَذَهُ الْكَلْب بِفِيهِ وَهَمَّ بِأَكْلِهِ فَأُدْرِك قَبْل أَنْ يَأْكُل , قَالَ فَلَوْ كَانَ أَكْله مِنْهُ دَالًّا عَلَى أَنَّهُ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسه لَكَانَ تَنَاوُله بِفِيهِ وَشُرُوعه فِي أَكْله كَذَلِكَ , وَلَكِنْ يُشْتَرَط أَنْ يَقِف الصَّائِد حَتَّى يَنْظُر هَلْ يَأْكُل أَوْ لَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ إِبَاحَة الِاصْطِيَاد لِلِانْتِفَاعِ بِالصَّيْدِ لِلْأَكْلِ وَالْبَيْع وَكَذَا اللَّهْو , بِشَرْطِ قَصْد التَّذْكِيَة وَالِانْتِفَاع , وَكَرِهَهُ مَالِك , وَخَالَفَهُ. الْجُمْهُور. قَالَ اللَّيْث : لَا أَعْلَمْ حَقًّا أَشْبَه بِبَاطِلٍ مِنْهُ , فَلَوْ لَمْ يَقْصِد الِانْتِفَاع بِهِ حَرُمَ لِأَنَّهُ مِنْ الْفَسَاد فِي الْأَرْض بِإِتْلَافِ نَفْسٍ عَبَثًا. وَيَنْقَدِحُ أَنْ يُقَال : يُبَاح , فَإِنَّ لَازَمَهُ وَأَكْثَر مِنْهُ كُرِهَ , لِأَنَّهُ قَدْ يَشْغَلهُ عَنْ بَعْض الْوَاجِبَات وَكَثِير مِنْ الْمَنْدُوبَات. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس رَفَعَهُ \" مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَة جَفَا , وَمَنْ اِتَّبَعَ الصَّيْد غَفَلَ \" وَلَهُ شَاهِدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد التِّرْمِذِيّ أَيْضًا وَآخَر عِنْد الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْأَفْرَاد \" مِنْ حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ شَرِيك. وَفِيهِ جَوَاز اِقْتِنَاء الْكَلْب الْمُعَلَّم لِلصَّيْدِ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي حَدِيث \" مَنْ اِقْتَنَى كَلْبًا \" وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز بَيْع كَلْب الصَّيْد لِلْإِضَافَةِ فِي قَوْله \" كَلْبك \" وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَ بِأَنَّهَا إِضَافَة اِخْتِصَاص , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَة سُؤْر كَلْب الصَّيْد دُونِ غَيْره مِنْ الْكِلَاب لِلْإِذْنِ فِي الْأَكْل مِنْ الْمَوْضِع الَّذِي أَكَلَ مِنْهُ , وَلَمْ يَذْكُر الْغَسْل وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ لِأَنَّهُ وَقْت الْحَاجَة إِلَى الْبَيَان. وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : يُعْفَى عَنْ مَعَضّ الْكَلْب وَلَوْ كَانَ نَجَسًا لِهَذَا الْحَدِيث , وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَتِهِ بِأَنَّ وُجُوب الْغَسْل كَانَ قَدْ اِشْتَهَرَ عِنْدهمْ وَعُلِمَ فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْره , وَفِيهِ نَظَرٌ , وَقَدْ يَتَقَوَّى الْقَوْل بِالْعَفْوِ لِأَنَّهُ بِشِدَّةِ الْجَرْي يَجِفُّ رِيقه فَيُؤْمَنُ مَعَهُ مَا يُخْشَى مِنْ إِصَابَة لُعَابه مَوْضِع الْعَضّ , وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" كُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْك \" بِأَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ كَلْبه عَلَى صَيْد فَاصْطَادَ غَيْره حَلَّ , لِلْعُمُومِ الَّذِي فِي قَوْله \" مَا أَمْسَكَ \" وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور , وَقَالَ مَالِك : لَا يَحِلُّ , وَهُوَ رِوَايَة الْبُوَيْطِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِلَيْسَ فِي جَمِيع مَا ذَكَرَ مِنْ الْآيِ وَالْأَحَادِيث تَعَرُّض لِلتَّسْمِيَةِ الْمُتَرْجَم عَلَيْهَا إِلَّا آخِر حَدِيث عَدِيّ , فَكَأَنَّهُ عَدَّهُ بَيَانًا لِمَا أَجْمَلَتْهُ الْأَدِلَّة مِنْ التَّسْمِيَة , وَعِنْد الْأُصُولِيِّينَ خِلَاف فِي الْمُجْمَل إِذَا اِقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَة لَفْظِيَّة مُبَيِّنَة هَلْ يَكُون ذَلِكَ الدَّلِيل الْمُجْمَل مَعَهَا أَوْ إِيَّاهَا خَاصَّة ؟ اِنْتَهَى. وَقَوْله \" الْأَحَادِيث \" يُوهِم أَنَّ فِي الْبَاب عِدَّة أَحَادِيث , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِيهِ إِلَّا حَدِيث عَدِيٍّ , نَعَمْ ذَكَرَ فِيهِ تَفَاسِير اِبْن عَبَّاس فَكَأَنَّهُ عَدَّهَا أَحَادِيث , وَبَحْثه فِي التَّسْمِيَة الْمَذْكُورَة فِي آخِر حَدِيث عَدِيٍّ مَرْدُود , وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَاد الْبُخَارِيّ , وَإِنَّمَا جَرَى عَلَى عَادَته فِي الْإِشَارَة إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث الَّذِي يُورِدهُ , وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ بَعْده بِقَلِيلٍ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي السَّفَر عَنْ الشَّعْبِيّ \" إِذَا أَرْسَلْت كَلْبك وَسَمَّيْت فَكُلْ \" وَمِنْ رِوَايَة بَيَان عَنْ الشَّعْبِيّ \" إِذَا أَرْسَلَتْ كِلَابك الْمُعَلَّمَة وَذَكَرْت اِسْم اللَّه فَكُلْ \" فَلَمَّا كَانَ الْأَخْذ بِقَيْدِ \" الْمُعَلَّم \" مُتَّفَقًا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُر فِي الطَّرِيق الْأُولَى كَانَتْ التَّسْمِيَة كَذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "5054",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِعْرَاضِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ فَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ ‏ ‏وَقِيذٌ ‏ ‏فَلَا تَأْكُلْ فَقُلْتُ أُرْسِلُ كَلْبِي قَالَ إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَكُلْ قُلْتُ فَإِنْ أَكَلَ قَالَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّهُ لَمْ يُمْسِكْ عَلَيْكَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ قُلْتُ أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ قَالَ لَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى آخَرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن أَبِي السَّفَر عَنْ الشَّعْبِيّ , قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏"
    },
    {
        "id": "5055",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ قَالَ ‏ ‏كُلْ مَا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ قُلْتُ وَإِنْ قَتَلْنَ قَالَ وَإِنْ قَتَلْنَ قُلْتُ وَإِنَّا نَرْمِي ‏ ‏بِالْمِعْرَاضِ ‏ ‏قَالَ كُلْ مَا خَزَقَ وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم مِنْ طَرِيق هَمَّام بْن الْحَارِث عَنْهُ مُخْتَصَرًا وَقَدْ بَيَّنْت مَا فِيهِ فِي الْبَاب الْأَوَّل. ‏"
    },
    {
        "id": "5056",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَيْوَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِدْرِيسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ فَمَا يَصْلُحُ لِي قَالَ ‏ ‏أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ‏ ‏ذَكَاتَهُ ‏ ‏فَكُلْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ الْمُقْرِيّ , وَحَيْوَة هُوَ اِبْن شُرَيْحٍ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي ثَعْلَبَة الْخُشَنِيِّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْخَاء وَفَتْح الشِّين الْمُعْجَمَتَيْنِ ثُمَّ نُون , نِسْبَة إِلَى بَنِي خُشَيْن بَطْن مِنْ النَّمِر بْن وَبَرَة بْن تَغْلِب بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَكَسْر اللَّام بَعْدهَا مُوَحَّدَة اِبْن حُلْوَانِ بْن عِمْرَان بْن الْحَافّ بْن قُضَاعَة. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت يَا نَبِيّ اللَّه إِنَّا بِأَرْضِ قَوْم أَهْل كِتَاب ) ‏ ‏يَعْنِي بِالشَّامِ , وَكَانَ جَمَاعَة مِنْ قَبَائِل الْعَرَب قَدْ سَكَنُوا الشَّام وَتَنَصَّرُوا مِنْهُمْ آل غَسَّان وَتَنُوخ وَبَهْز وَبُطُون مِنْ قُضَاعَة مِنْهُمْ بَنُو خُشَيْن آل أَبِي ثَعْلَبَة , وَاخْتُلِفَ فِي اِسْم أَبِي ثَعْلَبَة فَقِيلَ جُرْثُوم وَهُوَ قَوْل الْأَكْثَر وَقِيلَ جُرْهُمْ وَقِيلَ نَاشِب وَقِيلَ جَرْثَمَ وَهُوَ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِغَيْرِ إِشْبَاع وَقِيلَ جُرْثُومَة وَهُوَ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِزِيَادَةِ هَاء وَقِيلَ غُرْنُوق وَقِيلَ نَاشِر وَقِيلَ لَاشِر وَقِيلَ لَاشِ وَقِيلَ لَاشِنِ وَقِيلَ لَا شُومه , وَاخْتَلَفَ فِي اِسْم أَبِيهِ فَقِيلَ عَمْرو وَقِيلَ نَاشِب وَقِيلَ نَاسِب بِمُهْمَلَةٍ وَقِيلَ بِمُعْجَمَةٍ وَقِيلَ نَاشِر وَقِيلَ لَا شِرْ وَقِيلَ لَاشِ وَقِيلَ لَاشِنِ وَقِيلَ لَاشِم وَقِيلَ لِاسْمِ وَقِيلَ جُلْهُمْ وَقِيلَ حِمْيَر وَقِيلَ جُرْهُمْ وَقِيلَ جُرْثُوم , وَيَجْتَمِع مِنْ اِسْمه وَاسْم أَبِيهِ بِالتَّرْكِيبِ أَقْوَال كَثِيرَة جِدًّا , وَكَانَ إِسْلَامه قَبْل خَيْبَر وَشَهِدَ بَيْعَة الرِّضْوَان وَتَوَجَّهَ إِلَى قَوْمه فَأَسْلَمُوا , وَلَهُ أَخ يُقَال لَهُ عَمْرو أَسْلَمَ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( فِي آنِيَتهمْ ) ‏ ‏جَمْع إِنَاء وَالْأَوَانِي جَمْع آنِيَة , وَقَدْ وَقَعَ الْجَوَاب عَنْهُ \" فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا \" فَتُمْسِك بِهَذَا الْأَمْر مَنْ رَأَى أَنَّ اِسْتِعْمَال آنِيَّة أَهْل الْكِتَاب تَتَوَقَّف عَلَى الْغَسْل لِكَثْرَةِ اِسْتِعْمَالهمْ النَّجَاسَة. وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَدَيَّن بِمُلَابَسَتِهَا , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْفُقَهَاء فِي ذَلِكَ بِنَاء عَلَى تَعَارُض الْأَصْل وَالْغَالِب. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّ الظَّنّ الْمُسْتَفَاد مِنْ الْغَالِب رَاجِح عَلَى الظَّنّ الْمُسْتَفَاد مِنْ الْأَصْل , وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْحُكْم لِلْأَصْلِ حَتَّى تَتَحَقَّق النَّجَاسَة بِجَوَابَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ الْأَمْر بِالْغَسْلِ مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب اِحْتِيَاطًا جَمْعًا بَيْنه وَبَيْن مَا دَلَّ عَلَى التَّمَسُّك بِالْأَصْلِ , وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَاد بِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَة حَال مَنْ يَتَحَقَّق النَّجَاسَة فِيهِ , وَيُؤَيِّدهُ ذِكْر الْمَجُوس لِأَنَّ أَوَانِيهمْ نَجِسَة لِكَوْنِهِمْ لَا تَحِلّ ذَبَائِحهمْ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْمُرَاد بِالْآنِيَةِ فِي حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة آنِيَة مَنْ يَطْبُخ فِيهَا لَحْم الْخِنْزِير وَيَشْرَب فِيهَا الْخَمْر كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُد \" إِنَّا نُجَاوِر أَهْل الْكِتَاب , وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورهمْ الْخِنْزِير وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتهمْ الْخَمْر فَقَالَ \" فَذَكَرَ الْجَوَاب. وَأَمَّا الْفُقَهَاء فَمُرَادهمْ مُطْلَق آنِيَّة الْكُفَّار الَّتِي لَيْسَتْ مُسْتَعْمَلَة فِي النَّجَاسَة فَإِنَّهُ يَجُوز اِسْتِعْمَالهَا وَلَوْ لَمْ تُغْسَل عِنْدهمْ , وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى الْغَسْل لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَاف لَا لِثُبُوتِ الْكَرَاهَة فِي ذَلِكَ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون اِسْتِعْمَالهَا بِلَا غَسْل مَكْرُوهًا بِنَاء عَلَى الْجَوَاب الْأَوَّل وَهُوَ الظَّاهِر مِنْ الْحَدِيث , وَأَنَّ اِسْتِعْمَالهَا مَعَ الْغَسْل رُخْصَة إِذَا وَجَدَ غَيْرهَا فَإِنْ لَمْ يَجِد جَازَ بِلَا كَرَاهَة لِلنَّهْيِ عَنْ الْأَكْل فِيهَا مُطْلَقًا وَتَعْلِيق الْإِذْن عَلَى عَدَم غَيْرهَا مَعَ غَسْلهَا , وَتَمَسَّكَ بِهَذَا بَعْض الْمَالِكِيَّة لِقَوْلِهِمْ إِنَّهُ يَتَعَيَّن كَسْر آنِيَّة الْخَمْر عَلَى كُلّ حَال بِنَاء عَلَى أَنَّهَا لَا تَطْهُر بِالْغَسْلِ , وَاسْتَدَلَّ بِالتَّفْصِيلِ الْمَذْكُور لِأَنَّ الْغَسْل لَوْ كَانَ مُطَهِّرًا لَهَا لِمَا كَانَ لِلتَّفْصِيلِ مَعْنَى , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَنْحَصِر فِي كَوْن الْعَيْن تَصِير نَجِسَة بِحَيْثُ لَا تَطْهُر أَصْلًا بَلْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّفْصِيل لِلْأَخْذِ بِالْأَوْلَى , فَإِنَّ الْإِنَاء الَّذِي يُطْبَخ فِيهِ الْخِنْزِير يُسْتَقْذَر وَلَوْ غُسِلَ كَمَا يُكْرَه الشُّرْب فِي الْمِحْجَمَة وَلَوْ غُسِلَتْ اِسْتِقْذَارًا , وَمَشَى اِبْن حَزْم عَلَى ظَاهِرِيَّته فَقَالَ : لَا يَجُوز اِسْتِعْمَال آنِيَّة أَهْل الْكِتَاب إِلَّا بِشَرْطَيْنِ أَحَدهمَا أَنْ لَا يَجِد غَيْرهَا وَالثَّانِي غَسْلهَا. وَأُجِيب بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ أَمْره بِالْغَسْلِ عِنْد فَقْد غَيْرهَا دَالّ عَلَى طَهَارَتهَا بِالْغَسْلِ , وَالْأَمْر بِاجْتِنَابِهَا عِنْد وُجُود غَيْرهَا لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِير عَنْهَا كَمَا فِي حَدِيث سَلَمَة الْآتِي بَعْدُ فِي الْأَمْر بِكَسْرِ الْقُدُور الَّتِي طُبِخَتْ فِيهَا الْمَيْتَة , فَقَالَ رَجُل أَوْ نَغْسِلهَا ؟ فَقَالَ : أَوْ ذَاكَ. فَأَمَرَ بِالْكَسْرِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِير عَنْهَا ثُمَّ أَذِنَ فِي الْغَسْل تَرْخِيصًا , فَكَذَلِكَ يُتَّجَه هَذَا هُنَا وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَبِأَرْضِ صَيْد أَصِيد بِقَوْسِي ) ‏ ‏فَقَالَ فِي جَوَابه \" وَمَا صِدْت بِقَوْسِك وَذَكَرْت اِسْم اللَّه فَكُلْ \" تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَوْجَبَ التَّسْمِيَة عَلَى الصَّيْد وَعَلَى الذَّبِيحَة , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله , وَكَذَا تَقَدَّمَتْ مَبَاحِث السُّؤَال الثَّالِث وَهُوَ الصَّيْد بِالْكَلْبِ , وَقَوْله \" فَكُلْ \" وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه \" أَنَّ أَعْرَابِيًّا يُقَال لَهُ أَبُو ثَعْلَبَة قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ لِي كِلَابًا مُكَلَّبَة - الْحَدِيث وَفِيهِ - وَأَفْتِنِي فِي قَوْسِي ; قَالَ : كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْك قَوْسك ذَكِيًّا وَغَيْر ذَكِيّ. قَالَ وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنِّي ؟ قَالَ وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنْك مَا لَمْ يَصِلّ أَوْ تَجِد فِيهِ أَثَرًا غَيْر سَهْمك \" وَقَوْله يَصِلّ بِصَادٍ مُهْمَلَة مَكْسُورَة وَلَام ثَقِيلَة أَيْ يُنْتِن , وَسَيَأْتِي مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب فِي \" بَاب الصَّيْد إِذَا غَابَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة \" وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد جَمْع الْمَسَائِل وَإِيرَادهَا دَفْعَة وَاحِدَة وَتَفْصِيل الْجَوَاب عَنْهَا وَاحِدَة وَاحِدَة بِلَفْظِ أَمَّا وَأَمَّا. ‏"
    },
    {
        "id": "5057",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏وَاللَّفْظُ ‏ ‏لِيَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ‏ ‏أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ لَا ‏ ‏تَخْذِفْ ‏ ‏فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ‏ ‏الْخَذْفِ ‏ ‏أَوْ كَانَ يَكْرَهُ الْخَذْفَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ وَلَا يُنْكَى بِهِ عَدُوٌّ وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ ‏ ‏يَخْذِفُ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ نَهَى عَنْ ‏ ‏الْخَذْفِ ‏ ‏أَوْ كَرِهَ ‏ ‏الْخَذْفَ ‏ ‏وَأَنْتَ تَخْذِفُ لَا أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي يُوسُف بْن رَاشِد ) ‏ ‏وَهُوَ يُوسُف بْن مُوسَى بْن رَاشِد بْن بِلَال الْقَطَّان الرَّازِيّ نَزِيل بَغْدَاد , نَسَبَهُ الْبُخَارِيّ إِلَى جَدّه , وَفِي طَبَقَته يُوسُف بْن مُوسَى التُّسْتَرِيُّ نَزَلَ الرَّيّ. فَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ كَانَ يَخْشَى أَنْ يَلْتَبِس بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَاللَّفْظ لِيَزِيدَ ) ‏ ‏قُلْت قَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد الْحَدِيث عَنْ وَكِيع مُقْتَصِرًا عَلَى الْمَتْن دُون الْقِصَّة , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان وَوَكِيع كِلَاهُمَا عَنْ كَهْمَس مَقْرُونًا وَقَالَ : إِنَّ السِّيَاق لِيَحْيَى وَالْمَعْنَى وَاحِد. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّهُ رَأَى رَجُلًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُعَاذ بْن مُعَاذ عَنْ كَهْمَس \" رَأَى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابه \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل أَنَّهُ قَرِيب لِعَبْدِ اللَّه بْن مُغَفَّل. ‏ ‏قَوْله ( يَخْذِف ) ‏ ‏بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَآخِره فَاء أَيْ يَرْمِي بِحَصَاةٍ أَوْ نَوَاة بَيْن سَبَّابَتَيْهِ أَوْ بَيْن الْإِبْهَام وَالسَّبَّابَة أَوْ عَلَى ظَاهِر الْوُسْطَى وَبَاطِن الْإِبْهَام , وَقَالَ اِبْن فَارِس : خَذَفْت الْحَصَاة رَمَيْتهَا بَيْن أُصْبُعَيْك , وَقِيلَ فِي حَصَى الْخَذْف : أَنْ يَجْعَل الْحَصَاة بَيْن السَّبَّابَة مِنْ الْيُمْنَى وَالْإِبْهَام مِنْ الْيُسْرَى ثُمَّ يَقْذِفهَا بِالسَّبَّابَةِ مِنْ الْيَمِين , وَقَالَ اِبْن سِيدَهْ : خَذَفَ بِالشَّيْءِ يَخْذِف فَارِسِيّ وَخَصَّ بَعْضهمْ بِهِ الْحَصَى , قَالَ : وَالْمِخْذَفَة الَّتِي يُوضَع فِيهَا الْحَجْر وَيُرْمَى بِهَا الطَّيْر وَيُطْلَق عَلَى الْمِقْلَاع أَيْضًا قَالَهُ فِي الصِّحَاح. ‏ ‏قَوْله ( نَهَى عَنْ الْخَذْف , أَوْ كَانَ يَكْرَه الْخَذْف ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ وَكِيع \" نَهَى عَنْ الْخَذْف \" وَلَمْ يَشُكّ , وَأَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ كَهْمَس بِالشَّكِّ وَبَيَّنَ أَنَّ الشَّكّ مِنْ كَهْمَس. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّهُ لَا يُصَاد بِهِ صَيْد ) ‏ ‏قَالَ الْمُهَلَّب : أَبَاحَ اللَّه الصَّيْد عَلَى صِفَة فَقَالَ ( تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحكُمْ ) وَلَيْسَ الرَّمْي بِالْبُنْدُقَةِ وَنَحْوهَا مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ وَقِيذ , وَأَطْلَقَ الشَّارِع أَنَّ الْخَذْف لَا يُصَاد بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُجْهِزَات , وَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء - إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ - عَلَى تَحْرِيم أَكْل مَا قَتَلَتْهُ الْبُنْدُقَة وَالْحَجَر اِنْتَهَى. وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقْتُل الصَّيْد بِقُوَّةِ رَامِيه لَا بِحَدِّهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يَنْكَأ بِهِ عَدُوّ ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : الرِّوَايَة بِفَتْحِ الْكَاف وَبِهَمْزَةٍ فِي آخِره وَهِيَ لُغَة , وَالْأَشْهَر بِكَسْرِ الْكَاف بِغَيْرِ هَمْز , وَقَالَ فِي شَرْح مُسْلِم : لَا يَنْكَأ بِفَتْحِ الْكَاف مَهْمُوز , وَرَوَى لَا يَنْكِي بِكَسْرِ الْكَاف وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة , وَهُوَ أَوْجَه لِأَنَّ الْمَهْمُوز إِنَّمَا هُوَ مِنْ نَكَأْت الْقُرْحَة وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعه فَإِنَّهُ مِنْ النِّكَايَة , لَكِنْ قَالَ فِي \" الْعَيْن \" نَكَأْت لُغَة فِي نَكِيَتْ , فَعَلَى هَذَا تَتَوَجَّه هَذِهِ الرِّوَايَة قَالَ : وَمَعْنَاهُ الْمُبَالَغَة فِي الْأَذَى. وَقَالَ اِبْن سِيدَهْ , نَكَأَ الْعَدُوّ نِكَايَة أَصَابَ مِنْهُ , ثُمَّ قَالَ : نَكَأْت الْعَدُوّ أَنْكَؤُهُمْ لُغَة فِي نَكَيْتهمْ , فَظَهَرَ أَنَّ الرِّوَايَة صَحِيحَة الْمَعْنَى وَلَا مَعْنَى لِتَخْطِئَتِهَا. وَأَغْرَبَ اِبْن التِّين فَلَمْ يُعَرِّج عَلَى الرِّوَايَة الَّتِي بِالْهَمْزِ أَصْلًا بَلْ شَرْحه عَلَى الَّتِي بِكَسْرِ الْكَاف بِغَيْرِ هَمْز , ثُمَّ قَالَ : وَنَكَأْت الْقُرْحَة بِالْهَمْزِ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِر السِّنّ ) ‏ ‏أَيْ الرَّمْيَة , وَأَطْلَقَ السِّنّ فَيَشْمَل سِنّ الْمُرْمَى وَغَيْره مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله ( لَا أُكَلِّمك كَذَا وَكَذَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُعَاذ وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر \" لَا أُكَلِّمك كَلِمَة كَذَا وَكَذَا \" وَكَلِمَة بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِين , كَذَا وَكَذَا أَبْهَمَ الزَّمَان , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عِنْد مُسْلِم \" لَا أُكَلِّمك أَبَدًا \" وَفِي الْحَدِيث جَوَاز هِجْرَان مَنْ خَالَفَ السُّنَّة وَتَرْك كَلَامه , وَلَا يَدْخُل ذَلِكَ فِي النَّهْي عَنْ الْهَجْر فَوْق ثَلَاث فَإِنَّهُ يَتَعَلَّق بِمَنْ هَجَرَ لِحَظِّ نَفْسه , وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَدَب , وَفِيهِ تَغْيِير الْمُنْكَر وَمَنْع الرَّمْي بِالْبُنْدُقَةِ لِأَنَّهُ إِذَا نَفَى الشَّارِع أَنَّهُ لَا يَصِيد فَلَا مَعْنَى لِلرَّمْيِ بِهِ بَلْ فِيهِ تَعْرِيض لِلْحَيَوَانِ بِالتَّلَفِ لِغَيْرِ مَالِكه وَقَدْ وَرَدَ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ , نَعَمْ قَدْ يُدْرِك ذَكَاة مَا رُمِيَ بِالْبُنْدُقَةِ فَيَحِلّ أَكْله , وَمِنْ ثَمَّ اُخْتُلِفَ فِي جَوَازه فَصَرَّحَ مُجَلِّي فِي \" الذَّخَائِر \" بِمَنْعِهِ وَبِهِ أَفْتَى اِبْن عَبْد السَّلَام , وَجَزَمَ النَّوَوِيّ لَهُ لِأَنَّهُ طَرِيق إِلَى الِاصْطِيَاد , وَالتَّحْقِيق التَّفْصِيل : فَإِنْ كَانَ الْأَغْلَب مِنْ حَال الرَّمْي مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيث اِمْتَنَعَ , وَإِنْ كَانَ عَكْسه جَازَ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْمُرْمَى مِمَّا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الرَّمْي إِلَّا بِذَلِكَ ثُمَّ لَا يَقْتُلهُ غَالِبًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْل بَابَيْنِ مِنْ هَذَا الْبَاب قَوْل الْحَسَن فِي كَرَاهِيَة رَمْي الْبُنْدُقَة فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَار , وَمَفْهُومه أَنَّهُ لَا يُكْرَه فِي الْفَلَاة , فَجَعَلَ مَدَار النَّهْي عَلَى خَشْيَة إِدْخَال الضَّرَر عَلَى أَحَد مِنْ النَّاس وَاللَّهُ أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "5058",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ مَاشِيَةٍ أَوْ ‏ ‏ضَارِيَةٍ ‏ ‏نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ ‏ ‏قِيرَاطَانِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5059",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَالِمًا ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبًا ضَارِيًا لِصَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ ‏ ‏قِيرَاطَانِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5060",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِيًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ ‏ ‏قِيرَاطَانِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5061",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَيَانٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْتُ إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِهَذِهِ الْكِلَابِ فَقَالَ ‏ ‏إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَإِنْ قَتَلْنَ إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم مِنْ رِوَايَة بَيَان بْن عَمْرو عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْهُ , قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْبَاب الْأَوَّل. ‏"
    },
    {
        "id": "5062",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَمْسَكَ وَقَتَلَ فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ وَإِذَا خَالَطَ كِلَابًا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا فَأَمْسَكْنَ وَقَتَلْنَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهَا قَتَلَ وَإِنْ رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلَّا أَثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيٍّ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَقْتَفِرُ أَثَرَهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ ثُمَّ يَجِدُهُ مَيِّتًا وَفِيهِ سَهْمُهُ قَالَ يَأْكُلُ إِنْ شَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( ثَابِت بْن يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ أَبُو زَيْد الْبَصْرِيّ الْأَحْوَل وَحَكَى الْكَلَابَاذِي أَنَّهُ قِيلَ فِيهِ ثَابِت بْن زَيْد قَالَ وَالْأَوَّل أَصَحّ. ‏ ‏قُلْت : زَيْد كُنْيَته لَا اِسْم أَبِيهِ , وَشَيْخه عَاصِم هُوَ اِبْن سُلَيْمَان الْأَحْوَل وَقَدْ زَادَ عَنْ الشَّعْبِيّ فِي حَدِيث عَدِيٍّ قِصَّة السَّهْم. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنْ رَمَيْت الصَّيْد فَوَجَدْته بَعْد يَوْم أَوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلَّا أَثَر سَهْمك فَكُلْ ) ‏ ‏وَمَفْهُومه أَنَّهُ إِنْ وَجَدَ فِيهِ أَثَر غَيْر سَهْمه لَا يَأْكُل , وَهُوَ نَظِير مَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلْب مِنْ التَّفْصِيل فِيمَا إِذَا خَالَطَ الْكَلْب الَّذِي أَرْسَلَهُ الصَّائِد كَلْبَ آخَرَ , لَكِنْ التَّفْصِيل فِي مَسْأَلَة الْكَلْب فِيمَا إِذَا شَارَكَ الْكَلْب فِي قَتْله كَلْب آخَر , وَهُنَا الْأَثَر الَّذِي يُوجَد فِيهِ مِنْ غَيْر سَهْم الرَّامِي أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون أَثَر سَهْم رَامٍ آخَر أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَاب الْقَاتِلَة فَلَا يَحِلّ أَكْله مَعَ التَّرَدُّد , وَقَدْ جَاءَتْ فِيهِ زِيَادَة مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ وَالطَّحَاوِيّ بِلَفْظِ \" إِذَا وَجَدْت سَهْمك فِيهِ وَلَمْ يَجِد بِهِ أَثَر سَبُع وَعَلِمْت أَنَّ سَهْمك قَتَلَهُ فَكُلْ مِنْهُ \" قَالَ الرَّافِعِيّ : يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ جَرَحَهُ ثُمَّ غَابَ ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا أَنَّهُ لَا يَحِلّ , وَهُوَ ظَاهِر نَصّ الشَّافِعِيّ فِي \" الْمُخْتَصَر \". وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْحِلّ أَصَحّ دَلِيلًا. وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْمَعْرِفَة \" عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْل اِبْن عَبَّاس \" كُلْ مَا أَصْمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْت \" : مَعْنَى \" مَا أَصْمَيْتَ \" مَا قَتَلَهُ الْكَلْب وَأَنْتَ تَرَاهُ , وَمَا \" أَنْمَيْت \" وَمَا غَابَ عَنْك مَقْتَله. قَالَ وَهَذَا لَا يَجُوز عِنْدِي غَيْره إِلَّا أَنْ يَكُون جَاءَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ شَيْء فَيَسْقُط كُلّ شَيْء خَالَفَ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَقُوم مَعَهُ رَأْي وَلَا قِيَاس , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَقَدْ ثَبَتَ الْخَبَر يَعْنِي حَدِيث الْبَاب فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون هُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاء فَلَا تَأْكُل ) ‏ ‏يُؤْخَذ سَبَب مَنْع أَكْله مِنْ الَّذِي قَبْله , لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَقَع التَّرَدُّد هَلْ قَتَلَهُ السَّهْم أَوْ الْغَرَق فِي الْمَاء ؟ فَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّ السَّهْم أَصَابَهُ فَمَاتَ فَلَمْ يَقَع فِي الْمَاء إِلَّا بَعْد أَنْ قَتَلَهُ السَّهْم فَهَذَا يَحِلّ أَكْله , قَالَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح مُسْلِم \" إِذَا وُجِدَ الصَّيْد فِي الْمَاء غَرِيقًا حَرُمَ بِالِاتِّفَاقِ ا ه , وَقَدْ صَرَّحَ الرَّافِعِيّ بِأَنَّ مَحِلّه مَا لَمْ يَنْتَهِ الصَّيْد بِتِلْكَ الْجِرَاحَة إِلَى حَرَكَة الْمَذْبُوح , فَإِنْ اِنْتَهَى إِلَيْهَا بِقَطْعِ الْحُلْقُوم مَثَلًا فَقَدْ تَمَّتْ زَكَاته , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَإِنَّك لَا تَدْرِي الْمَاء قَتَلَهُ أَوْ سَهْمك \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ سَهْمه هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ أَنَّهُ يَحِلّ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عَبْد الْأَعْلَى ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عَبْد الْأَعْلَى السَّامِيّ بِالْمُهْمَلَةِ الْبَصْرِيّ , وَدَاوُد هُوَ اِبْن أَبِي هِنْد , وَعَامِر هُوَ الشَّعْبِيّ , وَهَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ الْحُسَيْن بْن مُعَاذ عَنْ عَبْد الْأَعْلَى بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَيَفْتَقِر ) ‏ ‏بِفَاءٍ ثُمَّ مُثَنَّاة ثُمَّ قَاف أَيْ يَتْبَع فَقَاره حَتَّى يَتَمَكَّن مِنْهُ , وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة اِقْتَصَرَ اِبْن بَطَّالٍ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ فَيَقْتَفِي أَيْ يَتْبَع , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ وَالْأَصِيلِيّ وَفِي رِوَايَة \" فَيَقْفُو \" وَهِيَ أَوْجَه. ‏ ‏قَوْله ( الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة ) ‏ ‏فِيهِ زِيَادَة عَلَى رِوَايَة عَاصِم بْن سُلَيْمَان \" بَعْد يَوْم أَوْ يَوْمَيْنِ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر \" فَيَغِيب عَنْهُ اللَّيْلَة وَاللَّيْلَتَيْنِ \" وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة بِسَنَدٍ فِيهِ مُعَاوِيَة بْن صَالِح \" إِذَا رَمَيْت سَهْمك فَغَابَ عَنْك فَأَدْرَكْته فَكُلْ مَا لَمْ يُنْتِن \" وَفِي لَفْظ فِي الَّذِي يَدْرِك الصَّيْد بَعْد ثَلَاث \" كُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِن \" وَنَحْوه عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ قَرِيبًا , فَجَعَلَ الْغَايَة أَنْ يُنْتِن الصَّيْد فَلَوْ وَجَدَهُ مَثَلًا بَعْد ثَلَاث وَلَمْ يُنْتِن حَلَّ , وَإِنْ وَجَدَهُ بِلَوْنِهَا وَقَدْ أَنْتَنَ فَلَا , هَذَا ظَاهِر الْحَدِيث , وَأَجَابَ النَّوَوِيّ بِأَنَّ النَّهْي عَنْ أَكْله إِذَا أَنْتَنَ لِلتَّنْزِيهِ , وَسَأَذْكُرُ فِي ذَلِكَ بَحْثًا فِي \" بَاب صَيْد الْبَحْر \" وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الرَّامِي لَوْ أَخَّرَ الصَّيْد عَقِب الرَّمْي إِلَى أَنْ يَجِدهُ أَنْ يَحِلّ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَة وَلَا يَحْتَاج إِلَى اسْتِفْصَال عَنْ سَبَب غَيْبَته عَنْهُ أَكَانَ مَعَ الطَّلَب أَوْ عَدَمه , لَكِنْ يُسْتَدَلّ لِلطَّلَبِ بِمَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة حَيْثُ قَالَ \" فَيَقْتَفِي أَثَره \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَوَاب خَرَجَ عَلَى حَسَب السُّؤَال , فَاخْتَصَرَ بَعْض الرُّوَاة السُّؤَال , فَلَا يَتَمَسَّك فِيهِ بِتَرْكِ الِاسْتِفْصَال. وَاخْتُلِفَ فِي صِفَة الطَّلَب : فَعَنْ أَبِي حَنِيفَة إِنْ أَخَّرَ سَاعَة فَلَمْ يَطْلُب لَمْ يَحِلّ , وَإِنْ اِتَّبَعَهُ عَقِب الرَّمْي فَوَجَدَهُ مَيِّتًا حَلَّ. وَعَنْ الشَّافِعِيَّة لَا بُدّ أَنْ يَتْبَعهُ. وَفِي اِشْتِرَاط الْعَدْو وَجْهَانِ أَظْهَرهُمَا يَكْفِي الْمَشْي عَلَى عَادَته حَتَّى لَوْ أَسْرَعَ وَجَدَهُ حَيًّا حَلَّ , وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ : لَا بُدّ مِنْ الْإِسْرَاع قَلِيلًا لِيَتَحَقَّق صُورَة الطَّلَب , وَعِنْد الْحَنَفِيَّة نَحْو هَذَا الِاخْتِلَاف. ‏"
    },
    {
        "id": "5063",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي وَأُسَمِّي فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَخَذَ فَقَتَلَ فَأَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ قُلْتُ إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي أَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَهُ فَقَالَ لَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ ‏ ‏الْمِعْرَاضِ ‏ ‏فَقَالَ إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ ‏ ‏وَقِيذٌ ‏ ‏فَلَا تَأْكُلْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن أَبِي السَّفَر عَنْ الشَّعْبِيّ , قَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْبَاب الْأَوَّل. ‏"
    },
    {
        "id": "5064",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَيَانٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ إِنَّا قَوْمٌ نَتَصَيَّدُ بِهَذِهِ الْكِلَابِ فَقَالَ ‏ ‏إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ خَالَطَهَا كَلْبٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم مِنْ رِوَايَة بَيَان بْن عَمْرو عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5065",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنَ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيَّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ وَأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ وَالَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ ‏ ‏أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ قَوْمٍ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏تَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا فَأَدْرَكْتَ ‏ ‏ذَكَاتَهُ ‏ ‏فَكُلْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة أَخْرَجَهُ عَالِيًا عَنْ أَبِي عَاصِم عَنْ حَيْوَةَ , وَنَازِلًا مِنْ رِوَايَةِ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ حَيْوَةَ وَهُوَ اِبْن شُرَيْح , وَسَاقَهُ عَلَى رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك , وَسَيَأْتِي لَفْظ أَبِي عَاصِم حَيْثُ أَفْرَدَهُ بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْل خَمْسَة أَبْوَاب مِنْ وَجْه آخَر عَالِيًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5066",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنْفَجْنَا ‏ ‏أَرْنَبًا ‏ ‏بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ‏ ‏فَسَعَوْا عَلَيْهَا حَتَّى ‏ ‏لَغِبُوا ‏ ‏فَسَعَيْتُ عَلَيْهَا حَتَّى أَخَذْتُهَا فَجِئْتُ بِهَا إِلَى ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏فَبَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِوَرِكَيْهَا أَوْ فَخِذَيْهَا فَقَبِلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏\" أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا \" ‏ ‏يَأْتِي شَرْحه فِي أَوَاخِر الذَّبَائِح حَيْثُ عَقَدَ لِلْأَرْنَبِ تَرْجَمَة مُفْرَدَة , وَمَعْنَى \" أَنْفَجْنَا \" أَثَرْنَا. وَقَوْله هُنَا \" لَغِبُوا \" بِغَيْنٍ مُعْجَمَة بَعْد اللَّام أَيْ تَعِبُوا وَزْنه وَمَعْنَاهُ , وَثَبَتَ بِلَفْظِ تَعِبُوا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ , ‏ ‏وَقَوْله \" بِوَرِكِهَا \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْإِفْرَادِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" بِوَرِكَيْهَا \" بِالتَّثْنِيَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5067",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ ثُمَّ سَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطًا فَأَبَوْا فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ ‏ ‏أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبَى بَعْضُهُمْ فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي قَتَادَة فِي قِصَّة الْحِمَار الْوَحْشِيّ , وَتَقَدَّمَ شَرْحهَا مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5068",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا النَّضْرِ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏وَأَبِي صَالِحٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏التَّوْأَمَةِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيمَا بَيْنَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَالْمَدِينَةِ ‏ ‏وَهُمْ مُحْرِمُونَ وَأَنَا رَجُلٌ حِلٌّ عَلَى فَرَسٍ وَكُنْتُ ‏ ‏رَقَّاءً ‏ ‏عَلَى الْجِبَالِ فَبَيْنَا أَنَا عَلَى ذَلِكَ إِذْ رَأَيْتُ النَّاسَ ‏ ‏مُتَشَوِّفِينَ ‏ ‏لِشَيْءٍ فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ حِمَارُ وَحْشٍ فَقُلْتُ لَهُمْ مَا هَذَا قَالُوا لَا نَدْرِي قُلْتُ هُوَ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ فَقَالُوا هُوَ مَا رَأَيْتَ وَكُنْتُ نَسِيتُ سَوْطِي فَقُلْتُ لَهُمْ نَاوِلُونِي سَوْطِي فَقَالُوا لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُ ثُمَّ ضَرَبْتُ فِي أَثَرِهِ فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا ذَاكَ حَتَّى عَقَرْتُهُ فَأَتَيْتُ إِلَيْهِمْ فَقُلْتُ لَهُمْ قُومُوا فَاحْتَمِلُوا قَالُوا لَا نَمَسُّهُ فَحَمَلْتُهُ حَتَّى جِئْتُهُمْ بِهِ فَأَبَى بَعْضُهُمْ وَأَكَلَ بَعْضُهُمْ فَقُلْتُ لَهُمْ أَنَا أَسْتَوْقِفُ لَكُمْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَدْرَكْتُهُ فَحَدَّثْتُهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ لِي أَبَقِيَ مَعَكُمْ شَيْءٌ مِنْهُ قُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ ‏ ‏كُلُوا فَهُوَ طُعْمٌ أَطْعَمَكُمُوهُ اللَّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنَا عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث الْمِصْرِيّ , وَأَبُو النَّضْر هُوَ الْمَدَنِيّ وَاسْمه سَالِم. ‏ ‏قَوْله ( وَأَبِي صَالِح ) ‏ ‏هُوَ مَوْلَى التَّوْأَمَة وَاسْمه نَبْهَان , لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث , وَقَرَنَهُ بِنَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَة. وَغَفَلَ الدَّاوُدِيّ فَظَنَّ أَنَّ أَبَا صَالِح هَذَا هُوَ وَلَده صَالِح مَوْلَى التَّوْأَمَة فَقَالَ : إِنَّهُ تَغَيَّرَ بِآخِرَة , فَمَنْ أَخَذَ عَنْهُ قَدِيمًا مِثْل اِبْن أَبِي ذِئْب وَعَمْرو بْن الْحَارِث فَهُوَ صَحِيح , وَذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّ أَبَا أَحْمَد كَتَبَ عَلَى حَاشِيَة نُسْخَته مُقَابِل \" وَأَبِي صَالِح \" : هَذَا خَطَأ , يَعْنِي أَنَّ الصَّوَاب عَنْ نَافِع وَصَالِح , قَالَ : وَلَيْسَ هُوَ كَمَا ظَنَّ , فَإِنَّ الْحَدِيث مَحْفُوظ لِنَبْهَان لَا لِابْنِهِ صَالِح , وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد الْحَافِظ , فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ \" عَنْ صَالِح مَوْلَى التَّوْأَمَة \" , فَقَالَ : هَذَا خَطَأ إِنَّمَا هُوَ عَنْ نَافِع وَأَبِي صَالِح وَهُوَ وَالِد صَالِح , وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ غَيْر هَذَا الْحَدِيث فَلِذَلِكَ غَلِطَ فِيهِ. وَالتَّوْأَمَة ضُبِطَتْ فِي بَعْض النُّسَخ بِضَمِّ الْمُثَنَّاة حَكَاهُ عِيَاض عَنْ الْمُحَدِّثِينَ قَالَ : وَالصَّوَاب بِفَتْحِ أَوَّله , قَالَ : وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْقُل حَرَكَة الْهَمْزَة فَيَفْتَح بِهَا الْوَاو , وَحَكَى اِبْن التِّين التُّوَمَة بِوَزْنِ الْحُطَمَة وَلَعَلَّ هَذِهِ الضَّمَّة أَصْل مَا حُكِيَ عَنْ الْمُحَدِّثِينَ , وَقَوْله \" رَقَّاء عَلَى الْجِبَال \" فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح دُون نَافِع مَوْلَى أَبِي قَتَادَة , قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : نَبَّهَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة عَلَى جَوَاز اِرْتِكَاب الْمَشَاقّ لِمَنْ لَهُ غَرَض لِنَفْسِهِ أَوْ لِدَابَّتِهِ إِذَا كَانَ الْغَرَض مُبَاحًا , وَأَنَّ التَّصَيُّد فِي الْجِبَال كَهُوَ فِي السَّهْل , وَأَنَّ إِجْرَاء الْخَيْل فِي الْوَعْر جَائِز لِلْحَاجَةِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ تَعْذِيب الْحَيَوَان. ‏"
    },
    {
        "id": "5069",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏غَزَوْنَا جَيْشَ ‏ ‏الْخَبَطِ ‏ ‏وَأُمِّرَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏ ‏فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ يُقَالُ لَهُ الْعَنْبَرُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ فَأَخَذَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5070",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَعَثَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثَ مِائَةِ رَاكِبٍ وَأَمِيرُنَا ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏ ‏نَرْصُدُ عِيرًا ‏ ‏لِقُرَيْشٍ ‏ ‏فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلْنَا ‏ ‏الْخَبَطَ ‏ ‏فَسُمِّيَ جَيْشَ ‏ ‏الْخَبَطِ ‏ ‏وَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا يُقَالُ لَهُ الْعَنْبَرُ فَأَكَلْنَا نِصْفَ شَهْرٍ وَادَّهَنَّا بِوَدَكِهِ حَتَّى صَلَحَتْ أَجْسَامُنَا قَالَ فَأَخَذَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏ ‏ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنَصَبَهُ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ وَكَانَ فِينَا ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏فَلَمَّا اشْتَدَّ الْجُوعُ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ثُمَّ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ثُمَّ نَهَاهُ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5071",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي يَعْفُورٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَبْعَ غَزَوَاتٍ ‏ ‏أَوْ سِتًّا ‏ ‏كُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَأَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏وَإِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي يَعْفُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏سَبْعَ غَزَوَاتٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي يَعْفُور ) ‏ ‏بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَضَمّ الْفَاء هُوَ الْعَبْدِيّ , وَاسْمه وَقْدَان وَقِيلَ وَاقِد , وَقَالَ مُسْلِم اِسْمه وَاقِد وَلَقَبه وَقْدَان , وَهُوَ الْأَكْبَر , وَأَبُو يَعْفُور الْأَصْغَر اِسْمه عَبْد الرَّحْمَن بْن عُبَيْد , وَكِلَاهُمَا ثِقَة مِنْ أَهْل الْكُوفَة , وَلَيْسَ لِلْأَكْبَرِ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة فِي أَبْوَاب الرُّكُوع مِنْ صِفَة الصَّلَاة , وَقَدْ ذَكَرْت كَلَام النَّوَوِيّ فِيهِ وَجَزْمه بِأَنَّهُ الْأَصْغَر وَأَنَّ الصَّوَاب أَنَّهُ الْأَكْبَر , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْكَلَابَاذِيّ وَغَيْره وَالنَّوَوِيّ تَبِعَ فِي ذَلِكَ اِبْن الْعَرَبِيّ وَغَيْره وَاَلَّذِي يُرَجِّح كَلَام الْكَلَابَاذِيّ جَزْم التِّرْمِذِيّ بَعْد تَخْرِيجه بِأَنَّ رَاوِي حَدِيث الْجَرَاد هُوَ الَّذِي اِسْمه وَاقِد وَيُقَال وَقْدَان وَهَذَا هُوَ الْأَكْبَر , وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا أَنَّ اِبْن أَبِي حَاتِم جَزَمَ فِي تَرْجَمَة الْأَصْغَر بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى. ‏ ‏قَوْله ( سَبْع غَزَوَات أَوْ سِتًّا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلَا إِشْكَال فِيهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ \" أَوْ سِتّ \" بِغَيْرِ تَنْوِين , وَوَقَعَ فِي \" تَوْضِيح اِبْن مَالِك , سَبْع غَزَوَات أَوْ ثَمَانِي \" وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ : الْأَجْوَد أَنْ يُقَال سَبْع غَزَوَات أَوْ ثَمَانِيَة بِالتَّنْوِينِ لِأَنَّ لَفْظ ثَمَانٍ وَإِنْ كَانَ كَلَفْظِ جَوَارٍ فِي أَنَّ ثَالِث حُرُوفه أَلِف بَعْدهَا حَرْفَانِ ثَانِيهمَا يَاء فَهُوَ يُخَالِفهُ فِي أَنَّ جَوَارِي جَمْع وَثَمَانِيَة لَيْسَ بِجَمْعٍ وَاللَّفْظ بِهِمَا فِي الرَّفْع وَالْجَرّ سَوَاء , وَلَكِنَّ تَنْوِينَ ثَمَانٍ تَنْوِين صَرْف وَتَنْوِينَ جَوَارٍ تَنْوِين عِوَض , وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ بِالنَّصْبِ. وَاسْتَمَرَّ يَتَكَلَّم عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ : وَفِي ذِكْره لَهُ بِلَا تَنْوِين ثَلَاثَة أَوْجُه أَجْوَدهَا أَنْ يَكُون حَذَفَ الْمُضَاف إِلَيْهِ وَأَبْقَى الْمُضَاف عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْل الْحَذْف , وَمِثْله قَوْل الشَّاعِر ‏ ‏خَمْس ذُود أَوْ سِتّ عُوِّضْت مِنْهَا ‏ ‏الْبَيْت. الْوَجْه الثَّانِي أَنْ يَكُون الْمَنْصُوب كُتِبَ بِغَيْرِ أَلِف عَلَى لُغَة رَبِيعَة , وَذَكَرَ وَجْهًا آخَر يَخْتَصّ بِالثَّمَانِ , وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْء مِنْ طُرُق الْحَدِيث لَا فِي الْبُخَارِيّ وَلَا فِي غَيْره بِلَفْظِ ثَمَان , فَمَا أَدْرِي كَيْف وَقَعَ هَذَا. ‏ ‏وَهَذَا الشَّكّ فِي عَدَد الْغَزَوَات مِنْ شُعْبَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة شُعْبَة بِالشَّكِّ أَيْضًا ; وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَته بِلَفْظِ السِّتّ مِنْ غَيْر شَكّ , وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة فَقَالَ \" غَزَوَات \" وَلَمْ يَذْكُر عَدَدًا. ‏ ‏قَوْله ( وَكُنَّا نَأْكُل مَعَهُ الْجَرَاد ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالْمَعِيَّةِ مُجَرَّد الْغَزْو دُون مَا تَبِعَهُ مِنْ أَكْل الْجَرَاد , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد مَعَ أَكْله , وَيَدُلّ عَلَى الثَّانِي أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم فِي الطِّبّ \" وَيَأْكُل مَعَنَا \" وَهَذَا إِنْ صَحَّ يَرُدّ عَلَى الصَّيْمَرِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّة فِي زَعْمه أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَهُ كَمَا عَافَ الضَّبّ. ثُمَّ وَقَفْت عَلَى مُسْتَنَد الصَّيْمَرِيّ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث سَلْمَان \" سُئِلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجَرَاد فَقَالَ : لَا آكُلهُ وَلَا أُحَرِّمهُ \" وَالصَّوَاب مُرْسَل , وَلِابْنِ عَدِيّ فِي تَرْجَمَة ثَابِت بْن زُهَيْر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الضَّبّ فَقَالَ : لَا آكُلهُ وَلَا أُحَرِّمهُ , وَسُئِلَ عَنْ الْجَرَاد فَقَالَ مِثْل ذَلِكَ \" وَهَذَا لَيْسَ ثَابِتًا لِأَنَّ ثَابِتًا قَالَ فِيهِ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِثِقَةٍ , وَنَقَلَ النَّوَوِيّ الْإِجْمَاع عَلَى حِلّ أَكْل الْجَرَاد , لَكِنْ فَصَلَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ بَيْن جَرَاد الْحِجَاز وَجَرَاد الْأَنْدَلُس فَقَالَ فِي جَرَاد الْأَنْدَلُس : لَا يُؤْكَل لِأَنَّهُ ضَرَر مَحْض. وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ يَضُرّ أَكْله بِأَنْ يَكُون فِيهِ سُمِّيَّة تَخُصّهُ دُون غَيْره مِنْ جَرَاد الْبِلَاد تَعَيَّنَ اِسْتِثْنَاؤُهُ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف وَهُوَ الْفِرْيَابِيّ عَنْ سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ وَلَفْظه \" غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْع غَزَوَات نَأْكُل الْجَرَاد \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الثَّوْرِيّ وَأَفَادَ أَنَّ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ رَوَى هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا عَنْ أَبِي يَعْفُور لَكِنْ قَالَ \" سِتّ غَزَوَات \". ‏ ‏قُلْت : وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ جَازِمًا بِالسِّتِّ , وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : كَذَا قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ سِتّ وَقَالَ غَيْره سَبْع. قُلْت : وَدَلَّتْ رِوَايَة شُعْبَة عَلَى أَنَّ شَيْخهمْ كَانَ يَشُكّ فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ جَزَمَ مَرَّة بِالسَّبْعِ ثُمَّ لَمَّا طَرَأَ عَلَيْهِ الشَّكّ صَارَ يَجْزِم بِالسِّتِّ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّن , وَيُؤَيِّد هَذَا الْحَمْل أَنَّ سَمَاع سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْهُ مُتَأَخِّر دُون الثَّوْرِيّ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ , وَلَكِنْ وَقَعَ عِنْد اِبْن حِبَّان مِنْ رِوَايَة أَبِي الْوَلِيد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" سَبْعًا أَوْ سِتًّا , يَشُكّ شُعْبَة \". ‏ ‏قَوْله ( وَأَبُو عَوَانَة ) ‏ ‏وَصَلَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي كَامِل عَنْهُ وَلَفْظه مِثْل الثَّوْرِيّ , وَذَكَرَهُ الْبَزَّار مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن حَمَّاد عَنْ أَبِي عَوَانَة فَقَالَ مَرَّة عَنْ أَبِي يَعْفُور وَمَرَّة عَنْ الشَّيْبَانِيِّ , وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيح كَوْنه عَنْ أَبِي يَعْفُور , وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ صَرِيحًا أَنَّهُ عِنْد أَبِي دَاوُدَ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِسْرَائِيل ) ‏ ‏وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء عَنْهُ وَلَفْظه \" سَبْع غَزَوَات فَكُنَّا نَأْكُل مَعَهُ الْجَرَاد \". ‏"
    },
    {
        "id": "5072",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏فَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ ‏ ‏بِمُعَلَّمٍ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ ‏ ‏أَهْلِ كِتَابٍ ‏ ‏فَلَا تَأْكُلُوا فِي آنِيَتِهِمْ إِلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا بُدًّا فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا بُدًّا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضِ صَيْدٍ فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ وَكُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ وَكُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ‏ ‏ذَكَاتَهُ ‏ ‏فَكُلْهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة عَنْ أَبِي عَاصِم عَالِيًا وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظه , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَبْل , ‏"
    },
    {
        "id": "5073",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا أَمْسَوْا يَوْمَ فَتَحُوا ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏أَوْقَدُوا النِّيرَانَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَامَ أَوْقَدْتُمْ هَذِهِ النِّيرَانَ قَالُوا لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ قَالَ ‏ ‏أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا وَاكْسِرُوا قُدُورَهَا فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقَالَ ‏ ‏نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ ذَاكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع فِي الْحُمُر الْأَهْلِيَّة أَوْرَدَهُ عَالِيًا وَهُوَ مِنْ ثُلَاثِيَّاته , وَسَيَأْتِي شَرْحه بَعْد ثَلَاثَة عَشَر بَابًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5074",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ ‏ ‏فَأَصَبْنَا ‏ ‏إِبِلًا وَغَنَمًا وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ فَعَجِلُوا ‏ ‏فَنَصَبُوا ‏ ‏الْقُدُورَ فَدُفِعَ إِلَيْهِمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرَ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ ‏ ‏فَنَدَّ ‏ ‏مِنْهَا بَعِيرٌ وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ فَطَلَبُوهُ ‏ ‏فَأَعْيَاهُمْ ‏ ‏فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ ‏ ‏فَحَبَسَهُ ‏ ‏اللَّهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ ‏ ‏أَوَابِدَ ‏ ‏كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا ‏ ‏نَدَّ ‏ ‏عَلَيْكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا قَالَ وَقَالَ جَدِّي إِنَّا لَنَرْجُو أَوْ نَخَافُ أَنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى أَفَنَذْبَحُ ‏ ‏بِالْقَصَبِ ‏ ‏فَقَالَ مَا ‏ ‏أَنْهَرَ ‏ ‏الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْهُ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ وَالِد سُفْيَان , وَمَدَارُ هَذَا الْحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبَايَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْد الْأَلِف تَحْتَانِيَّة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ جَدّه رَافِع بْن خَدِيج ) ‏ ‏كَذَا قَالَ أَكْثَر أَصْحَاب سَعِيد بْن مَسْرُوق عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِر كِتَاب الصَّيْد وَالذَّبَائِح. وَقَالَ أَبُو الْأَحْوَص \" عَنْ سَعِيد عَنْ عَبَايَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه \" وَلَيْسَ لِرِفَاعَة بْن رَافِع ذِكْر فِي كُتُب الْأَقْدَمِينَ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الرِّجَال , وَإِنَّمَا ذَكَرُوا وَلَده عَبَايَة بْن رِفَاعَة. نَعَمْ ذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي ثِقَات التَّابِعِينَ وَقَالَ : إِنَّهُ يُكَنَّى أَبَا خَدِيج , وَتَابَعَ أَبَا الْأَحْوَص عَلَى زِيَادَته فِي الْإِسْنَاد حَسَّان بْن إِبْرَاهِيم الْكَرْمَانِيُّ عَنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقه , وَهَكَذَا رَوَاهُ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عَبَايَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه , قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" , قَالَ : وَكَذَا قَالَ مُبَارَك بْن سَعِيد الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِيهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الطَّبَرَانِيّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مُبَارَك فَلَمْ يَقُلْ فِي الْإِسْنَاد عَنْ أَبِيهِ , فَلَعَلَّهُ اُخْتُلِفَ عَلَى الْمُبَارَك فِيهِ فَإِنَّ الدَّارَقُطْنِيّ لَا يَتَكَلَّم فِي هَذَا الْفَنّ جُزَافًا , وَرِوَايَة لَيْث بْن أَبِي سُلَيْمٍ عِنْد الطَّبَرَانِيّ , وَقَدْ أَغْفَلَ الدَّارَقُطْنِيُّ ذِكْر طَرِيق حَسَّان بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ الْجَيَّانِيّ : رَوَى الْبُخَارِيّ حَدِيث رَافِع مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَحْوَص فَقَالَ \" عَنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق عَنْ عَبَايَة بْن رَافِع عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه \" هَكَذَا عِنْد أَكْثَر الرُّوَاة , وَسَقَطَ قَوْله \" عَنْ أَبِيهِ \" فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن عِنْد الْفَرَبْرِيّ وَحْده وَأَظُنّهُ مِنْ إِصْلَاح اِبْن السَّكَن فَإِنَّ اِبْن أَبِي شَيْبَة أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي الْأَحْوَص بِإِثْبَاتِ قَوْله \" عَنْ أَبِيهِ \" ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْر : لَمْ يَقُلْ أَحَد فِي هَذَا السَّنَد عَنْ أَبِيهِ غَيْر أَبِي الْأَحْوَص ا ه. وَقَدْ قَدَّمْت فِي \" بَاب التَّسْمِيَة عَلَى الذَّبِيحَة \" ذِكْر مَنْ تَابَعَ أَبَا الْأَحْوَص عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ نَقَلَ الْجَيَّانِيّ عَنْ عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد حَافِظ مِصْر أَنَّهُ قَالَ : خَرَّجَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث عَنْ مُسَدَّد عَنْ أَبِي الْأَحْوَص عَلَى الصَّوَاب , يَعْنِي بِإِسْقَاطِ \" عَنْ أَبِيهِ \" , قَالَ : وَهُوَ أَصْل يَعْمَل بِهِ مَنْ بَعْد الْبُخَارِيّ إِذَا وَقَعَ فِي الْحَدِيث خَطَأ لَا يُعَوَّل عَلَيْهِ , قَالَ : وَإِنَّمَا يَحْسُن هَذَا فِي النَّقْص دُون الزِّيَادَة فَيُحْذَف الْخَطَأ , قَالَ الْجَيَّانِيّ : وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ عَبْد الْغَنِيّ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ مِنْ عَمَل الْبُخَارِيّ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْأَكْثَر رَوَوْهُ عَنْ الْبُخَارِيّ بِإِثْبَاتِ قَوْله \" عَنْ أَبِيهِ \". ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَة ) ‏ ‏زَادَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِيهِ \" مِنْ تِهَامَة \" تَقَدَّمَتْ فِي الشَّرِكَة , وَذُو الْحُلَيْفَة هَذَا مَكَان غَيْر مِيقَات الْمَدِينَة , لِأَنَّ الْمِيقَات فِي طَرِيق الذَّاهِب مِنْ الْمَدِينَة وَمِنْ الشَّام إِلَى مَكَّة , وَهَذِهِ بِالْقُرْبِ مِنْ ذَات عِرْق بَيْن الطَّائِف وَمَكَّة , كَذَا جَزَمَ بِهِ أَبُو بَكْر الْحَازِمِيّ وَيَاقُوت , وَوَقَعَ لِلْقَابِسِيِّ أَنَّهَا الْمِيقَات الْمَشْهُور وَكَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيّ قَالُوا : وَكَانَ ذَلِكَ عِنْد رُجُوعهمْ مِنْ الطَّائِف سَنَة ثَمَانٍ. وَتِهَامَة اِسْم لِكُلِّ مَا نَزَلَ مِنْ بِلَاد الْحِجَاز , سُمِّيَتْ بِذَلِك مِنْ التَّهَم بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَالْهَاء وَهُوَ شِدَّة الْحَرّ وَرُكُود الرِّيح وَقِيلَ تَغَيُّر الْهَوَاء. ‏ ‏قَوْله ( فَأَصَابَ النَّاس جُوع ) ‏ ‏كَأَنَّ الصَّحَابِيَّ قَالَ هَذَا مُمَهِّدًا لِعُذْرِهِمْ فِي ذَبْحهمْ الْإِبِل وَالْغَنَم الَّتِي أَصَابُوا. ‏ ‏قَوْله ( فَأَصَبْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص \" وَتَقَدَّمَ سُرْعَان النَّاس فَأَصَابُوا مِنْ الْمَغَانِم \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ الْآتِيَة بَعْد أَبْوَاب \" فَأَصَبْنَا نَهْب إِبِل وَغَنَم \". ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُخْرَيَات النَّاس ) ‏ ‏أُخْرَيَات جَمْع أُخْرَى , وَفِي رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص \" فِي آخِر النَّاس \" , وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَل ذَلِكَ صَوْنًا لِلْعَسْكَرِ وَحِفْظًا , لِأَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَهُمْ لَخَشِىَ أَنْ يَنْقَطِع الضَّعِيف مِنْهُمْ دُونه , وَكَانَ حِرْصهمْ عَلَى مُرَافَقَته شَدِيدًا فَيَلْزَم مِنْ سَيْره فِي مَقَام السَّاقَة صَوْن الضُّعَفَاء لِوُجُودِ مَنْ يَتَأَخَّر مَعَهُ قَصْدًا مِنْ الْأَقْوِيَاء. ‏ ‏قَوْله ( فَعَجِلُوا فَنَصَبُوا الْقُدُور ) ‏ ‏يَعْنِي مِنْ الْجُوع الَّذِي كَانَ بِهِمْ , فَاسْتَعْجَلُوا فَذَبَحُوا الَّذِي غَنِمُوهُ وَوَضَعُوهُ فِي الْقُدُور , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة دَاوُدَ بْن عِيسَى عَنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق \" فَانْطَلَقَ نَاس مِنْ سَرَعَان النَّاس فَذَبَحُوا وَنَصَبُوا قُدُورهمْ قَبْل أَنْ يَقْسِم \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَة مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن الْحَكَم عَنْ أَبِي عَوَانَة \" فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا الْقُدُور \" وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ \" فَأَغْلَوْا الْقُدُور \" أَيْ أَوْقَدُوا النَّار تَحْتهَا حَتَّى غَلَتْ , وَفِي رِوَايَة زَائِدَة عَنْ عُمَر بْن سَعِيد عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج عَلَى مُسْلِم \" وَسَاقَ مُسْلِم إِسْنَادهَا \" فَعَجَّلَ أَوَّلهمْ فَذَبَحُوا وَنَصَبُوا الْقُدُور \". ‏ ‏قَوْله ( فَدُفِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ ) ‏ ‏دُفِعَ بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِمْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة زَائِدَة عَنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق \" فَانْتَهَى إِلَيْهِمْ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَمَرَ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة وَسُكُون الْكَاف أَيْ قُلِبَتْ وَأُفْرِغَ مَا فِيهَا , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْمَكَان فِي شَيْئَيْنِ : أَحَدهمَا سَبَب الْإِرَاقَة , وَالثَّانِي هَلْ أُتْلِفَ اللَّحْم أَمْ لَا ؟ فَأَمَّا الْأَوَّل فَقَالَ عِيَاض : كَانُوا اِنْتَهَوْا إِلَى دَار الْإِسْلَام وَالْمَحَلّ الَّذِي لَا يَجُوز فِيهِ الْأَكْل مِنْ مَال الْغَنِيمَة الْمُشْتَرَكَة إِلَّا بَعْد الْقِسْمَة , وَأَنَّ مَحَلّ جَوَاز ذَلِكَ قَبْل الْقِسْمَة إِنَّمَا هُوَ مَا دَامُوا فِي دَار الْحَرْب , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنَّ سَبَب ذَلِكَ كَوْنهمْ اِنْتَهَبُوهَا , وَلَمْ يَأْخُذُوهَا بِاعْتِدَالٍ وَعَلَى قَدْر الْحَاجَة. قَالَ : وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث آخَر مَا يَدُلّ لِذَلِكَ , يُشِير إِلَى مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَاصِم بْن كُلَيْب عَنْ أَبِيهِ وَلَهُ صُحْبَة عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار قَالَ \" أَصَابَ النَّاس مَجَاعَة شَدِيدَة وَجَهْد فَأَصَابُوا غَنَمًا فَانْتَهَبُوهَا , فَإِنَّ قُدُورنَا لَتَغْلِي بِهَا إِذْ جَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَرَسه فَأَكْفَأ قُدُورنَا بِقَوْسِهِ , ثُمَّ جَعَلَ يُرَمِّل اللَّحْم بِالتُّرَابِ , ثُمَّ قَالَ : إِنَّ النُّهْبَة لَيْسَتْ بِأَحَلّ مِنْ الْمَيْتَة \" ا ه. وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عَامَلَهُمْ مِنْ أَجْل اِسْتِعْجَالهمْ بِنَقِيضِ قَصْدهمْ كَمَا عُومِلَ الْقَاتِل بِمَنْعِ الْمِيرَاث. وَأَمَّا الثَّانِي فَقَالَ النَّوَوِيّ : الْمَأْمُور بِهِ مِنْ إِرَاقَة الْقُدُور إِنَّمَا هُوَ إِتْلَاف الْمَرَق عُقُوبَة لَهُمْ , وَأَمَّا اللَّحْم فَلَمْ يُتْلِفُوهُ بَلْ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ جُمِعَ وَرُدَّ إِلَى الْمَغْنَم , وَلَا يُظَنّ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِتْلَافِهِ مَعَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ إِضَاعَة الْمَال وَهَذَا مِنْ مَال الْغَانِمِينَ , وَأَيْضًا فَالْجِنَايَة بِطَبْخِهِ لَمْ تَقَع مِنْ جَمِيع مُسْتَحِقِّي الْغَنِيمَة فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَطْبُخ وَمِنْهُمْ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلْخُمُسِ فَإِنْ قِيلَ لَمْ يُنْقَل أَنَّهُمْ حَمَلُوا اللَّحْم إِلَى الْمَغْنَم قُلْنَا : وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُمْ أَحْرَقُوهُ أَوْ أَتْلَفُوهُ , فَيَجِب تَأْوِيله عَلَى وَفْق الْقَوَاعِد ا ه. وَيَرُدّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي دَاوُدَ فَإِنَّهُ جَيِّد الْإِسْنَاد وَتَرْك تَسْمِيَة الصَّحَابِيّ لَا يَضُرّ , وَرِجَال الْإِسْنَاد عَلَى شَرْط مُسْلِم , وَلَا يُقَال لَا يَلْزَم مِنْ تَتْرِيب اللَّحْم إِتْلَافه لِإِمْكَانِ تَدَارُكه بِالْغَسْلِ , لِأَنَّ السِّيَاق يُشْعِر بِأَنَّهُ أُرِيدَ الْمُبَالَغَة فِي الزَّجْر عَنْ ذَلِكَ الْفِعْل , فَلَوْ كَانَ بِصَدَدِ أَنْ يُنْتَفَع بِهِ بَعْد ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَبِير زَجْر , لِأَنَّ الَّذِي يَخُصّ الْوَاحِد مِنْهُمْ نَزْر يَسِير فَكَانَ إِفْسَادهَا عَلَيْهِمْ مَعَ تَعَلُّق قُلُوبهمْ بِهَا وَحَاجَتهمْ إِلَيْهَا وَشَهْوَتهمْ لَهَا أَبْلَغَ فِي الزَّجْر. وَأَبْعَدَ الْمُهَلَّب فَقَالَ : إِنَّمَا عَاقَبَهُمْ لِأَنَّهُمْ اِسْتَعْجَلُوا وَتَرَكُوهُ فِي آخِر الْقَوْم مُتَعَرِّضًا لِمَنْ يَقْصِدهُ مِنْ عَدُوّ وَنَحْوه , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُخْتَارًا لِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره , وَلَا مَعْنَى لِلْحَمْلِ عَلَى الظَّنّ مَعَ وُرُود النَّصّ بِالسَّبَبِ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : أَمْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِكْفَاءِ الْقُدُور يَجُوز أَنْ يَكُون مِنْ أَجْل أَنَّ ذَبْح مَنْ لَا يَمْلِك الشَّيْء كُلّه لَا يَكُون مُذَكِّيًا , وَيَجُوز أَنْ يَكُون مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ تَعَجَّلُوا إِلَى الِاخْتِصَاص بِالشَّيْءِ دُون بَقِيَّة مَنْ يَسْتَحِقّهُ مِنْ قَبْل أَنْ يُقْسَم وَيُخْرَج مِنْهُ الْخُمُس , فَعَاقَبَهُمْ بِالْمَنْعِ مِنْ تَنَاوُل مَا سَبَقُوا إِلَيْهِ زَجْرًا لَهُمْ عَنْ مُعَاوَدَة مِثْله , ثُمَّ رَجَّحَ الثَّانِي وَزَيَّفَ الْأَوَّل بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحِلّ أَكْل الْبَعِير النَّادّ الَّذِي رَمَاهُ أَحَدهمْ بِسَهْمٍ , إِذْ لَمْ يَأْذَن لَهُمْ الْكُلّ فِي رَمْيه , مَعَ أَنَّ رَمْيه ذَكَاة لَهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي نَفْس حَدِيث الْبَاب ا ه مُلَخَّصًا. وَقَدْ جَنَحَ الْبُخَارِيّ إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّل وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الْأَضَاحِيّ , وَيُمْكِن الْجَوَاب عَمَّا أَلْزَمَهُ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ قِصَّة الْبَعِير بِأَنْ يَكُون الرَّامِي رَمَى بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْجَمَاعَة فَأَقَرُّوهُ , فَدَلَّ سُكُوتهمْ عَلَى رِضَاهُمْ بِخِلَافِ مَا ذَبَحَهُ أُولَئِكَ قَبْل أَنْ يَأْتِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ , فَافْتَرَقَا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَة مِنْ الْغَنَم بِبَعِيرٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة. وَهَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ قِيمَة الْغَنَم إِذْ ذَاكَ , فَلَعَلَّ الْإِبِل كَانَتْ قَلِيلَة أَوْ نَفِيسَة وَالْغَنَم كَانَتْ كَثِيرَة أَوْ هَزِيلَة بِحَيْثُ كَانَتْ قِيمَة الْبَعِير عَشْر شِيَاه , وَلَا يُخَالِف ذَلِكَ الْقَاعِدَة فِي الْأَضَاحِيّ مِنْ أَنَّ الْبَعِير يُجْزِئ عَنْ سَبْع شِيَاه , لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْغَالِب فِي قِيمَة الشَّاة وَالْبَعِير الْمُعْتَدِلَيْنِ , وَأَمَّا هَذِهِ الْقِسْمَة فَكَانَتْ وَاقِعَة عَيْن فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّعْدِيل لِمَا ذُكِرَ مِنْ نَفَاسَة الْإِبِل دُون الْغَنَم , وَحَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم صَرِيح فِي الْحُكْم حَيْثُ قَالَ فِيهِ \" أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْتَرِك فِي الْإِبِل وَالْبَقَر كُلّ سَبْعَة مِنَّا فِي بَدَنَة \" وَالْبَدَنَة تُطْلَق عَلَى النَّاقَة وَالْبَقَرَة , وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَر فَحَضَرَ الْأَضْحَى فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَقَرَة تِسْعَة وَفِي الْبَدَنَة عَشَرَة \" فَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَعَضَّدَهُ بِحَدِيثِ رَافِع بْن خَدِيج هَذَا. وَاَلَّذِي يَتَحَرَّر فِي هَذَا أَنَّ الْأَصْل أَنَّ الْبَعِير بِسَبْعَةٍ مَا لَمْ يَعْرِض عَارِض مِنْ نَفَاسَة وَنَحْوهَا فَيَتَغَيَّر الْحُكْم بِحَسَبِ ذَلِكَ , وَبِهَذَا تَجْتَمِع الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ. ثُمَّ الَّذِي يَظْهَر مِنْ الْقِسْمَة الْمَذْكُورَة أَنَّهَا وَقَعَتْ فِيمَا عَدَا مَا طُبِخَ وَأُرِيقَ مِنْ الْإِبِل وَالْغَنَم الَّتِي كَانُوا غَنِمُوهَا , وَيَحْتَمِل - إِنْ كَانَتْ الْوَاقِعَة تَعَدَّدَتْ - أَنْ تَكُون الْقِصَّة الَّتِي ذَكَرَهَا اِبْن عَبَّاس أَتْلَفَ فِيهَا اللَّحْم لِكَوْنِهِ كَانَ قُطِعَ لِلطَّبْخِ وَالْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث رَافِع طُبِخَتْ الشِّيَاه صِحَاحًا مَثَلًا فَلَمَّا أُرِيقَ مَرَقهَا ضُمَّتْ إِلَى الْمَغْنَم لِتُقْسَم ثُمَّ يَطْبُخهَا مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمه , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ النُّكْتَة فِي اِنْحِطَاط قِيمَة الشِّيَاه عَنْ الْعَادَة , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( فَنَدَّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَتَشْدِيد الدَّال أَيْ هَرَبَ نَافِرًا. ‏ ‏قَوْله ( مِنْهَا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْإِبِل الْمَقْسُومَةِ. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ فِي الْقَوْم خَيْل يَسِيرَة ) ‏ ‏فِيهِ تَمْهِيد لِعُذْرِهِمْ فِي كَوْن الْبَعِير الَّذِي نَدَّ أَتْعَبَهُمْ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى تَحْصِيله , فَكَأَنَّهُ يَقُول : لَوْ كَانَ فِيهِمْ خُيُول كَثِيرَة لَأَمْكَنَهُمْ أَنْ يُحِيطُوا بِهِ فَيَأْخُذُوهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص \" وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ خَيْل \" أَيْ كَثِيرَة أَوْ شَدِيدَة الْجَرْي , فَيَكُون النَّفْي لِصِفَةٍ فِي الْخَيْل لَا لِأَصْلِ الْخَيْل جَمْعًا بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ ) ‏ ‏أَيْ أَتْعَبَهُمْ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى تَحْصِيلِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُل ) ‏ ‏أَيْ قَصَدَ نَحْوه وَرَمَاهُ , وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمِ هَذَا الرَّامِي. ‏ ‏قَوْله ( فَحَبَسَهُ اللَّه ) ‏ ‏أَيْ أَصَابَهُ السَّهْمُ فَوَقَفَ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ وَشُعْبَة الْمَذْكُورَتَيْنِ بَعْد \" إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِل \" قَالَ بَعْض شُرَّاح الْمَصَابِيح : هَذِهِ \" اللَّام \" تُفِيد مَعْنَى \" مِنْ \" لِأَنَّ الْبَعْضِيَّة تُسْتَفَاد مِنْ اِسْم إِنَّ لِكَوْنِهِ نَكِرَة. ‏ ‏قَوْله ( أَوَابِد ) ‏ ‏جَمْع آبِدَة بِالْمَدِّ وَكَسْر الْمُوَحَّدَة أَيْ غَرِيبَة , يُقَال جَاءَ فُلَان بِآبِدَةٍ أَيْ بِكَلِمَةٍ أَوْ فَعْلَة مُنَفِّرَة , يُقَال أَبَدَتْ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة تَأْبُد بِضَمِّهَا وَيَجُوز الْكَسْر أُبُودًا , وَيُقَال تَأَبَّدَتْ أَيْ تَوَحَّشَتْ , وَالْمُرَاد أَنَّ لَهَا تَوَحُّشًا. ‏ ‏قَوْله ( فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ \" فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص \" فَمَا فَعَلَ مِنْهَا هَذَا فَافْعَلُوا مِثْل هَذَا \" زَادَ عُمَر بْن سَعِيد بْن مَسْرُوق عَنْ أَبِيهِ \" فَاصْنَعُوا بِهِ ذَلِكَ وَكُلُوهُ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ , وَفِيهِ جَوَاز أَكْل مَا رُمِيَ بِالسَّهْمِ فَجُرِحَ فِي أَيّ مَوْضِع كَانَ مِنْ جَسَده , بِشَرْطِ أَنْ يَكُون وَحْشِيًّا أَوْ مُتَوَحِّشًا , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْد ثَمَانِيَة أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ جَدِّي ) ‏ ‏زَادَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ الثَّوْرِيّ فِي رِوَايَته \" يَا رَسُول اللَّه \" وَهَذَا صُورَته مُرْسَل , فَإِنَّ عَبَايَة اِبْن رِفَاعَة لَمْ يُدْرِك زَمَان الْقَوْل , وَظَاهِر سَائِر الرِّوَايَات أَنَّ عَبَايَة نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ جَدّه , فَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ جَدّه أَنَّهُ قَالَ \" يَا رَسُول اللَّه \" وَفِي رِوَايَة عُمَر بْن عُبَيْد الْآتِيَة أَيْضًا \" قَالَ قُلْت يَا رَسُول اللَّه \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّا لَنَرْجُو أَوْ نَخَاف ) ‏ ‏هُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَفِي التَّعْبِير بِالرَّجَاءِ إِشَارَة إِلَى حِرْصهمْ عَلَى لِقَاء الْعَدُوّ لِمَا يَرْجُونَهُ مِنْ فَضْل الشَّهَادَة أَوْ الْغَنِيمَة , وَبِالْخَوْفِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمْ لَا يُحِبُّونَ أَنْ يَهْجُم عَلَيْهِمْ الْعَدُوّ بَغْتَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص \" إِنَّا نَلْقَى الْعَدُوّ غَدًا \" بِالْجَزْمِ , وَلَعَلَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ بِخَبَرِ مَنْ صَدَّقَهُ أَوْ بِالْقَرَائِنِ , وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن هَارُون عَنْ الثَّوْرِيّ عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج عَلَى مُسْلِم \" إِنَّا نَلْقَى الْعَدُوّ غَدًا وَإِنَّا نَرْجُو \" كَذَا بِحَذْفِ مُتَعَلَّق الرَّجَاء , وَلَعَلَّ مُرَاده الْغَنِيمَة. ‏ ‏قَوْله ( وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله - مُخَفَّف مَقْصُور - جَمْع مُدْيَة بِسُكُونِ الدَّال بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة وَهِيَ السِّكِّين , سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَقْطَع مَدَى الْحَيَوَان أَيْ عُمْره , وَالرَّابِط بَيْن قَوْله \" نَلْقَى الْعَدُوّ وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى \" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاده أَنَّهُمْ إِذَا لَقُوا الْعَدُوّ صَارُوا بِصَدَدِ أَنْ يَغْنَمُوا مِنْهُمْ مَا يَذْبَحُونَهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاده أَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَى ذَبْح مَا يَأْكُلُونَهُ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى الْعَدُوّ إِذَا لَقَوْهُ , وَيُؤَيِّدهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قِسْمَة الْغَنَم وَالْإِبِل بَيْنهمْ فَكَانَ مَعَهُمْ مَا يَذْبَحُونَهُ , وَكَرِهُوا أَنْ يَذْبَحُوا بِسُيُوفِهِمْ لِئَلَّا يَضُرّ ذَلِكَ بِحَدِّهَا وَالْحَاجَة مَاسَة لَهُ. فَسَأَلَ عَنْ الَّذِي يُجْزِئ فِي الذَّبْح غَيْر السِّكِّين وَالسَّيْف , وَهَذَا وَجْه الْحَصْر فِي الْمُدْيَة وَالْقَصَب وَنَحْوه مَعَ إِمْكَان مَا فِي مَعْنَى الْمُدْيَة وَهُوَ السَّيْف. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث غَيْر هَذَا \" إِنَّكُمْ لَاقُو الْعَدُوّ غَدًا وَالْفِطْر أَقْوَى لَكُمْ \" فَنَدَبَهُمْ إِلَى الْفِطْر لِيَتَقَوَّوْا. ‏ ‏قَوْله ( أَفَنَذْبَح بِالْقَصَبِ ) ‏ ‏؟ يَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْد بَابَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( مَا أَنْهَرَ الدَّم ) ‏ ‏أَيْ أَسَالَهُ وَصَبَّهُ بِكَثْرَةِ , شُبِّهَ بِجَرْيِ الْمَاء فِي النَّهَر. قَالَ عِيَاض : هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَات بِالرَّاءِ , وَذَكَرَهُ أَبُو ذَرّ الْخُشَنِيُّ بِالزَّايِ وَقَالَ : النَّهْز بِمَعْنَى الرَّفْع وَهُوَ غَرِيب , و \" مَا \" مَوْصُولَة فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرهَا \" فَكُلُوا \" وَالتَّقْدِير مَا أَنْهَرَ الدَّم فَهُوَ حَلَال فَكُلُوا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون شَرْطِيَّة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عَنْ الثَّوْرِيّ \" كُلْ مَا أَنْهَرَ الدَّم ذَكَاة \" و \" مَا \" فِي هَذَا مَوْصُوفَة. ‏ ‏قَوْله ( وَذُكِرَ اِسْم اللَّه ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ هُنَا , وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسْلِم بِحَذْفِ قَوْله \" عَلَيْهِ \" وَثَبَتَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة فِي هَذَا الْحَدِيث عِنْد الْمُصَنِّف فِي الشَّرِكَة , وَكَلَام النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح مُسْلِم \" يُوهِم أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْبُخَارِيّ إِذْ قَالَ : هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ كُلّهَا يَعْنِي مِنْ مُسْلِم وَفِيهِ مَحْذُوف أَيْ ذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ أَوْ مَعَهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره \" وَذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ \" ا ه فَكَأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَرَهَا فِي الذَّبَائِح مِنْ الْبُخَارِيّ أَيْضًا عَزَاهَا لِأَبِي دَاوُدَ , إِذْ لَوْ اِسْتَحْضَرَهَا مِنْ الْبُخَارِيّ مَا عَدَلَ عَنْ التَّصْرِيح بِذِكْرِهَا فِيهِ اِشْتِرَاط التَّسْمِيَة , لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْإِذْن بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ وَهُمَا الْإِنْهَار وَالتَّسْمِيَة , وَالْمُعَلَّق عَلَى شَيْئَيْنِ لَا يُكْتَفَى فِيهِ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا وَيَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ أَحَدهمَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي اِشْتِرَاط التَّسْمِيَة أَوَّل الْبَاب , وَيَأْتِي أَيْضًا قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله ( لَيْسَ السِّنّ وَالظُّفُر ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاء بِلَيْسَ , وَيَجُوز الرَّفْع أَيْ لَيْسَ السِّنّ وَالظُّفُر مُبَاحًا أَوْ مُجْزِئًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص \" مَا لَمْ يَكُنْ سِنّ أَوْ ظُفْر \" وَفِي رِوَايَة عُمَر بْن عُبَيْد \" غَيْر السِّنّ وَالظُّفُر \" , وَفِي رِوَايَة دَاوُدَ بْن عِيسَى \" إِلَّا سِنًّا أَوْ ظُفْرًا \". ‏ ‏قَوْله ( وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" وَسَأُخْبِرُكُمْ \" وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ وَهَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَة الْمَرْفُوع أَوْ مُدْرَج فِي \" بَاب إِذَا أَصَابَ قَوْم غَنِيمَة \" قُبَيْل كِتَاب الْأَضَاحِيّ. ‏ ‏قَوْله ( أَمَّا السِّنّ فَعَظْم ) ‏ ‏قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : هُوَ قِيَاس حُذِفَتْ مِنْهُ الْمُقَدِّمَة الثَّانِيَة لِشُهْرَتِهَا عِنْدهمْ , وَالتَّقْدِير أَمَّا السِّنّ فَعَظْم , وَكُلّ عَظْم لَا يَحِلّ الذَّبْح بِهِ , وَطَوَى النَّتِيجَة لِدَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاء عَلَيْهَا. وَقَالَ اِبْن الصَّلَاح فِي \" مُشْكِل الْوَسِيط \" هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ قَدْ قَرَّرَ كَوْن الذَّكَاة لَا تَحْصُل بِالْعَظْمِ فَلِذَلِكَ اِقْتَصَرَ عَلَى قَوْله \" فَعَظْم \" , قَالَ : وَلَمْ أَرَ بَعْد الْبَحْث مِنْ نَقْل لِلْمَنْعِ مِنْ الذَّبْح بِالْعَظْمِ مَعْنًى يُعْقَل , وَكَذَا وَقَعَ فِي كَلَام اِبْن عَبْد السَّلَام. , وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى الْحَدِيث لَا تَذْبَحُوا بِالْعِظَامِ فَإِنَّهَا تُنَجَّس بِالدَّمِ وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ تَنْجِيسهَا لِأَنَّهَا زَاد إِخْوَانكُمْ مِنْ الْجِنّ ا ه , وَهُوَ مُحْتَمَل وَلَا يُقَال كَانَ يُمْكِن تَطْهِيرهَا بَعْد الذَّبْح بِهَا لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاء بِهَا كَذَلِكَ , وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئ. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي \" الْمُشْكِل \" : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الذَّبْح بِالْعَظْمِ كَانَ مَعْهُودًا عِنْدهمْ أَنَّهُ لَا يُجْزِئ , وَقَرَّرَهُمْ الشَّارِع عَلَى ذَلِكَ وَأَشَارَ إِلَيْهِ هُنَا. قُلْت : وَسَأَذْكُرُ بَعْد بَابَيْنِ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة مَا يَصْلُح أَنْ يَكُون مُسْتَنَدًا لِذَلِكَ إِنْ ثَبَتَ. ‏ ‏قَوْله ( وَأَمَّا الظُّفُر فَمُدَى الْحَبَشَة ) ‏ ‏أَيْ وَهُمْ كُفَّار وَقَدْ نُهِيتُمْ عَنْ التَّشَبُّه بِهِمْ , قَالَهُ اِبْن الصَّلَاح وَتَبِعَهُ النَّوَوِيّ : وَقِيلَ نَهَى عَنْهُمَا لِأَنَّ الذَّبْح بِهِمَا تَعْذِيب لِلْحَيَوَانِ , وَلَا يَقَع بِهِ غَالِبًا إِلَّا الْخَنْق الَّذِي لَيْسَ هُوَ عَلَى صُورَة الذَّبْح , وَقَدْ قَالُوا : إِنَّ الْحَبَشَة تُدْمِي مَذَابِح الشَّاة بِالظُّفُرِ حَتَّى تَزْهَق نَفْسهَا خَنْقًا. وَاعْتُرِضَ عَلَى التَّعْلِيل الْأَوَّل بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَامْتَنَعَ الذَّبْح بِالسِّكِّينِ وَسَائِر مَا يَذْبَح بِهِ الْكُفَّار , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الذَّبْح بِالسِّكِّينِ هُوَ الْأَصْل وَأَمَّا مَا يَلْتَحِق بِهَا فَهُوَ الَّذِي يُعْتَبَر فِيهِ التَّشْبِيه لِضَعْفِهَا , وَمِنْ ثَمَّ كَانُوا يَسْأَلُونَ عَنْ جَوَاز الذَّبْح بِغَيْرِ السِّكِّين وَشَبَههَا كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا , ثُمَّ وَجَدْت فِي \" الْمَعْرِفَة لِلْبَيْهَقِيّ \" مِنْ رِوَايَة حَرْمَلَة عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ حَمَلَ الظُّفُر فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى النَّوْع الَّذِي يَدْخُل فِي الْبَخُور فَقَالَ : مَعْقُول فِي الْحَدِيث أَنَّ السِّنّ إِنَّمَا يُذَكَّى بِهَا إِذَا كَانَتْ مُنْتَزَعَة , فَأَمَّا وَهِيَ ثَابِتَة فَلَوْ ذُبِحَ بِهَا لَكَانَتْ مُنْخَنِقَة , يَعْنِي فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالسِّنِّ السِّنّ الْمُنْتَزَعَة وَهَذَا بِخِلَافِ مَا نُقِلَ عَنْ الْحَنَفِيَّة مِنْ جَوَازه بِالسِّنِّ الْمُنْفَصِلَة قَالَ : وَأَمَّا الظُّفُر فَلَوْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ ظُفْر الْإِنْسَان لَقَالَ فِيهِ مَا قَالَ فِي السِّنّ , لَكِنْ الظَّاهِر أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الظُّفُر الَّذِي هُوَ طَيِّب مِنْ بِلَاد الْحَبَشَة وَهُوَ لَا يَفْرِي فَيَكُون فِي مَعْنَى الْخَنْق. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ تَحْرِيم التَّصَرُّف فِي الْأَمْوَال الْمُشْتَرَكَة مِنْ غَيْر إِذْن وَلَوْ قُلْت وَلَوْ وَقَعَ الِاحْتِيَاج إِلَيْهَا , وَفِيهِ اِنْقِيَاد الصَّحَابَة لِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى فِي تَرْك مَا بِهِمْ إِلَيْهِ الْحَاجَة الشَّدِيدَة. وَفِيهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ عُقُوبَة الرَّعِيَّة بِمَا فِيهِ إِتْلَاف مَنْفَعَة وَنَحْوهَا إِذَا غَلَبَتْ الْمَصْلَحَة الشَّرْعِيَّة , وَأَنَّ قِسْمَة الْغَنِيمَة يَجُوز فِيهَا التَّعْدِيل وَالتَّقْوِيم , وَلَا يُشْتَرَط قِسْمَة كُلّ شَيْء مِنْهَا عَلَى حِدَة , وَأَنَّ مَا تَوَحُّش مِنْ الْمُسْتَأْنَس يُعْطَى حُكْم الْمُتَوَحِّش وَبِالْعَكْسِ , وَجَوَاز الذَّبْح بِمَا يُحَصِّل الْمَقْصُود سَوَاء كَانَ حَدِيدًا أَمْ لَا , وَجَوَاز عَقْر الْحَيَوَان النَّادّ لِمَنْ عَجَزَ عَنْ ذَبْحِهِ كَالصَّيْدِ الْبَرِّيّ وَالْمُتَوَحِّش مِنْ الْإِنْسِيّ وَيَكُون جَمِيع أَجْزَائِهِ مَذْبَحًا فَإِذَا أُصِيبَ فَمَاتَ مِنْ الْإِصَابَة حَلَّ , أَمَّا الْمَقْدُور عَلَيْهِ فَلَا يُبَاح إِلَّا بِالذَّبْحِ أَوْ النَّحْر إِجْمَاعًا. وَفِيهِ التَّنْبِيه عَلَى أَنَّ تَحْرِيم الْمَيْتَة لِبَقَاءِ دَمهَا فِيهَا. وَفِيهِ مَنْع الذَّبْح بِالسِّنِّ وَالظُّفُر مُتَّصِلًا كَانَ أَوْ مُنْفَصِلًا طَاهِرًا كَانَ أَوْ مُتَنَجِّسًا , وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّة بَيْن السِّنّ وَالظُّفُر الْمُتَّصِلَيْنِ فَخَصُّوا الْمَنْع بِهِمَا وَأَجَازُوهُ بِالْمُنْفَصِلَيْنِ , وَفَرَّقُوا بِأَنَّ الْمُتَّصِل يَصِير فِي مَعْنَى الْخَنْق وَالْمُنْفَصِل فِي مَعْنَى الْحَجْر , وَجَزَمَ اِبْن دَقِيق الْعِيد بِحَمْلِ الْحَدِيث عَلَى الْمُتَّصِلَيْنِ ثُمَّ قَالَ : وَاسْتَدَلَّ بِهِ قَوْم عَلَى مَنْع الذَّبْح بِالْعَظْمِ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ \" أَمَّا السِّنّ فَعَظْم \" فَعُلِّلَ مَنْع الذَّبْح بِهِ لِكَوْنِهِ عَظْمًا , وَالْحُكْم يَعُمّ بِعُمُومِ عِلَّته , وَقَدْ جَاءَ عَنْ مَالِك فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة أَرْبَع رِوَايَات ثَالِثهَا يَجُوز بِالْعَظْمِ دُون السِّنّ مُطْلَقًا رَابِعهَا يَجُوز بِهِمَا مُطْلَقًا حَكَاهَا اِبْن الْمُنْذِر , وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ الْجَوَاز مُطْلَقًا عَنْ قَوْم , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم \" أَمِرَّ الدَّم بِمَا شِئْت \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , لَكِنْ عُمُومه مَخْصُوص بِالنَّهْيِ الْوَارِد صَحِيحًا فِي حَدِيث رَافِع عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ , وَسَلَكَ الطَّحَاوِيُّ طَرِيقًا آخَر فَاحْتَجَّ لِمَذْهَبِهِ بِعُمُومِ حَدِيث عَدِيّ قَالَ : وَالِاسْتِثْنَاء فِي حَدِيث رَافِع يَقْتَضِي تَخْصِيص هَذَا الْعُمُوم , لَكِنَّهُ فِي الْمَنْزُوعِينَ غَيْر مُحَقَّق وَفِي غَيْر الْمَنْزُوعِينَ مُحَقَّق مِنْ حَيْثُ النَّظَر , وَأَيْضًا فَالذَّبْح بِالْمُتَّصِلِينَ يُشْبِه الْخَنْق وَبِالْمَنْزُوعِينَ يُشْبِه الْآلَة الْمُسْتَقِلَّة مِنْ حَجَر وَخَشَب. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5075",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ الْمُخْتَارِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ لَقِيَ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ‏ ‏بِأَسْفَلِ ‏ ‏بَلْدَحٍ ‏ ‏وَذَاكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَحْيُ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ ‏ ‏إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ وَلَا آكُلُ إِلَّا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصَّة زَيْد بْن عَمْرو بْن نُفَيْل وَوَقَعَ فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَاف نَظِير مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي أَوَاخِر الْمَنَاقِب , وَهُوَ أَنَّهُ وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ \" فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُفْرَة \" وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَقَدَّمَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُفْرَة \" وَجَمَعَ اِبْن الْمُنَيِّر بَيْن هَذَا الِاخْتِلَاف بِأَنَّ الْقَوْم الَّذِينَ كَانُوا هُنَاكَ قَدَّمُوا السُّفْرَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدَّمَهَا لِزَيْدٍ , فَقَالَ زَيْد مُخَاطِبًا لِأُولَئِكَ الْقَوْم مَا قَالَ , وَقَوْله \" سُفْرَة لَحْم \" فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" سُفْرَة فِيهَا لَحْم \" وَقَدْ سَبَقَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر الْمَنَاقِب. ‏"
    },
    {
        "id": "5076",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُضْحِيَةً ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا أُنَاسٌ قَدْ ذَبَحُوا ضَحَايَاهُمْ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ رَآهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُمْ قَدْ ذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5077",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏يُخْبِرُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ جَارِيَةً لَهُمْ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا ‏ ‏بِسَلْعٍ ‏ ‏فَأَبْصَرَتْ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا مَوْتًا فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا فَقَالَ لِأَهْلِهِ لَا تَأْكُلُوا حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَسْأَلَهُ ‏ ‏أَوْ حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْهِ مَنْ يَسْأَلُهُ ‏ ‏فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ بَعَثَ إِلَيْهِ ‏ ‏فَأَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِأَكْلِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مُعْتَمِر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ وَعُبَيْد اللَّه هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ نَافِع سَمِعَ اِبْن كَعْب بْن مَالِك ) ‏ ‏جَزَمَ الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" بِأَنَّهُ عَبْد اللَّه بْن كَعْب , وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ فِي الْوَكَالَة , وَأَنَّ الَّذِي يَتَرَجَّح أَنَّهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى نَافِع كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ جَارِيَة لَهُمْ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمِهَا. ‏ ‏قَوْله ( بِسَلْعٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام وَحُكِيَ فَتْحهَا وَآخِره مُهْمَلَة : جَبَل مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَبْصَرَتْ بِشَاةٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" فَأُصِيبَتْ شَاة مِنْ غَنَمهَا \". ‏ ‏قَوْله ( مَوْتًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي \" مَوْتهَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَذَبَحَتْهَا بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَذَكَّتْهَا \" وَسَقَطَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ \" بِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( أَوْ حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْهِ ) ‏ ‏هُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي. ‏"
    },
    {
        "id": "5078",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي سَلِمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ جَارِيَةً ‏ ‏لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏تَرْعَى غَنَمًا لَهُ بِالْجُبَيْلِ الَّذِي بِالسُّوقِ وَهُوَ ‏ ‏بِسَلْعٍ ‏ ‏فَأُصِيبَتْ شَاةٌ فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ فَذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرَهُمْ بِأَكْلِهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5079",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لَنَا ‏ ‏مُدًى ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا ‏ ‏أَنْهَرَ ‏ ‏الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ لَيْسَ الظُّفُرَ وَالسِّنَّ أَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏وَأَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَنَدَّ بَعِيرٌ فَحَبَسَهُ فَقَالَ إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ ‏ ‏أَوَابِدَ ‏ ‏كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق ) ‏ ‏هَكَذَا جَزَمَ بِهِ عَبْدَان عَنْ أَبِيهِ عَنْ شُعْبَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة \" أَكْبَر عِلْمِي أَنِّي سَمِعْته مِنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق وَحَدَّثَنِي بِهِ سُفْيَان يَعْنِي الثَّوْرِيّ عَنْهُ \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ غُنْدَر فَبَيَّنَ أَنَّ الْقَدْر الَّذِي كَانَ يَشُكّ شُعْبَة فِي سَمَاعه لَهُ مِنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق هُوَ قَوْله \" وَجَعَلَ عَشْرًا مِنْ الشَّاه بِبَعِيرٍ \" قُلْت : وَلِهَذِهِ النُّكْتَة اِقْتَصَرَ الْبُخَارِيّ مِنْ الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة شُعْبَة هَذِهِ عَلَى مَا عَدَا قِصَّة تَعْدِيل الْعَشْر شِيَاه بِالْبَعِيرِ , إِذْ هُوَ الْمُحَقَّق مِنْ السَّمَاع , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِث الْحَدِيث قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبَايَة بْن رِفَاعَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" عَنْ عَبَايَة بْن رَافِع \" وَرَافِع جَدّ عَبَايَة وَأَبُوهُ رِفَاعَة فَنُسِبَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِلَى جَدّه وَلَوْ أُخِذَ بِظَاهِرِهَا لَكَانَ الْحَدِيث عَنْ خَدِيج وَالِد رَافِع وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" وَنَدَّ بَعِير فَحَبَسَهُ \" فِيهِ اِخْتِصَار , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُعَاذ عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" وَنَدَّ بَعِير مِنْهَا فَسَعَوْا لَهُ , فَرَمَاهُ رَجُل بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5080",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ فَسُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ذَلِكَ ‏ ‏فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏يُخْبِرُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ جَارِيَةً ‏ ‏لِكَعْبٍ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان الْكِلَابِيّ الْكُوفِيّ وَافَقَ مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان التَّيْمِيَّ الْبَصْرِيّ عَلَى رِوَايَته عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر , وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ غَيْرهمَا رَوَاهُ عَنْ عُبَيْد اللَّه فَقَالَ \" عَنْ نَافِع أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار \". قُلْت : وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله مِنْ رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِع , وَكَذَا عَلَّقَهُ هُنَا مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ نَافِع , وَوَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَحْمَد بْن يُونُس عَنْ اللَّيْث بِهِ , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ \" وَكَذَا قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ نَافِع \" وَهُوَ أَشْبَه , وَسَلَكَ الْجَادَّة قَوْم مِنْهُمْ يَزِيد بْن هَارُون فَقَالَ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر , وَكَذَا قَالَ مَرْحُوم الْعَطَّار عَنْ دَاوُدَ الْعَطَّار عَنْ نَافِع , وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ غَيْرهمْ أَنَّهُمْ رَوَوْهُ كَذَلِكَ , قَالَ : وَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلَهُ عَنْ نَافِع وَهُوَ أَشْبَه بِالصَّوَابِ , وَأَغْفَلَ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ أَوَاخِر الْبَاب مِنْ رِوَايَة مَالِك عَنْ نَافِع عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار عَنْ مُعَاذ بْن سَعْد أَوْ سَعْد بْن مُعَاذ \" أَنَّ جَارِيَة لِكَعْبٍ \" وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي \" الْمُوَطَّآت \" لَهُ كَذَلِكَ مِنْ حَدِيث جَمَاعَة عَنْ مَالِك , مِنْهُمْ مُحَمَّد بْن الْحَسَن , وَقَالَ فِي رِوَايَته عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار مُعَاذ بْن سَعْد أَوْ سَعْد بْن مُعَاذ , وَأَشَارَ إِلَى تَفَرَّدَ مُحَمَّد بِذَلِكَ , وَقَالَ الْبَاقُونَ عَنْ رَجُل عَنْ مُعَاذ بْن سَعْد أَوْ سَعْد بْن مُعَاذ , وَمِنْهُمْ اِبْن وَهْب أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقه كَالْجَمَاعَةِ قَالَ : وَأَخْرَجَهُ اِبْن وَهْب فِي غَيْر الْمُوَطَّأ فَقَالَ \" أَخْبَرَنِي مَالِك وَغَيْره مِنْ أَهْل الْعِلْم عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار أَنَّ جَارِيَة لِكَعْبِ بْن مَالِك \" فَذَكَرَهُ وَقَالَ : الصَّوَاب مَا فِي الْمُوَطَّأ يَعْنِي عَنْ مَالِك , وَأَمَّا عَنْ غَيْره فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن وَهْب أَرَادَ اللَّيْث وَحَمَلَ رِوَايَة مَالِك عَلَى رِوَايَته , وَأَغْرَبَ اِبْن التِّين فَقَالَ : فِيهِ رِوَايَة صَحَابِيّ عَنْ تَابِعِيّ لِأَنَّ اِبْن كَعْب تَابِعِيّ وَابْن عُمَر صَحَابِيّ قُلْت : لَكِنْ لَيْسَ فِي شَيْء مِنْ طُرُقه أَنَّ اِبْن عُمَر رَوَاهُ عَنْهُ , وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّ اِبْن كَعْب حَدَّثَ اِبْن عُمَر بِذَلِكَ فَحَمَلَهُ عَنْهُ نَافِع , وَأَمَّا الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا عَنْ اِبْن عُمَر فَقَالَ رَاوِيهَا فِيهَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَذْكُر اِبْن كَعْب , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا شَاذَّة وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ الشَّكّ مِنْ الرَّاوِي فِي مُعَاذ بْن سَعْد أَوْ سَعْد بْن مُعَاذ لَا يَقْدَح لِأَنَّ الصَّحَابَة كُلّهمْ عُدُول , وَهُوَ كَمَا قَالَ , لَكِنْ الرَّاوِي الَّذِي لَمْ يُسَمَّ يَقْدَح فِي صِحَّة الْخَبَر إِلَّا أَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بِالطَّرِيقِ الْأُخْرَى أَنَّ لَهُ أَصْلًا. ‏ ‏قَوْله ( جَارِيَة ) ‏ ‏وَفِي لَفْظ \" أَمَة \" لَا يُنَافِي قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" اِمْرَأَة \" لِأَنَّهَا أَعَمّ , فَيُؤْخَذ بِقَوْلِ مَنْ زَادَ فِي رِوَايَته صِفَة وَهِيَ كَوْنهَا أَمَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5081",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاذِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ جَارِيَةً ‏ ‏لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا ‏ ‏بِسَلْعٍ ‏ ‏فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا فَأَدْرَكَتْهَا فَذَبَحَتْهَا بِحَجَرٍ فَسُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ كُلُوهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( فَذَبَحَتْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَذَكَّتْهَا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْن بْن عِيسَى عَنْ مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" فَأَدْرَكَتْ ذَكَاتهَا بِحَجَرٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَسُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اللَّيْث \" فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : كُلُوهَا \" فَيُسْتَفَاد مِنْ رِوَايَته تَعْيِين الَّذِي سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ , وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله مِنْ رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِع فَذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر فِيهِ عَلَى الشَّكّ وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث تَصْدِيق الْأَجِير الْأَمِين فِيمَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ حَتَّى يَظْهَر عَلَيْهِ دَلِيل الْخِيَانَة. وَفِيهِ جَوَاز تَصَرُّف الْأَمِين كَالْمُودِعِ بِغَيْرِ إِذْن الْمَالِك بِالْمَصْلَحَةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَة الْمُصَنِّف بِذَلِكَ فِي كِتَاب الْوَكَالَة , وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : إِذَا ذَبَحَ الرَّاعِي شَاة بِغَيْرِ إِذْن الْمَالِك وَقَالَ خَشِيت عَلَيْهَا الْمَوْت لَمْ يَضْمَن عَلَى ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْجَارِيَة كَانَتْ أَمَة لِصَاحِبِ الْغَنَم فَلَا يُتَصَوَّر تَضْمِينهَا , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ تَكُون غَيْر مِلْكه فَلَمْ يُنْقَل فِي الْحَدِيث أَنَّهُ أَرَادَ تَضْمِينهَا , وَكَذَا لَوْ أَنْزَى عَلَى الْإِنَاث فَحْلًا بِغَيْرِ إِذْن فَهَلَكَتْ , قَالَ اِبْن الْقَاسِم لَا يَضْمَن لِأَنَّهُ مِنْ صَلَاح الْمَال , وَقَدْ أَوْمَأَ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْوَكَالَة إِلَى مُوَافَقَته حَيْثُ قَدَّمَ الْجَوَاز بِقَصْدِ الْإِصْلَاح , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ , وَفِيهِ جَوَاز أَكْل مَا ذُبِحَ بِغَيْرِ إِذْن مَالِكه وَلَوْ ضَمِنَ الذَّابِح , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ طَاوُسٌ وَعِكْرِمَة كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر كِتَاب الذَّبَائِح , وَهُوَ قَوْل إِسْحَاق وَأَهْل الظَّاهِر , وَإِلَيْهِ جَنَحَ الْبُخَارِيّ لِأَنَّهُ أَوْرَدَ فِي الْبَاب الْمَذْكُور حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج فِي الْأَمْر بِإِكْفَاءِ الْقُدُور وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ , وَعُورِضَ بِحَدِيثِ الْبَاب , وَبِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ قَوِيّ مِنْ طَرِيق عَاصِم بْن كُلَيْب عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّة الشَّاة الَّتِي ذَبَحَتْهَا الْمَرْأَة بِغَيْرِ إِذْن صَاحِبهَا فَامْتَنَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَكْلهَا لَكِنَّهُ قَالَ \" أَطْعِمُوهَا الْأُسَارَى \" فَلَوْ لَمْ تَكُنْ ذَكِيَّة مَا أَمَرَ بِإِطْعَامِهَا الْأُسَارَى. وَفِيهِ جَوَاز أَكْل مَا ذَبَحَتْهُ الْمَرْأَة سَوَاء كَانَتْ حُرَّة أَوْ أَمَة كَبِيرَة أَوْ صَغِيرَة مُسْلِمَة أَوْ كِتَابِيَّة طَاهِرًا أَوْ غَيْر طَاهِر , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِأَكْلِ مَا ذَبَحَتْهُ وَلَمْ يَسْتَفْصِل , نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيّ , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَدْر الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "5082",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُلْ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏مَا ‏ ‏أَنْهَرَ ‏ ‏الدَّمَ إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج قَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ ‏ ‏قَوْله ( قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلْ يَعْنِي مَا أَنْهَرَ الدَّم إِلَّا السِّنّ وَالظُّفُر ) ‏ ‏كَذَا عِنْد الْجَمِيع , وَلَمْ أَرَهُ عِنْد أَحْمَد مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ الثَّوْرِيّ بِهَذَا اللَّفْظ , و \" كُلْ \" فِعْل أَمْر بِالْأَكْلِ وَلَفْظ \" يَعْنِي \" تَفْسِير , كَأَنَّ الرَّاوِي قَالَ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق الْبَاغَنْدِيّ عَنْ قَبِيصَة شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَة فَأَصَابَ النَّاس إِبِلًا وَغَنَمًا \" قَالَ وَذَكَرَ الْحَدِيث بِنَحْوِهِ وَزَادَ فِي آخِره \" قَالَ عَبَايَة : ثُمَّ إِنَّ نَاضِحًا تَرَدَّى بِالْمَدِينَةِ فَذُبِحَ مِنْ قِبَل شَاكِلَته , فَأَخَذَ مِنْهُ اِبْن عُمَر عَشِيرًا بِدِرْهَمَيْنِ \" وَسَيَأْتِي الْحَدِيث بَعْد قَلِيل مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ الثَّوْرِيّ مُطَوَّلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5083",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أُسَامَةُ بْنُ حَفْصٍ الْمَدَنِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا فَقَالَ ‏ ‏سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الدَّرَاوَرْدِيِّ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو خَالِدٍ ‏ ‏وَالطُّفَاوِيُّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أُسَامَة بْن حَفْص الْمَدَنِيّ ) ‏ ‏هُوَ شَيْخ لَمْ يَزِدْ الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ فِي تَعْرِيفه عَلَى مَا فِي هَذَا الْإِسْنَاد , وَذَكَرَ غَيْره أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ أَيْضًا يَحْيَى بْن إِبْرَاهِيم بْن أَبِي قُتَيْلَة بِالْقَافِ وَالْمُثَنَّاة مُصَغَّر , وَلَمْ يَحْتَجّ الْبُخَارِيّ بِأُسَامَة هَذَا لِأَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة الطَّفَاوِيّ وَغَيْره كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ عَلِيٌّ عَنْ الدَّرَاوَرْدِيّ ) هُوَ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن الْمَدِينِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ وَالدّرَاوَرْدِيّ هُوَ عَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد , وَإِنَّمَا يُخَرِّج لَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْمُتَابَعَات , وَمُرَاد الْبُخَارِيّ أَنَّ الدَّرَاوَرْدِيّ رَوَاهُ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة مَرْفُوعًا كَمَا رَوَاهُ أُسَامَة بْن حَفْص , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن حُمَيْدٍ عَنْ الدَّرَاوَرْدِيّ بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَتَابَعَهُ أَبُو خَالِد وَالطَّفَاوِيّ ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة فِي رَفْعه أَيْضًا , فَأَمَّا رِوَايَة أَبِي خَالِد - وَهُوَ سُلَيْمَان بْن حِبَّان الْأَحْمَر - فَقَدْ وَصَلَهَا عَنْهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب التَّوْحِيد وَقَالَ عَقِبه \" وَتَابَعَهُ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن وَالدَّرَاوَرْدِيّ وَأُسَامَة بْن حَفْص \" وَأَمَّا رِوَايَة الطَّفَاوِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن فَقَدْ وَصَلَهَا عَنْهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الْبُيُوع , وَحَالَفَهُمْ مَالِك فَرَوَاهُ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا لَيْسَ فِيهِ عَائِشَة , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" : رَوَاهُ عَبْد الرَّحِيم بْن سُلَيْمَان وَمُحَاضِر بْن الْمُوَرِّع وَالنَّضْر بْن شُمَيْلٍ وَآخَرُونَ عَنْ هِشَام مَوْصُولًا وَرَوَاهُ مَالِك مُرْسَلًا عَنْ هِشَام , وَوَافَقَ مَالِكًا عَلَى إِرْسَاله الْحَمَّادَانِ وَابْن عُيَيْنَةَ وَالْقَطَّان عَنْ هِشَام , وَهُوَ أَشْبَه بِالصَّوَابِ , وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب رَوَاهُ عَنْ عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء عَنْ مَالِك مَوْصُولًا. قُلْت : رِوَايَة عَبْد الرَّحِيم عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَرِوَايَة النَّضْر عِنْد النَّسَائِيِّ وَرِوَايَة مُحَاضِر عِنْد أَبِي دَاوُدَ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَة جَعْفَر بْن عَوْن عَنْ هِشَام مُرْسَلًا , وَيُسْتَفَاد مِنْ صَنِيع الْبُخَارِيّ أَنَّ الْحَدِيث إِذَا اُخْتُلِفَ فِي وَصْله وَإِرْسَاله حُكِمَ لِلْوَاصِلِ بِشَرْطَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَزِيد عَدَد مَنْ وَصَلَهُ عَلَى مَنْ أَرْسَلَهُ , وَالْآخَر أَنْ يَحْتَفّ بِقَرِينَةٍ تُقَوِّي الرِّوَايَة الْمَوْصُولَة , لِأَنَّ عُرْوَة مَعْرُوف بِالرِّوَايَةِ عَنْ عَائِشَة مَشْهُور بِالْأَخْذِ عَنْهَا , فَفِي ذَلِكَ إِشْعَار بِحِفْظِ مَنْ وَصَلَهُ عَنْ هِشَام دُون مَنْ أَرْسَلَهُ. وَيُؤْخَذ مِنْ صَنِيعه أَيْضًا أَنَّهُ وَإِنْ اِشْتَرَطَ فِي الصَّحِيح أَنْ يَكُون رَاوِيه مِنْ أَهْل الضَّبْط وَالْإتْقَان أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي الرَّاوِي قُصُور عَنْ ذَلِكَ وَوَافَقَهُ عَلَى رِوَايَة ذَلِكَ الْخَبَر مَنْ هُوَ مِثْله اِنْجَبَرَ ذَلِكَ الْقُصُور بِذَلِكَ وَصَحَّ الْحَدِيث عَلَى شَرْطه. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِينهمْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك \" سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِلَحْمٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي خَالِد \" يَأْتُونَا بِلُحْمَان \" وَفِي رِوَايَة النَّضْر بْن شُمَيْلٍ عَنْ هِشَام عِنْد النَّسَائِيِّ \" إِنَّ نَاسًا مِنْ الْأَعْرَاب \" وَفِي رِوَايَة مَالِك \" مِنْ الْبَادِيَة \". ‏ ‏قَوْله ( لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِضَمِّ الذَّال عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَفِي رِوَايَة الطَّفَاوِيّ الْمَاضِيَة فِي الْبُيُوع \" اُذْكُرُوا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي خَالِد \" لَا نَدْرِي يَذْكُرُونَ \" زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَته \" أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا , أَفَنَأْكُل مِنْهَا \" ؟. ‏ ‏قَوْله ( سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّفَاوِيّ \" سَمُّوا اللَّه \" وَفِي رِوَايَة النَّضْر وَأَبِي خَالِد \" اُذْكُرُوا اِسْم اللَّه \" زَادَ أَبُو خَالِد \" أَنْتُمْ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَتْ وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْد بِالْكُفْرِ ) ‏ ‏وَفِي لَفْظ \" حَدِيث عَهْدهمْ \" وَهِيَ جُمْلَة اسْمِيَّة قُدِّمَ خَبَرهَا وَوَقَعَتْ صِفَة لِقَوْلِهِ \" أَقْوَامًا \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون خَبَرًا ثَانِيًا بَعْد الْخَبَر الْأَوَّل وَهُوَ قَوْله \" يَأْتُونَنَا بِلَحْمٍ \". ‏ ‏قَوْله ( بِالْكُفْرِ ) وَفِي لَفْظ \" بِكُفْرٍ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي خَالِد \" بِشِرْكٍ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" بِجَاهِلِيَّةٍ \" زَادَ مَالِك فِي آخِره \" وَذَلِكَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام \" وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الزِّيَادَة قَوْم فَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا الْجَوَاب كَانَ قَبْل نُزُول قَوْله تَعَالَى ( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اِسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَهُوَ تَعَلُّق ضَعِيف , وَفِي الْحَدِيث نَفْسه مَا يَرُدّهُ لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ فِيهِ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْد الْأَكْل فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآيَة كَانَتْ نَزَلَتْ بِالْأَمْرِ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْد الْأَكْل , وَأَيْضًا فَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَنْعَام مَكِّيَّة وَأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة جَرَتْ بِالْمَدِينَةِ , وَأَنَّ الْأَعْرَاب الْمُشَار إِلَيْهِمْ فِي الْحَدِيث هُمْ بَادِيَة أَهْل الْمَدِينَة , وَزَادَ اِبْن عُيَيْنَةَ فِي رِوَايَته \" اِجْتَهِدُوا أَيْمَانهمْ وَكُلُوا \" أَيْ حَلِّفُوهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ سَمَّوْا حِين ذَبَحُوا , وَهَذِهِ الزِّيَادَة غَرِيبَة فِي هَذَا الْحَدِيث , وَابْن عُيَيْنَةَ ثِقَة لَكِنْ رِوَايَته هَذِهِ مُرْسَلَة , نَعَمْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد نَحْوه لَكِنْ قَالَ \" اِجْتَهِدُوا أَيْمَانهمْ أَنَّهُمْ ذَبَحُوهَا \" وَرِجَاله ثِقَات , وَلِلطَّحَاوِيّ فِي \" الْمُشْكِل \" : \" سَأَلَ نَاس مِنْ الصَّحَابَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : أَعَارِيب يَأْتُونَنَا بِلُحْمَان وَجُبْن وَسَمْن مَا نَدْرِي مَا كُنْهُ إِسْلَامهمْ , قَالَ : اُنْظُرُوا مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْكُمْ فَأَمْسِكُوا عَنْهُ , وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَقَدْ عَفَا لَكُمْ عَنْهُ , وَمَا كَانَ رَبّك نَسِيًّا , اُذْكُرُوا اِسْم اللَّه عَلَيْهِ \" قَالَ الْمُهَلَّب : هَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي أَنَّ التَّسْمِيَة عَلَى الذَّبِيحَة لَا تَجِب , إِذْ لَوْ كَانَتْ وَاجِبَة لَاشْتُرِطَتْ عَلَى كُلّ حَال , وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَة عَلَى الْأَكْل لَيْسَتْ فَرْضًا , فَلَمَّا نَابَتْ عَنْ التَّسْمِيَة عَلَى الذَّبْح دَلَّ عَلَى أَنَّهَا سُنَّة لِأَنَّ السُّنَّة لَا تَنُوب عَنْ الْفَرْض , وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْأَمْر فِي حَدِيث عَدِيّ وَأَبِي ثَعْلَبَة مَحْمُول عَلَى التَّنْزِيه مِنْ أَجْل أَنَّهُمَا كَانَا يَصِيدَانِ عَلَى مَذْهَب الْجَاهِلِيَّة فَعَلَّمَهُمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْر الصَّيْد وَالذَّبْح فَرَضَهُ وَمَنْدُوبه لِئَلَّا يُوَاقِعَا شُبْهَة مِنْ ذَلِكَ , وَلْيَأْخُذَا بِأَكْمَل الْأُمُور فِيمَا يَسْتَقْبِلَانِ , وَأَمَّا الَّذِينَ سَأَلُوا عَنْ هَذِهِ الذَّبَائِح فَإِنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ أَمْر قَدْ وَقَعَ وَيَقَع لِغَيْرِهِمْ لَيْسَ فِيهِ قُدْرَة عَلَى الْأَخْذ بِالْأَكْمَلِ , فَعَرَّفَهُمْ بِأَصْلِ الْحِلّ فِيهِ. وَقَالَ اِبْن التِّين : يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالتَّسْمِيَةِ هُنَا عِنْد الْأَكْل , وَبِذَلِكَ جَزَمَ النَّوَوِيّ , قَالَ اِبْن التِّين : وَأَمَّا التَّسْمِيَة عَلَى ذَبْح تَوَلَّاهُ غَيْرهمْ مِنْ غَيْر عِلْمهمْ فَلَا تَكْلِيف عَلَيْهِمْ فِيهِ , وَإِنَّمَا يُحْمَل عَلَى غَيْر الصِّحَّة إِذَا تَبَيَّنَ خِلَافهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد أَنَّ تَسْمِيَتكُمْ الْآن تَسْتَبِيحُونَ بِهَا أَكْل مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ أَمْ لَا إِذَا كَانَ الذَّابِح مِمَّنْ تَصِحّ ذَبِيحَته إِذَا سُمِّيَ. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ كُلّ مَا يُوجَد فِي أَسْوَاق الْمُسْلِمِينَ مَحْمُول عَلَى الصِّحَّة , وَكَذَا مَا ذَبَحَهُ أَعْرَاب الْمُسْلِمِينَ , لِأَنَّ الْغَالِب أَنَّهُمْ عَرَفُوا التَّسْمِيَة , وَكَذَا الْأَخِير جَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فَقَالَ : فِيهِ أَنَّ مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِم يُؤْكَل وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ سُمِّيَ , لِأَنَّ الْمُسْلِم لَا يُظَنّ بِهِ فِي كُلّ شَيْء إِلَّا الْخَيْر حَتَّى يَتَبَيَّن خِلَاف ذَلِكَ , وَعَكَسَ هَذَا الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَة غَيْر شَرْط عَلَى الذَّبِيحَة لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ شَرْطًا لَمْ تُسْتَبَحْ الذَّبِيحَة بِالْأَمْرِ الْمَشْكُوك فِيهِ , كَمَا لَوْ عَرَضَ الشَّكّ فِي نَفْس الذَّبْح فَلَمْ يَعْلَم هَلْ وَقَعَتْ الذَّكَاة الْمُعْتَبَرَة أَوْ لَا , وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادَر مِنْ سِيَاق الْحَدِيث حَيْثُ وَقَعَ الْجَوَاب فِيهِ \" فَسَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا \" كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ لَا تَهْتَمُّوا بِذَلِكَ بَلْ الَّذِي يُهِمّكُمْ أَنْتُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اِسْم اللَّه وَتَأْكُلُوا , وَهَذَا مِنْ أُسْلُوب الْحَكِيم كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ. وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى عَدَم الِاشْتِرَاط قَوْله تَعَالَى ( وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ) فَأَبَاحَ الْأَكْل مِنْ ذَبَائِحهمْ مَعَ وُجُود الشَّكّ فِي أَنَّهُمْ سَمَّوْا أَمْ لَا. ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : ‏ ‏قَالَ الْغَزَالِيّ فِي \" الْإحْيَاء \" فِي مَرَاتِب الشُّبُهَات : الْمَرْتَبَة الْأَوْلَى مَا يَتَأَكَّد الِاسْتِحْبَاب فِي التَّوَرُّع عَنْهُ. هُوَ مَا يَقْوَى فِيهِ دَلِيل الْمُخَالِف , فَمِنْهُ التَّوَرُّع عَنْ أَكْل مَتْرُوك التَّسْمِيَة , فَإِنَّ الْآيَة ظَاهِرَة فِي الْإِيجَاب , وَالْأَخْبَار مُتَوَاتِرَة بِالْأَمْرِ بِهَا , وَلَكِنْ لَمَّا صَحَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْمُؤْمِن يَذْبَح عَلَى اِسْم اللَّه سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ \" اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون عَامًّا مُوجِبًا لِصَرْفِ الْآيَة وَالْإِخْبَار عَنْ ظَاهِر الْأَمْر , وَاحْتَمَلَ أَنْ يُخَصَّص بِالنَّاسِي وَيَبْقَى مَنْ عَدَاهُ عَلَى الظَّاهِر , وَهَذَا الِاحْتِمَال الثَّانِي أَوْلَى وَاَللَّه أَعْلَم. قُلْت : الْحَدِيث الَّذِي اِعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ بَالَغَ النَّوَوِيّ فِي إِنْكَاره فَقَالَ : هُوَ مُجْمَع عَلَى ضَعْفه , قَالَ : وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَقَالَ : مُنْكَر لَا يُحْتَجّ بِهِ , وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي \" الْمَرَاسِيل \" عَنْ الصَّلْت أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" ذَبِيحَة الْمُسْلِم حَلَال ذَكَرَ اِسْم اللَّه أَوْ لَمْ يَذْكُر \" قُلْت : الصَّلْت يُقَال لَهُ السَّدُوسِيّ وَذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات , وَهُوَ مُرْسَل جَيِّد , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِيهِ مَرْوَان بْن سَالِم وَهُوَ مَتْرُوك , لَكِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن عَبَّاس كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل \" بَاب التَّسْمِيَة عَلَى الذَّبِيحَة \" وَاخْتُلِفَ فِي رَفْعه وَوَقْفه , فَإِذَا اِنْضَمَّ إِلَى الْمُرْسَل الْمَذْكُور قَوِيَ , أَمَّا كَوْنه يَبْلُغ دَرَجَة الصِّحَّة فَلَا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5084",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَرَمَى إِنْسَانٌ بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْمٌ ‏ ‏فَنَزَوْتُ ‏ ‏لِآخُذَهُ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل \" كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْر خَيْبَر , فَرَمَى إِنْسَان بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْم فَنَزَوْت \" ‏ ‏بِنُونٍ وَزَاي أَيْ وَثَبْت , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَبَدَرْت \" أَيْ سَارَعْت , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه فِي فَرْض الْخُمُس , وَفِيهِ حُجَّة عَلَى مَنْ مَنَعَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ كَالشُّحُومِ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ اِبْن مُغَفَّل عَلَى الِانْتِفَاع بِالْجِرَابِ الْمَذْكُور , وَفِيهِ جَوَاز أَكْل الشَّحْم مِمَّا ذَبَحَهُ أَهْل الْكِتَاب وَلَوْ كَانُوا أَهْل حَرْب. ‏"
    },
    {
        "id": "5085",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَتْ مَعَنَا ‏ ‏مُدًى ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اعْجَلْ أَوْ ‏ ‏أَرِنْ مَا ‏ ‏أَنْهَرَ ‏ ‏الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَسَأُحَدِّثُكَ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ ‏ ‏فَنَدَّ ‏ ‏مِنْهَا بَعِيرٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ ‏ ‏أَوَابِدَ ‏ ‏كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِيهِ ( عَنْ عَبَايَة بْن رِفَاعَة بْن خَدِيج ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ نُسِبَ رِفَاعَة إِلَى جَدّه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة \" رِفَاعَة بْن رَافِع بْن خَدِيج \" بِغَيْرِ نَقْص فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ اعْجَلْ أَوْ أَرِنْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الرَّاء وَسُكُون النُّون , وَكَذَا ضَبَطَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ بِسُكُونِ الرَّاء وَكَسْر النُّون , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه الَّذِي هُنَا \" وَأَرِنِي \" بِإِثْبَاتِ الْيَاء آخِره , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا حَرْف طَالَمَا اِسْتَثْبَتَ فِيهِ الرُّوَاة , وَسَأَلْت عَنْهُ أَهْل اللُّغَة فَلَمْ أَجِد عِنْدهمْ مَا يَقْطَع بِصِحَّتِهِ , وَقَدْ طَلَبْت لَهُ مَخْرَجًا. فَذَكَرَ أَوْجُهًا : أَحَدهَا أَنْ يَكُون عَلَى الرِّوَايَة بِكَسْرِ الرَّاء مِنْ أَرَانَ الْقَوْم إِذَا هَلَكَتْ مَوَاشِيهمْ فَيَكُون الْمَعْنَى أَهْلِكْهَا ذَبْحًا. ثَانِيهَا أَنْ يَكُون عَلَى الرِّوَايَة بِسُكُونِ الرَّاء بِوَزْنِ أَعْطِ يَعْنِي انْظُرْ وَأَنْظِرْ وَانْتَظِرْ بِمَعْنًى , قَالَ اللَّه تَعَالَى حِكَايَة عَمَّنْ قَالَ ( اُنْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ) أَيْ أَنْظِرُونَا , أَوْ هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة بِمَعْنَى أَدِمْ الْحَزّ مِنْ قَوْلك رَنَوْت إِذَا أَدَمْت النَّظَر إِلَى الشَّيْء , وَأَرَادَ أَدِمْ النَّظَر إِلَيْهِ وَرَاعِهِ بِبَصَرِك. ثَالِثهَا أَنْ يَكُون مَهْمُوزًا مِنْ قَوْلك أَرِنَ يَأْرَن إِذَا نَشِطَ وَخَفَّ , كَأَنَّهُ فِعْل أَمْر بِالْإِسْرَاعِ لِئَلَّا يَمُوت خَنْقًا وَرَجَّحَ فِي \" شَرْح السُّنَن \" هَذَا الْوَجْه الْأَخِير فَقَالَ : صَوَابه أَرْئِنْ بِهَمْزَةٍ وَمَعْنَاهُ خِفَّ وَاعْجَلْ لِئَلَّا تَخْنُقهَا , فَإِنَّ الذَّبْح إِذَا كَانَ بِغَيْرِ الْحَدِيد اِحْتَاجَ صَاحِبه إِلَى خِفَّة يَد وَسُرْعَة فِي إِمْرَار تِلْكَ الْآلَة وَالْإِتْيَان عَلَى الْحُلْقُوم وَالْأَوْدَاج كُلّهَا قَبْل أَنْ تَهْلَك الذَّبِيحَة بِمَا يَنَالهَا مِنْ أَلَم الضَّغْط قَبْل قَطْع مَذَابِحهَا. ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ ذَكَرْت هَذَا الْحَرْف فِي \" غَرِيب الْحَدِيث \" وَذَكَرْت فِيهِ وُجُوهًا يَحْتَمِلهَا التَّأْوِيل وَكَانَ قَالَ فِيهِ يَجُوز أَنْ تَكُون الْكَلِمَة تَصَحَّفَتْ , وَكَانَ فِي الْأَصْل أَزَزَ بِالزَّايِ مِنْ قَوْلك أَزَزَ الرَّجُل إِصْبَعه إِذَا جَعَلَهَا فِي الشَّيْء , وَأَزَزْت الْجَرَادَة أَزَزًا إِذَا أَدْخَلْت ذَنَبهَا فِي الْأَرْض , وَالْمَعْنَى شُدَّ يَدك عَلَى النَّحْر. وَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْوَجْه أَقْرَب الْجَمِيع. قَالَ اِبْن بَطَّال عَرَضْت كَلَام الْخَطَّابِيّ عَلَى بَعْض أَهْل النَّقْد فَقَالَ : أَمَّا أَخْذه مِنْ أَرَانَ الْقَوْم فَمُعْتَرَض لِأَنَّ أَرَانَ لَا يَتَعَدَّى وَإِنَّمَا يُقَال أَرَانَ هُوَ وَلَا يُقَال أَرَانَ الرَّجُل غَنَمه. وَأَمَّا الْوَجْه الَّذِي صَوَّبَهُ فَفِيهِ نَظَر وَكَأَنَّهُ مِنْ جِهَة أَنَّ الرِّوَايَة لَا تُسَاعِدهُ. وَأَمَّا الْوَجْه الَّذِي جَعَلَهُ أَقْرَب الْجَمِيع فَهُوَ أَبْعَدهَا لِعَدَمِ الرِّوَايَة بِهِ. وَقَالَ عِيَاض : ضَبَطَهُ الْأَصِيلِيّ أَرِنِي فِعْل أَمْر مِنْ الرُّؤْيَة , وَمِثْله فِي مُسْلِم لَكِنْ الرَّاء سَاكِنَة قَالَ : وَأَفَادَنِي بَعْضهمْ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَة فِي \" مُسْنَد عَلِيّ بْن عَبْد الْعَزِيز \" مَضْبُوطَة هَكَذَا أَرِنِي أَوْ اعْجَلْ , فَكَأَنَّ الرَّاوِي شَكَّ فِي أَحَد اللَّفْظَيْنِ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِد , وَالْمَقْصُود الذَّبْح بِمَا يُسْرِع الْقَطْع وَيُجْرِي الدَّم , وَرَجَّحَ النَّوَوِيّ أَنْ أَرِنْ بِمَعْنَى اعْجَلْ وَأَنَّهُ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَضَبَطَ اعْجَلْ بِكَسْرِ الْجِيم , وَبَعْضهمْ قَالَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ أَرْنِي بِسُكُونِ الرَّاء وَبَعْد النُّون يَاء أَيْ أَحْضِرْنِي الْآلَة الَّتِي تَذْبَح بِهَا لِأَرَاهَا ثُمَّ أَضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : أَوْ اعْجَلْ , وَأَوْ تَجِيء لِلْإِضْرَابِ فَكَأَنَّهُ قَالَ قَدْ لَا يَتَيَسَّر إِحْضَار الْآلَة فَيَتَأَخَّر الْبَيَان فَعُرِفَ الْحُكْم فَقَالَ اعْجَلْ مَا أَنْهَرَ الدَّم إِلَخْ , قَالَ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْله عَلَى الشَّكّ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة هَلْ هِيَ بِوَزْنِ أَعْطِ أَوْ بِوَزْنِ أَطِعْ أَوْ هِيَ فِعْل أَمْر مِنْ الرُّؤْيَة ؟ فَعَلَى الْأَوَّل الْمَعْنَى أَدِمْ الْحَزّ مِنْ رَنَوْت إِذَا أَدَمْت النَّظَر , وَعَلَى الثَّانِي أُهْلِكهَا ذَبْحًا مِنْ أَرَانَ الْقَوْم إِذَا هَلَكَتْ مَوَاشِيهمْ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى كُنْ ذَا شَاة هَالِكَة إِذَا أَزْهَقْت نَفْسهَا بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّم. قُلْت : وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه. وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ بِصِيغَةِ فِعْل الْأَمْر فَمَعْنَاهُ أَرِنِي سَيَلَان الدَّم , وَمَنْ سَكَّنَ الرَّاء اِخْتَلَسَ الْحَرَكَة , وَمَنْ حَذَفَ الْيَاء جَازَ , وَقَوْله وَاعْجَلْ بِهَمْزَةِ وَصْل وَفَتْح الْجِيم وَسُكُون اللَّام فِعْل أَمْر مِنْ الْعَجَلَة أَيْ اِعْجَلْ لَا تَمُوت الذَّبِيحَة خَنْقًا قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِصِيغَةِ أَفْعَل التَّفْضِيل أَيْ لِيَكُنْ الذَّبْح أَعْجَل مَا أَنْهَرَ الدَّم , قُلْت : وَهَذَا وَإِنْ تَمَشَّى عَلَى رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ بِتَقْدِيمِ لَفْظ أَرِنِي عَلَى اعْجَلْ لَمْ يَسْتَقِمْ عَلَى رِوَايَة الْبُخَارِيّ بِتَأْخِيرِهَا , وَجَوَّزَ بَعْضهمْ فِي رِوَايَة أَرْنِ بِسُكُونِ الرَّاء أَنْ يَكُون مِنْ أَرْنَانِي حُسْن مَا رَأَيْته أَيْ حَمَلَنِي عَلَى الرُّنُوّ إِلَيْهِ , وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَحْسِنْ الذَّبْح حَتَّى تُحِبّ أَنْ نَنْظُر إِلَيْك , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث \" إِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏ ‏وَقَدْ سَبَقَتْ مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفَاة قَبْل , وَسِيَاقه هُنَاكَ أَتَمّ مِمَّا هُنَا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5086",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَتْنِي ‏ ‏فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏امْرَأَتِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر فِي أَكْل الْفَرَس , أَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَمِنْ رِوَايَة جَرِير كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة مَوْصُولًا بِلَفْظِ \" نَحَرْنَا \" وَقَالَ فِي آخِره \" تَابَعَهُ وَكِيع وَابْن عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَام فِي النَّحْر \" , وَأَوْرَدَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة عَبْدَة وَهُوَ اِبْن سُلَيْمَان عَنْ هِشَام بِلَفْظِ \" ذَبَحْنَا \" وَرِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا سَتَأْتِي مَوْصُولَة بَعْد بَابَيْنِ مِنْ رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان وَهُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ بِهِ وَقَالَ \" نَحَرْنَا \". وَرِوَايَة وَكِيع أَخْرَجَهَا أَحْمَد عَنْهُ بِلَفْظِ \" نَحَرْنَا \" , وَأَخْرَجَهَا مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر \" حَدَّثَنَا أَبِي وَحَفْص بْن غِيَاث وَوَكِيع ثَلَاثَتهمْ عَنْ هِشَام \" بِلَفْظِ \" نَحَرْنَا \" , وَأَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر وَالثَّوْرِيّ جَمِيعًا عَنْ هِشَام بِلَفْظِ \" نَحَرْنَا \" وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : قَالَ هَمَّام وَعِيسَى بْن يُونُس وَعَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ هِشَام بِلَفْظِ \" نَحَرْنَا \" , وَاخْتُلِفَ عَلَى حَمَّاد بْن زَيْد وَابْن عُيَيْنَةَ فَقَالَ أَكْثَر أَصْحَابهمَا \" نَحَرْنَا \" وَقَالَ بَعْضهمْ \" ذَبَحْنَا \" , وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَة مُؤَمِّل بْن إِسْمَاعِيل عَنْ الثَّوْرِيّ وَوُهَيْب بْن خَالِد وَمِنْ رِوَايَة اِبْن ثَوْبَان وَهُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن ثَابِت بْن ثَوْبَان وَمِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان كُلّهمْ عَنْ هِشَام بِلَفْظِ \" ذَبَحْنَا \" وَمِنْ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام \" اِنْتَحَرْنَا \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة وَأَبِي أُسَامَة وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه , وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَة عَنْهُمَا بِلَفْظِ \" نَحَرْنَا \" وَهَذَا الِاخْتِلَاف كُلّه عَنْ هِشَام , وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ كَانَ تَارَة يَرْوِيه بِلَفْظِ - \" ذَبَحْنَا \" وَتَارَة بِلَفْظِ \" نَحَرْنَا \" , وَهُوَ مَصِير مِنْهُ إِلَى اِسْتِوَاء اللَّفْظَيْنِ فِي الْمَعْنَى , وَأَنَّ النَّحْر يُطْلَق عَلَيْهِ ذَبْح وَالذَّبْح يُطْلَق عَلَيْهِ نَحْر وَلَا يَتَعَيَّن مَعَ هَذَا الِاخْتِلَاف مَا هُوَ الْحَقِيقَة فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَجَاز إِلَّا إِنْ رَجَّحَ أَحَد الطَّرِيقَيْنِ , وَأَمَّا أَنَّهُ يُسْتَفَاد مِنْ هَذَا الِاخْتِلَاف جَوَاز نَحْر الْمَذْبُوح وَذَبْح الْمَنْحُور كَمَا قَالَهُ بَعْض الشُّرَّاح فَبَعِيدٌ , لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون الْأَمْر فِي ذَلِكَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ , وَالْأَصْل عَدَم التَّعَدُّد مَعَ اِتِّحَاد الْمَخْرَج , وَقَدْ جَرَى النَّوَوِيّ عَلَى عَادَتِهِ فِي الْحَمْل عَلَى التَّعَدُّد فَقَالَ بَعْد أَنْ ذَكَرَ اِخْتِلَاف الرُّوَاة فِي قَوْلهَا نَحَرْنَا وَذَبَحْنَا : يُجْمَع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ , فَمَرَّة نَحَرُوهَا وَمَرَّة ذَبَحُوهَا : ثُمَّ قَالَ : وَيَجُوز أَنْ تَكُون قِصَّة وَاحِدَة وَأَحَد اللَّفْظَيْنِ مَجَاز وَالْأَوَّل أَصَحّ , كَذَا قَالَ وَاَللَّه أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "5087",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏ذَبَحْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَسًا وَنَحْنُ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَأَكَلْنَاهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5088",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏وَابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏فِي النَّحْرِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5089",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ مَعَ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ ‏ ‏فَرَأَى غِلْمَانًا ‏ ‏أَوْ فِتْيَانًا ‏ ‏نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ ‏ ‏تُصْبَرَ ‏ ‏الْبَهَائِمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ هِشَام بْن زَيْد ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن أَنَس بْن مَالِك. ‏ ‏قَوْله ( دَخَلْت مَعَ أَنَس عَلَى الْحَكَم بْن أَيُّوب ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن أَبِي عُقَيْل الثَّقَفِيّ اِبْن عَمّ الْحَجَّاج بْن يُوسُف وَنَائِبه عَلَى الْبَصْرَة وَزَوْج أُخْته زَيْنَب بِنْت يُوسُف , وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ جَرِير يَمْدَحهُ : حَتَّى أَنَخْنَاهَا عَلَى بَاب الْحَكَم خَلِيفَة الْحَجَّاج غَيْر الْمُتَّهَم وَقَعَ ذِكْره فِي عِدَّة أَحَادِيث , وَكَانَ يُضَاهِي فِي الْجَوْر اِبْن عَمّه , وَلِيَزِيدَ الضَّبِّيّ مَعَهُ قِصَّة طَوِيلَة تَدُلّ عَلَى ذَلِكَ أَوْرَدَهَا أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيّ فِي مُسْنَد أَنَس لَهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ خَرَجْت مَعَ أَنَس بْن مَالِك مِنْ دَار الْحَكَم بْن أَيُّوب أَمِير الْبَصْرَة. ‏ ‏قَوْله ( فَرَأَى غِلْمَانًا أَوْ فِتْيَانًا ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَلَمْ أَقِف عَلَى أَسْمَائِهِمْ , وَظَاهِر السِّيَاق أَنَّهُمْ مِنْ أَتْبَاع الْحَكَم بْن أَيُّوب الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( أَنْ تُصْبَر ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله أَيْ تُحْبَس لِتُرْمَى حَتَّى تَمُوت , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" سَمِعْت أَنَس بْن مَالِك يَقُول : نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَبْر الرُّوح \" وَأَصْل الصَّبْر الْحَبْس , وَأَخْرَجَ الْعُقَيْلِيّ فِي \" الضُّعَفَاء \" مِنْ طَرِيق الْحَسَن عَنْ سَمُرَة قَالَ \" نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُصْبَر الْبَهِيمَة , وَأَنْ يُؤْكَل لَحْمهَا إِذَا صُبِرَتْ \" قَالَ الْعُقَيْلِيّ : جَاءَ فِي النَّهْي عَنْ صَبْر الْبَهِيمَة أَحَادِيث جِيَاد , وَأَمَّا النَّهْي عَنْ أَكْلهَا فَلَا يُعْرَف إِلَّا فِي هَذَا. قُلْت : إِنْ ثَبَتَ فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهَا مَاتَتْ بِذَلِكَ بِغَيْرِ تَذْكِيَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَقْتُول بِالْبُنْدُقَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5090",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏وَغُلَامٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي يَحْيَى ‏ ‏رَابِطٌ دَجَاجَةً يَرْمِيهَا فَمَشَى إِلَيْهَا ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَتَّى حَلَّهَا ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا وَبِالْغُلَامِ مَعَهُ فَقَالَ ازْجُرُوا غُلَامَكُمْ عَنْ أَنْ ‏ ‏يَصْبِرَ ‏ ‏هَذَا الطَّيْرَ لِلْقَتْلِ فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى أَنْ ‏ ‏تُصْبَرَ ‏ ‏بَهِيمَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلْقَتْلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْعَاصِ وَهُوَ أَخُو عَمْرو الْمَعْرُوف بِالْأَشْدَقِ اِبْن سَعِيد بْن الْعَاص وَالِدِ سَعِيد بْن عَمْرو رَاوِيه مِنْ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( وَغُلَام مِنْ بَنِي يَحْيَى ) ‏ ‏أَيْ اِبْن سَعِيد الْمَذْكُور لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَكَانَ لِيَحْيَى مِنْ الذُّكُور عُثْمَان وَعَنْبَسَة وَأَبَان وَإِسْمَاعِيل وَسَعِيد وَمُحَمَّد وَهِشَام وَعَمْرو , وَكَانَ يَحْيَى بْن سَعِيد قَدْ وَلِيَ إِمْرَة الْمَدِينَة وَكَذَا أَخُوهُ عَمْرو. ‏ ‏قَوْله ( فَمَشَى إِلَيْهَا اِبْن عُمَر حَتَّى حَلَّهَا ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ اللَّام , فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي \" حَمْلهَا \" وَرِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ أَوْضَح لِقَوْلِهِ فِي أَوَّل الْحَدِيث \" رَابِط دَجَاجَة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" : فَحَلَّ الدَّجَاجَة. ‏ ‏قَوْله ( اُزْجُرُوا غُلَامكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" غِلْمَانكُمْ \". ( عَنْ أَنْ يَصْبِر ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَنْ يَصْبِرُوا \" بِصِيغَةِ الْجَمْع وَهُوَ عَلَى نَسَقِ الَّذِي قَبْله , وَزَادَ أَبُو نُعَيْم فِي آخِر الْحَدِيث \" وَإِنْ أَرَدْتُمْ ذَبْحهَا فَاذْبَحُوهَا \". ‏ ‏قَوْله ( هَذَا الطَّيْر ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا عَلَى لُغَة قَلِيلَة وَهِيَ إِطْلَاق الطَّيْر عَلَى الْوَاحِد , وَاللُّغَة الْمَشْهُورَة فِي الْوَاحِد طَائِر وَالْجَمْع الطَّيْر. قُلْت : وَهُوَ هُنَا مُحْتَمِل لِإِرَادَةِ الْجَمْع , بَلْ الْأَوْلَى أَنَّهُ لِإِرَادَةِ الْجِنْسِ. ‏ ‏قَوْله ( أَنْ تُصْبَر بَهِيمَة أَوْ غَيْرهَا لِلْقَتْلِ ) ‏ ‏\" أَوْ \" لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ , وَهُوَ زَائِد عَلَى حَدِيث أَنَس فَيَدْخُل فِيهِ الْبَهَائِم وَالطُّيُور وَغَيْرهمَا , وَنَحْوه حَدِيث أَبِي أَيُّوب قَالَ \" وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ دَجَاجَة مَا صَبَرْتهَا , سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ قَتْل الصَّبْر \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ قَوِيّ , وَيَجْمَع ذَلِكَ حَدِيث شَدَّاد بْن أَوْس عِنْد مُسْلِم رَفَعَهُ \" إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَة , وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَة , وَلْيُحِدَّ أَحَدكُمْ شَفْرَته , وَلْيُرِحْ ذَبِيحَته \" قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : فِيهِ رَحْمَة اللَّه لِعِبَادِهِ حَتَّى فِي حَال الْقَتْل , فَأَمَرَ بِالْقَتْلِ , وَأَمَرَ بِالرِّفْقِ فِيهِ. وَيُؤْخَذ مِنْهُ قَهْره لِجَمِيعِ عِبَاده لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُك لِأَحَدٍ التَّصَرُّف فِي شَيْء إِلَّا وَقَدْ حَدّ لَهُ فِيهِ كَيْفِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "5091",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ عِنْدَ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏فَمَرُّوا بِفِتْيَةٍ أَوْ بِنَفَرٍ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا فَلَمَّا رَأَوْا ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏تَفَرَّقُوا عَنْهَا وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏مَنْ فَعَلَ هَذَا ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمِنْهَالُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏لَعَنَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ ‏ ‏مَثَّلَ ‏ ‏بِالْحَيَوَانِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَدِيٌّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي بِشْر ) ‏ ‏هُوَ جَعْفَرُ بْن أَبِي وَحْشِيَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَمَرُّوا بِفِتْيَةٍ أَوْ بِنَفَرٍ ) شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَإِذَا فِتْيَة نَصَبُوا دَجَاجَة يَرْمُونَهَا وَلَهُ كُلّ خَاطِئَة \" يَعْنِي أَنَّ الَّذِي يُصِيبهَا يَأْخُذ السَّهْم الَّذِي تُرْمَى بِهِ إذَا لَمْ يُصِبْهَا. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اِبْن عُمَر : مَنْ فَعَلَ هَذَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَتَفَرَّقُوا \". ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" لَعَنَ مَنْ اِتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوح غَرَضًا \" بِمُعْجَمَتَيْنِ وَالْفَتْح أَيْ مَنْصُوبًا لِلرَّمْيِ. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَعَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ مَثَّلَ بِالْحَيَوَانِ \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" بِالْبَهَائِمِ \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" مَنْ تَجَثَّمَ \" وَاللَّعْن مِنْ دَلَائِل التَّحْرِيم , وَلِأَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي صَالِح الْحَنَفِيّ عَنْ رَجُل مِنْ الصَّحَابَة أَرَاهُ عَنْ اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" مَنْ مَثَّلَ بِذِي رُوح ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مَثَّلَ اللَّه بِهِ يَوْم الْقِيَامَة \" رِجَاله ثِقَات. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَرْب. ‏ ‏قَوْله ( لَعَنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ مَثَّلَ بِالْحَيَوَانِ ) ‏ ‏أَيْ صَيَّرَهُ مُثْلَة بِضَمِّ الْمِيم وَبِالْمُثَلَّثَةِ , وَهَذِهِ الْمُتَابَعَة وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق الْقَاضِي عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب , وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا قِصَّة أَنَّ اِبْن عُمَر خَرَجَ فِي طَرِيق مِنْ طُرُق الْمَدِينَة فَرَأَى غِلْمَانًا , فَذَكَرَ مِثْل رِوَايَة أَبِي بِشْر , وَفِيهِ \" فَلَمَّا رَأَوْهُ فَرُّوا فَغَضِبَ \" الْحَدِيث. وَوَهِمَ مُغَلْطَاي وَتَبِعَهُ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن وَغَيْره فَجَزَمُوا بِأَنَّ سُلَيْمَان هَذَا هُوَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ , وَاسْتَنَدَ إِلَى أَنَّ أَبَا نُعَيْم أَخْرَجَهُ فِي مُسْتَخْرَجه مِنْ طَرِيق أَبِي خَلِيفَة عَنْ الطَّيَالِسِيّ. قُلْت : وَهُوَ غَلَط ظَاهِر , فَإِنَّ الطَّيَالِسِيّ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ أَبُو خَلِيفَة هُوَ أَبُو الْوَلِيد وَاسْمه هِشَام بْن عَبْد الْمَلِك , وَلَمْ يُدْرِك أَبُو خَلِيفَة أَبَا دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فَإِنَّ مَوْلِده بَعْد وَفَاته بِسَنَتَيْنِ , مَاتَ أَبُو دَاوُدَ سَنَة أَرْبَع وَمِائَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيح , وَوُلِدَ أَبُو خَلِيفَة سَنَة سِتّ وَمِائَتَيْنِ , وَالْمِنْهَال الْمَذْكُور فِي السَّنَد هُوَ اِبْن عَمْرو , يَعْنِي أَنَّهُ تَابَعَ أَبَا بِشْر فِي رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَخَالَفَهُمَا عَدِيّ بْن ثَابِت فَرَوَاهُ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس كَمَا بَيَّنَهُ فِي الطَّرِيق الَّتِي بَعْدهَا. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عَدِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن ثَابِت ‏ ‏( عَنْ سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن جُبَيْر ‏ ‏( عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الَّذِي سَاقَهُ إِلَى عَدِيّ بْن ثَابِت عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد , وَقَدْ سَاقَهُ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه عَنْ حَجَّاج بْن مِنْهَال الَّذِي سَاقَ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن يَزِيد بِهِ , وَلَكِنْ لَفْظه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوح غَرَضًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "5092",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ نَهَى عَنْ ‏ ‏النُّهْبَةِ ‏ ‏وَالْمُثْلَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ الْخَطْمِيّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة , تَقَدَّمَ ذِكْره فِي الِاسْتِسْقَاء. ‏ ‏قَوْله ( نَهَى عَنْ النُّهْبَى ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون وَسُكُون الْهَاء ثُمَّ بِالْمُوَحَّدَةِ مَقْصُور , أَيْ أَخْذ مَال الْمُسْلِم قَهْرًا جَهْرًا , وَمِنْهُ أَخْذ مَال الْغَنِيمَة قَبْل الْقِسْمَة اِخْتِطَافًا بِغَيْرِ تَسْوِيَة. ‏ ‏قَوْله ( وَالْمُثلة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطهَا وَتَفْسِيرهَا وَتَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي فِي \" بَاب قِصَّة عُكْل وَعُرَيْنَةَ \" لِهَذَا الْحَدِيث طَرِيق أُخْرَى , وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ الِاخْتِلَاف عَلَى شُعْبَة فِيهِ , وَبَيَّنَ أَنَّ يَعْقُوب الْحَضْرَمِيّ رَوَاهُ عَنْ شُعْبَة كَمَا قَالَ حَجَّاج بْن مُنْهَال , لَكِنْ أَدْخَلَ بَيْن عَبْد اللَّه بْن يَزِيد وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا أَيُّوب , وَرِوَايَة يَعْقُوب بْن إسْحَاق الْمَذْكُورَة وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث تَحْرِيم تَعْذِيب الْحَيَوَان الْآدَمِيّ وَغَيْره , وَفِي الْحَدِيث الْأَوَّل قُوَّة أَنَس عَلَى الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر مَعَ مَعْرِفَته بِشِدَّةِ الْأَمِير الْمَذْكُور , لَكِنْ كَانَ الْخَلِيفَة عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان نَهَى الْحَجَّاج عَنْ التَّعَرُّض لَهُ بَعْد أَنْ كَانَ صَدَرَ مِنْ الْحَجَّاج فِي حَقّه خُشُونَة , فَشَكَاهُ لِعَبْدِ الْمَلِك فَأَغْلَظَ لِلْحَجَّاجِ وَأَمَرَهُ بِإِكْرَامِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5093",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى يَعْنِي الْأَشْعَرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْكُلُ دَجَاجًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُوسَى الْبَلْخِيّ , نَسَبَهُ أَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن , وَجَزَمَ الْكَلَابَاذِيّ وَأَبُو نُعَيْم بِأَنَّهُ اِبْن جَعْفَر. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَيُّوب ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" اِبْن أَبِي تَمِيمَة \" وَهُوَ السَّخْتِيَانِيّ , وَعِنْد أَحْمَدَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْوَلِيد عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا أَيُّوب حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ أَيُّوب وَوَافَقَهُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوب عِنْد مُسْلِم , وَهَكَذَا قَالَ عَبْد السَّلَام بْن حَرْب عَنْ أَيُّوب كَمَا مَضَى فِي الْمَغَازِي , وَقَالَ عَبْد الْوَارِث كَمَا فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِيه \" عَنْ أَيُّوب عَنْ الْقَاسِم \" بَدَل أَبِي قِلَابَةَ , وَكَذَا قَالَ اِبْن عُلَيَّة عَنْ أَيُّوب كَمَا يَأْتِي فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور أَيْضًا , وَقَالَ حَمَّاد بْن زَيْد \" عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَالْقَاسِم \" قَالَ \" وَأَنَا لِحَدِيثِ قَاسِم أَحْفَظ \" أَخْرَجَهُ فِي فَرْض الْخُمُس , وَكَذَا قَالَ وُهَيْب عَنْ أَيُّوب عَنْهُمَا عِنْد مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ زَهْدَم ) ‏ ‏بِفَتْحِ الزَّاي هُوَ اِبْن مُضَرِّب بِضَمِّ أَوَّله وَبِفَتْحِ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء الْمَكْسُورَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة ‏ ‏( الْجَرْمِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم , بَصْرِيّ ثِقَة , لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى حَدِيثَيْنِ : هَذَا الْحَدِيث وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي مَوَاضِع لَهُ , وَحَدِيث آخَر أَخْرَجَهُ عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب وَذَكَرَهُ فِي مَوَاضِع أُخْرَى أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُل دَجَاجًا ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَكَذَا سَاقَهُ أَحْمَد عَنْ وَكِيع , وَأَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ عَنْ سُفْيَان أَتَمّ مِنْهُ , وَسَاقَهُ التِّرْمِذِيّ فِي \" الشَّمَائِل \" مِنْ وَجْه آخَر مُطَوَّلًا , كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَارِث عَنْ أَيُّوب عَنْ الْقَاسِم وَهُوَ اِبْن عَاصِم التَّمِيمِيّ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , فَقَدْ أَوْرَدَهُ عَنْهُ فِي مَوَاضِع مَقْرُونًا وَمُفْرَدًا مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا مُشْتَمِلًا عَلَى قِصَّة الرَّجُل الَّذِي اِمْتَنَعَ مِنْ أَكْل الدَّجَاج وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ , وَفَتْوَى أَبِي مُوسَى لَهُ بِأَنْ يُكَفِّر عَنْ يَمِينه وَيَأْكُل , وَقَصَّ لَهُ الْحَدِيث فِي ذَلِكَ وَسَبَبه , وَهُوَ طَلَبهمْ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْمِلهُمْ , وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف قِصَّة الِاسْتِحْمَال وَمَا يَلِيهَا مِنْ حُكْم الْيَمِين وَكَفَّارَته دُون قِصَّة الدَّجَاج أَيْضًا مِنْ رِوَايَة غَيْلَان بْن جَرِير عَنْ أَبِي بُرْدَة بْن أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ فِي كَفَّارَة الْأَيْمَان , وَأَوْرَدَهَا أَيْضًا فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي بُرْدَة عَنْ جَدّه أَبِي بُرْدَة أَتَمّ سِيَاقًا مِنْهُ فِي قِصَّة الِاسْتِحْمَال , وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر كَفَّارَة الْيَمِين , وَقَدْ أَحَلْت فِي فَرْض الْخُمُس وَفِي الْمَغَازِي بِشَرْحِهِ عَلَى كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور , فَأَذْكُر هُنَا مَا يَتَعَلَّق بِالدَّجَاجِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5094",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَهْدَمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا عِنْدَ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ ‏ ‏جَرْمٍ ‏ ‏إِخَاءٌ فَأُتِيَ بِطَعَامٍ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ وَفِي الْقَوْمِ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏جَالِسٌ أَحْمَرُ فَلَمْ يَدْنُ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ ادْنُ فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْكُلُ مِنْهُ قَالَ إِنِّي رَأَيْتُهُ أَكَلَ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهُ فَقَالَ ادْنُ أُخْبِرْكَ أَوْ أُحَدِّثْكَ إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏نَفَرٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَشْعَرِيِّينَ ‏ ‏فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ وَهُوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا قَالَ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِنَهْبٍ ‏ ‏مِنْ إِبِلٍ فَقَالَ أَيْنَ ‏ ‏الْأَشْعَرِيُّونَ ‏ ‏أَيْنَ ‏ ‏الْأَشْعَرِيُّونَ ‏ ‏قَالَ فَأَعْطَانَا خَمْسَ ‏ ‏ذَوْدٍ ‏ ‏غُرَّ ‏ ‏الذُّرَى ‏ ‏فَلَبِثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمِينَهُ فَوَاللَّهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا فَرَجَعْنَا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا اسْتَحْمَلْنَاكَ فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا فَظَنَنَّا أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ حَمَلَكُمْ إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ‏ ‏لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ‏ ‏وَتَحَلَّلْتُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( كُنَّا عِنْد أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَكَانَ بَيْننَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيّ ) ‏ ‏بِالْخَفْضِ بَدَل مِنْ الضَّمِير فِي بَيْنَهُ كَذَا قَالَ اِبْن التِّين , وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُ يَصِير تَقْدِير الْكَلَام أَنَّ زَهْدَمًا الْجَرْمِيّ قَالَ كَانَ بَيْننَا وَبَيْن هَذَا الْحَيّ مِنْ جَرْم إِخَاء , وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَاد , وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنَّ أَبَا مُوسَى وَقَوْمه الْأَشْعَرِيِّينَ كَانُوا أَهْل مَوَدَّة وَإِخَاء لِقَوْمِ زَهْدَم وَهُمْ بَنُو جَرْم , وَقَدْ وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَكَانَ بَيْننَا وَبَيْن هَذَا الْحَيّ \" وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل عَنْ أَيُّوب عَنْ الْقَاسِم وَأَبِي قِلَابَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَفَّارَة الْأَيْمَان , وَهُوَ يُؤَيِّد مَا قَالَ اِبْن التِّين إِلَّا أَنَّ الْمَعْنَى لَا يَصِحّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي أَوَاخِر كِتَاب التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَالْقَاسِم كِلَاهُمَا عَنْ زَهْدَم قَالَ \" كَانَ بَيْن هَذَا الْحَيّ مِنْ جَرْم وَبَيْن الْأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ أَوْ إِخَاء \" وَهَذِهِ الرِّوَايَة هِيَ الْمُعْتَمَدَة. ‏ ‏قَوْله ( إِخَاء ) ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّله وَالْمَدّ قَالَ اِبْن التِّين ضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِالْقَصْرِ وَهُوَ خَطَأ. ‏ ‏قَوْله ( وَفِي الْقَوْم رَجُل جَالِس أَحْمَر ) ‏ ‏أَيْ اللَّوْن , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد رَجُل مِنْ بَنِي تَيْم اللَّه أَحْمَر كَأَنَّهُ مِنْ الْمَوَالِي أَيْ الْعَجَم , وَهَذَا الرَّجُل هُوَ زَهْدَم الرَّاوِي أَبْهَمَ نَفْسه , فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق قَتَادَة عَنْ زَهْدَم قَالَ \" دَخَلْت عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَأْكُل دَجَاجًا فَقَالَ : اُدْنُ فَكُلْ , فَإِنِّي رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلهُ \" مُخْتَصَرًا. وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا لِكَوْنِهِ وَصَفَ الرَّجُل فِي رِوَايَة الْبَاب بِأَنَّهُ مِنْ بَنِي تَيْم اللَّه وَزَهْدَم مِنْ بَنِي جَرْم , فَقَالَ بَعْض النَّاس : الظَّاهِر أَنَّهُمَا اِمْتَنَعَا مَعًا زَهْدَم وَالرَّجُل التَّيْمِيُّ , وَحَمَلَهُ عَلَى دَعْوَى التَّعَدُّد اِسْتِبْعَاد أَنْ يَكُون الشَّخْص الْوَاحِد يُنْسَب إِلَى تَيْم اللَّه وَإِلَى جَرْم , وَلَا بُعْد فِي ذَلِكَ بَلْ قَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد الْحَدِيث الْمَذْكُور عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْوَلِيد هُوَ الْعَدَنِيّ عَنْ سُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ فَقَالَ فِي رِوَايَته \" عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي تَيْم اللَّه يُقَال لَهُ زَهْدَم قَالَ : كُنَّا عِنْد أَبِي مُوسَى , فَأَتَى بِلَحْمِ دَجَاج \" فَعَلَى هَذَا فَلَعَلَّ زَهْدَمًا كَانَ تَارَة يُنْسَب إِلَى بَنِي جَرْم وَتَارَة إِلَى بَنِي تَيْم اللَّه , وَجَرْم قَبِيلَة فِي قُضَاعَة يُنْسَبُونَ إِلَى جَرْم بْن زِبَان بِزَايٍ وَمُوَحَّدَة ثَقِيلَة اِبْن عِمْرَان بْن الْحَاف بْن قُضَاعَة , وَتَيْم اللَّه بَطْن مِنْ بَنِي كَلْب وَهُمْ قَبِيلَة فِي قُضَاعَة أَيْضًا يُنْسَبُونَ إِلَى تَيْمِ اللَّه بْن رُفَيْدَة - بِرَاءٍ وَفَاء مُصَغَّرًا - اِبْن ثَوْر بْن كَلْب بْن وَبَرَة بْن تَغْلِب بْن حُلْوَان بْن عِمْرَان بْن الْحَاف بْن قُضَاعَة , فَحُلْوَان عَمّ جَرْم , قَالَ الرَّشَاطِيّ فِي الْأَنْسَاب : وَكَثِيرًا مَا يَنْسُبُونَ الرَّجُل إِلَى أَعْمَامه. قُلْت : وَرُبَّمَا أَبْهَمَ الرَّجُل نَفْسه كَمَا تَقَدَّمَ فِي عِدَّة مَوَاضِع , فَلَا بُعْد فِي أَنْ يَكُون زَهْدَم صَاحِب الْقِصَّة وَالْأَصْل عَدَم التَّعَدُّد , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق الْفِرْيَابِيّ عَنْ الثَّوْرِيّ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب إِلَى زَهْدَم قَالَ \" رَأَيْت أَبَا مُوسَى يَأْكُل الدَّجَاج فَدَعَانِي فَقُلْت : إِنِّي رَأَيْته يَأْكُل نَتِنًا , قَالَ اُدْنُهُ فَكُلْ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث الْمَرْفُوع. وَمِنْ طَرِيق الصَّعْق بْن حَزْن عَنْ مَطَر الْوَرَّاق عَنْ زَهْدَم قَالَ \" دَخَلْت عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَأْكُل لَحْم دَجَاج فَقَالَ : اُدْنُ فَكُلْ , فَقُلْت إِنِّي حَلَفْت لَا آكُلهُ \" الْحَدِيث , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ بْن فَرُّوخ عَنْ الصَّعْق لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظه , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ وَجْه آخَر عَنْ زَهْدَم نَحْوه وَقَالَ فِيهِ \" فَقَالَ لِي : اُدْنُ فَكُلْ , فَقُلْت : إِنِّي لَا أُرِيدهُ \" الْحَدِيث. فَهَذِهِ عِدَّة طُرُق صَرَّحَ زَهْدَم فِيهَا بِأَنَّهُ صَاحِب الْقِصَّة فَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَلَا يُعَكِّر عَلَيْهِ إِلَّا مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِمَّا ظَاهِره الْمُغَايَرَة بَيْن زَهْدَم وَالْمُمْتَنِع مِنْ أَكْل الدَّجَاج , فَفِي رِوَايَة عَنْ زَهْدَم \" كُنَّا عِنْد أَبِي مُوسَى فَدَخَلَ رَجُل مِنْ بَنِي تَيْم اللَّه أَحْمَر شَبِيه بِالْمَوَالِي فَقَالَ : هَلُمَّ , فَتَلَكَّأَ \" الْحَدِيث , فَإِنَّ ظَاهِره أَنَّ الدَّاخِل دَخَلَ وَزَهْدَم جَالِس عِنْد أَبِي مُوسَى , لَكِنْ يَجُوز أَنْ يَكُون مُرَاد زَهْدَم بِقَوْلِهِ \" كُنَّا \" قَوْمه الَّذِينَ دَخَلُوا قَبْله عَلَى أَبِي مُوسَى , وَهَذَا مَجَاز قَدْ اِسْتَعْمَلَ غَيْره مِثْله كَقَوْلِ ثَابِت الْبُنَانِيّ \" خَطَبَنَا عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ \" أَيْ خَطَبَ أَهْل الْبَصْرَة , وَلَمْ يُدْرِك ثَابِت خُطْبَة عِمْرَان الْمَذْكُورَة , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون زَهْدَم دَخَلَ فَجَرَى لَهُ مَا ذَكَرَ , وَغَايَة مَا فِيهِ أَنَّهُ أَبْهَمَ نَفْسه , وَلَا عَجَب فِيهِ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي رَأَيْته يَأْكُل شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ ) بِكَسْرِ الذَّال الْمُعْجَمَة , وَفِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة \" إِنِّي رَأَيْتهَا تَأْكُل قَذِرًا \" وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهَا أَكْثَرَتْ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ صَارَتْ جَلَّالَة فَبَيَّنَ لَهُ أَبُو مُوسَى أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ أَوْ أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن تِلْكَ الدَّجَاجَة الَّتِي رَآهَا كَذَلِكَ أَنْ يَكُون كُلّ الدَّجَاج كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ اُدْنُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِعْل أَمْر مِنْ الدُّنُوّ , وَوَقَعَ عِنْد الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ \" إِذًا \" بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَبِذَالٍ مُعْجَمَة مَعَ التَّنْوِين حَرْف نَصْب , وَعَلَى الْأَوَّل فَقَوْله \" أُخْبِرك \" مَجْزُوم , وَعَلَى الثَّانِي هُوَ مَنْصُوب , ‏ ‏وَقَوْله \" أَوْ أُحَدِّثك \" ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحه فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَقَوْله \" فَأَعْطَانَا خَمْس ذَوْدٍ غُرَّ الذُّرَى \" الْغُرّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة جَمْع أَغَرّ وَالْأَغَرّ الْأَبْيَض. وَالذُّرَى بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَالْقَصْر جَمْع ذُرْوَة وَذُرْوَة كُلّ شَيْء أَعْلَاهُ , وَالْمُرَاد هُنَا أَسْنِمَة الْإِبِل وَلَعَلَّهَا كَانَتْ بَيْضَاء حَقِيقَة , أَوْ أَرَادَ وَصْفهَا بِأَنَّهَا لَا عِلَّة فِيهَا وَلَا دَبَر , وَيَجُوز فِي غُرّ النَّصْب وَالْجَرّ , وَقَوْله \" خَمْس ذَوْد \" كَذَا وَقَعَ بِالْإِضَافَةِ , وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو الْبَقَاء فِي غَرِيبه قَالَ : وَالصَّوَاب تَنْوِينَ خَمْس وَأَنْ يَكُون ذَوْد بَدَلًا مِنْ خَمْس , فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ بِغَيْرِ تَنْوِين لَتَغَيَّرَ الْمَعْنَى , لِأَنَّ الْعَدَد الْمُضَاف غَيْر الْمُضَاف إِلَيْهِ فَيَلْزَم أَنْ يَكُون خَمْس ذَوْد خَمْسَة عَشَر بَعِيرًا لِأَنَّ الْإِبِل الذَّوْد ثَلَاثَة اِنْتَهَى , وَمَا أَدْرِي كَيْف يُحْكَم بِفَسَادِ الْمَعْنَى إِذَا كَانَ الْعَدَد كَذَا ; وَلْيَكُنْ عَدَد الْإِبِل خَمْسَة عَشَر بَعِيرًا فَمَا الَّذِي يَضُرّ ؟ وَقَدْ ثَبَتَ فِي بَعْض طُرُقه \" خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ وَالْقَرِينَيْنِ \" إِلَى أَنْ عَدَّ سِتّ مَرَّات , وَاَلَّذِي قَالَهُ إِنَّمَا يَتِمّ أَنْ لَوْ جَاءَتْ رِوَايَة صَرِيحَة أَنَّهُ لَمْ يُعْطِهِمْ سِوَى خَمْسَة أَبْعِرَة , وَعَلَى تَقْدِير ذَلِكَ فَأَطْلَقَ لَفْظ ذَوْد عَلَى الْوَاحِد مَجَازًا كَإِبِلٍ , وَهَذِهِ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة لَا تَمْنَع إِمْكَان التَّصْوِير. وَفِي الْحَدِيث دُخُول الْمَرْء عَلَى صَدِيقه فِي حَال أَكْله , وَاسْتِدْنَاء صَاحِب الطَّعَام الدَّاخِل وَعَرْضه الطَّعَام عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا , لِأَنَّ اِجْتِمَاع الْجَمَاعَة عَلَى الطَّعَام سَبَب لِلْبَرَكَةِ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَفِيهِ جَوَاز أَكْل الدَّجَاج إِنْسِيّه وَوَحْشِيّه , وَهُوَ بِالِاتِّفَاقِ إِلَّا عَنْ بَعْض الْمُتَعَمِّقِينَ عَلَى سَبِيل الْوَرَع , إِلَّا أَنَّ بَعْضهمْ اِسْتَثْنَى الْجَلَّالَة وَهِيَ مَا تَأْكُل الْأَقْذَار , وَظَاهِر صَنِيع أَبِي مُوسَى أَنَّهُ لَمْ يُبَالِ بِذَلِكَ , وَالْجَلَّالَة عِبَارَة عَنْ الدَّابَّة الَّتِي تَأْكُل الْجِلَّة بِكَسْرِ الْجِيم وَالتَّشْدِيد وَهِيَ الْبَعْر , وَادَّعَى اِبْن حَزْم اِخْتِصَاص الْجَلَالَة بِذَوَاتِ الْأَرْبَع , وَالْمَعْرُوف التَّعْمِيم. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَحْبِس الدَّجَاجَة الْجَلَّالَة ثَلَاثًا , وَقَالَ مَالِك وَاللَّيْث : لَا بَأْس بِأَكْلِ الْجَلَّالَة مِنْ الدَّجَاج وَغَيْره , وَإِنَّمَا جَاءَ النَّهْي عَنْهَا لِلتَّقَذُّرِ , وَقَدْ وَرَدَ النَّهْي عَنْ أَكْل الْجَلَّالَة مِنْ طُرُق أَصَحّهَا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق قَتَادَة عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُجَثَّمَة , وَعَنْ لَبَن الْجَلَّالَة , وَعَنْ الشُّرْب مِنْ فِي السِّقَاء \" وَهُوَ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ فِي رِجَاله , إِلَّا أَنَّ أَيُّوب رَوَاهُ عَنْ عِكْرِمَة فَقَالَ \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْبَزَّار مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجَلَّالَة وَعَنْ شُرْب أَلْبَانهَا وَأَكْلهَا وَرُكُوبهَا \" وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ جَابِر \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجَلَّالَة أَنْ يُؤْكَل لَحْمهَا أَوْ يُشْرَب لَبَنهَا , وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم خَيْبَر عَنْ لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة , وَعَنْ الْجَلَّالَة , عَنْ رُكُوبهَا وَأَكْل لَحْمهَا \" وَسَنَده حَسَن. وَقَدْ أَطْلَقَ الشَّافِعِيَّة كَرَاهَة أَكْل الْجَلَّالَة إِذَا تَغَيَّرَ لَحْمهَا بِأَكْلِ النَّجَاسَة , وَفِي وَجْه إِذَا أَكْثَرَتْ مِنْ ذَلِكَ , وَرَجَّحَ أَكْثَرهمْ أَنَّهَا كَرَاهَة تَنْزِيه , وَهُوَ قَضِيَّة صَنِيع أَبِي مُوسَى , وَمِنْ حُجَّتهمْ أَنَّ الْعَلَف الطَّاهِر إِذَا صَارَ فِي كَرِشهَا تَنَجَّسَ فَلَا تَتَغَذَّى إِلَّا بِالنَّجَاسَةِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُحْكَم عَلَى اللَّحْم وَاللَّبَن بِالنَّجَاسَةِ. فَكَذَلِكَ هَذَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْعَلَف الطَّاهِر إِذَا تَنَجَّسَ بِالْمُجَاوَرَةِ جَازَ إِطْعَامه لِلدَّابَّةِ لِأَنَّهَا إِذَا أَكَلَتْهُ لَا تَتَغَذَّى بِالنَّجَاسَةِ وَإِنَّمَا تَتَغَذَّى بِالْعَلَفِ , بِخِلَافِ الْجَلَّالَة , وَذَهَبَ جَمَاعَة مِنْ الشَّافِعِيَّة وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَة إِلَى أَنَّ النَّهْي لِلتَّحْرِيمِ , وَبِهِ جَزَمَ اِبْن دَقِيق الْعِيد عَنْ الْفُقَهَاء , وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ أَبُو إِسْحَاق الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَفَّال وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيّ وَالْغَزَالِيّ وَأَلْحَقُوا بِلَبَنِهَا وَلَحْمهَا بَيْضهَا , وَفِي مَعْنَى الْجَلَّالَة مَا يَتَغَذَّى بِالنَّجِسِ كَالشَّاةِ تَرْضَع مِنْ كَلْبَة , وَالْمُعْتَبَر فِي جَوَاز أَكْل الْجَلَّالَة زَوَال رَائِحَة النَّجَاسَة بَعْد أَنْ تُعْلَف بِالشَّيْءِ الطَّاهِر عَلَى الصَّحِيح , وَجَاءَ عَنْ السَّلَف فِيهِ تَوْقِيت فَعِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَحْبِس الدَّجَاجَة الْجَلَّالَة ثَلَاثًا , كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ نَظَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مَرْفُوعًا أَنَّهَا لَا تُؤْكَل حَتَّى تُعْلَف أَرْبَعِينَ يَوْمًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5095",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَكَلْنَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , ‏ ‏وَهِشَام ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏وَفَاطِمَة ‏ ‏هِيَ بِنْت الْمُنْذِر بْن الزُّبَيْر وَهِيَ اِبْنَة عَمّ هِشَام الْمَذْكُور وَزَوْجَته , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي \" بَاب النَّحْر وَالذَّبْح \". وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي سَنَده عَلَى هِشَام فَقَالَ أَيُّوب مِنْ رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاء , وَكَذَا قَالَ اِبْن ثَوْبَان مِنْ رِوَايَة عُتْبَة بْن حَمَّاد عَنْهُ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , وَقَالَ الْمُغِيرَة بْن مُسْلِم عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام أَخْرَجَهُ الْبَزَّار , وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَاف ثُمَّ رَجَّحَ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ. ‏ ‏قَوْله ( نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلْنَاهُ ) ‏ ‏زَادَ عَبْدَة بْن سُلَيْمَان عَنْ هِشَام \" وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ قَبْل بَابَيْنِ , وَفِي رِوَايَة لِلدّارَقُطْنِيِّ \" فَأَكَلْنَاهُ نَحْنُ وَأَهْل بَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَتَقَدَّمَ الِاخْتِلَاف فِي قَوْلهَا \" نَحَرْنَا \" و \" ذَبَحْنَا \" وَاخْتَلَفَ الشَّارِحُونَ فِي تَوْجِيهه فَقِيلَ يُحْمَل النَّحْر عَلَى الذَّبْح مَجَازًا. وَقِيلَ وَقَعَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ , وَإِلَيْهِ جَنَحَ النَّوَوِيّ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ الْأَصْل عَدَم التَّعَدُّد وَالْمَخْرَج مُتَّحِد , وَالِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى هِشَام : فَبَعْض الرُّوَاة قَالَ عَنْهُ نَحَرْنَا وَبَعْضهمْ قَالَ ذَبَحْنَا , وَالْمُسْتَفَاد مِنْ ذَلِكَ جَوَاز الْأَمْرَيْنِ عِنْدهمْ وَقِيَام أَحَدهمَا فِي التَّذْكِيَة مَقَام الْآخَر , وَإِلَّا لَمَا سَاغَ لَهُمْ الْإِتْيَان بِهَذَا مَوْضِع هَذَا , وَأَمَّا الَّذِي وَقَعَ بِعَيْنِهِ فَلَا يَتَحَرَّر لِوُقُوعِ التَّسَاوِي بَيْن الرُّوَاة الْمُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ , وَيُسْتَفَاد مِنْ قَوْلهَا \" وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ \" أَنَّ ذَلِكَ بَعْد فَرْض الْجِهَاد , فَيَرُدّ عَلَى مَنْ اِسْتَنَدَ إِلَى مَنْع أَكْلهَا بِعِلَّةِ أَنَّهَا مِنْ آلَات الْجِهَاد , وَمِنْ قَوْلهَا \" نَحْنُ وَأَهْل بَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ , مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يُرَدْ لَمْ يُظَنّ بِآلِ أَبِي بَكْر أَنَّهُمْ يُقْدِمُونَ عَلَى فِعْل شَيْء فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَعِنْدهمْ الْعِلْم بِجَوَازِهِ , لِشِدَّةِ اِخْتِلَاطهمْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَم مُفَارَقَتهمْ لَهُ , هَذَا مَعَ تَوَفُّر دَاعِيَة الصَّحَابَة إِلَى سُؤَاله عَنْ الْأَحْكَام , وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الرَّاجِح أَنَّ الصَّحَابِيّ إِذَا قَالَ \" كُنَّا نَفْعَل كَذَا عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كَانَ لَهُ حُكْم الرَّفْع , لِأَنَّ الظَّاهِر اطِّلَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَتَقْرِيره , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي مُطْلَق الصَّحَابِيّ فَكَيْف بِآلِ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق. ‏"
    },
    {
        "id": "5096",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ وَرَخَّصَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5097",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏وَنَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏ابْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان وَعُبَيْدُ اللَّه هُوَ الْعُمَرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَالِم وَنَافِع ) ‏ ‏كَذَا قَالَ عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ عُبَيْد اللَّه عِنْد مُسْلِم وَمُحَمَّد بْن عُبَيْد عَنْهُ كَمَا سَبَقَ فِي الْمَغَازِي , ثُمَّ سَاقَهُ الْمُصَنِّف مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع وَحْده , وَقَوْله \" تَابَعَهُ اِبْن الْمُبَارَكِ \" وَصَلَهُ الْمُؤَلِّف فِي الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ أَبُو أُسَامَة عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ سَالِم ) ‏ ‏وَصَلَهُ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقه , وَفَصَلَ فِي رِوَايَته بَيْن أَكْل الثُّوم وَالْحُمُر , فَبَيَّنَ أَنَّ النَّهْي عَنْ الثُّوم مِنْ رِوَايَة نَافِع فَقَطْ , وَأَنَّ النَّهْي عَنْ الْحُمُر عَنْ سَالِم فَقَطْ , وَهُوَ تَفْصِيل بَالِغ , لَكِنْ يَحْيَى الْقَطَّان حَافِظ فَلَعَلَّ عُبَيْد اللَّه لَمْ يُفَصِّلهُ إِلَّا لِأَبِي أُسَامَة , وَكَانَ يُحَدِّث بِهِ عَنْ سَالِم وَنَافِع مَعًا مُدْمِجًا فَاقْتَصَرَ بَعْض الرُّوَاة عَنْهُ عَلَى أَخْذ شَيْخه تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْإِطْلَاق. ‏"
    },
    {
        "id": "5098",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِمَا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْمُتْعَةِ عَامَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَعَنْ لُحُومِ حُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ , ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا وَتَقَدَّمَ مُطَوَّلًا فِي كِتَابِ النِّكَاح. ‏"
    },
    {
        "id": "5099",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ وَرَخَّصَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر , قَدْ سَبَقَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5100",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَدِيٌّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏وَابْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء وَابْن أَبِي أَوْفَى أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُمَا أَتَمّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا فِي الْمَغَازِي , وَأَفْرَدَهُ عَنْ اِبْن أَبِي أَوْفَى هُنَا وَفِي فَرْض الْخُمُس وَفِيهِ زِيَادَة اِخْتِلَافهمْ فِي السَّبَب. ‏"
    },
    {
        "id": "5101",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا إِدْرِيسَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا ثَعْلَبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏الزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏وَعُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏وَمَعْمَرٌ ‏ ‏وَالْمَاجِشُونُ ‏ ‏وَيُونُسُ ‏ ‏وَابْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ كُلِّ ذِي ‏ ‏نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , وَيَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم أَيْ اِبْن سَعِيد , وَصَالِح هُوَ اِبْنُ كَيْسَانَ. ‏ ‏قَوْله ( حَرَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة ) ‏ ‏تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيّ وَعُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيِّ , فَرِوَايَة الزُّبَيْدِيّ وَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق بَقِيَّة قَالَ \" حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيّ - وَلَفْظه - نَهَى عَنْ أَكْل كُلّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاع , وَعَنْ لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة \" وَرِوَايَة عُقَيْل وَصَلَهَا أَحْمَد بِلَفْظِ الْبَاب وَزَادَ \" وَلَحْم كُلّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاع \" وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْد هَذَا. وَوَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي ثَعْلَبَة فِيهِ قِصَّة وَلَفْظه \" غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَر وَالنَّاس جِيَاع , فَوَجَدُوا حُمُرًا إِنْسِيَّة فَذَبَحُوا مِنْهَا , فَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَنَادَى : أَلَا إِنَّ لُحُوم الْحُمُر الْإنْسِيَّة لَا تَحِلّ \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ مَالِك وَمَعْمَر وَالْمَاجِشُون وَيُونُس وَابْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ : نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْل كُلّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاع ) ‏ ‏يَعْنِي لَمْ يَتَعَرَّضُوا فِيهِ لِذِكْرِ الْحُمُر , فَأَمَّا حَدِيث مَالِك فَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَأَمَّا حَدِيث مَعْمَر وَيُونُس فَوَصَلَهُمَا الْحَسَن بْن سُفْيَان مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْهُمَا , وَأَمَّا حَدِيث الْمَاجِشُونِ وَهُوَ يُوسُف بْن يَعْقُوب بْن أَبِي سَلَمَة فَوَصَلَهُ مُسْلِم عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى عَنْهُ , وَأَمَّا حَدِيث اِبْن إِسْحَاق فَوَصَلَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ عَبْدَة بْن سُلَيْمَان وَمُحَمَّد بْن عُبَيْد كِلَاهُمَا عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5102",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَاءَهُ ‏ ‏جَاءٍ فَقَالَ أُكِلَتْ الْحُمُرُ ثُمَّ جَاءَهُ ‏ ‏جَاءٍ فَقَالَ أُكِلَتْ الْحُمُرُ ثُمَّ جَاءَهُ ‏ ‏جَاءٍ فَقَالَ أُفْنِيَتْ الْحُمُرُ فَأَمَرَ ‏ ‏مُنَادِيًا ‏ ‏فَنَادَى فِي النَّاسِ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ فَأُكْفِئَتْ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِاللَّحْمِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَسٍ فِي النِّدَاء بِالنَّهْيِ عَنْ لُحُوم الْحُمُر , وَقَعَ عِنْد مُسْلِم أَنَّ الَّذِي نَادَى بِذَلِكَ هُوَ أَبُو طَلْحَة وَعَزَاهُ النَّوَوِيّ لِرِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى فَنُسِبَ إِلَى التَّقْصِير , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم أَيْضًا أَنَّ بِلَالًا نَادَى بِذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا عِنْد النَّسَائِيِّ أَنَّ الْمُنَادِي بِذَلِكَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَلَعَلَّ عَبْد الرَّحْمَن نَادَى أَوَّلًا بِالنَّهْيِ مُطْلَقًا , ثُمَّ نَادَى أَبُو طَلْحَة وَبِلَال بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَوْله \" فَإِنَّهَا رِجْس , فَأُكْفِئَتْ الْقُدُور وَإِنَّهَا لَتَفُور بِاللَّحْمِ \" وَوَقَعَ فِي \" الشَّرْح الْكَبِير لِلرَّافِعِيِّ \" أَنَّ الْمُنَادِي بِذَلِكَ خَالِد بْن الْوَلِيد وَهُوَ غَلَط فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَد خَيْبَر وَإِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْد فَتْحهَا. ‏ ‏قَوْله ( جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ : أَكَلْت الْحُمُر ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِف اِسْم هَذَا الرَّجُل وَلَا اللَّذَيْنِ بَعْده , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا وَاحِدًا فَإِنَّهُ قَالَ أَوَّلًا : \" أَكَلْت \" فَإِمَّا لَمْ يَسْمَعهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِمَّا لَمْ يَكُنْ أَمَرَ فِيهَا بِشَيْءٍ , وَكَذَا فِي الثَّانِيَة , فَلَمَّا قَالَ الثَّالِثَة \" أُفْنِيَتْ الْحُمُر \" أَيْ لِكَثْرَةِ مَا ذُبِحَ مِنْهَا لِتُطْبَخ صَادَفَ نُزُول الْأَمْر بِتَحْرِيمِهَا , وَلَعَلَّ هَذَا مُسْتَنَد مَنْ قَالَ : إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا لِكَوْنِهَا كَانَتْ حَمُولَة النَّاس كَمَا سَيَأْتِي. ‏"
    },
    {
        "id": "5103",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ حُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَقَالَ قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَاكَ ‏ ‏الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ ‏ ‏عِنْدَنَا ‏ ‏بِالْبَصْرَةِ ‏ ‏وَلَكِنْ أَبَى ذَاكَ الْبَحْرُ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَقَرَأَ ‏ { ‏قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ ‏ ‏وَعَمْرو ‏ ‏هُوَ اِبْنُ دِينَار. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت لِجَابِرِ بْن زَيْد ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الشَّعْثَاء بِمُعْجَمَةٍ وَمُثَلَّثَة الْبَصْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( يَزْعُمُونَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة أَحَد مِنْهُمْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله أَنَّ عَمْرو بْن دِينَار رَوَى ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّد بْن عَلِيّ عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه , وَأَنَّ مِنْ الرُّوَاة مَنْ قَالَ عَنْهُ عَنْ جَابِر بِلَا وَاسِطَة. ‏ ‏قَوْله ( قَدْ كَانَ يَقُول ذَلِكَ الْحَكَم بْن عَمْرو الْغِفَارِيُّ عِنْدنَا بِالْبَصْرَةِ ) ‏ ‏زَادَ الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان بِهَذَا السَّنَد \" قَدْ كَانَ يَقُول ذَلِكَ الْحَكَم بْن عَمْرو عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار مَضْمُومًا إِلَى حَدِيث جَابِر بْن عَبْد اللَّه فِي النَّهْي عَنْ لُحُوم الْحُمُر مَرْفُوعًا. وَلَمْ يُصَرِّح بِرَفْعِ حَدِيث الْحَكَم. ‏ ‏قَوْله ( وَلَكِنْ أَبَى ذَلِكَ الْبَحْر اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏و \" أَبَى \" مِنْ الْإِبَاء أَيْ اِمْتَنَعَ , وَالْبَحْر صِفَة لِابْنِ عَبَّاس قِيلَ لَهُ لِسَعَةِ عِلْمه , وَهُوَ مِنْ تَقْدِيم الصِّفَة عَلَى الْمَوْصُوف مُبَالَغَة فِي تَعْظِيم الْمَوْصُوف كَأَنَّهُ صَارَ عَلَمًا عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِشُهْرَتِهِ بَعْد ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ خَفَائِهِ عَلَى بَعْض النَّاس , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" وَأَبَى ذَلِكَ الْبَحْر يُرِيد اِبْن عَبَّاس \" وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ إِدْرَاجًا. ‏ ‏قَوْله ( وَقَرَأَ قُلْ لَا أَجِد فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن مَرْدَوَيْهِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن شَرِيك عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ أَبِي الشَّعْثَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَأْكُلُونَ أَشْيَاء وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاء تَقَذُّرًا \" فَبَعَثَ لِلَّهِ نَبِيّه وَأَنْزَلَ كِتَابه وَأَحَلَّ حَلَاله وَحَرَّمَ حَرَامه , فَمَا أَحَلَّ فِيهِ فَهُوَ حَلَال , وَمَا حَرَّمَ فِيهِ فَهُوَ حَرَام , وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْو. وَتَلَا هَذِهِ : قُلْ لَا أَجِد إِلَى آخِرهَا \" وَالِاسْتِدْلَال بِهَذَا لِلْحِلِّ إِنَّمَا يَتِمّ فِيمَا لَمْ يَأْتِ فِيهِ نَصّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحْرِيمِهِ , وَقَدْ تَوَارَدَتْ الْأَخْبَار بِذَلِكَ وَالتَّنْصِيص عَلَى التَّحْرِيم مُقَدَّم عَلَى عُمُوم التَّحْلِيل وَعَلَى الْقِيَاس , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي النَّهْي عَنْ الْحُمُر : هَلْ كَانَ لِمَعْنًى خَاصّ , أَوْ لِلتَّأْيِيدِ ؟ فَفِيهِ عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا أَدْرِي أَنَهَى عَنْهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْل أَنَّهُ كَانَ حَمُولَة النَّاس فَكَرِهَ أَنْ تَذْهَب حُمُولَتهمْ , أَوْ حَرَّمَهَا الْبَتَّة يَوْم خَيْبَر ؟ وَهَذَا التَّرَدُّد أَصَحّ مِنْ الْخَبَر الَّذِي جَاءَ عَنْهُ بِالْجَزْمِ بِالْعِلَّةِ الْمَذْكُورَة , وَكَذَا فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق شَقِيق بْن سَلَمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" إِنَّمَا حَرَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُمُر الْأَهْلِيَّة مَخَافَة قِلَّة الظَّهْر \" وَسَنَده ضَعِيف , وَتَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي فِي حَدِيث اِبْن أَبِي أَوْفَى : فَتَحَدَّثْنَا أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّس \" وَقَالَ بَعْضهمْ نَهَى عَنْهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُل الْعَذِرَة. ‏ ‏قُلْت : وَقَدْ أَزَالَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَات مِنْ كَوْنهَا لَمْ تُخَمَّس أَوْ كَانَتْ جَلَّالَة أَوْ كَانَتْ اُنْتُهِبَتْ حَدِيث أَنَس الْمَذْكُور قَبْل هَذَا حَيْثُ جَاءَ فِيهِ \" فَإِنَّهَا رِجْس \" وَكَذَا الْأَمْر بِغَسْلِ الْإِنَاء فِي حَدِيث سَلَمَة , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَوْله \" فَإِنَّهَا رِجْس \" ظَاهِر فِي عَوْد الضَّمِير عَلَى الْحُمُر لِأَنَّهَا الْمُتَحَدَّث عَنْهَا الْمَأْمُور بِإِكْفَائِهَا مِنْ الْقُدُور وَغَسْلهَا , وَهَذَا حُكْم الْمُتَنَجِّس , فَيُسْتَفَاد مِنْهُ تَحْرِيم أَكْلهَا , وَهُوَ دَالّ عَلَى تَحْرِيمهَا لِعَيْنِهَا لَا لِمَعْنًى خَارِج. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الْأَمْر بِإِكْفَاءِ الْقَدْر ظَاهِر أَنَّهُ سَبَب تَحْرِيم لَحْم الْحُمُر , وَقَدْ وَرَدَتْ عِلَل أُخْرَى إِنْ صَحَّ رَفْع شَيْء مِنْهَا وَجَبَ الْمَصِير إِلَيْهِ , لَكِنْ لَا مَانِع أَنْ يُعَلَّل الْحُكْم بِأَكْثَر مِنْ عِلَّة , وَحَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة صَرِيح فِي التَّحْرِيم فَلَا مَعْدِل عَنْهُ. وَأَمَّا التَّعْلِيل بِخَشْيَةِ قِلَّة الظَّهْر فَأَجَابَ عَنْهُ الطَّحَاوِيُّ بِالْمُعَارَضَةِ بِالْخَيْلِ , فَإِنَّ فِي حَدِيث جَابِر النَّهْي عَنْ الْحُمُر وَالْإِذْن فِي الْخَيْل مَقْرُونًا , فَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّة لِأَجْلِ الْحَمُولَة لَكَانَتْ الْخَيْل أَوْلَى بِالْمَنْعِ لِقِلَّتِهَا عِنْدهمْ وَعِزَّتهَا وَشِدَّة حَاجَتهمْ إِلَيْهَا. ‏ ‏وَالْجَوَاب عَنْ آيَة الْأَنْعَام أَنَّهَا مَكِّيَّة وَخَبَر التَّحْرِيم مُتَأَخِّر جِدًّا فَهُوَ مُقَدَّم , وَأَيْضًا فَنَصّ الْآيَة خَبَر عَنْ الْحُكْم الْمَوْجُود عِنْد نُزُولهَا , فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ نَزَلَ فِي تَحْرِيم الْمَأْكُول إِلَّا مَا ذُكِرَ فِيهَا , وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَمْنَع أَنْ يَنْزِل بَعْد ذَلِكَ غَيْر مَا فِيهَا , وَقَدْ نَزَلَ بَعْدهَا فِي الْمَدِينَة أَحْكَام بِتَحْرِيمِ أَشْيَاء غَيْر مَا ذُكِرَ فِيهَا كَالْخَمْرِ فِي آيَة الْمَائِدَة , وَفِيهَا أَيْضًا تَحْرِيم مَا أُهِلّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ وَالْمُنْخَنِقَة إِلَى آخِره , وَكَتَحْرِيمِ السِّبَاع وَالْحَشَرَات , قَالَ النَّوَوِيّ : قَالَ بِتَحْرِيمِ الْحُمُر الْأَهْلِيَّة أَكْثَر الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ , وَلَمْ نَجِد عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة فِي ذَلِكَ خِلَافًا لَهُمْ إِلَّا عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَعِنْد الْمَالِكِيَّة ثَلَاث رِوَايَات ثَالِثهَا الْكَرَاهَة , وَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ غَالِب بْن الْحُرّ قَالَ \" أَصَابَتْنَا سَنَة , فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِم أَهْلِي إِلَّا سِمَان حُمُر , فَأَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : إِنَّك حَرَّمْت لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة وَقَدْ أَصَابَتْنَا سَنَة , قَالَ : أَطْعِمْ أَهْلك مِنْ سَمِين حُمُرك , فَإِنَّمَا حَرَّمْتهَا مِنْ أَجْل حَوَالَيْ الْقَرْيَة \" يَعْنِي الْجَلَّالَة , وَإِسْنَاده ضَعِيف , وَالْمَتْن شَاذّ مُخَالِف لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة , فَالِاعْتِمَاد عَلَيْهَا. وَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُمّ نَصْر الْمُحَارِبِيَّة \" أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحُمُر الْأَهْلِيَّة فَقَالَ : أَلَيْسَ تَرْعَى الْكَلَأ وَتَأْكُل الشَّجَر ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ فَأَصِبْ مِنْ لُحُومهَا \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق رَجُل مِنْ بَنِي مُرَّة قَالَ \" سَأَلْت \" فَذَكَرَ نَحْوه , فَفِي السَّنَدَيْنِ مَقَال , وَلَوْ ثَبَتَا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون قَبْل التَّحْرِيم. قَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَوْ تَوَاتَرَ الْحَدِيث عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحْرِيمِ الْحُمُر الْأَهْلِيَّة لَكَانَ النَّظَر يَقْتَضِي حِلّهَا لِأَنَّ كُلّ مَا حُرِّمَ مِنْ الْأَهْلِيّ أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمه إِذَا كَانَ وَحْشِيًّا كَالْخِنْزِيرِ , وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى حِلّ الْحِمَار الْوَحْشِيّ فَكَانَ النَّظَر يَقْتَضِي حِلّ الْحِمَار الْأَهْلِيّ. قُلْت : مَا اِدَّعَاهُ مِنْ الْإِجْمَاع مَرْدُود , فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْحَيَوَان الْأَهْلِيّ مُخْتَلَف فِي نَظِيره مِنْ الْحَيَوَان الْوَحْشِيّ كَالْهِرِّ , وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الذَّكَاة لَا تُطَهِّر مَا لَا يَحِلّ أَكْله , وَأَنَّ كُلّ شَيْء تَنَجَّسَ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَة يَكْفِي غَسْله مَرَّة وَاحِدَة لِإِطْلَاقِ الْأَمْر بِالْغَسْلِ فَإِنَّهُ يَصْدُق بِالِامْتِثَالِ بِالْمَرَّةِ , وَالْأَصْل أَنْ لَا زِيَادَة عَلَيْهَا , وَأَنَّ الْأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة لِكَوْنِ الصَّحَابَة أَقْدَمُوا عَلَى ذَبْحهَا وَطَبْخهَا كَسَائِرِ الْحَيَوَان مِنْ قَبْل أَنْ يُسْتَأْمَرُوا مَعَ تَوَفُّر دَوَاعِيهمْ عَلَى السُّؤَال عَمَّا يُشْكِل , وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِأَمِيرِ الْجَيْش تَفَقُّد أَحْوَال رَعِيَّته , وَمَنْ رَآهُ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغ فِي الشَّرْع أَشَاعَ مَنْعه إِمَّا بِنَفْسِهِ كَأَنْ يُخَاطِبهُمْ وَإِمَّا بِغَيْرِهِ بِأَنْ يَأْمُر مُنَادِيًا فَيُنَادِي لِئَلَّا يَغْتَرّ بِهِ مَنْ رَآهُ فَيَظُنّهُ جَائِزًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5104",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ثَعْلَبَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي ‏ ‏نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَمَعْمَرٌ ‏ ‏وَابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏وَالْمَاجِشُونُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ يُونُس وَمَعْمَر وَابْن عُيَيْنَةَ وَالْمَاجِشُون عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان مَنْ وَصَلَ أَحَادِيثهمْ فِي الْبَاب قَبْله , إِلَّا اِبْن عُيَيْنَةَ فَقَدْ أَشَرْت إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَاب قَرِيبًا , قَالَ التِّرْمِذِيّ : الْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أَكْثَر أَهْل الْعِلْم , وَعَنْ بَعْضهمْ لَا يَحْرُم , وَحَكَى اِبْن وَهْب وَابْن عَبْد الْحَكَم عَنْ مَالِك كَالْجُمْهُورِ , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الْمَشْهُور عَنْهُ الْكَرَاهَة , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَجَابِر عَنْ اِبْن عُمَر مِنْ وَجْه ضَعِيف , وَهُوَ قَوْل الشَّعْبِيّ وَسَعِيد بْن جُبَيْر , وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ ( قُلْ لَا أَجِدُ ) , وَالْجَوَاب أَنَّهَا مَكِّيَّة وَحَدِيث التَّحْرِيم بَعْد الْهِجْرَة. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ نَصَّ الْآيَة عَدَم تَحْرِيم غَيْر مَا ذُكِرَ إِذْ ذَاكَ , فَلَيْسَ فِيهَا نَفْي مَا سَيَأْتِي , وَعَنْ بَعْضهمْ أَنَّ آيَة الْأَنْعَام خَاصَّة بِبَهِيمَةِ الْأَنْعَام لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ قَبْلهَا حِكَايَة عَنْ الْجَاهِلِيَّة أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَرِّمُونَ أَشْيَاء مِنْ الْأَزْوَاج الثَّمَانِيَة بِآرَائِهِمْ فَنَزَلَتْ الْآيَة ( قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ) أَيْ مِنْ الْمَذْكُورَات إِلَّا الْمَيْتَة مِنْهَا وَالدَّم الْمَسْفُوح , وَلَا يَرِد كَوْن لَحْم الْخِنْزِير ذُكِرَ مَعَهَا لِأَنَّهَا قُرِنَتْ بِهِ عِلَّة تَحْرِيمه وَهُوَ كَوْنه رِجْسًا , وَنَقَلَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ يَقُول بِخُصُوصِ السَّبَب إِذَا وَرَدَ فِي مِثْل هَذِهِ الْقِصَّة لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَل الْآيَة حَاصِرَة لِمَا يَحْرُم مِنْ الْمَأْكُولَات مَعَ وُرُود صِيغَة الْعُمُوم فِيهَا , وَذَلِكَ أَنَّهَا وَرَدَتْ فِي الْكُفَّار الَّذِينَ يُحِلُّونَ الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ وَيُحَرِّمُونَ كَثِيرًا مِمَّا أَبَاحَهُ الشَّرْع , فَكَأَنَّ الْغَرَض مِنْ الْآيَة إِبَانَة حَالهمْ وَأَنَّهُمْ يُضَادُّونَ الْحَقّ , فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَا حَرَام إِلَّا مَا حَلَلْتُمُوهُ مُبَالَغَة فِي الرَّدّ عَلَيْهِمْ , وَحَكَى الْقُرْطُبِيّ عَنْ قَوْم أَنَّ آيَة الْأَنْعَام الْمَذْكُورَة نَزَلَتْ فِي حَجَّة الْوَدَاع فَتَكُون نَاسِخَة , وَرُدَّ بِأَنَّهَا مَكِّيَّة كَمَا صَرَّحَ بِهِ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء , وَيُؤَيِّدهُ مَا تَقَدَّمَ قَبْلهَا مِنْ الْآيَات مِنْ الرَّدّ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَب فِي تَحْرِيمهمْ مَا حَرَّمُوهُ مِنْ الْأَنْعَام وَتَخْصِيصهمْ بَعْض ذَلِكَ بِآلِهَتِهِمْ إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ , وَذَلِكَ كُلّه قَبْل الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة. وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ فِي الْمُرَاد بِمَا لَهُ نَاب فَقِيلَ : إِنَّهُ مَا يَتَقَوَّى بِهِ وَيَصُول عَلَى غَيْره وَيَصْطَاد وَيَعْدُو بِطَبْعِهِ غَالِبًا كَالْأَسَدِ وَالْفَهْد وَالصَّقْر وَالْعُقَاب , وَأَمَّا مَا لَا يَعْدُو كَالضَّبْعِ وَالثَّعْلَب فَلَا , وَإِلَى هَذَا ذَهَب الشَّافِعِيّ وَاللَّيْث وَمَنْ تَبِعَهُمَا , وَقَدْ وَرَدَ فِي حِلّ الضَّبْع أَحَادِيث لَا بَأْس بِهَا , وَأَمَّا الثَّعْلَب فَوَرَدَ فِي تَحْرِيمه حَدِيث خُزَيْمَةَ بْن جَزْء عِنْد التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ , وَلَكِنْ سَنَده ضَعِيف. ‏"
    },
    {
        "id": "5105",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ ‏ ‏هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ ‏ ‏بِإِهَابِهَا ‏ ‏قَالُوا إِنَّهَا مَيِّتَةٌ قَالَ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ صَالِح ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ كَيْسَانَ. ‏ ‏قَوْله ( مَرَّ بِشَاةٍ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَزَادَ فِي بَعْض الرُّوَاة عَنْ الزُّهْرِيِّ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ مَيْمُونَة \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَغَيْره مِنْ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ , وَالرَّاجِح عِنْد الْحُفَّاظ فِي حَدِيث الزُّهْرِيِّ لَيْسَ فِيهِ مَيْمُونَة , نَعَمْ أَخْرَجَ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ مَيْمُونَة أَخْبَرَتْهُ \". ‏ ‏قَوْله ( بِإِهَابِهَا ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَتَخْفِيف الْهَاء هُوَ الْجِلْد قَبْل أَنْ يُدْبَغ , وَقِيلَ هُوَ الْجِلْد دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغ , وَجَمْعه أَهَب بِفَتْحَتَيْنِ وَيَجُوز بِضَمَّتَيْنِ , زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ \" هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ \" وَأَخْرَجَ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ أَيْضًا عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوه قَالَ \" أَلَا أَخَذُوا إِهَابهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ \" وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ حَسَن. ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا إِنَّهَا مَيِّتَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِين الْقَائِل. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلهَا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : فِيهِ مُرَاجَعَة الْإِمَام فِيمَا لَا يَفْهَم السَّامِع مَعْنَى مَا أَمَرَهُ , كَأَنَّهُمْ قَالُوا كَيْف تَأْمُرنَا بِالِانْتِفَاعِ بِهَا وَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْنَا ؟ فَبَيَّنَ لَهُ وَجْه التَّحْرِيم. وَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز تَخْصِيص الْكِتَاب بِالسُّنَّةِ , لِأَنَّ لَفْظ الْقُرْآن ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ ) وَهُوَ شَامِل لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا فِي كُلّ حَال , فَخَصَّتْ السُّنَّة ذَلِكَ بِالْأَكْلِ , وَفِيهِ حُسْن مُرَاجَعَتهمْ وَبَلَاغَتهمْ فِي الْخِطَاب لِأَنَّهُمْ جَمَعُوا مَعَانِي كَثِيرَة فِي كَلِمَة وَاحِدَة وَهِيَ قَوْلهمْ \" إِنَّهَا مَيْتَة \" وَاسْتَدَلَّ بِهِ الزُّهْرِيُّ بِجَوَازِ الِانْتِفَاع بِجِلْدِ الْمَيْتَة مُطْلَقًا سَوَاء أَدُبِغَ أَمْ لَمْ يُدْبَغ , لَكِنْ صَحَّ التَّقْيِيد مِنْ طُرُق أُخْرَى بِالدِّبَاغِ , وَهِيَ حُجَّة الْجُمْهُور , وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيّ مِنْ الْمَيْتَات الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا لِنَجَاسَةِ عَيْنهَا عِنْده , وَلَمْ يَسْتَثْنِ أَبُو يُوسُف وَدَاوُد شَيْئًا أَخْذًا بِعُمُومِ الْخَبَر , وَهِيَ رِوَايَة عَنْ مَالِك , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَفْعه \" إِذَا دُبِغَ الْإِهَاب فَقَدْ طَهُرَ \" وَلَفْظ الشَّافِعِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَيّمَا إِهَاب دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ \" وَأَخْرَجَ مُسْلِم إِسْنَادهَا وَلَمْ يَسُقْ لَفْظهَا , فَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ هَذَا الْوَجْه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور , وَفِي لَفْظ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه عَنْ اِبْن عَبَّاس \" سَأَلْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : دِبَاغه طُهُوره \" وَفِي رِوَايَة لِلْبَزَّارِ مِنْ وَجْه آخَر قَالَ \" دِبَاغ الْأَدِيم طُهُوره \" وَجَزَمَ الرَّافِعِيّ وَبَعْض أَهْل الْأُصُول أَنَّ هَذَا اللَّفْظ وَرَدَ فِي شَاة مَيْمُونَة , وَلَكِنْ لَمْ أَقِف عَلَى ذَلِكَ صَرِيحًا مَعَ قُوَّة الِاحْتِمَال فِيهِ لِكَوْنِ الْجَمِيع مِنْ رِوَايَة اِبْن عَبَّاس , وَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْضهمْ بِخُصُوصِ هَذَا السَّبَب فَقَصَرَ الْجَوَاز عَلَى الْمَأْكُول لِوُرُودِ الْخَبَر فِي الشَّاة , وَيَتَقَوَّى ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ النَّظَر بِأَنَّ الدِّبَاغ لَا يَزِيد فِي التَّطْهِير عَلَى الذَّكَاة , وَغَيْر الْمَأْكُول لَوْ ذُكِّيَ لَمْ يَطْهُر بِالذَّكَاةِ عِنْد الْأَكْثَر فَكَذَلِكَ الدِّبَاغ , وَأَجَابَ مَنْ عَمَّمَ بِالتَّمَسُّكِ بِعُمُومِ اللَّفْظ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ خُصُوص السَّبَب وَبِعُمُومِ الْإِذْن بِالْمَنْفَعَةِ , وَلِأَنَّ الْحَيَوَان طَاهِر يُنْتَفَع بِهِ قَبْل الْمَوْت فَكَانَ الدِّبَاغ بَعْد الْمَوْت قَائِمًا لَهُ مَقَام الْحَيَاة وَاَللَّه أَعْلَم. وَذَهَبَ قَوْم إِلَى أَنَّهُ لَا يُنْتَفَع مِنْ الْمَيْتَة بِشَيْءٍ سَوَاء دُبِغَ الْجِلْد أَمْ لَمْ يُدْبَغ , وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عُكَيْم قَالَ : أَتَانَا كِتَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل مَوْته \" أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَة بِإِهَابٍ وَلَا عَصَب \" أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَالْأَرْبَعَة وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيّ , وَفِي رِوَايَة لِلشَّافِعِيِّ وَلِأَحْمَد وَلِأَبِي دَاوُدَ \" قَبْل مَوْته بِشَهْرٍ \" قَالَ التِّرْمِذِيّ : كَانَ أَحْمَد يَذْهَب إِلَيْهِ وَيَقُول : هَذَا آخِر الْأَمْر , ثُمَّ تَرَكَهُ لَمَّا اِضْطَرَبُوا فِي إِسْنَاده , وَكَذَا قَالَ الْخَلَّال نَحْوه , وَرَدَ اِبْن حِبَّان عَلَى مَنْ اِدَّعَى فِيهِ الِاضْطِرَاب وَقَالَ : سَمِعَ اِبْن عُكَيْم الْكِتَاب يُقْرَأ وَسَمِعَهُ مِنْ مَشَايِخ مِنْ جُهَيْنَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا اِضْطِرَاب , وَأَعَلَّهُ بَعْضهمْ بِالِانْقِطَاعِ وَهُوَ مَرْدُود , وَبَعْضهمْ بِكَوْنِهِ كِتَابًا وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ قَادِحَة ; وَبَعْضهمْ بِأَنَّ اِبْن أَبِي لَيْلَى رَاوِيه عَنْ اِبْن عُكَيْم لَمْ يَسْمَعهُ مِنْهُ لِمَا وَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ عَنْهُ أَنَّهُ \" اِنْطَلَقَ وَنَاس مَعَهُ إِلَى عَبْد اللَّه بْن عُكَيْم قَالَ : فَدَخَلُوا وَقَعَدْت عَلَى الْبَاب , فَخَرَجُوا إِلَيَّ فَأَخْبَرُونِي \" فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ فِي السَّنَد مَنْ لَمْ يُسَمَّ , وَلَكِنْ صَحَّ تَصْرِيح عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى بِسَمَاعِهِ مِنْ اِبْن عُكَيْم فَلَا أَثَر لِهَذِهِ الْعِلَّة أَيْضًا , وَأَقْوَى مَا تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ لَمْ يَأْخُذ بِظَاهِرِهِ مُعَارَضَة الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة لَهُ وَأَنَّهَا عَنْ سَمَاع وَهَذَا عَنْ كِتَابَة وَأَنَّهَا أَصَحّ مَخَارِج , وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ الْجَمْع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ بِحَمْلِ الْإِهَاب عَلَى الْجِلْد قَبْل الدِّبَاغ وَأَنَّهُ بَعْد الدِّبَاغ لَا يُسَمَّى إِهَابًا إِنَّمَا يُسَمَّى قِرْبَة وَغَيْر ذَلِكَ , وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَئِمَّة اللُّغَة كَالنَّضْرِ بْن شُمَيْلٍ , وَهَذِهِ طَرِيقَة اِبْن شَاهِين وَابْن عَبْد الْبَرّ وَالْبَيْهَقِيّ , وَأَبْعَدَ مَنّ جَمَعَ بَيْنهمَا بِحَمْلِ النَّهْي عَلَى جِلْد الْكَلْب وَالْخِنْزِير لِكَوْنِهِمَا لَا يُدْبَغَانِ , وَكَذَا مَنْ حَمَلَ النَّهْي عَلَى بَاطِن الْجِلْد وَالْإِذْن عَلَى ظَاهِره \" وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَاتَ كَانَ لِعَبْدِ اللَّه اِبْن عُكَيْم سَنَة , وَهُوَ كَلَام بَاطِل فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "5106",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَطَّابُ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتِ بْنِ عَجْلَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَرَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعَنْزٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ ‏ ‏مَا عَلَى أَهْلِهَا لَوْ انْتَفَعُوا ‏ ‏بِإِهَابِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا خَطَّاب بْن عُثْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْفَوْزِيّ بِفَتْحِ الْفَاء وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا زَاي , وَمُحَمَّد بْن حِمْيَر بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمِيم وَفَتْح التَّحْتَانِيَّة , وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَهُ بِالتَّصْغِيرِ , وَهُوَ قُضَاعِيّ حِمْصِيّ , وَكَذَا شَيْخه وَالرَّاوِي عَنْهُ حِمْصِيُّونَ مَا لَهُمْ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , إِلَّا مُحَمَّد بْن حِمْيَر وَلَهُ آخَر سَبَقَ فِي الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة , فَأَمَّا ثَابِت فَوَثَّقَهُ اِبْن مَعِين وَدُحَيْم , وَقَالَ أَحْمَد : أَنَا أَتَوَقَّف فِيهِ , وَسَاقَ لَهُ اِبْن عَدِيّ ثَلَاثَة أَحَادِيث غَرَائِب قَالَ الْعُقَيْلِيّ : لَا يُتَابِع فِي حَدِيثه , وَأَمَّا مُحَمَّد بْن حِمْيَر فَوَثَّقَهُ أَيْضًا اِبْن مَعِين وَدُحَيْم , وَقَالَ أَبُو حَاتِم لَا يُحْتَجّ بِهِ , وَأَمَّا خَطَّاب فَوَثَّقَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْن حِبَّان لَكِنْ قَالَ رُبَّمَا أَخْطَأَ , فَهَذَا الْحَدِيث مِنْ أَجْل هَؤُلَاءِ مِنْ الْمُتَابَعَات لَا مِنْ الْأُصُول , وَالْأَصْل فِيهِ الَّذِي قَبْله , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ خُرُوج الْحَدِيث عَنْ الْغَرَابَة , وَقَدْ اِدَّعَى الْخَطِيب تَفَرُّد هَؤُلَاءِ الرُّوَاة بِهِ فَقَالَ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عُمَر بْن يَحْيَى بْن الْحَارِث الْحَرَّانِيّ \" حَدَّثَنَا جَدِّي خَطَّاب بْن عُثْمَان بِهِ هَذَا حَدِيث عَزِيز ضَيِّق الْمَخْرَج \" اِنْتَهَى. وَقَدْ وَجَدْت لِمُحَمَّدِ بْن حِمْيَر فِيهِ مُتَابِعًا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَة عَبْد الْمَلِك بْن مُحَمَّد الصَّغَانِيّ عَنْ ثَابِت بْن عَجْلَان , وَوَجَدْت لِخَطَّابٍ فِيهِ مُتَابِعًا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن بَحْر عَنْ مُحَمَّد بْن حِمْيَر , وَلِابْنِ عَبَّاس حَدِيث آخَر فِي الْمَعْنَى سَيَأْتِي فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة عَنْهُ عَنْ سَوْدَة قَالَتْ \" مَاتَتْ لَنَا شَاة فَدَبَغْنَا مَسْكهَا \" الْحَدِيث , وَالْمَسْك بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة الْجِلْد , وَهَذَا غَيْر حَدِيث الْبَاب جَزْمًا , وَهُوَ مِمَّا يَتَأَيَّد بِهِ مَنْ زَادَ ذِكْر الدِّبَاغ فِي الْحَدِيث ; وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيق سِمَاك بْن حَرْب عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" مَاتَتْ شَاة لِسَوْدَةَ بِنْت زَمْعَةَ فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه مَاتَتْ فُلَانَة , فَقَالَ : فَلَوْلَا أَخَذْتُمْ مَسْكهَا , فَقَالَتْ : نَأْخُذ مَسْك شَاة قَدْ مَاتَتْ ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا قَالَ اللَّه ( قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ) الْآيَة وَإِنَّكُمْ لَا تُطْعِمُونَهُ , إِنْ تَدْبُغُوهُ تَنْتَفِعُوا بِهِ , قَالَ فَأَرْسَلْت إِلَيْهَا فَسَلَخَتْ مَسْكهَا فَدَبَغَتْهُ فَاِتَّخَذَتْ مِنْهُ قِرْبَة. الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( بِعَنْزٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون النُّون بَعْدهَا زَاي هِيَ الْمَاعِزَة وَهِيَ الْأُنْثَى مِنْ الْمَعْز , وَلَا يُنَافِي رِوَايَة سِمَاك \" مَاتَتْ شَاة \" لِأَنَّهُ يُطْلَق عَلَيْهَا شَاة كَالضَّأْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5107",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا مِنْ ‏ ‏مَكْلُومٍ ‏ ‏يُكْلَمُ ‏ ‏فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَا مِنْ مَكْلُوم ) ‏ ‏أَيْ مَجْرُوح ‏ ‏( وَكَلْمه ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْكَاف وَسُكُون اللَّام ‏ ‏( يَدْمَى ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَثَالِثه , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْجِهَاد , قَالَ النَّوَوِيّ : ظَاهِر قَوْله \" فِي سَبِيل اللَّه \" اِخْتِصَاصه بِمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فِي قِتَال الْكُفَّار , لَكِنْ يَلْتَحِق بِهِ مَنْ قُتِلَ فِي حَرْب الْبُغَاة وَقُطَّاع الطَّرِيق وَإِقَامَة الْمَعْرُوف لَاشْتَرَاك الْجَمِيع فِي كَوْنهمْ شُهَدَاء , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَصْل الْحَدِيث فِي الْكُفَّار وَيَلْتَحِق هَؤُلَاءِ بِهِمْ بِالْمَعْنَى , لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مَنْ قُتِلَ دُون مَاله فَهُوَ شَهِيد \" وَتَوَقَّفَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ فِي دُخُول مَنْ قَاتَلَ دُون مَاله لِأَنَّهُ يَقْصِد صَوْن مَاله بِدَاعِيَةِ الطَّبْع , وَقَدْ أَشَارَ فِي الْحَدِيث إِلَى اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِالْمُخْلِصِ حَيْثُ قَالَ \" وَاَللَّه أَعْلَم بِمَنْ يُكْلَم فِي سَبِيله \" وَالْجَوَاب أَنَّهُ يُمْكِن فِيهِ الْإِخْلَاص مَعَ إِرَادَة صَوْن الْمَال , كَأَنْ يَقْصِد بِقِتَالِ مَنْ أَرَادَ أَخَذَهُ مِنْهُ صَوْن الَّذِي يُقَاتِلهُ عَنْ اِرْتِكَاب الْمَعْصِيَة وَامْتِثَال أَمْر الشَّارِع بِالدَّفْعِ , وَلَا يُمَحَّض الْقَصْد لِصَوْنِ الْمَال , فَهُوَ كَمَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَة اللَّه هِيَ الْعُلْيَا مَعَ تَشَوُّفه إِلَى الْغَنِيمَة. قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : وَجْه اِسْتِدْلَال الْبُخَارِيّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى طَهَارَة الْمِسْك وَكَذَا بِاَلَّذِي بَعْده وُقُوع تَشْبِيهِ دَم الشَّهِيد بِهِ , لِأَنَّهُ فِي سِيَاق التَّكْرِيم وَالتَّعْظِيم , فَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَكَانَ مِنْ الْخَبَائِث وَلَمْ يَحْسُن التَّمْثِيل بِهِ فِي هَذَا الْمَقَام. ‏"
    },
    {
        "id": "5108",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ ‏ ‏الْكِيرِ ‏ ‏فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ ‏ ‏يُحْذِيَكَ ‏ ‏وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي الْجَلِيس الصَّالِح فِي أَوَائِل الْبُيُوع , وَقَوْله فِيهِ ‏ ‏\" يُحْذِيكَ \" ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَمُهْمَلَة سَاكِنَة وَذَال مُعْجَمَة مَكْسُورَة أَيْ يُعْطِيك وَزْنًا وَمَعْنًى. ‏"
    },
    {
        "id": "5109",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا وَنَحْنُ ‏ ‏بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ‏ ‏فَسَعَى الْقَوْمُ ‏ ‏فَلَغِبُوا ‏ ‏فَأَخَذْتُهَا فَجِئْتُ بِهَا إِلَى ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرِكَيْهَا ‏ ‏أَوْ قَالَ بِفَخِذَيْهَا ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَبِلَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنْفَجْنَا ) ‏ ‏بِفَاءٍ مَفْتُوحَة وَجِيم سَاكِنَة أَيْ أَثَرْنَا , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" اسْتَنْفَجْنَا \" وَهُوَ اِسْتِفْعَال مِنْهُ , يُقَال نَفَجَ الْأَرْنَب إِذَا ثَارَ وَعَدَا , وَانْتَفَجَ كَذَلِكَ , وَأَنْفَجْتُهُ إِذَا أَثَّرْته مِنْ مَوْضِعه , وَيُقَال إِنَّ الِانْتِفَاج الِاقْشِعْرَار فَكَأَنَّ الْمَعْنَى جَعَلْنَاهَا بِطَلَبِنَا لَهَا تَنْتَفِج , وَالِانْتِفَاج أَيْضًا اِرْتِفَاع الشَّعْر وَانْتِفَاشه. وَوَقَعَ فِي \" شَرْح مُسْلِم \" لِلْمَازِرِيِّ \" بَعَجْنَا \" بِمُوَحَّدَةٍ وَعَيْن مَفْتُوحَة , وَفَسَّرَهُ بِالشَّقِّ مِنْ بَعَجَ بَطْنه إِذَا شَقَّهُ , وَتَعَقَّبَهُ عِيَاض بِأَنَّهُ تَصْحِيف , وَبِأَنَّهُ لَا يَصِحّ مَعْنَاهُ مِنْ سِيَاق الْخَبَر لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُمْ سَعَوْا فِي طَلَبهَا بَعْد ذَلِكَ , فَلَوْ كَانَ شَقُّوا بَطْنهَا كَيْف كَانُوا يَحْتَاجُونَ إِلَى السَّعْي خَلْفهَا. ‏ ‏قَوْله ( بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ) ‏ ‏مَرّ بِفَتْحِ الْمِيم وَتَشْدِيد الرَّاء , وَالظَّهْرَانِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة بِلَفْظِ تَثْنِيَة الظَّهْر , اِسْم مَوْضِع عَلَى مَرْحَلَة مِنْ مَكَّة. وَقَدْ يُسَمَّى بِإِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ تَخْفِيفًا , وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي تُسَمِّيه عَوَامّ الْمِصْرِيِّينَ بَطْن مَرْو وَالصَّوَاب مَرّ بِتَشْدِيدِ الرَّاء. ‏ ‏قَوْله ( فَسَعَى الْقَوْم فَلَغِبُوا ) ‏ ‏بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَة أَيْ تَعِبُوا وَزْنه وَمَعْنَاهُ , وَوَقَعَ بِلَفْظِ \" تَعِبُوا \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ , وَتَقَدَّمَ فِي الْهِبَة بَيَان مَا وَقَعَ لِلدَّاوُدِيّ فِيهِ مِنْ غَلَط. ‏ ‏قَوْله ( فَأَخَذْتهَا ) ‏ ‏زَادَ فِي الْهِبَة \" فَأَدْرَكْتهَا فَأَخَذْتهَا \" وَلِمُسْلِمٍ \" فَسَعَيْت حَتَّى أَدْرَكْتهَا \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ هِشَام بْن زَيْد \" وَكُنْت غُلَامًا حَزَوَّرًا \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالزَّاي وَالْوَاو الْمُشَدَّدَة بَعْدهَا رَاء وَيَجُوز سُكُون الزَّاي وَتَخْفِيف الْوَاو وَهُوَ الْمُرَاهِق. ‏ ‏قَوْله ( إِلَى أَبِي طَلْحَةَ ) ‏ ‏وَهُوَ زَوْج أُمّه. ‏ ‏قَوْله ( فَذَبَحَهَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ \" بِمَرْوَة \" وَزَادَ فِي رِوَايَة حَمَّاد الْمَذْكُورَةِ \" فَشَوَيْتهَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَبَعَثَ بِوَرِكَيْهَا أَوْ قَالَ بِفَخِذَيْهَا ) ‏ ‏هُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي كِتَاب الْهِبَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّاد \" بِعَجُزِهَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَبِلَهَا ) ‏ ‏أَيْ الْهَدِيَّة , وَتَقَدَّمَ فِي الْهِبَة مِنْ هَذَا الْوَجْه \" قُلْت وَأَكَلَ مِنْهُ ؟ قَالَ : وَأَكَلَ مِنْهُ \" ثُمَّ قَالَ : فَقَبِلَهُ , وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِيهِ \" فَأَكَلَهُ , قُلْت : أَكَلَهُ ؟ قَالَ قَبْله \" وَهَذَا التَّرْدِيد لَهِشَام بْن زَيْد وَقَّفَ جَدّه أَنَسًا عَلَى قَوْله \" أَكَلَهُ \" فَكَأَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي الْجَزْم بِهِ وَجَزَمَ بِالْقَبُولِ , وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" أُهْدِيَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْنَب وَأَنَا نَائِمَة فَخَبَّأَ لِي مِنْهَا الْعَجُز , فَلَمَّا قُمْت أَطْعَمَنِي \" وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَأَشْعَرَ بِأَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا , لَكِنْ سَنَده ضَعِيف. وَوَقَعَ فِي \" الْهِدَايَة \" لِلْحَنَفِيَّةِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ مِنْ الْأَرْنَب حِين أُهْدِيَ إِلَيْهِ مَشْوِيًّا وَأَمَرَ أَصْحَابه بِالْأَكْلِ مِنْهُ , وَكَأَنَّهُ تَلَقَّاهُ مِنْ حَدِيثَيْنِ : فَأَوَّله مِنْ حَدِيث الْبَاب وَقَدْ ظَهَرَ مَا فِيهِ , وَالْآخَر مِنْ حَدِيث أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن طَلْحَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" جَاءَ أَعْرَابِيّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْنَبٍ قَدْ شَوَاهَا فَوَضَعَهَا بَيْن يَدَيْهِ , فَأَمْسَكَ وَأَمَرَ أَصْحَابه أَنْ يَأْكُلُوا \" وَرِجَاله ثِقَات , إِلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مُوسَى بْن طَلْحَة اِخْتِلَافًا كَثِيرًا. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز أَكْل الْأَرْنَب وَهُوَ قَوْل الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا مَا جَاءَ فِي كَرَاهَتهَا عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر مِنْ الصَّحَابَة وَعَنْ عِكْرِمَة مِنْ التَّابِعِينَ وَعَنْ مُحَمَّد اِبْن أَبِي لَيْلَى مِنْ الْفُقَهَاء , وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْن جَزْء \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه , مَا تَقُول فِي الْأَرْنَب ؟ قَالَ لَا آكُلهُ وَلَا أُحَرِّمهُ , قَالَتْ فَإِنِّي آكُل مَا لَا تُحَرِّمهُ. وَلِمَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ نُبِّئْت أَنَّهَا تَدْمَى \" وَسَنَده ضَعِيف , وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَة عَلَى الْكَرَاهَة كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره فِي الْبَاب الَّذِي بَعْد , وَلَهُ شَاهِد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بِلَفْظِ \" جِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَأْكُلهَا وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا \" زَعَمَ أَنَّهَا تَحِيض \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَلَهُ شَاهِد عَنْ عُمَر عِنْد إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده , وَحَكَى الرَّافِعِيّ عَنْ أَبِي حَنِيفَة أَنَّهُ حَرَّمَهَا , وَغَلَّطَهُ النَّوَوِيّ فِي النَّقْل عَنْ أَبِي حَنِيفَة. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا جَوَاز اِسْتِثَارَة الصَّيْد وَالْغُدُوّ فِي طَلَبه , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" مَنْ اِتَّبَعَ الصَّيْد غَفَلَ \" فَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَنْ وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَشْغَلهُ عَنْ غَيْره مِنْ الْمَصَالِح الدِّينِيَّة وَغَيْرهَا. وَفِيهِ أَنَّ أَخْذ الصَّيْد يَمْلِكهُ بِأَخْذِهِ وَلَا يُشَارِكهُ مَنْ أَثَارَهُ مَعَهُ. وَفِيهِ هَدِيَّة الصَّيْد وَقَبُولهَا مِنْ الصَّائِد وَإِهْدَاء الشَّيْء الْيَسِير الْكَبِير الْقَدْر إِذَا عُلِمَ مِنْ حَاله الرِّضَا بِذَلِكَ , وَفِيهِ أَنَّ وَلِيّ الصَّبِيّ يَتَصَرَّف فِيمَا يَمْلِكهُ الصَّبِيّ بِالْمَصْلَحَةِ. وَفِيهِ اِسْتِثْبَات الطَّالِب شَيْخه عَمَّا يَقَع فِي حَدِيثه مِمَّا يَحْتَمِل أَنَّهُ يَضْبِطهُ كَمَا وَقَعَ لَهِشَام بْن زَيْد مَعَ أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5110",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الضَّبُّ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( الضَّبّ لَسْت آكُلهُ وَلَا أُحَرِّمهُ ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار بِلَفْظِ \" سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الضَّبّ , فَقَالَ : لَا آكُلهُ وَلَا أُحَرِّمهُ \" وَمِنْ طَرِيق نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" سَأَلَ رَجُل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" زَادَ فِي رِوَايَة عَنْ نَافِع أَيْضًا \" وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر \" وَهَذَا السَّائِل يَحْتَمِل أَنْ يَكُون خُزَيْمَةَ بْن جَزْء , فَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثه \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه مَا تَقُول ؟ فَقَالَ : لَا آكُلهُ وَلَا أُحَرِّمهُ , قَالَ : قُلْت فَإِنِّي آكُل مَا لَمْ تُحَرِّم \" وَسَنَده ضَعِيف. وَعِنْد مُسْلِم وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" قَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه إنَّا بِأَرْضٍ مُضِبَّة , فَمَا تَأْمُرنَا ؟ قَالَ : ذُكِرَ لِي أَنَّ أَمَة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل مُسِخَتْ , فَلَمْ يَأْمُر وَلَمْ يَنْهَ \" وَقَوْله \" مُضِبَّة \" بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْمُعْجَمَة أَيْ كَثِيرَة الضَّبَاب , وَهَذَا يُمْكِن أَنْ يُفَسَّر بِثَابِتِ بْن وَدِيعَة , فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثه قَالَ \" أَصَبْت ضِبَابًا فَشَوَيْت مِنْهَا ضَبًّا , فَأَتَيْت بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ عُودًا فَعَدَّ بِهِ أَصَابِعه ثُمَّ قَالَ : إِنَّ أُمَّة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل مُسِخَتْ دَوَابّ فِي الْأَرْض , وَإِنِّي لَا أَدْرِي أَيّ الدَّوَابّ هِيَ , فَلَمْ يَأْكُل وَلَمْ يَنْهَ \" وَسَنَده صَحِيح. ‏"
    },
    {
        "id": "5111",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ‏ ‏أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْتَ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏فَأُتِيَ بِضَبٍّ ‏ ‏مَحْنُوذٍ ‏ ‏فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِهِ فَقَالَ ‏ ‏بَعْضُ النِّسْوَةِ ‏ ‏أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ فَقَالُوا هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ يَدَهُ فَقُلْتُ أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏لَا وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي ‏ ‏أَعَافُهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْظُرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْن سَهْل ) ‏ ‏أَيْ اِبْن حُنَيْف الْأَنْصَارِيّ , لَهُ رُؤْيَة وَلِأَبِيهِ صُحْبَة , وَتَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي أَوَائِل الْأَطْعِمَة مِنْ طَرِيق يُونُس بْن يَزِيد عَنْ اِبْنِ شِهَاب قَالَ \" أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عَنْ خَالِد بْن الْوَلِيد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس الْمَذْكُورَة \" أَنَّ اِبْن عَبَّاس أَخْبَرَهُ أَنَّ خَالِد بْن الْوَلِيد الَّذِي يُقَال لَهُ سَيْف اللَّه أَخْبَرَهُ \" وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ هَلْ هُوَ مِنْ مُسْنَد اِبْن عَبَّاس أَوْ مِنْ مُسْنَد خَالِد , وَكَذَا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مَالِك فَقَالَ الْأَكْثَر عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ خَالِد , وَقَالَ يَحْيَى بْن بُكَيْر فِي \" الْمُوَطَّأ \" وَطَائِفَة عَنْ مَالِك بِسَنَدِهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَخَالِد أَنَّهُمَا دَخَلَا , وَقَالَ يَحْيَى بْن يَحْيَى التَّمِيمِيّ عَنْ مَالِك بِلَفْظِ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : دَخَلْت أَنَا وَخَالِد عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْهُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي بَيْت مَيْمُونَة بِضَبَّيْنِ مَشْوِيَّيْنِ وَقَالَ هِشَام بْن يُوسُف عَنْ مَعْمَر كَالْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْأَطْعِمَة , وَالْجَمْع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ حَاضِرًا لِلْقِصَّةِ فِي بَيْت خَالَته مَيْمُونَة كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَات , وَكَأَنَّهُ اِسْتَثْبَتَ خَالِد بْن الْوَلِيد فِي شَيْء مِنْهُ لِكَوْنِهِ الَّذِي كَانَ بَاشَرَ السُّؤَال عَنْ حُكْم الضَّبّ وَبَاشَرَ أَكْله أَيْضًا , فَكَانَ اِبْن عَبَّاس رُبَّمَا رَوَاهُ عَنْهُ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْن سَهْل عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْت مَيْمُونَة وَعِنْده خَالِد بْن الْوَلِيد بِلَحْمِ ضَبّ \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَكَذَا رَوَاهُ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس فَلَمْ يَذْكُر فِيهِ خَالِدًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَة. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْت مَيْمُونَة ) ‏ ‏زَادَ يُونُس فِي رِوَايَته وَهِيَ خَالَته وَخَالَة اِبْن عَبَّاس. قُلْت : وَاسْم أُمّ خَالِد لُبَابَة الصُّغْرَى , وَاسْم أُمّ اِبْن عَبَّاس لُبَابَة الْكُبْرَى وَكَانَتْ تُكَنَّى أُمّ الْفَضْل بِابْنِهَا الْفَضْل بْن عَبَّاس , وَهُمَا أُخْتَا مَيْمُونَة وَالثَّلَاث بَنَات الْحَارِث بْن حَزْن بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الزَّاي الْهِلَالِيّ. ‏ ‏قَوْله ( فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ سَاكِنَة وَنُون مَضْمُومَة وَآخِره ذَال مُعْجَمَة أَيْ مَشْوِيّ بِالْحِجَارَةِ الْمُحْمَاة وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر بِضَبٍّ مَشْوِيّ , وَالْمَحْنُوذ أَخَصّ وَالْحَنِيذ بِمَعْنَاهُ , زَادَ يُونُس فِي رِوَايَته \" قَدِمَتْ بِهِ أُخْتهَا حُفَيْدَة \" وَهِيَ بِمُهْمَلَةٍ وَفَاء مُصَغَّر وَمَضَى فِي رِوَايَة سَعِيد بْن جَبْر \" أَنَّ أُمّ حُفَيْدَة بِنْت الْحَارِث بْن حَزْن خَالَة اِبْن عَبَّاس أَهْدَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمْنًا وَأَقِطًا وَأَضُبًّا \" وَفِي رِوَايَة عَوْف عَنْ أَبِي بِشْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ الطَّحَاوِيّ \" جَاءَتْ أُمّ حُفَيْدَة بِضَبٍّ وَقُنْفُذ \" وَذِكْر الْقُنْفُذ فِيهِ غَرِيب , وَقَدْ قِيلَ فِي اِسْمهَا هُزَيْلَة بِالتَّصْغِيرِ وَهِيَ رِوَايَة الْمُوَطَّأ مِنْ مُرْسَل عَطَاء بْن يَسَار , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ لَهَا اِسْمَيْنِ أَوْ اِسْم وَلَقَب , وَحَكَى بَعْض شُرَّاح الْعُمْدَة فِي اِسْمهَا حُمَيْدَة بِمِيمٍ وَفِي كُنْيَتهَا أُمّ حُمَيْدٍ بِمِيمٍ بِغَيْرِ هَاء , وَفِي رِوَايَة بِهَاءٍ وَبِفَاءٍ وَلَكِنْ بِرَاءٍ بَدَل الدَّال وَبِعَيْنٍ مُهْمَلَة بَدَل الْحَاء بِغَيْرِ هَاء , وَكُلّهَا تَصْحِيفَات. ‏ ‏قَوْله ( فَأَهْوَى ) ‏ ‏زَادَ يُونُس \" وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلَّ مَا يُقَدِّم يَده لِطَعَامٍ حَتَّى يُسَمَّى لَهُ \" وَأَخْرَجَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن الْحَوْتَكِيَّة عَنْ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ \" أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْنَبٍ يُهْدِيهَا إِلَيْهِ , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْكُل مِنْ الْهَدِيَّة حَتَّى يَأْمُر صَاحِبهَا فَيَأْكُل مِنْهَا مِنْ أَجْل الشَّاة الَّتِي أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ بِخَيْبَر \" الْحَدِيث وَسَنَده حَسَن. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ بَعْض النِّسْوَة أَخْبِرُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يُرِيد أَنْ يَأْكُل , فَقَالُوا : هُوَ ضَبّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس \" فَقَالَتْ اِمْرَأَة مِنْ النِّسْوَة الْحُضُور : أَخْبِرْنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ , هُوَ الضَّبّ يَا رَسُول اللَّه \" وَكَأَنَّ الْمَرْأَة أَرَادَتْ أَنَّ غَيْرهَا يُخْبِرهُ , فَلَمَّا لَمْ يُخْبِرُوا بَادَرَتْ هِيَ فَأَخْبَرَتْ , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب إِجَازَة خَبَر الْوَاحِد \" مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" كَانَ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ سَعْد يَعْنِي اِبْن أَبِي وَقَّاص فَذَهَبُوا يَأْكُلُونَ مِنْ لَحْم فَنَادَتْهُمْ اِمْرَأَة مِنْ بَعْض أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن الْأَصَمّ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ عِنْد مَيْمُونَة وَعِنْدهَا الْفَضْل بْن عَبَّاس وَخَالِد بْن الْوَلِيد وَامْرَأَة أُخْرَى إِذْ قُرِّبَ إِلَيْهِمْ خُوَان عَلَيْهِ لَحْم , فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْكُل قَالَتْ لَهُ مَيْمُونَة إِنَّهُ لَحْم ضَبّ , فَكَفّ يَده \" , وَعُرِفَ بِهَذِهِ الرِّوَايَة اِسْم الَّتِي أُبْهِمَتْ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى , وَعِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ وَجْه آخَر صَحِيح \" فَقَالَتْ مَيْمُونَة أَخْبِرُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هُوَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَرَفَعَ يَده ) ‏ ‏زَادَ يُونُس \" عَنْ الضَّبّ \" وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ غَيْر الضَّبّ مِمَّا كَانَ قُدِّمَ لَهُ مِنْ غَيْر الضَّبّ , كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ غَيْر الضَّبّ , وَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَة , قَالَ فَأَكَلَ الْأَقِط وَشَرِبَ اللَّبَن. ‏ ‏قَوْله ( لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَزِيد بْن الْأَصَمّ \" هَذَا لَحْم لَمْ آكُلهُ قَطّ \" قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : اِعْتَرَضَ بَعْض النَّاس عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَة \" لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي \" بِأَنَّ الضِّبَاب كَثِيرَة بِأَرْضِ الْحِجَاز , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فَإِنْ كَانَ أَرَادَ تَكْذِيب الْخَبَر فَقَدْ كَذَبَ هُوَ , فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَرْضِ الْحِجَاز مِنْهَا شَيْء , أَوْ ذُكِرَتْ لَهُ بِغَيْرِ اِسْمهَا أَوْ حَدَثَتْ بَعْد ذَلِكَ , وَكَذَا أَنْكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنْ يَكُون بِبِلَادِ الْحِجَاز شَيْء مِنْ الضِّبَاب. قُلْت : وَلَا يُحْتَاج إِلَى شَيْء مِنْ هَذَا بَلْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" بِأَرْضِ قَوْمِي \" قُرَيْش فَقَطْ فَيَخْتَصّ النَّفْي بِمَكَّة وَمَا حَوْلهَا , وَلَا يَمْنَع ذَلِكَ أَنْ تَكُون مَوْجُودَة بِسَائِرِ بِلَاد الْحِجَاز , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة يَزِيد بْن الْأَصَمّ عِنْد مُسْلِم \" دَعَانَا عَرُوس بِالْمَدِينَةِ فَقَرَّبَ إِلَيْنَا ثَلَاثَة عَشَر ضَبًّا , فَآكِل وَتَارِك \" الْحَدِيث , فَبِهَذَا يُدَلّ عَلَى كَثْرَة وِجْدَانهَا بِتِلْكَ الدِّيَار. ‏ ‏قَوْله ( فَأَجِدنِي أَعَافهُ ) ‏ ‏بِعَيْنٍ مُهْمَلَة وَفَاء خَفِيفَة أَيْ أَتَكَرَّهُ أَكْله , يُقَال عِفْت الشَّيْء أَعَافهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر \" فَتَرَكَهُنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالْمُتَقَذِّرِ لَهُنَّ , وَلَوْ كُنَّ حَرَامًا لَمَا أَكَلْنَ عَلَى مَائِدَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمَا أَمَرَ بِأَكْلِهِنَّ \" كَذَا أَطْلَقَ الْأَمْر وَكَأَنَّهُ تَلَقَّاهُ مِنْ الْإِذْن الْمُسْتَفَاد مِنْ التَّقْرِير , فَإِنَّهُ لَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ طُرُق حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِصِيغَةِ الْأَمْر إِلَّا فِي رِوَايَة يَزِيد بْن الْأَصَمّ عِنْد مُسْلِم فَإِنَّ فِيهَا \" فَقَالَ لَهُمْ كُلُوا , فَأَكَلَ الْفَضْل وَخَالِد وَالْمَرْأَة \" وَكَذَا فِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ عَنْ اِبْن عُمَر \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُوا وَأَطْعِمُوا فَإِنَّهُ حَلَال - أَوْ قَالَ لَا بَأْس بِهِ - وَلَكِنَّهُ لَيْسَ طَعَامِي \" , وَفِي هَذَا كُلّه بَيَان سَبَب تَرْك النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ بِسَبَبِ أَنَّهُ مَا اِعْتَادَهُ , وَقَدْ وَرَدَ لِذَلِكَ سَبَب آخَر أَخْرَجَهُ مَالِك مِنْ مُرْسَل سُلَيْمَان بْن يَسَار فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَفِي آخِره \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلَا - يَعْنِي لِخَالِدٍ وَابْن عَبَّاس - فَإِنَّنِي يَحْضُرنِي مِنْ اللَّه حَاضِرَة \" قَالَ الْمَازِرِيّ يَعْنِي الْمَلَائِكَة , وَكَأَنَّ لِلَّحْمِ الضَّبّ رِيحًا فَتَرَكَ أَكْله لِأَجْلِ رِيحه , كَمَا تَرَكَ أَكْل الثُّوم مَعَ كَوْنه حَلَالًا. قُلْت : وَهَذَا إِنْ صَحَّ يُمْكِن ضَمُّهُ إِلَى الْأَوَّل وَيَكُون لِتَرْكِهِ الْأَكْل مِنْ الضَّبّ سَبَبَانِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ خَالِد فَاجْتَرَرْته ) ‏ ‏بِجِيمٍ وَرَائَيْنِ , هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي كُتُب الْحَدِيث , وَضَبَطَهُ بَعْض شُرَّاح \" الْمُهَذَّب \" بِزَايٍ قَبْل الرَّاء وَقَدْ غَلَّطَهُ النَّوَوِيّ. ‏ ‏قَوْله ( يَنْظُر ) ‏ ‏زَادَ يُونُس فِي رِوَايَته \" إِلَى \". وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد جَوَاز أَكْل الضَّبّ , وَحَكَى عِيَاض عَنْ قَوْم تَحْرِيمه وَعَنْ الْحَنَفِيَّة كَرَاهَته وَأَنْكَرَ ذَلِكَ النَّوَوِيّ وَقَالَ : لَا أَظُنّهُ يَصِحّ عَنْ أَحَد , فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْجُوج بِالنُّصُوصِ وَبِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْله. قُلْت : قَدْ نَقَلَهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ عَلِيّ , فَأَيّ إِجْمَاع يَكُون مَعَ مُخَالَفَته ؟ وَنَقَلَ التِّرْمِذِيّ كَرَاهَته عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم ; وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي \" مَعَانِي الْآثَار \" : كَرِهَ قَوْم أَكْل الضَّبّ , مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن , قَالَ : وَاحْتَجَّ مُحَمَّد بِحَدِيثِ عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُهْدِيَ لَهُ ضَبّ فَلَمْ يَأْكُلهُ , فَقَامَ عَلَيْهِمْ سَائِل , فَأَرَادَتْ عَائِشَة أَنْ تُعْطِيه , فَقَالَ لَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتُعْطِينَهُ مَا لَا تَأْكُلِينَ \" ؟ قَالَ الطَّحَاوِيُّ : مَا فِي هَذَا دَلِيل عَلَى الْكَرَاهَة لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون عَافَتْهُ , فَأَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَكُون مَا يُتَقَرَّب بِهِ إِلَى اللَّه إِلَّا مِنْ خَيْر الطَّعَام , كَمَا نَهَى أَنْ يُتَصَدَّق بِالتَّمْرِ الرَّدِيء ا ه. وَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الضَّبّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَن , فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش عَنْ ضَمْضَم بْن زُرْعَة عَنْ شُرَيْح بْن عُتْبَة عَنْ أَبِي رَاشِد الْحَبْرَانِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن شِبْل , وَحَدِيث اِبْن عَيَّاش عَنْ الشَّامِيِّينَ قَوِيّ , وَهَؤُلَاءِ شَامِيُّونَ ثِقَات , وَلَا يُغْتَرّ بِقَوْلِ الْخَطَّابِيّ : لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ , وَقَوْل اِبْن حَزْم : فِيهِ ضُعَفَاء وَمَجْهُولُونَ , وَقَوْل الْبَيْهَقِيِّ : تَفَرَّدَ بِهِ إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ , وَقَوْل اِبْن الْجَوْزِيّ : لَا يَصِحّ , فَفِي كُلّ ذَلِكَ تَسَاهُل لَا يَخْفَى , فَإِنَّ رِوَايَة إِسْمَاعِيل عَنْ الشَّامِيِّينَ قَوِيَّة عِنْد الْبُخَارِيّ وَقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيّ بَعْضهَا , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن حَسَنَة \" نَزَلْنَا أَرْضًا كَثِيرَة الضَّبَاب \" الْحَدِيث , وَفِيهِ أَنَّهُمْ \" طَبَخُوا مِنْهَا فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أُمَّة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل مُسِخَتْ دَوَابّ فِي الْأَرْض فَأَخْشَى أَنْ تَكُون هَذِهِ فَأَكْفِئُوهَا \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالطَّحَاوِيّ وَسَنَده عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ إِلَّا الضَّحَّاك فَلَمْ يُخَرِّجَا لَهُ. وَلِلطَّحَاوِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ زَيْد بْن وَهْب وَوَافَقَهُ الْحَارِث بْن مَالِك وَيَزِيد بْن أَبِي زِيَاد وَوَكِيع فِي آخِره \" فَقِيلَ لَهُ إِنَّ النَّاس قَدْ اشْتَوَوْهَا أَكَلُوهَا , فَلَمْ يَأْكُل وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ \" وَالْأَحَادِيث الْمَاضِيَة وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى الْحِلّ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا نَصَّا وَتَقْرِيرًا , فَالْجَمْع بَيْنهَا وَبَيْن هَذَا حَمَلَ النَّهْي فِيهِ عَلَى أَوَّل الْحَال عِنْد تَجْوِيز أَنْ يَكُون مِمَّا مُسِخَ وَحِينَئِذٍ أَمَرَ بِإِكْفَاءِ الْقُدُور , ثُمَّ تَوَقَّفَ فَلَمْ يَأْمُر بِهِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ , وَحُمِلَ الْأُذُن فِيهِ عَلَى ثَانِي الْحَال لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْمَمْسُوخ لَا نَسْل لَهُ , ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ كَانَ يَسْتَقْذِرهُ فَلَا يَأْكُلهُ وَلَا يُحَرِّمهُ , وَأَكَلَ عَلَى مَائِدَته فَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَة , وَتَكُون الْكَرَاهَة لِلتَّنْزِيهِ فِي حَقِّ مَنْ يَتَقَذَّرهُ , وَتُحْمَل أَحَادِيث الْإِبَاحَة عَلَى مَنْ لَا يَتَقَذَّرهُ , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُكْرَه مُطْلَقًا. وَقَدْ أَفْهَمَ كَلَام اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّهُ لَا يَحِلّ فِي حَقِّ مَنْ يَتَقَذَّرهُ لِمَا يَتَوَقَّع فِي أَكْله مِنْ الضَّرَر وَهَذَا لَا يَخْتَصّ بِهَذَا , وَوَقَعَ فِي حَدِيث يَزِيد بْن الْأَصَمّ \" أَخْبَرْت اِبْن عَبَّاس بِقِصَّةِ الضَّبّ , فَأَكْثَرَ الْقَوْم حَوْله حَتَّى قَالَ بَعْضهمْ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا آكُلهُ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ وَلَا أُحَرِّمهُ , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : بِئْسَ مَا قُلْتُمْ , مَا بُعِثَ نَبِيّ اللَّه إِلَّا مُحَرِّمًا أَوْ مُحَلِّلًا \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : ظَنَّ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا آكُلهُ أَرَادَ لَا أُحِلّهُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ خُرُوجه مِنْ قِسْم الْحَلَال وَالْحَرَام مُحَال. وَتَعَقَّبْهُ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" بِأَنَّ الشَّيْء إِذَا لَمْ يَتَّضِح إِلْحَاقه بِالْحَلَالِ أَوْ الْحَرَام يَكُون مِنْ الشُّبُهَات فَيَكُون مِنْ حُكْم الشَّيْء قَبْل وُرُود الشَّرْع , وَالْأَصَحّ كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ أَنَّهُ لَا يُحْكَم عَلَيْهَا بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَة. قُلْت : وَفِي كَوْن مَسْأَلَة الْكِتَاب مِنْ هَذَا النَّوْع نَظَر , لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ إِذَا تَعَارَضَ الْحُكْم عَلَى الْمُجْتَهِد , أَمَّا الشَّارِع إذَا سُئِلَ عَنْ وَاقِعَة فَلَا بُدّ أَنْ يَذْكُر فِيهَا الْحُكْم الشَّرْعِيّ \" وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ وَجَعَلَ مَحَطّ كَلَام اِبْن عَبَّاس عَلَيْهِ. ثُمَّ وَجَدْت فِي الْحَدِيث زِيَادَة لَفْظَة سَقَطَتْ مِنْ رِوَايَة مُسْلِم وَبِهَا يَتَّجِه إِنْكَار اِبْن عَبَّاس وَيُسْتَغْنَى عَنْ تَأْوِيل اِبْن الْعَرَبِيّ لَا آكُلهُ بِلَا أُحِلّهُ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَهُوَ شَيْخ مُسْلِم فِيهِ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَده بِالسَّنَدِ الَّذِي سَاقَهُ بِهِ عِنْد مُسْلِم فَقَالَ فِي رِوَايَته \" لَا آكُلهُ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ وَلَا أُحِلّهُ وَلَا أُحَرِّمهُ \" وَلَعَلَّ مُسْلِمًا حَذَفَهَا عَمْدًا لِشُذُوذِهَا , لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق لَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَلَا غَيْره , وَأَشْهَر مَنْ رَوَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا آكُلهُ وَلَا أُحَرِّمهُ \" اِبْن عُمَر كَمَا تَقَدَّمَ , وَلَيْسَ فِي حَدِيثه \" لَا أُحِلّهُ \" بَلْ جَاءَ التَّصْرِيح عَنْهُ بِأَنَّهُ حَلَال فَلَمْ تَثْبُت هَذِهِ اللَّفْظَة وَهِيَ قَوْله \" لَا أُحِلّهُ \" لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن الْأَصَمّ وَهُوَ ثِقَة لَكِنَّهُ أَخْبَرَ بِهَا عَنْ قَوْم كَانُوا عِنْد اِبْن عَبَّاس فَكَانَتْ رِوَايَة عَنْ مَجْهُول , وَلَمْ يَقُلْ يَزِيد بْن الْأَصَمّ إِنَّهُمْ صَحَابَة حَتَّى يُغْتَفَر عَدَم تَسْمِيَتهمْ. وَاسْتَدَلَّ بَعْض مَنْ مَنَعَ أَكْله بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيد عِنْد مُسْلِم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" ذُكِرَ لِي أَنَّ أُمَّة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل مُسِخَتْ \" وَقَدْ ذَكَرْته وَشَوَاهِده قَبْل , وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : لَيْسَ فِي الْحَدِيث الْجَزْم بِأَنَّ الضَّبّ مِمَّا مُسِخَ , وَإِنَّمَا خَشِيَ أَنْ يَكُون مِنْهُمْ فَتَوَقَّفَ عَنْهُ , وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ يُعْلِم اللَّه تَعَالَى نَبِيّه أَنَّ الْمَمْسُوخ لَا يَنْسَلّ , وَبِهَذَا أَجَابَ الطَّحَاوِيُّ ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق الْمَعْرُور بْن سُوَيْد عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ \" سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير أَهِيَ مِمَّا مُسِخَ ؟ قَالَ : إِنَّ اللَّه لَمْ يُهْلِك قَوْمًا - أَوْ يَمْسَخ قَوْمًا - فَيَجْعَل لَهُمْ نَسْلًا وَلَا عَاقِبَة , وَأَصْل هَذَا الْحَدِيث فِي مُسْلِم , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرهُ مِنْ صَحِيح مُسْلِم , وَيَتَعَجَّب مِنْ اِبْن الْعَرَبِيّ حَيْثُ قَالَ : قَوْله إِنَّ الْمَمْسُوخ لَا يَنْسَلّ دَعْوَى , فَإِنَّهُ أَمْر لَا يُعْرَف بِالْعَقْلِ وَإِنَّمَا طَرِيقه النَّقْل , وَلَيْسَ فِيهِ أَمْر يُعَوَّل عَلَيْهِ. كَذَا قَالَ ثُمَّ قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طُرُق ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيث اِبْن عُمَر : فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْآثَار أَنَّهُ لَا بَأْس بِأَكْلِ الضَّبّ , وَبِهِ أَقُول. قَالَ : وَقَدْ اِحْتَجَّ مُحَمَّد بْن الْحَسَن لِأَصْحَابِهِ بِحَدِيثِ عَائِشَة , فَسَاقَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ حَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة \" أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَأْكُلهُ , فَقَامَ عَلَيْهِمْ سَائِل , فَأَرَادَتْ عَائِشَة أَنْ تُعْطِيه فَقَالَ لَهَا : أَتُعْطِيهِ مَا لَا تَأْكُلِينَ \" ؟ قَالَ مُحَمَّد : دَلَّ ذَلِكَ عَلَى كَرَاهَته لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ جِنْس مَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ) ثُمَّ سَاقَ الْأَحَادِيث الدَّالَّة عَلَى كَرَاهَة التَّصَدُّق بِحَشَفِ التَّمْر , وَقَدْ مَرَّ ذِكْرهَا فِي كِتَاب الصَّلَاة فِي \" بَاب تَعْلِيق الْقِنْو فِي الْمَسْجِد \" وَبِحَدِيثِ الْبَرَاء \" كَانُوا يُحِبُّونَ الصَّدَقَة بِأَرْدَاءِ تَمْرهمْ , فَنَزَلَتْ ( أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ) الْآيَة. قَالَ : فَلِهَذَا الْمَعْنَى كَرِهَ لِعَائِشَة الصَّدَقَة بِالضَّبِّ لَا لِكَوْنِهِ حَرَامًا ا ه. وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ فُهِمَ عَنْ مُحَمَّد أَنَّ الْكَرَاهَة فِيهِ لِلتَّحْرِيمِ , وَالْمَعْرُوف عَنْ أَكْثَر الْحَنَفِيَّة فِيهِ كَرَاهَة التَّنْزِيَة. وَجَنَحَ بَعْضهمْ إِلَى التَّحْرِيم وَقَالَ : اِخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيث وَتَعَذَّرَتْ مَعْرِفَة الْمُتَقَدِّم فَرَجَّحْنَا جَانِب التَّحْرِيم تَقْلِيلًا لِلنَّسْخِ ا ه. وَدَعْوَاهُ التَّعَذُّر مَمْنُوعَة لِمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏وَيَتَعَجَّب مِنْ اِبْن الْعَرَبِيّ حَيْثُ قَالَ : قَوْلهمْ إِنَّ الْمَمْسُوخ لَا يَنْسَلّ دَعْوَى , فَإِنَّهُ أَمْر لَا يُعْرَف بِالْعَقْلِ وَإِنَّمَا طَرِيقه النَّقْل , وَلَيْسَ فِيهِ أَمْر يُعَوَّل عَلَيْهِ , كَذَا قَالَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرهُ مِنْ صَحِيح مُسْلِم , ثُمَّ قَالَ : وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوت كَوْن الضَّبّ مَمْسُوخًا فَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي تَحْرِيم أَكْله لِأَنَّ كَوْنه آدَمِيًّا قَدْ زَالَ حُكْمه وَلَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَر أَصْلًا , وَإِنَّمَا كَرِهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَكْل مِنْهُ لِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ سَخَط اللَّه كَمَا كَرِهَ الشُّرْب مِنْ مِيَاه ثَمُود ا ه. وَمَسْأَلَة جَوَاز أَكْل الْآدَمِيّ إِذَا مُسِخَ حَيَوَانًا مَأْكُولًا لَمْ أَرَهَا فِي كُتُب فُقَهَائِنَا. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا الْإِعْلَام بِمَا شَكَّ فِيهِ لِإِيضَاحِ حُكْمه , وَأَنَّ مُطْلَق النُّفْرَة وَعَدَم الِاسْتِطَابَة لَا يَسْتَلْزِم التَّحْرِيم , وَأَنَّ الْمَنْقُول عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعِيب الطَّعَام إِنَّمَا هُوَ فِيمَا صَنَعَهُ الْآدَمِيّ لِئَلَّا يَنْكَسِر خَاطِره وَيُنْسَب إِلَى التَّقْصِير فِيهِ ; وَأَمَّا الَّذِي خُلِقَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ نُفُور الطَّبْع مِنْهُ مُمْتَنِعًا. وَفِيهِ أَنَّ وُقُوع مِثْل ذَلِكَ لَيْسَ بِمَعِيبٍ مِمَّنْ يَقَع مِنْهُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَنَطِّعَة. وَفِيهِ أَنَّ الطِّبَاع تَخْتَلِف فِي النُّفُور عَنْ بَعْض الْمَأْكُولَات , وَقَدْ يُسْتَنْبَط مِنْهُ أَنَّ اللَّحْم إِذَا أَنْتَنَ لَمْ يَحْرُم لِأَنَّ بَعْض الطِّبَاع لَا تَعَافهُ. وَفِيهِ دُخُول أَقَارِب الزَّوْجَة بَيْتهَا إِذَا كَانَ بِإِذْنِ الزَّوْج أَوْ رِضَاهُ , وَذَهَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ هُنَا ذُهُولًا فَاحِشًا فَقَالَ : كَانَ دُخُول خَالِد بْن الْوَلِيد بَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة قَبْل نُزُول الْحِجَاب , وَغَفَلَ عَمَّا ذَكَرَهُ هُوَ أَنَّ إِسْلَام خَالِد كَانَ بَيْن عُمْرَة الْقَضِيَّة وَالْفَتْح , وَكَانَ الْحِجَاب قَبْل ذَلِكَ اِتِّفَاقًا , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَاب \" قَالَ خَالِد : أَحَرَام هُوَ يَا رَسُول اللَّه \" ؟ فَلَوْ كَانَتْ الْقِصَّة قَبْل الْحِجَاب لَكَانَتْ قَبْل إِسْلَام خَالِد , وَلَوْ كَانَتْ قَبْل إِسْلَامه لَمْ يَسْأَل عَنْ حَلَال وَلَا حَرَام , وَلَا خَاطَبَ بِقَوْلِهِ يَا رَسُول اللَّه. وَفِيهِ جَوَاز الْأَكْل مِنْ بَيْت الْقَرِيب وَالصِّهْر وَالصَّدِيق , وَكَأَنَّ خَالِدًا وَمَنْ وَافَقَهُ فِي الْأَكْل أَرَادُوا جَبْر قَلْب الَّذِي أَهْدَتْهُ , أَوْ لِتَحَقُّقِ حُكْم الْحِلّ , أَوْ لِامْتِثَالِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كُلُوا \" وَفَهِمَ مَنْ لَمْ يَأْكُل أَنَّ الْأَمْر فِيهِ لِلْإِبَاحَةِ. وَفِيهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤَاكِل أَصْحَابه وَيَأْكُل اللَّحْم حَيْثُ تَيَسَّرَ ; وَأَنَّهُ كَانَ لَا يَعْلَم مِنْ الْمُغَيَّبَات إِلَّا مَا عَلِمَهُ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَفِيهِ وُفُور عَقْل مَيْمُومَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ وَعَظِيم نَصِيحَتِهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِأَنَّهَا فَهِمَتْ مَظِنَّة نُفُوره عَنْ أَكْله بِمَا اِسْتَقَرَّتْ مِنْهُ , فَخَشِيَتْ أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَأَذَّى بِأَكْلِهِ لِاسْتِقْذَارِهِ لَهُ فَصَدَقَتْ فَرَاسَتهَا. وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَنْ خَشِيَ أَنْ يَتَقَذَّر شَيْئًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُدَلِّس لَهُ لِئَلَّا يَتَضَرَّر بِهِ , وَقَدْ شُوهِدَ ذَلِكَ مِنْ بَعْض النَّاس. ‏"
    },
    {
        "id": "5112",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏يُحَدِّثُهُ عَنْ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ فَسُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْهَا فَقَالَ ‏ ‏أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ ‏ ‏قِيلَ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏فَإِنَّ ‏ ‏مَعْمَرًا ‏ ‏يُحَدِّثُهُ عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ مَا سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏يَقُولُ إِلَّا عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مِرَارًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ مَيْمُونَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر كِتَاب الْوُضُوء بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي إِثْبَاتِ مَيْمُونَة فِي الْإِسْنَاد وَعَدَمه , وَأَنَّ الرَّاجِح إِثْبَاتهَا فِيهِ , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ الِاخْتِلَاف عَلَى مَالِك فِي وَصْله وَانْقِطَاعه. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلهَا ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ أَكْثَر أَصْحَاب اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْهُ وَوَقَعَ فِي مُسْنَد إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَمِنْ طَرِيقه أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان بِلَفْظِ \" إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلهَا وَكُلُوهُ , وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا فَلَا تَقْرَبُوهُ \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ غَرِيبَة وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِيهَا. ‏ ‏قَوْله ( قِيلَ لِسُفْيَان ) ‏ ‏الْقَائِل لِسُفْيَان ذَلِكَ هُوَ عَلِيُّ بْن الْمَدِينِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ , كَذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي عِلَله. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّ مَعْمَرًا يُحَدِّث بِهِ إِلَخْ ) ‏ ‏طَرِيق مَعْمَر هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ الْحَسَن بْن عَلِيّ الْحَلْوَانِيّ وَأَحْمَد بْن صَالِح كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور إِلَى أَبِي هُرَيْرَة , وَنَقَلَ التِّرْمِذِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيق خَطَأ وَالْمَحْفُوظ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ مِنْ طَرِيق مَيْمُونَة , وَجَزَمَ الذُّهْلِيُّ بِأَنَّ الطَّرِيقَيْنِ صَحِيحَانِ , وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَته عَنْ الْحَسَن بْن عَلِيّ \" قَالَ الْحَسَن : وَرُبَّمَا حَدَّثَ بِهِ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ مَيْمُونَة \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنْ أَحْمَد بْن صَالِح عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن بُوذَوَيْهِ عَنْ مَعْمَر كَذَلِكَ مِنْ طَرِيق مَيْمُونَة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ خُشَيْش بْن أَصْرَم عَنْ عَبْد الرَّزَّاق , وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ اللَّيْث رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ \" بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ فَأْرَة وَقَعَتْ فِي سَمْن جَامِد \" الْحَدِيث , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ لِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد أَصْلًا , وَكَوْن سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ لَمْ يَحْفَظهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ إِلَّا مِنْ طَرِيق مَيْمُونَة لَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُون لَهُ عِنْده إِسْنَاد آخَر , وَقَدْ جَاءَ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِيهِ إِسْنَاد ثَالِث أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْجَبَّار بْن عُمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر بِهِ , وَعَبْد الْجَبَّار مُخْتَلَف فِيهِ. ‏ ‏قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَجَاءَ مِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ , لَكِنْ السَّنَد إِلَى اِبْن جُرَيْجٍ ضَعِيف وَالْمَحْفُوظ أَنَّهُ مِنْ قَوْل اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ مَا سَمِعْت الزُّهْرِيَّ ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ سُفْيَان \" وَقَوْله وَلَقَدْ سَمِعَتْهُ مِنْهُ مِرَارًا \" أَيْ مِنْ طَرِيق مَيْمُونَة فَقَطْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ قَالَ سُفْيَان : كَمْ سَمِعْنَاهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ يُعِيدهُ وَيُبْدِئهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5113",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ الدَّابَّةِ تَمُوتُ فِي الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَهُوَ جَامِدٌ أَوْ غَيْرُ جَامِدٍ الْفَأْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا قَالَ ‏ ‏بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ فَأَمَرَ بِمَا قَرُبَ مِنْهَا فَطُرِحَ ثُمَّ أُكِلَ ‏ ‏عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , ‏ ‏وَيُونُس ‏ ‏هُوَ اِبْنُ زَيْد. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ الدَّابَّة ) ‏ ‏أَيْ فِي حُكْم الدَّابَّة ( تَمُوت فِي الزَّيْت وَالسَّمْن إِلَخْ ) ظَاهِر فِي أَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ فِي هَذَا الْحُكْم لَا يُفَرِّق بَيْن السَّمْن وَغَيْره وَلَا بَيْن الْجَامِد مِنْهُ وَالذَّائِب , لِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي السُّؤَال ثُمَّ اِسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ فِي السَّمْن , فَأَمَّا غَيْر السَّمْن فَإِلْحَاقه بِهِ فِي الْقِيَاس عَلَيْهِ وَاضِح , وَأَمَّا عَدَم الْفَرْق بَيْن الذَّائِب وَالْجَامِد فَلِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَر فِي اللَّفْظ الَّذِي اِسْتَدَلَّ بِهِ , وَهَذَا يَقْدَح فِي صِحَّة مَنْ زَادَ فِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ الزُّهْرِيِّ التَّفْرِقَة بَيْن الْجَامِد وَالذَّائِب كَمَا ذُكِرَ قَبْل عَنْ إِسْحَاق , وَهُوَ مَشْهُور مِنْ رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرهمَا وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَغَيْره عَلَى أَنَّهُ اُخْتُلِفَ عَنْ مَعْمَر فِيهِ , فَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عَبْد الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَر بِغَيْرِ تَفْصِيل , نَعَمْ وَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك وَصْف السَّمْن فِي الْحَدِيث بِأَنَّهُ جَامِد , وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي الطَّهَارَة وَكَذَا وَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَكَذَا عِنْد الْبَيْهَقِيِّ مِنْ رِوَايَة حَجَّاج بْن مِنْهَال عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَى الزِّيَادَة الَّتِي وَقَعَتْ فِي رِوَايَة إِسْحَاق اِبْن رَاهْوَيْهِ عَنْ سُفْيَان وَأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِالتَّفْصِيلِ عَنْ سُفْيَان دُون حُفَّاظ أَصْحَابه مِثْل أَحْمَد وَالْحُمَيْدِيّ وَمُسَدَّد وَغَيْرهمْ , وَوَقَعَ التَّفْصِيل فِيهِ أَيْضًا فِي رِوَايَة عَبْد الْجَبَّار بْن عُمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّوَاب فِي هَذَا الْإِسْنَاد أَنَّهُ مَوْقُوف , وَهَذَا الَّذِي يَنْفَصِل بِهِ الْحُكْم فِيمَا يَظْهَر لِي بِأَنَّ التَّقْيِيد عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ مِنْ قَوْله , وَالْإِطْلَاق مِنْ رِوَايَته مَرْفُوعًا , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْده مَرْفُوعًا مَا سَوَّى فِي فَتْوَاهُ بَيْن الْجَامِد وَغَيْر الْجَامِد , وَلَيْسَ الزُّهْرِيُّ مِمَّنْ يُقَال فِي حَقّه لَعَلَّهُ نَسِيَ الطَّرِيق الْمُفَصَّلَة الْمَرْفُوعَة لِأَنَّهُ كَانَ أَحْفَظ النَّاس فِي عَصْره فَخَفَاء ذَلِكَ عَنْهُ فِي غَايَة الْبُعْد. ‏"
    },
    {
        "id": "5114",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ ‏ ‏أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ حَدِيث عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏يَعْنِي بِسَنَدِهِ لَكِنْ يَظْهَر لَنَا هَلْ فِيهِ مَيْمُونَة أَوْ لَا ؟ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق نُعَيْم بْن حَمَّاد عَنْ اِبْن الْمُبَارَك فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا وَأَغْرَبَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" فَسَاقَهُ مِنْ طَرِيق الْفَرَبْرِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْدَان مَوْصُولًا بِذِكْرِ اِبْن عَبَّاس وَمَيْمُونَة بِالْمَرْفُوعِ دُون الْمَوْقُوف وَقَالَ \" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْدَان , وَذَكَرَ فِيهِ كَلَامًا , وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث لِإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد أَنَّ الْمَائِع إِذَا حَلَّتْ فِيهِ النَّجَاسَة لَا يَنْجَس إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ , وَهُوَ اِخْتِيَار الْبُخَارِيّ وَقَوْل اِبْن نَافِع مِنْ الْمَالِكِيَّة وَحُكِيَ عَنْ مَالِك , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ عِمَارَة بْن أَبِي حَفْصَة عَنْ عِكْرِمَة \" أَنَّ اِبْن عَبَّاس سُئِلَ عَنْ فَأْرَة مَاتَتْ فِي سَمْن قَالَ : تُؤْخَذ الْفَارَّة وَمَا حَوْلهَا , فَقُلْت إِنَّ أَثَرهَا كَانَ فِي السَّمْن كُلّه , قَالَ إِنَّمَا كَانَ وَهِيَ حَيَّة وَإِنَّمَا مَاتَتْ حَيْثُ وُجِدَتْ \" وَرِجَاله رِجَال الصَّحِيح. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر وَقَالَ فِيهِ عَنْ جَرّ فِيهِ زَيْت وَقَعَ فِيهِ جُرْذ وَفِيهِ \" أَلَيْسَ جَالَ فِي الْجَرّ كُلّه ؟ قَالَ : إِنَّمَا جَالَ وَفِيهِ الرُّوح , ثُمَّ اِسْتَقَرَّ حَيْثُ مَاتَ \" وَفَرَّقَ الْجُمْهُور بَيْن الْمَائِع وَالْجَامِد عَمَلًا بِالتَّفْصِيلِ الْمُقَدَّم ذِكْره , وَقَدْ تَمَسَّكَ اِبْن الْعَرَبِيّ بِقَوْلِهِ \" وَمَا حَوْلهَا \" عَلَى أَنَّهُ كَانَ جَامِدًا , قَالَ : لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَائِعًا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَوْل , لِأَنَّهُ لَوْ نُقِلَ مِنْ أَيّ جَانِب مَهْمَا نُقِلَ لَخَلَفَهُ غَيْره فِي الْحَال فَيَصِير مِمَّا حَوْلهَا فَيُحْتَاج إِلَى إِلْقَائِهِ كُلّه , كَذَا قَالَ , وَأَمَّا ذِكْر السَّمْن وَالْفَأْرَة فَلَا عَمَل بِمَفْهُومِهِمَا , وَجَمَدَ اِبْن حَزْم عَلَى عَادَته فَخَصَّ التَّفْرِقَة بِالْفَأْرَةِ , فَلَوْ وَقَعَ غَيْر جِنْس الْفَأْر مِنْ الدَّوَابّ فِي مَائِع لَمْ يَنْجَس إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ , وَضَابِط الْمَائِع عِنْد الْجُمْهُور أَنْ يَتَرَادّ بِسُرْعَةٍ إِذَا أُخِذَ مِنْهُ شَيْء. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" فَمَاتَتْ \" عَلَى أَنَّ تَأْثِيرهَا فِي الْمَائِع إِنَّمَا يَكُون بِمَوْتِهَا فِيهِ فَلَوْ وَقَعَتْ فِيهِ وَخَرَجَتْ بِلَا مَوْت لَمْ يَضُرّهُ , وَلَمْ يَقَع فِي رِوَايَة مَالِك التَّقْيِيد بِالْمَوْتِ , فَيَلْزَم مَنْ لَا يَقُول بِحَمْلِ الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد أَنْ يَقُول بِالتَّأْثِيرِ وَلَوْ خَرَجَتْ وَهِيَ فِي الْحَيَاة , وَقَدْ اِلْتَزَمَهُ اِبْن حَزْم فَخَالَفَ الْجُمْهُور أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلهَا ) ‏ ‏لَمْ يَرِد فِي طَرِيق صَحِيحَة تَحْدِيد مَا يُلْقَى , لَكِنْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ مُرْسَل عَطَاء بْن يَسَار أَنَّهُ يَكُون قَدْر الْكَفّ وَسَنَده جَيِّد لَوْلَا إِرْسَاله , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ مَالِك فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَأَمَرَ أَنْ يُقَوَّر مَا حَوْلهَا فَيُرْمَى بِهِ \" وَهَذَا أَظْهَر فِي كَوْنه جَامِدًا مِنْ قَوْله \" وَمَا حَوْلهَا \" فَيَقْوَى مَا تَمَسَّكَ بِهِ اِبْن الْعَرَبِيّ , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء مَرْفُوعًا مِنْ التَّقْيِيد فِي الْمَأْخُوذ مِنْهُ ثَلَاث غُرُفَات بِالْكَفَّيْنِ فَسَنَده ضَعِيف , وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ ظَاهِرًا فِي الْمَائِع. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْمُفَصَّلَة \" وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ \" عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز الِانْتِفَاع بِهِ فِي شَيْء , فَيَحْتَاج مَنْ أَجَازَ الِانْتِفَاع بِهِ فِي غَيْر الْأَكْل كَالشَّافِعِيَّةِ وَأَجَازَ بَيْعه كَالْحَنَفِيَّةِ إِلَى الْجَوَاب - أَعْنِي الْحَدِيث - فَإِنَّهُمْ اِحْتَجُّوا بِهِ فِي التَّفْرِقَة بَيْن الْجَامِد وَالْمَائِع , وَقَدْ اِحْتَجَّ بَعْضهمْ بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْجَبَّار بْن عُمَر عِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" إِنْ كَانَ السَّمْن مَائِعًا اِنْتَفَعُوا بِهِ وَلَا تَأْكُلُوهُ \" وَعِنْده فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ مِثْله , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحِيح وَقْفه. وَعِنْده مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر فِي فَأْرَة وَقَعَتْ فِي زَيْت قَالَ \" اِسْتَصْبِحُوا بِهِ وَادْهُنُوا بِهِ أُدُمكُمْ \" وَهَذَا السَّنَد عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ إِلَّا أَنَّهُ مَوْقُوف , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفَأْرَة طَاهِرَة الْعَيْن , وَأَغْرَبَ اِبْن الْعَرَبِيّ فَحَكَى عَنْ الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة أَنَّهَا نَجِسَة. ‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة مَالِك ( سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هُوَ كَذَلِكَ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات بِإِبْهَامِ السَّائِل , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ أَحْمَد تَعْيِين مَنْ سَأَلَ , وَلَفْظه عَنْ مَيْمُونَة \" إِنَّهَا اِسْتَفْتَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ فَأْرَة \" الْحَدِيث , وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ مَالِك عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ بِلَفْظِ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ مَيْمُونَة اِسْتَفْتَتْ \" وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5115",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَنْظَلَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُعْلَمَ الصُّورَةُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ تُضْرَبَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْعَنْقَزِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَنْظَلَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏تُضْرَبُ الصُّورَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ حَنْظَلَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ أَبِي سُفْيَان الْجُمَحِيِّ , ‏ ‏وَسَالِم ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( أَنْ تُعْلَم ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله أَيْ تُجْعَل فِيهَا عَلَامَة. ‏ ‏قَوْله ( الصُّورَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ \" الصُّوَر \" بِفَتْحِ الْوَاوِ بِلَا هَاء جَمْع صُورَة وَالْمُرَاد بِالصُّورَةِ الْوَجْه. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اِبْن عُمَر : نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُضْرَب ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , بَدَأَ بِالْمَوْقُوفِ وَثَنَّى بِالْمَرْفُوعِ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَرَاهَة , لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ النَّهْي عَنْ الضَّرْب كَانَ مَنْع الْوَسْم أَوْلَى , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَشَارَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الضَّرْب فِي الْوَجْه وَعَنْ الْوَسْم فِي الْوَجْه \" وَفِي لَفْظ لَهُ \" مَرَّ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِمَارٍ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ : لَعَنَ اللَّه مَنْ وَسَمَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ قُتَيْبَة قَالَ حَدَّثَنَا الْعَنْقَزِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْقَاف بَيْنهمَا نُون سَاكِنَة وَبَعْد الْقَاف زَاي , مَنْسُوب إِلَى الْعَنْقَز وَهُوَ نَبْت طَيِّب الرِّيح , وَيُقَال هُوَ الْمَرْزَنْجُوش بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الرَّاء ثُمَّ فَتْح الزَّاي وَسُكُون النُّون بَعْدهَا جِيم مَضْمُومَة وَآخِره مُعْجَمَة , وَهَذَا تَفْسِير لِلشَّيْءِ بِمِثْلِهِ فِي الْخَفَاء , وَالْمَرْزَنْجُوش هُوَ الشَّمَار أَوْ الشّذَاب , وَقِيلَ الْعَنْقَز الرَّيْحَان , وَقِيلَ الْقَصَب الْغَضّ , وَاسْم الْعَنْقَزِيّ عَمْرو بْن مُحَمَّد الْكُوفِيّ وَثَّقَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرهمَا , وَقَالَ اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات كَانَ يَبِيع الْعَنْقَز. وَهَذِهِ الْمُتَابَعَة لَهَا حُكْم الْوَصْل عِنْد اِبْن الصَّلَاح لِأَنَّ قُتَيْبَة مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا لِزِيَادَةِ الْمَحْذُوف فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى حَيْثُ قَالَ \" أَنْ تُضْرَب \" فَإِنَّ الضَّمِير فِي رِوَايَته لِلصُّورَةِ لِكَوْنِهَا ذُكِرَتْ أَوَّلًا وَأَفْصَحَ الْعَنْقَزِيّ فِي رِوَايَته بِذَلِكَ , وَقَوْله عَنْ حَنْظَلَة يُرِيد بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور وَهُوَ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ , وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق بِشْر بْن السِّرِّيّ وَمُحَمَّد بْن عَدِيّ فَرَّقَهُمَا كِلَاهُمَا عَنْ حَنْظَلَة بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور وَاللَّفْظ الْمَذْكُور , لَكِنْ لَفْظ رِوَايَة بِشْر بْن السَّرِيّ \" عَنْ الصُّورَة تُضْرَب \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ حَنْظَلَة بِلَفْظِ \" أَنْ تُضْرَب وُجُوه الْبَهَائِم \" وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ \" أَنْ تُضْرَب الصُّورَة \" يَعْنِي الْوَجْه , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن بَكْر يَعْنِي الْبُرْسَانِيّ وَإِسْحَاق بْن سُلَيْمَان الرَّازِيّ كِلَاهُمَا عَنْ حَنْظَلَة قَالَ \" سَمِعْت \" سَالِمًا يَسْأَل عَنْ الْعَلَم فِي الصُّورَة فَقَالَ : كَانَ اِبْن عُمَر يَكْرَه أَنْ تُعَلَّم الصُّورَة \" وَبَلَغْنَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُضْرَب الصُّورَة \" يَعْنِي بِالصُّورَةِ الْوَجْه. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمُسْنَد مِنْهُ عَلَى اِضْطِرَاب فِيهِ ضَرْب الصُّورَة , وَأَمَّا الْعَلَم فَإِنَّهُ مِنْ قَوْل اِبْن عُمَر وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ الْكَيّ , قُلْت وَهَذِهِ الرِّوَايَة الْأَخِيرَة هِيَ الْمُطَابِقَة لِلَّفْظِ التَّرْجَمَة , وَعَطْفه الْوَسْم عَلَيْهَا إِمَّا عَطْف تَفْسِيرِيّ وَإِمَّا مِنْ عَطْف الْأَعَمّ عَلَى الْأَخَصّ. وَأَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِالِاضْطِرَابِ إِلَى الرِّوَايَة الْأَخِيرَة حَيْثُ قَالَ فِيهَا \" وَبَلَغَنَا \" فَإِنَّ الظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ قَوْل سَالِم فَيَكُون مُرْسَلًا بِخِلَافِ الرِّوَايَات الْأُخْرَى أَنَّهَا ظَاهِرَة الِاتِّصَال لَكِنْ اِجْتِمَاع الْعَدَد الْكَثِير أَوْلَى مِنْ تَقْصِير مَنْ قَصَّرَ بِهِ وَالْحُكْم لَهُمْ. وَمِثْل هَذَا لَا يُسَمَّى اِضْطِرَابًا فِي الِاصْطِلَاح لِأَنَّ شَرْط الِاضْطِرَاب أَنْ يَتَعَذَّر التَّرْجِيح بَعْد تَعَذُّر الْجَمْع وَلَيْسَ الْأَمْر هُنَا كَذَلِكَ. وَجَاءَ فِي ذِكْر الْوَسْم فِي الْوَجْه صَرِيحًا حَدِيث جَابِر قَالَ \" مَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِمَارٍ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهه فَقَالَ : لَعَنَ اللَّه مَنْ فَعَلَ هَذَا. لَا يَسِم أَحَد الْوَجْه وَلَا يَضْرِب أَحَد الْوَجْه \" أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَمُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ. وَهُوَ شَاهِد جَيِّد لِحَدِيثِ اِبْن عُمَر. وَتَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ضَرْب وَجْه الْآدَمِيّ فِي كِتَاب الْجِهَاد فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَتَقَدَّمَ قَبْل أَبْوَاب النَّهْي عَنْ صَبْر الْبَهِيمَة وَعَنْ الْمُثْلَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5116",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِأَخٍ ‏ ‏لِي ‏ ‏يُحَنِّكُهُ ‏ ‏وَهُوَ فِي ‏ ‏مِرْبَدٍ ‏ ‏لَهُ فَرَأَيْتُهُ ‏ ‏يَسِمُ ‏ ‏شَاةً ‏ ‏حَسِبْتُهُ قَالَ ‏ ‏فِي آذَانِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ هِشَام بْن زَيْد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَنَس بْن مَالِك. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏هُوَ جَدُّهُ. ‏ ‏قَوْله ( بِأَخٍ لِي يُحَنِّكهُ ) ‏ ‏هُوَ أَخُوهُ مِنْ أُمّه وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة , وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي اللِّبَاس مِنْ وَجْهٍ آخَر. ‏ ‏قَوْله ( فِي مِرْبَد ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفَتْح الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُهْمَلَة مَكَان الْإِبِل وَكَأَنَّ الْغَنَم أُدْخِلَتْ فِيهِ مَعَ الْإِبِل. ‏ ‏قَوْله ( وَهُوَ يَسِم شَاة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" شَاءَ \" بِالْهَمْزِ وَهُوَ جَمْع شَاة مِثْل شِيَاه , وَسَيَأْتِي فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي اللِّبَاس بِلَفْظِ \" وَهُوَ يَسِم الظَّهْر الَّذِي قَدِمَ عَلَيْهِ \" وَفِيهِ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَعْد رُجُوعهمْ مِنْ غَزْوَة الْفَتْح وَحُنَيْن , وَالْمُرَاد بِالظَّهْرِ الْإِبِل , وَكَأَنَّهُ كَانَ يَسِم الْإِبِل وَالْغَنَم فَصَادَفَ أَوَّل دُخُول أَنَس وَهُوَ يَسِم شَاة , وَرَآهُ يَسِم غَيْر ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعَقِيقَة بَيَان شَيْء مِنْ هَذَا. ‏ ‏قَوْله ( حَسِبْته ) ‏ ‏الْقَائِل شُعْبَة , وَالضَّمِيرُ لِهِشَام بْن زَيْد وَقَعَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَة مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله ( فِي آذَانهَا ) ‏ ‏هَذَا مَحَلّ التَّرْجَمَة وَهُوَ الْعُدُول عَنْ الْوَسْم فِي الْوَجْه إِلَى الْوَسْم فِي الْأُذُن , فَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْأُذُن لَيْسَتْ مِنْ الْوَجْه , وَفِيهِ حُجَّة لِلْجُمْهُورِ فِي جَوَاز وَسْم الْبَهَائِم بِالْكَيِّ , وَخَالَفَ فِيهِ الْحَنَفِيَّة تَمَسُّكًا بِعُمُومِ النَّهْي عَنْ التَّعْذِيب بِالنَّارِ , وَمِنْهُمْ مَنْ اِدَّعَى بِنَسْخِ وَسْم الْبَهَائِم وَجَعَلَهُ الْجُمْهُور مَخْصُوصًا مِنْ عُمُوم النَّهْي. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5117",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّنَا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا ‏ ‏مُدًى ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلُوهُ مَا لَمْ يَكُنْ سِنٌّ وَلَا ظُفُرٌ وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفْرُ ‏ ‏فَمُدَى ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏وَتَقَدَّمَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَأَصَابُوا مِنْ الْغَنَائِمِ وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي آخِرِ النَّاسِ فَنَصَبُوا قُدُورًا فَأَمَرَ بِهَا فَأُكْفِئَتْ وَقَسَمَ بَيْنَهُمْ وَعَدَلَ بَعِيرًا بِعَشْرِ شِيَاهٍ ثُمَّ ‏ ‏نَدَّ ‏ ‏بَعِيرٌ مِنْ أَوَائِلِ الْقَوْمِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ خَيْلٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ فَقَالَ إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ ‏ ‏أَوَابِدَ ‏ ‏كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا فَعَلَ مِنْهَا هَذَا فَافْعَلُوا مِثْلَ هَذَا ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى قَبْل. ‏"
    },
    {
        "id": "5118",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنْ الْإِبِلِ قَالَ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ قَالَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏إِنَّ لَهَا ‏ ‏أَوَابِدَ ‏ ‏كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَكُونُ فِي الْمَغَازِي وَالْأَسْفَارِ فَنُرِيدُ أَنْ نَذْبَحَ فَلَا تَكُونُ ‏ ‏مُدًى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرِنْ مَا ‏ ‏نَهَرَ ‏ ‏أَوْ أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ غَيْرَ السِّنِّ وَالظُّفُرِ فَإِنَّ السِّنَّ عَظْمٌ وَالظُّفُرَ ‏ ‏مُدَى ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج , وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي الَّذِي قَبْله , وَمَضَى فِي \" بَاب ذَبِيحَة الْمَرْأَة \" بَحْث فِي خُصُوص هَذِهِ التَّرْجَمَة , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مَا أَنْهَرَ الدَّم أَوْ نَهَرَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وَالصَّوَاب \" أَنْهَرَ \" بِالْهَمْزِ , وَقَدْ أَلْزَمَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ التَّنَاقُض فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة وَاَلَّتِي قَبْلهَا. وَأَشَارَ إِلَى عَدَم الْفَرْق بَيْن الصُّورَتَيْنِ , وَالْجَامِع أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ بِالتَّذْكِيَةِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الَّذِينَ ذَبَحُوا فِي الْقِصَّة الْأُولَى ذَبَحُوا مَا لَمْ يُقْسَم لِيَخْتَصُّوا بِهِ فَعُوقِبُوا بِحِرْمَانِهِ إِذْ ذَاكَ حَتَّى يُقْسَم , وَاَلَّذِي رَمَى الْبَعِير أَرَادَ إِبْقَاء مَنْفَعَته لِمَالِكِهِ فَافْتَرَقَا. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : نَبَّهَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة عَلَى أَنَّ ذَبْح غَيْر الْمَالِك إِذَا كَانَ بِطَرِيقِ التَّعَدِّي كَمَا فِي الْقِصَّة الْأُولَى فَاسِد , وَأَنَّ ذَبْح غَيْر الْمَالِك إِذَا كَانَ بِطَرِيقِ الْإِصْلَاح لِلْمَالِكِ خَشْيَة أَنْ تَفُوت عَلَيْهِ الْمَنْفَعَة لَيْسَ بِفَاسِدٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "5119",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زُبَيْدٍ الْإِيَامِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ مَنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلُ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنْ ‏ ‏النُّسُكِ ‏ ‏فِي شَيْءٍ فَقَامَ ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ ‏ ‏وَقَدْ ذَبَحَ فَقَالَ إِنَّ عِنْدِي ‏ ‏جَذَعَةً ‏ ‏فَقَالَ اذْبَحْهَا وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُطَرِّفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث الْبَرَاء \" إِنَّ أَوَّل مَا نَبْدَأ بِهِ يَوْمنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّي ثُمَّ نَرْجِع فَنَنْحَر \" ‏ ‏وَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" فِي يَوْمنَا هَذَا نُصَلِّي \" بِحَذْفِ \" أَنْ \" وَعَلَيْهَا شَرْح الْكَرْمَانِيّ فَقَالَ : هُوَ مِثْل \" تَسْمَع بِالْمُعَيْدِيّ خَيْر مِنْ أَنْ تَرَاهُ \" وَهُوَ عَلَى تَنْزِيل الْفِعْل مَنْزِلَة الْمَصْدَر , وَالْمُرَاد بِالسُّنَّةِ هُنَا فِي الْحَدِيثَيْنِ مَعًا الطَّرِيقَة لَا السُّنَّة بِالِاصْطِلَاحِ الَّتِي تُقَابِل الْوُجُوب , وَالطَّرِيقَة أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُون لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلنَّدْبِ , فَإِذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيل عَلَى الْوُجُوب بَقِيَ النَّدْب وَهُوَ وَجْه إِيرَادهَا فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة. وَقَدْ اِسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ بِوُقُوعِ الْأَمْر فِيهِمَا بِالْإِعَادَةِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُود بَيَان شَرْط الْأُضْحِيَّة الْمَشْرُوعَة , فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ لِمَنْ صَلَّى رَاتِبَة الضُّحَى مَثَلًا قَبْل طُلُوع الشَّمْس : إِذَا طَلَعَتْ الشَّمْس فَأَعِدْ صَلَاتك , وَقَوْله فِي حَدِيث الْبَرَاء \" وَلَيْسَ مِنْ النُّسُك فِي شَيْء \" النُّسُك يُطْلَق وَيُرَاد بِهِ الذَّبِيحَة وَيُسْتَعْمَل فِي نَوْع خَاصّ مِنْ الدِّمَاء الْمُرَاقَة , وَيُسْتَعْمَل بِمَعْنَى الْعِبَادَة وَهُوَ أَعَمُّ يُقَال فُلَان نَاسِك أَيْ عَابِد , وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي حَدِيث الْبَرَاء بِالْمَعْنَى الثَّالِث وَبِالْمَعْنَى الْأَوَّل أَيْضًا فِي قَوْله فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى \" مَنْ نَسَكَ قَبْل الصَّلَاة فَلَا نُسُك لَهُ \" أَيْ مَنْ ذَبَحَ قَبْل الصَّلَاة فَلَا ذَبْحَ لَهُ أَيْ لَا يَقَع عَنْ الْأُضْحِيَّة , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" وَقَالَ مُطَرِّف \" ‏ ‏يَعْنِي اِبْن طَرِيف بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَة وَزْن عَظِيم , وَعَامِر هُوَ الشَّعْبِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَة مُطَرِّف مَوْصُولَة فِي الْعِيدَيْنِ وَتَأْتِي أَيْضًا بَعْد ثَمَانِيَة أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "5120",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ ‏ ‏نُسُكُهُ ‏ ‏وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُلَيَّة , ‏ ‏وَأَيُّوب ‏ ‏هُوَ السَّخْتِيَانِيّ , ‏ ‏وَمُحَمَّد ‏ ‏هُوَ اِبْن سِيرِينَ , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5121",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَعْجَةَ الْجُهَنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَسَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ أَصْحَابِهِ ضَحَايَا فَصَارَتْ ‏ ‏لِعُقْبَةَ ‏ ‏جَذَعَةٌ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَارَتْ لِي ‏ ‏جَذَعَةٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ضَحِّ بِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ ‏ ‏وَيَحْيَى ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ بَعْجَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُعَاوِيَة بْن سَلَّام عَنْ يَحْيَى أَخْبَرَنِي بَعْجَة بْن عَبْد اللَّه , وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدهَا جِيم , وَاسْم جَدّه بَدْر , وَهُوَ تَابِعِيّ مَعْرُوف مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ أَزَالَتْ رِوَايَة مُسْلِم مَا يُخْشَى مِنْ تَدْلِيس يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُقْبَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم الْمَذْكُورَة أَنَّ عُقْبَة بْن عَامِر أَخْبَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَسَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَصْحَابه ضَحَايَا ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب أَنَّ عُقْبَة هُوَ الَّذِي بَاشَرَ الْقِسْمَة , وَتَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَة \" بَاب وَكَالَة الشَّرِيك لِلشَّرِيكِ فِي الْقِسْمَة \" وَأَوْرَدَهُ فِيهِ أَيْضًا , وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ عُقْبَة كَانَ لَهُ فِي تِلْكَ الْغَنَم نَصِيب بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ الْغَنَائِم , وَكَذَا كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا نَصِيب , وَمَعَ هَذَا فَوَكَّلَهُ فِي قِسْمَتهَا وَقَدَّمْت لَهُ هُنَاكَ تَوْجِيهًا آخَر , وَهَذَا التَّوْجِيه أَقْوَى مِنْهُ ,. قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهَا ضَحَايَا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُول إِلَيْهِ الْأَمْر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَيَّنَهَا لِلْأُضْحِيَّةِ ثُمَّ قَسَمَهَا بَيْنهمْ لِيَحُوزَ كُلّ وَاحِد نَصِيبه , فَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز قِسْمَة لَحْم الْأُضْحِيَّة بَيْن الْوَرَثَة وَلَا يَكُون ذَلِكَ بَيْعًا , وَهِيَ مَسْأَلَة خِلَاف لِلْمَالِكِيَّةِ , قَالَ : وَمَا أَرَى الْبُخَارِيّ مَعَ دِقَّة نَظَره قَصَدَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَّا هَذَا , كَذَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَارَتْ لِعُقْبَةَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَامِر ‏ ‏( جَذَعَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَالذَّال الْمُعْجَمَة هُوَ وَصْف لِسِنٍّ مُعَيَّن مِنْ بَهِيمَة الْأَنْعَام , فَمِنْ الضَّأْن مَا أَكْمَلَ السَّنَة وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَقِيلَ دُونهَا. ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي تَقْدِيره فَقِيلَ اِبْن سِتَّة أَشْهُر وَقِيلَ ثَمَانِيَة وَقِيلَ عَشَرَة , وَحَكَى التِّرْمِذِيّ عَنْ وَكِيع أَنَّهُ اِبْن سِتَّة أَشْهُر أَوْ سَبْعَة أَشْهُر. وَعَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ أَنَّ اِبْن الشَّابَّيْنِ يُجْذَع لِسِتَّةِ أَشْهُر إِلَى سَبْعَة وَابْن الْهَرَمَيْنِ يُجْذَع لِثَمَانِيَةٍ إِلَى عَشَرَة , قَالَ وَالضَّأْن أَسْرَعُ إِجْذَاعًا مِنْ الْمَعْز , وَأَمَّا الْجَذَع مِنْ الْمَعْز فَهُوَ مَا دَخَلَ فِي السَّنَة الثَّانِيَة وَمِنْ الْبَقَر مَا أَكْمَلَ الثَّالِثَة وَمِنْ الْإِبِل مَا دَخَلَ فِي الْخَامِسَة , وَسَيَأْتِي بَيَان الْمُرَاد بِهَا هُنَا قَرِيبًا , وَأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ الْمَعْز بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "5122",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيْهَا وَحَاضَتْ ‏ ‏بِسَرِفَ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ ‏ ‏مَا لَكِ أَنَفِسْتِ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فَلَمَّا كُنَّا ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏أُتِيتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْتُ مَا هَذَا قَالُوا ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ أَزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَلَمْ يَسْمَع مُسَدَّد مِنْ سُفْيَان الثَّوْرِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه عَنْ سُفْيَان \" سَمِعْت عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم \" وَتَقَدَّمَتْ فِي كِتَاب الْحَيْضِ. ‏ ‏قَوْله : ( بِسَرِفَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الرَّاء مَكَان مَعْرُوف خَارِج مَكَّة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنُفِسْت ) ‏ ‏؟ قَيَّدَهُ الْأَصِيلِيّ وَغَيْره بِضَمِّ النُّون أَيْ حِضْت , وَيَجُوز الْفَتْح. وَقِيلَ هُوَ فِي الْحَيْض بِالْفَتْحِ فَقَطْ وَفِي النِّفَاس بِالْفَتْحِ وَالضَّمّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ فَلَمَّا كُنَّا بِمِنًى أَتَيْت بِلَحْمِ بَقَر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْحَجّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة أَخَصْر مِنْ هَذَا , وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُبَيَّنًا هُنَاكَ. وَقَوْله \" ضَحَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَزْوَاجه بِالْبَقَرِ \" ظَاهِر فِي أَنَّ الذَّبْح الْمَذْكُور كَانَ عَلَى سَبِيل الْأُضْحِيَّة , وَحَاوَلَ اِبْن التِّين تَأْوِيله لِيُوَافِق مَذْهَبه فَقَالَ : الْمُرَاد أَنَّهُ ذَبَحَهَا وَقْت ذَبْح الْأُضْحِيَّة وَهُوَ ضُحَى يَوْم النَّحْر , قَالَ : وَإِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِره فَيَكُون تَطَوُّعًا لَا عَلَى أَنَّهَا سُنَّة الْأُضْحِيَّة , كَذَا قَالَ وَلَا يَخْفَى بَعْده , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ ضَحِيَّة الرَّجُل تُجْزِئ عَنْهُ وَعَنْ أَهْل بَيْته , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّة , وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ مَخْصُوص أَوْ مَنْسُوخ وَلَمْ يَأْتِ لِذَلِكَ بِدَلِيلٍ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَمْ يُنْقَل أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ كُلّ وَاحِدَة مِنْ نِسَائِهِ بِأُضْحِيَّةٍ مَعَ تَكْرَار سِنِي الضَّحَايَا وَمَعَ تَعَدُّدهنَّ , وَالْعَادَة تَقْضِي بِنَقْلِ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ كَمَا نُقِلَ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْجُزْئِيَّات , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ مَالِك وَابْن مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن يَسَار \" سَأَلْت أَبَا أَيُّوب : كَيْف كَانَتْ الضَّحَايَا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ; كَانَ الرَّجُل يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْل بَيْته , فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ , حَتَّى تَنَاهَى النَّاس كَمَا تَرَى \". ‏"
    },
    {
        "id": "5123",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ النَّحْرِ ‏ ‏مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ فَقَامَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ وَذَكَرَ جِيرَانَهُ وَعِنْدِي ‏ ‏جَذَعَةٌ ‏ ‏خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا أَدْرِي بَلَغَتْ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لَا ثُمَّ ‏ ‏انْكَفَأَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى كَبْشَيْنِ فَذَبَحَهُمَا وَقَامَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَتَوَزَّعُوهَا ‏ ‏أَوْ قَالَ فَتَجَزَّعُوهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا صَدَقَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْفَضْل , ‏ ‏وَابْن عُلَيَّة ‏ ‏هُوَ إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم بْن مِقْسَم. ‏ ‏قَوْله ( فَقَامَ رَجُل ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بُرْدَة بْن نِيَار كَمَا فِي حَدِيث الْبَرَاءِ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ هَذَا يَوْم يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد الشَّعْبِيّ عِنْد مُسْلِم \" فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ هَذَا يَوْم اللَّحْم فِيهِ مَكْرُوه \" وَفِي لَفْظ لَهُ \" مَقْرُوم \" وَهُوَ بِسُكُونِ الْقَاف , قَالَ عِيَاض رُوِّينَاهُ فِي مُسْلِم مِنْ طَرِيق الْفَارِسِيّ وَالسِّجْزِيّ \" مَكْرُوه \" وَمِنْ طَرِيق الْعُذْرِيّ \" مَقْرُوم \" وَقَدْ صَوَّبَ بَعْضهمْ هَذِهِ الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَقَالَ مَعْنَاهُ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْم يُقَال قَرَمْت إِلَى اللَّحْم وَقَرَمْته إِذَا اِشْتَهَيْته فَهُوَ مُوَافِق لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى \" إِنَّ هَذَا يَوْم يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْم \" قَالَ عِيَاض : وَقَالَ بَعْض شُيُوخنَا صَوَاب الرِّوَايَة \" اللَّحْم فِيهِ مَكْرُوه \" بِفَتْحِ الْحَاء وَهُوَ اِشْتِهَاء اللَّحْم وَالْمَعْنَى تَرْك الذَّبْح وَالتَّضْحِيَة وَإِبْقَاء أَهْله فِيهِ بِلَا لَحْم حَتَّى يَشْتَهُوهُ مَكْرُوه , قَالَ وَقَالَ لِي الْأُسْتَاذ أَبُو عَبْد اللَّه بْن سُلَيْمَان مَعْنَاهُ ذَبْح مَا لَا يُجْزِئ فِي الْأُضْحِيَّة مِمَّا هُوَ لَحْم ا ه , وَبَالَغَ اِبْن الْعَرَبِيّ فَقَالَ : الرِّوَايَة بِسُكُونِ الْحَاء هُنَا غَلَط وَإِنَّمَا هُوَ اللَّحْم بِالتَّحْرِيكِ , يُقَال لَحِمَ الرَّجُل بِكَسْرِ الْحَاء يَلْحَم بِفَتْحِهَا إِذَا كَانَ يَشْتَهِي اللَّحْم , وَأَمَّا الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" فَقَالَ تَكَلَّفَ بَعْضهمْ مَا لَا يَصِحّ رِوَايَة أَنَّ اللَّحْم بِالتَّحْرِيكِ وَلَا مَعْنَى وَهُوَ قَوْل الْآخَر مَعْنَى الْمَكْرُوه أَنَّهُ مُخَالِف لِلسُّنَّةِ قَالَ وَهُوَ كَلَام مَنْ لَمْ يَتَأَمَّل سِيَاق الْحَدِيث فَإِنَّ هَذَا التَّأْوِيل لَا يُلَائِمهُ , إِذْ لَا يَسْتَقِيم أَنْ يَقُول إِنَّ هَذَا الْيَوْم اللَّحْم فِيهِ مُخَالِف لِلسُّنَّةِ وَإِنِّي عَجِلْت لِأُطْعِم أَهْلِي , قَالَ : وَأَقْرَب مَا يُتَكَلَّف لِهَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ مَعْنَاهُ اللَّحْم فِيهِ مَكْرُوه التَّأْخِير فَحُذِفَ لَفْظ التَّأْخِير لِدَلَالَةِ قَوْله عَجِلْت. وَقَالَ النَّوَوِيّ : ذَكَرَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى أَنَّ مَعْنَاهُ هَذَا يَوْم طَلَب اللَّحْم فِيهِ مَكْرُوه شَاقّ قَالَ : وَهُوَ مَعْنًى حَسَن قُلْت : يَعْنِي طَلَبه مِنْ النَّاس كَالصَّدِيقِ وَالْجَار , فَاخْتَارَ هُوَ أَنْ لَا يَحْتَاج أَهْله إِلَى ذَلِكَ فَأَغْنَاهُمْ بِمَا ذَبَحَهُ عَنْ الطَّلَب. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَنْصُور عَنْ الشَّعْبِيّ كَمَا مَضَى فِي الْعِيدَيْنِ \" وَعَرَفْت أَنَّ الْيَوْم يَوْم أَكْل وَشُرْب , فَأَحْبَبْت أَنْ تَكُون شَاتِي أَوَّل مَا يُذْبَح فِي بَيْتِي \" وَيَظْهَر لِي أَنَّ بِهَذِهِ الرِّوَايَة يَحْصُل الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ , وَأَنَّ وَصْفه اللَّحْم بِكَوْنِهِ مُشْتَهًى وَبِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا لَا تَنَاقُض فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارَيْنِ : فَمِنْ حَيْثُ إِنَّ الْعَادَة جَرَتْ فِيهِ بِالذَّبَائِحِ فَالنَّفْس تَتَشَوَّق لَهُ يَكُون مُشْتَهًى , وَمِنْ حَيْثُ تَوَارُد الْجَمِيع عَلَيْهِ حَتَّى يَكْثُر يَصِير مُمَوَّلًا فَأُطْلِقَتْ عَلَيْهِ الْكَرَاهَة لِذَلِكَ , فَحَيْثُ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُشْتَهًى أَرَادَ اِبْتِدَاء حَاله , وَحَيْثُ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا أَرَادَ اِنْتِهَاءَهُ , وَمِنْ ثَمَّ اِسْتَعْجَلَ بِالذَّبْحِ لِيَفُوزَ بِتَحْصِيلِ الصِّفَة الْأُولَى عِنْد أَهْله وَجِيرَانه. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة فِرَاس عَنْ الشَّعْبِيّ عِنْد مُسْلِم \" فَقَالَ خَالِي : يَا رَسُول اللَّه قَدْ نَكَّسْت عَنْ اِبْن لِي \" وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ هَذَا , وَظَهَرَ لِي أَنَّ مُرَاده أَنَّهُ ضَحَّى لِأَجْلِهِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ فِي أَهْله وَجِيرَانه , فَخَصَّ وَلَده بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَخَصُّ بِذَلِكَ عِنْده حَتَّى يَسْتَغْنِي وَلَده بِمَا عِنْده عَنْ التَّشَوُّف إِلَى مَا عِنْد غَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( وَذَكَرَ جِيرَانه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَاصِم عِنْد مُسْلِم وَإِنِّي عَجَّلْت فِيهِ نَسِيكَتِي لِأُطْعِم أَهْلِي وَجِيرَانِي وَأَهْل دَارِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا أَدْرِي أَبَلَغَتْ الرُّخْصَة مَنْ سِوَاهُ أَمْ لَا ) ‏ ‏قَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَرَاء اِخْتِصَاصه بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب , وَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ , كَأَنَّ أَنَسًا لَمْ يَسْمَع ذَلِكَ , وَقَدْ رَوَى اِبْن عَوْن عَنْ الشَّعْبِيّ حَدِيث الْبَرَاء وَعَنْ اِبْن سِيرِينَ حَدِيث أَنَس فَكَانَ إِذَا حَدَّثَ حَدِيث الْبَرَاء يَقِف عِنْد قَوْله \" وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَد بَعْدك \" وَيُحَدِّث بِقَوْلِ أَنَس \" لَا أَدْرِي أَبَلَغَتْ الرُّخْصَة غَيْره أَمْ لَا \" وَلَعَلَّهُ اِسْتَشْكَلَ الْخُصُوصِيَّة بِذَلِكَ لِمَا جَاءَ مِنْ ثُبُوت ذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي بُرْدَة كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ اِنْكَفَأَ ) ‏ ‏مَهْمُوز أَيْ مَالَ يُقَال كَفَأْت الْإِنَاء إِذَا أَمَلْته , وَالْمُرَاد أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ مَكَان الْخُطْبَة إِلَى مَكَان الذَّبْح. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَامَ النَّاس ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَفِي الرِّوَايَة الْآتِيَة فِي \" بَاب مَنْ ذَبَحَ قَبْل الصَّلَاة أَعَادَ \" فَتَمَسَّكَ بِهِ اِبْن التِّين فِي أَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْل الْإِمَام لَا يُجْزِئهُ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى غَنِيمَة ) ‏ ‏بِغَيْنٍ مُعْجَمَة وَنُون مُصَغَّر ‏ ‏( فَتَوَزَّعُوهَا أَوْ قَالَ فَتَجَزَّعُوهَا ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَالْأَوَّل بِالزَّايِ مِنْ التَّوْزِيع وَهُوَ التَّفْرِقَة أَيْ تَفَرَّقُوهَا , وَالثَّانِي بِالْجِيمِ وَالزَّاي أَيْضًا مِنْ الْجَزْع وَهُوَ الْقَطْع أَيْ اِقْتَسَمُوهَا حِصَصًا , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُمْ اِقْتَسَمُوهَا بَعْد الذَّبْح فَأَخَذَ كُلّ وَاحِد قِطْعَة مِنْ اللَّحْم وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَخْذ حِصَّة مِنْ الْغَنَم , وَالْقِطْعَة تُطْلَق عَلَى الْحِصَّة مِنْ كُلّ شَيْء , فَبِهَذَا التَّقْرِير يَكُون الْمَعْنَى وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ ظَاهِره فِي الْأَصْل الِاخْتِلَاف. ‏"
    },
    {
        "id": "5124",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ قُلْنَا بَلَى قَالَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ قُلْنَا بَلَى قَالَ فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ قُلْنَا بَلَى قَالَ ‏ ‏فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ ‏ ‏عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏إِذَا ذَكَرَهُ قَالَ صَدَقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ مَرَّتَيْنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مُحَمَّد - وَهُوَ اِبْن سِيرِينَ - عَنْ اِبْن أَبِي بَكْرَة وَهُوَ عَبْد الرَّحْمَن وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْعِلْم , وَفِي \" بَاب الْخُطْبَة أَيَّام مِنًى \" مِنْ كِتَاب الْحَجّ شَيْء مِنْهُ , وَكَذَا فِي تَفْسِير بَرَاءَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثَلَاث مُتَوَالِيَات إِلَى قَوْله وَرَجَب مُضَر ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الصَّوَاب وَهُوَ عَدّهَا مِنْ سَنَتَيْنِ , وَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّهَا سَنَة وَاحِدَة فَبَدَأَ بِالْمُحَرَّمِ لَكِنْ الْأَوَّل أَلْيَق بِبَيَانِ الْمُتَوَالِيَة. وَشَذَّ مَنْ أَسْقَطَ رَجَبًا وَأَبْدَلَهُ بِشَوَّالٍ زَاعِمًا أَنَّهُ بِذَلِكَ تَتَوَالَى الْأَشْهُر الْحُرُم وَأَنَّ ذَلِكَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) حَكَاهُ اِبْن التِّين. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَأَحْسَبهُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سِيرِينَ كَأَنَّهُ كَانَ يَشُكّ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة وَقَدْ ثَبَتَتْ فِي رِوَايَة غَيْره. وَكَذَا قَوْله \" فَكَانَ مُحَمَّد إِذَا ذَكَرَهُ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" ذَكَرَ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَكُون أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْض مَنْ سَمِعَهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْوَاوِ أَيْ أَكْثَر وَعْيًا لَهُ وَتَفَهُّمًا فِيهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَالْمُسْتَمْلِي \" أَرْعَى \" بِالرَّاءِ مِنْ الرِّعَايَة وَرَجَّحَهَا بَعْض الشُّرَّاح , وَقَالَ صَاحِب \" الْمَطَالِع \" : هِيَ وَهْم , وَقَوْله \" قَالَ أَلَا هَلْ بَلَّغْت \" الْقَائِل هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بَقِيَّة الْحَدِيث , وَلَكِنْ الرَّاوِي فَصَلَ بَيْن قَوْله \" بَعْض مَنْ سَمِعَهُ \" وَبَيْن قَوْله : \" أَلَا هَلْ بَلَّغْت \" بِكَلَامِ اِبْن سِيرِينَ الْمَذْكُور. ‏"
    },
    {
        "id": "5125",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏يَنْحَرُ فِي الْمَنْحَرِ قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏يَعْنِي مَنْحَرَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5126",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5127",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ وَأَنَا أُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ وَأَنَا أُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ ) ‏ ‏هَكَذَا فِي هَذِهِ الطَّرِيق , وَقَائِل ذَلِكَ هُوَ أَنَس بَيَّنَهُ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَته , وَهَذِهِ الرِّوَايَة مُخْتَصَرَة وَرِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ الْمَذْكُورَة عَقِبهَا مُبَيَّنَة , لَكِنْ فِي هَذِهِ زِيَادَة قَوْل أَنَس أَنَّهُ كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ لِلِاتِّبَاعِ , وَفِيهَا أَيْضًا إِشْعَار بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى ذَلِكَ , فَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ الضَّأْن فِي الْأُضْحِيَّة أَفْضَل. ‏"
    },
    {
        "id": "5128",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ‏ ‏أَمْلَحَيْنِ ‏ ‏فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏وَحَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ ( إِلَى كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ ) ‏ ‏الْأَمْلَح بِالْمُهْمَلَةِ هُوَ الَّذِي فِيهِ سَوَاد وَبَيَاض وَالْبَيَاض أَكْثَر , وَيُقَال هُوَ الْأَغْبَر وَهُوَ قَوْل الْأَصْمَعِيّ , وَزَادَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ الْأَبْيَض الَّذِي فِي خَلَل صُوفه طَبَقَات سُود , وَيُقَال الْأَبْيَض الْخَالِص قَالَهُ اِبْن الْأَعْرَابِيّ , وَبِهِ تَمَسَّكَ الشَّافِعِيَّة فِي تَفْضِيل الْأَبْيَض فِي الْأُضْحِيَّة , وَقِيلَ الَّذِي يَعْلُوهُ حُمُرَة , وَقِيلَ الَّذِي يَنْظُر فِي سَوَاد وَيَمْشِي فِي سَوَاد وَيَأْكُل فِي سَوَاد وَيَبْرَك فِي سَوَاد , أَيْ أَنَّ مَوَاضِع هَذِهِ مِنْهُ سُود وَمَا عَدَا ذَلِكَ أَبْيَض , وَحَكَى ذَلِكَ الْمَاوَرْدِيّ عَنْ عَائِشَة وَهُوَ غَرِيب , وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْحَدِيث الَّذِي جَاءَ عَنْهَا كَذَا لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ وَصْفه بِالْأَمْلَحِ , وَسَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ كَانَ فِي مَرَّة أُخْرَى , وَاخْتُلِفَ فِي اِخْتِيَار هَذِهِ الصِّفَة : فَقِيلَ لِحُسْنِ مَنْظَره , وَقِيلَ لِشَحْمِهِ وَكَثْرَة لَحْمه , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِخْتِيَار الْعَدَد فِي الْأُضْحِيَّة , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيَّة إِنَّ الْأُضْحِيَّة بِسَبْعِ شِيَاه أَفْضَل مِنْ الْبَعِير لِأَنَّ الدَّم الْمُرَاق فِيهَا أَكْثَر وَالثَّوَاب يَزِيد بِحَسْبِهِ , وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّي بِأَكْثَر مِنْ وَاحِد يُعَجِّلهُ وَحَكَى الرُّويَانِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّة اِسْتِحْبَاب التَّفْرِيق عَلَى أَيَّام النَّحْر , قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا أَرْفَق بِالْمَسَاكِينِ لَكِنَّهُ خِلَاف السُّنَّة , كَذَا قَالَ وَالْحَدِيث دَالّ عَلَى اِخْتِيَار التَّثْنِيَة , وَلَا يَلْزَم مِنْهُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّي بِعَدَدٍ فَضَحَّى أَوَّل يَوْم بِاثْنَيْنِ ثُمَّ فَرَّقَ الْبَقِيَّة عَلَى أَيَّام النَّحْر أَنْ يَكُون مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ وَفِيهِ أَنَّ الذَّكَر فِي الْأُضْحِيَّة أَفْضَل مِنْ الْأُنْثَى وَهُوَ قَوْل أَحْمَد , وَعَنْهُ رِوَايَة أَنَّ الْأُنْثَى أَوْلَى , وَحَكَى الرَّافِعِيّ فِيهِ قَوْلَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيّ أَحَدهمَا عَنْ نَصِّهِ فِي الْبُوَيْطِيّ الذَّكَر لِأَنَّ لَحْمه أَطْيَب وَهَذَا هُوَ الْأَصَحّ , وَالثَّانِي أَنَّ الْأُنْثَى أَوْلَى , قَالَ الرَّافِعِيّ وَإِنَّمَا يُذْكَر ذَلِكَ فِي جَزَاء الصَّيْد عِنْد التَّقْوِيم , وَالْأُنْثَى أَكْثَر قِيمَة فَلَا تُفْدَى بِالذَّكَرِ , أَوْ أَرَادَ الْأُنْثَى الَّتِي لَمْ تَلِد. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الْأَصَحّ أَفْضَلِيَّة الذُّكُور عَلَى الْإِنَاث فِي الضَّحَايَا وَقِيلَ هُمَا سَوَاء , وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب التَّضْحِيَة بِالْأَقْرَنِ وَأَنَّهُ أَفْضَل مِنْ الْأَجَمّ مَعَ الِاتِّفَاق عَلَى جَوَاز التَّضْحِيَة بِالْأَجَمِّ وَهُوَ الَّذِي لَا قَرْن لَهُ , وَاخْتَلَفُوا فِي مَكْسُور الْقَرْن. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب مُبَاشَرَة الْمُضَحِّي الذَّبْح بِنَفْسِهِ وَاسْتُدِلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّة اِسْتِحْسَان الْأُضْحِيَّة صِفَة وَلَوْنًا , قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : إِنْ اِجْتَمَعَ حُسْن الْمَنْظَر مَعَ طِيب الْمَخْبَر فِي اللَّحْم فَهُوَ أَفْضَل , وَإِنْ اِنْفَرَدَا فَطِيب الْمَخْبَر أَوْلَى مِنْ حُسْن الْمَنْظَر. وَقَالَ أَكْثَر الشَّافِعِيَّة : أَفْضَلهَا الْبَيْضَاء ثُمَّ الصَّفْرَاء ثُمَّ الْغَبْرَاء ثُمَّ الْبَلْقَاء ثُمَّ السَّوْدَاء. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة فَوَائِد حَدِيث أَنَس بَعْد أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ إِسْمَاعِيل وَحَاتِم بْن وَرْدَان عَنْ أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَنَس ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُمَا خَالَفَا عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ فِي شَيْخ أَيُّوب فَقَالَ هُوَ أَبُو قِلَابَةَ وَقَالَا مُحَمَّد بْن سِيرِينَ , فَأَمَّا حَدِيث إِسْمَاعِيل وَهُوَ اِبْن عُلَيَّة فَقَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّف بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب فِي أَثْنَاء حَدِيث , وَهُوَ مَصِير مِنْهُ إِلَى أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ صَحِيحَانِ , وَهُوَ كَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ سِيَاقهمَا. وَأَمَّا حَدِيث حَاتِم بْن وَرْدَان فَوَصَلَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ وُهَيْب عَنْ أَيُّوب ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَقَدَّمَ الْبَاقُونَ مُتَابَعَة وُهَيْب عَلَى رِوَايَتَيْ إِسْمَاعِيل وَحَاتِم وَهُوَ الصَّوَاب , لِأَنَّ وُهَيْبًا إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مُتَابِعًا لِعَبْدِ الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ , وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه كَذَلِكَ , قَالَ اِبْن التِّين : إِنَّمَا قَالَ أَوَّلًا \" قَالَ إِسْمَاعِيل \" وَثَانِيًا \" تَابَعَهُ وُهَيْب \" لِأَنَّ الْقَوْل يُسْتَعْمَل عَلَى سَبِيل الْمُذَاكَرَة , وَالْمُتَابَعَة تُسْتَعْمَل عِنْد النَّقْل وَالتَّحَمُّل. قُلْت : لَوْ كَانَ هَذَا عَلَى إِطْلَاقه لَمْ يُخَرِّج الْبُخَارِيّ طَرِيق إِسْمَاعِيل فِي الْأُصُول , وَلَمْ يَنْحَصِر التَّعْلِيق الْجَازِم فِي الْمُذَاكَرَة , بَلْ الَّذِي قَالَ إِنَّ الْبُخَارِيّ لَا يَسْتَعْمِل ذَلِكَ إِلَّا فِي الْمُذَاكَرَة لَا مُسْتَنَد لَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5129",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ ضَحَايَا فَبَقِيَ ‏ ‏عَتُودٌ ‏ ‏فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ضَحِّ أَنْتَ بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اللَّيْث عَنْ يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَبِيب , بَيَّنَهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الشَّرِكَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَعْطَاهُ غَنَمًا ) ‏ ‏هُوَ أَعَمُّ مِنْ الضَّأْن وَالْمَعْز. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى صَحَابَته ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الضَّمِير لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِعُقْبَةَ فَعَلَى كُلّ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْغَنَم مِلْكًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ بِقِسْمَتِهَا بَيْنهمْ تَبَرُّعًا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مِنْ الْفَيْء وَإِلَيْهِ جَنَحَ الْقُرْطُبِيّ حَيْثُ قَالَ فِي الْحَدِيث : إِنَّ الْإِمَام يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُفَرِّق الضَّحَايَا عَلَى مَنْ لَمْ يَقْدِر عَلَيْهَا مِنْ بَيْت مَال الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : إِنْ كَانَ قَسَمَهَا بَيْن الْأَغْنِيَاء فَهِيَ مِنْ الْفَيْء وَإِنْ كَانَ خَصَّ بِهَا الْفُقَرَاء فَهِيَ مِنْ الزَّكَاة. وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْبُخَارِيّ فِي الشَّرِكَة \" بَاب قِسْمَة الْغَنَم وَالْعَدْل فِيهَا \" وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ لِعُقْبَةَ مَا يُعْطِيه لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمْ وَهُوَ لَا يُوَكِّل إِلَّا بِالْعَدْلِ , وَإِلَّا لَوْ كَانَ وَكَلَ ذَلِكَ لِرَأْيِهِ لَعَسُرَ عَلَيْهِ , لِأَنَّ الْغَنَم لَا يَتَأَتَّى فِيهَا قِسْمَة الْأَجْزَاء , وَأَمَّا قِسْمَة التَّعْدِيل فَتَحْتَاج إِلَى رَدّ , لِأَنَّ اِسْتِوَاء قِسْمَتهَا عَلَى التَّحْرِير بَعِيد قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى بِهَا عَنْهُمْ , وَوَقَعَتْ الْقِسْمَة فِي اللَّحْم فَتَكُون الْقِسْمَة قِسْمَة الْأَجْزَاء كَمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهه عَنْ اِبْن الْمُنَيِّر قَبْل أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَقِيَ عَتُود ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَضَمَّ الْمُثَنَّاة الْخَفِيفَة , وَهُوَ مِنْ أَوْلَاد الْمَعْز مَا قَوِيَ وَرَعَى وَأَتَى عَلَيْهِ حَوْل , وَالْجَمْع أَعْتِدَة وَعِتْدَان , وَتُدْغَم التَّاء فِي الدَّال فَيُقَال عِدَّان , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : الْعَتُود الْجَذَع مِنْ الْمَعْز اِبْن خَمْسَة أَشْهُر , وَهَذَا يُبَيِّن الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَنْ عُقْبَة كَمَا مَضَى قَرِيبًا \" جَذَعَة \" وَأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ الْمَعْز , وَزَعَمَ اِبْن حَزْم أَنَّ الْعَتُود لَا يُقَال إِلَّا لِلْجَذَعِ مِنْ الْمَعْز , وَتَعَقَّبَهُ بَعْض الشُّرَّاح بِمَا وَقَعَ فِي كَلَام صَاحِب \" الْمُحْكَم \" أَنَّ الْعَتُود الْجَدْي الَّذِي اِسْتَكْرَشَ , وَقِيلَ الَّذِي بَلَغَ السِّفَاد , وَقِيلَ هُوَ الَّذِي أَجْذَعَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ ضَحِّ بِهِ أَنْتَ ) ‏ ‏زَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن بُكَيْر عَنْ اللَّيْث \" وَلَا رُخْصَة فِيهَا لِأَحَدٍ بَعْدك \" وَسَأَذْكُرُ الْبَحْث فِي هَذِهِ الزِّيَادَة فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِجْزَاء الْأُضْحِيَّة بِالشَّاةِ الْوَاحِدَة , وَكَأَنَّ الْمُصَنِّف أَرَادَ بِإِيرَادِ حَدِيث عُقْبَة فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة - وَهِيَ ضَحِيَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ - الِاسْتِدْلَال عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوب بَلْ عَلَى الِاخْتِيَار , فَمَنْ ذَبَحَ وَاحِدَة أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَمَنْ زَادَ فَهُوَ خَيْر , وَالْأَفْضَل الِاتِّبَاع فِي الْأُضْحِيَّة بِكَبْشَيْنِ , وَمَنْ نَظَرَ إِلَى كَثْرَة اللَّحْم قَالَ كَالشَّافِعِيِّ : الْأَفْضَل الْإِبِل ثُمَّ الضَّأْن ثُمَّ الْبَقَر , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَافَقَ الشَّافِعِيّ أَشْهَب مِنْ الْمَالِكِيَّة , وَلَا يُعْدَل بِفِعْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْء , لَكِنْ يُمْكِن التَّمَسُّك بِقَوْلِ اِبْن عُمَر - يَعْنِي الْمَاضِي قَرِيبًا - كَانَ يَذْبَح وَيَنْحَر بِالْمُصَلَّى , أَيْ فَإِنَّهُ يَشْمَل الْإِبِل وَغَيْرهَا , قَالَ : لَكِنَّهُ عُمُوم , وَالتَّمَسُّك بِالصَّرِيحِ أَوْلَى وَهُوَ الْكَبْش. قُلْت : قَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضَحِّي بِالْمَدِينَةِ بِالْجَزُورِ أَحْيَانًا وَبِالْكَبْشِ إِذَا لَمْ يَجِد جَزُورًا \" فَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَكَانَ نَصًّا فِي مَوْضِع النِّزَاع , لَكِنْ فِي سَنَده عَبْد اللَّه بْن نَافِع وَفِيهِ مَقَال , وَسَيَأْتِي حَدِيث عَائِشَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ فِي \" بَاب مَنْ ذَبَحَ ضَحِيَّة غَيْره \" وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيث عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَن يَطَأ فِي سَوَاد وَيَنْظُر فِي سَوَاد وَيَبْرَك فِي سَوَاد , فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ ثُمَّ قَالَ : بِسْمِ اللَّه , اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد وَمِنْ أُمَّة مُحَمَّد , ثُمَّ ضَحَّى \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْلهَا يَطَأ فِي سَوَاد إِلَخْ تُرِيد أَنَّ أَظْلَافه وَمَوَاضِع الْبُرُوك مِنْهُ وَمَا أَحَاطَ بِمَلَاحِظ عَيْنَيْهِ مِنْ وَجْهه أَسْوَد , وَسَائِر بَدَنه أَبْيَض. ‏"
    },
    {
        "id": "5130",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُطَرِّفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ضَحَّى خَالٌ لِي يُقَالُ لَهُ ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏قَبْلَ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عِنْدِي ‏ ‏دَاجِنًا ‏ ‏جَذَعَةً ‏ ‏مِنْ الْمَعَزِ قَالَ اذْبَحْهَا وَلَنْ تَصْلُحَ لِغَيْرِكَ ثُمَّ قَالَ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ ‏ ‏نُسُكُهُ ‏ ‏وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عُبَيْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏وَإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُرَيْثٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏وَدَاوُدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عِنْدِي عَنَاقُ لَبَنٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏زُبَيْدٌ ‏ ‏وَفِرَاسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عِنْدِي ‏ ‏جَذَعَةٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنَاقٌ ‏ ‏جَذَعَةٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنَاقٌ ‏ ‏جَذَعٌ ‏ ‏عَنَاقُ لَبَنٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُطَرِّف ) ‏ ‏هُوَ اِبْن طُرَيْف بِمُهْمَلَةٍ وَزْن عُقَيْل , ‏ ‏وَعَامِر ‏ ‏هُوَ الشَّعْبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( ضَحَّى خَال لِي يُقَال لَهُ أَبُو بُرْدَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة زُبَيْد عَنْ الشَّعْبِيّ فِي أَوَّل الْأَضَاحِيّ \" أَبُو بُرْدَة بْن نِيَار \" وَهُوَ بِكَسْرِ النُّون وَتَخْفِيف الْيَاء الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت وَآخِره رَاء وَاسْمه هَانِئ وَاسْم جَدّه عَمْرو بْن عُبَيْد وَهُوَ بَلَوِيّ مِنْ حُلَفَاء الْأَنْصَار , وَقَدْ قِيلَ إِنَّ اِسْمه الْحَارِث بْن عَمْرو وَقِيلَ مَالِك بْن هُبَيْرَة وَالْأَوَّل هُوَ الْأَصَحّ , وَأَخْرَجَ اِبْن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيق جَابِر الْجُعْفِيِّ عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ الْبَرَاء قَالَ \" كَانَ اِسْم خَالِي قَلِيلًا فَسَمَّاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا , وَقَالَ : يَا كَثِير إِنَّمَا نُسُكنَا بَعْد صَلَاتنَا \" ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث الْبَاب بِطُولِهِ , وَجَابِر ضَعِيف وَأَبُو بُرْدَة مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَة وَبَدْرًا وَالْمَشَاهِد وَعَاشَ إِلَى سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَقِيلَ خَمْس وَأَرْبَعِينَ , وَلَهُ فِي الْبُخَارِيّ حَدِيث سَيَأْتِي فِي الْحُدُود. ‏ ‏قَوْله : ( شَاتك شَاة لَحْم ) ‏ ‏أَيْ لَيْسَتْ أُضْحِيَّة بَلْ هُوَ لَحْم يُنْتَفَع بِهِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة زُبَيْد \" فَإِنَّمَا هُوَ لَحْم يُقَدِّمهُ لِأَهْلِهِ \" وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب الذَّبْح بَعْد الصَّلَاة \" وَفِي رِوَايَة فِرَاس عِنْد مُسْلِم قَالَ \" ذَاكَ شَيْء عَجَّلْته لِأَهْلِك \" وَقَدْ اُسْتُشْكِلَتْ الْإِضَافَة فِي قَوْله شَاة لَحْم , وَذَلِكَ أَنَّ الْإِضَافَة قِسْمَانِ : مَعْنَوِيَّة وَلَفْظِيَّة , فَالْمَعْنَوِيَّة إِمَّا مُقَدَّرَة بِمِنْ كَخَاتَمِ حَدِيد أَوْ بِاللَّامِ كَغُلَامِ زَيْد أَوْ بِفِي كَضَرْبِ الْيَوْم مَعْنَاهُ ضَرَبَ فِي الْيَوْم. وَأَمَّا اللَّفْظِيَّة فَهِيَ صِفَة مُضَافَة إِلَى مَعْمُولهَا كَضَارِبِ زَيْد وَحَسَن الْوَجْه , وَلَا يَصِحّ شَيْء مِنْ الْأَقْسَام الْخَمْسَة فِي شَاة لَحْم , قَالَ الْفَاكِهِيّ : وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ أَبَا بُرْدَة لَمَّا اِعْتَقَدَ أَنَّ شَاته شَاة أُضْحِيَّة أَوْقَع صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَوَاب قَوْله شَاة لَحْم مَوْقِع قَوْله شَاة غَيْر أُضْحِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ عِنْدِي دَاجِنًا ) ‏ ‏الدَّاجِن الَّتِي تَأْلَف الْبُيُوت وَتُسْتَأْنَس وَلَيْسَ لَهَا سِنّ مُعَيَّن , وَلَمَّا صَارَ هَذَا الِاسْم عَلَمًا عَلَى مَا يَأْلَف الْبُيُوت اِضْمَحَلَّ الْوَصْف عَنْهُ فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث. وَالْجَذَعَة تَقَدَّمَ بَيَانهَا , وَقَدْ بَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّهَا مِنْ الْمَعْز , وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه \" فَإِنَّ عِنْدنَا عَنَاقًا \" وَفِي رِوَايَة أُخْرَى \" عَنَاق لَبَن \" وَالْعَنَاق بِفَتْحِ الْعَيْن وَتَخْفِيف النُّون الْأُنْثَى مِنْ وَلَد الْمَعْز عِنْد أَهْل اللُّغَة , وَلَمْ يُصِبْ الدَّاوُدِيّ فِي زَعْمه أَنَّ الْعَنَاق هِيَ الَّتِي اِسْتَحَقَّتْ أَنْ تَحْمِل وَأَنَّهَا تُطْلَق عَلَى الذَّكَر وَالْأُنْثَى وَأَنَّهُ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ \" لَبَن \" أَنَّهَا أُنْثَى , قَالَ اِبْن التِّين : غَلِطَ فِي نَقْل اللُّغَة وَفِي تَأْوِيل الْحَدِيث , فَإِنَّ مَعْنَى \" عَنَاق لَبَن \" أَنَّهَا صَغِيرَة سِنّ تُرْضِع أُمّهَا. وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة \" أَنَّ أَبَا بُرْدَة ذَبَحَ ذَبِيحَته بِسَحَرٍ , فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّمَا الْأُضْحِيَّة مَا ذُبِحَ بَعْد الصَّلَاة , اِذْهَبْ فَضَحِّ , فَقَالَ : مَا عِنْدِيّ إِلَّا جَذَعَة مِنْ الْمَعْز \" الْحَدِيث. قُلْت : وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ عِنْد ذِكْر التَّعَالِيق الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّف عَقِب هَذِهِ الرِّوَايَة , وَزَادَ فِي رِوَايَة أُخْرَى \" هِيَ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ \" وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" مِنْ شَاتَيْ لَحْم \" وَالْمَعْنَى أَنَّهَا أَطْيَب لَحْمًا وَأَنْفَع لِلْآكِلِينَ لِسِمَنِهَا وَنَفَاسَتهَا. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ هَذَا بِمَا ذَكَرَ أَنَّ عِتْق نَفْسَيْنِ أَفْضَل مِنْ عِتْق نَفْس وَاحِدَة وَلَوْ كَانَتْ أَنْفَس مِنْهُمَا , وَأُجِيبَ بِالْفَرْقِ بَيْن الْأُضْحِيَّة وَالْعِتْق أَنَّ الْأُضْحِيَّة يُطْلَب فِيهَا كَثْرَة اللَّحْم فَتَكُون الْوَاحِدَة السَّمِينَة أَوْلَى مِنْ الْهَزِيلَتَيْنِ. وَالْعِتْق يُطْلَب فِيهِ التَّقَرُّب إِلَى اللَّه بِفَكِّ الرَّقَبَة فَيَكُون عِتْق الِاثْنَيْنِ أَوْلَى مِنْ عِتْق الْوَاحِدَة , نَعَمْ إِنْ عَرَضَ لِلْوَاحِدِ وَصْف يَقْتَضِي رِفْعَته عَلَى غَيْره - كَالْعِلْمِ وَأَنْوَاع الْفَضْل الْمُتَعَدِّي - فَقَدْ جَزَمَ بَعْض الْمُحَقِّقِينَ بِأَنَّهُ أَوْلَى لِعُمُومِ نَفْعه لِلْمُسْلِمِينَ. وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى الَّتِي فِي أَوَاخِر الْبَاب وَهِيَ \" خَيْر مِنْ مُسِنَّة \" وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّ الْمُسِنَّة الَّتِي سَقَطَتْ أَسْنَانهَا لِلْبَدَلِ , وَقَالَ أَهْل اللُّغَة الْمُسِنّ الثَّنِيّ الَّذِي يُلْقِي سِنّه , وَيَكُون فِي ذَات الْخُفّ فِي السَّنَة السَّادِسَة وَفِي ذَات الظِّلْف وَالْحَافِر فِي السَّنَة الثَّالِثَة , وَقَالَ اِبْن فَارِس : إِذَا دَخَلَ وَلَد الشَّاة فِي الثَّالِثَة فَهُوَ ثَنِيّ وَمُسِنّ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اِذْبَحْهَا وَلَا تَصْلُح لِغَيْرِك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة فِرَاس الْآتِيَة فِي \" بَاب مَنْ ذَبَحَ قَبْل الْإِمَام \" : \" أَأَذْبَحُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ , ثُمَّ لَا تَجْزِي عَنْ أَحَد بَعْدك \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَلَنْ تَجْزِي إِلَخْ \" وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ الْبَرَاء كَمَا فِي أَوَاخِر هَذَا الْبَاب \" وَلَنْ تَجْزِي عَنْ أَحَد بَعْدك \" وَفِي حَدِيث سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة \" وَلَيْسَتْ فِيهَا رُخْصَة لِأَحَدٍ بَعْدك \" وَقَوْله \" تَجْزِي \" بِفَتْحِ أَوَّله غَيْر مَهْمُوز أَيْ تَقْضِي , يُقَال جَزَا عَنِّي فُلَان كَذَا أَيْ قَضَى , وَمِنْهُ ( لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ) أَيْ لَا تَقْضِي عَنْهَا , قَالَ اِبْن بَرِّيّ : الْفُقَهَاء يَقُولُونَ لَا تُجْزِئ بِالضَّمِّ وَالْهَمْز فِي مَوْضِع لَا تَقْضِي وَالصَّوَاب بِالْفَتْحِ وَتَرْك الْهَمْز , قَالَ : لَكِنْ يَجُوز الضَّمّ وَالْهَمْز بِمَعْنَى الْكِفَايَة , يُقَال أَجْزَأَ عَنْك. وَقَالَ صَاحِب \" الْأَسَاس \" : بَنُو تَمِيم يَقُولُونَ الْبَدَنَة تُجْزِي عَنْ سَبْعَة بِضَمِّ أَوَّله , وَأَهْل الْحِجَاز تَجْزِي بِفَتْحِ أَوَّله , وَبِهِمَا قُرِئَ ( لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا \" وَفِي هَذَا تَعَقُّب عَلَى مَنْ نَقَلَ الِاتِّفَاق عَلَى مَنْع ضَمّ أَوَّله. وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَخْصِيص أَبِي بُرْدَة بِإِجْزَاءِ الْجَذَع مِنْ الْمَعْز فِي الْأُضْحِيَّة , لَكِنْ وَقَعَ فِي عِدَّة أَحَادِيث التَّصْرِيح بِنَظِيرِ ذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي بُرْدَة , فَفِي حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا \" وَلَا رُخْصَة فِيهَا لِأَحَدٍ بَعْدك \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة مَحْفُوظَة كَانَ هَذَا رُخْصَة لِعُقْبَةَ كَمَا رَخَّصَ لِأَبِي بُرْدَة. قُلْت : وَفِي هَذَا الْجَمْع نَظَر , لِأَنَّ فِي كُلّ مِنْهُمَا صِيغَة عُمُوم , فَأَيّهمَا تَقَدَّمَ عَلَى الْآخَر اِقْتَضَى اِنْتِفَاء الْوُقُوع لِلثَّانِي , وَأَقْرَب مَا يُقَال فِيهِ : إِنَّ ذَلِكَ صَدَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي وَقْت وَاحِد , أَوْ تَكُون خُصُوصِيَّة الْأَوَّل نُسِخَتْ بِثُبُوتِ الْخُصُوصِيَّة لِلثَّانِي , وَلَا مَانِع مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي السِّيَاق اِسْتِمْرَار الْمَنْع لِغَيْرِهِ صَرِيحًا , وَقَدْ اِنْفَصَلَ اِبْن التِّين - وَتَبِعَهُ الْقُرْطُبِيّ - عَنْ هَذَا الْإِشْكَال بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْعَتُود كَانَ كَبِير السِّنّ بِحَيْثُ يَجْزِي , لَكِنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بِنَاء عَلَى أَنَّ الزِّيَادَة الَّتِي فِي آخِره لَمْ تَقَع لَهُ , وَلَا يَتِمّ مُرَاده مَعَ وُجُودهَا مَعَ مُصَادَمَته لِقَوْلِ أَهْل اللُّغَة فِي الْعَتُود , وَتَمَسَّكَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ بِكَلَامِ اِبْن التِّين فَضَعَّفَ الزِّيَادَة , وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ , فَإِنَّهَا خَارِجَة مِنْ مَخْرَج الصَّحِيح , فَإِنَّهَا عِنْد الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه الْبُوشَنْجِيّ أَحَد الْأَئِمَّة الْكِبَار فِي الْحِفْظ وَالْفِقْه وَسَائِر فُنُون الْعِلْم , رَوَاهَا عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر عَنْ اللَّيْث بِالسَّنَدِ الَّذِي سَاقَهُ الْبُخَارِيّ , وَلَكِنِّي رَأَيْت الْحَدِيث فِي \" الْمُتَّفَق لِلْجَوْزَقِيّ \" مِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن عَبْد الْوَاحِد وَمِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن مِلْحَان كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر وَلَيْسَتْ الزِّيَادَة فِيهِ , فَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي قَوْل الْبَيْهَقِيِّ إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة , فَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى التَّفَرُّد خَشِيَ أَنْ يَكُون دَخَلَ عَلَى رَاوِيهَا حَدِيث فِي حَدِيث , وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَام بَعْضهمْ أَنَّ الَّذِينَ ثَبَتَتْ لَهُمْ الرُّخْصَة أَرْبَعَة أَوْ خَمْسَة , وَاسْتَشْكَلَ الْجَمْع وَلَيْسَ بِمُشْكِلٍ , فَإِنَّ الْأَحَادِيث الَّتِي وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ لَيْسَ فِيهَا التَّصْرِيح بِالنَّفْيِ إِلَّا فِي قِصَّة أَبِي بُرْدَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي قِصَّة عُقْبَة بْن عَامِر فِي الْبَيْهَقِيِّ , وَأَمَّا عَدَا ذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَد وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث زَيْد بْن خَالِد \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ عَتُودًا جَذَعًا فَقَالَ ضَحِّ بِهِ , فَقُلْت إِنَّهُ جَذَع أَفَأُضَحِّي بِهِ ؟ قَالَ نَعَمْ ضَحِّ بِهِ , فَضَحَّيْت بِهِ \" لَفْظ أَحْمَد , وَفِي صَحِيح اِبْن حِبَّان وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عَبَّاد بْن تَمِيم \" عَنْ عُوَيْمِر بْن أَشْقَر أَنَّهُ ذَبَحَ أُضْحِيَّته قَبْل أَنْ يَغْدُو يَوْم الْأَضْحَى , فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِيد أُضْحِيَّة أُخْرَى \" وَفِي الطَّبَرَانِيّ الْأَوْسَط مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص جَذَعًا مِنْ الْمَعْز فَأَمَرَهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِهِ \" وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَائِشَة وَفِي سَنَده ضَعْف , وَلِأَبِي يَعْلَى وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه هَذَا جَذَع مِنْ الضَّأْن مَهْزُول وَهَذَا جَذَع مِنْ الْمَعْز سَمِين وَهُوَ خَيْرهمَا أَفَأُضَحِّي بِهِ ؟ قَالَ : ضَحِّ بِهِ فَإِنَّ لِلَّهِ الْخَيْر \" وَفِي سَنَده ضَعْف وَالْحَقّ أَنَّهُ لَا مُنَافَاة بَيْن هَذِهِ الْأَحَادِيث وَبَيْن حَدِيثَيْ أَبِي بُرْدَة وَعُقْبَة , لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي اِبْتِدَاء الْأَمْر ثُمَّ قَرَّرَ الشَّرْع بِأَنَّ الْجَذَع مِنْ الْمَعْز لَا يَجْزِي , وَاخْتَصَّ أَبُو بُرْدَة وَعُقْبَة بِالرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ , وَإِنَّمَا قُلْت ذَلِكَ لِأَنَّ بَعْض النَّاس زَعَمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ شَارَكُوا عُقْبَة وَأَبَا بُرْدَة فِي ذَلِكَ , وَالْمُشَارَكَة إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي مُطْلَق الْإِجْزَاء لَا فِي خُصُوص مَنْع الْغَيْر , وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ فِيهِمْ عُوَيْمِر بْن أَشْقَر وَلَيْسَ فِي حَدِيثه إِلَّا مُطْلَق الْإِعَادَة لِكَوْنِهِ ذَبَحَ قَبْل الصَّلَاة , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي زَيْد الْأَنْصَارِيّ \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَار : اِذْبَحْهَا وَلَنْ تَجْزِي جَذَعَة عَنْ أَحَد بَعْدك \" فَهَذَا يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ أَبُو بُرْدَة بْن نِيَار فَإِنَّهُ مِنْ الْأَنْصَار , وَكَذَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ \" أَنَّ رَجُلًا ذَبَحَ قَبْل الصَّلَاة فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَجْزِي عَنْك , قَالَ إِنَّ عِنْدِي جَذَعَة , فَقَالَ : تَجْزِي عَنْك وَلَا تَجْزِي بَعْد \" فَلَمْ يَثْبُت الْإِجْزَاء لِأَحَدٍ وَنَفْيه عَنْ الْغَيْر إِلَّا لِأَبِي بُرْدَة وَعُقْبَة , وَإِنْ تَعَذَّرَ الْجَمْع الَّذِي قَدَّمْته فَحَدِيث أَبِي بُرْدَة أَصَحّ مَخْرَجًا وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ الْفَاكِهِيّ : يَنْبَغِي النَّظَر فِي اِخْتِصَاص أَبِي بُرْدَة بِهَذَا الْحُكْم وَكَشْف السِّرّ فِيهِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَاوَرْدِيّ قَالَ : إِنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل اِسْتِقْرَار الشَّرْع فَاسْتُثْنِيَ , وَالثَّانِي أَنَّهُ عُلِمَ مِنْ طَاعَته وَخُلُوص نِيَّته مَا مَيَّزَهُ عَمَّنْ سِوَاهُ. قُلْت : وَفِي الْأَوَّل نَظَر , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ سَابِقًا لَامْتَنَعَ وُقُوع ذَلِكَ لِغَيْرِهِ بَعْد التَّصْرِيح بِعَدَمِ الْإِجْزَاء لِغَيْرِهِ , وَالْفَرْض ثُبُوت الْإِجْزَاء لِعَدَدٍ غَيْره كَمَا تَقَدَّمَ. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الْجَذَع مِنْ الْمَعْز لَا يَجْزِي وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَعَنْ عَطَاء وَصَاحِبه الْأَوْزَاعِيِّ يَجُوز مُطْلَقًا , وَهُوَ وَجْه لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّة حَكَاهُ الرَّافِعِيّ , وَقَالَ النَّوَوِيّ : وَهُوَ شَاذّ أَوْ غَلَط , وَأَغْرَبَ عِيَاض فَحَكَى الْإِجْمَاع عَلَى عَدَم الْإِجْزَاء , قِيلَ وَالْإِجْزَاء مُصَادِر لِلنَّصِّ وَلَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَائِله قَيَّدَ ذَلِكَ بِمَنْ لَمْ يَجِد غَيْره , وَيَكُون مَعْنَى نَفْي الْإِجْزَاء عَنْ غَيْر مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى مَنْ وَجَدَ , وَأَمَّا الْجَذَع مِنْ الضَّأْن فَقَالَ التِّرْمِذِيّ : إِنَّ الْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أَهْل الْعِلْم مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرهمْ , لَكِنْ حَكَى غَيْره عَنْ اِبْن عُمَر وَالزُّهْرِيّ أَنَّ الْجَذَع لَا يَجْزِي مُطْلَقًا سَوَاء كَانَ مِنْ الضَّأْن أَمْ مِنْ غَيْره , وَمِمَّنْ حَكَاهُ عَنْ اِبْن عُمَر اِبْن الْمُنْذِر فِي \" الْأَشْرَاف \" وَبِهِ قَالَ اِبْن حَزْم وَعَزَاهُ لِجَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَف وَأَطْنَبَ فِي الرَّدّ عَلَى مِنْ أَجَازَهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ أَيْضًا مُقَيَّدًا بِمَنْ لَمْ يَجِد , وَقَدْ صَحَّ فِيهِ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ \" لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّة إِلَّا أَنْ يَعْسُر عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَة مِنْ الضَّأْن \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرهمْ لَكِنْ نَقَلَ النَّوَوِيّ عَنْ الْجُمْهُور أَنَّهُمْ حَمَلُوهُ عَلَى الْأَفْضَل , وَالتَّقْدِير يُسْتَحَبّ لَكُمْ أَنْ لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّة , فَإِنْ عَجَزْتُمْ فَاذْبَحُوا جَذَعَة مِنْ الضَّأْن. قَالَ : وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِمَنْعِ الْجَذَعَة مِنْ الضَّأْن وَأَنَّهَا لَا تَجْزِي , قَالَ : وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّ الْحَدِيث لَيْسَ عَلَى ظَاهِره , لِأَنَّ الْجُمْهُور يُجَوِّزُونَ الْجَذَع مِنْ الضَّأْن مَعَ وُجُود غَيْره وَعَدَمه , وَابْن عُمَر وَالزُّهْرِيّ يَمْنَعَانِهِ مَعَ وُجُود غَيْره وَعَدَمه , فَتَعَيَّنَ تَأْوِيله. قُلْت : وَيَدُلّ لِلْجُمْهُورِ الْأَحَادِيث الْمَاضِيَة قَرِيبًا , وَكَذَا حَدِيث أُمّ هِلَال بِنْت هِلَال عَنْ أَبِيهَا رَفَعَهُ \" يَجُوز الْجَذَع مِنْ الضَّأْن أُضْحِيَّة \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ , وَحَدِيث رَجُل مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ يُقَال لَهُ مُجَاشِع \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْجَذَع يُوَفِّي مَا يُوَفِّي مِنْهُ الثَّنِيّ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْه آخَر , لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابِيّ , بَلْ وَقَعَ عِنْده أَنَّهُ رَجُل مِنْ مُزَيْنَة , وَحَدِيث مُعَاذ بْن عَبْد اللَّه بْن حَبِيب عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر \" ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَذَعٍ مِنْ الضَّأْن \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيّ , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" نِعْمَتْ الْأُضْحِيَّة الْجَذَعَة مِنْ الضَّأْن \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَفِي سَنَده ضَعْف. وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِإِجْزَاءِ الْجَذَع مِنْ الضَّأْن - وَهُمْ الْجُمْهُور - فِي سِنّه عَلَى آرَاء : أَحَدهَا أَنَّهُ مَا أَكْمَلَ سَنَة وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَة وَهُوَ الْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة وَهُوَ الْأَشْهَر عِنْد أَهْل اللُّغَة , ثَانِيهَا نِصْف قَوْل الْحَنَفِيَّة وَالْحَنَابِلَة , ثَالِثهَا سَبْعَة أَشْهُر وَحَكَاهُ صَاحِب \" الْهِدَايَة \" مِنْ الْحَنَفِيَّة عَنْ الزَّعْفَرَانِيّ , رَابِعهَا سِتَّة أَوْ سَبْعَة حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ وَكِيع , خَامِسهَا التَّفْرِقَة بَيْن مَا تَوَلَّدَ بَيْن شَابَّيْنِ فَيَكُون لَهُ نِصْف سَنَة أَوْ بَيْن هَرَمَيْنِ فَيَكُون اِبْن ثَمَانِيَة , سَادِسهَا اِبْن عَشْر , سَابِعهَا لَا يَجْزِي حَتَّى يَكُون عَظِيمًا حَكَاهُ اِبْن الْعَرَبِيّ وَقَالَ : إِنَّهُ مَذْهَب بَاطِل , كَذَا قَالَ , وَقَدْ قَالَ صَاحِب \" الْهِدَايَة \" إِنَّهُ إِذَا كَانَتْ عَظِيمَة بِحَيْثُ لَوْ اِخْتَلَطَتْ بِالثَّنِيَّاتِ اِشْتَبَهَتْ عَلَى النَّاظِر مِنْ بَعِيدٍ أَجْزَأَتْ , وَقَالَ الْعَبَّادِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّة : لَوْ أَجْذَعَ قَبْل السَّنَة أَيْ سَقَطَتْ أَسْنَانه أَجْزَأَ كَمَا لَوْ تَمَّتْ السَّنَة قَبْل أَنْ يُجْذِع وَيَكُون ذَلِكَ كَالْبُلُوغِ إِمَّا بِالسِّنِّ وَإمَّا بِالِاحْتِلَامِ , وَهَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيُّ : الْجَذَع مَا اِسْتَكْمَلَ السَّنَة أَوْ جُذِعَ قَبْلهَا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ مَنْ ذَبَحَ قَبْل الصَّلَاة ) ‏ ‏أَيْ صَلَاة الْعِيد ‏ ‏( فَإِنَّمَا يَذْبَح لِنَفْسِهِ ) ‏ ‏أَيْ وَلَيْسَ أُضْحِيَّة ‏ ‏( وَمَنْ ذَبَحَ بَعْد الصَّلَاة فَقَدْ تَمَّ نُسُكه ) ‏ ‏أَيْ عِبَادَته ‏ ‏( وَأَصَابَ سُنَّة الْمُسْلِمِينَ ) ‏ ‏أَيْ طَرِيقَتهمْ. هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ هَذَا الْكَلَام وَقَعَ بَعْد قِصَّة أَبِي بُرْدَة بْن نِيَار , وَاَلَّذِي فِي مُعْظَم الرِّوَايَات كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ رِوَايَة زُبَيْد عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّ هَذَا الْكَلَام مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَعَ فِي الْخُطْبَة بَعْد الصَّلَاة وَأَنَّ خِطَاب أَبِي بُرْدَة بِمَا وَقَعَ لَهُ كَانَ قَبْل ذَلِكَ وَهُوَ الْمُعْتَمَد وَلَفْظه \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب فَقَالَ : إِنَّ أَوَّل مَا نَبْدَأ بِهِ مِنْ يَوْمنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّي ثُمَّ نَرْجِع فَنَنْحَر فَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتنَا , فَقَالَ أَبُو بُرْدَة : يَا رَسُول اللَّه ذَبَحْت قَبْل أَنْ أُصَلِّي \" وَتَقَدَّمَ فِي الْعِيدَيْنِ مِنْ طَرِيق مَنْصُور عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ الْبَرَاء قَالَ \" خَطَبَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْأَضْحَى بَعْد الصَّلَاة فَقَالَ : مَنْ صَلَّى صَلَاتنَا وَنَسَكَ نُسُكنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُك , وَمَنْ نَسَكَ قَبْل الصَّلَاة فَإِنَّهُ لَا نُسُك لَهُ ؟ فَقَالَ أَبُو بُرْدَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي بَيَان الْحُكْم فِي هَذَا قَرِيبًا فِي \" بَاب مَنْ ذَبَحَ قَبْل الصَّلَاة أَعَادَ \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوب الْأُضْحِيَّة عَلَى مَنْ اِلْتَزَمَ الْأُضْحِيَّة فَأَفْسَدَ مَا يُضَحِّي بِهِ , وَرَدَّهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَتَعَرَّضَ إِلَى قِيمَة الْأُولَى لِيَلْزَم بِمِثْلِهَا , فَلَمَّا لَمْ يَعْتَبِر ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْر بِالْإِعَادَةِ كَانَ عَلَى جِهَة النَّدْب , وَفِيهِ بَيَان مَا يَجْرِي فِي الْأُضْحِيَّة لَا عَلَى وُجُوب الْإِعَادَة. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْجِع فِي الْأَحْكَام إِنَّمَا هُوَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّهُ قَدْ يَخُصّ بَعْض أُمَّته بِحُكْمٍ وَيَمْنَع غَيْره مِنْهُ وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْر , وَأَنَّ خِطَابه لِلْوَاحِدِ يَعُمّ جَمِيع الْمُكَلَّفِينَ حَتَّى يَظْهَر دَلِيل الْخُصُوصِيَّة , لِأَنَّ السِّيَاق يُشْعِر بِأَنَّ قَوْله لِأَبِي بُرْدَة ضَحِّ بِهِ أَيْ بِالْجَذَعِ , وَلَوْ كَانَ يُفْهَم مِنْهُ تَخْصِيصه بِذَلِكَ لَمَا اِحْتَاجَ إِلَى أَنْ يَقُول لَهُ \" وَلَنْ تَجْزِي عَنْ أَحَد بَعْدك \". وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون فَائِدَة ذَلِكَ قَطْع إِلْحَاق غَيْره بِهِ فِي الْحُكْم الْمَذْكُور لَا أَنَّ ذَلِكَ مَأْخُوذ مِنْ مُجَرَّد اللَّفْظ وَهُوَ قَوِيّ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" اِذْبَحْ مَكَانهَا أُخْرَى \" وَفِي لَفْظ \" أَعِدْ نُسُكًا \" وَفِي لَفْظ \" ضَحِّ بِهَا \" وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظ الْمُصَرِّحَة بِالْأَمْرِ بِالْأُضْحِيَّةِ عَلَى وُجُوب الْأُضْحِيَّة , قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : وَلَا حُجَّة فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا الْمَقْصُود بَيَان كَيْفِيَّة مَشْرُوعِيَّة الْأُضْحِيَّة لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلهَا أَوْ مَنْ أَوْقَعَهَا عَلَى غَيْر الْوَجْه الْمَشْرُوع خَطَأ أَوْ جَهْلًا , فَبَيَّنَ لَهُ وَجْه تَدَارُك مَا فَرَّطَ مِنْهُ , وَهَذَا مَعْنَى قَوْله \" لَا تَجْزِي عَنْ أَحَد بَعْدك \" أَيْ لَا يَحْصُل لَهُ مَقْصُود الْقُرْبَة وَلَا الثَّوَاب , كَمَا يُقَال فِي صَلَاة النَّفْل : لَا تَجْزِي إِلَّا بِطَهَارَةٍ وَسَتْر عَوْرَة , قَالَ : وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْضهمْ لِلْوُجُوبِ بِأَنَّ الْأُضْحِيَّة مِنْ شَرِيعَة إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَقَدْ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِ , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّا نَقُول بِمُوجَبِهِ , وَيَلْزَمهُمْ الدَّلِيل عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ فِي شَرِيعَة إِبْرَاهِيم وَاجِبَة وَلَا سَبِيل إِلَى عِلْم ذَلِكَ , وَلَا دَلَالَة فِي قِصَّة الذَّبِيح لِلْخُصُوصِيَّةِ الَّتِي فِيهَا , وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَام يُعَلِّم النَّاس فِي خُطْبَة الْعِيد أَحْكَام النَّحْر. وَفِيهِ جَوَاز الِاكْتِفَاء فِي الْأُضْحِيَّة بِالشَّاةِ الْوَاحِدَة عَنْ الرَّجُل وَعَنْ أَهْل بَيْته , وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ قَبْل , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة وَالثَّوْرِيّ : يُكْرَه , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا يَجُوز أَنْ يُضَحَّى بِشَاةٍ وَاحِدَة عَنْ اِثْنَيْنِ , وَادَّعَى نَسْخ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث عَائِشَة الْآتِي فِي \" بَاب مَنْ ذَبَحَ ضَحِيَّة غَيْره \" , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخ لَا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ , قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : وَفِيهِ أَنَّ الْعَمَل وَإِنْ وَافَقَ نِيَّة حَسَنَة لَمْ يَصِحّ إِلَّا إِذَا وَقَعَ عَلَى وَفْق الشَّرْع. وَفِيهِ جَوَاز أَكْل اللَّحْم يَوْم الْعِيد مِنْ غَيْر لَحْم الْأُضْحِيَّة لِقَوْلِهِ \" إِنَّمَا هُوَ لَحْم قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ \". وَفِيهِ كَرْم الرَّبّ سُبْحَانه وَتَعَالَى لِكَوْنِهِ شَرَعَ لِعَبِيدِهِ الْأُضْحِيَّة مَعَ مَا لَهُمْ فِيهَا مِنْ الشَّهْوَة بِالْأَكْلِ وَالِادِّخَار وَمَعَ ذَلِكَ فَأَثْبَتَ لَهُمْ الْأَجْر فِي الذَّبْح , ثُمَّ مَنْ تَصَدَّقَ أُثِيبَ وَإِلَّا لَمْ يَأْثَم. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عُبَيْدَة عَنْ الشَّعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم , وَتَابَعَهُ وَكِيع عَنْ حُرَيْث عَنْ الشَّعْبِيّ ) ‏ ‏قُلْت : أَمَّا عُبَيْدَة فَهُوَ بِصِيغَةِ التَّصْغِير وَهُوَ اِبْن مُعَتِّب بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُثَنَّاة وَكَسْرهَا بَعْدهَا مُوَحَّدَة الضَّبِّيّ , وَرِوَايَته عَنْ الشَّعْبِيّ يَعْنِي عَنْ الْبَرَاء بِهَذِهِ الْقِصَّة , وَأَمَّا قَوْله \" وَإِبْرَاهِيم \" فَيَعْنِي النَّخَعِيَّ , وَهُوَ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم مُنْقَطِع , وَلَيْسَ لِعُبَيْدَة فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع الْوَاحِد , وَأَمَّا مُتَابَعَة حُرَيْث وَهُوَ بِصِيغَةِ التَّصْغِير وَهُوَ اِبْن أَبِي مَطَر وَاسْمه عَمْرو الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيّ وَمَا لَهُ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو الشَّيْخ فِي كِتَاب الْأَضَاحِيّ مِنْ طَرِيق سَهْل بْن عُثْمَان الْعَسْكَرِيّ عَنْ وَكِيع عَنْ حُرَيْث عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ الْبَرَاء \" أَنَّ خَاله سَأَلَ \" فَذَكَر الْحَدِيث وَفِيهِ \" عِنْدِي جَذَعَة مِنْ الْمَعْز أَوْفَى مِنْهَا \" وَفِي هَذَا تَعَقُّب عَلَى الدَّارَقُطْنِيّ فِي \" الْأَفْرَاد \" حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى تَفَرَّدَ بِهَذَا عَنْ حُرَيْث وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقه بِلَفْظِ \" قَالَ : فَعِنْدِي جَذَعَة مَعْز سَمِينَة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَاصِم وَدَاوُد عَنْ الشَّعْبِيّ عِنْدِي عَنَاق لَبَن ) ‏ ‏أَمَّا عَاصِم فَهُوَ اِبْن سُلَيْمَان الْأَحْوَل , وَقَدْ وَصَلَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد عَنْهُ عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ الْبَرَاء بِلَفْظِ \" خَطَبَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْم نَحْر فَقَالَ : لَا يُضَحِّيَنَّ أَحَد حَتَّى يُصَلِّي. فَقَالَ رَجُل : عِنْدِي عَنَاق لَبَن - وَقَالَ فِي آخِره - وَلَا تَجْزِي جَذَعَة عَنْ أَحَد بَعْدك \". وَأَمَّا دَاوُدُ فَهُوَ اِبْن أَبِي هِنْد فَوَصَلَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق هُشَيْم عَنْهُ عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ الْبَرَاء بِلَفْظِ \" إِنَّ خَاله أَبَا بُرْدَة بْن نِيَار ذَبَحَ قَبْل أَنْ يَذْبَح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدِيث وَفِيهِ - لِأُطْعِم أَهْلِي وَجِيرَانِي وَأَهْل دَارِي , فَقَالَ : أَعِدْ نُسُكًا. فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي عَنَاق لَبَن هِيَ خَيْر مِنْ شَاتَيْ لَحْم , قَالَ : هِيَ خَيْر نَسِيكَتَيْك , وَلَا تَجْزِي جَذَعَة عَنْ أَحَد بَعْدك \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ زُبَيْد وَفِرَاس عَنْ الشَّعْبِيّ : عِنْدِي جَذَعَة ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة زُبَيْد وَهُوَ بِالزَّايِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَة مُصَغَّر فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي أَوَّل الْأَضَاحِيّ كَذَلِكَ , وَأَمَّا رِوَايَة فِرَاس وَهُوَ بِكَسْرِ الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وَآخِره مُهْمَلَة اِبْن يَحْيَى فَوَصَلَهَا أَيْضًا الْمُؤَلِّف فِي \" بَاب مَنْ ذَبَحَ قَبْل الصَّلَاة أَعَادَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو الْأَحْوَص حَدَّثَنَا مَنْصُور عَنَاق جَذَعَة ) ‏ ‏هُوَ بِالتَّنْوِينِ فِيهِمَا , وَرِوَايَة مَنْصُور هَذِهِ وَهُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف مِنْ الْوَجْه الْمَذْكُور عَنْهُ عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ الْبَرَاء فِي الْعِيدَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن عَوْن ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه ‏ ‏( عَنَاق جَذَع , عَنَاق لَبَن ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ فِي رِوَايَته عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ الْبَرَاء بِاللَّفْظَيْنِ جَمِيعًا لَفْظ عَاصِم وَمَنْ تَابَعَهُ وَلَفْظ مَنْصُور وَمَنْ تَابَعَهُ , وَقَدْ وَصَلَ الْمُؤَلِّف رِوَايَة اِبْن عَوْن فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور مِنْ طَرِيق مُعَاذ عَنْ اِبْن عَوْن بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور. ‏"
    },
    {
        "id": "5131",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذَبَحَ ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏قَبْلَ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبْدِلْهَا قَالَ لَيْسَ عِنْدِي إِلَّا ‏ ‏جَذَعَةٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏وَأَحْسِبُهُ قَالَ هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ ‏ ‏قَالَ اجْعَلْهَا مَكَانَهَا وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ عَنَاقٌ ‏ ‏جَذَعَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَلَمَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن كُهَيْل وَصَرَّحَ أَحْمَد بِهِ فِي رِوَايَته عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَأَبُو جُحَيْفَةَ هُوَ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور. ‏ ‏قَوْله : ( ذَبَحَ أَبُو بُرْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن نِيَار الْمَاضِي ذِكْره. ‏ ‏قَوْله : ( أَبْدَلَهَا ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ وَفَتْح أَوَّله , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي قَوْله \" اِذْبَحْ مَكَانهَا أُخْرَى \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ شُعْبَة وَأَحْسَبهُ قَالَ هِيَ خَيْر مِنْ مُسِنَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَامِر الْعَقَدِيّ عَنْ شُعْبَة عِنْد مُسْلِم \" هِيَ خَيْر مِنْ مُسِنَّة \" وَلَمْ يَشُكّ. ‏ ‏قَوْله : ( اِجْعَلْهَا مَكَانهَا ) ‏ ‏أَيْ اِذْبَحْهَا. وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا الْأَمْر مَنْ اِدَّعَى وُجُوب الْأُضْحِيَّة , وَلَا دَلَالَة فِيهِ , لِأَنَّهُ وَلَوْ كَانَ ظَاهِر الْأَمْر الْوُجُوب إِلَّا أَنَّ قَرِينَة إِفْسَاد الْأُولَى تَقْتَضِي أَنْ يَكُون الْأَمْر بِالْإِعَادَةِ لِتَحْصِيلِ الْمَقْصُود , وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُون فِي الْأَصْل وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْأَمْر بِالْإِعَادَةِ لِلْوُجُوبِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْأَمْر بِالْإِعَادَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ التَّضْحِيَة قَبْل الصَّلَاة لَا تَقَع أُضْحِيَّة , فَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ لِيَكُونَ فِي عِدَاد مَنْ ضَحَّى , فَلَمَّا اِحْتَمَلَ ذَلِكَ وَجَدْنَا الدَّلَالَة عَلَى عَدَم الْوُجُوب فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة الْمَرْفُوع \" إِذَا دَخَلَ الْعَشْر فَأَرَادَ أَحَدكُمْ أَنْ يُضَحِّي \" قَالَ : فَلَوْ كَانَتْ الْأُضْحِيَّة وَاجِبَة لَمْ يَكِلْ ذَلِكَ إِلَى الْإِرَادَة , وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ بِأَنَّ التَّعْلِيق عَلَى الْإِرَادَة لَا يَمْنَع الْقَوْل بِالْوُجُوبِ , فَهُوَ كَمَا قِيلَ : مَنْ أَرَادَ الْحَجّ فَلْيُكْثِر مِنْ الزَّاد , فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْحَجّ لَا يَجِب , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن ذَلِكَ لَا يَدُلّ عَلَى عَدَم الْوُجُوب ثُبُوت الْوُجُوب بِمُجَرَّدِ الْأَمْر بِالْإِعَادَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اِحْتِمَال إِرَادَة الْكَمَال وَهُوَ الظَّاهِر وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ حَاتِم بْن وَرْدَان إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ذِكْر مَنْ وَصَلَهُ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِم لَفْظه , لَكِنَّهُ قَالَ \" بِمِثْلِ حَدِيثهمَا \" يَعْنِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ أَيُّوب وَرِوَايَة هِشَام عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5132",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ضَحَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِكَبْشَيْنِ ‏ ‏أَمْلَحَيْنِ ‏ ‏فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى ‏ ‏صِفَاحِهِمَا ‏ ‏يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ضَحَّى ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة شُعْبَة بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمَاضِي وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة الْآتِيَة قَرِيبًا عَنْ قَتَادَة , وَفِي رِوَايَة هَمَّام الْآتِيَة قَرِيبًا أَيْضًا عَنْ قَتَادَة \" كَانَ يُضَحِّي \" وَهُوَ أَظْهَرُ فِي الْمُدَاوَمَة عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة وَفِي رِوَايَة هَمَّام كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَة \" أَقْرَنَيْنِ \" وَسَيَأْتِيَانِ قَرِيبًا , وَتَقَدَّمَ مِثْله فِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ قَبْل بَاب. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَأَيْته وَاضِعًا قَدَمه عَلَى صِفَاحهمَا ) ‏ ‏أَيْ عَلَى صِفَاح كُلّ مِنْهُمَا عِنْد ذَبْحه , وَالصِّفَاح بِكَسْرِ الصَّاد الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْفَاء وَآخِره حَاء مُهْمَلَة الْجَوَانِب , وَالْمُرَاد الْجَانِب الْوَاحِد مِنْ وَجْه الْأُضْحِيَّة , وَإِنَّمَا ثَنَّى إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ فِعْل فِي كُلّ مِنْهُمَا , فَهُوَ مِنْ إِضَافَة الْجَمْع إِلَى الْمُثَنَّى بِإِرَادَةِ التَّوْزِيع. ‏ ‏قَوْله : ( يُسَمِّي وَيُكَبِّر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة \" وَسَمَّى وَكَبَّرَ \" وَالْأَوَّل أَظْهَر فِي وُقُوع ذَلِكَ عِنْد الذَّبْح. وَفِي الْحَدِيث غَيْر مَا تَقَدَّمَ مَشْرُوعِيَّة التَّسْمِيَة عِنْد الذَّبْح , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الذَّبَائِح بَيَان مَنْ اِشْتَرَطَهَا فِي صِفَة الذَّبْح , وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب التَّكْبِير مَعَ التَّسْمِيَة وَاسْتِحْبَاب وَضْع الرِّجْل عَلَى صَفْحَة عُنُق الْأُضْحِيَّة الْأَيْمَن , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ إِضْجَاعهَا يَكُون عَلَى الْجَانِب الْأَيْسَر فَيَضَع رِجْله عَلَى الْجَانِب الْأَيْمَن لِيَكُونَ أَسْهَلَ عَلَى الذَّابِح فِي أَخْذ السِّكِّين بِالْيَمِينِ وَإِمْسَاك رَأْسهَا بِيَدِهِ الْيَسَار. ‏"
    },
    {
        "id": "5133",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِسَرِفَ ‏ ‏وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ ‏ ‏مَا لَكِ أَنَفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏اقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة لَمَّا حَاضَتْ بِسَرِفَ وَفِيهِ \" هَذَا أَمْر كَتَبَهُ اللَّه عَلَى بَنَات آدَم - وَفِي آخِره - وَضَحَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث جَابِر \" نَحَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِسَائِهِ بَقَرَة فِي حَجَّة الْوَدَاع \". ‏"
    },
    {
        "id": "5134",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏زُبَيْدٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الشَّعْبِيَّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا وَمَنْ نَحَرَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ يُقَدِّمُهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنْ ‏ ‏النُّسُكِ ‏ ‏فِي شَيْءٍ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ وَعِنْدِي ‏ ‏جَذَعَةٌ ‏ ‏خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ فَقَالَ اجْعَلْهَا مَكَانَهَا وَلَنْ تَجْزِيَ أَوْ تُوفِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏\" وَلَنْ تَجْزِي أَوْ تُوُفِّيَ \" ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَمَعْنَى تُوُفِّيَ أَيْ تُكْمِل الثَّوَاب وَعِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن الْبَرَاء عَنْ أَبِيهِ \" وَلَنْ تَفِي \" بِغَيْرِ وَاو وَلَا شَكٍّ , يُقَال وَفَّى إِذَا أَنْجَزَ فَهُوَ بِمَعْنَى تَجْزِي بِفَتْحِ أَوَّله. ‏"
    },
    {
        "id": "5135",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ فَقَالَ رَجُلٌ هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ وَذَكَرَ هَنَةً مِنْ جِيرَانِهِ فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَذَرَهُ وَعِنْدِي ‏ ‏جَذَعَةٌ ‏ ‏خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْنِ فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَا أَدْرِي بَلَغَتْ الرُّخْصَةُ أَمْ لَا ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ ‏ ‏يَعْنِي فَذَبَحَهُمَا ثُمَّ انْكَفَأَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَذَبَحُوهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِيهِ : ( وَذَكَرَ هَنَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَاء وَالنُّون الْخَفِيفَة بَعْدهَا هَاءُ تَأْنِيث أَيْ حَاجَة مِنْ جِيرَانه إِلَى اللَّحْم. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَذَرَهُ ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ الذَّال الْمُعْجَمَة مِنْ الْعُذْر أَيْ قَبِلَ عُذْره , وَلَكِنْ لَمْ يَجْعَل مَا فَعَلَهُ كَافِيًا وَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَات إِذَا وَقَعَتْ عَلَى خِلَاف مُقْتَضَى الْأَمْر لَمْ يُعْذَر بِالْجَهْلِ , وَالْفَرْق بَيْن الْمَأْمُورَات وَالْمَنْهِيَّات أَنَّ الْمَقْصُود مِنْ الْمَأْمُورَات إِقَامَة مَصَالِحهَا , وَذَلِكَ لَا يَحْصُل إِلَّا بِالْفِعْلِ. وَالْمَقْصُود مِنْ الْمَنْهِيَّات الْكَفّ عَنْهَا بِسَبَبِ مَفَاسِدهَا , وَمَعَ الْجَهْل وَالنِّسْيَان لَمْ يَقْصِد الْمُكَلَّف فِعْلهَا فَيُعْذَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَعِنْدِي جَذَعَة ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى كَلَام الرَّجُل الَّذِي كَنَّى عَنْهُ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ \" وَذَكَرَ هَنَة مِنْ جِيرَانه \" تَقْدِيره هَذَا يَوْم يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْم وَلِجِيرَانِي حَاجَة فَذَبَحْت قَبْل الصَّلَاة , وَعِنْدِي جَذَعَة. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه قَبْل ثَلَاثَة أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "5136",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جُنْدَبَ بْنَ سُفْيَانَ الْبَجَلِيَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهِدْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جُنْدُب بْن سُفْيَان أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَتَقَدَّمَ فِي الذَّبَائِح مِنْ طَرِيق أَبِي عَوَانَة عَنْ الْأَسْوَد بْن قَيْس أَتَمُّ مِنْهُ وَأَوَّله \" ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَضْحَاة , فَإِذَا نَاس ذَبَحُوا ضَحَايَاهُمْ قَبْل الصَّلَاة \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ لَمْ يَذْبَح فَلْيَذْبَحْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة \" وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَح حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ عَلَى اِسْم اللَّه \" وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" فَلْيَذْبَحْ بِسْمِ اللَّه \" أَيْ فَلْيَذْبَحْ قَائِلًا بِسْمِ اللَّه أَوْ مُسَمِّيًا , وَالْمَجْرُور مُتَعَلِّق بِمَحْذُوفٍ , وَهُوَ حَال مِنْ الضَّمِير فِي قَوْله \" فَلْيَذْبَحْ \" وَهَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الْحَدِيث وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيّ , وَيُؤَيِّدهُ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث أَنَس \" وَسَمَّى وَكَبَّرَ \" وَقَالَ عِيَاض : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ فَلْيَذْبَحْ لِلَّهِ , وَالْبَاء تَجِيء بِمَعْنَى اللَّام , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ بِتَسْمِيَةِ اللَّه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ مُتَبَرِّكًا بِاسْمِهِ كَمَا يُقَال سِرْ عَلَى بَرَكَة اللَّه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ فَلْيَذْبَحْ بِسُنَّةِ اللَّه. قَالَ : وَأَمَّا كَرَاهَة بَعْضهمْ اِفْعَلْ كَذَا عَلَى اِسْم اللَّه لِأَنَّهُ اِسْمه عَلَى كُلّ شَيْء فَضَعِيف. قُلْت : وَيَحْتَمِل وَجْهًا خَامِسًا أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله \" بِسْمِ اللَّه \" مُطْلَق الْإِذْن فِي الذَّبِيحَة حِينَئِذٍ , لِأَنَّ السِّيَاق يَقْتَضِي الْمَنْع قَبْل ذَلِكَ وَالْإِذْن بَعْد ذَلِكَ , كَمَا يُقَال لِلْمُسْتَأْذِنِ بِسْمِ اللَّه أَيْ اُدْخُلْ , وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهَذَا الْأَمْر فِي قَوْله \" فَلْيَذْبَحْ مَكَانهَا أُخْرَى \" مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْأُضْحِيَّة , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : صِيغَة \" مَنْ \" فِي قَوْله \" مَنْ ذَبَحَ \" صِيغَة عُمُوم فِي حَقِّ كُلّ مَنْ ذَبَحَ قَبْل أَنْ يُصَلِّي , وَقَدْ جَاءَتْ لِتَأْسِيسِ قَاعِدَة , وَتَنْزِيل صِيغَة الْعُمُوم إِذَا وَرَدَتْ لِذَلِكَ عَلَى الصُّورَة النَّادِرَة يُسْتَنْكَر , فَإِذَا بَعُدَ تَخْصِيصه بِمَنْ نَذَرَ أُضْحِيَّة مُعَيَّنَة بَقِيَ التَّرَدُّد هَلْ الْأَوْلَى حَمْله عَلَى مَنْ سَبَقَتْ لَهُ أُضْحِيَّة مُعَيَّنَة أَوْ حَمْله عَلَى اِبْتِدَاء أُضْحِيَّة مِنْ غَيْر سَبْق تَعْيِين ؟ فَعَلَى الْأَوْلَى يَكُون حُجَّة لِمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ عَلَى مَنْ اِشْتَرَى الْأُضْحِيَّة كَالْمَالِكِيَّةِ , فَإِنَّ الْأُضْحِيَّة عِنْدهمْ تَجِب بِالْتِزَامِ اللِّسَان وَبِنِيَّةِ الشِّرَاء وَبِنِيَّةِ الذَّبْح , وَعَلَى الثَّانِي يَكُون لَا حُجَّة لِمَنْ أَوْجَبَ الضَّحِيَّة مُطْلَقًا , لَكِنْ حَصَلَ الِانْفِصَال مِمَّنْ لَمْ يَقُلْ بِالْوُجُوبِ بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّة عَلَى عَدَم الْوُجُوب فَيَكُون الْأَمْر لِلنَّدَبِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ اِشْتَرَطَ تَقَدُّم الذَّبْح مِنْ الْإِمَام بَعْد صَلَاته وَخُطْبَته , لِأَنَّ قَوْله \" مَنْ ذَبَحَ قَبْل أَنْ يُصَلِّي فَلْيَذْبَحْ مَكَانهَا أُخْرَى \" إِنَّمَا صَدَرَ مِنْهُ بَعْد صَلَاته وَخُطْبَته وَذَبْحه فَكَأَنَّهُ قَالَ : مَنْ ذَبَحَ قَبْل فِعْل هَذِهِ الْأُمُور فَلْيُعِدْ , أَيْ فَلَا يُعْتَدّ بِمَا ذَبَحَهُ. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَهَذَا اِسْتِدْلَال غَيْر مُسْتَقِيم , لِمُخَالَفَتِهِ التَّقْيِيد بِلَفْظِ الصَّلَاة وَالتَّعْقِيب بِالْفَاءِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5137",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فِرَاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا فَلَا يَذْبَحْ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَقَامَ ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَعَلْتُ فَقَالَ هُوَ شَيْءٌ عَجَّلْتَهُ قَالَ فَإِنَّ عِنْدِي ‏ ‏جَذَعَةً ‏ ‏هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّتَيْنِ ‏ ‏آذْبَحُهَا قَالَ نَعَمْ ثُمَّ لَا تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ قَالَ ‏ ‏عَامِرٌ ‏ ‏هِيَ خَيْرُ ‏ ‏نَسِيكَتَيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء , أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق فِرَاس بْن يَحْيَى عَنْ الشَّعْبِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ صَلَّى صَلَاتنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتنَا ) ‏ ‏الْمُرَاد مَنْ كَانَ عَلَى دِين الْإِسْلَام. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا يَذْبَح ) ‏ ‏أَيْ الْأُضْحِيَّة ‏ ‏( حَتَّى يَنْصَرِف ) ‏ ‏تَمَسَّكَ بِهِ الشَّافِعِيَّة فِي أَنَّ أَوَّل وَقْت الْأُضْحِيَّة قَدْر فَرَاغ الصَّلَاة وَالْخُطْبَة , وَإِنَّمَا شَرَطُوا فَرَاغ الْخَطِيب لِأَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ مَقْصُودَتَانِ مَعَ الصَّلَاة فِي هَذِهِ الْعِبَادَة , فَيُعْتَبَر مِقْدَار الصَّلَاة وَالْخُطْبَتَيْنِ عَلَى أَخَفّ مَا يَجْزِي بَعْد طُلُوع الشَّمْس , فَإِذَا ذَبَحَ بَعْد ذَلِكَ أَجْزَأَهُ الذَّبْح عَنْ الْأُضْحِيَّة , سَوَاء صَلَّى الْعِيد أَمْ لَا , وَسَوَاء ذَبَحَ الْإِمَام أُضْحِيَّته أَمْ لَا , وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَهْل الْمِصْر وَالْحَاضِر وَالْبَادِي وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيّ : لَا تَجُوز أُضْحِيَّة قَبْل أَنْ يَذْبَح الْإِمَام , وَهُوَ مَعْرُوف عَنْ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيِّ لَا الشَّافِعِيّ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَوَاهِر الْأَحَادِيث تَدُلّ عَلَى تَعْلِيق الذَّبْح بِالصَّلَاةِ , لَكِنْ لَمَّا رَأَى الشَّافِعِيّ أَنَّ مَنْ لَا صَلَاة عِيد عَلَيْهِ مُخَاطَب بِالتَّضْحِيَةِ حَمَلَ الصَّلَاة عَلَى وَقْتهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَاللَّيْث : لَا ذَبْح قَبْل الصَّلَاة , وَيَجُوز بَعْدهَا وَلَوْ لَمْ يَذْبَح الْإِمَام , وَهُوَ خَالِص بِأَهْلِ الْمِصْر , فَأَمَّا أَهْل الْقُرَى وَالْبَوَادِي فَيَدْخُل وَقْت الْأُضْحِيَّة فِي حَقّهمْ إِذَا طَلَعَ الْفَجْر الثَّانِي. وَقَالَ مَالِك : يَذْبَحُونَ إِذَا نَحَرَ أَقْرَب أَئِمَّة الْقُرَى إِلَيْهِمْ , فَإِنْ نَحَرُوا قَبْل أَجْزَأَهُمْ. وَقَالَ عَطَاء وَرَبِيعَة : يَذْبَح أَهْل الْقُرَى بَعْد طُلُوع الشَّمْس. وَقَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق : إِذَا فَرَغَ الْإِمَام مِنْ الصَّلَاة جَازَتْ الْأُضْحِيَّة , وَهُوَ وَجْه لِلشَّافِعِيَّةِ قَوِيّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيل وَإِنْ ضَعَّفَهُ بَعْضهمْ , وَمِثْله قَوْل الثَّوْرِيّ : يَجُوز بَعْد صَلَاة الْإِمَام قَبْل خُطْبَته وَفِي أَثْنَائِهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله \" حَتَّى يَنْصَرِف \" أَيْ مِنْ الصَّلَاة , كَمَا فِي الرِّوَايَات الْأُخَر. وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن الْبَرَاء عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ \" إِنَّمَا الذَّبْح بَعْد الصَّلَاة \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث جُنْدُب عِنْد مُسْلِم \" مَنْ ذَبَحَ قَبْل أَنْ يُصَلِّي فَلْيَذْبَح مَكَانهَا أُخْرَى \" قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : هَذَا اللَّفْظ أَظْهَر فِي اِعْتِبَار فِعْل الصَّلَاة مِنْ حَدِيث الْبَرَاء , أَيْ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ \" مَنْ ذَبَحَ قَبْل الصَّلَاة \" قَالَ : لَكِنْ إِنْ أَجْرَيْنَاهُ عَلَى ظَاهِره اِقْتَضَى أَنْ لَا تُجْزِئ الْأُضْحِيَّة فِي حَقّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الْعِيد , فَإِنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحَد فَهُوَ أَسْعَد النَّاس بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث , وَإِلَّا وَجَبَ الْخُرُوج عَنْ الظَّاهِر فِي هَذِهِ الصُّورَة وَيَبْقَى مَا عَدَاهَا فِي مَحِلّ الْبَحْث. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي صَحِيح مُسْلِم فِي رِوَايَة أُخْرَى \" قَبْل أَنْ يُصَلِّي أَوْ نُصَلِّي \" بِالشَّكِّ قَالَ النَّوَوِيّ : الْأُولَى بِالْيَاءِ وَالثَّانِيَة بِالنُّونِ , وَهُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , فَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَ بِلَفْظِ \" يُصَلِّي \" سَاوَى لَفْظ حَدِيث الْبَرَاء فِي تَعْلِيق الْحُكْم بِفِعْلِ الصَّلَاة. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الْبُخَارِيّ فِي حَدِيث جُنْدُب فِي الذَّبَائِح بِمِثْلِ لَفْظ الْبَرَاء , وَهُوَ خِلَاف مَا يُوهِمهُ سِيَاق صَاحِب الْعُمْدَة , فَإِنَّهُ سَاقَهُ عَلَى لَفْظ مُسْلِم , وَهُوَ ظَاهِر فِي اِعْتِبَار فِعْل الصَّلَاة , فَإِنَّ إِطْلَاق لَفْظ الصَّلَاة وَإِرَادَة وَقْتهَا خِلَاف الظَّاهِر , وَأَظْهَر مِنْ ذَلِكَ قَوْله \" قَبْل أَنْ نُصَلِّي \" بِالنُّونِ , وَكَذَا قَوْله \" قَبْل أَنْ نَنْصَرِف \" سَوَاء قُلْنَا مِنْ الصَّلَاة أَمْ مِنْ الْخُطْبَة. وَادَّعَى بَعْض الشَّافِعِيَّة أَنَّ مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مَنْ ذَبَحَ قَبْل أَنْ يُصَلِّي فَلْيَذْبَحْ مَكَانهَا أُخْرَى \" أَيْ بَعْد أَنْ يَتَوَجَّه مِنْ مَكَان هَذَا الْقَوْل , لِأَنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ مَنْ حَضَرَهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ : مَنْ ذَبَحَ قَبْل فِعْل هَذَا مِنْ الصَّلَاة وَالْخُطْبَة فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى , أَيْ لَا يَعْتَدّ بِمَا ذَبَحَهُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَأَوْرَدَ الطَّحَاوِيُّ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر بِلَفْظِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى يَوْم النَّحْر بِالْمَدِينَةِ , فَتَقَدَّمَ رِجَال فَنَحَرُوا وَظَنُّوا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَحَرَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُعِيدُوا \" قَالَ وَرَوَاهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر بِلَفْظِ \" أَنَّ رَجُلًا ذَبَحَ قَبْل أَنْ يُصَلِّي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَهَى أَنْ يَذْبَح أَحَد قَبْل الصَّلَاة \" وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان. وَيَشْهَد لِذَلِكَ قَوْله فِي حَدِيث الْبَرَاء \" إِنَّ أَوَّل مَا نَصْنَع أَنْ نَبْدَأ بِالصَّلَاةِ , ثُمَّ نَرْجِع فَنَنْحَر \" فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ وَقْت الذَّبْح يَدْخُل بَعْد فِعْل الصَّلَاة , وَلَا يُشْتَرَط التَّأْخِير إِلَى نَحْر الْإِمَام. وَيُؤَيِّدهُ - مِنْ طَرِيق النَّظَر - أَنَّ الْإِمَام لَوْ لَمْ يَنْحَر لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْقِطًا عَنْ النَّاس مَشْرُوعِيَّة النَّحْر , وَلَوْ أَنَّ الْإِمَام نَحَرَ قَبْل أَنْ يُصَلِّي لَمْ يُجْزِئهُ نَحْره , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ وَالنَّاس فِي وَقْت الْأُضْحِيَّة سَوَاء. وَقَالَ الْمُهَلَّب : إِنَّمَا كُرِهَ الذَّبْح قَبْل الْإِمَام لِئَلَّا يَشْتَغِل النَّاس بِالذَّبْحِ عَنْ الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَامَ أَبُو بُرْدَة بْن نِيَار فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه فَعَلْت ) ‏ ‏أَيْ ذَبَحْت قَبْل الصَّلَاة. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" نَسَكْت عَنْ اِبْن لِي \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهه. ‏ ‏قَوْله : ( هِيَ خَيْر مِنْ مُسِنَّتَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا بِالتَّثْنِيَةِ , وَهِيَ مُبَالَغَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة غَيْره \" مِنْ مُسِنَّة \" بِالْإِفْرَادِ وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَامِر هِيَ خَيْر نَسِيكَتَيْهِ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالتَّثْنِيَةِ , وَفِيهِ ضَمّ الْحَقِيقَة إِلَى الْمَجَاز بِلَفْظٍ وَاحِد , فَإِنَّ النَّسِيكَة , هِيَ الَّتِي أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَهِيَ الثَّانِيَة , وَالْأُولَى لَمْ تُجْزِ عَنْهُ , لَكِنْ أَطْلَقَ عَلَيْهَا نَسِيكَة لِأَنَّهُ نَحَرَهَا عَلَى أَنَّهَا نَسِيكَة أَوْ نَحَرَهَا فِي وَقْت النَّسِيكَة , وَإِنَّمَا كَانَتْ خَيْرهمَا لِأَنَّهَا أَجْزَأَتْ عَنْ الْأُضْحِيَّة بِخِلَافِ الْأُولَى , وَفِي الْأُولَى خَيْر فِي الْجُمْلَة بِاعْتِبَارِ الْقَصْد الْجَمِيل , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" قَالَ ضَحِّ بِهَا فَإِنَّهَا خَيْر نَسِيكَة \" وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الشَّيْخ أَبِي الْحَسَن يَعْنِي اِبْن الْقَصَّار أَنَّهُ اِسْتَدَلَّ بِتَسْمِيَتِهَا نَسِيكَة عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز بَيْعهَا وَلَوْ ذُبِحَتْ قَبْل الصَّلَاة , وَلَا يَخْفَى وَجْه الضَّعْف عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5138",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ ‏ ‏أَمْلَحَيْنِ ‏ ‏أَقْرَنَيْنِ وَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى ‏ ‏صَفْحَتِهِمَا ‏ ‏وَيَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5139",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ضَحَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِكَبْشَيْنِ ‏ ‏أَمْلَحَيْنِ ‏ ‏أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى ‏ ‏صِفَاحِهِمَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5140",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏أَنَّهُ أَتَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَقَالَ لَهَا ‏ ‏يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ إِلَى ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏وَيَجْلِسُ فِي الْمِصْرِ فَيُوصِي أَنْ تُقَلَّدَ بَدَنَتُهُ فَلَا يَزَالُ مِنْ ذَلِكِ الْيَوْمِ مُحْرِمًا حَتَّى يَحِلَّ النَّاسُ قَالَ فَسَمِعْتُ تَصْفِيقَهَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ فَقَالَتْ ‏ ‏لَقَدْ كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَبْعَثُ هَدْيَهُ إِلَى ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِمَّا حَلَّ لِلرِّجَالِ مِنْ أَهْلِهِ حَتَّى يَرْجِعَ النَّاسُ ‏",
        "sharh": "أَحْمَد بْن مُحَمَّد شَيْخه هُوَ الْمَرْوَزِيُّ , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" إِنَّ رَجُلًا يَبْعَث بِالْهَدْيِ \" ‏ ‏هُوَ زِيَاد بْن أَبِي سُفْيَان , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْله عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره. ‏ ‏وَقَوْله : \" فَسَمِعْت تَصْفِيقهَا مِنْ وَرَاء الْحِجَاب \" ‏ ‏أَيْ ضَرَبَتْ إِحْدَى يَدَيْهَا عَلَى الْأُخْرَى تَعَجُّبًا أَوْ تَأَسُّفًا عَلَى وُقُوع ذَلِكَ. وَاسْتَدَلَّ الدَّاوُدِيّ بِقَوْلِهَا \" هَدْيه \" عَلَى أَنَّ الْحَدِيث الَّذِي رَوَتْهُ مَيْمُونَة مَرْفُوعًا \" إِذَا دَخَلَ عَشْر ذِي الْحِجَّة فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّي فَلَا يَأْخُذ مِنْ شَعْره وَلَا مِنْ أَظْفَاره \" يَكُون مَنْسُوخًا بِحَدِيثِ عَائِشَة أَوْ نَاسِخًا. وَقَالَ اِبْن التِّين : وَلَا يُحْتَاج إِلَى ذَلِكَ , لِأَنَّ عَائِشَة إِنَّمَا أَنْكَرَتْ أَنْ يَصِير مَنْ يَبْعَث هَدْيه مُحْرِمًا بِمُجَرَّدِ بَعْثِهِ , وَلَمْ تَتَعَرَّض عَلَى مَا يُسْتَحَبّ فِي الْعَشْر خَاصَّة مِنْ اِجْتِنَاب إِزَالَة الشَّعْر وَالظُّفْر. ثُمَّ قَالَ : لَكِنْ عُمُوم الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى مَا قَالَ الدَّاوُدِيّ , وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيّ عَلَى إِبَاحَة ذَلِكَ فِي عَشْر ذِي الْحِجَّة. قَالَ : وَالْحَدِيث الْمَذْكُور أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ. قُلْت : هُوَ مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة لَا مِنْ حَدِيث مَيْمُونَة , فَوَهِمَ الدَّاوُدِيّ فِي النَّقْل وَفِي الِاحْتِجَاج أَيْضًا , فَإِنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ دَلَالَته عَلَى عَدَم اِشْتِرَاط مَا يَجْتَنِبهُ الْمُحْرِم عَلَى الْمُضَحِّي أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبّ فِعْل مَا وَرَدَ بِهِ الْخَبَر الْمَذْكُور لِغَيْرِ الْمُحْرِم , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5141",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَقَالَ غَيْرَ مَرَّةٍ لُحُومَ الْهَدْيِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِرٍ. ‏ ‏قَوْله : ( لُحُوم الْأَضَاحِيّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي قَوْله \" إِلَى الْمَدِينَة \" فِي بَاب مَا كَانَ السَّلَف يَدَّخِرُونَ مِنْ كِتَابِ الْأَطْعِمَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ غَيْر مَرَّة لُحُوم الْهَدْي ) ‏ ‏فَاعِل \" قَالَ \" هُوَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ , وَقَائِل ذَلِكَ الرَّاوِي عَنْهُ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ بَيَّنَ أَنَّ سُفْيَان كَانَ تَارَة يَقُول لُحُوم الْأَضَاحِيّ وَمِرَارًا يَقُول لُحُوم الْهَدْي , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ هُنَا \" وَقَالَ غَيْره \" وَهُوَ تَصْحِيف. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَاب الْمَذْكُور مِنْ رِوَايَة أُخْرَى عَنْ سُفْيَان \" لُحُوم الْهَدْي \". ‏"
    },
    {
        "id": "5142",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ خَبَّابٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ غَائِبًا فَقَدِمَ فَقُدِّمَ إِلَيْهِ لَحْمٌ قَالُوا هَذَا مِنْ لَحْمِ ضَحَايَانَا فَقَالَ ‏ ‏أَخِّرُوهُ لَا أَذُوقُهُ قَالَ ثُمَّ قُمْتُ فَخَرَجْتُ حَتَّى آتِيَ ‏ ‏أَخِي ‏ ‏أَبَا قَتَادَةَ ‏ ‏وَكَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ وَكَانَ بَدْرِيًّا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ بَعْدَكَ أَمْرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , ‏ ‏وَسُلَيْمَان ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال , ‏ ‏وَيَحْيَى بْن سَعِيد ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ , ‏ ‏وَالْقَاسِم ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , ‏ ‏وَابْن خَبَّاب ‏ ‏بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَة اِسْمه عَبْد اللَّه , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَفِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق : يَحْيَى وَالْقَاسِم وَشَيْخه , وَفِيهِ صَحَابِيَّانِ : أَبُو سَعِيد وَقَتَادَة بْن النُّعْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَدِمَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ السَّفَر ‏ ‏( فَقُدِّمَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَاف وَتَشْدِيد الدَّال الْمَكْسُورَة أَيْ وُضِعَ بَيْن يَدَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَخِّرُوهُ ) ‏ ‏فِعْل أَمْر مِنْ التَّأْخِير ‏ ‏( لَا أَذُوقهُ ) ‏ ‏أَيْ لَا آكُل مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ ثُمَّ قُمْت فَخَرَجْت ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة بَدْر مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظِ \" أَنَّ أَبَا سَعِيد قَدِمَ مِنْ سَفَر فَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَهْله لَحْمًا مِنْ لُحُوم الْأَضَاحِيّ , فَقَالَ : مَا أَنَا بِآكِلِهِ حَتَّى أَسْأَل \". ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجْت حَتَّى آتِي أَخِي أَبَا قَتَادَة , وَكَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَوَافَقَهُ الْأَصِيلِيّ وَالْقَابِسِيّ فِي رِوَايَتهمَا عَنْ أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي أَحْمَد الْجُرْجَانِيّ , وَهُوَ وَهْم , وَقَالَ الْبَاقُونَ \" حَتَّى آتِي أَخِي قَتَادَة \" وَهُوَ الصَّوَاب , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة اللَّيْث \" فَانْطَلَقَ إِلَى أَخِيهِ لِأُمِّهِ قَتَادَة بْن النُّعْمَان \" وَزَعَمَ بَعْض مَنْ لَمْ يُمْعِن النَّظَر فِي ذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي كُلّ النُّسَخ أَبَا قَتَادَة وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ , وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى اِخْتِلَاف الرُّوَاة فِي ذَلِكَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ فِي تَقْيِيده وَتَبِعَهُ عِيَاض وَآخَرُونَ , وَأُمّ أَبِي سَعِيد وَقَتَادَة الْمَذْكُور أُنَيْسَة بِنْت أَبِي خَارِجَة عَمْرو بْن قَيْس بْن مَالِك مِنْ بَنِي عَدِيّ بْن النَّجَّار , ذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن سَعْد ‏ ‏قَوْله : ( حَدَثَ بَعْدك أَمْر ) ‏ ‏زَادَ اللَّيْث \" نَقْض لِمَا كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنْهُ مِنْ أَكْل لُحُوم الْأَضَاحِيّ بَعْد ثَلَاثَة أَيَّام \" , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِسْحَاق قَالَ \" حَدَّثَنِي أَبِي وَمُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن حُسَيْن عَنْ عَبْد اللَّه بْن خَبَّاب \" مُطَوَّلًا وَلَفْظه عَنْ أَبِي سَعِيد \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَأْكُل لُحُوم نُسُكنَا فَوْق ثَلَاث , قَالَ فَخَرَجْت فِي سَفَر ثُمَّ قَدِمْت عَلَى أَهْلِي - وَذَلِكَ بَعْد الْأَضَاحِيّ بِأَيَّامٍ - فَأَتَتْنِي صَاحِبَتِي بِسِلْقٍ قَدْ جَعَلَتْ فِيهِ قَدِيدًا فَقَالَتْ : هَذَا مِنْ ضَحَايَانَا , فَقُلْت لَهَا : أَوَلَمْ يَنْهَنَا ؟ فَقَالَتْ : إِنَّهُ رَخَّصَ لِلنَّاسِ بَعْد ذَلِكَ , فَلَمْ أُصَدِّقهَا حَتَّى بَعَثْت إِلَى أَخِي قَتَادَة بْن النُّعْمَان - فَذَكَرَهُ وَفِيهِ - قَدْ أَرْخَصَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ \". وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق زَيْنَب بِنْت كَعْب عَنْ أَبِي سَعِيد فَقَلْب الْمَتْن جَعَلَ رَاوِي الْحَدِيث أَبَا سَعِيد وَالْمُمْتَنِع مِنْ الْأَكْل قَتَادَة بْن النُّعْمَان , وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَصَحُّ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر فَجَعَلَ الْقِصَّة لِأَبِي قَتَادَة وَأَنَّهُ سَأَلَ قَتَادَة بْن النُّعْمَان عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا , وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي حَجَّة الْوَدَاع فَقَالَ \" إِنِّي كُنْت أَمَرْتُكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا الْأَضَاحِيّ فَوْق ثَلَاثَة أَيَّام لِتِسْعِكُمْ وَإِنِّي أُحِلّهُ لَكُمْ فَكُلُوا مِنْهُ مَا شِئْتُمْ \" الْحَدِيث. فَبَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيث وَقْت الْإِحْلَال , وَأَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاع , وَكَأَنَّ أَبَا سَعِيد مَا سَمِعَ ذَلِكَ. وَبَيَّنَ فِيهِ أَيْضًا السَّبَب فِي التَّقْيِيد وَأَنَّهُ لِتَحْصِيلِ التَّوْسِعَة بِلُحُومِ الْأَضَاحِيّ لِمَنْ لَمْ يُضَحِّي. ‏"
    },
    {
        "id": "5143",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ الْمَاضِي قَالَ كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَلَمَة بْنِ الْأَكْوَع وَهُوَ مِنْ ثُلَاثِيَّاته. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا كَانَ الْعَام الْمُقْبِل قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه نَفْعَل كَمَا فَعَلْنَا فِي الْعَام الْمَاضِي ) ‏ ‏؟ يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ النَّهْي كَانَ سَنَة تِسْع لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الَّذِي قَبْله أَنَّ الْإِذْن كَانَ فِي سَنَة عَشْر , قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : وَجْه قَوْلهمْ هَلْ نَفْعَل كَمَا كُنَّا نَفْعَل ؟ مَعَ أَنَّ النَّهْي يَقْتَضِي الِاسْتِمْرَار , لِأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ ذَلِكَ النَّهْي وَرَدَ عَلَى سَبَب خَاصّ , فَلَمَّا اِحْتَمَلَ عِنْدهمْ عُمُوم النَّهْي أَوْ خُصُوصه مِنْ أَجْل السَّبَب سَأَلُوا , فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ خَاصّ بِذَلِكَ الْعَامّ مِنْ أَجْل السَّبَب الْمَذْكُور , ‏ ‏وَقَوْله \" كُلُوا وَأَطْعِمُوا \" ‏ ‏تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْأَكْل مِنْ الْأُضْحِيَّة , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ أَمْر بَعْد حَظْر فَيَكُون لِلْإِبَاحَةِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَامّ إِذَا وَرَدَ عَلَى سَبَب خَاصّ ضَعُفَتْ دَلَالَة الْعُمُوم حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَى أَصَالَته , لَكِنْ لَا يُقْتَصَر فِيهِ عَلَى السَّبَب. ‏ ‏قَوْله : ( وَادَّخِرُوا ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ , وَأَصْله مِنْ ذَخَرَ بِالْمُعْجَمَةِ دَخَلْت عَلَيْهَا تَاء الِافْتِعَال ثُمَّ أُدْغِمَتْ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّة ) وَيُؤْخَذ مِنْ الْإِذْن فِي الِادِّخَار الْجَوَاز خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ , وَقَدْ وَرَدَ فِي الِادِّخَار \" كَانَ يَدَّخِر لِأَهْلِهِ قُوت سَنَة \" وَفِي رِوَايَة \" كَانَ لَا يَدَّخِر لِغَدٍ \" وَالْأَوَّل فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالثَّانِي فِي مُسْلِم , وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّهُ كَانَ لَا يَدَّخِر لِنَفْسِهِ وَيَدَّخِر لِعِيَالِهِ , أَوْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِاخْتِلَافِ الْحَال فَيَتْرُكهُ عِنْد حَاجَة النَّاس إِلَيْهِ وَيَفْعَلهُ عِنْد عَدَمِ الْحَاجَة. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ بِالنَّاسِ جَهْد ) ‏ ‏بِالْفَتْحِ أَيْ مَشَقَّة مِنْ جَهْد قَحْط السَّنَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَرَدْت أَنْ تُعِينُوا فِيهَا ) ‏ ‏كَذَا هُنَا مِنْ الْإِعَانَة , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن الْمَثْنَى عَنْ أَبِي عَاصِم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" فَأَرَدْت أَنْ تَفْشُوَا فِيهِمْ \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ أَبِي يَعْلَى عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي عَاصِم \" فَأَرَدْت أَنْ تَقْسِمُوا فِيهِمْ كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا \" قَالَ عِيَاض : الضَّمِير فِي تُعِينُوا فِيهَا لِلْمَشَقَّةِ الْمَفْهُومَة مِنْ الْجَهْد أَوْ مِنْ الشِّدَّة أَوْ مِنْ السَّنَة لِأَنَّهَا سَبَب الْجَهْد , وَفِي \" تَفْشُوَا فِيهِمْ \" أَيْ فِي النَّاس الْمُحْتَاجِينَ إِلَيْهَا , قَالَ فِي الْمَشَارِق : وَرِوَايَة الْبُخَارِيّ أَوْجَه , وَقَالَ فِي شَرْح مُسْلِم : وَرِوَايَة مُسْلِم أَشْبَه. قُلْت قَدْ عَرَفْت أَنَّ مَخْرَج الْحَدِيث وَاحِد وَمَدَاره عَلَى أَبِي عَاصِم وَأَنَّهُ تَارَة قَالَ هَذَا وَتَارَة قَالَ هَذَا , وَالْمَعْنَى فِي كُلّ صَحِيح فَلَا وَجْه لِلتَّرْجِيحِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5144",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏الضَّحِيَّةُ كُنَّا نُمَلِّحُ مِنْهُ فَنَقْدَمُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَا تَأْكُلُوا إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس الَّذِي رَوَى عَنْهُ حَدِيث أَبِي سَعِيد وَقَوْله \" حَدَّثَنِي أَخِي \" هُوَ أَبُو بَكْر عَبْد الْحَمِيد , ‏ ‏وَسُلَيْمَان ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال , ‏ ‏وَيَحْيَى بْن سَعِيد ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ. فَإِسْمَاعِيل فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد يَرْوِي عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَفِي حَدِيث عَائِشَة هَذَا يَرْوِي عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ , وَقَدْ تَكَرَّرَ لَهُ هَذَا فِي عِدَّة أَحَادِيث , وَذَلِكَ يُرْشِد إِلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يُدَلِّس. ‏ ‏قَوْله : ( الضَّحِيَّة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْر الْحَاء الْمُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( نُمَلِّح مِنْهُ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ لَحْم الْأُضْحِيَّة , فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْهَا \" أَيْ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَقْدَم ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْقَاف وَفَتْح الدَّال مِنْ الْقُدُوم وَفِي رِوَايَة بِفَتْحِ الْقَاف وَتَشْدِيد الدَّال أَيْ نَضَعهُ بَيْن يَدَيْهِ وَهُوَ أَوْجه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : لَا تَأْكُلُوا ) ‏ ‏أَيْ مِنْهُ , هَذَا صَرِيح فِي النَّهْي عَنْهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عَابِس بْن رَبِيعَة عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا سُئِلَتْ : أَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُحُوم الْأَضَاحِيّ ؟ فَقَالَتْ : لَا. وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّهَا نَفَتْ نَهْي التَّحْرِيم لَا مُطْلَق النَّهْي , , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ , وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ نُطْعِم مِنْهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون وَسُكُون الطَّاء أَيْ نُطْعِم غَيْرنَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بَعْد أَنْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَلِيّ بْن الْعَبَّاس عَنْ الْبُخَارِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى قَوْله \" بِالْمَدِينَةِ \" : كَأَنَّ الزِّيَادَة مِنْ قَوْله بِالْمَدِينَةِ إِلَخْ مِنْ كَلَام يَحْيَى بْن سَعِيد. قُلْت : بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَة الْحَدِيث فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْبُخَارِيّ بِتَمَامِهِ , وَتَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَة مِنْ طَرِيق عَابِس بْن رَبِيعَة \" قُلْت لِعَائِشَة أَنَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُؤْكَل مِنْ لُحُوم الْأَضَاحِيّ فَوْق ثَلَاث ؟ قَالَتْ : مَا فَعَلَهُ إِلَّا فِي عَام جَاعَ النَّاس فِيهِ , فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِم الْغَنِيّ الْفَقِير \" وَلِلطَّحَاوِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَكَانَ يُحَرِّم لُحُوم الْأَضَاحِيّ فَوْق ثَلَاث ؟ قَالَتْ : لَا , وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُضَحِّي مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيل , فَفَعَلَ لِيُطْعِم مَنْ ضَحَّى مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُضَحِّ \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن حَزْم عَنْ عَمْرَة \" إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْل الدَّافَّة الَّتِي دَفَّتْ , فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا \" وَأَوَّل الْحَدِيث عِنْد مُسْلِم \" دَفَّ نَاس مِنْ أَهْل الْبَادِيَة حَضْرَة الْأَضْحَى فِي زَمَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اِدَّخِرُوا لِثَلَاثٍ , وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ \" فَلَمَّا كَانَ بَعْد ذَلِكَ قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه لَقَدْ كَانَ النَّاس يَنْتَفِعُونَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ فَقَالَ \" إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْل الدَّافَّة الَّتِي دَفَّتْ , فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الدَّفّ يَعْنِي بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاء الثَّقِيلَة السَّيْر السَّرِيع , وَالدَّافَّة مَنْ يَطْرَأ مِنْ الْمُحْتَاجِينَ , وَاسْتُدِلَّ بِإِطْلَاقِ هَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى أَنَّهُ لَا تَقْيِيد فِي الْقَدْر الَّذِي يَجْزِي مِنْ الْإِطْعَام , وَيُسْتَحَبّ لِلْمُضَحِّي أَنْ يَأْكُل مِنْ الْأُضْحِيَّة شَيْئًا وَيُطْعِم الْبَاقِي صَدَقَة وَهَدِيَّة. وَعَنْ الشَّافِعِيّ : يُسْتَحَبّ قِسْمَتهَا أَثْلَاثًا لِقَوْلِهِ \" كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَأَطْعِمُوا \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَكَانَ غَيْره يَقُول : يُسْتَحَبّ أَنْ يَأْكُل النِّصْف وَيُطْعِم النِّصْف. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخ فِي \" كِتَاب الْأَضَاحِيّ \" مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن يَسَار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" مَنْ ضَحَّى فَلْيَأْكُل مِنْ أُضْحِيَّته \" وَرِجَاله ثِقَات لَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : الصَّوَاب عَنْ عَطَاء مُرْسَل. قَالَ النَّوَوِيّ : مَذْهَب الْجُمْهُور أَنَّهُ لَا يَجِب الْأَكْل مِنْ الْأُضْحِيَّة , وَإِنَّمَا الْأَمْر فِيهِ لِلْإِذْنِ. وَذَهَبَ بَعْض السَّلَف إِلَى الْأَخْذ بِظَاهِرِ الْأَمْر , وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ عَنْ أَبِي الطَّيِّب بْن سَلَمَة مِنْ الشَّافِعِيَّة. وَأَمَّا الصَّدَقَة مِنْهَا فَالصَّحِيح أَنَّهُ يَجِب التَّصَدُّق مِنْ الْأُضْحِيَّة بِمَا يَقَع عَلَيْهِ الِاسْم , وَالْأَكْمَل أَنْ يَتَصَدَّق بِمُعْظَمِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5145",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو عُبَيْدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ أَزْهَرَ ‏ ‏أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ يَوْمَ الْأَضْحَى مَعَ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏نَهَاكُمْ عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ الْعِيدَيْنِ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ مِنْ نُسُكِكُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدٍ ‏ ‏ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ‏ ‏فَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ ‏ ‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدْ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ ‏ ‏الْعَوَالِي ‏ ‏فَلْيَنْتَظِرْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدٍ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏شَهِدْتُهُ مَعَ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ ‏ ‏نُسُكِكُمْ ‏ ‏فَوْقَ ثَلَاثٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , ‏ ‏وَيُونُس ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد , ‏ ‏وَأَبُو عُبَيْد ‏ ‏مَوْلَى اِبْن أَزْهَر أَيْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَزْهَر بْن عَوْف اِبْن أَخِي عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَأَبُو عُبَيْد اِسْمه سَعْدُ بْن عُبَيْد. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ نَهَاكُمْ عَنْ صِيَام هَذَيْنِ الْعِيدَيْنِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه فِي أَوَاخِر كِتَاب الصِّيَام وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ النَّهْي عَنْ الشَّيْء إِذَا اِتَّحَدَتْ جِهَته لَمْ يَجُزْ فِعْله كَصَوْمِ يَوْم الْعِيد فَإِنَّهُ لَا يَنْفَكّ عَنْ الصَّوْم فَلَا يَتَحَقَّق فِيهِ جِهَتَانِ فَلَا يَصِحّ , بِخِلَافِ مَا إِذَا تَعَدَّدَتْ الْجِهَة كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة فَإِنَّ الصَّلَاة تَتَحَقَّق فِي غَيْر الْمَغْصُوب مَعَ التَّحْرِيم , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عُبَيْد ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ شَهِدَتْ الْعِيد ) ‏ ‏لَمْ يُبَيِّن كَوْنه أَضْحًى أَوْ فِطْرًا , وَالظَّاهِر أَنَّهُ الْأَضْحَى الَّذِي قَدَّمَهُ فِي حَدِيثه عَنْ عُمَر فَتَكُون اللَّام فِيهِ لِلْعَهْدِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ ذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة ) ‏ ‏أَيْ يَوْم الْعِيدِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ اِجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ ) ‏ ‏أَيْ يَوْم الْأَضْحَى وَيَوْم الْجُمُعَة. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ أَهْل الْعَوَالِي ) ‏ ‏جَمْع الْعَالِيَة وَهِيَ قُرًى مَعْرُوفَة بِالْمَدِينَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَنْتَظِر ) ‏ ‏أَيْ يَتَأَخَّر إِلَى أَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِع فَقَدْ أَذِنْت لَهُ ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِسُقُوطِ الْجُمُعَة عَمَّنْ صَلَّى الْعِيد إِذَا وَافَقَ الْعِيد يَوْم الْجُمُعَة , وَهُوَ مَحْكِيّ عَنْ أَحْمَد. وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْله \" أَذِنْت لَهُ \" لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِعَدَمِ الْعَوْد , وَأَيْضًا فَظَاهِر الْحَدِيث فِي كَوْنهمْ مِنْ أَهْل الْعَوَالِي أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ تَجِب عَلَيْهِمْ الْجُمُعَة لِبُعْدِ مَنَازِلهمْ عَنْ الْمَسْجِد , وَقَدْ وَرَدَ فِي أَصْل الْمَسْأَلَة حَدِيث مَرْفُوع. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ شَهِدْته ) ‏ ‏أَيْ الْعِيد , وَدَلَّ السِّيَاق عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْأَضْحَى , وَهُوَ يُؤَيِّد مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث عُثْمَان , وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْد أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا يَقُول \" يَوْم الْأَضْحَى \" وَلِلنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ مَعْمَر بِسَنَدِهِ \" شَهِدْت عَلِيًّا فِي يَوْم عِيد بَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْل الْخُطْبَة بِلَا أَذَان وَلَا إِقَامَة - ثُمَّ قَالَ - سَمِعْت \" فَذَكَرَ الْمَرْفُوع. ‏ ‏قَوْله : ( نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُوم نُسُككُمْ فَوْق ثَلَاث ) ‏ ‏زَادَ عَبْد الرَّزَّاق فِي رِوَايَته \" فَلَا تَأْكُلُوهَا بَعْدهَا \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : اُخْتُلِفَ فِي أَوَّل الثَّلَاث الَّتِي كَانَ الِادِّخَار فِيهَا جَائِزًا , فَقِيلَ أَوَّلهَا يَوْم النَّحْر , فَمَنْ ضَحَّى فِيهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُمْسِك يَوْمَيْنِ بَعْده , وَمَنْ ضَحَّى بَعْده أَمْسَكَ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الثَّلَاثَة , وَقِيلَ أَوَّلهَا يَوْم يُضَحِّي , فَلَوْ ضَحَّى فِي آخِر أَيَّام النَّحْر جَازَ لَهُ أَنْ يُمْسِك ثَلَاثًا بَعْدهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" فَوْق ثَلَاث \" أَنْ لَا يُحْسَب الْيَوْم الَّذِي يَقَع فِيهِ النَّحْر مِنْ الثَّلَاث , وَتُعْتَبَر اللَّيْلَة الَّتِي تَلِيه وَمَا بَعْدهَا. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي حَدِيث جَابِر \" كُنَّا لَا نَأْكُل مِنْ لُحُوم بُدْننَا فَوْق ثَلَاث مِنًى \" فَإِنَّ ثَلَاث مِنًى تَتَنَاوَل يَوْمًا بَعْد يَوْم النَّحْر لِأَهْلِ النَّفْر الثَّانِي , قَالَ الشَّافِعِيّ : لَعَلَّ عَلِيًّا لَمْ يَبْلُغهُ النَّسْخ , وَقَالَ غَيْره : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْوَقْت الَّذِي قَالَ عَلِيّ فِيهِ ذَلِكَ كَانَ بِالنَّاسِ حَاجَة كَمَا وَقَعَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن حَزْم فَقَالَ : إِنَّمَا خَطَبَ عَلِيّ بِالْمَدِينَةِ فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ عُثْمَان حُوصِرَ فِيهِ , وَكَانَ أَهْل الْبَوَادِي قَدْ أَلْجَأَتْهُمْ الْفِتْنَة إِلَى الْمَدِينَة فَأَصَابَهُمْ الْجَهْد , فَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيّ مَا قَالَ. قُلْت : أَمَّا كَوْن عَلِيّ خَطَبَ بِهِ وَعُثْمَان مَحْصُورًا فَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث وَلَفْظه \" صَلَّيْت مَعَ عَلِيّ الْعِيد وَعُثْمَان مَحْصُور \" وَأَمَّا الْحَمْل الْمَذْكُور فَلِمَا أَخْرَجَ أَحْمَد وَالطَّحَاوِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق مُخَارِق بْن سُلَيْمٍ عَنْ عَلِيّ رَفَعَهُ \" إِنِّي كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُوم الْأَضَاحِيّ فَوْق ثَلَاث , فَادَّخِرُوا مَا بَدَا لَكُمْ \" ثُمَّ جَمَعَ الطَّحَاوِيُّ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ. وَكَذَلِكَ يُجَاب عَمَّا أَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق أَمْ سُلَيْمَان قَالَتْ \" دَخَلْت عَلَى عَائِشَة فَسَأَلْتهَا عَنْ لُحُوم الْأَضَاحِيّ , فَقَالَتْ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا ثُمَّ رَخَّصَ فِيهَا , فَقَدِمَ عَلِيّ مِنْ السَّفَر فَأَتَتْهُ فَاطِمَة بِلَحْمٍ مِنْ ضَحَايَاهَا فَقَالَ : أَوَلَمْ نُنْهَ عَنْهُ ؟ قَالَتْ : إِنَّهُ قَدْ رُخِّصَ فِيهَا \" فَهَذَا عَلِيّ قَدْ اِطَّلَعَ عَلَى الرُّخْصَة , وَمَعَ ذَلِكَ خَطَبَ بِالْمَنْعِ , فَطَرِيق الْجَمْع مَا ذَكَرْته. وَقَدْ جَزَمَ بِهِ الشَّافِعِيّ فِي الرِّسَالَة فِي آخِر بَاب الْعِلَل فِي الْحَدِيث فَقَالَ مَا نَصّه : فَإِذَا دَفَّتْ الدَّافَّة ثَبَتَ النَّهْي عَنْ إِمْسَاك لُحُوم الضَّحَايَا بَعْد ثَلَاث , وَإِنْ لَمْ تَدُفَّ دَافَّة فَالرُّخْصَة ثَابِتَة بِالْأَكْلِ وَالتَّزَوُّد وَالِادِّخَار وَالصَّدَقَة , قَالَ الشَّافِعِيّ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّهْي عَنْ إِمْسَاك لُحُوم الْأَضَاحِيّ بَعْد ثَلَاث مَنْسُوخًا فِي كُلّ حَال. قُلْت : وَبِهَذَا الثَّانِي أَخَذَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الشَّافِعِيَّة , فَقَالَ الرَّافِعِيّ : الظَّاهِر أَنَّهُ لَا يَحْرُم الْيَوْم بِحَالٍ , وَتَبِعَهُ النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي \" شَرْح الْمُهَذَّب \" : الصَّوَاب الْمَعْرُوف أَنَّهُ لَا يَحْرُم الِادِّخَار الْيَوْم بِحَالٍ , وَحَكَى فِي شَرْح مُسْلِم عَنْ جُمْهُور الْعُلَمَاء أَنَّهُ مِنْ نَسْخ السُّنَّة بِالسُّنَّةِ , قَالَ : وَالصَّحِيح نَسْخ النَّهْي مُطْلَقًا وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ تَحْرِيم وَلَا كَرَاهَة , فَيُبَاح الْيَوْم الِادِّخَار فَوْق ثَلَاث وَالْأَكْل إِلَى مَتَى شَاءَ ا ه وَإِنَّمَا رَجَّحَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْ الْقَوْل بِالتَّحْرِيمِ إِذَا دَفَّتْ الدَّافَّة إِيجَاب الْإِطْعَام , وَقَدْ قَامَتْ الْأَدِلَّة عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنَّهُ لَا يَجِب فِي الْمَال حَقٌّ سِوَى الزَّكَاة , وَنَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ مَا يُوَافِق مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيّ فَقَالَ : لَا خِلَاف بَيْن فُقَهَاء الْمُسْلِمِينَ فِي إِجَازَة أَكْل لُحُوم الْأَضَاحِيّ بَعْد ثَلَاث , وَأَنَّ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ مَنْسُوخ , كَذَا أَطْلَقَ , وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ , فَقَدْ قَالَ الْقُرْطُبِيّ : حَدِيث سَلَمَة وَعَائِشَة نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمَنْع كَانَ لِعِلَّةٍ , فَلَمَّا اِرْتَفَعَتْ اِرْتَفَعَ لِارْتِفَاعِ مُوجِبه فَتَعَيَّنَ الْأَخْذ بِهِ , وَبِعَوْدِ الْحُكْم تَعُود الْعِلَّة , فَلَوْ قَدِمَ عَلَى أَهْل بَلَد نَاس مُحْتَاجُونَ فِي زَمَان الْأَضْحَى وَلَمْ يَكُنْ عِنْد أَهْل ذَلِكَ الْبَلَد سَعَة يَسُدُّونَ بِهَا فَاقَتهمْ إِلَّا الضَّحَايَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَدَّخِرُوهَا فَوْق ثَلَاث. قُلْت : وَالتَّقْيِيد بِالثَّلَاثِ وَاقِعَة حَال , وَإِلَّا فَلَوْ لَمْ تَسْتَدّ الْخَلَّة إِلَّا بِتَفْرِقَةِ الْجَمِيع لَزِمَ عَلَى هَذَا التَّقْرِير عَدَم الْإِمْسَاك وَلَوْ لَيْلَة وَاحِدَة , وَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيّ عَنْ بَعْض الشَّافِعِيَّة أَنَّ التَّحْرِيم كَانَ لِعِلَّةٍ فَلَمَّا زَالَتْ زَالَ الْحُكْم لَكِنْ لَا يَلْزَم عَوْد الْحُكْم عِنْد عَوْد الْعِلَّة. قُلْت : وَاسْتَبْعَدُوهُ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ , لِأَنَّ صَاحِبه قَدْ نَظَرَ إِلَى أَنَّ الْخَلَّة لَمْ تَسْتَدّ يَوْمئِذٍ إِلَّا بِمَا ذَكَرَ فَأَمَّا الْآن فَإِنَّ الْخَلَّة تَسْتَدّ بِغَيْرِ لَحْم الْأُضْحِيَّة فَلَا يَعُود الْحُكْم إِلَّا لَوْ فُرِضَ أَنَّ الْخَلَّة لَا تَسْتَدّ إِلَّا بِلَحْمِ الْأُضْحِيَّة , وَهَذَا فِي غَايَة النُّدُور. وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّ النَّهْي عَنْ أَكْل لُحُوم الْأَضَاحِيّ فَوْق ثَلَاث كَانَ فِي الْأَصْل لِلتَّنْزِيهِ , قَالَ : وَهُوَ كَالْأَمْرِ فِي قَوْله تَعَالَى : ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِع ) وَحَكَاهُ الرَّافِعِيّ عَنْ أَبِي عَلِيّ الطَّبَرِيّ اِحْتِمَالًا , وَقَالَ الْمُهَلَّب : إِنَّهُ الصَّحِيح , لِقَوْلِ عَائِشَة \" وَلَيْسَ بِعَزِيمَةٍ \" وَاَللَّه أَعْلَم. وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى أَنَّ النَّهْي عَنْ الْأَكْل فَوْق ثَلَاث خَاصّ بِصَاحِبِ الْأُضْحِيَّة , فَأَمَّا مَنْ أُهْدِيَ لَهُ أَوْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلَا , لِمَفْهُومِ قَوْله \" مِنْ أُضْحِيَّته \" وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام عِنْد أَحْمَد وَأَبِي يَعْلَى مَا يُفِيد ذَلِكَ وَلَفْظه \" قُلْت يَا نَبِيّ اللَّه , أَرَأَيْت قَدْ نُهِيَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ لَحْم نُسُكهمْ فَوْق ثَلَاث فَكَيْف نَصْنَع بِمَا أُهْدِيَ لَنَا ؟ قَالَ : أَمَّا مَا أُهْدِيَ إِلَيْكُمْ فَشَأْنكُمْ بِهِ \" فَهَذَا نَصٌّ فِي الْهَدِيَّة , وَأَمَّا الصَّدَقَة فَإِنَّ الْفَقِير لَا حَجْر عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّف فِيمَا يُهْدَى لَهُ لِأَنَّ الْقَصْد أَنْ تَقَع الْمُوَاسَاة مِنْ الْغَنِيّ لِلْفَقِيرِ وَقَدْ حَصَلَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْد نَحْوه ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِره أَنَّهُ مَعْطُوف عَلَى السَّنَد الْمَذْكُور , فَيَكُون مِنْ رِوَايَة حِبَّان بْن مُوسَى عَنْ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ مَعْمَر , وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو الْعَبَّاس الطَّرْقِيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيع الْمِزِّيّ , لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ حِبَّان بْن مُوسَى فَسَاقَ رِوَايَة يُونُس بِتَمَامِهَا. ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْ مَعْمَر وَقَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَقِب رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك عَنْ يُونُس قُلْت : فَاحْتَمَلَ عَلَى هَذَا أَنْ تَكُون رِوَايَة مَعْمَر مُعَلَّقَة , وَقَدْ بَيَّنْت مَا فِيهَا مِنْ فَائِدَة زَائِدَة قَبْل , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَخْرَجَهُ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ حِبَّان بِسَنَدِهِ. وَمِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس وَمَالِك كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن شِهَاب , ثُمَّ قَالَ : قَالَ الْبُخَارِيّ وَعَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْد نَحْوه وَلَمْ يَذْكُر الْخَبَر , أَيْ لَمْ يُوَصِّل السَّنَد إِلَى مَعْمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "5146",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُلُوا مِنْ الْأَضَاحِيِّ ثَلَاثًا ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏يَأْكُلُ بِالزَّيْتِ حِينَ يَنْفِرُ مِنْ ‏ ‏مِنًى ‏ ‏مِنْ أَجْلِ لُحُومِ الْهَدْيِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِصَاعِقَة , وَابْن أَخِي اِبْن شِهَاب اِسْمه مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم , وَسَالِم هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( كُلُوا مِنْ الْأَضَاحِيّ ثَلَاثًا ) ‏ ‏أَيْ فَقَطْ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق مَعْمَر \" نَهَى أَنْ تُؤْكَل لُحُوم الْأَضَاحِيّ بَعْد ثَلَاث \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" لَا يَأْكُل أَحَد مِنْ أُضْحِيَّته فَوْق ثَلَاثَة أَيَّام \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر ‏ ‏( يَأْكُل بِالزَّيْتِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَيَانُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( حِين يَنْفِر مِنْ مِنًى ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الصَّوَاب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ وَحْده \" حَتَّى \" بَدَل \" حِين \" وَهُوَ تَصْحِيف يُفْسِد الْمَعْنَى , فَإِنَّ الْمُرَاد أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ لَا يَأْكُل مِنْ لَحْم الْأُضْحِيَّة بَعْد ثَلَاث , فَكَانَ إِذَا اِنْقَضَتْ ثَلَاث مِنًى اِئْتَدِمْ بِالزَّيْتِ وَلَا يَأْكُل اللَّحْم تَمَسُّكًا بِالْأَمْرِ الْمَذْكُور وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله فِي آخِر الْحَدِيث \" مِنْ أَجْل لُحُوم الْهَدْي \" , وَكَأَنَّهُ أَيْضًا لَمْ يَبْلُغهُ الْإِذْن بَعْد الْمَنْع , وَعَلَى رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ يَنْعَكِس الْأَمْر وَيَصِير الْمَعْنَى. كَانَ يَأْكُل بِالزَّيْتِ إِلَى أَنْ يَنْفِر , فَإِذَا نَفَرَ أَكْل بِغَيْرِ الزَّيْت. فَيَدْخُل فِيهِ لَحْم الْأُضْحِيَّة. وَأَمَّا تَعْبِيره فِي الْحَدِيث بِالْهَدْيِ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن عُمَر كَانَ يُسَوِّي بَيْن لَحْم الْهَدْي وَلَحْم الْأُضْحِيَّة فِي الْحُكْم , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَطْلَقَ عَلَى لَحْم الْأُضْحِيَّة لَحْم الْهَدْي لِمُنَاسَبَةِ أَنَّهُ كَانَ بِمِنًى. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ نَسْخ الْأَثْقَل بِالْأَخَفِّ , لِأَنَّ النَّهْي عَنْ اِدِّخَار لَحْم الْأُضْحِيَّة بَعْد ثَلَاث مِمَّا يَثْقُل عَلَى الْمُضَحِّينَ , وَالْإِذْن فِي الِادِّخَار أَخَفّ مِنْهُ. وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ يَقُول إِنَّ النَّسْخ لَا يَكُون إِلَّا بِالْأَثْقَلِ لِلْأَخَفِّ , وَعَكَسَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ زَاعِمًا أَنَّ الْإِذْن فِي الِادِّخَار نَسْخ بِالنَّهْيِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الِادِّخَار كَانَ مُبَاحًا بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّة , فَالنَّهْي عَنْهُ لَيْسَ نَسْخًا , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون نَسْخًا فَفِيهِ نَسْخ الْكِتَاب بِالسُّنَّةِ لِأَنَّ فِي الْكِتَاب الْإِذْن فِي أَكْلهَا مِنْ غَيْر تَقْيِيد لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا ) , وَيُمْكِن أَنْ يُقَال إِنَّهُ تَخْصِيص لَا نَسْخ وَهُوَ الْأَظْهَر. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْأَضَاحِيّ مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى أَرْبَعَة وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا خَمْسَة عَشَر وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى تِسْعَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِص خَمْسَة , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث قَتَادَة بْن النُّعْمَان فِي الْبَاب الْأَخِير , وَسِوَى زِيَادَة مُعَلَّقَة فِي حَدِيث أَنَس وَهِيَ قَوْله \" بِكَبْشَيْنِ سَمِينَيْنِ \" فَإِنَّ أَصْل الْحَدِيث عِنْد مُسْلِم سِوَى قَوْله \" سَمِينَيْنِ \". وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ سَبْعَة آثَار. وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5147",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ نَافِع عَنْهُ وَهُوَ مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيد. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ شَرِبَ الْخَمْر فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَة ) ‏ ‏حُرِمَهَا بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الرَّاء الْخَفِيفَة مِنْ الْحِرْمَان , زَادَ مُسْلِم عَنْ الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِك فِي آخِره \" لَمْ يُسْقَهَا \" , وَلَهُ مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" فَمَاتَ وَهُوَ مُدْمِنهَا لَمْ يَشْرَبهَا فِي الْآخِرَة \" وَزَادَ مُسْلِم فِي أَوَّل الْحَدِيث مَرْفُوعًا \" كُلّ مُسْكِر خَمْر , وَكُلّ مُسْكِر حَرَام \" وَأَوْرَدَ هَذِهِ الزِّيَادَة مُسْتَقِلَّة أَيْضًا مِنْ رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة وَعُبَيْد اللَّه بْن عُمَر كِلَاهُمَا عَنْ نَافِع , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِي \" بَاب الْخَمْر مِنْ الْعَسَل \" وَيَأْتِي كَلَام اِبْن بَطَّال فِيهَا فِي آخِر هَذَا الْبَاب. وَقَوْله : \" ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا \" أَيْ مِنْ شُرْبهَا , فَحُذِفَ الْمُضَاف وَأُقِيمَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مَقَامه. قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْبَغْوِيّ فِي \" شَرْح السُّنَّة \" : مَعْنَى الْحَدِيث لَا يَدْخُل الْجَنَّة , لِأَنَّ الْخَمْر شَرَاب أَهْل الْجَنَّة , فَإِذَا حُرِّمَ شُرْبهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هَذَا وَعِيد شَدِيد يَدُلّ عَلَى حِرْمَان دُخُول الْجَنَّة , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ فِي الْجَنَّة أَنْهَار الْخَمْر لَذَّة لِلشَّارِبِينَ , وَأَنَّهُمْ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ. فَلَوْ دَخَلَهَا - وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ فِيهَا خَمْرًا أَوْ أَنَّهُ حُرِمَهَا عُقُوبَة لَهُ - لَزِمَ وُقُوع الْهَمّ وَالْحُزْن فِي الْجَنَّة , وَلَا هَمَّ فِيهَا وَلَا حُزْن , وَإِنْ لَمْ يَعْلَم بِوُجُودِهَا فِي الْجَنَّة وَلَا أَنَّهُ حُرِمَهَا عُقُوبَة لَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي فَقْدهَا أَلَم , فَلِهَذَا قَالَ بَعْض مَنْ تَقَدَّمَ : إِنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة أَصْلًا , قَالَ : وَهُوَ مَذْهَب غَيْر مَرْضِيّ , قَالَ : وَيُحْمَل الْحَدِيث عِنْد أَهْل السُّنَّة عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلهَا وَلَا يَشْرَب الْخَمْر فِيهَا إِلَّا إِنْ عَفَا اللَّه عَنْهُ كَمَا فِي بَقِيَّة الْكَبَائِر وَهُوَ فِي الْمَشِيئَة , فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى الْحَدِيث : جَزَاؤُهُ فِي الْآخِرَة أَنْ يُحْرَمهَا لِحِرْمَانِهِ دُخُول الْجَنَّة إِلَّا إِنْ عَفَا اللَّه عَنْهُ. قَالَ : وَجَائِز أَنْ يَدْخُل الْجَنَّة بِالْعَفْوِ ثُمَّ لَا يَشْرَب فِيهَا خَمْرًا وَلَا تَشْتَهِيهَا نَفْسه وَإِنْ عَلِمَ بِوُجُودِهَا فِيهَا , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أَبِي سَعِيد مَرْفُوعًا \" مَنْ لَبِسَ الْحَرِير فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسهُ فِي الْآخِرَة , وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّة لَبِسَهُ أَهْل الْجَنَّة وَلَمْ يَلْبَسهُ هُوَ \" قُلْت : أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان. وَقَرِيب مِنْهُ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَفَعَهُ \" مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي وَهُوَ يَشْرَب الْخَمْر حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ شُرْبهَا فِي الْجَنَّة \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد بِسَنَدٍ حَسَن , وَقَدْ لَخَّصَ عِيَاض كَلَام اِبْن عَبْد الْبَرّ وَزَادَ اِحْتِمَالًا آخَر وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاد بِحِرْمَانِهِ شُرْبهَا أَنَّهُ يُحْبَس عَنْ الْجَنَّة مُدَّة إِذَا أَرَادَ اللَّه عُقُوبَته , وَمِثْله الْحَدِيث الْآخَر \" لَمْ يَرِحْ رَائِحَة الْجَنَّة \" قَالَ : وَمَنْ قَالَ لَا يَشْرَبهَا فِي الْجَنَّة بِأَنْ يَنْسَاهَا أَوْ لَا يَشْتَهِيهَا يَقُول لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَسْرَة وَلَا يَكُون تَرْك شَهْوَته إِيَّاهَا عُقُوبَة فِي حَقّه , بَلْ هُوَ نَقْص نَعِيم بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ هُوَ أَتَمُّ نَعِيمًا مِنْهُ كَمَا تَخْتَلِف دَرَجَاتهمْ , وَلَا يُلْحَق مَنْ هُوَ أُنْقَص دَرَجَة حِينَئِذٍ بِمَنْ هُوَ أَعْلَى دَرَجَة مِنْهُ اِسْتِغْنَاء بِمَا أُعْطِيَ وَاغْتِبَاطًا لَهُ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : ظَاهِر الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ لَا يَشْرَب الْخَمْر فِي الْجَنَّة وَلَا يَلْبَس الْحَرِير فِيهَا , وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اِسْتَعْجَلَ مَا أُمِرَ بِتَأْخِيرِهِ وَوُعِدَ بِهِ فَحُرِمَهُ عِنْد مِيقَاته , كَالْوَارِثِ فَإِنَّهُ إِذَا قَتَلَ مُوَرِّثه فَإِنَّهُ يُحْرَم مِيرَاثه لِاسْتِعْجَالِهِ. وَبِهَذَا قَالَ نَفَر مِنْ الصَّحَابَة وَمِنْ الْعُلَمَاء , وَهُوَ مَوْضِع اِحْتِمَال وَمَوْقِف إِشْكَال , وَاَللَّه أَعْلَم كَيْف يَكُون الْحَال. وَفَصَلَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ بَيْن مَنْ يَشْرَبهَا مُسْتَحِلًّا فَهُوَ الَّذِي لَا يَشْرَبهَا أَصْلًا لِأَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة أَصْلًا , وَعَدَم الدُّخُول يَسْتَلْزِم حِرْمَانهَا , وَبَيْن مَنْ يَشْرَبهَا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهَا فَهُوَ مَحَلّ الْخِلَاف , وَهُوَ الَّذِي يُحْرَم شُرْبهَا مُدَّة وَلَوْ فِي حَال تَعْذِيبه إِنْ عُذِّبَ , أَوْ الْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ جَزَاؤُهُ إِنْ جُوزِيَ وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ التَّوْبَة تُكَفِّر الْمَعَاصِي الْكَبَائِر , وَهُوَ فِي التَّوْبَة مِنْ الْكُفْر قَطْعِيّ وَفِي غَيْره مِنْ الذُّنُوب خِلَاف بَيْن أَهْل السُّنَّة هَلْ هُوَ قَطْعِيّ أَوْ ظَنِّيّ. قَالَ النَّوَوِيّ : الْأَقْوَى أَنَّهُ ظَنِّيّ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَنْ اِسْتَقْرَأَ الشَّرِيعَة عَلِمَ أَنَّ اللَّه يَقْبَل تَوْبَة الصَّادِقِينَ قَطْعًا. وَلِلتَّوْبَةِ الصَّادِقَة شُرُوط سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهَا فِي كِتَاب الرِّقَاق , وَيُمْكِن أَنْ يُسْتَدَلّ بِحَدِيثِ الْبَاب عَلَى صِحَّة التَّوْبَة مِنْ بَعْض الذُّنُوب دُون بَعْض , وَسَيَأْتِي تَحْقِيق ذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّ الْوَعِيد يَتَنَاوَل مَنْ شَرِبَ الْخَمْر وَإِنْ لَمْ يَحْصُل لَهُ السُّكْر , لِأَنَّهُ رَتَّبَ الْوَعِيد فِي الْحَدِيث عَلَى مُجَرَّد الشُّرْب مِنْ غَيْر قَيْد , وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ فِي الْخَمْر الْمُتَّخَذ مِنْ عَصِير الْعِنَب وَكَذَا فِيمَا يُسْكِر مِنْ غَيْرهَا , وَأَمَّا مَا لَا يُسْكِر مِنْ غَيْرهَا فَالْأَمْر فِيهِ كَذَلِكَ عِنْد الْجُمْهُور كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه , وَيُؤْخَذ مِنْ قَوْله : \" ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا \" أَنَّ التَّوْبَة مَشْرُوعَة فِي جَمِيع الْعُمْر مَا لَمْ يَصِل إِلَى الْغَرْغَرَة , لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ \" ثُمَّ \" مِنْ التَّرَاخِي , وَلَيْسَ الْمُبَادَرَة إِلَى التَّوْبَة شَرْطًا فِي قَبُولهَا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5148",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ‏ ‏بِإِيلِيَاءَ ‏ ‏بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا ثُمَّ أَخَذَ اللَّبَنَ فَقَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ وَلَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ ‏ ‏غَوَتْ ‏ ‏أُمَّتُكَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏وَابْنُ الْهَادِ ‏ ‏وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏وَالزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بِإِيلِيَاء ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَكَسْر اللَّام وَفَتْح التَّحْتَانِيَّة الْخَفِيفَة مَعَ الْمَدّ : هِيَ مَدِينَة بَيْت الْمَقْدِس , وَهُوَ ظَاهِر فِي أَنَّ عَرْض ذَلِكَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَعَ وَهُوَ فِي بَيْت الْمَقْدِس , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اللَّيْث الَّتِي تَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهَا \" إِلَى إِيلِيَاء \" وَلَيْسَتْ صَرِيحَة فِي ذَلِكَ , لِجَوَازِ أَنْ يُرِيد تَعْيِين لَيْلَة الْإِيتَاء لَا مَحَلّه , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ مَعَ بَقِيَّة شَرْحه فِي أَوَاخِر الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْإِسْرَاء قَبْل الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة. وَقَوْله فِيهِ : \" وَلَوْ أَخَذْت الْخَمْر غَوَتْ أُمَّتك \" هُوَ مَحَلّ التَّرْجَمَة قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرَ مِنْ الْخَمْر لِأَنَّهُ تَفَرَّسَ أَنَّهَا سَتُحَرَّمُ لِأَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ مُبَاحَة , وَلَا مَانِع مِنْ اِفْتِرَاق مُبَاحَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ فِي أَصْل الْإِبَاحَة فِي أَنَّ أَحَدهمَا سَيُحَرَّمُ وَالْآخَر تَسْتَمِرّ إِبَاحَته. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون نَفَرَ مِنْهَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْتَدْ شُرْبهَا فَوَافَقَ بِطَبْعِهِ مَا سَيَقَعُ مِنْ تَحْرِيمهَا بَعْد , حِفْظًا مِنْ اللَّه تَعَالَى لَهُ وَرِعَايَة , وَاخْتَارَ اللَّبَن لِكَوْنِهِ مَأْلُوفًا لَهُ , سَهْلًا طَيِّبًا طَاهِرًا , سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ , سَلِيم الْعَاقِبَة , بِخِلَافِ الْخَمْر فِي جَمِيع ذَلِكَ. وَالْمُرَاد بِالْفِطْرَةِ هُنَا الِاسْتِقَامَة عَلَى الدِّين الْحَقّ. وَفِي الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة الْحَمْد عِنْد حُصُول مَا يُحْمَد وَدَفْع مَا يُحْذَر. وَقَوْله : \" غَوَتْ أُمَّتك \" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَخَذَهُ مِنْ طَرِيق الْفَأْل , أَوْ تَقَدَّمَ عِنْده عِلْم بِتَرَتُّبِ كُلّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ أَظْهَر. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ مَعْمَر وَابْن الْهَادِ وَعُثْمَان بْن عُمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏يَعْنِي بِسَنَدِهِ. وَوَقَعَ فِي غَيْر رِوَايَة أَبِي ذَرّ زِيَادَة الزُّبَيْدِيّ مَعَ الْمَذْكُورِينَ بَعْد عُثْمَان بْن عُمَر , فَأَمَّا مُتَابَعَة مَعْمَر فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي قِصَّة مُوسَى مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَأَوَّل الْحَدِيث ذِكْر مُوسَى وَعِيسَى وَصِفَتهمَا , وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر إِيلِيَاء , وَفِيهِ \" اِشْرَبْ أَيّهمَا شِئْت , فَأَخَذْت اللَّبَن فَشَرِبْته \". وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن الْهَادِ - وَهُوَ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن أُسَامَة بْن الْهَادِ اللَّيْثِيّ يُنْسَب لِجَدِّ أَبِيهِ - فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ وَأَبُو عَوَانَة وَالطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْهُ عَنْ عَبْد الْوَهَّاب بْن بُخْت عَنْ اِبْن شِهَاب وَهُوَ الزُّهْرِيُّ , قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيد بْن الْهَادِ عَنْ عَبْد الْوَهَّاب , فَعَلَى هَذَا فَقَدْ سَقَطَ ذِكْر عَبْد الْوَهَّاب مِنْ الْأَصْل بَيْن اِبْن الْهَادِ وَابْن شِهَاب , عَلَى أَنَّ اِبْن الْهَادِ قَدْ رَوَى عَنْ الزُّهْرِيِّ أَحَادِيث غَيْر هَذَا بِغَيْرِ وَاسِطَة , مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْمَائِدَة قَالَ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" وَقَالَ يَزِيد بْن الْهَادِ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" فَذَكَرَهُ , وَوَصَلَهُ أَحْمَد وَغَيْره مِنْ طَرِيق اِبْن الْهَادِ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِغَيْرِ وَاسِطَة. وَأَمَّا رِوَايَة الزُّبَيْدِيّ فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ وَابْن حِبَّان وَالطَّبَرَانِيُّ فِي \" مُسْنَد الشَّامِيِّينَ \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن حَرْب عَنْهُ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْر إِيلِيَاء أَيْضًا. وَأَمَّا رِوَايَة عُثْمَان بْن عُمَر فَوَصَلَهَا \" تَمَّام الرَّازِيّ فِي فَوَائِده \" مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر عَنْ عُمَر بْن عُثْمَان عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" عَنْ الْحَاكِم أَنَّهُ قَالَ : أَرَادَ الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ : \" تَابَعَهُ اِبْن الْهَادِ وَعُثْمَان بْن عُمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ \" حَدِيث اِبْن الْهَادِ عَنْ عَبْد الْوَهَّاب وَحَدِيث عُثْمَان بْن عُمَر بْن فَارِس عَنْ يُونُس كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ. قُلْت : وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ الْحَاكِم وَأَقَرَّهُ الْمِزِّيّ فِي عُثْمَان بْن عُمَر , فَإِنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ عُثْمَان بْن عُمَر بْن فَارِس الرَّاوِي عَنْ يُونُس بْن يَزِيد , وَلَيْسَ بِهِ , وَإِنَّمَا هُوَ عُثْمَان بْن عُمَر بْن مُوسَى بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر التَّيْمِيّ , وَلَيْسَ لِعُثْمَان بْن عُمَر بْن فَارِس وَلَد اِسْمه عُمَر يَرْوِي عَنْهُ , وَإِنَّمَا هُوَ وَلَد التَّيْمِيِّ كَمَا ذَكَرْته مِنْ \" فَوَائِد تَمَّام \" وَهُوَ مَدَنِيّ , وَقَدْ ذَكَرَ عُثْمَان الدَّارِمِيُّ أَنَّهُ سَأَلَ يَحْيَى بْن مَعِين عَنْ عُمَر بْن عُثْمَان بْن عُمَر الْمَدَنِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : لَا أَعْرِفهُ وَلَا أَعْرِف أَبَاهُ. قُلْت : وَقَدْ عَرَفَهُمَا غَيْره , وَذَكَرَ الزُّبَيْر بْن بَكَّار فِي النَّسَب عَنْ عُثْمَان الْمَذْكُور فَقَالَ : إِنَّهُ وَلِيَ قَضَاء الْمَدِينَة فِي زَمَن مَرْوَان بْن مُحَمَّد , ثُمَّ وَلِيَ الْقَضَاء لِلْمَنْصُورِ وَمَاتَ مَعَهُ بِالْعِرَاقِ وَذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات , وَأَكْثَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ ذِكْره فِي \" الْعِلَل \" عِنْد ذِكْره لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي تَخْتَلِف رُوَاتهَا عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَكَثِيرًا مَا تُرَجَّح رِوَايَته عَنْ الزُّهْرِيّ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5149",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ غَيْرِي قَالَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ‏ ‏أَنْ يَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَقِلَّ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَتُشْرَبَ الْخَمْرُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً ‏ ‏قَيِّمُهُنَّ ‏ ‏رَجُلٌ وَاحِدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُحَدِّثكُمْ بِهِ غَيْرِي ) ‏ ‏كَأَنَّ أَنَسًا حَدَّثَ بِهِ فِي أَوَاخِر عُمْره فَأَطْلَقَ ذَلِكَ , أَوْ كَانَ يَعْلَم أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَنْ كَانَ قَدْ مَاتَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَشْرَب الْخَمْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَشُرْب الْخَمْر \" بِالْإِضَافَةِ , وَرِوَايَة الْجَمَاعَة أَوْلَى لِلْمُشَاكَلَةِ. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى يَكُون لِخَمْسِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" حَتَّى يَكُون خَمْسُونَ اِمْرَأَة قَيِّمهنَّ رَجُل وَاحِد \" وَسَبَقَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْعِلْم , وَالْمُرَاد أَنَّ مِنْ أَشْرَاط السَّاعَة كَثْرَة شُرْب الْخَمْر كَسَائِرِ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "5150",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَابْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏يَقُولَانِ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏كَانَ يُحَدِّثُهُ عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏ثُمَّ يَقُولُ كَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يُلْحِقُ مَعَهُنَّ وَلَا ‏ ‏يَنْتَهِبُ ‏ ‏نُهْبَةً ‏ ‏ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ فِيهَا حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن \" وَقَعَ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات هُنَا \" لَا يَزْنِي حِين يَزْنِي \" بِحَذْفِ الْفَاعِل , فَقَدَّرَ بَعْض الشُّرَّاح الرَّجُل أَوْ الْمُؤْمِن أَوْ الزَّانِي , وَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة تَعْيِين الِاحْتِمَال الثَّالِث. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَشْرَب الْخَمْر حِين يَشْرَبهَا وَهُوَ مُؤْمِن ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا أَشَدُّ مَا وَرَدَ فِي شُرْب الْخَمْر , وَبِهِ تَعَلَّقَ الْخَوَارِج فَكَفَّرُوا مُرْتَكِب الْكَبِيرَة عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ , وَحَمَلَ أَهْل السُّنَّة الْإِيمَان هُنَا عَلَى الْكَامِل , لِأَنَّ الْعَاصِي يَصِير أَنْقَص حَالًا فِي الْإِيمَان مِمَّنْ لَا يَعْصِي , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ فَاعِل ذَلِكَ يَئُول أَمْرهُ إِلَى ذَهَاب الْإِيمَان , كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيث عُثْمَان الَّذِي أَوَّله \" اِجْتَنِبُوا الْخَمْر فَإِنَّهَا أُمّ الْخَبَائِث - وَفِيهِ - وَإِنَّهَا لَا تَجْتَمِع هِيَ وَالْإِيمَان إِلَّا وَأَوْشَكَ أَحَدهمَا أَنْ يُخْرِج صَاحِبه \" أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا , وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مَرْفُوعًا. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَإِنَّمَا أَدْخَلَ الْبُخَارِيّ هَذِهِ الْأَحَادِيث الْمُشْتَمِلَة عَلَى الْوَعِيد الشَّدِيد فِي هَذَا الْبَاب لِيَكُونَ عِوَضًا عَنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" كُلّ مُسْكِر حَرَام \" وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرهُ فِي هَذَا الْبَاب لِكَوْنِهِ رُوِيَ مَوْقُوفًا , كَذَا قَالَ , وَفِيهِ نَظَر , لِأَنَّ فِي الْوَعِيد قَدْرًا زَائِدًا عَلَى مُطْلَق التَّحْرِيم , وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ مَا يُؤَدِّي مَعْنَى حَدِيث اِبْن عُمَر كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ أَبَا بَكْر أَخْبَرَهُ ) ‏ ‏هُوَ وَالِد عَبْد الْمَلِك شَيْخ اِبْن شِهَاب فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَقُول كَانَ أَبُو بَكْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَذْكُور , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَزِيد ذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَقَدْ مَضَى بَيَان ذَلِكَ عِنْد ذِكْر شَرْح الْحَدِيث فِي كِتَاب الْمَظَالِم , وَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الْحُدُود إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5151",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَقَدْ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ وَمَا ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏مِنْهَا شَيْءٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن صَبَّاح ) ‏ ‏هُوَ الْبَزَّار آخِره رَاء , ‏ ‏وَمُحَمَّد بْن سَابِق ‏ ‏مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ يُحَدِّث عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَهَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَالِك هُوَ اِبْن مِغْوَل ) ‏ ‏كَانَ شَيْخ الْبُخَارِيّ حَدَّثَ بِهِ فَقَالَ \" حَدَّثَنَا مَالِك \" وَلَمْ يَنْسُبهُ فَنَسَبَهُ هُوَ لِئَلَّا يَلْتَبِس بِمَالِك بْن أَنَس , وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ الْحَدِيث الْمَذْكُور مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الصَّغَانِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن سَابِق فَقَالَ : \" عَنْ مَالِك بْن مِغْوَل \". ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْء ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن عُمَر نَفَى ذَلِكَ بِمُقْتَضَى مَا عَلِمَ , أَوْ أَرَادَ الْمُبَالَغَة مِنْ أَجْل قِلَّتهَا حِينَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ فَأَطْلَقَ النَّفْي , كَمَا يُقَال فُلَان لَيْسَ بِشَيْءٍ مُبَالَغَة , وَيُؤَيِّدهُ قَوْل أَنَس الْمَذْكُور فِي الْبَاب \" وَمَا نَجِد خَمْر الْأَعْنَاب إِلَّا قَلِيلًا \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاد اِبْن عُمَر وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْء أَيْ يُعْصَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْمَائِدَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : \" نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر وَإِنْ بِالْمَدِينَةِ يَوْمئِذٍ لَخَمْسَة أَشْرِبَة مَا فِيهَا شَرَاب الْعِنَب \" وَحُمِلَ عَلَى مَا كَانَ يُصْنَع بِهَا لَا عَلَى مَا يُجْلَب إِلَيْهَا. وَأَمَّا قَوْل عُمَر فِي ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب \" نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر وَهِيَ مِنْ خَمْسَة \" فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ تُصْنَع مِنْ الْخَمْسَة الْمَذْكُورَة فِي الْبِلَاد , لَا فِي خُصُوص الْمَدِينَة كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره بَعْد بَابَيْنِ مَعَ شَرْحِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5152",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو شِهَابٍ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الْخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ وَمَا نَجِدُ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏خَمْرَ الْأَعْنَابِ إِلَّا قَلِيلًا وَعَامَّةُ خَمْرِنَا ‏ ‏الْبُسْرُ ‏ ‏وَالتَّمْرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عُبَيْد الْبَصْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَامَّة خَمْرنَا الْبُسْر وَالتَّمْر ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيذ الَّذِي يَصِير خَمْرًا كَانَ أَكْثَر مَا يُتَّخَذ مِنْ الْبُسْر وَالتَّمْر , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَوْله : \" الْبُسْر وَالتَّمْر \" مَجَاز عَنْ الشَّرَاب الَّذِي يُصْنَع مِنْهُمَا , وَهُوَ عَكْس ( إِنِّي أَرَانِي أَعْصِر خَمْرًا ) أَوْ فِيهِ حَذْف تَقْدِيره عَامَّة أَصْل خَمْرنَا أَوْ مَادَّته , وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس قَالَ : \" إِنَّ الْخَمْر حُرِّمَتْ وَالْخَمْر يَوْمئِذٍ الْبُسْر \" وَتَقْرِير الْحَذْف فِيهِ ظَاهِر. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ رِوَايَة مُحَارِب بْن دِثَار عَنْ جَابِر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" الزَّبِيب وَالتَّمْر هُوَ الْخَمْر \" وَسَنَده صَحِيح , وَظَاهِره الْحَصْر لَكِنْ الْمُرَاد الْمُبَالَغَة , وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا كَانَ حِينَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ مَوْجُودًا كَمَا تَقَرَّرَ فِي حَدِيث أَنَس , وَقِيلَ : مُرَاد أَنَس الرَّدّ عَلَى مَنْ خَصَّ اِسْم الْخَمْر بِمَا يُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب , وَقِيلَ : مُرَاده أَنَّ التَّحْرِيم لَا يَخْتَصّ بِالْخَمْرِ الْمُتَّخَذَة مِنْ الْعِنَب بَلْ يُشْرِكهَا فِي التَّحْرِيم كُلّ شَرَاب مُسْكِر , وَهَذَا أَظْهَر وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5153",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَيَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَامِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَامَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَمَّا بَعْدُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ ‏ ‏وَالْحِنْطَةِ ‏ ‏وَالشَّعِيرِ وَالْخَمْرُ مَا ‏ ‏خَامَرَ ‏ ‏الْعَقْلَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان , ‏ ‏وَأَبُو حَيَّان ‏ ‏هُوَ يَحْيَى بْن سَعِيد التَّيْمِيّ , ‏ ‏وَعَامِر ‏ ‏هُوَ الشَّعْبِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( قَامَ عُمَر عَلَى الْمِنْبَر فَقَالَ : أَمَّا بَعْد نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر ) ‏ ‏سَاقَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه مُخْتَصَرًا , وَسَيَأْتِي بَعْد قَلِيل مُطَوَّلًا. قَالَ اِبْن مَالِك : فِيهِ جَوَاز حَذْف الْفَاء فِي جَوَاب \" أَمَّا بَعْد \". قُلْت : لَا حُجَّة فِيهِ , لِأَنَّ هَذِهِ رِوَايَة مُسَدَّد هُنَا , وَسَيَأْتِي قَرِيبًا عَنْ أَحْمَد بْن أَبِي رَجَاء عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان بِلَفْظِ \" خَطَبَ عُمَر عَلَى الْمِنْبَر فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر \" لَيْسَ فِيهِ \" أَمَّا بَعْد \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ هُنَا مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْمُقَدَّمِيّ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان شَيْخ مُسَدَّد وَفِيهِ بِلَفْظِ \" أَمَّا بَعْد فَإِنَّ الْخَمْر \" فَظَهَرَ أَنَّ حَذْف الْفَاء وَإِثْبَاتهَا مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "5154",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أَسْقِي ‏ ‏أَبَا عُبَيْدَةَ ‏ ‏وَأَبَا طَلْحَةَ ‏ ‏وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏فَضِيخِ ‏ ‏زَهْوٍ وَتَمْرٍ فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏قُمْ يَا ‏ ‏أَنَسُ ‏ ‏فَأَهْرِقْهَا فَأَهْرَقْتُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كُنْت أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْجَرَّاح , ‏ ‏( وَأَبَا طَلْحَة ) ‏ ‏هُوَ زَيْد بْن سَهْل زَوْج أُمّ سُلَيْمٍ أُمّ أَنَس , ‏ ‏( وَأُبَيّ بْن كَعْب ) ‏ ‏, كَذَا اِقْتَصَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة , فَأَمَّا أَبُو طَلْحَة فَلِكَوْنِ الْقِصَّة كَانَتْ فِي مَنْزِله كَمَا مَضَى فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق ثَابِت عَنْ أَنَس \" كُنْت سَاقِي الْقَوْم فِي مَنْزِل أَبِي طَلْحَة \" وَأَمَّا أَبُو عُبَيْدَة فَلِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بَيْنه وَبَيْن أَبِي طَلْحَة كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس , وَأَمَّا أُبَيّ بْن كَعْب فَكَانَ كَبِير الْأَنْصَار وَعَالِمهمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب عَنْ أَنَس فِي تَفْسِير الْمَائِدَة \" إِنِّي لَقَائِم أَسْقِي أَبَا طَلْحَة وَفُلَانًا وَفُلَانًا \" كَذَا وَقَعَ بِالْإِبْهَامِ , وَسَمَّى فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْهُمْ أَبَا أَيُّوب , وَسَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب مِنْ رِوَايَة هِشَام عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس \" إِنِّي كُنْت لَأَسْقِي أَبَا طَلْحَة وَأَبَا دُجَانَة وَسُهَيْل اِبْن بَيْضَاء \" وَأَبُو دُجَانَة بِضَمِّ الدَّال الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْجِيم وَبَعْد الْأَلِف نُون اِسْمه سِمَاك بْن خَرَشَة بِمُعْجَمَتَيْنِ بَيْنهمَا رَاء مَفْتُوحَات , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَة نَحْوه وَسَمَّى فِيهِمْ مُعَاذ بْن جَبَل , وَلِأَحْمَد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" كُنْت أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَة وَأُبَيّ بْن كَعْب وَسُهَيْل اِبْن بَيْضَاء وَنَفَرًا مِنْ الصَّحَابَة عِنْد أَبِي طَلْحَة \" وَوَقَعَ عِنْد عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر بْن ثَابِت وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا عَنْ أَنَس أَنَّ الْقَوْم كَانُوا أَحَد عَشَر رَجُلًا , وَقَدْ حَصَلَ مِنْ الطُّرُق الَّتِي أَوْرَدْتهَا تَسْمِيَة سَبْعَة مِنْهُمْ , وَأَبْهَمَهُمْ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَس وَهِيَ فِي هَذَا الْبَاب وَلَفْظه \" كُنْت قَائِمًا عَلَى الْحَيّ أَسْقِيهِمْ عُمُومَتِي \" وَقَوْله عُمُومَتِي فِي مَوْضِع خَفَضَ عَلَى الْبَدَل مِنْ قَوْله : \" الْحَيّ \" وَأَطْلَقَ عَلَيْهِمْ عُمُومَته لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَسَنَّ مِنْهُ وَلِأَنَّ أَكْثَرهمْ مِنْ الْأَنْصَار. وَمِنْ الْمُسْتَغْرَبَات مَا أَوْرَدَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيره مِنْ طَرِيق عِيسَى بْن طَهْمَان عَنْ أَنَس أَنَّ أَبَا بَكْر وَعُمَر كَانَا فِيهِمْ , وَهُوَ مُنْكَر مَعَ نَظَافَة سَنَده , وَمَا أَظُنّهُ إِلَّا غَلَطًا. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْحِلْيَة \" فِي تَرْجَمَة شُعْبَة مِنْ حَدِيث عَائِشَة قَالَتْ : \" حَرَّمَ أَبُو بَكْر الْخَمْر عَلَى نَفْسه فَلَمْ يَشْرَبهَا فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام \" وَيَحْتَمِل إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا أَنْ يَكُون أَبُو بَكْر وَعُمَر زَارَا أَبَا طَلْحَة فِي ذَلِكَ الْيَوْم وَلَمْ يَشْرَبَا مَعَهُمْ. ثُمَّ وَجَدْت عِنْد الْبَزَّار مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس قَالَ : \" كُنْت سَاقِي الْقَوْم , وَكَانَ فِي الْقَوْم رَجُل يُقَال لَهُ أَبُو بَكْر , فَلَمَّا شَرِبَ قَالَ : \" تُحَيِّي بِالسَّلَامَةِ أُمّ بَكْر \" الْأَبْيَات , فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ : قَدْ نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر \" الْحَدِيث. وَأَبُو بَكْر هَذَا يُقَال لَهُ اِبْن شَغُوب , فَظَنَّ بَعْضهمْ أَنَّهُ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , لَكِنْ قَرِينَة ذِكْر عُمَر تَدُلّ عَلَى عَدَم الْغَلَط فِي وَصْف الصِّدِّيق , فَحَصَّلْنَا تَسْمِيَة عَشَرَة , وَقَدْ قَدَّمْت فِي غَزْوَة بَدْر مِنْ الْمَغَازِي تَرْجَمَة أَبِي بَكْر بْن شَغُوب الْمَذْكُور. وَفِي \" كِتَاب مَكَّة لِلْفَاكِهِيِّ \" مِنْ طَرِيق مُرْسَل مَا يَشِيد ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ فَضِيخ زَهْو وَتَمْر ) ‏ ‏أَمَّا الْفَضِيخ فَهُوَ بِفَاءٍ وَضَاد مُعْجَمَتَيْنِ وَزْن عَظِيم : اِسْم لِلْبُسْرِ إِذَا شُدِخَ وَنُبِذَ , وَأَمَّا الزَّهْو فَبِفَتْحِ الزَّاي وَسُكُون الْهَاء بَعْدهَا وَاو : وَهُوَ الْبُسْر الَّذِي يَحْمَرّ أَوْ يَصْفَرّ قَبْل أَنْ يَتَرَطَّب. وَقَدْ يُطْلَق الْفَضِيخ عَلَى خَلِيط الْبُسْر وَالرُّطَب , كَمَا يُطْلَق عَلَى خَلِيط الْبُسْر وَالتَّمْر , وَكَمَا يُطْلَق عَلَى الْبُسْر وَحْده وَعَلَى التَّمْر وَحْده كَمَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي آخِر الْبَاب. وَعِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق قَتَادَة عَنْ أَنَس \" وَمَا خَمْرهمْ يَوْمئِذٍ إِلَّا الْبُسْر وَالتَّمْر مَخْلُوطَيْنِ \" وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق قَتَادَة عَنْ أَنَس \" أَسْقِيهِمْ مِنْ مَزَادَة فِيهَا خَلِيط بُسْر وَتَمْر \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَهُمْ آتٍ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس عِنْد أَحْمَد بَعْد قَوْله \" أَسْقِيهِمْ \" : \" حَتَّى كَادَ الشَّرَاب يَأْخُذ فِيهِمْ \" وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ \" حَتَّى أَسْرَعَتْ فِيهِمْ \" وَلِابْنِ أَبِي عَاصِم \" حَتَّى مَالَتْ رُءُوسهمْ , فَدَخَلَ دَاخِل \" وَمَضَى فِي الْمَظَالِم مِنْ طَرِيق ثَابِت عَنْ أَنَس \" فَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيًا فَنَادَى \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي أَنَّ الْخَمْر قَدْ حُرِّمَتْ \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة سَعِيد عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس نَحْوه وَزَادَ \" فَقَالَ أَبُو طَلْحَة : اخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْت \" وَمَضَى فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب عَنْ أَنَس بِلَفْظِ \" إِذْ جَاءَ رَجُل فَقَالَ : هَلْ بَلَغَكُمْ الْخَبَر ؟ قَالُوا : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : قَدْ حُرِّمَتْ الْخَمْر \" وَهَذَا الرَّجُل يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ الْمُنَادِي , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون غَيْره سَمِعَ الْمُنَادِي فَدَخَلَ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق بَكْر بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَنَس قَالَ \" لَمَّا حُرِّمَتْ الْخَمْر وَحَلَفَ عَلَيَّ أُنَاس مِنْ أَصْحَابِي وَهِيَ بَيْن أَيْدِيهمْ , فَضَرَبْتهَا بِرِجْلِي وَقُلْت : نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَنَس خَرَجَ فَاسْتَخْبَرَ الرَّجُل , لَكِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه آخَر أَنَّ الرَّجُل قَامَ عَلَى الْبَاب فَذَكَرَ لَهُمْ تَحْرِيمهَا , وَمِنْ وَجْه آخَر \" أَتَانَا فُلَان مِنْ عِنْد نَبِيّنَا فَقَالَ : قَدْ حُرِّمَتْ الْخَمْر , قُلْنَا : مَا تَقُول ؟ فَقَالَ : سَمِعْته مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّاعَة , وَمِنْ عِنْده أَتَيْتُكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَبُو طَلْحَة : قُمْ يَا أَنَس , فَهَرِقْهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَاء وَكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْقَاف , وَالْأَصْل أَرِقْهَا , فَأُبْدِلَتْ الْهَمْزَة هَاء , وَكَذَا قَوْله : \" فَهَرَقْتهَا \" وَقَدْ تُسْتَعْمَل هَذِهِ الْكَلِمَة بِالْهَمْزَةِ وَالْهَاء مَعًا وَهُوَ نَادِر , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي الطَّهَارَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس فِي التَّفْسِير بِلَفْظِ \" فَأَرِقْهَا \" , وَمِنْ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب \" فَقَالُوا أَرِقْ هَذِهِ الْقِلَال يَا أَنَس \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ الْمُخَاطِب لَهُ بِذَلِكَ أَبُو طَلْحَة , وَرَضِيَ الْبَاقُونَ بِذَلِكَ فَنُسِبَ الْأَمْر بِالْإِرَاقَةِ إِلَيْهِمْ جَمِيعًا. وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة فِي الْبَاب \" أَكْفِئْهَا \" بِكَسْرِ الْفَاء مَهْمُوز بِمَعْنَى أَرِقْهَا , وَأَصْل الْإِكْفَاء الْإِمَالَة. وَوَقَعَ فِي \" بَاب إِجَازَة خَبَر الْوَاحِد \" مِنْ رِوَايَة أُخْرَى عَنْ مَالِك فِي هَذَا الْحَدِيث \" قُمْ إِلَى هَذِهِ الْجِرَار فَاكْسِرْهَا , قَالَ أَنَس : فَقُمْت إِلَى مِهْرَاس لَنَا فَضَرَبْتهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى اِنْكَسَرَتْ \" وَهَذَا لَا يُنَافِي الرِّوَايَات الْأُخْرَى بَلْ يُجْمَع بِأَنَّهُ أَرَاقَهَا وَكَسَرَ أَوَانِيهَا , أَوْ أَرَاقَ بَعْضًا وَكَسَرَ بَعْضًا. وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة تَفَرَّدَ عَنْ أَنَس بِذِكْرِ الْكَسْر , وَأَنَّ ثَابِتًا وَعَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب وَحُمَيْدًا وَعَدَّ جَمَاعَة مِنْ الثِّقَات رَوَوْا الْحَدِيث بِتَمَامِهِ عَنْ أَنَس مِنْهُمْ مَنْ طَوَّلَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ اِخْتَصَرَهُ , فَلَمْ يَذْكُرُوا إِلَّا إِرَاقَتهَا. وَالْمِهْرَاس بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْهَاء وَآخِره مُهْمَلَة إِنَاء يُتَّخَذ مِنْ صَخْر وَيُنَقَّر وَقَدْ يَكُون كَبِيرًا كَالْحَوْضِ وَقَدْ يَكُون صَغِيرًا بِحَيْثُ يَتَأَتَّى الْكَسْر بِهِ , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرهُ مَا يَكْسِر بِهِ غَيْره , أَوْ كَسَرَ بِآلَةِ الْمِهْرَاس الَّتِي يُدَقّ بِهَا فِيهِ كَالْهَاوُنِ فَأَطْلَقَ اِسْمه عَلَيْهَا مَجَازًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس عِنْد أَحْمَد \" فَوَاَللَّهِ مَا قَالُوا حَتَّى نَنْظُر وَنَسْأَل \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب فِي التَّفْسِير \" فَوَاَللَّهِ مَا سَأَلُوا عَنْهَا وَلَا رَاجَعُوهَا بَعْد خَبَر الرَّجُل \" وَوَقَعَ فِي الْمَظَالِم \" فَجَرَتْ فِي سِكَك الْمَدِينَة \" أَيْ طُرُقهَا , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى تَوَارُد مَنْ كَانَتْ عِنْده مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى إِرَاقَتهَا حَتَّى جَرَتْ فِي الْأَزِقَّة مِنْ كَثْرَتهَا. قَالَ الْقُرْطُبِيّ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الزِّيَادَة بَعْض مَنْ قَالَ إِنَّ الْخَمْر الْمُتَّخَذَة مِنْ غَيْر الْعِنَب لَيْسَتْ نَجِسَة لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ التَّخَلِّي فِي الطُّرُق , فَلَوْ كَانَتْ نَجِسَة مَا أَقَرَّهُمْ عَلَى إِرَاقَتهَا فِي الطَّرَقَات حَتَّى تَجْرِي. وَالْجَوَاب أَنَّ الْقَصْد بِالْإِرَاقَةِ كَانَ لِإِشَاعَةِ تَحْرِيمهَا , فَإِذَا اِشْتَهَرَ ذَلِكَ كَانَ أَبْلَغ فَتُحْتَمَل أَخَفّ الْمَفْسَدَتَيْنِ لِحُصُولِ الْمَصْلَحَة الْعَظِيمَة الْحَاصِلَة مِنْ الِاشْتِهَار , وَيَحْتَمِل أَنَّهَا إِنَّمَا أُرِيقَتْ فِي الطُّرُق الْمُنْحَدِرَة بِحَيْثُ تَنْصَبّ إِلَى الْأَشْرِبَة وَالْحُشُوش أَوْ الْأَوْدِيَة فَتُسْتَهْلَك فِيهَا , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث جَابِر بِسَنَدٍ جَيِّد فِي قِصَّة صَبّ الْخَمْر قَالَ : \" فَانْصَبَّتْ حَتَّى اِسْتَنْقَعَتْ فِي بَطْن الْوَادِي \". وَالتَّمَسُّك بِعُمُومِ الْأَمْر بِاجْتِنَابِهَا كَافٍ فِي الْقَوْل بِنَجَاسَتِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5155",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ قَائِمًا عَلَى الْحَيِّ أَسْقِيهِمْ عُمُومَتِي وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ ‏ ‏الْفَضِيخَ ‏ ‏فَقِيلَ ‏ ‏حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فَقَالُوا أَكْفِئْهَا فَكَفَأْتُهَا قُلْتُ ‏ ‏لِأَنَسٍ ‏ ‏مَا شَرَابُهُمْ قَالَ رُطَبٌ ‏ ‏وَبُسْرٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏وَكَانَتْ خَمْرَهُمْ فَلَمْ يُنْكِرْ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ كَانَتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِأَنَسٍ ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ وَالِد مُعْتَمِر , ‏ ‏وَقَوْله : \" فَقَالَ أَبُو بَكْر بْن أَنَس : وَكَانَتْ خَمْرهمْ \" ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" يَوْمئِذٍ \" ‏ ‏وَقَوْله : \" فَلَمْ يُنْكِر أَنَس \" ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" ذَلِكَ \" وَالْمَعْنَى أَنَّ أَبَا بَكْر بْن أَنَس كَانَ حَاضِرًا عِنْد أَنَس لَمَّا حَدَّثَهُمْ فَكَأَنَّ أَنَسًا حِينَئِذٍ لَمْ يُحَدِّثهُمْ بِهَذِهِ الزِّيَادَة إِمَّا نَسِيَانَا وَإِمَّا اِخْتِصَارًا , فَذَكَّرَهُ بِهَا اِبْنه أَبُو بَكْر فَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا , وَقَدْ ثَبَتَ تَحْدِيث أَنَس بِهَا كَمَا سَأَذْكُرُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي بَعْض أَصْحَابِي ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ أَيْضًا , وَهُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَفْرَدَ مُسْلِم هَذِهِ الطَّرِيق عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى عَنْ مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" حَدَّثَنِي بَعْض مَنْ كَانَ مَعِي أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُول : \" كَانَ خَمْرهمْ يَوْمئِذٍ \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَنَس حَدَّثَ بِهَا حِينَئِذٍ فَلَمْ يَسْمَعهُ سُلَيْمَان , أَوْ حَدَّثَ بِهَا فِي مَجْلِس آخَر فَحَفِظَهَا عَنْهُ الرَّجُل الَّذِي حَدَّثَ بِهَا سُلَيْمَان , وَهَذَا الْمُبْهَم يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ بَكْر بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيَّ , فَإِنَّ رِوَايَته فِي آخِر الْبَاب تُومِئ إِلَى ذَلِكَ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَتَادَة , فَسَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب مِنْ طَرِيقه عَنْ أَنَس بِلَفْظِ \" وَإِنَّا نَعُدّهَا يَوْمئِذٍ الْخَمْر \" وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الْحُجَج عَلَى أَنَّ الْخَمْر اِسْم جِنْس لِكُلِّ مَا يُسْكِر , سَوَاء كَانَ مِنْ الْعِنَب أَوْ مِنْ نَقِيع الزَّبِيب أَوْ التَّمْر أَوْ الْعَسَل أَوْ غَيْرهَا. وَأَمَّا دَعْوَى بَعْضهمْ أَنَّ الْخَمْر حَقِيقَة فِي مَاء الْعِنَب , مَجَاز فِي غَيْره , فَإِنَّ سَلِمَ فِي اللُّغَة لَزِمَ مَنْ قَالَ بِهِ جَوَاز اِسْتِعْمَال اللَّفْظ الْوَاحِد فِي حَقِيقَته وَمَجَازه , وَالْكُوفِيُّونَ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ اِنْتَهَى. وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الشَّرْع فَالْخَمْر حَقِيقَة فِي الْجَمِيع , لِثُبُوتِ حَدِيث \" كُلّ مُسْكِر خَمْر \" فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْن الْحَقِيقَة وَالْمَجَاز فِي هَذَا اللَّفْظ لَزِمَهُ أَنْ يُجِيزهُ , وَهَذَا مَا لَا اِنْفِكَاك لَهُمْ عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5156",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ أَبُو مَعْشَرٍ الْبَرَّاءُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏حَدَّثَهُمْ ‏ ‏أَنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ وَالْخَمْرُ يَوْمَئِذٍ ‏ ‏الْبُسْرُ ‏ ‏وَالتَّمْرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد , وَهُوَ أَبُو مَعْشَر الْبَرَّاء بِالتَّشْدِيدِ , وَهُوَ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اِسْمه , وَيُقَال لَهُ أَيْضًا الْقَطَّان وَشُهْرَته بِالْبَرَّاءِ أَكْثَر , وَكَانَ يَبْرِي السِّهَام ; وَهُوَ بَصْرِيّ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَآخَر سَيَأْتِي فِي الطِّبّ وَكِلَاهُمَا فِي الْمُتَابَعَات , وَقَدْ لَيَّنَهُ اِبْن مَعِين وَأَبُو دَاوُدَ , وَوَثَّقَهُ الْمُقَدَّمِيّ , وَسَعِيد بْن عُبَيْد اللَّه بِالتَّصْغِيرِ اِسْم جَدّه جُبَيْر بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَة مُصَغَّرًا اِبْن حَيَّة بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة وَثَّقَهُ أَحْمَد وَابْن مَعِين , وَقَالَ الْحَاكِم عَنْ الدَّارَقُطْنِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ , وَمَا لَهُ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَآخَر تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ الْخَمْر حُرِّمَتْ وَالْخَمْر يَوْمئِذٍ الْبُسْر ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو مَعْشَر مُخْتَصَرًا , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق رَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ سَعِيد بْن عُبَيْد اللَّه بِهَذَا السَّنَد مُطَوَّلًا وَلَفْظه عَنْ أَنَس \" نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر , فَدَخَلْت عَلَى أُنَاس مِنْ أَصْحَابِي وَهِيَ بَيْن أَيْدِيهمْ فَضَرَبْتهَا بِرِجْلِي فَقُلْت : اِنْطَلِقُوا فَقَدْ نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر , وَشَرَابهمْ يَوْمئِذٍ الْبُسْر وَالتَّمْر \" وَهَذَا الْفِعْل مِنْ أَنَس كَأَنَّهُ بَعْد أَنْ خَرَجَ فَسَمِعَ النِّدَاء بِتَحْرِيمِ الْخَمْر , فَرَجَعَ فَأَخْبَرَهُمْ. وَوَقَعَ عِنْد اِبْن أَبِي عَاصِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس \" فَأَرَاقُوا الشَّرَاب وَتَوَضَّأَ بَعْض وَاغْتَسَلَ بَعْض , وَأَصَابُوا مِنْ طِيب أُمّ سُلَيْمٍ وَأَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِذَا هُوَ يَقْرَأ ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ) الْآيَة. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ شُرْب الْخَمْر كَانَ مُبَاحًا لَا إِلَى نِهَايَة , ثُمَّ حُرِّمَتْ. وَقِيلَ : كَانَ الْمُبَاح الشُّرْب لَا السُّكْر الْمُزِيل لِلْعَقْلِ , وَحَكَاهُ أَبُو نَصْر بْن الْقُشَيْرِيّ فِي تَفْسِيره عَنْ الْقَفَّال , وَنَازَعَهُ فِيهِ. وَبَالَغَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح مُسْلِم \" فَقَالَ : مَا يَقُولهُ بَعْض مَنْ لَا تَحْصِيل عِنْده أَنَّ السُّكْر لَمْ يَزَلْ مُحَرَّمًا بَاطِلٌ لَا أَصْل لَهُ , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ) فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ وُجُود السُّكْر حَتَّى يَصِل إِلَى الْحَدّ الْمَذْكُور , وَنُهُوا عَنْ الصَّلَاة فِي تِلْكَ الْحَالَة لَا فِي غَيْرهَا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاقِعًا. وَيُؤَيِّدهُ قِصَّة حَمْزَة وَالشَّارِفَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي مَكَانه. وَعَلَى هَذَا فَهَلْ كَانَتْ مُبَاحَة بِالْأَصْلِ أَوْ بِالشَّرْعِ ثُمَّ نُسِخَتْ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ , وَالرَّاجِح الْأَوَّل , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُتَّخَذ مِنْ غَيْر الْعِنَب يُسَمَّى خَمْرًا , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ قَرِيبًا فِي \" بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْخَمْر مَا خَامَرَ الْعَقْل \" وَعَلَى أَنَّ السَّكَر الْمُتَّخَذ مِنْ غَيْر الْعِنَب يَحْرُم شُرْب قَلِيله كَمَا يَحْرُم شُرْب الْقَلِيل مِنْ الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب إِذَا أَسْكَرَ كَثِيره , لِأَنَّ الصَّحَابَة فَهِمُوا مِنْ الْأَمْر بِاجْتِنَابِ الْخَمْر تَحْرِيم مَا يُتَّخَذ لِلسُّكْرِ مِنْ جَمِيع الْأَنْوَاع , وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا. وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَب جُمْهُور الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّة وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ مِنْ الْكُوفِيِّينَ فَقَالُوا : يَحْرُم الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا إِلَّا إِذَا طُبِخَ عَلَى تَفْصِيل سَيَأْتِي بَيَانه فِي بَاب مُفْرَد , فَإِنَّهُ يَحِلّ. وَقَدْ اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْقَلِيل مِنْ الْخَمْر الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب يَحْرُم قَلِيله وَكَثِيره , وَعَلَى أَنَّ الْعِلَّة فِي تَحْرِيم قَلِيله كَوْنه يَدْعُو إِلَى تَنَاوُل كَثِيره , فَيَلْزَم ذَلِكَ مَنْ فَرَّقَ فِي الْحُكْم بَيْن الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب وَبَيْن الْمُتَّخَذ مِنْ غَيْرهَا فَقَالَ فِي الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب : يَحْرُم الْقَلِيل مِنْهُ وَالْكَثِير إِلَّا إِذَا طُبِخَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه , وَفِي الْمُتَّخَذ مِنْ غَيْرهَا لَا يَحْرُم مِنْهُ إِلَّا الْقَدْر الَّذِي يُسْكِر وَمَا دُونه لَا يَحْرُم , فَفَرَّقُوا بَيْنهمَا بِدَعْوَى الْمُغَايَرَة فِي الِاسْم مَعَ اِتِّحَاد الْعِلَّة فِيهِمَا , فَإِنَّ كُلّ قَدْر فِي الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب يُقَدَّر فِي الْمُتَّخَذ مِنْ غَيْرهَا , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَهَذَا مِنْ أَرْفَع أَنْوَاع الْقِيَاس لِمُسَاوَاةِ الْفَرْع فِيهِ لِلْأَصْلِ فِي جَمِيع أَوْصَافه , مَعَ مُوَافَقَته فِيهِ لِظَوَاهِر النُّصُوص الصَّحِيحَة , وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ الشَّافِعِيّ : قَالَ لِي بَعْض النَّاس الْخَمْر حَرَام , وَالسُّكْر مِنْ كُلّ شَرَاب حَرَام , وَلَا يَحْرُم الْمُسْكِر مِنْهُ حَتَّى يُسْكِر , وَلَا يُحَدّ شَارِبهَا. فَقُلْت : كَيْف خَالَفْت مَا جَاءَ بِهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عَنْ عُمَر ثُمَّ عَنْ عَلِيّ وَلَمْ يَقُلْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة خِلَافه ؟ قَالَ : وَرُوِّينَا عَنْ عُمَر , قُلْت : فِي سَنَده مَجْهُول عِنْده فَلَا حُجَّة فِيهِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : أَشَارَ إِلَى رِوَايَة سَعِيد بْن ذِي لَعْوَة أَنَّهُ شَرِبَ مِنْ سَطِيحَة لِعُمَر فَسَكِرَ فَجَلَدَهُ عُمَر , قَالَ : إِنَّمَا شَرِبْت مِنْ سَطِيحَتك. قَالَ : أَضْرِبك عَلَى السُّكْر. وَسَعِيد قَالَ الْبُخَارِيّ وَغَيْره : لَا يُعْرَف. قَالَ : وَقَالَ بَعْضهمْ سَعِيد بْن ذِي حُدَّان , وَهُوَ غَلَط. ثُمَّ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيث الَّتِي جَاءَتْ فِي كَسْر النَّبِيذ بِالْمَاءِ , مِنْهَا حَدِيث هَمَّام بْن الْحَارِث عَنْ عُمَر \" أَنَّهُ كَانَ فِي سَفَر , فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَ مِنْهُ فَقَطَّبَ , ثُمَّ قَالَ : إِنَّ نَبِيذ الطَّائِفَة لَهُ عُرَام - بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الرَّاء - ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ \" وَسَنَده قَوِيّ , وَهُوَ أَصَحّ شَيْء وَرَدَ فِي ذَلِكَ , وَلَيْسَ نَصًّا فِي أَنَّهُ بَلَغَ حَدَّ الْإِسْكَار , فَلَوْ كَانَ بَلَغَ حَدَّ الْإِسْكَار لَمْ يَكُنْ صَبَّ الْمَاء عَلَيْهِ مُزِيلًا لِتَحْرِيمِهِ , وَقَدْ اِعْتَرَفَ الطَّحَاوِيّ بِذَلِكَ فَقَالَ : لَوْ كَانَ بَلَغَ التَّحْرِيم لَكَانَ لَا يَحِلّ , وَلَوْ ذَهَبَتْ شِدَّته بِصَبِّ الْمَاء , فَثَبَتَ أَنَّهُ قَبْل أَنْ يُصَبّ عَلَيْهِ الْمَاء كَانَ غَيْر حَرَام. قُلْت : وَإِذَا لَمْ يَبْلُغ حَدَّ الْإِسْكَار فَلَا خِلَاف فِي إِبَاحَة شُرْب قَلِيله وَكَثِيره , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَقْطِيبه لِأَمْرٍ غَيْر الْإِسْكَار. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : حَمْل هَذِهِ الْأَشْرِبَة عَلَى أَنَّهُمْ خَشُوا أَنْ تَتَغَيَّر فَتَشْتَدّ , فَجَوَّزُوا صَبَّ الْمَاء فِيهَا لِيَمْتَنِع الِاشْتِدَاد , أَوْلَى مِنْ حَمْلهَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ بَلَغَتْ حَدّ الْإِسْكَار , فَكَانَ صَبُّ الْمَاء عَلَيْهَا لِذَلِكَ. لِأَنَّ مَزْجَهَا بِالْمَاءِ لَا يَمْنَع إِسْكَارهَا إِذَا كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ حَدَّ الْإِسْكَار. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَب صَبِّ الْمَاء كَوْن ذَلِكَ الشَّرَاب كَانَ حَمُضَ , وَلِهَذَا قَطَّبَ عُمَر لَمَّا شَرِبَهُ , فَقَدْ قَالَ نَافِع : وَاَللَّه مَا قَطَّبَ عُمَر وَجْهه لِأَجْلِ الْإِسْكَار حِين ذَاقَهُ , وَلَكِنَّهُ كَانَ تَخَلَّلَ. وَعَنْ عُتْبَة بْن فَرْقَد قَالَ : كَانَ النَّبِيذ الَّذِي شَرِبَهُ عُمَر قَدْ تَخَلَّلَ , قُلْت : وَهَذَا الثَّانِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح , وَرَوَى الْأَثْرَم عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَعَنْ الْعُمَرِيّ أَنَّ عُمَر إِنَّمَا كَسَرَهُ بِالْمَاءِ لِشِدَّةِ حَلَاوَته. قُلْت : وَيُمْكِن الْحَمْل عَلَى حَالَتَيْنِ : هَذِهِ لَمَّا لَمْ يُقَطِّب حِين ذَاقَهُ وَأَمَّا عِنْدَمَا قَطَّبَ فَكَانَ لِحُمُوضَتِهِ. وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِمَذْهَبِهِمْ أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَة عَنْ اِبْن مَسْعُود فِي قَوْله : \" كُلّ مُسْكِر حَرَام \" قَالَ : هِيَ الشَّرْبَة الَّتِي تُسْكِر. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ ضَعِيف لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ حَجَّاج بْن أَرْطَاة عَنْ حَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان عَنْ النَّخَعِيِّ وَحَجَّاج هُوَ ضَعِيف وَمُدَلِّس أَيْضًا. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : ذُكِرَ هَذَا لِعَبْدِ اللَّه بْن الْمُبَارَك فَقَالَ : هَذَا بَاطِل. وَرَوَى بِسَنَدٍ لَهُ صَحِيح عَنْ النَّخَعِيِّ قَالَ : إِذَا سَكِرَ مِنْ شَرَاب لَمْ يَحِلّ لَهُ أَنْ يَعُود فِيهِ أَبَدًا. قُلْت : وَهَذَا أَيْضًا عِنْد النَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيح ثُمَّ رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ اِبْن الْمُبَارَك قَالَ : مَا وَجَدْت الرُّخْصَة فِيهِ مِنْ وَجْه صَحِيح إِلَّا عَنْ النَّخَعِيِّ مِنْ قَوْله. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَالْأَثْرَم مِنْ طَرِيق خَالِد بْن سَعْد عَنْ أَبِي مَسْعُود قَالَ : عَطِشَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَطُوف فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ مِنْ السِّقَايَة فَقَطَّبَ , فَقِيلَ : أَحَرَام هُوَ ؟ قَالَ لَا : عَلَيَّ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاء زَمْزَم , فَصَبَّ عَلَيْهِ وَشَرِبَ \" قَالَ الْأَثْرَم : اِحْتَجَّ بِهِ الْكُوفِيُّونَ لِمَذْهَبِهِمْ , وَلَا حُجَّة فِيهِ , لِأَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ النَّبِيذ إِذَا اِشْتَدَّ بِغَيْرِ طَبْخ لَا يَحِلّ شُرْبه , فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ الَّذِي شَرِبَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيل فَقَدْ نَسَبُوا إِلَيْهِ أَنَّهُ شَرِبَ الْمُسْكِر , وَمَعَاذَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ. وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُ قَطَّبَ مِنْ حُمُوضَته لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّة , لِأَنَّ النَّقِيع مَا لَمْ يَشْتَدّ فَكَثِيره وَقَلِيله حَلَال بِالِاتِّفَاقِ. قُلْت : وَقَدْ ضَعَّفَ حَدِيث أَبِي مَسْعُود الْمَذْكُور النَّسَائِيُّ وَأَحْمَد وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَغَيْرهمْ , لِتَفَرُّدِ يَحْيَى بْن يَمَان بِرَفْعِهِ وَهُوَ ضَعِيف. ثُمَّ رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ اِبْن الْمُبَارَك قَالَ : مَا وَجَدْت الرُّخْصَة فِيهِ مِنْ وَجْه صَحِيح إِلَّا عَنْ النَّخَعِيِّ مِنْ قَوْله. ‏"
    },
    {
        "id": "5157",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبِتْعِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُئِلَ عَنْ الْبِتْع ) ‏ ‏زَادَ شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ ثَانِي أَحَادِيث الْبَاب \" وَهُوَ نَبِيذ الْعَسَل , وَكَانَ أَهْل الْيَمَن يَشْرَبُونَهُ \" وَمِثْله لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَظَاهِره أَنَّ التَّفْسِير مِنْ كَلَام عَائِشَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ كَلَام مَنْ دُونهَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد أَحْمَد مِثْل رِوَايَة مَالِك , لَكِنْ قَالَ فِي آخِره : \" وَالْبِتْع نَبِيذ الْعَسَل \" وَهُوَ أَظْهَر فِي اِحْتِمَال الْإِدْرَاج. لِأَنَّهُ أَكْثَر مَا يَقَع فِي آخِر الْحَدِيث. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَعْمَر لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظه , وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم السَّائِل فِي حَدِيث عَائِشَة صَرِيحًا , لَكِنَّنِي أَظُنّهُ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِيهِ \" عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَن فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْرِبَة تُصْنَع بِهَا فَقَالَ : مَا هِيَ ؟ قَالَ : الْبِتْع وَالْمِزْر , فَقَالَ : كُلّ مُسْكِر حَرَام. قُلْت لِأَبِي بُرْدَة : مَا الْبِتْع ؟ قَالَ : نَبِيذ الْعَسَل \" وَهُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة بِلَفْظِ \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه أَفْتِنَا فِي شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعهُمَا بِالْيَمَنِ : الْبِتْع مِنْ الْعَسَل يُنْبَذ حَتَّى يَشْتَدّ , وَالْمِزْر مِنْ الشَّعِير وَالذُّرَة يُنْبَذ حَتَّى يَشْتَدّ , قَالَ : وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُعْطِيَ جَوَامِع الْكَلِم وَخَوَاتِمه , فَقَالَ : أَنْهَى عَنْ كُلّ مُسْكِر \" وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ التَّصْرِيح بِأَنَّ تَفْسِير الْبِتْع مَرْفُوع وَلَفْظه \" سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَرَاب مِنْ الْعَسَل , فَقَالَ : ذَاكَ الْبِتْع , قُلْت : وَمِنْ الشَّعِير وَالذُّرَة , قَالَ : ذَاكَ الْمِزْر. ثُمَّ قَالَ : أَخْبِرْ قَوْمك أَنَّ كُلّ مُسْكِر حَرَام \" وَقَدْ سَأَلَ أَبُو وَهْب الْجَيْشَانِيّ عَنْ شَيْء مَا سَأَلَهُ أَبُو مُوسَى , فَعِنْد الشَّافِعِيّ وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثه أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمِزْر فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ \" كُلّ مُسْكِر حَرَام \" وَهَذِهِ الرِّوَايَة تَفْسِير الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث الْبَاب \" كُلّ شَرَاب أَسْكَرَ \" وَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَخْصِيص التَّحْرِيم بِحَالَةِ الْإِسْكَار , بَلْ الْمُرَاد أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ فِيهِ صَلَاحِيَة الْإِسْكَار حَرُمَ تَنَاوُله وَلَوْ لَمْ يَسْكَر الْمُتَنَاوِل بِالْقَدْرِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ مِنْهُ. وَيُؤْخَذ مِنْ لَفْظ السُّؤَال أَنَّهُ وَقَعَ عَنْ حُكْم جِنْس الْبِتْع لَا عَنْ الْقَدْر الْمُسْكِر مِنْهُ , لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ السَّائِل ذَلِكَ لَقَالَ : أَخْبِرْنِي عَمَّا يَحِلّ مِنْهُ وَمَا يَحْرُم , وَهَذَا هُوَ الْمَعْهُود مِنْ لِسَان الْعَرَب إِذَا سَأَلُوا عَنْ الْجِنْس قَالُوا : هَلْ هَذَا نَافِع أَوْ ضَارّ ؟ مَثَلًا. وَإِذَا سَأَلُوا عَنْ الْقَدْر قَالُوا : كَمْ يُؤْخَذ مِنْهُ ؟ وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الْمُفْتِي يُجِيب السَّائِل بِزِيَادَةٍ عَمَّا سَأَلَ عَنْهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاج إِلَيْهِ السَّائِل. وَفِيهِ تَحْرِيم كُلّ مُسْكِر سَوَاء كَانَ مُتَّخَذًا مِنْ عَصِير الْعِنَب أَوْ مِنْ غَيْره , قَالَ الْمَازِرِيّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَصِير الْعِنَب قَبْل أَنْ يَشْتَدّ حَلَال , وَعَلَى أَنَّهُ إِذَا اِشْتَدَّ وَغَلَى وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ حَرُمَ قَلِيله وَكَثِيره , ثُمَّ لَوْ حَصَلَ لَهُ تَخَلُّل بِنَفْسِهِ حَلَّ بِالْإِجْمَاعِ أَيْضًا , فَوَقَعَ النَّظَر فِي تَبَدُّل هَذِهِ الْأَحْكَام عِنْد هَذِهِ الْمُتَّخَذَات فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِارْتِبَاطِ بَعْضهَا بِبَعْضٍ , وَدَلَّ عَلَى أَنَّ عِلَّة التَّحْرِيم الْإِسْكَار فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ كُلّ شَرَاب وُجِدَ فِيهِ الْإِسْكَار حَرُمَ تَنَاوُل قَلِيله وَكَثِيره اِنْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ اِسْتِنْبَاطًا ثَبَتَ التَّصْرِيح بِهِ فِي بَعْض طُرُق الْخَبَر , فَعِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث جَابِر قَالَ : \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَسْكَرَ كَثِيره فَقَلِيله حَرَام \" وَلِلنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه مِثْله , وَسَنَده إِلَى عَمْرو صَحِيح. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعًا , \" كُلّ مُسْكِر حَرَام وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْق فَمِلْء الْكَفّ مِنْهُ حَرَام \" وَلِابْنِ حِبَّان وَالطَّحَاوِيّ مِنْ حَدِيث عَامِر بْن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" أَنْهَاكُمْ عَنْ قَلِيل مَا أَسْكَرَ كَثِيره \" وَقَدْ اِعْتَرَفَ الطَّحَاوِيُّ بِصِحَّةِ هَذِهِ الْأَحَادِيث , لَكِنْ قَالَ : اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيل الْحَدِيث , فَقَالَ بَعْضهمْ : أَرَادَ بِهِ جِنْس مَا يُسْكِر , وَقَالَ بَعْضهمْ أَرَادَ بِهِ مَا يَقَع السُّكْر عِنْده , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الْقَاتِل لَا يُسَمَّى قَاتِلًا حَتَّى يَقْتُل , قَالَ : وَيَدُلّ لَهُ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" حُرِّمَتْ الْخَمْر قَلِيلهَا وَكَثِيرهَا , وَالسُّكْر مِنْ كُلّ شَرَاب \". قُلْت : وَهُوَ حَدِيث أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَرِجَاله ثِقَات , إِلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي وَصْله وَانْقِطَاعه وَفِي رَفْعه وَوَقْفه , وَعَلَى تَقْدِير صِحَّته فَقَدْ رَجَّحَ الْإِمَام أَحْمَد وَغَيْره أَنَّ الرِّوَايَة فِيهِ بِلَفْظِ \" وَالْمُسْكِر \" بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون السِّين لَا \" السُّكْر \" بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُون أَوْ بِفَتْحَتَيْنِ , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوتهَا فَهُوَ حَدِيث فَرْد وَلَفْظه مُحْتَمَل , فَكَيْف يُعَارِض عُمُوم تِلْكَ الْأَحَادِيث مَعَ صِحَّتهَا وَكَثْرَتهَا ؟ وَجَاءَ أَيْضًا عَنْ عَلِيّ عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ وَعَنْ اِبْن عُمَر عِنْد اِبْن إِسْحَاق وَالطَّبَرَانِيِّ وَعَنْ خَوَّات بْن جُبَيْر عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيِّ وَعَنْ زَيْد بْن ثَابِت عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَفِي أَسَانِيدهَا مَقَال , لَكِنَّهَا تَزِيد الْأَحَادِيث الَّتِي قَبْلهَا قُوَّة وَشُهْرَة. قَالَ أَبُو الْمُظَفَّر بْن السَّمْعَانِيّ - وَكَانَ حَنَفِيًّا فَتَحَوَّلَ شَافِعِيًّا - : ثَبَتَتْ الْأَخْبَار عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَحْرِيم الْمُسْكِر , ثُمَّ سَاقَ كَثِيرًا مِنْهَا ثُمَّ قَالَ : وَالْأَخْبَار فِي ذَلِكَ كَثِيرَة وَلَا مَسَاغ لِأَحَدٍ فِي الْعُدُول عَنْهَا وَالْقَوْل بِخِلَافِهَا , فَإِنَّهَا حُجَج قَوَاطِع. قَالَ : وَقَدْ زَلَّ الْكُوفِيُّونَ فِي هَذَا الْبَاب وَرَوَوْا أَخْبَارًا مَعْلُولَة لَا تُعَارِض هَذِهِ الْأَخْبَار بِحَالٍ , وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ مُسْكِرًا فَقَدْ دَخَلَ فِي أَمْر عَظِيم وَبَاء بِإِثْمٍ كَبِير , وَإِنَّمَا الَّذِي شَرِبَهُ كَانَ حُلْوًا وَلَمْ يَكُنْ مُسْكِرًا. وَقَدْ رَوَى ثُمَامَة بْن حَزْن الْقُشَيْرِيُّ أَنَّهُ \" سَأَلَ عَائِشَة عَنْ النَّبِيذ فَدَعَتْ جَارِيَة حَبَشِيَّة فَقَالَتْ : سَلْ هَذِهِ , فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْبِذ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَتْ الْحَبَشِيَّة : كُنْت أَنْبِذ لَهُ فِي سِقَاء مِنْ اللَّيْل وَأُوكِيهِ وَأُعَلِّقهُ فَإِذَا أَصْبَحَ شَرِبَ مِنْهُ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. وَرَوَى الْحَسَن الْبَصْرِيّ عَنْ أُمّه عَنْ عَائِشَة نَحْوه ثُمَّ قَالَ : فَقِيَاس النَّبِيذ عَلَى الْخَمْر بِعِلَّةِ الْإِسْكَار وَالِاضْطِرَاب مِنْ أَجَلّ الْأَقْيِسَة وَأَوْضَحهَا , وَالْمَفَاسِد الَّتِي تُوجَد فِي الْخَمْر تُوجَد فِي النَّبِيذ , وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عِلَّة الْإِسْكَار فِي الْخَمْر لِكَوْنِ قَلِيله يَدْعُو إِلَى كَثِيره مَوْجُودَة فِي النَّبِيذ , لِأَنَّ السُّكْر مَطْلُوب عَلَى الْعُمُوم , وَالنَّبِيذ عِنْدهمْ عِنْد عَدَم الْخَمْر يَقُوم مَقَام الْخَمْر لِأَنَّ حُصُول الْفَرَح وَالطَّرَب مَوْجُود فِي كُلّ مِنْهُمَا , وَإِنْ كَانَ فِي النَّبِيذ غِلَظ وَكُدْرَة وَفِي الْخَمْر رِقَّة وَصَفَاء لَكِنْ الطَّبْع يَحْتَمِل ذَلِكَ فِي النَّبِيذ لِحُصُولِ السُّكْر كَمَا تُحْتَمَل الْمَرَارَة فِي الْخَمْر لِطَلَبِ السُّكْر , قَالَ : وَعَلَى الْجُمْلَة فَالنُّصُوص الْمُصَرِّحَة بِتَحْرِيمِ كُلّ مُسْكِر قَلَّ أَوْ كَثُرَ مُغْنِيَة عَنْ الْقِيَاس وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك : لَا يَصِحّ فِي حِلّ النَّبِيذ الَّذِي يُسْكِر كَثِيره عَنْ الصَّحَابَة شَيْء وَلَا عَنْ التَّابِعِينَ , إِلَّا عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ , قَالَ : وَقَدْ ثَبَتَ حَدِيث عَائِشَة \" كُلّ شَرَاب أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَام \" وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق أَبِي وَائِل : كُنَّا نَدْخُل عَلَى اِبْن مَسْعُود فَيَسْقِينَا نَبِيذًا شَدِيدًا , وَمِنْ طَرِيق عَلْقَمَة : أَكَلْت مَعَ اِبْن مَسْعُود فَأُتِينَا بِنَبِيذٍ شَدِيد نَبَذَتْهُ سِيرِين فَشَرِبُوا مِنْهُ , فَالْجَوَاب عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَة أَوْجُه : ‏ ‏أَحَدهَا : لَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِره لَمْ يَكُنْ مُعَارِضًا لِلْأَحَادِيثِ الثَّابِتَة فِي تَحْرِيم كُلّ مُسْكِر. ‏ ‏ثَانِيهَا : أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ اِبْن مَسْعُود تَحْرِيم الْمُسْكِر قَلِيله وَكَثِيره , فَإِذَا اِخْتَلَفَ الْقَلِيل عَنْهُ كَانَ الْمُوَافِق لِقَوْلِ إِخْوَانه مِنْ الصَّحَابَةِ مَعَ مُوَافَقَة الْحَدِيث الْمَرْفُوع أَوْلَى. ‏ ‏ثَالِثهَا : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالشِّدَّةِ شِدَّة الْحَلَاوَة أَوْ شِدَّة الْحُمُوضَة فَلَا يَكُون فِيهِ حُجَّة أَصْلًا. وَأَسْنَدَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس عَنْ يَحْيَى بْن مَعِين أَنَّ حَدِيث عَائِشَة \" كُلّ شَرَاب أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَام \" أَصَحّ شَيْء فِي الْبَاب , وَفِي هَذَا تَعَقُّب عَلَى مَنْ نَقَلَ عَنْ اِبْن مَعِين أَنَّهُ قَالَ : لَا أَصْل لَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ فِي \" تَخْرِيج أَحَادِيث الْهِدَايَة \" وَهُوَ مِنْ أَكْثَرهمْ اطِّلَاعًا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُت فِي شَيْء مِنْ كُتُب الْحَدِيث نَقْل هَذَا عَنْ اِبْن مَعِين اه. وَكَيْف يَتَأَتَّى الْقَوْل بِتَضْعِيفِهِ مَعَ وُجُود مَخَارِجه الصَّحِيحَة ثُمَّ مَعَ كَثْرَة طُرُقه , حَتَّى قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : إِنَّهَا جَاءَتْ عَنْ عِشْرِينَ صَحَابِيًّا , فَأَوْرَدَ كَثِيرًا مِنْهَا فِي \" كِتَاب الْأَشْرِبَة \" الْمُفْرَد , فَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ وَمِنْهَا حَدِيث اِبْن عُمَر الْمُتَقَدِّم ذَكَرَهُ أَوَّل الْبَاب , وَحَدِيث عُمَر بِلَفْظِ \" كُلّ مُسْكِر حَرَام \" عِنْد أَبِي يَعْلَى وَفِيهِ الْإِفْرِيقِيّ , وَحَدِيث عَلِيّ بِلَفْظِ \" اِجْتَنِبُوا مَا أَسْكَرَ \" عِنْد أَحْمَد وَهُوَ حَسَن , وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق لَيِّن بِلَفْظِ عُمَر , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر لَيِّن أَيْضًا بِلَفْظِ عَلِيّ , وَحَدِيث أَنَس أَخْرَجَهُ أَحْمَد بِسَنَدٍ صَحِيح بِلَفْظِ \" مَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَام \" وَحَدِيث أَبِي سَعِيد أَخْرَجَهُ الْبَزَّار بِسَنَدٍ صَحِيح بِلَفْظِ عُمَر , وَحَدِيث الْأَشَجّ الْعَصْرِيّ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى كَذَلِكَ بِسَنَدٍ جَيِّد وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان , وَحَدِيث دَيْلَم الْحِمْيَرِيّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَن فِي حَدِيث فِيهِ \" قَالَ هَلْ يُسْكِر ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : فَاجْتَنِبُوهُ \" وَحَدِيث مَيْمُونَة أَخْرَجَهُ أَحْمَد بِسَنَدٍ حَسَن بِلَفْظِ \" وَكُلّ شَرَاب أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَام \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق جَيِّد بِلَفْظِ عُمَر , وَالْبَزَّار مِنْ طَرِيق لَيِّن بِلَفْظِ \" وَاجْتَنِبُوا كُلّ مُسْكِر \" وَحَدِيث قَيْس بْن سَعْد أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ حَدِيث اِبْن عُمَر , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظِ حَدِيث عُمَر , وَحَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَن بِلَفْظِ \" وَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ كُلّ مُسْكِر \" وَحَدِيث مُعَاوِيَة أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَن بِلَفْظِ عُمَر , وَحَدِيث وَائِل بْن حُجْر أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي عَاصِم , وَحَدِيث قُرَّة بْن إِيَاس الْمُزَنِيِّ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار بِلَفْظِ عُمَر بِسَنَدٍ لَيِّن , وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل أَخْرَجَهُ أَحْمَد بِلَفْظِ \" اِجْتَنِبُوا الْمُسْكِر \" وَحَدِيث أُمّ سَلَمَة أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَن بِلَفْظِ \" نَهْي عَنْ كُلّ مُسْكِر وَمُفَتِّر \" وَحَدِيث بُرَيْدَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي أَثْنَاء حَدِيث وَلَفْظه مِثْل لَفْظ عُمَر , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ حَسَن كَذَلِكَ , ذَكَرَ أَحَادِيث هَؤُلَاءِ التِّرْمِذِيّ فِي الْبَاب , وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عِنْد النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ عُمَر , وَعَنْ زَيْد بْن الْخَطَّاب أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ عَلِيّ \" اِجْتَنِبُوا كُلّ مُسْكِر \" وَعَنْ الرَّسِيم أَخْرَجَهُ أَحْمَد بِلَفْظِ \" اِشْرَبُوا فِيمَا شِئْتُمْ وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا \" وَعَنْ أَبِي بُرْدَة بْن نِيَار أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِنَحْوِ هَذَا اللَّفْظ , وَعَنْ طَلْق بْن عَلِيّ رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِلَفْظِ \" يَا أَيّهَا السَّائِل عَنْ الْمُسْكِر لَا تَشْرَبهُ وَلَا تَسْقِهِ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ \" وَعَنْ صُحَار الْعَبْدِيّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِنَحْوِ هَذَا , وَعَنْ أُمّ حَبِيبَة عِنْد أَحْمَد فِي \" كِتَاب الْأَشْرِبَة \" وَعَنْ الضَّحَّاك بْن النُّعْمَان عِنْد اِبْن أَبِي عَاصِم فِي الْأَشْرِبَة وَكَذَا عِنْده عَنْ خَوَّات بْن جُبَيْر , فَإِذَا اِنْضَمَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيث إِلَى حَدِيث اِبْن عُمَر وَأَبِي مُوسَى وَعَائِشَة زَادَتْ عَنْ ثَلَاثِينَ صَحَابِيًّا , وَأَكْثَر الْأَحَادِيث عَنْهُمْ جِيَاد وَمَضْمُونهَا أَنَّ الْمُسْكِر لَا يَحِلّ تَنَاوُله بَلْ يَجِب اِجْتِنَابه وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ رَدَّ أَنَس الِاحْتِمَال الَّذِي جَنَحَ إِلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ أَحْمَد : \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس سَمِعْت الْمُخْتَار بْن فُلْفُل يَقُول : سَأَلْت أَنَسًا فَقَالَ : نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُزَفَّت وَقَالَ : كُلّ مُسْكِر حَرَام. قَالَ فَقُلْت لَهُ : صَدَقْت الْمُسْكِر حَرَام , فَالشَّرْبَة وَالشَّرْبَتَانِ عَلَى الطَّعَام ؟ فَقَالَ : مَا أَسْكَرَ كَثِيره فَقَلِيله حَرَام \" وَهَذَا سَنَد صَحِيح عَلَى شَرْط مُسْلِم وَالصَّحَابِيّ أَعْرَف بِالْمُرَادِ مِمَّنْ تَأَخَّرَ بَعْده , وَلِهَذَا قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك مَا قَالَ , وَاسْتُدِلَّ بِمُطْلَقِ قَوْله : \" كُلّ مُسْكِر حَرَام \" عَلَى تَحْرِيم مَا يُسْكِر وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَرَابًا , فَيَدْخُل فِي ذَلِكَ الْحَشِيشَة وَغَيْرهَا , وَقَدْ جَزَمَ النَّوَوِيّ وَغَيْره بِأَنَّهَا مُسْكِرَة , وَجَزَمَ آخَرُونَ بِأَنَّهَا مُخَدِّرَة , وَهُوَ مُكَابَرَة لِأَنَّهَا تُحْدِث بِالْمُشَاهَدَةِ مَا يُحْدِث الْخَمْر مِنْ الطَّرَب وَالنَّشْأَة وَالْمُدَاوَمَة عَلَيْهَا وَالِانْهِمَاك فِيهَا , وَعَلَى تَقْدِير تَسْلِيم أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُسْكِرَةٍ فَقَدْ ثَبَتَ فِي أَبِي دَاوُدَ النَّهْي عَنْ كُلّ مُسْكِر وَمُفَتِّر وَهُوَ بِالْفَاءِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5158",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبِتْعِ ‏ ‏وَهُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ وَكَانَ ‏ ‏أَهْلُ الْيَمَنِ ‏ ‏يَشْرَبُونَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5159",
        "content": "‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا ‏ ‏تَنْتَبِذُوا ‏ ‏فِي ‏ ‏الدُّبَّاءِ ‏ ‏وَلَا فِي ‏ ‏الْمُزَفَّتِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏يُلْحِقُ مَعَهَا ‏ ‏الْحَنْتَمَ ‏ ‏وَالنَّقِيرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ رِوَايَة شُعَيْب أَيْضًا عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" مُسْنَد الشَّامِيِّينَ \" وَأَفْرَدَهُ عَنْ أَبِي زُرْعَة الدِّمَشْقِيّ عَنْ أَبِي الْيَمَان شَيْخ الْبُخَارِيّ بِهِ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" عَنْ الطَّبَرَانِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُلْحِق مَعَهُمَا الْحَنْتَم وَالنَّقِير ) ‏ ‏الْقَائِل هَذَا هُوَ الزُّهْرِيُّ , وَقَعَ ذَلِكَ عِنْد شُعَيْب عَنْهُ مُرْسَلًا , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" لَا تَنْبِذُوا فِي الدُّبَّاء وَلَا فِي الْمُزَفَّت \" ثُمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة \" وَاجْتَنِبُوا الْحَنَاتِم \" وَرَفَعَهُ كُلّه مِنْ طَرِيق سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" نَهْي عَنْ الْمُزَفَّت وَالْحَنْتَم وَالنَّقِير \" وَمِثْله لِابْنِ سَعْد مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَلْقَمَة عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَزَادَ فِيهِ \" وَالدُّبَّاء \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْط هَذِهِ الْأَشْيَاء فِي شَرْح حَدِيث وَفْد عَبْد الْقَيْس فِي أَوَائِل الصَّحِيح مِنْ كِتَاب الْإِيمَان. وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق زَاذَانَ قَالَ : \" سَأَلْت اِبْن عُمَر عَنْ الْأَوْعِيَة فَقُلْت : أُخْبِرْنَاهُ بِلُغَتِكُمْ وَفَسِّرْهُ لَنَا بِلُغَتِنَا , فَقَالَ : نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحَنْتَمَة وَهِيَ الْجَرَّة , وَعَنْ الدُّبَّاء وَهِيَ الْقَرْعَة , وَعَنْ النَّقِير وَهِيَ أَصْل النَّخْلَة تُنْقَر نَقْرًا , وَعَنْ الْمُزَفَّت وَهُوَ الْمُقَيَّر \" , وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ وَابْن أَبِي عَاصِم وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْر قَالَ : \" نُهِينَا عَنْ الدُّبَّاء وَالنَّقِير وَالْحَنْتَم وَالْمُزَفَّت , فَأَمَّا الدُّبَّاء فَإِنَّا مَعْشَر ثَقِيف بِالطَّائِفِ كُنَّا نَأْخُذ الدُّبَّاء فَنَخْرُط فِيهَا عَنَاقِيد الْعِنَب ثُمَّ نَدْفِنهَا ثُمَّ نَتْرُكهَا حَتَّى تُهْدَر ثُمَّ تَمُوت , وَأَمَّا النَّقِير فَإِنَّ أَهْل الْيَمَامَة كَانُوا يَنْقُرُونَ أَصْل النَّخْلَة فَيَشْدَخُونَ فِيهِ الرُّطَب وَالْبُسْر ثُمَّ يَدْعُونَهُ حَتَّى يُهْدَر ثُمَّ يَمُوت , وَأَمَّا الْحَنْتَم فَجِرَار جَاءَتْ تُحْمَل إِلَيْنَا فِيهَا الْخَمْر , وَأَمَّا الْمُزَفَّت فَهِيَ هَذِهِ الْأَوْعِيَة الَّتِي فِيهَا هَذَا الزِّفْت. وَسَيَأْتِي بَيَان نَسْخ النَّهْي عَنْ الْأَوْعِيَة بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ الْمُهَلَّب : وَجْه إِدْخَال حَدِيث أَنَس فِي النَّهْي فِي الِانْتِبَاذ فِي الْأَوْعِيَة الْمَذْكُورَة فِي تَرْجَمَة الْخَمْر مِنْ الْعَسَل أَنَّ الْعَسَل لَا يَكُون مُسْكِرًا إِلَّا بَعْد الِانْتِبَاذ , وَالْعَسَل قَبْل الِانْتِبَاذ مُبَاح , فَأَشَارَ إِلَى اِجْتِنَاب بَعْض مَا يُنْتَبَذ فِيهِ لِكَوْنِهِ يُسْرِع إِلَيْهِ الْإِسْكَار. ‏"
    },
    {
        "id": "5160",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ خَطَبَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُ قَدْ ‏ ‏نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ ‏ ‏وَالْحِنْطَةِ ‏ ‏وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ وَالْخَمْرُ مَا ‏ ‏خَامَرَ ‏ ‏الْعَقْلَ وَثَلَاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يُفَارِقْنَا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْدًا الْجَدُّ ‏ ‏وَالْكَلَالَةُ ‏ ‏وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا قَالَ قُلْتُ يَا ‏ ‏أَبَا عَمْرٍو ‏ ‏فَشَيْءٌ يُصْنَعُ ‏ ‏بِالسِّنْدِ ‏ ‏مِنْ الْأُرْزِ قَالَ ذَاكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ قَالَ عَلَى عَهْدِ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَيَّانَ ‏ ‏مَكَانَ الْعِنَبِ الزَّبِيبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن أَبِي رَجَاء ) ‏ ‏هُوَ أَبُو الْوَلِيد الْهَرَوِيُّ وَاسْم أَبِيهِ عَبْد اللَّه بْن أَيُّوب , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان , وَأَبُو حَيَّان هُوَ يَحْيَى بْنُ سَعِيد التَّيْمِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الشَّعْبِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عُلَيَّة عَنْ أَبِي حَيَّان \" حَدَّثَنَا الشَّعْبِيّ \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( خَطَبَ عُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن إِدْرِيس عَنْ أَبِي حَيَّان بِسَنَدِهِ \" سَمِعْت عُمَر يَخْطُب \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي التَّفْسِير وَزَادَ فِيهِ \" أَيّهَا النَّاسُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ ) ‏ ‏زَادَ مُسَدَّد فِيهِ عَنْ الْقَطَّان فِيهِ \" أَمَّا بَعْد \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي أَوَّل الْأَشْرِبَة , وَعِنْد الْبَيْهَقِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُسَدَّد \" فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر , وَهِيَ مِنْ خَمْسَة ) ‏ ‏الْجُمْلَة حَالِيَّة أَيْ نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر فِي حَال كَوْنهَا تُصْنَع مِنْ خَمْسَة , وَيَجُوز أَنْ تَكُون اِسْتِئْنَافِيَّة أَوْ مَعْطُوفَة عَلَى مَا قَبْلهَا , وَالْمُرَاد أَنَّ الْخَمْر تُصْنَع مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاء لَا أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصّ بِوَقْتِ نُزُولهَا , وَالْأَوَّل أَظْهَر لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم بِلَفْظِ \" أَلَا وَإِنَّ الْخَمْر نَزَلَ تَحْرِيمهَا يَوْم نَزَلَ وَهِيَ مِنْ خَمْسَة أَشْيَاء \" نَعَمْ وَقَعَ فِي آخِر الْبَاب مِنْ وَجْه آخَر \" وَإِنَّ الْخَمْر تُصْنَع مِنْ خَمْسَة \". ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْعِنَب إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا الْحَدِيث أَوْرَدَهُ أَصْحَاب الْمَسَانِيد وَالْأَبْوَاب فِي الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة لِأَنَّ لَهُ عِنْدهمْ حُكْم الرَّفْع لِأَنَّهُ خَبَر صَحَابِيّ شَهِدَ التَّنْزِيل أَخْبَرَ عَنْ سَبَب نُزُولهَا , وَقَدْ خَطَبَ بِهِ عُمَر عَلَى الْمِنْبَر بِحَضْرَةِ كِبَار الصَّحَابَة وَغَيْرهمْ فَلَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَد مِنْهُمْ إِنْكَاره , وَأَرَادَ عُمَر بِنُزُولِ تَحْرِيم الْخَمْر الْآيَة الْمَذْكُورَة فِي أَوَّل كِتَاب الْأَشْرِبَة وَهِيَ آيَة الْمَائِدَة ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ) إِلَى آخِرهَا. فَأَرَادَ عُمَر التَّنْبِيه عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْخَمْرِ فِي هَذِهِ الْآيَة لَيْسَ خَاصًّا بِالْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَب بَلْ يَتَنَاوَل الْمُتَّخَذ مِنْ غَيْرهَا , وَيُوَافِقهُ حَدِيث أَنَس الْمَاضِي فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَة فَهِمُوا مِنْ تَحْرِيم الْخَمْر تَحْرِيم كُلّ مُسْكِر سَوَاء كَانَ مِنْ الْعِنَب أَمْ مِنْ غَيْرهَا , وَقَدْ جَاءَ هَذَا الَّذِي قَالَهُ عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرِيحًا : فَأَخْرَجَ أَصْحَاب السُّنَن الْأَرْبَعَة وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ الشَّعْبِيّ \" أَنَّ النُّعْمَان بْن بَشِير قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : إِنَّ الْخَمْر مِنْ الْعَصِير وَالزَّبِيب وَالتَّمْر وَالْحِنْطَة وَالشَّعِير وَالذُّرَة , وَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ كُلّ مُسْكِر \" لَفْظ أَبِي دَاوُدَ , وَكَذَا اِبْن حِبَّان , وَزَادَ فِيهِ أَنَّ النُّعْمَان خَطَبَ النَّاس بِالْكُوفَةِ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ النُّعْمَان بِلَفْظِ \" إِنَّ مِنْ الْعِنَب خَمْرًا , وَإِنَّ مِنْ التَّمْر خَمْرًا , وَإِنَّ مِنْ الْعَسَل خَمْرًا , وَإِنَّ مِنْ الْبُرّ خَمْرًا , وَإِنَّ مِنْ الشَّعِير خَمْرًا \" , وَمِنْ هَذَا الْوَجْه أَخْرَجَهَا أَصْحَاب السُّنَن , وَاَلَّتِي قَبْلهَا فِيهَا الزَّبِيب دُون الْعَسَل , وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث أَنَس بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْهُ قَالَ : \" الْخَمْر مِنْ الْعِنَب وَالتَّمْر وَالْعَسَل \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث أَنَس بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْهُ قَالَ : \" الْخَمْر مِنْ الْعِنَب وَالتَّمْر وَالْعَسَل وَالْحِنْطَة وَالشَّعِير وَالذُّرَة \" , أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" حُرِّمَتْ الْخَمْر يَوْم حُرِّمَتْ وَهِيَ \" فَذَكَرَهَا وَزَادَ الذُّرَة , وَأَخْرَجَ الْخُلَعِيّ فِي فَوَائِده مِنْ طَرِيق خَلَّاد بْن السَّائِب عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ مِثْل الرِّوَايَة الثَّانِيَة , وَلَكِنْ ذَكَرَ الزَّبِيب بَدَل الشَّعِير , وَسَنَده لَا بَأْس بِهِ , وَيُوَافِق ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر : نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر وَإِنَّ بِالْمَدِينَةِ يَوْمئِذٍ لَخَمْسَة أَشْرِبَة مَا فِيهَا شَرَاب الْعِنَب. ‏ ‏قَوْله : ( الذُّرَة ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء مِنْ الْحُبُوب مَعْرُوفَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرهَا فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي الْبَاب قَبْله. ‏ ‏. ‏ ‏قَوْله ( وَالْخَمْر مَا خَامَرَ الْعَقْل ) ‏ ‏أَيْ غَطَّاهُ أَوْ خَالَطَهُ فَلَمْ يَتْرُكهُ عَلَى حَالِهِ وَهُوَ مِنْ مَجَاز التَّشْبِيه , وَالْعَقْل هُوَ آلَة التَّمْيِيز فَلِذَلِكَ حُرِّمَ مَا غَطَّاهُ أَوْ غَيْره , لِأَنَّ بِذَلِكَ يَزُول الْإِدْرَاك الَّذِي طَلَبَهُ اللَّه مِنْ عِبَاده لِيَقُومُوا بِحُقُوقِهِ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا تَعْرِيف بِحَسَبِ اللُّغَة , وَأَمَّا بِحَسَبِ الْعُرْف فَهُوَ مَا يُخَامِر الْعَقْل مِنْ عَصِير الْعِنَب خَاصَّة , كَذَا قَالَ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ عُمَر لَيْسَ فِي مَقَام تَعْرِيف اللُّغَة بَلْ هُوَ فِي مَقَام تَعْرِيف الْحُكْم الشَّرْعِيّ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : الْخَمْر الَّذِي وَقَعَ تَحْرِيمه فِي لِسَانِ الشَّرْع هُوَ مَا خَامَرَ الْعَقْل. عَلَى أَنَّ عِنْد أَهْل اللُّغَة اِخْتِلَافًا فِي ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْته , وَلَوْ سَلِمَ أَنَّ الْخَمْر فِي اللُّغَة يَخْتَصّ بِالْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَب فَالِاعْتِبَار بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّة وَقَدْ تَوَارَدَتْ الْأَحَادِيث عَلَى أَنَّ الْمُسْكِر مِنْ الْمُتَّخَذ مِنْ غَيْر الْعِنَب يُسَمَّى خَمْرًا , وَالْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة مُقَدَّمَة عَلَى اللُّغَوِيَّة , وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : الْخَمْر مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَة وَالْعِنَبَة \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ. لَيْسَ الْمُرَاد الْحَصْر فِيهِمَا لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْخَمْر تُتَّخَذ مِنْ غَيْرهمَا فِي حَدِيث عُمَر وَغَيْره , وَإِنَّمَا فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الْخَمْر شَرْعًا لَا تَخْتَصّ بِالْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَب , قُلْت : وَجَعَلَ الطَّحَاوِيُّ هَذِهِ الْأَحَادِيث مُتَعَارِضَة , وَهِيَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي أَنَّ الْخَمْر مِنْ شَيْئَيْنِ مَعَ حَدِيث عُمَر وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ الْخَمْر تُتَّخَذ مِنْ غَيْرهمَا , وَكَذَا حَدِيث اِبْنِ عُمَر \" لَقَدْ حُرِّمَتْ الْخَمْر وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْء \" وَحَدِيث أَنَس يَعْنِي الْمُتَقَدِّم ذِكْره وَبَيَان اِخْتِلَاف أَلْفَاظه مِنْهَا : \" إِنَّ الْخَمْر حُرِّمَتْ وَشَرَابهمْ الْفَضِيخ \" وَفِي لَفْظ لَهُ \" إِنَّا نَعُدّهَا يَوْمئِذٍ خَمْرًا \" وَفِي لَفْظ لَهُ \" إِنَّ الْخَمْر يَوْم حُرِّمَتْ الْبُسْر وَالتَّمْر \" قَالَ فَلَمَّا اِخْتَلَفَ الصَّحَابَة فِي ذَلِكَ وَوَجَدْنَا اِتِّفَاق الْأُمَّة عَلَى أَنَّ عَصِير الْعِنَب إِذَا اِشْتَدَّ وَغَلَى وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ فَهُوَ خَمْر وَأَنَّ مُسْتَحِلّه كَافِر دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة , إِذْ لَوْ عَمِلُوا بِهِ لَكَفَّرُوا مُسْتَحِلّ نَبِيذ التَّمْر , فَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل فِي الْخَمْر غَيْر الْمُتَّخَذ مِنْ عَصِير الْعِنَب ا ه. وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنهمْ لَمْ يُكَفِّرُوا مُسْتَحِلّ نَبِيذ التَّمْر أَنْ يَمْنَعُوا تَسْمِيَته خَمْرًا فَقَدْ يَشْتَرِك الشَّيْئَانِ فِي التَّسْمِيَة وَيَفْتَرِقَانِ فِي بَعْض الْأَوْصَاف , مَعَ أَنَّهُ هُوَ يُوَافِق عَلَى أَنَّ حُكْم الْمُسْكِر مِنْ نَبِيذ التَّمْر حُكْم قَلِيل الْعِنَب فِي التَّحْرِيم , فَلَمْ تَبْقَ الْمُشَاحَحَة إِلَّا فِي التَّسْمِيَة. وَالْجَمْع بَيْن حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْره بِحَمْلِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَلَى الْغَالِب ; أَيْ أَكْثَر مَا يُتَّخَذ الْخَمْر مِنْ الْعِنَب وَالتَّمْر , وَيُحْمَل حَدِيث عُمَر وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى إِرَادَة اِسْتِيعَاب ذِكْر مَا عُهِدَ حِينَئِذٍ أَنَّهُ يُتَّخَذ مِنْهُ الْخَمْر , وَأَمَّا قَوْل اِبْنِ عُمَر فَعَلَى إِرَادَة تَثْبِيت أَنَّ الْخَمْر يُطْلَق عَلَى مَا لَا يُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب , لِأَنَّ نُزُول تَحْرِيم الْخَمْر لَمْ يُصَادِف عِنْد مَنْ خُوطِبَ بِالتَّحْرِيمِ حِينَئِذٍ إِلَّا مَا يُتَّخَذ مِنْ غَيْر الْعِنَب أَوْ عَلَى إِرَادَة الْمُبَالَغَة , فَأَطْلَقَ نَفْي وُجُودهَا بِالْمَدِينَةِ وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَة فِيهَا بِقِلَّةٍ , فَإِنَّ تِلْكَ الْقِلَّة بِالنِّسْبَةِ لِكَثْرَةِ الْمُتَّخَذ مِمَّا عَدَاهَا كَالْعَدَمِ. وَقَدْ قَالَ الرَّاغِب فِي \" مُفْرَدَات الْقُرْآن \" سُمِّيَ الْخَمْر لِكَوْنِهِ خَامِرًا لِلْعَقْلِ أَيْ سَاتِرًا لَهُ , وَهُوَ عِنْد بَعْض النَّاس اِسْم لِكُلِّ مُسْكِر وَعِنْد بَعْضهمْ لِلْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَب خَاصَّة , وَعِنْد بَعْضهمْ لِلْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَب وَالتَّمْر , وَعِنْد بَعْضهمْ لِغَيْرِ الْمَطْبُوخ , فَرُجِّحَ أَنَّ كُلّ شَيْء يَسْتُر الْعَقْل يُسَمَّى خَمْرًا حَقِيقَة , وَكَذَا قَالَ أَبُو نَصْرِ بْن الْقُشَيْرِيِّ فِي تَفْسِيره : سُمِّيَتْ الْخَمْر خَمْرًا لِسَتْرِهَا الْعَقْل أَوْ لِاخْتِمَارِهَا. وَكَذَا قَالَ غَيْر وَاحِد مِنْ أَهْل اللُّغَة مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَة الدِّينَوَرِيّ وَأَبُو نَصْر الْجَوْهَرِيّ , وَنُقِلَ عَنْ اِبْنِ الْأَعْرَابِيّ قَالَ : سُمِّيَتْ الْخَمْر لِأَنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى اِخْتَمَرَتْ , وَاخْتِمَارهَا تَغَيُّر رَائِحَتهَا. وَقِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمُخَامَرَتِهَا الْعَقْل. نَعَمْ جَزَمَ اِبْن سِيدَهْ فِي \" الْمُحْكَم \" بِأَنَّ الْخَمْر حَقِيقَة إِنَّمَا هِيَ لِلْعِنَبِ , وَغَيْرهَا مِنْ الْمُسْكِرَات يُسَمَّى خَمْرًا مَجَازًا. وَقَالَ صَاحِبِ \" الْفَائِق \" فِي حَدِيث \" إِيَّاكُمْ وَالْغُبَيْرَاء فَإِنَّهَا خَمْر الْعَالَم \" هِيَ نَبِيذ الْحَبَشَة مُتَّخَذَة مِنْ الذُّرَة سُمِّيَتْ الْغُبَيْرَاء لِمَا فِيهَا مِنْ الْغَبَرَة. وَقَوْله : \" خَمْر الْعَالَم \" أَيْ هِيَ مِثْل خَمْر الْعَالَم لَا فَرْق بَيْنهَا وَبَيْنهَا. قُلْت : وَلَيْسَ تَأْوِيله هَذَا بِأَوْلَى مِنْ تَأْوِيل مَنْ قَالَ : أَرَادَ أَنَّهَا مُعْظَم خَمْر الْعَالَم , وَقَالَ صَاحِبِ \" الْهِدَايَة \" مِنْ الْحَنَفِيَّة الْخَمْر عِنْدنَا مَا اِعْتَصَرَ مِنْ مَاءِ الْعِنَب إِذَا اِشْتَدَّ , وَهُوَ الْمَعْرُوف عِنْد أَهْل اللُّغَة وَأَهْل الْعِلْم , قَالَ : وَقِيلَ : هُوَ اِسْم لِكُلِّ مُسْكِر لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" كُلّ مُسْكِر خَمْر \" وَقَوْله : \" الْخَمْر مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ \" وَلِأَنَّهُ مِنْ مُخَامَرَة الْعَقْل وَذَلِكَ مَوْجُود فِي كُلّ مُسْكِر , قَالَ : وَلَنَا إِطْبَاق أَهْل اللُّغَة عَلَى تَخْصِيص الْخَمْر بِالْعِنَبِ , وَلِهَذَا اُشْتُهِرَ اِسْتِعْمَالهَا فِيهِ , وَلِأَنَّ تَحْرِيم الْخَمْر قَطْعِيّ وَتَحْرِيم مَا عَدَا الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب ظَنِّيّ , قَالَ : وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْخَمْر خَمْرًا لِتَخَمُّرِهِ لَا لِمُخَامَرَةِ الْعَقْل , قَالَ : وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْن الِاسْم خَاصًّا فِيهِ , كَمَا فِي النَّجْم فَإِنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ الظُّهُور ثُمَّ هُوَ خَاصّ بِالثُّرَيَّا ا ه. وَالْجَوَاب عَنْ الْحُجَّة الْأُولَى ثُبُوت النَّقْل عَنْ بَعْض أَهْل اللُّغَة بِأَنَّ غَيْر الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب يُسَمَّى خَمْرًا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : زَعَمَ قَوْم أَنَّ الْعَرَب لَا تَعْرِف الْخَمْر إِلَّا مِنْ الْعِنَب , فَيُقَال لَهُمْ : إِنَّ الصَّحَابَة الَّذِينَ سَمَّوْا غَيْر الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب خَمْرًا , عَرَب فُصَحَاء , فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْم صَحِيحًا لِمَا أَطْلَقُوهُ. وَقَالَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ : قَالَ الْكُوفِيُّونَ إِنَّ الْخَمْر مِنْ الْعِنَب لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( أَعْصِرُ خَمْرًا ) قَالَ : فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْخَمْر هُوَ مَا يُعْتَصَر لَا مَا يُنْتَبَذ , قَالَ : وَلَا دَلِيل فِيهِ عَلَى الْحَصْر. وَقَالَ أَهْل الْمَدِينَة وَسَائِر الْحِجَازِيِّينَ وَأَهْل الْحَدِيث كُلّهمْ : كُلّ مُسْكِر خَمْر وَحُكْمه حُكْم مَا اُتُّخِذَ مِنْ الْعِنَب , وَمِنْ الْحُجَّة لَهُمْ أَنَّ الْقُرْآن لَمَّا نَزَلَ بِتَحْرِيمِ الْخَمْر فَهِمَ الصَّحَابَة وَهُمْ أَهْل اللِّسَان أَنَّ كُلّ شَيْء يُسَمَّى خَمْرًا يَدْخُل فِي النَّهْي فَأَرَاقُوا الْمُتَّخَذ مِنْ التَّمْر وَالرُّطَب وَلَمْ يَخُصُّوا ذَلِكَ بِالْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَب. وَعَلَى تَقْدِير التَّسْلِيم فَإِذَا ثَبَتَ تَسْمِيَة كُلّ مُسْكِر خَمْرًا مِنْ الشَّرْع كَانَ حَقِيقَة شَرْعِيَّة وَهِيَ مُقَدَّمَة عَلَى الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة. وَعَنْ الثَّانِيَة مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ اِخْتِلَاف مُشْتَرِكَيْنِ فِي الْحُكْم فِي الْغِلَظ لَا يَلْزَم مِنْهُ اِفْتِرَاقهمَا فِي التَّسْمِيَة , كَالزِّنَا مَثَلًا فَإِنَّهُ يَصْدُق عَلَى مَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّة وَعَلَى مَنْ وَطِئَ اِمْرَأَة جَارِهِ , وَالثَّانِي أَغْلَظ مِنْ الْأَوَّل , وَعَلَى مَنْ وَطِئَ مَحْرَمًا لَهُ وَهُوَ أَغْلَظ , وَاسْمِ الزِّنَا مَعَ ذَلِكَ شَامِل لِلثَّلَاثَةِ , وَأَيْضًا فَالْأَحْكَام الْفَرْعِيَّة لَا يُشْتَرَط فِيهَا الْأَدِلَّة الْقَطْعِيَّة , فَلَا يَلْزَم مِنْ الْقَطْع بِتَحْرِيمِ الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب , وَعَدَم الْقَطْع بِتَحْرِيمِ الْمُتَّخَذ مِنْ غَيْره , أَنْ لَا يَكُون حَرَامًا بَلْ يُحْكَم بِتَحْرِيمِهِ إِذَا ثَبَتَ بِطَرِيقٍ ظَنِّيّ تَحْرِيمه , وَكَذَا تَسْمِيَته خَمْرًا وَاَللَّه أَعْلَم. وَعَنْ الثَّالِثَة ثُبُوت النَّقْل عَنْ أَعْلَم النَّاس بِلِسَانِ الْعَرَب بِمَا نَفَاهُ هُوَ , وَكَيْف يَسْتَجِيز أَنْ يَقُول لَا لِمُخَامَرَةِ الْعَقْل مَعَ قَوْل عُمَر بِمَحْضَرِ الصَّحَابَة \" الْخَمْر مَا خَامَرَ الْعَقْل \" كَأَنَّ مُسْتَنَده مَا اِدَّعَاهُ مِنْ اِتِّفَاق أَهْل اللُّغَة فَيُحْمَل قَوْل عُمَر عَلَى الْمَجَاز , لَكِنْ اِخْتَلَفَ قَوْل أَهْل اللُّغَة فِي سَبَب تَسْمِيَة الْخَمْر خَمْرًا. فَقَالَ أَبُو بَكْر بْن الْأَنْبَارِيّ : سُمِّيَتْ الْخَمْر خَمْرًا لِأَنَّهَا تُخَامِر الْعَقْل أَيْ تُخَالِطهُ , قَالَ : وَمِنْهُ قَوْلهمْ خَامَرَهُ الدَّاء أَيْ خَالَطَهُ , وَقِيلَ : لِأَنَّهَا تُخَمِّر الْعَقْل أَيْ تَسْتُرهُ , وَمِنْهُ الْحَدِيث الْآتِي قَرِيبًا \" خَمِّرُوا آنِيَتكُمْ \" وَمِنْهُ خِمَار الْمَرْأَة لِأَنَّهُ يَسْتُر وَجْههَا , وَهَذَا أَخَصّ مِنْ التَّفْسِير الْأَوَّل لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ الْمُخَالَطَة التَّغْطِيَة. وَقِيلَ : سُمِّيَتْ خَمْرًا لِأَنَّهَا تُخَمَّر حَتَّى تُدْرِك كَمَا يُقَال خَمَّرْت الْعَجِين فَتَخَمَّرَ أَيْ تَرَكْته حَتَّى أَدْرَكَ , وَمِنْهُ خَمَّرْت الرَّأْي أَيْ تَرَكْته حَتَّى ظَهَرَ وَتَحَرَّرَ , وَقِيلَ : سُمِّيَتْ خَمْرًا لِأَنَّهَا تُغَطَّى حَتَّى تَغْلِي , وَمِنْهُ حَدِيث الْمُخْتَار بْن فُلْفُل \" قُلْت لِأَنَسٍ : الْخَمْر مِنْ الْعِنَب أَوْ مِنْ غَيْرهَا ؟ قَالَ : مَا خَمَّرْت مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ الْخَمْر \" أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ صَحِيح , وَلَا مَانِع مِنْ صِحَّة هَذِهِ الْأَقْوَال كُلّهَا لِثُبُوتِهَا عَنْ أَهْل اللُّغَة وَأَهْل الْمَعْرِفَة بِاللِّسَانِ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : الْأَوْجُه كُلّهَا مَوْجُودَة فِي الْخَمْرَة لِأَنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى أَدْرَكَتْ وَسَكَنَتْ , فَإِذَا شُرِبَتْ خَالَطَتْ الْعَقْل حَتَّى تَغْلِب عَلَيْهِ وَتُغَطِّيه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْأَحَادِيث الْوَارِدَة عَنْ أَنَس وَغَيْره - عَلَى صِحَّتهَا وَكَثْرَتهَا - تُبْطِل مَذْهَب الْكُوفِيِّينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْخَمْر لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ الْعِنَب وَمَا كَانَ مِنْ غَيْره لَا يُسَمَّى خَمْرًا وَلَا يَتَنَاوَلهُ اِسْم الْخَمْر , وَهُوَ قَوْل مُخَالِف لِلُغَةِ الْعَرَب وَلِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَة وَلِلصَّحَابَةِ , لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر فَهِمُوا مِنْ الْأَمْر بِاجْتِنَابِ الْخَمْر تَحْرِيم كُلّ مُسْكِر , وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْن مَا يُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب وَبَيْن مَا يُتَّخَذ مِنْ غَيْره , بَلْ سَوَّوْا بَيْنهمَا وَحَرَّمُوا كُلّ مَا يُسْكِر نَوْعه وَلَمْ يَتَوَقَّفُوا وَلَا اِسْتَفْصَلُوا , وَلَمْ يُشْكِل عَلَيْهِمْ شَيْء مِنْ ذَلِكَ بَلْ بَادَرُوا إِلَى إِتْلَاف مَا كَانَ مِنْ غَيْر عَصِير الْعِنَب , وَهُمْ أَهْل اللِّسَان وَبِلُغَتِهِمْ نَزَلَ الْقُرْآن , فَلَوْ كَانَ عِنْدهمْ فِيهِ تَرَدُّد لَتَوَقَّفُوا عَنْ الْإِرَاقَة حَتَّى يَسْتَكْشِفُوا وَيَسْتَفْصِلُوا وَيَتَحَقَّقُوا التَّحْرِيم لِمَا كَانَ تَقَرَّرَ عِنْدهمْ مِنْ النَّهْي عَنْ إِضَاعَة الْمَال , فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ وَبَادَرُوا إِلَى الْإِتْلَاف عَلِمْنَا أَنَّهُمْ فَهِمُوا التَّحْرِيم نَصًّا , فَصَارَ الْقَائِل بِالتَّفْرِيقِ سَالِكًا غَيْر سَبِيلهمْ , ثُمَّ اِنْضَافَ إِلَى ذَلِكَ خُطْبَة عُمَر بِمَا يُوَافِق ذَلِكَ , وَهُوَ مِمَّنْ جَعَلَ اللَّه الْحَقَّ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبه , وَسَمِعَهُ الصَّحَابَة وَغَيْرهمْ فَلَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْكَار ذَلِكَ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ كُلّ ذَلِكَ يُسَمَّى خَمْرًا لَزِمَ تَحْرِيم قَلِيله وَكَثِيره. وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَهَا قَالَ : وَأَمَّا الْأَحَادِيث عَنْ الصَّحَابَة الَّتِي تَمَسَّك بِهَا الْمُخَالِف فَلَا يَصِحّ مِنْهَا شَيْء عَلَى مَا قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك وَأَحْمَد وَغَيْرهمْ , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوت شَيْء مِنْهَا فَهُوَ مَحْمُول عَلَى نَقِيع الزَّبِيب أَوْ التَّمْر مِنْ قَبْل أَنْ يَدْخُل حَدُّ الْإِسْكَار جَمْعًا بَيْن الْأَحَادِيث. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ ثُبُوت مِثْل ذَلِكَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ نَقِيع التَّمْر , وَلَا فَرْق فِي الْحِلّ بَيْنه وَبَيْن عَصِير الْعِنَب أَوَّلَ مَا يُعْصَر , وَإِنَّمَا الْخِلَاف فِيمَا اِشْتَدَّ مِنْهُمَا هَلْ يَفْتَرِق الْحُكْم فِيهِ أَوْ لَا ؟ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْض الشَّافِعِيَّة إِلَى مُوَافَقَة الْكُوفِيِّينَ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ اِسْم الْخَمْر خَاصّ بِمَا يُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب مَعَ مُخَالَفَتهمْ لَهُ فِي تَفْرِقَتهمْ فِي الْحُكْم وَقَوْلهمْ بِتَحْرِيمِ قَلِيل مَا أَسْكَرَ كَثِيره مِنْ كُلّ شَرَاب , فَقَالَ الرَّافِعِيّ : ذَهَبَ أَكْثَر الشَّافِعِيَّة إِلَى أَنَّ الْخَمْر حَقِيقَة فِيمَا يُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب مَجَاز فِي غَيْره , وَخَالَفَهُ اِبْن الرِّفْعَة فَنَقَلَ عَنْ الْمُزَنِيِّ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَة وَأَكْثَرِ الْأَصْحَاب أَنَّ الْجَمِيع يُسَمَّى خَمْرًا حَقِيقَة. قَالَ : وَمِمَّنْ نَقَلَهُ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَاب الْقَاضِيَانِ أَبُو الطَّيِّب وَالرُّويَانِيّ , وَأَشَارَ اِبْن الرِّفْعَة إِلَى أَنَّ النَّقْل الَّذِي عَزَاهُ الرَّافِعِيّ لِلْأَكْثَرِ لَمْ يَجِد نَقْله عَنْ الْأَكْثَر إِلَّا فِي كَلَامِ الرَّافِعِيّ , وَلَمْ يَتَعَقَّبهُ النَّوَوِيّ فِي \" الرَّوْضَة \" , لَكِنَّ كَلَامه فِي \" شَرْح مُسْلِم \" يُوَافِقهُ وَفِي \" تَهْذِيب الْأَسْمَاء \" يُخَالِفهُ , وَقَدْ نَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ الشَّافِعِيّ مَا يُوَافِق مَا نَقَلُوا عَنْ الْمُزَنِيِّ فَقَالَ : قَالَ إِنَّ الْخَمْر مِنْ الْعِنَب وَمِنْ غَيْر الْعِنَب عُمَر وَعَلِيّ وَسَعِيد وَابْن عُمَر وَأَبُو مُوسَى وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة , وَمِنْ التَّابِعِينَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَعُرْوَة وَالْحَسَن وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَآخَرُونَ , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَابْن الْمُبَارَك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَعَامَّة أَهْل الْحَدِيث , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ مَنْ أَطْلَقَ عَلَى غَيْر الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب حَقِيقَة يَكُونُ أَرَادَ الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة , وَمَنْ نَفَى أَرَادَ الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة. وَقَدْ أَجَابَ بِهَذَا اِبْن عَبْد الْبَرّ وَقَالَ : إِنَّ الْحُكْم إِنَّمَا يَتَعَلَّق بِالِاسْمِ الشَّرْعِيّ دُون اللُّغَوِيّ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ قَدَّمْت فِي \" بَابِ نُزُول تَحْرِيم الْخَمْر , وَهُوَ مِنْ الْبُسْر \" إِلْزَام مَنْ قَالَ بِقَوْلِ أَهْل الْكُوفَة إِنَّ الْخَمْر حَقِيقَة فِي مَاءِ الْعِنَب مَجَاز فِي غَيْره أَنَّهُ يَلْزَمهُمْ أَنْ يُجَوِّزُوا إِطْلَاق اللَّفْظ الْوَاحِد عَلَى حَقِيقَته وَمَجَازه , لِأَنَّ الصَّحَابَة لَمَّا بَلَغَهُمْ تَحْرِيم الْخَمْر أَرَاقُوا كُلّ مَا كَانَ يُطْلَق عَلَيْهِ لَفْظ الْخَمْر حَقِيقَة وَمَجَازًا , وَإِذَا لَمْ يُجَوِّزُوا ذَلِكَ صَحَّ أَنَّ الْكُلّ خَمْر حَقِيقَة وَلَا اِنْفِكَاك عَنْ ذَلِكَ , وَعَلَى تَقْدِير إِرْخَاء الْعَنَانِ وَالتَّسْلِيم أَنَّ الْخَمْر حَقِيقَة فِي مَاءِ الْعِنَب خَاصَّة فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة , فَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة فَالْكُلّ خَمْر حَقِيقَة لِحَدِيثِ \" كُلّ مُسْكِر خَمْر \" فَكُلّ مَا اِشْتَدَّ كَانَ خَمْرًا , وَكُلّ خَمْر يَحْرُم قَلِيله وَكَثِيره , وَهَذَا يُخَالِف قَوْلهمْ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏ ‏قَوْله : ( وَثَلَاث ) ‏ ‏هِيَ صِفَةُ مَوْصُوف أَيْ أُمُور أَوْ أَحْكَام. ‏ ‏قَوْله : ( وَدِدْت ) ‏ ‏أَيْ تَمَنَّيْت , وَإِنَّمَا تَمَنَّى ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَبْعَد مِنْ مَحْذُور الِاجْتِهَاد وَهُوَ الْخَطَأ فِيهِ , فَثَبَتَ عَلَى تَقْدِير وُقُوعه , وَلَوْ كَانَ مَأْجُورًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَفُوتهُ بِذَلِكَ الْأَجْرُ الثَّانِي , وَالْعَمَل بِالنَّصِّ إِصَابَة مَحْضَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يُفَارِقنَا حَتَّى يَعْهَد إِلَيْنَا عَهْدًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" عَهْدًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ \" , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْده عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصّ فِيهَا , وَيُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ عِنْده عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ الْخَمْر مَا لَمْ يَحْتَجْ مَعَهُ إِلَى شَيْء غَيْره حَتَّى خَطَبَ بِذَلِكَ جَازِمًا بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( الْجَدّ وَالْكَلَالَة وَأَبْوَاب مِنْ أَبْوَاب الرِّبَا ) ‏ ‏أَمَّا الْجَدّ فَالْمُرَاد قَدْر مَا يَرِث لِأَنَّ الصَّحَابَة اِخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا , فَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْفَرَائِض عَنْ عُمَر أَنَّهُ قَضَى فِيهِ بِقَضَايَا مُخْتَلِفَة. وَأَمَّا الْكَلَالَة بِفَتْحِ الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام فَسَيَأْتِي بَيَانهَا أَيْضًا فِي كِتَاب الْفَرَائِض. وَأَمَّا أَبْوَاب الرِّبَا فَلَعَلَّهُ يُشِير إِلَى رِبَا الْفَضْل لِأَنَّ رِبَا النَّسِيئَة مُتَّفَق عَلَيْهِ بَيْن الصَّحَابَة , وَسِيَاق عُمَر يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْده نَصٌّ فِي بَعْض مِنْ أَبْوَاب الرِّبَا دُون بَعْض , فَلِهَذَا تَمَنَّى مَعْرِفَة الْبَقِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت يَا أَبَا عَمْرو ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ أَبُو حَيَّان التَّيْمِيُّ , وَأَبُو عَمْرو هِيَ كُنْيَة الشَّعْبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَشَيْء يُصْنَع بِالسِّنْدِ مِنْ الْأُرْز ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته \" يُقَال لَهُ السَّادِيَّة , يُدْعَى الْجَاهِل فَيَشْرَب مِنْهَا شَرْبَة فَتَصْرَعهُ \". قُلْت : وَهَذَا الِاسْم لَمْ يَذْكُرهُ صَاحِب \" النِّهَايَة \" لَا فِي السِّين الْمُهْمَلَة وَلَا فِي الشِّين الْمُعْجَمَة , وَلَا رَأَيْته فِي \" صِحَاح الْجَوْهَرِيّ \" وَمَا عَرَفْت ضَبْطه إِلَى الْآن , وَلَعَلَّهُ فَارِسِيّ , فَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا فَلَعَلَّهُ الشَّاذِبَة بِشِينٍ وَذَال مُعْجَمَتَيْنِ ثُمَّ مُوَحَّدَة , قَالَ فِي \" الصِّحَاح \" : الشَّاذِب الْمُتَنَحِّي عَنْ وَطَنه , فَلَعَلَّ الشَّاذِبَة تَأْنِيثه , وَسُمِّيَتْ الْخَمْر بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا إِذَا خَالَطَتْ الْعَقْل تَنَحَّتْ بِهِ عَنْ وَطَنه. ‏ ‏قَوْله : ( ذَاكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ اِتِّخَاذ الْخَمْر مِنْ الْأُرْز لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَهْد النَّبَوِيّ , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَمْ يَكُنْ هَذَا عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَوْ كَانَ لَنَهَى عَنْهُ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ عَمَّ الْأَشْرِبَة كُلّهَا فَقَالَ : الْخَمْر مَا خَامَرَ الْعَقْل \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هَذَا الْكَلَام الْأَخِير فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ قَوْله : \" الْخَمْر مَا خَامَرَ الْعَقْل \" مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا عَدَّ عُمَر الْخَمْسَة الْمَذْكُورَة لِاشْتِهَارِ أَسْمَائِهَا فِي زَمَانه , وَلَمْ تَكُنْ كُلّهَا تُوجَد بِالْمَدِينَةِ الْوُجُود الْعَامّ , فَإِنَّ الْحِنْطَة كَانَتْ بِهَا عَزِيزَة , وَكَذَا الْعَسَل بَلْ كَانَ أَعَزَّ , فَعَدَّ عُمَر مَا عَرَفَ فِيهَا , وَجَعَلَ مَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا يُتَّخَذ مِنْ الْأُرْز وَغَيْره خَمْرًا إِنْ كَانَ مِمَّا يُخَامِر الْعَقْل , وَفِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى جَوَاز إِحْدَاث الِاسْم بِالْقِيَاسِ وَأَخْذه مِنْ طَرِيق الِاشْتِقَاق , كَذَا قَالَ , وَرَدَّ بِذَلِكَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي جَوَاب مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" كُلّ مُسْكِر خَمْر \" مَعْنَاهُ مِثْل الْخَمْر , لِأَنَّ حَذْفَ مِثْل ذَلِكَ مَسْمُوع شَائِع , قَالَ : بَلْ الْأَصْل عَدَم التَّقْدِير , وَلَا يُصَار إِلَى التَّقْدِير إِلَّا إِلَى الْحَاجَة , فَإِنْ قِيلَ اِحْتَجْنَا إِلَيْهِ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُبْعَث لِبَيَانِ الْأَسْمَاء قُلْنَا : بَلْ بَيَان الْأَسْمَاء مِنْ جُمْلَة الْأَحْكَام لِمَنْ لَا يَعْلَمهَا. وَلَا سِيَّمَا لِيَقْطَع تَعَلُّق الْقَصْد بِهَا. قَالَ : وَأَيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنْ الْفَضِيخ خَمْرًا وَنَادَى الْمُنَادِي حُرِّمَتْ الْخَمْر لَمْ يُبَادِرُوا إِلَى إِرَاقَتهَا وَلَمْ يَفْهَمُوا أَنَّهَا دَاخِلَة فِي مُسَمَّى الْخَمْر , وَهُمْ الْفُصَّح اللُّسْن. فَإِنْ قِيلَ : هَذَا إِثْبَات اِسْم بِقِيَاسٍ , قُلْنَا : إِنَّمَا هُوَ إِثْبَات اللُّغَة عَنْ أَهْلهَا , فَإِنَّ الصَّحَابَة عَرَب فُصَحَاء فَهِمُوا مِنْ الشَّرْع مَا فَهِمُوهُ مِنْ اللُّغَة وَمِنْ اللُّغَة مَا فَهِمُوهُ مِنْ الشَّرْع. وَذَكَرَ اِبْن حَزْم أَنَّ بَعْض الْكُوفِيِّينَ اِحْتَجَّ بِمَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن عُمَر بِسَنَدٍ جَيِّد قَالَ : \" أَمَّا الْخَمْر فَحَرَام لَا سَبِيل إِلَيْهَا , وَأَمَّا مَا عَدَاهَا مِنْ الْأَشْرِبَة فَكُلّ مُسْكِر حَرَام \" قَالَ وَجَوَابه أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ : \" كُلّ مُسْكِر خَمْر \" فَلَا يَلْزَم مِنْ تَسْمِيَة الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب خَمْرًا اِنْحِصَار اِسْم الْخَمْر فِيهِ , وَكَذَا اِحْتَجُّوا بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر أَيْضًا \" حُرِّمَتْ الْخَمْر وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْء \" مُرَاده الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب , وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ غَيْرهَا لَا يُسَمَّى خَمْرًا , بِدَلِيلِ حَدِيثه الْآخَر \" نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر وَإِنْ بِالْمَدِينَةِ خَمْسَة أَشْرِبَة كُلّهَا تُدْعَى الْخَمْر مَا فِيهَا خَمْر الْعِنَب \". وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ ذِكْر الْأَحْكَام عَلَى الْمِنْبَر لِتَشْتَهِر بَيْن السَّامِعِينَ , وَذِكْر أَمَّا بَعْد فِيهَا , وَالتَّنْبِيه بِالنِّدَاءِ , وَالتَّنْبِيه عَلَى شَرَف الْعَقْل وَفَضْله , وَتَمَنِّي الْخَيْر , وَتَمَنِّي الْبَيَان لِلْأَحْكَامِ , وَعَدَم الِاسْتِثْنَاء. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ حَجَّاج ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مِنْهَال , وَحَمَّاد هُوَ اِبْنُ سَلَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَيَّان مَكَان الْعِنَب الزَّبِيب ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ حَمَّاد بْن سَلَمَة رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي حَيَّان بِهَذَا السَّنَد وَالْمَتْن فَذَكَرَ الزَّبِيب بَدَل الْعِنَب , وَهَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ عَلِيّ بْن عَبْد الْعَزِيز الْبَغَوِيُّ فِي مُسْنَده عَنْ حَجَّاج بْن مِنْهَال كَذَلِكَ وَلَيْسَ فِيهِ سُؤَال أَبِي حَيَّان الْأَخِير وَجَوَاب الشَّعْبِيّ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم أَيْضًا مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر وَمِنْ رِوَايَة عِيسَى بْن يُونُس كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَيَّان الزَّبِيب بَدَل الْعِنَب كَمَا قَالَ حَمَّاد بْن سَلَمَة , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَكَذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي حَيَّان. قُلْت : وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن قَيْس عَنْ الشَّعْبِيّ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5161",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْخَمْرُ يُصْنَعُ مِنْ خَمْسَةٍ مِنْ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5162",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَهْلًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَتَى ‏ ‏أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ‏ ‏فَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي عُرْسِهِ فَكَانَتْ ‏ ‏امْرَأَتُهُ ‏ ‏خَادِمَهُمْ وَهِيَ الْعَرُوسُ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْقَعْتُ ‏ ‏لَهُ تَمَرَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي ‏ ‏تَوْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَتَى أَبُو أُسَيْد السَّاعِدِيّ فَدَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُرْسه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْوَلِيمَة مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُرْسِهِ \" وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي حَازِم \" دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَتَدْرُونَ ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ سَهْل و ‏ ‏( مَا سَقَتْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون الْمُثَنَّاة , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" قَالَتْ وَسَقَيْت \" بِسُكُونِ التَّحْتَانِيَّة بَعْد الْقَاف وَفِي آخِره مُثَنَّاة , وَكَذَا الْخِلَاف فِي أَنْقَعَتْ وَنَقَعَتْ وَأَنْقَعَ بِالْهَمْزَةِ لُغَة , وَفِيهِ لُغَة أُخْرَى نَقَعَتْ بِغَيْرِ أَلِف , وَتَقَدَّمَ فِي الْوَلِيمَة بِلَفْظِ \" بَلَّتْ تَمَرَات \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي تَوْر ) ‏ ‏زَادَ فِي الْوَلِيمَة \" مِنْ حِجَارَة \" وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون مِنْ غَيْرهَا كَمَا تَقَدَّمَ , وَفِي رِوَايَة أَشْعَث عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْبَذ لَهُ فِي سِقَاء , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ سِقَاء يُنْبَذ لَهُ فِي تَوْر \" قَالَ أَشْعَث : وَالتَّوْر مِنْ لِحَاء الشَّجَر , أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة. وَعَبَّرَ الْمُصَنِّف فِي التَّرْجَمَة بِالِانْتِبَاذِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ النَّقِيع يُسَمَّى نَبِيذًا , فَيُحْمَل مَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَار بِلَفْظِ النَّبِيذ عَلَى النَّقِيع , وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ بَعْد قَلِيل \" بَاب نَقِيع التَّمْر مَا لَمْ يُسْكِر \" قَالَ الْمُهَلَّب : النَّقِيع حَلَال مَا لَمْ يَشْتَدّ فَإِذَا اِشْتَدَّ وَغَلَى حَرُمَ. وَشَرَطَ الْحَنَفِيَّة أَنْ يَقْذِف بِالزَّبَدِ , قَالَ : وَإِذَا نُقِعَ مِنْ اللَّيْل وَشُرِبَ النَّهَار أَوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يَشْتَدّ , وَفِيهِ حَدِيث عَائِشَة , يُشِير إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ عَائِشَة \" كَانَتْ تَنْبِذ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سِقَاء تُوكِي أَعْلَاهُ فَيَشْرَبهُ عِشَاء , وَتَنْبِذهُ عِشَاء فَيَشْرَبهُ غَدْوَة \" وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا \" كَانَتْ تَنْبِذ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدْوَة , فَإِذَا كَانَ مِنْ الْعَشِيّ تَعَشَّى فَشَرِبَ عَلَى عَشَائِهِ , فَإِنْ فَضَلَ شَيْء صَبَّتْهُ ثُمَّ تَنْبِذ لَهُ بِاللَّيْلِ , فَإِذَا أَصْبَحَ وَتَغَدَّى شَرِبَ عَلَى غَدَائِهِ , قَالَتْ نَغْسِل السِّقَاء غَدْوَة وَعَشِيَّة \" وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الدَّيْلَمِيّ عَنْ أَبِيهِ \" قُلْنَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا نَصْنَع بِالزَّبِيبِ ؟ قَالَ : اِنْبِذُوهُ عَلَى عَشَائِكُمْ , وَاشْرَبُوهُ عَلَى غَدَائِكُمْ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. فَهَذِهِ الْأَحَادِيث فِيهَا التَّقْيِيد بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَة. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْبَذ لَهُ الزَّبِيب مِنْ اللَّيْل فِي السِّقَاء , فَإِذَا أَصْبَحَ شَرِبَهُ يَوْمه وَلَيْلَته وَمِنْ الْغَد , فَإِذَا كَانَ مَسَاء شَرِبَهُ أَوْ سَقَاهُ الْخَدَم , فَإِنْ فَضَلَ شَيْء أَرَاقَهُ \" وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : الشَّرَاب فِي الْمُدَّة الَّتِي ذَكَرَتْهَا عَائِشَة يُشْرَب حُلْوًا , وَأَمَّا الصِّفَة الَّتِي ذَكَرَهَا اِبْن عَبَّاس فَقَدْ يَنْتَهِي إِلَى الشِّدَّة وَالْغَلَيَان , لَكِنْ يُحْمَل مَا وَرَدَ مِنْ أَمْر الْخَدَم بِشُرْبِهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغ ذَلِكَ وَلَكِنْ قَرُبَ مِنْهُ , لِأَنَّهُ لَوْ بَلَغَ ذَلِكَ لَأَسْكَرَ وَلَوْ أَسْكَرَ لَحَرُمَ تَنَاوُله مُطْلَقًا اِنْتَهَى. وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ قَالَ بِجَوَازِ شُرْب قَلِيل مَا أَسْكَرَ كَثِيره , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ بَدَا فِيهِ بَعْض تَغَيُّر فِي طَعْمه مِنْ حَمْض أَوْ نَحْوه فَسَقَاهُ الْخَدَم , وَإِلَى هَذَا أَشَارَ أَبُو دَاوُدَ فَقَالَ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ : قَوْله : \" سَقَاهُ الْخَدَم \" يُرِيد أَنَّهُ تَبَادَرَ بِهِ الْفَسَاد. اِنْتَهَى , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون \" أَوْ \" فِي الْخَبَر لِلتَّنْوِيعِ لِأَنَّهُ قَالَ : \" سَقَاهُ الْخَدَم أَوْ أَمَرَ بِهِ فَأُهْرِقَ \" أَيْ إِنْ كَانَ بَدَا فِي طَعْمه بَعْض التَّغَيُّر وَلَمْ يَشْتَدّ سَقَاهُ الْخَدَم , وَإِنْ كَانَ اِشْتَدَّ أَمْر بِإِهْرَاقِهِ , وَبِهَذَا جَزَمَ النَّوَوِيّ فَقَالَ : هُوَ اِخْتِلَاف عَلَى حَالَيْنِ إِنْ ظَهَرَ فِيهِ شِدَّة صَبَّهُ وَإِنْ لَمْ تَظْهَر شِدَّة سَقَاهُ الْخَدَم لِئَلَّا تَكُون فِيهِ إِضَاعَة مَال , وَإِنَّمَا يَتْرُكهُ هُوَ تَنَزُّهًا. وَجُمِعَ بَيْن حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة بِأَنَّ شُرْب النَّقِيع فِي يَوْمه لَا يَمْنَع شُرْب النَّقِيع فِي أَكْثَر مِنْ يَوْم , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِاخْتِلَافِ حَال أَوْ زَمَان يُحْمَل الَّذِي يَشْرَب فِي يَوْمه عَلَى مَا إِذَا كَانَ قَلِيلًا وَذَاكَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ كَثِيرًا فَيَفْضُل مِنْهُ مَا يَشْرَبهُ فِيمَا بَعْد , وَإِمَّا بِأَنْ يَكُون فِي شِدَّة الْحَرّ مَثَلًا فَيُسَارِع إِلَيْهِ الْفَسَاد , وَذَاكَ فِي شِدَّة بَرْد فَلَا يَتَسَارَع إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5163",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الظُّرُوفِ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏إِنَّهُ لَا بُدَّ لَنَا مِنْهَا قَالَ فَلَا إِذًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏بِهَذَا وَقَالَ فِيهِ لَمَّا نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْأَوْعِيَةِ ‏",
        "sharh": "\" 8360 \" ‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , ‏ ‏وَمَنْصُور ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِرِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَالِم ) ‏ ‏وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي الطَّرِيق الَّتِي بَعْدهَا أَنَّهُ اِبْن أَبِي الْجَعْد. وَالظُّرُوف بِظَاءٍ مُشَالَة مُعْجَمَة جَمْع ظَرْف بِفَتْحِ أَوَّله وَهُوَ الْوِعَاء. ‏ ‏قَوْله : ( نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الظُّرُوف ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر \" نَهَى عَنْ الدُّبَّاء وَالْمُزَفَّت \" وَكَأَنَّ هَذِهِ الطَّرِيق لَمَّا لَمْ تَكُنْ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ أَوْرَدَ عَقِب حَدِيث جَابِر أَحَادِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَعَلِيّ وَعَائِشَة الدَّالَّة عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا بُدّ لَنَا مِنْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَفْرِيّ عَنْ الثَّوْرِيّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَيْسَ لَنَا وِعَاء \" وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد فِي قِصَّة وَفْد عَبْد الْقَيْس \" فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ النَّاس لَا ظُرُوف لَهُمْ , فَقَالَ : اِشْرَبُوهُ إِذَا طَابَ , فَإِذَا خَبُثَ فَذَرُوهُ \" وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث الْأَشَجّ الْعَصْرِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ : \" مَا لِي أَرَى وُجُوهكُمْ قَدْ تَغَيَّرَتْ ؟ قَالُوا : نَحْنُ بِأَرْضٍ وَخِمَة , وَكُنَّا نَتَّخِذ مِنْ هَذِهِ الْأَنْبِذَة مَا يَقْطَع اللّحْمَان فِي بُطُوننَا , فَلَمَّا نَهَيْتنَا عَنْ الظُّرُوف فَذَلِكَ الَّذِي تَرَى فِي وُجُوهنَا. فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الظُّرُوف لَا تُحِلّ وَلَا تُحَرِّم , وَلَكِنْ كُلّ مُسْكِر حَرَام \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا إِذًا ) ‏ ‏جَوَاب وَجَزَاء , أَيْ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدّ لَكُمْ مِنْهَا فَلَا تَدَعُوهَا. وَحَاصِله أَنَّ النَّهْي كَانَ وَرَدَ عَلَى تَقْدِير عَدَم الِاحْتِيَاج , أَوْ وَقَعَ وَحْي فِي الْحَال بِسُرْعَةٍ أَوْ كَانَ الْحُكْم فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة مُفَوَّضًا لِرَأْيِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَذِهِ اِحْتِمَالَات تَرُدّ عَلَى مَنْ جَزَمَ بِأَنَّ الْحَدِيث حُجَّة فِي أَنَّهُ كَانَ يَحْكُم بِالِاجْتِهَادِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لِي خَلِيفَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن خَيَّاط بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , ‏ ‏وَيَحْيَى بْن سَعِيد ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ , وَلَيْسَ هُوَ أَبَا بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَإِنْ كَانَ هُوَ أَيْضًا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد. لِأَنَّ قَوْل الْبُخَارِيّ بِهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ سِيَاقه مِثْل سِيَاق عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ إِلَّا فِي اللَّفْظَة الَّتِي اِخْتَلَفَا فِيهَا , وَسِيَاق اِبْن أَبِي شَيْبَة لَا يُشْبِه سِيَاق عَلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( بِهَذَا ) ‏ ‏أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَى عَلِيّ وَالْمَتْن , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ عِمْرَان بْن مُوسَى عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ جَرِير عَنْ الْأَعْمَش فَقَالَ : بِإِسْنَادِهِ مِثْله , ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَوْعِيَة ) ‏ ‏فِيهِ حَذْف تَقْدِيره : نَهَى عَنْ الِانْتِبَاذ فِي الْأَوْعِيَة , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة زِيَاد بْن فَيَّاض عَنْ أَبِي عِيَاض أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ \" لَا تَنْبِذُوا فِي الدُّبَّاء وَالْحَنْتَم وَالنَّقِير \" وَالْفَرْق بَيْن الْأَسْقِيَة مِنْ الْأُدُم وَبَيْن غَيْرهَا أَنَّ الْأَسْقِيَة يَتَخَلَّلهَا الْهَوَاء مِنْ مَسَامّهَا فَلَا يُسْرِع إِلَيْهَا الْفَسَاد مِثْل مَا يُسْرِع إِلَى غَيْرهَا مِنْ الْجِرَار وَنَحْوهَا مِمَّا نُهِيَ عَنْ الِانْتِبَاذ فِيهِ. وَأَيْضًا فَالسِّقَاء إِذَا نُبِذَ فِيهِ ثُمَّ رُبِطَ أُمِنَتْ مَفْسَدَة الْإِسْكَار بِمَا يُشْرَب مِنْهُ لِأَنَّهُ مَتَى تَغَيَّرَ وَصَارَ مُسْكِرًا شَقَّ الْجِلْد , فَلَمَّا لَمْ يَشُقّهُ فَهُوَ غَيْر مُسْكِر , بِخِلَافِ الْأَوْعِيَة لِأَنَّهَا قَدْ تُصَيِّر النَّبِيذ فِيهَا مُسْكِرًا وَلَا يُعْلَم بِهِ , وَأَمَّا الرُّخْصَة فِي بَعْض الْأَوْعِيَة دُون بَعْض فَمِنْ جِهَة الْمُحَافَظَة عَلَى صِيَانَة الْمَال لِثُبُوتِ النَّهْي عَنْ إِضَاعَته , لِأَنَّ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا يَسْرُع التَّغَيُّر إِلَى مَا يُنْبَذ فِيهَا , بِخِلَافِ مَا أُذِنَ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْرُع إِلَيْهِ التَّغَيُّر , وَلَكِنَّ حَدِيث بُرَيْدَةَ ظَاهِر فِي تَعْمِيم الْإِذْن فِي الْجَمِيع , يُفِيد أَنْ لَا تَشْرَبُوا الْمُسْكِر , فَكَأَنَّ الْأَمْن حَصَلَ بِالْإِشَارَةِ إِلَى تَرْك الشُّرْب مِنْ الْوِعَاء اِبْتِدَاء حَتَّى يُخْتَبَر حَاله هَلْ تَغَيَّرَ أَوْ لَا , فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّن الِاخْتِبَار بِالشُّرْبِ بَلْ يَقَع بِغَيْرِ الشُّرْب , مِثْل أَنْ يَصِير شَدِيد الْغَلَيَان أَوْ يَقْذِف بِالزَّبَدِ وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالُوا لَا بُدّ لَنَا ) فِي رِوَايَة زِيَاد بْن فَيَّاض أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ أَعْرَابِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5164",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَحْوَلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْقِيَةِ ‏ ‏قِيلَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ ‏ ‏سِقَاءً ‏ ‏فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الْجَرِّ غَيْرِ ‏ ‏الْمُزَفَّتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا سُلَيْمَان الْأَحْوَل \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيّ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي عِيَاض الْعَنْسِي ) ‏ ‏بِالنُّونِ , وَعِيَاض بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف التَّحْتَانِيَّة وَبَعْد الْأَلِف ضَاد مُعْجَمَة وَاسْمه عَمْرو بْن الْأَسْوَد , وَقِيلَ قَيْس بْن ثَعْلَبَة وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نَصْر الْكَلَابَاذِيّ فِي رِجَال الْبُخَارِيّ , وَكَأَنَّهُ تَبِعَ مَا نَقَلَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ , وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي \" الْكُنَى \" أَبُو عِيَاض عَمْرو بْن الْأَسْوَد الْعَنْسِيّ , ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيق شُرَحْبِيل بْن عَمْرو بْن مُسْلِم عَنْ عَمْرو بْن الْأَسْوَد الْحِمْصِيّ أَبِي عِيَاض. ثُمَّ رَوَى عَنْ مُعَاوِيَة بْن صَالِح عَنْ يَحْيَى بْن مَعِين قَالَ عَمْرو بْن الْأَسْوَد الْعَنْسِيّ يُكَنَّى أَبَا عِيَاض. وَمِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ قَالَ لِي عَلِيّ - يَعْنِي اِبْن الْمَدِينِيّ - إِنْ لَمْ يَكُنْ اِسْم أَبِي عِيَاض قَيْس بْن ثَعْلَبَة فَلَا أَدْرِي قَالَ الْبُخَارِيّ وَقَالَ غَيْره عَمْرو بْن الْأَسْوَد. قَالَ النَّسَائِيُّ : وَيُقَال كُنْيَة عَمْرو بْن الْأَسْوَد أَبُو عَبْد الرَّحْمَن. قَالَ : أَوْرَدَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمَد فِي \" الْكُنَى \" مُحَصَّل مَا أَوْرَدَهُ النَّسَائِيُّ إِلَّا قَوْل يَحْيَى بْن مَعِين , وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَر وَمُعَاوِيَة , وَأَنَّهُ رَوَى عَنْهُ مُجَاهِد وَخَالِد بْن مَعْدَان وَأَرْطَاة بْن الْمُنْذِر وَغَيْرهمْ , وَذَكَرَ فِي رِوَايَة شُرَحْبِيل بْن مُسْلِم عَنْ عَمْرو بْن الْأَسْوَد أَنَّهُ مَرَّ عَلَى مَجْلِس فَسَلَّمَ فَقَالُوا : لَوْ جَلَسْت إِلَيْنَا أَبَا عِيَاض. وَمِنْ طَرِيق مُوسَى بْن كَثِير عَنْ مُجَاهِد حَدَّثَنَا أَبُو عِيَاض فِي خِلَافَة مُعَاوِيَة. وَرَوَى أَحْمَد فِي الزُّهْد أَنَّ عُمَر أَثْنَى عَلَى أَبِي عِيَاض. وَذَكَرَهُ أَبُو مُوسَى فِي \" ذَيْل الصَّحَابَة \" وَعَزَاهُ لِابْنِ أَبِي عَاصِم , وَأَظُنّهُ ذَكَرَهُ لِإِدْرَاكِهِ وَلَكِنْ لَا تَثْبُت لَهُ صُحْبَة. وَقَالَ اِبْن سَعْد : كَانَ ثِقَة قَلِيل الْحَدِيث , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْعُلَمَاء الثِّقَات. وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالرَّاجِح فِي أَبِي عِيَاض الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ مُجَاهِد أَنَّهُ عَمْرو بْن الْأَسْوَد وَأَنَّهُ شَامِيّ , وَأَمَّا قَيْس بْن ثَعْلَبَة فَهُوَ أَبُو عِيَاض آخَر وَهُوَ كُوفِيّ , ذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي ثِقَات التَّابِعِينَ وَقَالَ : إِنَّهُ يَرْوِي عَنْ عُمَر وَعَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَغَيْرهمْ , رَوَى عَنْهُ أَهْل الْكُوفَة. وَإِنَّمَا بَسَطْت تَرْجَمَته لِأَنَّ الْمِزِّيّ لَمْ يَسْتَوْعِبهَا , وَخَلَطَ تَرْجَمَة بِتَرْجَمَةٍ , وَأَنَّهُ صَغَّرَ اِسْمه فَقَالَ : عُمَيْر بْن الْأَسْوَد الشَّامِيّ الْعَنْسِي صَاحِب عُبَادَةَ بْن الصَّامِت , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ غَيْره ; فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ الْمُزِّي فَإِنَّ لَهُ عِنْد الْبُخَارِيّ حَدِيثًا تَقَدَّمَ ذِكْره فِي الْجِهَاد مِنْ رِوَايَة خَالِد بْن مَعْدَان عَنْ عُمَيْر بْن الْأَسْوَد عَنْ أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان , وَكَأَنَّ عُمْدَته فِي ذَلِكَ أَنَّ خَالِد بْن مَعْدَان رَوَى عَنْ عَمْرو بْن الْأَسْوَد أَيْضًا , وَقَدْ فَرَّقَ اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات بَيْن عُمَيْر بْن الْأَسْوَد الَّذِي يُكَنَّى أَبَا عِيَاض وَبَيْن عُمَيْر بْن الْأَسْوَد الَّذِي يَرْوِي عَنْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت وَقَالَ كُلّ مِنْهُمَا عُمَيْر بِالتَّصْغِيرِ , فَإِنْ كَانَ ضَبَطَهُ فَلَعَلَّ أَبَا عِيَاض كَانَ يُقَال لَهُ عَمْرو وَعُمَيْر , وَلَكِنَّهُ آخَر غَيْر صَاحِب عُبَادَة. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْعَاصِ , كَذَا فِي جَمِيع نُسَخ الْبُخَارِيّ , وَوَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ مُسْلِم عَبْد اللَّه بْن عُمَر بِضَمِّ الْعَيْن , وَهُوَ تَصْحِيف نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ. ‏ ‏قَوْله ( لَمَّا نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْأَسْقِيَة ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة. وَقَدْ تَفَطَّنَ الْبُخَارِيّ لِمَا فِيهَا فَقَالَ بَعْد سِيَاق الْحَدِيث \" حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا سُفْيَان بِهَذَا وَقَالَ عَنْ الْأَوْعِيَة \" وَهَذَا هُوَ الرَّاجِح , وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ أَكْثَر أَصْحَاب اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْهُ كَأَحْمَد وَالْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَأَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَابْن أَبِي عُمَر عِنْد مُسْلِم وَأَحْمَد بْن عَبْدَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْرهمْ , وَقَالَ عِيَاض : ذِكْر \" الْأَسْقِيَة \" وَهْم مِنْ الرَّاوِي , وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ \" الْأَوْعِيَة \" لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ قَطُّ عَنْ الْأَسْقِيَة وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ الظُّرُوف وَأَبَاحَ الِانْتِبَاذ فِي الْأَسْقِيَة , فَقِيلَ لَهُ لَيْسَ كُلّ النَّاس يَجِد سِقَاء فَاسْتَثْنَى مَا يُسْكِر ; وَكَذَا قَالَ لِوَفْدِ عَبْد الْقَيْس لَمَّا نَهَاهُمْ عَنْ الِانْتِبَاذ فِي الدُّبَّاء وَغَيْرهَا , قَالُوا : فَفِيمَ نَشْرَب ؟ قَالَ : فِي أَسْقِيَة الْأُدُم. قَالَ وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الرِّوَايَة فِي الْأَصْل كَانَتْ لَمَّا نَهَى عَنْ النَّبِيذ إِلَّا فِي الْأَسْقِيَة , فَسَقَطَ مِنْ الرِّوَايَة شَيْء اِنْتَهَى. وَسَبَقَهُ إِلَى هَذَا الْحُمَيْدِيّ فَقَالَ فِي \" الْجَمْع \" : لَعَلَّهُ نَقَصَ مِنْ لَفْظ الْمَتْن , وَكَانَ فِي الْأَصْل لَمَّا نَهَى عَنْ النَّبِيذ إِلَّا فِي الْأَسْقِيَة. وَقَالَ اِبْن التِّين : مَعْنَاهُ لَمَّا نَهَى عَنْ الظُّرُوف إِلَّا الْأَسْقِيَة وَهُوَ عَجِيب , وَاَلَّذِي قَالَهُ الْحُمَيْدِيّ أَقْرَب , وَإِلَّا فَحَذْف أَدَاة الِاسْتِثْنَاء مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَإِثْبَات الْمُسْتَثْنَى غَيْر جَائِز إِلَّا إِنْ اِدَّعَى مَا قَالَ الْحُمَيْدِيّ أَنَّهُ سَقَطَ عَلَى الرَّاوِي. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَمَّا نَهَى فِي مَسْأَلَة الْأَنْبِذَة عَنْ الْجِرَار بِسَبَبِ الْأَسْقِيَة قَالَ : وَمَجِيء \" عَنْ \" سَبَبِيَّة شَائِع , مِثْل يُسَمِّنُونَ عَنْ الْأَكْل أَيْ بِسَبَبِ الْأَكْل , وَمِنْهُ ( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا ) أَيْ بِسَبَبِهَا. قُلْت : وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَيَظْهَر لِي أَنْ لَا غَلَط وَلَا سَقْط , وَإِطْلَاق السِّقَاء عَلَى كُلّ مَا يُسْقَى مِنْهُ جَائِز , فَقَوْله \" نَهَى عَنْ الْأَسْقِيَة \" بِمَعْنَى الْأَوْعِيَة , لِأَنَّ الْمُرَاد بِالْأَوْعِيَةِ , الْأَوْعِيَة الَّتِي يُسْتَقَى مِنْهَا , وَاخْتِصَاص اِسْم الْأَسْقِيَة بِمَا يُتَّخَذ مِنْ الْأُدُم إِنَّمَا هُوَ بِالْعُرْفِ. وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت : السِّقَاء يَكُون لِلَّبَنِ وَالْمَاء وَالْوَطْب بِالْوَاوِ لِلَّبَنِ خَاصَّة , وَالنِّحْي بِكَسْرِ النُّون وَسُكُون الْمُهْمَلَة لِلسَّمْنِ وَالْقِرْبَة لِلْمَاءِ , وَإِلَّا فَمَنْ يُجِيز الْقِيَاس فِي اللُّغَة لَا يَمْنَع مَا صَنَعَ سُفْيَان , فَكَأَنَّهُ كَانَ يَرَى اِسْتِوَاء اللَّفْظَيْنِ , فَحَدَّثَ بِهِ مَرَّة هَكَذَا وَمِرَارًا هَكَذَا , وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَعُدّهَا الْبُخَارِيّ وَهْمًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الْجَرّ غَيْر الْمُزَفَّت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر \" فَأَرْخَصَ \" وَهِيَ لُغَة , يُقَال أَرْخَصَ وَرَخَّصَ. وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" فَأَذِنَ لَهُمْ فِي شَيْء مِنْهُ \" وَفِي هَذَا دَلَالَة عَلَى أَنَّ الرُّخْصَة لَمْ تَقَع دَفْعَة وَاحِدَة , بَلْ وَقَعَ النَّهْي عَنْ الِانْتِبَاذ إِلَّا فِي سِقَاء فَلَمَّا شَكَوْا رَخَّصَ لَهُمْ فِي بَعْض الْأَوْعِيَة دُون بَعْض ; ثُمَّ وَقَعَتْ الرُّخْصَة بَعْد ذَلِكَ عَامَّة , لَكِنْ يَفْتَقِر مَنْ قَالَ إِنَّ الرُّخْصَة وَقَعَتْ بَعْد ذَلِكَ إِلَى أَنْ يُثْبِت أَنَّ حَدِيث بُرَيْدَةَ الدَّالّ عَلَى ذَلِكَ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو هَذَا. ‏ ‏قَالَهُ : ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) هُوَ الْجُعْفِيُّ , وَلَيْسَ هُوَ أَبَا بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَإِنْ كَانَ هُوَ أَيْضًا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد. لِأَنَّ قَوْل الْبُخَارِيّ بِهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ سِيَاقه مِثْل سِيَاق عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ إِلَّا فِي اللَّفْظَة الَّتِي اِخْتَلَفَا فِيهَا , وَسِيَاق اِبْن أَبِي شَيْبَة لَا يُشْبِه سِيَاق عَلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( بِهَذَا ) أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى عَلِيّ وَالْمَتْن , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ عِمْرَان بْن مُوسَى عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ جَرِير عَنْ الْأَعْمَش فَقَالَ : بِإِسْنَادِهِ مِثْله , ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَوْعِيَة ) فِيهِ حَذْف تَقْدِيره : نَهَى عَنْ الِانْتِبَاذ فِي الْأَوْعِيَة , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة زِيَاد بْن فَيَّاض عَنْ أَبِي عِيَاض أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ \" لَا تَنْبِذُوا فِي الدُّبَّاء وَالْحَنْتَم وَالنَّقِير \" وَالْفَرْق بَيْن الْأَسْقِيَة مِنْ الْأُدُم وَبَيْن غَيْرهَا أَنَّ الْأَسْقِيَة يَتَخَلَّلهَا الْهَوَاء مِنْ مَسَامّهَا فَلَا يَسْرُع إِلَيْهَا الْفَسَاد مِثْل مَا يَسْرُع إِلَى غَيْرهَا مِنْ الْجِرَار وَنَحْوهَا مِمَّا نَهَى عَنْ الِانْتِبَاذ فِيهِ. وَأَيْضًا فَالسِّقَاء إِذَا نُبِذَ فِيهِ ثُمَّ رُبِطَ أُمِنَتْ مَفْسَدَة الْإِسْكَار بِمَا يُشْرَب مِنْهُ لِأَنَّهُ مَتَى تَغَيَّرَ وَصَارَ مُسْكِرًا شَقَّ الْجِلْد , فَلَمَّا لَمْ يَشُقّهُ فَهُوَ غَيْر مُسْكِر , بِخِلَافِ الْأَوْعِيَة لِأَنَّهَا قَدْ تُصَيِّر النَّبِيذ فِيهَا مُسْكِرًا وَلَا يُعْلَم بِهِ , وَأَمَّا الرُّخْصَة فِي بَعْض الْأَوْعِيَة دُون بَعْض فَمِنْ جِهَة الْمُحَافَظَة عَلَى صِيَانَة الْمَال لِثُبُوتِ النَّهْي عَنْ إِضَاعَته , لِأَنَّ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا يَسْرُع التَّغَيُّر إِلَى مَا يُنْبَذ فِيهَا , بِخِلَافِ مَا أُذِنَ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْرُع إِلَيْهِ التَّغَيُّر , وَلَكِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ ظَاهِر فِي تَعْمِيم الْإِذْن فِي الْجَمِيع , يُفِيد أَنْ لَا تَشْرَبُوا الْمُسْكِر , فَكَأَنَّ الْأَمْن حَصَلَ بِالْإِشَارَةِ إِلَى تَرْك الشُّرْب مِنْ الْوِعَاء اِبْتِدَاء حَتَّى يُخْتَبَر حَاله هَلْ تَغَيَّرَ أَوْ لَا , فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّن الِاخْتِبَار بِالشُّرْبِ بَلْ يَقَع بِغَيْرِ الشُّرْب , مِثْل أَنْ يَصِير شَدِيد الْغَلَيَان أَوْ يَقْذِف بِالزَّبَدِ وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالُوا لَا بُدّ لَنَا ) فِي رِوَايَة زِيَاد بْن فَيَّاض أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ أَعْرَابِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5165",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الدُّبَّاءِ ‏ ‏وَالْمُزَفَّتِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش , وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيُّ هُوَ اِبْنُ يَزِيد بْن شَرِيك. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الدُّبَّاء وَالْمُزَفَّت ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مَالِك بْنِ عُمَيْر عَنْ عَلِيّ عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" وَالْحَنْتَم وَالنَّقِير \". ‏"
    },
    {
        "id": "5166",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِلْأَسْوَدِ ‏ ‏هَلْ سَأَلْتَ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏عَمَّا يُكْرَهُ أَنْ ‏ ‏يُنْتَبَذَ ‏ ‏فِيهِ فَقَالَ نَعَمْ قُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَمَّ نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ ‏ ‏يُنْتَبَذَ ‏ ‏فِيهِ قَالَتْ ‏ ‏نَهَانَا فِي ذَلِكَ أَهْلَ الْبَيْتِ أَنْ ‏ ‏نَنْتَبِذَ ‏ ‏فِي ‏ ‏الدُّبَّاءِ ‏ ‏وَالْمُزَفَّتِ ‏ ‏قُلْتُ أَمَا ذَكَرَتْ ‏ ‏الْجَرَّ ‏ ‏وَالْحَنْتَمَ ‏ ‏قَالَ إِنَّمَا أُحَدِّثُكَ مَا سَمِعْتُ أَفَأُحَدِّثُ مَا لَمْ أَسْمَعْ ‏",
        "sharh": "\" 8363 \" ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عُثْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي شَيْبَة , ‏ ‏وَجَرِير ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عَبْد الْحَمِيد. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ ‏ ‏( قُلْت لِلْأَسْوَدِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد النَّخَعِيُّ وَهُوَ خَالُ إِبْرَاهِيم الرَّاوِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَمَّ نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنْتَبَذ فِيهِ ) ‏ ‏أَيْ أَخْبِرْنِي عَمَّا نَهَى , و \" عَمَّا \" أَصْلهَا \" عَنْ مَا \" فَأُدْغِمَتْ وَلَا تُشْبَع الْمِيم غَالِبًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" مَا نَهَى \" بِحَذْفِ \" عَنْ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَهْل الْبَيْت ) ‏ ‏بِالْفَتْحِ عَلَى الِاخْتِصَاص , أَوْ عَلَى الْبَدَل مِنْ الضَّمِيرِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَا ذَكَرَتْ ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ إِبْرَاهِيم , وَقَوْله \" قَالَ \" أَيْ الْأَسْوَد , وَقَوْله \" أَفَنُحَدِّث \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالنُّونِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" أَفَأُحَدِّث \" بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَفَأُحَدِّثك مَا لَمْ أَسْمَع \" وَإِنَّمَا اِسْتَفْهَمَ إِبْرَاهِيم عَنْ الْجَرّ وَالْحَنْتَم لِاشْتِهَارِ الْحَدِيث بِالنَّهْيِ عَنْ الِانْتِبَاذ فِي الْأَرْبَعَة , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي التَّقْيِيد بِأَهْلِ الْبَيْت , فَإِنَّ الدُّبَّاء وَالْمُزَفَّت كَانَ عِنْدهمْ مُتَيَسِّرًا , فَلِذَلِكَ خُصَّ نَهْيهمْ عَنْهُمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5167",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْجَرِّ الْأَخْضَرِ قُلْتُ أَنَشْرَبُ فِي الْأَبْيَضِ قَالَ لَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد , ‏ ‏وَالشَّيْبَانِيّ ‏ ‏هُوَ أَبُو إِسْحَاق سُلَيْمَان بْن فَيْرُوز , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْجَرّ الْأَخْضَرِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" عَنْ نَبِيذ الْجَرّ الْأَخْضَر \". ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت ) ‏ ‏الْقَائِلُ هُوَ الشَّيْبَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَا ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ حُكْمه حُكْم الْأَخْضَر , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَصْف بِالْخُضْرَةِ لَا مَفْهُوم لَهُ , وَكَأَنَّ الْجِرَار الْخُضْر حِينَئِذٍ كَانَتْ شَائِعَة بَيْنهمْ فَكَانَ ذِكْر الْأَخْضَر لِبَيَانِ الْوَاقِع لَا لِلِاحْتِرَازِ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هَذَا عِنْدِي كَلَام خَرَجَ عَلَى جَوَاب سُؤَال , كَأَنَّهُ قِيلَ الْجَرّ الْأَخْضَر , فَقَالَ : لَا تَنْبِذُوا فِيهِ , فَسَمِعَهُ الرَّاوِي فَقَالَ : نَهَى عَنْ الْجَرّ الْأَخْضَر. وَقَدْ رَوَى اِبْن عَبَّاس \" عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ نَبِيذ الْجَرّ \" قَالَ : وَالْجَرّ كُلّ مَا يُصْنَع مِنْ مَدَر قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّافِعِيّ عَنْ سُفْيَان عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ اِبْن أَبِي أَوْفَى \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَبِيذ الْجَرّ الْأَخْضَر وَالْأَبْيَض وَالْأَحْمَر \" فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَفِي الْأَوَّل اِخْتِصَار , وَالْحَدِيث الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرهمَا , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَمْ يُعَلَّق الْحُكْم فِي ذَلِكَ بِالْخُضْرَةِ وَالْبَيَاض , وَإِنَّمَا عُلِّقَ بِالْإِسْكَارِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْجِرَار تُسْرِع التَّغَيُّر لِمَا يُنْبَذ فِيهَا , فَقَدْ يَتَغَيَّر مِنْ قَبْل أَنْ يُشْعَر بِهِ , فَنَهَوْا عَنْهَا. ثُمَّ لَمَّا وَقَعَتْ الرُّخْصَة أُذِنَ لَهُمْ فِي الِانْتِبَاذ فِي الْأَوْعِيَة بِشَرْطِ أَنْ لَا يُشْرِبُوا مُسْكِرًا. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ كَانَ يَشْرَب نَبِيذ الْجَرّ الْأَخْضَر وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن مَسْعُود \" أَنَّهُ كَانَ يُنْبَذ لَهُ فِي الْجَرّ الْأَخْضَر \" وَمِنْ طَرِيق مَعْقِل بْن يَسَار وَجَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة نَحْوه , وَقَدْ خَصَّ جَمَاعَة النَّهْي عَنْ الْجَرّ بِالْجِرَارِ الْخُضْر كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ النَّوَوِيّ : وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَر - أَوْ الْكَثِير - مِنْ أَهْل اللُّغَة وَالْغَرِيب وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاء , وَهُوَ أَصَحّ الْأَقْوَال وَأَقْوَاهَا , وَقِيلَ إِنَّهَا جِرَار مُقَيَّرَة الْأَجْوَاف يُؤْتَى بِهَا مِنْ مِصْر أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَنَس , وَقِيلَ مِثْله عَنْ عَائِشَة بِزِيَادَةِ : أَعْنَاقهَا فِي جَنُوبهَا , وَعَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى : جِرَار أَفْوَاههَا فِي جَنُوبهَا يُجْلَب فِيهَا الْخَمْر مِنْ الطَّائِف وَكَانُوا يَنْبِذُونَ فِيهَا يُضَاهُونَ بِهَا الْخَمْر. وَعَنْ عَطَاء : جِرَار تُعْمَل مِنْ طِين وَدَم وَشَعْر. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ فَسَّرَ الْجَرّ بِكُلِّ شَيْء مِنْ مَدَر , وَكَذَا فَسَّرَ اِبْن عُمَر الْجَرّ بِالْجَرَّة وَأَطْلَقَ , وَمِثْله عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن. ‏"
    },
    {
        "id": "5168",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّ ‏ ‏دَعَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِعُرْسِهِ فَكَانَتْ ‏ ‏امْرَأَتُهُ ‏ ‏خَادِمَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَهِيَ الْعَرُوسُ فَقَالَتْ مَا تَدْرُونَ مَا ‏ ‏أَنْقَعْتُ ‏ ‏لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْقَعْتُ ‏ ‏لَهُ تَمَرَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي ‏ ‏تَوْرٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5169",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَاذَقِ ‏ ‏فَقَالَ سَبَقَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْبَاذَقَ ‏ ‏فَمَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ قَالَ الشَّرَابُ الْحَلَالُ الطَّيِّبُ قَالَ لَيْسَ بَعْدَ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ إِلَّا الْحَرَامُ الْخَبِيثُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَة ) ‏ ‏بِالْجِيمِ مُصَغَّرًا اِسْمه حِطَّان , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَاله فِي سُورَة الْمَائِدَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ الثَّوْرِيّ \" حَدَّثَنِي أَبُو الْجَوْرِيَة \". ‏ ‏قَوْله : ( سَبَقَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَاذَق , مَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَام ) ‏ ‏قَالَ الْمُهَلَّب : أَيْ سَبَقَ مُحَمَّد بِتَحْرِيمِ الْخَمْر تَسْمِيَتهمْ لَهَا الْبَاذَق , قَالَ اِبْن بَطَّال يَعْنِي بِقَوْلِهِ \" كُلّ مُسْكِر حَرَام \" وَالْبَاذَق شَرَاب الْعَسَل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى سَبَقَ حُكْم مُحَمَّد بِتَحْرِيمِ الْخَمْر تَسْمِيَتهمْ لَهَا بِغَيْرِ اِسْمهَا , وَلَيْسَ تَغْيِيرهمْ لِلِاسْمِ بِمُحَلِّلٍ لَهُ إِذَا كَانَ يُسْكِر , قَالَ : وَكَأَنَّ اِبْن عَبَّاس فَهِمَ مِنْ السَّائِل أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْبَاذَق حَلَال , فَحَسَمَ مَادَّته وَقَطَعَ رَجَاءَهُ وَبَاعَدَ مِنْهُ أَصْله وَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُسْكِر حَرَام وَلَا عِبْرَة بِالتَّسْمِيَةِ. وَقَالَ اِبْن التِّين : يَعْنِي أَنَّ الْبَاذَق لَمْ يَكُنْ فِي زَمَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْت : وَسِيَاق قِصَّة عُمَر الْأُولَى يُؤَيِّد ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمَرْقَنْدِيّ : شَارِب الْمَطْبُوخ إِذَا كَانَ يُسْكِر أَعْظَم ذَنْبًا مِنْ شَارِب الْخَمْر لِأَنَّ شَارِب الْخَمْر يَشْرَبهَا وَهُوَ يَعْلَم أَنَّهُ عَاصٍ بِشُرْبِهَا , وَشَارِب الْمَطْبُوخ يَشْرَب الْمُسْكِر وَيَرَاهُ حَلَالًا , وَقَدْ قَامَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ قَلِيل الْخَمْر وَكَثِيره حَرَام , وَثَبَتَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كُلّ مُسْكِر حَرَام \" وَمَنْ اِسْتَحَلَّ مَا هُوَ حَرَام بِالْإِجْمَاعِ كَفَرَ. قُلْت : وَقَدْ سَبَقَ إِلَى نَحْو هَذَا بَعْض قُدَمَاء الشُّعَرَاء فِي أَوَّل الْمِائَة الثَّالِثَة فَقَالَ يُعَرِّض بِبَعْضِ مَنْ كَانَ يُفْتِي بِإِبَاحَةِ الْمَطْبُوخ : ‏ ‏وَأَشْرَبهَا وَأَزْعُمهَا حَرَامًا ‏ ‏وَأَرْجُو عَفْو رَبّ ذِي اِمْتِنَان ‏ ‏وَيَشْرَبهَا وَيَزْعُمهَا حَلَالًا ‏ ‏وَتِلْكَ عَلَى الْمُسِيء خَطِيئَتَانِ ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الشَّرَاب الْحَلَال الطَّيِّب , قَالَ لَيْسَ بَعْد الْحَلَال الطَّيِّب إِلَّا الْحَرَام الْخَبِيث ) ‏ ‏هَكَذَا فِي جَمِيع نُسَخ الصَّحِيح , وَلَمْ يُعَيِّن الْقَائِل هَلْ هُوَ اِبْن عَبَّاس أَوْ مَنْ بَعْده , وَالظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ قَوْل اِبْن عَبَّاس , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيل فِي أَحْكَامه فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق , وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" قَالَ الشَّرَاب الْحَلَال الطَّيِّب لَا الْحَرَام الْخَبِيث \" وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ وَهُوَ زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَة قَالَ : قُلْت لِابْنِ عَبَّاس أَفْتِنِي عَنْ الْبَاذَق , فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِي آخِره \" فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم : إِنَّا نَعْمِد إِلَى الْعِنَب فَنَعْصِرهُ حَتَّى نَطْبُخهُ حَتَّى يَكُون حَلَالًا طَيِّبًا , فَقَالَ : سُبْحَان اللَّه سُبْحَان اللَّه , اِشْرَبْ الْحَلَال الطَّيِّب فَإِنَّهُ لَيْسَ بَعْد الْحَلَال الطَّيِّب إِلَّا الْحَرَام الْخَبِيث \" وَأَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق أَبِي عَوَانَة عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَة قَالَ \" سَأَلْت اِبْن عَبَّاس قُلْت : نَأْخُذ الْعِنَب فَنَعْصِرهُ فَنَشْرَب مِنْهُ حُلْوًا حَلَالًا ؟ قَالَ : اِشْرَبْ الْحُلْو \" وَالْبَاقِي مِثْله , وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْمُشَبَّهَات تَقَع فِي حَيِّز الْحَرَام وَهُوَ الْخَبِيث , وَمَا لَا شُبْهَة فِيهِ حَلَال طَيِّب , قَالَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي \" أَحْكَام الْقُرْآن \" : هَذَا الْأَثَر عَنْ اِبْن عَبَّاس يُضَعِّف الْأَثَر الْمَرْوِيّ عَنْهُ \" حُرِّمَتْ الْخَمْر بِعَيْنِهَا \" الْحَدِيث , وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه فِي \" بَاب الْخَمْر مِنْ الْعَسَل \". ثُمَّ أُسْنِدَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" مَا أَسْكَرَ كَثِيره فَقَلِيله حَرَام \" وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ بِسَنَدٍ صَحِيح إِلَى يَحْيَى بْن عُبَيْد أَحَد الثِّقَات عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" إِنَّ النَّار لَا تُحِلّ شَيْئًا وَلَا تُحَرِّمهُ \" وَزَادَ فِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْ يَحْيَى بْن عُبَيْد \" عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : أَيُسْكِرُ ؟ قَالُوا : إِذَا أَكْثَرَ مِنْهُ أَسْكَرَ , قَالَ : فَكُلّ مُسْكِر حَرَام \". ‏"
    },
    {
        "id": "5170",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبّ الْحَلْوَاء وَالْعَسَل \" قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَة , وَالْحَلْوَاء تُعْقَد مِنْ السُّكَّر , وَعَطْف الْعَسَل عَلَيْهَا مِنْ عَطْف الْعَامّ عَلَى الْخَاصّ , وَقَدْ تُعْقَد الْحَلْوَاء مِنْ السُّكَّر فَيَتَقَارَبَانِ. وَوَجْه إِيرَاده فِي هَذَا الْبَاب أَنَّ الَّذِي يَحِلّ مِنْ الْمَطْبُوخ هُوَ مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْحَلْوَاء , وَاَلَّذِي يَجُوز شُرْبه مِنْ عَصِير الْعِنَب بِغَيْرِ طَبْخ هُوَ مَا فِي مَعْنَى الْعَسَل , فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَمْزُجُونَهُ بِالْمَاءِ وَيَشْرَبُونَهُ مِنْ سَاعَته , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5171",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنِّي لَأَسْقِي ‏ ‏أَبَا طَلْحَةَ ‏ ‏وَأَبَا دُجَانَةَ ‏ ‏وَسُهَيْلَ بْنَ الْبَيْضَاءِ ‏ ‏خَلِيطَ ‏ ‏بُسْرٍ ‏ ‏وَتَمْرٍ ‏ ‏إِذْ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فَقَذَفْتُهَا وَأَنَا سَاقِيهِمْ وَأَصْغَرُهُمْ وَإِنَّا نَعُدُّهَا يَوْمَئِذٍ الْخَمْرَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَنَسًا ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ الْمُصَنِّف حَدِيث أَنَس الَّذِي تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَّل الْبَاب , وَفِيهِ أَنَّهُ سَقَاهُ خَلِيط بُسْر وَتَمْر , فَدَلَّ عَلَى : أَنَّ الْمُرَاد بِالنَّهْيِ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَهُ قَبْل ذَلِكَ مِنْ خَلْط الْبُسْر بِالتَّمْرِ وَنَحْو ذَلِكَ , لِأَنَّ ذَلِكَ عَادَة يَقْتَضِي إِسْرَاع الْإِسْكَار بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدَيْنِ , وَلَا يُمْكِن حَمْل حَدِيث أَنَس هَذَا فِي الْخَلِيطَيْنِ عَلَى مَا اِدَّعَاهُ صَاحِب التَّأْوِيل الْأَوَّل , وَحَمْل عِلَّة النَّهْي لِخَوْفِ الْإِسْرَاع أَظْهَر مِنْ حَمْلهَا عَلَى الْإِسْرَاف , لِأَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن نِصْف رِطْل مِنْ تَمْر وَنِصْف رِطْل مِنْ بُسْر إِذَا خُلِطَا مَثَلًا , وَبَيْن رِطْل مِنْ زَبِيب صِرْف , بَلْ هُوَ أَوْلَى لِقِلَّةِ الزَّبِيب عِنْدهمْ إِذْ ذَاكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّمْر وَالرُّطَب , وَقَدْ وَقَعَ الْإِذْن بِأَنْ يُنْبَذ كُلّ وَاحِد عَلَى حِدَة , وَلَمْ يُفَرَّق بَيْن قَلِيل وَكَثِير , فَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّة الْإِسْرَاف لَمَا أَطْلَقَ ذَلِكَ. وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ فِي \" اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء \" عَنْ اللَّيْث قَالَ : لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُخْلَط نَبِيذ التَّمْر وَنَبِيذ الزَّبِيب ثُمَّ يُشْرَبَانِ جَمِيعًا , وَإِنَّمَا جَاءَ النَّهْي أَنْ يُنْبَذَا جَمِيعًا ثُمَّ يُشْرَبَانِ لِأَنَّ أَحَدهمَا يَشْتَدّ بِهِ صَاحِبه. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَمْرو بْن الْحَارِث حَدَّثَنَا قَتَادَة سَمِعَ أَنَسًا ) ‏ ‏أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان سَمَاع قَتَادَة , لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي سَاقَهَا قَبْل مُعَنْعَنًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث وَلَفْظه \" نَهَى أَنْ يُخْلَط التَّمْر وَالزَّهْو ثُمَّ يُشْرَب , وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَّة خَمْرهمْ يَوْمئِذٍ \" , وَهَذَا السِّيَاق أَظْهَر فِي الْمُرَاد الَّذِي حُمِلَتْ عَلَيْهِ لَفْظ التَّرْجَمَة وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏وَقَوْله فِي الْإِسْنَاد الْأَوَّل \" حَدَّثَنَا مُسْلِم \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ \" حَدَّثَنَا مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم \" ‏ ‏وَهِشَام هُوَ ‏ ‏الدَّسْتُوَائِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5172",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ ‏ ‏وَالْبُسْرِ ‏ ‏وَالرُّطَبِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ \" نَهَى عَنْ الزَّبِيب وَالتَّمْر وَالْبُسْر وَالرُّطَب \" وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي النَّهْي عَنْ الْخَلِيط , وَقَدْ بَيَّنَهُ مُسْلِم فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق وَيَحْيَى الْقَطَّان جَمِيعًا عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِلَفْظِ \" لَا تَجْمَعُوا بَيْن الرُّطَب وَبَيْن الْبُسْر وَبَيْن الزَّبِيب وَالتَّمْر نَبِيذًا \" وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ عَطَاء \" نُهِيَ أَنْ يُنْبَذ التَّمْر جَمِيعًا وَالرُّطَب وَالْبُسْر جَمِيعًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "5173",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّهْوِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَلْيُنْبَذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ إِبْرَاهِيم أَيْضًا , ‏ ‏وَهِشَام ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَة عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيُّ الْمَشْهُور. ‏ ‏قَوْله : ( نَهَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل اِبْن عُلَيَّة عَنْ هِشَام بِهَذَا الْإِسْنَاد \" لَا تَنْبِذُوا الزَّهْو وَالرُّطَب جَمِيعًا \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَلْيُنْبَذْ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ كُلّ اِثْنَيْنِ مِنْهُمَا , فَيَكُون الْجَمْع بَيْنَ أَكْثَر بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى حِدَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَفَتْح الدَّال بَعْدهَا هَاء تَأْنِيث أَيْ وَحْده , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَلَى حِدَته \" وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّد رَدّ التَّأْوِيل الْمَذْكُور أَوَّلًا كَمَا بَيَّنْته , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" وَمَنْ شَرِبَ مِنْكُمْ النَّبِيذ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا أَوْ تَمْرًا فَرْدًا أَوْ بُسْرًا فَرْدًا \" وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَأَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ سَبَب النَّهْي مِنْ طَرِيق الْحَرَّانِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَكْرَان فَضَرَبَهُ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ شَرَابه فَقَالَ شَرِبْت نَبِيذ تَمْر وَزَبِيب , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَخْلِطُوهُمَا , فَإِنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا يَكْفِي وَحْده \". قَالَ النَّوَوِيّ : وَذَهَبَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ سَبَب النَّهْي عَنْ الْخَلِيط أَنَّ الْإِسْكَار يَسْرُع إِلَيْهِ بِسَبَبِ الْخَلْط قَبْل أَنْ يَشْتَدّ فَيَظُنّ الشَّارِب أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغ حَدَّ الْإِسْكَار , وَيَكُون قَدْ بَلَغَهُ. قَالَ : وَمَذْهَب الْجُمْهُور أَنَّ النَّهْي , فِي ذَلِكَ لِلتَّنْزِيهِ. وَإِنَّمَا يَمْتَنِع إِذَا صَارَ مُسْكِرًا , وَلَا تَخْفَى عَلَامَته. وَقَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة. هُوَ لِلتَّحْرِيمِ. وَاخْتُلِفَ فِي خَلْط نَبِيذ الْبُسْر الَّذِي لَمْ يَشْتَدّ مَعَ نَبِيذ التَّمْر الَّذِي لَمْ يَشْتَدّ عِنْد الشُّرْب هَلْ يَمْتَنِع أَوْ يَخْتَصّ النَّهْي عَنْ الْخَلْط عِنْد الِانْتِبَاذ ؟ فَقَالَ الْجُمْهُور : لَا فَرْق. وَقَالَ اللَّيْث : لَا بَأْس بِذَلِكَ عِنْد الشُّرْب. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّ سَبَب النَّهْي أَنَّ النَّبِيذ يَكُون حُلْوًا , فَإِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ الْآخَر أَسْرَعَتْ إِلَيْهِ الشِّدَّة. وَهَذِهِ صُورَة أُخْرَى , كَأَنَّهُ يَخُصّ النَّهْي بِمَا إِذَا نُبِذَ أَحَدهمَا ثُمَّ أُضِيفَ إِلَيْهِ الْآخَر , لَا مَا إِذَا نُبِذَا مَعًا. وَاخْتُلِفَ فِي الْخَلِيطَيْنِ مِنْ الْأَشْرِبَة غَيْر النَّبِيذ , فَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ بَعْض الْفُقَهَاء أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخْلَط لِلْمَرِيضِ شَرَابَيْنِ , وَرَدَّهُ بِأَنَّهُمَا لَا يَسْرُع إِلَيْهِمَا الْإِسْكَار اِجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا , وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون قَائِل ذَلِكَ يَرَى أَنَّ الْعِلَّة الْإِسْرَاف كَمَا تَقَدَّمَ , لَكِنْ لَا يُقَيَّد هَذَا فِي مَسْأَلَة الْمَرِيض بِمَا إِذَا كَانَ الْمُفْرَد كَافِيًا فِي دَوَاء ذَلِكَ الْمَرَض , وَإِلَّا فَلَا مَانِع حِينَئِذٍ مِنْ التَّرْكِيب. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : ثَبَتَ تَحْرِيم الْخَمْر لِمَا يَحْدُث عَنْهَا مِنْ السُّكْر , وَجَوَاز النَّبِيذ الْحُلْو الَّذِي لَا يَحْدُث عَنْهُ سُكْر , وَثَبَتَ النَّهْي عَنْ الِانْتِبَاذ فِي الْأَوْعِيَة ثُمَّ نُسِخَ , وَعَنْ الْخَلِيطَيْنِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء : فَقَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَكْثَر الشَّافِعِيَّة بِالتَّحْرِيمِ وَلَوْ لَمْ يُسْكِر , وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ بِالْحِلِّ. قَالَ : وَاتَّفَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى الْكَرَاهَة , لَكِنْ اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ لِلتَّنْزِيهِ ؟ وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّة الْمَنْع : فَقِيلَ لِأَنَّ أَحَدهمَا يَشُدّ الْآخَر , وَقِيلَ لِأَنَّ الْإِسْكَار يَسْرُع إِلَيْهِمَا. قَالَ وَلَا خِلَاف أَنَّ الْعَسَل بِاللَّبَنِ لَيْسَ بِخَلِيطَيْنِ , لِأَنَّ اللَّبَن لَا يُنْبَذ , لَكِنْ قَالَ اِبْن عَبْد الْحَكَم : لَا يَجُوز خَلْط شَرَابَيْ سُكَّر كَالْوَرْدِ وَالْجُلَّاب وَهُوَ ضَعِيف. قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي الْخَلِيطَيْنِ لِأَجْلِ التَّخْلِيل , ثُمَّ قَالَ : وَيَتَحَصَّل لَنَا أَرْبَع صُوَر : أَنْ يَكُون الْخَلِيطَانِ مَنْصُوصَيْنِ فَهُوَ حَرَام , أَوْ مَنْصُوص وَمَسْكُوت عَنْهُ فَإِنْ كَانَ كُلّ مِنْهُمَا لَوْ اِنْفَرَدَ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَام قِيَاسًا عَلَى الْمَنْصُوص , أَوْ مَسْكُوت عَنْهُمَا وَكُلّ مِنْهُمَا لَوْ اِنْفَرَدَ لَمْ يُسْكِر جَازَ. قَالَ : وَهُنَا مَرْتَبَة رَابِعَة وَهِيَ مَا لَوْ خَلَطَ شَيْئَيْنِ وَأَضَافَ إِلَيْهِمَا دَوَاء يَمْنَع الْإِسْكَار فَيَجُوز فِي الْمَسْكُوت عَنْهُ وَيُكْرَه فِي الْمَنْصُوص. وَمَا نَقَلَهُ عَنْ أَكْثَر الشَّافِعِيَّة وُجِدَ نَصُّ الشَّافِعِيّ بِمَا يُوَافِقهُ فَقَالَ : ثَبَتَ نَهْي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ , فَلَا يَجُوز بِحَالٍ. وَعَنْ مَالِك قَالَ : أَدْرَكْت عَلَى ذَلِكَ أَهْل الْعِلْم بِبَلَدِنَا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : ذَهَب إِلَى تَحْرِيم الْخَلِيطَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الشَّرَاب مِنْهُمَا مُسْكِرًا جَمَاعَة عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيث , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَظَاهِر مَذْهَب الشَّافِعِيّ. وَقَالُوا : مَنْ شُرْب الْخَلِيطَيْنِ أَثِمَ مِنْ جِهَة وَاحِدَة , فَإِنْ كَانَ بَعْد الشِّدَّة أَثِمَ مِنْ جِهَتَيْنِ , وَخَصَّ اللَّيْث النَّهْي بِمَا إِذَا نُبِذَا مَعًا ا ه. وَجَرَى اِبْن حَزْم عَلَى عَادَته فِي الْجُمُود فَخَصَّ النَّهْي عَنْ الْخَلِيطَيْنِ بِخَلْطٍ وَاحِد مِنْ خَمْسَة أَشْيَاء وَهِيَ : التَّمْر وَالرُّطَب وَالزَّهْو وَالْبُسْر وَالزَّبِيب فِي أَحَدهَا أَوْ فِي غَيْرهَا , فَأَمَّا لَوْ خُلِطَ وَاحِد مِنْ غَيْرهَا فِي وَاحِد مِنْ غَيْرهَا لَمْ يَمْتَنِع كَاللَّبَنِ وَالْعَسَل مَثَلًا , وَيَرُدّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي الْأَشْرِبَة مِنْ طَرِيق الْمُخْتَار بْن فُلْفُل عَنْ أَنَس قَالَ : \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجْمَع بَيْن شَيْئَيْنِ نَبِيذًا مِمَّا يَبْغِي أَحَدهمَا عَلَى صَاحِبه \" وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : النَّهْي عَنْ الْخَلِيطَيْنِ ظَاهِر فِي التَّحْرِيم , وَهُوَ قَوْل جُمْهُور فُقَهَاء الْأَمْصَار , وَعَنْ مَالِك يُكْرَه فَقَطْ , وَشَذَّ مَنْ قَالَ لَا بَأْس بِهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَحِلّ مُنْفَرِدًا فَلَا يُكْرَه مُجْتَمِعًا , قَالَ : وَهَذِهِ مُخَالَفَة لِلنَّصِّ , وَقِيَاس مَعَ وُجُود الْفَارِق , فَهُوَ فَاسِد مِنْ وَجْهَيْنِ. ثُمَّ هُوَ مُنْتَقَض بِجَوَازِ كُلّ وَاحِدَة مِنْ الْأُخْتَيْنِ مُنْفَرِدَة وَتَحْرِيمهمَا مُجْتَمِعَتَيْنِ , قَالَ : وَأَعْجَب مِنْ ذَلِكَ تَأْوِيل مَنْ قَالَ مِنْهُمْ إِنَّ النَّهْي إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَاب السَّرَف , قَالَ : وَهَذَا تَبْدِيل لَا تَأْوِيل , وَيَشْهَد بِبُطْلَانِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة , وَقَالَ : وَتَسْمِيَة الشَّرَاب إِدَامًا قَوْل مَنْ ذَهِلَ عَنْ الشَّرْع وَاللُّغَة وَالْعُرْف , قَالَ : وَاَلَّذِي يُفْهَم مِنْ الْأَحَادِيث التَّعْلِيل بِخَوْفِ إِسْرَاع الشِّدَّة بِالْخَلْطِ , وَعَلَى هَذَا يُقْتَصَر فِي النَّهْي عَنْ الْخَلْط عَلَى مَا يُؤَثِّر فِيهِ الْإِسْرَاع , قَالَ : وَأَفْرَطَ بَعْض أَصْحَابنَا فَمَنَعَ الْخَلْط وَإِنْ لَمْ تُوجَد الْعِلَّة الْمَذْكُورَة , وَيَلْزَمهُ أَنْ يَمْنَع مِنْ خَلْط الْعَسَل وَاللَّبَن وَالْخَلّ وَالْعَسَل , قُلْت : حَكَاهُ اِبْن الْعَرَبِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم وَقَالَ : إِنَّهُ حَمَلَ النَّهْي عَنْ الْخَلِيطَيْنِ مِنْ الْأَشْرِبَة عَلَى عُمُومه , وَاسْتَغْرَبَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5174",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَقَدَحِ خَمْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بِقَدَحِ لَبَن وَقَدَح خَمْر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ قَرِيبًا , وَالْحِكْمَة فِي التَّخْيِير بَيْن الْخَمْر مَعَ كَوْنه حَرَامًا وَاللَّبَن مَعَ كَوْنه حَلَالًا إِمَّا لِأَنَّ الْخَمْر حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنْ حُرِّمَتْ. أَوْ لِأَنَّهَا مِنْ الْجَنَّة وَخَمْر الْجَنَّة لَيْسَتْ حَرَامًا. ‏ ‏وَقَوْله فِي الْحَدِيث \" لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ \" ‏ ‏حُكِيَ فِيهِ تَنْوِينَ لَيْلَة. وَاَلَّذِي أَعْرِفهُ فِي الرِّوَايَة الْإِضَافَة , ‏"
    },
    {
        "id": "5175",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عُمَيْرًا ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أُمِّ الْفَضْلِ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أُمِّ الْفَضْلِ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏شَكَّ النَّاسُ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِإِنَاءٍ فِيهِ لَبَنٌ فَشَرِبَ فَكَانَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏رُبَّمَا قَالَ شَكَّ النَّاسُ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ ‏ ‏أُمُّ الْفَضْلِ ‏ ‏فَإِذَا وُقِّفَ عَلَيْهِ قَالَ هُوَ عَنْ ‏ ‏أُمِّ الْفَضْلِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُمّ الْفَضْل فِي شُرْب اللَّبَن بِعَرَفَة. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الصِّيَام. وَقَوْله فِي آخِره ‏ ‏\" وَكَانَ سُفْيَان رُبَّمَا قَالَ : شَكَّ النَّاس فِي صِيَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أُمّ الْفَضْل , فَإِذَا وُقِفَ عَلَيْهِ قَالَ : هُوَ عَنْ أُمّ الْفَضْل \" ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ سُفْيَان كَانَ رُبَّمَا أَرْسَلَ الْحَدِيث فَلَمْ يَقُلْ فِي الْإِسْنَاد عَنْ أُمّ الْفَضْل. فَإِذَا سُئِلَ عَنْهُ هَلْ هُوَ مَوْصُول أَوْ مُرْسَل قَالَ : هُوَ عَنْ أُمّ الْفَضْل. وَهُوَ فِي قُوَّة قَوْله هُوَ مَوْصُول. وَهَذَا مَعْنَى قَوْله وُقِفَ عَلَيْهِ. وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْقَاف. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" وُوقِفَ \" بِزِيَادَةِ وَاو سَاكِنَة بَعْد الْوَاو الْمَضْمُومَة , وَالْقَائِل \" وَكَانَ سُفْيَان \" هُوَ الرَّاوِي عَنْهُ وَهُوَ الْحُمَيْدِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجّ عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه عَنْ سُفْيَان بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : لَا مُخَالَفَة بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ , لِأَنَّهُ يَجُوز أَنْ تَقُول أُمّ الْفَضْل عَنْ نَفْسهَا \" فَأَرْسَلَتْ أُمّ الْفَضْل \" أَيْ عَلَى سَبِيل التَّجْرِيد , كَذَا قَالَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5176",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏وَأَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏أَبُو حُمَيْدٍ ‏ ‏بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ مِنْ ‏ ‏النَّقِيعِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَّا خَمَّرْتَهُ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ عُودًا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا صَالِحٍ ‏ ‏يَذْكُرُ أُرَاهُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏أَبُو حُمَيْدٍ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏النَّقِيعِ ‏ ‏بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَّا خَمَّرْتَهُ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ عُودًا ‏ ‏وَحَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي صَالِح وَأَبِي سُفْيَان ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ أَكْثَر أَصْحَاب الْأَعْمَش عَنْهُ عَنْ جَابِر , وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح وَحْده أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حَفْص بْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر , وَعَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَهُوَ شَاذّ وَالْمَحْفُوظ عَنْ جَابِر. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ النَّقِيع ) ‏ ‏بِالنُّونِ , قِيلَ هُوَ الْمَوْضِع الَّذِي حُمِيَ لِرَعْيِ النِّعَم وَقِيلَ : غَيْره , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْجُمُعَة ذِكْر نَقِيع الْخَضِمَات فَدَلَّ عَلَى التَّعَدُّد ; وَكَانَ وَادِيًا يَجْتَمِع فِيهِ الْمَاء , وَالْمَاء النَّاقِع هُوَ الْمُجْتَمِع , وَقِيلَ : كَانَتْ تُعْمَل فِيهِ الْآنِيَة , وَقِيلَ : هُوَ الْبَاع حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ , وَعَنْ الْخَلِيل : الْوَادِي يَكُون فِيهِ الشَّجَر , وَقَالَ اِبْن التِّين : رَوَاهُ أَبُو الْحَسَن يَعْنِي الْقَابِسِيّ بِالْمُوَحَّدَةِ , وَكَذَا نَقَلَهُ عِيَاض عَنْ أَبِي بَحْر بْن الْعَاصِ , وَهُوَ تَصْحِيف , فَإِنَّ الْبَقِيع مَقْبَرَة بِالْمَدِينَةِ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْأَكْثَر عَلَى النُّون وَهُوَ مِنْ نَاحِيَة الْعَقِيق عَلَى عِشْرِينَ فَرْسَخًا مِنْ الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَّا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالتَّشْدِيد بِمَعْنَى هَلَّا. ‏ ‏وَقَوْله : \" خَمَّرْتهُ \" ‏ ‏بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْمِيم أَيْ غَطَّيْته , وَمِنْهُ خِمَارُ الْمَرْأَة لِأَنَّهُ يَسْتُرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( تَعْرُض ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمِّ الرَّاء قَالَهُ الْأَصْمَعِيّ , وَهُوَ رِوَايَة الْجُمْهُور , وَأَجَازَ أَبُو عُبَيْد كَسْر الرَّاء وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ الْعَرْض أَيْ تَجْعَل الْعُود عَلَيْهِ بِالْعَرْضِ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُغَطِّهِ فَلَا أَقَلّ مِنْ أَنْ يَعْرُض عَلَيْهِ شَيْئًا. وَأَظُنّ السِّرّ فِي الِاكْتِفَاء بِعَرْضِ الْعُود أَنَّ تَعَاطِي التَّغْطِيَة أَوْ الْعَرْض يَقْتَرِن بِالتَّسْمِيَةِ فَيَكُون الْعَرْض عَلَامَة عَلَى التَّسْمِيَة فَتَمْتَنِع الشَّيَاطِين مِنْ الدُّنُوّ مِنْهُ , وَسَيَأْتِي شَيْء مِنْ الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحُكْم فِي \" بَاب فِي تَغْطِيَة الْإِنَاء \" بَعْد أَبْوَاب. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح وَحْده عَنْ جَابِر \" كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَسْقَى , فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه أَلَا نَسْقِيك نَبِيذًا ؟ قَالَ : بَلَى , فَخَرَجَ الرَّجُل يَسْعَى فَجَاءَ بِقَدَحٍ فِيهِ نَبِيذ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا خَمَّرْته \" الْحَدِيث. وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُول \" أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيّ قَالَ : أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحِ لَبَن مِنْ النَّقِيع لَيْسَ مُخَمَّرًا \" الْحَدِيث. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ قِصَّة اللَّبَن كَانَتْ لِأَبِي حُمَيْدٍ وَأَنَّ جَابِرًا أَحْضَرَهَا , وَأَنَّ قِصَّة النَّبِيذ حَمَلَهَا جَابِر عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ وَأَبْهَمَ أَبُو حُمَيْدٍ صَاحِبهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ أَبَا حُمَيْدٍ رَاوِيهَا أَبْهَمَ نَفْسه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون غَيْره , وَهُوَ الَّذِي يَظْهَر لِي وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5177",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مَعَهُ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مَرَرْنَا بِرَاعٍ وَقَدْ عَطِشَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏فَحَلَبْتُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ فِي قَدَحٍ فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ وَأَتَانَا ‏ ‏سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ ‏ ‏عَلَى فَرَسٍ فَدَعَا عَلَيْهِ فَطَلَبَ إِلَيْهِ ‏ ‏سُرَاقَةُ ‏ ‏أَنْ لَا يَدْعُوَ عَلَيْهِ وَأَنْ يَرْجِعَ فَفَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء \" قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة وَأَبُو بَكْر مَعَهُ \" كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا فَقَالَ الْبَرَاء إِنَّ هَذَا الْقَدْر هُوَ الَّذِي رَوَاهُ شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق قَالَ : وَرَوَاهُ إِسْرَائِيل وَغَيْره عَنْ أَبِي إِسْحَاق مُطَوَّلًا. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَة وَأَوَّله \" أَنَّ عَازِبًا بَاعَ رَحْلًا لِأَبِي بَكْر وَسَأَلَهُ عَنْ قِصَّته مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْهِجْرَة \" ‏ ‏وَقَوْله : \" فَحَلَبْت \" ‏ ‏وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ \" فَأَمَرْت الرَّاعِي فَحَلَبَ \" فَتَكُون نِسْبَة الْحَلْب لِنَفْسِهِ هُنَا مَجَازِيَّة. ‏ ‏وَقَوْله : \" كُثْبَة \" ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الْمُثَلَّثَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة قَالَ الْخَلِيل : كُلّ قَلِيل جَمَعْته هُوَ كُثْبَة. وَقَالَ اِبْن فَارِس : هِيَ الْقِطْعَة مِنْ اللَّبَن أَوْ التَّمْر. وَقَالَ أَبُو زَيْد : هِيَ مِنْ اللَّبَن مِلْء الْقَدَح , وَقِيلَ : قَدْر حَلْبَة نَاقَة. وَمَحْمُود شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ هُوَ اِبْن غَيْلَان وَالنَّضْر هُوَ اِبْن شُمَيْلٍ. وَأَحْسَن الْأَجْوِبَة فِي شُرْب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اللَّبَن مَعَ كَوْن الرَّاعِي أَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْغَنَم لِغَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ فِي عُرْفهمْ التَّسَامُح بِذَلِكَ , أَوْ كَانَ صَاحِبهَا أَذِنَ لِلرَّاعِي أَنْ يَسْقِي مَنْ يَمُرّ بِهِ إِذَا اِلْتَمَسَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَقِيلَ فِيهِ اِحْتِمَالَات أُخْرَى تَقَدَّمَتْ. ‏"
    },
    {
        "id": "5178",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نِعْمَ الصَّدَقَةُ ‏ ‏اللِّقْحَةُ ‏ ‏الصَّفِيُّ مِنْحَةً وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِآخَرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" نِعْمَ الصَّدَقَة اللِّقْحَة \" بِكَسْرِ اللَّام وَيَجُوز فَتْحهَا وَسُكُون الْقَاف بَعْدهَا مُهْمَلَة. وَهِيَ الَّتِي قَرُبَ عَهْدهَا بِالْوِلَادَةِ - وَالصَّفِيّ - بِمُهْمَلَةٍ وَفَاء وَزْن فَعِيل - هِيَ الْكَثِيرَة اللَّبَن وَهِيَ بِمَعْنَى مَفْعُول أَيْ مُصْطَفَاة مُخْتَارَة. ‏ ‏وَفِي قَوْله \" تَغْدُو وَتَرُوح \" ‏ ‏إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمُسْتَعِير لَا يَسْتَأْصِل لَبَنهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْعَارِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "5179",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَوْزَاعِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ وَقَالَ إِنَّ لَهُ دَسَمًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رُفِعْتُ إِلَى السِّدْرَةِ فَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهَرَانِ ظَاهِرَانِ وَنَهَرَانِ بَاطِنَانِ فَأَمَّا الظَّاهِرَانِ النِّيلُ وَالْفُرَاتُ وَأَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهَرَانِ فِي الْجَنَّةِ فَأُتِيتُ بِثَلَاثَةِ أَقْدَاحٍ قَدَحٌ فِيهِ لَبَنٌ وَقَدَحٌ فِيهِ عَسَلٌ وَقَدَحٌ فِيهِ خَمْرٌ فَأَخَذْتُ الَّذِي فِيهِ اللَّبَنُ فَشَرِبْتُ فَقِيلَ لِي أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏وَسَعِيدٌ ‏ ‏وَهَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْأَنْهَارِ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرُوا ثَلَاثَةَ أَقْدَاحٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْمَضْمَضَة مِنْ اللَّبَن أَيْ بِسَبَبِ شُرْب اللَّبَن , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الطَّهَارَة. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب بِصِيغَةِ الْأَمْر \" تَمَضْمَضُوا مِنْ اللَّبَنِ \". ‏ ‏حَدِيث أَنَس فِي الْأَقْدَاحِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَبُو عَوَانَة وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِير مِنْ طَرِيقه , وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي \" غَرَائِب شُعْبَة لِابْنِ مَنْدَهْ \" قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ شُعْبَة إِلَّا إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان , تَفَرَّدَ بِهِ حَفْص بْن عَبْد اللَّه النَّيْسَابُورِيّ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( رُفِعَتْ إِلَيَّ سِدْرَة الْمُنْتَهَى ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الرَّاء وَكَسْر الْفَاء وَفَتْح الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَالسِّدْرَة مَرْفُوعَة. وَلِلْمُسْتَمْلِي \" دُفِعْت \" بِدَالٍ بَدَل الرَّاء وَسُكُون الْعَيْن وَضَمِّ الْمُثَنَّاة بِنِسْبَةِ الْفِعْل إِلَى الْمُتَكَلِّم , وَإِلَى بِالسُّكُونِ حَرْف جَرّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ هِشَام ) ‏ ‏يَعْنِي الدَّسْتُوَائِيّ , وَهَمَّام يَعْنِي اِبْن يَحْيَى , وَسَعِيد يَعْنِي اِبْن أَبِي عَرُوبَة , يَعْنِي أَنَّهُمْ اِجْتَمَعُوا عَلَى رِوَايَة الْحَدِيث عَنْ قَتَادَة فَزَادُوا هُمْ فِي الْإِسْنَاد بَعْد أَنَس بْن مَالِك \" مَالِك بْن صَعْصَعَة \" وَلَمْ يَذْكُرهُ شُعْبَة. وَقَوْله : \" فِي الْأَنْهَار نَحْوه \" يُرِيد أَنَّهُمْ تَوَافَقُوا مِنْ الْمَتْن عَلَى ذِكْر الْأَنْهَار وَزَادُوا هُمْ قِصَّة الْإِسْرَاء بِطُولِهَا وَلَيْسَتْ فِي رِوَايَة شُعْبَة هَذِهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَتهمْ هُنَا بَعْد قَوْله سِدْرَة الْمُنْتَهَى \" فَإِذَا نَبْقهَا كَأَنَّهُ قِلَال هَجَر , وَوَرَقهَا كَأَنَّهَا آذَان الْفِيَلَة , فِي أَصْلهَا أَرْبَعَة أَنْهَار \" وَاقْتَصَرَ شُعْبَة عَلَى \" فَإِذَا أَرْبَعَة أَنْهَار \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَذْكُرُوا ثَلَاثَة أَقْدَاح ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَلَمْ يَذْكُر \" بِالْإِفْرَادِ , وَظَاهِر هَذَا النَّفْي أَنَّهُ لَمْ يَقَع ذِكْر الْأَقْدَاح فِي رِوَايَة الثَّلَاثَة , وَهُوَ مُعْتَرَض بِمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق عَنْ هُدْبَة عَنْ هَمَّام بِلَفْظِ \" ثُمَّ أُتِيت بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْر وَإِنَاء مِنْ لَبَن وَإِنَاء مِنْ عَسَل \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالنَّفْيِ نَفْي ذِكْر الْأَقْدَاح بِخُصُوصِهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ الَّتِي بِالْإِفْرَادِ هِيَ الْمَحْفُوظَة , وَالْفَاعِل هِشَام الدَّسْتُوَائِيّ فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْ سَعِيد وَهِشَام جَمِيعًا عَنْ قَتَادَة بِطُولِهِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر الْآنِيَة أَصْلًا , لَكِنْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَبْد الْأَعْلَى عَنْ هِشَام وَفِيهِ \" ثُمَّ أُتِيت بِإِنَاءَيْنِ أَحَدهمَا خَمْر وَالْآخَر لَبَن , فَعُرِضَا عَلَيَّ \" ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مُعَاذ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ نَحْوه وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه , وَقَدْ سَاقَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ هِشَام وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر الْآنِيَة أَصْلًا , فَوَضَحَ مِنْ هَذَا أَنَّ رِوَايَة هَمَّام فِيهَا ذِكْر ثَلَاثَة , وَإِنْ كَانَ لَمْ يُصَرِّح بِذِكْرِ الْعَدَد وَلَا وَصْف الظَّرْف , وَرِوَايَة سَعِيد فِيهَا ذِكْر إِنَاءَيْنِ فَقَطْ , وَرِوَايَة هِشَام لَيْسَ فِيهَا ذِكْر شَيْء مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا , وَقَدْ رَجَّحَ الْإِسْمَاعِيلِيّ رِوَايَة إِنَاءَيْنِ فَقَالَ عَقِب حَدِيث شُعْبَة هُنَا : هَذَا حَدِيث شُعْبَة , وَحَدِيث الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور أَوَّل الْبَاب أَصَحّ إِسْنَادًا مِنْ هَذَا , وَأَوْلَى مِنْ هَذَا. كَذَا قَالَ , مَعَ أَنَّهُ أَخْرَجَ حَدِيث هَمَّام عَنْ جَمَاعَة عَنْ هُدْبَة عَنْهُ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ سَوَاء , وَالزِّيَادَة مِنْ الْحَافِظ مَقْبُولَة , وَقَدْ تُوبِعَ , وَذِكْر إِنَاءَيْنِ لَا يَنْفِي الثَّالِث , مَعَ أَنَّنِي قَدَّمْت فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْإِسْرَاء أَنَّ عَرْض الْآنِيَة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ : قَبْل الْمِعْرَاج وَهُوَ فِي بَيْت الْمَقْدِس , وَبَعْده وَهُوَ عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهَى , وَبِهَذَا يَرْتَفِع الْإِشْكَال جُمْلَة. قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : لَمْ يَذْكُر السِّرّ فِي عُدُوله عَنْ الْعَسَل إِلَى اللَّبَن كَمَا ذَكَرَ السِّرّ فِي عُدُوله عَنْ الْخَمْر , وَلَعَلَّ السِّرّ فِي ذَلِكَ كَوْن اللَّبَن أَنْفَع , وَبِهِ يَشْتَدّ الْعَظْم وَيَنْبُت اللَّحْم , وَهُوَ بِمُجَرَّدِهِ قُوت , وَلَا يَدْخُل فِي السَّرَف بِوَجْهٍ , وَهُوَ أَقْرَب إِلَى الزُّهْد , وَلَا مُنَافَاة بَيْنه وَبَيْن الْوَرَع بِوَجْهٍ. وَالْعَسَل وَإِنْ كَانَ حَلَالًا لَكِنَّهُ مِنْ الْمُسْتَلَذَّات الَّتِي قَدْ يُخْشَى عَلَى صَاحِبهَا أَنْ يَنْدَرِج فِي قَوْله تَعَالَى : ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ ). قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون السِّرّ فِيهِ مَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُق الْإِسْرَاء أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَطِشَ - كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَعْض طُرُقه مُبَيَّنًا هُنَاكَ - فَأُتِيَ بِالْأَقْدَاحِ , فَآثَرَ اللَّبَن دُون غَيْره لِمَا فِيهِ مِنْ حُصُول حَاجَته دُون الْخَمْر وَالْعَسَل , فَهَذَا هُوَ السَّبَب الْأَصْلِيّ فِي إِيثَار اللَّبَن , وَصَادَفَ مَعَ ذَلِكَ رُجْحَانه عَلَيْهِمَا مِنْ عِدَّة جِهَات. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ هَذَا فِي شَرْح حَدِيث الْإِسْرَاء. قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : وَلَا يُعَكِّر عَلَى مَا ذَكَرْته مَا سَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّهُ كَانَ يُحِبّ الْحَلْوَى وَالْعَسَل , لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يُحِبّهُ مُقْتَصِدًا فِي تَنَاوُله لَا فِي جَعْله دَيْدَنًا وَلَا تَنَطُّعًا. وَيُؤْخَذ مِنْ قَوْل جِبْرِيل فِي الْخَمْر \" غَوَتْ أُمَّتك \" أَنَّ الْخَمْر يَنْشَأ عَنْهَا الْغَيّ , وَلَا يَخْتَصّ ذَلِكَ بِقَدْرٍ مُعَيَّن. وَيُؤْخَذ مِنْ عَرْض الْآنِيَة عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِرَادَة إِظْهَار التَّيْسِير عَلَيْهِ , وَإِشَارَة إِلَى تَفْوِيض الْأُمُور إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5180",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏مَالًا مِنْ نَخْلٍ وَكَانَ أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ ‏ ‏بَيْرُحَاءَ ‏ ‏وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَلَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ‏} ‏قَامَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ ‏ { ‏لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ‏} ‏وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ ‏ ‏بَيْرُحَاءَ ‏ ‏وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَخٍ ‏ ‏ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ أَوْ ‏ ‏رَايِحٌ ‏ ‏شَكَّ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى ‏ ‏رَايِحٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي صَدَقَة أَبِي طَلْحَة لِقَوْلِهِ فِيهِ : \" وَيَشْرَب مِنْ مَاء فِيهَا طَيِّب \" وَقَدْ وَرَدَ فِي خُصُوص هَذَا اللَّفْظ - وَهُوَ اِسْتِعْذَاب الْمَاء - حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا \" كَانَ رَسُول اللَّه يُسْتَعْذَب لَهُ الْمَاء مِنْ بُيُوت السُّقْيَا \" وَالسُّقْيَا بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَبِالْقَافِ بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة قَالَ قُتَيْبَة : هِيَ عَيْن بَيْنهَا وَبَيْن الْمَدِينَة يَوْمَانِ , هَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ بَعْد سِيَاق الْحَدِيث بِسَنَدٍ جَيِّد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَفِي قِصَّة أَبِي الْهَيْثَم بْن التَّيْهَان أَنَّ اِمْرَأَته قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا جَاءَهُمْ يَسْأَل عَنْ أَبِي الْهَيْثَم \" ذَهَبَ يَسْتَعْذِب لَنَا مِنْ الْمَاء \" وَهُوَ عِنْد مُسْلِم كَمَا سَأُبَيِّنُهُ بَعْد , وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ مِنْ حَدِيث سَلْمَى اِمْرَأَة أَبِي رَافِع \" كَانَ أَبُو أَيُّوب حِين نَزَلَ عِنْده النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْتَعْذَب لَهُ الْمَاء مِنْ بِئْر مَالِك بْن النَّضْر وَالِد أَنَس \" ثُمَّ كَانَ أَنَس وَهِنْد وَحَارِثَة أَبْنَاء أَسْمَاء يَحْمِلُونَ الْمَاء إِلَى بُيُوت نِسَائِهِ مِنْ بُيُوت السُّقْيَا , وَكَانَ رَبَاح الْأَسْوَد عَبْده يَسْتَقِي لَهُ مِنْ بِئْر عُرُس مَرَّة وَمِنْ بُيُوت السُّقْيَا مَرَّة. قَالَ اِبْن بَطَّال : اِسْتِعْذَاب الْمَاء لَا يُنَافِي الزُّهْد وَلَا يَدْخُل فِي التَّرَفُّه الْمَذْمُوم , بِخِلَافِ تَطْيِيب الْمَاء بِالْمِسْكِ وَنَحْوه فَقَدْ كَرِهَهُ مَالِك لِمَا فِيهِ مِنْ السَّرَف , وَأَمَّا شُرْب الْمَاء الْحُلْو وَطَلَبه فَمُبَاح , فَقَدْ فَعَلَهُ الصَّالِحُونَ. وَلَيْسَ فِي شُرْب الْمَاء الْمِلْح فَضِيلَة , قَالَ : وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ اِسْتِطَابَة الْأَطْعِمَة جَائِزَة وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْل أَهْل الْخَيْر , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ) نَزَلَ فِي الَّذِينَ أَرَادُوا الِامْتِنَاع مِنْ لَذَائِذ الْمَطَاعِم , قَالَ : وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُرِيد اللَّه تَنَاوُله مَا اِمْتَنَّ بِهَا عَلَى عِبَاده , بَلْ نَهْيه عَنْ تَحْرِيمهَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مِنْهُمْ تَنَاوَلَهَا لِيُقَابِلُوا نِعْمَته بِهَا عَلَيْهِمْ بِالشُّكْرِ لَهَا , وَإِنْ كَانَتْ نِعَمه لَا يُكَافِئهَا شُكْرهمْ. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : أَمَّا أَنَّ اِسْتِعْذَاب الْمَاء لَا يُنَافِي الزُّهْد وَالْوَرَع فَوَاضِح , وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ عَلَى لَذِيذ الْأَطْعِمَة فَبَعِيد. وَقَالَ اِبْن التِّين : هَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي جَوَاز شُرْب الْمَاء مِنْ الْبُسْتَان بِغَيْرِ ثَمَن. قُلْت : الْمَأْذُون لَهُ فِي الدُّخُول فِيهِ لَا شَكَّ فِيهِ , وَأَمَّا غَيْره فَلِمَا اِقْتَضَاهُ الْعُرْف مِنْ الْمُسَامَحَة بِذَلِكَ , وَثُبُوت ذَلِكَ بِالْفِعْلِ الْمَذْكُور فِيهِ نَظَر. ‏ ‏قَوْله : \" ذَلِكَ مَال رَايِح أَوْ رَابِح \" ‏ ‏الْأَوَّل بِتَحْتَانِيَّةٍ وَالثَّانِي بِمُوَحَّدَةٍ وَالْحَاء مُهْمَلَة فِيهِمَا , فَالْأَوَّل مَعْنَاهُ أَنَّ أَجْره يَرُوح إِلَى صَاحِبه أَيْ يَصِل إِلَيْهِ وَلَا يَنْقَطِع عَنْهُ , وَالثَّانِي : مَعْنَاهُ كَثِير الرِّبْح , وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ صِفَة صَاحِبه الْمُتَصَدِّق بِهِ. ‏ ‏وَقَوْله : \" شَكَّ عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَة \" ‏ ‏هُوَ الْقَعْنَبِيّ , ‏ ‏وَقَوْله : \" قَالَ إِسْمَاعِيل \" ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس وَيَحْيَى هُوَ اِبْن يَحْيَى , وَرَايِح فِي رِوَايَتهمَا بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل مُصَرِّحًا فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ فِي تَفْسِير آل عِمْرَان , وَرِوَايَة يَحْيَى بْن يَحْيَى كَذَلِكَ فِي الْوَكَالَة , وَتَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْوَكَالَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5181",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَرِبَ لَبَنًا وَأَتَى دَارَهُ فَحَلَبْتُ شَاةً فَشُبْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ الْبِئْرِ فَتَنَاوَلَ الْقَدَحَ فَشَرِبَ وَعَنْ يَسَارِهِ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ فَأَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْدَان ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان , ‏ ‏وَعَبْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , ‏ ‏وَيُونُس ‏ ‏هُوَ اِبْنُ يَزِيد. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ رَأَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ لَبَنًا وَأَتَى دَاره ) ‏ ‏أَيْ دَار أَنَس , وَهِيَ جُمْلَة حَالِيَّة أَيْ رَآهُ حِين أَتَى دَاره , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِبَة مِنْ طَرِيق أَبِي طُوَالَة عَنْ أَنَس بِلَفْظِ أَتَانَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَارنَا هَذِهِ فَاسْتَسْقَى , فَحَلَبْنَا شَاة لَنَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَلَبْت ) ‏ ‏عَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّهُ هُوَ الَّذِي بَاشَرَ الْحَلْب , ‏ ‏وَقَوْله : \" فَشُبْت \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ الشَّوْب بِلَفْظِ الْمُتَكَلِّم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو بَكْر عَنْ يَسَاره ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي طُوَالَة وَعُمَر تُجَاهه , وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطهَا فِي الْهِبَة , وَتَقَدَّمَ فِي الشُّرْب مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَقَالَ عُمَر وَخَافَ أَنْ يُعْطِيه الْأَعْرَابِيّ : أَعْطِ أَبَا بَكْر \" وَفِي رِوَايَة أَبِي طُوَالَة \" فَقَالَ عُمَر هَذَا أَبُو بَكْر \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : كَانَتْ الْعَادَة جَارِيَة لِمُلُوكِ الْجَاهِلِيَّة وَرُؤَسَائِهِمْ بِتَقْدِيمِ الْأَيْمَن فِي الشُّرْب , حَتَّى قَالَ عَمْرو بْن كُلْثُوم فِي قَصِيدَة لَهُ : \" وَكَانَ الْكَأْس مَجْرَاهَا الْيَمِينَا \" فَخَشِيَ عُمَر لِذَلِكَ أَنْ يُقَدَّم الْأَعْرَابِيّ عَلَى أَبِي بِكْر فِي الشُّرْب فَنَبَّهَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ اِحْتَمَلَ عِنْده أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْثِر تَقْدِيم أَبِي بَكْر عَلَى تِلْكَ الْعَادَة فَتَصِير السُّنَّة تَقْدِيم الْأَفْضَل فِي الشُّرْب عَلَى الْأَيْمَن , فَبَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِعْلِهِ وَقَوْله أَنَّ تِلْكَ الْعَادَة لَمْ تُغَيِّرهَا السُّنَّة , وَأَنَّهَا مُسْتَمِرَّة , وَأَنَّ الْأَيْمَن يُقَدَّم عَلَى الْأَفْضَل فِي ذَلِكَ. وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ حَطُّ رُتْبَة الْأَفْضَل , وَكَانَ ذَلِكَ لِفَضْلِ الْيَمِين عَلَى الْيَسَار. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَعْطَى الْأَعْرَابِيّ فَضْله ) ‏ ‏أَيْ اللَّبَن الَّذِي فَضَلَ مِنْهُ بَعْد شُرْبه , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِبَة ذِكْر مَنْ زَعَمَ أَنَّ اِسْم هَذَا الْأَعْرَابِيّ خَالِد بْن الْوَلِيد وَأَنَّهُ وَهِمَ , وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي حَبِيبَة قَالَ : \" أَتَانَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِد قُبَاء , فَجِئْت فَجَلَسْت عَنْ يَمِينه وَجَلَسَ أَبُو بَكْر عَنْ يَسَاره , ثُمَّ دَعَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ وَنَاوَلَنِي عَنْ يَمِينه \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابِيّ , وَلَا يُمْكِن تَفْسِير الْمُبْهَم فِي حَدِيث أَنَس بِهِ أَيْضًا لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ بِقُبَاء وَتِلْكَ فِي دَار أَنَس أَيْضًا فَهُوَ أَنْصَارِيّ وَلَا يُقَال لَهُ أَعْرَابِيّ كَمَا اُسْتُبْعِدَ ذَلِكَ فِي حَقِّ خَالِد بْن الْوَلِيد. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ : الْأَيْمَن فَالْأَيْمَن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَقَالَ \" بِالْوَاوِ بَدَل \" ثُمَّ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي طُوَالَة \" الْأَيْمَنُونَ فَالْأَيْمَنُونَ \" وَفِيهِ حَذْف تَقْدِيره الْأَيْمَنُونَ مُقَدَّمُونَ أَوْ أَحَقُّ أَوْ يُقَدَّم الْأَيْمَنُونَ. وَأَمَّا رِوَايَة الْبَاب فَيَجُوز الرَّفْع عَلَى مَا سَبَقَ , وَالنَّصْب عَلَى تَقْدِير قَدِّمُوا أَوْ أَعْطُوا. وَوَقَعَ فِي الْهِبَة بِلَفْظِ \" أَلَا فَيَمِّنُوا \" وَالْكَلَام عَلَيْهَا. وَاسْتَنْبَطَ بَعْضهمْ مِنْ تَكْرَار الْأَيْمَن أَنَّ السُّنَّة إِعْطَاء مَنْ عَلَى الْيَمِين ثُمَّ الَّذِي يَلِيه وَهَلُمَّ جَرًّا , وَيَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُون عُمَر فِي الصُّورَة الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذَا الْحَدِيث شَرِبَ بَعْد الْأَعْرَابِيّ ثُمَّ شَرِبَ أَبُو بَكْر بَعْده. لَكِنْ الظَّاهِر عَنْ عُمَر إِيثَاره أَبَا بَكْر بِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ. وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا ذُكِرَ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَجْلِس عِلْم أَوْ مَجْلِس رَئِيس لَا يُنَحَّى مِنْهُ لِمَجِيءِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالْجُلُوسِ فِي الْمَوْضِع الْمَذْكُور , بَلْ يَجْلِس الْآتِي حَيْثُ اِنْتَهَى بِهِ الْمَجْلِس , لَكِنْ إِنْ آثَرَهُ السَّابِق جَازَ , وَأَنَّ مَنْ اِسْتَحَقَّ شَيْئًا لَمْ يُدْفَع عَنْهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَجُوز إِذْنه. وَفِيهِ أَنَّ الْجُلَسَاء شُرَكَاء فِيمَا يَقْرُب إِلَيْهِمْ عَلَى سَبِيل الْفَضْل لَا اللُّزُوم , لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُطَالَبَة بِذَلِكَ لَا تَجِب قَالَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَمَحَلّه مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ الْإِمَام أَوْ مَنْ يَقُوم مَقَامه , فَإِنْ كَانَ فَالتَّصَرُّف فِي ذَلِكَ لَهُ. وَفِيهِ دُخُول الْكَبِير بَيْت خَادِمه وَصَاحِبه وَلَوْ كَانَ صَغِير السِّنّ وَتَنَاوُله مِمَّا عِنْدهمْ مِنْ طَعَام وَشَرَاب مِنْ غَيْر بَحْث. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة فَوَائِده بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5182",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَى ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَمَعَهُ ‏ ‏صَاحِبٌ ‏ ‏لَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي ‏ ‏شَنَّةٍ ‏ ‏وَإِلَّا ‏ ‏كَرَعْنَا ‏ ‏قَالَ وَالرَّجُلُ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي حَائِطِهِ قَالَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي مَاءٌ بَائِتٌ فَانْطَلِقْ إِلَى الْعَرِيشِ قَالَ فَانْطَلَقَ بِهِمَا فَسَكَبَ فِي قَدَحٍ ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ دَاجِنٍ لَهُ قَالَ فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ شَرِبَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ مَعَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ , ‏ ‏وَأَبُو عَامِر ‏ ‏هُوَ الْعَقَدِيّ , ‏ ‏وَسَعِيد بْن الْحَارِثِ ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( دَخَلَ عَلَيَّ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏كُنْت ذَكَرْت فِي الْمُقَدِّمَة أَنَّهُ أَبُو الْهَيْثَم بْن التَّيْهَان الْأَنْصَارِيّ , ثُمَّ وَقَفْت عَنْ ذَلِكَ لِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ إِسْحَاق بْن عِيسَى عَنْ فُلَيْح فِي أَوَّل حَدِيثَيْ الْبَاب أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى قَوْمًا مِنْ الْأَنْصَار يَعُود مَرِيضًا لَهُمْ , وَقِصَّة أَبِي الْهَيْثَم فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَاسْتَوْعَبَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِير التَّكَاثُر طُرُقه فَزَادَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي عَسِيب وَأَبِي سَعِيد وَلَمْ يَذْكُر فِي شَيْء مِنْ طُرُقه عُبَادَةَ , فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهَا قِصَّة أُخْرَى , ثُمَّ وَقَفَتْ عَلَى الْمُسْتَنَد فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ مِنْ حَدِيث الْهَيْثَم بْن نَصْر الْأَسْلَمِيّ قَالَ : \" خَدَمْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَزِمْت بَابه , فَكُنْت آتِيه بِالْمَاءِ مِنْ بِئْر جَاشِم - وَهِيَ بِئْر أَبِي الْهَيْثَم بْن التَّيْهَان وَكَانَ مَاؤُهَا طَيِّبًا - وَلَقَدْ دَخَلَ يَوْمًا صَائِفًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْر عَلَى أَبِي الْهَيْثَم فَقَالَ : هَلْ مِنْ مَاء بَارِد ؟ فَأَتَاهُ بِشَجْبٍ فِيهِ مَاء كَأَنَّهُ الثَّلْج فَصَبَّهُ عَلَى لَبَن عَنْز لَهُ وَسَقَاهُ , ثُمَّ قَالَ لَهُ : إِنَّ لَنَا عَرِيشًا بَارِدًا فَقِلْ فِيهِ يَا رَسُول اللَّه عِنْدنَا , فَدَخَلَهُ وَأَبُو بَكْر , وَأَتَى أَبُو الْهَيْثَم بِأَلْوَانٍ مِنْ الرُّطَب \" الْحَدِيث. وَالشَّجْب بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْجِيم ثُمَّ مُوَحَّدَة يُتَّخَذ مِنْ شَنَّة تُقْطَع وَيُخْرَز رَأْسهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَعَهُ صَاحِبه ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق كَمَا تَرَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ قَبْل هَذَا \" وَإِلَى جَانِبه مَاء فِي رَكِيّ \" وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْكَاف وَبَعْدهَا شِدَّة الْبِئْر الْمَطْوِيَّة , وَزَادَ فِي رِوَايَة سَتَأْتِي بَعْد خَمْسَة أَبْوَاب \" فَسَلَّمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبه فَرَدَّ الرَّجُل - أَيْ عَلَيْهِمَا - السَّلَام \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ كَانَ عِنْدك مَاء بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَة فِي شَنَّة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد النُّون وَهِيَ الْقِرْبَة الْخَلِقَة , وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : هِيَ الَّتِي زَالَ شَعْرهَا مِنْ الْبِلَى. قَالَ الْمُهَلَّب : الْحِكْمَة فِي طَلَب الْمَاء الْبَائِت أَنَّهُ يَكُون أَبْرَد وَأَصْفَى , وَأَمَّا مَزْج اللَّبَن بِالْمَاءِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَوْم حَارّ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّة أَبِي بَكْر مَعَ الرَّاعِي. قُلْت : لَكِنْ الْقِصَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ , فَصَنِيع أَبِي بَكْر ذَلِكَ بِاللَّبَنِ لِشِدَّةِ الْحَرّ , وَصَنِيع الْأَنْصَارِيّ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَسْقِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاء صِرْفًا فَأَرَادَ أَنْ يُضِيف إِلَيْهِ اللَّبَن فَأَحْضَرَ لَهُ مَا طُلِبَ مِنْهُ وَزَادَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْس جَرَتْ عَادَتْهُ بِالرَّغْبَةِ فِيهِ. وَيُؤَيِّد هَذَا مَا فِي رِوَايَة الْهَيْثَم بْن نَصْر قَبْل أَنَّ الْمَاء كَانَ مِثْل الثَّلْج. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِلَّا كَرَعْنَا ) ‏ ‏فِيهِ حَذَفَ تَقْدِيره : فَاسْقِنَا , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدك كَرَعْنَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ التَّصْرِيح بِطَلَبِ السَّقْي. وَالْكَرْع بِالرَّاءِ تَنَاوُل الْمَاء بِالْفَمِ مِنْ غَيْر إِنَاء وَلَا كَفّ , وَقَالَ اِبْن التِّين حَكَى أَبُو عَبْد الْمَلِك أَنَّهُ الشُّرْب بِالْيَدَيْنِ مَعًا , قَالَ : وَأَهْل اللُّغَة عَلَى خِلَافه. قُلْت : وَيَرُدّهُ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : \" مَرَرْنَا عَلَى بِرْكَة فَجَعَلْنَا نَكْرَع فِيهَا , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَكْرَعُوا وَلَكِنْ اِغْسِلُوا أَيْدِيكُمْ ثُمَّ اِشْرَبُوا بِهَا \" الْحَدِيث وَلَكِنْ فِي سَنَده ضَعْف , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَالنَّهْي فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ , وَالْفِعْل لِبَيَانِ الْجَوَاز , أَوْ قِصَّة جَابِر قَبْل النَّهْي , أَوْ النَّهْي فِي غَيْر حَال الضَّرُورَة , وَهَذَا الْفِعْل كَانَ لِضَرُورَةِ شُرْب الْمَاء الَّذِي لَيْسَ بِبَارِدٍ فَيَشْرَب بِالْكَرْعِ لِضَرُورَةِ الْعَطَش لِئَلَّا تَكْرَههُ نَفْسه إِذَا تَكَرَّرَتْ الْجَرْع , فَقَدْ لَا يَبْلُغ الْغَرَض مِنْ الرَّيّ , أَشَارَ إِلَى هَذَا الْأَخِير اِبْن بَطَّال , وَإِنَّمَا قِيلَ لِلشُّرْبِ بِالْفَمِ كَرْع لِأَنَّهُ فِعْل الْبَهَائِم لِشُرْبِهَا بِأَفْوَاهِهَا وَالْغَالِب أَنَّهَا تُدْخِل أَكَارِعهَا حِينَئِذٍ فِي الْمَاء , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر فَقَالَ : \" نَهَانَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْرَب عَلَى بُطُوننَا \" وَهُوَ الْكَرْع , وَسَنَده أَيْضًا ضَعِيف , فَهَذَا إِنْ ثَبَتَ اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون النَّهْي خَاصًّا بِهَذِهِ الصُّورَة , وَهِيَ أَنْ يَكُون الشَّارِب مُنْبَطِحًا عَلَى بَطْنه , وَيُحْمَل حَدِيث جَابِر عَلَى الشُّرْب بِالْفَمِ مِنْ مَكَان عَالٍ لَا يَحْتَاج إِلَى الِانْبِطَاح. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد \" وَإِلَّا تَجَرَّعْنَا \" بِمُثَنَّاةٍ وَجِيم وَتَشْدِيد الرَّاء أَيْ شَرِبْنَا جَرْعَة جَرْعَة , وَهَذَا قَدْ يُعَكِّر عَلَى الِاحْتِمَال الْمَذْكُور. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَالرَّجُل يُحَوِّل الْمَاء فِي حَائِطه ) ‏ ‏أَيْ يَنْقُل الْمَاء مِنْ مَكَان إِلَى مَكَان آخَر مِنْ الْبُسْتَان لِيَعُمّ أَشْجَاره بِالسَّقْيِ , وَسَيَأْتِي بَعْد خَمْسَة أَبْوَاب مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظِ \" وَهُوَ يُحَوِّل فِي حَائِط لَهُ \" يَعْنِي الْمَاء , وَفِي لَفْظ لَهُ \" يُحَوِّل الْمَاء فِي الْحَائِط \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَقَعَ مِنْهُ تَحْوِيل الْمَاء مِنْ الْبِئْر مَثَلًا إِلَى أَعْلَاهَا ثُمَّ حَوَّلَهُ مِنْ مَكَان إِلَى مَكَان. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى الْعَرِيش ) ‏ ‏هُوَ خَيْمَة مِنْ خَشَب وَثُمَام بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة مُخَفَّفًا , وَهُوَ نَبَات ضَعِيف لَهُ خَوَاصّ , وَقَدْ يُجْعَل مِنْ الْجَرِيد كَالْقُبَّةِ أَوْ مِنْ الْعِيدَانِ وَيُظَلَّل عَلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَكَبَ فِي قَدَح ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد : فَسَكَبَ مَاء فِي قَدَح. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ دَاجِن لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ فَحَلَبَ لَهُ شَاة ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ مَاء بَاتَ فِي شَنّ , وَالدَّاجِن بِجِيمٍ وَنُون : الشَّاة الَّتِي تَأْلَف الْبُيُوت. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ شَرِبَ الرَّجُل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد \" وَشَرِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَقَى صَاحِبه \" وَظَاهِره أَنَّ الرَّجُل شَرِبَ فَضْلَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنْ فِي رِوَايَة لِأَحْمَد أَيْضًا وَابْن مَاجَهْ \" ثُمَّ سَقَاهُ ثُمَّ صَنَعَ لِصَاحِبِهِ مِثْل ذَلِكَ \" أَيْ حَلَبَ لَهُ أَيْضًا وَسَكَبَ عَلَيْهِ الْمَاء الْبَائِت , هَذَا هُوَ الظَّاهِر , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْمِثْلِيَّة فِي مُطْلَق الشُّرْب. قَالَ الْمُهَلَّب : فِي الْحَدِيث أَنَّهُ لَا بَأْس بِشُرْبِ الْمَاء الْبَارِد فِي الْيَوْم الْحَارّ , وَهُوَ مِنْ جُمْلَة النِّعَم الَّتِي اِمْتَنَّ اللَّه بِهَا عَلَى عِبَاده , وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" أَوَّل مَا يُحَاسَب بِهِ الْعَبْد يَوْم الْقِيَامَة : أَلَمْ أُصِحّ جِسْمك , وَأَرْوِيك مِنْ الْمَاء الْبَارِد \" ؟ ‏"
    },
    {
        "id": "5183",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة , \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبهُ الْحَلْوَاء وَالْعَسَل \" قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : تَرْجَمَ عَلَى شَيْء وَأَعْقَبَهُ بِضِدِّهِ وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّن الْأَشْيَاء , ثُمَّ عَادَ إِلَى مَا يُطَابِق التَّرْجَمَة نَصًّا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاده بِقَوْلِ الزُّهْرِيّ الْإِشَارَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ ) إِلَى أَنَّ الْحَلْوَاء وَالْعَسَل مِنْ الطَّيِّبَات فَهُوَ حَلَال , وَبِقَوْلِ اِبْن مَسْعُود الْإِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى : ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ) فَدَلَّ الِامْتِنَان , بِهِ عَلَى حِلّه , فَلَمْ يَجْعَل اللَّه الشِّفَاء فِيمَا حَرَّمَ , قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ شَرَاب الْحَلْوَاء عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ الْحَلْوَى الْمَعْهُودَة الَّتِي يَتَعَاطَاهَا الْمُتْرَفُونَ الْيَوْم , وَإِنَّمَا هِيَ حُلْو يُشْرَب إِمَّا عَسَل بِمَاءٍ أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا يُشَاكِلهُ اِنْتَهَى. وَمُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْحَلْوَى كَانَتْ تُطْلَق لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِمَّا يُعْقَد أَوْ يُؤْكَل أَوْ يُشْرَب , كَمَا أَنَّ الْعَسَل قَدْ يُؤْكَل إِذَا كَانَ جَامِدًا وَقَدْ يُشْرَب إِذَا كَانَ مَائِعًا وَقَدْ يُخْلَط فِيهِ الْمَاء وَيُذَاب ثُمَّ يُشْرَب , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الطَّلَاق مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة فِي حَدِيث الْبَاب زِيَادَة \" وَإِنَّ اِمْرَأَة مِنْ قَوْم حَفْصَة أَهْدَتْ لَهَا عُكَّة عَسَل فَشَرِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ شَرْبَة \" الْحَدِيث فِي ذِكْر الْمَغَافِير. فَقَوْله : \" سَقَتْهُ شَرْبَة مِنْ عَسَل \" مُحْتَمِل لِأَنْ يَكُون صِرْفًا حَيْثُ يَكُون مَائِعًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَمْزُوجًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْمُرَاد بِالْحَلْوَى فِي هَذَا الْحَدِيث كُلّ شَيْء حُلْو , وَذِكْر الْعَسَل بَعْدهَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى شَرَفه وَمَزِيَّته , وَهُوَ مِنْ الْخَاصّ بَعْد الْعَامّ , وَفِيهِ جَوَاز أَكْل لَذِيذ الْأَطْعِمَة وَالطَّيِّبَات مِنْ الرِّزْق , وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الزُّهْد وَالْمُرَاقَبَة , لَا سِيَّمَا إِنْ حَصَلَ اِتِّفَاقًا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" عَنْ أَبِي سُلَيْمَان الدَّارَانِيّ قَالَ : قَوْل عَائِشَة \" كَانَ يُعْجِبهُ الْحَلْوَى \" لَيْسَ عَلَى مَعْنَى كَثْرَة التَّشَهِّي لَهَا وَشِدَّة نِزَاع النَّفْس إِلَيْهَا وَتَأَنُّق الصَّنْعَة فِي اِتِّخَاذهَا كَفِعْلِ أَهْل التَّرَفُّه وَالشَّرَه. وَإِنَّمَا كَانَ إِذَا قُدِّمَتْ إِلَيْهِ يَنَال مِنْهَا نَيْلًا جَيِّدًا فَيُعْلَم بِذَلِكَ أَنَّهُ يُعْجِبهُ طَعْمهَا , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى اِتِّخَاذ الْحَلَاوَات وَالْأَطْعِمَة مِنْ أَخْلَاط شَتَّى. ‏"
    },
    {
        "id": "5184",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏النَّزَّالِ ‏ ‏قَالَ أَتَى ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَلَى بَابِ ‏ ‏الرَّحَبَةِ ‏ ‏فَشَرِبَ قَائِمًا فَقَالَ إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشْرَبَ وَهُوَ قَائِمٌ وَإِنِّي ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ النَّزَّال ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَتَشْدِيد الزَّاي وَآخِره لَام , فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" سَمِعْت النَّزَّال بْن سَبْرَة \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة , تَقَدَّمَتْ لَهُ رِوَايَة عَنْ اِبْن مَسْعُود فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَغَيْره , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ. وَقَدْ رَوَى مِسْعَر هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن مَيْسَرَة مُخْتَصَرًا , وَرَوَاهُ عَنْهُ شُعْبَة مُطَوَّلًا , وَسَاقَهُ الْمُصَنِّف فِي هَذَا الْبَاب , وَوَافَقَ الْأَعْمَش شُعْبَة عَلَى سِيَاقه مُطَوَّلًا. وَمِسْعَر وَشَيْخه وَشَيْخ شَيْخه هِلَالِيُّونَ كُوفِيُّونَ , وَأَبُو نُعَيْم أَيْضًا كُوفِيّ , وَعَلِيّ نَزَلَ الْكُوفَة وَمَاتَ بِهَا , فَالْإِسْنَاد الْأَوَّل كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَى عَلِيّ ) ‏ ‏وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِيهَا \" عَنْ عَلِيّ \" وَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ \" رَأَيْت عَلِيًّا \" أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق بَهْز بْن أَسَد عَنْ شُعْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى بَاب الرَّحَبَة ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة شُعْبَة أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْر ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِج النَّاس فِي رَحَبَة الْكُوفَة , وَالرَّحَبَة بِفَتْحِ الرَّاء وَالْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة الْمَكَان الْمُتَّسَع , وَالرَّحْب بِسُكُونِ الْمُهْمَلَة الْمُتَّسَع أَيْضًا , قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَمِنْهُ أَرْض رَحْبَة بِالسُّكُونِ أَيْ مُتَّسَعَة , وَرَحَبَة الْمَسْجِد بِالتَّحْرِيكِ وَهِيَ سَاحَته , قَالَ اِبْن التِّين : فَعَلَى هَذَا يُقْرَأ الْحَدِيث بِالسُّكُونِ , وَيَحْتَمِل أَنَّهَا صَارَتْ رَحَبَة الْكُوفَة بِمَنْزِلَةِ رَحَبَة الْمَسْجِد فَيُقْرَأ بِالتَّحْرِيكِ , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح. ‏"
    },
    {
        "id": "5185",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ فِي رَحَبَةِ ‏ ‏الْكُوفَةِ ‏ ‏حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قِيَامًا وَإِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : \" حَوَائِج \" ‏ ‏هُوَ جَمْع حَاجَة عَلَى غَيْر الْقِيَاس , وَذَكَرَ الْأَصْمَعِيّ أَنَّهُ مُوَلَّد , وَالْجَمْع حَاجَات وَحَاجّ وَقَالَ اِبْن وَلَّاد : الْحَوْجَاء الْحَاجَة وَجَمْعهَا حَوَاجِيّ بِالتَّشْدِيدِ , وَيَجُوز التَّخْفِيف , قَالَ : فَلَعَلَّ حَوَائِج مَقْلُوبَة مِنْ حَوَاجِيّ مِثْل سَوَائِع مِنْ سَوَاعِيّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيُّ : قِيلَ : الْأَصْل حَائِجَة فَيَصِحّ الْجَمْع عَلَى حَوَائِج. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَمْرو بْن مَرْزُوق عَنْ شُعْبَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَدَعَا بِوُضُوءٍ \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن مَيْسَرَة \" ثُمَّ أُتِيَ عَلِيّ بِكُوزٍ مِنْ مَاء \" وَمِثْله مِنْ رِوَايَة بَهْز بْن أَسَد عَنْ شُعْبَة عِنْد النَّسَائِيِّ , وَكَذَا لِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَده عَنْ شُعْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهه وَيَدَيْهِ , وَذَكَرَ رَأْسه وَرِجْلَيْهِ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَفِي رِوَايَة بَهْز \" فَأَخَذَ مِنْهُ كَفًّا فَمَسَحَ وَجْهه وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ \". وَكَذَلِكَ عِنْد الطَّيَالِسِيّ \" فَغَسَلَ وَجْهه وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ عَلَى رَأْسه وَرِجْلَيْهِ \" وَمِثْله فِي رِوَايَة عَمْرو بْن مَرْزُوق عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ فِي الْأَصْل \" وَمَسَحَ عَلَى رَأْسه وَرِجْلَيْهِ \" وَأَنَّ آدَم تَوَقَّفَ فِي سِيَاقه فَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ \" وَذَكَرَ رَأْسه وَرِجْلَيْهِ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسه \" وَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْجَعْد عَنْ شُعْبَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَرَأْسه وَرِجْلَيْهِ \" وَمِنْ رِوَايَة أَبِي الْوَلِيد عَنْ شُعْبَة ذَكَرَ الْغَسْل وَالتَّثْلِيث فِي الْجَمِيع , وَهِيَ شَاذَّة مُخَالِفَة لِرِوَايَةِ أَكْثَر أَصْحَاب شُعْبَة , وَالظَّاهِر أَنَّ الْوَهْم فِيهَا مِنْ الرَّاوِي عِنْد أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الْوَاسِطِيّ شَيْخ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِيهَا فَقَدْ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَالصِّفَة الَّتِي ذَكَرهَا هِيَ صِفَة إِسْبَاغ الْوُضُوء الْكَامِل , وَقَدْ ثَبَتَ فِي آخِر الْحَدِيث قَوْل عَلِيّ : هَذَا وُضُوء مَنْ لَمْ يُحْدِث كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْله ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ فِي الرِّوَايَات كُلّهَا , وَاَلَّذِي وَقَعَ هُنَا مِنْ ذِكْر الشُّرْب مَرَّة قَبْل الْوُضُوء وَمَرَّة بَعْد الْفَرَاغ مِنْهُ لَمْ أَرَهُ فِي غَيْر رِوَايَة آدَم , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" فَضْله \" بَقِيَّة الْمَاء الَّذِي تَوَضَّأَ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ : إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْب قَائِمًا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَكَأَنَّ الْمَعْنَى إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ أَنْ يَشْرَب كُلّ مِنْهُمْ قَائِمًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" قِيَامًا \" وَهِيَ وَاضِحَة , وَلِلطَّيَالِسِيّ \" أَنْ يَشْرَبُوا قِيَامًا \". ‏ ‏قَوْله : ( صَنَعَ كَمَا صَنَعْت ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الشُّرْب قَائِمًا , وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته فَقَالَ : \" شَرِبَ فَضْلَة وُضُوئِهِ قَائِمًا كَمَا شَرِبْت \" وَلِأَحْمَد وَرَأَيْته مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ \" عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ شَرِبَ قَائِمًا , فَرَأَى النَّاس كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوهُ فَقَالَ : مَا تَنْظُرُونَ أَنْ أَشْرَب قَائِمًا ؟ فَقَدْ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَب قَائِمًا , وَإِنْ شَرِبْت قَاعِدًا فَقَدْ رَأَيْته يَشْرَب قَاعِدًا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ زِيَادَة فِي آخِر الْحَدِيث مِنْ طُرُق عَنْ شُعْبَة \" وَهَذَا وُضُوء مَنْ لَمْ يُحْدِث \" وَهِيَ عَلَى شَرْط الصَّحِيح , وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش عِنْد التِّرْمِذِيّ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى جَوَاز الشُّرْب لِلْقَائِمِ , وَقَدْ عَارَضَ ذَلِكَ أَحَادِيث صَرِيحَة فِي النَّهْي عَنْهُ. وَمِنْهَا عِنْد مُسْلِم عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَ عَنْ الشُّرْب قَائِمًا \" وَمِثْله عِنْده عَنْ أَبِي سَعِيد بِلَفْظِ \" نَهَى \" وَمِثْله لِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيث الْجَارُود , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي غَطَفَان عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدكُمْ قَائِمًا , فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ \" , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْهُ بِلَفْظِ \" لَوْ يَعْلَم الَّذِي يَشْرَب وَهُوَ قَائِم لَاسْتَقَاءَ \" وَلِأَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَشْرَب قَائِمًا فَقَالَ : قِه , قَالَ : لِمَهْ ؟ قَالَ : أَيَسُرُّك أَنْ يَشْرَب مَعَك الْهِرّ ؟ قَالَ : لَا. قَالَ قَدْ شَرِبَ مَعَك مَنْ هُوَ شَرّ مِنْهُ , الشَّيْطَان \" وَهُوَ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ أَبِي زِيَاد الطَّحَّان مَوْلَى الْحَسَن بْن عَلِيّ عَنْهُ , وَأَبُو زِيَاد لَا يُعْرَف اِسْمه , وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْن مَعِين. وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق قَتَادَة عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَشْرَب الرَّجُل قَائِمًا , قَالَ قَتَادَة فَقُلْنَا لِأَنَسٍ : فَالْأَكْل ؟ قَالَ ذَاكَ أَشَرّ وَأَخْبَث \" قِيلَ : وَإِنَّمَا جُعِلَ الْأَكْل أَشَرّ لِطُولِ زَمَنه بِالنِّسْبَةِ لِزَمَنِ الشُّرْب. فَهَذَا مَا وَرَدَ فِي الْمَنْع مِنْ ذَلِكَ. قَالَ الْمَازِرِيّ : اِخْتَلَفَ النَّاس فِي هَذَا , فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى الْجَوَاز , وَكَرِهَهُ قَوْم , فَقَالَ بَعْض شُيُوخنَا : لَعَلَّ النَّهْي يَنْصَرِف لِمَنْ أَتَى أَصْحَابه بِمَاءٍ فَبَادَرَ لِشُرْبِهِ قَائِمًا قَبْلهمْ اِسْتِبْدَادًا بِهِ وَخُرُوجًا عَنْ كَوْن سَاقِي الْقَوْم آخِرهمْ شُرْبًا. قَالَ : وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَمْر فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِالِاسْتِقَاءِ لَا خِلَاف بَيْن أَهْل الْعِلْم فِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَد أَنْ يَسْتَقِيء. قَالَ وَقَالَ بَعْض الشُّيُوخ : الْأَظْهَر أَنَّهُ مَوْقُوف عَلَى أَبِي هُرَيْرَة. قَالَ : وَتَضَمَّنَ حَدِيث أَنَس الْأَكْل أَيْضًا , وَلَا خِلَاف فِي جَوَاز الْأَكْل قَائِمًا. قَالَ : وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ أَحَادِيث شُرْبه قَائِمًا تَدُلّ عَلَى الْجَوَاز , وَأَحَادِيث النَّهْي تُحْمَل عَلَى الِاسْتِحْبَاب وَالْحَثّ عَلَى مَا هُوَ أَوْلَى وَأَكْمَل. أَوْ لِأَنَّ فِي الشُّرْب قَائِمًا ضَرَرًا فَأَنْكَرَهُ مِنْ أَجْلِهِ وَفَعَلَهُ هُوَ لِأَمْنِهِ , قَالَ : وَعَلَى هَذَا الثَّانِي يُحْمَل قَوْله : \" فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ \" عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يُحَرِّك خِلْطًا يَكُون الْقَيْء دَوَاءَهُ. وَيُؤَيِّدهُ قَوْل النَّخَعِيِّ : إِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِدَاءِ الْبَطْن. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ عِيَاض : لَمْ يُخَرِّج مَالِك وَلَا الْبُخَارِيّ أَحَادِيث النَّهْي , وَأَخْرَجَهَا مُسْلِم مِنْ رِوَايَة قَتَادَة عَنْ أَنَس وَمِنْ رِوَايَته عَنْ أَبِي عِيسَى عَنْ أَبِي سَعِيد وَهُوَ مُعَنْعَن , وَكَانَ شُعْبَة يَتَّقِي مِنْ حَدِيث قَتَادَة مَا لَا يُصَرِّح فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ , وَأَبُو عِيسَى غَيْر مَشْهُور , وَاضْطِرَاب قَتَادَة فِيهِ مِمَّا يُعِلُّهُ مَعَ مُخَالَفَة الْأَحَادِيث الْأُخْرَى وَالْأَئِمَّة لَهُ. وَأَمَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَفِي سَنَده عُمَر بْن حَمْزَة وَلَا يَحْتَمِل مِنْهُ مِثْل هَذَا لِمُخَالَفَةِ غَيْره لَهُ , وَالصَّحِيح أَنَّهُ مَوْقُوف. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَوَقَعَ لِلنَّوَوِيِّ مَا مُلَخَّصه : هَذِهِ الْأَحَادِيث أَشْكَلَ مَعْنَاهَا عَلَى بَعْض الْعُلَمَاء حَتَّى قَالَ فِيهَا أَقْوَالًا بَاطِلَة , وَزَادَ حَتَّى تَجَاسَرَ وَرَامَ أَنْ يُضَعِّف بَعْضهَا , وَلَا وَجْه لِإِشَاعَةِ الْغَلَطَات , بَلْ يُذْكَر الصَّوَاب وَيُشَار إِلَى التَّحْذِير عَنْ الْغَلَط , وَلَيْسَ فِي الْأَحَادِيث إِشْكَال وَلَا فِيهَا ضَعِيف , بَلْ الصَّوَاب أَنَّ النَّهْي فِيهَا مَحْمُول عَلَى التَّنْزِيه , وَشُرْبه قَائِمًا لِبَيَانِ الْجَوَاز , وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ نَسْخًا أَوْ غَيْره فَقَدْ غَلِطَ , فَإِنَّ النَّسْخ لَا يُصَار إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَان الْجَمْع لَوْ ثَبَتَ التَّارِيخ , وَفِعْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَيَانِ الْجَوَاز لَا يَكُون فِي حَقّه مَكْرُوهًا أَصْلًا , فَإِنَّهُ كَانَ يَفْعَل الشَّيْء لِلْبَيَانِ مَرَّة أَوْ مَرَّات , وَيُوَاظِب عَلَى الْأَفْضَل , وَالْأَمْر بِالِاسْتِقَاءَةِ مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب , فَيُسْتَحَبّ لِمَنْ شَرِبَ قَائِمًا أَنْ يَسْتَقِيء لِهَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح الصَّرِيح , فَإِنَّ الْأَمْر إِذَا تَعَذَّرَ حَمْله عَلَى الْوُجُوب حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَاب. وَأَمَّا قَوْل عِيَاض : لَا خِلَاف بَيْن أَهْل الْعِلْم فِي أَنَّ مَنْ شَرِبَ قَائِمًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَيَّأ , وَأَشَارَ بِهِ إِلَى تَضْعِيف الْحَدِيث , فَلَا يُلْتَفَت إِلَى إِشَارَته , وَكَوْن أَهْل الْعِلْم لَمْ يُوجِبُوا الِاسْتِقَاءَة لَا يَمْنَع مِنْ اِسْتِحْبَابه , فَمَنْ اِدَّعَى مَنْع الِاسْتِحْبَاب بِالْإِجْمَاعِ فَهُوَ مُجَازِف , وَكَيْف تُتْرَك السُّنَّة الصَّحِيحَة بِالتَّوَهُّمَاتِ , وَالدَّعَاوَى وَالتُّرَّهَات ؟ ا ه وَلَيْسَ فِي كَلَام عِيَاض التَّعَرُّض لِلِاسْتِحْبَابِ أَصْلًا , بَلْ وَنَقْل الِاتِّفَاق الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ كَلَام الْمَازِرِيّ كَمَا مَضَى , وَأَمَّا تَضْعِيف عِيَاض لِلْأَحَادِيثِ فَلَمْ يَتَشَاغَل النَّوَوِيّ بِالْجَوَابِ عَنْهُ. وَطَرِيق الْإِنْصَاف أَنْ لَا تُدْفَع حُجَّة الْعَالِم بِالصَّدْرِ , فَأَمَّا إِشَارَته إِلَى تَضْعِيف حَدِيث أَنَس بِكَوْنِ قَتَادَة مُدَلِّسًا وَقَدْ عَنْعَنَهُ فَيُجَاب عَنْهُ بِأَنَّهُ صَرَّحَ فِي نَفْس السَّنَد بِمَا يَقْتَضِي سَمَاعه لَهُ مِنْ أَنَس , فَإِنَّ فِيهِ \" قُلْنَا لِأَنَسٍ : فَالْأَكْل \" وَأَمَّا تَضْعِيفه حَدِيث أَبِي سَعِيد بِأَنَّ أَبَا عِيسَى غَيْر مَشْهُور فَهُوَ قَوْل سَبَقَ إِلَيْهِ اِبْن الْمَدِينِيّ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا قَتَادَة , لَكِنْ وَثَّقَهُ الطَّبَرِيّ وَابْن حِبَّان , وَمِثْل هَذَا يُخَرَّج فِي الشَّوَاهِد , وَدَعْوَاهُ اِضْطِرَابه مَرْدُودَة لِأَنَّ لِقَتَادَة فِيهِ إِسْنَادَيْنِ وَهُوَ حَافِظ , وَأَمَّا تَضْعِيفه لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة بِعُمَر بْن حَمْزَة فَهُوَ مُخْتَلَف فِي تَوْثِيقه وَمِثْله يُخَرِّج لَهُ مُسْلِم فِي الْمُتَابَعَات , وَقَدْ تَابَعَهُ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة كَمَا أَشَرْت إِلَيْهِ عِنْد أَحْمَد وَابْن حِبَّان , فَالْحَدِيث بِمَجْمُوعِ طُرُقه صَحِيح وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ النَّوَوِيّ وَتَبِعَهُ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" : إِنَّ قَوْله \" فَمَنْ نَسِيَ \" لَا مَفْهُوم لَهُ , بَلْ يُسْتَحَبّ ذَلِكَ لِلْعَامِدِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَإِنَّمَا خُصَّ النَّاسِي بِالذِّكْرِ لِكَوْنِ الْمُؤْمِن لَا يَقَع ذَلِكَ مِنْهُ بَعْد النَّهْي غَالِبًا إِلَّا نِسْيَانًا. قُلْت : وَقَدْ يُطْلَق النِّسْيَان وَيُرَاد بِهِ التَّرْك فَيَشْمَل السَّهْو وَالْعَمْد , فَكَأَنَّهُ قِيلَ مَنْ تَرَكَ اِمْتِثَال الْأَمْر وَشَرِبَ قَائِمًا فَلْيَسْتَقِئْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : لَمْ يَصِرْ أَحَد إِلَى أَنَّ النَّهْي فِيهِ لِلتَّحْرِيمِ وَإِنْ كَانَ جَارِيًا عَلَى أُصُول الظَّاهِرِيَّة وَالْقَوْل بِهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اِبْن حَزْم مِنْهُمْ جَزَمَ بِالتَّحْرِيمِ , وَتَمَسَّكَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالتَّحْرِيمِ بِحَدِيثِ عَلِيّ الْمَذْكُور فِي الْبَاب , وَصَحَّحَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" كُنَّا نَأْكُل عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَمْشِي , وَنَشْرَب وَنَحْنُ قِيَام \" وَفِي الْبَاب عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَعَنْ أَنَس أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَالْأَثْرَم وَعَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَعَنْ عَائِشَة أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَأَبُو عَلِيّ الطُّوسِيُّ فِي \" الْأَحْكَام \" وَعَنْ أُمّ سُلَيْمٍ نَحْوه أَخْرَجَهُ اِبْن شَاهِين وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن السَّائِب عَنْ خَبَّاب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم , وَعَنْ كَبْشَة قَالَتْ : \" دَخَلْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَرِبَ مِنْ قِرْبَة مُعَلَّقَة \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ , وَعَنْ كُلْثُم نَحْوه أَخْرَجَهُ أَبُو مُوسَى بِسَنَدٍ حَسَن. وَثَبَتَ الشُّرْب قَائِمًا عَنْ عُمَر أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيّ , وَفِي \" الْمُوَطَّأ \" أَنَّ عُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيًّا كَانُوا يَشْرَبُونَ قِيَامًا وَكَانَ سَعْد وَعَائِشَة لَا يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا , وَثَبَتَتْ الرُّخْصَة عَنْ جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ. وَسَلَكَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ مَسَالِك : ‏ ‏أَحَدهَا : التَّرْجِيح وَأَنَّ أَحَادِيث الْجَوَاز أَثْبَت مِنْ أَحَادِيث النَّهْي , وَهَذِهِ طَرِيقَة أَبِي بَكْر الْأَثْرَم فَقَالَ : حَدِيث أَنَس - يَعْنِي فِي النَّهْي - جَيِّد الْإِسْنَاد وَلَكِنْ قَدْ جَاءَ عَنْهُ خِلَافه , يَعْنِي فِي الْجَوَاز , قَالَ : وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الطَّرِيق إِلَيْهِ فِي النَّهْي أَثْبَت مِنْ الطَّرِيق إِلَيْهِ فِي الْجَوَاز أَنْ لَا يَكُون الَّذِي يُقَابِلهُ أَقْوَى لِأَنَّ الثَّبْت قَدْ يَرْوِي مَنْ هُوَ دُونه الشَّيْء فَيُرَجَّح عَلَيْهِ , فَقَدْ رُجِّحَ نَافِع عَلَى سَالِم فِي بَعْض الْأَحَادِيث عَنْ اِبْن عُمَر وَسَالِم مُقَدَّم عَلَى نَافِع فِي الثَّبْت , وَقُدِّمَ شَرِيك عَلَى الثَّوْرِيّ فِي حَدِيثَيْنِ وَسُفْيَان مُقَدَّم عَلَيْهِ فِي جُمْلَة أَحَادِيث. ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : \" لَا بَأْس بِالشُّرْبِ قَائِمًا \" قَالَ الْأَثْرَم : فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرِّوَايَة عَنْهُ فِي النَّهْي لَيْسَتْ ثَابِتَة , وَإِلَّا لَمَا قَالَ لَا بَأْس بِهِ , قَالَ : وَيَدُلّ عَلَى وَهَاء أَحَادِيث النَّهْي أَيْضًا اِتِّفَاق الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَد شَرِبَ قَائِمًا أَنْ يَسْتَقِيء. ‏ ‏الْمَسْلَك الثَّانِي : دَعْوَى النَّسْخ , وَإِلَيْهَا جَنَحَ الْأَثْرَم وَابْن شَاهِين فَقَرَّرَا عَلَى أَنَّ أَحَادِيث النَّهْي - عَلَى تَقْدِير ثُبُوتهَا - مَنْسُوخَة بِأَحَادِيث الْجَوَاز بِقَرِينَةِ عَمَل الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ وَمُعْظَم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بِالْجَوَازِ , وَقَدْ عَكَسَ ذَلِكَ اِبْن حَزْم فَادَّعَى نَسْخ أَحَادِيث الْجَوَاز بِأَحَادِيث النَّهْي مُتَمَسِّكًا بِأَنَّ الْجَوَاز عَلَى وَفْق الْأَصْل وَأَحَادِيث النَّهْي مُقَرِّرَة لِحُكْمِ الشَّرْع. فَمَنْ اِدَّعَى الْجَوَاز بَعْد النَّهْي فَعَلَيْهِ الْبَيَان , فَإِنَّ النَّسْخ لَا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ. وَأَجَابَ بَعْضهمْ بِأَنَّ أَحَادِيث الْجَوَاز مُتَأَخِّرَة لِمَا وَقَعَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّة الْوَدَاع كَمَا سَيَأْتِي ذِكْره فِي هَذَا الْبَاب مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْأَخِير مِنْ فِعْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلَّ عَلَى الْجَوَاز , وَيَتَأَيَّد بِفِعْلِ الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ بَعْده. ‏ ‏الْمَسْلَك الثَّالِث : الْجَمْع بَيْن الْخَبَرَيْنِ بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيل , فَقَالَ أَبُو الْفَرَج الثَّقَفِيّ فِي نَصْره الصِّحَاح : وَالْمُرَاد بِالْقِيَامِ هُنَا الْمَشْي , يُقَال قَامَ فِي الْأَمْر إِذَا مَشَى فِيهِ , وَقُمْت فِي حَاجَتِي إِذَا سَعَيْت فِيهَا وَقَضَيْتهَا , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : ( إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ) أَيْ مُوَاظِبًا بِالْمَشْيِ عَلَيْهِ. وَجَنَحَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى تَأْوِيل آخَر وَهُوَ حَمْل النَّهْي عَلَى مَنْ لَمْ يُسَمِّ عِنْد شُرْبه , وَهَذَا إِنْ سَلِمَ لَهُ فِي بَعْض أَلْفَاظ الْأَحَادِيث لَمْ يَسْلَم لَهُ فِي بَقِيَّتهَا. وَسَلَكَ آخَرُونَ فِي الْجَمْع حَمْل أَحَادِيث النَّهْي عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه وَأَحَادِيث الْجَوَاز عَلَى بَيَانه , وَهِيَ طَرِيقَة الْخَطَّابِيّ وَابْن بَطَّال فِي آخَرِينَ , وَهَذَا أَحْسَن الْمَسَالِك وَأَسْلَمهَا وَأَبْعَدهَا مِنْ الِاعْتِرَاض , وَقَدْ أَشَارَ الْأَثْرَم إِلَى ذَلِكَ أَخِيرًا فَقَالَ : إِنْ ثَبَتَتْ الْكَرَاهَة حُمِلَتْ عَلَى الْإِرْشَاد وَالتَّأْدِيب لَا عَلَى التَّحْرِيم , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَأَيَّدَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا ثُمَّ حَرَّمَهُ أَوْ كَانَ حَرَامًا ثُمَّ جَوَّزَهُ لَبَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بَيَانًا وَاضِحًا , فَلَمَّا تَعَارَضَتْ الْأَخْبَار بِذَلِكَ جَمَعْنَا بَيْنهَا بِهَذَا. وَقِيلَ إِنَّ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَة الطِّبّ مَخَافَة وُقُوع ضَرَر بِهِ , فَإِنَّ الشُّرْب قَاعِدًا أَمْكَن وَأَبْعَد مِنْ الشَّرَق وَحُصُول الْوَجَع فِي الْكَبِد أَوْ الْحَلْق , وَكُلّ ذَلِكَ قَدْ لَا يَأْمَن مِنْهُ مَنْ شَرِبَ قَائِمًا. وَفِي حَدِيث عَلِيّ مِنْ الْفَوَائِد أَنَّ عَلَى الْعَالِم إِذَا رَأَى النَّاس اِجْتَنِبُوا شَيْئًا وَهُوَ يَعْلَم جَوَازه أَنْ يُوَضِّح لَهُمْ وَجْه الصَّوَاب فِيهِ خَشْيَة أَنْ يَطُول الْأَمْر فَيُظَنّ تَحْرِيمه , وَأَنَّهُ مَتَى خَشِيَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَادِر لِلْإِعْلَامِ بِالْحُكْمِ وَلَوْ لَمْ يُسْأَل , فَإِنْ سُئِلَ تَأَكَّدَ الْأَمْر بِهِ , وَأَنَّهُ إِذَا كَرِهَ مِنْ أَحَد شَيْئًا لَا يُشْهِر بِاسْمِهِ لِغَيْرِ غَرَض بَلْ يُكَنِّي عَنْهُ كَمَا كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَل فِي مِثْل ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5186",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَرِبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَائِمًا مِنْ ‏ ‏زَمْزَمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَاصِم الْأَحْوَل ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ ذَكَرَ الْكَلَابَاذِيّ أَنَّ أَبَا نُعَيْم سَمِعَ مِنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَمِنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا رَوَى عَنْ عَاصِم الْأَحْوَل فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَحَدهمَا. قُلْت : لَيْسَ الِاحْتِمَالَانِ فِيهِمَا هُنَا عَلَى السَّوَاء , فَإِنَّ أَبَا نُعَيْم مَشْهُور بِالرِّوَايَةِ عَنْ الثَّوْرِيّ مَعْرُوف بِمُلَازَمَتِهِ , وَرِوَايَته عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ قَلِيلَة , وَإِذَا أَطْلَقَ اِسْم شَيْخه حُمِلَ عَلَى مَنْ هُوَ أَشْهَر بِصُحْبَتِهِ وَرِوَايَته عَنْهُ أَكْثَر , وَلِهَذَا جَزَمَ الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" أَنَّ سُفْيَان هَذَا هُوَ الثَّوْرِيّ , وَهَذِهِ قَاعِدَة مُطَّرِدَة عِنْد الْمُحَدِّثِينَ فِي مِثْل هَذَا , وَلِلْخَطِيبِ فِيهِ تَصْنِيف سَمَّاهُ \" الْمُكْمِل لِبَيَانِ الْمُهْمَل \" , وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَاصِم الْأَحْوَل أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ , وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسْلِم رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ عَاصِم الْأَحْوَل , لَكِنْ خُصُوص رِوَايَة أَبِي نُعَيْم فِيهِ إِنَّمَا هِيَ عَنْ الثَّوْرِيّ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( شَرِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا مِنْ زَمْزَم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَاصِم فِي هَذَا الْحَدِيث \" قَالَ - أَيْ عَاصِم - فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعِكْرِمَة فَحَلَفَ أَنَّهُ مَا كَانَ حِينَئِذٍ إِلَّا رَاكِبًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي كِتَاب الْحَجّ , وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ عَلَى بَعِيره ثُمَّ أَنَاخَهُ بَعْد طَوَافه فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ \" فَلَعَلَّهُ حِينَئِذٍ شَرِبَ مِنْ زَمْزَم قَبْل أَنْ يَعُود إِلَى بَعِيره وَيَخْرُج إِلَى الصَّفَا , بَلْ هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَعَيَّن الْمَصِير إِلَيْهِ , لِأَنَّ عُمْدَة عِكْرِمَة فِي إِنْكَار كَوْنه شَرِبَ قَائِمًا إِنَّمَا هُوَ مَا ثَبَتَ عِنْده أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ عَلَى بَعِيره وَخَرَجَ إِلَى الصَّفَّا عَلَى بَعِيره وَسَعَى كَذَلِكَ , لَكِنْ لَا بُدّ مِنْ تَخَلُّل رَكْعَتَيْ الطَّوَاف بَيْن ذَلِكَ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّاهُمَا عَلَى الْأَرْض فَمَا الْمَانِع مِنْ كَوْنه شَرِبَ حِينَئِذٍ مِنْ سِقَايَة زَمْزَم قَائِمًا كَمَا حَفِظَهُ الشَّعْبِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس ؟ ‏"
    },
    {
        "id": "5187",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو النَّضْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَيْرٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ ‏ ‏أَنَّهَا ‏ ‏أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَشِيَّةَ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَشَرِبَهُ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏عَلَى بَعِيرِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَالِك بْن إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِيّ مِنْ كِبَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ , ‏ ‏وَقَوْله : بَعْد ذَلِكَ \" زَادَ مَالِك إِلَخْ \" ‏ ‏هُوَ اِبْن أَنَس وَالْمُرَاد أَنَّ مَالِكًا تَابَعَ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة عَلَى رِوَايَته هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي النَّضْر وَقَالَ فِي رِوَايَته \" شَرِبَ وَهُوَ وَاقِف عَلَى بَعِيره \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة تَامَّة فِي كِتَاب الصِّيَام مَعَ بَقِيَّة شَرْح الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "5188",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ وَعَنْ شِمَالِهِ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَشَرِبَ ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ وَقَالَ ‏ ‏الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5189",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ ‏ ‏غُلَامٌ ‏ ‏وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ فَقَالَ لِلْغُلَامِ ‏ ‏أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ فَقَالَ الْغُلَامُ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا قَالَ فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي يَدِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الشُّرْب , وَفِيهِ تَسْمِيَة الْغُلَام وَبَعْض الْأَشْيَاخ. وَقَوْله : \" أَتَأْذَنُ لِي \" لَمْ يَقَع فِي حَدِيث أَنَس أَنَّهُ اِسْتَأْذَنَ الْأَعْرَابِيّ الَّذِي عَنْ يَمِينه , فَأَجَابَ النَّوَوِيّ وَغَيْره بِأَنَّ السَّبَب فِيهِ أَنَّ الْغُلَام كَانَ اِبْن عَمّه فَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ إِدْلَال وَكَانَ مَنْ عَلَى الْيَسَار أَقَارِب الْغُلَام أَيْضًا , وَطَيَّبَ نَفْسه مَعَ ذَلِكَ بِالِاسْتِئْذَانِ لِبَيَانِ الْحُكْم وَأَنَّ السُّنَّة تَقْدِيم الْأَيْمَن وَلَوْ كَانَ مَفْضُولًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ عَلَى الْيَسَار , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَطَّفَ بِهِ حَيْثُ قَالَ لَهُ \" الشَّرْبَة لَك , وَإِنْ شِئْت آثَرْت بِهَا خَالِدًا \" كَذَا فِي السُّنَن , وَفِي لَفْظ لِأَحْمَد \" وَإِنْ شِئْت آثَرْت بِهِ عَمّك \" وَإِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ عَمّه لِكَوْنِهِ أَسَنَّ مِنْهُ , وَلَعَلَّ سِنّه كَانَ قَرِيبًا مِنْ سِنّ الْعَبَّاس , وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَة أُخْرَى مِنْ أَقْرَانه لِكَوْنِهِ اِبْن خَالَته , وَكَانَ خَالِد مَعَ رِيَاسَته فِي الْجَاهِلِيَّة وَشَرَفه فِي قَوْمه قَدْ تَأَخَّرَ إِسْلَامه فَلِذَلِكَ اِسْتَأْذَنَ لَهُ , بِخِلَافِ أَبِي بَكْر فَإِنَّ رُسُوخ قَدَمه فِي الْإِسْلَام وَسَبْقه يَقْتَضِي طُمَأْنِينَته بِجَمِيعِ مَا يَقَع مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَتَأَثَّر لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , وَلِهَذَا لَمْ يَسْتَأْذِن الْأَعْرَابِيّ لَهُ , وَلَعَلَّهُ خَشِيَ مِنْ اِسْتِئْذَانه أَنْ يَتَوَهَّم إِرَادَة صَرْفه إِلَى بَقِيَّة الْحَاضِرِينَ بَعْد أَبِي بَكْر دُونه , فَرُبَّمَا سَبَقَ إِلَى قَلْبه مِنْ أَجْل قُرْب عَهْده بِالْإِسْلَامِ شَيْء فَجَرَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَادَته فِي تَأْلِيف مَنْ هَذَا سَبِيله , وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ مِنْ كُبَرَاء قَوْمه وَلِهَذَا جَلَسَ عَنْ يَمِين النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ سُنَّة الشُّرْب الْعَامَّة تَقْدِيم الْأَيْمَن فِي كُلّ مَوْطِن , وَأَنَّ تَقْدِيم الَّذِي عَلَى الْيَمِين لَيْسَ لِمَعْنًى فِيهِ بَلْ لِمَعْنًى فِي جِهَة الْيَمِين وَهُوَ فَضْلهَا عَلَى جِهَة الْيَسَار , فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ تَرْجِيحًا لِمَنْ هُوَ عَلَى الْيَمِين بَلْ هُوَ تَرْجِيح لِجِهَتِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَام الْخَطَّابِيّ فِي ذَلِكَ قَبْل ثَلَاثَة أَبْوَاب. وَقَدْ يُعَارِض حَدِيث سَهْل هَذَا وَحَدِيث أَنَس الَّذِي فِي الْبَاب قَبْله وَحَدِيث سَهْل بْن أَبِي خَيْثَمَةَ الْآتِي فِي الْقَسَامَة \" كَبِّرْ كَبِّرْ \" وَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَة حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْأَمْر بِمُنَاوَلَةِ السِّوَاك الْأَكْبَر , وَأَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ قَوِيّ قَالَ : \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَقَى قَالَ اِبْدَءُوا بِالْكَبِيرِ \" وَيُجْمَع بِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْحَالَة الَّتِي يَجْلِسُونَ فِيهَا مُتَسَاوِينَ إِمَّا بَيْن يَدَيْ الْكَبِير أَوْ عَنْ يَسَاره كُلّهمْ أَوْ خَلْفه أَوْ حَيْثُ لَا يَكُون فِيهِمْ , فَتُخَصّ هَذِهِ الصُّورَة مِنْ عُمُوم تَقْدِيم الْأَيْمَن , أَوْ يُخَصّ مِنْ عُمُوم هَذَا الْأَمْر بِالْبُدَاءَةِ بِالْكَبِيرِ مَا إِذَا جَلَسَ بَعْض عَنْ يَمِين الرَّئِيس وَبَعْض عَنْ يَسَاره , فَفِي هَذِهِ الصُّورَة يُقَدَّم الصَّغِير عَلَى الْكَبِير وَالْمَفْضُول عَلَى الْفَاضِل. وَيَظْهَر مِنْ هَذَا أَنَّ الْأَيْمَن مَا اِمْتَازَ بِمُجَرَّدِ الْجُلُوس فِي الْجِهَة الْيُمْنَى بَلْ بِخُصُوصِ كَوْنهَا يَمِين الرَّئِيس فَالْفَضْل إِنَّمَا فَاضَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَفْضَل. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : تَفْضِيل الْيَمِين شَرْعِيّ وَتَفْضِيل الْيَسَار طَبْعِيّ وَإِنْ كَانَ وَرَدَ بِهِ الشَّرْع لَكِنْ الْأَوَّل أُدْخَل فِي التَّعَبُّد , وَيُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتْ فَضِيلَة الْفَاعِل وَفَضِيلَة الْوَظِيفَة اُعْتُبِرَتْ فَضِيلَة الْوَظِيفَة كَمَا لَوْ قُدِّمَتْ جِنَازَتَانِ لِرَجُلٍ وَامْرَأَة وَوَلِيّ الْمَرْأَة أَفْضَل مِنْ وَلِيّ الرَّجُل قُدِّمَ وَلِيّ الرَّجُل وَلَوْ كَانَ مَفْضُولًا لِأَنَّ الْجِنَازَة هِيَ الْوَظِيفَة فَتُعْتَبَر أَفْضَلِيَّتهَا لَا أَفْضَلِيَّة الْمُصَلِّي عَلَيْهَا , قَالَ : وَلَعَلَّ السِّرّ فِيهِ أَنَّ الرُّجُولِيَّة وَالْمَيْمَنَة أَمْر يَقْطَع بِهِ كُلّ أَحَد , بِخِلَافِ أَفْضَلِيَّة الْفَاعِل فَإِنَّ الْأَصْل فِيهِ الظَّنّ وَلَوْ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ فِي نَفْس الْأَمْر لَكِنَّهُ مِمَّا يَخْفَى مِثْله عَنْ بَعْض. كَأَبِي بَكْر بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْم الْأَعْرَابِيّ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِي هَؤُلَاءِ ) ‏ ‏ظَاهِر فِي أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ لَأَعْطَاهُمْ. وَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز الْإِيثَار بِمِثْلِ ذَلِكَ , وَهُوَ مُشْكِل عَلَى مَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّهُ لَا إِيثَار بِالْقُرْبِ , وَعِبَارَة إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي هَذَا : لَا يَجُوز التَّبَرُّع فِي الْعِبَادَات وَيَجُوز فِي غَيْرهَا. وَقَدْ يُقَال إِنَّ الْقُرْب أَعَمّ مِنْ الْعِبَادَة , وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَة تَجْوِيز جَذْب وَاحِد مِنْ الصَّفّ الْأَوَّل لِيُصَلِّيَ مَعَهُ لِيَخْرُج الْجَاذِب عَنْ أَنْ يَكُون مُصَلِّيًا خَلْف الصَّفّ وَحْدَهُ لِثُبُوتِ الزَّجْر عَنْ ذَلِكَ , فَفِي مُسَاعَدَة الْمَجْذُوب لِلْجَاذِبِ إِيثَار بِقُرْبَةٍ كَانَتْ لَهُ وَهِيَ تَحْصِيل فَضِيلَة الصَّفّ الْأَوَّل لِيُحَصِّل فَضِيلَة تَحْصُل لِلْجَاذِبِ وَهِيَ الْخُرُوج مِنْ الْخِلَاف فِي بُطْلَان صَلَاته. وَيُمْكِن الْجَوَاب بِأَنَّهُ لَا إِيثَار , إِذْ حَقِيقَة الْإِيثَار إِعْطَاء مَا اِسْتَحَقَّهُ لِغَيْرِهِ , وَهَذَا لَمْ يُعْطِ الْجَاذِب شَيْئًا وَإِنَّمَا رَجَّحَ مَصْلَحَته عَلَى مَصْلَحَته , لِأَنَّ مُسَاعَدَة الْجَاذِب عَلَى تَحْصِيل مَقْصُود , لَيْسَ فِيهِ إِعْطَاؤُهُ مَا كَانَ يَحْصُل لِلْمَجْذُوبِ لَوْ لَمْ يُوَافِقهُ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَتَلَّهُ \" بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَتَشْدِيد اللَّام أَيْ وَضَعَهُ , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَضَعَهُ بِعُنْفٍ. وَأَصْله مِنْ الرَّمْي عَلَى التَّلّ وَهُوَ الْمَكَان الْعَالِي الْمُرْتَفِع ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي كُلّ شَيْء يُرْمَى بِهِ وَفِي كُلّ إِلْقَاء , وَقِيلَ : هُوَ مِنْ التَّلْتَل بِلَام سَاكِنَة بَيْن الْمُثَنَّاتَيْنِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ وَآخِره لَام وَهُوَ الْعُنُق , وَمِنْهُ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أَيْ صَرَعَهُ فَأَلْقَى عُنُقه وَجَعَلَ جَنْبه إِلَى الْأَرْض , وَالتَّفْسِير الْأَوَّل أَلْيَق بِمَعْنَى حَدِيث الْبَاب , وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضهمْ تَقْيِيد الْخَطَّابِيّ الْوَضْع بِالْعُنْف. ‏"
    },
    {
        "id": "5190",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَى ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَمَعَهُ ‏ ‏صَاحِبٌ ‏ ‏لَهُ فَسَلَّمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَصَاحِبُهُ فَرَدَّ الرَّجُلُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَهِيَ سَاعَةٌ حَارَّةٌ وَهُوَ يُحَوِّلُ فِي حَائِطٍ لَهُ ‏ ‏يَعْنِي الْمَاءَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ فِي ‏ ‏شَنَّةٍ ‏ ‏وَإِلَّا ‏ ‏كَرَعْنَا ‏ ‏وَالرَّجُلُ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي حَائِطٍ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي مَاءٌ بَاتَ فِي ‏ ‏شَنَّةٍ ‏ ‏فَانْطَلَقَ إِلَى الْعَرِيشِ فَسَكَبَ فِي قَدَحٍ مَاءً ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ دَاجِنٍ لَهُ فَشَرِبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ أَعَادَ فَشَرِبَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ مَعَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5191",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ قَائِمًا عَلَى الْحَيِّ أَسْقِيهِمْ عُمُومَتِي وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ ‏ ‏الْفَضِيخَ ‏ ‏فَقِيلَ ‏ ‏حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فَقَالَ اكْفِئْهَا فَكَفَأْنَا قُلْتُ ‏ ‏لِأَنَسٍ ‏ ‏مَا شَرَابُهُمْ قَالَ رُطَبٌ ‏ ‏وَبُسْرٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏وَكَانَتْ خَمْرَهُمْ فَلَمْ يُنْكِرْ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏يَقُولُ كَانَتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5192",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَحُلُّوهُمْ فَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا ‏ ‏وَأَوْكُوا ‏ ‏قِرَبَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5193",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ إِذَا رَقَدْتُمْ وَغَلِّقُوا الْأَبْوَابَ ‏ ‏وَأَوْكُوا ‏ ‏الْأَسْقِيَةَ وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَلَوْ بِعُودٍ تَعْرُضُهُ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5194",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اخْتِنَاثِ ‏ ‏الْأَسْقِيَةِ ‏ ‏يَعْنِي أَنْ تُكْسَرَ أَفْوَاهُهَا فَيُشْرَبَ مِنْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) بِالتَّصْغِيرِ ( اِبْن عَبْد اللَّه ) بِالتَّكْبِيرِ ( اِبْن عُتْبَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة بَعْدهَا مُوَحَّدَة أَيْ اِبْن مَسْعُود , وَصَرَّحَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِيهَا بِتَحْدِيثِ عُبَيْد اللَّه لِلزُّهْرِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَعِيد ) ‏ ‏صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ فِي الَّتِي تَلِيهَا أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي الَّتِي بَعْدهَا \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى \". ‏ ‏قَوْله : ( يَعْنِي أَنْ تُكْسَر أَفْوَاههَا فَيُشْرَب مِنْهَا ) ‏ ‏الْمُرَاد بِكَسْرِهَا ثَنْيهَا لَا كَسْرهَا حَقِيقَة وَلَا إِبَانَتهَا , وَالْقَائِل \" يَعْنِي \" لَمْ يُصَرِّح بِهِ فِي هَذِهِ الطَّرِيق , وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد عَنْ أَبِي النَّضْر عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب بِحَذْفِ لَفْظ \" يَعْنِي \" فَسَارَ التَّفْسِير مُدْرَجًا فِي الْخَبَر , وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" قَالَ عَبْد اللَّه \" هُوَ اِبْن الْمُبَارَك \" قَالَا مَعْمَر \" هُوَ اِبْن رَاشِد \" أَوْ غَيْره هُوَ الشُّرْب مِنْ أَفْوَاههَا \" وَعَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك رَوَى الْمَرْفُوع عَنْ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ , وَرَوَى التَّفْسِير عَنْ مَعْمَر مَعَ التَّرَدُّد , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس وَابْن أَبِي ذِئْب مَعًا مُدْرَجًا وَلَفْظه \" يَنْهَى عَنْ اِخْتِنَاث الْأَسْقِيَة أَوْ الشُّرْب أَنْ يُشْرَب مِنْ أَفْوَاههَا \" كَذَا فِيهِ بِحَرْفِ التَّرَدُّد , وَهُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس وَحْده بِلَفْظِ \" عَنْ اِخْتِنَاث الْأَسْقِيَة أَنْ يُشْرَب مِنْ أَفْوَاههَا \" وَهَذَا أَشْبَه , وَهُوَ أَنَّهُ تَفْسِير الِاخْتِنَاث لَا أَنَّهُ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي فِي أَيّ اللَّفْظَيْنِ وَقَعَ فِي الْحَدِيث , لَكِنْ ظَاهِره أَنَّ التَّفْسِير فِي نَفْس الْخَبَر , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه لَكِنْ قَالَ : \" مِثْله \" قَالَ : \" غَيْر أَنَّهُ قَالَ : وَاخْتِنَاثهَا أَنْ يَقْلِب رَأْسهَا ثُمَّ يَشْرَب \" وَهُوَ مُدْرَج أَيْضًا , وَقَدْ جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ تَفْسِير الِاخْتِنَاث مِنْ كَلَام الزُّهْرِيّ , وَيُحْمَل التَّفْسِير الْمُطْلَق وَهُوَ الشُّرْب مِنْ أَفْوَاههَا عَلَى الْمُقَيَّد بِكَسْرِ فَمهَا أَوْ قَلْب رَأْسهَا , وَوَقَعَ فِي مُسْنَد أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب فِي أَوَّل هَذَا الْحَدِيث \" شَرِبَ رَجُل مِنْ سِقَاء فَانْسَابَ فِي بَطْنه جِنَّان , فَنَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَهُ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر وَعُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة فَرَّقَهُمَا عَنْ يَزِيد بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَفْوَاههَا ) جَمْع فَم , وَهُوَ عَلَى سَبِيل الرَّدّ إِلَى الْأَصْل فِي الْفَم أَنَّهُ فُوه نَقَصَتْ مِنْهُ الْهَاء لِاسْتِثْقَالِ هَاءَيْنِ عِنْد الضَّمِير لَوْ قَالَ فُوهه , فَلَمَّا لَمْ يَحْتَمِل حَذْف الْوَاو بَعْد حَذْف الْهَاء الْإِعْرَاب لِسُكُونِهَا عُوِّضَتْ مِيمًا فَقِيلَ فَم , وَهَذَا إِذَا أُفْرِدَ , وَيَجُوز أَنْ يُقْتَصَر عَلَى الْفَاء إِذَا أُضِيفَتْ لَكِنْ تُزَاد حَرَكَة مُشْبَعَة يَخْتَلِف إِعْرَابهَا بِالْحُرُوفِ , فَإِنْ أُضِيفَ إِلَى مُضْمَر كَفَتْ الْحَرَكَات وَلَا يُضَاف مَعَ الْمِيم إِلَّا فِي ضَرُورَة شِعْر كَقَوْلِ الشَّاعِر \" يُصْبِح عَطْشَان وَفِي الْبَحْر فَمه \" فَإِذَا أَرَادُوا الْجَمْع أَوْ التَّصْغِير رَدُّوهُ إِلَى الْأَصْل فَقَالُوا فُوَيْه وَأَفْوَاه , وَلَمْ يَقُولُوا فُمَيْم وَلَا أَفْمَام. ‏"
    },
    {
        "id": "5195",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْهَى عَنْ ‏ ‏اخْتِنَاثِ ‏ ‏الْأَسْقِيَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏أَوْ غَيْرُهُ ‏ ‏هُوَ الشُّرْبُ مِنْ أَفْوَاهِهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5196",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏قَالَ لَنَا ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ ‏أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَشْيَاءَ قِصَارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا بِهَا ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ الْقِرْبَةِ أَوْ ‏ ‏السِّقَاءِ ‏ ‏وَأَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي دَارِهِ",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَيُّوب قَالَ : قَالَ لَنَا عِكْرِمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا أَيُّوب السَّخْتِيَانِيّ أَخْبَرَنَا عِكْرِمَة \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا أُخْبِركُمْ بِأَشْيَاء قِصَار حَدَّثَنَا بِهَا أَبُو هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره مَثَلًا : فَقُلْنَا نَعَمْ , أَوْ فَقُلْنَا حَدَّثَنَا أَوْ نَحْو ذَلِكَ فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان بِهَذَا الْإِسْنَاد \" سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ فَم الْقِرْبَة أَوْ السِّقَاء ) ‏ ‏هُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَكَأَنَّهُ مِنْ سُفْيَان , قَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْجَبَّار بْن الْعَلَاء عَنْ سُفْيَان عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" مِنْ فِي السِّقَاء \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر عِنْده مِنْ فَم الْقِرْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْ يَمْنَع جَاره إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل كِتَاب الْمَظَالِم , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ , \" قَالَ أَلَا أُخْبِركُمْ بِأَشْيَاء \" وَلَمْ يَذْكُر إِلَّا شَيْئَيْنِ فَلَعَلَّهُ أَخْبَرَ بِأَكْثَر فَاخْتَصَرَهُ بَعْض الرُّوَاة أَوْ أَقَلّ الْجَمْع عِنْده اِثْنَانِ. قُلْت : وَاخْتِصَاره يَجُوز أَنْ يَكُون عَمْدًا وَيَجُوز أَنْ يَكُون نِسْيَانًا , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد الْحَدِيث الْمَذْكُور مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب فَذَكَرَ بِهَذَا الْإِسْنَاد الشَّيْئَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَزَادَ النَّهْي عَنْ الشُّرْب قَائِمًا , وَفِي مُسْنَد الْحُمَيْدِيّ أَيْضًا مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ ثَلَاثَة أَشْيَاء , فَإِنَّهُ ذَكَرَ النَّهْي عَنْ الشُّرْب مِنْ فِي السِّقَاء أَوْ الْقِرْبَة وَقَالَ هَذَا آخِرهَا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5197",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُشْرَبَ مِنْ ‏ ‏فِي ‏ ‏السِّقَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( حَدَّثَنَا مُسَدَّد حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَشْرَب مِنْ فِي السِّقَاء ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد عَنْ إِسْمَاعِيل بِهَذَا الْإِسْنَاد وَالْمَتْن \" قَالَ أَيُّوب فَأُنْبِئْت أَنَّ رَجُلًا شَرِبَ مِنْ فِي السِّقَاء فَخَرَجَتْ حَيَّة \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عَبَّاد بْن مُوسَى عَنْ إِسْمَاعِيل وَوَهِمَ الْحَاكِم فَأَخْرَجَ الْحَدِيث فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" بِزِيَادَتِهِ وَالزِّيَادَة الْمَذْكُورَة لَيْسَتْ عَلَى شَرْط الصَّحِيح لِأَنَّ رَاوِيهَا لَمْ يُسَمّ وَلَيْسَتْ مَوْصُولَة , وَلَكِنْ أَخْرَجَهَا اِبْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة سَلَمَة بْن وَهْرَام عَنْ عِكْرِمَة بِنَحْوِ الْمَرْفُوع , وَفِي آخِره \" وَإِنَّ رَجُلًا قَامَ مِنْ اللَّيْل بَعْد النَّهْي إِلَى سِقَاء فَاخْتَنَثَهُ فَخَرَجَتْ عَلَيْهِ مِنْهُ حَيَّة \" وَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْد النَّهْي , بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَبَب النَّهْي , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ قَبْل النَّهْي فَكَانَ مِنْ أَسْبَاب النَّهْي , ثُمَّ وَقَعَ بَعْد النَّهْي تَأْكِيدًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ : اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النَّهْي هُنَا لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ , كَذَا قَالَ , وَفِي نَقْل الِاتِّفَاق نَظَر لِمَا سَأَذْكُرُهُ , فَقَدْ نَقَلَ اِبْن التِّين وَغَيْره عَنْ مَالِك أَنَّهُ أَجَازَ الشُّرْب مِنْ أَفْوَاه الْقِرَب وَقَالَ : لَمْ يَبْلُغنِي فِيهِ نَهْي , وَبَالَغَ اِبْن بَطَّال فِي رَدِّ هَذَا الْقَوْل , وَاعْتَذَرَ عَنْهُ اِبْن الْمُنَيِّر بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَحْمِل النَّهْي فِيهِ عَلَى التَّحْرِيم , كَذَا قَالَ مَعَ النَّقْل عَنْ مَالِك أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ فِيهِ نَهْي , فَالِاعْتِذَار عَنْهُ بِهَذَا الْقَوْل أَوْلَى , وَالْحُجَّة قَائِمَة عَلَى مَنْ بَلَغَهُ النَّهْي , قَالَ النَّوَوِيّ : وَيُؤَيِّد كَوْن هَذَا النَّهْي لِلتَّنْزِيهِ أَحَادِيث الرُّخْصَة فِي ذَلِكَ. قُلْت : لَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة مَا يَدُلّ عَلَى الْجَوَاز إِلَّا مِنْ فِعْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَحَادِيث النَّهْي كُلّهَا مِنْ قَوْله. فَهِيَ أَرْجَح إِذَا نَظَرْنَا إِلَى عِلَّة النَّهْي عَنْ ذَلِكَ , فَإِنَّ جَمِيع مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَأْمُون مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَمَّا أَوَّلًا فَلِعِصْمَتِهِ وَلِطِيبِ نَكْهَته , وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِرِفْقِهِ فِي صَبّ الْمَاء وَبَيَان ذَلِكَ بِسِيَاقِ مَا وَرَدَ فِي عِلَّة النَّهْي , فَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُؤْمَن دُخُول شَيْء مِنْ الْهَوَامّ مَعَ الْمَاء فِي جَوْف السِّقَاء فَيَدْخُل فَم الشَّارِب وَهُوَ لَا يَشْعُر , وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ مَلَأ السِّقَاء وَهُوَ يُشَاهِد الْمَاء يَدْخُل فِيهِ ثُمَّ رَبَطَهُ رَبْطًا مُحْكَمًا ثُمَّ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَشْرَب حِلّه فَشَرِبَهُ مِنْهُ لَا يَتَنَاوَلهُ النَّهْي , وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَائِشَة بِسَنَدٍ قَوِيّ بِلَفْظِ \" نَهَى أَنْ يُشْرَب مِنْ فِي السِّقَاء لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْتِنهُ \" وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُون النَّهْي خَاصًّا بِمَنْ يَشْرَب فَيَتَنَفَّس دَاخِل الْإِنَاء أَوْ بَاشَرَ بِفَمِهِ بَاطِن السِّقَاء , أَمَّا مَنْ صَبَّ مِنْ الْقِرْبَة دَاخِل فَمه مِنْ غَيْر مُمَاسَّة فَلَا , وَمِنْهَا أَنَّ الَّذِي يَشْرَب مِنْ فَم السِّقَاء قَدْ يَغْلِبهُ الْمَاء فَيَنْصَبّ مِنْهُ أَكْثَر مِنْ حَاجَته فَلَا يَأْمَن أَنْ يَشْرَق بِهِ أَوْ تَبْتَلّ ثِيَابه , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَوَاحِدَة مِنْ الثَّلَاثَة تَكْفِي فِي ثُبُوت الْكَرَاهَة , وَبِمَجْمُوعِهَا تَقْوَى الْكَرَاهَة جِدًّا. وَقَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة مَا مُلَخَّصه : اُخْتُلِفَ فِي عِلَّة النَّهْي فَقِيلَ : يُخْشَى أَنْ يَكُون فِي الْوِعَاء حَيَوَان أَوْ يَنْصَبّ بِقُوَّةٍ فَيَشْرَق بِهِ أَوْ يَقْطَع الْعُرُوق الضَّعِيفَة الَّتِي بِإِزَاءِ الْقَلْب فَرُبَّمَا كَانَ سَبَب الْهَلَاك أَوْ بِمَا يَتَعَلَّق بِفَمِ السِّقَاء مِنْ بُخَار النَّفْس أَوْ بِمَا يُخَالِط الْمَاء مِنْ رِيق الشَّارِب فَيَتَقَذَّرهُ غَيْره أَوْ لِأَنَّ الْوِعَاء يَفْسُد بِذَلِكَ فِي الْعَادَة فَيَكُون مِنْ إِضَاعَة الْمَال , قَالَ : وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه الْفِقْه أَنَّهُ لَا يَبْعُد أَنْ يَكُون النَّهْي لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأُمُور وَفِيهَا مَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَة وَفِيهَا مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيم , وَالْقَاعِدَة فِي مِثْل ذَلِكَ تَرْجِيح الْقَوْل بِالتَّحْرِيمِ , وَقَدْ جَزَمَ اِبْن حَزْم بِالتَّحْرِيمِ لِثُبُوتِ النَّهْي وَحَمَلَ أَحَادِيث الرُّخْصَة عَلَى أَصْل الْإِبَاحَة , وَأَطْلَقَ أَبُو بَكْر الْأَثْرَم صَاحِب أَحْمَد أَنَّ أَحَادِيث النَّهْي نَاسِخَة لِلْإِبَاحَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَوَّلًا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حَتَّى وَقَعَ دُخُول الْحَيَّة فِي بَطْن الَّذِي شَرِبَ مِنْ فَم السِّقَاء فَنُسِخَ الْجَوَاز. قُلْت : وَمِنْ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْجَوَاز مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَمْرَة عَنْ جَدَّته كَبْشَة قَالَتْ \" دَخَلْت عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبَة مُعَلَّقَة \" وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَعَنْ أُمّ سَلَمَة فِي \" الشَّمَائِل \" وَفِي مُسْنَد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ وَالْمَعَانِي لِلطَّحَاوِيّ , قَالَ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ : لَوْ فَرَّقَ بَيْن مَا يَكُون لِعُذْرٍ كَأَنْ تَكُون الْقِرْبَة مُعَلَّقَة وَلَمْ يَجِد الْمُحْتَاج إِلَى الشُّرْب إِنَاء مُتَيَسِّرًا وَلَمْ يَتَمَكَّن مِنْ التَّنَاوُل بِكَفِّهِ فَلَا كَرَاهَة حِينَئِذٍ وَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَل الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة , وَبَيْن مَا يَكُون لِغَيْرِ عُذْر فَتُحْمَل عَلَيْهِ أَحَادِيث النَّهْي. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ أَحَادِيث الْجَوَاز كُلّهَا فِيهَا أَنَّ الْقِرْبَة كَانَتْ مُعَلَّقَة وَالشُّرْب مِنْ الْقِرْبَة الْمُعَلَّقَة أَخَصُّ مِنْ الشُّرْب مِنْ مُطْلَق الْقِرْبَة , وَلَا دَلَالَة فِي أَخْبَار الْجَوَاز عَلَى الرُّخْصَة مُطْلَقًا بَلْ عَلَى تِلْكَ الصُّورَة وَحْدهَا , وَحَمْلهَا عَلَى حَال الضَّرُورَة جَمْعًا بَيْن الْخَبَرَيْنِ أَوْلَى مِنْ حَمْلهَا عَلَى النَّسْخ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ سَبَقَ اِبْن الْعَرَبِيّ إِلَى نَحْو مَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخنَا فَقَالَ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون شُرْبه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَال ضَرُورَة , إِمَّا عِنْد الْحَرْب وَإِمَّا عِنْد عَدَم الْإِنَاء أَوْ مَعَ وُجُوده لَكِنْ لَمْ يَتَمَكَّن لِشُغْلِهِ مِنْ التَّفْرِيغ مِنْ السِّقَاء فِي الْإِنَاء , ثُمَّ قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون شَرِبَ مِنْ إِدَاوَة , وَالنَّهْي مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ الْقِرْبَة كَبِيرَة لِأَنَّهَا مَظِنَّة وُجُود الْهَوَامّ , كَذَا قَالَ , وَالْقِرْبَة الصَّغِيرَة لَا يَمْتَنِع وُجُود شَيْء مِنْ الْهَوَامّ فِيهَا , وَالضَّرَر يَحْصُل بِهِ وَلَوْ كَانَ حَقِيرًا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5198",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الشُّرْبِ مِنْ ‏ ‏فِي ‏ ‏السِّقَاءِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5199",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ وَإِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَإِذَا تَمَسَّحَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَلَا يَتَنَفَّس فِي الْإِنَاء ) ‏ ‏زَادَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَة عَنْ أَبِيهِ النَّهْي عَنْ النَّفْخ فِي الْإِنَاء , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّس فِي الْإِنَاء , وَأَنْ يُنْفَخ فِيهِ \" وَجَاءَ فِي النَّهْي عَنْ النَّفْخ فِي الْإِنَاء عِدَّة أَحَادِيث , وَكَذَا النَّهْي عَنْ التَّنَفُّس فِي الْإِنَاء لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَ لَهُ تَغَيُّر مِنْ النَّفْس إِمَّا لِكَوْنِ الْمُتَنَفِّس كَانَ مُتَغَيِّر الْفَم بِمَأْكُولٍ مَثَلًا , أَوْ لِبُعْدِ عَهْده بِالسِّوَاكِ وَالْمَضْمَضَة , أَوْ لِأَنَّ النَّفَس يَصْعَد بِبُخَارِ الْمَعِدَة , وَالنَّفْخ فِي هَذِهِ الْأَحْوَال كُلّهَا أَشَدُّ مِنْ التَّنَفُّس. ‏"
    },
    {
        "id": "5200",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏وَأَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَزْرَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الزَّاي بَعْدهَا رَاء اِبْن ثَابِت , هُوَ تَابِعِيّ صَغِير أَنْصَارِيّ أَصْله مِنْ الْمَدِينَة نَزَلَ الْبَصْرَة , وَقَدْ سَمِعَ مِنْ جَدّه لِأُمّه عَبْد اللَّه بْن يَزِيد الْخَطْمِيّ وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى وَغَيْرهمَا , فَهَذَا الْإِسْنَاد لَهُ حُكْم الثُّلَاثِيَّات وَإِنْ كَانَ شَيْخ تَابِعِيهِ فِيهِ تَابِعِيًّا آخَر. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يَتَنَفَّس فِي الْإِنَاء مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ تَكُون \" أَوْ \" لِلتَّنْوِيعِ , وَأَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقْتَصِر عَلَى الْمَرَّة بَلْ إِنْ رُوِيَ مِنْ نَفَسَيْنِ اِكْتَفَى بِهِمَا وَإِلَّا فَثَلَاث , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون \" أَوْ \" لِلشَّكِّ , فَقَدْ أَخْرَجَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ الْحَدِيث الْمَذْكُور عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ عَزْرَة بِلَفْظِ \" كَانَ يَتَنَفَّس ثَلَاثًا \" وَلَمْ يَقُلْ أَوْ , وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ بِسَنَدٍ ضَعِيف عَنْ اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" لَا تَشْرَبُوا وَاحِدَة كَمَا يَشْرَب الْبَعِير , وَلَكِنْ اِشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلَاث \" , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ يُقَوِّي مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّنْوِيع. وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِسَنَدٍ ضَعِيف عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا شَرِبَ تَنَفَّسَ مَرَّتَيْنِ \" وَهَذَا لَيْسَ نَصًّا فِي الِاقْتِصَار عَلَى الْمَرَّتَيْنِ بَلْ يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ التَّنَفُّس فِي أَثْنَاء الشُّرْب فَيَكُون قَدْ شَرِبَ ثَلَاث مَرَّات , وَسَكَتَ عَنْ التَّنَفُّس الْأَخِير لِكَوْنِهِ مِنْ ضَرُورَة الْوَاقِع. وَأَخْرَجَ مُسْلِم وَأَصْحَاب السُّنَن مِنْ طَرِيق أَبِي عَاصِم عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَنَفَّس فِي الْإِنَاء ثَلَاثًا وَيَقُول : هُوَ أُرْوَى وَأَمْرَأ وَأَبْرَأ \" لَفْظ مُسْلِم , وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" أَهْنَأ \" بَدَل قَوْله أُرْوَى وَقَوْله : \" أُرْوَى \" هُوَ مِنْ الرِّيّ بِكَسْرِ الرَّاء غَيْر مَهْمُوز أَيْ أَكْثَر رِيًّا , وَيَجُوز أَنْ يُقْرَأ مَهْمُوزًا لِلْمُشَاكَلَةِ , و \" أَمْرَأ \" بِالْهَمْزِ مِنْ الْمَرَاءَة , يُقَال مَرَأَ الطَّعَام بِفَتْحِ الرَّاء يَمْرَأ بِفَتْحِهَا وَيَجُوز كَسْرهَا صَارَ مَرِيًّا , و \" أَبْرَأ \" بِالْهَمْزِ مِنْ الْبَرَاءَة أَوْ مِنْ الْبُرْء أَيْ يُبْرِئ مِنْ الْأَذَى وَالْعَطَش. و \" أَهْنَأ \" بِالْهَمْزِ مِنْ الْهَنْء , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَصِير هَنِيئًا مَرِيًّا بَرِيًّا أَيْ سَالِمًا أَوْ مُبْرِيًا مِنْ مَرَض أَوْ عَطَش أَوْ أَذًى. وَيُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَقْمَع لِلْعَطَشِ وَأَقْوَى عَلَى الْهَضْم وَأَقَلّ أَثَرًا فِي ضَعْف الْأَعْضَاء وَبَرْد الْمَعِدَة. وَاسْتِعْمَال أَفْعَل التَّفْضِيل فِي هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ لِلْمَرَّتَيْنِ فِي ذَلِكَ مَدْخَلًا فِي الْفَضْل الْمَذْكُور , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ النَّهْي عَنْ الشُّرْب فِي نَفَس وَاحِد لِلتَّنْزِيهِ , قَالَ الْمُهَلَّب : النَّهْي عَنْ التَّنَفُّس فِي الشُّرْب كَالنَّهْيِ عَنْ النَّفْخ فِي الطَّعَام وَالشَّرَاب , مِنْ أَجْل أَنَّهُ قَدْ يَقَع فِيهِ شَيْء مِنْ الرِّيق فَيَعَافهُ الشَّارِب وَيَتَقَذَّرهُ. إِذْ كَانَ التَّقَذُّر فِي مِثْل ذَلِكَ عَادَة غَالِبَة عَلَى طِبَاع أَكْثَر النَّاس , وَمَحَلّ هَذَا إِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ مَعَ غَيْره , وَأَمَّا لَوْ أَكَلَ وَحْده أَوْ مَعَ أَهْله أَوْ مَنْ يَعْلَم أَنَّهُ لَا يَتَقَذَّر شَيْئًا مِمَّا يَتَنَاوَلهُ فَلَا بَأْس. قُلْت : وَالْأَوْلَى تَعْمِيم الْمَنْع , لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَن مَعَ ذَلِكَ أَنْ تَفْضُل فَضْلَة أَوْ يَحْصُل التَّقَذُّر مِنْ الْإِنَاء أَوْ نَحْو ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا هُوَ مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق , وَلَكِنْ مُحَرَّم عَلَى الرَّجُل أَنْ يُنَاوِل أَخَاهُ مَا يَتَقَذَّرهُ , فَإِنْ فَعَلَهُ فِي خَاصَّة نَفْسه ثُمَّ جَاءَ غَيْره فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ فَلْيُعْلِمهُ , فَإِنْ لَمْ يُعْلِمهُ فَهُوَ غِشّ , وَالْغِشّ حَرَام , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَى النَّهْي عَنْ التَّنَفُّس فِي الْإِنَاء لِئَلَّا يُتَقَذَّر بِهِ مِنْ بُزَاق أَوْ رَائِحَة كَرِيهَة تَتَعَلَّق بِالْمَاءِ , وَعَلَى هَذَا إِذَا لَمْ يَتَنَفَّس يَجُوز الشُّرْب بِنَفَسٍ وَاحِد , وَقِيلَ : يُمْنَع مُطْلَقًا لِأَنَّهُ شُرْب الشَّيْطَان , قَالَ : وَقَوْل أَنَس \" يَتَنَفَّس فِي الشُّرْب ثَلَاثًا \" قَدْ جَعَلَهُ بَعْضهمْ مُعَارِضًا لِلنَّهْيِ , وَحُمِلَ عَلَى بَيَان الْجَوَاز , وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْمَأَ إِلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصه لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَتَقَذَّر مِنْهُ شَيْء. ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَشْرَب فِي ثَلَاثَة أَنْفَاس , إِذَا أَدْنَى الْإِنَاء إِلَى فِيهِ يُسَمِّي اللَّه , فَإِذَا أَخَّرَهُ حَمِدَ اللَّه , يَفْعَل ذَلِكَ ثَلَاثًا \" وَأَصْله فِي اِبْن مَاجَهْ , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ , وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمُشَار إِلَيْهِ قَبْل \" وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ , وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ \" وَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون شَاهِدًا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ فِي الِابْتِدَاء وَالِانْتِهَاء فَقَطْ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5201",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏بِالْمَدَايِنِ ‏ ‏فَاسْتَسْقَى فَأَتَاهُ ‏ ‏دِهْقَانٌ ‏ ‏بِقَدَحِ فِضَّةٍ فَرَمَاهُ بِهِ فَقَالَ إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلَّا أَنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ وَإِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَانَا عَنْ الْحَرِيرِ ‏ ‏وَالدِّيبَاجِ ‏ ‏وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَقَالَ ‏ ‏هُنَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَهِيَ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن , وَفِي رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة عَنْ الْحَكَم \" سَمِعْت اِبْن أَبِي لَيْلَى \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ حُذَيْفَة بِالْمَدَائِنِ ) ‏ ‏, عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق يَزِيد عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى \" كُنْت مَعَ حُذَيْفَة بِالْمَدَائِنِ \" وَالْمَدَائِن اِسْم بِلَفْظِ جَمْع مَدِينَة , وَهُوَ بَلَد عَظِيم عَلَى دِجْلَة بَيْنهَا وَبَيْن بَغْدَاد سَبْعَة فَرَاسِخ كَانَتْ مَسْكَن مُلُوك الْفُرْس , وَبِهَا إِيوَان كِسْرَى الْمَشْهُور , وَكَانَ فَتْحهَا عَلَى يَد سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص فِي خِلَافَة عُمَر سَنَة سِتّ عَشْرَة وَقِيلَ : قَبْل ذَلِكَ , وَكَانَ حُذَيْفَة عَامِلًا عَلَيْهَا فِي خِلَافَة عُمَر ثُمَّ عُثْمَان إِلَى أَنْ مَاتَ بَعْد قَتْل عُثْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَسْقَى فَأَتَاهُ دِهْقَان ) ‏ ‏بِكَسْرِ الدَّال الْمُهْمَلَة وَيَجُوز ضَمّهَا بَعْدهَا هَاء سَاكِنَة ثُمَّ قَافٌ , هُوَ كَبِير الْقَرْيَة بِالْفَارِسِيَّةِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ وَكِيع عَنْ شُعْبَة \" اِسْتَسْقَى حُذَيْفَة مِنْ دِهْقَان أَوْ عِلْج \" وَتَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَة مِنْ طَرِيق سَيْف عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى \" أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْد حُذَيْفَة , فَاسْتَسْقَى , فَسَقَاهُ مَجُوسِيّ \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه بَعْد الْبَحْث. ‏ ‏قَوْله : ( بِقَدَحِ فِضَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ عَنْ حَفْص شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" بِإِنَاءٍ مِنْ فِضَّة \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عُكَيْم \" كُنَّا عِنْد حُذَيْفَة فَجَاءَهُ دِهْقَان بِشَرَابٍ فِي إِنَاء مِنْ فِضَّة \" وَيَأْتِي فِي اللِّبَاس عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" بِمَاءٍ فِي إِنَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( فَرَمَاهُ بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وَكِيع \" فَحَذَفَهُ بِهِ \" وَيَأْتِي فِي الَّذِي يَلِيه بِلَفْظِ \" فَرَمَى بِهِ فِي وَجْهه \" وَلِأَحْمَد مِنْ رِوَايَة يَزِيد عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى \" مَا يَأْلُو أَنْ يُصِيب بِهِ وَجْهه \" زَادَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَصْله عِنْد مُسْلِم : فَرَمَاهُ بِهِ فَكَسَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلَّا أَنِّي نَهَيْته فَلَمْ يَنْتَهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمَذْكُورَة \" لَمْ أَكْسِرهُ إِلَّا أَنِّي نَهَيْته فَلَمْ يَقْبَل \" وَفِي رِوَايَة وَكِيع \" ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْم فَاعْتَذَرَ \" وَفِي رِوَايَة يَزِيد \" لَوْلَا أَنِّي تَقَدَّمْت إِلَيْهِ مَرَّة أَوْ مَرَّتَيْنِ لَمْ أَفْعَل بِهِ هَذَا \" وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عُكَيْم \" إِنِّي أَمَرْته أَنْ لَا يَسْقِينِي فِيهِ \" وَيَأْتِي فِي الَّذِي بَعْده مَزِيد فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا عَنْ الْحَرِير وَالدِّيبَاج ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي اللِّبَاس التَّصْرِيح بِبَيَانِ النَّهْي عَنْ لُبْسهمَا , وَفِيهِ بَيَان الدِّيبَاج مَا هُوَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالشُّرْب فِي آنِيَة الذَّهَب وَالْفِضَّة ) ‏ ‏وَقَعَ فِي الَّذِي يَلِيه بِلَفْظِ \" لَا تَشْرَبُوا وَلَا تَلْبَسُوا \" وَكَذَا عِنْد أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْحَكَم , كَذَا وَقَعَ فِي مُعْظَم الرِّوَايَات عَنْ حُذَيْفَة الِاقْتِصَار عَلَى الشُّرْب وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى بِلَفْظِ \" نَهَى أَنْ يُشْرَب فِي آنِيَة الذَّهَب وَالْفِضَّة , وَأَنْ يُؤْكَل فِيهَا \" وَيَأْتِي نَحْوه فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ : هُنَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا , وَهُنَّ لَكُمْ فِي الْآخِرَة ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِلَفْظِ \" هُنَّ \" بِضَمِّ الْهَاء وَتَشْدِيد النُّون فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ عَنْ حَفْص بْن عُمَر شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" هِيَ \" بِكَسْرِ الْهَاء ثُمَّ التَّحْتَانِيَّة , وَكَذَا فِي رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَصْله فِي مُسْلِم \" هُوَ \" أَيْ جَمِيع مَا ذَكَرَ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَيْسَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" فِي الدُّنْيَا \" إِبَاحَة اِسْتِعْمَالهمْ إِيَّاهُ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ \" لَهُمْ \" أَيْ هُمْ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَهُ مُخَالَفَة لِزِيِّ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَا قَوْله وَلَكُمْ فِي الْآخِرَة أَيْ تَسْتَعْمِلُونَهُ مُكَافَأَة لَكُمْ عَلَى تَرْكِهِ فِي الدُّنْيَا , وَيَمْنَعهُ أُولَئِكَ جَزَاء لَهُمْ عَلَى مَعْصِيَتهمْ بِاسْتِعْمَالِهِ. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الَّذِي يَتَعَاطَى ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَا يَتَعَاطَاهُ فِي الْآخِرَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي شُرْب الْخَمْر , وَيَأْتِي مِثْله فِي لِبَاس الْحَرِير , بَلْ وَقَعَ فِي هَذَا بِخُصُوصِهِ مَا سَأُبَيِّنُهُ فِي الَّذِي قَبْله. ‏"
    },
    {
        "id": "5202",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏قَالَ خَرَجْنَا مَعَ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏وَذَكَرَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ ‏ ‏وَالدِّيبَاجَ ‏ ‏فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَرَجْنَا مَعَ حُذَيْفَة وَذَكَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ اِبْن أَبِي عَدِيّ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقه , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَصْله فِي مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُعَاذ بْن مُعَاذ وَكِلَاهُمَا عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَوْن بِلَفْظِ \" خَرَجْت مَعَ حُذَيْفَة إِلَى بَعْض هَذَا السَّوَاد , فَاسْتَسْقَى , فَأَتَاهُ الدِّهْقَان بِإِنَاءٍ مِنْ فِضَّة , فَرَمَى بِهِ فِي وَجْهه , قَالَ فَقُلْنَا : اُسْكُتُوا , فَإِنَّا إِنْ سَأَلْنَاهُ لَمْ يُحَدِّثنَا , قَالَ فَسَكَتْنَا. فَلَمَّا كَانَ بَعْد ذَلِكَ قَالَ : أَتَدْرُونَ لِمَ رَمَيْت بِهَذَا فِي وَجْهه ؟ قُلْنَا : لَا. قَالَ : ذَلِكَ أَنِّي كُنْت نَهَيْته. قَالَ فَذَكَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَة الذَّهَب وَالْفِضَّة \" قَالَ أَحْمَد : وَفِي رِوَايَة مُعَاذ \" وَلَا فِي الْفِضَّة \". ‏"
    },
    {
        "id": "5203",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر ) ‏ ‏هُوَ تَابِعِيّ ثِقَة , تَقَدَّمَتْ رِوَايَته عَنْ أَبِيهِ فِي إِسْلَام عُمَر , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ. وَهَذَا الْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا عَنْ نَافِع عَلَيْهِ مُوسَى بْن عُقْبَة وَأَيُّوب وَغَيْرهمَا وَذَلِكَ عِنْد مُسْلِم , وَخَالَفَهُمْ إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة عَنْ نَافِع فَلَمْ يَذْكُر زَيْدًا فِي إِسْنَاده , جَعَلَهُ عَنْ نَافِع عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن , أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَالْحُكْم لِمَنْ زَادَ مِنْ الثِّقَات , وَلَا سِيَّمَا وَهُمْ حُفَّاظ وَقَدْ اِجْتَمَعُوا وَانْفَرَدَ إِسْمَاعِيل. وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ نَافِع عَنْ صَفِيَّة بِنْت أَبِي عُبَيْد عَنْ أُمّ سَلَمَة , وَوَافَقَهُ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ نَافِع فِي صَفِيَّة لَكِنْ خَالَفَهُ فَقَالَ عَنْ عَائِشَة بَدَل أُمّ سَلَمَة , وَقَوْل مُحَمَّد بْن إِسْحَاق أَقْرَب , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ لِنَافِعٍ فِيهِ إِسْنَادَيْنِ , وَشَذَّ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّادٍ فَقَالَ \" عَنْ نَافِع عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَسَلَكَ بُرْد بْن سِنَان وَهِشَام بْن الْغَاز الْجَادَّة فَقَالَا عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَخْرَجَ الْجَمِيع النَّسَائِيُّ وَقَالَ : الصَّوَاب مِنْ ذَلِكَ كُلّه رِوَايَة أَيُّوب وَمَنْ تَابَعَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أُخْت أُمّ سَلَمَة الَّتِي رُوِيَ عَنْهَا هَذَا الْحَدِيث , أُمّه قَرِيبَة بِنْت أَبِي أُمَيَّة بْن الْمُغِيرَة الْمَخْزُومِيَّة , وَهُوَ ثِقَة مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( الَّذِي يَشْرَب فِي آنِيَة الْفِضَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن مُرَّة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن \" مَنْ شَرِبَ مِنْ إِنَاء ذَهَب أَوْ فِضَّة \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر الْعُمَرِيّ عَنْ نَافِع \" إِنَّ الَّذِي يَأْكُل وَيَشْرَب فِي آنِيَة الذَّهَب وَالْفِضَّة \" وَأَشَارَ مُسْلِم إِلَى تَفَرُّد عَلِيّ بْن مُسْهِر بِهَذِهِ اللَّفْظَة , أَعْنِي الْأَكْل. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّمَا يُجَرْجِر ) ‏ ‏بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّة وَفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء ثُمَّ جِيم مَكْسُورَة ثُمَّ رَاء مِنْ الْجَرْجَرَة وَهُوَ صَوْت يُرَدِّدهُ الْبَعِير فِي حَنْجَرَته إِذَا هَاجَ نَحْو صَوْت اللِّجَام فِي فَكِّ الْفَرَس , قَالَ النَّوَوِيّ : اِتَّفَقُوا عَلَى كَسْر الْجِيم الثَّانِيَة مِنْ يُجَرْجِر , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُوَفَّق بْن حَمْزَة فِي كَلَامه عَلَى الْمَذْهَب حَكَى فَتْحهَا , وَحَكَى اِبْن الْفِرْكَاح عَنْ وَالِده أَنَّهُ قَالَ : رُوِيَ يُجَرْجِر عَلَى الْبِنَاء لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُول , وَكَذَا جَوَّزَهُ اِبْن مَالِك فِي \" شَوَاهِد التَّوْضِيح \" نَعَمْ رَدَّ ذَلِكَ اِبْن أَبِي الْفَتْح تِلْمِيذه فَقَالَ فِي جُزْء جَمَعَهُ فِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْمَتْن : لَقَدْ كَثُرَ بَحْثِي عَلَى أَنْ أَرَى أَحَدًا رَوَاهُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَلَمْ أَجِدهُ عِنْد أَحَد مِنْ حُفَّاظ الْحَدِيث , وَإِنَّمَا سَمِعْنَاهُ مِنْ الْفُقَهَاء الَّذِينَ لَيْسَتْ لَهُمْ عِنَايَة بِالرِّوَايَةِ , وَسَأَلْت أَبَا الْحُسَيْن الْيُونِينِيّ فَقَالَ : مَا قَرَأْته عَلَى وَالِدِي وَلَا عَلَى شَيْخنَا الْمُنْذِر إِلَّا مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ. قَالَ : وَيَبْعُد اِتِّفَاق الْحُفَّاظ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى تَرْك رِوَايَة ثَابِتَة. قَالَ : وَأَيْضًا فَإِسْنَاده إِلَى الْفَاعِل هُوَ الْأَصْل وَإِسْنَاده إِلَى الْمَفْعُول فَرْع فَلَا يُصَار إِلَيْهِ بِغَيْرِ حَاجَة , وَأَيْضًا فَإِنَّ عُلَمَاء الْعَرَبِيَّة قَالُوا : يُحْذَف الْفَاعِل إِمَّا لِلْعِلْمِ بِهِ أَوْ لِلْجَهْلِ بِهِ , أَوْ إِذَا تُخَوَّف مِنْهُ أَوْ عَلَيْهِ , أَوْ لِشَرَفِهِ أَوْ لِحَقَارَتِهِ , أَوْ لِإِقَامَةِ وَزْن , وَلَيْسَ هُنَا شَيْء مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم ) ‏ ‏وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ بِنَصْبِ نَار عَلَى أَنَّ الْجَرْجَرَة بِمَعْنَى الصَّبّ أَوْ التَّجَرُّع فَيَكُون \" نَار \" نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة وَالْفَاعِل الشَّارِب أَيْ يَصُبّ أَوْ يَتَجَرَّع , وَجَاءَ الرَّفْع عَلَى أَنَّ الْجَرْجَرَة هِيَ الَّتِي تُصَوِّت فِي الْبَطْن , قَالَ النَّوَوِيّ : النَّصْب أَشْهَر , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة عُثْمَان بْن مُرَّة عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" فَإِنَّمَا يُجَرْجِر فِي بَطْنه نَارًا مِنْ جَهَنَّم \" وَأَجَازَ الْأَزْهَرِيّ النَّصْب عَلَى أَنَّ الْفِعْل عُدِّيَ إِلَيْهِ , وَابْن السَّيِّد الرَّفْع عَلَى أَنَّهُ خَبَر إِنَّ وَمَا مَوْصُولَة , قَالَ : وَمَنْ نَصَبَ جَعَلَ \" مَا \" زَائِدَة كَافَّة لِإِنَّ عَنْ الْعَمَل , وَهُوَ نَحْو ( إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْد سَاحِرٍ ) فَقُرِئَ بِنَصْبِ كَيْد وَرَفْعه , وَيَدْفَعهُ أَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ النُّسَخ بِفَصْلِ مَا مِنْ إِنَّ. وَقَوْله : إِنَّ النَّار تُصَوِّت فِي بَطْنه كَمَا يُصَوِّت الْبَعِير بِالْجَرْجَرَةِ مَجَاز تَشْبِيه , لِأَنَّ النَّار لَا صَوْت لَهَا , كَذَا قِيلَ. وَفِي النَّفْي نَظَرٌ لَا يَخْفَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5204",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَإِجَابَةِ الدَّاعِي وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ وَعَنْ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ ‏ ‏أَوْ قَالَ آنِيَةِ الْفِضَّةِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الْمَيَاثِرِ ‏ ‏وَالْقَسِّيِّ ‏ ‏وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ ‏ ‏وَالدِّيبَاجِ ‏ ‏وَالْإِسْتَبْرَقِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء \" أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ الشُّرْب فِي الْفِضَّة أَوْ قَالَ فِي آنِيَة الْفِضَّة ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي. زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الْبَرَاء \" فَإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَب فِيهَا فِي الْآخِرَة \" وَمِثْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" مَنْ شَرِبَ فِي آنِيَة الْفِضَّة وَالذَّهَب فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَب فِيهَا فِي الْآخِرَة , وَآنِيَة أَهْل الْجَنَّة الذَّهَب وَالْفِضَّة \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيّ , وَسَيَأْتِي شَرْح حَدِيث الْبَرَاء مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْأَدَب , وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِاللِّبَاسِ مِنْهُ فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث تَحْرِيم الْأَكْل وَالشُّرْب فِي آنِيَة الذَّهَب وَالْفِضَّة عَلَى كُلّ مُكَلَّف رَجُلًا كَانَ أَوْ اِمْرَأَة , وَلَا يَلْتَحِق ذَلِكَ بِالْحُلِيِّ لِلنِّسَاءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التَّزَيُّن الَّذِي أُبِيحَ لَهَا فِي شَيْء , قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره : فِي الْحَدِيث تَحْرِيم اِسْتِعْمَال أَوَانِي الذَّهَب وَالْفِضَّة فِي الْأَكْل وَالشُّرْب , وَيُلْحَق بِهِمَا مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِثْل التَّطَيُّب وَالتَّكَحُّل وَسَائِر وُجُوه الِاسْتِعْمَالَات , وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُور , وَأَغْرَبَتْ طَائِفَة شَذَّتْ فَأَبَاحَتْ ذَلِكَ مُطْلَقًا , وَمِنْهُمْ مَنْ قَصَرَ التَّحْرِيم عَلَى الْأَكْل وَالشُّرْب , وَمِنْهُمْ مَنْ قَصَرَهُ عَلَى الشُّرْب لِأَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَى الزِّيَادَة فِي الْأَكْل , قَالَ : وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّة الْمَنْع فَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ يَرْجِع إِلَى عَيْنهمَا , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله هِيَ لَهُمْ وَإِنَّهَا لَهُمْ , وَقِيلَ : لِكَوْنِهِمَا الْأَثْمَان وَقِيَم الْمُتْلَفَات , فَلَوْ أُبِيحَ اِسْتِعْمَالهَا لَجَازَ اِتِّخَاذ الْآلَات مِنْهُمَا فَيُفْضِي إِلَى قِلَّتهمَا بِأَيْدِي النَّاس فَيُجْحَف بِهِمْ , وَمَثَّلَهُ الْغَزَالِيّ بِالْحُكَّامِ الَّذِينَ وَظِيفَتهمْ التَّصَرُّف لِإِظْهَارِ الْعَدْل بَيْن النَّاس , فَلَوْ مَنَعُوا التَّصَرُّف لَأَخَلَّ ذَلِكَ بِالْعَدْلِ , فَكَذَا فِي اِتِّخَاذ الْأَوَانِي مِنْ النَّقْدَيْنِ حَبْس لَهُمَا عَنْ التَّصَرُّف الَّذِي يَنْتَفِع بِهِ النَّاس. وَيَرُدّ عَلَى هَذَا جَوَاز الْحُلِيّ لِلنِّسَاءِ مِنْ النَّقْدَيْنِ , وَيُمْكِن الِانْفِصَال عَنْهُ. وَهَذِهِ الْعِلَّة هِيَ الرَّاجِحَة عِنْد الشَّافِعِيَّة , وَبِهِ صَرَّحَ أَبُو عَلِيّ السَّنْجِيّ وَأَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ. وَقِيلَ : عِلَّة التَّحْرِيم السَّرَف وَالْخُيَلَاء , أَوْ كَسْر قُلُوب الْفُقَرَاء. وَيَرُدّ عَلَيْهِ جَوَاز اِسْتِعْمَال الْأَوَانِي مِنْ الْجَوَاهِر النَّفِيسَة وَعَالِيهَا أَنْفَس وَأَكْثَر قِيمَة مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة , وَلَمْ يَمْنَعهَا إِلَّا مَنْ شَذَّ. وَقَدْ نَقَلَ اِبْن الصَّبَّاغ فِي \" الشَّامِل \" الْإِجْمَاع عَلَى الْجَوَاز , وَتَبِعَهُ الرَّافِعِيّ وَمَنْ بَعْده. لَكِنْ فِي \" زَوَائِد الْعُمْرَانِيّ \" عَنْ صَاحِب \" الْفُرُوع \" نَقْل وَجْهَيْنِ. وَقِيلَ : الْعِلَّة فِي الْمَنْع التَّشَبُّه بِالْأَعَاجِمِ , وَفِي ذَلِكَ نَظَر لِثُبُوتِ الْوَعِيد لِفَاعِلِهِ , وَمُجَرَّد التَّشَبُّه لَا يَصِل إِلَى ذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِي اِتِّخَاذ الْأَوَانِي دُون اِسْتِعْمَالهَا كَمَا تَقَدَّمَ , وَالْأَشْهَر الْمَنْع وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَرَخَّصَتْ فِيهِ طَائِفَة , وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى الْعِلَّة فِي مَنْع الِاسْتِعْمَال , وَيَتَفَرَّع عَلَى ذَلِكَ غَرَامَة أَرْش مَا أُفْسِدَ مِنْهَا وَجَوَاز الِاسْتِئْجَار عَلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5205",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَيْرٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أُمِّ الْفَضْلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ الْفَضْلِ ‏ ‏أَنَّهُمْ شَكُّوا فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَبَّاس ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ وَمُوَحَّدَة , وَشَيْخه عَبْد الرَّحْمَن هُوَ اِبْن مَهْدِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَى حَدِيث أُمّ الْفَضْل الْمَذْكُور قَرِيبًا , وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ مَرَّ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الصِّيَام. ‏"
    },
    {
        "id": "5206",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏امْرَأَةٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏فَأَمَرَ ‏ ‏أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّ ‏ ‏أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِي ‏ ‏أُجُمِ ‏ ‏بَنِي سَاعِدَةَ ‏ ‏فَخَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ ‏ ‏مُنَكِّسَةٌ ‏ ‏رَأْسَهَا فَلَمَّا كَلَّمَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ فَقَالَ قَدْ ‏ ‏أَعَذْتُكِ مِنِّي فَقَالُوا لَهَا أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا قَالَتْ لَا قَالُوا هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَاءَ لِيَخْطُبَكِ قَالَتْ كُنْتُ أَنَا أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِي ‏ ‏سَقِيفَةِ ‏ ‏بَنِي سَاعِدَةَ ‏ ‏هُوَ وَأَصْحَابُهُ ثُمَّ قَالَ اسْقِنَا يَا ‏ ‏سَهْلُ ‏ ‏فَخَرَجْتُ لَهُمْ بِهَذَا الْقَدَحِ فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ فَأَخْرَجَ لَنَا ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏ذَلِكَ الْقَدَحَ فَشَرِبْنَا مِنْهُ قَالَ ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏بَعْدَ ذَلِكَ فَوَهَبَهُ لَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي قِصَّة الْجَوْنِيَّة بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْوَاو ثُمَّ نُون فِي قِصَّة اِسْتِعَاذَتهَا لَمَّا جَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح قِصَّتهَا فِي أَوَّل كِتَاب الطَّلَاق , وَقَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيق : ‏ ‏\" فَنَزَلَتْ فِي أُجُم \" ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة وَالْجِيم هُوَ بِنَاء يُشْبِه الْقَصْر , وَهُوَ مِنْ حُصُون الْمَدِينَة , وَالْجَمْع آجَام مِثْل أُطُم وَآطَام. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْأُطُم وَالْأُجُم بِمَعْنًى , وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : الْآجَام الْأَشْجَار وَالْحَوَائِط , وَمِثْله قَوْل الْكَرْمَانِيُّ : الْأُجُم بِفَتْحَتَيْنِ جَمْع أَجَمَة وَهِيَ الْغَيْضَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ : أَنَا كُنْت أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏لَيْسَ أَفْعَل التَّفْضِيل فِيهِ عَلَى ظَاهِره , بَلْ مُرَادهَا إِثْبَات الشَّقَاء لَهَا لِمَا فَاتَهَا مِنْ التَّزَوُّج بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَقْبَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَة ) ‏ ‏هُوَ الْمَكَان الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْبَيْعَة لِأَبِي بَكْر الصِّدِّيق بِالْخِلَافَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ : اِسْقِنَا يَا سَهْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" اِسْقِنَا لِسَهْلٍ \" أَيْ قَالَ لِسَهْلٍ اِسْقِنَا , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْم \" فَقَالَ اِسْقِنَا يَا أَبَا سَعْد \" وَاَلَّذِي أَعْرِفهُ فِي كُنْيَة سَهْل بْن سَعْد أَبُو الْعَبَّاس , فَلَعَلَّ لَهُ كُنْيَتَيْنِ , أَوْ كَانَ الْأَصْل يَا اِبْن سَعْد فَتَحَرَّفَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخْرَجْت لَهُمْ هَذَا الْقَدَح ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" فَخَرَجْت لَهُمْ بِهَذَا الْقَدَح \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْل ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ أَبُو حَازِم الرَّاوِي عَنْهُ , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ مُسْلِم فِي رِوَايَته. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ اِسْتَوْهَبَهُ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز بَعْد ذَلِكَ فَوَهَبَهُ لَهُ ) ‏ ‏كَانَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز حِينَئِذٍ قَدْ وَلِيَ إِمْرَة الْمَدِينَة , وَلَيْسَتْ الْهِبَة هُنَا حَقِيقَة , بَلْ مِنْ جِهَة الِاخْتِصَاص. وَفِي الْحَدِيث التَّبَسُّط عَلَى الصَّاحِب وَاسْتِدْعَاء مَا عِنْده مِنْ مَأْكُول وَمَشْرُوب , وَتَعْظِيمه بِدُعَائِهِ بِكُنْيَتِهِ , وَالتَّبَرُّك بِآثَارِ الصَّالِحِينَ , وَاسْتِيهَاب الصِّدِّيق مَا لَا يَشُقّ عَلَيْهِ هِبَته , وَلَعَلَّ سَهْلًا سَمَحَ بِذَلِكَ لِبَدَلٍ كَانَ عِنْده مِنْ ذَلِكَ الْجِنْس أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا فَعَوَّضَهُ الْمُسْتَوْهِب مَا يَسُدّ بِهِ حَاجَته , وَاَللَّه أَعْلَم. وَمُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَة مِنْ جِهَة رَغْبَة الَّذِينَ سَأَلُوا سَهْلًا أَنْ يُخْرِج لَهُمْ الْقَدَح الْمَذْكُور لِيَشْرَبُوا فِيهِ تَبَرُّكًا بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5207",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏وَكَانَ قَدْ ‏ ‏انْصَدَعَ ‏ ‏فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ قَالَ وَهُوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ مِنْ ‏ ‏نُضَارٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي هَذَا الْقَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا قَالَ وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ سِيرِينَ ‏ ‏إِنَّهُ كَانَ فِيهِ حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ فَأَرَادَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏لَا تُغَيِّرَنَّ شَيْئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَرَكَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُدْرِك حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن حَمَّاد ) ‏ ‏كَذَا أَخْرَجَ هُنَا , وَفِي غَيْر مَوْضِع عَنْ يَحْيَى بْن حَمَّاد \" بِوَاسِطَةٍ \" , وَأَخْرَجَ عَنْهُ فِي هِجْرَة الْحَبَشَة بِغَيْرِ وَاسِطَة. وَالْحَسَن بْن مُدْرِك كَانَ صِهْر يَحْيَى بْن حَمَّاد فَكَانَ عِنْده عَنْهُ مَا لَيْسَ عِنْد غَيْره , وَلِهَذَا لَمْ يُخْرِجهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي عَوَانَة , وَلَا وَجَدَ لَهُ أَبُو نُعَيْم إِسْنَادًا غَيْر إِسْنَاد الْبُخَارِيّ فَأَخْرَجَهُ فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق الْفَرَبْرِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ ثُمَّ قَالَ : رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ الْحَسَن بْن مُدْرِك , وَيُقَال إِنَّهُ حَدِيثه , يَعْنِي أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْت قَدَح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد أَنَس بْن مَالِك ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي فَرْض الْخُمُس مِنْ طَرِيق أَبِي حَمْزَة السُّكَّرِيّ \" عَنْ عَاصِم قَالَ : رَأَيْت الْقَدَح وَشَرِبْت مِنْهُ \" , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن شَقِيق عَنْ أَبِي حَمْزَة ثُمَّ قَالَ \" قَالَ عَلِيّ بْن الْحَسَن : وَأَنَا رَأَيْت الْقَدَح وَشَرَّبْت مِنْهُ \" وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" مُخْتَصَر الْبُخَارِيّ \" أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْض النُّسَخ الْقَدِيمَة مِنْ صَحِيح الْبُخَارِيّ \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه الْبُخَارِيّ : رَأَيْت هَذَا الْقَدَح بِالْبَصْرَةِ وَشَرِبْت مِنْهُ , وَكَانَ اِشْتَرَى مِنْ مِيرَاث النَّضْر بْن أَنَس بِثَمَانِمِائَةِ أَلْف \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ قَدْ اِنْصَدَعَ ) ‏ ‏أَيْ اِنْشَقَّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ ) ‏ ‏أَيْ وَصَلَ بَعْضه بِبَعْضٍ , وَظَاهِره أَنَّ الَّذِي وَصَلَهُ هُوَ أَنَس , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ ظَاهِر رِوَايَة أَبِي حَمْزَة الْمَذْكُورَة بِلَفْظِ \" إِنَّ قَدَح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْكَسَرَ فَاتَّخَذَ مَكَان الشَّعْب سِلْسِلَة مِنْ فِضَّة \" لَكِنْ رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" اِنْصَدَعَ فَجَعَلْت مَكَان الشَّعْب سِلْسِلَة مِنْ فِضَّة. قَالَ - يَعْنِي أَنَسًا - هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ \". قَالَ الْبَيْهَقِيُّ كَذَا فِي سِيَاق الْحَدِيث , فَمَا أَدْرِي مَنْ قَالَهُ مِنْ رُوَاته هَلْ هُوَ مُوسَى بْن هَارُون أَوْ غَيْره. قُلْت : لَمْ يَتَعَيَّن مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة مَنْ قَالَ هَذَا وَهُوَ \" جَعَلْت \" بِضَمِّ التَّاء عَلَى أَنَّهُ ضَمِير الْقَائِل وَهُوَ أَنَس , بَلْ يَجُوز أَنْ يَكُون جُعِلَتْ بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ فَتُسَاوِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الصَّحِيح. وَوَقَعَ لِأَحْمَد مِنْ طَرِيق شَرِيك عَنْ عَاصِم \" رَأَيْت عِنْد أَنَس قَدَح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ ضَبَّة مِنْ فِضَّة \" وَهَذَا أَيْضًا يَحْتَمِل. وَالشَّعْب بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعَيْن الْمُهْمَلَة هُوَ الصَّدْع , وَكَأَنَّهُ سَدَّ الشُّقُوق بِخُيُوطٍ مِنْ فِضَّة فَصَارَتْ مِثْل السِّلْسِلَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ قَدَح جَيِّد عَرِيض مِنْ نُضَار ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ عَاصِم رَاوِيه , وَالْعَرِيض الَّذِي لَيْسَ بِمُتَطَاوِلٍ بَلْ يَكُون طُوله أَقْصَر مِنْ عُمْقه , وَالنُّضَار بِضَمِّ النُّون وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة الْخَالِص مِنْ الْعُود وَمِنْ كُلّ شَيْء , وَيُقَال أَصْله مِنْ شَجَر النَّبْع , وَقِيلَ : مِنْ الْأَثْل , وَلَوْنه يَمِيل إِلَى الصُّفْرَة , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة الدِّينَوَرِيّ : هُوَ أَجْوَد الْخَشَب لِلْآنِيَةِ. وَقَالَ فِي \" الْمُحْكَم \" النُّضَار التِّبْر وَالْخَشَب. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ ) ‏ ‏أَيْ عَاصِم ‏ ‏( قَالَ أَنَس : لَقَدْ سَقَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْقَدَح أَكْثَر مِنْ كَذَا وَكَذَا ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق ثَابِت عَنْ أَنَس \" لَقَدْ سَقَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحِي هَذَا الشَّرَاب كُلّه الْعَسَل وَالنَّبِيذ وَالْمَاء وَاللَّبَن \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ صِفَة النَّبِيذ الَّذِي كَانَ يَشْرَبهُ , وَأَنَّهُ نَقِيع التَّمْر أَوْ الزَّبِيب. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ ) ‏ ‏أَيْ عَاصِم ‏ ‏( وَقَالَ اِبْن سِيرِينَ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد , وَقَدْ فَصَّلَ أَبُو عَوَانَة فِي رِوَايَته هَذِهِ مَا حَمَلَهُ عَاصِم عَنْ أَنَس مِمَّا حَمَلَهُ عَنْ اِبْن سِيرِينَ , وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي رِوَايَة أَبِي حَمْزَة الْمَاضِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّهُ كَانَ فِيهِ حَلْقَة مِنْ حَدِيد , فَأَرَادَ أَنَس أَنْ يَجْعَل مَكَانهَا حَلْقَة مِنْ ذَهَبَ أَوْ فِضَّة ) ‏ ‏هُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّرَدُّد مِنْ أَنَس عِنْد إِرَادَة ذَلِكَ أَوْ اِسْتِشَارَته أَبَا طَلْحَة فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَة ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ زَوْج أُمّ سُلَيْمٍ وَالِدَة أَنَس. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تُغَيِّرَنَّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّوْكِيدِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" لَا تُغَيِّر \" بِصِيغَةِ النَّهْي بِغَيْرِ تَأْكِيد , وَكَلَام أَبِي طَلْحَة هَذَا إِنْ كَانَ اِبْن سِيرِينَ سَمِعَهُ مِنْ أَنَس وَإِلَّا فَيَكُون أَرْسَلَهُ عَنْ أَبِي طَلْحَة لِأَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ , وَفِي الْحَدِيث جَوَاز اِتِّخَاذ ضَبَّة الْفِضَّة وَكَذَلِكَ السِّلْسِلَة وَالْحَلْقَة , وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَنَعَهُ مُطْلَقًا جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَاللَّيْث. وَعَنْ مَالِك : يَجُوز مِنْ الْفِضَّة إِنْ كَانَ يَسِيرًا. وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيّ قَالَ : لِئَلَّا يَكُون شَارِبًا عَلَى فِضَّة , فَأَخَذَ بَعْضهمْ مِنْهُ أَنَّ الْكَرَاهَة تَخْتَصّ بِمَا إِذَا كَانَتْ الْفِضَّة فِي مَوْضِع الشُّرْب , وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّة. وَقَالَ بِهِ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر تَبَعًا لِأَبِي عُبَيْد : الْمُفَضَّض لَيْسَ هُوَ إِنَاء فِضَّة. وَاَلَّذِي تَقَرَّرَ عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنَّ الضَّبَّة إِنْ كَانَتْ مِنْ الْفِضَّة وَهِيَ كَبِيرَة لِلزِّينَةِ تَحْرُم , أَوْ لِلْحَاجَةِ فَتَجُوز مُطْلَقًا , وَتَحْرُم ضَبَّة الذَّهَب مُطْلَقًا. وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْن ضَبَّتَيْ الْفِضَّة وَالذَّهَب. وَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق زَكَرِيَّا بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن مُطِيع عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر بِنَحْوِ حَدِيث أُمّ سَلَمَة وَزَادَ فِيهِ \" أَوْ فِي إِنَاء فِيهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ \" فَإِنَّهُ مَعْلُول بِجَهَالَةِ حَال إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن مُطِيع وَوَلَده , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الصَّوَاب مَا رَوَاهُ عُبَيْد اللَّه الْعُمَرِيّ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر مَوْقُوفًا أَنَّهُ \" كَانَ لَا يَشْرَب فِي قَدَح فِيهِ ضَبَّة فِضَّة \" وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث أُمّ عَطِيَّة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُبْس الذَّهَب وَتَفْضِيض الْأَقْدَاح , ثُمَّ رَخَّصَ فِي تَفْضِيض الْأَقْدَاح \" وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ حُجَّة فِي الْجَوَاز , لَكِنْ فِي سَنَده مَنْ لَا يُعْرَف. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" أَوْ إِنَاء فِيهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ \" عَلَى تَحْرِيم الْإِنَاء مِنْ النُّحَاس أَوْ الْحَدِيد الْمَطْلِيّ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّة , وَالصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة إِنْ كَانَ يَحْصُل مِنْهُ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّار حُرِّمَ , وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أَصَحّهمَا لَا , وَفِي الْعَكْس وَجْهَانِ كَذَلِكَ , وَلَوْ غُلِّفَ إِنَاء الذَّهَب أَوْ الْفِضَّة بِالنُّحَاسِ مَثَلًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَكَذَلِكَ. وَجَزَمَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَا يَحْرُم كَحَشْوِ الْجُبَّة الَّتِي مِنْ الْقُطْن مَثَلًا بِالْحَرِيرِ , وَاسْتُدِلَّ بِجَوَازِ اِتِّخَاذ السَّلْسَلَة وَالْحَلْقَة أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يُتَّخَذ لِلْإِنَاءِ رَأْس مُنْفَصِل عَنْهُ , وَهَذَا مَا نَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيّ وَالْخُوَارِزْمِيّ , وَقَالَ الرَّافِعِيّ : فِيهِ نَظَر. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح الْمُهَذَّب \" : يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَل كَالتَّضْبِيبِ وَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَاف وَالتَّفْصِيل. وَاخْتَلَفُوا فِي ضَابِط الصِّغَر فِي ذَلِكَ فَقِيلَ : الْعُرْف وَهُوَ الْأَصَحّ , وَقِيلَ : مَا يَلْمَع عَلَى بُعْد كَبِير وَمَا لَا فَصَغِير , وَقِيلَ : مَا اِسْتَوْعَبَ جُزْءًا مِنْ الْإِنَاء كَأَسْفَلِهِ أَوْ عُرْوَته أَوْ شَفَته كَبِير , وَمَا لَا فَلَا. وَمَتَى شَكَّ فَالْأَصْل الْإِبَاحَة. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5208",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏هَذَا الْحَدِيثَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ حَضَرَتْ الْعَصْرُ وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ فَجُعِلَ فِي إِنَاءٍ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهِ ‏ ‏فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى أَهْلِ الْوُضُوءِ الْبَرَكَةُ مِنْ اللَّهِ فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ النَّاسُ وَشَرِبُوا فَجَعَلْتُ لَا آلُوا مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ قُلْتُ ‏ ‏لِجَابِرٍ ‏ ‏كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ قَالَ أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَةٍ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حُصَيْنٌ ‏ ‏وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حُصَيْنٍ \" عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد سَمِعْت جَابِرًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ رَأَيْتنِي ) ‏ ‏بِضَمِّ التَّاء , وَفِيهِ نَوْع تَجْرِيد. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَضَرَتْ الْعَصْر ) ‏ ‏أَيْ وَقْت صَلَاتهَا , وَالْجُمْلَة حَالِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ : حَيّ عَلَى أَهْل الْوُضُوء ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ \" حَيَّ عَلَى الْوُضُوء \" بِإِسْقَاطِ لَفْظ \" أَهْل \" وَهِيَ أَصْوَب , وَقَدْ وُجِّهَتْ عَلَى تَقْدِير ثُبُوتهَا بِأَنْ يَكُون أَهْل بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاء بِحَذْفِ حَرْف النِّدَاء كَأَنَّهُ قَالَ : حَيَّ عَلَى الْوُضُوء الْمُبَارَك يَا أَهْل الْوُضُوء , كَذَا قَالَ عِيَاض , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَجْرُور بِعَلَى غَيْر مَذْكُور , وَقَالَ غَيْره : الصَّوَاب حَيَّ هَلَّا عَلَى الْوُضُوء الْمُبَارَك , فَتَحَرَّفَ لَفْظ \" هَلًا \" فَصَارَتْ \" أَهْل \" وَحُوِّلَتْ عَنْ مَكَانهَا , و \" حَيَّ \" اِسْم فِعْل لِلْأَمْرِ بِالْإِسْرَاعِ , وَتُفْتَح لِسُكُونِ مَا قَبْلهَا مِثْل لَيْتَ وَهَلًا بِتَخْفِيفِ اللَّام وَالتَّنْوِين كَلِمَة اِسْتِعْجَال. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلْت لَا آلُو ) ‏ ‏بِالْمَدِّ وَتَخْفِيف اللَّام الْمَضْمُومَة أَيْ لَا أُقَصِّر , وَالْمُرَاد أَنَّهُ جَعَلَ يَسْتَكْثِر مِنْ شُرْبه مِنْ ذَلِكَ الْمَاء لِأَجْلِ الْبَرَكَة. قَالَ اِبْن بَطَّال : يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ لَا سَرَف وَلَا شَرَه فِي الطَّعَام أَوْ الشَّرَاب الَّذِي تَظْهَر فِيهِ الْبَرَكَة بِالْمُعْجِزَةِ , بَلْ يُسْتَحَبّ الِاسْتِكْثَار مِنْهُ. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : فِي تَرْجَمَة الْبُخَارِيّ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ يُغْتَفَر فِي الشُّرْب مِنْهُ الْإِكْثَار دُون الْمُعْتَاد الَّذِي وَرَدَ بِاسْتِحْبَابِ جَعْل الثُّلُث لَهُ , وَلِئَلَّا يُظَنّ أَنَّ الشُّرْب مِنْ غَيْر عَطَش مَمْنُوع , فَإِنَّ فِعْل جَابِر مَا ذَكَرَ دَال عَلَى أَنَّ الْحَاجَة إِلَى الْبَرَكَة أَكْثَر مِنْ الْحَاجَة إِلَى الرَّيّ , وَالظَّاهِر اِطِّلَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَمْنُوعًا لَنَهَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لِجَابِرٍ ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد رَاوِيه عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( كَمْ كُنْتُمْ يَوْمئِذٍ ؟ قَالَ : أَلْف وَأَرْبَعمِائَةٍ ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ بِالرَّفْعِ , وَالتَّقْدِير نَحْنُ يَوْمئِذٍ أَلْف وَأَرْبَعمِائَةٍ , وَيَجُوز النَّصْب عَلَى خَبَر كَانَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف عَلَى جَابِر فِي عَدَدهمْ يَوْم الْحُدَيْبِيَة فِي \" بَاب غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة \" مِنْ الْمَغَازِي , وَبَيَّنْت هُنَاكَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ هُنَاكَ , وَتَقَدَّمَ شَيْء مِنْ شَرْح الْمَتْن فِي عَلَامَات النُّبُوَّة. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ جَابِر ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْمُؤَلِّف فِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح مُخْتَصَرًا \" كُنَّا يَوْم الْحُدَيْبِيَة أَلْفًا وَأَرْبَعمِائَةٍ \" وَهَذَا الْقَدْر هُوَ مَقْصُوده بِالْمُتَابَعَةِ الْمَذْكُورَة لَا جَمِيع سِيَاق الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ حُصَيْنٌ وَعَمْرو بْن مُرَّة عَنْ سَالِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي الْجَعْد ‏ ‏( خَمْس عَشْرَة مِائَة ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة حُصَيْنٍ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْمَغَازِي , وَأَمَّا رِوَايَة عَمْرو بْن مُرَّة فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَأَحْمَد بِلَفْظِ أَلْف وَخَمْسمِائَةٍ , وَالْجَمْع بَيْن هَذَا الِاخْتِلَاف عَنْ جَابِر أَنَّهُمْ كَانُوا زِيَادَة عَلَى أَلْف وَأَرْبَعمِائَةٍ , فَمَنْ اِقْتَصَرَ عَلَيْهَا أَلْغَى الْكَسْر , وَمَنْ قَالَ أَلْف وَخَمْسمِائَةٍ جَبَرَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْط ذَلِكَ فِي كِتَاب الْمَغَازِي , وَبَيَان تَوْجِيه مَنْ قَالَ أَلْف وَثَلَثمِائَةٍ , وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏ ‏( خَاتِمَة ) ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْأَشْرِبَة مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى أَحَد وَتِسْعِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا تِسْعَة عَشَر طَرِيقًا وَالْبَاقِي مَوْصُول , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى سَبْعُونَ طَرِيقًا وَالْبَاقِي خَالِص , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث أَبِي مَالِك وَأَبِي عَامِر فِي الْمَعَازِف , وَحَدِيث اِبْن أَبِي أَوْفَى فِي الْجَرّ الْأَخْضَر , وَحَدِيث أَنَس فِي الْأَقْدَاح لَيْلَة الْإِسْرَاء وَهُوَ مُعَلَّق , وَحَدِيث جَابِر فِي الْكَرْع , وَحَدِيث عَلِيّ فِي الشُّرْب قَائِمًا , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي النَّهْي عَنْ الشُّرْب مِنْ فَم السِّقَاء , وَحَدِيث أَبِي طَلْحَة فِي قَدَح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ أَرْبَعمِائَةِ عَشَر أَثَرًا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5209",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَا مِنْ مُصِيبَة ) ‏ ‏أَصْل الْمُصِيبَة الرَّمْيَة بِالسَّهْمِ ثُمَّ اِسْتُعْمِلَتْ فِي كُلّ نَازِلَة. وَقَالَ الرَّاغِب : أَصَابَ يُسْتَعْمَل فِي الْخَيْر وَالشَّرّ. قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( إِنْ تُصِبْك حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْك مُصِيبَةٌ ) الْآيَة قَالَ : وَقِيلَ : الْإِصَابَة فِي الْخَيْر مَأْخُوذَة مِنْ الصَّوْب وَهُوَ الْمَطَر الَّذِي يَنْزِل بِقَدْرِ الْحَاجَة مِنْ غَيْر ضَرَر , وَفِي الشَّرّ مَأْخُوذَة مِنْ إِصَابَة السَّهْم. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْمُصِيبَة فِي اللُّغَة مَا يَنْزِل بِالْإِنْسَانِ مُطْلَقًا , وَفِي الْعُرْف مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ مَكْرُوه خَاصَّة , وَهُوَ الْمُرَاد هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( تُصِيب الْمُسْلِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَالِك وَيُونُس جَمِيعًا عَنْ الزُّهْرِيّ \" مَا مِنْ مُصِيبَة يُصَاب بِهَا الْمُسْلِم \" وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر بِهَذَا السَّنَد \" مَا مِنْ وَجَع أَوْ مَرَض يُصِيب الْمُؤْمِن \" وَلِابْنِ حِبَّان مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي السَّرِيّ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق \" مَا مِنْ مُسْلِم يُشَاك شَوْكَة فَمَا فَوْقهَا \" وَنَحْوه لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى الشَّوْكَة ) ‏ ‏جَوَّزُوا فِيهِ الْحَرَكَات الثَّلَاث , فَالْجَرّ بِمَعْنَى الْغَايَة أَيْ حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الشَّوْكَة أَوْ عَطْفًا عَلَى لَفْظ مُصِيبَة , وَالنَّصْب بِتَقْدِيرِ عَامِل أَيْ حَتَّى وَجَدَ أَنَّهُ الشَّوْكَة , وَالرَّفْع عَطْفًا عَلَى الضَّمِير فِي تُصِيب. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَيَّدَهُ الْمُحَقِّقُونَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْب , فَالرَّفْع عَلَى الِابْتِدَاء وَلَا يَجُوز عَلَى الْمَحَلّ. كَذَا قَالَ , وَوَجَّهَهُ غَيْره بِأَنَّهُ يَسُوغ عَلَى تَقْدِير أَنَّ \" مِنْ \" زَائِدَة. ‏ ‏قَوْله : ( يُشَاكُهَا ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله أَيْ يَشُوكهُ غَيْره بِهَا , وَفِيهِ وَصْل الْفِعْل لِأَنَّ الْأَصْل يُشَاك بِهَا. وَقَالَ اِبْن التِّين : حَقِيقَة هَذَا اللَّفْظ - يَعْنِي قَوْله : يُشَاكُهَا - أَنْ يُدْخِلهَا غَيْره. قُلْت : وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه الْحَقِيقَة أَنْ لَا يُرَاد مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَدْخُل مَا إِذَا دَخَلْت هِيَ بِغَيْرِ إِدْخَال أَحَد. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة عِنْد مُسْلِم \" لَا يُصِيب الْمُؤْمِن شَوْكَة \" فَإِضَافَة الْفِعْل إِلَيْهَا هُوَ الْحَقِيقَة , وَيَحْتَمِل إِرَادَة الْمَعْنَى الْأَعَمّ , وَهِيَ أَنْ تَدْخُل بِغَيْرِ فِعْل أَحَد أَوْ بِفِعْلِ أَحَد. فَمَنْ لَا يَمْنَع الْجَمْع بَيْن إِرَادَة الْحَقِيقَة وَالْمَجَاز بِاللَّفْظِ الْوَاحِد يُجَوِّز مِثْل هَذَا , وَيُشَاكُهَا ضُبِطَ بِضَمِّ أَوَّله وَوَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ بِفَتْحِهِ , وَنَسَبَهَا بَعْض شُرَّاح الْمَصَابِيح لِصِحَاحِ الْجَوْهَرِيّ , لَكِنْ الْجَوْهَرِيّ إِنَّمَا ضَبَطَهَا لِمَعْنًى آخَر فَقَدَّمَ لَفْظ \" يُشَاك \" بِضَمِّ أَوَّله ثُمَّ قَالَ : وَالشَّوْكَة حِدَّة النَّاس وَحِدَّة السِّلَاح , وَقَدْ شَاكَ الرَّجُل يُشَاك شَوْكًا إِذَا ظَهَرَتْ فِيهِ شَوْكَته وَقَوِيَتْ. ‏ ‏قَوْله : ‏ ‏( إِلَّا كَفَّرَ اللَّه بِهَا عَنْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد \" إِلَّا كَانَ كَفَّارَة لِذَنْبِهِ \" أَيْ يَكُون ذَلِكَ عُقُوبَة بِسَبَبِ مَا كَانَ صَدَرَ مِنْهُ مِنْ الْمَعْصِيَة , وَيَكُون ذَلِكَ سَبَبًا لِمَغْفِرَةِ ذَنْبه. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان الْمَذْكُورَة \" إِلَّا رَفَعَهُ اللَّه بِهَا دَرَجَة , وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَة \". وَمِثْله لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة , وَهَذَا يَقْتَضِي حُصُول الْأَمْرَيْنِ مَعًا : حُصُول الثَّوَاب , وَرَفْع الْعِقَاب. وَشَاهِده مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ \" مَا ضُرِبَ عَلَى مُؤْمِن عِرْق قَطُّ إِلَّا حَطَّ اللَّه بِهِ عَنْهُ خَطِيئَة , وَكَتَبَ لَهُ حَسَنَة , وَرَفَعَ لَهُ دَرَجَة \" وَسَنَده جَيِّد. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَمْرَة عَنْهَا \" إِلَّا كَتَبَ اللَّه لَهُ بِهَا حَسَنَة , أَوْ حَطَّ بِهَا خَطِيئَة \" كَذَا وَقَعَ فِيهِ بِلَفْظِ \" أَوْ \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون شَكًّا مِنْ الرَّاوِي , وَيَحْتَمِل التَّنْوِيع , وَهَذَا أَوْجَه , وَيَكُون الْمَعْنَى : إِلَّا كَتَبَ اللَّه لَهُ بِهَا حَسَنَة إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ خَطَايَا , أَوْ حَطَّ عَنْهُ خَطَايَا إِنْ كَانَ لَهُ خَطَايَا. وَعَلَى هَذَا فَمُقْتَضَى الْأَوَّل أَنَّ مَنْ لَيْسَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَة يُزَاد فِي رَفْع دَرَجَته بِقَدْرِ ذَلِكَ , وَالْفَضْل وَاسِع. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ لِهَذَا الْحَدِيث سَبَب أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَة وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن شَيْبَة الْعَبْدَرِيّ \" أَنَّ عَائِشَة أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَقَهُ وَجَع , فَجَعَلَ يَتَقَلَّب عَلَى فِرَاشه وَيَشْتَكِي , فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَة : لَوْ صَنَعَ هَذَا بَعْضنَا لَوَجَدْت عَلَيْهِ , فَقَالَ : إِنَّ الصَّالِحِينَ يُشَدَّد عَلَيْهِمْ , وَإِنَّهُ لَا يُصِيب الْمُؤْمِن نَكْبَة شَوْكَة \" الْحَدِيث , وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَعَقُّب عَلَى الشَّيْخ عِزّ الدِّين بْن عَبْد السَّلَام حَيْثُ قَالَ : ظَنَّ بَعْض الْجَهَلَة أَنَّ الْمُصَاب مَأْجُور , وَهُوَ خَطَأ صَرِيح , فَإِنَّ الثَّوَاب وَالْعِقَاب إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْكَسْب , وَالْمَصَائِب لَيْسَتْ مِنْهَا , بَلْ الْأَجْر عَلَى الصَّبْر وَالرِّضَا. وَوَجْه التَّعَقُّب أَنَّ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة صَرِيحَة فِي ثُبُوت الْأَجْر , بِمُجَرَّدِ حُصُول الْمُصِيبَة , وَأَمَّا الصَّبْر وَالرِّضَا فَقَدْر زَائِد يُمْكِن أَنْ يُثَاب عَلَيْهِمَا زِيَادَة عَلَى ثَوَاب الْمُصِيبَة , قَالَ الْقَرَافِيّ : الْمَصَائِب كَفَّارَات جَزْمًا سَوَاء اِقْتَرَنَ بِهَا الرِّضَا أَمْ لَا , لَكِنْ إِنْ اِقْتَرَنَ بِهَا الرِّضَا عَظُمَ التَّكْفِير وَإِلَّا قَلَّ , كَذَا قَالَ , وَالتَّحْقِيق أَنَّ الْمُصِيبَة كَفَّارَة لِذَنْبٍ يُوَازِيهَا , وَبِالرِّضَا يُؤْجَر عَلَى ذَلِكَ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُصَابِ ذَنْب عُوِّضَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ الثَّوَاب بِمَا يُوَازِيه. وَزَعَمَ الْقَرَافِيّ أَنَّهُ لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَقُول لِلْمُصَابِ : جَعَلَ اللَّه هَذِهِ الْمُصِيبَة كَفَّارَة لِذَنْبِك , لِأَنَّ الشَّارِع قَدْ جَعَلَهَا كَفَّارَة , فَسُؤَال التَّكْفِير طَلَب لِتَحْصِيلِ الْحَاصِل , وَهُوَ إِسَاءَة أَدَب عَلَى الشَّارِع. كَذَا قَالَ. وَتُعُقِّبَ بِمَا وَرَدَ مِنْ جَوَاز الدُّعَاء بِمَا هُوَ وَاقِع كَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُؤَال الْوَسِيلَة لَهُ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْكَلَام فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْء , وَأَمَّا مَا وَرَدَ فَهُوَ مَشْرُوع , لِيُثَابَ مَنْ اِمْتَثَلَ الْأَمْر فِيهِ عَلَى ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5210",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ ‏ ‏نَصَبٍ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏وَصَبٍ ‏ ‏وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْمَلِك بْن عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ أَبُو عَامِر الْعَقَدِيّ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اِسْمه , وَزُهَيْر بْن مُحَمَّد هُوَ أَبُو الْمُنْذِر التَّمِيمِيّ , وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي حِفْظه , لَكِنْ قَالَ الْبُخَارِيّ فِي \" التَّارِيخ الصَّغِير \" : مَا رَوَى عَنْهُ أَهْل الشَّام فَإِنَّهُ مَنَاكِير , وَمَا رَوَى عَنْهُ أَهْل الْبَصْرَة فَإِنَّهُ صَحِيح. قُلْت : وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل كَانَ زُهَيْر بْن مُحَمَّد الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ الشَّامِيُّونَ آخَر لِكَثْرَةِ الْمَنَاكِير اِنْتَهَى. وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيثًا آخَر فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان مِنْ رِوَايَة أَبِي عَامِر الْعَقَدِيّ أَيْضًا عَنْهُ , وَأَبُو عَامِر بَصْرِيّ , وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيث الْوَلِيد بْن كَثِير فِي حَدِيث الْبَاب عَنْ شَيْخه فِيهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَلْحَلَة عِنْد مُسْلِم , وَحَلْحَلَة بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنهمَا لَام سَاكِنَة وَبَعْد الثَّانِيَة لَام مَفْتُوحَة ثُمَّ هَاء. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْوَلِيد بْن كَثِير \" أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( مِنْ نَصَب ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَالْمُهْمَلَة ثُمَّ مُوَحَّدَة : هُوَ التَّعَب وَزْنه وَمَعْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا وَصَب ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاو وَالْمُهْمَلَة ثُمَّ الْمُوَحَّدَة أَيْ مَرَض وَزْنه وَمَعْنَاهُ , وَقِيلَ هُوَ الْمَرَض اللَّازِم. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا هَمّ وَلَا حُزْن ) ‏ ‏هُمَا مِنْ أَمْرَاض الْبَاطِن , وَلِذَلِكَ سَاغَ عَطْفهمَا عَلَى الْوَصَب. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا أَذًى ) ‏ ‏هُوَ أَعَمّ مِمَّا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ : هُوَ خَاصّ بِمَا يَلْحَق الشَّخْص مِنْ تَعَدِّي غَيْره عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا غَمّ ) ‏ ‏بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة هُوَ أَيْضًا مِنْ أَمْرَاض الْبَاطِن وَهُوَ مَا يُضَيِّق عَلَى الْقَلْب. وَقِيلَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة وَهِيَ الْهَمّ وَالْغَمّ وَالْحُزْن أَنَّ الْهَمّ يَنْشَأ عَنْ الْفِكْر فِيمَا يُتَوَقَّع حُصُوله مِمَّا يُتَأَذَّى بِهِ , وَالْغَمّ كَرْب يَحْدُث لِلْقَلْبِ بِسَبَبِ مَا حَصَلَ , وَالْحُزْن يَحْدُث لِفَقْدِ مَا يَشُقّ عَلَى الْمَرْء فَقْده. وَقِيلَ : الْهَمّ وَالْغَمّ بِمَعْنًى وَاحِد. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْغَمّ يَشْمَل جَمِيع أَنْوَاع الْمَكْرُوهَات لِأَنَّهُ إِمَّا بِسَبَبِ مَا يَعْرِض لِلْبَدَنِ أَوْ النَّفْس , ‏ ‏وَالْأَوَّل : إِمَّا بِحَيْثُ يَخْرُج عَنْ الْمَجْرَى الطَّبِيعِيّ أَوْ لَا , ‏ ‏وَالثَّانِي : إِمَّا أَنْ يُلَاحِظ فِيهِ الْغَيْر أَوْ لَا , وَإِمَّا أَنْ يَظْهَر فِيهِ الِانْقِبَاض أَوْ لَا , وَإِمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَاضِي أَوْ لَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5211",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَالْخَامَةِ مِنْ الزَّرْعِ ‏ ‏تُفَيِّئُهَا ‏ ‏الرِّيحُ مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا مَرَّةً وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالْأَرْزَةِ لَا تَزَالُ حَتَّى يَكُونَ ‏ ‏انْجِعَافُهَا ‏ ‏مَرَّةً وَاحِدَةً ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ كَعْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏كَعْبٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , ‏ ‏وَسَعْد ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف الزُّهْرِيّ , ‏ ‏وَعَبْد اللَّه بْن كَعْب ‏ ‏أَيْ اِبْن مَالِك الْأَنْصَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( كَالْخَامَةِ ) ‏ ‏بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمِيم هِيَ الطَّاقَة الطَّرِيَّة اللَّيِّنَة أَوْ الْغَضَّة أَوْ الْقَضْبَة , قَالَ الْخَلِيل : الْخَامَة الزَّرْع أَوَّل مَا يَنْبُت عَلَى سَاق وَاحِد وَالْأَلِف مِنْهَا مُنْقَلِبَة عَنْ وَاو , وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الْقَزَّاز أَنَّهُ ذَكَرهَا بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاء , وَفَسَّرَهَا بِالطَّاقَةِ مِنْ الزَّرْع. وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد فِي حَدِيث جَابِر \" مَثَل الْمُؤْمِن مَثَل السُّنْبُلَة تَسْتَقِيم مَرَّة وَتَخِرّ أُخْرَى \" وَلَهُ فِي حَدِيث لِأُبَيّ بْن كَعْب \" مَثَل الْمُؤْمِن مَثَل الْخَامَة تَحْمَرّ مَرَّة وَتَصْفَرّ أُخْرَى \". ‏ ‏قَوْله : ‏ ‏( تُفَيِّئهَا ) ‏ ‏بِفَاءٍ وَتَحْتَانِيَّة مَهْمُوز أَيْ تُمَيِّلهَا وَزْنه وَمَعْنَاهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيّ : هُنَا لَمْ يَذْكُر الْفَاعِل وَهُوَ الرِّيح , وَبِهِ يَتِمّ الْكَلَام , وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي \" بَاب كَفَّارَة الْمَرَض \" وَهَذَا مِنْ أَعْجَب مَا وَقَعَ لَهُ فَإِنَّ هَذَا الْبَاب الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ ذَلِكَ هُوَ \" بَاب كَفَّارَة الْمَرَض \" وَلَفْظ الرِّيح ثَابِت فِيهِ عِنْد مُعْظَم الرُّوَاة , وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ أَبِي عَبْد الْمَلِك أَنَّ مَعْنَى تُفَيِّئُهَا تُرْقِدهَا , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَة فَاءَ إِذَا رَقَدَ. قُلْت : لَعَلَّهُ تَفْسِير مَعْنًى , لِأَنَّ الرُّقُود رُجُوع عَنْ الْقِيَام وَفَاءَ يَجِيء بِمَعْنَى رَجَعَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَعْدِلهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَكَسْر الدَّال , وَبِضَمِّ أَوَّله أَيْضًا وَفَتْح ثَانِيه وَالتَّشْدِيد. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم \" تُفَيِّئُهَا الرِّيح تَصْرَعهَا مَرَّة وَتَعْدِلهَا أُخْرَى \" وَكَأَنَّ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ حَال الرِّيح : فَإِنْ كَانَتْ شَدِيدَة حَرَّكَتْهَا فَمَالَتْ يَمِينًا وَشِمَالًا حَتَّى تُقَارِب السُّقُوط , وَإِنْ كَانَتْ سَاكِنَة أَوْ إِلَى السُّكُون أَقْرَب أَقَامَتْهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة زَكَرِيَّا عِنْد مُسْلِم \" حَتَّى تَهِيج \" أَيْ تَسْتَوِي وَيَكْمُل نُضْجهَا , وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث جَابِر مِثْله. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَثَل الْمُنَافِق ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور بَعْده \" الْفَاجِر \" وَفِي رِوَايَة زَكَرِيَّا عِنْد مُسْلِم \" الْكَافِر \". ‏ ‏قَوْله : ( كَالْأَرْزَةِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَقِيلَ : بِكَسْرِهَا وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا زَاي , كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هُوَ بِوَزْنِ فَاعِلَة وَهِيَ الثَّابِتَة فِي الْأَرْض , وَرَدَّهُ أَبُو عُبَيْد بِأَنَّ الرُّوَاة اِتَّفَقُوا عَلَى عَدَم الْمَدّ , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفُوا فِي سُكُون الرَّاء وَتَحْرِيكهَا وَالْأَكْثَر عَلَى السُّكُون. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة الدِّينَوَرِيّ : الرَّاء سَاكِنَة , وَلَيْسَ هُوَ مِنْ نَبَات أَرْض الْعَرَب , وَلَا يَنْبُت فِي السِّبَاخ بَلْ يُطَوِّل طُولًا شَدِيدًا وَيَغْلُظ , قَالَ : وَأَخْبَرَنِي الْخَبِير أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّنَوْبَر , وَأَنَّهُ لَا يَحْمِل شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَج مِنْ أَعْجَازه وَعُرُوقه الزِّفْت. وَقَالَ اِبْن سِيدَهْ : الْأَرْز الْعَرْعَر , وَقِيلَ : شَجَر بِالشَّامِ يُقَال لِثَمَرِهِ الصَّنَوْبَر. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْأَرَزَة مَفْتُوحَة الرَّاء وَاحِدَة الْأَرْز وَهُوَ شَجَر الصَّنَوْبَر فِيمَا يُقَال. وَقَالَ الْقَزَّاز : قَالَهُ قَوْم بِالتَّحْرِيكِ , وَقَالُوا : هُوَ شَجَر مُعْتَدِل صَلْب لَا يُحَرِّكهُ هُبُوب الرِّيح , وَيُقَال لَهُ الْأَرْزَن. ‏ ‏قَوْله : ( اِنْجِعَافهَا ) ‏ ‏بِجِيمٍ وَمُهْمَلَة ثُمَّ فَاء , أَيْ اِنْقِلَاعهَا ; تَقُول جَعَفْته فَانْجَعَفَ مِثْل قَلَعْته فَانْقَلَعَ. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّ مَعْنَاهُ اِنْكِسَارهَا مِنْ وَسَطهَا أَوْ أَسْفَلهَا. قَالَ الْمُهَلَّب : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْمُؤْمِن حَيْثُ جَاءَهُ أَمْر اللَّه اِنْطَاعَ لَهُ , فَإِنْ وَقَعَ لَهُ خَيْر فَرِحَ بِهِ وَشَكَرَ , وَإِنْ وَقَعَ لَهُ مَكْرُوه صَبْر وَرَجَا فِيهِ الْخَيْر وَالْأَجْر , فَإِذَا اِنْدَفَعَ عَنْهُ اِعْتَدِلْ شَاكِرًا. وَالْكَافِر لَا يَتَفَقَّد اللَّه بِاخْتِيَارِهِ , بَلْ يَحْصُل لَهُ التَّيْسِير فِي الدُّنْيَا لِيَتَعَسَّر عَلَيْهِ الْحَال فِي الْمَعَاد , حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّه إِهْلَاكه قَصَمَهُ فَيَكُون مَوْته أَشَدّ عَذَابًا عَلَيْهِ وَأَكْثَر أَلَمًا فِي خُرُوج نَفْسه. وَقَالَ غَيْره : الْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِن يَتَلَقَّى الْأَعْرَاض الْوَاقِعَة عَلَيْهِ لِضَعْفِ حَظّه مِنْ الدُّنْيَا , فَهُوَ كَأَوَائِل الزَّرْع شَدِيد الْمَيَلَان لِضَعْفِ سَاقه , وَالْكَافِر بِخِلَافِ ذَلِكَ , وَهَذَا فِي الْغَالِب مِنْ حَال الِاثْنَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ زَكَرِيَّا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي زَائِدَة , وَهَذَا التَّعْلِيق عَنْهُ وَصَلَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر وَمُحَمَّد بْن بِشْر كِلَاهُمَا عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي سَعْد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور مِنْ قَبْل. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي اِبْن كَعْب ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّهُ مُغَايِر لِرِوَايَةِ سُفْيَان عَنْ سَعْد فِي شَيْئَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا : إِيهَامه اِسْم اِبْن كَعْب , ‏ ‏وَالثَّانِي : تَصْرِيحه بِالتَّحْدِيثِ , فَيُسْتَفَاد مِنْ رِوَايَة تَسْمِيَته وَمِنْ رِوَايَة زَكَرِيَّا التَّصْرِيح بِاتِّصَالِهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ عِنْد سُفْيَان تَسْمِيَته عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِيهَامه فِي رِوَايَة زَكَرِيَّا. وَيُسْتَفَاد مِنْ صَنِيع مُسْلِم فِي تَخْرِيج الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ سُفْيَان أَنَّ الِاخْتِلَاف إِذَا دَارَ عَلَى ثِقَة لَا يَضُرّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5212",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ ‏ ‏الْخَامَةِ ‏ ‏مِنْ الزَّرْعِ مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ ‏ ‏كَفَأَتْهَا ‏ ‏فَإِذَا اعْتَدَلَتْ تَكَفَّأُ بِالْبَلَاءِ وَالْفَاجِرُ ‏ ‏كَالْأَرْزَةِ ‏ ‏صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً حَتَّى يَقْصِمَهَا اللَّهُ إِذَا شَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي أَبِي ) ‏ ‏هُوَ فُلَيْح بْن سُلَيْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِلَال بْن عَلِيّ مِنْ بَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَنْفُسهمْ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مَوَالِيهمْ وَاسْم جَدّه أُسَامَة وَقَدْ يُنْسَب إِلَى جَدّه , وَيُقَال لَهُ أَيْضًا هِلَال بْن أَبِي مَيْمُونَة وَهِلَال بْن أَبِي هِلَال , وَهُوَ مَدَنِيّ تَابِعِيّ صَغِير مُوَثَّق , وَفِي الرُّوَاة هِلَال بْن أَبِي هِلَال سَلَمَة الْفِهْرِيّ تَابِعِيّ مَدَنِيّ أَيْضًا يَرْوِي عَنْ اِبْن عُمَر , وَرَوَى عَنْهُ أُسَامَة بْن زَيْد اللَّيْثِيّ وَحْده , وَوَهِمَ مَنْ خَلَطَهُ بِهِلَالِ بْن عَلِيّ. وَفِيهِمْ أَيْضًا هِلَال بْن أَبِي هِلَال مَذْحِجِيّ تَابِعِيّ أَيْضًا يَرْوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَهِلَال بْن أَبِي هِلَال أَبُو ظِلَال بَصْرِيّ تَابِعِيّ أَيْضًا , يَأْتِي ذِكْره قَرِيبًا فِي \" بَاب فَضْل مَنْ ذَهَبَ بَصَره \" وَهِلَال بْن أَبِي هِلَال شَيْخ يَرْوِي عَنْ أَنَس أَفْرَدَهُ الْخَطِيب فِي الْمُتَّفَق عَنْ أَبِي ظِلَال وَقَالَ إِنَّهُ مَجْهُول , وَلَسْت أَسْتَبْعِد أَنْ يَكُون وَاحِدًا. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيح كَفَأَتْهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْكَاف وَالْفَاء وَالْهَمْز أَيْ أَمَالَتْهَا , وَنَقَلَ اِبْن التِّين أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِغَيْرِ هَمْز ثُمَّ قَالَ : كَأَنَّهُ سَهَّلَ الْهَمْز , وَهُوَ كَمَا ظَنَّ وَالْمَعْنَى أَمَالَتْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا اِعْتَدَلَتْ تَكَفَّأ بِالْبَلَاءِ ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : كَذَا فِيهِ , وَصَوَابه فَإِذَا اِنْقَلَبَتْ , ثُمَّ يَكُون قَوْله : تَكَفَّأَ رُجُوعًا إِلَى وَصْف الْمُسْلِم , وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْحِيد. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : كَانَ الْمُنَاسِب أَنْ يَقُول فَإِذَا اِعْتَدَلَتْ تَكَفَّأَ بِالرِّيحِ كَمَا يَتَكَفَّأ الْمُؤْمِن بِالْبَلَاءِ , لَكِنْ الرِّيح أَيْضًا بَلَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَامَة , أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا شَبَّهَ الْمُؤْمِن بِالْخَامَةِ أَثْبَتَ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ مَا هُوَ مِنْ خَوَاصّ الْمُشَبَّه. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون جَوَاب \" إِذَا \" مَحْذُوفًا. وَالتَّقْدِير : اِسْتَقَامَتْ , أَيْ فَإِذَا اِعْتَدَلَتْ الرِّيح اِسْتَقَامَتْ الْخَامَة , وَيَكُون قَوْله بَعْد ذَلِكَ \" تَكَفَّأَ بِالْبَلَاءِ \" رُجُوعًا إِلَى وَصْف الْمُسْلِم كَمَا قَالَ عِيَاض , وَسِيَاق الْمُصَنِّف فِي \" بَاب الْمَشِيئَة وَالْإِرَادَة \" مِنْ كِتَاب التَّوْحِيد يُؤَيِّد مَا قُلْت , فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ فِيهِ عَنْ مُحَمَّد بْن سِنَان عَنْ فُلَيْح عَالِيًا بِإِسْنَادِهِ الَّذِي هُنَا وَقَالَ فِيهِ : \" فَإِذَا سَكَنَتْ اِعْتَدَلَتْ , وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِن يُكْفَأ بِالْبَلَاءِ \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ذَكَرَ الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" فِي تَرْجَمَة هِلَال بْن عَلِيّ عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة حَدِيث \" مَثَل الْمُؤْمِن مَثَل خَامَة الزَّرْع \" خ \" فِي الطِّبّ عَنْ مُحَمَّد بْن سِنَان عَنْ فُلَيْح وَعَنْ إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر عَنْ مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ بِهِ \" قَالَ أَبُو الْقَاسِم - يَعْنِي اِبْن عَسَاكِر - لَمْ أَجِد حَدِيث مُحَمَّد بْن سِنَان وَلَا ذَكَرَهُ أَبُو مَسْعُود فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ خَلَفًا تَفَرَّدَ بِذِكْرِهِ. قُلْت : وَرِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر فِي كِتَاب الْمَرْضَى كَمَا تَرَى لَا فِي الطِّبّ , لَكِنْ الْأَمْر فِيهِ سَهْل , وَأَمَّا رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِنَان فَقَدْ بَيَّنْت أَيْنَ ذَكَرَهَا الْبُخَارِيّ أَيْضًا , فَيُتَعَجَّب مِنْ خَفَاء ذَلِكَ عَلَى هَذَيْنِ الْحَافِظَيْنِ الْكَبِيرَيْنِ اِبْن عَسَاكِر وَالْمِزِّيّ , وَلِلَّهِ الْحَمْد عَلَى مَا أَنْعَمَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْفَاجِر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِنَان \" وَالْكَافِر \". وَبِهَذَا يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُنَافِقِ فِي حَدِيث كَعْب بْن مَالِك نِفَاق الْكُفْر. ‏ ‏قَوْله : ( صَمَّاء ) ‏ ‏أَيْ صُلْبَة شَدِيدَة بِلَا تَجْوِيف. ‏ ‏قَوْله : ( يَقْصِمهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَبِالْقَافِ أَيْ يَكْسِرهَا , وَكَأَنَّهُ مُسْتَنَد الدَّاوُدِيّ فِيمَا فَسَّرَ بِهِ الِانْجِعَاف , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ التَّعْبِير بِمَا يَدُلّ عَلَى الْكَسْر أَنْ يَكُون هُوَ الِانْقِلَاع , لِأَنَّ الْغَرَض الْقَدْر الْمُشْتَرَك بَيْنهمَا وَهُوَ الْإِزَالَة , وَالْمُرَاد خُرُوج الرُّوح مِنْ الْجَسَد. ‏"
    },
    {
        "id": "5213",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ أَبَا الْحُبَابِ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا ‏ ‏يُصِبْ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي صَعْصَعَة ) ‏ ‏هَكَذَا جَرَّدَ مَالِك نَسَبه , وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْسُبهُ إِلَى جَدّه , وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْسُب عَبْد اللَّه إِلَى جَدّه. ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه , فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَبَا الْحُبَاب ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَمُوَحَّدَتَيْنِ مُخَفَّفًا. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ يُرِدْ اللَّه بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِكَسْرِ الصَّاد وَالْفَاعِل اللَّه , قَالَ أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيُّ : مَعْنَاهُ يَبْتَلِيه بِالْمَصَائِبِ لِيُثِيبَهُ عَلَيْهَا. وَقَالَ غَيْره : مَعْنَاهُ يُوَجِّه إِلَيْهِ الْبَلَاء فَيُصِيبهُ. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : أَكْثَر الْمُحَدِّثِينَ يَرْوِيه بِكَسْرِ الصَّاد , وَسَمِعْت اِبْن الْخَشَّاب يَفْتَح الصَّاد , وَهُوَ أَحْسَن وَأَلْيَق. كَذَا قَالَ , وَلَوْ عَكَسَ لَكَانَ أَوْلَى , وَاَللَّه أَعْلَم. وَوَجَّهَ الطِّيبِيُّ الْفَتْح بِأَنَّهُ أَلْيَق بِالْأَدَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِذَا مَرِضْت فَهُوَ يَشْفِينِ ). قُلْت : وَيَشْهَد لِلْكَسْرِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث مَحْمُود بْن لَبِيد رَفَعَهُ \" إِذَا أَحَبَّ اللَّه قَوْمًا اِبْتَلَاهُمْ , فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْر وَمَنْ جَزَع فَلَهُ الْجَزَع \" وَرُوَاته ثِقَات , إِلَّا أَنَّ مَحْمُود بْن لَبِيد اُخْتُلِفَ فِي سَمَاعه مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ رَآهُ وَهُوَ صَغِير. وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث أَنَس عِنْد التِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث بِشَارَة عَظِيمَة لِكُلِّ مُؤْمِن , لِأَنَّ الْآدَمِيّ لَا يَنْفَكّ غَالِبًا مِنْ أَلَم بِسَبَب مَرَض أَوْ هَمّ أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَ , وَأَنَّ الْأَمْرَاض وَالْأَوْجَاع وَالْآلَام - بَدَنِيَّة كَانَتْ أَوْ قَلْبِيَّة - تُكَفِّر ذُنُوب مَنْ تَقَع لَهُ. وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" مَا مِنْ مُسْلِم يُصِيبهُ أَذًى إِلَّا حَاتَّ اللَّه عَنْهُ خَطَايَاهُ \" وَظَاهِره تَعْمِيم جَمِيع الذُّنُوب , لَكِنْ الْجُمْهُور خَصُّوا ذَلِكَ بِالصَّغَائِرِ , لِلْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي أَوَائِل الصَّلَاة \" الصَّلَوَات الْخَمْس وَالْجُمْعَة إِلَى الْجُمُعَة وَرَمَضَان إِلَى رَمَضَان كَفَّارَات لِمَا بَيْنهنَّ , مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِر \" فَحَمَلُوا الْمُطْلَقَات الْوَارِدَة فِي التَّكْفِير عَلَى هَذَا الْمُقَيَّد , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَى الْأَحَادِيث الَّتِي ظَاهِرهَا التَّعْمِيم أَنَّ الْمَذْكُورَات صَالِحَة لِتَكْفِيرِ الذُّنُوب , فَيُكَفِّر اللَّه بِهَا مَا شَاءَ مِنْ الذُّنُوب , وَيَكُون كَثْرَة التَّكْفِير وَقِلَّته بِاعْتِبَارِ شِدَّة الْمَرَض وَخِفَّته. ثُمَّ الْمُرَاد بِتَكْفِيرِ الذَّنْب سَتْره أَوْ مَحْو أَثَره الْمُرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ اِسْتِحْقَاق الْعُقُوبَة. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مُجَرَّد حُصُول الْمَرَض أَوْ غَيْره مِمَّا ذُكِرَ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ التَّكْفِير الْمَذْكُور سَوَاء اِنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ صَبْر الْمُصَاب أَمْ لَا , وَأَبَى ذَلِكَ قَوْم كَالْقُرْطُبِيِّ فِي \" الْمُفْهِم \" فَقَالَ : مَحَلّ ذَلِكَ إِذَا صَبَرَ الْمُصَاب وَاحْتَسَبَ وَقَالَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى : ( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ) الْآيَة , فَحِينَئِذٍ يَصِل إِلَى مَا وَعَدَ اللَّه وَرَسُوله بِهِ مِنْ ذَلِكَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى دَعْوَاهُ بِدَلِيلٍ , وَأَنَّ فِي تَعْبِيره بِقَوْلِهِ : \" بِمَا أَمَرَ اللَّه \" نَظَرًا إِذْ لَمْ يَقَع هُنَا صِيغَة أَمْر. وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَقَع التَّصْرِيح بِالْأَمْرِ فَسِيَاقه يَقْتَضِي الْحَثّ عَلَيْهِ وَالطَّلَب لَهُ , فَفِيهِ مَعْنَى الْأَمْر. وَعَنْ الْأَوَّل بِأَنَّهُ حَمْل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِالتَّقْيِيدِ بِالصَّبْرِ عَلَى الْمُطْلَقَة , وَهُوَ حَمْل صَحِيح , لَكِنْ كَانَ يَتِمّ لَهُ ذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ شَيْء مِنْهَا , بَلْ هِيَ إِمَّا ضَعِيفَة لَا يُحْتَجّ بِهَا وَإِمَّا قَوِيَّة لَكِنَّهَا مُقَيَّدَة بِثَوَابٍ مَخْصُوص , فَاعْتِبَار الصَّبْر فِيهَا إِنَّمَا هُوَ لِحُصُولِ ذَلِكَ الثَّوَاب الْمَخْصُوص , مِثْل مَا سَيَأْتِي فِيمَنْ وَقَعَ الطَّاعُون بِبَلَدٍ هُوَ فِيهَا فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ فَلَهُ أَجْر شَهِيد , وَمِثْل حَدِيث مُحَمَّد بْن خَالِد عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَة \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : إِنَّ الْعَبْد إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنْ اللَّه مَنْزِلَة فَلَمْ يَبْلُغهَا بِعَمَلٍ اِبْتَلَاهُ اللَّه فِي جَسَده أَوْ وَلَده أَوْ مَاله ثُمَّ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغ تِلْكَ الْمَنْزِلَة \" رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَرِجَاله ثِقَات , إِلَّا أَنَّ خَالِدًا لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْر اِبْنه مُحَمَّد , وَأَبُوهُ اُخْتُلِفَ فِي اِسْمه لَكِنْ إِبْهَام الصَّحَابِيّ لَا يَضُرّ. وَحَدِيث سَخْبَرَة - بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَة ثُمَّ مُوَحَّدَة وَزْن مَسْلَمَة - رَفَعَهُ \" مَنْ أُعْطِيَ فَشَكَرَ , وَابْتُلِيَ فَصَبَرَ , وَظَلَمَ فَاسْتَغْفَرَ , وَظُلِمَ فَغَفَرَ , أُولَئِكَ لَهُمْ الْأَمْن وَهُمْ مُهْتَدُونَ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَن , وَالْحَدِيث الْآتِي قَرِيبًا \" مَنْ ذَهَبَ بَصَره \" يَدْخُل فِي هَذَا أَيْضًا , هَكَذَا زَعَمَ بَعْض مَنْ لَقِينَاهُ أَنَّهُ اِسْتَقْرَأَ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الصَّبْر فَوَجَدَهَا لَا تَعْدُو أَحَد الْأَمْرَيْنِ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ , بَلْ صَحَّ التَّقْيِيد بِالصَّبْرِ مَعَ إِطْلَاق مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ الثَّوَاب , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث صُهَيْب قَالَ : \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِن , إِنَّ أَمَرَهُ كُلّه خَيْر ] وَلَيْسَ ذَلِكَ [ لِأَحَدٍ ] لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاء فَشَكَرَ اللَّه فَلَهُ أَجْر , وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاء فَصَبَرَ فَلَهُ أَجْر , فَكُلّ قَضَاء اللَّه لِلْمُسْلِمِ خَيْر \" وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص بِلَفْظِ \" عَجِبْت مِنْ قَضَاء اللَّه لِلْمُؤْمِنِ , إِنْ أَصَابَهُ خَيْر حَمِدَ وَشَكَرَ , وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَة حَمِدَ وَصَبَرَ , فَالْمُؤْمِن يُؤْجَر فِي كُلّ أَمْره \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ. وَمِمَّنْ جَاءَ عَنْهُ التَّصْرِيح - بِأَنَّ الْأَجْر لَا يَحْصُل بِمُجَرَّدِ حُصُول الْمُصِيبَة , بَلْ إِنَّمَا يَحْصُل بِهَا التَّكْفِير فَقَطْ - مِنْ السَّلَف الْأَوَّل أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح , فَرَوَى أَحْمَد وَالْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَأَصْله فِي النَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ جَيِّد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق عِيَاض بْن غُطَيْف قَالَ : \" دَخَلْنَا عَلَى أَبِي عُبَيْدَة نَعُودهُ مِنْ شَكْوَى أَصَابَتْهُ فَقُلْنَا : كَيْف بَاتَ أَبُو عُبَيْدَة ؟ فَقَالَتْ اِمْرَأَته تُحَيْفَة : لَقَدْ بَاتَ بِأَجْرٍ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : مَا بِتُّ بِأَجْرٍ , سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَنْ اِبْتَلَاهُ اللَّه بِبَلَاءٍ فِي جَسَده فَهُوَ لَهُ حِطَّة \" وَكَأَنَّ أَبَا عُبَيْدَة لَمْ يَسْمَع الْحَدِيث الَّذِي صَرَّحَ فِيهِ بِالْأَجْرِ لِمَنْ أَصَابَتْهُ الْمُصِيبَة , أَوْ سَمِعَهُ وَحَمَلَهُ عَلَى التَّقْيِيد بِالصَّبْرِ , وَاَلَّذِي نَفَاهُ مُطْلَق حُصُول الْأَجْر الْعَارِي عَنْ الصَّبْر. وَذَكَرَ اِبْن بَطَّال أَنَّ بَعْضهمْ اِسْتَدَلَّ عَلَى حُصُول الْأَجْر بِالْمَرَضِ بِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْمَاضِي فِي الْجِهَاد بِلَفْظِ \" إِذَا مَرِضَ الْعَبْد أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّه لَهُ مَا كَانَ يَعْمَل صَحِيحًا مُقِيمًا \" قَالَ : فَقَدْ زَادَ عَلَى التَّكْفِير , وَأَجَابَ بِمَا حَاصِله أَنَّ الزِّيَادَة لِهَذَا إِنَّمَا هِيَ بِاعْتِبَارِ نِيَّته أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَدَامَ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَل الصَّالِح , فَتَفَضَّلَ اللَّه عَلَيْهِ بِهَذِهِ النِّيَّة بِأَنْ يَكْتُب لَهُ ثَوَاب ذَلِكَ الْعَمَل , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُسَاوِيه مَنْ لَمْ يَكُنْ يَعْمَل فِي صِحَّته شَيْئًا. وَمِمَّنْ جَاءَ عَنْهُ أَنَّ الْمَرِيض يُكْتَب لَهُ الْأَجْر بِمَرَضِهِ أَبُو هُرَيْرَة , فَعِنْد الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ \" مَا مِنْ مَرَض يُصِيبنِي أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ الْحُمَّى. لِأَنَّهَا تَدْخُل فِي كُلّ عُضْو مِنِّي , وَإِنَّ اللَّه يُعْطِي كُلّ عُضْو قِسْطه مِنْ الْأَجْر \" وَمِثْل هَذَا لَا يَقُولهُ أَبُو هُرَيْرَة بِرَأْيِهِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن مُعَاذ عَنْ أَبِيهِ \" عَنْ جَدّه أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَا جَزَاء الْحُمَّى ؟ قَالَ : تَجْرِي الْحَسَنَات عَلَى صَاحِبهَا مَا اِخْتَلَجَ عَلَيْهِ قَدَم أَوْ ضُرِبَ عَلَيْهِ عِرْق \" الْحَدِيث , وَالْأَوْلَى حَمْل الْإِثْبَات وَالنَّفْي عَلَى حَالَيْنِ : فَمَنْ كَانَتْ لَهُ ذُنُوب مَثَلًا أَفَادَ الْمَرَض تَمْحِيصهَا , وَمَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ذُنُوب كُتِبَ لَهُ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ. وَلَمَّا كَانَ الْأَغْلَب مِنْ بَنِي آدَم وُجُود الْخَطَايَا فِيهِمْ أَطْلَقَ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ الْمَرَض كَفَّارَة فَقَطْ , وَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَل الْأَحَادِيث الْمُطْلَقَة , وَمَنْ أَثْبَتَ الْأَجْر بِهِ فَهُوَ مَحْمُول عَلَى تَحْصِيل ثَوَاب يُعَادِل الْخَطِيئَة , فَإِذَا لَمْ تَكُنْ خَطِيئَة تَوَفَّرَ لِصَاحِبِ الْمَرَض الثَّوَاب , وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ. وَقَدْ اِسْتَبْعَدَ اِبْن عَبْد السَّلَام فِي \" الْقَوَاعِد \" حُصُول الْأَجْر عَلَى نَفْس الْمُصِيبَة , وَحَصَرَ حُصُول الْأَجْر بِسَبَبِهَا فِي الصَّبْر , وَتُعُقِّبَ بِمَا رَوَاهُ أَحْمَد بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ جَابِر قَالَ : \" اِسْتَأْذَنَتْ الْحُمَّى عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِهَا إِلَى أَهْل قُبَاء , فَشَكَوْا إِلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ : مَا شِئْتُمْ , إِنْ شِئْتُمْ دَعَوْت اللَّه لَكُمْ فَكَشَفَهَا عَنْكُمْ , وَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَكُون لَكُمْ طَهُورًا. قَالُوا : فَدَعْهَا \" وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُؤَاخِذهُمْ بِشَكْوَاهُمْ , وَوَعَدَهُمْ بِأَنَّهَا طَهُور لَهُمْ. قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُصِيبَة إِذَا قَارَنَهَا الصَّبْر حَصَلَ التَّكْفِير وَرَفْع الدَّرَجَات عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيله , وَإِنْ لَمْ يَحْصُل الصَّبْر نُظِرَ إِنْ لَمْ يَحْصُل مِنْ الْجَزَع مَا يُذَمّ مِنْ قَوْل أَوْ فِعْل فَالْفَضْل وَاسِع , وَلَكِنْ الْمَنْزِلَة مُنْحَطَّة عَنْ مَنْزِلَة الصَّابِر السَّابِقَة , وَإِنْ حَصَلَ فَيَكُون ذَلِكَ سَبَبًا لِنَقْصِ الْأَجْر الْمَوْعُود بِهِ أَوْ التَّكْفِير , فَقَدْ يَسْتَوِيَانِ , وَقَدْ يَزِيد أَحَدهمَا عَلَى الْآخَر , فَبِقَدْرِ ذَلِكَ يُقْضَى لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَر. وَيُشِير إِلَى التَّفْصِيل الْمَذْكُور حَدِيث مَحْمُود بْن لَبِيد الَّذِي ذَكَرْته قَرِيبًا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5214",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي بِشْر بْن مُحَمَّد أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْأَعْمَش ) ‏ ‏كَذَا أَعَادَ الْأَعْمَش بَعْد التَّحْوِيل , وَلَوْ وَقْف فِي السَّنَد الْأَوَّل عِنْد سُفْيَان وَحَوَّلَ ثُمَّ قَالَ كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَش لَكَانَ سَائِغًا , لَكِنْ أَظُنّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ سَاقَهُ عَلَى لَفْظ الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَهِيَ رِوَايَة شُعْبَة , وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حِبَّان بْن مُوسَى عَنْ اِبْن الْمُبَارَك بِلَفْظِ \" مَا رَأَيْت الْوَجَع عَلَى أَحَد أَشَدّ مِنْهُ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَسَاقَهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ قَبِيصَة شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" مَا رَأَيْت أَحَدًا كَانَ أَشَدّ عَلَيْهِ الْوَجَع \" وَالْبَاقِي سَوَاء , وَالْمُرَاد بِالْوَجَعِ الْمَرَض , وَالْعَرَب تُسَمِّي كُلّ وَجَع مَرَضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5215",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَرَضِهِ وَهُوَ ‏ ‏يُوعَكُ ‏ ‏وَعْكًا ‏ ‏شَدِيدًا وَقُلْتُ إِنَّكَ ‏ ‏لَتُوعَكُ ‏ ‏وَعْكًا ‏ ‏شَدِيدًا قُلْتُ إِنَّ ذَاكَ بِأَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ قَالَ أَجَلْ ‏ ‏مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى إِلَّا ‏ ‏حَاتَّ ‏ ‏اللَّهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا ‏ ‏تَحَاتُّ ‏ ‏وَرَقُ الشَّجَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الْفِرْيَابِيّ , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْآتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَقَوْله فِي آخِره : ‏ ‏\" إِلَّا حَاتَّ اللَّه \" ‏ ‏بِحَاءٍ مُهْمَلَة وَمَدّ وَتَشْدِيد الْمُثَنَّاة أَصْله حَاتَتْ بِمُثَنَّاتَيْنِ فَأُدْغِمَتْ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى , وَالْمَعْنَى فَتَّتَ وَهِيَ كِنَايَة عَنْ إِذْهَاب الْخَطَايَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5216",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏يُوعَكُ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ ‏ ‏لَتُوعَكُ ‏ ‏وَعْكًا ‏ ‏شَدِيدًا قَالَ ‏ ‏أَجَلْ إِنِّي ‏ ‏أُوعَكُ ‏ ‏كَمَا ‏ ‏يُوعَكُ ‏ ‏رَجُلَانِ مِنْكُمْ قُلْتُ ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ قَالَ أَجَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا ‏",
        "sharh": "\" 8441 \" ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَمْزَة ) ‏ ‏هُوَ السُّكَّرِيّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْكَاف. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد بْن شَرِيك , وَالْحَارِث بْن سُوَيْدٍ هُوَ تَيْمِيّ أَيْضًا , وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق كُوفِيُّونَ , وَلَيْسَ لِلْحَارِثِ بْن سُوَيْدٍ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر يَأْتِي فِي الدَّعَوَات , لَكِنَّهُمَا عِنْده مِنْ طُرُق عَدِيدَة , وَلَهُ عِنْده ثَالِث مَضَى فِي الْأَشْرِبَة مِنْ رِوَايَته عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب. ‏ ‏قَوْله : ( دَخَلْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُوعَك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان الَّتِي قَبْلهَا أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضه \" وَالْوَعْك بِفَتْحِ الْوَاو وَسُكُون الْعَيْن الْمُهْمَلَة الْحُمَّى وَقَدْ تُفْتَح وَقِيلَ أَلَم الْحُمَّى , وَقِيلَ تَعَبهَا , وَقِيلَ إِرْعَادهَا الْمَوْعُوك وَتَحْرِيكهَا إِيَّاهُ , وَعَنْ الْأَصْمَعِيّ الْوَعْك الْحَرّ , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ الْحُمَّى سُمِّيَتْ وَعْكًا لِحَرَارَتِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( ذَلِكَ ) ‏ ‏إِشَارَة إِلَى مُضَاعَفَة الْأَجْر بِشِدَّةِ الْحُمَّى , وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ فِي الرِّوَايَة السَّابِقَة فِي الْبَاب قَبْله حَذْفًا يُعْرَف مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة وَهُوَ قَوْله : \" إِنِّي أُوعَك كَمَا يُوعَك رَجُلَانِ مِنْكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَجَلْ ) ‏ ‏أَيْ نَعَمْ وَزْنًا وَمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله : ( أَذًى شَوْكَة ) ‏ ‏التَّنْوِين فِيهِ لِلتَّقْلِيلِ لَا لِلْجِنْسِ لِيَصِحّ تَرَتُّب فَوْقهَا وَدُونهَا فِي الْعِظَم وَالْحَقَارَة عَلَيْهِ بِالْفَاءِ , وَهُوَ يَحْتَمِل فَوْقهَا فِي الْعِظَم وَدُونهَا فِي الْحَقَارَة وَعَكْسه , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَا تَحُطّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمَّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الطَّاء الْمُهْمَلَة أَيْ تُلْقِيه مُنْتَثِرًا. وَالْحَاصِل أَنَّهُ أَثْبَت أَنَّ الْمَرَض إِذَا اِشْتَدَّ ضَاعَفَ الْأَجْر , ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ أَنَّ الْمُضَاعَفَة تَنْتَهِي إِلَى أَنْ تُحَطّ السَّيِّئَات كُلّهَا , أَوْ الْمَعْنَى : قَالَ نَعَمْ شِدَّة الْمَرَض تَرْفَع الدَّرَجَات وَتَحُطّ الْخَطِيئَات أَيْضًا حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا شَيْء , وَيُشِير إِلَى ذَلِكَ حَدِيث سَعْد الَّذِي ذَكَرْته قَبْل \" حَتَّى يَمْشِي عَلَى الْأَرْض وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَة \" وَمِثْله حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد وَابْن أَبِي شَيْبَة بِلَفْظِ \" لَا يَزَال الْبَلَاء بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى يَلْقَى اللَّه وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَة. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : مَا مِنْ وَجَع يُصِيبنِي أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ الْحُمَّى , إِنَّهَا تَدْخُل فِي كُلّ مَفْصِل مِنْ اِبْن آدَم , وَاَللَّه يُعْطِي كُلّ مَفْصِل قِسْطه مِنْ الْأَجْر \" وَوَجْه دَلَالَة حَدِيث الْبَاب عَلَى التَّرْجَمَة مِنْ جِهَة قِيَاس الْأَنْبِيَاء عَلَى نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلْحَاق الْأَوْلِيَاء بِهِمْ لِقُرْبِهِمْ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَتْ دَرَجَتهمْ مُنْحَطَّة عَنْهُمْ , وَالسِّرّ فِيهِ أَنَّ الْبَلَاء فِي مُقَابَلَة النِّعْمَة , فَمَنْ كَانَتْ نِعْمَة اللَّه عَلَيْهِ أَكْثَر كَانَ بَلَاؤُهُ أَشَدّ , وَمِنْ ثَمَّ ضُوعِفَ حَدّ الْحُرّ عَلَى الْعَبْد , وَقِيلَ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ( مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ) قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : فِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْقَوِيّ يَحْمِل مَا حَمَلَ , وَالضَّعِيف يُرْفَق بِهِ إِلَّا أَنَّهُ كُلَّمَا قَوِيَتْ الْمَعْرِفَة بِالْمُبْتَلَى هَانَ عَلَيْهِ الْبَلَاء , وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُر إِلَى أَجْر الْبَلَاء فَيَهُون عَلَيْهِ الْبَلَاء , وَأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ دَرَجَة مَنْ يَرَى أَنَّ هَذَا تَصَرُّف الْمَالِك فِي مِلْكه فَيُسَلِّم وَلَا يَعْتَرِض , وَأَرْفَع مِنْهُ مَنْ شَغَلَتْهُ الْمَحَبَّة عَنْ طَلَب رَفْع الْبَلَاء , وَأَنْهَى الْمَرَاتِب مَنْ يَتَلَذَّذ بِهِ لِأَنَّهُ عَنْ اِخْتِيَاره نَشَأَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5217",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ وَفُكُّوا ‏ ‏الْعَانِيَ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْمَذْكُور هُنَا فِي الْجِهَاد وَفِي الْوَلِيمَة وَاسْتُدِلَّ بِعُمُومِ قَوْله : \" عُودُوا الْمَرِيض \" عَلَى مَشْرُوعِيَّة الْعِيَادَة فِي كُلّ مَرِيض , لَكِنْ اِسْتَثْنَى بَعْضهمْ الْأَرْمَد لِكَوْنِ عَائِده قَدْ يَرَى مَا لَا يَرَاهُ هُوَ , وَهَذَا الْأَمْر خَارِجِيّ قَدْ يَأْتِي مِثْله فِي بَقِيَّة الْأَمْرَاض كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ , وَقَدْ عَقَّبَهُ الْمُصَنِّف بِهِ. وَقَدْ جَاءَ فِي عِيَادَة الْأَرْمَد بِخُصُوصِهَا حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم قَالَ : \" عَادَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجَع كَانَ بِعَيْنَيَّ , أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَهُوَ عِنْد الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَسِيَاقه أَتَمّ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا \" ثَلَاثَة لَيْسَ لَهُمْ عِيَادَة : الْعَيْن وَالدُّمَّل وَالضِّرْس \" فَصَحَّحَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ مَوْقُوف عَلَى يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير , وَيُؤْخَذ مِنْ إِطْلَاقه أَيْضًا عَدَم التَّقْيِيد بِزَمَانٍ يَمْضِي مِنْ اِبْتِدَاء مَرَضه وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَجَزَمَ الْغَزَالِيّ فِي \" الْإِحْيَاء \" بِأَنَّهُ لَا يُعَاد إِلَّا بَعْد ثَلَاث , وَاسْتَنَدَ إِلَى حَدِيث أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَنَس \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَعُود مَرِيضًا إِلَّا بَعْد ثَلَاث \" وَهَذَا حَدِيث ضَعِيف جِدًّا تَفَرَّدَ بِهِ مَسْلَمَة بْن عَلِيّ وَهُوَ مَتْرُوك , وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِم فَقَالَ : هُوَ حَدِيث بَاطِل , وَوَجَدْت لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي \" الْأَوْسَط \" وَفِيهِ رَاوٍ مَتْرُوك أَيْضًا. وَيَلْتَحِق بِعِيَادَةِ الْمَرِيض تَعَهُّده وَتَفَقُّد أَحْوَاله وَالتَّلَطُّف بِهِ , وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْعَادَة سَبَبًا لِوُجُودِ نَشَاطه وَانْتِعَاش قُوَّته. وَفِي إِطْلَاق الْحَدِيث أَنَّ الْعِيَادَة لَا تَتَقَيَّد بِوَقْتٍ دُون وَقْت , لَكِنْ جَرَتْ الْعَادَة بِهَا فِي طَرَفَيْ النَّهَار , وَتَرْجَمَة الْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرَد \" الْعِيَادَة فِي اللَّيْل \" , وَسَاقَ عَنْ خَالِد بْن الرَّبِيع قَالَ : \" لَمَّا ثَقُلَ حُذَيْفَة أَتَوْهُ فِي جَوْف اللَّيْل أَوْ عِنْد الصُّبْح فَقَالَ : أَيّ سَاعَة هَذِهِ ؟ فَأَخْبَرُوهُ , فَقَالَ : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ صَبَاح إِلَى النَّار \" الْحَدِيث , وَنَقَلَ الْأَثْرَم عَنْ أَحْمَد أَنَّهُ قِيلَ لَهُ بَعْد اِرْتِفَاع النَّهَار فِي الصَّيْف : تَعُود فُلَانًا ؟ قَالَ : لَيْسَ هَذَا وَقْت عِيَادَة. وَنَقَلَ اِبْن الصَّلَاح عَنْ الْفُرَاوِيّ أَنَّ الْعِيَادَة تُسْتَحَبّ فِي الشِّتَاء لَيْلًا وَفِي الصَّيْف نَهَارًا , وَهُوَ غَرِيب. وَمِنْ آدَابهَا أَنْ لَا يُطِيل الْجُلُوس حَتَّى يَضْجَر الْمَرِيض أَوْ يَشُقّ عَلَى أَهْله. فَإِنْ اِقْتَضَتْ ذَلِكَ ضَرُورَة فَلَا بَأْس كَمَا فِي حَدِيث جَابِر الَّذِي بَعْده. وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْل الْعِيَادَة أَحَادِيث كَثِيرَة جِيَاد , مِنْهَا عِنْد مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث ثَوْبَان \" إِنَّ الْمُسْلِم إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِم لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَة الْجَنَّة \" وَخُرْفَة بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا فَاءَ ثُمَّ هَاء هِيَ الثَّمَرَة إِذَا نَضِجَتْ , شَبَّهَ مَا يَحُوزهُ عَائِد الْمَرِيض مِنْ الثَّوَاب بِمَا يَحُوزهُ الَّذِي يَجْتَنِي الثَّمَر. وَقِيلَ : الْمُرَاد بِهَا هُنَا الطَّرِيق , وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَائِد يَمْشِي فِي طَرِيق تُؤَدِّيه إِلَى الْجَنَّة , وَالتَّفْسِير الْأَوَّل أَوْلَى , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ هَذَا الْوَجْه وَفِيهِ \" قُلْت لِأَبِي قِلَابَةَ : مَا خُرْفَة الْجَنَّة ؟ قَالَ : جَنَاهَا \" وَهُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ جُمْلَة الْمَرْفُوع , وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عُمَر بْن الْحَكَم عَنْ جَابِر رَفَعَهُ \" مَنْ عَادَ مَرِيضًا خَاضَ فِي الرَّحْمَة حَتَّى إِذَا قَعَدَ اِسْتَقَرَّ فِيهَا \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْبَزَّار وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ هَذَا الْوَجْه وَأَلْفَاظهمْ فِيهِ مُخْتَلِفَة , وَلِأَحْمَد نَحْوه مِنْ حَدِيث كَعْب بْن مَالِك بِسَنَدٍ حَسَن. ‏"
    },
    {
        "id": "5218",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ نَهَانَا عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ وَلُبْسِ الْحَرِيرِ ‏ ‏وَالدِّيبَاجِ ‏ ‏وَالْإِسْتَبْرَقِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الْقَسِّيِّ ‏ ‏وَالْمِيثَرَةِ ‏ ‏وَأَمَرَنَا أَنْ نَتْبَعَ الْجَنَائِزَ ‏ ‏وَنَعُودَ ‏ ‏الْمَرِيضَ ‏ ‏وَنُفْشِيَ ‏ ‏السَّلَامَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مُقْتَصِرًا عَلَى بَعْض الْخِصَال السَّبْع , وَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5219",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَرِضْتُ مَرَضًا فَأَتَانِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعُودُنِي ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَهُمَا مَاشِيَانِ فَوَجَدَانِي أُغْمِيَ عَلَيَّ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ فَأَفَقْتُ فَإِذَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ ‏ ‏آيَةُ الْمِيرَاثِ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث جَابِر الْمَذْكُور فِي كِتَاب الطَّهَارَة وَفِي تَفْسِير سُورَةِ النِّسَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "5220",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قُلْتُ بَلَى قَالَ هَذِهِ ‏ ‏الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ ‏ ‏أَتَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي قَالَ ‏ ‏إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ فَقَالَتْ أَصْبِرُ فَقَالَتْ إِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ فَدَعَا لَهَا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَخْلَدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏أَنَّهُ رَأَى ‏ ‏أُمَّ زُفَرَ ‏ ‏تِلْكَ امْرَأَةً طَوِيلَةً سَوْدَاءَ عَلَى سِتْرِ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عِمْرَان أَبِي بَكْر ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِالْقَصِيرِ , وَاسْم أَبِيهِ مُسْلِم , وَهُوَ بَصْرِيّ تَابِعِيّ صَغِير. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا أُرِيك ) ‏ ‏أَلَا بِتَخْفِيفِ اللَّام قَبْلهَا هَمْزَة مَفْتُوحَة. ‏ ‏قَوْله : ( هَذِهِ الْمَرْأَة السَّوْدَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَعْفَر المُسْتَغْفِرِيّ فِي \" كِتَاب الصَّحَابَة \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو مُوسَى فِي \" الذَّيْل \" مِنْ طَرِيقه ثُمَّ مِنْ رِوَايَة عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَأَرَانِي حَبَشِيَّة صَفْرَاء عَظِيمَة فَقَالَ : هَذِهِ سُعَيْرَة الْأَسَدِيَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَتْ إِنَّ بِي هَذِهِ الْمُؤْتَة ) وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيم بَعْدهَا هَمْزَة سَاكِنَة : الْجُنُون , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِير مِنْ هَذَا الْوَجْه فَقَالَ فِي رِوَايَته \" إِنَّ بِي هَذِهِ الْمُؤْتَة يَعْنِي الْجُنُون \" وَزَادَ فِي رِوَايَته وَكَذَا اِبْن مَنْدَهْ أَنَّهَا كَانَتْ تَجْمَع الصُّوف وَالشَّعْر وَاللِّيف , فَإِذَا اِجْتَمَعَتْ لَهَا كُبَّة عَظِيمَة نَقَضَتْهَا فَنَزَلَ فِيهَا \" وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا \" الْآيَة وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير النَّحْل أَنَّهَا اِمْرَأَة أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ ) ‏ ‏بِمُثَنَّاةٍ وَتَشْدِيد الْمُعْجَمَة مِنْ التَّكَشُّف , وَبِالنُّونِ السَّاكِنَة مُخَفَّفًا مِنْ الِانْكِشَاف , وَالْمُرَاد أَنَّهَا خَشِيَتْ أَنْ تَظْهَر عَوْرَتهَا وَهِيَ لَا تَشْعُر. ‏ ‏قَوْله فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى ‏ ‏( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَام وَصَرَّحَ بِهِ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" , وَمَخْلَد هُوَ اِبْن يَزِيد. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ رَأَى أُمّ زُفَر ) ‏ ‏بِضَمِّ الزَّاي وَفَتْح الْفَاء. ‏ ‏قَوْله : ( تِلْكَ الْمَرْأَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" تِلْكَ اِمْرَأَة \". ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى سِتْر الْكَعْبَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة أَيْ جَالِسَة عَلَيْهَا مُعْتَمِدَة , وَيَجُوز أَنْ يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ \" رَأَى \". ثُمَّ وَجَدْت الْحَدِيث فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" لِلْبُخَارِيِّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ بِهَذَا السَّنَد الْمَذْكُور هُنَا بِعَيْنِهِ وَقَالَ \" عَلَى سُلَّم الْكَعْبَة \" فَاَللَّه أَعْلَم. وَعِنْد الْبَزَّار مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّهَا قَالَتْ \" إِنِّي أَخَاف الْخَبِيث أَنْ يُجَرِّدنِي , فَدَعَا لَهَا فَكَانَتْ إِذَا خَشِيَتْ أَنْ يَأْتِيهَا تَأْتِي أَسْتَار الْكَعْبَة فَتَتَعَلَّق بِهَا \" وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ هَذَا الْحَدِيث مُطَوَّلًا , وَأَخْرَجَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي \" الِاسْتِيعَاب \" مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ الْحَسَن بْن مُسْلِم أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُول \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى بِالْمَجَانِينِ فَيَضْرِب صَدْر أَحَدهمْ فَيَبْرَأ , فَأُتِيَ بِمَجْنُونَةٍ يُقَال لَهَا أُمّ زُفَر , فَضَرَبَ صَدْرهَا فَلَمْ تَبْرَأ , قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ وَأَخْبَرَنِي عَطَاء \" فَذَكَرَ كَاَلَّذِي هُنَا , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَهْ فِي \" الْمَعْرِفَة \" مِنْ طَرِيق حَنْظَلَة بْن أَبِي سُفْيَان عَنْ طَاوُسٍ فَزَادَ \" وَكَانَ يُثْنِي عَلَيْهَا خَيْرًا \" وَزَادَ فِي آخَر \" فَقَالَ : إِنْ يَتْبَعهَا فِي الدُّنْيَا فَلَهَا فِي الْآخِرَة خَيْر \" وَعُرِفَ مِمَّا أَوْرَدْته أَنَّ اِسْمهَا سُعَيْرَة وَهِيَ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَنْدَهْ بِقَافٍ بَدَل الْعَيْن , وَفِي أُخْرَى لِلْمُسْتَغْفِرِيّ بِالْكَافِ , وَذَكَرَ اِبْن سَعْد وَعَبْد الْغَنِيّ فِي \" الْمُبْهَمَات \" مِنْ طَرِيق الزُّبَيْر أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَة هِيَ مَاشِطَة خَدِيجَة الَّتِي كَانَتْ تَتَعَاهَد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالزِّيَارَةِ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرهَا فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ يُؤْخَذ مِنْ الطُّرُق الَّتِي أَوْرَدَتْهَا أَنَّ الَّذِي كَانَ بِأُمِّ زُفَر كَانَ مِنْ صَرْع الْجِنّ لَا مِنْ صَرْع الْخَلْط. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّار وَابْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة شَبِيهًا بِقِصَّتِهَا وَلَفْظه \" جَاءَتْ اِمْرَأَة بِهَا لَمَم إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : اُدْعُ اللَّه. فَقَالَ : إِنْ شِئْت دَعَوْت اللَّه فَشَفَاك وَإِنْ شِئْت صَبَرْت وَلَا حِسَاب عَلَيْك. قَالَتْ : بَلْ أَصْبِر وَلَا حِسَاب عَلَيَّ \" وَفِي الْحَدِيث فَضْل مَنْ يُصْرَع , وَأَنَّ الصَّبْر عَلَى بَلَايَا الدُّنْيَا يُورِث الْجَنَّة , وَأَنَّ الْأَخْذ بِالشِّدَّةِ أَفْضَل مِنْ الْأَخْذ بِالرُّخْصَةِ لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسه الطَّاقَة وَلَمْ يَضْعُف عَنْ اِلْتِزَام الشِّدَّة , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز تَرْك التَّدَاوِي , وَفِيهِ أَنَّ عِلَاج الْأَمْرَاض كُلّهَا بِالدُّعَاءِ وَالِالْتِجَاء إِلَى اللَّه أَنْجَع وَأَنْفَع مِنْ الْعِلَاج بِالْعَقَاقِيرِ , وَأَنَّ تَأْثِير ذَلِكَ وَانْفِعَال الْبَدَن عَنْهُ أَعْظَم مِنْ تَأْثِير الْأَدْوِيَة الْبَدَنِيَّة , وَلَكِنْ إِنَّمَا يَنْجَع بِأَمْرَيْنِ : أَحَدهمَا مِنْ جِهَة الْعَلِيل وَهُوَ صِدْق الْقَصْد , وَالْآخَر مِنْ جِهَة الْمُدَاوِي وَهُوَ قُوَّة تَوَجُّهه وَقُوَّة قَلْبه بِالتَّقْوَى وَالتَّوَكُّل , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5221",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ الْهَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُطَّلِبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ قَالَ ‏ ‏إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ يُرِيدُ عَيْنَيْهِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَشْعَثُ بْنُ جَابِرٍ ‏ ‏وَأَبُو ظِلَالِ بْنُ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي اِبْن الْهَادِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ اللَّيْث \" حَدَّثَنِي يَزِيد بْن الْهَادِ \" وَهُوَ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن أُسَامَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي عَمْرو مَيْسَرَة ‏ ‏( مَوْلَى الْمُطَّلِب ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد اللَّه بْن حَنْطَب. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا اِبْتَلَيْت عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ ) ‏ ‏بِالتَّثْنِيَةِ , وَقَدْ فَسَرَّهُمَا آخِر الْحَدِيث بِقَوْلِهِ \" يُرِيد عَيْنَيْهِ \" وَلَمْ يُصَرِّح بِاَلَّذِي فَسَّرَهُمَا , وَالْمُرَاد بِالْحَبِيبَتَيْنِ الْمَحْبُوبَتَانِ لِأَنَّهُمَا أَحَبّ أَعْضَاء الْإِنْسَان إِلَيْهِ , لِمَا يَحْصُل لَهُ بِفَقْدِهِمَا مِنْ الْأَسَف عَلَى فَوَات رُؤْيَة مَا يُرِيد رُؤْيَته مِنْ خَيْر فَيُسَرّ بِهِ , أَوْ شَرّ فَيَجْتَنِبهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَصَبَرَ ) ‏ ‏زَادَ التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته عَنْ أَنَس \" وَاحْتَسَبَ \" وَكَذَا لِابْنِ حِبَّان وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَلِابْنِ حِبَّان مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَيْضًا , وَالْمُرَاد أَنَّهُ يَصْبِر مُسْتَحْضِرًا مَا وَعَدَ اللَّه بِهِ الصَّابِر مِنْ الثَّوَاب , لَا أَنْ يَصْبِر مُجَرَّدًا عَنْ ذَلِكَ , لِأَنَّ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ , وَابْتِلَاء اللَّه عَبْده فِي الدُّنْيَا لَيْسَ مِنْ سُخْطه عَلَيْهِ بَلْ إِمَّا لِدَفْعِ مَكْرُوه أَوْ لِكَفَّارَةِ ذُنُوب أَوْ لِرَفْعِ مَنْزِلَة , فَإِذَا تَلْقَى ذَلِكَ بِالرِّضَا تَمَّ لَهُ الْمُرَاد وَإِلَّا يَصِير كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث سَلْمَان \" أَنَّ مَرَض الْمُؤْمِن يَجْعَلهُ اللَّه لَهُ كَفَّارَة وَمُسْتَعْتَبًا , وَأَنَّ مَرَض الْفَاجِر كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْله ثُمَّ أَرْسَلُوهُ فَلَا يَدْرِي لِمَ عُقِلَ وَلِمَ أُرْسِلَ \" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مَوْقُوفًا. ‏ ‏قَوْله : ( عَوَّضْته مِنْهُمَا الْجَنَّة ) ‏ ‏وَهَذَا أَعْظَم الْعِوَض , لِأَنَّ الِالْتِذَاذ بِالْبَصَرِ يَفْنَى بِفِنَاءِ الدُّنْيَا وَالِالْتِذَاذ بِالْجَنَّةِ بَاقٍ بِبَقَائِهَا , وَهُوَ شَامِل لِكُلِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ بِشَرْطِ الْمَذْكُور. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ فِيهِ قَيْد آخَر أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" بِلَفْظِ \" إِذَا أَخَذْت كَرِيمَتَيْك فَصَبَرْت عِنْد الصَّدْمَة وَاحْتَسَبْت \" فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الصَّبْر النَّافِع هُوَ مَا يَكُون فِي أَوَّل وُقُوع الْبَلَاء فَيُفَوِّض وَيُسَلِّم , وَإِلَّا فَمَتَى تَضَجَّرَ وَتَقَلَّقَ فِي أَوَّل وَهْلَة ثُمَّ يَئِسَ فَيَصْبِر لَا يَكُون حَصَلَ الْمَقْصُود , وَقَدْ مَضَى حَدِيث أَنَس فِي الْجَنَائِز \" إِنَّمَا الصَّبْر عِنْد الصَّدْمَة الْأَوْلَى \" وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث الْعِرْبَاض فِيمَا صَحِّحْهُ اِبْن حِبَّان فِيهِ بِشَرْطٍ آخَر وَلَفْظه \" إِذَا سَلَبْت مِنْ عَبْدِي كَرِيمَتَيْهِ وَهُوَ بِهِمَا ضَنِين لَمْ أَرْض لَهُ ثَوَابًا دُون الْجَنَّة إِذَا هُوَ حَمِدَنِي عَلَيْهِمَا \" وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي غَيْر هَذِهِ الطَّرِيق , وَإِذَا كَانَ ثَوَاب مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ الْجَنَّة فَاَلَّذِي لَهُ أَعْمَال صَالِحَة أُخْرَى يُزَاد فِي رَفَعَ الدَّرَجَات. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ أَشْعَث بْن جَابِر وَأَبُو ظِلَال بْن هِلَال عَنْ أَنَس ) ‏ ‏أَمَّا مُتَابَعَة أَشْعَث بْن جَابِر وَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن جَابِر نُسِبَ إِلَى جَدّه وَهُوَ أَبُو عَبْد اللَّه الْأَعْمَى الْبَصْرِيّ الْحُدَّانِيّ بِضَمِّ الْحَاء وَتَشْدِيد الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ , وَحُدَّان بَطْن مِنْ الْأَزْد , وَلِهَذَا يُقَال لَهُ الْأَزْدِيّ , وَهُوَ الْحُمْلِيّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمِيم وَهُوَ مُخْتَلَف فِيهِ , وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ يُعْتَدّ بِهِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع فَأَخْرَجَهَا أَحْمَد بِلَفْظِ \" قَالَ رَبّكُمْ مَنْ أَذْهَبْت كَرِيمَتَيْهِ ثُمَّ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ كَانَ ثَوَابه الْجَنَّة \". وَأَمَّا مُتَابَعَة أَبِي ظِلَال فَأَخْرَجَهَا عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْهُ قَالَ \" دَخَلْت عَلَى أَنَس فَقَالَ لِي : أُدْنُهْ , مَتَى ذَهَبَ بَصَرك ؟ قُلْت : وَأَنَا صَغِير. قَالَ : أَلَّا أُبَشِّرك ؟ قُلْت : بَلَى \" فَذَكَرَ - الْحَدِيث بِلَفْظِ \" مَا لِمَنْ أَخَذْت كَرِيمَتَيْهِ عِنْدِي جَزَاء إِلَّا الْجَنَّة \" وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي ظِلَال بِلَفْظِ \" إِذَا أَخَذْت كَرِيمَتَيْ عَبْدِي فِي الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ جَزَاء عِنْدِي إِلَّا الْجَنَّة \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَبُو ظِلَال بِكَسْرِ الظَّاء الْمُشَالَة الْمُعْجَمَة وَالتَّخْفِيف اِسْمه هِلَال , وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي الْأَصْل أَبُو ظِلَال بْن هِلَال صَوَابه إِمَّا أَبُو ظِلَال هِلَال بِحَذْفِ \" اِبْن \" وَإِمَّا أَبُو ظِلَال بْن أَبِي هِلَال بِزِيَادَةِ \" أَبِي \" وَاخْتُلِفَ فِي اِسْم أَبِيهِ فَقِيلَ مَيْمُون وَقِيلَ سُوَيْد وَقِيلَ يَزِيد وَقِيلَ زَيْد , وَهُوَ ضَعِيف عِنْد الْجَمِيع , إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيّ قَالَ إِنَّهُ مُقَارِب الْحَدِيث , وَلَيْسَ لَهُ فِي صَحِيحه غَيْر هَذِهِ الْمُتَابَعَة. وَذَكَرَ الْمِزِّيّ فِي تَرْجَمَته أَنَّ اِبْن حِبَّان ذَكَرَهُ فِي الثِّقَات , وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ , لِأَنَّ اِبْن حِبَّان ذَكَرَهُ فِي الضُّعَفَاء فَقَالَ : لَا يَجُوز الِاحْتِجَاج بِهِ , وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِي الثِّقَات هِلَال بْن أَبِي هِلَال آخَر رَوَى عَنْهُ يَحْيَى بْن الْمُتَوَكِّل , وَقَدْ فَرَّقَ الْبُخَارِيّ بَيْنهمَا , وَلَهُمْ شَيْخ ثَالِث يُقَال لَهُ هِلَال بْن أَبِي هِلَال تَابِعِيّ أَيْضًا رَوَى عَنْهُ اِبْنه مُحَمَّد , وَهُوَ أَصْلَح حَالًا فِي الْحَدِيث مِنْهُمَا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5222",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وُعِكَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَتْ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا قُلْتُ يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ وَيَا ‏ ‏بِلَالُ ‏ ‏كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَتْ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ ‏ ‏كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ‏ ‏وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏إِذَا أَقْلَعَتْ عَنْهُ يَقُولُ ‏ ‏أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ‏ ‏بِوَادٍ وَحَوْلِي ‏ ‏إِذْخِرٌ ‏ ‏وَجَلِيلُ ‏ ‏وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ ‏ ‏مِجَنَّةٍ ‏ ‏وَهَلْ تَبْدُوَنْ لِي ‏ ‏شَامَةٌ ‏ ‏وَطَفِيلُ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏كَحُبِّنَا ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏أَوْ أَشَدَّ اللَّهُمَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا ‏ ‏بِالْجُحْفَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة قَالَتْ \" لَمَّا قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة وُعِكَ أَبُو بَكْر وَبِلَال , قَالَتْ : فَدَخَلْت عَلَيْهِمَا \" الْحَدِيث , وَقَدْ اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ ذَلِكَ قَبْل الْحِجَاب قَطْعًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي بَعْض طُرُقه \" وَذَلِكَ قَبْل الْحِجَاب \" , وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرّهُ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ مِنْ عِيَادَة الْمَرْأَة الرَّجُل فَإِنَّهُ يَجُوز بِشَرْطِ التَّسَتُّر , وَاَلَّذِي يَجْمَع بَيْن الْأَمْرَيْنِ مَا قَبْل الْحِجَاب وَمَا بَعْده الْأَمْن مِنْ الْفِتْنَة وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَاب الْهِجْرَة مِنْ أَوَائِل الْمَغَازِي , وَقَوْله فِي الْبَيْت الَّذِي أَوَّله ‏ ‏\" أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَة بِوَادٍ \" ‏ ‏كَذَا هُوَ بِالتَّنْكِيرِ وَالْإِبْهَام , وَالْمُرَاد بِهِ وَادِي مَكَّة. وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيّ فِي الصِّحَاح مَا يَقْتَضِي أَنَّ الشِّعْر الْمَذْكُور لَيْسَ لِبِلَالٍ , فَإِنَّهُ قَالَ : كَانَ بِلَال يَتَمَثَّل بِهِ , وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ \" هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَة بِمَكَّة حَوْلِي \" ‏ ‏وَقَوْله \" شَامَة وَطُفَيْل \" ‏ ‏هُمَا جَبَلَانِ عِنْد الْجُمْهُور , وَصَوَّبَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُمَا عَيْنَانِ , ‏ ‏وَقَوْله \" كَيْف تَجِدك \" ‏ ‏؟ أَيْ تَجِد نَفْسك , وَالْمُرَاد بِهِ الْإِحْسَاس , أَيْ كَيْف تَعْلَم حَال نَفْسك. ‏"
    },
    {
        "id": "5223",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ابْنَةً لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَسَعْدٌ ‏ ‏وَأُبَيٌّ ‏ ‏نَحْسِبُ أَنَّ ابْنَتِي قَدْ حُضِرَتْ فَاشْهَدْنَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا السَّلَامَ وَيَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى فَلْتَحْتَسِبْ وَلْتَصْبِرْ فَأَرْسَلَتْ تُقْسِمُ عَلَيْهِ فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقُمْنَا فَرُفِعَ الصَّبِيُّ فِي حَجْرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَفْسُهُ ‏ ‏جُئِّثُ ‏ ‏فَفَاضَتْ عَيْنَا النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏هَذِهِ رَحْمَةٌ وَضَعَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ وَلَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا الرُّحَمَاءَ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ \" أَنَّ اِبْنَة \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَنَّ بِنْتًا \" وَقَوْله \" فَأَشْهَدَنَا \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَعِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَأَشْهَدَهَا \" وَالْمُرَاد بِهِ الْحُضُور , وَقَوْله \" هَذِهِ الرَّحْمَة \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ أَيْضًا \" هَذِهِ رَحْمَة \" بِالتَّنْكِيرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5224",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ قُلْتَ طَهُورٌ كَلَّا بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ ‏ ‏أَوْ تَثُورُ ‏ ‏عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَعَمْ إِذًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَالِد ) ‏ ‏هُوَ الْحَذَّاء. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : رَوَاهُ وُهَيْب بْن خَالِد عَنْ خَالِد الْحَذَّاء عَنْ عِكْرِمَة فَأَرْسَلَهُ. قُلْت : قَدْ وَصَلَهُ أَيْضًا عَبْد الْعَزِيز بْن مُخْتَار كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا هُنَا , وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , وَوَصَلَهُ أَيْضًا الثَّقَفِيّ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد , فَإِذَا وَصَلَهُ ثَلَاثَة لَمْ يَضُرّهُ إِرْسَال وَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة بَيَان اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( لَا بَأْس ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ الْمَرَض يُكَفِّر الْخَطَايَا , فَإِنْ حَصَلَتْ الْعَافِيَة فَقَدْ حَصَلَتْ الْفَائِدَتَانِ , وَإِلَّا حَصَلَ رِبْح التَّكْفِير. ‏ ‏وَقَوْله \" طَهُور \" ‏ ‏هُوَ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف أَيْ هُوَ طَهُور لَك مِنْ ذُنُوبك أَيْ مَطْهَرَة , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ لَفْظ الطَّهُور لَيْسَ بِمَعْنَى الطَّاهِر فَقَطْ , ‏ ‏وَقَوْله \" إِنَّ شَاءَ اللَّه \" ‏ ‏يَدُلّ عَلَى أَنَّ قَوْله طَهُور دُعَاء لَا خَبَر. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت ) ‏ ‏بِفَتْحِ التَّاء عَلَى الْمُخَاطَبَة وَهُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار. ‏ ‏قَوْله : ( بَلْ هِيَ ) ‏ ‏أَيْ الْحُمَّى , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بَلْ هُوَ \" أَيْ الْمَرَض. ‏ ‏قَوْله : ( تَفُور أَوْ تَثُور ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي هَلْ قَالَهَا بِالْفَاءِ أَوْ بِالْمُثَلَّثَةِ وَهُمَا بِمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله : ( تُزِيرهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله مِنْ أَزَارَهُ إِذَا حَمَلَهُ عَلَى الزِّيَارَة بِغَيْرِ اِخْتِيَاره. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَعَمْ إِذًا ) ‏ ‏الْفَاء فِيهِ مُعَقِّبَة لِمَحْذُوفِ تَقْدِيره إِذَا أَبَيْت فَنَعَمْ , أَيْ كَانَ كَمَا ظَنَنْت , قَالَ اِبْن التِّين : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ دُعَاء عَلَيْهِ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون خَبَرًا عَمَّا يَئُول إِلَيْهِ أَمْره. وَقَالَ غَيْره يَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَض فَدَعَا لَهُ بِأَنْ تَكُون الْحُمَّى لَهُ طُهْرَة لِذُنُوبِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَعْلَمَ بِذَلِكَ لَمَّا أَجَابَهُ الْأَعْرَابِيّ بِمَا أَجَابَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة أَنَّ عِنْد الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث شُرَحْبِيل وَالِد عَبْد الرَّحْمَن أَنَّ الْأَعْرَابِيّ الْمَذْكُور أَصْبَحَ مَيِّتًا. وَأَخْرَجَهُ الدُّولَابِيّ فِي \" الْكُنَى \" وَابْن السَّكَن فِي \" الصَّحَابَة \" وَلَفْظه \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا قَضَى اللَّه فَهُوَ كَائِن \" فَأَصْبَحَ الْأَعْرَابِيّ مَيِّتًا. وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ مُرْسَلًا نَحْوه. قَالَ الْمُهَلَّب : فَائِدَة هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ لَا نَقَصَ عَلَى الْإِمَام فِي عِيَادَة مَرِيض مِنْ رَعِيَّته وَلَوْ كَانَ أَعْرَابِيًّا جَافَيَا وَلَا عَلَى الْعَالَم فِي عِيَادَة الْجَاهِل لَيُعَلِّمهُ وَيُذَكِّرهُ بِمَا يَنْفَعهُ , وَيَأْمُرهُ بِالصَّبْرِ لِئَلَّا يَتَسَخَّط قَدَر اللَّه فَيَسْخَط عَلَيْهِ , وَيُسَلِّيه عَنْ أَلَمه بَلْ يَغْبِطهُ بِسَقَمِهِ , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ جَبْر خَاطِره وَخَاطِر أَهْله. وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرِيضِ أَنْ يَتَلَقَّى الْمَوْعِظَة بِالْقَبُولِ , وَيُحْسِن جَوَاب مَنْ يُذَكِّرهُ بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5225",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ غُلَامًا ‏ ‏لِيَهُودَ ‏ ‏كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعُودُهُ فَقَالَ ‏ ‏أَسْلِمْ فَأَسْلَمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏لَمَّا حُضِرَ ‏ ‏أَبُو طَالِبٍ ‏ ‏جَاءَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي تَفْسِير سُورَة الْقَصَص وَفِي الْجَنَائِز أَيْضًا , وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْجَنَائِز. ‏"
    },
    {
        "id": "5226",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ يَعُودُونَهُ فِي مَرَضِهِ فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا فَجَعَلُوا يُصَلُّونَ قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ اجْلِسُوا فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ ‏ ‏إِنَّ الْإِمَامَ لَيُؤْتَمُّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِنْ صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏آخِرَ مَا صَلَّى صَلَّى قَاعِدًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان , ‏ ‏وَهِشَام ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاس يَعُودُونَهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة مِنْ كِتَاب الصَّلَاة , وَكَذَا قَوْل الْحُمَيْدِيّ الْمَذْكُور فِي آخِره. ‏"
    },
    {
        "id": "5227",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْجُعَيْدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهَا ‏ ‏قَالَ تَشَكَّيْتُ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏شَكْوًا شَدِيدًا فَجَاءَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعُودُنِي فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي أَتْرُكُ مَالًا وَإِنِّي لَمْ أَتْرُكْ إِلَّا ‏ ‏ابْنَةً ‏ ‏وَاحِدَةً فَأُوصِي بِثُلُثَيْ مَالِي وَأَتْرُكُ الثُّلُثَ فَقَالَ ‏ ‏لَا قُلْتُ فَأُوصِي بِالنِّصْفِ وَأَتْرُكُ النِّصْفَ قَالَ لَا قُلْتُ فَأُوصِي بِالثُّلُثِ وَأَتْرُكُ لَهَا الثُّلُثَيْنِ قَالَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِي وَبَطْنِي ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اشْفِ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ فَمَا زِلْتُ أَجِدُ بَرْدَهُ عَلَى كَبِدِي فِيمَا يُخَالُ إِلَيَّ حَتَّى السَّاعَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَعِيد بْن أَبِي وَقَّاص , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْوَصَايَا , وَأَوْرَدَهُ هُنَا عَالِيًا مِنْ طَرِيق الْجُعَيْد وَهُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" تَشَكَّيْت بِمَكَّة شَكْوَى شَدِيدَة \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" شَدِيدًا \" بِالتَّذْكِيرِ عَلَى إِرَادَة الْمَرَض وَالشَّكْوَى بِالْقَصْرِ الْمَرَض ‏ ‏وَقَوْله : \" وَأَتْرُك لَهَا الثُّلُثَيْنِ \" ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيّ : إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة مَحْفُوظَة فَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل نُزُول الْفَرَائِض. وَقَالَ غَيْره : قَدْ يَكُون مِنْ جِهَة الرَّدّ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ سَعْدًا كَانَ لَهُ حِينَئِذٍ عَصَبَات وَزَوْجَات فَيَتَعَيَّن تَأْوِيله , وَيَكُون فِيهِ حَذْف تَقْدِيره : وَأَتْرُك لَهَا الثُّلُثَيْنِ , أَيْ وَلِغَيْرِهَا مِنْ الْوَرَثَة. وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِتَقَدُّمِهَا عِنْده. وَأَمَّا قَوْله \" وَلَا يَرِثنِي إِلَّا اِبْنَة لِي \" فَتَقَدَّمَ أَنَّ مَعْنَاهُ مِنْ الْأَوْلَاد , وَلَمْ يُرِدْ ظَاهِر الْحَصْر. ‏ ‏وَقَوْله \" ثُمَّ وَضَعَ يَده عَلَى جَبْهَته \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَلَى جَبْهَتِي \" وَبِهَا يَتَبَيَّن أَنَّ فِي الْأَوَّل تَجْرِيدًا , ‏ ‏وَقَوْله \" فَمَا زِلْت أَجِد بَرْده \" ‏ ‏أَيْ بَرْد يَده , وَذُكِّرَ بِاعْتِبَارِ الْعُضْو أَوْ الْكَفّ أَوْ الْمَسْح. ‏ ‏وَقَوْله \" فِيمَا يُخَال إِلَيَّ \" ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : صَوَابه فِيمَا يُخَيَّل إِلَيَّ بِالتَّشْدِيدِ لِأَنَّهُ مِنْ التَّخَيُّل , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ). قُلْت : وَأَقَرَّهُ الزَّرْكَشِيّ , وَهُوَ عَجِيب. فَإِنَّ الْكَلِمَة صَوَاب , وَهُوَ بِمَعْنَى يُخَيَّل قَالَ فِي \" الْمُحْكَم \" : خَال الشَّيْء يَخَالهُ يَظُنّهُ وَتَخَيَّلَهُ ظَنَّهُ , وَسَاقَ الْكَلَامَ عَلَى الْمَادَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "5228",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏يُوعَكُ ‏ ‏وَعْكًا ‏ ‏شَدِيدًا فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ ‏ ‏لَتُوعَكُ ‏ ‏وَعْكًا ‏ ‏شَدِيدًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَجَلْ إِنِّي ‏ ‏أُوعَكُ ‏ ‏كَمَا ‏ ‏يُوعَكُ ‏ ‏رَجُلَانِ مِنْكُمْ فَقُلْتُ ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَجَلْ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ إِلَّا ‏ ‏حَطَّ ‏ ‏اللَّهُ لَهُ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل كَفَّارَة الْمَرْضَى. ‏ ‏وَقَوْله : \" فَمَسِسْته بِيَدِي \" ‏ ‏بِكَسْرِ السِّين الْأُولَى وَهِيَ مَوْضِع التَّرْجَمَة , وَجَاءَ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَادَ مَرِيضًا يَضَع يَده عَلَى الْمَكَان الَّذِي يَأْلَم ثُمَّ يَقُول : بِسْمِ اللَّه \" أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ حَسَن , وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ بِسَنَدٍ لَيِّن رَفَعَهُ \" تَمَام عِيَادَة الْمَرِيض أَنْ يَضَع أَحَدكُمْ يَده عَلَى جَبْهَته فَيَسْأَلهُ كَيْف هُوَ \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن السُّنِّيّ وَلَفْظه \" فَيَقُول : كَيْف أَصْبَحْت أَوْ كَيْف أَمْسَيْت \" ؟. ‏"
    },
    {
        "id": "5229",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَرَضِهِ فَمَسِسْتُهُ وَهُوَ ‏ ‏يُوعَكُ ‏ ‏وَعْكًا ‏ ‏شَدِيدًا فَقُلْتُ إِنَّكَ ‏ ‏لَتُوعَكُ ‏ ‏وَعْكًا ‏ ‏شَدِيدًا وَذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ قَالَ أَجَلْ ‏ ‏وَمَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى إِلَّا حَاتَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا تَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5230",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ يَعُودُهُ فَقَالَ ‏ ‏لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ كَلَّا بَلْ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ كَيْمَا تُزِيرَهُ الْقُبُورَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَعَمْ إِذًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5231",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى ‏ ‏إِكَافٍ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ ‏ ‏وَأَرْدَفَ ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏وَرَاءَهُ يَعُودُ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ‏ ‏قَبْلَ وَقْعَةِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَسَارَ حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ‏ ‏وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَفِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ‏ ‏وَالْيَهُودِ ‏ ‏وَفِي الْمَجْلِسِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ‏ ‏فَلَمَّا غَشِيَتْ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ‏ ‏أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ قَالَ لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا فَسَلَّمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَوَقَفَ وَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ‏ ‏يَا أَيُّهَا الْمَرْءُ إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إِنْ كَانَ حَقًّا فَلَا تُؤْذِنَا بِهِ فِي مَجْلِسِنَا وَارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ قَالَ ‏ ‏ابْنُ رَوَاحَةَ ‏ ‏بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاغْشَنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ ‏ ‏وَالْيَهُودُ ‏ ‏حَتَّى كَادُوا ‏ ‏يَتَثَاوَرُونَ ‏ ‏فَلَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى سَكَتُوا فَرَكِبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَابَّتَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَيْ ‏ ‏سَعْدُ ‏ ‏أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ ‏ ‏أَبُو حُبَابٍ ‏ ‏يُرِيدُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ فَلَقَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ مَا أَعْطَاكَ وَلَقَدْ اجْتَمَعَ أَهْلُ هَذِهِ الْبَحْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُوهُ فَلَمَّا رَدَّ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ بِذَلِكَ فَذَلِكَ الَّذِي فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله \" عَلَى حِمَار عَلَى إِكَاف عَلَى قَطِيفَةٍ \" ‏ ‏, \" عَلَى \" الثَّالِثَة بَدَل مِنْ الثَّانِيَة وَهِيَ بَدَل مِنْ الْأُولَى. وَالْحَاصِل أَنَّ الْإِكَاف يَلِي الْحِمَار وَالْقَطِيفَة فَوْق الْإِكَاف وَالرَّاكِب فَوْق الْقَطِيفَة , وَالْإِكَاف بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَتَخْفِيف الْكَاف مَا يُوضَع عَلَى الدَّابَّة كَالْبَرْذَعَةِ , وَالْقَطِيفَة كِسَاء , ‏ ‏وَقَوْله \" فَدَكِيَّة \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء وَالدَّال وَكَسْر الْكَاف نِسْبَة إِلَى فَدَك الْقَرْيَة الْمَشْهُورَة , كَأَنَّهَا صُنِعَتْ فِيهَا , وَحَكَى بَعْضهمْ أَنَّ فِي رِوَايَة \" فَرَكِبَهُ \" بِفَتْحِ الرَّاء وَالْمُوَحَّدَة الْخَفِيفَة مِنْ الرُّكُوب وَالضَّمِير لِلْحِمَارِ وَهُوَ تَصْحِيف بَيِّن. ‏"
    },
    {
        "id": "5232",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ هُوَ ابْنُ المُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعُودُنِي لَيْسَ بِرَاكِبِ بَغْلٍ وَلَا بِرْذَوْنٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث جَابِر \" جَاءَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودنِي لَيْسَ بِرَاكِبِ بَغْل وَلَا بِرْذَوْن \" ‏ ‏هَذَا الْقَدْر أَفْرَدَهُ الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" وَجَعَلَهُ الْحُمَيْدِيّ مِنْ جُمْلَة الْحَدِيث الَّذِي أَوَّله \" مَرِضْت فَأَتَانِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودنِي وَأَبُو بَكْر وَهُمَا مَاشِيَانِ \" وَأَظُنّ الَّذِي صَنَعَهُ هُوَ الصَّوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "5233",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏وَأَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏مَرَّ ‏ ‏بِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ الْقِدْرِ فَقَالَ ‏ ‏أَيُؤْذِيكَ ‏ ‏هَوَامُّ ‏ ‏رَأْسِكَ قُلْتُ نَعَمْ فَدَعَا الْحَلَّاقَ فَحَلَقَهُ ثُمَّ أَمَرَنِي بِالْفِدَاءِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث كَعْب بْن عُجْرَة فِي حَلْق الْمُحْرِم رَأْسه إِذَا آذَاهُ الْقَمْل , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحَجّ , ‏ ‏وَقَوْله : \" أَيُؤْذِيك هَوَامّ رَأْسك \" ‏ ‏هُوَ مَوْضِع التَّرْجَمَة لِنِسْبَةِ الْأَذَى لِلْهَوَامِّ , وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الْمِيم اِسْم لِلْحَشَرَاتِ لِأَنَّهَا تَهُمّ أَنْ تَدُبَّ , وَإِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الرَّأْس اِخْتَصَّتْ بِالْقَمْلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5234",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَبُو زَكَرِيَّاءَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَا ‏ ‏رَأْسَاهْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرَ لَكِ وَأَدْعُوَ لَكِ فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَا ‏ ‏ثُكْلِيَاهْ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي وَلَوْ كَانَ ذَاكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَلْ أَنَا وَا ‏ ‏رَأْسَاهْ لَقَدْ هَمَمْتُ أَوْ أَرَدْتُ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَابْنِهِ وَأَعْهَدَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ ثُمَّ قُلْتُ يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَحْيَى أَبُو زَكَرِيَّا ) ‏ ‏هُوَ النَّيْسَابُورِيّ الْإِمَام الْمَشْهُور وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى مَوَاضِع يَسِيرَة فِي الزَّكَاة وَالْوَكَالَة وَالتَّفْسِير وَالْأَحْلَام , وَأَكْثَرَ عَنْهُ مُسْلِم , وَيُقَال إِنَّهُ تَفَرَّدَ بِهَذَا الْإِسْنَاد وَإِنَّ أَحْمَد كَانَ يَتَمَنَّى لَوْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوج إِلَى نَيْسَابُور لِيَسْمَع مِنْهُ هَذَا الْحَدِيث , وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال. ‏ ‏قَوْله : ( وَارَأْسَاهُ ) ‏ ‏هُوَ تَفَجُّع عَلَى الرَّأْس لِشِدَّةِ مَا وَقَعَ بِهِ مِنْ أَلَم الصُّدَاع , وَعِنْد أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة عَنْ عَائِشَة \" رَجَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِنَازَة مِنْ الْبَقِيع فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِد صُدَاعًا فِي رَأْسِيّ وَأَنَا أَقُول : وَارَأْسَاهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ ) ‏ ‏ذَاكِ بِكَسْرِ الْكَاف إِشَارَة إِلَى مَا يَسْتَلْزِم الْمَرَض مِنْ الْمَوْت , أَيْ لَوْ مُتّ وَأَنَا حَيَّ , وَيُرْشِد إِلَيْهِ جَوَاب عَائِشَة , وَقَدْ وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة وَلَفْظه \" ثُمَّ قَالَ : مَا ضَرَّك لَوْ مُتّ قَبْلِي فَكَفَّنْتُك ثُمَّ صَلَّيْت عَلَيْك وَدَفَنْتُك \" وَقَوْلهَا \" وَاثُكْلَيَاه \" بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْكَاف وَفَتْح اللَّام وَبِكَسْرِهَا مَعَ التَّحْتَانِيَّة الْخَفِيفَة وَبَعْد الْأَلِف هَاء لِلنُّدْبَةِ , وَأَصْل الثَّكَل فَقْد الْوَلَد أَوْ مَنْ يَعِزّ عَلَى الْفَاقِد , وَلَيْسَتْ حَقِيقَته هُنَا مُرَادَة , بَلْ هُوَ كَلَام كَانَ يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتهمْ عِنْد حُصُول الْمُصِيبَة أَوْ تَوَقُّعهَا. وَقَوْلهَا \" وَاَللَّه إِنِّي لَأَظُنّك تُحِبّ مَوْتِي \" كَأَنَّهَا أَخَذَتْ ذَلِكَ مِنْ قَوْله لَهَا \" لَوْ مُتّ قَبْلِي \" وَقَوْلهَا \" وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" ذَاكَ \" بِغَيْرِ لَامَ أَيْ مَوْتهَا \" لَظَلِلْت آخِر يَوْمك مُعَرِّسًا \" بِفَتْحِ الْعَيْن وَالْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الرَّاء الْمَكْسُورَة وَسُكُون الْعَيْن وَالتَّخْفِيف , يُقَال أَعْرَسَ وَعَرَّسَ إِذَا بَنَى عَلَى زَوْجَته , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي كُلّ جِمَاع , وَالْأَوَّل أَشْهَر , فَإِنَّ التَّعْرِيس النُّزُول بِلَيْلٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه \" لَكَأَنِّي بِك وَاَللَّه لَوْ قَدْ فَعَلْت ذَلِكَ لَقَدْ رَجَعْت إِلَى بَيْتِي فَأَعْرَسْت بِبَعْضِ نِسَائِك. قَالَتْ : فَتَبَسَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلهَا \" بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ \" هِيَ كَلِمَة إِضْرَاب , وَالْمَعْنَى : دَعِي ذِكْر مَا تَجِدِينَهُ مِنْ وَجَع رَأْسك وَاشْتَغِلِي بِي , وَزَادَ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه \" ثُمَّ بُدِئَ فِي وَجَعه الَّذِي مَاتَ فِيهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ هَمَمْت أَوْ أَرَدْت ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم \" أَوْ وَدِدْت \" بَدَل \" أَرَدْت \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ أُرْسِل إِلَى أَبِي بَكْر وَابْنه ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْوَاوِ وَأَلِف الْوَصْل وَالْمُوَحَّدَة وَالنُّون , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَوْ اِبْنه \" بِلَفْظِ أَوْ الَّتِي لِلشَّكِّ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ , وَفِي أُخْرَى \" أَوْ آتِيه \" بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَة بَعْدهَا مُثَنَّاة مَكْسُورَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة مِنْ الْإِتْيَان بِمَعْنَى الْمَجِيء , وَالصَّوَاب الْأَوَّل , وَنَقَلَ عِيَاض عَنْ بَعْض الْمُحَدِّثِينَ تَصْوِيبهَا وَخَطَأَهُ. وَقَالَ : وَيُوَضِّح الصَّوَاب قَوْلهَا فِي الْحَدِيث الْآخَر عِنْد مُسْلِم \" ادْعِي لِي أَبَاك وَأَخَاك \" وَأَيْضًا فَإِنَّ مَجِيئَهُ إِلَى أَبِي بَكْر كَانَ مُتَعَسِّرًا لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ حُضُور الصَّلَاة مَعَ قُرْب مَكَانهَا مِنْ بَيْته. قُلْت : فِي هَذَا التَّعْلِيل نَظَر , لِأَنَّ سِيَاق الْحَدِيث يُشْعِر بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي اِبْتِدَاء مَرَضه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ اِسْتَمَرَّ يُصَلِّي بِهِمْ وَهُوَ مَرِيض وَيَدُور عَلَى نِسَائِهِ حَتَّى عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَانْقَطَعَ فِي بَيْت عَائِشَة. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَقَدْ هَمَمْت إِلَخْ \" وَقَعَ بَعْد الْمُفَاوَضَة الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنه وَبَيْن عَائِشَة بِمُدَّةٍ , وَإِنْ كَانَ ظَاهِر الْحَدِيث بِخِلَافِهِ. وَيُؤَيِّد أَيْضًا مَا فِي الْأَصْل أَنَّ الْمَقَام كَانَ مَقَام اِسْتِمَالَة قَلْب عَائِشَة , فَكَأَنَّهُ يَقُول : كَمَا أَنَّ الْأَمْر يُفَوَّض لِأَبِيك فَإِنَّ ذَلِكَ يَقَع بِحُضُورِ أَخِيك , هَذَا إِنْ كَانَ الْمُرَاد بِالْعَهْدِ الْعَهْد بِالْخِلَافَةِ , وَهُوَ ظَاهِر السِّيَاق كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِحْضَار بَعْض مَحَارِمهَا حَتَّى لَوْ اِحْتَاجَ إِلَى قَضَاء حَاجَة أَوْ الْإِرْسَال إِلَى أَحَد لَوَجَدَ مَنْ يُبَادِر لِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَعْهَد ) ‏ ‏أَيْ أُوصِي. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَقُول الْقَائِلُونَ ) ‏ ‏أَيْ لِئَلَّا يَقُول , أَوْ كَرَاهَة أَنْ يَقُول. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون جَمْع مُتَمَنِّي بِكَسْرِهَا , وَأَصْل الْجَمْع المُتَمَنِّيُونَ فَاسْتُثْقِلَتْ الضَّمَّة عَلَى الْيَاء فَحُذِفَتْ فَاجْتُمِعْت كَسْرَة النُّون بَعْدهَا الْوَاو فَضُمَّتْ النُّون , وَفِي الْحَدِيث مَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَة مِنْ الْغَيْرَة , وَفِيهِ مُدَاعَبَة الرَّجُل أَهْله وَالْإِفْضَاء إِلَيْهِمْ بِمَا يَسْتُرهُ عَنْ غَيْرهمْ , وَفِيهِ أَنَّ ذِكْر الْوَجَع لَيْسَ بِشِكَايَةٍ , فَكَمْ مِنْ سَاكِت وَهُوَ سَاخِط , وَكَمْ مِنْ شَاكّ وَهُوَ رَاضٍ , فَالْمُعَوَّل فِي ذَلِكَ عَلَى عَمَل الْقَلْب لَا عَلَى نُطْق اللِّسَان , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5235",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏يُوعَكُ ‏ ‏فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي فَقُلْتُ إِنَّكَ ‏ ‏لَتُوعَكُ ‏ ‏وَعْكًا ‏ ‏شَدِيدًا قَالَ ‏ ‏أَجَلْ كَمَا ‏ ‏يُوعَكُ ‏ ‏رَجُلَانِ مِنْكُمْ قَالَ لَكَ أَجْرَانِ قَالَ نَعَمْ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ إِلَّا حَطَّ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه قَرِيبًا. وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة ‏ ‏\" فَمَسِسْته \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" فَسَمِعْته \" وَهُوَ تَحْرِيف , وَوُجِّهَتْ بِأَنَّ هُنَاكَ حَذْفًا وَالتَّقْدِير فَسَمِعْت أَنِينه. ‏"
    },
    {
        "id": "5236",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي زَمَنَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقُلْتُ بَلَغَ بِي مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ‏ ‏ابْنَةٌ ‏ ‏لِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ ‏ ‏لَا قُلْتُ بِالشَّطْرِ قَالَ لَا قُلْتُ الثُّلُثُ قَالَ الثُّلُثُ كَثِيرٌ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَلَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي ‏ ‏فِي امْرَأَتِكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَامِر بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ وَجَع اِشْتَدَّ بِي ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْوَصَايَا , ‏ ‏وَقَوْله : \" زَمَن حَجَّة الْوَدَاع \" ‏ ‏مُوَافِق لِرِوَايَةِ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيّ , وَتَقَدَّمَ أَنَّ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ فِي رِوَايَته \" أَنَّ ذَلِكَ فِي زَمَن الْفَتْح \" وَالْأَوَّل أَرْجَح وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5237",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمْ الْقُرْآنُ حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ فَاخْتَصَمُوا مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ ‏ ‏وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُومُوا قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقُولُ إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ , ‏ ‏وَقَوْله \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد \" ‏ ‏هُوَ الْمُسْنَدِيّ , وَسَاقَهُ الْمُصَنِّف هُنَا عَلَى لَفْظ هِشَام , وَسَبَقَ لَفْظ عَبْد الرَّزَّاق فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي , وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ , وَوَقَعَ هُنَا \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُومُوا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي كِتَاب الْعِلْم مِنْ رِوَايَة يُونُس بْن يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيّ بِلَفْظِ \" فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُومُوا عَنِّي \" وَهُوَ الْمُطَابِق لِلتَّرْجَمَةِ , وَلَمْ أَسْتَحْضِرهُ عِنْد الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْمَغَازِي فَنَسَبْت هَذِهِ الزِّيَادَة لِابْنِ سَعْد , وَعَزْوهَا لِلْبُخَارِيِّ أَوْلَى. وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْأَدَب فِي الْعِيَادَة أَنْ لَا يُطِيل الْعَائِد عِنْد الْمَرِيض حَتَّى يَضْجَرهُ , وَأَنْ لَا يَتَكَلَّم عِنْده بِمَا يُزْعِجهُ. وَجُمْلَة آدَاب الْعِيَادَة عَشَرَة أَشْيَاء , وَمِنْهَا مَا لَا يَخْتَصّ بِالْعِيَادَةِ : أَنْ لَا يُقَابِل الْبَاب عِنْد الِاسْتِئْذَان , وَأَنْ يَدُقّ الْبَاب بِرِفْقٍ , وَأَنْ لَا يُبْهِم نَفْسه كَأَنْ يَقُول أَنَا , وَأَنْ لَا يَحْضُر فِي وَقْت يَكُون غَيْر لَائِق بِالْعِيَادَةِ كَوَقْتِ شُرْب الْمَرِيض الدَّوَاء , وَأَنْ يُخَفِّف الْجُلُوس , وَأَنْ يَغُضّ الْبَصَر , وَيُقَلِّل السُّؤَال , وَأَنْ يُظْهِر الرِّقَّة , وَأَنْ يُخْلِص الدُّعَاء , وَأَنْ يُوَسِّع لِلْمَرِيضِ فِي الْأَمَل , وَيُشِير عَلَيْهِ بِالصَّبْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ جَزِيل الْأَجْر , وَيُحَذِّرهُ مِنْ الْجَزَع لِمَا فِيهِ مِنْ الْوِزْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول إِنَّ الرَّزِيَّة ) ‏ ‏سَبَقَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "5238",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمٌ هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجُعَيْدِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏السَّائِبَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ ‏ ‏فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْجُعَيْد وَهُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , وَالسَّائِب هُوَ اِبْن يَزِيد , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث مَشْرُوحًا فِي التَّرْجَمَة النَّبَوِيَّة عِنْد ذِكْر خَاتَم النُّبُوَّة وَأَنَّ خَالَة السَّائِب لَا يُعْرَف اِسْمهَا , وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَى خُصُوص الْمَسْح عَلَى رَأْس الْمَرِيض وَالدُّعَاء بِالْبَرَكَةِ فِي كِتَاب الدَّعَوَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5239",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي ‏",
        "sharh": "عَنْ أَنَس. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدكُمْ الْمَوْت مِنْ ضُرّ أَصَابَهُ ) ‏ ‏الْخِطَاب لِلصَّحَابَةِ , وَالْمُرَاد هُمْ وَمَنْ بَعْدهمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا , وَقَوْله \" مِنْ ضُرّ أَصَابَهُ \" حَمَلَهُ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف عَلَى الضُّرّ الدُّنْيَوِيّ , فَإِنْ وَجَدَ الْأُخْرَوِيّ بِأَنْ خَشِيَ فِتْنَة فِي دِينه لَمْ يَدْخُل فِي النَّهْي , وَيُمْكِن أَنْ يُؤْخَذ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَة اِبْن حِبَّان \" لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدكُمْ الْمَوْت لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فِي الدُّنْيَا \" عَلَى أَنَّ \" فِي \" فِي هَذَا الْحَدِيث سَبَبِيَّة , أَيْ بِسَبَبِ أَمْر مِنْ الدُّنْيَا , وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة : فَفِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ عُمَر أَنَّهُ قَالَ \" اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي , وَضَعُفَتْ قُوَّتِي , وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي , فَاقْبِضْنِي إِلَيْك غَيْر مُضَيِّع وَلَا مُفَرِّط \" , وَأَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عُمَر , وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَغَيْره مِنْ طَرِيق عَبَس وَيُقَال عَابِس الْغِفَارِيُّ أَنَّهُ قَالَ \" يَا طَاعُون خُذْنِي. فَقَالَ لَهُ عُلَيْم الْكِنْدِيّ : لِمَ تَقُول هَذَا ؟ أَلَمْ يَقُلْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدكُمْ الْمَوْت ؟ فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْته يَقُول : بَادِرُوا بِالْمَوْتِ سِتًّا , إِمْرَة السُّفَهَاء , وَكَثْرَة الشُّرَط , وَبَيْع الْحُكْم \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَ أَحْمَد أَيْضًا مِنْ حَدِيث عَوْف بْن مَالِك نَحْوَهُ وَأَنَّهُ \" قِيلَ لَهُ : أَلَمْ يَقُلْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا عَمَّرَ الْمُسْلِم كَانَ خَيْرًا لَهُ \" الْحَدِيث , وَفِيهِ الْجَوَاب نَحْوه , وَأَصْرَح مِنْهُ فِي ذَلِكَ حَدِيث مُعَاذ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم فِي الْقَوْل فِي دُبُر كُلّ صَلَاة وَفِيهِ \" وَإِذَا أَرَدْت بِقَوْمِ فِتْنَة فَتَوَفَّنِي إِلَيْك غَيْر مَفْتُون \". ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ كَانَ لَا بُدّ فَاعِلًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب عَنْ أَنَس كَمَا سَيَأْتِي فِي الدَّعَوَات \" فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَقُلْ إِلَخْ ) ‏ ‏وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ النَّهْي عَنْ تَمَنِّي الْمَوْت مُقَيَّد بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الصِّيغَة , لِأَنَّ فِي التَّمَنِّي الْمُطْلَق نَوْع اِعْتِرَاض وَمُرَاغَمَة لِلْقَدْرِ الْمَحْتُوم وَفِي هَذِهِ الصُّورَة الْمَأْمُور بِهَا نَوْع تَفْوِيض وَتَسْلِيم لِلْقَضَاءِ , وَقَوْله \" فَإِنْ كَانَ إِلَخْ \" فِيهِ مَا يَصْرِف الْأَمْر عَنْ حَقِيقَته مِنْ الْوُجُوب أَوْ الِاسْتِحْبَاب , وَيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لِمُطْلَقِ الْإِذْن لِأَنَّ الْأَمْر بَعْد الْحَظْر لَا يَبْقَى عَلَى حَقِيقَته. وَقَرِيب مِنْ هَذَا السِّيَاق مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن مِنْ حَدِيث الْمِقْدَام بْن مَعْدِي كَرِبَ \" حَسْب اِبْن آدَم لُقَيْمَات يُقِمْنَ صُلْبه , فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدّ فَثُلُث لِلطَّعَامِ \" الْحَدِيث , أَيْ إِذَا كَانَ لَا بُدّ مِنْ الزِّيَادَة عَلَى اللُّقَيْمَات فَلِيَقْتَصِر عَلَى الثُّلُث , فَهُوَ إِذْن بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الثُّلُث , لَا أَمْر يَقْتَضِي الْوُجُوب وَلَا الِاسْتِحْبَاب. ‏ ‏قَوْله : ( مَا كَانَتْ الْحَيَاة خَيْرًا لِي , وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ ) ‏ ‏عَبَّرَ فِي الْحَيَاة بِقَوْلِهِ \" مَا كَانَتْ \" لِأَنَّهَا حَاصِلَة , فَحَسَن أَنْ يَأْتِي بِالصِّيغَةِ الْمُقْتَضِيَة لِلِاتِّصَافِ بِالْحَيَاةِ , وَلَمَّا كَانَتْ الْوَفَاة لَمْ تَقَع بَعْد حَسُنَ أَنْ يَأْتِي بِصِيغَةِ الشَّرْط. وَالظَّاهِر أَنَّ هَذَا التَّفْصِيل مَا إِذَا كَانَ الضُّرّ دِينِيًّا أَوْ دُنْيَوِيًّا , وَسَيَأْتِي فِي التَّمَنِّي مِنْ رِوَايَة النَّضْر بْن أَنَس عَنْ أَبِيهِ \" لَوْلَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَمَنَّوْا الْمَوْت لَتَمَنَّيْته \" فَلَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ التَّفْصِيل الْمَذْكُور لَيْسَ مِنْ التَّمَنِّي الْمَنْهِيّ عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5240",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ دَخَلْنَا عَلَى ‏ ‏خَبَّابٍ ‏ ‏نَعُودُهُ وَقَدْ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ فَقَالَ إِنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصْهُمْ الدُّنْيَا وَإِنَّا أَصَبْنَا مَا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلَّا التُّرَابَ وَلَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ فَقَالَ إِنَّ الْمُسْلِمَ لَيُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ إِلَّا فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ فِي هَذَا التُّرَابِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد ) ‏ ‏لِشُعْبَة فِيهِ إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة غُنْدَر عَنْهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ حَارِثَة بْن مُضَرِّب قَالَ \" دَخَلْت عَلَى خَبَّاب \" فَذَكَرَ الْحَدِيث نَحْوه. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ اِكْتَوَى سَبْع كَيَّات ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَارِثَة \" وَقَدْ اِكْتَوَى فِي بَطْنه فَقَالَ : مَا أَعْلَم أَحَدًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ مِنْ الْبَلَاء مَا لَقِيت \" أَيْ مِنْ الْوَجَع الَّذِي أَصَابَهُ , وَحَكَى شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" اِحْتِمَال أَنْ يَكُون أَرَادَ بِالْبَلَاءِ مَا فُتِحَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَال بَعْد أَنْ كَانَ لَا يَجِد دِرْهَمًا , كَمَا وَقَعَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة حَارِثَة الْمَذْكُورَة عَنْهُ قَالَ \" لَقَدْ كُنْت وَمَا أَجِد دِرْهَمًا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي نَاحِيَة بَيْتِي أَرْبَعُونَ أَلْفًا \" يَعْنِي الْآن , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ غَيْره مِنْ الصَّحَابَة كَانَ أَكْثَر مَالًا مِنْهُ كَعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَاحْتِمَال أَنْ يَكُون أَرَادَ مَا لَقِيَ مِنْ التَّعْذِيب فِي أَوَّل الْإِسْلَام مِنْ الْمُشْرِكِينَ , وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ اِتِّسَاع الدُّنْيَا عَلَيْهِ يَكُون ثَوَاب ذَلِكَ التَّعْذِيب , وَكَانَ يُحِبّ أَنْ لَوْ بَقِيَ لَهُ أَجْره مُوَفَّرًا فِي الْآخِرَة , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ مَا فَعَلَ مِنْ الْكَيّ مَعَ وُرُود النَّهْي عَنْهُ , كَمَا قَالَ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ \" نُهِينَا عَنْ الْكَيّ فَاكْتَوَيْنَا فَمَا أَفْلَحْنَا \" أَخْرَجَهُ قَالَ : وَهَذَا بَعِيد. قُلْت : وَكَذَلِكَ الَّذِي قَبْله , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حُكْم الْكَيّ قَرِيبًا فِي كِتَاب الطِّبّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ أَصْحَابنَا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصهُمْ الدُّنْيَا ) ‏ ‏زَادَ فِي الرِّقَاق مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد \" شَيْئًا \" أَيْ لَمْ تَنْقُص أُجُورهمْ , بِمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَجَّلُوهَا فِي الدُّنْيَا بَلْ بَقِيَتْ مُوَفَّرَة لَهُمْ فِي الْآخِرَة , وَكَأَنَّهُ عَنَى بِأَصْحَابِهِ بَعْض الصَّحَابَة مِمَّنْ مَاتَ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا مَنْ عَاشَ بَعْده فَإِنَّهُمْ اِتَّسَعَتْ لَهُمْ الْفُتُوح. وَيُؤَيِّدهُ حَدِيثه الْآخَر \" هَاجَرْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَقَعَ أَجْرنَا عَلَى اللَّه , فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُل مِنْ أَجْره شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَب بْن عُمَيْر \" وَقَدْ مَضَى فِي الْجَنَائِز وَفِي الْمَغَازِي أَيْضًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَنَى جَمِيع مَنْ مَاتَ قَبْله , وَأَنَّ مَنْ اِتَّسَعَتْ لَهُ الدُّنْيَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ إِمَّا لِكَثْرَةِ إِخْرَاجهمْ الْمَال فِي وُجُوه الْبِرّ , وَكَانَ مَنْ يَحْتَاج إِلَيْهِ إِذْ ذَاكَ كَثِيرًا فَكَانَتْ تَقَع لَهُمْ الْمَوْقِع , ثُمَّ لَمَّا اِتَّسَعَ الْحَال جِدًّا وَشَمَلَ الْعَدْل فِي زَمَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ اسْتَغْنَى النَّاس بِحَيْثُ صَارَ الْغَنِيّ لَا يَجِد مُحْتَاجًا يَضَع بِرّه فِيهِ , وَلِهَذَا قَالَ خَبَّاب : \" وَإِنَّا أَصَبْنَا مَا لَا نَجِد لَهُ مَوْضِعًا إِلَّا التُّرَاب \" أَيْ الْإِنْفَاق فِي الْبُنْيَانِ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : أَرَادَ خَبَّاب بِهَذَا الْقَوْل الْمَوْت أَيْ لَا يَجِد لِلْمَالِ الَّذِي أَصَابَهُ إِلَّا وَضَعَهُ فِي الْقَبْر , حَكَاهُ اِبْن التِّين وَرَدَّهُ فَأَصَابَ , وَقَالَ : بَلْ هُوَ عِبَارَة عَمَّا أَصَابُوا مِنْ الْمَال قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ لِأَحْمَد عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد فِي هَذَا الْحَدِيث بَعْد قَوْله إِلَّا التُّرَاب \" وَكَانَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ \" وَيَأْتِي فِي الرِّقَاق نَحْوه بِاخْتِصَارٍ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا عَنْ وَكِيع عَنْ إِسْمَاعِيل وَأَوَّله \" دَخَلْنَا عَلَى خَبَّاب نَعُودهُ وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ وَقَدْ اِكْتَوَى سَبْعًا \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَوْلَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا أَنْ نَدْعُو بِالْمَوْتِ لَدَعَوْت بِهِ ) ‏ ‏الدُّعَاء بِالْمَوْتِ أَخَصّ مِنْ تَمَنِّي الْمَوْت , وَكُلّ دُعَاء تَمَنٍّ مِنْ غَيْر عَكْس , فَلِذَلِكَ أَدْخَلَهُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّة أُخْرَى وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة شُعْبَة تَكْرَار الْمَجِيء , وَهُوَ أَحْفَظ الْجَمِيع فَزِيَادَته مَقْبُولَة , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ قِصَّة بِنَاء الْحَائِط كَانَتْ سَبَب قَوْله أَيْضًا \" وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنْ الدُّنْيَا مَا لَا نَجِد لَهُ مَوْضِعًا إِلَّا التُّرَاب \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ الْمُسْلِم لِيُؤْجَر فِي كُلّ شَيْء يُنْفِقهُ إِلَّا فِي شَيْء يَجْعَلهُ فِي هَذَا التُّرَاب ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي يُوضَع فِي الْبُنْيَان , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَة , وَسَيَأْتِي تَقْرِير ذَلِكَ فِي آخِر كِتَاب الِاسْتِئْذَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْه مَوْقُوفًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عُمَر بْن إِسْمَاعِيل بْن مُجَالِد \" حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ بَيَان بْن بِشْر وَإِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد جَمِيعًا عَنْ قَيْس عَنْ أَبِي حَازِم قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى خَبَّاب نَعُودهُ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَفِيهِ \" وَهُوَ يُعَالِج حَائِطًا لَهُ فَقَالَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْمُسْلِم يُؤْجَر فِي نَفَقَته كُلّهَا إِلَّا مَا يَجْعَلهُ فِي التُّرَاب \" وَعُمَر كَذَّبَهُ يَحْيَى بْن مَعِين. ‏"
    },
    {
        "id": "5241",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو عُبَيْدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ ‏ ‏فَسَدِّدُوا ‏ ‏وَقَارِبُوا ‏ ‏وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ ‏ ‏يَسْتَعْتِبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْد مَوْلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف ) ‏ ‏هُوَ أَبُو عُبَيْد مَوْلَى اِبْن أَزْهَر وَاسْمه سَعِيد بْن عُبَيْد , وَابْن أَزْهَر الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَزْهَر بْن عَوْف , وَهُوَ اِبْن أَخِي عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف الزُّهْرِيّ ; هَكَذَا اِتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَنْ الزُّهْرِيّ فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي عُبَيْد , وَخَالَفَهُمْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيّ فَقَالَ \" عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ : رِوَايَة الزُّبَيْدِيّ أَوْلَى بِالصَّوَابِ , وَإِبْرَاهِيم بْن سَعْد ثِقَة , يَعْنِي وَلَكِنَّهُ أَخْطَأَ فِي هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( لَنْ يُدْخِل أَحَدًا عَمَله الْجَنَّة ) ‏ ‏الْحَدِيث يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الرِّقَاق , فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ مُفْرَدًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْره , وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ هُنَا اِسْتِطْرَادًا لَا قَصْدًا , وَالْمَقْصُود مِنْهُ الْحَدِيث الَّذِي بَعْده وَهُوَ قَوْله \" وَلَا يَتَمَنَّى إِلَخْ \" وَقَدْ أَفْرَدَهُ فِي كِتَاب التَّمَنِّي مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَتَمَنَّى ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِإِثْبَاتِ التَّحْتَانِيَّة , وَهُوَ لَفْظ نَفْي بِمَعْنَى النَّهْي. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَا يَتَمَنَّ \" عَلَى لَفْظ النَّهْي , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر الْآتِيَة فِي التَّمَنِّي بِلَفْظِ \" لَا يَتَمَنَّى \" لِلْأَكْثَرِ وَبِلَفْظِ \" لَا يَتَمَنَّيَنَّ \" لِلْكُشْمِيهَنِيّ , وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِزِيَادَةِ نُون التَّأْكِيد , وَزَادَ بَعْد قَوْله أَحَدكُمْ الْمَوْت \" وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِيه \" وَهُوَ قَيْد فِي الصُّورَتَيْنِ , وَمَفْهُومه أَنَّهُ إِذَا حَلَّ بِهِ لَا يَمْنَع مِنْ تَمَنِّيه رِضًا بِلِقَاءِ اللَّه وَلَا مِنْ طَلَبه مِنْ اللَّه لِذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ , وَلِهَذِهِ النُّكْتَة عَقَّبَ الْبُخَارِيّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِحَدِيثِ عَائِشَة \" اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى \" إِشَارَة إِلَى أَنَّ النَّهْي مُخْتَصّ بِالْحَالَةِ الَّتِي قَبْل نُزُول الْمَوْت , فَلِلَّهِ دَرّه مَا كَانَ أَكْثَر اِسْتِحْضَاره وَإِيثَاره لِلْأَخْفَى عَلَى الْأَجْلَى شَحْذًا لِلْأَذْهَانِ. وَقَدْ خَفِيَ صَنِيعه هَذَا عَلَى مَنْ جَعَلَ حَدِيث عَائِشَة فِي الْبَاب مُعَارِضًا لِأَحَادِيث الْبَاب أَوْ نَاسِخًا لَهَا , وَقَوِيَ ذَلِكَ بِقَوْل يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام ( تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) قَالَ اِبْن التِّين : قِيلَ إِنَّ النَّهْىَ مَنْسُوخ بِقَوْلِ يُوسُف فَذَكَرَهُ , وَبِقَوْلِ سُلَيْمَان ( وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِك فِي عِبَادك الصَّالِحِينَ ) وَبِحَدِيثِ عَائِشَة فِي الْبَاب , وَبِدُعَاءِ عُمَر بِالْمَوْتِ وَغَيْره. قَالَ وَلَيْسَ الْأَمْر كَذَلِكَ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا سَأَلُوا مَا قَارَبَ الْمَوْت. قُلْت : وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مُرَاد يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام , فَقَالَ قَتَادَة : لَمْ يَتَمَنَّ الْمَوْت أَحَد إِلَّا يُوسُف حِين تَكَامَلَتْ عَلَيْهِ النِّعَم وَجُمِعَ لَهُ الشَّمْل اِشْتَاقَ إِلَى لِقَاء اللَّه , أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْهُ. وَقَالَ غَيْره : بَلْ مُرَاده تَوَفَّنِي مُسْلِمًا عِنْد حُضُور أَجَلِي , كَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم , وَكَذَلِكَ مُرَاد سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام. وَعَلَى تَقْدِير الْحَمْل عَلَى مَا قَالَ قَتَادَة فَهُوَ لَيْسَ مِنْ شَرْعِنَا , وَإِنَّمَا يُؤْخَذ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلنَا مَا لَمْ يَرِد فِي شَرْعنَا النَّهْي عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ الْإِذْن فِي ذَلِكَ عِنْد نُزُول الْمَوْت لِأَنَّ نُزُول الْمَوْت لَا يَتَحَقَّق , فَكَمْ مَنْ اِنْتَهَى إِلَى غَايَة جَرَتْ الْعَادَة بِمَوْتِ مَنْ يَصِل إِلَيْهَا ثُمَّ عَاشَ. وَالْجَوَاب أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ الْعَبْد يَكُون حَاله فِي ذَلِكَ الْوَقْت حَال مَنْ يَتَمَنَّى نُزُوله بِهِ وَيَرْضَاهُ أَنْ لَوْ وَقَعَ بِهِ , وَالْمَعْنَى أَنْ يَطْمَئِنّ قَلْبه إِلَى مَا يَرِد عَلَيْهِ مِنْ رَبّه وَيَرْضَى بِهِ وَلَا يَقْلَق , وَلَوْ لَمْ يَتَّفِق أَنَّهُ يَمُوت فِي ذَلِكَ الْمَرَض. ‏ ‏قَوْلُهُ ( إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَاد خَيْرًا , وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِب ) ‏ ‏أَيْ يَرْجِع عَنْ مُوجِب الْعَتْب عَلَيْهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد \" وَأَنَّهُ لَا يَزِيد الْمُؤْمِن عُمْره إِلَّا خَيْرًا \" وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي النَّهْي عَنْ تَمَنِّي الْمَوْت وَالدُّعَاء بِهِ هُوَ اِنْقِطَاع الْعَمَل بِالْمَوْتِ , فَإِنَّ الْحَيَاة يَتَسَبَّب مِنْهَا الْعَمَل , وَالْعَمَل يُحَصِّل زِيَادَة الثَّوَاب , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا اِسْتِمْرَار التَّوْحِيد فَهُوَ أَفْضَل الْأَعْمَال. وَلَا يَرُدّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَقَع الِارْتِدَاد وَالْعِيَاذ بِاَللَّهِ تَعَالَى عَنْ الْإِيمَان لِأَنَّ ذَلِكَ نَادِر , وَالْإِيمَان بَعْد أَنْ تُخَالِط بَشَاشَته الْقُلُوب لَا يَسْخَطهُ أَحَد , وَعَلَى تَقْدِير وُقُوع ذَلِكَ - وَقَدْ وَقَعَ لَكِنْ نَادِرًا - فَمَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْم اللَّه خَاتِمَة السُّوء فَلَا بُدّ مِنْ وُقُوعهَا طَالَ عُمْره أَوْ قَصُرَ , فَتَعْجِيله بِطَلَبِ الْمَوْت لَا خَيْر لَهُ فِيهِ. وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِسَعْدٍ : يَا سَعْد إِنْ كُنْت خُلِقْت لِلْجَنَّةِ فَمَا طَالَ مِنْ عُمْرك أَوْ حَسُنَ مِنْ عَمَلك فَهُوَ خَيْر لَك \" أَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ لَيِّن , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد وَمُسْلِم \" وَأَنَّهُ لَا يَزِيد الْمُؤْمِن عُمْره إِلَّا خَيْرًا \" وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّهُ قَدْ يَعْمَل السَّيِّئَات فَيَزِيدهُ عُمْره شَرًّا , وَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدهَا حَمْل الْمُؤْمِن عَلَى الْكَامِل وَفِيهِ بُعْد , وَالثَّانِي أَنَّ الْمُؤْمِن بِصَدَدِ أَنْ يَعْمَل مَا يُكَفِّر ذُنُوبه إِمَّا مِنْ اِجْتِنَاب الْكَبَائِر وَإِمَّا مِنْ فِعْل حَسَنَات أُخَر تُقَاوِم سَيِّئَاته , وَمَا دَامَ الْإِيمَان بَاقٍ فَالْحَسَنَات بِصَدَدِ التَّضْعِيف , وَالسَّيِّئَات بِصَدَدِ التَّكْفِير. وَالثَّالِث يُقَيِّد مَا أُطْلِق فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْبَاب مِنْ التَّرَجِّي حَيْثُ جَاءَ بِقَوْلِهِ \" لَعَلَّهُ \" وَالتَّرَجِّي مُشْعِر بِالْوُقُوعِ غَالِبًا لَا جَزْمًا , فَخَرَجَ الْخَبَر مَخْرَج تَحْسِين الظَّنّ بِاَللَّهِ , وَأَنَّ الْمُحْسِن يَرْجُو مِنْ اللَّه الزِّيَادَة بِأَنْ يُوَفِّقهُ لِلزِّيَادَةِ مِنْ عَمَله الصَّالِح , وَأَنَّ الْمُسِيء لَا يَنْبَغِي لَهُ الْقُنُوط مِنْ رَحْمَة اللَّه وَلَا قَطْع رَجَائِهِ , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \". وَيَدُلّ عَلَى أَنَّ قِصَر الْعُمْر قَدْ يَكُون خَيْرًا لِلْمُؤْمِنِ حَدِيث أَنَس الَّذِي فِي أَوَّل الْبَاب \" وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاة خَيْرًا لِي \" وَهُوَ لَا يُنَافِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ الْمُؤْمِن لَا يَزِيدهُ عُمْره إِلَّا خَيْرًا \" إِذَا حُمِلَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَلَى الْأَغْلَب وَمُقَابِله عَلَى النَّادِر , وَسَيَأْتِي الْإِلْمَام بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا فِي كِتَاب التَّمَنِّي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5242",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَيَّ يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى \" تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة , وَتَقَدَّمَ فِي الَّذِي قَبْله أَنَّ ذَلِكَ لَا يُعَارِض النَّهْي عَنْ تَمَنِّي الْمَوْت وَالدُّعَاء بِهِ , وَأَنَّ هَذِهِ الْحَالَة مِنْ خَصَائِص الْأَنْبِيَاء أَنَّهُ لَا يُقْبَض نَبِيّ حَتَّى يُخَيَّر بَيْن الْبَقَاء فِي الدُّنْيَا وَبَيْن الْمَوْت. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطه وَاضِحًا هُنَاكَ وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏"
    },
    {
        "id": "5243",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ إِذَا أَتَى مَرِيضًا أَوْ أُتِيَ بِهِ قَالَ ‏ ‏أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ ‏ ‏وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَأَبِي الضُّحَى ‏ ‏إِذَا أُتِيَ بِالْمَرِيضِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏وَحْدَهُ وَقَالَ إِذَا أَتَى مَرِيضًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَنْصُور ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , ‏ ‏وَإِبْرَاهِيم ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا أَتَى مَرِيضًا أَوْ أُتِيَ بِهِ ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَقَدْ حَكَى الْمُصَنِّف الِاخْتِلَاف فِيهِ فِي الرِّوَايَات الْمُعَلَّقَة بَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُغَادِر ) ‏ ‏بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة أَيْ لَا يَتْرُك , وَفَائِدَة التَّقْيِيد بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَحْصُل الشِّفَاء مِنْ ذَلِكَ الْمَرَض فَيَخْلُفهُ مَرَض آخَر يَتَوَلَّد مِنْهُ , فَكَانَ يَدْعُو لَهُ بِالشِّفَاءِ الْمُطْلَق لَا بِمُطْلَقِ الشِّفَاء. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَمْرو بْن أَبِي قَيْس وَإِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان عَنْ مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم وَأَبِي الضُّحَى إِذَا أَتَى الْمَرِيض ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" إِذَا أُتِيَ بِالْمَرِيضِ \" وَهُوَ أَصْوَب , فَأَمَّا عَمْرو بْن أَبِي قَيْس فَهُوَ الرَّازِيّ وَأَصْله مِنْ الْكُوفَة وَلَا يُعْرَف اِسْم أَبِيهِ وَهُوَ صَدُوق , وَلَمْ يُخْرِج لَهُ الْبُخَارِيّ إِلَّا تَعْلِيقًا , وَقَدْ وَقَعَ لَنَا حَدِيثه هَذَا مَوْصُولًا فِي \" فَوَائِد أَبِي الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن نَجِيح \" مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن سَعِيد بْن سَابِق الْقَزْوِينِيّ عَنْهُ بِلَفْظِ \" إِذَا أُتِيَ بِالْمَرِيضِ \" وَأَمَّا إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان فَوَصَلَ طَرِيقه الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن سَابِق التَّمِيمِيّ الْكُوفِيّ نَزِيل بَغْدَاد عَنْهُ بِلَفْظِ \" إِذَا أُتِيَ بِمَرِيضِ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ جَرِير عَنْ مَنْصُور عَنْ أَبِي الضُّحَى وَحْده وَقَالَ : إِذَا أَتَى مَرِيضًا ) ‏ ‏وَهَذَا وَصَلَهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ جَرِير بِلَفْظِ \" إِذَا أَتَى إِلَى الْمَرِيض فَدَعَا لَهُ \" وَهِيَ عِنْد مُسْلِم أَيْضًا , وَقَدْ دَلَّتْ رِوَايَة كُلّ مِنْ جَرِير وَأَبِي عَوَانَة عَلَى أَنَّ عَمْرو بْن أَبِي قَيْس وَإِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان حَفِظَا عَنْ مَنْصُور أَنَّ الْحَدِيث عِنْده عَنْ شَيْخَيْنِ , وَأَنَّهُ تَارَة يُحَدِّث بِهِ تَارَة عَنْ هَذَا وَتَارَة عَنْ هَذَا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل عَنْ مَنْصُور عَنْهُمَا كَذَلِكَ , وَرَجَّحَ عِنْد الْبُخَارِيّ رِوَايَة مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم وَحْده لِأَنَّ الثَّوْرِيّ رَوَاهَا عَنْ مَنْصُور كَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَثْنَاء كِتَاب الطِّبّ , وَوَافَقَهُ وَرْقَاء عَنْ مَنْصُور عِنْد النَّسَائِيِّ , وَسُفْيَان أَحْفَظ الْجَمِيع , لَكِنْ رِوَايَة جَرِير غَيْر مَرْفُوعَة وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ الدُّعَاء لِلْمَرِيضِ بِالشِّفَاءِ مَعَ مَا فِي الْمَرَض مِنْ كَفَّارَة الذُّنُوب وَالثَّوَاب كَمَا تَضَافَرَتْ الْأَحَادِيث بِذَلِكَ , وَالْجَوَاب أَنَّ الدُّعَاء عِبَادَة , وَلَا يُنَافِي الثَّوَاب وَالْكَفَّارَة لِأَنَّهُمَا يَحْصُلَانِ بِأَوَّلِ مَرَض وَبِالصَّبْرِ عَلَيْهِ , وَالدَّاعِي بَيْن حَسَنَتَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَحْصُل لَهُ مَقْصُوده , أَوْ يُعَوَّض عَنْهُ بِجَلْبِ نَفْع أَوْ دَفْع ضُرّ , وَكُلّ مِنْ فَضْل اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5244",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا مَرِيضٌ فَتَوَضَّأَ فَصَبَّ عَلَيَّ أَوْ قَالَ ‏ ‏صُبُّوا عَلَيْهِ فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ لَا يَرِثُنِي إِلَّا كَلَالَةٌ فَكَيْفَ الْمِيرَاثُ فَنَزَلَتْ ‏ ‏آيَةُ الْفَرَائِضِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5245",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وُعِكَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَبِلَالٌ ‏ ‏قَالَتْ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا فَقُلْتُ يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ وَيَا ‏ ‏بِلَالُ ‏ ‏كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَتْ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ ‏ ‏كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ‏ ‏وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ فَيَقُولُ ‏ ‏أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ‏ ‏بِوَادٍ وَحَوْلِي ‏ ‏إِذْخِرٌ ‏ ‏وَجَلِيلُ ‏ ‏وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ ‏ ‏مِجَنَّةٍ ‏ ‏وَهَلْ تَبْدُوَنْ لِي ‏ ‏شَامَةٌ ‏ ‏وَطَفِيلُ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏كَحُبِّنَا ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا ‏ ‏بِالْجُحْفَةِ ‏",
        "sharh": "سَاقَ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب حَدِيث عَائِشَة \" لَمَّا قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة وُعِكَ أَبُو بَكْر وَبِلَال \" وَوَقَعَ فِيهِ ذِكْر الْحُمَّى وَلَمْ يَقَع فِي سِيَاقه لَفْظ الْوَبَاء , لَكِنَّهُ تَرْجَمَ بِذَلِكَ إِشَارَة إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه , وَهُوَ مَا سَبَقَ فِي أَوَاخِر الْحَجّ مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة فِي حَدِيث الْبَاب \" قَالَتْ عَائِشَة : فَقَدِمْنَا الْمَدِينَة وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْض اللَّه \" وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّد أَنَّ الْوَبَاء أَعَمّ مِنْ الطَّاعُون , فَإِنَّ وَبَاء الْمَدِينَة مَا كَانَ إِلَّا بِالْحُمَّى كَمَا هُوَ مُبَيَّن فِي حَدِيث الْبَاب , فَدَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنْقَل حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَة , وَقَدْ سَبَقَ شَرْح الْحَدِيث فِي \" بَاب مَقْدَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة \" فِي أَوَائِل كِتَاب الْمَغَازِي , وَيَأْتِي شَيْء مِمَّا يَتَعَلَّق بِهِ فِي كِتَاب الدَّعَوَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ بَعْض النَّاس الدُّعَاء بِرَفْعِ الْوَبَاء لِأَنَّهُ يَتَضَمَّن الدُّعَاء بِرَفْعِ الْمَوْت وَالْمَوْت حَتْم مَقْضِيّ فَيَكُون ذَلِكَ عَبَثًا , وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي التَّعَبُّد بِالدُّعَاءِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون مِنْ جُمْلَة الْأَسْبَاب فِي طُول الْعُمْر أَوْ رَفْع الْمَرَض , وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيث بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الْجُنُون وَالْجُذَام وَسَيِّئ الْأَسْقَام وَمُنْكَرَات الْأَخْلَاق وَالْأَهْوَاء وَالْأَدْوَاء , فَمَنْ يُنْكِر التَّدَاوِي بِالدُّعَاء يَلْزَمهُ أَنْ يُنْكِر التَّدَاوِي بِالْعَقَاقِيرِ وَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ إِلَّا شُذُوذ , وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة تَرُدّ عَلَيْهِمْ , وَفِي الِالْتِجَاء إِلَى الدُّعَاء مَزِيد فَائِدَة لَيْسَتْ فِي التَّدَاوِي بِغَيْرِهِ , لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُضُوع وَالتَّذَلُّل لِلرَّبِّ سُبْحَانه , بَلْ مَنْع الدُّعَاء مِنْ جِنْس تَرْك الْأَعْمَال الصَّالِحَة اِتِّكَالًا عَلَى مَا قُدِّرَ , فَيَلْزَم تَرْك الْعَمَل جُمْلَة , وَرَدّ الْبَلَاء بِالدُّعَاءِ كَرَدِّ السَّهْم بِالتُّرْسِ , وَلَيْسَ مِنْ شَرْط الْإِيمَان بِالْقَدْرِ أَنْ لَا يَتَتَرَّس مِنْ رَمْي السَّهْم , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْمَرْضَى مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى ثَمَانِيَة وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا سَبْعَة وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى أَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ طَرِيقًا وَالْبَقِيَّة خَالِصَة , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَنْ يُرِدْ اللَّه بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ \" وَحَدِيث عَطَاء أَنَّهُ رَأَى أُمّ زُفَر , وَحَدِيث أَنَس فِي الْحَبِيبَتَيْنِ , وَحَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا \" قَالَتْ وَارَأْسَاهُ - إِلَى قَوْله - بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ \". وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ ثَلَاثَة آثَار , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5246",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّدُ بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر الْأَسَدِيُّ , نُسِبَ لِجَدِّهِ وَهُوَ أَسَد مِنْ بَنِي أَسَد بْن خُزَيْمَةَ , فَقَدْ يَلْتَبِس بِمَنْ يُنْسَب إِلَى الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام لِكَوْنِهِمْ مِنْ بَنِي أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى , وَهَذَا مِنْ فُنُون عِلْم الْحَدِيث وَصَنَّفُوا فِيهِ الْأَنْسَاب الْمُتَّفِقَة فِي اللَّفْظ الْمُفْتَرِقَة فِي الشَّخْص. وَقَدْ وَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي الطِّبّ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر وَعُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة \" قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَسَدِيُّ أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ \" وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق هَارُون بْن عَبْد اللَّه الْحَمَّال \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الزُّبَيْرِيّ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏كَذَا قَالَ عُمَر بْن سَعِيد عَنْ عَطَاء , وَخَالَفَهُ شَبِيب بْن بِشْر فَقَالَ \" عَنْ عَطَاء عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ \" أَخْرَجَهُ الْحَاكِم وَأَبُو نُعَيْم فِي الطِّبّ وَرَوَاهُ طَلْحَة بْن عَمْرو عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس , هَذِهِ رِوَايَة عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ مُحَمَّد بْن عُبَيْد عَنْهُ , وَقَالَ مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان \" عَنْ طَلْحَة بْن عَمْرو عَنْ عَطَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَخْرَجَهُ اِبْن عَاصِم فِي الطِّبّ وَأَبُو نُعَيْم , وَهَذَا مِمَّا يَتَرَجَّح بِهِ رِوَايَة عُمَر بْن سَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَنْزَلَ اللَّه دَاء ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" مِنْ دَاء \" و \" مِنْ \" زَائِدَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَفْعُول \" أَنْزَلَ \" مَحْذُوفًا فَلَا تَكُون مِنْ زَائِدَة بَلْ لِبَيَانِ الْمَحْذُوف , وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة طَلْحَة بْن عَمْرو مِنْ الزِّيَادَة فِي أَوَّل الْحَدِيث \" يَا أَيّهَا النَّاس تَدَاوَوْا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة طَارِق بْن شِهَاب عَنْ اِبْن مَسْعُود رَفَعَهُ \" إِنَّ اللَّه لَمْ يُنْزِل دَاء إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاء فَتَدَاوَوْا \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم , وَنَحْوه لِلطَّحَاوِيّ وَأَبِي نُعَيْم مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَلِأَحْمَد عَنْ أَنَس \" إِنَّ اللَّه حَيْثُ خَلَقَ الدَّاء خَلَقَ الدَّوَاء , فَتَدَاوَوْا \" وَفِي حَدِيث أُسَامَة بْن شَرِيك \" تَدَاوَوْا يَا عِبَاد اللَّه , فَإِنَّ اللَّه لَمْ يَضَع دَاء إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاء , إِلَّا دَاء وَاحِدًا الْهَرَم \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَالْأَرْبَعَة وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِم , وَفِي لَفْظ \" إِلَّا السَّام \" بِمُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَة يَعْنِي الْمَوْت. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ عَنْ اِبْن مَسْعُود نَحْو حَدِيث الْبَاب فِي آخِره \" عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم. وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِر رَفَعَهُ \" لِكُلِّ دَاء دَوَاء , فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاء الدَّاء بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء رَفَعَهُ \" إِنَّ اللَّه جَعَلَ لِكُلِّ دَاء دَوَاء فَتَدَاوَوْا , وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ \" وَفِي مَجْمُوع هَذِهِ الْأَلْفَاظ مَا يُعْرَف مِنْهُ الْمُرَاد بِالْإِنْزَالِ فِي حَدِيث الْبَاب وَهُوَ إِنْزَال عِلْم ذَلِكَ عَلَى لِسَان الْمَلَك لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلًا , أَوْ عَبَّرَ بِالْإِنْزَالِ عَنْ التَّقْدِير. وَفِيهَا التَّقْيِيد بِالْحَلَالِ فَلَا يَجُوز التَّدَاوِي بِالْحَرَامِ. وَفِي حَدِيث جَابِر مِنْهَا الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الشِّفَاء مُتَوَقِّف عَلَى الْإِصَابَة بِإِذْنِ اللَّه , وَذَلِكَ أَنَّ الدَّوَاء قَدْ يَحْصُل مَعَهُ مُجَاوَزَة الْحَدّ فِي الْكَيْفِيَّة أَوْ الْكَمِّيَّة فَلَا يَنْجَع , بَلْ رُبَّمَا أَحْدَثَ دَاء آخَر. وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ بَعْض الْأَدْوِيَة لَا يَعْلَمهَا كُلّ أَحَد , وَفِيهَا كُلّهَا إِثْبَات الْأَسْبَاب , وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي التَّوَكُّل عَلَى اللَّه لِمَنْ اِعْتَقَدَ أَنَّهَا بِإِذْنِ اللَّه وَبِتَقْدِيرِهِ , وَأَنَّهَا لَا تَنْجَع بِذَوَاتِهَا بَلْ بِمَا قَدَّرَهُ اللَّه تَعَالَى فِيهَا , وَأَنَّ الدَّوَاء قَدْ يَنْقَلِب دَاء إِذَا قَدَّرَ اللَّه ذَلِكَ , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث جَابِر \" بِإِذْنِ اللَّه \" فَمَدَار ذَلِكَ كُلّه عَلَى تَقْدِير اللَّه وَإِرَادَته. وَالتَّدَاوِي لَا يُنَافِي التَّوَكُّل كَمَا لَا يُنَافِيه دَفْع الْجُوع وَالْعَطَش بِالْأَكْلِ وَالشُّرْب , وَكَذَلِكَ تَجَنُّب الْمُهْلِكَات وَالدُّعَاء بِطَلَبِ الْعَافِيَة وَدَفْع الْمَضَارّ وَغَيْر ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا الْبَحْث فِي \" بَاب الرُّقْيَة \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَيَدْخُل فِي عُمُومهَا أَيْضًا الدَّاء الْقَاتِل الَّذِي اِعْتَرَفَ حُذَّاق الْأَطِبَّاء بِأَنْ لَا دَوَاء لَهُ , وَأَقَرُّوا بِالْعَجْزِ عَنْ مُدَاوَاته , وَلَعَلَّ الْإِشَارَة فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود بِقَوْلِهِ \" وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ \" إِلَى ذَلِكَ فَتَكُون بَاقِيَة عَلَى عُمُومهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي الْخَبَر حَذْف تَقْدِيره : لَمْ يُنْزِل دَاء يَقْبَل الدَّوَاء إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاء , وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَمِمَّا يَدْخُل فِي قَوْله \" جَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ \" مَا يَقَع لِبَعْضِ الْمَرْضَى أَنَّهُ يَتَدَاوَى مِنْ دَاء بِدَوَاءٍ فَيَبْرَأ ثُمَّ يَعْتَرِيه ذَلِكَ الدَّاء بِعَيْنِهِ فَيَتَدَاوَى بِذَلِكَ الدَّوَاء بِعَيْنِهِ فَلَا يَنْجَع , وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ الْجَهْل بِصِفَةٍ مِنْ صِفَات الدَّوَاء فَرُبَّ مَرَضَيْنِ تَشَابَهَا وَيَكُون أَحَدهمَا مُرَكَّبًا لَا يَنْجَع فِيهِ مَا يَنْجَع فِي الَّذِي لَيْسَ مُرَكَّبًا فَيَقَع الْخَطَأ مِنْ هُنَا , وَقَدْ يَكُون مُتَّحِدًا لَكِنْ يُرِيد اللَّه أَنْ لَا يَنْجَع فَلَا يَنْجَع وَمِنْ هُنَا تَخْضَع رِقَاب الْأَطِبَّاء , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق أَبِي خُزَامَة وَهُوَ بِمُعْجَمَةٍ وَزَاي خَفِيفَة \" عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاء نَتَدَاوَى بِهِ هَلْ يَرُدّ مِنْ قَدَر اللَّه شَيْئًا ؟ قَالَ : هِيَ مِنْ قَدَر اللَّه تَعَالَى \" وَالْحَاصِل أَنَّ حُصُول الشِّفَاء بِالدَّوَاءِ إِنَّمَا هُوَ كَدَفْعِ الْجُوع بِالْأَكْلِ وَالْعَطَش بِالشُّرْبِ , وَهُوَ يَنْجَع فِي ذَلِكَ فِي الْغَالِب , وَقَدْ يَتَخَلَّف لِمَانِعٍ وَاَللَّه أَعْلَم. ثُمَّ الدَّاء وَالدَّوَاء كِلَاهُمَا بِفَتْحِ الدَّال وَبِالْمَدِّ , وَحُكِيَ كَسْر دَال الدَّوَاء. وَاسْتِثْنَاء الْمَوْت فِي حَدِيث أُسَامَة بْن شَرِيك وَاضِح , وَلَعَلَّ التَّقْدِير إِلَّا دَاء الْمَوْت , أَيْ الْمَرَض الَّذِي قُدِّرَ عَلَى صَاحِبه الْمَوْت. وَاسْتِثْنَاء الْهَرَم فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى إِمَّا لِأَنَّهُ جَعَلَهُ شَبِيهًا بِالْمَوْتِ وَالْجَامِع بَيْنهمَا نَقْص الصِّحَّة , أَوْ لِقُرْبِهِ مِنْ الْمَوْت وَإِفْضَائِهِ إِلَيْهِ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا وَالتَّقْدِير : لَكِنْ الْهَرَم لَا دَوَاء لَهُ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5247",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رُبَيِّعَ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَسْقِي الْقَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ وَنَرُدُّ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى إِلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5248",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الْحُسَيْنُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَالِمٌ الْأَفْطَسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ شَرْبَةِ عَسَلٍ وَشَرْطَةِ ‏ ‏مِحْجَمٍ ‏ ‏وَكَيَّةِ نَارٍ وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنْ الْكَيِّ ‏ ‏رَفَعَ الْحَدِيثَ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏الْقُمِّيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏لَيْثٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْعَسَلِ وَالْحَجْمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي الْحُسَيْن ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ غَيْر مَنْسُوب , وَجَزَمَ جَمَاعَة بِأَنَّهُ اِبْن مُحَمَّد بْن زِيَاد النَّيْسَابُورِيّ الْمَعْرُوف بِالْقَبَّانِيّ , قَالَ الْكَلَابَاذِيّ : كَانَ يُلَازِم الْبُخَارِيّ لَمَّا كَانَ بِنَيْسَابُور وَكَانَ عِنْده مُسْنَد أَحْمَد بْن مَنِيع سَمِعَهُ مِنْهُ يَعْنِي شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ ذَكَرَ الْحَاكِم فِي تَارِيخه مِنْ طَرِيق الْحُسَيْن الْمَذْكُور أَنَّهُ رَوَى حَدِيثًا فَقَالَ : كَتَبَ عَنِّي مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل هَذَا الْحَدِيث. وَرَأَيْت فِي كِتَاب بَعْض الطَّلَبَة قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ عَنِّي ا ه. وَقَدْ عَاشَ الْحُسَيْن الْقَبَّانِيّ بَعْد الْبُخَارِيّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَة وَكَانَ مِنْ أَقْرَان مُسْلِم , فَرِوَايَة الْبُخَارِيّ عَنْهُ مِنْ رِوَايَة الْأَكَابِر عَنْ الْأَصَاغِر. وَأَحْمَد بْن مَنِيع شَيْخ الْحُسَيْن فِيهِ مِنْ الطَّبَقَة الْوُسْطَى مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , فَلَوْ رَوَاهُ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَة لَمْ يَكُنْ عَالِيًا لَهُ. وَكَانَتْ وَفَاة أَحْمَد بْن مَنِيع - وَكُنْيَته أَبُو جَعْفَر - سَنَة أَرْبَع وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَلَهُ أَرْبَع وَثَمَانُونَ سَنَة , وَاسْم جَدّه عَبْد الرَّحْمَن وَهُوَ جَدّ أَبِي الْقَاسِم الْبَغَوِيِّ لِأُمِّهِ , وَلِذَلِكَ يُقَال لَهُ الْمَنِيعِيّ وَابْن بِنْت مَنِيع , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَجَزَمَ الْحَاكِم بِأَنَّ الْحُسَيْن الْمَذْكُور هُوَ اِبْن يَحْيَى بْن جَعْفَر الْبِيكَنْدِيّ وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيّ الرِّوَايَة عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْن جَعْفَر وَهُوَ مِنْ صِغَار شُيُوخه , وَالْحُسَيْن أَصْغَر مِنْ الْبُخَارِيّ بِكَثِيرٍ , وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ الْحُسَيْن سَوَاء كَانَ الْقَبَّانِيّ أَوْ الْبِيكَنْدِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. وَقَوْل الْبُخَارِيّ بَعْد ذَلِكَ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم \" هُوَ الْمَعْرُوف بِصَاعِقَة يَكْنِي أَبَا يَحْيَى وَكَانَ مِنْ كِبَار الْحُفَّاظ وَهُوَ مِنْ أَصَاغِر شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَمَاتَ قَبْل الْبُخَارِيّ بِسَنَةٍ وَاحِدَة وَسُرَيْج بْن يُونُس شَيْخه بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيم مِنْ طَبَقَة أَحْمَد بْن مَنِيع وَمَاتَ قَبْله بِعَشْرِ سِنِينَ , وَشَيْخهمَا مَرْوَان بْن شُجَاع هُوَ الْحَرَّانِيّ أَبُو عَمْرو , وَأَبُو عَبْد اللَّه مَوْلَى مُحَمَّد بْن مَرْوَان بْن الْحَكَم نَزَلَ بَغْدَاد وَقَوَّاهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَغَيْره , وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : يُكْتَب حَدِيثه وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَات , وَلَمْ يَتَّفِق وُقُوع هَذَا الْحَدِيث لِلْبُخَارِيِّ عَالِيًا , فَإِنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ أَصْحَاب مَرْوَان بْن شُجَاع هَذَا وَلَمْ يَقَع لَهُ هَذَا الْحَدِيث عَنْهُ إِلَّا بِوَاسِطَتَيْنِ , وَشَيْخه سَالِم الْأَفْطَس هُوَ اِبْن عَجْلَان وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مِنْ رِوَايَة مَرْوَان بْن شُجَاع عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي سَالِم الْأَفْطَس ) ‏ ‏وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَنْ سَالِم وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" عَنْ الْمَنِيعِيّ حَدَّثَنَا جَدِّي هُوَ أَحْمَد بْن مَنِيع حَدَّثَنَا مَرْوَان بْن شُجَاع قَالَ مَا أَحْفَظهُ إِلَّا عَنْ سَالِم الْأَفْطَس حَدَّثَنِي \" فَذَكَرَهُ , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : صَارَ الْحَدِيث عَنْ مَرْوَان بْن شُجَاع بِالشَّكِّ مِنْهُ فِيمَنْ حَدَّثَهُ بِهِ. قُلْت : وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ مَرْوَان بْن شُجَاع سَوَاء , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَحْمَد بْن مَنِيع مِثْل رِوَايَة الْبُخَارِيّ الْأُولَى بِغَيْرِ شَكٍّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا عَنْ الْقَاسِم بْن زَكَرِيَّا عَنْ أَحْمَد بْن مَنِيع , وَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي \" فَوَائِد أَبِي طَاهِر الْمُخْلِص \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن صَاعِد حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مَنِيع. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر ) ‏ ‏وَقَعَ فِي \" مُسْنَد دَعْلَج \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الصَّبَاح \" حَدَّثَنَا مَرْوَان بْن شُجَاع عَنْ سَالِم الْأَفْطَس أَظُنّهُ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر \" كَذَا بِالشَّكِّ أَيْضًا , وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنْ يَعْتَرِض بِهَذَا أَيْضًا , وَالْحَقّ أَنَّهُ لَا أَثَر لِلشَّكِّ الْمَذْكُور , وَالْحَدِيث مُتَّصِل بِلَا رَيْب. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الشِّفَاء فِي ثَلَاث ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مَوْقُوفًا , لَكِنْ آخِره يُشْعِر بِأَنَّهُ مَرْفُوع لِقَوْلِهِ \" وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنْ الْكَيّ \" وَقَوْله \" رَفَعَ الْحَدِيث \" وَقَدْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ فِي رِوَايَة سُرَيْج بْن يُونُس حَيْثُ قَالَ فِيهِ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِيرَاد هَذِهِ الطَّرِيق أَيْضًا مَعَ نُزُولهَا , وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ بِهَا عَنْ الْأُولَى لِلتَّصْرِيحِ فِي الْأُولَى بِقَوْلِ مَرْوَان \" حَدَّثَنِي سَالِم \" وَوَقَعَتْ فِي الثَّانِيَة بِالْعَنْعَنَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ الْقُمِّيّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَاف وَتَشْدِيد الْمِيم هُوَ يَعْقُوب بْن عَبْد اللَّه بْن سَعْد بْن مَالِك بْن هَانِئ بْن عَامِر بْن أَبِي عَامِر الْأَشْعَرِيّ , لِجَدِّهِ أَبِي عَامِر صُحْبَة وَكُنْيَة يَعْقُوب أَبُو الْحَسَن وَهُوَ مِنْ أَهْل قُم وَنَزَلَ الرَّيّ , قَوَّاهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. وَلَيْث شَيْخه هُوَ اِبْن سُلَيْمٍ الْكُوفِيّ سَيِّئ الْحِفْظ. وَقَدْ وَقَعَ لَنَا هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة الْقُمِّيّ مَوْصُولًا فِي \" مُسْنَد الْبَزَّار \" وَفِي \" الْغَيْلَانِيَّات \" فِي \" جُزْء اِبْن بَخِيت \" كُلّهمْ مِنْ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن الْخَطَّاب عَنْهُ بِهَذَا السَّنَد , وَقَصَّرَ بَعْض الشُّرَّاح فَنَسَبَهُ إِلَى تَخْرِيج أَبِي نُعَيْم فِي الطِّبّ , وَاَلَّذِي عِنْد أَبِي نُعَيْم بِهَذَا السَّنَد حَدِيث آخَر فِي الْحِجَامَة لَفْظه \" اِحْتَجِمُوا لَا يَتَبَيَّغ بِكُمْ الدَّم فَيَقْتُلكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْعَسَل وَالْحَجْم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَالْحِجَامَة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن الْخَطَّاب الْمَذْكُورَة \" إِنْ كَانَ فِي شَيْء مِنْ أَدْوِيَتكُمْ شِفَاء فَفِي مَصَّة مِنْ الْحِجَام , أَوْ مَصَّة مِنْ الْعَسَل \" وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ \" فِي الْعَسَل وَالْحَجْم \" وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْكَيّ لَمْ يَقَع فِي هَذِهِ الرِّوَايَة. وَأَغْرَبَ الْحُمَيْدِيّ فِي \" الْجَمْع \" فَقَالَ فِي أَفْرَاد الْبُخَارِيّ : الْحَدِيث الْخَامِس عَشَر عَنْ طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ رِوَايَة مُجَاهِد عَنْهُ , قَالَ : وَبَعْض الرُّوَاة يَقُول فِيهِ عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فِي الْعَسَل وَالْحَجْم الشِّفَاء \" وَهَذَا الَّذِي عَزَاهُ لِلْبُخَارِيّ لَمْ أَرَهُ فِيهِ أَصْلًا , بَلْ وَلَا فِي غَيْره , وَالْحَدِيث الَّذِي اِخْتَلَفَ الرُّوَاة فِيهِ هَلْ هُوَ عَنْ مُجَاهِد عَنْ طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَوْ عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس بِلَا وَاسِطَة إِنَّمَا هُوَ فِي الْقَبْرَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَا يُعَذَّبَانِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَأَمَّا حَدِيث الْبَاب فَلَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَة طَاوُسٍ أَصْلًا , وَأَمَّا مُجَاهِد فَلَمْ يَذْكُرهُ الْبُخَارِيّ عَنْهُ إِلَّا تَعْلِيقًا كَمَا بَيَّنْته , وَقَدْ ذَكَرْت مَنْ وَصَلَهُ , وَسِيَاق لَفْظه : قَالَ الْخَطَّابِيُّ اِنْتَظَمَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى جُمْلَة مَا يَتَدَاوَى بِهِ النَّاس , وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجْم يَسْتَفْرِغ الدَّم وَهُوَ أَعْظَم الْأَخْلَاط , وَالْحَجْم أَنْجَحهَا شِفَاء عِنْد هَيَجَان الدَّم , وَأَمَّا الْعَسَل فَهُوَ مُسَهِّل لِلْأَخْلَاطِ الْبَلْغَمِيَّة , وَيَدْخُل فِي الْمَعْجُونَات لِيَحْفَظ عَلَى تِلْكَ الْأَدْوِيَة قُوَاهَا وَيُخْرِجهَا مِنْ الْبَدَن , وَأَمَّا الْكَيّ فَإِنَّمَا يُسْتَعْمَل فِي الْخَلْط الْبَاغِي الَّذِي لَا تَنْحَسِم مَادَّته إِلَّا بِهِ , وَلِهَذَا وَصَفَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَهَى عَنْهُ , وَإِنَّمَا كَرِهَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَلَم الشَّدِيد وَالْخَطَر الْعَظِيم , وَلِهَذَا كَانَتْ الْعَرَب تَقُول فِي أَمْثَالهَا \" آخِر الدَّوَاء الْكَيّ \" , وَقَدْ كَوَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْد بْن مُعَاذ وَغَيْره , وَاكْتَوَى غَيْر وَاحِد مِنْ الصَّحَابَة. قُلْت : وَلَمْ يُرِدْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَصْر فِي الثَّلَاثَة , فَإِنَّ الشِّفَاء قَدْ يَكُون فِي غَيْرهَا , وَإِنَّمَا نَبَّهَ بِهَا عَلَى أُصُول الْعِلَاج , وَذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَاض الِامْتِلَائِيَّة تَكُون دَمَوِيَّة وَصَفْرَاوِيَّة وَبَلْغَمِيَّة وَسَوْدَاوِيَّة , وَشِفَاء الدَّمَوِيَّة بِإِخْرَاجِ الدَّم , وَإِنَّمَا خُصَّ الْحَجْم بِالذِّكْرِ لِكَثْرَةِ اِسْتِعْمَال الْعَرَب وَالْفَهْم لَهُ , بِخِلَافِ الْفَصْد فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى الْحَجْم لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا لَهَا غَالِبًا. عَلَى أَنَّ فِي التَّعْبِير بِقَوْلِهِ \" شَرْطَة مِحْجَم \" مَا قَدْ يَتَنَاوَل الْفَصْد , وَأَيْضًا فَالْحَجْم فِي الْبِلَاد الْحَارَّة أَنْجَح مِنْ الْفَصْد , وَالْفَصْد فِي الْبِلَاد الَّتِي لَيْسَتْ بِحَارَّةٍ أَنْجَحَ مِنْ الْحَجْم. وَأَمَّا الِامْتِلَاء الصَّفْرَاوِيّ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ فَدَوَاؤُهُ بِالْمُسَهِّلِ , وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الْعَسَل , وَسَيَأْتِي تَوْجِيه ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. وَأَمَّا الْكَيّ فَإِنَّهُ يَقَع آخِرًا لِإِخْرَاجِ مَا يَتَعَسَّر إِخْرَاجه مِنْ الْفَضَلَات ; وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ مَعَ إثْبَاتِهِ الشِّفَاء فِيهِ إِمَّا لِكَوْنِهِمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ يَحْسِم الْمَادَّة بِطَبْعِهِ فَكَرِهَهُ لِذَلِكَ , وَلِذَلِكَ كَانُوا يُبَادِرُونَ إِلَيْهِ قَبْل حُصُول الدَّاء لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ يَحْسِم الدَّاء فَتَعَجَّلَ الَّذِي يَكْتَوِي التَّعْذِيب بِالنَّارِ لِأَمْرٍ مَظْنُون , وَقَدْ لَا يَتَّفِق أَنْ يَقَع لَهُ ذَلِكَ الْمَرَض الَّذِي يَقْطَعهُ الْكَيّ. وَيُؤْخَذ مِنْ الْجَمْع بَيْن كَرَاهَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْكَيِّ وَبَيْن اِسْتِعْمَاله لَهُ أَنَّهُ لَا يُتْرَك مُطْلَقًا وَلَا يُسْتَعْمَل مُطْلَقًا , بَلْ يُسْتَعْمَل عِنْد تَعَيُّنه طَرِيقًا إِلَى الشِّفَاء مَعَ مُصَاحَبَة اِعْتِقَاد أَنَّ الشِّفَاء بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى , وَعَلَى هَذَا التَّفْسِير يُحْمَل حَدِيث الْمُغِيرَة رَفَعَهُ \" مَنْ اِكْتَوَى أَوْ اِسْتَرْقَى فَقَدْ بَرِئَ مِنْ التَّوَكُّل \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : عُلِمَ مِنْ مَجْمُوع كَلَامه فِي الْكَيّ أَنَّ فِيهِ نَفْعًا وَأَنَّ فِيهِ مَضَرَّة , فَلَمَّا نَهَى عَنْهُ عُلِمَ أَنَّ جَانِب الْمَضَرَّة فِيهِ أَغْلَب , وَقَرِيب مِنْهُ إِخْبَار اللَّه تَعَالَى أَنَّ فِي الْخَمْر مَنَافِع ثُمَّ حَرَّمَهَا لِأَنَّ الْمَضَارّ الَّتِي فِيهَا أَعْظَم مِنْ الْمَنَافِع. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى كُلّ مِنْ هَذِهِ الْأُمُور الثَّلَاثَة فِي أَبْوَاب مُفْرَدَة لَهَا. وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْمُرَاد بِالشِّفَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيث الشِّفَاء مِنْ أَحَد قِسْمَيْ الْمَرَض , لِأَنَّ الْأَمْرَاض كُلّهَا إِمَّا مَادِّيَّة أَوْ غَيْرهَا ; وَالْمَادِّيَّة كَمَا تَقَدَّمَ حَارَّة وَبَارِدَة , وَكُلّ مِنْهُمَا وَإِنْ اِنْقَسَمَ إِلَى رَطْبَة وَيَابِسَة وَمُرَكَّبَة فَالْأَصْل الْحَرَارَة وَالْبُرُودَة وَمَا عَدَاهُمَا يَنْفَعِل مِنْ إِحْدَاهُمَا , فَنَبَّهَ بِالْخَبَرِ عَلَى أَصْل الْمُعَالَجَة بِضَرْبٍ مِنْ الْمِثَال , فَالْحَارَّة تُعَالَج بِإِخْرَاجِ الدَّم لِمَا فِيهِ مِنْ اِسْتِفْرَاغ الْمَادَّة وَتَبْرِيد الْمِزَاج , وَالْبَارِدَة بِتَنَاوُلِ الْعَسَل لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسْخِين وَالْإِنْضَاج وَالتَّقْطِيع وَالتَّلْطِيف وَالْجَلَاء وَالتَّلْيِين , فَيَحْصُل بِذَلِكَ اِسْتِفْرَاغ الْمَادَّة بِرِفْقٍ , وَأَمَّا الْكَيّ فَخَاصّ بِالْمَرَضِ الْمُزْمِن لِأَنَّهُ يَكُون عَنْ مَادَّة بَارِدَة فَقَدْ تُفْسِد مِزَاج الْعُضْو فَإِذَا كُوِيَ خَرَجَتْ مِنْهُ , وَأَمَّا الْأَمْرَاض الَّتِي لَيْسَتْ بِمَادِّيَّةِ فَقَدْ أُشِيرَ إِلَى عِلَاجهَا بِحَدِيثِ \" الْحُمَّى مِنْ فَيْح جَهَنَّم فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ عِنْد شَرْحه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَأَمَّا قَوْله \" وَمَا أُحِبّ أَنْ أَكْتَوِي \" فَهُوَ مِنْ جِنْس تَرْكه أَكْل الضَّبّ مَعَ تَقْرِيره أَكْله عَلَى مَائِدَته وَاعْتِذَاره بِأَنَّهُ يَعَافهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5249",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ أَبُو الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ فِي شَرْطَةِ ‏ ‏مِحْجَمٍ ‏ ‏أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنْ الْكَيِّ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5250",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبهُ الْحَلْوَاء وَالْعَسَل \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْإِعْجَاب أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون عَلَى سَبِيل الدَّوَاء أَوْ الْغِذَاء. فَتُؤْخَذ الْمُنَاسَبَة بِهَذِهِ الطَّرِيق , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْأَطْعِمَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5251",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ أَوْ يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْطَةِ ‏ ‏مِحْجَمٍ ‏ ‏أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ ‏ ‏لَذْعَةٍ ‏ ‏بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الرَّحْمَن اِبْن الْغَسِيل ) ‏ ‏اِسْم الْغَسِيل حَنْظَلَة بْن أَبِي عَامِر الْأَوْسِيّ الْأَنْصَارِيّ , اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَهُوَ جُنُب فَغَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَة فَقِيلَ لَهُ الْغَسِيل , وَهُوَ فَعِيل بِمَعْنَى مَفْعُول , وَهُوَ جَدّ جَدّ عَبْد الرَّحْمَن , فَهُوَ اِبْن سُلَيْمَان بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن حَنْظَلَة , وَعَبْد الرَّحْمَن مَعْدُود فِي صِغَار التَّابِعِينَ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَسًا وَسَهْل بْن سَعْد , وَجُلّ رِوَايَته عَنْ التَّابِعِينَ , وَهُوَ ثِقَة عِنْد الْأَكْثَر وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْل النَّسَائِيِّ , وَقَالَ اِبْن حِبَّان : كَانَ يُخْطِئ كَثِيرًا ا ه. وَكَانَ قَدْ عَمَّرَ فَجَازَ الْمِائَة فَلَعَلَّهُ تَغَيَّرَ حِفْظه فِي الْآخَر وَقَدْ اِحْتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ , وَشَيْخه عَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَة أَيْ اِبْن النُّعْمَان الْأَنْصَارِيّ الْأَوْسِيّ يُكَنَّى أَبَا عُمَر مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر تَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَنْ بَنَى مَسْجِدًا \" فِي أَوَائِل الصَّلَاة , وَهُوَ تَابِعِيّ ثِقَة عِنْدهمْ , وَأَغْرَبَ عَبْد الْحَقّ فَقَالَ فِي \" الْأَحْكَام \" : وَثَّقَهُ اِبْن مَعِين وَأَبُو زُرْعَة وَضَعَّفَهُ غَيْرهمَا. وَرَدَ ذَلِكَ أَبُو الْحَسَن بْن الْقَطَّان عَلَى عَبْد الْحَقّ فَقَالَ : لَا أَعْرِف أَحَدًا ضَعَّفَهُ وَلَا ذَكَرَهُ فِي الضُّعَفَاء ا ه. وَهُوَ كَمَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ كَانَ فِي شَيْء مِنْ أَدْوِيَتكُمْ أَوْ يَكُون فِي شَيْء مِنْ أَدْوِيَتكُمْ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ , وَكَذَا لِأَحْمَد عَنْ أَبِي أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ عَنْ اِبْن الْغَسِيل , وَسَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب بِاللَّفْظِ الْأَوَّل بِغَيْرِ شَكٍّ , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ , وَذَكَرْت فِيهِ فِي \" بَاب الْحِجَامَة مِنْ الدَّاء \" قِصَّة , وَقَوْله \" أَوْ يَكُون \" قَالَ اِبْن التِّين صَوَابه \" أَوْ يَكُنْ \" لِأَنَّهُ مَعْطُوف عَلَى مَجْزُوم فَيَكُون مَجْزُومًا. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد \" إِنْ كَانَ أَوْ إِنْ يَكُنْ \" فَلَعَلَّ الرَّاوِي أَشْبَعَ الضَّمَّة فَظَنَّ السَّامِع أَنَّ فِيهَا وَاوًا فَأَثْبَتَهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّقْدِير : إِنْ كَانَ فِي شَيْء أَوْ إِنْ كَانَ يَكُون فِي شَيْء , فَيَكُون التَّرَدُّد لِإِثْبَاتِ لَفْظ يَكُون وَعَدَمهَا , وَقَرَأَهَا بَعْضهمْ بِتَشْدِيدِ الْوَاو وَسُكُون النُّون , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَحْفُوظٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَفِي شَرْطَة مِحْجَم ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْجِيم. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ لَذْعَة بِنَارٍ ) ‏ ‏بِذَالٍ مُعْجَمَة سَاكِنَة وَعَيْن مُهْمَلَة , اللَّذْع هُوَ الْخَفِيف مِنْ حَرْق النَّار. وَأَمَّا اللَّدْغ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة فَهُوَ ضَرْب أَوْ عَضّ ذَات السُّمّ. ‏ ‏قَوْله : ( تَوَافَقَ الدَّاء ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْكَيّ إِنَّمَا يُشْرَع مِنْهُ مَا يَتَعَيَّن طَرِيقًا إِلَى إِزَالَة ذَلِكَ الدَّاء , وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي التَّجْرِبَة لِذَلِكَ وَلَا اِسْتِعْمَاله إِلَّا بَعْد التَّحَقُّق , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْمُوَافَقَةِ مُوَافَقَة الْقَدَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا أُحِبّ أَنْ أَكْتَوِي ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَيَانه بَعْد أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "5252",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ فَقَالَ ‏ ‏اسْقِهِ عَسَلًا ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلًا ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلًا ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ قَدْ فَعَلْتُ فَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ اسْقِهِ عَسَلًا فَسَقَاهُ فَبَرَأَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي الَّذِي اِشْتَكَى بَطْنه فَأُمِرَ بِشُرْبِ الْعَسَل , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي \" بَاب دَوَاء الْمَبْطُون \". وَشَيْخه عَبَّاس فِيهِ هُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ مُهْمَلَة النَّرْسِيّ بِنُونٍ وَمُهْمَلَة , وَعَبْد الْأَعْلَى شَيْخه هُوَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , وَسَعِيد هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5253",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ نَاسًا كَانَ بِهِمْ سَقَمٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ آوِنَا وَأَطْعِمْنَا فَلَمَّا صَحُّوا قَالُوا إِنَّ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَخِمَةٌ ‏ ‏فَأَنْزَلَهُمْ ‏ ‏الْحَرَّةَ ‏ ‏فِي ‏ ‏ذَوْدٍ ‏ ‏لَهُ فَقَالَ ‏ ‏اشْرَبُوا أَلْبَانَهَا فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا ‏ ‏رَاعِيَ ‏ ‏النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاسْتَاقُوا ذَوْدَهُ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ‏ ‏وَسَمَرَ ‏ ‏أَعْيُنَهُمْ فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ ‏ ‏يَكْدِمُ ‏ ‏الْأَرْضَ بِلِسَانِهِ حَتَّى يَمُوتَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَلَّامٌ ‏ ‏فَبَلَغَنِي أَنَّ ‏ ‏الْحَجَّاجَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِأَنَسٍ ‏ ‏حَدِّثْنِي بِأَشَدِّ عُقُوبَةٍ عَاقَبَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَحَدَّثَهُ بِهَذَا ‏ ‏فَبَلَغَ ‏ ‏الْحَسَنَ ‏ ‏فَقَالَ وَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْهُ بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَلَّام بْن مِسْكِين ) ‏ ‏هُوَ الْأَزْدِيّ , وَهُوَ بِالتَّشْدِيدِ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر سَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَدَب. وَوَقَعَ فِي اللِّبَاس عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل \" حَدَّثَنَا سَلَّام عَنْ عُثْمَان بْن عَبْد اللَّه \" فَزَعَمَ الْكَلَابَاذِيّ أَنَّهُ سَلَّام بْن مِسْكِين , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ سَلَّام بْن أَبِي مُطِيع , وَسَأَذْكُرُ الْحُجَّة لِذَلِكَ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا ثَابِت ) ‏ ‏هُوَ الْبُنَانِيّ , وَوَقَعَ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَة بَهْز بْن أَسَد \" عَنْ سَلَّام بْن مِسْكِين قَالَ حَدَّثَ ثَابِت الْحَسَن وَأَصْحَابه وَأَنَا شَاهِد مِنْهُمْ \" فَيُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط فِي قَوْل الرَّاوِي حَدَّثَنَا فُلَان أَنْ يَكُون فُلَان قَدْ قَصَدَ إِلَيْهِ بِالتَّحْدِيثِ , بَلْ إِنْ سَمِعَ مِنْهُ اِتِّفَاقًا جَازَ أَنْ يَقُول حَدَّثَنَا فُلَان , وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد أَيْضًا كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ نَاسًا ) ‏ ‏زَادَ بَهْز فِي رِوَايَته \" مِنْ أَهْل الْحِجَاز \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَة أَنَّهُمْ مِنْ عُكْل أَوْ عُرَيْنَة بِالشَّكِّ , وَثَبَتَ أَنَّهُمْ كَانُوا ثَمَانِيَة وَأَنَّ أَرْبَعَة مِنْهُمْ كَانُوا مِنْ عُكْل وَثَلَاثَة مِنْ عُرَيْنَة وَالرَّابِع كَانَ تَبَعًا لَهُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ بِهِمْ سَقَم فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه آوِنَا وَأَطْعِمْنَا , فَلَمَّا صَحُّوا ) ‏ ‏فِي السِّيَاق حَذْف تَقْدِيره فَآوَاهُمْ وَأَطْعَمَهُمْ , فَلَمَّا صَحُّوا قَالُوا إِنَّ الْمَدِينَة وَخِمَة , وَكَانَ السَّقَم الَّذِي بِهِمْ أَوَّلًا مِنْ الْجُوع أَوْ مِنْ التَّعَب فَلَمَّا زَالَ ذَلِكَ عَنْهُمْ خَشُوا مِنْ وَخَم الْمَدِينَة إِمَّا لِكَوْنِهِمْ أَهْل رِيف فَلَمْ يَعْتَادُوا بِالْحَضَرِ , وَإِمَّا بِسَبَبِ مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الْحُمَّى , وَهَذَا هُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا \" اِجْتَوَوْا الْمَدِينَة \" وَتَقَدَّمَ تَفْسِير الْجَوَى فِي كِتَاب الطَّهَارَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة بَهْز بْن أَسَد \" بِهِمْ ضُرّ وَجَهْد \" وَهُوَ يُشِير إِلَى مَا قُلْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي ذَوْد لَهُ ) ‏ ‏ذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّ عَدَد الذَّوْد كَانَ خَمْس عَشْرَة , وَفِي رِوَايَة بَهْز بْن أَسَد : أَنَّ الذَّوْد كَانَ مَعَ الرَّاعِي بِجَانِبِ الْحَرَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اِشْرَبُوا أَلْبَانهَا ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَتَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ وَغَيْره عَنْ أَنَس \" مِنْ أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا صَحُّوا ) ‏ ‏فِي السِّيَاق حَذْف تَقْدِيره : فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا فَلِمَا صَحُّوا. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَمَرَ أَعْيُنهمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ بِاللَّامِ بَدَل الرَّاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَأَيْت الرَّجُل مِنْهُمْ يَكْدُم الْأَرْض بِلِسَانِهِ حَتَّى يَمُوت ) ‏ ‏زَادَ بَهْز فِي رِوَايَته \" مِمَّا يَجِد مِنْ الْغَمّ وَالْوَجَع \" وَفِي صَحِيح أَبِي عَوَانَة هُنَا يَعَضّ الْأَرْض لِيَجِد بَرْدهَا مِمَّا يَجِد مِنْ الْحَرّ وَالشِّدَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سَلَّام ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , ‏ ‏وَقَوْله \" فَبَلَغَنِي أَنَّ الْحَجَّاج \" ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف الْأَمِير الْمَشْهُور , وَفِي رِوَايَة أَنَس \" فَذَكَرَ ذَلِكَ قَوْم لِلْحَجَّاجِ فَبَعَثَ إِلَى أَنَس فَقَالَ : هَذَا خَاتَمِي فَلْيَكُنْ بِيَدِك - أَيْ يَصِير خَازِنًا لَهُ - فَقَالَ أَنَس : إِنِّي أَعْجِز عَنْ ذَلِكَ. قَالَ فَحَدِّثْنِي بِأَشَدّ عُقُوبَة \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( بِأَشَدّ عُقُوبَة عَاقَبَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا بِالتَّذْكِيرِ عَلَى إِرَادَة الْعِقَاب , وَفِي رِوَايَة بَهْز \" عَاقَبَهَا \" عَلَى ظَاهِر اللَّفْظ. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَلَغَ الْحَسَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي الْحَسَن الْبَصْرِيّ ‏ ‏( فَقَالَ : وَدِدْت أَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثهُ ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِهَذَا \" وَفِي رِوَايَة بَهْز \" فَوَاَللَّهِ مَا اِنْتَهَى الْحَجَّاج حَتَّى قَامَ بِهَا عَلَى الْمِنْبَر فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَنَس \" فَذَكَرَهُ وَقَالَ \" قَطَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُل وَسَمَلَ الْأَعْيُن فِي مَعْصِيَة اللَّه , أَفَلَا نَفْعَل نَحْنُ ذَلِكَ فِي مَعْصِيَة اللَّه \" ؟ وَسَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ ثَابِت \" حَدَّثَنِي أَنَس قَالَ : مَا نَدِمْت عَلَى شَيْء مَا نَدِمْت عَلَى حَدِيث حَدَّثْت بِهِ الْحَجَّاج \" فَذَكَرَهُ , وَإِنَّمَا نَدِمَ أَنَس عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَجَّاج كَانَ مُسْرِفًا فِي الْعُقُوبَة , وَكَانَ يَتَعَلَّق بِأَدْنَى شُبْهَة. وَلَا حُجَّة لَهُ فِي قِصَّة الْعُرَنِيِّينَ لِأَنَّهُ وَقَعَ التَّصْرِيح فِي بَعْض طُرُقه أَنَّهُمْ اِرْتَدُّوا , وَكَانَ ذَلِكَ أَيْضًا قَبْل أَنْ تَنْزِل الْحُدُود كَمَا فِي الَّذِي بَعْده , وَقَبْل النَّهْي عَنْ الْمُثْلَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي , وَقَدْ حَضَرَ أَبُو هُرَيْرَة الْأَمْر بِالتَّعْذِيبِ بِالنَّارِ ثُمَّ حَضَرَ نَسْخه وَالنَّهْي عَنْ التَّعْذِيب بِالنَّارِ كَمَا مَرَّ فِي كِتَاب الْجِهَاد , وَكَانَ إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة مُتَأَخِّرًا عَنْ قِصَّة الْعُرَنِيِّينَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْط الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي \" بَاب الْإِبِل وَالدَّوَابّ \" فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَإِنَّمَا أَشَرْت إِلَى الْيَسِير مِنْهُ لِبُعْدِ الْعَهْد بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5254",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ نَاسًا ‏ ‏اجْتَوَوْا ‏ ‏فِي ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِيهِ ‏ ‏يَعْنِي الْإِبِلَ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَلَحِقُوا بِرَاعِيهِ فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَلَحَتْ أَبْدَانُهُمْ فَقَتَلُوا ‏ ‏الرَّاعِيَ ‏ ‏وَسَاقُوا الْإِبِلَ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِمْ فَجِيءَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ‏ ‏وَسَمَرَ ‏ ‏أَعْيُنَهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏فَحَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ‏ ‏أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ نَاسًا اِجْتَوَوْا فِي الْمَدِينَة ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِإِثْبَاتِ \" فِي \" وَهِيَ ظَرْفِيَّة أَيْ حَصَلَ لَهُمْ الْجَوَى وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَس \" اِجْتَوَوْا الْمَدِينَة \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِيهِ يَعْنِي الْإِبِل ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِي الْإِبِل \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى صَلَحَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" صَحَّتْ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ قَتَادَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَوْله \" فَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِيرِينَ إِلَخْ \" يُعَكِّر عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَس قَالَ \" إِنَّمَا سَمَلَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُن الرُّعَاة \" وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَاب الدِّيَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5255",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا وَمَعَنَا ‏ ‏غَالِبُ بْنُ أَبْجَرَ ‏ ‏فَمَرِضَ فِي الطَّرِيقِ فَقَدِمْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏وَهُوَ مَرِيضٌ فَعَادَهُ ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَنَا عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحُبَيْبَةِ السَّوْدَاءِ فَخُذُوا مِنْهَا خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَاسْحَقُوهَا ثُمَّ اقْطُرُوهَا فِي أَنْفِهِ بِقَطَرَاتِ زَيْتٍ فِي هَذَا الْجَانِبِ وَفِي هَذَا الْجَانِبِ فَإِنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏حَدَّثَتْنِي ‏ ‏أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا مِنْ السَّامِ قُلْتُ وَمَا السَّامُ قَالَ الْمَوْتُ",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي شَيْبَة ) ‏ ‏كَذَا سَمَّاهُ وَنَسَبَهُ لِجَدِّهِ وَهُوَ أَبُو بَكْر , مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اِسْمه \" وَأَبُو شَيْبَة جَدّه , وَهُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم , وَكَانَ إِبْرَاهِيم أَبُو شَيْبَة قَاضِي وَاسِط. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ كَذَا لِلْجَمِيعِ غَيْر مَنْسُوب , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عُبَيْد اللَّه غَيْر مَنْسُوب , وَجَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" بِأَنَّهُ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر الْأَعْيَن وَالْخَطِيب فِي كِتَاب \" رِوَايَة الْآبَاء عَنْ الْأَبْنَاء \" مِنْ طَرِيق أَبِي مَسْعُود الرَّازِيِّ , وَهُوَ عِنْدنَا بِعُلُوِّ مِنْ طَرِيقه , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَد بْن حَازِم عَنْ أَبِي غَرَزَة - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وَالزَّاي - فِي مُسْنَده , وَمِنْ طَرِيقه الْخَطِيب أَيْضًا كُلّهمْ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , وَهُوَ الْكُوفِيّ الْمَشْهُور , وَرِجَال الْإسْنَاد كُلّهمْ كُوفِيُّونَ , وَعُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى مِنْ كِبَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَاَلَّذِي هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَنْصُور ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ خَالِد بْن سَعْد ) ‏ ‏هُوَ مَوْلَى أَبِي مَسْعُود الْبَدْرِيّ الْأَنْصَارِيّ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمَنْجَنِيقِيّ فِي كِتَاب رِوَايَة الْأَكَابِر عَنْ الْأَصَاغِر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى بِهَذَا الْإِسْنَاد فَأَدْخَلَ بَيْن مَنْصُور وَخَالِد بْن سَعْد مُجَاهِدًا , وَتَعَقَّبَهُ الْخَطِيب بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق الْمَنْجَنِيقِيّ بِأَنَّ ذِكْر مُجَاهِد فِيهِ وَهْم. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمَنْجَنِيقِيّ أَيْضًا \" خَالِد بْن سَعِيد \" بِزِيَادَةِ يَاء فِي اِسْم أَبِيهِ , وَهُوَ وَهْم نَبَّهَ عَلَيْهِ الْخَطِيب أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَعَنَا غَالِب بْن أَبْجَر ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ وَجِيم وَزْن أَحْمَد , يُقَال إِنَّهُ الصَّحَابِيّ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحُمُر الْأَهْلِيَّة. وَحَدِيثه عِنْد أَبِي دَاوُدَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَادَهُ اِبْن أَبِي عَتِيق ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر الْأَعْيَن \" فَعَادَهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي عَتِيق \" وَكَذَا قَالَ سَائِر أَصْحَاب عَبْد اللَّه بْن مُوسَى إِلَّا الْمَنْجَنِيقِيّ فَقَالَ فِي رِوَايَته \" عَنْ خَالِد بْن سَعْد عَنْ غَالِب بْن أَبْجَر عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق عَنْ عَائِشَة \" وَاخْتَصَرَ الْقِصَّة , وَبِسِيَاقِهَا يَتَبَيَّن الصَّوَاب , قَالَ الْخَطِيب : وَقَوْله فِي السَّنَد \" عَنْ غَالِب بْن أَبْجَر \" وَهْم فَلَيْسَ لِغَالِبٍ فِيهِ رِوَايَة , وَإِنَّمَا سَمِعَهُ خَالِد مَعَ غَالِب مِنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي عَتِيق , قَالَ وَأَبُو بَكْر بْن أَبِي عَتِيق هَذَا هُوَ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَأَبُو عَتِيق كُنْيَة أَبِيهِ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَهُوَ مَعْدُود فِي الصَّحَابَة لِكَوْنِهِ وُلِدَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَبُوهُ وَجَدّه وَجَدّ أَبِيهِ صَحَابَة مَشْهُورُونَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحُبَيْبَة السُّوَيْدَاء ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا إِلَّا الْكُشْمِيهَنِيّ فَقَالَ \" السَّوْدَاء \" وَهِيَ رِوَايَة الْأَكْثَر مِمَّنْ قَدَّمْت ذِكْره أَنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ عَائِشَة حَدَّثَتْنِي أَنَّ هَذِهِ الْحَبَّة السَّوْدَاء شِفَاء ) ‏ ‏وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" أَنَّ فِي هَذِهِ الْحَبَّة شِفَاء \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْأَعْيُن \" هَذِهِ الْحَبَّة السَّوْدَاء الَّتِي تَكُون فِي الْمِلْح \" وَكَانَ هَذَا قَدْ أَشْكَلَ عَلِيّ , ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ يُرِيد الْكَمُّون وَكَانَتْ عَادَتهمْ جَرَتْ أَنْ يُخْلَط بِالْمِلْحِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا مِنْ السَّام ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ بِغَيْرِ هَمْز , وَلِابْنِ مَاجَهْ \" إِلَّا أَنْ يَكُون الْمَوْت \" , وَفِي هَذَا أَنَّ الْمَوْت دَاء مِنْ جُمْلَة الْأَدْوَاء , قَالَ الشَّاعِر \" وَدَاء الْمَوْت لَيْسَ لَهُ دَوَاء \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيه إِطْلَاق الدَّاء عَلَى الْمَوْت فِي الْبَاب الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت وَمَا السَّام ؟ قَالَ : الْمَوْت ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِف اِسْم السَّائِل وَلَا الْقَائِل , وَأَظُنّ السَّائِل خَالِد بْن سَعْد وَالْمُجِيب اِبْن أَبِي عَتِيق. وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْن أَبِي عَتِيق ذَكَرَهُ الْأَطِبَّاء فِي عِلَاج الزُّكَام الْعَارِض مِنْهُ عُطَاس كَثِير وَقَالُوا : تُقْلَى الْحَبَّة السَّوْدَاء ثُمَّ تُدَقّ نَاعِمًا ثُمَّ تُنْقَع فِي زَيْت ثُمَّ يُقَطَّر مِنْهُ فِي الْأَنْف ثَلَاث قَطَرَات , فَلَعَلَّ غَالِب بْن أَبْجَر كَانَ مَزْكُومًا فَلِذَلِكَ وَصَفَ لَهُ اِبْن أَبِي عَتِيق الصِّفَة الْمَذْكُورَة , وَظَاهِر سِيَاقه أَنَّهَا مَوْقُوفَة عَلَيْهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون عِنْده مَرْفُوعَة أَيْضًا , فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَعْيَن عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ بَعْد قَوْله مِنْ كُلّ دَاء \" وَأَقْطِرُوا عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الزَّيْت \" وَفِي رِوَايَة لَهُ أُخْرَى \" وَرُبَّمَا قَالَ وَأَقْطِرُوا إِلَخْ \" وَادَّعَى الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة مُدْرَجَة فِي الْخَبَر , وَقَدْ أَوْضَحَتْ ذَلِكَ رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة ; ثُمَّ وَجَدْتهَا مَرْفُوعَة مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ فَأَخْرَجَ الْمُسْتَغْفِرِيّ فِي \" كِتَاب الطِّبّ \" مِنْ طَرِيق حُسَام بْن مِصَكٍّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّ الْحَبَّة السَّوْدَاء فِيهَا شِفَاء \" الْحَدِيث , قَالَ وَفِي لَفْظ \" قِيلَ : وَمَا الْحَبَّة السَّوْدَاء ؟ قَالَ : الشُّونِيز قَالَ : وَكَيْف أَصْنَع بِهَا ؟ قَالَ : تَأْخُذ إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَبَّة فَتَصُرّهَا فِي خِرْقَة ثُمَّ تَضَعهَا فِي مَاء لَيْلَة , فَإِذَا أَصْبَحْت قَطَرْت فِي الْمَنْخِر الْأَيْمَن وَاحِدَة وَفِي الْأَيْسَر اِثْنَتَيْنِ , فَإِذَا كَانَ مِنْ الْغَد قَطَرْت فِي الْمَنْخِر الْأَيْمَن اِثْنَتَيْنِ وَفِي الْأَيْسَر وَاحِدَة , فَإِذَا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث قَطَرْت فِي الْأَيْمَن وَاحِدَة وَفِي الْأَيْسَر اِثْنَتَيْنِ \" وَيُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى كَوْن الْحَبَّة شِفَاء مِنْ كُلّ دَاء أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَل فِي كُلّ دَاء صِرْفًا بَلْ رُبَّمَا اُسْتُعْمِلَتْ مُفْرَدَة , وَرُبَّمَا اُسْتُعْمِلَتْ مُرَكَّبَة , وَرُبَّمَا اُسْتُعْمِلَتْ مَسْحُوقَة وَغَيْر مَسْحُوقَة , وَرُبَّمَا اُسْتُعْمِلَتْ أَكْلًا وَشُرْبًا وَسَعُوطًا وَضِمَادًا وَغَيْر ذَلِكَ. وَقِيلَ إِنَّ قَوْله \" كُلّ دَاء \" تَقْدِيره يَقْبَل الْعِلَاج بِهَا , فَإِنَّهَا تَنْفَع مِنْ الْأَمْرَاض الْبَارِدَة , وَأَمَّا الْحَارَّة فَلَا. نَعَمْ قَدْ تَدْخُل فِي بَعْض الْأَمْرَاض الْحَارَّة الْيَابِسَة بِالْعَرْضِ فَتُوَصِّل قُوَى الْأَدْوِيَة الرَّطْبَة الْبَارِدَة إِلَيْهَا بِسُرْعَةِ تَنْفِيذهَا , وَيُسْتَعْمَل الْحَارّ فِي بَعْض الْأَمْرَاض الْحَارَّة لِخَاصِّيَّةٍ فِيهِ لَا يُسْتَنْكَر كَالْعَنْزَرُوت فَإِنَّهُ حَارّ وَيُسْتَعْمَل فِي أَدْوِيَة الرَّمَد الْمُرَكَّبَة , مَعَ أَنَّ الرَّمَد وَرَم حَارّ بِاتِّفَاقِ الْأَطِبَّاء , وَقَدْ قَالَ أَهْل الْعِلْم بِالطِّبِّ : إِنَّ طَبْع الْحَبَّة السَّوْدَاء حَارّ يَابِس , وَهِيَ مُذْهِبَة لِلنَّفْخِ , نَافِعَة مِنْ حُمَّى الرِّبْع وَالْبَلْغَم , مُفَتِّحَة لِلسُّدَدِ وَالرِّيح , مُجَفِّفَة لِبَلَّةِ الْمَعِدَة , وَإِذَا دُقَّتْ وَعُجِنَتْ بِالْعَسَلِ وَشُرِبَتْ بِالْمَاءِ الْحَارّ أَذَابَتْ الْحَصَاة وَأَدَرَّتْ الْبَوْل وَالطَّمْث , وَفِيهَا جَلَاء وَتَقْطِيع , وَإِذَا دُقَّتْ وَرُبِطَتْ بِخِرْقَةٍ مِنْ كَتَّان وَأَدِيم شَمّهَا نَفَعَ مِنْ الزُّكَام الْبَارِد , وَإِذَا نُقِعَ مِنْهَا سَبْع حَبَّات فِي لَبَن اِمْرَأَة وَسُعِطَ بِهِ صَاحِب الْيَرَقَان أَفَادَهُ , وَإِذَا شُرِبَ مِنْهَا وَزْن مِثْقَال بِمَاءٍ أَفَادَ مِنْ ضِيق النَّفْس , وَالضِّمَاد بِهَا يَنْفَع مِنْ الصُّدَاع الْبَارِد , وَإِذَا طُبِخَتْ بُخْل وَتُمُضْمِضَ بِهَا نَفَعَتْ مِنْ وَجَع الْأَسْنَان الْكَائِن عَنْ بَرْد , وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن الْبَيْطَار وَغَيْره مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الْمُفْرَدَات فِي مَنَافِعهَا هَذَا الَّذِي ذَكَرْته وَأَكْثَر مِنْهُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْله \" مِنْ كُلّ دَاء \" هُوَ مِنْ الْعَامّ الَّذِي يُرَاد بِهِ الْخَاصّ , لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي طَبْع شَيْء مِنْ النَّبَات مَا يَجْمَع جَمِيع الْأُمُور الَّتِي تُقَابِل الطَّبَائِع فِي مُعَالَجَة الْأَدْوَاء بِمُقَابِلِهَا , وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنَّهَا شِفَاء مِنْ كُلّ دَاء يَحْدُث مِنْ الرُّطُوبَة. وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : الْعَسَل عِنْد الْأَطِبَّاء أَقْرَب إِلَى أَنْ يَكُون دَوَاء مِنْ كُلّ دَاء مِنْ الْحَبَّة السَّوْدَاء , وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ الْأَمْرَاض مَا لَوْ شَرِبَ صَاحِبه الْعَسَل لَتَأَذَّى بِهِ , فَإِنْ كَانَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي الْعَسَل \" فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ \" الْأَكْثَر الْأَغْلَب فَحَمْل الْحَبَّة السَّوْدَاء عَلَى ذَلِكَ أَوْلَى. وَقَالَ غَيْره : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصِف الدَّوَاء بِحَسَبِ مَا يُشَاهِدهُ مِنْ حَال الْمَرِيض , فَلَعَلَّ قَوْله فِي الْحَبَّة السَّوْدَاء وَافَقَ مَرَض مِنْ مِزَاجه بَارِد , فَيَكُون مَعْنِيّ قَوْله \" شِفَاء مِنْ كُلّ دَاء \" أَيْ مِنْ هَذَا الْجِنْس الَّذِي وَقَعَ الْقَوْل فِيهِ , وَالتَّخْصِيص بِالْحَيْثِيَّةِ كَثِير شَائِع وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : تَكَلَّمَ النَّاس فِي هَذَا الْحَدِيث وَخَصُّوا عُمُومه وَرَدُّوهُ إِلَى قَوْل أَهْل الطِّبّ وَالتَّجْرِبَة , وَلَا خَفَاء بِغَلَطِ قَائِل ذَلِكَ , لِأَنَّا إِذَا صَدَّقْنَا أَهْل الطِّبّ - وَمَدَار عِلْمهمْ غَالِبًا إِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّجْرِبَة الَّتِي بِنَاؤُهَا عَلَى ظَنّ غَالِب - فَتَصْدِيق مَنْ لَا يَنْطِق عَنْ الْهَوَى أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ كَلَامهمْ. اِنْتَهَى وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيه حَمْله عَلَى عُمُومه بِأَنْ يَكُون الْمُرَاد بِذَلِكَ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ الْإِفْرَاد وَالتَّرْكِيب , وَلَا مَحْذُور فِي ذَلِكَ وَلَا خُرُوج عَنْ ظَاهِر الْحَدِيث , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5256",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَالسَّامُ الْمَوْتُ وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ الشُّونِيزُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَسَعِيد هُوَ اِبْن الْمُسَيِّب ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة عُقَيْل , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْهَيْنِ اِقْتَصَرَ فِي كُلّ مِنْهُمَا عَلَى وَاحِد مِنْهُمَا , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ رِوَايَة الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَا مِنْ دَاء إِلَّا وَفِي الْحَبَّة السَّوْدَاء مِنْهُ شِفَاء إِلَّا السَّام \". ‏ ‏قَوْله : ( وَالْحَبَّة السَّوْدَاء الشُّونِيز ) ‏ ‏كَذَا عَطَفَهُ عَلَى تَفْسِير اِبْن شِهَاب لِلسَّامِ , فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ تَفْسِير الْحَبَّة السَّوْدَاء أَيْضًا لَهُ. وَالشُّونِيز بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وَكَسْر النُّون وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا زَاي. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَيَّدَ بَعْض مَشَايِخنَا الشِّين بِالْفَتْحِ وَحَكَى عِيَاض عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ أَنَّهُ كَسَرَهَا فَأَبْدَلَ الْوَاو يَاء فَقَالَ الشِّينِيز , وَتَفْسِير الْحَبَّة السَّوْدَاء بِالشُّونِيزِ لِشُهْرَة الشُّونِيز عِنْدهمْ إِذْ ذَاكَ , وَأَمَّا الْآن فَالْأَمْر بِالْعَكْسِ , وَالْحَبَّة السَّوْدَاء أَشْهَر عِنْد أَهْل هَذَا الْعَصْر مِنْ الشُّونِيز بِكَثِيرٍ , وَتَفْسِيرهَا بِالشُّونِيزِ هُوَ الْأَكْثَر الْأَشْهَر وَهِيَ الْكَمُّون الْأَسْوَد وَيُقَال لَهُ أَيْضًا الْكَمُّون الْهِنْدِيّ. وَنَقَلَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي \" غَرِيب الْحَدِيث \" عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهَا الْخَرْدَل , وَحَكَى أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيُّ فِي \" الْغَرِيبَيْنِ \" أَنَّهَا ثَمَرَة الْبُطْم بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة , وَاسْم شَجَرَتهَا الضِّرْو بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء. وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : هُوَ صَمْغ شَجَرَة تُدْعَى الْكَمْكَام تُجْلَب مِنْ الْيَمَن , وَرَائِحَتهَا طَيِّبَة , وَتُسْتَعْمَل فِي الْبَخُور. قُلْت : وَلَيْسَتْ الْمُرَاد هُنَا جَزْمًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : تَفْسِيرهَا بِالشُّونِيزِ أَوْلَى مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ قَوْل الْأَكْثَر , وَالثَّانِي كَثْرَة مَنَافِعهَا بِخِلَافِ الْخَرْدَل وَالْبُطْم. ‏"
    },
    {
        "id": "5257",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ ‏ ‏بِالتَّلْبِينِ ‏ ‏لِلْمَرِيضِ وَلِلْمَحْزُونِ عَلَى الْهَالِكِ وَكَانَتْ تَقُولُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏التَّلْبِينَةَ ‏ ‏تُجِمُّ ‏ ‏فُؤَادَ الْمَرِيضِ وَتَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ : ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا يُونُس بْن يَزِيد عَنْ عُقَيْل ) ‏ ‏هُوَ مِنْ رِوَايَة الْأَقْرَان. وَذَكَرَ النَّسَائِيُّ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو عَلَى الْأَسْيُوطِيّ عَنْهُ أَنَّ عُقَيْلًا تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ الزُّهْرِيّ. وَوَقَعَ فِي التِّرْمِذِيّ عَقِب حَدِيث مُحَمَّد بْن السَّائِب بْن بَرَكَة عَنْ أُمّه عَنْ عَائِشَة فِي التَّلْبِينَة , وَقَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق الطَّالْقَانِيّ حَدَّثَنَا اِبْن الْمُبَارَك عَنْ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ \" قَالَ الْمِزِّيّ : كَذَا فِي النُّسَخ لَيْسَ فِيهِ عُقَيْل. قُلْت : وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة نُعَيْم بْن حَمَّاد وَمِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن سِنَان كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن الْمُبَارَك لَيْسَ فِيهِ عُقَيْل , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن شَقِيق عَنْ اِبْن الْمُبَارَك بِإِثْبَاتِهِ , وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ , وَكَأَنَّ مَنْ لَمْ يَذْكُر فِيهِ عُقَيْلًا جَرَى عَلَى الْجَادَّة لِأَنَّ يُونُس مُكْثِر عَنْ الزُّهْرِيّ , وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عُقَيْل أَيْضًا اللَّيْث بْن سَعْد وَتَقَدَّمَ حَدِيثه فِي كِتَاب الْأَطْعِمَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُر بِالتَّلْبِينِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" بِالتَّلْبِينَة \" بِزِيَادَةِ الْهَاء. ‏ ‏قَوْله : ( لِلْمَرِيضِ وَلِلْمَحْزُونِ ) ‏ ‏أَيْ بِصُنْعِهِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا , وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ عُقَيْل \" أَنَّ عَائِشَة كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّت مِنْ أَهْلهَا ثُمَّ اِجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاء ثُمَّ تَفَرَّقْنَ أَمَرَتْ بِبُرْمَةِ تَلْبِينَة فَطُبِخَتْ ثُمَّ قَالَتْ : كُلُوا مِنْهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( عَلَيْكُمْ بِالتَّلْبِينَة ) أَيْ كُلُوهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّهَا تَجُمّ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَضَمَّ الْجِيم وَبِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه وَهُمَا بِمَعْنًى , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اللَّيْث \" فَإِنَّهَا مَجَمَّة \" بِفَتْحِ الْمِيم وَالْجِيم وَتَشْدِيد الْمِيم الثَّانِيَة هَذَا هُوَ الْمَشْهُور , وَرُوِيَ بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه وَهُمَا بِمَعْنًى , يُقَال جَمَّ وَأَجَمّ , وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تُرِيح فُؤَاده وَتُزِيل عَنْهُ الْهَمّ وَتُنَشِّطهُ , وَالْجَامّ بِالتَّشْدِيدِ الْمُسْتَرِيح , وَالْمَصْدَر الْجَمَام وَالْإِجْمَام , وَيُقَال جَمّ الْفَرَس وَأُجِمَّ إِذَا أُرِيح فَلَمْ يُرْكَب فَيَكُون أَدْعَى لِنَشَاطِهِ. وَحَكَى اِبْن بَطَّال أَنَّهُ رُوِيَ تُخَمّ بِخَاءٍ مُعْجَمَة قَالَ : وَالْمِخَمَّة الْمِكْنَسَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5258",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ ‏ ‏بِالتَّلْبِينَةِ ‏ ‏وَتَقُولُ هُوَ الْبَغِيضُ النَّافِعُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( حَدَّثَنَا فَرْوَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء ‏ ‏( اِبْن أَبِي الْمَغْرَاء ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَبِالْمَدِّ هُوَ الْكِنْدِيّ الْكُوفِيّ , وَاسْم أَبِي الْمَغْرَاء مَعْدِي كَرِبَ وَكُنْيَة فَرْوَة أَبُو الْقَاسِم , مِنْ الطَّبَقَة الْوُسْطَى مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَلَمْ يُكْثِر عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرنَا بِالتَّلْبِينَة وَتَقُول : هُوَ الْبَغِيض النَّافِع ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ مَوْقُوفًا , وَقَدْ حَذَفَ الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذِهِ الطَّرِيق وَضَاقَتْ عَلَى أَبِي نُعَيْم فَأَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ هَذِهِ عَنْ فَرْوَة , وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق كُلْثُم عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا \" عَلَيْكُمْ بِالْبَغِيضِ النَّافِع التَّلْبِينَة يَعْنِي الْحَسَاء \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة وَزَادَ \" وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَغْسِل بَطْن أَحَدكُمْ كَمَا يَغْسِل أَحَدكُمْ الْوَسَخ عَنْ وَجْهه بِالْمَاءِ \" وَلَهُ وَهُوَ عِنْد أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن السَّائِب بْن بَرَكَة عَنْ أُمّه عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَخَذَ أَهْله الْوَعْك أَمْر بِالْحَسَاءِ فَصُنِعَ , ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَحَسَوْا مِنْهُ ثُمَّ قَالَ : إِنَّهُ يَرْتُو فُؤَاد الْحَزِين وَيَسْرُو عَنْ فُؤَاد السَّقِيم , كَمَا تَسْرُو إِحْدَاكُنَّ الْوَسَخ عَنْ وَجْههَا بِالْمَاءِ \". وَيَرْتُو بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الرَّاء وَضَمِّ الْمُثَنَّاة وَيَسْرُو وَزْنه بِسِينٍ مُهْمَلَة ثُمَّ رَاءٍ , وَمَعْنَى يَرْتُو يُقَوِّي وَمَعْنَى يَسْرُو يَكْشِف , وَالْبَغِيض بِوَزْنِ عَظِيم مِنْ الْبُغْض أَيْ يُبْغِضهُ الْمَرِيض مَعَ كَوْنه يَنْفَعهُ كَسَائِرِ الْأَدْوِيَة. وَحَكَى عِيَاض أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ بِالنُّونِ بَدَل الْمُوَحَّدَة , قَالَ : وَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا. قَالَ الْمُوَفَّق الْبَغْدَادِيّ : إِذَا شِئْت مَعْرِفَة مَنَافِع التَّلْبِينَة فَاعْرِفْ مَنَافِع مَاء الشَّعِير وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ نُخَالَة , فَإِنَّهُ يَجْلُو وَيَنْفُذ بِسُرْعَةٍ وَيُغَذِّي غِذَاء لَطِيفًا , وَإِذَا شُرِبَ حَارًّا كَانَ أَجْلَى وَأَقْوَى نُفُوذًا وَأَنْمَى لِلْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّة. قَالَ : وَالْمُرَاد بِالْفُؤَادِ فِي الْحَدِيث رَأْس الْمَعِدَة فَإِنَّ فُؤَاد الْحَزِين يَضْعُف بِاسْتِيلَاءِ الْيُبْس عَلَى أَعْضَائِهِ وَعَلَى مَعِدَته خَاصَّة لِتَقْلِيلِ الْغِذَاء , وَالْحَسَاء يُرَطِّبهَا وَيُغَذِّيهَا وَيُقَوِّيهَا , وَيَفْعَل مِثْل ذَلِكَ بِفُؤَادِ الْمَرِيض , لَكِنْ الْمَرِيض كَثِيرًا مَا يَجْتَمِع فِي مَعِدَته خِلْط مَرَارِيّ أَوْ بَلْغَمِيّ أَوْ صَدِيدِيّ , وَهَذَا الْحَسَاء يَجْلُو ذَلِكَ عَنْ الْمَعِدَة. قَالَ : وَسَمَّاهُ الْبَغِيض النَّافِع لِأَنَّ الْمَرِيض يَعَافهُ وَهُوَ نَافِع لَهُ , قَالَ : وَلَا شَيْء أَنْفَع مِنْ الْحَسَاء لِمَنْ يَغْلِب عَلَيْهِ فِي غِذَائِهِ الشَّعِير , وَأَمَّا مَنْ يَغْلِب عَلَى غِذَائِهِ الْحِنْطَة فَالْأَوْلَى بِهِ فِي مَرَضه حَسَاء الشَّعِير. وَقَالَ صَاحِب \" الْهَدْيِ \" : التَّلْبِينَة أَنْفَع مِنْ الْحَسَاء لِأَنَّهَا تُطْبَخ مَطْحُونَة فَتَخْرُج خَاصَّة الشَّعِير بِالطَّحْنِ , وَهِيَ أَكْثَر تَغْذِيَة وَأَقْوَى فِعْلًا وَأَكْثَر جَلَاء , وَإِنَّمَا اِخْتَارَ الْأَطِبَّاء النَّضِيج لِأَنَّهُ أَرَقّ وَأَلْطَف فَلَا يَثْقُل عَلَى طَبِيعَة الْمَرِيض. وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِف الِانْتِفَاع بِذَلِكَ بِحَسَبِ اِخْتِلَاف الْعَادَة فِي الْبِلَاد , وَلَعَلَّ اللَّائِق بِالْمَرِيضِ مَاء الشَّعِير إِذَا طُبِخَ صَحِيحًا , وَبِالْحَزِينِ إِذَا طُبِخَ مَطْحُونًا , لِمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة مِنْ الْفَرْق بَيْنهمَا فِي الْخَاصِّيَّة وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5259",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏احْتَجَمَ وَأَعْطَى ‏ ‏الْحَجَّامَ ‏ ‏أَجْرَهُ ‏ ‏وَاسْتَعَطَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَاسْتَعَطَ ) ‏ ‏أَيْ اِسْتَعْمَلَ السَّعُوط وَهُوَ أَنْ يَسْتَلْقِي عَلَى ظَهْره وَيَجْعَل بَيْن كَتِفَيْهِ مَا يَرْفَعهُمَا لِيَنْحَدِر رَأْسه وَيُقْطَر فِي أَنْفه مَاء أَوْ دُهْن فِيهِ دَوَاء مُفْرَد أَوْ مُرَكَّب , لِيَتَمَكَّن بِذَلِكَ مِنْ الْوُصُول إِلَى دِمَاغه لِاسْتِخْرَاجِ مَا فِيهِ مِنْ الدَّاء بِالْعُطَاسِ , وَسَيَأْتِي ذِكْر مَا يُسْتَعَطُّ بِهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" أَنَّ خَيْر مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ السَّعُوط \". ‏"
    },
    {
        "id": "5260",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ ‏ ‏يُسْتَعَطُ ‏ ‏بِهِ مِنْ ‏ ‏الْعُذْرَةِ ‏ ‏وَيُلَدُّ ‏ ‏بِهِ مِنْ ‏ ‏ذَاتِ الْجَنْبِ ‏ ‏وَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِابْنٍ لِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ فَبَالَ عَلَيْهِ ‏ ‏فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّه ) ‏ ‏سَيَأْتِي بِلَفْظِ \" أَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أُمّ قَيْس بِنْت مِحْصَن ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد مُسْلِم التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْهَا , وَسَيَأْتِي أَيْضًا قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُود الْهِنْدِيّ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا مُخْتَصَرًا , وَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب فِي أَوَّله قِصَّة \" أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنٍ لِي وَقَدْ أَعْلَقْت عَلَيْهِ مِنْ الْعُذْرَة فَقَالَ : عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُود الْهِنْدِيّ \". وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَأَصْحَاب السُّنَن مِنْ حَدِيث جَابِر مَرْفُوعًا \" أَيّمَا اِمْرَأَة أَصَابَ وَلَدهَا عُذْرَة أَوْ وَجَع فِي رَأْسه فَلْتَأْخُذْ قُسْطًا هِنْدِيًّا فَتَحُكّهُ بِمَاءٍ ثُمَّ تُسْعِطهُ إِيَّاهُ \" وَفِي حَدِيث أَنَس الْآتِي بَعْد بَابَيْنِ \" إِنَّ أَمْثَل مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَة وَالْقُسْط الْبَحْرِيّ \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ وَصْف لِكُلِّ مَا يُلَائِمهُ , فَحَيْثُ وُصِفَ الْهِنْدِيّ كَانَ لِاحْتِيَاجٍ فِي الْمُعَالَجَة إِلَى دَوَاء شَدِيد الْحَرَارَة , وَحَيْثُ وُصِفَ الْبَحْرِيّ كَانَ دُون ذَلِكَ فِي الْحَرَارَة , لِأَنَّ الْهِنْدِيّ كَمَا تَقَدَّمَ أَشَدّ حَرَارَة مِنْ الْبَحْرِيّ. وَقَالَ اِبْن سِينَا : الْقُسْط حَارّ فِي الثَّالِثَة يَابِس فِي الثَّانِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَة أَشْفِيَة ) ‏ ‏جَمْع شَفَاء كَدَوَاءٍ وَأَدْوِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( يُسْتَعَطُ بِهِ مِنْ الْعُذْرَة , وَيُلَدّ بِهِ مِنْ ذَات الْجَنْب ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ الِاقْتِصَار فِي الْحَدِيث مِنْ السَّبْعَة عَلَى اِثْنَيْنِ , فَإمَّا أَنْ يَكُون ذَكَرَ السَّبْعَة فَاخْتَصَرَهُ الرَّاوِي أَوْ اِقْتَصَرَ عَلَى الِاثْنَيْنِ لِوُجُودِهِمَا حِينَئِذٍ دُون غَيْرهمَا , وَسَيَأْتِي مَا يُقَوِّي الِاحْتِمَال الثَّانِي. وَقَدْ ذَكَرَ الْأَطِبَّاء مِنْ مَنَافِع الْقُسْط أَنَّهُ يُدِرّ الطَّمْث وَالْبَوْل وَيَقْتُل دِيدَان الْأَمْعَاء وَيَدْفَع السُّمّ وَحُمَّى الرِّبْع وَالْوِرْد وَيُسَخِّن الْمَعِدَة وَيُحَرِّك شَهْوَة الْجِمَاع وَيُذْهِب الْكَلَف طِلَاءً , فَذَكَرُوا أَكْثَر مِنْ سَبْعَة , وَأَجَابَ بَعْض الشُّرَّاح بِأَنَّ السَّبْعَة عُلِمَتْ بِالْوَحْيِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا بِالتَّجْرِبَةِ , فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا هُوَ بِالْوَحْيِ لِتَحَقُّقِهِ وَقِيلَ ذَكَرَ مَا يُحْتَاج إِلَيْهِ دُون غَيْره لِأَنَّهُ لَمْ يُبْعَث بِتَفَاصِيل ذَلِكَ قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون السَّبْعَة أُصُول صِفَة التَّدَاوِي بِهَا ; لِأَنَّهَا إِمَّا طِلَاء أَوْ شُرْب أَوْ تَكْمِيد أَوْ تَنْطِيل أَوْ تَبْخِير أَوْ سَعُوط أَوْ لَدُود ; فَالطِّلَاء يَدْخُل فِي الْمَرَاهِم وَيُحَلَّى بِالزَّيْتِ وَيُلَطَّخ , وَكَذَا التَّكْمِيد , وَالشُّرْب يُسْحَق وَيُجْعَل فِي عَسَل أَوْ مَاء أَوْ غَيْرهمَا , وَكَذَا التَّنْطِيل , وَالسَّعُوط يُسْحَق فِي زَيْت وَيُقْطَر فِي الْأَنْف , وَكَذَا الدُّهْن , وَالتَّبْخِير وَاضِح , وَتَحْت كُلّ وَاحِدَة مِنْ السَّبْعَة مَنَافِع لِأَدْوَاءٍ مُخْتَلِفَة وَلَا يُسْتَغْرَب ذَلِكَ مِمَّنْ أُوتِيَ جَوَامِع الْكَلِم. وَأَمَّا الْعُذْرَة فَهِيَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَجَع فِي الْحَلْق يَعْتَرِي الصِّبْيَانِ غَالِبًا , وَقِيلَ هِيَ قُرْحَة تَخْرُج بَيْن الْأُذُن وَالْحَلْق أَوْ فِي الْخُرْم الَّذِي بَيْن الْأَنْف وَالْحَلْق , قِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَخْرُج غَالِبًا عِنْد طُلُوع الْعُذْرَة ; وَهِيَ خَمْسَة كَوَاكِب تَحْت الشِّعْرَى الْعَبُور , وَيُقَال لَهَا أَيْضًا الْعَذَارَى , وَطُلُوعهَا يَقَع وَسَط الْحَرّ. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ مُعَالَجَتهَا بِالْقُسْطِ مَعَ كَوْنه حَارًّا وَالْعُذْرَة إِنَّمَا تَعْرِض فِي زَمَن الْحَرّ بِالصِّبْيَانِ وَأَمْزِجَتهمْ حَارَّة وَلَا سِيَّمَا وَقُطْر الْحِجَاز حَارّ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَادَّة الْعُذْرَة دَم يَغْلِب عَلَيْهِ الْبَلْغَم , وَفِي الْقُسْط تَخْفِيف لِلرُّطُوبَةِ. وَقَدْ يَكُون نَفْعه فِي هَذَا الدَّوَاء بِالْخَاصِّيَّةِ , وَأَيْضًا فَالْأَدْوِيَة الْحَارَّة قَدْ تَنْفَع فِي الْأَمْرَاض الْحَارَّة بِالْعَرْضِ كَثِيرًا , بَلْ وَبِالذَّاتِ أَيْضًا. وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن سِينَا فِي مُعَالَجَة سُعُوط اللَّهَاة الْقُسْط مَعَ الشَّبّ الْيَمَانِيّ وَغَيْره. عَلَى أَنَّنَا لَوْ لَمْ نَجِد شَيْئًا مِنْ التَّوْجِيهَات لَكَانَ أَمْر الْمُعْجِزَة خَارِجًا عَنْ الْقَوَاعِد الطِّبِّيَّة. وَسَيَأْتِي بَيَان ذَات الْجَنْب فِي \" بَاب اللَّدُود \" وَفِيهِ شَرْح بَقِيَّة حَدِيث أُمّ قَيْس هَذَا. وَقَوْلهَا \" وَدَخَلْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنٍ لِي \" تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا فِي الطَّهَارَة , وَهُوَ حَدِيث آخَر لِأُمّ قَيْس وَقَعَ ذِكْره هُنَا اِسْتِطْرَادًا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5261",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏احْتَجَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ صَائِمٌ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِم \" وَهُوَ يَقْتَضِي كَوْن ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ نَهَارًا , وَعِنْد الْأَطِبَّاء أَنَّ أَنْفَع الْحِجَامَة مَا يَقَع فِي السَّاعَة الثَّانِيَة أَوْ الثَّالِثَة , وَأَنْ لَا يَقَع عَقِب اِسْتِفْرَاغ عَنْ جِمَاع أَوْ حَمَّام أَوْ غَيْرهمَا وَلَا عَقِب شِبَع وَلَا جُوع. وَقَدْ وَرَدَ فِي تَعْيِين الْأَيَّام لِلْحِجَامَةِ حَدِيث لِابْنِ عُمَر عِنْد اِبْن مَاجَهْ رَفَعَهُ فِي أَثْنَاء حَدِيث وَفِيهِ \" فَاحْتَجِمُوا عَلَى بَرَكَة اللَّه يَوْم الْخَمِيس , وَاحْتَجِمُوا يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاء ; وَاجْتَنِبُوا الْحِجَامَة يَوْم الْأَرْبِعَاء وَالْجُمْعَة وَالسَّبْت وَالْأَحَد \" أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ ضَعِيفَيْنِ , وَلَهُ طَرِيق ثَالِثَة ضَعِيفَة أَيْضًا عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ فِي \" الْأَفْرَاد \" وَأَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ اِبْن عُمَر مَوْقُوفًا , وَنَقَلَ الْخَلَّال عَنْ أَحْمَد أَنَّهُ كَرِهَ الْحِجَامَة فِي الْأَيَّام الْمَذْكُورَة وَأَنَّ الْحَدِيث لَمْ يَثْبُت , وَحَكَى أَنَّ رَجُلًا اِحْتَجَمَ يَوْم الْأَرْبِعَاء فَأَصَابَهُ بَرَص لِكَوْنِهِ تَهَاوَنَ بِالْحَدِيثِ , وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرَة أَنَّهُ كَانَ يَكْرَه الْحِجَامَة يَوْم الثُّلَاثَاء وَقَالَ \" إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَوْم الثُّلَاثَاء يَوْم الدَّم , وَفِيهِ سَاعَة لَا يُرْقَأ فِيهَا \". وَوَرَدَ فِي عَدَد مِنْ الشَّهْر أَحَادِيث : مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" مَنْ اِحْتَجَمَ لِسَبْع عَشْرَة وَتِسْع عَشْرَة وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ كَانَ شِفَاء مِنْ كُلّ دَاء \" وَهُوَ مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْجُمَحِيِّ عَنْ سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح , وَسَعِيد وَثَّقَهُ الْأَكْثَر وَلَيَّنَهُ بَعْضهمْ مِنْ قَبْل حِفْظه. وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَرِجَاله ثِقَات , لَكِنَّهُ مَعْلُول. وَشَاهِد آخَر مِنْ حَدِيث أَنَس عِنْد اِبْن مَاجَهْ , وَسَنَده ضَعِيف. وَهُوَ عِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس لَكِنْ مِنْ فَعَلَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلِكَوْنِ هَذِهِ الْأَحَادِيث لَمْ يَصِحّ مِنْهَا شَيْء قَالَ حَنْبَل بْن إِسْحَاق : كَانَ أَحْمَد يَحْتَجِم أَيْ وَقْت هَاجَ بِهِ الدَّم وَأَيّ سَاعَة كَانَتْ. وَقَدْ اِتَّفَقَ الْأَطِبَّاء عَلَى أَنَّ الْحِجَامَة فِي النِّصْف الثَّانِي مِنْ الشَّهْر ثُمَّ فِي الرُّبْع الثَّالِث مِنْ أَرْبَاعه أَنْفَع مِنْ الْحِجَامَة فِي أَوَّله وَآخِره , قَالَ الْمُوَفَّق الْبَغْدَادِيّ : وَذَلِكَ أَنَّ الْأَخْلَاط فِي أَوَّل الشَّهْر تَهِيج وَفِي آخِره تَسْكُن , فَأَوْلَى مَا يَكُون الِاسْتِفْرَاغ فِي أَثْنَائِهِ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5262",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏وَعَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏احْتَجَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُحْرِمٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5263",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَجْرِ الْحَجَّامِ فَقَالَ احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَجَمَهُ ‏ ‏أَبُو طَيْبَةَ ‏ ‏وَأَعْطَاهُ ‏ ‏صَاعَيْنِ ‏ ‏مِنْ طَعَامٍ وَكَلَّمَ مَوَالِيَهُ فَخَفَّفُوا عَنْهُ وَقَالَ ‏ ‏إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ ‏ ‏وَالْقُسْطُ ‏ ‏الْبَحْرِيُّ وَقَالَ لَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ ‏ ‏بِالْغَمْزِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْعُذْرَةِ ‏ ‏وَعَلَيْكُمْ ‏ ‏بِالْقُسْطِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ حُمَيْدٍ \" سَمِعْت أَنَسًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي الْإِجَارَة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَجْر الْحَجَّام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ حُمَيْدٍ \" كَسْب الْحَجَّام \". ‏ ‏قَوْله : ( حَجْمه أَبُو طَيْبَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُوَحَّدَة , تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَة ذِكْر تَسْمِيَته وَتَعْيِين مَوَالِيه , وَكَذَا جِنْس مَا أُعْطِيَ مِنْ الْأُجْرَة وَأَنَّهُ تَمْر , وَحُكْم كَسْبه , فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَته. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ : إِنَّ أَمْثَل مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُفْرَدًا مِنْ طَرِيق زِيَاد بْن سَعْد وَغَيْره عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس بِلَفْظِ \" خَيْر مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَة \" وَمِنْ طَرِيق مُعْتَمِر عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ \" أَفْضَل \" , قَالَ أَهْل الْمَعْرِفَة : الْخِطَاب بِذَلِكَ لِأَهْلِ الْحِجَاز وَمَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ أَهْل الْبِلَاد الْحَارَّة , لِأَنَّ دِمَاءَهُمْ رَقِيقَة وَتَمِيل إِلَى ظَاهِر الْأَبْدَانِ لِجَذْبِ الْحَرَارَة الْخَارِجَة لَهَا إِلَى سَطْح الْبَدَن , وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا أَنَّ الْخِطَاب أَيْضًا لِغَيْرِ الشُّيُوخ لِقِلَّةِ الْحَرَارَة فِي أَبْدَانهمْ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن سِيرِينَ قَالَ : إِذَا بَلَغَ الرَّجُل أَرْبَعِينَ سَنَة لَمْ يَحْتَجِم. قَالَ الطَّبَرِيُّ. وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِير مِنْ حِينَئِذٍ فِي اِنْتِقَاص مِنْ عُمْره وَانْحِلَال مِنْ قُوَى جَسَده , فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدهُ وَهْيًا بِإِخْرَاجِ الدَّم ا ه. وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَنْ لَمْ تَتَعَيَّن حَاجَته إِلَيْهِ , وَعَلَى مَنْ لَمْ يَعْتَدّ بِهِ , وَقَدْ قَالَ اِبْن سِينَا فِي أُرْجُوزَته : ‏ ‏وَمَنْ يَكُنْ تَعَوَّدَ الْفِصَادَه ‏ ‏فَلَا يَكُنْ يَقْطَع تِلْكَ الْعَادَه ‏ ‏ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يُقَلِّل ذَلِكَ بِالتَّدْرِيجِ إِلَى أَنْ يَنْقَطِع جُمْلَة فِي عَشْر الثَّمَانِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ لَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانكُمْ بِالْغَمْزِ مِنْ الْعُذْرَة ; وَعَلَيْكُمْ بِالْقُسْطِ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول أَيْضًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَى حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا. وَقَدْ أَوْرَدَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ مَضْمُومًا إِلَى حَدِيث \" خَيْر مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَة \" وَقَدْ اِشْتَمَلَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى مَشْرُوعِيَّة الْحِجَامَة وَالتَّرْغِيب فِي الْمُدَاوَاة بِهَا وَلَا سِيَّمَا لِمَنْ اِحْتَاجَ إِلَيْهَا , وَعَلَى حُكْم كَسْب الْحَجَّام وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَة , وَعَلَى التَّدَاوِي بِالْقُسْطِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْأَعْلَاق فِي الْعُذْرَة وَالْغَمْزَة فِي \" بَاب اللَّدُود \". ‏"
    },
    {
        "id": "5264",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏وَغَيْرُهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏بُكَيْرًا ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَادَ ‏ ‏الْمُقَنَّعَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ لَا أَبْرَحُ حَتَّى تَحْتَجِمَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ فِيهِ شِفَاءً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن تَلِيد ) ‏ ‏بِمُثَنَّاةٍ وَلَام وَزْن سَعِيد , وَهُوَ سَعِيد بْن عِيسَى بْن تَلِيد نُسِبَ لِجَدِّهِ , وَهُوَ مِصْرِيّ , وَثَّقَهُ أَبُو يُونُس وَقَالَ : كَانَ فَقِيهًا ثَبْتًا فِي الْحَدِيث , وَكَانَ يَكْتُب لِلْقُضَاةِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عَمْرو وَغَيْره ) ‏ ‏أَمَّا عَمْرو فَهُوَ اِبْن الْحَارِث , وَأَمَّا غَيْره فَمَا عَرَفْته ; وَيَغْلِب عَلَى ظَنِّيّ أَنَّهُ اِبْن لَهِيعَةَ , وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيث أَحْمَد وَمُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو عَوَانَة وَالطَّحَاوِيّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْن حِبَّان مِنْ طُرُق عَنْ اِبْن وَهْب عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث وَحْده لَمْ يَقُلْ أَحَد فِي الْإِسْنَاد \" وَغَيْره \" وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ ) ‏ ‏هَكَذَا أَفْرَدَ الضَّمِير لِوَاحِدٍ بَعْد أَنْ قَدَّمَ ذِكْر اِثْنَيْنِ , وَبُكَيْر هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن الْأَشَجّ وَرُبَّمَا نُسِبَ لِجَدِّهِ , مَدَنِيّ سَكَنَ مِصْر , وَالْإِسْنَاد إِلَيْهِ مِصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَادَ الْمُقَنَّع ) ‏ ‏بِقَافٍ وَنُون ثَقِيلَة مَفْتُوحَة هُوَ اِبْن سِنَان تَابِعِيّ. لَا أَعْرِفهُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ فِيهِ شِفَاء ) ‏ ‏كَذَا ذَكَرَهُ بُكَيْر بْن الْأَشَجّ مُخْتَصَرًا , وَمَضَى فِي \" بَاب الدَّوَاء بِالْعَسَلِ \" مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن اِبْن الْغَسِيل عَنْ عَاصِم بْن عُمَر مُطَوَّلًا , وَسَيَأْتِي أَيْضًا عَنْ قُرْب. ‏"
    },
    {
        "id": "5265",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏احْتَجَمَ ‏ ‏بِلَحْيِ جَمَلٍ ‏ ‏مِنْ طَرِيقِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏احْتَجَمَ فِي رَأْسِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , ‏ ‏وَسُلَيْمَان ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال , ‏ ‏وَعَلْقَمَة ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَلْقَمَة , وَالسَّنَد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان حَاله فِي أَبْوَاب الْمُحْصَر فِي الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله : ( اِحْتَجَمَ بِلَحْيَيْ جَمَل ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِالتَّثْنِيَةِ وَتَقَدَّمَ بِلَفْظِ الْإِفْرَاد وَاللَّام مَفْتُوحَة وَيَجُوز كَسْرهَا , وَجَمَل بِفَتْحِ الْجِيم وَالْمِيم , قَالَ اِبْن وَضَّاح : هِيَ بُقْعَة مَعْرُوفَة وَهِيَ عَقَبَة الْجُحْفَة عَلَى سَبْعَة أَمْيَال مِنْ السُّقْيَا , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ الْآلَة الَّتِي اِحْتَجَمَ بِهَا أَيْ اِحْتَجَمَ بِعَظْمِ جَمَل , وَالْأَوَّل الْمُعْتَمَد , وَسَأَذْكُرُ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس التَّصْرِيح بِقِصَّةِ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي وَسَط رَأْسه ) ‏ ‏بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة وَيَجُوز تَسْكِينهَا , وَتَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الْحَجّ وَقَوْل مَنْ فَرَّقَ بَيْنهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ الْأَنْصَارِيّ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ : \" حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن فَضَالَة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَنْصَارِيّ \" فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ \" اِحْتَجَمَ اِحْتِجَامَة فِي رَأْسه \" وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي حَاتِم الرَّازِيِّ حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيّ بِلَفْظِ \" اِحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِم مِنْ صُدَاع كَانَ بِهِ أَوْ دَاء , وَاحْتَجَمَ فِيمَا يُقَال لَهُ لَحْي جَمَل \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ الْأَنْصَارِيّ , وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ \" بِمَا يُقَال لَهُ لَحْي جَمَل \". ‏"
    },
    {
        "id": "5266",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏احْتَجَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏لُحْيُ جَمَلٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَسَّان , ‏ ‏وَقَوْله : \" مِنْ وَجَع \" ‏ ‏كَانَ قَدْ بَيَّنَهُ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُحَمَّد بْن سَوَاء ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَمَدّ هُوَ السَّدُوسِيّ , وَاسْم جَدّه عَنْبَر بِمُهْمَلَةٍ وَنُون وَمُوَحَّدَة ; بَصْرِيّ يُكَنَّى أَبَا الْخَطَّاب , مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى حَدِيث مَوْصُول مَضَى فِي الْمَنَاقِب ; وَآخَر يَأْتِي فِي الْأَدَب وَهَذَا الْمُعَلَّق , وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ : \" حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَزْدِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَوَاء \" فَذَكَرَهُ سَوَاء. وَقَدْ اِتَّفَقَتْ هَذِهِ الطُّرُق عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ اِحْتَجَمَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِم فِي رَأْسه , وَوَافَقَهَا حَدِيث اِبْن بُحَيْنَة , وَخَالَفَ ذَلِكَ حَدِيث أَنَس : فَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ فِي \" الشَّمَائِل \" وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ قَتَادَة عَنْهُ قَالَ , اِحْتَجَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِم عَلَى ظَهْر الْقَدَم مِنْ وَجَع كَانَ بِهِ , وَرِجَاله رِجَال الصَّحِيح ; إِلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ حَكَى عَنْ أَحْمَد أَنَّ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة رَوَاهُ عَنْ قَتَادَة فَأَرْسَلَهُ , وَسَعِيد أَحْفَظ مِنْ مَعْمَر , وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِعِلَّةٍ قَادِحَة , وَالْجَمْع بَيْن حَدِيثَيْ اِبْن عَبَّاس وَأَنَس وَاضِح بِالْحَمْلِ عَلَى التَّعَدُّد ; أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا جَوَاز الْحِجَامَة لِلْمُحْرِمِ وَأَنَّ إِخْرَاجه الدَّم لَا يَقْدَح فِي إِحْرَامه , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي كِتَاب الْحَجّ , وَحَاصِله أَنَّ الْمُحْرِم إِنْ اِحْتَجَمَ وَسَط رَأْسه لِعُذْرٍ جَازَ مُطْلَقًا , فَإِنْ قَطَعَ الشَّعْر وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَة , فَإِنْ اِحْتَجَمَ لِغَيْرِ عُذْر وَقَطَعَ حَرُمَ ; وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5267",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ الْغَسِيلِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ شَرْطَةِ ‏ ‏مِحْجَمٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏لَذْعَةٍ ‏ ‏مِنْ نَارٍ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَبَان ) ‏ ‏هُوَ الْوَرَّاق الْأَزْدِيّ الْكُوفِيّ أَبُو إِسْحَاق - أَوْ أَبُو إِبْرَاهِيم - مِنْ كِبَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ. وَهُوَ صَدُوق , تَكَلَّمَ فِيهِ الْجُوزَجَانِيُّ لِأَجْلِ التَّشَيُّع , قَالَ اِبْن عَدِيّ : وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ صَدُوق. وَفِي عَصْره إِسْمَاعِيل بْن أَبَان آخَر يُقَال لَهُ الْغَنَوِيّ , قَالَ اِبْن مَعِين : الْغَنَوِيّ كَذَّاب وَالْوَرَّاق ثِقَة. وَقَالَ اِبْن الْمَدِينِيّ : الْوَرَّاق لَا بَأْس بِهِ وَالْغَنَوِىّ كَتَبْت عَنْهُ وَتَرَكْته , وَضَعَّفَهُ جِدًّا. وَكَذَا فَرَّقَ بَيْنهمَا أَحْمَد وَعُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة وَجَمَاعَة , وَغَفَلَ مَنْ خَلَّطَهُمَا. وَكَانَتْ وَفَاة الْغَنَوِيّ قَبْل الْوَرَّاق بِسِتِّ سِنِينَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا اِبْن الْغَسِيل ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن سُلَيْمَان , تَقَدَّمَ شَرْح حَاله قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5268",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَعْبٍ هُوَ ابْنُ عُجْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَمَنَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ بُرْمَةٍ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَنْ رَأْسِي فَقَالَ ‏ ‏أَيُؤْذِيكَ ‏ ‏هَوَامُّكَ ‏ ‏قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَاحْلِقْ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةً أَوْ انْسُكْ نَسِيكَةً قَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏لَا أَدْرِي بِأَيَّتِهِنَّ بَدَأَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث كَعْب بْن عُجْرَة فِي حَلْق رَأْسه وَهُوَ مُحْرِم بِسَبَبِ كَثْرَة الْقَمْل , مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحَجّ , وَكَأَنَّهُ أَوْرَدَهُ عَقِب حَدِيث الْحِجَامَة وَسَط الرَّأْس لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ جَوَاز حَلْق الشَّعْر لِلْمُحْرِمِ لِأَجْلِ الْحِجَامَة عِنْد الْحَاجَة إِلَيْهَا يُسْتَنْبَط مِنْ جَوَاز حَلْق جَمِيع الرَّأْس لِلْمُحْرِمِ عِنْد الْحَاجَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5269",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ شِفَاءٌ فَفِي شَرْطَةِ ‏ ‏مِحْجَمٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏لَذْعَةٍ ‏ ‏بِنَارٍ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد هِشَام بْن عَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏هُوَ الطَّيَالِسِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت جَابِرًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن خَلَّاد عَنْ أَبِي الْوَلِيد بِسَنَدِهِ \" أَتَانَا جَابِر فِي بَيْتنَا فَحَدَّثْنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَفِي شَرْطَة مِحْجَم , أَوْ لَذْعَة بِنَارٍ ) ‏ ‏كَذَا اِقْتَصَرَ فِي هَذِهِ الطَّرِيق عَلَى شَيْئَيْنِ , وَحَذَفَ الثَّالِث وَهُوَ الْعَسَل ; وَثَبَتَ ذِكْره فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم مِنْ طَرِيق أَبِي مَسْعُود عَنْ أَبِي الْوَلِيد , وَكَذَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظه بَلْ أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَة أَبِي نُعَيْم عَنْ اِبْن الْغَسِيل , وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي نُعَيْم تَامًّا فِي \" بَاب الدَّوَاء بِالْعَسَلِ \" وَاخْتَصَرَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيق أَيْضًا قَوْله : \" تُوَافِق الدَّاء \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانهَا هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5270",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُصَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ ‏ ‏فَذَكَرْتُهُ ‏ ‏لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏فَقَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ قُلْتُ مَا هَذَا أُمَّتِي هَذِهِ قِيلَ بَلْ هَذَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏وَقَوْمُهُ قِيلَ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَأُ الْأُفُقَ ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ قِيلَ هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ فَنَحْنُ هُمْ أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَخَرَجَ فَقَالَ هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا ‏ ‏يَتَطَيَّرُونَ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏يَكْتَوُونَ ‏ ‏وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَالَ ‏ ‏عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ ‏ ‏أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ أَمِنْهُمْ أَنَا قَالَ سَبَقَكَ بِهَا ‏ ‏عُكَّاشَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عِمْرَان بْن مَيْسَرَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( حُصَيْنٌ ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الْوَاسِطِيّ , ‏ ‏وَعَامِر ‏ ‏هُوَ الشَّعْبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ قَالَ : لَا رُقْيَة إِلَّا مِنْ عَيْن أَوْ حُمَة ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنٍ مَوْقُوفًا , وَوَافَقَهُ هُشَيْم وَشُعْبَة عَنْ حُصَيْنٍ عَلَى وَقْفه , وَرِوَايَة هُشَيْم عِنْد أَحْمَد وَمُسْلِم , وَرِوَايَة شُعْبَة عِنْد التِّرْمِذِيّ تَعْلِيقًا , وَوَصَلَهَا اِبْنَا أَبِي شَيْبَة وَلَكِنْ قَالَا \" عَنْ بُرَيْدَةَ \" بَدَل عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ , وَخَالَفَ الْجَمِيع مَالِك بْن مِغْوَل عَنْ حُصَيْنٍ فَرَوَاهُ مَرْفُوعًا وَقَالَ : \" عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ , وَكَذَا قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ \" عَنْ حُصَيْنٍ \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ , وَكَذَا قَالَ إِسْحَاق بْن سُلَيْمَان \" عَنْ حُصَيْنٍ \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الشَّعْبِيّ اِخْتِلَافًا آخَر فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق الْعَبَّاس بْن ذَرِيح بِمُعْجَمَةٍ وَرَاء وَآخِره مُهْمَلَة بِوَزْنِ عَظِيم فَقَالَ : \" عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ أَنَس \" وَرَفَعَهُ , وَشَذَّ الْعَبَّاس بِذَلِكَ , وَالْمَحْفُوظ رِوَايَة حُصَيْنٍ مَعَ الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ فِي رَفْعه وَوَقْفه , وَهَلْ هُوَ عَنْ عِمْرَان أَوْ بُرَيْدَةَ , وَالتَّحْقِيق أَنَّهُ عِنْده عَنْ عِمْرَان وَعَنْ بُرَيْدَةَ جَمِيعًا. وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاة عَنْ الْبُخَارِيّ قَالَ : حَدِيث الشَّعْبِيّ مُرْسَل , وَالْمُسْنَد حَدِيث اِبْن عَبَّاس , فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ أَوْرَدَ حَدِيث الشَّعْبِيّ اِسْتِطْرَادًا وَلَمْ يَقْصِد إِلَى تَصْحِيحه , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي حَذْف الْحُمَيْدِيّ لَهُ مِنْ \" الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ \" فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرهُ أَصْلًا. ثُمَّ وَجَدْت فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه هُوَ الْمُصَنِّف : إِنَّمَا أَرَدْنَا مِنْ هَذَا حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَالشَّعْبِيّ عَنْ عِمْرَان مُرْسَل \" وَهَذَا يُؤَيِّد مَا ذَكَرْته. ‏ ‏قَوْله : ( لَا رُقْيَة إِلَّا مِنْ عَيْن أَوْ حُمَة ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمِيم , قَالَ ثَعْلَب وَغَيْره : هِيَ سُمّ الْعَقْرَب , وَقَالَ الْقَزَّاز : قِيلَ : هِيَ شَوْكَة الْعَقْرَب , وَكَذَا قَالَ اِبْن سِيدَهْ إِنَّهَا الْإِبْرَة الَّتِي تَضْرِب بِهَا الْعَقْرَب وَالزُّنْبُور. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْحُمَة كُلّ هَامَة ذَات سُمّ مِنْ حَيَّة أَوْ عَقْرَب. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث سَهْل بْن حُنَيْف مَرْفُوعًا \" لَا رُقْيَة إِلَّا مِنْ نَفْس , أَوْ حُمَة , أَوْ لَدْغَة \" فَغَايَرَ بَيْنهمَا , فَيَحْتَمِل أَنْ يُخَرَّج عَلَى أَنَّ الْحُمَة خَاصَّة بِالْعَقْرَبِ , فَيَكُون ذِكْر اللَّدْغَة بَعْدهَا مِنْ الْعَامّ بَعْد الْخَاصّ. وَسَيَأْتِي بَيَان حُكْم الرُّقْيَة فِي \" بَاب رُقْيَة الْحَيَّة وَالْعَقْرَب \" بَعْد أَبْوَاب , وَكَذَلِكَ ذِكْر حُكْم الْعَيْن فِي بَاب مُفْرَد. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَكَرْته لِسَعِيدِ بْن جُبَيْر ) ‏ ‏الْقَائِل ذَلِكَ حُصَيْنٌ بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ هُشَيْم عَنْ حُصَيْنٍ بْن عَبْد الرَّحْمَن قَالَ : \" كُنْت عِنْد سَعِيد بْن جُبَيْر فَقَالَ : حَدَّثَنِي اِبْن عَبَّاس \" وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الرِّقَاق. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ هُشَيْم وَمُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ بِزِيَادَةِ قِصَّة قَالَ : \" كُنْت عِنْد سَعِيد بْن جُبَيْر فَقَالَ : أَيّكُمْ رَأَى الْكَوْكَب الَّذِي اِنْقَضَّ الْبَارِحَة ؟ قُلْت : أَنَا. ثُمَّ قُلْت : أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاة , وَلَكِنْ لُدِغْت. قَالَ : وَكَيْف فَعَلْت ؟ قُلْت : اسْتَرْقَيْت. قَالَ : وَمَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ ؟ قُلْت : حَدِيث حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيّ عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ لَا رُقْيَة إِلَّا مِنْ عَيْن أَوْ حُمَة. فَقَالَ سَعِيد قَدْ أَحْسَنَ مَنْ اِنْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ , ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا اِبْن عَبَّاس \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَم ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الرِّقَاق , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" حَتَّى وَقَعَ فِي سَوَاد \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِوَاوٍ وَقَاف , وَبِلَفْظِ \" فِي \" , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" حَتَّى رُفِعَ \" بِرَاءٍ وَفَاء , وَبِلَفْظِ \" لِي \" وَهُوَ الْمَحْفُوظ فِي جَمِيع طُرُق هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ) ‏ ‏سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الرُّقْيَة بَعْد قَلِيل , وَكَذَلِكَ يَأْتِي الْقَوْل فِي الطِّيَرَة بَعْد ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5271",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا فَاشْتَكَتْ عَيْنَهَا فَذَكَرُوهَا لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَذَكَرُوا لَهُ الْكُحْلَ وَأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى عَيْنِهَا فَقَالَ ‏ ‏لَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي بَيْتِهَا فِي شَرِّ ‏ ‏أَحْلَاسِهَا ‏ ‏أَوْ فِي ‏ ‏أَحْلَاسِهَا ‏ ‏فِي شَرِّ بَيْتِهَا فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بَعْرَةً فَهَلَّا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث أُمّ سَلَمَة مِنْ رِوَايَة زَيْنَب وَهِيَ بِنْتهَا عَنْهَا \" أَنَّ اِمْرَأَة تُوُفِّيَ زَوْجهَا فَاشْتَكَتْ عَيْنهَا , فَذَكَرُوهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرُوا لَهُ الْكُحْل وَأَنَّهُ يُخَاف عَلَى عَيْنهَا \" الْحَدِيث , وَقَدْ مَرَّتْ مَبَاحِثه فِي أَبْوَاب الْإِحْدَاد. وَأَمَّا قَوْله فِي آخِره : ‏ ‏\" فَلَا , أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَعِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَهَلَّا أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا \" ؟ وَهِيَ وَاضِحَة , وَأَمَّا الِاقْتِصَار عَلَى حَرْف النَّهْي فَالْمَنْفِيّ مُقَدَّر كَأَنَّهُ قَالَ : فَلَا تَكْتَحِل , ثُمَّ قَالَ : تَمْكُث أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5272",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَمْرُو بْنَ حُرَيْثٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الْكَمْأَةُ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْمَنِّ ‏ ‏وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏لَمَّا حَدَّثَنِي بِهِ ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏لَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَيْر , وَصَرَّحَ بِهِ أَحْمَد فِي رِوَايَته عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر غُنْدَر , وَعَمْرو بْن حُرَيْث هُوَ الْمَخْزُومِيّ لَهُ صُحْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت سَعِيد بْن زَيْد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَمْرو بْن نُفَيْل الْعَدَوِيّ أَحَد الْعَشَرَة , وَعُمَر بْن الْخَطَّاب بْن نُفَيْل اِبْن عَمّ أَبِيهِ. كَذَا قَالَ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر وَمَنْ تَابَعَهُ , وَخَالَفَهُمْ عَطَاء بْن السَّائِب مِنْ رِوَايَة عَبْد الْوَارِث عَنْهُ فَقَالَ : \" عَنْ عَمْرو بْن حُرَيْث عَنْ أَبِيهِ \" أَخْرَجَهُ مُسَدَّد فِي مُسْنَده وَابْن السَّكَن فِي الصَّحَابَة وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي \" الْأَفْرَاد \" وَقَالَ فِي \" الْعِلَل \" , الصَّوَاب رِوَايَة عَبْد الْمَلِك. وَقَالَ اِبْن السَّكَن أَظُنّ عَبْد الْوَارِث أَخْطَأَ فِيهِ. وَقِيلَ : كَانَ سَعِيد بْن زَيْد تَزَوَّجَ أُمّ عَمْرو بْن حُرَيْث فَكَأَنَّهُ قَالَ : \" حَدَّثَنِي أَبِي \" وَأَرَادَ زَوْج أُمّه مَجَازًا فَظَنَّهُ الرَّاوِي أَبَاهُ حَقِيقَة. ‏ ‏قَوْله : ( الْكَمْأَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْكَاف وَسُكُون الْمِيم بَعْدهَا هَمْزَة مَفْتُوحَة , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِي الْعَامَّة مَنْ لَا يَهْمِزهُ , وَاحِدَة الْكَمْء بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُون ثُمَّ هَمْزَة مِثْل تَمْرَة وَتَمْر , وَعَكَسَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ فَقَالَ : الْكَمْأَة الْجَمْع وَالْكَمْء عَلَى غَيْر قِيَاس , قَالَ : وَلَمْ يَقَع فِي كَلَامهمْ نَظِير هَذَا سِوَى خَبْأَة وَخَبْء. وَقِيلَ : الْكَمْأَة قَدْ تُطْلَق عَلَى الْوَاحِد وَعَلَى الْجَمْع , وَقَدْ جَمَعُوهَا عَلَى أَكْمُؤ , قَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏وَلَقَدْ جَنَيْتُك أَكْمُؤًا وَعَسَاقِلَا ‏ ‏وَالْعَسَاقِل بِمُهْمَلَتَيْنِ وَقَاف وَلَام الشَّرَاب , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْأَكْمُؤ مَحَلّ وِجْدَانهَا الْفَلَوَات. وَالْكَمْأَة نَبَات لَا وَرَق لَهَا وَلَا سَاقَ , تُوجَد فِي الْأَرْض مِنْ غَيْر أَنْ تُزْرَع. قِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِتَارِهَا , يُقَال كَمَأَ الشَّهَادَة إِذَا كَتَمَهَا. وَمَادَّة الْكَمْأَة مِنْ جَوْهَر أَرْضِيّ بُخَارِيّ يَحْتَقِن نَحْو سَطْح الْأَرْض بِبَرْدِ الشِّتَاء وَيُنَمِّيه مَطَر الرَّبِيع فَيَتَوَلَّد وَيَنْدَفِع مُتَجَسِّدًا , وَلِذَلِكَ كَانَ بَعْض الْعَرَب يُسَمِّيهَا جُدَرِيّ الْأَرْض تَشْبِيهًا لَهَا بِالْجُدَرِيِّ مَادَّة وَصُورَة , لِأَنَّ مَادَّته رُطُوبَة دَمَوِيَّة تَنْدَفِع غَالِبًا عِنْد التَّرَعْرُع وَفِي اِبْتِدَاء اِسْتِيلَاء الْحَرَارَة وَنَمَاء الْقُوَّة وَمُشَابَهَتهَا لَهُ فِي الصُّورَة ظَاهِر. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : الْكَمْأَة جُدَرِيّ الْأَرْض , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَمْأَة مِنْ الْمَنّ \" الْحَدِيث. وَلِلطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر قَالَ : \" كَثُرَتْ الْكَمْأَة عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَامْتَنَعَ قَوْم مِنْ أَكْلهَا وَقَالُوا : هِيَ جُدَرِيّ الْأَرْض , فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّ الْكَمْأَة لَيْسَتْ مِنْ جُدَرِيّ الْأَرْض , أَلَا إِنَّ الْكَمْأَة مِنْ الْمَنّ \" وَالْعَرَب تُسَمِّي الْكَمْأَة أَيْضًا بَنَات الرَّعْد لِأَنَّهَا تَكْثُر بِكَثْرَتِهِ ثُمَّ تَنْفَطِر عَنْهَا الْأَرْض. وَهِيَ كَثِيرَة بِأَرْضِ الْعَرَب , وَتُوجَد بِالشَّامِ وَمِصْر , فَأَجْوَدهَا مَا كَانَتْ أَرْضه رَمْلَة قَلِيلَة الْمَاء , وَمِنْهَا صِنْف قَتَّال يَضْرِب لَوْنه إِلَى الْحُمْرَة. وَهِيَ بَارِدَة رَطْبَة فِي الثَّانِيَة رَدِيئَة لِلْمَعِدَةِ بَطِيئَة الْهَضْم , وَإِدْمَان أَكْلهَا يُورِث الْقُولَنْج وَالسَّكْتَة وَالْفَالِج وَعُسْر الْبَوْل , وَالرَّطْب مِنْهَا أَقَلّ ضَرَرًا مِنْ الْيَابِس , وَإِذَا دُفِنَتْ فِي الطِّين الرَّطْب ثُمَّ سُلِقَتْ بِالْمَاءِ وَالْمِلْح وَالسَّعْتَر وَأُكِلَتْ بِالزَّيْتِ وَالتَّوَابِل الْحَارَّة قَلَّ ضَرَرهَا , وَمَعَ ذَلِكَ فَفِيهَا جَوْهَر مَائِيّ لَطِيف بِدَلِيلِ خِفْتهَا , فَلِذَلِكَ كَانَ مَاؤُهَا شِفَاء لِلْعَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْمَنّ ) ‏ ‏قِيلَ فِي الْمُرَاد بِالْمَنِّ ثَلَاثَة أَقْوَال : ‏ ‏أَحَدهَا : أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهَا مِنْ الْمَنّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل , وَهُوَ الطَّلّ الَّذِي يَسْقُط عَلَى الشَّجَر فَيُجْمَع وَيُؤْكَل حُلْوًا , وَمِنْهُ التَّرَنْجَبِين فَكَأَنَّهُ شَبَّهَ بِهِ الْكَمْأَة بِجَامِعِ مَا بَيْنهمَا مِنْ وُجُود كُلّ مِنْهُمَا عَفْوًا بِغَيْرِ عِلَاج. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ وَاضِحًا فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة , وَذَكَرْت مَنْ زَادَ فِي مَتْن هَذَا الْحَدِيث \" الْكَمْأَة مِنْ الْمَنّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل \". ‏ ‏وَالثَّانِي : أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهَا مِنْ الْمَنّ الَّذِي اِمْتَنَّ اللَّه بِهِ عَلَى عِبَاده عَفْوًا بِغَيْرِ عِلَاج , قَالَهُ أَبُو عُبَيْد وَجَمَاعَة , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهَا نَوْع مِنْ الْمَنّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل , فَإِنَّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل كَانَ كَالتَّرَنْجَبِين الَّذِي يَسْقُط عَلَى الشَّجَر , وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ الْكَمْأَة شَيْء يَنْبُت مِنْ غَيْر تَكَلُّف بِبَذْرٍ وَلَا سَقْي , فَهُوَ مِنْ قَبِيل الْمَنّ الَّذِي كَانَ يَنْزِل عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل فَيَقَع عَلَى الشَّجَر فَيَتَنَاوَلُونَهُ. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل كَانَ أَنْوَاعًا , مِنْهَا مَا يَسْقُط عَلَى الشَّجَر , وَمِنْهَا مَا يَخْرُج مِنْ الْأَرْض فَتَكُون الْكَمْأَة مِنْهُ , وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الثَّالِث وَبِهِ جَزَمَ الْمُوَفَّق عَبْد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ فَقَالُوا : إِنَّ الْمَنّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل لَيْسَ هُوَ مَا يَسْقُط عَلَى الشَّجَر فَقَطْ بَلْ كَانَ أَنْوَاعًا مِنْ اللَّه عَلَيْهِمْ بِهَا مِنْ النَّبَات الَّذِي يُوجَد عَفْوًا , وَمِنْ الطَّيْر الَّتِي تَسْقُط عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ اِصْطِيَاد , وَمِنْ الطَّلّ الَّذِي يَسْقُط عَلَى الشَّجَر. وَالْمَنّ مَصْدَر بِمَعْنَى الْمَفْعُول أَيْ مَمْنُون بِهِ , فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ فِيهِ شَائِبَة كَسْب كَانَ مَنًّا مَحْضًا , وَإِنْ كَانَتْ جَمِيع نِعَم اللَّه تَعَالَى عَلَى عَبِيده مَنًّا مِنْهُ عَلَيْهِمْ , لَكِنْ خُصَّ هَذَا بِاسْمِ الْمَنّ لِكَوْنِهِ لَا صُنْع فِيهِ لِأَحَدٍ , فَجَعَلَ سُبْحَانه وَتَعَالَى قُوتهمْ فِي التِّيه الْكَمْأَة وَهِيَ تَقُوم مَقَام الْخُبْز , وَأُدُمهمْ السَّلْوَى وَهِيَ تَقُوم مَقَام اللَّحْم , وَحَلْوَاهُمْ الطَّلّ الَّذِي يَنْزِل عَلَى الشَّجَر , فَكَمَّلَ بِذَلِكَ عَيْشهمْ. وَيُشِير إِلَى ذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مِنْ الْمَنّ \" فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهَا فَرْد مِنْ أَفْرَاده , فَالتَّرَنْجَبِين كَذَلِكَ فَرْد مِنْ أَفْرَاد الْمَنّ , وَإِنْ غَلَبَ اِسْتِعْمَال الْمَنّ عَلَيْهِ عُرْفًا ا ه. وَلَا يُعَكِّر عَلَى هَذَا قَوْلهمْ : ( لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ ) لِأَنَّ الْمُرَاد بِالْوَحْدَةِ دَوَام الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة مِنْ غَيْر تَبَدُّل وَذَلِكَ يَصْدُق عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمَطْعُوم أَصْنَافًا لَكِنَّهَا لَا تَتَبَدَّل أَعْيَانهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَاؤُهَا شِفَاء لِلْعَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَكَذَا عِنْد مُسْلِم , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" مِنْ الْعَيْن \" أَيْ شِفَاء مِنْ دَاء الْعَيْن , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا اِخْتَصَّتْ الْكَمْأَة بِهَذِهِ الْفَضِيلَة لِأَنَّهَا مِنْ الْحَلَال الْمَحْض الَّذِي لَيْسَ فِي اِكْتِسَابه شُبْهَة , وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ أَنَّ اِسْتِعْمَال الْحَلَال الْمَحْض يَجْلُو الْبَصَر , وَالْعَكْس بِالْعَكْسِ. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : فِي الْمُرَاد بِكَوْنِهَا شِفَاء لِلْعَيْنِ قَوْلَانِ : ‏ ‏أَحَدهمَا : أَنَّهُ مَاؤُهَا حَقِيقَة , إِلَّا أَنَّ أَصْحَاب هَذَا الْقَوْل اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَل صِرْفًا فِي الْعَيْن , لَكِنْ اِخْتَلَفُوا كَيْف يُصْنَع بِهِ عَلَى رَأْيَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا : أَنَّهُ يُخْلَط فِي الْأَدْوِيَة الَّتِي يُكْتَحَل بِهَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْد , قَالَ : وَيُصَدِّق هَذَا الَّذِي حَكَاهُ أَبُو عُبَيْد أَنَّ بَعْض الْأَطِبَّاء قَالُوا : أَكْل الْكَمْأَة يَجْلُو الْبَصَر , ‏ ‏ثَانِيهمَا : أَنْ تُؤْخَذ فَتُشَقّ وَتُوضَع عَلَى الْجَمْر حَتَّى يَغْلِي مَاؤُهَا , ثُمَّ يُؤْخَذ الْمِيل فَيُجْعَل فِي ذَلِكَ الشِّقّ وَهُوَ فَاتِر فَيُكْتَحَل بِمَائِهَا , لِأَنَّ النَّار تُلَطِّفهُ وَتُذْهِب فَضَلَاته الرَّدِيئَة وَيَبْقَى النَّافِع مِنْهُ , وَلَا يُجْعَل الْمِيل فِي مَائِهَا وَهِيَ بَارِدَة يَابِسَة فَلَا يَنْجَع , وَقَدْ حَكَى إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ عَنْ صَالِح وَعَبْد اللَّه اِبْنَيْ أَحْمَد بْن حَنْبَل أَنَّهُمَا اِشْتَكَتْ أَعْيُنهمَا فَأَخَذَا كَمْأَة وَعَصَرَاهَا وَاكْتَحَلَا بِمَائِهَا فَهَاجَتْ أَعْيُنهمَا وَرَمِدَا. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : وَحَكَى شَيْخنَا أَبُو بَكْر بْن عَبْد الْبَاقِي أَنَّ بَعْض النَّاس عَصَرَ مَاء كَمْأَة فَاكْتَحَلَ بِهِ فَذَهَبَتْ عَيْنه. وَالْقَوْل الثَّانِي أَنَّ الْمُرَاد مَاؤُهَا الَّذِي تَنْبُت بِهِ , فَإِنَّهُ أَوَّل مَطَر يَقَع فِي الْأَرْض فَتُرَبَّى بِهِ الْأَكْحَال حَكَاهُ اِبْن الْجَوْزِيّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الْبَاقِي أَيْضًا , فَتَكُون الْإِضَافَة إِضَافَة الْكُلّ لَا إِضَافَة جُزْء. قَالَ اِبْن الْقَيِّم : وَهَذَا أَضْعَف الْوُجُوه. قُلْت : وَفِيمَا اِدَّعَاهُ اِبْن الْجَوْزِيّ مِنْ الِاتِّفَاق عَلَى أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَل صِرْفًا نَظَر , فَقَدْ حَكَى عِيَاض عَنْ بَعْض أَهْل الطِّبّ فِي التَّدَاوِي بِمَاءِ الْكَمْأَة تَفْصِيلًا , وَهُوَ إِنْ كَانَ لِتَبْرِيدِ مَا يَكُون بِالْعَيْنِ مِنْ الْحَرَارَة فَتُسْتَعْمَل مُفْرَدَة , وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَتُسْتَعْمَل مُرَكَّبَة , وَبِهَذَا جَزَمَ اِبْن الْعَرَبِيّ فَقَالَ : الصَّحِيح أَنَّهُ يَنْفَع بِصُورَتِهِ فِي حَال , وَبِإِضَافَتِهِ فِي أُخْرَى , وَقَدْ جُرِّبَ ذَلِكَ فَوُجِدَ صَحِيحًا. نَعَمْ جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ بِمَا قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ فَقَالَ : تُرَبَّى بِهَا التُّوتِيَاء وَغَيْرهَا مِنْ الْأَكْحَال , قَالَ : وَلَا تُسْتَعْمَل صَرْفًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِي الْعَيْن. وَقَالَ الْغَافِقِيّ فِي \" الْمُفْرَدَات \" : مَاء الْكَمْأَة أَصْلَح الْأَدْوِيَة لِلْعَيْنِ إِذَا عُجِنَ بِهِ الْإِثْمِد وَاكْتُحِلَ بِهِ , فَإِنَّهُ يُقَوِّي الْجَفْن , وَيَزِيد الرُّوح الْبَاصِر حِدَّة وَقُوَّة , وَيَدْفَع عَنْهَا النَّوَازِل. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الصَّوَاب أَنَّ مَاءَهَا شِفَاء لِلْعَيْنِ مُطْلَقًا فَيُعْصَر مَاؤُهَا وَيُجْعَل فِي الْعَيْن مِنْهُ , قَالَ : وَقَدْ رَأَيْت أَنَا وَغَيْرِي فِي زَمَاننَا مَنْ كَانَ عَمِيَ وَذَهَبَ بَصَره حَقِيقَة فَكَحَّلَ عَيْنه بِمَاءِ الْكَمْأَة مُجَرَّدًا فَشُفِيَ وَعَادَ إِلَيْهِ بَصَره , وَهُوَ الشَّيْخ الْعَدْل الْأَمِين الْكَمَال بْن عَبْد الدِّمَشْقِيّ صَاحِب صَلَاح وَرِوَايَة فِي الْحَدِيث , وَكَانَ اِسْتِعْمَاله لِمَاءِ الْكَمْأَة اِعْتِقَادًا فِي الْحَدِيث وَتَبَرُّكًا بِهِ فَنَفَعَهُ اللَّه بِهِ. قُلْت : الْكَمَال الْمَذْكُور هُوَ كَمَال الدِّين بْن عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد الْمُنْعِم بْن الْخَضِر يُعْرَف بِابْنِ عَبْد بِغَيْرِ إِضَافَة الْحَارِثِيّ الدِّمَشْقِيّ مِنْ أَصْحَاب أَبِي طَاهِر الْخُشُوعِيّ , سَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَة مِنْ شُيُوخ شُيُوخنَا , عَاشَ ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَة وَمَاتَ سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَسِتّمِائَةِ قَبْل النَّوَوِيّ بِأَرْبَعِ سِنِينَ. وَيَنْبَغِي تَقْيِيد ذَلِكَ بِمَنْ عَرَفَ مِنْ نَفْسه قُوَّة اِعْتِقَاد فِي صِحَّة الْحَدِيث وَالْعَمَل بِهِ كَمَا يُشِير إِلَيْهِ آخِر كَلَامه , وَهُوَ يُنَافِي قَوْله أَوَّلًا مُطْلَقًا , وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ فِي جَامِعه بِسَنَدٍ صَحِيح إِلَى قَتَادَة قَالَ : حُدِّثْت أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ : أَخَذْت ثَلَاثَة أَكْمُؤ أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَعَصَرْتُهُنَّ فَجَعَلْت مَاءَهُنَّ فِي قَارُورَة فَكَحَّلَتْ بِهِ جَارِيَة لِي فَبَرِئَتْ. وَقَالَ اِبْن الْقَيِّم : اِعْتَرَفَ فُضَلَاء الْأَطِبَّاء أَنَّ مَاء الْكَمْأَة يَجْلُو الْعَيْن , مِنْهُمْ الْمُسَبِّحِيّ وَابْن سِينَا وَغَيْرهمَا. وَاَلَّذِي يُزِيل الْإِشْكَال عَنْ هَذَا الِاخْتِلَاف أَنَّ الْكَمْأَة وَغَيْرهَا مِنْ الْمَخْلُوقَات خُلِقَتْ فِي الْأَصْل سَلِيمَة مِنْ الْمَضَارّ , ثُمَّ عَرَضَتْ لَهَا الْآفَات بِأُمُورٍ أُخْرَى مِنْ مُجَاوَرَة أَوْ اِمْتِزَاج أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَاب الَّتِي أَرَادَهَا اللَّه تَعَالَى , فَالْكَمْأَة فِي الْأَصْل نَافِعَة لِمَا اِخْتَصَّتْ بِهِ مِنْ وَصْفهَا بِأَنَّهَا مِنْ اللَّه , وَإِنَّمَا عَرَضَتْ لَهَا الْمَضَارّ بِالْمُجَاوَرَةِ , وَاسْتِعْمَال كُلّ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّة بِصِدْقٍ يَنْتَفِع بِهِ مَنْ يَسْتَعْمِلهُ , وَيَدْفَع اللَّه عَنْهُ الضَّرَر بِنِيَّتِهِ , وَالْعَكْس بِالْعَكْسِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ شُعْبَة ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ بِوَاوٍ فِي أَوَّله وَصُورَته صُورَة التَّعْلِيق , وَسَقَطَتْ الْوَاو لِغَيْرِهِ , وَهُوَ أَوْلَى فَإِنَّهُ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَأَعَادَ الْإِسْنَاد مِنْ أَوَّله لِلطَّرِيقِ الثَّانِيَة , وَكَذَا أَوْرَدَهُ أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَخْبَرَنِي الْحَكَم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُتَيْبَة بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة مُصَغَّر وَالْحَسَن الْعُرَنِيّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَفَتْح الرَّاء بَعْدهَا نُون هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْبَجْلِيُّ , كُوفِيّ وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَة وَالْعِجْلِيّ وَابْن سَعْد , وَقَالَ اِبْن مَعِين صَدُوق. قُلْت : وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ شُعْبَة لَمَّا حَدَّثَنِي بِهِ الْحَكَم لَمْ أُنْكِرهُ مِنْ حَدِيث عَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ عَبْد الْمَلِك كَبِرَ وَتَغَيَّرَ حِفْظه , فَلَمَّا حَدَّثَ بِهِ شُعْبَة تَوَقَّفَ فِيهِ , فَلَمَّا تَابَعَهُ الْحَكَم بِرِوَايَتِهِ ثَبَتَ عِنْد شُعْبَة فَلَمْ يُنْكِرهُ , وَانْتَفَى عَنْهُ التَّوَقُّف فِيهِ. وَقَدْ تَكَلَّفَ الْكَرْمَانِيُّ لِتَوْجِيهِ كَلَام شُعْبَة أَشْيَاء فِيهَا نَظَر. ‏ ‏أَحَدهَا : أَنَّ الْحُكْم مُدَلِّس وَقَدْ عَنْعَنَ , وَعَبْد الْمَلِك صَرَّحَ بِقَوْلِهِ : \" سَمِعْته \" فَلَمَّا تَقْوَى بِرِوَايَةِ عَبْد الْمَلِك لَمْ يَبْقَ بِهِ مَحَلّ لِلْإِنْكَارِ. قُلْت : شُعْبَة مَا كَانَ يَأْخُذ عَنْ شُيُوخه الَّذِينَ ذَكَرَ عَنْهُمْ التَّدْلِيس إِلَّا مَا يَتَحَقَّق سَمَاعهمْ فِيهِ , وَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره بِبُعْدِ هَذَا الِاحْتِمَال , وَعَلَى تَقْدِير تَسْلِيمه كَانَ يَلْزَم الْأَمْر بِالْعَكْسِ بِأَنْ يَقُول لَمَّا حَدَّثَنِي عَبْد الْمُلْك لَمْ أُنْكِرهُ مِنْ حَدِيث الْحَكَم. ‏ ‏ثَانِيهَا : لَمْ يَكُنْ الْحَدِيث مَنْكُورًا لِي لِأَنِّي كُنْت أَحْفَظهُ. ‏ ‏ثَالِثهَا : يَحْتَمِل الْعَكْس بِأَنْ يُرَاد لَمْ يُنْكِر شَيْئًا مِنْ حَدِيث عَبْد الْمَلِك , وَقَدْ سَاقَ مُسْلِم هَذِهِ الطَّرِيق مِنْ أَوْجُه أُخْرَى عَنْ الْحَكَم. وَوَقَعَ عِنْده فِي الْمَتْن \" مِنْ الْمَنّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل \" وَفِي لَفْظ \" عَلَى مُوسَى \" وَقَدْ أَشَرْت إِلَى مَا فِي هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ الْفَائِدَة فِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي تَفْسِيرِ سُورَة الْبَقَرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5273",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَعَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَبَّلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مَيِّتٌ ‏ ‏قَالَ وَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏لَدَدْنَاهُ ‏ ‏فِي مَرَضِهِ فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ ‏ ‏لَا ‏ ‏تَلُدُّونِي ‏ ‏فَقُلْنَا كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ ‏ ‏تَلُدُّونِي ‏ ‏قُلْنَا كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَقَالَ لَا يَبْقَى فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا ‏ ‏لُدَّ ‏ ‏وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا ‏ ‏الْعَبَّاسَ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَبَيَان مَا لَدُّوهُ بِهِ , وَبَيَان مَنْ عُرِفَ اِسْمه مِمَّنْ كَانَ فِي الْبَيْت وَلُدَّ لِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَته. ‏"
    },
    {
        "id": "5274",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ قَيْسٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلْتُ بِابْنٍ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُذْرَةِ فَقَالَ ‏ ‏عَلَى مَا ‏ ‏تَدْغَرْنَ ‏ ‏أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا ‏ ‏الْعِلَاقِ ‏ ‏عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ ‏ ‏يُسْعَطُ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْعُذْرَةِ ‏ ‏وَيُلَدُّ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏ذَاتِ الْجَنْبِ ‏ ‏فَسَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏يَقُولُ بَيَّنَ لَنَا اثْنَيْنِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا خَمْسَةً قُلْتُ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏فَإِنَّ ‏ ‏مَعْمَرًا ‏ ‏يَقُولُ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ قَالَ لَمْ يَحْفَظْ إِنَّمَا قَالَ أَعْلَقْتُ عَنْهُ حَفِظْتُهُ مِنْ ‏ ‏فِي ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَوَصَفَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏الْغُلَامَ يُحَنَّكُ بِالْإِصْبَعِ وَأَدْخَلَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏فِي حَنَكِهِ إِنَّمَا ‏ ‏يَعْنِي رَفْعَ حَنَكِهِ بِإِصْبَعِهِ وَلَمْ يَقُلْ أَعْلِقُوا عَنْهُ شَيْئًا ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي \" بَاب الْعُذْرَة \" قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5275",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏وَيُونُسُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ ‏ ‏عَبَّاسٍ ‏ ‏وَآخَرَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ هَلْ تَدْرِي مَنْ الرَّجُلُ الْآخَرُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏قُلْتُ لَا قَالَ هُوَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ مَا دَخَلَ بَيْتَهَا وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ ‏ ‏هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ قَالَتْ فَأَجْلَسْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ ‏ ‏لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏طَفِقْنَا ‏ ‏نَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْقِرَبِ حَتَّى جَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ قَالَتْ وَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَصَلَّى لَهُمْ وَخَطَبَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ بِغَيْرِ تَرْجَمَة , وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيث عَائِشَة \" لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعه اِسْتَأْذَنَ أَزْوَاجه أَنْ يُمَرَّض فِي بَيْتِي \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة , وَمِنْ قَبْل ذَلِكَ فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله : \" هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْع قِرَب لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتهنَّ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْحِكْمَة فِيهِ فِي الطَّهَارَة , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ اِبْن بَطَّال مُنَاسَبَة حَدِيث هَذَا الْبَاب لِتَرْجَمَةِ الَّذِي قَبْله بَعْد أَنْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْبَاب إِذَا كَانَ بِلَا تَرْجَمَة يَكُون كَالْفَصْلِ مِنْ الَّذِي قَبْله , وَأَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون أَشَارَ إِلَى أَنَّ الَّذِي يُفْعَل بِالْمَرِيضِ بِأَمْرِهِ لَا يَلْزَم فَاعِل ذَلِكَ لَوْم وَلَا قِصَاص , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُر بِصَبِّ الْمَاء عَلَى كُلّ مَنْ حَضَرَهُ بِخِلَافِ مَا نَهَى عَنْهُ أَنْ لَا يُفْعَل بِهِ لِأَنَّ فِعْله جِنَايَة عَلَيْهِ فَيَكُون فِيهِ الْقِصَاص. قُلْت : وَلَا يَخْفَى بُعْده. وَيُمْكِن أَنْ يُقَرَّب بِأَنْ يُقَال أَوَّلًا إِنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْحَدِيث عَنْ عَائِشَة فِي مَرَض النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا اِتَّفَقَ لَهُ فِيهِ وَاحِد ذَكَرَهُ بَعْض الرُّوَاة تَامًّا وَاقْتَصَرَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْضه , وَقِصَّة اللُّدُود كَانَتْ عِنْدَمَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ , وَكَذَلِكَ قِصَّة السَّبْع قِرَب , لَكِنْ اللُّدُود كَانَ نَهَى عَنْهُ وَلِذَلِكَ عَاتَبَ عَلَيْهِ , بِخِلَافِ الصَّبّ فَإِنَّهُ كَانَ أَمَرَ فَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِمْ , فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْمَرِيض إِذَا كَانَ عَارِفًا لَا يُكْرَه عَلَى تَنَاوُل شَيْء يَنْهَى عَنْهُ وَلَا يُمْنَع مِنْ شَيْء يَأْمُرُ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5276",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيَّةَ ‏ ‏أَسَدَ خُزَيْمَةَ ‏ ‏وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ اللَّاتِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهِيَ أُخْتُ ‏ ‏عُكَاشَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِابْنٍ لَهَا قَدْ أَعْلَقَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْعُذْرَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى مَا ‏ ‏تَدْغَرْنَ ‏ ‏أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا الْعِلَاقِ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ مِنْهَا ‏ ‏ذَاتُ الْجَنْبِ ‏ ‏يُرِيدُ ‏ ‏الْكُسْتَ ‏ ‏وَهُوَ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَلَّقَتْ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَات إِلَخْ ) ‏ ‏يُشْبِه أَنْ يَكُون الْوَصْف مِنْ كَلَام الزُّهْرِيّ فَيَكُون مُدْرَجًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ كَلَام شَيْخه فَيَكُون مَوْصُولًا وَهُوَ الظَّاهِر. ‏ ‏قَوْله : ( بِابْنٍ لَهَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي \" بَاب السَّعُوط \" أَنَّهُ الِابْن الَّذِي بَالَ فِي حِجْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ أَعْلَقَتْ عَلَيْهِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ قَبْل بِبَابٍ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيّ بِلَفْظِ \" أَعْلَقَتْ عَنْهُ \" وَفِيهِ \" قُلْت لِسُفْيَان فَإِنَّ مَعْمَرًا يَقُول أَعْلَقَتْ عَلَيْهِ , قَالَ : لَمْ يُحْفَظ , إِنَّمَا قَالَ : أَعْلَقَتْ عَنْهُ. حَفِظْته مِنْ فِي الزُّهْرِيّ \" وَوَقَعَ هُنَا مُعَلَّقًا مِنْ رِوَايَة يُونُس وَهُوَ اِبْن يَزِيد , وَإِسْحَاق بْن رَاشِد عَنْ الزُّهْرِيّ \" عَلَّقَتْ عَلَيْهِ \" بِتَشْدِيدِ اللَّام وَالصَّوَاب \" أَعْلَقَتْ \" وَالِاسْم الْعَلَاق بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة. وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان الْمَاضِيَة \" بِهَذَا الْعَلَاق \" كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ , وَلِغَيْرِهِ \" الْأَعْلَاق \" وَرِوَايَة يُونُس الْمُعَلَّقَة هُنَا وَصَلَهَا أَحْمَد وَمُسْلِم , وَرِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاشِد وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي \" بَاب ذَات الْجَنْب \" وَسَيَأْتِي قَرِيبًا. وَرِوَايَة مَعْمَر الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه سُفْيَان أَخْرَجَهَا أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ لَكِنْ بِلَفْظِ \" جِئْت بِابْنٍ لِي قَدْ أَعَلَقْت عَنْهُ \" قَالَ عِيَاض : وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ أَعْلَقَتْ وَعَلَّقَتْ وَالْعَلَاق وَالْأَعْلَاق , وَلَمْ يَقَع فِي مُسْلِم إِلَّا \" أَعْلَقَتْ \" وَذَكَرَ الْعَلَاق فِي رِوَايَة وَالْأَعْلَاق فِي رِوَايَة وَالْكُلّ بِمَعْنًى جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَات , لَكِنْ أَهْل اللُّغَة إِنَّمَا يَذْكُرُونَ أَعْلَقَتْ ; وَالْأَعْلَاق رُبَاعِيّ , وَتَفْسِيره غَمْز الْعُذْرَة وَهِيَ اللَّهَاة بِالْأُصْبُعِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يُونُس عِنْد مُسْلِم \" قَالَ أَعْلَقَتْ غَمَزَتْ \" وَقَوْله فِي الْحَدِيث \" عَلَامَ \" أَيْ لِأَيِّ شَيْء. ‏ ‏قَوْله : ( تَدْغَرْنَ ) ‏ ‏خِطَاب لِلنِّسْوَةِ , وَهُوَ بَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَالدَّال الْمُهْمَلَة , وَالدَّغْر غَمْز الْحَلْق. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَيْكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَلَيْكُنَّ \". ‏ ‏قَوْله : ( بِهَذَا الْعُود الْهِنْدِيّ , يُرِيد الْكُسْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاشِد \" يَعْنِي الْقُسْط قَالَ وَهِيَ لُغَة \" قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهَا فِي \" بَاب السَّعُوط بِالْقُسْطِ الْهِنْدِيّ \" , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان الْمَاضِيَة قَرِيبًا \" قَالَ فَسَمِعْت الزُّهْرِيّ يَقُول : بَيَّنَ لَنَا اِثْنَتَيْنِ , وَلَمْ يُبَيِّن لَنَا خَمْسَة \" يَعْنِي مِنْ السَّبْعَة فِي قَوْله : \" فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَة أَشْفِيَة \" فَذَكَرَ مِنْهَا ذَات الْجَنْب وَيُسْعَط مِنْ الْعُذْرَة. قُلْت : وَقَدْ قَدَّمْت فِي \" بَاب السَّعُوط \" مِنْ كَلَام الْأَطِبَّاء مَا لَعَلَّهُ يُؤْخَذ مِنْهُ الْخَمْسَة الْمُشَار إِلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5277",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّ أَخِي ‏ ‏اسْتَطْلَقَ ‏ ‏بَطْنُهُ فَقَالَ ‏ ‏اسْقِهِ عَسَلًا فَسَقَاهُ فَقَالَ إِنِّي سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا ‏ ‏اسْتِطْلَاقًا ‏ ‏فَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَتَادَة عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل ) ‏ ‏كَذَا لِشُعْبَة وَسَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة. وَخَالَفَهُمَا شَيْبَانَ فَقَالَ : \" عَنْ قَتَادَة عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق عَنْ أَبِي سَعِيد \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَلَمْ يُرَجِّح , وَاَلَّذِي يَظْهَر تَرْجِيح طَرِيق أَبِي الْمُتَوَكِّل لِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ عَلَيْهَا شُعْبَة وَسَعِيد أَوَّلًا ثُمَّ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم ثَانِيًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ حَجَّاج عَنْ شُعْبَة \" عَنْ قَتَادَة سَمِعْت أَبَا الْمُتَوَكِّل \". ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أَخِي ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم وَاحِد مِنْهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( اُسْتُطْلِقَ بَطْنه ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاة وَسُكُون الطَّاء الْمُهْمَلَة وَكَسْر اللَّام بَعْدهَا قَاف , أَيْ كَثُرَ خُرُوج مَا فِيهِ , يُرِيد الْإِسْهَال. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة فِي رَابِع بَاب مِنْ كِتَاب الطِّبّ \" هَذَا اِبْن أَخِي يَشْتَكِي بَطْنه \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقه \" قَدْ عَرِبَ بَطْنه \" وَهِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَالرَّاء الْمَكْسُورَة ثُمَّ الْمُوَحَّدَة أَيْ فَسَدَ هَضْمه لِاعْتِلَالِ الْمَعِدَة , وَمِثْله ذَرِبَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة بَدَل الْعَيْن وَزْنًا وَمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اِسْقِهِ عَسَلًا ) ‏ ‏وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق خَالِد بْن الْحَارِث عَنْ شُعْبَة \" اِسْقِهِ الْعَسَل \" وَاللَّام عَهْدِيَّة , وَالْمُرَاد عَسَل النَّحْل , وَهُوَ مَشْهُور عِنْدهمْ , وَظَاهِرُهُ الْأَمْر بِسَقْيِهِ صِرْفَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَمْزُوجًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَقَاهُ فَقَالَ : إِنِّي سَقَيْته فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اِسْتِطْلَاقًا ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَفِي السِّيَاق حَذْف تَقْدِيره. ‏ ‏فَسَقَاهُ فَلَمْ يَبْرَأ , فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي سَقَيْته , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَسَقَاهُ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : إِنِّي سَقَيْته فَلَمْ يَزْدَدْ إِلَّا اِسْتِطْلَاقًا \" أَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْهُ وَلَكِنْ قَرَنَهُ بِمُحَمَّدِ بْن الْمُثَنَّى وَقَالَ : إِنَّ اللَّفْظ لِمُحَمَّدِ بْن الْمُثَنَّى. نَعَمْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار وَحْده بِلَفْظِ \" ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , إِنِّي قَدْ سَقَيْته عَسَلًا فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اِسْتِطْلَاقًا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ صَدَقَ اللَّه ) ‏ ‏كَذَا اِخْتَصَرَهُ , وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ \" فَقَالَ اِسْقِهِ عَسَلًا , فَسَقَاهُ , ثُمَّ جَاءَ \" فَذَكَرَ مِثْله فَقَالَ : \" صَدَقَ اللَّه \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقَالَ لَهُ ثَلَاث مَرَّات , ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَة فَقَالَ : اِسْقِهِ عَسَلًا فَقَالَ سَقَيْته فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اِسْتِطْلَاقًا , فَقَالَ صَدَقَ اللَّه \" وَعِنْد أَحْمَد عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ شُعْبَة \" فَذَهَبَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : قَدْ سَقَيْته فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اِسْتِطْلَاقًا , فَقَالَ : اِسْقِهِ عَسَلًا فَسَقَاهُ \" كَذَلِكَ ثَلَاثًا وَفِيهِ \" فَقَالَ فِي الرَّابِعَة اِسْقِهِ عَسَلًا \" وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة خَالِد بْن الْحَارِث ثَلَاث مَرَّات يَقُول فِيهِنَّ مَا قَالَ فِي الْأُولَى. وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة بِلَفْظِ \" ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَة فَقَالَ اِسْقِهِ عَسَلًا ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ صَدَقَ اللَّه وَكَذَبَ بَطْن أَخِيك ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته \" فَسَقَاهُ فَبَرَأَ \" وَكَذَا لِلتِّرْمِذِيِّ , وَفِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ يَزِيد بْن هَارُون , فَقَالَ فِي الرَّابِعَة اِسْقِهِ عَسَلًا , قَالَ : فَأَظُنّهُ قَالَ فَسَقَاهُ فَبَرَأَ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّابِعَة : صَدَقَ اللَّه وَكَذَبَ بَطْن أَخِيك \" كَذَا وَقَعَ لِيَزِيدَ بِالشَّكِّ وَفِي رِوَايَة خَالِد بْن الْحَارِث \" فَقَالَ فِي الرَّابِعَة صَدَقَ اللَّه وَكَذَبَ بَطْن أَخِيك \" وَاَلَّذِي اِتَّفَقَ عَلَيْهِ مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَمَنْ تَابَعَهُ أَرْجَح , وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَوْل وَقَعَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد الثَّالِثَة , وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْقِيه عَسَلًا فَسَقَاهُ فِي الرَّابِعَة فَبَرَأَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة \" ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَة فَقَالَ اِسْقِهِ عَسَلًا , ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ : قَدْ فَعَلْت , فَسَقَاهُ فَبَرَأَ \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ النَّضْر ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن شُمَيْلٍ بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّر ‏ ‏( عَنْ شُعْبَة ) ‏ ‏وَصَلَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْ النَّضْر , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَتَابَعَهُ أَيْضًا يَحْيَى بْن سَعِيد وَخَالِد بْن الْحَارِث وَيَزِيد بْن هَارُون. قُلْت : رِوَايَة يَحْيَى عِنْد النَّسَائِيِّ فِي \" الْكُبْرَى \" وَرِوَايَة خَالِد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي يَعْلَى , وَرِوَايَة يَزِيد عِنْد أَحْمَد وَتَابَعَهُمْ أَيْضًا حَجَّاج بْن مُحَمَّد وَرَوْح بْن عُبَادَةَ وَرِوَايَتهمَا عِنْد أَحْمَد أَيْضًا , قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : أَهْل الْحِجَاز يُطْلِقُونَ الْكَذِب فِي مَوْضِع الْخَطَأ , يُقَال كَذَبَ سَمْعك أَيْ زَلَّ فَلَمْ يُدْرِك حَقِيقَة مَا قِيلَ لَهُ , فَمَعْنَى كَذَبَ بَطْنه أَيْ لَمْ يَصْلُح لِقَبُولِ الشِّفَاء بَلْ زَلَّ عَنْهُ , وَقَدْ اِعْتَرَضَ بَعْض الْمَلَاحِدَة فَقَالَ : الْعَسَل مُسَهِّل فَكَيْف يُوصَف لِمَنْ وَقَعَ بِهِ الْإِسْهَال ؟ وَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ جَهْل مِنْ قَائِله , بَلْ هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ) فَقَدْ اِتَّفَقَ الْأَطِبَّاء عَلَى أَنَّ الْمَرَض الْوَاحِد يَخْتَلِف عِلَاجه بِاخْتِلَافِ السِّنّ وَالْعَادَة وَالزَّمَان وَالْغِذَاء الْمَأْلُوف وَالتَّدْبِير وَقُوَّة الطَّبِيعَة , وَعَلَى أَنَّ الْإِسْهَال يَحْدُث مِنْ أَنْوَاع مِنْهَا الْهَيْضَة الَّتِي تَنْشَأ عَنْ تُخَمَة وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عِلَاجهَا بِتَرْكِ الطَّبِيعَة وَفِعْلهَا , فَإِنَّ اِحْتَاجَتْ إِلَى مُسَهِّل مُعَيَّن أُعِينَتْ مَا دَامَ بِالْعَلِيلِ قُوَّة , فَكَأَنَّ هَذَا الرَّجُل كَانَ اِسْتِطْلَاق بَطْنه عَنْ تُخَمَة أَصَابَتْهُ فَوَصَفَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَسَل لِدَفْعِ الْفُضُول الْمُجْتَمِعَة فِي نَوَاحِي الْمَعِدَة وَالْأَمْعَاء لِمَا فِي الْعَسَل مِنْ الْجَلَاء وَدَفْع الْفُضُول الَّتِي تُصِيب الْمَعِدَة مِنْ أَخْلَاط لَزِجَة تَمْنَع اِسْتِقْرَار الْغِذَاء فِيهَا , وَلِلْمَعِدَةِ خَمْل كَخَمْلِ الْمِنْشَفَة , فَإِذَا عَلِقَتْ بِهَا الْأَخْلَاط اللَّزِجَة أَفْسَدَتْهَا وَأَفْسَدَتْ الْغِذَاء الْوَاصِل إِلَيْهَا , فَكَانَ دَوَاؤُهَا بِاسْتِعْمَالِ مَا يَجْلُو تِلْكَ الْأَخْلَاط , وَلَا شَيْء فِي ذَلِكَ مِثْل الْعَسَل , لَا سِيَّمَا إِنْ مُزِجَ بِالْمَاءِ الْحَارّ , وَإِنَّمَا لَمْ يُفِدْهُ فِي أَوَّل مَرَّة لِأَنَّ الدَّوَاء يَجِب أَنْ يَكُون لَهُ مِقْدَار وَكَمِّيَّة بِحَسَبِ الدَّاء , إِنْ قَصُرَ عَنْهُ لَمْ يَدْفَعهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنْ جَاوَزَهُ أَوْهَى الْقُوَّة وَأَحْدَثَ ضَرَرًا آخَر فَكَأَنَّهُ شَرِبَ مِنْهُ أَوَّلًا مِقْدَارًا لَا يَفِي بِمُقَاوَمَةِ الدَّاء , فَأَمَرَهُ بِمُعَاوَدَةِ سَقْيه , فَلَمَّا تَكَرَّرَتْ الشَّرَبَات بِحَسَبِ مَادَّة الدَّاء بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى. وَفِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" وَكَذَبَ بَطْن أَخِيك \" إِشَارَة إِلَى أَنَّ هَذَا الدَّوَاء نَافِع , وَأَنَّ بَقَاء الدَّاء لَيْسَ لِقُصُورِ الدَّوَاء فِي نَفْسه وَلَكِنْ لِكَثْرَةِ الْمَادَّة الْفَاسِدَة , فَمِنْ ثَمَّ أَمَرَهُ بِمُعَاوَدَةِ شُرْب الْعَسَل لِاسْتِفْرَاغِهَا , فَكَانَ كَذَلِكَ , وَبَرَأَ بِإِذْنِ اللَّه. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَالطِّبّ نَوْعَانِ , طِبّ الْيُونَان وَهُوَ قِيَاسِيّ , وَطِبّ الْعَرَب وَالْهِنْد وَهُوَ تَجَارِبِيّ , وَكَانَ أَكْثَر مَا يَصِفهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ يَكُون عَلِيلًا عَلَى طَرِيقَة طِبّ الْعَرَب , وَمِنْهُ مَا يَكُون مِمَّا اِطَّلَعَ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ. وَقَدْ قَالَ صَاحِب \" كِتَاب الْمِائَة فِي الطِّبّ \" إِنَّ الْعَسَل تَارَة يَجْرِي سَرِيعًا إِلَى الْعُرُوق وَيَنْفُذ مَعَهُ جُلّ الْغِذَاء وَيُدِرّ الْبَوْل فَيَكُون قَابِضًا , وَتَارَة يَبْقَى فِي الْمَعِدَة فَيُهَيِّجهَا بِلَذْعِهَا حَتَّى يَدْفَع الطَّعَام وَيُسَهِّل الْبَطْن فَيَكُون مُسَهِّلًا. فَإِنْكَار وَصْفه لِلْمُسْهِلِ مُطْلَقًا قُصُور مِنْ الْمُنْكِر. وَقَالَ غَيْره : طِبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَيَقَّن الْبُرْء لِصُدُورِهِ عَنْ الْوَحْي , وَطِبّ غَيْره أَكْثَره حَدْس أَوْ تَجْرِبَة , وَقَدْ يَتَخَلَّف الشِّفَاء عَنْ بَعْض مَنْ يَسْتَعْمِل طِبّ النُّبُوَّة , وَذَلِكَ لِمَانِعٍ قَامَ بِالْمُسْتَعْمِلِ مِنْ ضَعْف اِعْتِقَاد الشِّفَاء بِهِ وَتَلَقِّيه بِالْقَبُولِ , وَأَظْهَر الْأَمْثِلَة فِي ذَلِكَ الْقُرْآن الَّذِي هُوَ شِفَاء لِمَا فِي الصُّدُور , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ لَا يَحْصُل لِبَعْضِ النَّاس شِفَاء صَدْره لِقُصُورِهِ فِي الِاعْتِقَاد وَالتَّلَقِّي بِالْقَبُولِ , بَلْ لَا يَزِيد الْمُنَافِق إِلَّا رِجْسًا إِلَى رِجْسه وَمَرَضًا إِلَى مَرَضه , فَطِبّ النُّبُوَّة لَا يُنَاسِب إِلَّا الْأَبْدَان الطَّيِّبَة , كَمَا أَنَّ شِفَاء الْقُرْآن لَا يُنَاسِب إِلَّا الْقُلُوب الطَّيِّبَة ; وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : فِي وَصْفه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَسَل لِهَذَا الْمُنْسَهِل أَرْبَعَة أَقْوَال : أَحَدهَا أَنَّهُ حَمَلَ الْآيَة عَلَى عُمُومهَا فِي الشِّفَاء , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ : \" صَدَقَ اللَّه \" أَيْ فِي قَوْله : ( فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ ) فَلَمَّا نَبَّهَهُ عَلَى هَذِهِ الْحِكْمَة تَلَقَّاهَا بِالْقَبُولِ , فَشُفِيَ بِإِذْنِ اللَّه. الثَّانِي : أَنَّ الْوَصْف الْمَذْكُور عَلَى الْمَأْلُوف مِنْ عَادَتهمْ مِنْ التَّدَاوِي بِالْعَسَلِ فِي الْأَمْرَاض كُلّهَا. الثَّالِث : أَنَّ الْمَوْصُوف لَهُ ذَلِكَ كَانَتْ بِهِ هَيْضَة كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره. الرَّابِع : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَمَرَهُ بِطَبْخِ الْعَسَل قَبْل شُرْبه فَإِنَّهُ يَعْقِد الْبَلْغَم , فَلَعَلَّهُ شَرِبَهُ أَوَّلًا بِغَيْرِ طَبْخ اِنْتَهَى. وَالثَّانِي وَالرَّابِع ضَعِيفَانِ وَفِي كَلَام الْخَطَّابِيّ اِحْتِمَال آخَر , وَهُوَ أَنْ يَكُون الشِّفَاء يَحْصُل لِلْمَذْكُورِ بِبَرَكَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَرَكَة وَصْفه وَدُعَائِهِ ; فَيَكُون خَاصًّا بِذَلِكَ الرَّجُل دُون غَيْره , وَهُوَ ضَعِيف أَيْضًا. وَيُؤَيِّد الْأَوَّل حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ : الْعَسَل وَالْقُرْآن \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَالْحَاكِم مَرْفُوعًا , وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَالْحَاكِم مَوْقُوفًا , وَرِجَاله رِجَال الصَّحِيح. وَأَثَر عَلِيّ \" إِذَا اِشْتَكَى أَحَدكُمْ فَلْيَسْتَوْهِب مِنْ اِمْرَأَته مِنْ صَدَاقهَا فَلْيَشْتَرِ بِهِ عَسَلًا , ثُمَّ يَأْخُذ مَاء السَّمَاء فَيُجْمَع هَنِيئًا مَرِيئًا شِفَاء مُبَارَكًا \" أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي التَّفْسِير بِسَنَدٍ حَسَن , قَالَ اِبْن بَطَّال : يُؤْخَذ مِنْ قَوْله : \" صَدَقَ اللَّه وَكَذَبَ بَطْن أَخِيك \" أَنَّ الْأَلْفَاظ لَا تُحْمَل عَلَى ظَاهِرهَا , إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَرِئَ الْعَلِيل مِنْ أَوَّل شَرْبَة , فَلَمَّا لَمْ يَبْرَأ إِلَّا بَعْد التَّكْرَار دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَلْفَاظ تَقْتَصِر عَلَى مَعَانِيهَا. قُلْت : وَلَا يَخْفَى تَكَلُّف هَذَا الِانْتِزَاع. وَقَالَ أَيْضًا : فِيهِ أَنَّ الَّذِي يَجْعَل اللَّه فِيهِ الشِّفَاء قَدْ يَتَخَلَّف لِتَتِمّ الْمُدَّة الَّتِي قَدَّرَ اللَّه تَعَالَى فِيهَا الدَّاء. وَقَالَ غَيْره : فِي قَوْله فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة \" فَسَقَاهُ فَبَرَأَ \" بِفَتْحِ الرَّاء وَالْهَمْز بِوَزْنِ قَرَأَ وَهِيَ لُغَة أَهْل الْحِجَاز , وَغَيْرهمْ يَقُولهَا بِكَسْرِ الرَّاء بِوَزْنِ عَلِمَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الصِّدِّيق النَّاجِيّ فِي آخِره \" فَسَقَاهُ فَعَافَاهُ اللَّه \" وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5278",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَغَيْرُهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا عَدْوَى ‏ ‏وَلَا ‏ ‏صَفَرَ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏هَامَةَ ‏ ‏فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ إِبِلِي تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيَأْتِي الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا فَقَالَ فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏وَسِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَالِح ) ‏ ‏هُوَ اِبْن كَيْسَانَ , ‏ ‏وَقَوْله : \" أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن وَغَيْره \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِح بْن كَيْسَانَ عِنْد مُسْلِم فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة , وَقَوْله فِي آخِر الْبَاب : ‏ ‏\" رَوَاهُ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة وَسِنَان بْن أَبِي سِنَان \" ‏ ‏يَعْنِي كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي \" بَاب لَا عَدْوَى \" مِنْ رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْهُمَا , وَفِيهِ تَفْصِيل لَفْظ أَبِي سَلَمَة مِنْ لَفْظ سِنَان , وَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5279",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ ‏ ‏وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ اللَّاتِي بَايَعْنَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهِيَ أُخْتُ ‏ ‏عُكَاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِابْنٍ لَهَا قَدْ عَلَّقَتْ عَلَيْهِ مِنْ ‏ ‏الْعُذْرَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اتَّقُوا اللَّهَ عَلَى مَا ‏ ‏تَدْغَرُونَ ‏ ‏أَوْلَادَكُمْ بِهَذِهِ الْأَعْلَاقِ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ مِنْهَا ‏ ‏ذَاتُ الْجَنْبِ ‏ ‏يُرِيدُ ‏ ‏الْكُسْتَ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏الْقُسْطَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَهِيَ لُغَةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُمّ قَيْس بِنْت مِحْصَن فِي قِصَّة وَلَدهَا وَالْأَعْلَاق عَلَيْهِ مِنْ الْعُذْرَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ وَبَيَانه قَبْل بِبَابَيْنِ. ‏ ‏وَقَوْله فِي أَوَّله : \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد \" ‏ ‏هُوَ الذُّهْلِيُّ , ‏ ‏وَقَوْله : \" عَتَّاب بْن بَشِير \" ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاة ثَقِيلَة وَآخِره مُوَحَّدَة وَأَبُوهُ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُعْجَمَة وَزْن عَظِيم وَشَيْخه ‏ ‏إِسْحَاق ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاشِد الْجَزَرِيّ وَقَوْله فِي آخِره : ‏ ‏\" يُرِيد الْكُسْت , يَعْنِي الْقُسْط , قَالَ وَهِيَ لُغَة \" ‏ ‏هُوَ تَفْسِير الْعُود الْهِنْدِيّ بِأَنَّهُ الْقُسْط , وَالْقَائِل \" قَالَ هِيَ لُغَة \" هُوَ الزُّهْرِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5280",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَارِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏قَالَ قُرِيءَ عَلَى ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏مِنْ كُتُبِ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏مِنْهُ مَا حَدَّثَ بِهِ وَمِنْهُ مَا قُرِئَ عَلَيْهِ وَكَانَ هَذَا فِي الْكِتَابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا طَلْحَةَ ‏ ‏وَأَنَسَ بْنَ النَّضْرِ ‏ ‏كَوَيَاهُ وَكَوَاهُ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏بِيَدِهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَهْلِ بَيْتٍ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أَنْ يَرْقُوا مِنْ الْحُمَةِ وَالْأُذُنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏كُوِيتُ مِنْ ‏ ‏ذَاتِ الْجَنْبِ ‏ ‏وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَيٌّ ‏ ‏وَشَهِدَنِي ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏وَأَنَسُ بْنُ النَّضْرِ ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏وَأَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏كَوَانِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَارِم ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن بْن الْفَضْل أَبُو النُّعْمَان السَّدُوسِيّ , ‏ ‏وَحَمَّاد ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد. ‏ ‏قَوْله : ( قُرِئَ عَلَى أَيُّوب ) ‏ ‏هُوَ السَّخْتِيَانِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ كُتُب أَبِي قِلَابَةَ مِنْهُ مَا حَدَّثَ بِهِ وَمِنْهُ مَا قُرِئَ عَلَيْهِ , فَكَانَ هَذَا فِي الْكِتَاب ) أَيْ كِتَاب أَبِي قِلَابَةَ , كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بَدَل قَوْله \" فِي الْكِتَاب \" : \" قَرَأَ الْكِتَاب \" وَهُوَ تَصْحِيف وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ بَعْد قَوْله : \" فِي الْكِتَاب \" : \" غَيْر مَسْمُوع \" وَلَمْ أَرَ هَذِهِ اللَّفْظَة فِي شَيْء مِنْ نُسَخ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَالِك. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَا طَلْحَة ) ‏ ‏هُوَ زَيْد بْن سَهْل زَوْج وَالِدَة أَنَس أُمّ سُلَيْمٍ , وَأَنَس بْن النَّضْر هُوَ عَمّ أَنَس بْن مَالِك. ‏ ‏قَوْله : ( كَوَيَاهُ وَكَوَاهُ أَبُو طَلْحَة بِيَدِهِ ) ‏ ‏نُسِبَ الْكَيّ إِلَيْهِمَا مَعًا لِرِضَاهُمَا بِهِ , ثُمَّ نُسِبَ الْكَيّ لِأَبِي طَلْحَة وَحْده لِمُبَاشَرَتِهِ. وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَيُّوب \" وَشَهِدَنِي أَبُو طَلْحَة وَأَنَس بْن النَّضْر وَزَيْد بْن ثَابِت \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبَّاد بْن مَنْصُور ) ‏ ‏هُوَ النَّاجِيّ بِالنُّونِ وَالْجِيم , وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق فَائِدَة مِنْ جِهَة الْإِسْنَاد , وَأُخْرَى مِنْ جِهَة الْمَتْن , أَمَّا الْإِسْنَاد فَبَيَّنَ أَنَّ حَمَّاد بْن زَيْد بَيَّنَ فِي رِوَايَته صُورَة أَخْذ أَيُّوب هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي قِلَابَةَ , وَأَنَّهُ كَانَ قَرَأَهُ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابه , وَأَطْلَقَ عَبَّاد بْن مَنْصُور رِوَايَته بِالْعَنْعَنَةِ. وَأَمَّا الْمَتْن فَلِمَا فِيهِ مِنْ الزِّيَادَة , وَهِيَ أَنَّ الْكَيّ الْمَذْكُور كَانَ بِسَبَبِ ذَات الْجَنْب , وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَيَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ زَيْد بْن ثَابِت كَانَ فِيمَنْ حَضَرَ ذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة عَبَّاد بْن مَنْصُور زِيَادَة أُخْرَى فِي أَوَّله أَفْرَدَهَا بَعْضهمْ , وَهِيَ حَدِيث إِذْن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ بَيْت مِنْ الْأَنْصَار أَنْ يُرْقُوا مِنْ الْحُمَة وَالْأُذُن. وَلَيْسَ لِعَبَّادِ بْن مَنْصُور - وَكُنْيَته أَبُو سَلَمَة - فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع الْمُعَلَّق , وَهُوَ مِنْ كِبَار أَتْبَاع التَّابِعِينَ , تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ عِدَّة جِهَات : إِحْدَاهَا : أَنَّهُ رُمِيَ بِالْقَدَرِ , لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَة. ‏ ‏ثَانِيهَا : أَنَّهُ كَانَ يُدَلِّس. ثَالِثهَا : أَنَّهُ قَدْ تَغَيَّرَ حِفْظه. وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّان : لَمَّا رَأَيْنَاهُ كَانَ لَا يَحْفَظ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ ضَعْفه. وَقَدْ قَالَ اِبْن عَدِيّ : هُوَ مِنْ جُمْلَة مَنْ يُكْتَب حَدِيثه. وَوَصَلَ الْحَدِيث الْمَذْكُور أَبُو يَعْلَى عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعِيد الْجَوْهَرِيّ عَنْ رَيْحَان بْن سَعِيد عَنْ عَبَّاد بِطُولِهِ , وَأَخْرَجَهُ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ كَذَلِكَ , وَفَرَّقَهُ الْبَزَّار حَدِيثَيْنِ وَقَالَ فِي كُلّ مِنْهُمَا : تَفَرَّدَ بِهِ عَبَّاد بْن مَنْصُور. ‏ ‏وَالْحُمَة ‏ ‏بِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمِيم وَقَدْ تُشَدَّد , وَأَنْكَرَهُ الْأَزْهَرِيّ , هِيَ السُّمّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحهَا فِي \" بَاب مَنْ اِكْتَوَى \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حُكْمهَا فِي \" بَاب رُقْيَة الْحَيَّة وَالْعَقْرَب \" بَعْد أَبْوَاب. ‏ ‏وَأَمَّا رُقْيَة الْأُذُن ‏ ‏فَقَالَ اِبْن بَطَّال : الْمُرَاد وَجَع الْأُذُن , أَيْ رَخَّصَ فِي رُقْيَة الْأُذُن إِذَا كَانَ بِهَا وَجَع , وَهَذَا يَرُدّ عَلَى الْحَصْر الْمَاضِي فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي \" بَاب مَنْ اِكْتَوَى \" حَيْثُ قَالَ : لَا رُقْيَة إِلَّا مِنْ عَيْن أَوْ حُمَة , فَيَجُوز أَنْ يَكُون رَخَّصَ فِيهِ بَعْد أَنْ مَنْع مِنْهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى لَا رُقْيَة أَنْفَع مِنْ رُقْيَة الْعَيْن وَالْحُمَة , وَلَمْ يُرِدْ نَفْي الرُّقَى عَنْ غَيْرهمَا. وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ عَنْ اِبْن بَطَّال أَنَّهُ ضَبَطَهُ \" الْأُدْر \" بِضَمِّ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدهَا رَاءٍ. وَأَنَّهُ جَمَعَ أُدْرَة وَهِيَ نَفْخَة الْخُصْيَة , قَالَ : وَهُوَ غَرِيب شَاذّ اِنْتَهَى. وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي كِتَاب اِبْن بَطَّال , فَلْيُحَرَّرْ. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي سِيَاق رِوَايَة عَبَّاد بْن مَنْصُور بِلَفْظِ \" أَنْ يَرْقُوا مِنْ الْحُمَة , وَأَذِنَ بِرُقْيَة الْعَيْن وَالنَّفْس \" فَعَلَى هَذَا فَقَوْله \" وَالْأُذُن \" فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة تَصْحِيف مِنْ قَوْله \" أَذِنَ \" فِعْل مَاضٍ مِنْ الْإِذْن , لَكِنْ زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَكَانَ زَيْد بْن ثَابِت يَرْقِي مِنْ الْأُذْن وَالنَّفْس \" فَاَللَّه أَعْلَم. وَسَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب \" بَاب رُقْيَة الْعَيْن \" وَغَيْر ذَلِكَ. ‏ ‏وَقَوْله : \" رَخَّصَ لِأَهْلِ بَيْت مِنْ الْأَنْصَار \" ‏ ‏هُمْ آل عَمْرو بْن حَزْم , وَقَعَ ذَلِكَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر , وَالْمُخَاطَب بِذَلِكَ مِنْهُمْ عُمَارَة بْن حَزْم كَمَا بَيِّنَته فِي تَرْجَمَتِهِ فِي كِتَاب الصَّحَابَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5281",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كُسِرَتْ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْبَيْضَةُ وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَكَانَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏يَخْتَلِفُ بِالْمَاءِ فِي ‏ ‏الْمِجَنِّ ‏ ‏وَجَاءَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ فَلَمَّا رَأَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى الْمَاءِ كَثْرَةً عَمَدَتْ إِلَى حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا وَأَلْصَقَتْهَا عَلَى جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَقَأَ الدَّمُ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث الْبَاب , وَهُوَ حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي غَسْل فَاطِمَة وَجْه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الدَّم لَمَّا جُرِحَ يَوْم أُحُد , فِي كِتَاب الْجِهَاد. وَقَوْله فِي آخِر الْحَدِيث ‏ ‏\" فَرَقَأَ \" ‏ ‏بِقَافٍ وَهَمْزَة أَيْ بَطَل خُرُوجه , وَفِي رِوَايَة \" فَاسْتَمْسَكَ الدَّم \". ‏"
    },
    {
        "id": "5282",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْحُمَّى مِنْ ‏ ‏فَيْحِ ‏ ‏جَهَنَّمَ فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اكْشِفْ عَنَّا الرِّجْزَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن وَهْب عَنْ مَالِك , وَكَذَا مُسْلِم. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْمُوَطَّئَاتِ \" : لَمْ يَرْوِهِ مِنْ أَصْحَاب مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" إِلَّا اِبْن وَهْب وَابْن الْقَاسِم وَتَابَعَهُمَا الشَّافِعِيّ وَسَعِيد بْن عُفَيْر وَسَعِيد بْن دَاوُدَ , قَالَ : وَلَمْ يَأْتِ بِهِ مَعْن وَلَا الْقَعْنَبِيّ وَلَا أَبُو مَصْعَب وَلَا اِبْن بُكَيْر اِنْتَهَى. وَكَذَا قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي التَّقَصِّي. وَقَدْ أَخْرَجَهُ شَيْخنَا فِي تَقْرِيبه مِنْ رِوَايَة أَبِي مَصْعَب عَنْ مَالِك , وَهُوَ ذُهُول مِنْهُ , لِأَنَّهُ اِعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى الْمُلَخَّص لِلْقَابِسِيّ , وَالْقَابِسِيّ إِنَّمَا أَخْرَجَ الْمُلَخَّص مِنْ طَرِيق اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك , وَهَذَا ثَانِي حَدِيث عَثَرْت عَلَيْهِ فِي تَقْرِيب الْأَسَانِيد لِشَيْخِنَا عَفَا اللَّه تَعَالَى عَنْهُ مِنْ هَذَا الْجِنْس , وَقَدْ نَبَّهْت عَلَيْهِ نَصِيحَة لِلَّهِ تَعَالَى وَاَللَّه أَعْلَم , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة حَرْمَلَة عَنْ الشَّافِعِيّ , وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن عُفَيْر , وَمِنْ طَرِيق سَعِيد بْن دَاوُدَ , وَلَمْ يَخْرُجهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي \" التَّمْهِيد \" لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن يَحْيَى اللَّيْثِيّ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَطْفِئُوهَا ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ قَطْع ثُمَّ طَاء مُهْمَلَة وَفَاء مَكْسُورَة ثُمَّ هَمْزَة أَمْر بِالْإِطْفَاءِ , وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع فِي صِفَة النَّار مِنْ بَدْء الْخَلْق بِلَفْظِ \" فَأَبْرِدُوهَا \" وَالْمَشْهُور فِي ضَبْطهَا بِهَمْزَةِ وَصْل وَالرَّاء مَضْمُومَة , وَحُكِيَ كَسْرهَا , يُقَال بَرَدْت الْحُمَّى أَبْرُدهَا بَرْدًا بِوَزْنِ قَتَلْتهَا أَقْتُلهَا قَتْلًا أَيْ أَسْكَنْت حَرَارَتهَا , قَالَ شَاعِر الْحَمَاسَة : ‏ ‏إِذَا وَجَدْت لَهَيْب الْحُبّ فِي كَبِدِي ‏ ‏أَقْبَلْت نَحْو سِقَاء الْقَوْم أَبْتَرِد ‏ ‏هَبْنِي بَرَدْت بِبَرْدِ الْمَاء ظَاهِره ‏ ‏فَمَنْ لِنَارٍ عَلَى الْأَحْشَاء تَتَّقِد ‏ ‏وَحَكَى عِيَاض رِوَايَة بِهَمْزَةِ قَطْع مَفْتُوحَة وَكَسْر الرَّاء , مِنْ أَبْرَدَ الشَّيْء إِذَا عَالَجَهُ فَصَيَّرَهُ بَارِدًا , مِثْل أَسْخَنَهُ إِذَا صَيَّرَهُ سُخْنَا , وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا الْخَطَّابِيُّ , وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : إِنَّهَا لُغَة رَدِيئَة. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْمَاءِ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد اِبْن مَاجَهْ \" بِالْمَاءِ الْبَارِد \" وَمِثْله فِي حَدِيث سَمُرَة عِنْد أَحْمَد , وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" بِمَاءِ زَمْزَم \" كَمَا مَضَى فِي صِفَة النَّار مِنْ رِوَايَة أَبِي جَمْرَة بِالْجِيمِ قَالَ : \" كُنْت أُجَالِس اِبْن عَبَّاس بِمَكَّة فَأَخَذَتْنِي الْحُمَّى \" وَفِي رِوَايَة أَحْمَد \" كُنْت أَدْفَع لِلنَّاسِ عَنْ اِبْن عَبَّاس فَاحْتَبَسْت أَيَّامًا فَقَالَ : مَا حَبَسَك ؟ قُلْت الْحُمَّى , قَالَ : أَبْرِدْهَا بِمَاءِ زَمْزَم , فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْحُمَّى مِنْ فَيْح جَهَنَّم فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ أَوْ بِمَاءِ زَمْزَم \" شَكَّ هَمَّام. كَذَا فِي رَاوِيَة الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي عَامِر الْعَقَدِيّ عَنْ هَمَّام. وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ قَالَ بِأَنَّ ذِكْر مَاء زَمْزَم لَيْسَ قَيْدًا لِشَكِّ رَاوِيهِ فِيهِ. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن الْقَيِّم. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ عَفَّان عَنْ هَمَّام \" فَأَبْرِدُوهَا بِمَاءِ زَمْزَم \" وَلَمْ يَشُكّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ رِوَايَة عَفَّان , وَإِنْ كَانَ الْحَاكِم وَهَمّ فِي اِسْتِدْرَاكه. وَتَرْجَمَ لَهُ اِبْن حِبَّان بَعْد إِيرَاده حَدِيث اِبْن عُمَر فَقَالَ : ذُكِرَ الْخَبَر الْمُفَسِّر لِلْمَاءِ الْمُجْمَل فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله , وَهُوَ أَنَّ شِدَّة الْحُمَّى تُبَرَّد بِمَاءِ زَمْزَم دُون غَيْره مِنْ الْمِيَاه , وَسَاقَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَقَدْ تُعُقِّبَ - عَلَى تَقْدِير أَنْ لَا شَكَّ فِي ذِكْر مَاء زَمْزَم فِيهِ - بِأَنَّ الْخِطَاب لِأَهْلِ مَكَّة خَاصَّة لِتَيَسُّرِ مَاء زَمْزَم عِنْدهمْ , كَمَا خُصَّ الْخِطَاب بِأَصْلِ الْأَمْر بِأَهْلِ الْبِلَاد الْحَارَّة. وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَى بَعْض النَّاس. قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ : اِعْتَرَضَ بَعْض سُخَفَاء الْأَطِبَّاء عَلَى هَذَا الْحَدِيث بِأَنْ قَالَ : اِغْتِسَال الْمَحْمُوم بِالْمَاءِ خَطَر يُقَرِّبهُ مِنْ الْهَلَاك , لِأَنَّهُ يَجْمَع الْمَسَامّ وَيَحْقِن الْبُخَار وَيَعْكِس الْحَرَارَة إِلَى دَاخِل الْجِسْم فَيَكُون ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّلَفِ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : غَلِطَ بَعْض مَنْ يُنْسَب إِلَى الْعِلْم فَانْغَمَسَ فِي الْمَاء لَمَّا أَصَابَتْهُ الْحُمَّى فَاحْتَقَنَتْ الْحَرَارَة فِي بَاطِن بَدَنه فَأَصَابَتْهُ عِلَّة صَعْبَة كَادَتْ تُهْلِكهُ , فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِلَّته قَالَ قَوْلًا سَيِّئًا لَا يَحْسُن ذِكْره , وَإِنَّمَا أَوْقَعَهُ فِي ذَلِكَ جَهْله بِمَعْنَى الْحَدِيث , وَالْجَوَاب أَنَّ هَذَا الْإِشْكَال صَدَرَ عَنْ صَدْر مُرْتَاب فِي صِدْق الْخَبَر , فَيُقَال لَهُ أَوَّلًا مِنْ أَيْنَ حَمَلْت الْأَمْر عَلَى الِاغْتِسَال وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح بَيَان الْكَيْفِيَّة فَضْلًا عَنْ اِخْتِصَاصهَا بِالْغُسْلِ , وَإِنَّمَا فِي الْحَدِيث الْإِرْشَاد إِلَى تَبْرِيد الْحُمَّى بِالْمَاءِ فَإِنْ أَظْهَرَ الْوُجُود أَوْ اِقْتَضَتْ صِنَاعَة الطِّبّ أَنَّ اِنْغِمَاس كُلّ مَحْمُوم فِي الْمَاء أَوْ صَبّه إِيَّاهُ عَلَى جَمِيع بَدَنه يَضُرّهُ فَلَيْسَ هُوَ الْمُرَاد , وَإِنَّمَا قَصَدَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتِعْمَال الْمَاء عَلَى وَجْه يَنْفَع , فَلْيُبْحَث عَنْ ذَلِكَ الْوَجْه لِيَحْصُل الِانْتِفَاع بِهِ , وَهُوَ كَمَا وَقَعَ فِي أَمْره الْعَائِن بِالِاغْتِسَالِ وَأَطْلَقَ , وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ الْحَدِيث الْآخَر أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مُطْلَق الِاغْتِسَال , وَإِنَّمَا أَرَادَ الِاغْتِسَال عَلَى كَيْفِيَّة مَخْصُوصَة , وَأَوْلَى مَا يُحْمَل عَلَيْهِ كَيْفِيَّة تَبْرِيد الْحُمَّى مَا صَنَعَتْهُ أَسْمَاء بِنْت الصِّدِّيق , فَإِنَّهَا كَانَتْ تَرُشّ عَلَى بَدَن الْمَحْمُوم شَيْئًا مِنْ الْمَاء بَيْن يَدَيْهِ وَثَوْبه فَيَكُون ذَلِكَ مِنْ بَاب النَّشْرَة الْمَأْذُون فِيهَا , وَالصَّحَابِيّ وَلَا سِيَّمَا مِثْل أَسْمَاء الَّتِي هِيَ مِمَّنْ كَانَ يُلَازِم بَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَم بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْرهَا , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِيرَاد الْبُخَارِيّ لِحَدِيثِهَا عَقِب حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَذْكُور , وَهَذَا مِنْ بَدِيع تَرْتِيبه. وَقَالَ الْمَازِرِيّ : وَلَا شَكَّ أَنَّ عِلْم الطِّبّ مِنْ أَكْثَر الْعُلُوم اِحْتِيَاجًا إِلَى التَّفْصِيل , حَتَّى أَنَّ الْمَرِيض يَكُون الشَّيْء دَوَاءَهُ فِي سَاعَة ثُمَّ يَصِير دَاء لَهُ فِي السَّاعَة الَّتِي تَلِيهَا , لِعَارِضٍ يَعْرِض لَهُ مِنْ غَضَب يَحْمِي مِزَاجه مَثَلًا فَيَتَغَيَّر عِلَاجه , وَمِثْل ذَلِكَ كَثِير , فَإِذَا فُرِضَ وُجُود الشِّفَاء لِشَخْصٍ بِشَيْءٍ فِي حَالَة مَا لَمْ يَلْزَم مِنْهُ وُجُود الشِّفَاء بِهِ لَهُ أَوْ بِغَيْرِهِ فِي سَائِر الْأَحْوَال , وَالْأَطِبَّاء مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْمَرَض الْوَاحِد يَخْتَلِف عِلَاجه بِاخْتِلَافِ السِّنّ وَالزَّمَان وَالْعَادَة وَالْغِذَاء الْمُتَقَدِّم وَالتَّأْثِير الْمَأْلُوف وَقُوَّة الطِّبَاع. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو مَا تَقَدَّمَ. قَالُوا : وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يُرِيد التَّصْرِيح بِالِاغْتِسَالِ فِي جَمِيع الْجَسَد , فَيُجَاب بِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ أَنَّهُ يَقَع بَعْد إِقْلَاع الْحُمَّى , وَهُوَ بَعِيد. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي وَقْت مَخْصُوص بِعَدَدٍ مَخْصُوص فَيَكُون مِنْ الْخَوَاصّ الَّتِي اِطَّلَعَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا بِالْوَحْيِ , وَيَضْمَحِلّ عِنْد ذَلِكَ جَمِيع كَلَام أَهْل الطِّبّ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث ثَوْبَانِ مَرْفُوعًا \" إِذَا أَصَابَ أَحَدكُمْ الْحُمَّى - وَهِيَ قِطْعَة مِنْ النَّار - فَلْيُطْفِئهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ , يَسْتَنْقِع فِي نَهَر جَارٍ وَيَسْتَقْبِل جِرْيَته وَلْيَقُلْ : بِسْمِ اللَّه , اللَّهُمَّ اِشْفِ عَبْدك وَصَدِّقْ رَسُولك , بَعْد صَلَاة الصُّبْح قَبْل طُلُوع الشَّمْس , وَلْيَنْغَمِس فِيهِ ثَلَاث غَمَسَات ثَلَاثَة أَيَّام , فَإِنْ لَمْ يَبْرَأ فَخَمْس , وَإِلَّا فَسَبْع , وَإِلَّا فَتِسْع , فَإِنَّهَا لَا تَكَاد تُجَاوِز تِسْعًا بِإِذْنِ اللَّه \" قَالَ التِّرْمِذِيّ غَرِيب. قُلْت : وَفِي سَنَده سَعِيد بْن زَرْعَة مُخْتَلَف فِيهِ. قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِبَعْضِ الْحُمَّيَات دُون بَعْض , فِي بَعْض الْأَمَاكِن دُون بَعْض , لِبَعْضِ الْأَشْخَاص دُون بَعْض. وَهَذَا أَوْجَه. فَإِنَّ خِطَابه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ يَكُون عَامًّا وَهُوَ الْأَكْثَر , وَقَدْ يَكُون خَاصًّا كَمَا قَالَ : \" لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَة بِغَائِطٍ وَلَا بَوْل وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا \" فَقَوْله \" شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا \" لَيْسَ عَامًّا لِجَمِيعِ أَهْل الْأَرْض بَلْ هُوَ خَاصّ لِمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة وَعَلَى سَمْتهَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي كِتَاب الطَّهَارَة , فَكَذَلِكَ هَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَخْصُوصًا بِأَهْلِ الْحِجَاز وَمَا وَالَاهُمْ إِذْ كَانَ أَكْثَر الْحُمَّيَات الَّتِي تَعْرِض لَهُمْ مِنْ الْعَرْضِيَّة الْحَادِثَة عَنْ شِدَّة الْحَرَارَة , وَهَذِهِ يَنْفَعهَا الْمَاء الْبَارِد شُرْبًا وَاغْتِسَالًا , لِأَنَّ الْحُمَّى حَرَارَة غَرِيبَة تَشْتَعِل فِي الْقَلْب وَتَنْتَشِر مِنْهُ بِتَوَسُّطِ الرُّوح وَالدَّم فِي الْعُرُوق إِلَى جَمِيع الْبَدَن , وَهِيَ قِسْمَانِ : عَرَضِيَّة وَهِيَ الْحَادِثَة عَنْ وَرَم أَوْ حَرَكَة أَوْ إِصَابَة حَرَارَة الشَّمْس أَوْ الْقَيْظ الشَّدِيد وَنَحْو ذَلِكَ , وَمَرَضِيَّة وَهِيَ ثَلَاثَة أَنْوَاع , وَتَكُون عَنْ مَادَّة , ثُمَّ مِنْهَا مَا يُسَخِّن جَمِيع الْبَدَن , فَإِنْ كَانَ مَبْدَأ تَعَلُّقهَا بِالرُّوحِ فَهِيَ حُمَّى يَوْم لِأَنَّهَا تَقَع غَالِبًا فِي يَوْم وَنِهَايَتهَا إِلَى ثَلَاثَة , وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقهَا بِالْأَعْضَاءِ الْأَصْلِيَّة فَهِيَ حُمَّى دِقّ وَهِيَ أَخْطَرهَا , وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقهَا بِالْأَخْلَاطِ سُمِّيَتْ عَفَنِيَّة وَهِيَ بِعَدَدِ الْأَخْلَاط الْأَرْبَعَة , وَتَحْت هَذِهِ الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَة أَصْنَاف كَثِيرَة بِسَبَبِ الْإِفْرَاد وَالتَّرْكِيب. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمُرَاد النَّوْع الْأَوَّل فَإِنَّهَا تَسْكُن بِالِانْغِمَاسِ فِي الْمَاء الْبَارِد وَشُرْب الْمَاء الْمُبَرَّد بِالثَّلْجِ وَبِغَيْرِهِ وَلَا يَحْتَاج صَاحِبهَا إِلَى عِلَاج آخَر , وَقَدْ قَالَ جَالِينُوس فِي كِتَاب حِيلَة الْبُرْء لَوْ أَنَّ شَابًّا حَسَن اللَّحْم خَصِب الْبَدَن لَيْسَ فِي أَحْشَائِهِ وَرَم اِسْتَحَمَّ بِمَاءٍ بَارِد أَوْ سَبَحَ فِيهِ وَقْت الْقَيْظ عِنْد مُنْتَهَى الْحُمَّى لَا يَنْتَفِع بِذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو بَكْر الرَّازِيّ : إِذَا كَانَتْ الْقُوَى قَوِيَّة وَالْحُمَّى حَادَّة وَالنُّضْج بَيِّن وَلَا وَرَم فِي الْجَوْف وَلَا فَتْق فَإِنَّ الْمَاء الْبَارِد يَنْفَع شُرْبه , فَإِنْ كَانَ الْعَلِيل خَصِب الْبَدَن وَالزَّمَان حَارًّا وَكَانَ مُعْتَادًا بِاسْتِعْمَالِ الْمَاء الْبَارِد اِغْتِسَالًا فَلْيُؤَذَّنْ لَهُ فِيهِ. وَقَدْ نَزَّلَ اِبْن الْقَيِّم حَدِيث ثَوْبَان عَلَى هَذِهِ الْقُيُود فَقَالَ : هَذِهِ الصِّفَة تَنْفَع فِي فَصْل الصَّيْف فِي الْبِلَاد الْحَارَّة فِي الْحُمَّى الْعَرَضِيَّة أَوْ الْغِبّ الْخَالِصَة الَّتِي لَا وَرَم مَعَهَا وَلَا شَيْء مِنْ الْأَعْرَاض الرَّدِيئَة , وَالْمُرَاد الْفَاسِدَة , فَيُطْفِئهَا بِإِذْنِ اللَّه , فَإِنَّ الْمَاء فِي ذَلِكَ الْوَقْت أَبْرَد مَا يَكُون لِبُعْدِهِ عَنْ مُلَاقَاة الشَّمْس , وَوُفُور الْقُوَى فِي ذَلِكَ الْوَقْت لِكَوْنِهِ عَقِب النُّور وَالسُّكُون وَبَرْد الْهَوَاء , قَالَ : وَالْأَيَّام الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا هِيَ الَّتِي يَقَع فِيهَا بِحَرَارَةِ الْأَمْرَاض الْحَادَّة غَالِبًا وَلَا سِيَّمَا فِي الْبِلَاد الْحَارَّة. وَاَللَّه أَعْلَم. قَالُوا : وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيث اِسْتِعْمَاله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَاء الْبَارِد فِي عِلَّته كَمَا قَالَ \" صُبُّوا عَلَيَّ مِنْ سَبْع قِرَب لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتهنَّ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه. وَقَالَ سَمُرَة \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حُمَّ دَعَا بِقِرْبَةٍ مِنْ مَاء فَأَفْرَغَهَا عَلَى قَرْنه فَاغْتَسَلَ \" أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَلَكِنْ فِي سَنَده رَاوٍ ضَعِيف. وَقَالَ أَنَس : \" إِذَا حُمَّ أَحَدكُمْ فَلْيُشِنَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاء الْبَارِد مِنْ السَّحَر ثَلَاث لَيَالٍ \" أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَأَبُو نُعَيْم فِي الطِّبّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَسَنَده قَوِيّ , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث أُمّ خَالِد بِنْت سَعِيد أَخْرَجَهُ الْحَسَن بْن سُفْيَان فِي مُسْنَده وَأَبُو نُعَيْم فِي الطِّبّ مِنْ طَرِيقه , وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْمُرَقَّع رَفَعَهُ \" الْحُمَّى رَائِد الْمَوْت , وَهِيَ سِجْن اللَّه فِي الْأَرْض فَبَرِّدُوا لَهَا الْمَاء فِي الشِّنَان , وَصُبُّوهُ عَلَيْكُمْ فِيمَا بَيْن الْأَذَانَيْنِ الْمَغْرِب وَالْعِشَاء. قَالَ فَفَعَلُوا فَذَهَبَ عَنْهُمْ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيث كُلّهَا تَرُدّ التَّأْوِيل الَّذِي نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ اِبْن الْأَنْبَارِيّ أَنَّهُ قَالَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فَأَبْرِدُوهَا الصَّدَقَة بِهِ , قَالَ اِبْن الْقَيِّم : أَظُنّ الَّذِي حَمَلَ قَائِل هَذَا أَنَّهُ أَشْكَلَ عَلَيْهِ اِسْتِعْمَال الْمَاء فِي الْحُمَّى فَعَدَلَ إِلَى هَذَا , وَلَهُ وَجْه حَسَن لِأَنَّ الْجَزَاء مِنْ جِنْس الْعَمَل , فَكَأَنَّهُ لَمَّا أَخْمَدَ لَهِيب الْعَطْشَان بِالْمَاءِ أَخْمَدَ اللَّه لَهِيب الْحُمَّى عَنْهُ , وَلَكِنْ هَذَا يُؤْخَذ مِنْ فِقْه الْحَدِيث وَإِشَارَته , وَأَمَّا الْمُرَاد بِهِ بِالْأَصْلِ فَهُوَ اِسْتِعْمَاله فِي الْبَدَن حَقِيقَة كَمَا تَقَدَّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ نَافِع وَكَانَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر ‏ ‏( يَقُول اِكْشِفْ عَنَّا الرِّجْز ) ‏ ‏أَيْ الْعَذَاب , وَهَذَا مَوْصُول بِالسَّنَدِ الَّذِي قَبْله , وَكَأَنَّ اِبْن عُمَر فَهِمَ مِنْ كَوْن أَصْل الْحُمَّى مِنْ جَهَنَّم أَنَّ مَنْ أَصَابَتْهُ عُذِّبَ بِهَا , وَهَذَا التَّعْذِيب يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ مَحِلّه : فَيَكُون لِلْمُؤْمِنِ تَكْفِيرًا لِذُنُوبِهِ وَزِيَادَة فِي أُجُوره كَمَا سَبَقَ , وَلِلْكَافِرِ عُقُوبَة وَانْتِقَامًا. وَإِنَّمَا طَلَبَ اِبْن عُمَر كَشْفه مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الثَّوَاب لِمَشْرُوعِيَّةِ طَلَب الْعَافِيَة مِنْ اللَّه سُبْحَانه , إِذْ هُوَ قَادِر عَلَى أَنْ يُكَفِّر سَيِّئَات عَبْده وَيُعْظِم ثَوَابه , مِنْ غَيْر أَنْ يُصِيبهُ شَيْء يَشُقّ عَلَيْهِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5283",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَتْ إِذَا أُتِيَتْ بِالْمَرْأَةِ قَدْ حُمَّتْ تَدْعُو لَهَا أَخَذَتْ الْمَاءَ فَصَبَّتْهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا قَالَتْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْمُرُنَا أَنْ نَبْرُدَهَا بِالْمَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , ‏ ‏وَفَاطِمَة بِنْت الْمُنْذِر ‏ ‏أَيْ اِبْن الزُّبَيْر هِيَ بِنْت عَمّه وَزَوْجَته , وَأَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر جَدَّتهمَا لِأَبَوَيْهِمَا مَعًا. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنهَا وَبَيْن جَيْبهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُوَحَّدَة : هُوَ مَا يَكُون مُفْرَجًا مِنْ الثَّوْب كَالْكُمِّ وَالطَّوْق , وَفِي رِوَايَة عَبْدَة عَنْ هِشَام عِنْد مُسْلِم \" فَتَصُبّهُ فِي جَيْبهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ نَبْرُدهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمِّ الرَّاء الْخَفِيفَة , وَفِي رِوَايَة لِأَبِي ذَرّ بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الرَّاء مِنْ التَّبْرِيد , وَهُوَ بِمَعْنَى رِوَايَة أَبْرِدْ بِهَمْزَةٍ مَقْطُوعَة , زَادَ عَبْدَة فِي رِوَايَته \" وَقَالَ إِنَّهَا مِنْ فَيْح جَهَنَّم \". ‏"
    },
    {
        "id": "5284",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْحُمَّى مِنْ ‏ ‏فَيْحِ ‏ ‏جَهَنَّمَ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان , ‏ ‏وَهِشَام ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة أَيْضًا. وَأَشَارَ بِإِيرَادِ رِوَايَته هَذِهِ عَقِب الْأُولَى إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ اِخْتِلَافًا عَلَى هِشَام , بَلْ لَهُ فِي هَذَا الْمَتْن إِسْنَادَانِ , بِقَرِينَةِ مُغَايَرَة السِّيَاقَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5285",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الْحُمَّى مِنْ ‏ ‏فَوْحِ ‏ ‏جَهَنَّمَ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مِنْ فَيْح جَهَنَّم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" مِنْ فَوْح \" بِالْوَاوِ , وَتَقَدَّمَ فِي صِفَة النَّار مِنْ بَدْء الْخَلْق مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" مِنْ فَوْر \" وَكُلّهَا بِمَعْنًى , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ بِلَفْظِ \" فَأَبْرِدُوهَا عَنْكُمْ \" بِزِيَادَةِ \" عَنْكُمْ \" وَكَذَا زَادَهَا مُسْلِم فِي رِوَايَته عَنْ هَنَّاد بْن السَّرِيّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَص بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور هُنَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5286",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏حَدَّثَهُمْ ‏ ‏أَنَّ نَاسًا أَوْ رِجَالًا مِنْ ‏ ‏عُكْلٍ ‏ ‏وَعُرَيْنَةَ ‏ ‏قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ وَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ ‏ ‏وَاسْتَوْخَمُوا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِذَوْدٍ وَبِرَاعٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَانْطَلَقُوا حَتَّى كَانُوا نَاحِيَةَ ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَقَتَلُوا ‏ ‏رَاعِيَ ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ وَأَمَرَ بِهِمْ ‏ ‏فَسَمَرُوا ‏ ‏أَعْيُنَهُمْ وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَتُرِكُوا فِي نَاحِيَةِ ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5287",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا ‏ ‏فَقُلْتُ أَنْتَ سَمِعْتَهُ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏وَلَا يُنْكِرُهُ قَالَ نَعَمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت سَمِعْت إِبْرَاهِيم بْن سَعْد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي وَقَّاص , وَقَعَ فِي سِيَاق أَحْمَد فِيهِ قِصَّة عَنْ حَبِيب قَالَ : \" كُنْت بِالْمَدِينَةِ , فَبَلَغَنِي أَنَّ الطَّاعُون بِالْكُوفَةِ , فَلَقِيت إِبْرَاهِيم بْن سَعْد فَسَأَلْته \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْه وَزَادَ \" فَقَالَ لِي عَطَاء بْن يَسَار وَغَيْره \" فَذَكَرَ الْحَدِيث الْمَرْفُوع \" فَقُلْت : عَمَّنْ ؟ قَالُوا عَنْ عَامِر بْن سَعْد فَأَتَيْته فَقَالُوا غَائِب , فَلَقِيت أَخَاهُ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد فَسَأَلْته \". ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت أُسَامَة بْن زَيْد يُحَدِّث سَعْدًا ) ‏ ‏أَيْ وَالِد إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ حَبِيب عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أُسَامَة بْن زَيْد وَسَعْد أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَمِثْله فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ عَنْ حَبِيب وَزَادَ \" وَخُزَيْمَة بْن ثَابِت \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَمُسْلِم أَيْضًا , وَهَذَا الِاخْتِلَاف لَا يَضُرّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون سَعْد تَذَكَّرَ لِمَا حَدَّثَهُ بِهِ أُسَامَة أَوْ نُسِبَتْ الرِّوَايَة إِلَى سَعْد لِتَصْدِيقِهِ أُسَامَة. وَأَمَّا خُزَيْمَةَ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِبْرَاهِيم بْن سَعْد سَمِعَهُ مِنْهُ بَعْد ذَلِكَ فَضَمَّهُ إِلَيْهَا تَارَة وَسَكَتَ عَنْهُ أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة عَامِر بْن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عَنْ أُسَامَة فِي هَذَا الْحَدِيث زِيَادَة عَلَى رِوَايَة أَخِيهِ إِبْرَاهِيم أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّف فِي \" تَرْك الْحِيَل \" مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ \" أَخْبَرَنِي عَامِر بْن سَعْد أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَة بْن زَيْد يُحَدِّث سَعْدًا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الْوَجَع فَقَالَ : رِجْز أَوْ عَذَاب عُذِّبَ بِهِ بَعْض الْأُمَم , ثُمَّ بَقِيَ مِنْهُ بَقِيَّة , فَيَذْهَب الْمَرَّة وَيَأْتِي الْأُخْرَى \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة يُونُس بْن يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيّ وَقَالَهُ فِيهِ : \" إِنَّ هَذَا الْوَجَع أَوْ السَّقَم \" وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل وَمُسْلِم أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مَالِك وَمُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ وَمُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن كُلّهمْ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر , زَادَ مَالِك : وَسَالِم أَبِي النَّضْر كِلَاهُمَا عَنْ عَامِر بْن سَعْد \" أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَسْأَل أُسَامَة بْن زَيْد : مَاذَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّاعُون ؟ فَقَالَ أُسَامَة : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الطَّاعُون رِجْس أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ \" الْحَدِيث كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ , وَوَقَعَ بِالْجَزْمِ عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن دِينَار عَنْ عَامِر بْن سَعْد بِلَفْظِ \" فَإِنَّهُ رِجْز سُلِّطَ عَلَى طَائِفَة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل \" وَأَصْله عِنْد مُسْلِم , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ بِالْجَزْمِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة عِكْرِمَة بْن خَالِد عَنْ اِبْن سَعْد عَنْ سَعْد لَكِنْ قَالَ : \" رِجْز أُصِيبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ الرِّجْس بِالسِّين الْمُهْمَلَة مَوْضِع الرِّجْز بِالزَّايِ , وَاَلَّذِي بِالزَّايِ هُوَ الْمَعْرُوف وَهُوَ الْعَذَاب , وَالْمَشْهُور فِي الَّذِي بِالسِّينِ أَنَّهُ الْخَبِيث أَوْ النَّجِس أَوْ الْقَذِر , وَجَزَمَ الْفَارَابِيّ وَالْجَوْهَرِيّ بِأَنَّهُ يُطْلَق عَلَى الْعَذَاب أَيْضًا , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ) وَحَكَاهُ الرَّاغِب أَيْضًا. وَالتَّخْصِيص عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل أَخَصّ , فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُرَاد فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا جَاءَ فِي قِصَّة بَلْعَام , فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ أَحَد صِغَار التَّابِعِينَ عَنْ سَيَّار : أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُقَال لَهُ بَلْعَام كَانَ مُجَاب الدَّعْوَة , وَأَنَّ مُوسَى أَقْبَلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل يُرِيد الْأَرْض الَّتِي فِيهَا بَلْعَام , فَأَتَاهُ قَوْمه فَقَالُوا : اُدْعُ اللَّه عَلَيْهِمْ , فَقَالَ : حَتَّى أُؤَامِر رَبِّي , فَمُنِعَ , فَأَتَوْهُ بِهَدِيَّةٍ فَقَبِلَهَا وَسَأَلُوهُ ثَانِيًا فَقَالَ حَتَّى أُؤَامِر رَبِّي , فَلَمْ يَرْجِع إِلَيْهِ بِشَيْءٍ , فَقَالُوا : لَوْ كَرِهَ لَنَهَاك , فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَصَارَ يَجْرِي عَلَى لِسَانه مَا يَدْعُو بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل فَيَنْقَلِب عَلَى قَوْمه , فَلَامُوهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ : سَأَدُلُّكُمْ عَلَى مَا فِيهِ هَلَاكهمْ أُرْسِلُوا النِّسَاء فِي عَسْكَرهمْ وَمُرُوهُنَّ أَنْ لَا يَمْتَنِعْنَ مِنْ أَحَد , فَعَسَى أَنْ يَزْنُوا فَيَهْلِكُوا , فَكَانَ فِيمَنْ خَرَجَ بِنْت الْمَلِك فَأَرَادَهَا رَأْس بَعْض الْأَسْبَاط وَأَخْبَرَهَا بِمَكَانِهِ فَمَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسهَا , فَوَقَعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل الطَّاعُون , فَمَاتَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا فِي يَوْم , وَجَاءَ رَجُل مِنْ بَنِي هَارُون وَمَعَهُ الرُّمْح فَطَعَنَهُمَا وَأَيَّدَهُ اللَّه فَانْتَظَمَهُمَا جَمِيعًا. وَهَذَا مُرْسَل جَيِّد وَسَيَّار شَامِيّ مُوَثَّق. وَقَدْ ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ سَالِم أَبِي النَّضْر فَذَكَرَ نَحْوه , وَسَمَّى الْمَرْأَة كَشْتًا بِفَتْحِ الْكَاف وَسُكُون الْمُعْجَمَة بَعْدهَا مُثَنَّاة , وَالرَّجُل زِمْرِي بِكَسْرِ الزَّاي وَسُكُون الْمِيم وَكَسْر الرَّاء رَأْس سِبْط شَمْعُون , وَسُمِّيَ الَّذِي طَعَنَهُمَا فِنْحَاص بِكَسْرِ الْفَاء وَسُكُون النُّون بَعْدهَا مُهْمَلَة ثُمَّ مُهْمَلَة اِبْن هَارُون , وَقَالَ فِي آخِره : فَحَسَبَ مَنْ هَلَكَ مِنْ الطَّاعُون سَبْعُونَ أَلْفًا , وَالْمُقَلِّل يَقُول عِشْرُونَ أَلْفًا. وَهَذِهِ الطَّرِيق تُعَضِّد الْأُولَى. وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا عِيَاض فَقَالَ : قَوْله : أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل قِيلَ : مَاتَ مِنْهُمْ فِي سَاعَة وَاحِدَة عِشْرُونَ أَلْفًا وَقِيلَ : سَبْعُونَ أَلْفًا. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِي \" الْمُبْتَدَأ \" أَنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَى دَاوُدَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيل كُثْر عِصْيَانهمْ , فَخَيِّرْهُمْ بَيْن ثَلَاث : إِمَّا أَنْ أَبْتَلِيهِمْ بِالْقَحْطِ , أَوْ الْعَدُوّ شَهْرَيْنِ , أَوْ الطَّاعُون ثَلَاثَة أَيَّام. فَأَخْبَرَهُمْ , فَقَالُوا : اِخْتَرْ لَنَا. فَاخْتَارَ الطَّاعُون. فَمَاتَ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ زَالَتْ الشَّمْس سَبْعُونَ أَلْفًا وَقِيلَ مِائَة أَلْف. فَتَضَرَّعَ دَاوُدَ إِلَى اللَّه تَعَالَى , فَرَفَعَهُ. وَوَرَدَ وُقُوع الطَّاعُون فِي غَيْر بَنِي إِسْرَائِيل , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ \" فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : \" أَمَرَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَذْبَح كُلّ رَجُل مِنْهُمْ كَبْشًا , ثُمَّ لْيُخَضِّبْ كَفّه فِي دَمه , ثُمَّ لْيَضْرِبْ بِهِ عَلَى بَابه. فَفَعَلُوا. فَسَأَلَهُمْ الْقِبْط عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا : إِنَّ اللَّه سَيَبْعَثُ عَلَيْكُمْ عَذَابًا وَإِنَّمَا نَنْجُو مِنْهُ بِهَذِهِ الْعَلَامَة. فَأَصْبَحُوا وَقَدْ مَاتَ مِنْ قَوْم فِرْعَوْن سَبْعُونَ أَلْفًا , فَقَالَ فِرْعَوْن عِنْد ذَلِكَ لِمُوسَى : ( اُدْعُ لَنَا رَبَّك بِمَا عَهِدَ عِنْدَك لَئِنْ كَشَفْت عَنَّا الرِّجْزَ ) الْآيَة , فَدَعَا فَكَشَفَهُ عَنْهُمْ \" وَهَذَا مُرْسَل جَيِّد الْإِسْنَاد. وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق فِي تَفْسِيره وَالطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق الْحَسَن فِي قَوْله تَعَالَى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ) قَالَ : فِرُّوا مِنْ الطَّاعُون ( فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ) لِيُكْمِلُوا بَقِيَّة آجَالهمْ. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق السُّدِّيّ عَنْ أَبِي مَالِك قِصَّتهمْ مُطَوَّلَة. فَأَقْدَم مَنْ وَقَفْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَنْقُول مِمَّنْ وَقَعَ الطَّاعُون بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل فِي قِصَّة بَلْعَام , وَمِنْ غَيْرهمْ فِي قِصَّة فِرْعَوْن , وَتَكَرَّرَ بَعْد ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ وَاَللَّه أَعْلَم. وَسَيَأْتِي شَرْح قَوْله : \" إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا إِلَخْ \" فِي شَرْح الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "5288",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏خَرَجَ إِلَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏حَتَّى إِذَا كَانَ ‏ ‏بِسَرْغَ ‏ ‏لَقِيَهُ ‏ ‏أُمَرَاءُ ‏ ‏الْأَجْنَادِ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏ادْعُ لِي ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏الْأَوَّلِينَ فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏ ‏فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ ‏ ‏وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَقَالَ ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ قَالَ ادْعُوا لِي ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ فَقَالَ ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ فَقَالُوا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَنَادَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فِي النَّاسِ إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ قَالَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ‏ ‏أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا ‏ ‏أَبَا عُبَيْدَةَ ‏ ‏نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ فَجَاءَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏ثُمَّ انْصَرَفَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَفِيهِ قِصَّة عُمَر وَأَبِي عُبَيْدَة , ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الْحَمِيد ) ‏ ‏هُوَ بِتَقْدِيمِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَة عَلَى الْمِيم , وَرِوَايَته عَنْ شَيْخه فِيهِ مِنْ رِوَايَة الْأَقْرَان , وَفِي السَّنَد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق , وَصَحَابِيَّانِ فِي نَسَق , وَكُلّهمْ مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث ) ‏ ‏أَيْ اِبْن نَوْفَل بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب , لِجَدِّ أَبِيهِ نَوْفَل اِبْن عَمّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُحْبَة , وَكَذَا لِوَلَدِهِ الْحَارِث , وَوَلَد عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعُدَّ لِذَلِكَ فِي الصَّحَابَة فَهُمْ ثَلَاثَة مِنْ الصَّحَابَة فِي نَسَق , وَكَانَ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث يُلَقَّب بَبَّة بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ الثَّانِيَة مُثْقَلَة وَمَعْنَاهُ الْمُمْتَلِئ الْبَدَن مِنْ النِّعْمَة , وَيُكَنَّى أَبَا مُحَمَّد , وَمَاتَ سَنَة أَرْبَع وَثَمَانِينَ. وَأَمَّا وَلَده رَاوِي هَذَا الْحَدِيث فَهُوَ مِمَّنْ وَافَقَ اِسْمه اِسْم أَبِيهِ , وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا يَحْيَى وَمَاتَ سَنَة تِسْع وَتِسْعِينَ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ وَافَقَ مَالِكًا عَلَى رِوَايَته عَنْ اِبْن شِهَاب هَكَذَا مَعْمَر وَغَيْره وَخَالَفَهُمْ يُونُس فَقَالَ عَلِيّ بْن شِهَاب عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه , وَسَاقَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَقَالَ : قَوْل مَالِك وَمَنْ تَابَعَهُ أَصَحّ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَابَعَ يُونُس صَالِح بْن نَصْر عَنْ مَالِك. وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك وَيُونُس جَمِيعًا عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث , وَالصَّوَاب الْأَوَّل , وَأَظُنّ اِبْن وَهْب حَمَلَ رِوَايَة مَالِك عَلَى رِوَايَة يُونُس , قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بْن عُمَر بْن أَبِي الْوَزِير عَنْ مَالِك كَالْجَمَاعَةِ , لَكِنْ قَالَ : \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" زَادَ فِي السَّنَد \" عَنْ أَبِيهِ \" وَهُوَ خَطَأ. قُلْت : وَقَدْ خَالَفَ هِشَام بْن سَعْد جَمِيع أَصْحَاب اِبْن شِهَاب فَقَالَ : \" عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ وَعُمَر \" أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ , وَهِشَام صَدُوق سَيِّئ الْحِفْظ وَقَدْ اِضْطَرَبَ فِيهِ فَرَوَاهُ تَارَة هَكَذَا وَمَرَّة أُخْرَى \" عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف عَنْ أَبِيهِ وَعُمَر \" أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ أَيْضًا , وَلِابْنِ شِهَاب فِيهِ شَيْخ آخَر قَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ إثْرَ هَذَا السَّنَد. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب خَرَجَ إِلَى الشَّام ) ‏ ‏ذَكَرَ سَيْف بْن عُمَر فِي \" الْفُتُوح \" أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَبِيع الْآخِر سَنَة ثَمَانِي عَشْرَة , وَأَنَّ الطَّاعُون كَانَ وَقَعَ أَوَّلًا فِي الْمُحَرَّم وَفِي صَفَر ثُمَّ اِرْتَفَعَ , فَكَتَبُوا إِلَى عُمَر فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الشَّام بَلَغَهُ أَنَّهُ أَشَدّ مَا كَانَ , فَذَكَرَ الْقِصَّة. وَذَكَرَ خَلِيفَة بْن خَيَّاط أَنَّ خُرُوج عُمَر إِلَى سَرْغ كَانَ فِي سَنَة سَبْع عَشْرَة , فَاَللَّه أَعْلَم. وَهَذَا الطَّاعُون الَّذِي وَقَعَ بِالشَّامِ حِينَئِذٍ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى طَاعُون عَمَوَاس بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمِيم وَحُكِيَ تَسْكِينهَا وَآخِره مُهْمَلَة , قِيلَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ عَمَّ وَوَاسَى. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا مُعْجَمَة وَحُكِيَ عَنْ اِبْن وَضَّاح تَحْرِيك الرَّاء وَخَطَّأَهُ بَعْضهمْ : مَدِينَة اِفْتَتَحَهَا أَبُو عُبَيْدَة , وَهِيَ وَالْيَرْمُوك وَالْجَابِيَة مُتَّصِلَات وَبَيْنهَا وَبَيْن الْمَدِينَة ثَلَاث عَشْرَة مَرْحَلَة. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : قِيلَ : إِنَّهُ وَادٍ بِتَبُوك , وَقِيلَ : بِقُرْبِ تَبُوك , وَقَالَ الْحَازِمِيّ : هِيَ أَوَّل الْحِجَاز , وَهِيَ مِنْ مَنَازِل حَاجِّ الشَّام , وَقِيلَ : بَيْنهَا وَبَيْن الْمَدِينَة ثَلَاث عَشْرَة مَرْحَلَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَقِيَهُ أُمَرَاء الْأَجْنَاد أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح وَأَصْحَابه ) ‏ ‏هُمْ خَالِد بْن الْوَلِيد وَيَزِيد بْن أَبِي سُفْيَان وَشُرَحْبِيل بْن حَسَنَة وَعَمْرو بْن الْعَاصِ , وَكَانَ أَبُو بَكْر قَدْ قَسَّمَ الْبِلَاد بَيْنهمْ وَجَعَلَ أَمْر الْقِتَال إِلَى خَالِد , ثُمَّ رَدَّهُ عُمَر إِلَى أَبِي عُبَيْدَة , وَكَانَ عُمَر رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ قَسَّمَ الشَّام أَجْنَادًا : الْأُرْدُنّ جُنْد , وَحِمْص جُنْد , وَدِمَشْق جُنْد , وَفِلَسْطِين جُنْد , وَقَنْسَرِينَ جُنْد , وَجَعَلَ عَلَى كُلّ جُنْد أَمِيرًا , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّ قَنْسَرِينَ كَانَتْ مَعَ حِمْص فَكَانَتْ أَرْبَعَة , ثُمَّ أُفْرِدَتْ قَنْسَرِينَ فِي أَيَّام يَزِيد بْن مُعَاوِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاء قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس \" الْوَجَع \" بَدَل \" الْوَبَاء \" وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن سَعْد \" أَنَّ عُمَر لَمَّا خَرَجَ إِلَى الشَّام سَمِعَ بِالطَّاعُونِ \" وَلَا مُخَالَفَة بَيْنهَا , فَإِنَّ كُلّ طَاعُون وَبَاء وَوَجَع مِنْ غَيْر عُكِسَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عُمَر : اُدْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس \" اِجْمَعْ لِي \". ‏ ‏قَوْله : ( اِرْتَفِعُوا عَنِّي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس \" فَأَمَرَهُمْ فَخَرَجُوا عَنْهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ مَشْيَخَة قُرَيْش ) ‏ ‏ضُبِطَ \" مَشْيَخَة \" بِفَتْحِ الْمِيم وَالتَّحْتَانِيَّة بَيْنهمَا مُعْجَمَة سَاكِنَة. وَبِفَتْحِ الْمِيم وَكَسْر الْمُعْجَمَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة جَمْع شَيْخ وَيُجْمَع أَيْضًا عَلَى شُيُوخ بِالضَّمِّ , وَبِالْكَسْرِ , وَأَشْيَاخ , وَشِيَخَة بِكَسْرٍ ثُمَّ فَتْح , وَشِيخَان بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُون , وَمَشَايِخ , وَمَشْيُخَاء بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُون ثُمَّ ضَمّ وَمَدّ , وَقَدْ تُشْبَع الضَّمَّة حَتَّى تَصِير وَاوًا فَتَتِمّ عَشْرًا. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ مُهَاجِرَة الْفَتْح ) ‏ ‏أَيْ الَّذِينَ هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَة عَامّ الْفَتْح , أَوْ الْمُرَاد مُسْلِمَة الْفَتْح , أَوْ أُطْلِقَ عَلَى مَنْ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَة بَعْد فَتْح مَكَّة مُهَاجِرًا صُورَة وَإِنْ كَانَ الْهِجْرَة بَعْد الْفَتْح حُكْمًا قَدْ اِرْتَفَعَتْ , وَأَطْلَقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ اِحْتِرَازًا مِنْ مَشْيَخَة قُرَيْش مِمَّنْ أَقَامَ بِمَكَّة وَلَمْ يُهَاجِر أَصْلًا , وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ لِمَنْ هَاجَرَ فَضْلًا فِي الْجُمْلَة عَلَى مَنْ لَمْ يُهَاجِر وَإِنْ كَانَتْ الْهِجْرَة الْفَاضِلَة فِي الْأَصْل إِنَّمَا هِيَ لِمَنْ هَاجَرَ قَبْل الْفَتْح لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح \" , وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَكَّة بَعْد الْفَتْح صَارَتْ دَار إِسْلَام , فَاَلَّذِي يُهَاجِر مِنْهَا لِلْمَدِينَةِ إِنَّمَا يُهَاجِر لِطَلَبِ الْعِلْم أَوْ الْجِهَاد لَا لِلْفِرَارِ بِدِينِهِ , بِخِلَافِ مَا قَبْل الْفَتْح , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( بَقِيَّة النَّاس ) ‏ ‏أَيْ الصَّحَابَة , أَطْلَقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهُمْ أَيْ لَيْسَ النَّاس إِلَّا هُمْ , وَلِهَذَا عَطَفَهُمْ عَلَى الصَّحَابَة عَطْف تَفْسِير , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِبَقِيَّةِ النَّاس أَيْ الَّذِينَ أَدْرَكُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمُومًا , وَالْمُرَاد بِالصَّحَابَةِ الَّذِينَ لَازَمُوهُ وَقَاتَلُوا مَعَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَادَى عُمَر فِي النَّاس : إِنِّي مُصَبِّح عَلَى ظَهْر , فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ ) ‏ ‏زَادَ يُونُس فِي رِوَايَته \" فَإِنِّي مَاضٍ لِمَا أَرَى , فَانْظُرُوا مَا آمُركُمْ بِهِ فَامْضُوا لَهُ , قَالَ فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْر \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة ) ‏ ‏وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِير الشَّام ‏ ‏( أَفِرَارًا مِنْ قَدَر اللَّه ) ‏ ‏؟ أَيْ أَتَرْجِعُ فِرَارًا مِنْ قَدَر اللَّه ؟ وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن سَعْد \" وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَة : أَمِنَ الْمَوْت نَفِرّ ؟ إِنَّمَا نَحْنُ بِقَدْرٍ , لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّه لَنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عُمَر لَوْ غَيْرك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة ) ‏ ‏أَيْ لَعَاقَبْته , أَوْ لَكَانَ أَوْلَى مِنْك بِذَلِكَ , أَوْ لَمْ أَتَعَجَّب مِنْهُ , وَلَكِنِّي أَتَعَجَّب مِنْك مَعَ عِلْمك وَفَضْلك كَيْف تَقُول هَذَا ؟ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَحْذُوف : لَأَدَّبْته , أَوْ هِيَ لِلتَّمَنِّي فَلَا يَحْتَاج إِلَى جَوَاب , وَالْمَعْنَى أَنَّ غَيْرك مِمَّنْ لَا فَهُمْ لَهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ يُعْذَر. وَقَدْ بَيَّنَ سَبَب ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَكَانَ عُمَر يَكْرَه خِلَافه , أَيْ مُخَالَفَته. ‏ ‏قَوْله : ( نَعَمْ , نَفِرّ مِنْ قَدَر اللَّه إِلَى قَدَر اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِشَام بْن سَعْد \" إِنْ تَقَدَّمْنَا فَبِقَدَرِ اللَّه , وَإِنْ تَأَخَّرْنَا فَبِقَدَرِ اللَّه \" وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ فِرَارًا لِشَبَهِهِ بِهِ فِي الصُّورَة وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِرَارًا شَرْعِيًّا. وَالْمُرَاد أَنَّ هُجُوم الْمَرْء عَلَى مَا يُهْلِكهُ مَنْهِيّ عَنْهُ. وَلَوْ فَعَلَ لَكَانَ مِنْ قَدَر اللَّه , وَتَجَنُّبه مَا يُؤْذِيه مَشْرُوع وَقَدْ يُقَدِّر اللَّه وُقُوعه فِيمَا فَرَّ مِنْهُ فَلَوْ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ لَكَانَ مِنْ قَدْر اللَّه , فَهُمَا مَقَامَانِ : مَقَام التَّوَكُّل , وَمَقَام التَّمَسُّك بِالْأَسْبَابِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره. وَمُحَصَّل قَوْل عُمَر : \" نَفِرّ مِنْ قَدَر اللَّه إِلَى قَدَر اللَّه \" أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَفِرّ مِنْ قَدَر اللَّه حَقِيقَة , وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي فَرَّ مِنْهُ أَمْر خَافَ عَلَى نَفْسه مِنْهُ فَلَمْ يَهْجُم عَلَيْهِ , وَاَلَّذِي فَرَّ إِلَيْهِ أَمْر لَا يَخَاف عَلَى نَفْسه مِنْهُ إِلَّا الْأَمْر الَّذِي لَا بُدّ مِنْ وُقُوعه سَوَاء كَانَ ظَاعِنًا أَوْ مُقِيمًا. ‏ ‏قَوْله : ( لَهُ عُدْوَتَانِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَبِكَسْرِهَا أَيْضًا وَسُكُون الدَّال الْمُهْمَلَة : تَثْنِيَة عُدْوَة , وَهُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفِع مِنْ الْوَادِي , وَهُوَ شَاطِئُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِحْدَاهُمَا خَصِيبَة ) ‏ ‏بِوَزْنِ عَظِيمَة , وَحَكَى اِبْن التِّين سُكُون الصَّاد بِغَيْرِ يَاء , زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة مَعْمَر \" وَقَالَ لَهُ أَيْضًا : أَرَأَيْت لَوْ أَنَّهُ رَعَى الْجَدْبَة وَتَرَكَ الْخَصِبَة أَكُنْتَ مُعَجِّزه ؟ وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْجِيم قَالَ : نَعَمْ. قَالَ : فَسِرْ إِذًا , فَسَارَ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَاءَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول عَنْ اِبْن عَبَّاس بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْض حَاجَته ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يَحْضُر مَعَهُمْ الْمُشَاوَرَة الْمَذْكُورَة لِغَيْبَتِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" لَعِلْمًا \" بِزِيَادَةِ لَام التَّأْكِيد. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ مُوَافِق لِلْمَتْنِ الَّذِي قَبْله عَنْ أُسَامَة بْن زَيْد وَسَعْد وَغَيْرهمَا , فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَعَ عُمَر فِي تِلْكَ السُّفْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عَامِر الَّتِي بَعْد هَذِهِ وَفِي حَدِيث أُسَامَة عِنْد النَّسَائِيِّ \" فَلَا تَفِرُّوا مِنْهُ \" وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد مِنْ طَرِيق اِبْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ مِثْله , وَوَقَعَ فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل \" إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ \" وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى إِعْرَابه هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5289",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏خَرَجَ إِلَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ ‏ ‏بِسَرْغَ ‏ ‏بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَامِر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَبِيعَة , وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة الْقَعْنَبِيّ كَمَا سَيَأْتِي فِي تَرْك الْحِيَل وَعَبْد اللَّه بْن عَامِر هَذَا مَعْدُود فِي الصَّحَابَة لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَمِعَ مِنْهُ اِبْن شِهَاب هَذَا الْحَدِيث عَالِيًا عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَعُمَر , لَكِنَّهُ اِخْتَصَرَ الْقِصَّة وَاقْتَصَرَ عَلَى حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَفِي رِوَايَة الْقَعْنَبِيّ عَقِب هَذِهِ الطَّرِيق \" وَعَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه أَنَّ عُمَر إِنَّمَا اِنْصَرَفَ \" مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن , وَهُوَ لِمُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى عَنْ مَالِك وَقَالَ : \" إِنَّمَا رَجَعَ بِالنَّاسِ مِنْ سَرْغ \" عَنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ , وَقَدْ رَوَاهُ جُوَيْرِيَةُ بْن أَسْمَاء عَنْ مَالِك خَارِج \" الْمُوَطَّأ \" مُطَوَّلًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي \" الْغَرَائِب \" فَزَادَ بَعْد قَوْله عَنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف \" عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَقْدَم عَلَيْهِ إِذَا سَمِعَ بِهِ , وَأَنْ يَخْرُج عَنْهُ إِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ هُوَ بِهَا \" وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة بِشْر بْن عُمَر عَنْ مَالِك بِمَعْنَاهُ , وَرِوَايَة سَالِم هَذِهِ مُنْقَطِعَة لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِك الْقِصَّة وَلَا جَدّه عُمَر وَلَا عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم فَقَالَ : \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَامِر بْن رَبِيعَة أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن أَخْبَرَ عُمَر وَهُوَ فِي طَرِيق الشَّام لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ بِهَا الطَّاعُون \" فَذَكَرَ الْحَدِيث أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَكُون اِبْن شِهَاب سَمِعَ أَصْل الْحَدِيث مِنْ عَبْد اللَّه بْن عَامِر وَبَعْضه مِنْ سَالِم عَنْهُ , وَاخْتَصَرَ مَالِك الْوَاسِطَة بَيْن سَالِم وَعَبْد الرَّحْمَن وَاَللَّه أَعْلَم , وَلَيْسَ مُرَاد سَالِم بِهَذَا الْحَصْر نَفْي سَبَب رُجُوع عُمَر أَنَّهُ كَانَ عَنْ رَأْيه الَّذِي وَافَقَ عَلَيْهِ مَشْيَخَة قُرَيْش مِنْ رُجُوعه بِالنَّاسِ , وَإِنَّمَا مُرَاده أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ الْخَبَر رَجَحَ عِنْده مَا كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ الرُّجُوع , وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : \" إِنِّي مُصَبِّح عَلَى ظَهْر \" فَبَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَشْرَع فِي الرُّجُوع حَتَّى جَاءَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَحَدَّثَ بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوع فَوَافَقَ رَأْي عُمَر الَّذِي رَآهُ فَحَضَرَ سَالِم سَبَب رُجُوعه فِي الْحَدِيث لِأَنَّهُ السَّبَب الْأَقْوَى , وَلَمْ يُرِدْ نَفْي السَّبَب الْأَوَّل وَهُوَ اِجْتِهَاد عُمَر , فَكَأَنَّهُ يَقُول : لَوْلَا وُجُود النَّصّ لَأَمْكَنَ إِذَا أَصْبَحَ أَنْ يَتَرَدَّد فِي ذَلِكَ أَوْ يَرْجِع عَنْ رَأْيه , فَلَمَّا سَمِعَ الْخَبَر اِسْتَمَرَّ عَلَى عَزْمه الْأَوَّل , وَلَوْلَا الْخَبَر لَمَا اِسْتَمَرَّ. فَالْحَاصِل أَنَّ عُمَر أَرَادَ بِالرُّجُوعِ تَرْك الْإِلْقَاء إِلَى التَّهْلُكَة , فَهُوَ كَمَنْ أَرَادَ الدُّخُول إِلَى دَار فَرَأَى بِهَا مَثَلًا حَرِيقًا تَعَذَّرَ طَفْؤُهُ فَعَدَلَ عَنْ دُخُولهَا لِئَلَّا يُصِيبهُ. فَعَدَلَ عُمَر لِذَلِكَ , فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَر جَاءَ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ فَأَعْجَبَهُ , فَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ مَنْ قَالَ : إِنَّمَا رَجَعَ لِأَجْلِ الْحَدِيث , لَا لِمَا اِقْتَضَاهُ نَظَره فَقَطْ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّحَاوِيّ بِسَنَدٍ صَحِيح \" عَنْ أَنَس أَنَّ عُمَر أَتَى الشَّام فَاسْتَقْبَلَهُ أَبُو طَلْحَة وَأَبُو عُبَيْدَة فَقَالَا : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ مَعَك وُجُوه الصَّحَابَة وَخِيَارهمْ , وَإِنَّا تَرَكْنَا مَنْ بَعْدنَا مِثْل حَرِيق النَّار , فَارْجِعْ الْعَام. فَرَجَعَ \" وَهَذَا فِي الظَّاهِر يُعَارِض حَدِيث الْبَاب , فَإِنَّ فِيهِ الْجَزْم بِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَة أَنْكَرَ الرُّجُوع وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَة أَشَارَ أَوَّلًا بِالرُّجُوعِ ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ مَقَام التَّوَكُّل لَمَّا رَأَى أَكْثَر الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار جَنَحُوا إِلَيْهِ فَرَجَعَ عَنْ رَأْي الرُّجُوع , وَنَاظَرَ عُمَر فِي ذَلِكَ , فَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ عُمَر بِالْحُجَّةِ فَتَبِعَهُ , ثُمَّ جَاءَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف بِالنَّصِّ فَارْتَفَعَ الْإِشْكَال. وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز رُجُوع مَنْ أَرَادَ دُخُول بَلْدَة فَعَلِمَ أَنَّ بِهَا الطَّاعُون , وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الطِّيَرَة , وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ مَنْع الْإِلْقَاء إِلَى التَّهْلُكَة , أَوْ سَدّ الذَّرِيعَة لِئَلَّا يَعْتَقِد مَنْ يَدْخُل إِلَى الْأَرْض الَّتِي وَقَعَ بِهَا أَنْ لَوْ دَخَلَهَا وَطُعِنَ الْعَدْوَى الْمَنْهِيّ عَنْهَا كَمَا سَأَذْكُرُهُ , وَقَدْ زَعَمَ قَوْم أَنَّ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّنْزِيهِ , وَأَنَّهُ يَجُوز الْإِقْدَام عَلَيْهِ لِمَنْ قَوِيَ تَوَكُّله وَصَحَّ يَقِينه , وَتَمَسَّكُوا بِمَا جَاءَ عَنْ عُمَر أَنَّهُ نَدِمَ عَلَى رُجُوعه مِنْ سَرْغ كَمَا أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ جَيِّد مِنْ رِوَايَة عُرْوَة بْن رُوَيْم عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : \" جِئْت عُمَر حِين قَدِمَ فَوَجَدْته قَائِلًا فِي خِبَائِهِ , فَانْتَظَرْتهُ فِي ظِلّ الْخِبَاء , فَسَمِعَتْهُ يَقُول حِين تَضَوَّرَ : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي رُجُوعِي مِنْ سَرْغ \" وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده أَيْضًا. وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" بِأَنَّهُ لَا يَصِحّ عَنْ عُمَر , قَالَ : وَكَيْف يَنْدَم عَلَى فِعْل مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَرْجِع عَنْهُ وَيَسْتَغْفِر مِنْهُ ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ سَنَده قَوِيّ وَالْأَخْبَار الْقَوِيَّة لَا تُرَدّ بِمِثْلِ هَذَا مَعَ إِمْكَان الْجَمْع فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كَمَا حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْح السُّنَّة عَنْ قَوْم أَنَّهُمْ حَمَلُوا النَّهْي عَلَى التَّنْزِيه , وَأَنَّ الْقُدُوم عَلَيْهِ جَائِز لِمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ التَّوَكُّل , وَالِانْصِرَاف عَنْهُ رُخْصَة. وَيَحْتَمِل - وَهُوَ أَقْوَى - أَنْ يَكُون سَبَب نَدَمه أَنَّهُ خَرَجَ لِأَمْرٍ مُهِمّ مِنْ أُمُور الْمُسْلِمِينَ , فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قُرْب الْبَلَد الْمَقْصُود رَجَعَ , مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنهُ أَنْ يُقِيم بِالْقُرْبِ مِنْ الْبَلَد الْمَقْصُود إِلَى أَنْ يَرْتَفِع الطَّاعُون فَيَدْخُل إِلَيْهَا وَيَقْضِي حَاجَة الْمُسْلِمِينَ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ الطَّاعُون اِرْتَفَعَ عَنْهَا عَنْ قُرْب , فَلَعَلَّهُ كَانَ بَلَغَهُ ذَلِكَ فَنَدِمَ عَلَى رُجُوعه إِلَى الْمَدِينَة , لَا عَلَى مُطْلَق رُجُوعه , فَرَأَى أَنَّهُ لَوْ اِنْتَظَرَ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا فِي رُجُوعه عَلَى الْعَسْكَر الَّذِي كَانَ صُحْبَته مِنْ الْمَشَقَّة , وَالْخَبَر لَمْ يَرِد بِالْأَمْرِ بِالرُّجُوعِ وَإِنَّمَا وَرَدَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْقُدُوم. وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيّ بِسَنَدٍ صَحِيح \" عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عُمَر : اللَّهُمَّ إِنَّ النَّاس قَدْ نَحَلُونِي ثَلَاثًا أَنَا أَبْرَأ إِلَيْك مِنْهُنَّ : زَعَمُوا أَنِّي فَرَرْت مِنْ الطَّاعُون وَأَنَا أَبْرَأ إِلَيْك مِنْ ذَلِكَ \" وَذَكَرَ الطِّلَاء وَالْمَكْس , وَقَدْ وَرَدَ عَنْ غَيْر عُمَر التَّصْرِيح بِالْعَمَلِ فِي ذَلِكَ بِمَحْضِ التَّوَكُّل , فَأَخْرُج اِبْن خُزَيْمَةَ بِسَنَدٍ صَحِيح \" عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام خَرَجَ غَازِيًا نَحْو مِصْر , فَكَتَبَ إِلَيْهِ أُمَرَاء مِصْر أَنَّ الطَّاعُون قَدْ وَقَعَ , فَقَالَ : إِنَّمَا خَرَجْنَا لِلطَّعْنِ وَالطَّاعُون , فَدَخَلَهَا فَلَقِيَ طَعْنًا فِي جَبْهَته ثُمَّ سَلَّمَ \" وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا مَنْع مَنْ وَقَعَ الطَّاعُون بِبَلَدٍ هُوَ فِيهَا مِنْ الْخُرُوج مِنْهَا , وَقَدْ اِخْتَلَفَ الصَّحَابَة فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ , وَكَذَا أَخْرَجَ أَحْمَد بِسَنَدٍ صَحِيح إِلَى أَبِي مُنِيب \" أَنَّ عَمْرو بْن الْعَاصِ قَالَ فِي الطَّاعُون : إِنَّ هَذَا رِجْز مِثْل السَّيْل , مَنْ تَنَكَّبَهُ أَخْطَأَهُ. وَمِثْل النَّار , مَنْ أَقَامَ أَحْرَقَتْهُ , فَقَالَ شُرَحْبِيل بْن حَسَنَة : إِنَّ هَذَا رَحْمَة رَبّكُمْ , وَدَعْوَة نَبِيّكُمْ , وَقَبْض الصَّالِحِينَ قَبْلكُمْ \" وَأَبُو مُنِيب بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْر النُّون بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ مُوَحَّدَة وَهُوَ دِمَشْقِيّ نَزَلَ الْبَصْرَة يُعْرَف بِالْأَحْدَبِ , وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ وَابْن حِبَّان , وَهُوَ غَيْر أَبِي مُنِيب الْجُرَشِيّ فِيمَا تَرَجَّحَ عِنْدِي , لِأَنَّ الْأَحْدَب أَقْدَم مِنْ الْجُرَشِيّ , وَقَدْ أَثْبُت الْبُخَارِيّ سَمَاع الْأَحْدَب مِنْ مُعَاذ بْن جَبَل , وَالْجُرَشِيّ يَرْوِي عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَنَحْوه. وَلِلْحَدِيثِ طَرِيق أُخْرَى أَخْرَجَهَا أَحْمَد أَيْضًا مِنْ رِوَايَة شُرَحْبِيل بْن شُفْعَة بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْفَاء عَنْ عَمْرو بْن الْعَاصِ , وَشُرَحْبِيل بْن حَسَنَة بِمَعْنَاهُ. وَأَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَالطَّحَاوِيّ وَسَنَده صَحِيح. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق شَهْر بْن حَوْشَبٍ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن غُنْم عَنْ عَمْرو بْن شُرَحْبِيل بِمَعْنَاهُ. وَأَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق أُخْرَى أَنَّ الْمُرَاجَعَة فِي ذَلِكَ أَيْضًا وَقَعَتْ مِنْ عَمْرو بْن الْعَاصِ وَمُعَاذ بْن جَبَل. وَفِي طَرِيق أُخْرَى بَيْنه وَبَيْن وَاثِلَة الْهُذَلِيّ. وَفِي مُعْظَم الطُّرُق أَنَّ عَمْرو بْن الْعَاصِ صَدَّقَ شُرَحْبِيل وَغَيْره عَلَى ذَلِكَ. وَنَقَلَ عِيَاض وَغَيْره جَوَاز الْخُرُوج مِنْ الْأَرْض الَّتِي يَقَع بِهَا الطَّاعُون عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة , مِنْهُمْ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَالْمُغِيرَة بْن شُعْبَة , وَمِنْ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ الْأَسْوَد بْن هِلَال وَمَسْرُوق , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : النَّهْي فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ فَيُكْرَه وَلَا يَحْرُم , وَخَالَفَهُمْ جَمَاعَة فَقَالُوا : يَحْرُم الْخُرُوج مِنْهَا لِظَاهِرِ النَّهْي الثَّابِت فِي الْأَحَادِيث الْمَاضِيَة , وَهَذَا هُوَ الرَّاجِح عِنْد الشَّافِعِيَّة وَغَيْرهمْ , وَيُؤَيِّدهُ ثُبُوت الْوَعِيد عَلَى ذَلِكَ : فَأَخْرَجَ أَحْمَد وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعًا فِي أَثْنَاء حَدِيث بِسَنَدٍ حَسَن \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه فَمَا الطَّاعُون ؟ قَالَ غُدَّة كَغُدَّةِ الْإِبِل , الْمُقِيم فِيهَا كَالشَّهِيدِ وَالْفَارّ مِنْهَا كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْف \". وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ \" الْفَارّ مِنْ الطَّاعُون كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْف , وَالصَّابِر فِيهِ كَالصَّابِرِ فِي الزَّحْف \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا وَابْن خُزَيْمَةَ وَسَنَده صَالِح لِلْمُتَابَعَاتِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ اِسْتَدَلَّ مَنْ أَجَازَ الْخُرُوج بِالنَّهْيِ الْوَارِد عَنْ الدُّخُول إِلَى الْأَرْض الَّتِي يَقَع بِهَا , قَالُوا : وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ خَشْيَة أَنْ يُعْدِي مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ , قَالَ : وَهُوَ مَرْدُود لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّهْي لِهَذَا لَجَازَ لِأَهْلِ الْمَوْضِع الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْخُرُوج , وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْي أَيْضًا عَنْ ذَلِكَ فَعُرِفَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ مُنِعُوا مِنْ الْقُدُوم عَلَيْهِ غَيْر مَعْنَى الْعَدْوَى , وَاَلَّذِي يَظْهَر - وَاَللَّه أَعْلَم - أَنَّ حِكْمَة النَّهْي عَنْ الْقُدُوم عَلَيْهِ لِئَلَّا يُصِيب مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ اللَّه فَيَقُول : لَوْلَا أَنِّي قَدِمْت هَذِهِ الْأَرْض لَمَا أَصَابَنِي , وَلَعَلَّهُ لَوْ أَقَامَ فِي الْمَوْضِع الَّذِي كَانَ فِيهِ لَأَصَابَهُ. فَأَمَرَ أَنْ لَا يَقْدَم عَلَيْهِ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ. وَنَهَى مَنْ وَقَعَ وَهُوَ بِهَا أَنْ يَخْرُج مِنْ الْأَرْض الَّتِي نَزَلَ بِهَا لِئَلَّا يَسْلَم فَيَقُول مَثَلًا : لَوْ أَقَمْت فِي تِلْكَ الْأَرْض لَأَصَابَنِي مَا أَصَابَ أَهْلهَا , وَلَعَلَّهُ لَوْ كَانَ أَقَامَ بِهَا مَا أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْء ا ه. وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ الْهَيْثَم بْن كُلَيْب وَالطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ قَالَ : \" إِنَّ هَذَا الطَّاعُون قَدْ وَقَعَ , فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَنَزَّه عَنْهُ فَلْيَفْعَلْ , وَاحْذَرُوا اِثْنَتَيْنِ : أَنْ يَقُول قَائِل خَرَجَ خَارِج فَسَلِمَ , وَجَلَسَ جَالِس فَأُصِيبَ فَلَوْ كُنْت خَرَجْت لَسَلِمْت كَمَا سَلِمَ فُلَان , أَوْ لَوْ كُنْت جَلَسْت أُصِبْت كَمَا أُصِيبَ فُلَان \" لَكِنْ أَبُو مُوسَى حَمَلَ النَّهْي عَلَى مَنْ قَصَدَ الْفِرَار مَحْضًا. وَلَا شَكّ أَنَّ الصُّوَر ثَلَاث : مَنْ خَرَجَ لِقَصْدِ الْفِرَار مَحْضًا فَهَذَا يَتَنَاوَلهُ النَّهْي لَا مَحَالَة , وَمَنْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ مُتَمَحِّضَة لَا لِقَصْدِ الْفِرَار أَصْلًا , وَيُتَصَوَّر ذَلِكَ فِيمَنْ تَهَيَّأَ لِلرَّحِيلِ مِنْ بَلَد كَانَ بِهَا إِلَى بَلَد إِقَامَته مَثَلًا وَلَمْ يَكُنْ الطَّاعُون وَقَعَ فَاتَّفَقَ وُقُوعه فِي أَثْنَاء تَجْهِيزه فَهَذَا لَمْ يَقْصِد الْفِرَار أَصْلًا فَلَا يَدْخُل فِي النَّهْي , وَالثَّالِث مَنْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَة فَأَرَادَ الْخُرُوج إِلَيْهَا وَانْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَصَدَ الرَّاحَة مِنْ الْإِقَامَة بِالْبَلَدِ الَّتِي وَقَعَ بِهَا الطَّاعُون فَهَذَا مَحَلّ النِّزَاع , وَمِنْ جُمْلَة هَذِهِ الصُّورَة الْأَخِيرَة أَنْ تَكُون الْأَرْض الَّتِي وَقَعَ بِهَا وَخِمَة وَالْأَرْض الَّتِي يُرِيد التَّوَجُّه إِلَيْهَا صَحِيحَة فَيَتَوَجَّه بِهَذَا الْقَصْد , فَهَذَا جَاءَ النَّقْل فِيهِ عَنْ السَّلَف مُخْتَلِفًا : فَمَنْ مَنَعَ نَظَرَ إِلَى صُورَة الْفِرَار فِي الْجُمْلَة , وَمَنْ أَجَازَ نَظَرَ إِلَى أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ عُمُوم الْخُرُوج فِرَارًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَحَّض لِلْفِرَارِ وَإِنَّمَا هُوَ لِقَصْدِ التَّدَاوِي , وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَل مَا وَقَعَ فِي أَثَر أَبِي مُوسَى الْمَذْكُور \" أَنَّ عُمَر كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَة إِنَّ لِي إِلَيْك حَاجَة فَلَا تَضَع كِتَابِي مِنْ يَدك حَتَّى تُقْبِل إِلَيَّ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ : إِنِّي قَدْ عَرَفْت حَاجَتك , وَإِنِّي فِي جُنْد مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا أَجِد بِنَفْسِي رَغْبَة عَنْهُمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ : أَمَّا بَعْد فَإِنَّك نَزَلْت بِالْمُسْلِمِينَ أَرْضًا غَمِيقَة , فَارْفَعْهُمْ إِلَى أَرْض نُزْهَة. فَدَعَا أَبُو عُبَيْدَة أَبَا مُوسَى فَقَالَ. اخْرُجْ فَارْتَدْ لِلْمُسْلِمِينَ مَنْزِلًا حَتَّى أَنْتَقِل لَهُمْ \" فَذَكَرَ الْقِصَّة فِي اِشْتِغَال أَبِي مُوسَى بِأَهْلِهِ. وَوُقُوع الطَّاعُون بِأَبِي عُبَيْدَة لَمَّا وَضَعَ رِجْله فِي الرِّكَاب مُتَوَجِّهًا , وَأَنَّهُ نَزَلَ بِالنَّاسِ فِي مَكَان آخَر فَارْتَفَعَ الطَّاعُون , وَقَوْله : \" غَمِيقَة \" بِغَيْنٍ مُعْجَمَة وَقَاف بِوَزْنِ عَظِيمَة أَيْ قَرِيبَة مِنْ الْمِيَاه وَالنُّزُوز , وَذَلِكَ مِمَّا يَفْسُد غَالِبًا بِهِ الْهَوَاء لِفَسَادِ الْمِيَاه , وَالنُّزْهَة الْفَسِيحَة الْبَعِيدَة عَنْ الْوَخْم. فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ عُمَر رَأَى أَنَّ النَّهْي عَنْ الْخُرُوج إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ قَصَدَ الْفِرَار مُتَمَحِّضًا , وَلَعَلَّهُ كَانَتْ لَهُ حَاجَة بِأَبِي عُبَيْدَة فِي نَفْس الْأَمْر فَلِذَلِكَ اِسْتَدْعَاهُ , وَظَنَّ أَبُو عُبَيْدَة أَنَّهُ إِنَّمَا طَلَبَهُ لِيَسْلَم مِنْ وُقُوع الطَّاعُون بِهِ فَاعْتَذَرَ عَنْ إِجَابَته لِذَلِكَ , وَقَدْ كَانَ أَمْر عُمَر لِأَبِي عُبَيْدَة بِذَلِكَ بَعْد سَمَاعهمَا لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُور مِنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , فَتَأَوَّلَ عُمَر فِيهِ مَا تَأَوَّلَ , وَاسْتَمَرَّ أَبُو عُبَيْدَة عَلَى الْأَخْذ بِظَاهِرِهِ , وَأَيَّدَ الطَّحَاوِيُّ صَنِيع عُمَر بِقِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ , فَإِنَّ خُرُوجهمْ مِنْ الْمَدِينَة كَانَ لِلْعِلَاجِ لَا لِلْفِرَارِ , وَهُوَ وَاضِح مِنْ قِصَّتهمْ لِأَنَّهُمْ شَكَوْا وَخَم الْمَدِينَة وَأَنَّهَا لَمْ تُوَافِق أَجْسَامهمْ , وَكَانَ خُرُوجهمْ مِنْ ضَرُورَة الْوَاقِع لِأَنَّ الْإِبِل الَّتِي أُمِرُوا أَنْ يَتَدَاوَوْا بِأَلْبَانِهَا وَأَبْوَالهَا وَاسْتِنْشَاق رَوَائِحهَا مَا كَانَتْ تَتَهَيَّأ إِقَامَتهَا بِالْبَلَدِ , وَإِنَّمَا كَانَتْ فِي مَرَاعِيهَا فَلِذَلِكَ خَرَجُوا , وَقَدْ لَحَظَ الْبُخَارِيّ ذَلِكَ فَتَرْجَمَ قَبْل تَرْجَمَة الطَّاعُون مَنْ خَرَجَ مِنْ الْأَرْض الَّتِي لَا تُلَائِمهُ , وَسَاقَ قِصَّة الْعُرَنِيِّينَ , وَيَدْخُل فِيهِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث فَرْوَة بْن مُسَيْك بِمُهْمَلَةٍ وَكَافٍ مُصَغَّر , قَالَ. \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّ عِنْدنَا أَرْضًا يُقَال لَهَا أَبْيَنُ هِيَ أَرْض رِيفنَا وَمِيرَتنَا وَهِيَ وَبِئَة , فَقَالَ : دَعْهَا عَنْك , فَإِنَّ مِنْ الْقَرَف التَّلَف \" قَالَ اِبْن قُتَيْبَة الْقَرَف الْقُرْب مِنْ الْوَبَاء , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ. لَيْسَ فِي هَذَا إِثْبَات الْعَدْوَى , وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَاب التَّدَاوِي , فَإِنَّ اِسْتِصْلَاح الْأَهْوِيَة مِنْ أَنْفَع الْأَشْيَاء فِي تَصْحِيح الْبَدَن وَبِالْعَكْسِ , وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْفِرَار مِنْ الْمَجْذُوم وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْر بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَالْجَوَاب أَنَّ الْخُرُوج مِنْ الْبَلَد الَّتِي وَقَعَ بِهَا الطَّاعُون قَدْ ثَبَتَ النَّهْي عَنْهُ , وَالْمَجْذُوم قَدْ وَرَدَ الْأَمْر بِالْفِرَارِ مِنْهُ فَكَيْف يَصِحّ الْقِيَاس ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْجُذَام \" مِنْ بَيَان الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ مَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته. وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاء فِي النَّهْي عَنْ الْخُرُوج حِكَمًا : مِنْهَا أَنَّ الطَّاعُون فِي الْغَالِب يَكُون عَامًّا فِي الْبَلَد الَّذِي يَقَع بِهِ , فَإِذَا وَقَعَ فَالظَّاهِر مُدَاخَلَة سَبَبه لِمَنْ بِهَا فَلَا يُفِيدهُ الْفِرَار , لِأَنَّ الْمَفْسَدَة إِذَا تَعَيَّنَتْ - حَتَّى لَا يَقَع الِانْفِكَاك عَنْهَا - كَانَ الْفِرَار عَبَثًا فَلَا يَلِيق بِالْعَاقِلِ , وَمِنْهَا أَنَّ النَّاس لَوْ تَوَارَدُوا عَلَى الْخُرُوج لَصَارَ مَنْ عَجَزَ عَنْهُ - بِالْمَرَضِ الْمَذْكُور أَوْ بِغَيْرِهِ - ضَائِع الْمَصْلَحَة لِفَقْدِ مَنْ يَتَعَهَّدهُ حَيًّا وَمَيِّتًا , وَأَيْضًا فَلَوْ شُرِعَ الْخُرُوج فَخَرَجَ الْأَقْوِيَاء لَكَانَ فِي ذَلِكَ كَسْر قُلُوب الضُّعَفَاء , وَقَدْ قَالُوا إِنَّ حِكْمَة الْوَعِيد فِي الْفِرَار مِنْ الزَّحْف لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْر قَلْب مَنْ لَمْ يَفِرّ وَإِدْخَال الرُّعْب عَلَيْهِ بِخِذْلَانِهِ , وَقَدْ جَمَعَ الْغَزَالِيّ بَيْن الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ : الْهَوَاء لَا يَضُرّ مِنْ حَيْثُ مُلَاقَاته ظَاهِر الْبَدَن , بَلْ مِنْ حَيْثُ دَوَام الِاسْتِنْشَاق فَيَصِل إِلَى الْقَلْب وَالرِّئَة فَيُؤَثِّر فِي الْبَاطِن وَلَا يَظْهَر عَلَى الظَّاهِر إِلَّا بَعْد التَّأْثِير فِي الْبَاطِن , فَالْخَارِج مِنْ الْبَلَد الَّذِي يَقَع بِهِ لَا يَخْلُص غَالِبًا مِمَّا اِسْتَحْكَمَ بِهِ. وَيَنْضَاف إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ رُخِّصَ لِلْأَصِحَّاءِ فِي الْخُرُوج لَبَقِيَ الْمَرْضَى لَا يَجِدُونَ مَنْ يَتَعَاهَدهُمْ فَتَضِيع مَصَالِحهمْ. وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ بَعْض الْأَطِبَّاء أَنَّ الْمَكَان الَّذِي يَقَع بِهِ الْوَبَاء تَتَكَيَّف أَمْزِجَة أَهْله بِهَوَاءِ تِلْكَ الْبُقْعَة وَتَأْلَفهَا وَتَصِير لَهُمْ كَالْأَهْوِيَةِ الصَّحِيحَة لِغَيْرِهِمْ , فَلَوْ اِنْتَقِلُوا إِلَى الْأَمَاكِن الصَّحِيحَة لَمْ يُوَافِقهُمْ , بَلْ رُبَّمَا إِذَا اِسْتَنْشَقُوا هَوَاءَهَا اِسْتَصْحَبَ مَعَهُ إِلَى الْقَلْب مِنْ الْأَبْخِرَة الرَّدِيئَة الَّتِي حَصَلَ تَكَيُّف بَدَنه بِهَا فَأَفْسَدَتْهُ , فَمُنِعَ مِنْ الْخُرُوج لِهَذِهِ النُّكْتَة. وَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْخَارِج يَقُول لَوْ أَقَمْت لَأُصِبْت , وَالْمُقِيم يَقُول لَوْ خَرَجْت لَسَلِمْت , فَيَقَع فِي اللَّوّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة فِي قَوْله : \" فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ \" : فِيهِ مَنْع مُعَارَضَة مُتَضَمِّن الْحِكْمَة بِالْقَدَرِ , وَهُوَ مِنْ مَادَّة قَوْله تَعَالَى : ( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) وَفِي قَوْله : \" فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ \" إِشَارَة إِلَى الْوُقُوف مَعَ الْمَقْدُور وَالرِّضَا بِهِ , قَالَ : وَأَيْضًا فَالْبَلَاء إِذَا نَزَلَ إِنَّمَا يُقْصَد بِهِ أَهْل الْبُقْعَة لَا الْبُقْعَة نَفْسهَا , فَمَنْ أَرَادَ اللَّه إِنْزَال الْبَلَاء بِهِ فَهُوَ وَاقِع بِهِ وَلَا مَحَالَة , فَأَيْنَمَا تَوَجَّهَ يُدْرِكهُ , فَأَرْشَدَهُ الشَّارِع إِلَى عَدَم النَّصْب مِنْ غَيْر أَنْ يَدْفَع ذَلِكَ الْمَحْذُور. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين بْن دَقِيق الْعِيد : الَّذِي يَتَرَجَّح عِنْدِي فِي الْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ فِي الْإِقْدَام عَلَيْهِ تَعْرِيض النَّفْس لِلْبَلَاءِ , وَلَعَلَّهَا لَا تَصْبِر عَلَيْهِ , وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ ضَرْب مِنْ الدَّعْوَى لِمَقَامِ الصَّبْر أَوْ التَّوَكُّل فَمُنِعَ ذَلِكَ حَذَرًا مِنْ اِغْتِرَار النَّفْس وَدَعْوَاهَا مَا لَا تَثْبُت عَلَيْهِ عِنْد الِاخْتِبَار , وَأَمَّا الْفِرَار فَقَدْ يَكُون دَاخِلًا فِي التَّوَغُّل فِي الْأَسْبَاب بِصُورَةِ مَنْ يُحَاوَل النَّجَاة بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ , فَأَمَرَنَا الشَّارِع بِتَرْكِ التَّكَلُّف فِي الْحَالَتَيْنِ , وَمِنْ هَذِهِ الْمَادَّة قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدُوّ , وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا \" فَأَمَرَ بِتَرْكِ التَّمَنِّي لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّض لِلْبَلَاءِ , وَخَوْف اِغْتِرَار النَّفْس , إِذْ لَا يُؤْمَن غَدْرهَا عِنْد الْوُقُوع , ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ عِنْد الْوُقُوع تَسْلِيمًا لِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى. وَفِي قِصَّة عُمَر مِنْ الْفَوَائِد مَشْرُوعِيَّة الْمُنَاظَرَة , وَالِاسْتِشَارَة فِي النَّوَازِل , وَفِي الْأَحْكَام , وَأَنَّ الِاخْتِلَاف لَا يُوجِب حُكْمًا , وَأَنَّ الِاتِّفَاق هُوَ الَّذِي يُوجِبهُ , وَأَنَّ الرُّجُوع عِنْد الِاخْتِلَاف إِلَى النَّصّ , وَأَنَّ النَّصّ يُسَمَّى عِلْمًا , وَأَنَّ الْأُمُور كُلّهَا تَجْرِي بِقَدَرِ اللَّه وَعِلْمه , وَأَنَّ الْعَالِم قَدْ يَكُون عِنْده مَا لَا يَكُون عِنْد غَيْره مِمَّنْ هُوَ أَعْلَم مِنْهُ. وَفِيهِ وُجُوب الْعَمَل بِخَبَرِ الْوَاحِد , وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّة عَلَى ذَلِكَ , لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِاتِّفَاقِ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد مِنْ الصَّحَابَة فَقَبِلُوهُ مِنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَلَمْ يَطْلُبُوا مَعَهُ مُقَوِّيًا. وَفِيهِ التَّرْجِيح بِالْأَكْثَرِ عَدَدًا وَالْأَكْثَر تَجْرِبَة لِرُجُوعِ عُمَر لِقَوْلِ مَشْيَخَة قُرَيْش مَعَ مَا اِنْضَمَّ إِلَيْهِمْ مِمَّنْ وَافَقَ رَأْيهمْ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار , فَإِنَّ مَجْمُوع ذَلِكَ أَكْثَر مِنْ عَدَد مَنْ خَالَفَهُ مِنْ كُلّ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار , وَوَازَنَ مَا عِنْد الَّذِينَ خَالَفُوا ذَلِكَ مِنْ مَزِيد فِي الْعِلْم وَالدِّين مَا عِنْد الْمَشْيَخَة مِنْ السِّنّ وَالتَّجَارِب , فَلَمَّا تَعَادَلُوا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّة رُجِّحَ بِالْكَثْرَةِ وَوَافَقَ اِجْتِهَاده النَّصّ , فَلِذَلِكَ حَمِدَ اللَّه تَعَالَى عَلَى تَوْفِيقه لِذَلِكَ. وَفِيهِ تَفَقُّد الْإِمَام أَحْوَال رَعِيَّته لِمَا فِيهِ مِنْ إِزَالَة ظُلْم الْمَظْلُوم وَكَشْف كُرْبَة الْمَكْرُوب وَرَدْع أَهْل الْفَسَاد وَإِظْهَار الشَّرَائِع وَالشَّعَائِر وَتَنْزِيل النَّاس مَنَازِلهمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "5290",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَدْخُلُ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏المَسِيحُ ‏ ‏وَلَا الطَّاعُونُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَا يَدْخُل الْمَدِينَة الْمَسِيح وَلَا الطَّاعُون \" كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْحَجّ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أُوَيْس عَنْ مَالِك أَتَمَّ مِنْ هَذَا بِلَفْظِ \" عَلَى أَنْقَاب الْمَدِينَة مَلَائِكَة لَا يَدْخُلهَا الطَّاعُون وَلَا الدَّجَّال \" وَقَدَّمْت هُنَاكَ مَا يَتَعَلَّق بِالدَّجَّالِ , وَأَخْرَجَهُ فِي الْفِتَن عَنْ الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِك كَذَلِكَ , وَمِنْ حَدِيث أَنَس رَفَعَهُ \" الْمَدِينَة يَأْتِيهَا الدَّجَّال فَيَجِد الْمَلَائِكَة فَلَا يَدْخُلهَا الدَّجَّال وَلَا الطَّاعُون إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى \" وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ عَدَم دُخُول الطَّاعُون الْمَدِينَة مَعَ كَوْن الطَّاعُون شَهَادَة وَكَيْف قُرِنَ بِالدَّجَّالِ وَمُدِحَتْ الْمَدِينَة بِعَدَمِ دُخُولهمَا , وَالْجَوَاب أَنَّ كَوْن الطَّاعُون شَهَادَة لَيْسَ الْمُرَاد بِوَصْفِهِ بِذَلِكَ ذَاته وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنَّ ذَلِكَ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ وَيَنْشَأ عَنْهُ لِكَوْنِهِ سَبَبه فَإِذَا اُسْتُحْضِرَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ طَعْن الْجِنّ حَسُنَ مَدْح الْمَدِينَة بِعَدَمِ دُخُوله إِيَّاهَا , فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ كُفَّار الْجِنّ وَشَيَاطِينهمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ دُخُول الْمَدِينَة وَمَنْ اِتَّفَقَ دُخُوله إِلَيْهَا لَا يَتَمَكَّن مِنْ طَعْن أَحَد مِنْهُمْ , فَإِنْ قِيلَ : طَعْن الْجِنّ لَا يَخْتَصّ بِكُفَّارِهِمْ بَلْ قَدْ يَقَع مِنْ مُؤْمِنِيهِمْ , قُلْنَا : دُخُول كُفَّار الْإنْس الْمَدِينَة مَمْنُوع فَإِذَا لَمْ يَسْكُن الْمَدِينَة إِلَّا مَنْ يُظْهِر الْإِسْلَام جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَام الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَالِص الْإِسْلَام , فَحَصَلَ الْأَمْن مِنْ وُصُول الْجِنّ إِلَى طَعْنهمْ بِذَلِكَ , فَلِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلهَا الطَّاعُون أَصْلًا. وَقَدْ أَجَابَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : الْمَعْنَى لَا يَدْخُلهَا مِنْ الطَّاعُون مِثْل الَّذِي وَقَعَ فِي غَيْرهَا كَطَاعُونِ عَمَوَاس وَالْجَارِف , وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ يَقْتَضِي تَسْلِيم أَنَّهُ دَخَلَهَا فِي الْجُمْلَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ جَزَمَ اِبْن قُتَيْبَة فِي \" الْمَعَارِف \" وَتَبِعَهُ جَمْع جَمّ مِنْ آخِرهمْ الشَّيْخ مُحْيِي الدِّين النَّوَوِيّ فِي \" الْأَذْكَار \" بِأَنَّ الطَّاعُون لَمْ يَدْخُل الْمَدِينَة أَصْلًا وَلَا مَكَّة أَيْضًا , لَكِنْ نَقَلَ جَمَاعَة أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّة فِي الطَّاعُون الْعَامّ الَّذِي كَانَ فِي سَنَة تِسْع وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعمِائَةٍ , بِخِلَافِ الْمَدِينَة فَلَمْ يَذْكُر أَحَد قَطُّ أَنَّهُ وَقَعَ بِهَا الطَّاعُون أَصْلًا , وَلَعَلَّ الْقُرْطُبِيّ بَنَى عَلَى أَنَّ الطَّاعُون أَعَمّ مِنْ الْوَبَاء , أَوْ أَنَّهُ هُوَ وَأَنَّهُ الَّذِي يَنْشَأ عَنْ فَسَاد الْهَوَاء فَيَقَع بِهِ الْمَوْت الْكَثِير , وَقَدْ مَضَى فِي الْجَنَائِز مِنْ صَحِيح الْبُخَارِيّ قَوْل أَبِي الْأَسْوَد \" قَدِمْت الْمَدِينَة وَهُمْ يَمُوتُونَ بِهَا مَوْتًا ذَرِيعًا \" فَهَذَا وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ وَبَاء بِلَا شَكٍّ , وَلَكِنْ الشَّأْن فِي تَسْمِيَته طَاعُونًا , وَالْحَقّ أَنَّ الْمُرَاد بِالطَّاعُونِ فِي هَذَا الْحَدِيث الْمَنْفِيّ دُخُوله الْمَدِينَة الَّذِي يَنْشَأ عَنْ طَعْن الْجِنّ فَيَهِيج بِذَلِكَ الطَّعْن الدَّم فِي الْبَدَن فَيَقْتُل فَهَذَا لَمْ يَدْخُل الْمَدِينَة قَطُّ فَلَمْ يَتَّضِح جَوَاب الْقُرْطُبِيّ , وَأَجَابَ غَيْره بِأَنَّ سَبَب التَّرْجَمَة لَمْ يَنْحَصِر فِي الطَّاعُون , وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" وَلَكِنَّ عَافِيَتك أَوْسَع لِي \" فَكَانَ مَنْع دُخُول الطَّاعُون الْمَدِينَة مِنْ خَصَائِص الْمَدِينَة وَلَوَازِم دُعَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا بِالصِّحَّةِ. وَقَالَ آخَر : هَذَا مِنْ الْمُعْجِزَات الْمُحَمَّدِيَّة , لِأَنَّ الْأَطِبَّاء مِنْ أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهمْ عَجَزُوا أَنْ يَدْفَعُوا الطَّاعُون عَنْ بَلَد بَلْ عَنْ قَرْيَة , وَقَدْ اِمْتَنَعَ الطَّاعُون عَنْ الْمَدِينَة هَذِهِ الدُّهُور الطَّوِيلَة. قُلْت : وَهُوَ كَلَام صَحِيح , وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ جَوَابًا عَنْ الْإِشْكَال. وَمِنْ الْأَجْوِبَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَوَّضَهُمْ عَنْ الطَّاعُون بِالْحُمَّى لِأَنَّ الطَّاعُون يَأْتِي مَرَّة بَعْد مَرَّة وَالْحُمَّى تَتَكَرَّر فِي كُلّ حِين فَيَتَعَادَلَانِ فِي الْأَجْر وَيَتِمّ الْمُرَاد مِنْ عَدَم دُخُول الطَّاعُون لِبَعْضِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَسْبَاب , وَيَظْهَر لِي جَوَاب آخَر بَعْد اِسْتِحْضَار الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ رِوَايَة أَبِي عَسِيب بِمُهْمَلَتَيْنِ آخِره مُوَحَّدَة وَزْن عَظِيم رَفَعَهُ \" أَتَانِي جِبْرِيل بِالْحُمَّى وَالطَّاعُون , فَأَمْسَكْت الْحُمَّى بِالْمَدِينَةِ وَأَرْسَلْت الطَّاعُون إِلَى الشَّام \" وَهُوَ أَنَّ الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَة كَانَ فِي قِلَّة مِنْ أَصْحَابه عَدَدًا وَمَدَدًا وَكَانَتْ الْمَدِينَة وَبِئَة كَمَا سَبَقَ مِنْ حَدِيث عَائِشَة ثُمَّ خُيِّرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرَيْنِ يَحْصُل بِكُلٍّ مِنْهُمَا الْأَجْر الْجَزِيل فَاخْتَارَ الْحُمَّى حِينَئِذٍ لِقِلَّةِ الْمَوْت بِهَا غَالِبًا , بِخِلَافِ الطَّاعُون , ثُمَّ لَمَّا اِحْتَاجَ إِلَى جِهَاد الْكُفَّار وَأُذِنَ لَهُ فِي الْقِتَال كَانَتْ قَضِيَّة اِسْتِمْرَار الْحُمَّى أَنْ تُضْعِف أَجْسَاد الَّذِينَ يَحْتَاجُونَ إِلَى التَّقْوِيَة لِأَجْلِ الْجِهَاد , فَدَعَا بِنَقْلِ الْحُمَّى مِنْ الْمَدِينَة إِلَى الْجُحْفَة فَعَادَتْ الْمَدِينَة أَصَحّ بِلَاد اللَّه بَعْد أَنْ كَانَتْ بِخِلَافِ ذَلِكَ ثُمَّ كَانُوا مِنْ حِينَئِذٍ مَنْ فَاتَتْهُ الشَّهَادَة بِالطَّاعُونِ رُبَّمَا حَصَلَتْ لَهُ بِالْقَتْلِ فِي سَبِيل اللَّه , وَمَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ حَصَلَتْ لَهُ الْحُمَّى الَّتِي هِيَ حَظُّ الْمُؤْمِن مِنْ النَّار , ثُمَّ اِسْتَمَرَّ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ تَمْيِيزًا لَهَا عَنْ غَيْرهَا لِتَحَقُّقِ إِجَابَة دَعَوْته وَظُهُور هَذِهِ الْمُعْجِزَة الْعَظِيمَة بِتَصْدِيقِ خَبَره هَذِهِ الْمُدَّة الْمُتَطَاوِلَة. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏سَيَأْتِي فِي ذِكْر الدَّجَّال فِي أَوَاخِر كِتَاب الْفِتَن حَدِيث أَنَس وَفِيهِ \" فَيَجِد الْمَلَائِكَة يَحْرُسُونَهَا فَلَا يَقْرَبهَا الدَّجَّال وَلَا الطَّاعُون إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى \" وَإِنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاء فَقِيلَ : هُوَ لِلتَّبَرُّكِ فَيَشْمَلهُمَا , وَقِيلَ : هُوَ لِلتَّعْلِيقِ وَأَنَّهُ يَخْتَصّ بِالطَّاعُونِ وَأَنَّ مُقْتَضَاهُ جَوَاز دُخُول الطَّاعُون الْمَدِينَة , وَوَقَعَ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" الْمَدِينَة وَمَكَّة مَحْفُوفَتَانِ بِالْمَلَائِكَةِ عَلَى كُلّ نَقْب مِنْهُمَا مَلَك لَا يَدْخُلهُمَا الدَّجَّال وَلَا الطَّاعُون \" أَخْرَجَهُ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" كِتَاب مَكَّة \" عَنْ شُرَيْح عَنْ فُلَيْح عَنْ الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا وَرِجَاله رِجَال الصَّحِيح , وَعَلَى هَذَا فَاَلَّذِي نَقَلَ أَنَّهُ وُجِدَ فِي سَنَة تِسْع وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعمِائَةٍ مِنْهُ لَيْسَ كَمَا ظَنَّ مَنْ نَقَلَ ذَلِكَ , أَوْ يُجَاب إِنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِجَوَابِ الْقُرْطُبِيّ الْمُتَقَدِّم. ‏"
    },
    {
        "id": "5291",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏حَدَّثَتْنِي ‏ ‏حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَتْ قَالَ لِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏بِمَ مَاتَ قُلْتُ مِنْ الطَّاعُونِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد , ‏ ‏وَعَاصِم ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان الْأَحْوَل , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ قَالَ لِي أَنَس ) ‏ ‏لَيْسَ لِحَفْصَة بِنْت سِيرِينَ عَنْ أَنَس فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( يَحْيَى بِمَ مَاتَ ) ‏ ‏؟ أَيْ بِأَيِّ شَهْر مَاتَ ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة \" بِمَا مَاتَ \" ؟ بِإِشْبَاعِ الْمِيم وَهُوَ لِلْأَصِيلِيّ وَهِيَ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّة , لَكِنْ اُشْتُهِرَ حَذْف الْأَلِف مِنْهَا إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا حَرْف جَرّ , وَيَحْيَى الْمَذْكُور هُوَ اِبْن سِيرِينَ أَخُو حَفْصَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم يَحْيَى بْن أَبِي عَمْرَة وَهُوَ اِبْن سِيرِينَ لِأَنَّهَا كُنْيَة سِيرِينَ , وَكَانَتْ وَفَاة يَحْيَى فِي حُدُود التِّسْعِينَ مِنْ الْهِجْرَة عَلَى مَا يُورَد مِنْ هَذَا الْحَدِيث , لَكِنْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" التَّارِيخ الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق حَمَّاد عَنْ يَحْيَى بْن عَتِيق \" سَمِعْت يَحْيَى بْن سِيرِينَ وَمُحَمَّد بْن سِيرِينَ يَتَذَاكَرَانِ السَّاعَة الَّتِي فِي الْجُمُعَة \" نَقَلَهُ بَعْد مَوْت أَنَس بْن مَالِك , أَرَادَ أَنَّ يَحْيَى بْن سِيرِينَ مَاتَ بَعْد أَنَس بْن مَالِك فَيَكُون حَدِيث حَفْصَة خَطَأ , اِنْتَهَى. وَتَخْرِيجه لِحَدِيثِ حَفْصَة فِي الصَّحِيح يَقْتَضِي أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ حَدِيث يَحْيَى بْن عَتِيق خَطَأ , وَقَدْ قَالَ فِي \" التَّارِيخ الصَّغِير \" حَدِيث يَحْيَى بْن عَتِيق عَنْ حَفْصَة خَطَأ , فَإِذَا جُوِّزَ عَلَيْهِ الْخَطَأ فِي حَدِيثه عَنْ حَفْصَة جَازَ تَجْوِيزه عَلَيْهِ فِي قَوْله : \" يَحْيَى بْن سِيرِينَ \" فَلَعَلَّهُ كَانَ أَنَس بْن سِيرِينَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( الطَّاعُون شَهَادَة لِكُلِّ مُسْلِم ) ‏ ‏أَيْ يَقَع بِهِ , هَكَذَا جَاءَ مُطْلَقًا فِي حَدِيث أَنَس , وَسَيَأْتِي مُقَيَّدًا بِثَلَاثَةِ قُيُود فِي حَدِيث عَائِشَة الَّذِي فِي الْبَاب بَعْده , وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِيرَاده عَقِبه. ‏"
    },
    {
        "id": "5292",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمَبْطُونُ ‏ ‏شَهِيدٌ وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" الْمَبْطُون شَهِيد , وَالْمَطْعُون شَهِيد \" هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مُقْتَصِرًا عَلَى هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ , وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْجِهَاد مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن يُوسُف عَنْ مَالِك مُطَوَّلًا بِلَفْظِ \" الشُّهَدَاء خَمْسَة : الْمَطْعُون وَالْمَبْطُون وَالْغَرِق وَصَاحِب الْهَدْم وَالْمَقْتُول فِي سَبِيل اللَّه \" وَأَشَرْت هُنَاكَ إِلَى الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي الزِّيَادَة عَلَى الْخَمْسَة , وَالْمُرَاد بِالْمَطْعُونِ مَنْ طَعَنَهُ الْجِنّ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي أَوَّل الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "5293",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَبَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهَا أَخْبَرَتْنَا أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الطَّاعُونِ فَأَخْبَرَهَا نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏دَاوُدَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , ‏ ‏وَحَبَّان ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة هُوَ اِبْن هِلَال ‏ ‏وَيَحْيَى بْن يَعْمَر ‏ ‏بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَالْمِيم بَيْنهمَا عَيْن مُهْمَلَة سَاكِنَة وَآخِره رَاء. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الطَّاعُون ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه عَنْ عَائِشَة \" قَالَتْ سَأَلْت \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثهُ اللَّه عَلَى مَنْ يَشَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَلَى مَنْ شَاءَ \" أَيْ مِنْ كَافِر أَوْ عَاصٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّة آل فِرْعَوْن وَفِي قِصَّة أَصْحَاب مُوسَى مَعَ بَلْعَام. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلَهُ اللَّه رَحْمَة لِلْمُؤْمِنِينَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة , وَفِي حَدِيث أَبِي عَسِيب عِنْد أَحْمَد \" فَالطَّاعُون شَهَادَة لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَة لَهُمْ , وَرِجْس عَلَى الْكَافِر \" وَهُوَ صَرِيح فِي أَنَّ كَوْن الطَّاعُون رَحْمَة إِنَّمَا هُوَ خَاصّ بِالْمُسْلِمِينَ , وَإِذَا وَقَعَ بِالْكَفَّارِ فَإِنَّمَا هُوَ عَذَاب عَلَيْهِمْ يُعَجَّل لَهُمْ فِي الدُّنْيَا قَبْل الْآخِرَة , وَأَمَّا الْعَاصِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة فَهَلْ يَكُون الطَّاعُون لَهُ شَهَادَة أَوْ يَخْتَصّ بِالْمُؤْمِنِ الْكَامِل ؟ فِيهِ نَظَر. وَالْمُرَاد بِالْعَاصِي مَنْ يَكُون مُرْتَكِب الْكَبِيرَة وَيَهْجُم عَلَيْهِ ذَلِكَ وَهُوَ مُصِرّ , فَإِنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يُقَال لَا يُكَرَّم بِدَرَجَةِ الشَّهَادَة لِشُؤْمِ مَا كَانَ مُتَلَبِّسًا بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) ؟ وَأَيْضًا فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الطَّاعُون يَنْشَأ عَنْ ظُهُور الْفَاحِشَة , أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ \" لَمْ تَظْهَر الْفَاحِشَة فِي قَوْم قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُون وَالْأَوْجَاع الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافهمْ \" الْحَدِيث , وَفِي إِسْنَاده خَالِد بْن يَزِيد بْن أَبِي مَالِك وَكَانَ مِنْ فُقَهَاء الشَّام , لَكِنَّهُ ضَعِيف عِنْد أَحْمَد وَابْن مَعِين وَغَيْرهمَا , وَوَثَّقَهُ أَحْمَد بْن صَالِح الْمِصْرِيّ وَأَبُو زُرْعَة الدِّمَشْقِيّ وَقَالَ اِبْن حِبَّانَ : كَانَ يُخْطِئ كَثِيرًا , وَلَهُ شَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي \" الْمُوَطَّأ \" بِلَفْظِ \" وَلَا فَشَا الزِّنَا فِي قَوْم إِلَّا كَثُرَ فِيهِمْ الْمَوْت \" الْحَدِيث , وَفِيهِ اِنْقِطَاع. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ وَجْه آخَر مَوْصُولًا بِلَفْظِ \" إِذَا ظَهَرَ الزِّنَا وَالرِّبَا فِي قَرْيَة فَقَدْ أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عَذَاب اللَّه \" وَلِلطَّبَرَانِيّ مَوْصُولًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْو سِيَاق مَالِك وَفِي سَنَده مَقَال , وَلَهُ مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ بِلَفْظِ \" مَا مِنْ قَوْم يَظْهَر فِيهِمْ الزِّنَا إِلَّا أُخِذُوا بِالْفَنَاءِ \" الْحَدِيث وَسَنَده ضَعِيف , وَفِي حَدِيث بُرَيْدَةَ عِنْد الْحَاكِم بِسَنَدٍ جَيِّد بِلَفْظِ \" وَلَا ظَهَرَتْ الْفَاحِشَة فِي قَوْم إِلَّا سَلَّطَ اللَّه عَلَيْهِمْ الْمَوْت \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعًا \" لَا تَزَال أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَفْشُ فِيهِمْ وَلَد الزِّنَا , فَإِذَا فَشَا فِيهِمْ وَلَد الزِّنَا أَوْشَكَ أَنْ يَعُمّهُمْ اللَّه بِعِقَابٍ \" وَسَنَده حَسَن. فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّ الطَّاعُون قَدْ يَقَع عُقُوبَة بِسَبَبِ الْمَعْصِيَة , فَكَيْف يَكُون شَهَادَة ؟ وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : بَلْ تَحْصُل لَهُ دَرَجَة الشَّهَادَة لِعُمُومِ الْأَخْبَار الْوَارِدَة , وَلَا سِيَّمَا فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله عَنْ أَنَس \" الطَّاعُون شَهَادَة لِكُلِّ مُسْلِم \" وَلَا يَلْزَم مِنْ حُصُول دَرَجَة الشَّهَادَة لِمَنْ اجْتَرَحَ السَّيِّئَات مُسَاوَاة الْمُؤْمِن الْكَامِل فِي الْمَنْزِلَة , لِأَنَّ دَرَجَات الشُّهَدَاء مُتَفَاوِتَة كَنَظِيرِهِ مِنْ الْعُصَاة إِذَا قُتِلَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيل اللَّه لِتَكُونَ كَلِمَة اللَّه هِيَ الْعُلْيَا مُقْبِلًا غَيْر مُدْبِر , وَمِنْ رَحْمَة اللَّه بِهَذِهِ الْأُمَّة الْمُحَمَّدِيَّة أَنْ يُعَجَّل لَهُمْ الْعُقُوبَة فِي الدُّنْيَا , وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنْ يَحْصُل لِمَنْ وَقَعَ بِهِ الطَّاعُون أَجْر الشَّهَادَة , وَلَا سِيَّمَا وَأَكْثَرهمْ لَمْ يُبَاشِر تِلْكَ الْفَاحِشَة , وَإِنَّمَا عَمَّهُمْ - وَاَللَّه أَعْلَم - لِتَقَاعُدِهِمْ عَنْ إِنْكَار الْمُنْكَر. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث عُتْبَة بْن عُبَيْد رَفَعَهُ \" الْقَتْل ثَلَاثَة : رَجُل جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَاله فِي سَبِيل اللَّه , حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُقْتَل , فَذَاكَ الشَّهِيد الْمُفْتَخِر فِي خَيْمَة اللَّه تَحْت عَرْشه لَا يَفْضُلهُ النَّبِيُّونَ إِلَّا بِدَرَجَةِ النُّبُوَّة. وَرَجُل مُؤْمِن قَرَفَ عَلَى نَفْسه مِنْ الذُّنُوب وَالْخَطَايَا , جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَاله فِي سَبِيل اللَّه , حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُقْتَل فَانْمَحَتْ خَطَايَاهُ , إِنَّ السَّيْف مَحَّاء لِلْخَطَايَا. وَرَجُل مُنَافِق جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَاله حَتَّى يُقْتَل فَهُوَ فِي النَّار , إِنَّ السَّيْف لَا يَمْحُو النِّفَاق \" وَأَمَّا الْحَدِيث الْآخَر الصَّحِيح \" إِنَّ الشَّهِيد يُغْفَر لَهُ كُلّ شَيْء إِلَّا الدَّيْن \" فَإِنَّهُ يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الشَّهَادَة لَا تُكَفِّر التَّبِعَات , وَحُصُول التَّبِعَات لَا يَمْنَع حُصُول دَرَجَة الشَّهَادَة , وَلَيْسَ لِلشَّهَادَةِ مَعْنًى إِلَّا أَنَّ اللَّه يُثِيب مَنْ حَصَلَتْ لَهُ ثَوَابًا مَخْصُوصًا وَيُكْرِمهُ كَرَامَة زَائِدَة , وَقَدْ بَيَّنَ الْحَدِيث أَنَّ اللَّه يَتَجَاوَز عَنْهُ مَا عَدَا التَّبِعَات , فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ لِلشَّهِيدِ أَعْمَالًا صَالِحَة وَقَدْ كَفَّرَتْ الشَّهَادَة أَعْمَاله السَّيِّئَة غَيْر التَّبِعَات فَإِنَّ أَعْمَاله الصَّالِحَة تَنْفَعهُ فِي مُوَازَنَة مَا عَلَيْهِ مِنْ التَّبِعَات وَتَبْقَى لَهُ دَرَجَة الشَّهَادَة خَالِصَة , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَال صَالِحَة فَهُوَ فِي الْمَشِيئَة , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَيْسَ مِنْ عَبْد ) ‏ ‏أَيْ مُسْلِم ‏ ‏( يَقَع الطَّاعُون ) ‏ ‏أَيْ فِي مَكَان هُوَ فِيهِ ‏ ‏( فَيَمْكُث فِي بَلَده ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد \" فِي بَيْته \" , وَيَأْتِي فِي الْقَدَر بِلَفْظِ \" يَكُون فِيهِ وَيَمْكُث فِيهِ وَلَا يَخْرُج مِنْ الْبَلَد \" أَيْ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الطَّاعُون. ‏ ‏قَوْله : ( صَابِرًا ) ‏ ‏أَيْ غَيْر مُنْزَعِج وَلَا قَلِق , بَلْ مُسَلِّمًا لِأَمْرِ اللَّه رَاضِيًا بِقَضَائِهِ , وَهَذَا قَيْد فِي حُصُول أَجْر الشَّهَادَة لِمَنْ يَمُوت بِالطَّاعُونِ , وَهُوَ أَنْ يَمْكُث بِالْمَكَانِ الَّذِي يَقَع بِهِ فَلَا يَخْرُج فِرَارًا مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ النَّهْي عَنْهُ فِي الْبَاب قَبْله صَرِيحًا. ‏ ‏وَقَوْله : \" يَعْلَم أَنَّهُ لَنْ يُصِيبهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّه لَهُ \" ‏ ‏قَيْد آخَر , وَهِيَ جُمْلَة حَالِيَّة تَتَعَلَّق بِالْإِقَامَةِ , فَلَوْ مَكَثَ وَهُوَ قَلِق أَوْ مُتَنَدِّم عَلَى عَدَم الْخُرُوج ظَانًّا أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ لَمَا وَقَعَ بِهِ أَصْلًا وَرَأْسًا وَأَنَّهُ بِإِقَامَتِهِ يَقَع بِهِ فَهَذَا لَا يَحْصُل لَهُ أَجْر الشَّهِيد وَلَوْ مَاتَ بِالطَّاعُونِ , هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيه مَفْهُوم هَذَا الْحَدِيث كَمَا اِقْتَضَى مَنْطُوقه أَنَّ مَنْ اِتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَة يَحْصُل لَهُ أَجْر الشَّهِيد وَإِنْ لَمْ يَمُتْ بِالطَّاعُونِ وَيَدْخُل تَحْته ثَلَاث صُوَر : أَنَّ مَنْ اِتَّصَفَ بِذَلِكَ فَوَقَعَ بِهِ الطَّاعُون فَمَاتَ بِهِ , أَوْ وَقَعَ بِهِ وَلَمْ يَمُتْ بِهِ , أَوْ لَمْ يَقَع بِهِ أَصْلًا وَمَاتَ بِغَيْرِهِ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا. ‏ ‏قَوْله : ( مِثْل أَجْر الشَّهِيد ) ‏ ‏لَعَلَّ السِّرّ فِي التَّعْبِير بِالْمِثْلِيَّةِ مَعَ ثُبُوت التَّصْرِيح بِأَنَّ مَنْ مَاتَ بِالطَّاعُونِ كَانَ شَهِيدًا أَنَّ مَنْ لَمْ يَمُتْ مِنْ هَؤُلَاءِ بِالطَّاعُونِ كَانَ لَهُ مِثْل أَجْر الشَّهِيد وَإِنْ لَمْ تَحْصُل لَهُ دَرَجَة الشَّهَادَة بِعَيْنِهَا وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ اِتَّصَفَ بِكَوْنِهِ شَهِيدًا أَعْلَى دَرَجَة مِمَّنْ وُعِدَ بِأَنَّهُ يُعْطَى مِثْل أَجْر الشَّهِيد , وَيَكُون كَمَنْ خَرَجَ عَلَى نِيَّة الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه لِتَكُونَ كَلِمَة اللَّه هِيَ الْعُلْيَا فَمَاتَ بِسَبَبٍ غَيْر الْقَتْل , وَأَمَّا مَا اِقْتَضَاهُ مَفْهُوم حَدِيث الْبَاب أَنَّ مَنْ اِتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَة وَوَقَعَ بِهِ الطَّاعُون ثُمَّ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ أَنَّهُ يَحْصُل لَهُ ثَوَاب الشَّهِيد فَشَهِدَ لَهُ حَدِيث اِبْن مَسْعُود الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن عُبَيْد بْن رِفَاعَة أَنَّ أَبَا مُحَمَّد أَخْبَرَهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ. \" إِنَّ أَكْثَر شُهَدَاء أُمَّتِي لَأَصْحَاب الْفُرُش , وَرُبَّ قَتِيل بَيْن الصَّفَّيْنِ اللَّه أَعْلَم بِنِيَّتِهِ \" وَالضَّمِير فِي قَوْله أَنَّهُ لِابْنِ مَسْعُود فَإِنَّ أَحْمَد أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَد اِبْن مَسْعُود وَرِجَال سَنَده مُوَثَّقُونَ , وَاسْتَنْبَطَ مِنْ الْحَدِيث أَنَّ مَنْ اِتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَة ثُمَّ وَقَعَ بِهِ الطَّاعُون فَمَاتَ بِهِ أَنْ يَكُون لَهُ أَجْر شَهِيدَيْنِ , وَلَا مَانِع مِنْ تَعَدُّد الثَّوَاب بِتَعَدُّدِ الْأَسْبَاب كَمَنْ يَمُوت غَرِيبًا بِالطَّاعُونِ , أَوْ نُفَسَاء مَعَ الصَّبْر وَالِاحْتِسَاب , وَالتَّحْقِيق فِيمَا اِقْتَضَاهُ حَدِيث الْبَاب أَنَّهُ يَكُون شَهِيدًا بِوُقُوعِ الطَّاعُون بِهِ وَيُضَاف لَهُ مِثْل أَجْر الشَّهِيد لِصَبْرِهِ وَثَبَاته , فَإِنَّ دَرَجَة الشَّهَادَة شَيْء وَأَجْر الشَّهَادَة شَيْء , وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة وَقَالَ : هَذَا هُوَ السِّرّ فِي قَوْله \" وَالْمَطْعُون شَهِيد \" وَفِي قَوْله فِي هَذَا : \" فَلَهُ مِثْل أَجْر شَهِيد \" وَيُمْكِن أَنْ يُقَال : بَلْ دَرَجَات الشُّهَدَاء مُتَفَاوِتَة , فَأَرْفَعهَا مَنْ اِتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَة وَمَاتَ بِالطَّاعُونِ , وَدُونه فِي الْمَرْتَبَة مَنْ اِتَّصَفَ بِهَا وَطُعِنَ وَلَمْ يَمُتْ بِهِ , وَدُونه مَنْ اِتَّصَفَ وَلَمْ يُطْعَن وَلَمْ يَمُتْ بِهِ. وَيُسْتَفَاد مِنْ الْحَدِيث أَيْضًا أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَّصِف بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَة لَا يَكُون شَهِيدًا وَلَوْ وَقَعَ الطَّاعُون وَمَاتَ بِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَمُوت بِغَيْرِهِ , وَذَلِكَ يَنْشَأ عَنْ شُؤْم الِاعْتِرَاض الَّذِي يَنْشَأ عَنْهُ التَّضَجُّر وَالتَّسَخُّط لِقَدَرِ اللَّه وَكَرَاهَة لِقَاء اللَّه , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور الَّتِي تَفُوت مَعَهَا الْخِصَال الْمَشْرُوطَة , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْض الْأَحَادِيث اِسْتِوَاء شَهِيد الطَّاعُون وَشَهِيد الْمَعْرَكَة , فَأَخْرَجَ أَحْمَد بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ عُتْبَة بْن عَبْد السُّلَمِيّ رَفَعَهُ \" يَأْتِي الشُّهَدَاء وَالْمُتَوَفَّوْنَ بِالطَّاعُونِ , فَيَقُول أَصْحَاب الطَّاعُون : نَحْنُ شُهَدَاء , فَيُقَال : اُنْظُرُوا فَإِنْ كَانَ جِرَاحهمْ كَجِرَاحِ الشُّهَدَاء تَسِيل دَمًا وَرِيحهَا كَرِيحِ الْمِسْك فَهُمْ شُهَدَاء , فَيَجِدُونَهُمْ كَذَلِكَ \". وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث الْعِرْبَاض بْن سَارِيَة أَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ حَسَن أَيْضًا بِلَفْظِ \" يَخْتَصِم الشُّهَدَاء وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشهمْ إِلَى رَبّنَا عَزَّ وَجَلَّ فِي الَّذِينَ مَاتُوا بِالطَّاعُونِ , فَيَقُول الشُّهَدَاء : إِخْوَاننَا قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا , وَيَقُول الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى فُرُشهمْ إِخْوَاننَا مَاتُوا عَلَى فُرُشهمْ كَمَا مُتْنَا , فَيَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : اُنْظُرُوا إِلَى جِرَاحهمْ , فَإِنْ أَشْبَهَتْ جِرَاح الْمَقْتُولِينَ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ , فَإِذَا جِرَاحهمْ أَشْبَهَتْ جِرَاحهمْ \" زَادَ الْكَلَابَاذِيّ فِي \" مَعَانِي الْأَخْبَار \" مِنْ هَذَا الْوَجْه فِي آخِره \" فَيَلْحَقُونَ بِهِمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ النَّضْر عَنْ دَاوُدَ ) ‏ ‏النَّضْر هُوَ اِبْن شُمَيْلٍ , وَدَاوُد هُوَ اِبْن أَبِي الْفُرَات , وَقَدْ أَخْرَجَ طَرِيق النَّضْر فِي \" كِتَاب الْقَدَر \" عَنْ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم عَنْهُ , وَتَقَدَّمَ مَوْصُولًا أَيْضًا فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَفَّان وَعَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث وَأَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْمُقْرِي وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق يُونُس بْن مُحَمَّد الْمُؤَدِّب كُلّهمْ عَنْ دَاوُدَ بْن أَبِي الْفُرَات , وَإِنَّمَا ذَكَرْت ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّم أَنَّ الْبُخَارِيّ أَرَادَ بِقَوْلِهِ \" تَابَعَهُ النَّضْر \" إِزَالَة تَوَهُّم مَنْ يَتَوَهَّم تَفَرُّد حَبَّان بْن هِلَال بِهِ فَيَظُنّ أَنَّهُ لَمْ يَرَوْهُ غَيْرهمَا , وَلَمْ يُرِدْ الْبُخَارِيّ ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَرَادَ إِزَالَة تَوَهُّم التَّفَرُّد بِهِ فَقَطْ , وَلَمْ يُرِدْ الْحَصْر فِيهِمَا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5294",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْمَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ فَلَمَّا ثَقُلَ كُنْتُ أَنْفِثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا فَسَأَلْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏كَيْفَ يَنْفِثُ قَالَ كَانَ يَنْفِثُ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يَنْفُث عَلَى نَفْسه فِي الْمَرَض الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ ) ‏ ‏دَلَالَته عَلَى الْمَعْطُوف فِي التَّرْجَمَة ظَاهِرَة , وَفِي دَلَالَته عَلَى الْمَعْطُوف عَلَيْهِ نَظَر , لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ مَشْرُوعِيَّة الرُّقَى بِالْمُعَوِّذَاتِ أَنْ يُشْرَع بِغَيْرِهَا مِنْ الْقُرْآن لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون فِي الْمُعَوِّذَات سِرّ لَيْسَ فِي غَيْرهَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ مَا عَدَا الْمُعَوِّذَات , لَكِنْ ثَبَتَتْ الرُّقْيَة بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا اِخْتِصَاص لِلْمُعَوِّذَاتِ , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي تَعْقِيب الْمُصَنِّف هَذِهِ التَّرْجَمَة بِبَابِ الرُّقَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب , وَفِي الْفَاتِحَة مِنْ مَعْنَى الِاسْتِعَاذَة بِاَللَّهِ الِاسْتِعَانَة بِهِ , فَمَهْمَا كَانَ فِيهِ اِسْتِعَاذَة أَوْ اِسْتِعَانَة بِاَللَّهِ وَحْده أَوْ مَا يُعْطِي مَعْنَى ذَلِكَ فَالِاسْتِرْقَاء بِهِ مَشْرُوع. وَيُجَاب عَنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد بِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ تَرَكَ مَا كَانَ يَتَعَوَّذ بِهِ مِنْ الْكَلَام غَيْر الْقُرْآن , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَة \" الرُّقَى بِالْقُرْآنِ \" بَعْضه فَإِنَّهُ اِسْم جِنْس يَصْدُق عَلَى بَعْضه , وَالْمُرَاد مَا كَانَ فِيهِ اِلْتِجَاء إِلَى اللَّه سُبْحَانه , وَمِنْ ذَلِكَ الْمُعَوِّذَات , وَقَدْ ثَبَتَ الِاسْتِعَاذَة بِكَلِمَاتِ اللَّه فِي عِدَّة أَحَادِيث كَمَا مَضَى. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي الْمُعَوِّذَات جَوَامِع مِنْ الدُّعَاء. نَعَمْ أَكْثَر الْمَكْرُوهَات مِنْ السِّحْر وَالْحَسَد وَشَرّ الشَّيْطَان وَوَسْوَسَته وَغَيْر ذَلِكَ , فَلِهَذَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْتَفِي بِهَا. قُلْت : وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب السِّحْر \" شَيْء مِنْ هَذَا , وَقَوْله \" فِي الْمَرَض الَّذِي مَاتَ فِيهِ \" لَيْسَ قَيْدًا فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَشَارَتْ عَائِشَة إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي آخِر حَيَاته وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْسَخ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْفُث عَنْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَلَيْهِ \" وَسَيَأْتِي بَاب مُفْرَد فِي النَّفْث فِي الرُّقْيَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمْسَح بِيَدِهِ نَفْسه ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة أَيْ أَمْسَح جَسَده بِيَدِهِ , وَبِالْكَسْرِ عَلَى الْبَدَل , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِيَدِ نَفْسه \" وَهُوَ يُؤَيِّد الِاحْتِمَال الثَّانِي. قَالَ عِيَاض : فَائِدَة النَّفْث التَّبَرُّك بِتِلْكَ الرُّطُوبَة أَوْ الْهَوَاء الَّذِي مَاسّه الذِّكْر كَمَا يُتَبَرَّك بِغُسَالَةِ مَا يُكْتَب مِنْ الذِّكْر , وَقَدْ يَكُون عَلَى سَبِيل التَّفَاؤُل بِزَوَالِ ذَلِكَ الْأَلَم عَنْ الْمَرِيض كَانْفِصَالِ ذَلِكَ عَنْ الرَّاقِي اِنْتَهَى. وَلَيْسَ بَيْن قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" كَانَ يَنْفُث عَلَى نَفْسه \" وَبَيْن الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" كَانَ يَأْمُرنِي أَنْ أَفْعَل ذَلِكَ \" مُعَارَضَة لِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ فِي اِبْتِدَاء الْمَرَض كَانَ يَفْعَلهُ بِنَفْسِهِ وَفِي اِشْتِدَاده كَانَ يَأْمُرهَا بِهِ وَتَفْعَلهُ هِيَ مِنْ قِبَل نَفْسهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَأَلْت الزُّهْرِيّ ) ‏ ‏الْقَائِل مَعْمَر , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَفِي الْحَدِيث التَّبَرُّك بِالرَّجُلِ الصَّالِح وَسَائِر أَعْضَائِهِ وَخُصُوصًا الْيَد الْيُمْنَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5295",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ نَاسًا مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏فَلَمْ ‏ ‏يَقْرُوهُمْ ‏ ‏فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ فَقَالُوا هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ ‏ ‏رَاقٍ ‏ ‏فَقَالُوا إِنَّكُمْ لَمْ ‏ ‏تَقْرُونَا ‏ ‏وَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنْ الشَّاءِ فَجَعَلَ يَقْرَأُ ‏ ‏بِأُمِّ الْقُرْآنِ ‏ ‏وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفِلُ فَبَرَأَ فَأَتَوْا بِالشَّاءِ فَقَالُوا لَا نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلُوهُ فَضَحِكَ وَقَالَ ‏ ‏وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا ‏ ‏رُقْيَةٌ ‏ ‏خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي قِصَّة الَّذِينَ أَتَوْا عَلَى الْحَيّ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ , فَلُدِغَ سَيِّد الْحَيّ فَرَقَاهُ أَبُو سَعِيد بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْإِجَارَة مُسْتَوْفًى. ‏"
    },
    {
        "id": "5296",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سِيدَانُ بْنُ مُضَارِبٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْشَرٍ الْبَصْرِيُّ هُوَ صَدُوقٌ يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ الْبَرَّاءُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَخْنَسِ أَبُو مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ نَفَرًا مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ أَوْ سَلِيمٌ فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَقَالَ هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ إِنَّ فِي الْمَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا أَوْ سَلِيمًا فَانْطَلَقَ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْهُمْ ‏ ‏فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ فَبَرَأَ فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَقَالُوا أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا حَتَّى قَدِمُوا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سِيدَان ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة ‏ ‏( اِبْن مُضَارِب ) ‏ ‏بِضَادٍ مُعْجَمَة وَمُوَحَّدَة آخِره ‏ ‏( أَبُو مُحَمَّد الْبَاهِلِيّ ) ‏ ‏هُوَ بَصْرِيّ قَوَّاهُ أَبُو حَاتِم وَغَيْره , وَشَيْخه الْبَرَّاء بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الرَّاء نُسِبَ إِلَى بَرْي الْعُود كَانَ عَطَّارًا , وَقَدْ ضَعَّفَهُ اِبْن مَعِين , وَوَثَّقَهُ الْمُقَدَّمِيّ , وَقَالَ أَبُو حَاتِم : يُكْتَب حَدِيثه , وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى التَّخْرِيج لَهُ. وَوَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ \" أَبُو مَعْشَر الْبَصْرِيّ وَهُوَ صَدُوق \" , وَشَيْخه عُبَيْد اللَّه بِالتَّصْغِيرِ اِبْن الْأَخْنَس بِخَاءٍ مُعْجَمَة سَاكِنَة وَنُون مَفْتُوحَة هُوَ نَخَعِيّ كُوفِيّ يُكَنَّى أَبَا مَالِك. وَيُقَال إِنَّهُ مِنْ مَوَالِي الْأَزْد , وَثَّقَهُ الْأَئِمَّة , وَشَذَّ اِبْن حِبَّان فَقَالَ فِي الثِّقَات يُخْطِئ كَثِيرًا , وَمَا لِلثَّلَاثَةِ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث ; وَلَكِنْ لِعُبَيْدِ اللَّه بْن الْأَخْنَس عِنْده حَدِيث آخَر فِي كِتَاب الْحَجّ , وَلِأَبِي مَعْشَر آخَر فِي الْأَشْرِبَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَرُّوا بِمَاءٍ ) ‏ ‏أَيْ بِقَوْمٍ نُزُول عَلَى مَاء. ‏ ‏قَوْله : ( فِيهِمْ لَدِيغ ) ‏ ‏بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة ‏ ‏( أَوْ سَلِيم ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَالسَّلِيم هُوَ اللَّدِيغ سُمِّيَ بِذَلِكَ تَفَاؤُلًا مِنْ السَّلَامَة لِكَوْنِ غَالِب مِنْ يُلْدَغ يَعْطَب , وَقِيلَ سَلِيم فَعِيل بِمَعْنَى مَفْعُول لِأَنَّهُ أَسْلَمَ لِلْعَطَبِ , وَاسْتِعْمَال اللَّدْغ فِي ضَرْب الْعَقْرَب مَجَاز , وَالْأَصْل أَنَّهُ الَّذِي يَضْرِب بِفِيهِ , وَاَلَّذِي يَضْرِب بِمُؤَخَّرِهِ يُقَال لَسَعَ , وَبِأَسْنَانِهِ نَهَسَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَة , وَبِأَنْفِهِ نَكَزَ بِنُونٍ وَكَافٍ وَزَاي , وَبِنَابِهِ نَشِطَ , هَذَا هُوَ الْأَصْل وَقَدْ يُسْتَعْمَل بَعْضهَا مَكَان بَعْض تَجَوُّزًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُل مِنْ أَهْل الْمَاء ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَ رَجُل مِنْهُمْ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمه , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْإِجَارَة , وَبَيَّنْت فِيهِ أَنَّ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَحَدِيث أَبِي سَعِيد فِي قِصَّة وَاحِدَة وَأَنَّهَا وَقَعَتْ لَهُمْ مَعَ الَّذِي لُدِغَ , وَأَنَّهُ وَقَعَتْ لِلصَّحَابَةِ قِصَّة أُخْرَى مَعَ رَجُل مُصَاب بِعَقْلِهِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَته هُنَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5297",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أَمَرَ ‏ ‏أَنْ ‏ ‏يُسْتَرْقَى مِنْ الْعَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مَعْبَد بْن خَالِد ) ‏ ‏هُوَ الْجَدَلِيّ الْكُوفِيّ تَابِعِيّ , وَشَيْخه عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ الْهَادِ لَهُ رُؤْيَة وَأَبُوهُ صَحَابِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق مِسْعَر عَنْ مَعْبَد بْن خَالِد , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ مِثْله , لَكِنْ شَكَّ فِيهِ فَقَالَ : \" أَوْ قَالَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ عَائِشَة \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ أَمَرَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ أَمَرَ أَنْ يُسْتَرْقَى مِنْ الْعَيْن ) ‏ ‏أَيْ يُطْلَب الرُّقْيَة مِمَّنْ يَعْرِف الرُّقَى بِسَبَبِ الْعَيْن , كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ هَلْ قَالَتْ \" أَمَرَ \" بِغَيْرِ إِضَافَة أَوْ \" أَمَرَنِي \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه عَنْ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ مُعَاذ بْن الْمُثَنَّى عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ : \" أَمَرَنِي \" جَزْمًا وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي نُعَيْم عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ سُفْيَان \" كَانَ يَأْمُرنِي أَنْ أَسَتَرْقِي \" وَعِنْده مِنْ طَرِيق مِسْعَر عَنْ مَعْبَد بْن خَالِد \" كَانَ يَأْمُرهَا \" وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ سُفْيَان \" أَمَرَهَا أَنْ تَسْتَرِقِي \" وَهُوَ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة الرُّقْيَة لِمَنْ أَصَابَهُ الْعَيْن , وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن رِفَاعَة \" عَنْ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْس أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ وَلَد جَعْفَر تُسْرِع إِلَيْهِمْ الْعَيْن أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ \" الْحَدِيث , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث جَابِر أَخْرَجَهُ مُسْلِم قَالَ : \" رَخَّصَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِآلِ حَزْم فِي الرُّقْيَة , وَقَالَ لِأَسْمَاء : مَا لِي أَرَى أَجْسَام بَنِي أَخِي ضَارِعَة ؟ أَتُصِيبُهُمْ الْحَاجَة ؟ قَالَ : لَا , وَلَكِنَّ الْعَيْن تُسْرِع إِلَيْهِمْ , قَالَ : اِرْقِيهِمْ , فَعَرَضْت عَلَيْهِ فَقَالَ : اِرْقِيهِمْ \" وَقَوْله : \" ضَارِعَة \" بِمُعْجَمَةٍ أَوَّله أَيْ نَحِيفَة , وَوَرَدَ فِي مُدَاوَاة الْمَعْيُونِ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة أَيْضًا قَالَتْ : \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُر الْعَائِن أَنْ يَتَوَضَّأ ثُمَّ يَغْتَسِل مِنْهُ الْمَعِين \" وَسَأَذْكُرُ كَيْفِيَّة اِغْتِسَاله فِي شَرْح حَدِيث الْبَاب الَّذِي بَعْد هَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5298",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ الدِّمَشْقِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا ‏ ‏سَفْعَةٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اسْتَرْقُوا لَهَا فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّبَيْدِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خَالِد ) ‏ ‏قَالَ الْحَاكِم وَالْجَوْزَقِيّ وَالْكَلَابَاذِيّ وَأَبُو مَسْعُود وَمَنْ تَبِعَهُمْ , هُوَ الذُّهْلِيُّ نُسِبَ إِلَى جَدّ أَبِيهِ فَإِنَّهُ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن خَالِد بْن فَارِس , وَقَدْ كَانَ أَبُو دَاوُدَ يَرْوِي عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى فَيَنْسِبُ أَبَاهُ إِلَى جَدّ أَبِيهِ أَيْضًا فَيَقُول : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن فَارِس , قَالُوا وَقَدْ حَدَّثَ أَبُو مُحَمَّد بْن الْجَارُود بِحَدِيثِ الْبَاب عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ , وَهِيَ قَرِينَة فِي أَنَّهُ الْمُرَاد , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ هُنَا \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خَالِد الذُّهْلِيُّ \" فَانْتَفَى أَنْ يُظَنّ أَنَّهُ مُحَمَّد بْن خَالِد بْن جَبَلَةَ الرَّافِعِيّ الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْن عَدِيّ فِي شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم أَيْضًا حَدِيث الْبَاب مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ عَنْ مُحَمَّد بْن وَهْب بْن عَطِيَّة الْمَذْكُور , وَكَذَا هُوَ فِي \" كِتَاب الزَّهْرِيَّات \" جَمْع الذُّهْلِيّ , وَهَذَا الْإِسْنَاد مِمَّا نَزَلَ فِيهِ الْبُخَارِيّ فِي حَدِيث عُرْوَة بْن الزُّبَيْر ثَلَاث دَرَجَات , فَإِنَّهُ أَخْرَجَ فِي صَحِيحه حَدِيثًا عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُوسَى عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ فِي الْعِتْق فَكَانَ بَيْنه وَبَيْن عُرْوَة رَجُلَانِ , وَهُنَا بَيْنه وَبَيْنه فِيهِ خَمْسَة أَنْفُس , وَمُحَمَّد بْن وَهْب بْن عَطِيَّة سُلَمِيّ قَدْ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيّ وَمَا أَدْرِي لَقِيَهُ أَمْ لَا , وَهُوَ مِنْ أَقْرَان الطَّبَقَة الْوُسْطَى مِنْ شُيُوخه , وَمَا لَهُ عِنْده إِلَّا هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَالِيًا بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيّ هَذِهِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حَرْب فَذَكَرَهُ , وَمُحَمَّد بْن حَرْب شَيْخه خَوْلَانِيّ حِمْصِيّ كَانَ كَاتِبًا لِلزُّبَيْدِيِّ شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث وَهُوَ ثِقَة عِنْد الْجَمِيع. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اِجْتَمَعَ فِي هَذَا السَّنَد مِنْ الْبُخَارِيّ إِلَى الزُّهْرِيِّ سِتَّة أَنْفُس فِي نَسَق كُلّ مِنْهُمْ اِسْمه مُحَمَّد , وَإِذَا رَوَيْنَا الصَّحِيح مِنْ طَرِيق الْفَرَاوِيّ عَنْ الْحَفْص عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَنْ الْفَرْبَرِيِّ كَانُوا عَشْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَى فِي بَيْتهَا جَارِيَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا , وَوَقَعَ فِي مُسْلِم قَالَ لِجَارِيَةٍ فِي بَيْت أُمّ سَلَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( فِي وَجْههَا سَفْعَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَيَجُور ضَمّهَا وَسُكُون الْفَاء بَعْدهَا عَيْن مُهْمَلَة وَحَكَى عِيَاض ضَمّ أَوَّله , قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ : هُوَ سَوَاد فِي الْوَجْه وَمِنْهُ سَفْعَة الْفَرَس سَوَاد نَاصِيَته , وَعَنْ الْأَصْمَعِيّ : حُمْرَة يَعْلُوهَا سَوَاد , وَقِيلَ : صُفْرَة , وَقِيلَ : سَوَاد مَعَ لَوْن آخَر , وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : لَوْن يُخَالِف لَوْن الْوَجْه , وَكُلّهَا مُتَقَارِبَة , وَحَاصِلهَا أَنَّ بِوَجْهِهَا مَوْضِعًا عَلَى غَيْر لَوْنه الْأَصْلِيّ , وَكَأَنَّ الِاخْتِلَاف بِحَسَبِ اللَّوْن الْأَصْلِيّ , فَإِنْ كَانَ أَحْمَر فَالسَّفْعَة سَوَاد صِرْف , وَإِنْ كَانَ أَبْيَض فَالسَّفْعَة صُفْرَة وَإِنْ كَانَ أَسْمَر فَالسَّفْعَة حُمْرَة يَعْلُوهَا سَوَاد. وَذَكَرَ صَاحِب \" الْبَارِع \" فِي اللُّغَة أَنَّ السَّفْع سَوَاد الْخَدَّيْنِ مِنْ الْمَرْأَة الشَّاحِبَة , وَالشُّحُوب بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة : تَغَيُّر اللَّوْن بِهُزَالٍ أَوْ غَيْره , وَمِنْهُ سَفْعَاء الْخَدَّيْنِ , وَتُطْلَق السَّفْعَة عَلَى الْعَلَامَة , وَمِنْهُ بِوَجْهِهَا سَفْعَة غَضَب. وَهُوَ رَاجِع إِلَى تَغَيُّر اللَّوْن , وَأَصْل السَّفْع الْأَخْذ بِقَهْرٍ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ) وَيُقَال إنَّ أَصْل السَّفْع الْأَخْذ بِالنَّاصِيَةِ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرهَا , وَقِيلَ فِي تَفْسِيرهَا : لَنُعَلِّمَنَّهُ بِعَلَامَةِ أَهْل النَّار مِنْ سَوَاد الْوَجْه وَنَحْوه , وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَنُذِلَّنَّهُ , مُمْكِن رَدّ الْجَمِيع إِلَى مَعْنَى وَاحِد فَإِنَّهُ إِذَا أُخِذَ بِنَاصِيَتِهِ بِطَرِيقِ الْقَهْر أَذَلَّهُ وَأَحْدَثَ لَهُ تَغَيُّر لَوْنه فَظَهَرَتْ فِيهِ تِلْكَ الْعَلَامَة وَمِنْهُ قَوْله فِي حَدِيث الشَّفَاعَة \" قَوْم أَصَابَهُمْ سَفْع مِنْ النَّار \". ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَرْقُوا لَهَا ) ‏ ‏بِسُكُونِ الرَّاء. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَة ) ‏ ‏بِسُكُونِ الظَّاء الْمُعْجَمَة , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقَالَ إِنَّ بِهَا نَظْرَة فَاسْتَرْقُوا لَهَا \" يَعْنِي بِوَجْهِهَا صُفْرَة , وَهَذَا التَّفْسِير مَا عَرَفْت قَائِله إِلَّا أَنَّهُ يَغْلِب عَلَى ظَنِّي أَنَّهُ الزُّهْرِيّ , وَقَدْ أَنْكَرَهُ عِيَاض مِنْ حَيْثُ اللُّغَة , وَتَوْجِيهه مَا قَدَّمْته وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالنَّظْرَةِ فَقِيلَ : عَيْن مِنْ نَظَر الْجِنّ , وَقِيلَ مِنْ الْإِنْس وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيُّ , وَالْأَوْلَى أَنَّهُ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّهَا أُصِيبَتْ بِالْعَيْنِ فَلِذَلِكَ أَذِنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِاسْتِرْقَاء لَهَا , وَهُوَ دَالّ عَلَى مَشْرُوعِيَّة الرُّقْيَة مِنْ الْعَيْن عَلَى وَفْق التَّرْجَمَة. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَبْد اللَّه بْن سَالِم ) ‏ ‏يَعْنِي الْحِمْصِيّ , وَكُنْيَته أَبُو يُوسُف ‏ ‏( عَنْ الزُّبَيْدِيّ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى وَصْل الْحَدِيث. \" ‏ ‏وَقَالَ عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُرْوَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ‏ ‏يَعْنِي لَمْ يَذْكُر فِي إِسْنَاده زَيْنَب وَلَا أُمّ سَلَمَة , فَأَمَّا رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن سَالِم فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي \" الزَّهْرِيَّات \" وَالطَّبَرَانِيُّ فِي \" مُسْنَد الشَّامِيِّينَ \" مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن الْعَلَاء الْحِمْصِيّ عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث الْحِمْصِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَالِم بِهِ سَنَدًا وَمَتْنًا , وَأَمَّا رِوَايَة عُقَيْل فَرَوَاهَا اِبْن وَهْب عَنْ اِبْن لَهِيعَة عَنْ عُقَيْل وَلَفْظه \" أَنَّ جَارِيَة دَخَلْت عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْت أُمّ سَلَمَة فَقَالَ \" كَأَنَّ بِهَا سَفْعَة أَوْ خُطِرَتْ بِنَارٍ \" هَكَذَا وَقَعَ لَنَا مَسْمُوعًا فِي جُزْء مِنْ \" فَوَائِد أَبِي الْفَضْل بْن طَاهِر \" بِسَنَدِهِ إِلَى اِبْن وَهْب , وَرَوَاهُ اللَّيْث عَنْ عُقَيْل أَيْضًا , وَوَجَدْته فِي \" مُسْتَدْرَك الْحَاكِم \" مِنْ حَدِيثه لَكِنْ زَادَ فِيهِ عَائِشَة بَعْد عُرْوَة , وَهُوَ وَهْم فِيمَا أَحْسَب , وَوَجَدْته فِي \" جَامِع اِبْن وَهْب \" عَنْ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَارِيَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَاعْتَمَدَ الشَّيْخَانِ فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى رِوَايَة الزُّبَيْدِيّ لِسَلَامَتِهَا مِنْ الِاضْطِرَاب وَلَمْ يَلْتَفِتَا إِلَى تَقْصِير يُونُس فِيهِ , وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن مُسْلِم أَنَّهُ سَمِعَ الْأَوْزَاعِيَّ يُفَضِّل الزُّبَيْدِيّ عَلَى جَمِيع أَصْحَاب الزُّهْرِيِّ , يَعْنِي فِي الضَّبْط , وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُلَازِمهُ كَثِيرًا حَضَرًا وَسَفَرًا , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعُمْدَة لِمَنْ وَصَلَ عَلَى مَنْ أَرْسَلَ لِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ عَلَى تَصْحِيح الْمَوْصُول هُنَا عَلَى الْمُرْسَل , وَالتَّحْقِيق أَنَّهُمَا لَيْسَ لَهُمَا فِي تَقْدِيم الْوَصْل عَمَل مُطَّرِد بَلْ هُوَ دَائِر مَعَ الْقَرِينَة , فَمَهْمَا تَرَجَّحَ بِهَا اِعْتَمَدَاهُ , وَإِلَّا فَكَمْ حَدِيث أَعْرَضَا عَنْ تَصْحِيحه لِلِاخْتِلَافِ فِي وَصْله وَإِرْسَاله , وَقَدْ جَاءَ حَدِيث عُرْوَة هَذَا مِنْ غَيْر رِوَايَة الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ عُرْوَة عَنْ أُمّ سَلَمَة , فَسَقَطَ مِنْ رِوَايَته ذِكْر زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة , وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : رَوَاهُ مَالِك وَابْن عُيَيْنَةَ وَسَمَّى جَمَاعَة كُلّهمْ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد فَلَمْ يُجَاوِزَا بِهِ عُرْوَة , وَتَفَرَّدَ أَبُو مُعَاوِيَة بِذِكْرِ أُمّ سَلَمَة فِيهِ وَلَا يَصِحّ , وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِهَذِهِ الطَّرِيق لِانْفِرَادِ الْوَاحِد عَنْ الْعَدَد الْجَمّ , وَإِذَا اِنْضَمَّتْ هَذِهِ الطَّرِيق إِلَى رِوَايَة الزُّبَيْدِيّ قَوِيَتْ جِدًّا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5299",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْعَيْنُ حَقٌّ وَنَهَى عَنْ ‏ ‏الْوَشْمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْعَيْن حَقّ , وَنَهَى عَنْ الْوَشْم ) ‏ ‏لَمْ تَظْهَر الْمُنَاسَبَة بَيْن هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ , فَكَأَنَّهُمَا حَدِيثَانِ مُسْتَقِلَّانِ , وَلِهَذَا حَذَفَ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ الْجُمْلَة الثَّانِيَة مِنْ رِوَايَتهمَا مَعَ أَنَّهُمَا أَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ جِهَته , وَيُحْتَمَل أَنْ يُقَال : الْمُنَاسَبَة بَيْنهمَا اِشْتِرَاكهمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُحْدِث فِي الْعُضْو لَوْنًا غَيْر لَوْنه الْأَصْلِيّ , وَالْوَشْم بِفَتْحِ الْوَاو وَسُكُون الْمُعْجَمَة أَنْ يَغْرِز إِبْرَة أَوْ نَحْوهَا فِي مَوْضِع مِنْ الْبَدَن حَتَّى يَسِيل الدَّم ثُمَّ يُحْشَى ذَلِكَ الْمَوْضِع بِالْكُحْلِ أَوْ نَحْوه فَيَخْضَرّ , وَسَيَأْتِي بَيَان حُكْمه فِي \" بَاب الْمُسْتَوْشِمَة \" مِنْ أَوَاخِر كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ ظَهَرَتْ لِي مُنَاسَبَة بَيْن هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ لَمْ أَرَ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهَا , وَهِيَ أَنَّ مِنْ جُمْلَة الْبَاعِث عَلَى عَمَل الْوَشْم تَغَيُّر صِفَة الْمَوْشُوم لِئَلَّا تُصِيبهُ الْعَيْن , فَنَهَى عَنْ الْوَشْم مَعَ إِثْبَات الْعَيْن , وَأَنَّ التَّحَيُّل بِالْوَشْمِ وَغَيْره مِمَّا لَا يَسْتَنِد إِلَى تَعْلِيم الشَّارِع لَا يُفِيد شَيْئًا , وَأَنَّ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّه سَيَقَعُ وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَفْعه \" الْعَيْن حَقّ وَلَوْ كَانَ شَيْء سَابِق الْقَدَر لَسَبَقَتْهُ الْعَيْن , وَإِذَا اُسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا \" فَأَمَّا الزِّيَادَة الْأُولَى فَفِيهَا تَأْكِيد وَتَنْبِيه عَلَى سُرْعَة نُفُوذهَا وَتَأْثِيره فِي الذَّات , وَفِيهَا إِشَارَة إِلَى الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنْ الْمُتَصَوِّفَة أَنَّ قَوْله : \" الْعَيْن حَقّ \" يُرِيد بِهِ الْقَدَر أَيْ الْعَيْن الَّتِي تَجْرِي مِنْهَا الْأَحْكَام , فَإِنَّ عَيْن الشَّيْء حَقِيقَته , وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يُصِيب مِنْ الضَّرَر بِالْعَادَةِ عِنْد نَظَر النَّاظِر إِنَّمَا هُوَ بِقَدَرِ اللَّه السَّابِق لَا بِشَيْءٍ يُحْدِثهُ النَّاظِر فِي الْمَنْظُور. وَوَجْه الرَّدّ أَنَّ الْحَدِيث ظَاهِر فِي الْمُغَايَرَة بَيْن الْقَدَر وَبَيْن الْعَيْن , وَإِنْ كُنَّا نَعْتَقِد أَنَّ الْعَيْن مِنْ جُمْلَة الْمَقْدُور , لَكِنْ ظَاهِره إِثْبَات الْعَيْن الَّتِي تُصِيب إِمَّا بِمَا جَعَلَ اللَّه تَعَالَى فِيهَا مِنْ ذَلِكَ وَأَوْدَعَهُ فِيهَا , وَإِمَّا بِإِجْرَاءِ الْعَادَة بِحُدُوثِ الضَّرَر عِنْد تَحْدِيد النَّظَر , وَإِنَّمَا جَرَى الْحَدِيث مَجْرَى الْمُبَالَغَة فِي إِثْبَات الْعَيْن لَا أَنَّهُ يُمْكِن أَنْ يَرُدّ الْقَدَر شَيْء إِذْ الْقَدَر عِبَارَة عَنْ سَابِق عِلْم اللَّه , وَهُوَ لَا رَادّ لِأَمْرِهِ , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْقُرْطُبِيّ. وَحَاصِله لَوْ فُرِضَ أَنَّ شَيْئًا لَهُ قُوَّة بِحَيْثُ يَسْبِق الْقَدَر لَكَانَ الْعَيْن. لَكِنَّهَا لَا تُسْبَق , فَكَيْف غَيْرهَا ؟ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّار مِنْ حَدِيث جَابِر بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" أَكْثَر مَنْ يَمُوت مِنْ أُمَّتِي بَعْد قَضَاء اللَّه وَقَدَره بِالْأَنْفُسِ \" قَالَ الرَّاوِي : يَعْنِي بِالْعَيْنِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : فِي الْحَدِيث إِثْبَات الْقَدَر وَصِحَّة أَمْر الْعَيْن وَأَنَّهَا قَوِيَّة الضَّرَر , وَأَمَّا الزِّيَادَة الثَّانِيَة وَهِيَ أَمْر الْعَايِنِ بِالِاغْتِسَالِ عِنْد طَلَب الْمَعْيُونِ مِنْهُ ذَلِكَ فَفِيهَا إِشَارَة إِلَى أَنَّ الِاغْتِسَال لِذَلِكَ كَانَ مَعْلُومًا بَيْنهمْ , فَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَمْتَنِعُوا مِنْهُ إِذَا أُرِيدَ مِنْهُمْ , وَأَدْنَى مَا فِي ذَلِكَ رَفْع الْوَهْم الْحَاصِل فِي ذَلِكَ , وَظَاهِر الْأَمْر الْوُجُوب. وَحَكَى الْمَازِرِيّ فِيهِ خِلَافًا وَصَحَّحَ الْوُجُوب وَقَالَ : مَتَى خَشِيَ الْهَلَاك وَكَانَ اِغْتِسَال الْعَائِن مِمَّا جَرَتْ الْعَادَة بِالشِّفَاءِ بِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّن , وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ يُجْبَر عَلَى بَذْل الطَّعَام لِلْمُضْطَرِّ وَهَذَا أَوْلَى , وَلَمْ يُبَيِّن فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس صِفَة الِاغْتِسَال , وَقَدْ وَقَعَتْ فِي حَدِيث سَهْل بْن حُنَيْفٍ عِنْد أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْن سَهْل بْن حُنَيْفٍ \" أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْو مَاء , حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَزَّارِ مِنْ الْجُحْفَة اِغْتَسَلَ سَهْل بْن حُنَيْفٍ - وَكَانَ أَبْيَض حَسَن الْجِسْم وَالْجِلْد - فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِر بْن رَبِيعَة فَقَالَ : مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْد مُخَبَّأَة , فَلُبِطَ - أَيْ صُرِعَ وَزْنًا وَمَعْنًى - سَهْل. فَأَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَلْ تَتَّهِمُونَ بِهِ مِنْ أَحَد ؟ قَالُوا. عَامِر بْن رَبِيعَة. فَدَعَا عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ فَقَالَ : عَلَامَ يَقْتُل أَحَدكُمْ أَخَاهُ ؟ هَلَّا إِذَا رَأَيْت مَا يُعْجِبك بَرَّكْت. ثُمَّ قَالَ : اِغْتَسِلْ لَهُ , فَغَسَلَ وَجْهه وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَاف رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَة إِزَاره فِي قَدَح , ثُمَّ يَصُبّ ذَلِكَ الْمَاء عَلَيْهِ رَجُل مِنْ خَلْفه عَلَى رَأْسه وَظَهْره ثُمَّ يُكْفَأ الْقَدْح ; فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ , فَرَاحَ سَهْل مَعَ النَّاس لَيْسَ بِهِ بَأْس \" لَفْظ أَحْمَد مِنْ رِوَايَة أَبِي أُوَيْس عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَلَفْظ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَد أَنَّهُ يَصُبّ صَبَّة عَلَى وَجْهه بِيَدِهِ الْيُمْنَى , وَكَذَلِكَ سَائِر أَعْضَائِهِ صَبَّة صَبَّة فِي الْقَدَح , وَقَالَ فِي آخِره \" ثُمَّ يُكْفَأ الْقَدَح وَرَاءَهُ عَلَى الْأَرْض \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ عَامِر بْن رَبِيعَة مَرَّ بِسَهْلِ بْن حُنَيْفٍ وَهُوَ يَغْتَسِل , فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ. ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَأَمَرَ عَامِرًا أَنْ يَتَوَضَّأ فَيَغْسِل وَجْهه وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَرُكْبَتَيْهِ وَدَاخِلَة إِزَاره , وَأَمَرَهُ أَنْ يَصُبّ عَلَيْهِ \" قَالَ سُفْيَان قَالَ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ : \" وَأَمَرَ أَنْ يُكْفَأ الْإِنَاء مِنْ خَلْفه \" قَالَ الْمَازِرِيّ : الْمُرَاد بِدَاخِلَةِ الْإِزَار الطَّرَف الْمُتَدَلِّي الَّذِي يَلِي حَقْوه الْأَيْمَن , قَالَ فَظَنَّ بَعْضهمْ أَنَّهُ كِنَايَة عَنْ الْفَرْج اِنْتَهَى. وَزَادَ عِيَاض أَنَّ الْمُرَاد مَا يَلِي جَسَده مِنْ الْإِزَار , وَقِيلَ : أَرَادَ مَوْضِع الْإِزَار مِنْ الْجَسَد , وَقِيلَ : أَرَادَ وَرِكه لِأَنَّهُ مَعْقِد الْإِزَار. وَالْحَدِيث فِي \" الْمُوَطَّأ \" وَفِيهِ عَنْ مَالِك \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي أُمَامَةَ بْن سَهْل أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُول , اِغْتَسَلَ سَهْل - فَذَكَرَ نَحْوه وَفِيهِ - فَنَزَعَ جُبَّة كَانَتْ عَلَيْهِ وَعَامِر بْن رَبِيعَة يَنْظُر فَقَالَ : مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْد عَذْرَاء , فَوُعِكَ سَهْل مَكَانه وَاشْتَدَّ وَعَكه - وَفِيهِ - أَلَا بَرَّكْت ؟ إِنَّ الْعَيْن حَقّ , تَوَضَّأَ لَهُ , فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِر فَرَاحَ سَهْل لَيْسَ بِهِ بَأْس \". ‏ ‏( تَنْبِيهَات ) : ‏ ‏الْأَوَّل : اِقْتَصَرَ النَّوَوِيّ فِي \" الْأَذْكَار \" عَلَى قَوْله : الِاسْتِغْسَال أَنْ يُقَال لِلْعَائِنِ : اِغْسِلْ دَاخِلَة إِزَارك مِمَّا يَلِي الْجِلْد , فَإِذَا فَعَلَ صَبَّهُ عَلَى الْمَنْظُور إِلَيْهِ. وَهَذَا يُوهِم الِاقْتِصَار عَلَى ذَلِكَ , وَهُوَ عَجِيب , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ نُقِلَ فِي \" شَرْح مُسْلِم \" كَلَام عِيَاض بِطُولِهِ. الثَّانِي : قَالَ الْمَازِرِيّ هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا لَا يُمْكِن تَعْلِيله وَمَعْرِفَة وَجْهه مِنْ جِهَة الْعَقْل , فَلَا يُرَدّ لِكَوْنِهِ لَا يُعْقَل مَعْنَاهُ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ مُتَشَرِّع قُلْنَا لَهُ : قُلْ اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم , وَقَدْ عَضَّدَتْهُ التَّجْرِبَة وَصَدَّقَتْهُ الْمُعَايَنَة. أَوْ مُتَفَلْسِف فَالرَّدّ عَلَيْهِ أَظْهَر لِأَنَّ عِنْده أَنَّ الْأَدْوِيَة تُفْعَل بِقُوَاهَا , وَقَدْ تُفْعَل بِمَعْنًى لَا يُدْرَك , وَيُسَمُّونَ مَا هَذَا سَبِيله الْخَوَاصّ , وَقَالَ اِبْن الْقَيِّم : هَذِهِ الْكَيْفِيَّة لَا يَنْتَفِع بِهَا مَنْ أَنْكَرَهَا وَلَا مَنْ سَخِرَ مِنْهَا وَلَا مَنْ شَكَّ فِيهَا أَوْ فَعَلَهَا مُجَرِّبًا غَيْر مُعْتَقِد , وَإِذَا كَانَ فِي الطَّبِيعَة خَوَاصّ لَا يَعْرِف الْأَطِبَّاء عِلَلهَا بَلْ هِيَ عِنْدهمْ خَارِجَة عَنْ الْقِيَاس وَإِنَّمَا تُفْعَل بِالْخَاصِّيَّةِ فَمَا الَّذِي تُنْكِر جَهَلَتهمْ مِنْ الْخَوَاصّ الشَّرْعِيَّة ؟ هَذَا مَعَ أَنَّ فِي الْمُعَالَجَة بِالِاغْتِسَالِ مُنَاسَبَة لَا تَأْبَاهَا الْعُقُول الصَّحِيحَة , فَهَذَا تِرْيَاق سُمّ الْحَيَّة يُؤْخَذ مِنْ لَحْمهَا , وَهَذَا عِلَاج النَّفْس الْغَضَبِيَّة تُوضَع الْيَد عَلَى بَدَن الْغَضْبَان فَيَسْكُن , فَكَانَ أَثَر تِلْكَ الْعَيْن كَشُعْلَةِ نَار وَقَعَتْ عَلَى جَسَد , فَفِي الِاغْتِسَال إِطْفَاء لِتِلْكَ الشُّعْلَة. ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّة الْخَبِيثَة تَظْهَر فِي الْمَوَاضِع الرَّقِيقَة مِنْ الْجَسَد لِشِدَّةِ النُّفُوذ فِيهَا , وَلَا شَيْء أَرَقّ مِنْ الْمَغَابِن , فَكَانَ فِي غَسْلهَا إِبْطَال لِعَمَلِهَا , وَلَا سِيَّمَا أَنَّ لِلْأَرْوَاحِ الشَّيْطَانِيَّة فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع اِخْتِصَاصًا. وَفِيهِ أَيْضًا وُصُول أَثَر الْغَسْل إِلَى الْقَلْب مِنْ أَرَقّ الْمَوَاضِع وَأَسْرَعهَا نَفَاذًا , فَتَنْطَفِئ تِلْكَ النَّار الَّتِي أَثَارَتْهَا الْعَيْن بِهَذَا الْمَاء. الثَّالِث : هَذَا الْغَسْل يَنْفَع بَعْد اِسْتِحْكَام النَّظْرَة , فَأَمَّا عِنْد الْإِصَابَة وَقَبْل الِاسْتِحْكَام فَقَدْ أَرْشَدَ الشَّارِع إِلَى مَا يَدْفَعهُ بِقَوْلِهِ فِي قِصَّة سَهْل بْن حُنَيْفٍ الْمَذْكُورَة كَمَا مَضَى \" أَلَا بَرَّكْت عَلَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ \" فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ \" وَمِثْله عِنْد اِبْن السُّنِّيّ مِنْ حَدِيث عَامِر بْن رَبِيعَة , وَأَخْرَجَ الْبَزَّار وَابْن السُّنِّيّ مِنْ حَدِيث أَنَس رَفَعَهُ \" مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ : مَا شَاءَ اللَّه لَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ , لَمْ يَضُرّهُ \". وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا أَنَّ الْعَائِن إِذَا عُرِفَ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالِاغْتِسَالِ , وَأَنَّ الِاغْتِسَال مِنْ النَّشْرَة النَّافِعَة , وَأَنَّ الْعَيْن تَكُون مَعَ الْإِعْجَاب وَلَوْ بِغَيْرِ حَسَد , وَلَوْ مِنْ الرَّجُل الْمُحِبّ , وَمِنْ الرَّجُل الصَّالِح , وَأَنَّ الَّذِي يُعْجِبهُ الشَّيْء يَنْبَغِي أَنْ يُبَادِر إِلَى الدُّعَاء لِلَّذِي يُعْجِبهُ بِالْبَرَكَةِ , وَيَكُون ذَلِكَ رُقْيَة مِنْهُ , وَأَنَّ الْمَاء الْمُسْتَعْمَل طَاهِر , وَفِيهِ جَوَاز الِاغْتِسَال بِالْفَضَاءِ , وَأَنَّ الْإِصَابَة بِالْعَيْنِ قَدْ تَقْتُل. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي جَرَيَان الْقِصَاص بِذَلِكَ فَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَوْ أَتْلَفَ الْعَائِن شَيْئًا ضَمِنَهُ , وَلَوْ قَتَلَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاص أَوْ الدِّيَة إِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَصِير عَادَة , وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَالسَّاحِرِ عِنْد مَنْ لَا يَقْتُلهُ كُفْرًا , اِنْتَهَى. وَلَمْ يَتَعَرَّض الشَّافِعِيَّة لِلْقِصَاصِ فِي ذَلِكَ , بَلْ مَنَعُوهُ وَقَالُوا : إِنَّهُ لَا يُقْتَل غَالِبًا وَلَا يُعَدّ مُهْلِكًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي \" الرَّوْضَة : وَلَا دِيَة فِيهِ وَلَا كَفَّارَة. لِأَنَّ الْحُكْم إِنَّمَا يَتَرَتَّب عَلَى مُنْضَبِطٍ عَامّ دُون مَا يَخْتَصّ بِبَعْضِ النَّاس فِي بَعْض الْأَحْوَال مِمَّا لَا اِنْضِبَاط لَهُ , كَيْف وَلَمْ يَقَع مِنْهُ فِعْل أَصْلًا , وَإِنَّمَا غَايَته حَسَد وَتَمَنٍّ لِزَوَالِ نِعْمَة. وَأَيْضًا فَاَلَّذِي يَنْشَأ عَنْ الْإِصَابَة بِالْعَيْنِ حُصُول مَكْرُوه لِذَلِكَ الشَّخْص , وَلَا يَتَعَيَّن ذَلِكَ الْمَكْرُوه فِي زَوَال الْحَيَاة , فَقَدْ يَحْصُل لَهُ مَكْرُوه بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَثَر الْعَيْن ا ه. وَلَا يُعَكِّر عَلَى ذَلِكَ إِلَّا الْحُكْم بِقَتْلِ السَّاحِر فَإِنَّهُ فِي مَعْنَاهُ , وَالْفَرْق بَيْنهمَا فِيهِ عُسْر. وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ مَنْع الْعَائِن إِذَا عُرِفَ بِذَلِكَ مِنْ مُدَاخَلَة النَّاس وَأَنْ يَلْزَم بَيْته , فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا رَزَقَهُ مَا يَقُوم بِهِ , فَإِنَّ ضَرَره أَشَدّ مِنْ ضَرَر الْمَجْذُوم الَّذِي أَمَرَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِمَنْعِهِ مِنْ مُخَالَطَة النَّاس كَمَا تَقَدَّمَ وَاضِحًا فِي بَابه , وَأَشَدّ مِنْ ضَرَر الثُّوم الَّذِي مَنَعَ الشَّارِع آكِله مِنْ حُضُور الْجَمَاعَة. قَالَ النَّوَوِيّ : وَهَذَا الْقَوْل صَحِيح مُتَعَيِّن لَا يُعْرَف عَنْ غَيْره تَصْرِيح بِخِلَافِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5300",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الرُّقْيَةِ ‏ ‏مِنْ الْحُمَةِ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏رَخَّصَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الرُّقْيَةَ ‏ ‏مِنْ كُلِّ ذِي حُمَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد , وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم حَيْثُ أَخْرَجَ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عُبَيْد بْن حَسَّان عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيُّ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو إِسْحَاق مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اِسْمه. ‏ ‏قَوْله : ( رَخَّصَ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ النَّهْي عَنْ الرُّقَى كَانَ مُتَقَدِّمًا , وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي الْبَاب الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ كُلّ ذِي حُمَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمِيم , تَقَدَّمَ بَيَانهَا فِي \" بَاب ذَات الْجَنْب \" وَأَنَّ الْمُرَاد بِهَا ذَوَات السُّمُوم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص عَنْ الشَّيْبَانِيِّ بِسَنَدِهِ \" رَخَّصَ فِي الرُّقْيَة مِنْ الْحَيَّة وَالْعَقْرَب. ‏"
    },
    {
        "id": "5301",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ أَنَا ‏ ‏وَثَابِتٌ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا حَمْزَةَ ‏ ‏اشْتَكَيْتُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏أَلَا ‏ ‏أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ بَلَى قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ مُذْهِبَ الْبَاسِ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ ‏ ‏سَقَمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْوَارِث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد , ‏ ‏وَعَبْد الْعَزِيز ‏ ‏هُوَ اِبْن صُهَيْب , وَالْإِسْنَاد بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ ثَابِت ) ‏ ‏هُوَ الْبُنَانِيُّ ‏ ‏( يَا أَبَا حَمْزَة ) ‏ ‏هِيَ كُنْيَة أَنَس. ‏ ‏قَوْله : ( اِشْتَكَيْت ) ‏ ‏بِضَمِّ التَّاء أَيْ مَرِضْت , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" إِنِّي اِشْتَكَيْت \". ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ اللَّام ‏ ‏و \" أَرْقِيك \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة. ‏ ‏قَوْله : ( مُذْهِب الْبَاسِ ) ‏ ‏بِغَيْرِ هَمْز لِلْمُؤَاخَاةِ فَإِنَّ أَصْله الْهَمْزَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْتَ الشَّافِي ) ‏ ‏يُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز تَسْمِيَة اللَّه تَعَالَى بِمَا لَيْسَ فِي الْقُرْآن بِشَرْطَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ لَا يَكُون فِي ذَلِكَ مَا يُوهِم نَقْصًا , وَالثَّانِي أَنْ يَكُون لَهُ أَصْل فِي الْقُرْآن وَهَذَا مِنْ ذَاكَ , فَإِنَّ فِي الْقُرْآن \" وَإِذَا مَرِضْت فَهُوَ يَشْفِينَ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا شَافِي إِلَّا أَنْتَ ) ‏ ‏إِشَارَة إِلَى أَنَّ كُلّ مَا يَقَع مِنْ الدَّوَاء وَالتَّدَاوِي إِنْ لَمْ يُصَادِف تَقْدِير اللَّه تَعَالَى وَإِلَّا فَلَا يُنْجِع. ‏ ‏قَوْله : ( شِفَاء ) ‏ ‏مَصْدَر مَنْصُوب بِقَوْلِهِ \" اِشْفِ \" وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى أَنَّهُ خَبَر مُبْتَدَأ أَيْ هُوَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُغَادِر ) ‏ ‏بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة أَيْ لَا يَتْرُك , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه وَالْحِكْمَة فِيهِ فِي أَوَاخِر كِتَاب الْمَرْضَى , ‏ ‏وَقَوْله \" سُقْمًا \" ‏ ‏بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُون , وَبِفَتْحَتَيْنِ أَيْضًا. وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْإِضَافَة فِي التَّرْجَمَة لِلْفَاعِلِ , وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا لِلْمَفْعُولِ , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" أَنَّ جِبْرِيل أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّد اِشْتَكَيْت ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ : بِسْمِ اللَّه أَرْقِيك , مِنْ كُلّ شَيْء يُؤْذِيك , مِنْ شَرّ كُلّ نَفْس أَوْ عَيْن حَاسِد اللَّه يَشْفِيك \" وَلَهُ شَاهِد عِنْده بِمَعْنَاهُ مِنْ حَدِيث عَائِشَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5302",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبْ الْبَاسَ اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ ‏ ‏سَقَمًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثْتُ بِهِ ‏ ‏مَنْصُورًا ‏ ‏فَحَدَّثَنِي عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , ‏ ‏وَسُلَيْمَان ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش ‏ ‏وَمُسْلِم ‏ ‏هُوَ أَبُو الضُّحَى مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اِسْمه , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ يَكُون مُسْلِم بْن عِمْرَان لِكَوْنِهِ يَرْوِي عَنْ مَسْرُوق وَيَرْوِي الْأَعْمَش عَنْهُ , وَهُوَ تَجْوِيز عَقْلِيّ مَحْض يَمُجّهُ سَمْع الْمُحَدِّث , عَلَى أَنَّنِي لَمْ أَرَ لِمُسْلِمِ بْن عِمْرَان الْبَطِين رِوَايَة عَنْ مَسْرُوق وَإِنْ كَانَتْ مُمْكِنَة , وَهَذَا الْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ مِنْ رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوق , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوق بِهِ , ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة هُشَيْمٍ وَمِنْ رِوَايَة شُعْبَة وَمِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ الثَّوْرِيّ كُلّهمْ عَنْ الْأَعْمَش قَالَ بِإِسْنَادِ جَرِير , فَوَضَحَ أَنَّ مُسْلِمًا الْمَذْكُور فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ هُوَ أَبُو الضُّحَى , فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان , وَغَايَته أَنَّ بَعْض الرُّوَاة عَنْ يَحْيَى سَمَّاهُ وَبَعْضهمْ كَنَّاهُ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يَعُوذ بَعْض أَهْله ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِينه. ‏ ‏قَوْله : ( يَمْسَح بِيَدِهِ الْيُمْنَى ) ‏ ‏أَيْ عَلَى الْوَجَع قَالَ الطَّبَرِيُّ : هُوَ عَلَى طَرِيق التَّفَاؤُل لِزَوَالِ ذَلِكَ الْوَجَع. ‏ ‏قَوْله : ( وَاشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ الْوَاو , وَالضَّمِير فِي اِشْفِهِ لِلْعَلِيلِ , أَوْ هِيَ هَاء السَّكْت. ‏ ‏قَوْله : ( لَا شِفَاء ) ‏ ‏بِالْمَدِّ مَبْنِيّ عَلَى الْفَتْح وَالْخَبَر مَحْذُوف وَالتَّقْدِير لَنَا أَوْ لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا شِفَاؤُك ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ بَدَل مِنْ مَوْضِع لَا شِفَاء. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثْت بِهِ مَنْصُورًا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , وَصَارَ بِذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيث إِلَى مَسْرُوق طَرِيقَانِ , وَإِذَا ضَمَّ الطَّرِيق الَّذِي بَعْده إِلَيْهِ صَارَ إِلَى عَائِشَة طَرِيقَانِ , وَإِذَا ضَمَّ إِلَى حَدِيث أَنَس صَارَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ طَرِيقَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( نَحْوه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ سِيَاقه فِي أَوَاخِر كِتَاب الْمَرْضَى مَعَ بَيَان الِاخْتِلَاف عَلَى الْأَعْمَش وَمَنْصُور فِي الْوَاسِطَة بَيْنهمَا وَبَيْن مَسْرُوق , وَمَنْ أَفْرَدَ وَمَنْ جَمَعَ وَتَحْرِير ذَلِكَ وَاضِحًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5303",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَرْقِي يَقُولُ ‏ ‏امْسَحْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ بِيَدِكَ الشِّفَاءُ لَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا أَنْتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( النَّضْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شُمَيْلٍ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يَرْقِي ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف , وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْله فِي الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا \" كَانَ يَعُوذ \" وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ أَيْضًا فِي إِيرَاد طَرِيق عُرْوَة وَإِنْ كَانَ سِيَاق مَسْرُوق أَتَمَّ , لَكِنْ عُرْوَة صَرَّحَ بِكَوْنِ ذَلِكَ رُقْيَة فَيُوَافِق حَدِيث أَنَس فِي أَنَّهَا رُقْيَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( اِمْسَحْ ) ‏ ‏هُوَ بِمَعْنَى قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" أَذْهِبْ \" وَالْمُرَاد الْإِزَالَة. ‏ ‏قَوْله : ( بِيَدِك الشِّفَاء لَا كَاشِف لَهُ ) ‏ ‏أَيْ لِلْمَرَضِ ‏ ‏( إِلَّا أَنْتَ ) ‏ ‏وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْله. \" اِشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شَافِي إِلَّا أَنْتَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5304",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَقُولُ لِلْمَرِيضِ ‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا يُشْفَى ‏ ‏سَقِيمُنَا ‏ ‏بِإِذْنِ رَبِّنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة , وَقَدَّمَ الْأُولَى لِتَصْرِيحِ سُفْيَان بِالتَّحْدِيثِ , وَصَدَقَة شَيْخه فِي الثَّانِيَة هُوَ اِبْن الْفَضْل الْمَرْوَزِيُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5305",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ فِي ‏ ‏الرُّقْيَةِ ‏ ‏تُرْبَةُ أَرْضِنَا وَرِيقَةُ بَعْضِنَا يُشْفَى ‏ ‏سَقِيمُنَا ‏ ‏بِإِذْنِ رَبِّنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد رَبّه بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ أَخُو يَحْيَى بْن سَعِيد , هُوَ ثِقَة , وَيَحْيَى أَشْهَر مِنْهُ وَأَكْثَر حَدِيثًا. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يَقُول لِلْمَرِيضِ بِسْمِ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة صَدَقَة \" كَانَ يَقُول فِي الرُّقْيَة \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان زِيَادَة فِي أَوَّله وَلَفْظه \" كَانَ إِذَا اِشْتَكَى الْإِنْسَان أَوْ كَانَتْ بِهِ قُرْحَة أَوْ جُرْح قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا - وَوَضَعَ سُفْيَان سَبَّابَته بِالْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَهَا - بِسْمِ اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( تُرْبَة أَرْضنَا ) ‏ ‏خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف أَيْ هَذِهِ تُرْبَة , ‏ ‏وَقَوْله \" بِرِيقَةِ بَعْضنَا \" ‏ ‏يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَتْفُل عِنْد الرُّقْيَة , قَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ رِيق نَفْسه عَلَى إِصْبَعه السَّبَّابَة ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى التُّرَاب فَعَلِقَ بِهِ شَيْء مِنْهُ ثُمَّ مَسَحَ بِهِ الْمَوْضِع الْعَلِيل أَوْ الْجَرِيح قَائِلًا الْكَلَام الْمَذْكُور فِي حَالَة الْمَسْح , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِيهِ دَلَالَة عَلَى جَوَاز الرُّقَى مِنْ كُلّ الْآلَام , وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَمْرًا فَاشِيًّا مَعْلُومًا بَيْنهمْ , قَالَ : وَوَضَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّابَته بِالْأَرْضِ وَوَضْعهَا عَلَيْهِ يَدُلّ عَلَى اِسْتِحْبَاب ذَلِكَ عِنْد الرُّقْيَة. ثُمَّ قَالَ : وَزَعَمَ بَعْض عُلَمَائِنَا أَنَّ السِّرّ فِيهِ أَنَّ تُرَاب الْأَرْض لِبُرُودَتِهِ وَيُبْسه يُبْرِئ الْمَوْضِع الَّذِي بِهِ الْأَلَم وَيَمْنَع اِنْصِبَاب الْمَوَادّ إِلَيْهِ لِيُبْسِهِ مَعَ مَنْفَعَته فِي تَجْفِيف الْجِرَاح وَانْدِمَالهَا. قَالَ وَقَالَ فِي الرِّيق : إِنَّهُ يَخْتَصّ بِالتَّحْلِيلِ وَالْإِنْضَاج وَإِبْرَاء الْجُرْح وَالْوَرَم لَا سِيَّمَا مِنْ الصَّائِم الْجَائِع , وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيّ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَتِمّ إِذَا وَقَعَتْ الْمُعَالَجَة عَلَى قَوَانِينهَا مِنْ مُرَاعَاة مِقْدَار التُّرَاب وَالرِّيق وَمُلَازَمَة ذَلِكَ فِي أَوْقَاته , وَإِلَّا فَالنَّفْث وَوَضْع السَّبَّابَة عَلَى الْأَرْض إِنَّمَا يَتَعَلَّق بِهَا مَا لَيْسَ لَهُ بَال وَلَا أَثَر , وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ بَاب التَّبَرُّك بِأَسْمَاءِ اللَّه تَعَالَى وَآثَار رَسُوله , وَأَمَّا وَضْع الْإِصْبَع بِالْأَرْضِ فَلَعَلَّهُ لِخَاصِّيَّةٍ فِي ذَلِكَ , أَوْ لِحِكْمَةِ إِخْفَاء آثَار الْقُدْرَة بِمُبَاشَرَةِ الْأَسْبَاب الْمُعْتَادَة. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : قَدْ شَهِدَت الْمَبَاحِث الطِّبِّيَّة عَلَى أَنَّ لِلرِّيقِ مُدْخَلًا فِي النُّضْج وَتَعْدِيل الْمِزَاج , وَتُرَاب الْوَطَن لَهُ تَأْثِير فِي حِفْظ الْمِزَاج وَدَفْع الضَّرَر , فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَسْتَصْحِب تُرَاب أَرْضه إِنْ عَجَزَ عَنْ اِسْتِصْحَاب مَائِهَا , حَتَّى إِذَا وَرَدَ الْمِيَاه الْمُخْتَلِفَة جَعَلَ شَيْئًا مِنْهُ فِي سِقَائِهِ لِيَأْمَن مَضَرَّة ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّ الرُّقَى وَالْعَزَائِم لَهَا آثَار عَجِيبَة تَتَقَاعَد الْعُقُول عَنْ الْوُصُول إِلَى كُنْههَا. وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : كَأَنَّ الْمُرَاد بِالتُّرْبَةِ الْإِشَارَة إِلَى قَطْرَة آدَم , وَالرِّيقَة الْإِشَارَة إِلَى النُّطْفَة , كَأَنَّهُ تَضَرُّع بِلِسَانِ الْحَال أَنَّك اِخْتَرَعْت الْأَصْل مِنْ التُّرَاب ثُمَّ أَبْدَعْته مِنْهُ مِنْ مَاء مَهِين فَهَيِّن عَلَيْك أَنْ تَشْفِي مَنْ كَانَتْ هَذِهِ نَشْأَته. وَقَالَ النَّوَوِيّ : قِيلَ الْمُرَاد بِأَرْضِنَا أَرْض الْمَدِينَة خَاصَّة لِبَرَكَتِهَا , وَبَعْضنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِشَرَفِ رِيقه , فَيَكُون ذَلِكَ مَخْصُوصًا. وَفِيهِ نَظَر. ‏ ‏قَوْله : ( يُشْفَى سَقِيمنَا ) ‏ ‏ضُبِطَ بِالْوَجْهَيْنِ بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَسَقِيمنَا بِالرَّفْعِ وَبِفَتْحِ أَوَّله عَلَى أَنَّ الْفَاعِل مُقَدَّر , وَسَقِيمنَا بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مَا يُفَسَّر بِهِ الشَّخْص الْمَرْقِيّ , وَذَلِكَ فِي حَدِيث عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى ثَابِت بْن قَيْس بْن شِمَاس وَهُوَ مَرِيض فَقَالَ : اِكْشِفْ الْبَاسَ , رَبّ النَّاس. ثُمَّ أَخَذَ مِنْ بَطْحَانَ فَجَعَلَهُ فِي قَدَح , ثُمَّ نَفَثَ عَلَيْهِ , ثُمَّ صَبَّهُ عَلَيْهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5306",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا قَتَادَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفِثْ حِينَ يَسْتَيْقِظُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَتَعَوَّذْ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏وَإِنْ كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ الْجَبَلِ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فَمَا أُبَالِيهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5307",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ ‏ ‏بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ‏ ‏وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعًا ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَلَمَّا اشْتَكَى كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏كُنْتُ أَرَى ‏ ‏ابْنَ شِهَابٍ ‏ ‏يَصْنَعُ ذَلِكَ إِذَا أَتَى إِلَى فِرَاشِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال أَيْضًا , ‏ ‏وَيُونُس ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشه نَفَثَ فِي كَفّه بِقُلْ هُوَ اللَّه أَحَد وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ يَقْرَؤُهَا وَيَنْفُث حَالَة الْقِرَاءَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَمْسَح بِهِمَا وَجْهه وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَده ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُفَضَّل بْن فَضَالَة عَنْ عُقَيْل \" ثُمَّ يَمْسَح بِهِمَا مَا اِسْتَطَاعَ مِنْ جَسَده يَبْدَأ بِهِمَا عَلَى رَأْسه وَوَجْهه وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَده يَفْعَل ذَلِكَ ثَلَاث مَرَّات \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا اِشْتَكَى كَانَ يَأْمُرنِي أَنْ أَفْعَل ذَلِكَ بِهِ ) ‏ ‏وَهَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ يُونُس , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ يُونُس بِلَفْظِ \" فَلَمَّا اِشْتَكَى وَجَعه الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ طَفِقْت أَنْفَثَ عَلَيْهِ \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس فَلَمْ يَذْكُرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ يُونُس : كُنْت أَرَى اِبْن شِهَاب يَصْنَع ذَلِكَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشه ) ‏ ‏وَقَعَ نَحْو ذَلِكَ فِي رِوَايَة عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْد عَبْد بْن حُمَيْدٍ , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَة شَاذَّة , وَأَنَّ الْمَحْفُوظ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ إِذَا اِشْتَكَى كَمَا فِي رِوَايَة مَالِك وَغَيْره , فَدَلَّتْ هَذِهِ الزِّيَادَة عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشه , وَكَانَ يَفْعَلهُ إِذَا اِشْتَكَى شَيْئًا مِنْ جَسَده , فَلَا مُنَافَاة بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَضَائِل الْقُرْآن قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُمَا حَدِيثَانِ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدٍ وَاحِد. ‏"
    },
    {
        "id": "5308",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏أَنَّ رَهْطًا مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْطَلَقُوا فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَدْ نَزَلُوا بِكُمْ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ فَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ فَقَالَ ‏ ‏بَعْضُهُمْ ‏ ‏نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي لَرَاقٍ وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ فَانْطَلَقَ فَجَعَلَ يَتْفُلُ وَيَقْرَأُ ‏ ‏الْحَمْدُ لِلَّهِ ‏ ‏رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏ ‏حَتَّى لَكَأَنَّمَا ‏ ‏نُشِطَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عِقَالٍ ‏ ‏فَانْطَلَقَ يَمْشِي مَا بِهِ قَلَبَةٌ قَالَ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ اقْسِمُوا فَقَالَ الَّذِي رَقَى لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ ‏ ‏وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا ‏ ‏رُقْيَةٌ ‏ ‏أَصَبْتُمْ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي قِصَّة اللَّدِيغ الَّذِي رَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب , وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْإِجَارَة , وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ قَرِيبًا. وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَجَعَلَ يَتْفُل وَيَقْرَأ \" وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّ النَّفْث دُون التَّفْل , وَإِذَا جَازَ التَّفْل جَازَ النَّفْث بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَفِيهَا \" مَا بِهِ قَلَبَة \" بِفَتْحِ اللَّام بَعْدهَا مُوَحَّدَة. أَيْ مَا بِهِ أَلَم يُقْلَب لِأَجْلِهِ عَلَى الْفِرَاش , وَقِيلَ أَصْله مِنْ الْقُلَاب بِضَمِّ الْقَاف وَهُوَ دَاء يَأْخُذ الْبَعِير فَيُمْسِك عَلَى قَلْبه فَيَمُوت مِنْ يَوْمه. ‏"
    },
    {
        "id": "5309",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعَوِّذُ بَعْضَهُمْ يَمْسَحُهُ بِيَمِينِهِ ‏ ‏أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ ‏ ‏سَقَمًا ‏ ‏فَذَكَرْتُهُ ‏ ‏لِمَنْصُورٍ ‏ ‏فَحَدَّثَنِي عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏بِنَحْوِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5310",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَنْفِثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ فَلَمَّا ثَقُلَ كُنْتُ أَنَا أَنْفِثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ فَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا فَسَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ شِهَابٍ ‏ ‏كَيْفَ كَانَ يَنْفِثُ قَالَ يَنْفِثُ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5311",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمًا فَقَالَ ‏ ‏عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي فَقِيلَ هَذَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏وَقَوْمُهُ ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ فَقِيلَ لِي انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ فَقِيلَ هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيَّنْ لَهُمْ فَتَذَاكَرَ ‏ ‏أَصْحَابُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ هُمْ أَبْنَاؤُنَا فَبَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ هُمْ الَّذِينَ لَا ‏ ‏يَتَطَيَّرُونَ ‏ ‏وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَامَ ‏ ‏عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ ‏ ‏فَقَالَ أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ أَمِنْهُمْ أَنَا فَقَالَ سَبَقَكَ بِهَا ‏ ‏عُكَاشَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حُصَيْنُ بْن نُمَيْر ) ‏ ‏بِنُونٍ مُصَغَّر هُوَ الْوَاسِطِيُّ , مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ , وَتَقَدَّمَ الْحَدِيث بِعَيْنِهِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حُصَيْنِ بْن عَبْد الرَّحْمَن فِي \" بَاب مَنْ اِكْتَوَى \" وَذَكَرْت مَنْ زَادَ فِي أَوَّله قِصَّة وَأَنَّ شَرْحه سَيَأْتِي فِي كِتَاب الرِّقَاق , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله \" هُمْ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرِقُونَ \" فَأَمَّا الطِّيَرَة فَسَيَأْتِي ذِكْرهَا بَعْد هَذَا , وَأَمَّا الْكَيّ فَتَقَدَّمَ ذِكْرهَا فِيهِ هُنَاكَ , وَأَمَّا الرُّقْيَة فَتَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ كَرِهَ الرُّقَى وَالْكَيّ مِنْ بَيْن سَائِر الْأَدْوِيَة وَزَعَمَ أَنَّهُمَا قَادِحَانِ فِي التَّوَكُّل دُون غَيْرهمَا , وَأَجَابَ الْعُلَمَاء عَنْ ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدهَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ وَالْمَازِرِيّ وَطَائِفَة أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَنْ جَانَبَ اِعْتِقَاد الطَّبَائِعِيِّينَ فِي أَنَّ الْأَدْوِيَة تَنْفَع بِطَبْعِهَا كَمَا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَعْتَقِدُونَ , وَقَالَ غَيْره : الرُّقَى الَّتِي يُحْمَد تَرْكهَا مَا كَانَ مِنْ كَلَام الْجَاهِلِيَّة وَمَا الَّذِي لَا يُعْقَل مَعْنَاهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون كُفْرًا , بِخِلَافِ الرُّقَى بِالذِّكْرِ وَنَحْوه. وَتَعَقَّبَهُ عِيَاض وَغَيْره بِأَنَّ الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى أَنَّ لِلسَّبْعِينَ أَلْفًا مَزِيَّة عَلَى غَيْرهمْ وَفَضِيلَة اِنْفَرَدُوا بِهَا عَمَّنْ شَارَكَهُمْ فِي أَصْل الْفَضْل وَالدِّيَانَة , وَمَنْ كَانَ يَعْتَقِد أَنَّ الْأَدْوِيَة تُؤَثِّر بِطَبْعِهَا أَوْ يَسْتَعْمِل رُقَى الْجَاهِلِيَّة وَنَحْوهَا فَلَيْسَ مُسْلِمًا فَلَمْ يَسْلَم هَذَا الْجَوَاب. ثَانِيهَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَطَائِفَة إِنَّ الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ فِعْل ذَلِكَ فِي الصِّحَّة خَشْيَة وُقُوع الدَّاء , وَأَمَّا مَنْ يَسْتَعْمِل الدَّوَاء بَعْد وُقُوع الدَّاء بِهِ فَلَا , وَقَدْ قَدَّمْت هَذَا عَنْ اِبْن قُتَيْبَة وَغَيْره فِي \" بَاب مَنْ اِكْتَوَى \" , وَهَذَا اِخْتِيَار اِبْن عَبْد الْبَرّ , غَيْر أَنَّهُ مُعْتَرَض بِمَا قَدَّمْته مِنْ ثُبُوت الِاسْتِعَاذَة قَبْل وُقُوع الدَّاء. ثَالِثهَا قَالَ الْحَلِيمِيّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْحَدِيث مَنْ غَفَلَ عَنْ أَحْوَال الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا مِنْ الْأَسْبَاب الْمُعَدَّة لِدَفْعِ الْعَوَارِض , فَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الِاكْتِوَاء وَلَا الِاسْتِرْقَاء , وَلَيْسَ لَهُمْ مَلْجَأ فِيمَا يَعْتَرِيهِمْ إِلَّا الدُّعَاء وَالِاعْتِصَام بِاَللَّهِ , وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ , فَهُمْ غَافِلُونَ عَنْ طِبّ الْأَطِبَّاء وَرُقَى الرُّقَاة وَلَا يُحْسِنُونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا , وَاَللَّه أَعْلَم. رَابِعهَا أَنَّ الْمُرَاد بِتَرْكِ الرُّقَى وَالْكَيّ الِاعْتِمَاد عَلَى اللَّه فِي دَفْع الدَّاء وَالرِّضَا بِقَدَرِهِ , لَا الْقَدْح فِي جَوَاز ذَلِكَ لِثُبُوتِ وُقُوعه فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَعَنْ السَّلَف الصَّالِح لَكِنْ مَقَام الرِّضَا وَالتَّسْلِيم أَعْلَى مِنْ تَعَاطِي الْأَسْبَاب , وَإِلَى هَذَا نَحَا الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ. قَالَ اِبْن الْأَثِير : هَذَا مِنْ صِفَة الْأَوْلِيَاء الْمُعْرِضِينَ عَنْ الدُّنْيَا وَأَسْبَابهَا وَعَلَائِقهَا , وَهَؤُلَاءِ هُمْ خَوَاصّ الْأَوْلِيَاء. وَلَا يَرُدّ عَلَى هَذَا وُقُوع ذَلِكَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلًا وَأَمْرًا , لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَعْلَى مَقَامَات الْعِرْفَان وَدَرَجَات التَّوَكُّل فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ لِلتَّشْرِيعِ وَبَيَان الْجَوَاز , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَنْقُص ذَلِكَ مِنْ تَوَكُّله , لِأَنَّهُ كَانَ كَامِل التَّوَكُّل يَقِينًا فَلَا يُؤَثِّر فِيهِ تَعَاطِي الْأَسْبَاب شَيْئًا , بِخِلَافِ غَيْره وَلَوْ كَانَ كَثِير التَّوَكُّل , لَكِنْ مَنْ تَرَكَ الْأَسْبَاب وَفَوَّضَ وَأَخْلَصَ فِي ذَلِكَ كَانَ أَرْفَع مَقَامًا. قَالَ الطَّبَرِيُّ : قِيلَ لَا يَسْتَحِقّ التَّوَكُّل إِلَّا مَنْ لَمْ يُخَالِط قَلْبه خَوْف مِنْ شَيْء الْبَتَّة حَتَّى السَّبُع الضَّارِي وَالْعَدُوّ الْعَادِي , وَلَا مَنْ لَمْ يَسْعَ فِي طَلَب رِزْق وَلَا فِي مُدَاوَاة أَلَم , وَالْحَقّ أَنَّ مَنْ وَثِقَ بِاَللَّهِ وَأَيْقَنَ أَنَّ قَضَاءَهُ عَلَيْهِ مَاضٍ لَمْ يَقْدَح فِي تَوَكُّله تَعَاطِيه الْأَسْبَاب اِتِّبَاعًا لِسُنَّتِهِ وَسُنَّة رَسُوله , فَقَدْ ظَاهَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَرْب بَيْن دِرْعَيْنِ , وَلَبِسَ عَلَى رَأْسه الْمِغْفَر , وَأَقْعَدَ الرُّمَاة عَلَى فَم الشِّعَبِ , وَخَنْدَقَ حَوْل الْمَدِينَة , وَأَذِنَ فِي الْهِجْرَة إِلَى الْحَبَشَة وَإِلَى الْمَدِينَة , وَهَاجَرَ هُوَ , وَتَعَاطَى أَسْبَاب الْأَكْل وَالشُّرْب , وَادَّخَرَ لِأَهْلِهِ قُوتَهُمْ وَلَمْ يَنْتَظِر أَنْ يَنْزِل عَلَيْهِ مِنْ السَّمَاء , وَهُوَ كَانَ أَحَقّ الْخَلْق أَنْ يَحْصُل لَهُ ذَلِكَ , وَقَالَ الَّذِي سَأَلَهُ : أَعْقِل نَاقَتِي أَوْ أَدَعهَا ؟ قَالَ : \" اِعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ \" فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الِاحْتِرَاز لَا يَدْفَع التَّوَكُّل , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5312",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا عَدْوَى وَلَا ‏ ‏طِيَرَةَ ‏ ‏وَالشُّؤْمُ ‏ ‏فِي ثَلَاثٍ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَا عَدْوَى , وَلَا طِيَرَة , وَالشُّؤْم فِي ثَلَاث ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث وَبَيَان اِخْتِلَاف الرُّوَاة فِي سِيَاقه فِي كِتَاب الْجِهَاد , وَالتَّطَيُّر وَالتَّشَاؤُم بِمَعْنًى وَاحِد , فَنَفَى أَوَّلًا بِطَرِيقِ الْعُمُوم كَمَا نَفَى الْعَدْوَى , ثُمَّ أَثْبَتَ الشُّؤْم فِي الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة , وَقَدْ ذَكَرْت مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ هُنَاكَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عِنْد أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ \" وَإِنْ كَانَتْ الطِّيَرَة فِي شَيْء \" الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "5313",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا ‏ ‏طِيَرَةَ ‏ ‏وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ قَالُوا وَمَا الْفَأْلُ قَالَ الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( لَا طِيَرَة , وَخَيْرهَا الْفَأْل ) ‏ ‏يَأْتِي شَرْحه فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ النَّفْي فِي الطِّيَرَة عَلَى ظَاهِره لَكِنْ فِي الشَّرّ , وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا يَقَع فِيهِ مِنْ الْخَيْر كَمَا سَأَذْكُرُهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5314",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا ‏ ‏طِيَرَةَ ‏ ‏وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ قَالَ وَمَا الْفَأْلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُتْبَةَ بْن مَسْعُود , وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَة شُعَيْب الَّتِي قَبْل هَذِهِ فِيهِ بِالْإِخْبَارِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَمَا الْفَأْل ) ‏ ‏؟ كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْإِفْرَادِ , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ \" قَالُوا \" كَرِوَايَةِ شُعَيْب. ‏ ‏قَوْله : ( الْكَلِمَة الصَّالِحَة يَسْمَعهَا أَحَدكُمْ ) ‏ ‏وَقَالَ فِي حَدِيث أَنَس ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب \" وَيُعْجِبنِي الْفَأْل الصَّالِح , الْكَلِمَة الْحَسَنَة \". وَفِي حَدِيث عُرْوَة بْن عَامِر الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ قَالَ \" ذَكَرْت الطِّيَرَة عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : خَيْرهَا الْفَأْل , وَلَا تَرُدّ مُسْلِمًا , فَإِذَا رَأَى أَحَدكُمْ مَا يَكْرَه فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ , وَلَا يَدْفَع السَّيِّئَات إِلَّا أَنْتَ , وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ \" وَقَوْله \" وَخَيْرهَا الْفَأْل \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ : هَذِهِ الْإِضَافَة تُشْعِر بِأَنَّ الْفَأْل مِنْ جُمْلَة الطِّيَرَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ إِضَافَة تَوْضِيح , ثُمَّ قَالَ : وَأَيْضًا فَإِنَّ مِنْ جُمْلَة الطِّيَرَة كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره التَّيَامُن , فَبَيَّنَ بِهَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ لَيْسَ كُلّ التَّيَامُن مَرْدُودًا كَالتَّشَاؤُمِ , بَلْ بَعْض التَّيَامُن مَقْبُول. قُلْت : وَفِي جَوَاب الْأَوَّل دَفْع فِي صَدْر السُّؤَال , وَفِي الثَّانِي تَسْلِيم السُّؤَال وَدَعْوَى التَّخْصِيص وَهُوَ أَقْرَب وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" كَانَ يُعْجِبهُ الْفَأْل وَيَكْرَه الطِّيَرَة \" وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث حَابِس التَّمِيمِيّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" الْعَيْن حَقّ , وَأَصْدَق الطِّيَرَة الْفَأْل \" فَفِي هَذَا التَّصْرِيح أَنَّ الْفَأْل مِنْ جُمْلَة الطِّيَرَة لَكِنَّهُ مُسْتَثْنًى. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الضَّمِير الْمُؤَنَّث فِي قَوْله \" وَخَيْرهَا \" رَاجِع إِلَى الطِّيَرَة , وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الطِّيَرَة كُلّهَا لَا خَيْر فِيهَا , فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا ) وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى زَعْمهمْ , وَهُوَ مِنْ إِرْخَاء الْعَنَان فِي الْمُخَادَعَة بِأَنْ يَجْرِي الْكَلَام عَلَى زَعْم الْخَصْم حَتَّى لَا يَشْمَئِزّ عَنْ التَّفَكُّر فِيهِ , فَإِذَا تَفَكَّرَ فَأَنْصَفَ مِنْ نَفْسه قَبْل الْحَقّ , فَقَوْله \" خَيْرهَا الْفَأْل \" إِطْمَاع لِلسَّامِعِ فِي الِاسْتِمَاع وَالْقَبُول , لَا أَنَّ فِي الطِّيَرَة خَيْرًا حَقِيقَة , أَوْ هُوَ مِنْ نَحْو قَوْلهمْ \" الصَّيْف أَحَرّ مِنْ الشِّتَاء \" أَيْ الْفَأْل فِي بَابه أَبْلَغ مِنْ الطِّيَرَة فِي بَابهَا. وَالْحَاصِل أَنَّ أَفْعَل التَّفْضِيل فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بَيْن الْقَدْر الْمُشْتَرَك بَيْن الشَّيْئَيْنِ , وَالْقَدْر الْمُشْتَرَك بَيْن الطِّيَرَة وَالْفَأْل تَأْثِير كُلّ مِنْهُمَا فِيمَا هُوَ فِيهِ , وَالْفَأْل فِي ذَلِكَ أَبْلَغ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَصْدَر الْفَأْل عَنْ نُطْق وَبَيَان , فَكَأَنَّهُ خَبَر جَاءَ عَنْ غَيْب , بِخِلَافِ غَيْره فَإِنَّهُ مُسْتَنِد إِلَى حَرَكَة الطَّائِر أَوْ نُطْقه وَلَيْسَ فِيهِ بَيَان أَصْلًا , وَإِنَّمَا هُوَ تَكَلُّف مِمَّنْ يَتَعَاطَاهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : كُنْت عِنْد اِبْن عَبَّاس فَمَرَّ طَائِر فَصَاحَ , فَقَالَ رَجُل : خَيْر خَيْر , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا عِنْد هَذَا لَا خَيْر وَلَا شَرّ. وَقَالَ أَيْضًا الْفَرْق بَيْن الْفَأْل وَالطِّيَرَة أَنَّ الْفَأْل مِنْ طَرِيق حُسْن الظَّنّ بِاَللَّهِ , وَالطِّيَرَة لَا تَكُون إِلَّا فِي السُّوء فَلِذَلِكَ كُرِهَتْ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْفَأْل يُسْتَعْمَل فِيمَا يَسُوء وَفِيمَا يَسُرّ , وَأَكْثَره فِي السُّرُور. وَالطِّيَرَة لَا تَكُون إِلَّا فِي الشُّؤْم , وَقَدْ تُسْتَعْمَل مَجَازًا فِي السُّرُور ا ه. وَكَأَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْوَاقِع , وَأَمَّا الشَّرْع فَخَصَّ الطِّيَرَة بِمَا يَسُوء وَالْفَأْل بِمَا يَسُرّ , وَمِنْ شَرْطه أَنْ لَا يُقْصَد إِلَيْهِ فَيَصِير مِنْ الطِّيَرَة. قَالَ اِبْن بَطَّال : جَعَلَ اللَّه فِي فَطْر النَّاس مَحَبَّة الْكَلِمَة الطَّيِّبَة وَالْأُنْس بِهَا كَمَا جَعَلَ فِيهِمْ الِارْتِيَاح بِالْمَنْظَرِ الْأَنِيق وَالْمَاء الصَّافِي وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكهُ وَلَا يَشْرَبهُ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيث أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ يُعْجِبهُ أَنْ يَسْمَع : يَا نَجِيح يَا رَاشِد \" وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ بُرَيْدَةَ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَتَطَيَّر مِنْ شَيْء , وَكَانَ إِذَا بَعَثَ عَامِلًا يَسْأَل عَنْ اِسْمه , فَإِذَا أَعْجَبَهُ فَرِحَ بِهِ , وَإِنْ كَرِهَ اِسْمه رُئِيَ كَرَاهَة ذَلِكَ فِي وَجْهه \" وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" عَنْ الْحَلِيمِيّ مَا مُلَخَّصه : كَانَ التَّطَيُّر فِي الْجَاهِلِيَّة فِي الْعَرَب إِزْعَاج الطَّيْر عِنْد إِرَادَة الْخُرُوج لِلْحَاجَةِ , فَذَكَرَ نَحْو مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ. وَهَكَذَا كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ بِصَوْتِ الْغُرَاب وَبِمُرُورِ الظِّبَاء فَسَمَّوْا الْكُلّ تَطَيُّرًا , لِأَنَّ أَصْله الْأَوَّل. وَقَالَ. وَكَانَ التَّشَاؤُم فِي الْعَجَم إِذَا رَأَى الصَّبِيّ ذَاهِبًا إِلَى الْمُعَلِّم تَشَاءَمَ أَوْ رَاجِعًا تَيَمَّنَ , وَكَذَا إِذَا رَأَى الْجَمَل مُوَقِّرًا حَمْلًا تَشَاءَمَ فَإِنْ رَآهُ وَاضِعًا حِمْله تَيَمَّنَ , وَنَحْو ذَلِكَ , فَجَاءَ الشَّرْع بِرَفْعِ ذَلِكَ كُلّه , وَقَالَ \" مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ رَدَّهُ عَنْ سَفَر تَطَيُّر فَلَيْسَ مِنَّا \" وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث. وَذَلِكَ إِذَا اِعْتَقَدَ أَنَّ الَّذِي يُشَاهِدهُ مِنْ حَال الطَّيْر مُوجِبًا مَا ظَنَّهُ وَلَمْ يُضِفْ التَّدْبِير إِلَى اللَّه تَعَالَى , فَأَمَّا إِنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّه هُوَ الْمُدَبِّر وَلَكِنَّهُ أَشْفَقَ مِنْ الشَّرّ لِأَنَّ التَّجَارِب قَضَتْ بِأَنَّ صَوْتًا مِنْ أَصْوَاتهَا مَعْلُومًا أَوْ حَالًا مِنْ أَحْوَالهَا مَعْلُومَة يُرْدِفهَا مَكْرُوه فَإِنْ وَطَّنَ نَفْسه عَلَى ذَلِكَ أَسَاءَ , وَإِنْ سَأَلَ اللَّه الْخَيْر وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْ الشَّرّ وَمَضَى مُتَوَكِّلًا لَمْ يَضُرّهُ مَا وَجَدَ فِي نَفْسه مِنْ ذَلِكَ , وَإِلَّا فَيُؤَاخَذ بِهِ , وَرُبَّمَا وَقَعَ بِهِ ذَلِكَ الْمَكْرُوه بِعَيْنِهِ الَّذِي اِعْتَقَدَهُ عُقُوبَة لَهُ كَمَا كَانَ يَقَع كَثِيرًا لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّة. وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ الْحَلِيمِيّ : وَإِنَّمَا كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبهُ الْفَأْل لِأَنَّ التَّشَاؤُم سُوء ظَنّ بِاَللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ سَبَب مُحَقَّق , وَالتَّفَاؤُل حُسْن ظَنّ بِهِ , وَالْمُؤْمِن مَأْمُور بِحُسْنِ الظَّنّ بِاَللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلّ حَال. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَى التَّرَخُّص فِي الْفَأْل وَالْمَنْع مِنْ الطِّيَرَة هُوَ أَنَّ الشَّخْص لَوْ رَأَى شَيْئًا فَظَنَّهُ حَسَنًا مُحَرِّضًا عَلَى طَلَب حَاجَته فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ. وَإِنْ رَآهُ بِضِدِّ ذَلِكَ فَلَا يَقْبَلهُ بَلْ يَمْضِي لِسَبِيلِهِ. فَلَوْ قَبِلَ وَانْتَهَى عَنْ الْمُضِيّ فَهُوَ الطِّيَرَة الَّتِي اِخْتَصَّتْ بِأَنْ تُسْتَعْمَل فِي الشُّؤْم. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5315",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا عَدْوَى وَلَا ‏ ‏طِيَرَةَ ‏ ‏وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5316",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا عَدْوَى ‏ ‏وَلَا ‏ ‏طِيَرَةَ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏هَامَةَ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏صَفَرَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5317",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَضَى فِي امْرَأَتَيْنِ مِنْ ‏ ‏هُذَيْلٍ ‏ ‏اقْتَتَلَتَا فَرَمَتْ ‏ ‏إِحْدَاهُمَا ‏ ‏الْأُخْرَى ‏ ‏بِحَجَرٍ فَأَصَابَ بَطْنَهَا وَهِيَ حَامِلٌ فَقَتَلَتْ وَلَدَهَا الَّذِي فِي بَطْنِهَا فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَضَى أَنَّ ‏ ‏دِيَةَ ‏ ‏مَا فِي بَطْنِهَا ‏ ‏غُرَّةٌ ‏ ‏عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ فَقَالَ ‏ ‏وَلِيُّ الْمَرْأَةِ ‏ ‏الَّتِي غَرِمَتْ كَيْفَ أَغْرَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا ‏ ‏اسْتَهَلَّ ‏ ‏فَمِثْلُ ذَلِكَ ‏ ‏يُطَلُّ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ ‏ ‏الْكُهَّانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏وَسَاقَهُ بِطُولِهِ , كَذَا قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن مُسَافِر مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْهُ عَنْ اِبْن شِهَاب , وَفَصَّلَ مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب قِصَّة وَلِيّ الْمَرْأَة فَجَعَلَهُ مِنْ رِوَايَة اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب مُرْسَلًا كَمَا بَيَّنَهُ الْمُصَنِّف فِي الطَّرِيق الَّتِي تَلِي طَرِيق اِبْن مُسَافِر هَذِهِ , وَقَدْ رَوَى اللَّيْث عَنْ اِبْن شِهَاب أَصْل الْحَدِيث بِدُونِ الزِّيَادَة عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَوْصُولًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الدِّيَات , وَكَذَا أَخْرَجَ هُنَاكَ طَرِيق يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَبِي سَلَمَة وَسَعِيد مَعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِأَصْلِ الْحَدِيث دُون الزِّيَادَة , وَيَأْتِي شَرْح مَا يَتَعَلَّق بِالْجَنِينِ وَالْغُرَّة هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ وَلِيّ الْمَرْأَة ) ‏ ‏هُوَ حَمَل بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمِيم الْخَفِيفَة اِبْن مَالِك اِبْن النَّابِغَة الْهُذَلِيّ , بَيَّنَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب وَأَبِي سَلَمَة مَعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَكُنْيَة حَمَل الْمَذْكُور أَبُو نَضْلَة , وَهُوَ صَحَابِيّ نَزَلَ الْبَصْرَة. وَفِي رِوَايَة مَالِك \" فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ \" أَيْ قُضِيَ عَلَى مَنْ هِيَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ , وَفِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ اِبْن شِهَاب الْمَذْكُورَة أَنَّ الْمَرْأَة مِنْ بَنِي لِحْيَان , وَبَنُو لِحْيَان حَيّ مِنْ هُذَيْل , وَجَاءَ تَسْمِيَة الضَّرَّتَيْنِ فِيمَا أَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن تَمِيم بْن عُوَيْم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ \" كَانَتْ أُخْتِي مُلَيْكَة وَامْرَأَة مِنَّا يُقَال لَهَا أُمّ عَفِيف بِنْت مَسْرُوح تَحْت حَمَل بْن مَالِك اِبْن النَّابِغَة , فَضَرَبَتْ أُمّ عَفِيف مُلَيْكَة بِمِسْطَحٍ \" الْحَدِيث , لَكِنْ قَالَ فِيهِ \" فَقَالَ الْعَلَاء بْن مَسْرُوح : يَا رَسُول اللَّه , أَنَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ \" الْحَدِيث , وَفِي آخِره \" أَسْجَع كَسَجْعِ الْجَاهِلِيَّة \" وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ كُلًّا مِنْ زَوْج الْمَرْأَة وَهُوَ حَمَل وَأَخِيهَا وَهُوَ الْعَلَاء قَالَ ذَلِكَ تَوَارُدًا مَعًا عَلَيْهِ , لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدهمَا أَنَّ الَّذِي يُودَى هُوَ الَّذِي يَخْرُج حَيًّا , وَأَمَّا السِّقْط فَلَا يُودَى , فَأَبْطَلَ الشَّرْع ذَلِكَ وَجَعَلَ فِيهِ غُرَّة , وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي كِتَاب الدِّيَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِلطَبَرَانِيِّ أَيْضًا أَنَّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ عِمْرَان بْن عُوَيْم , فَلَعَلَّهَا قِصَّة أُخْرَى. وَأُمّ عَفِيف بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءَيْنِ وَزْن عَظِيم , وَوَقَعَ فِي الْمُبْهَمَات لِلْخَطِيبِ , وَأَصْله عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق سِمَاك عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهَا أُمّ غُطَيْف بِغَيْنٍ ثُمَّ طَاء مُهْمَلَة مُصَغَّر , فَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( كَيْف أَغْرَم يَا رَسُول اللَّه مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" مَنْ لَا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ \" وَالْأَوَّل أَوْلَى لِمُنَاسَبَةِ السَّجْع. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي رِوَايَة مَالِك \" مَا لَا \" بَدَل \" مَنْ لَا \" وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِي \" الْمُوَطَّأ \". وَقَالَ أَبُو عُثْمَان بْن جِنِّيّ : مَعْنَى قَوْله لَا أَكَلَ أَيْ لَمْ يَأْكُل , أَقَامَ الْفِعْل الْمَاضِي مَقَام الْمُضَارِع. ‏ ‏قَوْله : ( فَمِثْل ذَلِكَ يُطَلّ ) ‏ ‏لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْمُثَنَّاة التَّحْتَانِيَّة وَفَتْح الطَّاء الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد اللَّام أَيْ يُهْدَر , يُقَال دَم فُلَان هَدَر إِذَا تَرَكَ الطَّلَب بِثَأْرِهِ , وَطُلَّ الدَّم بِضَمِّ الطَّاء وَبِفَتْحِهَا أَيْضًا , وَحُكِيَ \" أَطَلَّ \" وَلَمْ يَعْرِفهُ الْأَصْمَعِيّ : وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيّ فِي رِوَايَة اِبْن مُسَافِر \" بَطَل \" بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَالتَّخْفِيف مِنْ الْبُطْلَان كَذَا رَأَيْته فِي نُسْخَة مُعْتَمَدَة مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَزَعَمَ عِيَاض أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا لِلْجَمِيعِ بِالْمُوَحَّدَةِ , قَالَ : وَبِالْوَجْهَيْنِ فِي الْمُوَطَّأ , وَقَدْ رَجَّحَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ مِنْ الْبُطْلَان , وَأَنْكَرَهُ اِبْن بَطَّال فَقَالَ : كَذَا يَقُولهُ أَهْل الْحَدِيث , وَإِنَّمَا هُوَ طَلّ الدَّم إِذَا هُدِرَ. قُلْت : وَلَيْسَ لِإِنْكَارِهِ مَعْنًى بَعْد ثُبُوت الرِّوَايَة , وَهُوَ مُوَجَّه , رَاجِع إِلَى مَعْنَى الرِّوَايَة الْأُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَان الْكُهَّان ) ‏ ‏أَيْ لِمُشَابَهَةِ كَلَامه كَلَامهمْ , زَادَ مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة يُونُس \" مِنْ أَجْل سَجْعه الَّذِي سَجَعَ \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : هُوَ مِنْ تَفْسِير الرَّاوِي , وَقَدْ وَرَدَ مُسْتَنَد ذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي حَدِيث الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة \" فَقَالَ رَجُل مِنْ عُصْبَة الْقَاتِلَة يَغْرَم \" فَذَكَرَ نَحْوه وَفِيهِ \" فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْجَع كَسَجْعِ الْأَعْرَاب \" ؟ وَالسَّجْع هُوَ تَنَاسُب آخِر الْكَلِمَات لَفْظًا , وَأَصْله الِاسْتِوَاء , وَفِي الِاصْطِلَاح الْكَلَام الْمُقَفَّى وَالْجَمْع أَسْجَاع وَأَسَاجِيع , قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ ذَمّ الْكُفَّار وَذَمّ مَنْ تَشَبَّهَ بِهِمْ فِي أَلْفَاظهمْ , وَإِنَّمَا لَمْ يُعَاقِبهُ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَأْمُورًا بِالصَّفْحِ عَنْ الْجَاهِلِينَ , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ كَرِهَ السَّجْع فِي الْكَلَام , وَلَيْسَ عَلَى إِطْلَاقه , بَلْ الْمَكْرُوه مِنْهُ مَا يَقَع مَعَ التَّكَلُّف فِي مَعْرِض مُدَافَعَة الْحَقّ , وَأَمَّا مَا يَقَع عَفْوًا بِلَا تَكَلُّف فِي الْأُمُور الْمُبَاحَة فَجَائِز , وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَل مَا وَرَدَ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الدَّعَوَات. وَالْحَاصِل أَنَّهُ إِنْ جَمَعَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ التَّكَلُّف وَإِبْطَال الْحَقّ كَانَ مَذْمُومًا , وَإِنْ اِقْتَصَرَ عَلَى أَحَدهمَا كَانَ أَخَفّ فِي الذَّمّ , وَيَخْرُج مِنْ ذَلِكَ تَقْسِيمه إِلَى أَرْبَعَة أَنْوَاع : فَالْمَحْمُود مَا جَاءَ عَفْوًا فِي حَقّ , وَدُونه مَا يَقَع مُتَكَلَّفًا فِي حَقّ أَيْضًا , وَالْمَذْمُوم عَكْسهمَا. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا رَفْع الْجِنَايَة لِلْحَاكِمِ , وَوُجُوب الدِّيَة فِي الْجَنِين وَلَوْ خَرَجَ مَيِّتًا كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره فِي كِتَاب الدِّيَات مَعَ اِسْتِيفَاء فَوَائِده. ‏"
    },
    {
        "id": "5318",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏امْرَأَتَيْنِ ‏ ‏رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا ‏ ‏فَقَضَى فِيهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِغُرَّةٍ ‏ ‏عَبْدٍ أَوْ ‏ ‏وَلِيدَةٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ‏ ‏بِغُرَّةٍ ‏ ‏عَبْدٍ أَوْ ‏ ‏وَلِيدَةٍ ‏ ‏فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ كَيْفَ أَغْرَمُ مَا لَا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ وَلَا نَطَقَ وَلَا ‏ ‏اسْتَهَلَّ ‏ ‏وَمِثْلُ ذَلِكَ ‏ ‏يُطَلُّ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ ‏ ‏الْكُهَّانِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5319",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ‏ ‏وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مَسْعُود , وَهُوَ عُقْبَة بْن عَمْرو , فِي النَّهْي عَنْ ثَمَن الْكَلْب وَمَهْر الْبَغْي وَحُلْوَانِ الْكَاهِن , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر كِتَاب الْبَيْع. ‏"
    },
    {
        "id": "5320",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَاسٌ ‏ ‏عَنْ الْكُهَّانِ فَقَالَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا أَحْيَانًا بِشَيْءٍ فَيَكُونُ حَقًّا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا مِنْ الْجِنِّيِّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏مُرْسَلٌ الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَسْنَدَهُ بَعْدَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى بْن عُرْوَة بْن الزُّبَيْر عَنْ عُرْوَة ) ‏ ‏كَأَنَّ هَذَا مِمَّا فَاتَ الزُّهْرِيَّ سَمَاعه مِنْ عُرْوَة فَحَمَلَهُ عَنْ وَلَده عَنْهُ , مَعَ كَثْرَة مَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة , وَقَدْ وَصَفَهُ الزُّهْرِيُّ بِسَعَةِ الْعِلْم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْقِل بْن عُبَيْد اللَّه عِنْد مُسْلِم عَنْ الزُّهْرِيِّ \" أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْن عُرْوَة أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَة \" وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ فِي التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق يُونُس , وَفِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن شِهَاب , وَلَمْ أَقِف لِيَحْيَى بْن عُرْوَة فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا عَلَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ رَوَى بَعْض هَذَا الْحَدِيث مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن أَبُو الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة وَتَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي بَدْء الْخَلْق , وَكَذَا هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" سَأَلَ نَاس رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة يُونُس , وَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مَعْقِل مِثْله وَمِنْ رِوَايَة مَعْقِل مِثْل الَّذِي قَبْله , وَقَدْ سُمِّيَ مِمَّنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ مُعَاوِيَة بْن الْحَكَم السُّلَمِيّ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيثه \" قَالَ قُلْت يَا رَسُول اللَّه , أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعهَا فِي الْجَاهِلِيَّة كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّان , فَقَالَ : لَا تَأْتُوا الْكُهَّان \" الْحَدِيث. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هَؤُلَاءِ الْكُهَّان فِيمَا عُلِمَ بِشَهَادَةِ الِامْتِحَان قَوْم لَهُمْ أَذْهَان حَادَّة وَنُفُوس شِرِّيرَة وَطَبَائِع نَارِيَّة , فَهُمْ يَفْزَعُونَ إِلَى الْجِنّ فِي أُمُورهمْ وَيَسْتَفْتُونَهُمْ فِي الْحَوَادِث فَيُلْقُونَ إِلَيْهِمْ الْكَلِمَات , ثُمَّ تَعَرَّضَ إِلَى مُنَاسَبَة ذِكْر الشُّعَرَاء بَعْد ذِكْرهمْ فِي قَوْله تَعَالَى : ( هَلْ أُنَبِّئكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّل الشَّيَاطِين ). ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" لَيْسُوا بِشَيْءٍ \" , وَكَذَا فِي رِوَايَة يُونُس فِي التَّوْحِيد , وَفِي نُسْخَة \" فَقَالَ لَهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ \" أَيْ لَيْسَ قَوْلهمْ بِشَيْءٍ يُعْتَمَد عَلَيْهِ , وَالْعَرَب تَقُول لِمَنْ عَمِلَ شَيْئًا وَلَمْ يُحْكِمهُ : مَا عَمِلَ شَيْئًا , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يَتَرَافَعُونَ إِلَى الْكُهَّان فِي الْوَقَائِع وَالْأَحْكَام وَيَرْجِعُونَ إِلَى أَقْوَالهمْ , وَقَدْ اِنْقَطَعَتْ الْكِهَانَة بِالْبَعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّة , لَكِنْ بَقِيَ فِي الْوُجُود مَنْ يَتَشَبَّه بِهِمْ , وَثَبَتَ النَّهْي عَنْ إِتْيَانهمْ فَلَا يَحِلّ إِتْيَانهمْ وَلَا تَصْدِيقهمْ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَنَا أَحْيَانَا بِشَيْءٍ فَيَكُون حَقًّا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس \" فَإِنَّهُمْ يَتَحَدَّثُونَ \" هَذَا أَوْرَدَهُ السَّائِل إِشْكَالًا عَلَى عُمُوم قَوْله \" لَيْسُوا بِشَيْءٍ \" لِأَنَّهُ فُهِمَ أَنَّهُمْ لَا يُصَدَّقُونَ أَصْلًا فَأَجَابَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَبَب ذَلِكَ الصِّدْق , وَأَنَّهُ إِذَا اِتَّفَقَ أَنْ يُصَدَّق لَمْ يَتْرُكهُ خَالِصًا بَلْ يَشُوبهُ بِالْكَذِبِ. ‏ ‏قَوْله : ( تِلْكَ الْكَلِمَة مِنْ الْحَقّ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْبُخَارِيّ بِمُهْمَلَةٍ وَقَاف أَيْ الْكَلِمَة الْمَسْمُوعَة الَّتِي تَقَع حَقًّا , وَوَقَعَ فِي مُسْلِم \" تِلْكَ الْكَلِمَة مِنْ الْجِنّ \" قَالَ النَّوَوِيّ : كَذَا فِي نُسَخ بِلَادنَا بِالْجِيمِ وَالنُّون , أَيْ الْكَلِمَة الْمَسْمُوعَة مِنْ الْجِنّ أَوْ الَّتِي تَصِحّ مِمَّا نَقَلَتْهُ الْجِنّ. قُلْت : التَّقْدِير الثَّانِي يُوَافِق رِوَايَة الْبُخَارِيّ , قَالَ النَّوَوِيّ : وَقَدْ حَكَى عِيَاض أَنَّهُ وَقَعَ يَعْنِي فِي مُسْلِم بِالْحَاءِ وَالْقَاف. ‏ ‏قَوْله : ( يَخْطَفهَا الْجِنِّيّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" يَخْطَفهَا مِنْ الْجِنِّيّ \" أَيْ الْكَاهِن يَخْطَفهَا مِنْ الْجِنِّيّ أَوْ الْجِنِّيّ الَّذِي يَلْقَى الْكَاهِن يَخْطَفهَا مِنْ جِنِّيّ آخَر فَوْقه , وَيَخْطَفهَا بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَطَاء مَفْتُوحَة وَقَدْ تُكْسَر بَعْدهَا فَاءَ وَمَعْنَاهُ الْأَخْذ بِسُرْعَةٍ. وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يَحْفَظهَا \" بِتَقْدِيمِ الْفَاء بَعْدهَا ظَاء مُعْجَمَة وَالْأَوَّل هُوَ الْمَعْرُوف وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( فَيَقَرّهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَثَانِيه وَتَشْدِيد الرَّاء أَيْ يَصُبُّهَا , تَقُول قَرَرْت عَلَى رَأْسه دَلْوًا إِذَا صَبَبْته , فَكَأَنَّهُ صُبَّ فِي أُذُنه ذَلِكَ الْكَلَام , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَيَصِحّ أَنْ يُقَال الْمَعْنَى أَلْقَاهَا فِي أُذُنه بِصَوْتٍ , يُقَال قَرَّ الطَّائِر إِذَا صَوَّتَ اِنْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يُونُس الْمَذْكُورَة \" فَيُقَرْقِرُهَا \" أَيْ يُرَدِّدهَا , يُقَال قَرْقَرَتْ الدَّجَاجَة تُقَرْقِر قَرْقَرَة إِذَا رَدَّدَتْ صَوْتهَا , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَيُقَال أَيْضًا قَرَّتْ الدَّجَاجَة تُقِرّ قَرًّا وَقَرِيرًا , وَإِذَا رَجَّعَتْ فِي صَوْتهَا قِيلَ قَرْقَرَتْ قَرْقَرَة وَقَرْقَرِيرَة , قَالَ : وَالْمَعْنَى أَنَّ الْجِنِّيّ إِذَا أَلْقَى الْكَلِمَة لِوَلِيِّهِ تَسَامَعَ بِهَا الشَّيَاطِين فَتَنَاقَلُوهَا كَمَا إِذَا صَوَّتَتْ الدَّجَاجَة فَسَمِعَهَا الدَّجَاج فَجَاوَبَتْهَا. وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّ الْأَشْبَه بِمَسَاقِ الْحَدِيث أَنَّ الْجِنِّيّ يُلْقِي الْكَلِمَة إِلَى وَلِيّه بِصَوْتٍ خَفِيّ مُتَرَاجِع لَهُ زَمْزَمَة وَيُرْجِعهُ لَهُ , فَلِذَلِكَ يَقَع كَلَام الْكُهَّان غَالِبًا عَلَى هَذَا النَّمَط , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز فِي قِصَّة اِبْن صَيَّاد وَبَيَان اِخْتِلَاف الرُّوَاة فِي قَوْله \" فِي قَطِيفَة لَهُ فِيهَا زَمْزَمَة \" وَأُطْلِقَ عَلَى الْكَاهِن وَلِيّ الْجِنِّيّ لِكَوْنِهِ يُوَالِيه أَوْ عَدَلَ عَنْ قَوْله الْكَاهِن إِلَى قَوْله وَلِيّه لِلتَّعْمِيمِ فِي الْكَاهِن وَغَيْره مِمَّنْ يُوَالِي الْجِنّ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ بَيَّنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ إِصَابَة الْكَاهِن أَحْيَانًا إِنَّمَا هِيَ لِأَنَّ الْجِنِّيّ يُلْقِي إِلَيْهِ الْكَلِمَة الَّتِي يَسْمَعهَا اِسْتِرَاقًا مِنْ الْمَلَائِكَة فَيَزِيد عَلَيْهَا أَكَاذِيب يَقِيسهَا عَلَى مَا سَمِعَ , فَرُبَّمَا أَصَابَ نَادِرًا وَخَطَؤُهُ الْغَالِب , وَقَوْله فِي رِوَايَة يُونُس \" كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَة \" يَعْنِي الطَّائِر الْمَعْرُوف , وَدَالهَا مُثَلَّثَة وَالْأَشْهَر فِيهَا الْفَتْح , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" الزُّجَاجَة \" بِالزَّايِ الْمَضْمُومَة وَأَنْكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ وَعَدَّهَا فِي التَّصْحِيف , لَكِنْ وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَاب مِنْ وَجْه آخَر تَقَدَّمَ فِي \" بَاب ذِكْر الْمَلَائِكَة \" فِي كِتَاب بَدْء الْخَلْق \" فَيُقِرّهَا فِي أُذُنه كَمَا تُقِرّ الْقَارُورَة \" وَشَرَحُوهُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ كَمَا يُسْمَع صَوْت الزُّجَاجَة إِذَا حَلَّتْ عَلَى شَيْء أَوْ أُلْقِيَ فِيهَا شَيْء. وَقَالَ الْقَابِسِيّ : الْمَعْنَى أَنَّهُ يَكُون لِمَا يُلْقِيه الْجِنِّيّ إِلَى الْكَاهِن حِسّ كَحِسِّ الْقَارُورَة إِذَا حُرِّكَتْ بِالْيَدِ أَوْ عَلَى الصَّفَا , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمَعْنَى أَنَّهُ يُطْبَق بِهِ كَمَا يُطْبَق رَأْس الْقَارُورَة بِرَأْسِ الْوِعَاء الَّذِي يُفْرَغ فِيهِ مِنْهَا مَا فِيهَا. وَأَغْرَبَ شَارِح \" الْمَصَابِيح \" التُّورْبَشْتِيُّ فَقَالَ : الرِّوَايَة بِالزَّايِ أَحْوَط لِمَا ثَبَتَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" كَمَا تُقَرّ الْقَارُورَة \" وَاسْتِعْمَال قَرَّ فِي ذَلِكَ شَائِع بِخِلَافِ مَا فَسَرُّوا عَلَيْهِ الْحَدِيث فَإِنَّهُ غَيْر مَشْهُور وَلَمْ نَجِد لَهُ شَاهِدًا فِي كَلَامهمْ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرِّوَايَة بِالدَّالِ تَصْحِيف أَوْ غَلَط مِنْ السَّامِع. وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ فَقَالَ : لَا رَيْب أَنَّ قَوْله \" قَرَّ الدَّجَاجَة \" مَفْعُول مُطْلَق , وَفِيهِ مَعْنَى التَّشْبِيه , فَكَمَا يَصِحّ أَنْ يُشَبِّهَ إِيرَاد مَا اِخْتَطَفَهُ مِنْ الْكَلَام فِي أُذُن الْكَاهِن بِصَبِّ الْمَاء فِي الْقَارُورَة يَصِحّ أَنْ يُشَبِّهَ تَرْدِيد الْكَلَام فِي أُذُنه بِتَرْدِيدِ الدَّجَاجَة صَوْتهَا فِي أُذُن صَوَاحِبَاتهَا , وَهَذَا مُشَاهَد , تَرَى الدِّيك إِذَا رَأَى شَيْئًا يُنْكِرهُ يُقَرْقِر فَتَسْمَعهُ الدَّجَاج فَتَجْتَمِع وَتُقَرْقِر مَعَهُ , وَبَاب التَّشْبِيه وَاسِع لَا يَفْتَقِر إِلَى الْعَلَاقَة , غَيْر أَنَّ الِاخْتِطَاف مُسْتَعَار لِلْكَلَامِ مِنْ فِعْل الطَّيْر كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ( فَتَخْطَفهُ الطَّيْر ) فَيَكُون ذِكْر الدَّجَاجَة هُنَا أَنْسَب مِنْ ذِكْر الزُّجَاجَة لِحُصُولِ التَّرْشِيح فِي الِاسْتِعَارَة. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ دَعْوَى الدَّارَقُطْنِيِّ وَهُوَ إِمَام الْفَنّ أَنَّ الَّذِي بِالزَّايِ تَصْحِيف , وَإِنْ كُنَّا مَا قَبِلْنَا ذَلِكَ فَلَا أَقَلّ أَنْ يَكُون أَرْجَح. ‏ ‏قَوْله : ( فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَة كَذْبَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" أَكْثَر مِنْ مِائَة كَذْبَة \" وَهُوَ دَالّ عَلَى أَنَّ ذِكْر الْمِائَة لِلْمُبَالَغَةِ لَا لِتَعْيِينِ الْعَدَد , وَقَوْله كَذْبَة هُنَا بِالْفَتْحِ وَحُكِيَ الْكَسْر , وَأَنْكَرَهُ بَعْضهمْ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْهَيْئَة وَالْحَالَة وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعه , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم فِي حَدِيث آخَر أَصْل تَوَصُّل الْجِنِّيّ إِلَى الِاخْتِطَاف فَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" حَدَّثَنِي رِجَال مِنْ الْأَنْصَار أَنَّهُمْ بَيْنَا هُمْ جُلُوس لَيْلًا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ , فَقَالَ : مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ إِذَا رُمِيَ مِثْل هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّة ؟ قَالُوا : كُنَّا نَقُول وُلِدَ اللَّيْلَة رَجُل عَظِيم أَوْ مَاتَ رَجُل عَظِيم , فَقَالَ : إِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَد وَلَا لِحَيَاتِهِ. وَلَكِنْ رَبّنَا إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَة الْعَرْش ثُمَّ سَبَّحَ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ حَتَّى يَبْلُغ التَّسْبِيح إِلَى أَهْل هَذِهِ السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ : مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ حَتَّى يَصِل إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا , فَيَسْتَرِق مِنْهُ الْجِنِّيّ , فَمَا جَاءُوا بِهِ عَلَى وَجْهه فَهُوَ حَقّ , وَلَكِنَّهُمْ يَزِيدُونَ فِيهِ وَيَنْقُصُونَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سَبَأ وَغَيْرهَا بَيَان كَيْفِيَّتهمْ عِنْد اِسْتِرَاقهمْ , وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ الْمَلَائِكَة تَنْزِل فِي الْعَنَان - وَهُوَ السَّحَاب - فَتَذْكُر الْأَمْر قُضِيَ فِي السَّمَاء فَتَسْتَرِق الشَّيَاطِين السَّمْع \" فَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد بِالسَّحَابِ السَّمَاء كَمَا أَطْلَقَ السَّمَاء عَلَى السَّحَاب , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَلَى حَقِيقَته وَأَنَّ بَعْض الْمَلَائِكَة إِذَا نَزَلَ بِالْوَحْيِ إِلَى الْأَرْض تَسْمَع مِنْهُمْ الشَّيَاطِين , أَوْ الْمُرَاد الْمَلَائِكَة الْمُوَكَّلَة بِإِنْزَالِ الْمَطَر. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَلِيّ قَالَ عَبْد الرَّزَّاق مُرْسَل الْكَلِمَة مِنْ الْحَقّ , ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَسْنَدَهُ بَعْد ) ‏ ‏عَلَى هَذَا هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَمُرَاده أَنَّ عَبْد الرَّزَّاق كَانَ يُرْسِل هَذَا الْقَدْر مِنْ الْحَدِيث , ثُمَّ أَنَّهُ بَعْد ذَلِكَ وَصَلَهُ بِذِكْرِ عَائِشَة فِيهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ عَبْد بْن حُمَيْدٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق فَيَّاض بْن زُهَيْر , وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق عَبَّاس الْعَنْبَرِيّ ثَلَاثَتهمْ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق مَوْصُولًا كَرِوَايَةِ هِشَام بْن يُوسُف عَنْ مَعْمَر , وَفِي الْحَدِيث بَقَاء اِسْتِرَاق الشَّيَاطِين السَّمْع , لَكِنَّهُ قَلَّ وَنَدَرَ حَتَّى كَادَ يَضْمَحِلّ بِالنِّسْبَةِ لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْجَاهِلِيَّة وَفِيهِ النَّهْي عَنْ إِتْيَان الْكُهَّان قَالَ الْقُرْطُبِيّ : يَجِب عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مُحْتَسِب وَغَيْره أَنْ يُقِيم مَنْ يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْوَاق وَيُنْكِر عَلَيْهِمْ أَشَدّ النَّكِير وَعَلَى مَنْ يَجِيء إِلَيْهِمْ وَلَا يَغْتَرّ بِصِدْقِهِمْ فِي بَعْض الْأُمُور وَلَا بِكَثْرَةِ مَنْ يَجِيء إِلَيْهِمْ مِمَّنْ يُنْسَب إِلَى الْعِلْم , فَإِنَّهُمْ غَيْر رَاسِخِينَ فِي الْعِلْم بَلْ مِنْ الْجُهَّال بِمَا فِي إِتْيَانهمْ مِنْ الْمَحْذُور. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏إِيرَاد بَابِ الْكِهَانَة كِتَاب الطِّبّ لِمُنَاسَبَتِهِ لِبَابِ السِّحْر لِمَا يُجْمَع بَيْنهمَا مِنْ مَرْجِع كُلّ مِنْهُمَا لِلشَّيَاطِينِ , وَإِيرَاد بَاب السِّحْر فِي كِتَاب الطِّبّ لِمُنَاسَبَتِهِ ذِكْر الرُّقَى وَغَيْرهَا مِنْ الْأَدْوِيَة الْمَعْنَوِيَّة , فَنَاسَبَ ذِكْر الْأَدْوَاء الَّتِي تَحْتَاج إِلَى ذَلِكَ , وَاشْتَمَلَ كِتَاب الطِّبّ عَلَى الْإِشَارَة لِلْأَدْوِيَةِ الْحِسِّيَّة كَالْحَبَّةِ السَّوْدَاء وَالْعَسَل ثُمَّ عَلَى الْأَدْوِيَة الْمَعْنَوِيَّة كَالرُّقَى بِالدُّعَاءِ وَالْقُرْآن. ثُمَّ ذَكَرْت الْأَدْوَاء الَّتِي تَنْفَع الْأَدْوِيَة الْمَعْنَوِيَّة فِي دَفْعهَا كَالسِّحْرِ , كَمَا ذَكَرْت الْأَدْوَاء الَّتِي تَنْفَع الْأَدْوِيَة الْحِسِّيَّة فِي دَفْعهَا كَالْجُذَامِ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5321",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي زُرَيْقٍ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ ‏ ‏لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ ‏ ‏حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ عِنْدِي لَكِنَّهُ دَعَا وَدَعَا ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَشَعَرْتِ ‏ ‏أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ أَتَانِي ‏ ‏رَجُلَانِ ‏ ‏فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ مَا وَجَعُ الرَّجُلِ فَقَالَ ‏ ‏مَطْبُوبٌ ‏ ‏قَالَ مَنْ طَبَّهُ قَالَ ‏ ‏لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ ‏ ‏قَالَ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَالَ فِي مُشْطٍ ‏ ‏وَمُشَاطَةٍ ‏ ‏وَجُفِّ ‏ ‏طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ قَالَ وَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي ‏ ‏بِئْرِ ذَرْوَانَ ‏ ‏فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ‏ ‏فَجَاءَ فَقَالَ يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ أَوْ كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا اسْتَخْرَجْتَهُ قَالَ قَدْ عَافَانِي اللَّهُ فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏وَأَبُو ضَمْرَةَ ‏ ‏وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏وَابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏فِي مُشْطٍ ‏ ‏وَمُشَاقَةٍ ‏ ‏يُقَالُ الْمُشَاطَةُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الشَّعَرِ إِذَا مُشِطَ ‏ ‏وَالْمُشَاقَةُ ‏ ‏مِنْ مُشَاقَةِ الْكَتَّانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ الرَّازِيُّ , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنِي \" بِالْإِفْرَادِ , وَهِشَام هُوَ اِبْن عُرْوَة بْن الزُّبَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ هِشَام \" حَدَّثَنِي أَبِي \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْجِزْيَة , وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" حَدَّثَنِي آل عُرْوَة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" حَدَّثَنِي بَعْض آل عُرْوَة عَنْ عُرْوَة \" وَظَاهِره أَنَّ غَيْر هِشَام أَيْضًا حَدَّثَ بِهِ عَنْ عُرْوَة , وَقَدْ رَوَاهُ غَيْر عُرْوَة عَنْ عَائِشَة كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. وَجَاءَ أَيْضًا مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَزَيْد بْن أَرْقَم وَغَيْرهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( سَحَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُل مِنْ بَنِي زُرَيْق ) ‏ ‏بِزَايٍ قَبْل الرَّاء مُصَغَّر. ‏ ‏قَوْله : ( يُقَال لَهُ لَبِيد ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَكَسْر الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ مُهْمَلَة ‏ ‏( اِبْن الْأَعْصَم ) ‏ ‏بِوَزْنِ أَحْمَر بِمُهْمَلَتَيْنِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عِنْد مُسْلِم \" سَحَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودِيّ مِنْ يَهُود بَنِي زُرَيْق \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ الْآتِيَة قَرِيبًا \" رَجُل مِنْ بَنِي زُرَيْق حَلِيف الْيَهُود وَكَانَ مُنَافِقًا \" وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّهُ يَهُودِيّ نَظَرَ إِلَى مَا فِي نَفْس الْأَمْر , وَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ مُنَافِقًا نَظَرَ إِلَى ظَاهِر أَمْره. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَسْلَمَ نِفَاقًا وَهُوَ وَاضِح , وَقَدْ حَكَى عِيَاض فِي \" الشِّفَاء \" أَنَّهُ كَانَ أَسْلَمَ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قِيلَ لَهُ يَهُودِيّ لِكَوْنِهِ كَانَ مِنْ حُلَفَائِهِمْ لَا أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينهمْ. وَبَنُو زُرَيْق بَطْن مِنْ الْأَنْصَار مَشْهُور مِنْ الْخَزْرَج , وَكَانَ بَيْن كَثِير مِنْ الْأَنْصَار وَبَيْن كَثِير مِنْ الْيَهُود قَبْل الْإِسْلَام حِلْف وَإِخَاء وَوُدّ , فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام وَدَخَلَ الْأَنْصَار فِيهِ تَبْرَءُوا مِنْهُمْ , وَقَدْ بَيَّنَ الْوَاقِدِيُّ السَّنَة الَّتِي وَقَعَ فِيهَا السِّحْر : أَخْرَجَهُ عَنْهُ اِبْن سَعْد بِسَنَدٍ لَهُ إِلَى عُمَر بْن الْحَكَم مُرْسَل قَالَ \" لَمَّا رَجَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْحُدَيْبِيَة فِي ذِي الْحَجَّة وَدَخَلَ الْمُحَرَّم مِنْ سَنَة سَبْع جَاءَتْ رُؤَسَاء الْيَهُود إِلَى لَبِيد بْن الْأَعْصَم - وَكَانَ حَلِيفًا فِي بَنِي زُرَيْق وَكَانَ سَاحِرًا - فَقَالُوا لَهُ : يَا أَبَا الْأَعْصَم , أَنْتَ أَسْحَرنَا , وَقَدْ سَحَرْنَا مُحَمَّدًا فَلَمْ نَصْنَع شَيْئًا , وَنَحْنُ نَجْعَل لَك جُعْلًا عَلَى أَنْ تَسْحَرهُ لَنَا سِحْرًا يَنْكَؤُهُ. فَجَعَلُوا لَهُ ثَلَاثَة دَنَانِير \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَأَقَامَ أَرْبَعِينَ لَيْلَة \" وَفِي رِوَايَة وُهَيْب عَنْ هِشَام عِنْد أَحْمَد \" سِتَّة أَشْهُر \" وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ تَكُون السِّتَّة أَشْهُر مِنْ اِبْتِدَاء تَغَيُّر مِزَاجه وَالْأَرْبَعِينَ يَوْمًا مِنْ اِسْتِحْكَامه , وَقَالَ السُّهَيْلِيّ : لَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الْأَحَادِيث الْمَشْهُورَة عَلَى قَدْر الْمُدَّة الَّتِي مَكَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فِي السِّحْر حَتَّى ظَفِرْت بِهِ فِي \" جَامِع مَعْمَر \" عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ لَبِثَ سِتَّة أَشْهُر , كَذَا قَالَ , وَقَدْ وَجَدْنَاهُ مَوْصُولًا بِإِسْنَادِ الصَّحِيح فَهُوَ الْمُعْتَمَد. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَل الشَّيْء وَمَا فَعَلَهُ ) ‏ ‏قَالَ الْمَازِرِيّ : أَنْكَرَ الْمُبْتَدِعَة هَذَا الْحَدِيث وَزَعَمُوا أَنَّهُ يَحُطّ مَنْصِب النُّبُوَّة وَيُشَكِّك فِيهَا , قَالُوا وَكُلّ مَا أَدَّى إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِل , وَزَعَمُوا أَنَّ تَجْوِيز هَذَا يَعْدَم الثِّقَة بِمَا شَرَعَهُ مِنْ الشَّرَائِع إِذْ يُحْتَمَل عَلَى هَذَا أَنْ يُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهُ يَرَى جِبْرِيل وَلَيْسَ هُوَ ثَمَّ , وَأَنَّهُ يُوحِي إِلَيْهِ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ , قَالَ الْمَازِرِيّ : وَهَذَا كُلّه مَرْدُود , لِأَنَّ الدَّلِيل قَدْ قَامَ عَلَى صِدْق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يُبَلِّغهُ عَنْ اللَّه تَعَالَى وَعَلَى عِصْمَته فِي التَّبْلِيغ , وَالْمُعْجِزَات شَاهِدَات بِتَصْدِيقِهِ , فَتَجْوِيز مَا قَامَ الدَّلِيل عَلَى خِلَافه بَاطِل. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِبَعْضِ الْأُمُور الدُّنْيَا الَّتِي لَمْ يُبْعَث لِأَجْلِهَا وَلَا كَانَتْ الرِّسَالَة مِنْ أَجْلهَا فَهُوَ فِي ذَلِكَ عُرْضَة لِمَا يَعْتَرِض الْبَشَر كَالْأَمْرَاضِ , فَغَيْر بَعِيد أَنْ يُخَيَّل إِلَيْهِ فِي أَمْر مِنْ أُمُور الدُّنْيَا مَا لَا حَقِيقَة لَهُ مَعَ عِصْمَته عَنْ مِثْل ذَلِكَ فِي أُمُور الدِّين , قَالَ : وَقَدْ قَالَ بَعْض النَّاس إِنَّ الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهُ وَطِئَ زَوْجَاته وَلَمْ يَكُنْ وَطِأَهُنَّ , وَهَذَا كَثِيرًا مَا يَقَع تَخَيُّله لِلْإِنْسَانِ فِي الْمَنَام فَلَا يَبْعُد أَنْ يُخَيَّل إِلَيْهِ فِي الْيَقِظَة. قُلْت : وَهَذَا قَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا وَلَفْظه \" حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاء وَلَا يَأْتِيهِنَّ \" وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ \" أَنَّهُ يَأْتِي أَهْله وَلَا يَأْتِيهِمْ \" قَالَ الدَّاوُدِيُّ \" يُرَى \" بِضَمِّ أَوَّله أَيْ يُظَنّ , وَقَالَ اِبْن التِّين ضُبِطَتْ \" يَرَى \" بِفَتْحِ أَوَّله. قُلْت : وَهُوَ مِنْ الرَّأْي لَا مِنْ الرُّؤْيَة , فَيَرْجِع إِلَى مَعْنَى الظَّنّ. وَفِي مُرْسَل يَحْيَى بْن يَعْمُر عِنْد عَبْد الرَّزَّاق \" سُحِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَائِشَة حَتَّى أَنْكَرَ بَصَره \" وَعِنْده فِي مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب \" حَتَّى كَادَ يُنْكِر بَصَره \" قَالَ عِيَاض : فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ السِّحْر إِنَّمَا تَسَلَّطَ عَلَى جَسَده وَظَوَاهِر جَوَارِحه لَا عَلَى تَمْيِيزه وَمُعْتَقَده. قُلْت : وَوَقَعَ فِي مُرْسَل عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب عِنْد اِبْن سَعْد \" فَقَالَتْ أُخْت لَبِيد بْن الْأَعْصَم : إِنْ يَكُنْ نَبِيًّا فَسَيُخْبَرُ , وَإِلَّا فَسَيُذْهِلُهُ هَذَا السِّحْر حَتَّى يَذْهَب عَقْله \" قُلْت : فَوَقَعَ الشِّقّ الْأَوَّل كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح. وَقَدْ قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء. لَا يَلْزَم مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَظُنّ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْء وَلَمْ يَكُنْ فَعَلَهُ أَنْ يُجْزَم بِفِعْلِهِ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا يَكُون مِنْ جِنْس الْخَاطِر يَخْطِر وَلَا يَثْبُت , فَلَا يَبْقَى عَلَى هَذَا لِلْمُلْحِدِ حُجَّة. وَقَالَ عِيَاض : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالتَّخْيِيلِ الْمَذْكُور أَنَّهُ يَظْهَر لَهُ مِنْ نَشَاطه مَا أَلِفَهُ مِنْ سَابِق عَادَته مِنْ الِاقْتِدَار عَلَى الْوَطْء , فَإِذَا دَنَا مِنْ الْمَرْأَة فَتَرَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ شَأْن الْمَعْقُود , وَيَكُون قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" حَتَّى كَادَ يُنْكِر بَصَره \" أَيْ صَارَ كَاَلَّذِي أَنْكَرَ بَصَره بِحَيْثُ إِنَّهُ إِذَا رَأَى الشَّيْء يُخَيَّل أَنَّهُ عَلَى غَيْر صِفَته , فَإِذَا تَأَمَّلَهُ عَرَفَ حَقِيقَته. وَيُؤَيِّد جَمِيع مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْهُ فِي خَبَر مِنْ الْأَخْبَار أَنَّهُ قَالَ قَوْلًا فَكَانَ بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ. وَقَالَ الْمُهَلَّب : صَوْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الشَّيَاطِين لَا يَمْنَع إِرَادَتهمْ كَيَدَهُ , فَقَدْ مَضَى فِي الصَّحِيح أَنَّ شَيْطَانًا أَرَادَ أَنْ يُفْسِد عَلَيْهِ صَلَاته فَأَمْكَنَهُ اللَّه مِنْهُ , فَكَذَلِكَ السِّحْر مَا نَالَهُ مِنْ ضَرَره مَا يُدْخِل نَقْصًا عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِالتَّبْلِيغِ , بَلْ هُوَ مِنْ جِنْس مَا كَانَ يَنَالهُ مِنْ ضَرَر سَائِر الْأَمْرَاض مِنْ ضَعْف عَنْ الْكَلَام , أَوْ عَجْز عَنْ بَعْض الْفِعْل , أَوْ حُدُوث تَخَيُّل لَا يَسْتَمِرّ , بَلْ يَزُول وَيُبْطِل اللَّه كَيْد الشَّيَاطِين. وَاسْتَدَلَّ اِبْن الْقَصَّار عَلَى أَنَّ الَّذِي أَصَابَهُ كَانَ مِنْ جِنْس الْمَرَض بِقَوْلِهِ فِي آخِر الْحَدِيث \" فَأَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّه \" وَفِي الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ نَظَر , لَكِنْ يُؤَيِّد الْمُدَّعَى أَنَّ فِي رِوَايَة عَمْرَة عَنْ عَائِشَة عِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِل \" فَكَانَ يَدُور وَلَا يَدْرِي مَا وَجَعه \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن سَعْد \" مَرِضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُخِذَ عَنْ النِّسَاء وَالطَّعَام وَالشَّرَاب , فَهَبَطَ عَلَيْهِ مَلَكَانِ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى إِذَا كَانَ ذَات يَوْم أَوْ ذَات لَيْلَة ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَأَظُنّهُ مِنْ الْبُخَارِيّ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي صِفَة إِبْلِيس مِنْ بَدْء الْخَلْق فَقَالَ \" حَتَّى كَانَ ذَات يَوْم \" وَلَمْ يَشُكّ , ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الشَّكّ فِيهِ مِنْ عِيسَى بْن يُونُس , وَأَنَّ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَده عَنْهُ عَلَى الشَّكّ , وَمِنْ طَرِيقه أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم , فَيُحْمَل الْجَزْم الْمَاضِي عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى شَيْخ الْبُخَارِيّ حَدَّثَهُ بِهِ تَارَة بِالْجَزْمِ وَتَارَة بِالشَّكِّ , وَيُؤَيِّدهُ مَا سَأَذْكُرُهُ مِنْ الِاخْتِلَاف عَنْهُ , وَهَذَا مِنْ نَوَادِر مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ أَنْ يَخْرُج الْحَدِيث تَامًّا بِإِسْنَادٍ وَاحِد بِلَفْظَيْنِ. ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة الْآتِيَة قَرِيبًا \" ذَات يَوْم \" بِغَيْرِ شَكّ \" وَذَات \" بِالنَّصْبِ وَيَجُوز الرَّفْع , ثُمَّ قِيلَ إِنَّهَا مُقْحَمَة , وَقِيلَ بَلْ هِيَ مِنْ إِضَافَة الشَّيْء لِنَفْسِهِ عَلَى رَأْي مَنْ يُجِيزهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ عِنْدِي لَكِنَّهُ دَعَا وَدَعَا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ , وَفِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة فِي بَدْء الْخَلْق \" حَتَّى كَانَ ذَات يَوْم دَعَا وَدَعَا \" وَكَذَا عَلَّقَهُ الْمُصَنِّف لِعِيسَى بْن يُونُس فِي الدَّعَوَات , وَمِثْله فِي رِوَايَة اللَّيْث , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون هَذَا الِاسْتِدْرَاك مِنْ قَوْلهَا \" عِنْدِي \" أَيْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَغِلًا بِي بَلْ اِشْتَغَلَ بِالدُّعَاءِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ التَّخَيُّل , أَيْ كَانَ السِّحْر أَضَرَّهُ فِي بَدَنه لَا فِي عَقْله وَفَهْمه بِحَيْثُ إنَّهُ تَوَجَّهَ إِلَى اللَّه وَدَعَا عَلَى الْوَضْع الصَّحِيح وَالْقَانُونَ الْمُسْتَقِيم. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر عِنْد مُسْلِم \" فَدَعَا , ثُمَّ دَعَا , ثُمَّ دَعَا \" وَهَذَا هُوَ الْمَعْهُود مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُكَرِّر الدُّعَاء ثَلَاثًا. وَفِي رِوَايَة وُهَيْب عِنْد أَحْمَد وَابْن سَعْد \" فَرَأَيْته يَدْعُو \". قَالَ النَّوَوِيّ : فِيهِ اِسْتِحْبَاب الدُّعَاء عِنْد حُصُول الْأُمُور الْمَكْرُوهَات وَتَكْرِيره الِالْتِجَاء إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي دَفْع ذَلِكَ. قُلْت : سَلَكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة مَسْلَكَيْ التَّفْوِيض وَتَعَاطِي الْأَسْبَاب , فَفِي أَوَّل الْأَمْر فَوَّضَ وَسَلَّمَ لِأَمْرِ رَبّه فَاحْتَسَبَ الْأَجْر فِي صَبْره عَلَى بَلَائِهِ , ثُمَّ لَمَّا تَمَادَى ذَلِكَ وَخَشِيَ مِنْ تَمَادِيهِ أَنْ يُضْعِفهُ عَنْ فَنُون عِبَادَته جَنَحَ إِلَى التَّدَاوِي ثُمَّ إِلَى الدُّعَاء , وَكُلّ مِنْ الْمَقَامَيْنِ غَايَة فِي الْكَمَال. ‏ ‏قَوْله : ( أُشْعِرْت ) ‏ ‏أَيْ عَلِمْت ؟ وَهِيَ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( أَفْتَانِي فِيمَا اِسْتَفْتَيْته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ \" أَفْتَانِي فِي أَمْر اِسْتَفْتَيْته فِيهِ \" أَيْ أَجَابَنِي فِيمَا دَعَوْته , فَأَطْلَقَ عَلَى الدُّعَاء اِسْتِفْتَاء لِأَنَّ الدَّاعِي طَالِب وَالْمُجِيب مُفْتٍ , أَوْ الْمَعْنَى أَجَابَنِي بِمَا سَأَلْته عَنْهُ , لِأَنَّ دُعَاءَهُ كَانَ أَنْ يُطْلِعهُ اللَّه عَلَى حَقِيقَة مَا هُوَ فِيهِ لِمَا اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَمْر. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَمْرَة عَنْ عَائِشَة \" إِنَّ اللَّه أَنْبَأَنِي بِمَرَضِي \" أَيْ أَخْبَرَنِي. ‏ ‏قَوْله ( أَتَانِي رَجُلَانِ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" قُلْت : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : أَتَانِي رَجُلَانِ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عِنْد أَحْمَد وَمُرْجَأ بْن رَجَاء عِنْد الطَّبَرَانِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام \" أَتَانِي مَلَكَانِ \" وَسَمَّاهُمَا اِبْن سَعْد فِي رِوَايَة مُنْقَطِعَة جِبْرِيل وَمِيكَائِيل , وَكُنْت ذَكَرْت فِي الْمُقَدِّمَة ذَلِكَ اِحْتِمَالًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَعَدَ أَحَدهمَا عِنْد رَأْسِي وَالْآخَر عِنْد رِجْلِي ) ‏ ‏لَمْ يَقَع لِي أَيّهمَا قَعَدَ عِنْد رَأْسه , لَكِنَّنِي أَظُنّهُ جِبْرِيل لِخُصُوصِيَّتِهِ بِهِ عَلَيْهِمَا السَّلَام. ثُمَّ وَجَدْت فِي \" السِّيرَة لِلدِّمْيَاطِيِّ \" الْجَزْم بِأَنَّهُ جِبْرِيل قَالَ. لِأَنَّهُ أَفْضَل , ثُمَّ وَجَدْت فِي حَدِيث زَيْد بِي أَرْقَم عِنْد النَّسَائِيِّ وَابْن سَعْد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَعَبْد بْن حُمَيْدٍ \" سَحَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُل مِنْ الْيَهُود , فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّامًا , فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ : إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُود سَحَرَك , عَقَدَ لَك عُقَدًا فِي بِئْر كَذَا \" فَدَلَّ مَجْمُوع الطُّرُق عَلَى أَنَّ الْمَسْئُول هُوَ جِبْرِيل وَالسَّائِل مِيكَائِيل. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ الْآتِيَة بَعْد بَاب \" فَقَالَ الَّذِي عِنْد رَأْسِي لِلْآخَرِ \" وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ \" فَقَالَ الَّذِي عِنْد رِجْلِي لِلَّذِي عِنْد رَأْسِي \" وَكَأَنَّهَا أَصْوَب , وَكَذَا هُوَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد الْبَيْهَقِيِّ. وَوَقَعَ بِالشَّكِّ فِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر عِنْد مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( مَا وَجَع الرَّجُل ) ‏ ‏؟ كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" مَا بَال الرَّجُل \" ؟ وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد الْبَيْهَقِيِّ \" مَا تَرَى \" وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْمَنَام , إِذْ لَوْ جَاءَا إِلَيْهِ فِي الْيَقِظَة لَخَاطَبَاهُ وَسَأَلَاهُ. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون كَانَ بِصِفَةِ النَّائِم وَهُوَ يَقْظَان , فَتَخَاطَبَا وَهُوَ يَسْمَع. وَأَطْلَقَ فِي رِوَايَة عَمْرَة عَنْ عَائِشَة أَنَّهُ كَانَ نَائِمًا , وَكَذَا فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَانْتَبَهَ مِنْ نَوْمه ذَات يَوْم \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا ذَكَرْت , وَعَلَى تَقْدِير حَمْلهَا عَلَى الْحَقِيقَة فَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاء وَحْي. وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد سَعْد بِسَنَدٍ ضَعِيف جِدًّا \" فَهَبَطَ عَلَيْهِ مَلَكَانِ وَهُوَ بَيْن النَّائِم وَالْيَقْظَان \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : مَطْبُوب ) ‏ ‏أَيْ مَسْحُور , يُقَال طُبَّ الرَّجُل بِالضَّمِّ إِذَا سُحِرَ , يُقَال كَنَّوْا عَنْ السِّحْر بِالطِّبِّ تَفَاؤُلًا كَمَا قَالُوا لِلَدِيغِ سُلَيْمٍ. وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : الطِّبّ مِنْ الْأَضْدَاد , يُقَال لِعِلَاجِ الدَّاء طِبّ , وَالسِّحْر مِنْ الدَّاء وَيُقَال لَهُ طِبّ , وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْد مِنْ مُرْسَل عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى قَالَ \" اِحْتَجَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسه بِقَرْنٍ حِين طُبَّ \" قَالَ أَبُو عُبَيْد يَعْنِي سُحِرَ. قَالَ اِبْن الْقَيِّم : بَنَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمْر أَوَّلًا عَلَى أَنَّهُ مَرِضَ , وَأَنَّهُ عَنْ مَادَّة مَالَتْ إِلَى الدِّمَاغ وَغَلَبَتْ عَلَى الْبَطْن الْمُقَدَّم مِنْهُ فَغَيَّرَتْ مِزَاجه , فَرَأَى اِسْتِعْمَال الْحِجَامَة لِذَلِكَ مُنَاسِبًا , فَلَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ سُحِرَ عَدَلَ إِلَى الْعِلَاج الْمُنَاسِب لَهُ وَهُوَ اِسْتِخْرَاجه , قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنَّ مَادَّة السِّحْر اِنْتَهَتْ إِلَى إِحْدَى قُوَى الرَّأْس حَتَّى صَارَ يُخَيَّل إِلَيْهِ مَا ذُكِرَ , فَإِنَّ السِّحْر قَدْ يَكُون مِنْ تَأْثِير الْأَرْوَاح الْخَبِيثَة , وَقَدْ يَكُون مِنْ اِنْفِعَال الطَّبِيعَة وَهُوَ أَشَدّ السِّحْر , وَاسْتِعْمَال الْحَجْم لِهَذَا الثَّانِي نَافِع لِأَنَّهُ إِذَا هَيَّجَ الْأَخْلَاط وَظَهَرَ أَثَره فِي عُضْو كَانَ اِسْتِفْرَاغ الْمَادَّة الْخَبِيثَة نَافِعًا فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّمَا قِيلَ لِلسِّحْرِ طِبّ لِأَنَّ أَصْل الطِّبّ الْحِذْق بِالشَّيْءِ وَالتَّفَطُّن لَهُ , فَلَمَّا كَانَ كُلّ مَنْ عِلَاج الْمَرَض وَالسِّحْر إِنَّمَا يَتَأَتَّى عَنْ فِطْنَة وَحِذْق أُطْلِقَ عَلَى كُلّ مِنْهُمَا هَذَا الِاسْم. ‏ ‏قَوْله : ( فِي مُشْط وَمُشَاطَة ) ‏ ‏أَمَّا الْمُشْط فَهُوَ بِضَمِّ الْمِيم , وَيَجُوز كَسْرهَا أَثْبَتَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَنْكَرَهُ أَبُو زَيْد , وَبِالسُّكُونِ فِيهِمَا , وَقَدْ يُضَمّ ثَانِيه مَعَ ضَمّ أَوَّله فَقَطْ وَهُوَ الْآلَة الْمَعْرُوفَة الَّتِي يُسَرَّح بِهَا شَعْر الرَّأْس وَاللِّحْيَة ; وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور. وَيُطْلَق الْمُشْط بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى أَشْيَاء أُخْرَى : مِنْهَا الْعَظْم الْعَرِيض فِي الْكَتِف , وَسَلَامِيَّات ظَهْر الْقَدَم , وَنَبْت صَغِير يُقَال لَهُ مُشْط الذَّنَب. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الَّذِي سُحِرَ فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَد هَذِهِ الْأَرْبَع. قُلْت : وَفَاتَهُ آلَة لَهَا أَسْنَان وَفِيهَا هِرَاوَة يُقْبَض عَلَيْهَا وَيُغَطَّى بِهَا الْإِنَاة , قَالَ اِبْن سِيدَه فِي \" الْمُحْكَم \" : إِنَّهَا تُسَمَّى الْمُشْط. وَالْمُشْط أَيْضًا سِمَة مِنْ سِمَات الْبَعِير تَكُون فِي الْعَيْن وَالْفَخِذ , وَمَعَ ذَلِكَ فَالْمُرَاد بِالْمُشْطِ هُنَا هُوَ الْأَوَّل , فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَمْرَة عَنْ عَائِشَة \" فَإِذَا فِيهَا مُشْط رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ مُرَاطَة رَأْسه \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" مِنْ شَعْر رَأْسه وَمِنْ أَسْنَان مُشْطه \" وَفِي مُرْسَل عُمَر بْن الْحَكَم \" فَعَمَدَ إِلَى مُشْط وَمَا مُشِطَ مِنْ الرَّأْس مِنْ شَعْر فَعَقَدَ بِذَلِكَ عُقَدًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَمُشَاطَة ) سَيَأْتِي بَيَان الِاخْتِلَاف هَلْ هِيَ بِالطَّاءِ أَوْ الْقَاف فِي آخِر الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث حَيْثُ بَيَّنَهُ الْمُصَنِّف. ‏ ‏قَوْله : ( وَجُفّ طَلْع نَخْلَة ذَكَر ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : وَقَعَ لِلْجُرْجَانِيّ - يَعْنِي فِي الْبُخَارِيّ - وَالْعُذْرِيّ - يَعْنِي فِي مُسْلِم - بِالْفَاءِ. وَلِغَيْرِهِمَا بِالْمُوَحَّدَةِ. قُلْت : أَمَّا رِوَايَة عِيسَى بْن يُونُس هُنَا فَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيّ بِالْفَاءِ وَلِغَيْرِهِ بِالْمُوَحَّدَةِ , وَأَمَّا رِوَايَته فِي بَدْء الْخَلْق فَالْجَمِيع بِالْفَاءِ , وَكَذَا فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ لِلْجَمِيعِ , وَلِلْمُسْتَمْلِي فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة بِالْمُوَحَّدَةِ , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ بِالْفَاءِ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : رِوَايَتنَا - يَعْنِي فِي مُسْلِم - بِالْفَاءِ , وَقَالَ النَّوَوِيّ : فِي أَكْثَر نُسَخ بِلَادنَا بِالْبَاءِ يَعْنِي فِي مُسْلِم , وَفِي بَعْضهَا بِالْفَاءِ , وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِد وَهُوَ الْغِشَاء الَّذِي يَكُون عَلَى الطَّلْع وَيُطْلَق عَلَى الذَّكَر وَالْأُنْثَى , فَلِهَذَا قَيَّدَهُ بِالذَّكَرِ فِي قَوْله \" طَلْعَة ذَكَر \" وَهُوَ بِالْإِضَافَةِ اِنْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَتنَا هُنَا بِالتَّنْوِينِ فِيهِمَا عَلَى أَنَّ لَفْظ \" ذَكَر \" صِفَة لِجُفّ , وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيّ أَنَّ الَّذِي بِالْفَاءِ هُوَ وِعَاء الطَّلْع وَهُوَ لِلْغِشَاءِ الَّذِي يَكُون عَلَيْهِ , وَبِالْمُوَحَّدَةِ دَاخِل الطَّلْعَة إِذَا خَرَجَ مِنْهَا الْكُفْرِيّ قَالَهُ شَمِر , قَالَ : وَيُقَال أَيْضًا لِدَاخِلِ الرَّكِيَّة مِنْ أَسْفَلهَا إِلَى أَعْلَاهَا جُفّ , وَقِيلَ هُوَ مِنْ الْقَطْع يَعْنِي مَا قُطِعَ مِنْ قُشُورهَا. وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَُّيْبَانِيُّ : الْجُفّ بِالْفَاءِ شَيْء يُنْقَر مِنْ جُذُوع النَّخْل. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ : هُوَ فِي بِئْر ذَرْوَان ) ‏ ‏زَادَ اِبْن عُيَيْنَةَ وَغَيْره \" تَحْت رَاعُوفَة \" وَسَيَأْتِي شَرْحهَا بَعْد بَاب , وَذَرْوَان بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء , وَحَكَى اِبْن التِّين فَتْحهَا وَأَنَّهُ قَرَأَهُ كَذَلِكَ قَالَ : وَلَكِنَّهُ بِالسُّكُونِ أَشْبَه , وَفِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر عِنْد مُسْلِم \" فِي بِئْر ذِي أَرْوَان \" وَيَأْتِي فِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة فِي الدَّعَوَات مِثْله , وَفِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ لَكِنْ بِغَيْرِ لَفْظ بِئْر , وَلِغَيْرِهِ \" فِي ذَرْوَان \" وَذَرْوَان بِئْر فِي بَنِي زُرَيْق , فَعَلَى هَذَا فَقَوْله : \" بِئْر ذَرْوَان \" مِنْ إِضَافَة الشَّيْء لِنَفْسِهِ , وَيُجْمَع بَيْنهمَا وَبَيْن رِوَايَة اِبْن نُمَيْر بِأَنَّ الْأَصْل \" بِئْر ذِي أَرْوَان \" ثُمَّ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَال سُهِّلَتْ الْهَمْزَة فَصَارَتْ \" ذَرْوَان \" وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ عُبَيْد الْبَكْرِيّ صَوَّبَ أَنَّ اِسْم الْبِئْر \" أَرْوَان \" بِالْهَمْزِ وَأَنَّ مَنْ قَالَ \" ذَرْوَان \" أَخْطَأَ. وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِخَطَأٍ عَلَى مَا وَجَّهْته. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ وُهَيْب وَكَذَا فِي رِوَايَته عَنْ اِبْن نُمَيْر \" بِئْر أَرْوَان \" كَمَا قَالَ الْبَكْرِيّ , فَكَأَنَّ رِوَايَة الْأَصِيلِيُّ كَانَتْ مِثْلهَا فَسَقَطَتْ مِنْهَا الرَّاء , وَوَقَعَ عِنْد الْأَصِيلِيِّ فِيمَا حَكَاهُ عِيَاض \" فِي بِئْر ذِي أَوَان \" بِغَيْرِ رَاءٍ قَالَ عِيَاض : هُوَ وَهْم , فَإِنَّ هَذَا مَوْضِع آخَر عَلَى سَاعَة مِنْ الْمَدِينَة , وَهُوَ الَّذِي بُنِيَ فِيهِ مَسْجِد الضِّرَار. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَاهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَاس مِنْ أَصْحَابه ) ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن سَعْد \" فَبَعَثَ إِلَى عَلِيّ وَعَمَّار فَأَمَرَهُمَا أَنْ يَأْتِيَا الْبِئْر \" وَعِنْده فِي مُرْسَل عُمَر بْن الْحَكَم \" فَدَعَا جُبَيْر بْن إِيَاس الزُّرَقِيّ وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ عَلَى مَوْضِعه فِي بِئْر ذَرْوَان فَاسْتَخْرَجَهُ \" قَالَ وَيُقَال الَّذِي اِسْتَخْرَجَهُ قَيْس بْن مُحْصَن الزُّرَقِيّ , وَيُجْمَع بِأَنَّهُ أَعَانَ جُبَيْرًا عَلَى ذَلِكَ وَبَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ فَنُسِبَ إِلَيْهِ , وَعِنْد اِبْن سَعْد أَيْضًا \" أَنَّ الْحَارِث بْن قَيْس قَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَلَا يَهُور الْبِئْر \" فَيُمْكِن تَفْسِير مَنْ أُبْهِمَ بِهَؤُلَاءِ أَوْ بَعْضهمْ , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَّهَهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ تَوَجَّهَ فَشَاهَدَهَا بِنَفْسِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَجَاءَ فَقَالَ يَا عَائِشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وُهَيْب \" فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ يَا عَائِشَة \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة وَلَفْظه \" فَذَهَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْبِئْر فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَة فَقَالَ \" وَفِي رِوَايَة عَمْرَة عَنْ عَائِشَة \" فَنَزَلَ رَجُل فَاسْتَخْرَجَهُ \" وَفِيهِ مِنْ الزِّيَادَة أَنَّهُ \" وَجَدَ فِي الطَّلْعَة تِمْثَالًا مِنْ شَمْع , تِمْثَال رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِذَا فِيهِ إِبَر مَغْرُوزَة , وَإِذَا وُتِرَ فِيهِ إِحْدَى عَشْرَة عُقْدَة , فَنَزَلَ جِبْرِيل بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ , فَكُلَّمَا قَرَأَ آيَة اِنْحَلَّتْ عُقْدَة , وَكُلَّمَا نَزَعَ إِبْرَة وَجَدَ لَهَا أَلَمًا ثُمَّ يَجِد بَعْدهَا رَاحَة \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس نَحْوه كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ , وَفِي حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ عِنْد عَبْد بْن حُمَيْدٍ وَغَيْره \" فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَنَزَلَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ \" وَفِيهِ \" فَأَمَرَهُ أَنْ يَحِلّ الْعُقَد وَيَقْرَأ آيَة , فَجَعَلَ يَقْرَأ وَيَحِلّ حَتَّى قَامَ كَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَال \" وَعِنْد اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق عُمَر مَوْلَى غُفْرَة مُعْضِلًا \" فَاسْتَخْرَجَ السِّحْر مِنْ الْجُفّ مِنْ تَحْت الْبِئْر ثُمَّ نَزَعَهُ فَحَلَّهُ فَكَشَفَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( كَأَنَّ مَاءَهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر \" وَاَللَّه لَكَأَنَّ مَاءَهَا \" أَيْ الْبِئْر ‏ ‏( نُقَاعَة الْحِنَّاء ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون وَتَخْفِيف الْقَاف , وَالْحِنَّاء مَعْرُوف وَهُوَ بِالْمَدِّ أَيْ أَنَّ لَوْن مَاء الْبِئْر لَوْن الْمَاء الَّذِي يُنْقَع فِيهِ الْحِنَّاء. قَالَ اِبْن التِّين : يَعْنِي أَحْمَر. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ. الْمُرَاد الْمَاء الَّذِي يَكُون مِنْ غُسَالَة الْإِنَاء الَّذِي تُعْجَن فِيهِ الْحِنَّاء. قُلْت : وَوَقَعَ فِي حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم عِنْد اِبْن سَعْد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم \" فَوَجَدَ الْمَاء وَقَدْ اِخْضَرَّ \" وَهَذَا يُقَوِّي قَوْل الدَّاوُدِيِّ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : كَأَنَّ مَاء الْبِئْر قَدْ تَغَيَّرَ إِمَّا لِرَدَاءَتِهِ بِطُولِ إِقَامَته , وَإِمَّا لِمَا خَالَطَهُ مِنْ الْأَشْيَاء الَّتِي أُلْقِيَتْ فِي الْبِئْر. قُلْت : وَيَرُدّ الْأَوَّل أَنَّ عِنْد اِبْن سَعْد فِي مُرْسَل عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب أَنَّ الْحَارِث بْن قَيْس هَوَّرَ الْبِئْر الْمَذْكُورَة وَكَانَ يَسْتَعْذِب مِنْهَا وَحَفَرَ بِئْرًا أُخْرَى فَأَعَانَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَفْرهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَأَنَّ رُءُوس نَخْلهَا رُءُوس الشَّيَاطِين ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي بَدْء الْخَلْق \" نَخْلهَا كَأَنَّهُ رُءُوس الشَّيَاطِين \" وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ وَأَكْثَر الرُّوَاة عَنْ هِشَام \" كَأَنَّ نَخْلهَا \" بِغَيْرِ ذِكْر \" رُءُوس \" أَوَّلًا , وَالتَّشْبِيه إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى رُءُوس النَّخْل فَلِذَلِكَ أَفْصَحَ بِهِ فِي رِوَايَة الْبَاب وَهُوَ مُقَدَّر فِي غَيْرهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَمْرَة عَنْ عَائِشَة \" فَإِذَا نَخْلهَا الَّذِي يَشْرَب مِنْ مَائِهَا قَدْ اِلْتَوَى سَعَفه كَأَنَّهُ رُءُوس الشَّيَاطِين \" وَقَدْ وَقَعَ تَشْبِيه طَلْع شَجَرَة الزَّقُّوم فِي الْقُرْآن بِرُءُوسِ الشَّيَاطِين , قَالَ الْفَرَّاء وَغَيْره : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون شَبَّهَ طَلْعهَا فِي قُبْحه بِرُءُوسِ الشَّيَاطِين : لِأَنَّهَا مَوْصُوفَة بِالْقُبْحِ , وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي اللِّسَان أَنَّ مَنْ قَالَ. فُلَان شَيْطَان أَرَادَ أَنَّهُ خَبِيث أَوْ قَبِيح , وَإِذَا قَبَّحُوا مُذَكَّرًا قَالُوا شَيْطَان , أَوْ مُؤَنَّثًا قَالُوا غُول , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالشَّيَاطِينِ الْحَيَّات , وَالْعَرَب تُسَمِّي بَعْض الْحَيَّات شَيْطَانًا وَهُوَ ثُعْبَان قَبِيح الْوَجْه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد نَبَات قَبِيح قِيلَ إِنَّهُ يُوجَد بِالْيَمَنِ. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَفَلَا اِسْتَخْرَجْته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" فَقَالَ لَا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ أَنَّهُ اِسْتَخْرَجَهُ , وَأَنَّ سُؤَال عَائِشَة إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ النُّشْرَة فَأَجَابَهَا بِلَا , وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِيهِ بَعْد بَاب. ‏ ‏قَوْله : ( فَكَرِهْت أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاس فِيهِ شَرًّا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" سُوءًا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" أَنْ أُثَوِّر \" بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة وَتَشْدِيد الْوَاو وَهُمَا بِمَعْنًى. وَالْمُرَاد بِالنَّاسِ التَّعْمِيم فِي الْمَوْجُودِينَ قَالَ النَّوَوِيّ : خَشِيَ مِنْ إِخْرَاجه وَإِشَاعَته ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ تَذَكُّر السِّحْر وَتَعَلُّمه وَنَحْو ذَلِكَ ; وَهُوَ مِنْ بَاب تَرْك الْمَصْلَحَة خَوْف الْمَفْسَدَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر \" عَلَى أُمَّتِي \" وَهُوَ قَابِل أَيْضًا لِلتَّعْمِيمِ , لِأَنَّ الْأُمَّة تُطْلَق عَلَى أُمَّة الْإِجَابَة وَأُمَّة الدَّعْوَة عَلَى مَا هُوَ أَعَمّ , وَهُوَ يَرُدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَاد بِالنَّاسِ هُنَا لَبِيد بْن الْأَعْصَم لِأَنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا فَأَرَادَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يُثِير عَلَيْهِ شَرًّا لِأَنَّهُ كَانَ يُؤْثِر الْإِغْضَاء عَمَّنْ يُظْهِر الْإِسْلَام وَلَوْ صَدَرَ مِنْهُ مَا صَدَرَ , وَقَدْ وَقَعَ أَيْضًا فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" وَكَرِهْت أَنْ أُثِير عَلَى أَحَد مِنْ النَّاس شَرًّا \" نَعَمْ وَقَعَ فِي حَدِيث عَمْرَة عَنْ عَائِشَة \" فَقِيلَ يَا رَسُول اللَّه لَوْ قَتَلْته , قَالَ : مَا وَرَاءَهُ مِنْ عَذَاب اللَّه أَشَدّ \" وَفِي رِوَايَة عَمْرَة \" فَأَخَذَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَرَفَ فَعَفَا عَنْهُ \" وَفِي حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم \" فَمَا ذَكَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ الْيَهُودِيّ شَيْئًا مِمَّا صَنَعَ بِهِ وَلَا رَآهُ فِي وَجْهه \" وَفِي مُرْسَل عُمَر بْن الْحَكَم \" فَقَالَ لَهُ : مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا ؟ قَالَ : حُبّ الدَّنَانِير \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْجِزْيَة قَوْل اِبْن شِهَاب أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْتُلهُ , وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد مِنْ مُرْسَل عِكْرِمَة أَيْضًا أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلهُ , وَنُقِلَ عَنْ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ ذَلِكَ أَصَحّ مِنْ رِوَايَة مَنْ قَالَ إِنَّهُ قَتَلَهُ , وَمِنْ ثَمَّ حَكَى عِيَاض فِي \" الشِّفَاء \" قَوْلَيْنِ : هَلْ قُتِلَ , أَمْ لَمْ يُقْتَل ؟ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ لَا حُجَّة عَلَى مَالِك مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة , لِأَنَّ تَرْك قَتْل لَبِيد بْن الْأَعْصَم كَانَ لِخَشْيَةِ أَنْ يُثِير بِسَبَبِ قَتْله فِتْنَة , أَوْ لِئَلَّا يُنَفِّر النَّاس عَنْ الدُّخُول فِي الْإِسْلَام , وَهُوَ مِنْ جِنْس مَا رَاعَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَنْع قَتْل الْمُنَافِقِينَ حَيْثُ قَالَ : \" لَا يَتَحَدَّث النَّاس أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُل أَصْحَابه \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمَرَ بِهَا ) ‏ ‏أَيْ بِالْبِئْرِ ‏ ‏( فَدُفِنَتْ ) ‏ ‏وَهَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر وَغَيْره عَنْ هِشَام , وَأَوْرَدَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام عَقِب رِوَايَة اِبْن نُمَيْر وَقَالَ \" لَمْ يَقُلْ أَبُو أُسَامَة فِي رِوَايَته فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ \". قُلْت : وَكَأَنَّ شَيْخه لَمْ يَذْكُرهَا حِين حَدَّثَهُ , وَإِلَّا فَقَدْ أَوْرَدَهَا الْبُخَارِيّ عَنْ عُبَيْد بْن إِسْمَاعِيل عَنْ أَبِي أُسَامَة , كَمَا فِي الْبَاب بَعْده , وَقَالَ فِي آخِره \" فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي مُرْسَل عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب \" أَنَّ الْحَارِث بْن قَيْس هَوَّرَهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَة ) ‏ ‏هُوَ حَمَّاد بْن أُسَامَة , وَتَأْتِي رِوَايَته مَوْصُولَة بَعْد بَابَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو ضَمْرَة ) ‏ ‏هُوَ أَنَس بْن عِيَاض , وَسَتَأْتِي رِوَايَته مَوْصُولَة فِي كِتَاب الدَّعَوَات. ‏ ‏قَوْله : ( وَابْن أَبِي الزِّنَاد ) ‏ ‏هُوَ عَبُدَ الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن ذَكْوَانَ , وَلَمْ أَعْرِف مَنْ وَصَلَهَا بَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث وَابْن عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَام فِي مُشْط وَمُشَاطَة ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ \" وَمُشَاقَة \" وَهُوَ الصَّوَاب وَإِلَّا لَاتَّحَدَتْ الرِّوَايَات , وَرِوَايَة اللَّيْث تَقَدَّمَ ذِكْرهَا فِي بَدْء الْخَلْق , وَرِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ تَأْتِي مَوْصُولَة بَعْد بَاب. وَذَكَرَ الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" تَبَعًا لِخَلَفٍ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَهُ فِي الطِّبّ عَنْ الْحُمَيْدِيّ وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَطَرِيق الْحُمَيْدِيّ مَا هِيَ فِي الطِّبّ فِي شَيْء مِنْ النُّسَخ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق الْحُمَيْدِيّ وَقَالَ بَعْده \" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد \" لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ , وَكَذَا لَمْ يَذْكُر أَبُو مَسْعُود فِي أَطْرَافه الْحُمَيْدِيّ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُقَال الْمُشَاطَة مَا يَخْرُج مِنْ الشَّعْر إِذَا مُشِطَ ) ‏ ‏هَذَا لَا اِخْتِلَاف فِيهِ بَيْن أَهْل اللُّغَة , قَالَ اِبْن قُتَيْبَة. الْمُشَاطَة مَا يَخْرُج مِنْ الشَّعْر الَّذِي سَقَطَ مِنْ الرَّأْس إِذَا سُرِّحَ بِالْمُشْطِ , وَكَذَا مِنْ اللِّحْيَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْمُشَاطَة مِنْ مُشَاطَة الْكَتَّان ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ كَأَنَّ الْمُرَاد أَنَّ اللَّفْظ مُشْتَرِك بَيْن الشَّعْر إِذَا مُشِطَ وَبَيْن الْكَتَّان إِذَا سُرِّحَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" وَالْمُشَاقَة \" وَهُوَ أَشْبَهَ , وَقِيلَ الْمُشَاقَة هِيَ الْمُشَاطَة بِعَيْنِهَا , وَالْقَاف تُبْدَل مِنْ الطَّاء لِقُرْبِ الْمَخْرَج , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5322",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْغَيْثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اجْتَنِبُوا ‏ ‏الْمُوبِقَاتِ ‏ ‏الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( اِجْتَنِبُوا الْمُوبِقَات : الشِّرْك بِاَللَّهِ وَالسِّحْر ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَ الْحَدِيث مُخْتَصَرًا وَحَذَفَ لَفْظ الْعَدَد , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْوَصَايَا بِلَفْظِ \" اِجْتَنِبُوا السَّبْع الْمُوبِقَات \" وَسَاقَ الْحَدِيث بِتَمَامِهِ , وَيَجُوز نَصْب الشِّرْك بَدَلًا مِنْ السَّبْع , وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى الِاسْتِئْنَاف فَيَكُون خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف , وَالنُّكْتَة فِي اِقْتِصَاره عَلَى اِثْنَتَيْنِ مِنْ السَّبْع هُنَا الرَّمْز إِلَى تَأْكِيد أَمْر السِّحْر , فَظَنَّ بَعْض النَّاس أَنَّ هَذَا الْقَدْر هُوَ جُمْلَة الْحَدِيث , فَقَالَ : ذِكْر الْمُوبِقَات وَهِيَ صِيغَة جَمْع وَفَسَّرَهَا بِاثْنَتَيْنِ فَقَطْ , وَهُوَ مِنْ قَبِيل قَوْله تَعَالَى ( فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ) فَاقْتَصَرَ عَلَى اِثْنَتَيْنِ فَقَطْ , وَهَذَا عَلَى أَحَد الْأَقْوَال فِي الْآيَة , وَلَكِنْ لَيْسَ الْحَدِيث كَذَلِكَ فَإِنَّهُ فِي الْأَصْل سَبْعَة حَذَفَ الْبُخَارِيّ مِنْهَا خَمْسَة وَلَيْسَ شَأْن الْآيَة كَذَلِكَ , وَقَالَ اِبْن مَالِك : تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيث حَذْف الْمَعْطُوف لِلْعِلْمِ بِهِ , فَإِنَّ تَقْدِير اِجْتَنِبُوا الْمُوبِقَات الشِّرْك بِاَللَّهِ وَالسِّحْر وَأَخَوَاتهمَا وَجَازَ الْحَذْف لِأَنَّ الْمُوبِقَات سَبْع , وَقَدْ ثَبَتَتْ فِي حَدِيث آخَر , وَاقْتَصَرَ فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى ثِنْتَيْنِ مِنْهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُمَا أَحَقّ بِالِاجْتِنَابِ , وَيَجُوز رَفْع الشِّرْك وَالسِّحْر عَلَى تَقْدِير \" مِنْهُنَّ \". قُلْت : وَظَاهِر كَلَامه يَقْتَضِي أَنَّ الْحَدِيث وَرَدَ هَكَذَا تَارَة وَتَارَة وَرَدَ بِتَمَامِهِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا الَّذِي اِخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيّ نَفْسه كَعَادَتِهِ فِي جَوَاز الِاقْتِصَار عَلَى بَعْض الْحَدِيث , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الْوَصَايَا فِي \" بَاب قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا \" عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَسَاقَهَا سَبْعًا فَذَكَرَ بَعْد السِّحْر وَقَتْل النَّفْس إِلَخْ , وَأَعَادَهُ فِي أَوَاخِر كِتَاب الْمُحَارَبِينَ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِهِ بِتَمَامِهِ , وَأَغْفَلَ الْمِزِّيّ فِي الْأَطْرَاف \" ذِكْرَ هَذَا الْمَوْضِع فِي تَرْجَمَة سَالِم أَبِي الْغَيْث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5323",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُيَيْنَةَ ‏ ‏يَقُولُ أَوَّلُ مَنْ حَدَّثَنَا بِهِ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنِي ‏ ‏آلُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏فَسَأَلْتُ ‏ ‏هِشَامًا ‏ ‏عَنْهُ فَحَدَّثَنَا عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُحِرَ حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنْ السِّحْرِ إِذَا كَانَ كَذَا ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَعَلِمْتِ ‏ ‏أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ أَتَانِي ‏ ‏رَجُلَانِ ‏ ‏فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلْآخَرِ مَا بَالُ الرَّجُلِ قَالَ ‏ ‏مَطْبُوبٌ ‏ ‏قَالَ وَمَنْ طَبَّهُ قَالَ ‏ ‏لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي زُرَيْقٍ ‏ ‏حَلِيفٌ ‏ ‏لِيَهُودَ ‏ ‏كَانَ مُنَافِقًا قَالَ وَفِيمَ قَالَ فِي مُشْطٍ ‏ ‏وَمُشَاقَةٍ ‏ ‏قَالَ وَأَيْنَ قَالَ فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ تَحْتَ رَاعُوفَةٍ فِي ‏ ‏بِئْرِ ذَرْوَانَ ‏ ‏قَالَتْ فَأَتَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْبِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ فَقَالَ هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ قَالَ فَاسْتُخْرِجَ قَالَتْ فَقُلْتُ أَفَلَا أَيْ تَنَشَّرْتَ فَقَالَ أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ شَرًّا ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة سِحْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سَبَقَ شَرْحه مُسْتَوْفًى قَرِيبًا. وَقَوْله فِيهِ \" قَالَ سُفْيَان : وَهَذَا أَشَدّ مَا يَكُون مِنْ السِّحْر \" سُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ وَهُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. وَلَمْ أَقِف عَلَى كَلَام سُفْيَان هَذَا فِي مُسْنَد الْحُمَيْدِيّ وَلَا أَنَّ أَبِي عُمَر وَلَا غَيْرهمَا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فِي جُفّ طَلْعَة ذَكَر تَحْت رَعُوفَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" رَاعُوفَة \" بِزِيَادَةِ أَلِف بَعْد الرَّاء وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَكْثَر الرُّوَاة , عَكَسَ اِبْن التِّين وَزَعَمَ أَنَّ رَاعُوفَة لِلْأَصِيلِيّ فَقَطْ وَهُوَ الْمَشْهُور فِي اللُّغَة , وَفِي لُغَة أُخْرَى \" أُرْعُوفَة \" وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي مُرْسَل عُمَر بْن الْحَكَم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عِنْد أَحْمَد \" تَحْت رَعُوثَة \" بِمُثَلَّثَةٍ بَدَل الْفَاء وَهِيَ لُغَة أُخْرَى مَعْرُوفَة , وَوَقَعَ فِي النِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير أَنَّ فِي رِوَايَة أُخْرَى \" زَعُوبَة \" بِزَايٍ وَمُوَحَّدَة وَقَالَ هِيَ بِمَعْنَى رَاعُوفَة ا ه. وَالرَّاعُوفَة حَجَر يُوضَع عَلَى رَأْس الْبِئْر لَا يُسْتَطَاع قَلْعه يَقُوم عَلَيْهِ الْمُسْتَقِي. وَقَدْ يَكُون فِي أَسْفَل الْبِئْر , قَالَ أَبُو عُبَيْد : هِيَ صَخْرَة تُنْزَل فِي أَسْفَل الْبِئْر إِذَا حُفِرَتْ يَجْلِس عَلَيْهَا الَّذِي يُنَظِّف الْبِئْر , وَهُوَ حَجَر يُوجَد صُلْبًا لَا يُسْتَطَاع نَزْعه فَيُتْرَك , وَاخْتُلِفَ فِي اِشْتِقَاقهَا فَقِيلَ : لِتَقَدُّمِهَا وَبُرُوزهَا يُقَال جَاءَ فُلَان يُرْعِف الْخَيْل أَيْ يَتَقَدَّمهَا ; وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيّ فِي تَهْذِيبه عَنْ شَمِر قَالَ : رَاعُوفَة الْبِئْر النَّظَافَة , هِيَ مِثْل عَيْن عَلَى قَدْر حَجَر الْعَقْرَب فِي أَعْلَى الرَّكِيَّة فَيُجَاوِز فِي الْحَفْر خَمْس قِيَم وَأَكْثَر فَرُبَّمَا وَجَدُوا مَاء كَثِيرًا , قَالَ شَمِر : فَمَنْ ذَهَبَ بِالرَّاعُوفَةِ إِلَى النَّظَافَة فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ رُعَاف الْأَنْف , وَمَنْ ذَهَبَ بِالرَّاعُوفَةِ إِلَى الْحَجَر الَّذِي يَتَقَدَّم طَيّ الْبِئْر فَهُوَ مِنْ رَعَفَ الرَّجُل إِذَا سَبَقَ. قُلْت : وَتَنْزِيل الرَّاعُوفَة عَلَى الْأَخِير وَاضِح بِخِلَافِ الْأَوَّل , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبِئْر حَتَّى اِسْتَخْرَجَهُ إِلَى أَنْ قَالَ فَاسْتَخْرَجَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ , وَفِي رِوَايَة عِيسَى بْن يُونُس \" قُلْت ; يَا رَسُول اللَّه أَفَلَا اِسْتَخْرَجْته \" وَفِي رِوَايَة وُهَيْب \" قُلْت : يَا رَسُول اللَّه فَأَخْرِجْهُ لِلنَّاسِ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر \" أَفَلَا أَخْرَجْته ؟ قَالَ : لَا \" وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة الَّتِي بَعْد هَذَا الْبَاب , قَالَ اِبْن بَطَّال : ذَكَرَ الْمُهَلَّب أَنَّ الرُّوَاة اِخْتَلَفُوا عَلَى هِشَام فِي إِخْرَاج السِّحْر الْمَذْكُور , فَانْتَبَهَ سُفْيَان وَجَعَلَ سُؤَال عَائِشَة عَنْ النُّشْرَة , وَنَفَاهُ عِيسَى بْن يُونُس وَجَعَلَ سُؤَالهَا عَنْ الِاسْتِخْرَاج , وَلَمْ يَذْكُر الْجَوَاب , وَصَرَّحَ بِهِ أُسَامَة , قَالَ وَالنَّظَر يَقْتَضِي تَرْجِيح رِوَايَة سُفْيَان لِتَقَدُّمِهِ فِي الضَّبْط , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ النُّشْرَة لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة وَالزِّيَادَة مِنْ سُفْيَان مَقْبُولَة لِأَنَّهُ أَثْبَتَهُمْ , وَلَا سِيَّمَا أَنَّهُ كَرَّرَ اِسْتِخْرَاج السِّحْر فِي رِوَايَته مَرَّتَيْنِ فَيَبْعُد مِنْ الْوَهْم , وَزَادَ ذِكْر النُّشْرَة وَجَعَلَ جَوَابه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا بِلَا بَدَلًا عَنْ الِاسْتِخْرَاج , قَالَ : وَيُحْتَمَل وَجْهًا آخَر فَذَكَرَ مَا مُحَصِّله : أَنَّ الِاسْتِخْرَاج الْمَنْفِيّ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة غَيْر الِاسْتِخْرَاج الْمُثْبَت فِي رِوَايَة سُفْيَان , فَالْمُثْبَت هُوَ اِسْتِخْرَاج الْجُفّ وَالْمَنْفِيّ اِسْتِخْرَاج مَا حَوَاهُ , قَالَ : وَكَأَنَّ السِّرّ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَرَاهُ النَّاس فَيَتَعَلَّمهُ مَنْ أَرَادَ اِسْتِعْمَال السِّحْر. قُلْت : وَقَعَ فِي رِوَايَة عَمْرَة \" فَاسْتَخْرَجَ جُفّ طَلْعَة مِنْ تَحْت رَاعُوفَة \" وَفِي حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم \" فَأَخْرَجُوهُ فَرَمَوْا بِهِ \" وَفِي مُرْسَل عُمَر بْن الْحَكَم أَنَّ الَّذِي اِسْتَخْرَجَ السِّحْر قَيْس بْن مُحَصِّن , كُلّ هَذَا لَا يُخَالِف الْحَمْل الْمَذْكُور , لَكِنْ فِي آخِر رِوَايَة عَمْرَة وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّهُمْ وَجَدُوا وِتْرًا فِيهِ عُقَد , وَأَنَّهَا اِنْحَلَّتْ عِنْد قِرَاءَة الْمُعَوِّذَتَيْنِ فَفِيهِ إِشْعَار بِاسْتِكْشَافِ مَا كَانَ دَاخِل الْجُفّ , فَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَقُدِحَ فِي الْجَمْع الْمَذْكُور , لَكِنْ لَا يَخْلُو إِسْنَاد كُلّ مِنْهُمَا مِنْ الضَّعْف. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة مُخَالَفَة فِي لَفْظَة أُخْرَى : فَرِوَايَة الْبُخَارِيّ عَنْ عُبَيْد بْن إِسْمَاعِيل عَنْهُ \" أَفَلَا أَخْرَجْته \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ أَبِي أُسَامَة , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ أَبِي أُسَامَة \" أَفَلَا أَحْرَقْته \" بِحَاءٍ مُهْمَلَة وَقَاف , وَقَالَ النَّوَوِيّ : كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيح , كَأَنَّهَا طَلَبَتْ أَنَّهُ يُخْرِجهُ ثُمَّ يُحَرِّقهُ. قُلْت : لَكِنْ لَمْ يَقَعَا مَعًا فِي رِوَايَة وَاحِدَة , وَإِنَّمَا وَقَعَتْ اللَّفْظَة مَكَان اللَّفْظَة , وَانْفَرَدَ أَبُو كُرَيْب بِالرِّوَايَةِ الَّتِي بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَاف , فَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِد أَنَّ رِوَايَته شَاذَّة. وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيّ فَجَعَلَ الضَّمِير فِي أَحْرَقْته لِلَبِيد بْن أَعْصَم , قَالَ : وَاسْتَفْهَمَتْهُ عَائِشَة عَنْ ذَلِكَ عُقُوبَة لَهُ عَلَى مَا صَنَعَ مِنْ السِّحْر , فَأَجَابَهَا بِالِامْتِنَاعِ , وَنَبَّهَ عَلَى سَبَبه وَهُوَ خَوْف وُقُوع شَرّ بَيْنهمْ وَبَيْن الْيَهُود لِأَجْلِ الْعَهْد , فَلَوْ قَتَلَهُ لَثَارَتْ فِتْنَة. كَذَا قَالَ. وَلَا أَدْرِي مَا وَجْه تَعَيُّن قَتْله بِالْإِحْرَاقِ , وَإِنْ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ الرِّوَايَة ثَابِتَة وَأَنَّ الضَّمِير لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَتْ فَقُلْت أَفَلَا ؟ أَيْ تَنَشَّرْت ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ \" فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه فَهَلَّا ؟ قَالَ سُفْيَان بِمَعْنَى تَنَشَّرْت. فَبَيَّنَ الَّذِي فَسَّرَ الْمُرَاد بِقَوْلِهَا \" أَفَلَا \" كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِر اللَّفْظَة فَذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى , وَظَاهِر هَذِهِ اللَّفْظَة أَنَّهُ مِنْ النُّشْرَة. وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ هِشَام عِنْد أَحْمَد \" فَقَالَتْ عَائِشَة : لَوْ أَنَّك \" تَعْنِي تُنَشَّر , وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيع الْمُصَنِّف حَيْثُ ذَكَرَ النُّشْرَة فِي التَّرْجَمَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ النَّشْر بِمَعْنَى الْإِخْرَاج فَيُوَافِق رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ \" فَهَلَّا أَخْرَجَتْهُ \" وَلِكَوْنِ لَفْظ هَذِهِ الرِّوَايَة \" هَلَّا اِسْتَخْرَجْت \" وَحُذِفَ الْمَفْعُول لِلْعِلْمِ بِهِ , وَيَكُون الْمُرَاد بِالْمَخْرَجِ مَا حَوَاهُ الْجُفّ لَا الْجُفّ نَفْسه , فَيَتَأَيَّد الْجَمْع الْمُقَدَّم ذِكْره. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : قَالَ اِبْن الْقَيِّم مِنْ أَنْفَع الْأَدْوِيَة وَأَقْوَى مَا يُوجَد مِنْ النُّشْرَة مُقَاوَمَة السِّحْر الَّذِي هُوَ مِنْ تَأْثِيرَات الْأَرْوَاح الْخَبِيثَة بِالْأَدْوِيَةِ الْإِلَهِيَّة مِنْ الذِّكْر وَالدُّعَاء وَالْقِرَاءَة , فَالْقَلْب إِذَا كَانَ مُمْتَلِئًا مِنْ اللَّه مَعْمُورًا بِذِكْرِهِ وَلَهُ وِرْد مِنْ الذِّكْر وَالدُّعَاء وَالتَّوَجُّه لَا يُخِلُّ بِهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَم الْأَسْبَاب الْمَانِعَة مِنْ إِصَابَة السِّحْر لَهُ. قَالَ : وَسُلْطَان تَأْثِير السِّحْر هُوَ فِي الْقُلُوب الضَّعِيفَة , وَلِهَذَا غَالِب مَا يُؤَثِّر فِي النِّسَاء وَالصِّبْيَان وَالْجُهَّال , لِأَنَّ الْأَرْوَاح الْخَبِيثَة إِنَّمَا تَنْشَط عَلَى أَرْوَاح تَلْقَاهَا مُسْتَعِدَّة لِمَا يُنَاسِبهَا. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَيُعَكِّر عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب , وَجَوَاز السِّحْر عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَظِيم مَقَامه وَصِدْق تَوَجُّهه وَمُلَازَمَة وِرْده , وَلَكِنْ يُمْكِن الِانْفِصَال عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَحْمُول عَلَى الْغَالِب , وَأَنَّ مَا وَقَعَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَيَانِ تَجْوِيز ذَلِكَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5324",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سُحِرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدِي دَعَا اللَّهَ وَدَعَاهُ ثُمَّ قَالَ أَشَعَرْتِ يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ قُلْتُ وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ جَاءَنِي ‏ ‏رَجُلَانِ ‏ ‏فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ مَا وَجَعُ الرَّجُلِ قَالَ ‏ ‏مَطْبُوبٌ ‏ ‏قَالَ وَمَنْ طَبَّهُ قَالَ ‏ ‏لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ ‏ ‏الْيَهُودِيُّ مِنْ ‏ ‏بَنِي زُرَيْقٍ ‏ ‏قَالَ فِيمَا ذَا قَالَ فِي مُشْطٍ ‏ ‏وَمُشَاطَةٍ ‏ ‏وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ قَالَ فَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي ‏ ‏بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ ‏ ‏قَالَ فَذَهَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِئْرِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا نَخْلٌ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَقَالَ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَأَخْرَجْتَهُ قَالَ لَا أَمَّا أَنَا فَقَدْ ‏ ‏عَافَانِيَ اللَّهُ وَشَفَانِي وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا وَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة فَاقْتَصَرَ الْكَثِير مِنْهُ عَلَى بَعْضه مِنْ أَوَّله إِلَى قَوْله \" يَفْعَل الشَّيْء وَمَا فَعَلَهُ \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْء وَمَا فَعَلَهُ \" وَوَقَعَ سِيَاق الْحَدِيث بِكَمَالِهِ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْمُسْتَمْلِي , وَكَذَا صَنَعَ النَّسَفِيُّ وَزَادَ فِي آخِره طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ هِشَام إِلَى قَوْله \" صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعهُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ سَنَدًا وَمَتْنًا لِغَيْرِهِ فِي كِتَاب الْجِزْيَة. وَأَغْفَلَ الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" ذِكْرهَا هُنَا , وَذَكَرَ هُنَا رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان وَلَمْ أَرَهَا وَلَا ذَكَرَهَا أَبُو مَسْعُود فِي أَطْرَافه , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ السَّاحِر لَا يُقْتَل حَدًّا إِذَا كَانَ لَهُ عَهْد , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث جُنْدُب رَفَعَهُ قَالَ \" حَدّ السَّاحِر ضَرْبه بِالسَّيْفِ \" فَفِي سَنَده ضَعْف , فَلَوْ ثَبَتَ لَخُصّ مِنْهُ مَنْ لَهُ عَهْد , وَتَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَة مِنْ رِوَايَة بِجَالَة \" أَنَّ عُمَر كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ اُقْتُلُوا كُلّ سَاحِر وَسَاحِرَة \" وَزَادَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار فِي رِوَايَته عَنْ 9بِجَالَة \" فَقَتَلْنَا ثَلَاث سَوَاحِر \" أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ أَصْل الْحَدِيث دُون قِصَّة قَتَلَ السَّوَاحِر , قَالَ اِبْن بَطَّال : لَا يُقْتَل سَاحِر أَهْل الْكِتَاب عِنْد مَالِك وَالزُّهْرِيّ إِلَّا أَنْ يَقْتُل بِسِحْرِهِ فَيُقْتَل , وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ , وَعَنْ مَالِك إِنْ أَدْخَلَ بِسِحْرِهِ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِم لَمْ يُعَاهَد عَلَيْهِ نُقِضَ الْعَهْد بِذَلِكَ فَيَحِلّ قَتْله , وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِيد بْن الْأَعْصَم لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِم لِنَفْسِهِ , وَلِأَنَّهُ خَشِيَ إِذَا قَتَلَهُ أَنْ تَثُور بِذَلِكَ فِتْنَة بَيْن الْمُسْلِمِينَ وَبَيْن حُلَفَائِهِ مِنْ الْأَنْصَار , وَهُوَ مِنْ نَمَط مَا رَاعَاهُ مِنْ تَرْك قَتْل الْمُنَافِقِينَ , سَوَاء كَانَ لَبِيد يَهُودِيًّا أَوْ مُنَافِقًا عَلَى مَا مَضَى مِنْ الِاخْتِلَاف فِيهِ. قَالَ : وَعِنْد مَالِك أَنَّ حُكْم السَّاحِر حُكْم الزِّنْدِيق فَلَا تُقْبَل تَوْبَته , وَيُقْتَل حَدًّا إِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ , وَبِهِ قَالَ أَحْمَد. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا يُقْتَل إِلَّا إِنْ اِعْتَرَفَ بِسِحْرِهِ فَيُقْتَل بِهِ , فَإِنْ اِعْتَرَفَ أَنَّ سِحْره قَدْ يَقْتُل وَقَدْ لَا يَقْتُل وَأَنَّهُ سَحَرَهُ وَأَنَّهُ مَاتَ لَمْ يَجِب عَلَيْهِ الْقِصَاص وَوَجَبَتْ الدِّيَة فِي مَاله لَا عَلَى عَاقِلَته , وَلَا يُتَصَوَّر الْقَتْل بِالسِّحْرِ بِالْبَيِّنَةِ , وَادَّعَى أَبُو بَكْر الرَّازِيُّ فِي \" الْأَحْكَام \" أَنَّ الشَّافِعِيّ تَفَرَّدَ بِقَوْلِهِ إِنَّ السَّاحِر يُقْتَل قِصَاصًا إِذَا اِعْتَرَفَ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسِحْرِهِ , وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ النَّوَوِيّ : إِنْ كَانَ السِّحْر قَوْل أَوْ فِعْل يَقْتَضِي الْكُفْر كَفَرَ السَّاحِر وَتُقْبَل تَوْبَته إِذَا تَابَ عِنْدنَا , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي سِحْره مَا يَقْتَضِي الْكُفْر عُزِّرَ وَاسْتُتِيبَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5325",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ قَدِمَ ‏ ‏رَجُلَانِ ‏ ‏مِنْ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا أَوْ إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَدِمَ رَجُلَانِ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَتهمَا صَرِيحًا , وَقَدْ زَعَمَ جَمَاعَة أَنَّهُمَا الزِّبْرِقَان بِكَسْرِ الزَّاي وَالرَّاء بَيْنهمَا مُوَحَّدَة سَاكِنَة وَبِالْقَافِ وَاسْمه الْحُصَيْن وَلُقِّبَ الزِّبْرِقَان لِحُسْنِهِ , وَالزِّبْرِقَان مِنْ أَسْمَاء الْقَمَر , وَهُوَ اِبْن بَدْر بْن اِمْرِئِ الْقِيس بْن خَلَف , وَعَمْرو بْن الْأَهْتَم وَاسْم الْأَهْتَم سِنَان بْن سُمَيّ يَجْتَمِع مَعَ الزِّبْرِقَان فِي كَعْب بْن سَعْد بْن زَيْد مَنَاة بْن تَمِيم , فَهُمَا تَمِيمِيَّانِ , قَدِمَا فِي وَفْد بَنِي تَمِيم عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَة تِسْع مِنْ الْهِجْرَة , وَاسْتَنَدُوا فِي تَعْيِينهمَا إِلَى مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" وَغَيْره مِنْ طَرِيق مِقْسَم عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" جَلَسَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزِّبْرِقَان بْن بَدْر وَعَمْرو بْن الْأَهْتَم وَقَيْس بْن عَاصِم , فَفَخَرَ الزِّبْرِقَان فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , أَنَا سَيِّد بَنِي تَمِيم وَالْمُطَاع فِيهِمْ وَالْمُجَاب , أَمْنَعهُمْ مِنْ الظُّلْم وَآخُذ مِنْهُمْ بِحُقُوقِهِمْ , وَهَذَا يَعْلَم ذَلِكَ يَعْنِي عَمْرو بْن الْأَهْتَم , فَقَالَ عَمْرو : إِنَّهُ لَشَدِيد الْعَارِضَة مَانِع لِجَانِبِهِ مُطَاع فِي أُذُنَيْهِ. فَقَالَ الزِّبْرِقَان وَاَللَّه يَا رَسُول اللَّه لَقَدْ عَلِمَ مِنِّي غَيْر مَا قَالَ , وَمَا مَنَعَهُ أَنْ يَتَكَلَّم إِلَّا الْحَسَد , فَقَالَ عَمْرو : أَنَا أَحْسُدك ؟ وَاَللَّه يَا رَسُول اللَّه إِنَّهُ لَئِيم الْخَال , حَدِيث الْمَال , أَحْمَق الْوَالِد , مُضَيَّع فِي الْعَشِيرَة. وَاَللَّه يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ صَدَقْت فِي الْأُولَى وَمَا كَذَبْت فِي الْآخِرَة , وَلَكِنِّي رَجُل إِذَا رَضِيت قُلْت أَحْسَن مَا عَلِمْت , وَإِذَا غَضِبْت قُلْت أَقْبَح مَا وَجَدْت. فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ الْبَيَان سِحْرًا \". وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرَة قَالَ : \" كُنَّا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدِمَ عَلَيْهِ وَفْد بَنِي تَمِيم عَلَيْهِمْ قَيْس بْن عَاصِم وَالزِّبْرِقَان وَعَمْرو بْن الْأَهْتَم , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرٍو : مَا تَقُول فِي الزِّبْرِقَان ؟ فَذَكَرَ نَحْوه \" وَهَذَا لَا يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُون الزِّبْرِقَان وَعَمْرو هُمَا الْمُرَاد بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر , فَإِنَّ الْمُتَكَلِّم إِنَّمَا هُوَ عَمْرو بْن الْأَهْتَم وَحْده , وَكَانَ كَلَامه فِي مُرَاجَعَته الزِّبْرِقَان , فَلَا يَصِحّ نِسْبَة الْخُطْبَة إِلَيْهِمَا إِلَّا عَلَى طَرِيق التَّجَوُّز. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْمَشْرِق ) ‏ ‏أَيْ مِنْ جِهَة الْمَشْرِق , وَكَانَتْ سُكْنَى بَنِي تَمِيم مِنْ جِهَة الْعِرَاق وَهِيَ فِي شَرْقِيّ الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَطَبَا , فَعَجِبَ النَّاس لِبَيَانِهِمَا ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْبَيَان اِثْنَانِ : أَحَدهمَا : مَا تَقَع بِهِ الْإِبَانَة عَنْ الْمُرَاد بِأَيِّ وَجْه كَانَ , وَالْآخَر : مَا دَخَلَتْهُ الصَّنْعَة بِحَيْثُ يَرُوق لِلسَّامِعِينَ وَيَسْتَمِيل قُلُوبهمْ , وَهُوَ الَّذِي يُشَبَّه بِالسِّحْرِ إِذَا خَلَبَ الْقَلْب وَغَلَبَ عَلَى النَّفْس حَتَّى يُحَوِّل الشَّيْء عَنْ حَقِيقَته وَيَصْرِفهُ عَنْ جِهَته , فَيَلُوح لِلنَّاظِرِ فِي مَعْرِض غَيْره. وَهَذَا إِذَا صُرِفَ إِلَى الْحَقّ يُمْدَح , وَإِذَا صُرِفَ إِلَى الْبَاطِل يُذَمّ. قَالَ : فَعَلَى هَذَا فَاَلَّذِي يُشَبَّه بِالسِّحْرِ مِنْهُ هُوَ الْمَذْمُوم. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا مَانِع مِنْ تَسْمِيَة الْآخَر سِحْرًا , لِأَنَّ السِّحْر يُطْلَق عَلَى الِاسْتِمَالَة كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي أَوَّل بَاب السِّحْر , وَقَدْ حَمَلَ بَعْضهمْ الْحَدِيث عَلَى الْمَدْح وَالْحَثّ عَلَى تَحْسِين الْكَلَام وَتَحْبِير الْأَلْفَاظ , وَهَذَا وَاضِح إِنْ صَحَّ أَنَّ الْحَدِيث وَرَدَ فِي قِصَّة عَمْرو بْن الْأَهْتَم , وَحَمَلَهُ بَعْضهمْ عَلَى الذَّمّ لِمَنْ تَصَنَّعَ فِي الْكَلَام وَتَكَلَّفَ لِتَحْسِينِهِ وَصَرَفَ الشَّيْء عَنْ ظَاهِره , فَشُبِّهَ بِالسِّحْرِ الَّذِي هُوَ تَخْيِيل لِغَيْرِ حَقِيقَة , وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مَالِك حَيْثُ أَدْخَلَ الْحَدِيث فِي \" الْمُوَطَّأ \" فِي \" بَاب مَا يُكْرَه مِنْ الْكَلَام بِغَيْرِ ذِكْر اللَّه \" وَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْخِطْبَة \" مِنْ كِتَاب النِّكَاح فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْبَاب مِنْ قَوْل صَعْصَعَة بْن صُوحَان فِي تَفْسِير هَذَا الْحَدِيث مَا يُؤَيِّد ذَلِكَ , وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الرَّجُل يَكُون عَلَيْهِ الْحَقّ , وَهُوَ أَلْحَن بِالْحُجَّةِ مِنْ صَاحِب الْحَقّ فَيَسْحَر النَّاس بِبَيَانِهِ فَيَذْهَب بِالْحَقِّ , وَحَمْل الْحَدِيث عَلَى هَذَا صَحِيح , لَكِنْ لَا يَمْنَع حَمْله عَلَى الْمَعْنَى الْآخَر إِذَا كَانَ فِي تَزْيِين الْحَقّ , وَبِهَذَا جَزَمَ اِبْن الْعَرَبِيّ وَغَيْره مِنْ فُضَلَاء الْمَالِكِيَّة. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : أَحْسَن مَا يُقَال فِي هَذَا أَنَّ هَذَا الْحَدِيث لَيْسَ ذَمًّا لِلْبَيَانِ كُلّه وَلَا مَدْحًا لِقَوْلِهِ مِنْ الْبَيَان , فَأَتَى بِلَفْظَةِ \" مِنْ \" الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ قَالَ : وَكَيْف يُذَمّ الْبَيَان وَقَدْ اِمْتَنَّ اللَّه بِهِ عَلَى عِبَاده حَيْثُ قَالَ : ( خَلَقَ الْإِنْسَان عَلَّمَهُ الْبَيَان ) اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِالْبَيَانِ فِي الْآيَة الْمَعْنَى الْأَوَّل الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ , لَا خُصُوص مَا نَحْنُ فِيهِ. وَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى مَدْح الْإِيجَاز , وَالْإِتْيَان بِالْمَعَانِي الْكَثِيرَة بِالْأَلْفَاظِ الْيَسِيرَة , وَعَلَى مَدْح الْإِطْنَاب فِي مَقَام الْخَطَابَة بِحَسَبِ الْمَقَام , وَهَذَا كُلّه مِنْ الْبَيَان بِالْمَعْنَى الثَّانِي. نَعَمْ الْإِفْرَاط فِي كُلّ شَيْء مَذْمُوم , وَخَيْر الْأُمُور أَوْسَطهَا. وَاَللَّه أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "5326",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَرْوَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هَاشِمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ ‏ ‏اصْطَبَحَ ‏ ‏كُلَّ يَوْمٍ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ وَقَالَ غَيْرُهُ سَبْعَ تَمَرَاتٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات , وَلَا ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ , لَكِنْ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج بِأَنَّهُ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه اِبْن الْمَدِينِيّ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" وَجَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ عَلِيّ بْن سَلَمَة اللَّبِقِي وَمَا عَرَفْت سَلَفه فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَرْوَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة الْفَزَارِيُّ , جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن أَبِي عُمَر عَنْ مَرْوَان الْفَزَارِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( هَاشِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن هَاشِم بْن عُتْبَةَ بْن أَبِي وَقَّاص وَعَامِر بْن سَعْد هُوَ اِبْن عَمّ أَبِيهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة فِي الْبَاب \" سَمِعْت عَامِرًا سَمِعْت سَعْدًا \" وَيَأْتِي بَعْد قَلِيل مِنْ وَجْه آخَر \" سَمِعْت عَامِر بْن سَعْد سَمِعْت أَبِي \" وَهُوَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ اِصْطَبَحَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" مَنْ تَصَبَّحَ \" وَكَذَا فِي رِوَايَة جُمْعَة عَنْ مَرْوَان الْمَاضِيَة فِي الْأَطْعِمَة , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ عَنْ اِبْن عُمَر وَكِلَاهُمَا بِمَعْنَى التَّنَاوُل صَبَاحًا , وَأَصْل الصَّبُوح وَالِاصْطِبَاح تَنَاوُل الشَّرَاب صُبْحًا , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الْأَكْل , وَمُقَابِله الْغَبُوق وَالِاغْتِبَاق بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة ; وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي مُطْلَق الْغِذَاء أَعَمّ مِنْ الشُّرْب وَالْأَكْل , وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏صَبَّحْنَا الْخَزْرَجِيَّة مُرْهَفَات ‏ ‏وَتَصَبَّحَ مُطَاوِع صَبَّحْته بِكَذَا إِذَا أَتَيْته بِهِ صَبَاحًا , فَكَأَنَّ الَّذِي يَتَنَاوَل الْعَجْوَة صَبَاحًا قَدْ أَتَى بِهَا , وَهُوَ مِثْل تَغَدَّى وَتَعَشَّى إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي وَقْت الْغَدَاء أَوْ الْعِشَاء. ‏ ‏قَوْله : ( كُلّ يَوْم تَمَرَات عَجْوَة ) ‏ ‏كَذَا أُطْلِقَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَوَقَعَ مُقَيَّدًا فِي غَيْرهَا , فَفِي رِوَايَة جُمْعَة وَابْن أَبِي عُمَر سَبْع تَمَرَات , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة دُحَيْم عَنْ مَرْوَان , وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة فِي الْبَاب , وَوَقَعَ مُقَيَّدًا بِالْعَجْوَةِ فِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة أَنَس بْن عِيَاض عَنْ هَاشِم بْن هَاشِم عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة , وَزَادَ أَبُو ضَمْرَة فِي رِوَايَته التَّقْيِيد بِالْمَكَانِ أَيْضًا وَلَفْظه \" مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَات عَجْوَة مِنْ تَمْر الْعَالِيَة \" وَالْعَالِيَة الْقُرَى الَّتِي فِي الْجِهَة الْعَالِيَة مِنْ الْمَدِينَة وَهِيَ جِهَة نَجْد , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهَا ذِكْر فِي الْمَوَاقِيت مِنْ كِتَاب الصَّلَاة , وَفِيهِ بَيَان مِقْدَار مَا بَيْنهَا وَبَيْن الْمَدِينَة. وَلِلزِّيَادَةِ شَاهِد عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ \" فِي عَجْوَة الْعَالِيَة شِفَاء فِي أَوَّل الْبُكْرَة \" وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي طُوَالَة عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَنْصَارِيّ عَنْ عَامِر بْن سَعْد بِلَفْظِ \" مَنْ أَكَلَ سَبْع تَمَرَات مِمَّا بَيْن لَابَّتَيْهَا حِين يُصْبِح \" وَأَرَادَ لَابَّتَيْ الْمَدِينَة وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْر لِلْعِلْمِ بِهَا. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَضُرّهُ سُمّ وَلَا سِحْر ذَلِكَ الْيَوْم إِلَى اللَّيْل ) ‏ ‏السُّمّ مَعْرُوف وَهُوَ مُثَلَّث السِّين , وَالسِّحْر تَقَدَّمَ تَحْرِير الْقَوْل فِيهِ قَرِيبًا ; وَقَوْله : \" ذَلِكَ الْيَوْم \" ظَرْف وَهُوَ مَعْمُول لِيَضُرّهُ , أَوْ صِفَة لِسِحْر. وَقَوْله : \" إِلَى اللَّيْل \" فِيهِ تَقْيِيد الشِّفَاء الْمُطْلَق فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة حَيْثُ قَالَ \" شِفَاء أَوَّل الْبُكْرَة فِي أَوْ تِرْيَاق \" وَتَرَدُّده فِي تِرْيَاق شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَالْبُكْرَة بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْكَاف يُوَافِق ذِكْر الصَّبَاح فِي حَدِيث سَعْد , وَالشِّفَاء أَشْمَل مِنْ التِّرْيَاق يُنَاسِب ذِكْر السُّمّ , وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي حَدِيث سَعْد شَيْئَانِ السِّحْر وَالسُّمّ , فَمَعَهُ زِيَادَة عِلْم. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ \" الْعَجْوَة مِنْ الْجَنَّة , وَهِيَ شِفَاء مِنْ السُّمّ \" وَهَذَا يُوَافِق رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة. وَالتِّرْيَاق بِكَسْرِ الْمُثَنَّاة وَقَدْ تُضَمّ وَقَدْ تُبْدَل الْمُثَنَّاة دَالًا أَوْ طَاء بِالْإِهْمَالِ فِيهِمَا , وَهُوَ دَوَاء مُرَكَّب مَعْرُوف يُعَالَج بِهِ الْمَسْمُوم , فَأُطْلِقَ عَلَى الْعَجْوَة اِسْم التِّرْيَاق تَشْبِيهًا لَهَا بِهِ , وَأَمَّا الْغَايَة فِي قَوْله : \" إِلَى اللَّيْل \" فَمَفْهُومه أَنَّ السِّرّ الَّذِي فِي الْعَجْوَة مِنْ دَفْع ضَرَر السِّحْر وَالسُّمّ يَرْتَفِع إِذَا دَخَلَ اللَّيْل فِي حَقّ مَنْ تَنَاوَلَهُ مِنْ أَوَّل النَّهَار , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ إِطْلَاق الْيَوْم عَلَى مَا بَيْن طُلُوع الْفَجْر أَوْ الشَّمْس إِلَى غُرُوب الشَّمْس , وَلَا يَسْتَلْزِم دُخُول اللَّيْل , وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق عَلَى حُكْم مَنْ تَنَاوَلَ ذَلِكَ فِي أَوَّل اللَّيْل هَلْ يَكُون كَمَنْ تَنَاوَلَهُ أَوَّل النَّهَار حَتَّى يَنْدَفِع عَنْهُ ضَرَر السُّمّ وَالسِّحْر إِلَى الصَّبَاح , وَاَلَّذِي يَظْهَر خُصُوصِيَّة ذَلِكَ بِالتَّنَاوُلِ أَوَّل النَّهَار لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُون الْغَالِب أَنَّ تَنَاوُله يَقَع عَلَى الرِّيق , فَيُحْتَمَل أَنْ يَلْحَق بِهِ مَنْ تَنَاوَلَ اللَّيْل عَلَى الرِّيق كَالصَّائِمِ , وَظَاهِر الْإِطْلَاق أَيْضًا الْمُوَاظَبَة عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ مُقَيَّدًا فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا \" كَانَتْ تَأْمُر بِسَبْعِ تَمَرَات عَجْوَة فِي سَبْع غَدَوَات \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الطُّفَاوِيّ عَنْ هِشَام مَرْفُوعًا , وَذَكَرَ اِبْن عَدِيّ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ , وَلَعَلَّهُ أَرَادَ تَفَرُّده بِرَفْعِهِ , وَهُوَ مِنْ رِجَال الْبُخَارِيّ لَكِنْ فِي الْمُتَابَعَات. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ غَيْره سَبْع تَمَرَات ) ‏ ‏وَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ \" يَعْنِي غَيْر حَدِيث عَلِيّ \" اِنْتَهَى , وَالْغَيْر كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ جُمْعَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَة عَنْهُ أَوْ غَيْره مِمَّنْ نَبَّهْت عَلَيْهِ مِمَّنْ رَوَاهُ كَذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5327",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ ‏ ‏تَصَبَّحَ ‏ ‏سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة ‏ ‏( سَبْع تَمَرَات عَجْوَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِسَبْعِ تَمَرَات \" بِزِيَادَةِ الْمُوَحَّدَة فِي أَوَّله , وَيَجُوز فِي تَمَرَات عَجْوَة الْإِضَافَة فَتُخْفَض كَمَا تَقُول ثِيَاب خَزّ , وَيَجُوز التَّنْوِين عَلَى أَنَّهُ عَطْف بَيَان أَوْ صِفَة لِسَبْعٍ أَوْ تَمَرَات وَيَجُوز النَّصْب مُنَوَّنًا عَلَى تَقْدِير فِعْل أَوْ عَلَى التَّمْيِيز. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَوْن الْعَجْوَة تَنْفَع مِنْ السُّمّ وَالسِّحْر إِنَّمَا هُوَ بِبَرَكَةِ دَعْوَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَمْرِ الْمَدِينَة لَا لِخَاصِّيَّةٍ فِي التَّمْر. وَقَالَ اِبْن التِّين : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد نَخْلًا خَاصًّا بِالْمَدِينَةِ لَا يُعْرَف الْآن. وَقَالَ بَعْض شُرَّاح \" الْمَصَابِيح \" نَحْوه وَإِنَّهُ ذَلِكَ لِخَاصِّيَّةٍ فِيهِ , قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ خَاصًّا بِزَمَانِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَذَا يُبْعِدهُ وَصْف عَائِشَة لِذَلِكَ بَعْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ بَعْض شُرَّاح \" الْمَشَارِق \" أَمَّا تَخْصِيص تَمْر الْمَدِينَة بِذَلِكَ فَوَاضِح مِنْ أَلْفَاظ الْمَتْن , وَأَمَّا تَخْصِيص زَمَانه بِذَلِكَ فَبَعِيد , وَأَمَّا خُصُوصِيَّة السَّبْع فَالظَّاهِر أَنَّهُ لِسِرٍّ فِيهَا , وَإِلَّا فَيُسْتَحَبّ أَنْ يَكُون ذَلِكَ وِتْرًا. وَقَالَ الْمَازِرِيّ : هَذَا مِمَّا لَا يُعْقَل مَعْنَاهُ فِي طَرِيق عِلْم الطِّبّ , وَلَوْ صَحَّ أَنْ يَخْرُج لِمَنْفَعَةِ التَّمْر فِي السُّمّ وَجْه مِنْ جِهَة الطِّبّ لَمْ يُقْدَر عَلَى إِظْهَار وَجْه الِاقْتِصَار عَلَى هَذَا الْعَدَد الَّذِي هُوَ السَّبْع , وَلَا عَلَى الِاقْتِصَار عَلَى هَذَا الْجِنْس الَّذِي هُوَ الْعَجْوَة , وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ لِأَهْلِ زَمَانه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة أَوْ لِأَكْثَرِهِمْ , إِذْ لَمْ يَثْبُت اِسْتِمْرَار وُقُوع الشِّفَاء فِي زَمَاننَا غَالِبًا , وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي الْأَكْثَر حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ وَصْف غَالِب الْحَال. وَقَالَ عِيَاض : تَخْصِيصه ذَلِكَ بِعَجْوَةِ الْعَالِيَة وَبِمَا بَيْن لَابَّتَيْ الْمَدِينَة يَرْفَع هَذَا الْإِشْكَال وَيَكُون خُصُوصًا لَهَا , كَمَا وُجِدَ الشِّفَاء لِبَعْضِ الْأَدْوَاء فِي الْأَدْوِيَة الَّتِي تَكُون فِي بَعْض تِلْكَ الْبِلَاد دُون ذَلِكَ الْجِنْس فِي غَيْره , لِتَأْثِيرٍ يَكُون فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَرْض أَوْ الْهَوَاء. قَالَ : وَأَمَّا تَخْصِيص هَذَا الْعَدَد فَلِجَمْعِهِ بَيْن الْإِفْرَاد وَالْإِشْفَاع , لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى نِصْف الْعَشَرَة , وَفِيهِ أَشْفَاع ثَلَاثَة وَأَوْتَار أَرْبَعَة , وَهِيَ مِنْ نَمَط غَسْل الْإِنَاء مِنْ وُلُوغ الْكَلْب سَبْعًا وَقَوْله تَعَالَى : ( سَبْع سَنَابِل ) وَكَمَا أَنَّ السَّبْعِينَ مُبَالَغَة فِي كَثْرَة الْعَشَرَات وَالسَّبْعمِائَةِ مُبَالَغَة فِي كَثْرَة الْمِئِينَ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : فِي الْحَدِيث تَخْصِيص عَجْوَة الْمَدِينَة بِمَا ذُكِرَ , وَأَمَّا خُصُوص كَوْن ذَلِكَ سَبْعًا فَلَا يُعْقَل مَعْنَاهُ كَمَا فِي أَعْدَاد الصَّلَوَات وَنُصُب الزَّكَوَات. قَالَ : وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْمَازِرِيّ وَعِيَاض بِكَلَامٍ بَاطِل فَلَا يُغْتَرّ بِهِ اِنْتَهَى. وَلَمْ يَظْهَر لِي مِنْ كَلَامهمَا مَا يَقْتَضِي الْحُكْم عَلَيْهِ بِالْبُطْلَانِ , بَلْ كَلَام الْمَازِرِيّ يُشِير إِلَى مَحَلّ مَا اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّوَوِيّ , وَفِي كَلَام عِيَاض إِشَارَة إِلَى الْمُنَاسَبَة فَقَطْ , وَالْمُنَاسَبَات لَا يُقْصَد فِيهَا التَّحْقِيق الْبَالِغ بَلْ يُكْتَفَى مِنْهَا بِطُرُقِ الْإِشَارَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَاهِر الْأَحَادِيث خُصُوصِيَّة عَجْوَة الْمَدِينَة بِدَفْعِ السُّمّ وَإِبْطَال السِّحْر , وَالْمُطْلَق مِنْهَا مَحْمُول عَلَى الْمُقَيَّد , وَهُوَ مِنْ بَاب الْخَوَاصّ الَّتِي لَا تُدْرَك بِقِيَاسٍ ظَنِّيّ. وَمِنْ أَئِمَّتنَا مَنْ تَكَلَّفَ لِذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّ السَّمُوم إِنَّمَا تَقْتُل لِإِفْرَاطِ بُرُودَتهَا , فَإِذَا دَاوَمَ عَلَى التَّصَبُّح بِالْعَجْوَةِ تَحَكَّمَتْ فِيهِ الْحَرَارَة وَأَعَانَتْهَا الْحَرَارَة الْغَرِيزِيَّة فَقَاوَمَ ذَلِكَ بُرُودَة السُّمّ مَا لَمْ يُسْتَحْكَم. قَالَ : وَهَذَا يَلْزَم مِنْهُ رَفْع خُصُوصِيَّة عَجْوَة الْمَدِينَة بَلْ خُصُوصِيَّة الْعَجْوَة بَلْ خُصُوصِيَّة التَّمْر , فَإِنَّ مِنْ الْأَدْوِيَة الْحَارَّة مَا هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ التَّمْر , وَالْأَوْلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِعَجْوَةِ الْمَدِينَة. ثُمَّ هَلْ هُوَ خَاصّ بِزَمَانِ نُطْقه أَوْ فِي كُلّ زَمَان ؟ هَذَا مُحْتَمَل , وَيَرْفَع هَذَا الِاحْتِمَال التَّجْرِبَة الْمُتَكَرِّرَة. فَمَنْ جَرَّبَ ذَلِكَ فَصَحَّ مَعَهُ عُرْف أَنَّهُ مُسْتَمِرّ , وَإِلَّا فَهُوَ مَخْصُوص بِذَلِكَ الزَّمَان. قَالَ وَأَمَّا خُصُوصِيَّة هَذَا الْعَدَد فَقَدْ جَاءَ فِي مَوَاطِن كَثِيرَة مِنْ الطِّبّ كَحَدِيثِ \" صُبُّوا عَلَيَّ مِنْ سَبْع قِرَب \" وَقَوْله لِلْمَفْئُودِ الَّذِي وَجَّهَهُ لِلْحَارِثِ بْن كَلَدَة أَنْ يَلُدّهُ بِسَبْعِ تَمَرَات , وَجَاءَ تَعْوِيذه سَبْع مَرَّات , إِلَى غَيْر ذَلِكَ. وَأَمَّا فِي غَيْر الطِّبّ فَكَثِير , فَمَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْعَدَد فِي مَعْرِض التَّدَاوِي فَذَلِكَ لِخَاصِّيَّةٍ لَا يَعْلَمهَا إِلَّا اللَّه أَوْ مَنْ أَطْلَعَهُ عَلَى ذَلِكَ , وَمَا جَاءَ مِنْهُ فِي غَيْر مَعْرِض التَّدَاوِي فَإِنَّ الْعَرَب تَضَع هَذَا الْعَدَد مَوْضِع الْكَثْرَة وَإِنْ لَمْ تُرِدْ عَدَدًا بِعَيْنِهِ. وَقَالَ اِبْن الْقَيِّم : عَجْوَة الْمَدِينَة مِنْ أَنْفَع تَمْر الْحِجَاز , وَهُوَ صِنْف كَرِيم مُلَزَّز مَتِين الْجِسْم وَالْقُوَّة , وَهُوَ مِنْ أَلْيَن التَّمْر وَأَلَذّه. قَالَ : وَالتَّمْر فِي الْأَصْل مِنْ أَكْثَر الثِّمَار تَغْذِيَة لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَوْهَر الْحَارّ الرَّطْب , وَأَكْله عَلَى الرِّيق يَقْتُل الدِّيدَان لِمَا فِيهِ مِنْ الْقُوَّة التِّرْيَاقِيَّة , فَإِذَا أُدِيمَ أَكْله عَلَى الرِّيق جَفَّفَ مَادَّة الدُّود وَأَضْعَفَهُ أَوْ قَتَلَهُ اِنْتَهَى. وَفِي كَلَامه إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمُرَاد نَوْع خَاصّ مِنْ السُّمّ وَهُوَ مَا يَنْشَأ عَنْ الدِّيدَان الَّتِي فِي الْبَطْن لَا كُلّ السَّمُوم , لَكِنْ سِيَاق الْخَبَر يَقْتَضِي التَّعْمِيم لِأَنَّهُ نَكِرَة فِي سِيَاق النَّفْي , وَعَلَى تَقْدِير التَّسْلِيم فِي السُّمّ فَمَاذَا يَصْنَع فِي السِّحْر. ‏"
    },
    {
        "id": "5328",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا عَدْوَى ‏ ‏وَلَا ‏ ‏صَفَرَ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏هَامَةَ ‏ ‏فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ الْإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏بَعْدُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا ‏ ‏يُورِدَنَّ ‏ ‏مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ وَأَنْكَرَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏حَدِيثَ الْأَوَّلِ قُلْنَا أَلَمْ تُحَدِّثْ أَنَّهُ لَا عَدْوَى فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ قَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ ‏",
        "sharh": "\" 8626 \" ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ \" حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَة \" وَهِيَ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( لَا عَدْوَى ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب الْجُذَام \" وَكَيْفِيَّة الْجَمْع بَيْن قَوْله : \" لَا عَدْوَى \" وَبَيْن قَوْله \" لَا يُورِد مُمَرِّض عَلَى مُصِحّ \" وَكَذَا تَقَدَّمَ شَرْح قَوْله : \" وَلَا صَفَر وَلَا هَامَة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَعْرَابِيّ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله ( تَكُون فِي الرَّمْل كَأَنَّهَا الظِّبَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" أَمْثَال الظِّبَاء \" بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة وَبِالْمَدِّ جَمْع ظَبْي , شَبَّهَهَا بِهَا فِي النَّشَاط وَالْقُوَّة وَالسَّلَامَة مِنْ الدَّاء. ‏ ‏قَوْله : ( فَيُجَرِّبهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَيَدْخُل فِيهَا وَيُجَرِّبهَا \" بِضَمِّ أَوَّله , وَهُوَ بِنَاء عَلَى مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ مِنْ الْعَدْوَى , أَيْ يَكُون سَبَبًا لِوُقُوعِ الْحَرْب بِهَا , وَهَذَا مِنْ أَوْهَام الْجُهَّال , كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمَرِيض إِذَا دَخَلَ فِي الْأَصِحَّاء أَمْرَضَهُمْ فَنَفَى الشَّارِع ذَلِكَ وَأَبْطَلَهُ , فَلَمَّا أَوْرَدَ الْأَعْرَابِيّ الشُّبْهَة رَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : \" فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّل \" ؟ وَهُوَ جَوَاب فِي غَايَة الْبَلَاغَة وَالرَّشَاقَة. وَحَاصِله مِنْ أَيْنَ الْجَرَب لِلَّذِي أَعْدَى بِزَعْمِهِمْ ؟ فَإِنْ أُجِيبَ مِنْ بَعِير آخَر لَزِمَ التَّسَلْسُل أَوْ سَبَب آخَر فَلْيُفْصِحْ بِهِ , فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الْأَوَّل هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الثَّانِي ثَبَتَ الْمُدَّعَى , وَهُوَ أَنَّ الَّذِي فَعَلَ بِالْجَمِيعِ ذَلِكَ هُوَ الْخَالِق الْقَادِر عَلَى كُلّ شَيْء وَهُوَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ أَبِي سَلَمَة سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة بَعْد يَقُول : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يُورِدَنَّ مُمْرِض عَلَى مُصِحّ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِتَأْكِيدِ النَّهْي عَنْ الْإِيرَاد. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ \" لَا يُورِد \" بِلَفْظِ النَّفْي , وَكَذَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة صَالِح وَغَيْره , وَهُوَ خَبَر بِمَعْنَى النَّهْي بِدَلِيلِ رِوَايَة الْبَاب. وَالْمُمْرِض بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه وَكَسْر الرَّاء بَعْدهَا ضَاد مُعْجَمَة هُوَ الَّذِي لَهُ إِبِل مَرْضَى , وَالْمُصِحّ بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْر الصَّاد الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُهْمَلَة مَنْ لَهُ إِبِل صِحَاح , نَهَى صَاحِب الْإِبِل الْمَرِيضَة أَنْ يُورِدهَا عَلَى الْإِبِل الصَّحِيحَة. قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْمُمْرِض اِسْم فَاعِل مِنْ أَمْرَض الرَّجُل إِذَا أَصَابَ مَاشِيَته مَرَض , وَالْمُصِحّ اِسْم فَاعِل مِنْ أَصَحَّ إِذَا أَصَابَ مَاشِيَته عَاهَة ثُمَّ ذَهَب عَنْهَا وَصَحَّتْ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَة الْحَدِيث الْأَوَّل ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ \" حَدِيث الْأَوَّل \" وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ مَسْجِد الْجَامِع , وَفِي رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة \" كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُحَدِّثهُمَا كِلَيْهِمَا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَة بَعْد ذَلِكَ عَنْ قَوْله لَا عَدْوَى \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقُلْنَا أَلَم تُحَدِّث أَنَّهُ لَا عَدْوَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس \" فَقَالَ الْحَارِث بْن أَبِي ذِئَاب \" بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَمُوَحَّدَتَيْنِ وَهُوَ اِبْن عَمّ أَبِي هُرَيْرَة \" قَدْ كُنْت أَسْمَعك يَا أَبَا هُرَيْرَة تُحَدِّثُنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيث حَدِيث لَا عَدْوَى , فَأَبَى أَنْ يَعْرِف ذَلِكَ \" وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة شُعَيْب \" فَقَالَ الْحَارِث : إِنَّك حَدَّثْتنَا \" فَذَكَرَهُ \" قَالَ فَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَة وَغَضِبَ وَقَالَ : لَمْ أُحَدِّثك مَا تَقُول \". ‏ ‏قَوْله : ( فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس \" فَمَا رَآهُ الْحَارِث فِي ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَة حَتَّى رَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ فَقَالَ لِلْحَارِثِ : أَتَدْرِي مَاذَا قُلْت ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : إِنِّي قُلْت أَبَيْت \". ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا رَأَيْته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَمَا رَأَيْنَاهُ \" ‏ ‏( نَسِيَ حَدِيثًا غَيْره ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس \" قَالَ أَبُو سَلَمَة : وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ يُحَدِّثنَا بِهِ فَمَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَة أَمْ نَسَخَ أَحَد الْقَوْلَيْنِ لِلْآخَرِ \" , وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو سَلَمَة ظَاهِر فِي أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِد أَنَّ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ تَمَام التَّعَارُض , وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْه الْجَمْع بَيْنهمَا فِي \" بَاب الْجُذَام \" وَحَاصِله أَنَّ قَوْله : \" لَا عَدْوَى \" نَهْي عَنْ اِعْتِقَادهَا وَقَوْله : \" لَا يُورِد \" سَبَب النَّهْي عَنْ الْإِيرَاد خَشْيَة الْوُقُوع فِي اِعْتِقَاد الْعَدْوَى , أَوْ خَشْيَة تَأْثِير الْأَوْهَام , كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيره فِي حَدِيث \" فِرَّ مِنْ الْمَجْذُوم \" لِأَنَّ الَّذِي لَا يَعْتَقِد أَنَّ الْجُذَام يُعْدِي يَجِد فِي نَفْسه نَفْرَة , حَتَّى لَوْ أَكْرَهَهَا عَلَى الْقُرْب مِنْهُ لَتَأَلَّمَتْ بِذَلِكَ , فَالْأَوْلَى بِالْعَاقِلِ أَنْ لَا يَتَعَرَّض لِمِثْلِ ذَلِكَ بَلْ يُبَاعِد أَسْبَاب الْآلَام وَيُجَانِب طُرُق الْأَوْهَام وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ اِبْن التِّين : لَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَسْمَع هَذَا الْحَدِيث قَبْل أَنْ يَسْمَع مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيث \" مَنْ بَسَطَ رِدَاءَهُ ثُمَّ ضَمَّهُ إِلَيْهِ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ مِنْ مَقَالَتِي \" وَقَدْ قِيلَ فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور إِنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَنْسَى تِلْكَ الْمَقَالَة الَّتِي قَالَهَا ذَلِكَ الْيَوْم لَا أَنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ النِّسْيَان أَصْلًا. وَقِيلَ : كَانَ الْحَدِيث الثَّانِي نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ فَسَكَتَ عَنْ الْمَنْسُوخ , وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْله : \" لَا عَدْوَى \" النَّهْي عَنْ الِاعْتِدَاء , وَلَعَلَّ بَعْض مَنْ أُجْلِبَ عَلَيْهِ إِبِلًا جَرْبَاء أَرَادَ تَضْمِينه فَاحْتَجَّ عَلَيْهِ فِي إِسْقَاط الضَّمَان بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَصَابَهَا مَا قَدَرَ عَلَيْهَا وَمَا لَمْ تَكُنْ تَنْجُو مِنْهُ , لِأَنَّ الْعَجْمَاء جُبَار , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَالَ هَذَا عَلَى ظَنّه ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ خِلَاف ذَلِكَ اِنْتَهَى. فَأَمَّا دَعْوَى نِسْيَان أَبِي هُرَيْرَة لِلْحَدِيثِ فَهُوَ بِحَسَبِ مَا ظَنَّ أَبُو سَلَمَة , وَقَدْ بَيَّنَتْ ذَلِكَ رِوَايَة يُونُس الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا , وَأَمَّا دَعْوَى النَّسْخ فَمَرْدُودَة لِأَنَّ النَّسْخ لَا يُصَار إِلَيْهِ بِالِاحْتِمَالِ , وَلَا سِيَّمَا مَعَ إِمْكَان الْجَمْع , وَأَمَّا الِاحْتِمَال الثَّالِث فَبَعِيد مِنْ مَسَاق الْحَدِيث , وَاَلَّذِي بَعْده أَبْعَد مِنْهُ , وَيُحْتَمَل. أَيْضًا أَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا خَبَرَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ عَنْ حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَا مُلَازَمَة بَيْنهمَا جَازَ عِنْده أَنْ يُحَدِّث بِأَحَدِهِمَا وَيَسْكُت عَنْ الْآخَر حَسْبَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَة , قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \". قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون خَافَ اِعْتِقَاد جَاهِل يَظُنّهُمَا مُتَنَاقِضَيْنِ فَسَكَتَ عَنْ أَحَدهمَا , وَكَانَ إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ حَدَّثَ بِهِمَا جَمِيعًا. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَفِي جَوَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ جَوَاز مُشَافَهَة مَنْ وَقَعَتْ لَهُ شُبْهَة فِي اِعْتِقَاده بِذِكْرِ الْبُرْهَان الْعَقْلِيّ إِذَا كَانَ السَّائِل أَهْلًا لِفَهْمِهِ , وَأَمَّا مَنْ كَانَ قَاصِرًا فَيُخَاطَب بِمَا يَحْتَمِلهُ عَقْله مِنْ الْإِقْنَاعِيَّات. قَالَ : وَهَذِهِ الشُّبْهَة الَّتِي وَقَعَتْ لِلْأَعْرَابِيِّ هِيَ الَّتِي وَقَعَتْ لِلطَّبَائِعِيِّين أَوَّلًا وَلِلْمُعْتَزِلَةِ ثَانِيًا , فَقَالَ الطَّبَائِعِيُّون بِتَأْثِيرِ الْأَشْيَاء بَعْضهَا فِي بَعْض وَإِيجَادهَا إِيَّاهَا , وَسَمَّوْا الْمُؤَثِّر طَبِيعَة , وَقَالَ الْمُعْتَزِلَة بِنَحْوِ ذَلِكَ فِي الْحَيَوَانَات وَالْمُتَوَلِّدَات وَأَنَّ قَدَرهمْ مُؤَثِّرَة فِيهَا بِالْإِيجَادِ , وَأَنَّهُمْ خَالِقُونَ لِأَفْعَالِهِمْ مُسْتَقِلُّونَ بِاخْتِرَاعِهَا , وَاسْتَنَدَ الطَّائِفَتَانِ إِلَى الْمُشَاهَدَة الْحِسِّيَّة , وَنَسَبُوا مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ إِلَى إِنْكَار الْبَدِيهَة , وَغَلِطَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ غَلَطًا فَاحِشًا لِالْتِبَاسِ إِدْرَاك الْحِسّ بِإِدْرَاكِ الْعَقْل , فَإِنَّ الْمُشَاهَد إِنَّمَا هُوَ تَأْثِير شَيْء عِنْد شَيْء آخَر , وَهَذَا حَظّ الْحِسّ , فَأَمَّا تَأْثِيره فَهُوَ فِيهِ حَظّ الْعَقْل , فَالْحِسّ أَدْرَك وُجُود شَيْء عِنْد وُجُود شَيْء وَارْتِفَاعه عِنْد اِرْتِفَاعه , أَمَّا إِيجَاده بِهِ فَلَيْسَ لِلْحِسِّ فِيهِ مَدْخَل , فَالْعَقْل هُوَ الَّذِي يُفَرِّق فَيُحْكَم بِتَلَازُمِهِمَا عَقْلًا أَوْ عَادَة مَعَ جَوَاز التَّبَدُّل عَقْلًا وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِيهِ وُقُوع تَشْبِيهِ الشَّيْء بِالشَّيْءِ إِذَا جَمَعَهُمَا وَصْف خَاصّ وَلَوْ تَبَايَنَا فِي الصُّورَة. وَفِيهِ شِدَّة وَرَع أَبِي هُرَيْرَة لِأَنَّهُ مَعَ كَوْن الْحَارِث أَغْضَبَهُ حَتَّى تَكَلَّمَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّة خَشِيَ أَنْ يَظُنّ الْحَارِث أَنَّهُ قَالَ فِيهِ شَيْئًا يَكْرَههُ فَفَسَّرَ لَهُ فِي الْحَال مَا قَالَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5329",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَحَمْزَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا عَدْوَى وَلَا ‏ ‏طِيَرَةَ ‏ ‏إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي سَالِم بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَحَمْزَة ) ‏ ‏هُوَ أَخُو سَالِم. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر ) ‏ ‏قَالَ فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ أَبِي الطَّاهِر وَحَرْمَلَة كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن وَهْب بِهَذَا السَّنَد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِل النِّكَاح مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَمْزَة وَسَالِم اِبْنَيْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَفِي تَصْرِيح الزُّهْرِيِّ بِالْإِخْبَارِ فِيهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة دَفْع لِتَوَهُّمِ اِنْقِطَاعه بِسَبَبِ مَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ الزُّهْرِيِّ فَأَدْخَلَ بَيْن الزُّهْرِيِّ وَسَالِم رَجُلًا وَهُوَ مُحَمَّد بْن زَيْد بْن قُنْفُذ , وَيُحْمَل إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا عَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَمَلَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن زَيْد عَنْ سَالِم ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ سَالِم. ‏ ‏قَوْله : ( لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَة , إِنَّمَا الشُّؤْم فِي ثَلَاث. الْحَدِيث ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث \" الشُّؤْم فِي ثَلَاث \" فِي النِّكَاح , وَجَمْع اِبْن عُمَر بَيْن الْحَدِيثَيْنِ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ قَوِيَ عِنْده أَحَد الِاحْتِمَالَات فِي الْمُرَاد بِالشُّؤْمِ , وَذَكَرَ مُسْلِم أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَد مِنْ أَصْحَاب الزُّهْرِيِّ عَنْهُ فِي أَوَّل هَذَا الْحَدِيث \" لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَة \" إِلَّا يُونُس بْن يَزِيد. قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة الْقَاسِم بْن مَبْرُور عَنْ يُونُس بِدُونِهَا. فَكَانَ الْمُنْفَرِد بِالزِّيَادَةِ عَبْد اللَّه بْن وَهْب. ‏"
    },
    {
        "id": "5330",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا عَدْوَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تُورِدُوا الْمُمْرِضَ عَلَى الْمُصِحِّ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا عَدْوَى فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ أَرَأَيْتَ الْإِبِلَ تَكُونُ فِي الرِّمَالِ أَمْثَالَ الظِّبَاءِ ‏ ‏فَيَأْتِيهَا الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَتَجْرَبُ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لَا عَدْوَى ) ‏ ‏قَالَ أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن \" سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُورِدُوا الْمُمْرِض عَلَى الْمُصِحّ \" وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سِنَان بْن أَبِي سِنَان أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ : ( إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا عَدْوَى , فَقَامَ أَعْرَابِيّ ) فَذَكَرَ الْقِصَّة الْمَاضِيَة فِي الْبَاب قَبْله , هَكَذَا أَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَته عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة بِالْحَدِيثَيْنِ , لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظه , أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ وَلَفْظه \" لَا عَدْوَى \" وَيُحَدِّث مَعَ ذَلِكَ \" لَا يُورِد الْمُمْرِض عَلَى الْمُصِحّ \" قَالَهُ بِمِثْلِ حَدِيث يُونُس , وَقَدْ بَيَّنْت مَا فِي رِوَايَة يُونُس مِنْ فَائِدَة زَائِدَة فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَأَوْرَدَ أَيْضًا رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سِنَان بْن أَبِي سِنَان بِالْقِصَّةِ وَأَحَالَ بِسِيَاقِهِ عَلَى رِوَايَة يُونُس , فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهَا كُلّهَا مَوْصُولَة. وَسِنَان بْن أَبِي سِنَان مَدَنِيّ ثِقَة وَاسْم أَبِيهِ يَزِيد بْن أُمَيَّة وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَلَهُ آخَر عَنْ جَابِر قَرَنَهُ فِي كُلّ مِنْهُمَا بِأَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5331",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا عَدْوَى وَلَا ‏ ‏طِيَرَةَ ‏ ‏وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ قَالُوا وَمَا الْفَأْلُ قَالَ كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس بِلَفْظِ \" لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَة , وَيُعْجِبنِي الْفَأْل \" وَفِيهِ تَفْسِيره , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي بَاب مُفْرَد. ‏"
    },
    {
        "id": "5332",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏لَمَّا فُتِحَتْ ‏ ‏خَيْبَرُ ‏ ‏أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَاةٌ فِيهَا سَمٌّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏فَجُمِعُوا لَهُ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَبُوكُمْ قَالُوا أَبُونَا فُلَانٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَذَبْتُمْ بَلْ أَبُوكُمْ ‏ ‏فُلَانٌ ‏ ‏فَقَالُوا صَدَقْتَ ‏ ‏وَبَرِرْتَ ‏ ‏فَقَالَ هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏وَإِنْ كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَهْلُ النَّارِ فَقَالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَنَا فِيهَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اخْسَئُوا فِيهَا وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا ثُمَّ قَالَ لَهُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ قَالُوا نَعَمْ فَقَالَ هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سَمًّا فَقَالُوا نَعَمْ فَقَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَالُوا أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَذَّابًا نَسْتَرِيحُ مِنْكَ وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أُهْدِيَتْ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , تَقَدَّمَ فِي الْهِبَة مِنْ رِوَايَة هِشَام بْن زَيْد عَنْ أَنَس \" أَنَّ يَهُودِيَّة أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَسْمُومَة فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِيءَ بِهَا \" الْحَدِيث , فَعُرِفَ أَنَّ الَّتِي أَهْدَتْ الشَّاة الْمَذْكُورَة اِمْرَأَة , وَقُدِّمَتْ فِي الْمَغَازِي أَنَّهَا زَيْنَب بِنْت الْحَارِث اِمْرَأَة سَلَام بْن مِشْكَم أَخْرَجَهُ اِبْن إِسْحَاق بِغَيْرِ إِسْنَاد. وَأَوْرَدَهُ اِبْن سَعْد مِنْ طُرُق عَنْ اِبْن عَبَّاس بِسَنَدٍ ضَعِيف , وَوَقَعَ فِي مُرْسَل الزُّهْرِيِّ أَنَّهَا أَكْثَرَتْ السُّمّ فِي الْكَتِف وَالذِّرَاع لِأَنَّهُ بَلَغَهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَحَبّ أَعْضَاء الشَّاة إِلَيْهِ , وَفِيهِ \" فَتَنَاوَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَتِف فَنَهَشَ مِنْهَا \" وَفِيهِ : \" فَلَمَّا اِزْدَرَدَ لَقُمْته قَالَ. إِنَّ الشَّاة تُخْبِرنِي \" يَعْنِي أَنَّهَا مَسْمُومَة وَبَيَّنْت هُنَاكَ الِاخْتِلَاف هَلْ قَتَلَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ تَرَكَهَا. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس الْمُشَار إِلَيْهِ \" فَقِيلَ : أَلَا تَقْتُلهَا ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : فَمَا زِلْت أَعْرِفهَا فِي لَهَوَات رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَتَقَدَّمَ كَيْفِيَّة الْجَمْع بَيْن الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور. وَمِنْ الْمُسْتَغْرَب قَوْل مُحَمَّد بْن سَحْنُون : أَجْمَعَ أَهْل الْحَدِيث أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( اِجْمَعُوا لِي ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين الْمَأْمُور بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي سَائِلكُمْ عَنْ شَيْء , فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقُونِي عَنْهُ ) ‏ ‏؟ كَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع , قَالَ اِبْن التِّين : وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ \" صَادِقِيّ \" بِتَشْدِيدِ الْيَاء بِغَيْرِ نُون , وَهُوَ الصَّوَاب فِي الْعَرَبِيَّة لِأَنَّ أَصْله صَادِقُونِي فَحُذِفَتْ النُّون لِلْإِضَافَةِ فَاجْتَمَعَ حَرْفَا عِلَّة سَبَقَ الْأَوَّل بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتْ الْوَاو يَاء وَأُدْغِمَتْ , وَمِثْله ( وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ) وَفِي حَدِيث بَدْء الْوَحْي \" أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ \" اِنْتَهَى. وَإِنْكَاره الرِّوَايَة مِنْ جِهَة الْعَرَبِيَّة لَيْسَ بِجَيِّدٍ , فَقَدْ وَجَّهَهَا غَيْره , قَالَ اِبْن مَالِك : مُقْتَضَى الدَّلِيل أَنْ تَصْحَب نُون الْوِقَايَة اِسْم الْفَاعِل وَأَفْعَل التَّفْضِيل وَالْأَسْمَاء الْمُعْرَبَة الْمُضَافَة إِلَى يَاء الْمُتَكَلِّم لِتَقِيهَا خَفَاء الْإِعْرَاب , فَلَمَّا مُنِعَت ذَلِكَ كَانَتْ كَأَصْلٍ مَتْرُوك , فَنَبَّهُوا عَلَيْهِ فِي بَعْض الْأَسْمَاء الْمُعْرَبَة الْمُشَابِهَة لِلْفِعْلِ كَقَوْلِ الشَّاعِر : ‏ ‏وَلَيْسَ الْمُوَافِينِي لِيَرْتَدّ خَائِبًا ‏ ‏فَإِنَّ لَهُ أَضْعَاف مَا كَانَ أَمَّلَا ‏ ‏وَمِنْهُ فِي الْحَدِيث \" غَيْر الدَّجَّال أَخْوَفُنِي عَلَيْك \" وَالْأَصْل فِيهِ : أَخْوَف مُخَوِّفَاتِي عَلَيْكُمْ , فَحُذِفَ الْمُضَاف إِلَى الْيَاء وَأُقِيمَتْ هِيَ مَقَامه , فَاتَّصَلَ أَخْوَف بِهَا مَقْرُونَة بِالنُّونِ , وَذَلِكَ أَنَّ أَفْعَل التَّفْضِيل شَبِيه بِفِعْلِ التَّعَجُّب. وَحَاصِل كَلَامه أَنَّ النُّون الْبَاقِيَة هِيَ نُون الْوِقَايَة وَنُون الْجَمْع حُذِفَتْ كَمَا تَدُلّ عَلَيْهِ الرِّوَايَة الْأُخْرَى بِلَفْظِ \" صَادِقِي \" وَيُمْكِن تَخْرِيجه أَيْضًا عَلَى أَنَّ النُّون الْبَاقِيَة هِيَ نُون الْجَمْع فَإِنَّ بَعْض النُّحَاة أَجَازَ فِي الْجَمْع الْمُذَكَّر السَّالِم أَنْ يُعْرَب بِالْحَرَكَاتِ عَلَى النُّون مَعَ الْوَاو , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْيَاء فِي مَحَلّ نَصْب بِنَاء عَلَى أَنَّ مَفْعُول اِسْم الْفَاعِل إِذَا كَانَ ضَمِيرًا بَارِزًا مُتَّصِلًا بِهِ كَانَ فِي مَحَلّ نَصْب وَتَكُون النُّون عَلَى هَذَا أَيْضًا نُون الْجَمْع. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ أَبُوكُمْ ؟ قَالُوا : أَبُونَا فُلَان. فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَذَبْتُمْ , بَلْ أَبُوكُمْ فُلَان. فَقَالُوا صَدَقْت وَبَرِرْت ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء الْأُولَى وَحُكِيَ فَتْحهَا وَهُوَ مِنْ الْبِرّ ‏ ‏قَوْله : ( نَكُون فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تُخْلِفُونَنَا فِيهَا ) ‏ ‏بِضَمِّ اللَّام مُخَفَّفًا أَيْ تَدْخُلُونَ فَتُقِيمُونَ فِي الْمَكَان الَّذِي كُنَّا فِيهِ. وَضَبَطَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِتَشْدِيدِ اللَّام , وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة قَالَ : خَاصَمَتْ الْيَهُود رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه فَقَالُوا : لَنْ نَدْخُل النَّار إِلَّا أَرْبَعِينَ لَيْلَة ; وَسَيَخْلُفُنَا إِلَيْهَا قَوْم آخَرُونَ - يَعْنُونَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه - فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ عَلَى رُءُوسهمْ : بَلْ أَنْتُمْ خَالِدُونَ مُخَلَّدُونَ لَا يَخْلُفكُمْ فِيهَا أَحَد , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة ) الْآيَة وَمِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق عَنْ سَيْف بْن سُلَيْمَان عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ الْيَهُود كَانُوا يَقُولُونَ : هَذِهِ الدُّنْيَا سَبْعَة آلَاف سَنَة , وَإِنَّمَا نُعَذَّب بِكُلِّ أَلْف سَنَة يَوْمًا فِي النَّار , وَإِنَّمَا هِيَ سَبْعَة أَيَّام فَنَزَلَتْ \" وَهَذَا سَنَد حَسَن. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : \" اِجْتَمَعَتْ يَهُود تُخَاصِم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : لَنْ تُصِيبنَا النَّار \" فَذَكَرَ نَحْوه وَزَادَ \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَذَبْتُمْ , بَلْ أَنْتُمْ خَالِدُونَ مُخَلَّدُونَ , لَا نَخْلُفكُمْ فِيهَا أَبَدًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. فَنَزَلَ الْقُرْآن تَصْدِيقًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَمِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ حَدَّثَنِي أَبِي زَيْد بْن أَسْلَمَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِيَهُود : أَنْشُدكُمْ اللَّه مَنْ أَهْل النَّار الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فِي التَّوْرَاة ؟ قَالُوا : إِنَّ اللَّه غَضِبَ عَلَيْنَا غَضْبَة فَنَمْكُث فِي النَّار أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ نَخْرُج فَتَخْلُفُونَنَا فِيهَا. ‏ ‏فَقَالَ : كَذَبْتُمْ , وَاَللَّه لَا نَخْلُفكُمْ فِيهَا أَبَدًا , فَنَزَلَ الْقُرْآن تَصْدِيقًا لَهُ \" وَهَذَانِ خَبَرَانِ مُرْسَلَانِ يُقَوِّي أَحَدهمَا الْآخَر , وَيُسْتَفَاد مِنْهُمَا تَعْيِين مِقْدَار الْأَيَّام الْمَعْدُودَة الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة , وَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة حَيْثُ قَالَ فِيهِ : \" أَيَّامًا يَسِيرَة \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة قَتَادَة وَغَيْره أَنَّ حِكْمَة الْعَدَد الْمَذْكُور - وَهُوَ الْأَرْبَعُونَ - أَنَّهَا الْمُدَّة الَّتِي عَبَدُوا فِيهَا الْعِجْل. ‏ ‏قَوْله : ( اِخْسَئُوا فِيهَا ) ‏ ‏هُوَ زَجْر لَهُمْ بِالطَّرْدِ وَالْإِبْعَاد , أَوْ دُعَاء عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّه لَا نَخْلُفكُمْ فِيهَا أَبَدًا ) ‏ ‏أَيْ لَا تَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا نُقِيم بَعْدكُمْ فِيهَا , لِأَنَّ مَنْ يَدْخُل النَّار مِنْ عُصَاة الْمُسْلِمِينَ يَخْرُج مِنْهَا فَلَا يُتَصَوَّر أَنَّهُ يَخْلُف غَيْره أَصْلًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَرَدْنَا إِنْ كُنْت كَاذِبًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ \" إِنْ كُنْت كَذَّابًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنْ كُنْت نَبِيًّا لَمْ يَضُرّك ) ‏ ‏يَعْنِي عَلَى الْوَجْه الْمَعْهُود مِنْ السُّمّ الْمَذْكُور. وَفِي حَدِيث أَنَس الْمُشَار إِلَيْهِ \" فَقَالَتْ أَرَدْت لِأَقْتُلك. فَقَالَ : مَا كَانَ اللَّه لِيُسَلِّطك عَلَى ذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان بْن حُسَيْن عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة \" فَقَالَتْ أَرَدْت أَنْ أَعْلَم إِنْ كُنْت نَبِيًّا فَسَيُطْلِعُك اللَّه عَلَيْهِ , وَإِنْ كُنْت كَاذِبًا فَأُرِيح النَّاس مِنْك \" أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَخْرَجَ نَحْوه مَوْصُولًا عَنْ جَابِر , وَأَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن سَعْد عَنْ الْوَاقِدِيِّ بِأَسَانِيدِهِ الْمُتَعَدِّدَة أَنَّهَا قَالَتْ : \" قَتَلْت أَبِي وَزَوْجِي وَعَمِّي وَأَخِي وَنِلْت مِنْ قَوْمِي مَا نِلْت , فَقُلْت : إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَيُخْبِرُهُ الذِّرَاع , وَإِنْ كَانَ مَلَكًا اِسْتَرَحْنَا مِنْهُ \" وَفِي الْحَدِيث إِخْبَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْغَيْب , وَتَكْلِيم الْجَمَاد لَهُ , وَمُعَانِدَة الْيَهُود لِاعْتِرَافِهِمْ بِصِدْقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ اِسْم أَبِيهِمْ وَبِمَا وَقَعَ مِنْهُمْ مِنْ دَسِيسَة السُّمّ : وَمَعَ ذَلِكَ فَعَانَدُوا وَاسْتَمَرُّوا عَلَى تَكْذِيبه. وَفِيهِ قَتْل مَنْ قَتَلَ بِالسُّمِّ قِصَاصًا , وَعَنْ الْحَنَفِيَّة إِنَّمَا تَجِب فِيهِ الدِّيَة , وَمَحَلّ ذَلِكَ إِذَا اِسْتَكْرَهَهُ عَلَيْهِ اِتِّفَاقًا , وَأَمَّا إِذَا دَسَّهُ عَلَيْهِ فَأَكَلَهُ فَفِيهِ اِخْتِلَاف لِلْعُلَمَاءِ , فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ الْيَهُودِيَّة بِبِشْرِ بْن الْبَرَاء فَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ يَقُول بِالْقِصَاصِ فِي ذَلِكَ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِيهِ أَنَّ الْأَشْيَاء - كَالسَّمُومِ وَغَيْرهَا - لَا تُؤَثِّر بِذَوَاتِهَا بَلْ بِإِذْنِ اللَّه , لِأَنَّ السُّمّ أَثَّرَ فِي بِشْر فَقِيلَ إِنَّهُ مَاتَ فِي الْحَال , وَقِيلَ : إِنَّهُ [ مَاتَ ] بَعْد حَوْل , وَوَقَعَ فِيهِ مُرْسَل الزُّهْرِيِّ فِي مَغَازِي مُوسَى بْن عُقْبَة \" أَنَّ لَوْنه صَارَ فِي الْحَال كَالطَّيْلَسَانِ \" يَعْنِي أَصْفَر شَدِيد الصُّفْرَة , وَأَمَّا قَوْل أَنَس \" فَمَا زِلْت أَعْرِفهَا فِي لَهَوَات رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَاللَّهَوَات جَمْع لَهَاة وَيُجْمَع أَيْضًا عَلَى لُهًى بِضَمِّ أَوَّله وَالْقَصْر مَنُون , وَلِهْيَان وَزْن إِنْسَان , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانهَا فِيمَا مَضَى فِي الطِّبّ فِي الْكَلَام عَلَى الْعُذْرَة وَهِيَ اللَّحْمَة الْمُعَلَّقَة فِي أَصْل الْحَنَك , وَقِيلَ : هِيَ مَا بَيْن مُنْقَطِع اللِّسَان إِلَى مُنْقَطِع أَصْل الْفَم , وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُوَافِق الْجَمْع الْمَذْكُور. وَمُرَاد أَنَس أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَرِيه الْمَرَض مِنْ تِلْكَ الْأَكْلَة أَحْيَانًا , وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِهِ فِي حَدِيث عَائِشَة : \" مَا أَزَال أَجِد أَلَم الطَّعَام \" وَوَقَعَ فِي مَغَازِي مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا \" مَا زِلْت أَجِد مِنْ الْأَكْلَة الَّتِي أَكَلْت بِخَيْبَر عِدَادًا حَتَّى كَانَ هَذَا أَوَان اِنْقِطَاع أَبْهَرِي \" وَمِثْله فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة عِنْد اِبْن سَعْد. وَالْعِدَاد بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَالتَّخْفِيف مَا يُعْتَاد , وَالْأَبْهَر عِرْق فِي الظَّهْر تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَنَس أَرَادَ أَنَّهُ يُعْرَف ذَلِكَ فِي اللَّهَوَات بِتَغَيُّرِ لَوْنهَا أَوْ بِنُتُوءٍ فِيهَا أَوْ تَحْفِير , قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5333",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ذَكْوَانَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ ‏ ‏تَحَسَّى ‏ ‏سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت ذَكْوَانَ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو صَالِح السَّمَّان وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة وَكِيع عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح , ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِرِوَايَةِ شُعْبَة عَنْ سُلَيْمَان قَالَ : \" سَمِعْت ذَكْوَانَ \" مِثْله. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَة فَقَالَ عَنْ الْأَعْمَش \" سَمِعْت أَبَا صَالِح \" بِهِ , وَقَدَّمَ فِي رِوَايَة وَكِيع \" مَنْ قَتَلَ نَفْسه بِحَدِيدَةٍ \" وَثَلَّثَ بِقِصَّة \" مَنْ تَرَدَّى \" عَكْس رِوَايَة شُعْبَة هُنَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ الْمَذْكُورَة كَرِوَايَةِ وَكِيع , وَكَذَا عِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عُبَيْدَة بْن حُمَيْدٍ عَنْ الْأَعْمَش وَلَمْ يَذْكُر قِصَّة. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَل ) ‏ ‏أَيْ أَسْقَطَ نَفْسه مِنْهُ , لِمَا يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله : \" فَقَتَلَ نَفْسه \" عَلَى أَنَّهُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ , وَإِلَّا فَمُجَرَّد قَوْله تَرَدَّى لَا يَدُلّ عَلَى التَّعَمُّد. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ تَحَسَّى ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ بِوَزْنِ تَنَدَّى أَيْ تَجَرَّعَ. ‏ ‏قَوْله : ( يَجَأْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَتَخْفِيف الْجِيم وَبِالْهَمْزِ , أَيْ يُطْعَن بِهَا , وَقَدْ تُسَهَّل الْهَمْزَة , وَالْأَصْل فِي يُجَأْ يُوجَأ قَالَ اِبْن التِّين : فِي رِوَايَة الشَّيْخ أَبِي الْحَسَن يُجَأْ بِضَمِّ أَوَّله , وَلَا وَجْه لَهُ , وَإِنَّمَا يُبْنَى لِلْمَجْهُولِ بِإِثْبَاتِ الْوَاو وَيُوجَأ بِوَزْنِ يُوجَد اِنْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" يَتَوَجَّأ \" بِمُثَنَّاةٍ وَوَاو مَفْتُوحَتَيْنِ وَتَشْدِيد الْجِيم بِوَزْنِ يَتَكَبَّر وَهُوَ بِمَعْنَى الطَّعْن , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز بِلَفْظِ \" الَّذِي يَطْعَن نَفْسه يَطْعَنهَا فِي النَّار \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ وَبَيَان تَأْوِيل الْخُلُود وَالتَّأْبِيد الْمَذْكُورَيْنِ. وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ غَيْره أَنَّ هَذَا الْحَدِيث وَرَدَ فِي حَقّ رَجُل بِعَيْنِهِ , وَأَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيث وَنَحْوه مِنْ أَحَادِيث الْوَعِيد أَنَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُور جَزَاء فَاعِل ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَز اللَّه تَعَالَى عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5334",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ ‏ ‏اصْطَبَحَ ‏ ‏بِسَبْعِ تَمَرَاتِ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَحْمَد بْن بَشِير أَبُو بَكْر ) ‏ ‏هُوَ الْكُوفِيّ الْمَخْزُومِيّ مَوْلَاهُمْ , لَيْسَ لَهُ عِنْد الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع , قَالَ اِبْن مَعِين : لَا بَأْس بِهِ , هَكَذَا رَوَى عَبَّاس الدَّوْرِيّ عَنْهُ , وَقَالَ عُثْمَان الدَّارِمِيُّ عَنْ اِبْن مَعِين : مَتْرُوك , وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ الْخَطِيب بِأَنَّهُ اِلْتَبَسَ عَلَى عُثْمَان بِآخَر يُقَال لَهُ أَحْمَد بْن بَشِير لَكِنْ كُنْيَته أَبُو جَعْفَر , وَهُوَ بَغْدَادِيّ مِنْ طَبَقَة صَاحِب التَّرْجَمَة , وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي تَكْنِيَة الْمُصَنِّف لَهُ لِيَمْتَازَ عَنْ قَرِينَة الضَّعِيف , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث سَعْد قَرِيبًا , وَقَوْله فِي أَوَّل السَّنَد \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِي \" مُحَمَّد بْن سَلَام \". ‏"
    },
    {
        "id": "5335",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي ‏ ‏نَابٍ مِنْ السَّبُعِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏وَلَمْ أَسْمَعْهُ حَتَّى أَتَيْتُ ‏ ‏الشَّأْمَ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَسَأَلْتُهُ هَلْ نَتَوَضَّأُ أَوْ نَشْرَبُ أَلْبَانَ ‏ ‏الْأُتُنِ ‏ ‏أَوْ مَرَارَةَ السَّبُعِ أَوْ أَبْوَالَ الْإِبِلِ قَالَ قَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَدَاوَوْنَ بِهَا فَلَا يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا فَأَمَّا أَلْبَانُ ‏ ‏الْأُتُنِ ‏ ‏فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى ‏ ‏عَنْ لُحُومِهَا وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَلْبَانِهَا أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ وَأَمَّا مَرَارَةُ السَّبُعِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السَّبُعِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ , وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ السِّبَاع ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ \" مِنْ السَّبْع \" بِلَفْظِ الْإِفْرَاد وَالْمُرَاد الْجِنْس. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الزُّهْرِيّ وَلَمْ أَسْمَعهُ حَتَّى أَتَيْت الشَّام ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي الطِّبّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ اللَّيْث حَدَّثَنِي يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ الزُّهْرِيُّ , وَهَذِهِ الزِّيَادَة وَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" وَأَوْرَدَهَا أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مُطَوَّلَة مِنْ طَرِيق أَبِي ضَمْرَة أَنَس بْن عِيَاض عَنْ يُونُس بْن يَزِيد. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ وَسَأَلْته هَلْ نَتَوَضَّأ ) ‏ ‏؟ هَذِهِ الْجُمْلَة حَالِيَّة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة \" سُئِلَ الزُّهْرِيُّ وَأَعْرَضَ الزُّهْرِيُّ فِي جَوَابه عَنْ الْوُضُوء فَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ لِشُذُوذِ الْقَوْل بِهِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الطَّهَارَة الْإِشَارَة إِلَى مَنْ أَجَازَ الْوُضُوء بِاللَّبَنِ وَالْخَلّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة \" أَمَّا أَبْوَال الْإِبِل فَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَبْلُغنَا عَنْ أَلْبَانهَا أَمْر وَلَا نَهْي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة \" وَلَا أَرَى أَلْبَانهَا إِلَّا تَخْرُج مِنْ لُحُومهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَّا مَرَارَة السَّبُع قَالَ اِبْن شِهَاب حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة \" وَأَمَّا مَرَارَة السَّبُع فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيس \" وَالْبَاقِي مِثْله , وَزَادَ أَبُو ضَمْرَة فِي آخِره وَلَمْ أَسْمَعهُ مِنْ عُلَمَائِنَا , فَإِنْ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا فَلَا خَيْر فِي مَرَارَتهَا. وَيُؤْخَذ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَة أَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ يَتَوَقَّف فِي صِحَّة هَذَا الْحَدِيث لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْرِف لَهُ أَصْلًا بِالْحِجَازِ كَمَا هِيَ طَرِيقَة كَثِير مِنْ عُلَمَاء الْحِجَاز. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : اِسْتَدَلَّ الزُّهْرِيُّ عَلَى مَنْع مَرَارَة السَّبُع بِالنَّهْيِ عَنْ أَكْل كُلّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاع , وَيَلْزَمهُ مِثْل ذَلِكَ فِي أَلْبَان الْأُتُن , وَغَفَلَ رَحِمه اللَّه عَنْ الزِّيَادَة الَّتِي أَفَادَتْهَا رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَلْبَان الْأُتُن , فَالْجُمْهُور عَلَى التَّحْرِيم , وَعِنْد الْمَالِكِيَّة قَوْل فِي حِلّهَا مِنْ الْقَوْل بِحِلِّ أَكْل لَحْمهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطه فِي الْأَطْعِمَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5336",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏بَنِي تَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏بَنِي زُرَيْقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُتْبَةَ بْن مُسْلِم مَوْلَى بَنِي تَمِيم ) ‏ ‏هُوَ مَدَنِيّ , وَأَبُوهُ يُكَنَّى أَبَا عُتْبَةَ , وَمَا لِعُتْبَةَ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد بْن حُنَيْنٍ ) ‏ ‏مَضَى فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ عُتْبَةَ بْن مُسْلِم \" أَخْبَرَنِي عُبَيْد بْن حُنَيْنٍ \" وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونَيْنِ مُصَغَّر وَكُنْيَته أَبُو عَبْد اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( مَوْلَى بَنِي زُرَيْق ) ‏ ‏بِزَايٍ ثُمَّ رَاءٍ ثُمَّ قَاف مُصَغَّر , وَحَكَى الْكَلَابَاذِيُّ أَنَّهُ مَوْلَى زَيْد بْن الْخَطَّاب ; وَعَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ أَنَّهُ مَوْلَى الْعَبَّاس , وَهُوَ خَطَأ كَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ أَخُو عَبْد اللَّه بْن حُنَيْنٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَمَا لِعُبَيْدٍ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث أَوْرَدَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا وَقَعَ الذُّبَاب ) ‏ ‏قِيلَ سُمِّيَ ذُبَابًا لِكَثْرَةِ حَرَكَته وَاضْطِرَابه , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا \" عُمْر الذُّبَاب أَرْبَعُونَ لَيْلَة , وَالذُّبَاب كُلّه فِي النَّار إِلَّا النَّحْل \" وَسَنَده لَا بَأْس بِهِ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ دُون أَوَّله مِنْ وَجْه آخَر ضَعِيف , قَالَ الْجَاحِظ : كَوْنه فِي النَّار لَيْسَ تَعْذِيبًا لَهُ , بَلْ لِيُعَذَّب أَهْل النَّار بِهِ. قَالَ الْجَوْهَرِيّ : يُقَال إِنَّهُ لَيْسَ شَيْء مِنْ الطُّيُور يَلَغُ إِلَّا الذُّبَاب. وَقَالَ أَفْلَاطُون : الذُّبَاب أَحْرَص الْأَشْيَاء , حَتَّى إِنَّهُ يُلْقِي نَفْسه فِي كُلّ شَيْء وَلَوْ كَانَ فِيهِ هَلَاكه. وَيَتَوَلَّد مِنْ الْعُفُونَة. وَلَا جَفْن لِلذُّبَابَةِ لِصِغَرِ حَدَقَتهَا , وَالْجَفْن يَصْقُل الْحَدَقَة , فَالذُّبَابَة تَصْقُل بِيَدَيْهَا فَلَا تَزَال تَمْسَح عَيْنَيْهَا. وَمِنْ عَجِيب أَمْره أَنَّ رَجِيعه يَقَع عَلَى الثَّوْب الْأَسْوَد أَبْيَض وَبِالْعَكْسِ. وَأَكْثَر مَا يَظْهَر فِي أَمَاكِن الْعُفُونَة , وَمَبْدَأ خَلْقه مِنْهَا ثُمَّ مِنْ التَّوَالُد. وَهُوَ مِنْ أَكْثَر الطُّيُور سِفَادًا , رُبَّمَا بَقِيَ عَامَّة الْيَوْم عَلَى الْأُنْثَى. وَيُحْكَى أَنَّ بَعْض الْخُلَفَاء سَأَلَ الشَّافِعِيّ : لِأَيِّ عِلَّة خُلِقَ الذُّبَاب ؟ فَقَالَ : مَذَلَّة لِلْمُلُوكِ. وَكَانَتْ أَلَحَّتْ عَلَيْهِ ذُبَابَة , فَقَالَ الشَّافِعِيّ : سَأَلَنِي وَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي جَوَاب فَاسْتَنْبَطْته مِنْ الْهَيْئَة الْحَاصِلَة. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْمَالِقِيّ : ذُبَاب النَّاس يَتَوَلَّد مِنْ الزِّبْل. وَإِنْ أُخِذَ الذُّبَاب الْكَبِير فَقُطِعَتْ رَأْسهَا وَحُكَّ بِجَسَدِهَا الشَّعْرَة الَّتِي فِي الْجَفْن حَكًّا شَدِيدًا أَبْرَأَتْهُ وَكَذَا دَاء الثَّعْلَب. وَإِنْ مُسِحَ لَسْعَة الزُّنْبُور بِالذُّبَابِ سَكَنَ الْوَجَع. ‏ ‏قَوْله : ( فِي إِنَاء أَحَدكُمْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق بِلَفْظِ \" شَرَاب \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد النَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان إِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَام \" وَالتَّعْبِير بِالْإِنَاءِ أَشْمَل , وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس عِنْد الْبَزَّار. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَغْمِسْهُ كُلّه ) ‏ ‏أَمْر إِرْشَاد لِمُقَابَلَةِ الدَّاء بِالدَّوَاءِ. وَفِي قَوْله : \" كُلّه \" رَفْع تَوَهُّم الْمَجَاز فِي الِاكْتِفَاء بِغَمْسِ بَعْضه. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ لْيَطْرَحهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال \" ثُمَّ لْيَنْزِعهُ \" وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى عَنْ عَمّه ثُمَامَة أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ : \" كُنَّا عِنْد أَنَس , فَوَقَعَ ذُبَاب فِي إِنَاء فَقَالَ أَنَس بِإِصْبَعِهِ فَغَمَسَهُ فِي ذَلِكَ الْإِنَاء ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ : بِسْمِ اللَّه. وَقَالَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ \" أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَرِجَاله ثِقَات , وَرَوَاهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثُمَامَة فَقَالَ : \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَرَجَّحَهَا أَبُو حَاتِم , وَأَمَّا الدَّارَقُطْنِيُّ فَقَالَ : الطَّرِيقَانِ مُحْتَمَلَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" فَإِنَّ فِي أَحَد \" وَالْجَنَاح يُذَكَّر وَيُؤَنَّث وَقِيلَ : أُنِّثَ بِاعْتِبَارِ الْيَد , وَجَزَمَ الصَّغَانِيّ بِأَنَّهُ لَا يُؤَنَّث وَصَوَّبَ رِوَايَة \" أَحَد \" وَحَقِيقَته لِلطَّائِرِ , وَيُقَال لِغَيْرِهِ عَلَى سَبِيل الْمَجَاز كَمَا فِي قَوْله : ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَأَنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاء , وَلَمْ يَقَع لِي فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق تَعْيِين الْجَنَاح الَّذِي فِيهِ الشِّفَاء مِنْ غَيْره , لَكِنْ ذَكَرَ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّهُ تَأَمَّلَهُ فَوَجَدَهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الْأَيْسَر فَعُرِفَ أَنَّ الْأَيْمَن هُوَ الَّذِي فِيهِ الشِّفَاء , وَالْمُنَاسَبَة فِي ذَلِكَ ظَاهِرَة. وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْمَذْكُور أَنَّهُ يُقَدِّم السُّمّ وَيُؤَخِّر الشِّفَاء. وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة تَفْسِير الدَّاء الْوَاقِع فِي حَدِيث الْبَاب وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ السُّمّ فَيُسْتَغْنَى عَنْ التَّخْرِيج الَّذِي تَكَلَّفَهُ بَعْض الشُّرَّاح فَقَالَ : إِنَّ فِي اللَّفْظ مَجَازًا وَهُوَ كَوْن الدَّاء فِي أَحَد الْجَنَاحَيْنِ , فَهُوَ إِمَّا مِنْ مَجَاز الْحَذْف وَالتَّقْدِير فَإِنَّ فِي جَنَاحَيْهِ سَبَب دَاء , إِمَّا مُبَالَغَة بِأَنْ يُجْعَل كُلّ الدَّاء فِي أَحَد جَنَاحَيْهِ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لَهُ. وَقَالَ آخَر يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الدَّاء مَا يُعْرَض فِي نَفْس الْمَرْء مِنْ التَّكَبُّر عَنْ أَكْله حَتَّى رُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِتَرْكِ ذَلِكَ الطَّعَام وَإِتْلَافه , وَالدَّوَاء مَا يَحْصُل مِنْ قَمْع النَّفْس وَحَمْلهَا عَلَى التَّوَاضُع. ‏ ‏قَوْله : ( وَفِي الْآخَر شِفَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" وَفِي الْأُخْرَى \" وَفِي نُسْخَة \" وَالْأُخْرَى \" بِحَذْفِ حَرْف الْجَرّ , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال \" فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاء وَالْآخَر شِفَاء \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ يُجِيز الْعَطْف عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ كَالْأَخْفَشِ , وَعَلَى هَذَا فَيُقْرَأ بِخَفْضِ الْآخَر وَبِنَصْبِ شِفَاء فَعُطِفَ الْآخَر عَلَى الْأَحَد وَعُطِفَ شِفَاء عَلَى دَاء , وَالْعَامِل فِي إِحْدَى حَرْف فِي , وَالْعَامِل فِي دَاء إِنَّ , وَهُمَا عَامِلَانِ فِي الْآخَر وَشِفَاء , وَسِيبَوَيْهِ لَا يُجِيز ذَلِكَ وَيَقُول : إِنَّ حَرْف الْجَرّ حُذِفَ وَبَقِيَ الْعَمَل وَقَدْ وَقَعَ صَرِيحًا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" وَفِي الْأُخْرَى شِفَاء \" وَيَجُوز رَفْع شِفَاء عَلَى الِاسْتِئْنَاف. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْمَاء الْقَلِيل لَا يَنْجُس بِوُقُوعِ مَا لَا نَفْس لَهُ سَائِلَة فِيهِ وَوَجْه الِاسْتِدْلَال - كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الشَّافِعِيّ - أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْمُر بِغَمْسِ مَا يُنَجِّس الْمَاء إِذَا مَاتَ فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ إِفْسَاد. وَقَالَ بَعْض مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ : لَا يَلْزَم مِنْ غَمْس الذُّبَاب مَوْته فَقَدْ يَغْمِسهُ بِرِفْقٍ فَلَا يَمُوت , وَالْحَيّ لَا يُنَجِّس مَا يَقَع فِيهِ كَمَا صَرَّحَ الْبَغَوِيُّ بِاسْتِنْبَاطِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيث. وَقَالَ أَبُو الطَّيِّب الطَّبَرِيُّ : لَمْ يَقْصِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيث بَيَان النَّجَاسَة وَالطَّهَارَة , وَإِنَّمَا قَصَدَ بَيَان التَّدَاوِي مِنْ ضَرَر الذُّبَاب , وَكَذَا لَمْ يَقْصِد بِالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاة فِي مَعَاطِن الْإِبِل وَالْإِذْن فِي مَرَاح الْغَنَم طَهَارَة وَلَا نَجَاسَة وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْخُشُوع لَا يُوجَد مَعَ الْإِبِل دُون الْغَنَم. قُلْت : وَهُوَ كَلَام صَحِيح , إِلَّا أَنَّهُ لَا يَمْنَع أَنْ يُسْتَنْبَط مِنْهُ حُكْم آخَر , فَإِنَّ الْأَمْر بِغَمْسِهِ يَتَنَاوَل صُوَرًا مِنْهَا أَنْ يَغْمِسهُ مُحْتَرِزًا عَنْ مَوْته كَمَا هُوَ الْمُدَّعَى هُنَا , وَأَنْ لَا يَحْتَرِز بَلْ يَغْمِسهُ سَوَاء مَاتَ أَوْ لَمْ يَمُتْ. وَيَتَنَاوَل مَا لَوْ كَانَ الطَّعَام حَارًّا فَإِنَّ الْغَالِب أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَة يَمُوت بِخِلَافِ الطَّعَام الْبَارِد , فَلَمَّا لَمْ يَقَع التَّقْيِيد حُمِلَ عَلَى الْعُمُوم , لَكِنْ فِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ مُطْلَق يُصَدَّق بِصُورَةٍ فَإِذَا قَامَ الدَّلِيل عَلَى صُورَة مُعَيَّنَة حُمِلَ عَلَيْهَا. وَاسْتَشْكَلَ اِبْن دَقِيق الْعِيد إِلْحَاق غَيْر الذُّبَاب بِهِ فِي الْحُكْم الْمَذْكُور بِطَرِيقٍ آخَر فَقَالَ : وَرَدَ النَّصّ فِي الذُّبَاب فَعَدُوّهُ إِلَى كُلّ مَا لَا نَفْس لَهُ سَائِلَة , وَفِيهِ نَظَر , لِجَوَازِ أَنْ تَكُون الْعِلَّة فِي الذُّبَاب قَاصِرَة وَهِيَ عُمُوم الْبَلْوَى , وَهَذِهِ مُسْتَنْبَطَة. أَوْ التَّعْلِيل بِأَنَّ فِي أَحَد جَنَاحَيْهِ دَاء وَفِي الْآخَر شِفَاء , وَهَذِهِ مَنْصُوصَة , وَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ لَا يُوجَدَانِ فِي غَيْره فَيَبْعُد كَوْن الْعِلَّة مُجَرَّد كَوْنه لَا دَم لَهُ سَائِل , بَلْ الَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ جُزْء عِلَّة لَا عِلَّة كَامِلَة اِنْتَهَى. وَقَدْ رَجَّحَ جَمَاعَة مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ مَا يَعُمّ وُقُوعه فِي الْمَاء كَالذُّبَابِ وَالْبَعُوض لَا يُنَجِّس الْمَاء , وَمَا لَا يَعُمّ كَالْعَقَارِبِ يُنَجِّس , وَهُوَ قَوِيّ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيث مَنْ لَا خَلَاق لَهُ فَقَالَ : كَيْف يَجْتَمِع الشِّفَاء وَالدَّاء فِي جَنَاحَيْ الذُّبَاب , وَكَيْف يَعْلَم ذَلِكَ مِنْ نَفْسه حَتَّى يُقَدِّم جَنَاح الشِّفَاء , وَمَا أَلْجَأَهُ إِلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ : وَهَذَا سُؤَال جَاهِل أَوْ مُتَجَاهِل , فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْحَيَوَان قَدْ جَمَعَ الصِّفَات الْمُتَضَادَّة. وَقَدْ أَلَّفَ اللَّه بَيْنهَا وَقَهَرَهَا عَلَى الِاجْتِمَاع وَجَعَلَ مِنْهَا قُوَى الْحَيَوَان , وَإِنَّ الَّذِي أَلْهَمَ النَّحْلَة اِتِّخَاذ الْبَيْت الْعَجِيب الصَّنْعَة لِلتَّعْسِيلِ فِيهِ , وَأَلْهَمَ النَّمْلَة أَنْ تَدَّخِر قُوتهَا أَوَان حَاجَتهَا , وَأَنْ تَكْسِر الْحَبَّة نِصْفَيْنِ لِئَلَّا تَسْتَنْبِت , لَقَادِر عَلَى إِلْهَام الذُّبَابَة أَنْ تُقَدِّم جَنَاحًا وَتُؤَخِّر آخَر. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : مَا نُقِلَ عَنْ هَذَا الْقَائِل لَيْسَ بِعَجِيبٍ , فَإِنَّ النَّحْلَة تُعَسِّل مِنْ أَعْلَاهَا وَتُلْقِي السُّمّ مِنْ أَسْفَلهَا , وَالْحَيَّة الْقَاتِل سُمّهَا تَدْخُل لُحُومهَا فِي التِّرْيَاق الَّذِي يُعَالَج بِهِ السُّمّ , وَالذُّبَابَة تُسْحَق مَعَ الْإِثْمِد لِجَلَاءِ الْبَصَر. وَذَكَرَ بَعْض حُذَّاق الْأَطِبَّاء أَنَّ فِي الذُّبَاب قُوَّة سُمِّيَّة يَدُلّ عَلَيْهَا الْوَرَم وَالْحَكَّة الْعَارِضَة عَنْ لَسْعه , وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ السِّلَاح لَهُ , فَإِذَا سَقَطَ الذُّبَاب فِيمَا يُؤْذِيه تَلَقَّاهُ بِسِلَاحِهِ , فَأَمَرَ الشَّارِع أَنْ يُقَابِل تِلْكَ السُّمِّيَّة بِمَا أَوْدَعَهُ اللَّه تَعَالَى فِي الْجَنَاح الْآخَر مِنْ الشِّفَاء فَتَتَقَابَل الْمَادَّتَانِ فَيَزُول الضَّرَر بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : \" ثُمَّ لِيَنْزِعهُ \" عَلَى أَنَّهَا تَنْجُس بِالْمَوْتِ كَمَا هُوَ أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ , وَالْقَوْل الْآخَر كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَة , أَنَّهَا لَا تَنْجُس , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الطِّبّ مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى مِائَة حَدِيث وَثَمَانِيَة عَشَر حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا ثَمَانِيَة عَشَر طَرِيقًا وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى خَمْسَة وَثَمَانُونَ طَرِيقًا وَالْخَالِص ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي نُزُول الدَّاء وَالشِّفَاء , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس الشِّفَاء فِي ثَلَاث , وَحَدِيث عَائِشَة فِي الْحَبَّة السَّوْدَاء , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فِرَّ مِنْ الْمَجْذُوم \" وَحَدِيث أَنَس \" رَخَّصَ لِأَهْلِ بَيْت فِي الرُّقْيَة \" وَحَدِيثه أَنَّ أَبَا طَلْحَة كَوَاهُ , وَحَدِيث عَائِشَة فِي الصَّبْر عَلَى الطَّاعُون , وَحَدِيث أَنَس \" اِشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي \" وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ سِتَّة عَشَر أَثَرًا , وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5337",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏يُخْبِرُونَهُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ ‏ ‏خُيَلَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ نَافِع وَعَبْد اللَّه بْن دِينَار وَزَيْد بْن أَسْلَمَ ) ‏ ‏فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ نَافِع وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار وَعَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ بِتَكْرِيرِ \" عَنْ \" وَعِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة مَعْن عَنْ مَالِك \" سَمِعَ كُلّهمْ يُحَدِّث \" هَكَذَا جَمَعَ مَالِك رِوَايَة الثَّلَاثَة , وَقَدْ رَوَى دَاوُدَ بْن قَيْس رِوَايَة زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْهُ بِزِيَادَةِ قِصَّة قَالَ : \" أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى اِبْن عُمَر قُلْت : اُدْخُلْ ؟ فَعَرَفَ صَوْتِي فَقَالَ : أَيْ بُنَيّ إِذَا جِئْت إِلَى قَوْم فَقُلْ : السَّلَام عَلَيْكُمْ , فَإِنْ رَدُّوا عَلَيْك فَقُلْ أَدْخُل \" ؟ قَالَ : \" ثُمَّ رَأَى اِبْنه وَقَدْ اِنْجَرَّ إِزَاره فَقَالَ : اِرْفَعْ إِزَارك فَقَدْ سَمِعْت \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْحُمَيْدِيّ جَمِيعًا عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْد نَحْوه , سَاقَهُ الْحُمَيْدِيُّ , وَاخْتَصَرَهُ أَحْمَد , وَسَمَّيَا الِابْن عَبْد اللَّه بْن وَاقِد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ \" سَمِعْت اِبْن عُمَر \" فَذَكَرَهُ بِدُونِ هَذِهِ الْقِصَّة , وَزَادَ قِصَّة أَبِي بَكْر الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , وَقِصَّة أُخْرَى لِابْنِ عُمَر تَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهَا بَعْد بَابَيْنِ , وَحَدِيث نَافِع أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَيُّوب وَاللَّيْث وَأُسَامَة بْن زَيْد كُلّهمْ عَنْ نَافِع قَالَ مِثْل حَدِيث مَالِك وَزَادُوا فِيهِ \" يَوْم الْقِيَامَة \". وَقُلْت : وَهَذِهِ الزِّيَادَة ثَابِتَة عِنْد رُوَاة \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ مَالِك أَيْضًا , وَأَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق الْقَعْنَبِيّ , وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ نَافِع وَفِيهِ زِيَادَة تَتَعَلَّق بِذُيُولِ النِّسَاء , وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن دِينَار أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن مُسْلِم عَنْهُ وَفِيهِ \" يَوْم الْقِيَامَة \" وَكَذَا فِي رِوَايَة سَالِم وَغَيْر وَاحِد عَنْ اِبْن عُمَر كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "5338",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ ‏ ‏خُيَلَاءَ ‏ ‏لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ إِزَارِي يَسْتَرْخِي إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ ‏ ‏خُيَلَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة ) ‏ ‏هُوَ أَبُو خَيْثَمَة الْجُعْفِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ جَرَّ ثَوْبه ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحه بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَبُو بَكْر ) ‏ ‏هُوَ الصِّدِّيق ‏ ‏( إِنَّ أَحَد شِقَّيْ إِزَارِي ) ‏ ‏كَذَا بِالتَّثْنِيَةِ لِلنَّسَفِيّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ , وَلِغَيْرِهِمَا \" شِقّ \" بِالْإِفْرَادِ , وَالشِّقّ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة الْجَانِب وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى النِّصْف. ‏ ‏قَوْله : ( يَسْتَرْخِي ) ‏ ‏بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة , وَكَانَ سَبَب اِسْتِرْخَائِهِ نَحَافَة جِسْم أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَد ذَلِكَ مِنْهُ ) ‏ ‏أَيْ يَسْتَرْخِي إِذَا غَفَلْت عَنْهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عِنْد أَحْمَد \" إِنَّ إِزَارِي يَسْتَرْخِي أَحْيَانًا \" فَكَأَنَّ شَدّه كَانَ يَنْحَلّ إِذَا تَحَرَّكَ بِمَشْيٍ أَوْ غَيْره بِغَيْرِ اِخْتِيَاره , فَإِذَا كَانَ مُحَافِظًا عَلَيْهِ لَا يَسْتَرْخِي لِأَنَّهُ كُلَّمَا كَادَ يَسْتَرْخِي شَدَّهُ. وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق طَلْحَة بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" كَانَ أَبُو بَكْر أَحْنَى لَا يَسْتَمْسِك إِزَاره يَسْتَرْخِي عَنْ حَقْوَيْهِ \" وَمِنْ طَرِيق قَيْس بْن أَبِي حَازِم قَالَ : \" دَخَلْت عَلَى أَبِي بَكْر وَكَانَ رَجُلًا نَحِيفًا \". ‏ ‏قَوْله : ( لَسْت مِمَّنْ يَصْنَعهُ خُيَلَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة زَيْد بْن أَسْلَمَ \" لَسْت مِنْهُمْ \" وَفِيهِ أَنَّهُ لَا حَرَج عَلَى مَنْ اِنْجَرَّ إِزَاره بِغَيْرِ قَصْده مُطْلَقًا , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَكْرَه جَرّ الْإِزَار عَلَى كُلّ حَال فَقَالَ اِبْن بَطَّال هُوَ مِنْ تَشْدِيدَاته , وَإِلَّا فَقَدْ رَوَى هُوَ حَدِيث الْبَاب فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ الْحُكْم. قُلْت : بَلْ كَرَاهَة اِبْن عُمَر مَحْمُولَة عَلَى مَنْ قَصَدَ ذَلِكَ سَوَاء كَانَ عَنْ مَخِيلَة أَمْ لَا , وَهُوَ الْمُطَابِق لِرِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَة , وَلَا يُظَنّ بِابْنِ عُمَر أَنَّهُ يُؤَاخِذ مَنْ لَمْ يَقْصِد شَيْئًا وَإِنَّمَا يُرِيد بِالْكَرَاهَةِ مَنْ اِنْجَرَّ إِزَاره بِغَيْرِ اِخْتِيَاره ثُمَّ تَمَادَى عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَتَدَارَكهُ وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ , وَإِنْ اِخْتَلَفُوا هَلْ الْكَرَاهَة فِيهِ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ لِلتَّنْزِيهِ. وَفِي الْحَدِيث اِعْتِبَار أَحْوَال الْأَشْخَاص فِي الْأَحْكَام بِاخْتِلَافِهَا , وَهُوَ أَصْل مُطَّرِد غَالِبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5339",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَسَفَتْ الشَّمْسُ وَنَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَامَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ مُسْتَعْجِلًا حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ ‏ ‏وَثَابَ ‏ ‏النَّاسُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ‏ ‏فَجُلِّيَ ‏ ‏عَنْهَا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا وَقَالَ ‏ ‏إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ حَتَّى يَكْشِفَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد ) ‏ ‏لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا لِأَحَدٍ مِنْ الرُّوَاة , وَأَغْفَلْت التَّنْبِيه عَلَى هَذَا الْمَوْضِع بِخُصُوصِهِ فِي الْمُقَدِّمَة , وَقَدْ صَرَّحَ اِبْن السَّكَن فِي مَوْضِعَيْنِ غَيْر هَذَا بِأَنَّ مُحَمَّدًا الرَّاوِي عَنْ عَبْد الْأَعْلَى هُوَ اِبْن سَلَام , فَيُحْمَل هَذَا أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عَنْ عَبْد الْأَعْلَى فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون هُوَ الْمُرَاد هُنَا وَاَللَّه أَعْلَم. وَعَبْد الْأَعْلَى هُوَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى السَّامِيّ بِالْمُهْمَلَةِ الْبَصْرِيّ بِالْمُوَحَّدَةِ , وَيُونُس هُوَ اِبْن عُبَيْد , وَالْحَسَن هُوَ الْبَصْرِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي صَلَاة الْكُسُوف مَعَ شَرْحه , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله : \" فَقَامَ يَجُرّ ثَوْبه مُسْتَعْجِلًا \" فَإِنَّ فِيهِ أَنَّ الْجَرّ إِذَا كَانَ بِسَبَبِ الْإِسْرَاع لَا يَدْخُل فِي النَّهْي , فَيُشْعِر بِأَنَّ النَّهْي يَخْتَصّ بِمَا كَانَ لِلْخُيَلَاءِ , لَكِنْ لَا حُجَّة فِيهِ لِمَنْ قَصَرَ النَّهْي عَلَى مَا كَانَ لِلْخُيَلَاءِ حَتَّى أَجَازَ لُبْس الْقَمِيص الَّذِي يَنْجَرّ عَلَى الْأَرْض لِطُولِهِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله : \" وَثَابَ النَّاس \" بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة أَيْ رَجَعُوا إِلَى الْمَسْجِد بَعْد أَنْ كَانُوا خَرَجُوا مِنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5340",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ شُمَيْلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَرَأَيْتُ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏بِعَنَزَةٍ ‏ ‏فَرَكَزَهَا ثُمَّ أَقَامَ الصَّلَاةَ ‏ ‏فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ فِي حُلَّةٍ مُشَمِّرًا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ إِلَى ‏ ‏الْعَنَزَةِ ‏ ‏وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ وَرَاءِ ‏ ‏الْعَنَزَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ جَزَمَ بِذَلِكَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" وَابْن شُمَيْلٍ هُوَ النَّضْر , وَعُمَر بْن أَبِي زَائِدَة هُوَ الْهَمْدَانِيُّ بِسُكُونِ الْمِيم الْكُوفِيّ أَخُو زَكَرِيَّا , وَاسْم أَبِي زَائِدَة خَالِد وَيُقَال هُبَيْرَة , وَلِعُمَر فِي الْبُخَارِيّ أَحَادِيث يَسِيرَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ فَرَأَيْت ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ هُوَ مَعْطُوف عَلَى جُمَل مِنْ الْحَدِيث , فَإِنَّ أَوَّله \" رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُبَّة حَمْرَاء مِنْ أَدَم \" الْحَدِيث , وَفِيهِ : \" ثُمَّ رَأَيْت بِلَالًا إِلَخْ \" هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي أَوَائِل الصَّلَاة عَنْ مُحَمَّد بْن عَرْعَرَة عَنْ عُمَر بْن أَبِي زَائِدَة , فَلَمَّا اِخْتَصَرَهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْمَذْكُور لَيْسَ أَوَّل الْحَدِيث. وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيّ فِي أَوَّله \" رَأَيْت \" وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ مُسْنَد إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ النَّضْر , وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِسْحَاق قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِر الْعَقَدِيّ حَدَّثَنَا عُمَر بْن أَبِي زَائِدَة \" وَذَكَرَ أَنَّ رِوَايَة إِسْحَاق عَنْ النَّضْر لَمْ يَقَع فِيهَا قَوْله : \" مُشَمِّرًا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي عَامِر , وَقَدْ وَقَعَتْ فِي الْبَاب عَنْ إِسْحَاق عَنْ النَّضْر فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون إِسْحَاق هُوَ اِبْن مَنْصُور , وَلَمْ يَقَع لَفْظ \" مُشَمِّرًا \" لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ عَمّه عُمَر بِلَفْظِ \" فَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى وَبِيص سَاقَيْهِ \" ثُمَّ قَالَ : وَرَوَاهُ الثَّوْرِيّ عَنْ عَوْن بْن أَبِي جُحَيْفَةَ فَقَالَ فِي حَدِيثه \" كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى بِرِيقِ سَاقَيْهِ \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَهَذَا هُوَ التَّشْمِير وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ النَّهْي عَنْ كَفّ الثِّيَاب فِي الصَّلَاة مَحَلّه فِي غَيْر ذَيْل الْإِزَار , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون هَذِهِ الصُّورَة وَقَعَتْ اِتِّفَاقًا , فَإِنَّهَا كَانَتْ فِي حَالَة السَّفَر وَهُوَ مَحَلّ التَّشْمِير. ‏"
    },
    {
        "id": "5341",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ شُعْبَة \" سَمِعْت سَعِيدًا الْمَقْبُرِيَّ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَسْفَل مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْإِزَار فِي النَّار ) ‏ ‏\" مَا \" مَوْصُولَة وَبَعْض الصِّلَة مَحْذُوف وَهُوَ كَانَ , وَأَسْفَل خَبَره , وَهُوَ مَنْصُوب وَيَجُوز الرَّفْع , أَيْ مَا هُوَ أَسْفَل وَهُوَ أَفْعَل تَفْضِيل , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فِعْلًا مَاضِيًا , وَيَجُوز أَنْ تَكُون \" مَا \" نَكِرَة مَوْصُوفَة بِأَسْفَل , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيد أَنَّ الْمَوْضِع الَّذِي يَنَالهُ الْإِزَار مِنْ أَسْفَل الْكَعْبَيْنِ فِي النَّار , فَكَنَّى بِالثَّوْبِ عَنْ بَدَن لَابِسه , وَمَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي دُون الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْقَدَم يُعَذَّب عُقُوبَة , وَحَاصِله أَنَّهُ مِنْ تَسْمِيَة الشَّيْء بِاسْمِ مَا جَاوَرَهُ أَوْ حَلَّ فِيهِ , وَتَكُون \" مِنْ \" بَيَانِيَّة , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون سَبَبِيَّة , وَيَكُون الْمُرَاد الشَّخْص نَفْسه , أَوْ الْمَعْنَى مَا أَسْفَل مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الَّذِي يُسَامِت الْإِزَار فِي النَّار , أَوْ التَّقْدِير لَابِس مَا أَسْفَل مِنْ الْكَعْبَيْنِ إِلَخْ , أَوْ التَّقْدِير أَنَّ فِعْل ذَلِكَ مَحْسُوب فِي أَفْعَال أَهْل النَّار. أَوْ فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير أَيْ مَا أَسْفَل مِنْ الْإِزَار مِنْ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّار , وَكُلّ هَذَا اِسْتِبْعَاد مِمَّنْ قَالَهُ لِوُقُوعِ الْإِزَار حَقِيقَة فِي النَّار , وَأَصْله مَا أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّادٍ \" أَنَّ نَافِعًا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : وَمَا ذَنْب الثِّيَاب ؟ بَلْ هُوَ مِنْ الْقَدَمَيْنِ \" ا ه. لَكِنْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عُقَيْل عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : \" رَآنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْبَلْت إِزَارِي فَقَالَ : يَا اِبْن عُمَر , كُلّ شَيْء يَمَسّ الْأَرْض مِنْ الثِّيَاب فِي النَّار \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ \" رَأَى أَعْرَابِيًّا يُصَلِّي قَدْ أَسْبَلَ فَقَالَ : الْمُسْبِل فِي الصَّلَاة لَيْسَ مِنْ اللَّه فِي حِلّ وَلَا حَرَام \" وَمِثْل هَذَا لَا يُقَال بِالرَّأْيِ , فَعَلَى هَذَا لَا مَانِع مِنْ حَمْل الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره , وَيَكُون مِنْ وَادِي ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه حَصَب جَهَنَّم ) , أَوْ يَكُون فِي الْوَعِيد لِمَا وَقَعَتْ بِهِ الْمَعْصِيَة إِشَارَة إِلَى أَنَّ الَّذِي يَتَعَاطَى الْمَعْصِيَة أَحَقّ بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي النَّار ) فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي يَعْقُوب وَهُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَعْقُوب \" سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَحْت الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْإِزَار فَفِي النَّار \" بِزِيَادَةِ فَاء , وَكَأَنَّهَا دَخَلَتْ لِتَضْمِينِ مَا مَعْنَى الشَّرْط أَيْ مَا دُون الْكَعْبَيْنِ مِنْ قَدَم صَاحِب الْإِزَار الْمُسْبَل فَهُوَ فِي النَّار عُقُوبَة لَهُ عَلَى فِعْله , وَلِلطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" كُلّ شَيْء جَاوَزَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْإِزَار فِي النَّار \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل رَفَعَهُ \" أَزِرَّة الْمُؤْمِن إِلَى أَنْصَاف السَّاقَيْنِ , وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَرَج فِيمَا بَيْنه وَبَيْن الْكَعْبَيْنِ , وَمَا أَسْفَل مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّار \" وَهَذَا الْإِطْلَاق مَحْمُول عَلَى مَا وَرَدَ مِنْ قَيْد الْخُيَلَاء , فَهُوَ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الْوَعِيد بِالِاتِّفَاقِ , وَأَمَّا مُجَرَّد الْإِسْبَال فَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَيُسْتَثْنَى مِنْ إِسْبَال الْإِزَار مُطْلَقًا مَا أَسْبَلَهُ لِضَرُورَةٍ كَمَنْ يَكُون بِكَعْبَيْهِ جُرْح مَثَلًا يُؤْذِيه الذُّبَاب مَثَلًا إِنْ لَمْ يَسْتُرهُ بِإِزَارِهِ حَيْثُ لَا يَجِد غَيْره , نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِإِذْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف فِي لُبْس الْقَمِيص الْحَرِير مِنْ أَجْل الْحَكَّة. وَالْجَامِع بَيْنهمَا جَوَاز تَعَاطِي مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ أَجْل الضَّرُورَة , كَمَا يَجُوز كَشْف الْعَوْرَة لِلتَّدَاوِي , وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا مِنْ الْوَعِيد فِي ذَلِكَ النِّسَاء كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5342",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" لَا يَنْظُر اللَّه إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَاره بَطَرًا \" وَمِثْله لِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْمَذْكُور قَرِيبًا. وَالْبَطَر بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَة مَفْتُوحَتَيْنِ قَالَ عِيَاض : جَاءَ فِي الرِّوَايَة \" بَطَرًا \" بِفَتْحِ الطَّاء عَلَى الْمَصْدَر وَبِكَسْرِهَا عَلَى الْحَال مِنْ فَاعِل جَرَّ أَيْ جَرَّهُ تَكَبُّرًا وَطُغْيَانًا , وَأَصْل الْبَطَر الطُّغْيَان عِنْد النِّعْمَة , وَاسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى التَّكَبُّر. وَقَالَ الرَّاغِب : أَصْل الْبَطَر دَهْش يَعْتَرِي الْمَرْء عِنْد هُجُوم النِّعْمَة عَنْ الْقِيَام بِحَقِّهَا. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَنْظُر اللَّه ) ‏ ‏أَيْ لَا يَرْحَمهُ , فَالنَّظَر إِذَا أُضِيفَ إِلَى اللَّه كَانَ مَجَازًا , وَإِذَا أُضِيفَ إِلَى الْمَخْلُوق كَانَ كِنَايَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد لَا يَنْظُر اللَّه إِلَيْهِ نَظَر رَحْمَة. وَقَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" عَبَّرَ عَنْ الْمَعْنَى الْكَائِن عِنْد النَّظَر بِالنَّظَرِ لِأَنَّ مَنْ نَظَرَ إِلَى مُتَوَاضِع رَحِمَهُ وَمَنْ نَظَرَ إِلَى مُتَكَبِّر مَقَتَهُ , فَالرَّحْمَة وَالْمَقْت مُتَسَبِّبَانِ عَنْ النَّظَر. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : نِسْبَة النَّظَر لِمَنْ يَجُوز عَلَيْهِ النَّظَر كِنَايَة , لِأَنَّ مَنْ اِعْتَدَّ بِالشَّخْصِ اِلْتَفَتَ إِلَيْهِ , ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى صَارَ عِبَارَة عَنْ الْإِحْسَان وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَظَر , وَلِمَنْ لَا يَجُوز عَلَيْهِ حَقِيقَة النَّظَر وَهُوَ تَقْلِيب الْحَدَقَة وَاَللَّه مُنَزَّه عَنْ ذَلِكَ , فَهُوَ بِمَعْنَى الْإِحْسَان مَجَاز عَمَّا وَقَعَ فِي حَقّ غَيْره كِنَايَة , ‏ ‏وَقَوْله : \" يَوْم الْقِيَامَة \" ‏ ‏إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ مَحَلّ الرَّحْمَة الْمُسْتَمِرَّة , بِخِلَافِ رَحْمَة الدُّنْيَا فَإِنَّهَا قَدْ تَنْقَطِع بِمَا يَتَجَدَّد مِنْ الْحَوَادِث. وَيُؤَيِّد مَا ذُكِرَ مِنْ حَمْل النَّظَر عَلَى الرَّحْمَة أَوْ الْمَقْت مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَصْله فِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي جُرَيّ \" إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلكُمْ لَبِسَ بُرْدَة فَتَبَخْتَرَ فِيهَا , فَنَظَرَ اللَّه إِلَيْهِ فَمَقَتَهُ , فَأَمَرَ الْأَرْض فَأَخَذَتْهُ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ ) ‏ ‏يَتَنَاوَل الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي الْوَعِيد الْمَذْكُور عَلَى هَذَا الْفِعْل الْمَخْصُوص , وَقَدْ فَهِمَتْ ذَلِكَ أُمّ سَلَمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا فَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر مُتَّصِلًا بِحَدِيثِهِ الْمَذْكُور فِي الْبَاب الْأَوَّل \" فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَة : فَكَيْف تَصْنَع النِّسَاء بِذُيُولِهِنَّ ؟ فَقَالَ : يُرْخِينَ شِبْرًا , فَقَالَتْ : إِذًا تَنْكَشِف أَقْدَامهنَّ ; قَالَ : فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ \" لَفْظ التِّرْمِذِيّ. وَقَدْ عَزَا بَعْضهمْ هَذِهِ الزِّيَادَة لِمُسْلِمٍ فَوَهَمَ , فَإِنَّهَا لَيْسَتْ عِنْده , وَكَأَنَّ مُسْلِمًا أَعْرَضَ عَنْ هَذِهِ الزِّيَادَة لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا عَلَى نَافِع , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ أُمّ سَلَمَة , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن نَافِع وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَيُّوب بْن مُوسَى وَمُحَمَّد بْن إِسْحَاق ثَلَاثَتهمْ عَنْ نَافِع عَنْ صَفِيَّة بِنْت أَبِي عُبَيْد عَنْ أُمّ سَلَمَة , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ نَافِع عَنْ أُمّ سَلَمَة نَفْسهَا وَفِيهِ اِخْتِلَافَات أُخْرَى , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة أَبِي الصِّدِّيق عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : \" رَخَّصَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ شِبْرًا , ثُمَّ اِسْتَزَدْنَهُ فَزَادَهُنَّ شِبْرًا , فَكُنَّ يُرْسِلْنَ إِلَيْنَا فَنَذْرَع لَهُنَّ ذِرَاعًا \" وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة قَدْر الذِّرَاع الْمَأْذُون فِيهِ وَأَنَّهُ شِبْرَانِ بِشِبْرِ الْيَد الْمُعْتَدِلَة , وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا الْفَهْم التَّعَقُّب عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ الْأَحَادِيث الْمُطْلَقَة فِي الزَّجْر عَنْ الْإِسْبَال مُقَيَّدَة بِالْأَحَادِيثِ الْأُخْرَى الْمُصَرِّحَة بِمَنْ فَعَلَهُ خُيَلَاء , قَالَ النَّوَوِيّ : ظَوَاهِر الْأَحَادِيث فِي تَقْيِيدهَا بِالْجَرِّ خُيَلَاء يَقْتَضِي أَنَّ التَّحْرِيم مُخْتَصّ بِالْخُيَلَاءِ , وَوَجْه التَّعَقُّب أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ فِي اِسْتِفْسَار أُمّ سَلَمَة عَنْ حُكْم النِّسَاء فِي جَرّ ذُيُولهنَّ مَعْنًى , بَلْ فَهِمَتْ الزَّجْر عَنْ الْإِسْبَال مُطْلَقًا سَوَاء كَانَ عَنْ مَخِيلَة أَمْ لَا , فَسَأَلَتْ عَنْ حُكْم النِّسَاء فِي ذَلِكَ لِاحْتِيَاجِهِنَّ إِلَى الْإِسْبَال مِنْ أَجْل سَتْر الْعَوْرَة , لِأَنَّ جَمِيع قَدَمهَا عَوْرَة , فَبَيَّنَ لَهَا أَنَّ حُكْمهنَّ فِي ذَلِكَ خَارِج عَنْ حُكْم الرِّجَال فِي هَذَا الْمَعْنَى فَقَطْ وَقَدْ نَقَلَ عِيَاض الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْمَنْع فِي حَقّ الرِّجَال دُون النِّسَاء , وَمُرَاده مَنْع الْإِسْبَال لِتَقْرِيرِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمّ سَلَمَة عَلَى فَهْمهَا. إِلَّا أَنَّهُ بَيَّنَ لَهَا أَنَّهُ عَامّ مَخْصُوص لِتَفْرِقَتِهِ فِي الْجَوَاب بَيْن الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي الْإِسْبَال , وَتَبْيِينه الْقَدْر الَّذِي يَمْنَع مَا بَعْده فِي حَقّهنَّ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَقّ الرِّجَال. وَالْحَاصِل أَنَّ لِلرِّجَالِ حَالَيْنِ : حَال اِسْتِحْبَاب , وَهُوَ أَنْ يَقْتَصِر بِالْإِزَارِ عَلَى نِصْف السَّاق وَحَال جَوَاز وَهُوَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. وَكَذَلِكَ لِلنِّسَاءِ حَالَانِ حَال اِسْتِحْبَاب وَهُوَ مَا يَزِيد عَلَى مَا هُوَ جَائِز لِلرِّجَالِ بِقَدْرِ الشِّبْر وَحَال جَوَاز بِقَدْرِ ذِرَاع. وَيُؤَيِّد هَذَا التَّفْصِيل فِي حَقّ النِّسَاء مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق مُعْتَمِر عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَرَ لِفَاطِمَة مِنْ عَقِبهَا شِبْرًا وَقَالَ : هَذَا ذَيْل الْمَرْأَة \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى بِلَفْظِ \" شَبَرَ مِنْ ذَيْلهَا شِبْرًا أَوْ شِبْرَيْنِ وَقَالَ لَا تَزِدْنَ عَلَى هَذَا \" وَلَمْ يُسَمِّ فَاطِمَة. قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ مُعْتَمِر عَنْ حُمَيْدٍ. قُلْت : و \" أَوْ \" شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَاَلَّذِي جَزَمَ بِالشِّبْرِ هُوَ الْمُعْتَمَد , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَرَ لِفَاطِمَة شِبْرًا \" وَيُسْتَنْبَط مِنْ سِيَاق الْأَحَادِيث أَنَّ التَّقْيِيد بِالْجَرِّ خَرَجَ لِلْغَالِبِ , وَأَنَّ الْبَطَر وَالتَّبَخْتُر مَذْمُوم وَلَوْ لِمَنْ شَمَّرَ ثَوْبه , وَاَلَّذِي يَجْتَمِع مِنْ الْأَدِلَّة أَنَّ مَنْ قَصَدَ بِالْمَلْبُوسِ الْحَسَن إِظْهَار نِعْمَة اللَّه عَلَيْهِ مُسْتَحْضِرًا لَهَا شَاكِرًا عَلَيْهَا غَيْر مُحْتَقِر لِمَنْ لَيْسَ لَهُ مِثْله لَا يَضُرّهُ مَا لَبِسَ مِنْ الْمُبَاحَات , وَلَوْ كَانَ فِي غَايَة النَّفَاسَة. فَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ اِبْن مَسْعُود \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَدْخُل الْجَنَّة مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ كِبْر , فَقَالَ رَجُل : إِنَّ الرَّجُل يُحِبّ أَنْ يَكُون ثَوْبه حَسَنًا وَنَعْله حَسَنَة , فَقَالَ. إِنَّ اللَّه جَمِيل يُحِبّ الْجَمَال , الْكِبْر بَطَر الْحَقّ وَغَمْط النَّاس \". وَقَوْله : \" وَغَمْط \" بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم ثُمَّ مُهْمَلَة : الِاحْتِقَار. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيث عَلِيّ \" إِنَّ الرَّجُل يُعْجِبهُ أَنْ يَكُون شِرَاك نَعْله أَجْوَد مِنْ شِرَاك صَاحِبه \" فَيَدْخُل فِي قَوْله تَعَالَى : ( تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْض ) الْآيَة فَقَدْ جَمَعَ الطَّبَرِيُّ بَيْنه وَبَيْن حَدِيث اِبْن مَسْعُود بِأَنَّ حَدِيث عَلِيّ مَحْمُول عَلَى مَنْ أَحَبَّ ذَلِكَ لِيَتَعَظَّم بِهِ عَلَى صَاحِبه , لَا مَنْ أَحَبَّ ذَلِكَ اِبْتِهَاجًا بِنِعْمَةِ اللَّه عَلَيْهِ , فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه رَفَعَهُ \" إِنَّ اللَّه يُحِبّ أَنْ يَرَى أَثَر نِعْمَته عَلَى عَبْده \" وَلَهُ شَاهِد عِنْد أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد , وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَبِي الْأَحْوَص عَوْف بْن مَالِك الْجُشَمِيّ عَنْ أَبِيهِ \" إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ وَرَآهُ رَثّ الثِّيَاب : إِذَا آتَاك اللَّه مَالًا فَلْيَرَ أَثَره عَلَيْك \" أَيْ بِأَنْ يَلْبَس ثِيَابًا تَلِيق بِحَالِهِ مِنْ النَّفَاسَة وَالنَّظَافَة لِيَعْرِفهُ الْمُحْتَاجُونَ لِلطَّلَبِ مِنْهُ , مَعَ مُرَاعَاة الْقَصْد وَتَرْك الْإِسْرَاف جَمْعًا بَيْن الْأَدِلَّة. ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : ‏ ‏الرَّجُل الَّذِي أُبْهِمَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود هُوَ سَوَاد بْن عَمْرو الْأَنْصَارِيّ , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقه , وَوَقَعَ ذَلِكَ لِجَمَاعَةٍ غَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "5343",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ قَالَ ‏ ‏أَبُو الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَمَا ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ ‏ ‏مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ ‏ ‏إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ ‏ ‏يَتَجَلْجَلُ ‏ ‏إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ قَالَ أَبُو الْقَاسِم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏شَكّ مِنْ آدَم شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة غُنْدَر وَغَيْره عَنْ شُعْبَة فَقَالُوا : عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة الرَّبِيع بْن مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَمَا رَجُل ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي رَافِع عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" مِمَّنْ كَانَ قَبْلكُمْ \" وَمِنْ ثَمَّ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل كَمَا مَضَى , وَخَفِيَ هَذَا عَلَى بَعْض الشُّرَّاح , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد وَأَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَنَس وَفِي رِوَايَتهمَا أَيْضًا \" مِمَّنْ كَانَ قَبْلكُمْ \" وَبِذَلِكَ جَزَمَ النَّوَوِيّ , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيق كُرَيْب قَالَ : \" كُنْت أَقُود اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : حَدَّثَنِي الْعَبَّاس قَالَ : بَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ رَجُل يَتَبَخْتَر بَيْن ثَوْبَيْنِ \" الْحَدِيث فَهُوَ ظَاهِر فِي أَنَّهُ وَقَعَ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَنَده ضَعِيف , وَالْأَوَّل صَحِيح , وَيُحْتَمَل التَّعَدُّد , أَوْ الْجَمْع بِأَنَّ الْمُرَاد مَنْ كَانَ قَبْل الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَأَبِي هُرَيْرَة , فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَأَبُو يَعْلَى وَأَصْله عِنْد أَحْمَد وَمُسْلِم \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْش أَتَى أَبَا هُرَيْرَة فِي حُلَّة يَتَبَخْتَر فِيهَا فَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَة إِنَّك تُكْثِر الْحَدِيث , فَهَلْ سَمِعْته يَقُول فِي حُلَّتِي هَذِهِ شَيْئًا ؟ فَقَالَ : وَاَللَّه إِنَّكُمْ لَتُؤْذُونَنَا , وَلَوْلَا مَا أَخَذَ اللَّه عَلَى أَهْل الْكِتَاب لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ , سَمِعْت \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره \" فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَانَ مِنْ قَوْمك \" وَذَكَرَ السُّهَيْلِيّ فِي \" مُبْهَمَات الْقُرْآن \" فِي سُورَة وَالصَّافَّات عَنْ الطَّبَرِيّ أَنَّ اِسْم الرَّجُل الْمَذْكُور الْهَيْزَن وَأَنَّهُ مِنْ أَعْرَاب فَارِس. قُلْت : وَهَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي التَّارِيخ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ شُعَيْب الْجِيَانِي وَجَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ فِي \" مَعَانِي الْأَخْبَار \" بِأَنَّهُ قَارُون , وَكَذَا ذَكَرَ الْجَوْهَرِيّ فِي \" الصِّحَاح \" وَكَأَنَّ الْمُسْتَنَد فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس بِسَنَدٍ ضَعِيف جِدًّا قَالَا \" خَطَبَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث الطَّوِيل وَفِيهِ \" وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَاخْتَالَ فِيهِ خُسِفَ بِهِ مِنْ شَفِير جَهَنَّم فَيَتَجَلْجَل فِيهَا \" لِأَنَّ قَارُون لَبِسَ حُلَّة فَاخْتَالَ فِيهَا فَخُسِفَ بِهِ الْأَرْض فَهُوَ يَتَجَلْجَل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ فِي التَّارِيخ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة قَالَ : \" ذَكَرَ لَنَا أَنَّهُ يُخْسَف بِقَارُون كُلّ يَوْم قَامَة , وَأَنَّهُ يَتَجَلْجَل فِيهَا لَا يَبْلُغ قَعْرهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \". ‏ ‏قَوْله : ( يَمْشِي فِي حُلَّة ) ‏ ‏الْحُلَّة ثَوْبَانِ أَحَدهمَا فَوْق الْآخَر , وَقِيلَ : إِزَار وَرِدَاء وَهُوَ الْأَشْهَر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَعْرَج وَهَمَّام جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" بَيْنَمَا رَجُل يَتَبَخْتَر فِي بُرْدَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( تُعْجِبهُ نَفْسه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الرَّبِيع بْن مُسْلِم \" فَأَعْجَبَتْهُ جُمَّته وَبُرْدَاهُ \" وَمِثْله لِأَحْمَد فِي رِوَايَة أَبِي رَافِع , وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" بَيْنَا رَجُل يَجُرّ إِزَاره \" هَكَذَا هُنَا , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل بِزِيَادَةِ \" مِنْ الْخُيَلَاء \" وَالِاقْتِصَار عَلَى الْإِزَار لَا يَدْفَع وُجُود الرِّدَاء , وَإِنَّمَا خُصَّ الْإِزَار بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَظْهَر بِهِ الْخُيَلَاء غَالِبًا. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد أَحْمَد وَأَنْسَ عِنْد أَبِي يَعْلَى \" خَرَجَ فِي بُرْدَيْنِ يَخْتَال فِيهِمَا \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِعْجَاب الْمَرْء بِنَفْسِهِ هُوَ مُلَاحَظَته لَهَا بِعَيْنِ الْكَمَال مَعَ نِسْيَان نِعْمَة اللَّه , فَإِنْ اِحْتَقَرَ غَيْره مَعَ ذَلِكَ فَهُوَ الْكِبْر الْمَذْمُوم. ‏ ‏قَوْله : ( مُرَجِّل ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْجِيم ‏ ‏( جُمَّته ) ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيم وَتَشْدِيد الْمِيم هِيَ مُجْتَمَع الشَّعْر إِذَا تَدَلَّى مِنْ الرَّأْس إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ وَإِلَى أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , وَأَمَّا الَّذِي لَا يَتَجَاوَز الْأُذُنَيْنِ فَهُوَ الْوَفْرَة , وَتَرْجِيل الشَّعْر تَسْرِيحه وَدَهْنه. ‏ ‏قَوْله : ( إِذْ خَسَفَ اللَّه بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" فَخَسَفَ اللَّه بِهِ الْأَرْض \" وَالْأَوَّل أَظْهَر فِي سُرْعَة وُقُوع ذَلِكَ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَهُوَ يَتَجَلْجَل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ) ‏ ‏فِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" فَهُوَ يَتَجَلْجَل فِي الْأَرْض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" وَفِي رِوَايَة الرَّبِيع بْن مُسْلِم عِنْد مُسْلِم \" فَهُوَ يَتَجَلْجَل فِي الْأَرْض حَتَّى تَقُوم السَّاعَة \" وَمِثْله فِي رِوَايَة أَبِي رَافِع , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد \" حَتَّى يَوْم الْقِيَامَة \" وَالتَّجَلْجُل بِجِيمَيْنِ التَّحَرُّك , وَقِيلَ : الْجَلْجَلَة الْحَرَكَة مَعَ صَوْت , وَقَالَ اِبْن دُرَيْد : كُلّ شَيْء خَلَطْت بَعْضه بِبَعْضٍ فَقَدْ جَلْجَلْته. وَقَالَ اِبْن فَارِس : التَّجَلْجُل أَنْ يَسُوخ فِي الْأَرْض مَعَ اِضْطِرَاب شَدِيد وَيَنْدَفِع مِنْ شِقّ إِلَى شِقّ , فَالْمَعْنَى يَتَجَلْجَل فِي الْأَرْض أَيْ يَنْزِل فِيهَا مُضْطَرِبًا مُتَدَافِعًا. وَحَكَى عِيَاض أَنَّهُ رُوِيَ \" يَتَجَلَّل \" بِجِيمٍ وَاحِدَة وَلَامَ ثَقِيلَة وَهُوَ بِمَعْنَى يَتَغَطَّى , أَيْ تُغَطِّيه الْأَرْض. وَحُكِيَ عَنْ بَعْض الرِّوَايَات أَيْضًا \" يَتَخَلْخَل \" بِخَاءَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ وَاسْتَبْعَدَهَا إِلَّا أَنْ يَكُون مِنْ قَوْلهمْ خَلْخَلْت الْعَظْم إِذَا أَخَذْت مَا عَلَيْهِ مِنْ اللَّحْم , وَجَاءَ فِي غَيْر الصَّحِيحَيْنِ \" يَتَحَلْحَل \" بِحَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ. قُلْت : وَالْكُلّ تَصْحِيف إِلَّا الْأَوَّل , وَمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْأَرْض لَا تَأْكُل جَسَد هَذَا الرَّجُل فَيُمْكِن أَنْ يُلْغَز بِهِ فَيُقَال : كَافِر لَا يَبْلَى جَسَده بَعْد الْمَوْت. ‏"
    },
    {
        "id": "5344",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏يَجُرُّ إِزَارَهُ إِذْ خُسِفَ بِهِ فَهُوَ ‏ ‏يَتَجَلَّلُ ‏ ‏فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَلَمْ يَرْفَعْهُ ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏جَرِيرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ مَعَ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَلَى بَابِ دَارِهِ ‏ ‏فَقَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ يُونُس ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن يَزِيد ‏ ‏( عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏وَرِوَايَته تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَة فِي أَوَاخِر ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يَرْفَعهُ شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي الْيَمَان عَنْهُ بِتَمَامِهِ وَلَفْظه \" جَرَّ إِزَاره مُسْبِلًا مِنْ الْخُيَلَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( وَهْب بْن جَرِير حَدَّثَنَا أَبِي ) ‏ ‏هُوَ جَرِير بْن أَبِي حَازِم بْن زَيْد الْأَزْدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَمّه جَرِير بْن زَيْد ) ‏ ‏هُوَ أَبُو سَلَمَة الْبَصْرِيّ قَالَهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيُّ , وَلَيْسَ لِجَرِيرِ بْن زَيْد فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ خَالَفَ فِيهِ الزُّهْرِيّ فَقَالَ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَالزُّهْرِيّ يَقُول \" عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ \" لَكِنْ قَوِيَ عِنْد الْبُخَارِيّ أَنَّهُ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَعًا لِشِدَّةِ إِتْقَان الزُّهْرِيِّ وَمَعْرِفَته بِحَدِيثِ سَالِم وَلِقَوْلِ جَرِير بْن زَيْد فِي رِوَايَته \" كُنْت مَعَ سَالِم عَلَى بَاب دَاره فَقَالَ : سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة \" فَإِنَّهَا قَرِينَة فِي أَنَّهُ حَفِظَ ذَلِكَ عَنْهُ. وَوَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن سَعِيد عَنْ وَهْب بْن جَرِير \" فَمَرَّ بِهِ شَابّ مِنْ قُرَيْش يَجُرّ إِزَاره فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَة \" وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُقَوِّي أَنَّ جَرِير بْن زَيْد ضَبَطَهُ , لِأَنَّ مِثْل هَذِهِ الْقِصَّة لِأَبِي هُرَيْرَة قَدْ رَوَاهَا أَبُو رَافِع عَنْهُ كَمَا قَدَّمْت أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهَا كَذَلِكَ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الزِّينَة مِنْ \" السُّنَن \" مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْ وَهْب بْن جَرِير بِهَذَا السَّنَد فَقَالَ فِي رِوَايَته \" عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَأَوْرَدَهُ اِبْن عَسَاكِر فِي تَرْجَمَة عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَهُوَ وَهْم نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمِزِّيّ , وَكَأَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَته تَصْحِيف \" اِبْن عَبْد اللَّه \" فَصَارَتْ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عِلِّيّه وَسَلَّمَ نَحْوه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم الْمَذْكُورَة \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول بَيْنَمَا رَجُل يَتَبَخْتَر فِي حُلَّة تُعْجِبهُ نَفْسه خَسَفَ اللَّه بِهِ الْأَرْض فَهُوَ يَتَجَلْجَل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "5345",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَبَابَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ لَقِيتُ ‏ ‏مُحَارِبَ بْنَ دِثَارٍ ‏ ‏عَلَى فَرَسٍ وَهُوَ يَأْتِي مَكَانَهُ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ‏ ‏فَحَدَّثَنِي فَقَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ ‏ ‏مَخِيلَةً ‏ ‏لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقُلْتُ ‏ ‏لِمُحَارِبٍ ‏ ‏أَذَكَرَ إِزَارَهُ قَالَ مَا خَصَّ إِزَارًا وَلَا قَمِيصًا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَقُدَامَةُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مُحَارِب ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَة وَزْن مُقَاتِل , وَدِثَار بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُثَلَّثَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَكَانه الَّذِي يَقْضِي فِيهِ ) ‏ ‏كَانَ مُحَارِب قَدْ وَلِيَ قَضَاء الْكُوفَة , قَالَ عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس الْأَوْدِيّ عَنْ أَبِيهِ \" رَأَيْت الْحَكَم وَحَمَّادًا فِي مَجْلِس قَضَائِهِ \" وَقَالَ سِمَاك بْن حَرْب \" كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة إِذَا كَانَ فِي الرَّجُل سِتّ خِصَال سَوَّدُوهُ : الْحِلْم وَالْعَقْل وَالسَّخَاء وَالشَّجَاعَة وَالْبَيَان وَالتَّوَاضُع , وَلَا يَكْمُلْنَ فِي الْإِسْلَام إِلَّا بِالْعَفَافِ , وَقَدْ اِجْتَمَعْنَ فِي هَذَا الرَّجُل \" يَعْنِي مُحَارِب بْن دِثَار , وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : لَعَلَّ رُكُوبه الْفَرَس كَانَ لِيَغِيظَ بِهِ الْكُفَّار وَيُرْهِب بِهِ الْعَدُوّ. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ رُكُوب الْخَيْل جَائِز فَلَا مَعْنَى لِلِاعْتِذَارِ عَنْهُ. قُلْت : لَكِنَّ الْمَشْي أَقْرَب إِلَى التَّوَاضُع , وَيُحْتَمَل أَنْ مَنْزِله كَانَ بَعِيدًا عَنْ مَنْزِل حُكْمه. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لِمُحَارِبٍ : أَذْكُر إِزَاره ؟ قَالَ : مَا خَصَّ إِزَارًا وَلَا قَمِيصًا ) ‏ ‏كَانَ سَبَب سُؤَال شُعْبَة عَنْ الْإِزَار أَنَّ أَكْثَر الطُّرُق جَاءَتْ بِلَفْظِ الْإِزَار , وَجَوَاب مُحَارَب حَاصِله أَنَّ التَّعْبِير بِالثَّوْبِ يَشْمَل الْإِزَار وَغَيْره , وَقَدْ جَاءَ التَّصْرِيح بِمَا اِقْتَضَاهُ ذَلِكَ , فَأَخْرَجَ أَصْحَاب السُّنَن إِلَّا التِّرْمِذِيّ وَاسْتَغْرَبَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي دَاوُدَ عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" الْإِسْبَال فِي الْإِزَار وَالْقَمِيص وَالْعِمَامَة مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاء \" الْحَدِيث كَحَدِيثِ الْبَاب. وَعَبْد الْعَزِيز فِيهِ مَقَال. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن أَبِي سُمَيَّة عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : \" مَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِزَار فَهُوَ فِي الْقَمِيص \" وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : إِنَّمَا وَرَدَ الْخَبَر بِلَفْظِ الْإِزَار لِأَنَّ أَكْثَر النَّاس فِي عَهْده كَانُوا يَلْبَسُونَ الْإِزَار وَالْأَرْدِيَة , فَلَمَّا لَبِسَ النَّاس الْقَمِيص وَالدَّرَارِيع كَانَ حُكْمهَا حُكْم الْإِزَار فِي النَّهْي. قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا قِيَاس صَحِيح لَوْ لَمْ يَأْتِ النَّصّ بِالثَّوْبِ , فَإِنَّهُ يَشْمَل جَمِيع ذَلِكَ , وَفِي تَصْوِير جَرّ الْعِمَامَة نَظَر , إِلَّا أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَا جَرَتْ بِهِ عَادَة الْعَرَب مِنْ إِرْخَاء الْعَذْبَات , فَمَهْمَا زَادَ عَلَى الْعَادَة فِي ذَلِكَ كَانَ مِنْ الْإِسْبَال. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث جَعْفَر بْن عَمْرو بْن أُمَيَّة عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" كَأَنِّي أَنْظُر السَّاعَة إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَر وَعَلَيْهِ عِمَامَة قَدْ أَرْخَى طَرَفهَا بَيْن كَتِفَيْهِ \" وَهَلْ يَدْخُل فِي الزَّجْر عَنْ جَرّ الثَّوْب تَطْوِيل أَكْمَام الْقَمِيص وَنَحْوه ؟ مَحَلّ نَظَر , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ مَنْ أَطَالَهَا حَتَّى خَرَجَ عَنْ الْعَادَة كَمَا يَفْعَلهُ بَعْض الْحِجَازِيِّينَ دَخَلَ فِي ذَلِكَ. قَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" مَا مَسَّ الْأَرْض مِنْهَا خُيَلَاء لَا شَكَّ فِي تَحْرِيمه. قَالَ : وَلَوْ قِيلَ بِتَحْرِيمِ مَا زَادَ عَلَى الْمُعْتَاد لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا , وَلَكِنْ حَدَثَ لِلنَّاسِ اِصْطِلَاح بِتَطْوِيلِهَا , وَصَارَ لِكُلِّ نَوْع مِنْ النَّاس شِعَار يُعْرَفُونَ بِهِ , وَمَهْمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْخُيَلَاء فَلَا شَكَّ فِي تَحْرِيمه , وَمَا كَانَ عَلَى طَرِيق الْعَادَة فَلَا تَحْرِيم فِيهِ مَا لَمْ يَصِل إِلَى جَرّ الذَّيْل الْمَمْنُوع. وَنَقُلْ عِيَاض عَنْ الْعُلَمَاء كَرَاهَة كُلّ مَا زَادَ عَلَى الْعَادَة وَعَلَى الْمُعْتَاد فِي اللِّبَاس مِنْ الطُّول وَالسَّعَة. قُلْت : وَسَأَذْكُرُ الْبَحْث فِيهِ قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ جِبِلَّة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَالْمُوَحَّدَة ‏ ‏( اِبْن سُحَيْم ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّر , وَقَدْ وَصَلَ رِوَايَته النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْهُ عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" مَنْ جَرَّ ثَوْبًا مِنْ ثِيَابه مِنْ مَخِيلَة فَإِنَّ اللَّه لَا يَنْظُر إِلَيْهِ \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ مُحَارِب بْن دِثَار وَجِبِلَّة بْن سُحَيْم جَمِيعًا عَنْ اِبْن عُمَر وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَيْد بْن أَسْلَمَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَّل اللِّبَاس. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَيْد بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر يَعْنِي تَابَعُوا مُحَارِب بْن دِثَار فِي رِوَايَته عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" الثَّوْب \" لَا بِلَفْظِ الْإِزَار , جَزَمَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَلَمْ تَقَع لِي رِوَايَة زَيْد مَوْصُولَة بَعْد. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عَوَانَة هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ عُمَر بْن مُحَمَّد بْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ \" إِنَّ الَّذِي يَجُرّ ثِيَابه مِنْ الْخُيَلَاء لَا يَنْظُر اللَّه إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة \" وَسَيَأْتِي لِمُسْلِمٍ مَقْرُونًا بِسَالِمٍ وَنَافِع , وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ عُمَر بْن مُحَمَّد بْن زَيْد عَنْ جَدّه حَدِيثًا آخَر. فَلَعَلَّ مُرَاده بِقَوْلِهِ هُنَا عَنْ أَبِيهِ جَدّه وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر مِثْله ) ‏ ‏وَصَلَهُ مُسْلِم عَنْ قُتَيْبَة عَنْهُ , وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه بَلْ قَالَ مِثْل حَدِيث مَالِك , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَة فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الثَّوْب , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَابَعَهُ مُوسَى بْن عُقْبَة وَعُمَر بْن مُحَمَّد وَقُدَامَة بْن مُوسَى عَنْ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ جَرَّ ثَوْبه خُيَلَاء ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة فَتَقَدَّمَتْ فِي أَوَّل الْبَاب الثَّانِي مِنْ كِتَاب اللِّبَاس , وَأَمَّا رِوَايَة عُمَر بْن مُحَمَّد وَهُوَ اِبْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر فَوَصَلَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب \" أَخْبَرَنِي عُمَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ وَسَالِم وَنَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" بِلَفْظِ \" الَّذِي يَجُرّ ثِيَابه مِنْ الْمَخِيلَة \" الْحَدِيث. وَأَمَّا رِوَايَة قُدَامَةَ بْن مُوسَى وَهُوَ اِبْن عُمَر بْن قُدَامَةَ بْن مَظْعُون الْجُمَحِيُّ وَهُوَ مَدَنِيّ تَابِعِيّ صَغِير وَكَانَ إِمَام الْمَسْجِد النَّبَوِيّ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع فَوَصَلَهَا أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه , وَوَقَعَتْ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي \" الثَّقَفِيَّات \" بِلَفْظِ حَدِيث مَالِك الْمَذْكُور أَوَّل كِتَاب اللِّبَاس. قُلْت : وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة حَنْظَلَة بْن أَبِي سُفْيَان عَنْ سَالِم , وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَة عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" مَنْ جَرَّ إِزَاره \" مِنْهُمْ مُسْلِم بْن يَنَاق بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَتَشْدِيد النُّون وَآخِره قَاف وَمُحَمَّد بْن عَبَّاد بْن جَعْفَر كِلَاهُمَا عِنْد مُسْلِم وَعَطِيَّة الْعُوفِيّ عِنْد اِبْن مَاجَهْ , وَرَوَاهُ آخَرُونَ بِلَفْظِ \" الْإِزَار \" وَالرِّوَايَة بِلَفْظِ \" الثَّوْب \" أَشْمَل وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّ إِسْبَال الْإِزَار لِلْخُيَلَاءِ كَبِيرَة , وَأَمَّا الْإِسْبَال لِغَيْرِ الْخُيَلَاء فَظَاهِر الْأَحَادِيث تَحْرِيمه أَيْضًا , لَكِنْ اُسْتُدِلَّ بِالتَّقْيِيدِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث بِالْخُيَلَاءِ عَلَى أَنَّ الْإِطْلَاق فِي الزَّجْر الْوَارِد فِي ذَمّ الْإِسْبَال مَحْمُول عَلَى الْمُقَيَّد هُنَا , فَلَا يَحْرُم الْجَرّ وَالْإِسْبَال إِذَا سَلِمَ مِنْ الْخُيَلَاء. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : مَفْهُومه أَنَّ الْجَرّ لِغَيْرِ الْخُيَلَاء لَا يَلْحَقهُ الْوَعِيد , إِلَّا أَنَّ جَرّ الْقَمِيص وَغَيْره مِنْ الثِّيَاب مَذْمُوم عَلَى كُلّ حَال. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْإِسْبَال تَحْت الْكَعْبَيْنِ لِلْخُيَلَاءِ , فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهَا فَهُوَ مَكْرُوه , وَهَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيّ عَلَى الْفَرْق بَيْن الْجَرّ لِلْخُيَلَاءِ وَلِغَيْرِ الْخُيَلَاء , قَالَ : وَالْمُسْتَحَبّ أَنْ يَكُون الْإِزَار إِلَى نِصْف السَّاق , وَالْجَائِز بِلَا كَرَاهَة مَا تَحْته إِلَى الْكَعْبَيْنِ , وَمَا نَزَلَ عَنْ الْكَعْبَيْنِ مَمْنُوع مَنْع تَحْرِيم إِنْ كَانَ لِلْخُيَلَاءِ وَإِلَّا فَمَنْع تَنْزِيه , لِأَنَّ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الزَّجْر عَنْ الْإِسْبَال مُطْلَقَة فَيَجِب تَقْيِيدهَا بِالْإِسْبَالِ لِلْخُيَلَاءِ اِنْتَهَى. وَالنَّصّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ذَكَرَهُ الْبُوَيْطِيّ فِي مُخْتَصَره عَنْ الشَّافِعِيّ قَالَ : لَا يَجُوز السَّدْل فِي الصَّلَاة وَلَا فِي غَيْرهَا لِلْخُيَلَاءِ , وَلِغَيْرِهَا خَفِيف لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْر ا ه , وَقَوْله : \" خَفِيف \" لَيْسَ صَرِيحًا فِي نَفْي التَّحْرِيم بَلْ هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْجَرِّ خُيَلَاء , فَأَمَّا لِغَيْرِ الْخُيَلَاء فَيَخْتَلِف الْحَال , فَإِنْ كَانَ الثَّوْب عَلَى قَدْر لَابِسه لَكِنَّهُ يَسْدُلهُ فَهَذَا لَا يَظْهَر فِيهِ تَحْرِيم , وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ عَنْ غَيْر قَصْد كَاَلَّذِي وَقَعَ لِأَبِي بَكْر , وَإِنْ كَانَ الثَّوْب زَائِدًا عَلَى قَدْر لَابِسه فَهَذَا قَدْ يُتَّجَه الْمَنْع فِيهِ مِنْ جِهَة الْإِسْرَاف فَيَنْتَهِي إِلَى التَّحْرِيم , وَقَدْ يُتَّجَه الْمَنْع فِيهِ مِنْ جِهَة التَّشَبُّه بِالنِّسَاءِ وَهُوَ أَمْكَن فِيهِ مِنْ الْأَوَّل , وَقَدْ صَحَّحَ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ الرَّجُل يَلْبَس لِبْسَة الْمَرْأَة \" وَقَدْ يُتَّجَه الْمَنْع فِيهِ مِنْ جِهَة أَنَّ لَابِسه لَا يَأْمَن مِنْ تَعَلُّق النَّجَاسَة بِهِ , وَإِلَى ذَلِكَ يُشِير الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ فِي \" الشَّمَائِل \" وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَشْعَث بْن أَبِي الشَّعْثَاء - وَاسْم أَبِيهِ سُلَيْم - الْمُحَارِبِيّ عَنْ عَمَّته وَاسْمهَا رُهْم بِضَمِّ الرَّاء وَسُكُون الْهَاء وَهِيَ بِنْت الْأَسْوَد بْن حَنْظَلَة عَنْ عَمّهَا وَاسْمه عُبَيْد بْن خَالِد قَالَ : \" كُنْت أَمْشِي وَعَلَيَّ بُرْد أَجُرّهُ , فَقَالَ لِي رَجُل : اِرْفَعْ ثَوْبك فَإِنَّهُ أَنْقَى وَأَبْقَى , فَنَظَرْت فَإِذَا هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقُلْت : إِنَّمَا هِيَ بُرْدَة مَلْحَاء , فَقَالَ : أَمَا لَك فِيَّ أُسْوَة ؟ قَالَ : فَنَظَرْت فَإِذَا إِزَاره إِلَى أَنْصَاف سَاقَيْهِ \" وَسَنَده قَبْلهَا جَيِّد , وَقَوْله : \" مَلْحَاء \" بِفَتْحِ الْمِيم وَبِمُهْمَلَةٍ قَبْلهَا سُكُون مَمْدُودَة أَيْ فِيهَا خُطُوط سُود وَبِيض , وَفِي قِصَّة قَتْل عُمَر أَنَّهُ قَالَ لِلشَّابِّ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ \" اِرْفَعْ ثَوْبك فَإِنَّهُ أَنْقَى لِثَوْبِك وَأَتْقَى لِرَبِّك \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب , وَيُتَّجَه الْمَنْع أَيْضًا فِي الْإِسْبَال مِنْ جِهَة أُخْرَى وَهِيَ كَوْنه مَظِنَّة الْخُيَلَاء , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لَا يَجُوز لِلرَّجُلِ أَنْ يُجَاوِز بِثَوْبِهِ كَعْبه , وَيَقُول لَا أَجُرّهُ خُيَلَاء , لِأَنَّ النَّهْي قَدْ تَنَاوَلَهُ لَفْظًا , وَلَا يَجُوز لِمَنْ تَنَاوَلَهُ اللَّفْظ حُكْمًا أَنْ يَقُول لَا أَمْتَثِلهُ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِلَّة لَيْسَتْ فِيَّ , فَإِنَّهَا دَعْوَى غَيْر مُسَلَّمَة , بَلْ إِطَالَته ذَيْله دَالَّة عَلَى تَكَبُّره ا ه مُلَخَّصًا. وَحَاصِله أَنَّ الْإِسْبَال يَسْتَلْزِم جَرّ الثَّوْب وَجَرّ الثَّوْب يَسْتَلْزِم الْخُيَلَاء وَلَوْ لَمْ يَقْصِد اللَّابِس الْخُيَلَاء , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد بْن مَنِيع مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر فِي أَثْنَاء حَدِيث رَفَعَهُ \" وَإِيَّاكَ وَجَرّ الْإِزَار فَإِنَّ جَرّ الْإِزَار مِنْ الْمَخِيلَة \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ \" بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ لَحِقَنَا عَمْرو بْن زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيّ فِي حُلَّة إِزَار وَرِدَاء قَدْ أَسْبَلَ , فَجَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذ بِنَاحِيَةِ ثَوْبه وَيَتَوَاضَع لِلَّهِ وَيَقُول : عَبْدك وَابْن عَبْدك وَأَمَتك , حَتَّى سَمِعَهَا عَمْرو فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي حَمْش السَّاقَيْنِ , فَقَالَ : يَا عَمْرو إِنَّ اللَّه قَدْ أَحْسَنَ كُلّ شَيْء خَلَقَهُ , يَا عَمْرو إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْمُسْبِل \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث عَمْرو نَفْسه لَكِنْ قَالَ فِي رِوَايَته \" عَنْ عَمْرو بْن فُلَان \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا فَقَالَ : \" عَنْ عَمْرو بْن زُرَارَةَ \" وَفِيهِ \" وَضَرَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْبَعِ أَصَابِع تَحْت رُكْبَة عَمْرو فَقَالَ : يَا عَمْرو هَذَا مَوْضِع الْإِزَار , ثُمَّ ضَرَبَ بِأَرْبَعِ أَصَابِع تَحْت الْأَرْبَع فَقَالَ : يَا عَمْرو هَذَا مَوْضِع الْإِزَار \" الْحَدِيث وَرِجَاله ثِقَات وَظَاهِره أَنَّ عَمْرًا الْمَذْكُور لَمْ يَقْصِد بِإِسْبَالِهِ الْخُيَلَاء , وَقَدْ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَظِنَّة , وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث الشَّرِيد الثَّقَفِيّ قَالَ : \" أَبْصَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا قَدْ أَسْبَلَ إِزَاره فَقَالَ : اِرْفَعْ إِزَارك , فَقَالَ : إِنِّي أَحْنَف تَصْطَكّ رُكْبَتَايَ , قَالَ : اِرْفَعْ إِزَارك , فَكُلّ خَلْق اللَّه حَسَن \" وَأَخْرَجَهُ مُسَدِّد وَأَبُو بِكْر بْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طُرُق عَنْ رَجُل مِنْ ثَقِيف لَمْ يُسَمَّ , وَفِي آخِره \" ذَاكَ أَقْبَح مِمَّا بِسَاقِك \" وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن مَسْعُود بِسَنَدٍ جَيِّد \" أَنَّهُ كَانَ يُسْبِل إِزَاره , فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : إِنِّي حَمْش السَّاقَيْنِ \" فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ أَسْبَلَهُ زِيَادَة عَلَى الْمُسْتَحَبّ , وَهُوَ أَنْ يَكُون إِلَى نِصْف السَّاق , وَلَا يُظَنّ بِهِ أَنَّهُ جَاوَزَ بِهِ الْكَعْبَيْنِ وَالتَّعْلِيل يُرْشِد إِلَيْهِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ لَمْ تَبْلُغهُ قِصَّة عَمْرو بْن زُرَارَةَ وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِرِدَاءِ سُفْيَان بْن سُهَيْل وَهُوَ يَقُول : يَا سُفْيَان لَا تُسْبِل , فَإِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْمُسْبِلِينَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5346",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏جَاءَتْ ‏ ‏امْرَأَةُ ‏ ‏رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا جَالِسَةٌ وَعِنْدَهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ تَحْتَ ‏ ‏رِفَاعَةَ ‏ ‏فَطَلَّقَنِي ‏ ‏فَبَتَّ طَلَاقِي ‏ ‏فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا مِثْلُ هَذِهِ ‏ ‏الْهُدْبَةِ ‏ ‏وَأَخَذَتْ ‏ ‏هُدْبَةً ‏ ‏مِنْ جِلْبَابِهَا فَسَمِعَ ‏ ‏خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَوْلَهَا وَهُوَ بِالْبَابِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ قَالَتْ فَقَالَ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏أَلَا تَنْهَى هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَا وَاللَّهِ مَا يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى التَّبَسُّمِ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى ‏ ‏رِفَاعَةَ ‏ ‏لَا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ‏ ‏فَصَارَ سُنَّةً بَعْدُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة اِمْرَأَة رِفَاعَة , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْلهَا : \" مَا مَعَهُ إِلَّا مِثْل الْهُدْبَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الطَّلَاق , وَالْمُرَاد بِالْهُدْبَةِ الْخُصْلَة مِنْ الْهُدْب وَوَقَعَ فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث مَرْفُوع أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي جُرَيّ جَابِر بْن سُلَيْمٍ قَالَ : \" أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْتَبٍ بِشَمْلَةٍ , وَقَدْ وَقَعَ هُدْبهَا عَلَى قَدَمَيْهِ \" ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِر هَذِهِ الطَّرِيق : \" فَصَارَ سُنَّة بَعْده \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بَعْد \" بِغَيْرِ ضَمِير , وَهُوَ مِنْ قَوْل الزُّهْرِيِّ فِيمَا أَحْسَب. ‏"
    },
    {
        "id": "5347",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَدَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِرِدَائِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا ‏ ‏وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ‏ ‏حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ ‏ ‏حَمْزَةُ ‏ ‏فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنُوا لَهُمْ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيث عَلِيّ قَالَ : \" فَدَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِدَائِهِ فَارْتَدَى \" وَهُوَ طَرَف مِنْ حَدِيثه فِي قِصَّة حَمْزَة وَالشَّارِفِينَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي فَرْض الْخَمْس , ‏ ‏وَقَوْله : \" فَدَعَا \" ‏ ‏عَطْف عَلَى مَا ذُكِرَ فِي أَوَّل الْحَدِيث وَهُوَ قَوْل عَلِيّ \" كَانَ لِي شَارِف مِنْ نَصِيبِي مِنْ الْمَغْنَم يَوْم بَدْر \" الْحَدِيث بِطُولِهِ ‏ ‏وَقَوْله هُنَا : \" فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنُوا لَهُمْ \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْجَمْع وَالْمُرَاد حَمْزَة وَمَنْ مَعَهُ , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" فَأَذِنَ \" بِالْإِفْرَادِ وَالْمُرَاد حَمْزَة لِكَوْنِهِ كَانَ كَبِير الْقَوْم. ‏"
    },
    {
        "id": "5348",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا ‏ ‏الْبُرْنُسَ ‏ ‏وَلَا الْخُفَّيْنِ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ مَا هُوَ أَسْفَلُ مِنْ الْكَعْبَيْنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِيمَا يَلْبَس الْمُحْرِم مِنْ الثِّيَاب , وَقَدْ مَضَى شَرْحه فِي الْحَجّ مُسْتَوْفًى , وَفِيهِ \" لَا يَلْبَس الْمُحْرِم الْقَمِيص \" وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى وُجُود الْقُمْصَان حِينَئِذٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "5349",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ‏ ‏بَعْدَ مَا أُدْخِلَ قَبْرَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ وَوُضِعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْمَرْوَزِيُّ الْمُلَقَّب عَبْدَان , زَادَ الْقَابِسِيّ \" عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن مُحَمَّد \" وَهُوَ تَحْرِيف , وَلَيْسَ فِي شُيُوخ الْبُخَارِيّ مَنْ اِسْمه عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان إِلَّا عَبْدَان , وَجَدّه هُوَ جِبِلَّة بْن أَبِي رَوَّادٍ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ \" عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد \" فَإِنْ كَانَ ضَبَطَهُ فَلَعَلَّهُ اِخْتِلَاف عَلَى الْبُخَارِيّ , وَفِي شُيُوخه عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الْجُعْفِيُّ وَهُوَ أَشْهَرهمْ وَابْن أَبِي شَيْبَة , وَأَكْثَر مَا يَجِيء أَبُوهُ عِنْده غَيْر مُسَمَّى , وَابْن أَبِي الْأَسْوَد كَذَلِكَ , وَعَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَسْمَاء وَلَيْسَتْ لَهُ رِوَايَة عِنْده عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَعَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد النُّفَيْلِيّ كَذَلِكَ , وَقَدْ مَضَى شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة بَرَاءَة أَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا إِلَى قَوْله : \" وَأَلْبَسَهُ قَمِيصه \" فَاَللَّه أَعْلَم. وَهَذِهِ الْكَلِمَة الْأَخِيرَة مِنْ جُمْلَة الْحَدِيث قَالَهَا جَابِر , وَقَدْ وَقَعَتْ فِي كَلَام عُمَر أَيْضًا فِي هَذِهِ الْقِصَّة كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير بَرَاءَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5350",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا تُوُفِّيَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ‏ ‏جَاءَ ابْنُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ وَقَالَ ‏ ‏إِذَا فَرَغْتَ مِنْهُ فَآذِنَّا فَلَمَّا فَرَغَ آذَنَهُ بِهِ فَجَاءَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَجَذَبَهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَالَ أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ ‏ { ‏اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ‏} ‏فَنَزَلَتْ ‏ { ‏وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ‏} ‏فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصَّة عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَيْضًا وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه أَيْضًا. ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لَمْ أَرَ لِلْقَمِيصِ ذِكْرًا صَحِيحًا إِلَّا فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة وَقِصَّة اِبْن أُبَيِّ وَلَمْ أَرَ لَهُمَا ثَالِثًا فِيمَا يَتَعَلَّق بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ هَذَا فِي كِتَابه \" سِرَاج الْمُرِيدِينَ \" وَكَأَنَّهُ صَنَّفَهُ قَبْل \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" فَلَمْ يَسْتَحْضِر حَدِيث أُمّ سَلَمَة وَلَا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَبِسَ قَمِيصًا بَدَأَ بِمَيَامِنِهِ \" وَلَا حَدِيث أَسْمَاء بُنْت يَزِيد \" كَانَتْ يَد كُمّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الرُّسْغ \" وَلَا حَدِيث مُعَاوِيَة بْن قُرَّة بْن إِيَاس الْمُزَنِيِّ \" حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْط مِنْ مُزَيْنَةَ فَبَايَعْنَاهُ وَإِنَّ قَمِيصه لَمُطْلَق , فَبَايَعْته , ثُمَّ أَدْخَلْت يَدِي فِي جَيْب قَمِيصه فَمَسِسْت الْخَاتَم \" وَلَا حَدِيث أَبِي سَعِيد \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اِسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ قَمِيصًا أَوْ عِمَامَة أَوْ رِدَاء ثُمَّ يَقُول : اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد \" وَكُلّهَا فِي السُّنَن , وَأَكْثَرهَا فِي التِّرْمِذِيّ , وَفِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث عَائِشَة \" كُفِّنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَمْسَة أَثْوَاب لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة \" وَحَدِيث أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف فِي قَمِيص الْحَرِير لِحَكَّةٍ كَانَتْ بِهِ \" وَحَدِيث اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" لَا يَلْبَس الْمُحْرِم الْقَمِيص وَلَا الْعَمَائِم \" الْحَدِيث وَغَيْر ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5351",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدْ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدِيِّهِمَا ‏ ‏وَتَرَاقِيهِمَا ‏ ‏فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ حَتَّى تَغْشَى ‏ ‏أَنَامِلَهُ ‏ ‏وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ ‏ ‏قَلَصَتْ ‏ ‏وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ بِمَكَانِهَا قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا فِي جَيْبِهِ فَلَوْ رَأَيْتَهُ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَوَسَّعُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏وَأَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏فِي الْجُبَّتَيْنِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَنْظَلَةُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏طَاوُسًا ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ جُبَّتَانِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ حَيَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏جُبَّتَانِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِثْل الْبَخِيل وَالْمُتَصَدِّق , وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الزَّكَاة , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" مَادَتْ \" بِتَخْفِيفِ الدَّال أَيْ مَالَتْ , وَلِبَعْضِ الرُّوَاة \" مَارَتْ \" بِالرَّاءِ بَدَل الدَّال أَيْ سَالَتْ ‏ ‏وَقَوْله : \" ثَدْيهمَا \" ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة عَلَى الْجَمْع وَبِفَتْحِهَا عَلَى التَّثْنِيَة , ‏ ‏وَقَوْله : \" يُغْشَى \" ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَالتَّشْدِيد وَيَجُوز فَتْح أَوَّل وَسُكُون ثَانِيه بِمَعْنَى , ‏ ‏وَعَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏وَأَبُو عَامِر ‏ ‏هُوَ الْقُعْدِيّ ‏ ‏وَالْحَسَن ‏ ‏هُوَ اِبْن مُسْلِم بْن يَنَاق وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْط اِسْم جَدّه قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَرَاقِيهمَا ) ‏ ‏جَمْع تَرْقُوَة بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَضَمّ الْقَاف هِيَ الْعَظْم الَّذِي بَيْن ثُغْرَة النَّحْر وَالْعَاتِق , وَقَالَ ثَابِت بْن قَاسِم فِي \" الدَّلَائِل \" التَّرْقُوَتَانِ الْعَظْمَاتُ الْمُشْرِفَانِ فِي أَعْلَى الصَّدْر إِلَى طَرَف ثُغْرَة النَّحْر. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَوْ رَأَيْته ) ‏ ‏جَوَابه مَحْذُوف وَتَقْدِيره لَتَعَجَّبْت مِنْهُ , أَوْ هُوَ لِلتَّمَنِّي. وَالْأَوَّل أَوْضَح. ‏ ‏قَوْله : ‏ ‏( يَقُول بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا فِي جَيْبه ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْجِيم وَهُوَ الْمُوَافِق لِلتَّرْجَمَةِ , وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسْلِم وَعَلَيْهِ اِقْتَصَرَ الْحُمَيْدِيُّ , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ وَحْده بِضَمِّ الْجِيم وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُثَنَّاة ثُمَّ ضَمِير , وَالْأَوَّل أَوْلَى لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْمَوْضِع بِخُصُوصِهِ بِخِلَافِ الثَّانِي. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ اِبْن طَاوُسٍ ) ‏ ‏يَعْنِي عَبْد اللَّه ‏ ‏( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي الزَّكَاة , وَلَمْ يَسُقْهُ بِتَمَامِهِ فِيهِ بَلْ سَاقَهُ فِي الْجِهَاد. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْجُبَّتَيْنِ ) ‏ ‏يَعْنِي بِالْمُوَحَّدَةِ وَقَدْ بَيَّنْت اِخْتِلَاف الرُّوَاة فِي ذَلِكَ هَلْ هُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ أَوْ النُّون فِي كِتَاب الزَّكَاة , وَرِوَايَة أَبِي الزِّنَاد وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الزَّكَاة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ حَنْظَلَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي سُفْيَان , وَقَدْ سَبَقَ الْقَوْل فِيهِ أَيْضًا فِي الزَّكَاة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ جَعْفَر بْن رَبِيعَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ الصَّوَاب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ : وَقَالَ جَعْفَر بْن حِبَّان وَكَذَا وَقَعَ عِنْد اِبْن بَطَّال وَهُوَ خَطَأ , وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي الزَّكَاة أَيْضًا تَعْلِيقًا بِزِيَادَةٍ فَقَالَ : \" وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي جَعْفَر \" وَبَيَّنْت هُنَاكَ أَنَّ لِلَّيْثِ فِيهِ إِسْنَادًا آخَر مِنْ رِوَايَة عِيسَى بْن حَمَّاد عَنْهُ عَنْ مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ أَبِي الزِّنَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "5352",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو الضُّحَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَسْرُوقٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْطَلَقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِحَاجَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ فَتَلَقَّيْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ فَكَانَا ضَيِّقَيْنِ فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَهُمَا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَعَلَى خُفَّيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْمُغِيرَة فِي مَسْح الْخُفَّيْنِ , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الطَّهَارَة وَفِيهِ الْقِصَّة الْمَذْكُورَة , ‏ ‏وَفِيهِ : \" وَعَلَيْهِ جُبَّة شَامِيَّة \" ‏ ‏وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الْيَاء وَيَجُوز تَخْفِيفهَا , وَعَبْد الْوَاحِد الْمَذْكُور فِي سَنَده هُوَ اِبْن زِيَاد , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْت بَدَنه \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَالْمُهْمَلَة بَعْدهَا نُون أَيْ جُبَّته , وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن , وَالْبَدَن دِرْع ضَيِّقَة الْكُمَّيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5353",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي سَفَرٍ فَقَالَ أَمَعَكَ مَاءٌ قُلْتُ نَعَمْ فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَشَى حَتَّى ‏ ‏تَوَارَى ‏ ‏عَنِّي فِي سَوَادِ اللَّيْلِ ثُمَّ جَاءَ فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ ‏ ‏الْإِدَاوَةَ ‏ ‏فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ دَعْهُمَا ‏ ‏فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏زَكَرِيَّا ‏ ‏الْمَذْكُور فِيهِ هُوَ اِبْن أَبِي زَائِدَة ‏ ‏وَعَامِر ‏ ‏هُوَ الشَّعْبِيّ , قَالَ اِبْن بَطَّال : كَرِهَ مَالِك لُبْس الصُّوف لِمَنْ يَجِد غَيْره لِمَا فِيهِ مِنْ الشُّهْرَة بِالزُّهْدِ لِأَنَّ إِخْفَاء الْعَمَل أَوْلَى , قَالَ وَلَمْ يَنْحَصِر التَّوَاضُع فِي لُبْسه بَلْ فِي الْقُطْن وَغَيْره مَا هُوَ بِدُونِ ثَمَنه. ‏"
    },
    {
        "id": "5354",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَقْبِيَةً ‏ ‏وَلَمْ يُعْطِ ‏ ‏مَخْرَمَةَ ‏ ‏شَيْئًا فَقَالَ ‏ ‏مَخْرَمَةُ ‏ ‏يَا بُنَيِّ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَقَالَ ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي قَالَ فَدَعَوْتُهُ لَهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ ‏ ‏قَبَاءٌ ‏ ‏مِنْهَا فَقَالَ ‏ ‏خَبَأْتُ هَذَا لَكَ قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَضِيَ ‏ ‏مَخْرَمَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ أَبِي النَّضْر هَاشِم عَنْ اللَّيْث حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة وَسَيَأْتِي كَذَلِكَ فِي \" بَاب الْمَزْرُور بِالذَّهَبِ \" مُعَلَّقًا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ ) ‏ ‏هَكَذَا أَسْنَدَهُ اللَّيْث , وَتَابَعَهُ حَاتِم بْن وَرْدَان عَنْ أَيُّوب عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَلَى وَصْله كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَات , وَأَرْسَلَهُ حَمَّاد بْن زَيْد كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْخَمْس , وَإِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَب , كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوب , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي \" بَاب قِسْمَة الْإِمَام مَا يُقَدَّم عَلَيْهِ \" مِنْ كِتَاب الْخَمْس. ‏ ‏قَوْله : ( قَسَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبِيَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَاتِم قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبِيَة وَفِي رِوَايَة حَمَّاد \" أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبِيَة مِنْ دِيبَاج مَزْرُورَة بِالذَّهَبِ فَقَسَمَهَا فِي نَاس مِنْ أَصْحَابه \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا ) ‏ ‏أَيْ فِي حَال تِلْكَ الْقِسْمَة. وَإِلَّا فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ مِنْ أَصْحَابه \" وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا لِمَخْرَمَة \" وَمَخْرَمَة هُوَ وَالِد الْمِسْوَر , وَهُوَ اِبْن نَوْفَل الزُّهْرِيُّ , كَانَ مِنْ رُؤَسَاء قُرَيْش وَمِنْ الْعَارِفِينَ بِالنَّسَبِ وَأَنْصَاب الْحَرَم , وَتَأَخَّرَ إِسْلَامه إِلَى الْفَتْح , وَشَهِدَ حُنَيْنًا وَأَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْغَنِيمَة مَعَ الْمُؤَلَّفَة , وَمَاتَ سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ وَهُوَ اِبْن مِائَة وَخَمْس عَشْرَة سَنَة ذَكَرَهُ اِبْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( اِنْطَلَقَ بِنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَاتِم \" عَسَى أَنْ يُعْطِينَا مِنْهَا شَيْئًا \". ‏ ‏قَوْله : ( اُدْخُلْ فَادْعُهُ لِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَاتِم \" فَقَامَ أَبِي عَلَى الْبَاب فَتَكَلَّمَ فَعَرَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْته \" قَالَ اِبْن التِّين : لَعَلَّ خُرُوج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد سَمَاع صَوْت مَخْرَمَةَ صَادَفَ دُخُول الْمِسْوَر إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاء مِنْهَا ) ‏ ‏ظَاهِره اِسْتِعْمَال الْحَرِير , قِيلَ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون قَبْل النَّهْي , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ نَشَرَهُ عَلَى أَكْتَافه لِيَرَاهُ مَخْرَمَة كُلّه وَلَمْ يَقْصِد لُبْسه. قُلْت : وَلَا يَتَعَيَّن كَوْنه عَلَى أَكْتَافه بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُون مَنْشُورًا عَلَى يَدَيْهِ فَيَكُون قَوْله عَلَيْهِ مِنْ إِطْلَاق الْكُلّ عَلَى الْبَعْض , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة حَاتِم \" فَخَرَجَ وَمَعَهُ قَبَاء وَهُوَ يُرِيه مَحَاسِنه \" وَفِي رِوَايَة حَمَّاد \" فَتَلَقَّاهُ بِهِ وَاسْتَقْبَلَهُ بِأَزْرَارِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( خَبَّأْت هَذَا لَك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَاتِم تَكْرَار ذَلِكَ , زَادَ فِي رِوَايَة حَمَّاد \" يَا أَبَا الْمِسْوَر \" هَكَذَا دَعَاهُ أَبَا الْمِسْوَر وَكَأَنَّهُ عَلَى سَبِيل التَّأْنِيس لَهُ بِذِكْرِ وَلَده الَّذِي جَاءَ صُحْبَته , وَإِلَّا فَكُنْيَته فِي الْأَصْل أَبُو صَفْوَان وَهُوَ أَكْبَر أَوْلَاده , ذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَضِيَ مَخْرَمَة ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة هَاشِم \" فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ \" , وَجَزَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ قَوْله : \" رَضِيَ مَخْرَمَة \" مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ رَجَّحْت فِي الْهِبَة أَنَّهُ مِنْ كَلَام مَخْرَمَة , زَادَ حَمَّاد فِي آخِر الْحَدِيث \" وَكَانَ فِي خُلُقه شِدَّة \" قَالَ اِبْن بَطَّال : يُسْتَفَاد مِنْهُ اِسْتِئْلَاف أَهْل اللَّسَن وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ بِالْعَطِيَّةِ وَالْكَلَام الطَّيِّب , وَفِيهِ الِاكْتِفَاء فِي الْهِبَة بِالْقَبْضِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ , وَتَقَدَّمَ فِي كِتَاب الشَّهَادَات الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى جَوَاز شَهَادَة الْأَعْمَى لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ صَوْت مَخْرَمَة فَاعْتَمَدَ عَلَى مَعْرِفَته بِهِ , وَخَرَجَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ الْقَبَاء الَّذِي خَبَّأَهُ لَهُ , وَاسْتَنْبَطَ بَعْض الْمَالِكِيَّة مِنْهُ جَوَاز الشَّهَادَة عَلَى الْخَطّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْخُطُوط تَشْتَبِه أَكْثَر مِمَّا تَشْتَبِه الْأَصْوَات , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَقِيَّة مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ فِي الشَّهَادَات , وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمِسْوَر لَا صُحْبَة لَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5355",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرُّوجُ ‏ ‏حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اللَّيْثِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏غَيْرُهُ ‏ ‏فَرُّوجٌ حَرِيرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ حَجَّاج هُوَ اِبْن مُحَمَّد , وَهَاشِم هُوَ اِبْن الْقَاسِم عَنْ اللَّيْث \" حَدَّثَنِي يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي الْخَيْر ) ‏ ‏هُوَ مَرْثَد بْن عَبْد اللَّه الْيَزْنِيّ وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة أَحْمَد الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر ) ‏ ‏هُوَ الْجُهَنِيّ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر وَمُحَمَّد بْن إِسْحَاق كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عِنْد أَحْمَد. ‏ ‏قَوْله : ( فَرُّوج حَرِير ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عِنْد أَحْمَد فَرُّوج مِنْ حَرِير. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ صَلَّى فِيهِ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق وَعَبْد الْحَمِيد عِنْد أَحْمَد \" ثُمَّ صَلَّى فِيهِ الْمَغْرِب \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ اِنْصَرَفَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" فَلَمَّا قَضَى صَلَاته \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد \" فَلَمَّا سَلَّمَ مِنْ صَلَاته \" وَهُوَ الْمُرَاد بِالِانْصِرَافِ فِي رِوَايَة اللَّيْث. ‏ ‏قَوْله : ( فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد فِي رِوَايَته عَنْ حَجَّاج وَهَاشِم \" عَنِيفًا \" أَيْ بِقُوَّةٍ وَمُبَادَرَة لِذَلِكَ عَلَى خِلَاف عَادَته فِي الرِّفْق وَالتَّأَنِّي , وَهُوَ مِمَّا يُؤَكِّد أَنَّ التَّحْرِيم وَقَعَ حِينَئِذٍ. ‏ ‏قَوْله : ( كَالْكَارِهِ لَهُ ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَد فِي رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر \" ثُمَّ أَلْقَاهُ , فَقُلْنَا يَا رَسُول اللَّه قَدْ لَبِسْته وَصَلَّيْت فِيهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ لَا يَنْبَغِي هَذَا ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْإِشَارَة لِلُّبْسِ , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون لِلْحَرِيرِ فَيَتَنَاوَل غَيْر اللُّبْس مِنْ الِاسْتِعْمَال كَالِافْتِرَاشِ. ‏ ‏قَوْله : ( لِلْمُتَقَيِّنِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : يُمْكِن أَنْ يَكُون نَزَعَهُ لِكَوْنِهِ كَانَ حَرِيرًا صِرْفًا , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون نَزَعَهُ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْس لِبَاس الْأَعَاجِم , وَقَدْ وَرَدَ حَدِيث اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ \" قُلْت : أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَن. وَهَذَا التَّرَدُّد مَبْنِيّ عَلَى تَفْسِير الْمُرَاد بِالْمُتَّقِينَ , فَإِنْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ مُطْلَق الْمُؤْمِن حُمِلَ عَلَى الْأَوَّل وَإِنْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ حُمِلَ عَلَى الثَّانِي وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : اِسْم التَّقْوَى يَعُمّ جَمِيع الْمُؤْمِنِينَ , لَكِنَّ النَّاس فِيهِ عَلَى دَرَجَات , قَالَ اللَّه ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اِتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات ) الْآيَة , فَكُلّ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَام فَقَدْ اِتَّقَى , أَيْ وَقَى نَفْسه مِنْ الْخُلُود فِي النَّار , وَهَذَا مَقَام الْعُمُوم , وَأَمَّا مَقَام الْخُصُوص فَهُوَ مَقَام الْإِحْسَان كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَنْ تَعْبُد اللَّه كَأَنَّك تَرَاهُ \" اِنْتَهَى. وَقَدْ رَجَّحَ عِيَاض أَنَّ الْمَنْع فِيهِ لِكَوْنِهِ حَرِيرًا , وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ جَابِر الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي الْبَاب مِنْ حَدِيث عُقْبَة , وَقَدْ قَدَّمْت ذِكْره فِي كِتَاب الصَّلَاة , وَبَيَّنْت هُنَاكَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ مُبْتَدَأ تَحْرِيم لُبْس الْحَرِير. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : الْمُرَاد بِالْمُتَّقِينَ الْمُؤْمِنُونَ , لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ خَافُوا اللَّه تَعَالَى وَاتَّقَوْهُ بِإِيمَانِهِمْ وَطَاعَتهمْ لَهُ. وَقَالَ غَيْره : لَعَلَّ هَذَا مِنْ بَاب التَّهْيِيج لِلْمُكَلَّفِ عَلَى الْأَخْذ بِذَلِكَ , لِأَنَّ مَنْ سَمِعَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ غَيْر مُتَّقٍ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلهُ إِلَّا الْمُسْتَخِفّ فَيَأْنَف مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُوصَف بِأَنَّهُ غَيْر مُتَّقٍ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيم الْحَرِير عَلَى الرِّجَال دُون النِّسَاء لِأَنَّ اللَّفْظ لَا يَتَنَاوَلهُنَّ عَلَى الرَّاجِح , وَدُخُولهنَّ بِطَرِيقِ التَّغْلِيب مَجَاز يَمْنَع مِنْهُ وُرُود الْأَدِلَّة الصَّرِيحَة عَلَى إِبَاحَته لَهُنَّ , وَسَيَأْتِي فِي بَاب مُفْرَد بَعْد قَرِيب مِنْ عِشْرِينَ بَابًا , وَعَلَى أَنَّ الصِّبْيَان لَا يَحْرُم عَلَيْهِمْ لُبْسه لِأَنَّهُمْ لَا يُوصَفُونَ بِالتَّقْوَى. وَقَدْ قَالَ الْجُمْهُور بِجَوَازِ إِلْبَاسهمْ ذَلِكَ فِي نَحْو الْعِيد , وَأَمَّا فِي غَيْره فَكَذَلِكَ فِي الْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة , وَعَكْسه عِنْد الْحَنَابِلَة , وَفِي وَجْه ثَالِث يُمْنَع بَعْد التَّمْيِيز. وَفِي الْحَدِيث أَنْ لَا كَرَاهَة فِي لُبْس الثِّيَاب الضَّيِّقَة وَالْمُفَرَّجَة لِمَنْ اِعْتَادَهَا أَوْ اِحْتَاجَ إِلَيْهَا , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى ذَلِكَ قَرِيبًا فِي \" بَاب لُبْس الْجُبَّة الضَّيِّقَة \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف عَنْ اللَّيْث , وَقَالَ غَيْره ) ‏ ‏يَعْنِي بِسَنَدِهِ ‏ ‏( فَرُّوج حَرِير ) ‏ ‏. أَمَّا رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن يُوسُف فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف رَحِمَهُ اللَّه فِي أَوَائِل الصَّلَاة , وَأَمَّا رِوَايَة غَيْره فَوَصَلَهَا أَحْمَد عَنْ حَجَّاج بْن مُحَمَّد وَهَاشِم وَهُوَ أَبُو النَّضْر وَمُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَة وَالْحَارِث عَنْ يُونُس بْن مُحَمَّد الْمُؤَدِّب كُلّهمْ عَنْ اللَّيْث. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْمُغَايَرَة بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى خَمْسَة أَوْجُه : ‏ ‏أَحَدهَا التَّنْوِين وَالْإِضَافَة كَمَا يُقَال ثَوْب خَزّ بِالْإِضَافَةِ وَثَوْب خَزّ بِتَنْوِينِ ثَوْب قَالَهُ اِبْن التِّين اِحْتِمَالًا. ‏ ‏ثَانِيهَا : ضَمّ أَوَّله وَفَتْحه حَكَاهُ اِبْن التِّين رِوَايَة , قَالَ : وَالْفَتْح أَوْجَه لِأَنَّ فَعُّولًا لَمْ يَرِد إِلَّا فِي سَبُّوح وَقُدُّوس وَفَرُّوخ يَعْنِي الْفَرْخ مِنْ الدَّجَاج اِنْتَهَى , وَقَدْ قَدَّمْت فِي كِتَاب الصَّلَاة حِكَايَة جَوَاز الضَّمّ عَنْ أَبِي الْعَلَاء الْمَعَرِّي , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" حُكِيَ الضَّمّ وَالْفَتْح وَالضَّمّ هُوَ الْمَعْرُوف. ‏ ‏ثَالِثهَا : تَشْدِيد الرَّاء وَتَخْفِيفهَا حَكَاهُ عِيَاض وَمَنْ تَبِعَهُ. ‏ ‏رَابِعهَا : هَلْ هُوَ بِجِيمٍ آخِره أَوْ خَاء مُعْجَمَة حَكَاهُ عِيَاض أَيْضًا. ‏ ‏خَامِسهَا : حَكَاهُ الْكَرْمَانِيُّ قَالَ : الْأَوَّل فَرُّوج مِنْ حَرِير بِزِيَادَةِ مِنْ وَالثَّانِي بِحَذْفِهَا. قُلْت : وَزِيَادَة \" مِنْ \" لَيْسَتْ فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا عَنْ رِوَايَة لِأَحْمَد. ‏"
    },
    {
        "id": "5356",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا ‏ ‏الْبَرَانِسَ ‏ ‏وَلَا الْخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَلَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا ‏ ‏الْوَرْسُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5357",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5358",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ إِذَا أَحْرَمْنَا قَالَ ‏ ‏لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ وَالسَّرَاوِيلَ وَالْعَمَائِمَ ‏ ‏وَالْبَرَانِسَ ‏ ‏وَالْخِفَافَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنْ الثِّيَابِ مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا ‏ ‏وَرْسٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5359",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا ‏ ‏الْبُرْنُسَ ‏ ‏وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا ‏ ‏وَرْسٌ ‏ ‏وَلَا الْخُفَّيْنِ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُمَا فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5360",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏هَاجَرَ نَاسٌ إِلَى ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَتَجَهَّزَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مُهَاجِرًا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى رِسْلِكَ ‏ ‏فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَوَ ‏ ‏تَرْجُوهُ بِأَبِي أَنْتَ قَالَ نَعَمْ فَحَبَسَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏نَفْسَهُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِصُحْبَتِهِ وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ ‏ ‏وَرَقَ السَّمُرِ ‏ ‏أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَبَيْنَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِنَا فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ فَقَالَ قَائِلٌ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُقْبِلًا ‏ ‏مُتَقَنِّعًا ‏ ‏فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فِدًا لَكَ أَبِي وَأُمِّي وَاللَّهِ إِنْ جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ حِينَ دَخَلَ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ قَالَ إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنِّي قَدْ ‏ ‏أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ قَالَ فَالصُّحْبَةُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالثَّمَنِ قَالَتْ فَجَهَّزْنَاهُمَا ‏ ‏أَحَثَّ ‏ ‏الْجِهَازِ وَضَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ فَقَطَعَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا ‏ ‏فَأَوْكَأَتْ ‏ ‏بِهِ الْجِرَابَ وَلِذَلِكَ كَانَتْ تُسَمَّى ‏ ‏ذَاتَ النِّطَاقِ ‏ ‏ثُمَّ لَحِقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏بِغَارٍ فِي جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏ثَوْرٌ ‏ ‏فَمَكُثَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ‏ ‏لَقِنٌ ‏ ‏ثَقِفٌ ‏ ‏فَيَرْحَلُ مِنْ عِنْدِهِمَا سَحَرًا فَيُصْبِحُ مَعَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏كَبَائِتٍ فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا ‏ ‏عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَيَبِيتَانِ فِي ‏ ‏رِسْلِهِمَا ‏ ‏حَتَّى ‏ ‏يَنْعِقَ ‏ ‏بِهَا ‏ ‏عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ‏ ‏بِغَلَسٍ ‏ ‏يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي ‏ ‏الثَّلَاثِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي شَأْن الْهِجْرَة بِطُولِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة أَتَمَّ مِنْهُ وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : \" قَالَ قَائِل لِأَبِي بَكْر. هَذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْبِلًا مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَة لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا \" ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" فِدًا لَك \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فِدًا لُهْ \" ‏ ‏وَقَوْله \" إِنْ جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَة لَأَمْر \" ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَبِالتَّنْوِينِ مَرْفُوعًا وَاللَّام لِلتَّأْكِيدِ لِأَنَّ إِنْ السَّاكِنَة مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ \" إِلَّا لِأَمْرٍ \" و \" إِنْ \" عَلَى هَذَا نَافِيَة. ‏ ‏وَقَوْله : \" أَحَثَّ \" ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَة ثَقِيلَة , فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَحَبَّ \" بِمُوَحَّدَةٍ وَأَظُنّهُ تَصْحِيفًا. ‏ ‏وَقَوْله : \" وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِر بْن فُهَيْرَة مِنْحَة مِنْ غَنَم فَيُرِيحهُ \" ‏ ‏أَيْ يُرِيح الَّذِي يَرْعَاهُ , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ \" فَيُرِيحهَا \" ‏ ‏وَقَوْله : \" فِي رِسْلهمَا \" ‏ ‏بِالتَّثْنِيَةِ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فِي رِسْلهَا \" وَكَذَا الْقَوْل فِي قَوْله : \" حَتَّى يَنْعِق بِهِمَا \" عِنْده \" بِهَا \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : مَا ذُكِرَ مِنْ الْعِصَابَة لَا يَدْخُل فِي التَّقَنُّع فَالتَّقَنُّع تَغْطِيَة الرَّأْس وَالْعِصَابَة شَدّ الْخِرْقَة عَلَى مَا أَحَاطَ بِالْعِمَامَةِ. قُلْت : الْجَامِع بَيْنهمَا وَضْع شَيْء زَائِد عَلَى الرَّأْس فَوْق الْعِمَامَة وَاَللَّه أَعْلَم. وَنَازَعَ اِبْن الْقَيِّم فِي \" كِتَاب الْهُدَى \" مَنْ اِسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ التَّقَنُّع عَلَى مَشْرُوعِيَّة لُبْس الطَّيْلَسَان بِأَنَّ التَّقَنُّع غَيْر التَّطَيْلُس , وَجَزَمَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَلْبَس الطَّيْلَسَان وَلَا أَحَد مِنْ أَصْحَابه. ثُمَّ عَلَى تَقْدِير أَنْ يُؤْخَذ مِنْ التَّقَنُّع بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَقَنَّع إِلَّا لِحَاجَةٍ وَيَرُدّ عَلَيْهِ حَدِيث أَنَس \" كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِر الْقِنَاع \" وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ : \" مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ \" كَمَا تَقَدَّمَ مُعَلَّقًا فِي كِتَاب الْجِهَاد مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر وَوَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَعِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس \" لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا \" وَقَدْ ثَبَتَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث النَّوَّاس بْن سَمْعَان فِي قِصَّة الدَّجَّال \" يَتْبَعهُ الْيَهُود وَعَلَيْهِمْ الطَّيَالِسَة \" وَفِي حَدِيث أَنَس أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا عَلَيْهِمْ الطَّيَالِسَة فَقَالَ : \" كَأَنَّهُمْ يَهُود خَيْبَر \" وَعُورِضَ بِمَا أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد بِسَنَدٍ مُرْسَل \" وُصِفَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّيْلَسَان فَقَالَ : هَذَا ثَوْب لَا يُؤَدِّي شُكْره \" أَخْرَجَهُ وَإِنَّمَا يَصْلُح الِاسْتِدْلَال بِقِصَّةِ الْيَهُود فِي الْوَقْت الَّذِي تَكُون الطَّيَالِسَة مِنْ شِعَارهمْ , وَقَدْ اِرْتَفَعَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَة فَصَارَ دَاخِلًا فِي عُمُوم الْمُبَاح , وَقَدْ ذَكَرَهُ اِبْن عَبْد السَّلَام فِي أَمْثِلَة الْبِدْعَة الْمُبَاحَة , وَقَدْ يَصِير مِنْ شَعَائِر قَوْم فَيَصِير تَرْكه مِنْ الْإِخْلَال بِالْمُرُوءَةِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاء أَنَّ الشَّيْء قَدْ يَكُون لِقَوْمٍ وَتَرَكَهُ بِالْعَكْسِ , وَمَثَّلَ اِبْن الرِّفْعَة ذَلِكَ بِالسُّوقِيِّ وَالْفَقِيه فِي الطَّيْلَسَان. ‏"
    },
    {
        "id": "5361",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ ‏ ‏الْمِغْفَرُ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَنَس الَّذِي فِي الْبَاب فِي كِتَاب الْمَغَازِي مُسْتَوْفًى , وَذَكَرَ اِبْن بَطَّال هُنَا أَنَّ بَعْض الْمُتَعَسِّفِينَ أَنْكَرَ عَلَى مَالِك قَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَعَلَى رَأْسه الْمِغْفَر \" وَأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ قَالَ : وَالْمَحْفُوظ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّة وَعَلَيْهِ عِمَامَة سَوْدَاء , ثُمَّ أَجَابَ عَنْ دَعْوَى التَّفَرُّد أَنَّهُ وَجَدَ فِي \" كِتَاب حَدِيث الزُّهْرِيِّ \" تَصْنِيف النَّسَائِيِّ هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ مِثْل مَا رَوَاهُ مَالِك , وَعَنْ الْحَدِيث الْآخَر بِأَنَّهُ \" دَخَلَ وَعَلَى رَأْسه الْمِغْفَر وَكَانَتْ الْعِمَامَة السَّوْدَاء فَوْق الْمِغْفَر \". قُلْت : وَقَدْ ذَكَرْت فِي شَرْح الْحَدِيث أَنَّ بِضْعَة عَشَر نَفْسًا رَوَوْهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ غَيْر مَالِك , وَبَيَّنْت مَخَارِجهَا وَعِلَلهَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته وَالْحَمْد لِلَّهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5362",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَلَيْهِ ‏ ‏بُرْدٌ ‏ ‏نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ ‏ ‏فَجَبَذَهُ ‏ ‏بِرِدَائِهِ ‏ ‏جَبْذَةً ‏ ‏شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ ضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الْأَعْرَابِيّ , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : \" حَتَّى نَظَرْت إِلَى صَفْحَة عَاتِق رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَة الْبُرْد \" وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْأَدَب. ‏"
    },
    {
        "id": "5363",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَتْ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏هَلْ تَدْرِي مَا ‏ ‏الْبُرْدَةُ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ هِيَ ‏ ‏الشَّمْلَةُ ‏ ‏مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا ‏ ‏قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِي أَكْسُوكَهَا فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا لَإِزَارُهُ ‏ ‏فَجَسَّهَا ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْسُنِيهَا قَالَ ‏ ‏نَعَمْ فَجَلَسَ مَا شَاءَ اللَّهُ فِي الْمَجْلِسِ ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ مَا أَحْسَنْتَ سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلًا فَقَالَ الرَّجُلُ وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهَا إِلَّا لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أَمُوتُ قَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏فَكَانَتْ كَفَنَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد \" جَاءَتْ اِمْرَأَة بِبُرْدَةٍ , قَالَ سَهْل : تَدْرُونَ مَا الْبُرْدَة ؟ قَالَ : نَعَمْ , هِيَ الشَّمْلَة \" الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْجَنَائِز فِي \" بَاب مَنْ اِسْتَعَدَّ لِلْكَفَنِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5364",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ هِيَ سَبْعُونَ أَلْفًا تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ فَقَامَ ‏ ‏عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيُّ ‏ ‏يَرْفَعُ ‏ ‏نَمِرَةً ‏ ‏عَلَيْهِ قَالَ ادْعُ اللَّهَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ سَبَقَكَ ‏ ‏عُكَاشَةُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الرِّقَاق , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله فِيهِ : \" يَرْفَع نَمِرَة عَلَيْهِ \" وَالنَّمِرَة بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْمِيم هِيَ الشَّمْلَة الَّتِي فِيهَا خُطُوط مُلَوَّنَة كَأَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْ جِلْد النَّمِر لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّلَوُّن. ‏"
    },
    {
        "id": "5365",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ لَهُ ‏ ‏أَيُّ الثِّيَابِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَلْبَسَهَا قَالَ ‏ ‏الْحِبَرَةُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" كَانَ أَحَبّ الثِّيَاب إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَلْبَسهَا الْحِبَرَة \" وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أَنَّ أَنَسًا قَالَهُ جَوَاب سُؤَال قَتَادَة لَهُ عَنْ ذَلِكَ , فَتَضَمَّنَ السَّلَامَة مِنْ تَدْلِيس قَتَادَة. قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْحِبَرَة بِوَزْنِ عِنَبَة بُرْد يَمَان. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : مُوَشِّيَة مُخَطَّطَة. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَوْنهَا أَخْضَر لِأَنَّهَا لِبَاس أَهْل الْجَنَّة. كَذَا قَالَ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : هِيَ مِنْ بُرُود الْيَمَن تُصْنَع مِنْ قُطْن وَكَانَتْ أَشْرَفَ الثِّيَاب عِنْدهمْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : سُمِّيَتْ حِبَرَة لِأَنَّهَا تُحَبِّر أَيْ تُزَيِّن , وَالتَّحْبِير التَّزْيِين وَالتَّحْسِين. ‏"
    },
    {
        "id": "5366",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَلْبَسَهَا ‏ ‏الْحِبَرَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" كَانَ أَحَبّ الثِّيَاب إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَلْبَسهَا الْحِبَرَة \" وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أَنَّ أَنَسًا قَالَهُ جَوَاب سُؤَال قَتَادَة لَهُ عَنْ ذَلِكَ , فَتَضَمَّنَ السَّلَامَة مِنْ تَدْلِيس قَتَادَة. قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْحِبَرَة بِوَزْنِ عِنَبَة بُرْد يَمَان. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : مُوَشِّيَة مُخَطَّطَة. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَوْنهَا أَخْضَر لِأَنَّهَا لِبَاس أَهْل الْجَنَّة. كَذَا قَالَ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : هِيَ مِنْ بُرُود الْيَمَن تُصْنَع مِنْ قُطْن وَكَانَتْ أَشْرَفَ الثِّيَاب عِنْدهمْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : سُمِّيَتْ حِبَرَة لِأَنَّهَا تُحَبِّر أَيْ تُزَيِّن , وَالتَّحْبِير التَّزْيِين وَالتَّحْسِين. ‏"
    },
    {
        "id": "5367",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ تُوُفِّيَ ‏ ‏سُجِّيَ ‏ ‏بِبُرْدٍ ‏ ‏حِبَرَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدِ حِبَرَة \". ‏ ‏قَوْله : ( سُجِّيَ ) بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْجِيم الثَّقِيلَة أَيْ غُطِّيَ وَزْنًا وَمَعْنًى , يُقَال سَجَّيْت الْمَيِّت إِذَا مَدَدْت عَلَيْهِ الثَّوْب , وَكَأَنَّ الْمُصَنِّف رَمَزَ إِلَى مَا جَاءَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب فِي ذَلِكَ , فَأَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق الْحَسَن الْبَصْرِيّ \" أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب أَرَادَ أَنْ يَنْهَى عَنْ حُلَل الْحِبَرَة لِأَنَّهَا تُصْبَغ بِالْبَوْلِ , فَقَالَ لَهُ أَبِي : لَيْسَ ذَلِكَ لَك , فَقَدْ لَبَسَهُنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَبَسْنَاهُنَّ فِي عَهْده \" وَالْحَسَن لَمْ يَسْمَع مِنْ عُمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "5368",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَفِقَ ‏ ‏يَطْرَحُ ‏ ‏خَمِيصَةً ‏ ‏لَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَإِذَا ‏ ‏اغْتَمَّ ‏ ‏كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ ‏ ‏لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا ‏",
        "sharh": "عَنْ عَائِشَة وَابْن عَبَّاس قَالَا ‏ ‏\" لَمَّا نَزَلَ \" ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ وَالْمُرَاد نُزُول الْمَوْت , ‏ ‏وَقَوْله : \" طَفِقَ يَطْرَح خَمِيصَة لَهُ عَلَى وَجْهه \" ‏ ‏أَيْ يَجْعَلهَا عَلَى وَجْهه مِنْ الْحُمَّى ‏ ‏\" فَإِذَا اِغْتَمَّ كَشَفَهَا \" ‏ ‏وَذَكَرَ الْحَدِيث فِي التَّحْذِير مِنْ اِتِّخَاذ الْقُبُور مَسَاجِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْجَنَائِز. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجِيَانِي أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُحَمَّد الْأَصِيلِيِّ عَنْ أَبِي أَحْمَد الْجُرْجَانِيِّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد عَنْ الزُّهْرِيِّ \" عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة وَابْن عَبَّاس قَالَ : \" وَقَوْله : \" عَنْ أَبِيهِ \" وَهْم وَهِيَ زِيَادَة لَا حَاجَة إِلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5369",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏خَمِيصَةٍ ‏ ‏لَهُ لَهَا ‏ ‏أَعْلَامٌ ‏ ‏فَنَظَرَ إِلَى ‏ ‏أَعْلَامِهَا ‏ ‏نَظْرَةً فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ ‏ ‏اذْهَبُوا ‏ ‏بِخَمِيصَتِي ‏ ‏هَذِهِ إِلَى ‏ ‏أَبِي جَهْمٍ ‏ ‏فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي ‏ ‏آنِفًا ‏ ‏عَنْ صَلَاتِي وَأْتُونِي ‏ ‏بِأَنْبِجَانِيَّةِ ‏ ‏أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" فِي خَمِيصَة لَهَا أَعْلَام \" وَفِي آخَر \" وَاِئْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْم بْن حُذَيْفَة بْن غَانِم مِنْ بَنِي عَدِيّ بْن كَعْب \" اِنْتَهَى آخِر الْحَدِيث عِنْد قَوْله بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْم وَبَقِيَّة نَسَبه مُدْرَج فِي الْخَبَر مِنْ كَلَام اِبْن شِهَاب , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِل كِتَاب الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "5370",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏كِسَاءً وَإِزَارًا غَلِيظًا فَقَالَتْ قُبِضَ رُوحُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي هَذَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي بُرْدَة ‏ ‏وَهُوَ اِبْن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ‏ ‏قَالَ : \" أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَة كِسَاء وَإِزَارًا غَلِيظًا فَقَالَتْ : قُبِضَ رُوح رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَيْنِ \" ‏ ‏تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي أَوَائِل الْخَمْس , وَذَكَرَ لَهُ طَرِيقًا أُخْرَى تَعْلِيقًا زَادَ فِيهَا وَصْف الْإِزَار وَالْكِسَاء إِزَارًا غَلِيظًا مِمَّا يُصْنَع بِالْيَمَنِ وَكِسَاء مِنْ هَذِهِ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْمُلَبَّدَة , وَالْمُلَبَّدَة اِسْم مَفْعُول مِنْ التَّلْبِيد. وَقَالَ ثَعْلَب : يُقَال لِلرُّقْعَةِ الَّتِي يُرَقَّع بِهَا الْقَمِيص لُبْدَة. وَقَالَ غَيْره هِيَ الَّتِي ضُرِبَ بَعْضهَا فِي بَعْض حَتَّى تَتَرَاكَب وَتَجْتَمِع. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : هُو َ الثَّوْب الضَّيِّق وَلَمْ يُوَافِق. ‏"
    },
    {
        "id": "5371",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خُبَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُلَامَسَةِ ‏ ‏وَالْمُنَابَذَةِ ‏ ‏وَعَنْ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ وَأَنْ ‏ ‏يَحْتَبِيَ ‏ ‏بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ وَأَنْ ‏ ‏يَشْتَمِلَ ‏ ‏الصَّمَّاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" وَقَالَ فِي \" التَّهْذِيب \" وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ \" عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء \" وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ اِبْن عَطَاء لَا تُعْرَف لَهُ رِوَايَة عَنْ عُبَيْد اللَّه وَهُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ , وَلَمْ يَذْكُر أَحَد فِي رِجَال الْبُخَارِيّ عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ حَدَّثَنَا بُنْدَار وَهُوَ مُحَمَّد بْن بَشَّار شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب بِهِ \" وَلَمْ يَنْسُبهُ أَيْضًا. وَأَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عَنْ عَبْد الْوَهَّاب بِهِ وَلَمْ يَنْسُبهُ أَيْضًا وَهُوَ الثَّقَفِيّ بِلَا رَيْب , وَسَيَأْتِي بَعْد قَلِيل نَظِير هَذَا , وَجَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّهُ الثَّقَفِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5372",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ نَهَى عَنْ ‏ ‏الْمُلَامَسَةِ ‏ ‏وَالْمُنَابَذَةِ ‏ ‏فِي الْبَيْعِ وَالْمُلَامَسَةُ لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ وَلَا يُقَلِّبُهُ إِلَّا بِذَلِكَ وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ ‏ ‏يَنْبِذَ ‏ ‏الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ ‏ ‏وَيَنْبِذَ ‏ ‏الْآخَرُ ثَوْبَهُ وَيَكُونَ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا عَنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَرَاضٍ وَاللِّبْسَتَيْنِ ‏ ‏اشْتِمَالُ ‏ ‏الصَّمَّاءِ وَالصَّمَّاءُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ وَاللِّبْسَةُ الْأُخْرَى ‏ ‏احْتِبَاؤُهُ ‏ ‏بِثَوْبِهِ وَهُوَ جَالِسٌ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏\" أَنْ يَجْعَل ثَوْبه عَلَى أَحَد عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُو أَحَد شِقَّيْهِ \" ‏ ‏أَيْ يَظْهَر. ‏"
    },
    {
        "id": "5373",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ لِبْسَتَيْنِ أَنْ ‏ ‏يَحْتَبِيَ ‏ ‏الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ وَأَنْ ‏ ‏يَشْتَمِلَ ‏ ‏بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ وَعَنْ ‏ ‏الْمُلَامَسَةِ ‏ ‏وَالْمُنَابَذَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5374",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَخْلَدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ‏ ‏اشْتِمَالِ ‏ ‏الصَّمَّاءِ ‏ ‏وَأَنْ ‏ ‏يَحْتَبِيَ ‏ ‏الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي أَوَّل الْإِسْنَاد \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد \" ‏ ‏غَيْر مَنْسُوب هُوَ اِبْن سَلَام , وَشَيْخه ‏ ‏مَخْلَد ‏ ‏بِسُكُونِ الْمُعْجَمَة هُوَ اِبْن يَزِيد. ‏"
    },
    {
        "id": "5375",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ فُلَانٍ هُوَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدٍ ‏ ‏أُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِثِيَابٍ فِيهَا ‏ ‏خَمِيصَةٌ ‏ ‏سَوْدَاءُ صَغِيرَةٌ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ تَرَوْنَ أَنْ نَكْسُوَ هَذِهِ فَسَكَتَ الْقَوْمُ قَالَ ائْتُونِي ‏ ‏بِأُمِّ خَالِدٍ ‏ ‏فَأُتِيَ بِهَا تُحْمَلُ فَأَخَذَ ‏ ‏الْخَمِيصَةَ ‏ ‏بِيَدِهِ فَأَلْبَسَهَا وَقَالَ أَبْلِي ‏ ‏وَأَخْلِقِي ‏ ‏وَكَانَ فِيهَا عَلَمٌ أَخْضَرُ أَوْ أَصْفَرُ فَقَالَ يَا ‏ ‏أُمَّ خَالِدٍ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏سَنَاهْ ‏ ‏وَسَنَاهْ بِالْحَبَشِيَّةِ حَسَنٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ سَعِيد اِبْن فُلَان اِبْن سَعِيد بْن الْعَاصِ ) ‏ ‏كَذَا قَالَ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي نُعَيْم عَنْ إِسْحَاق بْن سَعِيد عَنْ أَبِيهِ فَأُبْهِمَ وَالِد سَعِيد , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْر بْن حَرْب عَنْ الْفَضْل بْن دُكَيْن وَهُوَ أَبُو نُعَيْم \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن سَعِيد بْن عَمْرو بْن سَعِيد عَنْ الْعَاصِ عَنْ أَبِيهِ \" وَسَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب فِي \" بَاب مَا يُدْعَى لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا \" عَنْ أَبِي الْوَلِيد عَنْ إِسْحَاق وَفِيهِ سِيَاق نَسَب إِسْحَاق إِلَى الْعَاصِ مِثْل هَذَا , وَفِيهِ التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ مِنْ أَبِيهِ وَبِتَحْدِيثِ أُمّ خَالِد أَيْضًا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد عَنْ أَبِي نُعَيْم وَأَبِي الْوَلِيد جَمِيعًا عَنْ إِسْحَاق. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أُمّ خَالِد بِنْت خَالِد ) ‏ ‏هِيَ أَمَة بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْمِيم مُخَفَّفًا كُنِّيَتْ بِوَلَدِهَا خَالِد بْن الزُّبَيْر بْن الْعَوَامّ , وَكَانَ الزُّبَيْر تَزَوَّجَهَا فَكَانَ لَهَا مِنْهُ خَالِد وَعَمْرو اِبْنًا الزُّبَيْر , وَذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّهَا وَلَدَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَة وَقَدِمَتْ مَعَ أَبِيهَا بَعْد خَيْبَر وَهِيَ تَعْقِل , وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَسْوَد الْمَدَنِيّ عَنْهَا قَالَتْ : \" كُنْت مِمَّنْ أَقْرَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّجَاشِيّ السَّلَام \" وَأَبُوهَا خَالِد بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ بْن أُمَيَّة أَسْلَمَ قَدِيمًا ثَالِث ثَلَاثَة أَوْ رَابِع أَرْبَعَة وَاسْتُشْهِدَ بِالشَّامِ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر أَوْ عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثِيَابٍ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين اِسْم الْجِهَة الَّتِي حَضَرَتْ مِنْهَا الثِّيَاب الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : مَنْ تَرَوْنَ أَنْ نَكْسُو هَذِهِ فَسَكَتَ الْقَوْم ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين أَسْمَائِهِمْ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُتِيَ بِهَا تُحْمَل ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَفِيهِ اِلْتِفَات أَوْ تَجْرِيد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْوَلِيد \" فَأُتِيَ بِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى صِغَر سِنّهَا إِذْ ذَاكَ , وَلَكِنْ لَا يَمْنَع ذَلِكَ أَنْ تَكُون حِينَئِذٍ مُمَيَّزَة. وَوَقَعَ فِي أَوَّل رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ الْمَاضِيَة فِي هِجْرَة الْحَبَشَة \" قَدِمْت مِنْ أَرْض الْحَبَشَة وَأَنَا جُوَيْرِيَّة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة خَالِد بْن سَعِيد \" أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيص أَصْفَر \" وَلَا مُعَارَضَة بَيْنهمَا لِأَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُون حِين طَلَبَهَا أَتَتْهُ مَعَ أَبِيهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَلْبَسَهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْوَلِيد \" فَأَلْبَسَنِيهَا \" عَلَى مِنْوَال مَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبْلِي وَأَخْلِقِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْوَلِيد \" وَقَالَ \" بِزِيَادَةِ وَاو قَبْل قَالَ , وَقَوْله : \" أَبْلِي \" بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَكَسْر اللَّام أَمْر بِالْإِبْلَاءِ , وَكَذَا قَوْله : \" أَخْلِقِي \" بِالْمُعْجَمَةِ وَالْقَاف أَمْر بِالْإِخْلَاقِ وَهُمَا بِمَعْنًى , وَالْعَرَب تُطْلِق ذَلِكَ وَتُرِيد الدُّعَاء بِطُولِ الْبَقَاء لِلْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ , أَيْ أَنَّهَا تَطُول حَيَاتهَا حَتَّى يَبْلَى الثَّوْب وَيَخْلَق , قَالَ الْخَلِيل : أَبْلِ وَأَخْلِقْ مَعْنَاهُ عِشْ وَخَرِّقْ ثِيَابك وَارْقَعْهَا , وَأَخْلَقْت الثَّوْب أَخْرَجْت بَالِيه وَلَفَّقْته. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ عَنْ الْفَرْبَرِيّ \" وَأَخْلِفِي \" بِالْفَاءِ وَهِيَ أَوْجَه مِنْ الَّتِي بِالْقَافِ لِأَنَّ الْأُولَى تَسْتَلْزِم التَّأْكِيد إِذْ الْإِبْلَاء وَالْإِخْلَاق بِمَعْنًى , لَكِنْ جَازَ الْعَطْف لِتَغَايُرِ اللَّفْظَيْنِ , وَالثَّانِيَة تُفِيد مَعْنًى زَائِدًا وَهُوَ أَنَّهَا إِذَا أَبْلَتْهُ أَخْلَفَتْ غَيْره , وَعَلَى مَا قَالَ الْخَلِيل لَا تَكُون الَّتِي بِالْقَافِ لِلتَّأْكِيدِ , لَكِنْ الَّتِي بِالْفَاءِ أَيْضًا أَوْلَى , وَيُؤَيِّدهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَبِي نَضْرَة قَالَ : \" كَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَبِسَ أَحَدهمْ ثَوْبًا جَدِيدًا قِيلَ لَهُ : تُبْلِي وَيُخْلِف اللَّه \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْوَلِيد \" أَبْلِي وَأَخْلِقِي \" مَرَّتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ فِيهَا عَلَم أَخْضَر أَوْ أَصْفَر ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي النَّضْر عَنْ إِسْحَاق بْن سَعِيد عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" أَحْمَر \" بَدَل أَخْضَر , وَكَذَا عِنْد اِبْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ يَا أُمّ خَالِد هَذَا سَنَاهُ , وَسَنَاهُ بِالْحَبَشِيَّةِ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا أَيْ وَسَنَاهُ لَفْظَة بِالْحَبَشِيَّةِ وَلَمْ يَذْكُر مَعْنَاهَا بِالْعَرَبِيَّةِ ; وَفِي رِوَايَة أَبِي الْوَلِيد \" فَجَعَلَ يُنْظَر إِلَى عَلَم الْخَمِيصَة وَيُشِير بِيَدِهِ إِلَيَّ وَيَقُول : يَا أُمّ خَالِد هَذَا سَنَا وَيَا أُمّ خَالِد هَذَا سَنَا , وَالسَّنَا بِلِسَانِ الْحَبَشَة الْحَسَن \". وَوَقَعَ فِي رِوَايَة خَالِد بْن سَعِيد الْمَاضِيَة فِي الْجِهَاد \" فَقَالَ سَنَه سَنَه \" وَهِيَ بِالْحَبَشِيَّةِ حَسَن , وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطهَا وَشَرْحهَا هُنَاكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ الْمَذْكُورَة \" وَيَقُول سَنَاهُ سَنَاهُ \" قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : يَعْنِي حَسَن حَسَن. وَتَقَدَّمَ - فِي الْجِهَاد - أَنَّ اِبْن الْمُبَارَك فَسَّرَهُ بِذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد التَّصْرِيح بِأَنَّهُ مِنْ تَفْسِير أُمّ خَالِد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة خَالِد بْن سَعِيد فِي الْجِهَاد مِنْ الزِّيَادَة \" وَذَهَبْت أَلْعَب بِخَاتَمِ النُّبُوَّة , فَزَبَرَنِي أَبِي \" وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ وَبَقِيَّة شَرْح مَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5376",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا وَلَدَتْ ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏قَالَتْ لِي يَا ‏ ‏أَنَسُ ‏ ‏انْظُرْ هَذَا الْغُلَامَ فَلَا يُصِيبَنَّ شَيْئًا ‏ ‏حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحَنِّكُهُ ‏ ‏فَغَدَوْتُ بِهِ فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ وَعَلَيْهِ ‏ ‏خَمِيصَةٌ ‏ ‏حُرَيْثِيَّةٌ وَهُوَ ‏ ‏يَسِمُ ‏ ‏الظَّهْرَ الَّذِي قَدِمَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَوْن ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه , ‏ ‏وَمُحَمَّد ‏ ‏هُوَ اِبْن سِيرِينَ , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَقَدْ سَبَقَتْ الْإِشَارَة إِلَى هَذَا الْإِسْنَاد فِي آخِر \" بَاب تَسْمِيَة الْمَوْلُود \" مِنْ كِتَاب الْعَقِيقَة , وَتَقَدَّمَ حَدِيث أَنَس فِي تَسْمِيَة الصَّبِيّ الْمَذْكُور وَتَحْنِيكه فِي كِتَاب الزَّكَاة مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة , وَتَقَدَّمَتْ لَهُ طَرِيق أُخْرَى عَنْ إِسْحَاق أَتَمَّ مِنْهَا فِي كِتَاب الْجَنَائِز. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَلَيْهِ خَمِيصَة حُرَيْثِيَّة ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَرَاء وَمُثَلَّثَة مُصَغَّر وَآخِره هَاء تَأْنِيث قَالَ عِيَاض : كَذَا لِرُوَاةِ الْبُخَارِيّ , وَهِيَ مَنْسُوبَة إِلَى حُرَيْث رَجُل مِنْ قُضَاعَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي السَّكَن \" خَيْبَرِيَّة \" بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة نِسْبَة إِلَى خَيْبَر الْبَلَد الْمَعْرُوف , قَالَ : وَاخْتَلَفَ رُوَاة مُسْلِم فَقِيلَ كَالْأَوَّلِ ; وَلِبَعْضِهِمْ مِثْله لَكِنْ بِوَاوٍ بَدَل الرَّاء وَلَا مَعْنَى لَهَا , وَلِبَعْضِهِمْ \" جَوْنِيَّة \" بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا نُون نِسْبَة إِلَى بَنِي الْجَوْن أَوْ إِلَى لَوْنهَا مِنْ السَّوَاد أَوْ الْحُمْرَة أَوْ الْبَيَاض فَإِنَّ الْعَرَب تُسَمِّي كُلّ لَوْن مِنْ هَذِهِ جَوْنًا , وَلِبَعْضِهِمْ بِالتَّصْغِيرِ , وَلِبَعْضِهِمْ بِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَالْبَاقِي مِثْله وَلَا مَعْنَى لَهُ , وَلِبَعْضِهِمْ كَذَلِكَ لَكِنْ بِمُثَنَّاةٍ نِسْبَة إِلَى الْحُوَيْت فَقَبْل هِيَ قَبِيلَة , وَقِيلَ : شُبِّهَتْ بِحَسَبِ الْخُطُوط الْمُمْتَدَّة الَّتِي فِي الْحُوت. قُلْت : وَاَلَّذِي يُطَابِق التَّرْجَمَة مِنْ جَمِيع هَذِهِ الرِّوَايَات \" الْجَوْنِيَّة \" بِالْجِيمِ وَالنُّون فَإِنَّ الْأَشْهَر فِيهِ أَنَّهُ الْأَسْوَد , وَلَا يَمْنَع ذَلِكَ وُرُوده فِي حَدِيث الْبَاب بِلَفْظِ \" الْحُرَيْثِيَّة \" لِأَنَّ طُرُق الْحَدِيث يُفَسِّر بَعْضهَا بَعْضًا , فَيَكُون لَوْنهَا أَسْوَد وَهِيَ مَنْسُوبَة إِلَى صَانِعهَا , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا \" صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُبَّة مِنْ صُوف سَوْدَاء فَلَبِسَهَا \" قَالَ فِي النِّهَايَة : الْمَحْفُوظ الْمَشْهُور جَوْنِيَّة بِالْجِيمِ وَالنُّون أَيْ سَوْدَاء , وَأَمَّا \" حُرَيْثِيَّة \" فَلَا أَعْرِفهَا وَطَالَمَا بَحَثْت عَنْهَا فَلَمْ أَقِف لَهَا عَلَى مَعْنًى , وَفِي رِوَايَة \" حَوْتَكِيَّة \" وَلَعَلَّهَا مَنْسُوبَة إِلَى الْقَصْر فَإِنَّ الْحَوْتَكِي الرَّجُل الْقَصِير الْخَطْو , أَوْ هِيَ مَنْسُوبَة إِلَى رَجُل يُسَمَّى حَوْتَكًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ : وَقَعَ لِجَمِيعِ رُوَاة الْبُخَارِيّ \" حَوْنَبِيَّة \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْوَاو وَفَتْح النُّون بَعْدهَا مُوَحَّدَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة ; وَفِي بَعْضهَا بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْوَاو وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُثَلَّثَة , وَسَاقَ بَعْض مَا تَقَدَّمَ , وَنُقِلَ عَنْ صَاحِب \" التَّحْرِير \" شَارِح مُسْلِم \" حَوْتِيَّة \" نِسْبَة إِلَى الْحُوت وَهِيَ قَبِيلَة أَوْ مَوْضِع , ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاض فِي \" الْمَشَارِق \" : هَذِهِ الرِّوَايَات كُلّهَا تَصْحِيف إِلَّا الْجَوْنِيَّة بِالْجِيمِ وَالنُّون فَهِيَ مَنْسُوبَة إِلَى بَنِي الْجَوْن قَبِيلَة مِنْ الْأَزْدِ , أَوْ إِلَى لَوْنهَا مِنْ السَّوَاد , وَإِلَّا الْحُرَيْثِيَّة بِالرَّاءِ وَالْمُثَلَّثَة. وَوَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ فِي الْحَاشِيَة مُقَابِل حُرَيْثِيَّة : هَذَا تَصْحِيف , وَالصَّوَاب حَوْتَكِيَّة , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْ قَصِيرَة وَهِيَ فِي مَعْنَى الشَّمْلَة , وَمِنْهُ حَدِيث الْعِرْبَاض بْن سَارِيَة \" كَانَ يَخْرُج عَلَيْنَا فِي الصُّفَّة وَعَلَيْهِ حَوْتَكِيَّة \". ‏"
    },
    {
        "id": "5377",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رِفَاعَةَ ‏ ‏طَلَّقَ ‏ ‏امْرَأَتَهُ ‏ ‏فَتَزَوَّجَهَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ الْقُرَظِيُّ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَعَلَيْهَا خِمَارٌ أَخْضَرُ فَشَكَتْ إِلَيْهَا وَأَرَتْهَا خُضْرَةً بِجِلْدِهَا فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنِّسَاءُ يَنْصُرُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا يَلْقَى الْمُؤْمِنَاتُ لَجِلْدُهَا أَشَدُّ خُضْرَةً مِنْ ثَوْبِهَا قَالَ وَسَمِعَ أَنَّهَا قَدْ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَاءَ وَمَعَهُ ابْنَانِ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا قَالَتْ وَاللَّهِ مَا لِي إِلَيْهِ مِنْ ذَنْبٍ إِلَّا أَنَّ مَا مَعَهُ لَيْسَ بِأَغْنَى عَنِّي مِنْ هَذِهِ وَأَخَذَتْ ‏ ‏هُدْبَةً ‏ ‏مِنْ ثَوْبِهَا فَقَالَ كَذَبَتْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَنْفُضُهَا نَفْضَ ‏ ‏الْأَدِيمِ ‏ ‏وَلَكِنَّهَا ‏ ‏نَاشِزٌ ‏ ‏تُرِيدُ ‏ ‏رِفَاعَةَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنْ كَانَ ذَلِكِ لَمْ تَحِلِّي لَهُ أَوْ لَمْ تَصْلُحِي لَهُ حَتَّى يَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِكِ قَالَ وَأَبْصَرَ مَعَهُ ابْنَيْنِ لَهُ فَقَالَ بَنُوكَ هَؤُلَاءِ قَالَ نَعَمْ قَالَ هَذَا الَّذِي تَزْعُمِينَ مَا تَزْعُمِينَ فَوَاللَّهِ لَهُمْ أَشْبَهُ بِهِ مِنْ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ الثَّقَفِيّ وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عِكْرِمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي يَعْلَى \" حَدَّثَنَا سُوَيْد بْن سَعِيد حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ \" بِسَنَدِهِ وَزَادَ فِيهِ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رِفَاعَة طَلَّقَ اِمْرَأَته فَتَزَوَّجَهَا عَبْد الرَّحْمَن بْن الزُّبَيْر الْقُرَظِيّ , قَالَتْ عَائِشَة : وَعَلَيْهَا خِمَار أَخْضَر فَشَكَتْ إِلَيْهَا ) ‏ ‏أَيْ إِلَى عَائِشَة وَفِيهِ اِلْتِفَات وَتَجْرِيد , وَفِي قَوْله : \" قَالَتْ عَائِشَة \" مَا يُبَيِّن وَهْم رِوَايَة سُوَيْد وَأَنَّ الْحَدِيث مِنْ رُوَاة عِكْرِمَة عَنْ عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَالنِّسَاء يَنْصُر بَعْضهنَّ بَعْضًا ) ‏ ‏جُمْلَة مُعْتَرَضَة , وَهِيَ مِنْ كَلَام عِكْرِمَة , وَقَدْ صَرَّحَ وُهَيْب بْن خَالِد فِي رِوَايَته عَنْ أَيُّوب بِذَلِكَ فَقَالَ بَعْد قَوْله لَجِلْدهَا أَشَدّ خُضْرَة مِنْ خِمَارهَا \" قَالَ عِكْرِمَة وَالنِّسَاء يَنْصُر بَعْضهنَّ بَعْضًا \" رَوَيْنَاهُ فِي \" فَوَائِد أَبِي عَمْرو بْن السَّمَّاك \" مِنْ طَرِيق عَفَّانَ عَنْ وُهَيْب , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : خُضْرَة جِلْدهَا يُحْتَمَل أَنْ تَكُون لِهُزَالِهَا أَوْ مِنْ ضَرْب زَوْجهَا لَهَا. قُلْت : وَسِيَاق الْقِصَّة رَجَّحَ الثَّانِي. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَسَمِعَ أَنَّهَا قَدْ أَتَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وُهَيْب \" قَالَ : فَسَمِعَ بِذَلِكَ زَوْجهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَمَعَهُ اِبْنَانِ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَتهمَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة وُهَيْب بِنُونٍ لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ تَحِلِّي أَوْ لَمْ تَصْلُحِي لَهُ ) ‏ ‏كَذَا بِالشَّكِّ , وَهُوَ مِنْ الرَّاوِي , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَا تَحِلِّينَ لَهُ وَلَا تَصْلُحِينَ لَهُ \" وَذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" لَمْ تَحِلِّينَ \" ثُمَّ أَخَذَ فِي تَوْجِيهه , وَعُرِفَ بِهَذَا الْجَوَاب وَجْه الْجَمْع بَيْن قَوْلهَا \" مَا مَعَهُ إِلَّا مِثْل الْهُدْبَة \" وَبَيْن قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته \" وَحَاصِله أَنَّهُ رَدّ عَلَيْهَا دَعْوَاهَا , أَمَّا أَوَّلًا فَعَلَى طَرِيق صَدَقَ زَوْجهَا فِيمَا زَعَمَ أَنَّهُ يَنْفُضهَا نَفْض الْأَدِيم , وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِدْقه بِوَلَدَيْهِ اللَّذَيْنِ كَانَا مَعَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبْصَرَ مَعَهُ اِبْنَيْنِ لَهُ فَقَالَ : بَنُوك هَؤُلَاءِ ) ‏ ‏فِيهِ جَوَاز إِطْلَاق اللَّفْظ الدَّالّ عَلَى الْجَمْع عَلَى الِاثْنَيْنِ , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة وُهَيْب بِصِيغَةِ الْجَمْع فَقَالَ : \" بِنُونٍ لَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( تَزْعُمِينَ مَا تَزْعُمِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وُهَيْب \" هَذَا الَّذِي تَزْعُمِينَ أَنَّهُ كَذَا وَكَذَا \" وَهُوَ كِنَايَة عَمَّا اِدَّعَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْعُنَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِث قِصَّة رِفَاعَة وَامْرَأَته فِي كِتَاب الطَّلَاق , وَقَوْله لَأَنْفُضهَا نَفْض الْأَدِيم كِنَايَة بَلِيغَة فِي الْغَايَة مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا أَوْقَع فِي النَّفْس مِنْ التَّصْرِيح , لِأَنَّ الَّذِي يَنْفُض الْأَدِيم يَحْتَاج إِلَى قُوَّة سَاعِد وَمُلَازَمَة طَوِيلَة , قَالَ الدَّاوُدِيُّ : يُحْتَمَل تَشْبِيههَا بِالْهَدِيَّةِ اِنْكِسَاره وَأَنَّهُ لَا يَتَحَرَّك وَأَنَّ شِدَّته لَا تَشْتَدّ , وَيُحْتَمَل أَنَّهَا كَنَّتْ بِذَلِكَ عَنْ نَحَافَته , أَوْ وَصَفْته بِذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوَّلِ , قَالَ : وَلِهَذَا يُسْتَحَبّ نِكَاح الْبِكْر لِأَنَّهَا تَظُنّ الرِّجَال سَوَاء , بِخِلَافِ الثَّيِّب. ‏"
    },
    {
        "id": "5378",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ بِشِمَالِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَيَمِينِهِ ‏ ‏رَجُلَيْنِ ‏ ‏عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَعْد وَهُوَ اِبْن أَبِي وَقَّاص , تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة أُحُد وَفِيهِ تَسْمِيَة الرَّجُلَيْنِ وَأَنَّهُمَا جِبْرِيل وَمِيكَائِيل , وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَحَدهمَا إِسْرَافِيل. ‏"
    },
    {
        "id": "5379",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحُسَيْنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهُوَ نَائِمٌ ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدْ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ ‏ ‏مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏أَبُو ذَرٍّ ‏ ‏إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ إِذَا تَابَ وَنَدِمَ وَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ غُفِرَ لَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5380",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ ‏ ‏أَتَانَا كِتَابُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏وَنَحْنُ مَعَ ‏ ‏عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ ‏ ‏بِأَذْرَبِيجَانَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ الْحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامَ قَالَ فِيمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ ‏ ‏يَعْنِي الْأَعْلَامَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت أَبَا عُثْمَان النَّهْدَيْ قَالَ : أَتَانَا كِتَاب عُمَر ) ‏ ‏كَذَا قَالَ أَكْثَر أَصْحَاب قَتَادَة وَشَذَّ عُمَر بْن عَامِر فَقَالَ عَنْ قَتَادَة عَنْ أَبِي عُثْمَان عَنْ عُثْمَان فَذَكَرَ الْمَرْفُوع , وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَأَشَارَ إِلَى تَفَرُّده بِهِ , فَلَوْ كَانَ ضَابِطًا لَقُلْنَا سَمِعَهُ أَبُو عُثْمَان مِنْ كِتَاب عُمَر ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ عُثْمَان بْن عَفَّانَ , لَكِنْ طُرُق الْحَدِيث تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عَنْ عُمَر لَا عَنْ عُثْمَان , وَقَدْ ذَكَرَهُ أَصْحَاب الْأَطْرَاف فِي تَرْجَمَة أَبِي عُثْمَان عَنْ عُمَر , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ الْمَقْصُود بِالْكِتَابَةِ إِلَيْهِ هُوَ عُتْبَة بْن فَرْقَد , وَأَبُو عُثْمَان سَمِعَ الْكِتَاب يُقْرَأ , فَإِمَّا أَنْ تَكُون رِوَايَته لَهُ عَنْ عُمَر بِطَرِيقِ الْوِجَادَة وَإِمَّا أَنْ يَكُون بِوَاسِطَةِ الْمَكْتُوب إِلَيْهِ وَهُوَ عُتْبَة بْن فَرْقَد , وَلَمْ يَذْكُرُوهُ فِي رِوَايَة أَبِي عُثْمَان عَنْ عُتْبَة , وَقَدْ نَبَّهَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي جَوَاز الرِّوَايَة بِالْكِتَابَةِ عِنْد الشَّيْخَيْنِ , قَالَ ذَلِكَ بَعْد أَنْ اِسْتَدْرَكَهُ عَلَيْهِمَا , وَفِي ذَلِكَ رُجُوع مِنْهُ عَنْ الِاسْتِدْرَاك عَلَيْهِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَنَحْنُ مَعَ عُتْبَة بْن فَرْقَد ) ‏ ‏صَحَابِيّ مَشْهُور سُمِّيَ أَبُوهُ بِاسْمِ النَّجْم , وَاسْم جَدّه يَرْبُوع مِنْ بْن حَبِيب بْن مَالِك السُّلَمِيّ , وَيُقَال إِنَّ يَرْبُوع هُوَ فَرْقَد وَأَنَّهُ لَقَب لَهُ , وَكَانَ عُتْبَة أَمِيرًا لِعُمَر فِي فُتُوح بِلَاد الْجَزِيرَة. ‏ ‏قَوْله : ( بِأَذْرَبِيجَان ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطهَا فِي أَوَائِل كِتَاب فَضَائِل الْقُرْآن , وَذَكَرَ الْمُعَافِي فِي \" تَارِيخ الْمَوْصِل \" أَنَّ عُتْبَةَ هُوَ الَّذِي اِفْتَتَحَهَا سَنَة ثَمَانِي عَشْرَة. وَرَوَى شُعْبَة عَنْ حُصَيْنِ بْن عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ عَنْ أُمّ عَاصِم اِمْرَأَة عُتْبَةَ \" أَنَّ عُتْبَةَ غَزَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَتَيْنِ \" وَأَمَّا قَوْل الْمُعَافِي إِنَّهُ شَهِدَ خَيْبَر وَقَسَمَ لَهُ رَسُوله اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا فَلَمْ يُوَافِق عَلَى ذَلِكَ , وَإِنَّمَا أَوَّل مَشَاهِده حُنَيْن رَوَيْنَا فِي \" الْمُعْجَم الصَّغِير لِلطَبَرَانِيِّ \" مِنْ طَرِيق أُمّ عَاصِم اِمْرَأَة عُتْبَةَ عَنْ عُتْبَةَ قَالَ : \" أَخَذَنِي الشِّرَى عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه , فَأَمَرَنِي فَتَجَرَّدْت فَوَضَعَ يَده عَلَى بَطْنِي وَظَهْرِي فَعَبِق بِي الطِّيب مِنْ يَوْمئِذٍ \" قَالَتْ أُمّ عَاصِم : كُنَّا عِنْده أَرْبَع نِسْوَة فَكُنَّا نَجْتَهِد فِي الطِّيب وَمَا كَانَ هُوَ يَمَسّهُ وَإِنَّهُ كَانَ لَأَطْيَبنَا رِيحًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِيهِ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْجَعْد عَنْ شُعْبَة بَعْد قَوْله مَعَ عُتْبَةَ بْن فَرْقَد \" أَمَّا بَعْد فَاتَّزِرُوا وَارْتَدُّوا وَانْتَعِلُوا وَأَلْقُوا الْخِفَاف وَالسَّرَاوِيلَات , وَعَلَيْكُمْ بِلِبَاسِ أَبِيكُمْ إِسْمَاعِيل , وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّم وَزِيّ الْعَجَم , وَعَلَيْكُمْ بِالشَّمْسِ فَإِنَّهَا حَمَّام الْعَرَب , وَتَمَعْدَدُوا وَاخْشَوْشَنُوا وَاخْلَوْلَقُوا وَاقْطَعُوا الرَّكْب وَانْزُوا نَزْوًا وَارْمُوا الْأَغْرَاض , فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( نَهَى عَنْ الْحَرِير ) ‏ ‏أَيْ عَنْ لُبْس الْحَرِير كَمَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِي هَذِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا هَكَذَا ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته مِنْ هَذَا الْوَجْه : وَهَكَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَام ) ‏ ‏الْمُشِير بِذَلِكَ يَأْتِي فِي رِوَايَة عَاصِم مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. قَوْله : \" اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَام \" يَعْنِي السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة عَاصِم. ‏ ‏قَوْله : ( فِيمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ يَعْنِي الْأَعْلَام ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة جَمْع عَلَم بِالتَّحْرِيكِ أَيْ الَّذِي حَصَلَ فِي عِلْمنَا أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُسْتَثْنَى الْأَعْلَام وَهُوَ مَا يَكُون فِي الثِّيَاب مِنْ تَطْرِيف وَتَطْرِيز وَنَحْوهمَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَمَا \" بِفَتْحِ الْفَاء بَعْدهَا حَرْف نَفْي \" عَتَّمْنَا \" بِمُثَنَّاةٍ بَدَل اللَّام أَيْ مَا أَبْطَأْنَا \" فِي مَعْرِفَة ذَلِكَ لِمَا سَمِعْنَاهُ \" قَالَ أَبُو عُبَيْد الْعَاتِم الْبَطِيء , يُقَال عَتَّمَ الرَّجُل الْقِرَى إِذَا أَخَّرَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5381",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ كَتَبَ إِلَيْنَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَنَحْنُ ‏ ‏بِأَذْرَبِيجَانَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا وَصَفَّ لَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِصْبَعَيْهِ وَرَفَعَ ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس نُسِبَ لِجَدِّهِ وَهُوَ بِذَلِكَ أَشْهَر , وَشَيْخه زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيُّ , وَعَاصِم هُوَ اِبْن سُلَيْمَان الْأَحْوَل , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَحْمَد بْن يُونُس هَذَا فَبَيَّنَ جَمِيع ذَلِكَ فِي سِيَاقه. ‏ ‏قَوْله : ( كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَر ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ , ولِلكُشْمِيهَنِيِّ \" كَتَبَ إِلَيْهِ \" أَيْ إِلَى عُتْبَةَ بْن فَرْقَد , وَكِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ صَوَاب فَإِنَّهُ كَتَبَ إِلَى الْأَمِير لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُخَاطِبهُ وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ كُلّهمْ بِالْحُكْمِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ فِيهِ مُسْلِم قَبْل هَذَا \" يَا عُتْبَةَ بْن فَرْقَد ; إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدّك وَلَا كَدّ أَبِيك , فَأَشْبِعْ الْمُسْلِمِينَ فِي رِحَالهمْ مِمَّا تَشْبَع مِنْهُ فِي رَحْلك , وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّم وَزِيّ أَهْل الشِّرْك وَلُبْس الْحَرِير فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَبَيَّنَ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ وَجْه آخَر سَبَب قَوْل عُمَر ذَلِكَ فَعِنْده فِي أَوَّله \" أَنَّ عُتْبَةَ بْن فَرْقَد بَعَثَ إِلَى عُمَر مَعَ غُلَام لَهُ بِسِلَالٍ فِيهَا خَبِيص عَلَيْهَا اللُّبُود فَلَمَّا رَآهُ عُمَر قَالَ : أَيَشْبَعُ الْمُسْلِمُونَ فِي رِحَالهمْ مِنْ هَذَا ؟ قَالَ : لَا. فَقَالَ عُمَر : لَا أُرِيدهُ. وَكَتَبَ إِلَى عُتْبَةَ : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدّك \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَفَعَ زُهَيْر الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَة ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته \" وَضَمَّهُمَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "5382",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ ‏ ‏عُتْبَةَ ‏ ‏فَكَتَبَ إِلَيْهِ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يُلْبَسُ الْحَرِيرُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لَمْ يُلْبَسْ فِي الْآخِرَةِ مِنْهُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عُثْمَانَ ‏ ‏وَأَشَارَ ‏ ‏أَبُو عُثْمَانَ ‏ ‏بِإِصْبَعَيْهِ الْمُسَبِّحَةِ وَالْوُسْطَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ التَّيْمِيِّ ) ‏ ‏هُوَ سُلَيْمَان بْن طَرْخَان. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي عُثْمَان قَالَ : كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ \" فَجَاءَنَا كِتَاب عُمَر \" وَكَذَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَلْبَس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا إِلَّا لَمْ يَلْبَس مِنْهُ شَيْء فِي الْآخِرَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ \" يُلْبَس \" بِضَمِّ أَوَّله فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَكَذَا لِلنَّسَفِيّ وَقَالَ : \" فِي الْآخِرَة مِنْهُ \" ولِلكُشْمِيهَنِيِّ \" لَا يَلْبَس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا إِلَّا لَمْ يَلْبَس مِنْهُ شَيْئًا فِي الْآخِرَة \" بِفَتْحِ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْفَاعِلِ , وَالْمُرَاد بِهِ الرَّجُل الْمُكَلَّف , وَأَوْرَدَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِلَفْظِ \" إِلَّا مَنْ لَمْ يَلْبَسهُ \" قَالَ وَفِي أُخْرَى \" إِلَّا مَنْ لَيْسَ يَلْبَس مِنْهُ \" ا ه. وَفِي رِوَايَة مُسْلِم الْمَذْكُورَة \" لَا يَلْبَس الْحَرِير إِلَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْء فِي الْآخِرَة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَشَارَ أَبُو عُثْمَان بِإِصْبَعَيْهِ الْمُسَبِّحَة وَالْوُسْطَى ) ‏ ‏وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحْده , وَهُوَ لَا يُخَالِفهُ مَا فِي رِوَايَة عَاصِم , فَيُجْمَع بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ أَوَّلًا ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْهُ عُمَر فَبَيَّنَ بَعْد ذَلِكَ بَعْض رُوَاته صِفَة الْإِشَارَة. ‏ ‏قَوْله : ‏ ‏( حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عُمَر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن شَقِيق الْجَرْمِيّ بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الرَّاء أَبُو عَلِيّ الْبَلْخِيّ , كَذَا جَزَمَ بِهِ الْكَلَابَاذِيُّ وَآخَرُونَ , وَشَذَّ اِبْن عَدِيّ فَقَالَ : هُوَ اِبْن عُمَر بْن إِبْرَاهِيم الْعَبْدِيّ. قُلْت : وَلَمْ أَقِف لِهَذَا الْعَبْدِيّ عَلَى تَرْجَمَة , إِلَّا أَنَّ اِبْن حِبَّان قَالَ فِي الطَّبَقَة الرَّابِعَة مِنْ الثِّقَات الْحَسَن بْن عُمَر بْن إِبْرَاهِيم رَوَى عَنْ شُعْبَة , فَلَعَلَّهُ هَذَا. وَقَدْ جَزَمَ صَاحِب \" الْمُزْهِر \" أَنَّهُ يُكَنَّى أَبَا بَصِير وَأَنَّهُ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَأَنَّهُ أَخْرَجَ لَهُ حَدِيثَيْنِ وَأَنَّهُ أَخْرَجَ لِلْحَسَنِ بْن عُمَر بْن شَبَّة وَأَكْثَر مِنْ ذَلِكَ. قُلْت وَلَمْ أَرَ فِي جَمِيع الْبُخَارِيّ بِهَذِهِ الصُّورَة إِلَّا أَرْبَعَة أَحَادِيث أَحَدهَا فِي \" بَاب الطَّوَاف بَعْد الْعَصْر \" مِنْ كِتَاب الْحَجّ قَالَ فِيهِ : \" حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عُمَر الْبَصْرِيّ حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع \" وَهَذَا وَآخَر مِثْل هَذَا فِي الِاسْتِئْذَان , وَالرَّابِع فِي كِتَاب الْأَحْكَام فَسَاقَهُ كَمَا فِي سِيَاق الْحَجّ سَوَاء فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ. وَأَمَّا هَذَا وَاَلَّذِي فِي الِاسْتِئْذَان فَعَلَى الِاحْتِمَال وَالْأَقْرَب أَنَّهُ كَمَا قَالَ الْأَكْثَر. ‏ ‏قَوْله : ‏ ‏( مُعْتَمِر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَشَارَ أَبُو عُثْمَان بِإِصْبَعَيْهِ الْمُسَبِّحَة وَالْوُسْطَى ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُثْمَان عَنْ كِتَاب عُمَر وَزَادَ هَذِهِ الزِّيَادَة , وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّد أَنَّ رِوَايَة الْأَكْثَر فِي الطَّرِيق الَّتِي قَبْلهَا الَّتِي خَلَتْ عَنْ هَذِهِ الزِّيَادَة أَوْلَى مِنْ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي الَّتِي أَوْرَدَهَا فِيهِ , فَإِنَّ هَذَا الْقَدْر زَادَ مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان فِي رِوَايَته عَنْ أَبِيهِ , ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الَّذِي زَادَهُ مُعْتَمِر تَفْسِير الْإِصْبَعَيْنِ , فَإِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَته وَمَنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ وَقَالَ فِي سِيَاقه \" كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ بْن فَرْقَد فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَر يُحَدِّثهُ بِأَشْيَاء عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ وَفِيمَا كَتَبَهُ إِلَيْهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَا لَا يَلْبَس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا مِنْ لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْهُ شَيْء إِلَّا , وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ \" فَعُرِفَ أَنَّ زِيَادَة مُعْتَمِر تَسْمِيَة الْإِصْبَعَيْنِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ سُلَيْمَان وَقَالَ فِيهِ \" بِإِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَام فَرَأَيْنَاهَا أَزْرَار الطَّيَالِسَة حِين رَأَيْنَا الطَّيَالِسَة \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْأَزْرَار جَمْع زِرّ بِتَقْدِيمِ الزَّاي : مَا يُزَرَّر بِهِ الثَّوْب بَعْضه عَلَى بَعْض , وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا أَطْرَاف الطَّيَالِسَة , وَالطَّيَالِسَة جَمْع طَيْلَسَان وَهُوَ الثَّوْب الَّذِي لَهُ عَلَم وَقَدْ يَكُون كِسَاء , وَكَانَ لِلطَّيَالِسَةِ الَّتِي رَآهَا أَعْلَام حَرِير فِي أَطْرَافهَا. قُلْت : وَقَدْ أَغْفَلَ صَاحِب \" الْمَشَارِق \" و \" النِّهَايَة \" فِي مَادَّة ط ل س ذِكْر الطَّيَالِسَة وَكَأَنَّهُمَا تَرَكَا ذَلِكَ لِشُهْرَتِهِ , لَكِنْ الْمَعْهُود الْآن لَيْسَ عَلَى الصِّفَة الْمَذْكُورَة هُنَا , وَقَدْ قَالَ عِيَاض فِي \" شَرْح مُسْلِم \" الْمُرَاد بِأَزْرَارِ الطَّيَالِسَة أَطْرَافهَا. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر عِنْد مُسْلِم أَنَّهَا \" أَخْرَجَتْ جُبَّة طَيَالِسَة كِسْرِوَانِيَّة فَقَالَتْ : هَذِهِ جُبَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالطَّيَالِسَةِ فِي هَذَا الْحَدِيث مَا يُلْبَس فَيَشْمَل الْجَسَد , لَا الْمَعْهُود الْآن. وَلَمْ يَقَع فِي رِوَايَة أَبِي عُثْمَان فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي اِسْتِثْنَاء مَا يَجُوز مِنْ لُبْس الْحَرِير إِلَّا ذِكْر الْإِصْبَعَيْنِ , لَكِنْ وَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَاصِم الْأَحْوَل فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" نَهَى عَنْ الْحَرِير إِلَّا مَا كَانَ هَكَذَا وَهَكَذَا إِصْبَعَيْنِ وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق سُوَيْد بْن غَفَلَة بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء وَاللَّام الْخَفِيفَتَيْنِ \" أَنَّ عُمَر خَطَبَ فَقَالَ : نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُبْس الْحَرِير إِلَّا مَوْضِع إِصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاث أَوْ أَرْبَع \" و \" أَوْ \" هُنَا لِلتَّنْوِيعِ وَالتَّخْيِير , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" إِنَّ الْحَرِير لَا يَصْلُح مِنْهُ إِلَّا هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي أُصْبُعَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا \" وَجَنَحَ الْحَلِيمِيّ إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم أَنْ يَكُون فِي كُلّ قَدْر إِصْبَعَيْنِ , وَهُوَ تَأْوِيل بَعِيد مِنْ سِيَاق الْحَدِيث , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ فِي رِوَايَة سُوَيْد \" لَمْ يُرَخَّص فِي الدِّيبَاج إِلَّا فِي مَوْضِع أَرْبَعَة أَصَابِع \". ‏"
    },
    {
        "id": "5383",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏بِالْمَدَايِنِ ‏ ‏فَاسْتَسْقَى فَأَتَاهُ ‏ ‏دِهْقَانٌ ‏ ‏بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ فَرَمَاهُ بِهِ وَقَالَ إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلَّا أَنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْحَكَم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُتَيْبَة بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة مُصَغَّر ; ‏ ‏وَابْن أَبِي لَيْلَى ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ عَنْ أَبِي لَيْلَى وَهُوَ غَلَط لَكِنْ كَتَبَ فِي الْهَامِش : الصَّوَاب اِبْن أَبِي لَيْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ حُذَيْفَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْيَمَان وَقَدْ مَضَى شَرْح حَدِيثه هَذَا فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة. ‏ ‏قَوْله : ( الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَرِير وَالدِّيبَاج هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَة ) ‏ ‏تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ مَنَعَ اِسْتِعْمَال النِّسَاء لِلْحَرِيرِ وَالدِّيبَاج , لِأَنَّ حُذَيْفَة اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيم الشُّرْب فِي إِنَاء الْفِضَّة وَهُوَ حَرَام عَلَى النِّسَاء وَالرِّجَال جَمِيعًا فَيَكُون الْحَرِير كَذَلِكَ. وَالْجَوَاب أَنَّ الْخِطَاب بِلَفْظِ لَكُمْ لِلْمُذَكَّرِ , وَدُخُول الْمُؤَنَّث فِيهِ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ ; وَالرَّاجِح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ عَدَم دُخُولهنَّ. وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ إِبَاحَة الْحَرِير وَالذَّهَب لِلنِّسَاءِ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي \" بَاب الْحَرِير لِلنِّسَاءِ \" قَرِيبًا , وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظ مُخْتَصَر وَقَدْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ \" لَا تَلْبَسُوا الْحَرِير وَلَا الدِّيبَاج , وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَة الذَّهَب وَالْفِضَّة \" وَالْخِطَاب فِي ذَلِكَ لِلذُّكُورِ , وَحُكْم النِّسَاء فِي الِافْتِرَاش سَيَأْتِي فِي بَاب اِفْتِرَاش الْحَرِير قَرِيبًا , وَقَوْله : \" هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا \" تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْكَافِر لَيْسَ مُخَاطَبًا بِالْفُرُوعِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُزَاد هِيَ شِعَارهمْ وَزِيّهمْ فِي الدُّنْيَا , وَلَا يَدُلّ ذَلِكَ عَلَى الْإِذْن لَهُمْ فِي ذَلِكَ شَرْعًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5384",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏فَقُلْتُ أَعَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ شَدِيدًا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا فَلَنْ يَلْبَسَهُ فِي الْآخِرَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ شُعْبَة : فَقُلْت أَعَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : شَدِيدًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْجَعْد عَنْ شُعْبَة \" سَأَلْت عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب عَنْ الْحَرِير فَقَالَ : سَمِعْت أَنَسًا. فَقُلْت : عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : شَدِيدًا \" وَهَذَا الْجَوَاب يُحْتَمَل أَنْ يَكُون تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ مَرْفُوعًا إِنَّمَا حَفِظَهُ حِفْظًا شَدِيدًا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون إِنْكَارًا أَيْ جَزْمِي بِرَفْعِهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقَع شَدِيدًا عَلَيَّ , وَأَبْعَد مَنْ قَالَ : الْمُرَاد أَنَّهُ رَفَعَ صَوْته رَفْعًا شَدِيدًا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَفْظَة \" شَدِيدًا \" صِفَة لِفِعْلٍ مَحْذُوف وَهُوَ الْغَضَب أَيْ غَضَب عَبْد الْعَزِيز مِنْ سُؤَال شُعْبَة غَضَبًا شَدِيدًا , كَذَا قَالَ وَوَجْهه غَيْر وَجِيه , وَالِاحْتِمَال الْأَوَّل عِنْدِي أَوْجَه , وَلَكِنَّهُ يُؤَيِّد الثَّانِي أَنَّ أَحْمَد أَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة فَقَالَ فِيهِ : \" سَمِعْت أَنَسًا يُحَدِّث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ عَبْد الْعَزِيز عَنْ أَنَس قَالَ : \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل هَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5385",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏يَخْطُبُ يَقُولُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ ثَابِت ) ‏ ‏هُوَ الْبُنَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت اِبْن الزُّبَيْر يَخْطُب ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ \" وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر \" أَخْرَجَهُ عَنْ قُتَيْبَة عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد بِهِ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَفَّانَ عَنْ حَمَّاد بِلَفْظِ \" يَخْطُبنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذَا مِنْ مُرْسَل اِبْن الزُّبَيْر , وَمَرَاسِيل الصَّحَابَة مُحْتَجّ بِهَا عِنْد جُمْهُور مَنْ لَا يُحْتَجّ بِالْمَرَاسِيلِ , لِأَنَّهُمْ إِمَّا أَنْ يَكُون عِنْد الْوَاحِد مِنْهُمْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَنْ صَحَابِيّ آخَر , وَاحْتِمَال كَوْنهَا عَنْ تَابِعِيّ لِوُجُودِ رِوَايَة بَعْض الصَّحَابَة عَنْ بَعْض التَّابِعِينَ نَادِر , لَكِنْ تَبَيَّنَ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْد هَذِهِ أَنَّ اِبْن الزُّبَيْر إِنَّمَا حَمَلَهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَاسِطَةِ عُمَر , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق الْمُتَّفِقَة عَنْ عُمَر أَنَّهُ رَوَاهُ بِلَفْظِ \" لَنْ \" بَلْ الْحَدِيث عَنْهُ فِي جَمِيع الطُّرُق بِلَفْظِ \" لَمْ \" وَاَللَّه أَعْلَم. وَابْن الزُّبَيْر قَدْ حَفِظَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَّة أَحَادِيث , مِنْهَا حَدِيثه \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِفْتَتَحَ الصَّلَاة فَرَفَعَ يَدَيْهِ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد. وَمِنْهَا حَدِيثه \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو هَكَذَا وَعَقَدَ اِبْن الزُّبَيْر \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَمِنْهَا حَدِيثه أَنَّهُ \" سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ نَبِيذ الْجَرّ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( لَنْ يَلْبَسهُ فِي الْآخِرَة ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الطُّرُق عَنْ ثَابِت , وَهُوَ أَوْضَح فِي النَّفْي. ‏"
    },
    {
        "id": "5386",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذِبْيَانَ خَلِيفَةَ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مُعَاذَةُ ‏ ‏أَخْبَرَتْنِي ‏ ‏أُمُّ عَمْرٍو بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي ذِبْيَان ) ‏ ‏- بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَيَجُوز ضَمّهَا بَعْدهَا مُوَحَّدَة سَاكِنَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة - هُوَ التَّمِيمِيّ الْبَصْرِيّ , مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن عَنْ الْفَرْبَرِيّ \" عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ \" بِظَاءٍ مُشَالَة بَدَل الذَّال وَهُوَ خَطَأ , وَأَشَدّ خَطَأ مِنْهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ عَنْ الْفَرْبَرِيّ \" عَنْ أَبِي دِينَار \" بِمُهْمَلَةٍ مَكْسُورَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة وَنُون ثُمَّ رَاء , نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّد الْأَصِيلِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت اِبْن الزُّبَيْر يَقُول سَمِعْت عُمَر يَقُول ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّضْر بْن شُمَيْلٍ عَنْ شُعْبَة \" حَدَّثَنَا خَلِيفَة بْن كَعْب سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر يَقُول : لَا تَلْبِسُوا نِسَاءَكُمْ الْحَرِير , فَإِنِّي سَمِعْت عُمَر \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن مَيْمُون عَنْ خَلِيفَة بْن كَعْب فَلَمْ يَذْكُر عُمَر فِي إِسْنَاده , وَشُعْبَة أَحْفَظ مِنْ جَعْفَر بْن مَيْمُون. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ لَبِسَ الْحَرِير فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسهُ فِي الْآخِرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَنْ يَلْبَسهُ \" وَالْمَحْفُوظ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" لَمْ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ , وَزَادَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَة جَعْفَر بْن مَيْمُون فِي آخِره \" وَمَنْ لَمْ يَلْبَسهُ فِي الْآخِرَة لَمْ يَدْخُل الْجَنَّة قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( وَلِبَاسهمْ فِيهَا حَرِير ) \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة مُدْرَجَة فِي الْخَبَر , وَهِيَ مَوْقُوفَة عَلَى اِبْن الزُّبَيْر , بَيَّنَ ذَلِكَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق شُعْبَة فَذَكَرَ مِثْل سَنَد حَدِيث الْبَاب وَفِي آخِره \" قَالَ اِبْن الزُّبَيْر \" فَذَكَرَ الزِّيَادَة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْجَعْد عَنْ شُعْبَة وَلَفْظه \" فَقَالَ اِبْن الزُّبَيْر مِنْ رَأْيه : وَمَنْ لَمْ يَلْبَس الْحَرِير فِي الْآخِرَة لَمْ يَدْخُل الْجَنَّة , وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلِبَاسهمْ فِيهَا حَرِير ) \" وَقَدْ جَاءَ مِثْل ذَلِكَ عَنْ اِبْن عُمَر أَيْضًا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ عَنْ خَلِيفَة بْن كَعْب قَالَ : \" خَطَبَنَا اِبْن الزُّبَيْر \" فَذَكَرَ الْحَدِيث الْمَرْفُوع وَزَادَ \" فَقَالَ قَالَ اِبْن عُمَر إِذًا وَاَللَّه لَا يَدْخُل الْجَنَّة , قَالَ اللَّه : ( وَلِبَاسهمْ فِيهَا حَرِير ) \" وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق دَاوُدَ السَّرَّاج عَنْ أَبِي سَعِيد فَذَكَرَ الْحَدِيث الْمَرْفُوع مِثْل حَدِيث عُمَر هَذَا فِي الْبَاب وَزَادَ \" وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّة لَبِسَهُ أَهْل الْجَنَّة وَلَمْ يَلْبَسهُ هُوَ \" وَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَيْضًا مُدْرَجًا , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون الرَّفْع مَحْفُوظًا فَهُوَ مِنْ الْعَامّ الْمَخْصُوص بِالْمُكَلَّفِينَ مِنْ الرِّجَال لِلْأَدِلَّةِ الْأُخْرَى بِجَوَازِهِ لِلنِّسَاءِ , وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَى مَعْنَى الْوَعِيد فِيهِ قَرِيبًا مِنْ طَرِيق أُخْرَى لِرِوَايَةِ اِبْن الزُّبَيْر عَنْ عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو مَعْمَر ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن مَعْمَر بْن عَمْرو بْن الْحَجَّاج , وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ الْبُخَارِيّ , وَلَمْ يُصَرِّح فِي هَذَا الْمَوْضِع عَنْهُ بِالتَّحْدِيثِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن سُفْيَان , زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَيَحْيَى بْن مُعَلَّى الرَّازِيُّ \" قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَر \". ‏ ‏قَوْله : ( حَدِّثَنَّا عَبْد الْوَارِث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد وَيَزِيد هُوَ الضُّبَعِيُّ الْمَعْرُوف بِالرِّشْك بِكَسْرِ الرَّاء وَسُكُون الْمُعْجَمَة , وَمُعَاذَة هِيَ الْعَدَوِيَّة , وَالْإِسْنَاد مِنْ مُبْتَدَئِهِ إِلَى مُعَاذَة بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَتْنِي أُمّ عَمْرو بِنْت عَبْد اللَّه ) ‏ ‏جَزَمَ أَبُو نَصْر الْكَلَابَاذِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ بِأَنَّهَا بِنْت عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , وَلَمْ أَرَهَا مَنْسُوبَة فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر سَمِعَ عُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" سَمِعْت مِنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر يَقُول فِي خُطْبَته أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب \". ‏ ‏قَوْله : ( نَحْوه ) ‏ ‏سَاقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ \" فَإِنَّهُ لَا يُكْسَاهُ فِي الْآخِرَة \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق شَيْبَانَ بْن فَرُّوخ عَنْ عَبْد الْوَارِث \" فَلَا كَسَاهُ اللَّه فِي الْآخِرَة \" طَرِيق أُخْرَى لِحَدِيثِ عُمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "5387",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ الْحَرِيرِ فَقَالَتْ ائْتِ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَسَلْهُ قَالَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ سَلْ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ فَسَأَلْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏فَقَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو حَفْصٍ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا ‏ ‏خَلَاقَ ‏ ‏لَهُ فِي الْآخِرَةِ فَقُلْتُ صَدَقَ وَمَا كَذَبَ ‏ ‏أَبُو حَفْصٍ ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَرْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عِمْرَانُ ‏ ‏وَقَصَّ الْحَدِيثَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار ) ‏ ‏هُوَ بُنْدَار , ‏ ‏وَعُثْمَان ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر بْن فَارِس , وَالسَّنَد كُلّه إِلَى عِمْرَان بْن حِطَّانَ بَصْرِيُّونَ , ‏ ‏وَعِمْرَان ‏ ‏هُوَ السُّدُوسِيّ كَانَ أَحَد الْخَوَارِج مِنْ الْعَقَدِيَّة بَلْ هُوَ رَئِيسهمْ وَشَاعِرهمْ , وَهُوَ الَّذِي مَدَحَ اِبْن مُلْجِم قَاتِل عَلِيّ بِالْأَبْيَاتِ الْمَشْهُورَة , وَأَبُوهُ حِطَّان بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا طَاء مُهْمَلَة ثَقِيلَة , وَإِنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيّ عَلَى قَاعِدَته فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُبْتَدِع إِذَا كَانَ صَامِد اللَّهْجَة مُتَدَيِّنًا ; وَقَدْ قِيلَ إِنَّ عِمْرَان تَابَ مِنْ بِدْعَته وَهُوَ بَعِيد , وَقِيلَ : إِنَّ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير حَمَلَهُ عَنْهُ قَبْل أَنْ يَبْتَدِع , فَإِنَّهُ كَانَ تَزَوَّجَ اِمْرَأَة مِنْ أَقَارِبه تَعْتَقِد رَأْي الْخَوَارِج لِيَنْقُلهَا عَنْ مُعْتَقَدهَا فَنَقَلَتْهُ هِيَ إِلَى مُعْتَقَدهَا , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع وَهُوَ مُتَابَعَة , وَآخَر فِي \" بَاب نَقْضِ الصُّوَر \". ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلْت عَائِشَة عَنْ الْحَرِير فَقَالَتْ : اِئْتِ اِبْن عَبَّاس فَسَلْهُ , قَالَ فَسَأَلْته فَقَالَ : سَلْ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الطَّرِيق , وَفِي رِوَايَة حَرْب بْن شَدَّاد الَّتِي تُذْكَر عَقِب هَذِهِ بِالْعَكْسِ أَنَّهُ سَأَلَ اِبْن عَبَّاس فَقَالَ. سَلْ عَائِشَة , فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ : سَلْ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي أَبُو حَفْص يَعْنِي عُمَر بْن الْخَطَّاب ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت صَدَقَ وَمَا كَذَبَ أَبُو حَفْص ) ‏ ‏هُوَ قَوْل عِمْرَان بْن حِطَّان. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء ) ‏ ‏هُوَ الْغُدَانِيّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمُهْمَلَة , وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ أَيْضًا لَكِنْ لَمْ يُصَرِّح فِي هَذَا بِتَحْدِيثِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَرْب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شَدَّاد , وَزَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ اِبْن مَيْمُون , وَنَسَبَهُ لِصَاحِبِ الْكَاشِف وَهُوَ عَجِيب فَإِنَّ صَاحِب الْكَاشِف لَمْ يَرْقُم لِحَرْبِ بْن مَيْمُون عَلَامَة الْبُخَارِيّ , وَإِنَّمَا قَالَ فِي تَرْجَمَة عَبْد اللَّه بْن رَجَاء رَوَى عَنْ حَرْب بْن مَيْمُون , وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن عَبْد اللَّه بْن رَجَاء رَوَى عَنْهُ أَنْ لَا يَرْوِي عَنْ حَرْب بْن شَدَّاد , بَلْ رِوَايَته عَنْ حَرْب بْن شَدَّاد مَوْجُودَة فِي غَيْر هَذَا وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير , وَأَرَادَ الْبُخَارِيّ بِهَذِهِ الرِّوَايَة تَصْرِيح يَحْيَى بِتَحْدِيثِ عِمْرَان لَهُ بِهَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَصَّ الْحَدِيث ) ‏ ‏سَاقَهُ النَّسَائِيُّ مَوْصُولًا عَنْ عَمْرو بْن مَنْصُور عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء عَنْ حَرْب بْن شَدَّاد بِلَفْظِ \" مَنْ لَبِسَ الْحَرِير فِي الدُّنْيَا فَلَا خَلَاق لَهُ فِي الْآخِرَة \" وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ هَذَا اللَّفْظ فِي حَدِيث عُمَر خَطَأ , وَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يَسُقْ اللَّفْظ لِهَذَا الْمَعْنَى. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث بَيَان وَاضِح لِمَنْ قَالَ يَحْرُم عَلَى الرِّجَال لُبْس الْحَرِير لِلْوَعِيدِ الْمَذْكُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح مَعْنَاهُ فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة فِي شَرْح أَوَّل حَدِيث مِنْهُ , فَإِنَّ الْحُكْم فِيهَا وَاحِد وَهُوَ نَفْي اللُّبْس وَنَفْي الشُّرْب فِي الْآخِرَة وَفِي الْجَنَّة. وَحَاصِل أَعْدَل الْأَقْوَال أَنَّ الْفِعْل الْمَذْكُور مُقْتَضٍ لِلْعُقُوبَةِ الْمَذْكُورَة , وَقَدْ يَتَخَلَّف ذَلِكَ لِمَانِعٍ كَالتَّوْبَةِ وَالْحَسَنَات الَّتِي تُوَازِن وَالْمَصَائِب الَّتِي تُكَفِّر , وَكَدُعَاءِ الْوَلَد بِشَرَائِط , وَكَذَا شَفَاعَة مَنْ يُؤْذَن لَهُ فِي الشَّفَاعَة , وَأَعَمّ مِنْ ذَلِكَ كُلّه عَفْو أَرْحَم الرَّاحِمِينَ. وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ أَجَازَ لُبْس الْعَلَم مِنْ الْحَرِير إِذَا كَانَ فِي الثَّوْب , وَخَصَّهُ بِالْقَدْرِ الْمَذْكُور وَهُوَ أَرْبَع أَصَابِع , وَهَذَا هُوَ الْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة , وَفِيهِ حُجَّة عَلَى مَنْ أَجَازَ الْعَلَم فِي الثَّوْب مُطْلَقًا وَلَوْ زَادَ عَلَى أَرْبَعَة أَصَابِع , وَهُوَ مَنْقُول عَنْ بَعْض الْمَالِكِيَّة , وَفِيهِ حُجَّة عَلَى مَنْ مَنَعَ الْعَلَم فِي الثَّوْب مُطْلَقًا , وَهُوَ ثَابِت عَنْ الْحَسَن وَابْن سِيرِينَ وَغَيْرهمَا , لَكِنْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُونُوا مَنَعُوهُ وَرَعًا وَإِلَّا فَالْحَدِيث حُجَّة عَلَيْهِمْ فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَبْلُغهُمْ , قَالَ النَّوَوِيّ وَقَدْ نُقِلَ مِثْل ذَلِكَ عَنْ مَالِك وَهُوَ مَذْهَب مَرْدُود , وَكَذَا مَذْهَب مَنْ أَجَازَ بِغَيْرِ تَقْدِير وَاَللَّه أَعْلَم. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز لُبْس الثَّوْب الْمُطَرَّز بِالْحَرِيرِ , وَهُوَ مَا جُعِلَ عَلَيْهِ طِرَاز حَرِير مُرَكَّب , وَكَذَلِكَ الْمُطَرَّف وَهُوَ مَا سُجِفَتْ أَطْرَافه بِسَجَفٍ مِنْ حَرِير بِالتَّقْدِيرِ الْمَذْكُور , وَقَدْ يَكُون التَّطْرِيز فِي نَفْس الثَّوْب بَعْد النَّسْج , وَفِيهِ اِحْتِمَال سَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَاز لُبْس الثَّوْب الَّذِي يُخَالِطهُ مِنْ الْحَرِير مِقْدَار الْعَلَم سَوَاء كَانَ ذَلِكَ الْقَدْر مَجْمُوعًا أَوْ مُفَرَّقًا وَهُوَ قَوِيّ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي \" بَاب الْقَسِّيّ \" بَعْد بَابَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5388",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَوْبُ حَرِيرٍ فَجَعَلْنَا نَلْمُسُهُ وَنَتَعَجَّبُ مِنْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا قُلْنَا نَعَمْ قَالَ ‏ ‏مَنَادِيلُ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ‏ ‏فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث الْبَرَاء \" فَجَعَلْنَا نَلْمِسهُ \" ‏ ‏جَزَمَ فِي \" الْمُحْكَم \" بِأَنَّهُ بِضَمِّ الْمِيم فِي الْمُضَارِع , ‏ ‏وَقَوْله : \" مَنَادِيل سَعْد \" ‏ ‏قِيلَ : خَصَّ الْمَنَادِيل بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهَا تُمْتَهَن فَيَكُون مَا فَوْقهَا أَعْلَى مِنْهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , قَالَ اِبْن بَطَّال : النَّهْي عَنْ لُبْس الْحَرِير لَيْسَ مِنْ أَجْل نَجَاسَة عَيْنه بَلْ مِنْ أَجْل أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ لِبَاس الْمُتَّقِينَ , وَعَيْنه مَعَ ذَلِكَ طَاهِرَة فَيَجُوز مَسّه وَبَيْعه وَالِانْتِفَاع بِثَمَنِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِمَّا يَتَعَلَّق بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور فِي كِتَاب الْهِبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5389",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَانَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا وَهْب بْن جَرِير ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي حَازِم. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ نَشْرَب فِي آنِيَة الذَّهَب وَالْفِضَّة وَأَنْ نَأْكُل فِيهَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي الْأَطْعِمَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَنْ لُبْس الْحَرِير وَالدِّيبَاج وَأَنْ نَجْلِس عَلَيْهِ ) ‏ ‏وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم حَدِيث حُذَيْفَة مِنْ عِدَّة أَوْجُه لَيْسَ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَة , وَهِيَ قَوْله : \" وَأَنْ نَجْلِس عَلَيْهِ \" وَهِيَ حُجَّة قَوِيَّة لِمَنْ قَالَ بِمَنْعِ الْجُلُوس عَلَى الْحَرِير وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَالْكُوفِيِّينَ وَبَعْض الشَّافِعِيَّة. وَأَجَابَ بَعْض الْحَنَفِيَّة بِأَنَّ لَفْظ \" نَهَى \" لَيْسَ صَرِيحًا فِي التَّحْرِيم , وَبَعْضهمْ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون النَّهْي وَرَدَ عَنْ مَجْمُوع اللُّبْس وَالْجُلُوس لَا عَنْ الْجُلُوس بِمُفْرَدِهِ وَهَذَا يَرُدّ عَلَى اِبْن بَطَّال دَعْوَاهُ أَنَّ الْحَدِيث نَصّ فِي تَحْرِيم الْجُلُوس عَلَى الْحَرِير , فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ بَلْ هُوَ ظَاهِر , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن وَهْب فِي جَامِعه مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص قَالَ : لَأَنْ أَقْعُد عَلَى جَمْر الْغَضَا أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْعُد عَلَى مَجْلِس مِنْ حَرِير. وَأَدَارَ بَعْض الْحَنَفِيَّة الْجَوَاز وَالْمَنْع عَلَى اللُّبْس لِصِحَّةِ الْأَخْبَار فِيهِ , قَالُوا : وَالْجُلُوس لَيْسَ بِلُبْسٍ , وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِحَدِيثِ أَنَس فَقُمْت إِلَى حَصِير لَنَا قَدْ اِسْوَدَّ مِنْ طُول مَا لُبِسَ. وَلِأَنَّ لُبْس كُلّ شَيْء بِحَسْبِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَنْع النِّسَاء مِنْ اِفْتِرَاش الْحَرِير وَهُوَ ضَعِيف لِأَنَّ خِطَاب الذُّكُور لَا يَتَنَاوَل الْمُؤَنَّث عَلَى الرَّاجِح , وَلَعَلَّ الَّذِي قَالَ بِالْمَنْعِ تَمَسَّكَ فِيهِ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَنْع اِسْتِعْمَالهنَّ آنِيَة الذَّهَب مَعَ جَوَاز لُبْسهنَّ الْحُلِيّ مِنْهُ , فَكَذَلِكَ يَجُوز لُبْسهنَّ الْحَرِير وَيُمْنَعْنَ مِنْ اِسْتِعْمَاله , وَهَذَا الْوَجْه صَحَّحَهُ الرَّافِعِيّ وَصَحَّحَ النَّوَوِيّ الْجَوَاز وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَنْع اِفْتِرَاش الرَّجُل الْحَرِير مَعَ اِمْرَأَته فِي فِرَاشهَا , وَوَجْهه الْمُجِيز لِذَلِكَ مِنْ الْمَالِكِيَّة بِأَنَّ الْمَرْأَة فِرَاش الرَّجُل فَكَمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَفْتَرِشهَا وَعَلَيْهَا الْحُلِيّ مِنْ الذَّهَب وَالْحَرِير كَذَلِكَ يَجُوز لَهُ أَنْ يَجْلِس وَيَنَام مَعَهَا عَلَى فِرَاشهَا الْمُبَاح لَهَا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏الَّذِي يُمْنَع مِنْ الْجُلُوس عَلَيْهِ هُوَ مَا مُنِعَ مِنْ لُبْسه وَهُوَ مَا صُنِعَ مِنْ حَرِير صِرْف أَوْ كَانَ الْحَرِير فِيهِ أَزِيد مِنْ غَيْره كَمَا سَبَقَ تَقْرِيره. ‏"
    },
    {
        "id": "5390",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَانَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَيَاثِرِ ‏ ‏الْحُمْرِ ‏ ‏وَالْقَسِّيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : \" أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه \" ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , ‏ ‏وَقَوْله : \" نَهَانَا \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" نَهَى \" , ‏ ‏وَقَوْله : \" عَنْ الْمَيَاثِر الْحُمُر وَعَنْ الْقَسِّيّ \" ‏ ‏هُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث أَوَّله \" أَمَرَنَا بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْع \" وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي \" بَاب الْمَيَاثِر الْحُمُر \" بَعْد أَبْوَاب. وَاسْتُدِلَّ بِالنَّهْيِ عَنْ لُبْس الْقَسِّيّ عَلَى مَنْع لُبْس مَا خَالَطَهُ الْحَرِير مِنْ الثِّيَاب لِتَفْسِيرِ الْقَسِّيّ بِأَنَّهُ مَا خَالَطَ غَيْر الْحَرِير فِيهِ الْحَرِير , وَيُؤَيِّدهُ عَطْف الْحَرِير عَلَى الْقَسِّيّ فِي حَدِيث الْبَرَاء , وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَأَحْمَد بِسَنَدٍ صَحِيح عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ مِنْ طَرِيق عُبَيْدَة بْن عَمْرو عَنْ عَلِيّ قَالَ : \" نَهَانِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْقَسِّيّ وَالْحَرِير \" وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْمُغَايَرَة بِاعْتِبَارِ النَّوْع فَيَكُون الْكُلّ مِنْ الْحَرِير كَمَا وَقَعَ عَطْف الدِّيبَاج عَلَى الْحَرِير فِي حَدِيث حُذَيْفَة الْمَاضِي قَرِيبًا , وَلَكِنَّ الَّذِي يَظْهَر مِنْ سِيَاق طُرُق الْحَدِيث فِي تَفْسِير الْقَسِّيّ أَنَّهُ الَّذِي يُخَالِط الْحَرِير لَا أَنَّهُ الْحَرِير الصِّرْف , فَعَلَى هَذَا يَحْرُم لُبْس الثَّوْب الَّذِي خَالَطَهُ الْحَرِير. وَهُوَ قَوْل بَعْض الصَّحَابَة كَابْنِ عُمَر وَالتَّابِعِينَ كَابْنِ سِيرِينَ , وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى جَوَاز لُبْس مَا خَالَطَهُ الْحَرِير إِذَا كَانَ غَيْر الْحَرِير الْأَغْلَب , وَعُمْدَتهمْ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْحُلَّة السِّيَرَاء وَمَا اِنْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ الرُّخْصَة فِي الْعِلْم فِي الثَّوْب إِذَا كَانَ مِنْ حَرِير كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي حَدِيث عُمَر , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَهُوَ قِيَاس فِي مَعْنَى الْأَصْل , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ جَوَاز ذَلِكَ جَوَاز كُلّ مُخْتَلِط , وَإِنَّمَا يَجُوز مِنْهُ مَا كَانَ مَجْمُوع الْحَرِير فِيهِ قَدْر أَرْبَع أَصَابِع لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَة بِالنِّسْبَةِ لِجَمِيعِ الثَّوْب فَيَكُون الْمَنْع مِنْ لُبْس الْحَرِير شَامِلًا لِلْخَالِصِ وَالْمُخْتَلِط , وَبَعْد الِاسْتِثْنَاء يَقْتَصِر عَلَى الْقَدْر الْمُسْتَثْنَى وَهُوَ أَرْبَع أَصَابِع إِذَا كَانَتْ مُنْفَرِدَة , وَيَلْتَحِق بِهَا فِي الْمَعْنَى مَا إِذَا كَانَتْ مُخْتَلِطَة , قَالَ : وَقَدْ تَوَسَّعَ الشَّافِعِيَّة فِي ذَلِكَ , وَلَهُمْ طَرِيقَانِ : أَحَدهمَا : وَهُوَ الرَّاجِح اِعْتِبَار الْوَزْن , فَإِنْ كَانَ الْحَرِير أَقَلّ وَزْنًا لَمْ يَحْرُم أَوْ أَكْثَر حَرُمَ , وَإِنْ اِسْتَوَيَا فَوَجْهَانِ اِخْتَلَفَ التَّرْجِيح فِيهِمَا عِنْدهمْ. وَالطَّرِيق الثَّانِي : الِاعْتِبَار بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَة بِالظُّهُورِ , وَهَذَا اِخْتِيَار الْقَفَّال وَمَنْ تَبِعَهُ , وَعِنْد الْمَالِكِيَّة فِي الْمُخْتَلِط أَقْوَال ثَالِثهَا الْكَرَاهَة , وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْن الْخَزّ وَبَيْن الْمُخْتَلِط بِقُطْنٍ وَنَحْوه فَأَجَازَ الْخَزّ وَمَنَعَ الْآخَر , وَهَذَا مَبْنِيّ عَلَى تَفْسِير الْخَزّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَعْض تَفَاسِير الْقَسِّيّ أَنَّهُ الْخَزّ ; فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ رَدِيء الْحَرِير فَهُوَ الَّذِي يَتَنَزَّل عَلَيْهِ الْقَوْل الْمَذْكُور ; وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ مَا كَانَ مِنْ وَبَر فَخُلِطَ بِحَرِيرٍ لَمْ يُتَّجَه التَّفْصِيل الْمَذْكُور , وَاحْتَجَّ أَيْضًا مَنْ أَجَازَ لُبْس الْمُخْتَلِط بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس \" إِنَّمَا نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الثَّوْب الْمُصْمَت مِنْ الْحَرِير فَأَمَّا الْعَلَم مِنْ الْحَرِير وَسُدَى الثَّوْب فَلَا بَأْس بِهِ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَن هَكَذَا , وَأَصْله عِنْد أَبِي دَاوُدَ , وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم بِسَنَدٍ صَحِيح بِلَفْظِ \" إِنَّمَا نَهَى عَنْ الْمُصْمَت إِذَا كَانَ حَرِيرًا \" وَلِلطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق ثَالِث \" نَهَى عَنْ مُصْمَت الْحَرِير فَأَمَّا مَا كَانَ سُدَاهُ مِنْ قُطْن أَوْ كَتَّان فَلَا بَأْس بِهِ \" وَاسْتَدَلَّ اِبْن الْعَرَبِيّ لِلْجَوَازِ أَيْضًا بِأَنَّ النَّهْي عَنْ الْحَرِير حَقِيقَة فِي الْخَالِص , وَالْإِذْن فِي الْقُطْن وَنَحْوه صَرِيح , فَإِذَا خُلِطَا بِحَيْثُ لَا يُسَمَّى حَرِيرًا بِحَيْثُ لَا يَتَنَاوَلهُ الِاسْم وَلَا تَشْمَلهُ عِلَّة التَّحْرِيم خَرَجَ عَنْ الْمَمْنُوع فَجَازَ , وَقَدْ ثَبَتَ لُبْس الْخَزّ عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَغَيْرهمْ , قَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَبِسَهُ عِشْرُونَ نَفْسًا مِنْ الصَّحَابَة وَأَكْثَر , وَأَوْرَدَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ جَمْع مِنْهُمْ وَعَنْ طَائِفَة مِنْ التَّابِعِينَ بِأَسَانِيد جِيَاد , وَأَعْلَى مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن سَعْد الدَّشْتَكِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : \" رَأَيْت رَجُلًا عَلَى بَغْلَة وَعَلَيْهِ عِمَامَة خَزّ سَوْدَاء وَهُوَ يَقُول : كَسَانِيهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عَمَّار بْن أَبِي عَمَّار قَالَ : \" أَتَتْ مَرْوَان بْن الْحَكَم مَطَارِف خَزّ , فَكَسَاهَا أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عَمَّار بْن أَبِي عَمَّار قَالَ : \" أَتَتْ مَرْوَان بْن الْحَكَم مَطَارِف خَزّ , فَكَسَاهَا أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَالْأَصَحّ فِي تَفْسِير الْخَزّ أَنَّهُ ثِيَاب سُدَاهَا مِنْ حَرِير وَلُحْمَتهَا مِنْ غَيْره , وَقِيلَ. تُنْسَج مَخْلُوطَة مِنْ حَرِير وَصُوف أَوْ نَحْوه , وَقِيلَ : أَصْله اِسْم دَابَّة يُقَال لَهَا الْخَرّ سُمِّيَ الثَّوْب الْمُتَّخَذ مِنْ وَبَره خَزًّا لِنُعُومَتِهِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى مَا يُخْلَط بِالْحَرِيرِ لِنُعُومَةِ الْحَرِير , وَعَلَى هَذَا فَلَا يَصِحّ الِاسْتِدْلَال بِلُبْسِهِ عَلَى جَوَاز لُبْس مَا يُخَالِطهُ الْحَرِير مَا لَمْ يَتَحَقَّق أَنَّ الْخَزّ الَّذِي لَبِسَهُ السَّلَف كَانَ مِنْ الْمَخْلُوط بِالْحَرِيرِ وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّة وَالْحَنَابِلَة لُبْس الْخَزّ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شُهْرَة , عَنْ مَالِك الْكَرَاهَة , وَهَذَا كُلّه فِي الْخَزّ , وَأَمَّا الْقَزّ بِالْقَافِ بَدَل الْخَاء الْمُعْجَمَة فَقَالَ الرَّافِعِيّ : عَدَّ الْأَئِمَّة الْقَزّ مِنْ الْحَرِير وَحَرَّمُوهُ عَلَى الرِّجَال وَلَوْ كَانَ كَمِد اللَّوْن , وَنَقَلَ الْإِمَام الِاتِّفَاق عَلَيْهِ لَكِنْ حَكَى الْمُتَوَلِّي فِي \" التَّتِمَّة \" وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَحْرُم لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ثِيَاب الزِّينَة , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : إِنْ كَانَ مُرَاده بِالْقَزِّ مَا نُطْلِقهُ نَحْنُ الْآن عَلَيْهِ فَلَيْسَ يَخْرُج عَنْ اِسْم الْحَرِير فَيَحْرُم , وَلَا اِعْتِبَار بِكُمُودَةِ اللَّوْن وَلَا بِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ ثِيَاب الزِّينَة فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَعْلِيل ضَعِيف لَا أَثَر لَهُ بَعْد اِنْطِلَاق الِاسْم عَلَيْهِ ا ه كَلَامه. وَلَمْ يَتَعَرَّض لِمُقَابِلِ التَّقْسِيم ; وَهُوَ وَإِنْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ شَيْئًا آخَر فَيُتَّجَه كَلَامه , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ مُرَاده بِهِ رَدِيء الْحَرِير , وَهُوَ نَحْو مَا تَقَدَّمَ فِي الْخَزّ , وَلِأَجْلِ ذَلِكَ وَصَفَهُ بِكُمُودَةِ اللَّوْن. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5391",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَخَّصَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِلزُّبَيْرِ ‏ ‏وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ بِهِمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَلَام \" وَبِهِ جَزَمَ الْمِزِّيّ فِي الْأَطْرَاف. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَة \" سَمِعْت أَنَسًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْجِهَاد. ‏ ‏قَوْله : ( لِلزُّبَيْرِ وَعَبْد الرَّحْمَن فِي لُبْس الْحَرِير لِحَكَّةِ بِهِمَا ) ‏ ‏أَيْ لِأَجْلِ الْحَكَّة , وَفِي رِوَايَة سَعِيد عَنْ قَتَادَة \" مِنْ حَكَّة كَانَتْ بِهِمَا \" وَفِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ قَتَادَة أَنَّهُمَا شَكَيَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَمْل , وَقَدْ تَقَدَّمَتَا فِي الْجِهَاد , وَكَأَنَّ الْحَكَّة نَشَأَتْ مِنْ أَثَر الْقَمْل , وَتَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه فِي كِتَاب الْجِهَاد , قَالَ الطَّبَرِيُّ : فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ النَّهْي عَنْ لُبْس الْحَرِير لَا يَدْخُل فِيهِ مَنْ كَانَتْ بِهِ عِلَّة يُخَفِّفهَا لُبْس الْحَرِير اِنْتَهَى. وَيَلْتَحِق بِذَلِكَ مَا يَقِي مِنْ الْحَرّ أَوْ الْبَرْد حَيْثُ لَا يُوجَد غَيْره , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد أَنَّ بَعْض الشَّافِعِيَّة خَصَّ الْجَوَاز بِالسَّفَرِ دُون الْحَضَر , وَاخْتَارَهُ اِبْن الصَّلَاح , وَخَصَّهُ النَّوَوِيّ فِي \" الرَّوْضَة \" مَعَ ذَلِكَ بِالْحَكَّةِ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيّ فِي الْقَمْل أَيْضًا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي \" الْوَسِيط لِلْغَزَالِيِّ \" أَنَّ الَّذِي رُخِّصَ لَهُ فِي لُبْس الْحَرِير حَمْزَة بْن عَبْد الْمَطْلَب , وَغَلَّطُوهُ. وَفِي وَجْه لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الرُّخْصَة خَاصَّة بِالزُّبَيْرِ وَعَبْد الرَّحْمَن , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد عَنْ عُمَر مَا يُوَافِقهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5392",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَسَانِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حُلَّةً ‏ ‏سِيَرَاءَ ‏ ‏فَخَرَجْتُ فِيهَا فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَشَقَّقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن مَيْسَرَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَتَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ مُهْمَلَة هُوَ الْهِلَالِيّ أَبُو زَيْد الزَّرَّاد بِزَايٍ ثُمَّ رَاءٍ ثَقِيلَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي النَّفَقَات مِنْ وَجْه آخَر عَنْ شُعْبَة أَخْبَرَنِي عَبْد الْمَلِك , وَلِشُعْبَةَ فِيهِ إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُعَاذ عَنْهُ عَنْ أَبِي عَوْن الثَّقَفِيّ عَنْ أَبِي صَالِح الْحَنَفِيّ عَنْ عَلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زَيْد بْن وَهْب ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَتَقَدَّمَ كَذَلِكَ فِي الْهِبَة وَالنَّفَقَات. وَكَذَا عِنْد مُسْلِم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن السَّكَن هُنَا وَحْده عَنْ النِّزَال بْن سَبْرَة بَدَل زَيْد بْن وَهْب وَهُوَ وَهْم , كَأَنَّهُ اِنْتَقَلَ مِنْ حَدِيث إِلَى حَدِيث لِأَنَّ رِوَايَة عَبْد الْمَلِك عَنْ النِّزَال عَنْ عَلِيّ إِنَّمَا هِيَ فِي الشُّرْب قَائِمًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَشْرِبَة , وَقَدْ وَافَقَ الْجَمَاعَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْآخَرَيْنِ , وَزَيْد بْن وَهْب هُوَ الْجُهَنِيّ الثِّقَة الْمَشْهُور مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ عَلِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَتَقَدَّمَ فِي الْهِبَة بِلَفْظِ \" سَمِعْت زَيْد بْن وَهْب \". ‏ ‏قَوْله : ( أَهْدَى ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَيَّ ) بِتَشْدِيدِ الْيَاء وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح الْمَذْكُورَة \" أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُلَّة فَبَعَثَ بِهَا إِلَيَّ \" وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ عَلِيّ \" أَنَّ أُكَيْدِر دُومَة أَهْدَى إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْب حَرِير فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا \" وَفِي رِوَايَة لِلطَّحَاوِيّ \" أَهْدَى أَمِير أَذْرَبِيجَان إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُلَّة مُسَيَّرَة بِحَرِيرٍ \" وَسَنَده ضَعِيف. ‏ ‏قَوْله : ( حُلَّة سِيَرَاء ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْد الْحُلَل بُرُود الْيَمَن , وَالْحُلَّة إِزَار وَرِدَاء , وَنَقَلَهُ اِبْن الْأَثِير وَزَادَ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْس وَاحِد , وَقَالَ اِبْن سِيدَه فِي الْمُحْكَم الْحُلَّة بُرْد أَوْ غَيْره , وَحَكَى عِيَاض أَنَّ أَصْل تَسْمِيَة الثَّوْبَيْنِ حُلَّة أَنَّهُمَا يَكُونَانِ جَدِيدَيْنِ كَمَا حَلَّ طَيّهمَا , وَقِيلَ : لَا يَكُون الثَّوْبَانِ حُلَّة حَتَّى يُلْبَس أَحَدهمَا فَوْق الْآخَر , فَإِذَا كَانَ فَوْقه فَقَدْ حَلَّ عَلَيْهِ وَالْأَوَّل أَشْهَر , وَالسِّيَرَاء بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَفَتْح التَّحْتَانِيَّة وَالرَّاء مَعَ الْمَدّ , قَالَ الْخَلِيل : لَيْسَ فِي الْكَلَام فِعَلَاء بِكَسْرِ أَوَّله مَعَ الْمَدّ سِوَى سِيَرَاء , وَحِوَلَاء وَهُوَ الْمَاء الَّذِي يَخْرُج عَلَى رَأْس الْوَلَد , وَعِنَبَاء لُغَة فِي الْعِنَب , قَالَ مَالِك : هُوَ الْوَشْي مِنْ الْحَرِير , كَذَا قَالَ , وَالْوَشْي بِفَتْحِ الْوَاو وَسُكُون الْمُعْجَمَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة. وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ ثِيَاب فِيهَا خُطُوط مِنْ حَرِير أَوْ قَزّ , وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا سِيَرَاء لِتَسْيِيرِ الْخُطُوط فِيهَا. وَقَالَ الْخَلِيل : ثَوْب مُضَلَّع بِالْحَرِيرِ وَقِيلَ : مُخْتَلِف الْأَلْوَان فِيهِ خُطُوط مُمْتَدَّة كَأَنَّهَا السُّيُور. وَوَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ فِي حَدِيث أَنَس \" أَنَّهُ رَأَى عَلَى أُمّ كُلْثُوم حُلَّة سِيَرَاء \" وَالسِّيَرَاء الْمُضَلَّع بِالْقَزِّ , وَقَدْ جَزَمَ اِبْن بَطَّال كَمَا سَيَأْتِي فِي ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب أَنَّهُ مِنْ تَفْسِير الزُّهْرِيِّ , وَقَالَ اِبْن سِيدَه : هُوَ ضَرْب مِنْ الْبُرُود , وَقِيلَ ثَوْب مُسَيَّر فِيهِ خُطُوط يُعْمَل مِنْ الْقَزّ , وَقِيلَ : ثِيَاب مِنْ الْيَمَن , وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : بُرْد فِيهِ خُطُوط صُفْر , وَنَقَلَ عِيَاض عَنْ سِيبَوَيْهِ قَالَ لَمْ يَأْتِ فِعَلَاء صِفَة لَكِنْ اِسْمًا , وَهُوَ الْحَرِير الصَّافِي وَاخْتُلِفَ فِي قَوْله \" حُلَّة سِيَرَاء \" هَلْ هُوَ بِالْإِضَافَةِ أَوْ لَا , فَوَقَعَ عِنْد الْأَكْثَر بِتَنْوِينِ حُلَّة عَلَى أَنَّ سِيَرَاء عَطْف بَيَان أَوْ نَعْت , وَجَزَمَ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّهُ الرِّوَايَة , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَالُوا حُلَّة سِيَرَاء كَمَا قَالُوا نَاقَة عَشْرَاء , وَنَقَلَ عِيَاض عَنْ أَبِي مَرْوَان بْن السَّرَّاج أَنَّهُ بِالْإِضَافَةِ , قَالَ عِيَاض : وَكَذَا ضَبَطْنَاهُ عَنْ مُتْقِنِي شُيُوخنَا , وَقَالَ النَّوَوِيّ إِنَّهُ قَوْل الْمُحَقِّقِينَ وَمُتْقِنِي الْعَرَبِيَّة وَإِنَّهُ مِنْ إِضَافَة الشَّيْء لِصِفَتِهِ كَمَا قَالُوا ثَوْب خَزّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجْت فِيهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْ عَلِيّ \" فَلَبِسْتهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَرَأَيْت الْغَضَب فِي وَجْهه ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح \" فَقَالَ : إِنِّي لَمْ أَبْعَث بِهَا إِلَيْك لِتَلْبَسهَا , إِنَّمَا بَعَثْت بِهَا إِلَيْك لِتُشَقِّقهَا خُمُرًا بَيْن النِّسَاء \" وَلَهُ فِي أُخْرَى \" شَقِّقْهَا خُمُرًا بَيْن الْفَوَاطِم \". ‏ ‏قَوْله : ( فَشَقَقْتهَا بَيْن نِسَائِي ) ‏ ‏أَيْ قَطَعْتهَا فَفَرَّقْتهَا عَلَيْهِنَّ خُمُرًا , وَالْخُمُر بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَالْمِيم جَمْع خِمَار بِكَسْرِ أَوَّله وَالتَّخْفِيف : مَا تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَة رَأْسهَا , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" نِسَائِي \" مَا فَسَّرَهُ فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح حَيْثُ قَالَ : \" بَيْن الْفَوَاطِم \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ حَيْثُ قَالَ : \" فَرَجَعْت إِلَى فَاطِمَة فَشَقَقْتهَا , فَقَالَتْ : مَاذَا جِئْت بِهِ ؟ قُلْت نَهَانِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُبْسهَا فَالْبَسِيهَا وَاكْسِي نِسَاءَك \" وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ عَلِيًّا إِنَّمَا شَقَّقَهَا بِإِذْنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّد بْن قُتَيْبَة : الْمُرَاد بِالْفَوَاطِمِ فَاطِمَة بِنْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَاطِمَة بِنْت أَسَد بْن هَاشِم وَالِدَة عَلِيّ وَلَا أَعْرِف الثَّالِثَة. وَذَكَرَ أَبُو مَنْصُور الْأَزْهَرِيّ أَنَّهَا فَاطِمَة بِنْت حَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَّلِب. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ وَابْن أَبِي الدُّنْيَا فِي \" كِتَاب الْهَدَايَا \" وَعَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد فِي \" الْمُبْهَمَات \" وَابْن عَبْد الْبَرّ كُلّهمْ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد عَنْ أَبِي فَاخِتَة عَنْ هُبَيْرَة بْن يَرِيم - بِتَحْتَانِيَّةٍ أَوَّله ثُمَّ رَاءٍ وَزْن عَظِيم - عَنْ عَلِيّ فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة قَالَ : \" فَشَقَقْت مِنْهَا أَرْبَعَة أَخْمِرَة \" فَذَكَرَ الثَّلَاث الْمَذْكُورَات , قَالَ : وَنَسِيَ يَزِيد الرَّابِعَة. وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيِّ \" خِمَارًا لِفَاطِمَة بِنْت أَسَد بْن هَاشِم أُمّ عَلِيّ , وَخِمَارًا لِفَاطِمَة بِنْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَخِمَارًا لِفَاطِمَة بِنْت حَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَخِمَارًا لِفَاطِمَة أُخْرَى قَدْ نَسِيتهَا \" فَقَالَ عِيَاض لَعَلَّهَا فَاطِمَة اِمْرَأَة عَقِيل بْن أَبِي طَالِب وَهِيَ بِنْت شَيْبَة بْن رَبِيعَة , وَقِيلَ : بِنْت عُتْبَةَ بْن رَبِيعَة , وَقِيلَ : بِنْت الْوَلِيد بْن عُتْبَةَ. وَامْرَأَة عَقِيل هَذِهِ هِيَ الَّتِي لَمَّا تَخَاصَمَتْ مَعَ عَقِيل بَعَثَ عُثْمَان مُعَاوِيَة وَابْن عَبَّاس حُكْمَيْنِ بَيْنهمَا ذَكَرَهُ مَالِك فِي \" الْمُدَوَّنَة \" وَغَيْره , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْخِطَاب لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ الْحُلَّة إِلَى عَلِيّ فَبَنَى عَلِيّ عَلَى ظَاهِر الْإِرْسَال فَانْتَفَعَ بِهَا فِي أَشْهَر مَا صُنِعَتْ لَهُ وَهُوَ اللُّبْس , فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يُبِحْ لَهُ لُبْسهَا وَإِنَّمَا بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ لِيَكْسُوهَا غَيْره مِمَّنْ تُبَاح لَهُ , وَهَذَا كُلّه إِنْ كَانَتْ الْقِصَّة وَقَعَتْ بَعْد النَّهْي عَنْ لُبْس الرِّجَال الْحَرِير , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "5393",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏رَأَى حُلَّةَ ‏ ‏سِيَرَاءَ ‏ ‏تُبَاعُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ ابْتَعْتَهَا تَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ إِذَا أَتَوْكَ وَالْجُمُعَةِ قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا ‏ ‏خَلَاقَ ‏ ‏لَهُ وَأَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏حُلَّةَ ‏ ‏سِيَرَاءَ ‏ ‏حَرِيرٍ كَسَاهَا إِيَّاهُ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَقُولُ فِيهَا مَا قُلْتَ فَقَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَبِيعَهَا أَوْ تَكْسُوَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( جُوَيْرِيَّة ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالرَّاء مُصَغَّر وَبَعْد الرَّاء تَحْتَانِيَّة مَفْتُوحَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عُمَر رَأَى حُلَّة سِيَرَاء ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَر أَصْحَاب نَافِع , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر الْعُمَرِيّ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر أَنَّهُ \" رَأَى حُلَّة \" فَجَعَلَهُ فِي مُسْنَد عُمَر. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : الْمَحْفُوظ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَد اِبْن عُمَر. وَسِيَرَاء تَقَدَّمَ ضَبْطهَا وَتَفْسِيرهَا فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ نَافِع كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْجُمُعَة أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى بَاب الْمَسْجِد , وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ نَافِع عِنْد النَّسَائِيِّ \" أَنَّ عُمَر كَانَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السُّوق فَرَأَى الْحُلَّة \" وَلَا تَخَالُف بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ , لِأَنَّ طَرَف السُّوق كَانَ يَصِل إِلَى قُرْب بَاب الْمَسْجِد. ‏ ‏قَوْله : ( تُبَاع ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم عَنْ نَافِع عِنْد مُسْلِم \" رَأَى عُمَر عُطَارِدًا التَّمِيمِيّ يُقِيم حُلَّة بِالسُّوقِ , وَكَانَ رَجُلًا يَغْشَى الْمُلُوك وَيُصِيب مِنْهُمْ \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي مِجْلَز عَنْ حَفْصَة بِنْت عُمَر \" أَنَّ عُطَارِد بْن حَاجِب جَاءَ بِثَوْبٍ مِنْ دِيبَاج كَسَاهُ إِيَّاهُ كِسْرَى , فَقَالَ عُمَر : أَلَا أَشْتَرِيه لَك يَا رَسُول اللَّه \" ؟ وَمِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو بْن مُعَاذ عَنْ عُطَارِد نَفْسه أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْب دِيبَاج كَسَاهُ إِيَّاهُ كِسْرَى , وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ عُطَارِدًا لَمَّا أَقَامَهُ فِي السُّوق لِيُبَاعَ لَمْ يَتَّفِق لَهُ بَيْعه فَأَهْدَاهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَعُطَارِد هَذَا هُوَ اِبْن حَاجِب بْن زُرَارَةَ بْن عَدَس بِمُهْمَلَاتٍ الدَّارِمِيُّ يُكَنَّى أَبَا عِكْرِشَة بِشِينٍ مُعْجَمَة , كَانَ مِنْ جُمْلَة وَفْد بَنِي تَمِيم أَصْحَاب الْحُجُرَات , وَقَدْ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامه وَاسْتَعْمَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَدَقَات قَوْمه , وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ رُؤَسَاء بَنِي تَمِيم فِي الْجَاهِلِيَّة , وَقِصَّته مَعَ كِسْرَى فِي رَهْنه قَوْسه عِوَضًا عَنْ جَمْع كَثِير مِنْ الْعَرَب عِنْد كِسْرَى مَشْهُورَة حَتَّى ضُرِبَ الْمَثَل بِقَوْسِ حَاجِب. ‏ ‏قَوْله : ( لَوْ اِبْتَعْتهَا فَلَبِسْتهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِيدَيْنِ \" اِبْتَعْ هَذِهِ فَتَجَمَّلْ بِهَا \" وَكَانَ عُمَر أَشَارَ بِشِرَائِهَا وَتَمَنَّاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لِلْوَفْدِ إِذَا أَتَوْك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم \" لِوُفُودِ الْعَرَب \" وَكَأَنَّهُ خَصَّهُ بِالْعَرَبِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذْ ذَاكَ الْوُقُود فِي الْغَالِب , لِأَنَّ مَكَّة لَمَّا فُتِحَتْ بَادَرَ الْعَرَب بِإِسْلَامِهِمْ فَكَانَتْ كُلّ قَبِيلَة تُرْسِل كُبَرَاءَهَا لِيُسْلِمُوا وَيَتَعَلَّمُوا وَيَرْجِعُوا إِلَى قَوْمهمْ فَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَام وَيُعَلِّمُوهُمْ. ‏ ‏قَوْله ( وَالْجُمُعَة ) ‏ ‏فِي رَوَاهُ سَالِم \" الْعِيد \" بَدَل \" الْجُمُعَة \" وَجَمَعَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ نَافِع مَا تَضَمَّنَتْهُ الرِّوَايَتَانِ , أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ \" فَتَجَمَّلْ بِهَا لِوُفُودِ الْعَرَب إِذَا أَتَوْك , وَإِذَا خَطَبْت النَّاس فِي يَوْم عِيد وَغَيْره \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا يَلْبَس هَذِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم \" إِنَّمَا يَلْبَس الْحَرِير \". ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ لَا خَلَاق لَهُ ) ‏ ‏زَادَ مَالِك فِي رِوَايَته \" فِي الْآخِرَة \". وَالْخَلَاق النَّصِيب وَقِيلَ : الْحَظّ وَهُوَ الْمُرَاد هُنَا , وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى الْحُرْمَة وَعَلَى الدِّين , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَاد مَنْ لَا نَصِيب لَهُ فِي الْآخِرَة أَيْ مِنْ لُبْس الْحَرِير قَالَهُ الطَّيِّبِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيث أَبِي عُثْمَان عَنْ عُمَر فِي أَوَّل حَدِيث مِنْ \" بَاب لُبْس الْحَرِير \" مَا يُؤَيِّدهُ وَلَفْظه \" لَا يَلْبَس الْحَرِير إِلَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْهُ شَيْء \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بَعْد ذَلِكَ إِلَى عُمَر حُلَّة سِيَرَاء ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه , \" بِحُلَّةٍ سِيَرَاء مِنْ حَرِير \" وَمِنْ بَيَانِيَّة وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ السِّيَرَاء قَدْ تَكُون مِنْ غَيْر حَرِير. ‏ ‏قَوْله : ( كَسَاهَا إِيَّاهُ ) ‏ ‏كَذَا أُطْلِقَ , وَهِيَ بِاعْتِبَارِ مَا فَهِمَ عُمَر مِنْ ذَلِكَ , وَإِلَّا فَقَدْ ظَهَرَ مِنْ بَقِيَّة الْحَدِيث أَنَّهُ لَمْ يَبْعَث إِلَيْهِ بِهَا لِيَلْبَسهَا , أَوْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ كَسَاهُ أَعْطَاهُ مَا يَصْلُح أَنْ يَكُون كِسْوَة , وَفِي رِوَايَة مَالِك الْمَاضِيَة فِي الْجُمُعَة \" ثُمَّ جَاءَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا حُلَل فَأَعْطَى عُمَر حُلَّة \" وَفِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم \" فَلَمَّا كَانَ بَعْد ذَلِكَ أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحُلَلٍ سِيَرَاء فَبَعَثَ إِلَى عُمَر بِحُلَّةٍ وَبَعَثَ إِلَى أُسَامَة بْن زَيْد بِحُلَّةٍ وَأَعْطَى عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب حُلَّة \" وَعُرِفَ بِهَذَا جِهَة الْحُلَّة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث عَلِيّ الْمَذْكُور أَوَّلًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عُمَر كَسَوْتنِيهَا وَقَدْ سَمِعْتُك تَقُول فِيهَا مَا قُلْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم \" فَجَاءَ عُمَر بِحُلَّتِهِ يَحْمِلهَا فَقَالَ : بَعَثْت إِلَيَّ بِهَذِهِ وَقَدْ قُلْت بِالْأَمْسِ فِي حُلَّة عُطَارِد مَا قُلْت \" وَالْمُرَاد بِالْأَمْسِ هُنَا يَحْتَمِل اللَّيْلَة الْمَاضِيَة أَوْ مَا قَبْلهَا بِحَسَبِ مَا اِتَّفَقَ مِنْ وُصُول الْحُلَل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد قِصَّة حُلَّة عُطَارِد , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِسْحَاق \" فَخَرَجْت فَزِعًا فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه تُرْسِل بِهَا إِلَيَّ وَقَدْ قُلْت فِيهَا مَا قُلْت \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا بَعَثْت بِهَا إِلَيْك لِتَبِيعَهَا أَوْ تَكْسُوهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" لِتُصِيبَ بِهَا \" وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم كَمَا مَضَى فِي الْعِيدَيْنِ \" تَبِيعهَا وَتُصِيب بِهَا حَاجَتك \" وَفِي رِوَايَة يَحْيَى بْن إِسْحَاق عَنْ سَالِم كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَب \" لِتُصِيبَ بِهَا مَالًا \" وَزَادَ مَالِك فِي آخِر الْحَدِيث \" فَكَسَاهَا عُمَر أَخًا لَهُ بِمَكَّة مُشْرِكًا \" زَادَ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر الْعُمَرِيّ عِنْد النَّسَائِيِّ \" أَخًا لَهُ مِنْ أُمّه \" وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر \" فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَر إِلَى أَخ لَهُ مِنْ أَهْل مَكَّة قَبْل أَنْ يُسْلِم \" قَالَ النَّوَوِيّ هَذَا يُشْعِر بِأَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْد ذَلِكَ. قُلْت : وَلَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة هَذَا الْأَخ إِلَّا فِيمَا ذَكَرَهُ اِبْن بَشْكُوَال فِي \" الْمُبْهَمَات \" نَقْلًا عَنْ اِبْن الْحَذَّاء فِي رِجَال الْمُوَطَّأ فَقَالَ : اِسْمه عُثْمَان بْن حَكِيم , قَالَ الدِّمْيَاطِيّ : هُوَ السُّلَمِيّ أَخُو خَوْلَة بِنْت حَكِيم بْن أُمَيَّة بْن حَارِثَة بْن الْأَوْقَص , قَالَ : وَهُوَ أَخُو زَيْد بْن الْخَطَّاب لِأُمِّهِ. فَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَخُو عُمَر لِأُمِّهِ لَمْ يُصِبْ. قُلْت : بَلْ لَهُ وَجْه بِطَرِيقِ الْمَجَاز. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عُمَر اِرْتَضَعَ مِنْ أُمّ أَخِيهِ زَيْد فَيَكُون عُثْمَان أَخَا عُمَر لِأُمِّهِ مِنْ الرَّضَاع وَأَخَا زَيْد لِأُمِّهِ مِنْ النَّسَب. وَأَفَادَ اِبْن سَعْد أَنَّ وَالِدَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب هِيَ أُمّ سَعِيد بْن عُثْمَان بْن الْحَكَم , وَلَمْ أَقِف عَلَى ذِكْره فِي الصَّحَابَة , فَإِنْ كَانَ أَسْلَمَ فَقَدْ فَاتَهُمْ , فَلْيُسْتَدْرَكْ , وَإِنْ كَانَ مَاتَ كَافِرًا وَكَانَ قَوْله : \" قَبْل أَنْ يُسْلَم \" لَا مَفْهُوم لَهُ , بَلْ الْمُرَاد أَنَّ الْبَعْث إِلَيْهِ كَانَ فِي حَال كُفْره مَعَ قَطْع النَّظَر عَمَّا وَرَاء ذَلِكَ , فَلْتُعَدَّ بِنْته فِي الصَّحَابَة. وَفِي حَدِيث جَابِر الَّذِي أَوَّله \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي قَبَاء حَرِير ثُمَّ نَزَعَهُ فَقَالَ نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيل \" كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي أَوَائِل كِتَاب الصَّلَاة زِيَادَة عِنْد النَّسَائِيِّ وَهِيَ \" فَأَعْطَاهُ لِعُمَر , فَقَالَ : لَمْ أُعْطِكَهُ لِتَلْبَسهُ بَلْ لِتَبِيعَهُ , فَبَاعَهُ عُمَر \" وَسَنَده قَوِيّ وَأَصْله فِي مُسْلِم , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا أَمْكَنَ أَنْ يَكُون عُمَر بَاعَهُ بِإِذْنِ أَخِيهِ بَعْد أَنْ أَهْدَاهُ لَهُ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَجْه إِدْخَال هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب الْحَرِير لِلنِّسَاءِ \" يُؤْخَذ مِنْ قَوْله لِعُمَر \" لِتَبِيعَهَا أَوْ تَكْسُوهَا \" لِأَنَّ الْحَرِير إِذَا كَانَ لُبْسه مُحَرَّمًا عَلَى الرِّجَال فَلَا فَرْق بَيْن عُمَر وَغَيْره مِنْ الرِّجَال فِي ذَلِكَ فَيَنْحَصِر الْإِذْن فِي النِّسَاء , وَأَمَّا كَوْن عُمَر كَسَاهَا أَخَاهُ فَلَا يُشْكِل عَلَى ذَلِكَ عِنْد مَنْ يَرَى أَنَّ الْكَافِر مُخَاطَب بِالْفُرُوعِ وَيَكُون أَهْدَى عُمَر الْحُلَّة لِأَخِيهِ لِيَبِيعَهَا أَوْ يَكْسُوهَا اِمْرَأَة , وَيُمْكِن مَنْ يَرَى أَنَّ الْكَافِر غَيْر مُخَاطَب أَنْ يَنْفَصِل عَنْ هَذَا الْإِشْكَال بِالتَّمَسُّكِ بِدُخُولِ النِّسَاء فِي عُمُوم قَوْله أَوْ يَكْسُوهَا أَيْ إِمَّا لِلْمَرْأَةِ أَوْ لِلْكَافِرِ بِقَرِينَةِ قَوْله : \" إِنَّمَا يَلْبَس هَذَا مَنْ لَا خَلَاق لَهُ \" أَيْ مِنْ الرِّجَال. ثُمَّ ظَهَرَ لِي وَجْه آخَر وَهُوَ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث الْمَذْكُورَة فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيث الْمَذْكُور الطَّحَاوِيُّ مِنْ رِوَايَة أَيُّوب بْن مُوسَى عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : \" أَبْصَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُطَارِد حُلَّة فَكَرِهَهَا لَهُ ثُمَّ إِنَّهُ كَسَاهَا عُمَر مِثْله \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" إِنِّي لَمْ أَكْسُكهَا لِتَلْبَسهَا إِنَّمَا أَعْطَيْتُكهَا لِتُلْبِسهَا النِّسَاء \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز لُبْس الْمَرْأَة الْحَرِير الصَّرْف بِنَاء عَلَى أَنَّ الْحُلَّة السِّيَرَاء هِيَ الَّتِي تَكُون مِنْ حَرِير صَرْف , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هَذَا قَوْل أَهْل الْعِلْم , وَأَمَّا أَهْل اللُّغَة فَيَقُولُونَ : هِيَ الَّتِي يُخَالِطهَا الْحَرِير , قَالَ : وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد. ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ اِبْن عُمَر نَحْو حَدِيث الْبَاب وَفِيهِ \" حُلَّة مِنْ حَرِير \" وَقَالَ اِبْن بَطَّال : دَلَّتْ طُرُق الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْحُلَّة الْمَذْكُورَة كَانَتْ مِنْ حَرِير مَحْض , ثُمَّ ذُكِرَ مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" أَنَّ عُمَر قَالَ : يَا رَسُول اللَّه , إِنِّي مَرَرْت بِعُطَارِدٍ يَعْرِض حُلَّة حَرِير لِلْبَيْعِ \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة وَالطَّبَرِيّ بِهَذَا اللَّفْظ. قُلْت : وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن حَفْص عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ \" حُلَّة حَرِير أَوْ سِيَرَاء \" , وَفِي الْعِيدَيْنِ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم \" حُلَّة مِنْ إِسْتَبْرَق \" وَقَدْ فُسِّرَ الْإِسْتَبْرَق فِي طَرِيق أُخْرَى بِأَنَّهُ مَا غَلُظَ مِنْ الدِّيبَاج , أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن إِسْحَاق قَالَ : \" سَأَلَنِي سَالِم عَنْ الْإِسْتَبْرَق فَقُلْت : مَا غَلُظَ مِنْ الدِّيبَاج , فَقَالَ : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عُمَر \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة \" حُلَّة مِنْ سُنْدُس \" قَالَ النَّوَوِيّ : هَذِهِ الْأَلْفَاظ تُبَيِّن أَنَّ الْحُلَّة كَانَتْ حَرِيرًا مَحْضًا قُلْت : الَّذِي يَتَبَيَّن أَنَّ السِّيَرَاء قَدْ تَكُون حَرِيرًا صِرْفًا وَقَدْ تَكُون غَيْر مَحْض , فَاَلَّتِي فِي قِصَّة عُمَر جَاءَ التَّصْرِيح بِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ حَرِير مَحْض وَلِهَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثه \" إِنَّمَا يَلْبَس هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاق لَهُ \" , وَاَلَّتِي فِي قِصَّة عَلِيٍّ لَمْ تَكُنْ حَرِيرًا صِرْفًا لِمَا رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق أَبِي فَاخِتَة عَنْ هُبَيْرَة بْن يَرِيم عَنْ عَلِيّ قَالَ : \" أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُلَّة مُسَيَّرَة بِحَرِيرٍ إِمَّا سُدَاهَا أَوْ لُحْمَتهَا. فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيَّ فَقُلْت : مَا أَصْنَع بِهَا , أَلْبَسهَا ؟ قَالَ : لَا أَرْضَى لَك إِلَّا مَا أَرْضَى لِنَفْسِي , وَلَكِنْ اِجْعَلْهَا خُمُرًا بَيْن الْفَوَاطِم \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق عَنْ هُبَيْرَة فَقَالَ فِيهِ : \" حُلَّة مِنْ حَرِير \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى رِوَايَة أَبِي فَاخِتَة وَهُوَ بِفَاءٍ وَمُعْجَمَة ثُمَّ مُثَنَّاة اِسْمه سَعِيد بْن عِلَاقَة بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف اللَّام ثُمَّ قَاف , ثِقَة , وَلَمْ يَقَع فِي قِصَّة عَلِيّ وَعِيد عَلَى لُبْسهَا كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّة عُمَر , بَلْ فِيهِ \" لَا أَرْضَى لَك إِلَّا مَا أَرْضَى لِنَفْسِي \" وَلَا رَيْب أَنَّ تَرْك لُبْس مَا خَالَطَهُ الْحَرِير أَوْلَى مِنْ لُبْسه عِنْد مَنْ يَقُول بِجَوَازِهِ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5394",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّهُ رَأَى عَلَى ‏ ‏أُمِّ كُلْثُومٍ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بُرْدَ حَرِيرٍ ‏ ‏سِيَرَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَنَس أَنَّهُ \" رَأَى عَلَى أُمّ كُلْثُوم بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْد حَرِير سِيَرَاء \" ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ وَوَافَقَهُ الزُّبَيْدِيّ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي \" بَاب مَسّ الْحَرِير مِنْ غَيْر لُبْس \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ كَالْأَوَّلِ , وَمِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ نَحْوه لَكِنْ قَالَ زَيْنَب بَدَل أُمّ كُلْثُوم , وَالْمَحْفُوظ مَا قَالَ الْأَكْثَر , وَقَدْ غَفَلَ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ : إِنْ كَانَ أَنَس رَأَى ذَلِكَ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُعَارِض حَدِيث عُقْبَة , يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْنَع أَهْله الْحَرِير وَالْحُلَّة \" وَإِنْ كَانَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ دَلِيلًا عَلَى نَسْخ حَدِيث عُقْبَة , كَذَا قَالَ , وَخَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ أُمّ كُلْثُوم مَاتَتْ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ زَيْنَب فَبَطَلَ التَّرَدُّد , وَأَمَّا دَعْوَى الْمُعَارَضَة فَمَرْدُودَة , وَكَذَا النَّسْخ. وَالْجَمْع بَيْنهمَا وَاضِح بِحَمْلِ النَّهْي فِي حَدِيث عُقْبَة عَلَى التَّنْزِيه وَإِقْرَار أُمّ كُلْثُوم عَلَى ذَلِكَ إِمَّا لِبَيَانِ الْجَوَاز وَإِمَّا لِكَوْنِهَا كَانَتْ إِذْ ذَاكَ صَغِيرَة , وَعَلَى هَذَا التَّقْدِير فَلَا إِشْكَال فِي رِوَايَة أَنَس لَهَا , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ تَكُون كَانَتْ كَبِيرَة فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل الْحِجَاب أَوْ بَعْده , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ رُؤْيَة الثَّوْب عَلَى اللَّابِس رُؤْيَة اللَّابِس فَلَعَلَّهُ رَأَى ذَيْل الْقَمِيص مَثَلًا , وَيُحْتَمَل أَيْضًا أَنَّ السِّيَرَاء الَّتِي كَانَتْ عَلَى أُمّ كُلْثُوم كَانَتْ مِنْ غَيْر الْحَرِير الصِّرْف كَمَا تَقَدَّمَ فِي حُلَّة عَلِيّ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَاسْتُدِلَّ بِأَحَادِيث الْبَاب عَلَى جَوَاز لُبْس الْحَرِير لِلنِّسَاءِ سَوَاء كَانَ الثَّوْب حَرِيرًا كُلّه أَوْ بَعْضه , وَفِي الْأَوَّل عَرْض الْمَفْضُول عَلَى الْفَاضِل وَالتَّابِع عَلَى الْمَتْبُوع مَا يُحْتَاج إِلَيْهِ مِنْ مَصَالِحه مِمَّنْ يَظُنّ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِع عَلَيْهِ , وَفِيهِ إِبَاحَة الطَّعْن لِمَنْ يَسْتَحِقّهُ , وَفِيهِ جَوَاز الْبَيْع وَالشِّرَاء عَلَى بَاب الْمَسْجِد , وَفِيهِ مُبَاشَرَة الصَّالِحِينَ وَالْفُضَلَاء الْبَيْع وَالشِّرَاء. وَقَالَ اِبْن بَطَّال فِيهِ تَرْك النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَاس الْحَرِير وَهَذَا فِي الدُّنْيَا. وَإِرَادَة تَأْخِير الطَّيِّبَات إِلَى الْآخِرَة الَّتِي لَا اِنْقِضَاء لَهَا , إِذْ تَعْجِيل الطَّيِّبَات فِي الدُّنْيَا لَيْسَ مِنْ الْحَزْم , فَزَهِدَ فِي الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ , وَأَمَرَ بِذَلِكَ , وَنَهَى عَنْ كُلّ سَرَف وَحَرَّمَهُ. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّ تَرْكه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَ الْحَرِير إِنَّمَا هُوَ لِاجْتِنَابِ الْمَعْصِيَة , وَأَمَّا الزُّهْد فَإِنَّمَا هُوَ فِي خَالِص الْحَلَال وَمَا لَا عُقُوبَة فِيهِ , فَالتَّقَلُّل مِنْهُ وَتَرْكه مَعَ الْإِمْكَان هُوَ الَّذِي تَتَفَاضَل فِيهِ دَرَجَات الزُّهَّاد. قُلْت : وَلَعَلَّ مُرَاد اِبْن بَطَّال بَيَان سَبَب التَّحْرِيم فَيَسْتَقِيم مَا قَالَهُ. وَفِيهِ جَوَاز بَيْع الرِّجَال الثِّيَاب الْحَرِير وَتَصَرُّفهمْ فِيهَا بِالْهِبَةِ وَالْهَدِيَّة لَا اللُّبْس. وَفِيهِ جَوَاز صِلَة الْقَرِيب الْكَافِر وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ بِالْهَدِيَّةِ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : فِيهِ جَوَاز الْهَدِيَّة لِلْكَافِرِ وَلَوْ كَانَ حَرْبِيًّا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عُطَارِدًا إِنَّمَا وَفَدَ سَنَة تِسْع وَلَمْ يَبْقَ بِمَكَّة بَعْد الْفَتْح مُشْرِك. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن وِفَادَة عُطَارِد سَنَة تِسْع أَنْ تَكُون قِصَّة الْحُلَّة كَانَتْ حِينَئِذٍ بَلْ جَازَ أَنْ تَكُون قَبْل ذَلِكَ. وَمَا زَالَ الْمُشْرِكُونَ يَقْدَمُونَ الْمَدِينَة وَيُعَامِلُونَ الْمُسْلِمِينَ بِالْبَيْعِ وَغَيْره , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون ذَلِكَ سَنَة الْوُفُود فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فِي الْمُدَّة الَّتِي كَانَتْ بَيْن الْفَتْح وَحَجّ أَبِي بَكْر , فَإِنَّ مَنْع الْمُشْرِكِينَ مِنْ مَكَّة إِنَّمَا كَانَ مِنْ حَجَّة أَبِي بَكْر سَنَة تِسْع فَفِيهَا وَقَعَ النَّهْي أَنْ لَا يَحُجّ بَعْد الْعَام مُشْرِك وَلَا يَطُوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْكَافِر لَيْسَ مُخَاطَبًا بِالْفُرُوعِ لِأَنَّ عُمَر لَمَّا مَنَعَ مِنْ لُبْس الْحُلَّة أَهْدَاهَا لِأَخِيهِ الْمُشْرِك وَلَمْ يُنْكَر عَلَيْهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُر أَخَاهُ بِلُبْسِهَا فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون وَقَعَ الْحُكْم فِي حَقّه كَمَا وَقَعَ فِي حَقّ عُمَر فَيَنْتَفِع بِهَا بِالْبَيْعِ أَوْ كِسْوَة النِّسَاء وَلَا يَلْبَس هُوَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُسْلِم عِنْده مِنْ الْوَازِع الشَّرْعِيّ مَا يَحْمِلهُ بَعْد الْعِلْم بِالنَّهْيِ عَنْ الْكَفّ , بِخِلَافِ الْكَافِر فَإِنَّ كُفْره يَحْمِلهُ عَلَى عَدَم الْكَفّ عَنْ تَعَاطِي الْمُحَرَّم , فَلَوْلَا أَنَّهُ مُبَاح لَهُ لُبْسه لَمَا أَهْدَى لَهُ لِمَا فِي تَمْكِينه مِنْ الْإِعَانَة عَلَى الْمَعْصِيَة , وَمِنْ ثَمَّ يَحْرُم بَيْع الْعَصِير مِمَّنْ جَرَتْ عَادَتْهُ أَنْ يَتَّخِذهُ خَمْرًا وَإِنْ اِحْتَمَلَ أَنَّهُ قَدْ يَشْرَبهُ عَصِيرًا , وَكَذَا بَيْع الْغُلَام الْجَمِيل مِمَّنْ يَشْتَهِر بِالْمَعْصِيَةِ لَكِنْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ عَلَى أَصْل الْإِبَاحَة , وَتَكُون مَشْرُوعِيَّة خِطَاب الْكَافِر بِالْفُرُوعِ تَرَاخَتْ عَنْ هَذِهِ الْوَاقِعَة , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5395",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَبِثْتُ سَنَةً وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏عَنْ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَعَلْتُ أَهَابُهُ فَنَزَلَ يَوْمًا مَنْزِلًا فَدَخَلَ ‏ ‏الْأَرَاكَ ‏ ‏فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَحَفْصَةُ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا نَعُدُّ النِّسَاءَ شَيْئًا فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَذَكَرَهُنَّ اللَّهُ رَأَيْنَا لَهُنَّ بِذَلِكَ عَلَيْنَا حَقًّا مِنْ غَيْرِ أَنْ نُدْخِلَهُنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِنَا وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي كَلَامٌ فَأَغْلَظَتْ لِي فَقُلْتُ لَهَا وَإِنَّكِ لَهُنَاكِ قَالَتْ تَقُولُ هَذَا لِي وَابْنَتُكَ تُؤْذِي النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَتَيْتُ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهَا إِنِّي أُحَذِّرُكِ أَنْ تَعْصِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَتَقَدَّمْتُ إِلَيْهَا فِي أَذَاهُ فَأَتَيْتُ ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهَا فَقَالَتْ أَعْجَبُ مِنْكَ يَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏قَدْ دَخَلْتَ فِي أُمُورِنَا فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَزْوَاجِهِ فَرَدَّدَتْ وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏إِذَا غَابَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَشَهِدْتُهُ أَتَيْتُهُ بِمَا يَكُونُ وَإِذَا غِبْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَشَهِدَ أَتَانِي بِمَا يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ مَنْ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ اسْتَقَامَ لَهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَلِكُ ‏ ‏غَسَّانَ ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏ ‏كُنَّا نَخَافُ أَنْ يَأْتِيَنَا فَمَا شَعَرْتُ إِلَّا بِالْأَنْصَارِيِّ وَهُوَ يَقُولُ إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ قُلْتُ لَهُ وَمَا هُوَ أَجَاءَ الْغَسَّانِيُّ قَالَ أَعْظَمُ مِنْ ذَاكَ طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نِسَاءَهُ فَجِئْتُ فَإِذَا الْبُكَاءُ مِنْ حُجَرِهِنَّ كُلِّهَا وَإِذَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ صَعِدَ فِي ‏ ‏مَشْرُبَةٍ ‏ ‏لَهُ وَعَلَى بَابِ ‏ ‏الْمَشْرُبَةِ ‏ ‏وَصِيفٌ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ اسْتَأْذِنْ لِي فَأَذِنَ لِي فَدَخَلْتُ فَإِذَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ وَتَحْتَ رَأْسِهِ ‏ ‏مِرْفَقَةٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَدَمٍ ‏ ‏حَشْوُهَا لِيفٌ وَإِذَا ‏ ‏أُهُبٌ ‏ ‏مُعَلَّقَةٌ ‏ ‏وَقَرَظٌ ‏ ‏فَذَكَرْتُ الَّذِي قُلْتُ ‏ ‏لِحَفْصَةَ ‏ ‏وَأُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏وَالَّذِي رَدَّتْ عَلَيَّ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَبِثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نَزَلَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الطَّلَاق مُسْتَوْفًى وَالْغَرَض مِنْهُ نَوْمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِير وَتَحْت رَأْسه مِرْفَقَة حَشْوهَا لِيف , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة : ‏ ‏\" مُرْفَقَة \" ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّله وَسُكُون الرَّاء وَفَتْح الْفَاء بَعْدهَا قَاف مَا يُرْتَفَق بِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى بِلَفْظِ \" وِسَادَة \" ‏ ‏وَقَوْله : \" فَمَا شَعَرْت بِالْأَنْصَارِيِّ وَهُوَ يَقُول قَدْ حَدَث أَمْر \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَمَا شَعَرْت إِلَّا بِالْأَنْصَارِيِّ وَهُوَ يَقُول \" وَفِي نُسْخَة عَنْهُ \" فَمَا شَعَرْت بِالْأَنْصَارِيِّ إِلَّا وَهُوَ يَقُول \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : سَقَطَ حَرْف الِاسْتِثْنَاء مِنْ جُلّ النُّسَخ بَلْ مِنْ كُلّهَا , وَهُوَ مُقَدَّر وَالْقَرِينَة تَدُلّ عَلَيْهِ , أَوْ \" مَا \" زَائِدَة وَالتَّقْدِير شَعَرْت بِالْأَنْصَارِيِّ وَهُوَ يَقُول , أَوْ مَا مَصْدَرِيَّة وَتَكُون هِيَ الْمُبْتَدَأ وَبِالْأَنْصَارِيِّ الْخَبَر أَيْ شُعُورِي مُتَلَبِّس بِالْأَنْصَارِيِّ قَائِلًا. ‏ ‏قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون مَا نَافِيَة عَلَى حَالهَا بِغَيْرِ اِحْتِيَاج لِحَرْفِ الِاسْتِثْنَاء , وَالْمُرَاد الْمُبَالَغَة فِي نَفْي شُعُوره بِكَلَامِ الْأَنْصَارِيّ مِنْ شِدَّة مَا دَهَمَهُ مِنْ الْخَبَر الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ , وَيَكُون قَدْ اِسْتَثْبَتَهُ فِيهِ مَرَّة أُخْرَى , وَلِذَلِكَ نَقَلَهُ عَنْهُ , لَكِنْ رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ تُرَجِّح الِاحْتِمَال الْأَوَّل وَتُوَضِّح أَنَّ قَوْل الْكَرْمَانِيِّ بَلْ كُلّهَا لَيْسَ كَذَلِكَ , ‏ ‏وَقَوْله : \" وَعَلَى بَاب الْمَشْرُبَة وَصَيْف \" ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَفَاء وَزْن عَظِيم هُوَ الْغُلَام دُون الْبُلُوغ وَقَدْ يُطْلَق عَلَى مَنْ بَلَغَ الْخِدْمَة , يُقَال وُصِفَ الْغُلَام بِالضَّمِّ وَصَافَة. ‏ ‏وَقَوْل عُمَر : \" فَتَقَدَّمْت إِلَيْهَا فِي أَذَاهُ \" ‏ ‏أَيْ أَنْذَرْتهَا مِنْ أَذَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يَقَع مِنْ الْعُقُوبَة بِسَبَبِ أَذَاهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5396",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَتْنِي ‏ ‏هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ يَقُولُ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْفِتْنَةِ مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِنِ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ كَمْ مِنْ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏وَكَانَتْ ‏ ‏هِنْدٌ ‏ ‏لَهَا أَزْرَارٌ فِي كُمَّيْهَا بَيْنَ أَصَابِعِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَمْ مِنْ كَاسِيَة فِي الدُّنْيَا عَارِيَة يَوْم الْقِيَامَة ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال قَرَنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُزُول الْخَزَائِن بِالْفِتْنَةِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا تَسَبَّبَ عَنْهَا , وَإِلَى أَنَّ الْقَصْد فِي الْأَمْر خَيْر مِنْ الْإِكْثَار وَأَسْلَم مِنْ الْفِتْنَة , وَمُطَابَقَة حَدِيث أُمّ سَلَمَة هَذَا لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَذَّرَ مِنْ لِبَاس الرَّقِيق مِنْ الثِّيَاب الْوَاصِفَة لِأَجْسَامِهِنَّ لِئَلَّا يُعَرَّيْنَ فِي الْآخِرَة , وَفِيمَا حَكَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ هِنْد مَا يُؤَيِّد ذَلِكَ قَالَ : وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَلْبَس الثِّيَاب الشَّفَّافَة لِأَنَّهُ إِذَا حَذَّرَ مِنْ لُبْسهَا مِنْ ظُهُور الْعَوْرَة كَانَ أَوْلَى بِصِفَةِ الْكَمَال مِنْ غَيْره ا ه , وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى أَحَد الْأَقْوَال فِي تَفْسِير الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" كَاسِيَة عَارِيَة \" كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي كِتَاب الْفِتَن , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْحَدِيثَانِ دَالَّيْنِ عَلَى التَّرْجَمَة بِالتَّوْزِيعِ. فَحَدِيث عُمَر مُطَابِق لِلْبَسْطِ وَحَدِيث أُمّ سَلَمَة مُطَابِق لِلِّبَاسِ , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ يَتَجَزَّى أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّق بِنَفْسِهِ وَبِأَهْلِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَكَانَتْ هِنْد لَهَا أَزْرَار فِي كُمَّيْهَا بَيْن أَصَابِعهَا ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَى الزُّهْرِيِّ , وَقَوْله : \" أَزْرَار \" وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَة أَبِي أَحْمَد الْجُرْجَانِيِّ \" إِزَار \" بِرَاءٍ وَاحِدَة وَهُوَ غَلَط , وَالْمَعْنَى أَنَّهَا كَانَتْ تَخْشَى أَنْ يَبْدُو مِنْ جَسَدهَا شَيْء بِسَبَبِ سَعَة كُمَّيْهَا فَكَانَتْ تُزَرِّر ذَلِكَ لِئَلَّا يَبْدُو مِنْهُ شَيْء فَتَدْخُل فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كَاسِيَة عَارِيَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "5397",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَتْنِي ‏ ‏أُمُّ خَالِدٍ بِنْتُ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِثِيَابٍ فِيهَا ‏ ‏خَمِيصَةٌ ‏ ‏سَوْدَاءُ قَالَ ‏ ‏مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُوهَا هَذِهِ ‏ ‏الْخَمِيصَةَ ‏ ‏فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ قَالَ ائْتُونِي ‏ ‏بِأُمِّ خَالِدٍ ‏ ‏فَأُتِيَ بِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَلْبَسَنِيهَا بِيَدِهِ وَقَالَ أَبْلِي ‏ ‏وَأَخْلِقِي ‏ ‏مَرَّتَيْنِ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَلَمِ الْخَمِيصَةِ وَيُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَيَّ وَيَقُولُ يَا ‏ ‏أُمَّ خَالِدٍ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏سَنَا وَيَا ‏ ‏أُمَّ خَالِدٍ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏سَنَا ‏ ‏وَالسَّنَا بِلِسَانِ الْحَبَشِيَّةِ الْحَسَنُ قَالَ ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِي أَنَّهَا رَأَتْهُ عَلَى ‏ ‏أُمِّ خَالِدٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُمّ خَالِد بِنْت سَعِيد تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب الْخَمِيصَة السَّوْدَاء \" قَرِيبًا , وَتَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا : \" أَبْلِي وَأَخْلِقِي \" هَلْ بِالْقَافِ أَوْ الْفَاء , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" خَمِيصَة سَوْدَاء \" ‏ ‏لَا يُنَافِي مَا وَقَعَ فِي كِتَاب الْجِهَاد أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا قَمِيص أَصْفَر , لِأَنَّ الْقَمِيص كَانَ عَلَيْهَا لَمَّا جِيءَ بِهَا , وَالْخَمِيصَة هِيَ الَّتِي كُسِيَتْهَا. ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِره \" قَالَ إِسْحَاق \" ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد رَاوِي الْحَدِيث عَنْ أَبِيهِ , وَهُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , ‏ ‏وَقَوْله : \" حَدَّثَتْنِي اِمْرَأَة مِنْ أَهْلِي \" ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا , وَقَوْله إِنَّهَا رَأَتْهُ عَلَى أُمّ خَالِد أَيْ الثَّوْب , وَيُسْتَفَاد مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ بَقِيَ زَمَانًا طَوِيلًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ صَرِيحًا فِي \" بَاب الْخَمِيصَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "5398",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏هُوَ اِبْن صُهَيْب. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ يَتَزَعْفَر الرَّجُل ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ عَبْد الْوَارِث وَهُوَ اِبْن سَعِيد مُقَيَّدًا , وَوَافَقَهُ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة وَحَمَّاد بْن زَيْد عِنْد مُسْلِم وَأَصْحَاب السُّنَن , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد \" نَهَى عَنْ التَّزَعْفُر لِلرِّجَالِ \" وَرَوَاهُ شُعْبَة عَنْ اِبْن عُلَيَّة عِنْد النَّسَائِيِّ مُطْلَقًا فَقَالَ : \" نَهَى عَنْ التَّزَعْفُر \" وَكَأَنَّهُ اِخْتَصَرَهُ وَإِلَّا فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيل فَوْق الْعَشَرَة مِنْ الْحُفَّاظ مُقَيَّدًا بِالرَّجُلِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون إِسْمَاعِيل اِخْتَصَرَهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ شُعْبَة وَالْمُطْلَق مَحْمُول عَلَى الْمُقَيَّد , وَرِوَايَة شُعْبَة عَنْ إِسْمَاعِيل مِنْ رِوَايَة الْأَكَابِر عَنْ الْأَصَاغِر. وَاخْتُلِفَ فِي النَّهْي عَنْ التَّزَعْفُر هَلْ هُوَ لِرَائِحَتِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ طِيب النِّسَاء وَلِهَذَا جَاءَ الزَّجْر عَنْ الْخَلُوق ؟ أَوْ لِلَوْنِهِ فَيَلْتَحِق بِهِ كُلّ صُفْرَة ؟ وَقَدْ نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ قَالَ : أَنْهَى الرَّجُل الْحَلَال بِكُلِّ حَال أَنْ يَتَزَعْفَر , وَآمُرهُ إِذَا تَزَعْفَرَ أَنْ يَغْسِلهُ. قَالَ : وَأُرَخِّص فِي الْمُعَصْفَر لِأَنَّنِي لَمْ أَجِد أَحَدًا يَحْكِي عَنْهُ إِلَّا مَا قَالَ عَلِيّ \" نَهَانِي وَلَا أَقُول أَنْهَاكُمْ \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : قَدْ وَرَدَ ذَلِكَ عَنْ غَيْر عَلِيّ , وَسَاقَ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ : \" رَأَى عَلِيّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَاب الْكُفَّار فَلَا تَلْبَسهُمَا \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَفِي لَفْظ لَهُ \" فَقُلْت أَغْسِلهُمَا ؟ قَالَ لَا بَلْ اِحْرَقْهُمَا \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فَلَوْ بَلَغَ ذَلِكَ الشَّافِعِيّ لَقَالَ بِهِ اِتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ كَعَادَتِهِ. وَقَدْ كَرِهَ الْمُعَصْفَر جَمَاعَة مِنْ السَّلَف وَرَخَّصَ فِيهِ جَمَاعَة , وَمِمَّنْ قَالَ بِكَرَاهَتِهِ مِنْ أَصْحَابنَا الْحَلِيمِيّ , وَاتِّبَاع السُّنَّة هُوَ الْأَوْلَى ا ه. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح مُسْلِم \" : أَتْقَنَ الْبَيْهَقِيُّ الْمَسْأَلَة وَاَللَّه أَعْلَم , وَرَخَّصَ مَالِك فِي الْمُعَصْفَر وَالْمُزَعْفَر فِي الْبُيُوت وَكَرِهَهُ فِي الْمَحَافِل , وَسَيَأْتِي قَرِيبًا حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الصُّفْرَة , وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاح حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف حِين تَزَوَّجَ وَجَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ أَثَر صُفْرَة , وَتَقَدَّمَ الْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْخَلُوق كَانَ فِي ثَوْبه عُلِّقَ بِهِ مِنْ الْمَرْأَة وَلَمْ يَكُنْ فِي جَسَده , وَالْكَرَاهَة لِمَنْ تَزَعْفَرَ فِي بَدَنه أَشَدّ مِنْ الْكَرَاهَة لِمَنْ تَزَعْفَرَ فِي ثَوْبه. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ فِي \" الشَّمَائِل \" وَالنَّسَائِيُّ فِي \" الْكُبْرَى \" مِنْ طَرِيق سَلْم الْعَلَوِيّ عَنْ أَنَس \" دَخَلَ رَجُل عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ أَثَر صُفْرَة , فَكَرِهَ ذَلِكَ , وَقَلَّمَا كَانَ يُوَاجِه أَحَدًا بِشَيْءٍ يَكْرَههُ , فَلَمَّا قَامَ قَالَ : لَوْ أَمَرْتُمْ هَذَا أَنْ يَتْرُك هَذِهِ الصُّفْرَة \" وَسَلْم بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام فِيهِ لِين , وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَمَّار رَفَعَهُ \" لَا تَحْضُر الْمَلَائِكَة جِنَازَة كَافِر وَلَا مُضَمَّخ بِالزَّعْفَرَانِ \" وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيث عَمَّار قَالَ : \" قَدِمْت عَلَى أَهْلِي لَيْلًا وَقَدْ تَشَقَّقَتْ يَدَايَ , فَخَلَقُونِي بِزَعْفَرَانٍ , فَسَلَّمْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُرَحِّب بِي وَقَالَ اِذْهَبْ فَاغْسِلْ عَنْك هَذَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "5399",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا ‏ ‏بِوَرْسٍ ‏ ‏أَوْ بِزَعْفَرَانٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عُمَر \" نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَلْبَس الْمُحْرِم ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَان \" ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا مَشْرُوحًا فِي كِتَاب الْحَجّ , وَقَدْ أُخِذَ مِنْ التَّقْيِيد بِالْمُحْرِمِ جَوَاز لُبْس الثَّوْب الْمُزَعْفَر لِلْحَلَالِ , قَالَ اِبْن بَطَّال : أَجَازَ مَالِك وَجَمَاعَة لِبَاس الثَّوْب الْمُزَعْفَر لِلْحَلَالِ وَقَالُوا : إِنَّمَا وَقَعَ النَّهْي عَنْهُ لِلْمُحْرِمِ خَاصَّة , وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيّ وَالْكُوفِيُّونَ عَلَى الْمُحْرِم وَغَيْر الْمُحْرِم , وَحَدِيث اِبْن عُمَر الْآتِي فِي \" بَاب النِّعَال السِّبْتِيَّة \" يَدُلّ عَلَى الْجَوَاز , فَإِنَّ فِيهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصْبُغ بِالصُّفْرَةِ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر قَالَ : \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مَصْبُوغَانِ بِالزَّعْفَرَانِ \" وَفِي سَنَده عَبْد اللَّه بْن مُصْعَب الزُّبَيْرِيّ وَفِيهِ ضَعْف , وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَبَغَ إِزَاره وَرِدَاءَهُ بِزَعْفَرَانٍ , وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُول , وَمِنْ الْمُسْتَغْرَب قَوْل اِبْن الْعَرَبِيّ. لَمْ يَرِد فِي الثَّوْب الْأَصْفَر حَدِيث , وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ عِدَّة أَحَادِيث كَمَا تَرَى , قَالَ الْمُهَلَّب : الصُّفْرَة أَبْهَج الْأَلْوَان إِلَى النَّفْس , وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : ( صَفْرَاء فَاقِع لَوْنهَا تَسُرّ النَّاظِرِينَ ). ‏"
    },
    {
        "id": "5400",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرْبُوعًا ‏ ‏وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ السَّبِيعِيّ ‏ ‏( سَمِعَ الْبَرَاء ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَازِب , كَذَا قَالَ أَكْثَر أَصْحَاب أَبِي إِسْحَاق , وَخَالَفَهُمَا أَشْعَث فَقَالَ : \" عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ جَابِر بْن سَمُرَة \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَعَلَّهُ التِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ , وَنُقِلَ عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ قَالَ : حَدِيث أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء وَعَنْ جَابِر بْن سُمْرَة صَحِيحَانِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ قَرِيبًا , وَيَأْتِي وَفِيهِ \" حُلَّة حَمْرَاء \" أَيْضًا. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث هِلَال بْن عَامِر عَنْ أَبِيهِ \" رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب بِمِنًى عَلَى بَعِير وَعَلَيْهِ بُرْد أَحْمَر \" وَإِسْنَاده حَسَن , وَلِلطَّبَرَانِيّ بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ طَارِق الْمُحَارِبِيِّ نَحْوه لَكِنْ قَالَ : \" بِسُوقِ ذِي الْمَجَاز \" وَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب التَّزَعْفُر \" مَا يَتَعَلَّق بِالْمُعَصْفَرِ , فَإِنَّ غَالِب مَا يُصْبَغ بِالْعُصْفُرِ يَكُون أَحْمَر , وَقَدْ تَلَخَّصَ لَنَا مِنْ أَقْوَال السَّلَف فِي لُبْس الثَّوْب الْأَحْمَر سَبْعَة أَقْوَال : الْأَوَّل : الْجَوَاز مُطْلَقًا جَاءَ عَنْ عَلِيّ وَطَلْحَة وَعَبْد اللَّه اِبْن جَعْفَر وَالْبَرَاء وَغَيْر وَاحِد مِنْ الصَّحَابَة , وَعَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيّ وَأَبِي قِلَابَةَ وَأَبِي وَائِل وَطَائِفَة مِنْ التَّابِعِينَ. الْقَوْل الثَّانِي : الْمَنْع مُطْلَقًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُفَدَّم \" وَهُوَ بِالْفَاءِ وَتَشْدِيد الدَّال وَهُوَ الْمُشْبَع بِالْعُصْفُرِ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيث , وَعَنْ عُمَر أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى عَلَى الرَّجُل ثَوْبًا مُعَصْفَرًا جَذَبَهُ وَقَالَ : \" دَعَوْا هَذَا لِلنِّسَاءِ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ مُرْسَل الْحَسَن \" الْحُمْرَة مِنْ زِينَة الشَّيْطَان وَالشَّيْطَان يُحِبّ الْحُمْرَة \" وَصَلَهُ أَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن وَأَبُو مُحَمَّد بْن عَدِيّ , وَمَنْ طَرِيق الْبَيْهَقِيِّ فِي \" الشُّعَب \" مِنْ رِوَايَة أَبِي بَكْر الْهُذَلِيّ وَهُوَ ضَعِيف عَنْ الْحَسَن عَنْ رَافِع بْن يَزِيد الثَّقَفِيّ رَفَعَهُ \" أَنَّ الشَّيْطَان يُحِبّ الْحُمْرَة , وَإِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَة , وَكُلّ ثَوْب ذِي شُهْرَة \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن مِنْدَه وَأَدْخَلَ فِي رِوَايَة لَهُ بَيْن الْحَسَن وَرَافِع رَجُلًا , فَالْحَدِيث ضَعِيف وَبَالَغَ الْجَوْزَقَانِيّ فَقَالَ إِنَّهُ بَاطِل , وَقَدْ وَقَفْت عَلَى كِتَاب الْجَوْزَقَانِيّ الْمَذْكُور وَتَرْجَمَهُ \" بِالْأَبَاطِيلِ \" وَهُوَ بِخَطِّ اِبْن الْجَوْزِيّ , وَقَدْ تَبِعَهُ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي أَكْثَر كِتَابه فِي \" الْمَوْضُوعَات \" لَكِنَّهُ لَمْ يُوَافِقهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيث فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضُوعَات فَأَصَابَ , وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ : \" مَرَّ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُل وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَالْبَزَّار وَقَالَ : لَا نَعْلَمهُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَفِيهِ أَبُو يَحْيَى الْقَتَّات مُخْتَلَف فِيهِ , وَعَنْ رَافِع بْن خَدِيج قَالَ : \" خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَر فَرَأَى عَلَى رَوَاحِلنَا أَكْسِيَة فِيهَا خُطُوط عِهْن حُمْر فَقَالَ : أَلَا أَرَى هَذِهِ الْحُمْرَة قَدْ غَلَبَتْكُمْ , قَالَ فَقُمْنَا سِرَاعًا فَنَزَعْنَاهَا حَتَّى نَفَرَ بَعْض إِبِلنَا \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَفِي سَنَده رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ , وَعَنْ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي أَسَد قَالَتْ : \" كُنْت عِنْد زَيْنَب أُمّ الْمُؤْمِنِينَ وَنَحْنُ نَصْبُغ ثِيَابًا لَهَا بِمَغَرَةٍ , إِذْ طَلَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا رَأَى الْمَغْرَة رَجَعَ , فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ زَيْنَب غَسَلَتْ ثِيَابهَا وَوَارَتْ كُلّ حُمْرَة , فَجَاءَ فَدَخَلَ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي سَنَده ضَعْف. الْقَوْل الثَّالِث : يُكْرَه لُبْس الثَّوْب الْمُشْبَع بِالْحُمْرَةِ دُون مَا كَانَ صَبْغه خَفِيفًا , جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاء وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِد , وَكَأَنَّ الْحُجَّة فِيهِ حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَذْكُور قَرِيبًا فِي الْمُفَدَّم. الْقَوْل الرَّابِع : يُكْرَه لُبْس الْأَحْمَر مُطْلَقًا لِقَصْدِ الزِّينَة وَالشُّهْرَة , وَيَجُوز فِي الْبُيُوت وَالْمِهْنَة , جَاءَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل مَالِك فِي بَاب التَّزَعْفُر. الْقَوْل الْخَامِس : يَجُوز لُبْس مَا كَانَ صُبِغَ غَزْله ثُمَّ نُسِجَ , وَيُمْنَع مَا صُبِغَ بَعْد النَّسْج , جَنَحَ إِلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْحُلَّة الْوَارِدَة فِي الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي لُبْسه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُلَّة الْحَمْرَاء إِحْدَى حُلَل الْيَمَن , وَكَذَلِكَ الْبُرْد الْأَحْمَر , وَبُرُود الْيَمَن يُصْبَغ غَزْلهَا ثُمَّ يُنْسَج. الْقَوْل السَّادِس : اِخْتِصَاص النَّهْي بِمَا يُصْبَغ بِالْمُعَصْفَرِ لِوُرُودِ النَّهْي عَنْهُ , وَلَا يُمْنَع مَا صُبِغَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْبَاغ , وَيُعَكِّر عَلَيْهِ حَدِيث الْمُغِيرَة الْمُتَقَدِّم. الْقَوْل السَّابِع : تَخْصِيص الْمَنْع بِالثَّوْبِ الَّذِي يُصْبَغ كُلّه ; وَأَمَّا مَا فِيهِ لَوْن آخَر غَيْر الْأَحْمَر مِنْ بَيَاض وَسَوَاد وَغَيْرهمَا فَلَا , وَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْحُلَّة الْحَمْرَاء فَإِنَّ الْحُلَل الْيَمَانِيَّة غَالِبًا تَكُون ذَات خُطُوط حُمْر وَغَيْرهَا , قَالَ اِبْن الْقَيِّم : كَانَ بَعْض الْعُلَمَاء يَلْبَس ثَوْبًا مُشْبَعًا بِالْحُمْرَةِ يَزْعُم أَنَّهُ يَتْبَع السُّنَّة , وَهُوَ غَلَط , فَإِنَّ الْحُلَّة الْحَمْرَاء مِنْ بُرُود الْيَمَن وَالْبُرْد لَا يُصْبَغ أَحْمَر صِرْفًا. كَذَا قَالَ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ بَعْد أَنْ ذَكَرَ غَالِب هَذِهِ الْأَقْوَال : الَّذِي أَرَاهُ جَوَاز لُبْس الثِّيَاب الْمُصْبَغَة بِكُلِّ لَوْن , إِلَّا أَنِّي لَا أُحِبّ لُبْس مَا كَانَ مُشْبَعًا بِالْحُمْرَةِ وَلَا لُبْس الْأَحْمَر مُطْلَقًا ظَاهِرًا فَوْق الثِّيَاب لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ لِبَاس أَهْل الْمُرُوءَة فِي زَمَاننَا فَإِنَّ مُرَاعَاة زِيّ الزَّمَان مِنْ الْمُرُوءَة مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا , وَفِي مُخَالَفَة الزِّيّ ضَرْب مِنْ الشُّهْرَة , وَهَذَا يُمْكِن أَنْ يُلَخَّص مِنْهُ قَوْل ثَامِن. وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا الْمَقَام أَنَّ النَّهْي عَنْ لُبْس الْأَحْمَر إِنْ كَانَ مِنْ أَجْل أَنَّهُ لُبْس الْكُفَّار فَالْقَوْل فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْمِيثَرَة الْحَمْرَاء كَمَا سَيَأْتِي , وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْل أَنَّهُ زِيّ النِّسَاء فَهُوَ رَاجِع إِلَى الزَّجْر عَنْ التَّشَبُّه بِالنِّسَاءِ فَيَكُون النَّهْي عَنْهُ لَا لِذَاتِهِ , وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْل الشُّهْرَة أَوْ خَرْم الْمُرُوءَة فَيُمْنَع حَيْثُ يَقَع ذَلِكَ , وَإِلَّا فَيَقْوَى مَا ذَهَب إِلَيْهِ مَالِك مِنْ التَّفْرِقَة بَيْن الْمَحَافِل وَالْبُيُوت. ‏"
    },
    {
        "id": "5401",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَشْعَثَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِسَبْعٍ ‏ ‏عِيَادَةِ ‏ ‏الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ‏ ‏وَتَشْمِيتِ ‏ ‏الْعَاطِسِ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ ‏ ‏وَالدِّيبَاجِ ‏ ‏وَالْقَسِّيِّ ‏ ‏وَالْإِسْتَبْرَقِ ‏ ‏وَالْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث سُفْيَان ‏ ‏وَهُوَ الثَّوْرِيّ ‏ ‏عَنْ أَشْعَث ‏ ‏وَهُوَ اِبْن أَبِي الشَّعْثَاء عَنْ مُعَاوِيَة بْن سُوَيْد عَنْ الْبَرَاء قَالَ : \" أَمَرَنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ \" الْحَدِيث وَفِي آخِره ‏ ‏\" وَعَنْ لُبْس الْحَرِير وَالدِّيبَاج وَالْإِسْتَبْرَق وَالْمَيَاثِر الْحُمْر \" ‏ ‏فَالْحَرِير قَدْ سَبَقَ الْقَوْل فِيهِ , وَالدِّيبَاج وَالْإِسْتَبْرَق صِنْفَانِ نَفِيسَانِ مِنْهُ , وَأَمَّا الْمَيَاثِر فَهِيَ جَمْع مِيثَرَة تَقَدَّمَ ضَبْطهَا فِي \" بَاب لُبْس الْقَسِّيّ \" ‏ ‏وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَأَصْله عِنْد أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عَلِيّ قَالَ : \" نُهِيَ عَنْ الْمَيَاثِر الْأُرْجُوَان \" هَكَذَا عِنْدهمْ بِلَفْظِ \" نُهِيَ \" عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى الرَّفْع , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَأَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق هُبَيْرَة بْن يَرِيم بِتَحْتَانِيَّةٍ أَوَّله وَزْن عَظِيم عَنْ عَلِيّ قَالَ : \" نَهَانِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ خَاتَم الذَّهَب , وَعَنْ لُبْس الْقَسِّيّ , وَالْمِيثَرَة الْحَمْرَاء \" قَالَ أَبُو عُبَيْد : الْمَيَاثِر الْحُمْر الَّتِي جَاءَ النَّهْي عَنْهَا كَانَتْ مِنْ مَرَاكِب الْعَجَم مِنْ دِيبَاج وَحَرِير. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ هِيَ وِعَاء يُوضَع عَلَى سَرْج الْفَرَس أَوْ رَحْل الْبَعِير مِنْ الْأُرْجُوَان وَحَكَى فِي \" الْمَشَارِق \" قَوْلًا أَنَّهَا سُرُوج مِنْ دِيبَاج , وَقَوْلًا أَنَّهَا أَغْشِيَة لِلسُّرُوجِ مِنْ حَرِير , وَقَوْلًا أَنَّهَا تُشْبِه الْمِخَدَّة تُحْشَى بِقُطْنٍ أَوْ رِيش يَجْعَلهَا الرَّاكِب تَحْته , وَهَذَا يُوَافِق تَفْسِير الطَّبَرِيّ , وَالْأَقْوَال الثَّلَاثَة يُحْتَمَل أَنْ لَا تَكُون مُتَخَالِفَة بَلْ الْمِيثَرَة تُطْلَق عَلَى كُلّ مِنْهَا , وَتَفْسِير أَبِي عُبَيْد يَحْتَمِل الثَّانِي وَالثَّالِث , وَعَلَى كُلّ تَقْدِير فَالْمِيثَرَة وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَرِير فَالنَّهْي فِيهَا كَالنَّهْيِ عَنْ الْجُلُوس عَلَى الْحَرِير , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ , وَلَكِنْ تَقْيِيدهَا بِالْأَحْمَرِ أَخَصّ مِنْ مُطْلَق الْحَرِير فَيَمْتَنِع إِنْ كَانَتْ حَرِيرًا , وَيَتَأَكَّد الْمَنْع إِنْ كَانَتْ مَعَ ذَلِكَ حَمْرَاء , وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْر حَرِير فَالنَّهْي فِيهَا لِلزَّجْرِ عَنْ التَّشَبُّه بِالْأَعَاجِمِ , قَالَ اِبْن بَطَّال : كَلَام الطَّبَرِيّ يَقْتَضِي التَّسْوِيَة فِي الْمَنْع مِنْ الرُّكُوب عَلَيْهِ سَوَاء كَانَتْ مِنْ حَرِير أَمْ مِنْ غَيْره , فَكَانَ النَّهْي عَنْهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ حَرِير لِلتَّشَبُّهِ أَوْ لِلسَّرَفِ أَوْ التَّزَيُّن , وَبِحَسَبِ ذَلِكَ تَفْصِيل الْكَرَاهَة بَيْن التَّحْرِيم وَالتَّنْزِيه , وَأَمَّا تَقْيِيدهَا بِالْحُمْرَةِ فَمَنْ يَحْمِل الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد - وَهُمْ الْأَكْثَر - يَخُصّ الْمَنْع بِمَا كَانَ أَحْمَر , وَالْأُرْجُوَان الْمَذْكُور فِي الرِّوَايَة الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا بِضَمِّ الْهَمْزَة وَالْجِيم بَيْنهمَا رَاء سَاكِنَة ثُمَّ وَاو خَفِيفَة , وَحَكَى عِيَاض ثُمَّ الْقُرْطُبِيّ فَتْح الْهَمْزَة وَأَنْكَرَهُ النَّوَوِيّ وَصَوَّبَ أَنَّ الضَّمّ هُوَ الْمَعْرُوف فِي كُتُب الْحَدِيث وَاللُّغَة وَالْغَرِيب , وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَاد بِهِ فَقِيلَ هُوَ صَبْغ أَحْمَر شَدِيد الْحُمْرَة وَهُوَ نُور شَجَر مِنْ أَحْسَن الْأَلْوَان , وَقِيلَ : الصُّوف الْأَحْمَر , وَقِيلَ : كُلّ شَيْء أَحْمَر فَهُوَ أُرْجُوَان. وَيُقَال ثَوْب أُرْجُوَان وَقَطِيفَة أُرْجُوَان , وَحَكَى السِّيرَافِيّ أَحْمَر أُرْجُوَان فَكَأَنَّهُ وُصِفَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْحُمْرَة كَمَا يُقَال أَبْيَض يَقِق وَأَصْفَر فَاقِع , وَاخْتَلَفُوا هَلْ الْكَلِمَة عَرَبِيَّة أَوْ مُعَرَّبَة ؟ فَإِنْ قُلْنَا بِاخْتِصَاصِ النَّهْي بِالْأَحْمَرِ مِنْ الْمَيَاثِر فَالْمَعْنَى فِي النَّهْي عَنْهَا مَا فِي غَيْرهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَاب قَبْله , وَإِنْ قُلْنَا لَا يَخْتَصّ بِالْأَحْمَرِ فَالْمَعْنِيّ بِالنَّهْيِ عَنْهَا مَا فِيهِ مِنْ التَّرَفُّه , وَقَدْ يَعْتَادهَا الشَّخْص فَتَعُوزهُ فَيَشُقّ عَلَيْهِ تَرْكهَا فَيَكُون النَّهْي نَهْي إِرْشَاد لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّة , وَإِنْ قُلْنَا النَّهْي عَنْهَا مِنْ أَجْل التَّشَبُّه بِالْأَعَاجِمِ فَهُوَ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّة , لَكِنْ كَانَ ذَلِكَ شِعَارهمْ حِينَئِذٍ وَهُمْ كُفَّار ثُمَّ لَمَّا لَمْ يَصِرْ الْآن يُخْتَصَر بِشِعَارِهِمْ زَالَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَتَزُول الْكَرَاهَة , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5402",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ أَبِي مَسْلَمَةَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏أَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ قَالَ نَعَمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي الصَّلَاة فِي النَّعْلَيْنِ قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "5403",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا قَالَ مَا هِيَ يَا ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنْ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ ‏ ‏السِّبْتِيَّةَ ‏ ‏وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَمَّا الْأَرْكَانُ فَإِنِّي ‏ ‏لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ وَأَمَّا ‏ ‏النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ ‏ ‏فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا وَأَمَّا الْإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر مِنْ رِوَايَة سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عُبَيْد بْن جُرَيْجٍ وَهُمَا تَابِعِيَّانِ مَدَنِيَّانِ. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْتُك تَصْنَع أَرْبَعًا ) ‏ ‏فَذَكَرَهَا , فَأَمَّا الِاقْتِصَار عَلَى مَسّ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ فَتَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْحَجّ , وَكَذَلِكَ الْإِهْلَال يَوْم التَّرْوِيَة , وَأَمَّا الصَّبْغ بِالصُّفْرَةِ فَتَقَدَّمَ فِي بَاب التَّزَعْفُر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ عُبَيْد بْن جُرَيْجٍ \" تُصَفِّر بِالْوَرْسِ \" وَأَمَّا لُبْس النِّعَال السِّبْتِيَّة فَهُوَ الْمَقْصُود بِالذِّكْرِ هُنَا , وَقَوْل اِبْن عُمَر \" يَلْبَس النِّعَال الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعْر \" يُؤَيِّد تَفْسِير مَالِك الْمَذْكُور , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : السِّبْتِيَّة الَّتِي دُبِغَتْ بِالْقَرَظِ وَهِيَ الَّتِي سُبِّتَ مَا عَلَيْهَا مِنْ شَعْر أَيْ حَلْق , قَالَ وَقَدْ يَتَمَسَّك بِهَذَا مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الشَّعْر يَنْجُس بِالْمَوْتِ , وَأَنَّهُ لَا يُؤَثِّر فِيهِ الدِّبَاغ , وَلَا دَلَالَة فِيهِ لِذَلِكَ , وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر فِي لِبَاس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّعَال السِّبْتِيَّة وَمَحَبَّته لِذَلِكَ عَلَى جَوَاز لُبْسهَا عَلَى كُلّ حَال , وَقَالَ أَحْمَد : يُكْرَه لُبْسهَا فِي الْمَقَابِر لِحَدِيثِ بَشِير بْن الْخَصَاصِيَةِ قَالَ : \" بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي فِي الْمَقَابِر عَلَيَّ نَعْلَانِ إِذَا رَجُل يُنَادِي مِنْ خَلْفِي : يَا صَاحِب السِّبْتِيَّتَيْنِ إِذَا كُنْت فِي هَذَا الْمَوْضِع فَاخْلَعْ نَعْلَيْك \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَاحْتُجَّ بِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ , وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُون الْأَمْر بِخَلْعِهِمَا لِأَذًى فِيهِمَا , وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيث أَنَّ الْمَيِّت يَسْمَع قَرْع نِعَالهمْ إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ , وَهُوَ دَالّ عَلَى جَوَاز لُبْس النِّعَال فِي الْمَقَابِر , قَالَ وَثَبَتَ حَدِيث أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي نَعْلَيْهِ , قَالَ : فَإِذَا جَازَ دُخُول الْمَسْجِد بِالنَّعْلِ فَالْمَقْبَرَة أَوْلَى. قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون النَّهْي لِإِكْرَامِ الْمَيِّت كَمَا وَرَدَ النَّهْي عَنْ الْجُلُوس عَلَى الْقَبْر , وَلَيْسَ ذِكْر السِّبْتِيَّتَيْنِ لِلتَّخْصِيصِ بَلْ اِتَّفَقَ ذَلِكَ وَالنَّهْي إِنَّمَا هُوَ لِلْمَشْيِ عَلَى الْقُبُور بِالنِّعَالِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5404",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ أَوْ ‏ ‏وَرْسٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِيمَا لَا يَلْبَس الْمُحْرِم , وَفِيهِ ذِكْر النَّعْلَيْنِ , قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْحَجّ. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث اِسْتِحْبَاب لُبْس النَّعْل , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ \" اِسْتَكْثِرُوا مِنْ النِّعَال فَإِنَّ الرَّجُل لَا يَزَال رَاكِبًا مَا اِنْتَعَلَ \". أَيْ أَنَّهُ شَبِيه بِالرَّاكِبِ فِي خِفَّة الْمَشَقَّة وَقِلَّة التَّعَب وَسَلَامَة الرِّجْل مِنْ أَذَى الطَّرِيق , قَالَهُ النَّوَوِيّ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذَا كَلَام بَلِيغ وَلَفْظ فَصِيح بِحَيْثُ لَا يُنْسَج عَلَى مِنْوَاله وَلَا يُؤْتَى بِمِثَالِهِ , وَهُوَ إِرْشَاد إِلَى الْمَصْلَحَة وَتَنْبِيه عَلَى مَا يُخَفِّف الْمَشَقَّة , فَإِنَّ الْحَافِي الْمُدِيم لِلْمَشْيِ يَلْقَى مِنْ الْآلَام وَالْمَشَقَّة بِالْعِثَارِ وَغَيْره مَا يَقْطَعهُ عَنْ الْمَشْي وَيَمْنَعهُ مِنْ الْوُصُول إِلَى مَقْصُوده كَالرَّاكِبِ فَلِذَلِكَ شُبِّهَ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5405",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِزَارٌ فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِيمَا لَا يَلْبَس الْمُحْرِم , وَفِيهِ ذِكْر النَّعْلَيْنِ , قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْحَجّ. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث اِسْتِحْبَاب لُبْس النَّعْل , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ \" اِسْتَكْثِرُوا مِنْ النِّعَال فَإِنَّ الرَّجُل لَا يَزَال رَاكِبًا مَا اِنْتَعَلَ \". أَيْ أَنَّهُ شَبِيه بِالرَّاكِبِ فِي خِفَّة الْمَشَقَّة وَقِلَّة التَّعَب وَسَلَامَة الرِّجْل مِنْ أَذَى الطَّرِيق , قَالَهُ النَّوَوِيّ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذَا كَلَام بَلِيغ وَلَفْظ فَصِيح بِحَيْثُ لَا يُنْسَج عَلَى مِنْوَاله وَلَا يُؤْتَى بِمِثَالِهِ , وَهُوَ إِرْشَاد إِلَى الْمَصْلَحَة وَتَنْبِيه عَلَى مَا يُخَفِّف الْمَشَقَّة , فَإِنَّ الْحَافِي الْمُدِيم لِلْمَشْيِ يَلْقَى مِنْ الْآلَام وَالْمَشَقَّة بِالْعِثَارِ وَغَيْره مَا يَقْطَعهُ عَنْ الْمَشْي وَيَمْنَعهُ مِنْ الْوُصُول إِلَى مَقْصُوده كَالرَّاكِبِ فَلِذَلِكَ شُبِّهَ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5406",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5407",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ ‏ ‏لِيَكُنْ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِذَا اِنْتَعَلَ ) ‏ ‏أَيْ لَبِسَ النَّعْل. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْيَمِينِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْيُمْنَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِذَا اِنْتَزَعَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَإِذَا خَلَعَ \". ‏ ‏قَوْله : ( لِتَكُنْ الْيُمْنَى أَوَّلهمَا تُنْعَل وَآخِرهمَا تُنْزَع ) ‏ ‏زَعَمَ اِبْن وَضَّاح فِيمَا حَكَاهُ اِبْن التِّين أَنَّ هَذَا الْقَدْر مُدْرَج وَأَنَّ الْمَرْفُوع اِنْتَهَى عِنْد قَوْله : \" بِالشِّمَالِ \" وَضُبِطَ قَوْله أَوَّلهمَا وَآخِرهمَا بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر كَانَ أَوْ عَلَى الْحَال وَالْخَبَر تُنْعَل وَتُنْزَع , وَضُبِطَا بِمُثَنَّاتَيْنِ فَوَقَانِيَتَيْنِ وَتَحْتَانِيَّتَيْنِ مُذَكَّرَيْنِ بِاعْتِبَارِ النَّعْل وَالْخَلْع , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الْبُدَاءَة بِالْيَمِينِ مَشْرُوعَة فِي جَمِيع الْأَعْمَال الصَّالِحَة لِفَضْلِ الْيَمِين حِسًّا فِي الْقُوَّة وَشَرْعًا فِي النَّدْب إِلَى تَقْدِيمهَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ : يُسْتَحَبّ الْبُدَاءَة بِالْيَمِينِ فِي كُلّ مَا كَانَ مِنْ بَاب التَّكْرِيم أَوْ الزِّينَة , وَالْبُدَاءَة بِالْيَسَارِ فِي ضِدّ ذَلِكَ كَالدُّخُولِ إِلَى الْخَلَاء وَنَزْع النَّعْل وَالْخُفّ وَالْخُرُوج مِنْ الْمَسْجِد وَالِاسْتِنْجَاء وَغَيْره مِنْ جَمِيع الْمُسْتَقْذَرَات , وَقَدْ مَرَّ كَثِير مِنْ هَذَا فِي كِتَاب الطَّهَارَة فِي شَرْح حَدِيث عَائِشَة : كَانَ يُعْجِبهُ التَّيَمُّن. وَقَالَ الْحَلِيمِيّ وَجْه الِابْتِدَاء بِالشِّمَالِ عِنْد الْخُلْع أَنَّ اللُّبْس كَرَامَة لِأَنَّهُ وِقَايَة لِلْبَدَنِ , فَلَمَّا كَانَتْ الْيُمْنَى أَكْرَم مِنْ الْيُسْرَى بُدِئَ بِهَا فِي اللُّبْس وَأُخِّرَتْ فِي الْخَلْع لِتَكُونَ الْكَرَامَة لَهَا أَدْوَم وَحَظّهَا مِنْهَا أَكْثَر , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : مَنْ بَدَأَ بِالِانْتِعَالِ فِي الْيُسْرَى أَسَاءَ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّة , وَلَكِنْ لَا يَحْرُم عَلَيْهِ لُبْس نَعْله. وَقَالَ غَيْره : يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْزِع النَّعْل مِنْ الْيُسْرَى ثُمَّ يَبْدَأ بِالْيُمْنَى , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون مُرَاد اِبْن عَبْد الْبَرّ مَا إِذَا لَبِسَهُمَا مَعًا فَبَدَأَ بِالْيُسْرَى فَإِنَّهُ لَا يُشْرَع لَهُ أَنْ يَنْزِعهُمَا ثُمَّ يَلْبَسهُمَا عَلَى التَّرْتِيب الْمَأْمُور بِهِ إِذْ قَدْ فَاتَ مَحَلّه. وَنَقَلَ عِيَاض وَغَيْره الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْأَمْر فِيهِ لِلِاسْتِحْبَابِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5408",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ ‏ ‏لِيُحْفِهِمَا ‏ ‏جَمِيعًا أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لِيُنْعِلهُمَا جَمِيعًا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَرَادَ الْقَدَمَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُمَا ذِكْر وَهَذَا مَشْهُور فِي لُغَة الْعَرَب , وَوَرَدَ فِي الْقُرْآن أَنْ يُؤْتَى بِضَمِيرٍ لَمْ يَتَقَدَّم لَهُ ذِكْر لِدَلَالَةِ السِّيَاق عَلَيْهِ. وَيُنْعِلهُمَا ضَبَطَهُ النَّوَوِيّ بِضَمِّ أَوَّله مَنْ أَنْعَلَ , وَتَعَقَّبَهُ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" بِأَنَّ أَهْل اللُّغَة قَالُوا نَعَلَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَحُكِيَ كَسْرهَا وَانْتَعَلَ أَيْ لَبِسَ النَّعْل , لَكِنْ قَدْ قَالَ أَهْل اللُّغَة أَيْضًا أَنْعَلَ رِجْله أَلْبَسَهَا نَعْلًا وَنَعَلَ دَابَّته جَعَلَ لَهَا نَعْلًا , وَقَالَ صَاحِب \" الْمُحْكَم \" أَنْعَلَ الدَّابَّة وَالْبَعِير وَنَعَلَهُمَا بِالتَّشْدِيدِ وَكَذَا ضَبَطَهُ عِيَاض فِي حَدِيث عُمَر الْمُتَقَدِّم \" أَنَّ غَسَّان تُنَعِّل الْخَيْل \" بِالضَّمِّ أَيْ تَجْعَل لَهَا نِعَالًا. وَالْحَاصِل أَنَّ الضَّمِير إِنْ كَانَ لِلْقَدَمَيْنِ جَازَ الضَّمّ وَالْفَتْح , وَإِنْ كَانَ لِلنَّعْلَيْنِ تَعَيَّنَ الْفَتْح. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُصْعَب فِي \" الْمُوَطَّأ \" أَوْ لِيَخْلَعهُمَا , وَكَذَا فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ , وَاَلَّذِي فِي جَمِيع رِوَايَات \" الْمُوَطَّأ \" كَاَلَّذِي فِي الْبُخَارِيّ , وَقَالَ النَّوَوِيّ , وَكِلَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيح , وَعَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُصْعَب فَالضَّمِير فِي قَوْله : \" أَوْ لِيَخْلَعهُمَا \" يَعُود عَلَى النَّعْلَيْنِ لِأَنَّ ذِكْر النَّعْل قَدْ تَقَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : قَدْ يَدْخُل فِي هَذَا كُلّ لِبَاس شَفْع كَالْخُفَّيْنِ وَإِخْرَاج الْيَد الْوَاحِدَة مِنْ الْكُمّ دُون الْأُخْرَى وَلِلتَّرَدِّي عَلَى أَحَد الْمَنْكِبَيْنِ دُون الْآخَر قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ حَدِيث الْبَاب مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" لَفْظ \" لَا يَمْشِ أَحَدكُمْ فِي نَعْل وَاحِدَة وَلَا خُفّ وَاحِد \" وَهُوَ عِنْد مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيث جَابِر , وَعِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد , وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَإِلْحَاق إِخْرَاج الْيَد الْوَاحِدَة مِنْ الْكُمّ وَتَرْك الْأُخْرَى بِلُبْسِ النَّعْل الْوَاحِدَة وَالْخُفّ الْوَاحِد بَعِيد , إِلَّا إِنْ أُخِذَ مِنْ الْأَمْر بِالْعَدْلِ بَيْن الْجَوَارِح وَتَرْك الشُّهْرَة , وَكَذَا وَضْع طَرَف الرِّدَاء عَلَى أَحَد الْمَنْكِبَيْنِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5409",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ نَعْلَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ لَهَا ‏ ‏قِبَالَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هَمَّام ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن عَلَى الْفَرْبَرِيِّ هِشَام بَدَل هَمَّام ; وَاَلَّذِي عِنْد الْجَمَاعَة أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ نَعْلَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة عِنْد الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْإِفْرَادِ وَكَذَا فِي قَوْله : \" لَهُمَا \". ‏ ‏قَوْله : ( قِبَالَانِ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن سَعْد عَنْ عَفَّانَ عَنْ هَمَّام \" مِنْ سِبْت لَيْسَ عَلَيْهِمَا شَعْر \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَفَّانَ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة , وَقَوْله : \" سِبْت \" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُثَنَّاة وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "5410",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏قَالَ خَرَجَ إِلَيْنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏بِنَعْلَيْنِ لَهُمَا ‏ ‏قِبَالَانِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ‏ ‏هَذِهِ نَعْلُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُقَاتِل , ‏ ‏وَعَبْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( عِيسَى بْن طَهْمَانَ قَالَ : خَرَجَ إِلَيْنَا أَنَس بْن مَالِك بِنَعْلَيْنِ لَهُمَا قِبَالَانِ , فَقَالَ ثَابِت الْبُنَانِيُّ : هَذِهِ نَعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذَا مُرْسَل قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ. قُلْت صُورَته الْإِرْسَال لِأَنَّ ثَابِتًا لَمْ يُصَرِّح بِأَنَّ أَنَسًا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ , فَإِنْ كَانَ ثَابِت قَالَهُ بِحَضْرَةِ أَنَس وَأَقَرَّهُ أَنَس عَلَى ذَلِكَ فَيَكُون أَخْذ عِيسَى بْن طَهْمَانَ لَهُ عَنْ أَنَس عَرَضًا , لَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي الْخَمْس مِنْ طَرِيق اِبْن أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ عَنْ عِيسَى بْن طَهْمَانَ بِمَا يَنْفِي هَذَا الِاحْتِمَال , وَلَفْظه \" أَخْرَجَ إِلَيْنَا أَنَس نَعْلَيْنِ جَرْدَاوَتَيْنِ لَهُمَا قِبَالَانِ , فَحَدَّثَنِي ثَابِت الْبُنَانِيُّ بَعْد عَنْ أَنَس أَنَّهُمَا نَعْلَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ رِوَايَة عِيسَى عَنْ أَنَس إِخْرَاجه النَّعْلَيْنِ فَقَطْ وَأَنَّ إِضَافَتهمَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِوَايَة عِيسَى عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس , وَقَدْ أَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيّ إِلَى أَنَّ إِخْرَاج طَرِيق أَبِي أَحْمَد أَوْلَى , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِر أَنَّهَا تَقَدَّمَتْ هُنَاكَ , وَالْبُخَارِيّ عَلَى عَادَته إِذَا صَحَّتْ الطَّرِيق مَوْصُولَة لَا يَمْتَنِع مِنْ إِيرَاد مَا ظَاهِره الْإِرْسَال اِعْتِمَادًا عَلَى الْمَوْصُول , وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ فِي \" الشَّمَائِل \" وَابْن مَاجَهْ بِسَنَدٍ قَوِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَانَتْ لِنَعْلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَالَانِ مُثَنَّى شِرَاكهمَا \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : دَلَالَة الْحَدِيث عَلَى التَّرْجَمَة مِنْ جِهَة أَنَّ النَّعْل صَادِقَة عَلَى مَجْمُوع مَا يُلْبَس فِي الرِّجْلَيْنِ , وَأَمَّا الرُّكْن الثَّانِي مِنْ التَّرْجَمَة فَمِنْ جِهَة أَنَّ مُقَابَلَة الشَّيْء بِالشَّيْءِ يُفِيد التَّوْزِيع , فَلِكُلِّ وَاحِد مِنْ نَعْل كُلّ رَجُل قِبَال وَاحِد. قُلْت : بَلْ أَشَارَ الْبُخَارِيّ إِلَى مَا وَرَدَ عَنْ بَعْض السَّلَف , فَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ فِي \" الصَّغِير \" مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِثْل حَدِيث أَنَس هَذَا وَزَادَ \" وَكَذَا لِأَبِي بَكْر وَلِعُمَر , وَأَوَّل مَنْ عَقَدَ عُقْدَة وَاحِدَة عُثْمَان بْن عَفَّانَ \" لَفْظ الطَّبَرَانِيِّ وَسِيَاق الْبَزَّار مُخْتَصَر , وَرِجَال سَنَده ثِقَات , وَلَهُ شَاهِد أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ عَمْرو بْن أَوْس مِثْله دُون ذِكْر عُثْمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "5411",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ ‏ ‏أَدَمٍ ‏ ‏وَرَأَيْتُ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏أَخَذَ وَضُوءَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنَّاسُ يَبْتَدِرُونَ الْوَضُوءَ فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الصَّلَاة بِتَمَامِهِ مَشْرُوحًا , وَسَاقَهُ فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِهِ , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله : ‏ ‏\" وَهُوَ فِي قُبَّة حَمْرَاء مِنْ أَدَم \" ‏ ‏فَهُوَ مُطَابِق لِمَا تَرْجَمَ لَهُ , وَتَقَدَّمَ شَرْح الْحُلَّة الْحَمْرَاء قَرِيبًا فِي \" بَاب الثَّوْب الْأَحْمَر \" وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْإِشَارَة إِلَى تَضْعِيف حَدِيث رَافِع الْمُقَدَّم ذِكْره هُنَاكَ , ‏"
    },
    {
        "id": "5412",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرْسَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَجَمَعَهُمْ فِي ‏ ‏قُبَّةٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَدَمٍ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ حَدِيث أَنَس قَالَ : ‏ ‏\" أَرْسَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْأَنْصَار فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّة مِنْ أَدَم \" ‏ ‏وَهُوَ أَيْضًا طَرَف مِنْ حَدِيث أَوْرَدَهُ بِتَمَامِهِ فِي كِتَاب الْخَمْس عَنْ أَبِي الْيَمَان بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِهِ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْقُبَّة حَمْرَاء , لَكِنْ يَكْفِي أَنَّهُ يَدُلّ عَلَى بَعْض التَّرْجَمَة , وَكَثِيرًا مَا يَفْعَل الْبُخَارِيّ ذَلِكَ. قُلْت : وَيُمْكِن أَنْ يُقَال : لَعَلَّهُ حَمَلَ الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد وَذَلِكَ لِقُرْبِ الْعَهْد , فَإِنَّ الْقِصَّة الَّتِي ذَكَرَهَا أَنَس كَانَتْ فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ , وَاَلَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو جُحَيْفَةَ كَانَتْ فِي حَجَّة الْوَدَاع , وَبَيْنهمَا نَحْو سَنَتَيْنِ , فَالظَّاهِر أَنَّهَا هِيَ تِلْكَ الْقُبَّة لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَتَأَنَّق فِي مِثْل ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَبْدِل , وَإِذَا وَصَفَهَا أَبُو جُحَيْفَةَ بِأَنَّهَا حَمْرَاء فِي الْوَقْت الثَّانِي فَلِأَنْ تَكُون حُمْرَتهَا مَوْجُودَة فِي الْوَقْت الْأَوَّل أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ الزُّهْرِيُّ الْمَذْكُور فِي السَّنَد الَّذِي قَبْله , وَقَدْ اِقْتَطَعَ هَذِهِ الْجُمْلَة مِنْ الْحَدِيث فَسَاقَهَا عَلَى لَفْظ اللَّيْث , وَأَوَّل حَدِيث شُعَيْب عِنْده فِي فَرْض الْخَمْس \" أَنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَار قَالُوا : حِين أَفَاءَ اللَّه عَلَى رَسُوله مِنْ أَمْوَال هَوَازِن مَا أَفَاءَ - فَذَكَرَ الْقِصَّة قَالَ - فَحَدَّثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَقَالَتِهِمْ , فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَنْصَار فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّة مِنْ أَدَم \" الْحَدِيث بِطُولِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ. وَقَدْ وَصَلَ الْإِسْمَاعِيلِيّ رِوَايَة اللَّيْث مِنْ طَرِيق الرَّمَادِيّ : \" حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح حَدَّثَنَا اللَّيْث حَدَّثَنِي يُونُس \" وَمِنْ طَرِيق حَرْمَلَة عَنْ اِبْن وَهْب \" أَخْبَرَنِي يُونُس \" وَسَاقَهُ بِلَفْظِ \" فَحَدَّثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَنْصَار فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّة مِنْ أَدَم \" هَكَذَا اِقْتَطَعَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ حَرْمَلَة , وَأَوَّله عِنْده \" إِنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَار قَالُوا يَوْم حُنَيْنٍ حِين أَفَاءَ اللَّه \" فَذَكَرَ الْحَدِيث بِطُولِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5413",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَحْتَجِرُ ‏ ‏حَصِيرًا بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ النَّاسُ ‏ ‏يَثُوبُونَ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ حَتَّى كَثُرُوا فَأَقْبَلَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ‏ ‏خُذُوا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْتَجِر حَصِيرًا بِاللَّيْلِ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ \" ‏ ‏وَمُعْتَمِر ‏ ‏فِي إِسْنَاده هُوَ اِبْن سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ , ‏ ‏وَعُبَيْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ , ‏ ‏وَسَعِيد ‏ ‏هُوَ الْمَقْبُرِيُّ وَفِي السَّنَد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق أَوَّلهمْ أَبُو سَلَمَة وَهُمْ مَدَنِيُّونَ , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى ضَعْف مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق شُرَيْح بْن هَانِئ أَنَّهُ : \" سَأَلَ عَائِشَة : أَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى الْحَصِير وَاَللَّه يَقُول : ( وَجَعَلْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) ؟ فَقَالَتْ : لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي عَلَى الْحَصِير \" وَيُمْكِن الْجَمْع بِحَمْلِ النَّفْي عَلَى الْمُدَاوَمَة , لَكِنْ يَخْدِش فِيهِ مَا ذَكَرَهُ شُرَيْح مِنْ الْآيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث عَائِشَة فِي كِتَاب الصَّلَاة , وَتَرْجَمَ الْمُصَنِّف فِي أَوَائِل الصَّلَاة \" بَاب الصَّلَاة عَلَى الْحَصِير \" وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث أَنَس \" فَقُمْت إِلَى حَصِير لَنَا قَدْ اِسْوَدَّ مِنْ طُول مَا لُبِسَ \" الْحَدِيث , وَسَبَقَ مَا يَتَعَلَّق بِهِ , قَوْله فِي حَدِيث عَائِشَة يَحْتَجِر بِحَاءٍ مُهْمَلَة ثُمَّ جِيم ثُمَّ رَاءٍ مُهْمَلَة لِلْأَكْثَرِ أَيْ يَتَّخِذ حُجْرَة لِنَفْسِهِ ; يُقَال : حَجَرْت الْأَرْض وَاحْتَجَرّتهَا إِذَا جَعَلْت عَلَيْهَا عَلَامَة تَمْنَعهَا عَنْ غَيْرك. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِزَايٍ فِي آخِره. ‏ ‏قَوْله : ( يَثُوبُونَ ) ‏ ‏بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة أَيْ يَرْجِعُونَ , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" فَإِنَّ اللَّه لَا يَمَلّ حَتَّى تَمَلُّوا \" ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه أَيْضًا فِي كِتَاب الْإِيمَان , وَأَنَّ الْمَلَال كِنَايَة عَنْ الْقَبُول أَوْ التَّرْك , أَوْ أَطْلَقَ عَلَى سَبِيل الْمُشَاكَلَة. ‏ ‏وَقَوْله : \" وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَال إِلَى اللَّه مَا دَامَ \" ‏ ‏أَيْ مَا اِسْتَمَرَّ فِي حَيَاة الْعَامِل , وَلَيْسَ الْمُرَاد حَقِيقَة الدَّوَام الَّتِي هِيَ شُمُول جَمِيع الْأَزْمِنَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَا دَاوَمَ \" أَيْ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ الْعَامِل. ‏"
    },
    {
        "id": "5414",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَهَانَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ سَبْعٍ نَهَانَا عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ ‏ ‏أَوْ قَالَ حَلْقَةِ الذَّهَبِ ‏ ‏وَعَنْ الْحَرِيرِ ‏ ‏وَالْإِسْتَبْرَقِ ‏ ‏وَالدِّيبَاجِ ‏ ‏وَالْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ ‏ ‏وَالْقَسِّيِّ ‏ ‏وَآنِيَةِ الْفِضَّةِ وَأَمَرَنَا بِسَبْعٍ بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَرَدِّ السَّلَامِ وَإِجَابَةِ الدَّاعِي وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء قَالَ ‏ ‏\" نَهَانَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَبْع : نَهَانَا عَنْ خَاتَم الذَّهَب \" أَوْ قَالَ \" حَلْقَة الذَّهَب \" ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الطَّرِيق مِنْ رِوَايَة آدَم عَنْ شُعْبَة عَنْ أَشْعَث بْن سُلَيْمٍ وَهُوَ اِبْن الشَّعْثَاء \" سَمِعْت مُعَاوِيَة بْن سُوَيْد بْن مُقْرِن قَالَ سَمِعْت الْبَرَاء \" فَذَكَرَهُ بِتَقْدِيمِ النَّوَاهِي عَلَى الْأَوَامِر , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْجَنَائِز عَنْ أَبِي الْوَلِيد عَنْ شُعْبَة بِقَدِيمِ الْأَوَامِر عَلَى النَّوَاهِي , لَكِنْ سَقَطَ مِنْ النَّوَاهِي ذِكْر الْمَيَاثِر وَقَالَ فِيهِ \" خَاتَم الذَّهَب \" وَلَمْ يَشُكّ. وَأَوْرَدَهُ فِي الْمَظَالِم عَنْ سَعِيد بْن الرَّبِيع عَنْ شُعْبَة لَكِنْ لَمْ يَسُقْ فِيهِ الْمُنْهَيَات جُمْلَة , وَأَوْرَدَهُ فِي الطِّبّ عَنْ حَفْص بْن عُمَر عَنْ شُعْبَة لَكِنْ سَقَطَ مِنْ النَّوَاهِي آنِيَة الْفِضَّة , وَذَكَرَ مِنْ الْأَوَامِر ثَلَاثَة فَقَطْ : اِتِّبَاع الْجَنَائِز وَعِيَادَة الْمَرِيض وَإِفْشَاء السَّلَام , وَاخْتَصَرَ الْبَاقِي. ‏ ‏وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا \" خَاتَم الذَّهَب \" وَأَوْرَدَهُ فِي أَوَاخِر الْأَدَب عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ شُعْبَة كَذَلِكَ , لَكِنْ لَمْ يَذْكُر الْقَسِّيّ وَلَا آنِيَة الْفِضَّة , وَقَالَ بَدَل الْإِسْتَبْرَق السُّنْدُس. وَأَخْرَجَهُ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة مُقْتَصَرًا عَلَى إِبْرَار الْقَسَم حَسْب , فَهَذَا مَا عِنْده مِنْ تَغَايُر السِّيَاق فِي رِوَايَة شُعْبَة فَقَطْ , وَأَمَّا مِنْ رِوَايَة غَيْره عَنْ أَشْعَث عِنْده أَيْضًا فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي الْأَشْرِبَة فَقَطْ مِنْ رِوَايَة أَبِي عَوَانَة عَنْ الْأَشْعَث فَقَدَّمَ الْأَوَامِر عَلَى النَّوَاهِي وَسَاقَهُ تَامًّا وَقَالَ فِيهِ \" وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيم الذَّهَب \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَحْوَص عَنْ أَشْعَث مِثْله سَوَاء وَهُوَ الْمُطَابِق لِلتَّرْجَمَةِ هُنَا , وَأَخْرَجَهُ فِي أَوَائِل الِاسْتِئْذَان مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ أَشْعَث كَذَلِكَ لَكِنْ قَالَ \" وَنَهَى عَنْ تَخْتِم الذَّهَب \" وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي اللِّبَاس مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ فِي آخِر \" بَاب الْقَسِّيّ \" مُخْتَصَرًا جِدًّا \" نَهَانَا عَنْ الْمَيَاثِر الْحُمْر وَعَنْ الْقَسِّيّ \" وَفِي \" بَاب الْمِيثَرَة الْحَمْرَاء \" مِنْ رِوَايَته \" أَمَرَنَا بِسَبْعٍ \" فَذَكَرَ مِنْهَا الْعِيَادَة وَاتِّبَاع الْجَنَائِز وَتَشْمِيت الْعَاطِس \" وَنَهَانَا عَنْ سَبْع \" فَلَمْ يَذْكُر مِنْهَا خَاتَم الذَّهَب وَلَا أَنِيَة الْفِضَّة , فَهَذِهِ جَمِيع طُرُق هَذَا الْحَدِيث عِنْده , فَأَمَّا الْمَنْهِيَّات فَقَدْ شُرِحَتْ فِي أَمَاكِنهَا وَمُعْظَمهَا فِي هَذَا الْكِتَاب كِتَاب اللِّبَاس , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى آنِيَة الْفِضَّة فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة , وَأَمَّا الْأَوَامِر فَنَذْكُر كُلّ وَاحِدَة مِنْهَا فِي بَابهَا , وَيَأْتِي بَسْطهَا فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5415",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏نَهَى عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏النَّضْرَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏بَشِيرًا ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ بَشِير بْن نَهِيك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَكَسْر الْمُعْجَمَة , وَنَهِيك بِالنُّونِ وَزْنه سَوَاء. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ خَاتَم الذَّهَب ) ‏ ‏فِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره نَهَى عَنْ لُبْس خَاتَم الذَّهَب. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَرْزُوق \" أَنْبَأَنَا شُعْبَة \" سَاقَ هَذَا الْإِسْنَاد لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَان سَمَاع قَتَادَة مِنْ النَّضْر وَهُوَ اِبْن أَنَس بْن مَالِك الْمَذْكُور فِي السَّنَد الَّذِي قَبْله , وَسَمَاع النَّضْر مِنْ بَشِير بْن نَهِيك وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه عَنْ أَبِي قِلَابَةَ الرَّقَاشِيّ وَقَاسِم بْن أَصْبَغ عَنْ مُحَمَّد بْن غَالِب بْن حَرْب كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرو بْن مَرْزُوق بِهِ , وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِسَمَاعِ قَتَادَة مِنْ النَّضْر بِهَذَا الْحَدِيث أَيْضًا فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَة وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ كَذَلِكَ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : إِخْبَار الصَّحَابِيّ عَنْ الْأَمْر وَالنَّهْي عَلَى ثَلَاث مَرَاتِب : الْأُولَى أَنْ يَأْتِي بِالصِّيغَةِ كَقَوْلِهِ : اِفْعَلُوا أَوْ لَا تَفْعَلُوا , الثَّانِيَة قَوْله أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا وَنَهَانَا عَنْ كَذَا وَهُوَ كَالْمَرْتَبَةِ الْأُولَى فِي الْعَمَل بِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا , وَإِنَّمَا نَزَلَ عَنْهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون ظَنَّ مَا لَيْسَ بِأَمْرٍ أَمْرًا , إِلَّا أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَال مَرْجُوح لِلْعِلْمِ بِعَدَالَتِهِ وَمَعْرِفَته بِمَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظ لُغَة. الْمَرْتَبَة الثَّالِثَة أُمِرْنَا وَنُهِينَا عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ وَهِيَ كَالثَّانِيَةِ , وَإِنَّمَا نَزَلَتْ عَنْهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْآمِر غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالنَّهْي عَنْ خَاتَم الذَّهَب أَوْ التَّخَتُّم بِهِ مُخْتَصّ بِالرِّجَالِ دُون النِّسَاء , فَقَدْ نُقِلَ الْإِجْمَاع عَلَى إِبَاحَته لِلنِّسَاءِ. قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" أَنَّ النَّجَاشِيّ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِلْيَة فِيهَا خَاتَم مِنْ ذَهَب , فَأَخَذُوهُ وَإِنَّهُ لَمُعْرِض عَنْهُ , ثُمَّ دَعَا أُمَامَةَ بِنْت اِبْنَته فَقَالَ : تَحَلَّيْ بِهِ \" قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَظَاهِر النَّهْي التَّحْرِيم , وَهُوَ قَوْل الْأَئِمَّة وَاسْتَقَرَّ الْأَمْر عَلَيْهِ , قَالَ عِيَاض : وَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم مِنْ تَخَتُّمه بِالذَّهَبِ فَشُذُوذ , وَالْأَشْبَه أَنَّهُ لَمْ تَبْلُغهُ السُّنَّة فِيهِ فَالنَّاس بَعْده مُجْمِعُونَ عَلَى خِلَافه , وَكَذَا مَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ خَبَّاب وَقَدْ قَالَ لَهُ اِبْن مَسْعُود \" أَمَا آنَ لِهَذَا الْخَاتَم أَنْ يُلْقَى ؟ فَقَالَ : إِنَّك لَنْ تَرَاهُ عَلَيَّ بَعْد الْيَوْم \" فَكَأَنَّهُ مَا كَانَ بَلَغَهُ النَّهْي فَلَمَّا بَلَغَهُ رَجَعَ. قَالَ : وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّ لُبْسه لِلرِّجَالِ مَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه لَا تَحْرِيم كَمَا قَالَ ذَلِكَ فِي الْحَرِير , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : هَذَا يَقْتَضِي إِثْبَات الْخِلَاف فِي التَّحْرِيم , وَهُوَ يُنَاقِض الْقَوْل بِالْإِجْمَاعِ عَلَى التَّحْرِيم , وَلَا بُدّ مِنْ اِعْتِبَار وَصْف كَوْنه خَاتَمًا. قُلْت : التَّوْفِيق بَيْن الْكَلَامَيْنِ مُمْكِن بِأَنْ يَكُون الْقَائِل بِكَرَاهَةِ التَّنْزِيه اِنْقَرَضَ وَاسْتَقَرَّ الْإِجْمَاع بَعْده عَلَى التَّحْرِيم , وَقَدْ جَاءَ عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة لُبْس خَاتَم الذَّهَب , مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَبِي إِسْمَاعِيل أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ عَلَى سَعْد بْن أَبِي وَقَاصّ وَطَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه وَصُهَيْب وَذَكَرَ سِتَّة أَوْ سَبْعَة , وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة أَيْضًا عَنْ حُذَيْفَة وَعَنْ جَابِر بْن سَمُرَة وَعَنْ عُبَيْد اللَّه بْن يَزِيد الْخَطْمِيّ نَحْوه , وَمِنْ طَرِيق حَمْزَة بْن أَبِي أُسَيْد \" نَزَعْنَا مِنْ يَدَيْ أُسَيْد خَاتَمًا مِنْ ذَهَب \" وَأَغْرَبَ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ عَنْ الْبَرَاء الَّذِي رَوَى النَّهْي , فَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَبِي السَّفَر قَالَ \" رَأَيْت عَلَى الْبَرَاء خَاتَمًا مِنْ ذَهَب \" وَعَنْ شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق نَحْوه أَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي \" الْجَعْدِيَّات \" وَأَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن مَالِك قَالَ : \" رَأَيْت عَلَى الْبَرَاء خَاتَمًا مِنْ ذَهَب فَقَالَ : قَسَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْمًا فَأَلْبَسَنِيهِ فَقَالَ : اِلْبَسْ مَا كَسَاك اللَّه وَرَسُوله \" قَالَ الْحَازِمِيّ : إِسْنَاده لَيْسَ بِذَاكَ , وَلَوْ صَحَّ فَهُوَ مَنْسُوخ. قُلْت : لَوْ ثَبَتَ النَّسْخ عِنْد الْبَرَاء مَا لَبِسَهُ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ رُوِيَ حَدِيث النَّهْي الْمُتَّفَق عَلَى صِحَّته عَنْهُ , فَالْجَمْع بَيْن رِوَايَته وَفِعْله إِمَّا بِأَنْ يَكُون حَمَلَهُ عَلَى التَّنْزِيه أَوْ فَهِمَ الْخُصُوصِيَّة لَهُ مِنْ قَوْله اِلْبَسْ مَا كَسَاك اللَّه وَرَسُوله , وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْل الْحَازِمِيّ : لَعَلَّ الْبَرَاء لَمْ يَبْلُغهُ النَّهْي. وَيُؤَيِّدهُ الِاحْتِمَال الثَّانِي أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد \" كَانَ النَّاس يَقُولُونَ لِلْبَرَاءِ لِمَ تَتَخَتَّم بِالذَّهَبِ وَقَدْ نَهَى عَنْهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَيَذْكُر لَهُمْ الْحَدِيث ثُمَّ يَقُول : كَيْف تَأْمُرُونَنِي أَنْ أَضَع مَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِلْبَسْ مَا كَسَاك اللَّه وَرَسُوله \" وَمِنْ أَدِلَّة النَّهْي أَيْضًا مَا رَوَاهُ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي إِدْرِيس عَنْ رَجُل لَهُ صُحْبَة قَالَ \" جَلَسَ رَجُل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي يَده خَاتَم مِنْ ذَهَب فَقَرَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَده بِقَضِيبٍ فَقَالَ : أَلْقِ هَذَا \" وَعُمُوم الْأَحَادِيث الْمُقَدَّم ذِكْرهَا فِي \" بَاب لُبْس الْحَرِير \" حَيْثُ قَالَ فِي الذَّهَب وَالْحَرِير \" هَذَانِ حَرَامَان عَلَى رِجَال أُمَّتِي حِلّ لِإِنَاثِهَا \" وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَفَعَهُ \" مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي وَهُوَ يَلْبَس الذَّهَب حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ ذَهَب الْجَنَّة \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ , وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب مَا يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى نَسْخ جَوَاز لُبْس الْخَاتَم إِذَا كَانَ مِنْ ذَهَب , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيم الذَّهَب عَلَى الرِّجَال قَلِيله وَكَثِيره لِلنَّهْيِ عَنْ التَّخَتُّم وَهُوَ قَلِيل , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد بِأَنَّ التَّحْرِيم يَتَنَاوَل مَا هُوَ فِي قَدْر الْخَاتَم وَمَا فَوْقه كَالدُّمْلُجِ وَالْمِعْضَد وَغَيْرهمَا , فَأَمَّا مَا هُوَ دُونه فَلَا دَلَالَة مِنْ الْحَدِيث عَلَيْهِ , وَتَنَاوَلَ النَّهْي جَمِيع الْأَحْوَال فَلَا يَجُوز لُبْس خَاتَم الذَّهَب لِمَنْ فَاجَأَهُ الْحَرْب لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّق لَهُ بِالْحَرْبِ , بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَرِير مِنْ الرُّخْصَة فِي لُبْسه بِسَبَبِ الْحَرْب , وَبِخِلَافِ مَا عَلَى السَّيْف أَوْ التُّرْس أَوْ الْمِنْطَقَة مِنْ حِلْيَة الذَّهَب فَإِنَّهُ لَوْ فَجَأَهُ الْحَرْب جَازَ لَهُ الضَّرْب بِذَلِكَ السَّيْف فَإِذَا اِنْقَضَتْ الْحَرْب فَلْيُنْتَقَضْ لِأَنَّهُ كُلّه مِنْ مُتَعَلِّقَات الْحَرْب بِخِلَافِ الْخَاتَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5416",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ فَرَمَى بِهِ وَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ أَوْ فِضَّةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر سَيَأْتِي شَرْحه فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" فَاِتَّخَذَهُ النَّاس \" ‏ ‏أَيْ اِتَّخَذُوا مِثْله كَمَا بَيَّنَهُ بَعْد , ‏ ‏وَقَوْله : \" مِنْ وَرِق أَوْ فِضَّة \" ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي وَجَزَمَ فِي الَّذِي يَلِيه بِقَوْلِهِ \" مِنْ فِضَّة \" وَفِي الَّذِي يَلِيه بِأَنَّهُ \" مِنْ وَرِق \" وَالْوَرِق بِفَتْحِ الْوَاو وَكَسْر الرَّاء وَيَجُوز إِسْكَانهَا , وَحَكَى الصَّغَانِيّ وَحَكَى كَسْر أَوَّله مَعَ السُّكُون فَتِلْكَ أَرْبَع لُغَات , وَفِيهَا لُغَة خَامِسَة الرِّقَّة وَالرَّاء بَدَل الْوَاو كَالْوَعْدِ وَالْعِدَة , وَقِيلَ الْوَرِق يَخْتَصّ بِالْمَصْكُوكِ وَالرِّقَّة أَعَمّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5417",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ وَنَقَشَ فِيهِ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ فَاتَّخَذَ النَّاسُ مِثْلَهُ فَلَمَّا رَآهُمْ قَدْ اتَّخَذُوهَا رَمَى بِهِ وَقَالَ ‏ ‏لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ الْفِضَّةِ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏فَلَبِسَ الْخَاتَمَ بَعْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏حَتَّى وَقَعَ مِنْ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فِي ‏ ‏بِئْرِ أَرِيسَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( اِتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَب ) ‏ ‏مَعْنَى اِتَّخَذَهُ أَمَرَ بِصِيَاغَتِهِ فَصِيغَ فَلَبِسَهُ , أَوْ وَجَدَهُ مَصُوغًا فَاِتَّخَذَهُ. ‏ ‏وَقَوْله : \" مِمَّا يَلِي بَاطِن كَفّه \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بَطْن كَفّه \" زَادَ فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَّة عَنْ نَافِع كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا \" إِذَا لَبِسَهُ \" ‏ ‏وَقَوْله \" وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّد رَسُول اللَّه \" ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَة , وَنَقَشَ أَيْ أَمَرَ بِنَقْشِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاِتَّخَذَ النَّاس مِثْله ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْمِثْلِيَّةِ كَوْنه مِنْ فِضَّة وَكَوْنه عَلَى صُورَة النَّقْش الْمَذْكُورَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لِمُطْلَقِ الِاتِّخَاذ. ‏ ‏وَقَوْله : \" فَرَمَى بِهِ وَقَالَ لَا أَلْبَسهُ أَبَدًا \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَّة عَنْ نَافِع \" فَرَقِيَ الْمِنْبَر فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ : إِنِّي كُنْت اِصْطَنَعْته , وَإِنِّي لَا أَلْبَسهُ \" وَفِي رِوَايَة الْمُغِيرَة بْن زِيَاد \" فَرَمَى بِهِ , فَلَا نَدْرِي مَا فَعَلَ \" وَهَذَا يُحْتَمَل أَنْ يَكُون كَرِهَهُ مِنْ أَجْل الْمُشَارَكَة , أَوْ لَمَّا رَأَى زَهْوهمْ بِلُبْسِهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لِكَوْنِهِ مِنْ ذَهَب وَصَادَفَ وَقْت تَحْرِيم لُبْس الذَّهَب عَلَى الرِّجَال , وَيُؤَيِّد هَذَا رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر الْمُخْتَصَرَة فِي هَذَا الْبَاب بِلَفْظِ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَس خَاتَمًا مِنْ ذَهَب , فَنَبَذَهُ فَقَالَ : لَا أَلْبَسهُ أَبَدًا \" ‏ ‏وَقَوْله : \" وَاِتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّة \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُغِيرَة بْن زِيَاد ثُمَّ أَمَرَ بِخَاتَمٍ مِنْ فِضَّة فَأَمَرَ أَنْ يُنْقَش فِيهِ \" مُحَمَّد رَسُول اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( فَاِتَّخَذَ النَّاس خَوَاتِيم الْفِضَّة ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر فِي حَدِيث اِبْن عُمَر فِي اِتِّخَاذ النَّاس خَوَاتِيم الْفِضَّة مَنْعًا وَلَا كَرَاهِيَة , وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي حَدِيث أَنَس. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن عُمَر فَلَبِسَ الْخَاتَم - بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو بَكْر ثُمَّ عُمَر ثُمَّ عُثْمَان , حَتَّى وَقَعَ مِنْ عُثْمَان فِي بِئْر أَرِيس ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الرَّاء وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَة وَزْن عَظِيم , وَهِيَ فِي حَدِيقَة بِالْقُرْبِ مِنْ مَسْجِد قُبَاء , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب نَقْش الْخَاتَم \" قَرِيبًا مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ عُبَيْد اللَّه الْعُمَرِيّ بِلَفْظِ \" ثُمَّ كَانَ بَعْد فِي يَد أَبِي بَكْر \" وَذَكَرَ عُمَر وَعُثْمَان بِمِثْلِ هَذَا التَّرْتِيب , وَيَأْتِي بَعْد فِي \" بَاب هَلْ يُجْعَل نَقْش الْخَاتَم ثَلَاثَة أَسْطُر \" مِنْ حَدِيث أَنَس نَحْوه وَقَالَ فِيهِ \" فَلَمَّا كَانَ عُثْمَان جَلَسَ عَلَى بِئْر أَرِيس \" وَزَادَ اِبْن سَعْد الْأَنْصَارِيّ بِسَنَدِ الْمُصَنِّف \" ثُمَّ كَانَ فِي يَد عُثْمَان سِتّ سِنِينَ \" ثُمَّ اِتَّفَقَا. وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق الْمُغِيرَة بْن زِيَاد عَنْ نَافِع مِنْ الزِّيَادَة فِي آخِره عَنْ اِبْن عُمَر \" فَاِتَّخَذَ عُثْمَان خَاتَمًا وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّد رَسُول اللَّه فَكَانَ يَخْتِم بِهِ أَوْ يَتَخَتَّم بِهِ \" وَلَهُ شَاهِد مِنْ مُرْسَل عَلِيّ بْن الْحُسَيْن عِنْد اِبْن سَعْد فِي الطَّبَقَات , وَفِي رِوَايَة أَيُّوب بْن مُوسَى عَنْ نَافِع عِنْد مُسْلِم نَحْو حَدِيث عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع إِلَى قَوْله \" فَجَعَلَ فَصّه مِمَّا يَلِي كَفّه \" قَالَ : \" وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ مُعَيْقِيب فِي بِئْر أَرِيس \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ نِسْبَة سُقُوطه إِلَى عُثْمَان نِسْبَة مَجَازِيَّة أَوْ بِالْعَكْسِ , وَأَنَّ عُثْمَان طَلَبه مِنْ مُعَيْقِيب فَخَتَمَ بِهِ شَيْئًا وَاسْتَمَرَّ فِي يَده وَهُوَ مُفَكِّر فِي شَيْء يَعْبَث بِهِ فَسَقَطَ فِي الْبِئْر أَوْ رَدَّهُ إِلَيْهِ فَسَقَطَ مِنْهُ , وَالْأَوَّل هُوَ الْمُوَافِق لِحَدِيثِ أَنَس , وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق الْمُغِيرَة بْن زِيَاد عَنْ نَافِع هَذَا الْحَدِيث قَالَ فِي آخِره \" وَفِي يَد عُثْمَان سِتّ سِنِينَ مِنْ عَمَله , فَلَمَّا كَثُرَتْ عَلَيْهِ دَفَعَهُ إِلَى رَجُل مِنْ الْأَنْصَار فَكَانَ يَخْتِم بِهِ , فَخَرَجَ الْأَنْصَارِيّ إِلَى قَلِيب لِعُثْمَان فَسَقَطَ , فَالْتُمِسَ فَلَمْ يُوجَد \". ‏"
    },
    {
        "id": "5418",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَلْبَسُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَنَبَذَهُ فَقَالَ ‏ ‏لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَس خَاتَمًا مِنْ ذَهَب فَنَبَذَهُ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ مَالِك عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار , وَرَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار أَتَمّ مِنْهُ وَسَاقَهُ نَحْو رِوَايَة نَافِع الَّتِي قَبْلهَا , وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار. ‏"
    },
    {
        "id": "5419",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَاتَمًا مِنْ ‏ ‏وَرِقٍ ‏ ‏يَوْمًا وَاحِدًا ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اصْطَنَعُوا الْخَوَاتِيمَ مِنْ وَرِقٍ وَلَبِسُوهَا فَطَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَاتَمَهُ فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏وَزِيَادٌ ‏ ‏وَشُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ مُسَافِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَرَى خَاتَمًا مِنْ ‏ ‏وَرِقٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد الْإِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّهُ رَأَى فِي يَد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ وَرِق يَوْمًا وَاحِدًا , وَأَنَّ النَّاس اِصْطَنَعُوا الْخَوَاتِيم مِنْ وَرِق فَلَبِسُوهَا فَطَرَحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمه , فَطَرَحَ النَّاس خَوَاتِيمهمْ ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَى الْحَدِيث الزُّهْرِيُّ عَنْ أَنَس , وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَخْرِيجه مِنْ طَرِيقه وَنَسَبَ فِيهِ إِلَى الْغَلَط , لِأَنَّ الْمَعْرُوف أَنَّ الْخَاتَم الَّذِي طَرَحَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبِ اِتِّخَاذ النَّاس مِثْله إِنَّمَا هُوَ خَاتَم الذَّهَب كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر , قَالَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ : قَالَ جَمِيع أَهْل الْحَدِيث هَذَا وَهْم مِنْ اِبْن شِهَاب لِأَنَّ الْمَطْرُوح مَا كَانَ إِلَّا خَاتَم الذَّهَب , وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ كَمَا سَيَأْتِي. قُلْت : وَحَاصِل الْأَجْوِبَة ثَلَاثَة : أَحَدهَا قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْد أَنْ سَاقَهُ : إِنْ كَانَ هَذَا الْخَبَر مَحْفُوظًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون تَأْوِيله أَنَّهُ اِتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِق عَلَى لَوْن مِنْ الْأَلْوَان وَكَرِهَ أَنْ يَتَّخِذ غَيْره مِثْله , فَلَمَّا أَتَّخَذُوهُ رَمَى بِهِ حَتَّى رَمَوْا بِهِ ثُمَّ اِتَّخَذَ بَعْد ذَلِكَ مَا اِتَّخَذَهُ وَنَقَشَ عَلَيْهِ مَا نُقِشَ لِيَخْتِم بِهِ , ثَانِيهَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا أَنَّهُ اِتَّخَذَهُ زِينَة فَلَمَّا تَبِعَهُ النَّاس فِيهِ رَمَى بِهِ , فَلَمَّا اِحْتَاجَ إِلَى الْخَتْم اِتَّخَذَهُ لِيَخْتِم بِهِ , وَبِهَذَا جَزَمَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ بَعْد أَنْ حَكَى قَوْل الْمُهَلَّب , وَذَكَرَ أَنَّهُ مُتَكَلِّف , قَالَ : وَالظَّاهِر مِنْ حَالهمْ أَنَّهُمْ اِتَّخَذُوهَا لِلزِّينَةِ فَطَرَحَ خَاتَمه لِيَطْرَحُوا , ثُمَّ لَبِسَهُ بَعْد ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ إِلَى الْخَتْم بِهِ وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي جَوَاب الْبَيْهَقِيِّ عَنْ ذَلِكَ فِي \" بَاب اِتِّخَاذ الْخَاتَم \". ثَالِثهَا قَالَ اِبْن بَطَّال : خَالَفَ اِبْن شِهَاب رِوَايَة قَتَادَة وَثَابِت وَعَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب فِي كَوْن الْخَاتَم الْفِضَّة اِسْتَقَرَّ فِي يَد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتِم بِهِ الْحُلَفَاء بَعْده , فَوَجَبَ الْحُكْم لِلْجَمَاعَةِ , وَإِنْ وَهَمَ الزُّهْرِيُّ فِيهِ , لَكِنْ قَالَ الْمُهَلَّب قَدْ يُمْكِن أَنْ يَتَأَوَّل لِابْنِ شِهَاب مَا يَنْفِي عَنْهُ الْوَهْم وَإِنْ كَانَ الْوَهْم أَظْهَر , وَذَلِكَ أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون لَمَّا عَزَمَ عَلَى إِطْرَاح خَاتَم الذَّهَب اِصْطَنَعَ خَاتَم الْفِضَّة بِدَلِيلِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ الْخَتْم عَلَى الْكُتُب إِلَى الْمُلُوك وَغَيْرهمْ مِنْ أُمَرَاء السَّرَايَا وَالْعُمَّال , فَلَمَّا لَبِسَ خَاتَم الْفِضَّة أَرَادَ النَّاس أَنْ يَصْطَنِعُوا مِثْله فَطَرَحَ عِنْد ذَلِكَ خَاتَم الذَّهَب فَطَرَحَ النَّاس خَوَاتِيم الذَّهَب , قُلْت : وَلَا يَخْفَى وَهِيَ هَذَا الْجَوَاب , وَاَلَّذِي قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَقْرَب مَعَ أَنَّهُ يَخْدِش فِيهِ أَنَّهُ يَسْتَلْزِم اِتِّخَاذ الْوَرِق مَرَّتَيْنِ. وَقَدْ نَقَلَ عِيَاض نَحْوًا مِنْ قَوْل اِبْن بَطَّال قَائِلًا : قَالَ بَعْضهمْ يُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُ لَمَّا عَزَمَ عَلَى تَحْرِيم خَاتَم الذَّهَب اِتَّخَذَ خَاتَم فِضَّة فَلَمَّا لَبِسَهُ أَرَاهُ النَّاس فِي ذَلِكَ الْيَوْم لِيَعْلَمُوا إِبَاحَته ثُمَّ طَرَحَ خَاتَم الذَّهَب وَأَعْلَمَهُمْ تَحْرِيمه فَطَرَحَ النَّاس خَوَاتِيمهمْ مِنْ الذَّهَب , فَيَكُون قَوْله \" فَطَرَحَ خَاتَمه وَطَرَحُوا خَوَاتِيمهمْ \" أَيْ الَّتِي مِنْ الذَّهَب. وَحَاصِله أَنَّهُ جَعَلَ الْمَوْصُوف فِي قَوْله \" فَطَرَحَ خَاتَمه فَطَرَحُوا خَوَاتِيمهمْ \" خَاتَم الذَّهَب وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر. قَالَ عِيَاض : وَهَذَا يُسَوِّغ أَنْ لَوْ جَاءَتْ الرِّوَايَة مُجْمَلَة. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ رِوَايَة اِبْن شِهَاب لَا تَحْتَمِل هَذَا التَّأْوِيل , فَأَمَّا النَّوَوِيّ فَارْتَضَى هَذَا التَّأْوِيل وَقَالَ. هَذَا هُوَ التَّأْوِيل الصَّحِيح , وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَمْنَعهُ. قَالَ : وَأَمَّا قَوْله \" فَصَنَعَ النَّاس الْخَوَاتِيم مِنْ الْوَرِق فَلَبِسُوهَا \" ثُمَّ قَالَ \" فَطَرَحَ خَاتَمه فَطَرَحُوا خَوَاتِيمهمْ \" فَيُحْتَمَل أَنَّهُمْ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيد أَنْ يَصْطَنِع لِنَفْسِهِ خَاتَم فِضَّة اِصْطَنَعُوا لِأَنْفُسِهِمْ خَوَاتِيم الْفِضَّة وَبَقِيَتْ مَعَهُمْ خَوَاتِيم الذَّهَب كَمَا بَقِيَ مَعَهُ خَاتَمه إِلَى أَنْ اِسْتَبْدَلَ خَاتَم الْفِضَّة وَطَرَحَ خَاتَم الذَّهَب فَاسْتَبْدَلُوا وَطَرَحُوا ا ه. وَأَيَّدَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث أَنَّ الْخَاتَم الْمَطْرُوح كَانَ مِنْ وَرِق بَلْ هُوَ مُطْلَق , فَيُحْمَل عَلَى خَاتَم الذَّهَب أَوْ عَلَى مَا نُقِشَ عَلَيْهِ نَقْش خَاتَمه , قَالَ : وَمَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْع لَا يَجُوز تَوْهِيم الرَّاوِي. قُلْت : وَيُحْتَمَل وَجْهًا رَابِعًا لَيْسَ فِيهِ تَغْيِير وَلَا زِيَادَة اِتِّخَاذ وَهُوَ أَنَّهُ اِتَّخَذَ خَاتَم الذَّهَب لِلزِّينَةِ فَلَمَّا تَتَابَعَ النَّاس فِيهِ وَافَقَ وُقُوع تَحْرِيمه فَطَرَحَهُ وَلِذَلِكَ قَالَ \" لَا أَلْبَسهُ أَبَدًا \" وَطَرَحَ النَّاس خَوَاتِيمهمْ تَبَعًا لَهُ , وَصَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْ لُبْس خَاتَم الذَّهَب كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَاب قَبْله , ثُمَّ اِحْتَاجَ إِلَى الْخَاتَم لِأَجْلِ الْخَتْم بِهِ فَاِتَّخَذَهُ مِنْ فِضَّة وَنَقَشَ فِيهِ اِسْمه الْكَرِيم فَتَبِعَهُ النَّاس أَيْضًا فِي ذَلِكَ فَرَمَى بِهِ حَتَّى رَمَى النَّاس تِلْكَ الْخَوَاتِيم الْمَنْقُوشَة عَلَى اِسْمه لِئَلَّا تَفُوت مَصْلَحَة نَقْش اِسْمه بِوُقُوعِ الِاشْتِرَاك , فَلَمَّا عَدِمَتْ خَوَاتِيمهمْ بِرَمْيِهَا رَجَعَ إِلَى خَاتَمه الْخَاصّ بِهِ فَصَارَ يَخْتِم بِهِ , وَيُشِير إِلَى ذَلِكَ قَوْله فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب عَنْ أَنَس كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي بَاب الْخَاتَم فِي الْخِنْصَر \" إِنَّا اِتَّخَذْنَا خَاتَمًا وَنَقَشْنَا فِيهِ نَقْشًا فَلَا يَنْقُش عَلَيْهِ أَحَد \" فَلَعَلَّ بَعْض مَنْ لَمْ يَبْلُغهُ النَّهْي أَوْ بَعْض مَنْ بَلَغَهُ مِمَّنْ لَمْ يَرْسَخ فِي قَلْبه الْإِيمَان مِنْ مُنَافِق وَنَحْوه اِتَّخَذُوهُ وَنَقَشُوا فَوَقَعَ مَا وَقَعَ وَيَكُون طَرْحه لَهُ غَضَبًا مِمَّنْ تَشَبَّهَ بِهِ فِي ذَلِكَ النَّقْش , وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْكَرْمَانِيُّ مُخْتَصَرًا جِدًّا وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَوْل الزُّهْرِيِّ فِي رِوَايَته إِنَّهُ رَآهُ فِي يَده يَوْمًا لَا يُنَافِي ذَلِكَ , وَلَا يُعَارِضهُ قَوْله فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ \" سُئِلَ أَنَس هَلْ اِتَّخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا ؟ قَالَ : أَخَّرَ لَيْلَة صَلَاة الْعِشَاء - فَكَأَنِّي أَنْظُر إِلَى وَبِيص خَاتَمه \" فَإِنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ رَآهُ كَذَلِكَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَاسْتَمَرَّ فِي يَده بَقِيَّة يَوْمهَا ثُمَّ طَرَحَهُ فِي آخِر ذَلِكَ الْيَوْم وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق الْمُغِيرَة بْن زِيَاد عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" اِتَّخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَب فَلَبِسَهُ ثَلَاثَة أَيَّام \" فَيُجْمَع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث أَنَس بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِنْ قُلْنَا إِنَّ قَوْل الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيث أَنَس \" خَاتَم مِنْ وَرِق \" سَهْو وَأَنَّ الصَّوَاب خَاتَم مِنْ ذَهَب , فَقَوْله يَوْمًا وَاحِدًا ظَرْف لِرُؤْيَةِ أَنَس لَا لِمُدَّةِ اللُّبْس , وَقَوِّلْ اِبْن عُمَر ثَلَاثَة أَيَّام , ظَرْف لِمُدَّةِ اللُّبْس. وَإِنْ قُلْنَا أَنْ لَا وَهْم فِيهَا وَجَمَعْنَا بِمَا تَقَدَّمَ فَمُدَّة لُبْس خَاتَم الذَّهَب ثَلَاثَة أَيَّام كَمَا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر هَذَا , وَمُدَّة لُبْس خَاتَم الْوَرِق الْأَوَّل كَانَتْ يَوْمًا وَاحِدًا كَمَا فِي حَدِيث أَنَس ثُمَّ لَمَّا رَمَى النَّاس الْخَوَاتِيم الَّتِي نَقَشُوهَا عَلَى نَقْشه , ثُمَّ عَادَ فَلَبِسَ خَاتَم الْفِضَّة وَاسْتَمَرَّ إِلَى أَنْ مَاتَ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد وَزِيَاد وَشُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏أَمَّا مُتَابَعَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد وَهُوَ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيّ فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَأَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقه بِمِثْلِ رِوَايَة يُونُس , لَا مُخَالَفَة إِلَّا فِي بَعْض لَفْظ وَأَمَّا مُتَابَعَة زِيَاد - وَهُوَ اِبْن سَعْد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْخُرَاسَانِيّ نَزِيل مَكَّة ثُمَّ الْيَمَن - فَوَصَلَهَا مُسْلِم أَيْضًا وَأَشَارَ إِلَيْهَا أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَلَفْظه عَنْهُ كَذَلِكَ لَكِنْ قَالَ \" اِضْطَرَبُوا وَاصْطَنَعُوا \". وَأَمَّا مُتَابَعَة شُعَيْب فَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ كَذَلِكَ وَأَشَارَ إِلَيْهَا أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن مُسَافِر عَنْ الزُّهْرِيِّ : أَرَى خَاتَمًا مِنْ وَرِق ) ‏ ‏هَذَا التَّعْلِيق لَمْ أَرَهُ فِي أَصْل مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَهُوَ ثَابِت لِلْبَاقِينَ إِلَّا النَّسَفِيّ , وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا , وَوَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن عُفَيْر عَنْ اللَّيْث عَنْ اِبْن مُسَافِر - وَهُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن مُسَافِر - عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَنَس كَذَلِكَ وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظ \" أَرَى \" فَكَأَنَّهَا مِنْ الْبُخَارِيّ , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ اِبْن شِهَاب كَذَلِكَ مُوسَى بْن عُقْبَة وَابْن أَبِي عَتِيق , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْهُمَا قَالَ مِثْل حَدِيث إِبْرَاهِيم بْن سَعْد. وَفِي حَدِيثَيْ الْبَاب مُبَادَرَة الصَّحَابَة إِلَى الِاقْتِدَاء بِأَفْعَالِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمهمَا أَقَرَّ عَلَيْهِ اِسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ وَمَهْمَا أَنْكَرَهُ اِمْتَنَعُوا مِنْهُ. وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُورَث وَإِلَّا لَدَفَعَ خَاتَمه لِلْوَرَثَةِ , كَذَا قَالَ النَّوَوِيّ , وَفِيهِ نَظَر لِجَوَازِ أَنْ يَكُون الْخَاتَم اِتَّخَذَ مِنْ مَال الْمَصَالِح فَانْتَقَلَ لِلْإِمَامِ لِيَنْتَفِع بِهِ فِيمَا صُنِعَ لَهُ. وَفِيهِ حِفْظ الْخَاتَم الَّذِي يُخْتَم بِهِ تَحْت يَد أَمِين إِذَا نَزَعَهُ الْكَبِير مِنْ إِصْبَعه. وَفِيهِ أَنْ يَسِير الْمَال إِذَا ضَاعَ لَا يُهْمَل إِذَا كَانَ مِنْ أَثَر أَهْل الْخَيْر , وَفِيهِ بَحْث سَيَأْتِي , وَفِيهِ أَنَّ الْعَبَث الْيَسِير بِالشَّيْءِ حَال التَّفَكُّر لَا عَيْب فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5420",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏قَالَ سُئِلَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏هَلْ اتَّخَذَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَاتَمًا قَالَ أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى ‏ ‏شَطْرِ ‏ ‏اللَّيْلِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ‏ ‏وَبِيصِ ‏ ‏خَاتَمِهِ قَالَ ‏ ‏إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَنَامُوا وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث حُمَيْدٍ \" سُئِلَ أَنَس : هَلْ اِتَّخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا ؟ قَالَ : أَخَّرَ لَيْلَة صَلَاة الْعِشَاء \" الْحَدِيث. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْمَوَاقِيت مِنْ كِتَاب الصَّلَاة. ‏ ‏وَقَوْله \" وَبِيص \" ‏ ‏بِمُوَحَّدَةِ وَآخِره مُهْمَلَة هُوَ الْبَرِيق وَزْنًا وَمَعْنًى , وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب بِلَفْظِ \" بِرِيقِهِ \" وَمِنْ رِوَايَة قَتَادَة عَنْ أَنَس بِلَفْظِ \" بَيَاضه \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس فِي آخِره \" وَرَفَعَ أَنَس يَده الْيُسْرَى \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ , وَلَهُ فِي أُخْرَى \" وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصَر مِنْ يَده الْيُسْرَى \". ‏"
    },
    {
        "id": "5421",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حُمَيْدًا ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ خَاتَمُهُ مِنْ فِضَّةٍ وَكَانَ فَصُّهُ مِنْهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( كَانَ خَاتَمه مِنْ فِضَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة عَنْ حُمَيْدٍ ( مِنْ فِضَّة كُلّه ) فَهَذَا نَصّ فِي أَنَّهُ كُلّه مِنْ فِضَّة , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق إِيَاس بْن الْحَارِث بْن مُعَيْقِيب عَنْ جَدّه قَالَ \" كَانَ خَاتَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيد مَلْوِيًّا عَلَيْهِ فِضَّة , فَرُبَّمَا كَانَ فِي يَدَيْ , قَالَ : وَكَانَ مُعَيْقِيب عَلَى خَاتَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" يَعْنِي كَانَ أَمِينًا عَلَيْهِ فَيُحْمَل عَلَى التَّعَدُّد , وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ اِبْن سَعْد شَاهِدًا مُرْسَلًا عَنْ مَكْحُول \" أَنَّ خَاتَم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ حَدِيد مَلْوِيًّا عَلَيْهِ فِضَّة , غَيْر أَنَّ قَصَّهُ بَادٍ \" وَآخَر مُرْسَلًا عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ مِثْله دُون مَا فِي آخِره. وَثَالِثًا مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن عَمْرو بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ \" أَنَّ خَالِد بْن سَعِيد - يَعْنِي اِبْن الْعَاصِ - أَتَى وَفِي يَده خَاتَم , فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هَذَا ؟ اِطْرَحْهُ , فَطَرَحَهُ فَإِذَا خَاتَم مِنْ حَدِيد مَلْوِيّ عَلَيْهِ فِضَّة. قَالَ : فَمَا نَقْشه ؟ قَالَ : مُحَمَّد رَسُول اللَّه , قَالَ : فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ \" وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد بْن عَمْرو الْمَذْكُور أَنَّ ذَلِكَ جَرَى لِعَمْرِو بْن سَعِيد أَخِي خَالِد بْن سَعِيد , وَسَأَذْكُرُ لَفْظه فِي \" بَاب هَلْ يُجْعَل نَقْش الْخَاتَم ثَلَاثَة أَسْطُر \" ؟. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ فَصّه مِنْهُ ) ‏ ‏لَا يُعَارِضهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَصْحَاب السُّنَن مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَنَس \" كَانَ خَاتَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرِق وَكَانَ فَصّه حَبَشِيًّا \" لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى التَّعَدُّد وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى قَوْله حَبَشِيّ أَيْ كَانَ حَجَرًا مِنْ بِلَاد الْحَبَشَة , أَوْ عَلَى لَوْن الْحَبَشَة , أَوْ كَانَ جَزَعًا أَوْ عَقِيقًا لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُؤْتَى بِهِ مِنْ بِلَاد الْحَبَشَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون هُوَ الَّذِي فَصّه مِنْهُ وَنُسِبَ إِلَى الْحَبَشَة لِصِفَةٍ فِيهِ إِمَّا الصِّيَاغَة وَإِمَّا النَّقْش. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ يَحْيَى بْن أَيُّوب إِلَخْ ) ‏ ‏أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان سَمَاع حُمَيْدٍ لَهُ مِنْ أَنَس , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَوَاقِيت مُعَلَّقًا أَيْضًا , وَذَكَرْت مَنْ وَصَلَهُ وَلِلَّهِ الْحَمْد. وَقَدْ اِعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : لَيْسَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْبَاب الَّذِي تَرْجَمَهُ فِي شَيْء , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُسَمَّى خَاتَمًا إِلَّا إِذَا كَانَ لَهُ فَصّ , فَإِنْ كَانَ بِلَا فَصّ فَهُوَ حَلْقَة. قُلْت : لَكِنْ فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة فِي الْبَاب أَنَّ فَصّ الْخَاتَم كَانَ مِنْهُ , فَلَعَلَّهُ أَرَادَ الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُقَال لَهُ خَاتَم إِلَّا إِذَا كَانَ لَهُ فَصّ مِنْ غَيْره , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة خَالِد بْن قَيْس عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس عِنْد مُسْلِم \" فَصَاغَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا حَلْقَة مِنْ فِضَّة \" وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْإِجْمَال فِي الرِّوَايَة الْأُولَى مَحْمُول عَلَى التَّبْيِين فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5422",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏سَهْلًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ جِئْتُ أَهَبُ نَفْسِي فَقَامَتْ طَوِيلًا فَنَظَرَ وَصَوَّبَ فَلَمَّا طَالَ مُقَامُهَا فَقَالَ رَجُلٌ زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ قَالَ ‏ ‏عِنْدَكَ شَيْءٌ ‏ ‏تُصْدِقُهَا ‏ ‏قَالَ لَا قَالَ انْظُرْ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ وَاللَّهِ إِنْ وَجَدْتُ شَيْئًا قَالَ اذْهَبْ فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ قَالَ لَا وَاللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ مَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ فَقَالَ ‏ ‏أُصْدِقُهَا ‏ ‏إِزَارِي فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِزَارُكَ إِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ فَتَنَحَّى الرَّجُلُ فَجَلَسَ فَرَآهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَقَالَ مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ سُورَةُ كَذَا وَكَذَا لِسُوَرٍ عَدَّدَهَا قَالَ قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي قِصَّة الْوَاهِبَة وَقَوْله فِيهِ \" اِذْهَبْ فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيد \" ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز لُبْس خَاتَم الْحَدِيد , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ جَوَاز الِاتِّخَاذ جَوَاز اللُّبْس , فَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ وُجُوده لِتَنْتَفِع الْمَرْأَة بِقِيمَتِهِ. وَقَوْله \" وَلَوْ خَاتَمًا \" مَحْذُوف الْجَوَاب لِدَلَالَةِ السِّيَاق عَلَيْهِ , فَإِنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِالْتِمَاسِ مَهْمَا وَجَدَ كَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَوَهَّم خُرُوج خَاتَم الْحَدِيد لِحَقَارَتِهِ فَأَكَّدَ دُخُوله بِالْجُمْلَةِ الْمُشْعِرَة بِدُخُولِ مَا بَعْدهَا فِيمَا قَبْلهَا , وَقَوْله فِي الْجَوَاب ‏ ‏\" فَقَالَ لَا وَاَللَّه , وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيد \" ‏ ‏اِنْتَصَبَ عَلَى تَقْدِير لَمْ أَجِد , وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5423",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى رَهْطٍ أَوْ أُنَاسٍ مِنْ الْأَعَاجِمِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا عَلَيْهِ خَاتَمٌ ‏ ‏فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ فَكَأَنِّي ‏ ‏بِوَبِيصِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏بِبَصِيصِ ‏ ‏الْخَاتَمِ فِي إِصْبَعِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ فِي كَفِّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الْأَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَمَّاد وَسَعِيد هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَرَادَ أَنْ يَكْتُب إِلَى رَهْط أَوْ أُنَاس ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْأَعَاجِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ قَتَادَة كَمَا يَأْتِي بَعْد بَاب \" إِلَى الرُّوم \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ لَهُ ) ‏ ‏فِي مُرْسَل طَاوُسٍ عِنْد اِبْن سَعْد أَنَّ قُرَيْشًا هُمْ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَوْله : ( نَقْشه مُحَمَّد رَسُول اللَّه ) ‏ ‏زَادَ اِبْن سَعْد مِنْ مُرْسَل اِبْن سِيرِينَ \" بِسْمِ اللَّه مُحَمَّد رَسُول اللَّه \" وَلَمْ يُتَابَع عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَة , وَقَدْ أَوْرَدَهُ مِنْ مُرْسَل طَاوُسٍ وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ وَسَالِم بْن أَبِي الْجَعْد وَغَيْرهمْ لَيْسَ فِيهِ الزِّيَادَة , وَكَذَا وَقَعَ فِي الْبَاب مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عُقَيْل أَنَّهُ أَخْرَجَ لَهُمَا خَاتَمًا فَزَعَمَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلْبَسهُ فِيهِ تِمْثَال أَسَد قَالَ مَعْمَر : فَغَسَلَهُ بَعْض أَصْحَابنَا فَشَرِبَهُ , فَفِيهِ مَعَ إِرْسَاله ضَعْف , لِأَنَّ اِبْن عُقَيْل مُخْتَلَف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ إِذَا اِنْفَرَدَ فَكَيْف إِذَا خَالَفَ , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوته فَلَعَلَّهُ لَبِسَهُ مَرَّة قَبْل النَّهْي. ‏ ‏قَوْله : ( فِي إِصْبَع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ فِي كَفّه ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعْبَة \" فِي يَده \" وَسَيَأْتِي مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده \" فِي خِنْصَره \". ‏"
    },
    {
        "id": "5424",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَاتَمًا مِنْ ‏ ‏وَرِقٍ ‏ ‏وَكَانَ فِي يَدِهِ ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏حَتَّى وَقَعَ بَعْدُ فِي ‏ ‏بِئْرِ أَرِيسَ ‏ ‏نَقْشُهُ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب خَاتَم الْفِضَّة \". ‏"
    },
    {
        "id": "5425",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَنَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَاتَمًا قَالَ ‏ ‏إِنَّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا وَنَقَشْنَا فِيهِ نَقْشًا فَلَا يَنْقُشَنَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ قَالَ فَإِنِّي لَأَرَى بَرِيقَهُ فِي خِنْصَرِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَلَا يَنْقُش عَلَيْهِ أَحَد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْده \" يَنْقُشَنَّ \" بِالنُّونِ الْمُؤَكِّدَة , وَإِنَّمَا نَهَى أَنْ يَنْقُش أَحَد عَلَى نَقْشه لِأَنَّ فِيهِ اِسْمه وَصِفَته , وَإِنَّمَا صَنَعَ فِيهِ ذَلِكَ لِيَخْتِم بِهِ فَيَكُون عَلَامَة تَخْتَصّ بِهِ وَتَتَمَيَّز عَنْ غَيْره , فَلَوْ جَازَ أَنْ يَنْقُش أَحَد نَظِير نَقْشه لَفَاتَ الْمَقْصُود. ‏"
    },
    {
        "id": "5426",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَكْتُبَ إِلَى ‏ ‏الرُّومِ ‏ ‏قِيلَ لَهُ إِنَّهُمْ لَنْ يَقْرَءُوا كِتَابَكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُومًا ‏ ‏فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَنَقْشُهُ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5427",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ وَجَعَلَ فَصَّهُ فِي بَطْنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ فَاصْطَنَعَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ فَرَقِيَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي كُنْتُ اصْطَنَعْتُهُ وَإِنِّي لَا أَلْبَسُهُ فَنَبَذَهُ فَنَبَذَ النَّاسُ قَالَ ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏وَلَا أَحْسِبُهُ إِلَّا قَالَ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَّة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَسْمَاء , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( اِصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَب وَجَعَلَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ \" وَيَجْعَل \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث فِي \" بَاب خَاتَم الْفِضَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ جُوَيْرِيَّة وَلَا أَحْسِبهُ إِلَّا قَالَ فِي يَده الْيُمْنَى ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور ; قَالَ أَبُو ذَرّ فِي رِوَايَته : لَمْ يَقَع فِي الْبُخَارِيّ مَوْضِع الْخَاتَم مِنْ أَيّ الْيَدَيْنِ إِلَّا فِي هَذَا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَمْ يَجْزِم بِهِ جُوَيْرِيَّة , وَتَوَاطُؤ الرِّوَايَات عَلَى خِلَافه يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظهُ , وَعَمَل النَّاس عَلَى لُبْس الْخَاتَم فِي الْيَسَار يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ الْمَحْفُوظ. قُلْت : وَكَلَامه مُتَعَقَّب فَإِنَّ الظَّنّ فِيهِ مِنْ مُوسَى شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَسْمَاء كِلَاهُمَا عَنْ جُوَيْرِيَّة وَجَزَمَا بِأَنَّهُ لَبِسَهُ فِي يَده الْيُمْنَى , وَهَكَذَا أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عُقْبَة بْن خَالِد عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر فِي قِصَّة اِتِّخَاذ الْخَاتَم مِنْ ذَهَب وَفِيهِ \" وَجَعَلَهُ فِي يَده الْيُمْنَى \" وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن سَعْد مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" صَنَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَب فَتَخَتَّمَ بِهِ فِي يَمِينه , ثُمَّ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَر فَقَالَ : إِنِّي كُنْت اِتَّخَذْت هَذَا الْخَاتَم فِي يَمِينِي. ثُمَّ نَبَذَهُ \" الْحَدِيث وَهَذَا صَرِيح مِنْ لَفْظه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَافِع لِلُّبْسِ. وَمُوسَى بْن عُقْبَة أَحَد الثِّقَات الْأَثْبَات , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّادٍ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَتَّم فِي يَسَاره \" فَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ بَعْده : وَرَوَاهُ اِبْن إِسْحَاق وَأُسَامَة بْن زَيْد عَنْ نَافِع \" فِي يَمِينه \" اِنْتَهَى. وَرِوَايَة اِبْن إِسْحَاق قَدْ أَخْرَجَهَا أَبُو الشَّيْخ فِي \" كِتَاب أَخْلَاق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مِنْ طَرِيقه , وَكَذَا رِوَايَة أُسَامَة. وَأَخْرَجَهَا مُحَمَّد بْن سَعْد أَيْضًا. فَظَهَرَ أَنَّ رِوَايَة الْيَسَار فِي حَدِيث نَافِع شَاذَّة , وَمَنْ رَوَاهَا أَيْضًا أَقَلّ عَدَدًا وَأَلْيَن مِمَّنْ رَوَى الْيَمِين , وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَتَّم فِي يَمِينه \" وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخ فِي \" كِتَاب أَخْلَاق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مِنْ رِوَايَة خَالِد بْن أَبِي بَكْر عَنْ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر نَحْوه , فَرَجَحَتْ رِوَايَة الْيَمِين فِي حَدِيث اِبْن عُمَر أَيْضًا. وَقَدْ وَرَدَ التَّخَتُّم فِي الْيَمِين أَيْضًا فِي أَحَادِيث أُخْرَى : مِنْهَا عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّة فِي يَمِينه فَصّه حَبَشِيّ \" وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق قَالَ \" رَأَيْت عَلَى الصَّلْت بْن عَبْد اللَّه خَاتَمًا فِي خِنْصَره الْيَمِين , فَسَأَلْته فَقَالَ : رَأَيْت اِبْن عَبَّاس يَلْبَس خَاتَمه هَكَذَا وَجَعَلَ فَصّه عَلَى ظَهْرهَا , وَلَا إِخَال اِبْن عَبَّاس إِلَّا ذَكَرَهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه مُخْتَصَرًا \" رَأَيْت اِبْن عَبَّاس يَتَخَتَّم فِي يَمِينه وَلَا إِخَالهُ إِلَّا قَالَ : رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَتَّم فِي يَمِينه \" وَلِلطَّبَرَانِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَتَّم فِي يَمِينه \" وَفِي سَنَده لِين , وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة \" رَأَيْت اِبْن أَبِي رَافِع يَتَخَتَّم فِي يَمِينه وَقَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَتَّم فِي يَمِينه \" ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ أَصَحّ شَيْء رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيّ فِي \" الشَّمَائِل \" وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه اِبْن حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَخَتَّم فِي يَمِينه \" وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِر فِي \" الشَّمَائِل \" بِسَنَدٍ لَيِّن , وَعَائِشَة عِنْد الْبَزَّار بِسَنَدٍ لَيِّن , وَعِنْد أَبِي الشَّيْخ بِسَنَدٍ حَسَن , وَعَنْ أَبِي أُمَامَة عِنْد الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيف , وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" بِسَنَدٍ سَاقِط. وَوَرَدَ التَّخَتُّم فِي الْيَسَار مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر كَمَا تَقَدَّمَ , وَمِنْ حَدِيث أَنَس أَيْضًا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ \" كَانَ خَاتَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ , وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصَر الْيُسْرَى \". وَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" مِنْ طَرِيق قَتَادَة عَنْ أَنَس , وَلِأَبِي الشَّيْخ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد بِلَفْظِ \" كَانَ يَلْبَس خَاتَمه فِي يَسَاره \" وَفِي سَنَده لِين , وَأَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد أَيْضًا , وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق أَبِي جَعْفَر الْبَاقِر قَالَ \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر وَعُمَر وَعَلِيّ وَالْحَسَن وَالْحُسَيْن يَتَخَتَّمُونَ فِي الْيَسَار \" وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مَوْقُوفًا عَلَى الْحَسَن وَالْحُسَيْن فَحَسْب , وَأَمَّا دَعْوَى الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْعَمَل عَلَى التَّخَتُّم فِي الْيَسَار فَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَهُ مِنْ اِسْتِحْبَاب مَالِك لِلتَّخَتُّمِ وَهُوَ يُرَجِّح عَمَل أَهْل الْمَدِينَة فَظَنَّ أَنَّهُ عَمَل أَهْل الْمَدِينَة , وَفِيهِ نَظَر , فَإِنَّهُ جَاءَ عَنْ أَبِي بَكْر وَعُمَر وَجَمَعَ جَمّ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بَعْدهمْ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة وَغَيْرهمْ التَّخَتُّم فِي الْيُمْنَى , وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَدَب : يُجْمَع بَيْن هَذِهِ الْأَحَادِيث بِأَنَّ الَّذِي لَبِسَهُ فِي يَمِينه هُوَ خَاتَم الذَّهَب كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر. وَاَلَّذِي لَبِسَهُ فِي يَسَاره هُوَ خَاتَم الْفِضَّة , وَأَمَّا رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَس الَّتِي فِيهَا التَّصْرِيح بِأَنَّهُ كَانَ فِضَّة وَلَبِسَهُ فِي يَمِينه فَكَأَنَّهَا خَطَأ , فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ وَقَعَ لَهُ وَهْم فِي الْخَاتَم الَّذِي طَرَحَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَته أَنَّهُ الَّذِي كَانَ مِنْ فِضَّة , وَأَنَّ الَّذِي فِي رِوَايَة غَيْره أَنَّهُ الَّذِي كَانَ مِنْ ذَهَب , فَعَلَى هَذَا فَاَلَّذِي كَانَ لَبِسَهُ فِي يَمِينه هُوَ الذَّهَب ا ه مُلَخَّصًا. وَجَمَعَ غَيْره بِأَنَّهُ لَبِسَ الْخَاتَم أَوَّلًا فِي يَمِينه ثُمَّ حَوَّلَهُ إِلَى يَسَاره , وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخ وَابْن عَدِيّ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عَطَاء عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخَتَّمَ فِي يَمِينه , ثُمَّ أَنَّهُ حَوَّلَهُ فِي يَسَاره \" فَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ , وَلَكِنْ سَنَده ضَعِيف. وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" طَرَحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمه الذَّهَب ثُمَّ تَخَتَّمَ خَاتَمًا مِنْ وَرِق فَجَعَلَهُ فِي يَسَاره \" وَهَذَا مُرْسَل أَوْ مُعْضَل , وَقَدْ جَمَعَ الْبَغَوِيُّ فِي \" شَرْح السُّنَّة \" بِذَلِكَ وَأَنَّهُ تَخَتَّمَ أَوَّلًا فِي يَمِينه ثُمَّ تَخَتَّمَ فِي يَسَاره وَكَانَ ذَلِكَ آخِر الْأَمْرَيْنِ , وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : سَأَلْت أَبَا زُرْعَة عَنْ اِخْتِلَاف الْأَحَادِيث فِي ذَلِكَ فَقَالَ. لَا يَثْبُت هَذَا وَلَا هَذَا , وَلَكِنْ فِي يَمِينه أَكْثَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل الْبُخَارِيّ أَنَّ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر أَصَحّ شَيْء وَرَدَ فِيهِ وَصُرِّحَ فِيهِ بِالتَّخَتُّمِ فِي الْيَمِين , وَفِي الْمَسْأَلَة عِنْد الشَّافِعِيَّة اِخْتِلَاف وَالْأَصَحّ الْيَمِين. قُلْت. وَيَظْهَر لِي أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْقَصْد , فَإِنْ كَانَ اللُّبْس لِلتَّزَيُّنِ بِهِ فَالْيَمِين أَفْضَل , وَإِنْ كَانَ لِلتَّخَتُّمِ بِهِ فَالْيَسَار أَوْلَى لِأَنَّهُ كَالْمُودِعِ فِيهَا , وَيَحْصُل تَنَاوُلُه مِنْهَا بِالْيَمِينِ وَكَذَا وَضْعه فِيهَا , وَيَتَرَجَّح التَّخَتُّم فِي الْيَمِين مُطْلَقًا لِأَنَّ الْيَسَار آلَة الِاسْتِنْجَاء فَيُصَان الْخَاتَم إِذَا كَانَ فِي الْيَمِين عَنْ أَنْ تُصِيبهُ النَّجَاسَة , وَيَتَرَجَّح التَّخَتُّم فِي الْيَسَار بِمَا أَشَرْت إِلَيْهِ مِنْ التَّنَاوُل. وَجَنَحَتْ طَائِفَة إِلَى اِسْتِوَاء الْأَمْرَيْنِ وَجَمَعُوا بِذَلِكَ بَيْن مُخْتَلَف الْأَحَادِيث , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ أَبُو دَاوُدَ حَيْثُ تَرْجَمَ \" بَاب التَّخَتُّم فِي الْيَمِين وَالْيَسَار \" ثُمَّ أَوْرَدَ الْأَحَادِيث مَعَ اِخْتِلَافهَا فِي ذَلِكَ بِغَيْرِ تَرْجِيح , وَنَقَلَ النَّوَوِيّ وَغَيْره الْإِجْمَاع عَلَى الْجَوَاز ثُمَّ قَالَ : وَلَا كَرَاهَة فِيهِ - يَعْنِي عِنْد الشَّافِعِيَّة - وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي الْأَفْضَل , وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : كَانَ آخِر الْأَمْرَيْنِ التَّخَتُّم فِي الْيَسَار. ‏ ‏وَتَعَقَّبَهُ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ ظَاهِره النَّسْخ , وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَاده بَلْ الْإِخْبَار بِالْوَاقِعِ اِتِّفَاقًا , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْحِكْمَة فِيهِ مَا تَقَدَّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5428",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَنَقَشَ فِيهِ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ وَقَالَ ‏ ‏إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ ‏ ‏وَرِقٍ ‏ ‏وَنَقَشْتُ فِيهِ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ فَلَا يَنْقُشَنَّ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس مِنْ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب عَنْهُ فِي اِتِّخَاذ الْخَاتَم مِنْ فِضَّة وَفِيهِ \" فَلَا يَنْقُش أَحَد عَلَى نَقْشه \" ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" إِنَّا اِتَّخَذْنَا \" ‏ ‏بِصِيغَةِ الْجَمْع وَهِيَ لِلتَّعْظِيمِ هُنَا , وَالْمُرَاد أَنِّي اِتَّخَذْت. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس نَحْوه وَقَالَ فِيهِ \" ثُمَّ قَالَ لَا تَنْقُشُوا عَلَيْهِ \" وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْأَفْرَاد \" مِنْ طَرِيق سَلَمَة بْن وَهْرَام عَنْ عِكْرِمَة عَنْ يَعْلَى بْن أُمَيَّة قَالَ \" أَنَا صَنَعْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا لَمْ يُشْرِكنِي فِيهِ أَحَد , نُقِشَ فِيهِ مُحَمَّد رَسُول اللَّه \" فَيُسْتَفَاد مِنْهُ اِسْم الَّذِي صَاغَ خَاتَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَقَشَهُ. وَأَمَّا نَهْيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يَنْقُش أَحَد عَلَى نَقْشه أَيْ مِثْل نَقْشه فَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى الْحِكْمَة فِيهِ فِي \" بَاب خَاتَم الْفِضَّة \" وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة فِي \" الْمُصَنَّف \" عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ نَقَشَ عَلَى خَاتَمه عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَكَذَا أَخْرَجَ عَنْ سَالِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّهُ نَقَشَ اِسْمه عَلَى خَاتَمه , وَكَذَا الْقَاسِم بْن مُحَمَّد , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَكَانَ مَالِك يَقُول : مِنْ شَأْن الْخُلَفَاء وَالْقُضَاة نَقْش أَسْمَائِهِمْ فِي خَوَاتِمهمْ. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ حُذَيْفَة وَأَبِي عُبَيْدَة أَنَّهُ كَانَ نَقْش خَاتَم كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا \" الْحَمْد لِلَّهِ \" وَعَنْ عَلِيّ \" اللَّه الْمَلِك \" وَعَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ \" بِاَللَّهِ \" وَعَنْ مَسْرُوق \" بِسْمِ اللَّه \" وَعَنْ أَبِي جَعْفَر الْبَاقِر \" الْعِزَّة لِلَّهِ \" وَعَنْ الْحَسَن وَالْحُسَيْن لَا بَأْس بِنَقْشِ ذِكْر اللَّه عَلَى الْخَاتَم , قَالَ النَّوَوِيّ : وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَنُقِلَ عَنْ اِبْن سِيرِينَ وَبَعْض أَهْل الْعِلْم كَرَاهَته اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن سِيرِينَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بَأْسًا أَنْ يَكْتُب الرَّجُل فِي خَاتَمه \" حَسْبِي اللَّه \" وَنَحْوهَا , فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَة عَنْهُ لَمْ تَثْبُت , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الْكَرَاهَة حَيْثُ يُخَاف عَلَيْهِ حَمْله لِلْجُنُبِ وَالْحَائِض وَالِاسْتِنْجَاء بِالْكَفِّ الَّتِي هُوَ فِيهَا , وَالْجَوَاز حَيْثُ حَصَلَ الْأَمْن مِنْ ذَلِكَ , فَلَا تَكُون الْكَرَاهَة لِذَلِكَ بَلْ مِنْ جِهَة مَا يَعْرِض لِذَلِكَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5429",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثُمَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَمَّا اسْتُخْلِفَ كَتَبَ لَهُ وَكَانَ نَقْشُ الْخَاتَمِ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏سَطْرٌ وَرَسُولُ سَطْرٌ وَاللَّهِ سَطْرٌ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَزَادَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثُمَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي يَدِهِ وَفِي يَدِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏بَعْدَهُ وَفِي يَدِ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏بَعْدَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏جَلَسَ عَلَى ‏ ‏بِئْرِ أَرِيسَ ‏ ‏قَالَ فَأَخْرَجَ الْخَاتَمَ فَجَعَلَ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ قَالَ فَاخْتَلَفْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فَنَزَحَ ‏ ‏الْبِئْرَ فَلَمْ يَجِدْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي أَبِي ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى بْن عَبْد اللَّه بْن أَنَس. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ ثُمَامَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَنَس عَمّ عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى الرَّاوِي , وَالسَّنَد كُلّه بَصْرِيُّونَ مِنْ آل أَنَس. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ \" حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا ثُمَامَة حَدَّثَنِي أَنَس \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَا بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَمَّا اِسْتَخْلِفْ كَتَبَ لَهُ ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر الْمَكْتُوب وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي كِتَاب الزَّكَاة وَأَنَّهُ كَتَبَ لَهُ مَقَادِير الزَّكَاة. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ نَقْش الْخَاتَم ثَلَاثَة أَسْطُر مُحَمَّد سَطْر وَرَسُول سَطْر وَاَللَّه سَطْر ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِره أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ زِيَادَة عَلَى ذَلِكَ , لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخ فِي \" أَخْلَاق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مِنْ رِوَايَة عَرْعَرَة بْن الْبِرَنْد بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَالرَّاء بَعْدهَا نُون سَاكِنَة ثُمَّ دَال عَنْ عَزْرَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الزَّاي بَعْدهَا رَاء اِبْن ثَابِت عَنْ ثُمَامَة عَنْ أَنَس قَالَ \" كَانَ فَصّ خَاتَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَشِيًّا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مُحَمَّد رَسُول اللَّه \" وَعَرْعَرَة ضَعَّفَهُ اِبْن الْمَدِينِيّ , وَزِيَادَته هَذِهِ شَاذَّة , وَظَاهِره أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيب , لَكِنْ لَمْ تَكُنْ كِتَابَته عَلَى السِّيَاق الْعَادِي فَإِنَّ ضَرُورَة الِاحْتِيَاج إِلَى أَنْ يَخْتِم بِهِ يَقْتَضِي أَنْ تَكُون الْأَحْرُف الْمَنْقُوشَة مَقْلُوبَة لِيَخْرُج الْخَتْم مُسْتَوِيًا. وَأَمَّا قَوْل بَعْض الشُّيُوخ أَنَّ كِتَابَته كَانَتْ مِنْ أَسْفَل إِلَى فَوْق يَعْنِي أَنَّ الْجَلَالَة فِي أَعْلَى الْأَسْطُر الثَّلَاثَة وَمُحَمَّد فِي أَسْفَلهَا فَلَمْ أَرَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ الْأَحَادِيث , بَلْ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ يُخَالِف ظَاهِرهَا ذَلِكَ , فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا \" مُحَمَّد سَطْر وَالسَّطْر الثَّانِي رَسُول وَالسَّطْر الثَّالِث اللَّه \" وَلَك أَنْ تَقْرَأ مُحَمَّد بِالتَّنْوِينِ وَعَدَمه وَاَللَّه بِالرَّفْعِ وَبِالْجَرِّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَنِي أَحْمَد حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيّ إِلَى آخِره ) ‏ ‏هَذِهِ الزِّيَادَة مَوْصُولَة , وَأَحْمَد الْمَذْكُور جَزَمَ الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" أَنَّهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل , لَكِنْ لَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيث فِي \" مُسْنَد أَحْمَد \" مِنْ هَذَا الْوَجْه أَصْلًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَفِي يَد عُمَر بَعْد أَبِي بَكْر , فَلَمَّا كَانَ عُثْمَان جَلَسَ عَلَى بِئْر أَرِيس ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد عَنْ الْأَنْصَارِيّ \" ثُمَّ كَانَ فِي يَد عُثْمَان سِتّ سِنِينَ , فَلَمَّا كَانَ فِي السِّتّ الْبَاقِيَة كُنَّا مَعَهُ عَلَى بِئْر أَرِيس \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلَ يَعْبَث بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد \" فَجَعَلَ يُحَوِّلهُ فِي يَده \". ‏ ‏قَوْله : ( فَسَقَطَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد \" فَوَقَعَ فِي الْبِئْر \". ‏ ‏قَوْله : ( فَاخْتَلَفْنَا ثَلَاثَة أَيَّام مَعَ عُثْمَان فَنُزِحَ الْبِئْر فَلَمْ نَجِدهُ ) ‏ ‏أَيْ فِي الذَّهَاب وَالرُّجُوع وَالنُّزُول إِلَى الْبِئْر وَالطُّلُوع مِنْهَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد \" فَطَلَبْنَاهُ مَعَ عُثْمَان ثَلَاثَة أَيَّام فَلَمْ نَقْدِر عَلَيْهِ \" قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء. كَانَ فِي خَاتَمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ السِّرّ شَيْء مِمَّا كَانَ فِي خَاتَم سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام , لِأَنَّ سُلَيْمَان لَمَّا فُقِدَ خَاتَمه ذَهَبَ مُلْكه , وَعُثْمَان لَمَّا فُقِدَ خَاتَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْتَقَضَ عَلَيْهِ الْأَمْر وَخَرَجَ عَلَيْهِ الْخَارِجُونَ وَكَانَ ذَلِكَ مَبْدَأ الْفِتْنَة الَّتِي أَفْضَتْ إِلَى قَتْله وَاتَّصَلَتْ إِلَى آخِر الزَّمَان. قَالَ اِبْن بَطَّال : يُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث أَنَّ يَسِير الْمَال إِذَا ضَاعَ يَجِب الْبَحْث فِي طَلَبه وَالِاجْتِهَاد فِي تَفْتِيشه , وَقَدْ فَعَلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لَمَّا ضَاعَ عِقْد عَائِشَة وَحَبَسَ الْجَيْش عَلَى طَلَبه حَتَّى وُجِدَ , كَذَا قَالَ , وَفِيهِ نَظَر , فَأَمَّا عِقْد عَائِشَة فَقَدْ ظَهَرَ أَثَر ذَلِكَ بِالْفَائِدَةِ الْعَظِيمَة الَّتِي نَشَأَتْ عَنْهُ وَهِيَ رُخْصَة التَّيَمُّم فَكَيْف يُقَاسَ عَلَيْهِ غَيْره ؟ وَأَمَّا فِعْل عُثْمَان فَلَا يَنْهَض الِاحْتِجَاج بِهِ أَصْلًا لِمَا ذُكِرَ , لِأَنَّ الَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ إِنَّمَا بَالَغَ فِي التَّفْتِيش عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَثَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ لَبِسَهُ وَاسْتَعْمَلَهُ وَخَتَمَ بِهِ , وَمِثْل ذَلِكَ يُسَاوِي فِي الْعَادَة قَدْرًا عَظِيمًا مِنْ الْمَال , وَإِلَّا لَوْ كَانَ غَيْر خَاتَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَاكْتُفِيَ بِطَلَبِهِ بِدُونِ ذَلِكَ , وَبِالضَّرُورَةِ يُعْلَم أَنَّ قَدْر الْمُؤْنَة الَّتِي حَصَلَتْ فِي الْأَيَّام الثَّلَاثَة تَزِيد عَلَى قِيمَة الْخَاتَم لَكِنْ اِقْتَضَتْ صِفَته عَظِيم قَدْره فَلَا يُقَاسَ عَلَيْهِ كُلّ مَا ضَاعَ مِنْ يَسِير الْمَال , قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ مِنْ فِعْل الصَّالِحِينَ الْعَبَث بِخَوَاتِيمِهِمْ وَمَا يَكُون بِأَيْدِيهِمْ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَائِبٍ لَهُمْ , قُلْت : وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ مِثْلهمْ إِنَّمَا يَنْشَأ عَنْ فِكْر , وَفِكْرَتهمْ إِنَّمَا هِيَ فِي الْخَيْر. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مَعْنِيّ قَوْله \" يَعْبَث بِهِ \" يُحَرِّكهُ أَوْ يُخْرِجهُ مِنْ إِصْبَعه ثُمَّ يُدْخِلهُ فِيهَا وَذَلِكَ صُورَة الْعَبَث , وَإِنَّمَا يَفْعَل الشَّخْص ذَلِكَ عِنْد تَفَكُّره فِي الْأُمُور. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَفِيهِ أَنَّ مَنْ طَلَبَ شَيْئًا وَلَمْ يَنْجَح فِيهِ بَعْد ثَلَاثَة أَيَّام أَنَّ لَهُ أَنْ يَتْرُكهُ , وَلَا يَكُون بَعْد الثَّلَاث مُضَيِّعًا , وَأَنَّ الثَّلَاث حَدّ يَقَع بِهَا الْعُذْر فِي تَعَذُّر الْمَطْلُوبَات. وَفِيهِ اِسْتِعْمَال آثَار الصَّالِحِينَ وَلِبَاس مَلَابِسهمْ عَلَى جِهَة التَّبَرُّك وَالتَّيَمُّن بِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5430",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏فَأَتَى النِّسَاءَ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ ‏ ‏الْفَتَخَ ‏ ‏وَالْخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ ‏ ‏بِلَالٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس شَهِدْت الْعِيد مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى قَبْل الْخُطْبَة ) ‏ ‏سَقَطَ لَفْظ \" فَصَلَّى \" مِنْ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ. وَهِيَ مُرَادَة ثَابِتَة فِي أَصْل الْحَدِيث ; فَإِنَّهُ طَرَف مِنْ حَدِيث تَقَدَّمَ فِي صَلَاة الْعِيد مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِسَنَدِهِ هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ اِبْن وَهْب عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ ) ‏ ‏يَعْنِي بِهَذَا السَّنَد إِلَى اِبْن عَبَّاس , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِالزِّيَادَةِ مَوْصُولًا فِي تَفْسِير سُورَة الْمُمْتَحِنَة مِنْ رِوَايَة هَارُون بْن مَعْرُوف عَنْ اِبْن وَهْب. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَتَى النِّسَاء فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخ وَالْخَوَاتِيم ) ‏ ‏الْفَتَخ بِفَتْحِ الْفَاء وَمُثَنَّاة فَوْق بَعْدهَا خَاء مُعْجَمَة جَمْع فَتْخَة وَهِيَ الْخَوَاتِيم الَّتِي تَلْبَسهَا النِّسَاء فِي أَصَابِع الرِّجْلَيْنِ قَالَهُ اِبْن السِّكِّيت وَغَيْره , وَقِيلَ الْخَوَاتِيم الَّتِي لَا فُصُوص لَهَا , وَقِيلَ الْخَوَاتِم الْكِبَار كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ مِنْ تَفْسِير عَبْد الرَّزَّاق فِي كِتَاب الْعِيدَيْنِ مَعَ بَسْط ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5431",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تَصَدَّقُ ‏ ‏بِخُرْصِهَا ‏ ‏وَسِخَابِهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْهُ قَالَ \" خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِ - فَجَعَلْت الْمَرْأَة تُلْقِي سِخَابهَا وَخُرْصهَا \" بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء ثُمَّ صَادَ مُهْمَلَة , هِيَ الْحَلْقَة الصَّغِيرَة مِنْ ذَهَب أَوْ فِضَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيره فِي \" بَاب الْخُطْبَة بَعْد الْعِيد \" مِنْ كِتَاب الْعِيدَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5432",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏هَلَكَتْ قِلَادَةٌ ‏ ‏لِأَسْمَاءَ ‏ ‏فَبَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي طَلَبِهَا ‏ ‏رِجَالًا ‏ ‏فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ وَلَمْ يَجِدُوا مَاءً فَصَلَّوْا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏اسْتَعَارَتْ مِنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة قِلَادَة أَسْمَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَفِيهِ بَيَان الْقِلَادَة الْمَذْكُورَة مِمَّ كَانَتْ. ‏ ‏قَوْله \" زَادَ اِبْن نُمَيْر عَنْ هِشَام \" ‏ ‏يَعْنِي بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور \" أَنَّهَا اِسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاء - أَيْ بِنْت أَبِي بَكْر - الْقِلَادَة الْمَذْكُورَة \" وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّف رَحِمه اللَّه فِي كِتَاب الطَّهَارَة مِنْ طَرِيقه. ‏"
    },
    {
        "id": "5433",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَدِيٌّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي ‏ ‏قُرْطَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عَدِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن ثَابِت , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْل بَابَيْنِ مِنْ طَرِيق شُعْبَة أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظِ \" خُرْصهَا \" بَدَل قُرْطهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5434",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ آدَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَانْصَرَفَ فَانْصَرَفْتُ فَقَالَ أَيْنَ ‏ ‏لُكَعُ ‏ ‏ثَلَاثًا ادْعُ ‏ ‏الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ‏ ‏فَقَامَ ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏يَمْشِي وَفِي عُنُقِهِ ‏ ‏السِّخَابُ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِهِ هَكَذَا فَقَالَ ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏بِيَدِهِ هَكَذَا فَالْتَزَمَهُ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ وَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ ‏ ‏الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏بَعْدَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا قَالَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب مَا ذُكِرَ فِي الْأَسْوَاق \" مِنْ كِتَاب الْبُيُوع مُسْتَوْفًى , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" أَيْنَ لُكَع \" ‏ ‏؟ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ \" أَيْ لُكَع \" بِصِيغَةِ النِّدَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "5435",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ \" حَدَّثَنَا غُنْدَر \" وَهُوَ هُوَ. ‏ ‏قَوْله : ( لَعَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ ) ‏ ‏قَالَ الطَّبَرِيُّ الْمَعْنَى لَا يَجُوز لِلرِّجَالِ التَّشَبُّه بِالنِّسَاءِ فِي اللِّبَاس وَالزِّينَة الَّتِي تَخْتَصّ بِالنِّسَاءِ وَلَا الْعَكْس. قُلْت : وَكَذَا فِي الْكَلَام وَالْمَشْي , فَأَمَّا هَيْئَة اللِّبَاس فَتَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ عَادَة كُلّ بَلَد , فَرُبَّ قَوْم لَا يَفْتَرِق زِيّ نِسَائِهِمْ مِنْ رِجَالهمْ فِي اللُّبْس , لَكِنْ يَمْتَاز النِّسَاء بِالِاحْتِجَابِ وَالِاسْتِتَار , وَأَمَّا ذَمّ التَّشَبُّه بِالْكَلَامِ وَالْمَشْي فَمُخْتَصّ بِمَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ , وَأَمَّا مَنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَصْل خِلْقَته فَإِنَّمَا يُؤْمَر بِتَكَلُّفِ تَرْكه وَالْإِدْمَان عَلَى ذَلِكَ بِالتَّدْرِيجِ , فَإِنْ لَمْ يَفْعَل وَتَمَادَى دَخَلَهُ الذَّمّ , وَلَا سِيَّمَا إِنْ بَدَا مِنْهُ مَا يَدُلّ عَلَى الرِّضَا بِهِ , وَأَخْذ هَذَا وَاضِح مِنْ لَفْظ الْمُتَشَبِّهِينَ. وَأَمَّا إِطْلَاق مَنْ أَطْلَقَ كَالنَّوَوِيِّ وَأَنَّ الْمُخَنَّث الْخِلْقِيّ لَا يَتَّجِه عَلَيْهِ اللَّوْم فَمَحْمُول عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَقْدِر عَلَى تَرْك التَّثَنِّي وَالتَّكَسُّر فِي الْمَشْي وَالْكَلَام بَعْد تَعَاطِيه الْمُعَالَجَة لِتَرْكِ ذَلِكَ , وَإِلَّا مَتَى كَانَ تَرْك ذَلِكَ مُمْكِنًا وَلَوْ بِالتَّدْرِيجِ فَتَرْكه بِغَيْرِ عُذْر لَحِقَهُ اللَّوْم , وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ الطَّبَرِيُّ بِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمْنَع الْمُخَنَّث مِنْ الدُّخُول عَلَى النِّسَاء حَتَّى سَمِعَ مِنْهُ التَّدْقِيق فِي وَصْف الْمَرْأَة كَمَا فِي ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب الَّذِي يَلِيه , فَمَنَعَهُ حِينَئِذٍ فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا ذَمَّ عَلَى مَا كَانَ مِنْ أَصْل الْخِلْقَة. وَقَالَ اِبْن التِّين : الْمُرَاد بِاللَّعْنِ فِي هَذَا الْحَدِيث مَنْ تَشَبَّهَ مِنْ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ فِي الزِّيّ وَمَنْ تَشَبَّهَ مِنْ النِّسَاء بِالرِّجَالِ كَذَلِكَ , فَأَمَّا مَنْ اِنْتَهَى فِي التَّشَبُّه بِالنِّسَاءِ مِنْ الرِّجَال إِلَى أَنْ يُؤْتَى فِي دُبُره وَبِالرِّجَالِ مِنْ النِّسَاء إِلَى أَنْ تَتَعَاطَى السُّحْق بِغَيْرِهَا مِنْ النِّسَاء فَإِنَّ لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مِنْ الذَّمّ وَالْعُقُوبَة أَشَدّ مِمَّنْ لَمْ يَصِل إِلَى ذَلِكَ , قَالَ : وَإِنَّمَا أَمَرَ بِإِخْرَاجِ مَنْ تَعَاطَى ذَلِكَ مِنْ الْبُيُوت كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه لِئَلَّا يُفْضِي الْأَمْر بِالتَّشَبُّهِ إِلَى تَعَاطِي ذَلِكَ الْأَمْر الْمُنْكَر. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة نَفَعَ اللَّه بِهِ مَا مُلَخَّصه : ظَاهِر اللَّفْظ الزَّجْر عَنْ التَّشَبُّه فِي كُلّ شَيْء , لَكِنْ عُرِفَ مِنْ الْأَدِلَّة الْأُخْرَى أَنَّ الْمُرَاد التَّشَبُّه فِي الزِّيّ وَبَعْض الصِّفَات وَالْحَرَكَات وَنَحْوهَا , لَا التَّشَبُّه فِي أُمُور الْخَيْر. وَقَالَ أَيْضًا : اللَّعْن الصَّادِر مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدهمَا يُرَاد بِهِ الزَّجْر عَنْ الشَّيْء الَّذِي وَقَعَ اللَّعْن بِسَبَبِهِ وَهُوَ مَخُوف , فَإِنَّ اللَّعْن مِنْ عَلَامَات الْكَبَائِر , وَالْآخَر يَقَع فِي حَال الْحَرَج , وَذَلِكَ غَيْر مَخُوف , بَلْ هُوَ رَحْمَة فِي حَقّ مَنْ لَعَنَهُ , بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُون الَّذِي لَعَنَهُ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد مُسْلِم , قَالَ : وَالْحِكْمَة فِي لَعْن مِنْ تَشَبُّه إِخْرَاجه الشَّيْء عَنْ الصِّفَة الَّتِي وَضَعَهَا عَلَيْهِ أَحْكَم الْحُكَمَاء , وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي لَعْن الْوَاصِلَات بِقَوْلِهِ \" الْمُغَيِّرَات خَلْق اللَّه \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عَمْرو قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَة ) ‏ ‏يَعْنِي بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق يُوسُف الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرو بْن مَرْزُوق بِهِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُم عَلَى الرَّجُل لُبْس الثَّوْب الْمُكَلَّل بِاللُّؤْلُؤِ , وَهُوَ وَاضِح لِوُرُودِ عَلَامَات التَّحْرِيم وَهُوَ لَعْن مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ , وَأَمَّا قَوْل الشَّافِعِيّ وَلَا أَكْرَه لِلرَّجُلِ لُبْس اللُّؤْلُؤ إِلَّا لِأَنَّهُ مِنْ زِيّ النِّسَاء فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِذَلِكَ , لِأَنَّ مُرَاده أَنَّهُ لَمْ يَرِد فِي النَّهْي عَنْهُ بِخُصُوصِهِ شَيْء ‏"
    },
    {
        "id": "5436",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَعَنَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمُخَنَّثِينَ ‏ ‏مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَقَالَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ قَالَ فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فُلَانًا ‏ ‏وَأَخْرَجَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فُلَانًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ ‏ ‏( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَده عَنْ شُعْبَة وَهِشَام جَمِيعًا عَنْ قَتَادَة عَنْ عِكْرِمَة , وَكَأَنَّ أَبَا دَاوُدَ حَمَلَ رِوَايَة هِشَام عَلَى رِوَايَة شُعْبَة فَإِنَّ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ قَتَادَة هِيَ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَرِوَايَة هِشَام عَنْ يَحْيَى هِيَ بِهَذَا اللَّفْظ الَّذِي فِي هَذَا الْبَاب , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف وَأَبُو دَاوُدَ فِي \" السُّنَن \" كِلَاهُمَا عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة وَيَحْيَى الْقَطَّان وَيَزِيد بْن هَارُون كُلّهمْ عَنْ هِشَام عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله : ( الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَال ) ‏ ‏تَأْتِي الْإِشَارَة إِلَى ضَبْطه عَقِب هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْمُتَرَجِّلَات مِنْ النِّسَاء ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد عَنْ عِكْرِمَة \" فَقُلْت لَهُ مَا الْمُتَرَجِّلَات مِنْ النِّسَاء ؟ قَالَ : الْمُتَشَبِّهَات بِالرِّجَالِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَأَخْرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُلَانًا وَأَخْرَجَ عُمَر فُلَانَة ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" فُلَانَة \" بِالتَّأْنِيثِ وَكَذَا وَقَعَ فِي \" شَرْح اِبْن بَطَّال \" وَلِلْبَاقِينَ \" فُلَانًا \" بِالتَّذْكِيرِ , وَكَذَا عِنْد أَحْمَد. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَتَمَّام الرَّازِيُّ فِي فَوَائِده مِنْ حَدِيث وَاثِلَة مِثْل حَدِيث اِبْن عَبَّاس هَذَا بِتَمَامِهِ وَقَالَ فِيهِ \" وَأَخْرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْجَشَة , وَأَخْرَجَ عُمَر فُلَانًا \" وَأَنْجَشَة هُوَ الْعَبْد الْأَسْوَد الَّذِي كَانَ يَحْدُو بِالنِّسَاءِ , وَسَيَأْتِي خَبَره فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَدَب , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر أَسَامِي مَنْ كَانَ فِي الْعَهْد النَّبَوِيّ مِنْ الْمُخَنَّثِينَ , وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات عَلَى تَسْمِيَة الَّذِي أَخْرَجَهُ عُمَر , إِلَى أَنْ ظَفِرْت بِكِتَابِ لِأَبِي الْحَسَن الْمُدَايِنِيّ سَمَّاهُ \" كِتَاب الْمُغَرَّبِينَ \" بِمُعْجَمَةٍ وَرَاء مَفْتُوحَة ثَقِيلَة , فَوَجَدْت فِيهِ عِدَّة قَصَص لِمَنْ غَرَّبَهُمْ عُمَر عَنْ الْمَدِينَة , وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ فِي كِتَاب أَوَاخِر الْحُدُود إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5437",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّ ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ عِنْدَهَا وَفِي الْبَيْتِ ‏ ‏مُخَنَّثٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخِي ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏إِنْ فَتَحَ اللَّهُ لَكُمْ غَدًا ‏ ‏الطَّائِفَ ‏ ‏فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى ‏ ‏بِنْتِ ‏ ‏غَيْلَانَ ‏ ‏فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُنَّ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ ‏ ‏يَعْنِي أَرْبَعَ ‏ ‏عُكَنِ ‏ ‏بَطْنِهَا فَهِيَ تُقْبِلُ بِهِنَّ وَقَوْلُهُ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ ‏ ‏يَعْنِي أَطْرَافَ هَذِهِ ‏ ‏الْعُكَنِ ‏ ‏الْأَرْبَعِ لِأَنَّهَا مُحِيطَةٌ بِالْجَنْبَيْنِ حَتَّى لَحِقَتْ وَإِنَّمَا قَالَ بِثَمَانٍ وَلَمْ يَقُلْ بِثَمَانِيَةٍ وَوَاحِدُ الْأَطْرَافِ وَهُوَ ذَكَرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ثَمَانِيَةَ أَطْرَافٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة : الْجُعْفِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَفِي الْبَيْت مُخَنَّث ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطه وَتَسْمِيَته فِي أَوَاخِر كِتَاب النِّكَاح , وَشَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى , وَبَيَان مَا وَقَعَ هُنَا مِنْ كَلَام الْبُخَارِيّ مِنْ شَرْح قَوْله \" تُقْبِل بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِر بِثَمَانٍ \" وَقَوْله فِي آخِر الْحَدِيث \" لَا يَدْخُلَنَّ \" بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيد النُّون \" هَؤُلَاءِ عَلَيْكُنَّ \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ الْوَجْه , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ \" عَلَيْكُمْ \" بِصِيغَةِ جَمْع الْمُذَكَّر , وَيُوَجَّه بِأَنَّهُ جَمَعَ مَعَ النِّسَاء الْمُخَاطَبَات بِذَلِكَ مَنْ يَلُوذ بِهِنَّ مِنْ صَبِيّ وَوَصِيف , فَجَاءَ التَّغْلِيب. وَقَدْ تُفْتَح التَّحْتَانِيَّة أَوَّله مُخَفَّفًا وَمُثْقَلًا. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث مَشْرُوعِيَّة إِخْرَاج كُلّ مَنْ يَحْصُل بِهِ التَّأَذِّي لِلنَّاسِ عَنْ مَكَانه إِلَى أَنْ يَرْجِع عَنْ ذَلِكَ أَوْ يَتُوب. ‏"
    },
    {
        "id": "5438",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَنْظَلَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏ح ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَصْحَابُنَا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَكِّيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مِنْ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْمَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم عَنْ حَنْظَلَة عَنْ نَافِع. قَالَ أَصْحَابنَا عَنْ الْمَكِّيّ : عَنْ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , وَالْمَعْنَى أَنَّ شَيْخه مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَهُ بِهِ عَنْ حَنْظَلَة وَهُوَ اِبْن أَبِي سُفْيَان الْجُمَحِيُّ عَنْ نَافِع عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُر اِبْن عُمَر فِي السَّنَد , وَحَدَّثَ بِهِ غَيْر الْبُخَارِيّ عَنْ مَكِّيّ مَوْصُولًا بِذِكْرِ اِبْن عُمَر فِيهِ وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِ الْبُخَارِيّ \" قَالَ أَصْحَابنَا \" هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد وَبِهَذَا جَزَمَ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقَّن رَحِمَهُ اللَّه لَكِنْ قَالَ : ظَهَرَ لِي أَنَّهُ مَوْقُوف عَلَى نَافِع فِي هَذِهِ الطَّرِيق , وَتَلَقَّى ذَلِكَ مِنْ الْحُمَيْدِيّ فَإِنَّهُ جَزَمَ بِذَلِكَ فِي \" الْجَمْع \" وَهُوَ مُحْتَمَل وَأَمَّا الْكَرْمَانِيُّ فَزَعَمَ أَنَّ الرِّوَايَة الثَّانِيَة مُنْقَطِعَة لَمْ يَذْكُر فِيهَا بَيْن مَكِّيّ وَابْن عُمَر أَحَدًا فَقَالَ : الْمَعْنَى أَنَّ الْبُخَارِيّ قَالَ : رَوَى أَصْحَابنَا الْحَدِيث مُنْقَطِعًا فَقَالُوا حَدَّثَنَا مَكِّيّ عَنْ اِبْن عُمَر فَطَرَحُوا ذِكْر الرَّاوِي الَّذِي بَيْنهمَا , كَذَا قَالَ , وَهُوَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِر مَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ لَكِنْ تَبَيَّنَ مِنْ كَلَام الْأَئِمَّة أَنَّهُ مَوْصُول بَيْن مَكِّيّ وَابْن عُمَر. وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ : هَذَا الْمَوْضِع مِمَّا يَجِب أَنْ يَعْتَنِي بِهِ النَّاظِر , وَهُوَ مَاذَا الَّذِي أَرَادَ بِقَوْلِهِ \" قَالَ أَصْحَابنَا عَنْ الْمَكِّيّ عَنْ اِبْن عُمَر \" فَيُحْتَمَل أَنَّهُ رَوَاهُ مَرَّة عَنْ شَيْخه مَكِّيّ عَنْ نَافِع مُرْسَلًا وَمَرَّة عَنْ أَصْحَابه مَرْفُوعًا عَنْ اِبْن عُمَر , وَيُحْتَمَل أَنَّ بَعْضهمْ نَسَبَ الرَّاوِي عَنْ اِبْن عُمَر إِلَى أَنَّهُ الْمَكِّيّ ا ه. وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْكَرْمَانِيُّ , وَهُوَ مَرْدُود , ثُمَّ قَالَ الزَّرْكَشِيّ : وَيَشْهَد لِلْأَوَّلِ أَنَّ الْبُخَارِيّ رُبَّمَا رَوَى عَنْ الْمَكِّيّ بِالْوَاسِطَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع , وَوَقَعَ لَهُ فِي كِتَابه نَظَائِر لِذَلِكَ , مِنْهَا مَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي \" بَاب الْجَعْد \" حَيْثُ قَالَ \" حَدَّثَنَا مَالِك بْن إِسْمَاعِيل \" فَذَكَرَ حَدِيثًا ثُمَّ قَالَ فِي آخِره \" قَالَ بَعْض أَصْحَابِي عَنْ مَالِك بْن إِسْمَاعِيل \" فَذَكَرَ زِيَادَة فِي الْمَتْن , وَنَظِيره فِي الِاسْتِئْذَان فِي \" بَاب قَوْله قُومُوا إِلَى سَيِّدكُمْ \". قُلْت : وَهُوَ قَوْله \" حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد حَدَّثَنَا شُعْبَة \" فَذَكَرَ حَدِيثًا وَقَالَ فِي آخِره : \" أَفْهَمَنِي بَعْض أَصْحَابِي عَنْ أَبِي الْوَلِيد \" فَذَكَرَ كَلِمَة فِي الْمَتْن. وَقَرِيب مِنْهُ مَا سَبَقَ فِي الْمَنَاقِب فِي ذِكْر أُسَامَة بْن زَيْد حَيْثُ قَالَ : \" حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن عَبْد الرَّحْمَن \" فَذَكَرَ حَدِيثًا وَقَالَ فِي آخِره \" حَدَّثَنِي بَعْض أَصْحَابنَا عَنْ سُلَيْمَان \" فَذَكَرَ زِيَادَة فِي الْمَتْن أَيْضًا. قُلْت : وَالْفَرْق بَيْن هَذِهِ الْمَوَاضِع وَبَيْن حَدِيث الْبَاب أَنَّ الِاخْتِلَاف فِي الْبَاب وَقَعَ فِي الْوَصْل وَالْإِرْسَال , وَالِاخْتِلَاف فِي غَيْره وَقَعَ بِالزِّيَادَةِ فِي الْمَتْن , لَكِنْ اِشْتَرَكَ الْجَمِيع فِي مُطْلَق الِاخْتِلَاف , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن سُلَيْمَان عَنْ حَنْظَلَة مَوْصُولًا مَرْفُوعًا , لَكِنَّهُ نَزَلَ فِيهِ دَرَجَة , وَطَرِيق مَكِّيّ وَقَعَتْ لَنَا فِي \" مُسْنَد اِبْن عُمَر \" لِأَبِي أُمَيَّة الطُّرْسُوسِيّ قَالَ , \" حَدَّثَنَا مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم \" فَذَكَرَهُ مَوْصُولًا مَرْفُوعًا وَزَادَ فِيهِ بَعْد قَوْله قَصّ الشَّارِب وَالظُّفْر \" وَحَلْق الْعَانَة \" , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مَكِّيّ. قُلْت : وَهَذَا الْحَدِيث أَغْفَلَهُ الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" فَلَمْ يَذْكُرهُ فِي تَرْجَمَة حَنْظَلَة عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر لَا مِنْ طَرِيق مَكِّيّ وَلَا مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن سُلَيْمَان , ثُمَّ بَعْد أَنْ كَتَبَ هَذَا ذَكَرَ لِي مُحَدِّث حَلَب الشَّيْخ بُرْهَان الدِّين الْحَلَبِيّ أَنَّ شَيْخنَا الْبُلْقِينِيّ قَالَ لَهُ : الْقَائِل \" قَالَ أَصْحَابنَا \" هُوَ الْبُخَارِيّ , وَالْمُرَاد بِالْمَكِّيِّ حَنْظَلَة بْن أَبِي سُفْيَان الْجُمَحِيُّ فَإِنَّهُ مَكِّيّ , قَالَ : وَالسِّنْدَان مُتَّصِلَانِ , وَمَوْضِع الِاخْتِلَاف بَيَان أَنَّ مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيّ سُمِّيَ حَنْظَلَة , وَأَمَّا أَصْحَاب الْبُخَارِيّ فَلَمَّا رَوَوْهُ لَهُ عَنْ حَنْظَلَة لَمْ يُسَمُّوهُ بَلْ قَالُوا : \" عَنْ الْمَكِّيّ \" قَالَ فَالسَّنَد الْأَوَّل مَكِّيّ عَنْ حَنْظَلَة عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر , وَالثَّانِي أَصْحَابنَا عَنْ الْمَكِّيّ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر , ثُمَّ قَالَ : وَفِي فَهْم ذَلِكَ صُعُوبَة , وَكَأَنَّهُ كَانَ يَتَبَجَّح بِذَلِكَ , وَلَقَدْ صَدَقَ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ الصُّعُوبَة وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُون عِنْد الْبُخَارِيّ جَمَاعَة لَقُوا حَنْظَلَة وَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ الَّذِي سَمِعَ مِنْ حَنْظَلَة هَذَا الْحَدِيث لَا يُحَدِّث الْبُخَارِيّ عَنْهُ إِلَّا بِوَاسِطَةٍ وَهُوَ إِسْحَاق بْن سُلَيْمَان الرَّازِيُّ , وَكَانَتْ وَفَاته قَبْل طَلَب الْبُخَارِيّ الْحَدِيث , قَالَ اِبْن سَعْد مَاتَ سَنَة تِسْع وَتِسْعِينَ وَمِائَة , وَقَالَ اِبْن نَافِع وَابْن حِبَّان مَاتَ سَنَة مِائَتَيْنِ , وَقَدْ أَفْصَحَ أَبُو مَسْعُود فِي \" الْأَطْرَاف \" بِالْمُرَادِ فَقَالَ فِي تَرْجَمَة حَنْظَلَة عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر حَدِيث \" مِنْ الْفِطْرَة حَلْق الْعَانَة وَتَقْلِيم الْأَظَافِر وَقَصّ الشَّارِب \" خ فِي اللِّبَاس \" عَنْ أَحْمَد بْن أَبِي رَجَاء عَنْ إِسْحَاق بْن سُلَيْمَان عَنْ حَنْظَلَة عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر , وَعَنْ مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم عَنْ حَنْظَلَة عَنْ نَافِع \" قَالَ : \" وَقَالَ أَصْحَابنَا عَنْ مَكِّيّ عَنْ حَنْظَلَة عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" فَصَرَّحَ بِأَنَّ مُرَاد الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ عَنْ الْمَكِّيّ الْمَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم وَأَنَّ مُرَاده بِقَوْلِهِ عَنْ اِبْن عُمَر بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور وَهُوَ عَنْ حَنْظَلَة عَنْ نَافِع عَنْهُ. وَالْحَاصِل أَنَّهُ كَمَا قَدَّمْته أَنَّ مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيّ أَرْسَلَهُ , وَلَمَّا حَدَّثَ بِهِ غَيْر الْبُخَارِيّ وَصَلَهُ , فَحَكَى الْبُخَارِيّ ذَلِكَ ثُمَّ سَاقَهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن سُلَيْمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "5439",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رِوَايَةً ‏ ‏الْفِطْرَةُ خَمْسٌ أَوْ خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ الْخِتَانُ ‏ ‏وَالِاسْتِحْدَادُ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْمِزِّيّ. ‏ ‏قَوْله : ( الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَا ) ‏ ‏هُوَ مِنْ تَقْدِيم الرَّاوِي عَلَى الصِّيغَة وَهُوَ سَائِغ , وَقَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ عَنْ سُفْيَان قَالَ : سَمِعْت الزُّهْرِيَّ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة وَأَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا مِنْ طَرِيقه , وَرَوَاهُ أَحْمَد عَنْ سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيِّ بِالْعَنْعَنَةِ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْر وَاحِد , وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدِّد كُلّهمْ عَنْ سُفْيَان. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رِوَايَة ) ‏ ‏هِيَ كِنَايَة عَنْ قَوْل الرَّاوِي : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ نَحْوهَا , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسَدِّد يَبْلُغ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبَيَّنَ أَحْمَد فِي رِوَايَته أَنَّ سُفْيَان كَانَ تَارَة يَكُنِّي وَتَارَة يُصَرِّح , وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عُلُوم الْحَدِيث أَنَّ قَوْل الرَّاوِي رِوَايَة أَوْ يَرْوِيه أَوْ يُبَلِّغ بِهِ وَنَحْو ذَلِكَ مَحْمُول عَلَى الرَّفْع , وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن أَبِي حَفْصَة عَنْ الزُّهْرِيِّ زِيَادَة أَبِي سَلَمَة مَعَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فِي السَّنَد أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخ. ‏ ‏قَوْله : ( الْفِطْرَة خَمْس , أَوْ خَمْس مِنْ الْفِطْرَة ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا , وَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ بِالشَّكِّ وَهُوَ مِنْ سُفْيَان. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد \" خَمْس مِنْ الْفِطْرَة \" وَلَمْ يَشُكّ , وَكَذَا وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بِالْعَكْسِ كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه بِلَفْظِ \" الْفِطْرَة خَمْس \" وَكَذَا فِي رِوَايَة يُونُس بْن يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد مُسْلِم وَالنَّسَائِيِّ , وَهِيَ مَحْمُولَة عَلَى الْأَوْلَى , قَالَ اِبْنِ دَقِيق الْعِيد : دَلَالَة \" مِنْ \" عَلَى التَّبْعِيض فِيهِ أَظْهَر مِنْ دَلَالَة هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى الْحَصْر , وَقَدْ ثَبَتَ فِي أَحَادِيث أُخْرَى زِيَادَة عَلَى ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَصْر فِيهَا غَيْر مُرَاد. وَاخْتُلِفَ فِي النُّكْتَة فِي الْإِتْيَان بِهَذِهِ الصِّيغَة , فَقِيلَ بِرَفْعِ الدَّلَالَة وَأَنَّ مَفْهُوم الْعَدَد لَيْسَ بِحُجَّةٍ , وَقِيلَ بَلْ كَانَ أَعْلَمْ أَوَّلًا بِالْخَمْسِ ثُمَّ أَعْلَم بِالزِّيَادَةِ , وَقِيلَ بَلْ الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ الْمَقَام فَذَكَرَ فِي كُلّ مَوْضِع اللَّائِق بِالْمُخَاطَبِينَ , وَقِيلَ أُرِيدَ بِالْحَصْرِ الْمُبَالَغَة لِتَأْكِيدِ أَمْرِ الْخَمْس الْمَذْكُورَة كَمَا حُمِلَ عَلَيْهِ قَوْله \" الدِّين النَّصِيحَة \" و \" الْحَجّ عَرَفَة \" وَنَحْو ذَلِكَ. وَيَدُلّ عَلَى التَّأْكِيد مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم مَرْفُوعًا \" مَنْ لَمْ يُؤْخَذ شَارِبه فَلَيْسَ مِنَّا \" وَسَنَده قَوِيّ , وَأَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق يَزِيد اِبْنِ عَمْرو الْمُعَافِرِيّ نَحْوه وَزَادَ فِيهِ : حَلْق الْعَانَة وَتَقْلِيم الْأَظَافِر , وَسَيَأْتِي فِي الْكَلَام عَلَى الْخِتَان دَلِيل مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ. وَذَكَرَ اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّ خِصَال الْفِطْرَة تَبْلُغ ثَلَاثِينَ خَصْلَة , فَإِذَا أَرَادَ خُصُوص مَا وَرَدَ لَفْظ الْفِطْرَة فَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنْ أَرَادَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ فَلَا تَنْحَصِر فِي الثَّلَاثِينَ بَلْ تَزِيد كَثِيرًا , وَأَقَلّ مَا وَرَدَ فِي خِصَال الْفِطْرَة حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَذْكُور قَبْل فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِيهِ إِلَّا ثَلَاثًا , وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه أَنَّهُ وَرَدَ بِلَفْظِ الْفِطْرَة وَبِلَفْظِ \" مِنْ الْفِطْرَة \" وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة لَهُ بِلَفْظِ \" ثَلَاث مِنْ الْفِطْرَة \" وَأَخْرَجَهُ فِي رِوَايَة أُخْرَى بِلَفْظِ \" مِنْ الْفِطْرَة \" فَذَكَرَ الثَّلَاث وَزَادَ الْخِتَان ; وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" عَشْر مِنْ الْفِطْرَة \" فَذَكَرَ الْخَمْسَة الَّتِي فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة إِلَّا الْخِتَان وَزَادَ : إِعْفَاء اللِّحْيَة وَالسِّوَاك وَالْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وَغَسْل الْبَرَاجِم وَالِاسْتِنْجَاء , أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة مُصْعَب بْن شَيْبَة عَنْ طَلْق بْن حَبِيب عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْهَا , لَكِنْ قَالَ فِي آخِره إِنَّ الرَّاوِي نَسِيَ الْعَاشِرَة إِلَّا أَنْ تَكُونُ الْمَضْمَضَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي مُسْتَخْرَجه بِلَفْظِ \" عَشْرَة مِنْ السُّنَّة \" وَذَكَرَ الِاسْتِنْثَار بَدَل الِاسْتِنْشَاق , وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ قَالَ : \" سَمِعْت طَلْق بْن حَبِيب يَذْكُر عَشْرَة مِنْ الْفِطْرَة \" فَذَكَرَ مِثْله إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : \" وَشَكَكْت فِي الْمَضْمَضَة \" وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي بِشْر عَنْ طَلْق قَالَ : \" مِنْ السُّنَّة عَشْر \" فَذَكَرَ مِثْله إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ الْخِتَان بَدَل غَسْل الْبَرَاجِم , وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ الرِّوَايَة الْمَقْطُوعَة عَلَى الْمَوْصُولَة الْمَرْفُوعَة. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعِلَّةٍ قَادِحَة , فَإِنَّ رَاوِيهَا مُصْعَب بْن شَيْبَة وَثَّقَهُ اِبْن مَعِين وَالْعِجْلِيّ وَغَيْرهمَا وَلَيَّنَهُ أَحْمَد وَأَبُو حَاتِم وَغَيْرهمَا فَحَدِيثه حَسَن , وَلَهُ شَوَاهِد فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْره , فَالْحُكْم بِصِحَّتِهِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّة سَائِغ , وَقَوْل سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ \" سَمِعْت طَلْق بْن حَبِيب يَذْكُر عَشْرًا مِنْ الْفِطْرَة \" يُحْتَمَل أَنْ يُرِيد أَنَّهُ سَمِعَهُ يَذْكُرهَا مِنْ قِبَل نَفْسه عَلَى ظَاهِرِ مَا فَهِمَهُ النَّسَائِيُّ , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد أَنَّهُ سَمِعَهُ يَذْكُرهَا وَسَنَدهَا فَحَذَفَ سُلَيْمَان السَّنَد. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث عَمَّار بْن يَاسِر مَرْفُوعًا نَحْو حَدِيث عَائِشَة قَالَ : \" مِنْ الْفِطْرَة الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وَالسِّوَاك وَغَسْل الْبَرَاجِم وَالِانْتِضَاح \" وَذِكْر الْخَمْس الَّتِي فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة سَاقَهُ اِبْن مَاجَهْ. وَأَمَّا أَبُو دَاوُدَ فَأَحَالَ بِهِ عَلَى حَدِيث عَائِشَة ثُمَّ قَالَ : \" وَرُوِيَ نَحْوه عَنْ اِبْنِ عَبَّاس \" وَقَالَ : خَمْس فِي الرَّأْس وَذَكَرَ مِنْهَا الْفَرْق وَلَمْ يَذْكُر إِعْفَاء اللِّحْيَة. قُلْت : كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى مَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي تَفْسِيره وَالطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيقه بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ طَاوُسٍ عَنْ اِبْنِ عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَإِذْ اِبْتَلَى إِبْرَاهِيم رَبّه بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهنَّ ) قَالَ : اِبْتَلَاهُ اللَّه بِالطَّهَارَةِ , خَمْس فِي الرَّأْس , وَخَمْس فِي الْجَسَد. قُلْت : فَذَكَرَ مِثْل حَدِيث عَائِشَة كَمَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي قَدَّمْتهَا عَنْ أَبِي عَوَانَة سَوَاء وَلَمْ يَشُكّ فِي الْمَضْمَضَة , وَذَكَرَ أَيْضًا الْفَرْق بَدَل إِعْفَاء اللِّحْيَة وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس فَذَكَرَ غُسْل الْجُمُعَة بَدَل الِاسْتِنْجَاء ; فَصَارَ مَجْمُوع الْخِصَال الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث خَمْس عَشْرَة خَصْلَة اِقْتَصَرَ أَبُو شَامَة فِي \" كِتَاب السِّوَاك وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ \" مِنْهَا عَلَى اِثْنَيْ عَشَر , وَزَادَ النَّوَوِيّ وَاحِدَة فِي \" شَرْح مُسْلِم \" وَقَدْ رَأَيْت قَبْل الْخَوْض فِي شَرْح الْخَمْس الْوَارِدَة فِي الْحَدِيث الْمُتَّفَق عَلَيْهِ أَنْ أُشِيرَ إِلَى شَرْح الْعَشْر الزَّائِدَة عَلَيْهَا : فَأَمَّا الْوُضُوء وَالِاسْتِنْشَاق وَالِاسْتِنْثَار وَالِاسْتِنْجَاء وَالسِّوَاك وَغُسْل الْجُمُعَة فَتَقَدَّمَ شَرْحهَا فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَأَمَّا إِعْفَاء اللِّحْيَة فَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَأَمَّا الْفَرْق فَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب , وَأَمَّا غَسْل الْبَرَاجِم فَهُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْجِيم جَمْع بُرْجُمَة بِضَمَّتَيْنِ وَهِيَ عُقَد الْأَصَابِع الَّتِي فِي ظَهْر الْكَفّ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ. هِيَ الْمَوَاضِع الَّتِي تَتَّسِخ وَيَجْتَمِع فِيهَا الْوَسَخ وَلَا سِيَّمَا مِمَّنْ لَا يَكُونُ طَرِيّ الْبَدَن , وَقَالَ الْغَزَالِيّ : كَانَتْ الْعَرَب لَا تَغْسِل الْيَد عَقِب الطَّعَام فَيَجْتَمِع فِي تِلْكَ الْعِضُون وَسَخ , فَأَمَرَ بِغَسْلِهَا. قَالَ النَّوَوِيّ : وَهِيَ سُنَّة مُسْتَقِلَّة لَيْسَتْ مُخْتَصَّة بِالْوُضُوءِ , يَعْنِي أَنَّهَا يُحْتَاج إِلَى غَسْلهَا فِي الْوُضُوء وَالْغَسْل وَالتَّنْظِيف , وَقَدْ أَلْحَقَ بِهَا إِزَالَة مَا يَجْتَمِع مِنْ الْوَسَخ فِي مَعَاطِف الْأُذُن وَقَعْر الصِّمَاخ فَإِنَّ فِي بَقَائِهِ إِضْرَارًا بِالسَّمْعِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِتَعَاهُدِ الْبَرَاجِم عِنْد الْوُضُوء لِأَنَّ الْوَسَخ إِلَيْهَا سَرِيع \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ الْحَكِيم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بِشْر رَفَعَهُ \" قُصُّوا أَظْفَاركُمْ , وَادْفِنُوا قُلَامَاتكُمْ , وَنَقُّوا بِرَاجِمِكُمْ \" وَفِي سَنَده رَاوٍ مَجْهُول. وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَبْطَأَ جِبْرِيل عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : وَلِمَ لَا يُبْطِئ عَنِّي وَأَنْتُمْ لَا تَسْتَنُّونَ - أَيْ لَا تَسْتَاكُونَ - وَلَا تَقُصُّونَ شَوَارِبكُمْ وَلَا تُنَقُّونَ رَوَاجِبكُمْ \" وَالرَّوَاجِب جَمْع رَاجِبَة بِجِيمٍ وَمُوَحَّدَة قَالَ أَبُو عُبَيْد : الْبَرَاجِم وَالرَّوَاجِب مَفَاصِل الْأَصَابِع كُلّهَا. وَقَالَ اِبْن سِيدَه : الْبَرْجَمَة الْمُفَصَّل الْبَاطِن عِنْد بَعْضهمْ , وَالرَّوَاجِب بَوَاطِن مَفَاصِل أُصُول الْأَصَابِع , وَقِيلَ قَصَب الْأَصَابِع , وَقِيلَ هِيَ ظُهُور السَّلَامِيَّات , وَقِيلَ مَا بَيْن الْبَرَاجِم مِنْ السَّلَامِيَّات. وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : الرَّاجِبَة الْبُقْعَة الْمَلْسَاء الَّتِي بَيْن الْبَرَاجِم , وَالْبَرَاجِم الْمُسَبِّحَات مِنْ مَفَاصِل الْأَصَابِع , وَفِي كُلّ إِصْبَع ثَلَاث بُرْجُمَات إِلَّا الْإِبْهَام فَلَهَا بُرْجُمَتَانِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : الرَّوَاجِب مَفَاصِل الْأَصَابِع اللَّاتِي تَلِي الْأَنَامِل , ثُمَّ الْبَرَاجِم , ثُمَّ الْأَشَاجِع اللَّاتِي عَلَى الْكَفّ. وَقَالَ أَيْضًا : الرَّوَاجِب رُءُوس السَّلَامِيَّات مِنْ ظَهْر الْكَفّ , إِذَا قَبَضَ الْقَابِض كَفّه نَشَزَتْ وَارْتَفَعَتْ , وَالْأَشَاجِع أُصُول الْأَصَابِع الَّتِي تَتَّصِل بِعَصَبِ ظَاهِرِ الْكَفّ , وَاحِدهَا أَشْجَع. وَقِيلَ هِيَ عُرُوق ظَاهِر الْكَفّ. وَأَمَّا الِانْتِضَاح فَقَالَ أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيُّ. هُوَ أَنْ يَأْخُذ قَلِيلًا مِنْ الْمَاء فَيَنْضَح بِهِ مَذَاكِيره بَعْد الْوُضُوء لِيَنْفِيَ عَنْهُ الْوَسْوَاس. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : اِنْتِضَاح الْمَاء الِاسْتِنْجَاء بِهِ , وَأَصْله مِنْ النَّضْح وَهُوَ الْمَاء الْقَلِيل , فَعَلَى هَذَا هُوَ وَالِاسْتِنْجَاء خَصْلَة وَاحِدَة , وَعَلَى الْأَوَّل فَهُوَ غَيْره , وَيَشْهَد لَهُ مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن مِنْ رِوَايَة الْحَكَم بْن سُفْيَان الثَّقَفِيّ أَوْ سُفْيَان بْن الْحَكَم عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ \" رَأَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , تَوَضَّأَ ثُمَّ أَخَذَ حَفْنَة مِنْ مَاء فَانْتَضَحَ بِهَا \" وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر : أَنَّ رَجُلًا أَتَى اِبْن عَبَّاس فَقَالَ إِنِّي أَجِد بَلَلًا إِذَا قُمْت أُصَلِّي , فَقَالَ لَهُ اِبْن عَبَّاس : اِنْضَحْ بِمَاءٍ , فَإِذَا وَجَدْت مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَقُلْ هُوَ مِنْهُ. وَأَمَّا الْخِصَال الْوَارِدَة فِي الْمَعْنَى لَكِنْ لِمَا يَرُدّ التَّصْرِيح فِيهَا بِلَفْظِ الْفِطْرَة فَكَثِيرَة , مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب رَفَعَهُ \" أَرْبَع مِنْ سُنَن الْمُرْسَلِينَ : الْحَيَاء , وَالتَّعَطُّر , وَالسِّوَاك , وَالنِّكَاح \" وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْط الْحَيَاء فَقِيلَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالتَّحْتَانِيَّة الْخَفِيفَة , وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ \" الْحَيَاء مِنْ الْإِيمَان \" وَقِيلَ هِيَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد النُّون , فَعَلَى الْأَوَّل هِيَ خَصْلَة مَعْنَوِيَّة تَتَعَلَّق : بِتَحْسِينِ الْخُلُق , وَعَلَى الثَّانِي هِيَ خَصْلَة حِسِّيَّة تَتَعَلَّق بِتَحْسِينِ الْبَدَن. وَأَخْرَجَ الْبَزَّار وَالْبَغَوِيّ فِي \" مُعْجَم الصَّحَابَة \" وَالْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي \" نَوَادِر الْأُصُول \" مِنْ طَرِيق فُلَيْحٍ بْن عَبْد اللَّه الْخَطْمِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ \" خَمْس مِنْ سُنَن الْمُرْسَلِينَ \" فَذَكَرَ الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة إِلَّا النِّكَاح وَزَادَ الْحِلْم وَالْحِجَامَة وَالْحِلْم بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام , وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي الضَّبْط الْأَوَّل فِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب , وَإِذَا تُتُبِّعَ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث كَثُرَ الْعَدَد كَمَا أَشَرْت إِلَيْهِ وَاَللَّه أَعْلَمْ. وَيَتَعَلَّق بِهَذِهِ الْخِصَال مَصَالِح دِينِيَّة وَدُنْيَوِيَّة تُدْرَك بِالتَّتَبُّعِ , مِنْهَا تَحْسِين الْهَيْئَة , وَتَنْظِيف الْبَدَن جُمْلَة وَتَفْصِيلًا , وَالِاحْتِيَاط لِلطَّهَارَتَيْنِ , وَالْإِحْسَان إِلَى الْمُخَالَط وَالْمُقَارَن بِكَفٍّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ مِنْ رَائِحَة كَرِيهَة , وَمُخَالَفَة شِعَار الْكُفَّار مِنْ الْمَجُوس وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَعُبَّاد الْأَوْثَان , وَامْتِثَال أَمْر الشَّارِع , وَالْمُحَافَظَة عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : ( وَصُوَركُمْ فَأَحْسَنَ صُوَركُمْ ) لِمَا فِي الْمُحَافَظَة عَلَى هَذِهِ الْخِصَال مِنْ مُنَاسَبَة ذَلِكَ , وَكَأَنَّهُ قِيلَ قَدْ حَسُنَتْ صُوَركُمْ فَلَا تُشَوِّهُوهَا بِمَا يُقَبِّحهَا , أَوْ حَافِظُوا عَلَى مَا يَسْتَمِرّ بِهِ حُسْنهَا , وَفِي الْمُحَافَظَة عَلَيْهَا مُحَافَظَة عَلَى الْمُرُوءَة وَعَلَى التَّآلُف الْمَطْلُوب , لِأَنَّ الْإِنْسَان إِذَا بَدَأَ فِي الْهَيْئَة الْجَمِيلَة كَانَ أَدْعَى لِانْبِسَاطِ النَّفْس إِلَيْهِ , فَيُقْبَل قَوْله , وَيُحْمَد رَأْيه , وَالْعَكْس بِالْعَكْسِ. وَأَمَّا شَرْح الْفِطْرَة فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : ذَهَبَ أَكْثَر الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْفِطْرَةِ هُنَا السُّنَّة , وَكَذَا قَالَهُ غَيْره , قَالُوا وَالْمَعْنَى أَنَّهَا مِنْ سُنَن الْأَنْبِيَاء. وَقَالَتْ طَائِفَة : الْمَعْنَى بِالْفِطْرَةِ الدِّين وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج , وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح الْمُهَذَّب \" جَزَمَ الّمَاوَرْدِيّ وَالشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْفِطْرَةِ فِي هَذَا الْحَدِيث الدِّين , وَاسْتَشْكَلَ اِبْن الصَّلَاح مَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ مَعْنَى الْفِطْرَة بَعِيد مِنْ مَعْنَى السُّنَّة , لَكِنْ لَعَلَّ الْمُرَاد أَنَّهُ عَلَى حَذْف مُضَاف أَيْ سُنَّة الْفِطْرَة. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّ الَّذِي نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ هُوَ الصَّوَاب. فَإِنَّ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْنِ عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" مِنْ السُّنَّة قَصّ الشَّارِب وَنَتْف الْإِبْط وَتَقْلِيم الْأَظْفَار \" قَالَ : وَأَصَحّ مَا فَسَّرَ الْحَدِيث بِمَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى لَا سِيَّمَا فِي الْبُخَارِيّ ا ه. وَقَدْ تَبِعَهُ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن عَلَى هَذَا , وَلَمْ أَرَ الَّذِي قَالَهُ فِي شَيْء مِنْ نُسَخ الْبُخَارِيّ , بَلْ الَّذِي فِيهِ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" الْفِطْرَة \" وَكَذَا مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. نَعَمْ وَقَعَ التَّعْبِير بِالسُّنَّةِ مَوْضِع الْفِطْرَة فِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد أَبِي عَوَانَة فِي رِوَايَة , وَفِي أُخْرَى بِلَفْظِ الْفِطْرَة كَمَا فِي رِوَايَة مُسْلِم وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرهمَا , وَقَالَ الرَّاغِب أَصْل الْفِطْر بِفَتْحِ الْفَاء الشَّقّ طُولًا. وَيُطْلَق عَلَى الْوَهْي وَعَلَى الِاخْتِرَاع وَعَلَى الْإِيجَاد , وَالْفِطْرَة الْإِيجَاد عَلَى غَيْر مِثَال. وَقَالَ أَبُو شَامَة , أَصْل الْفِطْرَة الْخِلْقَة الْمُبْتَدَأَة , وَمِنْهُ فَاطِر السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَيْ الْمُبْتَدِئ خَلْقهنَّ , وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة \" أَيْ عَلَى مَا اِبْتَدَأَ اللَّه خَلْقه عَلَيْهِ , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى : ( فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا ) وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلّ أَحَد لَوْ تُرِكَ مِنْ وَقْت وِلَادَته وَمَا يُؤَدِّيه إِلَيْهِ نَظَره لَأَدَّاهُ إِلَى الدِّين الْحَقّ وَهُوَ التَّوْحِيد , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى قَبْلهَا : ( فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَة اللَّه ) وَإِلَيْهِ يُشِير فِي بَقِيَّة الْحَدِيث حَيْثُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ : \" فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ \" وَالْمُرَاد بِالْفِطْرَةِ فِي حَدِيث الْبَاب أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاء إِذَا فُعِلَتْ اِتَّصَفَ فَاعِلهَا بِالْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّه الْعِبَاد عَلَيْهَا وَحَثَّهُمْ عَلَيْهَا وَاسْتَحَبَّهَا لَهُمْ لِيَكُونُوا عَلَى أَكْمَل الصِّفَات وَأَشْرَفهَا صُورَة ا ه. وَقَدْ رَدَّ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيّ الْفِطْرَة فِي حَدِيث الْبَاب إِلَى مَجْمُوع مَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهَا وَهُوَ الِاخْتِرَاع وَالْجِبِلَّة وَالدِّين وَالسُّنَّة فَقَالَ : هِيَ السُّنَّة الْقَدِيمَة الَّتِي اِخْتَارَهَا الْأَنْبِيَاء وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الشَّرَائِع , وَكَأَنَّهَا أَمْر جِبِلِّيّ فُطِرُوا عَلَيْهَا اِنْتَهَى. وَسُوِّغَ الِابْتِدَاء بِالنَّكِرَةِ فِي قَوْله : \" خَمْس مِنْ الْفِطْرَة \" أَنَّ قَوْله : \" خَمْس \" صِفَة مَوْصُوف مَحْذُوف وَالتَّقْدِير خِصَال خَمْس ثُمَّ فَسَّرَهَا , أَوْ عَلَى الْإِضَافَة أَيْ خَمْس خِصَال. وَيَجُوز أَنْ تَكُونُ الْجُمْلَة خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير الَّذِي شُرِعَ لَكُمْ خَمْس مِنْ الْفِطْرَة , وَالتَّعْبِير فِي بَعْض رِوَايَات الْحَدِيث بِالسُّنَّةِ بَدَل الْفِطْرَة يُرَاد بِهَا الطَّرِيقَة لَا الَّتِي تُقَابِل الْوَاجِب , وَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَالْمَاوَرْدِيّ وَغَيْرهمَا وَقَالُوا : هُوَ كَالْحَدِيثِ الْآخَر \" عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّة الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ \" وَأَغْرَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ فَقَالَ : عِنْدِي أَنَّ الْخِصَال الْخَمْس الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْحَدِيث كُلّهَا وَاجِبَة , فَإِنَّ الْمَرْء لَوْ تَرَكَهَا لَمْ تَبْقَ صُورَته عَلَى صُورَة الْآدَمِيِّينَ فَكَيْف مِنْ جُمْلَة الْمُسْلِمِينَ , كَذَا قَالَ فِي \" شَرْح الْمُوَطَّأ \" وَتَعَقَّبَهُ أَبُو شَامَة بِأَنَّ الْأَشْيَاء الَّتِي مَقْصُودهَا مَطْلُوب لِتَحْسِينِ الْخُلُق وَهِيَ النَّظَافَة لَا تَحْتَاج إِلَى وُرُود أَمْر إِيجَاب لِلشَّارِعِ فِيهَا اِكْتِفَاء بِدَوَاعِي الْأَنْفُس , فَمُجَرَّد النَّدْب إِلَيْهَا كَافٍ. وَنَقَلَ اِبْن دَقِيق الْعِيد عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّهُ قَالَ : دَلَّ الْخَبَر عَلَى أَنَّ الْفِطْرَة بِمَعْنَى الدِّين , وَالْأَصْل فِيمَا أُضِيفَ إِلَى الشَّيْء أَنَّهُ مِنْهُ أَنْ يَكُونُ مِنْ أَرْكَانه لَا مِنْ زَوَائِده حَتَّى يَقُوم دَلِيل عَلَى خِلَافه , وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْر بِاتِّبَاعِ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام , وَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْخِصَال أَمْر بِهَا إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام , وَكُلّ شَيْء أَمَرَ اللَّه بِاتِّبَاعِهِ فَهُوَ عَلَى الْوُجُوب لِمَنْ أُمِرَ بِهِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ وُجُوب الِاتِّبَاع لَا يَقْتَضِي وُجُوب كُلّ مَتْبُوع فِيهِ بَلْ يَتِمّ الِاتِّبَاع بِالِامْتِثَالِ , فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْمَتْبُوع كَانَ وَاجِبًا عَلَى التَّابِع أَوْ نَدْبًا فَنُدِبَ , فَيَتَوَقَّف ثُبُوت وُجُوب هَذِهِ الْخِصَال عَلَى الْأُمَّة عَلَى ثُبُوت كَوْنهَا كَانَتْ وَاجِبَة عَلَى الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام. ‏ ‏قَوْله. ‏ ‏( الْخِتَان ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمُثَنَّاة مَصْدَر خَتَنَ أَيْ قَطَعَ , وَالْخَتْن بِفَتْحِ ثُمَّ سُكُون قَطْع بَعْض مَخْصُوص مِنْ عُضْو مَخْصُوص. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يُونُس عِنْد مُسْلِم \" الِاخْتِتَان \" وَالْخِتَان اِسْم لِفِعْلِ الْخَاتِن وَلِمَوْضِعِ الْخِتَان أَيْضًا كَمَا فِي حَدِيث عَائِشَة إِذَا اِلْتَقَى الْخِتَانَانِ وَالْأَوَّل الْمُرَاد هُنَا قَالَ الّمَاوَرْدِيّ : خِتَان الذَّكَر قَطْع الْجِلْدَة الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَة , وَالْمُسْتَحَبّ أَنْ تُسْتَوْعَب مِنْ أَصْلهَا عِنْد أَوَّل الْحَشَفَة , وَأَقَلّ مَا يُجْزِئ أَنْ لَا يَبْقَى مِنْهَا مَا يَتَغَشَّى بِهِ شَيْء مِنْ الْحَشَفَة , وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ : الْمُسْتَحَقّ فِي الرِّجَال قَطْع الْقُلْفَة , وَهِيَ الْجِلْدَة الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَة حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْ الْجِلْدَة شَيْء مُتَدَلٍّ. وَقَالَ اِبْن الصَّبَّاغ : حَتَّى تَنْكَشِف جَمِيع الْحَشَفَة. وَقَالَ اِبْن كَجّ فِيمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيّ : يَتَأَدَّى الْوَاجِب بِقَطْعِ شَيْء مِمَّا فَوْق الْحَشَفَة وَإِنْ قَلَّ بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَوْعِب الْقَطْع تَدْوِير رَأْسهَا. قَالَ النَّوَوِيّ : وَهُوَ شَاذّ , وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد. قَالَ الْإِمَام : وَالْمُسْتَحَقّ مِنْ خِتَان الْمَرْأَة مَا يَنْطَلِق عَلَيْهِ الِاسْم. قَالَ الّمَاوَرْدِيّ خِتَانهَا قَطْع جِلْدَة تَكُون أَعْلَى فَرْجهَا فَوْق مَدْخَل الذَّكَر كَالنَّوَاةِ أَوْ كَعُرْفِ الدِّيك , وَالْوَاجِب قَطْع الْجِلْدَة الْمُسْتَعْلِيَة مِنْهُ دُون اِسْتِئْصَاله. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أُمّ عَطِيَّة أَنَّ اِمْرَأَة كَانَتْ تَخْتِن بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" لَا تُنْهِكِي فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرْأَةِ \" وَقَالَ : أَنَّهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. قُلْت : وَلَهُ شَاهِدَانِ مِنْ حَدِيث أَنَس وَمِنْ حَدِيث أُمّ أَيْمَن عِنْد أَبِي الشَّيْخ فِي كِتَاب الْعَقِيقَة وَآخَر عَنْ الضَّحَّاك بْن قَيْس عِنْد الْبَيْهَقِيِّ , قَالَ النَّوَوِيّ : وَيُسَمَّى خِتَان الرَّجُل إِعْذَارًا بِذَالٍ مُعْجَمَة , وَخِتَان الْمَرْأَة خَفْضًا بِخَاءٍ وَضَاد مُعْجَمَتَيْنِ. وَقَالَ أَبُو شَامَة : كَلَام أَهْل اللُّغَة يَقْتَضِي تَسْمِيَة الْكُلّ إِعْذَارًا وَالْخَفْض يَخْتَصّ بِالْأُنْثَى. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : عُذِرَتْ الْجَارِيَة وَالْغُلَام وَأَعْذَرْتهمَا خَتَنْتهمَا وَأَخْتَنْتهُمَا وَزْنًا وَمَعْنًى قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَالْأَكْثَر خَفَضْت الْجَارِيَة , قَالَ : وَتَزْعُم الْعَرَب أَنَّ الْغُلَام إِذَا وُلِدَ فِي الْقَمَر فُسِخَتْ قُلْفَته أَيْ اِتَّسَعَتْ فَصَارَ كَالْمَخْتُونِ , وَقَدْ اِسْتَحَبَّ الْعُلَمَاء مِنْ الشَّافِعِيَّة فِيمَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا أَنْ يُمَرّ بِالْمُوسَى عَلَى مَوْضِع الْخِتَان مِنْ غَيْر قَطْع قَالَ أَبُو شَامَة : وَغَالِب مَنْ يُولَد كَذَلِكَ لَا يَكُون خِتَانه تَامًّا بَلْ يَظْهَر طَرَف الْحَشَفَة فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ تَكْمِيله. وَأَفَادَ الشَّيْخ أَبُو عَبْد اللَّه بْن الْحَاجّ فِي \" الْمَدْخَل \" أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي النِّسَاء هَلْ يَخْفِضْنَ عُمُومًا أَوْ يُفَرَّق بَيْن نِسَاء الْمَشْرِق فَيَخْفِضْنَ وَنِسَاء الْمَغْرِب فَلَا يَخْفِضْنَ لِعَدَمِ الْفَضْلَة الْمَشْرُوع قَطْعهَا مِنْهُنَّ , بِخِلَافِ نِسَاء الْمَشْرِق , قَالَ : فَمَنْ قَالَ إِنَّ مَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا اُسْتُحِبَّ إِمْرَار الْمُوسَى عَلَى الْمَوْضِع اِمْتِثَالًا لِلْأَمْرِ قَالَ فِي حَقّ الْمَرْأَة كَذَلِكَ وَمَنْ لَا فَلَا. وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوب الْخِتَان دُون بَاقِي الْخِصَال الْخَمْس الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب الشَّافِعِيّ وَجُمْهُور أَصْحَابه , وَقَالَ بِهِ مِنْ الْقُدَمَاء عَطَاء حَتَّى قَالَ : لَوْ أَسْلَمَ الْكَبِير لَمْ يَتِمّ إِسْلَامه حَتَّى يُخْتَن. وَعَنْ أَحْمَد وَبَعْض الْمَالِكِيَّة : يَجِب. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة وَاجِب وَلَيْسَ بِفَرْضٍ. وَعَنْهُ سُنَّة يَأْثَم بِتَرْكِهِ. وَفِي وَجْه لِلشَّافِعِيَّةِ لَا يَجِب فِي حَقّ النِّسَاء وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ صَاحِب \" الْمُغْنِي \" عَنْ أَحْمَد. وَذَهَبَ أَكْثَر الْعُلَمَاء وَبَعْض الشَّافِعِيَّة إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ , وَمِنْ حُجَّتهمْ حَدِيث شَدَّاد بْن أَوْس رَفَعَهُ \" الْخِتَان سُنَّة لِلرِّجَالِ مَكْرُمَة لِلنِّسَاءِ \" وَهَذَا لَا حُجَّة فِيهِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ لَفْظ السُّنَّة إِذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيث لَا يُرَاد بِهِ الَّتِي تُقَابِل الْوَاجِب , لَكِنْ لَمَّا وَقَعَتْ التَّفْرِقَة بَيْن الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد اِفْتِرَاق الْحُكْم. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَنْحَصِر فِي الْوُجُوب فَقَدْ يَكُون فِي حَقّ الذُّكُور آكَد مِنْهُ فِي حَقّ النِّسَاء أَوْ يَكُون فِي حَقّ الرِّجَال لِلنَّدْبِ وَفِي حَقّ النِّسَاء لِلْإِبَاحَةِ , عَلَى أَنَّ الْحَدِيث لَا يَثْبُت لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَة حَجَّاج بْن أَرْطَاة وَلَا يُحْتَجّ بِهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْبَيْهَقِيُّ. لَكِنْ لَهُ شَاهِد أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" مُسْنَد الشَّامِيِّينَ \" مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن بِشْر عَنْ قَتَادَة عَنْ جَابِر بْن زَيْد عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَسَعِيد مُخْتَلَف فِيهِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب , وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الْخِصَال الْمُنْتَظِمَة مَعَ الْخِتَان لَيْسَتْ وَاجِبَة إِلَّا عِنْد بَعْض مَنْ شَذَّ فَلَا يَكُون الْخِتَان وَاجِبًا , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا مَانِع أَنْ يُرَاد بِالْفِطْرَةِ وَبِالسُّنَّةِ فِي الْحَدِيث الْقَدْر الْمُشْتَرَك الَّذِي يَجْمَع الْوُجُوب وَالنَّدْب وَهُوَ الطَّلَب الْمُؤَكَّد , فَلَا يَدُلّ ذَلِكَ عَلَى عَدَم الْوُجُوب وَلَا ثُبُوته فَيُطْلَب الدَّلِيل مِنْ غَيْره. وَأَيْضًا فَلَا مَانِع مِنْ جَمْع الْمُخْتَلِفَيْ الْحُكْم بِلَفْظِ أَمْر وَاحِد كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ( كُلُوا مِنْ ثَمَره إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقّه يَوْم حَصَاده ) فَإِيتَاء الْحَقّ وَاجِب , وَالْأَكْل مُبَاح. هَكَذَا تَمَسَّكَ بِهِ جَمَاعَة , وَتَعَقَّبَهُ الْفَاكِهَانِيّ فِي \" شَرْح الْعُمْدَة \" فَقَالَ الْفَرْق بَيْن الْآيَة وَالْحَدِيث أَنَّ الْحَدِيث تَضَمَّنَ لَفْظَة وَاحِدَة اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْجَمِيع , فَتَعَيَّنَ أَنْ يُحْمَل عَلَى أَحَد الْأَمْرَيْنِ الْوُجُوب أَوْ النَّدْب , بِخِلَافِ الْآيَة فَإِنَّ صِيغَة الْأَمْر تَكَرَّرَتْ فِيهَا , وَالظَّاهِر الْوُجُوب , فَصُرِفَ فِي أَحَد الْأَمْرَيْنِ بِدَلِيلٍ وَبَقِيَ الْآخَر عَلَى الْأَصْل. وَهَذَا التَّعَقُّب إِنَّمَا يَتِمّ عَلَى طَرِيقَة مَنْ يَمْنَع اِسْتِعْمَال اللَّفْظ الْوَاحِد فِي مَعْنَيَيْنِ , وَأَمَّا مَنْ يُجِيزهُ كَالشَّافِعِيَّةِ فَلَا يَرُدّ عَلَيْهِمْ. وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَوْجَبَ الِاخْتِتَان بِأَدِلَّةٍ : ‏ ‏الْأَوَّل أَنَّ الْقُلْفَة تَحْبِس النَّجَاسَة فَتَمْنَع صِحَّة الصَّلَاة كَمَنْ أَمْسَكَ نَجَاسَة بِفَمِهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْفَم فِي حُكْم الظَّاهِر , بِدَلِيلِ أَنَّ وَضْع الْمَأْكُول فِيهِ لَا يُفْطِر بِهِ الصَّائِم , بِخِلَافِ دَاخِل الْقُلْفَة فَإِنَّهُ فِي حُكْم الْبَاطِن , وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو الطَّيِّب الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ هَذَا الْقَدْر عِنْدنَا مُغْتَفَر. ‏ ‏الثَّانِي مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث كُلَيْب جَدّ عُثَيْم بْن كَثِير \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : أَلْقِ عَنْك شِعَار الْكُفْر وَاخْتَتِنْ \" مَعَ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ خِطَابه لِلْوَاحِدِ يَشْمَل غَيْره حَتَّى يَقُوم دَلِيل الْخُصُوصِيَّة. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سَنَد الْحَدِيث ضَعِيف وَقَدْ قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : لَا يَثْبُت فِيهِ شَيْء , الثَّالِث جَوَاز كَشْف الْعَوْرَة مِنْ الْمَخْتُون , وَسَيَأْتِي أَنَّهُ إِنَّمَا يُشْرَع لِمَنْ بَلَغَ أَوْ شَارَفَ الْبُلُوغ وَجَوَاز نَظَر الْخَاتِن إِلَيْهَا وَكِلَاهُمَا حَرَام , فَلَوْ لَمْ يَجِب لَمَا أُبِيحَ ذَلِكَ , وَأَقْدَم مَنْ نُقِلَ عَنْهُ الِاحْتِجَاج بِهَذَا أَبُو الْعَبَّاس بْن سُرَيْج نَقَلَهُ عَنْهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره , وَذَكَرَ النَّوَوِيّ أَنَّهُ رَآهُ فِي \" كِتَاب الْوَدَائِع \" الْمَنْسُوب لِابْنِ سُرَيْج قَالَ : وَلَا أَظُنّهُ يَثْبُت عَنْهُ , قَالَهُ أَبُو شَامَة : وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ جَمَاعَة مِنْ الْمُصَنِّفِينَ بَعْده بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَة كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِد وَالْقَاضِي الْحُسَيْن وَأَبِي الْفَرَج السَّرَخْسِيّ وَالشَّيْخ فِي \" الْمُهَذَّب \". وَتَعَقَّبَهُ عِيَاض بِأَنَّ كَشْف النُّور مُبَاح لِمَصْلَحَةِ الْجِسْم وَالنَّظَر إِلَيْهَا يُبَاح لِلْمُدَاوَاةِ , وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا إِجْمَاعًا , وَإِذَا جَازَ فِي الْمَصْلَحَة الدُّنْيَوِيَّة كَانَ فِي الْمَصْلَحَة الدِّينِيَّة أَوْلَى. وَقَدْ اِسْتَشْعَرَ الْقَاضِي حُسَيْن هَذَا فَقَالَ : فَإِنْ قِيلَ قَدْ يُتْرَك الْوَاجِب كَتَرْكِ الْإِنْصَات لِلْخُطْبَةِ بِالتَّشَاغُلِ بِرَكْعَتَيْ التَّحِيَّة , وَكَتَرْكِ الْقِيَام فِي الصَّلَاة لِسُجُودِ التِّلَاوَة , وَكَشْف الْعَوْرَة لِلْمُدَاوَاةِ مَثَلًا. وَأَجَابَ عَنْ الْأَوَّلَيْنِ وَلَمْ يُجِبْ عَنْ الثَّالِث. وَأَجَابَ النَّوَوِيّ بِأَنَّ كَشْف الْعَوْرَة لَا يَجُوز لِكُلِّ مُدَاوَاة فَلَا يَتِمّ الْمُرَاد. وَقَوَّى أَبُو شَامَة الْإِيرَاد بِأَنَّهُمْ جَوَّزُوا الْغَاسِل الْمَيِّت أَنْ يَحْلِق عَانَة الْمَيِّت , وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ لِلْغَاسِلِ إِلَّا بِالنَّظَرِ وَاللَّمْس وَهُمَا حَرَامَان , وَقَدْ أُجِيزَا لِأَمْرٍ مُسْتَحَبّ. ‏ ‏الرَّابِع اِحْتَجَّ أَبُو حَامِد وَأَتْبَاعه كَالْمَاوَرْدِيّ بِأَنَّهُ قَطَعَ عُضْو لَا يُسْتَخْلَف مِنْ الْجَسَد تَعَبُّدًا فَيَكُون وَاجِبًا كَقَطْعِ الْيَد فِي السَّرِقَة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَطْع الْيَد إِنَّمَا أُبِيحَ فِي مُقَابَلَة جُرْم عَظِيم. فَلَمْ يَتِمّ الْقِيَاس. ‏ ‏الْخَامِس قَالَ الّمَاوَرْدِيّ : فِي الْخِتَان إِدْخَال أَلَم عَظِيم عَلَى النَّفْس وَهُوَ لَا يُشْرَع إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاث خِصَال : لِمَصْلَحَةٍ , أَوْ عُقُوبَة , أَوْ وُجُوب. وَقَدْ اِنْتَفَى الْأَوَّلَانِ فَثَبَتَ الثَّالِث. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو شَامَة بِأَنَّ فِي الْخِتَان عِدَّة مَصَالِح كَمَزِيدِ الطَّهَارَة وَالنَّظَافَة فَإِنَّ الْقُلْفَة مِنْ الْمُسْتَقْذَرَات عِنْد الْعَرَب , وَقَدْ كَثُرَ ذَمّ الْأَقْلَف فِي أَشْعَارهمْ , وَكَانَ لِلْخِتَانِ عِنْدهمْ قَدْر , وَلَهُ وَلِيمَة خَاصَّة بِهِ , وَأَقَرَّ الْإِسْلَام ذَلِكَ. ‏ ‏السَّادِس قَالَ الْخَطَّابِيُّ مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْخِتَان وَاجِب بِأَنَّهُ مِنْ شِعَار الدِّين , وَبِهِ يُعْرَف الْمُسْلِم مِنْ الْكَافِر , حَتَّى لَوْ وُجِدَ مَخْتُون بَيْن جَمَاعَة قَتْلَى غَيْر مَخْتُونِينَ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ فِي مَقَابِر الْمُسْلِمِينَ. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو شَامَة بِأَنَّ شِعَار الدِّين لَيْسَتْ كُلّهَا وَاجِبَة , وَمَا اِدَّعَاهُ فِي الْمَقْتُول مَرْدُود لِأَنَّ الْيَهُود وَكَثِيرًا مِنْ النَّصَارَى يَخْتِنُونَ فَلْيُقَيَّدْ مَا ذُكِرَ بِالْقَرِينَةِ. قُلْت. قَدْ بَطَلَ دَلِيله. ‏ ‏السَّابِع قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : أَحْسَن الْحُجَج أَنْ يُحْتَجّ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا \" اُخْتُتِنَ إِبْرَاهِيم وَهُوَ اِبْن ثَمَانِينَ سَنَة بِالْقُدُومِ \" وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى ( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْك أَنْ اِتَّبِعْ مِلَّة إِبْرَاهِيم ) وَصَحَّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْكَلِمَات الَّتِي اُبْتُلِيَ بِهِنَّ إِبْرَاهِيم فَأَتَمّهنَّ هِيَ خِصَال الْفِطْرَة وَمِنْهُنَّ الْخِتَان , وَالِابْتِلَاء غَالِبًا إِنَّمَا يَقَع بِمَا يَكُون وَاجِبًا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مَا ذُكِرَ إِلَّا إِنْ كَانَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام فَعَلَهُ عَلَى سَبِيل الْوُجُوب , فَإِنَّهُ مِنْ الْجَائِز أَنْ يَكُون فَعَلَهُ عَلَى سَبِيل النَّدْب فَيَحْصُل اِمْتِثَال الْأَمْر بِاتِّبَاعِهِ عَلَى وَفْق مَا فَعَلَ , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي حَقّ نَبِيّه مُحَمَّد ( وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُول أَنَّ أَفْعَاله بِمُجَرَّدِهَا لَا تَدُلّ عَلَى الْوُجُوب , وَأَيْضًا فَبَاقِي الْكَلِمَات الْعَشْر لَيْسَتْ وَاجِبَة. وَقَالَ الّمَاوَرْدِيّ : إِنَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام لَا يَفْعَل ذَلِكَ فِي مِثْل سُنَّة إِلَّا عَنْ أَمْر مِنْ اللَّه ا ه , وَمَا قَالَهُ بَحْثًا قَدْ جَاءَ مَنْقُولًا , فَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخ فِي الْعَقِيقَة مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عَلِيّ بْن رَبَاح عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام أَمَرَ أَنْ يُخْتَتَن وَهُوَ حِينَئِذٍ اِبْن ثَمَانِينَ سَنَة فَعَجَّلَ وَاخْتُتِنَ بِالْقُدُومِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَع فَدَعَا رَبّه فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنَّك عَجَّلَتْ قَبْل أَنْ نَأْمُرك بِآلَتِهِ , قَالَ : يَا رَبّ كَرِهْت أَنْ أُؤَخِّر أَمْرك. قَالَ الّمَاوَرْدِيّ : الْقُدُوم جَاءَ مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا وَهُوَ الْفَأْس الَّذِي اُخْتُتِنَ بِهِ , وَذَهَبَ غَيْره إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ مَكَان يُسَمَّى الْقُدُوم , وَقَالَ أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ : يُقَال هُوَ كَانَ مُقِيله , وَقِيلَ اِسْم قَرْيَة بِالشَّامِ. وَقَالَ أَبُو شَامَة : هُوَ مَوْضِع بِالْقُرْبِ مِنْ الْقَرْيَة الَّتِي فِيهَا قَبْره , وَقِيلَ بِقُرْبِ حَلَب ; وَجَزَمَ غَيْر وَاحِد أَنَّ الْآلَة بِالتَّخْفِيفِ , وَصَرَّحَ اِبْن السِّكِّيت بِأَنَّهُ لَا يُشَدَّد وَأَثْبَتَ بَعْضهمْ الْوَجْهَيْنِ فِي كُلّ مِنْهُمَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض هَذَا فِي شَرْح الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي ذِكْر إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي الشَّيْخ مِنْ طَرِيق أُخْرَى أَنَّ إِبْرَاهِيم لَمَّا اُخْتُتِنَ كَانَ اِبْن مِائَة وَعِشْرِينَ سَنَة وَأَنَّهُ عَاشَ بَعْد ذَلِكَ إِلَى أَنْ أَكْمَلَ مِائَتَيْ سَنَة , وَالْأَوَّل أَشْهَر , وَهُوَ أَنَّهُ اُخْتُتِنَ وَهُوَ اِبْن ثَمَانِينَ وَعَاشَ بَعْدهَا أَرْبَعِينَ , وَالْغَرَض أَنَّ الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ مُتَوَقِّف كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي حَقّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام وَاجِبًا , فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ اِسْتَقَامَ الِاسْتِدْلَال بِهِ وَإِلَّا فَالنَّظَر بَاقٍ. وَاخْتُلِفَ فِي الْوَقْت الَّذِي يُشْرَع فِيهِ الْخِتَان , قَالَ الّمَاوَرْدِيّ : لَهُ وَقْتَانِ وَقْت وُجُوب وَوَقْت اِسْتِحْبَاب , فَوَقْت الْوُجُوب الْبُلُوغ وَوَقْت الِاسْتِحْبَاب قَبْله , وَالِاخْتِيَار فِي الْيَوْم السَّابِع مِنْ بَعْد الْوِلَادَة , وَقِيلَ مِنْ يَوْم الْوِلَادَة , فَإِنْ أَخَّرَ فَفِي الْأَرْبَعِينَ يَوْمًا , فَإِنْ أَخَّرَ فَفِي السَّنَة السَّابِعَة , فَإِنْ بَلَغَ وَكَانَ نِضْوًا نَحِيفًا يُعْلَم مِنْ حَاله أَنَّهُ إِذَا اُخْتُتِنَ تَلِفَ سَقَطَ الْوُجُوب. وَيُسْتَحَبّ أَنْ لَا يُؤَخَّر عَنْ وَقْت الِاسْتِحْبَاب إِلَّا لِعُذْرٍ , وَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْن أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يُخْتَتَن الصَّبِيّ حَتَّى يَصِير اِبْن عَشْر سِنِينَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَوْم ضَرْبه عَلَى تَرْك الصَّلَاة , وَأَلَم الْخِتَان فَوْق أَلَم الضَّرْب فَيَكُون أَوْلَى بِالتَّأْخِيرِ , وَزَيَّفَهُ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح الْمُهَذِّب \" وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ : لَا يَجِب قَبْل الْبُلُوغ لِأَنَّ الصَّبِيّ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْعِبَادَة الْمُتَعَلِّقَة بِالْبَدَنِ فَكَيْف مَعَ الْأَلَم , قَالَ : وَلَا يَرِد وُجُوب الْعِدَّة عَلَى الصَّبِيَّة لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّق بِهِ تَعَب بَلْ هُوَ مُضِيّ زَمَان مَحْض. وَقَالَ أَبُو الْفَرَج السَّرَخْسِيّ : فِي خِتَان الصَّبِيّ وَهُوَ صَغِير مَصْلَحَة مِنْ جِهَة أَنَّ الْجِلْد بَعْد التَّمْيِيز يَغْلُظ وَيَخْشُن فَمِنْ ثَمَّ جَوَّزَ الْأَئِمَّة الْخِتَان قَبْل ذَلِكَ , وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ الْحَسَن وَمَالك كَرَاهَة الْخِتَان يَوْم السَّابِع لِأَنَّهُ فِعْل الْيَهُود , وَقَالَ مَالِك : يَحْسُن إِذَا أَثْغَرَ أَيْ أَلْقَى ثَغْره وَهُوَ مُقَدَّم أَسْنَانه , وَذَلِكَ يَكُون فِي السَّبْع سِنِينَ وَمَا حَوْلهَا , وَعَنْ اللَّيْث يُسْتَحَبّ مَا بَيْن سَبْع سِنِينَ إِلَى عَشْر سِنِينَ , وَعَنْ أَحْمَد لَمْ أَسْمَع فِيهِ شَيْئًا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" سَبْع مِنْ السُّنَّة فِي الصَّبِيّ يُسَمَّى فِي السَّابِع وَيُخْتَن \" الْحَدِيث وَقَدْ قَدَّمْت ذِكْره فِي كِتَاب الْعَقِيقَة وَأَنَّهُ ضَعِيف , وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخ مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ زُهَيْر بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر أَوْ غَيْره عَنْ جَابِر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَتَنَ حَسَنًا وَحُسَيْنًا لِسَبْعَةِ أَيَّام \" قَالَ الْوَلِيد فَسَأَلْت مَالِكًا عَنْهُ فَقَالَ : لَا أَدْرِي , وَلَكِنَّ الْخِتَان طُهْرَة فَكُلَّمَا قَدَّمَهَا كَانَ أَحَبّ إِلَيَّ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ حَدِيث جَابِر , وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عَلِيّ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام خَتَنَ إِسْحَاق وَهُوَ اِبْن سَبْعَة أَيَّام. وَقَدْ ذَكَرْت فِي أَبْوَاب الْوَلِيمَة مِنْ كِتَاب النِّكَاح مَشْرُوعِيَّة الدَّعْوَة فِي الْخِتَان , وَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق الْحَسَن عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاصِ أَنَّهُ دُعِيَ إِلَى خِتَان فَقَالَ \" مَا كُنَّا نَأْتِي الْخِتَان عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نُدْعَى لَهُ \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخ مِنْ رِوَايَة فَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ خِتَان جَارِيَة. وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخ أَبُو عَبْد اللَّه بْن الْحَاجّ فِي \" الْمَدْخَل \" أَنَّ السُّنَّة إِظْهَار خِتَان الذَّكَر وَإِخْفَاء خِتَان الْأُنْثَى. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَالِاسْتِحْدَاد ) ‏ ‏بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة اِسْتِفْعَال مِنْ الْحَدِيد وَالْمُرَاد بِهِ اِسْتِعْمَال الْمُوسَى فِي حَلْق الشَّعْر مِنْ مَكَان مَخْصُوص مِنْ الْجَسَد , قِيلَ وَفِي التَّعْبِير بِهَذِهِ اللَّفْظَة مَشْرُوعِيَّة الْكِنَايَة عَمَّا يَسْتَحِي مِنْهُ إِذَا حَصَلَ الْإِفْهَام بِهَا وَأَغْنَى عَنْ التَّصْرِيح , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هَذَا التَّعْبِير بِحَلْقِ الْعَانَة , وَكَذَا فِي حَدِيث عَائِشَة وَأَنْسَ الْمُشَار إِلَيْهِمَا مِنْ قَبْل عِنْد مُسْلِم , قَالَ النَّوَوِيّ : الْمُرَاد بِالْعَانَةِ الشَّعْر الَّذِي فَوْق ذَكَر الرَّجُل وَحَوَالَيْهِ , وَكَذَا الشَّعْر الَّذِي حَوَالَيْ فَرْج الْمَرْأَة. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاس بْن سُرَيْج أَنَّهُ الشَّعْر النَّابِت حَوْل حَلْقَة الدُّبْر فَتَحْصُل مِنْ مَجْمُوع هَذَا اِسْتِحْبَاب حَلْق جَمِيع مَا عَلَى الْقُبُل وَالدُّبُر وَحَوْلهمَا ; قَالَ وَذَكَرَ الْحَلْق لِكَوْنِهِ هُوَ الْأَغْلَب وَإِلَّا فَيَجُوز الْإِزَالَة بِالنَّوْرَةِ وَالنَّتْف وَغَيْرهمَا. وَقَالَ أَبُو شَامَة : الْعَانَة الشَّعْر النَّابِت عَلَى الرَّكَب بِفَتْحِ الرَّاء وَالْكَاف وَهُوَ مَا اِنْحَدَرَ مِنْ الْبَطْن فَكَانَ تَحْت الثَّنْيَة وَفَوْق الْفَرْج , وَقِيلَ لِكُلِّ فَخِذ رَكَب , وَقِيلَ ظَاهِر الْفَرْج وَقِيلَ الْفَرْج بِنَفْسِهِ سَوَاء كَانَ مِنْ رَجُل أَوْ اِمْرَأَة , قَالَ : وَيُسْتَحَبّ إِمَاطَة الشَّعْر عَنْ الْقُبُل وَالدُّبُر بَلْ هُوَ مِنْ الدُّبُر أَوْلَى خَوْفًا مِنْ أَنْ يَعْلَق شَيْء مِنْ الْغَائِط فَلَا يُزِيلهُ الْمُسْتَنْجِي إِلَّا بِالْمَاءِ وَلَا يَتَمَكَّن مِنْ إِزَالَته بِالِاسْتِجْمَارِ , قَالَ وَيَقُوم التَّنَوُّر مَكَان الْحَلْق وَكَذَلِكَ النَّتْف وَالْقَصّ , وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَد عَنْ أَخْذ الْعَانَة بِالْمِقْرَاضِ فَقَالَ أَرْجُو أَنْ يُجْزِئ , قِيلَ فَالنَّتْف ؟ قَالَ وَهَلْ يَقْوَى عَلَى هَذَا أَحَد ؟ وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْعَانَة الشَّعْر النَّابِت عَلَى الْفَرْج , وَقِيلَ هُوَ مَنْبَت الشَّعْر , قَالَ وَهُوَ الْمُرَاد فِي الْخَبَر. وَقَالَ أَ"
    },
    {
        "id": "5440",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حَنْظَلَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مِنْ الْفِطْرَةِ حَلْقُ ‏ ‏الْعَانَةِ ‏ ‏وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي رَجَاء ) ‏ ‏هُوَ أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن أَيُّوب الْهَرَوِيُّ , وَإِسْحَاق بْن سُلَيْمَان هُوَ الرَّازِيُّ , وَحَنْظَلَة هُوَ اِبْن سُفْيَان الْجُمَحِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , وَزَعَمَ أَبُو مَسْعُود فِي \" الْأَطْرَاف \" أَنَّ الْبُخَارِيّ ذَكَرَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه مَوْقُوفًا ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِأَنَّ أَبَا سَعِيد الْأَشَجّ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاق بْن سُلَيْمَان مَرْفُوعًا , وَتَعَقَّبَ الْحُمَيْدِيُّ كَلَام أَبِي مَسْعُود فَأَجَادَ. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ الْفِطْرَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْل النَّوَوِيّ أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ بِلَفْظِ \" مِنْ السُّنَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَصّ الشَّارِب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَأَخْذ الشَّارِب \" وَفِي أُخْرَى لَهُ \" وَقَصّ الشَّوَارِب \" قَالَ \" وَقَالَ مَرَّة الشَّارِب \" قَالَ الْجِيَانِي : وَقَعَ فِي كَلَامهمْ أَنَّهُ لِعِظَمِ الشَّوَارِب وَهُوَ مِنْ الْوَاحِد الَّذِي فَرَّقَ وَسَمَّى كُلّ جُزْء مِنْهُ بِاسْمِهِ فَقَالُوا لِكُلِّ جَانِب مِنْهُ شَارِبًا ثُمَّ جَمَعَ شَوَارِب وَحَكَى اِبْن سِيدَه عَنْ بَعْضهمْ : مَنْ قَالَ الشَّارِبَانِ أَخْطَأَ ; وَإِنَّمَا الشَّارِبَانِ مَا طَالَ مِنْ نَاحِيَة السَّبَلَة , قَالَ : وَبَعْضهمْ يُسَمِّي السَّبَلَة كُلّهَا شَارِبًا , وَيُؤَيِّدهُ أَثَر عُمَر الَّذِي أَخْرَجَهُ مَالِك أَنَّهُ \" كَانَ إِذَا غَضِبَ فَتَلَ شَارِبه \" وَاَلَّذِي يُمْكِن فَتْله مِنْ شَعْر الشَّارِب السِّبَال وَقَدْ سَمَّاهُ شَارِبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5441",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الْفِطْرَةُ خَمْسٌ الْخِتَانُ ‏ ‏وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْآبَاطِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى. ‏"
    },
    {
        "id": "5442",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏إِذَا حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عُمَر بْن مُحَمَّد بْن زَيْد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( خَالَفُوا الْمُشْرِكِينَ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" خَالَفُوا الْمَجُوس \" وَهُوَ الْمُرَاد فِي حَدِيث اِبْن عُمَر فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُصُّونَ لِحَاهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَحْلِقهَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَحْفُوا الشَّوَارِب ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ قَطْع مِنْ الْإِحْفَاء لِلْأَكْثَرِ , وَحَكَى اِبْن دُرَيْد حَفَى شَارِبه حَفْوًا إِذَا اِسْتَأْصَلَ أَخَذَ شَعْره , فَعَلَى هَذَا فَهِيَ هَمْزَة وَصْل. ‏ ‏قَوْله : ‏ ‏( وَوَفِّرُوا اللِّحَى ) ‏ ‏أَمَّا قَوْله \" وَفِّرُوا \" فَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْفَاء مِنْ التَّوْفِير وَهُوَ الْإِبْقَاء أَيْ اُتْرُكُوهَا وَافِرَة وَفِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" أَعْفُوا \" وَسَيَأْتِي تَحْرِيره , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم أَرْجِئُوا وَضُبِطَتْ بِالْجِيمِ وَالْهَمْزَة أَيْ أَخِّرُوهَا , وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة بِلَا هَمْز أَيْ أَطِيلُوهَا , وَلَهُ فِي رِوَايَة أُخْرَى \" أَوْفُوا \" أَيْ اُتْرُكُوهَا وَافِيَة , قَالَ النَّوَوِيّ وَكُلّ هَذِهِ الرِّوَايَات بِمَعْنًى وَاحِد , وَاللِّحَى بِكَسْرِ اللَّام وَحُكِيَ ضَمّهَا وَبِالْقَصْرِ وَالْمَدّ جَمْع لِحْيَة بِالْكَسْرِ فَقَطْ وَهِيَ اِسْم لِمَا نَبَتَ عَلَى الْخَدَّيْنِ وَالذَّقْن. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ اِبْن عُمَر إِذَا حَجَّ أَوْ اِعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَته فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور إِلَى نَافِع , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" كَانَ اِبْن عُمَر إِذَا حَلَقَ رَأْسه فِي حَجّ أَوْ عَمْرَة أَخَذَ مِنْ لِحْيَته وَشَارِبه \" وَفِي حَدِيث الْبَاب مِقْدَار الْمَأْخُوذ , وَقَوْله \" فَضَلَ \" بِفَتْحِ الْفَاء وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَيَجُوز كَسْر الضَّاد كَعَلِمَ وَالْأَشْهَر الْفَتْح قَالَهُ اِبْن التِّين , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَعَلَّ اِبْن عُمَر أَرَادَ الْجَمْع بَيْن الْحَلْق وَالتَّقْصِير فِي النُّسُك فَحَلَقَ رَأْسه كُلّه وَقَصْر مِنْ لَحَيَّته لِيَدْخُل فِي عُمُوم قَوْله تَعَالَى ( مُحَلِّقِينَ رُءُوسكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ) وَخَصَّ ذَلِكَ مِنْ عُمُوم قَوْله \" وَفَرُّوا اللِّحَى \" فَحَمَلَهُ عَلَى حَالَة غَيْر حَالَة النُّسُك. قُلْت. الَّذِي يَظْهَر أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ لَا يَخُصّ هَذَا التَّخْصِيص بِالنُّسُكِ بَلْ كَانَ يَحْمِل الْأَمْر بِالْإِعْفَاءِ عَلَى غَيْر الْحَالَة الَّتِي تَتَشَوَّه فِيهَا الصُّورَة بِإِفْرَاطِ طُول شَعْر اللِّحْيَة أَوْ عَرَضَهُ , فَقَدْ قَالَ الطَّبَرَيْ : ذَهَب قَوْم إِلَى ظَاهِر الْحَدِيث فَكَرِهُوا تَنَاوَلَ شَيْء مِنْ اللِّحْيَة مِنْ طُولهَا وَمَنْ عَرَضَهَا , وَقَالَ قَوْم إِذَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَة يُؤْخَذ الزَّائِد , ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ إِلَى اِبْن عُمَر أَنَّهُ فِعْل ذَلِكَ , وَإِلَى عُمَر أَنَّهُ فِعْل ذَلِكَ بِرَجُلِ , وَمَنْ طَرِيق أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ فَعَلَهُ , وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث جَابِر بِسَنَدِ حَسَن قَالَ. \" كُنَّا نُعْفِي السِّبَال إِلَّا فِي حَجّ أَوْ عَمْرَة \" وَقَوْله \" نُعْفِي \" بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيد الْفَاء أَيْ نَتْرُكهُ وَافِرًا وَهَذَا يُؤَيِّد مَا نَقْل عَنْ اِبْن عُمَر , فَإِنَّ السِّبَال بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة جَمْع سَبَلَة بِفَتْحَتَيْنِ وَهِيَ مَا طَالَ مِنْ شَعْر اللِّحْيَة , فَأَشَارَ جَابِر إِلَى أَنَّهُمْ يُقَصِّرُونَ مِنْهَا فِي النُّسُك. ثُمَّ حَكَى الطَّبَرَيْ اِخْتِلَافًا فِيمَا يُؤْخَذ مِنْ اللِّحْيَة هَلْ لَهُ حَدّ أُمّ لَا ؟ فَأَسْنَدَ عَنْ جَمَاعَة الِاقْتِصَار عَلَى أَخْذ الَّذِي يَزِيد مِنْهَا عَلَى قَدْر الْكَفّ , وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ يُؤْخَذ مِنْ طُولهَا وَعَرَضَهَا مَا لَمْ يُفْحِش , وَعَنْ عَطَاء نَحْوه قَالَ : وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ النَّهْي عَلَى مَنْع مَا كَانَتْ الْأَعَاجِم تَفْعَلهُ مِنْ قَصّهَا وَتَخْفِيفهَا , قَالَ : وَكَرِهَ آخَرُونَ التَّعَرُّض لَهَا إِلَّا فِي حَجّ أَوْ عَمْرَة وَأَسْنَدَهُ عَنْ جَمَاعَة , وَاخْتَارَ قَوْل عَطَاء , وَقَالَ : إِنَّ الرَّجُل لَوْ تَرَكَ لِحْيَته لَا يَتَعَرَّض لَهَا حَتَّى أَفْحَشَ طُولهَا وَعَرْضهَا لَعَرَّضَ نَفْسه لِمَنْ يَسْخَر بِهِ , وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كَانَ يَأْخُذ مِنْ لِحْيَته مِنْ عَرْضهَا وَطُولهَا \" وَهَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَنُقِلَ عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَة عُمَر بْن هَارُون. لَا أَعْلَم لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا إِلَّا هَذَا ا ه وَقَدْ ضَعَّفَ عُمَر بْن هَارُون مُطْلَقًا جَمَاعَة , وَقَالَ عِيَاض : يُكْرَه حَلْق اللِّحْيَة وَقَصّهَا وَتَحْذِيفهَا , وَأَمَّا الْأَخْذ مِنْ طُولهَا وَعَرْضهَا إِذَا عَظُمَتْ فَحَسَن , بَلْ تُكْرَه الشُّهْرَة فِي تَعْظِيمهَا كَمَا يُكْرَه فِي تَقْصِيرهَا , كَذَا قَالَ , وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّهُ خِلَاف ظَاهِر الْخَبَر فِي الْأَمْر بِتَوْفِيرِهَا ; قَالَ : وَالْمُخْتَار تَرْكهَا عَلَى حَالهَا وَأَنْ لَا يَتَعَرَّض لَهَا بِتَقْصِيرٍ وَلَا غَيْره , وَكَأَنَّ مُرَاده بِذَلِكَ فِي غَيْر النُّسُك لِأَنَّ الشَّافِعِيّ نَصَّ عَلَى اِسْتِحْبَابه فِيهِ , وَذَكَرَ النَّوَوِيّ عَنْ الْغَزَالِيّ - وَهُوَ فِي ذَلِكَ تَابِع لِأَبِي طَالِب الْمَكِّيّ فِي \" الْقُوت \" - قَالَ : يُكْرَه فِي اللِّحْيَة عَشْر خِصَال : خَضْبهَا بِالسَّوَادِ لِغَيْرِ الْجِهَاد , وَبِغَيْرِ السَّوَاد إِيهَامًا لِلصَّلَاحِ لَا لِقَصْدِ الِاتِّبَاع , وَتَبْيِيضهَا اِسْتِعْجَالًا لِلشَّيْخُوخَةِ لِقَصْدِ التَّعَاظُم عَلَى الْأَقْرَان , وَنَتْفهَا إِبْقَاء لِلْمُرُودَةِ وَكَذَا تَحْذِيفهَا وَنَتْف الشَّيْب. وَرَجَّحَ النَّوَوِيّ تَحْرِيمه لِثُبُوتِ الزَّجْر عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا , وَتَصْفِيفهَا طَاقَة طَاقَة تَصَنُّعًا وَمَخِيلَة , وَكَذَا تَرْجِيلهَا وَالتَّعَرُّض لَهَا طُولًا وَعَرْضًا عَلَى مَا فِيهِ مِنْ اِخْتِلَاف , وَتَرَكَهَا شَعِثَة إِيهَامًا لِلزُّهْدِ , وَالنَّظَر إِلَيْهَا إِعْجَابًا , وَزَادَ النَّوَوِيّ : وَعَقَدَهَا , لِحَدِيثِ رُوَيْفِع رَفَعَهُ \" مَنْ عَقَدَ لِحْيَته فَإِنَّ مُحَمَّدًا مِنْهُ بَرِيء \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَبِي دَاوُدَ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قِيلَ الْمُرَاد عَقْدهَا فِي الْحَرْب وَهُوَ مِنْ زِيّ الْأَعَاجِم , وَقِيلَ الْمُرَاد مُعَالَجَة الشَّعْر لِيَنْعَقِد , وَذَلِكَ مِنْ فِعْل أَهْل التَّأْنِيث. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَنْكَرَ اِبْن التِّين ظَاهِر مَا نُقِلَ عَنْ اِبْن عُمَر فَقَالَ : لَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ يَقْتَصِر عَلَى قَدْر الْقَبْضَة مِنْ لِحْيَته , بَلْ كَانَ يُمْسِك عَلَيْهَا فَيُزِيل مَا شَذَّ مِنْهَا , فَيُمْسِك مِنْ أَسْفَل ذَقْنه بِأَصَابِعِهِ الْأَرْبَعَة مُلْتَصِقَة فَيَأْخُذ مَا سَفَلَ عَنْ ذَلِكَ لِيَتَسَاوَى طُول لِحْيَته. قَالَ أَبُو شَامَة : وَقَدْ حَدَّثَ قَوْم يَحْلِقُونَ لِحَاهُمْ , وَهُوَ أَشَدّ مِمَّا نُقِلَ عَنْ الْمَجُوس أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُصُّونَهَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ : يُسْتَثْنَى مِنْ الْأَمْر بِإِعْفَاءِ اللِّحَى مَا لَوْ نَبَتَتْ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَة فَإِنَّهُ يُسْتَحَبّ لَهَا حَلْقهَا , وَكَذَا لَوْ نَبَتَ لَهَا شَارِب أَوْ عَنْفَقَة , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي \" بَاب الْمُتَنَمِّصَات \". ‏"
    },
    {
        "id": "5443",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْهَكُوا ‏ ‏الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5444",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏أَخَضَبَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَمْ يَبْلُغْ الشَّيْبَ إِلَّا قَلِيلًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن سِيرِينَ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بَيَّنَهُ مُسْلِم فِي رِوَايَته عَنْ حَجَّاج بْن الشَّاعِر عَنْ مُعَلَّى شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( سَأَلْت أَنَسًا : أَخْضَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏؟ يُعْرَف مِنْهُ أَنَّهُ الْمُبْهَم فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا حَيْثُ قَالَ ثَابِت \" سُئِلَ أَنَس \" وَكَذَا قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" لَمْ يَبْلُغ مِنْ الشَّيْب إِلَّا قَلِيلًا \" يُفَسِّرهُ قَوْله فِي الثَّانِيَة \" لَمْ يَبْلُغ مَا يُخَضِّب \" وَذَلِكَ أَنَّ الْعَادَة أَنَّ الْقَلِيل مِنْ الشَّعْر الْأَبْيَض إِذَا بَدَأَ فِي اللِّحْيَة لَمْ يُبَادِر إِلَى خَضْبه حَتَّى يَكْثُر , وَمَرْجِع الْقِلَّة وَالْكَثْرَة فِي ذَلِكَ إِلَى الْعُرْف , وَزَادَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق هِشَام بْن حَسَّان عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَلَكِنَّ أَبَا بَكْر وَعُمَر بَعْده خَضَّبَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَم , قَالَ : وَجَاءَ أَبُو بَكْر بِأَبِيهِ أَبِي قُحَافَة يَوْم فَتْح مَكَّة يَحْمِلهُ حَتَّى وَضَعَهُ بَيْن يَدَيْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَسْلَمَ , وَلِحْيَته وَرَأْسه كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا \" وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي \" بَاب الْخِضَاب \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس نَحْو حَدِيث اِبْن سِيرِينَ وَزَادَ \" وَلَمْ يُخَضِّب وَلَكِنْ خَضَّبَ أَبُو بَكْر وَعُمَر \". ‏"
    },
    {
        "id": "5445",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ سُئِلَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خِضَابِ ‏ ‏النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّهُ ‏ ‏لَمْ يَبْلُغْ مَا ‏ ‏يَخْضِبُ ‏ ‏لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ ‏ ‏شَمَطَاتِهِ ‏ ‏فِي لِحْيَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( لَوْ شِئْت أَنْ أَعُدّ شَمَطَاتِهِ فِي لِحْيَته ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالشَّمَطَات الشَّعَرَات اللَّاتِي ظَهَرَ فِيهِنَّ الْبَيَاض , فَكَأَنَّ الشَّعْرَة الْبَيْضَاء مَعَ مَا يُجَاوِرهَا مِنْ شَعْرَة سَوْدَاء ثَوْب أَشَمَط , وَالْأَشْمَط الَّذِي يُخَالِطهُ بَيَاض وَسَوَاد , وَجَوَاب \" لَوْ \" فِي قَوْله \" لَوْ شِئْت \" مَحْذُوف , وَالتَّقْدِير لَعَدَدْتهَا , وَذَلِكَ مِمَّا يَدُلّ عَلَى قِلَّتهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مِنْ الْمَنَاقِب بَيَان الْجَمْع بَيْن مُخْتَلَف الْأَحَادِيث فِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5446",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ وَقَبَضَ ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏ثَلَاثَ أَصَابِعَ مِنْ ‏ ‏قُصَّةٍ ‏ ‏فِيهِ شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا ‏ ‏مِخْضَبَهُ ‏ ‏فَاطَّلَعْتُ فِي ‏ ‏الْجُلْجُلِ ‏ ‏فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَالِك بْن إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غَسَّان النَّهْدِيّ , ‏ ‏وَإِسْرَائِيل ‏ ‏هُوَ اِبْن يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق , ‏ ‏وَعُثْمَان بْن عَبْد اللَّه بْن مُوهِب ‏ ‏هُوَ التَّيْمِيُّ مَوْلَى آل طَلْحَة , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر سَبَقَ فِي الْحَجّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمّ سَلَمَة ) ‏ ‏يَعْنِي زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة أَهْله , وَلَكِنَّهُمْ مِنْ آل طَلْحَة لِأَنَّهُمْ مَوَالِيه , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد بِأَهْلِهِ اِمْرَأَته. ‏ ‏قَوْله : ( بِقَدَحٍ مِنْ مَاء , وَقَبَضَ إِسْرَائِيل ثَلَاث أَصَابِع مِنْ قُصَّة فِيهَا ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فِيهِ شَعْر مِنْ شَعْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" اُخْتُلِفَ فِي ضَبْط \" قُصَّة \" هُوَ بِقَافٍ مَضْمُومَة ثُمَّ صَادَ مُهْمَلَة أَوْ بِفَاءٍ مَكْسُورَة ثُمَّ ضَاد مُعْجَمَة ؟ فَأَمَّا قَوْله \" وَقَبَضَ إِسْرَائِيل ثَلَاث أَصَابِع \" فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى صِغَر الْقَدَح , وَزَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ عِبَارَة عَنْ عَدَد إِرْسَال عُثْمَان إِلَى أُمّ سَلَمَة وَهُوَ بَعِيد , وَأَمَّا قَوْله \" فِيهَا \" فَضَمِير لِمَعْنَى الْقَدَح لِأَنَّ الْقَدَح إِذَا كَانَ فِيهِ مَائِع يُسَمَّى كَأْسًا وَالْكَأْس مُؤَنَّثَة , أَوْ الضَّمِير لِلْقِصَّةِ كَمَا سَيَأْتِي تَوْجِيهه. وَأَمَّا رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالتَّذْكِيرِ فَوَاضِحَة وَقَوْله \" مِنْ فِضَّة \" إِنْ كَانَ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَة فَهُوَ بَيَان لِجِنْسِ الْقَدَح , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُمَوَّهًا بِفِضَّةٍ لَا أَنَّهُ كَانَ كُلّه فِضَّة. قُلْت : وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ أُمّ سَلَمَة كَانَتْ لَا تُجِيز اِسْتِعْمَال آنِيَة الْفِضَّة فِي غَيْر الْأَكْل وَالشُّرْب , وَمِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ وَقَدْ أَجَازَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء اِسْتِعْمَال الْإِنَاء الصَّغِير مِنْ الْفِضَّة فِي غَيْر الْأَكْل وَالشُّرْب ؟ وَإِنْ كَانَ بِالْقَافِ وَالْمُهْمَلَة فَهُوَ مِنْ صِفَة الشَّعْر عَلَى مَا فِي التَّرْكِيب مِنْ قَلَق الْعِبَارَة , وَلِهَذَا قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : عَلَيْك بِتَوْجِيهِهِ. وَيَظْهَر أَنَّ \" مِنْ \" سَبَبِيَّة أَيْ أَرْسَلُونِي بِقَدَحٍ مِنْ مَاء بِسَبَبِ قُصَّة فِيهَا شَعْر , وَهَذَا كُلّه بِنَاء عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة مَحْفُوظَة بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة , وَقَدْ ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي \" الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ \" بِلَفْظٍ دَالّ عَلَى أَنَّهُ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَة وَلَفْظه \" أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمّ سَلَمَة بِقَدَحٍ مِنْ مَاء , فَجَاءَتْ بِجُلْجُلٍ مِنْ فِضَّة فِيهِ شَعْر إِلَخْ \" وَلَمْ يَذْكُر قَوْل إِسْرَائِيل , فَكَأَنَّهُ سَقَطَ عَلَى رُوَاة الْبُخَارِيّ قَوْله \" فَجَاءَتْ بِجُلْجُلٍ \" وَبِهِ يَنْتَظِم الْكَلَام , وَيُعْرَف مِنْهُ أَنَّ قَوْله \" مِنْ فِضَّة \" بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَة أَنَّهُ صِفَة الْجُلْجُل لَا صِفَة الْقَدَح الَّذِي أَحْضَرَهُ عُثْمَان بْن مُوهِب , قَالَ اِبْن دِحْيَة : وَقَعَ لِأَكْثَر الرُّوَاة بِالْقَافِ وَالْمُهْمَلَة , وَالصَّحِيح عِنْد الْمُحَقِّقِينَ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَة , وَقَدْ بَيَّنَهُ وَكِيع فِي مُصَنَّفه بَعْدَمَا رَوَاهُ عَنْ إِسْرَائِيل فَقَالَ \" كَانَ جُلْجُلًا مِنْ فِضَّة صِيَغ صَوَّانًا لِشَعَرَاتٍ كَانَتْ عِنْد أُمّ سَلَمَة مِنْ شَعْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ ) ‏ ‏النَّاس ‏ ‏( إِذَا أَصَابَ الْإِنْسَان ) ‏ ‏أَيْ مِنْهُمْ ‏ ‏( عَيْن ) ‏ ‏أَيْ أُصِيبَ بِعَيْنٍ ‏ ‏( أَوْ شَيْء ) ‏ ‏أَيْ مِنْ أَيّ مَرَض كَانَ , وَهُوَ مَوْصُول مِنْ قَوْل عُثْمَان الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبه ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة هُوَ مِنْ حَمَلَة الْآنِيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَالْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ مَنْ اِشْتَكَى أَرْسَلَ إِنَاء إِلَى أُمّ سَلَمَة فَتَجْعَل فِيهِ تِلْكَ الشَّعَرَات وَتَغْسِلهَا فِيهِ وَتُعِيدهُ فَيَشْرَبهُ صَاحِب الْإِنَاء أَوْ يَغْتَسِل بِهِ اِسْتِشْفَاء بِهَا فَتَحْصُل لَهُ بَرَكَتهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَاطَّلَعَتْ فِي الْجُلْجُل ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِجِيمَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ بَيْنهمَا لَام وَآخِره أُخْرَى , هُوَ شِبْه الْجَرَس , وَقَدْ تُنْزَع مِنْهُ الْحَصَاة الَّتِي تَتَحَرَّك فَيُوضَع فِيهِ مَا يُحْتَاج إِلَى صِيَانَته , وَالْقَائِل \" فَاطَّلَعَتْ \" هُوَ عُثْمَان , وَقِيلَ إِنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" الْجَحْل \" بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَفُسِّرَ بِالسِّقَاءِ الضَّخْم , وَمَا أَظُنّهُ إِلَّا تَصْحِيفًا لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ صَوَّانًا لِلشَّعَرَاتِ كَمَا جَزَمَ بِهِ وَكِيع أَحَد رُوَاة الْخَبَر كَانَ الْمُنَاسِب لَهُنَّ الظَّرْف الصَّغِير لَا الْإِنَاء الضَّخْم , وَلَمْ يُفَسِّر صَاحِب \" الْمَشَارِق \" وَلَا \" النِّهَايَة \" الْجُلْجُل كَأَنَّهُمَا تَرَكَاهُ لِشُهْرَتِهِ , لَكِنْ حَكَى عِيَاض أَنَّ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن \" الْمُخَضَّب \" بَدَل الْجُلْجُل فَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَأَيْت شَعَرَات حُمْرًا ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِيهَا \" مَخْضُوبًا \" وَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5447",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ ‏ ‏قَالَ دَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا شَعَرًا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَخْضُوبًا ‏ ‏وَ ‏ ‏قَالَ لَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نُصَيْرُ بْنُ أَبِي الْأَشْعَثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَوْهَبٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏أَرَتْهُ شَعَرَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحْمَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَلَّام ) ‏ ‏هُوَ بِالتَّشْدِيدِ اِتِّفَاقًا , وَجَزَمَ أَبُو نَصْر الْكَلَابَاذِيُّ بِأَنَّهُ اِبْن مِسْكِين , وَخَالَفَهُ الْجُمْهُور فَقَالُوا : هُوَ اِبْن أَبِي مُطِيع ; وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن وَأَبُو عَلِيّ الْجِيَانِي , وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث عِنْد اِبْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة يُونُس بْن مُحَمَّد \" عَنْ سَلَّام بْن أَبِي مُطِيع \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ مُوسَى شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ \" حَدَّثَتَا سَلَّام بْن أَبِي مُطِيع \". ‏ ‏قَوْله : ( مَخْضُوبًا ) ‏ ‏زَادَ يُونُس بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَم , وَكَذَا لِابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ , وَكَذَا لِأَحْمَد عَنْ عَفَّانَ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ كِلَاهُمَا عَنْ سَلَّام , وَلَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة وَهُوَ شَيْبَانَ بْن عَبْد الرَّحْمَن \" شَعْرًا أَحْمَر مَخْضُوبًا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَم \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق عَنْ عُثْمَان الْمَذْكُور \" كَانَ مَعَ أُمّ سَمَلَة مِنْ شَعْر لِحْيَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ أَثَر الْحِنَّاء وَالْكَتَم \" وَالْحِنَّاء مَعْرُوف وَالْكَتَم بِفَتْحِ الْكَاف وَالْمُثَنَّاة سَيَأْتِي تَفْسِيره بَعْد هَذَا , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَيْسَ فِيهِ بَيَان أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي خَضَّبَ , بَلْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَحْمَر بَعْده لِمَا خَالَطَهُ مِنْ طِيب فِيهِ صُفْرَة فَغَلَبَتْ بِهِ الصُّفْرَة , قَالَ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَحَدِيث أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُخَضِّب \" أَصَحّ , كَذَا قَالَ , وَاَلَّذِي أَبَدَاهُ اِحْتِمَالًا قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ مَوْصُولًا إِلَى أَنَس فِي \" بَاب صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا اِحْمَرَّ مِنْ الطِّيب. قُلْت : وَكَثُرَ مِنْ الشُّعُور الَّتِي تُفْصَل عَنْ الْجَسَد إِذَا طَالَ الْعَهْد يَئُول سَوَادهَا إِلَى الْحُمْرَة , وَمَا جَنَحَ إِلَيْهِ مِنْ التَّرْجِيح خِلَاف مَا جَمَعَ بِهِ الطَّبَرِيُّ , وَحَاصِله أَنَّ مَنْ جَزَمَ أَنَّهُ خَضَّبَ - كَمَا فِي ظَاهِر حَدِيث أُمّ سَلَمَة , وَكَمَا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَاضِي قَرِيبًا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَضَّبَ بِالصُّفْرَةِ - حَكَى مَا شَاهِده , وَكَانَ ذَلِكَ فِي بَعْض الْأَحْيَان. وَمَنْ نَفَى ذَلِكَ كَأَنَسٍ فَهُوَ مَحْمُول عَلَى الْأَكْثَر الْأَغْلَب مِنْ حَاله , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم وَأَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة قَالَ \" مَا كَانَ فِي رَأْس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِحْيَته مِنْ الشَّيْب إِلَّا شَعَرَات كَانَ إِذَا دَهَنَ وَأَرَاهُنَّ الدُّهْن , فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الَّذِينَ أَثْبَتُوا الْخِضَاب شَاهَدُوا الشَّعْر الْأَبْيَض , ثُمَّ لَمَّا وَارَاهُ الدُّهْن ظَنُّوا أَنَّهُ خَصَّبَهُ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو نُعَيْم ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَصَرَّحَ غَيْره بِوَصْلِهِ فَقَالَ \" قَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْم \". ‏ ‏قَوْله : ( نُصَيْر ) ‏ ‏بِنُونٍ مُصَغَّر اِبْن أَبِي الْأَشْعَث \" وَيُقَال الْأَشْعَث \" اِسْمه , وَلَيْسَ لِنُصَيْرٍ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع. ‏"
    },
    {
        "id": "5448",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَلَمَة وَسُلَيْمَان بْن يَسَار ) ‏ ‏كَذَا جَمَعَ بَيْنهمَا , وَتَابَعَهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَرَوَاهُ صَالِح بْن كَيْسَانَ وَيُونُس وَمَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة وَحْده , وَقَدْ مَضَتْ رِوَايَة صَالِح فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَرِوَايَة الْآخَرِينَ عِنْد النَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ سُفْيَان بِسَنَدِهِ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ , فَخَالِفُوهُمْ ) ‏ ‏هَكَذَا أُطْلِقَ , وَلِأَحْمَد بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ \" خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَشْيَخَة مِنْ الْأَنْصَار بِيض لِحَاهُمْ فَقَالَ : يَا مَعْشَر الْأَنْصَار حَمِّرُوا وَصَفِّرُوا وَخَالِفُوا أَهْل الْكِتَاب \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" نَحْوه مِنْ حَدِيث أَنَس , وَفِي \" الْكَبِير \" مِنْ حَدِيث عُتْبَةَ بْن عَبْد \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُر بِتَغْيِيرِ الشَّعْر مُخَالَفَة لِلْأَعَاجِمِ \" وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَجَازَ الْخِضَاب بِالسَّوَادِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي بَاب ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مَسْأَلَة اِسْتِثْنَاء الْخَضْب بِالسَّوَادِ لِحَدِيثَيْ جَابِر وَابْن عَبَّاس , وَأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاء مَنْ رَخَّصَ فِيهِ فِي الْجِهَاد وَمِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ مُطْلَقًا وَأَنَّ الْأَوْلَى كَرَاهَته , وَجَنَحَ النَّوَوِيّ إِلَى أَنَّهُ كَرَاهَة تَحْرِيم , وَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ طَائِفَة مِنْ السَّلَف مِنْهُمْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَعُقْبَة بْن عَامِر وَالْحَسَن وَالْحُسَيْن وَجَرِير وَغَيْر وَاحِد وَاخْتَارَهُ اِبْن أَبِي عَاصِم فِي \" كِتَاب الْخِضَاب \" لَهُ وَأَجَابَ عَنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" يَكُون قَوْم يُخَضِّبُونَ بِالسَّوَادِ لَا يَجِدُونَ رِيح الْجَنَّة \" بِأَنَّهُ لَا دَلَالَة فِيهِ عَلَى كَرَاهَة الْخِضَاب بِالسَّوَادِ بَلْ فِيهِ الْإِخْبَار عَنْ قَوْم هَذِهِ صِفَتهمْ , وَعَنْ حَدِيث جَابِر \" جَنِّبُوهُ السَّوَاد \" بِأَنَّهُ فِي حَقّ مَنْ صَارَ شَيْب رَأْسه مُسْتَشْبَعًا وَلَا يُطْرَد ذَلِكَ فِي حَقّ كُلّ أَحَد اِنْتَهَى. وَمَا قَالَهُ خِلَاف مَا يَتَبَادَر مِنْ سِيَاق الْحَدِيثَيْنِ. نَعَمْ يَشْهَد لَهُ مَا أَخْرَجَهُ هُوَ عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ \" كُنَّا نُخَضِّب بِالسَّوَادِ إِذْ كَانَ الْوَجْه جَدِيدًا , فَلَا نَغَصّ الْوَجْه وَالْأَسْنَان تَرَكْنَاهُ \" وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَابْن أَبِي عَاصِم مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء رَفَعَهُ \" مَنْ خَضَّبَ بِالسَّوَادِ سَوَّدَ اللَّه وَجْهه يَوْم الْقِيَامَة \" وَسَنَده لَيِّن , وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْن الرَّجُل وَالْمَرْأَة فَأَجَازَهُ لَهَا دُون الرَّجُل , وَاخْتَارَهُ الْحَلِيمِيّ , وَأَمَّا خَضْب الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَلَا يَجُوز لِلرِّجَالِ إِلَّا فِي التَّدَاوِي. وَقَوْله \" فَخَالِفُوهُمْ \" فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَخَالِفُوا عَلَيْهِمْ وَاصْبُغُوا \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" غَيِّرُوا الشَّيْب وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ \" وَرِجَاله ثِقَات , لَكِنْ اُخْتُلِفَ عَلَى هِشَام بْن عُرْوَة فِيهِ كَمَا بَيَّنَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ إِنَّهُ غَيْر مَحْفُوظ , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث عَائِشَة وَزَادَ \" وَالنَّصَارَى \" وَلِأَصْحَابِ السُّنَن وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ رَفَعَهُ \" إِنَّ أَحْسَن مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ الشَّيْب الْحِنَّاء وَالْكَتَم \" وَهَذَا يُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَلَى التَّعَاقُب وَيُحْتَمَل الْجَمْع , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ \" اِخْتَضَبَ أَبُو بَكْر بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَم , وَاخْتَضَبَ عُمَر بِالْحِنَّاءِ بَحْتًا \" وَقَوْله بَحْتًا بِمُوَحَّدَةِ مَفْتُوحَة وَمُهْمَلَة سَاكِنَة بَعْدهَا مُثَنَّاة أَيْ صِرْفًا , وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ يَجْمَع بَيْنهمَا دَائِمًا. وَالْكَتَم نَبَات بِالْيَمَنِ يُخْرِج الصَّبْغ أَسْوَد يَمِيل إِلَى الْحُمْرَة , وَصِبْغ الْحِنَّاء أَحْمَر فَالصَّبْغ بِهِمَا مَعًا يَخْرُج بَيْن السَّوَاد وَالْحُمْرَة. وَاسْتَنْبَطَ اِبْن أَبِي عَاصِم مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" جَنِّبُوهُ السَّوَاد \" أَنَّ الْخِضَاب بِالسَّوَادِ كَانَ مِنْ عَادَتهمْ , وَذَكَرَ اِبْن الْكَلْبِيّ أَنَّ أَوَّل مَنْ اِخْتَضَبَ بِالسَّوَادِ مِنْ الْعَرَب عَبْد الْمُطَّلِب , وَأَمَّا مُطْلَقًا فَفِرْعَوْن , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْخَضْب وَتَرْكه فَخَضَّبَ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَغَيْرهمَا كَمَا تَقَدَّمَ , وَتَرَكَ الْخِضَاب عَلِيّ وَأُبَيّ بْن كَعْب وَسَلَمَة بْن الْأَكْوَع وَأَنَس وَجَمَاعَة , وَجَمَعَ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ مَنْ صَبَغَ مِنْهُمْ كَانَ اللَّائِق بِهِ كَمَنْ يُسْتَشْنَع شَيْبه , وَمَنْ تَرَكَ كَانَ اللَّائِق بِهِ كَمَنْ لَا يُسْتَشْنَع شَيْبه , وَعَلَى ذَلِكَ حُمِلَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث جَابِر الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي قِصَّة أَبِي قُحَافَة حَيْثُ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى رَأْسه كَأَنَّهَا الثُّغَامَة بَيَاضًا \" غَيِّرُوا هَذَا وَجَنِّبُوهُ السَّوَاد \" وَمِثْله حَدِيث أَنَس الَّذِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ أَوَّل \" بَاب مَا يُذْكَر فِي الشَّيْب \" زَادَ الطَّبَرِيُّ وَابْن أَبِي عَاصِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ جَابِر \" فَذَهَبُوا بِهِ فَحَمَّرُوهُ \" وَالثُّغَامَة بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمُعْجَمَة نَبَات شَدِيد الْبَيَاض زَهْره وَثَمَره , قَالَ : فَمَنْ كَانَ فِي مِثْل حَال أَبِي قُحَافَة اُسْتُحِبَّ لَهُ الْخِضَاب لِأَنَّهُ لَا يَحْصُل بِهِ الْغُرُور لِأَحَدٍ , وَمَنْ كَانَ بِخِلَافِهِ فَلَا يُسْتَحَبّ فِي حَقّه , وَلَكِنَّ الْخِضَاب مُطْلَقًا أَوْلَى لِأَنَّهُ فِيهِ اِمْتِثَال الْأَمْر فِي مُخَالَفَة أَهْل الْكِتَاب , وَفِيهِ صِيَانَة الشَّعْر عَنْ تَعَلُّق الْغُبَار وَغَيْره بِهِ , إِلَّا إِنْ كَانَ مِنْ عَادَة أَهْل الْبَلَد تَرْك الصَّبْغ وَأَنَّ الَّذِي يَنْفَرِد بِدُونِهِمْ بِذَلِكَ يَصِير فِي مَقَام الشُّهْرَة فَالتَّرْك فِي حَقّه أَوْلَى. وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ بَعْد أَنْ أَوْرَدَ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه رَفَعَهُ بِلَفْظِ \" مَنْ شَابَ شَيْبَة فَهِيَ لَهُ نُور إِلَى أَنْ يَنْتِفهَا أَوْ يُخَضِّبهَا \" وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود \" إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَه خِصَالًا \" فَذَكَرَ مِنْهَا تَغْيِير الشَّيْب , إِذْ بَعْضهمْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَة تُسْتَحَبّ بِحَدِيثِ الْبَاب. ثُمَّ ذَكَرَ الْجَمْع وَقَالَ. دَعْوَى النَّسْخ لَا دَلِيل عَلَيْهَا. قُلْت. وَجَنَحَ إِلَى النَّسْخ الطَّحَاوِيُّ وَتَمَسَّكَ بِالْحَدِيثِ الْآتِي قَرِيبًا أَنَّهُ \" كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبّ مُوَافَقَة أَهْل الْكِتَاب فِيمَا لَمْ يَنْزِل عَلَيْهِ , ثُمَّ صَارَ يُخَالِفهُمْ وَيَحُثّ عَلَى مُخَالَفَتهمْ \" كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره فِي \" بَاب الْفَرْق \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَحَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب الْمُشَار إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ طُرُقه الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور فَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ النَّتْف دُون الْخَضْب لِأَنَّ فِيهِ تَغْيِير الْخِلْقَة مِنْ أَصْلهَا , بِخِلَافِ الْخَضْب فَإِنَّهُ لَا يُغَيِّر الْخِلْقَة عَلَى النَّاظِر إِلَيْهِ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَد أَنَّهُ يَجِب , وَعَنْهُ يَجِب وَلَوْ مَرَّة , وَعَنْهُ لَا أُحِبّ لِأَحَدٍ تَرْك الْخَضْب وَيَتَشَبَّه بِأَهْلِ الْكِتَاب , وَفِي السَّوَاد عَنْهُ كَالشَّافِعِيَّةِ رِوَايَتَانِ الْمَشْهُورَة يُكْرَه وَقِيلَ مُحَرَّم , وَيَتَأَكَّد الْمَنْع لِمَنْ دَلَّسَ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5449",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ ‏ ‏الْأَمْهَقِ ‏ ‏وَلَيْسَ ‏ ‏بِالْآدَمِ ‏ ‏وَلَيْسَ ‏ ‏بِالْجَعْدِ ‏ ‏الْقَطَطِ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏بِالسَّبْطِ ‏ ‏بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَأَقَامَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏عَشْرَ سِنِينَ ‏ ‏وَبِالْمَدِينَةِ ‏ ‏عَشْرَ سِنِينَ وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعَرَةً بَيْضَاءَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْمَنَاقِب , وَالْمَقْصُود مِنْهُ هُنَا قَوْله \" وَلَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطَط وَلَا بِالسَّبْطِ \" أَيْ أَنَّ شَعْره كَانَ بَيْن الْجُعُودَة وَالسُّبُوطَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي الْمَنَاقِب , وَأَنَّ الشَّعْر الْجَعْد هُوَ الَّذِي يَتَجَعَّد كَشُعُورِ السُّودَان , وَأَنَّ السَّبْط هُوَ الَّذِي يَسْتَرْسِل فَلَا يَتَكَسَّر مِنْهُ شَيْء كَشُعُورِ الْهُنُود , وَالْقَطَط - بِفَتْحِ الطَّاء - الْبَالِغ فِي الْجُعُودَة بِحَيْثُ يَتَفَلْفَل , ‏ ‏وَقَوْله : \" وَلَيْسَ فِي لِحْيَته عِشْرُونَ شَعْرَة بَيْضَاء \" ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب بَيَان الِاخْتِلَاف فِي تَعْيِين الْعَدَد الْمَذْكُور وَمِمَّا لَمْ يَتَقَدَّم هُنَاكَ أَنَّ فِي حَدِيث الْهَيْثَم بْن دَهْر عِنْد الطَّبَرَانِيِّ ثَلَاثُونَ شَعْرَة عَدَدًا وَسَنَده ضَعِيف , وَالْمُعْتَمَد مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُنَّ دُون الْعِشْرِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5450",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعْضُ أَصْحَابِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏إِنَّ جُمَّتَهُ لَتَضْرِبُ قَرِيبًا مِنْ مَنْكِبَيْهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ مَا حَدَّثَ بِهِ قَطُّ إِلَّا ضَحِكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏شَعَرُهُ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَالِك بْن إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ بَعْض أَصْحَابِي عَنْ مَالِك ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ جُمَّته ) ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيم وَتَشْدِيد الْمِيم أَيْ شَعْر رَأْسه إِذَا نَزَلَ إِلَى قُرْب الْمَنْكِبَيْنِ قَالَ الْجَوْهَرِيّ فِي حَرْف الْوَاو : وَالْوَفْرَة الْعَشْر إِلَى شَحْمَة الْأُذُن , ثُمَّ الْجُمَّة ثُمَّ اللِّمَّة إِذَا أَلَمَّتْ بِالْمَنْكِبَيْنِ. وَقَدْ خَالَفَ هَذَا فِي حَرْف الْجِيم فَقَالَ : إِذَا بَلَغَتْ الْمَنْكِبَيْنِ فَهِيَ جُمَّة , وَاللُّمَّة إِذَا جَاوَزَتْ شَحْم الْأُذُن. وَتَقَدَّمَ نَظِيره فِي تَرْجَمَة عِيسَى مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي شَرْح حَدِيث اِبْن عُمَر. قَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" : كَلَام الْجَوْهَرِيّ الثَّانِي هُوَ الْمُوَافِق لِكَلَامِ أَهْل اللُّغَة. وَجَمَعَ اِبْن بَطَّال بَيْن اللَّفْظَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي الْحَدِيث بِأَنَّ ذَلِكَ إِخْبَار عَنْ وَقْتَيْنِ , فَكَانَ إِذَا غَفَلَ عَنْ تَقْصِيره بَلَغَ قَرِيب الْمَنْكِبَيْنِ وَإِذَا قَصَّهُ لَمْ يُجَاوِز الْأُذُنَيْنِ وَجَمَعَ غَيْره بِأَنَّ الثَّانِي كَانَ إِذَا اِعْتَمَرَ يُقَصِّر وَالْأَوَّل فِي غَيْر تِلْكَ الْحَالَة وَفِيهِ بُعْد. ثُمَّ هَذَا الْجَمْع إِنَّمَا يَصْلُح لَوْ اِخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيث , وَأَمَّا هُنَا فَاللَّفْظَانِ وَرَدَا فِي حَدِيث وَاحِد مُتَّحِدَا الْمَخْرَج , وَهُمَا مِنْ رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء , فَالْأَوْلَى فِي الْجَمْع بَيْنهمَا الْحَمْل عَلَى الْمُقَارَبَة ; وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس الْآتِي قَرِيبًا كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَرَاء. ‏ ‏قَوْله : ( لِتَضْرِب قَرِيبًا مِنْ مَنْكِبَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة الْمُعَلَّقَة عَقِب هَذَا \" شَعْره يَبْلُغ شَحْمَة أُذُنَيْهِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب أَنَّ فِي رِوَايَة يُوسُف بْن إِسْحَاق بْن أَبِي إِسْحَاق مَا يَجْمَع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ وَلَفْظه \" لَهُ شَعْر يَبْلُغ شَحْمَة أُذُنَيْهِ إِلَى مَنْكِبَيْهِ \" وَحَاصِله أَنَّ الطَّوِيل مِنْهُ يَصِل إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ وَغَيْره إِلَى شَحْمَة الْأُذُن , وَالْمُرَاد بِبَعْضِ أَصْحَابه الَّذِي أَبْهَمَهُ يَعْقُوب بْن سُفْيَان , فَإِنَّهُ كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ عَنْ مَالِك بْن إِسْمَاعِيل بِهَذَا السَّنَد وَفِيهِ الزِّيَادَة. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ شُعْبَة : شَعْره يَبْلُغ شَحْمَة أُذُنَيْهِ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَالنَّسَفِيّ وَلِغَيْرِهِمَا , تَابَعَهُ شُعْبَة \" شَعْره إِلَخْ \" وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّف رَحِمَهُ اللَّه فِي \" بَاب صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء , وَشَرَحَهُ الْكَرْمَانِيُّ عَلَى رِوَايَة الْأَكْثَر وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يَذْكُر شَيْخ شُعْبَة قَالَ : فَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَبُو إِسْحَاق لِأَنَّهُ شَيْخه. ‏"
    },
    {
        "id": "5451",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فَرَأَيْتُ رَجُلًا ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ ‏ ‏أُدْمِ ‏ ‏الرِّجَالِ لَهُ ‏ ‏لِمَّةٌ ‏ ‏كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ ‏ ‏اللِّمَمِ ‏ ‏قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا فَقِيلَ ‏ ‏الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏وَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ ‏ ‏جَعْدٍ ‏ ‏قَطَطٍ ‏ ‏أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا فَقِيلَ ‏ ‏الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي صِفَة عِيسَى اِبْن مَرْيَم وَفِيهِ \" لَهُ لِمَّة كَأَحْسَن مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ اللَّمَم \" وَفِي صِفَة الدَّجَّال \" وَأَنَّهُ جَعْد قَطَط \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَغَلِطَ مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الدَّجَّال يَدْخُل الْمَدِينَة أَوْ مَكَّة , إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُ فِي الْمَنَام بِمَكَّة أَنَّهُ دَخَلَهَا حَقِيقَة , وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ رَآهُ. فِي زَمَانه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة فَلَا يَلْزَم أَنْ يَدْخُلهَا بَعْد ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ فِي آخِر الزَّمَان , وَقَدْ اِسْتَدَلَّ عَلَى اِبْن صَيَّاد أَنَّهُ مَا هُوَ الدَّجَّال بِكَوْنِهِ سَكَنَ الْمَدِينَة , وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ عُمَر وَجَابِر يَحْلِفَانِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الدَّجَّال كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِر الْفِتَن. ‏"
    },
    {
        "id": "5452",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حِبَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَضْرِبُ شَعَرُهُ مَنْكِبَيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس أَوْرَدَهُ مِنْ عِدَّة طُرُق عَنْ قَتَادَة عَنْهُ وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى \" يَضْرِب شَعْره مَنْكِبَيْهِ \" وَفِي الثَّانِيَة \" كَانَ شَعْره بَيْن أُذُنَيْهِ وَعَاتِقه \" وَالْجَوَاب عَنْهُ كَالْجَوَابِ فِي حَدِيث الْبَرَاء سَوَاء. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" كَانَ شَعْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنْصَاف أُذُنَيْهِ \" وَوَقَعَ عِنْد دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي الزِّنَاد عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة \" كَانَ شَعْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوْق الْوَفْرَة وَدُون الْجُمَّة \" لَفْظه أَبِي دَاوُدَ , وَلَفْظ اِبْن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ , وَلَفْظ التِّرْمِذِيّ عَكْسه \" فَوْق الْجُمَّة وَدُون الْوَفْرَة \" وَجَمَعَ بَيْنهمَا شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فَوْق وَدُون بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَحَلّ , وَتَارَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكَثْرَة وَالْقِلَّة , فَقَوْله \" فَوْق الْجُمَّة \" أَيْ أَرْفَع فِي الْمَحَلّ , وَقَوْله \" دُون الْجُمَّة \" أَيْ فِي الْقَدْر وَكَذَا بِالْعَكْسِ , وَهُوَ جَمْع جَيِّد لَوْلَا أَنَّ مَخْرَج الْحَدِيث مُتَّحِد , وَإِسْحَاق فِي السَّنَد الْأَوَّل هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ وَحِبَّان بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة هُوَ اِبْن هِلَال. ‏"
    },
    {
        "id": "5453",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏كَانَ يَضْرِبُ شَعَرُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْكِبَيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس أَوْرَدَهُ مِنْ عِدَّة طُرُق عَنْ قَتَادَة عَنْهُ وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى \" يَضْرِب شَعْره مَنْكِبَيْهِ \" وَفِي الثَّانِيَة \" كَانَ شَعْره بَيْن أُذُنَيْهِ وَعَاتِقه \" وَالْجَوَاب عَنْهُ كَالْجَوَابِ فِي حَدِيث الْبَرَاء سَوَاء. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" كَانَ شَعْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنْصَاف أُذُنَيْهِ \" وَوَقَعَ عِنْد دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي الزِّنَاد عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة \" كَانَ شَعْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوْق الْوَفْرَة وَدُون الْجُمَّة \" لَفْظه أَبِي دَاوُدَ , وَلَفْظ اِبْن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ , وَلَفْظ التِّرْمِذِيّ عَكْسه \" فَوْق الْجُمَّة وَدُون الْوَفْرَة \" وَجَمَعَ بَيْنهمَا شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فَوْق وَدُون بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَحَلّ , وَتَارَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكَثْرَة وَالْقِلَّة , فَقَوْله \" فَوْق الْجُمَّة \" أَيْ أَرْفَع فِي الْمَحَلّ , وَقَوْله \" دُون الْجُمَّة \" أَيْ فِي الْقَدْر وَكَذَا بِالْعَكْسِ , وَهُوَ جَمْع جَيِّد لَوْلَا أَنَّ مَخْرَج الْحَدِيث مُتَّحِد , وَإِسْحَاق فِي السَّنَد الْأَوَّل هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ وَحِبَّان بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة هُوَ اِبْن هِلَال. ‏"
    },
    {
        "id": "5454",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ شَعَرِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏كَانَ شَعَرُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجِلًا لَيْسَ ‏ ‏بِالسَّبِطِ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏الْجَعْدِ ‏ ‏بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس أُورِدهُ مِنْ عِدَّة طُرُق عَنْ قَتَادَة عَنْهُ وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى \" يَضْرِب شَعْره مَنْكِبَيْهِ \" وَفِي الثَّانِيَة \" كَانَ شَعْره بَيْن أُذُنَيْهِ وَعَاتِقه \" وَالْجَوَاب عَنْهُ كَالْجَوَابِ فِي حَدِيث الْبَرَاء سَوَاء. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ حَمِيد عَنْ أَنَس \" كَانَ شَعْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنْصَاف أُذُنَيْهِ \" وَوَقَعَ عِنْد دَاوُد وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي الزِّنَاد عَنْ هُشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة \" كَانَ شَعْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوْق الْوَفْرَة وَدُون الْجَمَّة \" لَفْظه أَبِي دَاوُد , وَلَفْظ اِبْن مَاجَهُ بِنَحْوِهِ , وَلَفْظ التِّرْمِذِيّ عَكَسَهُ \" فَوْق الْجَمَّة وَدُون الْوَفْرَة \" وَجَمَعَ بَيْنهمَا شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فَوْق وَدُون بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَحِلّ , وَتَارَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكَثْرَة وَالْقِلَّة , فَقَوْله \" فَوْق الْجَمَّة \" أَيْ أَرْفَع فِي الْمَحِلّ , وَقَوْله \" دُون الْجَمَّة \" أَيْ فِي الْقَدْر وَكَذَا بِالْعَكْسِ , وَهُوَ جَمْع جَيِّد لَوْلَا أَنَّ مَخْرَج الْحَدِيث مُتَّحِد , وَإِسْحَاق فِي السَّنَد الْأَوَّل هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ وَحَبَّان بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة هُوَ اِبْن هِلَال. ‏"
    },
    {
        "id": "5455",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ضَخْمَ الْيَدَيْنِ لَمْ أَرَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَكَانَ شَعَرُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجِلًا لَا ‏ ‏جَعْدَ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏سَبِطَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏( كَانَ شَعْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجِلًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْجِيم , وَقَدْ تُضَمّ وَتُفْتَح , أَيْ فِيهِ تَكْسِير يَسِير , يُقَال رَجُل شَعْره إِذَا مَشَطَهُ فَكَانَ بَيْن السُّبُوطَة وَالْجُعُودَة , وَقَدْ فَسَّرَهُ الرَّاوِي كَذَلِكَ فِي بَقِيَّة الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "5456",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ضَخْمَ الْيَدَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ حَسَنَ الْوَجْهِ لَمْ أَرَ بَعْدَهُ وَلَا قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَكَانَ ‏ ‏بَسِطَ ‏ ‏الْكَفَّيْنِ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ جَرِير وَهُوَ اِبْن حَازِم أَيْضًا زَادَ فِيهَا \" كَانَ ضَخْم الْيَدَيْنِ \" وَفِي ثَالِثَة \" كَانَ ضَخْم الرَّأْس وَالْقَدَمَيْنِ \" وَلَمْ يَذْكُر مَا فِي الرِّوَايَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ صِفَة الشَّعْر , وَزَادَ \" لَمْ أَرَ قَبْله وَلَا بَعْده مِثْله \" قَالَ \" وَكَانَ سَبِط الْكَفَّيْنِ \" ثُمَّ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق مُعَاذ بْن هَانِئ عَنْ هَمَّام بِسَنَدٍ نَحْوه لَكِنْ قَالَ \" عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس , أَوْ عَنْ رَجُل عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة لَا تَأْثِير لَهَا فِي صِحَّة الْحَدِيث , لِأَنَّ الَّذِينَ جَزَمُوا بِكَوْنِ الْحَدِيث عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس أَضْبَط وَأَتْقَن مِنْ مُعَاذ بْن هَانِئ , وَهُمْ حِبَّان بْن هِلَال وَمُوسَى بْن إِسْمَاعِيل كَمَا هُنَا , وَكَذَا جَرِير بْن حَازِم كَمَا مَضَى وَمَعْمَر كَمَا سَيَأْتِي حَيْثُ جَزَمَا بِهِ عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عِنْد قَتَادَة مِنْ الْوَجْهَيْنِ ; وَالرَّجُل الْمُبْهَم يُحْتَمَل أَنْ يَكُون هُوَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن سَعْد مِنْ رِوَايَته عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْوه , وَقَتَادَة مَعْرُوف بِالرِّوَايَةِ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ يَكُون الْحَدِيث مِنْ مُسْنَد أَبِي هُرَيْرَة , وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّرَدُّد فِي الرَّاوِي هَلْ هُوَ أَنَس أَوْ رَجُل مُبْهَم ثُمَّ رَجَحَ كَوْن التَّرَدُّد فِي كَوْنه مِنْ مُسْنَد أَنَس أَوْ مِنْ مُسْنَد أَبِي هُرَيْرَة بِأَنَّ أَنَسًا خَادِم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَعْرَف بِوَصْفِهِ مِنْ غَيْره فَبَعْد أَنْ يَرْوِي عَنْ رَجُل عَنْ صَحَابِيّ آخَر هُوَ أَقَلّ مُلَازَمَة لَهُ مِنْهُ ا ه , وَكَلَامه الْأَخِير لَا يَحْتَمِلهُ السِّيَاق أَصْلًا , وَإِنَّمَا الِاحْتِمَال الْبَعِيد مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا , وَالْحَقّ أَنَّ التَّرَدُّد فِيهِ مِنْ مُعَاذ بْن هَانِئ هَلْ حَدَّثَهُ بِهِ هَمَّام عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس أَوْ عَنْ قَتَادَة عَنْ رَجُل عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو مَسْعُود وَالْحُمَيْدِيّ وَالْمِزَّيَّ وَغَيْرهمْ مِنْ الْحُفَّاظ ‏"
    },
    {
        "id": "5457",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ضَخْمَ الْقَدَمَيْنِ حَسَنَ الْوَجْهِ لَمْ أَرَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَثْنَ ‏ ‏الْقَدَمَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو هِلَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ضَخْمَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ لَمْ أَرَ بَعْدَهُ شَبَهًا لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف ‏ ‏( عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَثْن الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ ) ‏ ‏هَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن بَحْر عَنْ هِشَام بْن يُوسُف بِهِ سَوَاء , وَكَذَا أَخْرَجَهُ يَعْقُوب بْن سُفْيَان عَنْ مَهْدِيّ بْن أَبِي مَهْدِيّ عَنْ هِشَام بْن يُوسُف , وَقَوْله \" شَثْن \" بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُثَلَّثَة وَبِكَسْرِهَا بَعْدهَا نُون أَيْ غَلِيظ الْأَصَابِع وَالرَّاحَة , قَالَ اِبْن بَطَّال : كَانَتْ كَفّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُمْتَلِئَة لَحْمًا , غَيْر أَنَّهَا مَعَ ضَخَامَتهَا كَانَتْ لَيِّنَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث أَنَس يَعْنِي الَّذِي مَضَى فِي الْمَنَاقِب \" مَا مَسِسْت حَرِيرًا أَلْيَن مِنْ كَفّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قَالَ : وَأَمَّا قَوْل الْأَصْمَعِيّ الشَّثْن غِلَظ الْكَفّ مَعَ خُشُونَتهَا فَلَمْ يُوَافِق عَلَى تَفْسِيره بِالْخُشُونَةِ , وَاَلَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ الْخَلِيل وَأَبُو عُبَيْدَة أَوْلَى , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" ضَخْم الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ \" قَالَ اِبْن بَطَّال : وَعَلَى تَقْدِير تَسْلِيم مَا فَسَّرَ الْأَصْمَعِيّ بِهِ الشَّثْن يُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَنَس وَصَفَ حَالَتَيْ كَفّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَانَ إِذَا عَمِلَ بِكَفِّهِ فِي الْجِهَاد أَوْ فِي مِهْنَة أَهْله صَارَ كَفّه خَشِنًا لِلْعَارِضِ الْمَذْكُور , وَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ رَجَعَ كَفّه إِلَى أَصْل جِبِلَّته مِنْ النُّعُومَة وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ عِيَاض : فَسَّرَ أَبُو عُبَيْد الشَّثْن بِالْغِلَظِ مَعَ الْقَصْر , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي وَصْفه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ سَابِل الْأَطْرَاف. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة أَبِي النُّعْمَان فِي الْبَاب \" كَانَ بَسِط الْكَفَّيْنِ \" وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" سَبِط الْكَفَّيْنِ \" بِتَقْدِيمِ الْمُهْمَلَة عَلَى الْمُوَحَّدَة , وَهُوَ مُوَافِق لِوَصْفِهَا بِاللِّينِ. قَالَ الْعِيَاض : وَفِي رِوَايَة الْمَرْوَزِيِّ \" سَبِط أَوْ بَسِط \" بِالشَّكِّ وَالتَّحْقِيق فِي الشَّثْن أَنَّهُ الْغِلَظ مِنْ غَيْر قَيْد قِصَر وَلَا خُشُونَة , وَقَدْ نَقَلَ اِبْن خَالَوَيْهِ أَنَّ الْأَصْمَعِيّ لَمَّا فَسَّرَ الشَّثْن بِمَا مَضَى قِيلَ لَهُ إِنَّهُ وَرَدَ فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآلَى عَلَى نَفْسه أَنَّهُ لَا يُفَسِّر شَيْئًا فِي الْحَدِيث ا ه - وَمَجِيء شَثْن الْكَفَّيْنِ بَدَل سَبِط الْكَفَّيْنِ أَوْ بَسِط الْكَفَّيْنِ قَالَ دَالّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد وَصْف الْخِلْقَة وَأَمَّا مَنْ فَسَّرَهُ بِبَسْطِ الْعَطَاء فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْوَاقِع كَذَلِكَ لَكِنْ لَيْسَ مُرَادًا هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو هِلَال أَنْبَأَنَا قَتَادَة عَنْ أَنَس أَوْ جَابِر كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَخْم الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ لَمْ أَرَ بَعْده شَبِيهًا لَهُ ) ‏ ‏هَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي \" فَوَائِد الْعِيسَوِيّ \" كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو هِلَال بِهِ , وَأَبُو هِلَال اِسْمه مُحَمَّد بْن سُلَيْمٍ الرَّاسِبِيّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة بَصْرِيّ صَدُوق وَقَدْ ضَعَّفَهُ مَنْ قَبِلَ حِفْظه فَلَا تَأْثِير لِشَكِّهِ أَيْضًا , وَقَدْ بَيَّنَتْ إِحْدَى رِوَايَات جَرِير بْن حَازِم صِحَّة الْحَدِيث بِتَصْرِيحِ قَتَادَة بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَنَس , وَكَأَنَّ الْمُصَنِّف أَرَادَ بِسِيَاقِ هَذِهِ الطُّرُق بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى قَتَادَة وَأَنَّهُ لَا تَأْثِير لَهُ وَلَا يَقْدَح فِي صِحَّة الْحَدِيث , وَخَفِيَ مُرَاده عَلَى بَعْض النَّاس فَقَالَ : هَذِهِ الرِّوَايَات الْوَارِدَة فِي صِفَة الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ لَا تَعَلُّق لَهَا بِالتَّرْجَمَةِ , وَجَوَابه أَنَّهَا كُلّهَا حَدِيث وَاحِد اِخْتَلَفَتْ رُوَاته بِالزِّيَادَةِ فِيهِ وَالنَّقْص , وَالْمُرَاد مِنْهُ بِالْأَصَالَةِ صِفَة الشَّعْر وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ تَبَع وَاَللَّه أَعْلَم. وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيث مِنْ كَوْن شَعْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِلَى قُرْب مَنْكِبَيْهِ كَانَ غَالِب أَحْوَاله , وَكَانَ رُبَّمَا طَالَ حَتَّى يَصِير ذُؤَابَة وَيَتَّخِذ مِنْهُ عَقَائِص وَضَفَائِر كَمَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ بِسَنَدٍ حَسَن مِنْ حَدِيث أُمّ هَانِئ قَالَتْ : \" قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة وَلَهُ أَرْبَع غَدَائِر \" وَفِي لَفْظ \" أَرْبَع ضَفَائِر \" وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ \" أَرْبَع غَدَائِر يَعْنِي ضَفَائِر \" وَالْغَدَائِر بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة جَمْع غَدِيرَة بِوَزْنِ عَظِيمَة , وَالضَّفَائِر بِوَزْنِهِ. فَالْغَدَائِر هِيَ الذَّوَائِب وَالضَّفَائِر هِيَ الْعَقَائِص , فَحَاصِل الْخَبَر أَنَّ شَعْره طَالَ حَتَّى صَارَ ذَوَائِب فَضَفَّرَهُ أَرْبَع عَقَائِص , وَهَذَا مَحْمُول عَلَى الْحَال الَّتِي يَبْعُد عَهْده بِتَعَهُّدِهِ شَعْره فِيهَا وَهِيَ حَالَة الشُّغْل بِالسَّفَرِ وَنَحْوه وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ مِنْ رِوَايَة عَاصِم بْن كُلَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَائِل بْن حُجْرٍ قَالَ : أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِي شَعْر طَوِيل فَقَالَ ذِنَاب ذُبَاب , فَرَجَعْت فَجَزَزْته , ثُمَّ أَتَيْت مِنْ الْغَد فَقَالَ : \" إِنِّي لَمْ أَعْنِك \" وَهَذَا أَحْسَن. ‏ ‏حَدِيث أَبُو هُرَيْرَة وَجَابِر ذُكِرَا تَبَعًا لِحَدِيثِ أَنَس كَمَا تَقَدَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5458",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏قَالَ كُنَّا عِنْدَ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَذَكَرُوا ‏ ‏الدَّجَّالَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ ذَاكَ وَلَكِنَّهُ قَالَ أَمَّا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ وَأَمَّا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَرَجُلٌ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏جَعْدٌ ‏ ‏عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ ‏ ‏مَخْطُومٍ ‏ ‏بِخُلْبَةٍ ‏ ‏كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذْ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي ذِكْر إِبْرَاهِيم وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" وَأَمَّا مُوسَى فَرَجُل آدَم - بِالْمَدِّ - جَعْد \" الْحَدِيث , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" صَاحِبكُمْ \" نَفْسه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5459",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ ضَفَّرَ فَلْيَحْلِقْ وَلَا تَشَبَّهُوا ‏ ‏بِالتَّلْبِيدِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُلَبِّدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت عُمَر يَقُول مَنْ ضَفَّرَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء مُخَفَّفًا وَمُثْقَلًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَحْلِقْ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالتَّلْبِيدِ ) ‏ ‏يَعْنِي فِي الْحَجّ ‏ ‏( وَكَانَ اِبْن عُمَر يَقُول : لَقَدْ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلَبِّدًا ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْحَجّ بِلَفْظِ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه يُهِلّ مُلَبِّدًا \" كَمَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِي هَذِهِ فِي الْبَاب , وَأَمَّا قَوْل عُمَر فَحَمَلَهُ اِبْن بَطَّال عَلَى أَنَّ الْمُرَاد إِنْ أَرَادَ الْإِحْرَام فَضَفَّرَ شَعْره لِيَمْنَعهُ مِنْ الشُّعْث لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُقَصِّر , لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يُشْبِه التَّلْبِيد الَّذِي أَوْجَبَ الشَّارِع فِيهِ الْحَلْق , وَكَانَ عُمَر يَرَى أَنَّ مَنْ لَبَّدَ رَأْسه فِي الْإِحْرَام تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْحَلْق وَالنُّسُك وَلَا يُجْزِئهُ التَّقْصِير , فَشُبِّهَ مَنْ ضَفَّرَ رَأْسه بِمَنْ لَبَّدَهُ. فَلِذَلِكَ أَمَرَ مَنْ ضَفَّرَ أَنْ يَحْلِق. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عُمَر أَرَادَ الْأَمْر بِالْحَلْقِ عِنْد الْإِحْرَام حَتَّى لَا يَحْتَاج إِلَى التَّلْبِيد وَلَا إِلَى الضَّفْر , أَيْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَفِّر أَوْ يُلَبِّد فَلْيَحْلِقْ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُضَفِّر أَوْ يُلَبِّد , ثُمَّ إِذَا أَرَادَ بَعْد ذَلِكَ التَّقْصِير لَمْ يَصِل إِلَى الْأَخْذ مِنْ سَائِر النَّوَاحِي كَمَا هِيَ السُّنَّة , وَأَمَّا قَوْله \" تَشَبَّهُوا \" فَحَكَى اِبْن بَطَّال أَنَّهُ بِفَتْحِ أَوَّله وَالْأَصْل لَا تَتَشَبَّهُوا فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ , قَالَ : وَيَجُوز ضَمّ أَوَّله وَكَسْر الْمُوَحَّدَة , وَالْأَوَّل أَظْهَر. وَأَمَّا قَوْل اِبْن عُمَر فَظَاهِره أَنَّهُ فَهِمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ تَرْك التَّلْبِيد أَوْلَى , فَأَخْبَرَ هُوَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلهُ , وَتَقَدَّمَ شَرْح التَّلْبِيد وَحُكْمه فِي كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5460",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَا أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُهِلُّ ‏ ‏مُلَبِّدًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ ‏",
        "sharh": "تَقَدَّمَ شَرْح التَّلْبِيد وَحُكْمه فِي كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5461",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ قُلْتُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ قَالَ ‏ ‏إِنِّي ‏ ‏لَبَّدْتُ رَأْسِي ‏ ‏وَقَلَّدْتُ هَدْيِي ‏ ‏فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث حَفْصَة \" إِنِّي لَبَّدْت رَأْسِي وَقَلَّدْت هَدْيِي \" الْحَدِيث تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5462",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحِبُّ مُوَافَقَةَ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ وَكَانَ ‏ ‏أَهْلُ الْكِتَابِ ‏ ‏يَسْدِلُونَ ‏ ‏أَشْعَارَهُمْ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ فَسَدَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَاصِيَتَهُ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏كَذَا وَصَلَهُ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد وَيُونُس , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَة وَغَيْرهَا , وَاخْتُلِفَ عَلَى مَعْمَر فِي وَصْله وَإِرْسَاله , قَالَ عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفه \" أَنْبَأَنَا مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّه لَمَّا قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة \" فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا , وَكَذَا أَرْسَلَهُ مَالِك حَيْثُ أَخْرَجَهُ فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ زِيَاد بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يَذْكُر مَنْ فَوْقه. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يُحِبّ مُوَافَقَة أَهْل الْكِتَاب فِيمَا لَمْ يُؤْمَر فِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" وَكَانَ إِذَا شَكَّ فِي أَمْر لَمْ يُؤْمَر فِيهِ بِشَيْءٍ صَنَعَ مَا يَصْنَع أَهْل الْكِتَاب \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ أَهْل الْكِتَاب يَسْدُلُونَ أَشْعَارهمْ ) ‏ ‏بِسُكُونِ السِّين وَكَسْر الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ يُرْسِلُونَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ ) ‏ ‏هُوَ بِسُكُونِ الْفَاء وَضَمَّ الرَّاء وَقَدْ شَدَّدَهَا بَعْضهمْ حَكَاهُ عِيَاض قَالَ : وَالتَّخْفِيف أَشْهَر , وَكَذَا فِي قَوْله \" ثُمَّ فَرَقَ \" الْأَشْهَر فِيهِ التَّخْفِيف , وَكَأَنَّ السِّرّ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَهْل الْأَوْثَان أَبْعَد عَنْ الْإِيمَان مِنْ أَهْل الْكِتَاب , وَلِأَنَّ أَهْل الْكِتَاب يَتَمَسَّكُونَ بِشَرِيعَةٍ فِي الْجُمْلَة فَكَانَ يُحِبّ مُوَافَقَتهمْ لِيَتَأَلَّفهُمْ وَلَوْ أَدَّتْ مُوَافَقَتهمْ إِلَى مُخَالَفَة أَهْل الْأَوْثَان , فَلَمَّا أَسْلَمَ أَهْل الْأَوْثَان الَّذِينَ مَعَهُ وَاَلَّذِينَ حَوْله وَاسْتَمَرَّ أَهْل الْكِتَاب عَلَى كُفْرهمْ تَمَحَّضَت الْمُخَالَفَة لِأَهْلِ الْكِتَاب. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ فَرَقَ بَعْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" ثُمَّ أَمَرَ بِالْفَرْقِ فَفَرَقَ \" وَكَانَ الْفَرْق آخِر الْأَمْرَيْنِ , وَمِمَّا يُشْبِه الْفَرْق وَالسَّدْل صَبْغ الشَّعْر وَتَرْكه كَمَا تَقَدَّمَ , وَمِنْهَا صَوْم عَاشُورَاء , ثُمَّ أَمَرَ بِنَوْعِ مُخَالَفَة لَهُمْ فِيهِ بِصَوْمِ يَوْم قَبْله أَوْ بَعْده , وَمِنْهَا اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة , وَمُخَالَفَتهمْ فِي مُخَالَطَة الْحَائِض حَتَّى قَالَ \" اِصْنَعُوا كُلّ شَيْء إِلَّا الْجِمَاع \" فَقَالُوا. مَا يَدَع مِنْ أَمْرنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الْحَيْض , وَهَذَا الَّذِي اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْر. وَمِنْهَا مَا يَظْهَر إِلَى النَّهْي عَنْ صَوْم يَوْم السَّبْت , وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مِنْ طُرُق مُتَعَدِّدَة فِي النَّسَائِيِّ وَغَيْره , وَصَرَّحَ أَبُو دَاوُدَ بِأَنَّهُ مَنْسُوخ وَنَاسِخه حَدِيث أُمّ سَلَمَة \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُوم يَوْم السَّبْت وَالْأَحَد يَتَحَرَّى ذَلِكَ وَيَقُول إِنَّهُمَا يَوْمًا عَبْد الْكُفَّار وَأَنَا أُحِبّ أَنْ أُخَالِفهُمْ \" وَفِي لَفْظ \" مَا مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ أَكْثَر صِيَامه السَّبْت وَالْأَحَد \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ , وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ \" يَوْمَا عِيد \" إِلَى أَنَّ يَوْم السَّبْت عِيد عِنْد الْيَهُود وَالْأَحَد عِيد عِنْد النَّصَارَى وَأَيَّام الْعِيد لَا تُصَام فَخَالَفَهُمْ بِصِيَامِهَا , وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا أَنَّ الَّذِي قَالَهُ بَعْض الشَّافِعِيَّة مِنْ كَرَاهَة إِفْرَاد السَّبْت وَكَذَا الْأَحَد لَيْسَ جَيِّدًا بَلْ الْأَوْلَى فِي الْمُحَافَظَة عَلَى ذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة كَمَا وَرَدَ الْحَدِيث الصَّحِيح فِيهِ , وَأَمَّا السَّبْت وَالْأَحَد فَالْأَوَّل أَنْ يُصَامَا مَعًا وَفُرَادَى اِمْتِثَالًا لِعُمُومِ الْأَمْر بِمُخَالَفَةِ أَهْل الْكِتَاب , قَالَ عِيَاض : سَدْل الشَّعْر إِرْسَاله , يُقَال سَدَلَ شَعْره وَأَسْدَلَهُ إِذَا أَرْسَلَهُ وَلَمْ يَضُمّ جَوَانِبه , وَكَذَا الثَّوْب , وَالْفَرْق تَفْرِيق الشَّعْر بَعْضه مِنْ بَعْض وَكَشْفه عَنْ الْجَبِين , قَالَ وَالْفَرْق سُنَّة لِأَنَّهُ الَّذِي اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَال. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بِوَحْيٍ , لِقَوْلِ الرَّاوِي فِي أَوَّل الْحَدِيث إِنَّهُ كَانَ يُحِبّ مُوَافَقَة أَهْل الْكِتَاب فِيمَا لَمْ يُؤْمَر فِيهِ بِشَيْءٍ , فَالظَّاهِر أَنَّهُ فَرَقَ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّه حَتَّى اِدَّعَى بَعْضهمْ فِيهِ النَّسْخ وَمَنْع السَّدْل وَاِتِّخَاذ النَّاصِيَة. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز , وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّ الَّذِي كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلهُ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ اِسْتِئْلَافهمْ , فَلَمَّا لَمْ يُنْجَع فِيهِمْ أَحَبَّ مُخَالَفَتهمْ فَكَانَتْ مُسْتَحَبَّة لَا وَاجِبَة عَلَيْهِ. وَقَوْل الرَّاوِي \" فِيمَا لَمْ يُؤْمَر فِيهِ بِشَيْءٍ \" أَيْ لَمْ يُطْلَب مِنْهُ وَالطَّلَب يَشْمَل الْوُجُوب وَالنَّدْب وَأَمَّا تَوَهُّم النَّسْخ فِي هَذَا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِإِمْكَانِ الْجَمْع , بَلْ يُحْتَمَل أَنْ لَا يَكُون الْمُوَافَقَة وَالْمُخَالَفَة حُكْمًا شَرْعِيًّا إِلَّا مِنْ جِهَة الْمَصْلَحَة , قَالَ : وَلَوْ كَانَ السَّدْل مَنْسُوخًا لَصَارَ إِلَيْهِ الصَّحَابَة أَوْ \" أَكْثَرهمْ , وَالْمَنْقُول عَنْهُمْ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَفْرُق وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَسْدُل وَلَمْ يَعِبْ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَّة , فَإِنْ اِنْفَرَقَتْ فَرَقَهَا وَإِلَّا تَرَكَهَا , فَالصَّحِيح أَنَّ الْفَرْق مُسْتَحَبّ لَا وَاجِب , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالْجُمْهُور. قُلْت : وَقَدْ جَزَمَ الْحَازِمِيّ بِأَنَّ السَّدْل نُسِخَ بِالْفَرْقِ , وَاسْتَدَلَّ بِرِوَايَةِ مَعْمَر الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا قَبْل وَهُوَ ظَاهِر. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الصَّحِيح جَوَاز السَّدْل وَالْفَرْق. قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْله \" يُحِبّ مُوَافَقَة أَهْل الْكِتَاب \" فَقِيلَ لِلِاسْتِئْنَافِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِاتِّبَاعِ شَرَائِعهمْ فِيمَا لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ وَمَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يُبَدِّلُوهُ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّ شَرْع مَنْ قَبْلنَا شَرْع لَنَا حَتَّى يَرِد فِي شَرْعنَا مَا يُخَالِفهُ , وَعَكَسَ بَعْضهمْ فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ \" يُحِبّ \" بَلْ كَانَ يَتَحَتَّم الِاتِّبَاع. وَالْحَقّ أَنْ لَا دَلِيل فِي هَذَا عَلَى الْمَسْأَلَة , لِأَنَّ الْقَائِل بِهِ يَقْصِرهُ عَلَى مَا وَرَدَ فِي شَرْعنَا أَنَّهُ شُرِعَ لَهُمْ لَا مَا يُؤْخَذ عَنْهُمْ هُمْ إِذْ لَا وُثُوق بِنَقْلِهِمْ , وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ الْقُرْطُبِيّ أَنَّهُ كَانَ يُوَافِقهُمْ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيف مُحْتَمَل , وَيُحْتَمَل أَيْضًا - وَهُوَ أَقْرَب - أَنَّ الْحَالَة الَّتِي تَدُور بَيْن الْأَمْرَيْنِ لَا ثَالِث لَهُمَا إِذَا لَمْ يَنْزِل عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْء كَانَ يَعْمَل فِيهِ بِمُوَافَقَةِ أَهْل الْكِتَاب لِأَنَّهُمْ أَصْحَاب شَرْع بِخِلَافِ عَبَدَة الْأَوْثَان فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَرِيعَة , فَلَمَّا أَسْلَمَ الْمُشْرِكُونَ اِنْحَصَرَتْ الْمُخَالَفَة فِي أَهْل الْكِتَاب فَأَمَرَ بِمُخَالَفَتِهِمْ , وَقَدْ جَمَعْت الْمَسَائِل الَّتِي وَرَدَتْ الْأَحَادِيث فِيهَا بِمُخَالَفَةِ أَهْل الْكِتَاب فَزَادَتْ عَلَى الثَّلَاثِينَ حُكْمًا , وَقَدْ أَوْدَعْتهَا كِتَابِي الَّذِي سَمَّيْته \" الْقَوْل الثَّبْت فِي الصَّوْم يَوْم السَّبْت \" وَيُؤْخَذ مِنْ قَوْل اِبْن عَبَّاس فِي الْحَدِيث \" كَانَ يُحِبّ مُوَافَقَة أَهْل الْكِتَاب \" وَقَوْله \" ثُمَّ فَرَقَ \" بَعْد نَسْخ حُكْم تِلْكَ الْمُوَافَقَة كَمَا قَرَّرْته وَلِلَّهِ الْحَمْد , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ شَرْع مَنْ قَبْلنَا شَرْع لَنَا مَا لَمْ يَرِد نَاسِخ. ‏"
    },
    {
        "id": "5463",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ‏ ‏وَبِيصِ ‏ ‏الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُحْرِمٌ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فِي مَفْرِقِ النَّبِيِّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة قَالَتْ \" كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى وَبِيص الطِّيب فِي مَفَارِق رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِم \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْحَجّ , ‏ ‏وَقَوْله \" عَبْد اللَّه \" ‏ ‏هُوَ اِبْن رَجَاء الَّذِي أَخْرَجَ الْحَدِيث عَنْهُ مَقْرُونًا بِأَبِي الْوَلِيد وَهُوَ الطَّيَالِسِيُّ , وَأَرَادَ أَنَّ أَبَا الْوَلِيد رَوَاهُ بِلَفْظِ الْجَمْع فَقَالَ \" مَفَارِق \" وَعَبْد اللَّه بْن رَجَاء رَوَاهُ بِلَفْظِ الْإِفْرَاد فَقَالَ \" مَفْرِق \" وَقَدْ وَافَقَ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء آدَم عِنْد الْمُصَنِّف فِي الطَّهَارَة وَمُحَمَّد بْن كَثِير عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَكَذَا عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه وَعِنْد أَحْمَد مِنْ رِوَايَة مَنْصُور وَحَمَّاد وَعَطَاء بْن السَّائِب كُلّهمْ عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْهُ , وَوَافَقَ أَبَا الْوَلِيد مُحَمَّد بْن جَعْفَر غُنْدَر عِنْد مُسْلِم وَالْأَعْمَش عِنْد أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَسْوَد عَنْ أَبِيهِ عِنْد مُسْلِم , وَكَأَنَّ الْجَمْع وَقَعَ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّد اِنْقِسَام الشَّعْر , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5464",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ عَنْبَسَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ ‏ ‏مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ‏ ‏خَالَتِي وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ فَأَخَذَ ‏ ‏بِذُؤَابَتِي ‏ ‏فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏بِهَذَا وَقَالَ ‏ ‏بِذُؤَابَتِي ‏ ‏أَوْ بِرَأْسِي ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ الْمُصَنِّف الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة الْفَضْل بْن عَنْبَسَةَ عَنْ هُشَيْمٍ , ثُمَّ أَرْدَفَهَا بِرِوَايَتِهِ عَالِيًا عَنْ قُتَيْبَة عَنْ هُشَيْمٍ , وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ نَازِلًا مِنْ أَجْل تَصْرِيح هُشَيْمٍ فِيهَا بِالْإِخْبَارِ , ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِرِوَايَتِهِ عَالِيًا أَيْضًا عَنْ عَمْرو بْن مُحَمَّد النَّاقِد عَنْ هُشَيْمٍ مُصَرَّحًا أَيْضًا , وَكَأَنَّهُ اِسْتَظْهَرَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِي الْفَضْل بْن عَنْبَسَةَ مَقَالًا لَكِنَّهُ غَيْر قَادِح , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع. ‏"
    },
    {
        "id": "5465",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَخْلَدٌ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ نَافِعٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْهَى عَنْ ‏ ‏الْقَزَعِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏قُلْتُ وَمَا الْقَزَعُ فَأَشَارَ لَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ إِذَا حَلَقَ الصَّبِيَّ وَتَرَكَ هَا هُنَا شَعَرَةً وَهَا هُنَا وَهَا هُنَا فَأَشَارَ لَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏إِلَى نَاصِيَتِهِ وَجَانِبَيْ رَأْسِهِ قِيلَ ‏ ‏لِعُبَيْدِاللَّهِ ‏ ‏فَالْجَارِيَةُ وَالْغُلَامُ قَالَ لَا أَدْرِي هَكَذَا قَالَ الصَّبِيُّ قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَعَاوَدْتُهُ فَقَالَ أَمَّا الْقُصَّةُ وَالْقَفَا لِلْغُلَامِ فَلَا بَأْسَ بِهِمَا وَلَكِنَّ الْقَزَعَ أَنْ يُتْرَكَ بِنَاصِيَتِهِ شَعَرٌ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ غَيْرُهُ وَكَذَلِكَ شَقُّ رَأْسِهِ هَذَا وَهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَام , ‏ ‏وَمَخْلَد ‏ ‏بِسُكُونِ الْمُعْجَمَة هُوَ اِبْن يَزِيد. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه بْن حَفْص ) ‏ ‏هُوَ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر بْن حَفْص بْن عَاصِم بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب وَهُوَ الْعُمَرِيّ الْمَشْهُور , نَسَبَهُ اِبْن جُرَيْجٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِلَى جَدّه وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو قُرَّة فِي \" السُّنَن \" عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيقه فَقَالَ \" عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر حَفْص \" وَعُبَيْد اللَّه بْن عُمَر وَشَيْخه هُنَا عُمَر بْن نَافِع وَالرَّاوِي عَنْهُ هُوَ اِبْن جُرَيْجٍ أَقْرَان مُتَقَارِبُونَ فِي السِّنّ وَاللِّقَاء وَالْوَفَاة وَاشْتَرَكَ الثَّلَاثَة فِي الرِّوَايَة عَنْ نَافِع , فَقَدْ نَزَلَ اِبْن جُرَيْجٍ فِي هَذَا الْإِسْنَاد دَرَجَتَيْنِ , وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى قِلَّة تَدْلِيسه , وَقَدْ وَافَقَ مَخْلَد بْن يَزِيد عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة أَبُو قُرَّة مُوسَى بْن طَارِق فِي \" السُّنَن \" عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ طَرِيقه وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة أَيْضًا مِنْ طَرِيق هِشَام بْن سُلَيْمَان عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ , وَكَذَلِكَ قَالَ حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو عَوَانَة وَأَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيقه , لَكِنْ سَقَطَ ذِكْر عُمَر بْن نَافِع مِنْ رِوَايَة النَّسَائِيِّ وَمَنْ رِوَايَة لِأَبِي عَوَانَة أَيْضًا , وَقَدْ صَرَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" بِأَنَّ حَجَّاج بْن مُحَمَّد وَافَقَ مَخْلَد بْن يَزِيد عَلَى ذِكْر عُمَر بْن نَافِع وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَلَى الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ فِي إِسْقَاط عُمَر بْن نَافِع وَإِثْبَاته وَقَالَ إِثْبَاته أَوْلَى بِالصَّوَابِ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع لَمْ يَذْكُر عُمَر بْن نَافِع وَهُوَ مَقْلُوب. وَإِنَّمَا هُوَ عِنْد حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن السَّرَّاج عَنْ نَافِع أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَابْن حِبَّان وَغَيْرهمْ مِنْ طُرُق مُتَعَدِّدَة عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر بِإِثْبَاتِ عُمَر بْن نَافِع , وَرَوَاهُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان وَمُحَمَّد بْن عُبَيْد عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر بِإِسْقَاطِهِ , وَكَأَنَّهُمْ سَلَكُوا الْجَادَّة لِأَنَّ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر مَعْرُوف بِالرِّوَايَةِ عَنْ نَافِع مُكْثِر عَنْهُ , وَالْعُمْدَة عَلَى مَنْ زَادَ عُمَر بْن نَافِع بَيْنهمَا لِأَنَّهُمْ حُفَّاظ وَلَا سِيَّمَا فِيهِمْ مَنْ سَمِعَ عَنْ نَافِع نَفْسه كَابْنِ جُرَيْجٍ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ الْقَزَع ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْقَزَع \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُبَيْد اللَّه قُلْت وَمَا الْقَزَع ) ‏ ‏؟ هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَظَاهِره أَنَّ الْمَسْئُول هُوَ عُمَر بْن نَافِع لَكِنْ بَيَّنَ مُسْلِم أَنَّ عُبَيْد اللَّه إِنَّمَا سَأَلَ نَافِعًا , وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر \" أَخْبَرَنِي عُمَر بْن نَافِع عَنْ أَبِيهِ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث قَالَ \" قُلْت لِنَافِعٍ وَمَا الْقَزَع ؟ \" فَذَكَرَ الْجَوَاب \" وَأَشَارَ لَنَا عُبَيْد اللَّه قَالَ : إِذَا حَلَقَ الصَّبِيّ وَتَرَكَ هَاهُنَا شَعْرَة وَهَاهُنَا وَهَاهُنَا فَأَشَارَ لَنَا عُبَيْد اللَّه إِلَى نَاصِيَته وَجَانِبَيْ رَأْسه \" الْمُجِيب بِقَوْلِهِ : \" قَالَ إِذَا حَلَقَ \" هُوَ نَافِع وَهُوَ ظَاهِر سِيَاق مُسْلِم مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان الْمَذْكُورَة لَفْظه \" قَالَ يَحْلِق بَعْض رَأْس الصَّبِيّ وَيَتْرُك بَعْضًا \". ‏ ‏قَوْله : ( قِيلَ لِعُبَيْدِ اللَّه ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة الْقَائِل , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون هُوَ اِبْن جُرَيْجٍ أَبْهَمَ نَفْسه. ‏ ‏قَوْله : ( فَالْجَارِيَة وَالْغُلَام ) ‏ ‏كَأَنَّ السَّائِل فَهِمَ التَّخْصِيص بِالصَّبِيِّ الصَّغِير فَسَأَلَ عَنْ الْجَارِيَة الْأُنْثَى وَعَنْ الْغُلَام وَالْمُرَاد بِهِ غَالِبًا الْمُرَاهِق. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عُبَيْد اللَّه وَعَاوَدَتْهُ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , كَأَنَّ عُبَيْد اللَّه لَمَّا أَجَابَ السَّائِل بِقَوْلِهِ لَا أَدْرِي أَعَادَ سُؤَال شَيْخه عَنْهُ , وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّهُ حَدَّثَ عَنْهُ بِهِ فِي حَال حَيَاته , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم الْحَدِيث مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ وَجَعَلَ التَّفْسِير مِنْ قَوْل عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عُثْمَان الْغَطَفَانِيّ وَرَوْح بْن الْقَاسِم كِلَاهُمَا عَنْ عُمَر بْن نَافِع قَالَ \" وَأَلْحَقَا التَّفْسِير فِي الْحَدِيث \" يَعْنِي أَدْرَجَاهُ وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِم لَفْظه , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عُثْمَان الْغَطَفَانِيّ وَلَفْظه \" نَهَى عَنْ الْقَزَع , وَالْقَزَع أَنْ يَحْلِق \" فَذَكَرَ التَّفْسِير مُدْرَجًا , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَد. وَأَمَّا رِوَايَة رَوْح بْن الْقَاسِم فَأَخْرَجَهَا مُسْلِم وَأَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن السَّرَّاج عَنْ نَافِع وَلَمْ يَسُقْ لَفْظ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ هَذَا الْوَجْه فَحَذَفَ التَّفْسِير , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه , وَهُوَ عِنْد عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفه عَنْ مَعْمَر , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَفِي سِيَاقه مَا يَدُلّ عَلَى مُسْتَنَد مَنْ رَفَعَ الْقَزَع وَلَفْظه \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى صَبِيًّا قَدْ حَلَقَ بَعْض رَأْسه وَتَرَكَ بَعْضه فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : اِحْلِقُوا كُلّه أَوْ ذَرُوا كُلّه \" قَالَ النَّوَوِيّ : الْأَصَحّ أَنَّ الْقَزَع مَا فَسَّرَهُ بِهِ نَافِع وَهُوَ حَلْق بَعْض رَأْس الصَّبِيّ مُطْلَقًا , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ حَلْق مَوَاضِع مُتَفَرِّقَة مِنْهُ , وَالصَّحِيح الْأَوَّل لِأَنَّهُ تَفْسِير الرَّاوِي وَهُوَ غَيْر مُخَالِف لِلظَّاهِرِ فَوَجَبَ الْعَمَل بِهِ. قُلْت : إِلَّا أَنَّ تَخْصِيصه بِالصَّبِيِّ لَيْسَ قَيْدًا , قَالَ النَّوَوِيّ : أَجْمَعُوا عَلَى كَرَاهِيَته إِذَا كَانَ فِي مَوَاضِع مُتَفَرِّقَة إِلَّا لِلْمُدَاوَاةِ أَوْ نَحْوهَا وَهِيَ كَرَاهَة تَنْزِيه وَلَا فَرْق بَيْن الرَّجُل وَالْمَرْأَة , وَكَرِهَهُ مَالِك فِي الْجَارِيَة وَالْغُلَام وَقِيلَ فِي رِوَايَة لَهُمْ لَا بَأْس بِهِ فِي الْقِصَّة وَالْقَفَا لِلْغُلَامِ وَالْجَارِيَة , قَالَ : وَمَذْهَبنَا كَرَاهَته مُطْلَقًا. قُلْت : حُجَّته ظَاهِرَة لِأَنَّهُ تَفْسِير الرَّاوِي , وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّة النَّهْي فَقِيلَ : لِكَوْنِهِ يُشَوِّه الْخِلْقَة , وَقِيلَ لِأَنَّهُ زِيّ الشَّيْطَان , وَقِيلَ لِأَنَّهُ زِيّ الْيَهُود , وَقَدْ جَاءَ هَذَا فِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَّا الْقُصَّة وَالْقَفَا لِلْغُلَامِ فَلَا بَأْس بِهِمَا ) ‏ ‏الْقُصَّة بِضَمِّ الْقَاف ثُمَّ الْمُهْمَلَة وَالْمُرَاد بِهَا هُنَا شَعْر الصُّدْغَيْنِ وَالْمُرَاد بِالْقَفَا شَعْر الْقَفَا , وَالْحَاصِل مِنْهُ أَنَّ الْقَزَع مَخْصُوص بِشَعْرِ الرَّأْس وَلَيْسَ شَعْر الصُّدْغَيْنِ وَالْقَفَا مِنْ الرَّأْس. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ قَالَ : \" لَا بَأْس بِالْقُصَّةِ \" وَسَنَده صَحِيح , وَقَدْ تُطْلَق الْقُصَّة عَلَى الشَّعْر الْمُجْتَمِع الَّذِي يُوضَع عَلَى الْأُذُن مِنْ غَيْر أَنْ يُوصَل شَعْر الرَّأْس , وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَاد هُنَا , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب الْمَوْصُولَة \" , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْقَزَع , وَهُوَ أَنْ يُحْلَق رَأْس الصَّبِيّ وَيُتَّخَذ لَهُ ذُؤَابَة \" فَمَا أَعْرِف الَّذِي فَسَّرَ الْقَزَع بِذَلِكَ , فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَقِب هَذَا مِنْ حَدِيث أَنَس \" كَانَتْ لِي ذُؤَابَة فَقَالَتْ أُمِّي : لَا أُجِزْهَا , فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمُدّهَا وَيَأْخُذ بِهَا \" وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ زِيَاد بْن حُصَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ \" أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَ يَده عَلَى ذُؤَابَته وَسَمَتَ عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُ \" وَمِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَأَصْله فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ : \" قَرَأْت مِنْ فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعِينَ سُورَة وَأَنَّ زَيْد بْن ثَابِت لَمَعَ الْغِلْمَان لَهُ ذُؤَابَتَانِ \" وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الذُّؤَابَة الْجَائِز اِتِّخَاذهَا مَا يُفْرَد مِنْ الشَّعْر فَيُرْسَل وَيُجْمَع مَا عَدَاهَا بِالضَّفْرِ وَغَيْره وَاَلَّتِي تَمْنَع أَنْ يَحْلِق الرَّأْس كُلّه وَيُتْرَك مَا فِي وَسَطه فَيَتَّخِذ ذُؤَابَة , وَقَدْ صَرَّحَ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَدْخُل فِي مَعْنَى الْقَزَع. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5466",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ‏ ‏الْقَزَعِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5467",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏طَيَّبْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِي لِحُرْمِهِ وَطَيَّبْتُهُ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( طَيَّبْته بِيَدَيَّ لِحُرْمِهِ , وَطَيَّبْته بِيَدَيَّ بِمِنًى قَبْل أَنْ يُفِيض ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب مِنْ وَجْه آخَر عَنْهَا أَنَّهَا طَيَّبَتْهُ بِذَرِيرَةٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "5468",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ آدَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ حَتَّى أَجِدَ ‏ ‏وَبِيصَ ‏ ‏الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن نَصْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن نَصْر نَسَبه إِلَى جَدّه , وَإِسْرَائِيل هُوَ اِبْن يُونُس , وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السَّبِيعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( بِأَطْيَب مَا أَجِد ) ‏ ‏يُؤَيِّد مَا ذَكَرْته فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي التَّفْرِقَة بَيْن طِيب الرِّجَال وَالنِّسَاء , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ طِيب الرِّجَال لَا يُجْعَل فِي الْوَجْه بِخِلَافِ طِيب النِّسَاء , لِأَنَّهُنَّ يُطَيِّبْنَ وُجُوههنَّ وَيَتَزَيَّن بِذَلِكَ بِخِلَافِ الرِّجَال , فَإِنَّ تَطْيِيب الرَّجُل فِي وَجْهه لَا يُشْرَع لِمَنْعِهِ مِنْ التَّشَبُّه بِالنِّسَاءِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5469",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏اطَّلَعَ مِنْ جُحْرٍ فِي دَارِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَحُكُّ رَأْسَهُ ‏ ‏بِالْمِدْرَى ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهَا فِي عَيْنِكَ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِذْنُ مِنْ قِبَلِ الْأَبْصَارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَهْل بْن سَعْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّ سَهْل بْن سَعْد أَخْبَرَهُ , وَسَيَأْتِي فِي الدِّيَات. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏قِيلَ هُوَ الْحَكَم بْن أَبِي الْعَاصِ بْن أُمَيَّة وَالِد مَرْوَان , وَقِيلَ سَعْد غَيْر مَنْسُوب , وَسَأُوَضِّحُ ذَلِكَ فِي كِتَاب الدِّيَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْله : \" اِطَّلَعَ \" ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الطَّاء , ‏ ‏وَالْجُحْر ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة , ‏ ‏وَالْمِدْرَى ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة عُود تُدْخِلهُ الْمَرْأَة فِي رَأْسهَا لِتَضُمّ بَعْض شَعْرهَا إِلَى بَعْض وَهُوَ يُشْبِه الْمِسَلَّة يُقَال مَدِرَتْ الْمَرْأَة سَرَّحَتْ شَعْرهَا , وَقِيلَ مُشْط لَهُ أَسْنَان يَسِيرَة , وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ وَأَبُو عُبَيْد : هُوَ الْمُشْط , وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : أَصْل الْمِدْرَى الْقَرْن وَكَذَلِكَ الْمِدْرَاة , وَقِيلَ هُوَ عُود أَوْ حَدِيدَة كَالْخِلَالِ لَهَا رَأْس مُحَدَّد , وَقِيلَ خَشَبَة عَلَى شَكْل شَيْء مِنْ أَسْنَان الْمُشْط وَلَهَا سَاعِد جَرَتْ عَادَة الْكَبِير أَنْ يَحُكّ بِهَا مَا لَا تَصِل إِلَيْهِ يَده مِنْ جَسَده , وَيُسَرِّح بِهَا الشَّعْر الْمُلَبَّد مَنْ لَا يَحْضُرهُ الْمُشْط , وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيث لِعَائِشَة مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمِدْرَى غَيْر الْمُشْط أَخْرَجَهُ الْخَطِيب فِي الْكِفَايَة عَنْهَا قَالَتْ : \" خَمْس لَمْ يَكُنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعهُنَّ فِي سَفَر وَلَا حَضَرَ : الْمِرْآة وَالْمُكْحُلَة وَالْمُشْط وَالْمِدْرَى وَالسِّوَاك \" وَفِي إِسْنَاده أَبُو أُمَيَّة بْن يَعْلَى وَهُوَ ضَعِيف. وَأَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ مِنْ وَجْه آخَر ضَعِيف أَيْضًا. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" مُسْنَد الشَّامِيِّينَ \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة أَقْوَى مِنْ هَذَا لَكِنْ فِيهِ قَارُورَة دُهْن بَدَل الْمِدْرَى , وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة \" كَانَ لَا يُفَارِق رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَاكه وَمُشْطه , وَكَانَ يَنْظُر فِي الْمِرْآة إِذَا سَرَّحَ لِحْيَته \" وَفِيهِ سُلَيْمَان بْن أَرْقَم وَهُوَ ضَعِيف وَلَهُ شَاهِد مِنْ مُرْسَل خَالِد بْن مَعْدَانَ أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد , وَقَرَأْت بِخَطِّ الْحَافِظ الْيَعْمُرِيّ عَنْ عُلَمَاء الْحِجَاز : الْمِدْرَى تُطْلَق عَلَى نَوْعَيْنِ أَحَدهمَا صَغِير يُتَّخَذ مِنْ آبِنُوس أَوْ عَاج أَوْ حَدِيد يَكُون طُول الْمِسَلَّة يُتَّخَذ لِفَرْقِ الشَّعْر فَقَطْ وَهُوَ مُسْتَدِير الرَّأْس عَلَى هَيْئَة نَصْل السَّيْف بِقَبْضَةٍ وَهَذِهِ صِفَته : ‏ ‏ثَانِيهمَا كَبِير وَهُوَ عُود مَخْرُوط مِنْ أَبَنُوس أَوْ غَيْره وَفِي رَأْسه قِطْعَة مَنْحُوتَة فِي قَدْر الْكَفّ وَلَهَا مِثْل الْأَصَابِع أُولَاهُنَّ مُعْوَجَّة مِثْل حَلْقَة الْإِبْهَام الْمُسْتَعْمَل لِلتَّسْرِيحِ وَيَحُكّ الرَّأْس وَالْجَسَد وَهَذِهِ صِفَته : ا ه مُلَخَّصًا. ‏ ‏قَوْله : ( تَنْتَظِر ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ ولِلكُشْمِيهَنِيِّ تَنْظُر وَهِيَ أَوْلَى , وَالْأُخْرَى بِمَعْنَاهَا , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" لَوْ عَلِمْت أَنَّك تَطَّلِع عَلَيَّ \" ‏ ‏وَقَوْله : \" مِنْ قِبَل \" ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْمُوَحَّدَة أَيْ مِنْ جِهَة , ‏ ‏وَالْأَبْصَار ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله جَمْع بَصَر وَبِكَسْرِهِ مَصْدَر أَبْصَرَ , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" مِنْ أَجْل الْبَصَر \" بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ الرُّؤْيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5470",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا حَائِضٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب وَهِشَام بْن عُرْوَة فَرَّقَهُمَا كِلَاهُمَا عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف الَّذِي أَخْرَجَهُ عَنْهُ هُنَا عَنْ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَطْ , وَالْحَدِيث فِي الْمُوَطَّأ هَكَذَا مُفَرَّقًا عِنْد أَكْثَر الرُّوَاة , وَرَوَاهُ خَالِد بْن مَخْلَد وَابْن وَهْب وَمَعْن بْن عِيسَى وَعَبْد اللَّه بْن نَافِع وَأَبُو حُذَافَة عَنْ مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب وَهِشَام بْن عُرْوَة جَمِيعًا عَنْ عُرْوَة أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْمُوَطَّآت \". ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت أَرْجُل رَأْس رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا حَائِض ) ‏ ‏كَذَا عِنْد جَمِيع الرُّوَاة عَنْ مَالِك , وَرَوَاهُ أَبُو حُذَافَة عَنْهُ عَنْ هِشَام بِلَفْظِ \" أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِل رَأْس رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُجَاوِر فِي الْمَسْجِد وَهِيَ حَائِض يُخْرِجهُ إِلَيْهَا \" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5471",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ ‏ ‏يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ مَا اسْتَطَاعَ فِي ‏ ‏تَرَجُّلِهِ ‏ ‏وَوُضُوئِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" كَانَ يُعْجِبهُ التَّيَمُّن فِي تَنَعُّله وَتَرَجُّله \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الطَّهَارَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5472",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُلُّ عَمَلِ ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ‏ ‏وَلَخُلُوفُ ‏ ‏فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" كُلّ عَمَل اِبْن آدَم لَهُ إِلَّا الصَّوْم \" الْحَدِيث مِنْ أَجْل قَوْله : \" أَطْيَب عِنْد اللَّه مِنْ رِيح الْمِسْك \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الصِّيَام , ‏ ‏وَقَوْله هُنَا : \" فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" ‏ ‏ظَاهِر سِيَاقه أَنَّهُ مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَام اللَّه عَزَّ وَجَلَّ. وَهُوَ مِنْ رِوَايَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبّه عَزَّ وَجَلَّ , كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي التَّوْحِيد مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن زِيَاد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَرْوِيه عَنْ رَبّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ , قَالَ : لِكُلِّ عَمَل كَفَّارَة فَالصَّوْم لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" كُلّ عَمَل اِبْن آدَم يُضَاعِف الْحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْف , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق ضِرَار بْن مُرَّة عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعْد قَالَا : \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : \" إِنَّ الصَّوْم لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الصِّيَام مَعَ الْإِشَارَة إِلَى مَا بَيَّنْت هُنَا , وَذَكَرْت أَقْوَال الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى إِضَافَته سُبْحَانه وَتَعَالَى الصِّيَام إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ : \" فَإِنَّهُ فِي \" وَنَقَلْت عَنْ أَبِي الْخَيْر الطَّالَقَانِيّ أَنَّهُ أَجَابَ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ كَثِيرَة نَحْو الْخَمْسِينَ , وَأَنَّنِي لَمْ أَقِف عَلَيْهِ , وَقَدْ يَسَّرَ اللَّه تَعَالَى الْوُقُوف عَلَى كَلَامه , وَتَتَبَّعْت مَا ذَكَرَهُ مُتَأَمِّلًا فَلَمْ أَجِد فِيهِ زِيَادَة عَلَى الْأَجْوِبَة الْعَشَرَة الَّتِي حَرَّرْتهَا هُنَاكَ إِلَّا إِشَارَات صُوفِيَّة وَأَشْيَاء تَكَرَّرَتْ مَعْنًى وَإِنْ تَغَايَرَتْ لَفْظًا وَغَالِبهَا يُمْكِن رَدّهَا إِلَى مَا ذَكَرْته , فَمِنْ ذَلِكَ قَوْله لِأَنَّهُ عِبَادَة خَالِيَة عَنْ السَّعْي , وَإِنَّمَا هِيَ تَرْك مَحْض. وَقَوْله : يَقُول هُوَ لِي فَلَا يَشْغَلك مَا هُوَ لَك عَمَّا هُوَ فِي. وَقَوْله : مَنْ شَغَلَهُ مَا لِي عَنِّي أَعْرَضْت عَنْهُ وَإِلَّا كُنْت لَهُ عِوَضًا عَنْ الْكُلّ. وَقَوْله لَا يَقْطَعك مَا لِي عَنِّي. وَقَوْله : لَا يَشْغَلك الْمِلْك عَنْ الْمَالِك. وَقَوْله : فَلَا تَطْلُب غَيْرِي. وَقَوْله : فَلَا يَفْسُد مَا لِي عَلَيْك بِك. وَقَوْله : فَاشْكُرْنِي عَلَى أَنْ جَعَلْتُك مَحَلًّا لِلْقِيَامِ بِمَا هُوَ لِي. وَقَوْله : فَلَا تَجْعَل لِنَفْسِك فِيهِ حُكْمًا. وَقَوْله فَمَنْ ضَيَّعَ حُرْمَة مَا لِي ضَيَّعْت حُرْمَة مَا لَهُ لِأَنَّ فِيهِ جَبْر الْفَرَائِض وَالْحُدُود. وَقَوْله فَمَنْ أَدَّاهُ بِمَا لِي وَهُوَ نَفْسه صَحَّ الْبَيْع. وَقَوْله فَكُنْ حَيْثُ تَصْلُح أَنْ تُؤَدِّي مَا لِي. وَقَوْله أَضَافَهُ إِلَى نَفْسه لِأَنَّ بِهِ يَتَذَكَّر الْعَبْد نِعْمَة اللَّه عَلَيْهِ فِي الشِّبَع. وَقَوْله لِأَنَّ فِيهِ تَقْدِيم رِضَا اللَّه عَلَى هَوَى النَّفْس. وَقَوْله لِأَنَّ فِيهِ التَّمْيِيز بَيْن الصَّائِم الْمُطِيع وَبَيْن الْآكِل الْعَاصِي. وَقَوْله : لِأَنَّهُ كَانَ مَحَلّ نُزُول الْقُرْآن. وَقَوْله لِأَنَّ اِبْتِدَاءَهُ عَلَى الْمُشَاهَدَة وَانْتِهَاءَهُ عَلَى الْمُشَاهَدَة لِحَدِيثِ \" صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ \" وَقَوْله. لِأَنَّ فِيهِ رِيَاضَة النَّفْس بِتَرْكِ الْمَأْلُوفَات. وَقَوْله لِأَنَّ فِيهِ حِفْظ الْجَوَارِح عَنْ الْمُخَالَفَات. وَقَوْله : لِأَنَّ فِيهِ قَطْع الشَّهَوَات. وَقَوْله لِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَة النَّفْس بِتَرْكِ مَحْبُوبهَا وَفِي مُخَالَفَة النَّفْس مُوَافَقَة الْحَقّ. وَقَوْله : لِأَنَّ فِيهِ فَرْحَة اللِّقَاء. وَقَوْله لِأَنَّ فِيهِ مُشَاهَدَة الْآمِر بِهِ. وَقَوْله لِأَنَّ فِيهِ مَجْمَع الْعِبَادَات لِأَنَّ مَدَارهَا عَلَى الصَّبْر وَالشُّكْر وَهُمَا حَاصِلَانِ فِيهِ. وَقَوْله مَعْنَاهُ الصَّائِم لِي لِأَنَّ الصَّوْم صِفَة الصَّائِم وَقَوْله مَعْنَى الْإِضَافَة الْإِشَارَة إِلَى الْحِمَايَة لِئَلَّا يَطْمَع الشَّيْطَان فِي إِفْسَاده. وَقَوْله لِأَنَّهُ عِبَادَة اِسْتَوَى فِيهَا الْحُرّ وَالْعَبْد وَالذَّكَر وَالْأُنْثَى , وَهَذَا عُنْوَان مَا ذَكَرَهُ مَعَ إِسْهَاب فِي الْعِبَارَة , وَلَمْ أَسْتَوْعِب ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِي فِي هَذَا الْكِتَاب , وَإِنَّمَا كُنْت أَجِد النَّفْس مُتَشَوِّقَة إِلَى الْوُقُوف عَلَى تِلْكَ الْأَجْوِبَة , وَغَالِب مَنْ نُقِلَ عَنْهُ مِنْ شُيُوخنَا لَا يَسُوقهَا وَإِنَّمَا يَقْتَصِر عَلَى أَنَّ الطَّالَقَانِيّ أَجَابَ عَنْهُ بِنَحْوٍ مِنْ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ جَوَابًا وَلَا يَذْكُر مِنْهُ شَيْئًا , فَلَا أَدْرِي أَتَرَكُوهُ إِعْرَاضًا أَوْ مَلَلًا , أَوْ اِكْتَفَى الَّذِي وَقَفَ عَلَيْهِ أَوَّلًا بِالْإِشَارَةِ وَلَمْ يَقِف عَلَيْهِ مَنْ جَاءَ مِنْ بَعْده , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5473",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ ‏ ‏أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَ إِحْرَامِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل ‏ ‏وَوُهَيْب ‏ ‏هُوَ اِبْن خَالِد ‏ ‏وَهِشَام ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُثْمَان بْن عُرْوَة ) ‏ ‏هَكَذَا أَدْخَلَ هِشَام بَيْنه وَبَيْن أَبِيهِ عُرْوَة فِي هَذَا الْحَدِيث أَخَاهُ عُثْمَان , وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيُّ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ أَنَّ عُثْمَان قَالَ لَهُ : مَا يَرْوِي هِشَام هَذَا الْحَدِيث إِلَّا عَنِّي ا ه. وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم فِي مُقَدِّمَة كِتَابه أَنَّ اللَّيْث وَدَاوُدَ الْعَطَّار وَأَبَا أُسَامَة وَافَقُوا وُهَيْب بْن خَالِد عَنْ هِشَام فِي ذِكْر عُثْمَان , وَأَنَّ أَيُّوب وَابْن الْمُبَارَك وَابْن نُمَيْر وَغَيْرهمْ رَوَوْهُ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ بِدُونِ ذِكْر عُثْمَان. قُلْت : وَرِوَايَة اللَّيْث عِنْد النَّسَائِيِّ وَالدَّارِمِيّ , وَرِوَايَة دَاوُدَ الْعَطَّار عِنْد أَبِي عَوَانَة. وَرِوَايَة أَبِي أُسَامَة وَصَلَهَا مُسْلِم. وَرِوَايَة أَيُّوب عِنْد النَّسَائِيِّ. وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ وَابْن إِسْحَاق وَحَمَّاد بْن سَلَمَة فِي آخَرِينَ رَوَوْهُ أَيْضًا عَنْ هِشَام بِدُونِ ذِكْر عُثْمَان , قَالَ : وَرَوَاهُ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَام عَنْ عُثْمَان قَالَ : ثُمَّ لَقِيت عُثْمَان فَحَدَّثَنِي بِهِ وَقَالَ لِي : لَمْ يَرْوِهِ هِشَام إِلَّا عَنِّي. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَمْ يَسْمَعهُ هِشَام عَنْ أَبِيهِ وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ أَخِيهِ عَنْ أَبِيهِ , وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ سُفْيَان قَالَ : لَا أَعْلَم عِنْد عُثْمَان إِلَّا هَذَا الْحَدِيث ا ه. وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده حَدِيثًا آخَر فِي فَضْل الصَّفّ الْأَوَّل وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم. ‏ ‏قَوْله : ( عِنْد إِحْرَامه بِأَطْيَب مَا أَجِد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة بِأَطْيَب مَا أَقْدِر عَلَيْهِ قَبْل أَنْ يُحْرِم ثُمَّ يُحْرِم , وَفِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ \" حَدَّثَنَا عُثْمَان أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُول : سَأَلْت عَائِشَة بِأَيِّ شَيْء طَيَّبْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : بِأَطْيَب الطَّيِّب \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَلَهُ مِنْ طَرِيق عَمْرَة عَنْ عَائِشَة \" لِحُرْمِهِ حِين أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ قَبْل أَنْ يُفِيض بِأَطْيَب مَا وَجَدْت \" وَمِنْ طَرِيق الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة \" كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِم بِتَطَيُّبٍ بِأَطْيَب مَا يَجِد \" وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَسْوَد عَنْهَا \" كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى وَبِيص الْمِسْك فِي مَفْرِق رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِم \" وَمِنْ طَرِيق الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة \" كُنْت أُطَيِّب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يُحْرِم وَيَوْم النَّحْر قَبْل أَنْ يَطُوف بِطِيبٍ فِيهِ مِسْك \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْط هَذَا الْمَوْضِع وَالْبَحْث فِي أَحْكَامه فِي كِتَاب الْحَجّ , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا أَنَّ الْمُرَاد بِأَطْيَب الطِّيب الْمِسْك , وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا أَخْرَجَهُ مَالِك مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد رَفَعَهُ قَالَ : \" الْمِسْك أَطْيَب الطِّيب \" وَهُوَ عِنْد مُسْلِم أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5474",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ وَزَعَمَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَزْرَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الزَّاي بَعْدهَا رَاء اِبْن ثَابِت أَيْ اِبْن أَبِي زَيْد عَمْرو بْن أَخْطَبَ , لِجَدِّهِ صُحْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَعَمَ ) ‏ ‏هُوَ مِنْ إِطْلَاق الزَّعْم عَلَى الْقَوْل. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ لَا يَرُدّ الطِّيب ) ‏ ‏أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس بِلَفْظِ \" مَا عُرِضَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طِيب قَطُّ فَرَدَّهُ \" وَسَنَده حَسَن. وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ عَزْرَة بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب نَحْوه وَزَادَ \" وَقَالَ : إِذَا عُرِضَ عَلَى أَحَدكُمْ الطِّيب فَلَا يَرُدّهُ \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة لَمْ يُصَرَّح بِرَفْعِهَا , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ رِوَايَة الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيب فَلَا يَرُدّهُ , فَإِنَّهُ طَيِّب الرِّيح خَفِيف الْمَحْمَل \" وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه لَكِنْ وَقَعَ عِنْده \" رَيْحَان \" بَدَل طِيب , وَالرَّيْحَان كُلّ بَقْلَة لَهَا رَائِحَة طَيِّبَة , قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِالرَّيْحَانِ جَمِيع أَنْوَاع الطِّيب يَعْنِي مُشْتَقًّا مِنْ الرَّائِحَة. قُلْت : مَخْرَج الْحَدِيث وَاحِد , وَاَلَّذِينَ رَوَوْهُ بِلَفْظِ الطِّيب أَكْثَر عَدَدًا وَأَحْفَظ فَرِوَايَتهمْ أَوْلَى , وَكَأَنَّ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ رَيْحَان أَرَادَ التَّعْمِيم حَتَّى لَا يُخَصّ بِالطِّيبِ الْمَصْنُوع , لَكِنْ اللَّفْظ غَيْر وَافٍ بِالْمَقْصُودِ , وَلِلْحَدِيثِ شَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ \" مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ الطِّيب فَلْيُصِبْ مِنْهُ \" نَعَمْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ مُرْسَل أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيّ \" إِذَا أُعْطِيَ أَحَدكُمْ الرَّيْحَان فَلَا يَرُدّهُ فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْجَنَّة \" قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ إِنَّمَا كَانَ لَا يَرُدّ الطِّيب لِمَحَبَّتِهِ فِيهِ وَلِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ أَكْثَر مِنْ غَيْره لِأَنَّهُ يُنَاجِي مَنْ لَا نُنَاجِي , وَأَمَّا نَهْيه عَنْ رَدّ الطِّيب فَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا يَجُوز أَخْذه لَا عَلَى مَا لَا يَجُوز أَخْذه , لِأَنَّهُ مَرْدُود بِأَصْلِ الشَّرْع. ‏"
    },
    {
        "id": "5475",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏عَنْهُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏وَالْقَاسِمَ ‏ ‏يُخْبِرَانِ عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدَيَّ ‏ ‏بِذَرِيرَةٍ ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن الْهَيْثَم أَوْ مُحَمَّد عَنْهُ ) ‏ ‏أَمَّا مُحَمَّد فَهُوَ اِبْن يَحْيَى الذُّهْلِيُّ , وَأَمَّا عُثْمَان فَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ عِدَّة أَحَادِيث بِلَا وَاسِطَة مِنْهَا فِي أَوَاخِر الْحَجّ , وَفِي النِّكَاح , وَأَخْرَجَ عَنْهُ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور كَمَا سَيَأْتِي حَدِيثًا آخَر بِمِثْلِ هَذَا التَّرَدُّد. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عُمَر بْن عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الزُّبَيْر وَهُوَ مَدَنِيّ ثِقَة قَلِيل الْحَدِيث مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَقَدْ ذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي أَتْبَاع التَّابِعِينَ مِنْ الثِّقَات. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ عُرْوَة ) ‏ ‏هُوَ جَدّه ‏ ‏وَالْقَاسِم ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله : ( بِذَرِيرَةٍ ) ‏ ‏كَأَنَّ الذَّرِيرَة كَانَ فِيهَا مِسْك بِدَلِيلِ الرِّوَايَة الْمَاضِيَة. ‏ ‏قَوْله : ( لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَام ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا هُنَا وَكَذَا لِمُسْلِمٍ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة رَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِلَفْظِ \" حِين أَحْرَمَ وَحِين رَمَى الْجَمْرَة يَوْم النَّحْر قَبْل أَنْ يَطُوف بِالْبَيْتِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5476",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏لَعَنَ اللَّهُ ‏ ‏الْوَاشِمَاتِ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ ‏ ‏وَالْمُتَنَمِّصَاتِ ‏ ‏وَالْمُتَفَلِّجَاتِ ‏ ‏لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى مَالِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ‏ { ‏وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُثْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي شَيْبَة , ‏ ‏وَجَرِير ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , ‏ ‏وَمَنْصُور ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر ‏ ‏وَإِبْرَاهِيم ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ , ‏ ‏وَعَلْقَمَة ‏ ‏هُوَ اِبْن قَيْس , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَابَعَ مَنْصُور الْأَعْمَش. وَمِنْ أَصْحَاب الْأَعْمَش مَنْ لَمْ يُذْكَر عَنْهُ عَلْقَمَة فِي السَّنَد. وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن مُهَاجِر عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ عَنْ أُمّ يَعْقُوب عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَالْمَحْفُوظ قَوْل مَنْصُور. ‏ ‏قَوْله : ( لَعَنَ اللَّه الْوَاشِمَات ) ‏ ‏جَمْع وَاشِمَة بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَهِيَ الَّتِي تَشِم ‏ ‏( وَالْمُسْتَوْشِمَات ) ‏ ‏جَمْع مُسْتَوْشِمَة وَهِيَ الَّتِي تَطْلُب الْوَشْم , وَنَقَلَ اِبْن التَّيْم عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ قَالَ : الْوَاشِمَة الَّتِي يُفْعَل بِهَا الْوَشْم وَالْمُسْتَوْشِمَة الَّتِي تَفْعَلهُ , وَرَدَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَسَيَأْتِي بَعْد بَابَيْنِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مَنْصُور بِلَفْظِ \" الْمُسْتَوْشِمَات \" وَهُوَ بِكَسْرِ الشِّين الَّتِي تَفْعَل ذَلِكَ وَبِفَتْحِهَا الَّتِي تَطْلُب ذَلِكَ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق مُفَضَّل بْن مُهَلْهِل عَنْ مَنْصُور \" وَالْمَوْشُومَات \" وَهِيَ مَنْ يُفْعَل بِهَا الْوَشْم. قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْوَشْم بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُون أَنْ يَغْرِز فِي الْعُضْو إِبْرَة أَوْ نَحْوهَا حَتَّى يَسِيل الدَّم ثُمَّ يُحْشَى بِنَوْرَةٍ أَوْ غَيْرهَا فَيَخْضَرّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَن. الْوَاشِمَة الَّتِي تَجْعَل الْخِيلَان فِي وَجْههَا بِكُحْلٍ أَوْ مِدَاد , وَالْمُسْتَوْشِمَة الْمَعْمُول بِهَا اِنْتَهَى. وَذُكِرَ الْوَجْه لِلْغَالِبِ وَأَكْثَر مَا يَكُون فِي الشَّفَة وَسَيَأْتِي عَنْ نَافِع فِي آخِر الْبَاب الَّذِي يَلِيه أَنَّهُ يَكُون فِي اللِّثَة , فَذِكْر الْوَجْه لَيْسَ قَيْدًا , وَقَدْ يَكُون فِي الْيَد وَغَيْرهَا مِنْ الْجَسَد , وَقَدْ يُفْعَل ذَلِكَ نَقْشًا , وَقَدْ يُجْعَل دَوَائِر , وَقَدْ يُكْتَب اِسْم الْمَحْبُوب , وَتَعَاطِيه حَرَام بِدَلَالَةِ اللَّعْن كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب , وَيَصِير الْمَوْضِع الْمَوْشُوم نَجِسًا لِأَنَّ الدَّم اِنْحَبَسَ فِيهِ فَتَجِب إِزَالَته إِنْ أَمْكَنَتْ وَلَوْ بِالْجَرْحِ إِلَّا إِنْ خَافَ مِنْهُ تَلَفًا أَوْ شَيْنًا أَوْ فَوَات مَنْفَعَة عُضْو فَيَجُوز إِبْقَاؤُهُ , وَتَكْفِي التَّوْبَة فِي سُقُوط الْإِثْم , وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الرَّجُل وَالْمَرْأَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْمُتَنَمِّصَات ) ‏ ‏يَأْتِي شَرْحه فِي بَاب مُفْرَد يَلِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُد عَنْ مُحَمَّد بْن عِيسَى عَنْ جَرِير \" الْوَاصِلَات \" بَدَل الْمُتَنَمِّصَات هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْمُتَفَلِّجَات لِلْحُسْنِ ) ‏ ‏يُفْهَم مِنْهُ أَنَّ الْمَذْمُومَة مَنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْحُسْن فَلَوْ اِحْتَاجَتْ إِلَى ذَلِكَ لِمُدَاوَاةٍ مِثْلًا جَازَ. ‏ ‏قَوْله : ( الْمُغَيِّرَات خَلْق اللَّه ) ‏ ‏هِيَ صِفَة لَازِمَة لِمَنْ يَصْنَع الْوَشْم وَالنَّمْص وَالْفَلْج وَكَذَا الْوَصْل عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَات. ‏ ‏قَوْله : ( مَا لِي لَا أَلْعَن ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِاخْتِصَارٍ , وَيَأْتِي بَعْد بَاب عَنْ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم عَنْ جَرِير بِزِيَادَةٍ وَلَفْظه \" فَقَالَتْ أُمّ يَعْقُوب مَا هَذَا \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة وَإِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم شَيْخَيْ الْبُخَارِيّ فِيهِ أَتَمّ سِيَاقًا مِنْهُ فَقَالَ : \" بَلَغَ ذَلِكَ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي أَسَد يُقَال لَهَا أُمّ يَعْقُوب , وَكَانَتْ تَقْرَأ الْقُرْآن , فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ : مَا حَدِيث بَلَغَنِي عَنْك أَنَّك لَعَنْت الْوَاشِمَات إِلَخْ ؟ فَقَالَ عَبْد اللَّه : وَمَا لِي لَا أَلْعَن \" وَذَكَرَ مُسْلِم أَنَّ السِّيَاق لِإِسْحَاق : \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عُثْمَان وَسِيَاقه مُوَافِق لِسِيَاقِ إِسْحَاق إِلَّا فِي أَحْرُف يَسِيرَة لَا تُغَيِّر الْمَعْنَى وَسَبَقَ فِي تَفْسِير سُورَة الْحَشْر لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ مَنْصُور بِتَمَامِهِ , لَكِنْ لَمْ يَقُلْ فِيهِ \" وَكَانَتْ تَقْرَأ الْقُرْآن \" وَمَا فِي قَوْل اِبْن مَسْعُود \" مَا لِي لَا أَلْعَن \" اِسْتِفْهَامِيَّة , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ تَكُون نَافِيَة وَهُوَ بَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُوَ فِي كِتَاب اللَّه ( وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُول ) ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , زَادَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق \" فَقَالَتْ وَاَللَّه لَقَدْ قَرَأْت مَا بَيْن اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْته \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ عُثْمَان \" مَا بَيْن لَوْحَيْ الْمُصْحَف \" وَالْمُرَاد بِهِ مَا يُجْعَل الْمُصْحَف فِيهِ , وَكَانُوا يَكْتُبُونَ الْمُصْحَف فِي الرِّقّ وَيَجْعَلُونَ لَهُ دَفَّتَيْنِ مِنْ خَشَب , وَقَدْ يُطْلَق عَلَى الْكُرْسِيّ الَّذِي يُوضَع عَلَيْهِ الْمُصْحَف اِسْم لَوْحَيْنِ , قَوْله : ( فَقَالَتْ وَاَللَّه لَقَدْ قَرَأْت ) فِي رِوَايَة مُسْلِم \" لَئِنْ كُنْت قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ \" كَذَا فِيهِ بِإِثْبَاتِ الْيَاء فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَهِيَ لُغَة , وَالْأَفْصَح حَذْفهَا فِي خِطَاب الْمُؤَنَّث فِي الْمَاضِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُول - إِلَى - فَانْتَهُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَمَا آتَاكُمْ إِلَخْ \" وَزَادَ \" فَقَالَتْ الْمَرْأَة إِنِّي أَرَى شَيْئًا مِنْ هَذَا عَلَى اِمْرَأَتك \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي تَفْسِير الْحَشْر , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْ عَبْد اللَّه وَزَادَ فِي آخِره \" فَقَالَ عَبْد اللَّه مَا حَفِظْت وَصِيَّة شُعَيْب إِذًا \" يَعْنِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَنْ شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام : ( وَمَا أُرِيد أَنْ أُخَالِفكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ) وَفِي إِطْلَاق اِبْن مَسْعُود نِسْبَة لَعْن مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَى كِتَاب اللَّه وَفَهْم أُمّ يَعْقُوب مِنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِكِتَابِ اللَّه الْقُرْآن وَتَقْرِيره لَهَا عَلَى هَذَا الْفَهْم وَمُعَارَضَتهَا لَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآن وَجَوَابه بِمَا أَجَابَ دَلَالَة عَلَى جَوَاز نِسْبَة مَا يَدُلّ عَلَيْهِ الِاسْتِنْبَاط إِلَى كِتَاب اللَّه تَعَالَى وَإِلَى سُنَّة رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسْبَة قَوْلِيَّة , فَكَمَا جَازَ نِسْبَة لَعْن الْوَاشِمَة إِلَى كَوْنه فِي الْقُرْآن لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : ( وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُول فَخُذُوهُ ) مَعَ ثُبُوت لَعْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ يَجُوز نِسْبَة مَنْ فَعَلَ أَمْرًا يَنْدَرِج فِي عُمُوم خَبِير نَبَوِيّ مَا يَدُلّ عَلَى مَنْعه إِلَى الْقُرْآن , فَيَقُول الْقَائِل مَثَلًا : لَعَنَ اللَّه مِنْ غَيْر مَنَار الْأَرْض فِي الْقُرْآن , وَيُسْتَنَد فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أُمّ يَعْقُوب الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْحَدِيث لَا يُعْرَف اِسْمهَا وَهِيَ مِنْ بَنِي أَسَد بْن خُزَيْمَةَ , وَلَمْ أَقِف لَهَا عَلَى تَرْجَمَة , وَمُرَاجَعَتهَا اِبْن مَسْعُود تَدُلّ عَلَى أَنَّ لَهَا إِدْرَاكًا , وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5477",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏عَامَ حَجَّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ وَتَنَاوَلَ ‏ ‏قُصَّةً ‏ ‏مِنْ شَعَرٍ كَانَتْ بِيَدِ حَرَسِيٍّ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ وَيَقُولُ ‏ ‏إِنَّمَا هَلَكَتْ ‏ ‏بَنُو إِسْرَائِيلَ ‏ ‏حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَعَنَ اللَّهُ ‏ ‏الْوَاصِلَةَ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْصِلَةَ ‏ ‏وَالْوَاشِمَةَ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْشِمَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أَوَيس. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ \" حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَفِي رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنْبَأَنَا حُمَيْدٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم رِوَايَتَيْ مَعْمَر وَيُونُس , لَكِنْ أَحَالَ بِهِمَا عَلَى رِوَايَة مَالِك. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق النُّعْمَان بْن رَاشِد عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : \" عَنْ السَّائِب بْن يَزِيد \" بَدَل حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَحُمَيْدٌ هُوَ الْمَحْفُوظ. ‏ ‏قَوْله : ( عَام حَجَّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ مُعَاوِيَة تَعْيِين الْعَام الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَنَاوَلَ قُصَّة مِنْ شَعْر كَانَتْ بِيَدِ حَرَسِيّ ) ‏ ‏الْقُصَّة بِضَمِّ الْقَاف وَتَشْدِيد الْمُهْمَلَة الْخُصْلَة مِنْ الشَّعْر , وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب \" كُبَّة \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب \" أَنَّ مُعَاوِيَة قَالَ : إِنَّكُمْ أَخَذْتُمْ زِيّ سُوء ; وَجَاءَ رَجُل بِعَصًا عَلَى رَأْسهَا خِرْقَة \" وَالْحَرَسِيّ بِفَتْحِ الْحَاء وَالرَّاء وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَات نِسْبَة إِلَى الْحَرَس وَهُمْ خَدَم الْأَمِير الَّذِينَ يَحْرُسُونَهُ , وَيُقَال لِلْوَاحِدِ حَرَسِيّ لِأَنَّهُ اِسْم جِنْس , وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق عُرْوَة عَنْ مُعَاوِيَة مِنْ الزِّيَادَة \" قَالَ : وَجَدْت هَذِهِ عِنْد أَهْلِي وَزَعَمُوا أَنَّ النِّسَاء يَزِدْنَهُ فِي شُعُورهنَّ \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعْرَف ذَلِكَ فِي النِّسَاء قَبْل ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب \" مَا كُنْت أَرَى يَفْعَل ذَلِكَ إِلَّا الْيَهُود \". ‏ ‏قَوْله : ( أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ) ‏ ‏؟ تَقَدَّمَ فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل أَنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى قِلَّة الْعُلَمَاء يَوْمئِذٍ بِالْمَدِينَةِ , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ إِحْضَارهمْ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ إِنْكَار ذَلِكَ أَوْ لِيُنْكِر عَلَيْهِمْ سُكُوتهمْ عَنْ إِنْكَارهمْ هَذَا الْفِعْل قَبْل ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر عِنْد مُسْلِم إِنَّمَا عُذِّبَ بَنُو إِسْرَائِيل , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب الْمَذْكُورَة \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَغَهُ فَسَمَّاهُ الزُّور \" وَفِي رِوَايَة قَتَادَة عَنْ سَعِيد عِنْد مُسْلِم \" نَهَى عَنْ الزُّور \" وَفِي آخِره \" أَلَا وَهَذَا الزُّور \" قَالَ قَتَادَة : يَعْنِي مَا تُكْثِر بِهِ النِّسَاء أَشْعَارهنَّ مِنْ الْخَرْق. وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِلْجُمْهُورِ فِي مَنْع وَصْل الشَّعْر بِشَيْءٍ آخَر سَوَاء كَانَ شَعْرًا أَمْ لَا , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث جَابِر \" زَجْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَصِل الْمَرْأَة بِشَعْرِهَا شَيْئًا \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. وَذَهَبَ اللَّيْث وَنَقَلَهُ أَبُو عُبَيْدَة عَنْ كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء أَنَّ الْمُمْتَنِع مِنْ ذَلِكَ وَصْل الشَّعْر بِالشَّعْرِ , وَأَمَّا إِذَا وَصَلَتْ شَعْرهَا بِغَيْرِ الشَّعْر مِنْ خِرْقَة وَغَيْرهَا فَلَا يَدْخُل فِي النَّهْي , وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : لَا بَأْس بِالْقَرَامِل ; وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَالْقَرَامِل جَمْع قَرْمَل بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون الرَّاء نَبَات طَوِيل الْفُرُوع لَيِّن , وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا خُيُوط مِنْ حَرِير أَوْ صُوف يُعْمَل ضَفَائِر تَصِل بِهِ الْمَرْأَة شَعْرهَا , وَفَصَلَ بَعْضهمْ بَيْن مَا إِذَا كَانَ مَا وَصَلَ بِهِ الشَّعْر مِنْ غَيْر الشَّعْر مَسْتُورًا بَعْد عَقْده مَعَ الشَّعْر بِحَيْثُ يُظَنّ أَنَّهُ مِنْ الشَّعْر , وَبَيْن مَا إِذَا كَانَ ظَاهِرًا , فَمَنَعَ قَوْم الْأَوَّل فَقَطْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّدْلِيس وَهُوَ قَوِيّ , وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ الْوَصْل مُطْلَقًا سَوَاء كَانَ بِشَعْرٍ آخَر أَوْ بِغَيْرِ شَعْر إِذَا كَانَ بِعِلْمِ الزَّوْج وَبِإِذْنِهِ , وَأَحَادِيث الْبَاب حُجَّة عَلَيْهِ. وَيُسْتَفَاد مِنْ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة قَتَادَة مَنْع تَكْثِير شَعْر الرَّأْس بِالْخِرَقِ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَة مَثَلًا قَدْ تُمَزِّق شَعْرهَا فَتَضَع عِوَضه خِرَقًا تُوهِم أَنَّهَا شَعْر. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم عَقِب حَدِيث مُعَاوِيَة هَذَا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَفِيهِ \" وَنِسَاء كَاسِيَات عَارِيَات رُءُوسهنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْت , قَالَ النَّوَوِيّ يَعْنِي يُكَبِّرْنَهَا وَيُعَظِّمْنَهَا بِلَفِّ عِمَامَة أَوْ عِصَابه أَوْ نَحْوهَا , قَالَ : وَفِي الْحَدِيث ذَمّ ذَلِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْبُخْت بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة ثُمَّ مُثَنَّاة جَمْع بُخْتِيَّة وَهِيَ ضَرْب مِنْ الْإِبِل عِظَام الْأَسْنِمَة وَالْأَسْنِمَة بِالنُّونِ جَمْع سَنَام وَهُوَ أَعْلَى مَا فِي ظَهْر الْجَمَل شِبْه رُءُوسهنَّ بِهَا لِمَا رَفَعْنَ مِنْ ضَفَائِر شُعُورهنَّ عَلَى أَوْسَاط رُءُوسهنَّ تَزْيِينًا وَتَصَنُّعًا , وَقَدْ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ بِمَا يُكْثِرْنَ بِهِ شُعُورهنَّ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏كَمَا يَحْرُم عَلَى الْمَرْأَة الزِّيَادَة فِي شَعْر رَأْسهَا يَحْرُم عَلَيْهَا حَلْق شَعْر رَأْسهَا بِغَيْرِ ضَرُورَة , وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أُمّ عُثْمَان بِنْت سُفْيَان عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَحْلِق الْمَرْأَة رَأْسهَا \" وَهُوَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" لَيْسَ عَلَى النِّسَاء حَلْق , إِنَّمَا عَلَى النِّسَاء التَّقْصِير \" وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن أَبِي شَيْبَة ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْر كَذَا أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَده وَمُصَنَّفه بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَوَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيقه , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ يُونُس بْن مُحَمَّد كَذَلِكَ , فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون هُوَ الْمُرَاد لِأَنَّ أَبَا بَكْر وَعُثْمَان كِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَيُونُس هُوَ الْمُؤَدِّب , وَفُلَيْح هُوَ اِبْن سُلَيْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( لَعَنَ اللَّه الْوَاصِلَة ) ‏ ‏أَيْ الَّتِي تَصِل الشَّعْر سَوَاء كَانَ لِنَفْسِهَا أَمْ لِغَيْرِهَا ‏ ‏( وَالْمُسْتَوْصِلَة ) ‏ ‏أَيْ الَّتِي تَطْلُب فِعْل ذَلِكَ وَيُفْعَل بِهَا , وَكَذَا الْقَوْل فِي الْوَاشِمَة وَالْمُسْتَوْشِمَة , وَتَقَدَّمَ تَفْسِيره. وَهَذَا صَرِيح فِي حِكَايَة ذَلِكَ عَنْ اللَّه تَعَالَى إِنْ كَانَ خَبَرًا فَيُسْتَغْنَى عَنْ اِسْتِنْبَاط اِبْن مَسْعُود , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون دُعَاء مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5478",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْحَسَنَ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ يَنَّاقٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ جَارِيَةً مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏تَزَوَّجَتْ وَأَنَّهَا مَرِضَتْ ‏ ‏فَتَمَعَّطَ ‏ ‏شَعَرُهَا فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوهَا فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَعَنَ اللَّهُ ‏ ‏الْوَاصِلَةَ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْصِلَةَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏ابْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفِيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْحَسَن بْن مُسْلِم بْن يَنَاق ) ‏ ‏بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَتَشْدِيد النُّون وَآخِره قَاف كَأَنَّهُ اِسْم عَجَمِيّ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون اِسْم فَعَالٍ مِنْ الْأَنِيق وَهُوَ الشَّيْء الْحَسَن الْمُعْجَب فَسُهِّلَتْ هَمْزَته يَاء , وَالْحَسَن الْمَذْكُور تَابِعِيّ صَغِير مِنْ أَهْل مَكَّة ثِقَة عِنْدهمْ وَكَانَ كَثِير الرِّوَايَة عَنْ طَاوُسٍ وَمَاتَ قَبْله. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ جَارِيَة مِنْ الْأَنْصَار تَزَوَّجَتْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِتَسْمِيَتِهَا وَتَسْمِيَة الزَّوْج فِي كِتَاب النِّكَاح. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَمَعَّطَ ) ‏ ‏بِالْعَيْنِ وَالطَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ خَرَجَ مِنْ أَصْله , وَأَصْل الْمَعْط الْمَدّ كَأَنَّهُ مَدّ إِلَى أَنْ تَقْطَع , وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى مَنْ سَقَطَ شَعْره. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوهَا ) ‏ ‏أَيْ يَصِلُوا شَعْرهَا , ‏ ‏وَقَوْله : \" فَسَأَلُوا \" ‏ ‏تَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّ السَّائِل أُمّهَا , وَهُوَ فِي حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر الَّذِي يَلِي : هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ اِبْن إِسْحَاق عَنْ أَبَانَ بْن صَالِح عَنْ الْحَسَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُسْلِم , وَهَذِهِ الْمُتَابَعَة رَوَيْنَاهَا مَوْصُولَة فِي \" أَمَالِي الْمَحَامِلِيّ \" مِنْ رِوَايَة الأصْبَهَانِيِّينَ عَنْهُ , ثُمَّ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ اِبْن إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي أَبَان بْن صَالِح \" فَذَكَرَهُ وَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيع السَّنَد وَأَوَّل الْحَدِيث عِنْده \" أَنَّ اِمْرَأَة سَأَلَتْ عَائِشَة - وَهِيَ عِنْدهَا - عَنْ وَصْل الْمَرْأَة رَأْسهَا بِالشَّعْرِ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَقَالَ فِيهِ \" فَتَمْرُق \" بِالرَّاءِ وَالْقَاف , وَقَالَ فِيهِ \" أَفَأَضَع عَلَى رَأْسهَا شَيْئًا \" وَالْبَاقِي مِثْله. وَفَائِدَة هَذِهِ الْمُتَابَعَة أَنْ يُعْلَم أَنَّ الْحَدِيث عِنْد صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة عَنْ عَائِشَة وَعَنْ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر جَمِيعًا , وَلِأَبَانَ بْن صَالِح فِي هَذَا الْمَعْنَى حَدِيث آخَر أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة أُسَامَة بْن زَيْد عَنْهُ عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس فَذَكَرَ الْحَدِيث الْمَرْفُوع دُون الْقِصَّة وَزَادَ فِيهِ النَّامِصَة وَالْمُتَنَمِّصَة وَقَالَ فِي آخِره : \" وَالْمُسْتَوْشِمَة مِنْ غَيْر دَاء \" وَسَنَده حَسَن , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ مَنْ صَنَعَتْ الْوَشْم عَنْ غَيْر قَصْد لَهُ بَلْ تَدَاوَتْ مَثَلًا فَنَشَأَ عَنْهُ الْوَشْم أَنْ لَا تَدْخُل فِي الزَّجْر. ‏"
    },
    {
        "id": "5479",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَتْنِي ‏ ‏أُمِّي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ إِنِّي أَنْكَحْتُ ابْنَتِي ثُمَّ أَصَابَهَا شَكْوَى ‏ ‏فَتَمَرَّقَ ‏ ‏رَأْسُهَا وَزَوْجُهَا يَسْتَحِثُّنِي بِهَا أَفَأَصِلُ رَأْسَهَا ‏ ‏فَسَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَاصِلَةَ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْصِلَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَنْصُور بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ الْحَجَبِيّ وَأُمّه هِيَ صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة , وَفُضَيْل بْن سُلَيْمَان رَاوِيه عَنْ مَنْصُور وَإِنْ كَانَ فِي حِفْظه شَيْء , لَكِنْ قَدْ تَابَعَهُ وُهَيْب بْن خَالِد عَنْ مَنْصُور عِنْد مُسْلِم , وَأَبُو مَعْشَر الْبَرَاء عِنْد الطَّبَرَانِيِّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَتُمَزِّق ) ‏ ‏بِالزَّايِ أَيْ تُقَطِّع , كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ وَالْحَمَوِيِّ وَهِيَ رِوَايَة مُسْلِم , وَبِالرَّاءِ لِلْبَاقِينَ أَيْ مُرِقَ مِنْ أَصْله وَهُوَ أَبْلَغ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ الْمَرْق وَهُوَ نَتْف الصُّوف , وَلِلطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ فَاطِمَة بِنْت الْمُنْذِر \" فَأَصَابَتْهَا الْحَصْبَة أَوْ الْجُدَرِيّ فَسَقَطَ شَعْرهَا , وَقَدْ صَحَّتْ وَزَوْجهَا يَسْتَحِثّنَا وَلَيْسَ عَلَى رَأْسهَا شَعْر , أَفَنَجْعَل عَلَى رَأْسهَا شَيْئًا نُجَمِّلهَا بِهِ \" ؟ الْحَدِيث. ‏ ‏وَقَوْله : \" أَفَأَصِل رَأْسهَا \" ‏ ‏؟ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" شَعْرهَا \" وَهُوَ الْمُرَاد بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَبَّ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَة أَيْ لَعَنَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5480",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏امْرَأَتِهِ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَعَنَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَاصِلَةَ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْصِلَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِمْرَأَته فَاطِمَة ) ‏ ‏هِيَ بِنْت الْمُنْذِر بْن الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام , وَهِيَ بِنْت عَمّ هِشَام بْن عُرْوَة الرَّاوِي عَنْهَا , وَأَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر هِيَ جَدَّتهمَا مَعًا لِأَنَّهَا أُمّ الْمُنْذِر وَأُمّ عُرْوَة , وَهَذِهِ الطَّرِيق تُؤَكِّد رِوَايَة مَنْصُور بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أُمّه , وَأَنَّ لِلْحَدِيثِ عَنْ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر أَصْلًا وَلَوْ كَانَ مُخْتَصَرًا. ‏ ‏قَوْله : ( الْوَاصِلَة وَالْمُسْتَوْصِلَة ) ‏ ‏هَذَا الْقَدْر الَّذِي وَجَدْته مِنْ حَدِيث أَسْمَاء فَكَأَنَّهَا مَا سَمِعَتْ الزِّيَادَة الَّتِي فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْوَاشِمَة وَالْمُسْتَوْشِمَة فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ قَيْس بْن أَبِي حَازِم قَالَ : \" دَخَلْت مَعَ أَبِي عَلَى أَبِي بَكْر الصِّدِّيق فَرَأَيْت يَد أَسْمَاء مَوْشُومَة \" قَالَ الطَّبَرِيُّ : كَأَنَّهَا كَانَتْ صَنَعَتْهُ قَبْل النَّهْي فَاسْتَمَرَّ فِي يَدهَا , قَالَ : وَلَا يُظَنّ بِهَا أَنَّهَا فَعَلَتْهُ بَعْد النَّهْي لِثُبُوتِ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ. قُلْت : فَيُحْتَمَل أَنَّهَا لَمْ تَسْمَعهُ , أَوْ كَانَتْ بِيَدِهَا جِرَاحَة فَدَاوَتْهَا فَبَقِيَ الْأَثَر مِثْل الْوَشْم فِي يَدهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5481",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَعَنَ اللَّهُ ‏ ‏الْوَاصِلَةَ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْصِلَةَ ‏ ‏وَالْوَاشِمَةَ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْشِمَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏الْوَشْمُ فِي اللِّثَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , ‏ ‏وَعُبَيْد اللَّه ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ نَافِع : الْوَشْم فِي اللِّثَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام وَتَخْفِيف الْمُثَلَّثَة وَهِيَ مَا عَلَى الْأَسْنَان مِنْ اللَّحْم وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ :. هُوَ أَنْ يَعْمَل عَلَى الْأَسْنَان صُفْرَة أَوْ غَيْرهَا , كَذَا قَالَ , وَلَمْ يُرِدْ نَافِع الْحَصْر فِي كَوْن الْوَشْم فِي اللِّثَة بَلْ مُرَاده أَنَّهُ قَدْ يَقَع فِيهَا. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث حُجَّة لِمَنْ قَالَ يَحْرُم الْوَصْل فِي الشَّعْر وَالْوَشْم وَالنَّمْص عَلَى الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ , وَهِيَ حُجَّة عَلَى مَنْ حَمَلَ النَّهْي فِيهِ عَلَى التَّنْزِيه ; لِأَنَّ دَلَالَة اللَّعْن عَلَى التَّحْرِيم مِنْ أَقْوَى الدَّلَالَات , بَلْ عِنْد بَعْضهمْ أَنَّهُ مِنْ عَلَامَات الْكَبِيرَة. وَفِي حَدِيث عَائِشَة دَلَالَة عَلَى بُطْلَان مَا رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا رَخَّصَتْ فِي وَصْل الشَّعْر بِالشَّعْرِ وَقَالَتْ : إِنَّ الْمُرَاد بِالْوَاصِلِ الْمَرْأَة تَفْجُر فِي شَبَابهَا ثُمَّ تَصِل ذَلِكَ بِالْقِيَادَةِ , وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَأَبْطَلَهُ بِمَا جَاءَ عَنْ عَائِشَة فِي قِصَّة الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "5482",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ قَدِمَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا فَخَطَبَنَا فَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ قَالَ مَا كُنْتُ أَرَى أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا غَيْرَ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَمَّاهُ الزُّورَ ‏ ‏يَعْنِي الْوَاصِلَةَ فِي الشَّعَرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مُعَاوِيَة وَفِيهِ طَهَارَة شَعْر الْآدَمِيّ لِعَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ , وَإِيقَاع الْمَنْع عَلَى فِعْل الْوَصْل لَا عَلَى كَوْن الشَّعْر نَجِسًا , وَفِيهِ نَظَر , وَفِيهِ جَوَاز إِبْقَاء الشَّعْر وَعَدَم وُجُوب دَفْنه , وَفِيهِ قِيَام الْإِمَام بِالنَّهْيِ عَلَى الْمِنْبَر وَلَا سِيَّمَا إِذَا رَآهُ فَاشِيًا فَيُفْشِي إِنْكَاره تَأْكِيدًا لِيُحَذِّر مِنْهُ , وَفِيهِ إِنْذَار مَنْ عَمِلَ الْمَعْصِيَة بِوُقُوعِ الْهَلَاك بِمَنْ فَعَلَهَا قَبْله كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) وَفِيهِ جَوَاز تَنَاوُل الشَّيْء فِي الْخُطْبَة لِيَرَاهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ رَآهُ لِلْمَصْلَحَةِ الدِّينِيَّة وَفِيهِ إِبَاحَة الْحَدِيث عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل وَكَذَا غَيْرهمْ مِنْ الْأُمَم لِلتَّحْذِيرِ مِمَّا عَصَوْا فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5483",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَعَنَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏الْوَاشِمَاتِ ‏ ‏وَالْمُتَنَمِّصَاتِ ‏ ‏وَالْمُتَفَلِّجَاتِ ‏ ‏لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ فَقَالَتْ ‏ ‏أُمُّ يَعْقُوبَ ‏ ‏مَا هَذَا قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَتْ وَاللَّهِ لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُهُ قَالَ وَاللَّهِ لَئِنْ ‏ ‏قَرَأْتِيهِ لَقَدْ ‏ ‏وَجَدْتِيهِ ‏ { ‏وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5484",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَعَنَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَاصِلَةَ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْصِلَةَ ‏ ‏وَالْوَاشِمَةَ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْشِمَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان , ‏ ‏وَعُبَيْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( الْمُسْتَوْصِلَة ) ‏ ‏هِيَ الَّتِي تَطْلُب وَصْل شَعْرهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5485",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏فَاطِمَةَ بِنْتَ الْمُنْذِرِ ‏ ‏تَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏أَسْمَاءَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَأَلَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي أَصَابَتْهَا الْحَصْبَةُ ‏ ‏فَامَّرَقَ ‏ ‏شَعَرُهَا وَإِنِّي زَوَّجْتُهَا أَفَأَصِلُ فِيهِ فَقَالَ ‏ ‏لَعَنَ اللَّهُ ‏ ‏الْوَاصِلَةَ ‏ ‏وَالْمَوْصُولَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَصَابَتْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَصَابَهَا \" بِالتَّذْكِيرِ عَلَى إِرَادَة الْحَبّ , وَالْحَصْبَة بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَة وَيَجُوز فَتْحهَا وَكَسْرهَا بَعْدهَا مُوَحَّدَة : بَثَرَات حُمْر تَخْرُج فِي الْجِلْد مُتَفَرِّقَة , وَهِيَ نَوْع مِنْ الْجُدَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( اِمَّرَقَ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْمِيم بَعْدهَا رَاء وَأَصْله اِنْمَرَقَ بِنُونٍ فَذَهَبَتْ فِي الْإِدْغَام , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ بِالزَّايِ بَدَل الرَّاء كَمَا تَقَدَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5486",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَاشِمَةُ ‏ ‏وَالْمُوتَشِمَةُ ‏ ‏وَالْوَاصِلَةُ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْصِلَةُ ‏ ‏يَعْنِي لَعَنَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي يُوسُف بْن مُوسَى حَدَّثَنَا الْفَضْل بْن دُكَيْن ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" الْفَضْل بْن زُهَيْر \" وَلِبَعْضِ رُوَاة الْفَرَبْرِيِّ أَيْضًا \" الْفَضْل بْن زُهَيْر أَوْ الْفَضْل بْن دُكَيْن \" وَجَزَمَ مَرَّة أُخْرَى بِالْفَضْلِ بْن زُهَيْر , قَالَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ : هُوَ الْفَضْل بْن دُكَيْن بْن حَمَّاد بْن زُهَيْر فَنُسِبَ مَرَّة إِلَى جَدّ أَبِيهِ وَهُوَ أَبُو نُعَيْم شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ بِالْكَثِيرِ بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَحَدَّثَ هُنَا وَفِي مَوَاضِع أُخْرَى قَلِيلَة بِوَاسِطَةٍ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ صَخْر بْن جُوَيْرِيَة بِلَفْظِ \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَعَنَ اللَّه - ثُمَّ قَالَ فِي آخِره - يَعْنِي لَعَنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) لَمْ يَتَّجِه لِي هَذَا التَّفْسِير إِلَّا إِنْ كَانَ الْمُرَاد لَعَنَ اللَّه عَلَى لِسَان نَبِيّه أَوْ لَعَنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَعْنِ اللَّه , وَقَدْ سَقَطَ الْكَلَام الْأَخِير مِنْ بَعْض الرِّوَايَات وَسَقَطَ مِنْ بَعْضهَا لَفْظ \" لَعَنَ اللَّه \" مِنْ أَوَّله. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ صَخْر بْن جُوَيْرِيَة بِلَفْظِ \" لَعَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَكَذَا فِي أَوَّل الْبَاب , وَيَأْتِي كَذَلِكَ بَعْد بَاب , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِر \" بَاب وَصْل الشَّعْر \" بِلَفْظِ \" لَعَنَ اللَّه \" وَكُلّهَا مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع. ‏ ‏قَوْله : ( وَالْمُسْتَوْصِلَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن بِشْر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر \" الْمُوتَصِلَة \" وَهِيَ بِمَعْنَاهَا وَكَذَا فِي حَدِيث أَسْمَاء \" الْمَوْصُولَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "5487",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَعَنَ اللَّهُ ‏ ‏الْوَاشِمَاتِ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ ‏ ‏وَالْمُتَنَمِّصَاتِ ‏ ‏وَالْمُتَفَلِّجَاتِ ‏ ‏لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ مَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك ‏ ‏, وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. وَلَمْ يَقَع فِي هَذِهِ الرِّوَايَة لِلْوَاصِلَةِ وَلَا لِلْمَوْصُولَةِ ذِكْر , وَإِنَّمَا أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي \" بَاب الْمُتَفَلِّجَات \" وَأَنَّهُ صَرَّحَ بِذِكْرِ الْوَاصِلَة فِيهِ فِي التَّفْسِير , وَعِنْد أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق الْحَسَن الْعَوفِيّ عَنْ يَحْيَى بْن الْخَرَّاز عَنْ مَسْرُوق \" أَنَّ الْمَرْأَة جَاءَتْ إِلَى اِبْن مَسْعُود فَقَالَتْ : أُنْبِئْت أَنَّك تَنْهَى عَنْ الْوَاصِلَة. قَالَ : نَعَمْ \" الْقِصَّة بِطُولِهَا , وَفِي آخِره \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ النَّامِصَة وَالْوَاشِرَة وَالْوَاصِلَة وَالْوَاشِمَة إِلَّا مِنْ أَذًى \". ‏"
    },
    {
        "id": "5488",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعَيْنُ حَقٌّ وَنَهَى عَنْ ‏ ‏الْوَشْمِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ذَكَرْتُ ‏ ‏لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ ‏ ‏حَدِيثَ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ سَمِعْتُهُ مِنْ ‏ ‏أُمِّ يَعْقُوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏مِثْلَ حَدِيثِ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" الْعَيْن حَقّ , وَنَهَى عَنْ الْوَشْم \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر كِتَاب الطِّبّ , وَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظٍ آخَر فِي الْوَشْم. ‏ ‏حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مِنْ وَجْهَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي \" بَاب الْمُتَفَلِّجَات \". ‏"
    },
    {
        "id": "5489",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ ‏ ‏وَالْوَاشِمَةِ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْشِمَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْت أَبِي فَقَالَ إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَسَاقَهُ فِي الْبُيُوع تَامًّا وَلَفْظه \" رَأَيْت أَبِي اِشْتَرَى حَجَّامًا فَكَسَرَ مَحَاجِمه. فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث كَاَلَّذِي هُنَا وَزَادَ \" وَعَنْ كَسْب الْأَمَة \" وَسَيَأْتِي بِأَتَمّ مِنْ سِيَاقه فِي \" بَاب مَنْ لَعَنَ الْمُصَوِّر \". ‏"
    },
    {
        "id": "5490",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُتِيَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏بِامْرَأَةٍ تَشِمُ فَقَامَ فَقَالَ أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ مَنْ سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏الْوَشْمِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَقُمْتُ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا سَمِعْتُ قَالَ مَا سَمِعْتَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا ‏ ‏تَشِمْنَ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏تَسْتَوْشِمْنَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُمَارَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْقَعْقَاع بْن شُبْرُمَةَ , ‏ ‏وَأَبُو زُرْعَة ‏ ‏هُوَ اِبْن عَمْرو بْن جَرِير. ‏ ‏قَوْله : ( أُتِيَ عُمَر بِامْرَأَةٍ تَشِم ) ‏ ‏قُلْت لَمْ تُسَمَّ هَذِهِ الْمَرْأَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْشُدكُمْ بِاَللَّهِ ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنْ يَكُون عُمَر سَمِعَ الزَّجْر عَنْ ذَلِكَ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَثْبِت فِيهِ , أَوْ كَانَ نَسِيَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَتَذَكَّرهُ , أَوْ بَلَغَهُ مِمَّنْ لَمْ يُصَرِّح بِسَمَاعِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَسْمَعهُ مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَشِمْنَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم ثُمَّ نُون خِطَاب جَمْع الْمُؤَنَّث بِالنَّهْيِ , وَكَذَا \" وَلَا تَسْتَوْشِمْنَ \" أَيْ لَا تَطْلُبْنَ ذَلِكَ , وَهَذَا يُفَسِّر قَوْله فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله \" نَهَى عَنْ الْوَشْم \" وَفَائِدَة ذِكْر أَبِي هُرَيْرَة قِصَّة عُمَر إِظْهَار ضَبْطه وَأَنَّ عُمَر كَانَ يَسْتَثْبِتهُ فِي الْأَحَادِيث مَعَ تَشَدُّد عُمَر , وَلَوْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ عُمَر ذَلِكَ لَنُقِلَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5491",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَعَنَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَاصِلَةَ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْصِلَةَ ‏ ‏وَالْوَاشِمَةَ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْشِمَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر تَقَدَّمَ شَرْحه. ‏"
    },
    {
        "id": "5492",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَعَنَ اللَّهُ ‏ ‏الْوَاشِمَاتِ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ ‏ ‏وَالْمُتَنَمِّصَاتِ ‏ ‏وَالْمُتَفَلِّجَاتِ ‏ ‏لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ مَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا وَرَدَ الْوَعِيد الشَّدِيد فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء لِمَا فِيهَا مِنْ الْغِشّ وَالْخِدَاع , وَلَوْ رَخَّصَ فِي شَيْء مِنْهَا لَكَانَ وَسِيلَة إِلَى اِسْتِجَازَة غَيْرهَا مِنْ أَنْوَاع الْغِشّ , وَلِمَا فِيهَا مِنْ تَغْيِير الْخِلْقَة , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود بِقَوْلِهِ : \" الْمُغَيِّرَات خَلْق اللَّه \" وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5493",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا تَصَاوِيرُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا طَلْحَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي طَلْحَة ) ‏ ‏هُوَ زَيْد بْن سَهْل الْأَنْصَارِيّ زَوْج أُمّ سُلَيْمٍ وَالِدَة أَنَس. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي يُونُس إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح كَاتِب اللَّيْث حَدَّثَنَا اللَّيْث , وَفَائِدَة هَذَا التَّعْلِيق تَصْرِيح الزُّهْرِيِّ بْن شِهَاب وَتَصْرِيح شَيْخه عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ وَكَذَا مَنْ فَوْقهمَا بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيع الْإِسْنَاد , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن وَهْب عَنْ يُونُس وَفِيهِ التَّصْرِيح أَيْضًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ أَبِي طَلْحَة لَمْ يَذْكُر اِبْن عَبَّاس بَيْنهمَا , وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ رِوَايَة مَنْ أَثْبَتَهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ أَبِي النَّضْر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي طَلْحَة يَعُودهُ فَذَكَرَ قِصَّة وَفِيهَا الْمَتْن الْمَذْكُور وَزَادَ فِيهِ اِسْتِثْنَاء الرَّقْم فِي الثَّوْب كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ , فَلَعَلَّ عُبَيْد اللَّه سَمِعَهُ مِنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ أَبِي طَلْحَة ثُمَّ لَقِيَ أَبَا طَلْحَة لَمَّا دَخَلَ يَعُودهُ فَسَمِعَهُ مِنْهُ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ زِيَادَة الْقِصَّة فِي رِوَايَة أَبِي النَّضْر لَكِنْ قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : الْحَدِيث لِعُبَيْدِ اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ أَبِي طَلْحَة , فَإِنَّ عُبَيْد اللَّه لَمْ يُدْرِك أَبَا طَلْحَة وَلَا سَهْل بْن حُنَيْفٍ , كَذَا قَالَ , وَكَأَنَّ مُسْتَنَده فِي ذَلِكَ أَنَّ سَهْل بْن حُنَيْفٍ مَاتَ فِي خِلَافَة عَلِيّ وَعُبَيْد اللَّه لَمْ يُدْرِك عَلِيًّا بَلْ قَالَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ : إِنَّهُ لَمْ يُدْرِك زَيْد بْن ثَابِت وَلَا رَآهُ , وَزَيْد مَاتَ بَعْد سَهْل بْن حُنَيْفٍ بِمُدَّةٍ , وَلَكِنْ رَوَى الْحَدِيث الْمَذْكُور مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ أَبِي النَّضْر فَذَكَرَ الْقِصَّة لِعُثْمَان بْن حُنَيْفٍ لَا لِسَهْلٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ , وَعُثْمَان تَأَخَّرَ بَعْد سَهْل بِمُدَّةٍ وَكَذَلِكَ أَبُو طَلْحَة , فَلَا يَبْعُد أَنْ يَكُون عُبَيْد اللَّه أَدْرَكَهُمَا. ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَدْخُل الْمَلَائِكَة ) ‏ ‏ظَاهِره الْعُمُوم , وَقِيلَ : يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْحَفَظَة فَإِنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَ الشَّخْص فِي كُلّ حَالَة , وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن وَضَّاح وَالْخَطَّابِيّ وَآخَرُونَ , لَكِنْ قَالَ الْقُرْطُبِيّ : كَذَا قَالَ بَعْض عُلَمَائِنَا , وَالظَّاهِر الْعُمُوم , وَالْمُخَصِّص يَعْنِي الدَّالّ عَلَى كَوْن الْحَفَظَة لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ الدُّخُول لَيْسَ نَصًّا. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْجَائِز أَنْ يُطْلِعهُمْ اللَّه تَعَالَى عَلَى عَمَل الْعَبْد وَيُسْمِعهُمْ قَوْله وَهُمْ بِبَابِ الدَّار الَّتِي هُوَ فِيهَا مَثَلًا , وَيُقَابِل الْقَوْل بِالتَّعْمِيمِ الْقَوْل بِتَخْصِيصِ الْمَلَائِكَة بِمَلَائِكَةِ الْوَحْي , وَهُوَ قَوْل مَنْ اِدَّعَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ خَصَائِص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَأَذْكُرُهُ وَهُوَ شَاذّ. ‏ ‏قَوْله : ( بَيْتًا فِيهِ كَلْب ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْبَيْتِ الْمَكَان الَّذِي يَسْتَقِرّ فِيهِ الشَّخْص سَوَاء كَانَ بِنَاء أَوْ خَيْمَة أَمْ غَيْر ذَلِكَ , وَالظَّاهِر الْعُمُوم فِي كُلّ كَلْب لِأَنَّهُ نَكِرَة فِي سِيَاق النَّفْي , وَذَهَبَ الْخَطَّابِيُّ وَطَائِفَة إِلَى اِسْتِثْنَاء الْكِلَاب الَّتِي أُذِنَ فِي اِتِّخَاذهَا وَهِيَ كِلَاب الصَّيْد وَالْمَاشِيَة وَالزَّرْع , وَجَنَحَ الْقُرْطُبِيّ إِلَى تَرْجِيح الْعُمُوم , وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ , وَاسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِقِصَّةِ الْجَرْو الَّتِي تَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهَا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر بَعْد سِتَّة أَبْوَاب , قَالَ فَامْتَنَعَ جِبْرِيل مِنْ دُخُول الْبَيْت الَّذِي كَانَ فِيهِ مَعَ ظُهُور الْعُذْر فِيهِ , قَالَ : فَلَوْ كَانَ الْعُذْر لَا يَمْنَعهُمْ مِنْ الدُّخُول لَمْ يَمْتَنِع جِبْرِيل مِنْ الدُّخُول ا ه. وَيُحْتَمَل أَنْ يُقَال : لَا يَلْزَم مِنْ التَّسْوِيَة بَيْن مَا عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَم فِيمَا لَمْ يُؤْمَر بِاِتِّخَاذِهِ أَنْ يَكُون الْحُكْم كَذَلِكَ فِيمَا أُذِنَ فِي اِتِّخَاذه قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْكَلْب حَتَّى مَنَعَ الْمَلَائِكَة مِنْ دُخُول الْبَيْت الَّذِي هُوَ فِيهِ , فَقِيلَ : لِكَوْنِهَا نَجِسَة الْعَيْن , وَيَتَأَيَّد ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث عَنْ عَائِشَة عِنْد مُسْلِم \" فَأَمَرَ بِنَضْحِ مَوْضِع الْكَلْب \" وَقِيلَ : لِكَوْنِهَا مِنْ الشَّيَاطِين , وَقِيلَ : لِأَجْلِ النَّجَاسَة الَّتِي تَتَعَلَّق بِهَا فَإِنَّهَا تُكْثِر أَكْل النَّجَاسَة وَتَتَلَطَّخ بِهَا فَيَنْجُس مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ , وَعَلَى هَذَا يَحْمِل مَنْ لَا يَقُول إِنَّ الْكَلْب نَجِس الْعَيْن نَضْح مَوْضِعه اِحْتِيَاطًا لِأَنَّ النَّضْح مَشْرُوع لِتَطْهِيرِ الْمَشْكُوك فِيهِ , وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالْمَلَائِكَةِ فَقِيلَ : هُوَ عَلَى الْعُمُوم وَأَيَّدَهُ النَّوَوِيّ بِقِصَّةِ جِبْرِيل الْآتِي ذِكْرهَا فَقِيلَ : يُسْتَثْنَى الْحَفَظَة , وَأَجَابَ الْأَوَّل بِجَوَازِ أَنْ لَا يَدْخُلُوا مَعَ اِسْتِمْرَار الْكِنَايَة بِأَنْ يَكُونُوا عَلَى بَاب الْبَيْت , وَقِيلَ الْمُرَاد مَنْ نَزَلَ مِنْهُمْ بِالرَّحْمَةِ , وَقِيلَ : مَنْ نَزَلَ بِالْوَحْيِ خَاصَّة كَجِبْرِيل , وَهَذَا نَقْل عَنْ اِبْن وَضَّاح وَالدَّاوُدِيّ وَغَيْرهمَا وَيَلْزَم مِنْهُ اِخْتِصَاص النَّهْي بِعَهْدِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ الْوَحْي اِنْقَطَعَ بَعْده وَبِانْقِطَاعِهِ اِنْقَطَعَ نُزُولهمْ. وَقِيلَ : التَّخْصِيص فِي الصِّفَة أَيْ لَا يَدْخُلهُ الْمَلَائِكَة دُخُولهمْ بَيْت مَنْ لَا كَلْب فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَصَاوِير ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر الْمَاضِيَة فِي بَدْء الْخَلْق عَنْ الزُّهْرِيِّ \" وَلَا صُورَة \". بِالْإِفْرَادِ , وَكَذَا فِي مُعْظَم الرِّوَايَات وَفَائِدَة إِعَادَة حَرْف النَّفْي الِاحْتِرَاز مِنْ تَوَهُّم الْقَصْر فِي عَدَم الدُّخُول عَلَى اِجْتِمَاع الصِّنْفَيْنِ , فَلَا يَمْتَنِع الدُّخُول مَعَ وُجُود أَحَدهمَا , فَلَمَّا أُعِيدَ حَرْف النَّفْي صَارَ التَّقْدِير وَلَا تَدْخُل بَيْتًا فِيهِ صُورَة , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَالصُّورَة الَّتِي لَا تَدْخُل الْمَلَائِكَة الْبَيْت الَّذِي هِيَ فِيهِ مَا يَحْرُم اِقْتِنَاؤُهُ , وَهُوَ مَا يَكُون مِنْ الصُّوَر الَّتِي فِيهَا الرُّوح مِمَّا لَمْ يُقْطَع رَأْسه أَوْ لَمْ يُمْتَهَن عَلَى مَا سَيَأْتِي تَقْرِيره فِي \" بَاب مَا وُطِئَ مِنْ التَّصَاوِير \" بَعْد بَابَيْنِ , وَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَى تَقْوِيَة مَا ذَهَب إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ فِي \" بَاب لَا تَدْخُل الْمَلَائِكَة بَيْتًا فِيهِ صُورَة \" وَأَغْرَبَ اِبْن حِبَّان فَادَّعَى أَنَّ هَذَا الْحُكْم خَاصّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ. وَهُوَ نَظِير الْحَدِيث الْآخَر \" لَا تَصْحَب الْمَلَائِكَة رُفْقَة فِيهَا جَرَس \" قَالَ فَإِنَّهُ مَحْمُول عَلَى رُفْقَة فِيهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذْ مُحَال أَنْ يَخْرُج الْحَاجّ وَالْمُعْتَمِر لِقَصْدِ بَيْت اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَوَاحِل لَا تَصْحَبهَا الْمَلَائِكَة وَهُمْ وَفْد اللَّه اِنْتَهَى وَهُوَ تَأْوِيل بَعِيد جِدًّا لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ , وَيُزِيل شُبْهَته أَنَّ كَوْنهمْ وَفْد اللَّه لَا يَمْنَع أَنْ يُؤَاخَذُوا بِمَا يَرْتَكِبُونَهُ مِنْ خَطِيئَة فَيَجُوز أَنْ يُحْرَمُوا بَرَكَة الْمَلَائِكَة بَعْد مُخَالَطَتهمْ لَهُمْ إِذَا اِرْتَكَبُوا النَّهْي وَاسْتَصْحَبُوا الْجَرَس , وَكَذَا الْقَوْل فِيمَنْ يَقْتَنِي الصُّورَة وَالْكَلْب. وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ كَوْن الْمَلَائِكَة لَا تَدْخُل الْمَكَان الَّذِي فِيهِ التَّصَاوِير مَعَ قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى عِنْد ذِكْر سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام ( يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِنْ مَحَارِيب وَتَمَاثِيل ) وَقَدْ قَالَ مُجَاهِد : كَانَتْ صُوَرًا مِنْ نُحَاس أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ قَتَادَة : كَانَتْ مِنْ خَشَب وَمِنْ زُجَاج أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق. وَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة وَكَانُوا يَعْمَلُونَ أَشْكَال الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ عَلَى هَيْئَتهمْ فِي الْعِبَادَة لِيَتَعَبَّدُوا كَعِبَادَتِهِمْ , وَقَدْ قَالَ أَبُو الْعَالِيَة : لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي شَرِيعَتهمْ حَرَامًا ثُمَّ جَاءَ شَرْعُنَا بِالنَّهْيِ عَنْهُ , وَيُحْتَمَل أَنْ يُقَال : إِنَّ التَّمَاثِيل كَانَتْ عَلَى صُورَة النُّقُوش لِغَيْرِ ذَوَات الْأَرْوَاح , وَإِذَا كَانَ اللَّفْظ مُحْتَمَلًا لَمْ يَتَعَيَّن الْحَمْل عَلَى الْمَعْنَى الْمُشْكِل , وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الْكَنِيسَة الَّتِي كَانَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَة وَمَا فِيهَا مِنْ التَّصَاوِير , وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُل الصَّالِح بَنَوْا عَلَى قَبْره مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَة , أُولَئِكَ شِرَار الْخَلْق عِنْد اللَّه \" فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِر بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ذَلِكَ الشَّرْع مَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ شَرّ الْخَلْق , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْل صُوَر الْحَيَوَان فِعْل مُحْدَث أَحْدَثَهُ عُبَّاد الصُّوَر , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5494",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُسْلِمٍ ‏ ‏قَالَ كُنَّا مَعَ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏فِي دَارِ ‏ ‏يَسَارِ بْنِ نُمَيْرٍ ‏ ‏فَرَأَى فِي صُفَّتِهِ تَمَاثِيلَ ‏ ‏فَقَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن صُبَيْح أَبُو الضُّحَى وَهُوَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَر , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ يَكُون مُسْلِم بْن عِمْرَان البطين ثُمَّ قَالَ : إِنَّهُ الظَّاهِر , وَهُوَ مَرْدُود فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي الضُّحَى. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّا مَعَ مَسْرُوق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْأَجْدَع. ‏ ‏قَوْله : ( فِي دَار يَسَار بْن نُمَيْر ) ‏ ‏هُوَ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُهْمَلَة خَفِيفَة , وَأَبُوهُ بِنُونٍ مُصَغَّر ; وَيَسَار مَدَنِيّ سَكَنَ الْكُوفَة وَكَانَ مَوْلَى عُمَر وَخَازِنه , وَلَهُ رِوَايَة عَنْ عُمَر وَعَنْ غَيْره. وَرَوَى عَنْهُ أَبُو وَائِل وَهُوَ مِنْ أَقْرَانه , وَأَبُو بُرْدَة بْن أَبِي مُوسَى وَأَبُو إِسْحَاق السَّبِيعِيّ , وَهُوَ مُوَثَّق وَلَمْ أَرَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَأَى فِي صُفَّته ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْفَاء فِي رِوَايَة مَنْصُور عَنْ أَبِي الضُّحَى عِنْد مُسْلِم \" كُنْت مَعَ مَسْرُوق فِي بَيْت فِيهِ تَمَاثِيل فَقَالَ لِي مَسْرُوق هَذِهِ تَمَاثِيل كِسْرَى , فَقُلْت : لَا هَذِهِ تَمَاثِيل مَرْيَم \" كَأَنَّ مَسْرُوقًا ظَنَّ أَنَّ التَّصْوِير كَانَ مِنْ مَجُوسِيّ , وَكَانُوا يُصَوِّرُونَ صُورَة مُلُوكهمْ حَتَّى فِي الْأَوَانِي , فَظَهَرَ أَنَّ التَّصْوِير كَانَ مِنْ نَصْرَانِيّ لِأَنَّهُمْ يُصَوِّرُونَ صُورَة مَرْيَم وَالْمَسِيح وَغَيْرهمَا وَيَعْبُدُونَهَا. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود وَفِي رِوَايَة مَنْصُور فَقَالَ : \" أَمَا إِنِّي سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ أَشَدّ النَّاس عَذَابًا عِنْد اللَّه الْمُصَوِّرُونَ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان \" يَوْم الْقِيَامَة \" بَدَل قَوْله : \" عِنْد اللَّه \" وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَد اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان , وَأَخْرَجَهُ عَنْ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه , فَلَعَلَّ الْحُمَيْدِيّ حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ بِدَلِيلِ مَا وَقَعَ فِي التَّرْجَمَة , أَوْ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيّ حَدَّثَ بِهِ بِلَفْظِ \" عِنْد اللَّه \" وَالتَّرْجَمَة مُطَابِقَة لِلَّفْظِ الَّذِي فِي حَدِيث اِبْن عُمَر ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" عِنْد اللَّه \" حُكْم اللَّه. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش أَنَّ \" مِنْ أَشَدّ النَّاس \" وَاخْتُلِفَ نَسْخه فَفِي بَعْضهَا \" الْمُصَوِّرِينَ \" وَهِيَ لِلْأَكْثَرِ وَفِي بَعْضهَا \" الْمُصَوِّرُونَ \" وَهِيَ لِأَحْمَد عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة أَيْضًا , وَوُجِّهَتْ بِأَنَّ \" مِنْ \" زَائِدَة وَاسْم إِنَّ أَشَدّ , وَوَجَّهَهَا اِبْن مَالِك عَلَى حَذْف ضَمِير الشَّأْن وَالتَّقْدِير أَنَّهُ مِنْ أَشَدّ النَّاس إِلَخْ. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ كَوْن الْمُصَوِّر أَشَدّ النَّاس عَذَابًا مَعَ قَوْله تَعَالَى : ( أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْن أَشَدّ الْعَذَاب ) فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُون الْمُصَوِّر أَشَدّ عَذَابًا مِنْ آل فِرْعَوْن , وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ الْمُرَاد هُنَا مَنْ يُصَوِّر مَا يُعْبَد مِنْ دُون اللَّه وَهُوَ عَارِف بِذَلِكَ قَاصِدًا لَهُ فَإِنَّهُ يَكْفُر بِذَلِكَ , فَلَا يَبْعُد أَنْ يُدْخَل مُدْخَل آل فِرْعَوْن وَأَمَّا مَنْ لَا يَقْصِد ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُون عَاصِيًا بِتَصْوِيرِهِ فَقَطْ. وَأَجَابَ غَيْره بِأَنَّ الرِّوَايَة بِإِثْبَاتِ \" مِنْ \" ثَابِتَة وَبِحَذْفِهَا مَحْمُولَة عَلَيْهَا , وَإِذَا كَانَ مَنْ يَفْعَل التَّصْوِير مِنْ أَشَدّ النَّاس عَذَابًا كَانَ مُشْتَرِكًا مَعَ غَيْره , وَلَيْسَ فِي الْآيَة مَا يَقْتَضِي اِخْتِصَاص آل فِرْعَوْن بِأَشَدّ الْعَذَاب بَلْ هُمْ فِي الْعَذَاب الْأَشَدّ , فَكَذَلِكَ غَيْرهمْ يَجُوز أَنْ يَكُون فِي الْعَذَاب الْأَشَدّ , وَقَوَّى الطَّحَاوِيُّ ذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن مَسْعُود رَفَعَهُ \" إِنَّ أَشَدّ النَّاس عَذَابًا يَوْم الْقِيَامَة رَجُل قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ قَتَلَهُ نَبِيّ , وَإِمَام ضَلَالَة , وَمُمَثِّل مِنْ الْمُمَثِّلِينَ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد. وَقَدْ وَقَعَ بَعْض هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمُصَوِّر وَعَلَى مَنْ قَتَلَهُ نَبِيّ , وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعًا \" أَشَدّ النَّاس عَذَابًا يَوْم الْقِيَامَة رَجُل هَجَا رَجُلًا فَهَجَا الْقَبِيلَة بِأَسْرِهَا \" قَالَ الطَّحَاوِيُّ : فَكُلّ وَاحِد مِنْ هَؤُلَاءِ يَشْتَرِك مَعَ الْآخَر فِي شِدَّة الْعَذَاب. وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد بْن رُشْد فِي \" مُخْتَصَر مُشْكِل الطَّحَاوِيِّ \" مَا حَاصِله : إِنَّ الْوَعِيد بِهَذِهِ الصِّيغَة إِنْ وَرَدَ فِي حَقّ كَافِر فَلَا إِشْكَال فِيهِ لِأَنَّهُ يَكُون مُشْتَرِكًا فِي ذَلِكَ مَعَ آل فِرْعَوْن وَيَكُون فِيهِ دَلَالَة عَلَى عِظَم كُفْر الْمَذْكُور , وَإِنْ وَرَدَ فِي حَقّ عَاصٍ فَيَكُون أَشَدّ عَذَابًا مِنْ غَيْره مِنْ الْعُصَاة وَيَكُون ذَلِكَ دَالًّا عَلَى عِظَم الْمَعْصِيَة الْمَذْكُورَة. وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" بِأَنَّ النَّاس الَّذِينَ أُضِيفَ إِلَيْهِمْ \" أَشَدّ \" لَا يُرَاد بِهِمْ كُلّ النَّاس بَلْ بَعْضهمْ وَهُمْ مَنْ يُشَارِك فِي الْمَعْنَى الْمُتَوَعَّد عَلَيْهِ بِالْعَذَابِ , فَفِرْعَوْن أَشَدّ النَّاس الَّذِينَ اِدَّعَوْا الْإِلَهِيَّة عَذَابًا , وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي ضَلَالَة كُفْره أَشَدّ عَذَابًا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي ضَلَالَة فِسْقه , وَمَنْ صَوَّرَ صُورَة ذَات رُوح لِلْعِبَادَةِ أَشَدّ عَذَابًا مِمَّنْ يُصَوِّرهَا لَا لِلْعِبَادَةِ. وَاسْتَشْكَلَ ظَاهِر الْحَدِيث أَيْضًا بِإِبْلِيسَ وَبِابْنِ آدَم الَّذِي سَنَّ الْقَتْل , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ فِي إِبْلِيس وَاضِح , وَيُجَاب بِأَنَّ الْمُرَاد بِالنَّاسِ مَنْ يُنْسَب إِلَى آدَم , وَأَمَّا فِي اِبْن آدَم فَأُجِيبَ بِأَنَّ الثَّابِت فِي حَقّه أَنَّ عَلَيْهِ مِثْل أَوْزَار مَنْ يَقْتُل ظُلْمًا , وَلَا يَمْتَنِع أَنْ يُشَارِكهُ فِي مِثْل تَعْذِيبه مَنْ اِبْتَدَأَ الزِّنَا مَثَلًا فَإِنَّ عَلَيْهِ مِثْل أَوْزَار مَنْ يَزْنِي بَعْده لِأَنَّهُ أَوَّل مَنْ سَنَّ ذَلِكَ , وَلَعَلَّ عَدَد الزُّنَاة أَكْثَر مِنْ الْقَاتِلِينَ. قَالَ النَّوَوِيّ قَالَ الْعُلَمَاء : تَصْوِير صُورَة الْحَيَوَان حَرَام شَدِيد التَّحْرِيم وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِر لِأَنَّهُ مُتَوَعَّد عَلَيْهِ بِهَذَا الْوَعِيد الشَّدِيد , وَسَوَاء صَنَعَهُ لِمَا يُمْتَهَن أَمْ لِغَيْرِهِ فَصُنْعه حَرَام بِكُلِّ حَال , وَسَوَاء كَانَ فِي ثَوْب أَوْ بِسَاط أَوْ دِرْهَم أَوْ دِينَار أَوْ فَلْس أَوْ إِنَاء أَوْ حَائِط أَوْ غَيْرهَا , فَأَمَّا تَصْوِير مَا لَيْسَ فِيهِ صُورَة حَيَوَان فَلَيْسَ بِحَرَامٍ. قُلْت : وَيُؤَيِّد التَّعْمِيم فِيمَا لَهُ ظِلّ وَفِيمَا لَا ظِلّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث عَلِيّ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيّكُمْ يَنْطَلِق إِلَى الْمَدِينَة فَلَا يَدَع بِهَا وَثَنًا إِلَّا كَسَرَهُ وَلَا صُورَة إِلَّا لَطَّخَهَا أَيْ طَمَسَهَا \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" مَنْ عَادَ إِلَى صَنْعَة شَيْء مِنْ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد \" وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا عُظِّمَتْ عُقُوبَة الْمُصَوِّر لِأَنَّ الصُّوَر كَانَتْ تُعْبَد مِنْ دُون اللَّه ; وَلِأَنَّ النَّظَر إِلَيْهَا يَفْتِن , وَبَعْض النُّفُوس إِلَيْهَا تَمِيل. قَالَ : وَالْمُرَاد بِالصُّوَرِ هُنَا التَّمَاثِيل الَّتِي لَهَا رُوح وَقِيلَ : يُفَرَّق بَيْن الْعَذَاب وَالْعِقَاب , فَالْعَذَاب يُطْلَق عَلَى مَا يُؤْلِم مِنْ قَوْل أَوْ فِعْل كَالْعَتْب وَالْإِنْكَار , وَالْعِقَاب يَخْتَصّ بِالْفِعْلِ فَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الْمُصَوِّر أَشَدّ النَّاس عَذَابًا أَنْ يَكُون أَشَدّ النَّاس عُقُوبَة. هَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّرِيف الْمُرْتَضَى فِي \" الْغُرَر \" وَتُعُقِّبَ بِالْآيَةِ الْمُشَار إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا اِنْبَنَى الْإِشْكَال , وَلَمْ يَكُنْ هُوَ عَرَّجَ عَلَيْهَا , فَلِهَذَا اِرْتَضَى التَّفْرِقَة , وَاَللَّه أَعْلَم. وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو عَلِيّ الْفَارِسِيّ فِي \" التَّذْكِرَة \" عَلَى تَكْفِير الْمُشَبَّهَة فَحَمَلَ الْحَدِيث عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ الْمُصَوِّرُونَ أَيْ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لِلَّهِ صُورَة. وَتُعُقِّبَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي بَعْده فِي الْبَاب بِلَفْظِ \" إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّورَة يُعَذَّبُونَ \" وَبِحَدِيثِ عَائِشَة الْآتِي بَعْد بَابَيْنِ بِلَفْظِ \" إِنَّ أَصْحَاب هَذِهِ الصُّوَر يُعَذَّبُونَ \" وَغَيْر ذَلِكَ , وَلَوْ سَلِمَ لَهُ اِسْتِدْلَاله لَمْ يَرِد عَلَيْهِ الْإِشْكَال الْمُقَدَّم ذِكْره. وَخَصَّ بَعْضهمْ الْوَعِيد الشَّدِيد بِمَنْ صَوَّرَ قَاصِدًا أَنْ يُضَاهِي , فَإِنَّهُ يَصِير بِذَلِكَ الْقَصْد كَافِرًا , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب مَا وُطِئَ مِنْ التَّصَاوِير \" بِلَفْظِ \" أَشَدّ النَّاس عَذَابًا الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّه تَعَالَى \" وَأَمَّا مَنْ عَدَاهُ فَيَحْرُم عَلَيْهِ وَيَأْثَم , لَكِنْ إِثْمه دُون إِثْم الْمُضَاهِي. قُلْت : وَأَشَدّ مِنْهُ مَنْ يُصَوِّر مَا يُعْبَد مِنْ دُون اللَّه كَمَا تَقَدَّمَ. وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيّ أَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَعْمَلُونَ الْأَصْنَام مِنْ كُلّ شَيْء حَتَّى أَنَّ بَعْضهمْ عَمِلَ صَنَمه مِنْ عَجْوَة ثُمَّ جَاعَ فَأَكَلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5495",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَر يُعَذَّبُونَ يَوْم الْقِيَامَة , يُقَال لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ) ‏ ‏هُوَ أَمْر تَعْجِيز , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ صِفَة تَعْذِيب الْمُصَوِّر , وَهُوَ أَنْ يُكَلَّف نَفْخ الرُّوح فِي الصُّورَة الَّتِي صَوَّرَهَا , وَهُوَ لَا يَقْدِر عَلَى ذَلِكَ , فَيَسْتَمِرّ تَعْذِيبه كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره فِي \" بَاب مَنْ صَوَّرَ صُورَة \" بَعْد أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "5496",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏حَدَّثَتْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ ‏ ‏تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَبْد اللَّه الدَّسْتُوَائِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير , ‏ ‏وَعِمْرَان بْن حِطَّان ‏ ‏تَقَدَّمَ ذِكْره فِي أَوَائِل كِتَاب اللِّبَاس. ‏ ‏وَفِي قَوْله : \" أَنَّ عَائِشَة حَدَّثَتْهُ \" ‏ ‏رَدّ عَلَى اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي قَوْله إِنَّ عِمْرَان لَمْ يَسْمَع مِنْ عَائِشَة , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَده مِنْ رِوَايَة صَالِح بْن سَرْح عَنْ عِمْرَان \" سَمِعْت عَائِشَة \" فَذَكَرَ حَدِيثًا آخَر. وَفِي الطَّبَرِيّ الصَّغِير بِسَنَدٍ قَوِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عِمْرَان \" قَالَتْ لِي عَائِشَة \" وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِل اللِّبَاس لَهُ حَدِيث آخَر فِيهِ التَّصْرِيح بِسُؤَالِهِ عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَكُنْ يَتْرُك فِي بَيْته شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيب ) ‏ ‏جَمْع صَلِيب كَأَنَّهُمْ سَمَّوْا مَا كَانَتْ فِيهِ صُورَة الصَّلِيب تَصْلِيبًا تَسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" شَيْئًا فِيهِ تَصْلِيب \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" تَصَاوِير \" بَدَل تَصَالِيب , وَرِوَايَة الْجَمَاعَة أَثْبَت , قَفَدَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ هِشَام فَقَالَ : \" تَصَالِيب \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة أَبَان الْعَطَّار عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير , وَعَلَى هَذَا فَيُحْتَاج إِلَى مُطَابَقَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ اِسْتَنْبَطَ مِنْ نَقْضِ الصَّلِيب نَقْض الصُّورَة الَّتِي تَشْتَرِك مَعَ الصَّلِيب فِي الْمَعْنَى وَهُوَ عِبَادَتهمَا مِنْ دُون اللَّه. فَيَكُون الْمُرَاد بِالصُّوَرِ فِي التَّرْجَمَة خُصُوص مَا يَكُون مِنْ ذَوَات الْأَرْوَاح , بَلْ أَخَصّ مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا نَقَضَهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبَان إِلَّا قَضَبَهُ , بِتَقْدِيمِ الْقَاف ثُمَّ الْمُعْجَمَة ثُمَّ الْمُوَحَّدَة , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ هِشَام وَرَجَّحَهَا بَعْض شُرَّاح \" الْمَصَابِيح \" وَعَكَسَهُ الطِّيبِيُّ فَقَالَ : رِوَايَة الْبُخَارِيّ أَضْبَط وَالِاعْتِمَاد عَلَيْهِمْ أَوْلَى. قُلْت : وَيَتَرَجَّح مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ النَّقْض يُزِيل الصُّورَة مَعَ بَقَاء الثَّوْب عَلَى حَاله , وَالْقَضْب وَهُوَ الْقَطْع يُزِيل صُورَة الثَّوْب , قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذَا الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْقُض الصُّورَة سَوَاء كَانَتْ مِمَّا لَهُ ظِلّ أَمْ لَا , وَسَوَاء كَانَتْ مِمَّا تُوطَأ أَمْ لَا , سَوَاء فِي الثِّيَاب وَفِي الْحِيطَان وَفِي الْفُرُش وَالْأَوْرَاق وَغَيْرهَا. قُلْت : وَهَذَا مَبْنِيّ عَلَى ثُبُوت الرِّوَايَة بِلَفْظِ \" تَصَاوِير \" وَأَمَّا بِلَفْظِ \" تَصَالِيب \" فَلَا لِأَنَّ فِي التَّصَالِيب مَعْنًى زَائِدًا عَلَى مُطْلَق الصُّوَر ; لِأَنَّ الصَّلِيب مِمَّا عُبِدَ مِنْ دُون اللَّه بِخِلَافِ الصُّوَر فَلَيْسَ جَمِيعهَا مِمَّا عُبِدَ , فَلَا يَكُون فِيهِ حُجَّة عَلَى مَنْ فَرَّقَ فِي الصُّوَر بَيْن مَا لَهُ رُوح فَمَنَعَهُ وَمَا لَا رُوح فِيهِ فَلَمْ يَمْنَعهُ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيله. فَإِذَا كَانَ الْمُرَاد بِالنَّقْضِ الْإِزَالَة دَخَلَ طَمْسهَا فِيمَا لَوْ كَانَتْ نَقْشًا فِي الْحَائِط أَوْ حَكّهَا أَوْ لَطْخهَا بِمَا يُغَيِّب هَيْئَتهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5497",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَارَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو زُرْعَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ مَعَ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏دَارًا ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَرَأَى أَعْلَاهَا مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً ثُمَّ دَعَا ‏ ‏بِتَوْرٍ ‏ ‏مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى بَلَغَ إِبْطَهُ فَقُلْتُ يَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ مُنْتَهَى الْحِلْيَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد , وَعِمَارَة هُوَ اِبْن الْقَعْقَاع. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَمْرو بْن جَرِير. ‏ ‏قَوْله : ( دَخَلْت مَعَ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏جَاءَ عَنْ أَبِي زُرْعَة الْمَذْكُور حَدِيث آخَر بِسَنَدٍ آخَر أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن مُدْرِك عَنْ عَبْد اللَّه بْن نُجَيّ بِنُونٍ وَجِيم مُصَغَّر عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ رَفَعَهُ \" لَا تَدْخُل الْمَلَائِكَة بَيْتًا فِيهِ كَلْب وَلَا صُورَة \". ‏ ‏قَوْله : ( دَارًا بِالْمَدِينَةِ ) ‏ ‏هِيَ لِمَرْوَان بْن الْحَكَم , وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع عِنْد مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَعِنْد مُسْلِم أَيْضًا وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ عُمَارَة \" دَارًا تُبْنَى لِسَعِيدٍ أَوْ لِمَرْوَان \" بِالشَّكِّ , وَسَعِيد هُوَ اِبْن الْعَاصِ بْن سَعِيد الْأُمَوِيّ , وَكَانَ هُوَ وَمَرْوَان بْن الْحَكَم يَتَعَاقَبَانِ إِمْرَة الْمَدِينَة لِمُعَاوِيَةَ , وَالرِّوَايَة الْجَازِمَة أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( مُصَوِّرًا يُصَوِّر ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَقَوْله : \" يُصَوِّر \" بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَة لِلْجَمِيعِ , وَضَبَطَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِوَجْهَيْنِ أَحَدهمَا هَذَا وَالْآخَر بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَضَمّ الصَّاد الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْوَاو ثُمَّ رَاء مُنَوَّنَة , وَهُوَ بَعِيد. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُق كَخَلْقِي ) ‏ ‏هَكَذَا فِي الْبُخَارِيّ , وَقَدْ وَقَعَ نَحْو ذَلِكَ فِي حَدِيث آخَر لِأَبِي هُرَيْرَة تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي \" بَاب مَا يُذْكَر فِي الْمِسْك \" وَفِيهِ حَذْف بَيَّنَهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة جَرِير الْمَذْكُورَة \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّه تَعَالَى : \" وَمَنْ أَظْلَمَ \" إِلَخْ , وَنَحْوه فِي رِوَايَة اِبْن فُضَيْلٍ , وَقَوْله : \" ذَهَبَ \" أَيْ قَصَدَ وَقَوْله : \" كَخَلْقِي \" التَّشْبِيه فِي فِعْل الصُّورَة وَحْدهَا لَا مِنْ كُلّ الْوُجُوه , قَالَ اِبْن بَطَّال : فَهِمَ أَبُو هُرَيْرَة أَنَّ التَّصْوِير يَتَنَاوَل مَا لَهُ ظِلّ وَمَا لَيْسَ لَهُ ظِلّ , فَلِهَذَا أَنْكَرَ مَا يُنْقَش فِي الْحِيطَان. قُلْت : هُوَ ظَاهِر مِنْ عُمُوم اللَّفْظ , وَيُحْتَمَل أَنْ يُقْصَر عَلَى مَا لَهُ ظِلّ مِنْ جِهَة قَوْله : \" كَخَلْقِي \" فَإِنَّ خَلْقه الَّذِي اِخْتَرَعَهُ لَيْسَ صُورَة فِي حَائِط بَلْ هُوَ خَلْق تَامّ , لَكِنْ بَقِيَّة الْحَدِيث تَقْتَضِي تَعْمِيم الزَّجْر عَنْ تَصْوِير كُلّ شَيْء وَهِيَ قَوْله : \" فَلْيَخْلُقُوا حَبَّة وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّة \" وَهِيَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء , وَيُجَاب عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَاد إِيجَاد حَبَّة عَلَى الْحَقِيقَة لَا تَصْوِيرهَا. وَوَقَعَ لِابْنِ فُضَيْلٍ مِنْ الزِّيَادَة \" وَلْيَخْلُقُوا شَعْرَة \" وَالْمُرَاد بِالْحَبَّةِ حَبَّة الْقَمْح بِقَرِينَةِ ذِكْر الشَّعِير , أَوْ الْحَبَّة أَعَمّ , وَالْمُرَاد بِالذَّرَّةِ النَّمْلَة , وَالْغَرَض تَعْجِيزهمْ تَارَة بِتَكْلِيفِهِمْ خَلْق حَيَوَان وَهُوَ أَشَدّ وَأُخْرَى بِتَكْلِيفِهِمْ خَلْق جَمَاد وَهُوَ أَهْوَن , وَمَعَ ذَلِكَ لَا قُدْرَة لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ دَعَا بِتَوْرٍ ) ‏ ‏أَيْ طَلَبَ تَوْرًا , وَهُوَ بِمُثَنَّاةٍ إِنَاء كَالطَّسْتِ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الطَّهَارَة. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ مَاء ) ‏ ‏أَيْ فِيهِ مَاء. ‏ ‏قَوْله : ( فَغَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى بَلَغَ إِبْطه ) ‏ ‏فِي هَذِهِ الرِّوَايَة اِخْتِصَار وَبَيَانه فِي رِوَايَة جَرِير بِلَفْظِ \" فَتَوَضَّأَ أَبُو هُرَيْرَة فَغَسَلَ يَده حَتَّى بَلَغَ إِبْطه وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ رُكْبَتَيْهِ \" أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَقَدَّمَ قِصَّة الْوُضُوء عَلَى قِصَّة الْمُصَوِّر , وَلَمْ يَذْكُر مُسْلِم قِصَّة الْوُضُوء هُنَا. ‏ ‏قَوْله : ( مُنْتَهَى الْحِلْيَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" إِنَّهُ مُنْتَهَى الْحِلْيَة \" كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى الْحَدِيث الْمُتَقَدِّم فِي الطَّهَارَة فِي فَصْل الْغُرَّة وَالتَّحْجِيل فِي الْوُضُوء , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيثه الْآخَر \" تَبْلُغ الْحِلْيَة مِنْ الْمُؤْمِن حَيْثُ يَبْلُغ الْوُضُوء \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه , وَالْبَحْث فِي ذَلِكَ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ. وَلَيْسَ بَيْن مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْخَبَر مِنْ الزَّجْر عَنْ التَّصْوِير وَبَيْن مَا ذُكِرَ مِنْ وُضُوء أَبِي هُرَيْرَة مُنَاسَبَة , وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَبُو زُرْعَة بِمَا شَاهَدَ وَسَمِعَ مِنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5498",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ ‏ ‏وَمَا ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ أَفْضَلُ مِنْهُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَرْتُ ‏ ‏بِقِرَامٍ ‏ ‏لِي عَلَى ‏ ‏سَهْوَةٍ ‏ ‏لِي فِيهَا تَمَاثِيلُ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَتَكَهُ وَقَالَ ‏ ‏أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ ‏ ‏يُضَاهُونَ ‏ ‏بِخَلْقِ اللَّهِ قَالَتْ فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْقَاسِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ سَفَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهَا غَزْوَة تَبُوك , وَفِي أُخْرَى لِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ غَزْوَة تَبُوك أَوْ خَيْبَر عَلَى الشَّكّ. ‏ ‏قَوْله : ( بِقِرَامٍ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَتَخْفِيف الرَّاء : هُوَ سِتْر فِيهِ رَقْم وَنَقْش , وَقِيلَ : ثَوْب مِنْ صُوف مُلَوَّن يُفْرَش فِي الْهَوْدَج أَوْ يُغَطَّى بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى سَهْوَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْهَاء هِيَ صِفَة مِنْ جَانِب الْبَيْت , وَقِيلَ : الْكُوَّة , وَقِيلَ : الرَّفّ , وَقِيلَ : أَرْبَعَة أَعْوَاد أَوْ ثَلَاثَة يُعَارَض بَعْضهَا بِبَعْضٍ يُوضَع عَلَيْهَا شَيْء مِنْ الْأَمْتِعَة , وَقِيلَ : أَنْ يُبْنَى مِنْ حَائِط الْبَيْت حَائِط صَغِير وَيُجْعَل السَّقْف عَلَى الْجَمِيع فَمَا كَانَ وَسَط الْبَيْت فَهُوَ السَّهْوَة وَمَا كَانَ دَاخِله فَهُوَ الْمِخْدَع , وَقِيلَ : دُخْلَة فِي نَاحِيَة الْبَيْت , وَقِيلَ : بَيْت صَغِير يُشْبِه الْمِخْدَع , وَقِيلَ : بَيْت صَغِير مُنْحَدِر فِي الْأَرْض وَسُمْكه مُرْتَفِع مِنْ الْأَرْض كَالْخِزَانَةِ الصَّغِيرَة يَكُون فِيهَا الْمَتَاع , وَرَجَّحَ هَذَا الْأَخِير أَبُو عُبَيْد , وَلَا مُخَالَفَة بَيْنه وَبَيْن الَّذِي قَبْله. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة أَيْضًا فِي ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب أَنَّهَا عَلَّقَتْهُ عَلَى بَابهَا , وَكَذَا فِي رِوَايَة زَيْد بْن خَالِد الْجُهَنِيّ عَنْ عَائِشَة عِنْد مُسْلِم , فَتَعَيَّنَ أَنَّ السَّهْوَة بَيْت صَغِير عَلَّقَتْ السِّتْر عَلَى بَابه. ‏ ‏قَوْله : ( فِيهِ تَمَاثِيل ) ‏ ‏بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَة جَمْع تِمْثَال وَهُوَ الشَّيْء الْمُصَوَّر , أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون شَاخِصًا أَوْ يَكُون نَقْشًا أَوْ دِهَانًا أَوْ نَسْجًا فِي ثَوْب , وَفِي رِوَايَة بُكَيْر بْن الْأَشَجّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عِنْد مُسْلِم أَنَّهَا نَصَبَتْ سِتْرًا فِيهِ تَصَاوِير. ‏ ‏قَوْله : ( هَتَكَهُ ) ‏ ‏أَيْ نَزَعَهُ , وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا \" فَأَمَرَنِي أَنْ أَنْزِعهُ فَنَزَعْته \". ‏ ‏قَوْله : ( أَشَدّ النَّاس عَذَابًا يَوْم الْقِيَامَة الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّه ) ‏ ‏أَيْ يُشَبِّهُونَ مَا يَصْنَعُونَهُ بِمَا يَصْنَعهُ اللَّه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ : الْقَاسِم عِنْد مُسْلِم \" الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّه \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى قَوْله : \" أَشَدّ \" قَبْل بِبَابٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَة أَوْ وِسَادَتَيْنِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي الْمَظَالِم مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه الْعُمَرِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم بِهَذَا السَّنَد قَالَتْ : \" فَاِتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ فَكَانَتَا فِي الْبَيْت يَجْلِس عَلَيْهِمَا \" وَهُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عُبَيْد اللَّه بِلَفْظِ \" فَأَخَذَتْهُ فَجَعَلَتْهُ مِرْفَقَتَيْنِ , فَكَانَ يَرْتَفِق بِهِمَا فِي الْبَيْت \" وَالنُّمْرُقَة يَأْتِي ضَبْطهَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق بُكَيْر بْن الْأَشَجّ \" فَقَطَعَتْهُ وِسَادَتَيْنِ فَقَالَ رَجُل فِي الْمَجْلِس يُقَال لَهُ رَبِيعَة بْن عَطَاء : أَفَمَا سَمِعْت أَبَا مُحَمَّد - يُرِيد الْقَاسِم بْن مُحَمَّد - يَذْكُر أَنَّ عَائِشَة قَالَتْ : فَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْتَفِق عَلَيْهِمَا ؟ قَالَ اِبْن الْقَاسِم يَعْنِي عَبْد الرَّحْمَن : لَا. قَالَ : لَكِنِّي قَدْ سَمِعْته \". ‏"
    },
    {
        "id": "5499",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ سَفَرٍ ‏ ‏وَعَلَّقْتُ ‏ ‏دُرْنُوكًا ‏ ‏فِيهِ تَمَاثِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ أَنْزِعَهُ فَنَزَعْتُهُ وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه بْن دَاوُدَ ) ‏ ‏هُوَ الْخُرَيْبِيّ بِمُعْجَمَةٍ وَرَاء وَمُوَحَّدَة مُصَغَّر , ‏ ‏وَهِشَام ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله : ( دُرْنُوكًا ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام \" عَلَى بَابِي \" وَالدُّرْنُوك بِضَمِّ الدَّال الْمُهْمَلَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا نُون مَضْمُومَة ثُمَّ كَاف وَيُقَال فِيهِ دُرْمُوك بِالْمِيمِ بَدَل النُّون , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ ثَوْب غَلِيظ لَهُ خَمْل إِذَا فُرِشَ فَهُوَ بِسَاط , وَإِذَا عُلِّقَ فَهُوَ سِتْر. ‏ ‏قَوْله : ( فِيهِ تَمَاثِيل ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عِنْد مُسْلِم \" فِيهِ الْخَيْل ذَوَات الْأَجْنِحَة \". وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى جَوَاز اِتِّخَاذ الصُّوَر إِذَا كَانَتْ لَا ظِلّ لَهَا , وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ مِمَّا يُوطَأ وَيُدَاس أَوْ يُمْتَهَن بِالِاسْتِعْمَالِ كَالْمَخَادِّ وَالْوَسَائِد , قَالَ النَّوَوِيّ : وَهُوَ قَوْل جُمْهُور الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيّ وَمَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ , وَلَا فَرْق فِي ذَلِكَ بَيْن مَا لَهُ ظِلّ وَمَا لَا ظِلّ لَهُ , فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى حَائِط أَوْ مَلْبُوسًا أَوْ عِمَامَة أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعَدّ مُمْتَهَنًا فَهُوَ حَرَام. قُلْت : وَفِيمَا نَقَلَهُ مُؤَاخَذَات : مِنْهَا أَنَّ اِبْن الْعَرَبِيّ مِنْ الْمَالِكِيَّة نَقَلَ أَنَّ الصُّورَة إِذَا كَانَ لَهَا ظِلّ حَرُمَ بِالْإِجْمَاعِ سَوَاء كَانَتْ مِمَّا يُمْتَهَن أَمْ لَا , وَهَذَا الْإِجْمَاع مَحَلّه فِي غَيْر لُعَب الْبَنَات كَمَا سَأَذْكُرُهُ فِي \" بَاب مَنْ صَوَّرَ صُورَة \" وَحَكَى الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" فِي الصُّوَر الَّتِي لَا تُتَّخَذ لِلْإِبْقَاءِ كَالْفَخَّارِ قَوْلَيْنِ أَظْهَرهُمَا الْمَنْع. قُلْت : وَهَلْ يَلْتَحِق مَا يُصْنَع مِنْ الْحَلْوَى بِالْفَخَّارِ , أَوْ بِلُعَبِ الْبَنَات ؟ مَحَلّ تَأَمُّل. وَصَحَّحَ اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّ الصُّورَة الَّتِي لَا ظِلّ لَهَا إِذَا بَقِيَتْ عَلَى هَيْئَتهَا حَرُمَتْ سَوَاء كَانَتْ مِمَّا يُمْتَهَن أَمْ لَا , وَإِنْ قَطَعَ رَأْسهَا أَوْ فُرِّقَتْ هَيْئَتهَا جَازَ , وَهَذَا الْمَذْهَب مَنْقُول عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَوَّاهُ النَّوَوِيّ , وَقَدْ يَشْهَد لَهُ حَدِيث النُّمْرُقَة - يَعْنِي الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده - وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ. وَمِنْهَا أَنَّ إِمَام الْحَرَمَيْنِ نَقَلَ وَجْهًا أَنَّ الَّذِي يُرَخَّص فِيهِ مِمَّا لَا ظِلّ لَهُ مَا كَانَ عَلَى سِتْر أَوْ وِسَادَة , وَأَمَّا مَا عَلَى الْجِدَار وَالسَّقْف فَيُمْنَع , وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ بِذَلِكَ يَصِير مُرْتَفِعًا فَيَخْرُج عَنْ هَيْئَة الِامْتِهَان بِخِلَافِ الثَّوْب فَإِنَّهُ بِصَدَدِ أَنْ يُمْتَهَن , وَتُسَاعِدهُ عِبَارَة \" مُخْتَصَر الْمُزَنِيِّ \" صُورَة ذَات رُوح إِنْ كَانَتْ مَنْصُوبَة. وَنَقَلَ الرَّافِعِيّ عَنْ الْجُمْهُور أَنَّ الصُّورَة إِذَا قَطَعَ رَأْسهَا اِرْتَفَعَ الْمَانِع. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي فِي \" التَّتِمَّة \" لَا فَرْق. وَمِنْهَا أَنَّ مَذْهَب الْحَنَابِلَة جَوَاز الصُّورَة فِي الثَّوْب وَلَوْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى مَا فِي خَبَر أَبِي طَلْحَة , لَكِنْ إِنْ سَتَرَ بِهِ الْجِدَار مُنِعَ عِنْدهمْ , قَالَ النَّوَوِيّ : وَذَهَبَ بَعْض السَّلَف إِلَى أَنَّ الْمَمْنُوع مَا كَانَ لَهُ ظِلّ وَأَمَّا مَا لَا ظِلّ لَهُ فَلَا بَأْس بِاِتِّخَاذِهِ مُطْلَقًا , وَهُوَ مَذْهَب بَاطِل , فَإِنَّ السِّتْر الَّذِي أَنْكَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ الصُّورَة فِيهِ بِلَا ظِلّ بِغَيْرِ شَكّ , وَمَعَ ذَلِكَ فَأَمَرَ بِنَزْعِهِ. قُلْت : الْمَذْهَب الْمَذْكُور نَقَلَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد بِسَنَدٍ صَحِيح وَلَفْظه عَنْ اِبْن عَوْن \" قَالَ دَخَلْت عَلَى الْقَاسِم وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّة فِي بَيْته , فَرَأَيْت فِي بَيْته حَجَلَة فِيهَا تَصَاوِير الْقُنْدُس وَالْعَنْقَاء \" فَفِي إِطْلَاق كَوْنه مَذْهَبًا بَاطِلًا نَظَر , إِذْ يُحْتَمَل أَنَّهُ تَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْله : \" إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْب \" فَإِنَّهُ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون مُعَلَّقًا أَوْ مَفْرُوشًا , وَكَأَنَّهُ جَعَلَ إِنْكَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَائِشَة تَعْلِيق السِّتْر الْمَذْكُور مُرَكَّبًا مِنْ كَوْنه مُصَوَّرًا وَمِنْ كَوْنه سَاتِرًا لِلْجِدَارِ , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه عِنْد مُسْلِم , فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن يَسَار عَنْ زَيْد بْن خَالِد الْجُهَنِيّ قَالَ. \" دَخَلْت عَلَى عَائِشَة \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث الْبَاب لَكِنْ قَالَ : \" فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ وَقَالَ : إِنَّ اللَّه لَمْ يَأْمُرنَا أَنْ نَكْسُو الْحِجَارَة وَالطِّين. قَالَ فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ \" الْحَدِيث ; فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ سَتْر الْجِدَار بِالثَّوْبِ الْمُصَوَّر , فَلَا يُسَاوِيه الثَّوْب الْمُمْتَهَن وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ صُورَة , وَكَذَلِكَ الثَّوْب الَّذِي لَا يُسْتَر بِهِ الْجِدَار. وَالْقَاسِم بْن مُحَمَّد أَحَد فُقَهَاء الْمَدِينَة , وَكَانَ مِنْ أَفْضَل أَهْل زَمَانه , وَهُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيث النُّمْرُقَة , فَلَوْلَا أَنَّهُ فَهِمَ الرُّخْصَة فِي مِثْل الْحَجَلَة مَا اِسْتَجَازَ اِسْتِعْمَالهَا ; لَكِنَّ الْجَمْع بَيْن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَب مَرْجُوح , وَأَنَّ الَّذِي رُخِّصَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يُمْتَهَن , لَا مَا كَانَ مَنْصُوبًا. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ فِي التَّصَاوِير فِي الْبُسُط وَالْوَسَائِد الَّتِي تُوطَأ ذُلّ لَهَا. وَمِنْ طَرِيق عَاصِم عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : كَانُوا يَكْرَهُونَ مَا نُصِبَ مِنْ التَّمَاثِيل نَصْبًا , وَلَا يَرَوْنَ بَأْسًا بِمَا وَطِئَتْهُ الْأَقْدَام. وَمِنْ طَرِيق اِبْن سِيرِينَ وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه وَعِكْرِمَة بْن خَالِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر فَرَّقَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : لَا بَأْس بِالصُّورَةِ إِذَا كَانَتْ تُوطَأ. وَمِنْ طَرِيق عُرْوَة أَنَّهُ كَانَ يَتَّكِئ عَلَى الْمَرَافِق فِيهَا التَّمَاثِيل الطَّيْر وَالرِّجَال. ‏ ‏قَوْله فِي آخِر الْحَدِيث ‏ ‏( وَكُنْت أَغْتَسِل أَنَا وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاء وَاحِد ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ عَقِب حَدِيث التَّصْوِير , وَهُوَ حَدِيث آخَر مُسْتَقِلّ قَدْ أَفْرَدَهُ فِي كِتَاب الطَّهَارَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة , وَأَخْرَجَهُ عَقِب حَدِيث عَائِشَة فِي صِفَة الْغُسْل مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة بِهِ , وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ سَمِعَ الْحَدِيث عَلَى هَذِهِ الصُّورَة فَأَوْرَدَهُ كَمَا هُوَ وَاغْتُفِرَ ذَلِكَ لِكَوْنِ الْمَتْن قَصِيرًا مَعَ أَنَّ كَثْرَة عَادَته التَّصَرُّف فِي الْمَتْن بِالِاخْتِصَارِ وَالِاقْتِصَار. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يُحْتَمَل أَنَّ الدُّرْمُوك كَانَ فِي بَاب الْمُغْتَسَل , أَوْ اِقْتَضَى الْحَال ذِكْر الِاغْتِسَال إِمَّا بِحَسَبِ سُؤَال وَإِمَّا بِغَيْرِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5500",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا اشْتَرَتْ ‏ ‏نُمْرُقَةً ‏ ‏فِيهَا تَصَاوِيرُ فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ فَقُلْتُ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِمَّا أَذْنَبْتُ قَالَ ‏ ‏مَا هَذِهِ ‏ ‏النُّمْرُقَةُ ‏ ‏قُلْتُ لِتَجْلِسَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا قَالَ إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ الصُّورَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( جُوَيْرِيَة ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالرَّاء مُصَغَّر. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ نَافِع عَنْ الْقَاسِم \" عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ \" وَسَيَأْتِي بَعْد بَابَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( نَمْرُقَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْمِيم وَضَمّ الرَّاء بَعْدهَا قَاف كَذَا ضَبَطَهَا الْقَزَّاز وَغَيْره , وَضَبَطَهَا اِبْن السِّكِّيت بِضَمِّ النُّون أَيْضًا وَبِكَسْرِهَا وَكَسْر الرَّاء , وَقِيلَ : فِي النُّون الْحَرَكَات الثَّلَاث وَالرَّاء مَضْمُومَة جَزْمًا وَالْجَمْع نَمَارِق , وَهِيَ الْوَسَائِد الَّتِي يُصَفّ بَعْضهَا إِلَى بَعْض , وَقِيلَ : النُّمْرُقَة الْوِسَادَة الَّتِي يُجْلَس عَلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَدْخُل ) ‏ ‏زَادَ مَالِك فِي رِوَايَته فَعَرَفْت الْكَرَاهِيَة فِي وَجْهه. ‏ ‏قَوْله : ( أَتُوب إِلَى اللَّه وَإِلَى رَسُوله مَاذَا أَذْنَبْت ) ‏ ‏يُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز التَّوْبَة مِنْ الذُّنُوب كُلّهَا إِجْمَالًا وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِر التَّائِب خُصُوص الذَّنْب الَّذِي حَصَلَتْ بِهِ مُؤَاخَذَته. ‏ ‏قَوْله : ( مَا هَذِهِ النُّمْرُقَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" مَا بَال هَذِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِتَجْلِس عَلَيْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" اِشْتَرَيْتهَا لِتَقْعُد عَلَيْهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَتَوَسَّدَهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَبِتَشْدِيدِ السِّين الْمُهْمَلَة أَصْله تَتَوَسَّدهَا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ أَصْحَاب هَذِهِ الصُّوَر إِلَخْ ) ‏ ‏وَفِيهِ \" إِنَّ الْمَلَائِكَة لَا تَدْخُل بَيْتًا فِيهِ الصُّوَر \" وَالْجُمْلَة الثَّانِيَة هِيَ الْمُطَابِقَة لِامْتِنَاعِهِ مِنْ الدُّخُول , وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْجُمْلَة الْأُولَى عَلَيْهَا اِهْتِمَامًا بِالزَّجْرِ عَنْ اِتِّخَاذ الصُّوَر ; لِأَنَّ الْوَعِيد إِذَا حَصَلَ لِصَانِعِهَا فَهُوَ حَاصِل لِمُسْتَعْمِلِهَا ; لِأَنَّهَا لَا تُصْنَع إِلَّا لِتُسْتَعْمَل فَالصَّانِع مُتَسَبِّب وَالْمُسْتَعْمِل مُبَاشِر فَيَكُون أَوْلَى بِالْوَعِيدِ , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّهُ لَا فَرْق فِي تَحْرِيم التَّصْوِير بَيْن أَنْ تَكُون الصُّورَة لَهَا ظِلّ أَوْ لَا , وَلَا بَيْن أَنْ تَكُون مَدْهُونَة أَوْ مَنْقُوشَة أَوْ مَنْقُورَة أَوْ مَنْسُوجَة , خِلَافًا لِمَنْ اِسْتَثْنَى النَّسْج وَادَّعَى أَنَّهُ لَيْسَ بِتَصْوِيرٍ , وَظَاهِر حَدِيثَيْ عَائِشَة هَذَا وَاَلَّذِي قَبْله يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَعْمَلَ السِّتْر الَّذِي فِيهِ الصُّورَة بَعْد أَنْ قُطِعَ وَعَمِلَتْ مِنْهُ الْوِسَادَة , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلهُ أَصْلًا , وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّف إِلَى الْجَمْع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ جَوَاز اِتِّخَاذ مَا يُوطَأ مِنْ الصُّوَر جَوَاز الْقُعُود عَلَى الصُّورَة فَيَجُوز أَنْ يَكُون اِسْتَعْمَلَ مِنْ الْوِسَادَة مَا لَا صُورَة فِيهِ , وَيَجُوز أَنْ يَكُون رَأَى التَّفْرِقَة بَيْن الْقُعُود وَالِاتِّكَاء وَهُوَ بَعِيد , وَيُحْتَمَل أَيْضًا أَنْ يُجْمَع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّهَا لَمَّا قَطَعَتْ السِّتْر وَقَعَ الْقَطْع فِي وَسَط الصُّورَة مَثَلًا فَخَرَجَتْ عَنْ هَيْئَتهَا فَلِهَذَا صَارَ يَرْتَفِق بِهَا , وَيُؤَيِّد هَذَا الْجَمْع الْحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب قَبْله فِي نَقْضِ الصُّوَر وَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمُخَرَّج فِي السُّنَن , وَسَأَذْكُرُهُ فِي الْبَاب بَعْده. وَسَلَكَ الدَّاوُدِيُّ فِي الْجَمْع مَسْلَكًا آخَر فَادَّعَى أَنَّ حَدِيث الْبَاب نَاسِخ لِجَمِيعِ الْأَحَادِيث الدَّالَّة عَلَى الرُّخْصَة , وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ خَبَر وَالْخَبَر لَا يَدْخُلهُ النَّسْخ فَيَكُون هُوَ النَّاسِخ. قُلْت : وَالنَّسْخ لَا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ , وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْع فَلَا يُلْتَفَت لِدَعْوَى النَّسْخ , وَأَمَّا مَا اِحْتَجَّ بِهِ فَرَدَّهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ الْخَبَر إِذَا قَارَنَهُ الْأَمْر جَازَ دُخُول النَّسْخ فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5501",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُكَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ الصُّورَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بُسْرٌ ‏ ‏ثُمَّ اشْتَكَى ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏فَعُدْنَاهُ فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ فَقُلْتُ ‏ ‏لِعُبَيْدِاللَّهِ ‏ ‏رَبِيبِ ‏ ‏مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَمْ يُخْبِرْنَا ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏عَنْ الصُّوَرِ يَوْمَ الْأَوَّلِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَالَ إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَمْرٌو هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏بُكَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏بُسْرٌ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ بُكَيْر ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّر , فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ عَنْ عِيسَى بْن حَمَّاد عَنْ اللَّيْث \" حَدَّثَنِي بُكَيْر بْن عَبْد اللَّه بْن الْأَشَجّ \" وَكَذَا عِنْد أَحْمَد عَنْ حَجَّاج بْن مُحَمَّد وَهَاشِم بْن الْقَاسِم عَنْ اللَّيْث. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ بُسْر ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة , فِي رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ بُكَيْر \" أَنَّ بُسْر بْن سَعِيد حَدَّثَهُ \" وَقَدْ مَضَتْ فِي بَدْء الْخَلْق. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ زَيْد بْن خَالِد ) ‏ ‏هُوَ الْجُهَنِيّ الصَّحَابِيّ , فِي رِوَايَة عَمْرو أَيْضًا \" أَنَّ زَيْد بْن خَالِد الْجُهَنِيّ حَدَّثَهُ وَمَعَ بُسْر بْن سَعِيد عُبَيْد اللَّه الْخَوْلَانِيُّ الَّذِي كَانَ فِي حِجْر مَيْمُونَة \". ‏ ‏قَوْله : ( أَبِي طَلْحَة ) ‏ ‏هُوَ زَيْد بْن سَهْل الْأَنْصَارِيّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور , وَفِي الْإِسْنَاد تَابِعِيَّانِ فِي نَسَق وَصَحَابِيَّانِ فِي نَسَق , وَعَلَى رِوَايَة بُسْر عَنْ عُبَيْد اللَّه الْخَوْلَانِيِّ لِلزِّيَادَةِ الْآتِي ذِكْرهَا يَكُون فِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق وَكُلّهمْ مَدَنِيُّونَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث أَنَّ أَبَا طَلْحَة حَدَّثَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فِيهِ صُورَة ) ‏ ‏كَذَا لِكَرِيمَة وَغَيْرهَا , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ مَشَايِخه إِلَّا الْمُسْتَمْلِيّ \" صُوَر \" بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَكَذَا فِي قَوْله : \" فَإِذَا عَلَى بَابه سِتْر فِيهِ صُورَة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث \" فَإِذَا نَحْنُ فِي بَيْته بِسِتْرٍ فِيهِ تَصَاوِير \" وَهِيَ تُقَوِّي رِوَايَة أَبِي ذَرّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْت لِعُبَيْدِ اللَّه الْخَوْلَانِيِّ ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي كَانَ مَعَهُ كَمَا بَيَّنَتْهُ رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث , وَعُبَيْد اللَّه هُوَ اِبْن الْأَسْوَد وَيُقَال اِبْن أَسَد , وَيُقَال لَهُ رَبِيب مَيْمُونَة لِأَنَّهَا كَانَتْ رَبَّتْهُ وَكَانَ مِنْ مَوَالِيهَا وَلَمْ يَكُنْ اِبْن زَوْجهَا , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة مِنْ رِوَايَته عَنْ عُثْمَان. ‏ ‏قَوْله : ( يَوْم الْأَوَّل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" يَوْم أَوَّل \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ عُبَيْد اللَّه أَلَمْ تَسْمَعهُ حِين قَالَ : إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث \" فَقَالَ : إِنَّهُ قَالَ : إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْب , أَلَا سَمِعْته ؟ قُلْت : لَا. قَالَ : بَلَى قَدْ ذَكَرَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي عَمْرو هُوَ اِبْن الْحَارِث ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّهُ وَصَلَهُ فِي بَدْء الْخَلْق , وَقَدْ بَيَّنْت مَا فِي رِوَايَته مِنْ فَائِدَة زَائِدَة , وَوَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ بُسْر بْن سَعِيد عَنْ عُبَيْدَة بْن سُفْيَان قَالَ : \" دَخَلْت أَنَا وَأَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَلَى زَيْد بْن خَالِد نَعُودهُ فَوَجَدْنَا عِنْده نُمْرُقَتَيْنِ فِيهِمَا تَصَاوِير , وَقَالَ أَبُو سَلَمَة : أَلَيْسَ حَدَّثْتَنَا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , فَقَالَ زَيْد : \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْب \" قَالَ النَّوَوِيّ : يُجْمَع بَيْن الْأَحَادِيث بِأَنَّ الْمُرَاد بِاسْتِثْنَاءِ الرَّقْم فِي الثَّوْب مَا كَانَتْ الصُّورَة فِيهِ مِنْ غَيْر ذَوَات الْأَرْوَاح كَصُورَةِ الشَّجَر وَنَحْوهَا ا ه. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَبْل النَّهْي كَمَا يَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن وَسَأَذْكُرُهُ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : حَاصِل مَا فِي اِتِّخَاذ الصُّوَر أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ ذَات أَجْسَام حَرُمَ بِالْإِجْمَاعِ , وَإِنْ كَانَتْ رَقْمًا فَأَرْبَعَة أَقْوَال ‏ ‏: الْأَوَّل : يَجُوز مُطْلَقًا عَلَى ظَاهِر قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْب , ‏ ‏الثَّانِي : الْمَنْع مُطْلَقًا حَتَّى الرَّقْم , ‏ ‏الثَّالِث : إِنْ كَانَتْ الصُّورَة بَاقِيَة الْهَيْئَة قَائِمَة الشَّكْل حَرُمَ وَإِنْ قُطِعَتْ الرَّأْس أَوْ تَفَرَّقَتْ الْأَجْزَاء جَازَ , قَالَ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحّ , ‏ ‏الرَّابِع : إِنْ كَانَ مِمَّا يُمْتَهَن جَازَ وَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا لَمْ يَجُزْ. ‏"
    },
    {
        "id": "5502",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏قِرَامٌ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمِيطِي عَنِّي فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْوَارِث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ قِرَام لِعَائِشَة سَتَرَتْ بِهِ جَانِب بَيْتهَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْط الْقِرَام قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَمِيطِي ) ‏ ‏أَيْ أَزِيلِي وَزْنه وَمَعْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( تَعْرِض ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الرَّاء أَيْ أَنْظُر إِلَيْهَا فَتَشْغَلنِي , وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد مُسْلِم أَنَّهَا كَانَ لَهَا ثَوْب فِيهِ تَصَاوِير مَمْدُود إِلَى سَهْوَة وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُصَلِّي إِلَيْهِ , فَقَالَ : أَخِّرِيهِ عَنِّي. وَوَجْه اِنْتِزَاع التَّرْجَمَة مِنْ الْحَدِيث أَنَّ الصُّوَر إِذَا كَانَتْ تُلْهِي الْمُصَلِّي وَهِيَ مُقَابِله فَكَذَا تُلْهِيه وَهُوَ لَابِسهَا بَلْ حَالَة اللُّبْس أَشَدّ , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون \" فِي \" بِمَعْنَى \" إِلَى \" فَتَحْصُل الْمُطَابَقَة وَهُوَ اللَّائِق بِمُرَادِهِ , فَإِنَّ فِي الْمَسْأَلَة خِلَافًا , فَنُقِلَ عَنْ الْحَنَفِيَّة أَنَّهُ لَا تُكْرَه الصَّلَاة إِلَى جِهَة فِيهَا صُورَة إِذَا كَانَتْ صَغِيرَة أَوْ مَقْطُوعَة الرَّأْس , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ الْجَمْع بَيْن هَذَا الْحَدِيث وَبَيْن حَدِيث عَائِشَة أَيْضًا فِي النُّمْرُقَة لِأَنَّهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَدْخُل الْبَيْت الَّذِي كَانَ فِيهِ السِّتْر الْمُصَوَّر أَصْلًا حَتَّى نَزَعَهُ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ أَقَرَّهُ وَصَلَّى وَهُوَ مَنْصُوب إِلَى أَنْ أَمَرَ بِنَزْعِهِ مِنْ أَجْل مَا ذُكِرَ مِنْ رُؤْيَته الصُّورَة حَالَة الصَّلَاة , وَلَمْ يَتَعَرَّض لِخُصُوصِ كَوْنهَا صُورَة. وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الْأَوَّل كَانَتْ تَصَاوِيره مِنْ ذَوَات الْأَرْوَاح وَهَذَا كَانَتْ تَصَاوِيره مِنْ غَيْر الْحَيَوَان كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي حَدِيث زَيْد بْن خَالِد. ‏"
    },
    {
        "id": "5503",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَرُ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَعَدَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فَرَاثَ ‏ ‏عَلَيْهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَخَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَقِيَهُ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا وَجَدَ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عُمَر بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر , ‏ ‏وَسَالِم ‏ ‏شَيْخه هُوَ عَمّ أَبِيهِ وَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَعَدَ جِبْرِيل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَتْ عَائِشَة \" فِي سَاعَة يَأْتِيه فِيهَا \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَاثَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏بِالْمُثَلَّثَةِ أَيْ أَبْطَأَ , وَفِي حَدِيث عَائِشَة \" فَجَاءَتْ تِلْكَ السَّاعَة وَلَمْ يَأْتِهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى اِشْتَدَّ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي حَدِيث عَائِشَة \" وَفِي يَده عَصًا فَأَلْقَاهَا مِنْ يَده وَقَالَ : مَا يُخْلِف اللَّه وَعْده وَلَا رُسُله \" وَفِي حَدِيث مَيْمُونَة عِنْد مُسْلِم نَحْو حَدِيث عَائِشَة وَفِيهِ \" أَنَّهُ أَصْبَحَ وَاجِمًا \" بِالْجِيمِ أَيْ مُنْقَبِضًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَقِيَهُ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا وَجَدَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ إِبْطَائِهِ ‏ ‏( فَقَالَ لَهُ : إِنَّا لَا نَدْخُل بَيْتًا فِيهِ صُورَة وَلَا كَلْب ) ‏ ‏فِي هَذَا الْحَدِيث اِخْتِصَار , وَحَدِيث عَائِشَة أَتَمّ فَفِيهِ \" ثُمَّ اِلْتَفَتَ فَإِذَا جِرْو كَلْب تَحْت سَرِيره فَقَالَ : يَا عَائِشَة مَتَى دَخَلَ هَذَا الْكَلْب ؟ فَقَالَتْ : وَاَيْم اللَّه مَا دَرَيْت. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ , فَجَاءَ جِبْرِيل , فَقَالَ : وَاعَدْتنِي فَجَلَسْت لَك فَلَمْ تَأْتِ. فَقَالَ : مَنَعَنِي الْكَلْب الَّذِي كَانَ فِي بَيْتك \" وَفِي حَدِيث مَيْمُونَة \" فَظَلَّ يَوْمه عَلَى ذَلِكَ , ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسه جِرْو كَلْب فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ , ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاء فَنَضَحَ مَكَانه , فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيل \" وَزَادَ فِيهِ الْأَمْر بِقَتْلِ الْكِلَاب. وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي السُّنَن وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّان أَتَمّ سِيَاقًا مِنْهُ وَلَفْظه \" أَتَانِي جِبْرِيل فَقَالَ : أَتَيْتُك الْبَارِحَة فَلَمْ يَمْنَعنِي أَنْ أَكُون دَخَلْت إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْبَاب تَمَاثِيل , وَكَانَ فِي الْبَيْت قِرَام سِتْر فِيهِ تَمَاثِيل , وَكَانَ فِي الْبَيْت كَلْب , فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَال الَّذِي عَلَى بَاب الْبَيْت يُقْطَع فَيَصِير كَهَيْئَةِ الشَّجَرَة , وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ فَلْيُجْعَلْ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ مَنْبُوذَتَيْنِ تُوطَآنِ , وَمُرْ بِالْكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ , فَفَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" إِمَّا أَنْ تُقْطَع رُءُوسهَا أَوْ تُجْعَل بُسُطًا تُوطَأ \" وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَرْجِيح قَوْل مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الصُّورَة الَّتِي تَمْتَنِع الْمَلَائِكَة مِنْ دُخُول الْمَكَان الَّتِي تَكُون فِيهِ بَاقِيَة عَلَى هَيْئَتهَا مُرْتَفِعَة غَيْر مُمْتَهَنَة , فَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مُمْتَهَنَة أَوْ غَيْر مُمْتَهَنَة لَكِنَّهَا غُيِّرَتْ مِنْ هَيْئَتهَا إِمَّا بِقَطْعِهَا مِنْ نِصْفهَا أَوْ بِقَطْعِ رَأْسهَا فَلَا اِمْتِنَاع , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَاهِر حَدِيث زَيْد بْن خَالِد عَنْ أَبِي طَلْحَة الْمَاضِي قِيلَ إِنَّ الْمَلَائِكَة لَا تَمْتَنِع مِنْ دُخُول الْبَيْت الَّذِي فِيهِ صُورَة إِنْ كَانَتْ رَقْمًا فِي الثَّوْب , وَظَاهِر حَدِيث عَائِشَة الْمَنْع وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنْ يُحْمَل حَدِيث عَائِشَة عَلَى الْكَرَاهَة وَحَدِيث أَبِي طَلْحَة عَلَى مُطْلَق الْجَوَاز وَهُوَ لَا يُنَافِي الْكَرَاهَة. قُلْت : وَهُوَ جَمْع حَسَن ; لَكِنَّ الْجَمْع الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَوْلَى مِنْهُ , وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5504",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّهَا اشْتَرَتْ ‏ ‏نُمْرُقَةً ‏ ‏فِيهَا تَصَاوِيرُ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ فَعَرَفَتْ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مَاذَا أَذْنَبْتُ قَالَ ‏ ‏مَا بَالُ هَذِهِ ‏ ‏النُّمْرُقَةِ ‏ ‏فَقَالَتْ اشْتَرَيْتُهَا لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ وَقَالَ إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5505",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ اشْتَرَى غُلَامًا حَجَّامًا فَقَالَ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ وَكَسْبِ الْبَغِيِّ وَلَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ ‏ ‏وَالْوَاشِمَةَ ‏ ‏وَالْمُسْتَوْشِمَةَ ‏ ‏وَالْمُصَوِّرَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5506",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏النَّضْرَ بْنَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ عِنْدَ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَهُمْ يَسْأَلُونَهُ وَلَا يَذْكُرُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى سُئِلَ فَقَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَيَّاش ) ‏ ‏هُوَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَة , ‏ ‏وَعَبْد الْأَعْلَى ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , ‏ ‏وَسَعِيد ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة , وَالسَّنَد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت النَّضْر بْن أَنَس بْن مَالِك يُحَدِّث قَتَادَة ) ‏ ‏كَانَ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة كَثِير الْمُلَازَمَة لِقَتَادَة فَاتَّفَقَ أَنَّ قَتَادَة وَالنَّضْر بْن أَنَس اِجْتَمَعَا , فَحَدَّثَ النَّضْرُ قَتَادَةَ فَسَمِعَهُ سَعِيد وَهُوَ مَعَهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَغَيْره \" يُحَدِّثهُ قَتَادَة \" وَالضَّمِير لِلْحَدِيثِ , وَقَتَادَة بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة وَالْفَاعِل النَّضْر , وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ الضَّمِير لِلنَّضْرِ وَفَاعِل يُحَدِّث قَتَادَة , وَهُوَ خَطَأ لِأَنَّهُ لَا يُلَائِم ‏ ‏قَوْله : \" سَمِعْت النَّضْر \" وَلِأَنَّ قَتَادَة لَمْ يَسْمَع مِنْ اِبْن عَبَّاس وَلَا حَضَرَ عِنْده , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَصْرِيح الْبُخَارِيّ بِأَنَّ سَعِيدًا سَمِعَ مِنْ النَّضْر هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة خَالِد بْن الْحَارِث عَنْ سَعِيد عَنْ قَتَادَة عَنْ النَّضْر بْن أَنَس أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَقَوْله : \" عَنْ قَتَادَة \" مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد فَإِنْ كَانَ خَالِد حَفِظَهُ اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون سَعِيد كَانَ سَمِعَهُ مِنْ قَتَادَة عَنْ النَّضْر ثُمَّ لَقِيَ النَّضْر فَسَمِعَهُ مِنْهُ فَكَانَ يُحَدِّثهُ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ , وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ قَتَادَة عَنْ النَّضْر مِنْ غَيْر طَرِيق سَعِيد أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة هِشَام الدَّسْتُوَائِيّ عَنْ قَتَادَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَهُمْ يَسْأَلُونَهُ وَلَا يَذْكُر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ يُجِيبهُمْ عَمَّا يَسْأَلُونَهُ بِالْفَتْوَى مِنْ غَيْر أَنْ يَذْكُر الدَّلِيل مِنْ السُّنَّة , وَقَدْ وَقَعَ بَيَان ذَلِكَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي عَدِيّ عَنْ سَعِيد وَلَفْظه \" فَجَعَلُوا يَسْتَفْتُونَهُ وَيُفْتِيهِمْ وَلَمْ يَذْكُر فِيمَا يُفْتِيهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى سُئِلَ فَقَالَ : سَمِعْت ) ‏ ‏كَذَا أَبْهَمَ الْمَسْأَلَة , وَبَيَّنَهَا اِبْن أَبِي عَدِيّ عَنْ سَعْد فَفِي رِوَايَته \" حَتَّى أَتَاهُ رَجُل مِنْ أَهْل الْعِرَاق أَرَاهُ نَجَّارًا فَقَالَ : إِنِّي أُصَوِّر هَذِهِ التَّصَاوِير فَمَا تَأْمُرنِي ؟ فَقَالَ : إِذًا سَمِعْت \" وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي الْحَسَن قَالَ : \" كُنْت عِنْد اِبْن عَبَّاس إِذْ أَتَاهُ رَجُل فَقَالَ : يَا أَبَا عَبَّاس , إِنِّي إِنْسَان إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَة يَدِي \". ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ صَوَّرَ صُورَة فِي الدُّنْيَا ) ‏ ‏كَذَا أَطْلَقَ وَظَاهِره التَّعْمِيم فَيَتَنَاوَل صُورَة مَا لَا رُوح فِيهِ ; لَكِنَّ الَّذِي فَهِمَ اِبْن عَبَّاس مِنْ بَقِيَّة الْحَدِيث التَّخْصِيص بِصُورَةِ ذَوَات الْأَرْوَاح مِنْ قَوْله : \" كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخ فِيهَا الرُّوح \" فَاسْتَثْنَى مَا لَا رُوح فِيهِ كَالشَّجَرِ. ‏ ‏قَوْله : ( كُلِّفَ يَوْم الْقِيَامَة أَنْ يَنْفُخ فِيهَا الرُّوح وَلَيْسَ بِنَافِخٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي الْحَسَن \" فَإِنَّ اللَّه يُعَذِّبهُ حَتَّى يَنْفُخ فِيهَا الرُّوح وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا \" وَاسْتِعْمَال \" حَتَّى \" هُنَا نَظِير اِسْتِعْمَالهَا فِي قَوْله تَعَالَى : ( حَتَّى يَلِج الْجَمَل فِي سَمِّ الْخِيَاط ) وَكَذَا قَوْلهمْ : لَا أَفْعَل كَذَا حَتَّى يَشِيب الْغُرَاب , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : ظَاهِره أَنَّهُ مِنْ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق , وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا الْقَصْد طُول تَعْذِيبه وَإِظْهَار عَجْزه عَمَّا كَانَ تَعَاطَاهُ وَمُبَالَغَة فِي تَوْبِيخه وَبَيَان قُبْح فِعْله. وَقَوْله : \" لَيْسَ بِنَافِخٍ \" أَيْ لَا يُمْكِنهُ ذَلِكَ فَيَكُون مُعَذَّبًا دَائِمًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب عَذَاب الْمُصَوِّرِينَ \" مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّهُ يُقَال لِلْمُصَوِّرِينَ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ وَأَنَّهُ أَمْر تَعْجِيز , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ هَذَا الْوَعِيد فِي حَقّ الْمُسْلِم , فَإِنَّ وَعِيد الْقَاتِل عَمْدًا يَنْقَطِع عِنْد أَهْل السُّنَّة مَعَ وُرُود تَخْلِيده بِحَمْلِ التَّخْلِيد عَلَى مُدَّة مَدِيدَة , وَهَذَا الْوَعِيد أَشَدّ مِنْهُ لِأَنَّهُ مُغَيًّا بِمَا لَا يُمْكِن وَهُوَ نَفْخ الرُّوح , فَلَا يَصِحّ أَنْ يُحْمَل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ يُعَذَّب زَمَانًا طَوِيلًا ثُمَّ يَتَخَلَّص. وَالْجَوَاب أَنَّهُ يَتَعَيَّن تَأْوِيل الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الزَّجْر الشَّدِيد بِالْوَعِيدِ بِعِقَابِ الْكَافِر لِيَكُونَ أَبْلَغ فِي الِارْتِدَاع وَظَاهِره غَيْر مُرَاد , وَهَذَا فِي حَقّ الْعَاصِي بِذَلِكَ , وَأَمَّا مَنْ فَعَلَهُ مُسْتَحِلًّا فَلَا إِشْكَال فِيهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَفْعَال الْعِبَاد مَخْلُوقَة لِلَّهِ تَعَالَى لِلُحُوقِ الْوَعِيد بِمَنْ تَشَبَّهَ بِالْخَالِقِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ غَيْر اللَّه لَيْسَ بِخَالِقٍ حَقِيقَة. وَقَدْ أَجَابَ بَعْضهمْ بِأَنَّ الْوَعِيد وَقَعَ عَلَى خَلْق الْجَوَاهِر , وَرُدَّ بِأَنَّ الْوَعِيد لَاحِق بِاعْتِبَارِ الشَّكْل وَالْهَيْئَة , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَوْهَرٍ , وَأَمَّا اِسْتِثْنَاء غَيْر ذِي الرُّوح فَوَرَدَ مَوْرِد الرُّخْصَة كَمَا قَرَّرْته. وَفِي قَوْله : \" كُلِّفَ يَوْم الْقِيَامَة \" رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْآخِرَة لَيْسَتْ بِدَارِ تَكْلِيف. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالنَّفْيِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَارِ تَكْلِيف بِعَمَلٍ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ ثَوَاب أَوْ عِقَاب , وَأَمَّا مِثْل هَذَا التَّكْلِيف فَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ لِأَنَّهُ نَفْسه عَذَاب , وَهُوَ نَظِير الْحَدِيث الْآخَر \" مَنْ قَتَلَ نَفْسه بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَة فِي يَده يَجَأ بِهَا نَفْسه يَوْم الْقِيَامَة \" وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعه. وَأَيْضًا فَالتَّكْلِيف بِالْعَمَلِ فِي الدُّنْيَا حَسَن عَلَى مُصْطَلَح أَهْل عِلْم الْكَلَام , بِخِلَافِ هَذَا التَّكْلِيف الَّذِي هُوَ عَذَاب. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز التَّكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق , وَالْجَوَاب مَا تَقَدَّمَ. وَأَيْضًا فَنَفْخ الرُّوح فِي الْجَمَاد قَدْ وَرَدَ مُعْجِزَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ يُمْكِن وَإِنْ كَانَ فِي وُقُوعه خَرْق عَادَة , وَالْحَقّ أَنَّهُ خِطَاب تَعْجِيز لَا تَكْلِيف كَمَا تَقَدَّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب بَيْع التَّصَاوِير \" فِي أَوَاخِر الْبُيُوع زِيَادَة سَعِيد بْن أَبِي الْحَسَن فِي رِوَايَته أَنَّ اِبْن عَبَّاس قَالَ لِلرَّجُلِ : \" وَيْحك إِنْ أَبَيْت إِلَّا أَنْ تَصْنَع فَعَلَيْك بِهَذَا الشَّجَر \" الْحَدِيث , مَعَ ضَبْط لَفْظه وَإِعْرَابه. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَصْوِير مَا لَا رُوح لَهُ مِنْ شَجَر أَوْ شَمْس أَوْ قَمَر. وَنَقَلَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَجْهًا بِالْمَنْعِ لِأَنَّ مِنْ الْكُفَّار مَنْ عَبَدَهَا. قُلْت : وَلَا يَلْزَم مِنْ تَعْذِيب مَنْ يُصَوِّر مَا فِيهِ رُوح بِمَا ذُكِرَ تَجْوِيز تَصْوِير مَا لَا رُوح فِيهِ فَإِنَّ عُمُوم قَوْله : \" الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّه \" وَقَوْله. \" وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُق كَخَلْقِي \" يَتَنَاوَل مَا فِيهِ رُوح وَمَا لَا رُوح فِيهِ , فَإِنْ خُصَّ مَا فِيهِ رُوح بِالْمَعْنَى مِنْ جِهَة أَنَّهُ مِمَّا لَمْ تَجْرِ عَادَة الْآدَمِيِّينَ بِصَنْعَتِهِ وَجَرَتْ عَادَتهمْ بِغَرْسِ الْأَشْجَار مَثَلًا اِمْتَنَعَ ذَلِكَ فِي مِثْل تَصْوِير الشَّمْس وَالْقَمَر , وَيَتَأَكَّد الْمَنْع بِمَا عُبِدَ مِنْ دُون اللَّه فَإِنَّهُ يُضَاهِي صُورَة الْأَصْنَام الَّتِي هِيَ الْأَصْل فِي مَنْع التَّصْوِير , وَقَدْ قَيَّدَ مُجَاهِد صَاحِب اِبْن عَبَّاس جَوَاز تَصْوِير الشَّجَر بِمَا لَا يُثْمِر وَأَمَّا مَا يُثْمِر فَأَلْحَقهُ بِمَا لَهُ رُوح , قَالَ عِيَاض : لَمْ يَقُلْهُ أَحَد غَيْر مُجَاهِد , وَرَدَّهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ الصُّورَة لَمَّا أُبِيحَتْ بَعْد قَطْع رَأْسهَا الَّتِي لَوْ قُطِعَتْ مِنْ ذِي الرُّوح لَمَا عَاشَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِبَاحَة مَا لَا رُوح لَهُ أَصْلًا. قُلْت : وَقَضِيَّته أَنَّ تَجْوِيز تَصْوِير مَا لَهُ رُوح بِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ إِلَّا الرَّأْس فِيهِ نَظَر لَا يَخْفَى , وَأَظُنّ مُجَاهِدًا سَمِعَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَاضِي فَفِيهِ \" فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّة , وَلْيَخْلُقُوا شَعِيرَة \" فَإِنَّ فِي ذِكْر الذَّرَّة إِشَارَة إِلَى مَا لَهُ رُوح وَفِي ذِكْر الشَّعِيرَة إِشَارَة إِلَى مَا يَنْبُت مِمَّا يُؤْكَل , وَأَمَّا مَا لَا رُوح فِيهِ وَلَا يُثْمِر فَلَا تَقَع الْإِشَارَة إِلَيْهِ. وَيُقَابِل هَذَا التَّشْدِيد مَا حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ أَنَّ نَسْج الصُّورَة فِي الثَّوْب لَا يَمْتَنِع ; لِأَنَّهُ قَدْ يُلْبَس , وَطَرَدَهُ الْمُتَوَلِّي فِي التَّصْوِير عَلَى الْأَرْض وَنَحْوهَا , وَصَحَّحَ النَّوَوِيّ تَحْرِيم جَمِيع ذَلِكَ. قَالَ النَّوَوِيّ : وَيُسْتَثْنَى مِنْ جَوَاز تَصْوِير مَا لَهُ ظِلّ وَمِنْ اِتِّخَاذه لُعَب الْبَنَات لِمَا وَرَدَ مِنْ الرُّخْصَة فِي ذَلِكَ. قُلْت : وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَدَب وَاضِحًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5507",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَفْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى ‏ ‏إِكَافٍ ‏ ‏عَلَيْهِ ‏ ‏قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ ‏ ‏وَأَرْدَفَ ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏وَرَاءَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَبُو صَفْوَان ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان الْأُمَوِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( رَكِبَ عَلَى حِمَار ) ‏ ‏هُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث طَوِيل تَقَدَّمَ أَصْله فِي الْعِلْم , وَيَأْتِي بِهَذَا السَّنَد فِي الِاسْتِئْذَان ثُمَّ فِي الرِّقَاق , وَهُوَ ظَاهِر فِي مَشْرُوعِيَّة الِارْتِدَاف. ‏"
    },
    {
        "id": "5508",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏اسْتَقْبَلَهُ أُغَيْلِمَةُ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَالْآخَرَ خَلْفَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( خَالِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَهْرَان الْحَذَّاء. ‏ ‏قَوْله : ( لَمَّا قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة ) ‏ ‏يَعْنِي فِي الْفَتْح. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَقْبَلَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" اِسْتَقْبَلَتْهُ \" ‏ ‏وَأُغَيْلِمَة ‏ ‏تَصْغِير غِلْمَة وَهُوَ جَمْع غُلَام عَلَى غَيْر قِيَاس وَالْقِيَاس غُلَيْمَة , وَقَالَ اِبْن التِّين كَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَغْلِمَة عَلَى الْقِيَاس وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَنْطِقُوا بِأَغْلِمَة قَالَ : وَنَظِيره أُصَيْبِيَة , وَإِضَافَتهمْ إِلَى عَبْد الْمُطَّلِب لِكَوْنِهِمْ مِنْ ذُرِّيَّته. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْن يَدَيْهِ وَآخَر خَلْفه ) ‏ ‏قَدْ فَسَّرَهُمَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ , وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حِينَئِذٍ رَاكِبًا عَلَى نَاقَته , وَوَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فِي قِصَّة أُخْرَى أَخْرَجَهَا مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مُؤَرِّق الْعِجْلِيّ \" حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَر تُلُقِّيَ بِنَا , فَتُلُقِّيَ بِي وَبِالْحَسَنِ أَوْ بِالْحُسَيْنِ , فَحَمَلَ أَحَدنَا بَيْن يَدَيْهِ وَالْآخَر خَلْفه , حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَة \" وَتَقَدَّمَ حَدِيث آخَر لِعَبْدِ اللَّه بْن جَعْفَر فِي الْمَعْنَى فِي أَوَاخِر الْجِهَاد. وَوَقَعَ فِي قِصَّة أُخْرَى \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ رَاكِبًا عَلَى بَغْلَته الشَّهْبَاء عِنْد قُدُومه الْمَدِينَة \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع قَالَ : \" لَقَدْ قُدْت بِنَبِيِّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَسَن وَالْحُسَيْن بَغْلَته الشَّهْبَاء حَتَّى أَدْخَلْتهمْ حُجْرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا قُدَّامه وَهَذَا خَلْفه \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث بُرَيْدَةَ الَّذِي سَأَذْكُرُهُ فِي الْبَاب بَعْده أَنَّهُ رَكِبَ عَلَى حِمَار وَأَرْدَفَ وَاحِدًا خَلْفه , وَهُوَ يُقَوِّي الْجَمْع الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ فِي الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "5509",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏ذُكِرَ شَرُّ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏فَقَالَ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ ‏ ‏حَمَلَ ‏ ‏قُثَمَ ‏ ‏بَيْنَ يَدَيْهِ ‏ ‏وَالْفَضْلَ ‏ ‏خَلْفَهُ أَوْ ‏ ‏قُثَمَ ‏ ‏خَلْفَهُ ‏ ‏وَالْفَضْلَ ‏ ‏بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَيُّهُمْ شَرٌّ أَوْ أَيُّهُمْ خَيْرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( ذُكِرَ شَرّ الثَّلَاثَة عِنْد عِكْرِمَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيّ وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَشَرّ \" بِزِيَادَةِ أَلِف أَوَّله , وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ \" الْأَشَرّ \" فَأَمَّا أَشَرّ بِزِيَادَةِ أَلِف فَهِيَ لُغَة تَقَدَّمَ تَقْرِيرهَا فِي شَرْح حَدِيث عَبْد اللَّه بْن سَلَام , فَفِيهِ \" قَالُوا أَخِيرنَا وَابْن أَخِيرنَا \" وَجَاءَ فِي الْمَثَل \" صُغْرَاهَا أَشَرّهَا \" وَقَالُوا أَيْضًا \" نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ نَفْس حَرَّى , وَعَيْن شَرَّى \" أَيْ مَلْأَى مِنْ الشَّرّ , وَهُوَ مِثْل أَصْغَر وَصُغْرَى. وَأَمَّا الرِّوَايَة بِزِيَادَةِ اللَّام فَهُوَ مِثْل قَوْلهمْ : الْحَسَن الْوَجْه وَالْوَاهِب الْمِائَة , وَالْمُرَاد بِلَفْظِ الْأَشَرّ الشَّرّ لِأَنَّ أَفْعَل التَّفْضِيل لَا يُسْتَعْمَل عَلَى هَذِهِ الصُّوَر إِلَّا نَادِرًا. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة مِنْ أَتَى وَرَسُول اللَّه بِالرَّفْعِ أَيْ جَاءَ , وَقَدْ حَمَلَ قُثَم بَيْن يَدَيْهِ وَالْفَضْل خَلْفه وَهُمَا وَلَدَا الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَأَخَوَا عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس رَاوِي الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ قُثَم خَلْفه ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَقُثَم بِقَافٍ وَمُثَلَّثَة وَزْن عُمَر , لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ رِوَايَة , وَهُوَ صَحَابِيّ , وَذَكَرَهُ الْحَافِظ عَبْد الْغَنِيّ مَعَ غَيْر الصَّحَابَة فَوَهَمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَيّهمْ شَرّ أَوْ أَيّهمْ خَيْر ) ‏ ‏؟ هَذَا كَلَام عِكْرِمَة يَرُدّ بِهِ عَلَى مَنْ ذَكَرَ لَهُ شَرّ الثَّلَاثَة وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : إِنْ ثَبَتَ الْخَبَر فِي ذَلِكَ قُدِّمَ عَلَى هَذَا وَيَكُون نَاسِخًا لَهُ ; لِأَنَّ الْفِعْل يَدْخُلهُ النَّسْخ وَالْخَبَر لَا يَدْخُلهُ النَّسْخ كَذَا قَالَ. وَدَعْوَى النَّسْخ هُنَا فِي غَايَة الْبُعْد , وَالْجَمْع الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الطَّبَرِيُّ أَوَّلًا أَوْلَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5510",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا أَخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ يَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏مُعَاذُ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏مُعَاذُ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ ‏ ‏هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ فَقَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5511",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَبَّاحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَإِنِّي لَرَدِيفُ ‏ ‏أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏وَهُوَ يَسِيرُ ‏ ‏وَبَعْضُ نِسَاءِ ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَدِيفُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ عَثَرَتْ النَّاقَةُ فَقُلْتُ الْمَرْأَةَ فَنَزَلْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّهَا أُمُّكُمْ فَشَدَدْتُ الرَّحْلَ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا دَنَا أَوْ رَأَى ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَيْبَر , وَإِنِّي لَرَدِيف أَبِي طَلْحَة وَهُوَ يَسِير وَبَعْض نِسَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدِيف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذْ عَثَرَتْ النَّاقَة فَقُلْت الْمَرْأَة فَنَزَلَتْ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهَا أُمّكُمْ , فَشَدَدْت الرَّحْل ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَظَاهِره أَنَّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ وَفَعَلَهُ هُوَ أَنَس , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْجِهَاد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي إِسْحَاق وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو طَلْحَة وَأَنَّ الَّذِي قَالَ : \" الْمَرْأَة \" رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَفْظه أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَأَبُو طَلْحَة وَمَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفِيَّة يُرْدِفهَا عَلَى رَاحِلَته , فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيق عَثَرَتْ الدَّابَّة فَصُرِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَرْأَة , وَأَنَّ أَبَا طَلْحَة أَحْسَبهُ قَالَ اِقْتَحَمَ عَنْ بَعِيره فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه هَلْ أَصَابَك مِنْ شَيْء ؟ قَالَ : لَا , وَلَكِنْ عَلَيْك الْمَرْأَة فَأَلْقَى أَبُو طَلْحَة ثَوْبه عَلَى وَجْهه فَقَصَدَ قَصْدهَا فَأَلْقَى ثَوْبه عَلَيْهَا , فَقَامَتْ الْمَرْأَة فَشَدَّ لَهُمَا عَلَى رَاحِلَتهمَا فَرَكِبَا \" الْحَدِيث. وَفِي أُخْرَى عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي إِسْحَاق أَيْضًا \" وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَته وَقَدْ أَرْدَفَ صَفِيَّة بِنْت حُيَيّ , فَعَثَرَتْ نَاقَته \" فَسَاقَهُ نَحْوه. فَيُسْتَفَاد مِنْ هَاتَيْنِ الطَّرِيقَتَيْنِ تَسْمِيَة الْمَرْأَة , وَأَنَّ الَّذِي تَوَلَّى شَدَّ الرَّحْل وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ هُوَ أَبُو طَلْحَة لَا أَنَس , وَالِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى يَحْيَى بْن أَبِي إِسْحَاق رِوَايَة عَنْ أَنَس , فَقَالَ شُعْبَة عَنْهُ مَا فِي هَذَا الْبَاب , وَقَالَ عَبْد الْوَارِث وَبِشْر بْن الْمُفَضَّل كِلَاهُمَا عَنْهُ مَا أَشَرْت إِلَيْهِ فِي الْجِهَاد , وَهُوَ الْمُعْتَمَد فَإِنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة وَمَخْرَج الْحَدِيث وَاحِد وَاتِّفَاق اِثْنَيْنِ أَوْلَى مِنْ اِنْفِرَاد وَاحِد , وَلَا سِيَّمَا أَنَّ أَنَسًا كَانَ إِذْ ذَاكَ يَصْغُر عَنْ تَعَاطِي ذَلِكَ الْأَمْر , وَإِنْ كَانَ لَا يَمْتَنِع أَنْ يُسَاعِد عَمّه أَبَا طَلْحَة عَلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَاَللَّه أَعْلَم. فَقَدْ يَرْتَفِع الْإِشْكَال بِهَذَا. وَفِي الْحَدِيث أَنَّهُ لَا بَأْس لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَدَارَك الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة إِذَا سَقَطَتْ أَوْ كَادَتْ تَسْقُط فَيُعِينهَا عَلَى التَّخَلُّص مِمَّا يُخْشَى عَلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5512",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَضْطَجِعُ فِي الْمَسْجِدِ رَافِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَبَّاد بْن تَمِيم عَنْ عَمّه ‏ ‏وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد , وَفِيهِ ثُبُوت ذَلِكَ مِنْ فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَادَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته فِي آخِر الْحَدِيث \" وَإِنَّ أَبَا بَكْر كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ وَعُمَر وَعُثْمَان \" وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت عِنْده النَّهْي عَنْ ذَلِكَ , وَهُوَ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ \" لَا يَسْتَلْقِيَنَّ أَحَدكُمْ ثُمَّ يَضَع إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى \" أَوْ ثَبَتَ لَكِنَّهُ رَآهُ مَنْسُوخًا , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب اللِّبَاس مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى مِائَتَيْ حَدِيث وَاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا وَمَا أَشْبَهَهُ سِتَّة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَة وَاثْنَانِ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِص أَرْبَعُونَ , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَا أَسْفَل مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْإِزَار فِي النَّار \" وَحَدِيث الزُّبَيْر فِي لُبْس الْحَرِير , وَحَدِيث أُمّ سَلَمَة فِي شَعْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَحَدِيث أَنَس \" كَانَ لَا يَرُدّ الطِّيب \" , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي لَعْن الْوَاصِلَة , وَحَدِيثه \" لَا تَشِمْنَ \" , وَحَدِيث عَائِشَة فِي نَقْضِ الصُّوَر , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي وَعْد جِبْرِيل وَمِنْهُ \" لَا تَدْخُل الْمَلَائِكَة بَيْتًا فِيهِ صُورَة \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَائِشَة , وَحَدِيث \" صَاحِب الدَّابَّة أَحَقّ بِصَدْرِهَا \" عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح بِرَفْعِهِ وَهُوَ مَرْفُوع عَلَى مَا بَيَّنْته. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ تِسْعَة عَشَر أَثَرًا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5513",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ عَيْزَارٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ ‏ ‏يَقُولُ أَخْبَرَنَا ‏ ‏صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى ‏ ‏دَارِ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الْوَلِيد بْن عَيْزَار أَخْبَرَنِي ) ‏ ‏هُوَ مِنْ تَقْدِيم اِسْم الرَّاوِي عَلَى الصِّيغَة وَهُوَ جَائِز , وَكَانَ شُعْبَة يَسْتَعْمِلهُ كَثِيرًا , وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ \" الْعَيْزَار \" بِزِيَادَةِ أَلِف وَلَام فِي أَوَّله , وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الصَّلَاة مَعَ كَثِير مِنْ فَوَائِد الْحَدِيث وَلِلَّهِ الْحَمْد. وَقَالَ اِبْن التِّين : تَقْدِيم الْبِرّ عَلَى الْجِهَاد يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا : التَّعْدِيَة إِلَى نَفْع الْغَيْر , ‏ ‏وَالثَّانِي : أَنَّ الَّذِي يَفْعَلهُ يَرَى أَنَّهُ مُكَافَأَة عَلَى فِعْلهمَا , فَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ غَيْره أَفْضَل مِنْهُ , فَنَبَّهَهُ عَلَى إِثْبَات الْفَضِيلَة فِيهِ. قُلْت : وَالْأَوَّل لَيْسَ بِوَاضِحٍ , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ قُدِّمَ لِتَوَقُّفِ الْجِهَاد عَلَيْهِ , إِذْ مِنْ بِرّ الْوَالِدَيْنِ اِسْتِئْذَانهمَا فِي الْجِهَاد لِثُبُوتِ النَّهْي عَنْ الْجِهَاد بِغَيْرِ إِذْنهمَا كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5514",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أَبُوكَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ شُبْرُمَةَ ‏ ‏وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو زُرْعَةَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد. ‏ ‏قَوْله : ( عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع بْن شُبْرُمَةَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء بَيْنهمَا مُوَحَّدَة كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَوَقَعَ عِنْد النَّسَفِيِّ وَكَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِيّ \" عَنْ عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع وَابْن شُبْرُمَةَ \" بِزِيَادَةِ وَاو وَالصَّوَاب حَذْفهَا فَإِنَّ رِوَايَة اِبْن شُبْرُمَةَ قَدْ عَلَّقَهَا الْمُصَنِّف عَقِب رِوَايَة عُمَارَة وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق زُهَيْر بْن حَرْب عَنْ جَرِير عَنْ عُمَارَة حَسْب. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ رَجُل ) ‏ ‏يُحْتَمَل أَنَّهُ مُعَاوِيَة بْن حَيْدَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة , وَهُوَ جَدّ بَهْز بْن حَكِيم , فَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ حَدِيثه \" قَالَ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه مَنْ أَبَرّ ؟ قَالَ : أُمّك \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَنْ أَحَقّ النَّاس بِحُسْنِ صَحَابَتِي ) ‏ ‏؟ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَة عِنْد مُسْلِم \" بِحُسْنِ الصُّحْبَة \" وَعِنْده فِي رِوَايَة شَرِيك عَنْ عُمَارَة وَابْن شُبْرُمَةَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي زُرْعَة قَالَ مِثْل رِوَايَة جَرِير , وَزَادَ \" فَقَالَ نَعَمْ وَأَبِيك لَتُنَبَّأَنَّ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْه مُطَوَّلًا وَزَادَ فِيهِ حَدِيث \" أَفْضَل الصَّدَقَة أَنْ تَصَّدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيح شَحِيح \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق شَرِيك فَقَالَ فِي أَوَّله : \" يَا رَسُول اللَّه نَبِّئْنِي بِأَحَقّ النَّاس مِنِّي صُحْبَة \" وَوَجَدْته فِي النُّسْخَة بِلَفْظِ \" فَقَالَ نَعَمْ وَاَللَّه \" بَدَل \" وَأَبِيك \" فَلَعَلَّهَا تَصَحَّفَتْ , وَقَوْله : \" وَأَبِيك \" لَمْ يَقْصِد بِهِ الْقَسَم وَإِنَّمَا هِيَ كَلِمَة تَجْرِي لِإِرَادَةِ تَثْبِيت الْكَلَام , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ قَبْل النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِالْآبَاءِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : أُمّك. قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ثُمَّ أُمّك. قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ثُمَّ أُمّك. قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : أَبُوك ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِالرَّفْعِ وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه وَعِنْد الْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ وَجْه آخَر بِالنَّصْبِ , وَفِي آخَر \" ثُمَّ أَبَاك \" وَالْأَوَّل ظَاهِر وَيَخْرُج الثَّانِي عَلَى إِضْمَار فِعْل. وَوَقَعَ صَرِيحًا عِنْد الْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ , وَهَكَذَا وَقَعَ تَكْرَار الْأُمّ ثَلَاثًا وَذِكْر الْأَب فِي الرَّابِعَة , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الرِّوَايَة يَحْيَى بْن أَيُّوب وَلَفْظه \" ثُمَّ عَادَ الرَّابِعَة فَقَالَ : بِرّ أَبَاك \" وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة بَهْز بْن حَكِيم وَزَادَ فِي آخِره ثُمَّ \" الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب \" وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث خِدَاش أَبِي سَلَامَة رَفَعَهُ \" أُوصِي اِمْرَأً بِأُمِّهِ , أُوصِي اِمْرَأً بِأُمِّهِ , أُوصِي اِمْرَأً بِأُمِّهِ , أُوصِي اِمْرَأً بِأَبِيهِ , أُوصِي اِمْرَأً بِمَوْلَاهُ الَّذِي يَلِيه , وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ أَذًى يُؤْذِيه \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَالْحَاكِم , قَالَ اِبْن بَطَّال : مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُون لِلْأُمِّ ثَلَاثَة أَمْثَال مَا لِلْأَبِ مِنْ الْبِرّ , قَالَ : وَكَانَ ذَلِكَ لِصُعُوبَةِ الْحَمْل ثُمَّ الْوَضْع ثُمَّ الرَّضَاع , فَهَذِهِ تَنْفَرِد بِهَا الْأُمّ وَتَشْقَى بِهَا , ثُمَّ تُشَارِك الْأَب فِي التَّرْبِيَة. وَقَدْ وَقَعَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمّه وَهْنًا عَلَى وَهْن وَفِصَاله فِي عَامَيْنِ ) فَسَوَّى بَيْنهمَا فِي الْوِصَايَة , وَخَصَّ الْأُمّ بِالْأُمُورِ الثَّلَاثَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْمُرَاد أَنَّ الْأُمّ تَسْتَحِقّ عَلَى الْوَلَد الْحَظّ الْأَوْفَر مِنْ الْبِرّ , وَتُقَدَّمَ فِي ذَلِكَ عَلَى حَقّ الْأَب عِنْد الْمُزَاحَمَة. وَقَالَ عِيَاض : وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ الْأُمّ تَفْضُل فِي الْبِرّ عَلَى الْأَب , وَقِيلَ يَكُون بِرّهمَا سَوَاء , وَنَقَلَهُ بَعْضهمْ عَنْ مَالِك وَالصَّوَاب الْأَوَّل. قُلْت : إِلَى الثَّانِي ذَهَبَ بَعْض الشَّافِعِيَّة , لَكِنْ نَقَلَ الْحَارِث الْمُحَاسِبِيّ الْإِجْمَاع عَلَى تَفْضِيل الْأُمّ فِي الْبِرّ وَفِيهِ نَظَر , وَالْمَنْقُول عَنْ مَالِك لَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَهُ اِبْن بَطَّال قَالَ : سُئِلَ مَالِك طَلَبَنِي أَبِي فَمَنَعَتْنِي أُمِّي , قَالَ : أَطِعْ أَبَاك وَلَا تَعْصِ أُمّك قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى بِرّهمَا سَوَاء , كَذَا قَالَ. وَلَيْسَتْ الدَّلَالَة عَلَى ذَلِكَ بِوَاضِحَةٍ , قَالَ : وَسُئِلَ اللَّيْث يَعْنِي عَنْ الْمَسْأَلَة بِعَيْنِهَا فَقَالَ : أَطِعْ أُمّك فَإِنَّ لَهَا ثُلُثَيْ الْبِرّ , وَهَذَا يُشِير إِلَى الطَّرِيق الَّتِي لَمْ يَتَكَرَّر ذِكْر الْأُمّ فِيهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ. وَقَدْ وَقْع كَذَلِكَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع عِنْد مُسْلِم فِي الْبَاب , وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي حَدِيث الْمِقْدَام بْن مَعْدِي كَرِب فِيمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَأَحْمَد وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَلَفْظه \" إِنَّ اللَّه يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ , ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ , ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ , ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ , ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَب \" وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيث بَهْز بْن حَكِيم كَمَا تَقَدَّمَ , وَكَذَا فِي آخِر رِوَايَة مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ الْمَذْكُورَة عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" ثُمَّ أَدْنَاك فَأَدْنَاك \" وَفِي حَدِيث أَبِي رِمْثَة بِكَسْرِ الرَّاء وَسُكُون الْمِيم بَعْدهَا مُثَلَّثَة \" اِنْتَهَيْت إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْته يَقُول : أُمّك وَأَبَاك , ثُمَّ أُخْتك وَأَخَاك , ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك \" أَخْرَجَهُ الْحَاكِم هَكَذَا , وَأَصْله عِنْد أَصْحَاب السُّنَن الثَّلَاثَة وَأَحْمَد وَابْن حِبَّان , وَالْمُرَاد بِالدُّنُوِّ الْقُرْب إِلَى الْبَارّ. قَالَ عِيَاض : تَرَدَّدَ بَعْض الْعُلَمَاء فِي الْجَدّ وَالْأَخ , وَالْأَكْثَر عَلَى تَقْدِيم الْجَدّ. قُلْت : وَبِهِ جَزَمَ الشَّافِعِيَّة , قَالُوا : يُقَدَّم الْجَدّ ثُمَّ الْأَخ , ثُمَّ يُقَدَّم مَنْ أَدْلَى بِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِوَاحِدٍ , ثُمَّ تُقَدَّم الْقَرَابَة مِنْ ذَوِي الرَّحِم , وَيُقَدَّم مِنْهُمْ الْمَحَارِم عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ , ثُمَّ سَائِر الْعَصَبَات , ثُمَّ الْمُصَاهَرَة ثُمَّ الْوَلَاء , ثُمَّ الْجَار. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حُكْمه بَعْد. وَأَشَارَ اِبْن بَطَّال إِلَى أَنَّ التَّرْتِيب حَيْثُ لَا يُمْكِن إِيصَال الْبِرّ دَفْعَة وَاحِدَة وَهُوَ وَاضِح , وَجَاءَ مَا يَدُلّ عَلَى تَقْدِيم الْأُمّ فِي الْبِرّ مُطْلَقًا , وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" سَأَلْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيّ النَّاس أَعْظَم حَقًّا عَلَى الْمَرْأَة ؟ قَالَ : زَوْجهَا. قُلْت : فَعَلَى الرَّجُل ؟ قَالَ : أُمّه \" وَمُؤَيِّد تَقْدِيم الْأُمّ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه \" أَنَّ اِمْرَأَة قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ اِبْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاء , وَثَدْيِي لَهُ سِقَاء , وَحِجْرِي لَهُ حِوَاء , وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعهُ مِنِّي , فَقَالَ : أَنْتِ أَحَقّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي \" كَذَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِم وَأَبُو دَاوُدَ. فَتَوَصَّلَتْ لِاخْتِصَاصِهَا بِهِ وَبِاخْتِصَاصِهِ بِهَا فِي الْأُمُور الثَّلَاثَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن شُبْرُمَةَ وَيَحْيَى بْن أَيُّوب حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة مِثْله ) ‏ ‏أَمَّا اِبْن شُبْرُمَةَ فَهُوَ عَبْد اللَّه الْفَقِيه الْمَشْهُور الْكُوفِيّ , وَهُوَ اِبْن عَمّ عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع الْمَذْكُور قَبْل , وَطَرِيقه هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" قَالَ : \" حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن حَرْب حَدَّثَنَا وُهَيْب بْن خَالِد عَنْ اِبْن شُبْرُمَةَ سَمِعْت أَبَا زُرْعَة \" فَذَكَرَ بِلَفْظِ \" قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه مَنْ أَبَرّ \" وَالْبَاقِي مِثْل رِوَايَة جَرِير سَوَاء لَكِنْ عَلَى سِيَاق مُسْلِم , وَأَمَّا يَحْيَى بْن أَيُّوب فَهُوَ حَفِيد أَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو بْن جَرِير شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث وَلِهَذَا يُقَال لَهُ الْجُرَيْرِيّ , وَطَرِيقه هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف أَيْضًا فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَأَحْمَد كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك \" أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْن أَيُّوب حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة \" فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ \" أَتَى رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا تَأْمُرنِي ؟ فَقَالَ : بِرَّ أُمّك ثُمَّ عَادَ \" الْحَدِيث وَكَذَا هُوَ فِي \" كِتَاب الْبِرّ وَالصِّلَة لِابْنِ الْمُبَارَك \" وَنَقَلَ الْمُحَاسِبِيّ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْأُمّ مُقَدَّمَة فِي الْبِرّ عَلَى الْأَب. ‏"
    },
    {
        "id": "5515",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏وَشُعْبَةَ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏حَبِيبٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَبَّاسِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُجَاهِدُ قَالَ ‏ ‏لَكَ أَبَوَانِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَحَبِيب ‏ ‏الْمَذْكُور فِي السَّنَد هُوَ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏فِي الطَّرِيقَيْنِ هُوَ الثَّوْرِيّ , وَتَرْجَمَ لَهُ هُنَاكَ فِي الْجِهَاد بِإِذْنِ الْأَبَوَيْنِ , وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" هَاجَرَ رَجُل فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ بِالْيَمَنِ أَبَوَاك ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : أَذِنَا لَك ؟ قَالَ : لَا قَالَ : اِرْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا , فَإِنْ أَذِنَا لَك وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا \" ‏ ‏وَقَوْله : \" فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ \" ‏ ‏أَيْ إِنْ كَانَ لَك أَبَوَانِ فَابْلُغْ جَهْدك فِي بِرّهمَا وَالْإِحْسَان إِلَيْهِمَا , فَإِنَّ ذَلِكَ يَقُوم لَك مَقَام قِتَال الْعَدُوّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5516",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر أَنْ يَلْعَن الرَّجُل وَالِدَيْهِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَعْدَ بَاب عَدّ الْعُقُوق فِي أَكْبَر الْكَبَائِر , وَالْمَذْكُور هُنَا فَرْد مِنْ أَفْرَاد الْعُقُوق , وَإِنْ كَانَ التَّسَبُّب إِلَى لَعْن الْوَالِد مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر فَالتَّصْرِيح بِلَعْنِهِ أَشَدّ , وَتَرْجَمَ بِلَفْظِ السَّبّ وَسَاقَهُ بِلَفْظِ اللَّعْن إِشَارَة إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَقِيَّة الْحَدِيث , وَقَدْ وَقَعَ أَيْضًا فِي بَعْض طُرُقه وَهُوَ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ طَرِيق عُرْوَة بْن عِيَاض سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو يَقُول : \" مِنْ الْكَبَائِر عِنْد اللَّه أَنْ يَسُبّ الرَّجُل وَالِده \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ طَرِيق سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن الْهَادِ كِلَاهُمَا عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم بِلَفْظِ \" مِنْ الْكَبَائِر شَتْم الرَّجُل \" وَفِي رِوَايَة الْمُصَنِّف \" أَنْ يَشْتُم الرَّجُل وَالِدَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه وَكَيْف يَلْعَن الرَّجُل وَالِدَيْهِ ) ‏ ‏؟ هُوَ اِسْتِبْعَاد مِنْ السَّائِل ; لِأَنَّ الطَّبْع الْمُسْتَقِيم يَأْبَى ذَلِكَ , فَبَيَّنَ فِي الْجَوَاب أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَاطَ السَّبّ بِنَفْسِهِ فِي الْأَغْلَب الْأَكْثَر لَكِنْ قَدْ يَقَع مِنْهُ التَّسَبُّب فِيهِ وَهُوَ مِمَّا يُمْكِن وُقُوعه كَثِيرًا. قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي سَدّ الذَّرَائِع وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَنْ آلَ فِعْله إِلَى مُحَرَّم يَحْرُم عَلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْل وَإِنْ لَمْ يَقْصِد إِلَى مَا يَحْرُم , وَالْأَصْل فِي هَذَا الْحَدِيث قَوْله تَعَالَى : ( وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه ) الْآيَة. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الّمَاوَرْدِيّ مَنْع بَيْع الثَّوْب الْحَرِير مِمَّنْ يَتَحَقَّق أَنَّهُ يَلْبَسهُ , وَالْغُلَام الْأَمْرَد مِمَّنْ يَتَحَقَّق أَنَّهُ يَفْعَل بِهِ الْفَاحِشَة , وَالْعَصِير مِمَّنْ يَتَحَقَّق أَنَّهُ يَتَّخِذهُ خَمْرًا. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : فِيهِ دَلِيل عَلَى عِظَم حَقّ الْأَبَوَيْنِ. وَفِيهِ الْعَمَل بِالْغَالِبِ لِأَنَّ الَّذِي يَسُبّ أَبَا الرَّجُل يَجُوز أَنْ يَسُبّ الْآخَر أَبَاهُ وَيَجُوز أَنْ لَا يَفْعَل لَكِنَّ الْغَالِب أَنْ يُجِيبهُ بِنَحْوِ قَوْله. وَفِيهِ مُرَاجَعَة الطَّالِب لِشَيْخِهِ فِيمَا يَقُولهُ مِمَّا يُشْكِل عَلَيْهِ وَفِيهِ إِثْبَات الْكَبَائِر وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ قَرِيبًا , وَفِيهِ أَنَّ الْأَصْل يَفْضُل الْفَرْع بِأَصْلِ الْوَضْع وَلَوْ فَضَلَهُ الْفَرْع بِبَعْضِ الصِّفَات. ‏"
    },
    {
        "id": "5517",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمْ الْمَطَرُ فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الْجَبَلِ فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا فَقَالَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي وَإِنَّهُ نَاءَ ‏ ‏بِيَ الشَّجَرُ فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ فَفَرَجَ اللَّهُ لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ وَقَالَ الثَّانِي اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَلَقِيتُهَا بِهَا فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ فَقُمْتُ عَنْهَا اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً وَقَالَ الْآخَرُ اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ أَعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا فَجَاءَنِي فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي فَقُلْتُ اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي فَقُلْتُ إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ فَخُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرَاعِيَهَا فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ فَفَرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة : ‏ ‏\" عَلَى فَم غَارهمْ \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بَاب \" بَدَل \" فَم \" ‏ ‏وَقَوْله : \" فَأَطْبَقَتْ \" ‏ ‏تَقَدَّمَ تَوْجِيهه فِي أَوَاخِر أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَتَطَابَقَتْ \". ‏ ‏وَقَوْله : \" نَأَى \" ‏ ‏أَيْ بَعُدَ , ‏ ‏وَالشَّجَر ‏ ‏بِمُعْجَمَةٍ وَجِيم لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ , وَالْأَوَّل أَوْلَى فَإِنَّ فِي الْخَبَر أَنَّهُ رَجَعَ بَعْد أَنْ نَامَا يَنْتَظِر اِسْتِيقَاظهمَا إِلَى الصَّبَاح حَتَّى اِنْتَبَهَا مِنْ قِبَل أَنْفُسهمَا , وَإِنَّمَا قَالَ : \" بَعُدَ بِي الشَّجَر \" أَيْ لِطَلَبِ الْمَرْعَى. ‏ ‏وَقَوْله : \" فُرْجَة يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاء \" ‏ ‏فِي رِوَايَة \" حَتَّى رَأَوْا \" وَوَقَعَ هُنَا لِلْحَمَوِيّ : وَقَصَّ الْحَدِيث بِطُولِهِ , وَسَاقَهُ الْبَاقُونَ. ‏ ‏وَقَوْله : يُحِبّ الرِّجَال النِّسَاء ‏ ‏, فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" الرَّجُل \" بِالْإِفْرَادِ. ‏ ‏وَقَوْله : \" تِلْكَ الْبَقَر \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" ذَلِكَ الْبَقَر \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَالْإِشَارَة فِيهِ إِلَى الْجِنْس. ‏"
    },
    {
        "id": "5518",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَرَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَمَنْعًا ‏ ‏وَهَاتِ ‏ ‏وَوَأْدَ ‏ ‏الْبَنَاتِ وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب ثَلَاثَة أَحَاِيث أيْضًا أَوَّلهَا حَدِيث الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَنْصُور ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , ‏ ‏وَالْمُسَيِّب ‏ ‏هُوَ اِبْن رَافِع , وَوَرَّاد هُوَ كَاتِب الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة , وَالسَّنَد كُلّه كُوفِيُّونَ. وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِسَمَاعِ مَنْصُور لَهُ مِنْ الْمُسَيِّب فِي الدَّعَوَات , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِقْرَاض مِنْ رِوَايَة عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ جَرِير عَنْ مَنْصُور كَاَلَّذِي هُنَا , وَذَكَرَ الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" أَنَّ فِي رِوَايَة مَنْصُور عَنْ الْمُسَيِّب عِنْد الْبُخَارِيّ ذِكْر عُقُوق الْأُمَّهَات فَقَطْ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُوَ بِتَمَامِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ; لَكِنَّهُ فِي الْأَصْل طَرَف مِنْ حَدِيث مُطَوَّل سَيَأْتِي فِي الْقَدَر مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر. وَفِي الرِّقَاق مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ كِلَاهُمَا عَنْ وَرَّاد أَنَّ مُعَاوِيَة كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَة أَنْ اُكْتُبْ إِلَيَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْته , فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي التَّهْلِيل عَقِب الصَّلَوَات , قَالَ : وَكَانَ يَنْهَى , فَذَكَرَ مَا هُنَا , وَسَيَأْتِي فِي الدَّعَوَات أَوَّله فَقَطْ مِنْ رِوَايَة قُتَيْبَة عَنْ جَرِير دُون مَا فِي آخِره. وَالْحَاصِل أَنَّهُ فَرَّقَهُ مِنْ حَدِيث جَرِير عَنْ مَنْصُور فِي مَوْضِعَيْنِ , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ كَانَ عِنْد شَيْخه هَكَذَا , وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الشَّعْبِيّ مُقْتَصِرًا عَلَى الَّذِي هُنَا أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوق الْأُمَّهَات ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِقْرَاض الْإِشَارَة إِلَى حِكْمَة اِخْتِصَاص الْأُمّ بِالذِّكْرِ , وَهُوَ مِنْ تَخْصِيص الشَّيْء بِالذِّكْرِ إِظْهَارًا لِعِظَمِ مَوْقِعه. وَالْأُمَّهَات جَمْع أُمَّهَة وَهِيَ لِمَنْ يَعْقِل , بِخِلَافِ لَفْظ الْأُمّ فَإِنَّهُ أَعَمّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْعًا وَهَاتِ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ وَفِي الِاسْتِقْرَاض \" وَمَنْع \" بِغَيْرِ تَنْوِين , وَهِيَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِسُكُونِ النُّون مَصْدَر مَنَعَ يَمْنَع , وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِهِ فِي الْكَلَام عَلَى \" قِيلَ وَقَالَ \" وَأَمَّا هَاتِ فَبِكَسْرِ الْمُثَنَّاة فِعْل أَمْر مِنْ الْإِيتَاء قَالَ الْخَلِيل : أَصْل هَاتِ آتِ فَقُلِبَتْ الْأَلِف هَاء. وَالْحَاصِل مِنْ النَّهْي مَنْع مَا أُمِرَ بِإِعْطَائِهِ وَطَلَب مَا لَا يَسْتَحِقّ أَخْذه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون النَّهْي عَنْ السُّؤَال مُطْلَقًا كَمَا سَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِيهِ قَرِيبًا , وَيَكُون ذِكْره هُنَا مَعَ ضِدّه ثُمَّ أُعِيدَ تَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ عَنْهُ , ثُمَّ هُوَ مُحْتَمَل أَنْ يَدْخُل فِي النَّهْي مَا يَكُون خِطَابًا لِاثْنَيْنِ كَمَا يُنْهَى الطَّالِب عَنْ طَلَب مَا لَا يَسْتَحِقّهُ وَيُنْهَى الْمَطْلُوب مِنْهُ عَنْ إِعْطَاء مَا لَا يَسْتَحِقّهُ الطَّالِب لِئَلَّا يُعِينهُ عَلَى الْإِثْم. ‏ ‏قَوْله : ( وَوَأْد الْبَنَات ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْهَمْزَة هُوَ دَفْن الْبَنَات بِالْحَيَاةِ , وَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَفْعَلُونَ ذَلِكَ كَرَاهَة فِيهِنَّ , وَيُقَال : إِنَّ أَوَّل مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَيْس بْن عَاصِم التَّمِيمِيّ , وَكَانَ بَعْض أَعْدَائِهِ أَغَارَ عَلَيْهِ فَأَسَرَ بِنْته فَاِتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ حَصَلَ بَيْنهمْ صُلْح فَخَيَّرَ اِبْنَته فَاخْتَارَتْ زَوْجهَا , فَآلَى قَيْس عَلَى نَفْسه أَنْ لَا تُولَد لَهُ بِنْت إِلَّا دَفَنَهَا حَيَّة , فَتَبِعَهُ الْعَرَب فِي ذَلِكَ , وَكَانَ مِنْ الْعَرَب فَرِيق ثَانٍ يَقْتُلُونَ أَوْلَادهمْ مُطْلَقًا , إِمَّا نَفَاسَة مِنْهُ عَلَى مَا يَنْقُصهُ مِنْ مَاله , وَإِمَّا مِنْ عَدَم مَا يُنْفِقهُ عَلَيْهِ , وَقَدْ ذَكَرَ اللَّه أَمْرهمْ فِي الْقُرْآن فِي عِدَّة آيَات , وَكَانَ صَعْصَعَة بْن نَاجِيَة التَّمِيمِيّ أَيْضًا وَهُوَ جَدّ الْفَرَزْدَق هَمَّام بْن غَالِب بْن صَعْصَعَة أَوَّل مَنْ فَدَى الْمَوْءُودَة , وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَعْمِد إِلَى مَنْ يُرِيد أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَيَفْدِي الْوَلَد مِنْهُ بِمَالٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْفَرَزْدَق بِقَوْلِهِ : ‏ ‏وَجَدِّي الَّذِي مَنَعَ الْوَائِدَاتِ ‏ ‏وَأَحْيَا الْوَئِيد فَلَمْ يُوأَدِ ‏ ‏وَهَذَا مَحْمُول عَلَى الْفَرِيق الثَّانِي , وَقَدْ بَقِيَ كُلّ مِنْ قَيْس وَصَعْصَعَة إِلَى أَنْ أَدْرَكَا الْإِسْلَام وَلَهُمَا صُحْبَة , وَإِنَّمَا خَصَّ الْبَنَات بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ كَانَ الْغَالِب مِنْ فِعْلهمْ , لِأَنَّ الذُّكُور مَظِنَّة الْقُدْرَة عَلَى الِاكْتِسَاب. وَكَانُوا فِي صِفَة الْوَأْد عَلَى طَرِيقَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَأْمُر اِمْرَأَته إِذَا قَرُبَ وَضْعهَا أَنْ تُطْلِق بِجَانِبِ حَفِيرَة , فَإِذَا وَضَعَتْ ذَكَرًا أَبْقَتْهُ وَإِذَا وَضَعَتْ أُنْثَى طَرَحَتْهَا فِي الْحَفِيرَة , وَهَذَا أَلْيَق بِالْفَرِيقِ الْأَوَّل. وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ إِذَا صَارَتْ الْبِنْت سُدَاسِيَّة قَالَ لِأُمِّهَا : طَيِّبِيهَا وَزَيِّنِيهَا لِأَزُورَ بِهَا أَقَارِبهَا , ثُمَّ يَبْعُد بِهَا فِي الصَّحْرَاء حَتَّى يَأْتِي الْبِئْر فَيَقُول لَهَا اُنْظُرِي فِيهَا وَيَدْفَعهَا مِنْ خَلْفهَا وَيَطِمّهَا , وَهَذَا اللَّائِق بِالْفَرِيقِ الثَّانِي , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ \" وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِي جَمِيع الْمَوَاضِع بِغَيْرِ تَنْوِين , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا \" قِيلًا وَقَالًا \" وَالْأَوَّل أَشْهَر , وَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ جَائِز وَلَمْ تَقَع بِهِ الرِّوَايَة , قَالَ الْجَوْهَرِيّ : قِيلَ وَقَالَ اِسْمَانِ , يُقَال كَثِير الْقِيل وَالْقَال , كَذَا جَزَمَ بِأَنَّهُمَا اِسْمَانِ , وَأَشَارَ إِلَى الدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ بِدُخُولِ الْأَلِف وَاللَّام عَلَيْهِمَا. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : لَوْ كَانَا اِسْمَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِد كَالْقَوْلِ لَمْ يَكُنْ لِعَطْفِ أَحَدهمَا عَلَى الْآخَر فَائِدَة , فَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيح الْأَوَّل. وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ فِي قِيلَ وَقَالَ ثَلَاثَة أَوْجُه : ‏ ‏أَحَدهَا : أَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ لِلْقَوْلِ , تَقُول قُلْت قَوْلًا وَقِيلًا وَقَالًا وَالْمُرَاد فِي الْأَحَادِيث الْإِشَارَة إِلَى كَرَاهَة كَثْرَة الْكَلَام لِأَنَّهَا تُؤَوِّل إِلَى الْخَطَأ , قَالَ : وَإِنَّمَا كَرَّرَهُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْر عَنْهُ , ‏ ‏ثَانِيهَا : إِرَادَة حِكَايَة أَقَاوِيل النَّاس وَالْبَحْث عَنْهَا لِيُخْبِر عَنْهَا فَيَقُول : قَالَ فُلَان كَذَا وَقِيلَ كَذَا , وَالنَّهْي عَنْهُ إِمَّا لِلزَّجْرِ عَنْ الِاسْتِكْثَار مِنْهُ , وَإِمَّا لِشَيْءٍ مَخْصُوص مِنْهُ وَهُوَ مَا يَكْرَههُ الْمَحْكِيّ عَنْهُ. ‏ ‏ثَالِثهَا : أَنَّ ذَلِكَ فِي حِكَايَة الِاخْتِلَاف فِي أُمُور الدِّين كَقَوْلِهِ : قَالَ فُلَان كَذَا وَقَالَ فُلَان كَذَا , وَمَحَلّ كَرَاهَة ذَلِكَ أَنْ يُكْثِر مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يُؤْمَن مَعَ الْإِكْثَار مِنْ الزَّلَل , وَهُوَ مَخْصُوص بِمَنْ يَنْقُل ذَلِكَ مِنْ غَيْر تَثَبُّت , وَلَكِنْ يُقَلِّد مَنْ سَمِعَهُ وَلَا يَحْتَاط لَهُ. قُلْت : وَيُؤَيِّد ذَلِكَ الْحَدِيث الصَّحِيح \" كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَفِي \" شَرْح الْمِشْكَاة \" قَوْله : قِيلَ وَقَالَ مِنْ قَوْلهمْ قِيلَ كَذَا وَقَالَ كَذَا , وَبِنَاؤُهُمَا عَلَى كَوْنهمَا فِعْلَيْنِ مَحْكِيَّيْنِ مُتَضَمِّنَيْنِ لِلضَّمِيرِ وَالْإِعْرَاب عَلَى إِجْرَائِهِمَا مَجْرَى الْأَسْمَاء خِلْوَيْنِ مِنْ الضَّمِير , وَمِنْهُ قَوْله : \" إِنَّمَا الدُّنْيَا قِيلَ وَقَالَ \" وَإِدْخَال حَرْف التَّعْرِيف عَلَيْهِمَا فِي قَوْله : مَا يُعْرَف الْقَال الْقِيل لِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَثْرَة السُّؤَال ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الزَّكَاة بَيَان الِاخْتِلَاف فِي الْمُرَاد مِنْهُ وَهَلْ هُوَ سُؤَال الْمَال , أَوْ السُّؤَال عَنْ الْمُشْكِلَات وَالْمُعْضِلَات , أَوْ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ ؟ وَأَنَّ الْأَوْلَى حَمْله عَلَى الْعُمُوم. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْض الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ كَثْرَة السُّؤَال عَنْ أَخْبَار النَّاس وَأَحْدَاث الزَّمَان , أَوْ كَثْرَة سُؤَال إِنْسَان بِعَيْنِهِ عَنْ تَفَاصِيل حَاله , فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَه الْمَسْئُول غَالِبًا. وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْي عَنْ الْأُغْلُوطَات أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث مُعَاوِيَة , وَثَبَتَ عَنْ جَمْع مِنْ السَّلَف كَرَاهَة تَكَلُّف الْمَسَائِل الَّتِي يَسْتَحِيل وُقُوعهَا عَادَة أَوْ يَنْدُر جِدًّا , وَإِنَّمَا كَرِهُوا ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنَطُّع وَالْقَوْل بِالظَّنِّ , إِذْ لَا يَخْلُو صَاحِبه مِنْ الْخَطَأ وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ فِي اللِّعَان فَكَرِهَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِل وَعَابَهَا , وَكَذَا فِي التَّفْسِير فِي قَوْله تَعَالَى : ( لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) فَذَلِكَ خَاصّ بِزَمَانِ نُزُول الْوَحْي , وَيُشِير إِلَيْهِ حَدِيث \" أَعْظَم النَّاس جُرْمًا عِنْد اللَّه مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْء لَمْ يُحَرَّم فَحُرِّمَ مِنْ أَجْل مَسْأَلَته \" وَثَبَتَ أَيْضًا ذَمّ السُّؤَال لِلْمَالِ وَمَدْح مَنْ لَا يُلْحِف فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَا يَسْأَلُونَ النَّاس إِلْحَافًا ) وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة حَدِيث \" لَا تَزَال الْمَسْأَلَة بِالْعَبْدِ حَتَّى يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة وَلَيْسَ فِي وَجْهه مُزْعَة لَحْم \" وَفِي صَحِيح مُسْلِم \" إِنَّ الْمَسْأَلَة لَا تَحِلّ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ : لِذِي فَقْر مُدْقِع , أَوْ غُرْم مُفْظِع , أَوْ جَائِحَة \" وَفِي السُّنَن قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ عَبَّاس : \" إِذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّه \" وَفِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ \" إِنْ كُنْت لَا بُدّ سَائِلًا فَاسْأَلْ الصَّالِحِينَ \" وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ , وَالْمَعْرُوف عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنَّهُ جَائِز لِأَنَّهُ طَلَب مُبَاح فَأَشْبَهَ الْعَارِيَّة , وَحَمَلُوا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة عَلَى مَنْ سَأَلَ مِنْ الزَّكَاة الْوَاجِبَة مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلهَا , لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح مُسْلِم \" : اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى النَّهْي عَنْ السُّؤَال مِنْ غَيْر ضَرُورَة. قَالَ : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِي سُؤَال الْقَادِر عَلَى الْكَسْب عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحّهمَا التَّحْرِيم لِظَاهِرِ الْأَحَادِيث. ‏ ‏وَالثَّانِي : يَجُوز مَعَ الْكَرَاهَة بِشُرُوطٍ ثَلَاثَة : أَنْ لَا يُلِحّ وَلَا يُذِلّ نَفْسه زِيَادَة عَلَى ذُلّ نَفْس السُّؤَال , وَلَا يُؤْذِي الْمَسْئُول. فَإِنْ فُقِدَ شَرْط مِنْ ذَلِكَ حَرُمَ. وَقَالَ الْفَاكِهَانِيّ : يُتَعَجَّب مِمَّنْ قَالَ بِكَرَاهَةِ السُّؤَال مُطْلَقًا مَعَ وُجُود السُّؤَال فِي عَصْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ السَّلَف الصَّالِح مِنْ غَيْر نَكِير , فَالشَّارِع لَا يُقِرّ عَلَى مَكْرُوه. قُلْت : لَعَلَّ مَنْ كَرِهَ مُطْلَقًا أَرَادَ أَنَّهُ خِلَاف الْأَوْلَى , وَلَا يَلْزَم مِنْ وُقُوعه أَنْ تَتَغَيَّر صِفَته وَلَا مِنْ تَقْرِيره أَيْضًا , وَيَنْبَغِي حَمْل حَال أُولَئِكَ عَلَى السَّدَاد , وَأَنَّ السَّائِل مِنْهُمْ غَالِبًا مَا كَانَ يَسْأَل إِلَّا عِنْد الْحَاجَة الشَّدِيدَة , وَفِي قَوْله : \" مِنْ غَيْر نَكِير \" نَظَر فَفِي الْأَحَادِيث الْكَثِيرَة الْوَارِدَة فِي ذَمّ السُّؤَال كِفَايَة فِي إِنْكَار ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏جَمِيع مَا تَقَدَّمَ فِيمَا سَأَلَ لِنَفْسِهِ , وَأَمَّا إِذَا سَأَلَ لِغَيْرِهِ فَاَلَّذِي يَظْهَر أَيْضًا أَنَّهُ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِضَاعَة الْمَال ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِقْرَاض أَنَّ الْأَكْثَر حَمَلُوهُ عَلَى الْإِسْرَاف فِي الْإِنْفَاق , وَقَيَّدَهُ بَعْضهمْ بِالْإِنْفَاقِ فِي الْحَرَام , وَالْأَقْوَى أَنَّهُ مَا أُنْفِقَ فِي غَيْر وَجْهه الْمَأْذُون فِيهِ شَرْعًا سَوَاء كَانَتْ دِينِيَّة أَوْ دُنْيَوِيَّة فَمَنَعَ مِنْهُ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ الْمَال قِيَامًا لِمَصَالِح الْعِبَاد , وَفِي تَبْذِيرهَا تَفْوِيت تِلْكَ الْمَصَالِح , إِمَّا فِي حَقّ مُضَيِّعهَا وَإِمَّا فِي حَقّ غَيْره , وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ كَثْرَة إِنْفَاقه فِي وُجُوه الْبِرّ لِتَحْصِيلِ ثَوَاب الْآخِرَة مَا لَمْ يُفَوِّت حَقًّا أُخْرَوِيًّا أَهَمّ مِنْهُ. وَالْحَاصِل فِي كَثْرَة الْإِنْفَاق ثَلَاثَة أَوْجُه : ‏ ‏الْأَوَّل : إِنْفَاقه فِي الْوُجُوه الْمَذْمُومَة شَرْعًا فَلَا شَكّ فِي مَنْعه , ‏ ‏وَالثَّانِي : إِنْفَاقه فِي الْوُجُوه الْمَحْمُودَة شَرْعًا فَلَا شَكّ فِي كَوْنه مَطْلُوبًا بِالشَّرْطِ الْمَذْكُور , ‏ ‏وَالثَّالِث : إِنْفَاقه فِي الْمُبَاحَات بِالْأَصَالَةِ كَمَلَاذِّ النَّفْس , فَهَذَا يَنْقَسِم إِلَى قِسْمَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون عَلَى وَجْه يَلِيق بِحَالِ الْمُنْفِق وَبِقَدْرِ مَاله , فَهَذَا لَيْسَ بِإِسْرَافٍ. ‏ ‏وَالثَّانِي : مَا لَا يَلِيق بِهِ عُرْفًا , وَهُوَ يَنْقَسِم أَيْضًا إِلَى قِسْمَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا : مَا يَكُون لِدَفْعِ مَفْسَدَة إِمَّا نَاجِزَة أَوْ مُتَوَقَّعَة , فَهَذَا لَيْسَ بِإِسْرَافٍ , ‏ ‏وَالثَّانِي : مَا لَا يَكُون فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ إِسْرَاف , وَذَهَبَ بَعْض الشَّافِعِيَّة إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِسْرَافٍ قَالَ : لِأَنَّهُ تَقُوم بِهِ مَصْلَحَة الْبَدَن وَهُوَ غَرَض صَحِيح , وَإِذَا كَانَ فِي غَيْر مَعْصِيَة فَهُوَ مُبَاح لَهُ. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَظَاهِر الْقُرْآن يَمْنَع مَا قَالَ ا ه. وَقَدْ صَرَّحَ بِالْمَنْعِ الْقَاضِي حُسَيْن فَقَالَ فِي كِتَاب قَسْم الصَّدَقَات : هُوَ حَرَام , وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيّ , وَجَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيّ فِي الْكَلَام عَلَى الْمَغَارِم , وَصَحَّحَ فِي بَاب الْحَجْر مِنْ الشَّرْح وَفِي الْمُحَرَّر أَنَّهُ لَيْسَ بِتَبْذِيرٍ , وَتَبِعَهُ النَّوَوِيّ , وَاَلَّذِي يَتَرَجَّح أَنَّهُ لَيْسَ مَذْمُومًا لِذَاتِهِ ; لَكِنَّهُ يُفْضِي غَالِبًا إِلَى اِرْتِكَاب الْمَحْذُور كَسُؤَالِ النَّاس , وَمَا أَدَّى إِلَى الْمَحْذُور فَهُوَ مَحْذُور. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الزَّكَاة الْبَحْث فِي جَوَاز التَّصَدُّق بِجَمِيعِ الْمَال وَأَنَّ ذَلِكَ يَجُوز لِمَنْ عُرِفَ مَنْ نَفْسه الصَّبْر عَلَى الْمُضَايَقَة , وَجَزَمَ الْبَاجِيّ مِنْ الْمَالِكِيَّة بِمَنْعِ اِسْتِيعَاب جَمِيع الْمَال بِالصَّدَقَةِ قَالَ : وَيُكْرَه كَثْرَة إِنْفَاقه فِي مَصَالِح الدُّنْيَا , وَلَا بَأْس بِهِ إِذَا وَقَعَ نَادِرًا لِحَادِثٍ يَحْدُث كَضَيْفٍ أَوْ عِيد أَوْ وَلِيمَة. وَمِمَّا لَا خِلَاف فِي كَرَاهَته مُجَاوَزَة الْحَدّ فِي الْإِنْفَاق عَلَى الْبِنَاء زِيَادَة عَلَى قَدْر الْحَاجَة , وَلَا سِيَّمَا إِنْ أَضَافَ إِلَى ذَلِكَ الْمُبَالَغَة فِي الزَّخْرَفَة وَمِنْهُ اِحْتِمَال الْغَبْن الْفَاحِش فِي الْبِيَاعَات بِغَيْرِ سَبَب. وَأَمَّا إِضَاعَة الْمَال فِي الْمَعْصِيَة فَلَا يَخْتَصّ بِارْتِكَابِ الْفَوَاحِش , بَلْ يَدْخُل فِيهَا سُوء الْقِيَام عَلَى الرَّقِيق وَالْبَهَائِم حَتَّى يَهْلِكُوا , وَدَفْع مَال مَنْ لَمْ يُؤْنَس مِنْهُ الرُّشْد إِلَيْهِ , وَقَسْمه مَا لَا يُنْتَفَع بِجُزْئِهِ كَالْجَوْهَرَةِ النَّفِيسَة. وَقَالَ السُّبْكِيّ الْكَبِير فِي \" الْحَلَبِيَّات \" : الضَّابِط فِي إِضَاعَة الْمَال أَنْ لَا يَكُون لِغَرَضٍ دِينِيّ وَلَا دُنْيَوِيّ , فَإِنْ اِنْتَفَيَا حَرُمَ قَطْعًا , وَإِنْ وُجِدَ أَحَدهمَا وُجُودًا لَهُ بَال وَكَانَ الْإِنْفَاق لَائِقًا بِالْحَالِ وَلَا مَعْصِيَة فِيهِ جَازَ قَطْعًا , وَبَيْن الرُّتْبَتَيْنِ وَسَائِط كَثِيرَة لَا تَدْخُل تَحْت ضَابِط. فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَرَى فِيمَا تَيَسَّرَ مِنْهَا رَأْيه , وَأَمَّا مَا لَا يَتَيَسَّر فَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ ; فَالْإِنْفَاق فِي الْمَعْصِيَة حَرَام كُلّه , وَلَا نَظَر إِلَى مَا يَحْصُل فِي مَطْلُوبه مِنْ قَضَاء شَهْوَة وَلَذَّة حَسَنَة. وَأَمَّا إِنْفَاقه فِي الْمَلَاذّ الْمُبَاحَة فَهُوَ مَوْضِع الِاخْتِلَاف , فَظَاهِر قَوْله تَعَالَى : ( وَاَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا ) أَنَّ الزَّائِد الَّذِي لَا يَلِيق بِحَالِ الْمُنْفِق إِسْرَاف. ثُمَّ قَالَ : وَمَنْ بَذَلَ مَالًا كَثِيرًا فِي غَرَض يَسِير تَافِه عَدَّهُ الْعُقَلَاء مُضَيِّعًا , بِخِلَافِ عَكْسه , وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ الطِّيبِيُّ : هَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي مَعْرِفَة حُسْن الْخُلُق , وَهُوَ تَتَبُّع جَمِيع الْأَخْلَاق الْحَمِيدَة وَالْخِلَال الْجَمِيلَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5519",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجُرَيْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شَاهِين الْوَاسِطِيّ , ‏ ‏وَخَالِد ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الطَّحَّان , ‏ ‏وَالْجُرَيْرِيّ ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيم هُوَ سَعِيد بْن إِيَاس , وَهُوَ مِمَّنْ اخْتَلَطَ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِأَنَّ سَمَاع خَالِد مِنْهُ قَبْل الِاخْتِلَاط وَلَا بَعْده , لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَات مِنْ طَرِيق بِشْر بْن الْمُفَضَّل وَيَأْتِي فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة كِلَاهُمَا عَنْ الْجُرَيْرِيّ , وَإِسْمَاعِيل مِمَّنْ سَمِعَ مِنْ الْجُرَيْرِيّ قَبْل اِخْتِلَاطه , وَبَيَّنَ فِي الشَّهَادَات تَصْرِيح الْجُرَيْرِيّ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل عَنْهُ بِتَحْدِيثِ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْرَة لَهُ بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( أَلَا أُنَبِّئكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة بِشْر بْن الْمُفَضَّل عَنْ الْجُرَيْرِيّ فِي الِاسْتِئْذَان \" أَلَا أُخْبِركُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( بِأَكْبَر الْكَبَائِر ثَلَاثًا ) ‏ ‏أَيْ قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات عَلَى عَادَته فِي تَكْرِير الشَّيْء ثَلَاث مَرَّات تَأْكِيدًا لِيُنَبِّه السَّامِع عَلَى إِحْضَار قَلْبه وَفَهْمه لِلْخَبَرِ الَّذِي يَذْكُرهُ وَفَهِمَ بَعْضهمْ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" ثَلَاثًا \" عَدَد الْكَبَائِر وَهُوَ بَعِيد , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل أَنَّ أَوَّل رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ \" أَكْبَر الْكَبَائِر الْإِشْرَاك , وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ , وَشَهَادَة الزُّور ثَلَاثًا \" وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ مِنْ الذُّنُوب كَبَائِر , وَمِنْهَا صَغَائِر , وَشَذَّتْ طَائِفَة مِنْهُمْ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الْإِسْفَرَايِينِيّ فَقَالَ : لَيْسَ فِي الذُّنُوب صَغِيرَة بَلْ كُلّ مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ كَبِيرَة , وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ الْمُحَقِّقِينَ , وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ كُلّ مُخَالَفَة لِلَّهِ فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَلَاله كَبِيرَة ا ه. وَنَسَبَهُ اِبْن بَطَّال إِلَى الْأَشْعَرِيَّة فَقَالَ : اِنْقِسَام الذُّنُوب إِلَى صَغَائِر وَكَبَائِر هُوَ قَوْل عَامَّة الْفُقَهَاء , وَخَالَفَهُمْ مِنْ الْأَشْعَرِيَّة أَبُو بَكْر بْن الطَّيِّب وَأَصْحَابه فَقَالُوا : الْمَعَاصِي كُلّهَا كَبَائِر , وَإِنَّمَا يُقَال لِبَعْضِهَا صَغِيرَة بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا هُوَ أَكْبَر مِنْهَا , كَمَا يُقَال الْقُبْلَة الْمُحَرَّمَة صَغِيرَة بِإِضَافَتِهَا إِلَى الزِّنَا وَكُلّهَا كَبَائِر , قَالُوا : وَلَا ذَنْب عِنْدنَا يُغْفَر وَاجِبًا بِاجْتِنَابِ ذَنْب آخَر بَلْ كُلّ ذَلِكَ كَبِيرَة , وَمُرْتَكِبه فِي الْمَشِيئَة غَيْر الْكُفْر , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء ). وَأَجَابُوا عَنْ الْآيَة الَّتِي اِحْتَجَّ أَهْل الْقَوْل الْأَوَّل بِهَا وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِر مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) أَنَّ الْمُرَاد الشِّرْك. وَقَدْ قَالَ الْفَرَّاء : مَنْ قَرَأَ \" كَبَائِر \" فَالْمُرَاد بِهَا كَبِير , وَكَبِير الْإِثْم هُوَ الشِّرْك , وَقَدْ يَأْتِي لَفْظ الْجَمْع وَالْمُرَاد بِهِ الْوَاحِد كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( كَذَّبَتْ قَوْم نُوح الْمُرْسَلِينَ ) وَلَمْ يُرْسَل إِلَيْهِمْ غَيْر نُوح , قَالُوا : وَجَوَاز الْعِقَاب عَلَى الصَّغِيرَة كَجَوَازِهِ عَلَى الْكَبِيرَة ا ه. قَالَ النَّوَوِيّ : قَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَدِلَّة مِنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّة إِلَى الْقَوْل الْأَوَّل , وَقَالَ الْغَزَالِيّ فِي \" الْبَسِيط \" إِنْكَار الْفَرْق بَيْن الصَّغِيرَة وَالْكَبِيرَة لَا يَلِيق بِالْفَقِيهِ. قُلْت : قَدْ حَقَّقَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْمَنْقُول عَنْ الْأَشَاعِرَة وَاخْتَارَهُ وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُخَالِف مَا قَالَهُ الْجُمْهُور , فَقَالَ فِي \" الْإِرْشَاد \" : الْمَرْضِيّ عِنْدنَا أَنَّ كُلّ ذَنْب يُعْصَى اللَّه بِهِ كَبِيرَة , فَرُبَّ شَيْء يُعَدّ صَغِيرَة بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْأَقْرَان وَلَوْ كَانَ فِي حَقّ الْمَلِك لَكَانَ كَبِيرَة , وَالرَّبّ أَعْظَم مَنْ عُصِيَ , فَكُلّ ذَنْب بِالْإِضَافَةِ إِلَى مُخَالَفَته عَظِيم ; وَلَكِنَّ الذُّنُوب وَإِنْ عَظُمَتْ فَهِيَ مُتَفَاوِته فِي رُتَبهَا. وَظَنَّ بَعْض النَّاس أَنَّ الْخِلَاف لَفْظِيّ فَقَالَ : التَّحْقِيق أَنَّ لِلْكَبِيرَةِ اِعْتِبَارَيْنِ : فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مُقَايَسَة بَعْضهَا لِبَعْضٍ فَهِيَ تَخْتَلِف قَطْعًا , وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآمِر النَّاهِي فَكُلّهَا كَبَائِر ا ه. وَالتَّحْقِيق أَنَّ الْخِلَاف مَعْنَوِيّ , وَإِنَّمَا جَرَى إِلَيْهِ الْأَخْذ بِظَاهِرِ الْآيَة , وَالْحَدِيث الدَّالّ عَلَى أَنَّ الصَّغَائِر تُكَفَّر بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِر كَمَا تَقَدَّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَا أَظُنّهُ يَصِحّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ كُلّ مَا نَهَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ كَبِيرَة لِأَنَّهُ مُخَالِف لِظَاهِرِ الْقُرْآن فِي الْفَرْق بَيْن الصَّغَائِر وَالْكَبَائِر فِي قَوْله : ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم ) وَقَوْله : ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِر مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّر عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ ) فَجَعَلَ فِي الْمَنْهِيَّات صَغَائِر وَكَبَائِر , وَفَرَّقَ بَيْنهمَا فِي الْحُكْم إِذْ جَعَلَ تَكْفِير السَّيِّئَات فِي الْآيَة مَشْرُوطًا بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِر , وَاسْتَثْنَى اللَّمَم مِنْ الْكَبَائِر وَالْفَوَاحِش , فَكَيْف يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى حَبْر الْقُرْآن ؟ قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ مَا سَيَأْتِي عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِير اللَّمَم , لَكِنَّ النَّقْل الْمَذْكُور عَنْهُ أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي وَالطَّبَرِيّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ إِلَى اِبْن عَبَّاس فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" نَهَى اللَّه عَنْهُ \" مَحْمُولًا عَلَى نَهْي خَاصّ وَهُوَ الَّذِي قُرِنَ بِهِ وَعِيد كَمَا قَيَّدَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَنْ اِبْن عَبَّاس فَيُحْمَل مُطْلَقه عَلَى مُقَيَّده جَمْعًا بَيْن كَلَامَيْهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الصَّغِيرَة وَالْكَبِيرَة أَمْرَانِ نِسْبِيَّانِ , فَلَا بُدّ مِنْ أَمْر يُضَافَانِ إِلَيْهِ وَهُوَ أَحَد ثَلَاثَة أَشْيَاء : الطَّاعَة أَوْ الْمَعْصِيَة أَوْ الثَّوَاب. فَأَمَّا الطَّاعَة فَكُلّ مَا تُكَفِّرهُ الصَّلَاة مَثَلًا هُوَ مِنْ الصَّغَائِر , وَكُلّ مَا يُكَفِّرهُ الْإِسْلَام أَوْ الْهِجْرَة فَهُوَ مِنْ الْكَبَائِر. وَأَمَّا الْمَعْصِيَة فَكُلّ مَعْصِيَة يَسْتَحِقّ فَاعِلهَا بِسَبَبِهَا وَعِيدًا أَوْ عِقَابًا أَزْيَدَ مِنْ الْوَعِيد أَوْ الْعِقَاب الْمُسْتَحَقّ بِسَبَبِ مَعْصِيَة أُخْرَى فَهِيَ كَبِيرَة وَأَمَّا الثَّوَاب فَفَاعِل الْمَعْصِيَة إِذَا كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ فَالصَّغِيرَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَبِيرَة , فَقَدْ وَقَعَتْ الْمُعَاتَبَة فِي حَقّ بَعْض الْأَنْبِيَاء عَلَى أُمُور لَمْ تُعَدّ مِنْ غَيْرهمْ مَعْصِيَة ا ه. وَكَلَامه فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْوَعِيدِ وَالْعِقَاب يُخَصِّص عُمُوم مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ عَلَامَة الْكَبِيرَة وُرُود الْوَعِيد أَوْ الْعِقَاب فِي حَقّ فَاعِلهَا , لَكِنْ يَلْزَم مِنْهُ أَنَّ مُطْلَق قَتْل النَّفْس مَثَلًا لَيْسَ كَبِيرَة , كَأَنَّهُ وَإِنْ وَرَدَ الْوَعِيد فِيهِ أَوْ الْعِقَاب لَكِنْ وَرَدَ الْوَعِيد وَالْعِقَاب فِي حَقّ قَاتِل وَلَده أَشَدّ , فَالصَّوَاب مَا قَالَهُ الْجُمْهُور وَأَنَّ الْمِثَال الْمَذْكُور وَمَا أَشْبَهَهُ يَنْقَسِم إِلَى كَبِيرَة وَأَكْبَر , وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ النَّوَوِيّ : وَاخْتَلَفُوا فِي ضَبْط الْكَبِيرَة اِخْتِلَافًا كَثِيرًا مُنْتَشِرًا , فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهَا كُلّ ذَنْب خَتَمَهُ اللَّه بِنَارٍ أَوْ غَضَب أَوْ لَعْنَة أَوْ عَذَاب , قَالَ : وَجَاءَ نَحْو هَذَا عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ , وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ مَا أَوْعَدَ اللَّه عَلَيْهِ بِنَارٍ فِي الْآخِرَة أَوْ أَوْجَبَ فِيهِ حَدًّا فِي الدُّنْيَا. قُلْت : وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى هَذَا الْأَخِير الْإِمَام أَحْمَد فِيمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى , وَمِنْ الشَّافِعِيَّة الّمَاوَرْدِيّ وَلَفْظه : الْكَبِيرَة مَا وَجَبَتْ فِيهِ الْحُدُود , أَوْ تَوَجَّهَ إِلَيْهَا الْوَعِيد. وَالْمَنْقُول عَنْ اِبْن عَبَّاس أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم بِسَنَدٍ لَا بَأْس بِهِ , إِلَّا أَنَّ فِيهِ اِنْقِطَاعًا. وَأُخْرِجَ مِنْ وَجْه آخَر مُتَّصِل لَا بَأْس بِرِجَالِهِ أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كُلّ مَا تَوَعَّدَ اللَّه عَلَيْهِ بِالنَّارِ كَبِيرَة. وَقَدْ ضَبَطَ كَثِير مِنْ الشَّافِعِيَّة الْكَبَائِر بِضَوَابِط أُخْرَى , مِنْهَا قَوْل إِمَام الْحَرَمَيْنِ : كُلّ جَرِيمَة تُؤْذِن بِقِلَّةِ اِكْثِرَاث مُرْتَكِبهَا بِالدِّينِ وَرِقَّة الدِّيَانَة. وَقَوْل الْحَلِيمِيّ : كُلّ مُحَرَّم لِعَيْنه مَنْهِيّ عَنْهُ لِمَعْنًى فِي نَفْسه. وَقَالَ الرَّافِعِيّ : هِيَ مَا أَوْجَبَ الْحَدّ. وَقِيلَ : مَا يُلْحِق الْوَعِيد بِصَاحِبِهِ بِنَصِّ كِتَاب أَوْ سُنَّة. هَذَا أَكْثَر مَا يُوجَد لِلْأَصْحَابِ وَهُمْ إِلَى تَرْجِيح الْأَوَّل أَمْيَل ; لَكِنَّ الثَّانِي أَوْفَق لِمَا ذَكَرُوهُ عِنْد تَفْصِيل الْكَبَائِر ا ه كَلَامه. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ بِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّا وَرَدَتْ النُّصُوص بِكَوْنِهِ كَبِيرَة لَا حَدّ فِيهِ كَالْعُقُوقِ , وَأَجَابَ بَعْض الْأَئِمَّة بِأَنَّ مُرَاد قَائِله ضَبْط مَا لَمْ يَرِد فِيهِ نَصّ بِكَوْنِهِ كَبِيرَة. وَقَالَ اِبْن عَبْد السَّلَام فِي \" الْقَوَاعِد \" : لَمْ أَقِف لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى ضَابِط لِلْكَبِيرَةِ لَا يَسْلَم مِنْ الِاعْتِرَاض , وَالْأَوْلَى ضَبْطهَا بِمَا يُشْعِر بِتَهَاوُنِ مُرْتَكِبهَا بِدِينِهِ إِشْعَارًا دُون الْكَبَائِر الْمَنْصُوص عَلَيْهَا. قُلْت : وَهُوَ ضَابِط جَيِّد. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : الرَّاجِح أَنَّ كُلّ ذَنْب نُصَّ عَلَى كِبَره أَوْ عِظَمه أَوْ تُوُعِّدَ عَلَيْهِ بِالْعِقَابِ أَوْ عُلِّقَ عَلَيْهِ حَدّ أَوْ شُدِّدَ النَّكِير عَلَيْهِ فَهُوَ كَبِيرَة , وَكَلَام اِبْن الصَّلَاح يُوَافِق مَا نُقِلَ أَوَّلًا عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَزَادَ إِيجَاب الْحَدّ , وَعَلَى هَذَا يَكْثُر عَدَد الْكَبَائِر. فَأَمَّا مَا وَرَدَ النَّصّ الصَّرِيح بِكَوْنِهِ كَبِيرَة فَسَيَأْتِي الْقَوْل فِيهِ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" اِجْتَنِبُوا السَّبْع الْمُوبِقَات \" فِي كِتَاب اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ , وَنَذْكُر هُنَاكَ مَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيث زِيَادَة عَلَى السَّبْع الْمَذْكُورَات مِمَّا نَصَّ عَلَى كَوْنهَا كَبِيرَة أَوْ مُوبِقَة. وَقَدْ ذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الذُّنُوب الَّتِي لَمْ يُنَصّ عَلَى كَوْنهَا كَبِيرَة مَعَ كَوْنهَا كَبِيرَة لَا ضَابِط لَهَا , فَقَالَ الْوَاحِدِيّ : مَا لَمْ يَنُصّ الشَّارِع عَلَى كَوْنه كَبِيرَة فَالْحِكْمَة فِي إِخْفَائِهِ أَنْ يَمْتَنِع الْعَبْد مِنْ الْوُقُوع فِيهِ خَشْيَة أَنْ يَكُون كَبِيرَة , كَإِخْفَاءِ لَيْلَة الْقَدْر وَسَاعَة الْجُمُعَة وَالِاسْم الْأَعْظَم , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( فَصْل ) قَوْله : \" أَكْبَر الْكَبَائِر \" لَيْسَ عَلَى ظَاهِره مِنْ الْحَصْر بَلْ \" مِنْ \" فِيهِ مُقَدَّرَة , فَقَدْ ثَبَتَ فِي أَشْيَاء أُخَر أَنَّهَا مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر , مِنْهَا حَدِيث أَنَس فِي قَتْل النَّفْس وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي الَّذِي بَعْده , وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود \" أَيْ الذَّنْب أَعْظَم \" فَذَكَرَ فِيهِ الزِّنَا بِحَلِيلَةِ الْجَار وَسَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب , وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس الْجُهَنِيّ مَرْفُوعًا قَالَ : \" مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر - فَذَكَرَ مِنْهَا - الْيَمِين الْغَمُوس \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ بِسَنَدٍ حَسَن , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ عِنْد أَحْمَد , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" إِنَّ مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر اِسْتِطَالَة الْمَرْء فِي عِرْض رَجُل مُسْلِم \" أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم بِسَنَدٍ حَسَن , وَحَدِيث بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ \" مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر - فَذَكَرَ مِنْهَا - مَنْع فَضْل الْمَاء وَمَنْع الْفَحْل \" أَخْرَجَهُ الْبَزَّار بِسَنَدٍ ضَعِيف , وَحَدِيث اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" أَكْبَر الْكَبَائِر سُوء الظَّنّ بِاَللَّهِ \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيف , وَيَقْرَب مِنْهُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُق كَخَلْقِي \" الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي كِتَاب اللِّبَاس , وَحَدِيث عَائِشَة \" أَبْغَض الرِّجَال إِلَى اللَّه الْأَلَدّ الْخَصِم \" أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ , وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر أَنْ يَسُبّ الرَّجُل أَبَاهُ \" وَلَكِنَّهُ مِنْ جُمْلَة الْعُقُوق , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يُسْتَفَاد مِنْ قَوْله : \" أَكْبَر الْكَبَائِر \" اِنْقِسَام الذُّنُوب إِلَى كَبِير وَأَكْبَر , وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ أَنَّ فِي الذُّنُوب صَغَائِر , لَكِنْ فِيهِ نَظَر ; لِأَنَّ مَنْ قَالَ كُلّ ذَنْب كَبِيرَة فَالْكَبَائِر وَالذُّنُوب عِنْده مُتَوَارِدَانِ عَلَى شَيْء وَاحِد , فَكَأَنَّهُ قِيلَ : أَلَا أُنَبِّئكُمْ بِأَكْبَر الذُّنُوب ؟ قَالَ وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الَّذِي ذُكِرَ أَنَّهُ أَكْبَر الْكَبَائِر اِسْتِوَاؤُهَا فَإِنَّ الشِّرْك بِاَللَّهِ أَعْظَم مِنْ جَمِيع مَا ذُكِرَ مَعَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِهِ مُطْلَق الْكُفْر , وَيَكُون تَخْصِيصه بِالذِّكْرِ لِغَلَبَتِهِ فِي الْوُجُود , لَا سِيَّمَا فِي بِلَاد الْعَرَب , فَذَكَرَ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْره مِنْ أَصْنَاف الْكُفْر. وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِهِ خُصُوصه إِلَّا أَنَّهُ يَرِد عَلَى هَذَا الِاحْتِمَال أَنَّهُ قَدْ يَظْهَر أَنَّ بَعْض الْكُفْر أَعْظَم مِنْ الشِّرْك وَهُوَ التَّعْطِيل فَيَتَرَجَّح الِاحْتِمَال الْأَوَّل عَلَى هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ قَرِيبًا , وَذَكَرَ قَبْله فِي حَدِيث أَنَس الْآتِي بَعْده قَتْل النَّفْس وَالْمُرَاد قَتْلهَا بِغَيْرِ حَقّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة بِشْر بْن الْمُفَضَّل عَنْ الْجُرَيْرِيّ فِي الشَّهَادَات \" وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا \" وَأَمَّا فِي الِاسْتِئْذَان فَكَالْأَوَّلِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَلَا وَقَوْل الزُّور وَشَهَادَة الزُّور , أَلَا وَقَوْل الزُّور وَشَهَادَة الزُّور , فَمَا زَالَ يَقُولهَا حَتَّى قُلْت لَا يَسْكُت ) ‏ ‏هَكَذَا فِي هَذِهِ الطَّرِيق , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة بِشْر بْن الْمُفَضَّل \" فَقَالَ أَلَا وَقَوْل الزُّور , فَمَا زَالَ يُكَرِّرهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ \" أَيْ تَمَنَّيْنَاهُ يَسْكُت إِشْفَاقًا عَلَيْهِ لِمَا رَأَوْا مِنْ اِنْزِعَاجه فِي ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : اِهْتِمَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَهَادَةِ الزُّور يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِأَنَّهَا أَسْهَل وُقُوعًا عَلَى النَّاس , وَالتَّهَاوُن بِهَا أَكْثَر , وَمَفْسَدَتهَا أَيْسَر وُقُوعًا ; لِأَنَّ الشِّرْك يَنْبُو عَنْهُ الْمُسْلِم , وَالْعُقُوق يَنْبُو عَنْهُ الطَّبْع , وَأَمَّا قَوْل الزُّور فَإِنَّ الْحَوَامِل عَلَيْهِ كَثِيرَة فَحُسْن الِاهْتِمَام بِهَا , وَلَيْسَ ذَلِكَ لِعِظَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ مَعَهَا. قَالَ : وَأَمَّا عَطْف الشَّهَادَة عَلَى الْقَوْل فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون تَأْكِيدًا لِلشَّهَادَةِ لِأَنَّا لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْإِطْلَاق لَزِمَ أَنْ تَكُون الْكِذْبَة الْوَاحِدَة مُطْلَقًا كَبِيرَة وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِذَا كَانَ بَعْض الْكَذِب مَنْصُوصًا عَلَى عِظَمه كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَنْ يَكْسِب خَطِيئَة أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدْ اِحْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ). وَفِي الْجُمْلَة فَمَرَاتِب الْكَذِب مُتَفَاوِتَة بِحَسَبِ تَفَاوُت مَفَاسِده , قَالَ : وَقَدْ نَصَّ الْحَدِيث الصَّحِيح عَلَى أَنَّ الْغِيبَة وَالنَّمِيمَة كَبِيرَة , وَالْغِيبَة تَخْتَلِف بِحَسَبِ الْقَوْل الْمُغْتَاب بِهِ , فَالْغِيبَة بِالْقَذْفِ كَبِيرَة وَلَا تُسَاوِيهَا الْغِيبَة بِقُبْحِ الْخِلْقَة أَوْ الْهَيْئَة مَثَلًا , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ غَيْره : يَجُوز أَنْ يَكُون مِنْ عَطْف الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ ; لِأَنَّ كُلّ شَهَادَة زُور قَوْل زُور بِغَيْرِ عَكْس , وَيُحْتَمَل قَوْل الزُّور عَلَى نَوْع خَاصّ مِنْهُ. قُلْت : وَالْأَوْلَى مَا قَالَهُ الشَّيْخ , وَيُؤَيِّدهُ وُقُوع الشَّكّ فِي ذَلِكَ فِي حَدِيث أَنَس الَّذِي بَعْده , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد شَيْء وَاحِد. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : شَهَادَة الزُّور هِيَ الشَّهَادَة بِالْكَذِبِ لِيُتَوَصَّل بِهَا إِلَى الْبَاطِل مِنْ إِتْلَاف نَفْس أَوْ أَخْذ مَال أَوْ تَحْلِيل حَرَام أَوْ تَحْرِيم حَلَال , فَلَا شَيْء مِنْ الْكَبَائِر أَعْظَم ضَرَرًا مِنْهَا وَلَا أَكْثَر فَسَادًا بَعْد الشِّرْك بِاَللَّهِ. وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ الْمُرَاد بِشَهَادَةِ الزُّور فِي هَذَا الْحَدِيث الْكُفْر , فَإِنَّ الْكَافِر شَاهِد بِالزُّورِ وَهُوَ ضَعِيف , وَقِيلَ : الْمُرَاد مَنْ يَسْتَحِلّ شَهَادَة الزُّور وَهُوَ بَعِيد , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5520",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْكَبَائِرَ أَوْ سُئِلَ عَنْ الْكَبَائِرِ فَقَالَ ‏ ‏الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ فَقَالَ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قَالَ قَوْلُ الزُّورِ أَوْ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَنَس بْن مَالِك , وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي الشَّهَادَات مِنْ رِوَايَة وَهْب بْن جَرِير وَعَبْد الْمَلِك بْن إِبْرَاهِيم عَنْ شُعْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( ذَكَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَبَائِر أَوْ سُئِلَ عَنْ الْكَبَائِر ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِالشَّكِّ , وَجَزَمَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الشَّهَادَات بِالثَّانِي قَالَ : سُئِلَ إِلَخْ. وَوَقَعَ فِي الدِّيَات عَنْ عُمَر وَهُوَ اِبْن مَرْزُوق عَنْ شُعْبَة عَنْ اِبْن أَبِي بَكْر \" سَمِعَ أَنَسًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَكْبَر الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ \" الْحَدِيث وَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي \" كِتَاب الْإِيمَان لِابْنِ مَنْدَهْ \" وَفِي \" كِتَاب الْقُضَاة لِلنَّقَّاشِ \" مِنْ طَرِيق أَبِي عَامِر الْعَقَدِيّ عَنْ شُعْبَة وَقَدْ عَلَّقَ الْبُخَارِيّ فِي الشَّهَادَات طَرِيق أَبِي عَامِر وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه , وَهَذَا مُوَافِق لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَة فِي أَنَّ الْمَذْكُورَات مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر لَا مِنْ الْكَبَائِر الْمُطْلَقَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ أَلَا أُنَبِّئكُمْ بِأَكْبَر الْكَبَائِر ؟ قَالَ : قَوْل الزُّور إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِره أَنَّهُ خَصَّ أَكْبَر الْكَبَائِر بِقَوْلِ الزُّور ; وَلَكِنَّ الرِّوَايَة الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا قَبْل تُؤْذِن بِأَنَّ الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَات مُشْتَرِكَات فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَوْ قَالَ شَهَادَة الزُّور , قَالَ شُعْبَة وَأَكْثَر ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ شَهَادَة الزُّور ) ‏ ‏قُلْت : وَوَقَعَ الْجَزْم بِذَلِكَ فِي رِوَايَة وَهْب بْن جَرِير وَعَبْد الْمَلِك بْن إِبْرَاهِيم فِي الشَّهَادَات , قَالَ قُتَيْبَة \" وَشَهَادَة الزُّور \" وَلَمْ يَشُكّ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة خَالِد بْن الْحَارِث عَنْ شُعْبَة \" وَقَوْل الزُّور \" وَلَمْ يَشُكّ أَيْضًا. وَفِي هَذَا الْحَدِيث وَاَلَّذِي قَبْله اِسْتِحْبَاب إِعَادَة الْمَوْعِظَة ثَلَاثًا لِتُفْهَم , وَانْزِعَاج الْوَاعِظ فِي وَعْظه لِيَكُونَ أَبْلَغ فِي الْوَعْي عَنْهُ وَالزَّجْر عَنْ فِعْل مَا يَنْهَى عَنْهُ , وَفِيهِ غِلَظ أَمْر شَهَادَة الزُّور لِمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا مِنْ الْمَفَاسِد وَإِنْ كَانَتْ مَرَاتِبهَا مُتَفَاوِتَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان شَيْء مِنْ أَحْكَامهَا فِي كِتَاب الشَّهَادَات , وَضَابِط الزُّور وَصْف الشَّيْء عَلَى خِلَاف مَا هُوَ بِهِ , وَقَدْ يُضَاف إِلَى الْقَوْل فَيَشْمَل الْكَذِب وَالْبَاطِل , وَقَدْ يُضَاف إِلَى الشَّهَادَة فَيَخْتَصّ بِهَا , وَقَدْ يُضَاف إِلَى الْفِعْل وَمِنْهُ \" لَابِس ثَوْبَيْ زُور \" وَمِنْهُ تَسْمِيَة الشَّعْر الْمَوْصُول زُورًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي اللِّبَاس , وَتَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَاَلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّور ) وَأَنَّ الرَّاجِح أَنَّ الْمُرَاد بِهِ فِي الْآيَة الْبَاطِل وَالْمُرَاد لَا يَحْضُرُونَهُ , وَفِيهِ التَّحْرِيض عَلَى مُجَانَبَة كَبَائِر الذُّنُوب لِيَحْصُل تَكْفِير الصَّغَائِر بِذَلِكَ كَمَا وَعَدَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَفِيهِ إِشْفَاق التِّلْمِيذ عَلَى شَيْخه إِذَا رَآهُ مُنْزَعِجًا وَتَمَنِّي عَدَم غَضَبه لِمَا يَتَرَتَّب عَلَى الْغَضَب مِنْ تَغَيُّر مِزَاجه , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5521",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏أَخْبَرَتْنِي ‏ ‏أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏آصِلُهَا قَالَ نَعَمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا ‏ { ‏لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر \" أَتَتْنِي أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْهِبَة , وَتَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي قَوْله : \" رَاغِبَة \" هَلْ هُوَ بِالْمِيمِ أَوْ الْمُوَحَّدَة , قَالَ الطِّيبِيُّ : الَّذِي تَحَرَّرَ أَنَّ قَوْلهَا : \" رَاغِبَة \" إِنْ كَانَ بِلَا قَيْد فَالْمُرَاد رَاغِبَة فِي الْإِسْلَام لَا غَيْر , وَإِذَا قُرِنَتْ بِقَوْلِهِ مُشْرِكَة أَوْ فِي عَهْد قُرَيْش فَالْمُرَاد رَاغِبَة فِي صِلَتِي , وَإِنْ كَانَتْ الرِّوَايَة \" رَاغِمَة \" بِالْمِيمِ فَمَعْنَاهُ كَارِهَة لِلْإِسْلَامِ. قُلْت : أَمَّا الَّتِي بِالْمُوَحَّدَةِ فَيَتَعَيَّن حَمْل الْمُطْلَق فِيهِ عَلَى الْمُقَيَّد فَإِنَّهُ حَدِيث وَاحِد فِي قِصَّة وَاحِدَة , وَيَتَعَيَّن الْقَيْد مِنْ جِهَة أُخْرَى , وَهِيَ أَنَّهَا لَوْ جَاءَتْ رَاغِبَة فِي الْإِسْلَام لَمْ تَحْتَجْ أَسْمَاء أَنْ تَسْتَأْذِن فِي صِلَتهَا لِشُيُوعِ التَّأَلُّف عَلَى الْإِسْلَام مِنْ فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْره فَلَا يُحْتَاج إِلَى اِسْتِئْذَانه فِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5522",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏يَعْنِي النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سُفْيَان فِي قِصَّة هِرَقْل , أَوْرَدَ مِنْهَا طَرَفًا وَهُوَ قَوْل أَبِي سُفْيَان \" يَأْمُرنَا يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَة وَالْعَفَاف وَالصِّلَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَّل الصَّحِيح , وَذَكَرْت كَثِيرًا مِنْ فَوَائِده أَيْضًا فِي تَفْسِير آل عِمْرَان , وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا ذِكْر الصِّلَة فَيُؤْخَذ حُكْم التَّرْجَمَة مِنْ عُمُومهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5523",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏رَأَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏حُلَّةَ ‏ ‏سِيَرَاءَ ‏ ‏تُبَاعُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ وَالْبَسْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَإِذَا جَاءَكَ الْوُفُودُ قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْهَا بِحُلَلٍ فَأَرْسَلَ إِلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏بِحُلَّةٍ فَقَالَ كَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ قَالَ إِنِّي لَمْ أُعْطِكَهَا لِتَلْبَسَهَا وَلَكِنْ تَبِيعُهَا أَوْ تَكْسُوهَا فَأَرْسَلَ بِهَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ مَكَّةَ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر \" رَأَى عُمَر حُلَّة سِيَرَاء تُبَاع \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب اللِّبَاس. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" وَلَكِنْ تَبِيعهَا \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لِتَبِيعَهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "5524",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ ‏ ‏وَأَبُوهُ ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُمَا سَمِعَا ‏ ‏مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ فَقَالَ الْقَوْمُ مَا لَهُ مَا لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرَبٌ ‏ ‏مَا لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ ‏ ‏ذَرْهَا ‏ ‏قَالَ كَأَنَّهُ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ \" قَالَ قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلنِي الْجَنَّة \" أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ , وَفِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" أَرَب مَا له \" وَفِيهِ \" تُقِيم الصَّلَاة وَتُؤْتِي الزَّكَاة وَتَصِل الرَّحِم \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الزَّكَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "5525",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏قَالَ إِنَّ ‏ ‏جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَا يَدْخُل الْجَنَّة قَاطِع ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق عُقَيْل : وَكَذَا عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مَالِك وَمَعْمَر كُلّهمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ اللَّيْث وَقَالَ فِيهِ : \" قَاطِع رَحِم \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ كَرِوَايَةِ مَالِك , قَالَ سُفْيَان : يَعْنِي قَاطِع رَحِم. وَذَكَرَ اِبْن بَطَّال أَنَّ بَعْض أَصْحَاب سُفْيَان رَوَاهُ عَنْهُ كَرِوَايَةِ عَبْد اللَّه بْن صَالِح فَأَدْرَجَ التَّفْسِير , وَقَدْ وَرَدَ بِهَذَا اللَّفْظ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ عَطِيَّة عَنْ أَبِي سَعِيد أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي \" الْأَحْكَام \" وَمِنْ طَرِيق أَبِي حَرِيز بِمُهْمَلَةٍ وَرَاء ثُمَّ زَاي بِوَزْنِ عَظِيم وَاسْمه عَبْد اللَّه بْن الْحُسَيْن قَاضِي سِجِسْتَان عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ \" لَا يَدْخُل الْجَنَّة مُدْمِن خَمْر , وَلَا مُصَدِّق بِسِحْرٍ , وَلَا قَاطِع رَحِم \" أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرَة رَفَعَهُ \" مَا مِنْ ذَنْب أَجْدَر أَنْ يُعَجِّل اللَّه لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَة فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِر لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ الْبَغْي وَقَطِيعَة الرَّحِم \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" إِنَّ أَعْمَال بَنِي آدَم تُعْرَض كُلّ عَشِيَّة خَمِيس لَيْلَة جُمُعَة , فَلَا يُقْبَل عَمَل قَاطِع رَحِم \" وَلِلطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" إِنَّ أَبْوَاب السَّمَاء مُغْلَقَة دُون قَاطِع الرَّحِم \" وَلِلْمُصَنِّفِ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ حَدِيث اِبْن أَبِي أَوْفَى رَفَعَهُ \" إِنَّ الرَّحْمَة لَا تَنْزِل عَلَى قَوْم فِيهِمْ قَاطِع الرَّحِم \" وَذَكَرَ الطِّيبِيُّ أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِالْقَوْمِ الَّذِينَ يُسَاعِدُونَهُ عَلَى قَطِيعَة الرَّحِم وَلَا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِالرَّحْمَةِ الْمَطَر وَأَنَّهُ يُحْبَس عَنْ النَّاس عُمُومًا بِشُؤْمِ التَّقَاطُع. ‏"
    },
    {
        "id": "5526",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَأَنْ ‏ ‏يُنْسَأَ ‏ ‏لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مُحَمَّد بْن مَعْن ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُحَمَّد بْن مَعْن بْن نَضْلَة بِنُونٍ مَفْتُوحَة وَمُعْجَمَة سَاكِنَة اِبْن عَمْرو , وَلِنَضْلَة جَدّه الْأَعْلَى صُحْبَة , وَهُوَ قَلِيل الْحَدِيث مُوَثَّق لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَكَذَا أَبُوهُ لَكِنْ لَهُ مَوْضِع آخَر أَوْ مَوْضِعَانِ. ‏ ‏قَوْله : ( سَعِيد هُوَ اِبْن أَبِي سَعِيد ) ‏ ‏الْمَقْبُرِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَط لَهُ فِي رِزْقه ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَنَس \" مَنْ أَحَبَّ \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" إِنَّ صِلَة الرَّحِم مَحَبَّة فِي الْأَهْل , مَثْرَاة فِي الْمَال , مَنْسَأَة فِي الْأَثَر \" وَعِنْد أَحْمَد بِسَنَد رِجَاله ثِقَات عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا \" صِلَة الرَّحِم وَحُسْن الْجِوَار وَحُسْن الْخُلُق يُعَمِّرَانِ الدِّيَار وَيَزِيدَانِ فِي الْإِعْمَار \" وَأَخْرَجَ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي \" زَوَائِد الْمُسْنَد \" وَالْبَزَّار وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَلِيّ نَحْو حَدِيثَيْ الْبَاب قَالَ : \" وَيُدْفَع عَنْهُ مِيتَة السُّوء \" وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَنَس رَفَعَهُ \" إِنَّ الصَّدَقَة وَصِلَة الرَّحِم يَزِيد اللَّه بِهِمَا فِي الْعُمُر , وَيَدْفَع بِهِمَا مِيتَة السُّوء \" فَجَمَعَ الْأَمْرَيْنِ , لَكِنْ سَنَده ضَعِيف. وَأَخْرَجَ الْمُؤَلِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" مَنْ اِتَّقَى رَبّه وَوَصَلَ رَحِمه نُسِئَ لَهُ فِي عُمُره , وَثَرِيَ مَاله , وَأَحَبَّهُ أَهْله \". ‏ ‏قَوْله : ( وَيُنْسَأ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون النُّون بَعْدهَا مُهْمَلَة ثُمَّ هَمْزَة أَيْ يُؤَخَّر. ‏ ‏قَوْله : ( فِي أَثَره ) ‏ ‏أَيْ فِي أَجَله , وَسُمِّيَ الْأَجَل أَثَرًا لِأَنَّهُ يَتْبَع الْعُمُر , قَالَ زُهَيْر : ‏ ‏وَالْمَرْء مَا عَاشَ مَمْدُود لَهُ أَمَل ‏ ‏لَا يَنْقَضِي الْعُمُر حَتَّى يَنْتَهِي الْأَثَر ‏ ‏وَأَصْله مِنْ أَثَر مَشْيه فِي الْأَرْض , فَإِنَّ مَنْ مَاتَ لَا يَبْقَى لَهُ حَرَكَة فَلَا يَبْقَى لِقَدَمِهِ فِي الْأَرْض أَثَر , قَالَ اِبْن التِّين : ظَاهِر الْحَدِيث يُعَارِض قَوْله تَعَالَى : ( فَإِذَا جَاءَ أَجَلهمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ) وَالْجَمْع بَيْنهمَا مِنْ وَجْهَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا : أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة كِنَايَة عَنْ الْبَرَكَة فِي الْعُمُر بِسَبَبِ التَّوْفِيق إِلَى الطَّاعَة , وَعُمَارَة وَقَّتَهُ بِمَا يَنْفَعهُ فِي الْآخِرَة , وَصِيَانَته عَنْ تَضْيِيعه فِي غَيْره ذَلِكَ. وَمِثْل هَذَا مَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقَاصَرَ أَعْمَار أُمَّته بِالنِّسْبَةِ لِأَعْمَارِ مَنْ مَضَى مِنْ الْأُمَم فَأَعْطَاهُ اللَّه لَيْلَة الْقَدْر. وَحَاصِله أَنَّ صِلَة الرَّحِم تَكُون سَبَبًا لِلتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَةِ وَالصِّيَانَة عَنْ الْمَعْصِيَة فَيَبْقَى بَعْده الذِّكْر الْجَمِيل , فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ. وَمِنْ جُمْلَة مَا يَحْصُل لَهُ مِنْ التَّوْفِيق الْعِلْم الَّذِي يَنْتَفِع بِهِ مَنْ بَعْده , وَالصَّدَقَة الْجَارِيَة عَلَيْهِ , وَالْخَلَف الصَّالِح. وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الْقَدَر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ثَانِيهمَا : أَنَّ الزِّيَادَة عَلَى حَقِيقَتهَا , وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْم الْمَلَك الْمُوَكَّل بِالْعُمُرِ , وَأَمَّا الْأَوَّل الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَة فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْم اللَّه تَعَالَى , كَأَنْ يُقَال لِلْمَلَكِ مَثَلًا : إِنَّ عُمْر فُلَان مِائَة مَثَلًا إِنْ وَصَلَ رَحِمه , وَسِتُّونَ إِنْ قَطَعَهَا. وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْم اللَّه أَنَّهُ يَصِل أَوْ يَقْطَع , فَاَلَّذِي فِي عِلْم اللَّه لَا يَتَقَدَّم وَلَا يَتَأَخَّر , وَاَلَّذِي فِي عِلْم الْمَلَك هُوَ الَّذِي يُمْكِن فِيهِ الزِّيَادَة وَالنَّقْص وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( يَمْحُو اللَّه مَا يَشَاء وَيُثْبِت وَعِنْده أُمّ الْكِتَاب ) فَالْمَحْو وَالْإِثْبَات بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي عِلْم الْمَلَك , وَمَا فِي أُمّ الْكِتَاب هُوَ الَّذِي فِي عِلْم اللَّه تَعَالَى فَلَا مَحْو فِيهِ الْبَتَّة. وَيُقَال لَهُ الْقَضَاء الْمُبْرَم , وَيُقَال لِلْأَوَّلِ الْقَضَاء الْمُعَلَّق. وَالْوَجْه الْأَوَّل أَلْيَق بِلَفْظِ حَدِيث الْبَاب , فَإِنَّ الْأَثَر مَا يَتْبَع الشَّيْء , فَإِذَا أُخِّرَ حَسُنَ أَنْ يُحْمَل عَلَى الذِّكْر الْحَسَن بَعْد فَقْد الْمَذْكُور. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْوَجْه الْأَوَّل أَظْهَر , وَإِلَيْهِ يُشِير كَلَام صَاحِب \" الْفَائِق \" قَالَ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى أَنَّ اللَّه يُبْقِي أَثَر وَاصِل الرَّحِم فِي الدُّنْيَا طَوِيلًا فَلَا يَضْمَحِلّ سَرِيعًا كَمَا يَضْمَحِلّ أَثَر قَاطِع الرَّحِم. وَلِمَا أَنْشَدَ أَبُو تَمَّام قَوْله فِي بَعْض الْمَرَاثِي : ‏ ‏تُوُفِّيَتْ الْآمَال بَعْد مُحَمَّد ‏ ‏وَأَصْبَحَ فِي شُغْل عَنْ السَّفَر السَّفْر ‏ ‏قَالَ لَهُ أَبُو دُلَف : لَمْ يَمُتْ مَنْ قِيلَ فِيهِ هَذَا الشِّعْر. وَمِنْ هَذِهِ الْمَادَّة قَوْل الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام ( وَاجْعَلْ لِي لِسَان صِدْق فِي الْآخَرِينَ ) وَقَدْ وَرَدَ فِي تَفْسِيره وَجْه ثَالِث , فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الصَّغِير \" بِسَنَدٍ ضَعِيف عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء قَالَ : \" ذُكِرَ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ وَصَلَ رَحِمه أُنْسِئَ لَهُ فِي أَجَله , فَقَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ زِيَادَة فِي عُمُره , قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( فَإِذَا جَاءَ أَجَلهمْ ) الْآيَة ; وَلَكِنَّ الرَّجُل تَكُون لَهُ الذُّرِّيَّة الصَّالِحَة يَدْعُونَ لَهُ مِنْ بَعْده \". وَلَهُ فِي \" الْكَبِير \" مِنْ حَدِيث أَبِي مُشَجِّعَة الْجُهَنِيّ رَفَعَهُ \" إِنَّ اللَّه لَا يُؤَخِّر نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلهَا , وَإِنَّمَا زِيَادَة الْعُمُر ذُرِّيَّة صَالِحَة \" الْحَدِيث. وَجَزَمَ اِبْن فَوْرَك بِأَنَّ الْمُرَاد بِزِيَادَةِ الْعُمُر نَفْي الْآفَات عَنْ صَاحِب الْبِرّ فِي فَهْمه وَعَقْله. وَقَالَ غَيْره فِي أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ وَفِي وُجُود الْبَرَكَة فِي رِزْقه وَعِلْمه وَنَحْو ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5527",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ ‏ ‏وَيُنْسَأَ ‏ ‏لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5528",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَمِّي ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قَالَتْ الرَّحِمُ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ قَالَ نَعَمْ ‏ ‏أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ قَالَتْ بَلَى يَا رَبِّ قَالَ فَهُوَ لَكِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ‏ { ‏فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , ‏ ‏وَمُعَاوِيَة ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي مُزَرِّد بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الزَّاي وَتَشْدِيد الرَّاء بَعْدهَا مُهْمَلَة , تَقَدَّمَ ضَبْطه وَتَسْمِيَته فِي أَوَّل الزَّكَاة , وَلِمُعَاوِيَةَ بْن أَبِي مُزَرِّد فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث آخَر وَهُوَ ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب مِنْ طَرِيق عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّه خَلَقَ الْخَلْق حَتَّى إِذَا فَرَغَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ تَأْوِيل فَرَغَ فِي تَفْسِير الْقِتَال , قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْخَلْقِ جَمِيع الْمَخْلُوقَات , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ الْمُكَلَّفِينَ. ‏ ‏وَهَذَا الْقَوْل يَحْتَمِل أَنْ يَكُون بَعْد خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَإِبْرَازهَا فِي الْوُجُود , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بَعْد خَلْقهَا كَتْبًا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَلَمْ يَبْرُز بَعْد إِلَّا اللَّوْح وَالْقَلَم , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بَعْد اِنْتِهَاء خَلْق أَرْوَاح بَنِي آدَم عِنْدَ قَوْله : ( أَلَسْت بِرَبِّكُمْ ) لَمَّا أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْب آدَم عَلَيْهِ السَّلَام مِثْل الذَّرّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَامَتْ الرَّحِم فَقَالَتْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِلِسَانِ الْحَال وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِلِسَانِ الْمَقَال قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ , وَالثَّانِي أَرْجَح. وَعَلَى الثَّانِي فَهَلْ تَتَكَلَّم كَمَا هِيَ أَوْ بِخَلْقِ اللَّه لَهَا عِنْدَ كَلَامهَا حَيَاة وَعَقْلًا ؟ قَوْلَانِ أَيْضًا مَشْهُورَانِ , وَالْأَوَّل أَرْجَح لِصَلَاحِيَّةِ الْقُدْرَة الْعَامَّة لِذَلِكَ , وَلِمَا فِي الْأَوَّلَيْنِ مِنْ تَخْصِيص عُمُوم لَفْظ الْقُرْآن وَالْحَدِيث بِغَيْرِ دَلِيل , وَلِمَا يَلْزَم مِنْهُ مِنْ حَصْر قُدْرَة الْقَادِر الَّتِي لَا يَحْصُرهَا شَيْء. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْقِتَال حَمْل عِيَاض لَهُ عَلَى الْمَجَاز , وَأَنَّهُ مِنْ بَاب ضَرْب الْمَثَل , وَقَوْله أَيْضًا يَجُوز أَنْ يَكُون الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ الْقَوْل مَلَكًا يَتَكَلَّم عَلَى لِسَان الرَّحِم , وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَا يَتَعَلَّق بِزِيَادَةٍ فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُعَاوِيَة بْن أَبِي مُزَرِّد وَهِيَ قَوْله : \" فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَن \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ \" إِنَّ الرَّحِم أَخَذَتْ بِحُجْزَةِ الرَّحْمَن \" وَحَكَى شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" أَنَّ الْمُرَاد بِالْحُجْزَةِ هُنَا قَائِمَة الْعَرْش , وَأَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" إِنَّ الرَّحِم أَخَذَتْ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِم الْعَرْش \" وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَا يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ : \" هَذَا مَقَام الْعَائِذ بِك مِنْ الْقَطِيعَة \" فِي تَفْسِير الْقِتَال , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حِبَّان بْن مُوسَى عَنْ اِبْن الْمُبَارَك بِلَفْظِ \" هَذَا مَكَان \" بَدَلَ \" مَقَام \" وَهُوَ تَفْسِير الْمُرَاد أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَصِل مَنْ وَصَلَك وَأَقْطَع مَنْ قَطَعَك ) ‏ ‏فِي ثَانِي أَحَادِيث الْبَاب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" مَنْ وَصَلَك وَصَلْته وَمَنْ قَطَعَك قَطَعْته \" قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : الْوَصْل مِنْ اللَّه كِنَايَة عَنْ عَظِيم إِحْسَانه , وَإِنَّمَا خَاطَبَ النَّاس بِمَا يَفْهَمُونَ , وَلَمَّا كَانَ أَعْظَم مَا يُعْطِيه الْمَحْبُوب لِمُحِبِّهِ الْوِصَال وَهُوَ الْقُرْب مِنْهُ وَإِسْعَافه بِمَا يُرِيد وَمُسَاعَدَته عَلَى مَا يُرْضِيه , وَكَانَتْ حَقِيقَة ذَلِكَ مُسْتَحِيلَة فِي حَقِّ اللَّه تَعَالَى , عُرِفَ أَنَّ ذَلِكَ كِنَايَة عَنْ عَظِيم إِحْسَانه لِعَبْدِهِ. قَالَ : وَكَذَا الْقَوْل فِي الْقَطْع , هُوَ كِنَايَة عَنْ حِرْمَان الْإِحْسَان. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَسَوَاء قُلْنَا إِنَّهُ يَعْنِي الْقَوْل الْمَنْسُوب إِلَى الرَّحِم عَلَى سَبِيل الْمَجَاز أَوْ الْحَقِيقَة أَوْ إِنَّهُ عَلَى جِهَة التَّقْدِير وَالتَّمْثِيل كَأَنْ يَكُون الْمَعْنَى : لَوْ كَانَتْ الرَّحِم مِمَّنْ يَعْقِل وَيَتَكَلَّم لَقَالَتْ كَذَا , وَمِثْله ( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآن عَلَى جَبَل لَرَأَيْته خَاشِعًا ) الْآيَة , وَفِي آخِرهَا ( وَتِلْكَ الْأَمْثَال نَضْرِبهَا لِلنَّاسِ ) فَمَقْصُود هَذَا الْكَلَام الْإِخْبَار بِتَأَكُّدِ أَمْر صِلَة الرَّحِم , وَأَنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَهَا مَنْزِلَة مَنْ اِسْتَجَارَ بِهِ فَأَجَارَهُ فَأَدْخَلَهُ فِي حِمَايَته , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَجَارُ اللَّه غَيْر مَخْذُول , وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" مَنْ صَلَّى الصُّبْح فَهُوَ فِي ذِمَّة اللَّه , وَإِنَّ مَنْ يَطْلُبهُ اللَّه بِشَيْءٍ مِنْ ذِمَّته يُدْرِكهُ ثُمَّ يَكُبّهُ عَلَى وَجْهه فِي النَّار \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏"
    },
    {
        "id": "5529",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِنَّ الرَّحِمَ ‏ ‏شَجْنَةٌ ‏ ‏مِنْ الرَّحْمَنِ فَقَالَ اللَّهُ ‏ ‏مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا خَالِد بْن مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن بِلَال حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن دِينَار ) ‏ ‏لِسُلَيْمَان فِي هَذَا الْمَعْنَى ثَلَاثَة أَحَادِيث : أَحَدهَا : هَذَا , وَالْآخَر : الْحَدِيث الَّذِي قَبْله - وَقَدْ سَبَقَ مِنْ طَرِيقه فِي تَفْسِير الْقِتَال وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد. ‏ ‏قَوْله : ( الرَّحِم شِجْنَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْجِيم بَعْدهَا نُون , وَجَاءَ بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْحه رِوَايَة وَلُغَة. وَأَصْل الشِّجْنَة عُرُوق الشَّجَر الْمُشْتَبِكَة , وَالشَّجَن بِالتَّحْرِيكِ وَاحِد الشُّجُون وَهِيَ طُرُق الْأَوْدِيَة , وَمِنْهُ قَوْلهمْ : \" الْحَدِيث ذُو شُجُون \" أَيْ يَدْخُل بَعْضه فِي بَعْض. وَقَوْله : \" مِنْ الرَّحْمَن \" أَيْ أُخِذَ اِسْمهَا مِنْ هَذَا الِاسْم كَمَا فِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فِي السُّنَن مَرْفُوعًا \" أَنَا الرَّحْمَن , خَلَقْت الرَّحِم وَشَقَقْت لَهَا اِسْمًا مِنْ اِسْمِي \" وَالْمَعْنَى أَنَّهَا أَثَر مِنْ آثَار الرَّحْمَة مُشْتَبِكَة بِهَا ; فَالْقَاطِع لَهَا مُنْقَطِع مِنْ رَحْمَة اللَّه. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الرَّحِم اُشْتُقَّ اِسْمهَا مِنْ اِسْم الرَّحْمَن فَلَهَا بِهِ عَلَقَة , وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا مِنْ ذَات اللَّه. تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الرَّحِم الَّتِي تُوصَل عَامَّة وَخَاصَّة , فَالْعَامَّة رَحِم الدِّين وَتَجِب مُوَاصَلَتهَا بِالتَّوَادُدِ وَالتَّنَاصُح وَالْعَدْل وَالْإِنْصَاف وَالْقِيَام بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَة وَالْمُسْتَحَبَّة. وَأَمَّا الرَّحِم الْخَاصَّة فَتَزِيد لِلنَّفَقَةِ عَلَى الْقَرِيب وَتَفَقُّد أَحْوَالهمْ وَالتَّغَافُل عَنْ زَلَّاتهمْ. وَتَتَفَاوَت مَرَاتِب اِسْتِحْقَاقهمْ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الْحَدِيث الْأَوَّل مِنْ كِتَاب الْأَدَب \" الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب \" وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : تَكُون صِلَة الرَّحِم بِالْمَالِ , وَبِالْعَوْنِ عَلَى الْحَاجَة , وَبِدَفْعِ الضَّرَر , وَبِطَلَاقَةِ الْوَجْه , وَبِالدُّعَاءِ. وَالْمَعْنَى الْجَامِع إِيصَال مَا أَمْكَنَ مِنْ الْخَيْر , وَدَفْع مَا أَمْكَن مِنْ الشَّرّ بِحَسَبِ الطَّاقَة , وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَمِرّ إِذَا كَانَ أَهْل الرَّحِم أَهْل اِسْتِقَامَة , فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا أَوْ فُجَّارًا فَمُقَاطَعَتهمْ فِي اللَّه هِيَ صِلَتهمْ , بِشَرْطِ بَذْل الْجَهْد فِي وَعْظهمْ , ثُمَّ إِعْلَامهمْ إِذَا أَصَرُّوا أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَخَلُّفهمْ عَنْ الْحَقّ , وَلَا يَسْقُط مَعَ ذَلِكَ صِلَتهمْ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ بِظَهْرِ الْغَيْب أَنْ يَعُودُوا إِلَى الطَّرِيق الْمُثْلَى. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ اللَّه ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته \" لَهَا \" وَهَذِهِ الْفَاء عَاطِفَة عَلَى شَيْء مَحْذُوف , وَأَحْسَن مَا يُقَدَّر لَهُ مَا فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله \" فَقَالَتْ : هَذَا مَقَام الْعَائِذ بِك مِنْ الْقَطِيعَة , فَقَالَ اللَّه إِلَخْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5530",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الرَّحِمُ ‏ ‏شِجْنَةٌ ‏ ‏فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة , وَهُوَ بِلَفْظِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي قَبْله إِلَّا أَنَّهُ بِلَفْظِ الْغَيْبَة. ‏ ‏وَفِي الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة تَعْظِيم أَمْر الرَّحِم , وَأَنَّ صِلَتهَا مَنْدُوب مُرَغَّب فِيهِ وَأَنَّ قَطْعهَا مِنْ الْكَبَائِر لِوُرُودِ الْوَعِيد الشَّدِيد فِيهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَسْمَاء تَوْقِيفِيَّة , وَعَلَى رُجْحَان الْقَوْل الصَّائِر إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا ) أَسْمَاء جَمِيع الْأَشْيَاء سَوَاء كَانَتْ مِنْ الذَّوَات أَوْ مِنْ الصِّفَات , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5531",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ آلَ أَبِي ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏فِي كِتَابِ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ‏ ‏بَيَاضٌ ‏ ‏لَيْسُوا بِأَوْلِيَائِي إِنَّمَا ‏ ‏وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَيَانٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّهَا ‏ ‏بِبَلَاهَا ‏ ‏يَعْنِي أَصِلُهَا بِصِلَتِهَا ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏بِبَلَاهَا كَذَا وَقَعَ وَبِبَلَالِهَا أَجْوَدُ وَأَصَحُّ ‏ ‏وَبِبَلَاهَا لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي ) ‏ ‏لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنَا \" ‏ ‏وَعَمْرو بْن عَبَّاس ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَة هُوَ أَبُو عُثْمَان الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ وَيُقَال لَهُ الْأَهْوَازِيّ , أَصْله مِنْ إِحْدَاهُمَا وَسَكَّنَ الْأُخْرَى , وَهُوَ مِنْ الطَّبَقَة الْوُسْطَى مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَانْفَرَدَ بِهِ عَنْ السِّتَّة. وَحَدِيث الْبَاب قَدْ حَدَّثَ بِهِ أَحْمَد وَيَحْيَى بْن مَعِين وَغَيْرهمَا مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن مَهْدِيّ , لَكِنْ نَاسَبَ تَخْرِيجه عَنْهُ كَوْن صَحَابِيّه سَمِيّه وَهُوَ عَمْرو بْن الْعَاصِ , ‏ ‏وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر ‏ ‏شَيْخه هُوَ غُنْدَر وَهُوَ بَصْرِيّ , وَلَمْ أَرَ الْحَدِيث الْمَذْكُور عِنْدَ أَحْمَد مِنْ أَصْحَاب شُعْبَة إِلَّا عِنْدَه , إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة وَهْب بْن حَفْص عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن إِبْرَاهِيم الْجَعْدِيّ عَنْ شُعْبَة , وَوَهْب بْن حَفْص كَذَّبُوهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عَمْرو بْن الْعَاصِ قَالَ ) ‏ ‏عِنْدَ مُسْلِم عَنْ أَحْمَد وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ يَحْيَى بْن مَعِين كِلَاهُمَا عَنْ غُنْدَر بِلَفْظِ \" عَنْ عَمْرو بْن الْعَاصِ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة بَيَان بْن بِشْر عَنْ قَيْس \" سَمِعْت عَمْرو بْن الْعَاصِ \" وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهَا فِي الْكَلَام عَلَى الطَّرِيق الْمُعَلَّقَة , وَلَيْسَ لِقَيْسِ بْن أَبِي حَازِم فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمْرو بْن الْعَاصِ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَلِعَمْرٍو فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثَانِ آخَرَانِ حَدِيث \" أَيّ الرِّجَال أَحَبُّ إِلَيْك \" وَقَدْ مَضَى فِي الْمَنَاقِب , وَحَدِيث \" إِذَا اِجْتَهَدَ الْحَاكِم \" وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام , وَلَهُ آخَر مُعَلَّق عِنْدَ الْبُخَارِيّ مَضَى فِي الْمَبْعَث النَّبَوِيّ , وَآخَر مَضَى فِي التَّيَمُّم , وَعِنْدَ مُسْلِم حَدِيث آخَر فِي السُّحُور , وَهَذَا جَمِيع مَا لَهُ عِنْدَهمَا مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِهَارًا ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَتَعَلَّق بِالْمَفْعُولِ أَيْ كَانَ الْمَسْمُوع فِي حَالَة الْجَهْر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَتَعَلَّق بِالْفَاعِلِ أَيْ أَقُول ذَلِكَ جِهَارًا , ‏ ‏وَقَوْله : \" غَيْر سِرٍّ \" ‏ ‏تَأْكِيد لِذَلِكَ لِدَفْعِ تَوَهُّم أَنَّهُ جَهَرَ بِهِ مَرَّة وَأَخْفَاهُ أُخْرَى , وَالْمُرَاد أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ خِفْيَة بَلْ جَهَرَ بِهِ وَأَشَاعَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ آل أَبِي ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ مَا يُضَاف إِلَى أَدَاة الْكُنْيَة , وَأَثْبَتَهُ الْمُسْتَمْلِيّ فِي رِوَايَته لَكِنْ كَنَّى عَنْهُ فَقَالَ : \" آل أَبِي فُلَان \" وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَتَيْ مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ , وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي أَصْل مُسْلِم مَوْضِع \" فُلَان \" بَيَاض ثُمَّ كَتَبَ بَعْض النَّاس فِيهِ \" فُلَان \" عَلَى سَبِيل الْإِصْلَاح , وَفُلَان كِنَايَة عَنْ اِسْم عَلَم , وَلِهَذَا وَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاته \" إِنَّ آل أَبِي يَعْنِي فُلَان \" وَلِبَعْضِهِمْ \" إِنَّ آل أَبِي فُلَان \" بِالْجَزْمِ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبَّاس شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فِي كِتَاب مُحَمَّد بْن جَعْفَر ) ‏ ‏أَيْ غُنْدَر شَيْخ عَمْرو فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( بَيَاض ) ‏ ‏قَالَ عَبْد الْحَقّ فِي كِتَاب \" الْجَمْع بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ \" : إِنَّ الصَّوَاب فِي ضَبْط هَذِهِ الْكَلِمَة بِالرَّفْعِ , أَيْ وَقَعَ فِي كِتَاب مُحَمَّد بْن جَعْفَر مَوْضِع أَبْيَض يَعْنِي بِغَيْرِ كِتَابَة , وَفَهِمَ مِنْهُ بَعْضهمْ أَنَّهُ الِاسْم الْمُكَنَّى عَنْهُ فِي الرِّوَايَة فَقَرَأَهُ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ فِي كِتَاب مُحَمَّد بْن جَعْفَر إِنَّ آل أَبِي بَيَاض , وَهُوَ فَهْم سَيِّئ مِمَّنْ فَهِمَهُ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَف فِي الْعَرَب قَبِيلَة يُقَال لَهَا آل أَبِي بَيَاض , فَضْلًا عَنْ قُرَيْش , وَسِيَاق الْحَدِيث مُشْعِر بِأَنَّهُمْ مِنْ قَبِيلَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ قُرَيْش , بَلْ فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُمْ أَخَصّ مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ : \" إِنَّ لَهُمْ رَحِمًا \" وَأَبْعَدَ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى بَنِي بَيَاضَةَ وَهُمْ بَطْن مِنْ الْأَنْصَار لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْيِير أَوْ التَّرْخِيم عَلَى رَأْي , وَلَا يُنَاسِب السِّيَاق أَيْضًا. وَقَالَ اِبْن التِّين : حُذِفَتْ التَّسْمِيَة لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَبْنَائِهِمْ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : هَذِهِ الْكِنَايَة مِنْ بَعْض الرُّوَاة , خَشِيَ أَنْ يُصَرِّح بِالِاسْمِ فَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَفْسَدَة إِمَّا فِي حَقِّ نَفْسه , وَإِمَّا فِي حَقِّ غَيْره , وَإِمَّا مَعًا. وَقَالَ عِيَاض : إِنَّ الْمَكْنِيّ عَنْهُ هُنَا هُوَ الْحَكَم بْن أَبِي الْعَاصِ. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : كَذَا وَقَعَ مُبْهَمًا فِي السِّيَاق , وَحَمَلَهُ بَعْضهمْ عَلَى بَنِي أُمَيَّة وَلَا يَسْتَقِيم مَعَ قَوْله آل أَبِي , فَلَوْ كَانَ آل بَنِي لَأَمْكَنَ , وَلَا يَصِحّ تَقْدِير آل أَبِي الْعَاصِ لِأَنَّهُمْ أَخَصُّ مِنْ بَنِي أُمَيَّة وَالْعَامّ لَا يُفَسَّر بِالْخَاصِّ. قُلْت : لَعَلَّ مُرَاد الْقَائِل أَنَّهُ أَطْلَقَ الْعَامّ وَأَرَادَ الْخَاصّ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة وَهْب بْن حَفْص الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا \" أَنَّ آل بَنِي \" لَكِنْ وَهْب لَا يُعْتَمَد عَلَيْهِ , وَجَزَمَ الدِّمْيَاطِيّ فِي حَوَاشِيه بِأَنَّهُ آل أَبِي الْعَاصِ بْن أُمَيَّة , ثُمَّ قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : إِنَّهُ رَأَى فِي كَلَام اِبْن الْعَرَبِيّ فِي هَذَا شَيْئًا يُرَاجَع مِنْهُ. قُلْت : قَالَ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ فِي \" سِرَاج الْمُرِيدِينَ \" : كَانَ فِي أَصْل حَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ \" أَنَّ آل أَبِي طَالِب \" فَغَيَّرَ \" آل أَبِي فُلَان \" كَذَا جَزَمَ بِهِ , وَتَعَقَّبَهُ بَعْض النَّاس وَبَالَغَ فِي التَّشْنِيع وَنَسَبَهُ إِلَى التَّحَامُل عَلَى آل أَبِي طَالِب , وَلَمْ يُصِبْ هَذَا الْمُنْكَر فَإِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا اِبْن الْعَرَبِيّ مَوْجُودَة فِي \" مُسْتَخْرَج أَبِي نُعَيْم \" مِنْ طَرِيق الْفَضْل بْن الْمُوَفَّق عَنْ عَنْبَسَةَ بْن عَبْد الْوَاحِد بِسَنَدِ الْبُخَارِيّ عَنْ بَيَان بْن بِشْر عَنْ قَيْس بْن أَبِي حَازِم عَنْ عَمْرو بْن الْعَاصِ رَفَعَهُ \" إِنَّ لِبَنِي أَبِي طَالِب رَحِمًا أَبُلّهَا بِبَلَاهَا \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه أَيْضًا لَكِنْ أَبْهَمَ لَفْظ طَالِب , وَكَأَنَّ الْحَامِل لِمَنْ أَبْهَمَ هَذَا الْمَوْضِع ظَنّهمْ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي نَقْصًا فِي آل أَبِي طَالِب ; وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمُوهُ كَمَا سَأُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسُوا بِأَوْلِيَائِي ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي نُسْخَة مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" بِأَوْلِيَاءٍ \" فَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْمُرَاد بِهَذَا النَّفْي مَنْ لَمْ يُسْلِم مِنْهُمْ , أَيْ فَهُوَ مِنْ إِطْلَاق الْكُلّ وَإِرَادَة الْبَعْض , وَالْمَنْفِيّ عَلَى هَذَا الْمَجْمُوع لَا الْجَمِيع. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْوِلَايَة الْمَنْفِيَّة وِلَايَة الْقُرْب وَالِاخْتِصَاص لَا وِلَايَة الدِّين , وَرَجَّحَ اِبْن التِّين الْأَوَّل وَهُوَ الرَّاجِح , فَإِنَّ مِنْ جُمْلَة آل أَبِي طَالِب عَلِيًّا وَجَعْفَرًا وَهُمَا مِنْ أَخَصِّ النَّاس بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا لَهُمَا مِنْ السَّابِقَة وَالْقِدَم فِي الْإِسْلَام وَنَصْر الدِّين , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ بَعْض النَّاس صِحَّة هَذَا الْحَدِيث لِمَا نُسِبَ إِلَى بَعْض رُوَاته مِنْ النَّصْب وَهُوَ الِانْحِرَاف عَنْ عَلِيّ وَآل بَيْته , قُلْت : أَمَّا قَيْس بْن أَبِي حَازِم فَقَالَ يَعْقُوب بْن شَيْبَة تَكَلَّمَ أَصْحَابنَا فِي قَيْس فَمِنْهُمْ مَنْ رَفَعَ قَدْره وَعَظَّمَهُ وَجَعَلَ الْحَدِيث عَنْهُ مِنْ أَصَحّ الْأَسَانِيد حَتَّى قَالَ اِبْن مَعِين : هُوَ أَوْثَق مِنْ الزُّهْرِيّ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ : لَهُ أَحَادِيث مَنَاكِير , وَأَجَابَ مَنْ أَطْرَاهُ بِأَنَّهَا غَرَائِب وَإِفْرَاده لَا يَقْدَح فِيهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ عَلَيْهِ فِي مَذْهَبه وَقَالَ : كَانَ يَحْمِل عَلَى عَلِيّ وَلِذَلِكَ تَجَنَّبَ الرِّوَايَة عَنْهُ كَثِير مِنْ قُدَمَاء الْكُوفِيِّينَ , وَأَجَابَ مَنْ أَطْرَاهُ بِأَنَّهُ كَانَ يُقَدِّم عُثْمَان عَلَى عَلِيّ. قُلْت : وَالْمُعْتَمَد عَلَيْهِ أَنَّهُ ثِقَة ثَبْت مَقْبُول الرِّوَايَة , وَهُوَ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ , سَمِعَ مِنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق فَمَنْ دُونه , وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ حَدِيث الْبَاب إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد وَبَيَان بْن بِشْر وَهُمَا كُوفِيَّانِ وَلَمْ يُنْسَبَا إِلَى النَّصْب , لَكِنَّ الرَّاوِي عَنْ بَيَان وَهُوَ عَنْبَسَةُ بْن عَبْد الْوَاحِد أُمَوِيّ قَدْ نُسِبَ إِلَى شَيْء مِنْ النَّصْب , وَأَمَّا عَمْرو بْن الْعَاصِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَه وَبَيْنَ عَلِيّ مَا كَانَ فَحَاشَاهُ أَنْ يُتَّهَم , وَلِلْحَدِيثِ مَحَلّ صَحِيح لَا يَسْتَلْزِم نَقْصًا فِي مُؤْمِنِي آلِ أَبِي طَالِب , وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاد بِالنَّفْيِ الْمَجْمُوع كَمَا تَقَدَّمَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِآلِ أَبِي طَالِب أَبُو طَالِب نَفْسه وَهُوَ إِطْلَاق سَائِغ كَقَوْلِهِ فِي أَبِي مُوسَى : \" إِنَّهُ أُوتِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِير آلِ دَاوُدَ \" وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" آل أَبِي أَوْفَى \" وَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ مُبَالَغَة فِي الِانْتِفَاء مِمَّنْ لَمْ يُسْلِم لِكَوْنِهِ عَمّه وَشَقِيق أَبِيهِ وَكَانَ الْقَيِّم بِأَمْرِهِ وَنَصْره وَحِمَايَته , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمَّا لَمْ يُتَابِعهُ عَلَى دِينه اِنْتَفَى مِنْ مُوَالَاته. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا وَلِيِّي اللَّه وَصَالِح الْمُؤْمِنِينَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْإِفْرَادِ وَإِرَادَة الْجُمْلَة , وَهُوَ اِسْم جِنْس , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْبَرْقَانِيّ \" وَصَالِحُو الْمُؤْمِنِينَ \" بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَقَدْ أَجَازَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْآيَة الَّتِي فِي التَّحْرِيم كَانَتْ فِي الْأَصْل \" فَإِنَّ اللَّه هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيل وَصَالِحُو الْمُؤْمِنِينَ \" لَكِنْ حُذِفَتْ الْوَاو مِنْ الْخَطّ عَلَى وَفْق النُّطْق , وَهُوَ مِثْل قَوْله : ( سَنَدْعُ الزَّبَانِيَة ) وَقَوْله : ( يَوْم يَدْعُ الدَّاعِ ) وَقَوْله : ( وَيَمْحُ اللَّه الْبَاطِل ) وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ وَلِيِّي مَنْ كَانَ صَالِحًا وَإِنْ بَعُدَ مِنِّي نَسَبه , وَلَيْسَ وَلِيِّي مَنْ كَانَ غَيْر صَالِح وَإِنْ قَرُبَ مِنِّي نَسَبه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : فَائِدَة الْحَدِيث اِنْقِطَاع الْوِلَايَة فِي الدِّين بَيْنَ الْمُسْلِم وَالْكَافِر وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا حَمِيمًا. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : أَوْجَبَ فِي هَذَا الْحَدِيث الْوِلَايَة بِالدِّينِ وَنَفَاهَا عَنْ أَهْل رَحِمه إِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْل دِينه , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النَّسَب يَحْتَاج إِلَى الْوِلَايَة الَّتِي يَقَع بِهَا الْمُوَارَثَة بَيْنَ الْمُتَنَاسِبِينَ , وَأَنَّ الْأَقَارِب إِذَا لَمْ يَكُونُوا عَلَى دِين وَاحِد لَمْ يَكُنْ بَيْنَهمْ تَوَارُث وَلَا وِلَايَة , قَالَ : وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا أَنَّ الرَّحِم الْمَأْمُور بِصِلَتِهَا وَالْمُتَوَعَّد عَلَى قَطْعهَا هِيَ الَّتِي شُرِعَ لَهَا ذَلِكَ , فَأَمَّا مَنْ أُمِرَ بِقَطْعِهِ مِنْ أَجْل الدِّين فَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ , وَلَا يَلْحَق بِالْوَعِيدِ مَنْ قَطَعَهُ لِأَنَّهُ قَطَعَ مَنْ أَمَرَ اللَّه بِقَطْعِهِ , لَكِنْ لَوْ وَصَلُوا بِمَا يُبَاح مِنْ أَمْر الدُّنْيَا لَكَانَ فَضْلًا , كَمَا دَعَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقُرَيْشٍ بَعْد أَنْ كَانُوا كَذَّبُوهُ فَدَعَا عَلَيْهِمْ بِالْقَحْطِ ثُمَّ اِسْتَشْفَعُوا بِهِ فَرَقَّ لَهُمْ لَمَّا سَأَلُوهُ بِرَحِمِهِمْ فَرَحِمَهُمْ وَدَعَا لَهُمْ. قُلْت : وَيُتَعَقَّب كَلَامه فِي مَوْضِعَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا : يُشَارِكهُ فِيهِ كَلَام غَيْره وَهُوَ قَصْره النَّفْي عَلَى مَنْ لَيْسَ عَلَى الدِّين , وَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ مَنْ كَانَ غَيْر صَالِح فِي أَعْمَال الدِّين دَخَلَ فِي النَّفْي أَيْضًا لِتَقْيِيدِهِ الْوِلَايَة بِقَوْلِهِ : \" وَصَالِح الْمُؤْمِنِينَ \" , ‏ ‏وَالثَّانِي : أَنَّ صِلَة الرَّحِم الْكَافِر يَنْبَغِي تَقْيِيدهَا بِمَا إِذَا أَيِسَ مِنْهُ رُجُوعًا عَنْ الْكُفْر , أَوْ رَجَا أَنْ يَخْرُج مِنْ صُلْبه مُسْلِم , كَمَا فِي الصُّورَة الَّتِي اِسْتَدَلَّ بِهَا وَهِيَ دُعَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقُرَيْشٍ بِالْخِصْبِ وَعُلِّلَ بِنَحْوِ ذَلِكَ , فَيَحْتَاج مَنْ يَتَرَخَّص فِي صِلَة رَحِمه الْكَافِر أَنْ يَقْصِد إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى الدِّين وَلَكِنَّهُ مُقَصِّر فِي الْأَعْمَال مَثَلًا فَلَا يُشَارِك الْكَافِر فِي ذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي \" شَرْح الْمِشْكَاة \" : الْمَعْنَى أَنِّي لَا أُوَالِي أَحَدًا بِالْقَرَابَةِ , وَإِنَّمَا أُحِبّ اللَّه تَعَالَى لِمَا لَهُ مِنْ الْحَقّ الْوَاجِب عَلَى الْعِبَاد , وَأُحِبّ صَالِح الْمُؤْمِنِينَ لِوَجْهِ اللَّه تَعَالَى , وَأُوَالِي مَنْ أُوَالِي بِالْإِيمَانِ وَالصَّلَاح سَوَاء كَانَ مِنْ ذَوِي رَحِم أَوْ لَا , وَلَكِنْ أَرْعَى لِذَوِي الرَّحِم حَقّهمْ لِصِلَةِ الرَّحِم , اِنْتَهَى. ‏ ‏وَهُوَ كَلَام مُنَقَّح. وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَصَالِح الْمُؤْمِنِينَ ) عَلَى أَقْوَال : ‏ ‏أَحَدهَا : الْأَنْبِيَاء أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْن أَبِي حَاتِم عَنْ قَتَادَةَ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ , وَذَكَرَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ , وَأَخْرَجَهُ النَّقَّاش عَنْ الْعَلَاء بْن زِيَاد. ‏ ‏الثَّانِي : الصَّحَابَة أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ السُّدِّيِّ , وَنَحْوه فِي تَفْسِير الْكَلْبِيّ قَالَ : هُمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ وَأَشْبَاههمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُنَافِقٍ. ‏ ‏الثَّالِث : خِيَار الْمُؤْمِنِينَ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ الضَّحَّاك. ‏ ‏الرَّابِع : أَبُو بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ. ‏ ‏الْخَامِس : أَبُو بَكْر وَعُمَر أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ عَنْ اِبْن مَسْعُود مَرْفُوعًا وَسَنَده ضَعِيف , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْن أَبِي حَاتِم عَنْ الضَّحَّاك أَيْضًا , وَكَذَا هُوَ فِي تَفْسِير عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد الثَّقَفِيّ أَحَد الضُّعَفَاء بِسَنَدِهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس مَوْقُوفًا , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْه آخَر ضَعِيف عَنْهُ كَذَلِكَ , قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ وَمُقَاتِل بْن حَيَّان كَذَلِكَ. ‏ ‏السَّادِس : أَبُو بَكْر خَاصَّة ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيّ عَنْ الْمُسَيِّب بْن شَرِيك. ‏ ‏السَّابِع : عُمَر خَاصَّة أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيف عَنْ مُجَاهِد , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ وَاهٍ جِدًّا عَنْ اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏الثَّامِن : عَلِيّ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم بِسَنَدٍ مُنْقَطِع عَنْ عَلِيّ نَفْسه مَرْفُوعًا , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيف عَنْ مُجَاهِد قَالَ : هُوَ عَلِيّ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدَيْنِ ضَعِيفَيْنِ مِنْ حَدِيث أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ مَرْفُوعًا قَالَتْ : \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول صَالِح الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب \" وَمِنْ طَرِيق أَبِي مَالِك عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله مَوْقُوفًا وَفِي سَنَده رَاوٍ ضَعِيف , وَذَكَرَهُ النَّقَّاش عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُحَمَّد بْن عَلِيّ الْبَاقِر وَابْنه جَعْفَر بْن مُحَمَّد الصَّادِق. قُلْت : فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَفِيهِ دَفْع تَوَهُّم مَنْ تَوَهُّم أَنَّ فِي الْحَدِيث الْمَرْفُوع نَقْصًا مِنْ قَدْر عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْهُ وَيَكُون الْمَنْفِيّ أَبَا طَالِب وَمَنْ مَاتَ مِنْ آلِه كَافِرًا , وَالْمُثْبَت مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُؤْمِنًا , وَخُصَّ عَلِيّ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ رَأْسهمْ , وَأُشِيرَ بِلَفْظِ الْحَدِيث إِلَى لَفْظ الْآيَة الْمَذْكُورَة وَنُصَّ فِيهَا عَلَى عَلِيّ تَنْوِيهًا بِقَدْرِهِ وَدَفْعًا لِظَنِّ مَنْ يُتَوَهَّم عَلَيْهِ فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور غَضَاضَة , وَلَوْ تَفَطَّنَ مَنْ كَنَّى عَنْ أَبِي طَالِب لِذَلِكَ لَاسْتَغْنَى عَمَّا صَنَعَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله : ( وَزَادَ عَنْبَسَةُ بْن عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أُمَيَّة بْن عَبْد اللَّه بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ بْن أَبِي أُحَيْحَةَ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرًا وَهُوَ سَعِيد بْن الْعَاصِ بْن أُمَيَّة ; وَهُوَ مَوْثُوق عِنْدَهمْ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع الْمُعَلَّق , وَقَدْ وَصَلَهُ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْبِرّ وَالصِّلَة فَقَالَ : \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْوَاحِد بْن عَنْبَسَةَ حَدَّثَنَا جَدِّي \" فَذَكَرَهُ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة نَهْدِ بْن سُلَيْمَان عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الْوَاحِد الْمَذْكُور وَسَاقَهُ بِلَفْظِ \" سَمِعْت عَمْرو بْن الْعَاصِ يَقُول سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِي جَهْرًا غَيْر سِرٍّ : إِنَّ بَنِي أَبِي فُلَان لَيْسُوا بِأَوْلِيَائِي , إِنَّمَا وَلِيِّي اللَّه وَاَلَّذِينَ آمَنُوا , وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِم \" الْحَدِيث وَقَدْ قَدَّمْت لَفْظ رِوَايَة الْفَضْل بْن الْمُوَفَّق عَنْ عَنْبَسَةَ مِنْ عِنْد أَبِي نُعَيْم وَأَنَّهَا أَخَصُّ مِنْ هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنْ لَهَا رَحِم أَبُلّهَا بِبَلَالِهَا , يَعْنِي أَصِلهَا بِصِلَتِهَا ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ , لَكِنْ سَقَطَ التَّفْسِير مِنْ رِوَايَة النَّسَفِيّ , وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرّ بَعْده \" أَبُلّهَا بِبَلَائِهَا \" وَبَعْده فِي الْأَصْل : كَذَا وَقَعَ , وَبِبَلَالِهَا أَجْوَد وَأَصَحّ. وَبِبَلَاهَا لَا أَعْرِف لَهُ وَجْهًا , اِنْتَهَى. وَأَظُنّهُ مِنْ قَوْله \" كَذَا وَقَعَ إِلَخْ \" مِنْ كَلَام أَبِي ذَرّ , وَقَدْ وَجَّهَ الدَّاوُدِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ اِبْن التِّين هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى تَقْدِير ثُبُوتهَا بِأَنَّ الْمُرَاد مَا أَوْصَلَهُ إِلَيْهَا مِنْ الْأَذَى عَلَى تَرْكهمْ الْإِسْلَام , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّهُ لَا يُقَال فِي الْأَذَى أَبُلّهُ , وَوَجَّهَهَا بَعْضهمْ بِأَنَّ الْبَلَاء بِالْمَدِّ يَجِيء بِمَعْنَى الْمَعْرُوف وَالْإِنْعَام , وَلَمَّا كَانَ الرَّحِم مِمَّا يَسْتَحِقّ الْمَعْرُوف أُضِيفَ إِلَيْهَا ذَلِكَ. فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَصِلهَا بِالْمَعْرُوفِ اللَّائِق بِهَا. وَالتَّحْقِيق أَنَّ الرِّوَايَة إِنَّمَا هِيَ \" بِبَلَالِهَا \" مُشْتَقّ مِنْ أَبُلّهَا , قَالَ النَّوَوِيّ : ضَبَطْنَا قَوْله : \" بِبَلَالِهَا \" بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَبِكَسْرِهَا وَهُمَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ. وَقَالَ عِيَاض : رَوَيْنَاهُ بِالْكَسْرِ , وَرَأَيْته لِلْخَطَّابِيِّ بِالْفَتْحِ. وَقَالَ اِبْن التِّين : هُوَ بِالْفَتْحِ لِلْأَكْثَرِ وَلِبَعْضِهِمْ بِالْكَسْرِ. قُلْت : بِالْكَسْرِ أَوْجَه , فَإِنَّهُ مِنْ الْبَلَال جَمْع بَلَل مِثْل جَمَل وَجَمَال , وَمَنْ قَالَهُ بِالْفَتْحِ بَنَاهُ عَلَى الْكَسْر مِثْل قَطَام وَحَذَام. وَالْبَلَال بِمَعْنَى الْبَلَل وَهُوَ النَّدَاوَة , وَأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَى الصِّلَة كَمَا أُطْلِقَ الْيُبْس عَلَى الْقَطِيعَة , لِأَنَّ النَّدَاوَة مِنْ شَأْنهَا تَجْمِيع مَا يَحْصُل فِيهَا وَتَأْلِيفه , بِخِلَافِ الْيُبْس فَمِنْ شَأْنه التَّفْرِيق. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : بَلَلْت الرَّحِم بَلًّا وَبَلَلًا وَبِلَالًا أَيْ نَدِيَّتهَا بِالصِّلَةِ. وَقَدْ أَطْلَقُوا عَلَى الْإِعْطَاء النَّدَى وَقَالُوا فِي الْبَخِيل مَا تَنَدَّى كَفّه بِخَيْرٍ , فَشُبِّهَتْ قَطِيعَة الرَّحِم بِالْحَرَارَةِ وَوَصْلهَا بِالْمَاءِ الَّذِي يُطْفِئ بِبَرْدِهِ الْحَرَارَة , وَمِنْهُ الْحَدِيث \" بُلُّوا أَرْحَامكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ \" وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَغَيْره : شَبَّهَ الرَّحِم بِالْأَرْضِ الَّتِي إِذَا وَقَعَ عَلَيْهَا الْمَاء وَسَقَاهَا حَتَّى سُقِيَهَا أَزْهَرَتْ وَرُئِيَتْ فِيهَا النَّضَارَة فَأَثْمَرَتْ الْمَحَبَّة وَالصَّفَاء , وَإِذَا تُرِكَتْ بِغَيْرِ سَقْي يَبِسَتْ وَبَطَلَتْ مَنْفَعَتهَا فَلَا تُثْمِر إِلَّا الْبَغْضَاء وَالْجَفَاء , وَمِنْهُ قَوْلهمْ سَنَة جَمَاد أَيْ لَا مَطَر فِيهَا , وَنَاقَة جَمَاد أَيْ لَا لَبَن فِيهَا. وَجَوَّزَ الْخَطَّابِيُّ أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله : \" أَبُلّهَا بِبَلَالِهَا \" فِي الْآخِرَة أَيْ أَشْفَع لَهَا يَوْم الْقِيَامَة. وَتَعَقَّبَهُ الدَّاوُدِيُّ بِأَنَّ سِيَاق الْحَدِيث يُؤْذِن بِأَنَّ الْمُرَاد مَا يَصِلهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن طَلْحَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : \" لَمَّا نَزَلَتْ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك الْأَقْرَبِينَ ) دَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا , فَعَمَّ وَخَصَّ - إِلَى أَنْ قَالَ - يَا فَاطِمَة أَنْقِذِي نَفْسك مِنْ النَّار فَإِنِّي لَا أَمْلِك لَكُمْ مِنْ اللَّه شَيْئًا غَيْر أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا \" وَأَصْلهُ عِنْدَ الْبُخَارِيّ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : فِي قَوْله : \" بِبَلَالِهَا \" مُبَالَغَة بَدِيعَة وَهِيَ مِثْل قَوْله : ( إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْض زِلْزَالهَا ) أَيْ زِلْزَالهَا الشَّدِيد الَّذِي لَا شَيْء فَوْقه , فَالْمَعْنَى أَبُلّهَا بِمَا اُشْتُهِرَ وَشَاعَ بِحَيْثُ لَا أَتْرُك مِنْهُ شَيْئًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5532",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏وَالْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏وَفِطْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏لَمْ يَرْفَعْهُ ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَفَعَهُ ‏ ‏حَسَنٌ ‏ ‏وَفِطْرٌ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ الْوَاصِلُ ‏ ‏بِالْمُكَافِئِ ‏ ‏وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ ; ‏ ‏وَالْحَسَن بْن عَمْرو ‏ ‏الْفُقَيْمِيّ بِفَاءٍ وَقَاف مُصَغَّر , وَفِطْر بِكَسْرِ الْفَاء وَسُكُون الْمُهْمَلَة ثُمَّ رَاء هُوَ اِبْن خَلِيفَة. ‏ ‏قَوْله : ‏ ‏( عَنْ مُجَاهِد ) ‏ ‏أَيْ الثَّلَاثَة عَنْ مُجَاهِد , ‏ ‏وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو ‏ ‏هُوَ اِبْن الْعَاصِ , ‏ ‏وَقَوْله : \" قَالَ سُفْيَان \" ‏ ‏هُوَ الرَّاوِي , وَهُوَ مَوْصُول بِهَذَا الْإِسْنَاد. ‏ ‏وَقَوْله : \" لَمْ يَرْفَعهُ الْأَعْمَش وَرَفْعُهُ حَسَن وَفِطْر \" ‏ ‏هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ عَنْ الثَّوْرِيّ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن يُوسُف الْفِرْيَابِيّ عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ الْحَسَن بْن عَمْرو وَحْده مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَة مُؤَمِّل بْن إِسْمَاعِيل عَنْ الثَّوْرِيّ عَنْ الْحَسَن بْن عَمْرو مَوْقُوفًا وَعَنْ الْأَعْمَش مَرْفُوعًا , وَتَابَعَهُ أَبُو قُرَّة مُوسَى بْن طَارِق عَنْ الثَّوْرِيّ عَلَى رَفْع رِوَايَة الْأَعْمَش , وَخَالَفَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ الثَّوْرِيّ فَرَفَعَ رِوَايَة الْحَسَن بْن عَمْرو وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ رِوَايَة فِطْر بْن خَلِيفَة مَرْفُوعَة. وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ فِطْر وَبَشِير بْن إِسْمَاعِيل كِلَاهُمَا عَنْ مُجَاهِد مَرْفُوعًا , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ جَمَاعَة مِنْ شُيُوخه عَنْ فِطْر مَرْفُوعًا وَزَادَ فِي أَوَّل الْحَدِيث : \" إِنَّ الرَّحِم مُعَلَّقَة بِالْعَرْشِ , وَلَيْسَ الْوَاصِل بِالْمُكَافِئِ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ الْوَاصِل بِالْمُكَافِئِ ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي يُعْطِي لِغَيْرِهِ نَظِير مَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ الْغَيْر , وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ عُمَر مَوْقُوفًا \" لَيْسَ الْوَصْل أَنْ تَصِل مَنْ وَصَلَك , ذَلِكَ الْقَصَاص , وَلَكِنَّ الْوَصْل أَنْ تَصِل مَنْ قَطَعَك \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنْ ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيّ الرِّوَايَة فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ وَيَجُوز التَّخْفِيف. ‏ ‏قَوْله : ( الْوَاصِل الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمه وَصَلَهَا ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي إِذَا مُنِعَ أَعْطَى , وَ \" قُطِعَتْ \" ضُبِطَتْ فِي بَعْض الرِّوَايَات بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَفِي أَكْثَرهَا بِفَتْحَتَيْنِ , قَالَ الطِّيبِيُّ : الْمَعْنَى لَيْسَتْ حَقِيقَة الْوَاصِل وَمَنْ يُعْتَدّ بِصِلَتِهِ مَنْ يُكَافِئ صَاحِبه بِمِثْلِ فِعْله , وَلَكِنَّهُ مَنْ يَتَفَضَّل عَلَى صَاحِبه. وَقَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" الْمُرَاد بِالْوَاصِلِ فِي هَذَا الْحَدِيث الْكَامِل , فَإِنَّ فِي الْمُكَافَأَة نَوْع صِلَة , بِخِلَافِ مَنْ إِذَا وَصَلَهُ قَرِيبه لَمْ يُكَافِئهُ فَإِنَّ فِيهِ قَطْعًا بِإِعْرَاضِهِ عَنْ ذَلِكَ , وَهُوَ مِنْ قَبِيل \" لَيْسَ الشَّدِيد بِالصُّرْعَةِ , وَلَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَة الْعَرَض \" اِنْتَهَى. وَأَقُول : لَا يَلْزَم مِنْ نَفْي الْوَصْل ثُبُوت الْقَطْع فَهُمْ ثَلَاث دَرَجَات : وَاصِل وَمُكَافِئ وَقَاطِع , فَالْوَاصِل مَنْ يَتَفَضَّل وَلَا يُتَفَضَّل عَلَيْهِ , وَالْمُكَافِئ الَّذِي لَا يَزِيد فِي الْإِعْطَاء عَلَى مَا يَأْخُذ , وَالْقَاطِع الَّذِي يُتَفَضَّل عَلَيْهِ وَلَا يَتَفَضَّل. وَكَمَا تَقَع الْمُكَافَأَة بِالصِّلَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَذَلِكَ يَقَع بِالْمُقَاطَعَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ , فَمَنْ بَدَأَ حِينَئِذٍ فَهُوَ الْوَاصِل , فَإِنْ جُوزِيَ سُمِّيَ مَنْ جَازَاهُ مُكَافِئًا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5533",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ ‏ ‏أَتَحَنَّثُ ‏ ‏بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ هَلْ لِي فِيهَا مِنْ أَجْرٍ قَالَ ‏ ‏حَكِيمٌ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ ‏ ‏وَيُقَالُ أَيْضًا عَنْ ‏ ‏أَبِي الْيَمَانِ ‏ ‏أَتَحَنَّثُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏وَصَالِحٌ ‏ ‏وَابْنُ الْمُسَافِرِ ‏ ‏أَتَحَنَّثُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏التَّحَنُّثُ التَّبَرُّرُ ‏ ‏وَتَابَعَهُمْ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هَلْ كَانَ لِي فِيهَا مِنْ أَجْر ) ‏ ‏؟ وَهُوَ تَفْسِير رِوَايَة يُونُس بْن يَزِيد عِنْدَ مُسْلِم \" هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيْء \" ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ \" أَفِيهَا أَجْر \" ؟ وَفِي رِوَايَة اِبْن مُسَافِر \" هَلْ لِي فِيهَا مِنْ أَجْر \" ؟. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُقَال أَيْضًا عَنْ أَبِي الْيَمَان أَتَحَنَّث ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة غَيْره \" وَقَالَ أَيْضًا \" وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ كَلَام الْبُخَارِيّ وَفَاعِل \" قَالَ \" هُوَ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي الْيَمَان أَتَحَنَّتُ ) يَعْنِي بِالْمُثَنَّاةِ بَدَلَ الْمُثَلَّثَة , يُشِير إِلَى مَا أَوْرَدَهُ هُوَ فِي \" بَاب شِرَاء الْمَمْلُوك مِنْ الْحَرْبِيّ \" فِي كِتَاب الْبُيُوع عَنْ أَبَى الْيَمَان بِلَفْظِ كُنْت أَتَحَنَّتُ أَوْ أَتَحَنَّث بِالشَّكِّ , وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ بِالْوَجْهَيْنِ ; وَتَقَدَّمَ فِي كِتَاب الزَّكَاة مَا صَوَّبَهُ عِيَاض مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن التِّين : \" أَتَحَنَّتُ \" بِالْمُثَنَّاةِ لَا أَعْلَم لَهُ وَجْهًا اِنْتَهَى. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَتَجَنَّب \" بِجِيمٍ وَآخِره مُوَحَّدَة فَقَالَ : قَالَ الْبُخَارِيّ \" يُقَال أَتَجَنَّب \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَالتَّجَنُّب تَصْحِيف وَإِنَّمَا هُوَ التَّحَنُّث مَأْخُوذ مِنْ الْحِنْث وَهُوَ الْإِثْم , فَكَأَنَّهُ قَالَ أَتَوَقَّى مَا يُؤَثِّم. قُلْت ; وَبِهَذَا التَّأْوِيل تَقْوَى رِوَايَة \" أَتَجَنَّب \" بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَة وَيَكُون التَّرَدُّد فِي اللَّفْظَتَيْنِ وَهْمًا \" أَتَحَنَّث \" بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَلَّثَة \" وَأَتَجَنَّب \" بِجِيمٍ وَمُوَحَّدَة وَالْمَعْنَى وَاحِد , وَهُوَ تَوَقِّي مَا يُوقِع فِي الْإِثْم , لَكِنْ لَيْسَ الْمُرَاد تَوَقِّي الْإِثْم بَلْ أَعْلَى مِنْهُ وَهُوَ تَحْصِيل الْبِرّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مَعْمَر وَصَالِح وَابْن الْمُسَافِر أَتَحَنَّث ) ‏ ‏يَعْنِي بِالْمُثَلَّثَةِ , أَمَّا رِوَايَة مَعْمَر فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الزَّكَاة , وَهِيَ فِي \" بَاب فَمَنْ تَصَدَّقَ فِي الشِّرْك ثُمَّ أَسْلَمَ \" وَعَزَاهَا الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" لِلصَّلَاةِ , وَلَمْ أَرَهَا فِيهَا , وَأَمَّا رِوَايَة صَالِح وَهُوَ اِبْن كَيْسَانَ فَأَخْرَجَهَا مُسْلِم , وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن الْمُسَافِر فَكَذَا وَقَعَ هُنَا بِالْأَلِفِ وَاللَّام وَالْمَشْهُور فِيهِ بِحَذْفِهِمَا , وَهُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن مُسَافِر الْفَهْمِيّ الْمِصْرِيّ أَمِير مِصْر , فَوَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق اللَّيْث بْن سَعْد عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق التَّحَنُّث التَّبَرُّر ) ‏ ‏هَكَذَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة فَقَالَ : \" حَدَّثَنِي وَهْب بْن كَيْسَانَ قَالَ : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر يَقُول لِعُبَيْدِ بْن عُمَيْر : حَدِّثْنَا كَيْف كَانَ بَدْء النُّبُوَّة ؟ قَالَ فَقَالَ عُبَيْد وَأَنَا حَاضِر : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَاوِر فِي حِرَاء مِنْ كُلّ سَنَة شَهْرًا , وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَتَحَنَّث بِهِ قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة , وَالتَّحَنُّث التَّبَرُّر \" وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَى ذَلِكَ فِي بَدْء الْوَحْي فِي حَدِيث عَائِشَة فِي هَذَا الْمَعْنَى : فَكَانَ يَتَحَنَّث , وَهُوَ التَّعَبُّد. وَمَضَى التَّنْبِيه عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّل الْكِتَاب. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَابَعَهُ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَتَابَعَهُمْ \" بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَالْأَوَّل أَرْجَح فَإِنَّ الْمُرَاد بِهَذِهِ الْمُتَابَعَة خُصُوص تَفْسِير التَّحَنُّث بِالتَّبَرُّرِ , وَرِوَايَة هِشَام وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْعِتْق مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْهُ وَلَفْظه أَنَّ حَكِيم بْن حِزَام قَالَ , فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" كُنْت أَتَحَنَّث بِهَا يَعْنِي أَتَبَرَّر \". ‏"
    },
    {
        "id": "5534",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حِبَّانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَنَهْ ‏ ‏سَنَهْ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَهِيَ بِالْحَبَشِيَّةِ حَسَنَةٌ قَالَتْ فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ ‏ ‏فَزَبَرَنِي ‏ ‏أَبِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعْهَا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبْلِي ‏ ‏وَأَخْلِقِي ‏ ‏ثُمَّ أَبْلِي ‏ ‏وَأَخْلِقِي ‏ ‏ثُمَّ أَبْلِي ‏ ‏وَأَخْلِقِي ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَبَقِيَتْ حَتَّى ذَكَرَ ‏ ‏يَعْنِي مِنْ بَقَائِهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَاب عَنْ أُمّ خَالِد بِنْت خَالِد بْن سَعِيد تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب الْخَمِيصَة السَّوْدَاء \" مِنْ كِتَاب اللِّبَاس , ‏ ‏وَعَبْد اللَّه ‏ ‏فِي هَذَا السَّنَد هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , ‏ ‏وَخَالِد بْن سَعِيد ‏ ‏الْمَذْكُور فِي السَّنَد تَقَدَّمَ بَيَان نَسَبه فِي كِتَاب الْجِهَاد. ‏ ‏قَوْله : ( فَذَهَبْت أَلْعَب بِخَاتَمِ النُّبُوَّة , فَزَبَرَنِي أَبِي ) ‏ ‏أَيْ نَهَرَنِي , وَالزَّبْر بِزَايٍ وَمُوَحَّدَة سَاكِنَة هُوَ الزَّجْر وَالْمَنْع وَزْنه وَمَعْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَبْلِي وَأَخْلِقِي ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطه وَالِاخْتِلَاف فِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيُّ يُسْتَفَاد مِنْهُ مَجِيء \" ثُمَّ \" لِلْمُقَارَنَةِ , وَأَبَى ذَلِكَ بَعْض النُّحَاة فَقَالُوا لَا تَأْتِي إِلَّا لِلتَّرَاخِي , كَذَا قَالَ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ قَالَ مَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا قَالَ إِنَّ ثُمَّ لِلْمُقَارَنَةِ , وَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّرْتِيبِ بِالْمُهْلَةِ وَقَالَ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا اِدَّعَاهُ مِنْ الْمُقَارَنَة لِأَنَّ الْإِبْلَاء يَقَع بَعْد الْخَلْق أَوْ الْخَلْف. قُلْت : لَعَلَّ الدَّاوُدِيَّ أَرَادَ بِالْمُقَارَنَةِ الْمُعَاقَبَة فَيَتَّجِه كَلَامه بَعْض اِتِّجَاه. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك وَهُوَ مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( فَبَقِيَ ) ‏ ‏أَيْ الثَّوْب الْمَذْكُور , كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" فَبَقِيَتْ \" وَالْمُرَاد أُمّ خَالِد. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى ذَكَرَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِذَالٍ مُعْجَمَة ثُمَّ كَافٍ خَفِيفَة مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ رَاءٍ وَفِيهِ اِكْتِفَاء , وَالتَّقْدِير ذَكَرَ الرَّاوِي زَمَنًا طَوِيلًا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْمَعْنَى صَارَ شَيْئًا مَذْكُورًا عِنْدَ النَّاس بِخُرُوجِ بَقَائِهِ عَنْ الْعَادَة. قُلْت : وَكَأَنَّهُ قَرَأَهُ \" ذُكِرَ \" بِضَمِّ أَوَّله لَكِنْ لَمْ يَقَع عِنْدَنَا فِي الرِّوَايَة إِلَّا بِالْفَتْحِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن \" حَتَّى ذَكَرَ دَهْرًا \" وَهُوَ يُؤَيِّد مَا قَدَّمْته , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ \" حَتَّى دَكِنَ \" بِدَالٍ مُهْمَلَة وَكَافٍ مَكْسُورَة ثُمَّ نُون أَيْ صَارَ أَدْكَن أَيْ أَسْوَد , قَالَ أَهْل اللُّغَة , الدُّكْن لَوْن يَضْرِب إِلَى السَّوَاد , وَقَدْ دَكِنَ الثَّوْب بِالْكَسْرِ يَدْكَن بِفَتْحِ الْكَاف وَبِضَمِّهَا مَعَ الْفَتْح , وَقَدْ جَزَمَ جَمَاعَة بِأَنَّ رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ تَصْحِيف. ‏ ‏قَوْله : ( يَعْنِي مِنْ بَقَائِهَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ وَالضَّمِير لِلْخَمِيصَةِ أَوْ لِأُمِّ خَالِد بِحَسَبِ التَّوْجِيهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5535",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَهْدِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي يَعْقُوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نُعْمٍ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ شَاهِدًا ‏ ‏لِابْنِ عُمَرَ ‏ ‏وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ فَقَالَ مِمَّنْ أَنْتَ فَقَالَ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏الْعِرَاقِ ‏ ‏قَالَ انْظُرُوا إِلَى هَذَا يَسْأَلُنِي عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنْ الدُّنْيَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( مَهْدِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَيْمُون , وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ. ‏ ‏قَوْله : ( اِبْن أَبِي يَعْقُوب ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الضَّبِّيُّ الْبَصْرِيّ , وَابْن أَبِي نُعْم بِضَمِّ النُّون وَسُكُون الْمُهْمَلَة هُوَ عَبْد الرَّحْمَن , وَاسْم أَبِيهِ لَا يُعْرَف , وَالسَّنَد كُلّه إِلَى عَبْد الرَّحْمَن هَذَا بَصْرِيُّونَ , وَهُوَ كُوفِيّ عَابِد اِتَّفَقُوا عَلَى تَوْثِيقه , وَشَذَّ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ فَحَكَى عَنْ اِبْن مَعِين أَنَّهُ ضَعَّفَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت شَاهِدًا لِابْنِ عُمَر ) ‏ ‏أَيْ حَاضِرًا عِنْدَه. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَأَلَهُ رَجُل ) ‏ ‏الْجُمْلَة حَالِيَّة , وَاسْم الرَّجُل السَّائِل مَا عَرَفْته. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ دَم الْبَعُوض ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب بِلَفْظِ \" الذُّبَاب \" بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَمُوَحَّدَتَيْنِ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ لَعَلَّهُ سَأَلَ عَنْهُمَا مَعًا. قُلْت : أَوْ أَطْلَقَ الرَّاوِي الذُّبَاب عَلَى الْبَعُوض لِقُرْبِ شَبَهه مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فِي الْبَعُوض مَعْنًى زَائِد , قَالَ الْجَاحِظ : الْعَرَب تُطْلِق عَلَى النَّحْل وَالدَّبْر وَمَا أَشْبَهَهُ ذَلِكَ ذُبَابًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَدْ قَتَلُوا اِبْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏يَعْنِي الْحُسَيْن بْن عَلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول ) ‏ ‏هِيَ جُمْلَة حَالِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( رَيْحَانَتَايَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِأَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِيّ وَالْحَمَوِيّ \" رَيْحَانِي \" بِكَسْرِ النُّون وَالتَّخْفِيف عَلَى الْإِفْرَاد وَكَذَا عِنْدَ النَّسَفِيّ , وَلِأَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ \" رَيْحَانَتِي \" بِزِيَادَةِ تَاء التَّأْنِيث , قَالَ اِبْن التِّين : وَهُوَ وَهْم وَالصَّوَاب \" رَيْحَانَتَايَ \". قُلْت : كَأَنَّهُ قَرَأَهُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَتَشْدِيد الْيَاء الْأَخِيرَة عَلَى التَّثْنِيَة فَجَعَلَهُ وَهْمًا , وَيَجُوز أَنْ يَكُون بِكَسْرِ الْمُثَنَّاة وَالتَّخْفِيف فَلَا يَكُون وَهْمًا , وَالْمُرَاد بِالرَّيْحَانِ هُنَا الرِّزْق قَالَهُ اِبْن التِّين , وَقَالَ صَاحِب \" الْفَائِق \" : أَيْ هُمَا مِنْ رِزْق اللَّه الَّذِي رَزَقَنِيهِ , يُقَال سُبْحَان اللَّه وَرَيْحَانه أَيْ أُسَبِّح اللَّه وَأَسْتَرْزِقهُ , وَيَجُوز أَنْ يُرِيد بِالرَّيْحَانِ الْمَشْمُوم يُقَال حَبَانِي بِطَاقَةِ رَيْحَان , وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا مِمَّا أَكْرَمَنِي اللَّه وَحَبَانِي بِهِ , لِأَنَّ الْأَوْلَاد يُشَمُّونَ وَيُقَبَّلُونَ فَكَأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَة الرَّيَاحِين. ‏ ‏وَقَوْله : \" مِنْ الدُّنْيَا \" ‏ ‏أَيْ نَصِيبِي مِنْ الرَّيْحَان الدُّنْيَوِيّ , وَقَالَ اِبْن بَطَّال يُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث أَنَّهُ يَجِب تَقْدِيم مَا هُوَ أَوْكَد عَلَى الْمَرْء مِنْ أَمْر دِينه لِإِنْكَارِ اِبْن عُمَر عَلَى مَنْ سَأَلَهُ عَنْ دَم الْبَعُوض مَعَ تَرْكه الِاسْتِغْفَار مِنْ الْكَبِيرَة الَّتِي اِرْتَكَبَهَا بِالْإِعَانَةِ عَلَى قَتْل الْحُسَيْن فَوَبَّخَهُ بِذَلِكَ , وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِعِظَمِ قَدْر الْحُسَيْن وَمَكَانه مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ اِبْن عُمَر لَمْ يَقْصِد ذَلِكَ الرَّجُل بِعَيْنِهِ بَلْ أَرَادَ التَّنْبِيه عَلَى جَفَاء أَهْل الْعِرَاق وَغَلَبَة الْجَهْل عَلَيْهِمْ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ الْحِجَاز , وَلَا مَانِع أَنْ يَكُون بَعْد ذَلِكَ أَفْتَى السَّائِل عَنْ خُصُوص مَا سَأَلَ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَحِلّ لَهُ كِتْمَان الْعِلْم إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّ السَّائِل كَانَ مُتَعَنِّتًا. وَيُؤَيِّد مَا قُلْته أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقِصَّة مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ السَّائِل الْمَذْكُور كَانَ مِمَّنْ أَعَانَ عَلَى قَتْل الْحُسَيْن , فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْقَوْل مَا قَالَ اِبْن بَطَّال وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5536",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدَّثَتْهُ قَالَتْ ‏ ‏جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِي فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم , وَمَضَى فِي الزَّكَاة مِنْ رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك عَنْ مَعْمَر \" عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن حَزْم \" فَنَسَبَ أَبَاهُ لِجَدِّ أَبِيهِ وَإِدْخَال الزُّهْرِيّ بَيْنَه وَبَيْنَ عُرْوَة رَجُلًا مِمَّا يُؤْذِن بِأَنَّهُ قَلِيل التَّدْلِيس , وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَجِيد بْن عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّاد عَنْ مَعْمَر بِإِسْقَاطِ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر مِنْ السَّنَد , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون الزُّهْرِيّ سَمِعَهُ مِنْ عُرْوَة مُخْتَصَرًا وَسَمِعَهُ عَنْهُ مُطَوَّلًا وَإِلَّا فَالْقَوْل مَا قَالَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَتْنِي اِمْرَأَة وَمَعَهَا بِنْتَانِ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى أَسْمَائِهِنَّ , وَسَقَطَتْ الْوَاو لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ مِنْ قَوْله : \" وَمَعَهَا \" وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ تَجِد عِنْدِي غَيْر تَمْرَة وَاحِدَة فَأَعْطَيْتهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ اِبْنَتَيْهَا ) ‏ ‏زَادَ مَعْمَر \" وَلَمْ تَأْكُل مِنْهَا شَيْئًا \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ فَدَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْتهُ ) ‏ ‏هَكَذَا فِي رِوَايَة عُرْوَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عِرَاك بْن مَالِك عَنْ عَائِشَة \" جَاءَتْنِي مِسْكِينَة تَحْمِل اِبْنَتَيْنِ لَهَا فَأَطْعَمْتهَا ثَلَاث تَمَرَات فَأَعْطَتْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ تَمْرَة , وَرَفَعَتْ تَمْرَة إِلَى فِيهَا لِتَأْكُلهَا فَاسْتَطْعَمَتْهَا اِبْنَتَاهَا فَنَشِقَتْ التَّمْرَة الَّتِي كَانَتْ تُرِيد أَنْ تَأْكُلهَا , فَأَعْجَبَنِي شَأْنهَا \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث الْحَسَن بْن عَلِيّ نَحْوه , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ مُرَادهَا بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث عُرْوَة فَلَمْ تَجِد عِنْدِي غَيْر تَمْرَة وَاحِدَة أَيْ أَخُصّهَا بِهَا , وَيَحْتَمِل أَنَّهَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا فِي أَوَّل الْحَال سِوَى وَاحِدَة فَأَعْطَتْهَا ثُمَّ وَجَدَتْ ثِنْتَيْنِ , وَيَحْتَمِل تَعَدُّد الْقِصَّة. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَات شَيْئًا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَحْتَانِيَّةٍ مَفْتُوحَة أَوَّله مِنْ الْوِلَايَة , وَلِلْكُشمِيهنِيّ بِمُوَحَّدَةٍ مَضْمُومَة مِنْ الْبَلَاء , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ أَيْضًا \" بِشَيْءٍ \" وَقَوَّاهُ عِيَاض وَأَيَّدَهُ بِرِوَايَةِ شُعَيْب بِلَفْظِ \" مَنْ اُبْتُلِيَ \" وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عِنْدَ التِّرْمِذِيّ , وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالِابْتِلَاءِ هَلْ هُوَ نَفْس وُجُودهنَّ أَوْ اُبْتُلِيَ بِمَا يَصْدُر مِنْهُنَّ , وَكَذَلِكَ هَلْ هُوَ عَلَى الْعُمُوم فِي الْبَنَات , أَوْ الْمُرَاد مَنْ اِتَّصَفَ مِنْهُنَّ بِالْحَاجَةِ إِلَى مَا يُفْعَل بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ ) ‏ ‏هَذَا يُشْعِر بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي أَوَّل الْحَدِيث : \" مِنْ هَذِهِ \" أَكْثَر مِنْ وَاحِدَة , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس عِنْدَ مُسْلِم \" مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة \" مَنْ أَنْفَقَ عَلَى اِبْنَتَيْنِ أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ذَاتَيْ قَرَابَة يَحْتَسِب عَلَيْهِمَا \" وَاَلَّذِي يَقَع فِي أَكْثَر الرِّوَايَات بِلَفْظِ الْإِحْسَان وَفِي رِوَايَة عَبْد الْمَجِيد فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ , وَمِثْله فِي حَدِيث عُقْبَةَ بْن عَامِر فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَكَذَا وَقَعَ فِي اِبْن مَاجَهْ وَزَادَ \" وَأَطْعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ وَكَسَاهُنَّ \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِنَّ وَزَوَّجَهُنَّ وَأَحْسَنَ أَدَبهنَّ وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْدَ أَحْمَد وَفِي الْأَدَب الْمُفْرَد \" يُؤْوِيهِنَّ وَيَرْحَمهُنَّ وَيَكْفُلهُنَّ \" زَادَ الطَّبَرِيُّ فِيهِ \" وَيُزَوِّجهُنَّ \" وَلَهُ نَحْوه مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي \" الْأَوْسَط \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَفِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فَأَحْسَنَ صُحْبَتهنَّ وَاتَّقَى اللَّه فِيهِنَّ \" وَهَذِهِ الْأَوْصَاف يَجْمَعهَا لَفْظ \" الْإِحْسَان \" الَّذِي اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي حَدِيث الْبَاب , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالْإِحْسَانِ هَلْ يَقْتَصِر بِهِ عَلَى قَدْر الْوَاجِب أَوْ بِمَا زَادَ عَلَيْهِ ؟ وَالظَّاهِر الثَّانِي , فَإِنَّ عَائِشَة أَعْطَتْ الْمَرْأَة التَّمْرَة فَآثَرَتْ بِهَا اِبْنَتَيْهَا فَوَصَفَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِحْسَانِ بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ الْحُكْم الْمَذْكُور , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ مَعْرُوفًا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَوْ زَادَ عَلَى قَدْر الْوَاجِب عَلَيْهِ عُدَّ مُحْسِنًا , وَاَلَّذِي يَقْتَصِر عَلَى الْوَاجِب وَإِنْ كَانَ يُوصَف بِكَوْنِهِ مُحْسِنًا لَكِنْ الْمُرَاد مِنْ الْوَصْف الْمَذْكُور قَدْر زَائِد , وَشَرْط الْإِحْسَان أَنْ يُوَافِق الشَّرْع لَا مَا خَالَفَهُ , وَالظَّاهِر أَنَّ الثَّوَاب الْمَذْكُور إِنَّمَا يَحْصُل لِفَاعِلِهِ إِذَا اِسْتَمَرَّ إِلَى أَنْ يَحْصُل اِسْتِغْنَاؤُهُنَّ عَنْهُ بِزَوْجٍ أَوْ غَيْره كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ فِي بَعْض أَلْفَاظ الْحَدِيث , وَالْإِحْسَان إِلَى كُلّ أَحَد بِحَسَبِ حَاله , وَقَدْ جَاءَ أَنَّ الثَّوَاب الْمَذْكُور يَحْصُل لِمَنْ أَحْسَن لِوَاحِدَةٍ فَقَطْ فَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمُتَقَدِّم \" فَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَعْرَاب : أَوْ اِثْنَتَيْنِ ؟ فَقَالَ : أَوْ اِثْنَتَيْنِ \" وَفِي حَدِيث عَوْف بْن مَالِك عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ \" فَقَالَتْ اِمْرَأَة \" وَفِي حَدِيث جَابِر \" وَقِيلَ \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" قُلْنَا \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى تَعَدُّد السَّائِلِينَ , وَزَادَ فِي حَدِيث جَابِر \" فَرَأَى بَعْض الْقَوْم أَنْ لَوْ قَالَ وَوَاحِدَة لَقَالَ وَوَاحِدَة \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قُلْنَا : وَثِنْتَيْنِ ؟ قَالَ : وَثِنْتَيْنِ. قُلْنَا : وَوَاحِدَة ؟ قَالَ : وَوَاحِدَة \" وَشَاهِده حَدِيث اِبْن مَسْعُود رَفَعَهُ \" مَنْ كَانَتْ لَهُ اِبْنَة فَأَدَّبَهَا وَأَحْسَنَ أَدَبهَا وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمهَا وَأَوْسَعَ عَلَيْهَا مِنْ نِعْمَة اللَّه الَّتِي أَوْسَعَ عَلَيْهِ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ وَاهٍ. ‏ ‏قَوْله : ( كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّار ) ‏ ‏كَذَا فِي أَكْثَر الْأَحَادِيث الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْمَجِيد \" حِجَابًا \" وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. وَفِي الْحَدِيث تَأْكِيد حَقِّ الْبَنَات لِمَا فِيهِنَّ مِنْ الضَّعْف غَالِبًا عَنْ الْقِيَام بِمَصَالِح أَنْفُسهنَّ , بِخِلَافِ الذُّكُور لِمَا فِيهِمْ مِنْ قُوَّة الْبَدَن وَجَزَالَة الرَّأْي وَإِمْكَان التَّصَرُّف فِي الْأُمُور الْمُحْتَاج إِلَيْهَا فِي أَكْثَر الْأَحْوَال. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَفِيهِ جَوَاز سُؤَال الْمُحْتَاج , وَسَخَاء عَائِشَة لِكَوْنِهَا لَمْ تَجِد إِلَّا تَمْرَة فَآثَرَتْ بِهَا , وَأَنَّ الْقَلِيل لَا يَمْتَنِع التَّصَدُّق بِهِ لِحَقَارَتِهِ , بَلْ يَنْبَغِي لِلْمُتَصَدِّقِ أَنْ يَتَصَدَّق بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ. وَفِيهِ جَوَاز ذِكْر الْمَعْرُوف إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْه الْفَخْر وَلَا الْمِنَّة. وَقَالَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّال : إِنَّمَا سَمَّاهُ اِبْتِلَاء لِأَنَّ النَّاس يَكْرَهُونَ الْبَنَات , فَجَاءَ الشَّرْع بِزَجْرِهِمْ عَنْ ذَلِكَ , وَرَغَّبَ فِي إِبْقَائِهِنَّ وَتَرْك قَتْلهنَّ بِمَا ذَكَرَ مِنْ الثَّوَاب الْمَوْعُود بِهِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ وَجَاهَدَ نَفْسه فِي الصَّبْر عَلَيْهِنَّ. وَقَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَى الِابْتِلَاء هُنَا الِاخْتِبَار , أَيْ مَنْ اُخْتُبِرَ بِشَيْءٍ مِنْ الْبَنَات لِيُنْظَر مَا يَفْعَل أَيُحْسِنُ إِلَيْهِنَّ أَوْ يُسِيء , وَلِهَذَا قَيَّدَهُ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد بِالتَّقْوَى , فَإِنَّ مَنْ لَا يَتَّقِي اللَّه لَا يَأْمَن أَنْ يَتَضَجَّر بِمَنْ وَكَّلَهُ اللَّه إِلَيْهِ , أَوْ يُقَصِّر عَمَّا أُمِرَ بِفِعْلِهِ , أَوْ لَا يَقْصِد بِفِعْلِهِ اِمْتِثَال أَمْر اللَّه وَتَحْصِيل ثَوَابه وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5537",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ ‏ ‏عَلَى عَاتِقِهِ فَصَلَّى فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَفَعَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَأُمَامَة بِنْت أَبِي الْعَاصِ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الرَّبِيع , وَهِيَ اِبْنَة زَيْنَب بِنْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمَفْعُول , وَلِلْكُشمِيهنِيّ \" وَضَعَهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِل الصَّلَاة فِي أَبْوَاب سُتْرَة الْمُصَلِّي , وَوَقَعَ هُنَا بِلَفْظِ \" رَكَعَ \" وَهُنَاكَ بِلَفْظِ \" سَجَدَ \" وَلَا مُنَافَاة بَيْنَهمَا بَلْ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ فِي حَال الرُّكُوع وَالسُّجُود , وَبِهَذَا تَظْهَر مُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ , وَهُوَ رَحْمَة الْوَلَد , وَوَلَد الْوَلَد وَلَد. وَمِنْ شَفَقَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَحْمَته لِأُمَامَةَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَكَعَ أَوْ سَجَدَ يَخْشَى عَلَيْهَا أَنْ تَسْقُط فَيَضَعهَا بِالْأَرْضِ وَكَأَنَّهَا كَانَتْ لِتَعَلُّقِهَا بِهِ لَا تَصِير فِي الْأَرْض فَتَجْزَع مِنْ مُفَارَقَته , فَيَحْتَاج أَنْ يَحْمِلهَا إِذَا قَامَ. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضهمْ عِظَم قَدْر رَحْمَة الْوَلَد لِأَنَّهُ تُعَارِض حِينَئِذٍ الْمُحَافَظَة عَلَى الْمُبَالَغَة فِي الْخُشُوع وَالْمُحَافَظَة عَلَى مُرَاعَاة خَاطِر الْوَلَد فَقَدَّمَ الثَّانِي , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَاز. ‏"
    },
    {
        "id": "5538",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ‏ ‏وَعِنْدَهُ ‏ ‏الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ ‏ ‏جَالِسًا فَقَالَ ‏ ‏الْأَقْرَعُ ‏ ‏إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة شُعَيْب , وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَمَعْمَر فَرَّقَهُمَا كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَعِنْدَه الْأَقْرَع بْن حَابِس ) ‏ ‏الْجُمْلَة حَالِيَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَسَبُ الْأَقْرَع فِي تَفْسِير سُورَة الْحُجُرَات , وَهُوَ مِنْ الْمُؤَلَّفَة , وَمِمَّنْ حَسُنَ إِسْلَامه. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ لِي عَشَرَة مِنْ الْوَلَد مَا قَبَّلْت مِنْهُمْ أَحَدًا ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته \" مَا قَبَّلْت إِنْسَانًا قَطُّ \". ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ لَا يَرْحَم لَا يُرْحَم ) ‏ ‏هُوَ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى الْخَبَر , وَقَالَ عِيَاض : هُوَ لِلْأَكْثَرِ , وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء \" مَنْ \" مَوْصُولَة وَيَجُوز أَنْ تَكُون شَرْطِيَّة فَيُقْرَأ بِالْجَزْمِ فِيهِمَا , قَالَ السُّهَيْلِيُّ : جَعْله عَلَى الْخَبَر أَشْبَه بِسِيَاقِ الْكَلَام , لِأَنَّهُ سِيقَ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ : \" إِنَّ لِي عَشَرَة مِنْ الْوَلَد إِلَخْ \" أَيْ الَّذِي يَفْعَل هَذَا الْفِعْل لَا يُرْحَم , وَلَوْ كَانَتْ شَرْطِيَّة لَكَانَ فِي الْكَلَام بَعْض اِنْقِطَاع لِأَنَّ الشَّرْط وَجَوَابه كَلَام مُسْتَأْنَف. قُلْت : وَهُوَ أَوْلَى مِنْ جِهَة أُخْرَى لِأَنْ يَصِير مِنْ نَوْع ضَرْب الْمِثْل , وَرَجَّحَ بَعْضهمْ كَوْنهَا مَوْصُولَة لِكَوْنِ الشَّرْط إِذَا أَعْقَبَهُ نَفْي يُنْفَى غَالِبًا بِلَمْ , وَهَذَا لَا يَقْتَضِي تَرْجِيحًا إِذَا كَانَ الْمَقَام لَائِقًا بِكَوْنِهَا شَرْطِيَّة. وَأَجَازَ بَعْض شُرَّاح \" الْمَشَارِق \" الرَّفْع فِي الْجُزْءَيْنِ وَالْجَزْم فِيهِمَا وَالرَّفْع فِي الْأُولَى وَالْجَزْم فِي الثَّانِي وَبِالْعَكْسِ فَيَحْصُل أَرْبَعَة أَوْجُه , وَاسْتُبْعِدَ الثَّالِث , وَوُجِّهَ بِأَنَّهُ يَكُون فِي الثَّانِي بِمَعْنَى النَّهْي أَيْ لَا تَرْحَمُوا مَنْ لَا يَرْحَم النَّاس , وَأَمَّا الرَّابِع فَظَاهِر وَتَقْدِيره مَنْ لَا يَكُنْ مِنْ أَهْل الرَّحْمَة فَإِنَّهُ لَا يُرْحَم , وَمِثْله قَوْل الشَّاعِر : ‏ ‏فَقُلْت لَهُ اِحْمِلْ فَوْق طَوْقك إِنَّهَا ‏ ‏مُطَوَّقَة مَنْ يَأْتِهَا لَا يَضِيرهَا ‏ ‏وَفِي جَوَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَقْرَعِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ تَقْبِيل الْوَلَد وَغَيْره مِنْ الْأَهْل الْمَحَارِم وَغَيْرهمْ مِنْ الْأَجَانِب إِنَّمَا يَكُون لِلشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَة لَا لِلَّذَّةِ وَالشَّهْوَة , وَكَذَا الضَّمّ وَالشَّمّ وَالْمُعَانَقَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5539",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏أَعْرَابِيٌّ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الْفِرْيَابِيُّ , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ أَعْرَابِيّ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ الْأَقْرَع الْمَذْكُور فِي الَّذِي قَبْله , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَيْس بْن عَاصِم التَّمِيمِيّ ثُمَّ السَّعْدِيّ , فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو الْفَرَج الْأَصْبَهَانِيُّ فِي \" الْأَغَانِي \" مَا يُشْعِر بِذَلِكَ وَلَفْظه \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ قَيْس بْن عَاصِم دَخَلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ قِصَّة فِيهَا \" فَهَلْ إِلَّا أَنْ تُنْزَع الرَّحْمَة مِنْك \" فَهَذَا أَشْبَه بِلَفْظِ حَدِيث عَائِشَة. وَوَقَعَ نَحْو ذَلِكَ لِعُيَيْنَةَ بْن حِصْن بْن حُذَيْفَة الْفَزَارِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَده بِسَنَدٍ رِجَاله ثِقَات إِلَى أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : \" دَخَلَ عُيَيْنَة بْن حِصْن عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَآهُ يُقَبِّل الْحَسَن وَالْحُسَيْن فَقَالَ : أَتُقَبِّلُهُمَا يَا رَسُول اللَّه ؟ إِنَّ لِي عَشَرَة فَمَا قَبَّلْت أَحَدًا مِنْهُمْ \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَقَعَ ذَلِكَ لِجَمِيعِهِمْ فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" قَدِمَ نَاس مِنْ الْأَعْرَاب فَقَالُوا \". ‏ ‏قَوْله : ( تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَان ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ أَدَاة الِاسْتِفْهَام , وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَمَا نُقَبِّلهُمْ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَوَاَللَّهِ مَا نُقَبِّلهُمْ \" وَعِنْدَ مُسْلِم \" فَقَالَ : نَعَمْ. قَالُوا : لَكِنَّا وَاَللَّه مَا نُقَبِّل \". ‏ ‏قَوْله : ( أَوَأَمْلِكُ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْوَاو وَالْهَمْزَة الْأُولَى لِلِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيّ وَمَعْنَاهُ النَّفْي , أَيْ لَا أَمْلِك , أَيْ لَا أَقْدِر أَنْ أَجْعَل الرَّحْمَة فِي قَلْبك بَعْد أَنْ نَزَعَهَا اللَّه مِنْهُ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم بِحَذْفِ الِاسْتِفْهَام وَهِيَ مُرَادَة , وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَمَا أَمْلِك \" وَلَهُ فِي أُخْرَى \" مَا ذَنْبِي إِنْ كَانَ إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنْ نَزَعَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة فِي الرِّوَايَات كُلّهَا مَفْعُول أَمْلِك وَحَكَى بَعْض شُرَّاح \" الْمَصَابِيح \" كَسْر الْهَمْزَة عَلَى أَنَّهَا شَرْط وَالْجَزَاء مَحْذُوف , وَهُوَ مِنْ جِنْس مَا تَقَدَّمَ , أَيْ إِنْ نَزَعَ اللَّه الرَّحْمَة مِنْ قَلْبك لَا أَمْلِك لَك رَدَّهَا إِلَيْهِ. وَوَقَعَ فِي قِصَّة عُيَيْنَةَ \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ لَا يَرْحَم لَا يُرْحَم \". ‏"
    },
    {
        "id": "5540",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ قُلْنَا لَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي مَرْيَم ) ‏ ‏هُوَ سَعِيد , وَمَدَار هَذَا الْحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ عَلَيْهِ. وَأَبُو غَسَّان هُوَ مُحَمَّد بْن مُطَرِّف , وَالْإِسْنَاد مِنْهُ فَصَاعِدًا مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( قُدِمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِسَبْيٍ \" وَبِضَمِّ قَاف \" قُدِمَ \" وَهَذَا السَّبْي هُوَ سَبْي هَوَازِن. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا اِمْرَأَة مِنْ السَّبْي تَحْلُب ثَدْيهَا تَسْقِي ) ‏ ‏كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيّ وَالسَّرَخْسِيّ بِسُكُونِ الْمُهْمَلَة مَنْ تَحْلُب وَضَمّ اللَّام وَثَدْيهَا بِالنَّصْبِ وَتَسْقِي بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَبِقَافٍ مَكْسُورَة , وَلِلْبَاقِينَ \" قَدْ تَحَلَّبَ \" بِفَتْحِ الْحَاء وَتَشْدِيد اللَّام أَيْ تَهَيَّأَ لِأَنْ يُحْلَب , وَثَدْيهَا بِالرَّفْعِ فَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِالْإِفْرَادِ وَلِلْبَاقِينَ \" ثَدْيَاهَا \" بِالتَّثْنِيَةِ , وَلِلْكُشمِيهنِيّ \" بِسَقْيِ \" بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَفَتْح الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْقَاف وَتَنْوِين التَّحْتَانِيَّة وَلِلْبَاقِينَ \" تَسْعَى \" بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة مِنْ السَّعْي وَهُوَ الْمَشْي بِسُرْعَةٍ , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ الْحُلْوَانِيّ وَابْن عَسْكَر كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن أَبِي مَرْيَم \" تَبْتَغِي \" بِمُوَحَّدَةٍ سَاكِنَة ثُمَّ مُثَنَّاة مَفْتُوحَة ثُمَّ غَيْن مُعْجَمَة مِنْ الِابْتِغَاء وَهُوَ الطَّلَب , قَالَ عِيَاض : وَهُوَ وَهْم , وَالصَّوَاب مَا فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ صَوَاب , فَهِيَ سَاعِيَة وَطَالِبَة لِوَلَدِهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَا خَفَاء بِحُسْنِ رِوَايَة \" تَسْعَى \" وَوُضُوحهَا , وَلَكِنْ لِرِوَايَةِ تَبْتَغِي وَجْهًا وَهُوَ تَطْلُب وَلَدهَا , وَحُذِفَ الْمَفْعُول لِلْعِلْمِ بِهِ , فَلَا يُغَلَّط الرَّاوِي مَعَ هَذَا التَّوْجِيه. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْي أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ وَلِمُسْلِمٍ , وَحُذِفَ مِنْهُ شَيْء بَيَّنَتْهُ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَفْظه \" إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا أَخَذَتْهُ فَأَرْضَعَتْهُ فَوَجَدَتْ صَبِيًّا فَأَخَذَتْهُ فَأَلْزَمَتْهُ بَطْنهَا \" وَعُرِفَ مِنْ سِيَاقه أَنَّهَا كَانَتْ فَقَدَتْ صَبِيّهَا وَتَضَرَّرَتْ بِاجْتِمَاعِ اللَّبَن فِي ثَدْيهَا , فَكَانَتْ إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا أَرْضَعَتْهُ لِيَخِفّ عَنْهَا , فَلَمَّا وَجَدَتْ صَبِيّهَا بِعَيْنِهِ أَخَذَتْهُ فَالْتَزَمَتْهُ. وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذَا الصَّبِيّ وَلَا عَلَى اِسْم أُمّه. ‏ ‏قَوْله : ( أَتُرَوْنَ ) ‏ ‏؟ بِضَمِّ الْمُثَنَّاة أَيْ أَتَظُنُّونَ ؟ ‏ ‏قَوْله : ( قُلْنَا لَا , وَهِيَ تَقْدِر عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحهُ ) ‏ ‏أَيْ لَا تَطْرَحهُ طَائِعَة أَبَدًا. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَقُلْنَا لَا وَاَللَّه إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَلَّه ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله لَام تَأْكِيد , وَصَرَّحَ بِالْقَسَمِ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : \" وَاَللَّه لَلَّه أَرْحَم إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْله : ( بِعِبَادِهِ ) ‏ ‏كَأَنَّ الْمُرَاد بِالْعِبَادِ هُنَا مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَام , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ : \" مَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَر مِنْ أَصْحَابه وَصَبِيّ عَلَى الطَّرِيق , فَلَمَّا رَأَتْ أُمّه الْقَوْم خَشِيَتْ عَلَى وَلَدهَا أَنْ يُوطَأ فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى وَتَقُول : اِبْنِي اِبْنِي , وَسَعَتْ فَأَخَذَتْهُ , فَقَالَ الْقَوْم : يَا رَسُول اللَّه مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُلْقِي اِبْنهَا فِي النَّار , فَقَالَ : وَلَا اللَّه بِطَارِحٍ حَبِيبه فِي النَّار \" فَالتَّعْبِير بِحَبِيبِهِ يُخْرِج الْكَافِر. وَكَذَا مَنْ شَاءَ إِدْخَاله مِمَّنْ لَمْ يَتُبْ مِنْ مُرْتَكِبِي الْكَبَائِر. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : لَفْظ الْعَبْد عِلْم وَمَعْنَاهُ خَاصّ بِالْمُؤْمِنِينَ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْء فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) فَهِيَ عَامَّة مِنْ جِهَة الصَّلَاحِيَّة وَخَاصَّة بِمَنْ كُتِبَتْ لَهُ قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ رَحْمَة اللَّه لَا يُشْبِههَا شَيْء لِمَنْ سَبَقَ لَهُ مِنْهَا نَصِيب مِنْ أَيّ الْعِبَاد كَانَ حَتَّى الْحَيَوَانَات. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَجْعَل تَعَلُّقه فِي جَمِيع أُمُوره بِاَللَّهِ وَحْده , وَأَنَّ كُلّ مَنْ فُرِضَ أَنَّ فِيهِ رَحْمَة مَا حَتَّى يُقْصَد لِأَجْلِهَا فَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَرْحَم مِنْهُ , فَلْيَقْصِدْ الْعَاقِل لِحَاجَتِهِ مَنْ هُوَ أَشَدّ لَهُ رَحْمَة , قَالَ : وَفِي الْحَدِيث جَوَاز نَظَرِ النِّسَاء الْمَسْبِيَّات , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ عَنْ النَّظَر إِلَى الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة , بَلْ فِي سِيَاق الْحَدِيث مَا يَقْتَضِي إِذْنه فِي النَّظَر إِلَيْهَا. وَفِيهِ ضَرْب الْمَثَل بِمَا يُدْرَك بِالْحَوَاسِّ لِمَا لَا يُدْرَك بِهَا لِتَحْصِيلِ مَعْرِفَة الشَّيْء عَلَى وَجْهه , وَإِنْ كَانَ الَّذِي ضَرَبَ بِهِ الْمَثَل لَا يُحَاط بِحَقِيقَتِهِ لِأَنَّ رَحْمَة اللَّه لَا تُدْرَك بِالْعَقْلِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَرَّبَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلسَّامِعِينَ بِحَالِ الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة. وَفِيهِ جَوَاز اِرْتِكَاب أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ الْمَرْأَة عَنْ إِرْضَاع لِلْأَطْفَالِ الَّذِينَ أَرْضَعَتْهُمْ مَعَ اِحْتِمَال أَنْ يَكْبَر بَعْضهمْ فَيَتَزَوَّج بَعْض مَنْ أَرْضَعَتْهُ الْمَرْأَة مَعَهُ , لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ حَالَة الْإِرْضَاع نَاجِزَة , وَمَا يُخْشَى مِنْ الْمَحْرَمِيَّةِ مُتَوَهَّم اُغْتُفِرَ. قُلْت : وَلَفْظ الصَّبِيّ بِالتَّذْكِيرِ فِي الْخَبَر يُنَازِع فِي ذَلِكَ , قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ الْكُفَّار مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَة , وَقَدْ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى عَكْس ذَلِكَ , فَأَمَّا الْأَوَّل فَمِنْ جِهَة أَنَّ الْأَطْفَال لَوْلَا أَنَّهُمْ كَانَ بِهِمْ ضَرُورَة إِلَى الْإِرْضَاع فِي تِلْكَ الْحَالَة مَا تَرَكَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُرْضِع أَحَدًا مِنْهُمْ , وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ أَقْوَى فَلِأَنَّهُ أَقَرَّهَا عَلَى إِرْضَاعهمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَتَبَيَّن الضَّرُورَة ا ه. مُلَخَّصًا , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5541",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ الْبَهْرَانِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( الْبَهْرَانِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْهَاء نِسْبَة إِلَى قَبِيلَة مِنْ قُضَاعَة يَنْتَهِي نَسَبهمْ إِلَى بَهْر بْنِ عَمْرو بْن الْحَاف بْن قُضَاعَة , نَزَلَ أَكْثَرهمْ حِمْص فِي الْإِسْلَام. ‏ ‏قَوْله : ( جَعَلَ اللَّه الرَّحْمَة فِي مِائَة جُزْء ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ كَانَ الْمَعْنَى يَتِمّ بِدُونِ الظَّرْف فَلَعَلَّ \" فِي \" زَائِدَة أَوْ مُتَعَلِّقَة بِمَحْذُوفٍ , وَفِيهِ نَوْع مُبَالَغَة إِذْ جَعَلَهَا مَظْرُوفًا لَهَا مَعْنَى بِحَيْثُ لَا يَفُوت مِنْهَا شَيْء. ‏ ‏وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سُبْحَانه وَتَعَالَى لَمَّا مَنَّ عَلَى خَلْقه بِالرَّحْمَةِ جَعَلَهَا فِي مِائَة وِعَاء فَأَهْبَطَ مِنْهَا وَاحِدًا لِلْأَرْضِ. قُلْت : خَلَتْ أَكْثَر الطُّرُق عَنْ الظَّرْف كَرِوَايَةِ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة الْآتِيَة فِي الرِّقَاق \" إِنَّ اللَّه خَلَقَ الرَّحْمَة يَوْم خَلَقَهَا مِائَة رَحْمَة \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة عَطَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" إِنَّ لِلَّهِ مِائَة رَحْمَة \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث سَلْمَان \" إِنَّ اللَّه خَلَقَ مِائَة رَحْمَة يَوْم خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , كُلّ رَحْمَة طِبَاق مَا بَيْنَ السَّمَاء وَالْأَرْض \" وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَى \" خَلَقَ \" اِخْتَرَعَ وَأَوْجَدَ , وَيَجُوز أَنْ يَكُون بِمَعْنَى قَدَّرَ , وَقَدْ وَرَدَ خَلَقَ بِمَعْنَى قَدَّرَ فِي لُغَة الْعَرَب فَيَكُون الْمَعْنَى أَنَّ اللَّه أَظْهَرَ تَقْدِيره لِذَلِكَ يَوْم أَظْهَرَ تَقْدِير السَّمَاوَات وَالْأَرْض. وَقَوْله : \" كُلّ رَحْمَة تَسَعُ طِبَاق الْأَرْض \" الْمُرَاد بِهَا التَّعْظِيم وَالتَّكْثِير , وَقَدْ وَرَدَ التَّعْظِيم بِهَذَا اللَّفْظ فِي اللُّغَة وَالشَّرْع كَثِيرًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَأَمْسَكَ عِنْدَه تِسْعَة وَتِسْعِينَ جُزْءًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَطَاء \" وَأَخَّرَ عِنْدَه تِسْعَة وَتِسْعِينَ رَحْمَة \" وَفِي رِوَايَة الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ مُسْلِم \" وَخَبَّأَ عِنْدَهُ مِائَة إِلَّا وَاحِدَة \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْض جُزْءًا وَاحِدًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمَقْبُرِيِّ \" وَأَرْسَلَ فِي خَلْقه كُلّهمْ رَحْمَة \" وَفِي رِوَايَة عَطَاء \" أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَة وَاحِدَة بَيْنَ الْجِنّ وَالْإِنْس وَالْبَهَائِم \" وَفِي حَدِيث سَلْمَان \" فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الْأَرْض وَاحِدَة \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ هَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الرَّحْمَة يُرَاد بِهَا مُتَعَلِّق الْإِرَادَة لَا نَفْس الْإِرَادَة , وَأَنَّهَا رَاجِعَة إِلَى الْمَنَافِع وَالنِّعَم. ‏ ‏قَوْله : ( فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْء تَتَرَاحَم الْخَلْقُ , حَتَّى تَرْفَع الْفَرَس حَافِرهَا عَنْ وَلَدهَا خَشْيَة أَنْ تُصِيبهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَطَاء \" فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ , وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ , وَبِهَا تَعْطِف الْوَحْش عَلَى وَلَدهَا \" وَفِي حَدِيث سَلْمَان \" فِيهَا تَعْطِف الْوَالِدَة عَلَى وَلَدهَا , وَالْوَحْش وَالطَّيْر بَعْضهَا عَلَى بَعْض \" قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : خُصَّ الْفَرَس بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَشَدّ الْحَيَوَان الْمَأْلُوف الَّذِي يُعَايِن الْمُخَاطَبُونَ حَرَكَته مَعَ وَلَده , وَلِمَا فِي الْفَرَس مِنْ الْخِفَّة وَالسُّرْعَة فِي التَّنَقُّل , وَمَعَ ذَلِكَ تَتَجَنَّب أَنْ يَصِل الضَّرَر مِنْهَا إِلَى وَلَدهَا. ‏ ‏وَوَقَعَ فِي حَدِيث سَلْمَان عِنْدَ مُسْلِم فِي آخِره مِنْ الزِّيَادَة \" فَإِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَة مِائَة \" وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الرَّحْمَة الَّتِي فِي الدُّنْيَا بَيْنَ الْخَلْق تَكُون فِيهِمْ يَوْم الْقِيَامَة يَتَرَاحَمُونَ بِهَا أَيْضًا , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُهَلَّب فَقَالَ : الرَّحْمَة الَّتِي خَلَقَهَا اللَّه لِعِبَادِهِ وَجَعَلَهَا فِي نُفُوسهمْ فِي الدُّنْيَا هِيَ الَّتِي يَتَغَافَرُونَ بِهَا يَوْم الْقِيَامَة التَّبَعَات بَيْنَهمْ. قَالَ : وَيَجُوز أَنْ يَسْتَعْمِل اللَّه تِلْكَ الرَّحْمَة فِيهِمْ فَيَرْحَمهُمْ بِهَا سِوَى رَحْمَته الَّتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْء وَهِيَ الَّتِي مِنْ صِفَة ذَاته وَلَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَا , فَهِيَ الَّتِي يَرْحَمهُمْ بِهَا زَائِدًا عَلَى الرَّحْمَة الَّتِي خَلَقَهَا لَهُمْ , قَالَ : وَيَجُوز أَنْ تَكُون الرَّحْمَة الَّتِي أَمْسَكَهَا عِنْدَ نَفْسه هِيَ الَّتِي عِنْدَ مَلَائِكَته الْمُسْتَغْفِرِينَ لِمَنْ فِي الْأَرْض ; لِأَنَّ اِسْتِغْفَارهمْ لَهُمْ دَالّ عَلَى أَنَّ فِي نُفُوسهمْ الرَّحْمَة لِأَهْلِ الْأَرْض. قُلْت : وَحَاصِل كَلَامه أَنَّ الرَّحْمَة رَحْمَتَانِ , رَحْمَة مِنْ صِفَة الذَّات وَهِيَ لَا تَتَعَدَّد , وَرَحْمَة مِنْ صِفَة الْفِعْل وَهِيَ الْمُشَار إِلَيْهَا هُنَا. وَلَكِنْ لَيْسَ فِي شَيْء مِنْ طُرُق الْحَدِيث أَنَّ الَّتِي عِنْدَ اللَّه رَحْمَة وَاحِدَة بَلْ اِتَّفَقَتْ جَمِيع الطُّرُق عَلَى أَنَّ عِنْدَهُ تِسْعَة وَتِسْعِينَ رَحْمَة , وَزَادَ فِي حَدِيث سَلْمَان أَنَّهُ يُكْمِلهَا يَوْم الْقِيَامَة مِائَة بِالرَّحْمَةِ الَّتِي فِي الدُّنْيَا , فَتَعَدُّدُ الرَّحْمَة بِالنِّسْبَةِ لِلْخَلْقِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيث أَنَّ اللَّه عَلِمَ أَنَّ أَنْوَاع النِّعَم الَّتِي يُنْعِم بِهَا عَلَى خَلْقه مِائَة نَوْع , فَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِنَوْعٍ وَاحِد اِنْتَظَمَتْ بِهِ مَصَالِحهمْ وَحَصَلَتْ بِهِ مَرَافِقهمْ , فَإِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة كَمَّلَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَا بَقِيَ فَبَلَغَتْ مِائَة وَكُلّهَا لِلْمُؤْمِنِينَ , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ) فَإِنَّ رَحِيمًا مِنْ أَبْنِيَة الْمُبَالَغَة الَّتِي لَا شَيْء فَوْقهَا , وَيُفْهَم مِنْ هَذَا أَنَّ الْكُفَّار لَا يَبْقَى لَهُمْ حَظٌّ مِنْ الرَّحْمَة لَا مِنْ جِنْس رَحَمَات الدُّنْيَا وَلَا مِنْ غَيْرهَا إِذَا كَمَّلَ كُلّ مَا كَانَ فِي عِلْم اللَّه مِنْ الرَّحَمَات لِلْمُؤْمِنِينَ , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) الْآيَة. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الرَّحْمَة هُنَا عِبَارَة عَنْ الْقُدْرَة الْمُتَعَلِّقَة بِإِيصَالِ الْخَيْر , وَالْقُدْرَة فِي نَفْسهَا غَيْر مُتَنَاهِيَة , وَالتَّعْلِيق غَيْر مُتَنَاهٍ , لَكِنْ حَصْرُهُ فِي مِائَة عَلَى سَبِيل التَّمْثِيل تَسْهِيلًا لِلْفَهْمِ وَتَقْلِيلًا لِمَا عِنْدَ الْخَلْق وَتَكْثِيرًا لِمَا عِنْدَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى , وَأَمَّا مُنَاسَبَة هَذَا الْعَدَد الْخَاصّ فَحَكَى الْقُرْطُبِيّ عَنْ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّ هَذَا الْعَدَد الْخَاصّ أُطْلِقَ لِإِرَادَةِ التَّكْثِير وَالْمُبَالَغَة فِيهِ , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ عَادَة الْعَرَب بِذَلِكَ فِي الْمِائَة وَإِنَّمَا جَرَى فِي السَّبْعِينَ , كَذَا قَالَ. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : ثَبَتَ أَنَّ نَار الْآخِرَة تَفْضُل نَار الدُّنْيَا بِتِسْعٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا فَإِذَا قُوبِلَ كُلّ جُزْء بِرَحْمَةٍ زَادَتْ الرَّحَمَات ثَلَاثِينَ جُزْءًا , فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الرَّحْمَة فِي الْآخِرَة أَكْثَر مِنْ النِّقْمَة فِيهَا. وَيُؤَيِّدهُ قَوْله : \" غَلَبَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي \". قُلْت : لَكِنْ تَبْقَى مُنَاسَبَة خُصُوص هَذَا الْعَدَد , فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مُنَاسَبَة هَذَا الْعَدَد الْخَاصّ لِكَوْنِهِ مِثْل عَدَد دَرَج الْجَنَّة , وَالْجَنَّة هِيَ مَحَلّ الرَّحْمَة , فَكَانَ كُلّ رَحْمَة بِإِزَاءِ دَرَجَة , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَدْخُل أَحَد الْجَنَّة إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّه تَعَالَى , فَمَنْ نَالَتْهُ مِنْهَا رَحْمَة وَاحِدَة كَانَ أَدْنَى أَهْل الْجَنَّة مَنْزِلَة , وَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَة مَنْ حَصَلَتْ لَهُ جَمِيع الْأَنْوَاع مِنْ الرَّحْمَة. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : فِي الْحَدِيث إِدْخَال السُّرُور عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّ الْعَادَة أَنَّ النَّفْس يَكْمُل فَرَحهَا بِمَا وُهِبَ لَهَا إِذَا كَانَ مَعْلُومًا مِمَّا يَكُون مَوْعُودًا. وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى الْإِيمَان , وَاتِّسَاع الرَّجَاء فِي رَحَمَات اللَّه تَعَالَى الْمُدَّخَرَة. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ فِي آخِر حَدِيث سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ فِي الرِّقَاق \" فَلَوْ يَعْلَم الْكَافِر بِكُلِّ مَا عِنْدَ اللَّه مِنْ الرَّحْمَة لَمْ يَيْأَس مِنْ الْجَنَّة \" وَأَفْرَدَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَيَأْتِي شَرْحه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5542",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قَالَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" أَيّ الذَّنْب أَعْظَم \" الْحَدِيث , سَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5543",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَضَعَ صَبِيًّا فِي حَجْرِهِ ‏ ‏يُحَنِّكُهُ ‏ ‏فَبَالَ عَلَيْهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5544",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَارِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا تَمِيمَةَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ‏ ‏يُحَدِّثُهُ ‏ ‏أَبُو عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ وَيُقْعِدُ ‏ ‏الْحَسَنَ ‏ ‏عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى ثُمَّ يَضُمُّهُمَا ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏التَّيْمِيُّ ‏ ‏فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ قُلْتُ حَدَّثْتُ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏فَنَظَرْتُ فَوَجَدْتُهُ عِنْدِي مَكْتُوبًا فِيمَا سَمِعْتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ سُلَيْمَان بْن طَرْخَانَ التَّيْمِيُّ , ‏ ‏وَأَبُو تَمِيمَة ‏ ‏هُوَ طَرِيف ; بِهِمْلَةٍ بِوَزْنِ عَظِيم اِبْن مُجَالِد بِالْجِيمِ الْهُجَيْمِيّ بِالْجِيمِ مُصَغَّر. ‏ ‏قَوْله : ( فَيُقْعِدنِي عَلَى فَخِذه وَيُقْعِد الْحَسَن بْن عَلِيّ عَلَى فَخِذه الْآخَر ) ‏ ‏اِسْتَشْكَلَهُ الدَّاوُدِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ اِبْن التِّين فَقَالَ : لَا أَدْرِي ذَلِكَ وَقَعَ فِي وَقْت وَاحِد لِأَنَّ أُسَامَة أَكْبَر مِنْ الْحَسَن , ثُمَّ أَخَذَ يَسْتَدِلّ عَلَى ذَلِكَ , وَالْأَمْر فِيهِ أَوْضَح مِنْ أَنْ يَحْتَاج إِلَى دَلِيل فَإِنَّ أَكْثَر مَا قِيلَ فِي عُمْر الْحَسَن عِنْدَ وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَان سِنِينَ وَأَمَّا أُسَامَة فَكَانَ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا , وَقَدْ أَمَّرَهُ عَلَى الْجَيْش الَّذِي اِشْتَمَلَ عَلَى عَدَد كَثِير مِنْ كِبَار الْمُسْلِمِينَ كَعُمَر كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي تَرْجَمَته فِي الْمَنَاقِب , وَصَرَّحَ جَمَاعَة بِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ مَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْن عِشْرِينَ سَنَة , وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي عَنْ مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن أُسَامَة عَنْ أَهْله قَالُوا : \" تُوُفِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُسَامَة اِبْن تِسْع عَشَرَة سَنَة \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُسَامَة مُرَاهِق وَالْحَسَن اِبْن سَنَتَيْنِ مَثَلًا وَيَكُون إِقْعَاده أُسَامَة فِي حِجْره لِسَبَبٍ اِقْتَضَى ذَلِكَ كَمَرَضٍ مَثَلًا أَصَابَ أُسَامَة , فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَحَبَّتِهِ فِيهِ وَمَعَزَّته عِنْدَه يُمَرِّضهُ بِنَفْسِهِ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَقْعَدَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة , وَجَاءَ الْحَسَن اِبْن اِبْنَته فَأَقْعَدَهُ عَلَى الْفَخِذ الْأُخْرَى وَقَالَ مُعْتَذِرًا عَنْ ذَلِكَ \" إِنِّي أُحِبّهُمَا \" وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ‏ ‏( وَعَنْ عَلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا سُلَيْمَان ) ‏ ‏أَمَّا عَلِيّ فَهُوَ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه الْمَدِينِيّ , وَأَمَّا يَحْيَى فَهُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان , وَأَمَّا سُلَيْمَان فَهُوَ التَّيْمِيُّ الْمَذْكُور قَبْل , ثُمَّ هُوَ مَعْطُوف عَلَى السَّنَد الَّذِي قَبْله وَهُوَ قَوْله : \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد \" فَيَكُون مِنْ رِوَايَة الْبُخَارِيّ عَنْ عَلِيّ , وَلَكِنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ عَنْ فَقَالَ : \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد إِلَخْ وَعَنْ عَلِيّ إِلَخْ \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْطُوفًا عَلَى قَوْله : \" حَدَّثَنَا عَارِم \" فَيَكُون مِنْ رِوَايَة الْبُخَارِيّ عَنْ شَيْخه بِوَاسِطَةِ قَرِينه عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد , وَلَا يُسْتَغْرَب ذَلِكَ مِنْ رِوَايَة الْأَقْرَان وَلَا مِنْ الْبُخَارِيّ فَقَدْ حَدَّثَ بِالْكَثِيرِ عَنْ كَثِير مِنْ شُيُوخه وَيُدْخِل أَحْيَانًا بَيْنَهمْ الْوَاسِطَة , وَقَدْ حَدَّثَ عَنْ عَارِم بِالْكَثِيرِ بِغَيْرِ وَاسِطَة مِنْهَا مَا سَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ \" بَاب قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا \" وَأَدْخَلَ هُنَا بَيْنَه وَبَيْنَ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الْجُعْفِيِّ , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث \" قِيلَ لِأَبِي عَبْد اللَّه : مَنْ يَقُول عَنْ عَلِيّ ؟ فَقَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد \" اِنْتَهَى فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا صَحَّ الِاحْتِمَال الْأَخِير وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ التَّيْمِيُّ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْء ) ‏ ‏يَعْنِي شَكَّ هَلْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي تَمِيمَة عَنْ أَبِي عُثْمَان أَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي عُثْمَان بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَفِي السَّنَد عَلَى الْأَوَّل ثَلَاثَة بَصْرِيُّونَ مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ مِنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ فَصَاعِدًا , وَلَيْسَ لِأَبِي تَمِيمَة فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث وَآخَر سَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَحْكَام مِنْ رِوَايَته عَنْ جُنْدُب الْبَجَلِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَجَدْته عِنْدِي مَكْتُوبًا فِيمَا سَمِعْت ) ‏ ‏أَيْ مِنْ أَبِي عُثْمَان , فَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي تَمِيمَة عَنْ أَبِي عُثْمَان ثُمَّ لَقِيَ أَبَا عُثْمَان فَسَمِعَهُ مِنْهُ أَوْ كَانَ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي عُثْمَان فَثَبَّتَهُ فِيهِ أَبُو تَمِيمَة , وَانْتَزَعَ مِنْهُ بَعْضهمْ جَوَاز الِاعْتِمَاد فِي تَحْدِيثهمْ عَلَى خَطّه وَلَوْ لَمْ يَتَذَكَّر السَّمَاع , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِاحْتِمَالِ التَّذَكُّر فِي هَذِهِ الْحَالَة , وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن الصَّلَاح الْمَسْأَلَة وَنَقَلَ الْخِلَاف فِيهَا , وَالرَّاجِح فِي الرِّوَايَة الِاعْتِمَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "5545",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلَاثِ سِنِينَ لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ ‏ ‏أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِي فِي خُلَّتِهَا مِنْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : مَا غِرْت عَلَى اِمْرَأَة مَا غِرْت عَلَى خَدِيجَة ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي تَرْجَمَة خَدِيجَة مِنْ كِتَاب الْمَنَاقِب. وَقَوْله : \" عَلَى خَدِيجَة \" يُرِيد مِنْ خَدِيجَة فَأَقَامَ \" عَلَى \" مَقَام \" مِنْ \" وَحُرُوف الْجَرّ تَتَنَاوَب فِي رَأْي. أَوْ \" عَلَى \" سَبَبِيَّة أَيْ بِسَبَبِ خَدِيجَة. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبّه إِلَخْ \" ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ أَيْضًا , وَلَكِنْ أَوْرَدَهُ هُنَاكَ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَح الشَّاة ثُمَّ لِيُهْدِيَ فِي خُلَّتهَا مِنْهَا \" ‏ ‏أَيْ مِنْ الشَّاة الْمَذْبُوحَة , وَزَادَ فِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ هِشَام فِي فَضْل خَدِيجَة مَا يَسَعهُنَّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي ضَبْط هَذِهِ اللَّفْظَة , وَإِنْ مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة , وَخُلَّتهَا بِضَمِّ الْمُعْجَمَة أَيْ خَلَائِلهَا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْخُلَّة مَصْدَر يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث وَالْوَاحِد وَالْجَمَاعَة , تَقُول : رَجُل خُلَّة وَامْرَأَة خُلَّة وَقَوْم خُلَّة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره : إِلَى أَهْل خُلَّتهَا , أَيْ أَهْل صَدَاقَتهَا , وَالْخُلَّة الصَّدَاقَة وَالْخَلِيل الصَّدِيق. قُلْت : وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" ثُمَّ نُهْدِيهَا إِلَى خَلَائِلهَا \" وَسَبَقَ فِي الْمَنَاقِب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة \" وَإِلَى أَصْدِقَائِهَا \" وَلِلْبُخَارِيِّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ حَدِيث أَنَس \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُتِيَ , بِالشَّيْءِ يَقُول : اِذْهَبُوا بِهِ إِلَى فُلَانَة فَإِنَّهَا كَانَتْ صَدِيقَة لِخَدِيجَة \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏جَرَى الْبُخَارِيّ عَلَى عَادَته فِي الِاكْتِفَاء بِالْإِشَارَةِ دُون التَّصْرِيح , فَإِنَّ لَفْظ التَّرْجَمَة قَدْ وَرَدَ فِي حَدِيث يَتَعَلَّق بِخَدِيجَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" مِنْ طَرِيق صَالِح بْن رُسْتُم عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" جَاءَتْ عَجُوز إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كَيْف أَنْتُمْ , كَيْف حَالكُمْ , كَيْف كُنْتُمْ بَعْدنَا ؟ قَالَتْ : بِخَيْرٍ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُول اللَّه. فَلَمَّا خَرَجَتْ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه تُقْبِل عَلَى هَذِهِ الْعَجُوز هَذَا الْإِقْبَال ؟ فَقَالَ : يَا عَائِشَة إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا زَمَان خَدِيجَة , وَإِنَّ حُسْن الْعَهْد مِنْ الْإِيمَان \" وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق مُسْلِم بْن جُنَادَةَ عَنْ حَفْص بْن غِيَاث عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة مِثْله بِمَعْنَى الْقِصَّة وَقَالَ : غَرِيب , وَمِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة نَحْوه وَإِسْنَاده ضَعِيف. ‏"
    },
    {
        "id": "5546",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم ) ‏ ‏أَيْ سَلَمَة بْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَا وَكَافِل الْيَتِيم ) ‏ ‏أَيْ الْقَيِّم بِأَمْرِهِ وَمَصَالِحه , زَادَ مَالِك مِنْ مُرْسَل صَفْوَان بْن سُلَيْمٍ \" كَافِل الْيَتِيم لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ \" وَوَصَلَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَة أُمّ سَعِيد بِنْت مُرَّة الْفِهْرِيَّة عَنْ أَبِيهَا , وَمَعْنَى قَوْله لَهُ بِأَنْ يَكُون جَدًّا أَوْ عَمًّا أَوْ أَخًا أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأَقَارِب , أَوْ يَكُون أَبُو الْمَوْلُود قَدْ مَاتَ فَتَقُوم أُمّه مَقَامه أَوْ مَاتَتْ أُمّه فَقَامَ أَبُوهُ فِي التَّرْبِيَة مَقَامهَا. وَأَخْرَجَ الْبَزَّار مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَوْصُولًا \" مَنْ كَفَلَ يَتِيمًا ذَا قَرَابَة أَوْ لَا قَرَابَة لَهُ \" وَهَذِهِ الرِّوَايَة تُفَسِّر الْمُرَاد بِالرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلهَا. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" السَّبَّاحَة \" بِمُهْمَلَةٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَة الثَّانِيَة , وَالسَّبَّاحَة هِيَ الْأُصْبُع الَّتِي تَلِي الْإِبْهَام سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا يُسَبَّح بِهَا فِي الصَّلَاة فَيُشَار بِهَا فِي التَّشَهُّد لِذَلِكَ , وَهِيَ السَّبَّابَة أَيْضًا لِأَنَّهَا يُسَبّ بِهَا الشَّيْطَان حِينَئِذٍ. قَالَ اِبْن بَطَّال : حَقٌّ عَلَى مَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيث أَنْ يَعْمَل بِهِ لِيَكُونَ رَفِيق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنَّة , وَلَا مَنْزِلَة فِي الْآخِرَة أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ. قُلْت : قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي كِتَاب اللِّعَان وَفِيهِ \" وَفَرَّجَ بَيْنَهمَا \" أَيْ بَيْنَ السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ بَيْنَ دَرَجَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَافِل الْيَتِيم قَدْر تَفَاوُت مَا بَيْنَ السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى , وَهُوَ نَظِير الْحَدِيث الْآخَر \" بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ \" الْحَدِيث , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ اِسْتَوَتْ إِصْبَعَاهُ فِي تِلْكَ السَّاعَة ثُمَّ عَادَتَا إِلَى حَالهمَا الطَّبِيعِيَّة الْأَصْلِيَّة تَأْكِيدًا لِأَمْرِ كَفَالَة الْيَتِيم. قُلْت : وَمِثْل هَذَا لَا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ , وَيَكْفِي فِي إِثْبَات قُرْب الْمَنْزِلَة مِنْ الْمَنْزِلَة أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَة إِصْبَع أُخْرَى , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة لِأُمِّ سَعِيد الْمَذْكُورَة عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ \" مَعِي فِي الْجَنَّة كَهَاتَيْنِ \" يَعْنِي الْمُسَبِّحَة وَالْوُسْطَى \" إِذَا اِتَّقَى \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد قُرْب الْمَنْزِلَة حَالَة دُخُول الْجَنَّة , لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" أَنَا أَوَّل مَنْ يَفْتَح بَاب الْجَنَّة فَإِذَا اِمْرَأَة تُبَادِرنِي فَأَقُول : مَنْ أَنْتِ فَتَقُول : أَنَا اِمْرَأَة تَأَيَّمْت عَلَى أَيْتَام لِي \" وَرُوَاته لَا بَأْس بِهِمْ , وَقَوْله : \" تُبَادِرنِي \" أَيْ لِتَدْخُل مَعِي أَوْ تَدْخُل فِي أَثَرِي , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ : سُرْعَة الدُّخُول , وَعُلُوّ الْمَنْزِلَة. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَوْف بْن مَالِك رَفَعَهُ \" أَنَا وَامْرَأَة سَفْعَاء الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْم الْقِيَامَة : اِمْرَأَة ذَات مَنْصِب وَجَمَال حَبَسَتْ نَفْسهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى مَاتُوا أَوْ بَانُوا \" فَهَذَا فِيهِ قَيْد زَائِد وَتَقْيِيد فِي الرِّوَايَة الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ : \" اِتَّقِي اللَّه \" أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْيَتِيمِ الْمَذْكُور. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْمُعْجَم الصَّغِير \" مِنْ حَدِيث جَابِر \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه مِمَّ أَضْرِب مِنْهُ يَتِيمِي ؟ قَالَ : مِمَّ كُنْت ضَارِبًا مِنْهُ وَلَدك غَيْر وَاقٍ مَالَك بِمَالِهِ \" وَقَدْ زَادَ فِي رِوَايَة مَالِك الْمَذْكُور \" حَتَّى يَسْتَغْنِي عَنْهُ \" فَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ لِلْكَفَالَةِ الْمَذْكُورَة أَمَدًا. ‏ ‏قَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" لَعَلَّ الْحِكْمَة فِي كَوْن كَافِل الْيَتِيم يُشْبِه فِي دُخُول الْجَنَّة أَوْ شُبِّهَتْ مَنْزِلَته فِي الْجَنَّة بِالْقُرْبِ مِنْ النَّبِيّ أَوْ مَنْزِلَة النَّبِيّ لِكَوْنِ النَّبِيّ شَأْنه أَنْ يُبْعَث إِلَى قَوْم لَا يَعْقِلُونَ أَمْر دِينهمْ فَيَكُون كَافِلًا لَهُمْ وَمُعَلِّمًا وَمُرْشِدًا , وَكَذَلِكَ كَافِل الْيَتِيم يَقُوم بِكَفَالَةِ مَنْ لَا يَعْقِل أَمْر دِينه بَلْ وَلَا دُنْيَاهُ , وَيُرْشِدهُ وَيُعَلِّمهُ وَيُحْسِن أَدَبه , فَظَهَرَتْ مُنَاسَبَة ذَلِكَ ا ه مُلَخَّصًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5547",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ‏ ‏يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ كَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْغَيْثِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ مُطِيعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ذَكَرَهُ مَوْصُولًا وَحَدِيث صَفْوَان بْن سُلَيْمٍ مُرْسَلًا كِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَة مَالِك , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب النَّفَقَات. ‏"
    },
    {
        "id": "5548",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْغَيْثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَحْسِبُهُ قَالَ يَشُكُّ ‏ ‏الْقَعْنَبِيُّ ‏ ‏كَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5549",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سُلَيْمَانَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا أَهْلَنَا وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِي أَهْلِنَا فَأَخْبَرْنَاهُ وَكَانَ رَفِيقًا رَحِيمًا فَقَالَ ‏ ‏ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مَالِك بْن الْحُوَيْرِث وَفِيهِ \" وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي \" وَقَدْ سَبَقَ شَرْحه فِي كِتَاب الصَّلَاة , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله \" وَكَانَ رَقِيقًا رَحِيمًا \" وَهُوَ لِلْأَكْثَرِ بِقَافَيْنِ مِنْ الرِّقَّة , وَلِلْقَابِسِيِّ وَالْأَصِيلِيّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ بِفَاءٍ ثُمَّ قَاف مِنْ الرِّفْق , ‏ ‏وَقَوْله : \" شَبَبَة \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة جَمْع شَابّ مِثْل بَارّ وَبَرَرَة , ‏ ‏وَقَوْله : \" فَقَالَ اِرْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ \" ‏ ‏وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلَّمْتُمُوهُمْ \" اِسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن التِّين عَلَى أَنَّ الْهِجْرَة قَبْل الْفَتْح لَمْ تَكُنْ وَاجِبَة عَلَى الْأَعْيَان بَلْ عَلَى الْبَعْض , وَفِيهِ نَظَرٌ , وَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ وُفُود مَالِك وَمَنْ مَعَهُ كَانَ قَبْل الْفَتْح ؟ وَقَوْله : \" وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي \" حَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ فِيهِ دَلَالَة عَلَى إِمَامَة الصِّبْيَان , وَزَيَّفَهُ فَأَجَادَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5550",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا فَقَالَ نَعَمْ فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فِي كُلّ ذَات كَبِد رَطْبَة أَجْر \" وَفِيهِ قِصَّة الرَّجُل الَّذِي سَقَى الْكَلْب , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر كِتَاب الشُّرْب قُبَيْل كِتَاب الِاسْتِقْرَاض , وَالرُّطُوبَة هُنَا كِنَايَة عَنْ الْحَيَاة , وَقِيلَ : إِنَّ الْكَبِد إِذَا ظَمِئَتْ تَرَطَّبَتْ بِدَلِيلِ أَنَّهَا إِذَا أُلْقِيَتْ فِي النَّار ظَهَرَ مِنْهَا الرَّشْح , وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّار تُخْرِج مِنْهَا رُطُوبَتهَا إِلَى خَارِج , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق أَنَّ الْقِصَّة الْمَذْكُورَة وَقَعَ نَحْوهَا لِامْرَأَةٍ , وَحُمِلَ عَلَى التَّعَدُّد. ‏"
    },
    {
        "id": "5551",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي صَلَاةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ‏ ‏اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ‏ ‏وَمُحَمَّدًا ‏ ‏وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا فِي قِصَّة الْأَعْرَابِيّ الَّذِي قَالَ : \" اللَّهُمَّ اِرْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي كِتَاب الْوُضُوء , وَأَنَّهُ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِد , وَأَنَّهُ ذُو الْخُوَيْصِرَة الْيَمَانِيّ , وَقِيلَ : الْأَقْرَع بْن حَابِس. وَأَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : \" دَخَلَ الْأَعْرَابِيّ الْمَسْجِد فَقَالَ : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي وَلِمُحَمَّدٍ وَلَا تَغْفِر لِأَحَدٍ مَعَنَا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ اِحْتَظَرَتْ وَاسِعًا ثُمَّ تَنَحَّى الْأَعْرَابِيّ فَبَالَ فِي نَاحِيَة الْمَسْجِد \" الْحَدِيث ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ حَجَّرْت وَاسِعًا , يُرِيد رَحْمَة اللَّه ) ‏ ‏حَجَّرْت بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيم ثَقِيلَة ثُمَّ رَاءٍ أَيْ ضَيَّقْت وَزْنًا وَمَعْنًى , وَرَحْمَة اللَّه وَاسِعَة كَمَا قَالَ تَعَالَى , وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَات عَلَى أَنَّ \" حَجَّرْت \" بِالرَّاءِ لَكِنْ نَقَلَ اِبْن التِّين أَنَّهَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ بِالزَّايِ , قَالَ وَهُمَا بِمَعْنًى , وَالْقَائِل \" يُرِيد رَحْمَة اللَّه \" بَعْض رُوَاته وَكَأَنَّهُ أَبُو هُرَيْرَة , قَالَ اِبْن بَطَّال : أَنْكَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَعْرَابِيّ لِكَوْنِهِ بَخِلَ بِرَحْمَةِ اللَّه عَلَى خَلْقه , وَقَدْ أَثْنَى اللَّه تَعَالَى عَلَى مَنْ فَعَلَ خِلَاف ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ : ( وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدهمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اِغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ) وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" اِحْتَظَرْت \" بِحَاءٍ مُهْمَلَة وَظَاء مُشَالَة بِمَعْنَى اِمْتَنَعْت , مَأْخُوذ مِنْ الْحِظَار بِكَسْرِ أَوَّله وَهُوَ الَّذِي يَمْنَع مَا وَرَاءَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5552",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( زَكَرِيَّا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي زَائِدَة , وَعَامِر هُوَ الشَّعْبِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمهمْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة الْمُرَاد مَنْ يَكُون إِيمَانه كَامِلًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَوَادّهمْ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الدَّالّ , وَالْأَصْل التَّوَادُد فَأُدْغِمَ , وَالتَّوَادُد تَفَاعُل مِنْ الْمَوَدَّة , وَالْوُدّ وَالْوِدَاد بِمَعْنًى وَهُوَ تَقَرُّب شَخْص مِنْ آخَر بِمَا يُحِبّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَتَعَاطُفهمْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : الَّذِي يَظْهَر أَنَّ التَّرَاحُم وَالتَّوَادُد وَالتَّعَاطُف وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَة فِي الْمَعْنَى لَكِنْ بَيْنَهَا فَرْق لَطِيف , فَأَمَّا التَّرَاحُم فَالْمُرَاد بِهِ أَنْ يَرْحَم بَعْضهمْ بَعْضًا بِأُخُوَّةِ الْإِيمَان لَا بِسَبَبِ شَيْء آخَر , وَأَمَّا التَّوَادُد فَالْمُرَاد بِهِ التَّوَاصُل الْجَالِب الْمَحَبَّة كَالتَّزَاوُرِ وَالتَّهَادِي , وَأَمَّا التَّعَاطُف فَالْمُرَاد بِهِ إِعَانَة بَعْضهمْ بَعْضًا كَمَا يَعْطِف الثَّوْب عَلَيْهِ لِيُقَوِّيَهُ ا ه مُلَخَّصًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ الشَّعْبِيّ وَخَيْثَمَة فَرْقهمَا عَنْ النُّعْمَان عِنْدَ مُسْلِم \" الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِد إِذَا اِشْتَكَى رَأْسه تَدَاعَى لَهُ سَائِر الْجَسَد بِالْحُمَّى وَالسَّهَر \" وَفِي رِوَايَة خَيْثَمَةَ اِشْتَكَى وَإِنْ اِشْتَكَى رَأْسه كُلّه. ‏ ‏قَوْله : ( كَمَثَلِ الْجَسَد ) ‏ ‏أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيع أَعْضَائِهِ , وَوَجْه التَّشْبِيه فِيهِ التَّوَافُق فِي التَّعَب وَالرَّاحَة. ‏ ‏قَوْله : ( تَدَاعَى ) ‏ ‏أَيْ دَعَا بَعْضه بَعْضًا إِلَى الْمُشَارَكَة فِي الْأَلَم , وَمِنْهُ قَوْلهمْ تَدَاعَتْ الْحِيطَان أَيْ تَسَاقَطَتْ أَوْ كَادَتْ. ‏ ‏قَوْله : ( بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) ‏ ‏أَمَّا السَّهَر فَلِأَنَّ الْأَلَم يَمْنَع النَّوْم , وَأَمَّا الْحُمَّى فَلِأَنَّ فَقْدَ النَّوْم يُثِيرهَا. ‏ ‏وَقَدْ عَرَّفَ أَهْل الْحِذْق الْحُمَّى بِأَنَّهَا حَرَارَة غَرِيزِيَّة تَشْتَعِل فِي الْقَلْب فَتَشِبّ مِنْهُ فِي جَمِيع الْبَدَن فَتَشْتَعِل اِشْتِعَالًا يَضُرّ بِالْأَفْعَالِ الطَّبِيعِيَّة. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : فَتَشْبِيهه الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَسَدِ الْوَاحِد تَمْثِيل صَحِيح , وَفِيهِ تَقْرِيب لِلْفَهْمِ وَإِظْهَار لِلْمَعَانِي فِي الصُّوَر الْمَرْئِيَّة , وَفِيهِ تَعْظِيم حُقُوق الْمُسْلِمِينَ وَالْحَضّ عَلَى تَعَاوُنهمْ وَمُلَاطَفَة بَعْضهمْ بَعْضًا. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : شَبَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِيمَان بِالْجَسَدِ وَأَهْله بِالْأَعْضَاءِ , لِأَنَّ الْإِيمَان أَصْل وَفُرُوعه التَّكَالِيف , فَإِذَا أَخَلَّ الْمَرْء بِشَيْءٍ مِنْ التَّكَالِيف شَأْن ذَلِكَ الْإِخْلَال الْأَصْل , وَكَذَلِكَ الْجَسَد أَصْل كَالشَّجَرَةِ وَأَعْضَاؤُهُ كَالْأَغْصَانِ , فَإِذَا اِشْتَكَى عُضْو مِنْ الْأَعْضَاء اِشْتَكَتْ الْأَعْضَاء كُلّهَا كَالشَّجَرَةِ إِذَا ضُرِبَ غُصْن مِنْ أَغْصَانهَا اِهْتَزَّتْ الْأَغْصَان كُلّهَا بِالتَّحَرُّكِ وَالِاضْطِرَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "5553",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا مِنْ مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْسًا فَأَكَلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" مَا مِنْ مُسْلِم غَرَسَ غَرْسًا \" تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْمُزَارَعَة , ‏ ‏وَقَوْله : \" أَوْ دَابَّة \" ‏ ‏إِنْ كَانَ مَأْخُوذًا مِنْ دَبَّ عَلَى الْأَرْض فَهُوَ مِنْ عَطْف الْعَامّ عَلَى الْخَاصّ , وَإِنْ كَانَ الْمُرَاد الدَّابَّة فِي الْعُرْف فَهُوَ مِنْ عَطْف جِنْس عَلَى جِنْس وَهُوَ الظَّاهِر هُنَا. قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : يَدْخُل الْغَارِس فِي عُمُوم قَوْله إِنْسَان , فَإِنَّ فَضْل اللَّه وَاسِع , وَفِيهِ التَّنْوِيه بِقَدْرِ الْمُؤْمِن وَأَنَّهُ يَحْصُل لَهُ الْأَجْر وَإِنْ لَمْ يَقْصِد إِلَيْهِ عَيْنًا. وَفِيهِ التَّرْغِيب فِي التَّصَرُّف عَلَى لِسَان الْمُعَلِّم , وَالْحَضّ عَلَى اِلْتِزَام طَرِيق الْمُصْلِحِينَ , وَالْإِرْشَاد إِلَى تَرْك الْمَقَاصِد الْفَاسِدَة وَالتَّرْغِيب فِي الْمَقَاصِد الصَّالِحَة الدَّاعِيَة إِلَى تَكْثِير الثَّوَاب , وَأَنَّ تَعَاطِي الْأَسْبَاب الَّتِي اِقْتَضَتْهَا الْحِكْمَة الرَّبَّانِيَّة مِنْ عِمَارَة هَذِهِ الدَّار لَا يُنَافِي الْعِبَادَة وَلَا طَرِيق الزُّهْد وَلَا التَّوَكُّل وَفِيهِ التَّحْرِيض عَلَى تَعَلُّم السُّنَّة لِيَعْلَم الْمَرْء مَا لَهُ مِنْ الْخَيْر فَيَرْغَب فِيهِ , لِأَنَّ مِثْل هَذَا الْفَضْل الْمَذْكُور فِي الْغَرْس لَا يُدْرَك إِلَّا مِنْ طَرِيق السُّنَّة. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمَرْء قَدْ يَصِل إِلَيْهِ مِنْ الشَّرّ مَا لَمْ يَعْمَل بِهِ وَلَا قَصَدَ إِلَيْهِ فَيَحْذَر مِنْ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ حُصُول هَذَا الْخَيْر بِهَذَا الطَّرِيق جَازَ حُصُول مُقَابِله ا ه مُلَخَّصًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5554",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَرِير. ‏ ‏قَوْله : ( عُمَر بْن حَفْص ) ‏ ‏أَيْ اِبْن غِيَاث , وَالسَّنَد كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ لَا يَرْحَم لَا يُرْحَم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هَذَا الْمَتْن فِي أَثْنَاء حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي \" بَاب رَحْمَة الْوَلَد \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَرِير فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" مَنْ لَا يَرْحَم النَّاس لَا يَرْحَمهُ اللَّه \" وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ \" مَنْ لَا يَرْحَم مَنْ فِي الْأَرْض لَا يَرْحَمهُ مَنْ فِي السَّمَاء \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود رَفَعَهُ \" اِرْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْض يَرْحَمك مَنْ فِي السَّمَاء \" وَرُوَاته ثِقَات , وَهُوَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ : وَالْحَاكِم بِلَفْظِ \" اِرْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْض يَرْحَمكُمْ مَنْ فِي السَّمَاء \" وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ اُشْتُهِرَ بِالْمُسَلْسَلِ بِالْأَوَّلِيَّةِ , وَفِي حَدِيث الْأَشْعَث بْن قَيْس عِنْدَ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط \" مَنْ لَمْ يَرْحَم الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرْحَمهُ اللَّه \" قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ الْحَضّ عَلَى اِسْتِعْمَال الرَّحْمَة لِجَمِيعِ الْخَلْق فَيَدْخُل الْمُؤْمِن وَالْكَافِر وَالْبَهَائِم الْمَمْلُوك مِنْهَا وَغَيْر الْمَمْلُوك , وَيَدْخُل فِي الرَّحْمَة التَّعَاهُد بِالْإِطْعَامِ وَالسَّقْي وَالتَّخْفِيف فِي الْحَمْل وَتَرْك التَّعَدِّي بِالضَّرْبِ. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى مَنْ لَا يَرْحَم غَيْره بِأَيِّ نَوْع مِنْ الْإِحْسَان لَا يَحْصُل لَهُ الثَّوَاب كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( هَلْ جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان ) , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَنْ لَا يَكُون فِيهِ رَحْمَة الْإِيمَان فِي الدُّنْيَا لَا يُرْحَم فِي الْآخِرَة , أَوْ مَنْ لَا يَرْحَم نَفْسه بِامْتِثَالِ أَوَامِر اللَّه وَاجْتِنَاب نَوَاهِيه لَا يَرْحَمهُ اللَّه لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَه عَهْد , فَتَكُون الرَّحْمَة الْأُولَى بِمَعْنَى الْأَعْمَال وَالثَّانِيَة بِمَعْنَى الْجَزَاء , أَيْ لَا يُثَاب إِلَّا مَنْ عَمِلَ صَالِحًا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْأُولَى الصَّدَقَة وَالثَّانِيَة الْبَلَاء , أَيْ لَا يَسْلَم مِنْ الْبَلَاء إِلَّا مَنْ تَصَدَّقَ , أَوْ مَنْ لَا يَرْحَم الرَّحْمَة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَائِبَة أَذًى لَا يُرْحَم مُطْلَقًا ; أَوْ لَا يَنْظُر اللَّه بِعَيْنِ الرَّحْمَة إِلَّا لِمَنْ جَعَلَ فِي قَلْبه الرَّحْمَة وَلَوْ كَانَ عَمَلُهُ صَالِحًا ا ه مُلَخَّصًا. قَالَ : وَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَفَقَّد نَفْسه فِي هَذِهِ الْأَوْجُه كُلّهَا , فَمَا قَصَّرَ فِيهِ لَجَأَ إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي الْإِعَانَة عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5555",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا زَالَ يُوصِينِي ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَبُو بَكْر بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَمْرو بْن حَزْم , وَعَمْرَة هِيَ أُمّه , وَالسَّنَد كُلّه كُوفِيُّونَ , وَفِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ , وَقَدْ سَمِعَ يَحْيَى بْن سَعِيد وَهُوَ الْأَنْصَارِيّ مِنْ عَمْرَة كَثِيرًا وَرُبَّمَا دَخَلَ بَيْنَهمَا وَاسِطَة مِثْل هَذَا , وَرِوَايَته عَنْ أَبِي بَكْر الْمَذْكُور مِنْ الْأَقْرَان. ‏ ‏قَوْله : ( مَا زَالَ جِبْرِيل يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ) ‏ ‏أَيْ يَأْمُر عَنْ اللَّه بِتَوْرِيثِ الْجَار مِنْ جَاره. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِهَذَا التَّوْرِيث فَقِيلَ : يَجْعَل لَهُ مُشَارَكَة فِي الْمَال بِفَرْضِ سَهْم مُعْطَاهُ مَعَ الْأَقَارِب , وَقِيلَ : الْمُرَاد أَنْ يُنَزَّل مَنْزِلَة مَنْ يَرِث بِالْبِرِّ وَالصِّلَة , وَالْأَوَّل أَظْهَر فَإِنَّ الثَّانِي اِسْتَمَرَّ , وَالْخَبَر مُشْعِر بِأَنَّ التَّوْرِيث لَمْ يَقَع. وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث جَابِر نَحْو حَدِيث الْبَاب بِلَفْظِ \" حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ يَجْعَل لَهُ مِيرَاثًا \" وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : الْمِيرَاث عَلَى قِسْمَيْنِ حِسِّيّ وَمَعْنَوِيّ , فَالْحِسِّيّ هُوَ الْمُرَاد هُنَا , وَالْمَعْنَوِيّ مِيرَاث الْعِلْم , وَيُمْكِن أَنْ يُلْحَظ هُنَا أَيْضًا فَإِنَّ حَقّ الْجَار عَلَى الْجَار أَنْ يُعَلِّمهُ مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْم الْجَار يَشْمَل الْمُسْلِم وَالْكَافِر وَالْعَابِد وَالْفَاسِق وَالصَّدِيق وَالْعَدُوّ وَالْغَرِيب وَالْبَلَدِيّ وَالنَّافِع وَالضَّارّ وَالْقَرِيب وَالْأَجْنَبِيّ وَالْأَقْرَب دَارًا وَالْأَبْعَد , وَلَهُ مَرَاتِب بَعْضهَا أَعْلَى مِنْ بَعْض , فَأَعْلَاهَا مَنْ اِجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَات الْأُوَل كُلّهَا ثُمَّ أَكْثَرهَا وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى الْوَاحِد , وَعَكْسه مَنْ اِجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَات الْأُخْرَى كَذَلِكَ , فَيُعْطِي كُلّ حَقّه بِحَسَبِ حَاله , وَقَدْ تَتَعَارَض صِفَتَانِ فَأَكْثَر فَيُرَجِّح أَوْ يُسَاوِي , وَقَدْ حَمَلَهُ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَحَد مِنْ رَوَى الْحَدِيث عَلَى الْعُمُوم , فَأَمَرَ لَمَّا ذُبِحَتْ لَهُ شَاة أَنْ يُهْدِي مِنْهَا لِجَارِهِ الْيَهُودِيّ , أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَالتِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ , وَقَدْ وَرَدَتْ الْإِشَارَة إِلَى مَا ذَكَرْته فِي حَدِيث مَرْفُوع أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ \" الْجِيرَان ثَلَاثَة : جَار لَهُ حَقّ وَهُوَ الْمُشْرِك لَهُ حَقّ الْجِوَار , وَجَار لَهُ حَقَّانِ وَهُوَ الْمُسْلِم لَهُ حَقّ الْجِوَار وَحَقّ الْإِسْلَام , وَجَار لَهُ ثَلَاثَة حُقُوق مُسْلِم لَهُ رَحِم لَهُ حَقّ الْجِوَار وَالْإِسْلَام وَالرَّحِم \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْجَار يُطْلَق وَيُرَاد بِهِ الدَّاخِل فِي الْجِوَار , وَيُطْلَق وَيُرَاد بِهِ الْمُجَاوِر فِي الدَّار وَهُوَ الْأَغْلَب , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ الْمُرَاد بِهِ فِي الْحَدِيث الثَّانِي ; لِأَنَّ الْأَوَّل كَانَ يَرِث وَيُورَث , فَإِنْ كَانَ هَذَا الْخَبَر صَدَرَ قَبْل نَسْخ التَّوْرِيث بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَقَدْ كَانَ ثَابِتًا فَكَيْف يَتَرَجَّى وُقُوعه ؟ وَإِنْ كَانَ بَعْد النَّسْخ فَكَيْف يُظَنّ رُجُوعه بَعْد رَفْعه ؟ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمُجَاوِر فِي الدَّار. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : حِفْظ الْجَار مِنْ كَمَالِ الْإِيمَان , وَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يُحَافِظُونَ عَلَيْهِ , وَيَحْصُل اِمْتِثَال الْوَصِيَّة بِهِ بِإِيصَالِ ضُرُوب الْإِحْسَان إِلَيْهِ بِحَسَبِ الطَّاقَة كَالْهَدِيَّةِ , وَالسَّلَام , وَطَلَاقَة الْوَجْه عِنْدَ لِقَائِهِ , وَتَفَقُّد حَاله , وَمُعَاوَنَته فِيمَا يَحْتَاج إِلَيْهِ إِلَى غَيْر ذَلِكَ. وَكَفّ أَسْبَاب الْأَذَى عَنْهُ عَلَى اِخْتِلَاف أَنْوَاعه حِسِّيَّة كَانَتْ أَوْ مَعْنَوِيَّة. وَقَدْ نَفَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِيمَان عَمَّنْ لَمْ يَأْمَن جَاره بَوَائِقه كَمَا فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِيه , وَهِيَ مُبَالَغَة تُنْبِئ عَنْ تَعْظِيم حَقّ الْجَار وَأَنَّ إِضْرَاره مِنْ الْكَبَائِر. قَالَ : وَيَفْتَرِق الْحَال فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْجَارِ الصَّالِح وَغَيْر الصَّالِح. وَاَلَّذِي يَشْمَل الْجَمِيع إِرَادَة الْخَيْر لَهُ , وَمَوْعِظَته بِالْحُسْنَى , وَالدُّعَاء لَهُ بِالْهِدَايَةِ , وَتَرْك الْإِضْرَار لَهُ إِلَّا فِي الْمَوْضِع الَّذِي يَجِب فِيهِ الْإِضْرَار لَهُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْل , وَاَلَّذِي يَخُصّ الصَّالِح هُوَ جَمِيع مَا تَقَدَّمَ , وَغَيْر الصَّالِح كَفّه عَنْ الَّذِي يَرْتَكِبهُ بِالْحُسْنَى عَلَى حَسَب مَرَاتِب الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , وَيَعِظ الْكَافِر بِعَرْضِ الْإِسْلَام عَلَيْهِ وَيُبَيِّن مَحَاسِنه وَالتَّرْغِيب فِيهِ بِرِفْقٍ , وَيَعِظ الْفَاسِق بِمَا يُنَاسِبهُ بِالرِّفْقِ أَيْضًا وَيَسْتُر عَلَيْهِ زَلَله عَنْ غَيْره , وَيَنْهَاهُ بِرِفْقٍ , فَإِنْ أَفَادَ فَبِهِ وَإِلَّا فَيَهْجُرهُ قَاصِدًا تَأْدِيبه عَلَى ذَلِكَ مَعَ إِعْلَامه بِالسَّبَبِ لِيَكُفّ , وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِي حَدِّ الْجَار فِي \" بَاب حَقّ الْجِوَار \" قَرِيبًا اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5556",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا زَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عُمَر بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَذَكَرَ لَفْظه مِثْل لَفْظ حَدِيث عَائِشَة , وَقَدْ رَوَى هَذَا الْمَتْن أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَة وَهُوَ فِي صَحِيح اِبْن حِبَّان , وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ , وَأَبُو أُمَامَةَ وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ. وَوَقَعَ عِنْدَه فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاع , وَلَهُ فِي لَفْظ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوصِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ \" فَأَفَادَ أَنَّهُ وَقَعَ لِعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظِير مَا وَقَعَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ جِبْرِيل وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث رَجُل مِنْ الْأَنْصَار \" خَرَجْت أُرِيدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا بِهِ قَائِم وَرَجُل مُقْبِل عَلَيْهِ , فَجَلَسْت حَتَّى جَعَلْت أَرْثِي لَهُ مِنْ طُول الْقِيَام , فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ : \" أَتَدْرِي مِنْ هَذَا ؟ قُلْت لَا. قَالَ : هَذَا جِبْرِيل \" فَذَكَرَ مِثْل حَدِيث اِبْن عُمَر سَوَاء. وَأَخْرَجَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ نَحْوه مِنْ حَدِيث جَابِر فَأَفَادَ سَبَب الْحَدِيث , وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ طُرُقه بَيَان لَفْظ وَصِيَّة جِبْرِيل , إِلَّا أَنَّ الْحَدِيث يُشْعِر بِأَنَّهُ بَالَغَ فِي تَأْكِيد حَقّ الْجَار. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : يُسْتَفَاد مِنْ الْحَدِيث أَنَّ مَنْ أَكْثَر مِنْ شَيْء مِنْ أَعْمَال الْبِرّ يُرْجَى لَهُ الِانْتِقَال إِلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ , وَأَنَّ الظَّنّ إِذَا كَانَ فِي طَرِيق الْخَيْر جَازَ وَلَوْ لَمْ يَقَع الْمَظْنُون , بِخِلَافِهِ مَا إِذَا كَانَ فِي طَرِيق الشَّرّ. وَفِيهِ جَوَاز الطَّمَع فِي الْفَضْل إِذَا تَوَالَتْ النِّعَم. وَفِيهِ جَوَاز التَّحَدُّث بِمَا يَقَع فِي النَّفْس مِنْ أُمُور الْخَيْر. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5557",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي شُرَيْحٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ قِيلَ وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ ‏ ‏بَوَايِقَهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏شَبَابَةُ ‏ ‏وَأَسَدُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَدِ ‏ ‏وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ‏ ‏وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْمَقْبُرِيُّ , وَوَقَعَ مَنْسُوبًا غَيْر مُسَمًّى عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن سُلَيْمَان عَنْ عَاصِم بْن عَلِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق عُمَر بْن حَفْص وَمَنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِم بْن عَلِيّ مُسَمًّى مَنْسُوبًا قَالَ : \" عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ ) ‏ ‏هُوَ الْخُزَاعِيُّ , وَوَقَعَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْم وَاسْمه عَلَى الْمَشْهُور خُوَيْلِد وَقِيلَ عَمْرو وَقِيلَ : هَانِئ وَقِيلَ : كَعْب. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّه لَا يُؤْمِن ) ‏ ‏وَقَعَ تَكْرِيرهَا ثَلَاثًا صَرِيحًا , وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَد \" وَاَللَّه لَا يُؤْمِن ثَلَاثًا \" وَكَأَنَّهُ اِخْتِصَار مِنْ الرَّاوِي , وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَنَس \" مَا هُوَ بِمُؤْمِنٍ \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث كَعْب بْن مَالِك \" لَا يَدْخُل الْجَنَّة \" وَلِأَحْمَد نَحْوه عَنْ أَنَس بِسَنَدٍ صَحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه وَمَنْ ) ‏ ‏؟ هَذِهِ الْوَاو يَحْتَمِل أَنْ تَكُون زَائِدَة أَوْ اِسْتِئْنَافِيَّة أَوْ عَاطِفَة عَلَى شَيْء مُقَدَّر أَيْ عَرَفْنَا مَا الْمُرَاد مَثَلًا وَمَنْ الْمُحَدَّث عَنْهُ , وَوَقَعَ لِأَحْمَد مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ السَّائِل عَنْ ذَلِكَ , وَذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَرْغِيبه بِلَفْظِ \" قَالُوا يَا رَسُول اللَّه لَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ مَنْ هُوَ \" وَعَزَاهُ لِلْبُخَارِيِّ وَحْده , وَمَا رَأَيْته فِيهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَة وَلَا ذَكَرَهَا الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْع. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : الَّذِي لَا يَأْمَن جَاره بَوَائِقه ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَنَس \" مَنْ لَمْ يَأْمَن \" وَفِي حَدِيث كَعْب \" مَنْ خَافَ \" زَادَ أَحْمَد وَالْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالُوا : وَمَا بَوَائِقه ؟ قَالَ : شَرّه \" وَعِنْدَ الْمُنْذِرِيِّ هَذِهِ الزِّيَادَة لِلْبُخَارِيِّ وَلَمْ أَرَهَا فِيهِ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏فِي الْمَتْن جِنَاس بَلِيغ وَهُوَ مِنْ جِنَاس التَّحْرِيف , وَهُوَ قَوْله : \" لَا يُؤْمِن وَلَا يَأْمَن \" فَالْأَوَّل مِنْ الْإِيمَان وَالثَّانِي مِنْ الْأَمَان. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ شَبَابَةُ وَأَسَد بْن مُوسَى ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب فِي ذِكْر أَبِي شُرَيْحٍ , فَأَمَّا رِوَايَة شَبَابَة وَهُوَ اِبْن سِوَار الْمُدَاينِيّ فَأَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَأَمَّا رِوَايَة أَسَد بْن مُوسَى وَهُوَ الْأُمَوِيّ الْمَعْرُوف بِأَسَدِ السُّنَّة فَأَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي \" مَكَارِم الْأَخْلَاق \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ حُمَيْدُ بْن الْأَسْوَد وَعُثْمَان بْن عُمَر وَأَبُو بَكْر بْن عَيَّاش وَشُعَيْب بْن إِسْحَاق عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏يَعْنِي اِخْتَلَفَ أَصْحَاب اِبْن أَبِي ذِئْب عَلَيْهِ فِي صَحَابِيّ هَذَا الْحَدِيث فَالثَّلَاثَة الْأُوَل قَالُوا فِيهِ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ , وَالْأَرْبَعَة قَالُوا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. وَقَدْ نَقَلَ أَبُو مَعِين الرَّازِيُّ عَنْ أَحْمَد أَنَّ مَنْ سَمِعَ مِنْ اِبْن أَبِي ذِئْب بِالْمَدِينَةِ فَإِنَّهُ يَقُول عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ بِبَغْدَاد فَإِنَّهُ يَقُول عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ قُلْت : وَمِصْدَاق ذَلِكَ أَنَّ اِبْن وَهْب وَعَبْد الْعَزِيز الدَّرَاوَرْدِيَّ وَأَبَا عَمْرو الْعَقَدِيّ وَإِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس وَابْن أَبِي فُدَيْك وَمَعْن بْن عِيسَى إِنَّمَا سَمِعُوا مِنْ اِبْن أَبِي ذِئْب بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ قَالُوا كُلّهمْ فِيهِ : \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ رِوَايَة اِبْن وَهْب وَمَنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل وَمَنْ رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيِّ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مَعْن وَالْعَقَدِيّ وَابْن أَبِي فُدَيْك وَأَمَّا حُمَيْدُ بْن الْأَسْوَد وَأَبُو بَكْر بْن عَيَّاش اللَّذَانِ عَلَّقَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقهمَا فَهُمَا كُوفِيَّانِ وَسَمَاعهمَا مِنْ اِبْن أَبِي ذِئْب أَيْضًا بِالْمَدِينَةِ لَمَّا حَجَّا , وَأَمَّا عُثْمَان بْن عُمَر فَهُوَ بَصْرِيّ وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد الْحَدِيث عَنْهُ كَذَلِكَ , وَأَمَّا رِوَايَة شُعَيْب بْن إِسْحَاق فَهُوَ شَامِيّ وَسَمَاعه مِنْ اِبْن أَبِي ذِئْب أَيْضًا بِالْمَدِينَةِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُمَر فَقَالَ : \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَإِسْمَاعِيل وَاسِطِيّ. وَمِمَّنْ سَمِعَهُ بِبَغْدَاد مِنْ اِبْن أَبِي ذِئْب يَزِيد بْن هَارُون وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَحَجَّاج بْن مُحَمَّد وَرَوْح بْن عُبَادَةَ وَآدَم بْن أَبِي إِيَاس وَقَدْ قَالُوا كُلّهمْ \" عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ \" وَهُوَ فِي مُسْنَد الطَّيَالِسِيِّ كَذَلِكَ , وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة يَزِيد , وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَة آدَم , وَعِنْدَ أَحْمَد مِنْ رِوَايَة حَجَّاج وَرَوْح بْن عُبَادَةَ , وَيَزِيد وَاسِطِيّ سَكَنَ بَغْدَاد , وَأَبُو دَاوُدَ وَرَوْح بَصْرِيَّانِ وَحَجَّاج بْن مُحَمَّد مِصِّيصِيّ , وَآدَم عَسْقَلَانِيّ , وَكَانُوا كُلّهمْ يَقْدُمُونَ بَغْدَاد وَيَطْلُبُونَ بِهَا الْحَدِيث , وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْأَكْثَر قَالُوا فِيهِ : \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَكَانَ يَنْبَغِي تَرْجِيحهمْ. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الرَّاوِي إِذَا حَدَّثَ فِي بَلَده كَانَ أَتْقَنَ لِمَا يُحَدِّثهُ بِهِ فِي حَال سَفَره , وَلَكِنْ عَارِض ذَلِكَ أَنَّ سَعِيدًا الْمَقْبُرِيَّ مَشْهُور بِالرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَمَنْ قَالَ عَنْهُ : \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" سَلَكَ الْجَادَّة , فَكَانَتْ مَعَ مَنْ قَالَ عَنْهُ : \" عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ \" زِيَادَة عِلْم لَيْسَتْ عِنْدَ الْآخَرِينَ , وَأَيْضًا فَقَدْ وَجَدَ مَعْنَى الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد بَاب , فَكَانَتْ فِيهِ تَقْوِيَة لِمَنْ رَآهُ عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ \" وَمَعَ ذَلِكَ فَصَنِيع الْبُخَارِيّ يَقْتَضِي تَصْحِيح الْوَجْهَيْنِ , وَإِنْ كَانَتْ الرِّوَايَة عِنْدَ أَبِي شُرَيْحٍ أَصَحّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ذَاهِلًا عَنْ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيّ بَلْ وَعَنْ تَخْرِيج مُسْلِم لَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ بَعْد تَخْرِيجه : صَحِيح عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ , وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ وَإِنَّمَا أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيث أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" لَا يَدْخُل الْجَنَّة مَنْ لَا يَأْمَن جَاره بَوَائِقه \" وَتَعَقَّبَهُ شَيْخنَا فِي أَمَالِيهِ بِأَنَّهُمَا لَمْ يُخَرِّجَا طَرِيق أَبِي الزِّنَاد وَلَا وَاحِد مِنْهُمَا. وَإِنَّمَا أَخْرَجَ مُسْلِم طَرِيق الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْحَاكِم. قُلْت : وَعَلَى الْحَاكِم تَعَقُّب آخَر وَهُوَ أَنَّ مِثْل هَذَا لَا يُسْتَدْرَك لِقُرْبِ اللَّفْظَيْنِ فِي الْمَعْنَى , قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذَا الْحَدِيث تَأْكِيد حَقِّ الْجَار لِقَسَمِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ , وَتَكْرِيره الْيَمِين ثَلَاث مَرَّات , وَفِيهِ نَفْي الْإِيمَان عَمَّنْ يُؤْذِي جَاره بِالْقَوْلِ أَوْ الْفِعْل وَمُرَاده الْإِيمَان الْكَامِل , وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَاصِي غَيْر كَامِل الْإِيمَان. وَقَالَ النَّوَوِيّ عَنْ نَفْي الْإِيمَان فِي مِثْل هَذَا جَوَابَانِ : ‏ ‏أَحَدهمَا : أَنَّهُ فِي حَقّ الْمُسْتَحِلّ , ‏ ‏وَالثَّانِي : أَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ مُؤْمِنًا كَامِلًا ا ه. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يُجَازَى مُجَازَاة الْمُؤْمِن بِدُخُولِ الْجَنَّة مِنْ أَوَّل وَهْلَة مَثَلًا , أَوْ أَنَّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَج الزَّجْر وَالتَّغْلِيظ , وَظَاهِره غَيْر مُرَاد , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : إِذَا أُكِّدَ حَقُّ الْجَار مَعَ الْحَائِل بَيْنَ الشَّخْص وَبَيْنَه وَأُمِرَ بِحِفْظِهِ وَإِيصَال الْخَيْر إِلَيْهِ وَكَفّ أَسْبَاب الضَّرَر عَنْهُ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرَاعِي حَقّ الْحَافِظِينَ اللَّذَيْنِ لَيْسَ بَيْنَه وَبَيْنَهمَا جِدَار وَلَا حَائِل فَلَا يُؤْذِيهِمَا بِإِيقَاعِ الْمُخَالَفَات فِي مُرُور السَّاعَات , فَقَدْ جَاءَ أَنَّهُمَا يُسَرَّانِ بِوُقُوعِ الْحَسَنَات وَيَحْزَنَانِ بِوُقُوعِ السَّيِّئَات , فَيَنْبَغِي مُرَاعَاة جَانِبهمَا وَحِفْظ خَوَاطِرهمَا بِالتَّكْثِيرِ مِنْ عَمَل الطَّاعَات وَالْمُوَاظَبَة عَلَى اِجْتِنَاب الْمَعْصِيَة , فَهُمَا أَوْلَى بِرِعَايَةِ الْحَقّ مِنْ كَثِير مِنْ الْجِيرَان ا ه مُلَخَّصًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5558",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ هُوَ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ ‏",
        "sharh": "أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي ذَلِكَ , وَاتَّفَقَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث وَرَدَ مِنْ طَرِيق سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَالْحَدِيث قَبْله مِنْ طَرِيق سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة لَيْسَ بَيْنَهمَا وَاسِطَة , وَكُلّ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ صَحِيح لِأَنَّ سَعِيدًا أَدْرَكَ أَبَا هُرَيْرَة وَسَمِعَ مِنْهُ أَحَادِيث وَسَمِعَ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَشْيَاء كَانَ يُحَدِّث بِهَا تَارَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَا وَاسِطَة , وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ بَعْضهَا وَبَيَّنَ الِاخْتِلَاف عَلَى سَعِيد فِيهَا , وَهِيَ مَحْمُولَة عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَة وَاسْتَثْبَتَ أَبَاهُ فِيهَا , فَكَانَ يُحَدِّث بِهَا تَارَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَتَارَة عَنْهُ بِلَا وَاسِطَة , وَلَمْ يَكُنْ مُدَلِّسًا , وَإِلَّا لَحَدَّثَ بِالْجَمِيعِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَبَقِيَّة الْمَتْن \" وَلَوْ فِرْسِن شَاة \" بِكَسْرِ الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَكَسْر الْمُهْمَلَة ثُمَّ نُون : حَافِر الشَّاة. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب الْهِبَة \" وَالْكَلَام عَلَى إِعْرَاب يَا نِسَاء الْمُسْلِمَات , وَحَاصِله أَنَّ فِيهِ اِخْتِصَارًا. لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ يَعْرِفُونَ الْمُرَاد مِنْهُ , أَيْ لَا تَحْقِرَنَّ أَنْ تُهْدِي إِلَى جَارَتهَا شَيْئًا وَلَوْ أَنَّهَا تُهْدِي لَهَا مَا لَا يُنْتَفَع بِهِ فِي الْغَالِب , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ بَاب النَّهْي عَنْ الشَّيْء أَمْر بِضِدِّهِ , وَهُوَ كِنَايَة عَنْ التَّحَابُب وَالتَّوَادُد , فَكَأَنَّهُ قَالَ : لِتُوَادِد الْجَارَة جَارَتهَا بِهَدِيَّةٍ وَلَوْ حَقُرَتْ , فَيَتَسَاوَى فِي ذَلِكَ الْغَنِيّ وَالْفَقِير , وَخُصَّ النَّهْي بِالنِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ مَوَارِد الْمَوَدَّة وَالْبَغْضَاء , وَلِأَنَّهُنَّ أَسْرَع اِنْفِعَالًا فِي كُلّ مِنْهُمَا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّهْي لِلْمُعْطِيَةِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِلْمُهْدَى إِلَيْهَا. قُلْت : وَلَا يَتِمّ حَمْله عَلَى الْمُهْدَى إِلَيْهَا إِلَّا بِجَعْلِ اللَّام فِي قَوْله لِجَارَتِهَا بِمَعْنَى مِنْ وَلَا يَمْتَنِع حَمْله عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5559",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَبُو الْأَحْوَص ) ‏ ‏هُوَ سَلَّام بِالتَّشْدِيدِ اِبْن سُلَيْمٍ , ‏ ‏وَأَبُو حَصِين ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله هُوَ عُثْمَان بْن عَاصِم , ‏ ‏وَأَبُو صَالِح ‏ ‏هُوَ ذَكْوَانُ. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر ) ‏ ‏الْمُرَاد بِقَوْلِهِ يُؤْمِن الْإِيمَان الْكَامِل , وَخَصَّهُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر إِشَارَة إِلَى الْمَبْدَأ وَالْمَعَاد , أَيْ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَهُ وَآمَنَ بِأَنَّهُ سَيُجَازِيهِ بِعَمَلِهِ فَلْيَفْعَلْ الْخِصَال الْمَذْكُورَات. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَا يُؤْذِ جَاره ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي شُرَيْحٍ \" فَلْيُكْرِمْ جَاره \" وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح بِلَفْظِ \" فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَاره \" وَقَدْ وَرَدَ تَفْسِير الْإِكْرَام وَالْإِحْسَان لِلْجَارِ وَتَرْك أَذَاهُ فِي عِدَّة أَحَادِيث أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث بَهْز بْن حَكِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه وَالْخَرَائِطِيّ فِي مَكَارِم الْأَخْلَاق مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه , وَأَبُو الشَّيْخ فِي \" كِتَاب التَّوْبِيخ \" مِنْ حَدِيث مُعَاذ بْن جَبَل \" قَالُوا يَا رَسُول اللَّه مَا حَقُّ الْجَار عَلَى الْجَار ؟ قَالَ : إِنْ اِسْتَقْرَضَك أَقْرَضْته , وَإِنْ اِسْتَعَانَك أَعَنْته , وَإِنْ مَرِضَ عُدْته , وَإِنْ اِحْتَاجَ أَعْطَيْته , وَإِنْ اِفْتَقَرَ عُدْت عَلَيْهِ , وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر هَنَّيْته , وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَة عَزَّيْته , وَإِذَا مَاتَ اِتَّبَعَتْ جِنَازَته , وَلَا تَسْتَطِيل عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ فَتَحْجُب عَنْهُ الرِّيح إِلَّا بِإِذْنِهِ , وَلَا تُؤْذِيه بِرِيحِ قِدْرك إِلَّا أَنْ تَغْرِف لَهُ , وَإِنْ اِشْتَرَيْت فَاكِهَة فَأَهْدِ لَهُ , وَإِنْ لَمْ تَفْعَل فَأَدْخِلْهَا سِرًّا وَلَا تُخْرِج بِهَا وَلَدك لِيَغِيظَ بِهَا وَلَده \" وَأَلْفَاظهمْ مُتَقَارِبَة , وَالسِّيَاق أَكْثَره لِعَمْرِو بْن شُعَيْب. وَفِي حَدِيث بَهْز بْن حَكِيم \" وَإِنْ أَعْوَزَ سَتَرْته \" وَأَسَانِيدهمْ وَاهِيَة لَكِنْ اِخْتِلَاف مَخَارِجهَا يُشْعِر بِأَنَّ الْحَدِيث أَصْلًا. ‏ ‏ثُمَّ الْأَمْر بِالْإِكْرَامِ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاص وَالْأَحْوَال , فَقَدْ يَكُون فَرْض عَيْن وَقَدْ يَكُون فَرْض كِفَايَة وَقَدْ يَكُون مُسْتَحَبًّا , وَيَجْمَع الْجَمِيع أَنَّهُ مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيُكْرِمْ ضَيْفه ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيث أَبِي شُرَيْحٍ \" جَائِزَته. ‏ ‏قَالَ : وَمَا جَائِزَته يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : يَوْم وَلَيْلَة , وَالضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام \" الْحَدِيث وَسَيَأْتِي شَرْحه بَعْد نَيِّف وَخَمْسِينَ بَابًا فِي \" بَاب إِكْرَام الضَّيْف \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَيَجُوز كَسْرهَا , وَهَذَا مِنْ جَوَامِع الْكَلِم لِأَنَّ الْقَوْل كُلّه إِمَّا خَيْر وَإِمَّا شَرٌّ وَإِمَّا آيِل إِلَى أَحَدهمَا ; فَدَخَلَ فِي الْخَيْر كُلّ مَطْلُوب مِنْ الْأَقْوَال فَرْضهَا وَنَدْبهَا , فَأَذِنَ فِيهِ عَلَى اِخْتِلَاف أَنْوَاعه , وَدَخَلَ فِيهِ مَا يَئُول إِلَيْهِ , وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا هُوَ شَرّ أَوْ يَئُولُ إِلَى الشَّرّ فَأَمَرَ عِنْدَ إِرَادَة الْخَوْض فِيهِ بِالصَّمْتِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الزُّهْد \" مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ نَحْو حَدِيث الْبَاب بِلَفْظِ \" فَلْيَقُلْ خَيْرًا لِيَغْنَم , أَوْ لِيَسْكُت عَنْ شَرّ لِيَسْلَم \" وَاشْتَمَلَ حَدِيث الْبَاب مِنْ الطَّرِيقَيْنِ عَلَى أُمُور ثَلَاثَة تَجْمَع مَكَارِم الْأَخْلَاق الْفِعْلِيَّة وَالْقَوْلِيَّة , أَمَّا الْأَوَّلَانِ فَمِنْ الْفِعْلِيَّة , وَأَوَّلهمَا يَرْجِع إِلَى الْأَمْر بِالتَّخَلِّي عَنْ الرَّذِيلَة وَالثَّانِي يَرْجِع إِلَى الْأَمْر بِالتَّحَلِّي بِالْفَضِيلَةِ , وَحَاصِله مَنْ كَانَ حَامِل الْإِيمَان فَهُوَ مُتَّصِف بِالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْق اللَّه قَوْلًا بِالْخَيْرِ وَسُكُوتًا عَنْ الشَّرّ وَفِعْلًا لِمَا يَنْفَع أَوْ تَرْكًا لِمَا يَضُرّ , وَفِي مَعْنَى الْأَمْر بِالصَّمْتِ عِدَّة أَحَادِيث : مِنْهَا حَدِيث أَبِي مُوسَى وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ \" الْمُسْلِم مِنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ يَده وَلِسَانه \" وَقَدْ تَقَدَّمَا فِي كِتَاب الْإِيمَان , وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ اِبْن مَسْعُود \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَيّ الْأَعْمَال أَفْضَل \" فَذَكَرَ فِيهَا \" أَنْ يَسْلَم الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانك \" وَلِأَحْمَد وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث الْبَرَاء رَفَعَهُ فِي ذِكْر أَنْوَاع مِنْ الْبِرّ \" قَالَ فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانك إِلَّا مِنْ خَيْر \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" مَنْ صَمَتَ نَجَا \" وَلَهُ مِنْ حَدِيثه \" كَثْرَة الْكَلَام بِغَيْرِ ذِكْر اللَّه تُقَسِّي الْقَلْب \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث سُفْيَان الثَّقَفِيّ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه مَا أَكْثَر مَا تَخَاف عَلَيَّ ؟ قَالَ : هَذَا. وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِثْله مِنْ حَدِيث الْحَارِث بْن هِشَام وَفِي حَدِيث مُعَاذ عِنْدَ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ \" أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلنِي الْجَنَّة \" فَذَكَرَ الْوَصِيَّة بِطُولِهَا وَفِي آخِرهَا \" أَلَا أُخْبِرك بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلّه ؟ كُفَّ عَلَيْك هَذَا. وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه \" الْحَدِيث. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيث عُقْبَةَ بْن عَامِر \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه مَا النَّجَاة ؟ قَالَ : أَمْسِكْ عَلَيْك لِسَانك \". ‏"
    },
    {
        "id": "5560",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ قَالَ وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَلَا يُؤْذِ جَاره ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي شُرَيْحٍ \" فَلْيُكْرِمْ جَاره \" وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح بِلَفْظِ \" فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَاره \" وَقَدْ وَرَدَ تَفْسِير الْإِكْرَام وَالْإِحْسَان لِلْجَارِ وَتَرْك أَذَاهُ فِي عِدَّة أَحَادِيث أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث بَهْز بْن حَكِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه وَالْخَرَائِطِيّ فِي مَكَارِم الْأَخْلَاق مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه , وَأَبُو الشَّيْخ فِي \" كِتَاب التَّوْبِيخ \" مِنْ حَدِيث مُعَاذ بْن جَبَل \" قَالُوا يَا رَسُول اللَّه مَا حَقُّ الْجَار عَلَى الْجَار ؟ قَالَ : إِنْ اِسْتَقْرَضَك أَقْرَضْته , وَإِنْ اِسْتَعَانَك أَعَنْته , وَإِنْ مَرِضَ عُدْته , وَإِنْ اِحْتَاجَ أَعْطَيْته , وَإِنْ اِفْتَقَرَ عُدْت عَلَيْهِ , وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر هَنَّيْته , وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَة عَزَّيْته , وَإِذَا مَاتَ اِتَّبَعْت جِنَازَته , وَلَا تَسْتَطِيل عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ فَتَحْجُب عَنْهُ الرِّيح إِلَّا بِإِذْنِهِ , وَلَا تُؤْذِيه بِرِيحِ قِدْرك إِلَّا أَنْ تَغْرِف لَهُ , وَإِنْ اِشْتَرَيْت فَاكِهَة فَأَهْدِ لَهُ , وَإِنْ لَمْ تَفْعَل فَأَدْخِلْهَا سِرًّا وَلَا تُخْرِج بِهَا وَلَدك لِيَغِيظَ بِهَا وَلَده \" وَأَلْفَاظهمْ مُتَقَارِبَة , وَالسِّيَاق أَكْثَره لِعَمْرِو بْن شُعَيْب. وَفِي حَدِيث بَهْز بْن حَكِيم \" وَإِنْ أَعْوَزَ سَتَرْته \" وَأَسَانِيدهمْ وَاهِيَة لَكِنْ اِخْتِلَاف مَخَارِجهَا يُشْعِر بِأَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا. ‏ ‏ثُمَّ الْأَمْر بِالْإِكْرَامِ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاص وَالْأَحْوَال , فَقَدْ يَكُون فَرْض عَيْن وَقَدْ يَكُون فَرْض كِفَايَة وَقَدْ يَكُون مُسْتَحَبًّا , وَيَجْمَع الْجَمِيع أَنَّهُ مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيُكْرِمْ ضَيْفه ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيث أَبِي شُرَيْحٍ \" جَائِزَته. قَالَ : وَمَا جَائِزَته يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : يَوْم وَلَيْلَة , وَالضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام \" الْحَدِيث وَسَيَأْتِي شَرْحه بَعْد نَيِّف وَخَمْسِينَ بَابًا فِي \" بَاب إِكْرَام الضَّيْف \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5561",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو عِمْرَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ قُلْتُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي قَالَ ‏ ‏إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله : \" أَقْرَبهمَا \" ‏ ‏أَيْ أَشَدّهمَا قُرْبًا. قِيلَ : الْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ الْأَقْرَب يَرَى مَا يَدْخُل بَيْت جَاره مِنْ هَدِيَّة وَغَيْرهَا فَيَتَشَوَّف لَهَا بِخِلَافِ الْأَبْعَد وَأَنَّ الْأَقْرَب أَسْرَع إِجَارَة لِمَا يَقَع لِجَارِهِ مِنْ الْمُهِمَّات وَلَا سِيَّمَا فِي أَوْقَات الْغَفْلَة. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : الْإِهْدَاء إِلَى الْأَقْرَب مَنْدُوب , لِأَنَّ الْهَدِيَّة فِي الْأَصْل لَيْسَتْ وَاجِبَة فَلَا يَكُون التَّرْتِيب فِيهَا وَاجِبًا. وَيُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث أَنَّ الْأَخْذ فِي الْعَمَل بِمَا هُوَ أَعْلَى أَوْلَى , وَفِيهِ تَقْدِيم الْعِلْم عَلَى الْعَمَل. وَاخْتُلِفَ فِي حَدّ الْجِوَار : فَجَاءَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ \" مَنْ سَمِعَ النِّدَاء فَهُوَ جَار \" وَقِيلَ : \" مَنْ صَلَّى مَعَك صَلَاة الصُّبْح فِي الْمَسْجِد فَهُوَ جَار \" وَعَنْ عَائِشَة \" حَدّ الْجِوَار أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلّ جَانِب \" وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ مِثْله , وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِثْله عَنْ الْحَسَن , وَلِلطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيف عَنْ كَعْب بْن مَالِك مَرْفُوعًا \" أَلَّا إِنَّ أَرْبَعِينَ دَارًا جَار \" وَأَخْرَجَ اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب \" أَرْبَعُونَ دَارًا عَنْ يَمِينه وَعَنْ يَسَاره وَمِنْ خَلْفه وَمِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ \" وَهَذَا يَحْتَمِل كَالْأُولَى , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد التَّوْزِيع فَيَكُون مِنْ كُلّ جَانِب عَشْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5562",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5563",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ فَيَعْمَلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ قَالَ فَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ ‏ ‏الْمَلْهُوفَ ‏ ‏قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَالَ فَيَأْمُرُ بِالْخَيْرِ أَوْ قَالَ بِالْمَعْرُوفِ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَالَ فَيُمْسِكُ عَنْ الشَّرِّ فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ لَمْ يَجِد ) ‏ ‏؟ أَيْ مَا يَتَصَدَّق بِهِ ‏ ‏( قَالَ : فَيَعْمَل بِيَدَيْهِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ التَّنْبِيه عَلَى الْعَمَل وَالتَّكَسُّب , لِيَجِد الْمَرْء مَا يُنْفِق عَلَى نَفْسه وَيَتَصَدَّق بِهِ وَيُغْنِيه عَلَى ذُلّ السُّؤَال. وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى فِعْل الْخَيْر مَهْمَا أَمْكَنَ , وَأَنَّ مَنْ قَصَدَ شَيْئًا مِنْهَا فَتَعَسَّرَ فَلْيَنْتَقِلْ إِلَى غَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ , أَوْ لَمْ يَفْعَل ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي. ‏ ‏قَوْله : ( فَيُعِين ذَا الْحَاجَة الْمَلْهُوف ) ‏ ‏أَيْ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقَوْلِ أَوْ بِهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ لَمْ يَفْعَل ) ‏ ‏؟ أَيْ عَجْزًا أَوْ كَسَلًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَأْمُرْ بِالْخَيْرِ , أَوْ قَالَ بِالْمَعْرُوفِ ) ‏ ‏هُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنْ لَمْ يَفْعَل ؟ قَالَ : فَلْيُمْسِكْ عَنْ الشَّرّ إِلَخْ ) ‏ ‏. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ حُجَّة لِمَنْ جَعَلَ التَّرْك عَمَلًا وَكَسْبًا لِلْعَبْدِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ إِنَّ التَّرْك لَيْسَ بِعَمَلٍ , وَنُقِلَ عَنْ الْمُهَلَّب أَنَّهُ مِثْل الْحَدِيث الْآخَر \" مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَة \". قُلْت : وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الرِّقَاق \" إِنَّ الْحَسَنَة إِنَّمَا تُكْتَب لِمَنْ هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ فَلَمْ يَعْمَلهَا إِذَا قَصَدَ بِتَرْكِهَا اللَّه تَعَالَى \" وَحِينَئِذٍ فَيَرْجِع إِلَى الْعَمَل وَهُوَ فِعْل الْقَلْب , وَقَدْ مَضَى هَذَا مَعَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الزَّكَاة , وَاسْتَدَلَّ بِظَاهِرِ الْحَدِيث الْكَعْبِيّ لِقَوْلِهِ : لَيْسَ فِي الشَّرْع شَيْء يُبَاح , بَلْ إِمَّا أَجْر وَإِمَّا وِزْر , فَمَنْ اِشْتَغَلَ بِشَيْءٍ عَنْ الْمَعْصِيَة فَهُوَ مَأْجُور عَلَيْهِ. قَالَ اِبْن التِّين : وَالْجَمَاعَة عَلَى خِلَافه , وَقَدْ أَلْزَمُوهُ أَنْ يَجْعَل الزَّانِي مَأْجُورًا لِأَنَّهُ يَشْتَغِل بِهِ عَنْ غَيْره مِنْ الْمَعْصِيَة. قُلْت : وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ الِاشْتِغَال بِغَيْرِ الْمَعْصِيَة. نَعَمْ يُمْكِن أَنْ يَرِد عَلَيْهِ مَا لَوْ اِشْتَغَلَ بِعَمَلِ صَغِيرَة عَنْ كَبِيرَة كَالْقُبْلَةِ وَالْمُعَانَقَة عَنْ الزِّنَا , وَقَدْ لَا يَرِد عَلَيْهِ أَيْضًا لِأَنَّ الَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ يُرِيد الِاشْتِغَال بِشَيْءٍ مِمَّا لَمْ يَرِد النَّصّ بِتَحْرِيمِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5564",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَيْثَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذَكَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏النَّارَ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا ‏ ‏وَأَشَاحَ ‏ ‏بِوَجْهِهِ ثُمَّ ذَكَرَ النَّارَ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَمَّا مَرَّتَيْنِ فَلَا أَشُكُّ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم , وَفِيهِ \" اِتَّقُوا النَّار وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَة ; فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَة \" ‏ ‏وَقَوْله : \" أَخْبَرَنِي عَمْرو \" ‏ ‏كَذَا لَهُمْ وَهُوَ اِبْن مُرَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْهُ فِي كِتَاب الزَّكَاة مَعَ شَرْحه , ‏ ‏وَخَيْثَمَة ‏ ‏شَيْخ عَمْرو هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , وَتَقَدَّمَ الْحَدِيث مَبْسُوطًا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "5565",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا ‏ ‏السَّامُ ‏ ‏عَلَيْكُمْ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ وَعَلَيْكُمْ ‏ ‏السَّامُ ‏ ‏وَاللَّعْنَةُ قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَهْلًا يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الْيَهُود لَمَّا قَالُوا السَّام عَلَيْكُمْ , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان , ‏ ‏وَقَوْله : \" إِنَّ اللَّه يُحِبّ الرِّفْق فِي الْأَمْر كُلّه \" ‏ ‏فِي حَدِيث عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَة عِنْدَ مُسْلِم \" إِنَّ اللَّه رَفِيق يُحِبّ الرِّفْق , وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْق مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْف \" وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَتَأَتَّى مَعَهُ مِنْ الْأُمُور مَا لَا يَتَأَتَّى مَعَ ضِدّه , وَقِيلَ : الْمُرَاد يُثِيب عَلَيْهِ مَا لَا يُثِيب عَلَى غَيْره , وَالْأَوَّل أَوْجَه. وَلَهُ فِي حَدِيث شُرَيْحِ بْن هَانِئ عَنْهَا \" إِنَّ الرِّفْق لَا يَكُون فِي شَيْء إِلَّا زَانَهُ , وَلَا يُنْزَع مِنْ شَيْء إِلَّا شَانَهُ \" وَفِي حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء \" مَنْ أُعْطِيَ حَظّه مِنْ الرِّفْق فَقَدْ أُعْطِيَ حَظّه مِنْ الْخَيْر \" الْحَدِيث , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ وَابْن خُزَيْمَةَ. وَفِي حَدِيث جَرِير عِنْدَ مُسْلِم \" مَنْ يُحْرَم الرِّفْق يُحْرَم الْخَيْر كُلّه \" وَقَوْله فِيهِ : \" عَنْ صَالِح \" هُوَ اِبْن كَيْسَانَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5566",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا ‏ ‏تُزْرِمُوهُ ‏ ‏ثُمَّ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي كِتَاب الطَّهَارَة , ‏ ‏وَقَوْله : \" لَا تُزْرِمُوهُ \" ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الزَّاي وَكَسْر الرَّاء مِنْ الْإِزْرَام , أَيْ لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ بَوْله , يُقَال : زُرِمَ الْبَوْل إِذَا اِنْقَطَعَ وَأَزْرَمْتُهُ قَطَعْته , وَكَذَلِكَ يُقَال فِي الدَّمْع. ‏"
    },
    {
        "id": "5567",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَدِّي ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَالِسًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ ‏",
        "sharh": "حَدَّثَنَا سُفْيَان حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَة بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي بُرْدَة \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( الْمُؤْمِن كَالْبُنْيَانِ يَشُدّ بَعْضه بَعْضًا ) ‏ ‏اللَّام فِيهِ لِلْجِنْسِ وَالْمُرَاد بَعْض الْمُؤْمِنِينَ لِلْبَعْضِ , وَقَوْله \" يَشُدّ بَعْضه بَعْضًا \" بَيَان لِوَجْهِ التَّشْبِيه , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ نُصِبَ بَعْضًا بِنَزْعِ الْخَافِض , وَقَالَ غَيْره بَلْ هُوَ مَفْعُول يَشُدّ. قُلْت : وَلِكُلٍّ وَجْه. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَالْمُعَاوَنَة فِي أُمُور الْآخِرَة وَكَذَا فِي الْأُمُور الْمُبَاحَة مِنْ الدُّنْيَا مَنْدُوب إِلَيْهَا وَقَدْ ثَبَتَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" وَاَللَّه فِي عَوْن الْعَبْد مَا دَامَ الْعَبْد فِي عَوْن أَخِيهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعه ) ‏ ‏هُوَ بَيَان لِوَجْهِ التَّشْبِيه أَيْضًا أَيْ يَشُدّ بَعْضهمْ بَعْضًا مِثْل هَذَا الشَّدّ , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الَّذِي يُرِيد الْمُبَالَغَة فِي بَيَان أَقْوَاله يُمَثِّلهَا بِحَرَكَاتِهِ لِيَكُونَ أَوْقَع فِي نَفْس السَّامِع. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا إِذْ جَاءَ رَجُل يَسْأَل أَوْ طَالِب حَاجَة أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ اِشْفَعُوا ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن يُوسُف الْفِرْيَابِيّ عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ , وَفِي تَرْكِيبه قَلَق , وَلَعَلَّهُ فِي الْأَصْل : كَانَ إِذَا كَانَ جَالِسًا إِذَا جَاءَ رَجُل إِلَخْ فَحَذَفَ اِخْتِصَارًا أَوْ سَقَطَ عَلَى الرَّاوِي لَفْظ \" إِذَا كَانَ \" عَلَى أَنَّنِي تَتَبَّعْت أَلْفَاظ الْحَدِيث مِنْ الطُّرُق فَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْء مِنْهَا بِلَفْظِ جَالِسًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ رِوَايَة إِسْحَاق بْن زُرَيْق عَنْ الْفِرْيَابِيّ بِلَفْظِ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَهُ السَّائِل أَوْ طَالِب الْحَاجَة أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ \" الْحَدِيث , وَهَذَا السِّيَاق لَا إِشْكَال فِيهِ , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ سُفْيَان مُخْتَصَرًا اِقْتَصَرَ عَلَى قَوْله : \" اِشْفَعُوا تُؤْجَرُوا إِلَخْ \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عُمَر بْن عَلِيّ الْمُقَدَّمِيِّ عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ , لَكِنَّهُ جَعَلَهُ كُلّه مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي أُوتَى فَأُسْأَل أَوْ تُطْلَب إِلَيَّ الْحَاجَة وَأَنْتُمْ عِنْدِي , فَاشْفَعُوا \" الْحَدِيث. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ بُرَيْدٍ وَلَفْظه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِل أَوْ صَاحِب الْحَاجَة \" وَمِنْ هَذَا الْوَجْه أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة مِنْ رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد عَنْ بُرَيْدٍ بِلَفْظِ \" كَانَ إِذَا جَاءَهُ السَّائِل أَوْ طُلِبَ إِلَيْهِ الْحَاجَة \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر وَحَفْص بْن غِيَاث كِلَاهُمَا عَنْ بُرَيْدٍ بِلَفْظِ \" كَانَ إِذَا أَتَاهُ طَالِب حَاجَة أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْتُؤْجَرُوا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة \" تُؤْجَرُوا \" وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَقَعَ فِي أَصْل مُسْلِم \" اِشْفَعُوا تُؤْجَرُوا \" بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَاب الْأَمْر الْمُضَمَّن مَعْنَى الشَّرْط وَهُوَ وَاضِح وَجَاءَ بِلَفْظِ \" فَلْتُؤْجَرُوا \" وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُون هَذِهِ اللَّام مَكْسُورَة لِأَنَّهَا لَام كَيْ وَتَكُون الْفَاء زَائِدَة كَمَا زِيدَتْ فِي حَدِيث \" قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ لَكُمْ \" وَيَكُون مَعْنَى الْحَدِيث اِشْفَعُوا كَيْ تُؤْجَرُوا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون لَام الْأَمْر وَالْمَأْمُور بِهِ التَّعَرُّض لِلْأَجْرِ بِالشَّفَاعَةِ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : اِشْفَعُوا فَتُعَرَّضُوا بِذَلِكَ لِلْأَجْرِ , وَتُكْسَر هَذِهِ اللَّام عَلَى أَصْل لَام الْأَمْر , وَيَجُوز تَسْكِينهَا تَخْفِيفًا لِأَجْلِ الْحَرَكَة الَّتِي قَبْلهَا. قُلْت : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" اِشْفَعُوا لِتُؤْجَرُوا \" وَهُوَ يُقَوِّي أَنَّ اللَّام لِلتَّعْلِيلِ , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ تَكُون الْفَاء سَبَبِيَّة وَاللَّام بِالْكَسْرِ وَهِيَ لَام كَيْ , وَقَالَ جَازَ اِجْتِمَاعهمَا لِأَنَّهُمَا لِأَمْرٍ وَاحِد , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون جَزَائِيَّة جَوَابًا لِلْأَمْرِ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون زَائِدَة عَلَى رَأْي أَوْ عَاطِفَة عَلَى اِشْفَعُوا وَاللَّام لَام الْأَمْر , أَوْ عَلَى مُقَدَّر أَيْ اِشْفَعُوا لِتُؤْجَرُوا فَلْتُؤْجَرْ أَوْ لَفْظ اِشْفَعُوا تُؤْجَرُوا فِي تَقْدِير إِنْ تَشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَالشَّرْط يَتَضَمَّن السَّبَبِيَّة فَإِذَا أَتَى بِاللَّامِ وَقَعَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْفَاء وَاللَّام زَائِدَتَانِ لِلتَّأْكِيدِ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ اِشْفَعُوا تُؤْجَرُوا صَحَّ أَيْ إِذَا عَرَضَ الْمُحْتَاج حَاجَته عَلَيَّ فَاشْفَعُوا لَهُ إِلَيَّ فَإِنَّكُمْ إِنْ شَفَعْتُمْ حَصَلَ لَكُمْ الْأَجْر سَوَاء قَبِلْت شَفَاعَتكُمْ أَمْ لَا , وَيُجْرِي اللَّه عَلَى لِسَان نَبِيّه مَا شَاءَ أَيْ مِنْ مُوجِبَات قَضَاء الْحَاجَة أَوْ عَدَمهَا , أَيْ إِنْ قَضَيْتهَا أَوْ لَمْ أَقْضِهَا فَهُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّه تَعَالَى وَقَضَائِهِ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيث عَنْ اِبْن عَبَّاس سَنَده ضَعِيف رَفَعَهُ \" مَنْ سَعَى لِأَخِيهِ الْمُسْلِم فِي حَاجَة قُضِيَتْ لَهُ أَوْ لَمْ تُقْضَ غُفِرَ لَهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلْيَقْضِ اللَّه عَلَى لِسَان نَبِيّه مَا شَاءَ ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" وَلْيَقْضِ \" بِاللَّامِ , وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة الَّتِي بَعْدهَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ فَقَطْ وَلِلْبَاقِينَ \" وَيَقْضِي \" بِغَيْرِ لَام , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن مُسْهِر وَحَفْص بْن غِيَاث \" فَلْيَقْضِ \" أَيْضًا قَالَ. الْقُرْطُبِيّ : لَا يَصِحّ أَنْ تَكُون هَذِهِ اللَّام لَام الْأَمْر لِأَنَّ اللَّه لَا يُؤْمَر , وَلَا لَام كَيْ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الرِّوَايَة \" وَلْيَقْضِ \" بِغَيْرِ يَاء مَدّ ثُمَّ قَالَ : يَحْتَمِل أَنْ تَكُون بِمَعْنَى الدُّعَاء أَيْ اللَّهُمَّ اِقْضِ , أَوْ الْأَمْر هُنَا بِمَعْنَى الْخَبَر. وَفِي حَدِيث الْحَضّ عَلَى الْخَيْر بِالْفِعْلِ وَبِالتَّسَبُّبِ إِلَيْهِ بِكُلِّ وَجْه , وَالشَّفَاعَة إِلَى الْكَبِير فِي كَشْف كُرْبَة وَمَعُونَة ضَعِيف , إِذْ لَيْسَ كُلّ أَحَد يَقْدِر عَلَى الْوُصُول إِلَى الرَّئِيس وَلَا التَّمَكُّن مِنْهُ لِيَلِج عَلَيْهِ أَوْ يُوَضِّح لَهُ مُرَاده لِيَعْرِف حَاله عَلَى وَجْهه , وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحْتَجِب. قَالَ عِيَاض : وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ الْوُجُوه الَّتِي تُسْتَحَبّ الشَّفَاعَة فِيهَا إِلَّا الْحُدُود , وَإِلَّا فَمَا لِأَحَدٍ فِيهِ تَجُوز الشَّفَاعَة فِيهِ وَلَا سِيَّمَا مِمَّنْ وَقَعَتْ مِنْهُ الْهَفْوَة أَوْ كَانَ مِنْ أَهْل السِّتْر وَالْعَفَاف , قَالَ : وَأَمَّا الْمُصِرُّونَ عَلَى فَسَادهمْ الْمُشْتَهِرُونَ فِي بَاطِلهمْ فَلَا يُشَفَّع فِيهِمْ لِيُزْجَرُوا عَنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5568",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَالَ ‏ ‏اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى مَا فِيهِ فِي الَّذِي قَبْله. وَوَقَعَ فِيهِ : \" إِذَا أَتَاهُ صَاحِب الْحَاجَة \" وَعِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيّ \" صَاحِب حَاجَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "5569",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏مَسْرُوقًا ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ دَخَلْنَا عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏حِينَ قَدِمَ مَعَ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْكُوفَةِ ‏ ‏فَذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ أَخْيَرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ خُلُقًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ سُلَيْمَان وَهُوَ الْأَعْمَش سَمِعْت أَبَا وَائِل , وَمَنْ طَرِيق جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عَنْ شَقِيق بْن سَلَمَة وَهُوَ أَبُو وَائِل الْمَذْكُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْمَتْن بِتَمَامِهِ فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ فِي مَعْنَاهُ , وَفِيهِ أَيْضًا قَوْله : \" إِنَّ مِنْ خَيْركُمْ أَحْسَنكُمْ أَخْلَاقًا \" وَوَقَعَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ \" إِنَّ خَيْركُمْ \" وَتَبَيَّنَ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ \" مِنْ \" مُرَادَة فِيهِ. وَوَقَعَ لِلْأَكْثَرِ \" أَخْيَركُمْ \" بِوَزْنِ أَفْضَلكُمْ وَمَعْنَاهُ وَهِيَ عَلَى الْأَصْل , وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى بِمَعْنَاهَا , يُقَال فُلَان خَيْر مِنْ فُلَان أَيْ أَفْضَل مِنْهُ , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أُسَامَة رَفَعَهُ \" إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ كُلّ فَحَّاش مُتَفَحِّش \". ‏"
    },
    {
        "id": "5570",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏يَهُودَ ‏ ‏أَتَوْا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا ‏ ‏السَّامُ ‏ ‏عَلَيْكُمْ فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمْ اللَّهُ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قَالَ مَهْلًا يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ قَالَتْ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الْيَهُود , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي \" بَاب الرِّفْق \" وَأَنَّ شَرْحه يَأْتِي فِي الِاسْتِئْذَان , وَوَقَعَ هُنَا \" يَا عَائِشَة عَلَيْك بِالرِّفْقِ , وَإِيَّاكَ وَالْعُنْف وَالْفُحْش \" وَقَدْ حَكَى عِيَاض عَنْ بَعْض شُيُوخه أَنَّ عَيْن الْعُنْف مُثَلَّثَة وَالْمَشْهُور ضَمُّهَا , ‏"
    },
    {
        "id": "5571",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو يَحْيَى هُوَ فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَبَّابًا وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّانًا كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَةِ ‏ ‏مَا لَهُ ‏ ‏تَرِبَ جَبِينُهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس : ‏ ‏قَوْله : ( سَبَّابًا ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَة. ‏ ‏قَوْله : ( كَانَ يَقُول لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة - وَيَجُوز فَتْحهَا - بَعْدهَا مُوَحَّدَة وَهِيَ مَصْدَر عَتَبَ عَلَيْهِ يَعْتِب عَتَبًا وَعِتَابًا وَمَعْتَبَة وَمُعَاتَبَة , قَالَ الْخَلِيل : الْعِتَاب مُخَاطَبَة الْإِدْلَال , وَمُذَاكَرَة الْمُوجَدَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينه ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى خَرَّ لِوَجْهِهِ فَأَصَابَ التُّرَاب جَبِينه وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون دُعَاء لَهُ بِالْعِبَادَةِ كَأَنْ يُصَلِّي فَيَتْرَب جَبِينه , وَالْأَوَّل أَشْبَه لِأَنَّ الْجَبِين لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ , قَالَ ثَعْلَب : الْجَبِينَانِ يَكْتَنِفَانِ الْجَبْهَة وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : ( وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ) أَيْ أَلْقَاهُ عَلَى جَبِينه. ‏ ‏قُلْت : وَأَيْضًا فَالثَّانِي بَعِيد جِدًّا , لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَة اِسْتَعْمَلَهَا الْعَرَب قَبْل أَنْ يَعْرِفُوا وَضْع الْجَبْهَة بِالْأَرْضِ فِي الصَّلَاة , وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : قَوْله تَرِبَ جَبِينه كَلِمَة تَقُولهَا الْعَرَب جَرَتْ عَلَى أَلْسِنَتهمْ , وَهِيَ مِنْ التُّرَاب , أَيْ سَقَطَ جَبِينه لِلْأَرْضِ , وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ رَغِمَ أَنْفه , وَلَكِنْ لَا يُرَاد مَعْنَى قَوْله تَرِبَ جَبِينه , بَلْ هُوَ نَظِير مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْله تَرِبَتْ يَمِينك , أَيْ أَنَّهَا كَلِمَة تَجْرِي عَلَى اللِّسَان وَلَا يُرَاد حَقِيقَتهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5572",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عِيسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا رَآهُ قَالَ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عِيسَى ) ‏ ‏هُوَ أَبُو عُثْمَان الضُّبَعِيُّ الْبَصْرِيّ , ثِقَة مُسْتَقِيم الْحَدِيث قَالَهُ اِبْن حِبَّان وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي كِتَاب الصَّلَاة. وَشَيْخه ‏ ‏مُحَمَّد بْن سَوَاء ‏ ‏هُوَ أَبُو الْخَطَّاب السَّدُوسِيُّ الْبَصْرِيّ ثِقَة أَيْضًا , لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث وَآخَر فِي الْمَنَاقِب. وَشَيْخه رَوْح بْن الْقَاسِم مَشْهُور كَثِير الْحَدِيث وَقَدْ تَابَعَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر سُفْيَان بْن عُيَيْنَة كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب اِغْتِيَاب أَهْل الْفَسَاد \" وَفِي \" بَاب الْمُدَارَاة \" وَمَعْمَر عِنْدَ مُسْلِم وَسِيَاق رَوْح أَتَمُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" سَمِعْت عُرْوَة أَنَّ عَائِشَة أَخْبَرَتْهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال هُوَ عُيَيْنَة بْن حِصْن بْن حُذَيْفَة بْن بَدْر الْفَزَارِيُّ , وَكَانَ يُقَال لَهُ الْأَحْمَق الْمُطَاع , وَرَجَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِقْبَالِهِ عَلَيْهِ تَأَلُّفه لِيُسْلِم قَوْمه لِأَنَّهُ كَانَ رَئِيسهمْ , وَكَذَا فَسَّرَهُ بِهِ عِيَاض ثُمَّ الْقُرْطُبِيّ وَالنَّوَوِيّ جَازِمِينَ بِذَلِكَ , وَنَقَلَهُ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ لَكِنْ اِحْتِمَالًا لَا جَزْمًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد فِي \" الْمُبْهَمَات \" مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَة \" اِسْتَأْذَنَ عُيَيْنَة بْن حِصْن عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : بِئْسَ اِبْن الْعَشِيرَة \" الْحَدِيث , وَأَخْرَجَهُ اِبْن بَشْكُوَال فِي \" الْمُبْهَمَات \" مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير أَنَّ عُيَيْنَةَ اِسْتَأْذَنَ فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا , وَأَخْرَجَ عَبْد الْغَنِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي عَامِر الْخَرَّاز عَنْ أَبِي يَزِيد الْمَدَنِيّ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" جَاءَ مَخْرَمَةُ بْن نَوْفَل يَسْتَأْذِن , فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْته قَالَ : بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَة \" الْحَدِيث وَهَكَذَا وَقَعَ لَنَا فِي أَوَاخِر الْجُزْء الْأَوَّل مِنْ \" فَوَائِد أَبِي إِسْحَاق الْهَاشِمِيّ \" وَأَخْرَجَهُ الْخَطِيب , فَيُحْمَل عَلَى التَّعَدُّد. وَقَدْ حَكَى الْمُنْذِر فِي مُخْتَصَره الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ : هُوَ عُيَيْنَة , وَقِيلَ مَخْرَمَةُ. وَأَمَّا شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن فَاقْتَصَرَ عَلَى أَنَّهُ مَخْرَمَةُ وَذَكَرَ أَنَّهُ نَقَلَهُ مِنْ حَاشِيَة بِخَطِّ الدِّمْيَاطِيّ فَقَصَّرَ , لَكِنَّهُ حَكَى بَعْد ذَلِكَ عَنْ اِبْن التِّين أَنَّهُ جَوَّزَ أَنَّهُ عُيَيْنَة قَالَ : وَصَرَّحَ بِهِ اِبْن بَطَّال. ‏ ‏قَوْله : ( بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَة وَبِئْسَ اِبْن الْعَشِيرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" بِئْسَ أَخُو الْقَوْم وَابْن الْقَوْم \" وَهِيَ بِالْمَعْنَى , قَالَ عِيَاض الْمُرَاد بِالْعَشِيرَةِ الْجَمَاعَة أَوْ الْقَبِيلَة , وَقَالَ غَيْره الْعَشِيرَة الْأَدْنَى إِلَى الرَّجُل مِنْ أَهْله وَهُمْ وَلَد أَبِيهِ وَجَدّه. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّق ) ‏ ‏بِفَتْحِ الطَّاء الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد اللَّام أَيْ أَبْدَى لَهُ طَلَاقَة وَجْهه , يُقَال وَجْهه طَلْق وَطَلِيق أَيْ مُسْتَرْسِل مُنْبَسِط غَيْر عَبُوس , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عَامِر \" بَشَّ فِي وَجْهه \" وَلِأَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة \" وَاسْتَأْذَنَ آخَر فَقَالَ نِعْمَ أَخُو الْعَشِيرَة \" فَلَمَّا دَخَلَ لَمْ يَهَشّ لَهُ وَلَمْ يَنْبَسِط كَمَا فَعَلَ بِالْآخَرِ , فَسَأَلْته فَذَكَرَ الْحَدِيث. قَالَ الْخَطَّابِيُّ جَمَعَ هَذَا الْحَدِيث عِلْمًا وَأَدَبًا , وَلَيْسَ فِي قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمَّته بِالْأُمُورِ الَّتِي يُسَمِّيهِمْ بِهَا وَيُضِيفهَا إِلَيْهِمْ مِنْ الْمَكْرُوه غِيبَة , وَإِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ مِنْ بَعْضهمْ فِي بَعْض , بَلْ الْوَاجِب عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّن ذَلِكَ وَيُفْصِح بِهِ وَيُعَرِّف النَّاس أَمْره , فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَاب النَّصِيحَة وَالشَّفَقَة عَلَى الْأُمَّة , وَلَكِنَّهُ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْكَرَم وَأُعْطِيه مِنْ حُسْن الْخُلُق أَظْهَرَ لَهُ الْبَشَاشَة وَلَمْ يُجِبْهُ بِالْمَكْرُوهِ لِتَقْتَدِي بِهِ أُمَّته فِي اِتِّقَاء شَرِّ مَنْ هَذَا سَبِيله , وَفِي مُدَارَاته لِيَسْلَمُوا مِنْ شَرّه وَغَائِلَته. قُلْت : وَظَاهِر كَلَامه أَنْ يَكُون هَذَا مِنْ جُمْلَة الْخَصَائِص , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ كُلّ مَنْ اِطَّلَعَ مِنْ حَال شَخْص عَلَى شَيْء وَخَشِيَ أَنَّ غَيْره يَغْتَرّ بِجَمِيلِ ظَاهِره فَيَقَع فِي مَحْذُور مَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْلِعهُ عَلَى مَا يَحْذَر مِنْ ذَلِكَ قَاصِدًا نَصِيحَته , وَإِنَّمَا الَّذِي يُمْكِن أَنْ يَخْتَصّ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْشِف لَهُ عَنْ حَال مَنْ يَغْتَرّ بِشَخْصٍ مِنْ غَيْر أَنْ يُطْلِعهُ الْمُغْتَرّ عَلَى حَاله فَيُذَمّ الشَّخْص بِحَضْرَتِهِ لِيَتَجَنَّبهُ الْمُغْتَرّ لِيَكُونَ نَصِيحَة , بِخِلَافِ غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ جَوَاز ذَمّه لِلشَّخْصِ يَتَوَقَّف عَلَى تَحَقُّق الْأَمْر بِالْقَوْلِ أَوْ الْفِعْل مِمَّنْ يُرِيد نُصْحه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِي الْحَدِيث جَوَاز غِيبَة الْمُعْلِن بِالْفِسْقِ أَوْ الْفُحْش وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْجَوْر فِي الْحُكْم وَالدُّعَاء إِلَى الْبِدْعَة مَعَ جَوَاز مُدَارَاتهمْ اِتِّقَاء شَرّهمْ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى الْمُدَاهَنَة فِي دِين اللَّه تَعَالَى. ثُمَّ قَالَ تَبَعًا لِعِيَاضٍ : وَالْفَرْق بَيْنَ الْمُدَارَاة وَالْمُدَاهَنَة أَنَّ الْمُدَارَاة بَذْل الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا أَوْ الدِّين أَوْ هُمَا مَعًا , وَهِيَ مُبَاحَة , وَرُبَّمَا اُسْتُحِبَّتْ , وَالْمُدَاهَنَة تَرْك الدِّين لِصَلَاحِ الدُّنْيَا , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا بَذَلَ لَهُ مِنْ دُنْيَاهُ حُسْن عِشْرَته وَالرِّفْق فِي مُكَالَمَته وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَمْدَحهُ بِقَوْلٍ فَلَمْ يُنَاقِض قَوْله فِيهِ فِعْله , فَإِنَّ قَوْله فِيهِ قَوْل حَقٌّ , وَفِعْله مَعَهُ حُسْن عَشْرَة , فَيَزُول مَعَ هَذَا التَّقْرِير الْإِشْكَال بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَقَالَ عِيَاض : لَمْ يَكُنْ عُيَيْنَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ حِينَئِذٍ أَسْلَمَ فَلَمْ يَكُنْ الْقَوْل فِيهِ غِيبَة , أَوْ كَانَ أَسْلَمَ وَلَمْ يَكُنْ إِسْلَامه نَاصِحًا فَأَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَيِّن ذَلِكَ لِئَلَّا يَغْتَرّ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْرِف بَاطِنه , وَقَدْ كَانَتْ مِنْهُ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْده أُمُور تَدُلّ عَلَى ضَعْف إِيمَانه فَيَكُون مَا وَصَفَهُ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جُمْلَة عَلَامَات النُّبُوَّة , وَأَمَّا إِلَانَة الْقَوْل لَهُ بَعْد أَنْ دَخَلَ فَعَلَى سَبِيل التَّأَلُّف لَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو مَا تَقَدَّمَ. وَهَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي الْمُدَارَاة , وَفِي جَوَاز غِيبَة أَهْل الْكُفْر وَالْفِسْق \" وَنَحْوهمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله : ( مَتَى عَهِدْتنِي فَاحِشًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَحَّاشًا \" بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَنْ تَرَكَهُ النَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُيَيْنَة \" مَنْ تَرَكَهُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاس \" قَالَ الْمَازِرِيُّ : ذَكَرَ بَعْض النُّحَاة أَنَّ الْعَرَب أَمَاتُوا مَصْدَر يَدَع وَمَاضِيه , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْصَح الْعَرَب , وَقَدْ نَطَقَ بِالْمَصْدَرِ فِي قَوْله : \" لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعهمْ الْجُمُعَات \" وَبِمَاضِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيث. وَأَجَابَ عِيَاض بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِمْ أَمَاتُوهُ أَيْ تَرَكُوا اِسْتِعْمَاله إِلَّا نَادِرًا , قَالَ : وَلَفْظ أَمَاتُوهُ يَدُلّ عَلَيْهِ وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَل فِي الْحَدِيث إِلَّا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَعَ شَكِّ الرَّاوِي فِي حَدِيث الْبَاب مَعَ كَثْرَة اِسْتِعْمَال تَرْك وَلَمْ يَقُلْ أَحَد مِنْ النُّحَاة إِنَّهُ لَا يَجُوز. ‏ ‏قَوْله : ( اِتِّقَاء شَرّه ) ‏ ‏أَيْ قُبْح كَلَامه ; لِأَنَّ الْمَذْكُور كَانَ مِنْ جُفَاة الْعَرَب. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِي هَذَا الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى أَنَّ عُيَيْنَةَ الْمَذْكُور خُتِمَ لَهُ بِسُوءٍ ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِتَّقَى فُحْشه وَشَرّه , أَخْبَرَ أَنَّ مَنْ يَكُون كَذَلِكَ يَكُون شَرّ النَّاس مَنْزِلَة عِنْدَ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة. قُلْت : وَلَا يَخْفَى ضَعْف هَذَا الِاسْتِدْلَال , فَإِنَّ الْحَدِيث وَرَدَ بِلَفْظِ الْعُمُوم فَمَنْ اِتَّصَفَ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَة فَهُوَ الَّذِي يَتَوَجَّه عَلَيْهِ الْوَعِيد , وَشَرْط ذَلِكَ أَنْ يَمُوت عَلَى ذَلِكَ , وَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ عُيَيْنَةَ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ ؟ وَاللَّفْظ الْمَذْكُور يَحْتَمِل لِأَنْ يُقَيَّد بِتِلْكَ الْحَالَة الَّتِي قِيلَ فِيهَا ذَلِكَ , وَمَا الْمَانِع أَنْ يَكُون تَابَ وَأَنَابَ ؟ وَقَدْ كَانَ عُيَيْنَة اِرْتَدَّ فِي زَمَن أَبِي بَكْر وَحَارَبَ ثُمَّ رَجَعَ وَأَسْلَمَ وَحَضَرَ بَعْض الْفُتُوح فِي عَهْد عُمَر , وَلَهُ مَعَ عُمَر قِصَّة ذُكِرَتْ فِي تَفْسِير الْأَعْرَاف , وَيَأْتِي شَرْحهَا فِي كِتَاب الِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَفِيهَا مَا يَدُلّ عَلَى جَفَائِهِ. ‏ ‏وَالْحَدِيث الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ \" أَحْمَق مُطَاع \" أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ قَالَ : \" جَاءَ عُيَيْنَة بْن حِصْن إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَه عَائِشَة فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَ : أُمّ الْمُؤْمِنِينَ : قَالَ أَلَا أَنْزِل لَك عَنْ أَجْمَل مِنْهَا. فَغَضِبَتْ عَائِشَة وَقَالَتْ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا أَحْمَق \" وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث جَرِير وَزَادَ فِيهِ : اُخْرُجْ فَاسْتَأْذِنْ , قَالَ : إِنَّهَا يَمِين عَلَيَّ أَنْ لَا أَسْتَأْذِن عَلَى مُضَرِيّ. وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَسْلَم لَهُ ذَلِكَ وَلِلْقَاضِي قَبْله فِي عُيَيْنَة لَا يَسْلَم لَهُ ذَلِكَ فِي مَخْرَمَةَ بْن نَوْفَل وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب الْمُدَارَاة \" مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ تَفْسِير الْمُبْهَم هُنَا بِمَخْرَمَةَ هُوَ الرَّاجِح. ‏"
    },
    {
        "id": "5573",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ ‏ ‏أَهْلُ الْمَدِينَةِ ‏ ‏ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ ‏ ‏لَنْ ‏ ‏تُرَاعُوا ‏ ‏لَنْ ‏ ‏تُرَاعُوا ‏ ‏وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ ‏ ‏لِأَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ فَقَالَ لَقَدْ وَجَدْتُهُ ‏ ‏بَحْرًا ‏ ‏أَوْ إِنَّهُ ‏ ‏لَبَحْرٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس قَالَ : ‏ ‏\" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَن النَّاس \" ‏ ‏أَيْ أَحْسَنهمْ خَلْقًا وَخُلُقًا ‏ ‏\" وَأَجْوَد النَّاس \" ‏ ‏أَيْ أَكْثَرهمْ بَذْلًا لِمَا يَقْدِر عَلَيْهِ ‏ ‏\" وَأَشْجَع النَّاس \" ‏ ‏أَيْ أَكْثَرهمْ إِقْدَامًا مَعَ عَدَم الْفِرَار , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي كِتَاب الْهِبَة , وَاقْتِصَار أَنَس عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَاف الثَّلَاث مِنْ جَوَامِع الْكَلِم لِأَنَّهَا أُمَّهَات الْأَخْلَاق , فَإِنَّ : فِي كُلّ إِنْسَان ثَلَاث قُوًى : ‏ ‏أَحَدهَا : الْغَضَبِيَّة وَكَمَالهَا الشَّجَاعَة , ‏ ‏ثَانِيهَا : الشَّهْوَانِيَّة وَكَمَالهَا الْجُود , ‏ ‏ثَالِثهَا : الْعَقْلِيَّة وَكَمَالهَا النُّطْق بِالْحِكْمَةِ. وَقَدْ أَشَارَ أَنَس إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : \" أَحْسَن النَّاس \" لِأَنَّ الْحُسْن يَشْمَل الْقَوْل وَالْفِعْل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِأَحْسَن النَّاس حُسْن الْخِلْقَة وَهُوَ تَابِع لِاعْتِدَالِ الْمِزَاج الَّذِي يَتْبَع صَفَاء النَّفْس الَّذِي مِنْهُ جَوْدَة الْقَرِيحَة الَّتِي تَنْشَأ عَنْهَا الْحِكْمَة قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ , ‏ ‏وَقَوْله : \" فَزِعَ أَهْل الْمَدِينَة \" ‏ ‏أَيْ سَمِعُوا صَوْتًا فِي اللَّيْل فَخَافُوا أَنْ يَهْجُم عَلَيْهِمْ عَدُوّ , ‏ ‏وَقَوْله : \" فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَدْ سَبَقَ النَّاس إِلَى الصَّوْت \" ‏ ‏أَيْ أَنَّهُ سَبَقَ فَاسْتَكْشَفَ الْخَبَر فَلَمْ يَجِد مَا يَخَاف مِنْهُ فَرَجَعَ يُسَكِّنهُمْ. ‏ ‏وَقَوْله : \" لَمْ تُرَاعُوا \" ‏ ‏هِيَ كَلِمَة تُقَال عِنْدَ تَسْكِين الرَّوْع تَأْنِيسًا , وَإِظْهَارًا لِلرِّفْقِ بِالْمُخَاطَبِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5574",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَا سُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ لَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر. ‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيِّ وَمِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن الْمُبَارَك كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَان \" سَمِعْت مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْء قَطُّ فَقَالَ لَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , وَكَذَا فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ سَمِعْت اِبْن الْمُنْكَدِر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ , وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر بِلَفْظِ \" مَا سُئِلَ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ لَا \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مَعْنَاهُ مَا طُلِبَ مِنْهُ شَيْء مِنْ أَمْر الدُّنْيَا فَمَنَعَهُ , قَالَ الْفَرَزْدَق : \" مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّده \" قُلْت : وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ يُعْطِي مَا يُطْلَب مِنْهُ جَزْمًا , بَلْ الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَنْطِق بِالرَّدِّ , بَلْ إِنْ كَانَ عِنْدَه أَعْطَاهُ إِنْ كَانَ الْإِعْطَاء سَائِغًا وَإِلَّا سَكَتَ. وَقَدْ وَرَدَ بَيَان ذَلِكَ فِي حَدِيث مُرْسَل لِابْنِ الْحَنَفِيَّة أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد وَلَفْظه \" إِذَا سُئِلَ فَأَرَادَ أَنْ يَفْعَل قَالَ نَعَمْ , وَإِذَا لَمْ يُرِدْ أَنْ يَفْعَل سَكَتَ \" وَهُوَ قَرِيب مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَاضِي فِي الْأَطْعِمَة \" مَا عَابَ طَعَامًا قَطُّ , إِنْ اِشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ \" وَقَالَ الشَّيْخ عِزُّ الدِّين بْن عَبْد السَّلَام : مَعْنَاهُ لَمْ يَقُلْ \" لَا \" مَنْعًا لِلْعَطَاءِ , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقُولهَا اِعْتِذَارًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : ( قُلْت لَا أَجِد مَا أَحْمِلكُمْ عَلَيْهِ ) وَلَا يَخْفَى الْفَرْق بَيْنَ قَوْل لَا أَجِد مَا أَحْمِلكُمْ وَبَيْنَ لَا أَحْمِلكُمْ. قُلْت : وَهُوَ نَظِير مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ لَمَّا سَأَلَ الْأَشْعَرِيُّونَ الْحِمْلَانِ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلكُمْ \" لَكِنْ يُشْكِل عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ فِي حَدِيث الْأَشْعَرِيّ الْمَذْكُور أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَفَ لَا يَحْمِلهُمْ فَقَالَ : \" وَاَللَّه لَا أَحْمِلكُمْ \" فَيُمْكِن أَنْ يُخَصّ مِنْ عُمُوم حَدِيث جَابِر بِمَا إِذَا سُئِلَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ وَالسَّائِل يَتَحَقَّق أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ ذَلِكَ , أَوْ حَيْثُ كَانَ الْمَقَام لَا يَقْتَضِي الِاقْتِصَار عَلَى السُّكُوت مِنْ الْحَالَة الْوَاقِعَة أَوْ مِنْ حَال السَّائِل , كَأَنْ يَكُون لَمْ يَعْرِف الْعَادَة , فَلَوْ اِقْتَصَرَ فِي جَوَابه عَلَى السُّكُوت مَعَ حَاجَة السَّائِل لَتَمَادَى عَلَى السُّؤَال مَثَلًا وَيَكُون الْقَسَم عَلَى ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِقَطْعِ طَمَع السَّائِل , وَالسِّرّ فِي الْجَمْع بَيْنَ قَوْله : \" لَا أَجِد مَا أَحْمِلكُمْ \" وَقَوْله : \" وَاَللَّه لَا أَحْمِلكُمْ \" أَنَّ الْأَوَّل لِبَيَانِ أَنَّ الَّذِي سَأَلَهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَه , وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّف الْإِجَابَة إِلَى مَا سُئِلَ بِالْقَرْضِ مَثَلًا أَوْ بِالِاسْتِيهَابِ إِذْ لَا اِضْطِرَار حِينَئِذٍ إِلَى ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور. وَفَهِمَ بَعْضهمْ مِنْ لَازِم عَدَم قَوْل \" لَا \" إِثْبَات \" نَعَمْ \" وَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ تَحْرِيم الْبُخْل ; لِأَنَّ مِنْ الْقَوَاعِد أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا وَاظَبَ عَلَى شَيْء كَانَ ذَلِكَ عَلَامَة وُجُوبه , وَالتَّرْجَمَة تَقْتَضِي أَنَّ الْبُخْل مَكْرُوه. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِذَا تَمَّ هَذَا الْبَحْث حُمِلَتْ الْكَرَاهَة عَلَى التَّحْرِيم , لَكِنَّهُ لَا يَتِمّ لِأَنَّ الَّذِي يَحْرُم مِنْ الْبُخْل مَا يَمْنَع الْوَاجِب سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَدُلّ عَلَى الْوُجُوب لَكِنْ عَلَى مَنْ هُوَ فِي مَقَام النُّبُوَّة , إِذْ مُقَابِله نَقْص مُنَزَّه عَنْهُ الْأَنْبِيَاء فَيَخْتَصّ الْوُجُوب بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالتَّرْجَمَة تَتَضَمَّن أَنَّ مِنْ الْبُخْل مَا يُكْرَه , وَمُقَابِله أَنَّ مِنْهُ مَا يَحْرُم كَمَا أَنَّ فِيهِ مَا يُبَاح بَلْ وَيُسْتَحَبّ بَلْ وَيَجِب , فَلِذَلِكَ اِقْتَصَرَ الْمُصَنِّف عَلَى قَوْله يُكْرَه. ‏"
    },
    {
        "id": "5575",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏يُحَدِّثُنَا ‏ ‏إِذْ قَالَ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث مَسْرُوق \" كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ \" وَرِجَاله إِلَى الصَّحَابَة كُوفِيُّونَ , وَقَدْ دَخَلَهَا كَمَا تَقَدَّمَ صَرِيحًا فِي هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْبَاب الْمَذْكُور وَهُوَ الْحَدِيث السَّادِس عَشَرَ مِنْهُ , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" إِنَّ خِيَاركُمْ أَحَاسِنكُمْ أَخْلَاقًا \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَحْسَنكُمْ \" وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة \" إِنَّ مِنْ خِيَاركُمْ \" وَهِيَ مُرَادَة هُنَا. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَنَس رَفَعَهُ \" أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنهمْ خُلُقًا \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِم وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" إِنَّ مِنْ أَكْمَل الْمُؤْمِنِينَ أَحْسَنهمْ خُلُقًا \" وَلِأَحْمَد بِسَنَدٍ رِجَاله ثِقَات مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة نَحْوه بِلَفْظِ \" أَحْسَن النَّاس إِسْلَامًا \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ \" إِنَّ مِنْ أُحِبّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْم الْقِيَامَة أَحْسَنكُمْ أَخْلَاقًا \" وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه , وَلِأَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة نَحْوه وَقَالَ : \" أَحَاسِنكُمْ أَخْلَاقًا \" وَسِيَاقه أَتَمّ , وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَب الْمُفْرَد وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أُسَامَة بْن شَرِيك \" قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه مَنْ أَحَبُّ عِبَاد اللَّه إِلَى اللَّه ؟ قَالَ : أَحْسَنهمْ خُلُقًا \" وَفِي رِوَايَة عَنْهُ \" مَا خَيْر مَا أُعْطِيَ الْإِنْسَان ؟ قَالَ : خُلُق حَسَن \" وَمِنْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي حُسْن الْخُلُق حَدِيث النَّوَّاس بْن سَمْعَان رَفَعَهُ \" الْبِرّ حُسْن الْخُلُق \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" , وَحَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء رَفَعَهُ \" مَا شَيْء أَثْقَل فِي الْمِيزَان مِنْ حُسْن الْخُلُق \" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَابْن حِبَّان وَزَادَ التِّرْمِذِيّ فِيهِ وَهُوَ عِنْدَ الْبَزَّار \" وَإِنَّ صَاحِب حُسْن الْخُلُق لَيَبْلُغ دَرَجَة صَاحِب الصَّوْم وَالصَّلَاة \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن حِبَّان أَيْضًا وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَائِشَة نَحْوه , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَنَس نَحْوه , وَأَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّان وَصَحَّحَاهُ وَهُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْثَر مَا يُدْخِل النَّاس الْجَنَّة , فَقَالَ : تَقْوَى اللَّه وَحُسْن الْخُلُق \" وَلِلْبَزَّارِ بِسَنَدٍ حَسَن مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاس بِأَمْوَالِكُمْ , وَلَكِنْ يَسَعهُمْ مِنْكُمْ بَسْط الْوَجْه وَحُسْن الْخُلُق \" وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِكَ كَثِيرَة. وَحَكَى اِبْن بَطَّال تَبَعًا لِلطَّبَرِيِّ خِلَافًا : هَلْ حُسْن الْخُلُق غَرِيزَة , أَوْ مُكْتَسَب ؟ وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ غَرِيزَة بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود \" إِنَّ اللَّه قَسَمَ أَخْلَاقكُمْ كَمَا قَسَمَ أَرْزَاقكُمْ \" الْحَدِيث وَهُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي كِتَاب الْقَدَر , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" الْخُلُق جِبِلَّة فِي نَوْع الْإِنْسَان , وَهُمْ فِي ذَلِكَ مُتَفَاوِتُونَ , فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ شَيْء مِنْهَا إِنْ كَانَ مَحْمُودًا وَإِلَّا فَهُوَ مَأْمُور بِالْمُجَاهَدَةِ فِيهِ حَتَّى يَصِير مَحْمُودًا , وَكَذَا إِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَيَرْتَاض صَاحِبه حَتَّى يَقْوَى. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث الْأَشَجّ الْعَصْرِيّ عِنْدَ أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ وَالْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" إِنَّ فِيك لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبّهُمَا اللَّه : الْحِلْم , وَالْأَنَاة. قَالَ : يَا رَسُول اللَّه , قَدِيمًا كَانَا فِي أَوْ حَدِيثًا ؟ قَالَ : قَدِيمًا. قَالَ : الْحَمْد اللَّه الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبّهُمَا \" فَتَرْدِيده السُّؤَال وَتَقْرِيره عَلَيْهِ يُشْعِر بِأَنَّ فِي الْخُلُق مَا هُوَ جِبِلِيٌّ , وَمَا هُوَ مُكْتَسَب. ‏"
    },
    {
        "id": "5576",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِبُرْدَةٍ فَقَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏لِلْقَوْمِ أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ فَقَالَ الْقَوْمُ هِيَ ‏ ‏الشَّمْلَةُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏هِيَ شَمْلَةٌ مَنْسُوجَةٌ فِيهَا حَاشِيَتُهَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْسُوكَ هَذِهِ فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَلَبِسَهَا فَرَآهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَقَالَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحْسَنَ هَذِهِ فَاكْسُنِيهَا فَقَالَ نَعَمْ فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَامَهُ أَصْحَابُهُ قَالُوا مَا أَحْسَنْتَ حِينَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخَذَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ إِيَّاهَا وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعَهُ فَقَالَ رَجَوْتُ بَرَكَتَهَا حِينَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَعَلِّي أُكَفَّنُ فِيهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي قِصَّة الْبُرْدَة الَّتِي سَأَلَ الصَّحَابِيّ لِتَكُونَ كَفَنه , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْلهمْ لِلَّذِي طَلَبَهَا : \" سَأَلْته إِيَّاهَا وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ لَا يُسْأَل شَيْئًا فَيَمْنَعهُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِل الْجَنَائِز , وَفِي قَوْلهمْ : \" سَأَلْته إِيَّاهَا \" اِسْتِعْمَال ثَانِي الضَّمِيرَيْنِ مُنْفَصِلًا وَهُوَ الْمُتَعَيَّن هُنَا فِرَارًا مِنْ الِاسْتِثْقَال , إِذْ لَوْ قَالَهُ مُتَّصِلًا فَإِنَّهُ يَصِير هَكَذَا سَأَلْتُمُوهَا , قَالَ اِبْن مَالِك : وَالْأَصْل أَنْ لَا يُسْتَعْمَل الْمُنْفَصِل إِلَّا عِنْدَ تَعَذُّر الْمُتَّصِل ; لِأَنَّ الِاتِّصَال أَخْصَر وَأَبْيَن , لَكِنْ إِذَا اِخْتَلَفَ الضَّمِيرَانِ وَتَقَارَبَا فَالْأَحْسَن الِانْفِصَال نَحْو هَذَا , فَإِنْ اِخْتَلَفَا فِي الرُّتْبَة جَازَ الِاتِّصَال وَالِانْفِصَال مِثْل أَعْطَيْتُكَهُ وَأَعْطَيْتُك إِيَّاهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5577",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قَالُوا وَمَا الْهَرْجُ قَالَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" يَتَقَارَب الزَّمَان \" وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْفِتَن ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" وَيَنْقُص الْعَمَل \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَيَنْقُص الْعِلْم \" وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي هَذَا الْحَدِيث وَلِلْآخَرِ وَجْه. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" وَيُلْقَى الشُّحّ \" ‏ ‏وَهُوَ مَقْصُود الْبَاب وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْبُخْل فَإِنَّهُ بُخْل مَعَ حِرْص. وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْط \" يُلْقَى \" فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهُ بِسُكُونِ اللَّام أَيْ يُوضَع فِي الْقُلُوب فَيَكْثُر , وَهُوَ عَلَى هَذَا بِالرَّفْعِ , وَقِيلَ : بِفَتْحِ اللَّام وَتَشْدِيد الْقَاف أَيْ يُعْطِي الْقُلُوب الشُّحّ , وَهُوَ عَلَى هَذَا بِالنَّصْبِ حَكَاهُ صَاحِب \" الْمَطَالِع \" وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ : لَمْ تَضْبِط الرُّوَاة هَذَا الْحَرْف , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون \" تَلَقَّى \" بِالتَّشْدِيدِ أَيْ يَتَلَقَّى وَيَتَوَاصَى بِهِ وَيَدْعُوهُ إِلَيْهِ مِنْ قَوْله : \" وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ \" أَيْ مَا يَعْلَمهَا وَيُنَبَّه عَلَيْهَا , قَالَ وَلَوْ قِيلَ : يُلْقَى مُخَفَّفَة لَكَانَ بَعِيدًا لِأَنَّهُ لَوْ أُلْقِيَ لَتُرِكَ وَكَانَ مَدْحًا وَالْحَدِيث مُسَاق لِلذَّمِّ , وَلَوْ كَانَ بِالْفَاءِ بِمَعْنَى يُوجَد لَمْ يَسْتَقِمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا ا ه. وَقَدْ ذَكَرْت تَوْجِيه الْقَاف. ‏"
    },
    {
        "id": "5578",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏سَلَّامَ بْنَ مِسْكِينٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ثَابِتًا ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَدَمْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ وَلَا لِمَ صَنَعْتَ وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس. ‏ ‏قَوْله : ( خَدَمْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْر سِنِينَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ نَظِيره فِي الْوَلِيمَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس , وَمِثْله عِنْدَ أَحْمَد وَغَيْره عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس , وَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم الرِّوَايَات , وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن طَلْحَة عَنْ أَنَس \" وَاَللَّه لَقَدْ خَدَمْته تِسْع سِنِينَ \" وَلَا مُغَايَرَة بَيْنَهمَا لِأَنَّ اِبْتِدَاء خِدْمَته لَهُ كَانَ بَعْد قُدُومه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة وَبَعْد تَزْوِيج أُمّه أُمّ سُلَيْمٍ بِأَبِي طَلْحَة , فَقَدْ مَضَى فِي الْوَصَايَا مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْبٍ عَنْ أَنَس قَالَ : \" قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة وَلَيْسَ لَهُ خَادِم , فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَة بِيَدَيَّ \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" إِنَّ أَنَسًا غُلَام كَيِّس فَلْيَخْدُمْك , قَالَ فَخَدَمْته فِي السَّفَر وَالْحَضَر \" وَأَشَارَ بِالسَّفَرِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي الْمَغَازِي وَغَيْرهَا مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَبَ مِنْ أَبِي طَلْحَة لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى خَيْبَر مَنْ يَخْدُمهُ فَأَحْضَرَ لَهُ أَنَسًا \" فَأُشْكِلَ هَذَا عَلَى الْحَدِيث الْأَوَّل لِأَنَّ بَيْنَ قُدُومه الْمَدِينَة وَبَيْنَ خُرُوجه إِلَى خَيْبَر سِتّ سِنِينَ وَأَشْهُرًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْ أَبِي طَلْحَة مَنْ يَكُون أَسَنَّ مِنْ أَنَس وَأَقْوَى عَلَى الْخِدْمَة فِي السَّفَر فَعَرَفَ أَبُو طَلْحَة مِنْ أَنَس الْقُوَّة عَلَى ذَلِكَ فَأَحْضَرَهُ , فَلِهَذَا قَالَ أَنَس فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" خَدَمْته فِي الْحَضَر وَالسَّفَر \" وَإِنَّمَا تَزَوَّجَتْ أُمّ سُلَيْمٍ بِأَبِي طَلْحَة بَعْد قُدُوم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعِدَّةِ أَشْهُر ; لِأَنَّهَا بَادَرَتْ إِلَى الْإِسْلَام وَوَالِد أَنَس حَيّ فَعَرَفَ بِذَلِكَ فَلَمْ يُسْلِم وَخَرَجَ فِي حَاجَة لَهُ فَقَتَلَهُ عَدُوّ لَهُ , وَكَانَ أَبُو طَلْحَة قَدْ تَأَخَّرَ إِسْلَامه فَاتَّفَقَ أَنَّهُ خَطَبَهَا فَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُسْلِم فَأَسْلَمَ أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد بِسَنَدٍ حَسَن , فَعَلَى هَذَا تَكُون مُدَّة خِدْمَة أَنَس تِسْع سِنِينَ وَأَشْهُرًا , فَأَلْغَى الْكَسْر مَرَّة وَجَبَرَهُ أُخْرَى. ‏ ‏وَقَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث : \" وَاَللَّه مَا قَالَ لِي أُفّ قَطُّ \" ‏ ‏قَالَ الرَّاغِب : أَصْل الْأُفّ كُلّ مُسْتَقْذَر مِنْ وَسَخ كَقُلَامَةِ الظُّفْر وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا , وَيُقَال ذَلِكَ لِكُلِّ مُسْتَخَفّ بِهِ , وَيُقَال أَيْضًا عِنْدَ تَكَرُّه الشَّيْء وَعِنْدَ التَّضَجُّر مِنْ الشَّيْء , وَاسْتَعْمَلُوا مِنْهَا الْفِعْل كَأَفَفْتُ بِفُلَانٍ , وَفِي أُفّ عِدَّة لُغَات : الْحَرَكَات الثَّلَاث بِغَيْرِ تَنْوِين وَبِالتَّنْوِينِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم هُنَا \" أُفًّا \" بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِين وَهِيَ مُوَافِقَة لِبَعْضِ الْقِرَاءَات الشَّاذَّة كَمَا سَيَأْتِي , وَهَذَا كُلّه مَعَ ضَمِّ الْهَمْزَة وَالتَّشْدِيد , وَعَلَى ذَلِكَ اِقْتَصَرَ بَعْض الشُّرَّاح , وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَن الرُّمَّانِيّ فِيهَا لُغَات كَثِيرَة فَبَلَّغَهَا تِسْعًا وَثَلَاثِينَ وَنَقَلَهَا اِبْن عَطِيَّة وَزَادَ وَاحِدَة أَكْمَلَهَا أَرْبَعِينَ , وَقَدْ سَرَدَهَا أَبُو حَيَّان فِي \" الْبَحْر \" وَاعْتَمَدَ عَلَى ضَبْط الْقَلَم. وَلَخَّصَ ضَبْطهَا صَاحِبه الشِّهَاب السَّمِين وَلَخَّصْته مِنْهُ , وَهِيَ السِّتَّة الْمُقَدَّمَة , وَبِالتَّخْفِيفِ كَذَلِكَ سِتَّة أُخْرَى , وَبِالسُّكُونِ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا , وَبِزِيَادَةِ هَاء سَاكِنَة فِي آخِره مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا , وَأُفِّي بِالْإِمَالَةِ وَبَيْنَ بَيْنَ وَبِلَا إِمَالَة الثَّلَاثَة بِلَا تَنْوِين , وَأُفُّو بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُون وَإِفِّي بِكَسْرِ ثُمَّ سُكُون. فَذَلِكَ ثِنْتَانِ وَعِشْرُونَ , وَهَذَا كُلّه مَعَ ضَمِّ الْهَمْزَة وَيَجُوز كَسْرهَا وَفَتْحهَا , فَأَمَّا بِكَسْرِهَا فَفِي إِحْدَى عَشْرَة : كَسْر الْفَاء وَضَمّهَا وَمُشَدَّدًا مَعَ التَّنْوِين وَعَدَمه أَرْبَعَة وَمُخَفَّفًا بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاث مَعَ التَّنْوِين وَعَدَمه سِتَّة , وَإِفِّي بِالْإِمَالَةِ وَالتَّشْدِيد , وَأَفًّا بِفَتْحِ الْهَمْزَة فَفِي سِتّ بِفَتْحِ الْفَاء وَكَسْرهَا مَعَ التَّنْوِين وَعَدَمه أَرْبَعَة وَبِالسُّكُونِ وَبِأَلِفٍ مَعَ التَّشْدِيد , وَاَلَّتِي زَادَهَا اِبْن عَطِيَّة أُفَاه بِضَمِّ أَوَّله وَزِيَادَة أَلِف وَهَاء سَاكِنَة , وَقُرِئَ مِنْ هَذِهِ اللُّغَات سِتّ كُلّهَا بِضَمِّ الْهَمْزَة , فَأَكْثَر السَّبْعَة بِكَسْرِ الْفَاء مُشَدَّدًا بِغَيْرِ تَنْوِين , وَنَافِع وَحَفْص كَذَلِكَ لَكِنْ بِالتَّنْوِينِ , وَابْن كَثِير وَابْن عَامِر بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيد بِلَا تَنْوِين , وَقَرَأَ أَبُو السِّمَاك كَذَلِكَ لَكِنْ بِضَمِّ الْفَاء , وَزَيْد بْن عَلِيّ بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِين , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس بِسُكُونِ الْفَاء. قُلْت : وَبَقِيَ مِنْ الْمُمْكِن فِي ذَلِكَ أُفَّيْ كَمَا مَضَى لَكِنْ بِفَتْحِ الْفَاء وَسُكُون الْيَاء , وَأُفَّيْهِ بِزِيَادَةِ هَاء , وَإِذَا ضَمَمْت هَاتَيْنِ إِلَى الَّتِي زَادَهَا اِبْن عَطِيَّة وَأَضَفْتهَا إِلَى مَا بُدِئَ بِهِ صَارَتْ الْعِدَّة خَمْسًا وَعِشْرِينَ كُلّهَا بِضَمِّ الْهَمْزَة , فَإِذَا اِسْتَعْمَلْت الْقِيَاس فِي اللُّغَة كَانَ الَّذِي بِفَتْحِ الْهَمْزَة كَذَلِكَ وَبِكَسْرِهَا كَذَلِكَ فَتَكْمُل خَمْسًا وَسَبْعِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا لِمَ صَنَعْت وَلَا أَلَّا صَنَعْت ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالتَّشْدِيد بِمَعْنَى هَلَّا , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" لِشَيْءٍ مِمَّا يَصْنَعهُ الْخَادِم \" وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة \" مَا عَلِمْته قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْته لِمَ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا , وَلِشَيْءٍ تَرَكْته هَلَّا فَعَلْت كَذَا وَكَذَا \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْبٍ \" مَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْته لِمَ صَنَعْت هَذَا كَذَا , وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعهُ لِمَ لَمْ تَصْنَع هَذَا كَذَا \" وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا تَرْك الْعِتَاب عَلَى مَا فَاتَ ; لِأَنَّ هُنَاكَ مَنْدُوحَة عَنْهُ بِاسْتِئْنَافِ الْأَمْر بِهِ إِذَا اُحْتِيجَ إِلَيْهِ , وَفَائِدَة تَنْزِيه اللِّسَان عَنْ الزَّجْر وَالذَّمّ وَاسْتِئْلَاف خَاطِر الْخَادِم بِتَرْكِ مُعَاتَبَته , وَكُلّ ذَلِكَ فِي الْأُمُور الَّتِي تَتَعَلَّق بِحَظِّ الْإِنْسَان , وَأَمَّا الْأُمُور اللَّازِمَة شَرْعًا فَلَا يُتَسَامَح فِيهَا لِأَنَّهَا مِنْ بَاب الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر. ‏"
    },
    {
        "id": "5579",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏مَا كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ قَالَتْ ‏ ‏كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : \" فِي مِهْنَة أَهْله \" ‏ ‏الْمِهْنَة بِكَسْرِ الْمِيم وَبِفَتْحِهَا , وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيّ الْكَسْر وَفَسَّرَهَا هُنَاكَ بِخِدْمَةِ أَهْله , وَبَيَّنْت أَنَّ التَّفْسِير مِنْ قَوْل الرَّاوِي عَنْ شُعْبَة , وَأَنَّ جَمَاعَة رَوَوْهُ عَنْ شُعْبَة بِدُونِهَا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد فِي التَّرْجَمَة النَّبَوِيَّة عَنْ وَهْب بْن جَرِير وَعَفَّانَ وَأَبِي قُطْن كُلّهمْ عَنْ شُعْبَة بِدُونِهَا ; لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَه عَنْ أَبِي النَّضْر عَنْ شُعْبَة فِي آخِره \" يَعْنِي بِالْمِهْنَةِ فِي خِدْمَة أَهْله \" وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث آخَر لِعَائِشَة أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن سَعْد وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ \" قُلْت لِعَائِشَة : مَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَع فِي بَيْته ؟ قَالَتْ : يَخِيط ثَوْبه , وَيَخْصِف نَعْله , وَيَعْمَل مَا يَعْمَل الرِّجَال فِي بُيُوتهمْ \" وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حِبَّان \" مَا يَعْمَل أَحَدكُمْ فِي بَيْته \" وَلَهُ وَلِأَحْمَد مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" يَخْصِف نَعْله , وَيَخِيط ثَوْبه , وَيُرَقِّع دَلْوه \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق مُعَاوِيَة بْن صَالِح عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ \" مَا كَانَ إِلَّا بَشَرًا مِنْ الْبَشَر , كَانَ يُفَلِّي ثَوْبه , وَيَحْلُب شَاته , وَيَخْدُم نَفْسه \" وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل وَالْبَزَّار وَقَالَ : وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى عَنْ الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة , وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى عَنْ حُمَيْدٍ الْمَكِّيّ عَنْ مُجَاهِد عَنْ عَائِشَة , وَفِي رِوَايَة حَارِثَة بْن أَبِي الرِّجَال عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة عِنْدَ أَبِي سَعْد \" كَانَ أَلْيَن النَّاس , وَأَكْرَم النَّاس , وَكَانَ رَجُلًا مِنْ رِجَالكُمْ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ بَسَّامًا \" قَالَ اِبْن بَطَّال : مِنْ أَخْلَاق الْأَنْبِيَاء التَّوَاضُع , وَالْبُعْد عَنْ التَّنَعُّم , وَامْتِهَان النَّفْس لِيَسْتَنّ بِهِمْ وَلِئَلَّا يَخْلُدُوا إِلَى الرَّفَاهِيَة الْمَذْمُومَة , وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى ذَمّهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولَى النَّعْمَة وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ). ‏"
    },
    {
        "id": "5580",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فَيُنَادِي ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَبُو عَاصِم ) ‏ ‏هُوَ النَّبِيل , وَهُوَ مِنْ كِبَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ مِثْل هَذَا , فَقَدْ عَلَّقَهُ فِي بَدْء الْخَلْق لِأَبِي عَاصِم وَقَدْ نَبَّهْت عَلَيْهِ ثَمَّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ نَافِع ) ‏ ‏هُوَ مَوْلَى اِبْن عُمَر , قَالَ الْبَزَّار بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ عَنْ عَمْرو بْن عَلِيّ الْفَلَّاس شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ نَافِع إِلَّا مُوسَى بْن عُقْبَةَ , وَلَا عَنْ مُوسَى إِلَّا اِبْن جُرَيْجٍ. قُلْت : وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَانُ عِنْدَ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ فِي \" الْأَوْسَط \" وَأَبُو أُمَامَةَ عِنْدَ أَحْمَد , وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَبُو صَالِح عِنْدَ الْمُصَنِّف فِي التَّوْحِيد وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالْبَزَّار. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا أَحَبَّ اللَّه الْعَبْد ) ‏ ‏وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه بَيَان سَبَب هَذِهِ الْمَحَبَّة وَالْمُرَاد بِهَا , فَفِي حَدِيث ثَوْبَانَ \" إِنَّ الْعَبْد لِيَلْتَمِس مَرْضَاة اللَّه تَعَالَى فَلَا يَزَال كَذَلِكَ حَتَّى يَقُول : يَا جِبْرِيل إِنَّ عَبْدِي فُلَانًا يَلْتَمِس أَنْ يُرْضِينِي , أَلَا وَإِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ عَلَيْهِ \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" وَيَشْهَد لَهُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْآتِي فِي الرِّقَاق فَفِيهِ : \" وَلَا يَزَال عَبْدِي يَتَقَرَّب إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبّهُ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّه يُحِبّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة الْمُشَدَّدَة وَيَجُوز الضَّمّ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث ثَوْبَانَ \" فَيَقُول جِبْرِيل : رَحْمَة اللَّه عَلَى فُلَان , وَتَقُولهُ حَمَلَة الْعَرْش \". ‏ ‏قَوْله : ( فَيُنَادِي جِبْرِيل فِي أَهْل السَّمَاء إِلَخْ ) ‏ ‏فِي حَدِيث ثَوْبَانَ أَهْل السَّمَاوَات السَّبْع. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يُوضَع لَهُ الْقَبُول فِي أَهْل الْأَرْض ) ‏ ‏زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي حَدِيث ثَوْبَانَ \" ثُمَّ يَهْبِط إِلَى الْأَرْض , ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَن وُدًّا ) وَثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث عِنْدَ التِّرْمِذِيّ وَابْن حَاتِم مِنْ طَرِيق سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم إِسْنَادهَا وَلَمْ يَسُقْ اللَّفْظ , وَزَادَ مُسْلِم فِيهِ \" وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيل \" فَسَاقَهُ عَلَى مِنْوَال الْحُبّ وَقَالَ فِي آخِره \" ثُمَّ يُوضَع لَهُ الْبَغْضَاء فِي الْأَرْض \" وَنَحْوه فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ أَحْمَد , وَفِي حَدِيث ثَوْبَانَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ \" وَإِنَّ الْعَبْد يَعْمَل بِسَخَطِ اللَّه فَيَقُول اللَّه يَا جِبْرِيل إِنَّ فُلَانًا يَسْتَسْخِطُنِي \" فَذَكَرَ الْحَدِيث عَلَى مِنْوَال الْحُبّ أَيْضًا وَفِيهِ \" فَيَقُول جِبْرِيل : سَخْطَة اللَّه عَلَى فُلَان \" وَفِي آخِره مِثْل مَا فِي الْحُبّ \" حَتَّى يَقُولهُ أَهْل السَّمَاوَات السَّبْع , ثُمَّ يَهْبِط إِلَى الْأَرْض \" وَقَوْله : \" يُوضَع لَهُ الْقَبُول \" هُوَ مِنْ قَوْله تَعَالَى : ( فَتَقَبَّلَهَا رَبّهَا بِقَبُولٍ حَسَن ) أَيْ رَضِيَهَا , قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ : الْقَبُول مَصْدَر لَمْ أَسْمَع غَيْره بِالْفَتْحِ ; وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي رِوَايَة الْقَعْنَبِيّ \" فَيُوضَع لَهُ الْمَحَبَّة \" وَالْقَبُول الرِّضَا بِالشَّيْءِ وَمَيْل النَّفْس إِلَيْهِ , وَقَالَ اِبْن الْقَطَّاع : قَبِلَ اللَّه مِنْك قَبُولًا وَالشَّيْء وَالْهَدِيَّة أُخِذَتْ. وَالْخَبَر صُدِّقَ , وَفِي التَّهْذِيب : عَلَيْهِ قَبُول إِذَا كَانَتْ الْعَيْن تَقْبَلهُ , وَالْقَبُول مِنْ الرِّيح الصَّبَا لِأَنَّهَا تَسْتَقْبِل الدَّبُور , وَالْقَبُول أَنْ يَقْبَل الْعَفْو وَالْعَافِيَة وَغَيْر ذَلِكَ , وَهُوَ اِسْم لِلْمَصْدَرِ أُمِيتَ الْفِعْل مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء : الْقَبُول بِفَتْحِ الْقَاف لَمْ أَسْمَع غَيْره , يُقَال فُلَان عَلَيْهِ قَبُول إِذَا قَبِلَتْهُ النَّفْس , وَتَقَبَّلْت الشَّيْء قَبُولًا. وَنَحْوه لِابْنِ الْأَعْرَابِيّ وَزَادَ : قَبِلْته قَبُولًا بِالْفَتْحِ وَالضَّمّ , وَكَذَا قَبِلْت هَدِيَّته عَنْ اللِّحْيَانِيّ. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذِهِ الزِّيَادَة رَدٌّ عَلَى مَا يَقُولهُ الْقَدَرِيَّة إِنَّ الشَّرّ مِنْ فِعْل الْعَبْد وَلَيْسَ مِنْ خَلْق اللَّه اِنْتَهَى. وَالْمُرَاد بِالْقَبُولِ فِي حَدِيث الْبَاب قَبُول الْقُلُوب لَهُ بِالْمَحَبَّةِ وَالْمَيْل إِلَيْهِ وَالرِّضَا عَنْهُ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَحَبَّة قُلُوب النَّاس عَلَامَة مَحَبَّة اللَّه , وَيُؤَيِّدهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز \" أَنْتُمْ شُهَدَاء اللَّه فِي الْأَرْض \" وَالْمُرَاد بِمَحَبَّةِ اللَّه إِرَادَة الْخَيْر لِلْعَبْدِ وَحُصُول الثَّوَاب لَهُ , وَبِمَحَبَّةِ الْمَلَائِكَة اِسْتِغْفَارهمْ لَهُ وَإِرَادَتهمْ خَيْر الدَّارَيْنِ لَهُ وَمَيْل قُلُوبهمْ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُطِيعًا لِلَّهِ مُحِبًّا لَهُ , وَمَحَبَّة الْعِبَاد لَهُ اِعْتِقَادهمْ فِيهِ الْخَيْر وَإِرَادَتهمْ دَفْع الشَّرّ عَنْهُ مَا أَمْكَنَ , وَقَدْ تُطْلَق مَحَبَّة اللَّه تَعَالَى لِلشَّيْءِ عَلَى إِرَادَة إِيجَاده وَعَلَى إِرَادَة تَكْمِيله , وَالْمَحَبَّة الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب مِنْ الْقَبِيل الثَّانِي , وَحَقِيقَة الْمَحَبَّة عِنْدَ أَهْل الْمَعْرِفَة مِنْ الْمَعْلُومَات الَّتِي لَا تُحَدّ وَإِنَّمَا يَعْرِفهَا مَنْ قَامَتْ بِهِ وِجْدَانًا لَا يُمْكِن التَّعْبِير عَنْهُ , وَالْحُبّ عَلَى ثَلَاثَة أَقْسَام : إِلَهِيّ وَرُوحَانِيّ وَطَبِيعِيّ , وَحَدِيث الْبَاب يَشْتَمِل عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَام الثَّلَاثَة , فَحُبّ اللَّه الْعَبْد حُبّ إِلَهِيّ , وَحُبّ جِبْرِيل وَالْمَلَائِكَة لَهُ حُبّ رُوحَانِيّ , وَحُبّ الْعِبَاد لَهُ حُبّ طَبِيعِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5581",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ وَحَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : \" أَنْ يَكُون اللَّه وَرَسُوله أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا \" ‏ ‏مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ اِسْتَكْمَلَ الْإِيمَان عَلِمَ أَنَّ حَقّ اللَّه وَرَسُوله آكَد عَلَيْهِ مِنْ حَقّ أَبِيهِ وَأُمّه وَوَلَده وَزَوْجه وَجَمِيع النَّاس ; لِأَنَّ الْهُدَى مِنْ الضَّلَال وَالْخَلَاص مِنْ النَّار إِنَّمَا كَانَ بِاَللَّهِ عَلَى لِسَان رَسُوله , وَمَنْ عَلَامَات مَحَبَّته نَصْر دِينه بِالْقَوْلِ وَالْفِعْل وَالذَّبّ عَنْ شَرِيعَته وَالتَّخَلُّق بِأَخْلَاقِهِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5582",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَضْحَكَ الرَّجُلُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْأَنْفُسِ وَقَالَ ‏ ‏بِمَ يَضْرِبُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْفَحْلِ أَوْ الْعَبْدِ ثُمَّ لَعَلَّهُ يُعَانِقُهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الثَّوْرِيُّ ‏ ‏وَوُهَيْبٌ ‏ ‏وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏جَلْدَ الْعَبْدِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَمْعَةَ \" نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَضْحَك الرَّجُل مِمَّا يَخْرُج مِنْ الْأَنْفُس \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير ( وَالشَّمْس وَضُحَاهَا ) مِنْ وَجْه آخَر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة رِوَايَة هُنَا بِلَفْظِ \" ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي الضَّرْطَة فَقَالَ : لِمَ يَضْحَك أَحَدهمْ مِمَّا يَخْرُج مِنْهُ \" ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَوُهَيْب بْن خَالِد وَأَبُو مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام جَلَدَ الْعَبْد ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة رَوَوْهُ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي قِصَّة النَّهْي عَنْ ضَرْب الْمَرْأَة , وَأَنَّ هَؤُلَاءِ جَزَمُوا بِقَوْلِهِمْ \" جَلْدَ الْعَبْد \" مَوْضِع شَكِّ اِبْن عُيَيْنَةَ هَلْ قَالَ جَلْدَ الْفَحْل أَوْ جَلْدَ الْعَبْد , وَالتَّعَالِيق الثَّلَاثَة تَقَدَّمَ بَيَان كَوْنهَا مَوْصُولَة , أَمَّا رِوَايَة الثَّوْرِيّ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي النِّكَاح وَسَاقَهَا كَذَلِكَ , وَأَمَّا رِوَايَة وُهَيْب فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي التَّفْسِير كَذَلِكَ , وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة فَوَصَلَهَا أَحْمَد وَإِسْحَاق كَذَلِكَ وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهَا فِي التَّفْسِير أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5583",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ بَلَدٌ حَرَامٌ أَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ شَهْرٌ حَرَامٌ قَالَ ‏ ‏فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي خُطْبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى , وَالْغَرَض مِنْهُ بَيَان تَحْرِيم الْعِرْض - وَهُوَ مَوْضِع الْمَدْح وَالذَّمّ مِنْ الشَّخْص - أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُون فِي نَفْسه أَوْ نَسَبه أَوْ حَسَبه. وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : عِرْض الرَّجُل بَدَنه وَنَفْسه لَا غَيْر , وَمِنْهُ اِسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضه. قُلْت : وَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَا اِدَّعَاهُ مِنْ الْحَصْر , وَيَدُلّ لِلْأَوَّلِ قَوْل حَسَّان : ‏ ‏فَإِنَّ أَبِي وَوَالِده وَعِرْضِي ‏ ‏لِعِرْضِ مُحَمَّد مِنْكُمْ وِقَاء ‏ ‏يُخَاطِب بِذَلِكَ مَنْ كَانَ يَهْجُو النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَكْثَر مَا يَقَع تَهَاجِيهمْ فِي مَدْح الْآبَاء وَذَمّهمْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحَجّ , وَعِنْدَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" كُلّ الْمُسْلِم عَلَى الْمُسْلِم حَرَام دَمه وَعِرْضه وَمَاله \". ‏"
    },
    {
        "id": "5584",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله \" تَابَعَهُ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة \" ‏ ‏وَصَلَهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَهُوَ غُنْدَر بِهَذَا الْإِسْنَاد لَكِنْ قَالَ فِيهِ \" عَنْ شُعْبَة عَنْ زُبَيْد وَمَنْصُور \" وَزَادَ فِيهِ زُبَيْدًا وَهُوَ بِالزَّايِ وَالْمُوَحَّدَة مُصَغَّر , وَمَعْنَى اللَّعْن الدُّعَاء بِالْإِبْعَادِ مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5585",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحُسَيْنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا الْأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْحُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن ذَكْوَانَ الْمُعَلِّم , وَالْإِسْنَاد إِلَى أَبِي ذَرّ بَصْرِيُّونَ وَقَدْ دَخَلَهَا هُوَ أَيْضًا , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث \" حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْحُسَيْن الْمُعَلِّم \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي ذَرّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْهَيْنِ \" عَنْ أَبِي مَعْمَر \" شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِالسَّنَدِ إِلَى أَبِي الْأَسْوَد أَنَّ أَبَا ذَرّ حَدَّثَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَرْمِي رَجُل رَجُلًا بِالْفُسُوقِ وَلَا يَرْمِيه بِالْكُفْرِ إِلَّا اِرْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبه كَمَا قَالَ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ \" وَفِي أُخْرَى \" إِلَّا اِرْتَدَّتْ عَلَيْهِ \" يَعْنِي رَجَعَتْ عَلَيْهِ و \" حَارَ \" بِمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ رَجَعَ , وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ قَالَ لِآخَر أَنْتَ فَاسِق أَوْ قَالَ لَهُ أَنْتَ كَافِر فَإِنْ كَانَ لَيْسَ كَمَا قَالَ كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقّ لِلْوَصْفِ الْمَذْكُور , وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ كَمَا قَالَ لَمْ يَرْجِع عَلَيْهِ شَيْء لِكَوْنِهِ صَدَقَ فِيمَا قَالَ , وَلَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه لَا يَصِير بِذَلِكَ فَاسِقًا وَلَا كَافِرًا أَنْ لَا يَكُون آثِمًا فِي صُورَة قَوْله لَهُ أَنْتَ فَاسِق بَلْ فِي هَذِهِ الصُّورَة تَفْصِيل : إِنْ قَصَدَ نُصْحه أَوْ نُصْح غَيْره بِبَيَانِ حَاله جَازَ , وَإِنْ قَصَدَ تَعْيِيره وَشُهْرَته بِذَلِكَ وَمَحْض أَذَاهُ لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ مَأْمُور بِالسِّتْرِ عَلَيْهِ وَتَعْلِيمه وَعِظَته بِالْحُسْنَى , فَمَهْمَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِالرِّفْقِ لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يَفْعَلهُ بِالْعُنْفِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون سَبَبًا لِإِغْرَائِهِ وَإِصْرَاره عَلَى ذَلِكَ الْفِعْل كَمَا فِي طَبْع كَثِير مِنْ النَّاس مِنْ الْأَنَفَة , وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْآمِر دُون الْمَأْمُور فِي الْمَنْزِلَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم بِلَفْظِ \" وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوّ اللَّه وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ \" ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاء حَدِيث فِي ذَمّ مَنْ اِدَّعَى إِلَى غَيْر أَبِيهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ صَدْره فِي مَنَاقِب قُرَيْش بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور هُنَا , فَهُوَ حَدِيث وَاحِد فَرَّقَهُ الْبُخَارِيّ حَدِيثَيْنِ , وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَتْن فِي \" بَاب مَنْ أَكْفَرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيل \" مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَمَنْ حَدِيث اِبْن عُمَر بِلَفْظِ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدهمَا وَهُوَ بِمَعْنَى رَجَعَ أَيْضًا , قَالَ النَّوَوِيّ : اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيل هَذَا الرُّجُوع فَقِيلَ رَجَعَ عَلَيْهِ الْكُفْر إِنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا , وَهَذَا بَعِيد مِنْ سِيَاق الْخَبَر , وَقِيلَ : مَحْمُول عَلَى الْخَوَارِج لِأَنَّهُمْ يُكَفِّرُونَ الْمُؤْمِنِينَ هَكَذَا نَقَلَهُ عِيَاض عَنْ مَالِك وَهُوَ ضَعِيف. لِأَنَّ الصَّحِيح عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ الْخَوَارِج لَا يَكْفُرُونَ بِبِدْعَتِهِمْ. قُلْت : وَلِمَا قَالَهُ مَالِك وَجْه , وَهُوَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُكَفِّر كَثِيرًا مِنْ الصَّحَابَة مِمَّنْ شَهِدَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ وَبِالْإِيمَانِ فَيَكُون تَكْفِيرهمْ مِنْ حَيْثُ تَكْذِيبهمْ لِلشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَة لَا مِنْ مُجَرَّد صُدُور التَّكْفِير مِنْهُمْ بِتَأْوِيلِ كَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحه فِي \" بَاب مَنْ أَكْفَرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيل \" وَالتَّحْقِيق أَنَّ الْحَدِيث سِيقَ لِزَجْرِ الْمُسْلِم عَنْ أَنْ يَقُول ذَلِكَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِم , وَذَلِكَ قَبْل وُجُود فِرْقَة الْخَوَارِج وَغَيْرهمْ. وَقِيلَ : مَعْنَاهُ رَجَعَتْ عَلَيْهِ نَقِيصَته لِأَخِيهِ وَمَعْصِيَة تَكْفِيره , وَهَذَا لَا بَأْس بِهِ. وَقِيلَ : يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يَئُولَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْكُفْر كَمَا قِيلَ : الْمَعَاصِي بَرِيد الْكُفْر فَيُخَاف عَلَى مَنْ أَدَامَهَا وَأَصَرَّ عَلَيْهَا سُوء الْخَاتِمَة , وَأَرْجَح مِنْ الْجَمِيع أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ لِمَنْ يَعْرِف مِنْهُ الْإِسْلَام وَلَمْ يَقُمْ لَهُ شُبْهَة فِي زَعْمه أَنَّهُ كَافِر فَإِنَّهُ يَكْفُر بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره , فَمَعْنَى الْحَدِيث فَقَدْ رَجَعَ عَلَيْهِ تَكْفِيره , فَالرَّاجِع التَّكْفِير لَا الْكُفْر , فَكَأَنَّهُ كَفَّرَ نَفْسه لِكَوْنِهِ كَفَّرَ مَنْ هُوَ مِثْله , وَمَنْ لَا يُكَفِّرهُ إِلَّا كَافِر يَعْتَقِد بُطْلَان دِين الْإِسْلَام , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي بَعْض طُرُقه \" وَجَبَ الْكُفْر عَلَى أَحَدهمَا \" وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : حَيْثُ جَاءَ الْكُفْر فِي لِسَان الشَّرْع فَهُوَ جَحْد الْمَعْلُوم مِنْ دِين الْإِسْلَام بِالضَّرُورَةِ الشَّرْعِيَّة , وَقَدْ وَرَدَ الْكُفْر فِي الشَّرْع بِمَعْنَى جَحْد النِّعَم وَتَرْك شُكْر الْمُنْعِم وَالْقِيَام بِحَقِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي \" بَاب كُفْر دُون كُفْر \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" يَكْفُرْنَ الْإِحْسَان وَيَكْفُرْنَ الْعَشِير \" قَالَ وَقَوْله بَاءَ بِهَا أَحَدهمَا أَيْ رَجَعَ بِإِثْمِهَا وَلَازِم ذَلِكَ , وَأَصْل الْبَوْء اللُّزُوم , وَمِنْهُ : \" أَبُوء بِنِعْمَتِك \" أَيْ أُلْزِمهَا نَفْسِي وَأُقِرّ بِهَا قَالَ : وَالْهَاء فِي قَوْله : \" بِهَا \" رَاجِع إِلَى التَّكْفِيرَة الْوَاحِدَة الَّتِي هِيَ أَقَلُّ مَا يَدُلّ عَلَيْهَا لَفْظ كَافِر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَعُود إِلَى الْكَلِمَة. وَالْحَاصِل أَنَّ الْمَقُول لَهُ إِنْ كَانَ كَافِرًا كُفْرًا شَرْعِيًّا فَقَدْ صَدَقَ الْقَائِل وَذَهَبَ بِهَا الْمَقُول لَهُ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَجَعَتْ لِلْقَائِلِ مَعَرَّة ذَلِكَ الْقَوْل وَإِثْمه , كَذَا اِقْتَصَرَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيل فِي رَجَعَ , وَهُوَ مِنْ أَعْدَل الْأَجْوِبَة , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء بِسَنَدٍ جَيِّد رَفَعَهُ \" إِنَّ الْعَبْد إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتْ اللَّعْنَة إِلَى السَّمَاء , فَتُغْلَق أَبْوَاب السَّمَاء دُونهَا , ثُمَّ تَهْبِط إِلَى الْأَرْض فَتَأْخُذ يَمْنَة وَيَسْرَة , فَإِنْ لَمْ تَجِد مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لَعَنَ , فَإِنْ كَانَ أَهْلًا وَإِلَّا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلهَا \" وَلَهُ شَاهِد عِنْدَ أَحْمَد مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود بِسَنَدٍ حَسَن وَآخَر عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَرُوَاته ثِقَات , وَلَكِنَّهُ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ , ‏"
    },
    {
        "id": "5586",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاحِشًا وَلَا لَعَّانًا وَلَا سَبَّابًا كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ ‏ ‏مَا لَهُ ‏ ‏تَرِبَ جَبِينُهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب حُسْن الْخُلُق \" ‏"
    },
    {
        "id": "5587",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث ثَابِت بْن الضَّحَّاك وَقَدْ اِشْتَمَلَ عَلَى خَمْسَة أَحْكَام وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب مَنْ أَكْفَرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيل \" بِتَمَامِهِ إِلَّا خَصْلَة وَاحِدَة مِنْهَا , وَيَأْتِي كَذَلِكَ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَيَأْتِي شَرْحه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَيُؤْخَذ حُكْم مَا يَتَعَلَّق بِتَكْفِيرِ مَنْ كَفَّرَ الْمُسْلِم مِنْ الَّذِي قَبْله. ‏ ‏وَقَوْله : \" لَعْن الْمُسْلِم كَقَتْلِهِ \" ‏ ‏أَيْ لِأَنَّهُ إِذَا لَعَنَهُ فَكَأَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ بِالْهَلَاكِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5588",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ ‏ ‏رَجُلًا مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَقَالَ أَتُرَى بِي بَأْسٌ أَمَجْنُونٌ أَنَا اذْهَبْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث ‏ ‏سُلَيْمَان بْن صُرَد ‏ ‏بِضَمِّ الصَّاد وَفَتْح الرَّاء بَعْدهَا دَال مُهْمَلَات , وَهُوَ اِبْن الْجَوْن بْن أَبِي الْجَوْن الْخُزَاعِيُّ , صَحَابِيّ شَهِير يُقَال كَانَ اِسْمه يَسَار بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُهْمَلَة فَغَيَّرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُكَنَّى أَبَا الْمُطَرِّف , وَقُتِلَ فِي سَنَة خَمْس وَسِتِّينَ وَلَهُ ثَلَاث وَتِسْعُونَ سَنَة. ‏ ‏قَوْله : ( اِسْتَبَّ رَجُلَانِ ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِف أَسْمَاءَهُمَا وَوَقَعَ فِي صِفَة إِبْلِيس مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَعْمَش بِهَذَا السَّنَد \" كُنْت جَالِسًا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ \". ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى اِنْتَفَخَ وَجْهه ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة \" فَاحْمَرَّ وَجْهه وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجه \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" تَحْمَرّ عَيْنَاهُ وَتَنْتَفِخ أَوْدَاجه \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِير الْوَدَج فِي صِفَة إِبْلِيس , وَفِي حَدِيث مُعَاذ بْن جَبَل عِنْدَ أَحْمَد وَأَصْحَاب السُّنَن \" حَتَّى أَنَّهُ لَيُخَيَّل إِلَيَّ أَنَّ أَنْفه لِيَتَمَزَّع مِنْ الْغَضَب \". ‏ ‏قَوْله : ( إِنِّي لَأَعْلَم كَلِمَة لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِد ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة \" لَوْ قَالَ أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" الرَّجِيم \" وَمِثْله فِي حَدِيث مُعَاذ وَلَفْظه \" إِنِّي لَأَعْلَم كَلِمَة لَوْ يَقُولهَا هَذَا الْغَضْبَان لَذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَب : اللَّهُمَّ إِنَى أَعُوذ بِك مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم \". ‏ ‏قَوْله : ( فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقَامَ إِلَى الرَّجُل رَجُل مِمَّنْ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة \" فَقَالُوا لَهُ \" فَدَلَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى أَنَّ الَّذِي خَاطَبَهُ مِنْهُمْ وَاحِد وَهُوَ مُعَاذ بْن جَبَل كَمَا بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ وَلَفْظه \" قَالَ فَجَعَلَ مُعَاذ يَأْمُرهُ , فَأَبَى وَضَحِكَ وَجَعَلَ يَزْدَاد غَضَبًا \" ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ تَعَوَّذْ بِاَللَّهِ ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَعَوَّذْ بِاَللَّهِ \" وَهُوَ بِالْمَعْنَى فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْشَدَهُ إِلَى ذَلِكَ , وَلَيْسَ فِي الْخَبَر أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَأْمُرُوهُ بِذَلِكَ , لَكِنْ اِسْتَفَادُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيق عُمُوم الْأَمْر بِالنَّصِيحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَتُرَى بِي بَأْس ) ‏ ‏بِضَمِّ التَّاء أَيْ أَتَظُنّ , وَوَقَعَ \" بَأْس \" هُنَا بِالرَّفْعِ لِلْأَكْثَرِ وَفِي بَعْضهَا \" بَأْسًا \" بِالنَّصْبِ وَهُوَ أَوْجَه. ‏ ‏قَوْله : ( أَمَجْنُون أَنَا ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة \" وَهَلْ بِي مِنْ جُنُون \" ؟ ‏ ‏قَوْله : ( اِذْهَبْ ) ‏ ‏هُوَ خِطَاب مِنْ الرَّجُل لِلرَّجُلِ الَّذِي أَمَرَهُ بِالتَّعَوُّذِ أَيْ اِمْضِ فِي شُغْلك. وَأَخْلِق بِهَذَا الْمَأْمُور أَنْ يَكُون كَافِرًا أَوْ مُنَافِقًا , أَوْ كَانَ غَلَبَ عَلَيْهِ الْغَضَب حَتَّى أَخْرَجَهُ عَنْ الِاعْتِدَال بِحَيْثُ زَجَرَ النَّاصِح الَّذِي دَلَّهُ عَلَى مَا يُزِيل عَنْهُ مَا كَانَ بِهِ مِنْ وَهَج الْغَضَب بِهَذَا الْجَوَاب السَّيِّئ , وَقِيلَ : إِنَّهُ كَانَ مِنْ جُفَاة الْأَعْرَاب وَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَسْتَعِيذ مِنْ الشَّيْطَان إِلَّا مَنْ بِهِ جُنُون , وَلَمْ يَعْلَم أَنَّ الْغَضَب نَوْع مِنْ شَرّ الشَّيْطَان وَلِهَذَا يَخْرُج بِهِ عَنْ صُورَته وَيُزَيِّن إِفْسَاد مَا لَهُ كَتَقْطِيعِ ثَوْبه وَكَسْر آنِيَّته أَوْ الْإِقْدَام عَلَى مَنْ أَغْضَبَهُ وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَاطَاهُ مَنْ يَخْرُج عَنْ الِاعْتِدَال , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَطِيَّة السَّعْدِيّ رَفَعَهُ \" إِنَّ الْغَضَب مِنْ الشَّيْطَان \" الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "5589",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِيُخْبِرَ النَّاسَ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَإِنَّهَا رُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت فِي ذِكْر لَيْلَة الْقَدْر وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الصِّيَام مَشْرُوحًا وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ فِيهِ \" فَتَلَاحَى \" أَيْ تَنَازَعَ , وَالتَّلَاحِي بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ التَّجَادُل وَالتَّنَازُع , وَهُوَ يُفْضِي فِي الْغَالِب إِلَى الْمُسَابَبَة وَتَقَدَّمَ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ هُمَا كَعْب بْن مَالِك وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي حَدْرَدٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "5590",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَعْرُورِ هُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدًا وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدًا فَقُلْتُ لَوْ أَخَذْتَ هَذَا فَلَبِسْتَهُ كَانَتْ حُلَّةً وَأَعْطَيْتَهُ ثَوْبًا آخَرَ فَقَالَ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلَامٌ وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً فَنِلْتُ مِنْهَا فَذَكَرَنِي إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لِي أَسَابَبْتَ فُلَانًا قُلْتُ نَعَمْ قَالَ أَفَنِلْتَ مِنْ أُمِّهِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ ‏ ‏إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ قُلْتُ عَلَى حِينِ سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ قَالَ نَعَمْ هُمْ إِخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا يُكَلِّفُهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي ذَرّ \" سَابَبْت رَجُلًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْإِيمَان وَأَنَّ الرَّجُل الْمَذْكُور هُوَ بِلَال الْمُؤَذِّن , وَكَانَ اِسْم أُمّه حَمَامَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمِيم. ‏ ‏وَقَوْله : \" إِنَّك اِمْرُؤٌ فِيك جَاهِلِيَّة \" ‏ ‏التَّنْوِين لِلتَّقْلِيلِ , وَالْجَاهِلِيَّة مَا كَانَ قَبْل الْإِسْلَام , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهَا هُنَا الْجَهْل أَيْ إِنَّ فِيك جَهْلًا. ‏ ‏وَقَوْله : \" قُلْت عَلَى سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَر السِّنّ \" ‏ ‏أَيْ هَلْ فِيَّ جَاهِلِيَّة أَوْ جَهْل وَأَنَا شَيْخ كَبِير ؟ ‏ ‏وَقَوْله : \" هُمْ إِخْوَانكُمْ \" ‏ ‏أَيْ الْعَبِيد أَوْ الْخَدَم حَتَّى يَدْخُل مَنْ لَيْسَ فِي الرِّقّ مِنْهُمْ , وَقَرِينَة قَوْله : \" تَحْت أَيْدِيكُمْ \" تُرْشِد إِلَيْهِ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ الْمُبَالَغَة فِي ذَمّ السَّبّ وَاللَّعْن لِمَا فِيهِ مِنْ اِحْتِقَار الْمُسْلِم , وَقَدْ جَاءَ الشَّرْع بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مُعْظَم الْأَحْكَام , وَأَنَّ التَّفَاضُل الْحَقِيقِيّ بَيْنَهمْ إِنَّمَا هُوَ بِالتَّقْوَى , فَلَا يُفِيد الشَّرِيف النَّسَب نَسَبه إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل التَّقْوَى , وَيَنْتَفِع الْوَضِيع النَّسَب بِالتَّقْوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ أَكْرَمكُمْ عِنْدَ اللَّه أَتْقَاكُمْ ). ‏"
    },
    {
        "id": "5591",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَفِي الْقَوْمِ يَوْمَئِذٍ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَقَالُوا قَصُرَتْ الصَّلَاةُ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْعُوهُ ‏ ‏ذَا الْيَدَيْنِ ‏ ‏فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ فَقَالَ لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ قَالُوا بَلْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏صَدَقَ ‏ ‏ذُو الْيَدَيْنِ ‏ ‏فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ ثُمَّ وَضَعَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الْمَذْكُور أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا فِي \" كِتَاب الْغِيبَة \" وَابْن مَرْدَوَيْهِ فِي \" التَّفْسِير \" و فِي مِنْ طَرِيق حِبَّان بْن مُخَارِق عَنْ عَائِشَة وَهُوَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5592",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ ‏ ‏يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" مَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ \" الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر الْغِيبَة بَلْ فِيهِ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ , قَالَ اِبْن التِّين : إِنَّمَا تَرْجَمَ بِالْغِيبَةِ وَذَكَرَ النَّمِيمَة لِأَنَّ الْجَامِع بَيْنَهمَا ذِكْر مَا يَكْرَههُ الْمَقُول فِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْب. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْغِيبَة نَوْع مِنْ النَّمِيمَة لِأَنَّهُ لَوْ سَمِعَ الْمَنْقُول عَنْهُ مَا نَقَلَ عَنْهُ لَغَمَّهُ. قُلْت : الْغِيبَة قَدْ تُوجَد فِي بَعْض صُوَر النَّمِيمَة , وَهُوَ أَنْ يَذْكُرهُ فِي غِيبَته بِمَا فِيهِ مِمَّا يَسُوؤُهُ قَاصِدًا بِذَلِكَ الْإِفْسَاد , فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون قِصَّة الَّذِي كَانَ يُعَذَّب فِي قَبْره كَانَتْ كَذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه بِلَفْظِ الْغِيبَة صَرِيحًا , وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ هُوَ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ حَدِيث جَابِر قَالَ : \" كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى عَلَى قَبْرَيْنِ - فَذَكَرَ فِيهِ نَحْو حَدِيث الْبَاب وَقَالَ فِيهِ - أَمَّا أَحَدهمَا فَكَانَ يَغْتَاب النَّاس \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَبِي بَكْرَة قَالَ : \" مَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ : إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ , وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِير وَبَكَى - وَفِيهِ - وَمَا يُعَذَّبَانِ إِلَّا فِي الْغِيبَة وَالْبَوْل \" وَلِأَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث يَعْلَى بْن شَبَابَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى قَبْر يُعَذَّب صَاحِبه فَقَالَ : إِنَّ هَذَا كَانَ يَأْكُل لُحُوم النَّاس ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ رَطْبَة \" الْحَدِيث , وَرُوَاته مُوَثَّقُونَ. وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس بِسَنَدٍ جَيِّد مِثْله. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَلَهُ شَاهِد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ أَبِي جَعْفَر الطَّبَرِيِّ فِي التَّفْسِير. وَأَكْل لُحُوم النَّاس يَصْدُق عَلَى النَّمِيمَة وَالْغِيبَة. وَالظَّاهِر اِتِّحَاد الْقِصَّة , وَيَحْتَمِل التَّعَدُّد , وَتَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَاب الطَّهَارَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5593",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْرُ دُورِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏بَنُو النَّجَّارِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب بِتَمَامِهِ. ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : فِي حَدِيث أَبِي أُسَيْدٍ دَلِيل عَلَى جَوَاز الْمُفَاضَلَة بَيْنَ النَّاس لِمَنْ يَكُون عَالِمًا بِأَحْوَالِهِمْ لِيُنَبِّه عَلَى فَضْل الْفَاضِل وَمَنْ لَا يَلْحَق بِدَرَجَتِهِ فِي الْفَضْل , فَيُمْتَثَل أَمْره بِتَنْزِيلِ النَّاس مَنَازِلهمْ , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِغِيبَةٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "5594",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ أَوْ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْكَلَامَ قَالَ أَيْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قَوْله : \" بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه قَرِيبًا فِي \" بَاب لَمْ يَكُنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا \" وَقَدْ نُوزِعَ فِي كَوْن مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ غِيبَة , وَإِنَّمَا هُوَ نَصِيحَة لِيَحْذَر السَّامِع , وَإِنَّمَا لَمْ يُوَاجِه الْمَقُول فِيهِ بِذَلِكَ لِحُسْنِ خُلُقه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَوْ وَاجَهَ الْمَقُول فِيهِ بِذَلِكَ لَكَانَ حَسَنًا , وَلَكِنْ حَصَلَ الْقَصْد بِدُونِ مُوَاجَهَة. وَالْجَوَاب أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ صُورَة الْغِيبَة مَوْجُودَة فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَل الْغِيبَة الْمَذْمُومَة شَرْعًا , وَغَايَته أَنَّ تَعْرِيف الْغِيبَة الْمَذْكُور أَوَّلًا هُوَ اللُّغَوِيّ , وَإِذَا اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ مَا ذُكِرَ كَانَ ذَلِكَ تَعْرِيفهَا الشَّرْعِيّ. ‏ ‏قَوْله فِي الْحَدِيث : \" إِنَّ شَرَّ النَّاس \" ‏ ‏اِسْتِئْنَاف كَلَام كَالتَّعْلِيلِ لِتَرْكِهِ مُوَاجَهَته بِمَا ذَكَرَهُ فِي غِيبَته , وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ أَنَّ الْمُجَاهِر بِالْفِسْقِ وَالشَّرّ لَا يَكُون مَا يُذْكَر عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ وَرَائِهِ مِنْ الْغِيبَة الْمَذْمُومَة , قَالَ الْعُلَمَاء : تُبَاح الْغِيبَة فِي كُلّ غَرَض صَحِيح شَرْعًا حَيْثُ يَتَعَيَّن طَرِيقًا إِلَى الْوُصُول إِلَيْهِ بِهَا : كَالتَّظَلُّمِ , وَالِاسْتِعَانَة عَلَى تَغْيِير الْمُنْكَر , وَالِاسْتِفْتَاء , وَالْمُحَاكَمَة , وَالتَّحْذِير مِنْ الشَّرّ , وَيَدْخُل فِيهِ تَجْرِيح الرُّوَاة وَالشُّهُود , وَإِعْلَام مَنْ لَهُ وِلَايَة عَامَّة بِسِيرَةِ مَنْ هُوَ تَحْت يَده , وَجَوَاب الِاسْتِشَارَة فِي نِكَاح أَوْ عَقْد مِنْ الْعُقُود , وَكَذَا مَنْ رَأَى مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّد إِلَى مُبْتَدِع أَوْ فَاسِق وَيُخَاف عَلَيْهِ الِاقْتِدَاء بِهِ. وَمِمَّنْ تَجُوز غِيبَتهمْ مَنْ يَتَجَاهَر بِالْفِسْقِ أَوْ الظُّلْم أَوْ الْبِدْعَة. وَمِمَّا يَدْخُل فِي ضَابِط الْغِيبَة وَلَيْسَ بِغِيبَةٍ مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيله فِي \" بَاب مَا يَجُوز مِنْ ذِكْر النَّاس \" فَيُسْتَثْنَى أَيْضًا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5595",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبِيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ بَعْضِ حِيطَانِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا فَقَالَ ‏ ‏يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ وَكَانَ الْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا بِكِسْرَتَيْنِ أَوْ ثِنْتَيْنِ فَجَعَلَ كِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا وَكِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا فَقَالَ لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة الْقَبْرَيْنِ , وَهُوَ ظَاهِر فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ , لِقَوْلِهِ فِي سِيَاقه \" وَإِنَّهُ لَكَبِير \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَقَدْ صَحَّحَ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" وَكَانَ الْآخَر يُؤْذِي النَّاس بِلِسَانِهِ وَيَمْشِي بَيْنَهمْ بِالنَّمِيمَةِ \". ‏ ‏( لَطِيفَة ) : أَبْدَى بَعْضهمْ لِلْجَمْعِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ مُنَاسَبَة , وَهِيَ أَنَّ الْبَرْزَخ مُقَدِّمَة الْآخِرَة , وَأَوَّل مَا يُقْضَى فِيهِ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ حُقُوق اللَّه الصَّلَاة وَمَنْ حُقُوق الْعِبَاد الدِّمَاء , وَمِفْتَاح الصَّلَاة التَّطَهُّر مِنْ الْحَدَث وَالْخَبَث وَمِفْتَاح الدِّمَاء الْغِيبَة وَالسَّعْي بَيْنَ النَّاس بِالنَّمِيمَةِ بِنَشْرِ الْفِتَن الَّتِي يُسْفَك بِسَبَبِهَا الدِّمَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "5596",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏قَالَ كُنَّا مَعَ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏فَقِيلَ لَهُ إِنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ‏ ‏قَتَّاتٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , ‏ ‏وَمَنْصُور ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , ‏ ‏وَإِبْرَاهِيم ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ , ‏ ‏وَهَمَّام ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث , وَالسَّنَد كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ رَجُلًا يَرْفَع الْحَدِيث ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , ‏ ‏وَعُثْمَان ‏ ‏هُوَ اِبْن عَفَّانَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ حُذَيْفَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَة \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم \" فَقَالَ حُذَيْفَة وَأَرَادَهُ أَنْ يَسْمَعهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَدْخُل الْجَنَّة ) ‏ ‏أَيْ فِي أَوَّل وَهْلَة كَمَا فِي نَظَائِره. ‏ ‏قَوْله : ( قَتَّات ) ‏ ‏بِقَافٍ وَمُثَنَّاة ثَقِيلَة وَبَعْد الْأَلِف مُثَنَّاة أُخْرَى هُوَ النَّمَّام , وَوَقَعَ بِلَفْظِ \" نَمَّام \" فِي رِوَايَة أَبِي وَائِل عَنْ حُذَيْفَة عِنْدَ مُسْلِم , وَقِيلَ : الْفَرْق بَيْنَ الْقَتَّات وَالنَّمَّام أَنَّ النَّمَّام الَّذِي يَحْضُر فَيَنْقُلهَا وَالْقَتَّات الَّذِي يَتَسَمَّع مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَم بِهِ ثُمَّ يَنْقُل مَا سَمِعَهُ. قَالَ الْغَزَالِيّ مَا مُلَخَّصه : يَنْبَغِي لِمَنْ حُمِلَتْ إِلَيْهِ نَمِيمَة أَنْ لَا يُصَدِّق مَنْ نَمَّ لَهُ وَلَا يَظُنّ بِمَنْ نُمَّ عَنْهُ مَا نُقِلَ عَنْهُ وَلَا يَبْحَث عَنْ تَحْقِيق مَا ذُكِرَ لَهُ وَأَنْ يَنْهَاهُ وَيُقَبِّح لَهُ فِعْله وَأَنْ يَبْغُضهُ إِنْ لَمْ يَنْزَجِر وَأَنْ لَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ مَا نُهِيَ النَّمَّام عَنْهُ فَيَنِمّ هُوَ عَلَى النَّمَّام فَيَصِير نَمَّامًا , قَالَ النَّوَوِيّ : وَهَذَا كُلّه إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي النَّقْل مَصْلَحَة شَرْعِيَّة وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَحَبَّة أَوْ وَاجِبَة , كَمَنْ اِطَّلَعَ مِنْ شَخْص أَنَّهُ يُرِيد أَنْ يُؤْذِي شَخْصًا ظُلْمًا فَحَذَّرَهُ مِنْهُ , وَكَذَا مَنْ أَخْبَرَ الْإِمَام أَوْ مَنْ لَهُ وِلَايَة بِسِيرَةِ نَائِبه مَثَلًا فَلَا مَنْع مِنْ ذَلِكَ , وَقَالَ الْغَزَالِيّ مَا مُلَخَّصه : النَّمِيمَة فِي الْأَصْل نَقْل الْقَوْل إِلَى الْمَقُول فِيهِ , وَلَا اِخْتِصَاص لَهَا بِذَلِكَ بَلْ ضَابِطهَا كَشْف مَا يُكْرَه كَشْفه سَوَاء كَرِهَهُ الْمَنْقُول عَنْهُ أَوْ الْمَنْقُول إِلَيْهِ أَوْ غَيْرهمَا , وَسَوَاء كَانَ الْمَنْقُول قَوْلًا أَمْ فِعْلًا , وَسَوَاء كَانَ عَيْبًا أَمْ لَا , حَتَّى لَوْ رَأَى شَخْصًا يُخْفِي مَا لَهُ فَأَفْشَى كَانَ نَمِيمَة. وَاخْتُلِفَ فِي الْغِيبَة وَالنَّمِيمَة هَلْ هُمَا مُتَغَايِرَتَانِ أَوْ مُتَّحِدَتَانِ , وَالرَّاجِح التَّغَايُر , وَأَنَّ بَيْنَهمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا وَجْهِيًّا , وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّمِيمَة نَقْل حَال الشَّخْص لِغَيْرِهِ عَلَى جِهَة الْإِفْسَاد بِغَيْرِ رِضَاهُ سَوَاء كَانَ بِعِلْمِهِ أَمْ بِغَيْرِ عِلْمه , وَالْغِيبَة ذِكْره فِي غِيبَته بِمَا لَا يُرْضِيه , فَامْتَازَتْ النَّمِيمَة بِقَصْدِ الْإِفْسَاد , وَلَا يُشْتَرَط ذَلِكَ فِي الْغِيبَة , وَامْتَازَتْ الْغِيبَة بِكَوْنِهَا فِي غِيبَة الْمَقُول فِيهِ , وَاشْتَرَكَتَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ. وَمَنْ الْعُلَمَاء مَنْ يَشْتَرِط فِي الْغِيبَة أَنْ يَكُون الْمَقُول فِيهِ غَائِبًا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5597",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يُونُس ) ‏ ‏هُوَ أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس نُسِبَ إِلَى جَدّه , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث الْبَاب فِي أَوَائِل الصِّيَام أَخْرَجَهُ عَنْ آدَم بْن أَبِي إِيَاس عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب بِالسَّنَدِ وَالْمَتْن وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ , ‏ ‏وَقَوْله هُنَا فِي آخِره : \" قَالَ أَحْمَد أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ \" ‏ ‏أَحْمَد هُوَ اِبْن يُونُس الْمَذْكُور. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ الْحَدِيث مِنْ اِبْن أَبِي ذِئْب لَمْ يَتَيَقَّن إِسْنَاده مِنْ لَفْظ شَيْخه فَأَفْهَمهُ إِيَّاهُ رَجُل كَانَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِس , وَقَدْ خَالَفَ أَبُو دَاوُدَ رِوَايَة الْبُخَارِيّ فَأَخْرَجَ الْحَدِيث الْمَذْكُور عَنْ أَحْمَد بْن يُونُس هَذَا لَكِنْ قَالَ فِي آخَر : \" قَالَ أَحْمَد فَهِمْت إِسْنَاده مِنْ اِبْن أَبِي ذِئْب , وَأَفْهَمَنِي الْحَدِيث رَجُل إِلَى جَنْبه أَرَاهُ اِبْن أَخِيهِ \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن شَرِيك عَنْ أَحْمَد بْن يُونُس , وَهَذَا عَكْس مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ , فَإِنَّ مُقْتَضَى رِوَايَته أَنَّ الْمَتْن فَهِمَهُ أَحْمَد مِنْ شَيْخه وَلَمْ يَفْهَم الْإِسْنَاد مِنْهُ بِخِلَافِ مَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَإِبْرَاهِيم بْن شَرِيك , فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ أَحْمَد بْن يُونُس حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَخَبَطَ الْكَرْمَانِيُّ هُنَا فَقَالَ : قَالَ أَفْهَمَنِي أَيْ كُنْت نَسِيت هَذَا الْإِسْنَاد فَذَكَّرَنِي رَجُل إِسْنَاده , وَوَجْه الْخَبْط نِسْبَته إِلَى أَحْمَد بْن يُونُس نِسْيَان الْإِسْنَاد وَأَنَّ التَّذْكِير وَقَعَ لَهُ مِنْ الرَّجُل بَعْد ذَلِكَ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَهُ مِنْ اِبْن أَبِي ذِئْب خَفِيَ عَنْهُ بَعْض لَفْظه أَمَّا عَلَى رِوَايَة الْبُخَارِيّ فَمِنْ الْإِسْنَاد , وَأَمَّا عَلَى رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ فَمِنْ الْمَتْن , وَكَانَ الرَّجُل بِجَنْبِهِ فَكَأَنَّهُ اِسْتَفْهَمَهُ عَمَّا خَفِيَ عَلَيْهِ مِنْهُ فَأَفْهَمَهُ , فَلَمَّا كَانَ بَعْد ذَلِكَ وَتَصَدَّى لِلتَّحْدِيثِ بِهِ أَخْبَرَ بِالْوَاقِعِ وَلَمْ يَسْتَجِزْ أَنْ يُسْنِدهُ عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب بِغَيْرِ بَيَان. وَقَدْ وَقَعَ مِثْل ذَلِكَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ , وَعَقَدَ الْخَطِيب لِذَلِكَ بَابًا فِي كِتَاب \" الْكِفَايَة \" وَانْظُرْ إِلَى قَوْله : \" أَفْهَمَنِي رَجُل إِلَى جَنْبه \" أَيْ إِلَى جَنْب اِبْن أَبِي ذِئْب. ثُمَّ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَأَرَادَ رَجُل عَظِيم وَالتَّنْوِين يَدُلّ عَلَيْهِ وَالْغَرَض مَدْح شَيْخه اِبْن أَبِي ذِئْب أَوْ رَجُل آخَر غَيْره أَفْهَمَنِي ا ه. وَلَمْ يَتَعَيَّن أَنَّهُ تَعْظِيم لِلرَّجُلِ الَّذِي أَفْهَمَهُ مِنْ مُجَرَّد قَوْله رَجُل , بَلْ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ إِنَّمَا نَسِيَ اِسْمه فَعَبَّرَ عَنْهُ بِرَجُلٍ أَوْ كَنَّى عَنْ اِسْمه عَمْدًا , وَأَمَّا مَدْح شَيْخه فَلَيْسَ فِي السِّيَاق مَا يَقْتَضِيه. قُلْت : وَابْن أَبِي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْمُغِيرَة الْمَخْزُومِيّ , وَكَانَ لَهُ أَخَوَانِ الْمُغِيرَة وَطَالُوت , وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم اِبْن أَخِيهِ الْمَذْكُور وَلَا عَلَى تَعْيِين أَبِيهِ أَيّهمَا هُوَ , قَالَ اِبْن التِّين : ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ مَنْ اِغْتَابَ فِي صَوْمه فَهُوَ مُفْطِر , وَإِلَيْهِ ذَهَب بَعْض السَّلَف , وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى خِلَافه , لَكِنَّ مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْغِيبَة مِنْ الْكَبَائِر وَأَنَّ إِثْمهَا لَا يَفِي لَهُ بِأَجْرِ صَوْمه فَكَأَنَّهُ فِي حُكْم الْمُفْطِر. قُلْت : وَفِي كَلَامه مُنَاقَشَة لِأَنَّ حَدِيث الْبَاب لَا ذِكْر لِلْغِيبَةِ فِيهِ , وَإِنَّمَا فِيهِ قَوْل الزُّور وَالْعَمَل بِهِ وَالْجَهْل , وَلَكِنَّ الْحُكْم وَالتَّأْوِيل فِي كُلّ ذَلِكَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَة \" ‏ ‏هُوَ مَجَاز عَنْ عَدَم قَبُول الصَّوْم. ‏"
    },
    {
        "id": "5598",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( تَجِد مِنْ شِرَار النَّاس ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" شِرَار \" بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش بِلَفْظِ \" إِنَّ مِنْ شَرّ النَّاس \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْمَنَاقِب فِي طَرِيق عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع عَنْ أَبِي زُرْعَة عَنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" تَجِدُونَ شَرّ النَّاس \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه وَمِنْ رِوَايَة اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْهُ بِلَفْظِ \" تَجِدُونَ مِنْ شَرّ النَّاس ذَا الْوَجْهَيْنِ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْهُ بِلَفْظِ \" مِنْ شَرّ النَّاس ذُو الْوَجْهَيْنِ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَاد \" إِنَّ مِنْ شَرّ النَّاس ذَا الْوَجْهَيْنِ \" وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَام مِنْ طَرِيق عِرَاك بْن مَالِك عَنْهُ بِلَفْظِ \" إِنَّ شَرّ النَّاس ذُو الْوَجْهَيْنِ \" وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِم أَيْضًا , وَهَذِهِ الْأَلْفَاظ مُتَقَارِبَة وَالرِّوَايَات الَّتِي فِيهَا \" شَرّ النَّاس \" مَحْمُولَة عَلَى الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا \" مِنْ شَرّ النَّاس \" وَوَصْفه بِكَوْنِهِ شَرّ النَّاس أَوْ مِنْ شَرّ النَّاس مُبَالَغَة فِي ذَلِكَ , وَرِوَايَة \" أَشَرُّ النَّاس \" بِزِيَادَةِ الْأَلِف لُغَة فِي شَرّ يُقَال خَيْر وَأَخْيَر وَشَرّ وَأَشَرُّ بِمَعْنَى وَلَكِنْ الَّذِي بِالْأَلِفِ أَقَلُّ اِسْتِعْمَالًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالنَّاسِ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُتَضَادَّتَيْنِ خَاصَّة , فَإِنَّ كُلّ طَائِفَة مِنْهُمَا مُجَانِبَة لِلْأُخْرَى ظَاهِرًا فَلَا يَتَمَكَّن مِنْ الِاطِّلَاع عَلَى أَسْرَارهَا إِلَّا بِمَا ذُكِرَ مِنْ خِدَاعه الْفَرِيقَيْنِ لِيَطَّلِع عَلَى أَسْرَارهمْ فَهُوَ شَرّهمْ كُلّهمْ. وَالْأَوْلَى حَمْل النَّاس عَلَى عُمُومه فَهُوَ أَبْلَغ فِي الذَّمّ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي شِهَاب عَنْ الْأَعْمَش بِلَفْظِ \" مِنْ شَرّ خَلْق اللَّه ذُو الْوَجْهَيْنِ \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّمَا كَانَ ذُو الْوَجْهَيْنِ شَرّ النَّاس لِأَنَّ حَاله حَال الْمُنَافِق , إِذْ هُوَ مُتَمَلِّق بِالْبَاطِلِ وَبِالْكَذِبِ , مُدْخِلٌ لِلْفَسَادِ بَيْنَ النَّاس. وَقَالَ النَّوَوِيّ : هُوَ الَّذِي يَأْتِي كُلّ طَائِفَة بِمَا يُرْضِيهَا , فَيُظْهِر لَهَا أَنَّهُ مِنْهَا وَمُخَالِف لِضِدِّهَا , وَصَنِيعه نِفَاق وَمَحْض كَذِب وَخِدَاع وَتَحَيُّل عَلَى الِاطِّلَاع عَلَى أَسْرَار الطَّائِفَتَيْنِ , وَهِيَ مُدَاهَنَة مُحَرَّمَة. قَالَ : فَأَمَّا مَنْ يَقْصِد بِذَلِكَ الْإِصْلَاح بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ فَهُوَ مَحْمُود. وَقَالَ غَيْره : الْفَرْق بَيْنَهمَا أَنَّ الْمَذْمُوم مَنْ يُزَيِّن لِكُلِّ طَائِفَة عَمَلهَا وَيُقَبِّحهُ عِنْدَ الْأُخْرَى وَيَذُمّ كُلّ طَائِفَة عِنْدَ الْأُخْرَى , وَالْمَحْمُود أَنْ يَأْتِي لِكُلِّ طَائِفَة بِكَلَامٍ فِيهِ صَلَاح الْأُخْرَى وَيَعْتَذِر لِكُلِّ وَاحِدَة عَنْ الْأُخْرَى , وَيَنْقُل إِلَيْهِ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ الْجَمِيل وَيَسْتُر الْقَبِيح. وَيُؤَيِّد هَذِهِ التَّفْرِقَة رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن نُمَيْر عَنْ الْأَعْمَش \" الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ \" وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِره جَمَاعَة وَهُوَ أَوْلَى , وَتَأَوَّلَهُ قَوْم عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ مَنْ يُرَائِي بِعَمَلِهِ فَيُرِي النَّاس خُشُوعًا وَاسْتِكَانَة وَيُوهِمهُمْ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّه حَتَّى يُكْرِمُوهُ وَهُوَ فِي الْبَاطِن بِخِلَافِ ذَلِكَ , قَالَ : وَهَذَا مُحْتَمَل لَوْ اِقْتَصَرَ فِي الْحَدِيث عَلَى صَدْره فَإِنَّهُ دَاخِل فِي مُطْلَق ذِي الْوَجْهَيْنِ , لَكِنْ بَقِيَّة الْحَدِيث تَرُدّ هَذَا التَّأْوِيل وَهِيَ قَوْله : \" يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ \" قُلْت : وَقَدْ اِقْتَصَرَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَلَى صَدْر الْحَدِيث , لَكِنْ دَلَّتْ بَقِيَّة الرِّوَايَات عَلَى أَنَّ الرَّاوِي اِخْتَصَرَهُ , فَإِنَّهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة الْأَعْمَش , وَقَدْ ثَبَتَ هُنَا مِنْ رِوَايَة الْأَعْمَش بِتَمَامِهِ , وَرِوَايَة اِبْن نُمَيْر الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا هِيَ الَّتِي تَرُدّ التَّأْوِيل الْمَذْكُور صَرِيحًا , وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" لَا يَنْبَغِي لِذِي الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَكُون أَمِينًا \". وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَمَّار بْن يَاسِر قَالَ : \" قَالَ رَسُول اللَّه : مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ يَوْم الْقِيَامَة لِسَانَانِ مِنْ نَار \" وَفِي الْبَاب عَنْ أَنَس أَخْرَجَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِهَذَا اللَّفْظ , وَهَذَا يَتَنَاوَل الَّذِي حَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ بِخِلَافِ حَدِيث الْبَاب فَإِنَّهُ فَسَّرَ مَنْ يَتَرَدَّد بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنْ النَّاس , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5599",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِسْمَةً فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا أَرَادَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏بِهَذَا وَجْهَ اللَّهِ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ ‏ ‏رَحِمَ اللَّهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي إِخْبَاره النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِ الْقَائِل \" هَذِهِ قِسْمَة مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْه اللَّه \" سَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب الصَّبْر عَلَى الْأَذَى \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة ‏ ‏فَتَمَعَّرَ وَجْهه ‏ ‏بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة أَيْ تَغَيَّرَ مِنْ الْغَضَب , وَلِلْكُشمِيهَنِيّ فَتَمَغَّرَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة أَيْ صَارَ لَوْنه لَوْن الْمَغَرَة , وَأَرَادَ الْبُخَارِيّ بِالتَّرْجَمَةِ بَيَان جَوَاز النَّقْل عَلَى وَجْه النَّصِيحَة , لِكَوْنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِر عَلَى اِبْن مَسْعُود نَقْله مَا نَقَلَ , بَلْ غَضِبَ مِنْ قَوْل الْمَنْقُول عَنْهُ , ثُمَّ حَلُمَ عَنْهُ وَصَبَرَ عَلَى أَذَاهُ اِئْتِسَاءًا بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَامْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَبِهُدَاهُمْ اِقْتَدِهِ ). ‏"
    },
    {
        "id": "5600",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ فَقَالَ ‏ ‏أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى قَالَ فِيهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الصَّبَّاحِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة وَآخِره حَاء مُهْمَلَة هُوَ الْبَزَّار , وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" مُحَمَّد بْن صَبَّاح \" بِغَيْرِ أَلِف وَلَام , وَتَقَدَّمَ الْكُلّ فِي الشَّهَادَات بِهَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْهُ فَقَالَ : \" حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن الصَّبَّاحِ \" وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا اِتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَخْرِيجه عَنْ شَيْخ وَاحِد , وَمِمَّا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ بِسَنَدِهِ وَمَتْنه فِي مَوْضِعَيْنِ وَلَمْ يَتَصَرَّف فِي مَتْنه وَلَا إِسْنَاده وَهُوَ قَلِيل فِي كِتَابه , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْ مُحَمَّد بْن الصَّبَّاحِ , وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ : قَالَ عَبْد اللَّه وَسَمِعْته أَنَا مِنْ مُحَمَّد بْن الصَّبَّاحِ فَذَكَرَهُ , وَإِسْمَاعِيل بْن زَكَرِيَّا شَيْخه هُوَ الْخُلْقَانِيّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا قَاف , وَبُرَيْدَةُ بِمُوَحَّدَةٍ وَرَاء يُكَنَّى أَبَا بُرْدَة مِثْل كُنْيَة جَدّه وَهُوَ شَيْخه فِيهِ , وَقَوْله عَنْ بُرَيْدٍ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَدَّثَنَا بُرَيْد \" ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهمَا صَرِيحًا , وَلَكِنْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَالْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ حَدِيث مِحْجَن بْن الْأَدْرَع الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : \" أَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيَّ \" فَذَكَرَ حَدِيثًا قَالَ فِيهِ \" فَدَخَلَ الْمَسْجِد فَإِذَا رَجُل يُصَلِّي , فَقَالَ لِي مَنْ هَذَا ؟ فَأَثْنَيْت عَلَيْهِ خَيْرًا , فَقَالَ : اُسْكُتْ لَا تُسْمِعْهُ فَتُهْلِكْهُ \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه هَذَا فُلَان وَهَذَا وَهَذَا \" وَفِي أُخْرَى لَهُ \" هَذَا فُلَان وَهُوَ مِنْ أَحْسَن أَهْل الْمَدِينَة صَلَاة , أَوْ مِنْ أَكْثَر أَهْل الْمَدِينَة \" الْحَدِيث. وَاَلَّذِي أَثْنَى عَلَيْهِ مِحْجَن يُشْبِه أَنْ يَكُون هُوَ عَبْد اللَّه ذُو النِّجَادَيْنِ الْمُزَنِيُّ , فَقَدْ ذَكَرْت فِي تَرْجَمَته فِي الصَّحَابَة مَا يُقَرِّب ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَيُطْرِيه ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَة مِنْ الْإِطْرَاء وَهُوَ الْمُبَالَغَة فِي الْمَدْح , وَسَأَذْكُرُ مَا وَرَدَ فِي بَيَان مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْمِدْحَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم , وَفِي نُسْخَة مَضَتْ فِي الشَّهَادَات \" فِي الْمَدْح \" بِفَتْحِ الْمِيم بِلَا هَاء , وَفِي أُخْرَى \" فِي مَدْحه \" بِفَتْحِ الْمِيم وَزِيَادَة الضَّمِير وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد. ‏ ‏قَوْله : ( لَقَدْ أَهْلَكْتُمْ - أَوْ قَطَعْتُمْ - ظَهْر الرَّجُل ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ , وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة الَّذِي بَعْده بِلَفْظِ \" قَطَعْت عُنُق صَاحِبك \" وَهُمَا بِمَعْنًى , وَالْمُرَاد بِكُلٍّ مِنْهُمَا الْهَلَاك لِأَنَّ مَنْ يُقْطَع عُنُقه يُقْتَل وَمَنْ يُقْطَع ظَهْره يَهْلَك. ‏"
    },
    {
        "id": "5601",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ يَقُولُهُ مِرَارًا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّهُ وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏وَيْلَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ خَالِد ) ‏ ‏هُوَ الْحَذَّاء وَصَرَّحَ بِهِ مُسْلِم فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة غُنْدَر \" فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَا مِنْ رَجُل بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَل مِنْهُ فِي كَذَا وَكَذَا \" لَعَلَّهُ يَعْنِي الصَّلَاة لِمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله : ( وَيْحك ) ‏ ‏هِيَ كَلِمَة رَحْمَة وَتَوَجُّع , وَوَيْل كَلِمَة عَذَاب , وَقَدْ تَأْتِي مَوْضِع وَيْح كَمَا سَأَذْكُرُهُ. ‏ ‏قَوْله : ( قَطَعْت عُنُق صَاحِبك يَقُولهُ مِرَارًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْعٍ عَنْ خَالِد الْحَذَّاء الَّتِي مَضَتْ فِي الشَّهَادَات \" وَيْحك قَطَعْت عُنُق صَاحِبك , قَطَعْت عُنُق صَاحِبك , مِرَارًا \" وَبَيَّنَ فِي رِوَايَة وُهَيْب الَّتِي سَأُنَبِّهُ عَلَيْهَا بَعْد أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنْ كَانَ أَحَدكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْعٍ \" وَقَالَ إِنْ كَانَ \" ‏ ‏قَوْله : ( لَا مَحَالَة ) ‏ ‏أَيْ لَا حِيلَة لَهُ فِي تَرْك ذَلِكَ وَهِيَ بِمَعْنَى لَا بُدَّ وَالْمِيم زَائِدَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ الْحَوْل أَيْ الْقُوَّة وَالْحَرَكَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلْيَقُلْ أَحْسِب كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يُرَى ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله أَيْ يُظَنّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْعٍ \" إِنْ كَانَ يَعْلَم ذَلِكَ \" وَكَذَا فِي رِوَايَة وُهَيْب. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّه حَسِيبه ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه وَبَعْد التَّحْتَانِيَّة السَّاكِنَة مُوَحَّدَة أَيْ كَافِيهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُنَا فَعِيل مِنْ الْحِسَاب أَيْ مُحَاسَبَة عَلَى عَمَله الَّذِي يَعْلَم حَقِيقَته , وَهِيَ جُمْلَة اِعْتِرَاضِيَّة , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : هِيَ مِنْ تَتِمَّة الْمَقُول , وَالْجُمْلَة الشَّرْطِيَّة حَال مِنْ فَاعِل فَلْيَقُلْ , وَالْمَعْنَى فَلْيَقُلْ أَحْسِب أَنَّ فُلَانًا كَذَا إِنْ كَانَ يُحْسَب ذَلِكَ مِنْهُ , وَاَللَّه يَعْلَم سِرّه لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُجَازِيه , وَلَا يَقُلْ أَتَيَقَّن وَلَا أَتَحَقَّق جَازِمًا بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يُزَكَّى عَلَى اللَّه أَحَد ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِيّ وَالسَّرَخْسِيّ بِفَتْحِ الْكَاف عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَلَا يُزَكِّي \" بِكَسْرِ الْكَاف عَلَى الْبِنَاء لِلْفَاعِلِ وَهُوَ الْمُخَاطَب أَوَّلًا الْمَقُول لَهُ فَلْيَقُلْ , وَكَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , وَفِي رِوَايَة غُنْدَر \" وَلَا أُزَكِّي \" بِهَمْزَةِ بَدَل التَّحْتَانِيَّة أَيْ لَا أَقْطَع عَلَى عَاقِبَة أَحَد وَلَا عَلَى مَا فِي ضَمِيره لِكَوْنِ ذَلِكَ مُغَيَّبًا عَنْهُ , وَجِيءَ بِذَلِكَ بِلَفْظِ الْخَبَر وَمَعْنَاهُ النَّهْي أَيْ لَا تُزَكُّوا أَحَدًا عَلَى اللَّه لِأَنَّهُ أَعْلَم بِكُمْ مِنْكُمْ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وُهَيْب عَنْ خَالِد ) ‏ ‏يَعْنِي بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدِّم ‏ ‏( وَيْلك ) ‏ ‏أَيْ وَقَعَ فِي رِوَايَته وَيْلك بَدَل وَيْحك , وَسَتَأْتِي رِوَايَة وُهَيْب مَوْصُولَة فِي \" بَاب مَا جَاءَ فِي قَوْل الرَّجُل وَيْلك \" وَيَأْتِي شَرْح هَذِهِ اللَّفْظَة هُنَاكَ. قَالَ اِبْن بَطَّال : حَاصِل النَّهْي أَنَّ مَنْ أَفْرَطَ فِي مَدْح آخَر بِمَا لَيْسَ فِيهِ لَمْ يَأْمَن عَلَى الْمَمْدُوح الْعُجْب لِظَنِّهِ أَنَّهُ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَة , فَرُبَّمَا ضَيَّعَ الْعَمَل وَالِازْدِيَاد مِنْ الْخَيْر اِتِّكَالًا عَلَى مَا وُصِفَ بِهِ , وَلِذَلِكَ تَأَوَّلَ الْعُلَمَاء فِي الْحَدِيث الْآخَر \" اُحْثُوا فِي وُجُوه الْمَدَّاحِينَ التُّرَاب \" أَنَّ الْمُرَاد مَنْ يَمْدَح النَّاس فِي وُجُوههمْ بِالْبَاطِلِ , وَقَالَ عُمَر : الْمَدْح هُوَ الذَّبْح. قَالَ : وَأَمَّا مَنْ مُدِحَ بِمَا فِيهِ فَلَا يَدْخُل فِي النَّهْي , فَقَدْ مُدِحَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْر وَالْخُطَب وَالْمُخَاطَبَة وَلَمْ يَحْثُ فِي وَجْه مَادِحه تُرَابًا. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. فَأَمَّا الْحَدِيث الْمُشَار إِلَيْهِ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث الْمِقْدَاد , وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ خَمْسَة أَقْوَال : أَحَدهَا هَذَا وَهُوَ حَمْله عَلَى ظَاهِره وَاسْتَعْمَلَهُ الْمِقْدَاد رَاوِي الْحَدِيث , وَالثَّانِي الْخَيْبَة وَالْحِرْمَان كَقَوْلِهِمْ لِمَنْ رَجَعَ خَائِبًا رَجَعَ وَكَفّه مَمْلُوءَة تُرَابًا. وَالثَّالِث قُولُوا لَهُ بِفِيك التُّرَاب , وَالْعَرَب تَسْتَعْمِل ذَلِكَ لِمَنْ تَكْرَه قَوْله. وَالرَّابِع أَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّق بِالْمَمْدُوحِ كَأَنْ يَأْخُذ تُرَابًا فَيَبْذُرهُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَتَذَكَّر بِذَلِكَ مَصِيره إِلَيْهِ فَلَا يَطْغَى بِالْمَدْحِ الَّذِي سَمِعَهُ. وَالْخَامِس الْمُرَاد بِحَثْوِ التُّرَاب فِي وَجْه الْمَادِح إِعْطَاؤُهُ مَا طُلِبَ لِأَنَّ كُلّ الَّذِي فَوْق التُّرَاب تُرَاب , وَبِهَذَا جَزَمَ الْبَيْضَاوِيّ وَقَالَ : شَبَّهَ الْإِعْطَاء بِالْحَثْيِ عَلَى سَبِيل التَّرْشِيح وَالْمُبَالَغَة فِي التَّقْلِيل وَالِاسْتِهَانَة , قَالَ الطِّيبِيُّ : وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد رَفْعُهُ عَنْهُ وَقَطْع لِسَانه عَنْ عِرْضه بِمَا يُرْضِيه مِنْ الرَّضْخ , وَالدَّافِع قَدْ يَدْفَع خَصْمه بِحَثْيِ التُّرَاب عَلَى وَجْهه اِسْتِهَانَة بِهِ. وَأَمَّا الْأَثَر عَنْ عُمَر فَوَرَدَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَأَحْمَد مِنْ حَدِيث مُعَاوِيَة \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ \" إِيَّاكُمْ وَالتَّمَادُح فَإِنَّهُ الذَّبْح \" وَإِلَى لَفْظ هَذِهِ الرِّوَايَة رَمَزَ الْبُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة , وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" مُطَوَّلًا وَفِيهِ \" وَإِيَّاكُمْ وَالْمَدْح فَإِنَّهُ مِنْ الذَّبْح \" وَأَمَّا مَا مُدِحَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ أَرْشَدَ مَادِحِيهِ إِلَى مَا يَجُوز مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى اِبْن مَرْيَم \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَقَدْ ضَبَطَ الْعُلَمَاء الْمُبَالَغَة الْجَائِزَة مِنْ الْمُبَالَغَة الْمَمْنُوعَة بِأَنَّ الْجَائِزَة يَصْحَبهَا شَرْط أَوْ تَقْرِيب , وَالْمَمْنُوعَة بِخِلَافِهَا , وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ عَنْ الْمَعْصُوم فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاج إِلَى قَيْد كَالْأَلْفَاظِ الَّتِي وَصَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا بَعْض الصَّحَابَة مِثْل قَوْله لِابْنِ عَمْرو \" نِعْمَ الْعَبْد عَبْد اللَّه \" وَغَيْر ذَلِكَ وَقَالَ الْغَزَالِيّ فِي \" الْإِحْيَاء \" آفَة الْمَدْح فِي الْمَادِح أَنَّهُ قَدْ يَكْذِب وَقَدْ يُرَائِي الْمَمْدُوح بِمَدْحِهِ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ ظَالِمًا , فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث أَنَس رَفَعَهُ \" إِذَا مُدِحَ الْفَاسِق غَضِبَ الرَّبّ \" أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَابْن أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْت , وَفِي سَنَده ضَعْف , وَقَدْ يَقُول مَا لَا يَتَحَقَّقهُ مِمَّا لَا سَبِيل لَهُ إِلَى الِاطِّلَاع عَلَيْهِ , وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" فَلْيَقُلْ أَحْسِب \" وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ إِنَّهُ وَرِع وَمُتَّقٍ وَزَاهِد , بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ : رَأَيْته يُصَلِّي أَوْ يَحُجّ أَوْ يُزَكِّي فَإِنَّهُ يُمْكِنهُ الِاطِّلَاع عَلَى ذَلِكَ , وَلَكِنْ تَبْقَى الْآفَة عَلَى الْمَمْدُوح , فَإِنَّهُ لَا يَأْمَن أَنْ يُحْدِث فِيهِ الْمَدْح كِبْرًا أَوْ إِعْجَابًا أَوْ يَكِلهُ عَلَى مَا شَهَرَهُ بِهِ الْمَادِح فَيَفْتُر عَنْ الْعَمَل ; لِأَنَّ الَّذِي يَسْتَمِرّ فِي الْعَمَل غَالِبًا هُوَ الَّذِي يَعُدّ نَفْسه مُقَصِّرًا , فَإِنْ سَلِمَ الْمَدْح مِنْ هَذِهِ الْأُمُور لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْس , وَرُبَّمَا كَانَ مُسْتَحَبًّا , قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ : مَنْ عَرَفَ نَفْسه لَمْ يَضُرّهُ الْمَدْح , وَقَالَ بَعْض السَّلَف : إِذَا مُدِحَ الرَّجُل فِي وَجْهه فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ , وَلَا تُؤَاخِذنِي بِمَا يَقُولُونَ , وَاجْعَلْنِي خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ , أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \". ‏"
    },
    {
        "id": "5602",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ ذَكَرَ فِي الْإِزَارِ مَا ذَكَرَ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ إِزَارِي يَسْقُطُ مِنْ أَحَدِ شِقَّيْهِ قَالَ ‏ ‏إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث اِبْن عُمَر مَوْصُولًا فِي قِصَّة جَرّ الْإِزَار \" فَقَالَ أَبُو بَكْر : إِنَّ إِزَارِي يَسْقُط مِنْ أَحَد شِقَّيْهِ , قَالَ : إِنَّك لَسْت مِنْهُمْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَبْسَط مِنْ هَذَا فِي كِتَاب اللِّبَاس , وَفِي لَفْظ \" إِنَّك لَسْت مِمَّنْ يَفْعَل ذَلِكَ خُيَلَاء \" وَهَذَا مِنْ جُمْلَة الْمَدْح , لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ صِدْقًا مَحْضًا وَكَانَ الْمَمْدُوح يُؤْمَن مَعَهُ الْإِعْجَاب وَالْكِبْر مُدِحَ بِهِ , وَلَا يَدْخُل ذَلِكَ فِي الْمَنْع , وَمَنْ جُمْلَة ذَلِكَ الْأَحَادِيث الْمُتَقَدِّمَة فِي مَنَاقِب الصَّحَابَة وَوُصِفَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ بِمَا وُصِفَ بِهِ مِنْ الْأَوْصَاف الْجَمِيلَة كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَر \" مَا لَقِيَك الشَّيْطَان سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْر فَجّك \" وَقَوْله لِلْأَنْصَارِيِّ \" عَجِبَ اللَّه مِنْ صُنْعكُمَا \" وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَار. ‏"
    },
    {
        "id": "5603",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَكَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَذَا وَكَذَا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي أَهْلَهُ وَلَا يَأْتِي قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقَالَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِي أَمْرٍ اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ أَتَانِي رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رِجْلَيَّ وَالْآخَرُ عِنْدَ رَأْسِي فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي مَا بَالُ الرَّجُلِ قَالَ مَطْبُوبٌ ‏ ‏يَعْنِي مَسْحُورًا ‏ ‏قَالَ وَمَنْ طَبَّهُ قَالَ ‏ ‏لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ ‏ ‏قَالَ وَفِيمَ قَالَ فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ فِي مُشْطٍ ‏ ‏وَمُشَاقَةٍ ‏ ‏تَحْتَ ‏ ‏رَعُوفَةٍ ‏ ‏فِي ‏ ‏بِئْرِ ذَرْوَانَ ‏ ‏فَجَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأُخْرِجَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلَّا تَعْنِي تَنَشَّرْتَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي وَأَمَّا أَنَا فَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا قَالَتْ ‏ ‏وَلَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي زُرَيْقٍ ‏ ‏حَلِيفٌ ‏ ‏لِيَهُودَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( مَطْبُوب , يَعْنِي مَسْحُورًا ) ‏ ‏هَذَا التَّفْسِير مُدْرَج فِي الْخَبَر , وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ عِنْدَ شَرْح الْحَدِيث فِي كِتَاب الطِّبّ , وَكَذَا قَوْله \" فَهَلَّا \" تَعْنِي تَنَشَّرْت. وَمَنْ قَالَ هُوَ مَأْخُوذ مِنْ النَّشْرَة أَوْ مِنْ نَشْرِ الشَّيْء بِمَعْنَى إِظْهَاره. وَكَيْف يُجْمَع بَيْنَ قَوْلهَا فَأُخْرِجَ وَبَيْنَ قَوْلهَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" هَلَّا اِسْتَخْرَجْته \" وَأَنَّ حَاصِله أَنَّ الْإِخْرَاج الْوَاقِع كَانَ لِأَصْلِ السِّحْر وَالِاسْتِخْرَاج الْمَنْفِيّ كَانَ لِأَجْزَاءِ السِّحْر , وَقَوْله فِي آخِره \" حَلِيف لِيَهُودٍ \" وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ هُنَا \" لِلْيَهُودِ \" بِزِيَادَةِ لَام ‏"
    },
    {
        "id": "5604",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( بِشْر بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْمَرْوَزِيُّ , ‏ ‏وَعَبْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله : ( إِيَّاكُمْ وَالظَّنّ ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره لَيْسَ الْمُرَاد تَرْك الْعَمَل بِالظَّنِّ الَّذِي تُنَاط بِهِ الْأَحْكَام غَالِبًا , بَلْ الْمُرَاد تَرْك تَحْقِيق الظَّنّ الَّذِي يَضُرّ بِالْمَظْنُونِ بِهِ , وَكَذَا مَا يَقَع فِي الْقَلْب بِغَيْرِ دَلِيل , وَذَلِكَ أَنَّ أَوَائِل الظُّنُون إِنَّمَا هِيَ خَوَاطِر لَا يُمْكِن دَفْعهَا , وَمَا لَا يَقْدِر عَلَيْهِ لَا يُكَلَّف بِهِ , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث \" تَجَاوَزَ اللَّه لِلْأُمَّةِ عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْمُرَاد بِالظَّنِّ هُنَا التُّهْمَة الَّتِي لَا سَبَب لَهَا كَمَنْ يَتَّهِم رَجُلًا بِالْفَاحِشَةِ مِنْ غَيْر أَنْ يَظْهَر عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِيهَا , وَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْله \" وَلَا تَجَسَّسُوا \" وَذَلِكَ أَنَّ الشَّخْص يَقَع لَهُ خَاطِر التُّهْمَة فَيُرِيد أَنْ يَتَحَقَّق فَيَتَجَسَّس وَيَبْحَث وَيَسْتَمِع , فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ , وَهَذَا الْحَدِيث يُوَافِق قَوْله تَعَالَى ( اِجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنّ , إِنَّ بَعْض الظَّنّ إِثْم , وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضكُمْ بَعْضًا ) فَدَلَّ سِيَاق الْآيَة عَلَى الْأَمْر بِصَوْنِ عِرْض الْمُسْلِم غَايَة الصِّيَانَة لِتَقَدُّمِ النَّهْي عَنْ الْخَوْض فِيهِ بِالظَّنِّ , فَإِنْ قَالَ الظَّانّ أَبْحَثُ لِأَتَحَقَّق , قِيلَ لَهُ ( وَلَا تَجَسَّسُوا ) فَإِنْ قَالَ تَحَقَّقْت مِنْ غَيْر تَجَسُّس قِيلَ لَهُ ( وَلَا يَغْتَبْ بَعْضكُمْ بَعْضًا ) وَقَالَ عِيَاض : اِسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ قَوْم عَلَى مَنْع الْعَمَل فِي الْأَحْكَام بِالِاجْتِهَادِ وَالرَّأْي , وَحَمَلَهُ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى ظَنٍّ مُجَرَّد عَنْ الدَّلِيل لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْل وَلَا تَحْقِيق نَظَرٍ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : لَيْسَ الْمُرَاد فِي الْحَدِيث بِالظَّنِّ مَا يَتَعَلَّق بِالِاجْتِهَادِ الَّذِي يَتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ أَصْلًا , بَلْ الِاسْتِدْلَال بِهِ لِذَلِكَ ضَعِيف أَوْ بَاطِل. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ضَعْفه ظَاهِر وَأَمَّا بُطْلَانه فَلَا , فَإِنَّ اللَّفْظ صَالِح لِذَلِكَ , وَلَا سِيَّمَا إِنْ حُمِلَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاض وَقَدْ قَرَّبَهُ فِي \" الْمُفْهِم \" وَقَالَ : الظَّنّ الشَّرْعِيّ الَّذِي هُوَ تَغْلِيب أَحَد الْجَانِبَيْنِ أَوْ هُوَ بِمَعْنَى الْيَقِين لَيْسَ مُرَادًا مِنْ الْحَدِيث وَلَا مِنْ الْآيَة. فَلَا يُلْتَفَت لِمَنْ اِسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى إِنْكَار الظَّنّ الشَّرْعِيّ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : اِحْتَجَّ بِهِ بَعْض الشَّافِعِيَّة عَلَى مَنْ قَالَ بِسَدِّ الذَّرِيعَة فِي الْبَيْع فَأَبْطَلَ بَيْع الْعِينَة , وَوَجْه الِاسْتِدْلَال النَّهْي عَنْ الظَّنّ بِالْمُسْلِمِ شَرًّا , فَإِذَا بَاعَ شَيْئًا حُمِلَ عَلَى ظَاهِره الَّذِي وَقَعَ الْعَقْد بِهِ وَلَمْ يَبْطُل بِمُجَرَّدِ تَوَهُّم أَنَّهُ سَلَكَ بِهِ مَسْلَك الْحِيلَة , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَأَمَّا وَصْف الظَّنّ بِكَوْنِهِ أَكْذَب الْحَدِيث , مَعَ أَنَّ تَعَمُّد الْكَذِب الَّذِي لَا يَسْتَنِد إِلَى ظَنٍّ أَصْلًا أَشَدُّ مِنْ الْأَمْر الَّذِي يَسْتَنِد إِلَى الظَّنّ , فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الظَّنّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ هُوَ الَّذِي لَا يَسْتَنِد إِلَى شَيْء يَجُوز الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ فَيُعْتَمَد عَلَيْهِ وَيُجْعَل أَصْلًا وَيُجْزَم بِهِ , فَيَكُون الْجَازِم بِهِ كَاذِبًا ; وَإِنَّمَا صَارَ أَشَدَّ مِنْ الْكَاذِب ; لِأَنَّ الْكَذِب فِي أَصْله مُسْتَقْبَح مُسْتَغْنًى عَنْ ذَمّه , بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّ صَاحِبه بِزَعْمِهِ مُسْتَنِد إِلَى شَيْء فَوُصِفَ بِكَوْنِهِ أَشَدَّ الْكَذِب مُبَالَغَة فِي ذَمّه وَالتَّنْفِير مِنْهُ , وَإِشَارَة إِلَى أَنَّ الِاغْتِرَار بِهِ أَكْثَر مِنْ الْكَذِب الْمَحْض لِخَفَائِهِ غَالِبًا وَوُضُوح الْكَذِب الْمَحْض. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ الظَّنّ أَكْذَب الْحَدِيث ) ‏ ‏قَدْ اِسْتُشْكِلَ تَسْمِيَة الظَّنّ حَدِيثًا , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد عَدَم مُطَابَقَة الْوَاقِع سَوَاء كَانَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَا يَنْشَأ عَنْ الظَّنّ فَوُصِفَ الظَّنّ بِهِ مَجَازًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا ) ‏ ‏إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ بِالْجِيمِ وَالْأُخْرَى بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة , وَفِي كُلّ مِنْهُمَا حَذْف إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا , وَكَذَا فِي بَقِيَّة الْمَنَاهِي الَّتِي فِي حَدِيث الْبَاب , وَالْأَصْل تَتَحَسَّسُوا , قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ لَا تَبْحَثُوا عَنْ عُيُوب النَّاس وَلَا تَتَّبِعُوهَا , قَالَ اللَّه تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام ( اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُف وَأَخِيهِ ) وَأَصْل هَذِهِ الْكَلِمَة الَّتِي بِالْمُهْمَلَةِ مِنْ الْحَاسَّة إِحْدَى الْحَوَاسّ الْخَمْس , وَبِالْجِيمِ مِنْ الْجَسّ بِمَعْنَى اِخْتِبَار الشَّيْء بِالْيَدِ وَهِيَ إِحْدَى الْحَوَاسّ , فَتَكُون الَّتِي بِالْحَاءِ أَعَمَّ. وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ : هُمَا بِمَعْنًى وَاحِد , وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : ذَكَرَ الثَّانِي لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِمْ بُعْدًا وَسُخْطًا , وَقِيلَ بِالْجِيمِ الْبَحْث عَنْ عَوْرَاتهمْ وَبِالْحَاءِ اِسْتِمَاع حَدِيث الْقَوْم , وَهَذَا رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير أَحَد صِغَار التَّابِعِينَ. وَقِيلَ بِالْجِيمِ الْبَحْث عَنْ بَوَاطِن الْأُمُور وَأَكْثَر مَا يُقَال فِي الشَّرّ , وَبِالْحَاءِ الْبَحْث عَمَّا يُدْرَك بِحَاسَّةِ الْعَيْن وَالْأُذُن وَرَجَّحَ هَذَا الْقُرْطُبِيّ , وَقِيلَ بِالْجِيمِ تَتَبُّع الشَّخْص لِأَجْلِ غَيْره وَبِالْحَاءِ تَتَبُّعه لِنَفْسِهِ وَهَذَا اِخْتِيَار ثَعْلَب , وَيُسْتَثْنَى مِنْ النَّهْي عَنْ التَّجَسُّس مَا لَوْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى إِنْقَاذ نَفْس مِنْ الْهَلَاك مَثَلًا كَأَنْ يُخْبِر ثِقَة بِأَنَّ فُلَانًا خَلَا بِشَخْصٍ لِيَقْتُلهُ ظُلْمًا , أَوْ بِامْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا , فَيُشْرَع فِي هَذِهِ الصُّورَة التَّجَسُّس وَالْبَحْث عَنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِنْ فَوَات اِسْتِدْرَاكه , نَقَلَهُ النَّوَوِيّ عَنْ \" الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة \" لِلْمَاوَرْدِيِّ وَاسْتَجَادَهُ , وَأَنَّ كَلَامه : لَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَبْحَث عَمَّا لَمْ يَظْهَر مِنْ الْمُحَرَّمَات وَلَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنّ اِسْتِسْرَار أَهْلهَا بِهَا إِلَّا هَذِهِ الصُّورَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَحَاسَدُوا ) ‏ ‏الْحَسَد تَمَنِّي الشَّخْص زَوَال النِّعْمَة عَنْ مُسْتَحِقّ لَهَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَسْعَى فِي ذَلِكَ أَوْ لَا , فَإِنْ سَعَى كَانَ بَاغِيًا , وَإِنْ لَمْ يَسْعَ فِي ذَلِكَ وَلَا أَظْهَرَهُ وَلَا تَسَبَّبَ فِي تَأْكِيد أَسْبَاب الْكَرَاهَة الَّتِي نُهِيَ الْمُسْلِم عَنْهَا فِي حَقّ الْمُسْلِم نُظِرَ : فَإِنْ كَانَ الْمَانِع لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْعَجْز بِحَيْثُ لَوْ تَمَكَّنَ لَفَعَلَ فَهَذَا مَأْزُور , وَإِنْ كَانَ الْمَانِع لَهُ مِنْ ذَلِكَ التَّقْوَى فَقَدْ يُعْذَر لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيع دَفْع الْخَوَاطِر النَّفْسَانِيَّة فَيَكْفِيه فِي مُجَاهَدَتهَا أَنْ لَا يَعْمَل بِهَا وَلَا يَعْزِم عَلَى الْعَمَل بِهَا , وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة رَفَعَهُ \" ثَلَاث لَا يَسْلَم مِنْهَا أَحَد : الطِّيَرَة وَالظَّنّ وَالْحَسَد. قِيلَ : فَمَا الْمَخْرَج مِنْهَا يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَا : إِذَا تَطَيَّرْت فَلَا تَرْجِع , وَإِذَا ظَنَنْت فَلَا تُحَقِّق , وَإِذَا حَسَدْت فَلَا تَبْغِ \" وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ قَالَ : مَا مِنْ آدَمِيّ إِلَّا وَفِيهِ الْحَسَد. فَمَنْ لَمْ يُجَاوِز ذَلِكَ إِلَى الْبَغْي وَالظُّلْم لَمْ يَتْبَعهُ مِنْهُ شَيْء. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَدَابَرُوا ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا تَتَهَاجَرُوا فَيَهْجُر أَحَدكُمْ أَخَاهُ , مَأْخُوذ مِنْ تَوْلِيَة الرَّجُل الْآخَر دُبُره إِذَا أَعْرَضَ عَنْهُ حِين يَرَاهُ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : قِيلَ لِلْإِعْرَاضِ مُدَابَرَة لِأَنَّ مَنْ أَبْغَضَ أَعْرَضَ وَمَنْ أَعْرَضَ وَلَّى دُبُره , وَالْمُحِبّ بِالْعَكْسِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَسْتَأْثِر أَحَدكُمْ عَلَى الْآخَر , وَقِيلَ لِلْمُسْتَأْثِرِ مُسْتَدْبِر لِأَنَّهُ يُوَلِّي دُبُره حِين يَسْتَأْثِر بِشَيْءٍ دُون الْآخَر وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : مَعْنَى التَّدَابُر الْمُعَادَاة يَقُول دَابَرْتُهُ أَيْ عَادَيْته. وَحَكَى عِيَاض أَنَّ مَعْنَاهُ لَا تُجَادِلُوا وَلَكِنْ تَعَاوَنُوا , وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَقَدْ فَسَّرَهُ مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" بِأَخَصّ مِنْهُ فَقَالَ إِذْ سَاقَ حَدِيث الْبَاب عَنْ الزُّهْرِيّ بِهَذَا السَّنَد : وَلَا أَحْسِب التَّدَابُر إِلَّا الْإِعْرَاض عَنْ السَّلَام , يُدْبِر عَنْهُ بِوَجْهِهِ. وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ بَقِيَّة الْحَدِيث \" يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِض هَذَا وَيُعْرِض هَذَا , وَخَيْرهمَا الَّذِي يَبْدَأ بِالسَّلَامِ \" فَإِنَّهُ يُفْهِم أَنَّ صُدُور السَّلَام مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدهمَا يَرْفَع ذَلِكَ الْإِعْرَاض , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي \" بَاب الْهِجْرَة \" وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ الْحُسَيْن بْن الْحَسَن الْمَرْوَزِيُّ فِي \" زِيَادَات كِتَاب الْبِرّ وَالصِّلَة \" لِابْنِ الْمُبَارَك بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَنَس قَالَ : التَّدَابُر التَّصَارُم. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَبَاغَضُوا ) ‏ ‏أَيْ لَا تَتَعَاطَوْا أَسْبَاب الْبُغْض , لِأَنَّ الْبُغْض لَا يُكْتَسَب اِبْتِدَاء. وَقِيلَ الْمُرَاد النَّهْي عَنْ الْأَهْوَاء الْمُضِلَّة الْمُقْتَضِيَة لِلتَّبَاغُضِ. قُلْت : بَلْ هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْأَهْوَاء , لِأَنَّ تَعَاطِي الْأَهْوَاء ضَرْب مِنْ ذَلِكَ , وَحَقِيقَة التَّبَاغُض أَنْ يَقَع بَيْنَ اِثْنَيْنِ وَقَدْ يُطْلَق إِذَا كَانَ مِنْ أَحَدهمَا , وَالْمَذْمُوم مِنْهُ مَا كَانَ فِي غَيْر اللَّه تَعَالَى , فَإِنَّهُ وَاجِب فِيهِ وَيُثَاب فَاعِله لِتَعْظِيمِ حَقّ اللَّه وَلَوْ كَانَا أَوْ أَحَدهمَا عِنْدَ اللَّه مِنْ أَهْل السَّلَامَة , كَمَنْ يُؤَدِّيه اِجْتِهَاده إِلَى اِعْتِقَاد يُنَافِي الْآخَر فَيَبْغُضهُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مَعْذُور عِنْدَ اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( وَكُونُوا عِبَاد اللَّه إِخْوَانًا ) ‏ ‏بِلَفْظِ الْمُنَادِي الْمُضَاف , زَادَ مُسْلِم فِي آخِره مِنْ رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّه \" وَمِثْله عِنْدَه مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ أَنَس , وَهَذِهِ الْجُمْلَة تُشْبِه التَّعْلِيل لِمَا تَقَدَّمَ , كَأَنَّهُ قَالَ إِذَا تَرَكْتُمْ هَذِهِ الْمَنْهِيَّات كُنْتُمْ إِخْوَانًا وَمَفْهُومه إِذَا لَمْ تَتْرُكُوهَا تَصِيرُوا أَعْدَاء , وَمَعْنَى كُونُوا إِخْوَانًا اِكْتَسِبُوا مَا تَصِيرُونَ بِهِ إِخْوَانًا مِمَّا سَبَقَ ذِكْره وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور الْمُقْتَضِيَة لِذَلِكَ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا , وَقَوْله \" عِبَاد اللَّه \" بِحَذْفِ حَرْف النِّدَاء , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّكُمْ عَبِيد اللَّه فَحَقّكُمْ أَنْ تَتَوَاخُوا بِذَلِكَ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْمَعْنَى كُونُوا كَإِخْوَانِ النَّسَب فِي الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة وَالْمَحَبَّة وَالْمُوَاسَاة وَالْمُعَاوَنَة وَالنَّصِيحَة , وَلَعَلَّ قَوْله فِي الرِّوَايَة الزَّائِدَة \" كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّه \" أَيْ بِهَذِهِ الْأَوَامِر الْمُقَدَّم ذِكْرهَا فَإِنَّهَا جَامِعَة لِمَعَانِي الْأُخُوَّة , وَنِسْبَتهَا إِلَى اللَّه ; لِأَنَّ الرَّسُول مُبَلِّغ عَنْ اللَّه , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا \" لَا أَقُول إِلَّا مَا أَقُول \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّه \" الْإِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة ) فَإِنَّهُ خَبَر عَنْ الْحَالَة الَّتِي شُرِعَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ , فَهُوَ بِمَعْنَى الْأَمْر , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : تَضَمَّنَ الْحَدِيث تَحْرِيم بُغْض الْمُسْلِم وَالْإِعْرَاض عَنْهُ وَقَطِيعَته بَعْد صُحْبَته بِغَيْرِ ذَنْب شَرْعِيّ , وَالْحَسَد لَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ , وَأَنْ يُعَامِلهُ مُعَامَلَة الْأَخ النَّسِيب , وَأَنْ لَا يُنَقِّب عَنْ مَعَايِبه , وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَاضِر وَالْغَائِب , وَقَدْ يَشْتَرِك الْمَيِّت مَعَ الْحَيّ فِي كَثِير مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ هَمَّام فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الزِّيَادَة \" وَلَا تَنَافَسُوا \" وَكَذَا وَقَعَتْ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ رِوَايَة الْأَعْرَج وَبَيَّنَ الِاخْتِلَاف فِيهَا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي آخِره \" كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّه \" وَقَدْ نَبَّهْت عَلَيْهَا. وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِيهِ \" وَلَا يَبِعْ بَعْضكُمْ عَلَى بَيْع بَعْض \" وَأَفْرَدَ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي الْبُيُوع مِنْ وَجْه آخَر , وَمِثْله مِنْ رِوَايَة أَبِي سَعِيد مَوْلَى عَامِر بْن كُرَيْز عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَزَادَ بَعْد قَوْله إِخْوَانًا \" الْمُسْلِم أَخُو الْمُسْلِم لَا يَظْلِمهُ وَلَا يَخْذُلهُ وَلَا يَحْقِرهُ , بِحَسْبِ اِمْرِئٍ مِنْ الشَّرّ أَنْ يَحْقِر أَخَاهُ الْمُسْلِم , كُلّ الْمُسْلِم عَلَى الْمُسْلِم حَرَام : دَمه وَمَاله وَعِرْضه , التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِير إِلَى صَدْره \" وَزَادَ فِي رِوَايَة أُخْرَى مِنْ هَذِهِ الطَّرِيق \" إِنَّ اللَّه لَا يَنْظُر إِلَى أَجْسَادكُمْ وَلَا إِلَى صُوَركُمْ , وَلَكِنْ يَنْظُر إِلَى قُلُوبكُمْ \" وَقَدْ أَفْرَدَهَا أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَزَادَ الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَة جَعْفَر بْن رَبِيعَة عَنْ الْأَعْرَج فِيهِ زِيَادَة سَأَذْكُرُهَا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. وَهَذِهِ الطَّرِيق مِنْ رِوَايَة مَوْلَى عَامِر أَجْمَع مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَكَأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّث بِهِ أَحْيَانًا مُخْتَصَرًا وَطَوْرًا بِتَمَامِهِ , وَقَدْ فَرَّقَهُ بَعْض الرُّوَاة أَحَادِيث , وَمِمَّنْ وَقَعَ عِنْدَه بَعْضه مُفَرَّقًا اِبْن مَاجَهْ فِي كِتَاب الزُّهْد مِنْ كِتَابه وَهُوَ حَدِيث عَظِيم اِشْتَمَلَ عَلَى جُمَل مِنْ الْفَوَائِد وَالْآدَاب الْمُحْتَاج إِلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5605",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس : ‏ ‏قَوْله : ( لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا ) ‏ ‏هَكَذَا اِقْتَصَرَ الْحُفَّاظ مِنْ أَصْحَاب الزُّهْرِيّ عَنْهُ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَة , وَزَادَ عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق عَنْهُ فِيهِ \" وَلَا تَنَافَسُوا \" ذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي \" التَّمْهِيد \" وَالْخَطِيب فِي \" الْمُدْرَج \" قَالَ : وَهَكَذَا قَالَ سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم عَنْ مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب , وَقَدْ قَالَ الْخَطِيب وَابْن عَبْد الْبَرّ : خَالَفَ سَعِيد جَمِيع الرُّوَاة عَنْ مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" وَغَيْره فَإِنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا هَذِهِ الْكَلِمَة فِي حَدِيث أَنَس , وَإِنَّمَا هِيَ عِنْدَهمْ فِي حَدِيث مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَاد , أَيْ الْحَدِيث الَّذِي يَلِي هَذَا , فَأَدْرَجَهَا اِبْن أَبِي مَرْيَم فِي إِسْنَاد حَدِيث أَنَس , وَكَذَا قَالَ حَمْزَة الْكِنَانِيّ : لَا أَعْلَم أَحَدًا قَالَهَا عَنْ مَالِك فِي حَدِيث أَنَس غَيْر سَعِيد , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حُكْم التَّهَاجُر , وَالتَّنْبِيه عَلَى زِيَادَة وَقَعَتْ فِي آخِر حَدِيث أَنَس هَذَا بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5606",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا ‏ ‏تَنَاجَشُوا ‏ ‏وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ رِوَايَة مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْهُ فَقَطْ , وَزَعَمَ اِبْن بَطَّال وَتَبِعَهُ اِبْن التِّين أَنَّ الْبُخَارِيّ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث أَنَس - أَيْ الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله - ثُمَّ حَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب أَنَّ مُطَابَقَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّ الْبُغْض وَالْحَسَد يَنْشَآنِ عَنْ سُوء الظَّنّ , قَالَ اِبْن التِّين : وَذَلِكَ أَنَّهُمَا يَتَأَوَّلَانِ أَفْعَال مَنْ يُبْغِضَانِهِ وَيَحْسُدَانِهِ عَلَى أَسْوَأ التَّأْوِيل ا ه. وَاَلَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ فِي النُّسَخ الَّتِي وَقَعَتْ لَنَا كُلّهَا أَنَّ حَدِيث أَنَس فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله وَلَا إِشْكَال فِيهِ. ‏ ‏قَوْله فِيهِ ‏ ‏( وَلَا تَنَاجَشُوا ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع النُّسَخ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا مِنْ الْبُخَارِيّ بِالْجِيمِ وَالشِّين الْمُعْجَمَة , مِنْ النَّجْش وَهُوَ أَنْ يَزِيد فِي السِّلْعَة وَهُوَ لَا يُرِيد شِرَاءَهَا لِيَقَع غَيْره فِيهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه وَحُكْمه فِي كِتَاب الْبُيُوع , وَاَلَّذِي فِي جَمِيع الرِّوَايَات عَنْ مَالِك بِلَفْظِ \" وَلَا تَنَافَسُوا \" بِالْفَاءِ وَالسِّين الْمُهْمَلَة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْمُوَطَّآت \" مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب وَمَعْن وَابْن الْقَاسِم وَإِسْحَاق بْن عِيسَى بْن الطَّبَّاع وَرَوْح بْن عُبَادَةَ وَيَحْيَى بْن يَحْيَى التَّمِيمِيّ وَالْقَعْنَبِيّ وَيَحْيَى بْن بُكَيْرٍ وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر الْوَرَكَانِيّ وَأَبِي مُصْعَب وَأَبِي حُذَافَة كُلّهمْ عَنْ مَالِك , وَكَذَا ذَكَرَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن يَحْيَى اللَّيْثِيِّ وَغَيْره عَنْ مَالِك , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى التَّمِيمِيّ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَلَكِنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح بِلَفْظِ \" وَلَا تَنَاجَشُوا \" كَمَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيّ وَمَنْ طَرِيق أَبِي سَعِيد مَوْلَى عَامِر بْن كُرَيْز كَذَلِكَ فَاخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَبِي هُرَيْرَة ثُمَّ أَبِي صَالِح عَنْهُ , فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يُخْتَلَف فِيهَا عَلَى مَالِك , إِلَّا أَنِّي مَا وَجَدْت مَا يُعَضِّد رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن يُوسُف هَذِهِ , وَيَبْعُد أَنْ يَجْتَمِع الْجَمِيع عَلَى شَيْء وَيَنْفَرِد وَاحِد بِخِلَافِهِ وَيَكُون مَحْفُوظًا , وَلَمْ أَرَ الْحَدِيث فِي نُسْخَتِي مِنْ \" مُسْتَخْرَج الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَصْلًا فَلَا أَدْرِي سَقَطَ عَلَيْهِ أَوْ سَقَطَ مِنْ النُّسْخَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ رِوَايَة الْوَرَكَانِيّ عَنْ مَالِك وَوَقَعَ فِيهِ عِنْدَه وَلَا تَنَافَسُوا كَالْجَمَاعَةِ , وَلَكِنَّهُ قَالَ فِي آخِره : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف عَنْ مَالِك وَلَمْ يُنَبِّه عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَة , فَمَا أَدْرِي هَلْ وَقَعَ فِي نُسْخَته عَلَى وِفَاق الْجَمَاعَة أَوْ عَلَى مَا عِنْدَنَا وَلَمْ يَعْتَنِ بِبَيَانِ ذَلِكَ , وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا الْمَوْضِع حَتَّى أَنَّ الْحُمَيْدِيّ سَاقَهُ مِنْ الْبُخَارِيّ وَحْده مِنْ رِوَايَة جَعْفَر بْن رَبِيعَة عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَهَذِهِ الطَّرِيق قَدْ مَضَتْ فِي أَوَائِل النِّكَاح , وَلَيْسَ فِيهَا هَذِهِ اللَّفْظَة الْمُخْتَلَف فِيهَا وَلَكِنَّ فِيهَا بَعْد قَوْله إِخْوَانًا \" وَلَا يَخْطُب الرَّجُل عَلَى خِطْبَة أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِح أَوْ يَتْرُك \" قَالَ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث مَالِك فَسَاقَهُ بِهَذَا السَّنَد وَالْمَتْن بِتَمَامِهِ دُون اللَّفْظَة الَّتِي أَتَكَلَّم عَلَيْهَا وَقَالَ : هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب , وَأَغْفَلَهُ أَبُو مَسْعُود , وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة شُعَيْب عَنْ أَبِي الزِّنَاد , وَلَمْ أَجِد ذَلِكَ فِيهِ إِلَّا مِنْ رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس , قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْوه , وَمَنْ رِوَايَة طَاوُسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْل رِوَايَة الْأَعْرَج سَوَاء. قُلْت : وَرِوَايَة طَاوُسٍ تَأْتِي فِي الْفَرَائِض. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ رِوَايَة مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَاد فَسَاقَهُ وَفِيهِ \" وَلَا تَنَافَسُوا \" قَالَ : فَهُوَ مُتَّفَق عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَة مَالِك لَا مِنْ أَفْرَاد الْبُخَارِيّ وَكَأَنَّهُ اِسْتَدْرَكَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسه , وَالْغَرَض مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحُمَيْدِيّ مَعَ تَتَبُّعه وَاعْتِنَائِهِ لَمْ يُنَبِّه عَلَى مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة مِنْ الِاخْتِلَاف , وَكَذَا أَغْفَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ التَّنْبِيه عَلَيْهَا , وَهِيَ عَلَى شَرْطه فِي \" التَّمْهِيد \" وَكَذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَلَوْ تَفَطَّنَ لَهَا لَسَاقَهَا فِي \" غَرَائِب مَالِك \" كَعَادَتِهِ فِي أَنْظَارهَا , وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّض لَهَا فَلَعَلَّهَا مِنْ تَغْيِير بَعْض الرُّوَاة بَعْد الْبُخَارِيّ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5607",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏كَانَا رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُنَافِقِينَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏بِهَذَا وَقَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمًا وَقَالَ يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ دِينَنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَا أَظُنّ فُلَانًا وَفُلَانًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَتهمَا , وَقَدْ ذَكَرَ اللَّيْث فِي الرِّوَايَة الْأُولَى أَنَّهُمَا كَانَا مُنَافِقَيْنِ. ‏ ‏قَوْله : ( يَعْرِفَانِ مِنْ دِيننَا شَيْئًا ) ‏ ‏وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى يَعْرِفَانِ دِيننَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ , قَالَ الدَّاوُدِيُّ : تَأْوِيل اللَّيْث بَعِيد , وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِف جَمِيع الْمُنَافِقِينَ , كَذَا قَالَ , وَقَالَ غَيْره : الْحَدِيث لَا يُطَابِق التَّرْجَمَة لِأَنَّ فِي التَّرْجَمَة إِثْبَات الظَّنّ وَفِي الْحَدِيث نَفْي الظَّنّ , وَالْجَوَاب أَنَّ النَّفْي فِي الْحَدِيث لِظَنِّ النَّفْي لَا لِنَفْيِ الظَّنّ فَلَا تَنَافِي بَيْنَه وَبَيْنَ التَّرْجَمَة , وَحَاصِل التَّرْجَمَة أَنَّ مِثْل هَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي الْحَدِيث لَيْسَ مِنْ الظَّنّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ فِي مَقَام التَّحْذِير مِنْ مِثْل مَنْ كَانَ حَاله كَحَالِ الرَّجُلَيْنِ , وَالنَّهْي إِنَّمَا هُوَ عَنْ الظَّنّ السُّوء بِالْمُسْلِمِ السَّالِم فِي دِينه وَعِرْضه , وَقَدْ قَالَ اِبْن عُمَر : إِنَّا كُنَّا إِذَا فَقَدْنَا الرَّجُل فِي عِشَاء الْآخِرَة أَسَأْنَا بِهِ الظَّنّ , وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَغِيب إِلَّا لِأَمْرٍ سَيِّئ إِمَّا فِي بَدَنه وَإِمَّا فِي دِينه. ‏"
    },
    {
        "id": "5608",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْأُوَيْسِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَخِي اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم الزُّهْرِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِأَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد الْعَزِيز شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه اِبْن أَخِي اِبْن شِهَاب \" وَقَدْ رَوَى إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيّ نَفْسه الْكَبِير , وَرُبَّمَا أَدْخَلَ بَيْنَهمَا وَاسِطَة مِثْل هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن أَخِي اِبْن شِهَاب عَنْ عَمّه أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( كُلّ أُمَّتِي مُعَافًى ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء مَقْصُور اِسْم مَفْعُول مِنْ الْعَافِيَة وَهُوَ إِمَّا بِمَعْنَى عَفَا اللَّه عَنْهُ وَإِمَّا سَلَّمَهُ اللَّه وَسَلِمَ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ ) ‏ ‏كَذَا هُوَ لِلْأَكْثَرِ وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسْلِم وَمُسْتَخْرِجِي الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم بِالنَّصْبِ , وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ \" إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ \" بِالرَّفْعِ وَعَلَيْهَا شَرْح اِبْن بَطَّال وَابْن التِّين وَقَالَ. كَذَا وَقَعَ , وَصَوَابه عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ بِالنَّصْبِ , وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ الرَّفْع فِي الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطِع , كَذَا قَالَ , وَقَالَ اِبْن مَالِك \" إِلَّا \" عَلَى هَذَا بِمَعْنَى لَكِنْ , وَعَلَيْهَا خَرَّجُوا قِرَاءَة اِبْن كَثِير وَأَبِي عَمْرو \" وَلَا يَلْتَفِت مِنْكُمْ أَحَد إِلَّا اِمْرَأَتك \" أَيْ لَكِنْ اِمْرَأَتك \" أَنَّهُ مُصِيبهَا مَا أَصَابَهُمْ \" وَكَذَلِكَ هُنَا الْمَعْنَى. لَكِنْ الْمُجَاهِرُونَ بِالْمَعَاصِي لَا يُعَافُونَ , فَالْمُجَاهِرُونَ مُبْتَدَأ وَالْخَبَر مَحْذُوف. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : حَقُّ الْكَلَام النَّصْب إِلَّا أَنْ يُقَال الْعَفْو بِمَعْنَى التَّرْك وَهُوَ نَوْع مِنْ النَّفْي , وَمُحَصَّل الْكَلَام كُلّ وَاحِد مِنْ الْأُمَّة يُعْفَى عَنْ ذَنْبه وَلَا يُؤَاخَذ بِهِ إِلَّا الْفَاسِق الْمُعْلِن ا ه. وَاخْتَصَرَهُ مِنْ كَلَام الطِّيبِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ : كَتَبَ فِي نُسْخَة \" الْمَصَابِيح \" الْمُجَاهِرُونَ بِالرَّفْعِ وَحَقّه النَّصْب , وَأَجَابَ بَعْض شُرَّاح الْمَصَابِيح بِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْله مُعَافًى وَهُوَ فِي مَعْنَى النَّفْي , أَيْ كُلّ أُمَّتِي لَا ذَنْب عَلَيْهِمْ إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْأَظْهَر أَنْ يُقَال الْمَعْنَى كُلّ أُمَّتِي يُتْرَكُونَ فِي الْغِيبَة إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ , وَالْعَفْو بِمَعْنَى التَّرْك وَفِيهِ مَعْنَى النَّفْي كَقَوْلِهِ : ( وَيَأْبَى اللَّه إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُوره ) وَالْمُجَاهِر الَّذِي أَظْهَرَ مَعْصِيَته وَكَشَفَ مَا سَتَرَ اللَّه عَلَيْهِ فَيُحَدِّث بِهَا , وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيّ أَنَّ مَنْ جَاهَرَ بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَته جَازَ ذِكْره بِمَا جَاهَرَ بِهِ دُون مَا لَمْ يُجَاهِر بِهِ ا ه. وَالْمُجَاهِر فِي هَذَا الْحَدِيث يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَنْ جَاهَرَ بِكَذَا بِمَعْنَى جَهَرَ بِهِ. وَالنُّكْتَة فِي التَّعْبِير بِفَاعِلِ إِرَادَة الْمُبَالَغَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِر الْمُفَاعَلَة وَالْمُرَاد الَّذِي يُجَاهِر بَعْضهمْ بَعْضًا بِالتَّحَدُّثِ بِالْمَعَاصِي , وَبَقِيَّة الْحَدِيث تُؤَكِّد الِاحْتِمَال الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَة ) ‏ ‏كَذَا لِابْنِ السَّكَن وَالْكُشْمِيهَنِيّ وَعَلَيْهِ شَرْح اِبْن بَطَّال , وَلِلْبَاقِينَ \" الْمَجَانَة \" بَدَلَ الْمُجَاهَرَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" وَإِنَّ مِنْ الْإِجْهَار \" كَذَا عِنْدَ مُسْلِم , وَفِي رِوَايَة لَهُ \" الْجِهَار \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" الْإِهْجَار \" وَفِي رِوَايَة لِأَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" وَإِنْ مِنْ الْهِجَار \" فَتَحَصَّلْنَا عَلَى أَرْبَعَة أَشْهَرهَا الْجِهَار ثُمَّ تَقْدِيم الْهَاء وَبِزِيَادَةِ أَلِف قَبْل كُلّ مِنْهُمَا , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَا أَعْلَم أَنِّي سَمِعْت هَذِهِ اللَّفْظَة فِي شَيْء مِنْ الْحَدِيث , يَعْنِي إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث. وَقَالَ عِيَاض : وَقَعَ لِلْعَذَرِيّ وَالسِّجْزِيّ فِي مُسْلِم الْإِجْهَار وَلِلْفَارِسِيِّ الْإِهْجَار وَقَالَ فِي آخِره : وَقَالَ زُهَيْر الْجِهَار , هَذِهِ الرِّوَايَات مِنْ طَرِيق اِبْن سُفْيَان وَابْن أَبِي مَاهَان عَنْ مُسْلِم , وَفِي أُخْرَى عَنْ اِبْن سُفْيَان فِي رِوَايَة زُهَيْر الْهِجَار , قَالَ عِيَاض : الْجِهَار وَالْإِجْهَار وَالْمُجَاهَرَة كُلّه صَوَاب بِمَعْنَى الظُّهُور وَالْإِظْهَار , وَيُقَال جَهَرَ وَأَجْهَرَ بِقَوْلِهِ وَقِرَاءَته إِذَا أَظْهَرَ وَأَعْلَنَ لِأَنَّهُ رَاجِع لِتَفْسِيرِ قَوْله أَوَّلًا \" إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ \" قَالَ وَأَمَّا الْمَجَانَة فَتَصْحِيف وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهَا لَا يَبْعُد هُنَا ; لِأَنَّ الْمَاجِن هُوَ الَّذِي يَسْتَهْتِر فِي أُمُوره وَهُوَ الَّذِي لَا يُبَالِي بِمَا قَالَ وَمَا قِيلَ لَهُ. قُلْت : بَلْ الَّذِي يَظْهَر رُجْحَان هَذِهِ الرِّوَايَة لِأَنَّ الْكَلَام الْمَذْكُور بَعْده لَا يَرْتَاب أَحَد أَنَّهُ مِنْ الْمُجَاهَرَة فَلَيْسَ فِي إِعَادَة ذِكْره كَبِير فَائِدَة , وَأَمَّا الرِّوَايَة بِلَفْظِ الْمَجَانَة فَتُفِيد مَعْنًى زَائِدًا وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يُجَاهِر بِالْمَعْصِيَةِ يَكُون مِنْ جُمْلَة الْمُجَّان , وَالْمَجَانَة مَذْمُومَة شَرْعًا وَعُرْفًا , فَيَكُون الَّذِي يُظْهِر الْمَعْصِيَة قَدْ اِرْتَكَبَ مَحْذُورَيْنِ : إِظْهَار الْمَعْصِيَة وَتَلَبُّسه بِفِعْلِ الْمُجَّان , قَالَ عِيَاض : وَأَمَّا الْإِهْجَار فَهُوَ الْفُحْش وَالْخَنَاء وَكَثْرَة الْكَلَام , وَهُوَ قَرِيب مِنْ مَعْنَى الْمَجَانَة , يُقَال أَهْجَرَ فِي كَلَامه , وَكَأَنَّهُ أَيْضًا تَصْحِيف مِنْ الْجِهَار أَوْ الْإِجْهَار وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى لَا يَبْعُد أَيْضًا هُنَا , وَأَمَّا لَفْظ الْهِجَار فَبَعِيد لَفْظًا وَمَعْنًى لِأَنَّ الْهِجَار الْحَبْل أَوْ الْوِتْر تُشَدّ بِهِ يَد الْبَعِير أَوْ الْحَلْقَة الَّتِي يُتَعَلَّم فِيهَا الطَّعْن وَلَا يَصِحّ لَهُ هُنَا مَعْنًى , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْت : بَلْ لَهُ مَعْنًى صَحِيح أَيْضًا فَإِنَّهُ يُقَال هَجَرَ وَأَهْجَرَ إِذَا أَفْحَشَ فِي كَلَامه فَهُوَ مِثْل جَهَرَ وأَجْهَرَ , فَمَا صَحَّ فِي هَذَا صَحَّ فِي هَذَا , وَلَا يَلْزَم مِنْ اِسْتِعْمَال الْهِجَار بِمَعْنَى الْحَبْل أَوْ غَيْره أَنْ لَا يُسْتَعْمَل مَصْدَرًا مِنْ الْهُجْر بِضَمِّ الْهَاء. ‏ ‏قَوْله : ( الْبَارِحَة ) ‏ ‏هِيَ أَقْرَب لَيْلَة مَضَتْ مِنْ وَقْت الْقَوْل , تَقُول لَقِيته الْبَارِحَة , وَأَصْلهَا مِنْ بَرِحَ إِذَا زَالَ. وَوَرَدَ فِي الْأَمْر بِالسِّتْرِ فِي الْأَمْر حَدِيث لَيْسَ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ وَهُوَ حَدِيث اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" اِجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَات الَّتِي نَهَى اللَّه عَنْهَا , فَمَنْ أَلَمَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّه \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ الْحَاكِم , وَهُوَ فِي \" الْمُوَطَّأ \" مِنْ مُرْسَل زَيْد بْن أَسْلَمَ , قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي الْجَهْر بِالْمَعْصِيَةِ اِسْتِخْفَاف بِحَقِّ اللَّه وَرَسُوله وَبِصَالِحِي الْمُؤْمِنِينَ , وَفِيهِ ضَرْب مِنْ الْعِنَاد لَهُمْ , وَفِي السِّتْر بِهَا السَّلَامَة مِنْ الِاسْتِخْفَاف , لِأَنَّ الْمَعَاصِي تُذِلّ أَهْلهَا , وَمِنْ إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ فِيهِ حَدّ وَمَنْ التَّعْزِير إِنْ لَمْ يُوجِب حَدًّا , وَإِذَا تَمَحَّضَ حَقّ اللَّه فَهُوَ أَكْرَم الْأَكْرَمِينَ وَرَحْمَته سَبَقَتْ غَضَبه , فَلِذَلِكَ إِذَا سَتَرَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَفْضَحهُ فِي الْآخِرَة , وَاَلَّذِي يُجَاهِر يَفُوتهُ جَمِيع ذَلِكَ , وَبِهَذَا يُعْرَف مَوْقِع إِيرَاد حَدِيث النَّجْوَى عَقِب حَدِيث الْبَاب , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَتْ مُطَابَقَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّهَا مَعْقُودَة لِسَتْرِ الْمُؤْمِن عَلَى نَفْسه وَاَلَّذِي فِي الْحَدِيث سَتْر اللَّه عَلَى الْمُؤْمِن , وَالْجَوَاب أَنَّ الْحَدِيث مُصَرِّح بِذَمِّ مَنْ جَاهَرَ بِالْمَعْصِيَةِ فَيَسْتَلْزِم مَدْح مَنْ يَسْتَتِر , وَأَيْضًا فَإِنَّ سِتْر اللَّه مُسْتَلْزِم لِسِتْرِ الْمُؤْمِن عَلَى نَفْسه , فَمَنْ قَصَدَ إِظْهَار الْمَعْصِيَة وَالْمُجَاهَرَة بِهَا أَغْضَبَ رَبّه فَلَمْ يَسْتُرهُ , وَمَنْ قَصَدَ التَّسَتُّر بِهَا حَيَاء مِنْ رَبّه وَمِنْ النَّاس مَنَّ اللَّه عَلَيْهِ بِسِتْرِهِ إِيَّاهُ , وَقِيلَ إِنَّ الْبُخَارِيّ يُشِير بِذِكْرِ هَذَا الْحَدِيث فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى تَقْوِيَة مَذْهَبه أَنَّ أَفْعَال الْعِبَاد مَخْلُوقَة لِلَّهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5609",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏سَأَلَ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ فِي النَّجْوَى قَالَ يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ وَيَقُولُ عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ صَفْوَان بْن مُحْرِز ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ \" حَدَّثَنَا صَفْوَان \" وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهَا فِي تَفْسِير سُورَة هُود , وَصَفْوَان مَازِنِيّ بَصْرِيّ وَأَبُوهُ بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَكَسْر الرَّاء ثُمَّ الزَّاي مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق عَنْهُ عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْن وَقَدْ ذَكَرَهُمَا فِي عِدَّة مَوَاضِع. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ الْمَاضِيَة فِي الْمَظَالِم عَنْ صَفْوَان قَالَ \" بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ اِبْن عُمَر آخُذ بِيَدِهِ \" وَفِي رِوَايَة سَعِيد وَهِشَام عَنْ قَتَادَةَ فِي تَفْسِير هُود \" بَيْنَمَا اِبْن عُمَر يَطُوف إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُل \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم السَّائِل لَكِنْ يُمْكِن أَنْ يَكُون هُوَ سَعِيد بْن جُبَيْر فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقه قَالَ \" قُلْت لِابْنِ عُمَر حَدِّثْنِي \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( كَيْف سَمِعْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد وَهِشَام \" فَقَالَ يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن \" وَهِيَ كُنْيَة عَبْد اللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( كَيْف سَمِعْت رَسُول اللَّه يَقُول فِي النَّجْوَى ) هِيَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْمَرْء يُسْمِع نَفْسه وَلَا يُسْمِع غَيْره , أَوْ يُسْمِع غَيْره سِرًّا دُون مَنْ يَلِيه , قَالَ الرَّاغِب : نَاجَيْته إِذَا سَارَرْته , وَأَصْله أَنْ تَخْلُو فِي نَجْوَة مِنْ الْأَرْض , وَقِيلَ أَصْله مِنْ النَّجَاة وَهِيَ أَنْ تَنْجُو بِسِرِّك مِنْ أَنْ يُطَّلَع عَلَيْهِ , وَالنَّجْوَى أَصْله الْمَصْدَر , وَقَدْ يُوصَف بِهَا فَيُقَال هُوَ نَجْوَى وَهُمْ نَجْوَى , وَالْمُرَاد بِهَا هُنَا الْمُنَاجَاة الَّتِي تَقَع مِنْ الرَّبّ سُبْحَانه وَتَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة مَعَ الْمُؤْمِنِينَ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : أَطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ النَّجْوَى لِمُقَابَلَةِ مُخَاطَبَة الْكُفَّار عَلَى رُءُوس الْأَشْهَاد هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( يَدْنُو أَحَدكُمْ مِنْ رَبّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة \" يَدْنُو الْمُؤْمِن مِنْ رَبّه \" أَيْ يَقْرَب مِنْهُ قُرْب كَرَامَة وَعُلُوّ مَنْزِلَة. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَضَع كَنَفه ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْكَاف وَالنُّون بَعْدهَا فَاء أَيْ جَانِبه , وَالْكَنَف أَيْضًا السِّتْر وَهُوَ الْمُرَاد هُنَا , وَالْأَوَّل مَجَاز فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى كَمَا يُقَال فُلَان فِي كَنَف فُلَان أَيْ فِي حِمَايَته وَكِلَاءَته. وَذَكَرَ عِيَاض أَنَّ بَعْضهمْ صَحَّفَهُ تَصْحِيفًا شَنِيعًا فَقَالَ بِالْمُثَنَّاةِ بَدَل النُّون وَيُؤَيِّد الرِّوَايَة الصَّحِيحَة أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر بِلَفْظِ \" يَجْعَلهُ فِي حِجَابه \" زَادَ فِي رِوَايَة هَمَّام \" وَسِتْره \". ‏ ‏قَوْله : ( فَيَقُول عَمِلْت كَذَا وَكَذَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هَمَّام فَيَقُول \" أَتَعْرِفُ ذَنْب كَذَا وَكَذَا \" زَادَ فِي رِوَايَة سَعِيد وَهِشَام \" فَيُقَرِّرهُ بِذُنُوبِهِ \" وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر \" فَيَقُول لَهُ اِقْرَأْ صَحِيفَتك فَيَقْرَأ , وَيُقَرِّرهُ بِذَنْبٍ ذَنْب , وَيَقُول أَتَعْرِفُ أَتَعْرِفُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَيَقُول نَعَمْ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة هَمَّام \" أَيْ رَبّ \" وَفِي رِوَايَة سَعِيد وَهِشَام \" فَيَقُول أَعْرِف \". ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ يَقُول إِنِّي سَتَرْتهَا عَلَيْك فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرهَا لَك الْيَوْم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر \" فَيَلْتَفِت يَمْنَة وَيَسْرَة فَيَقُول : لَا بَأْس عَلَيْك إِنَّك فِي سِتْرِي لَا يَطَّلِع عَلَى ذُنُوبك غَيْرِي \" زَادَ هَمَّام وَسَعِيد وَهِشَام فِي رِوَايَتهمْ \" فَيُعْطَى كِتَاب حَسَنَاته \" وَوَقَعَ فِي بَعْض رِوَايَات سَعِيد وَهِشَام \" فَيُطْوَى \" وَهُوَ خَطَأ , وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر \" اِذْهَبْ فَقَدْ غَفَرْتهَا لَك \" وَوَقَعَ عِنْدَ الثَّلَاثَة \" وَأَمَّا الْكَافِر وَالْمُنَافِق \" وَلِبَعْضِهِمْ \" الْكُفَّار وَالْمُنَافِقُونَ \" وَفِي رِوَايَة سَعِيد وَهِشَام \" وَأَمَّا الْكَافِر فَيُنَادَى عَلَى رُءُوس الْأَشْهَاد : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبّهمْ , أَلَا لَعْنَة اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير هُود أَنَّ الْأَشْهَاد جَمْع شَاهِد مِثْل أَصْحَاب وَصَاحِب , وَهُوَ أَيْضًا جَمْع شَهِيد كَشَرِيفٍ وَأَشْرَاف , قَالَ الْمُهَلَّب : فِي الْحَدِيث تَفَضُّل اللَّه عَلَى عِبَاده بِسِتْرِهِ لِذُنُوبِهِمْ يَوْم الْقِيَامَة , وَأَنَّهُ يَغْفِر ذُنُوب مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ , بِخِلَافِ قَوْل مَنْ أَنْفَذَ الْوَعِيد عَلَى أَهْل الْإِيمَان لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ فِي هَذَا الْحَدِيث مِمَّنْ يَضَع عَلَيْهِ كَنَفه وَسِتْره أَحَدًا إِلَّا الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ فَإِنَّهُمْ الَّذِينَ يُنَادَى عَلَيْهِمْ عَلَى رُءُوس الْأَشْهَاد بِاللَّعْنَةِ. قُلْت : قَدْ اِسْتَشْعَرَ الْبُخَارِيّ هَذَا فَأَوْرَدَ فِي كِتَاب الْمَظَالِم هَذَا الْحَدِيث وَمَعَهُ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّار حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّة وَالنَّار يَتَقَاصُّونَ مَظَالِم كَانَتْ بَيْنَهمْ فِي الدُّنْيَا , حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُول الْحِنَة \" الْحَدِيث , فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالذُّنُوبِ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر مَا يَكُون بَيْنَ الْمَرْء وَرَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى دُون مَظَالِم الْعِبَاد , فَمُقْتَضَى الْحَدِيث أَنَّهَا تَحْتَاج إِلَى الْمُقَاصَصَة , وَدَلَّ حَدِيث الشَّفَاعَة أَنَّ بَعْض الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْعُصَاة يُعَذَّب بِالنَّارِ ثُمَّ يُخْرَج مِنْهَا بِالشَّفَاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي كِتَاب الْإِيمَان , فَدَلَّ مَجْمُوع الْأَحَادِيث عَلَى أَنَّ الْعُصَاة مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْقِيَامَة عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدهمَا مَنْ مَعْصِيَته بَيْنَه وَبَيْنَ رَبّه , فَدَلَّ حَدِيث اِبْن عُمَر عَلَى أَنَّ هَذَا الْقِسْم عَلَى قِسْمَيْنِ : قِسْم تَكُون مَعْصِيَته مَسْتُورَة فِي الدُّنْيَا فَهَذَا الَّذِي يَسْتُرهَا اللَّه عَلَيْهِ فِي الْقِيَامَة وَهُوَ بِالْمَنْطُوقِ , وَقِسْم تَكُون مَعْصِيَته مُجَاهَرَة فَدَلَّ مَفْهُومه عَلَى أَنَّهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَالْقِسْم الثَّانِي مَنْ تَكُون مَعْصِيَته بَيْنَه وَبَيْنَ الْعِبَاد فَهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ أَيْضًا : قِسْم تَرْجَح سَيِّئَاتهمْ عَلَى حَسَنَاتهمْ فَهَؤُلَاءِ يَقَعُونَ فِي النَّار ثُمَّ يُخْرَجُونَ بِالشَّفَاعَةِ , وَقِسْم تَتَسَاوَى سَيِّئَاتهمْ وَحَسَنَاتهمْ فَهَؤُلَاءِ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة حَتَّى يَقَع بَيْنَهمْ التَّقَاصّ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي سَعِيد , وَهَذَا كُلّه بِنَاء عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة أَنْ يَفْعَلهُ بِاخْتِيَارِهِ , وَإِلَّا فَلَا يَجِب عَلَى اللَّه شَيْء وَهُوَ يَفْعَل فِي عِبَاده مَا يَشَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "5610",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ الْقَيْسِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَاعِفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ ‏ ‏لَأَبَرَّهُ ‏ ‏أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ كُلُّ ‏ ‏عُتُلٍّ ‏ ‏جَوَّاظٍ ‏ ‏مُسْتَكْبِرٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ ‏ ‏أَهْلِ الْمَدِينَةِ ‏ ‏لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث حَارِثَة بْن وَهْب وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة ن , وَالْغَرَض مِنْهُ وَصْف الْمُسْتَكْبِر بِأَنَّهُ مِنْ أَهْل النَّار. ‏ ‏وَقَوْله \" أَلَا أُخْبِركُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّة ؟ كُلّ ضَعِيف \" ‏ ‏هُوَ بِرَفْعِ كُلّ لِأَنَّ التَّقْدِير هُمْ كُلّ ضَعِيف إِلَخْ وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون بَدَلًا مِنْ أَهْل. ‏ ‏حَدِيث أَنَس : ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ مُحَمَّد بْن عِيسَى ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي نَجِيح الْمَعْرُوف بِابْنِ الطَّبَّاع بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَة وَمُوَحَّدَة ثَقِيلَة , وَهُوَ أَبُو جَعْفَر الْبَغْدَادِيّ نَزِيل أَذَنَة بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْمُعْجَمَة وَالنُّون , وَهُوَ ثِقَة عَالِم بِحَدِيثِ هُشَيْمٍ حَتَّى قَالَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ سَمِعْت يَحْيَى الْقَطَّان وَابْن مَهْدِيّ يَسْأَلَانِهِ عَنْ حَدِيث هُشَيْمٍ , وَقَالَ أَبُو حَاتِم : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عِيسَى بْن الطَّبَّاع الثِّقَة الْمَأْمُون , وَرَجَّحَهُ عَلَى أَخِيهِ إِسْحَاق بْن عِيسَى وَإِسْحَاق أَكْثَر مِنْ مُحَمَّد. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : كَانَ يَتَفَقَّه , وَكَانَ يَحْفَظ نَحْو أَرْبَعِينَ أَلْف حَدِيث , وَمَاتَ سَنَة أَرْبَع وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ , وَحَدَّثَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَا وَاسِطَة. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثه بِوَاسِطَةٍ , وَلَمْ أَرَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع وَمَوْضِع آخَر فِي الْحَجّ \" قَالَ مُحَمَّد بْن عِيسَى حَدَّثَنَا \" قَالَ حَمَّاد وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ نُسَخ الْبُخَارِيّ تَصْرِيحه عَنْهُ بِالتَّحْدِيثِ , وَقَدْ قَالَ أَبُو نُعَيْم بَعْد تَخْرِيجه ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ بِلَا رِوَايَة , وَأَمَّا الْإِسْمَاعِيلِيّ فَإِنَّهُ قَالَ : قَالَ الْبُخَارِيّ قَالَ مُحَمَّد بْن عِيسَى فَذَكَرَهُ وَلَمْ يُخَرِّج لَهُ سَنَدًا , وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجه عَلَى أَبِي نُعَيْم أَيْضًا , فَسَاقَهُ فِي مُسْتَخْرَجه مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ , وَغَفَلَ عَنْ كَوْنه فِي مُسْنَد أَحْمَد وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ هُشَيْمٍ شَيْخ مُحَمَّد بْن عِيسَى فِيهِ , وَإِنَّمَا عَدَلَ الْبُخَارِيّ عَنْ تَخْرِيجه عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل لِتَصْرِيحِ حُمَيْدٍ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عِيسَى بِالتَّحْدِيثِ , فَإِنَّهُ عِنْدَه عَنْ هُشَيْمٍ \" أَنْبَأَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَس \" وَحُمَيْدٌ مُدَلِّس , وَالْبُخَارِيّ يُخَرِّج لَهُ مَا صَرَّحَ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَتَنْطَلِق بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد \" فَتَنْطَلِق بِهِ فِي حَاجَتهَا \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ أَنَس \" إِنْ كَانَتْ الْوَلِيدَة مِنْ وَلَائِد أَهْل الْمَدِينَة لَتَجِيء فَتَأْخُذ بِيَدِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا يَنْزِع يَده مِنْ يَدهَا حَتَّى تَذْهَب بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَالْمَقْصُود مِنْ الْأَخْذ بِالْيَدِ لَازِمُهُ وَهُوَ الرِّفْق وَالِانْقِيَاد. وَقَدْ اِشْتَمَلَ عَلَى أَنْوَاع مِنْ الْمُبَالَغَة فِي التَّوَاضُع لِذِكْرِهِ الْمَرْأَة دُون الرَّجُل , وَالْأَمَة دُون الْحُرَّة , وَحَيْثُ عَمَّمَ بِلَفْظِ الْإِمَاء أَيّ أَمَة كَانَتْ , وَبِقَوْلِهِ \" حَيْثُ شَاءَتْ \" أَيْ مِنْ الْأَمْكِنَة. وَالتَّعْبِير بِالْأَخْذِ بِالْيَدِ إِشَارَة إِلَى غَايَة التَّصَرُّف حَتَّى لَوْ كَانَتْ حَاجَتهَا خَارِج الْمَدِينَة وَالْتَمَسَتْ مِنْهُ مُسَاعَدَتهَا فِي تِلْكَ الْحَاجَة عَلَى ذَلِكَ , وَهَذَا دَالّ عَلَى مَزِيد تَوَاضُعه وَبَرَاءَته مِنْ جَمِيع أَنْوَاع الْكِبْر صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَمّ الْكِبْر وَمَدْح التَّوَاضُع أَحَادِيث , مِنْ أَصَحّهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" لَا يَدْخُل الْجَنَّة مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ كِبْر فَقِيلَ : إِنَّ الرَّجُل يُحِبّ أَنْ يَكُون ثَوْبه حَسَنًا وَنَعْله حَسَنًا , قَالَ : الْكِبْر بَطَر الْحَقّ وَغَمْط النَّاس \" وَالْغَمْط بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم بَعْدهَا مُهْمَلَة هُوَ الِازْدِرَاء وَالِاحْتِقَار , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم بِلَفْظِ \" الْكِبْر مَنْ بَطِرَ الْحَقّ وَازْدَرَى النَّاس \" وَالسَّائِل الْمَذْكُور يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ثَابِت بْن قَيْس فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَن عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ , وَكَذَا أَخْرَجَ مِنْ حَدِيث سَوَاد بْن عَمْرو أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ , وَأَخْرَجَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" الْكِبْر السَّفَه عَنْ الْحَقّ , وَغَمْص النَّاس. فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : السَّفَه أَنْ يَكُون لَك عَلَى رَجُل مَال فَيُنْكِرهُ فَيَأْمُرهُ رَجُل بِتَقْوَى اللَّه فَيَأْبَى , وَالْغَمْص أَنْ يَجِيء شَامِخًا بِأَنْفِهِ , وَإِذَا رَأَى ضُعَفَاء النَّاس وَفُقَرَاءَهُمْ لَمْ يُسَلِّم عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَجْلِس إِلَيْهِمْ مَحْقَرَة لَهُمْ \" وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيء مِنْ الْكِبْر وَالْغُلُول وَالدَّيْن دَخَلَ الْجَنَّة \" وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد رَفَعَهُ \" مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَة رَفَعَهُ اللَّه دَرَجَة حَتَّى يَجْعَلهُ اللَّه فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ , وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللَّه دَرَجَة وَضَعَهُ اللَّه دَرَجَة حَتَّى يَجْعَلهُ فِي أَسْفَل سَافِلِينَ \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" عَنْ اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" إِيَّاكُمْ وَالْكِبْر , فَإِنَّ الْكِبْر يَكُون فِي الرَّجُل وَإِنَّ عَلَيْهِ الْعَبَاءَة \" وَرُوَاته ثِقَات , وَحَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ الطَّبَرِيِّ أَنَّ الْمُرَاد بِالْكِبْرِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الْكُفْر , بِدَلِيلِ قَوْله فِي الْأَحَادِيث \" عَلَى اللَّه \" ثُمَّ قَالَ : وَلَا يُنْكِر أَنْ يَكُون مِنْ الْكِبْر مَا هُوَ اِسْتِكْبَار عَلَى غَيْر اللَّه تَعَالَى وَلَكِنَّهُ غَيْر خَارِج عَنْ مَعْنَى مَا قُلْنَاهُ ; لِأَنَّ مُعْتَقِد الْكِبْر عَلَى رَبّه يَكُون لِخَلْقِ اللَّه أَشَدّ اِسْتِحْقَارًا اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث عِيَاض بْن حَمَّاد بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمِيم أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" إِنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِي أَحَد عَلَى أَحَد \" الْحَدِيث , وَالْأَمْر بِالتَّوَاضُعِ نَهْي عَنْ الْكِبْر فَإِنَّهُ ضِدّه , وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْكُفْر وَغَيْره وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ فِي حَقّ الْمُسْلِم فَقِيلَ : لَا يَدْخُل الْجَنَّة مَعَ أَوَّل الدَّاخِلِينَ , وَقِيلَ لَا يَدْخُلهَا بِدُونِ مُجَازَاة , وَقِيلَ جَزَاؤُهُ أَنْ لَا يَدْخُلهَا وَلَكِنْ قَدْ يُعْفَى عَنْهُ , وَقِيلَ وَرَدَ مَوْرِد الزَّجْر وَالتَّغْلِيظ , وَظَاهِره غَيْر مُرَاد. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة حَال دُخُولهَا وَفِي قَلْبه كِبْر , حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ , وَاسْتَضْعَفَهُ النَّوَوِيّ فَأَجَادَ لِأَنَّ الْحَدِيث سِيقَ لِذَمِّ الْكِبْر وَصَاحِبه لَا لِلْإِخْبَارِ عَنْ صِفَة دُخُول أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة قَالَ الطِّيبِيُّ : الْمَقَام يَقْتَضِي حَمْل الْكِبْر عَلَى مَنْ يَرْتَكِب الْبَاطِل ; لِأَنَّ تَحْرِير الْجَوَاب إِنْ كَانَ اِسْتِعْمَال الزِّينَة لِإِظْهَارِ نِعْمَة اللَّه فَهُوَ جَائِز أَوْ مُسْتَحَبّ , وَإِنْ كَانَ لِلْبَطَرِ الْمُؤَدِّي إِلَى تَسْفِيه الْحَقّ وَتَحْقِير النَّاس وَالصَّدّ عَنْ سَبِيل اللَّه فَهُوَ الْمَذْمُوم. ‏"
    },
    {
        "id": "5611",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ ‏ ‏هُوَ ‏ ‏ابْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏وَهُوَ ابْنُ أَخِي ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأُمِّهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏حُدِّثَتْ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَ فِي بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَاللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَوْ لَأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا فَقَالَتْ أَهُوَ قَالَ هَذَا قَالُوا نَعَمْ قَالَتْ هُوَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لَا أُكَلِّمَ ‏ ‏ابْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَبَدًا فَاسْتَشْفَعَ ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏إِلَيْهَا حِينَ طَالَتْ الْهِجْرَةُ فَقَالَتْ لَا وَاللَّهِ لَا أُشَفِّعُ فِيهِ أَبَدًا وَلَا ‏ ‏أَتَحَنَّثُ ‏ ‏إِلَى نَذْرِي فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى ‏ ‏ابْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏كَلَّمَ ‏ ‏الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ‏ ‏وَهُمَا مِنْ ‏ ‏بَنِي زُهْرَةَ ‏ ‏وَقَالَ لَهُمَا أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ لَمَّا أَدْخَلْتُمَانِي عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَإِنَّهَا لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْذِرَ قَطِيعَتِي فَأَقْبَلَ بِهِ ‏ ‏الْمِسْوَرُ ‏ ‏وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏مُشْتَمِلَيْنِ بِأَرْدِيَتِهِمَا حَتَّى اسْتَأْذَنَا عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَقَالَا السَّلَامُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ أَنَدْخُلُ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏ادْخُلُوا قَالُوا كُلُّنَا قَالَتْ نَعَم ادْخُلُوا كُلُّكُمْ وَلَا تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا ‏ ‏ابْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏الْحِجَابَ فَاعْتَنَقَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِي ‏ ‏وَطَفِقَ ‏ ‏الْمِسْوَرُ ‏ ‏وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏يُنَاشِدَانِهَا إِلَّا مَا كَلَّمَتْهُ وَقَبِلَتْ مِنْهُ وَيَقُولَانِ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنْ الْهِجْرَةِ فَإِنَّهُ ‏ ‏لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏مِنْ التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيجِ طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمَا نَذْرَهَا وَتَبْكِي وَتَقُولُ إِنِّي نَذَرْتُ وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ فَلَمْ يَزَالَا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتْ ‏ ‏ابْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا ‏",
        "sharh": "فِيهِ عَنْ ثَلَاثَة مِنْ الصَّحَابَة شَيْء مَرْفُوع وَبَاقِيه عَنْهُمْ وَعَنْ رَابِع مَوْقُوف. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَوْف بْن الطُّفَيْل وَهُوَ اِبْن أَخِي عَائِشَة ) ‏ ‏كَذَا عِنْدَ النَّسَفِيّ وَأَبِي ذَرّ , وَعِنْدَ غَيْرهمَا وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ أَبِي الْيَمَان شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ \" عَوْف بْن مَالِك بْن الطُّفَيْل , وَهُوَ اِبْن أَخِي عَائِشَة لِأُمِّهَا \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ وَصَالِح بْن كَيْسَانَ وَمَعْمَر ثَلَاثَتهمْ عَنْ الزُّهْرِيّ , فَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْهُ \" حَدَّثَنِي الطُّفَيْل بْن الْحَارِث وَكَانَ مِنْ أَزْد شَنُوءَة وَكَانَ أَخًا لَهَا مِنْ أُمّهَا أُمّ رُومَان \" وَفِي رِوَايَة صَالِح عَنْهُ \" حَدَّثَنِي عَوْف بْن الطُّفَيْل بْن الْحَارِث وَهُوَ اِبْن أَخِي عَائِشَة لِأُمِّهَا \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" عَوْف بْن الْحَارِث بْن الطُّفَيْل \" قَالَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ : هَكَذَا اِخْتَلَفُوا وَالصَّوَاب عِنْدِي وَهُوَ الْمَعْرُوف عَوْف بْن الْحَارِث بْن الطُّفَيْل بْن سَخْبَرَةَ يَعْنِي بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة بَيْنَهمَا مُعْجَمَة سَاكِنَة , قَالَ : وَالطُّفَيْل أَبُوهُ هُوَ الَّذِي رَوَى عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْ رِبْعِيّ بْن حِرَاش عَنْهُ , يَعْنِي حَدِيث \" لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّه وَشَاءَ فُلَان \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ , وَكَذَا أَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق مَعْمَر وَالْأَوْزَاعِيِّ , وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي \" كِتَاب النَّهْي عَنْ الْهِجْرَان \" بَعْد أَنْ أَوْرَدَ مِنْ طَرِيق مَعْمَر وَشُعَيْب وَصَالِح وَالْأَوْزَاعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ , وَمَنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن مُسَافِر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عَوْف بْن الْحَارِث بْن الطُّفَيْل , وَمَنْ طَرِيق النُّعْمَان بْن رَاشِد عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ الْمِسْوَر : هَذَا وَهْمٌ , قَالَ : وَكَذَا وَهِمَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي قَوْله الطُّفَيْل بْن الْحَارِث وَصَالِح فِي قَوْله عَوْف بْن الطُّفَيْل بْن الْحَارِث , وَأَصَابَ مَعْمَر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد فِي قَوْلهمَا عَوْف بْن الْحَارِث بْن الطُّفَيْل , كَذَا قَالَ , ثُمَّ قَالَ : الَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْحَارِث بْن سَخْبَرَةَ الْأَزْدِيَّ قَدِمَ مَكَّة وَمَعَهُ اِمْرَأَته أُمّ رُومَان بِنْت عَامِر الْكِنَانِيَّة فَحَالَفَ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق , ثُمَّ مَاتَ فَخَلَفَ أَبُو بَكْر عَلَى أُمّ رُومَان فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْد الرَّحْمَن وَعَائِشَة وَكَانَ لَهَا مِنْ الْحَارِث الطُّفَيْل بْن الْحَارِث فَهُوَ أَخُو عَائِشَة لِأُمِّهَا , وَوَلَدَ الطُّفَيْل بْن الْحَارِث عَوْفًا , وَلَهُ عَنْ عَائِشَة رِوَايَة غَيْر هَذِهِ , وَهُوَ الَّذِي حَدَّثَ عَنْهُ الزُّهْرِيّ اِنْتَهَى. فَعَلَى هَذَا يَكُون الَّذِي أَصَابَ فِي تَسْمِيَته وَنَسَبه صَالِح بْن كَيْسَانَ , وَأَمَّا مَعْمَر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد فَقَلَبَاهُ , وَالْأَوَّل هُوَ الَّذِي صَوَّبَهُ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ , فَالرِّوَايَة الَّتِي ذَكَرَهَا الْحَرْبِيّ عَنْهُ هِيَ رِوَايَة الْوَلِيد بْن مُسْلِم , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْن كَثِير عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَلَى وَفْق رِوَايَة مَعْمَر وَابْن خَالِد , وَأَمَّا شُعَيْب فِي رِوَايَة أَحْمَد فَقَلَبَ الْحَارِث أَيْضًا فَسَمَّاهُ مَالِكًا , وَحَذَفَهُ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ فَأَصَابَ وَسَكَتَ عَنْ تَسْمِيَة جَدّه , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد كَذَلِكَ. وَإِذَا تَحَرَّرَ ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ الَّذِي جَزَمَ بِهِ اِبْن الْأَثِير فِي \" جَامِع الْأُصُول \" مِنْ أَنَّهُ عَوْف بْن مَالِك بْن الطُّفَيْل لَيْسَ بِجَيِّدٍ , وَالِاخْتِلَاف الْمَذْكُور كُلّه فِي تَحْرِير اِسْم الرَّاوِي هُنَا عَنْ عَائِشَة وَنَسَبه إِلَّا رِوَايَة النُّعْمَان بْن رَاشِد فَإِنَّهَا شَاذَّة ; لِأَنَّهُ قَلَبَ شَيْخ الزُّهْرِيّ فَجَعَلَهُ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَالْمَحْفُوظ رِوَايَة الْجَمَاعَة , عَلَى أَنَّ لِلْخَبَرِ مِنْ رِوَايَة عُرْوَة أَصْلًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل مَنَاقِب قُرَيْش لَكِنَّهُ مِنْ غَيْر رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ عَائِشَة حُدِّثَتْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ أَوَّله وَبِحَذْفِ الْمَفْعُول , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" حَدَّثَتْهُ \" وَالْأَوَّل أَصَحّ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" أَنَّ عَائِشَة بَلَغَهَا \" , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عَلَى الْوَجْهَيْنِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة صَالِح أَيْضًا \" حَدَّثَتْهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فِي بَيْع أَوْ عَطَاء أَعْطَتْهُ عَائِشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" فِي دَار لَهَا بَاعَتْهَا , فَسَخِطَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر بَيْع تِلْكَ الدَّار \". ‏ ‏قَوْله : ( لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَة ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" فَقَالَ : أَمَا وَاَللَّه لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَة عَنْ بَيْع رِبَاعهَا \" وَهَذَا مُفَسِّر لِمَا أُبْهِمَ فِي رِوَايَة غَيْره , وَكَذَا لِمَا تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب قُرَيْش مِنْ طَرِيق عُرْوَة قَالَ \" كَانَتْ عَائِشَة لَا تُمْسِك شَيْئًا , فَمَا جَاءَهَا مِنْ رِزْق اللَّه تَصَدَّقَتْ بِهِ \" وَهَذَا لَا يُخَالِف الَّذِي هُنَا لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون بَاعَتْ الرِّبَاع لِتَتَصَدَّق بِثَمَنِهَا , وَقَوْله \" لَتَنْتَهِيَنَّ أَوْ لَأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا \" هَذَا أَيْضًا يُفَسِّر قَوْله فِي رِوَايَة عُرْوَة \" يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذ عَلَى يَدهَا \". ‏ ‏قَوْله : ( لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْر أَنْ لَا أُكَلِّم اِبْن الزُّبَيْر أَبَدًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد \" كَلِمَة أَبَدًا \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" بِكَلِمَةٍ \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ بَدَل قَوْله أَبَدًا \" حَتَّى يُفَرِّق الْمَوْت بَيْنِي وَبَيْنَه \" قَالَ اِبْن التِّين : قَوْلهَا \" أَنْ لَا أُكَلِّم \" تَقْدِيره عَلَيَّ نَذْر إِنْ كَلَّمْته ا ه. وَوَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات بِحَذْفِ \" لَا \" وَشَرَحَ عَلَيْهَا الْكَرْمَانِيُّ وَضَبَطَهَا بِالْكَسْرِ بِصِيغَةِ الشَّرْط قَالَ : وَهُوَ الْمُوَافِق لِلرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَة فِي مَنَاقِب قُرَيْش بِلَفْظِ \" لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْر إِنْ كَلَّمْته \" فَعَلَى هَذَا يَكُون النَّذْر مُعَلَّقًا عَلَى كَلَامه لَا أَنَّهَا نَذَرَتْ تَرْك كَلَامه نَاجِزًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَشْفَعَ اِبْن الزُّبَيْر إِلَيْهَا حِين طَالَتْ الْهِجْرَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ وَالْمُسْتَمْلِيِّ \" حَتَّى \" بَدَل \" حِين \" وَالْأَوَّل الصَّوَاب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عَلَى الصَّوَاب , زَادَ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" فَطَالَتْ هِجْرَتهَا إِيَّاهُ فَنَقَصَهُ اللَّه بِذَلِكَ فِي أَمْره كُلّه , فَاسْتَشْفَعَ بِكُلِّ جَدِير أَنَّهَا تُقْبَل عَلَيْهِ \" فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَنْهُ \" فَاسْتَشْفَعَ عَلَيْهَا بِالنَّاسِ فَلَمْ تُقْبَل \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد \" فَاسْتَشْفَعَ اِبْن الزُّبَيْر بِالْمُهَاجِرِينَ \" وَقَدْ أَخْرَجَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ مِنْ طَرِيق حُمَيْدِ بْن قَيْس بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر قَالَ فَذَكَرَ نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة قَالَ \" فَاسْتَشْفَعَ إِلَيْهَا بِعُبَيْدِ بْن عُمَيْر فَقَالَ لَهَا : أَيْنَ حَدِيث أَخْبَرْتِنِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الصَّوْم فَوْق ثَلَاث \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَتْ لَا وَلِلَّهِ لَا أُشَفِّع ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء الثَّقِيلَة. ‏ ‏قَوْله : ( فِيهِ أَحَدًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَبَدًا \" بَدَل قَوْله \" أَحَدًا \" وَجَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد وَكَذَا فِي رِوَايَة مَعْمَر. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا أَتَحَنَّث إِلَى نَذْرِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" وَلَا أَحْنَث فِي نَذْرِي \" وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" فَقَالَتْ وَاَللَّه لَا آثَم فِيهِ \" أَيْ فِي نَذْرهَا أَوْ فِي اِبْن الزُّبَيْر وَتَكُون فِي سَبَبِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى اِبْن الزُّبَيْر كَلَّمَ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث وَهُمَا مِنْ بَنِي زُهْرَة ) ‏ ‏أَمَّا الْمِسْوَر فَهُوَ اِبْن مَخْرَمَةَ بْن نَوْفَل بْن أُهَيْب بْن زُهْرَة بْن كِلَاب , وَأَمَّا عَبْد الرَّحْمَن فَجَدّه يَغُوث بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَضَمّ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا مُثَلَّثَة وَهُوَ اِبْن وُهَيْب بْن عَبْد مَنَاف بْن زُهْرَة , يَجْتَمِع مَعَ الْمِسْوَر فِي عَبْد مَنَاف بْن زُهْرَة , وَوُهَيْب وَأُهَيْب أَخَوَانِ , وَمَاتَ الْأَسْوَد قَبْل الْهِجْرَة وَلَمْ يُسْلِم , وَمَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْد الرَّحْمَن صَغِير فَذُكِرَ فِي الصَّحَابَة , وَلَهُ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْمَوْضِع حَدِيث عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب سَيَأْتِي قَرِيبًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُرْوَة الْمُتَقَدِّمَة \" فَاسْتَشْفَعَ إِلَيْهَا بِرِجَالٍ مِنْ قُرَيْش وَبِأَخْوَالِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة \" وَقَدْ بَيَّنْت هُنَاكَ مَعْنَى هَذِهِ الْخُؤُولَة وَصِفَة قَرَابَة بَنِي زُهْرَة بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِبَل أَبِيهِ وَأُمّه. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْشُدكُمَا بِاَللَّهِ لَمَا ) ‏ ‏بِالتَّخْفِيفِ و \" مَا \" زَائِدَة وَيَجُوز التَّشْدِيد حَكَاهُ عِيَاض , يَعْنِي أَلَا , أَيْ لَا أَطْلُب إِلَّا الْإِدْخَال عَلَيْهَا , وَنَظَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ) وَقَوْله : ( لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظ ) فَقَدْ قُرِئَا بِالْوَجْهَيْنِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَلَا أَدْخَلْتُمَانِي \" زَادَ الْأَوْزَاعِيُّ فَسَأَلَهُمَا أَنْ يَشْتَمِلَا عَلَيْهِ بِأَرْدِيَتِهِمَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَإِنَّهُ \" وَالْهَاء ضَمِير الشَّأْن. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يَحِلّ لَهَا أَنْ تَنْذُر قَطِيعَتِي ) ‏ ‏لِأَنَّهُ كَانَ اِبْن أُخْتهَا وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تَتَوَلَّى تَرْبِيَته غَالِبًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَا السَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" فَقَالَا السَّلَام عَلَى النَّبِيّ وَرَحْمَة اللَّه \" فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْكَاف فِي الْأَوَّل مَفْتُوحَة. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَدْخُلُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ. قَالُوا : كُلّنَا ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" قَالَا : وَمَنْ مَعَنَا ؟ قَالَتْ : وَمَنْ مَعَكُمَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَاعْتَنَقَ عَائِشَة وَطَفِقَ يُنَاشِدهَا وَيَبْكِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" فَبَكَى إِلَيْهَا وَبَكَتْ إِلَيْهِ وَقَبَّلَهَا \" وَفِي رِوَايَته الْأُخْرَى عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَنَاشَدَهَا اِبْن الزُّبَيْر اللَّه وَالرَّحِم \". ‏ ‏قَوْله : ( وَيَقُولَانِ إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْت مِنْ الْهِجْرَة وَإِنَّهُ لَا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُر أَخَاهُ فَوْق ثَلَاث لَيَالٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" أَنَّهُ لَا يَحِلّ \" بِحَذْفِ الْوَاو وَهُوَ كَالتَّفْسِيرِ لِمَا قَبْله وَيُؤَيِّد ذَلِكَ وُرُود الْحَدِيث مَرْفُوعًا مِنْ طَرِيق أُخْرَى كَحَدِيثَيْ أَنَس وَأَبِي أَيُّوب اللَّذَيْنِ بَعْده , وَهَذَا الْقَدْر هُوَ الْمَرْفُوع مِنْ الْحَدِيث , وَهُوَ هُنَا مِنْ مُسْنَد الْمِسْوَر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَسْوَد وَعَائِشَة جَمِيعًا فَإِنَّهَا أَقَرَّتْهُمَا عَلَى ذَلِكَ , وَقَدْ غَفَلَ أَصْحَاب الْأَطْرَاف عَنْ ذِكْره فِي مُسْنَد عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَسْوَد لِكَوْنِهِ مُرْسَلًا , وَلَكِنْ ذَكَرُوا أَنْظَاره فَيَلْزَمهُمْ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّة , وَلَهُ عَنْ عَائِشَة طَرِيق أُخْرَى تَقَدَّمَ بَيَانهَا وَأَنَّهَا مِنْ رِوَايَة حُمَيْدِ بْن قَيْس عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر عَنْهَا , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عَائِشَة , وَجَاءَ الْمَتْن عَنْ جَمَاعَة كَثِيرَة مِنْ الصَّحَابَة يَزِيد بَعْضهمْ عَلَى بَعْض كَمَا سَأُبَيِّنُهُ بَعْد. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اِدَّعَى الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الْهِجْرَان الْمَنْهِيّ عَنْهُ تَرْك السَّلَام إِذَا اِلْتَقَيَا , وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ مِنْ عَائِشَة فِي حَقّ اِبْن الزُّبَيْر , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ , فَإِنَّهَا حَلَفَتْ أَنْ لَا تُكَلِّمهُ وَالْحَالِف يَحْرِص عَلَى أَنْ لَا يَحْنَث , وَتَرْك السَّلَام دَاخِل فِي تَرْك الْكَلَام , وَقَدْ نَدِمَتْ عَلَى سَلَامهَا عَلَيْهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا اِعْتَقَدَتْ أَنَّهَا حَنِثَتْ ,. وَيُؤَيِّدهُ مَا كَانَتْ تُعْتِقهُ فِي نَذْرهَا ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى عَائِشَة مِنْ التَّذْكِرَة ) ‏ ‏أَيْ التَّذْكِير بِمَا جَاءَ فِي فَضْل صِلَة الرَّحِم وَالْعَفْو وَكَظْم الْغَيْظ. ‏ ‏قَوْله : ( وَالتَّحْرِيج ) ‏ ‏بِحَاءٍ مُهْمَلَة ثُمَّ الْجِيم أَيْ الْوُقُوع فِي الْحَرَج وَهُوَ الضِّيق لِمَا وَرَدَ فِي الْقَطِيعَة مِنْ النَّهْي , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" التَّخْوِيف \". ‏ ‏قَوْله : ( فَلَمْ يَزَالَا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتْ اِبْن الزُّبَيْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" فَكَلَّمَتْهُ بَعْدَمَا خَشِيَ أَنْ لَا تُكَلِّمهُ , وَقَبِلَتْ مِنْهُ بَعْد أَنْ كَادَتْ أَنْ لَا تَقْبَل مِنْهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" ثُمَّ بَعَثَتْ إِلَى الْيَمَن بِمَالٍ فَابْتِيعَ لَهَا بِهِ أَرْبَعُونَ رَقَبَة فَأَعْتَقَتْهَا كَفَّارَة لِنَذْرِهَا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُرْوَة الْمُتَقَدِّمَة \" فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِعَشْرِ رِقَاب فَأَعْتَقَتْهُمْ \" وَظَاهِره أَنَّ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر أَرْسَلَ إِلَيْهَا بِالْعَشْرَةِ أَوَّلًا , وَلَا يُنَافِي رِوَايَة الْبَاب أَنْ تَكُون هِيَ اِشْتَرَتْ بَعْد ذَلِكَ تَمَام الْأَرْبَعِينَ فَأَعْتَقَتْهُمْ , وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة \" ثُمَّ لَمْ تَزَلْ حَتَّى بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَتْ تَذْكُر نَذْرهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" قَالَ عَوْف بْن الْحَارِث ثُمَّ سَمِعْتهَا بَعْد ذَلِكَ تَذْكُر نَذْرهَا ذَلِكَ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُرْوَة أَنَّهَا قَالَتْ : \" وَدِدْت أَنِّي جَعَلْت حِين حَلَفْت عَمَلًا فَأَعْمَلهُ فَأَفْرُغ مِنْهُ \" , وَبَيَّنْت هُنَاكَ مَا يَحْتَمِلهُ كَلَامهَا هَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5612",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس وَعَنْ عَطَاء بْن يَزِيد عَنْ أَبِي أَيُّوب , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث أَنَس فِي \" بَاب التَّحَاسُد \" وَأَرَادَ بِإِيرَادِهِمَا مَعًا أَنَّهُ عِنْدَ الزُّهْرِيّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ شَيْخه , وَأَوَّل حَدِيث أَبِي أَيُّوب عَنْهُ \" لَا يَحِلّ لِرَجُلِ \" كَمَا عَلَّقَهُ أَوَّلًا وَزَادَ فِيهِ \" يَلْتَقِيَانِ \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَيَلْتَقِيَانِ \" بِزِيَادَةِ فَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "5613",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عَطَاء بْن يَزِيد اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوب ) ‏ ‏هَكَذَا اِتَّفَقَ أَصْحَاب الزُّهْرِيّ , وَخَالَفَهُمْ عُقَيْل فَقَالَ \" عَنْ عَطَاء بْن يَزِيد عَنْ أُبَيّ \" وَخَالَفَهُمْ كُلّهمْ شُبَيْب بْن سَعِيد عَنْ يُونُس عَنْهُ فَقَالَ \" عَنْ عُبَيْد اللَّه أَوْ عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب \" قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ : أَمَّا شُبَيْب فَلَمْ يَضْبِط سَنَده , وَقَدْ ضَبَطَهُ اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس فَسَاقَهُ عَلَى الصَّوَاب أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَأَمَّا عُقَيْل فَلَعَلَّهُ سَقَطَ عَلَيْهِ لَفْظ أَيُّوب فَصَارَ عَنْ أُبَيّ فَنَسَبَهُ مِنْ قِبَل نَفْسه فَقَالَ اِبْن كَعْب فَوَهِمَ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( فَوْق ثَلَاث ) ‏ ‏ظَاهِره إِبَاحَة ذَلِكَ فِي الثَّلَاث , وَهُوَ مِنْ الرِّفْق ; لِأَنَّ الْآدَمِيّ فِي طَبْعه الْغَضَب وَسُوء الْخُلُق وَنَحْو ذَلِكَ , وَالْغَالِب أَنَّهُ يَزُول أَوْ يَقِلّ فِي الثَّلَاث. ‏ ‏قَوْله : ( فَيُعْرِض هَذَا وَيُعْرِض هَذَا , وَخَيْرهمَا الَّذِي يَبْدَأ بِالسَّلَامِ ) ‏ ‏زَادَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الزُّهْرِيّ \" يَسْبِق إِلَى الْجَنَّة \" وَلِأَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيح مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلَاث فَلَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ , فَإِنْ رَدّ عَلَيْهِ فَقَدْ اِشْتَرَكَا فِي الْأَجْر , وَإِنْ لَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ , وَخَرَجَ الْمُسْلِم مِنْ الْهِجْرَة \" وَلِأَحْمَد وَالْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث هِشَام بْن عَامِر \" فَإِنَّهُمَا نَاكِثَانِ عَنْ الْحَقّ مَا دَامَا عَلَى صِرَامهمَا , وَأَوَّلهمَا فَيْئًا يَكُون سَبْقه كَفَّارَة \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَزَادَ فِي آخِره \" فَإِنْ مَاتَا عَلَى صِرَامهمَا لَمْ يَدْخُلَا الْجَنَّة جَمِيعًا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَخَيْرهمَا الَّذِي يَبْدَأ بِالسَّلَامِ ) قَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاء : تَزُول الْهِجْرَة بِمُجَرَّدِ السَّلَام وَرَدّه , وَقَالَ أَحْمَد : لَا يَبْرَأ مِنْ الْهِجْرَة إِلَّا بِعَوْدِهِ إِلَى الْحَال الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَوَّلًا. وَقَالَ أَيْضًا : تَرْك الْكَلَام إِنْ كَانَ يُؤْذِيه لَمْ تَنْقَطِع الْهِجْرَة بِالسَّلَامِ. وَكَذَا قَالَ اِبْن الْقَاسِم وَقَالَ عِيَاض : إِذَا اِعْتَزَلَ كَلَامه لَمْ تُقْبَل شَهَادَته عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَلَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ , يَعْنِي وَهَذَا يُؤَيِّد قَوْل اِبْن الْقَاسِم. قُلْت : وَيُمْكِن الْفَرْق بِأَنَّ الشَّهَادَة يُتَوَقَّى فِيهَا , وَتَرْك الْمُكَالَمَة يُشْعِر بِأَنَّ فِي بَاطِنه عَلَيْهِ شَيْئًا فَلَا تُقْبَل شَهَادَته عَلَيْهِ , وَأَمَّا زَوَال الْهِجْرَة بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ بَعْد تَرْكه ذَلِكَ فِي الثَّلَاث فَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ , وَاسْتُدِلَّ لِلْجُمْهُورِ بِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق زَيْد بْن وَهْب عَنْ اِبْن مَسْعُود فِي أَثْنَاء حَدِيث مَوْقُوف وَفِيهِ \" وَرُجُوعه أَنْ يَأْتِي فَيُسَلِّم عَلَيْهِ \" وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" أَخَاهُ \" عَلَى أَنَّ الْحُكْم يَخْتَصّ بِالْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : لَا حُجَّة فِي قَوْله \" لَا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ \" لِمَنْ يَقُول الْكُفَّار غَيْر مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَة ; لِأَنَّ التَّقْيِيد بِالْمُسْلِمِ لِكَوْنِهِ الَّذِي يَقْبَل خِطَاب الشَّرْع وَيَنْتَفِع بِهِ. وَأَمَّا التَّقْيِيد بِالْأُخُوَّةِ فَدَالّ عَلَى أَنَّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُر الْكَافِر مِنْ غَيْر تَقْيِيد. وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى أَنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِم وَامْتَنَعَ مِنْ مُكَالَمَته وَالسَّلَام عَلَيْهِ أَثِمَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ نَفْي الْحِلّ يَسْتَلْزِم التَّحْرِيم , وَمُرْتَكِب الْحَرَام آثِم. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز الْهِجْرَان فَوْق ثَلَاث إِلَّا لِمَنْ خَافَ مِنْ مُكَالَمَته مَا يُفْسِد عَلَيْهِ دِينه أَوْ يُدْخِل مِنْهُ عَلَى نَفْسه أَوْ دُنْيَاهُ مَضَرَّة , فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ جَازَ , وَرَبّ هَجْر جَمِيل خَيْر مِنْ مُخَالَطَة مُؤْذِيَة. وَقَدْ اِسْتُشْكِلَ عَلَى هَذَا مَا صَدَرَ مِنْ عَائِشَة فِي حَقّ اِبْن الزُّبَيْر قَالَ اِبْن التِّين : إِنَّمَا يَنْعَقِد النَّذْر إِذَا كَانَ فِي طَاعَة كَلِلَّهِ عَلِيّ أَنْ أُعْتِق أَوْ أَنْ أُصَلِّي , وَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي حَرَام أَوْ مَكْرُوه أَوْ مُبَاح فَلَا نَذْر , وَتَرْك الْكَلَام يُفْضِي إِلَى التَّهَاجُر وَهُوَ حَرَام أَوْ مَكْرُوه. وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ الْمُحَرَّم إِنَّمَا هُوَ تَرْك السَّلَام فَقَطْ , وَإِنَّ الَّذِي صَدَرَ مِنْ عَائِشَة لَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا اِمْتَنَعَتْ مِنْ السَّلَام عَلَى اِبْن الزُّبَيْر وَلَا مِنْ رَدِّ السَّلَام عَلَيْهِ لَمَّا بَدَأَهَا بِالسَّلَامِ , وَأَطَالَ فِي تَقْرِير ذَلِكَ وَجَعَلَهُ نَظِير مَنْ كَانَا فِي بَلَدَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يُكَلِّم أَحَدهمَا الْآخَر وَلَيْسَا مَعَ ذَلِكَ مُتَهَاجِرَيْنِ , قَالَ : وَكَانَتْ عَائِشَة لَا تَأْذَن لِأَحَدٍ مِنْ الرِّجَال عَلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنٍ , وَمَنْ دَخَلَ كَانَ بَيْنَه وَبَيْنَهَا حِجَاب إِلَّا إِنْ كَانَ ذَا مَحْرَم مِنْهَا , وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَدْخُل عَلَيْهَا حِجَابهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا , فَكَانَتْ فِي تِلْكَ الْمُدَّة مَنَعَتْ اِبْن الزُّبَيْر مِنْ الدُّخُول عَلَيْهَا , كَذَا قَالَ , وَلَا يَخْفَى ضَعْف الْمَأْخَذ الَّذِي سَلَكَهُ مِنْ أَوْجُه لَا فَائِدَة لِلْإِطَالَةِ بِهَا , وَالصَّوَاب مَا أَجَابَ بِهِ غَيْره أَنَّ عَائِشَة رَأَتْ اِبْن الزُّبَيْر اِرْتَكَبَ بِمَا قَالَ أَمْرًا عَظِيمًا وَهُوَ قَوْله لَأَحْجُرَن عَلَيْهَا , فَإِنَّ فِيهِ تَنْقِيصًا لِقَدْرِهَا وَنِسْبَة لَهَا إِلَى اِرْتِكَاب مَا لَا يَجُوز مِنْ التَّبْذِير الْمُوجِب لِمَنْعِهَا مِنْ التَّصَرُّف فِيمَا رَزَقَهَا اللَّه تَعَالَى , مَعَ مَا اِنْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ كَوْنهَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ وَخَالَته أُخْت أُمّه وَلَمْ يَكُنْ أَحَد عِنْدَهَا فِي مَنْزِلَته كَمَا تَقَدَّمَ التَّصْرِيح بِهِ فِي أَوَائِل مَنَاقِب قُرَيْش , فَكَأَنَّهَا رَأَتْ أَنَّ فِي ذَلِكَ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ نَوْع عُقُوق , وَالشَّخْص يَسْتَعْظِم مِمَّنْ يَلُوذ بِهِ مَا لَا يَسْتَعْظِمهُ مِنْ الْغَرِيب , فَرَأَتْ أَنَّ مُجَازَاته عَلَى ذَلِكَ بِتَرْكِ مُكَالَمَته , كَمَا نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَلَام كَعْب بْن مَالِك وَصَاحِبَيْهِ عُقُوبَة لَهُمْ لِتَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَة تَبُوك بِغَيْرِ عُذْر , وَلَمْ يَمْنَع مِنْ كَلَام مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ مُؤَاخَذَة لِلثَّلَاثَةِ لِعَظِيمِ مَنْزِلَتهمْ وَازْدِرَاء بِالْمُنَافِقِينَ لِحَقَارَتِهِمْ , فَعَلَى هَذَا يُحْمَل مَا صَدَرَ مِنْ عَائِشَة. وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ هَجْر الْوَالِد وَلَده وَالزَّوْج زَوْجَته وَنَحْو ذَلِكَ لَا يَتَضَيَّقُ بِالثَّلَاثِ , وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَجَرَ نِسَاءَهُ شَهْرًا , وَكَذَلِكَ مَا صَدَرَ مِنْ كَثِير مِنْ السَّلَف فِي اِسْتِجَازَتهمْ تَرْك مُكَالَمَة بَعْضهمْ بَعْضًا مَعَ عِلْمهمْ بِالنَّهْيِ عَنْ الْمُهَاجَرَة. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هُنَا مَقَامَيْنِ أَعْلَى وَأَدْنَى , فَالْأَعْلَى اِجْتِنَاب الْإِعْرَاض جُمْلَة فَيَبْذُل السَّلَام وَالْكَلَام وَالْمُوَادَدَة بِكُلِّ طَرِيق , وَالْأَدْنَى الِاقْتِصَار عَلَى السَّلَام دُون غَيْره , وَالْوَعِيد الشَّدِيد إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ يَتْرُك الْمَقَام الْأَدْنَى , وَأَمَّا الْأَعْلَى فَمَنْ تَرَكَهُ مِنْ الْأَجَانِب فَلَا يَلْحَقهُ اللَّوْم , بِخِلَافِ الْأَقَارِب فَإِنَّهُ يَدْخُل فِيهِ قَطِيعَة الرَّحِم , وَإِلَى هَذَا أَشَارَ اِبْن الزُّبَيْر فِي قَوْله \" فَإِنَّهُ لَا يَحِلّ لَهَا قَطِيعَتِي \" أَيْ إِنْ كَانَتْ هِجْرَتِي عُقُوبَة عَلَى ذَنْبِي فَلْيَكُنْ لِذَلِكَ أَمَد , وَإِلَّا فَتَأْبِيد ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى قَطِيعَة الرَّحِم , وَقَدْ كَانَتْ عَائِشَة عَلِمَتْ بِذَلِكَ لَكِنَّهَا تَعَارَضَ عِنْدَهَا هَذَا وَالنَّذْر الَّذِي اِلْتَزَمَتْهُ , فَلَمَّا وَقَعَ مِنْ اِعْتِذَار اِبْن الزُّبَيْر وَاسْتِشْفَاعه مَا وَقَعَ رُجِّحَ عِنْدَهَا تَرْك الْإِعْرَاض عَنْهُ , وَاحْتَاجَتْ إِلَى التَّكْفِير عَنْ نَذْرهَا بِالْعِتْقِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْره , ثُمَّ كَانَتْ بَعْد ذَلِكَ يَعْرِض عِنْدَهَا شَكٌّ فِي أَنَّ التَّكْفِير الْمَذْكُور لَا يَكْفِيهَا فَتُظْهِر الْأَسَف عَلَى ذَلِكَ إِمَّا نَدَمًا عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهَا مِنْ أَصْل النَّذْر الْمَذْكُور وَإِمَّا خَوْفًا مِنْ عَاقِبَة تَرْك الْوَفَاء بِهِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5614",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي لَأَعْرِفُ غَضَبَكِ وَرِضَاكِ قَالَتْ قُلْتُ وَكَيْفَ تَعْرِفُ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّكِ إِذَا كُنْتِ رَاضِيَةً قُلْتِ بَلَى وَرَبِّ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَإِذَا كُنْتِ سَاخِطَةً قُلْتِ لَا وَرَبِّ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَتْ قُلْتُ أَجَلْ لَسْتُ أُهَاجِرُ إِلَّا اسْمَكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" إِنِّي لَأَعْرِف غَضَبك وَرِضَاك \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي بَاب غَيْرَة النِّسَاء وَوَجْدهنَّ فِي كِتَاب النِّكَاح , قَالَ الْمُهَلَّب : غَرَض الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب أَنْ يُبَيِّن صِفَة الْهِجْرَان الْجَائِز , وَأَنَّهُ يَتَنَوَّع بِقَدْرِ الْجُرْم , فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْعِصْيَان يَسْتَحِقّ الْهِجْرَان بِتَرْكِ الْمُكَالَمَة كَمَا فِي قِصَّة كَعْب وَصَاحِبَيْهِ , وَمَا كَانَ مِنْ الْمُغَاضَبَة بَيْنَ الْأَهْل وَالْإِخْوَان فَيَجُوز الْهَجْر فِيهِ بِتَرْكِ التَّسْمِيَة مَثَلًا أَوْ بِتَرْكِ بَسْط الْوَجْه مَعَ عَدَم هَجْر السَّلَام وَالْكَلَام. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَعَلَّهُ أَرَادَ قِيَاس هِجْرَان مَنْ يُخَالِف الْأَمْر عَلَى هِجْرَان اِسْم مَنْ يُخَالِف الْأَمْر الطَّبِيعِيّ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : قِصَّة كَعْب بْن مَالِك أَصْل فِي هِجْرَان أَهْل الْمَعَاصِي , وَقَدْ اِسْتُشْكِلَ كَوْن هِجْرَان الْفَاسِق أَوْ الْمُبْتَدِع مَشْرُوعًا وَلَا يُشْرَع هِجْرَان الْكَافِر وَهُوَ أَشَدُّ جُرْمًا مِنْهُمَا لِكَوْنِهِمَا مِنْ أَهْل التَّوْحِيد فِي الْجُمْلَة , وَأَجَابَ اِبْن بَطَّال بِأَنَّ لِلَّهِ أَحْكَامًا فِيهَا مَصَالِح لِلْعِبَادِ وَهُوَ أَعْلَم بِشَأْنِهَا وَعَلَيْهِمْ التَّسْلِيم لِأَمْرِهِ فِيهَا , فَجَنَحَ إِلَى أَنَّهُ تَعَبُّد لَا يُعْقَل مَعْنَاهُ. وَأَجَابَ غَيْره بِأَنَّ الْهِجْرَان عَلَى مَرْتَبَتَيْنِ : الْهِجْرَان بِالْقَلْبِ , وَالْهِجْرَان بِاللِّسَانِ. فَهِجْرَان الْكَافِر بِالْقَلْبِ وَبِتَرْكِ التَّوَدُّد وَالتَّعَاوُن وَالتَّنَاصُر , لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَرْبِيًّا وَإِنَّمَا لَمْ يُشْرَع هِجْرَانه بِالْكَلَامِ لِعَدَمِ اِرْتِدَاعه بِذَلِكَ عَنْ كُفْره , بِخِلَافِ الْعَاصِي الْمُسْلِم فَإِنَّهُ يَنْزَجِر بِذَلِكَ غَالِبًا , وَيَشْتَرِك كُلّ مِنْ الْكَافِر وَالْعَاصِي فِي مَشْرُوعِيَّة مُكَالَمَته بِالدُّعَاءِ إِلَى الطَّاعَة , وَالْأَمْر الْمَعْرُوف وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , وَإِنَّمَا الْمَشْرُوع تَرْك الْمُكَالَمَة بِالْمُوَادَّةِ وَنَحْوهَا. قَالَ عِيَاض : إِنَّمَا اُغْتُفِرَتْ مُغَاضَبَة عَائِشَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَرَج - لِأَنَّ الْغَضَب عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصِيَة كَبِيرَة - لِأَنَّ الْحَامِل لَهَا عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرَة الَّتِي جُبِلَتْ عَلَيْهَا النِّسَاء , وَهِيَ لَا تَنْشَأ إِلَّا عَنْ فَرْط الْمَحَبَّة , فَلَمَّا كَانَ الْغَضَب لَا يَسْتَلْزِم الْبُغْض اُغْتُفِرَ ; لِأَنَّ الْبُغْض هُوَ الَّذِي يُفْضِي إِلَى الْكُفْر أَوْ الْمَعْصِيَة , وَقَدْ دَلَّ قَوْلهَا \" لَا أَهْجُر إِلَّا اِسْمك \" عَلَى أَنَّ قَلْبهَا مَمْلُوء بِمَحَبَّتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَجَلْ ) ‏ ‏بِوَزْنِ نَعَمْ وَمَعْنَاهُ. وَقَالَ الْأَخْفَش : إِلَّا أَنَّ نَعَمْ أَحْسَن مِنْ أَجَلْ فِي جَوَاب الِاسْتِفْهَام , وَأَجَلْ أَحْسَن مِنْ نَعَمْ فِي التَّصْدِيق. قُلْت : وَهِيَ فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى وَفْق مَا قَالَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5615",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِمَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً فَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي بَيْتِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قَالَ قَائِلٌ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ قَالَ ‏ ‏إِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي بِالْخُرُوجِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مَعْمَر وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي عُقَيْل ) ‏ ‏وَفِي بَعْض النَّسْخ ح \" وَقَالَ اللَّيْث \" وَهَذَا التَّعْلِيق سَبَقَ مُطَوَّلًا فِي \" بَاب الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة \" مَوْصُولًا عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْث. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب فَأَخْبَرَنِي عُرْوَة ) ‏ ‏كَأَنَّ هَذَا سِيَاق مَعْمَر , وَكَأَنَّهُ كَانَ عِنْدَه قَبْل قَوْله \" لَمْ أَعْقِل أَبَوَيَّ \" كَلَام آخَر فَعَطَفَ هَذَا عَلَيْهِ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ اِبْن شِهَاب \" قَالَ وَأَخْبَرَنِي \" كَذَا رَأَيْته فِيهِ بِالْوَاوِ , وَأَمَّا رِوَايَة عُقَيْل فَلَفْظه فِي \" بَاب الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة \" عَنْ اِبْن شِهَاب \" أَخْبَرَنِي عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" لَمْ أَعْقِل إِلَخْ \" وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ كَوْن أَبِي بَكْر كَانَ يُحْوِج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنْ يَتَكَلَّف الْمَجِيء إِلَيْهِ وَكَانَ يُمْكِنهُ هُوَ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ , وَأَجَابَ اِبْن التِّين بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجِيء إِلَى أَبِي بَكْر لِمُجَرَّدِ الزِّيَارَة بَلْ لِمَا يَتَزَايَد عِنْدَه مِنْ عِلْم اللَّه , وَلَمْ يَتَّضِح لِي هَذَا الْجَوَاب , وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : إِنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَيْر مَا يَمْنَع أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ يَجِيء إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللَّيْل وَالنَّهَار أَكْثَر مِنْ مَرَّتَيْنِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : كَانَ سَبَب ذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا جَاءَ إِلَى بَيْت أَبِي بَكْر يَأْمَن مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ بِخِلَافِ مَا لَوْ جَاءَ أَبُو بَكْر إِلَيْهِ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَنْزِل أَبِي بَكْر كَانَ بَيْنَ بَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْمَسْجِد فَكَانَ يَمُرّ بِهِ وَالْمَقْصُود الْمَسْجِد وَكَانَ يَشْهَدهُ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى بِطُولِهِ فِي \" بَاب الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة \" وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ رَمَزَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى تَوْهِين الْحَدِيث الْمَشْهُور \" زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا \" وَقَدْ وَرَدَ مِنْ طُرُق أَكْثَرهَا غَرَائِب لَا يَخْلُو وَاحِد مِنْهَا مِنْ مَقَال , وَقَدْ جَمْع طُرُقه أَبُو نُعَيْم وَغَيْره , وَجَاءَ مِنْ حَدِيث عَلِيّ وَأَبِي ذَرّ وَأَبِي هُرَيْرَة وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَأَبِي بَرْزَة وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَأَنَس وَجَابِر وَحَبِيب بْن مَسْلَمَةَ وَمُعَاوِيَة بْن حَيْدَة , وَقَدْ جَمَعْتهَا فِي جُزْء مُفْرَد , وَأَقْوَى طُرُقه مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي \" تَارِيخ نَيْسَابُور \" وَالْخَطِيب فِي \" تَارِيخ بَغْدَاد \" وَالْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد بْن السَّقَّاء فِي فَوَائِده مِنْ طَرِيق أَبِي عَقِيل يَحْيَى بْن حَبِيب بْن إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي ثَابِت عَنْ جَعْفَر بْن عَوْن عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة , وَأَبُو عَقِيل كُوفِيّ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ , قَالَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم : سَمِعَ مِنْهُ أَبِي وَهُوَ صَدُوق , وَذَكَرَ اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات وَقَالَ : رُبَّمَا أَخْطَأَ وَأَغْرَبَ. قُلْت : وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي رَفْعه وَوَقْفه , وَقَدْ رَفَعَهُ أَيْضًا يَعْقُوب بْن شَيْبَة عَنْ جَعْفَر بْن عَوْن رَوَيْنَاهُ فِي \" فَوَائِد أَبِي مُحَمَّد بْن السَّقَّاء \" أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ جَدّه يَعْقُوب , وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى جَعْفَر بْن عَوْن فَرَوَاهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيره عَنْهُ عَنْ أَبِي حِبَّان الْكَلْبِيّ عَنْ عَطَاء عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر مَوْقُوفًا فِي قِصَّة لَهُ مَعَ عَائِشَة , وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي سُلَيْمَان عَنْ عَطَاء قَالَ \" دَخَلْت أَنَا وَعُبَيْد عَلَى عَائِشَة فَقَالَتْ : يَا عُبَيْد بْن عُمَيْر مَا يَمْنَعك أَنْ تَزُورنَا ؟ قَالَ : قَوْل الْأَوَّل زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا. فَقَالَ عِنْدَ اللَّه بْن عُمَيْر : دَعُونَا مِنْ بَطَالَتكُمْ هَذِهِ وَأَخْبِرِينَا بِأَعْجَب شَيْء رَأَيْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ الْحَدِيث فِي صَلَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْد فِي الْأَمْثَال بِأَنَّهُ مِنْ أَمْثَال الْعَرَب , وَكَانَ هَذَا الْكَلَام شَائِعًا فِي الْمُتَقَدِّمِينَ , فَرَوَيْنَاهُ فِي فَوَائِد أَبِي مُحَمَّد السَّقَّاء قَالَ أَنْشَدُونَا لِهِلَالِ بْن الْعَلَاء : ‏ ‏اللَّه يَعْلَم أَنَّنِي ‏ ‏لَك أَخْلَص الثَّقَلَيْنِ قَلْبَا ‏ ‏لَكِنْ لِقَوْلِ نَبِيّنَا ‏ ‏زُورُوا عَلَى الْأَيَّام غِبَّا ‏ ‏وَلِقَوْلِهِ مَنْ زَارَ ‏ ‏غِبًّا مِنْكُمْ يَزْدَاد حُبَّا ‏ ‏قُلْت : وَكَانَ يُمْكِنهُ أَنْ يُوجِز فَيَقُول : \" لَكِنْ لِقَوْلِ نَبِيّنَا مَنْ زَارَ غِبًّا زَادَ حُبَّا \". وَقَدْ أَنْشَدُونَا لِأَبِي مُحَمَّد بْن هَارُون الْقُرْطُبِيّ رَاوِي الْمُوَطَّأ : ‏ ‏أَقِلّ زِيَارَة الْإِخْوَان ‏ ‏تَزْدَدْ عِنْدَهمْ قُرْبَا ‏ ‏. ‏ ‏فَإِنَّ الْمُصْطَفَى قَدْ قَالَ ‏ ‏زُرْ غِبًّا تَزِدْ حُبَّا ‏ ‏قُلْت وَلَا مُنَافَاة بَيْنَ هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيث الْبَاب لِأَنَّ عُمُومه يَقْبَل التَّخْصِيص فَيُحْمَل عَلَى مَنْ لَيْسَتْ لَهُ خُصُوصِيَّة مَوَدَّة ثَابِتَة فَلَا يَنْقُص كَثْرَة زِيَارَته مِنْ مَنْزِلَته. قَالَ اِبْن بَطَّال : الصِّدِّيق الْمُلَاطِف لَا يَزِيدهُ كَثْرَة الزِّيَارَة إِلَّا مَحَبَّة , بِخِلَافِ غَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "5616",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَارَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَطَعِمَ عِنْدَهُمْ طَعَامًا فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَمَرَ بِمَكَانٍ مِنْ الْبَيْتِ فَنُضِحَ لَهُ عَلَى بِسَاطٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( زَارَ أَهْل بَيْت مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏هُمْ أَهْل عِتْبَان بْن مَالِك كَمَا مَضَى مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس بْن سِيرِينَ بِأَتَمّ مِنْ هَذَا السِّيَاق وَأَوَّله \" قَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي لَا أَسْتَطِيع الصَّلَاة مَعَك , وَصَنَعَ طَعَامًا \" الْحَدِيث , وَأَوْرَدَهُ فِي صَلَاة الضُّحَى وَقِصَّة عِتْبَان وَطَلَبه مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّي فِي بَيْته قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الصَّلَاة أَيْضًا مُطَوَّلَة. وَفِيهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد أَنْ صَلَّى فِي بَيْته تَأَخَّرَ حَتَّى أَكَلَ عِنْدَهمْ , وَفِيهِ قِصَّة مَالِك بْن الدَّخْشَمِ , وَوَقَعَ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْو الْقِصَّة الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب فِي بَيْت أَبِي طَلْحَة كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب كُنْيَة الصَّبِيّ \" مِنْ طَرِيق أَبِي التَّيَّاح عَنْ أَنَس , فَإِنَّ فِيهِ ذِكْر الْبِسَاط وَنَضْحه , لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْر الطَّعَام , نَعَمْ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس أَنَّ جَدَّته مُلَيْكَة دَعَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ , وَفِيهِ ذِكْر نَضْح الْحَصِير وَالصَّلَاة بِهِمْ لَكِنْ لَيْسَ فِي أَوَّله الْقِصَّة الَّتِي فِي رِوَايَة أَنَس بْن سِيرِينَ عَنْ أَنَس أَنَّ الرَّجُل قَالَا \" لَا أَسْتَطِيع الصَّلَاة مَعَك \" فَإِنَّ هَذَا الْقَدْر مُخْتَصّ بِقِصَّةِ عِتْبَان , فَتَعَيَّنَ الْحَمْل عَلَيْهِ , وَوَهِمَ مَنْ رَجَّحَ أَنَّهُ بَيْت أَبِي طَلْحَة , وَفِي الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب الزِّيَارَة وَدُعَاء الزَّائِر لِمَنْ زَارَهُ وَطَعِمَ عِنْدَه. ‏"
    },
    {
        "id": "5617",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏مَا الْإِسْتَبْرَقُ قُلْتُ مَا غَلُظَ مِنْ الدِّيبَاجِ وَخَشُنَ مِنْهُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏رَأَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى رَجُلٍ حُلَّةً مِنْ ‏ ‏إِسْتَبْرَقٍ ‏ ‏فَأَتَى بِهَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْتَرِ هَذِهِ فَالْبَسْهَا لِوَفْدِ النَّاسِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فَمَضَى مِنْ ذَلِكَ مَا مَضَى ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ إِلَيْهِ بِحُلَّةٍ فَأَتَى بِهَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ وَقَدْ قُلْتَ فِي مِثْلِهَا مَا قُلْتَ قَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتُصِيبَ بِهَا مَالًا ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏يَكْرَهُ الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصَّة حُلَّة عُطَارِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب اللِّبَاس. ‏ ‏وَعَبْد الصَّمَد ‏ ‏فِي سَنَده هُوَ اِبْن عَبْد الْوَارِث. ‏ ‏وَقَوْله \" وَخَشُنَ \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْخَاء وَضَمِّ الشِّين الْمُعْجَمَتَيْنِ لِلْأَكْثَرِ , وَلِبَعْضِهِمْ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ , وَشَاهِد التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْل عُمَر \" تَجَمَّلَ بِهَا لِلْوُفُودِ \" وَأَقَرَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ اِعْتَرَضَهَا الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُول التَّجَمُّل لِلْوُفُودِ لِأَنَّهُ لَا يُقَال فَعَلَ كَذَا إِلَّا لِمَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْفِعْل , وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ , وَجَوَابه أَنَّ مَعْنَى التَّرْجَمَة مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُتَمَسِّكًا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيث الْمَذْكُور , ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِر الْحَدِيث \" وَكَانَ اِبْن عُمَر يَكْرَه الْعَلَم فِي الثَّوْب لِهَذَا الْحَدِيث \" ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَذْهَب اِبْن عُمَر فِي هَذَا مَذْهَب الْوَرَع , وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول فِي رِوَايَته \" إِلَّا عَلَمًا فِي ثَوْب \" وَذَلِكَ لِأَنَّ مِقْدَار الْعَلَم لَا يَقَع عَلَيْهِ اِسْم اللُّبْس , قَالَ : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ لَا يَلْبَس غَزْل فُلَانَة فَأَخَذَ ثَوْبًا فَنَسَجَ فِيهِ مِنْ غَزْلهَا وَمِنْ غَزْل غَيْرهَا وَكَانَ الَّذِي مِنْ غَزْلهَا لَوْ اِنْفَرَدَ لَمْ يَبْلُغ إِذَا نُسِجَ أَنَّهُ يَحْصُل مِنْهُ شَيْء مِمَّا يَقَع عَلَى مِثْله اِسْم اللُّبْس لَمْ يَحْنَث , كَذَا قَالَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب اللِّبَاس مِنْ رِوَايَة أَبِي عُثْمَان عَنْ عُمَر فِي النَّهْي عَنْ لُبْس الْحَرِير , \" إِلَّا مَوْضِع أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاث أَوْ أَرْبَع \" وَتَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5618",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَآخَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَهُ وَبَيْنَ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف : لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَة آخَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْد بْن الرَّبِيع , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ) ‏ ‏هَذَا طَرَف مِنْ حَدِيث تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي فَضَائِل الْأَنْصَار , وَقَدَّمْت شَيْئًا يَتَعَلَّق بِهِ فِي أَبْوَاب الْوَلِيمَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5619",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ فَقَالَ قَدْ ‏ ‏حَالَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَالْأَنْصَارِ ‏ ‏فِي دَارِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن زَكَرِيَّا ) ‏ ‏لِمُحَمَّدِ بْن الصَّبَّاحِ فِيهِ شَيْخ آخَر , فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ عَنْهُ عَنْ حَفْص بْن غِيَاث عَنْ عَاصِم. ‏ ‏قَوْله : ( عَاصِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان الْأَحْوَل. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِأَنَسِ بْن مَالِك أَبَلَغَك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا حِلْف فِي الْإِسْلَام فَقَالَ : قَدْ حَالَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ قُرَيْش وَالْأَنْصَار فِي دَارِي ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَاصِم قَالَ \" سَمِعْت أَنَس بْن مَالِك يَقُول حَالَفَ \" فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمُهَاجِرِينَ بَدَلَ قُرَيْش , فَقِيلَ لَهُ أَلَيْسَ قَالَ لَا حِلْف فِي الْإِسْلَام ؟ قَالَ : قَدْ حَالَفَ فَذَكَرَ مِثْله وَزَادَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم بِنَحْوِهِ مُخْتَصَرًا , وَعُرِفَ مِنْ رِوَايَة الْبَاب تَسْمِيَة السَّائِل عَنْ ذَلِكَ , وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي الِاعْتِصَام مُخْتَصَرًا خَالِيًا عَنْ السُّؤَال وَزَادَ فِي آخِره \" وَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أَحْيَاء مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ \" وَحَدِيث الْقُنُوت مِنْ طَرِيق عَاصِم مَضَى فِي الْوِتْر وَغَيْره. وَأَمَّا الْحَدِيث الْمَسْئُول عَنْهُ فَهُوَ حَدِيث صَحِيح أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ جُبَيْر بْن مُطْعِم عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" لَا حِلْف فِي الْإِسْلَام , وَأَيُّمَا حِلْف كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَام إِلَّا شِدَّة \" وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه وَلَفْظه وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى نَحْوه بِاخْتِصَارٍ , وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَحْمَد وَأَبُو يَعْلَى وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف مَرْفُوعًا \" شَهِدْت مَعَ عُمُومَتِي حِلْف الْمُطَيَّبِينَ , فَمَا أُحِبّ أَنْ أَنْكُثهُ \" وَحِلْف الْمُطَيَّبِينَ كَانَ قَبْل الْمَبْعَث بِمُدَّةٍ , ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره , وَكَانَ جَمْع مِنْ قُرَيْش اِجْتَمَعُوا فَتَعَاقَدُوا عَلَى أَنْ يَنْصُرُوا الْمَظْلُوم وَيُنْصِفُوا بَيْنَ النَّاس وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ خِلَال الْخَيْر , وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ بَعْد الْمَبْعَث , وَيُسْتَفَاد مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف أَنَّهُمْ اِسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي الْإِسْلَام , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة فِي حَدِيث جُبَيْر بْن مُطْعِم. وَتَضَمَّنَ جَوَاب أَنَس إِنْكَار صَدْر الْحَدِيث لِأَنَّ فِيهِ نَفْي الْحِلْف وَفِيمَا قَالَهُ هُوَ إِثْبَاته , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الْمَنْفِيّ مَا كَانُوا يَعْتَبِرُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة مِنْ نَصْر الْحَلِيف وَلَوْ كَانَ ظَالِمًا وَمَنْ أَخْذ الثَّأْر مِنْ الْقَبِيلَة بِسَبَبِ قَتْل وَاحِد مِنْهَا وَمِنْ التَّوَارُث وَنَحْو ذَلِكَ , وَالْمُثْبَت مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ نَصْر الْمَظْلُوم وَالْقِيَام فِي أَمْر الدِّين وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْمُسْتَحَبَّات الشَّرْعِيَّة كَالْمُصَادَقَةِ وَالْمُوَادَدَة وَحِفْظ الْعَهْد , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي نَسْخ التَّوَارُث بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ , وَذَكَرَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوَرِّثُونَ الْحَلِيف السُّدُس دَائِمًا فَنُسِخَ ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ : حَمَلَ الْعُلَمَاء قَوْل أَنَس \" حَالَفَ \" عَلَى الْمُؤَاخَاة. قُلْت : لَكِنْ سِيَاق عَاصِم عَنْهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَرَادَ الْمُحَالَفَة حَقِيقَة , وَإِلَّا كَانَ الْجَوَاب مُطَابِقًا , وَتَرْجَمَة الْبُخَارِيّ ظَاهِرَة فِي الْمُغَايَرَة بَيْنَهمَا وَتَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة \" بَاب كَيْف آخَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَصْحَابه \" وَذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هُنَا أَوَّلًا وَلَمْ يَذْكُر حَدِيث الْحِلْف , وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِالْمُؤَاخَاةِ هُنَاكَ. قَالَ النَّوَوِيّ : الْمَنْفِيّ حِلْف التَّوَارُث وَمَا يَمْنَع مِنْهُ الشَّرْع , وَأَمَّا التَّحَالُف عَلَى طَاعَة اللَّه وَنَصْر الْمَظْلُوم وَالْمُؤَاخَاة فِي اللَّه تَعَالَى فَهُوَ أَمْر مُرَغَّب فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5620",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ ‏ ‏طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَبَتَّ طَلَاقَهَا فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ ‏ ‏فَجَاءَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ ‏ ‏رِفَاعَةَ ‏ ‏فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ ‏ ‏وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا مِثْلُ هَذِهِ ‏ ‏الْهُدْبَةِ ‏ ‏لِهُدْبَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ جِلْبَابِهَا قَالَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏جَالِسٌ بِبَابِ الْحُجْرَةِ لِيُؤْذَنَ لَهُ ‏ ‏فَطَفِقَ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏يُنَادِي ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏أَلَا تَزْجُرُ هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى التَّبَسُّمِ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى ‏ ‏رِفَاعَةَ ‏ ‏لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة اِمْرَأَة رِفَاعَة , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْلهَا فِيهِ \" وَمَا يَزِيد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّبَسُّم \" وَقَدْ مَرَّ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الصَّلَاة , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" وَابْن سَعِيد بْن الْعَاصِ جَالِس \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ عَنْ الْجُرْجَانِيّ \" وَسَعِيد بْن الْعَاصِ \" وَالصَّوَاب الْأَوَّل وَهُوَ خَالِد وَقَدْ وَقَعَ مُسَمًّى فِيمَا مَضَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5621",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏يَسْأَلْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ عَلَى صَوْتِهِ فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏تَبَادَرْنَ الْحِجَابَ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَخَلَ وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَضْحَكُ فَقَالَ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَقَالَ عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي لَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ تَبَادَرْنَ الْحِجَابَ فَقَالَ أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِنَّ فَقَالَ يَا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلَمْ تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْنَ إِنَّكَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِيهٍ يَا ‏ ‏ابْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَعْد \" اِسْتَأْذَنَ عُمَر \" تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي مَنَاقِب عُمَر , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَك , فَقَالَ : أَضْحَكَ اللَّه سِنّك \" وَيُسْتَفَاد مِنْهُ مَا يُقَال لِلْكَبِيرِ إِذَا ضَحِكَ , وَإِسْمَاعِيل شَيْخه فِيهِ هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ , وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : لَعَلَّهُ اِبْن أَبَى أُوَيْس. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَضَائِل الْأَنْصَار حَدِيث قَالَ فِيهِ الْبُخَارِيّ \" حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" وَإِسْمَاعِيل هَذَا هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس جَزْمًا , وَهُوَ يُؤَيِّد مَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5622",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَبَّاسِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالطَّائِفِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّا ‏ ‏قَافِلُونَ ‏ ‏غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ نَاسٌ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا نَبْرَحُ أَوْ نَفْتَحَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ قَالَ فَغَدَوْا فَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا وَكَثُرَ فِيهِمْ الْجِرَاحَاتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ فَسَكَتُوا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏بِالْخَبَرِ كُلِّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَمْرو هُوَ اِبْن دِينَار عَنْ أَبِي الْعَبَّاس وَهُوَ الشَّاعِر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر. كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْعَيْن , وَلِلْحَمَوِيِّ وَحْده هُنَا \" عَمْرو \" بِفَتْحِهَا وَالصَّوَاب الْأَوَّل , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي غَزْوَة الطَّائِف مَعَ شَرْح الْحَدِيث , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله \" فَضَحِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" لَا نَبْرَح أَوْ نَفْتَحهَا \" ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : ضَبَطْنَاهُ بِالرَّفْعِ وَالصَّوَاب النَّصْب ; لِأَنَّ \" أَوْ \" إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى \" حَتَّى \" أَوْ \" إِلَى أَنْ \" نُصِبَتْ وَهِيَ هُنَا كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَان بِالْخَبَرِ كُلّه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان مَنْ وَصَلَهُ فِي غَزْوَة الطَّائِف , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" حَدَّثَنَا سُفْيَان كُلّه بِالْخَبَرِ \" وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ذُكِرَ بِصَرِيحِ الْأَخْبَار فِي جَمِيع السَّنَد لَا بِالْعَنْعَنَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5623",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ هَلَكْتُ ‏ ‏وَقَعْتُ ‏ ‏عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَانَ قَالَ ‏ ‏أَعْتِقْ رَقَبَةً قَالَ لَيْسَ لِي قَالَ فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا أَسْتَطِيعُ قَالَ فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لَا أَجِدُ فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏الْعَرَقُ الْمِكْتَلُ ‏ ‏فَقَالَ أَيْنَ السَّائِلُ تَصَدَّقْ بِهَا قَالَ عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي وَاللَّهِ مَا بَيْنَ ‏ ‏لَابَتَيْهَا ‏ ‏أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنَّا فَضَحِكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى بَدَتْ ‏ ‏نَوَاجِذُهُ ‏ ‏قَالَ فَأَنْتُمْ إِذًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل وَإِبْرَاهِيم هُوَ اِبْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏هَذَا إِنَّمَا سَمِعَهُ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد مِنْ الزُّهْرِيّ , وَقَدْ سَبَقَ فِي الْحَدِيث الثَّانِي أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةِ صَالِح بْن كَيْسَانَ بَيْنَهمَا. وَقِصَّة الْمُجَامِع فِي رَمَضَان تَقَدَّمَ شَرْحهَا فِي كِتَاب الصِّيَام , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" قَالَ إِبْرَاهِيم \" ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعْد وَهُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , ‏ ‏وَقَوْله \" وَالْعَرَق الْمِكْتَل \" ‏ ‏فِيهِ بَيَان لِمَا أَدْرَجَهُ غَيْره فَجَعَلَ تَفْسِير الْعَرَق مِنْ نَفْس الْحَدِيث , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذه \" وَالنَّوَاجِذ جَمْع نَاجِذَة بِالنُّونِ وَالْجِيم وَالْمُعْجَمَة هِيَ الْأَضْرَاس , وَلَا تَكَاد تَظْهَر إِلَّا عِنْدَ الْمُبَالَغَة فِي الضَّحِك , وَلَا مُنَافَاة بَيْنَه وَبَيْنَ حَدِيث عَائِشَة ثَامِن أَحَادِيث الْبَاب \" مَا رَأَيْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاته \" لِأَنَّ الْمُثْبِت مُقَدَّم عَلَى النَّافِي قَالَهُ اِبْن بَطَّال , وَأَقْوَى مِنْهُ أَنَّ الَّذِي نَفَتْهُ غَيْر الَّذِي أَثْبَتَهُ أَبُو هُرَيْرَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالنَّوَاجِذِ الْأَنْيَاب مَجَازًا أَوْ تَسَامُحًا وَبِالْأَنْيَابِ مَرَّة فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصِّيَام فِي هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ \" حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابه \" وَاَلَّذِي يَظْهَر مِنْ مَجْمُوع الْأَحَادِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي مُعْظَم أَحْوَاله لَا يَزِيد عَلَى التَّبَسُّم , وَرُبَّمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَضَحِكَ , وَالْمَكْرُوه مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْإِكْثَار مِنْهُ أَوْ الْإِفْرَاط فِيهِ لِأَنَّهُ يُذْهِب الْوَقَار , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَدَى بِهِ مِنْ فِعْله مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ , فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَابْن مَاجَهْ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" لَا تُكْثِر الضَّحِك فَإِنَّ كَثْرَة الضَّحِك تُمِيت الْقَلْب \". ‏"
    },
    {
        "id": "5624",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ ‏ ‏فَجَبَذَ ‏ ‏بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مَالِك ) ‏ ‏قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيث عِنْدَ أَحَد مِنْ رُوَاة الْمُوَطَّأ إِلَّا عِنْدَ يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ وَمَعْن بْن عِيسَى , وَرَوَاهُ جَمَاعَة مِنْ رُوَاة الْمُوَطَّأ عَنْ مَالِك لَكِنْ خَارِج الْمُوَطَّأ , وَزَادَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّهُ رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأ أَيْضًا مُصْعَب بْن عَبْد اللَّه الزُّبَيْرِيُّ وَسُلَيْمَان بْن صُرَد. قُلْت : وَلَمْ يُخَرِّجهُ الْبُخَارِيّ إِلَّا مِنْ رِوَايَة مَالِك , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ وَمِنْ رِوَايَة هَمَّام وَمِنْ رِوَايَة عِكْرِمَة بْن عَمَّار كُلّهمْ عَنْ إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة , وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظ مَالِك وَبَيَّنَ بَعْض غَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( كُنْت أَمْشِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" أَدْخُل الْمَسْجِد \". ‏ ‏قَوْله : ( وَعَلَيْهِ بُرْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" رِدَاء \". ‏ ‏قَوْله : ( نَجْرَانِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْجِيم نِسْبَة إِلَى نَجْرَان بَلَد مَعْرُوف بَيْنَ الْحِجَاز وَالْيَمَن , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله : ( غَلِيظ الْحَاشِيَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" الصَّنِفَة \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر النُّون بَعْدهَا فَاء وَهِيَ طَرَف الثَّوْب مِمَّا يَلِي طَرَّتَهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيّ ) ‏ ‏زَادَ هَمَّام \" مِنْ أَهْل الْبَادِيَة \" وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" فَجَاءَ أَعْرَابِيّ مِنْ خَلْفه \". ‏ ‏قَوْله : ( فَجَبَذَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَالْمُوَحَّدَة بَعْدهَا ذَال مُعْجَمَة , وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" فَجَذَبَ \" وَهِيَ بِمَعْنَى جَبَذَ. ‏ ‏قَوْله : ( جَبْذَة شَدِيدَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عِكْرِمَة \" حَتَّى رَجَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَحْر الْأَعْرَابِيّ \". ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَنَس فَنَظَرْت إِلَى صَفْحَة عَاتِق ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" عُنُق \" وَكَذَا عِنْدَ جَمِيع الرُّوَاة عَنْ مَالِك , وَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( أَثَّرَتْ فِيهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِهَا \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة مَالِك , وَفِي رِوَايَة هَمَّام \" حَتَّى اِنْشَقَّ الْبُرْد وَذَهَبَتْ حَاشِيَته فِي عُنُقه \" وَزَادَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ الْأَعْرَابِيّ لَمَّا وَصَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُجْرَته , وَيُجْمَع بِأَنَّهُ لَقِيَهُ خَارِج الْمَسْجِد فَأَدْرَكَهُ لَمَّا كَادَ يَدْخُل فَكَلَّمَهُ أَوْ مَسَكَ بِثَوْبِهِ لَمَّا دَخَلَ , فَلَمَّا كَادَ يَدْخُل الْحُجْرَة خَشِيَ أَنْ يَفُوتهُ فَجَبَذَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( مُرْ لِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" أَعْطِنَا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَضَحِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ مُرُوا لَهُ \" وَفِي رِوَايَة هَمَّام \" وَأَمَرَ لَهُ بِشَيْءٍ \" وَفِي الْحَدِيث بَيَان حِلْمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَبْره عَلَى الْأَذَى فِي النَّفْس وَالْمَال وَالتَّجَاوُز عَلَى جَفَاء مَنْ يُرِيد تَأَلُّفه عَلَى الْإِسْلَام , وَلِيَتَأَسَّى بِهِ الْوُلَاة بَعْده فِي خُلُقه الْجَمِيل مِنْ الصَّفْح وَالْإِغْضَاء وَالدَّفْع بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن. ‏"
    },
    {
        "id": "5625",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ إِدْرِيسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا ‏",
        "sharh": "حَدِيث ‏ ‏جَرِير ‏ ‏وَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيّ , ‏ ‏وَابْن نُمَيْر ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر , ‏ ‏وَابْن أَدَرِيس ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه , ‏ ‏وَإِسْمَاعِيل ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , ‏ ‏وَقَيْس ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَالْجَمِيع كُوفِيُّونَ , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ \" وَتَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب بِلَفْظِ \" إِلَّا ضَحِكَ \" وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ , وَالتَّبَسُّم أَوَائِل الضَّحِك كَمَا تَقَدَّمَ , وَبَقِيَّة شَرْحه هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5626",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ سُلَيْمٍ ‏ ‏قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنْ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ قَالَ ‏ ‏نَعَمْ إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ فَضَحِكَتْ ‏ ‏أُمُّ سَلَمَةَ ‏ ‏فَقَالَتْ أَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبِمَ شَبَهُ الْوَلَدِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُمّ سَلَمَة فِي سُؤَال أُمّ سُلَيْمٍ \" هَلْ عَلَى الْمَرْأَة مِنْ غُسْل \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" فَضَحِكَتْ أُمّ سَلَمَة \" لِوُقُوعِ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهَا ضَحِكَهَا وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهَا إِنْكَارهَا اِحْتِلَام الْمَرْأَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5627",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا النَّضْرِ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُسْتَجْمِعًا ‏ ‏قَطُّ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ ‏ ‏لَهَوَاتِهِ ‏ ‏إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث الْمِصْرِيّ , ‏ ‏وَأَبُو النَّضْر ‏ ‏هُوَ سَالِم. ‏ ‏قَوْله : ( مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضَاحِكًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مُسْتَجْمِعًا ضَحِكًا \" أَيْ مُبَالِغًا فِي الضَّحِك لَمْ يَتْرُك مِنْهُ شَيْئًا , يُقَال اِسْتَجْمَعَ السَّيْل : اِجْتَمَعَ مِنْ كُلّ مَوْضِع , وَاسْتَجْمَعَتْ لِلْمَرْءِ أُمُوره : اِجْتَمَعَ لَهُ مَا يُحِبّهُ , فَعَلَى هَذَا قَوْله \" ضَاحِكًا \" مَنْصُوب عَلَى التَّمْيِيز وَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا مِثْل لِلَّهِ دَرّه فَارِسًا أَيْ مَا رَأَيْته مُسْتَجْمِعًا مِنْ جِهَة الضَّحِك بِحَيْثُ يَضْحَك ضَحِكًا تَامًّا مُقْبِلًا بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى الضَّحِك , وَاللَّهَوَات بِفَتْحِ اللَّام وَالْهَاء جَمْع لَهَاة وَهِيَ اللَّحْمَة الَّتِي بِأَعْلَى الْحَنْجَرَة مِنْ أَقْصَى الْفَم , وَهَذَا الْقَدْر الْمَذْكُور طَرَف مِنْ حَدِيث تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ وَشَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْقَاف. ‏"
    },
    {
        "id": "5628",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالَ قَحَطَ الْمَطَرُ فَاسْتَسْقِ رَبَّكَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ وَمَا نَرَى مِنْ سَحَابٍ فَاسْتَسْقَى فَنَشَأَ السَّحَابُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ مُطِرُوا حَتَّى سَالَتْ ‏ ‏مَثَاعِبُ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَمَا زَالَتْ إِلَى الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ مَا تُقْلِعُ ثُمَّ قَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ فَقَالَ غَرِقْنَا فَادْعُ رَبَّكَ يَحْبِسْهَا عَنَّا فَضَحِكَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَجَعَلَ السَّحَابُ يَتَصَدَّعُ عَنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏يَمِينًا وَشِمَالًا يُمْطَرُ مَا حَوَالَيْنَا وَلَا يُمْطِرُ مِنْهَا شَيْءٌ يُرِيهِمْ اللَّهُ كَرَامَةَ نَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَإِجَابَةَ دَعْوَتِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الَّذِي طَلَبَ الِاسْتِقَاء ثُمَّ الِاسْتِصْحَاء وَالْغَرَض مِنْهُ ضَحِكه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ قَوْل الْقَائِل \" غَرِقْنَا \" أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ , وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة , وَسَاقَهُ فِي الدَّعَوَات عَلَى لَفْظ أَبِي عَوَانَة , وَمُحَمَّد بْن مَحْبُوب شَيْخه هُوَ أَبُو عَبْد اللَّه الْبِنَائِيّ الْبَصْرِيّ , وَهُوَ غَيْر مُحَمَّد بْن الْحَسَن الَّذِي لَقِيَهُ مَحْبُوب , وَوَهِمَ مَنْ وَحَّدَهُمَا كَشَيْخِنَا اِبْن الْمُلَقِّن فَإِنَّهُ جَزَمَ بِذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيّ رَوَى عَنْهُ هُنَا وَرَوَى عَنْ رَجُل عَنْهُ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا اِثْنَانِ أَحَدهمَا فِي عِدَاد شُيُوخ الْآخَر , وَشَيْخ الْبُخَارِيّ اِسْمه مُحَمَّد وَاسْم أَبِيهِ مَحْبُوب وَالْآخَر اِسْمه مُحَمَّد وَاسْم أَبِيهِ الْحَسَن وَمَحْبُوب لَقَب مُحَمَّد لَا لَقَب الْحَسَن , وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْأَحْكَام حَدِيثًا وَاحِدًا قَالَ فِيهِ \" حَدَّثَنَا مَحْبُوب بْن الْحَسَن \" وَسَبَب الْوَهْم أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض الْأَسَانِيد \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن مَحْبُوب \" فَظَنُّوا أَنَّهُ لَقَب الْحَسَن وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5629",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , ‏ ‏وَمَنْصُور ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , وَأَمَّا جَرِير الْمَذْكُور فِي ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب فَهُوَ اِبْن حَازِم. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ الصِّدْق يَهْدِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله مِنْ الْهِدَايَة وَهِيَ الدَّلَالَة الْمُوصِلَة إِلَى الْمَطْلُوب , هَكَذَا وَقَعَ أَوَّل الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة مَنْصُور عَنْ أَبِي وَائِل , وَوَقَعَ فِي أَوَّله مِنْ رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل عِنْدَ مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ \" عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْق \" وَفِيهِ \" وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِب فَإِنَّ الْكَذِب إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَى الْبِرّ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة أَصْله التَّوَسُّع فِي فِعْل الْخَيْر , وَهُوَ اِسْم جَامِع لِلْخَيْرَاتِ كُلّهَا , وَيُطْلَق عَلَى الْعَمَل الْخَالِص الدَّائِم. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ الْبِرّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّة ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : مِصْدَاقه فِي كِتَاب اللَّه تَعَالَى : ( إِنَّ الْأَبْرَار لَفِي نَعِيم ). ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ الرَّجُل لَيَصْدُق ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" وَيَتَحَرَّى الصِّدْق \" وَكَذَا زَادَهَا فِي الشِّقّ الثَّانِي. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يَكُون صِدِّيقًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" حَتَّى يُكْتَب عِنْدَ اللَّه صِدِّيقًا \" قَالَ اِبْن بَطَّال : الْمُرَاد أَنَّهُ يَتَكَرَّر مِنْهُ الصِّدْق حَتَّى يَسْتَحِقّ اِسْم الْمُبَالَغَة فِي الصِّدْق. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ الْكَذِب يَهْدِي إِلَى الْفُجُور ) ‏ ‏قَالَ الرَّاغِب : أَصْل الْفَجْر الشَّقّ , فَالْفُجُور شَقُّ سِتْر الدِّيَانَة , وَيُطْلَق عَلَى الْمَيْل إِلَى الْفَسَاد وَعَلَى الِانْبِعَاث فِي الْمَعَاصِي , وَهُوَ اِسْم جَامِع لِلشَّرِّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَإِنَّ الرَّجُل لَيَكْذِب حَتَّى يُكْتَب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" يَكُون \" وَهُوَ وَزْن الْأَوَّل , وَالْمُرَاد بِالْكِتَابَةِ الْحُكْم عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَإِظْهَاره لِلْمَخْلُوقِينَ مِنْ الْمَلَأ الْأَعْلَى وَإِلْقَاء ذَلِكَ فِي قُلُوب أَهْل الْأَرْض , وَقَدْ ذَكَرَهُ مَالِك بَلَاغًا عَنْ اِبْن مَسْعُود وَزَادَ فِيهِ زِيَادَة مُفِيدَة وَلَفْظه \" لَا يَزَال الْعَبْد يَكْذِب وَيَتَحَرَّى الْكَذِب فَيُنْكَت فِي قَلْبه نُكْتَة سَوْدَاء حَتَّى يَسْوَدّ قَلْبه فَيُكْتَب عِنْدَ اللَّه مِنْ الْكَاذِبِينَ \" قَالَ النَّوَوِيّ قَالَ الْعُلَمَاء : فِي هَذَا الْحَدِيث حَثٌّ عَلَى تَحَرِّي الصِّدْق وَهُوَ قَصْده وَالِاعْتِنَاء بِهِ وَعَلَى التَّحْذِير مِنْ الْكَذِب وَالتَّسَاهُل فِيهِ , فَإِنَّهُ إِذَا تَسَاهَلَ فِيهِ كَثُرَ مِنْهُ فَيُعْرَف بِهِ. قُلْت : وَالتَّقْيِيد بِالتَّحَرِّي وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص عَنْ مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر عِنْدَ مُسْلِم وَلَفْظه \" وَإِنَّ الْعَبْد لَيَتَحَرَّى الصِّدْق \" وَكَذَا قَالَ فِي الْكَذِب , وَعِنْدَه أَيْضًا فِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ شَقِيق وَهُوَ أَبُو وَائِل وَأَوَّله عِنْدَه \" عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ \" وَفِيهِ \" وَمَا يَزَال الرَّجُل يَصْدُق وَيَتَحَرَّى الصِّدْق \" وَقَالَ فِيهِ \" وَمَا يَزَال الرَّجُل يَكْذِب وَيَتَحَرَّى الْكَذِب \" فَذَكَرَهُ , وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَة إِشَارَة إِلَى أَنَّ مَنْ تَوَقَّى الْكَذِب بِالْقَصْدِ الصَّحِيح إِلَى الصِّدْق صَارَ لَهُ الصِّدْق سَجِيَّة حَتَّى يَسْتَحِقّ الْوَصْف بِهِ , وَكَذَلِكَ عَكْسه , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ الْحَمْد وَالذَّمّ فِيهِمَا يَخْتَصّ بِمَنْ يَقْصِد إِلَيْهِمَا فَقَطْ , إِنْ كَانَ الصَّادِق فِي الْأَصْل مَمْدُوحًا وَالْكَاذِب مَذْمُومًا. ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيّ : وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَوْجُود فِي نُسَخ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم فِي بِلَادنَا وَغَيْرهَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَتْن الْحَدِيث إِلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض , وَكَذَا نَقَلَهُ الْحُمَيْدِيُّ , وَنَقَلَ أَبُو مَسْعُود عَنْ كِتَاب مُسْلِم فِي حَدِيث اِبْن مُثَنَّى وَابْن بَشَّار زِيَادَة وَهِيَ \" إِنَّ شَرَّ الرَّوَايَا رَوَايَا الْكَذِب ; لِأَنَّ الْكَذِب لَا يَصْلُح مِنْهُ جِدٌّ وَلَا هَزْل , وَلَا يَعِدُ الرَّجُل صَبِيّه ثُمَّ يُخْلِفهُ \" فَذَكَرَ أَبُو مَسْعُود أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَة فِي كِتَابه , وَذَكَرَهَا أَيْضًا أَبُو بَكْر الْبَرْقَانِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث , قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَلَيْسَتْ عِنْدَنَا فِي كِتَاب مُسْلِم , وَالرَّوَايَا جَمْع رَوَّايَة بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ مَا يَتَرَوَّى فِيهِ الْإِنْسَان قَبْل قَوْله أَوْ فِعْله , وَقِيلَ هُوَ جَمْع رِوَايَة أَيْ لِلْكَذِبِ وَالْهَاء لِلْمُبَالَغَةِ. قُلْت : لَمْ أَرَ شَيْئًا مِنْ هَذَا فِي \" الْأَطْرَاف لِأَبِي مَسْعُود \" وَلَا فِي \" الْجَمْع بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ \" فَلَعَلَّهُمَا ذَكَرَاهُ فِي غَيْر هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5630",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" آيَة الْمُنَافِق ثَلَاث : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ \" ‏ ‏الْحَدِيث وَتَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْإِيمَان , وَطَرَفًا مِنْ حَدِيث سَمُرَة فِي الْمَنَام الطَّوِيل الْمُقَدَّم ذِكْره وَشَرْحه فِي كِتَاب الْجَنَائِز , وَفِيهِ \" الَّذِي رَأَيْته يَشُقّ شِدْقه الْكَذَّاب \" قَالَ اِبْن بَطَّال : إِذَا كَرَّرَ الرَّجُل الْكَذِب حَتَّى اِسْتَحَقَّ اِسْم الْمُبَالَغَة بِالْوَصْفِ بِالْكَذِبِ لَمْ يَكُنْ مِنْ صِفَات كَمَلَة الْمُؤْمِنِينَ بَلْ مِنْ صِفَات الْمُنَافِقِينَ , يَعْنِي فَلِهَذَا عَقَّبَ الْبُخَارِيّ حَدِيث اِبْن مَسْعُود بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة. قُلْت : وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور هُنَا فِي صِفَة الْمُنَافِق يَشْمَل الْكَذِب فِي الْقَوْل وَالْفِعْل , وَالْقَصْد الْأَوَّل فِي حَدِيثه وَالثَّانِي فِي أَمَارَته وَالثَّالِث فِي وَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "5631",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي قَالَا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يَكْذِبُ بِالْكَذْبَةِ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "أَخْبَرَ فِي حَدِيث سَمُرَة بِعُقُوبَةِ الْكَاذِب بِأَنَّهُ يُشَقّ شِدْقه وَذَلِكَ فِي مَوْضِع الْمَعْصِيَة وَهُوَ فَمه الَّذِي كَذَبَ بِهِ. قُلْت : وَمُنَاسَبَته لِلْحَدِيثِ الْأَوَّل أَنَّ عُقُوبَة الْكَاذِب أُطْلِقَتْ فِي الْحَدِيث الْأَوَّل بِالنَّارِ فَكَانَ فِي حَدِيث سَمُرَة بَيَانهَا. ‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث سَمُرَة ‏ ‏( قَالَا الَّذِي رَأَيْته يُشَقّ شِدْقه فَكَذَّاب ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ بِالْفَاءِ وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْمَوْصُول الَّذِي يَدْخُل خَبَره الْفَاء يُشْتَرَط أَنْ يَكُون مُبْهَمًا عَامًّا , وَأَجَابَ اِبْن مَالِك بِأَنَّهُ نَزَّلَ الْمُعَيَّن الْمُبْهَم مَنْزِلَة الْعَامّ إِشَارَة إِلَى اِشْتَرَاك مَنْ يَتَّصِف فِي الْعِقَاب الْمَذْكُور , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5632",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏أَحَدَّثَكُمْ ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏شَقِيقًا ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلًّا وَسَمْتًا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ ‏ ‏مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ لَا نَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ إِذَا خَلَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ وَنَصَّ الْبُخَارِيّ لَفْظه , وَلَكِنَّهُ حُذِفَ مِنْ آخِره قَوْل أَبِي أُسَامَة وَهُوَ ثَابِت فِي مُسْنَد إِسْحَاق فَقَالَ فِي آخِر الْحَدِيث \" فَأَقَرَّ بِهِ أَبُو أُسَامَة وَقَالَ نَعَمْ \" وَشَقِيق هُوَ أَبُو وَائِل. ‏ ‏قَوْله : ( دَلًّا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد اللَّام هُوَ حُسْن الْحَرَكَة فِي الْمَشْي وَالْحَدِيث وَغَيْرهمَا , وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى الطَّرِيق. ‏ ‏قَوْله : ( وَسَمْتًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمِيم هُوَ حُسْن الْمَنْظَر فِي أَمْر الدِّين , وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى الْقَصْد فِي الْأَمْر وَعَلَى الطَّرِيق وَالْجِهَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَهَدْيًا ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عُبَيْد : الْهَدْي وَالدَّلّ مُتَقَارِبَانِ , يُقَال فِي السَّكِينَة وَالْوَقَار وَفِي الْهَيْبَة وَالْمَنْظَر وَالشَّمَائِل قَالَ : وَالسَّمْت يَكُون فِي حُسْن الْهَيْئَة وَالْمَنْظَر مِنْ جِهَة الْخَيْر وَالدِّين لَا مِنْ جِهَة الْجَمَال وَالزِّينَة , وَيُطْلَق عَلَى الطَّرِيق , وَكِلَاهُمَا جَيِّد بِأَنْ يَكُون لَهُ هَيْئَة أَهْل الْخَيْر عَلَى طَرِيقَة أَهْل الْإِسْلَام. ‏ ‏قَوْله : ( لِابْنِ أُمّ عَبْد ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَهِيَ تَأْكِيد بَعْد التَّأْكِيد بِأَنَّ الْمَكْسُورَة الَّتِي فِي أَوَّل الْحَدِيث وَابْن أُمّ عَبْد هُوَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عُبَيْد عَنْ الْأَعْمَش عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ \" عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود \" وَفِي الْحَدِيث فَضِيلَة لِابْنِ مَسْعُود جَلِيلَة لِشَهَادَةِ حُذَيْفَة لَهُ بِأَنَّهُ أَشَدُّ النَّاس شَبَهًا بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْخِصَال , وَفِيهِ تَوَقِّي حُذَيْفَة حَيْثُ قَالَ \" مِنْ حِين يَخْرُج إِلَى أَنْ يَرْجِع \" فَإِنَّهُ اِقْتَصَرَ فِي الشَّهَادَة لَهُ بِذَلِكَ عَلَى مَا يُمْكِنهُ مُشَاهَدَته , وَإِنَّمَا قَالَ \" لَا أَدْرِي مَا يَصْنَع فِي أَهْله \" لِأَنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُون إِذَا خَلَا يَكُون فِي اِنْبِسَاطه لِأَهْلِهِ يَزِيد أَوْ يَنْقُص عَنْ هَيْئَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْله , وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ إِثْبَات نَقْص فِي حَقِّ عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْد فِي \" غَرِيب الْحَدِيث \" أَنَّ أَصْحَاب عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى سَمْته وَهَدْيه وَدَلّه فَيَتَشَبَّهُونَ بِهِ , فَكَأَنَّ الْحَامِل لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَدِيث حُذَيْفَة. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ طَرِيق زَيْد بْن وَهْب \" سَمِعْت اِبْن مَسْعُود قَالَ : اِعْلَمُوا أَنَّ حُسْن الْهَدْي فِي آخِر الزَّمَان خَيْر مِنْ بَعْض الْعَمَل \" وَسَنَده صَحِيح , وَمِثْله لَا يُقَال مِنْ قِبَل الرَّأْي , فَكَأَنَّ اِبْن مَسْعُود لِأَجْلِ هَذَا كَانَ يَحْرِص عَلَى حُسْن الْهَدْي , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِح بِقَوْلِ حُذَيْفَة فِي اِبْن مَسْعُود قَوْل مَالِك \" كَانَ عُمَر أَشْبَهَ النَّاس بِهَدْيِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشْبَهَ النَّاس بِعُمَر اِبْنه عَبْد اللَّه , وَبِعَبْدِ اللَّه اِبْنه سَالِم \" قَالَ الدَّاوُدِيُّ : وَقَوْل حُذَيْفَة يُقَدَّم عَلَى قَوْل مَالِك , وَيُمْكِن الْجَمْع بِاخْتِلَافِ مُتَعَلِّق الشَّبَه بِحَمْلِ شَبَه اِبْن مَسْعُود بِالسَّمْتِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ , وَقَوْل مَالِك بِالْقُوَّةِ فِي الدِّين وَنَحْوهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مَقَالَة حُذَيْفَة وَقَعَتْ بَعْد مَوْت عُمَر , يُؤَيِّد قَوْل مَالِك مَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" كِتَاب رَفْع الْيَدَيْنِ \" عَنْ جَابِر قَالَ \" لَمْ يَكُنْ أَحَد مِنْهُمْ أَلْزَم لِطَرِيقِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عُمَر \" وَفِي السُّنَن وَمُسْتَدْرَك الْحَاكِم عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" مَا رَأَيْت أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام \" قُلْت : وَيُجْمَع بِالْحَمْلِ فِي هَذَا عَلَى النِّسَاء , وَأَخْرَجَ أَحْمَد عَنْ عُمَر \" مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُر إِلَى هَدْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَدْي عَمْرو بْن الْأَسْوَد \". قُلْت : وَيُجْمَع بِالْحَمْلِ عَلَى مَنْ بَعْد الصَّحَابَة , وَعَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن جُبَيْر بْن نُفَيْر \" حَجَّ عَمْرو بْن الْأَسْوَد فَرَآهُ اِبْن عُمَر يُصَلِّي فَقَالَ : مَا رَأَيْت أَشْبَهَ صَلَاة وَلَا هَدْيًا وَلَا خُشُوعًا وَلَا لِبْسَة بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذَا الرَّجُل \" اِنْتَهَى. وَعَمْرو الْمَذْكُور. ‏"
    },
    {
        "id": "5633",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُخَارِقٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏طَارِقًا ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ مُخَارِق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه وَيُقَال اِبْن خَلِيفَة الْأَحْمَسِيُّ ‏ ‏وَطَارِق ‏ ‏هُوَ اِبْن شِهَاب الْأَحْمَسِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" كَانَ عَبْد اللَّه يَقُول \" وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود وَجَزَمَ اِبْن بَطَّال بِأَنَّ عَبْد اللَّه هَذَا هُوَ اِبْن عُمَر فَوَهِمَ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ أَحْسَن الْحَدِيث كِتَاب اللَّه , وَأَحْسَن الْهَدْي هَدْي مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْهَاء كَمَا فِي التَّرْجَمَة وَرُوِيَ بِضَمِّهَا ضِدّ الضَّلَال , زَادَ أَبُو خَلِيفَة عَنْ أَبِي الْوَلِيد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فِي آخِره : وَشَرَّ الْأُمُور مُحْدَثَاتهَا ( وَإِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الِاعْتِصَام مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن مَسْعُود وَفِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَة بِلَفْظِهَا وَسَأَذْكُرُ شَرْحهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. هَكَذَا رَأَيْت هَذَا الْحَدِيث فِي جَمِيع الطُّرُق مَوْقُوفًا , وَقَدْ وَرَدَ بَعْضه مَرْفُوعًا مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَحْوَص عَنْ اِبْن مَسْعُود أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن , وَجَاءَ أَكْثَره مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيث جَابِر أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَد وَابْن مَاجَهْ وَغَيْرهمْ مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِر بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَة , مِنْهَا لِأَحْمَد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ جَعْفَر بِهِ \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول فِي خُطْبَته بَعْد التَّشَهُّد : إِنَّ أَحْسَن الْحَدِيث كِتَاب اللَّه , وَأَحْسَن الْهَدْي هَدْي مُحَمَّد \" قَالَ يَحْيَى وَلَا أَعْلَمهُ إِلَّا قَالَ \" وَشَرَّ الْأُمُور مُحْدَثَاتهَا \" الْحَدِيث , وَفِي لَفْظ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد فِي أَثْنَاء حَدِيث قَالَ فِيهِ \" وَيَقُول : أَمَّا بَعْد إِنَّ خَيْر الْحَدِيث كِتَاب اللَّه , وَخَيْر الْهَدْي هَدْي مُحَمَّد , وَشَرَّ الْأُمُور مُحْدَثَاتهَا , وَكُلّ بِدْعَة ضَلَالَة \" الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "5634",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ أَحَدٌ أَوْ لَيْسَ شَيْءٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ ‏",
        "sharh": "قَوْله : حَدِيث أَبِي مُوسَى ‏ ‏( لَيْسَ أَحَد أَوْ لَيْسَ شَيْء ) ‏ ‏هُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرو بْن عَلِيّ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بِسَنَدِ الْبُخَارِيّ وَقَالَ فِيهِ \" أَحَد \" بِغَيْرِ شَكٍّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَصْبَر عَلَى أَذًى ) ‏ ‏هُوَ بِمَعْنَى الْحِلْم , أَوْ أَطْلَقَ الصَّبْر لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْحَبْس وَالْمُرَاد بِهِ حَبْس الْعُقُوبَة عَلَى مُسْتَحِقّهَا عَاجِلًا وَهَذَا هُوَ الْحِلْم. ‏ ‏قَوْله : ( عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّه ) ‏ ‏قَدْ بَيَّنَهُ فِي بَقِيَّة الْحَدِيث , وَهُوَ أَنَّهُمْ يُشْرِكُونَ بِهِ وَيَرْزُقهُمْ , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5635",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏شَقِيقًا ‏ ‏يَقُولُ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَسَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قِسْمَةً كَبَعْضِ مَا كَانَ يَقْسِمُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنَّهَا لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ قُلْتُ أَمَّا أَنَا لَأَقُولَنَّ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ فَسَارَرْتُهُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَغَضِبَ حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَخْبَرْتُهُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏قَدْ أُوذِيَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَصَبَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش الْمَاضِيَة فِي \" بَاب مَنْ أَخْبَرَ صَاحِبه بِمَا يَعْلَم \" بِلَفْظِ \" عَنْ اِبْن مَسْعُود \". ‏ ‏قَوْله : ( قَسَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْمًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش أَنَّهَا قِسْمَةُ غَنَائِم حُنَيْنٍ , وَفِي رِوَايَة مَنْصُور عَنْ اِبْن أَبِي وَائِل \" لَمَّا كَانَ يَوْم حُنَيْنٍ آثَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسًا فِي الْقِسْمَة أَعْطَى الْأَقْرَع بْن حَابِس مِائَة مِنْ الْإِبِل وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْن حِصْن مِائَة مِنْ الْإِبِل وَأَعْطَى نَاسًا مِنْ أَشْرَاف الْعَرَب \" وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاح ذَلِكَ فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏تَقَدَّمَتْ تَسْمِيَته فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ وَالرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ حُرْقُوص بْن زُهَيْر. ‏ ‏قَوْله : ( وَاَللَّه إِنَّهَا لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْه اللَّه ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظِ \" مَا أَرَادَ \" عَلَى الْبِنَاء لِلْفَاعِلِ وَفِي رِوَايَة مَنْصُور \" مَا عُدِلَ فِيهَا \" وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت أَمَا لَأَقُولَنَّ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : هِيَ بِتَخْفِيفِ الْمِيم وَوَقَعَ فِي رِوَايَة \" أَمَّا \" بِتَشْدِيدِهَا وَلَيْسَ بِبَيِّنٍ. قُلْت : وَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيّ \" أَمَ \" بِغَيْرِ أَلِف وَهُوَ يُؤَيِّد التَّخْفِيف , وَيُوَجِّه التَّشْدِيد عَلَى أَنَّ فِي الْكَلَام حَذْفًا تَقْدِيره أَمَّا إِذْ قُلْت ذَلِكَ لَأَقُولَن. ‏ ‏قَوْله : ( فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَتَغَيَّرَ وَجْهه ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ قَبْل بِأَكْثَر مِنْ عَشْرَة أَبْوَاب بِلَفْظِ \" فَتَمَعَّرَ وَجْهه \" وَهُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَيَجُوز بِالْمُعْجَمَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى وَدِدْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَنْ بِفَتْحٍ وَتَخْفِيف. ‏ ‏قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ قَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَر مِنْ هَذَا فَصَبَرَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش \" يَرْحَم اللَّه مُوسَى قَدْ أُوذِيَ \" فَذَكَرَهُ وَزَادَ فِي رِوَايَة مَنْصُور \" فَقَالَ فَمَنْ يَعْدِل إِذَا لَمْ يَعْدِل اللَّه وَرَسُوله , رَحِمَ اللَّه مُوسَى \" الْحَدِيث. وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز إِخْبَار الْإِمَام وَأَهْل الْفَضْل بِمَا يُقَال فِيهِمْ مِمَّا لَا يَلِيق بِهِمْ لِيُحَذِّرُوا الْقَائِل وَفِيهِ بَيَان مَا يُبَاح مِنْ الْغِيبَة وَالنَّمِيمَة لِأَنَّ صُورَتهمَا مَوْجُودَة فِي صَنِيع اِبْن مَسْعُود هَذَا وَلَمْ يُنْكِرهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَلِكَ أَنَّ قَصْد اِبْن مَسْعُود كَانَ نُصْح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِعْلَامه بِمَنْ يَطْعَن فِيهِ مِمَّنْ يُظْهِر الْإِسْلَام وَيُبْطِن النِّفَاق لِيَحْذَر مِنْهُ , وَهَذَا جَائِز كَمَا يَجُوز التَّجَسُّس عَلَى الْكُفَّار لِيُؤْمَن مِنْ كَيْدهمْ , وَقَدْ اِرْتَكَبَ الرَّجُل الْمَذْكُور بِمَا قَالَ إِثْمًا عَظِيمًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُرْمَة. وَفِيهِ أَنَّ أَهْل الْفَضْل قَدْ يُغْضِبهُمْ مَا يُقَال فِيهِمْ مِمَّا لَيْسَ فِيهِمْ , وَمَعَ ذَلِكَ فَيَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ بِالصَّبْرِ وَالْحِلْم كَمَا صَنَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِقْتِدَاءًا بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام , وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ \" قَدْ أُوذِيَ مُوسَى \" إِلَى قَوْله تَعَالَى ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ آذَوْا مُوسَى ) قَدْ حُكِيَ فِي صِفَة أَذَاهُمْ لَهُ ثَلَاث قَصَص : إِحْدَاهَا قَوْلهمْ هُوَ آدَرُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْط ذَلِكَ وَشَرْحه فِي قِصَّة مُوسَى مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. ثَانِيهَا فِي قِصَّة مَوْت هَارُون , وَقَدْ أَوْضَحْته أَيْضًا فِي قِصَّة مُوسَى ثَالِثهَا فِي قِصَّته مَعَ قَارُون حَيْثُ أَمَرَ الْبَغِيّ أَنْ تَزْعُم أَنَّ مُوسَى رَاوَدَهَا حَتَّى كَانَ ذَلِكَ سَبَب هَلَاك قَارُون , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي قِصَّة قَارُون فِي آخِر أَخْبَار مُوسَى مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "5636",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏صَنَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن صُبَيْح أَبُو الضُّحَى , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ اِبْن عِمْرَان الْبَطِين , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ الْأَعْمَش فَقَالَ \" عَنْ أَبِي الضُّحَى \" وَمِنْ طَرِيق حَفْص بْن غِيَاث الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقه فَقَالَ نَحْو جَرِير , وَمِنْ طَرِيق عِيسَى بْن يُونُس عَنْ الْأَعْمَش كَذَلِكَ , وَمِنْ طَرِيق مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( صَنَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَتَرَخَّصَ فِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش \" رَخَّصَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْر \". ‏ ‏قَوْله : ( فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ الْأَعْمَش \" فَبَلَغَ ذَلِكَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابه فَكَأَنَّهُمْ كَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا \". ‏ ‏قَوْله : ( فَخَطَبَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَضِبَ حَتَّى بَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهه \". ‏ ‏قَوْله : ( مَا بَال أَقْوَام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" مَا بَال رِجَال \" قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا لَا يُنَافِي التَّرْجَمَة ; لِأَنَّ الْمُرَاد بِهَا الْمُوَاجَهَة مَعَ التَّعْيِين كَأَنْ يَقُول مَا بَالك يَا فُلَان تَفْعَل كَذَا , وَمَا بَال فُلَان يَفْعَل كَذَا. فَأَمَّا مَعَ الْإِبْهَام فَلَمْ تَحْصُل الْمُوَاجَهَة وَإِنْ كَانَتْ صُورَتهَا مَوْجُودَة وَهِيَ مُخَاطَبَة مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ , لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ جُمْلَة الْمُخَاطَبِينَ وَلَمْ يُمَيَّز عَنْهُمْ صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُخَاطَب. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الشَّيْء أَصْنَعهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" بَلَغَهُمْ عَنِّي أَمْر تَرَخَّصْت فِيهِ فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" يَرْغَبُونَ عَمَّا رُخِّصَ لِي فِيهِ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَوَاَللَّهِ إِنِّي لِأَعْلَمهُمْ بِاَللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَة ) ‏ ‏جَمْع بَيْنَ الْقُوَّة الْعِلْمِيَّة وَالْقُوَّة الْعَمَلِيَّة , أَيْ أَنَّهُمْ تَوَهَّمُوا أَنَّ رَغْبَتهمْ عَمَّا أَفْعَل أَقْرَب لَهُمْ عِنْدَ اللَّه , وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ أَعْلَمهُمْ بِالْقُرْبَةِ وَأَوْلَاهُمْ بِالْعَمَلِ بِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنْ الْأَعْمَال بِمَا يُطِيقُونَ \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" فَيَغْضَب ثُمَّ يَقُول إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمكُمْ بِاَللَّهِ أَنَا \" وَقَدْ أَوْضَحْت شَرْحه هُنَاكَ وَذَكَرْت فِيهِ أَنَّ الْحَدِيث مِنْ أَفْرَاد هِشَام عَنْ أَبِيهِ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة , وَطَرِيق مَسْرُوق هَذِهِ مُتَابَعَة جَيِّدَة لِأَصْلِ هَذَا الْحَدِيث , قَالَ اِبْن بَطَّال : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَفِيقًا بِأُمَّتِهِ فَلِذَلِكَ خَفَّفَ عَنْهُمْ الْعِتَاب ; لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يَجُوز لَهُمْ مِنْ الْأَخْذ بِالشِّدَّةِ , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا لَأَمَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى فِعْله. قُلْت : أَمَّا الْمُعَاتَبَة فَقَدْ حَصَلَتْ مِنْهُ لَهُمْ بِلَا رَيْب , وَإِنَّمَا لَمْ يُمَيِّز الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ ذَلِكَ سَتْرًا عَلَيْهِ , فَحَصَلَ مِنْهُ الرِّفْق مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّة لَا بِتَرْكِ الْعِتَاب أَصْلًا. وَأَمَّا اِسْتِدْلَاله يَكُون مَا فَعَلُوهُ غَيْر حَرَام فَوَاضِح مِنْ جِهَة أَنَّهُ لَمْ يُلْزِمْهُمْ بِفِعْلِ مَا فَعَلَهُ هُوَ. وَفِي الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى الِاقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَمّ التَّعَمُّق وَالتَّنَزُّه عَنْ الْمُبَاح , وَحُسْن الْعِشْرَة عِنْدَ الْمَوْعِظَة , وَالْإِنْكَار وَالتَّلَطُّف فِي ذَلِكَ , وَلَمْ أَعْرِف أَعْيَان الْقَوْم الْمُشَار إِلَيْهِمْ فِي هَذَا الْحَدِيث , وَلَا الشَّيْء الَّذِي تَرَخَّصَ فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ وَجَدْت مَا يُمْكِن أَنْ يُعْرَف بِهِ ذَلِكَ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي كِتَاب الصِّيَام مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أُصْبِح جُنُبًا وَأَنَا أُرِيد الصِّيَام فَأَغْتَسِل وَأَصُوم , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنَا تُدْرِكنِي الصَّلَاة وَأَنَا جُنُب فَأَصُوم , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّك لَسْت مِثْلنَا , قَدْ غَفَرَ اللَّه لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك وَمَا تَأَخَّرَ فَغَضِبَ رَسُول اللَّه وَقَالَ : إِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُون أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمكُمْ بِمَا أَتَّقِي \" وَنَحْو هَذَا فِي حَدِيث أَنَس الْمَذْكُور فِي كِتَاب النِّكَاح \" أَنَّ ثَلَاثَة رَهْط سَأَلُوا عَنْ عَمَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السِّرّ \" الْحَدِيث وَفِيهِ قَوْلهمْ \" وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَفَرَ اللَّه لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه وَمَا تَأَخَّرَ \" وَفِيهِ قَوْلهمْ \" وَاَللَّه إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ , لَكِنِّي أَصُوم وَأُفْطِر وَأُصَلِّي وَأَرْقُد وَأَتَزَوَّج النِّسَاء \". ‏"
    },
    {
        "id": "5637",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ هُوَ ابْنُ أَبِي عُتْبَةَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي ‏ ‏خِدْرِهَا ‏ ‏فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد يَأْتِي فِي \" بَاب الْحَيَاء \" بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه أَيْضًا فِي \" بَاب صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". قَالَ اِبْن بَطَّال : يُسْتَفَاد مِنْهُ الْحُكْم بِالدَّلِيلِ ; لِأَنَّهُمْ جَزَمُوا بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ مَا يَكْرَههُ بِتَغَيُّرِ وَجْهه , وَنَظِيره أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّهُ يَقْرَأ فِي الصَّلَاة بِاضْطِرَابِ لِحْيَته كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعه. ‏"
    },
    {
        "id": "5638",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ ‏ ‏بَاءَ ‏ ‏بِهِ أَحَدُهُمَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد وَأَحْمَد بْن سَعِيد قَالَا حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن عُمَر ) ‏ ‏أَمَّا مُحَمَّد فَهُوَ اِبْن يَحْيَى الذُّهْلِيُّ , وَأَمَّا أَحْمَد بْن سَعِيد فَهُوَ اِبْن سَعِيد بْن صَخْر أَبُو جَعْفَر الدَّارِمِيُّ , جَزَمَ بِذَلِكَ أَبُو نَصْر الْكَلَابَاذِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة الْجَمِيع بِالْعَنْعَنَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عِكْرِمَة بْن عَمَّار الْمُعَلَّقَة أَنَّهُ \" سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة \". ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا قَالَ الرَّجُل لِأَخِيهِ يَا كَافِر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ السِّبَاب وَاللَّعْن \". ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عِكْرِمَة بْن عَمَّار عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير ‏ ‏( عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ الْمَدَنِيّ مَوْلَى الْأَسْوَد بْن سُفْيَان , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْمُعَلَّق وَحَدِيث آخَر مَوْصُول مَضَى فِي التَّفْسِير. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏يَعْنِي بِهَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ وَصَلَهُ الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة فِي مُسْنَده وَأَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيقه عَنْ النَّضْر بْن مُحَمَّد الْيَمَانِيّ عَنْ عِكْرِمَة بْن عَمَّار بِهِ , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم فِي كِتَاب الْإِيمَان مِنْ طَرِيق النَّضْر بْن مُحَمَّد عَنْ عِكْرِمَة عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة حَدِيثًا غَيْر هَذَا لَيْسَ فِيهِ بَيْنَ يَحْيَى وَأَبِي سَلَمَة وَاسِطَة , وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ حَدِيث الْبَاب مِنْ رِوَايَة حُذَيْفَة عَنْ عِكْرِمَة بْن عَمَّار بِهَذَا السَّنَد وَقَالَ : إِنَّهُ مَوْقُوف لَمْ يَذْكُر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ. اِنْتَهَى. وَقَدْ رَفَعَهُ النَّضْر بْن مُحَمَّد عَنْ عِكْرِمَة كَمَا تَرَى , وَدَلَّ صَنِيع الْبُخَارِيّ عَلَى أَنَّ زِيَادَة عَبْد اللَّه بْن يَزِيد بَيْنَ يَحْيَى وَأَبِي سَلَمَة فِي هَذِهِ الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة لَمْ تَقْدَح فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمُبَارَك عَنْ يَحْيَى بِدُونِ ذِكْر عَبْد اللَّه بْن يَزِيد عِنْدَه , إِمَّا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون يَحْيَى سَمِعَهُ مِنْ أَبِي سَلَمَة بِوَاسِطَةٍ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي سَلَمَة , وَإِمَّا أَنْ يَكُون لَمْ يَعْتَدّ بِزِيَادَةِ عِكْرِمَة بْن عَمَّار لِضَعْفِ حِفْظه عِنْدَه. وَقَدْ اِسْتَدْرَكَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَيْهِ إِخْرَاجه لِرِوَايَةِ عَلِيّ بْن الْمُبَارَك , وَقَالَ : يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير مُدَلِّس , وَقَدْ زَادَ فِيهِ عِكْرِمَة رَجُلًا , وَالْحَقّ أَنَّ مِثْل هَذَا لَا يُتَعَقَّب بِهِ الْبُخَارِيّ لِأَنَّهُ لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ الْعِلَّة بَلْ عَرَفَهَا وَأَبْرَزَهَا وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهَا لَا تَقْدَح , وَكَأَنَّ ذَلِكَ لِأَنَّ أَصْل الْحَدِيث مَعْرُوف وَمَتْنه مَشْهُور مَرْوِيّ مِنْ عِدَّة طُرُق , فَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ مَرَاتِب الْعِلَل مُتَفَاوِتَة , وَأَنَّ مَا ظَاهِره الْقَدْح مِنْهَا إِذَا اِنْجَبَرَ زَالَ عَنْهُ الْقَدْح , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5639",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ ‏ ‏بَاءَ ‏ ‏بِهَا أَحَدُهُمَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي نَفْس الْمَعْنَى وَتَقَدَّمَ شَرْحه. ‏"
    },
    {
        "id": "5640",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث ثَابِت بْن الضَّحَّاك تَقَدَّمَ شَرْحه. قَالَ اِبْن بَطَّال : كُنْت أَسْأَل الْمُهَلَّب كَثِيرًا عَنْ هَذَا الْحَدِيث لِصُعُوبَتِهِ فَيُجِيبنِي بِأَجْوِبَةٍ مُخْتَلِفَة وَالْمَعْنَى وَاحِد قَالَ : ‏ ‏قَوْله \" فَهُوَ كَمَا قَالَ \" ‏ ‏يَعْنِي فَهُوَ كَاذِب لَا كَافِر , إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا تَعَمَّدَ الْكَذِب الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ وَالْتَزَمَ الْمِلَّة الَّتِي حَلَفَ بِهَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام \" فَهُوَ كَمَا قَالَ \" مِنْ اِلْتِزَام تِلْكَ الْمِلَّة إِنْ صَحَّ قَصْده بِكَذِبِهِ إِلَى اِلْتِزَامهَا فِي تِلْكَ الْحَالَة , لَا فِي وَقْت ثَانٍ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيل الْخَدِيعَة لِلْمَحْلُوفِ لَهُ. قُلْت : وَحَاصِله أَنَّهُ لَا يَصِير بِذَلِكَ كَافِرًا وَإِنَّمَا يَكُون كَالْكَافِرِ فِي حَال حَلِفه بِذَلِكَ خَاصَّة , وَسَيَأْتِي أَنَّ غَيْره حَمَلَ الْحَدِيث عَلَى الزَّجْر وَالتَّغْلِيظ , وَأَنَّ ظَاهِره غَيْر مُرَاد , وَفِيهِ غَيْر ذَلِكَ مِنْ التَّأْوِيلَات. ‏"
    },
    {
        "id": "5641",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَلِيمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ الصَّلَاةَ فَقَرَأَ بِهِمْ ‏ ‏الْبَقَرَةَ ‏ ‏قَالَ فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً فَبَلَغَ ذَلِكَ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏فَقَالَ إِنَّهُ مُنَافِقٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَوْمٌ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا وَنَسْقِي بِنَوَاضِحِنَا وَإِنَّ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏صَلَّى بِنَا الْبَارِحَةَ فَقَرَأَ ‏ ‏الْبَقَرَةَ ‏ ‏فَتَجَوَّزْتُ فَزَعَمَ أَنِّي مُنَافِقٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏مُعَاذُ ‏ ‏أَفَتَّانٌ أَنْتَ ثَلَاثًا اقْرَأْ ‏ ‏وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ‏ ‏وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ‏ ‏وَنَحْوَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي قِصَّة مُعَاذ بْن جَبَل حَيْثُ طَوَّلَ فِي صَلَاة الصُّبْح فَفَارَقَهُ الرَّجُل فَصَلَّى وَحْده , فَقَالَ مُعَاذ إِنَّهُ مُنَافِق وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي صَلَاة الْجَمَاعَة , وَمُحَمَّد بْن عَبَادَةَ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ أَبُوهُ بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة. ‏ ‏وَقَوْله \" فَتَجُوز رَجُل \" ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالزَّاي لِلْجَمِيعِ , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ رُوِيَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة أَيْ اِنْحَازَ فَصَلَّى وَحْده. ‏"
    },
    {
        "id": "5642",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو الْمُغِيرَةِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , ‏ ‏وَأَبُو الْمُغِيرَة ‏ ‏هُوَ عَبْد الْقُدُّوس بْن الْحَجَّاج الْحِمْصِيُّ , وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ قَدْ حَدَّثَ عَنْهُ كَثِيرًا بِلَا وَاسِطَة. وَتَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم مَعَ شَرْحه , وَوَجْه دُخُوله فِي هَذَا الْبَاب وَاضِح , قَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب : أَمْرُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَالِفِ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى بِقَوْلِهِ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه خَشْيَة أَنْ يَسْتَدِيم حَاله عَلَى مَا قَالَ فَيُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ حُبُوط عَمَله فِيمَا نَطَقَ بِهِ مِنْ كَلِمَة الْكُفْر بَعْد الْإِيمَان , قَالَ : وَمِثْله قَوْله \" لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن \" فَنَفَى عَنْهُ الْإِيمَان فِي حَالَة الزِّنَا خَاصَّة اِنْتَهَى. وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث إِطْلَاق الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه , وَإِنَّمَا فِيهِ تَعْلِيم مَنْ نَسِيَ أَوْ جَهِلَ فَحَلَفَ بِذَلِكَ أَنْ يُبَادِر إِلَى مَا يُكَفِّر عَنْهُ مَا وَقَعَ فِيهِ. وَحَاصِله أَنَّهُ أَرْشَدَ مَنْ تَلَفَّظَ بِشَيْءٍ مِمَّا لَا يَنْبَغِي لَهُ التَّلَفُّظ بِهِ أَنْ يُبَادِر إِلَى مَا يَرْفَع الْحَرَج عَنْ الْقَائِل أَنْ لَوْ قَالَ ذَلِكَ قَاصِدًا إِلَى مَعْنَى مَا قَالَ , وَقَدْ قَدَّمْت تَوْجِيه هَذَا فِي شَرْح الْحَدِيث الْمَذْكُور , وَمُنَاسَبَة الْأَمْر بِالصَّدَقَةِ لِمَنْ قَالَ أُقَامِرك مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَرَادَ إِخْرَاج الْمَال فِي الْبَاطِل , فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ فِي الْحَقّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5643",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ أَدْرَكَ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏فِي رَكْبٍ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ وَإِلَّا فَلْيَصْمُتْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي حَلِف عُمَر بِأَبِيهِ , وَفِيهِ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَقَصَدَ بِذِكْرِهِ هُنَا الْإِشَارَة إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه \" مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّه فَقَدْ أَشْرَكَ \" لَكِنْ لَمَّا كَانَ حَلِف عُمَر بِذَلِكَ قَبْل أَنْ يَقْتَضِي النَّهْي كَانَ مَعْذُورًا فِيمَا صَنَعَ , فَلِذَلِكَ اِقْتَصَرَ عَلَى نَهْيه وَلَمْ يُؤَاخِذهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ تَأَوَّلَ أَنَّ حَقَّ أَبِيهِ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْتَحِقّ أَنْ يَحْلِف بِهِ , فَبَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّه لَا يُحِبّ لِعَبْدِهِ أَنْ يَحْلِف بِغَيْرِهِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5644",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَفِي الْبَيْتِ ‏ ‏قِرَامٌ ‏ ‏فِيهِ صُوَرٌ فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ وَقَالَتْ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي الْقِرَام , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي اللِّبَاس , وَيَسَرَة شَيْخه بِفَتْحِ الْيَاء الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت وَالْمُهْمَلَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5645",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا قَالَ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ قَالَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ‏ ‏إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمْ الْمَرِيضَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مَسْعُود فِي قِصَّة تَطْوِيل الْإِمَام فِي صَلَاة الْغَدَاة , وَتَقَدَّمَ شَرْحه فِي صَلَاة الْجَمَاعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5646",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي رَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً فَحَكَّهَا بِيَدِهِ فَتَغَيَّظَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ حِيَالَ وَجْهِهِ فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ حِيَالَ وَجْهِهِ فِي الصَّلَاةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي النُّخَامَة فِي الْقِبْلَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل كِتَاب الصَّلَاة , وَقَوْله : \" حِيَال وَجْهه \" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة خَفِيفَة أَيْ تِلْقَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "5647",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُنْبَعِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ ‏ ‏عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ ‏ ‏وِكَاءَهَا ‏ ‏وَعِفَاصَهَا ‏ ‏ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الْإِبِلِ قَالَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ أَوْ احْمَرَّ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث زَيْد بْن خَالِد فِي اللُّقَطَة , وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5648",
        "content": "‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الْمَكِّيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏احْتَجَرَ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حُجَيْرَةً مُخَصَّفَةً أَوْ حَصِيرًا فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي فِيهَا فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً فَحَضَرُوا وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْهُمْ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ ‏ ‏وَحَصَبُوا ‏ ‏الْبَابَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مُغْضَبًا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت \" اِحْتَجَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَيْرَة \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة , وَحُجَيْرَة تَصْغِير حُجْرَة بِالرَّاءِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ رِوَايَة بِالزَّايِ , وَيُقَال بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه , وَالْخَصَفَة بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالصَّاد الْمُهْمَلَة ثُمَّ فَاء : مَا يُتَّخَذ مِنْ خُوص الْمُقَل أَوْ النَّخْل , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" وَقَالَ الْمَكِّيّ \" ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم الْبَلْخِيُّ أَحَد مَشَايِخه , وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَد وَالدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ الْمَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم بِتَمَامِهِ , وَمُحَمَّد بْن زِيَاد شَيْخه فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة هُوَ الزِّيَادِيّ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , قَالَ الْكَلَابَاذِيّ : أَخْرَجَ لَهُ شِبْه الْمَقْرُون ! وَكَذَا قَالَ اِبْن عَدِيّ : رَوَى لَهُ اِسْتِشْهَادًا , وَكَانَتْ وَفَاته قَبْل الْبُخَارِيّ بِقَلِيلٍ , مَاتَ فِي حُدُود الْخَمْسِينَ وَيُقَال سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَذَكَرَ ذَلِكَ الدِّمْيَاطِيّ فِي حَوَاشِيه , وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر هُوَ غُنْدَر وَعَبْد اللَّه بْن سَعِيد هُوَ اِبْن أَبِي هِنْد , وَسِيَاق الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب عَلَى لَفْظ مُحَمَّد بْن جَعْفَر. وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : \" فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مُغْضَبًا \" وَالظَّاهِر أَنَّ غَضَبه لِكَوْنِهِمْ اِجْتَمَعُوا بِغَيْرِ أَمْره فَلَمْ يَكْتَفُوا بِالْإِشَارَةِ مِنْهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَخْرُج عَلَيْهِمْ بَلْ بَالَغُوا فَحَصَبُوا بَابه وَتَتَبَّعُوهُ , أَوْ غَضِبَ لِكَوْنِهِ تَأَخَّرَ إِشْفَاقًا عَلَيْهِمْ لِئَلَّا تُفْرَض عَلَيْهِ وَهُمْ يَظُنُّونَ غَيْر ذَلِكَ , وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : \" صَلَّى فِي مَسْجِده بِغَيْرِ أَمْره \" ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِره : \" أَفْضَل صَلَاة الْمَرْء فِي بَيْته إِلَّا الْمَكْتُوبَة \" ‏ ‏دَالّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالصَّلَاةِ أَيْ فِي قَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر \" اِجْعَلُوا مِنْ صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا \" صَلَاة النَّافِلَة , وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ قَوْم أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يَجْعَل فِي بَيْته مِنْ فَرِيضَة , وَزَيَّفَهُ بِحَدِيثِ الْبَاب وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5649",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ الشَّدِيدُ ‏ ‏بِالصُّرَعَةِ ‏ ‏إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( لَيْسَ الشَّدِيد بِالصُّرْعَةِ ) ‏ ‏بِضَمِّ الصَّاد وَالْمُهْمَلَة وَفَتْح الرَّاء : الَّذِي يَصْرَع النَّاس كَثِيرًا بِقُوَّتِهِ , وَالْهَاء لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَة , وَالصُّرْعَة بِسُكُونِ الرَّاء بِالْعَكْسِ وَهُوَ مَنْ يَصْرَعهُ غَيْره كَثِيرًا , وَكُلّ مَا جَاءَ بِهَذَا الْوَزْن بِالضَّمِّ وَبِالسُّكُونِ فَهُوَ كَذَلِكَ كَهُمْزَةٍ وَلُمْزَةٍ وَحُفْظَةٍ وَخُدْعَة وَضُحْكَة , وَوَقَعَ بَيَان ذَلِكَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْدَ مُسْلِم وَأَوَّله \" مَا تَعُدُّونَ الصُّرْعَة فِيكُمْ ؟ قَالُوا : الَّذِي لَا يَصْرَعهُ الرِّجَال \" قَالَ. اِبْن التِّين : ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الرَّاء. وَقَرَأَهُ بَعْضهمْ بِسُكُونِهَا , وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ عَكْس الْمَطْلُوب , قَالَ : وَضُبِطَ أَيْضًا فِي بَعْض الْكُتُب بِفَتْحِ الصَّاد وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّمَا الشَّدِيد الَّذِي يَمْلِك نَفْسه عِنْدَ الْغَضَب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد مِنْ حَدِيث رَجُل لَمْ يُسَمِّهِ شَهِدَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" الصُّرْعَة كُلّ الصُّرْعَة - كَرَّرَهَا ثَلَاثًا - الَّذِي يَغْضَب فَيَشْتَدّ غَضَبه وَيَحْمَرّ وَجْهه فَيَصْرَع غَضَبه \". ‏"
    },
    {
        "id": "5650",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدْ احْمَرَّ وَجْهُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ لَوْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَقَالُوا لِلرَّجُلِ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سُلَيْمَان بْن صُرَد , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي بَاب السِّبَاب وَاللَّعْن. ‏"
    },
    {
        "id": "5651",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْصِنِي قَالَ ‏ ‏لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ لَا تَغْضَبْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الزِّمِّيّ بِكَسْرِ الزَّاي وَتَشْدِيد الْمِيم , لَمْ أَرَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ رِوَايَة إِلَّا عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش , وَأَبُو حَصِين بِفَتْحِ أَوَّله. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏خَالَفَهُ الْأَعْمَش فَقَالَ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي سَعِيد \" أَخْرَجَهُ مُسَدَّد فِي مُسْنَده عَنْ عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد عَنْ الْأَعْمَش , وَهُوَ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ أَيْضًا لَوْلَا عَنْعَنَة الْأَعْمَش. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏هُوَ جَارِيَة بِالْجِيمِ اِبْن قُدَامَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن حِبَّان وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثه مُبْهَمًا وَمُفَسَّرًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يُفَسَّر بِغَيْرِهِ , فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث سُفْيَان بْن عَبْد اللَّه الثَّقَفِيّ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه قُلْ لِي قَوْلًا أَنْتَفِع بِهِ وَأَقْلِلْ , قَالَ : لَا تَغْضَب , وَلَك الْجَنَّة \" وَفِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء \" قُلْت : يَا رَسُول اللَّه دُلَّنِي عَلَى عَمَل يُدْخِلنِي الْجَنَّة , قَالَ : لَا تَغْضَب \" وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْدَ أَبِي يَعْلَى \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه قُلْ لِي قَوْلًا وَأَقْلِلْ لَعَلِّي أَعْقِلهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( أَوْصِنِي ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء \" دُلَّنِي عَلَى عَمَل يُدْخِلنِي الْجَنَّة \" وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْدَ أَحْمَد \" مَا يُبَاعِدنِي مِنْ غَضَب اللَّه \" زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عِنْدَ التِّرْمِذِيّ \" وَلَا تُكْثِر عَلَيَّ لَعَلِّي أَعِيه \" وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش نَحْوه. ‏ ‏قَوْله : ( فَرَدَّدَ مِرَارًا ) ‏ ‏أَيْ رَدَّدَ السُّؤَال يَلْتَمِس أَنْفَع مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَعَمَّ فَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ لَا تَغْضَب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي كُرَيْبٍ \" كُلّ ذَلِكَ يَقُول لَا تَغْضَب \" وَفِي رِوَايَة عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة قَالَ \" لَا تَغْضَب ثَلَاث مَرَّات \" وَفِيهَا بَيَان عَدَد الْمِرَار , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث أَنَس أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعِيد الْكَلِمَة ثَلَاثًا لِتُفْهَم عَنْهُ , وَأَنَّهُ كَانَ لَا يُرَاجَع بَعْد ثَلَاث , وَزَادَ أَحْمَد وَابْن حِبَّان فِي رِوَايَة عَنْ رَجُل لَمْ يُسَمَّ قَالَ \" تَفَكَّرْت فِيمَا قَالَ فَإِذَا الْغَضَب يَجْمَع الشَّرّ كُلّه \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى قَوْله \" لَا تَغْضَب \" اِجْتَنِبْ أَسْبَاب الْغَضَب وَلَا تَتَعَرَّض لِمَا يَجْلِبهُ. وَأَمَّا نَفْس الْغَضَب فَلَا يَتَأَتَّى النَّهْي عَنْهُ لِأَنَّهُ أَمْر طَبِيعِيّ لَا يَزُول مِنْ الْجِبِلَّة , وَقَالَ غَيْره : مَا كَانَ مِنْ قَبِيل الطَّبْع الْحَيَوَانِيّ لَا يُمْكِن دَفْعه , فَلَا يَدْخُل فِي النَّهْي لِأَنَّهُ مِنْ تَكْلِيف الْمُحَال , وَمَا كَانَ مِنْ قَبِيل مَا يُكْتَسَب بِالرِّيَاضَةِ فَهُوَ الْمُرَاد. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَغْضَب لِأَنَّ أَعْظَم مَا يَنْشَأ عَنْهُ الْغَضَب الْكِبْر لِكَوْنِهِ يَقَع عِنْدَ مُخَالَفَة أَمْر يُرِيدهُ فَيَحْمِلهُ الْكِبْر عَلَى الْغَضَب , فَاَلَّذِي يَتَوَاضَع حَتَّى يَذْهَب عَنْهُ عِزَّة النَّفْس يَسْلَم مِنْ شَرّ الْغَضَب. وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا تَفْعَل مَا يَأْمُرك بِهِ الْغَضَب. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : فِي الْحَدِيث الْأَوَّل أَنَّ مُجَاهَدَة النَّفْس أَشَدُّ مِنْ مُجَاهَدَة الْعَدُوّ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الَّذِي يَمْلِك نَفْسه عِنْدَ الْغَضَب أَعْظَم النَّاس قُوَّة. وَقَالَ غَيْره : لَعَلَّ السَّائِل كَانَ غَضُوبًا , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُر كُلّ أَحَد بِمَا هُوَ أَوْلَى بِهِ , فَلِهَذَا اِقْتَصَرَ فِي وَصِيَّته لَهُ عَلَى تَرْك الْغَضَب. وَقَالَ اِبْن التِّين : جَمَعَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله \" لَا تَغْضَب \" خَيْر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لِأَنَّ الْغَضَب يَئُولُ إِلَى التَّقَاطُع وَمَنْع الرِّفْق , وَرُبَّمَا آلَ إِلَى أَنْ يُؤْذِي الْمَغْضُوب عَلَيْهِ فَيُنْتَقَص ذَلِكَ مِنْ الدِّين. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : لَعَلَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ جَمِيع الْمَفَاسِد الَّتِي تَعْرِض لِلْإِنْسَانِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ شَهْوَته وَمِنْ غَضَبه , وَكَانَتْ شَهْوَة السَّائِل مَكْسُورَة فَلَمَّا سَأَلَ عَمَّا يَحْتَرِز بِهِ عَنْ الْقَبَائِح نَهَاهُ عَنْ الْغَضَب الَّذِي هُوَ أَعْظَم ضَرَرًا مِنْ غَيْره , وَأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ نَفْسه عِنْدَ حُصُوله كَانَ قَدْ قَهَرَ أَقْوَى أَعْدَائِهِ اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ بَاب التَّنْبِيه بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى , لِأَنَّ أَعْدَى عَدُوّ لِلشَّخْصِ شَيْطَانه وَنَفْسه , وَالْغَضَب إِنَّمَا يَنْشَأ عَنْهُمَا , فَمَنْ جَاهَدَهُمَا حَتَّى يَغْلِبهُمَا مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ شِدَّة الْمُعَالَجَة كَانَ لِقَهْرِ نَفْسه عَنْ الشَّهْوَة أَيْضًا أَقْوَى. وَقَالَ اِبْن حِبَّان بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ : أَرَادَ لَا تَعْمَل بَعْد الْغَضَب شَيْئًا مِمَّا نَهَيْت عَنْهُ , لَا أَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ شَيْء جُبِلَ عَلَيْهِ وَلَا حِيلَة لَهُ فِي دَفْعه. وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : خَلَقَ اللَّه الْغَضَب مِنْ النَّار وَجَعَلَهُ غَرِيزَة فِي الْإِنْسَان , فَمَهْمَا قَصَدَ أَوْ نُوزِعَ فِي غَرَض مَا اِشْتَعَلَتْ نَار الْغَضَب وَثَارَتْ حَتَّى يَحْمَرّ الْوَجْه وَالْعَيْنَانِ مِنْ الدَّم ; لِأَنَّ الْبَشَرَة تَحْكِي لَوْن مَا وَرَاءَهَا , وَهَذَا إِذَا غَضِبَ عَلَى مَنْ دُونه وَاسْتَشْعَرَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ فَوْقه تَوَلَّدَ مِنْهُ اِنْقِبَاض الدَّم مِنْ ظَاهِر الْجِلْد إِلَى جَوْف الْقَلْب فَيَصْفَرّ اللَّوْن حُزْنًا , وَإِنْ كَانَ عَلَى النَّظِير تَرَدَّدَ الدَّم بَيْنَ اِنْقِبَاض وَانْبِسَاط فَيَحْمَرّ وَيَصْفَرّ وَيَتَرَتَّب عَلَى الْغَضَب تَغَيُّر الظَّاهِر وَالْبَاطِن كَتَغَيُّرِ اللَّوْن وَالرِّعْدَة فِي الْأَطْرَاف وَخُرُوج الْأَفْعَال عَنْ غَيْر تَرْتِيب وَاسْتِحَالَة الْخِلْقَة حَتَّى لَوْ رَأَى الْغَضْبَان نَفْسه فِي حَال غَضَبه لَكَانَ غَضَبه حَيَاء مِنْ قُبْح صُورَته وَاسْتِحَالَة خِلْقَته , هَذَا كُلّه فِي الظَّاهِر , وَأَمَّا الْبَاطِن فَقُبْحه أَشَدُّ مِنْ الظَّاهِر ; لِأَنَّهُ يُوَلِّد الْحِقْد فِي الْقَلْب وَالْحَسَد وَإِضْمَار السُّوء عَلَى اِخْتِلَاف أَنْوَاعه , بَلْ أَوْلَى شَيْء يَقْبُح مِنْهُ بَاطِنه , وَتَغَيُّر ظَاهِره ثَمَرَة تَغَيُّر بَاطِنه , وَهَذَا كُلّه أَثَره فِي الْجَسَد , وَأَمَّا أَثَره فِي اللِّسَان فَانْطِلَاقه بِالشَّتْمِ وَالْفُحْش الَّذِي يَسْتَحْيِي مِنْهُ الْعَاقِل وَيَنْدَم قَائِله عِنْدَ سُكُون الْغَضَب وَيَظْهَر أَثَر الْغَضَب أَيْضًا فِي الْفِعْل بِالضَّرْبِ أَوْ الْقَتْل , وَإِنْ فَاتَ ذَلِكَ بِهَرَبِ الْمَغْضُوب عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَى نَفْسه فَيُمَزِّق ثَوْبه وَيَلْطِم خَدَّهُ , وَرُبَّمَا سَقَطَ صَرِيعًا , وَرُبَّمَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ , وَرُبَّمَا كَسَرَ الْآنِيَة وَضَرَبَ مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ جَرِيمَة. وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْمَفَاسِد عَرَفَ مِقْدَار مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَة اللَّطِيفَة مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا تَغْضَب \" مِنْ الْحِكْمَة وَاسْتِجْلَاب الْمَصْلَحَة فِي دَرْء الْمَفْسَدَة مِمَّا يَتَعَذَّر إِحْصَاؤُهُ وَالْوُقُوف عَلَى نِهَايَته , وَهَذَا كُلّه فِي الْغَضَب الدُّنْيَوِيّ لَا الْغَضَب الدِّينِيّ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَيُعِين عَلَى تَرْك الْغَضَب اِسْتِحْضَار مَا جَاءَ فِي كَظْم الْغَيْظ مِنْ الْفَضْل , وَمَا جَاءَ فِي عَاقِبَة ثَمَرَة الْغَضَب مِنْ الْوَعِيد , وَأَنْ يَسْتَعِيذ مِنْ الشَّيْطَان كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث سُلَيْمَان بْن صُرَد , وَأَنْ يَتَوَضَّأ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي حَدِيث عَطِيَّة , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الطُّوفِيّ : أَقْوَى الْأَشْيَاء فِي دَفْع الْغَضَب اِسْتِحْضَار التَّوْحِيد الْحَقِيقِيّ , وَهُوَ أَنْ لَا فَاعِل إِلَّا اللَّه , وَكُلّ فَاعِل غَيْره فَهُوَ آلَة لَهُ , فَمَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ بِمَكْرُوهٍ مِنْ جِهَة غَيْره فَاسْتَحْضَرَ أَنَّ اللَّه لَوْ شَاءَ لَمْ يُمَكِّن ذَلِكَ الْغَيْر مِنْهُ اِنْدَفَعَ غَضَبه ; لِأَنَّهُ لَوْ غَضِبَ وَالْحَالَة هَذِهِ كَانَ غَضَبه عَلَى رَبّه جَلَّ وَعَلَا وَهُوَ خِلَاف الْعُبُودِيَّة. قُلْت : وَبِهَذَا يَظْهَر السِّرُّ فِي أَمْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي غَضِبَ بِأَنْ يَسْتَعِيذ مِنْ الشَّيْطَان لِأَنَّهُ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى اللَّه فِي تِلْكَ الْحَالَة بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ الشَّيْطَان أَمْكَنَهُ اِسْتِحْضَار مَا ذُكِرَ , وَإِذَا اِسْتَمَرَّ الشَّيْطَان مُتَلَبِّسًا مُتَمَكِّنًا مِنْ الْوَسْوَسَة لَمْ يُمْكِنهُ مِنْ اِسْتِحْضَار شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5652",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي السَّوَّارِ الْعَدَوِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ إِنَّ مِنْ الْحَيَاءِ وَقَارًا وَإِنَّ مِنْ الْحَيَاءِ سَكِينَةً ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عِمْرَانُ ‏ ‏أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ قَتَادَةَ ) ‏ ‏كَذَا قَالَ أَكْثَر أَصْحَاب شُعْبَة , وَخَالَفَهُمْ شَبَابَةُ بْن سَوَّار فَقَالَ \" عَنْ شُعْبَة عَنْ خَالِد بْن رَبَاح \" بَدَل قَتَادَةَ , أَخْرَجَهُ اِبْن مِنْدَهْ , وَوَقَعَ نَظِير هَذِهِ الْقِصَّة عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْن أَيْضًا لِلْعَلَاءِ مِنْ زِيَاد أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُبَارَك فِي \" كِتَاب الْبِرّ وَالصِّلَة \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي السَّوَّار ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْوَاو وَبَعْد الْأَلِف رَاء اِسْمه حُرَيْث عَلَى الصَّحِيح , وَقِيلَ حُجَيْر بْن الرَّبِيع , وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة عَبْد مُسْلِم \" سَمِعْت أَبَا السَّوَّار \". ‏ ‏قَوْله : ( الْحَيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة خَالِد بْن رَبَاح عَنْ أَبِي السَّوَّار عَبْد أَحْمَد وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة أَبِي قَتَادَةَ الْعَدَوِيِّ عَنْ عِمْرَان عِنْدَ مُسْلِم \" الْحَيَاء خَيْر كُلّه \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث قُرَّة بْن إِيَاس \" قِيلَ لِرَسُولِ اللَّه : الْحَيَاء مِنْ الدِّين ؟ فَقَالَ : بَلْ هُوَ الدِّين كُلّه \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْن \" الْحَيَاء مِنْ الْإِيمَان , وَالْإِيمَان فِي الْجَنَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( بُشَيْر بْن كَعْب ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَة مُصَغَّر تَابِعِيّ جَلِيل , يَأْتِي ذِكْره فِي الدَّعَوَات. ‏ ‏قَوْله : ( مَكْتُوب فِي الْحِكْمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر \" أَنَّهُ مَكْتُوب فِي الْحِكْمَة \" وَفِي رِوَايَة أَبِي قَتَادَةَ الْعَدَوِيِّ عِنْدَ مُسْلِم \" فَقَالَ بُشَيْر بْن كَعْب إِنَّا لَنَجِد فِي بَعْض الْكُتُب أَوْ الْحِكْمَة \" بِالشَّكِّ , وَالْحِكْمَة فِي الْأَصْل إِصَابَة الْحَقّ بِالْعِلْمِ , وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي \" بَاب مَا يَجُوز مِنْ الشِّعْر \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ مِنْ الْحَيَاء وَقَارًا , وَإِنَّ مِنْ الْحَيَاء سَكِينَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" السَّكِينَة \" بِزِيَادَةِ أَلِف وَلَام , وَفِي رِوَايَة أَبِي قَتَادَةَ الْعَدَوِيِّ \" إِنَّ مِنْهُ سَكِينَة وَوَقَارًا لِلَّهِ \" وَفِيهِ ضَعْف , وَهَذِهِ الزِّيَادَة مُتَعَيِّنَة وَمِنْ أَجْلهَا غَضِبَ عِمْرَان , وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي ذِكْر السَّكِينَة وَالْوَقَار مَا يُنَافِي كَوْنه خَيْرًا , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن بَطَّال , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون غَضِبَ مِنْ قَوْله مِنْهُ ; لِأَنَّ التَّبْعِيض يُفْهِم أَنَّ مِنْهُ مَا يُضَادّ ذَلِكَ , وَهُوَ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كُلّه خَيْر , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَى كَلَام بُشَيْر أَنَّ مِنْ الْحَيَاء مَا يَحْمِل صَاحِبه عَلَى الْوَقَار بِأَنْ يُوَقِّر غَيْره وَيَتَوَقَّر هُوَ فِي نَفْسه. وَمِنْهُ مَا يَحْمِلهُ عَلَى أَنْ يَسْكُن عَنْ كَثِير مِمَّا يَتَحَرَّم النَّاس فِيهِ مِنْ الْأُمُور الَّتِي لَا تَلِيق بِذِي الْمُرُوءَة , وَلَمْ يُنْكِر عِمْرَان عَلَيْهِ هَذَا الْقَدْر مِنْ حَيْثُ مَعْنَاهُ , وَإِنَّمَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ سَاقَهُ فِي مَعْرِض مَنْ يُعَارِض كَلَام الرَّسُول بِكَلَامِ غَيْره , وَقِيلَ إِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ كَوْنه خَافَ أَنْ يَخْلِط السُّنَّة بِغَيْرِهَا. قُلْت : وَلَا يَخْفَى حُسْن التَّوْجِيه السَّابِق. ‏ ‏قَوْله : ( وَتُحَدِّثنِي عَنْ صَحِيفَتك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي قَتَادَةَ \" فَغَضِبَ عِمْرَان حَتَّى اِحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ : لَا أُرَانِي أُحَدِّثك عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُعَارِضُ فِيهِ \" وَفِي رِوَايَة أَحْمَد \" وَتُعَرِّضُ فِيهِ بِحَدِيثِ الْكُتُب \" وَهَذَا يُؤَيِّد الِاحْتِمَال الْمَاضِي , وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم فِي مُقَدِّمَة صَحِيحه لِبُشَيْرِ بْن كَعْب هَذَا قِصَّة مَعَ اِبْن عَبَّاس تُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ يَتَسَاهَل فِي الْأَخْذ عَنْ كُلّ مَنْ لَقِيَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5653",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏مَرَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ يَقُولُ إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏هُوَ الْمَاجِشُونُ. ‏ ‏قَوْله : ( مَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُل يَعِظ أَخَاهُ فِي الْحَيَاء ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَّل كِتَاب الْإِيمَان مَعَ شَرْحه , وَلَمْ أَعْرِف اِسْم الرَّجُل وَلَا اِسْم أَخِيهِ إِلَى الْآن , وَالْمُرَاد بِوَعْظِهِ أَنَّهُ يَذْكُر لَهُ مَا يَتَرَتَّب عَلَى مُلَازَمَته مِنْ الْمَفْسَدَة. ‏ ‏قَوْله : ( الْحَيَاء مِنْ الْإِيمَان ) ‏ ‏حَكَى اِبْن التِّين عَنْ أَبِي عَبْد الْمَلِك أَنَّ الْمُرَاد بِهِ كَمَال الْإِيمَان , وَقَالَ أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُسْتَحِي يَنْقَطِع بِحَيَائِهِ عَنْ الْمَعَاصِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَقِيَّة , فَصَارَ كَالْإِيمَانِ الْقَاطِع بَيْنَه وَبَيْنَ الْمَعَاصِي. قَالَ عِيَاض وَغَيْره : إِنَّمَا جُعِلَ الْحَيَاء مِنْ الْإِيمَان وَإِنْ كَانَ غَرِيزَة لِأَنَّ اِسْتِعْمَاله عَلَى قَانُون الشَّرْع يَحْتَاج إِلَى قَصْد وَاكْتِسَاب وَعِلْم , وَأَمَّا كَوْنه خَيْرًا كُلّه وَلَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ فَأَشْكَلَ حَمْله عَلَى الْعُمُوم ; لِأَنَّهُ قَدْ يَصُدّ صَاحِبه عَنْ مُوَاجَهَة مَنْ يَرْتَكِب الْمُنْكَرَات وَيَحْمِلهُ عَلَى الْإِخْلَال بِبَعْضِ الْحُقُوق. وَالْجَوَاب أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَيَاءِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث مَا يَكُون شَرْعِيًّا , وَالْحَيَاء الَّذِي يَنْشَأ عَنْهُ الْإِخْلَال بِالْحُقُوقِ لَيْسَ حَيَاء شَرْعِيًّا بَلْ هُوَ عَجْز وَمَهَانَة , وَإِنَّمَا يُطْلَق عَلَيْهِ حَيَاء لِمُشَابَهَتِهِ لِلْحَيَاءِ الشَّرْعِيّ , وَهُوَ خُلُق يَبْعَث عَلَى تَرْك الْقَبِيح. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أُشِيرَ إِلَى مَنْ كَانَ الْحَيَاء مِنْ خُلُقه أَنَّ الْخَيْر يَكُون فِيهِ أَغْلَبَ فَيَضْمَحِلّ مَا لَعَلَّهُ يَقَع مِنْهُ مِمَّا يُذْكَر فِي جَنْب مَا يَحْصُل لَهُ بِالْحَيَاءِ مِنْ الْخَيْر , أَوْ لِكَوْنِهِ إِذَا صَارَ عَادَة وَتَخَلَّقَ بِهِ صَاحِبه يَكُون سَبَبًا لِجَلْبِ الْخَيْر إِلَيْهِ فَيَكُون مِنْهُ الْخَيْر بِالذَّاتِ وَالسَّبَب. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْقُرْطُبِيّ : الْحَيَاء الْمُكْتَسَب هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّارِع مِنْ الْإِيمَان , وَهُوَ الْمُكَلَّف بِهِ دُون الْغَرِيزِيّ , غَيْر أَنَّ مَنْ كَانَ فِيهِ غَرِيزَة مِنْهُ فَإِنَّهَا تُعِينهُ عَلَى الْمُكْتَسَب , وَقَدْ يَنْطَبِع بِالْمُكْتَسَبِ حَتَّى يَصِير غَرِيزِيًّا , قَالَ : وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَمَعَ لَهُ النَّوْعَانِ فَكَانَ فِي الْغَرِيزِيّ أَشَدُّ حَيَاء مِنْ الْعَذْرَاء فِي خِدْرهَا , وَكَانَ فِي الْحَيَاء الْمُكْتَسَب فِي الذُّرْوَة الْعُلْيَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْتَهَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5654",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَوْلَى أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏اسْمُهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي ‏ ‏خِدْرِهَا ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ‏ ‏وَقَوْله \" عَنْ مَوْلَى أَنَس \" ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه اِسْمه عَبْد اللَّه بْن أَبِي عُتْبَةَ , كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَحَكَى الْجَيَّانِيّ أَنَّهُ وَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاة الْفَرَبْرِيِّ عَبْد اللَّه بَدَلَ عَبْد الرَّحْمَن , وَأَبُو عَبْد اللَّه الْمَذْكُور هُوَ الْبُخَارِيّ , هَكَذَا جَزَمَ بِتَسْمِيَتِهِ هُنَا , وَتَقَدَّمَ كَذَلِكَ مُسَمَّى هُنَاكَ , وَفِي اِسْمه خِلَاف فَقِيلَ عَبْد الرَّحْمَن وَقِيلَ عُبَيْد اللَّه بِالتَّصْغِيرِ وَالْمُعْتَمَد أَنَّهُ عَبْد اللَّه مُكَبَّرًا , ‏ ‏وَقَوْله \" الْعَذْرَاء \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة ثُمَّ رَاء وَمَدّ هِيَ الْبِكْر , وَالْخِدْر بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة الْمَوْضِع الَّذِي تُحْبَس فِيهِ وَتَسْتَتِر , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5655",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَةَ , ‏ ‏وَمَنْصُور ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى رِبْعِيّ فِي آخِر ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاس ) ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة عِنْدَ أَحْمَد وَالْبَزَّار \" إِنَّ آخِر مَا تَعَلَّقَ بِهِ أَهْل الْجَاهِلِيَّة مِنْ كَلَام النُّبُوَّة الْأُولَى \" وَالنَّاس يَجُوز فِيهِ الرَّفْع , وَالْعَائِد عَلَى \" مَا \" مَحْذُوف , وَيَجُوز النَّصْب وَالْعَائِد ضَمِير الْفَاعِل , و \" أَدْرَكَ \" بِمَعْنَى بَلَغَ و \" إِذَا لَمْ تَسْتَحِ \" اِسْم لِلْكَلِمَةِ الْمُشَبَّهَة بِتَأْوِيلِ هَذَا الْقَوْل. ‏ ‏قَوْله ( فَاصْنَعْ مَا شِئْت ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْحِكْمَة فِي التَّعْبِير بِلَفْظِ الْأَمْر دُون الْخَبَر فِي الْحَدِيث أَنَّ الَّذِي يَكُفّ الْإِنْسَان عَنْ مُوَاقَعَة الشَّرّ هُوَ الْحَيَاء فَإِذَا تَرَكَهُ صَارَ كَالْمَأْمُورِ طَبْعًا بِارْتِكَابِ كُلّ شَرٍّ , وَقَدْ سَبَقَ هَذَا الْحَدِيث وَالْإِشَارَة إِلَى شَرْحه فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل فِي أَوَاخِر أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَأُشِيرَ هُنَا إِلَى زِيَادَة عَلَى ذَلِكَ , قَالَ النَّوَوِيّ فِي \" الْأَرْبَعِينَ \" : الْأَمْر فِيهِ لِلْإِبَاحَةِ , أَيْ إِذَا أَرَدْت فِعْل شَيْء فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَسْتَحِي إِذَا فَعَلْته مِنْ اللَّه وَلَا مِنْ النَّاس فَافْعَلْهُ وَإِلَّا فَلَا , وَعَلَى هَذَا مَدَار الْإِسْلَام , وَتَوْجِيه ذَلِكَ أَنَّ الْمَأْمُور بِهِ الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب يُسْتَحَى مِنْ تَرْكِهِ , وَالْمَنْهِيّ عَنْهُ الْحَرَام وَالْمَكْرُوه يُسْتَحَى مِنْ فِعْلِهِ , وَأَمَّا الْمُبَاح فَالْحَيَاء مِنْ فِعْلِهِ جَائِزٌ , وَكَذَا مَنْ تَرَكَهُ فَتَضَمَّنَ الْحَدِيث الْأَحْكَام الْخَمْسَة. وَقِيلَ هُوَ أَمْر تَهْدِيد كَمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهه , وَمَعْنَاهُ إِذَا نُزِعَ مِنْك الْحَيَاء فَافْعَلْ مَا شِئْت فَإِنَّ اللَّه مُجَازِيك عَلَيْهِ , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى تَعْظِيم أَمْر الْحَيَاء , وَقِيلَ هُوَ أَمْر بِمَعْنَى الْخَيْر , أَيْ مَنْ لَا يَسْتَحِي يَصْنَع مَا أَرَادَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5656",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏جَاءَتْ ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنْ الْحَقِّ فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ فَقَالَ ‏ ‏نَعَمْ إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُمّ سَلَمَة فِي سُؤَال أُمّ سُلَيْمٍ عَنْ اِحْتِلَام الْمَرْأَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الطَّهَارَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5657",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَلَا ‏ ‏يَتَحَاتُّ ‏ ‏فَقَالَ الْقَوْمُ هِيَ شَجَرَةُ كَذَا هِيَ شَجَرَةُ كَذَا فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ فَاسْتَحْيَيْتُ فَقَالَ هِيَ النَّخْلَةُ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏مِثْلَهُ وَزَادَ فَحَدَّثْتُ بِهِ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَقَالَ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر \" مَثَل الْمُؤْمِن مَثَل شَجَرَة خَضْرَاء \" أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ , وَمُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ إِنْكَار عُمَر عَلَى اِبْنه تَرْكه قَوْله الَّذِي ظَهَرَ لَهُ لِكَوْنِهِ اِسْتَحْيَى , وَتَمَنِّيه أَنْ لَوْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ , ‏ ‏وَقَوْله \" أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا \" ‏ ‏أَيْ مِنْ حُمْر النَّعَم كَمَا تَقَدَّمَ صَرِيحًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْعِلْم. ‏"
    },
    {
        "id": "5658",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَرْحُومٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ثَابِتًا ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا فَقَالَتْ هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِيَّ فَقَالَتْ ‏ ‏ابْنَتُهُ ‏ ‏مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا فَقَالَ ‏ ‏هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ عَرَضَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَفْسَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس : ‏ ‏قَوْله : ( مَرْحُوم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْعَزِيز الْعَطَّار. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَتْ اِمْرَأَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين اِسْمهَا , ‏ ‏\" فَقَالَتْ اِبْنَته \" ‏ ‏الضَّمِير لِأَنَسٍ , وَاسْم اِبْنَته فِيمَا أَظُنّ أُمَيْنَة بِنُونٍ مُصَغَّر , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب النِّكَاح. ‏"
    },
    {
        "id": "5659",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ‏ ‏قَالَ لَهُمَا ‏ ‏يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا قَالَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضٍ يُصْنَعُ فِيهَا شَرَابٌ مِنْ الْعَسَلِ يُقَالُ لَهُ الْبِتْعُ وَشَرَابٌ مِنْ الشَّعِيرِ يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ وَلِمُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُمَا إِلَى الْيَمَن : يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا \". ‏ ‏وَإِسْحَاق ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن , وَجَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم , وَتَرَدَّدَ الْكَلَابَاذِيّ وَتَبِعَهُ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ هَلْ هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ أَوْ هُوَ اِبْن مَنْصُور. ‏"
    },
    {
        "id": "5660",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا \". ‏ ‏قَوْله : ( يَسِّرُوا ) ‏ ‏هُوَ أَمْر بِالتَّيْسِيرِ وَالْمُرَاد بِهِ الْأَخْذ بِالتَّسْكِينِ تَارَة وَبِالتَّيْسِيرِ أُخْرَى مِنْ جِهَة أَنَّ التَّنْفِير يُصَاحِب الْمَشَقَّة غَالِبًا وَهُوَ ضِدّ التَّسْكِين , وَالتَّبْشِير يُصَاحِب التَّسْكِين غَالِبًا وَهُوَ ضِدّ التَّنْفِير , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْوَقْت الَّذِي بُعِثَ فِيهِ أَبُو مُوسَى وَمُعَاذ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا إِلَى الْيَمَن فِي أَوَاخِر كِتَاب الْمَغَازِي , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الْبِتْع وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة بَعْدهَا مُهْمَلَة فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة. قَالَ الطَّبَرِيُّ : الْمُرَاد بِالْأَمْرِ بِالتَّيْسِيرِ فِيمَا كَانَ مِنْ النَّوَافِل مِمَّا كَانَ شَاقًّا لِئَلَّا يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الْمَلَل فَيَتْرُكهُ أَصْلًا , أَوْ يُعْجَب بِعَمَلِهِ فَيُحْبَط فِيمَا رُخِّصَ فِيهِ مِنْ الْفَرَائِض كَصَلَاةِ الْفَرْض قَاعِدًا لِلْعَاجِزِ وَالْفِطْر فِي الْفَرْض لِمَنْ سَافَرَ فَيَشُقّ عَلَيْهِ , وَزَادَ غَيْره فِي اِرْتِكَاب أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَحَدهمَا بُدّ كَمَا فِي قِصَّة الْأَعْرَابِيّ حَيْثُ بَالَ فِي الْمَسْجِد. ‏"
    },
    {
        "id": "5661",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" مَا خُيِّرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : يُتَصَوَّر التَّخْيِير بَيْنَ مَا فِيهِ إِثْم وَمَا لَا إِثْم فِيهِ إِذَا صَدَرَ مِنْ الْكُفَّار مَثَلًا , وَفِيهِ تَوْجِيه آخَر تَقَدَّمَ هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5662",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا عَلَى شَاطِئِ نَهَرٍ ‏ ‏بِالْأَهْوَازِ ‏ ‏قَدْ نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ فَجَاءَ ‏ ‏أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ ‏ ‏عَلَى فَرَسٍ فَصَلَّى وَخَلَّى فَرَسَهُ فَانْطَلَقَتْ الْفَرَسُ فَتَرَكَ صَلَاتَهُ وَتَبِعَهَا حَتَّى أَدْرَكَهَا فَأَخَذَهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَضَى صَلَاتَهُ وَفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ فَأَقْبَلَ يَقُولُ انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ تَرَكَ صَلَاتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ فَأَقْبَلَ فَقَالَ مَا عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ إِنَّ مَنْزِلِي ‏ ‏مُتَرَاخٍ ‏ ‏فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُهُ لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ ‏ ‏وَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَأَى مِنْ تَيْسِيرِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي بَرْزَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَفِينَا رَجُل لَهُ رَأْي ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : \" لَهُ رَأْي \" يَظُنّ أَنَّهُ مُحْسِن وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَوْله \" نَضَبَ عَنْهُ بِالْمَاءِ \" بِنُونٍ وَضَاد مُعْجَمَة ثُمَّ مُوَحَّدَة أَيْ زَالَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الصَّلَاة بِلَفْظِ \" فَجَعَلَ رَجُل مِنْ الْخَوَارِج يَقُول \" فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد , وَأَنَّ الْمُرَاد بِالرَّأْيِ رَأْي الْخَوَارِج , وَالتَّنْوِين فِيهِ لِلتَّحْقِيرِ , أَيْ رَأْي فَاسِد وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5663",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعُوهُ ‏ ‏وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة الْأَعْرَابِيّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِد , وَقَدْ سَبَقَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي \" بَاب الرِّفْق \" وَأَنَّ شَرْحه تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الطَّهَارَة. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّ الْغُلُوّ وَمُجَاوَزَة الْقَصْد فِي الْعِبَادَة وَغَيْرهَا مَذْمُوم , وَأَنَّ الْمَحْمُود مِنْ جَمِيع ذَلِكَ مَا أَمْكَنَتْ الْمُوَاظَبَة مَعَهُ وَأَمِنَ صَاحِبه الْعُجْب وَغَيْره مِنْ الْمُهْلِكَات. ‏"
    },
    {
        "id": "5664",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو التَّيَّاحِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا عُمَيْرٍ ‏ ‏مَا فَعَلَ ‏ ‏النُّغَيْرُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة النُّغَيْر سَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب مَا يَجُوز مِنْ الشِّعْر \" قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5665",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا دَخَلَ ‏ ‏يَتَقَمَّعْنَ ‏ ‏مِنْهُ ‏ ‏فَيُسَرِّبُهُنَّ ‏ ‏إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" كُنْت أَلْعَب بِالْبَنَاتِ \" ‏ ‏وَمُحَمَّد ‏ ‏شَيْخه فِيهِ هُوَ اِبْن سَلَّامٍ. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ لِي صَوَاحِب يَلْعَبْنَ مَعِيَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ أَقْرَانهَا. ‏ ‏قَوْله : ( يَتَقَمَّعَن ) ‏ ‏بِمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيد الْمِيم الْمَفْتُوحَة وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِنُونٍ سَاكِنَة وَكَسْر الْمِيم وَمَعْنَاهُ أَنَّهُنَّ يَتَغَيَّبْنَ مِنْهُ وَيَدْخُلْنَ مِنْ وَرَاء السِّتْر , وَأَصْله مِنْ قَمْع التَّمْرَة أَيْ يَدْخُلْنَ فِي السِّتْر كَمَا يُدْخِلْنَ التَّمْرَة فِي قِمْعهَا. ‏ ‏قَوْله : ( فَيُسَرِّبهُنَّ إِلَيَّ ) ‏ ‏بِسِينٍ مُهْمَلَة ثُمَّ مُوَحَّدَة أَيْ يُرْسِلهُنَّ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى جَوَاز اِتِّخَاذ صُوَر الْبَنَات وَاللَّعِب مِنْ أَجْل لَعِب الْبَنَات بِهِنَّ , وَخُصَّ ذَلِكَ مِنْ عُمُوم النَّهْي عَنْ اِتِّخَاذ الصُّوَر , وَبِهِ جَزَمَ عِيَاض وَنَقَلَهُ عَنْ الْجُمْهُور , وَأَنَّهُمْ أَجَازُوا بَيْع اللَّعِب لِلْبَنَاتِ لِتَدْرِيبِهِنَّ مِنْ صِغَرهنَّ عَلَى أَمْر بُيُوتهنَّ وَأَوْلَادهنَّ. قَالَ وَذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخ , وَإِلَيْهِ مَالَ اِبْن بَطَّال , وَحَكَى عَنْ اِبْن أَبِي زَيْد عَنْ مَالِك أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَشْتَرِي الرَّجُل لِابْنَتِهِ الصُّوَر , وَمِنْ ثَمَّ رَجَّحَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوخ , وَقَدْ تَرْجَمَ اِبْن حِبَّان الْإِبَاحَة لِصِغَارِ النِّسَاء اللَّعِب بِاللِّعَبِ , وَتَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ إِبَاحَة الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ اللَّعِب بِالْبَنَاتِ فَلَمْ يُقَيَّد بِالصِّغَرِ وَفِيهِ نَظَر. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْد تَخْرِيجه ثَبَتَ النَّهْي عَنْ اِتِّخَاذ \" الصُّوَر \" فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ الرُّخْصَة لِعَائِشَة فِي ذَلِكَ كَانَ قَبْل التَّحْرِيم وَبِهِ جَزَمَ اِبْن الْجَوْزِيّ , وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ إِنْ كَانَتْ اللَّعِب كَالصُّورَةِ فَهُوَ قَبْل التَّحْرِيم وَإِلَّا فَقَدْ يُسَمَّى مَا لَيْسَ بِصُورَةٍ لُعْبَة , وَبِهَذَا جَزَمَ الْحَلِيمِيّ فَقَالَ : إِنْ كَانَتْ صُورَة كَالْوَثَنِ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا جَازَ , وَقِيلَ : مَعْنَى الْحَدِيث اللَّعِب مَعَ الْبَنَات أَيْ الْجَوَارِي وَالْبَاء هُنَا بِمَعْنَى مَعَ حَكَاهُ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ , وَرَدَّهُ. قُلْت : وَيَرُدّهُ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن عُيَيْنَةَ فِي \" الْجَامِع \" مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَخْزُومِيّ عَنْهُ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَكُنَّ جِوَارِي يَأْتِينَ فَيَلْعَبْنَ بِهَا مَعِيَ \" وَفِي رِوَايَة جَرِير عَنْ هِشَام \" كُنْت أَلْعَب بِالْبَنَاتِ وَهُنَّ اللَّعِب \" أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة وَغَيْره , وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : \" قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَة تَبُوك أَوْ خَيْبَر \" فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي هَتْكه السِّتْر الَّذِي نَصَبَتْهُ عَلَى بَابهَا قَالَتْ : \" فَكَشَفَ نَاحِيَة السِّتْر عَلَى بَنَات لِعَائِشَة لَعِب فَقَالَ : مَا هَذَا يَا عَائِشَة , قَالَتْ : بَنَاتِي. قَالَتْ : وَرَأَى فِيهَا فَرَسًا مَرْبُوطًا لَهُ جَنَاحَانِ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قُلْت فَرَس. قَالَ فَرَس لَهُ جَنَاحَانِ ؟ قُلْت : أَلَمْ تَسْمَع أَنَّهُ كَانَ لِسُلَيْمَان خَيْل لَهَا أَجْنِحَة ؟ فَضَحِكَ \" فَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّ الْمُرَاد بِاللَّعِبِ غَيْر الْآدَمِيَّات. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ اللَّعِب بِالْبَنَاتِ لَيْسَ كَالتَّلَهِّي بِسَائِرِ الصُّوَر الَّتِي جَاءَ فِيهَا الْوَعِيد : وَإِنَّمَا أَرْخَصَ لِعَائِشَة فِيهَا لِأَنَّهَا إِذْ ذَاكَ كَانَتْ غَيْر بَالِغ. قُلْت : وَفِي الْجَزْم بِهِ نَظَرٌ لَكِنَّهُ مُحْتَمَل ; لِأَنَّ عَائِشَة كَانَتْ فِي غَزْوَة خَيْبَر بِنْت أَرْبَع عَشْرَة سَنَة إِمَّا أَكْمَلْتهَا أَوْ جَاوَزْتهَا أَوْ قَارَبْتهَا. وَأَمَّا فِي غَزْوَة تَبُوك فَكَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ قَطْعًا فَيَتَرَجَّح رِوَايَة مَنْ قَالَ فِي خَيْبَر , وَيُجْمَع بِمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ لِأَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ التَّعَارُض. ‏"
    },
    {
        "id": "5666",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلٌ فَقَالَ ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ أَوْ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ مَا قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِي الْقَوْلِ فَقَالَ أَيْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" اِسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُل فَقَالَ : اِئْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ اِبْن الْعَشِيرَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان مَوْضِع شَرْحه فِي \" بَاب مَا يَجُوز مِنْ اِغْتِيَاب أَهْل الْفَسَاد \" , وَالنُّكْتَة فِي إِيرَاده هُنَا التَّلْمِيح إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْض الطُّرُق بِلَفْظِ الْمُدَارَاة. وَهُوَ عِنْدَ الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة مِنْ حَدِيث صَفْوَان بْن عَسَّال نَحْو حَدِيث عَائِشَة وَفِيهِ : \" فَقَالَ : إِنَّهُ مُنَافِق أُدَارِيه عَنْ نِفَاقه , وَأَخْشَى أَنْ يُفْسِد عَلَيَّ غَيْرَهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5667",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُهْدِيَتْ لَهُ ‏ ‏أَقْبِيَةٌ ‏ ‏مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرَةٌ بِالذَّهَبِ فَقَسَمَهَا فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا ‏ ‏لِمَخْرَمَةَ ‏ ‏فَلَمَّا جَاءَ قَالَ قَدْ ‏ ‏خَبَأْتُ هَذَا لَكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏بِثَوْبِهِ وَأَنَّهُ يُرِيهِ إِيَّاهُ وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شَيْءٌ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمِسْوَرِ ‏ ‏قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَقْبِيَةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ \" قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبِيَةٌ \" وَفِيهِ قِصَّة أَبِيهِ مَخْرَمَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب اللِّبَاس ; وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيق \" وَكَانَ فِي خُلُقه شَيْء \" وَقَدْ رَمَزَ الْبُخَارِيّ بِإِيرَادِهِ عَقِب الْحَدِيث الَّذِي قَبْله بِأَنَّهُ الْمُبْهَم فِيهِ كَمَا أَشَرْت إِلَى ذَلِكَ قَبْل , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة \" مَرَّ رَجُل بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بِئْسَ عَبْد اللَّه وَأَخُو الْعَشِيرَة , ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ فَرَأَيْته أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ كَأَنَّ لَهُ عِنْدَه مَنْزِلَة , أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. وَشَرَحَ اِبْن بَطَّال الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْمَذْكُور كَانَ مُنَافِقًا , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَأْمُورًا بِالْحُكْمِ بِمَا ظَهَرَ , لَا بِمَا يَعْلَمهُ فِي نَفْس الْأَمْر , وَأَطَالَ فِي تَقْرِير ذَلِكَ , وَلَمْ يَقُلْ أَحَد فِي الْمُبْهَم فِي حَدِيث عَائِشَة أَنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا لَا مَخْرَمَة بْن نَوْفَل وَلَا عُيَيْنَة بْن حِصْن , وَإِنَّمَا قِيلَ فِي مَخْرَمَة مَا قِيلَ لِمَا كَانَ فِي خُلُقه مِنْ الشِّدَّة فَكَانَ لِذَلِكَ فِي لِسَانه بَذَاءَة , وَأَمَّا عُيَيْنَة فَكَانَ إِسْلَامه ضَعِيفًا وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ أَهْوَج فَكَانَ مُطَاعًا فِي قَوْمه كَمَا تَقَدَّمَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة : ‏ ‏\" فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ خَبَّأْت هَذَا لَك \" ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" قَدْ خَبَّأْت \" ‏ ‏وَقَوْله : \" قَالَ أَيُّوب \" ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , ‏ ‏وَقَوْله : \" بِثَوْبِهِ وَأَنَّهُ يُرِيه إِيَّاهُ \" ‏ ‏وَالْمَعْنَى أَشَارَ أَيُّوب بِثَوْبِهِ لِيُرِي الْحَاضِرِينَ كَيْفِيَّة مَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ كَلَامه مَعَ مَخْرَمَة , وَلَفْظ الْقَوْل يُطْلَق وَيُرَاد بِهِ الْفِعْل , ‏ ‏وَقَوْله : \" رَوَاهُ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب \" ‏ ‏تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي \" بَاب فَرْض الْخُمُس \" وَصُورَته مُرْسَل أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ حَاتِم بْن وَرْدَان إِلَخْ ) ‏ ‏أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان وَصْل الْخَبَر , وَأَنَّ رِوَايَة اِبْن عُلَيَّةَ وَحَمَّاد وَإِنْ كَانَتْ صُورَتهمَا الْإِرْسَال لَكِنَّ الْحَدِيث فِي الْأَصْل مَوْصُول , وَقَدْ مَضَى بَيَان وَصْل رِوَايَة حَاتِم هَذِهِ فِي الشَّهَادَات. ‏"
    },
    {
        "id": "5668",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ \" أَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة حَدَّثَهُ \" أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَكَذَا قَالَ أَصْحَاب الزُّهْرِيّ فِيهِ , وَخَالَفَهُمْ صَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر وَزَمْعَة بْن صَالِح وَهُمَا ضَعِيفَانِ فَقَالَا : \" عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ \" أَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ مِنْ طَرِيق الْمُعَافَى بْن عِمْرَان عَنْ زَمْعَةَ وَابْن أَبِي الْأَخْضَر , وَاسْتَغْرَبَهُ مِنْ حَدِيث الْمُعَافَى قَالَ : وَأَمَّا زَمْعَةُ فَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا أَبُو نُعَيْم. قُلْت : أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ , وَرَوَاهُ عَنْ زَمْعَةَ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَده وَأَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيُّ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ. ‏ ‏قَوْله : ( لَا يُلْدَغ ) ‏ ‏هُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى صِيغَة الْخَبَر , قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا لَفْظه خَبَر وَمَعْنَاهُ أَمْر , أَيْ لِيَكُنْ الْمُؤْمِن حَازِمًا حَذِرًا لَا يُؤْتَى مِنْ نَاحِيَة الْغَفْلَة فَيُخْدَع مَرَّة بَعْد أُخْرَى , وَقَدْ يَكُون ذَلِكَ فِي أَمْر الدِّين كَمَا يَكُون فِي أَمْر الدُّنْيَا وَهُوَ أَوْلَاهُمَا بِالْحَذَرِ , وَقَدْ رُوِيَ بِكَسْرِ الْغَيْن فِي الْوَصْل فَيَتَحَقَّق مَعْنَى النَّهْي عَنْهُ , قَالَ اِبْن التِّين : وَكَذَلِكَ قَرَأْنَاهُ , قِيلَ : مَعْنَى لَا يُلْدَغ الْمُؤْمِن مِنْ جُحْر مَرَّتَيْنِ أَنَّ مَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا لَا يُعَاقَب بِهِ فِي الْآخِرَة. قُلْت : إِنْ أَرَادَ قَائِل هَذَا أَنَّ عُمُوم الْخَبَر يَتَنَاوَل هَذَا فَيُمْكِن وَإِلَّا فَسَبَب الْحَدِيث يَأْبَى ذَلِكَ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْل مَنْ قَالَ : فِيهِ تَحْذِير مِنْ التَّغْفِيل , وَإِشَارَة إِلَى اِسْتِعْمَال الْفِطْنَة. وَمَال أَبُو عُبَيْد : مَعْنَاهُ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ إِذَا نُكِبَ مِنْ وَجْه أَنْ يَعُود إِلَيْهِ. قُلْت وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الْأَكْثَر وَمِنْهُمْ الزُّهْرِيّ رَاوِي الْخَبَر , فَأَخْرَجَ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز قَالَ : \" قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ لَمَّا قَدِمَ مِنْ عِنْدَ هِشَام بْن عَبْد الْمَلِك : مَاذَا صَنَعَ بِك ؟ قَالَ : أَوْفَى عَنِّي دَيْنِي , ثُمَّ قَالَ : يَا ابْنَ شِهَاب تَعُود تُدَان ؟ قُلْت : لَا \" وَذَكَرَ الْحَدِيث. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ بَعْد تَخْرِيجه : لَا يُعَاقَب فِي الدُّنْيَا بِذَنْبٍ فَيُعَاقَب بِهِ فِي الْآخِرَة , وَحَمَلَهُ غَيْره عَلَى غَيْر ذَلِكَ. قِيلَ : الْمُرَاد بِالْمُؤْمِنِ فِي هَذَا الْحَدِيث الْكَامِل الَّذِي قَدْ أَوْقَفَتْهُ مَعْرِفَته عَلَى غَوَامِض الْأُمُور حَتَّى صَارَ يَحْذَر مِمَّا سَيَقَعُ. وَأَمَّا الْمُؤْمِن الْمُغَفَّل فَقَدْ يُلْدَغ مِرَارًا. ‏ ‏قَوْله : ( مِنْ جُحْر ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ وَالسَّرَخْسِيّ \" وَاحِد \" وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ مِنْ \" جُحْر حَيَّة \" وَهِيَ زِيَادَة شَاذَّة. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَفِيهِ أَدَب شَرِيف أَدَّبَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّته وَنَبَّهَهُمْ كَيْف يَحْذَرُونَ مِمَّا يَخَافُونَ سُوء عَاقِبَته , وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيث \" الْمُؤْمِن كَيِّس حَذِر \" أَخْرَجَهُ صَاحِب \" مُسْنَد الْفِرْدَوْس \" مِنْ حَدِيث أَنَس بِسَنَدٍ ضَعِيف قَالَ : وَهَذَا الْكَلَام مِمَّا لَمْ يُسْبَق إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَوَّل مَا قَالَهُ لِأَبِي عَزَّة الْجُمَحِيّ وَكَانَ شَاعِرًا فَأُسِرَ بِبَدْرٍ فَشَكَا عَائِلَة وَفَقْرًا فَمَنَّ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَطْلَقَهُ بِغَيْرِ فِدَاء , فَظَفِرَ بِهِ بِأُحُدٍ فَقَالَ مُنَّ عَلَيَّ وَذَكَرَ فَقْره وَعِيَاله فَقَالَ : لَا تَمْسَح عَارِضَيْك بِمَكَّة تَقُول سَخِرْت بِمُحَمَّدٍ مَرَّتَيْنِ , وَأُمِرَ بِهِ فَقُتِلَ. وَأَخْرَجَ قِصَّته اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي بِغَيْرِ إِسْنَاد. وَقَالَ اِبْن هِشَام فِي \" تَهْذِيب السِّيرَة \" بَلَغَنِي عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِينَئِذٍ \" لَا يُلْدَغ الْمُؤْمِن مِنْ جُحْر مَرَّتَيْنِ \" وَصَنِيع أَبِي عُبَيْد فِي كِتَاب الْأَمْثَال مُشْكِل عَلَى قَوْل اِبْن بَطَّال أَنَّ النَّبِيّ - أَوَّل مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ قَالَ اِبْن التِّين : إِنَّهُ مَثَل قَدِيم. وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : هَذَا السَّبَب يُضَعِّف الْوَجْه الثَّانِي يَعْنِي الرِّوَايَة بِكَسْرِ الْغَيْن عَلَى النَّهْي. وَأَجَابَ الطِّيبِيُّ بِأَنَّهُ يُوَجَّه بِأَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى مِنْ نَفْسه الزَّكِيَّة الْمَيْل إِلَى الْحِلْم جَرَّدَ مِنْهَا مُؤْمِنًا حَازِمًا فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ , يَعْنِي لَيْسَ مِنْ شِيمَة الْمُؤْمِن الْحَازِم الَّذِي يَغْضَب لِلَّهِ أَنْ يَنْخَدِع مِنْ الْغَادِر الْمُتَمَرِّد فَلَا يَسْتَعْمِل الْحِلْم فِي حَقّه , بَلْ يَنْتَقِم مِنْهُ. وَمِنْ هَذَا قَوْل عَائِشَة \" مَا اِنْتَقَمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَك حُرْمَة اللَّه فَيَنْتَقِم لِلَّهِ بِهَا \" قَالَ فَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا أَنَّ الْحِلْم لَيْسَ مَحْمُودًا مُطْلَقًا , كَمَا أَنَّ الْجُود لَيْسَ مَحْمُودًا مُطْلَقًا , وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي وَصْف الصَّحَابَة ( أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّار رُحَمَاء بَيْنَهمْ ) قَالَ وَعَلَى الْوَجْه الْأَوَّل وَهُوَ الرِّوَايَة بِالرَّفْعِ فَيَكُون إِخْبَارًا مَحْضًا لَا يُفْهَم هَذَا الْغَرَض الْمُسْتَفَاد مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة , فَتَكُون الرِّوَايَة بِصِيغَةِ النَّهْي أَرْجَح وَاَللَّه أَعْلَم. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث \" اِحْتَرِسُوا مِنْ النَّاس بِسُوءِ الظَّنّ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط مِنْ طَرِيق أَنَس , وَهُوَ مِنْ رِوَايَة بَقِيَّة بِالْعَنْعَنَةِ عَنْ مُعَاوِيَة بْن يَحْيَى وَهُوَ ضَعِيف , فَلَهُ عِلَّتَانِ , وَصَحَّ مِنْ قَوْل مُطَرِّف التَّابِعِيّ الْكَبِير أَخْرَجَهُ مُسَدَّد. ‏"
    },
    {
        "id": "5669",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ قُلْتُ بَلَى قَالَ فَلَا تَفْعَلْ قُمْ وَنَمْ وَصُمْ وَأَفْطِرْ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّكَ عَسَى أَنْ يَطُولَ بِكَ عُمُرٌ وَإِنَّ مِنْ حَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا فَذَلِكَ الدَّهْرُ كُلُّهُ قَالَ فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ فَقُلْتُ فَإِنِّي أُطِيقُ غَيْرَ ذَلِكَ قَالَ فَصُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَ فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ قُلْتُ أُطِيقُ غَيْرَ ذَلِكَ قَالَ فَصُمْ صَوْمَ نَبِيِّ اللَّهِ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏قُلْتُ وَمَا صَوْمُ نَبِيِّ اللَّهِ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏قَالَ نِصْفُ الدَّهْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ الْمُعَلِّم , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث مَشْرُوحًا فِي كِتَاب الصِّيَام , وَالْغَرَض مِنْهُ \" وَإِنَّ لِزَوْرِك عَلَيْك حَقًّا \" وَالزَّوْر بِفَتْحِ الزَّاي وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا رَاء الزَّائِر , وَقَدْ بُسِطَ الْقَوْل فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. ‏"
    },
    {
        "id": "5670",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ ‏ ‏يَثْوِيَ ‏ ‏عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏مِثْلَهُ وَزَادَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي شُرَيْحٍ \" مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيُكْرِمْ ضَيْفه \" وَقَوْله فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة \" حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل أَنْبَأَنَا مَالِك مِثْله \" يَعْنِي بِإِسْنَادِهِ , ‏ ‏وَقَوْله : \" أَوْ لِيَصْمُت \" ‏ ‏ضَبَطَهُ النَّوَوِيّ بِضَمِّ الْمِيم وَقَالَ الطُّوفِيّ سَمِعْنَاهُ بِكَسْرِهَا وَهُوَ الْقِيَاس كَضَرِبَ يَضْرِب , وَقَدْ اِسْتُشْكِلَ التَّخْيِير الَّذِي فِي قَوْله : \" فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت \" لِأَنَّ الْمُبَاح إِذَا كَانَ فِي أَحَد الشِّقَّيْنِ لَزِمَ أَنْ يَكُون مَأْمُورًا بِهِ فَيَكُون وَاجِبًا أَوْ مَنْهِيًّا فَيَكُون حَرَامًا , وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّ صِيغَة أَفْعَل فِي قَوْله : \" فَلْيَقُلْ \" وَفِي قَوْله : \" لِيَسْكُت \" لِمُطْلَقِ الْإِذْن الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمُبَاح وَغَيْره ; نَعَمْ يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون الْمُبَاح حَسَنًا لِدُخُولِهِ فِي الْخَيْر , وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْمَرْء إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّم فَلْيُفَكِّرْ قَبْل كَلَامه , فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَفْسَدَة وَلَا يَجُرّ إِلَى مُحَرَّم وَلَا مَكْرُوه فَلْيَتَكَلَّمْ , وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَالسَّلَامَة فِي السُّكُوت لِئَلَّا يَجُرّ الْمُبَاح إِلَى الْمُحَرَّم وَالْمَكْرُوه. وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ الطَّوِيل الَّذِي صَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان \" وَمَنْ حَسِبَ كَلَامه مِنْ عَمَله قَلَّ كَلَامه إِلَّا فِيمَا يَعْنِيه \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَثْوِي عِنْدَه ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : هُوَ بِكَسْرِ الْوَاو وَبِفَتْحِهَا فِي الْمَاضِي وَبِكَسْرِهَا فِي الْمُضَارِع. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى يُحْرِجَهُ ) ‏ ‏بِحَاءٍ مُهْمَلَة ثُمَّ جِيم مِنْ الْحَرَج وَهُوَ الضِّيق. وَالثَّوَاء بِالتَّخْفِيفِ وَالْمَدّ الْإِقَامَة بِمَكَانٍ مُعَيَّن , قَالَ النَّوَوِيّ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" حَتَّى يُؤَثِّمهُ \" أَيْ يُوقِعهُ فِي الْإِثْم ; لِأَنَّهُ قَدْ يَغْتَابهُ لِطُولِ مَقَامه أَوْ يَعْرِض لَهُ بِمَا يُؤْذِيه أَوْ يَظُنّ بِهِ ظَنًّا سَيِّئًا , وَهَذَا كُلّه مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا لَمْ تَكُنْ الْإِقَامَة بِاخْتِيَارِ صَاحِب الْمَنْزِل بِأَنْ يَطْلُب مِنْهُ الزِّيَادَة فِي الْإِقَامَة أَوْ يَغْلِب عَلَى ظَنّه أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ , وَهُوَ مُسْتَفَاد مِنْ قَوْله : \" حَتَّى يُحْرِجهُ \" لِأَنَّ مَفْهُومه إِذَا اِرْتَفَعَ الْحَرَج أَنَّ ذَلِكَ يَجُوز. وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَد فِي رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ \" قِيلَ يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يُؤَثِّمهُ ؟ قَالَ : يُقِيم عِنْدَه لَا يَجِد شَيْئًا يُقَدِّمهُ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْحَاكِم وَفِيهِ قِصَّة لِسَلْمَان مَعَ ضَيْفه حَيْثُ طَلَبَ مِنْهُ زِيَادَة عَلَى مَا قَدَّمَ لَهُ فَرَهَنَ مَطْهَرَته بِسَبَبِ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ. قَالَ اِبْن بَطَّال إِنَّمَا كُرِهَ لَهُ الْمَقَام بَعْد الثَّلَاث لِئَلَّا يُؤْذِيه فَتَصِير الصَّدَقَة مِنْهُ عَلَى وَجْه الْمَنّ وَالْأَذَى. قُلْت : وَفِيهِ نَظَرٌ , فَإِنَّ فِي الْحَدِيث \" فَمَا زَادَ فَهُوَ صَدَقَة \" فَمَفْهُومه أَنَّ الَّذِي فِي الثَّلَاث لَا يُسَمَّى صَدَقَة , فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُول لِئَلَّا يُؤْذِيه فَيُوقِعهُ فِي الْإِثْم بَعْد أَنْ كَانَ مَأْجُورًا. ‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث أَبِي شُرَيْحٍ ‏ ‏( جَائِزَته يَوْم وَلَيْلَة ) ‏ ‏قَالَ السُّهَيْلِيُّ : رُوِيَ جَائِزَته بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاء وَهُوَ وَاضِح , وَبِالنَّصْبِ عَلَى بَدَلِ الِاشْتِمَال أَيْ يُكْرَم جَائِزَته يَوْمًا وَلَيْلَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَالضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام فِيمَا بَعْد ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَة ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال سُئِلَ عَنْهُ مَالِك فَقَالَ : يُكْرِمهُ وَيُتْحِفهُ يَوْمًا وَلَيْلَة وَثَلَاثَة أَيَّام ضِيَافَة. قُلْت : وَاخْتَلَفُوا هَلْ الثَّلَاث غَيْر الْأَوَّل أَوْ يُعَدّ مِنْهَا ؟ فَقَالَ أَبُو عُبَيْد يَتَكَلَّف لَهُ فِي الْيَوْم الْأَوَّل بِالْبِرِّ وَالْإِلْطَاف , وَفِي الثَّانِي وَالثَّالِث : يُقَدِّم لَهُ مَا حَضَرَهُ وَلَا يَزِيدهُ عَلَى عَادَته , ثُمَّ يُعْطِيه مَا يَجُوز بِهِ مَسَافَة يَوْم وَلَيْلَة وَتُسَمَّى الْجِيزَة , وَهِيَ قَدْر مَا يَجُوز بِهِ الْمُسَافِر مِنْ مَنْهَل إِلَى مَنْهَل , وَمِنْهُ الْحَدِيث الْآخَر \" أَجِيزُوا الْوَفْد بِنَحْوِ مَا كُنْت أُجِيزهُمْ \" وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا نَزَلَ بِهِ الضَّيْف أَنْ يُتْحِفهُ وَيَزِيدهُ فِي الْبِرّ عَلَى مَا بِحَضْرَتِهِ يَوْمًا وَلَيْلَة , وَلَا الْيَوْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ يُقَدِّم لَهُ مَا يَحْضُرهُ , فَإِذَا مَضَى الثَّلَاث فَقَدْ قَضَى حَقّه فَمَا زَادَ عَلَيْهِ مِمَّا يُقَدِّمهُ لَهُ يَكُون صَدَقَة. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ عِنْدَ أَحْمَد وَمُسْلِم بِلَفْظِ \" الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام , وَجَائِزَته يَوْم وَلَيْلَة \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى الْمُغَايَرَة , وَيُؤَيِّدهُ مَا قَالَ أَبُو عُبَيْد. وَأَجَابَ الطِّيبِيُّ بِأَنَّهَا جُمْلَة مُسْتَأْنَفَة بَيَان لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى , كَأَنَّهُ قِيلَ كَيْف يُكْرِمهُ ؟ قَالَ : جَائِزَته. وَلَا بُدّ مِنْ تَقْدِير مُضَاف أَيْ زَمَان جَائِزَته أَيْ بِرّه وَالضِّيَافَة يَوْم وَلَيْلَة , فَهَذِهِ الرِّوَايَة مَحْمُولَة عَلَى الْيَوْم الْأَوَّل , وَرِوَايَة عَبْد الْحَمِيد عَلَى الْيَوْم الْأَخِير أَيْ قَدْر مَا يَجُوز بِهِ الْمُسَافِر مَا يَكْفِيه يَوْم وَلَيْلَة , فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل عَلَى هَذَا عَمَلًا بِالرِّوَايَتَيْنِ اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : \" وَجَائِزَته \" بَيَانًا لِحَالَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْمُسَافِر تَارَة يُقِيم عِنْدَ مَنْ يَنْزِل عَلَيْهِ فَهَذَا لَا يُزَاد عَلَى الثَّلَاث بِتَفَاصِيلِهَا , وَتَارَة لَا يُقِيم فَهَذَا يُعْطَى مَا يَجُوز بِهِ قَدْر كِفَايَته يَوْمًا وَلَيْلَة , وَلَعَلَّ هَذَا أَعْدَل الْأَوْجُه وَاَللَّه أَعْلَم. وَاسْتَدَلَّ بِجَعْلِ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاث صَدَقَة عَلَى أَنَّ الَّذِي قَبْلهَا وَاجِب , فَإِنَّ الْمُرَاد بِتَسْمِيَتِهِ صَدَقَة التَّنْفِير عَنْهُ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاس خُصُوصًا الْأَغْنِيَاء يَأْنَفُونَ غَالِبًا مِنْ أَكْل الصَّدَقَة , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَجْوِبَة مَنْ لَمْ يُوجِب الضِّيَافَة فِي شَرْح حَدِيث عُقْبَةَ , وَاسْتَدَلَّ اِبْن بَطَّال لِعَدَمِ الْوُجُوب بِقَوْلِهِ : \" جَائِزَته \" قَالَ : وَالْجَائِزَة تَفَضُّل وَإِحْسَان لَيْسَتْ وَاجِبَة. وَتُعُقِّبَ بِأَتِّهِ لَيْسَ الْمُرَاد بِالْجَائِزَةِ فِي حَدِيث أَبِي شُرَيْحٍ الْعَطِيَّة بِالْمَعْنَى الْمُصْطَلَح وَهِيَ مَا يُعْطَاهُ الشَّاعِر وَالْوَافِد , فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْأَوَائِل أَنَّ أَوَّل مَنْ سَمَّاهَا جَائِزَة بَعْض الْأُمَرَاء مِنْ التَّابِعِينَ وَأَنَّ الْمُرَاد بِالْجَائِزَةِ فِي الْحَدِيث أَنَّهُ يُعْطِيه مَا يُغْنِيه عَنْ غَيْره كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره قَبْل. قُلْت : وَهُوَ صَحِيح فِي الْمُرَاد مِنْ الْحَدِيث , وَأَمَّا تَسْمِيَة الْعَطِيَّة لِلشَّاعِرِ وَنَحْوه جَائِزَة فَلَيْسَ بِحَادِثٍ : لِلْحَدِيثِ الصَّحِيح \" أَجِيزُوا الْوَفْد \" كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ , وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ \" أَلَا أُعْطِيك , أَلَا أَمْنَحك , أَلَا أُجِيزك \" ؟ فَذَكَرَ حَدِيث صَلَاة التَّسْبِيح فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اِسْتِعْمَالهَا كَذَلِكَ. لَيْسَ بِحَادِثٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "5671",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِيهِ أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْهُ وَفِي أَحَدهمَا مَا لَيْسَ فِي الْآخَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ كُلّ ذَلِكَ فِي \" بَاب إِكْرَام الْجَار \" بِاخْتِلَافِ أَلْفَاظه وَبَيَان الْمُرَاد بِهِ. قَالَ الطُّوفِيّ : ظَاهِر الْحَدِيث اِنْتِفَاء الْإِيمَان عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ , وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَة كَمَا يَقُول الْقَائِل : إِنْ كُنْت اِبْنِي فَأَطِعْنِي , تَهْيِيجًا لَهُ عَلَى الطَّاعَة , لَا أَنَّهُ بِانْتِفَاءِ طَاعَته يَنْتَفِي أَنَّهُ اِبْنه. ‏"
    },
    {
        "id": "5672",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنَا فَمَا تَرَى فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر \" قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه إِنَّك تَبْعَثنَا بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنَا \" الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْمَظَالِم. ‏"
    },
    {
        "id": "5673",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِيهِ أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْهُ وَفِي أَحَدهمَا مَا لَيْسَ فِي الْآخَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ كُلّ ذَلِكَ فِي \" بَاب إِكْرَام الْجَار \" بِاخْتِلَافِ أَلْفَاظه وَبَيَان الْمُرَاد بِهِ. قَالَ الطُّوفِيّ : ظَاهِر الْحَدِيث اِنْتِفَاء الْإِيمَان عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ , وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَة كَمَا يَقُول الْقَائِل : إِنْ كُنْت اِبْنِي فَأَطِعْنِي , تَهْيِيجًا لَهُ عَلَى الطَّاعَة , لَا أَنَّهُ بِانْتِفَاءِ طَاعَته يَنْتَفِي أَنَّهُ اِبْنه. ‏"
    },
    {
        "id": "5674",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْعُمَيْسِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آخَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏سَلْمَانَ ‏ ‏وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ‏ ‏فَزَارَ ‏ ‏سَلْمَانُ ‏ ‏أَبَا الدَّرْدَاءِ ‏ ‏فَرَأَى ‏ ‏أُمَّ الدَّرْدَاءِ ‏ ‏مُتَبَذِّلَةً ‏ ‏فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنُكِ قَالَتْ أَخُوكَ ‏ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏ ‏لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا فَجَاءَ ‏ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏ ‏فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ ‏ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏ ‏يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ قَالَ ‏ ‏سَلْمَانُ ‏ ‏قُمْ الْآنَ قَالَ فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ ‏ ‏سَلْمَانُ ‏ ‏إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَدَقَ ‏ ‏سَلْمَانُ ‏ ‏أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبٌ السُّوَائِيُّ ‏ ‏يُقَالُ وَهْبُ الْخَيْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْب السُّوَائِيُّ ) ‏ ‏يَعْنِي بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَالْمَدّ ‏ ‏( وَهْب الْخَيْر ) ‏ ‏أَيْ كَانَ يُقَال لَهُ وَهْب الْخَيْر , وَهَذَا لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ. وَوَقَعَ فِي التَّكَلُّف لِلضَّيْفِ حَدِيث سَلْمَان \" نَهَانَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَتَكَلَّف لِلضَّيْفِ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْحَاكِم , وَفِيهِ قِصَّة سَلْمَان مَعَ ضَيْفه حَيْثُ طَلَبَ مِنْهُ زِيَادَة عَلَى مَا قَدَّمَ لَهُ فَرَهَنَ مَطْهَرَته بِسَبَبِ ذَلِكَ , ثُمَّ قَالَ الرَّجُل لَمَّا فَرَغَ \" الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي قَنَّعَنَا بِمَا رَزَقَنَا. فَقَالَ لَهُ سَلْمَان : لَوْ قَنَعْت مَا كَانَتْ مَطْهَرَتِي مَرْهُونَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "5675",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏تَضَيَّفَ رَهْطًا فَقَالَ ‏ ‏لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏دُونَكَ أَضْيَافَكَ فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَافْرُغْ مِنْ ‏ ‏قِرَاهُمْ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ فَانْطَلَقَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ فَقَالَ اطْعَمُوا فَقَالُوا أَيْنَ رَبُّ مَنْزِلِنَا قَالَ اطْعَمُوا قَالُوا مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ رَبُّ مَنْزِلِنَا قَالَ اقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ فَإِنَّهُ إِنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ فَأَبَوْا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَجِدُ عَلَيَّ فَلَمَّا جَاءَ تَنَحَّيْتُ عَنْهُ فَقَالَ مَا صَنَعْتُمْ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ يَا ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَسَكَتُّ ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَسَكَتُّ فَقَالَ يَا ‏ ‏غُنْثَرُ ‏ ‏أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي لَمَّا جِئْتَ فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ سَلْ أَضْيَافَكَ فَقَالُوا صَدَقَ أَتَانَا بِهِ قَالَ فَإِنَّمَا انْتَظَرْتُمُونِي وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ فَقَالَ الْآخَرُونَ وَاللَّهِ لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ قَالَ لَمْ أَرَ فِي الشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ وَيْلَكُمْ مَا أَنْتُمْ لِمَ لَا تَقْبَلُونَ عَنَّا ‏ ‏قِرَاكُمْ ‏ ‏هَاتِ طَعَامَكَ فَجَاءَهُ فَوَضَعَ يَدَهُ فَقَالَ بِاسْمِ اللَّهِ الْأُولَى لِلشَّيْطَانِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق فِي قِصَّة أَضْيَاف أَبِي بَكْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي عَلَامَات النُّبُوَّة مِنْ التَّرْجَمَة النَّبَوِيَّة , وَأَخَذَ الْغَضَب مِنْهُ مِنْ قَوْل عَبْد الرَّحْمَن فَعَرَفْت أَنَّهُ يَجِد عَلَيَّ وَهُوَ مِنْ الْمَوْجِدَة وَهِيَ الْغَضَب , وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ فِي الطَّرِيق الَّتِي بَعْد هَذِهِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ : \" فَغَضِبَ أَبُو بَكْر \". ‏ ‏وَقَوْله : \" الْأُولَى لِلشَّيْطَانِ \" ‏ ‏أَيْ الْحَالَة الَّتِي غَضِبَ فِيهِ وَحَلَفَ , وَتَقَدَّمَ لَهُ تَوْجِيه مُتَعَقِّب. ‏"
    },
    {
        "id": "5676",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏بِضَيْفٍ لَهُ ‏ ‏أَوْ بِأَضْيَافٍ لَهُ ‏ ‏فَأَمْسَى عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا جَاءَ قَالَتْ لَهُ أُمِّي احْتَبَسْتَ عَنْ ضَيْفِكَ ‏ ‏أَوْ عَنْ أَضْيَافِكَ ‏ ‏اللَّيْلَةَ قَالَ مَا عَشَّيْتِهِمْ فَقَالَتْ عَرَضْنَا عَلَيْهِ ‏ ‏أَوْ عَلَيْهِمْ ‏ ‏فَأَبَوْا ‏ ‏أَوْ فَأَبَى ‏ ‏فَغَضِبَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَسَبَّ وَجَدَّعَ وَحَلَفَ لَا يَطْعَمُهُ فَاخْتَبَأْتُ أَنَا فَقَالَ يَا ‏ ‏غُنْثَرُ ‏ ‏فَحَلَفَتْ الْمَرْأَةُ لَا تَطْعَمُهُ حَتَّى يَطْعَمَهُ فَحَلَفَ الضَّيْفُ ‏ ‏أَوْ الْأَضْيَافُ ‏ ‏أَنْ لَا يَطْعَمَهُ ‏ ‏أَوْ يَطْعَمُوهُ ‏ ‏حَتَّى يَطْعَمَهُ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏كَأَنَّ هَذِهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَدَعَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا ‏ ‏فَجَعَلُوا لَا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا فَقَالَ يَا أُخْتَ ‏ ‏بَنِي فِرَاسٍ ‏ ‏مَا هَذَا فَقَالَتْ وَقُرَّةِ عَيْنِي إِنَّهَا الْآنَ لَأَكْثَرُ قَبْلَ أَنْ نَأْكُلَ فَأَكَلُوا وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5677",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ‏ ‏وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ‏ ‏أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ ‏ ‏وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَتَيَا ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ فَقُتِلَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ‏ ‏فَجَاءَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ ‏ ‏وَحُوَيِّصَةُ ‏ ‏وَمُحَيِّصَةُ ‏ ‏ابْنَا ‏ ‏مَسْعُودٍ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ فَبَدَأَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَبِّرْ ‏ ‏الْكُبْرَ قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏لِيَلِيَ الْكَلَامَ الْأَكْبَرُ فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَسْتَحِقُّونَ قَتِيلَكُمْ ‏ ‏أَوْ قَالَ صَاحِبَكُمْ ‏ ‏بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ قَالَ فَتُبْرِئُكُمْ ‏ ‏يَهُودُ ‏ ‏فِي أَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمٌ كُفَّارٌ ‏ ‏فَوَدَاهُمْ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ قِبَلِهِ قَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏فَأَدْرَكْتُ نَاقَةً مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ فَدَخَلَتْ ‏ ‏مِرْبَدًا ‏ ‏لَهُمْ فَرَكَضَتْنِي بِرِجْلِهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُشَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مَعَ ‏ ‏رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُشَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏وَحْدَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة وَرَافِع بْن خَدِيج فِي قِصَّة مُحَيِّصَة وَحُوَيِّصَة , سَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْقَسَامَة , ‏ ‏وَقَوْله : \" فَوَدَاهُمْ \" ‏ ‏هُوَ لِلْأَكْثَرِ وَيُرْوَى بِالْفَاءِ بَدَلَ الْوَاو , ‏ ‏وَقَوْله : \" مِنْ قِبَله \" ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْمُوَحَّدَة عَلَى الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ , وَبُشَيْر بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَة مُصَغَّر هُوَ ابْن يَسَار بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة خَفِيفَة , وَهَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث اللَّيْث بِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد أَيْضًا , وَهَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5678",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَلَا تَحُتُّ وَرَقَهَا فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَثَمَّ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هِيَ النَّخْلَةُ فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي قُلْتُ يَا أَبَتَاهُ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَهَا لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا قَالَ مَا مَنَعَنِي إِلَّا أَنِّي لَمْ أَرَكَ وَلَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏تَكَلَّمْتُمَا فَكَرِهْتُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر \" أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلهَا مَثَل الْمُسْلِم \" الْحَدِيث تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْعِلْم مُسْتَوْفًى , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِإِيرَادِهِ إِلَى أَنَّ تَقْدِيم الْكَبِير حَيْثُ يَقَع التَّسَاوِي , أَمَّا لَوْ كَانَ عِنْدَ الصَّغِير مَا لَيْسَ عِنْدَ الْكَبِير فَلَا يُمْنَع مِنْ الْكَلَام بِحَضْرَةِ الْكَبِير ; لِأَنَّ عُمَر تَأَسَّفَ حَيْثُ لَمْ يَتَكَلَّم وَلَده مَعَ أَنَّهُ اِعْتَذَرَ لَهُ بِكَوْنِهِ بِحُضُورِهِ وَحُضُور أَبِي بَكْر وَمَعَ ذَلِكَ تَأَسَّفَ عَلَى كَوْنه لَمْ يَتَكَلَّم. ‏"
    },
    {
        "id": "5679",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ الشِّعْرِ حِكْمَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الزُّهْرِيّ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن الْحَارِث بْن هِشَام الْمَخْزُومِيّ , وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد أَرْبَعَة مِنْ التَّابِعِينَ قُرَشِيُّونَ مَدَنِيُّونَ فِي نَسَق , فَالزُّهْرِيّ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ وَأَبُو بَكْر وَمَنْ فَوْقه مِنْ كِبَارهمْ ; وَلِمَرْوَان وَعَبْد الرَّحْمَن مَزِيَّة إِدْرَاك النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّهُمَا مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَة مَعْدُودَانِ فِي التَّابِعِينَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ لِعَبْدِ الرَّحْمَن رُؤْيَة وَأَنَّهُ عُدَّ لِذَلِكَ فِي الصَّحَابَة , وَكَذَا ذَكَرَ بَعْضهمْ مَرْوَان فِي الصَّحَابَة لِإِدْرَاكِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الشُّرُوط. وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيّ فِي سَنَده : فَالْأَكْثَر عَلَى مَا قَالَ شُعَيْب. وَقَالَ مَعْمَر فِي الْمَشْهُور عَنْهُ : \" عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة \" بَدَل أَبِي بَكْر مَوْصُولًا , وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ \" عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة \" مُرْسَلًا , وَوَافَقَ رَبَاح بْن أَبِي زَيْد عَنْ مَعْمَر الْجَمَاعَة , وَكَذَا قَالَ هِشَام بْن يُوسُف عَنْ مَعْمَر , لَكِنْ قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْأَسْوَد وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيم بْن سَعِيد : عَنْ الزُّهْرِيّ , وَحُذِفَ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد مَرْوَان مِنْ السَّنَد وَالصَّوَاب إِثْبَاته. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ مِنْ الشِّعْر حِكْمَة ) ‏ ‏أَيْ قَوْلًا صَادِقًا مُطَابِقًا لِلْحَقِّ. وَقِيلَ : أَصْل الْحِكْمَة الْمَنْع , فَالْمَعْنَى إِنَّ مِنْ الشِّعْر كَلَامًا نَافِعًا يَمْنَع مِنْ السَّفَه. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة صَخْر بْن عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : إِنَّ مِنْ الْبَيَان سَحَرًا , وَإِنَّ مِنْ الْعِلْم جَهْلًا , وَإِنَّ مِنْ الشِّعْر حِكَمًا , وَإِنَّ مِنْ الْقَوْل عَيًّا. فَقَالَ صَعْصَعَة بْن صُوحَان : صَدَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا ‏ ‏قَوْله : \" إِنَّ مِنْ الْبَيَان سِحْرًا \" فَالرَّجُل يَكُون عَلَيْهِ الْحَقّ وَهُوَ أَلْحَن بِالْحُجَجِ مِنْ صَاحِب الْحَقّ فَيَسْحَر الْقَوْم بِبَيَانِهِ فَيَذْهَب بِالْحَقِّ. وَأَمَّا قَوْله : \" وَإِنَّ مِنْ الْعِلْم جَهْلًا \" فَيُكَلَّف الْعَالِم إِلَى عِلْمه مَا لَا يَعْلَم فَيَجْهَل ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْله : \" إِنَّ مِنْ الشِّعْر حِكَمًا \" فَهِيَ هَذِهِ الْمَوَاعِظ وَالْأَمْثَال الَّتِي يَتَّعِظ بِهَا النَّاس. ‏ ‏وَأَمَّا قَوْله : \" إِنَّ مِنْ الْقَوْل عَيًّا \" فَعَرْضك كَلَامك عَلَى مَنْ لَا يُرِيدهُ. وَقَالَ اِبْن التِّين : مَفْهُومه أَنَّ بَعْض الشِّعْر لَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ \" مِنْ \" تَبْعِيضِيَّةٌ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْدَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَابْن مَاجَهْ بِلَفْظِ \" إِنَّ مِنْ الشِّعْر حِكَمًا \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ مِثْله , وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر قَالَ قَالَ أَبُو بَكْر : رُبَّمَا قَالَ الشَّاعِر الْكَلِمَة الْحَكِيمَة. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : مَا كَانَ فِي الشِّعْر وَالرَّجَز ذِكْر اللَّه تَعَالَى وَتَعْظِيم لَهُ وَوَحْدَانِيّته وَإِيثَار طَاعَته وَالِاسْتِسْلَام لَهُ فَهُوَ حَسَن مُرَغَّب فِيهِ , وَهُوَ الْمُرَاد فِي الْحَدِيث بِأَنَّهُ حِكْمَة , وَمَا كَانَ كَذِبًا وَفُحْشًا فَهُوَ مَذْمُوم. قَالَ الطَّبَرِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيث رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ الشِّعْر مُطْلَقًا وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اِبْن مَسْعُود \" الشِّعْر مَزَامِير الشَّيْطَان \" وَعَنْ مَسْرُوق أَنَّهُ تَمَثَّلَ بِأَوَّلِ بَيْت شِعْر ثُمَّ سَكَتَ , فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ : أَخَاف أَنْ أَجِد فِي صَحِيفَتِي شِعْرًا , وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ \" أَنَّ إِبْلِيس لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْض قَالَ : رَبّ اِجْعَلْ لِي قُرْآنًا , قَالَ قُرْآنك الشِّعْر \" ثُمَّ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهَا أَخْبَار وَاهِيَة , وَهُوَ كَذَلِكَ , فَحَدِيث أَبِي أُمَامَةَ فِيهِ عَلِيّ بْن يَزِيد الْهَانِيّ وَهُوَ ضَعِيف , وَعَلَى تَقْدِير قُوَّتهَا فَهُوَ مَحْمُول عَلَى الْإِفْرَاط فِيهِ وَالْإِكْثَار مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره بَعْد بَاب , وَيَدُلّ عَلَى الْجَوَاز سَائِر أَحَادِيث الْبَاب. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" عَنْ عُمَر بْن الشَّرِيد عَنْ أَبِيهِ قَالَ : \" اِسْتَنْشَدَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شِعْر أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت فَأَنْشَدْته حَتَّى أَنْشَدْته مِائَة قَافِيَة \". وَعَنْ مُطَرِّف قَالَ : صَحِبْت عِمْرَان بْن حُصَيْن مِنْ الْكُوفَة إِلَى الْبَصْرَة فَقَلَّ مَنْزِل نَزَلَهُ إِلَّا وَهُوَ يُنْشِدُنِي شِعْرًا. وَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ عَنْ جَمَاعَة مِنْ كِبَار الصَّحَابَة وَمِنْ كِبَار التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا الشِّعْر وَأَنْشَدُوهُ وَاسْتَنْشَدُوهُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" عَنْ خَالِد بْن كَيْسَانَ قَالَ : كُنْت عِنْدَ اِبْن عُمَر فَوَقَفَ عَلَيْهِ إِيَاس بْن خَيْثَمَةَ فَقَالَ : أَلَا أَنْشُدك مِنْ شِعْرِي ؟ قَالَ : بَلَى وَلَكِنْ لَا تُنْشِدنِي إِلَّا حَسَنًا. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن قَالَ : \" لَمْ يَكُنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْحَرِفِينَ وَلَا مُتَمَاوِتِينَ , وَكَانُوا يَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَار فِي مَجَالِسهمْ وَيَذْكُرُونَ أَمْر جَاهِلِيَّتهمْ , فَإِذَا أُرِيدَ أَحَدهمْ عَلَى شَيْء مِنْ دِينه دَارَتْ حَمَالِيق عَيْنَيْهِ \" وَمِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْرَة قَالَ : \" كُنْت أُجَالِس أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَبِي فِي الْمَسْجِد فَيَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَار وَيَذْكُرُونَ حَدِيث الْجَاهِلِيَّة \" وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَابْن أَبِي شَيْبَة وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة قَالَ : \" كَانَ أَصْحَاب رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَذَاكَرُونَ الشِّعْر وَحَدِيث الْجَاهِلِيَّة عِنْدَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَنْهَاهُمْ. وَرُبَّمَا يَتَبَسَّم \". ‏"
    },
    {
        "id": "5680",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جُنْدَبًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَيْنَمَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمْشِي إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ فَقَالَ ‏ ‏هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ‏ ‏وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( سَمِعْت جُنْدُبًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة عَنْ الْأَسْوَد الْمَاضِيَة فِي أَوَائِل الْجِهَاد : \" جُنْدُب بْن سُفْيَان الْبَجَلِيُّ \". ‏ ‏قَوْله : ( بَيْنَمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة \" كَانَ فِي بَعْض الْمَشَاهِد \" وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ الْأَسْوَد \" خَرَجَ إِلَى الصَّلَاة \" وَأَخْرَجَ الطَّيَالِسِيُّ وَأَحْمَد فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الْأَسْوَد عَنْ جُنْدُب \" كُنْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَار \". ‏ ‏قَوْله : ( فَعَثَرَ ) ‏ ‏بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَالثَّاء الْمُثَلَّثَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ : هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَع دَمِيتِ وَفِي سَبِيل اللَّه مَا لَقِيتِ ) ‏ ‏هَذَانِ قِسْمَانِ مِنْ رَجَز وَالتَّاء فِي آخِرهمَا مَكْسُورَة عَلَى وَفْق الشِّعْر , وَجَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُمَا فِي الْحَدِيث بِالسُّكُونِ وَفِيهِ نَظَرٌ , وَزَعَمَ غَيْره أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَمَّدَ إِسْكَانهمَا لِيُخْرِجَ الْقِسْمَيْنِ عَنْ الشِّعْر , وَهُوَ مَرْدُودٌ فَإِنَّهُ يَصِير مِنْ ضَرْب آخَر مِنْ الشِّعْر وَهُوَ مِنْ ضُرُوب الْبَحْر الْمُلَقَّب الْكَامِل , وَفِي الثَّانِي زِحَاف جَائِز. قَالَ عِيَاض : وَقَدْ غَفَلَ بَعْض النَّاس فَرَوَى دَمِيتِ وَلَقِيت بِغَيْرِ مَدّ فَخَالَفَ الرِّوَايَة لِيَسْلَم مِنْ الْإِشْكَال فَلَمْ يُصِبْ , وَقَدْ اِخْتَلَفَ هَلْ قَالَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَمَثِّلًا أَوْ قَالَهُ مِنْ قِبَل نَفْسه غَيْر قَاصِد لِإِنْشَائِهِ فَخَرَجَ مَوْزُونًا , وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْره , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا فِي \" مُحَاسَبَة النَّفْس \" أَوْرَدَهُمَا لِعَبْدِ اللَّه بْن رَوَاحَة فَذَكَرَ أَنَّ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب لَمَّا قُتِلَ فِي غَزْوَة مُؤْتَة بَعْد أَنْ قُتِلَ زَيْد بْن حَارِثَة أَخَذَ اللِّوَاء عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة فَقَاتَلَ فَأُصِيبَ إِصْبَعه , فَارْتَجَزَ وَجَعَلَ يَقُول هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ وَزَادَ : ‏ ‏يَا نَفْس إِنْ لَا تُقْتَلِي تَمُوتِي ‏ ‏هَذِي حِيَاض الْمَوْت قَدْ صَلِيت ‏ ‏وَمَا تَمَنَّيْت فَقَدْ لَقِيتِ ‏ ‏إِنْ تَفْعَلِي فِعْلهمَا هُدِيت ‏ ‏وَهَكَذَا جَزَمَ اِبْن التِّين بِأَنَّهُمَا مِنْ شِعْر اِبْن رَوَاحَة. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة كَانَ رَافَقَ أَبَا بَصِير فِي صُلْح الْحُدَيْبِيَة عَلَى سَاحِل الْبَحْر , ثُمَّ أَنَّ الْوَلِيد رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة فَعَثَرَ بِالْحَرَّةِ فَانْقَطَعَتْ إِصْبَعه فَقَالَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر مَوْصُول بِسَنَدٍ ضَعِيف. وَقَالَ اِبْن هِشَام فِي زِيَادَات السِّيرَة \" حَدَّثَنِي مَنْ أَثِق بِهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ لِي بِعَبَّاسِ بْن أَبِي رَبِيعَة , فَقَالَ الْوَلِيد بْن الْوَلِيد أَنَا \" فَذَكَرَ قِصَّة فِيهَا \" فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعه فَقَالَهُمَا \" وَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون اِبْن رَوَاحَة ضَمَّنَهُمَا شِعْره وَزَادَ عَلَيْهِمَا , فَإِنَّ قِصَّة الْحُدَيْبِيَة قَبْل قِصَّة مُؤْتَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْو هَذَا الِاحْتِمَال فِي أَوَائِل غَزْوَة خَيْبَر فِي الرَّجَز الْمَنْسُوب لِعَامِرِ بْن الْأَكْوَع \" اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اِهْتَدَيْنَا \" وَأَنَّهُ نُسِبَ فِي رِوَايَة أُخْرَى لِابْنِ رَوَاحَة. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي جَوَاز تَمَثُّل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ الشِّعْر وَإِنْشَاده حَاكِيًا عَنْ غَيْره فَالصَّحِيح جَوَازه. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة الْمِقْدَام بْن شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ \" قُلْت لِعَائِشَة : أَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَثَّل بِشَيْءٍ مِنْ الشِّعْر ؟ قَالَتْ : كَانَ يَتَمَثَّل مِنْ شِعْر اِبْن رَوَاحَة : وَيَأْتِيك بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تَزَوَّدِ \" وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة نَحْوه مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ مُرْسَل أَبِي جَعْفَر الْخَطْمِيّ قَالَ : \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْنِي الْمَسْجِد وَعَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة يَقُول. أَفْلَحَ مَنْ يُعَالِج الْمَسَاجِدَا. فَيَقُولهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُول اِبْن رَوَاحَة : يَتْلُو الْقُرْآن قَائِمًا وَقَاعِدَا. فَيَقُولهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيب فِي التَّارِيخ عَنْ عَائِشَة : ‏ ‏تَفَاءَلْ بِمَا تَهْوَى تَكُنْ ‏ ‏فَلَقَلَّمَا يُقَال لِشَيْءٍ كَانَ إِلَّا تَحَقَّقَا ‏ ‏قَالَ : وَإِنَّمَا لَمْ يُعْرِبهُ لِئَلَّا يَكُون شِعْرًا , فَهُوَ شَيْء لَا يَصِحّ. وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى وَهَائِهِ التَّعْلِيل الْمَذْكُور , وَالْحَدِيث الثَّالِث فِي الْبَاب يُؤَيِّد ذَلِكَ , وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجُوز لَهُ أَنْ يَحْكِي الشِّعْر عَنْ نَاظِمه. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" أَنَا النَّبِيّ لَا كَذِبْ أَنَا اِبْن عَبْد الْمُطَّلِبْ \" وَأَنَّهُ دَلَّ عَلَى جَوَاز وُقُوع الْكَلَام مِنْهُ مَنْظُومًا مِنْ غَيْر قَصْد إِلَى ذَلِكَ وَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ شِعْرًا. وَقَدْ وَقَعَ الْكَثِير مِنْ ذَلِكَ فِي الْقُرْآن الْعَظِيم , لَكِنَّ غَالِبهَا أَشْطَار أَبْيَات وَالْقَلِيل مِنْهَا وَقَعَ وَزْن بَيْت تَامّ , فَمِنْ التَّامّ قَوْله تَعَالَى : ( الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ - أُوتِيَتْ مِنْ كُلّ شَيْء وَلَهَا عَرْش عَظِيم - مُسْلِمَات مُؤْمِنَات قَانِتَات تَائِبَات عَابِدَات سَائِحَات - فَرَاغَ إِلَى أَهْله فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِين - نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُور الرَّحِيم - لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ - قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَر لَهُمْ - وَجِفَان كَالْجَوَابِ وَقُدُور رَاسِيَات - وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَاب - إِنَّ هَذَا لَرِزْقنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَاد - تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَان - فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَة اللَّه - وَمِنْ اللَّيْل فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَار النُّجُوم. وَكَذَلِكَ السُّجُود - وَاَللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم - إِنِّي وَجَدْت اِمْرَأَة تَمْلِكهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلّ شَيْء وَلَهَا - يَأْتِيكُمْ التَّابُوت فِيهِ سَكِينَة مِنْ رَبّكُمْ وَبَقِيَّة مِمَّا تَرَكَ - وَأَزْوَاج مُطَهَّرَة وَرِضْوَان مِنْ اللَّه - وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُركُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُور قَوْم مُؤْمِنِينَ - وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلهمْ أَكْثَر الْأَوَّلِينَ - وَدَانِيَة عَلَيْهِمْ ظِلَالهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفهَا تَذْلِيلًا - وَيَأْكُلُونَ التُّرَاث أَكْلًا لَمًّا وَيُحِبُّونَ الْمَال حُبًّا جَمًّا ) وَالْوَاو فِي كُلّ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَتْ زَائِدَة عَلَى الْوَزْن لَكِنَّهُ يَجُوز فِي النَّظْم وَيُسَمَّى الْخَزْم بِالزَّايِ بَعْد الْخَاء الْمُعْجَمَة. وَأَمَّا الْأَشْطَار فَكَثِيرَة جِدًّا فَمِنْهَا ( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ - لِيَقْضِيَ اللَّه أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا - فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنهمْ - فِي أُمَّة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلهَا أُمَم - فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ - فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء - اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمَنِينَ - إِنَّهُ كَانَ وَعْده مَفْعُولًا - حَسَدًا مِنْ عِنْدَ أَنْفُسهمْ - أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْم هُود - وَيَعْلَم مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ - وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا - وَكَفَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال - وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا - حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْره - قُلْ هُوَ الرَّحْمَن آمَنَّا بِهِ - أَلَا إِلَى اللَّه تَصِير الْأُمُور - نَصْر مِنْ اللَّه وَفَتْح قَرِيب - ذَلِكَ تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم - نَقْذِف بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِل - الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ - يَا أَيّهَا النَّاس اِتَّقُوا رَبَّكُمْ - لَئِنْ شَكَرْتُمْ لِأَزِيدَنكُمْ - قُتِلَ الْإِنْسَان مَا أَكْفَرَهُ - ثَانِي اِثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَار - قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُص الْأَرْض مِنْهُمْ - إِنَّ قَارُون كَانَ مِنْ قَوْم مُوسَى - إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيم - وَيَنْصُرك اللَّه نَصْرًا عَزِيزًا - خَلَقَ الْإِنْسَان مِنْ عَلَقٍ - وَآخِر دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْد لِلَّهِ - وَأَحَلُّوا قَوْمهمْ دَار الْبَوَار - وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه - التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ - قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَر لَهُمْ - كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ - وَنَحْشُر الْمُجْرِمِينَ يَوْمئِذٍ - يَا أَيّهَا الْإِنْسَان إِنَّك كَادِح - يَا أَيّهَا الْإِنْسَان مَا غَرَّك - وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْك رَحْمَة - وَيَنْصُرك اللَّه نَصْرًا عَزِيزًا - وَالطَّيْر مَحْشُورَة كُلّ لَهُ أَوَّاب - وَعِنْدَهمْ قَاصِرَات الطَّرْف أَتْرَاب - فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ - زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم - أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاء اللَّه أَطْعَمَهُ - ثَمَرَات النَّخِيل وَالْأَعْنَاب - ذَلِكَ الْكِتَاب لَا رَيْب فِيهِ ) وَمِنْ التَّامّ أَيْضًا ( وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأهُ عَلَى النَّاس. وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ) وَإِذَا اِنْتَهَى إِلَى \" النَّاس \" تَمَّ أَيْضًا , وَأَيْضًا ( لِتَقْرَأهُ عَلَى النَّاس وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ) وَقِيلَ فِي الْجَوَاب عَنْ الْحَدِيث : إِنَّ وُقُوع الْبَيْت الْوَاحِد مِنْ الْفَصِيح لَا يُسَمَّى شِعْرًا , وَلَا يُسَمَّى قَائِله شَاعِرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5681",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ ‏ ‏لَبِيدٍ ‏ ‏أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ ‏ ‏وَكَادَ ‏ ‏أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ ‏ ‏أَنْ يُسْلِمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَصْدَق كَلِمَة قَالَهَا الشَّاعِر \" ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَيَّام الْجَاهِلِيَّة , ‏ ‏وَقَوْله : \" عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة زَائِدَة بْن قُدَامَةَ \" عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْ مُوسَى بْن طَلْحَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" بِهِ وَزَادَ بَعْد قَوْله كَلِمَة لَبِيد : ثُمَّ تَمَثَّلَ أَوَّله وَتَرَكَ آخِره. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ زَائِدَة مِثْل رِوَايَة سُفْيَان وَمَنْ تَابَعَهُ وَهُوَ الْمَحْفُوظ. ‏"
    },
    {
        "id": "5682",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَسِرْنَا لَيْلًا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ ‏ ‏لِعَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ ‏ ‏هُنَيْهَاتِكَ ‏ ‏قَالَ وَكَانَ ‏ ‏عَامِرٌ ‏ ‏رَجُلًا شَاعِرًا فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ‏ ‏وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا ‏ ‏فَاغْفِرْ فِدَاءٌ لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا ‏ ‏وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا ‏ ‏وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ‏ ‏إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا ‏ ‏وَبِالصِّيَاحِ ‏ ‏عَوَّلُوا ‏ ‏عَلَيْنَا ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ هَذَا السَّائِقُ قَالُوا ‏ ‏عَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ ‏ ‏فَقَالَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ وَجَبَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْلَا أَمْتَعْتَنَا بِهِ قَالَ فَأَتَيْنَا ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَحَاصَرْنَاهُمْ حَتَّى أَصَابَتْنَا ‏ ‏مَخْمَصَةٌ ‏ ‏شَدِيدَةٌ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ الْيَوْمَ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا هَذِهِ النِّيرَانُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ قَالُوا عَلَى لَحْمٍ قَالَ ‏ ‏عَلَى أَيِّ لَحْمٍ قَالُوا عَلَى لَحْمِ حُمُرٍ إِنْسِيَّةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَهْرِقُوهَا وَاكْسِرُوهَا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ ‏ ‏نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا قَالَ أَوْ ذَاكَ فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ كَانَ سَيْفُ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏فِيهِ قِصَرٌ فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُودِيًّا لِيَضْرِبَهُ وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ فَأَصَابَ رُكْبَةَ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏فَمَاتَ مِنْهُ فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ ‏ ‏سَلَمَةُ ‏ ‏رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَاحِبًا فَقَالَ لِي مَا لَكَ فَقُلْتُ فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي زَعَمُوا أَنَّ ‏ ‏عَامِرًا ‏ ‏حَبِطَ عَمَلُهُ قَالَ مَنْ قَالَهُ قُلْتُ قَالَهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ ‏ ‏وَأُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَذَبَ مَنْ قَالَهُ إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ قَلَّ عَرَبِيٌّ نَشَأَ بِهَا مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع فِي قِصَّة عَامِر بْن الْأَكْوَع , تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَة خَيْبَر مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ : \" وَكَانَ عَامِر رَجُلًا شَاعِرًا فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ \" ‏ ‏يُؤْخَذ مِنْهُ جَمِيع التَّرْجَمَة لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الشِّعْر وَالرَّجَز وَالْحُدَاء وَيُؤْخَذ مِنْهُ الرَّجَز مِنْ جُمْلَة الشِّعْر , ‏ ‏وَقَوْله : \" اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اِهْتَدَيْنَا \" ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : هَذَا لَيْسَ بِشِعْرٍ وَلَا رَجَز لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْزُونٍ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُوَ رَجَز مَوْزُون , وَإِنَّمَا زِيدَ فِي أَوَّله سَبَب خَفِيف وَيُسَمَّى الْخَزْم بِالْمُعْجَمَتَيْنِ ‏ ‏وَقَوْله : \" فَاغْفِرْ فِدَاء لَك مَا اِقْتَفَيْنَا \" ‏ ‏أَمَّا فِدَاء فَهُوَ بِكَسْرِ الْفَاء وَالْمَدّ مَنُون , وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولهُ بِالْقَصْرِ , وَشَرْط اِتِّصَاله بِحَرْفِ الْجَرّ كَاَلَّذِي هُنَا , قَالَهُ اِبْن التِّين. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ لَا يُقَال لِلَّهِ فِدَاء لَك لِأَنَّهَا كَلِمَة تُسْتَعْمَل عِنْدَ تَوَقُّع مَكْرُوه لِشَخْصٍ فَيَخْتَار شَخْص آخَر أَنْ يَحِلّ بِهِ دُون ذَلِكَ الْآخَر وَيَفْدِيه , فَهُوَ إِمَّا مَجَاز عَنْ الرِّضَا كَأَنَّهُ قَالَ : نَفْسِي مَبْذُولَة لِرِضَاك أَوْ هَذِهِ الْكَلِمَة وَقَعَتْ خِطَابًا لِسَامِعِ الْكَلَام , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَوْجِيه آخَر فِي غَزْوَة خَيْبَر. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : مَعْنَاهُ اِغْفِرْ لَنَا مَا اِرْتَكَبْنَاهُ مِنْ الذُّنُوب , وَفِدَاء لَك دُعَاء أَيْ اِفْدِنَا مِنْ عِقَابك عَلَى مَا اِقْتَرَفْنَا مِنْ ذُنُوبنَا , كَأَنَّهُ قَالَ : اغْفِرْ لَنَا وَافْدِنَا مِنْك فِدَاء لَك , أَيْ مِنْ عِنْدَك فَلَا تُعَاقِبنَا بِهِ. وَحَاصِله أَنَّهُ جَعَلَ اللَّام لِلتَّبْيِينِ مِثْل هَيْت لَك , وَاسْتَدَلَّ بِجَوَازِ الْحُدَاء عَلَى جَوَاز غِنَاء الرُّكْبَان الْمُسَمَّى بِالنَّصْبِ , وَهُوَ ضَرْب مِنْ النَّشِيد بِصَوْتٍ فِيهِ تَمْطِيط , وَأَفْرَطَ قَوْم فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى جَوَاز الْغِنَاء مُطْلَقًا بِالْأَلْحَانِ الَّتِي تَشْتَمِل عَلَيْهَا الْمُوسِيقَى , وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اُخْتُلِفَ فِيهِ , فَأَبَاحَهُ قَوْم مُطْلَقًا , وَمَنَعَهُ قَوْم مُطْلَقًا , وَكَرِهَهُ مَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ , وَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة الْمَنْع , وَكَذَا أَكْثَر الْحَنَابِلَة. وَنَقَلَ اِبْن طَاهِر فِي \" كِتَاب السَّمَاع \" الْجَوَاز عَنْ كَثِير مِنْ الصَّحَابَة , لَكِنْ لَمْ يَثْبُت مِنْ ذَلِكَ شَيْء إِلَّا فِي النَّصْب الْمُشَار إِلَيْهِ أَوَّلًا. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : الْغِنَاء الْمَمْنُوع مَا فِيهِ تَمْطِيط وَإِفْسَاد لِوَزْنِ الشِّعْر طَلَبًا لِلطَّرِبِ وَخُرُوجًا مِنْ مَذَاهِب الْعَرَب. وَإِنَّمَا وَرَدَتْ الرُّخْصَة فِي الضَّرْب الْأَوَّل دُون أَلْحَان الْعَجَم. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : هُوَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ أَهْل الْحِجَاز يُرَخِّصُونَ فِيهِ مِنْ غَيْر نَكِير إِلَّا فِي حَالَتَيْنِ : أَنْ يُكْثِر مِنْهُ جِدًّا وَأَنْ يَصْحَبهُ مَا يَمْنَعهُ مِنْهُ. وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَهُ بِأَنَّ فِيهِ تَرْوِيحًا لِلنَّفْسِ , فَإِنْ فَعَلَهُ لِيَقْوَى عَلَى الطَّاعَة فَهُوَ مُطِيع أَوْ عَلَى الْمَعْصِيَة فَهُوَ عَاصٍ , وَإِلَّا فَهُوَ مِثْل التَّنَزُّه فِي الْبُسْتَان وَالتَّفَرُّج عَلَى الْمَارَّة. وَأَطْنَبَ الْغَزَالِيّ فِي الِاسْتِدْلَال , وَمُحَصَّله أَنَّ الْحُدَاء بِالرَّجَزِ وَالشِّعْر لَمْ يَزَلْ يُفْعَل فِي الْحَضْرَة النَّبَوِيَّة , وَرُبَّمَا اُلْتُمِسَ ذَلِكَ , وَلَيْسَ هُوَ إِلَّا أَشْعَار تُوزَن بِأَصْوَاتٍ طَيِّبَة وَأَلْحَان مَوْزُونَة , وَكَذَلِكَ الْغِنَاء أَشْعَار مَوْزُونَة تُؤَدَّى بِأَصْوَاتٍ مُسْتَلَذَّة وَأَلْحَان مَوْزُونَة. وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ بِوَجْهٍ آخَر فِي غَزْوَة خَيْبَر وَالْحَلِيمِيّ مَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى الدَّوَاء أَوْ شَهِدَ بِهِ طَبِيب عَدْل عَارِف. ‏"
    },
    {
        "id": "5683",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَمَعَهُنَّ ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏وَيْحَكَ يَا ‏ ‏أَنْجَشَةُ ‏ ‏رُوَيْدَكَ سَوْقًا ‏ ‏بِالْقَوَارِيرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو قِلَابَةَ ‏ ‏فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ قَوْلُهُ ‏ ‏سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُلَيَّةَ. ‏ ‏قَوْله : ( أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعْض نِسَائِهِ ) ‏ ‏يَأْتِي فِي \" بَاب الْمَعَارِيض \" فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي سَفَر , وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس \" كَانَ فِي مَنْزِله فَحَدَى الْحَادِي \" وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي \" بَاب الْمَعَارِيض \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق شُعْبَة بِلَفْظِ \" وَكَانَ مَعَهُمْ سَائِق وَحَادٍ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس \" كَانَ أَنْجَشَة يَحْدُو بِالنِّسَاءِ , وَكَانَ الْبَرَاء بْن مَالِك يَحْدُو بِالرِّجَالِ \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ رِوَايَة عَفَّانَ عَنْ حَمَّاد , وَفِي رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْ أَنَس \" كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَادٍ يُقَال لَهُ أَنْجَشَة وَكَانَ حَسَن الصَّوْت \" وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب الْمَعَارِيض \" وَفِي رِوَايَة وُهَيْب \" وَأَنْجَشَة غُلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسُوق بِهِنَّ \" وَفِي رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس , فَاشْتَدَّ بِهِنَّ فِي السِّيَاق \" أَخْرَجَهَا أَحْمَد عَنْ اِبْن عَدِيّ عَنْهُ , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت \" فَإِذَا أَعْنَقَتْ الْإِبِل \" وَهِيَ بِعَيْنٍ مُهْمَلَة وَنُون وَقَاف أَيْ أَسْرَعَتْ وَزْنه وَمَعْنَاهُ , وَالْعَنَق بِفَتْحَتَيْنِ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَعَهُنَّ أُمّ سُلَيْمٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس عِنْدَ الْحَارِث \" وَكَانَ يَحْدُو بِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَنِسَائِهِمْ \" وَفِي رِوَايَة وُهَيْب عَنْ أَيُّوب كَمَا سَيَأْتِي بَعْد عِشْرِينَ بَابًا \" كَانَتْ أُمّ سُلَيْمٍ فِي الثِّقَل \" وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَس عِنْدَ مُسْلِم \" كَانَتْ أُمّ سُلَيْمٍ مَعَ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن زُرَيْعٍ عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق زُهَيْر والرّامَهُرْمُزِيّ فِي \" الْأَمْثَال \" مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن مَسْعَدَةَ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَان فَقَالَ : \" عَنْ أَنَس عَنْ أُمّ سُلَيْمٍ \" جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَد أُمّ سُلَيْمٍ , وَالْأَوَّل هُوَ الْمَحْفُوظ , وَحَكَى عِيَاض أَنَّ فِي رِوَايَة السَّمَرْقَنْدِيّ فِي مُسْلِم \" أُمّ سَلَمَة \" بَدَلَ أُمّ سُلَيْمٍ قَالَ : وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" مَعَ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" يُقَوِّي أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِ. قُلْت : وَتَضَافُر الرِّوَايَات عَلَى أَنَّهَا أُمّ سُلَيْمٍ يَقْضِي بِأَنَّ قَوْله أُمّ سَلَمَة تَصْحِيف. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ وَيْحك يَا أَنْجَشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَمَّاد \" كَانَ فِي سَفَر لَهُ وَكَانَ غُلَام يَحْدُو بِهِنَّ يُقَال لَهُ أَنْجَشَة \" وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب الْمَعَارِيض \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" كَانَ فِي بَعْض أَسْفَاره وَغُلَام أَسْوَد \" وَفِي رِوَايَة لِلنَّسَائِيِّ عَنْ قُتَيْبَة عَنْ حَمَّاد \" وَغُلَام لَهُ يُقَال لَهُ أَنْجَشَة \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْز وَسُكُون النُّون وَفَتْح الْجِيم بَعْدهَا شِين مُعْجَمَة ثُمَّ هَاء تَأْنِيث , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة وُهَيْب \" يَا أَنْجَشُ \" عَلَى التَّرْخِيم , قَالَ الْبَلَاذِرِيّ : كَانَ أَنْجَشَة حَبَشِيًّا يُكَنَّى أَبَا مَارِيَة. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث وَاثِلَة أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ نَفَاهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُخَنَّثِينَ. ‏ ‏قَوْله : ( رُوَيْدك ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ \" رُوَيْدًا \" وَفِي رِوَايَة شُعْبَة \" أَرْفِقْ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ \" رُوَيْدك أَرْفِقْ \" جَمَعَ بَيْنَهمَا رَوَيْنَاهُ فِي \" جُزْء الْأَنْصَارِيّ \" عَنْ حُمَيْدٍ. وَأَخْرَجَهُ الْحَارِث عَنْ عَبْد اللَّه بْن بَكْر عَنْ حُمَيْدٍ فَقَالَ : \" كَذَلِكَ سَوْقك \" وَهِيَ بِمَعْنَى كَفَاك. قَالَ عِيَاض : قَوْله رُوَيْدًا مَنْصُوب عَلَى أَنَّهُ صِفَة لِمَحْذُوفِ دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظ أَيْ سُقْ سَوْقًا رُوَيْدًا , أَوْ اُحْدُ حَدْوًا رُوَيْدًا. أَوْ عَلَى الْمَصْدَر أَيْ أَوْرِدْ رُوَيْدًا مِثْل اُرْفُقْ رِفْقًا. أَوْ عَلَى الْحَال أَيْ سِرْ رُوَيْدًا , أَوْ رُوَيْدك مَنْصُوب عَلَى الْإِغْرَاء , أَوْ مَفْعُول بِفِعْلٍ مُضْمَر أَيْ اِلْزَمْ رِفْقك , أَوْ عَلَى الْمَصْدَر أَيْ أَرْوِدْ رُوَيْدك. وَقَالَ الرَّاغِب : رُوَيْدًا مِنْ أَرْوَدَ يُرْوِد كَأَمْهَلَ يُمْهِل وَزْنه وَمَعْنَاهُ , وَهُوَ مِنْ الرَّوْد بِفَتْحِ الرَّاء وَسُكُون ثَانِيه وَهُوَ التَّرَدُّد فِي طَلَبِ الشَّيْء بِرِفْقٍ رَادَ وَارْتَادَ , وَالرَّائِد طَالِب الْكَلَأ , وَرَادَتْ الْمَرْأَة تَرُود إِذَا مَشَتْ عَلَى هَيِّنَتهَا. وَقَالَ الرّامَهُرْمُزِيّ : رُوَيْدًا تَصْغِير رَوْد وَهُوَ مَصْدَر فِعْل الرَّائِد , وَهُوَ الْمَبْعُوث فِي طَلَبِ الشَّيْء , وَلَمْ يُسْتَعْمَل فِي مَعْنَى الْمُهْمَلَة إِلَّا مُصَغَّرًا , قَالَ وَذَكَرَ صَاحِب \" الْعَيْن \" أَنَّهُ إِذَا أُرِيدَ بِهِ مَعْنَى التَّرْوِيدِ فِي الْوَعِيد لَمْ يُنَوَّن. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : قَوْله رُوَيْدًا أَيْ اُرْفُقْ , جَاءَ بِلَفْظِ التَّصْغِير لِأَنَّ الْمُرَاد التَّقْلِيل أَيْ اُرْفُقْ قَلِيلًا , وَقَدْ يَكُون مِنْ تَصْغِير الْمُرَخَّم وَهُوَ أَنْ يُصَغَّر الِاسْم بَعْد حَرْف الزَّوَائِد كَمَا قَالُوا فِي أَسْوَد سُوَيْدٌ فَكَذَا فِي أَرْوَدَ رُوَيْد. ‏ ‏قَوْله : ( سَوْقك ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَة حُمَيْدٍ \" سَيْرك \" وَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْع الْخَافِض أَيْ اُرْفُقْ فِي سَوْقك , أَوْ سُقْهُنَّ كَسَوْقِك. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : رُوَيْدًا أَيْ اُرْفُقْ , وَسَوْقك مَفْعُول بِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" سَوْقًا \" وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَة شُعْبَة , وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى الْإِغْرَاء بِقَوْلِهِ اُرْفُقْ سَوْقًا , أَوْ عَلَى الْمَصْدَر أَيْ سُقْ سَوْقًا. وَقَرَأْت بِخَطِّ اِبْن الصَّائِغ الْمُتَأَخِّر : رُوَيْدك إِمَّا مَصْدَر وَالْكَاف فِي مَحَلّ خَفْض , وَإِمَّا اِسْم فِعْل وَالْكَاف حَرْف خِطَاب , وَسَوْقك بِالنَّصْبِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَالْمُرَاد بِهِ حَدْوك إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْمُسَبِّب عَلَى السَّبَب. وَقَالَ اِبْن مَالِك : رُوَيْدك اِسْم فِعْل بِمَعْنَى أَرْوِدْ أَيْ أَمْهِلْ , وَالْكَاف الْمُتَّصِلَة بِهِ حَرْف خِطَاب , وَفَتْحَة دَاله بِنَائِيَّة. وَلَك أَنْ تَجْعَل رُوَيْدك مَصْدَرًا مُضَافًا إِلَى الْكَاف نَاصِبهَا سَوْقك وَفَتْحَة دَالِهِ عَلَى هَذَا إِعْرَابِيَّة. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء : الْوَجْه النَّصْب بِرُوَيْدًا وَالتَّقْدِير أَمْهِلْ سَوْقك , وَالْكَاف حَرْف خِطَاب وَلَيْسَتْ اِسْمًا , وَرُوَيْدًا يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُول وَاحِد. ‏ ‏قَوْله : ( بِالْقَوَارِيرِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِشَام عَنْ قَتَادَةَ \" رُوَيْدك سَوْقك وَلَا تَكْسِر الْقَوَارِير \" وَزَادَ حَمَّاد فِي رِوَايَته عَنْ أَيُّوب قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : يَعْنِي النِّسَاء , فَفِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ \" وَلَا تَكْسِر الْقَوَارِير \" قَالَ قَتَادَةُ : يَعْنِي ضَعَفَة النِّسَاء وَالْقَوَارِير جَمْع قَارُورَة وَهِيَ الزُّجَاجَة سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِقْرَارِ الشَّرَاب فِيهَا. وَقَالَ الرّامَهُرْمُزِيّ : كَنَّى عَنْ النِّسَاء بِالْقَوَارِيرِ لِرِقَّتِهِنَّ وَضَعْفهنَّ عَنْ الْحَرَكَة , وَالنِّسَاء يُشَبَّهْنَ بِالْقَوَارِيرِ فِي الرِّقَّة وَاللَّطَافَة وَضَعْف الْبِنْيَة , وَقِيلَ : الْمَعْنَى سُقْهُنَّ كَسَوْقِك الْقَوَارِير لَوْ كَانَتْ مَحْمُولَة عَلَى الْإِبِل , وَقَالَ غَيْره : شَبَّهَهُنَّ بِالْقَوَارِيرِ لِسُرْعَةِ اِنْقِلَابهنَّ عَنْ الرِّضَا , وَقِلَّة دَوَامهنَّ عَلَى الْوَفَاء , كَالْقَوَارِيرِ يُسْرِع إِلَيْهَا الْكَسْر وَلَا تَقْبَل الْجَبْر , وَقَدْ اِسْتَعْمَلَتْ الشُّعَرَاء ذَلِكَ , قَالَ بَشَّار : ‏ ‏اُرْفُقْ بِعَمْرٍو إِذَا حَرَّكْت نِسْبَته ‏ ‏فَإِنَّهُ عَرَبِيّ مِنْ قَوَارِير ‏ ‏قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : فَتَكَلَّمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ : \" سَوْقك بِالْقَوَارِيرِ \" قَالَ الدَّاوُدِيُّ : هَذَا قَالَهُ أَبُو قِلَابَةَ لِأَهْلِ الْعِرَاق لِمَا كَانَ عِنْدَهمْ مِنْ التَّكَلُّف وَمُعَارَضَة الْحَقّ بِالْبَاطِلِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَعَلَّهُ نَظَرَ إِلَى أَنَّ شَرْط الِاسْتِعَارَة أَنْ يَكُون وَجْه الشَّبَه جَلِيًّا , وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَارُورَة وَالْمَرْأَة وَجْه لِلتَّشْبِيهِ مِنْ حَيْثُ ذَاتهمَا ظَاهِر , لَكِنْ الْحَقّ أَنَّهُ كَلَام فِي غَايَة الْحُسْن وَالسَّلَامَة عَنْ الْعَيْب ; وَلَا يَلْزَم فِي الِاسْتِعَارَة أَنْ يَكُون جَلَاء وَجْه الشَّبَه مِنْ حَيْثُ ذَاتهمَا , بَلْ يَكْفِي الْجَلَاء الْحَاصِل مِنْ الْقَرَائِن الْحَاصِلَة , وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ. قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَصَدَ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ هَذِهِ الِاسْتِعَارَة مِنْ مِثْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَلَاغَة , وَلَوْ صَدَرَتْ مِنْ غَيْره مِمَّنْ لَا بَلَاغَة لَهُ لَعِبْتُمُوهَا. قَالَ وَهَذَا هُوَ اللَّائِق بِمَنْصِبِ أَبِي قِلَابَةَ. قُلْت : وَلَيْسَ مَا قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ بَعِيدًا وَلَكِنَّ الْمُرَاد مَنْ كَانَ يَتَنَطَّع فِي الْعِبَارَة وَيَتَجَنَّب الْأَلْفَاظ الَّتِي تَشْتَمِل عَلَى شَيْء مِنْ الْهَزْل. وَقَرِيب مِنْ ذَلِكَ قَوْل شَدَّاد بْن أَوْس الصَّحَابِيّ لِغُلَامِهِ : اِئْتِنَا بِسُفْرَةٍ نَعْبَث بِهَا , فَأَنْكَرْت عَلَيْهِ , أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانَ أَنْجَشَة أَسْوَد وَكَانَ فِي سَوْقه عُنْف , فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْفُق بِالْمَطَايَا. وَقِيلَ : كَانَ حَسَن الصَّوْت بِالْحُدَاءِ فَكَرِهَ أَنْ تَسْمَع النِّسَاء الْحُدَاء فَإِنَّ حُسْن الصَّوْت يُحَرِّك مِنْ النُّفُوس , فَشَبَّهَ ضَعْف عَزَائِمهنَّ وَسُرْعَة تَأْثِير الصَّوْت فِيهِنَّ بِالْقَوَارِيرِ فِي سُرْعَة الْكَسْر إِلَيْهَا. وَجَزَمَ اِبْن بَطَّال بِالْأَوَّلِ فَقَالَ : الْقَوَارِير كِنَايَة عَنْ النِّسَاء اللَّاتِي كُنَّ عَلَى الْإِبِل الَّتِي تُسَاق حِينَئِذٍ , فَأَمَرَ الْحَادِي بِالرِّفْقِ فِي الْحُدَاء لِأَنَّهُ يَحُثُّ الْإِبِل حَتَّى تُسْرِع فَإِذَا أَسْرَعَتْ لَمْ يُؤْمَن عَلَى النِّسَاء السُّقُوط , وَإِذَا مَشَتْ رُوَيْدًا أُمِنَ عَلَى النِّسَاء السُّقُوط , قَالَ : وَهَذَا مِنْ الِاسْتِعَارَة الْبَدِيعَة ; لِأَنَّ الْقَوَارِير أَسْرَع شَيْء تَكْسِيرًا , فَأَفَادَتْ الْكِنَايَة مِنْ الْحَضّ عَلَى الرِّفْق بِالنِّسَاءِ فِي السَّيْر مَا لَمْ تُفِدْهُ الْحَقِيقَة لَوْ قَالَ اُرْفُقْ بِالنِّسَاءِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : هِيَ اِسْتِعَارَة لِأَنَّ الْمُشَبَّه بِهِ غَيْر مَذْكُور , وَالْقَرِينَة حَالِيَّة لَا مَقَالِيَّة , وَلَفْظ الْكَسْر تَرْشِيح لَهَا. وَجَزَمَ أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيُّ بِالثَّانِي وَقَالَ : شَبَّهَ النِّسَاء بِالْقَوَارِيرِ لِضَعْفِ عَزَائِمهنَّ , وَالْقَوَارِير يُسْرِع إِلَيْهَا الْكَسْر , فَخَشِيَ مِنْ سَمَاعهنَّ النَّشِيد الَّذِي يَحْدُو بِهِ أَنْ يَقَع بِقُلُوبِهِنَّ مِنْهُ , فَأَمَرَهُ بِالْكَفِّ , فَشَبَّهَ عَزَائِمهنَّ بِسُرْعَةِ تَأْثِير الصَّوْت فِيهِنَّ بِالْقَوَارِيرِ فِي إِسْرَاع الْكَسْر إِلَيْهَا. وَرَجَّحَ عِيَاض هَذَا الثَّانِي فَقَالَ هَذَا أَشْبَه بِمَسَاقِ الْكَلَام , وَهُوَ الَّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ كَلَام أَبِي قِلَابَةَ , وَإِلَّا فَلَوْ عَبَّرَ عَنْ السُّقُوط بِالْكَسْرِ لَمْ يَعِبْهُ أَحَد. وَجَوَّزَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ : شَبَّهَهُنَّ بِالْقَوَارِيرِ لِسُرْعَةِ تَأَثُّرهنَّ وَعَدَم تَجَلُّدهنَّ , فَخَافَ عَلَيْهِنَّ مِنْ حَثِّ السَّيْر بِسُرْعَةِ السُّقُوط أَوْ التَّأَلُّم مِنْ كَثْرَة الْحَرَكَة وَالِاضْطِرَاب النَّاشِئ عَنْ السُّرْعَة , أَوْ خَافَ عَلَيْهِنَّ الْفِتْنَة مِنْ سَمَاع النَّشِيد. قُلْت : وَالرَّاجِح عِنْدَ الْبُخَارِيّ الثَّانِي , وَلِذَلِكَ أَدْخَلَ هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب الْمَعَارِيض \" , وَلَوْ أُرِيدَ الْمَعْنَى الْأَوَّل لَمْ يَكُنْ فِي الْقَوَارِير تَعْرِيض. ‏"
    },
    {
        "id": "5684",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ ‏ ‏حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَيْفَ بِنَسَبِي فَقَالَ ‏ ‏حَسَّانُ ‏ ‏لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنْ الْعَجِينِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذَهَبْتُ أَسُبُّ ‏ ‏حَسَّانَ ‏ ‏عِنْدَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَقَالَتْ لَا تَسُبُّهُ فَإِنَّهُ كَانَ ‏ ‏يُنَافِحُ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَامٍ نَسَبه أَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن وَصَرَّحَ بِهِ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَعَبْدَة هُوَ اِبْن سُلَيْمَان , وَتَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث عَائِشَة هَذَا فِي مَنَاقِب قُرَيْش. وَقَوْله اِسْتَأْذَنَ حَسَّان , وَوَقَعَ فِي طَرِيق مُرْسَلَة بَيَان ذَلِكَ وَسَبَبه : فَرَوَى اِبْن وَهْب فِي جَامِعه وَعَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفه مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ \" هَجَا رَهْط مِنْ الْمُشْرِكِينَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ : يَا رَسُول اللَّه أَلَا تَأْمُر عَلِيًّا فَيَهْجُو هَؤُلَاءِ الْقَوْم ؟ فَقَالَ : إِنَّ الْقَوْم الَّذِينَ نَصَرُوا بِأَيْدِيهِمْ أَحَقُّ أَنْ يَنْصُرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ. فَقَالَتْ الْأَنْصَار : أَرَادَنَا وَاَللَّه. فَأَرْسَلُوا إِلَى حَسَّان , فَأَقْبَلَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أُحِبّ أَنَّ لِي بِمَقُولِي مَا بَيْنَ صَنْعَاء وَبَصْرَى , فَقَالَ : أَنْتَ لَهَا , فَقَالَ لَا عِلْم لِي بِقُرَيْشٍ , فَقَالَ لِأَبِي بَكْر أَخْبِرْهُ عَنْهُمْ وَنَقِّبْ لَهُ فِي مَثَالِبهمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض هَذَا مَوْصُولًا مِنْ حَدِيث عَائِشَة وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِم , ‏ ‏وَقَوْله \" لَأَسُلَّنَّك \" ‏ ‏أَيْ لَأُخَلِّص نَسَبك مِنْ هُجُومهمْ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى شَيْء مِنْ نَسَبك فَيَنَالهُ الْهَجْو , كَالشَّعَرَةِ إِذَا اِنْسَلَّتْ لَا يَبْقَى عَلَيْهَا شَيْء مِنْ الْعَجِين. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز سَبِّ الْمُشْرِك جَوَابًا عَنْ سَبِّهِ لِلْمُسْلِمِينَ , وَلَا يُعَارِض ذَلِكَ مُطْلَق النَّهْي عَنْ سَبِّ الْمُشْرِكِينَ لِئَلَّا يَسُبُّوا الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْبُدَاءَة بِهِ , لَا عَلَى مَنْ أَجَابَ مُنْتَصِرًا. وَقَوْله فِي الْحَدِيث الثَّانِي ‏ ‏\" يُنَافِح \" ‏ ‏بِفَاءٍ وَمُهْمَلَة أَيْ يُخَاصِم بِالْمُدَافَعَةِ , وَالْمُنَافِح الْمُدَافِع , تَقُول نَافَحْت عَنْ فُلَان أَيْ دَافَعْت عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5685",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْهَيْثَمَ بْنَ أَبِي سِنَانٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏فِي قَصَصِهِ يَذْكُرُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ ‏ ‏الرَّفَثَ ‏ ‏يَعْنِي بِذَاكَ ‏ ‏ابْنَ رَوَاحَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ ‏ ‏إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنْ الْفَجْرِ سَاطِعُ ‏ ‏أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا ‏ ‏بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ ‏ ‏يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ‏ ‏إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ الْمَضَاجِعُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏وَالْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي شِعْر عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي قِيَام اللَّيْل فِي أَوَاخِر كِتَاب الصَّلَاة , وَكَذَا بَيَان مُتَابَعَة عَقِيل وَمَنْ وَصَلَهَا وَرِوَايَة الزُّبَيْدِيّ وَمَنْ وَصَلَهَا. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ أَنَّ الشَّعْر إِذَا اِشْتَمَلَ عَلَى ذِكْر اللَّه وَالْأَعْمَال الصَّالِحَة كَانَ حَسَنًا وَلَمْ يَدْخُل فِيمَا وَرَدَ فِيهِ الذَّمّ مِنْ الشِّعْر , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فِي الْبَيْت الْأَوَّل إِشَارَة إِلَى عِلْمه , وَفِي الثَّالِث إِلَى عَمَله , وَفِي الثَّانِي إِلَى تَكْمِيله غَيْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ كَامِل مُكَمِّل. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ لِلْجَمِيعِ فِي الْبَيْت الثَّالِث \" إِذَا اِسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ الْمَضَاجِع \" إِلَّا الْكُشْمِيهَنِيّ فَقَالَ \" بِالْمُشْرِكِينَ \" وَاسْتَثْقَلَتْ بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْقَاف مِنْ الثِّقَل. وَزَعَمَ عِيَاض أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" اِسْتَقَلَّتْ \" بِمُثَنَّاةِ فَقَطْ وَتَشْدِيد اللَّام قَالَ : وَهُوَ فَاسِد الرِّوَايَة وَالنَّظْم وَالْمَعْنَى. قُلْت : وَرِوَايَتنَا مِنْ طَرِيق أَبِي ذَرّ مُتْقَنَة وَهِيَ كَالْجَادَّةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5686",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏يَسْتَشْهِدُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَيَقُولُ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَا ‏ ‏حَسَّانُ ‏ ‏أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ ‏ ‏بِرُوحِ الْقُدُسِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏نَعَمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , ‏ ‏وَأَخُوهُ ‏ ‏أَبُو بَكْر وَاسْمه عَبْد الْحَمِيد , ‏ ‏وَسُلَيْمَان ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال , ‏ ‏وَمُحَمَّد بْن أَبِي عَتِيق ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَأَبُو عَتِيق كُنْيَة جَدّه مُحَمَّد. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَة شُعَيْب مُفْرَدَة فِي \" بَاب الشِّعْر فِي الْمَسْجِد \" فِي أَوَائِل الصَّلَاة وَقَرَنَهَا هُنَا بِرِوَايَةِ اِبْن أَبِي عَتِيق وَلَفْظهمَا وَاحِد , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ هُنَاكَ \" أَنْشُدك اللَّه هَلْ سَمِعْت \" وَقَالَ هُنَا \" نَشَدْتُك اللَّه \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" نَشَدْتُك بِاَللَّهِ يَا أَبَا هُرَيْرَة \" وَالْبَاقِي سَوَاء. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف عَلَى الزُّهْرِيّ فِي شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث هُنَاكَ , وَتَوْجِيه الْجَمْع , وَالْإِشَارَة إِلَى شَرْح الْحَدِيث , وَقَوْله \" هَلْ سَمِعْت \" وَقَالَ فِي آخِره \" نَعَمْ \" يُسْتَفَاد مِنْهُ مَشْرُوعِيَّة تَحَمُّل الْحَدِيث بِهَذِهِ الصِّيغَة , وَعَدَّ الْمِزِّيُّ هَذَا الْحَدِيث فِي \" الْأَطْرَاف \" مِنْ مُسْنَد حَسَّان وَهُوَ صَرِيح فِي كَوْنه مِنْ مُسْنَد أَبِي هُرَيْرَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ مُسْنَد حَسَّان. ‏"
    },
    {
        "id": "5687",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِحَسَّانَ ‏ ‏اهْجُهُمْ ‏ ‏أَوْ قَالَ ‏ ‏هَاجِهِمْ ‏ ‏وَجِبْرِيلُ ‏ ‏مَعَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ الْبَرَاء أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِحَسَّانَ ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَر أَصْحَاب شُعْبَة فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ الْبَرَاء عَنْ حَسَّان \" جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَد حَسَّان أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَقَدْ أَوْرَدْت هَذَا فِي الْمَلَائِكَة مِنْ بَدْء الْخَلْق مَعْزُوًّا إِلَى التِّرْمِذِيّ , وَهُوَ سَهْو كَأَنَّ سَبَبه اِلْتِبَاس الرَّقْم , فَإِنَّهُ لِلتِّرْمِذِيِّ ت وَلِلنَّسَائِيِّ ن وَهُمَا يَلْتَبِسَانِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْوَقْت الَّذِي وَقَعَ ذَلِكَ فِيهِ لِحَسَّانَ فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة بَنِي قُرَيْظَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5688",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَنْظَلَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث \" لَأَنْ يَمْتَلِئ جَوْف أَحَدكُمْ قَيْحًا خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ شِعْرًا \" مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر وَمِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. زَادَ أَبُو ذَرّ فِي رِوَايَته عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" حَتَّى يَرِيَهُ \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة ثَابِتَة فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" عَنْ الشَّيْخ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَنْهُ هُنَا , وَكَذَلِكَ رِوَايَة النَّسَفِيّ , وَنَسَبَهَا بَعْضهمْ لِلْأَصِيلِيِّ , وَلِسَائِرِ رُوَاة الصَّحِيح \" قَيْحًا يَرِيهِ \" بِإِسْقَاطِ حَتَّى , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ وَأَبُو عَوَانَة وَابْن حِبَّان مِنْ طُرُق عَنْ الْأَعْمَش فِي أَكْثَرهَا \" حَتَّى يَرِيَهُ \" وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" حَتَّى يَرِيَهُ \" أَيْضًا. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : وَقَعَ فِي حَدِيث سَعْد عِنْدَ مُسْلِم \" حَتَّى يَرِيَهُ \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ الْبُخَارِيّ بِإِسْقَاطِ \" حَتَّى \" فَعَلَى ثُبُوتهَا يُقْرَأ \" يَرِيهِ \" بِالنَّصْبِ وَعَلَى حَذْفهَا بِالرَّفْعِ , قَالَ : وَرَأَيْت جَمَاعَة مِنْ الْمُبْتَدِئِينَ يَقْرَءُونَهَا بِالنَّصْبِ مَعَ إِسْقَاط حَتَّى جَرْيًا عَلَى الْمَأْلُوف , وَهُوَ غَلَط إِذْ لَيْسَ هُنَا مَا يَنْصِب. وَذُكِرَ أَنَّ اِبْن الْخَشَّاب نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ. وَوَجَّهَ بَعْضهمْ النَّصْب عَلَى بَدَلِ الْفِعْل مِنْ الْفِعْل وَإِجْرَاء إِعْرَاب يَمْتَلِئ عَلَى يَرِيَهُ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَوْف بْن مَالِك عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ \" لِأَنْ يَمْتَلِئ جَوْف أَحَدكُمْ مِنْ عَانَته إِلَى لَهَاته قَيْحًا يَتَخَضْخَض خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ شِعْرًا \" وَسَنَده حَسَن. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْدَ مُسْلِم لِهَذَا الْحَدِيث سَبَب وَلَفْظه \" بَيْنَمَا نَحْنُ نَسِير مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَرَجِ إِذْ عَرَضَ لَنَا شَاعِر يُنْشِد فَقَالَ : أَمْسِكُوا الشَّيْطَان ; لِأَنْ يَمْتَلِئ \" فَذَكَرَهُ. وَيَرِيَهُ بِفَتْحِ الْيَاء آخِر الْحُرُوف بَعْدهَا رَاء ثُمَّ يَاء أُخْرَى , قَالَ الْأَصْمَعِيّ : هُوَ مِنْ الْوَرْي بِوَزْنِ الرَّمْي يُقَال مِنْهُ رَجُل مَوْرِي غَيْر مَهْمُوز وَهُوَ أَنْ يُورِي جَوْفه وَأَنْشَدَ : ‏ ‏قَالَتْ لَهُ وَرْيًا إِذَا تَنَحْنَحَا ‏ ‏تَدْعُو عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : الْوَرْي هُوَ أَنْ يَأْكُل الْقَيْح جَوْفه. وَحَكَى اِبْن التِّين فِيهِ الْفَتْح بِوَزْنِ الْفَرْي وَهُوَ قَوْل الْفَرَّاء , وَقَالَ ثَعْلَب : هُوَ بِالسُّكُونِ الْمَصْدَر , وَبِالْفَتْحِ الِاسْم. وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْله \" حَتَّى يَرِيَهُ \" أَيْ يُصِيب رِئَته , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الرِّئَة مَهْمُوزَة فَإِذَا بَنَيْتَ مِنْهُ فِعْلًا قُلْت رَأَه يَرْأَهُ فَهُوَ مَرْئِيّ اِنْتَهَى , وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن أَصْلهَا مَهْمُوزًا أَنْ لَا تُسْتَعْمَل مُسَهَّلَة , وَيُقَرِّب ذَلِكَ أَنَّ الرِّئَة إِذَا اِمْتَلَأَتْ قَيْحًا يَحْصُل الْهَلَاك , وَأَمَّا قَوْله \" جَوْف أَحَدكُمْ \" فَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة يَحْتَمِل ظَاهِره أَنْ يَكُون الْمُرَاد جَوْفه كُلّه وَمَا فِيهِ مِنْ الْقَلْب وَغَيْره , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِهِ الْقَلْب خَاصَّة وَهُوَ الْأَظْهَر لِأَنَّ أَهْل الطِّبّ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْقَيْح إِذَا وَصَلَ إِلَى الْقَلْب شَيْء مِنْهُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَإِنَّ صَاحِبه يَمُوت لَا مَحَالَة , بِخِلَافِ غَيْر الْقَلْب مِمَّا فِي الْجَوْف مِنْ الْكَبِد وَالرِّئَة. قُلْت : وَيُقَوِّي الِاحْتِمَال الْأَوَّل رِوَايَة عَوْف بْن مَالِك \" لَأَنْ يَمْتَلِئ جَوْف أَحَدكُمْ مِنْ عَانَته إِلَى لَهَاته \" وَتَظْهَر مُنَاسَبَته لِلثَّانِي لِأَنَّ مُقَابِله - وَهُوَ الشِّعْر - مَحَلّه الْقَلْب لِأَنَّهُ يَنْشَأ عَنْ الْفِكْر , وَأَشَارَ اِبْن أَبِي جَمْرَة إِلَى عَدَم الْفَرْق فِي اِمْتِلَاء الْجَوْف مِنْ الشِّعْر بَيْنَ مَنْ يُنْشِئهُ أَوْ يَتَعَانَى حِفْظه مِنْ شِعْر غَيْره وَهُوَ ظَاهِر , وَقَوْله \" قَيْحًا \" بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُهْمَلَة الْمُدَّة لَا يُخَالِطهَا دَم , وَقَوْله \" شِعْرًا \" ظَاهِره الْعُمُوم فِي كُلّ شِعْر , لَكِنَّهُ مَخْصُوص بِمَا لَمْ يَكُنْ مَدْحًا حَقًّا كَمَدْحِ اللَّه وَرَسُوله وَمَا اِشْتَمَلَ عَلَى الذِّكْر وَالزُّهْد وَسَائِر الْمَوَاعِظ مِمَّا لَا إِفْرَاط فِيهِ , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث عَمْرو بْن الشَّرِيد عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِم كَمَا أَشَرْت إِلَيْهِ قَرِيبًا , قَالَ اِبْن بَطَّال : ذَكَرَ بَعْضهمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْله \" خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ شِعْرًا \" يَعْنِي الشِّعْر الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : وَاَلَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا الْحَدِيث غَيْر هَذَا الْقَوْل ; لِأَنَّ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ شَطْر بَيْت لَكَانَ كُفْرًا , فَكَأَنَّهُ إِذَا حَمَلَ وَجْه الْحَدِيث عَلَى اِمْتِلَاء الْقَلْب مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ رَخَّصَ فِي الْقَلِيل مِنْهُ , وَلَكِنْ وَجْهه عِنْدِي أَنْ يَمْتَلِئ قَلْبه مِنْ الشِّعْر حَتَّى يَغْلِب عَلَيْهِ فَيَشْغَلهُ عَنْ الْقُرْآن وَعَنْ ذِكْر اللَّه فَيَكُون الْغَالِب عَلَيْهِ , فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقُرْآن وَالْعِلْم الْغَالِبَيْنِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ جَوْفه مُمْتَلِئًا مِنْ الشِّعْر. قُلْت : وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْد التَّأْوِيل الْمَذْكُور مِنْ رِوَايَة مُجَالِد عَنْ الشَّعْبِيّ مُرْسَلًا فَذَكَرَ الْحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره : يَعْنِي مِنْ الشِّعْر الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ وَقَعَ لَنَا ذَلِكَ مَوْصُولًا مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ , فَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث جَابِر فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور \" قَيْحًا أَوْ دَمًا خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ شِعْرًا هُجِيت بِهِ \" وَفِي سَنَده رَاوٍ لَا يُعْرَف , وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَابْن عَدِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْن الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْل حَدِيث الْبَاب قَالَ \" فَقَالَتْ عَائِشَة لَمْ يَحْفَظ إِنَّمَا قَالَ : مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ شِعْرًا هُجِيت بِهِ \" , وَابْن الْكَلْبِيّ وَاهِي الْحَدِيث , وَأَبُو صَالِح شَيْخه مَا هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ السَّمَّان الْمُتَّفَق عَلَى تَخْرِيج حَدِيثه فِي الصَّحِيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , بَلْ هَذَا آخَر ضَعِيف يُقَال لَهُ بَاذَان , فَلَمْ تَثْبُت هَذِهِ الزِّيَادَة. وَيُؤَيِّد تَأْوِيل أَبِي عُبَيْد مَا أَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي \" مُعْجَم الصَّحَابَة \" وَالْحَسَن بْن سُفْيَان فِي مُسْنَده وَالطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث مَالِك بْن عُمَيْر السُّلَمِيِّ أَنَّهُ شَهِدَ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَتْح وَغَيْرهَا وَكَانَ شَاعِرًا فَقَالَ \" يَا رَسُول اللَّه أَفْتِنِي فِي الشِّعْر \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَزَادَ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه اِمْسَحْ عَلَى رَأْسِي , قَالَ فَوَضَعَ يَده عَلَى رَأْسِي فَمَا قُلْت بَيْت شَعْر بَعْد \" وَفِي رِوَايَة الْحَسَن بْن سُفْيَان بَعْد قَوْله \" عَلَى رَأْسِي \" \" ثُمَّ أَمَرَّهَا عَلَى كَبِدِي وَبَطْنِي \" وَزَادَ الْبَغَوِيُّ فِي رِوَايَته : \" فَإِنْ رَابَك مِنْهُ شَيْء فَاشْبِبْ بِامْرَأَتِك وَامْدَحْ رَاحِلَتك \" فَلَوْ كَانَ الْمُرَاد الِامْتِلَاء مِنْ الشَّعْر لَمَا أَذِنَ لَهُ فِي شَيْء مِنْهُ. بَلْ دَلَّتْ الزِّيَادَة الْأَخِيرَة عَلَى الْإِذْن فِي الْمُبَاح مِنْهُ. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي غَزْوَة وَدَانَ عَنْ جَامِع اِبْن وَهْب أَنَّهُ رُوِيَ فِيهِ أَنَّ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا تَأَوَّلَتْ هَذَا الْحَدِيث عَلَى مَا هُجِيَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنْكَرَتْ عَلَى مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْعُمُوم فِي جَمِيع الشِّعْر , قَالَ السُّهَيْلِيُّ : فَإِنْ قُلْنَا بِذَلِكَ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيث إِلَّا عَيْب اِمْتِلَاء الْجَوْف مِنْهُ , فَلَا يَدْخُل فِي النَّهْي رِوَايَة الْيَسِير عَلَى سَبِيل الْحِكَايَة , وَلَا الِاسْتِشْهَاد بِهِ فِي اللُّغَة. ثُمَّ ذَكَرَ اِسْتِشْكَال أَبِي عُبَيْد وَقَالَ : عَائِشَة أَعْلَم مِنْهُ , فَإِنَّ الَّذِي يَرْوِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْحِكَايَة لَا يَكْفُر , وَلَا فَرْقَ بَيْنَه وَبَيْنَ الْكَلَام الَّذِي ذَمُّوا بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهَذَا هُوَ الْجَوَاب عَنْ صَنِيع اِبْن إِسْحَاق فِي إِيرَاده بَعْض أَشْعَار الْكَفَرَة فِي هَجْو الْمُسْلِمِينَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتَدَلَّ بِتَأْوِيلِ أَبِي عُبَيْد عَلَى أَنَّ مَفْهُوم الصِّفَة ثَابِت بِاللُّغَةِ ; لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّ غَيْر الْكَثِير مِنْ الشِّعْر لَيْسَ كَالْكَثِيرِ فَخُصَّ الذَّمّ بِالْكَثِيرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الِامْتِلَاء دُون الْقَلِيل مِنْهُ فَلَا يَدْخُل فِي الذَّمّ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّ أَبَا عُبَيْد بَنَى هَذَا التَّأْوِيل عَلَى اِجْتِهَاده فَلَا يَكُون نَاقِلًا لِلُّغَةِ , فَجَوَابه أَنَّهُ إِنَّمَا فَسَّرَ حَدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِتَابه عَلَى مَا تَلَقَّفَهُ مِنْ لِسَان الْعَرَب لَا عَلَى مَا يَعْرِض فِي خَاطِره لِمَا عُرِفَ مِنْ تَحَرُّزه فِي تَفْسِير الْحَدِيث النَّبَوِيّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى كَرَاهَة الشِّعْر مُطْلَقًا وَإِنْ قَلَّ وَإِنْ سَلِمَ مِنْ الْفُحْش. وَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" خُذُوا الشَّيْطَان \". وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون كَافِرًا , أَوْ كَانَ الشِّعْر هُوَ الْغَالِب عَلَيْهِ , أَوْ كَانَ شِعْره الَّذِي يَنْشُدهُ إِذْ ذَاكَ مِنْ الْمَذْمُوم. وَبِالْجُمْلَةِ فَهِيَ وَاقِعَة عَيْن يَتَطَرَّق إِلَيْهَا الِاحْتِمَال وَلَا عُمُوم لَهَا فَلَا حُجَّة فِيهَا , وَأَلْحَقَ اِبْن أَبِي جَمْرَة بِامْتِلَاءِ الْجَوْف بِالشِّعْرِ الْمَذْمُوم حَتَّى يَشْغَلهُ عَمَّا عَدَاهُ مِنْ الْوَاجِبَات وَالْمُسْتَحَبَّات الِامْتِلَاء مِنْ السَّجْع مَثَلًا وَمِنْ كُلّ عِلْم مَذْمُوم كَالسِّحْرِ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْعُلُوم الَّتِي تُقَسِّي الْقَلْب وَتَشْغَلهُ عَنْ اللَّه تَعَالَى وَتُحْدِث الشُّكُوك فِي الِاعْتِقَاد وَتُفْضِي بِهِ إِلَى التَّبَاغُض وَالتَّنَافُس. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏مُنَاسَبَة هَذِهِ الْمُبَالَغَة فِي ذَمّ الشِّعْر أَنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ كَانُوا فِي غَايَة الْإِقْبَال عَلَيْهِ وَالِاشْتِغَال بِهِ , فَزَجَرَهُمْ عَنْهُ لِيَقْبَلُوا عَلَى الْقُرْآن وَعَلَى ذِكْر اللَّه تَعَالَى وَعِبَادَته , فَمَنْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ مَا أُمِرَ بِهِ لَمْ يَضُرّهُ مَا بَقِيَ عِنْدَه مِمَّا سِوَى ذَلِكَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5689",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5690",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَ مَا نَزَلَ الْحِجَابُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَإِنَّ ‏ ‏أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ ‏ ‏لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ ‏ ‏أَبِي الْقُعَيْسِ ‏ ‏فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ قَالَ ‏ ‏ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏فَبِذَلِكَ كَانَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏حَرِّمُوا مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثهَا فِي قِصَّة أَبِي الْقُعَيْسِ فِي الرَّضَاعَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب النِّكَاح فِي \" بَاب الْأَكْفَاء فِي الدِّين \" فِي شَرْح حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" تُنْكَح الْمَرْأَة لِأَرْبَعٍ \" الْحَدِيث. قَالَ اِبْن السِّكِّيت : أَصْل تَرِبَتْ اِفْتَقَرَتْ , وَلَكِنَّهَا كَلِمَة تُقَال وَلَا يُرَاد بِهَا الدُّعَاء وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّحْرِيض عَلَى الْفِعْل الْمَذْكُور , وَأَنَّهُ إِنْ خَالَفَ أَسَاءَ. وَقَالَ النَّحَّاس مَعْنَاهُ إِنْ لَمْ تَفْعَل لَمْ يَحْصُل فِي يَدَيْك إِلَّا التُّرَاب. وَقَالَ اِبْن كَيْسَانَ : هُوَ مَثَلٌ جَرَى عَلَى أَنَّهُ إِنْ فَاتَك مَا أَمَرْتُك بِهِ اِفْتَقَرْت إِلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ اِفْتَقَرْت إِنْ فَاتَك فَاخْتَصَرَ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ اِفْتَقَرْت مِنْ الْعِلْم. وَقِيلَ هِيَ كَلِمَة تُسْتَعْمَل فِي الْمَدْح عِنْدَ الْمُبَالَغَة كَمَا قَالُوا لِلشَّاعِرِ قَاتَلَهُ اللَّه لَقَدْ أَجَادَ , وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5691",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَرَادَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَنْفِرَ فَرَأَى ‏ ‏صَفِيَّةَ ‏ ‏عَلَى بَابِ ‏ ‏خِبَائِهَا ‏ ‏كَئِيبَةً حَزِينَةً لِأَنَّهَا حَاضَتْ فَقَالَ ‏ ‏عَقْرَى ‏ ‏حَلْقَى لُغَةٌ ‏ ‏لِقُرَيْشٍ ‏ ‏إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا ثُمَّ قَالَ أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ ‏ ‏يَعْنِي الطَّوَافَ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَانْفِرِي إِذًا ‏",
        "sharh": "حَدِيثهَا فِي قِصَّة صَفِيَّة لَمَّا حَاضَتْ فِي الْحَجّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْحَجّ فِي \" بَاب إِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَة بَعْدَمَا أَفَاضَتْ \" وَضَبَطَهُ أَبُو عُبَيْد فِي \" غَرِيب الْحَدِيث \" بِالْقَصْرِ وَبِالتَّنْوِينِ , وَذَكَرَ فِي \" الْأَمْثَال \" أَنَّهُ فِي كَلَام الْعَرَب بِالْمَدِّ وَفِي كَلَام الْمُحَدِّثِينَ بِالْقَصْرِ , وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْقَالِيّ : هُوَ بِالْمَدِّ وَبِالْقَصْرِ مَعًا , قَالُوا : وَالْمَعْنَى عَقَرَهَا اللَّه وَحَلَقَهَا , وَفِيهِ مِنْ الْقَوْل نَحْو مَا تَقَدَّمَ فِي تَرِبَتْ. ‏"
    },
    {
        "id": "5692",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا مُرَّةَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ ‏ ‏وَفَاطِمَةُ ‏ ‏ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقُلْتُ أَنَا ‏ ‏أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏فَقَالَ مَرْحَبًا ‏ ‏بِأُمِّ هَانِئٍ ‏ ‏فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ‏ ‏ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا ‏ ‏أُمَّ هَانِئٍ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أُمُّ هَانِئٍ ‏ ‏وَذَاكَ ضُحًى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5693",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ‏ ‏ارْكَبْهَا قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ ارْكَبْهَا قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ ارْكَبْهَا وَيْلَكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَائِقِ الْبَدَنَة \" اِرْكَبْهَا وَيْلك \" وَمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ اِخْتِلَاف أَلْفَاظه فِي قَوْله ثَلَاثًا أَوْ فِي الثَّالِثَة أَوْ الرَّابِعَة وَهَلْ قَالَ لَهُ وَيْلك أَوْ وَيْحك تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5694",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ لَهُ ‏ ‏ارْكَبْهَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ ارْكَبْهَا وَيْلَكَ فِي الثَّانِيَةِ ‏ ‏أَوْ فِي الثَّالِثَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَفِيهِ \" فِي الثَّانِيَة أَوْ فِي الثَّالِثَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب رُكُوب الْبُدْن \" مِنْ كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5695",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏وَأَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ وَكَانَ مَعَهُ غُلَامٌ لَهُ أَسْوَدُ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏أَنْجَشَةُ ‏ ‏يَحْدُو فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَيْحَكَ يَا ‏ ‏أَنْجَشَةُ ‏ ‏رُوَيْدَكَ ‏ ‏بِالْقَوَارِيرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة أَنْجَشَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه قَرِيبًا قَبْل أَرْبَعَة أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "5696",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيكَ ثَلَاثًا مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ فُلَانًا وَاللَّهُ حَسِيبُهُ وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي بَكْرَة \" أَثْنَى رَجُل \" وَفِيهِ \" وَيْلك قَطَعْت عُنُق أَخِيك \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب مَا يُكْرَه مِنْ التَّمَادُح \". ‏"
    },
    {
        "id": "5697",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَوْزَاعِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏وَالضَّحَّاكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْسِمُ ذَاتَ يَوْمٍ قِسْمًا فَقَالَ ‏ ‏ذُو الْخُوَيْصِرَةِ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ قَالَ وَيْلَكَ مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏ائْذَنْ لِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ لَا ‏ ‏إِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ ‏ ‏يَمْرُقُونَ ‏ ‏مِنْ الدِّينِ كَمُرُوقِ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى ‏ ‏قُذَذِهِ ‏ ‏فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ قَدْ سَبَقَ ‏ ‏الْفَرْثَ ‏ ‏وَالدَّمَ يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ آيَتُهُمْ رَجُلٌ إِحْدَى يَدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ ‏ ‏تَدَرْدَرُ قَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏أَشْهَدُ لَسَمِعْتُهُ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَشْهَدُ أَنِّي كُنْتُ مَعَ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏حِينَ قَاتَلَهُمْ فَالْتُمِسَ فِي الْقَتْلَى فَأُتِيَ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي قِصَّة ذِي الْخُوَيْصِرَة وَقَوْله : \" يَا رَسُول اللَّه اِعْدِلْ , قَالَ : وَيْلك مَنْ يَعْدِل إِذَا لَمْ أَعْدِل \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض شَرْحه فِي عَلَامَات النُّبُوَّة وَفِي أَوَاخِر الْمَغَازِي , وَيَأْتِي تَمَامه فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ. ‏ ‏وَقَوْله هُنَا : \" عَلَى حِين فُرْقَة \" ‏ ‏بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة الْمَكْسُورَة وَالنُّون , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" خَيْر فِرْقَة \" بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَرَاء وَالضَّحَّاك الْمَذْكُور فِي السَّنَد هُوَ اِبْن شُرَحْبِيل الْمِشْرَفِيّ بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَفَتْح الرَّاء مَنْسُوب إِلَى بَطْن مِنْ هَمْدَانَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5698",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ ‏ ‏وَيْحَكَ قَالَ وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَانَ قَالَ أَعْتِقْ رَقَبَةً قَالَ مَا أَجِدُهَا قَالَ فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا أَسْتَطِيعُ قَالَ فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ مَا أَجِدُ فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فَقَالَ خُذْهُ فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَلَى غَيْرِ أَهْلِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا بَيْنَ طُنُبَيْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏أَحْوَجُ مِنِّي فَضَحِكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ قَالَ خُذْهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَيْلَكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الَّذِي وَقَعَ عَلَى اِمْرَأَته فِي رَمَضَان , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الصِّيَام , وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ فِي بَعْض طُرُقه \" فَقَالَ وَيْلك \" كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. ‏ ‏وَقَوْله عَبْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. وَقَوْله أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيّ فِيهِ رَدٌّ عَلَى مِنْ أَعَلَّ هَذِهِ الطَّرِيق بِأَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ الزُّهْرِيّ لِرِوَايَةِ عُقْبَة بْن عَلْقَمَة لَهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : \" بَلَغَنِي عَنْ الزُّهْرِيّ \" هَكَذَا رَوَيْنَاهُ فِي الْجُزْء الثَّانِي مِنْ حَدِيث أَبِي الْعَبَّاس الْأَصَمّ , وَعُقْبَة لَا بَأْس بِهِ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْأَوْزَاعِيُّ لَقِيَ الزُّهْرِيّ فَحَدَّثَهُ بِهِ بَعْد أَنْ كَانَ بَلَغَهُ مِنْهُ فَحَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ , ‏ ‏وَقَوْله : \" مَا بَيْنَ طُنْبَيْ الْمَدِينَة \" ‏ ‏بِضَمِّ الطَّاء الْمُهْمَلَة وَسُكُون النُّون بَعْدهَا مُوَحَّدَة تَثْنِيَة طُنْب أَيْ نَاحِيَتَيْ الْمَدِينَة , قَالَ اِبْن التِّين : ضُبِطَ فِي رِوَايَة الشَّيْخ أَبِي الْحَسَن بِفَتْحَتَيْنِ وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ بِضَمَّتَيْنِ , وَالْأَصْل ضَمُّ النُّون وَتُسَكَّن تَخْفِيفًا , وَأَصْل الطُّنْب الْحَبْل لِلْخَيْمَةِ فَاسْتُعِيرَ لِلطَّرَفِ مِنْ النَّاحِيَة. ‏ ‏وَقَوْله : \" أَحْوَجَ مِنِّي \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَفْقَرَ \" وَقَوْله فِي آخِره ‏ ‏\" وَقَالَ خُذْهُ \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" ثُمَّ قَالَ أَطْعِمْهُ أَهْلك \". ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ يُونُس ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن يَزِيد ‏ ‏( عَنْ الزُّهْرِيّ ) ‏ ‏يَعْنِي بِسَنَدِهِ فِي قَوْله : \" فَقَالَ وَيْحك , قَالَ وَقَعْت عَلَى أَهْلِي \" وَهَذِهِ الْمُتَابَعَة وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق عَنْبَسَةَ بْن خَالِد عَنْ يُونُس بْن يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيّ بِتَمَامِهِ , وَقَالَ فِي رِوَايَته \" فَقَالَ وَيْحك وَمَا ذَاكَ \" ؟. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد عَنْ الزُّهْرِيّ وَيْلك ) ‏ ‏يَعْنِي بَدَلَ قَوْله وَيْحك , وَهَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق اللَّيْث حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد عَنْ اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيّ الْمَذْكُور فِيهِ \" فَقَالَ مَالِك وَيْلك ؟ قَالَ : وَقَعْت عَلَى أَهْلِي \". ‏"
    },
    {
        "id": "5699",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ الْهِجْرَةِ فَقَالَ ‏ ‏وَيْحَكَ إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ شَدِيدٌ فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي رِوَايَة الْوَلِيد هُوَ اِبْن مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله : ( أَخْبِرْنِي عَنْ الْهِجْرَة , قَالَ : وَيْحك إِنَّ الْهِجْرَة شَأْنهَا شَدِيد ) ‏ ‏الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة \" وَأَنَّ الْهِجْرَة كَانَتْ وَاجِبَة عَلَى أَهْل مَكَّة عَلَى الْأَعْيَان قَبْل فَتْح مَكَّة فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَذِّرهُمْ مِنْ شِدَّة الْهِجْرَة وَمُفَارَقَة الْأَهْل وَالْوَطَن , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيثه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح \" ‏ ‏وَقَوْله \" مِنْ وَرَاء الْبِحَار \" ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة لِلْأَكْثَرِ أَيْ مِنْ وَرَاء الْقُرَى , وَالْقَرْيَة يُقَال لَهَا الْبَحْرَة لِاتِّسَاعِهَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ جِيم وَهُوَ تَصْحِيف , ‏ ‏وَقَوْله \" لَنْ يَتِرَكَ \" بِفَتْحِ ‏ ‏أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه مِنْ التَّرْك وَالْكَاف أَصْلِيَّة , وَبِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه وَنَصْبِ الرَّاء وَفَتْح الْكَاف أَيْ لَنْ يُنْقِصَك. ‏"
    },
    {
        "id": "5700",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَيْلَكُمْ ‏ ‏أَوْ وَيْحَكُمْ قَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏شَكَّ هُوَ ‏ ‏لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏وَيْحَكُمْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏وَيْلَكُمْ ‏ ‏أَوْ وَيْحَكُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ وَيْلكُمْ أَوْ وَيْحكُمْ قَالَ شُعْبَة شَكٌّ هُوَ ) ‏ ‏يَعْنِي شَيْخه وَاقِد بْن مُحَمَّد. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ النَّضْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شُمَيْلٍ ‏ ‏( عَنْ شُعْبَة ) ‏ ‏يَعْنِي بِهَذَا السَّنَد ‏ ‏( وَيْحكُمْ ) ‏ ‏يَعْنِي لَمْ يَشُكّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ عُمَر بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ أَخُو وَاقِد الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ جَدّه اِبْن عُمَر ‏ ‏( وَيْلكُمْ أَوْ وَيْحكُمْ ) ‏ ‏يَعْنِي مِثْل مَا قَالَ أَخُوهُ وَاقِد , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّكّ فِيهِ مِنْ مُحَمَّد بْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَوْ مِمَّنْ فَوْقه , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ طَرِيق عُمَر هَذِهِ مَوْصُولَة فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْهُ , وَتَقَدَّمَ حَدِيث عُمَر هَذَا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر مُطَوَّلًا فِي \" بَاب قَوْله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَر قَوْم مِنْ قَوْم \" وَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , ‏"
    },
    {
        "id": "5701",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ قَائِمَةٌ قَالَ وَيْلَكَ وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا قَالَ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ ‏ ‏إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ فَقُلْنَا وَنَحْنُ كَذَلِكَ قَالَ نَعَمْ فَفَرِحْنَا يَوْمَئِذٍ فَرَحًا شَدِيدًا فَمَرَّ غُلَامٌ ‏ ‏لِلْمُغِيرَةِ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِي فَقَالَ إِنْ أُخِّرَ هَذَا فَلَنْ يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ‏ ‏وَاخْتَصَرَهُ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس ) ‏ ‏صَرَّحَ شُعْبَة فِي رِوَايَته عَنْ قَتَادَةَ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَنَس , وَيَأْتِي بَيَانه عَقِبَ هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْل الْبَادِيَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس عِنْدَ مُسْلِم \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَاب \" وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس عِنْدَه نَحْوه ; وَفِي رِوَايَة سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد الْآتِيَة فِي كِتَاب الْأَحْكَام عَنْ أَنَس \" بَيْنَمَا أَنَا وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجِينَ مِنْ الْمَسْجِد فَلَقِيَنَا رَجُل عِنْدَ سُدَّة الْمَسْجِد \" وَقَدْ بَيَّنْت فِي مَنَاقِب عُمَر أَنَّهُ ذُو الْخُوَيْصِرَة الْيَمَانِيّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِد , وَأَنَّ حَدِيثه بِذَلِكَ مُخَرَّج عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ , وَأَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَبُو مُوسَى أَوْ أَبُو ذَرّ فَقَدْ وَهِمَ فَإِنَّهُمَا وَإِنْ اِشْتَرَكَا فِي مَعْنَى الْجَوَاب وَهُوَ أَنَّ الْمَرْء مَعَ مَنْ أَحَبَّ , فَقَدْ اِخْتَلَفَ سُؤَالهمَا فَإِنَّ كُلًّا مِنْ أَبِي مُوسَى وَأَبِي ذَرّ إِنَّمَا سَأَلَ عَنْ الرَّجُل يُحِبّ الْقَوْم وَلَمْ يَلْحَق بِهِمْ , وَهَذَا سَأَلَ مَتَى السَّاعَة ؟. ‏ ‏قَوْله : ( مَتَى السَّاعَة قَائِمَة ) ‏ ‏يَجُوز فِيهِ الرَّفْع وَالنَّصْب. وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس عِنْدَ مُسْلِم \" مَتَى تَقُوم السَّاعَة \" ؟ وَكَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات. ‏ ‏قَوْله : ( وَيْلك وَمَا أَعْدَدْت لَهَا ؟ قَالَ : مَا أَعْدَدْت لَهَا ) ‏ ‏زَادَ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس عِنْدَ مُسْلِم \" مِنْ كَثِير عَمَل أَحْمَد عَلَيْهِ نَفْسِي \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ عِنْدَ مُسْلِم \" فَلَمْ يَذْكُر كَثِيرًا \" وَفِي رِوَايَة سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد الْمَذْكُورَة \" فَكَأَنَّ الرَّجُل اِسْتَكَانَ ثُمَّ قَالَ : مَا أَعْدَدْت مِنْ كَبِير صَلَاة وَلَا صَوْم وَلَا صَدَقَة \". ‏ ‏قَوْله : ( إِلَّا أَنِّي أُحِبّ اللَّه وَرَسُوله ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا الِاسْتِثْنَاء يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُتَّصِلًا وَأَنْ يَكُون مُنْقَطِعًا. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّك مَعَ مَنْ أَحْبَبْت ) ‏ ‏أَيْ مُلْحَق بِهِمْ حَتَّى تَكُون مِنْ زُمْرَتهمْ , وَبِهَذَا يَنْدَفِع إِيرَاد أَنَّ مَنَازِلهمْ مُتَفَاوِتَة فَكَيْف تَصِحّ الْمَعِيَّة ! فَيُقَال إِنَّ الْمَعِيَّة تَحْصُل بِمُجَرَّدِ الِاجْتِمَاع فِي شَيْء مَا وَلَا تَلْزَم فِي جَمِيع الْأَشْيَاء , فَإِذَا اِتَّفَقَ أَنَّ الْجَمِيع دَخَلُوا الْجَنَّة صَدَقَتْ الْمَعِيَّة , وَإِنْ تَفَاوَتَتْ الدَّرَجَات , وَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْحه فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله : ( فَقُلْنَا : وَنَحْنُ كَذَلِكَ ؟ قَالَ نَعَمْ ) ‏ ‏هَذَا يُؤَيِّد مَا بَيَّنْت بِهِ الْمَعِيَّة ; لِأَنَّ دَرَجَات الصَّحَابَة مُتَفَاوِتَة. ‏ ‏قَوْله : ( فَفَرِحْنَا يَوْمَئِذٍ فَرَحًا شَدِيدًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْ أَنَس \" فَلَمْ أَرَ الْمُسْلِمِينَ فَرِحُوا فَرَحًا أَشَدَّ مِنْهُ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَمَرَّ غُلَام لِلْمُغِيرَةِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" لِلْمُغِيرَةِ بْن شُعْبَة \" أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة عَفَّانَ عَنْ هَمَّام قَالَ \" مَرَّ غُلَام \" وَلَمْ يَذْكُر مَا قَبْله مِنْ هَذِهِ الطَّرِيق. ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِي ) ‏ ‏أَيْ مِثْلِي فِي السِّنّ , قَالَ اِبْن التِّين : الْقَرْن الْمِثْل فِي السِّنّ وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَبِكَسْرِهَا الْمِثْل فِي الشَّجَاعَة قَالَ : وَفَعْل بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه إِذَا كَانَ صَحِيحًا لَا يُجْمَع عَلَى أَفْعَال , إِلَّا أَلْفَاظ لَمْ يَعُدُّوا هَذَا فِيهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْبَد بْن هِلَال عِنْدَ مُسْلِم عَنْ أَنَس \" وَذَلِكَ الْغُلَام مِنْ أَتْرَابِي يَوْمَئِذٍ \" وَالْأَتْرَاب جَمْع تِرْب بِكَسْرِ الْمُثَنَّاة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا مُوَحَّدَة وَهُمْ الْمُمَاثِلُونَ , شُبِّهُوا بِالتَّرَائِبِ الَّتِي هِيَ ضُلُوع لِلصَّدْرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَسَن عَنْ أَنَس فِي آخِره \" وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بَعْدُ غُلَام \" قَالَ اِبْن بَشْكُوَال اِسْم هَذَا الْغُلَام مُحَمَّد , وَاحْتَجَّ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس \" أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَتَى تَقُوم السَّاعَة ؟ وَغُلَام مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ مُحَمَّد \". قَالَ : وَقِيلَ اِسْمه سَعْد. ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق الْحَسَن عَنْ أَنَس \" أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَنْ السَّاعَة - فَذَكَرَ حَدِيثًا - قَالَ فَنَظَرَ إِلَى غُلَام مِنْ دَوْس يُقَال لَهُ سَعْد \" وَهَذَا أَخْرَجَهُ الْبَارُودِيّ فِي \" الصَّحَابَة \" وَسَنَده حَسَن , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَس نَحْوه , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيق قَيْس بْن وَهْب عَنْ أَنَس وَقَالَ فِيهِ \" مَرَّ سَعْد الدَّوْسِيّ \" قَالَ وَرَوَاهُ قُرَّة بْن خَالِد عَنْ الْحَسَن فَقَالَ فِيهِ : \" فَقَالَ لِشَابٍّ مِنْ دَوْس يُقَال لَهُ اِبْن سَعْد \". قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم فِي رِوَايَة مَعْبَد بْن هِلَال عَنْ أَنَس \" ثُمَّ نَظَرَ إِلَى غُلَام مِنْ أَزْد شَنُوءَة \" فَيَحْتَمِل التَّعَدُّد , أَوْ كَانَ اِسْم الْغُلَام سَعْدًا وَيُدْعَى مُحَمَّدًا أَوْ بِالْعَكْسِ , وَدَوْس مِنْ أَزْد شَنُوءَة فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون حَالَفَ الْأَنْصَار. ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ إِنْ أُخِّرَ هَذَا فَلَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَلَنْ \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ وَهِيَ أَوْلَى. وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة \" إِنْ يَعِشْ هَذَا الْغُلَام فَعَسَى أَنْ لَا يُدْرِكهُ الْهَرَم \" وَفِي رِوَايَة مَعْبَد بْن هِلَال \" لَئِنْ عَمَّرَ هَذَا لَمْ يُدْرِكهُ الْهَرَم \" كَذَا فِي الطُّرُق كُلّهَا بِإِسْنَادِ الْإِدْرَاك لِلْهَرَمِ , وَلَوْ أُسْنِدَ لِلْغُلَامِ لَكَانَ سَائِغًا , وَلَكِنْ أُشِيرَ بِالْأَوَّلِ إِلَى أَنَّ الْأَجَل كَالْقَاصِدِ لِلشَّخْصِ. ‏ ‏قَوْله : ( حَتَّى تَقُوم السَّاعَة ) وَقَعَ فِي رِوَايَة الْبَارُودِيّ الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا بَدَل قَوْله حَتَّى تَقُوم السَّاعَة \" لَا يَبْقَى مِنْكُمْ عَيْن تَطْرِف \" وَبِهَذَا يَتَّضِح الْمُرَاد. وَلَهُ فِي أُخْرَى \" مَا مِنْ نَفْس مَنْفُوسَة يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَة سَنَة \" وَهَذَا نَظِير قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيث الَّذِي تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْعِلْم أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ فِي آخِر عُمْره \" أَرَأَيْتُكُمْ لَيْلَتكُمْ هَذِهِ , فَإِنَّ عَلَى رَأْس مِائَة سَنَة مِنْهَا لَا يَبْقَى عَلَى وَجْه الْأَرْض مِمَّنْ هُوَ الْيَوْم عَلَيْهَا أَحَد \" وَكَانَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل ذَلِكَ الْعَصْر يَظُنُّونَ أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الدُّنْيَا تَنْقَضِي بَعْد مِائَة سَنَة , فَلِذَلِكَ قَالَ الصَّحَابِيّ \" فَوَهِلَ النَّاس فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ مِائَة سَنَة \" وَإِنَّمَا أَرَادَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ اِنْخِرَام قَرْنه , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ عِيَاض مُخْتَصَرًا. قُلْت : وَوَقَعَ فِي الْخَارِج كَذَلِكَ \" فَلَمْ يَبْقَ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ مَقَالَته تِلْكَ عِنْدَ اِسْتِكْمَال مِائَة سَنَة مِنْ سَنَة مَوْته أَحَد \" وَكَانَ آخِر مَنْ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْتًا أَبُو الطُّفَيْل عَامِر بْن وَاثِلَة كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم , وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بَعْد أَنْ قَرَّرَ أَنَّ الْمُرَاد بِالسَّاعَةِ سَاعَة الَّذِينَ كَانُوا حَاضِرِينَ عِنْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ الْمُرَاد مَوْتهمْ وَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى يَوْم مَوْتهمْ اِسْم السَّاعَة لِإِفْضَائِهِ بِهِمْ إِلَى أُمُور الْآخِرَة , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ اللَّه اِسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ قِيَام السَّاعَة الْعُظْمَى كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَات وَالْأَحَادِيث الْكَثِيرَة , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" حَتَّى تَقُوم السَّاعَة \" الْمُبَالَغَة فِي تَقْرِيب قِيَام السَّاعَة لَا التَّحْدِيد , كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيث الْآخَر \" بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ \" وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا تَقُوم عِنْدَ بُلُوغ الْمَذْكُور الْهَرَم. قَالَ. وَهَذَا عَمَل شَائِع لِلْعَرَبِ يُسْتَعْمَل لِلْمُبَالَغَةِ عِنْدَ تَفْخِيم الْأَمْر وَعِنْدَ تَحْقِيره وَعِنْدَ تَقْرِيب الشَّيْء وَعِنْدَ تَبْعِيده , فَيَكُون حَاصِل الْمَعْنَى أَنَّ السَّاعَة تَقُوم قَرِيبًا جِدًّا , وَبِهَذَا الِاحْتِمَال الثَّانِي جَزَمَ بَعْض شُرَّاح \" الْمَصَابِيح \" وَاسْتَبْعَدَهُ بَعْض شُرَّاح \" الْمَشَارِق \" وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمَحْفُوظ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ لِلَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ تَأْتِيكُمْ سَاعَتكُمْ , يَعْنِي بِذَلِكَ مَوْتهمْ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْرَابًا فَخَشِيَ أَنْ يَقُول لَهُمْ لَا أَدْرِي مَتَى السَّاعَة فَيَرْتَابُوا فَكَلَّمَهُمْ بِالْمَعَارِيضِ , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيث عَائِشَة الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم \" كَانَ الْأَعْرَاب إِذَا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوهُ عَنْ السَّاعَة مَتَى السَّاعَة ؟ فَيَنْظُر إِلَى أَحْدَث إِنْسَان مِنْهُمْ سِنًّا فَيَقُول إِنْ يَعِشْ هَذَا حَتَّى يُدْرِكهُ الْهَرَم قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتكُمْ \" قَالَ عِيَاض وَتَبِعَهُ الْقُرْطُبِيّ : هَذِهِ رِوَايَة وَاضِحَة تُفَسِّر كُلّ مَا وَرَدَ مِنْ الْأَلْفَاظ الْمُشْكِلَة فِي غَيْرهَا , وَأَمَّا قَوْل النَّوَوِيّ : يَحْتَمِل أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنَّ الْغُلَام الْمَذْكُور لَا يُؤَخَّر وَلَا يُعَمِّر وَلَا يَهْرَم , أَيْ فَيَكُون الشَّرْط لَمْ يَقَع فَكَذَلِكَ لَمْ يَقَع الْجَزَاء , فَهُوَ تَأْوِيل بَعِيد , وَيَلْزَم مِنْهُ اِسْتِمْرَار الْإِشْكَال لِأَنَّهُ إِنْ حَمَلَ السَّاعَة عَلَى اِنْقِرَاض الدُّنْيَا وَحُلُول أَمْر الْآخِرَة كَانَ مُقْتَضَى الْخَبَر أَنَّ الْقَدْر الَّذِي كَانَ بَيْنَ زَمَانه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ ذَلِكَ بِمِقْدَارِ مَا لَوْ عَمَّرَ ذَلِكَ الْغُلَام إِلَى أَنْ يَبْلُغ الْهَرَم , وَالْمُشَاهَد خِلَاف ذَلِكَ , وَإِنْ حَمَلَ السَّاعَة عَلَى زَمَن مَخْصُوص رَجَعَ إِلَى التَّأْوِيل الْمُتَقَدِّم , وَلَهُ أَنْ يَنْفَصِل عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ سِنَّ الْهَرَم لَا حَدَّ لِقَدْرِهِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْجَزَاء مَحْذُوفًا , كَذَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله : ( وَاخْتَصَرَهُ شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْت أَنَسًا ) ‏ ‏وَصَلَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة , وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه بَلْ أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَة سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد عَنْ أَنَس , وَسَاقَهَا أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَلَفْظه \" جَاءَ أَعْرَابِيّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَتَى السَّاعَة ؟ قَالَ : مَا أَعْدَدْت لَهَا ؟ قَالَ : حُبّ اللَّه وَرَسُوله. قَالَ : أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت \" وَهُوَ مُوَافِق لِرِوَايَةِ هَمَّام , فَكَأَنَّ مُرَاد الْبُخَارِيّ بِالِاخْتِصَارِ مَا زَادَهُ هَمَّام فِي آخِر الْحَدِيث مِنْ قَوْله \" فَقُلْنَا : وَنَحْنُ كَذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ. فَفَرِحْنَا يَوْمَئِذٍ فَرَحًا شَدِيدًا فَمَرَّ غُلَام إِلَخْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5702",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( شُعْبَة عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش. وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ \" عَنْ شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش \". ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي وَائِل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ \" عَنْ شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش سَمِعَ أَبَا وَائِل \" وَكَذَا فِي رِوَايَة عَمْرو بْن مَرْزُوق \" عَنْ شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش سَمِعْت أَبَا وَائِل \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَاب شُعْبَة فَقَالُوا \" عَنْ عَبْد اللَّه \" وَلَمْ يَنْسُبُوهُ مِنْهُمْ اِبْن أَبِي عَدِيّ عِنْدَ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عِنْدَ أَبِي عَوَانَة وَعَمْرو بْن مَرْزُوق عِنْدَ أَبِي نُعَيْم وَأَبُو عَامِر الْعَقَدِيّ وَوَهْب بْن جَرِير عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَحَكَى الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ بُنْدَار أَنَّهُ عَبْد اللَّه بْن قَيْس أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ , وَاسْتَدَلَّ بِرِوَايَةِ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش الْآتِيَة عَقِبَ هَذَا , وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدهُ , وَلَكِنَّ صَنِيع الْبُخَارِيّ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ أَبِي وَائِل عَنْ اِبْن مَسْعُود وَعَنْ أَبِي مُوسَى جَمِيعًا وَأَنَّ الطَّرِيقَيْنِ صَحِيحَانِ لِأَنَّهُ بَيَّنَ الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُرَجِّح , وَلِذَا ذَكَرَ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ صَحِيحَانِ. قُلْت : وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ لَهُ عِنْدَ اِبْن مَسْعُود أَصْلًا , فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم فِي \" كِتَاب الْمُحِبِّينَ \" مِنْ طَرِيق عَطِيَّة عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ \" أَتَيْت أَنَا وَأَخِي عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فَقَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْ عَبْد اللَّه بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5703",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ ‏ ‏وَأَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود ‏ ‏- ثُمَّ قَالَ فِي آخِره - تَابَعَهُ ‏ ‏جَرِير بْن حَازِم ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ جَرِيرًا الْأَوَّل هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , وَأَمَّا مُتَابَعَة جَرِير بْن حَازِم فَوَصَلَهَا أَبُو نُعَيْم فِي \" كِتَاب الْمُحِبِّينَ \" مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَزْهَر أَحْمَد بْن الْأَزْهَر عَنْ وَهْب بْن جَرِير حَدَّثَنَا أَبِي سَمِعْت الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه , فَذَكَرَهُ وَلَمْ يَنْسُب عَبْد اللَّه. ‏ ‏قَوْله : ( جَاءَ رَجُل ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى \" قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة وَمُحَمَّد بْن عُبَيْد \" أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُل \" وَأَوْلَى مَا فُسِّرَ بِهِ هَذَا الْمُبْهَم أَنَّهُ أَبُو مُوسَى رَاوِي الْحَدِيث , فَعِنْدَ أَبِي عَوَانَة مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن كُنَاسَة عَنْ الْأَعْمَش فِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ شَقِيق \" عَنْ أَبِي مُوسَى قُلْت يَا رَسُول اللَّه \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَلَكِنْ يُعَكِّر عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة وَهْب بْن جَرِير الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرهَا مِنْ عِنْدَ أَبِي نُعَيْم فَإِنَّ لَفْظه \" عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيّ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أُحِبّ قَوْمًا وَلَا أَلْحَق بِهِمْ \" الْحَدِيث وَأَبُو مُوسَى إِنْ جَازَ أَنْ يُبْهِم نَفْسه فَيَقُول أَتَى رَجُل فَغَيْر جَائِز أَنْ يَصِف نَفْسه بِأَنَّهُ أَعْرَابِيّ , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث صَفْوَان بْن عَسَّال الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق عَاصِم بْن بَهْدَلَة عَنْ زِرّ بْن حُبَيْشٍ قَالَ \" قُلْت لِصَفْوَان بْن عَسَّال : هَلْ سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْهَوَى شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ , كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه فِي مَسِير , فَنَادَاهُ أَعْرَابِيّ بِصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيّ فَقَالَ : أَيَا مُحَمَّد , فَأَجَابَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَدْر ذَلِكَ فَقَالَ : هَاؤُمُ. قَالَ : أَرَأَيْت الْمَرْء يُحِبّ الْقَوْم \" الْحَدِيث وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم فِي \" كِتَاب الْمُحِبِّينَ \" مِنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْ عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" أَتَى أَعْرَابِيّ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ إِنِّي لَأُحِبّك \" فَذَكَرَ الْحَدِيث فَهَذَا الْأَعْرَابِيّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ صَفْوَان بْن قُدَامَةَ , فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ حَدِيثه قَالَ : \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أُحِبّك , قَالَ : الْمَرْء مَعَ مَنْ أَحَبَّ \" وَقَدْ وَقَعَ هَذَا السُّؤَال لِغَيْرِ مِنْ ذُكِرَ , فَعِنْدَ أَبِي عَوَانَة أَيْضًا وَأَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت \" عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه الرَّجُل يُحِبّ الْقَوْم \" الْحَدِيث وَرِجَاله ثِقَات , فَإِنْ كَانَ مَضْبُوطًا أَمْكَنَ أَنْ يُفَسَّر بِهِ الْمُبْهَم فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى , لَكِنْ الْمَحْفُوظ بِهَذَا الْإِسْنَاد عَنْ أَبِي ذَرّ \" الرَّجُل يَعْمَل الْعَمَل مِنْ الْخَيْر وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ \" كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَغَيْره , فَلَعَلَّ بَعْض رُوَاته دَخَلَ عَلَيْهِ حَدِيث فِي حَدِيث. ‏ ‏قَوْله : ( كَيْف تَقُول فِي رَجُل أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَق بِهِمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان الْآتِيَة \" وَلَمَّا يَلْحَق بِهِمْ \" وَهِيَ أَبْلَغ فَإِنَّ النَّفْي بِلَمَّا أَبْلَغ مِنْ النَّفْي بِلَمْ , فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْحُكْم ثَابِت وَلَوْ بَعْد اللَّحَاق. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس عِنْدَ مُسْلِم \" وَلَمْ يَلْحَق بِعَمَلِهِمْ \" وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ الْمُشَار إِلَيْهِ قَبْلُ \" وَلَا يَسْتَطِيع أَنْ يَعْمَل بِعَمَلِهِمْ \" وَفِي بَعْض طُرُق حَدِيث صَفْوَان بْن عَسَّال عِنْدَ أَبِي نُعَيْم \" وَلَمْ يَعْمَل بِمِثْلِ عَمَلهمْ \" وَهُوَ يُفَسِّر الْمُرَاد. ‏ ‏قَوْله : ( وَسُلَيْمَان بْن قَرْم ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون الرَّاء وَمُتَابَعَته هَذِهِ وَصَلَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي الْجَوَاب عَمَّار بْن رُزَيْق بِتَقْدِيمِ الرَّاء عَنْهُ عَنْ عَبْد اللَّه وَعَطَفَهَا عَلَى رِوَايَة شُعْبَة فَقَالَ مِثْله , وَسَاقَ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه لَفْظهَا وَلَمْ يَنْسُبْ عَبْد اللَّه أَيْضًا , وَسَاقَهَا الْخَطِيب فِي كِتَاب \" الْمُكَمَّل \" مُطَوَّلَة. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَبُو عَوَانَة عَنْ الْأَعْمَش ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ الثَّلَاثَة رَوَوْهُ عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه , وَأَبُو عَوَانَة هَذَا هُوَ الْوَضَّاح , وَأَمَّا أَبُو عَوَانَة صَاحِب الصَّحِيح فَاسْمه يَعْقُوب وَمُتَابَعَة أَبِي عَوَانَة وَصَلَهَا أَبُو عَوَانَة يَعْقُوب وَالْخَطِيب فِي كِتَاب \" الْمُكَمَّل \" مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن حَمَّاد عَنْهُ وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا \" عَنْ عَبْد اللَّه \" وَلَمْ يَنْسُبْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5704",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قِيلَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ قَالَ ‏ ‏الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي مُوسَى ) ‏ ‏هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو نُعَيْم , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ رِوَايَة قَبِيصَة عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ فَقَالَ \" عَنْ عَبْد اللَّه \" وَلَمْ يَنْسُبهُ , وَهَذَا يُؤَيِّد قَوْل بُنْدَار أَنَّ عَبْد اللَّه حَيْثُ لَمْ يُنْسَب فَالْمُرَاد بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث أَبُو مُوسَى , وَأَنَّ مَنْ نَسَبَهُ ظَنَّ أَنَّهُ اِبْن مَسْعُود لِكَثْرَةِ مَجِيء ذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَة فِي رِوَايَة أَبِي وَائِل , وَلَكِنَّهُ هُنَا خَرَجَ عَنْ الْقَاعِدَة , وَتَبَيَّنَ بِرِوَايَةِ مَنْ صَرَّحَ أَنَّهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنَّ الْمُرَاد بِعَبْدِ اللَّه بْنِ قَيْس وَهُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ , وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ فِي رِوَايَته عَنْ اِبْن الْأَعْمَش أَنَّهُ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود إِلَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة جَرِير بْن عَبْد الْحَمِيد هَذِهِ عِنْدَ الْبُخَارِيّ عَنْ قُتَيْبَة عَنْهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَعُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة كِلَاهُمَا عَنْ جَرِير فَقَالَ \" عَنْ عَبْد اللَّه \" حَسِبَ , وَكَذَا قَالَ أَبُو يَعْلَى عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة جَعْفَر بْن الْعَبَّاس وَأَبُو عَوَانَة مِنْ رِوَايَة إِسْحَاق بْن إِسْمَاعِيل كُلّهمْ عَنْ جَرِير بِهِ , وَكُلّ مَنْ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ تَابَعَهُ إِنَّمَا جَاءَ مِنْ رِوَايَته أَيْضًا عَنْ عَبْد اللَّه غَيْر مَنْسُوب , كَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ رِوَايَة شَيْبَانَ عَنْ الْأَعْمَش فَقَالَ عَبْد اللَّه وَلَمْ يَنْسُبهُ. ‏ ‏قَوْله : ( الْمَرْء مَعَ مَنْ أَحَبَّ ) ‏ ‏قَدْ جَمَعَ أَبُو نُعَيْم طُرُق هَذَا الْحَدِيث فِي جُزْء سَمَّاهُ \" كِتَاب الْمُحِبِّينَ مَعَ الْمَحْبُوبِينَ \" وَبَلَغَ الصَّحَابَة فِيهِ نَحْو الْعِشْرِينَ , وَفِي رِوَايَة أَكْثَرهمْ بِهَذَا اللَّفْظ , وَفِي بَعْضهَا بِلَفْظِ أَنَس الْآتِي عَقِبَ هَذَا. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَة وَمُحَمَّد بْن عُبَيْد ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ الْأَعْمَش , وَهَذِهِ الْمُتَابَعَة وَصَلَهَا مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْهُمَا وَقَالَ فِي رِوَايَته \" عَنْ أَبِي مُوسَى \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن كُنَاسَة عَنْ الْأَعْمَش , وَوَجَدْت لِلْأَعْمَشِ فِيهِ إِسْنَادًا آخَر أَخْرَجَهُ الْحَسَن بْن رَشِيق فِي \" شُيُوخ مَكَّة \" لَهُ عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد السُّوسِيّ عَنْ سَهْل بْن عُثْمَان عَنْ حَفْص بْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ عُرْوَة بْن مُضَرِّس بِهِ وَقَالَ : غَرِيب تَفَرَّدَ بِهِ سَهْل , قُلْت : وَرِجَاله ثِقَات , إِلَّا أَنِّي لَا أَعْرِف جَعْفَر بْن مُحَمَّد , وَلَعَلَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ مَتْن حَدِيث فِي إِسْنَاد حَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "5705",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَتَى السَّاعَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَعْدَدْتَ لَهَا قَالَ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ ‏ ‏أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْدَان ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن أَبِي جَبَلَة بْن أَبِي رَوَّاد , وَيُقَال إِنَّ أَبَاهُ تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيث عَنْ شُعْبَة , وَضَاقَ مَخْرَجه عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ عَنْهُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ وَاحِد عَنْ عَبْدَان , وَوَقَعَ لِي فِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْ شُعْبَة أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُحِبِّينَ مِنْ طَرِيق السُّمَيْدِع بْن وَاهِب عَنْهُ وَقَدْ رَوَاهُ مَنْصُور عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَحْكَام , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ سَالِم وَاسْتَغْرَبَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي تَسْمِيَته فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله : ( مَتَى السَّاعَة ) ‏ ‏هَكَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات عَنْ أَنَس , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة جَرِير عَنْ مَنْصُور فِي أَوَّله \" بَيْنَمَا أَنَا وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجَيْنِ مِنْ الْمَسْجِد فَلَقِيَنَا رَجُل عِنْدَ سُدَّة الْمَسْجِد فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَتَى السَّاعَة \" ؟ وَفِي رِوَايَة أَبِي الْمَلِيح الرَّقِّيّ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس \" خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَعَرَّضَ لَهُ أَعْرَابِيّ \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم , وَلَهُ مِنْ طَرِيق شَرِيك عَنْ أَبِي نَمِر عَنْ أَنَس \" دَخَلَ رَجُل وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب \" وَمَنْ رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" جَاءَ رَجُل فَقَالَ : مَتَى السَّاعَة ؟ فَقَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلَاة ثُمَّ صَلَّى , ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ السَّائِل عَنْ السَّاعَة \" ؟ وَيُجْمَع بَيْنَهمَا بِأَنْ سَأَلَهُ وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب فَلَمْ يُجِبْهُ حِينَئِذٍ , فَلَمَّا اِنْصَرَفَ مِنْ الصَّلَاة وَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِد رَآهُ فَتَذَكَّرَ سُؤَاله , أَوْ عَاوَدَهُ الْأَعْرَابِيّ فِي السُّؤَال فَأَجَابَهُ حِينَئِذٍ. ‏ ‏قَوْله : ( مَا أَعْدَدْت لَهَا ) ‏ ‏؟ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : سَلَكَ مَعَ السَّائِل أُسْلُوب الْحَكِيم , وَهُوَ تَلَقِّي السَّائِل بِغَيْرِ مَا يَطْلُب مِمَّا يُهِمّهُ أَوْ هُوَ أَهَمُّ. ‏ ‏قَوْله : ( أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت ) ‏ ‏زَادَ سَلَّام بْن أَبِي الصَّهْبَاء عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس \" إِنَّك مَعَ مَنْ أَحْبَبْت , وَلَك مَا اِحْتَسَبْت \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم , وَلَهُ مِثْله مِنْ طَرِيق قُرَّة بْن خَالِد عَنْ الْحَسَن عَنْ أَنَس , وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَشْعَث عَنْ الْحَسَن عَنْ أَنَس \" الْمَرْء مَعَ مَنْ أَحَبَّ , وَلَهُ مَا اِكْتَسَبَ \" وَمَنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْ عَبْد اللَّه \" أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت , وَعَلَيْك مَا اِكْتَسَبْت , وَعَلَى اللَّه مَا اِحْتَسَبْت \". ‏"
    },
    {
        "id": "5706",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا رَجَاءٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِابْنِ صَائِدٍ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا فَمَا هُوَ قَالَ الدُّخُّ قَالَ ‏ ‏اخْسَأْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ صَيَّاد : ‏ ‏قَدْ خَبَّأْت لَك خَبِيئًا , قَالَ : فَمَا هُوَ ؟ قَالَ : الدُّخّ. قَالَ : اِخْسَأْ \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ \" اِنْطَلَقَ عُمَر مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْط مِنْ أَصْحَابه قِبَل اِبْن صَيَّاد \" فَذَكَرَ الْحَدِيث مُطَوَّلًا وَفِيهِ \" اِخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُو قَدْرك \" وَقَدْ سَبَقَ مُطَوَّلًا فِي أَوَاخِر كِتَاب الْجَنَائِز. وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَرَضَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَعَ هُنَا بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ غَلَط وَالصَّوَاب بِالصَّادِ أَيْ الْمُهْمَلَة أَيْ قَبَضَ عَلَيْهِ بِثَوْبِهِ يَضُمّ بَعْضه إِلَى بَعْض , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : مَنْ رَوَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ فَمَعْنَاهُ دَفَعَهُ حَتَّى وَقَعَ فَتَكَسَّرَ , يُقَال رَضَّ الشَّيْء فَهُوَ رَضِيض وَمَرْضُوض إِذَا اِنْكَسَرَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5707",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏انْطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏رَهْطٍ ‏ ‏مِنْ أَصْحَابِهِ قِبَلَ ‏ ‏ابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏حَتَّى وَجَدَهُ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فِي ‏ ‏أُطُمِ ‏ ‏بَنِي مَغَالَةَ ‏ ‏وَقَدْ قَارَبَ ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ ‏ ‏الْحُلُمَ ‏ ‏فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ظَهْرَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَرَضَّهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لِابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏مَاذَا تَرَى قَالَ يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خُلِّطَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا قَالَ هُوَ الدُّخُّ قَالَ ‏ ‏اخْسَأْ ‏ ‏فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْذَنُ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنْ يَكُنْ هُوَ لَا تُسَلَّطُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏فَسَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏يَؤُمَّانِ النَّخْلَ الَّتِي فِيهَا ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ ‏ ‏ابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ‏ ‏وَابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا ‏ ‏رَمْرَمَةٌ ‏ ‏أَوْ زَمْزَمَةٌ ‏ ‏فَرَأَتْ ‏ ‏أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ فَقَالَتْ ‏ ‏لِابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏أَيْ صَافِ وَهُوَ اسْمُهُ هَذَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏فَتَنَاهَى ‏ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ ‏ ‏الدَّجَّالَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ لَقَدْ أَنْذَرَهُ ‏ ‏نُوحٌ ‏ ‏قَوْمَهُ وَلَكِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏خَسَأْتُ الْكَلْبَ بَعَّدْتُهُ ‏ { ‏خَاسِئِينَ ‏} ‏مُبْعَدِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : خَسَأْت الْكَلْب بَعَّدْته , خَاسِئِينَ مُبْعَدِينَ ) ‏ ‏ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَحْده , وَهُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : ( كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ ) أَيْ قَاصِينَ مُبْعَدِينَ , يُقَال : خَسَأْته عَنِّي , وَخَسَأَ هُوَ , يَعْنِي يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى. وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : ( يَنْقَلِب إِلَيْك الْبَصَر خَاسِئًا ) أَيْ مُبْعَدًا وَقَالَ الرَّاغِب : خَسَأَ الْبَصَر اِنْقَبَضَ عَنْ مَهَانَة , وَخَسَأْت الْكَلْب فَخَسَأَ أَيْ زَجَرْته مُسْتَهِينًا بِهِ فَانْزَجَرَ. وَمَالَ اِبْن التِّين فِي قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب \" اِخْسَأْ \" : مَعْنَاهُ اُسْكُتْ صَاغِرًا مَطْرُودًا. وَثَبَتَتْ الْهَمْزَة فِي آخِر اِخْسَأْ فِي رِوَايَة وَحُذِفَتْ فِي أُخْرَى بِلَفْظِ \" اِخْسَ \" وَهُوَ تَخْفِيف. ‏"
    },
    {
        "id": "5708",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو التَّيَّاحِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ ‏ ‏وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ ‏ ‏عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ الَّذِينَ جَاءُوا غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا حَيٌّ مِنْ ‏ ‏رَبِيعَةَ ‏ ‏وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ ‏ ‏مُضَرُ ‏ ‏وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ وَنَدْعُو بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا فَقَالَ ‏ ‏أَرْبَعٌ وَأَرْبَعٌ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَصُومُوا رَمَضَانَ وَأَعْطُوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ وَلَا تَشْرَبُوا فِي ‏ ‏الدُّبَّاءِ ‏ ‏وَالْحَنْتَمِ ‏ ‏وَالنَّقِيرِ ‏ ‏وَالْمُزَفَّتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي وَفْد عَبْد قَيْس وَفِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ‏ ‏مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْإِيمَان وَفِي كِتَاب الْأَشْرِبَة مُسْتَوْفًى , وَأَخْرَجَهُ هُنَا مِنْ طَرِيق أَبِي التَّيَّاح بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّة الْمَفْتُوحَة وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة وَآخِره مُهْمَلَة وَاسْمه يَزِيد بْن حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي جَمْرَة بِالْجِيمِ وَالرَّاء , وَوَقَعَ فِي سِيَاق مَتْنه أَلْفَاظ لَيْسَتْ فِي رِوَايَة غَيْره , مِنْهَا قَوْله : \" مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ الَّذِينَ جَاءُوا \" وَمِنْهَا قَوْله : \" أَرْبَع وَأَرْبَع , وَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة وَأَعْطُوا خُمُس مَا غَنِمْتُمْ وَلَا تَشْرَبُوا \" الْحَدِيث. وَالْمَعْنَى آمُركُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَع كَمَا فِي رِوَايَة غَيْره. وَمِنْهَا جَعْله إِعْطَاء الْخُمُس مِنْ جُمْلَة الْأَرْبَع , وَفِي سَائِر الرِّوَايَات هِيَ زَائِدَة عَلَى الْأَرْبَع. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي عَاصِم فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث بُرَيْدَةَ \" أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا خَطَبَ فَاطِمَة قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا \" وَهُوَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَأَخْرَجَ فِيهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيث عَلِيّ \" اِسْتَأْذَنَ عَمَّار بْن يَاسِر عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّب \" وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ وَالْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم , وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي عَاصِم وَابْن السُّنِّيّ فِيهِ أَحَادِيث أُخْرَى غَيْر هَذِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5709",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الْغَادِرَ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْغَادِر يُرْفَع لَهُ لِوَاء لِقَوْلِهِ فِيهِ \" غَدْرَة فُلَان اِبْن فُلَان \" ‏ ‏فَتَضَمَّنَ الْحَدِيث أَنَّهُ يُنْسَب إِلَى أَبِيهِ فِي الْمَوْقِف الْأَعْظَم. وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى \" يُنْصَب \" بَدَلَ \" يُرْفَع \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الرَّفْع وَالنَّصْب هُنَا بِمَعْنًى وَاحِد , يَعْنِي لِأَنَّ الْغَرَض إِظْهَار ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذَا الْحَدِيث رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ لَا يُدْعَوْنَ يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا بِأُمَّهَاتِهِمْ سَتْرًا عَلَى آبَائِهِمْ. قُلْت : هُوَ حَدِيث أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَسَنَده ضَعِيف جِدًّا , وَأَخْرَجَ اِبْن عَدِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس مِثْله وَقَالَ : مُنْكَر. أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَة إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الطَّبَرِيِّ. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَالدُّعَاء بِالْآبَاءِ أَشَدّ فِي التَّعْرِيف وَأَبْلَغ فِي التَّمْيِيز. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز الْحُكْم بِظَوَاهِر الْأُمُور. قُلْت : وَهَذَا يَقْتَضِي حَمْل الْآبَاء عَلَى مَنْ كَانَ يُنْسَب إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا لَا عَلَى مَا هُوَ فِي نَفْس الْأَمْر وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَيُنْظَر كَلَامه مِنْ شَرْحه. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : وَالْغَدْر عَلَى عُمُومه فِي الْجَلِيل وَالْحَقِير. وَفِيهِ أَنَّ لِصَاحِبِ كُلّ ذَنْب مِنْ الذُّنُوب الَّتِي يُرِيد اللَّه إِظْهَارهَا عَلَامَة يُعْرَف بِهَا صَاحِبهَا , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى ( يُعْرَف الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ) قَالَ : وَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ لِكُلِّ غَدْرَة لِوَاء , فَعَلَى هَذَا يَكُون لِلشَّخْصِ الْوَاحِد عِدَّة أَلْوِيَة بِعَدَدِ غَدَرَاته. قَالَ : وَالْحِكْمَة فِي نَصْب اللِّوَاء أَنَّ الْعُقُوبَة تَقَع غَالِبًا بِضِدِّ الذَّنْب , فَلَمَّا كَانَ الْغَدْر مِنْ الْأُمُور الْخَفِيَّة نَاسَبَ أَنْ تَكُون عُقُوبَته بِالشُّهْرَةِ , وَنَصْب اللِّوَاء أَشْهَر الْأَشْيَاء عِنْدَ الْعَرَب. ‏"
    },
    {
        "id": "5710",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5711",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَائِشَة بِلَفْظِ \" لَا يَقُولَن أَحَدكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي , وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي \" ‏ ‏. قَالَ الْخَطَّابِيُّ تَبَعًا لِأَبِي عُبَيْد : لَقِسَتْ وَخَبُثَتْ بِمَعْنًى وَاحِد. وَإِنَّمَا كَرِهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ اِسْم الْخُبْث فَاخْتَارَ اللَّفْظَة السَّالِمَة مِنْ ذَلِكَ , وَكَانَ مِنْ سُنَّته تَبْدِيل الِاسْم الْقَبِيح بِالْحَسَنِ. وَقَالَ غَيْره : مَعْنَى لَقِسَتْ غَثَتْ بِغَيْنٍ مُعْجَمَة ثُمَّ مُثَلَّثَة , وَهُوَ يَرْجِع أَيْضًا إِلَى مَعْنًى خَبِيث , وَقِيلَ مَعْنَاهُ سَاءَ خُلُقهَا , وَقِيلَ مَالَتْ بِهِ إِلَى الدَّعَة. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : هُوَ عَلَى مَعْنَى الْأَدَب وَلَيْسَ عَلَى سَبِيل الْإِيجَاب. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة فِي الَّذِي يَعْقِد الشَّيْطَان عَلَى قَافِيَة رَأْسه فَيُصْبِح خَبِيث النَّفْس. وَنَطَقَ الْقُرْآن بِهَذِهِ اللَّفْظَة فَقَالَ تَعَالَى ( وَمَثَل كَلِمَة خَبِيثَة ). قُلْت : لَكِنْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ إِلَّا فِي مَعْرِض الذَّمّ , فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب مِنْ كَرَاهَة وَصْف الْإِنْسَان نَفْسه بِذَلِكَ. وَقَدْ سَبَقَ لِهَذَا عِيَاض فَقَالَ : الْفَرْق أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ عَنْ صِفَة شَخْص مَذْمُوم الْحَال فَلَمْ يَمْتَنِع إِطْلَاق ذَلِكَ اللَّفْظ عَلَيْهِ. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : النَّهْي عَنْ ذَلِكَ لِلنَّدْبِ , وَالْأَمْر بِقَوْلِهِ \" لَقِسَتْ \" لِلنَّدْبِ أَيْضًا , فَإِنْ عَبَّرَ بِمَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ كَفَى , وَلَكِنْ تَرَكَ الْأَوْلَى. قَالَ : وَيُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب مُجَانَبَة الْأَلْفَاظ الْقَبِيحَة وَالْأَسْمَاء , وَالْعُدُول إِلَى مَا لَا قُبْح فِيهِ , وَالْخُبْث وَاللَّقْس وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى الْمُرَاد يَتَأَدَّى بِكُلٍّ مِنْهُمَا لَكِنْ لَفْظ الْخُبْث قَبِيح وَيَجْمَع أُمُورًا زَائِدَة عَلَى الْمُرَاد , بِخِلَافِ اللَّقْس فَإِنَّهُ يَخْتَصّ بِامْتِلَاءِ الْمَعِدَة. قَالَ وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْء يَطْلُب الْخَيْر حَتَّى بِالْفَأْلِ الْحَسَن , وَيُضِيف الْخَيْر إِلَى نَفْسه وَلَوْ بِنِسْبَةٍ مَا , وَيَدْفَع الشَّرّ عَنْ نَفْسه مَهْمَا أَمْكَنَ , وَيَقْطَع الْوَصْلَة بَيْنَه وَبَيْنَ أَهْل الشَّرّ حَتَّى فِي الْأَلْفَاظ الْمُشْتَرَكَة. قَالَ : وَيَلْتَحِق بِهَذَا أَنَّ الضَّعِيف إِذَا سُئِلَ عَنْ حَاله لَا يَقُول لَسْت بِطَيِّبٍ بَلْ يَقُول ضَعِيف , وَلَا يُخْرِج نَفْسه مِنْ الطَّيِّبِينَ فَيُلْحِقهَا بِالْخَبِيثِينَ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" حَدِيث سَهْل مِنْ طَرِيق شُبَيْب بْن سَعِيد عَنْ يُونُس بْن يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيّ ثُمَّ قَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْدَان عَنْ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ مُوسَى , وَقَالَ : هُوَ مُوسَى بْن عُقْبَة , وَالصَّحِيح يُونُس. قُلْت : لَمْ أَقِف عَلَيْهِ فِي الْأُصُول الْمُعْتَمَدَة مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ إِلَّا عَنْ يُونُس وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( تَابَعَهُ عُقَيْل ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ الزُّهْرِيّ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور وَالْمَتْن , وَهَذِهِ الْمُتَابَعَة وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق نَافِع بْن يَزِيد عَنْ عُقَيْل وَسَقَطَتْ مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَثَبَتَتْ لِلنَّسَفِيّ وَالْبَاقِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5712",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي وَلَكِنْ لِيَقُلْ ‏ ‏لَقِسَتْ ‏ ‏نَفْسِي ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5713",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ اللَّهُ ‏ ‏يَسُبُّ بَنُو ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( اللَّيْث عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ هَكَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا لِأَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن فَقَالَ فِيهِ \" اللَّيْث عَنْ عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب \" وَهَكَذَا وَقَعَ فِي \" الزُّهْرِيَّات لِلذُّهْلِيّ \" مِنْ رِوَايَته عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اللَّيْث , وَلَكِنْ لَفْظه \" لَا يَسُبّ اِبْن آدَم الدَّهْر \" قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ الْحَدِيث مَحْفُوظ لِيُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْهُ. قُلْت الْحَدِيث عِنْدَ اللَّيْث عَنْ شَيْخَيْنِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ يَعْقُوب بْن سُفْيَان وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيقه قَالَ \" حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح وَابْن بُكَيْرٍ قَالَا حَدَّثَنَا اللَّيْث حَدَّثَنِي يُونُس بِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اللَّهُ يَسُبّ بَنُو آدَم الدَّهْر , وَأَنَا الدَّهْر , بِيَدِي اللَّيْل وَالنَّهَار ) ‏ ‏هَذِهِ رِوَايَة يُونُس بْن يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيّ , وَرِوَايَة مَعْمَر بَعْدهَا بِلَفْظِ \" وَلَا تَقُولُوا يَا خَيْبَة الدَّهْر , فَإِنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر \" وَأَوَّله \" لَا تُسَمُّوا الْعِنَب الْكَرْم \" وَيَأْتِي شَرْحه فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى مَعْمَر فِيهِ شَيْخ الزُّهْرِيّ فَقَالَ عَبْد الْأَعْلَى بْن عَبْد الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَر عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَة , وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَفْظه \" قَالَ اللَّه يُؤْذِينِي اِبْن آدَم يَقُول يَا خَيْبَة الدَّهْر \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَهَكَذَا قَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ وَلَفْظه \" يُؤْذِينِي اِبْن آدَم يَسُبّ الدَّهْر وَأَنَا الدَّهْر , بِيَدِي الْأَمْر أُقَلِّب اللَّيْل وَالنَّهَار \" وَقَدْ مَضَى فِي التَّفْسِير مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَغَيْره مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ الْحَدِيثَانِ لِلزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة وَعَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب جَمِيعًا صَحِيحَانِ قُلْت : قَالَ النَّسَائِيُّ كِلَاهُمَا مَحْفُوظ , لَكِنْ حَدِيث أَبِي سَلَمَة أَشْهَرهمَا , قُلْت وَلِعَبْدِ الرَّزَّاق فِيهِ عَنْ مَعْمَر إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيقه فَقَالَ \" عَنْ أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" بِلَفْظِ \" لَا يَسُبّ أَحَدكُمْ الدَّهْر , فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْر ; وَلَا يَقُولَن أَحَدكُمْ لِلْعِنَبِ الْكَرْم \" الْحَدِيث , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" لَا يَقُلْ اِبْن آدَم يَا خَيْبَة الدَّهْر , إِنِّي أَنَا الدَّهْر , أُرْسِل اللَّيْل وَالنَّهَار , فَإِذَا شِئْت قَبَضْتهمَا \" وَأَخْرَجَهُ مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" لَا يَقُولَن أَحَدكُمْ \" وَالْبَاقِي مِثْل رِوَايَة الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَر , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن يَحْيَى اللَّيْثِيِّ عَنْ مَالِك فِي آخِره \" فَإِنَّ الدَّهْر هُوَ اللَّه \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ خَالَفَ جَمِيع الرُّوَاة عَنْ مَالِك , وَجَمِيع رُوَاة الْحَدِيث مُطْلَقًا , فَإِنَّ الْجَمِيع قَالُوا \" فَإِنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" لَا تَسُبُّوا الدَّهْر فَإِنَّ اللَّه قَالَ : أَنَا الدَّهْر , الْأَيَّام وَاللَّيَالِي لِي أُجَدِّدهَا وَأُبْلِيهَا , وَآتِي بِمُلُوكٍ بَعْد مُلُوك \" وَسَنَده صَحِيح. ‏"
    },
    {
        "id": "5714",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ وَلَا تَقُولُوا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَلَا تَقُولُوا خَيْبَة الدَّهْر ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلنَّسَفِيّ \" يَا خَيْبَة الدَّهْر \" وَفِي الْبُخَارِيّ \" وَاخَيْبَة الدَّهْر \" الْخَيْبَة بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُوَحَّدَة الْحِرْمَان , وَهِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى النُّدْبَة , كَأَنَّهُ فَقَدَ الدَّهْر لِمَا يَصْدُر عَنْهُ مِمَّا يَكْرَههُ فَنَدَبَهُ مُتَفَجِّعًا عَلَيْهِ أَوْ مُتَوَجِّعًا مِنْهُ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : هُوَ دُعَاء عَلَى الدَّهْر بِالْخَيْبَةِ وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ قَحَطَ اللَّه نَوْءَهَا يَدْعُونَ عَلَى الْأَرْض بِالْقَحْطِ , وَهِيَ كَلِمَة هَذَا أَصْلهَا ثُمَّ صَارَتْ تُقَال لِكُلِّ مَذْمُوم. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ مُسْلِم بِلَفْظِ \" وَادَهْرَهُ وَادَهْرَهُ \" وَمَعْنَى النَّهْي عَنْ سَبِّ الدَّهْر أَنَّ مَنْ اِعْتَقَدَ أَنَّهُ الْفَاعِل لِلْمَكْرُوهِ فَسَبَّهُ أَخْطَأَ فَإِنَّ اللَّه هُوَ الْفَاعِل , فَإِذَا سَبَبْتُمْ مَنْ أَنْزَلَ ذَلِكَ بِكُمْ رَجَعَ السَّبّ إِلَى اللَّه , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث فِي تَفْسِير سُورَة الْجَاثِيَة. وَمُحَصَّل مَا قِيلَ فِي تَأْوِيله ثَلَاثَة أَوْجُه : ‏ ‏أَحَدهَا أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" أَنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر \" أَيْ الْمُدَبِّر لِلْأُمُورِ. ‏ ‏ثَانِيهَا أَنَّهُ عَلَى حَذْف مُضَاف أَيْ صَاحِب الدَّهْر. ‏ ‏ثَالِثهَا التَّقْدِير مُقَلِّب الدَّهْر , وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ \" بِيَدِي اللَّيْل وَالنَّهَار \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" بِيَدِي اللَّيْل وَالنَّهَار أُجَدِّدهُ وَأُبْلِيه وَأَذْهَب بِالْمُلُوكِ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد. وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ : مَنْ نَسَبَ شَيْئًا مِنْ الْأَفْعَال إِلَى الدَّهْر حَقِيقَة كَفَرَ , وَمَنْ جَرَى هَذَا اللَّفْظ عَلَى لِسَانه غَيْر مُعْتَقِد لِذَلِكَ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ , لَكِنَّهُ يُكْرَه لَهُ ذَلِكَ لِشَبَهِهِ بِأَهْلِ الْكُفْر فِي الْإِطْلَاق , وَهُوَ نَحْو التَّفْصِيل الْمَاضِي فِي قَوْلهمْ : مُطِرْنَا بِكَذَا , وَقَالَ عِيَاض : زَعَمَ بَعْض مَنْ لَا تَحْقِيق لَهُ أَنَّ الدَّهْر مِنْ أَسْمَاء اللَّه , وَهُوَ غَلَط فَإِنَّ الدَّهْر مُدَّة زَمَان الدُّنْيَا , وَعَرَّفَهُ بَعْضهمْ بِأَنَّهُ أَمَد مَفْعُولَات اللَّه فِي الدُّنْيَا أَوْ فِعْله لِمَا قَبْل الْمَوْت , وَقَدْ تَمَسَّكَ الْجَهَلَة مِنْ الدَّهْرِيَّة وَالْمُعَطَّلَة بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث وَاحْتَجُّوا بِهِ عَلَى مَنْ لَا رُسُوخ لَهُ فِي الْعِلْم ; لِأَنَّ الدَّهْر عِنْدَهمْ حَرَكَات الْفَلَك وَأَمَد الْعَالَم وَلَا شَيْء عِنْدَهمْ وَلَا صَانِع سِوَاهُ , وَكَفَى فِي الرَّدّ عَلَيْهِمْ قَوْله فِي بَقِيَّة الْحَدِيث \" أَنَا الدَّهْر أُقَلِّب لَيْله وَنَهَاره \" فَكَيْف يُقَلِّب الشَّيْء نَفْسه ؟ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلهمْ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : لَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ سَبَّ الصَّنْعَة فَقَدْ سَبَّ صَانِعهَا , فَمَنْ سَبَّ نَفْس اللَّيْل وَالنَّهَار أَقْدَم عَلَى أَمْر عَظِيم بِغَيْرِ مَعْنًى , وَمَنْ سَبَّ مَا يَجْرِي فِيهِمَا مِنْ الْحَوَادِث , وَذَلِكَ هُوَ أَغْلَب مَا يَقَع مِنْ النَّاس , وَهُوَ الَّذِي يُعْطِيه سِيَاق الْحَدِيث حَيْثُ نَفَى عَنْهُمَا التَّأْثِير , فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا ذَنْب لَهُمَا فِي ذَلِكَ , وَأَمَّا الْحَوَادِث فَمِنْهَا مَا يَجْرِي بِوَسَاطَةِ الْعَاقِل الْمُكَلَّف فَهَذَا يُضَاف شَرْعًا وَلُغَة إِلَى الَّذِي جَرَى عَلَى يَدَيْهِ , وَيُضَاف إِلَى اللَّه تَعَالَى لِكَوْنِهِ بِتَقْدِيرِهِ , فَأَفْعَال الْعِبَاد مِنْ أَكْسَابهمْ , وَلَهَذَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهَا الْأَحْكَام , وَهِيَ فِي الِابْتِدَاء خَلْق اللَّه. وَمِنْهَا مَا يَجْرِي بِغَيْرِ وَسَاطَة فَهُوَ مَنْسُوب إِلَى قُدْرَة الْقَادِر , وَلَيْسَ لِلَّيْلِ وَالنَّهَار فِعْل وَلَا تَأْثِير لَا لُغَة وَلَا عَقْلًا وَلَا شَرْعًا , وَهُوَ الْمَعْنِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث. وَيَلْتَحِق بِذَلِكَ مَا يَجْرِي مِنْ الْحَيَوَان غَيْر الْعَاقِل. ثُمَّ أَشَارَ بِأَنَّ النَّهْي عَنْ سَبِّ الدَّهْر تَنْبِيهٌ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى , وَأَنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى تَرْكِ سَبِّ كُلّ شَيْء مُطْلَقًا إِلَّا مَا أَذِنَ الشَّرْع فِيهِ ; لِأَنَّ الْعِلَّة وَاحِدَة , وَاَللَّهُ أَعْلَم اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ أَيْضًا مَنْع الْحِيلَة فِي الْبُيُوع كَالْعِينَةِ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ سَبِّ الدَّهْر لِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَجَعَلَهُ سَبًّا لِخَالِقِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5715",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَيَقُولُونَ الْكَرْم إِنَّمَا الْكَرْم قَلْب الْمُؤْمِن ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد , وَوَقَعَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله مِنْ رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة بِلَفْظِ \" لَا تُسَمُّوا الْعِنَب كَرْمًا \" وَهِيَ رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ مُسْلِم , وَعِنْدَه مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" لَا يَقُلْ أَحَدكُمْ لِلْعِنَبِ الْكَرْم , إِنَّمَا الْكَرْم الرَّجُل الْمُسْلِم \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث وَائِل بْن حُجْرٍ \" لَا تَقُولُوا الْكَرْم , وَلَكِنْ قُولُوا الْعِنَب وَالْحَبْلَة \" قَالُوا وَفِي قَوْله فِي الْبَاب \" وَيَقُولُونَ \" عَاطِفَة عَلَى شَيْء حُذِفَ هُنَا وَكَأَنَّهُ الْحَدِيث الَّذِي قَبْله , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي عُمَر فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان وَمَنْ طَرِيقه الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ فِي أَوَّله \" يَقُولُونَ \" بِغَيْرِ وَاو أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَده وَمِنْ طَرِيقه أَبُو نُعَيْم وَذَكَرَهُ بِالْوَاوِ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان وَلَكِنْ قَالَ فِيهِ \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" وَقَالَ مَرَّة \" يَبْلُغ بِهِ \" وَقَالَ مَرَّة \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ اِبْن أَبِي عُمَر وَعَمْرو النَّاقِد قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَان بِهَذَا السَّنَد قَالَ : \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقُولُوا كَرْم فَإِنَّ الْكَرْم قَلْب الْمُؤْمِن \" وَقَوْله \" وَيَقُولُونَ الْكَرْم \" هُوَ مُبْتَدَأ وَخَبَره مَحْذُوف أَيْ يَقُولُونَ الْكَرْم شَجَر الْعِنَب. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّار مِنْ حَدِيث سَمُرَة رَفَعَهُ \" إِنَّ اِسْم الرَّجُل الْمُؤْمِن فِي الْكُتُب الْكَرْم مِنْ أَجْل مَا أَكْرَمَهُ اللَّه عَلَى الْخَلِيقَة , وَإِنَّكُمْ تَدْعُونَ الْحَائِط مِنْ الْعِنَب الْكَرْم \" الْحَدِيث قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَا مُلَخَّصه : إِنَّ الْمُرَاد بِالنَّهْيِ تَأْكِيد تَحْرِيم الْخَمْر بِمَحْوِ اِسْمهَا , وَلِأَنَّ فِي تَبْقِيَة هَذَا الِاسْم لَهَا تَقْرِيرًا لِمَا كَانُوا يَتَوَهَّمُونَهُ مِنْ تَكَرُّم شَارِبهَا فَنَهَى عَنْ تَسْمِيَتهَا كَرْمًا وَقَالَ : \" إِنَّمَا الْكَرْم قَلْب الْمُؤْمِن \" لِمَا فِيهِ مِنْ نُور الْإِيمَان وَهُدَى الْإِسْلَام , وَحَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ اِبْن الْأَنْبَارِيّ أَنَّهُمْ سَمَّوْا الْعِنَب كَرْمًا لِأَنَّ الْخَمْر الْمُتَّخَذَة مِنْهُ تَحُثّ عَلَى السَّخَاء وَتَأْمُر بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق حَتَّى قَالَ شَاعِرهمْ : ‏ ‏وَالْخَمْر مُشْتَقَّة الْمَعْنَى مِنْ الْكَرْم ‏ ‏وَقَالَ آخَر : ‏ ‏شُقِقْتُ مِنْ الصِّبَى وَاشْتُقَّ مِنِّي ‏ ‏كَمَا اِشْتُقَّتْ مِنْ الْكَرْم الْكُرُوم ‏ ‏فَلِذَلِكَ نَهَى عَنْ تَسْمِيَة الْعِنَب بِالْكَرْمِ حَتَّى لَا يُسَمُّوا أَصْل الْخَمْر بِاسْمِ مَأْخُوذ مِنْ الْكَرْم , وَجُعِلَ الْمُؤْمِن الَّذِي يَتَّقِي شُرْبهَا وَيَرَى الْكَرْم فِي تَرْكهَا أَحَقَّ بِهَذَا الِاسْم اِنْتَهَى. وَأَمَّا قَوْل الْأَزْهَرِيّ : سُمِّيَ الْعِنَب كَرْمًا لِأَنَّهُ ذُلِّلَ لِقَاطِفِهِ وَلَيْسَ فِيهِ سُلَّاء يَعْقِر جَانِيهِ وَيَحْمِل الْأَصْل مِنْهُ مِثْل مَا تَحْمِل النَّخْلَة فَأَكْثَر , وَكُلّ شَيْء كَثُرَ فَقَدْ كَرُمَ , فَهُوَ صَحِيح أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الِاشْتِقَاق لَكِنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّل أَنْسَب لِلنَّهْيِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : النَّهْي فِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ تَسْمِيَة الْعِنَب كَرْمًا وَعَنْ تَسْمِيَة شَجَرهَا أَيْضًا لِلْكَرَاهِيَةِ. وَحَكَى الْقُرْطُبِيّ عَنْ الْمَازِرِيّ أَنَّ السَّبَب فِي النَّهْي أَنَّهُ لَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الْخَمْر وَكَانَتْ طِبَاعهمْ تَحُثّهُمْ عَلَى الْكَرَم كَرِهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسَمَّى هَذَا الْمُحَرَّم بِاسْمِ تَهِيج طِبَاعهمْ إِلَيْهِ عِنْدَ ذِكْره فَيَكُون ذَلِكَ كَالْمُحَرِّكِ لَهُمْ , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ مَحِلّ النَّهْي إِنَّمَا هُوَ تَسْمِيَة الْعِنَب كَرْمًا , وَلَيْسَتْ الْعِنَبَة مُحَرَّمَة , وَالْخَمْر لَا تُسَمَّى عِنَبَة بَلْ الْعِنَب قَدْ يُسَمَّى خَمْرًا بِاسْمِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ. قُلْت : وَاَلَّذِي قَالَهُ الْمَازِرِيّ مُوَجَّه ; لِأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى إِرَادَة حَسْم الْمَادَّة بِتَرْكِ تَسْمِيَة أَصْل الْخَمْر بِهَذَا الِاسْم الْحَسَن , وَلِذَلِكَ وَرَدَ النَّهْي تَارَة عَنْ الْعِنَب وَتَارَة عَنْ شَجَرَة الْعِنَب فَيَكُون التَّنْفِير بِطَرِيقِ الْفَحْوَى ; لِأَنَّهُ إِذَا نَهَى عَنْ تَسْمِيَة مَا هُوَ حَلَال فِي الْحَال بِالِاسْمِ الْحَسَن لِمَا يَحْصُل مِنْهُ بِالْقُوَّةِ مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ فَلَأَنْ يَنْهَى عَنْ تَسْمِيَة مَا يُنْهَى عَنْهُ بِالِاسْمِ الْحَسَن أَحْرَى. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة مَا مُلَخَّصه : لَمَّا كَانَ اِشْتِقَاق الْكَرَم مِنْ الْكَرْم , وَالْأَرْض الْكَرِيمَة هِيَ أَحْسَن الْأَرْض فَلَا يَلِيق أَنْ يُعَبَّر بِهَذِهِ الصِّفَة إِلَّا عَنْ قَلْب الْمُؤْمِن الَّذِي هُوَ خَيْر الْأَشْيَاء لِأَنَّ الْمُؤْمِن خَيْر الْحَيَوَان , وَخَيْر مَا فِيهِ قَلْبه ; لِأَنَّهُ إِذَا صَلَحَ صَلَحَ الْجَسَد كُلّه , وَهُوَ أَرْض لِنَبَاتِ شَجَرَة الْإِيمَان. قَالَ : وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ كُلّ خَيْر - بِاللَّفْظِ أَوْ الْمَعْنَى أَوْ بِهِمَا أَوْ مُشْتَقًّا مِنْهُ أَوْ مُسَمًّى بِهِ - إِنَّمَا يُضَاف بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّة ; لِأَنَّ الْإِيمَان وَأَهْله وَإِنْ أُضِيفَ إِلَى مَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ بِطَرِيقِ الْمَجَاز , وَفِي تَشْبِيه الْكَرْم بِقَلْبِ الْمُؤْمِن مَعْنًى لَطِيف ; لِأَنَّ أَوْصَاف الشَّيْطَان تَجْرِي مَعَ الْكَرْمَة كَمَا يَجْرِي الشَّيْطَان فِي بَنِي آدَم مَجْرَى الدَّم , فَإِذَا غَفَلَ الْمُؤْمِن عَنْ شَيْطَانه أَوْقَعَهُ فِي الْمُخَالَفَة , كَمَا أَنَّ مَنْ غَفَلَ عَنْ عَصِير كَرْمه تَخَمَّرَ فَتَنَجَّسَ. وَيُقَوِّي التَّشَبُّه أَيْضًا أَنَّ الْخَمْر يَعُود خَلًّا مِنْ سَاعَته بِنَفْسِهِ أَوْ بِالتَّخْلِيلِ فَيَعُود طَاهِرًا , كَذَا الْمُؤْمِن يَعُود مِنْ سَاعَته بِالتَّوْبَةِ النَّصُوح طَاهِرًا مِنْ خَبَث الذُّنُوب الْمُتَقَدِّمَة الَّتِي كَانَ مُتَنَجِّسًا بِاتِّصَافِهِ بِهَا إِمَّا بِبَاعِثٍ مِنْ غَيْره مِنْ مَوْعِظَة وَنَحْوهَا وَهُوَ كَالتَّخْلِيلِ , أَوْ بِبَاعِثٍ مِنْ نَفْسه وَهُوَ كَالتَّخَلُّلِ. فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَتَعَرَّض لِمُعَالَجَةِ قَلْبه لِئَلَّا يَهْلَك وَهُوَ عَلَى الصِّفَة الْمَذْمُومَة. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏الْحَبْلَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث وَائِل عِنْدَ مُسْلِم بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَحُكِيَ ضَمّهَا وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَبِفَتْحِهَا أَيْضًا وَهُوَ أَشْهَر : هِيَ شَجَرَة الْعِنَب , وَقِيلَ أَصْل الشَّجَرَة , وَقِيلَ الْقَضِيب مِنْهَا. وَقَالَ فِي \" الْمُحْكَم \" الْحَبَل بِفَتْحَتَيْنِ شَجَر الْعِنَب , الْوَاحِدَة حَبْلَة , وَبِالضَّمِّ ثُمَّ السُّكُون الْكَرْم , وَقِيلَ الْأَصْل مِنْ أُصُوله , وَهُوَ أَيْضًا اِسْم ثَمَر السَّمَر وَالْعِضَاه. ‏"
    },
    {
        "id": "5716",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُفَدِّي أَحَدًا غَيْرَ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي أَظُنُّهُ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( يَفْدِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْفَاء لِلْكُشْمِيهَنِيّ , وَلِغَيْرِهِ بِضَمِّ أَوَّله وَالْفَاء الْمَفْتُوحَة وَالتَّشْدِيد , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص بَيَان الْجَمْع بَيْنَ حَدِيث الزُّبَيْر الْمَذْكُور فِي الْبَاب فِي إِثْبَات التَّفْدِيَة لَهُ وَبَيْنَ حَدِيث عَلِيّ هَذَا فِي نَفْي ذَلِكَ عَنْ غَيْر سَنَد , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ رَمَزَ بِذَلِكَ إِلَى هَذَا الْجَمْع , وَغَفَلَ مَنْ خَصَّ حَدِيث الزُّبَيْر بِتَخْرِيجِ مُسْلِم مَعَ إِخْرَاج الْبُخَارِيّ لَهُ وَرَمْزه إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَاب , وَقَوْله فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث \" أَظُنّهُ يَوْم أُحُد \" تَقَدَّمَ الْجَزْم بِذَلِكَ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِيهِ فِي غَزْوَة أُحُد مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي وَلَفْظه \" فَإِنِّي سَمِعْته يَقُول : اِرْمِ سَعْد , فِدَاك أَبِي وَأُمِّي \" وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ سَبَب هَذَا الْقَوْل لِسَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاص رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5717",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ ‏ ‏وَأَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏مُرْدِفُهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَثَرَتْ النَّاقَةُ فَصُرِعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْمَرْأَةُ وَأَنَّ ‏ ‏أَبَا طَلْحَةَ ‏ ‏قَالَ أَحْسِبُ اقْتَحَمَ عَنْ بَعِيرِهِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ هَلْ أَصَابَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ ‏ ‏لَا وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْمَرْأَةِ فَأَلْقَى ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَصَدَ قَصْدَهَا فَأَلْقَى ثَوْبَهُ عَلَيْهَا فَقَامَتْ الْمَرْأَةُ فَشَدَّ لَهُمَا عَلَى رَاحِلَتِهِمَا فَرَكِبَا فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِظَهْرِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏أَوْ قَالَ أَشْرَفُوا عَلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى دَخَلَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي إِرْدَاف صَفِيَّة قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر كِتَاب اللِّبَاس , وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْل أَبِي طَلْحَة \" يَا نَبِيّ اللَّه جَعَلَنِي اللَّه فِدَاك , هَلْ أَصَابَك شَيْء \" ؟ وَقَدْ تَرْجَمَ أَبُو دَاوُدَ نَحْو هَذِهِ التَّرْجَمَة وَسَاقَ حَدِيث أَبِي ذَرّ \" قُلْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْك , جَعَلَنِي اللَّه فِدَاك \" الْحَدِيث , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" فِي التَّرْجَمَة. قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلِيل عَلَى جَوَاز قَوْل ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُبَارَك بْن فَضَالَة عَنْ الْحَسَن قَالَ \" دَخَلَ الزُّبَيْر عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ شَاكٌّ فَقَالَ : كَيْف تَجِدك جَعَلَنِي اللَّه فِدَاك ؟ قَالَ : مَا تَرَكْت أَعْرَابِيَّتك بَعْد \" ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه وَمِنْ وَجْه آخَر ثُمَّ قَالَ : لَا حُجَّة فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَنْع , لِأَنَّهُ لَا يُقَاوِم تِلْكَ الْأَحَادِيث فِي الصِّحَّة. وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوت ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ صَرِيح الْمَنْع , بَلْ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ تَرْك الْأَوْلَى فِي الْقَوْل لِلْمَرِيضِ إِمَّا بِالتَّأْنِيسِ وَالْمُلَاطَفَة وَإِمَّا بِالدُّعَاءِ وَالتَّوَجُّع. فَإِنْ قِيلَ : إِنَّمَا سَاغَ ذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي دَعَا بِذَلِكَ كَانَ أَبَوَاهُ مُشْرِكَيْنِ , فَالْجَوَاب أَنَّ قَوْل أَبِي طَلْحَة كَانَ بَعْد أَنْ أَسْلَمَ , وَكَذَا أَبُو ذَرّ. وَقَوْل أَبِي بَكْر كَانَ بَعْد أَنْ أَسْلَمَ أَبَوَاهُ. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَيُمْكِن أَنْ يُعْتَرَض بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ تَسْوِيغ قَوْل ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسُوغ لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّ نَفْسه أَعَزُّ مِنْ أَنْفُس الْقَائِلِينَ وَآبَائِهِمْ وَلَوْ كَانُوا أَسْلَمُوا , فَالْجَوَاب مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَام اِبْن أَبِي عَاصِم , فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْأَصْل عَدَم الْخُصُوصِيَّة. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي عَاصِم مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِفَاطِمَة \" فِدَاك أَبُوك \" وَمِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ \" فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي \" وَمَنْ حَدِيث أَنَس أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مِثْل ذَلِكَ لِلْأَنْصَارِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5718",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ ‏ ‏الْقَاسِمَ ‏ ‏فَقُلْنَا لَا نَكْنِيكَ ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏وَلَا كَرَامَةَ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَمِّ ابْنَكَ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ جَابِر وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَام ) ‏ ‏اِسْم الرَّجُل الْمَذْكُور لَمْ أَقِف عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَسَمَّاهُ الْقَاسِم ) ‏ ‏مُقْتَضَى رِوَايَة مُسْلِم عَنْ رِفَاعَة بْن الْهَيْثَم عَنْ خَالِد بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور هُنَا \" فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا \" إِلَّا أَنَّهُ أَوْرَدَهُ عَقِبَ رِوَايَة عَبْثَرٍ وَهُوَ بِوَزْنِ جَعْفَر بِعَيْنِ مُهْمَلَة ثُمَّ مُوَحَّدَة ثُمَّ سَاكِنَة ثُمَّ مُثَلَّثَة عَنْ حُصَيْن بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَفِي آخِره \" سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تُكَنُّوا بِكُنْيَتِي , فَإِنَّمَا بُعِثْت قَاسِمًا أَقْسِم بَيْنَكُمْ \" ثُمَّ سَاقَ رِوَايَة خَالِد وَقَالَ بِهَذَا الْإِسْنَاد وَلَمْ يُذْكَر \" فَإِنَّمَا بُعِثْت قَاسِمًا أَقْسِم بَيْنَكُمْ \" وَكَأَنَّ الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى خَالِد , فَإِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة وُهَيْب بْن بَقِيَّة عَنْ خَالِد فَقَالَ \" فَسَمَّاهُ الْقَاسِم \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ حُصَيْن فَقَالَ \" سَمَّاهُ الْقَاسِم \" وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة مَعْمَر عَنْ مَنْصُور كَذَلِكَ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ رِوَايَة يُوسُف الْقَاضِي عَنْ مُسَدَّد عَنْ خَالِد فَقَالَ \" سَمَّاهُ بِاسْمِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" هَكَذَا قَالَهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ : حُصَيْن أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج عَلَى مُسْلِم \" وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيح رِوَايَة رِفَاعَة بْن الْهَيْثَم , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ زِيَاد الْبُكَائِيّ عَنْ مَنْصُور كَمَا قَالَ رِفَاعَة , وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى شُعْبَة أَيْضًا فِي \" بَاب قَوْله تَعَالَى : فَإِنَّ لِلَّهِ خُمُسه وَلِلرَّسُولِ \" يَعْنِي قَسْم ذَلِكَ مِنْ كِتَاب فَرْض الْخُمُس فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ هُنَاكَ عَنْ أَبِي الْوَلِيد عَنْ شُعْبَة عَنْ سُلَيْمَان وَهُوَ الْأَعْمَش وَمَنْصُور وَقَتَادَةُ قَالُوا سَمِعْنَا سَالِمًا أَيْ اِبْن أَبِي الْجَعْد عَنْ جَابِر قَالَ \" وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَام فَأَرَادَ أَنْ يُسَمِّيه مُحَمَّدًا \" قَالَ : وَقَالَ عُمَر وَيَعْنِي اِبْن مَرْزُوق عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ بِسَنَدِهِ \" أَرَادَ أَنْ يُسَمِّيه الْقَاسِم \" وَأَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش فَقَالَ \" أَرَادَ أَنْ يُسَمِّيه الْقَاسِم \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة جَرِير عَنْ مَنْصُور فَقَالَ فِيهِ \" وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَام فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا فَقَالَ لَهُ قَوْمه : لَا نَدَعك تُسَمِّيه بِاسْمِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ بِابْنِهِ حَامِله عَلَى ظَهْره فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه وُلِدَ لِي غُلَام فَسَمَّيْته مُحَمَّدًا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَقَدْ بَيَّنَ شُعْبَة أَنَّ فِي رِوَايَة مَنْصُور عَنْ سَالِم عَنْ جَابِر أَنَّ الْأَنْصَارِيّ قَالَ \" حَمَلْته عَلَى عُنُقِي \" أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيّ فِي فَرْض الْخُمُس , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُون مِنْ مُسْنَد الْأَنْصَارِيّ مِنْ رِوَايَة جَابِر عَنْهُ , وَسَائِر الرِّوَايَات عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ مُسْنَد جَابِر , وَفِيهِ أَوْرَدَهُ أَصْحَاب الْمَسَانِيد وَالْأَطْرَاف , وَقَدَّمْت فِي فَرْض الْخُمُس أَنَّ رِوَايَة مَنْ قَالَ أَرَادَ أَنْ يُسَمِّيه الْقَاسِم أَرْجَح , وَذَكَرْت وَجْه رُجْحَانه. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَف عَلَى مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر فِي ذَلِكَ كَمَا أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّف فِي آخِر الْبَاب الَّذِي يَلِيه. ‏ ‏قَوْله : ( لَا نُكَنِّيك أَبَا الْقَاسِم وَلَا كَرَامَة ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْبَاب بَعْده مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَلَا نُنَعِّمك عَيْنًا \" هُوَ مِنْ الْإِنْعَام أَيْ لَا نُنَعِّم عَلَيْك بِذَلِكَ فَتَقَرّ بِهِ عَيْنك , وَيُؤْخَذ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّة تَكْنِيَة الْمَرْء بِمَنْ يُولَد لَهُ وَلَا يَخْتَصّ بِأَوَّلِ أَوْلَاده. ‏ ‏قَوْله : ( فَأُخْبِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْهَمْزَة عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَلِبَعْضِهِمْ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ , وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده بِلَفْظِ \" فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقَالَ سَمِّ اِبْنك عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏فِي مُطَابَقَة التَّرْجَمَة لِحَدِيثِ جَابِر عُسْر , وَأَقْرَب مَا قِيلَ أَنَّهُمْ لَمَّا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ التَّكَنِّي بِكُنْيَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِقْتَضَى مَشْرُوعِيَّة الْكُنْيَة , وَأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ أَنْ يُسَمِّيه عَبْد الرَّحْمَن اِخْتَارَ لَهُ اِسْمًا يَطِيب خَاطِره بِهِ إِذْ غَيَّرَ الِاسْم فَاقْتَضَى الْحَال أَنَّهُ لَا يُشِير عَلَيْهِ إِلَّا بِاسْمٍ حَسَن , وَتَوْجِيه كَوْنه أَحْسَن تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْبَاب , قَالَ بَعْض شُرَّاح \" الْمَشَارِق \" لِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى , وَفِيهَا أُصُول وَفُرُوع أَيْ مِنْ حَيْثُ الِاشْتِقَاق قَالَ : وَلِلْأُصُولِ أُصُول أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى , فَأُصُول الْأُصُول اِسْمَانِ اللَّه وَالرَّحْمَن ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُشْتَمِل عَلَى الْأَسْمَاء كُلّهَا , قَالَ كُلّهَا تَعَالَى ( قُلْ ادْعُوا اللَّه أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَن ) وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَسَمَّ بِهِمَا أَحَد. وَمَا وَرَدَ مِنْ رَحْمَن الْيَمَامَة غَيْر وَارِد لِأَنَّهُ مُضَاف , وَقَوْل شَاعِرهمْ \" وَأَنْتَ غَيْث الْوَرَى لَا زِلْت رَحْمَانَا \" تَغَالَى فِي الْكُفْر , وَلَيْسَ بِوَارِدٍ ; لِأَنَّ الْكَلَام فِي أَنَّهُ لَمْ يَتَسَمَّ بِهِ أَحَد , وَلَا يُرَدّ إِطْلَاق مَنْ أَطْلَقَهُ وَصْفًا لِأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِم التَّسْمِيَة بِذَلِكَ , وَقَدْ لُقِّبَ غَيْر وَاحِد الْمَلِك الرَّحِيم وَلَمْ يَقَع مِثْل ذَلِكَ فِي الرَّحْمَن , وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ كَانَتْ إِضَافَة الْعُبُودِيَّة إِلَى كُلّ مِنْهُمَا حَقِيقَة مَحْضَة , فَظَهَرَ وَجْه الْأَحَبِيَّةِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5719",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُصَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ ‏ ‏الْقَاسِمَ ‏ ‏فَقَالُوا لَا نَكْنِيهِ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5720",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5721",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ ‏ ‏الْقَاسِمَ ‏ ‏فَقَالُوا لَا نَكْنِيكَ ‏ ‏بِأَبِي الْقَاسِمِ ‏ ‏وَلَا نُنْعِمُكَ عَيْنًا فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ ‏ ‏أَسْمِ ابْنَكَ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5722",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا اسْمُكَ قَالَ ‏ ‏حَزْنٌ ‏ ‏قَالَ أَنْتَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏قَالَ لَا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏فَمَا زَالَتْ الْحُزُونَةُ فِينَا بَعْدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَمَحْمُودٌ هُوَ ابْنُ غَيْلَانَ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب ) ‏ ‏هُوَ سَعِيد , وَسَمَّاهُ أَحْمَد فِي رِوَايَته عَنْ عَبْد الرَّزَّاق , وَكَذَا مَحْمُود بْن غَيْلَان وَأَحْمَد بْن صَالِح وَغَيْرهمَا. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَاهُ جَاءَ ) ‏ ‏كَذَا رَوَاهُ إِسْحَاق بْن نَصْر عَنْ عَبْد الرَّزَّاق , وَتَابَعَهُ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق فِي رِوَايَته \" عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِجَدِّهِ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَبِي السَّرِيّ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق , وَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف عَنْ عُقْبَةَ عَنْ مَحْمُود بْن غَيْلَان وَعَلِيّ بْن عَبْد اللَّه كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد الرَّزَّاق فَقَالَا فِي رِوَايَتهمَا \" عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه \" وَكَذَا أَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَد بْن صَالِح وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن الضَّيْف كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد الرَّزَّاق وَفِيهِ \" عَنْ جَدّه أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ \" وَهَذَا الِاخْتِلَاف عَلَى عَبْد الرَّزَّاق وَبِحَسْبِهِ يَكُون الْحَدِيث إِمَّا مِنْ مُسْنَد الْمُسَيِّب بْن حَزْن عَلَى الرِّوَايَة الْأُولَى , وَإِمَّا مِنْ مُسْنَد حَزْن بْن أَبِي وَهْب وَالِده عَلَى الرِّوَايَة الثَّانِيَة , وَقَدْ أَعْرَضَ الْحُمَيْدِيُّ تَبَعًا لِأَبِي مَسْعُود عَنْ الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَأَوْرَدَ الْحَدِيث فِي مُسْنَد الْمُسَيِّب , وَأَمَّا الْكَلَابَاذِيّ فَجَزَمَ بِأَنَّ الْحَدِيث مِنْ مُسْنَد حَزْن , وَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَد ; لِأَنَّ الزِّيَادَة مِنْ الثِّقَة مَقْبُولَة وَلَا سِيَّمَا وَفِيهِمْ اِبْن الْمَدِينِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ أَنْتَ سَهْل ) ‏ ‏فِي وَرَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مَحْمُود بْن غَيْلَان , وَمِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن الضَّيْف جَمِيعًا قَالَ \" بَلْ اِسْمك سَهْل \". ‏ ‏قَوْله : ( لَا أُغَيِّر اِسْمًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد بْن صَالِح \" فَقَالَ : لَا , السَّهْل يُوطَأ وَيُمْتَهَن \" وَيُجْمَع بِأَنَّهُ قَالَ كُلًّا مِنْ الْكَلَامَيْنِ فَنَقَلَ بَعْض الرُّوَاة مَا لَمْ يَنْقُلهُ الْآخَر. ‏ ‏قَوْله ( فَمَا زَالَتْ الْحُزُونَة فِينَا بَعْدُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد بْن صَالِح ( فَظَنَنْت أَنَّهُ سَيُصِيبُنَا بَعْده حُزُونَة \". ‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه وَمَحْمُود هُوَ اِبْن غَيْلَان ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ لِلْأَكْثَرِ , وَسَقَطَ مَحْمُود مِنْ رِوَايَة الْأَصِيلِيّ عَنْ أَبِي أَحْمَد الْجُرْجَانِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْهَيْثَم بْن خَلَف عَنْ مَحْمُود بْن غَيْلَان كَمَا قَالَ الْبُخَارِيّ وَلَفْظه كَمَا قَدَّمْته , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم عَنْ أَبِي أَحْمَد وَهُوَ الْغِطْرِيفِيّ عَنْ الْهَيْثَم فَقَالَ فِي السَّنَد \" عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَاهُ جَاءَهُ \" وَالْمُعْتَمَد مَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ أَنَّ الْأَمْر بِتَحْسِينِ الْأَسْمَاء وَبِتَغْيِيرِ الِاسْم إِلَى أَحْسَن مِنْهُ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوب , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. وَقَالَ اِبْن التِّين : مَعْنَى قَوْل اِبْن الْمُسَيِّب \" فَمَا زَالَتْ فِينَا الْحُزُونَة \" يُرِيد اِتِّسَاع التَّسْهِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يُرِيدُونَهُ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : يُرِيد الصُّعُوبَة فِي أَخْلَاقهمْ , إِلَّا أَنَّ سَعِيدًا أَفْضَى بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْغَضَب فِي اللَّه. وَقَالَ غَيْره : يُشِير إِلَى الشِّدَّة الَّتِي بَقِيَتْ فِي أَخْلَاقهمْ. فَقَدْ ذَكَرَ أَهْل النَّسَب أَنَّ فِي وَلَده سُوء خُلُق مَعْرُوف فِيهِمْ لَا يَكَاد يُعْدَم مِنْهُمْ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ هُنَا : قَالُوا لَمْ يُرْوَ عَنْ الْمُسَيِّب بْن حَزْن - وَهُوَ وَأَبُوهُ صَحَابِيَّانِ - إِلَّا اِبْنه سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , وَهَذَا خِلَاف الْمَشْهُور مِنْ شَرْط الْبُخَارِيّ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ وَاحِد لَيْسَ لَهُ إِلَّا رَاوٍ وَاحِد. قُلْت : وَهَذَا الْمَشْهُور رَاجِع إِلَى غَرَابَته , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُذِعْهُ إِلَّا الْحَاكِم وَمَنْ تَلَقَّى كَلَامه , وَأَمَّا الْمُحَقِّقُونَ فَلَمْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ , وَحُجَّتهمْ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَل عَنْ الْبُخَارِيّ صَرِيحًا , وَقَدْ وُجِدَ عَمَله عَلَى خِلَافه فِي عِدَّة مَوَاضِع : مِنْهَا \" هَذَا فُلَان يُعْتَدّ بِهِ \" وَقَدْ قَرَّرْت ذَلِكَ فِي \" النُّكَت عَلَى عُلُوم الْحَدِيث \" وَعَلَى تَقْدِير تَسْلِيم الشَّرْط الْمَذْكُور , فَالْجَوَاب عَنْ هَذَا الْمَوْضِع أَنَّ الشَّرْط الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ فِي غَيْر الصَّحَابَة , وَأَمَّا الصَّحَابَة فَكُلّهمْ عُدُول فَلَا يُقَال فِي وَاحِد مِنْهُمْ بَعْد أَنْ ثَبَتَتْ صُحْبَته مَجْهُول , وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي كَلَام بَعْضهمْ فَهُوَ مَرْجُوح , وَيَحْتَاج مَنْ اِدَّعَى الشَّرْط فِي بَقِيَّة الْمَوَاضِع إِلَى الْأَجْوِبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5723",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُتِيَ ‏ ‏بِالْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ وُلِدَ فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ ‏ ‏وَأَبُو أُسَيْدٍ ‏ ‏جَالِسٌ فَلَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِشَيْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَمَرَ ‏ ‏أَبُو أُسَيْدٍ ‏ ‏بِابْنِهِ فَاحْتُمِلَ مِنْ فَخِذِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَفَاقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَيْنَ الصَّبِيُّ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو أُسَيْدٍ ‏ ‏قَلَبْنَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا اسْمُهُ قَالَ فُلَانٌ قَالَ وَلَكِنْ أَسْمِهِ ‏ ‏الْمُنْذِرَ ‏ ‏فَسَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ ‏ ‏الْمُنْذِرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله : ( أُتِيَ بِالْمُنْذِرِ بْن أُسَيْدٍ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين وُلِدَ ) ‏ ‏أَبُو أُسَيْدٍ بِالتَّصْغِيرِ صَحَابِيّ مَشْهُور , وَلَهُ أَحَادِيث فِي الصَّحِيح , وَتَقَدَّمَ ذِكْر وَلَده هَذَا فِي صَلَاة الْجَمَاعَة فِي الْمَغَازِي , وَتَقَدَّمَتْ رِوَايَته عَنْ أَبِيهِ فِي كِتَاب الطَّلَاق , وَكَانَ الصَّحَابَة إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِهِمْ الْوَلَد أَتَى بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُحَنِّكهُ وَيُبَارِك عَلَيْهِ , وَقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيث. ‏ ‏قَوْله : ( فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذه ) ‏ ‏يَعْنِي إِكْرَامًا لَهُ. ‏ ‏قَوْله : ( فَلَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ اِشْتَغَلَ , وَكُلّ مَا شَغَلَك عَنْ شَيْء فَقَدْ أَلْهَاك عَنْ غَيْره. قَالَ اِبْن التِّين : رُوِيَ لَهِيَ بِوَزْنِ عَلِمَ وَهِيَ اللُّغَة الْمَشْهُورَة , وَبِالْفَتْحِ لُغَة طَيِّئ. ‏ ‏قَوْله : ( فَاسْتَفَاقَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ اِنْقَضَى مَا كَانَ مُشْتَغِلًا بِهِ فَأَفَاقَ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَرَ الصَّبِيّ فَسَأَلَ عَنْهُ , يُقَال أَفَاقَ مِنْ نَوْمه وَمِنْ مَرَضه وَاسْتَفَاقَ بِمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله : ( قَلَّبْنَاهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَتَشْدِيد اللَّام بَعْدهَا مُوَحَّدَة سَاكِنَة أَيْ صَرَفْنَاهُ إِلَى مَنْزِله , وَذَكَرَ اِبْن التِّين أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَته أَقْلَبْنَاهُ بِزِيَادَةِ هَمْزَة أَوَّله , قَالَ وَالصَّوَاب حَذْفهَا وَأَثْبَتَهَا غَيْره لُغَة. ‏ ‏قَوْله : ( مَا اِسْمه ؟ قَالَ فُلَان ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِينه , فَكَأَنَّهُ كَانَ سَمَّاهُ اِسْمًا لَيْسَ مُسْتَحْسَنًا فَسَكَتَ عَنْ تَعْيِينه. أَوْ سَمَّاهُ فَنَسِيَهُ بَعْض الرُّوَاة. ‏ ‏قَوْله : ( وَلَكِنَّ اِسْمه الْمُنْذِر ) ‏ ‏أَيْ لَيْسَ هَذَا الِاسْم الَّذِي سَمَّيْته بِهِ الَّذِي يَلِيق بِهِ بَلْ هُوَ الْمُنْذِر , قَالَ الدَّاوُدِيُّ : سَمَّاهُ الْمُنْذِر تَفَاؤُلًا أَنْ يَكُون لَهُ عِلْم يُنْذِر بِهِ. قُلْت : وَتَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُ سُمِّيَ الْمُنْذِر بِالْمُنْذِرِ بْن عَمْرو السَّاعِدِيّ الْخَزْرَجِيّ وَهُوَ صَحَابِيّ مَشْهُور مِنْ رَهْط أَبِي أُسَيْدٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "5724",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْنَبَ ‏ ‏كَانَ اسْمُهَا ‏ ‏بَرَّةَ ‏ ‏فَقِيلَ تُزَكِّي نَفْسَهَا فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَيْنَبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَطَاء بْن أَبِي مَيْمُونَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن هِلَال مَوْلَى أَنَس , ‏ ‏وَأَبُو رَافِع ‏ ‏هُوَ نُفَيْع الصَّانِع. ‏ ‏قَوْله : ( أَنَّ زَيْنَب كَانَ اِسْمهَا بَرَّة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الرَّاء , كَذَا فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَهُوَ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة , وَوَافَقَهُ جَمَاعَة. وَقَالَ عَمْرو بْن مَرْزُوق عَنْ شُعْبَة بِهَذَا السَّنَد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" كَانَ اِسْم مَيْمُونَة بَرَّة \" أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" عَنْهُ , وَالْأَوَّل أَكْبَر , وَزَيْنَب هِيَ بِنْت جَحْش أَوْ بِنْت أَبِي سَلَمَة , وَالْأُولَى زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالثَّانِيَة رَبِيبَته , وَكُلّ مِنْهُمَا كَانَ اِسْمهَا أَوَّلًا بَرَّة فَغَيَّرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَذَا قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَقِصَّة زَيْنَب بِنْت جَحْش أَخْرَجَهَا مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ فِي أَثْنَاء حَدِيث عَنْ زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة قَالَ \" سَمَّيْت بَرَّة فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُزَكُّوا أَنْفُسكُمْ فَإِنَّ اللَّه أَعْلَم بِأَهْلِ الْبِرّ مِنْكُمْ. قَالُوا : مَا نُسَمِّيهَا ؟ قَالَ : سَمُّوهَا زَيْنَب \" وَفِي بَعْض رِوَايَات مُسْلِم \" وَكَانَ اِسْم زَيْنَب بِنْت جَحْش بَرَّة \" وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْمُؤْتَلِف \" بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْف \" أَنَّ زَيْنَب بِنْت جَحْش قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه اِسْمِي بَرَّة فَلَوْ غَيَّرْته , فَإِنَّ الْبَرَّة صَغِيرَة , فَقَالَ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَسَمَّيْته بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهَا , وَلَكِنْ هُوَ جَحْش فَالْجَحْش أَكْبَر مِنْ الْبَرَّة \" وَقَدْ وَقَعَ مِثْل ذَلِكَ لِجُوَيْرِيَةَ بِنْت الْحَارِث أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , فَأَخْرَجَ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : \" كَانَ اِسْم جُوَيْرِيَة بِنْت الْحَارِث بَرَّة , فَحَوَّلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْمهَا فَسَمَّاهَا جُوَيْرِيَة , كَرِهَ أَنْ يَقُول خَرَجَ مِنْ عِنْدَ بَرَّة \". ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ تُزَكِّي نَفْسهَا ) ‏ ‏أَيْ لِأَنَّ لَفْظَة \" بَرَّة \" مُشْتَقَّة مِنْ الْبِرّ , وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي قِصَّة جُوَيْرِيَة \" كَرِهَ أَنْ يُقَال خَرَجَ مِنْ عِنْدَ بَرَّة \" وَقَالَ فِي قِصَّة زَيْنَب \" اللَّه أَعْلَم بِأَهْلِ الْبِرّ مِنْكُمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5725",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ ‏ ‏قَالَ جَلَسْتُ إِلَى ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏فَحَدَّثَنِي أَنَّ جَدَّهُ ‏ ‏حَزْنًا ‏ ‏قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا اسْمُكَ قَالَ اسْمِي ‏ ‏حَزْنٌ ‏ ‏قَالَ بَلْ أَنْتَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏قَالَ مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏فَمَا زَالَتْ فِينَا الْحُزُونَةُ بَعْدُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف , ‏ ‏وَعَبْد الْحَمِيد بْن جُبَيْر بْن شَيْبَة ‏ ‏أَيْ اِبْن عُثْمَان الْحَجَبِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَدَّثَنِي أَنَّ جَدّه حَزْنًا ) ‏ ‏هَكَذَا أَرْسَلَ سَعِيد الْحَدِيث لَمَّا حَدَّثَ بِهِ عَبْد الْحَمِيد , وَلِمَا حَدَّثَ بِهِ الزُّهْرِيّ وَصَلَهُ عَنْ أَبِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَهَذَا عَلَى قَاعِدَة الشَّافِعِيّ أَنَّ الْمُرْسَل إِذَا جَاءَ مَوْصُولًا مِنْ وَجْه آخَر تَبَيَّنَ صِحَّة مَخْرَج الْمُرْسَل , وَقَاعِدَة الْبُخَارِيّ أَنَّ الِاخْتِلَاف فِي الْوَصْل وَالْإِرْسَال لَا يَقْدَح الْمُرْسَل فِي الْمَوْصُول إِذَا كَانَ الْوَاصِل أَحْفَظ مِنْ الْمُرْسِل , كَاَلَّذِي هُنَا فَإِنَّ الزُّهْرِيّ أَحْفَظ مِنْ عَبْد الْحَمِيد , قَالَ الطَّبَرِيُّ لَا تَنْبَغِي التَّسْمِيَة بِاسْمٍ قَبِيح الْمَعْنَى , وَلَا بِاسْمٍ يَقْتَضِي التَّزْكِيَة لَهُ , وَلَا بِاسْمٍ مَعْنَاهُ السَّبّ. قُلْت : الثَّالِث أَخَصُّ مِنْ الْأَوَّل , قَالَ : وَلَوْ كَانَتْ الْأَسْمَاء إِنَّمَا هِيَ أَعْلَام لِلْأَشْخَاصِ لَا يُقْصَد بِهَا حَقِيقَة الصِّفَة , لَكِنْ وَجْه الْكَرَاهَة أَنْ يَسْمَع سَامِع بِالِاسْمِ فَيَظُنّ أَنَّهُ صِفَة لِلْمُسَمَّى , فَلِذَلِكَ كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَوِّل الِاسْم إِلَى مَا إِذَا دُعِيَ بِهِ صَاحِبه كَانَ صِدْقًا , قَالَ : وَقَدْ غَيَّرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَّة أَسْمَاء , وَلَيْسَ مَا غَيَّرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْه الْمَنْع مِنْ التَّسَمِّي بِهَا بَلْ عَلَى وَجْه الِاخْتِيَار , قَالَ : وَمِنْ ثَمَّ أَجَازَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُسَمَّى الرَّجُل الْقَبِيح بِحَسَنٍ وَالْفَاسِد بِصَالِحٍ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُلْزِمْ حَزْنًا لَمَّا اِمْتَنَعَ مِنْ تَحْوِيل اِسْمه إِلَى سَهْل بِذَلِكَ , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا لَمَا أَقَرَّهُ عَلَى قَوْله \" لَا أُغَيِّر اِسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي \" اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْر بِتَحْسِينِ الْأَسْمَاء , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء رَفَعَهُ \" إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْم الْقِيَامَة بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاء آبَائِكُمْ , فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ \" وَرِجَاله ثِقَات , إِلَّا أَنَّ فِي سَنَده اِنْقِطَاعًا بَيْنَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي زَكَرِيَّا رَاوِيه عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء [ وَأَبِي الدَّرْدَاء ] فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِكهُ , قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَقَدْ غَيَّرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَاص وَعَتَلَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُثَنَّاة بَعْدهَا لَام وَشَيْطَان وَغُرَاب وَحُبَاب بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة وَشِهَاب وَحَرْب وَغَيْر ذَلِكَ قُلْت : وَالْعَاصِي الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ مُطِيع بْن الْأَسْوَد الْعَدَوِيُّ وَالِد عَبْد اللَّه بْن مُطِيع , وَوَقَعَ مِثْله لِعَبْدِ اللَّه بْن الْحَارِث بْن جُزْء وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث بِسَنَدٍ حَسَن وَالْأَخْبَار فِي مِثْل ذَلِكَ كَثِيرَة , وَعَتَلَة هُوَ عُتْبَة بْن عَبْد السُّلَمِيُّ , وَشَيْطَان هُوَ عَبْد اللَّه , وَغُرَاب هُوَ مُسْلِم أَبُو رَايِطَة , وَحُبَاب هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , وَشِهَاب هُوَ هِشَام بْن عَامِر الْأَنْصَارِيّ , وَحَرْب هُوَ الْحَسَن بْن عَلِيّ سَمَّاهُ عَلِيّ أَوَّلًا حَرْبًا , وَأَسَانِيدهَا مُبَيَّنَة فِي كِتَابِي فِي الصَّحَابَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5726",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَأَيْتَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏ابْنَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ مَاتَ صَغِيرًا وَلَوْ قُضِيَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَبِيٌّ عَاشَ ابْنُهُ وَلَكِنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْن نُمَيْر ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر نُسِبَ لِجَدِّهِ , ‏ ‏وَمُحَمَّد بْن بِشْر ‏ ‏هُوَ الْعَبْدِيُّ , ‏ ‏وَإِسْمَاعِيل ‏ ‏هُوَ اِبْن خَالِد , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله : ( قُلْت لِابْنِ أَبِي أَوْفَى ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه الصَّحَابِيّ اِبْن الصَّحَابِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( رَأَيْت إِبْرَاهِيم اِبْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ مَاتَ صَغِيرًا ) ‏ ‏تَضَمَّنَ كَلَامه جَوَاب السُّؤَال بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ وَصَرَّحَ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ : نَعَمْ رَأَيْته لَكِنْ مَاتَ صَغِيرًا. ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَب فِي ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بْن حُمَيْدٍ عَنْ إِسْمَاعِيل عَنْ أَبِي خَالِد بِلَفْظِ \" قَالَ نَعَمْ كَانَ أَشْبَهَ النَّاس بِهِ , مَاتَ وَهُوَ صَغِير \" أَخْرَجَهُ اِبْن مِنْدَهْ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ إِسْمَاعِيل \" سَأَلْت اِبْن أَبِي أَوْفَى عَنْ إِبْرَاهِيم اِبْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْل أَيّ شَيْء كَانَ حِين مَاتَ ؟ قَالَ : كَانَ صَبِيًّا \". ‏ ‏قَوْله : ( وَلَوْ قُضِيَ أَنْ يَكُون بَعْد مُحَمَّد نَبِيّ عَاشَ اِبْنه ) ‏ ‏إِبْرَاهِيم ‏ ‏( وَلَكِنْ لَا نَبِيّ بَعْده ) ‏ ‏هَكَذَا جَزَمَ بِهِ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى. وَمِثْل هَذَا لَا يُقَال بِالرَّأْيِ , وَقَدْ تَوَارَدَ عَلَيْهِ جَمَاعَة : فَأَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ \" لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيم اِبْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ : إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّة , لَوْ عَاشَ لَكَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا , وَلَأَعْتَقْت أَخْوَاله الْقِبْط \" وَرَوَى أَحْمَد وَابْن مِنْدَهْ مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ \" سَأَلْت أَنَسًا كَمْ بَلَغَ إِبْرَاهِيم ؟ قَالَ كَانَ قَدْ مَلَأَ الْمَهْد , وَلَوْ بَقِيَ لَكَانَ نَبِيًّا , وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لِيَبْقَى ; لِأَنَّ نَبِيّكُمْ آخِر الْأَنْبِيَاء \" وَلَفْظ أَحْمَد \" لَوْ عَاشَ إِبْرَاهِيم اِبْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا \" وَلَمْ يَذْكُر الْقِصَّة فَهَذِهِ عِدَّة أَحَادِيث صَحِيحَة عَنْ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا ذَلِكَ , فَلَا أَدْرِي مَا الَّذِي حَمَلَ النَّوَوِيّ فِي تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور مِنْ كِتَاب تَهْذِيب الْأَسْمَاء وَاللُّغَات عَلَى اِسْتِنْكَار ذَلِكَ وَمُبَالَغَته حَيْثُ قَالَ : هُوَ بَاطِل , وَجَسَارَة فِي الْكَلَام عَلَى الْمُغَيَّبَات , وَمُجَازَفَة وَهُجُوم عَلَى عَظِيم مِنْ الزَّلَل. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِسْتَحْضَرَ ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَة الْمَذْكُورِينَ , فَرَوَاهُ عَنْ غَيْرهمْ مِمَّنْ تَأَخَّرَ فَقَالَ ذَلِكَ , وَقَدْ اِسْتَنْكَرَ قَبْله اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي \" الِاسْتِيعَاب \" الْحَدِيث الْمَذْكُور فَقَالَ هَذَا لَا أَدْرِي مَا هُوَ , وَقَدْ وَلَدَ نُوح مَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ , وَكَمَا يَلِد غَيْر النَّبِيّ نَبِيًّا فَكَذَا يَجُوز عَكْسه , حَتَّى نُسِبَ قَائِله إِلَى الْمُجَازَفَة وَالْخَوْض فِي الْأُمُور الْمُغَيَّبَة بِغَيْرِ عِلْم إِلَى غَيْر ذَلِكَ , مَعَ أَنَّ الَّذِي نُقِلَ عَنْ الصَّحَابَة الْمَذْكُورِينَ إِنَّمَا أَتَوْا فِيهِ بِقَضِيَّةٍ شَرْطِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "5727",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا مَاتَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث الْبَرَاء \" لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيم قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّة \" ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ بِضَمِّ الْمِيم عَلَى أَنَّهُ اِسْم فَاعِل مِنْ أَرْضَعَ أَيْ مَنْ يُتِمّ إِرْضَاعه. وَبِفَتْحِهَا أَيْ أَنَّ لَهُ رَضَاعًا فِي الْجَنَّة. وَقَالَ اِبْن التِّين فِي الصِّحَاح : اِمْرَأَة مُرْضِع أَيْ لَهَا وَلَد تُرْضِعهُ , فَهِيَ مُرْضِعَة بِضَمِّ أَوَّله , فَإِنْ وَصَفْتهَا بِإِرْضَاعِهِ قُلْت مَرْضِعَة يَعْنِي بِفَتْحِ الْمِيم , قَالَ : وَالْمَعْنَى هُنَا يَصِحّ , وَلَكِنْ لَمْ يَرْوِهِ أَحَد بِفَتْحِ الْمِيم. قُلْت : وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَنَّ لَهُ مُرْضِعًا تُرْضِعهُ فِي الْجَنَّة \" وَالْمَعْنَى تُكْمِل إِرْضَاعه ; لِأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ كَانَ اِبْن سِتَّة عَشَرَ شَهْرًا أَوْ ثَمَانِيَة عَشَرَ شَهْرًا عَلَى اِخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ , وَقِيلَ إِنَّمَا عَاشَ سَبْعِينَ يَوْمًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5728",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر \" سَمُّوا بِاسْمِي \" ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا عَنْ آدَم عَنْ شُعْبَة عَنْ حُصَيْن , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه قَرِيبًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ شُعْبَة عَنْ حُصَيْن بِتَمَامِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( وَرَوَاهُ أَنَس ) ‏ ‏تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ قَرِيبًا فِي \" بَاب قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمُّوا بِاسْمِي \". ‏"
    },
    {
        "id": "5729",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا ‏ ‏بِكُنْيَتِي وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالسَّرَخْسِيّ هُنَا \" بِكِنْوَتِي \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهه قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَام ) ‏ ‏الْحَدِيث هُوَ حَدِيث آخَر جَمَعَهُمَا الرَّاوِي بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب التَّعْبِير. ‏ ‏قَوْله : ( وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ) ‏ ‏الْحَدِيث هُوَ حَدِيث آخَر تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْعِلْم. ‏"
    },
    {
        "id": "5730",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَمَّاهُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَدَفَعَهُ إِلَيَّ وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏",
        "sharh": "عَنْ أَبِي مُوسَى هُوَ الْأَشْعَرِيّ قَالَ : \" وُلِدَ لِي غُلَام \". ‏ ‏قَوْله : ( وَكَانَ أَكْبَر وَلَدِ أَبِي مُوسَى ) ‏ ‏هَذَا يُشْعِر بِأَنَّ أَبَا مُوسَى كُنِّيَ قَبْل أَنْ يُولَد لَهُ , وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ الْأَمْر عَلَى غَيْر ذَلِكَ لَكُنِّيَ بِابْنِهِ إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور , وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ كَانَ يُكَنَّى أَبَا إِبْرَاهِيم. ‏"
    },
    {
        "id": "5731",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْمُغِيرَة \" اِنْكَسَفَتْ الشَّمْس يَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم \" كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكُسُوف بِهَذَا الْإِسْنَاد مُطَوَّلًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ زِيَاد بْن عِلَاقَة مُطَوَّلًا أَيْضًا وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله : ( رَوَاهُ أَبُو بَكْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏يُشِير إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مَوْصُولًا فِي الْكُسُوف وَمُعَلَّقًا , لَكِنْ لَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ طُرُق حَدِيث أَبِي بَكْرَة التَّصْرِيح بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم , إِلَّا فِي رِوَايَة أَسْنَدَهَا فِي \" بَاب كُسُوف الْقَمَر \" مَعَ أَنَّ مَجْمُوع الْأَحَادِيث تَدُلّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ , قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث جَوَاز التَّسْمِيَة بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاء , وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّهُ قَالَ \" أَحَبُّ الْأَسْمَاء إِلَى اللَّه أَسْمَاء الْأَنْبِيَاء \" وَإِنَّمَا كَرِهَ عُمَر ذَلِكَ , لِئَلَّا يَسُبّ أَحَد الْمُسَمَّى بِذَلِكَ فَأَرَادَ تَعْظِيم الِاسْم لِئَلَّا يُبْتَذَل فِي ذَلِكَ وَهُوَ قَصْد حَسَن , وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الْحُجَّة فِي ذَلِكَ حَدِيث أَنَس \" يُسَمُّونَهُمْ مُحَمَّدًا وَيَلْعَنُونَهُمْ \" قَالَ : وَهُوَ ضَعِيف ; لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَة الْحَكَم بْن عَطِيَّة عَنْ ثَابِت عَنْهُ , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوته فَلَا حُجَّة فِيهِ لِلْمَنْعِ , بَلْ فِيهِ النَّهْي عَنْ لَعْن مَنْ يُسَمَّى مُحَمَّدًا , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب سَمُّوا بِاسْمِي \" قَالَ وَيُقَال إِنَّ طَلْحَة قَالَ لِلزُّبَيْرِ : أَسْمَاء بَنِيَّ أَسْمَاء الْأَنْبِيَاء وَأَسْمَاء بَنِيك أَسْمَاء الشُّهَدَاء , فَقَالَ : أَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُون بَنِيَّ شُهَدَاء , وَأَنْتَ لَا تَرْجُو أَنْ يَكُون بَنُوك أَنْبِيَاء , فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ أَوْلَى مِنْ الَّذِي فَعَلَهُ طَلْحَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5732",
        "content": "‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا رَفَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ ‏ ‏الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ ‏ ‏وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ‏ ‏وَالْمُسْتَضْعَفِينَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي ‏ ‏يُوسُفَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5733",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَائِشَ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏يُقْرِئُكِ السَّلَامَ قُلْتُ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ قَالَتْ وَهُوَ يَرَى مَا لَا نَرَى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5734",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏فِي الثَّقَلِ ‏ ‏وَأَنْجَشَةُ ‏ ‏غُلَامُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسُوقُ بِهِنَّ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَنْجَشُ ‏ ‏رُوَيْدَكَ سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( يَا أَنْجَشُ رُوَيْدك ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب مَا يَجُوز مِنْ الشِّعْر \" وَأَكْثَر مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَات بِغَيْرِ تَرْخِيم , وَيَجُوز فِي الشِّين الضَّمّ وَالْفَتْح كَمَا فِي الَّذِي قَبْله. ‏"
    },
    {
        "id": "5735",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏أَبُو عُمَيْرٍ ‏ ‏قَالَ أَحْسِبُهُ فَطِيمًا وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا عُمَيْرٍ ‏ ‏مَا فَعَلَ ‏ ‏النُّغَيْرُ ‏ ‏نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلَاةَ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5736",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنْ كَانَتْ أَحَبَّ أَسْمَاءِ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏إِلَيْهِ ‏ ‏لَأَبُو تُرَابٍ ‏ ‏وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ أَنْ يُدْعَى بِهَا وَمَا سَمَّاهُ ‏ ‏أَبُو تُرَابٍ ‏ ‏إِلَّا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَاضَبَ يَوْمًا ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏فَخَرَجَ فَاضْطَجَعَ إِلَى الْجِدَارِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَجَاءَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتْبَعُهُ فَقَالَ هُوَ ذَا مُضْطَجِعٌ فِي الْجِدَارِ فَجَاءَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَامْتَلَأَ ظَهْرُهُ تُرَابًا فَجَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ ظَهْرِهِ وَيَقُولُ اجْلِسْ يَا ‏ ‏أَبَا تُرَابٍ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي السَّنَد ‏ ‏\" سُلَيْمَان \" ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال , ‏ ‏وَقَوْله \" عَنْ سَهْل بْن سَعْد \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ خَالِد بْن مَخْلَدٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِهَذَا السَّنَد \" سَمِعْت سَهْل بْن سَعْد \" وَقَوْله وَمَا سَمَّاهُ أَبُو تُرَاب إِلَّا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اِبْن التِّين : صَوَابه أَبَا تُرَاب. قُلْت : وَلَيْسَ الَّذِي وَقَعَ فِي الْأَصْل خَطَأ بَلْ هُوَ مُوَجَّه عَلَى الْحِكَايَة , أَوْ عَلَى جَعْل الْكُنْيَة اِسْمًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ \" أَبَا تُرَاب \" وَنَبَّهَ عَلَى اِخْتِلَاف الرِّوَايَات فِي ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر الْمُشَار إِلَيْهَا آنِفًا بِالنَّصْبِ أَيْضًا. ‏ ‏وَقَوْله \" إِنْ كَانَتْ لَأَحَبَّ أَسْمَائِهِ إِلَيْهِ \" ‏ ‏فِيهِ إِطْلَاق الِاسْم عَلَى الْكُنْيَة , وَأَنَّثَ \" كَانَتْ \" بِاعْتِبَارِ الْكُنْيَة. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : أَنْ مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة وَكَانَتْ زَائِدَة , وَأَحَبَّ مَنْصُوب عَلَى أَنَّهُ اِسْم أَنَّ , وَهِيَ وَإِنْ خُفِّفَتْ لَكِنْ لَا يُوجِب تَخْفِيفهَا إِلْغَاءَهَا. قُلْت : وَلَمْ يَتَعَيَّن مَا قَالَ , بَلْ كَانَتْ عَلَى حَالهَا. وَأَشَارَ سَهْل بِذَلِكَ إِلَى اِنْقِضَاء مَحَبَّته بِمَوْتِهِ , وَسَهْل إِنَّمَا حَدَّثَ بِذَلِكَ بَعْد مَوْت عَلِيّ بِدَهْرٍ. وَقَالَ اِبْن التِّين : وَأَنَّثَ كَانَتْ عَلَى تَأْنِيث الْأَسْمَاء مِثْل ( وَجَاءَتْ كُلّ نَفْس ) وَمِثْل \" كَمَا شَرِقَتْ صَدْر الْقَنَاة \" كَذَا قَالَ , وَمَا تَقَدَّمَ أَوْلَى. ‏ ‏وَقَوْله \" وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَح أَنْ نَدْعُوهَا \" ‏ ‏بِنُونٍ مَفْتُوحَة وَدَال سَاكِنَة وَالْوَاو مُحَرَّكَة بِمَعْنَى نَذْكُرهَا كَذَا لِلنَّسَفِيّ , وَلِأَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِيّ وَالسَّرَخْسِيّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَتنَا مِنْ طَرِيق أَبِي الْوَقْت \" أَنْ يُدْعَاهَا \" وَهُوَ بِتَحْتَانِيَّةٍ أَوَّله مَضْمُومَة , وَلِسَائِرِ الرُّوَاة \" يُدْعَى بِهَا \" بِضَمِّ أَوَّله أَيْ يُنَادَى بِهَا وَهِيَ رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" عَنْ شَيْخه الْمَذْكُور هُنَا بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَكَذَا لِأَبِي نُعَيْم مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة الْمَذْكُورَة , وَفِي رِوَايَة عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ خَالِد بْن مَخْلَدٍ \" أَنْ يَدْعُوهُ بِهَا \" ‏ ‏وَقَوْله \" فَاضْطَجَعَ إِلَى الْجِدَار فِي الْمَسْجِد \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" إِلَى جِدَار الْمَسْجِد \" وَعَنْهُ \" فِي \" بَدَل \" إِلَى \" وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ \" إِلَى الْجِدَار إِلَى الْمَسْجِد \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد بِلَفْظِ \" فَإِذَا هُوَ رَاقِد فِي الْمَسْجِد \" وَهُوَ يُقَوِّي رِوَايَة الْأَكْثَر هُنَا. ‏ ‏وَقَوْله \" يَتَّبِعهُ \" ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاة وَالْعَيْن مُهْمَلَة , وَلِلْكُشمِيهَنِيّ \" يَبْتَغِيه \" بِتَقْدِيمِ الْمُوَحَّدَة ثُمَّ مُثَنَّاة وَالْغَيْن مُعْجَمَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة. وَيُسْتَفَاد مِنْ الْحَدِيث جَوَاز تَكْنِيَة الشَّخْص بِأَكْثَر مِنْ كُنْيَة , وَالتَّلْقِيب بِلَفْظِ الْكُنْيَة وَبِمَا يَشْتَقّ مِنْ حَال الشَّخْص , وَأَنَّ اللَّقَب إِذَا صَدَرَ مِنْ الْكَبِير فِي حَقِّ الصَّغِير تَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَفْظه لَفْظ مَدْح , وَأَنَّ مَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى التَّنْقِيص لَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ , وَهُوَ كَمَا كَانَ أَهْل الشَّام يَنْتَقِصُونَ اِبْن الزُّبَيْر بِزَعْمِهِمْ حَيْثُ يَقُولُونَ لَهُ : اِبْن ذَات النِّطَاقَيْنِ , فَيَقُول \" تِلْكَ شَكَاة ظَاهِرٌ عَنْك عَارُهَا \" قَالَ اِبْن بَطَّال : وَفِيهِ أَنَّ أَهْل الْفَضْل قَدْ يَقَع بَيْنَ الْكَبِير مِنْهُمْ وَبَيْنَ زَوْجَته مَا طُبِعَ عَلَيْهِ الْبَشَر مِنْ الْغَضَب , وَقَدْ يَدْعُوهُ ذَلِكَ إِلَى الْخُرُوج مِنْ بَيْته وَلَا يُعَاب عَلَيْهِ. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَب خُرُوج عَلِيّ خَشْيَة أَنْ يَبْدُو مِنْهُ فِي حَالَة الْغَضَب مَا لَا يَلِيق بِجَنَابِ فَاطِمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فَحَسَمَ مَادَّة الْكَلَام بِذَلِكَ إِلَى أَنْ تَسْكُن فَوْرَة الْغَضَب مِنْ كُلّ مِنْهُمَا. وَفِيهِ كَرَم خُلُق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْو عَلِيّ لِيَتَرَضَّاهُ , وَمَسَحَ التُّرَاب عَنْ ظَهْره لِيُبْسِطهُ , وَدَاعَبَهُ بِالْكُنْيَةِ الْمَذْكُورَة الْمَأْخُوذَة مِنْ حَالَته , وَلَمْ يُعَاتِبهُ عَلَى مُغَاضَبَته لِابْنَتِهِ مَعَ رَفِيع مَنْزِلَتهَا عِنْدَه , فَيُؤْخَذ مِنْهُ اِسْتِحْبَاب الرِّفْق بِالْأَصْهَارِ وَتَرْك مُعَاتَبَتهمْ إِبْقَاء لِمَوَدَّتِهِمْ , لِأَنَّ الْعِتَاب إِنَّمَا يُخْشَى مِمَّنْ يُخْشَى مِنْهُ الْحِقْد لَا مِمَّنْ هُوَ مُنَزَّه عَنْ ذَلِكَ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏أَخْرَجَ اِبْن إِسْحَاق وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيقه مِنْ حَدِيث عَمَّار أَنَّهُ \" كَانَ هُوَ وَعَلِيّ فِي غَزْوَة الْعَشِيرَة فَجَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ عَلِيًّا نَائِمًا وَقَدْ عَلَاهُ تُرَاب فَأَيْقَظَهُ وَقَالَ لَهُ مَالِك أَبَا تُرَاب , ثُمَّ قَالَ : أَلَا أُحَدِّثك بِأَشْقَى النَّاس \" الْحَدِيث. وَغَزْوَة الْعَشِيرَة كَانَتْ فِي أَثْنَاء السَّنَة الثَّانِيَة قَبْل وَقْعَة بَدْر , وَذَلِكَ قَبْل أَنْ يَتَزَوَّج عَلِيّ فَاطِمَة , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا أَمْكَنَ الْجَمْع بِأَنْ يَكُون ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَقّ عَلِيّ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق عَقِب الْقِصَّة الْمَذْكُورَة قَالَ \" حَدَّثَنِي بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّ عَلِيًّا كَانَ إِذَا غَضِبَ عَلَى فَاطِمَة فِي شَيْء لَمْ يُكَلِّمهَا , بَلْ كَانَ يَأْخُذ تُرَابًا فَيَضَعهُ عَلَى رَأْسه , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى ذَلِكَ عَرَفَ فَيَقُول : مَالَك يَا أَبَا تُرَاب ؟ \" فَهَذَا سَبَب آخَر يُقَوِّي التَّعَدُّد , وَالْمُعْتَمَد فِي ذَلِكَ كُلّه حَدِيث سَهْل فِي الْبَاب وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5737",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْنَى ‏ ‏الْأَسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( أَخْنَى ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة لِلْأَكْثَرِ , مِنْ الْخَنَا بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف النُّون مَقْصُور وَهُوَ الْفُحْش فِي الْقَوْل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ قَوْلهمْ أَخْنَى عَلَيْهِ الدَّهْر أَيْ أَهْلَكَهُ , وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَمْلِيّ \" أَخْنَع \" بِعَيْنٍ مُهْمَلَة وَهُوَ الْمَشْهُور فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَهُوَ مِنْ الْخُنُوع وَهُوَ الذُّلّ , وَقَدْ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ الْحُمَيْدِيُّ شَيْخ الْبُخَارِيّ عَقِبَ رِوَايَته لَهُ عَنْ سُفْيَان قَالَ : \" أَخْنَع أَذَلُّ \" وَأَخْرَجَ مُسْلِم عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل قَالَ : سَأَلْت أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيَّ يَعْنِي إِسْحَاق اللُّغَوِيّ عَنْ أَخْنَع فَقَالَ : أَوْضَع , قَالَ عِيَاض : مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَشَدُّ الْأَسْمَاء صَغَارًا. وَبِنَحْوِ ذَلِكَ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْد. وَالْخَانِع الذَّلِيل وَخَنَعَ الرَّجُل ذَلَّ , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَإِذَا كَانَ الِاسْم أَذَلَّ الْأَسْمَاء كَانَ مَنْ تَسَمَّى بِهِ أَشَدَّ ذُلًّا , وَقَدْ فَسَّرَ الْخَلِيل أَخْنَع بِأَفْجَر فَقَالَ : الْخَنْع الْفُجُور , يُقَال أَخْنَعَ الرَّجُل إِلَى الْمَرْأَة إِذَا دَعَاهَا لِلْفُجُورِ. قُلْت : وَهُوَ قَرِيب مِنْ مَعْنَى الْخَنَا وَهُوَ الْفُحْش. وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيّ فِي آخِر الْحَدِيث \" أَخْنَع أَقْبَح \" وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْد أَنَّهُ وَرَدَ بِلَفْظِ \" أَنْخَع \" بِتَقْدِيمِ النُّون عَلَى الْمُعْجَمَة وَهُوَ بِمَعْنَى أَهْلَكَ لِأَنَّ النَّخْع الذَّبْح وَالْقَتْل الشَّدِيد , وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَة هَمَّام \" أَغْيَظ \" بِغَيْنٍ وَظَاء مُعْجَمَتَيْنِ , وَيُؤَيِّدهُ \" اِشْتَدَّ غَضَب اللَّه عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَلِك الْأَمْلَاك \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَوَقَعَ فِي شَرْح شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن أَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" أَفْحَش الْأَسْمَاء \" وَلَمْ أَرَهَا , وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْض الشُّرَّاح فِي تَفْسِير أَخْنَى وَقَوْله : \" أَخْنَع اِسْم عِنْدَ اللَّه , وَقَالَ سُفْيَان غَيْر مَرَّة أَخْنَع الْأَسْمَاء \" أَيْ قَالَ ذَلِكَ أَكْثَر مِنْ مَرَّة , وَهَذَا اللَّفْظ يُسْتَعْمَل كَثِيرًا فِي إِرَادَة الْكَثْرَة وَسَأَذْكُرُ تَوْجِيه الرِّوَايَتَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5738",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رِوَايَةً ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَخْنَعُ ‏ ‏اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏غَيْرَ مَرَّةٍ ‏ ‏أَخْنَعُ الْأَسْمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏غَيْرُهُ ‏ ‏تَفْسِيرُهُ ‏ ‏شَاهَانْ ‏ ‏شَاهْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي الزِّنَاد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَاد \" وَهِيَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحه أَيْضًا مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله : ( رِوَايَة ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة عَلِيّ هُنَا , وَفِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ سُفْيَان \" يَبْلُغ بِهِ \" أَخْرَجَهَا مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ , وَعِنْدَ التِّرْمِذِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن مَيْمُون عَنْ سُفْيَان مِثْله , وَكِلَاهُمَا كِنَايَة عَنْ الرَّفْع بِمَعْنَى قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( عِنْدَ اللَّه ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَتهمَا \" يَوْم الْقِيَامَة \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة ثَابِتَة هُنَا فِي رِوَايَة شُعَيْب الَّتِي قَبْل هَذِهِ. ‏ ‏قَوْله : ( تَسَمَّى ) ‏ ‏أَيْ سَمَّى نَفْسه أَوْ سُمِّيَ بِذَلِكَ فَرَضِيَ بِهِ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله : ( بِمَلِكِ الْأَمْلَاك ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام مِنْ مَلَكَ , وَالْأَمْلَاك جَمْع مَلِكٍ بِالْكَسْرِ وَبِالْفَتْحِ وَجَمْع مَلِيك. ‏ ‏قَوْله : ( قَالَ سُفْيَان يَقُول غَيْره ) ‏ ‏أَيْ غَيْر أَبِي الزِّنَاد. ‏ ‏قَوْله : ( تَفْسِيره شَاهَانْ شَاهْ ) ‏ ‏هَكَذَا ثَبَتَ لَفْظ تَفْسِيره فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ ; وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَد عَنْ سُفْيَان قَالَ سُفْيَان : \" مِثْل شَاهَانْ شَاهْ \" فَلَعَلَّ سُفْيَان قَالَهُ مَرَّة نَقْلًا وَمَرَّة مِنْ قِبَل نَفْسه , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن الصَّبَّاحِ عَنْ سُفْيَان مِثْله وَزَادَ مِثْل ذَلِكَ الصِّين , وَشَاهَانْ شَاهْ بِسُكُونِ النُّون وَبِهَاءٍ فِي آخِره وَقَدْ تُنَوَّن وَلَيْسَتْ هَاء تَأْنِيث فَلَا يُقَال بِالْمُثَنَّاةِ أَصْلًا. وَقَدْ تَعَجَّبَ بَعْض الشُّرَّاح مِنْ تَفْسِير سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ اللَّفْظَة الْعَرَبِيَّة بِاللَّفْظَةِ الْعَجَمِيَّة وَأَنْكَرَ ذَلِكَ آخَرُونَ , وَهُوَ غَفْلَة مِنْهُمْ عَنْ مُرَاده وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظ شَاهَانْ شَاهْ كَانَ قَدْ كَثُرَ التَّسْمِيَة بِهِ فِي ذَلِكَ الْعَصْر فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الِاسْم الَّذِي وَرَدَ الْخَبَر بِذَمِّهِ لَا يَنْحَصِر فِي مَلِك الْأَمْلَاك بَلْ كُلّ مَا أَدَّى مَعْنَاهُ بِأَيِّ لِسَان كَانَ فَهُوَ مُرَاد بِالذَّمِّ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيّ \" مِثْل شَاهَانْ شَاهْ \" وَقَوْله شَاهَانْ شَاهْ هُوَ الْمَشْهُور فِي رِوَايَات هَذَا الْحَدِيث , وَحَكَى عِيَاض عَنْ بَعْض الرِّوَايَات \" شَاهْ شَاهْ \" بِالتَّنْوِينِ بِغَيْرِ إِشْبَاع فِي الْأُولَى وَالْأَصْل هُوَ الْأُولَى , وَهَذِهِ الرِّوَايَة تَخْفِيف مِنْهَا , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ الصَّوَاب شَاهْ شَاهَانْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ قَاعِدَة الْعَجَم تَقْدِيم الْمُضَاف إِلَيْهِ عَلَى الْمُضَاف , فَإِذَا أَرَادُوا قَاضِي الْقُضَاة بِلِسَانِهِمْ قَالُوا موبذان موبذ , فموبذ هُوَ الْقَاضِي وموبذان جَمْعه فَكَذَا شَاهْ هُوَ الْمَلِك وَشَاهَانْ هُوَ الْمُلُوك , قَالَ عِيَاض : اِسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّ الِاسْم غَيْر الْمُسَمَّى , وَلَا حُجَّة فِيهِ بَلْ الْمُرَاد مِنْ الِاسْم صَاحِب الِاسْم , يَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة \" هَمَّام أَغْيَظ رَجُل \" فَكَأَنَّهُ مِنْ حَذْف الْمُضَاف وَإِقَامَة الْمُضَاف إِلَيْهِ مَقَامه , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله \" تَسَمَّى \" فَالتَّقْدِير أَنَّ أَخْنَع اِسْم اِسْم رَجُل تَسَمَّى بِدَلِيلِ الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" وَأَنَّ أَخْنَع الْأَسْمَاء \" وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى تَحْرِيم التَّسَمِّي بِهَذَا الِاسْم لِوُرُودِ الْوَعِيد الشَّدِيد , وَيَلْتَحِق بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِثْل خَالِق الْخَلْق وَأَحْكَم الْحَاكِمِينَ وَسُلْطَان السَّلَاطِين وَأَمِير الْأُمَرَاء , وَقِيلَ يَلْتَحِق بِهِ أَيْضًا مَنْ تَسَمَّى بِشَيْءٍ مِنْ أَسْمَاء اللَّه الْخَاصَّة بِهِ كَالرَّحْمَنِ وَالْقُدُّوس وَالْجَبَّار. وَهَلْ يَلْتَحِق بِهِ مَنْ تَسَمَّى قَاضِي الْقُضَاة أَوْ حَاكِم الْحُكَّام ؟ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى : ( أَحْكَم الْحَاكِمِينَ ) : أَيْ أَعْدَل الْحُكَّام وَأَعْلَمهُمْ , إِذْ لَا فَضْل لِحَاكِمٍ عَلَى غَيْره إِلَّا بِالْعِلْمِ وَالْعَدْل , قَالَ : وَرُبَّ غَرِيق فِي الْجَهْل وَالْجَوْر مِنْ مُقَلِّدِي زَمَاننَا قَدْ لُقِّبَ أَقْضَى الْقُضَاة وَمَعْنَاهُ أَحْكَم الْحَاكِمِينَ فَاعْتَبِرْ وَاسْتَعْبِرْ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير بِحَدِيثِ \" أَقْضَاكُمْ عَلِيّ \" قَالَ : فَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنْ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ أَطْلَقَ عَلَى قَاضٍ يَكُون أَعْدَل الْقُضَاة أَوْ أَعْلَمهُمْ فِي زَمَانه أَقْضَى الْقُضَاة , أَوْ يُرِيد إِقْلِيمه أَوْ بَلَده. ثُمَّ تَكَلَّمَ فِي الْفَرْق بَيْنَ قَاضِي الْقُضَاة وَأَقْضَى الْقُضَاة , وَفِي اِصْطِلَاحهمْ عَلَى أَنَّ الْأَوَّل فَوْق الثَّانِي وَلَيْسَ مِنْ غَرَضنَا هُنَا. وَقَدْ تَعَقَّبَ كَلَام اِبْن الْمُنِير عَلَم الدِّين الْعِرَاقِيّ فَصَوَّبَ مَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ مِنْ الْمَنْع وَرَدَّ مَا اِحْتَجَّ بِهِ مِنْ قَضِيَّة عَلِيّ بِأَنَّ التَّفْضِيل فِي ذَلِكَ وَقَعَ فِي حَقِّ مَنْ خُوطِبَ بِهِ وَمَنْ يَلْتَحِق بِهِمْ فَلَيْسَ مُسَاوِيًا لِإِطْلَاقِ التَّفْضِيل بِالْأَلِفِ وَاللَّام , قَالَ وَلَا يَخْفَى مَا فِي إِطْلَاق ذَلِكَ مِنْ الْجَرَاءَة وَسُوء الْأَدَب , وَلَا عِبْرَة بِقَوْلِ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاء فَنُعِتَ بِذَلِكَ فَلَذَّ فِي سَمْعه فَاحْتَالَ فِي الْجَوَاز فَإِنَّ الْحَقَّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَع , اِنْتَهَى كَلَامه. وَمِنْ النَّوَادِر أَنَّ الْقَاضِي عِزّ الدِّين اِبْن جَمَاعَة قَالَ إِنَّهُ رَأَى أَبَاهُ فِي الْمَنَام فَسَأَلَهُ عَنْ حَاله فَقَالَ : مَا كَانَ عَلَيَّ أَضَرَّ مِنْ هَذَا الِاسْم , فَأَمَرَ الْمُوَقِّعِينَ أَنْ لَا يَكْتُبُوا لَهُ فِي السِّجِلَّات قَاضِي الْقُضَاة بَلْ قَاضِي الْمُسْلِمِينَ , وَفُهِمَ مِنْ قَوْل أَبِيهِ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ التَّسْمِيَة مَعَ اِحْتِمَال أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الْوَظِيفَة , بَلْ هُوَ الَّذِي يَتَرَجَّح عِنْدِي , فَإِنَّ التَّسْمِيَة بِقَاضِي الْقُضَاة وُجِدَتْ فِي الْعَصْر الْقَدِيم مِنْ عَهْد أَبِي يُوسُف صَاحِب أَبِي حَنِيفَة , وَقَدْ مَنَعَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ جَوَاز تَلْقِيب الْمَلِك الَّذِي كَانَ فِي عَصْره بِمَلِكِ الْمُلُوك مَعَ أَنَّ الْمَاوَرْدِيّ كَانَ يُقَال لَهُ أَقْضَى الْقُضَاة , وَكَأَنَّ وَجْه التَّفْرِقَة بَيْنَهمَا الْوُقُوف مَعَ الْخَبَر وَظُهُور إِرَادَة الْعَهْد الزَّمَانِيّ فِي الْقُضَاة. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : يَلْتَحِق بِمَلِكِ الْأَمْلَاك قَاضِي الْقُضَاة وَإِنْ كَانَ اُشْتُهِرَ فِي بِلَاد الشَّرْق مِنْ قَدِيم الزَّمَان إِطْلَاق ذَلِكَ عَلَى كَبِير الْقُضَاة , وَقَدْ سَلِمَ أَهْل الْمَغْرِب مِنْ ذَلِكَ فَاسْم كَبِير الْقُضَاة عِنْدَهمْ قَاضِي الْجَمَاعَة , قَالَ : وَفِي الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة الْأَدَب فِي كُلّ شَيْء ; لِأَنَّ الزَّجْر عَنْ مَلِك الْأَمْلَاك وَالْوَعِيد عَلَيْهِ يَقْتَضِي الْمَنْع مِنْهُ مُطْلَقًا , سَوَاء أَرَادَ مَنْ تَسَمَّى بِذَلِكَ أَنَّهُ مَلِك عَلَى مُلُوك الْأَرْض أَمْ عَلَى بَعْضهَا , سَوَاء كَانَ مُحِقًّا فِي ذَلِكَ أَمْ مُبْطِلًا , مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْفَى الْفَرْق بَيْنَ مَنْ قَصَدَ ذَلِكَ وَكَانَ فِيهِ صَادِقًا وَمَنْ قَصَدَهُ وَكَانَ فِيهِ كَاذِبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5739",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ ‏ ‏قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ ‏ ‏وَأُسَامَةُ ‏ ‏وَرَاءَهُ يَعُودُ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ‏ ‏فِي ‏ ‏بَنِي حَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ‏ ‏قَبْلَ وَقْعَةِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَسَارَا حَتَّى مَرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ‏ ‏وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ‏ ‏فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ‏ ‏وَالْيَهُودِ ‏ ‏وَفِي الْمُسْلِمِينَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ‏ ‏فَلَمَّا ‏ ‏غَشِيَتْ ‏ ‏الْمَجْلِسَ ‏ ‏عَجَاجَةُ ‏ ‏الدَّابَّةِ ‏ ‏خَمَّرَ ‏ ‏ابْنُ أُبَيٍّ ‏ ‏أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ وَقَالَ لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ‏ ‏أَيُّهَا الْمَرْءُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إِنْ كَانَ حَقًّا فَلَا تُؤْذِنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ‏ ‏بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاغْشَنَا فِي مَجَالِسِنَا فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ ‏ ‏وَالْيَهُودُ ‏ ‏حَتَّى كَادُوا ‏ ‏يَتَثَاوَرُونَ ‏ ‏فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَابَّتَهُ فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيْ ‏ ‏سَعْدُ ‏ ‏أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ ‏ ‏أَبُو حُبَابٍ ‏ ‏يُرِيدُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ‏ ‏قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏أَيْ رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ وَلَقَدْ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبَحْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ وَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ بِذَلِكَ فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ ‏ ‏وَأَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ‏} ‏الْآيَةَ وَقَالَ ‏ { ‏وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ } ‏فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَأَوَّلُ فِي الْعَفْوِ عَنْهُمْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ لَهُ فِيهِمْ فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏فَقَتَلَ اللَّهُ بِهَا مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ الْكُفَّارِ وَسَادَةِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ مَنْصُورِينَ غَانِمِينَ مَعَهُمْ أُسَارَى مِنْ ‏ ‏صَنَادِيدِ ‏ ‏الْكُفَّارِ وَسَادَةِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ‏ ‏وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ فَبَايِعُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَهُوَ مَعْطُوف عَلَى السَّنَد الَّذِي قَبْله وَسَاقَ الْمَتْن عَلَى لَفْظه , ‏ ‏وَسُلَيْمَان ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال ‏ ‏وَقَوْله \" عَنْ عُرْوَة \" فِي ‏ ‏رِوَايَة شُعَيْب \" أَخْبَرَنَا عُرْوَة بْن الزُّبَيْر \" وَتَقَدَّمَ سِيَاق لَفْظ شُعَيْب فِي تَفْسِير آل عِمْرَان مَعَ شَرْح الْحَدِيث , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" أَلَمْ تَسْمَع مَا قَالَ أَبُو حُبَاب \" ؟ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة وَآخِره مُوَحَّدَة وَهِيَ كُنْيَة عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , وَكَانَ حِينَئِذٍ لَمْ يُظْهِر الْإِسْلَام كَمَا هُوَ بَيِّن مِنْ سِيَاق الْحَدِيث , وَظَاهِر فِي آخِره. قَوْله فِيهِ ‏ ‏( أَبُو حُبَاب ) ‏ ‏قَالَ وَمَحَلّ ذَلِكَ إِذَا وُجِدَ فِيهِ الشَّرْط , وَهُوَ أَنْ لَا يُعْرَف إِلَّا بِكُنْيَتِهِ أَوْ خِيفَ مِنْ ذِكْر اِسْمه فِتْنَة , ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ كَتَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْل فَسَمَّاهُ بِاسْمِهِ وَلَمْ يُكَنِّهِ وَلَا لَقَّبَهُ بِلَقَبِهِ وَهُوَ قَيْصَر , وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْإِغْلَاظِ عَلَيْهِمْ فَلَا نُكَنِّيهِمْ وَلَا نُلِين لَهُمْ قَوْلًا , وَقَدْ تَعَقَّبَ كَلَامه بِأَنَّهُ لَا حَصْر فِيمَا ذَكَرَ بَلْ قِصَّة عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ فِي ذِكْره بِكُنْيَتِهِ دُون اِسْمه وَهُوَ بِاسْمِهِ أَشْهَر لَيْسَ لِخَوْفِ الْفِتْنَة , فَإِنَّ الَّذِي ذُكِرَ بِذَلِكَ عِنْدَه كَانَ قَوِيًّا فِي الْإِسْلَام فَلَا يُخْشَى مَعَهُ أَنْ لَوْ ذُكِرَ عَبْد اللَّه بِاسْمِهِ أَنْ يَجُرّ بِذَلِكَ فِتْنَة , وَإِنَّمَا هُوَ مَحْمُول عَلَى التَّأَلُّف كَمَا جَزَمَ بِهِ اِبْن بَطَّال فَقَالَ : فِيهِ جَوَاز تَكْنِيَة الْمُشْرِكِينَ عَلَى وَجْه التَّأَلُّف إِمَّا رَجَاء إِسْلَامهمْ أَوْ لِتَحْصِيلِ مَنْفَعَة مِنْهُمْ , وَأَمَّا تَكْنِيَة أَبِي طَالِب فَالظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ الْقَبِيل الْأَوَّل وَهُوَ اِشْتِهَاره بِكُنْيَتِهِ دُون اِسْمه , وَأَمَّا تَكْنِيَة أَبِي لَهَب فَقَدْ أَشَارَ النَّوَوِيّ فِي شَرْحه إِلَى اِحْتِمَال رَابِع وَهُوَ اِجْتِنَاب نِسْبَته إِلَى عُبُودِيَّة الصَّنَم لِأَنَّهُ كَانَ اِسْمه عَبْد الْعُزَّى , وَهَذَا سَبَقَ إِلَيْهِ ثَعْلَب وَنَقَلَهُ عَنْهُ اِبْن بَطَّال , وَقَالَ غَيْره : إِنَّمَا ذُكِرَ بِكُنْيَتِهِ دُون اِسْمه لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ \" سَيَصْلَى نَارًا ذَات لَهَب \" قِيلَ وَإِنَّ تَكْنِيَته بِذَلِكَ مِنْ جِهَة التَّجْنِيس لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَة الْبَلَاغَة أَوْ الْمُجَازَاة , أُشِيرَ إِلَى أَنَّ الَّذِي نَفْخَر بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْجَمَال وَالْوَلَد كَانَ سَبَبًا فِي خِزْيه وَعِقَابه. وَحَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي زَمَنِينَ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ اِسْم أَبِي لَهَب عَبْد الْعُزَّى وَكُنْيَته أَبُو عُتْبَةَ , وَأَمَّا أَبُو لَهَب فَلَقَب لُقِّبَ بِهِ لِأَنَّ وَجْهه كَانَ يَتَلَأْلَأ وَيَلْتَهِب جَمَالًا , قَالَ فَهُوَ لَقَب وَلَيْسَ بِكُنْيَةٍ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُقَوِّي الْإِشْكَال الْأَوَّل لِأَنَّ اللَّقَب إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْه الذَّمّ لِلْكَافِرِ لَمْ يَصْلُح مِنْ الْمُسْلِم , وَأَمَّا قَوْل الزَّمَخْشَرِيّ : هَذِهِ التَّكْنِيَة لَيْسَتْ لِلْإِكْرَامِ بَلْ لِلْإِهَانَةِ إِذْ هِيَ كِنَايَة عَنْ الْجَهَنَّمِيّ إِذْ مَعْنَاهُ تَبَّتْ يَدَا الْجَهَنَّمِيّ , فَهُوَ مُتَعَقَّب لِأَنَّ الْكُنْيَة لَا نَظَرَ فِيهَا إِلَى مَدْلُول اللَّفْظ , بَلْ الِاسْم إِذَا صُدِّرَ بِأُمٍّ أَوْ أَب فَهُوَ كُنْيَة , سَلَّمْنَا لَكِنَّ اللَّهَب لَا يَخْتَصّ بِجَهَنَّم وَإِنَّمَا الْمُعْتَمَد مَا قَالَهُ غَيْره أَنَّ النُّكْتَة فِي ذِكْره بِكُنْيَتِهِ أَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ اللَّه تَعَالَى أَنَّ مَآله إِلَى النَّار ذَات اللَّهَب وَوَافَقَتْ كُنْيَته حَاله حَسُنَ أَنْ يُذْكَر بِهَا , وَأَمَّا مَا اِسْتَشْهَدَ بِهِ النَّوَوِيّ مِنْ الْكِتَاب إِلَى هِرَقْل فَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْس الْكِتَاب ذِكْره بِعَظِيمِ الرُّوم , وَهُوَ مُشْعِر بِالتَّعْظِيمِ , وَاللَّقَب لِغَيْرِ الْعَرَب كَالْكُنَى لِلْعَرَبِ , وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيّ فِي مَوْضِع آخَر : فَرْعٌ : إِذَا كَتَبَ إِلَى مُشْرِك كِتَابًا وَكَتَبَ فِيهِ سَلَامًا أَوْ نَحْوه فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُب كَمَا كَتَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْل , فَذَكَرَ الْكِتَاب وَفِيهِ \" عَظِيم الرُّوم \" وَهَذَا ظَاهِره التَّنَاقُض , وَقَدْ جَمَعَ أَبِي رَحِمَهُ اللَّه فِي نُكَت لَهُ عَلَى \" الْأَذْكَار \" بِأَنَّ قَوْله عَظِيم الرُّوم صِفَة لَازِمَة لِهِرَقْل فَاكْتَفَى بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْله مَلِك الرُّوم فَإِنَّهُ لَوْ كَتَبَهَا لَأَمْكَنَ هِرَقْل أَنْ يَتَمَسَّك بِهَا فِي أَنَّهُ أَقَرَّهُ عَلَى الْمَمْلَكَة. قَالَ : وَلَا يَرِدُ مِثْل ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَنْ صَاحِب مِصْر ( وَقَالَ الْمَلِك ) لِأَنَّهُ حِكَايَة عَنْ أَمْر مَضَى وَانْقَضَى , بِخِلَافِ هِرَقْل اِنْتَهَى. وَيَنْبَغِي أَنْ يُضَمّ إِلَيْهِ أَنَّ ذِكْر عَظِيم الرُّوم وَالْعُدُول عَنْ مَلِك الرُّوم حَيْثُ كَانَ لَا بُدّ لَهُ مِنْ صِفَة تُمَيِّزهُ عِنْدَ الِاقْتِصَار عَلَى اِسْمه ; لِأَنَّ مَنْ يَتَسَمَّى بِهِرَقْل كَثِير , فَقِيلَ عَظِيم الرُّوم لِيُمَيَّز عَمَّنْ يَتَسَمَّى بِهِرَقْل , فَعَلَى هَذَا فَلَا يُحْتَجّ بِهِ عَلَى جَوَاز الْكِتَابَة لِكُلِّ مَلِك مُشْرِك بِلَفْظِ عَظِيم قَوْمه إِلَّا إِنْ احْتِيجَ إِلَى مِثْل ذَلِكَ لِلتَّمْيِيزِ , وَعَلَى عُمُوم مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّأَلُّف أَوْ مِنْ خَشْيَة الْفِتْنَة يَجُوز ذَلِكَ بِلَا تَقْيِيد وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا ذُكِرَ قَيْصَر وَأَنَّهُ لَقَب لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الرُّوم فَقَدْ شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ الْمُلُوك كَكِسْرَى لِمَلِكِ الْفَرَس , وَخَاقَان لِمَلِكِ التَّرْك , وَالنَّجَاشِيّ لِمَلِكِ الْحَبَشَة , وَتُبَّع لِمَلِكِ الْيَمَن , وَبَطْلَيُوس لِمَلِكِ الْيُونَان , وَالْقَطَنُون لِمَلِكِ الْيَهُود وَهَذَا فِي الْقَدِيم ثُمَّ صَارَ يُقَال لَهُ رَأْس الْجَالُوت , وَنُمْرُود لِمَلِكِ الصَّابِئَة , وَدَهْمِي لِمَلِكِ الْهِنْد , وَقُور لِمَلِكِ السَّنَد , وَيَعْبُور لِمَلِكِ الصِّين , وَذُو يَزِن وَغَيْره مِنْ الْأَذْوَاء لِمَلِكِ حِمْيَر , وَهَيَاج لِمَلِكِ الزِّنْج , وَزِنْبِيل لِمَلِكِ الْخَزْر , وَشَاهْ أَرْمَن لِمَلِكِ أَخْلَاط , وَكَابِل لِمَلِكِ النَّوْبَة , والأفشين لِمَلِكِ فَرْغَانَة وَأُسْرُوسَنَة , وَفِرْعَوْن لِمَلِكِ مِصْر , وَالْعَزِيز لِمَنْ ضَمَّ إِلَيْهَا الْإِسْكَنْدَرِيَّة , وَجَالُوت لِمَلِكِ الْعَمَالِقَة ثُمَّ الْبَرْبَر , وَالنُّعْمَان لِمَلِكِ الْغَرْب مِنْ قِبَل الْفَرَس , نُقِلَ أَكْثَر هَذَا الْفَصْل مِنْ السِّيرَة لِمُغَلْطَاي وَفِي بَعْضه نَظَرٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "5740",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَفَعْتَ ‏ ‏أَبَا طَالِبٍ ‏ ‏بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ قَالَ ‏ ‏نَعَمْ هُوَ فِي ‏ ‏ضَحْضَاحٍ ‏ ‏مِنْ نَارٍ لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ حَدِيث الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب \" قَالَ يَا رَسُول اللَّه هَلْ نَفَعْت أَبَا طَالِب بِشَيْءٍ ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي التَّرْجَمَة النَّبَوِيَّة قُبَيْل الْإِسْرَاء , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِإِيرَادِهِ الْأَوَّل لِأَنَّهُ مِنْ لَفْظ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مَا سَمِعَهُ وَأَقَرَّهُ , قَالَ النَّوَوِيّ فِي \" الْأَذْكَار \" بَعْد أَنْ قَرَّرَ أَنَّهُ لَا تَجُوز تَكْنِيَة الْكَافِر إِلَّا بِشَرْطَيْنِ ذَكَرَهُمَا. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيث ذِكْر أَبِي طَالِب وَاسْمه عَبْد مَنَاف وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب ). ‏"
    },
    {
        "id": "5741",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَسِيرٍ لَهُ ‏ ‏فَحَدَا ‏ ‏الْحَادِي فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ارْفُقْ يَا ‏ ‏أَنْجَشَةُ ‏ ‏وَيْحَكَ ‏ ‏بِالْقَوَارِيرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة أَنْجَشَة وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب مَا يَجُوز مِنْ الشِّعْر \" وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْله \" رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ \" فَإِنَّهُ كَنَّى بِذَلِكَ عَنْ النِّسَاء كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره هُنَاكَ , وَحَدِيث أَنَس فِي فَرَس أَبِي طَلْحَة وَالْمُرَاد مِنْهُ \" إِنَّا وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا \" أَيْ لِسُرْعَةِ جَرْيه , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْجِهَاد , وَكَأَنَّهُ اِسْتَشْهَدَ بِحَدِيثَيْ أَنَس لِجَوَازِ التَّعْرِيض , وَالْجَامِع بَيْنَ التَّعْرِيض وَبَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظ فِي غَيْر مَا وُضِعَ لَهُ لِمَعْنًى جَامِع بَيْنَهمَا. قَالَ اِبْن الْمُنِير : حَدِيث الْقَوَارِير وَالْفَرَس لَيْسَا مِنْ الْمَعَارِيض بَلْ مِنْ الْمَجَاز , فَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى ذَلِكَ جَائِزًا قَالَ : فَالْمَعَارِيض الَّتِي هِيَ حَقِيقَة أَوْلَى بِالْجَوَازِ. قَالَ اِبْن بَطَّال : شَبَّهَ جَرْي الْفَرَس بِالْبَحْرِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْقَطِع , يَعْنِي ثُمَّ أَطْلَقَ صِفَة الْجَرْي عَلَى نَفْس الْفَرَس مَجَازًا , قَالَ : وَهَذَا أَصْل فِي جَوَاز اِسْتِعْمَال الْمَعَارِيض , وَمَحَلّ الْجَوَاز فِيمَا يُخَلِّص مِنْ الظُّلْم أَوْ يُحَصِّل الْحَقّ , وَأَمَّا اِسْتِعْمَالهَا فِي عَكْس ذَلِكَ مِنْ إِبْطَال الْحَقّ أَوْ تَحْصِيل الْبَاطِل فَلَا يَجُوز. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ \" كَانَ رَجُل مِنْ بَاهِلَة عَيُونًا - أَيْ كَثِير الْإِصَابَة بِالْعَيْنِ - فَرَأَى بَغْلَة لِشُرَيْحٍ فَأُعْجِبَ بِهَا , فَخَشِيَ شُرَيْحٌ عَلَيْهَا فَقَالَ : إِنَّهَا إِذَا رَبَضَتْ لَا تَقُوم حَتَّى تُقَام , فَقَالَ : أُفّ أُفّ , فَسَلِمَتْ مِنْهُ \" وَإِنَّمَا أَرَادَ شُرَيْحٌ بِقَوْلِهِ \" حَتَّى تُقَام \" أَيْ حَتَّى يُقِيمهَا اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5742",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏وَأَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ فِي سَفَرٍ وَكَانَ غُلَامٌ يَحْدُو بِهِنَّ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏أَنْجَشَةُ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رُوَيْدَكَ يَا ‏ ‏أَنْجَشَةُ ‏ ‏سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو قِلَابَةَ ‏ ‏يَعْنِي النِّسَاءَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5743",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَبَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَادٍ يُقَالُ لَهُ ‏ ‏أَنْجَشَةُ ‏ ‏وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رُوَيْدَكَ يَا ‏ ‏أَنْجَشَةُ ‏ ‏لَا تَكْسِرْ ‏ ‏الْقَوَارِيرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏يَعْنِي ضَعَفَةَ النِّسَاءِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5744",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَزَعٌ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَسًا ‏ ‏لِأَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ وَإِنْ وَجَدْنَاهُ ‏ ‏لَبَحْرًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5745",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏يَقُولُ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْكُهَّانِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسُوا بِشَيْءٍ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي الْكُهَّان لَيْسُوا بِشَيْءٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر كِتَاب الطِّبّ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى قَوْله \" لَيْسُوا بِشَيْءٍ \" فِيمَا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنْ عِلْم الْغَيْب , أَيْ لَيْسَ قَوْلهمْ بِشَيْءٍ صَحِيح يُعْتَمَد كَمَا يُعْتَمَد قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يُخْبِر عَنْ الْوَحْي , وَهُوَ كَمَا يُقَال لِمَنْ عَمِلَ عَمَلًا غَيْر مُتْقَن أَوْ قَالَ قَوْلًا غَيْر سَدِيد : مَا عَمِلْت أَوْ مَا قُلْت شَيْئًا. قَالَ اِبْن بَطَّال نَحْوه وَزَادَ : إِنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَة فِي النَّفْي , وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذِبًا. وَقَالَ كَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى : ( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنْ الدَّهْر لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) وَالْمُرَاد بِالذِّكْرِ هُنَا الْقَدْر وَالشَّرَف أَيْ كَانَ مَوْجُودًا , وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدْر يُذْكَر بِهِ , إِمَّا وَهُوَ مُصَوَّر مِنْ طِين عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ الْمُرَاد بِهِ آدَم أَوْ فِي بَطْن أُمّه عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّ الْمُرَاد بِهِ الْجِنْس. ‏"
    },
    {
        "id": "5746",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏يَقُولُ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏ثُمَّ فَتَرَ عَنِّي الْوَحْيُ فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي ‏ ‏بِحِرَاءٍ ‏ ‏قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي فَتْرَة الْوَحْي وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" فَرَفَعْت بَصَرِي إِلَى السَّمَاء \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَّل الْكِتَاب , ‏"
    },
    {
        "id": "5747",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏شَرِيكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بِتُّ فِي بَيْتِ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَهَا ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ أَوْ بَعْضُهُ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَرَأَ ‏ { ‏إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي ‏ ‏الْأَلْبَابِ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" بِتُّ فِي بَيْت مَيْمُونَة \" وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاء \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ مَشْرُوحًا فِي \" بَاب التَّهَجُّد \" فِي أَوَاخِر كِتَاب الصَّلَاة وَفِي الْبَاب حَدِيث أَبِي مُوسَى \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا مَا يَرْفَع بَصَره إِلَى السَّمَاء \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن سَلَامٍ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ يَتَحَدَّث يُكْثِر أَنْ يَرْفَع بَصَره إِلَى السَّمَاء \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. فَحَاصِل طَرِيق الْجَمْع أَنَّ النَّهْي خَاصّ بِحَالَةِ الصَّلَاة , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5748",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏حَائِطٍ ‏ ‏مِنْ حِيطَانِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَفِي يَدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عُودٌ يَضْرِبُ بِهِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْتَفْتِحُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَذَهَبْتُ فَإِذَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَإِذَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ أَوْ تَكُونُ فَذَهَبْتُ فَإِذَا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏فَقُمْتُ فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ قَالَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي قِصَّة الْقُفّ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْمَنَاقِب وَهُوَ ظَاهِر فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ , وَأَوْرَدَهُ هُنَا بِلَفْظِ عُود يَضْرِب بِهِ بَيْنَ الْمَاء وَالطِّين , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ فِي الْمَاء وَالطِّين وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ \" يَنْكُت \" فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَعُثْمَان بْن غِيَاث الْمَذْكُور فِي السَّنَد بِكَسْرِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة خَفِيفَة وَآخِره مُثَلَّثَة , وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ يَحْيَى بْن عُثْمَان وَهُوَ غَلَط , قَالَ اِبْن بَطَّال : مِنْ عَادَة الْعَرَب إِمْسَاك الْعَصَا وَالِاعْتِمَاد عَلَيْهَا عِنْدَ الْكَلَام وَغَيْره وَقَدْ عَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بَعْض مَنْ يَتَعَصَّب لِلْعَجَمِ , وَفِي اِسْتِعْمَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ الْحُجَّة الْبَالِغَة , وَكَأَنَّ الْمُرَاد بِالْعُودِ هُنَا الْمِخْصَرَة الَّتِي كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَكَّأ عَلَيْهَا وَلَيْسَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث. قُلْت : وَفِقْه التَّرْجَمَة أَنَّ ذَلِكَ لَا يُعَدّ مِنْ الْعَبَث الْمَذْمُوم لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَقَع مِنْ الْعَاقِل عِنْدَ التَّفَكُّر فِي الشَّيْء ثُمَّ لَا يَسْتَعْمِلهُ فِيمَا لَا يَضُرّ تَأْثِيره فِيهِ , بِخِلَافِ مَنْ يَتَفَكَّر وَفِي يَده سِكِّين فَيَسْتَعْمِلهَا فِي خَشَبَة تَكُون فِي الْبِنَاء الَّذِي فِيهَا فَسَادًا , فَذَاكَ هُوَ الْعَبَث الْمَذْمُوم. ‏"
    },
    {
        "id": "5749",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏وَمَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي جَنَازَةٍ فَجَعَلَ يَنْكُتُ الْأَرْضَ بِعُودٍ فَقَالَ ‏ ‏لَيْسَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ فُرِغَ مِنْ مَقْعَدِهِ مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَقَالُوا أَفَلَا نَتَّكِلُ قَالَ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ‏ { ‏فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب \" اِعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسَّر لِمَا خُلِقَ لَهُ \" وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْقَدَر , وَمَضَى الْحَدِيث بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاق فِي تَفْسِير سُورَة اللَّيْل , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" يَنْكُت فِي الْأَرْض بِعُودٍ \" ‏ ‏وَقَوْله فِي السَّنَد \" شُعْبَة عَنْ سُلَيْمَان \" ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش ‏ ‏وَمَنْصُور ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ عِمْرَان بْن مُوسَى عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ \" عَنْ الْأَعْمَش \" وَذَهِلَ الْكَرْمَانِيُّ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ سُلَيْمَان هُوَ التَّيْمِيُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5750",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَتْنِي ‏ ‏هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِنِ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْفِتَنِ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجَرِ يُرِيدُ بِهِ أَزْوَاجَهُ حَتَّى يُصَلِّينَ رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٌ فِي الْآخِرَةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي ثَوْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ قَالَ لَا قُلْتُ اللَّهُ أَكْبَرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن أَبِي ثَوْر ) ‏ ‏هُوَ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه فَذَكَرَ حَدِيث عُمَر حَيْثُ قَالَ \" أَطَلَّقْتَ نِسَاءَك ؟ قَالَ : لَا. قُلْت اللَّه أَكْبَر \" وَهُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث طَوِيل تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي كِتَاب الْعِلْم , وَتَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب النِّكَاح , وَقَدْ وَرَدَتْ عِدَّة أَحَادِيث صَحِيحَة فِي قَوْل \" سُبْحَان اللَّه \" عِنْدَ التَّعَجُّب كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة \" لَقِيَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا جُنُب \" وَفِيهِ فَقَالَ \" سُبْحَان اللَّه , إِنَّ الْمُؤْمِن لَا يَنْجُس \" مُتَّفَق عَلَيْهِ. وَحَدِيث عَائِشَة \" أَنَّ اِمْرَأَة سَأَلَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلهَا مِنْ الْمَحِيض \" وَفِيهِ \" قَالَ تَطَهَّرِي بِهَا , قَالَتْ : كَيْف ؟ قَالَ : سُبْحَان اللَّه \" الْحَدِيث مُتَّفَق عَلَيْهِ. وَعِنْدَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْن فِي قِصَّة الْمَرْأَة الَّتِي نَذَرَتْ أَنْ تَنْحَر نَاقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سُبْحَان اللَّه بِئْسَمَا جَزَيْتهَا \" وَكِلَاهُمَا مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ قَوْل جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة كَحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن سَلَامٍ لَمَّا قِيلَ لَهُ إِنَّك مِنْ أَهْل الْجَنَّة قَالَ : سُبْحَان اللَّه مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُول مَا لَا يَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5751",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ ‏ ‏أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَزُورُهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْغَوَابِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً مِنْ الْعِشَاءِ ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ مَعَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْلِبُهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ الَّذِي عِنْدَ مَسْكَنِ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرَّ بِهِمَا رَجُلَانِ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ نَفَذَا فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ ‏ ‏صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ‏ ‏قَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا مَا قَالَ ‏ ‏إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث صَفِيَّة بِنْت حُيَيٍّ فِي قِصَّة الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَ لَهُمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" عَلَى رِسْلكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّة , فَقَالَا : سُبْحَان اللَّه \" أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة وَمَنْ طَرِيق اِبْن أَبِي عَتِيق , وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظ اِبْن أَبِي عَتِيق , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الِاعْتِكَاف , ‏ ‏وَقَوْله \" الْعَشْر الْغَوَابِر \" ‏ ‏بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة ثُمَّ الْمُوَحَّدَة الْمُرَاد بِهَا هُنَا الْبَوَاقِي , وَقَدْ تُطْلَق أَيْضًا عَلَى الْمَوَاضِي وَهُوَ مِنْ الْأَضْدَاد , وَهُوَ مُطَابِق لِمَا تَرْجَمَ لَهُ لِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّ مُرَادهمَا بِقَوْلِهِمَا \" سُبْحَان اللَّه \" التَّعَجُّب مِنْ الْقَوْل الْمَذْكُور بِقَرِينَةِ قَوْله \" وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا \" أَيْ عَظُمَ وَشَقَّ. ‏ ‏وَقَوْله \" يَقْذِف فِي قُلُوبكُمَا \" ‏ ‏كَذَا هُنَا بِحَذْفِ الْمَفْعُول , وَقَدْ سَبَقَ فِي الِاعْتِكَاف بِلَفْظِ \" فِي قُلُوبكُمَا شَرًّا \" وَحَدِيث أُمّ سَلَمَة \" اِسْتَيْقَظَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْفِتَن \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض شَرْحه فِي الْعِلْم. وَتَأْتِي بَقِيَّته فِي الْفِتَن , وَقَوْله مِنْ الْخَزَائِن قِيلَ عَبَّرَ بِهَا عَنْ الرَّحْمَة كَقَوْلِهِ \" خَزَائِن رَحْمَة رَبِّي \" كَمَا عَبَّرَ بِالْفِتَنِ عَنْ الْعَذَاب لِأَنَّهَا أَسْبَاب مُؤَدِّيَة إِلَيْهِ , أَنَّ الْمُرَاد بِالْخَزَائِنِ إِعْلَامه بِمَا سَيُفْتَحُ عَلَى أُمَّته مِنْ الْأَمْوَال بِالْغَنَائِمِ مِنْ الْبِلَاد الَّتِي يَفْتَحُونَهَا وَأَنَّ الْفِتَن تَنْشَأ عَنْ ذَلِكَ , فَهُوَ مِنْ جُمْلَة مَا أَخْبَرَ بِهِ مِمَّا وَقَعَ قَبْل وُقُوعه , وَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" دَلَائِل النُّبُوَّة \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيث صَفِيَّة فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ مُؤَخَّرًا آخِر هَذَا الْبَاب وَالْخَطْب فِيهِ سَهْل , وَوَقَعَ فِي شَرْح اِبْن بَطَّال إِيرَاد حَدِيث صَفِيَّة الْمَذْكُور عَقِبَ حَدِيث عَلِيّ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله مُتَّصِلًا بِهِ , ثُمَّ اِسْتَشْكَلَ مُطَابَقَته لِلتَّرْجَمَةِ وَقَالَ : سَأَلْت الْمُهَلَّب عَنْهُ فَقَالَ إِنَّمَا أَوْرَدَهُ لِحَدِيثِ عَلِيّ حَيْثُ قَالَ فِيهِ \" لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَد إِلَّا وَقَدْ فُرِغَ مِنْ مَقْعَده مِنْ الْجَنَّة وَالنَّار \" فَقَوَّاهُ بِحَدِيثِ أُمّ سَلَمَة , أَشَارَ إِلَى أَنَّ أَقْوَى أَسْبَاب النَّار الْفِتَن وَالْعَصَبِيَّة فِيهَا وَالتَّقَاتُل عَلَى الْمَال وَمَا يُفْتَح مِنْ الْخَزَائِن ا ه. وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ نُسَخ الْبُخَارِيّ عَلَى وَفْق مَا نَقَلَ اِبْن بَطَّال , وَإِنَّمَا وَقَعَ حَدِيث أُمّ سَلَمَة فِي بَاب التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير لِلتَّعَجُّبِ وَهُوَ ظَاهِر فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ التَّكَلُّف , وَالْجَوَاب الْمَذْكُور لَا يُفِيد مُطَابَقَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ , وَإِنَّمَا هُوَ مُطَابِق لِحَدِيثِ التَّرْجَمَة فِيمَا لَا يَتَعَلَّق بِالتَّرْجَمَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5752",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنَ صُهْبَانَ الْأَزْدِيَّ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْخَذْفِ وَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُ لَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ وَلَا ‏ ‏يَنْكَأُ ‏ ‏الْعَدُوَّ وَإِنَّهُ ‏ ‏يَفْقَأُ ‏ ‏الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ ‏",
        "sharh": "شَرْح الْحَدِيث تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الصَّيْد وَالذَّبَائِح. ‏"
    },
    {
        "id": "5753",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَطَسَ ‏ ‏رَجُلَانِ ‏ ‏عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتْ الْآخَرَ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ ‏ ‏هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَهَذَا لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ وَسُلَيْمَان هُوَ التَّيْمِيُّ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ سَمِعْت أَنَسًا. ‏ ‏قَوْله : ( عَطَسَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الطَّاء فِي الْمَاضِي وَبِكَسْرِهَا وَضَمّهَا فِي الْمُضَارِع. ‏ ‏قَوْله : ( رَجُلَانِ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ الْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان أَحَدهمَا أَشْرَف مِنْ الْآخَر وَأَنَّ الشَّرِيف لَمْ يَحْمَد , وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث سَهْل بْن سَعْد أَنَّهُمَا عَامِر بْن الطُّفَيْل وَابْن أَخِيهِ. ‏ ‏قَوْله : ( فَشَمَّتَ ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ وَلِلسَّرَخْسِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ \" فَشَمَّتَ أَوْ سَمَّتَ \" بِالشَّكِّ فِي الْمُعْجَمَة أَوْ الْمُهْمَلَة وَهُوَ مِنْ التَّشْمِيت , قَالَ الْخَلِيل وَأَبُو عُبَيْد وَغَيْرهمَا : يُقَال بِالْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ , وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ كُلّ دَاعٍ بِالْخَيْرِ مُشَمِّت بِالْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ , وَالْعَرَب تَجْعَل الشِّين وَالسِّين فِي اللَّفْظ الْوَاحِد بِمَعْنًى ا ه. وَهَذَا لَيْسَ مُطَّرِدًا بَلْ هُوَ فِي مَوَاضِع مَعْدُودَة وَقَدْ جَمَعَهَا شَيْخنَا شَمْس الدِّين الشِّيرَازِيّ صَاحِب الْقَامُوس فِي جُزْء لَطِيف. قَالَ أَبُو عُبَيْد : التَّشْمِيت بِالْمُعْجَمَةِ أَعْلَى وَأَكْثَر , وَقَالَ عِيَاض : هُوَ كَذَلِكَ لِلْأَكْثَرِ مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة وَفِي الرِّوَايَة. وَقَالَ ثَعْلَب : الِاخْتِيَار بِالْمُهْمَلَةِ لِأَنَّهُ مَأْخُوذ مِنْ السَّمْت وَهُوَ الْقَصْد وَالطَّرِيق الْقَوِيم. وَأَشَارَ اِبْن دَقِيق الْعِيد فِي \" شَرْح الْإِلْمَام \" إِلَى تَرْجِيحه , وَقَالَ الْقَزَّاز : التَّشْمِيت التَّبْرِيك وَالْعَرَب تَقُول شَمَّتَهُ إِذَا دَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ , وَشَمَّتَ عَلَيْهِ إِذَا بَرَّكَ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيث فِي قِصَّة تَزْوِيج عَلِيّ بِفَاطِمَة \" شَمَّتَ عَلَيْهِمَا \" إِذَا دَعَا لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ أَبِي عَبْد الْمَلِك قَالَ : التَّسْمِيت بِالْمُهْمَلَةِ أَفْصَح وَهُوَ مِنْ سَمَتْ الْإِبِلُ فِي الْمَرْعَى إِذَا جُمِعَتْ , فَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا جَمَعَ اللَّه شَمْلك. وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ سَمْت الْإِبِل إِنَّمَا هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ وَكَذَا نَقَلَهُ غَيْر وَاحِد أَنَّهُ بِالْمُعْجَمَةِ فَيَكُون مَعْنَى سَمَّتَهُ دَعَا لَهُ بِأَنْ يَجْمَع شَمْله , وَقِيلَ هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ مِنْ الشَّمَاتَة وَهُوَ فَرَح الشَّخْص بِمَا يَسُوء عَدُوّهُ فَكَأَنَّهُ دَعَا لَهُ أَنْ يَكُون فِي حَال مَنْ يَشْمَت بِهِ , أَوْ أَنَّهُ إِذَا حَمِدَ اللَّه أَدْخَلَ عَلَى الشَّيْطَان مَا يَسُوءهُ فَشَمِتَ هُوَ بِالشَّيْطَانِ , وَقِيلَ هُوَ مِنْ الشَّوَامِت جَمْع شَامِتَة وَهِيَ الْقَائِمَة , يُقَال لَا تَرَكَ اللَّه لَهُ شَامِتَة أَيْ قَائِمَة. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" تَكَلَّمَ أَهْل اللُّغَة عَلَى اِشْتِقَاق اللَّفْظَيْنِ وَلَمْ يُبَيِّنُوا الْمَعْنَى فِيهِ وَهُوَ بَدِيع , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَاطِس يَنْحَلّ كُلّ عُضْو فِي رَأْسه وَمَا يَتَّصِل بِهِ مِنْ الْعُنُق وَنَحْوه , فَكَأَنَّهُ إِذَا قِيلَ رَحِمَك اللَّه كَانَ مَعْنَاهُ أَعْطَاهُ اللَّه رَحْمَة يَرْجِع بِهَا بِذَلِكَ إِلَى حَاله قَبْل الْعُطَاس وَيُقِيم عَلَى حَاله مِنْ غَيْر تَغْيِير , فَإِنْ كَانَ التَّسْمِيت بِالْمُهْمَلَةِ فَمَعْنَاهُ رَجَعَ كُلّ عُضْو إِلَى سَمْته الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ بِالْمُعْجَمَةِ فَمَعْنَاهُ صَانَ اللَّه شَوَامِته أَيْ قَوَائِمه الَّتِي بِهَا قِوَام بَدَنه عَنْ خُرُوجهَا عَنْ الِاعْتِدَال , قَالَ : وَشَوَامِت كُلّ شَيْء قِوَامه ; فَقِوَام الدَّابَّة بِسَلَامَةِ قَوَائِمهَا الَّتِي يُنْتَفَع بِهَا إِذَا سَلِمَتْ , وَقِوَام الْآدَمِيّ بِسَلَامَةِ قَوَائِمه الَّتِي بِهَا قِوَامه وَهِيَ رَأْسه وَمَا يَتَّصِل بِهِ مِنْ عُنُق وَصَدْر ا ه. مُلَخَّصًا. ‏ ‏قَوْله : ( فَقِيلَ لَهُ ) ‏ ‏السَّائِل عَنْ ذَلِكَ هُوَ الْعَاطِس الَّذِي لَمْ يَحْمَد , وَقَعَ كَذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمُشَار إِلَيْهِ بِلَفْظِ \" فَسَأَلَهُ الشَّرِيف \" وَكَذَا فِي رِوَايَة شُعْبَة الْآتِيَة بَعْد بَابَيْنِ بِلَفْظِ \" فَقَالَ الرَّجُل : يَا رَسُول اللَّه شَمَّتَ هَذَا وَلَمْ تُشَمِّتنِي \" وَهَذَا قَدْ يُعَكِّر عَلَى مَا فِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد أَنَّ الشَّرِيف الْمَذْكُور هُوَ عَامِر بْن الطُّفَيْل فَإِنَّهُ كَانَ كَافِرًا وَمَاتَ عَلَى كُفْره , فَيَبْعُد أَنْ يُخَاطِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ يَا رَسُول اللَّه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَالَهَا غَيْر مُعْتَقِد بَلْ بِاعْتِبَارِ مَا يُخَاطِبهُ الْمُسْلِمُونَ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْقِصَّة لِعَامِرِ بْن الطُّفَيْل الْمَذْكُور , فَفِي الصَّحَابَة عَامِر بْن الطُّفَيْل الْأَسْلَمِيِّ لَهُ ذِكْر فِي الصَّحَابَة وَحَدِيث رَوَاهُ عَنْهُ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيُّ \" حَدَّثَنِي عَمِّي عَامِر بْن الطُّفَيْل \" , وَفِي الصَّحَابَة أَيْضًا عَامِر بْن الطُّفَيْل الْأَزْدِيُّ ذَكَرَهُ وَثِيمَة فِي \" كِتَاب الرِّدَّة \" وَوَرَدَ لَهُ مَرْثِيَة فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سِيَاق حَدِيث سَهْل بْن سَعْد مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عَامِر الْمَشْهُور اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون أَحَد هَذَيْنِ. ثُمَّ رَاجَعْت \" مُعْجَم الطَّبَرَانِيِّ \" فَوَجَدْت فِي سِيَاق حَدِيث سَهْل بْن سَعْد الدَّلَالَة الظَّاهِرَة عَلَى أَنَّهُ عَامِر بْن الطُّفَيْل بْن مَالِك بْن جَعْفَر بْن كِلَاب الْفَارِس الْمَشْهُور , وَكَانَ قَدِمَ الْمَدِينَة وَجَرَى بَيْنَه وَبَيْنَ ثَابِت بْن قَيْس بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَام \" ثُمَّ عَطَسَ اِبْن أَخِيهِ فَحَمِدَ فَشَمَّتَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عَطَسَ عَامِر فَلَمْ يَحْمَد فَلَمْ يُشَمِّتهُ , فَسَأَلَهُ \" الْحَدِيث , وَفِيهِ قِصَّة غَزْوَة بِئْر مَعُونَة وَكَانَ هُوَ السَّبَب فِيهَا , وَمَاتَ عَامِر بْن الطُّفَيْل بَعْد ذَلِكَ كَافِرًا فِي قِصَّة لَهُ مَشْهُورَة فِي مَوْته ذَكَرَهَا اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله : ( هَذَا حَمِدَ اللَّه وَهَذَا لَمْ يَحْمَد ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِنَّ هَذَا ذَكَرَ اللَّه فَذَكَرْته , وَأَنْتَ نَسِيت اللَّه فَنَسِيتُك \" وَقَدْ يُقَدَّم أَنَّ النِّسْيَان يُطْلَق وَيُرَاد بِهِ التَّرْك. قَالَ الْحَلِيمِيّ : الْحِكْمَة فِي مَشْرُوعِيَّة الْحَمْد لِلْعَاطِسِ أَنَّ الْعُطَاس يَدْفَع الْأَذَى مِنْ الدِّمَاغ الَّذِي فِيهِ قُوَّة الْفِكْر , وَمِنْهُ مَنْشَأ الْأَعْصَاب الَّتِي هِيَ مَعْدِن الْحِسّ وَبِسَلَامَتِهِ تَسْلَم الْأَعْضَاء , فَيَظْهَر بِهَذَا أَنَّهَا نِعْمَة جَلِيلَة فَنَاسَبَ أَنْ تُقَابَل بِالْحَمْدِ لِلَّهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِقْرَار بِاَللَّهِ بِالْخَلْقِ وَالْقُدْرَة وَإِضَافَة الْخَلْق إِلَيْهِ لَا إِلَى الطَّبَائِع ا ه. وَهَذَا بَعْض مَا اِدَّعَى اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّهُ اِنْفَرَدَ بِهِ فَيَحْتَمِل أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِع عَلَيْهِ , وَفِي الْحَدِيث أَنَّ التَّشْمِيت إِنَّمَا يُشْرَع لِمَنْ حَمِدَ اللَّه , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ , وَسَيَأْتِي تَقْرِيره فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , وَفِيهِ جَوَاز السُّؤَال عَنْ عِلَّة الْحُكْم وَبَيَانهَا لِلسَّائِلِ وَلَا سِيَّمَا إِذْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَة , وَفِيهِ أَنَّ الْعَاطِس إِذَا لَمْ يَحْمَد اللَّه لَا يُلَقَّن الْحَمْد لِيَحْمَد فَيُشَمَّت , كَذَا اِسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ وَفِيهِ نَظَر , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْد ثَالِث بَاب. وَمِنْ آدَاب الْعَاطِس أَنْ يَخْفِض بِالْعَطْسِ صَوْته وَيَرْفَعهُ بِالْحَمْدِ , وَأَنْ يُغَطِّي وَجْهه لِئَلَّا يَبْدُو مِنْ فِيهِ أَوْ أَنْفه مَا يُؤْذِي جَلِيسه , وَلَا يَلْوِي عُنُقه يَمِينًا وَلَا شِمَالًا لِئَلَّا يَتَضَرَّر بِذَلِكَ. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الْحِكْمَة فِي خَفْض الصَّوْت بِالْعُطَاسِ أَنَّ فِي رَفْعه إِزْعَاجًا لِلْأَعْضَاءِ , وَفِي تَغْطِيَة الْوَجْه أَنَّهُ لَوْ بَدَرَ مِنْهُ شَيْء آذَى جَلِيسه , وَلَوْ لَوَى عُنُقه صِيَانَة لِجَلِيسِهِ لَمْ يَأْمَن مِنْ الِالْتِوَاء , وَقَدْ شَاهَدْنَا مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَطَسَ وَضَعَ يَده عَلَى فِيهِ وَخَفَضَ صَوْته \" وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر بِنَحْوِهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَمِنْ فَوَائِد التَّشْمِيت تَحْصِيل الْمَوَدَّة وَالتَّأْلِيف بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ , وَتَأْدِيب الْعَاطِس بِكَسْرِ النَّفْس عَنْ الْكِبْر , وَالْحَمْل عَلَى التَّوَاضُع , لِمَا فِي ذِكْر الرَّحْمَة مِنْ الْإِشْعَار بِالذَّنْبِ الَّذِي لَا يَعْرَى عَنْهُ أَكْثَر الْمُكَلَّفِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5754",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَإِجَابَةِ الدَّاعِي وَرَدِّ السَّلَامِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ ‏ ‏أَوْ قَالَ حَلْقَةِ الذَّهَبِ ‏ ‏وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ ‏ ‏وَالدِّيبَاجِ ‏ ‏وَالسُّنْدُسِ ‏ ‏وَالْمَيَاثِرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء \" أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ , وَنَهَانَا عَنْ سَبْع : أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيض , وَاتِّبَاع الْجَنَائِز , وَتَشْمِيت الْعَاطِس \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح مُعْظَمه فِي كِتَاب اللِّبَاس. قَالَ اِبْن بَطَّال : لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَرَاء التَّفْصِيل الَّذِي فِي التَّرْجَمَة , وَإِنَّمَا ظَاهِره أَنَّ كُلّ عَاطِس يُشَمَّت عَلَى التَّعْمِيم , قَالَ : وَإِنَّمَا التَّفْصِيل فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْآتِي قَالَ : وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرهُ بِلَفْظِهِ فِي هَذَا الْبَاب وَيَذْكُر بَعْده حَدِيث الْبَرَاء لِيَدُلّ عَلَى أَنَّ حَدِيث الْبَرَاء وَإِنْ كَانَ ظَاهِره الْعُمُوم لَكِنْ الْمُرَاد بِهِ الْخُصُوص بِبَعْضِ الْعَاطِسِينَ وَهُمْ الْحَامِدُونَ , قَالَ : وَهَذَا مِنْ الْأَبْوَاب الَّتِي أَعْجَلَتْهُ الْمَنِيَّة عَنْ تَهْذِيبهَا , كَذَا قَالَ. وَالْوَاقِع أَنَّ هَذَا الصَّنِيع لَا يَخْتَصَّن بِهَذِهِ التَّرْجَمَة بَلْ قَدْ أَكْمَلَ مِنْهُ الْبُخَارِيّ فِي الصَّحِيح , فَطَالَمَا تَرْجَمَ بِالتَّقْيِيدِ وَالتَّخْصِيص كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب مِنْ إِطْلَاق أَوْ تَعْمِيم , وَيَكْتَفِي مِنْ دَلِيل التَّقْيِيد وَالتَّخْصِيص بِالْإِشَارَةِ إِمَّا لِمَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث الَّذِي يُورِدهُ أَوْ فِي حَدِيث آخِر كَمَا صَنَعَ فِي هَذَا الْبَاب , فَإِنَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ \" فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة \" إِلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثه مِنْ تَقْيِيد الْأَمْر بِتَشْمِيتِ الْعَاطِس , بِمَا إِذَا حَمِدَ , وَهَذَا أَدَقُّ التَّصَرُّفَيْنِ , وَدَلَّ إِكْثَاره مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَنْ عَمْد مِنْهُ لَا أَنَّهُ مَاتَ قَبْل تَهْذِيبه , بَلْ عَدَّ الْعُلَمَاء ذَلِكَ مِنْ دَقِيق فَهْمه وَحُسْنِ تَصَرُّفه , فِي إِيثَار الْأَخْفَى عَلَى الْأَجْلَى شَحْذًا لِلذِّهْنِ وَبَعْثًا لِلطَّالِبِ عَلَى تَتَبُّع طُرُق الْحَدِيث , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِد. وَقَدْ خُصَّ مِنْ عُمُوم الْأَمْر بِتَشْمِيتِ الْعَاطِس جَمَاعَة : الْأَوَّل مَنْ لَمْ يَحْمَد كَمَا تَقَدَّمَ , وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَد. الثَّانِي الْكَافِر فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ \" كَانَتْ الْيَهُود يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَاء أَنْ يَقُول يَرْحَمكُمْ اللَّه فَكَانَ يَقُول يَهْدِيكُمْ اللَّه وَيُصْلِح بَالكُمْ \" قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : إِذَا نَظَرْنَا إِلَى قَوْل مَنْ قَالَ مِنْ أَهْل اللُّغَة إِنَّ التَّشْمِيت الدُّعَاء بِالْخَيْرِ دَخَلَ الْكُفَّار فِي عُمُوم الْأَمْر بِالتَّشْمِيتِ , وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَنْ خَصَّ التَّشْمِيت بِالرَّحْمَةِ لَمْ يَدْخُلُوا. قَالَ : وَلَعَلَّ مَنْ خَصَّ التَّشْمِيت بِالدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ بَنَاهُ عَلَى الْغَالِب لِأَنَّهُ تَقْيِيد لِوَضْعِ اللَّفْظ فِي اللُّغَة. قُلْت : وَهَذَا الْبَحْث أَنْشَأَهُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَة , وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الشَّرْع فَحَدِيث أَبِي مُوسَى دَالّ عَلَى أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي مُطْلَق الْأَمْر بِالتَّشْمِيتِ , لَكِنْ لَهُمْ تَشْمِيت مَخْصُوص وَهُوَ الدُّعَاء لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ وَإِصْلَاح الْبَال وَهُوَ الشَّأْن وَلَا مَانِع مِنْ ذَلِكَ , بِخِلَافِ تَشْمِيت الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ أَهْل الدُّعَاء بِالرَّحْمَةِ بِخِلَافِ الْكُفَّار. الثَّالِث الْمَزْكُوم إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الْعُطَاس فَزَادَ عَلَى الثَّلَاث فَإِنَّ ظَاهِر الْأَمْر بِالتَّشْمِيتِ يَشْمَل مَنْ عَطَسَ وَاحِدَة أَوْ أَكْثَر لَكِنْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَجْلَانَ عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" يُشَمِّتهُ وَاحِدَة وَثِنْتَيْنِ وَثَلَاثًا , وَمَا كَانَ بَعْد ذَلِكَ فَهُوَ زُكَام \" هَكَذَا أَخْرَجَهُ مَوْقُوفًا مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ اِبْنِ عَجْلَانَ كَذَلِكَ وَلَفْظه \" شَمِّتْ أَخَاك \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ اِبْنِ عَجْلَانَ وَقَالَ فِيهِ \" لَا أَعْلَمهُ إِلَّا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَفَعَهُ مُوسَى بْن قَيْس عَنْ اِبْنِ عَجْلَانَ أَيْضًا. وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ : \" إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ , ثُمَّ إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ , ثُمَّ إِنْ عَطَسَ فَقُلْ إِنَّك مَضْنُوك \" قَالَ اِبْنِ أَبِي بَكْر : لَا أَدْرِي بَعْد الثَّالِثَة أَوْ الرَّابِعَة , وَهَذَا مُرْسَل جَيِّد , وَأَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" فَشَمِّتْهُ ثَلَاثًا , فَمَا كَانَ بَعْد ذَلِكَ فَهُوَ زُكَام \" وَأَخْرَجَ اِبْنِ أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الْعَاصِ \" شَمِّتُوهُ ثَلَاثًا , فَإِنْ زَادَ فَهُوَ دَاء يَخْرُج مِنْ رَأْسه \" مَوْقُوف أَيْضًا , وَمِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر : أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَهُ فَشَمَّتَهُ ثُمَّ عَطَسَ فَقَالَ لَهُ فِي الرَّابِعَة أَنْتَ مَضْنُوك , مَوْقُوف أَيْضًا. وَمِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عُمَر مِثْله لَكِنْ قَالَ \" فِي الثَّالِثَة \" , وَمِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبِ \" شَمِّتْهُ مَا بَيْنَك وَبَيْنَهُ ثَلَاث , فَإِنْ زَادَ فَهُوَ رِيح \" وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ يُشَمَّت الْعَاطِس إِذَا تَتَابَعَ عَلَيْهِ الْعُطَاس ثَلَاثًا , قَالَ النَّوَوِيّ فِي \" الْأَذْكَار \" إِذَا تَكَرَّرَ الْعُطَاس مُتَتَابِعًا فَالسُّنَّة أَنْ يُشَمِّتهُ لِكُلِّ مَرَّة إِلَى أَنْ يَبْلُغ ثَلَاث مَرَّات , رَوَيْنَاهُ فِي صَحِيح مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ سَلَمَة بْن الْأَكْوَع أَنَّهُ \" سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَطَسَ عِنْدَهُ رَجُل فَقَالَ لَهُ يَرْحَمك اللَّه , ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّجُل مَزْكُوم \" هَذَا لَفْظ رِوَايَة مُسْلِم , وَأَمَّا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ فَقَالَا قَالَ سَلَمَة \" عَطَسَ رَجُل عِنْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا شَاهِد فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَرْحَمك اللَّه , ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَة أَوْ الثَّالِثَة فَقَالَ رَسُول اللَّه : يَرْحَمك اللَّه , هَذَا رَجُل مَزْكُوم \" ا ه كَلَامه وَنُقِلَتْ مِنْ نُسْخَة عَلَيْهَا خَطّه بِالسَّمَاعِ عَلَيْهِ , وَاَلَّذِي نَسَبَهُ إِلَى أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ إِعَادَة قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَاطِسِ يَرْحَمك اللَّه لَيْسَ فِي شَيْء مِنْ نُسَخهَا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو عَوَانَة وَأَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَأَحْمَد وَابْن أَبِي شَيْبَة وَابْن السُّنِّيّ وَأَبُو نُعَيْم أَيْضًا فِي \" عَمَلُ الْيَوْم وَاللَّيْلَة \" وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" كُلّهمْ مِنْ رِوَايَة عِكْرِمَة بْن عَمَّار عَنْ إِيَاس بْن سَلَمَة عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِم وَأَلْفَاظهمْ مُتَفَاوِتَة , وَلَيْسَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِعَادَة يَرْحَمك اللَّه فِي الْحَدِيث , وَكَذَلِكَ مَا نَسَبَهُ إِلَى أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ أَنَّ عِنْدَهُمَا \" ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَة أَوْ الثَّالِثَة \" فِيهِ نَظَرٌ , فَإِنَّ لَفْظ أَبِي دَاوُدَ \" أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ \" وَالْبَاقِي مِثْل سِيَاق مُسْلِم سَوَاء إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أُخْرَى , وَلَفْظ التِّرْمِذِيّ مِثْل مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيّ إِلَى قَوْله \" ثُمَّ عَطَسَ \" فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْده مِثْل أَبِي دَاوُدَ سَوَاء , وَهَذِهِ رِوَايَة اِبْنِ الْمُبَارَك عِنْدَهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّانِ فَأَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَة اِبْنِ الْمُبَارَك فَقَالَ نَحْوه إِلَّا أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي الثَّانِيَة أَنْتَ مَزْكُوم. وَفِي رِوَايَة شُعْبَة قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانِ. وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ \" قَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَة أَنْتَ مَزْكُوم \" وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة رَوَوْهُ عَنْ عِكْرِمَة بْن عَمَّار وَأَكْثَر الرِّوَايَات الْمَذْكُورَة لَيْسَ فِيهَا تَعَرُّض لِلثَّالِثَةِ , وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيّ مَنْ قَالَ \" فِي الثَّالِثَة \" عَلَى رِوَايَة مَنْ قَالَ \" فِي الثَّانِيَة \" وَقَدْ وَجَدْت الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّانِ يُوَافِق مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيّ , وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ قَاسِم بْن أَصْبَغَ فِي مُصَنَّفه وَابْنِ عَبْد الْبَرّ مِنْ طَرِيقه قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّان حَدَّثَنَا عِكْرِمَة فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ \" عَطَسَ رَجُل عِنْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَمَّتَهُ , ثُمَّ عَطَسَ فَشَمَّتَهُ , ثُمَّ عَطَسَ فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَة : أَنْتَ مَزْكُوم \" هَكَذَا رَأَيْت فِيهِ \" ثُمَّ عَطَسَ فَشَمَّتَهُ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِمَام أَحْمَدُ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ وَلَفْظه \" ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّجُل مَزْكُوم \" وَهَذَا اِخْتِلَاف شَدِيد فِي لَفْظ هَذَا الْحَدِيث لَكِنْ الْأَكْثَر عَلَى تَرْك ذِكْر التَّشْمِيت بَعْد الْأُولَى , وَأَخْرَجَهُ اِبْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ عِكْرِمَة بِلَفْظٍ آخَر قَالَ \" يُشَمَّت الْعَاطِس ثَلَاثًا ; فَمَا زَادَ فَهُوَ مَزْكُوم \" وَجَعَلَ الْحَدِيث كُلّه مِنْ لَفْظ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَفَادَ تَكْرِير التَّشْمِيت , وَهِيَ رِوَايَة شَاذَّة لِمُخَالَفَةِ جَمِيع أَصْحَاب عِكْرِمَة فِي سِيَاقه , وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ عِكْرِمَة الْمَذْكُور لَمَّا حَدَّثَ بِهِ وَكِيعًا فَإِنَّ فِي حِفْظه مَقَالًا , فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة فَهُوَ شَاهِد قَوِيّ لِحَدِيثِ أَبُو هُرَيْرَة , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ مَشْرُوعِيَّة تَشْمِيت الْعَاطِس مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاث إِذَا حَمِدَ اللَّه سَوَاء تَتَابَعَ عُطَاسه أَمْ لَا , فَلَوْ تَتَابَعَ وَلَمْ يَحْمَد لِغَلَبَةِ الْعُطَاس عَلَيْهِ ثُمَّ كَرَّرَ الْحَمْد بِعَدَدِ الْعُطَاس فَهَلْ يُشَمَّت بِعَدَدِ الْحَمْد ؟ فِيهِ نَظَرٌ. وَظَاهِر الْخَبَر نَعَمْ , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَابْن السُّنِّيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة النَّهْي عَنْ التَّشْمِيت بَعْد ثَلَاث , وَلَفْظه \" إِذَا عَطَسَ أَحَدكُمْ فَلْيُشَمِّتْهُ جَلِيسه , فَإِنْ زَادَ عَلَى ثَلَاث فَهُوَ مَزْكُوم , وَلَا يُشَمِّتهُ بَعْد ثَلَاث \" قَالَ النَّوَوِيّ : فِيهِ رَجُل لَمْ أَتَحَقَّقْ حَاله , وَبَاقِي إِسْنَاده صَحِيح , قُلْت : الرَّجُل الْمَذْكُور هُوَ سُلَيْمَان بْن أَبِي دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ , وَالْحَدِيث عِنْدَهُمَا مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان عَنْ أَبِيهِ , وَمُحَمَّد مُوَثَّق وَأَبُوهُ يُقَال لَهُ الْحَرَّانِيُّ ضَعِيف , قَالَ فِيهِ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِثِقَةٍ وَلَا مَأْمُون. قَالَ النَّوَوِيّ : وَأَمَّا الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ عُبَيْد بْن رِفَاعَة الصَّحَابِيّ قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُشَمَّت الْعَاطِس ثَلَاثًا فَإِنْ زَادَ فَإِنْ شِئْت فَشَمِّتْهُ وَإِنْ شِئْت فَلَا \" فَهُوَ حَدِيث ضَعِيف قَالَ فِيهِ التِّرْمِذِيّ : هَذَا الْحَدِيث غَرِيب , وَإِسْنَاده مَجْهُول. قُلْت : إِطْلَاقه عَلَيْهِ الضَّعْف لَيْسَ بِجَيِّدٍ , إِذَا لَا يَلْزَم مِنْ الْغَرَابَة الضَّعْف , وَأَمَّا وَصْف التِّرْمِذِيّ إِسْنَاده بِكَوْنِهِ مَجْهُولًا فَلَمْ يُرِدْ جَمِيع رِجَال الْإِسْنَاد فَإِنَّ مُعْظَمهمْ مُوَثَّقُونَ , وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي رِوَايَته تَغْيِير اِسْم بَعْض رُوَاته وَإِبْهَام اِثْنَيْنِ مِنْهُمْ , وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ أَخْرَجَاهُ مَعًا مِنْ طَرِيق عَبْد السَّلَام بْن حَرْب عَنْ يَزِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن , ثُمَّ اِخْتَلَفَا : فَأَمَّا رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ فَفِيهَا عَنْ يَحْيَى بْن إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أُمِّهِ حَمِيدَة - أَوْ عُبَيْدَة - بِنْتِ عُبَيْد بْن رِفَاعَة عَنْ أَبِيهَا , وَهَذَا إِسْنَاد حَسَن , وَالْحَدِيث مَعَ ذَلِكَ مُرْسَل كَمَا سَأُبَيِّنُ وَعَبْد السَّلَام بْن حَرْب مِنْ رِجَال الصَّحِيح , وَيَزِيد هُوَ أَبُو خَالِد الدَّالَانِيُّ وَهُوَ صَدُوق فِي حِفْظه شَيْء , وَيَحْيَى بْن إِسْحَاق وَثَّقَهُ يَحْيَى بْن مَعِين وَأُمّه حَمِيدَة رَوَى عَنْهَا أَيْضًا زَوْجهَا إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة , وَذَكَرَهَا اِبْن حِبَّان فِي ثِقَات التَّابِعِينَ , وَأَبُوهَا عُبَيْد بْن رِفَاعَة ذَكَرُوهُ فِي الصَّحَابَة لِكَوْنِهِ وُلِدَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَهُ رُؤْيَة , قَالَهُ اِبْن السَّكَن , قَالَ : وَلَمْ يَصِحّ سَمَاعه. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : رِوَايَته مُرْسَلَة وَحَدِيثه عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرهمَا , وَأَمَّا رِوَايَة التِّرْمِذِيّ فَفِيهَا عَنْ عُمَر بْن إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أُمِّهِ عَنْ أَبِيهَا كَذَا سَمَّاهُ عُمَر وَلَمْ يُسَمِّ أُمّه وَلَا أَبَاهَا , وَكَأَنَّهُ لَمْ يُمْعِنْ النَّظَر فِيهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ إِسْنَاد مَجْهُول وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْهُولٍ , وَأَنَّ الصَّوَاب يَحْيَى بْن إِسْحَاق لَا عُمَر , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَسَن بْن سُفْيَان وَابْن السُّنِّيّ وَأَبُو نُعَيْم وَغَيْرهمْ مِنْ طَرِيق عَبْد السَّلَام بْن حَرْب فَقَالُوا يَحْيَى بْن إِسْحَاق , وَقَالُوا : حَمِيدَة بِغَيْرِ شَكٍّ وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ هَذَا الْحَدِيث وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَجْهُول لَكِنْ يُسْتَحَبّ الْعَمَل بِهِ لِأَنَّهُ دُعَاء بِخَيْرٍ وَصِلَة وَتَوَدُّد لِلْجَلِيسِ , فَالْأَوْلَى الْعَمَل بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : دَلَّ حَدِيث عُبَيْد بْن رِفَاعَة عَلَى أَنَّهُ يُشَمَّت ثَلَاثًا وَيُقَال أَنْتَ مَزْكُوم بَعْد ذَلِكَ , وَهِيَ زِيَادَة يَجِب قَبُولهَا فَالْعَمَل بِهَا أَوْلَى. ثُمَّ حَكَى النَّوَوِيّ عَنْ اِبْنِ الْعَرَبِيّ أَنَّ الْعُلَمَاء اِخْتَلَفُوا هَلْ يَقُول لِمَنْ تَتَابَعَ عُطَاسه أَنْتَ مَزْكُوم فِي الثَّانِيَة أَوْ الثَّالِثَة أَوْ الرَّابِعَة ؟ عَلَى أَقْوَال , وَالصَّحِيح فِي الثَّالِثَة قَالَ : وَمَعْنَاهُ إِنَّك لَسْت مِمَّنْ يُشَمَّت بَعْدهَا لِأَنَّ الَّذِي بِك مَرَض وَلَيْسَ مِنْ الْعُطَاس الْمَحْمُود النَّاشِئ عَنْ خِفَّة الْبَدَنِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , قَالَ : فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا كَانَ مَرَضًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُشَمَّت بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ أَحْوَج إِلَى الدُّعَاء مِنْ غَيْره , قُلْنَا نَعَمْ لَكِنْ يُدْعَى لَهُ بِدُعَاءٍ يُلَائِمهُ لَا بِالدُّعَاءِ الْمَشْرُوع لِلْعَاطِسِ بَلْ مِنْ جِنْس دُعَاء الْمُسْلِم لِلْمُسْلِمِ بِالْعَافِيَةِ , وَذَكَرَ اِبْن دَقِيق الْعِيد عَنْ بَعْض الشَّافِعِيَّة أَنَّهُ قَالَ : يُكَرَّر التَّشْمِيت إِذَا تَكَرَّرَ الْعُطَاس إِلَّا أَنْ يُعْرَف أَنَّهُ مَزْكُوم فَيَدْعُو لَهُ بِالشِّفَاءِ , قَالَ : وَتَقْرِيره أَنَّ الْعُمُوم يَقْتَضِي التَّكْرَار إِلَّا فِي مَوْضِع الْعِلَّة وَهُوَ الزُّكَام , قَالَ وَعِنْدَ هَذَا يَسْقُط الْأَمْر بِالتَّشْمِيتِ عِنْدَ الْعِلْم بِالزُّكَامِ لِأَنَّ التَّعْلِيل بِهِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُشَمَّت مَنْ عُلِمَ أَنَّ بِهِ زُكَامًا أَصْلًا , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الْمَذْكُور هُوَ الْعِلَّة دُون التَّعْلِيل وَلَيْسَ الْمُعَلَّل هُوَ مُطْلَق التَّرْك لِيَعُمّ الْحُكْم عَلَيْهِ بِعُمُومِ عِلَّته , بَلْ الْمُعَلَّل هُوَ التَّرْك بَعْد التَّكْرِير , فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَا يَلْزَم تَكَرُّر التَّشْمِيت لِأَنَّهُ مَزْكُوم , قَالَ وَيَتَأَيَّد بِمُنَاسَبَةِ الْمَشَقَّة النَّاشِئَة عَنْ التَّكْرَار. الرَّابِع مِمَّنْ يُخَصّ مِنْ عُمُوم الْعَاطِسِينَ مَنْ يَكْرَه التَّشْمِيت , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : ذَهَبَ بَعْض أَهْل الْعِلْم إِلَى أَنَّ مَنْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَكْرَه التَّشْمِيت أَنَّهُ لَا يُشَمَّت إِجْلَالًا لِلتَّشْمِيتِ أَنْ يُؤَهَّل لَهُ مَنْ يَكْرَههُ فَإِنْ قِيلَ : كَيْف يَتْرُك السُّنَّة لِذَلِكَ ؟ قُلْنَا : هِيَ سُنَّة لِمَنْ أَحَبَّهَا , فَأَمَّا مَنْ كَرِهَهَا وَرَغِبَ عَنْهَا فَلَا. قَالَ : وَيَطَّرِد ذَلِكَ فِي السَّلَام وَالْعِيَادَة. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَمْتَنِع مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ خَافَ مِنْهُ ضَرَرًا , فَأَمَّا غَيْره فَيُشَمَّت اِمْتِثَالًا لِلْأَمْرِ وَمُنَاقَضَة لِلْمُتَكَبِّرِ فِي مُرَاده وَكَسْرًا لِسَوْرَتِهِ فِي ذَلِكَ , وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إِجْلَال التَّشْمِيت. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ لَفْظ التَّشْمِيت دُعَاء بِالرَّحْمَةِ فَهُوَ يُنَاسِب الْمُسْلِم كَائِنًا مَنْ كَانَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْخَامِس قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد يُسْتَثْنَى أَيْضًا مَنْ عَطَسَ وَالْإِمَام يَخْطُب , فَإِنَّهُ يَتَعَارَض الْأَمْر بِتَشْمِيتِ مَنْ سَمِعَ الْعَاطِس وَالْأَمْر بِالْإِنْصَاتِ لِمَنْ سَمِعَ الْخَطِيب , وَالرَّاجِح الْإِنْصَات لِإِمْكَانِ تَدَارُك التَّشْمِيت بَعْد فَرَاغِ الْخَطِيب وَلَا سِيَّمَا إِنْ قِيلَ بِتَحْرِيمِ الْكَلَام وَالْإِمَام يَخْطُب , وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَتَعَيَّن تَأْخِير التَّشْمِيت حَتَّى يَفْرُغ الْخَطِيب أَوْ يُشْرَع لَهُ التَّشْمِيت بِالْإِشَارَةِ ؟ فَلَوْ كَانَ الْعَاطِس الْخَطِيب فَحَمِدَ وَاسْتَمَرَّ فِي خُطْبَته فَالْحُكْم كَذَلِكَ وَإِنْ حَمِدَ فَوَقَفَ قَلِيلًا لِيُشَمَّت فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يُشْرَع تَشْمِيته. السَّادِس مِمَّنْ يُمْكِن أَنْ يُسْتَثْنَى مَنْ كَانَ عِنْدَ عُطَاسه فِي حَالَة يَمْتَنِع عَلَيْهِ فِيهَا ذِكْر اللَّه , كَمَا إِذَا كَانَ عَلَى الْخَلَاء أَوْ فِي الْجَمَاعَة فَيُؤَخِّر ثُمَّ يَحْمَد اللَّه فَيُشَمَّت , فَلَوْ خَالَفَ فَحَمِدَ فِي تِلْكَ الْحَالَة هَلْ يَسْتَحِقّ التَّشْمِيت ؟ فِيهِ نَظَرٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "5755",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الشَّيْطَانِ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِذَا قَالَ هَا ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏هَكَذَا قَالَ آدَم بْن أَبِي إِيَاس عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب , وَتَابَعَهُ عَاصِم بْن عَلِيّ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد بَاب , وَالْحَجَّاج بْن مُحَمَّد عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَيَزِيد بْن هَارُون عِنْدَ التِّرْمِذِيّ وَابْن أَبِي فُدَيْك عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو عَامِر الْعَقَدِيّ عِنْدَ الْحَاكِم كُلّهمْ عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب , وَخَالَفَهُمْ الْقَاسِم بْن يَزِيد عِنْدَ النَّسَائِيِّ فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ \" عَنْ أَبِيهِ \" وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق الطَّيَالِسِيِّ. وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَجْلَانَ عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَمْ يَقُلْ \" عَنْ أَبِيهِ \" وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيّ رِوَايَة مَنْ قَالَ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَد. ‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْعُطَاس ) ‏ ‏يَعْنِي الَّذِي لَا يَنْشَأ عَنْ زُكَام , لِأَنَّهُ الْمَأْمُور فِيهِ بِالتَّحْمِيدِ وَالتَّشْمِيت , وَيَحْتَمِل التَّعْمِيم فِي نَوْعَيْ الْعُطَاس وَالتَّفْصِيل فِي التَّشْمِيت خَاصَّة , وَقَدْ وَرَدَ مَا يَخُصّ بَعْض أَحْوَال الْعَاطِسِينَ , فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي الْيَقْظَان عَنْ عَدِيّ بْن ثَابِت عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه رَفَعَهُ قَالَ \" الْعُطَاس وَالنُّعَاس وَالتَّثَاؤُب فِي الصَّلَاة مِنْ الشَّيْطَان \" وَسَنَده ضَعِيف , وَلَهُ شَاهِد عَنْ اِبْن مَسْعُود فِي الطَّبَرَانِيِّ لَكِنْ لَمْ يَذْكُر النُّعَاس , وَهُوَ مَوْقُوف وَسَنَده ضَعِيف أَيْضًا. قَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" لَا يُعَارِضُ هَذَا حَدِيث الْبَاب فِي مَحَبَّة الْعُطَاس وَكَرَاهَة التَّثَاؤُب لِكَوْنِهِ بِحَالِ الصَّلَاة فَقَدْ يَتَسَبَّب الشَّيْطَان فِي حُصُول الْعُطَاس لِلْمُصَلِّي لِيَشْغَلهُ عَنْ صَلَاته , وَقَدْ يُقَال إِنَّ الْعُطَاس إِنَّمَا لَمْ يُوصَف بِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا فِي الصَّلَاة لِأَنَّهُ لَا يُمْكِن رَدُّهُ بِخِلَافِ التَّثَاؤُب , وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي التَّثَاؤُب كَمَا سَيَأْتِي بَعْد \" فَلْيَرُدَّهُ مَا اِسْتَطَاعَ \" وَلَمْ يَأْتِ ذَلِكَ فِي الْعُطَاس. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" إِنَّ اللَّه يُكْرَه التَّثَاؤُب وَيُحِبّ الْعُطَاس فِي الصَّلَاة \" وَهَذَا يُعَارِض حَدِيث جَدّ عَدِيّ وَفِي سَنَده ضَعْف أَيْضًا وَهُوَ مَوْقُوف وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّا يُسْتَحَبّ لِلْعَاطِسِ أَنْ لَا يُبَالِغ فِي إِخْرَاج الْعَطْسَة فَقَدْ ذَكَرَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ قَالَ \" سَبْع مِنْ الشَّيْطَان \" فَذَكَرَ مِنْهَا شِدَّة الْعُطَاس. ‏ ‏قَوْله : ( فَحَقٌّ عَلَى كُلّ مُسْلِم سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتهُ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِسْتِحْبَاب مُبَادَرَة الْعَاطِس بِالتَّحْمِيدِ , وَنَقَلَ اِبْن دَقِيق الْعِيد عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَنَّى فِي حَقّه حَتَّى يَسْكُن وَلَا يُعَاجِلهُ بِالتَّشْمِيتِ , قَالَ : وَهَذَا فِيهِ غَفْلَة عَنْ شَرْط التَّشْمِيت وَهُوَ تَوَقُّفه عَلَى حَمْد الْعَاطِس. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" عَنْ مَكْحُول الْأَزْدِيِّ \" كُنْت إِلَى جَنْب اِبْن عُمَر فَعَطَسَ رَجُل مِنْ نَاحِيَة الْمَسْجِد فَقَالَ اِبْن عُمَر يَرْحَمك اللَّه إِنْ كُنْت حَمِدْت اللَّه \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّشْمِيت إِنَّمَا يُشْرَع لِمَنْ سَمِعَ الْعَاطِس وَسَمِعَ حَمْده , فَلَوْ سَمِعَ مَنْ يُشَمِّت غَيْره وَلَمْ يَسْمَع هُوَ عُطَاسه وَلَا حَمْده هَلْ يُشْرَع لَهُ تَشْمِيته ؟ سَيَأْتِي قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَّا التَّثَاؤُب ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحه بَعْد بَابَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5756",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ ‏ ‏أَوْ صَاحِبُهُ ‏ ‏يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَلْيَقُلْ ‏ ‏يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَبِي صَالِح ) ‏ ‏هُوَ السَّمَّان , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَهُوَ مِنْ رِوَايَة تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ. ‏ ‏قَوْله : ( إِذَا عَطَسَ أَحَدكُمْ فَلْيَقُلْ الْحَمْد لِلَّهِ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع نُسَخ الْبُخَارِيّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النِّسَائِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن حَسَّان , وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق بِشْر بْن الْمُفَضَّل وَأَبِي النَّضْر , وَأَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق عَاصِم بْن عَلِيّ , وَفِي \" عَمَل يَوْم وَلَيْلَة \" مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن صَالِح كُلّهمْ عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ عَبْد الْعَزِيز الْمَذْكُور بِهِ بِلَفْظِ \" فَلْيَقُلْ الْحَمْد لِلَّهِ عَلَى كُلّ حَال \". قُلْت : وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ هَذَا الْوَجْه فِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِحُكْمِهَا. وَاسْتُدِلَّ بِأَمْرِ الْعَاطِس بِحَمْدِ اللَّه أَنَّهُ يُشْرَع حَتَّى لِلْمُصَلِّي , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى حَدِيث رِفَاعَة بْن رَافِع فِي \" بَاب الْحَمْد لِلْعَاطِسِ \" وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُور مِنْ الصَّحَابَة وَالْأَئِمَّة بَعْدهمْ , وَبِهِ قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد , وَنَقَلَ التِّرْمِذِيّ عَنْ بَعْض التَّابِعِينَ أَنَّ ذَلِكَ يُشْرَع فِي النَّافِلَة لَا فِي الْفَرِيضَة , وَيَحْمَد مَعَ ذَلِكَ فِي نَفْسه. وَجَوَّزَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" أَنْ يَكُون مُرَاده أَنَّهُ يُسِرّ بِهِ وَلَا يَجْهَر بِهِ , وَهُوَ مُتَعَقَّب مَعَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ رِفَاعَة بْن رَافِع فَإِنَّهُ جَهَرَ بِذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ. نَعَمْ يُفَرَّق بَيْنَ أَنْ يَكُون فِي قِرَاءَة الْفَاتِحَة أَوْ غَيْرهَا مِنْ أَجْل اِشْتِرَاط الْمُوَالَاة فِي قِرَاءَتهَا , وَجَزَمَ اِبْن الْعَرَبِيّ مِنْ الْمَالِكِيَّة بِأَنَّ الْعَاطِس فِي الصَّلَاة يَحْمَد فِي نَفْسه , وَنَقَلَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا يَحْمَد حَتَّى يَفْرُغ وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ غُلُوّ. ‏ ‏قَوْله : ( وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبه ) ‏ ‏هُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وَكَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ مِنْ رِوَايَة عَاصِم بْن عَلِيّ \" فَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ \" وَلَمْ يَشُكّ وَالْمُرَاد بِالْأُخُوَّةِ أُخُوَّة الْإِسْلَام. ‏ ‏قَوْله : ( يَرْحَمك اللَّه ) ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون دُعَاء بِالرَّحْمَةِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِخْبَارًا عَلَى طَرِيق الْبِشَارَة كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيث الْآخَر \" طَهُور إِنْ شَاءَ اللَّه \" أَيْ هِيَ طُهْر لَك ; فَكَأَنَّ الْمُشَمِّت بَشَّرَ الْعَاطِس بِحُصُولِ الرَّحْمَة لَهُ فِي الْمُسْتَقْبَل بِسَبَبِ حُصُولهَا لَهُ فِي الْحَال لِكَوْنِهَا دَفَعَتْ مَا يَضُرّهُ , قَالَ : وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى قَاعِدَة , وَهِيَ أَنَّ اللَّفْظ إِذَا أُرِيدَ بِهِ مَعْنَاهُ لَمْ يَنْصَرِف لِغَيْرِهِ , وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَعْنًى يَحْتَمِلهُ اِنْصَرَفَ إِلَيْهِ , وَإِنْ أُطْلِقَ اِنْصَرَفَ إِلَى الْغَالِب , وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِر الْقَائِل الْمَعْنَى الْغَالِب. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : ذَهَبَ إِلَى هَذَا قَوْم فَقَالُوا : يَقُول لَهُ يَرْحَمك اللَّه يَخُصّهُ بِالدُّعَاءِ وَحْده وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق حَفْص بْن عَاصِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" لَمَّا خَلَقَ اللَّه آدَم عَطَسَ , فَأَلْهَمَهُ رَبُّهُ أَنْ قَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ , فَقَالَ لَهُ رَبّه : يَرْحَمك اللَّه \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" يَقُول يَرْحَمنَا اللَّه وَإِيَّاكُمْ \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عُمَر نَحْوه , وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَبِي جَمْرَة بِالْجِيمِ \" سَمِعْت اِبْن عَبَّاس إِذَا شَمَّتَ يَقُول : عَافَانَا اللَّه وَإِيَّاكُمْ مِنْ النَّار , يَرْحَمكُمْ اللَّه \" وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ \" كَانَ إِذَا عَطَسَ فَقِيلَ لَهُ : يَرْحَمك اللَّه , قَالَ : يَرْحَمنَا اللَّه وَإِيَّاكُمْ وَيَغْفِر اللَّه لَنَا وَلَكُمْ \" قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ السُّنَّة لَا تَتَأَدَّى إِلَّا بِالْمُخَاطَبَةِ , وَأَمَّا مَا اِعْتَادَهُ كَثِير مِنْ النَّاس مِنْ قَوْلهمْ لِلرَّئِيسِ يَرْحَم اللَّه سَيِّدنَا فَخِلَاف السُّنَّة , وَبَلَغَنِي عَنْ بَعْض الْفُضَلَاء أَنَّهُ شَمَّتَ رَئِيسًا فَقَالَ لَهُ يَرْحَمك اللَّه يَا سَيِّدنَا فَجَمَعَ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ حَسَن. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمك اللَّه فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمْ اللَّه وَيُصْلِح بَالكُمْ ) ‏ ‏مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُشْرَع ذَلِكَ إِلَّا لِمَنْ شَمَّتَ وَهُوَ وَاضِح , وَأَنَّ هَذَا اللَّفْظ هُوَ جَوَاب التَّشْمِيت , وَهَذَا مُخْتَلَف فِيهِ قَالَ اِبْن بَطَّال : ذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى هَذَا وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ يَقُول يَغْفِر اللَّه لَنَا وَلَكُمْ , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَابْن عُمَر وَغَيْرهمَا. قُلْت : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَهُوَ فِي حَدِيث سَالِم بْن عُبَيْد الْمُشَار إِلَيْهِ قَبْل فَفِيهِ \" وَلْيَقُلْ يَغْفِر اللَّه لَنَا وَلَكُمْ \" قُلْت : وَقَدْ وَافَقَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي ذَلِكَ حَدِيث عَائِشَة عِنْدَ أَحْمَد وَأَبِي يَعْلَى وَحَدِيث أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا وَحَدِيث اِبْن عُمَر عِنْدَ الْبَزَّار وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي \" الشُّعَب \". وَقَالَ اِبْن بَطَّال : ذَهَبَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ إِلَى أَنَّهُ يَتَخَيَّر بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ , وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد بْن رُشْد : الثَّانِي أَوْلَى ; لِأَنَّ الْمُكَلَّف يَحْتَاج إِلَى طَلَبِ الْمَغْفِرَة , وَالْجَمْع بَيْنَهمَا أَحْسَن إِلَّا لِلذِّمِّيِّ , وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الَّذِينَ مَنَعُوا مِنْ جَوَاب التَّشْمِيت بِقَوْلِ \" يَهْدِيكُمْ اللَّه وَيُصْلِح بَالكُمْ \" اِحْتَجُّوا بِأَنَّهُ تَشْمِيت الْيَهُود كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ مِنْ تَخْرِيج أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى , قَالَ : وَلَا حُجَّة فِيهِ إِذْ لَا تَضَادَّ بَيْنَ خَبَر أَبِي مُوسَى وَخَبَر أَبِي هُرَيْرَة - يَعْنِي حَدِيث الْبَاب - لِأَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي جَوَاب التَّشْمِيت وَحَدِيث أَبِي مُوسَى فِي التَّشْمِيت نَفْسه , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : اِجْتَمَعَ الْيَهُود وَالْمُسْلِمُونَ فَعَطَسَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَمَّتَهُ الْفَرِيقَانِ جَمِيعًا فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ : يَغْفِر اللَّه لَكُمْ وَيَرْحَمنَا وَإِيَّاكُمْ , وَقَالَ لِلْيَهُودِ : يَهْدِيكُمْ اللَّه وَيُصْلِح بَالكُمْ. فَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّاد عَنْ أَبِيهِ عَنْ نَافِع , وَعَبْد اللَّه ضَعِيف. وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ بِأَنَّ الْجَوَاب الْمَذْكُور مَذْهَب الْخَوَارِج لِأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الِاسْتِغْفَار لِلْمُسْلِمِينَ , وَهَذَا مَنْقُول عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ , وَكُلّ هَذَا لَا حُجَّة فِيهِ بَعْد ثُبُوت الْخَبَر بِالْأَمْرِ بِهِ , قَالَ الْبُخَارِيّ بَعْد تَخْرِيجه فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" : وَهَذَا أَثْبَت مَا يُرْوَى فِي هَذَا الْبَاب. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : هُوَ مِنْ أَثْبَت الْأَخْبَار. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هُوَ أَصَحُّ شَيْء وَرَدَ فِي هَذَا الْبَاب. وَقَدْ أَخَذَ بِهِ الطَّحَاوِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّة وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى ( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا ) قَالَ : وَاَلَّذِي يُجِيب بِقَوْلِهِ \" غَفَرَ اللَّه لَنَا وَلَكُمْ \" لَا يَزِيد الْمُشَمِّت عَلَى مَعْنَى قَوْله يَرْحَمك اللَّه ; لِأَنَّ الْمَغْفِرَة سَتْر الذَّنْب وَالرَّحْمَة تَرْك الْمُعَاقَبَة عَلَيْهِ , بِخِلَافِهِ دُعَائِهِ لَهُ بِالْهِدَايَةِ وَالْإِصْلَاح فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُون سَالِمًا مِنْ مُوَاقَعَة الذَّنْب صَالِح الْحَال , فَهُوَ فَوْق الْأَوَّل فَيَكُون أَوْلَى , وَاخْتَارَ اِبْن أَبِي جَمْرَة أَنْ يَجْمَع الْمُجِيب بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَيَكُون أَجْمَع لِلْخَيْرِ وَيَخْرُج مِنْ الْخِلَاف , وَرَجَّحَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد. وَقَدْ أَخْرَجَ مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ \" كَانَ إِذَا عَطَسَ فَقِيلَ لَهُ يَرْحَمك اللَّه قَالَ : يَرْحَمنَا اللَّه وَإِيَّاكُمْ , يَغْفِر اللَّه لَنَا وَلَكُمْ \" قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى عَظِيم نِعْمَة اللَّه عَلَى الْعَاطِس ; يُؤْخَذ ذَلِكَ مِمَّا رَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ الْخَيْر , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى عَظِيم فَضْل اللَّه عَلَى عَبْده , فَإِنَّهُ أَذْهَبَ عَنْهُ الضَّرَر بِنِعْمَةِ الْعُطَاس ثُمَّ شُرِعَ لَهُ الْحَمْد الَّذِي يُثَاب عَلَيْهِ , ثُمَّ الدُّعَاء بِالْخَيْرِ بَعْد الدُّعَاء بِالْخَيْرِ , وَشَرْع هَذِهِ النِّعَم الْمُتَوَالِيَات فِي زَمَن يَسِير فَضْلًا مِنْهُ وَإِحْسَانًا , وَفِي هَذَا لِمَنْ رَآهُ بِقَلْبٍ لَهُ بَصِيرَة زِيَادَة قُوَّة فِي إِيمَانه حَتَّى يَحْصُل لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَحْصُل بِعِبَادَةِ أَيَّام عَدِيدَة , وَيُدَاخِلهُ مِنْ حُبّ اللَّه الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي بَاله , وَمِنْ حُبِّ الرَّسُول الَّذِي جَاءَتْ مَعْرِفَة هَذَا الْخَيْر عَلَى يَده وَالْعِلْم الَّذِي جَاءَتْ بِهِ سُنَّته مَا لَا يُقَدَّرُ قَدْره. قَالَ : وَفِي زِيَادَة ذَرَّة مِنْ هَذَا مَا يَفُوق الْكَثِير مِمَّا عَدَاهُ مِنْ الْأَعْمَال وَلِلَّهِ الْحَمْد كَثِيرًا. وَقَالَ الْحَلِيمِيّ : أَنْوَاع الْبَلَاء وَالْآفَات كُلّهَا مُؤَاخَذَات , وَإِنَّمَا الْمُؤَاخَذَة عَنْ ذَنْب , فَإِذَا حَصَلَ الذَّنْب مَغْفُورًا وَأَدْرَكَتْ الْعَبْد الرَّحْمَة لَمْ تَقَع الْمُؤَاخَذَة , فَإِذَا قِيلَ لِلْعَاطِسِ : يَرْحَمك اللَّه , فَمَعْنَاهُ جَعَلَ اللَّه لَك ذَلِكَ لِتَدُومَ لَك السَّلَامَة. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى تَنْبِيه الْعَاطِس عَلَى طَلَبِ الرَّحْمَة وَالتَّوْبَة مِنْ الذَّنْب , وَمِنْ ثَمَّ شُرِعَ لَهُ الْجَوَاب بِقَوْلِهِ \" غَفَرَ اللَّه لَنَا وَلَكُمْ \". ‏ ‏قَوْله : ( بَالكُمْ شَأْنكُمْ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ( سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِح بَالهمْ ) أَيْ شَأْنهمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "5757",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتْ الْآخَرَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَمَّتَّ ‏ ‏هَذَا وَلَمْ تُشَمِّتْنِي قَالَ إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَلَمْ تَحْمَدْ اللَّهَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5758",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللَّهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْعُطَاس ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله : ( وَأَمَّا التَّثَاؤُب فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الشَّيْطَان ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال إِضَافَة التَّثَاؤُب إِلَى الشَّيْطَان بِمَعْنَى إِضَافَة الرِّضَا وَالْإِرَادَة , أَيْ أَنَّ الشَّيْطَان يُحِبّ أَنْ يَرَى الْإِنْسَان مُتَثَائِبًا لِأَنَّهَا حَالَة تَتَغَيَّر فِيهَا صُورَته فَيَضْحَك مِنْهُ. لَا أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الشَّيْطَان فَعَلَ التَّثَاؤُب. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كُلّ فِعْل مَكْرُوه نَسَبَهُ الشَّرْع إِلَى الشَّيْطَان لِأَنَّهُ وَاسِطَته , وَأَنَّ كُلّ فِعْل حَسَن نَسَبَهُ الشَّرْع إِلَى الْمَلَك لِأَنَّهُ وَاسِطَته , قَالَ : وَالتَّثَاؤُب مِنْ الِامْتِلَاء وَيَنْشَأ عَنْهُ التَّكَاسُل وَذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الشَّيْطَان , وَالْعُطَاس مِنْ تَقْلِيل الْغِذَاء وَيَنْشَأ عَنْهُ النَّشَاط وَذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الْمَلَك. وَقَالَ النَّوَوِيّ : أُضِيفَ التَّثَاؤُب إِلَى الشَّيْطَان لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الشَّهَوَات إِذْ يَكُون عَنْ ثِقَل الْبَدَن وَاسْتِرْخَائِهِ وَامْتِلَائِهِ , وَالْمُرَاد التَّحْذِير مِنْ السَّبَب الَّذِي يَتَوَلَّد مِنْهُ ذَلِكَ وَهُوَ التَّوَسُّع فِي الْمَأْكَل. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اِسْتَطَاعَ ) ‏ ‏أَيْ يَأْخُذ فِي أَسْبَاب رَدِّهِ , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِهِ أَنَّهُ يَمْلِك دَفْعه لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ لَا يُرَدّ حَقِيقَة , وَقِيلَ مَعْنَى إِذَا تَثَاءَبَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَثَاءَب , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ يَكُون الْمَاضِي فِيهِ بِمَعْنَى الْمُضَارِع. ‏ ‏قَوْله : ( فَإِنَّ أَحَدكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عَجْلَانَ \" فَإِذَا قَالَ آهْ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَان \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فَإِنَّ الشَّيْطَان يَدْخُل \" وَفِي لَفْظ لَهُ \" إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدكُمْ فِي الصَّلَاة فَلْيَكْظِمْ مَا اِسْتَطَاعَ فَإِنَّ الشَّيْطَان يَدْخُل \" هَكَذَا قَيَّدَهُ بِحَالَةِ الصَّلَاة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" التَّثَاؤُب فِي الصَّلَاة مِنْ الشَّيْطَان فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اِسْتَطَاعَ \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَجْلَانَ عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْوه , وَرَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ \" إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدكُمْ فَلْيَضَعْ يَده عَلَى فِيهِ وَلَا يَعْوِي , فَإِنَّ الشَّيْطَان يَضْحَك مِنْهُ \" قَالَ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ : أَكْثَر رِوَايَات الصَّحِيحَيْنِ فِيهَا إِطْلَاق التَّثَاؤُب , وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى تَقْيِيده بِحَالَةِ الصَّلَاة فَيَحْتَمِل أَنْ يُحْمَل الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد , وَلِلشَّيْطَانِ غَرَض قَوِيّ فِي التَّشْوِيش عَلَى الْمُصَلِّي فِي صَلَاته , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون كَرَاهَته فِي الصَّلَاة أَشَدَّ , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُكْرَه فِي غَيْر حَالَة الصَّلَاة. وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ : إِنَّ الْمُطْلَق إِنَّمَا يُحْمَل عَلَى الْمُقَيَّد فِي الْأَمْر لَا فِي النَّهْي , وَيُؤَيِّد كَرَاهَته مُطْلَقًا كَوْنه مِنْ الشَّيْطَان , وَبِذَلِكَ صَرَّحَ النَّوَوِيّ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : يَنْبَغِي كَظْم التَّثَاؤُب فِي كُلّ حَالَة , وَإِنَّمَا خَصَّ الصَّلَاة لِأَنَّهَا أَوْلَى الْأَحْوَال بِدَفْعِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوج عَنْ اِعْتِدَال الْهَيْئَة وَاعْوِجَاج الْخِلْقَة. وَأَمَّا قَوْله فِي رِوَايَة أَبِي سَعِيد فِي اِبْن مَاجَهْ \" وَلَا يَعْوِي \" فَإِنَّهُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة , شَبَّهَ التَّثَاؤُب الَّذِي يَسْتَرْسِل مَعَهُ بِعُوَاءِ الْكَلْب تَنْفِيرًا عَنْهُ وَاسْتِقْبَاحًا لَهُ فَإِنَّ الْكَلْب يَرْفَع رَأْسه وَيَفْتَح فَاهُ وَيَعْوِي , وَالْمُتَثَائِب إِذَا أَفْرَطَ فِي التَّثَاؤُب شَابَهَهُ. وَمِنْ هُنَا تَظْهَر النُّكْتَة فِي كَوْنه يَضْحَك مِنْهُ , لِأَنَّهُ صَيَّرَهُ مَلْعَبَة لَهُ بِتَشْوِيهِ خَلْقه فِي تِلْكَ الْحَالَة. وَأَمَّا قَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَإِنَّ الشَّيْطَان يَدْخُل \" فَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ الدُّخُول حَقِيقَة , وَهُوَ وَإِنْ كَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَان مَجْرَى الدَّم لَكِنَّهُ لَا يَتَمَكَّن مِنْهُ مَا دَامَ ذَاكِرًا لِلَّهِ تَعَالَى , وَالْمُتَثَائِب فِي تِلْكَ الْحَالَة غَيْر ذَاكِر فَيَتَمَكَّن الشَّيْطَان مِنْ الدُّخُول فِيهِ حَقِيقَة. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَطْلَقَ الدُّخُول وَأَرَادَ التَّمَكُّن مِنْهُ ; لِأَنَّ مِنْ شَأْن مَنْ دَخَلَ فِي شَيْء أَنْ يَكُون مُتَمَكِّنًا مِنْهُ. وَأَمَّا الْأَمْر بِوَضْعِ الْيَد عَلَى الْفَم فَيَتَنَاوَل مَا إِذَا اِنْفَتَحَ بِالتَّثَاؤُبِ فَيُغَطَّى بِالْكَفِّ وَنَحْوه وَمَا إِذَا كَانَ مُنْطَبِقًا حِفْظًا لَهُ عَنْ الِانْفِتَاح بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَفِي مَعْنَى وَضْع الْيَد عَلَى الْفَم وَضْع الثَّوْب وَنَحْوه مِمَّا يَحْصُل ذَلِكَ الْمَقْصُود , وَإِنَّمَا تَتَعَيَّن الْيَد إِذَا لَمْ يَرْتَدّ التَّثَاؤُب بِدُونِهَا , وَلَا فَرْق فِي هَذَا الْأَمْر بَيْنَ الْمُصَلِّي وَغَيْره , بَلْ يَتَأَكَّد فِي حَال الصَّلَاة كَمَا تَقَدَّمَ وَيُسْتَثْنَى ذَلِكَ مِنْ النَّهْي عَنْ وَضْع الْمُصَلِّي يَده عَلَى فَمه. وَمِمَّا يُؤْمَر بِهِ الْمُتَثَائِب إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاة أَنْ يُمْسِك عَنْ الْقِرَاءَة حَتَّى يَذْهَب عَنْهُ لِئَلَّا يَتَغَيَّر نَظْم قِرَاءَته , وَأَسْنَدَ اِبْن أَبِي شَيْبَة نَحْو ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالتَّابِعِينَ الْمَشْهُورِينَ , وَمَنْ الْخَصَائِص النَّبَوِيَّة مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَالْبُخَارِيّ فِي \" التَّارِيخ \" مِنْ مُرْسَل يَزِيد بْن الْأَصَمّ قَالَ \" مَا تَثَاءَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ \" وَأَخْرَجَ الْخَطَّابِيُّ مِنْ طَرِيق مَسْلَمَةَ بْن عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان قَالَ \" مَا تَثَاءَبَ نَبِيّ قَطُّ \" وَمَسْلَمَة أَدْرَكَ بَعْض الصَّحَابَة وَهُوَ صَدُوق. وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا ثَبَتَ أَنَّ التَّثَاؤُب مِنْ الشَّيْطَان. وَوَقَعَ فِي \" الشِّفَاء لِابْنِ سَبْع \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَتَمَطَّى , لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَان , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْأَدَب مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى مِائَتَيْنِ وَسِتَّة وَخَمْسِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا خَمْسَة وَسَبْعُونَ وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة. الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَتَا حَدِيث وَحَدِيث , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فِي عُقُوق الْوَالِدَيْنِ , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَط لَهُ فِي رِزْقه \" , وَحَدِيث \" الرَّحِم شُجْنَة \" , وَحَدِيث اِبْن عَمْرو \" لَيْسَ الْوَاصِل بِالْمُكَافِئِ \" , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" قَامَ أَعْرَابِيّ فَقَالَ اللَّهُمَّ اِرْحَمْنَا \" , وَحَدِيث أَبِي شُرَيْحٍ \" مَنْ لَا يَأْمَن جَاره \" وَحَدِيث جَابِر \" كُلّ مَعْرُوف صَدَقَة \" , وَحَدِيث أَنَس \" لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا \" , وَحَدِيث عَائِشَة \" مَا أَظُنّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ دِيننَا \" , وَحَدِيث أَنَس \" إِنْ كَانَتْ الْأَمَة \" وَحَدِيث حُذَيْفَة \" أَنَّ أَشْبَهَ النَّاس دَلًّا وَسَمْتًا \" , وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود \" إِنَّ أَحْسَن الْحَدِيث كِتَاب اللَّه \" وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِذَا قَالَ الرَّجُل يَا كَافِر \" , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِيهِ , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَا تَغْضَب \" , وَحَدِيث اِبْن عُمَر \" لَأَنْ يَمْتَلِئ \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي اِبْن صَيَّاد , وَحَدِيث سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِيهِ فِي اِسْم الْحَزْن , وَحَدِيث اِبْن أَبِي أَوْفَى فِي إِبْرَاهِيم اِبْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ أَحَد عَشَرَ أَثَرًا بَعْضهَا مَوْصُول وَبَعْضهَا مُعَلَّق. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5759",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَلَقَ اللَّهُ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الْآنَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن جَعْفَر ) ‏ ‏هُوَ الْبَيْكَنْدِيّ. ‏ ‏قَوْله ( خَلَقَ اللَّه آدَم عَلَى صُورَته ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه فِي بَدْء الْخَلْق , وَاخْتُلِفَ إِلَى مَاذَا يَعُود الضَّمِير ؟ فَقِيلَ : إِلَى آدَم أَيْ خَلَقَهُ عَلَى صُورَته الَّتِي اِسْتَمَرَّ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ أُهْبِطَ وَإِلَى أَنْ مَاتَ , دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَنْ يَظُنّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْجَنَّة كَانَ عَلَى صِفَة أُخْرَى , أَوْ اِبْتَدَأَ خَلْقه كَمَا وُجِدَ لَمْ يَنْتَقِل فِي النَّشْأَة كَمَا يَنْتَقِل وَلَده مِنْ حَالَة إِلَى حَالَة. وَقِيلَ لِلرَّدِّ عَلَى الدَّهْرِيَّة أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِنْسَان إِلَّا مِنْ نُطْفَة وَلَا تَكُون نُطْفَة إِنْسَان إِلَّا مِنْ إِنْسَان وَلَا أَوَّل لِذَلِكَ , فَبَيَّنَ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَوَّل الْأَمْر عَلَى هَذِهِ الصُّورَة. وَقِيلَ لِلرَّدِّ عَلَى الطَّبَائِعِيِّينَ الزَّاعِمِينَ أَنَّ الْإِنْسَان قَدْ يَكُون مِنْ فِعْل الطَّبْع وَتَأْثِيره , وَقِيلَ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَدَرِيَّة الزَّاعِمِينَ أَنَّ الْإِنْسَان يَخْلُق فِعْل نَفْسه , وَقِيلَ إِنَّ لِهَذَا الْحَدِيث سَبَبًا حُذِفَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة وَأَنَّ أَوَّله قِصَّة الَّذِي ضَرَبَ عَبْده فَنَهَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ لَهُ إِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم عَلَى صُورَته , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي كِتَاب الْعِتْق , وَقِيلَ الضَّمِير لِلَّهِ وَتَمَسَّكَ قَائِل ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه \" عَلَى صُورَة الرَّحْمَن \" وَالْمُرَاد بِالصُّورَةِ الصِّفَة , وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّه خَلَقَهُ عَلَى صِفَته مِنْ الْعِلْم وَالْحَيَاة وَالسَّمْع وَالْبَصَر وَغَيْر ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَتْ صِفَات اللَّه تَعَالَى لَا يُشْبِههَا شَيْء. ‏ ‏قَوْله ( اِذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى بُعْد , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِيجَاب اِبْتِدَاء السَّلَام لِوُرُودِ الْأَمْر بِهِ , وَهُوَ بَعِيد بَلْ ضَعِيف لِأَنَّهَا وَاقِعَة حَال لَا عُمُوم لَهَا , وَقَدْ نَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الِابْتِدَاء بِالسَّلَامِ سُنَّة , وَلَكِنْ فِي كَلَام الْمَازِرِيّ مَا يَقْتَضِي إِثْبَات خِلَاف فِي ذَلِكَ , كَذَا زَعَمَ بَعْض مَنْ أَدْرَكْنَاهُ وَقَدْ رَاجَعْت كَلَام الْمَازِرِيّ وَلَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ : اِبْتِدَاء السَّلَام سُنَّة وَرَدُّهُ وَاجِب. هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْدَ أَصْحَابنَا , وَهُوَ مِنْ عِبَادَات الْكِفَايَة , فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ الْمَشْهُور إِلَى الْخِلَاف فِي وُجُوب الرَّدّ هَلْ هُوَ فَرْض عَيْن أَوْ كِفَايَة ؟ وَقَدْ صُرِّحَ بَعْد ذَلِكَ بِخِلَافِ أَبِي يُوسُف كَمَا سَأَذْكُرُهُ بَعْدُ , نَعَمْ وَقَعَ فِي كَلَام الْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ عِيَاض قَالَ : لَا خِلَاف أَنَّ اِبْتِدَاء السَّلَام سُنَّة أَوْ فَرْض عَلَى الْكِفَايَة فَإِنْ سَلَّمَ وَاحِد مِنْ الْجَمَاعَة أَجْزَأَ عَنْهُمْ , قَالَ عِيَاض : مَعْنَى قَوْله فَرْض عَلَى الْكِفَايَة مَعَ نَقْل الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهُ سُنَّة أَنَّ إِقَامَة السُّنَن وَإِحْيَاءَهَا فَرْض عَلَى الْكِفَايَة. ‏ ‏قَوْله ( نَفَر مِنْ الْمَلَائِكَة ) ‏ ‏بِالْخَفْضِ فِي الرِّوَايَة , وَيَجُوز الرَّفْع وَالنَّصْب , وَلَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِينهمْ. ‏ ‏قَوْله ( فَاسْتَمِعْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَاسْمَعْ \". ‏ ‏قَوْله ( مَا يُحَيُّونَك ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُهْمَلَةِ مِنْ التَّحِيَّة , وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي خَلْق آدَم عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق , وَكَذَا عِنْدَ أَحْمَد وَمُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن رَافِع كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد الرَّزَّاق , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ هُنَا بِكَسْرِ الْجِيم وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُوَحَّدَة مِنْ الْجَوَاب , وَكَذَا هُوَ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" لِلْمُصَنِّفِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهَا ) ‏ ‏أَيْ الْكَلِمَات الَّتِي يُحَيُّونَ بِهَا أَوْ يُجِيبُونَ. ‏ ‏قَوْله ( تَحِيَّتك وَتَحِيَّة ذُرِّيَّتك ) ‏ ‏أَيْ مِنْ جِهَة الشَّرْع , أَوْ الْمُرَاد بِالذُّرِّيَّةِ بَعْضهمْ وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا \" مَا حَسَدَتْكُمْ الْيَهُود عَلَى شَيْء مَا حَسَدُوكُمْ عَلَى السَّلَام وَالتَّأْمِين \" وَهُوَ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ شُرِعَ لِهَذِهِ الْأُمَّة دُونهمْ. وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ الطَّوِيل فِي قِصَّة إِسْلَامه قَالَ \" وَجَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَكُنْت أَوَّل مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَام فَقَالَ : وَعَلَيْك وَرَحْمَة اللَّه \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ \" جَعَلَ اللَّه السَّلَام تَحِيَّة لِأُمَّتِنَا وَأَمَانًا لِأَهْلِ ذِمَّتنَا \" وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْن \" كُنَّا نَقُول فِي الْجَاهِلِيَّة : أَنْعِمْ بِك عَيْنًا , وَأَنْعِمْ صَبَاحًا \" فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام نُهِينَا عَنْ ذَلِكَ وَرِجَاله ثِقَات , لَكِنَّهُ مُنْقَطِع. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ مُقَاتِل بْن حَيَّان قَالَ \" كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ : حُيِّيت مَسَاء , حُيِّيت صَبَاحًا , فَغَيَّرَ اللَّه ذَلِكَ بِالسَّلَامِ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُمْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون اللَّه عَلَّمَهُ كَيْفِيَّة ذَلِكَ تَنْصِيصًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْله لَهُ \" فَسَلِّمْ \" قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَلْهَمَهُ ذَلِكَ , وَيُؤَيِّدهُ مَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب حَمْد الْعَاطِس \" فِي الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" أَنَّ آدَم لَمَّا خَلَقَهُ اللَّه عَطَسَ فَأَلْهَمَهُ اللَّه أَنْ قَالَ الْحَمْد لِلَّهِ \" الْحَدِيث فَلَعَلَّهُ أَلْهَمَهُ أَيْضًا صِفَة السَّلَام. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَة هِيَ الْمَشْرُوعَة لِابْتِدَاءِ السَّلَام لِقَوْلِهِ \" فَهِيَ تَحِيَّتك وَتَحِيَّة ذُرِّيَّتك \" وَهَذَا فِيمَا لَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَة , فَلَوْ سَلَّمَ عَلَى وَاحِد فَسَيَأْتِي حُكْمه بَعْد أَبْوَاب , وَلَوْ حَذَفَ اللَّام فَقَالَ \" سَلَام عَلَيْكُمْ \" أَجْزَأَ , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَالْمَلَائِكَة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلّ بَاب سَلَام عَلَيْكُمْ ) وَقَالَ تَعَالَى ( فَقُلْ سَلَام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَة ) وَقَالَ تَعَالَى ( سَلَامٌ عَلَى نُوح فِي الْعَالَمِينَ ) إِلَى غَيْر ذَلِكَ , لَكِنْ بِاللَّامِ أَوْلَى لِأَنَّهَا لِلتَّفْخِيمِ وَالتَّكْثِير , وَثَبَتَ فِي حَدِيث التَّشَهُّد \" السَّلَام عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيّ \" قَالَ عِيَاض : وَيُكْرَه أَنْ يَقُول فِي الِابْتِدَاء : عَلَيْك السَّلَام , وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي \" الْأَذْكَار \" : إِذَا قَالَ الْمُبْتَدِئ وَعَلَيْكُمْ السَّلَام لَا يَكُون سَلَامًا وَلَا يَسْتَحِقّ جَوَابًا ; لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَة لَا تَصْلُح لِلِابْتِدَاءِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي , فَلَوْ قَالَهُ بِغَيْرِ وَاو فَهُوَ سَلَام , قَطَعَ بِذَلِكَ الْوَاحِدِيّ , وَهُوَ ظَاهِر. قَالَ النَّوَوِيّ : وَيَحْتَمِل أَنْ لَا يُجْزِئ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي التَّحَلُّل مِنْ الصَّلَاة , وَيَحْتَمِل أَنْ لَا يُعَدّ سَلَامًا وَلَا يَسْتَحِقّ جَوَابًا لِمَا رَوَيْنَاهُ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ وَغَيْرهمَا بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَة عَنْ أَبِي جُرَيٍّ بِالْجِيمِ وَالرَّاء مُصَغَّر الْهُجَيْمِيّ بِالْجِيمِ مُصَغَّرًا قَالَ \" أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : عَلَيْك السَّلَام يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : لَا تَقُلْ عَلَيْك السَّلَام فَإِنَّ عَلَيْك السَّلَام تَحِيَّة الْمَوْتَى \" قَالَ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَرَدَ لِبَيَانِ الْأَكْمَل , وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيّ فِي \" الْإِحْيَاء \" : يُكْرَه لِلْمُبْتَدِئِ أَنْ يَقُول عَلَيْكُمْ السَّلَام , قَالَ النَّوَوِيّ : وَالْمُخْتَار لَا يُكْرَه , وَيَجِب الْجَوَاب ; لِأَنَّهُ سَلَام. قُلْت : وَقَوْله بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَة يُوهِم أَنَّ لَهُ طُرُقًا إِلَى الصَّحَابِيّ الْمَذْكُور , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْر أَبِي جُرَيٍّ , وَمَعَ ذَلِكَ فَمَدَاره عِنْدَ جَمِيع مَنْ أَخْرَجَهُ عَلَى أَبِي تَمِيمَة الْهُجَيْمِيّ رَاوِيَة عَنْ أَبِي جُرَيٍّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَقَدْ اِعْتَرَضَ هُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيث بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَائِشَة فِي خُرُوج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْبَقِيع , الْحَدِيث. وَفِيهِ \" قُلْت : كَيْف أَقُول ؟ قَالَ : قُولِي السَّلَام عَلَى أَهْل الدِّيَار مِنْ الْمُؤْمِنِينَ \". قُلْت : وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَمَّا أَتَى الْبَقِيع \" السَّلَام عَلَى أَهْل الدِّيَار مِنْ الْمُؤْمِنِينَ \" الْحَدِيث. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ أَنَّ السَّلَام عَلَى الْأَمْوَات وَالْأَحْيَاء سَوَاء , بِخِلَافِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة مِنْ قَوْلهمْ : \" عَلَيْك سَلَام اللَّه قَيْس بْن عَاصِم \". قُلْت : لَيْسَ هَذَا مِنْ شِعْر أَهْل الْجَاهِلِيَّة , فَإِنَّ قَيْس بْن عَاصِم صَحَابِيّ مَشْهُور عَاشَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمَرْثِيَة الْمَذْكُورَة لِمُسْلِمٍ مَعْرُوف قَالَهَا لَمَّا مَاتَ قَيْس , وَمِثْله مَا أَخْرَجَ اِبْن سَعْد وَغَيْره أَنَّ الْجِنّ رَثَوْا عُمَر بْن الْخَطَّاب بِأَبْيَاتِ مِنْهَا : ‏ ‏عَلَيْك السَّلَام مِنْ أَمِير وَبَارَكَتْ ‏ ‏يَد اللَّه فِي ذَاكَ الْأَدِيم الْمُمَزَّق ‏ ‏وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي السَّلَام عَلَى أَهْل الْبَقِيع : لَا يُعَارِض النَّهْي فِي حَدِيث أَبِي جُرَيٍّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون اللَّه أَحْيَاهُمْ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَام الْأَحْيَاء , كَذَا قَالَ , وَيَرُدّهُ حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّهْي مَخْصُوصًا بِمَنْ يَرَى أَنَّهَا تَحِيَّة الْمَوْتَى وَبِمَنْ يَتَطَيَّر بِهَا مِنْ الْأَحْيَاء فَإِنَّهَا كَانَتْ عَادَة أَهْل الْجَاهِلِيَّة وَجَاءَ الْإِسْلَام بِخِلَافِ ذَلِكَ , قَالَ عِيَاض وَتَبِعَهُ اِبْن الْقَيِّم فِي \" الْهَدْيِ \" فَنَقَّحَ كَلَامه فَقَالَ : كَانَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول فِي الِابْتِدَاء السَّلَام عَلَيْكُمْ , وَيُكْرَه أَنْ يَقُول عَلَيْكُمْ السَّلَام , فَذَكَرَ حَدِيث أَبِي جُرَيٍّ وَصَحَّحَهُ ثُمَّ قَالَ : أَشْكَلَ هَذَا عَلَى طَائِفَة وَظَنُّوهُ مُعَارِضًا لِحَدِيثِ عَائِشَة وَأَبِي هُرَيْرَة وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْله \" عَلَيْك السَّلَام تَحِيَّة الْمَوْتَى \" إِخْبَار عَنْ الْوَاقِع لَا عَنْ الشَّرْع , أَيْ أَنَّ الشُّعَرَاء وَنَحْوهمْ يُحَيُّونَ الْمَوْتَى بِهِ وَاسْتَشْهَدَ بِالْبَيْتِ الْمُتَقَدِّم وَفِيهِ مَا فِيهِ , قَالَ : فَكَرِهَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُحَيِّي بِتَحِيَّةِ الْأَمْوَات. وَقَالَ عِيَاض أَيْضًا : كَانَتْ عَادَة الْعَرَب فِي تَحِيَّة الْمَوْتَى تَأْخِير الِاسْم , كَقَوْلِهِمْ عَلَيْهِ لَعْنَة اللَّه وَغَضَبه عِنْدَ الذَّمّ , وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَأَنَّ عَلَيْك اللَّعْنَة إِلَى يَوْم الدِّين ) , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّصّ فِي الْمُلَاعَنَة وَرَدَ بِتَقْدِيمِ اللَّعْنَة وَالْغَضَب عَلَى الِاسْم , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون حَدِيث عَائِشَة لِمَنْ زَارَ الْمَقْبَرَة فَسَلَّمَ عَلَى جَمِيع مَنْ بِهَا , وَحَدِيث أَبِي جُرَيٍّ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا فِي السَّلَام عَلَى الشَّخْص الْوَاحِد , وَنَقَلَ اِبْن دَقِيق الْعِيد عَنْ بَعْض الشَّافِعِيَّة أَنَّ الْمُبْتَدِئ لَوْ قَالَ عَلَيْكُمْ السَّلَام لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهَا صِيغَة جَوَاب , قَالَ : وَالْأَوْلَى الْإِجْزَاء لِحُصُولِ مُسَمَّى السَّلَام , وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ الْمُصَلِّي يَنْوِي بِإِحْدَى التَّسْلِيمَتَيْنِ الرَّدّ عَلَى مَنْ حَضَرَ , وَهِيَ بِصِيغَةِ الِابْتِدَاء. ثُمَّ حَكَى عَنْ أَبِي الْوَلِيد بْن رُشْد أَنَّهُ يَجُوز الِابْتِدَاء بِلَفْظِ الرَّدّ وَعَكْسه , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي \" بَاب مَنْ رَدَّ فَقَالَ عَلَيْك السَّلَام \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالُوا السَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة اللَّه ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِي الْبُخَارِيّ هُنَا , وَكَذَا لِلْجَمِيعِ فِي بَدْء الْخَلْق , وَلِأَحْمَد وَمُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق , وَوَقَعَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ فَقَالُوا وَعَلَيْك السَّلَام وَرَحْمَة اللَّه , وَعَلَيْهَا شَرْح الْخَطَّابِيِّ , وَاسْتُدِلَّ بِرِوَايَةِ الْأَكْثَر لِمَنْ يَقُول يُجْزِئ فِي الرَّدّ أَنْ يَقَع بِاللَّفْظِ الَّذِي يُبْتَدَأ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ , قِيلَ وَيَكْفِي أَيْضًا الرَّدّ بِلَفْظِ الْإِفْرَاد , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ \" بَاب مَنْ رَدَّ فَقَالَ عَلَيْك السَّلَام \". ‏ ‏قَوْله ( فَزَادُوهُ وَرَحْمَة اللَّه ) ‏ ‏فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الزِّيَادَة فِي الرَّدِّ عَلَى الِابْتِدَاء , وَهُوَ مُسْتَحَبّ بِالِاتِّفَاقِ لِوُقُوعِ التَّحِيَّة فِي ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ( فَحَيُّوا بِأَحْسَن مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) فَلَوْ زَادَ الْمُبْتَدِئ \" وَرَحْمَة اللَّه \" اُسْتُحِبَّ أَنْ يُزَاد \" وَبَرَكَاته \" فَلَوْ زَادَ \" وَبَرَكَاته \" فَهَلْ تُشْرَع الزِّيَادَة فِي الرَّدِّ ؟ وَكَذَا لَوْ زَادَ الْمُبْتَدِئ عَلَى \" وَبَرَكَاته \" هَلْ يُشْرَع لَهُ ذَلِكَ ؟ أَخْرَجَ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" اِنْتَهَى السَّلَام إِلَى الْبَرَكَة \" وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن بَابه قَالَ \" جَاءَ رَجُل إِلَى اِبْن عُمَر فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته وَمَغْفِرَته , فَقَالَ : حَسْبك إِلَى وَبَرَكَاته \" اِنْتَهَى إِلَى \" وَبَرَكَاته \" وَمِنْ طَرِيق زُهْرَة بْن مَعْبَد قَالَ \" قَالَ عُمَر : اِنْتَهَى السَّلَام إِلَى وَبَرَكَاته \" وَرِجَاله ثِقَات. وَجَاءَ عَنْ اِبْن عُمَر الْجَوَاز , فَأَخْرَجَ مَالِك أَيْضًا فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْهُ أَنَّهُ زَادَ فِي الْجَوَاب \" وَالْغَادِيَات وَالرَّائِحَات \" وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ سَالِم مَوْلَى اِبْن عُمَر قَالَ \" كَانَ اِبْن عُمَر يَزِيد إِذَا رَدَّ السَّلَام , فَأَتَيْته مَرَّة فَقُلْت : السَّلَام عَلَيْكُمْ , فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّه. ثُمَّ أَتَيْته فَزِدْت \" وَبَرَكَاته \" فَرَدَّ وَزَادَ \" وَطِيب صَلَوَاته \" وَمِنْ طَرِيق زَيْد بْن ثَابِت أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَة \" السَّلَام عَلَيْكُمْ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته وَمَغْفِرَته وَطِيب صَلَوَاته \" وَنَقَلَ اِبْن دَقِيق الْعِيد عَنْ أَبِي الْوَلِيد بْن رُشْد أَنَّهُ يُؤْخَذ مِنْ قَوْله تَعَالَى ( فَحَيُّوا بِأَحْسَن مِنْهَا ) الْجَوَاز فِي الزِّيَادَة عَلَى الْبَرَكَة إِذَا اِنْتَهَى إِلَيْهَا الْمُبْتَدِئ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيّ عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْن قَالَ \" جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ , فَرَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ : عَشْر. ثُمَّ جَاءَ آخَر , فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّه , فَرَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ : عِشْرُونَ. ثُمَّ جَاءَ آخَر فَزَادَ وَبَرَكَاته , فَرَدَّ وَقَالَ : ثَلَاثُونَ \" وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَقَالَ \" ثَلَاثُونَ حَسَنَة \" وَكَذَا فِيمَا قَبْلهَا , صَرَّحَ بِالْمَعْدُودِ. وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْم فِي \" عَمَل يَوْم وَلَيْلَة \" مِنْ حَدِيث عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ لَهُ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ , وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث سَهْل بْن حُنَيْف بِسَنَدٍ ضَعِيف رَفَعَهُ \" مَنْ قَالَ السَّلَام عَلَيْكُمْ كُتِبَ لَهُ عَشْر حَسَنَات , وَمَنْ زَادَ وَرَحْمَة اللَّه كُتِبَ لَهُ عِشْرُونَ حَسَنَة , وَمَنْ زَادَ وَبَرَكَاته كُتِبَتْ لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَة \". وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث سَهْل بْن مُعَاذ بْن أَنَس الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ بِسَنَدٍ ضَعِيف نَحْو حَدِيث عِمْرَان وَزَادَ فِي آخِره \" ثُمَّ جَاءَ آخَر فَزَادَ وَمَغْفِرَته , فَقَالَ أَرْبَعُونَ , وَقَالَ : هَكَذَا تَكُون الْفَضَائِل \" وَأَخْرَجَ اِبْن السُّنِّيّ فِي كِتَابه بِسَنَدٍ وَاهٍ مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ \" كَانَ رَجُل يَمُرّ فَيَقُول السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول اللَّه فَيَقُول لَهُ وَعَلَيْك السَّلَام وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته وَمَغْفِرَته وَرِضْوَانه \" وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" بِسَنَدٍ ضَعِيف أَيْضًا مِنْ حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم \" كُنَّا إِذَا سَلَّمَ عَلَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا : وَعَلَيْك السَّلَام وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته وَمَغْفِرَته \" وَهَذِهِ الْأَحَادِيث الضَّعِيفَة إِذَا اِنْضَمَّتْ قَوِيَ مَا اِجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَشْرُوعِيَّة الزِّيَادَة عَلَى وَبَرَكَاته. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الرَّدّ وَاجِب عَلَى الْكِفَايَة , وَجَاءَ عَنْ أَبِي يُوسُف أَنَّهُ قَالَ : يَجِب الرَّدّ عَلَى كُلّ فَرْد فَرْد , وَاحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثِ الْبَاب ; لِأَنَّ فِيهِ \" فَقَالُوا السَّلَام عَلَيْك \" وَتُعُقِّبَ بِجَوَازِ أَنْ يَكُون نُسِبَ إِلَيْهِمْ وَالْمُتَكَلِّم بِهِ بَعْضهمْ , وَاحْتَجَّ لَهُ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَة فَرَدَّ عَلَيْهِ وَاحِد مِنْ غَيْرهمْ لَا يُجْزِئ عَنْهُمْ , وَتُعُقِّبَ بِظُهُورِ الْفَرْق. وَاحْتَجَّ لِلْجُمْهُورِ بِحَدِيثِ عَلِيّ رَفَعَهُ \" يُجْزِي عَنْ الْجَمَاعَة إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّم أَحَدهمْ , وَيُجْزِي عَنْ الْجُلُوس أَنْ يَرُدّ أَحَدهمْ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَزَّار , وَفِي سَنَده ضَعْف لَكِنْ لَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث الْحَسَن بْن عَلِيّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَفِي سَنَده مَقَال , وَآخَر مُرْسَل فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ. وَاحْتَجَّ اِبْن بَطَّال بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْمُبْتَدِئ لَا يُشْتَرَط فِي حَقّه تَكْرِير السَّلَام بِعَدَدِ مَنْ يُسَلِّم عَلَيْهِمْ كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب مِنْ سَلَام آدَم وَفِي غَيْره مِنْ الْأَحَادِيث , قَالَ : فَكَذَلِكَ لَا يَجِب الرَّدّ عَلَى كُلّ فَرْد فَرْد إِذَا سَلَّمَ الْوَاحِد عَلَيْهِمْ. وَاحْتَجَّ الْمَاوَرْدِيُّ بِصِحَّةِ الصَّلَاة الْوَاحِدَة عَلَى الْعَدَد مِنْ الْجَنَائِز , وَقَالَ الْحَلِيمِيّ : إِنَّمَا كَانَ الرَّدُّ وَاجِبًا ; لِأَنَّ السَّلَام مَعْنَاهُ الْأَمَان , فَإِذَا اِبْتَدَأَ بِهِ الْمُسْلِم أَخَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ فَإِنَّهُ يُتَوَهَّم مِنْهُ الشَّرّ , فَيَجِب عَلَيْهِ دَفْع ذَلِكَ التَّوَهُّم عَنْهُ. اِنْتَهَى كَلَامه. وَسَيَأْتِي بَيَان مَعَانِي لَفْظ السَّلَام فِي \" بَاب السَّلَام اِسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى \" وَيُؤْخَذ مِنْ كَلَامه مُوَافَقَة الْقَاضِي حُسَيْن حَيْثُ قَالَ : لَا يَجِب رَدُّ السَّلَام عَلَى مَنْ سَلَّمَ عِنْدَ قِيَامه مِنْ الْمَجْلِس إِذَا كَانَ سَلَّمَ حِين دَخَلَ , وَوَافَقَهُ الْمُتَوَلِّي , وَخَالَفَهُ الْمُسْتَظْهَرِيّ فَقَالَ : السَّلَام سُنَّة عِنْدَ الِانْصِرَاف فَيَكُون الْجَوَاب وَاجِبًا , قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا هُوَ الصَّوَاب , كَذَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله ( فَكُلّ مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ هُنَا وَلِلْجَمِيعِ فِي بَدْء الْخَلْق , وَوَقَعَ هُنَا لِأَبِي ذَرّ \" فَكُلّ مَنْ يَدْخُل يَعْنِي الْجَنَّة \" وَكَأَنَّ لَفْظ الْجَنَّة سَقَطَ مِنْ رِوَايَته فَزَادَ فِيهِ يَعْنِي. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى صُورَة آدَم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ فِي بَدْء الْخَلْق , قَالَ الْمُهَلَّب : فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْمَلَائِكَة يَتَكَلَّمُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَيَتَحَيَّوْنَ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَام. قُلْت : وَفِي الْأَوَّل نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون فِي الْأَزَل بِغَيْرِ اللِّسَان الْعَرَبِيّ , ثُمَّ لَمَّا حَكَى لِلْعَرَبِ تَرْجَمَ بِلِسَانِهِمْ , وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ مَنْ ذُكِرَتْ قَصَصهمْ فِي الْقُرْآن مِنْ غَيْر الْعَرَب نُقِلَ كَلَامهمْ بِالْعَرَبِيِّ فَلَمْ يَتَعَيَّن أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا بِمَا نُقِلَ عَنْهُمْ بِالْعَرَبِيِّ , بَلْ الظَّاهِر أَنَّ كَلَامهمْ تُرْجِمَ بِالْعَرَبِيِّ. وَفِيهِ الْأَمْر بِتَعَلُّمِ الْعِلْم مِنْ أَهْله وَالْأَخْذ بِنُزُولِ مَعَ إِمْكَان الْعُلُوّ , وَالِاكْتِفَاء فِي الْخَبَر مَعَ إِمْكَان الْقَطْع بِمَا دُونه. وَفِيهِ أَنَّ الْمُدَّة الَّتِي بَيْنَ آدَم وَالْبَعْثَة الْمُحَمَّدِيَّة فَوْق مَا نُقِلَ عَنْ الْإِخْبَارِيِّينَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَغَيْرهمْ بِكَثِيرٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ وَوَجْه الِاحْتِجَاج بِهِ فِي بَدْء الْخَلْق. ‏"
    },
    {
        "id": "5760",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَوْمَ النَّحْرِ خَلْفَهُ عَلَى عَجُزِ رَاحِلَتِهِ وَكَانَ ‏ ‏الْفَضْلُ ‏ ‏رَجُلًا وَضِيئًا فَوَقَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِلنَّاسِ يُفْتِيهِمْ وَأَقْبَلَتْ امْرَأَةٌ مِنْ ‏ ‏خَثْعَمَ ‏ ‏وَضِيئَةٌ تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَطَفِقَ ‏ ‏الْفَضْلُ ‏ ‏يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْفَضْلُ ‏ ‏يَنْظُرُ إِلَيْهَا فَأَخْلَفَ بِيَدِهِ فَأَخَذَ بِذَقَنِ ‏ ‏الْفَضْلِ ‏ ‏فَعَدَلَ وَجْهَهُ عَنْ النَّظَرِ إِلَيْهَا فَقَالَتْ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَرْدَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَضْل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبَّاس , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْحَجّ , قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي الْحَدِيث الْأَمْر بِغَضِّ الْبَصَر خَشْيَة الْفِتْنَة , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا أُمِنَتْ الْفِتْنَة لَمْ يَمْتَنِع , قَالَ : وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَوِّل وَجْه الْفَضْل حَتَّى أَدْمَنَ النَّظَر إِلَيْهَا لِإِعْجَابِهِ بِهَا فَخَشِيَ الْفِتْنَة عَلَيْهِ , قَالَ : وَفِيهِ مُغَالَبَة طِبَاع الْبَشَر لِابْنِ آدَم وَضَعْفه عَمَّا رُكِّبَ فِيهِ مِنْ الْمَيْل إِلَى النِّسَاء وَالْإِعْجَاب بِهِنَّ. وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ نِسَاء الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْحِجَاب مَا يَلْزَم أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذْ لَوْ لَزِمَ ذَلِكَ جَمِيع النِّسَاء لَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَثْعَمِيَّة بِالِاسْتِتَارِ وَلَمَا صَرَفَ وَجْه الْفَضْل , قَالَ : وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ سَتْر الْمَرْأَة وَجْههَا لَيْسَ فَرْضًا لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُبْدِي وَجْههَا فِي الصَّلَاة وَلَوْ رَآهُ الْغُرَبَاء , وَأَنَّ قَوْله ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارهمْ ) عَلَى الْوُجُوب فِي غَيْر الْوَجْه. قُلْت : وَفِي اِسْتِدْلَاله بِقِصَّةِ الْخَثْعَمِيَّةِ لِمَا اِدَّعَاهُ نَظَرٌ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُحْرِمَة , و ‏ ‏قَوْله \" عَجُز رَاحِلَته \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَضَمِّ الْجِيم بَعْدهَا زَاي أَيْ مُؤَخَّرهَا , و ‏ ‏قَوْله \" وَضِيئًا \" ‏ ‏أَيْ لِحُسْنِ وَجْهه وَنَظَافَة صُورَته , ‏ ‏وَقَوْله \" فَأَخْلَفَ يَده \" ‏ ‏أَيْ أَدَارَهَا مِنْ خَلْفه , و ‏ ‏قَوْله \" بِذَقَنِ الْفَضْل \" ‏ ‏بِفَتْحِ الذَّال الْمُعْجَمَة وَالْقَاف بَعْدهَا نُون , قَالَ اِبْن التِّين : أَخَذَ مِنْهُ بَعْضهمْ أَنَّ الْفَضْل كَانَ حِينَئِذٍ أَمْرَدَ , وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" وَكَانَ الْفَضْل رَجُلًا وَضِيئًا \". فَإِنْ قِيلَ سَمَّاهُ رَجُلًا بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْره قُلْنَا. بَلْ الظَّاهِر أَنَّهُ وَصَفَ حَالَته حِينَئِذٍ , وَيُقَوِّيه أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاع وَالْفَضْل كَانَ أَكْبَر مِنْ أَخِيهِ عَبْد اللَّه وَقَدْ كَانَ عَبْد اللَّه حِينَئِذٍ رَاهَقَ الِاحْتِلَام قُلْت : وَثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ عَمّه أَنْ يُزَوِّج الْفَضْل لَمَّا سَأَلَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلهُ عَلَى الصَّدَقَة لِيُصِيبَ مَا يَتَزَوَّج بِهِ , فَهَذَا يَدُلّ عَلَى بُلُوغه قَبْل ذَلِكَ الْوَقْت وَلَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْهُ أَنْ تَكُون نَبَتَتْ لِحْيَته كَمَا لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه لَا لِحْيَة لَهُ أَنْ يَكُون صَبِيًّا. ‏"
    },
    {
        "id": "5761",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا فَقَالَ إِذْ أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ , ‏ ‏وَأَبُو عَامِر ‏ ‏هُوَ الْعَقَدِيّ , ‏ ‏وَزُهَيْر ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد التَّمِيمِيّ , ‏ ‏وَزَيْد بْنُ أَسْلَمَ ‏ ‏هُوَ مَوْلَى اِبْن عُمَر , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْ أَبِي عَامِر , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي عَامِر كَذَلِكَ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَعَبْد بْن حُمَيْدٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَامِر الْعَقَدِيّ عَنْ هِشَام بْن سَعْد عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , فَكَأَنَّ لِأَبِي عَامِر فِيهِ شَيْخَيْنِ , وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ زُهَيْر بِهِ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ زُهَيْر , وَقَدْ مَضَى فِي الْمَظَالِم مِنْ طَرِيق حَفْص بْن مَيْسَرَة عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ. ‏ ‏قَوْله ( إِيَّاكُمْ ) ‏ ‏هُوَ لِلتَّحْذِيرِ. ‏ ‏قَوْله ( وَالْجُلُوس ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ ‏ ‏وَقَوْله بِالطُّرُقَاتِ ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فِي الطُّرُقَات \" وَفِي رِوَايَة حَفْص بْن مَيْسَرَة \" عَلَى الطُّرُقَات \" وَهِيَ جَمْع الطُّرُق بِضَمَّتَيْنِ وَطُرُق جَمْع طَرِيق. وَفِي حَدِيث أَبِي طَلْحَة عِنْدَ مُسْلِم \" كُنَّا قُعُودًا بِالْأَفْنِيَةِ \" جَمْع فِنَاء بِكَسْرِ الْفَاء وَنُون وَمَدّ وَهُوَ الْمَكَان الْمُتَّسِع أَمَام الدَّار \" فَجَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا لَكُمْ وَلِمَجَالِس الصُّعُدَاتِ \" بِضَمِّ الصَّاد وَالْعَيْن الْمُهْمَلَتَيْنِ جَمْع صَعِيد وَهُوَ الْمَكَان الْوَاسِع وَتَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الْمَظَالِم , وَمِثْله لِابْنِ حِبَّان مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , زَادَ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ مُرْسَل يَحْيَى بْن يَعْمُر \" فَإِنَّهَا سَبِيل مِنْ سَبِيل الشَّيْطَان أَوْ النَّار \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسنَا بُدٌّ , نَتَحَدَّث فِيهَا ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ أَمْره لَهُمْ لَمْ يَكُنْ لِلْوُجُوبِ , وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى طَرِيق التَّرْغِيب وَالْأَوْلَى , إِذْ لَوْ فَهِمُوا الْوُجُوب لَمْ يُرَاجِعُوهُ هَذِهِ الْمُرَاجَعَة , وَقَدْ يَحْتَجّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى الْأَوَامِر عَلَى الْوُجُوب. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا رَجَوْا وُقُوع النَّسْخ تَخْفِيفًا لِمَا شَكَوْا مِنْ الْحَاجَة إِلَى ذَلِكَ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي مُرْسَل يَحْيَى بْن يَعْمُر \" فَظَنَّ الْقَوْم أَنَّهَا عَزْمَة \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي طَلْحَة \" فَقَالُوا إِنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَأْس , قَعَدْنَا نَتَحَدَّث وَنَتَذَاكَر \". ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا أَبَيْتُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" إِذَا أَبَيْتُمْ \" بِحَذْفِ الْفَاء. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا الْمَجْلِس ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ هُنَا بِلَفْظِ \" إِلَّا \" بِالتَّشْدِيدِ , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْمَظَالِم بِلَفْظِ فَإِذَا أَتَيْتُمْ إِلَى الْمَجَالِس بِالْمُثَنَّاةِ بَدَلَ الْمُوَحَّدَة فِي أَتَيْتُمْ وَبِتَخْفِيفِ اللَّام مِنْ إِلَى , وَذَكَرَ عِيَاض أَنَّهُ لِلْجَمِيعِ هُنَاكَ هَكَذَا , وَقَدْ بَيَّنْت هُنَاكَ أَنَّهُ لِلْكُشْمِيهَنِيّ هُنَاكَ كَاَلَّذِي هُنَا , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي طَلْحَة \" إِمَّا لَا \" بِكَسْرِ الْهَمْزَة \" وَلَا \" نَافِيَة وَهِيَ مُمَالَة فِي الرِّوَايَة , وَيَجُوز تَرْك الْإِمَالَة. وَمَعْنَاهُ إِلَّا تَتْرُكُوا ذَلِكَ فَافْعَلُوا كَذَا , وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ اِفْعَلْ كَذَا إِنْ كُنْت لَا تَفْعَل كَذَا , وَدَخَلَتْ \" مَا \" صِلَة. وَفِي حَدِيث عَائِشَة عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَط \" فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا \" وَفِي مُرْسَل يَحْيَى بْن يَعْمُر \" فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَعْطُوا الطَّرِيق حَقّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَفْص بْن مَيْسَرَة \" حَقّهَا \" وَالطَّرِيق يُذَكَّر وَيُؤَنَّث , وَفِي حَدِيث أَبِي شُرَيْحٍ عِنْدَ أَحْمَد \" فَمَنْ جَلَسَ مِنْكُمْ عَلَى الصَّعِيد فَلْيُعْطِهِ حَقّه \". ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيق ) ‏ ‏؟ فِي حَدِيث أَبِي شُرَيْحٍ \" قُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه وَمَا حَقُّهُ \" ؟. ‏ ‏قَوْله ( غَضُّ الْبَصَر , وَكَفُّ الْأَذَى , وَرَدُّ السَّلَام , وَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ , وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي طَلْحَة الْأُولَى وَالثَّانِيَة وَزَادَ \" وَحُسْن الْكَلَام \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْأُولَى وَالثَّالِثَة وَزَادَ \" وَإِرْشَاد اِبْن السَّبِيل وَتَشْمِيت الْعَاطِس إِذَا حَمِدَ \" وَفِي حَدِيث عُمَر عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَكَذَا فِي مُرْسَل يَحْيَى بْن يَعْمُر مِنْ الزِّيَادَة وَتُغِيثُوا الْمَلْهُوف وَتُهْدُوا الضَّالّ , وَهُوَ عِنْدَ الْبَزَّار بِلَفْظِ وَإِرْشَاد الضَّالّ , وَفِي حَدِيث الْبَرَاء عِنْدَ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ \" اِهْدُوا السَّبِيل وَأَعِينُوا الْمَظْلُوم وَأَفْشُوا السَّلَام \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْدَ الْبَزَّار مِنْ الزِّيَادَة \" وَأَعِينُوا عَلَى الْحَمُولَة \". وَفِي حَدِيث سَهْل بْن حُنَيْف عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ الزِّيَادَة \" ذَكَرَ اللَّه كَثِيرًا \" وَفِي حَدِيث وَحْشِيّ بْن حَرْب عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ الزِّيَادَة \" وَاهْدُوا الْأَغْبِيَاء وَأَعِينُوا الْمَظْلُوم \" وَمَجْمُوع مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَرْبَعَة عَشَرَ أَدَبًا وَقَدْ نَظَمْتهَا فِي ثَلَاثَة أَبْيَات وَهِيَ : ‏ ‏جَمَعْت آدَاب مَنْ رَامَ الْجُلُوس عَلَى الطَّرِيق ‏ ‏مِنْ قَوْل خَيْر الْخَلْق إِنْسَانَا ‏ ‏اُفْشُ السَّلَام وَأَحْسِنْ فِي الْكَلَام ‏ ‏وَشَمِّتْ عَاطِسًا وَسَلَامًا رُدَّ إِحْسَانَا ‏ ‏فِي الْحَمْل عَاوِنْ وَمَظْلُومًا أَعِنْ وَأَغِثْ ‏ ‏لَهْفَان اِهْدِ سَبِيلًا وَاهْدِ حَيْرَانَا ‏ ‏بِالْعُرْفِ مُرْ وَانْهَ عَنْ نُكُر وَكُفَّ أَذَى ‏ ‏وَغُضَّ طَرْفًا وَأَكْثِرْ ذِكْر مَوْلَانَا ‏ ‏وَقَدْ اِشْتَمَلَتْ عَلَى مَعْنَى عِلَّة النَّهْي عَنْ الْجُلُوس فِي الطُّرُق مِنْ التَّعَرُّض لِلْفِتَنِ بِخُطُورِ النِّسَاء الشَّوَابّ وَخَوْف مَا يَلْحَق مِنْ النَّظَر إِلَيْهِنَّ مِنْ ذَلِكَ , إِذْ لَمْ يُمْنَع النِّسَاء مِنْ الْمُرُور فِي الشَّوَارِع لِحَوَائِجِهِنَّ , وَمِنْ التَّعَرُّض لِحُقُوقِ اللَّه وَلِلْمُسْلِمِينَ مِمَّا لَا يَلْزَم الْإِنْسَان إِذَا كَانَ فِي بَيْته وَحَيْثُ لَا يَنْفَرِد أَوْ يَشْتَغِل بِمَا يَلْزَمهُ , وَمِنْ رُؤْيَة الْمَنَاكِير وَتَعْطِيل الْمَعَارِف , فَيَجِب عَلَى الْمُسْلِم الْأَمْر وَالنَّهْي عِنْدَ ذَلِكَ فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْمَعْصِيَةِ , وَكَذَا يَتَعَرَّض لِمَنْ يَمُرّ عَلَيْهِ وَيُسَلِّم عَلَيْهِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا كَثُرَ ذَلِكَ فَيَعْجِز عَنْ الرَّدّ عَلَى كُلّ مَارّ , وَرَدُّهُ فَرْض فَيَأْثَم , وَالْمَرْء مَأْمُور بِأَنْ لَا يَتَعَرَّض لِلْفِتَنِ وَإِلْزَام نَفْسه مَا لَعَلَّهُ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ , فَنَدَبَهُمْ الشَّارِع إِلَى تَرْك الْجُلُوس حَسْمًا لِلْمَادَّةِ , فَلَمَّا ذَكَرُوا لَهُ ضَرُورَتهمْ إِلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصَالِح مِنْ تَعَاهُد بَعْضهمْ بَعْضًا وَمُذَاكَرَتهمْ فِي أُمُور الدِّين وَمَصَالِح الدُّنْيَا وَتَرْوِيح النُّفُوس بِالْمُحَادَثَةِ فِي الْمُبَاح دَلَّهُمْ عَلَى مَا يُزِيل الْمَفْسَدَة مِنْ الْأُمُور الْمَذْكُورَة , وَلِكُلِّ مِنْ الْآدَاب الْمَذْكُورَة شَوَاهِد فِي أَحَادِيث أُخْرَى : فَأَمَّا إِفْشَاء السَّلَام فَسَيَأْتِي فِي بَاب مُفْرَد , وَأَمَّا إِحْسَان الْكَلَام فَقَالَ عِيَاض فِيهِ نَدْب إِلَى حُسْن مُعَامَلَة الْمُسْلِمِينَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ , فَإِنَّ الْجَالِس عَلَى الطَّرِيق يَمُرّ بِهِ الْعَدَد الْكَثِير مِنْ النَّاس فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ بَعْض شَأْنهمْ وَوَجْه طُرُقهمْ فَيَجِب أَنْ يَتَلَقَّاهُمْ بِالْجَمِيلِ مِنْ الْكَلَام , وَلَا يَتَلَقَّاهُمْ بِالضَّجَرِ وَخُشُونَة اللَّفْظ , وَهُوَ مِنْ جُمْلَة كَفِّ الْأَذَى قُلْت : وَلَهُ شَوَاهِد مِنْ حَدِيث أَبِي شُرَيْحٍ هَانِئ رَفَعَهُ \" مِنْ مُوجِبَات الْجَنَّة إِطْعَام الطَّعَام وَإِفْشَاء السَّلَام وَحُسْن الْكَلَام \" وَمِنْ حَدِيث أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ رَفَعَهُ \" فِي الْجَنَّة غُرَف لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَام \" الْحَدِيث , وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم رَفَعَهُ \" اِتَّقُوا النَّار وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَة , فَمَنْ لَمْ يَجِد فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَة \". وَأَمَّا تَشْمِيت الْعَاطِس فَمَضَى مَبْسُوطًا فِي أَوَاخِر كِتَاب الْأَدَب , وَأَمَّا رَدُّ السَّلَام فَسَيَأْتِي أَيْضًا قَرِيبًا , وَأَمَّا الْمُعَاوَنَة عَلَى الْحَمْل فَلَهُ شَاهِد فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" كُلّ سُلَامَى مِنْ النَّاس عَلَيْهِ صَدَقَة \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" وَيُعِين الرَّجُل عَلَى دَابَّته فَيَحْمِلهُ عَلَيْهَا وَيَرْفَع لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعه صَدَقَة \" وَأَمَّا إِعَانَة الْمَظْلُوم فَتَقَدَّمَ فِي حَدِيث الْبَرَاء قَرِيبًا , وَلَهُ شَاهِد آخَر تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْمَظَالِم , وَأَمَّا إِغَاثَة الْمَلْهُوف فَلَهُ شَاهِد فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى فِيهِ \" وَيُعِين ذَا الْحَاجَة الْمَلْهُوف \" وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ عِنْدَ اِبْن حِبَّان \" وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْك مَعَ اللَّهْفَان الْمُسْتَغِيث \" وَأَخْرَجَ الْمُرْهِبِيّ فِي الْعِلْم مِنْ حَدِيث أَنَس رَفَعَهُ فِي حَدِيث \" وَاَللَّه يُحِبّ إِغَاثَة اللَّهْفَان \" وَسَنَده ضَعِيف جِدًّا , لَكِنْ لَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَصْلَح مِنْهُ \" وَاَللَّه يُحِبّ إِغَاثَة اللَّهْفَان \" وَأَمَّا إِرْشَاد السَّبِيل فَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ مَرْفُوعًا \" وَإِرْشَادك الرَّجُل فِي أَرْض الضَّلَال صَدَقَة \" وَلِلْبُخَارِيِّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيث الْبَرَاء رَفَعَهُ \" مَنْ مَنَحَ مَنِيحَة أَوْ هَدَّى زُقَاقًا كَانَ لَهُ عِدْل عِتْق نَسَمَة \" وَهَدَّى بِفَتْحِ الْهَاء وَتَشْدِيد الْمُهْمَلَة , وَالزُّقَاق بِضَمِّ الزَّاي وَتَخْفِيف الْقَاف وَآخِره قَاف مَعْرُوف , وَالْمُرَاد مَنْ دَلَّ الَّذِي لَا يَعْرِفهُ عَلَيْهِ إِذَا اِحْتَاجَ إِلَى دُخُوله , وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ عِنْدَ اِبْن حِبَّان \" وَيُسْمِع الْأَصَمّ وَيَهْدِي الْأَعْمَى وَيَدُلّ الْمُسْتَدِلّ عَلَى حَاجَته \" وَأَمَّا هِدَايَة الْحَيْرَان فَلَهُ شَاهِد فِي الَّذِي قَبْله , وَأَمَّا الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر فَفِيهِمَا أَحَادِيث كَثِيرَة مِنْهَا فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ الْمَذْكُور قَرِيبًا وَأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَر صَدَقَة \" وَأَمَّا كَفُّ الْأَذَى فَالْمُرَاد بِهِ كَفُّ الْأَذَى عَنْ الْمَارَّة بِأَنْ لَا يَجْلِس حَيْثُ يَضِيق عَلَيْهِمْ الطَّرِيق أَوْ عَلَى بَاب مَنْزِل مَنْ يَتَأَذَّى بِجُلُوسِهِ عَلَيْهِ أَوْ حَيْثُ يَكْشِف عِيَاله أَوْ مَا يُرِيد التَّسَتُّر بِهِ مِنْ حَاله قَالَهُ عِيَاض , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد كَفُّ أَذَى النَّاس بَعْضهمْ عَنْ بَعْض اِنْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحِيح مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ رَفَعَهُ \" فَكُفَّ عَنْ الشَّرّ فَإِنَّهَا لَك الصَّدَقَة \" وَهُوَ يُؤَيِّد الْأَوَّل , وَأَمَّا غَضُّ الْبَصَر فَهُوَ الْمَقْصُود مِنْ حَدِيث الْبَاب , وَأَمَّا كَثْرَة ذِكْر اللَّه فَفِيهِ عِدَّة أَحَادِيث يَأْتِي بَعْضهَا فِي الدَّعَوَات. ‏"
    },
    {
        "id": "5762",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْنَا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ السَّلَامُ عَلَى ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏السَّلَامُ عَلَى ‏ ‏مِيكَائِيلَ ‏ ‏السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنْ الْكَلَامِ مَا شَاءَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي التَّشَهُّد , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الصَّلَاة , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" إِنَّ اللَّه هُوَ السَّلَام \" وَهُوَ مُطَابِق لِمَا تَرْجَمَ لَهُ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ سَلَّمَ لَمْ يُجْزِئ فِي جَوَابه إِلَّا السَّلَام , وَلَا يُجْزِئ فِي جَوَابه صُبِّحْت بِالْخَيْرِ أَوْ بِالسَّعَادَةِ وَنَحْو ذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ أَتَى فِي التَّحِيَّة بِغَيْرِ لَفْظ السَّلَام هَلْ يَجِب جَوَابه , أَمْ لَا ؟ وَأَقَلُّ مَا يَحْصُل بِهِ وُجُوب الرَّدّ أَنْ يَسْمَع الْمُبْتَدِئ. وَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقّ الْجَوَاب , وَلَا يَكْفِي الرَّدّ بِالْإِشَارَةِ , بَلْ وَرَدَ الزَّجْر عَنْهُ , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه رَفَعَهُ \" لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , فَإِنَّ تَسْلِيم الْإِشَارَة بِالْإِصْبَعِ , وَتَسْلِيم النَّصَارَى بِالْأَكُفِّ \" قَالَ التِّرْمِذِيّ : غَرِيب. قُلْت : وَفِي سَنَده ضَعْف , لَكِنْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ جَابِر رَفَعَهُ \" لَا تُسَلِّمُوا تَسْلِيم الْيَهُود , فَإِنَّ تَسْلِيمهمْ بِالرُّءُوسِ وَالْأَكُفّ وَالْإِشَارَة \" قَالَ النَّوَوِيّ : لَا يَرِدُ عَلَى هَذَا حَدِيث أَسْمَاء بِنْت يَزِيد \" مَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِد وَعُصْبَة مِنْ النِّسَاء قُعُود فَأَلْوَى بِيَدِهِ بِالتَّسْلِيمِ \" فَإِنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظ وَالْإِشَارَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثهَا بِلَفْظِ \" فَسَلَّمَ عَلَيْنَا \" اِنْتَهَى. وَالنَّهْي عَنْ السَّلَام بِالْإِشَارَةِ مَخْصُوص بِمَنْ قَدَرَ عَلَى اللَّفْظ حِسًّا وَشَرْعًا , وَإِلَّا فَهِيَ مَشْرُوعَة لِمَنْ يَكُون فِي شُغْل يَمْنَعهُ مِنْ التَّلَفُّظ بِجَوَابِ السَّلَام كَالْمُصَلِّي وَالْبَعِيد وَالْأَخْرَس , وَكَذَا السَّلَام عَلَى الْأَصَمّ , وَلَوْ أَتَى بِالسَّلَامِ بِغَيْرِ اللَّفْظ الْعَرَبِيّ هَلْ يَسْتَحِقّ الْجَوَاب ؟ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال لِلْعُلَمَاءِ , ثَالِثهَا يَجِب لِمَنْ يُحْسِن بِالْعَرَبِيَّةِ. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الَّذِي يَظْهَر أَنَّ التَّحِيَّة بِغَيْرِ لَفْظ السَّلَام مِنْ بَاب تَرْك الْمُسْتَحَبّ وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ إِلَّا إِنْ قَصَدَ بِهِ الْعُدُول عَنْ السَّلَام إِلَى مَا هُوَ أَظْهَر فِي التَّعْظِيم مِنْ أَجْل أَكَابِر أَهْل الدُّنْيَا , وَيَجِب الرَّدّ عَلَى الْفَوْر , فَلَوْ أَخَّرَ ثُمَّ اِسْتَدْرَكَ فَرَدَّ لَمْ يُعَدّ جَوَابًا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْن وَجَمَاعَة , وَكَأَنَّ مَحِلّه إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْر. وَيَجِب رَدُّ جَوَاب السَّلَام فِي الْكِتَاب وَمَعَ الرَّسُول , وَلَوْ سَلَّمَ الصَّبِيّ عَلَى بَالِغ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدّ , وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَة فِيهِمْ صَبِيّ فَأَجَابَ أَجْزَأَ عَنْهُمْ فِي وَجْه. ‏"
    },
    {
        "id": "5763",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله ( يُسَلِّم ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِصِيغَةِ الْخَبَر وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَمْر , وَقَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عِنْدَ أَحْمَد بِلَفْظِ \" لِيُسَلِّم \" وَيَأْتِي شَرْحه فِيمَا بَعْده , قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : لَوْ دَخَلَ شَخْص مَجْلِسًا فَإِنْ كَانَ الْجَمْع قَلِيلًا يَعُمّهُمْ سَلَام وَاحِد فَسَلَّمَ كَفَاهُ , فَإِنْ زَادَ فَخَصَّصَ بَعْضهمْ فَلَا بَأْس , وَيَكْفِي أَنْ يَرُدّ مِنْهُمْ وَاحِد , فَإِنْ زَادَ فَلَا بَأْس , وَإِنْ كَانُوا كَثِيرًا بِحَيْثُ لَا يَنْتَشِر فِيهِمْ فَيَبْتَدِئ أَوَّل دُخُوله إِذَا شَاهَدَهُمْ , وَتَتَأَدَّى سُنَّة السَّلَام فِي حَقّ جَمِيع مَنْ يَسْمَعهُ , وَيَجِب عَلَى مَنْ سَمِعَهُ الرَّدّ عَلَى الْكِفَايَة. وَإِذَا جَلَسَ سَقَطَ عَنْهُ سُنَّة السَّلَام فِيمَنْ لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ الْبَاقِينَ , وَهَلْ يُسْتَحَبّ أَنْ يُسَلِّم عَلَى مَنْ جَلَسَ عِنْدَهمْ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعهُ ؟ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا إِنْ عَادَ فَلَا بَأْس , وَإِلَّا فَقَدْ سَقَطَتْ عَنْهُ سُنَّة السَّلَام لِأَنَّهُمْ جَمْع وَاحِد , وَعَلَى هَذَا يَسْقُط فَرْض الرَّدّ بِفِعْلِ بَعْضهمْ , وَالثَّانِي أَنَّ سُنَّة السَّلَام بَاقِيَة فِي حَقّ مَنْ لَمْ يَبْلُغهُمْ سَلَامه الْمُتَقَدِّم فَلَا يَسْقُط فَرْض الرَّدّ مِنْ الْأَوَائِل عَنْ الْأَوَاخِر. ‏"
    },
    {
        "id": "5764",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَخْلَدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏زِيَادٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏ثَابِتًا ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَخْلَد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد. ‏ ‏قَوْله ( زِيَاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعْد الْخُرَاسَانِيّ نَزِيل مَكَّة , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ هُنَا \" زِيَاد بْن سَعْد \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ سَمِعَ ثَابِتًا مَوْلَى اِبْن يَزِيد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة رَوْح الَّتِي بَعْدهَا \" أَنَّ ثَابِتًا أَخْبَرَهُ وَهُوَ مَوْلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد \" وَزَيْد الْمَذْكُور هُوَ اِبْن الْخَطَّاب أَخُو عُمَر بْن الْخَطَّاب وَلِذَلِكَ نَسَبُوا ثَابِتًا عَدَوِيًّا , وَحَكَى أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ عَنْ الْجُرْجَانِيّ \" عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد \" بِزِيَادَةِ يَاء فِي أَوَّله وَهُوَ وَهْم , وَثَابِت هُوَ اِبْن الْأَحْنَف وَقِيلَ اِبْن عِيَاض بْن الْأَحْنَف وَقِيلَ إِنَّ الْأَحْنَف لَقَب عِيَاض , وَلَيْسَ لِثَابِتٍ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر تَقَدَّمَ فِي الْمُصَرَّاة مِنْ كِتَاب الْبُيُوع. ‏ ‏قَوْله ( يُسَلِّم الرَّاكِب عَلَى الْمَاشِي ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَلَمْ يُذْكَر ذَلِكَ فِي رِوَايَة هَمَّام كَمَا ذُكِرَ فِي رِوَايَة هَمَّام الصَّغِير عَلَى الْكَبِير وَلَمْ يُذْكَر فِي هَذِهِ , فَكَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَر , وَقَدْ وَافَقَ هَمَّامًا عَطَاء بْن يَسَار كَمَا سَيَأْتِي بَعْده , وَاجْتَمَعَ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَة أَشْيَاء وَقَدْ اِجْتَمَعَتْ فِي رِوَايَة الْحَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : رُوِيَ مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , ثُمَّ حَكَى قَوْل أَيُّوب وَغَيْره أَنَّ الْحَسَن لَمْ يَسْمَع مِنْ أَبِي هُرَيْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5765",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏زِيَادٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ثَابِتًا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏وَهُوَ مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5766",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِسَبْعٍ بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَنَصْرِ الضَّعِيفِ وَعَوْنِ الْمَظْلُومِ وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ وَنَهَى عَنْ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ وَنَهَانَا عَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ وَعَنْ رُكُوبِ ‏ ‏الْمَيَاثِرِ ‏ ‏وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ ‏ ‏وَالدِّيبَاجِ ‏ ‏وَالْقَسِّيِّ ‏ ‏وَالْإِسْتَبْرَقِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , وَالشَّيْبَانِيّ هُوَ أَبُو إِسْحَاق , وَأَشْعَث هُوَ اِبْن أَبِي الشَّعْثَاء بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة ثُمَّ مُثَلَّثَة فِيهِ وَفِي أَبِيهِ , وَاسْم أَبِيهِ سُلَيْم بْن أَسْوَد. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَخَالَفَهُمْ جَعْفَر بْن عَوْف فَقَالَ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَشْعَث عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ عَنْ الْبَرَاء وَهِيَ رِوَايَة شَاذَّة أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله ( أَمَرَنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ : بِعِيَادَةِ الْمَرِيض الْحَدِيث ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي اللِّبَاس أَنَّهُ ذُكِرَ فِي عِدَّة مَوَاضِع لَمْ يَسُقْهُ بِتَمَامِهِ فِي أَكْثَرهَا , وَهَذَا الْمَوْضِع مِمَّا ذَكَرَ فِيهِ سَبْعًا مَأْمُورَات وَسَبْعًا مَنْهِيَّات , وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا إِفْشَاء السَّلَام , وَتَقَدَّمَ شَرْح عِيَادَة الْمَرِيض فِي الطِّبّ وَاتِّبَاع الْجَنَائِز فِيهِ وَعَوْن الْمَظْلُوم فِي كِتَاب الْمَظَالِم وَتَشْمِيت الْعَاطِس فِي أَوَاخِر الْأَدَب وَسَيَأْتِي إِبْرَار الْقَسَم فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَسَبَقَ شَرْح الْمَنَاهِي فِي الْأَشْرِبَة وَفِي اللِّبَاس , وَأَمَّا نَصْر الضَّعِيف الْمَذْكُور هُنَا فَسَبَقَ حُكْمه فِي كِتَاب الْمَظَالِم , وَلَمْ يَقَع فِي أَكْثَر الرِّوَايَات فِي حَدِيث الْبَرَاء هَذَا , وَإِنَّمَا وَقَعَ بَدَلُهُ إِجَابَة الدَّاعِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْوَلِيمَة مِنْ كِتَاب النِّكَاح. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : نَصْر الضَّعِيف مِنْ جُمْلَة إِجَابَة الدَّاعِي لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون ضَعِيفًا وَإِجَابَته نَصْره , أَوْ أَنْ لَا مَفْهُوم لِلْعَدَدِ الْمَذْكُور وَهُوَ السَّبْع فَتَكُون الْمَأْمُورَات ثَمَانِيَة , كَذَا قَالَ ; وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ إِجَابَة الدَّاعِي سَقَطَتْ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة , وَأَنَّ نَصْر الضَّعِيف الْمُرَاد بِهِ عَوْن الْمَظْلُوم الَّذِي ذُكِرَ فِي غَيْر هَذِهِ الطَّرِيق , وَيُؤَيِّد هَذَا الِاحْتِمَال أَنَّ الْبُخَارِيّ حَذَفَ بَعْض الْمَأْمُورَات مِنْ غَالِب الْمَوَاضِع الَّتِي أَوْرَدَ الْحَدِيث فِيهَا اِخْتِصَارًا. ‏ ‏قَوْله ( وَإِفْشَاء السَّلَام ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز بِلَفْظِ وَرَدُّ السَّلَام , وَلَا مُغَايَرَة فِي الْمَعْنَى لِأَنَّ اِبْتِدَاء السَّلَام وَرَدَّهُ مُتَلَازِمَانِ , وَإِفْشَاء السَّلَام اِبْتِدَاء يَسْتَلْزِم إِفْشَاءَهُ جَوَابًا , وَقَدْ جَاءَ إِفْشَاء السَّلَام مِنْ حَدِيث الْبَرَاء بِلَفْظٍ آخَر وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْسَجَة عَنْهُ رَفَعَهُ \" أَفْشُوا السَّلَام تَسْلَمُوا \" وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء مِثْله عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" أَلَا أَدُلّكُمْ عَلَى مَا تَحَابُّونَ بِهِ ؟ أَفْشُوا السَّلَام بَيْنَكُمْ \" قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِيهِ أَنَّ مِنْ فَوَائِد إِفْشَاء السَّلَام حُصُول الْمَحَبَّة بَيْنَ الْمُتَسَالِمَيْنِ , وَكَانَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ اِئْتِلَاف الْكَلِمَة لِتَعُمّ الْمَصْلَحَة بِوُقُوعِ الْمُعَاوَنَة عَلَى إِقَامَة شَرَائِع الدِّين وَإِخْزَاء الْكَافِرِينَ , وَهِيَ كَلِمَة إِذَا سُمِعَتْ أَخْلَصَتْ الْقَلْب الْوَاعِي لَهَا عَنْ النُّفُور إِلَى الْإِقْبَال عَلَى قَائِلهَا. وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن سَلَامٍ رَفَعَهُ \" أَطْعِمُوا الطَّعَام وَأَفْشُوا السَّلَام \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" تَدْخُلُوا الْجَنَّة بِسَلَامٍ \" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم , وَلِلْأَوَّلَيْنِ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَفَعَهُ \" اُعْبُدُوا الرَّحْمَن , وَأَفْشُوا السَّلَام \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" تَدْخُلُوا الْجِنَان \" وَالْأَحَادِيث فِي إِفْشَاء السَّلَام كَثِيرَة مِنْهَا عِنْدَ الْبَزَّار مِنْ حَدِيث الزُّبَيْر وَعِنْدَ أَحْمَد مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَأَبِي مُوسَى وَغَيْرهمْ , وَمَنْ الْأَحَادِيث فِي إِفْشَاء السَّلَام مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" إِذَا قَعَدَ أَحَدكُمْ فَلْيُسَلِّمْ وَإِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ فَلَيْسَتْ الْأُولَى أَحَقَّ مِنْ الْآخِرَة \" وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" إِنْ كُنْت لَأَخْرُج إِلَى السُّوق وَمَا لِي حَاجَة إِلَّا أَنْ أُسَلِّم وَيُسَلَّم عَلَيَّ \" وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ طَرِيق الطُّفَيْل بْن أُبَيّ بْن كَعْب عَنْ اِبْن عُمَر نَحْوه لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا شَيْء عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ فَاكْتَفَى بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ حَدِيث الْبَرَاء , وَاسْتَدَلَّ بِالْأَمْرِ بِإِفْشَاءِ السَّلَام عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي السَّلَام سِرًّا بَلْ يُشْتَرَط الْجَهْر وَأَقَلّه أَنْ يَسْمَع فِي الِابْتِدَاء وَفِي الْجَوَاب , وَلَا تَكْفِي الْإِشَارَة بِالْيَدِ وَنَحْوه. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ جَابِر رَفَعَهُ \" لَا تُسَلِّمُوا تَسْلِيم الْيَهُود فَإِنَّ تَسْلِيمهمْ بِالرُّءُوسِ وَالْأَكُفّ \" وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ حَالَة الصَّلَاة فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيث جَيِّدَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ السَّلَام وَهُوَ يُصَلِّي إِشَارَة , مِنْهَا حَدِيث أَبِي سَعِيد \" أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَرَدَّ عَلَيْهِ إِشَارَة \" وَمِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود نَحْوه , وَكَذَا مَنْ كَانَ بَعِيدًا بِحَيْثُ لَا يَسْمَع التَّسْلِيم يَجُوز السَّلَام عَلَيْهِ إِشَارَة وَيَتَلَفَّظ مَعَ ذَلِكَ بِالسَّلَامِ وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عَطَاء قَالَ \" يُكْرَه السَّلَام بِالْيَدِ وَلَا يُكْرَه بِالرَّأْسِ \" وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : اسْتَدَلَّ بِالْأَمْرِ بِإِفْشَاءِ السَّلَام مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الِابْتِدَاء بِالسَّلَامِ , وَفِيهِ نَظَرٌ إِذْ لَا سَبِيل إِلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ فَرْض عَيْن عَلَى التَّعْمِيم مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَجِب عَلَى كُلّ أَحَد أَنْ يُسَلِّم عَلَى كُلّ مَنْ لَقِيَهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَرَج وَالْمَشَقَّة , فَإِذَا سَقَطَ مِنْ جَانِبَيْ الْعُمُومَيْنِ سَقَطَ مِنْ جَانِبَيْ الْخُصُوصَيْنِ إِذْ لَا قَائِل يَجِب عَلَى وَاحِد دُون الْبَاقِينَ , وَلَا يَجِب السَّلَام عَلَى وَاحِد دُون الْبَاقِينَ , قَالَ : وَإِذَا سَقَطَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَة لَمْ يَسْقُط الِاسْتِحْبَاب لِأَنَّ الْعُمُوم بِالنِّسْبَةِ إِلَى كِلَا الْفَرِيقَيْنِ مُمْكِن اِنْتَهَى. وَهَذَا الْبَحْث ظَاهِر فِي حَقِّ مَنْ قَالَ إِنَّ اِبْتِدَاء السَّلَام فَرْض عَيْن , وَأَمَّا مَنْ قَالَ فَرْض كِفَايَة فَلَا يَرِد عَلَيْهِ إِذَا قُلْنَا إِنَّ فَرْض الْكِفَايَة لَيْسَ وَاجِبًا عَلَى وَاحِد بِعَيْنِهِ , قَالَ وَيُسْتَثْنَى مِنْ الِاسْتِحْبَاب مَنْ وَرَدَ الْأَمْر بِتَرْكِ اِبْتِدَائِهِ بِالسَّلَامِ كَالْكَافِرِ قُلْت : وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور قَبْل \" إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ \" وَالْمُسْلِم مَأْمُور بِمُعَادَاةِ الْكَافِر فَلَا يُشْرَع لَهُ فِعْل مَا يَسْتَدْعِي مَحَبَّته وَمُوَادَدَتَهُ. \" وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي \" بَاب التَّسْلِيم عَلَى مَجْلِس فِيهِ أَخْلَاط مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ \" , وَقَدْ اُخْتُلِفَ أَيْضًا فِي مَشْرُوعِيَّة السَّلَام عَلَى الْفَاسِق وَعَلَى الصَّبِيّ , وَفِي سَلَام الرَّجُل عَلَى الْمَرْأَة وَعَكْسه , وَإِذَا جَمَعَ الْمَجْلِس كَافِرًا وَمُسْلِمًا هَلْ يُشْرَع السَّلَام مُرَاعَاة لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ ؟ أَوْ يَسْقُط مِنْ أَجْل الْكَافِر ؟ وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّف لِذَلِكَ كُلّه. وَقَالَ النَّوَوِيّ يُسْتَثْنَى مِنْ الْعُمُوم بِابْتِدَاءِ السَّلَام مَنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْب أَوْ جِمَاع , أَوْ كَانَ فِي الْخَلَاء أَوْ الْحَمَّام أَوْ نَائِمًا أَوْ نَاعِسًا أَوْ مُصَلِّيًا أَوْ مُؤَذِّنًا مَا دَامَ مُتَلَبِّسًا بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ , فَلَوْ لَمْ تَكُنْ اللُّقْمَة فِي فَم الْآكِل مَثَلًا شُرِعَ السَّلَام عَلَيْهِ , وَيُشْرَع فِي حَقِّ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَسَائِر الْمُعَامَلَات , وَاحْتَجَّ لَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد بِأَنَّ النَّاس غَالِبًا يَكُونُونَ فِي أَشْغَالهمْ فَلَوْ رُوعِيَ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُل اِمْتِثَال الْإِفْشَاء. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : اِحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ السَّلَام عَلَى مَنْ فِي الْحَمَّام بِأَنَّهُ بَيْت الشَّيْطَان وَلَيْسَ مَوْضِع التَّحِيَّة لِاشْتِغَالِ مَنْ فِيهِ بِالتَّنْظِيفِ , قَالَ وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنَى بِالْقَوِيِّ فِي الْكَرَاهَة , بَلْ يَدُلّ عَلَى عَدَم الِاسْتِحْبَاب. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الطَّهَارَة مِنْ الْبُخَارِيّ \" إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ إِزَار فَيُسَلِّم وَإِلَّا فَلَا \" وَتَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أُمّ هَانِئ \" أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَغْتَسِل وَفَاطِمَة تَسْتُرهُ فَسَلَّمْت عَلَيْهِ \" الْحَدِيث. قَالَ النَّوَوِيّ : وَأَمَّا السَّلَام حَال الْخُطْبَة فِي الْجُمُعَة فَيُكْرَه لِلْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ , فَلَوْ سَلَّمَ لَمْ يَجِب الرَّدّ عِنْدَ مَنْ قَالَ الْإِنْصَات وَاجِب , وَيَجِبُ عِنْدَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ سُنَّة , وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرُدّ أَكْثَر مِنْ وَاحِد , وَأَمَّا الْمُشْتَغِل بِقِرَاءَةِ الْقُرْآن فَقَالَ الْوَاحِدِيّ الْأَوْلَى تَرْك السَّلَام عَلَيْهِ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ كَفَاهُ الرَّدّ بِالْإِشَارَةِ , وَإِنْ رَدَّ لَفْظًا اِسْتَأْنَفَ الِاسْتِعَاذَة وَقَرَأَ. قَالَ النَّوَوِيّ : وَفِيهِ نَظَرٌ , وَالظَّاهِر أَنَّهُ يُشْرَع السَّلَام عَلَيْهِ وَيَجِب عَلَيْهِ الرَّدّ , ثُمَّ قَالَ : وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالدُّعَاءِ مُسْتَغْرِقًا فِيهِ مُسْتَجْمِع الْقَلْب فَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال هُوَ كَالْقَارِئِ , وَالْأَظْهَر عِنْدِي أَنَّهُ يُكْرَه السَّلَام عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَتَنَكَّد بِهِ وَيَشُقّ عَلَيْهِ أَكْثَر مِنْ مَشَقَّة الْأَكْل. وَأَمَّا الْمُلَبِّي فِي الْإِحْرَام فَيُكْرَه أَنْ يُسَلِّم عَلَيْهِ لِأَنَّ قَطْعه التَّلْبِيَة مَكْرُوه , وَيَجِب عَلَيْهِ الرَّدّ مَعَ ذَلِكَ لَفْظًا أَنْ لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ , قَالَ : وَلَوْ تَبَرَّعَ وَاحِد مِنْ هَؤُلَاءِ بِرَدِّ السَّلَام إِنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالْبَوْلِ وَنَحْوه فَيُكْرَه \" وَإِنْ كَانَ آكِلًا وَنَحْوه فَيُسْتَحَبّ فِي الْمَوْضِع الَّذِي لَا يَجِب , وَإِنْ كَانَ مُصَلِّيًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُول بِلَفْظِ الْمُخَاطَبَة كَعَلَيْك السَّلَام أَوْ عَلَيْك فَقَطْ , فَلَوْ فَعَلَ بَطَلَتْ إِنْ عَلِمَ التَّحْرِيم لَا إِنْ جَهِلَ فِي الْأَصَحّ , فَلَوْ أَتَى بِضَمِيرِ الْغَيْبَة لَمْ تَبْطُل , وَيُسْتَحَبّ أَنْ يَرُدّ بِالْإِشَارَةِ , وَإِنْ رَدَّ بَعْد فَرَاغ الصَّلَاة لَفْظًا فَهُوَ أَحَبُّ , وَإِنْ كَانَ مُؤَذِّنًا أَوْ مُلَبِّيًا لَمْ يُكْرَه لَهُ الرَّدّ لَفْظًا لِأَنَّهُ قَدْر يَسِير لَا يُبْطِل الْمُوَالَاة. وَقَدْ تَعَقَّبَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّه فِي نُكَته عَلَى الْأَذْكَار مَا قَالَهُ الشَّيْخ فِي الْقَارِئ لِكَوْنِهِ يَأْتِي فِي حَقِّهِ نَظِير مَا أَبْدَاهُ هُوَ فِي الدَّاعِي ; لِأَنَّ الْقَارِئ قَدْ يَسْتَغْرِق فِكْره فِي تَدَبُّر مَعَانِي مَا يَقْرَؤُهُ , ثُمَّ اعْتَذَرَ عَنْهُ بِأَنَّ الدَّاعِي يَكُون مُهْتَمًّا بِطَلَبِ حَاجَته فَيَغْلِب عَلَيْهِ التَّوَجُّه طَبْعًا , وَالْقَارِئ إِنَّمَا يُطْلَب مِنْهُ التَّوَجُّه شَرْعًا فَالْوَسَاوِس مُسَلَّطَة عَلَيْهِ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ يُوَفَّق لِلْحَاجَةِ الْعَلِيَّة فَهُوَ عَلَى نُدُور اِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْلِيل الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخ مِنْ تَنَكُّد الدَّاعِي يَأْتِي نَظِيره فِي الْقَارِئ , وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخ فِي بُطْلَان الصَّلَاة إِذَا رَدَّ السَّلَام بِالْخِطَابِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ , فَعَنْ الشَّافِعِيّ نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا تَبْطُل لِأَنَّهُ لَا يُرِيد حَقِيقَة الْخِطَاب بَلْ الدُّعَاء , وَإِذَا عَذَرْنَا الدَّاعِي وَالْقَارِئ بِعَدَمِ الرَّدّ فَرَدَّ بَعْد الْفَرَاغ كَانَ مُسْتَحَبًّا. وَذَكَرَ بَعْض الْحَنَفِيَّة أَنَّ مَنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِد لِلْقِرَاءَةِ أَوْ التَّسْبِيح أَوْ لِانْتِظَارِهِ الصَّلَاة لَا يُشْرَع السَّلَام عَلَيْهِمْ , وَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجِب الْجَوَاب , قَالَ وَكَذَا الْخَصْم إِذَا سَلَّمَ عَلَى الْقَاضِي لَا يَجِب عَلَيْهِ الرَّدّ. وَكَذَلِكَ الْأُسْتَاذ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ تِلْمِيذه لَا يَجِب الرَّدّ عَلَيْهِ , كَذَا قَالَ. وَهَذَا الْأَخِير لَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ. وَيَدْخُل فِي عُمُوم إِفْشَاء السَّلَام , السَّلَام عَلَى النَّفْس لِمَنْ دَخَلَ مَكَانًا لَيْسَ فِيهِ أَحَد , لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسكُمْ ) الْآيَة , وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَابْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ اِبْن عُمَر \" فَيُسْتَحَبّ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَد فِي الْبَيْت أَنْ يَقُول السَّلَام عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ , وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمِنْ طَرِيق كُلّ مِنْ عَلْقَمَة وَعَطَاء وَمُجَاهِد نَحْوه , وَيَدْخُل فِيهِ مَنْ مَرَّ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ لَا يَرُدّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُشْرَع لَهُ السَّلَام وَلَا يَتْرُكهُ لِهَذَا الظَّنّ لِأَنَّهُ قَدْ يُخْطِئ , قَالَ النَّوَوِيّ : وَأَمَّا قَوْل مَنْ لَا تَحْقِيق عِنْدَه أَنَّ ذَلِكَ يَكُون سَبَبًا لِتَأْثِيمِ الْآخَر فَهُوَ غَبَاوَة ; لِأَنَّ الْمَأْمُورَات الشَّرْعِيَّة لَا تُتْرَك بِمِثْلِ هَذَا , وَلَوْ أَعْمَلْنَا هَذَا لَبَطَلَ إِنْكَار كَثِير مِنْ الْمُنْكَرَات. قَالَ : وَيَنْبَغِي لِمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ أَنْ يَقُول لَهُ بِعِبَارَةٍ لَطِيفَة رَدُّ السَّلَام وَاجِبٌ , فَيَنْبَغِي أَنْ تَرُدّ لِيَسْقُط عَنْك الْفَرْض , وَيَنْبَغِي إِذَا تَمَادَى عَلَى التَّرْك أَنْ يُحْلِلهُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيّ , وَرَجَّحَ اِبْن دَقِيق الْعِيد فِي \" شَرْح الْإِلْمَام \" الْمَقَالَة الَّتِي زَيَّفَهَا النَّوَوِيّ بِأَنَّ مَفْسَدَة تَوْرِيط الْمُسْلِم فِي الْمَعْصِيَة أَشَدُّ مِنْ تَرْك مَصْلَحَة السَّلَام عَلَيْهِ , وَلَا سِيَّمَا وَامْتِثَال الْإِفْشَاء قَدْ حَصَلَ مَعَ غَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "5767",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ ‏ ‏تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر , ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَبِيب كَمَا ذُكِرَ فِي رِوَايَة قُتَيْبَة عَنْ اللَّيْث فِي كِتَاب الْإِيمَان. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي الْخَيْر ) ‏ ‏هُوَ مَرْثَد بِفَتْحِ الْمِيم وَالْمُثَلَّثَة بَيْنَهمَا رَاء سَاكِنَة وَآخِره دَال مُهْمَلَة وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث فِي أَوَائِل كِتَاب الْإِيمَان , قَالَ النَّوَوِيّ مَعْنَى قَوْله \" عَلَى مَنْ عَرَفْت وَمَنْ لَمْ تَعْرِف \" تُسَلِّم عَلَى مَنْ لَقِيته وَلَا تَخُصّ ذَلِكَ بِمَنْ تَعْرِف , وَفِي ذَلِكَ إِخْلَاص الْعَمَل لِلَّهِ وَاسْتِعْمَال التَّوَاضُع وَإِفْشَاء السَّلَام الَّذِي هُوَ شِعَار هَذِهِ الْأُمَّة قُلْت : وَفِيهِ مِنْ الْفَوَائِد أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ السَّلَام عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِف اِحْتَمَلَ أَنْ يَظْهَر أَنَّهُ مِنْ مَعَارِفه , فَقَدْ يُوقِعهُ فِي الِاسْتِيحَاش مِنْهُ , قَالَ : وَهَذَا الْعُمُوم مَخْصُوص بِالْمُسْلِمِ , فَلَا يَبْتَدِئ السَّلَام عَلَى كَافِر. قُلْت : قَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَجَازَ اِبْتِدَاء الْكَافِر بِالسَّلَامِ , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّ الْأَصْل مَشْرُوعِيَّة السَّلَام لِلْمُسْلِمِ فَيُحْمَل قَوْله \" مَنْ عَرَفْت عَلَيْهِ \" وَأَمَّا \" مِنْ لَمْ تَعْرِف \" فَلَا دَلَالَة فِيهِ , بَلْ إِنْ عَرَفَ أَنَّهُ مُسْلِم فَذَاكَ وَإِلَّا فَلَوْ سَلَّمَ اِحْتِيَاطًا لَمْ يَمْتَنِع حَتَّى يَعْرِف أَنَّهُ كَافِر , وَقَالَ اِبْن بَطَّال فِي مَشْرُوعِيَّة السَّلَام عَلَى غَيْر الْمَعْرِفَة اِسْتِفْتَاح لِلْمُخَاطَبَةِ لِلتَّأْنِيسِ لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ كُلّهمْ إِخْوَة فَلَا يَسْتَوْحِش أَحَد مِنْ أَحَد , وَفِي التَّخْصِيص مَا قَدْ يُوقِع فِي الِاسْتِيحَاش , وَيُشْبِه صُدُود الْمُتَهَاجِرَيْنِ الْمَنْهِيّ عَنْهُ. وَأَوْرَدَ الطَّحَاوِيُّ فِي \" الْمُشْكِل \" حَدِيث أَبِي ذَرّ فِي قِصَّة إِسْلَامه وَفِيهِ \" فَانْتَهَيْت إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ صَلَّى هُوَ وَصَاحِبه - فَكُنْت أَوَّل مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَام \" قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَهَذَا لَا يُنَافِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي ذَمّ السَّلَام لِلْمَعْرِفَةِ , لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون أَبُو ذَرّ سَلَّمَ عَلَى أَبِي بَكْر قَبْل ذَلِكَ , أَوْ لِأَنَّ حَاجَته كَانَتْ عِنْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُون أَبِي بَكْر. قُلْت : وَالِاحْتِمَال الثَّانِي لَا يَكْفِي فِي تَخْصِيص السَّلَام , وَأَقْرَب مِنْهُ أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَبْل تَقْرِير الشَّرْع بِتَعْمِيمِ السَّلَام , وَقَدْ سَاقَ مُسْلِم قِصَّة إِسْلَام أَبِي ذَرّ بِطُولِهَا وَلَفْظه \" وَجَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اِسْتَلَمَ الْحَجْر وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبه ثُمَّ صَلَّى فَلَمَّا قَضَى صَلَاته قَالَ أَبُو ذَرّ : فَكُنْت أَوَّل مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ السَّلَام فَقَالَ : وَعَلَيْك وَرَحْمَة اللَّه \" الْحَدِيث وَفِي لَفْظ قَالَ \" وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْف الْمَقَام فَأَتَيْته فَإِنِّي لَأَوَّل النَّاس حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَام فَقَالَ : وَعَلَيْك السَّلَام مَنْ أَنْتَ \" ؟ وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبُو بَكْر تَوَجَّهَ بَعْد الطَّوَاف إِلَى مَنْزِله وَدَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْزِله فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو ذَرّ وَهُوَ وَحْده , وَيَزِيدهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْبُخَارِيِّ أَيْضًا فِي الْمَبْعَث مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي ذَرّ فِي قِصَّة إِسْلَامه أَنَّهُ قَامَ يَلْتَمِس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَعْرِفهُ وَيَكْرَه أَنْ يَسْأَل عَنْهُ فَرَآهُ عَلِيّ فَعَرَفَهُ أَنَّهُ غَرِيب , فَاسْتَتْبَعَهُ حَتَّى دَخَلَ بِهِ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5768",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ ‏ ‏وَذَكَرَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَهُ ‏ ‏مِنْهُ ‏ ‏ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي أَيُّوب \" لَا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُر أَخَاهُ \" الْحَدِيث تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْأَدَب مُسْتَوْفًى , وَهُوَ مُتَعَلِّق بِالرُّكْنِ الْأَوَّل مِنْ التَّرْجَمَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5769",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ مَقْدَمَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَخَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَشْرًا حَيَاتَهُ ‏ ‏وَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ الْحِجَابِ حِينَ أُنْزِلَ وَقَدْ كَانَ ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏يَسْأَلُنِي عَنْهُ وَكَانَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ فِي مُبْتَنَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏أَصْبَحَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَا عَرُوسًا فَدَعَا الْقَوْمَ فَأَصَابُوا مِنْ الطَّعَامِ ثُمَّ خَرَجُوا وَبَقِيَ مِنْهُمْ رَهْطٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَطَالُوا الْمُكْثَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَخَرَجَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ كَيْ يَخْرُجُوا فَمَشَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى جَاءَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏ثُمَّ ظَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى ‏ ‏زَيْنَبَ ‏ ‏فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ لَمْ يَتَفَرَّقُوا فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَجَعْتُ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَظَنَّ أَنْ قَدْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ خَرَجُوا فَأُنْزِلَ ‏ ‏آيَةُ الْحِجَابِ ‏ ‏فَضَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْهُ. وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي سُورَة الْأَحْزَاب , ‏ ‏قَوْله فِي أَوَّل الطَّرِيق ( عَنْ اِبْن شِهَاب أَخْبَرَنِي أَنَس بْن مَالِك أَنَّهُ قَالَ كَانَ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ فِيهِ اِلْتِفَات أَوْ تَجْرِيد , و ‏ ‏قَوْله \" خَدَمْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرًا حَيَاته \" ‏ ‏أَيْ بَقِيَّة حَيَاته إِلَى أَنْ مَاتَ , و ‏ ‏قَوْله \" وَكُنْت أَعْلَم النَّاس بِشَأْنِ الْحِجَاب \" ‏ ‏أَيْ بِسَبَبِ نُزُوله , وَإِطْلَاق مِثْل ذَلِكَ جَائِز لِلْإِعْلَامِ لَا لِلْإِعْجَابِ. و ‏ ‏قَوْله \" وَقَدْ كَانَ أُبَيُّ بْن كَعْب يَسْأَلنِي عَنْهُ \" ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى اِخْتِصَاصه بِمَعْرِفَتِهِ ; لِأَنَّ أُبَيّ بْن كَعْب أَكْبَر مِنْهُ عِلْمًا وَسِنًّا وَقَدْرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5770",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مِجْلَزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَيْنَبَ ‏ ‏دَخَلَ الْقَوْمُ فَطَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ فَأَخَذَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ فَلَمْ يَقُومُوا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ فَلَمَّا قَامَ قَامَ مَنْ قَامَ مِنْ الْقَوْمِ وَقَعَدَ بَقِيَّةُ الْقَوْمِ وَإِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَاءَ لِيَدْخُلَ فَإِذَا الْقَوْمُ جُلُوسٌ ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا فَانْطَلَقُوا فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ فَأَلْقَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ‏} ‏الْآيَةَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُمْ حِينَ قَامَ وَخَرَجَ وَفِيهِ أَنَّهُ تَهَيَّأَ لِلْقِيَامِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَقُومُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله فِي آخِره \" فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوت النَّبِيّ ) الْآيَة \" ‏ ‏كَذَا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الرُّوَاة عَنْ مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان وَخَالَفَهُمْ عَمْرو بْن عَلِيّ الْفَلَّاسُ عَنْ مُعْتَمِر فَقَالَ \" فَأُنْزِلَتْ : لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْر بُيُوتكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَشَارَ إِلَى شُذُوذه فَقَالَ \" جَاءَ بِآيَةٍ غَيْر الْآيَة الَّتِي ذَكَرَهَا الْجَمَاعَة \". ‏ ‏وَقَوْله \" مُعْتَمِر \" ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ , و ‏ ‏قَوْله \" قَالَ أَبِي \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة مُخَفَّفًا وَالْقَائِل هُوَ مُعْتَمِر , وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة فِي سُورَة الْأَحْزَاب \" سَمِعْت أَبِي \". ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ عَنْ أَنَس ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْحَمْد لِلْعَاطِسِ \" لِسُلَيْمَان التَّيْمِيِّ حَدِيث عَنْ أَنَس بِلَا وَاسِطَة , وَقَدْ سَمِعَ مِنْ أَنَس عِدَّة أَحَادِيث , وَرَوَى عَنْ أَصْحَابه عَنْهُ عِدَّة أَحَادِيث , وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُدَلِّس. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله ( فِيهِ ) ‏ ‏أَيْ فِي حَدِيث أَنَس هَذَا. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ الْفِقْه أَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْذِنهُمْ حِين قَامَ وَخَرَجَ , وَفِيهِ أَنَّهُ تَهَيَّأَ لِلْقِيَامِ وَهُوَ يُرِيد أَنْ يَقُومُوا ) ‏ ‏ثَبَتَ هَذَا كُلّه لِلْمُسْتَمْلِيِّ وَحْده هُنَا وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ , وَهُوَ أَوْلَى فَإِنَّهُ أَفْرَدَ لِذَلِكَ تَرْجَمَة كَمَا سَيَأْتِي بَعْد اِثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ بَابًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5771",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏احْجُبْ نِسَاءَكَ قَالَتْ فَلَمْ يَفْعَلْ وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْرُجْنَ لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ فَخَرَجَتْ ‏ ‏سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ ‏ ‏وَكَانَتْ امْرَأَةً طَوِيلَةً فَرَآهَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏وَهُوَ فِي الْمَجْلِسِ فَقَالَ عَرَفْتُكِ يَا ‏ ‏سَوْدَةُ ‏ ‏حِرْصًا عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الْحِجَابُ قَالَتْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ ‏آيَةَ الْحِجَابِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \". ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن سَعْد الزُّهْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ صَالِح ) ‏ ‏هُوَ اِبْن كَيْسَانَ وَقَدْ سَمِعَ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد الْكَثِير مِنْ اِبْن شِهَاب رُبَّمَا أَدْخَلَ بَيْنَه وَبَيْنَه وَاسِطَة كَهَذَا. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب يَقُول لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُحْجُبْ نِسَائِك ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَقَوْله فِي آخِره \" قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَة , حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِل الْحِجَاب \" فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْحِجَاب , وَيُجْمَع بَيْنَه وَبَيْنَ حَدِيث أَنَس فِي نُزُول الْحِجَاب بِسَبَبِ قِصَّة زَيْنَب أَنَّ عُمَر حَرَصَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لِسَوْدَةَ مَا قَالَ , فَاتَّفَقَتْ الْقِصَّة لِلَّذِينَ قَعَدُوا فِي الْبَيْت فِي زَوَاج زَيْنَب فَنَزَلَتْ الْآيَة , فَكَانَ كُلّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ سَبَبًا لِنُزُولِهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ فِيهِ فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب , وَقَدْ سَبَقَ إِلَى الْجَمْع بِذَلِكَ الْقُرْطُبِيّ : فَقَالَ : يُحْمَل عَلَى أَنَّ عُمَر تَكَرَّرَ مِنْهُ هَذَا الْقَوْل قَبْل الْحِجَاب وَبَعْده , وَيُحْتَمَل أَنَّ بَعْض الرُّوَاة ضَمَّ قِصَّة إِلَى أُخْرَى. قَالَ وَالْأَوَّل أَوْلَى فَإِنَّ عُمَر قَامَتْ عِنْدَه أَنَفَة مِنْ أَنْ يَطَّلِع أَحَد عَلَى حُرُم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ أَنْ يَحْجُبهُنَّ , فَلَمَّا نَزَلَ الْحِجَاب كَانَ قَصْده أَنْ لَا يَخْرُجْنَ أَصْلًا فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَشَقَّة فَأَذِنَ لَهُنَّ أَنْ يَخْرُجْنَ لِحَاجَتِهِنَّ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا. قَالَ عِيَاض : خُصَّ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَتْرِ الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ , وَاخْتُلِفَ فِي نَدْبه فِي حَقِّ غَيْرهنَّ , قَالُوا : فَلَا يَجُوز لَهُنَّ كَشْف ذَلِكَ لِشَهَادَةٍ وَلَا غَيْرهَا , قَالَ : وَلَا يَجُوز إِبْرَاز أَشْخَاصهنَّ وَإِنْ كُنَّ مُسْتَتِرَات إِلَّا فِيمَا دَعَتْ الضَّرُورَة إِلَيْهِ مِنْ الْخُرُوج إِلَى الْبِرَاز , وَقَدْ كُنَّ إِذَا حَدَّثْنَ جَلَسْنَ لِلنَّاسِ مِنْ وَرَاء الْحِجَاب وَإِذَا خَرَجْنَ لِحَاجَةٍ حُجِبْنَ وَسُتِرْنَ اِنْتَهَى. وَفِي دَعْوَى وُجُوب حَجْب أَشْخَاصهنَّ مُطْلَقًا إِلَّا فِي حَاجَة الْبِرَاز نَظَرٌ , فَقَدْ كُنَّ يُسَافِرْنَ لِلْحَجِّ وَغَيْره وَمِنْ ضَرُورَة ذَلِكَ الطَّوَاف وَالسَّعْي وَفِيهِ بُرُوز أَشْخَاصهنَّ , بَلْ وَفِي حَالَة الرُّكُوب وَالنُّزُول لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ , وَكَذَا فِي خُرُوجهنَّ إِلَى الْمَسْجِد النَّبَوِيّ وَغَيْره. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏حَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ قِصَّة سَوْدَة هَذِهِ لَا تَدْخُل فِي بَاب الْحِجَاب وَإِنَّمَا هِيَ فِي لِبَاس الْجَلَابِيب , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِرْخَاء الْجَلَابِيب هُوَ السَّتْر عَنْ نَظَرِ الْغَيْر إِلَيْهِنَّ وَهُوَ مِنْ جُمْلَة الْحِجَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "5772",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏حَفِظْتُهُ ‏ ‏كَمَا أَنَّكَ هَا هُنَا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ فَقَالَ ‏ ‏لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ إِنَّمَا جُعِلَ ‏ ‏الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏قَالَ الزُّهْرِيّ كَانَتْ عَادَة سُفْيَان كَثِيرًا حَذَفَ الصِّيغَة فَيَقُول فُلَان عَنْ فُلَان , لَا يَقُول حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا وَلَا عَنْ , ‏ ‏وَقَوْله \" حَفِظْته كَمَا أَنَّك هَاهُنَا \" ‏ ‏هُوَ قَوْل سُفْيَان وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَصْرِيح بِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيّ , لَكِنْ قَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ الْحَدِيث الْمَذْكُور مِنْ طُرُق عَنْ سُفْيَان فَقَالُوا \" عَنْ الزُّهْرِيّ \" وَرَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ وَابْن أَبِي عُمَر فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ سُفْيَان فَقَالَا \" حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق الْحُمَيْدِيّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي عُمَر , وَقَوْله \" كَمَا أَنَّك هَاهُنَا \" أَيْ حَفِظْته حِفْظًا كَالْمَحْسُوسِ لَا شَكَّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَهْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ \" سَمِعْت سَهْل بْن سَعْد \" وَيَأْتِي فِي الدِّيَات مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّ سَهْلًا أَخْبَرَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض هَذَا فِي كِتَاب اللِّبَاس وَوَعَدْت بِشَرْحِهِ فِي الدِّيَات , ‏ ‏وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" مِنْ جُحْر فِي حُجَرٍ \" ‏ ‏الْأَوَّل بِضَمِّ الْجِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَهُوَ كُلّ ثَقْب مُسْتَدِير فِي أَرْض أَوْ حَائِط , وَأَصْلهَا مَكَامِن الْوَحْش , وَالثَّانِي بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْجِيم جَمْع حُجْرَة وَهِيَ نَاحِيَة الْبَيْت , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" حُجْرَة \" بِالْإِفْرَادِ. ‏ ‏وَقَوْله \" مِدْرًى يَحُكّ بِهِ \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِهَا \" وَالْمِدْرَى تُذَكَّر وَتُؤَنَّث. ‏ ‏وَقَوْله \" لَوْ أَعْلَم أَنَّك تَنْتَظِر \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِوَزْنِ تَفْتَعِل , وَلِلْكُشمِيهَنِيّ \" تَنْظُر \". و ‏ ‏قَوْله \" مِنْ أَجْل الْبَصَر \" ‏ ‏وَقَعَ فِيهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِسَبَبٍ آخَر مِنْ حَدِيث سَعْد , كَذَا عِنْدَه مُبْهَم , وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ سَعْد بْن عُبَادَةَ \" جَاءَ رَجُل فَقَامَ عَلَى بَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِن مُسْتَقْبِل الْبَاب , فَقَالَ لَهُ : هَكَذَا عَنْك , فَإِنَّمَا الِاسْتِئْذَان مِنْ أَجْل النَّظَر \" وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ قَوِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَانَ النَّاس لَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ سُتُور فَأَمَرَهُمْ اللَّه بِالِاسْتِئْذَانِ , ثُمَّ جَاءَ اللَّه بِالْخَيْرِ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَعْمَل بِذَلِكَ \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : أَظُنّهُمْ اِكْتَفَوْا بِقَرْعِ الْبَاب. وَلَهُ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُسْر \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى بَاب قَوْم لَمْ يَسْتَقْبِل الْبَاب مِنْ تِلْقَاء وَجْهه وَلَكِنْ مِنْ رُكْنه الْأَيْمَن أَوْ الْأَيْسَر , وَذَلِكَ أَنَّ الدُّور لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا سُتُور \" ‏"
    },
    {
        "id": "5773",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمِشْقَصٍ ‏ ‏أَوْ بِمَشَاقِصَ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخْتِلُ الرَّجُلَ لِيَطْعُنَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله فِي حَدِيث أَنَس \" بِمِشْقَصٍ أَوْ مَشَاقِص \" ‏ ‏بِشِينٍ مُعْجَمَة وَقَاف وَصَاد مُهْمَلَة وَهُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي هَلْ قَالَهُ شَيْخه بِالْإِفْرَادِ أَوْ بِالْجَمْعِ , وَالْمِشْقَص بِكَسْرِ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه وَفَتْح ثَالِثه : نَصْل السَّهْم إِذَا كَانَ طَوِيلًا غَيْر عَرِيض. و ‏ ‏قَوْله \" يَخْتِل \" ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَكَسْر الْمُثَنَّاة أَيْ يَطْعَنهُ وَهُوَ غَافِل , وَسَيَأْتِي حُكْم مَنْ أُصِيبَتْ عَيْنه أَوْ غَيْرهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي كِتَاب الدِّيَات وَهُوَ مَخْصُوص بِمَنْ تَعَمَّدَ النَّظَر , وَأَمَّا مَنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ عَنْ غَيْر قَصْد فَلَا حَرَج عَلَيْهِ , فَفِي صَحِيح مُسْلِم \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ نَظْرَة الْفَجْأَة فَقَالَ : اِصْرِفْ بَصَرك \" وَقَالَ لِعَلِيٍّ \" لَا تُتْبِع النَّظْرَة النَّظْرَة , فَإِنَّ لَك الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَك الثَّانِيَة \" وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" مِنْ أَجْل الْبَصَر \" عَلَى مَشْرُوعِيَّة الْقِيَاس وَالْعِلَل , فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيم وَالتَّحْلِيل يَتَعَلَّق بِأَشْيَاء مَتَى وُجِدَتْ فِي شَيْء وَجَبَ الْحُكْم عَلَيْهِ , فَمَنْ أَوْجَبَ الِاسْتِئْذَان بِهَذَا الْحَدِيث وَأَعْرَضَ عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ شُرِعَ لَمْ يَعْمَل بِمُقْتَضَى الْحَدِيث , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَرْء لَا يَحْتَاج فِي دُخُول مَنْزِله إِلَى الِاسْتِئْذَان لِفَقْدِ الْعِلَّة الَّتِي شُرِعَ لِأَجْلِهَا الِاسْتِئْذَان , نَعَمْ لَوْ اِحْتَمَلَ أَنْ يَتَجَدَّد فِيهِ مَا يَحْتَاج مَعَهُ إِلَيْهِ شُرِعَ لَهُ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ يُشْرَع الِاسْتِئْذَان عَلَى كُلّ أَحَد حَتَّى الْمَحَارِم لِئَلَّا تَكُون مُنْكَشِفَة الْعَوْرَة , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" عَنْ نَافِع \" كَانَ اِبْن عُمَر إِذَا بَلَغَ بَعْض وَلَده الْحُلُم لَمْ يَدْخُل عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنٍ \" وَمِنْ طَرِيق عَلْقَمَة \" جَاءَ رَجُل إِلَى اِبْن مَسْعُود فَقَالَ : أَسْتَأْذِن عَلَى أُمِّي ؟ فَقَالَ : مَا عَلَى كُلّ أَحْيَانهَا تُرِيد أَنْ تَرَاهَا \" وَمِنْ طَرِيق مُسْلِم بْن نُذَيْر بِالنُّونِ مُصَغَّر \" سَأَلَ رَجُل حُذَيْفَة : أَسْتَأْذِن عَلَى أُمِّي ؟ قَالَ : إِنْ لَمْ تَسْتَأْذِن عَلَيْهَا رَأَيْت مَا تَكْرَه \" وَمِنْ طَرِيق مُوسَى بْن طَلْحَة \" دَخَلْت مَعَ أَبِي عَلَى أُمِّي فَدَخَلَ وَاتَّبَعْته فَدَفَعَ فِي صَدْرِي وَقَالَ : تَدْخُل بِغَيْرِ إِذْن \" ؟ وَمِنْ طَرِيق عَطَاء \" سَأَلْت اِبْن عَبَّاس : أَسْتَأْذِن عَلَى أُخْتِي ؟ قَالَ : نَعَمْ. قُلْت : إِنَّهَا فِي حِجْرِي , قَالَ : أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَة \" ؟ وَأَسَانِيد هَذِهِ الْآثَار كُلّهَا صَحِيحَة. وَذَكَرَ الْأُصُولِيُّونَ هَذَا الْحَدِيث مِثَالًا لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الْعِلَّة الَّتِي هِيَ أَحَد أَرْكَان الْقِيَاس. ‏"
    },
    {
        "id": "5774",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن طَاوُسٍ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه , وَفِي مُسْنَد الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن طَاوُسٍ \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله ( لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏هَكَذَا اِقْتَصَرَ الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا الْقَدْر مِنْ طَرِيق سُفْيَان ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَة مَعْمَر عَنْ اِبْن طَاوُسٍ فَسَاقَهُ مَرْفُوعًا بِتَمَامِهِ , وَكَذَا صَنَعَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَة مَعْمَر , وَهَذَا يُوهِم أَنَّ سِيَاقهمَا سَوَاء , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ رِوَايَة بِشْر بْن مُوسَى عَنْ الْحُمَيْدِيّ وَلَفْظه \" سُئِلَ اِبْن عَبَّاس عَنْ اللَّمَم فَقَالَ : لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة : كُتِبَ عَلَى اِبْن آدَم حَظّه مِنْ الزِّنَا \" وَسَاقَ الْحَدِيث مَوْقُوفًا , فَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ رِوَايَة سُفْيَان مَوْقُوفَة وَرِوَايَة مَعْمَر مَرْفُوعَة , وَمَحْمُود شَيْخه فِيهِ هُوَ اِبْن غَيْلَان , وَقَدْ أَفْرَدَهُ عَنْهُ فِي كِتَاب الْقَدَر وَعَلَّقَهُ فِيهِ لِوَرْقَاء عَنْ اِبْن طَاوُسٍ فَلَمْ يَذْكُر فِيهِ اِبْن عَبَّاس بَيْن طَاوُسٍ وَأَبِي هُرَيْرَة , فَكَأَنَّ طَاوُسًا سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة بَعْد ذِكْر اِبْن عَبَّاس لَهُ ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْقَدَر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ اِبْن بَطَّال : سُمِّيَ النَّظَر وَالنُّطْق زِنًا لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الزِّنَا الْحَقِيقِيّ , وَلِذَلِكَ قَالَ \" وَالْفَرْج يُصَدِّق ذَلِكَ وَيُكَذِّبهُ \" قَالَ اِبْن بَطَّال : اِسْتَدَلَّ أَشْهَب بِقَوْلِهِ \" وَالْفَرْج يُصَدِّق ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبهُ \" عَلَى أَنَّ الْقَاذِف إِذَا قَالَ زَنَتْ يَدك لَا يُحَدّ , وَخَالَفَهُ اِبْن الْقَاسِم فَقَالَ يُحَدّ , وَهُوَ قَوْل لِلشَّافِعِيِّ وَخَالَفَهُ بَعْض أَصْحَابه , وَاحْتَجَّ لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ الْأَفْعَال تُضَاف لِلْأَيْدِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فبمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) وَقَوْله ( بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاك ) وَلَيْسَ الْمُرَاد فِي الْآيَتَيْنِ جِنَايَة الْأَيْدِي فَقَطْ بَلْ جَمِيع الْجِنَايَات اِتِّفَاقًا فَكَأَنَّهُ إِذَا قَالَ زَنَتْ يَدك وَصَفَ ذَاته بِالزِّنَا لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَتَبَعَّض ا ه. وَفِي التَّعْلِيل الْأَخِير نَظَر , وَالْمَشْهُور عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5775",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَنْصُور ‏ ‏وَعَبْد الصَّمَد ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْوَارِث ‏ ‏وَعَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد اللَّه اِبْن أَنَس تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ فِي \" بَاب مَنْ أَعَادَ الْحَدِيث ثَلَاثًا \" فِي كِتَاب الْعِلْم , وَقَدَّمَ هُنَا السَّلَام عَلَى الْكَلَام وَهُنَاكَ بِالْعَكْسِ , وَتَقَدَّمَ شَرْحه , وَقَوْل الْإِسْمَاعِيلِيّ : إِنَّ السَّلَام إِنَّمَا يُشْرَع تَكْرَاره إِذَا اِقْتَرَنَ بِالِاسْتِئْذَانِ , وَالتَّعَقُّب عَلَيْهِ , وَأَنَّ السَّلَام وَحْده قَدْ يُشْرَع تَكْرَاره إِذَا كَانَ الْجَمْع كَثِيرًا وَلَمْ يَسْمَع بَعْضهمْ وَقَصَدَ الِاسْتِيعَاب , وَبِهَذَا جَزَمَ النَّوَوِيّ فِي مَعْنَى حَدِيث أَنَس , وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ وَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَع فَتُسَنّ الْإِعَادَة فَيُعِيد مَرَّة ثَانِيَة وَثَالِثَة وَلَا يَزِيد عَلَى الثَّالِثَة. ‏ ‏وَقَالَ اِبْن بَطَّال : هَذِهِ الصِّيغَة تَقْتَضِي الْعُمُوم وَلَكِنَّ الْمُرَاد الْخُصُوص وَهُوَ غَالِب أَحْوَاله , كَذَا قَالَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَام الْكَرْمَانِيّ مِثْله وَفِيهِ نَظَر , وَ \" كَانَ \" بِمُجَرَّدِهَا لَا تَقْتَضِي مُدَاوَمَة وَلَا تَكْثِيرًا , لَكِنْ ذِكْر الْفِعْل الْمُضَارِع بَعْدهَا يُشْعِر بِالتَّكْرَارِ. وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ سَلَّمَ ثَلَاثًا فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَع , فَعَنْ مَالِك لَهُ أَنْ يَزِيد حَتَّى يَتَحَقَّق , وَذَهَبَ الْجُمْهُور وَبَعْض الْمَالِكِيَّة إِلَى أَنَّهُ لَا يَزِيد اِتِّبَاعًا لِظَاهِرِ الْخَبَر , وَقَالَ الْمَازِرِيّ : اِخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَع هَلْ يَزِيد عَلَى الثَّلَاث ؟ فَقِيلَ : لَا , وَقِيلَ : نَعَمْ. وَقِيلَ : إِذَا كَانَ الِاسْتِئْذَان بِلَفْظِ السَّلَام لَمْ يَزِدْ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ لَفْظ السَّلَام زَادَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5776",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏إِذْ جَاءَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ فَقَالَ اسْتَأْذَنْتُ عَلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ قُلْتُ اسْتَأْذَنْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ فَقَالَ وَاللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ فَكُنْتُ أَصْغَرَ الْقَوْمِ فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخْبَرْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ذَلِكَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يَزِيد بْن خُصَيْفَة ) ‏ ‏بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَصَاد مُهْمَلَة وَفَاء مُصَغَّر , وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ عَنْ عَمْرو النَّاقِد \" حَدَّثَنَا سُفْيَان حَدَّثَنِي وَاَللَّه يَزِيد بْن خُصَيْفَة \" وَشَيْخه بُسْر بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة , وَقَدْ صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ مِنْ أَبِي سَعِيد فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة الْمُعَلَّقَة. ‏ ‏قَوْله ( كُنْت فِي مَجْلِس مِنْ مَجَالِس الْأَنْصَار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ عَمْرو النَّاقِد عَنْ سُفْيَان بِسَنَدِهِ هَذَا إِلَى أَبِي سَعِيد قَالَ \" كُنْت جَالِسًا بِالْمَدِينَةِ \" وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" إِنِّي لَفِي حَلْقَة فِيهَا أُبَيّ بْن كَعْب \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله ( إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُور ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَمْرو النَّاقِد \" فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزِعًا أَوْ مَذْعُورًا \" وَزَادَ \" قُلْنَا مَا شَأْنك ؟ فَقَالَ : إِنَّ عُمَر أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيه فَأَتَيْت بَابه \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ اِسْتَأْذَنْت عَلَى عُمَر ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَن لِي فَرَجَعْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَسَلَّمْت عَلَى بَابه ثَلَاثًا فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيَّ فَرَجَعْت \" وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع مِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن عُمَيْر \" أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ اِسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَر بْن الْخَطَّاب فَلَمْ يُؤْذَن لَهُ وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا , فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى , فَفَزِعَ عُمَر فَقَالَ : أَلَمْ أَسْمَع صَوْت عَبْد اللَّه بْن قَيْس ؟ اِئْذَنُوا لَهُ. قِيلَ إِنَّهُ رَجَعَ \" وَفِي رِوَايَة بُكَيْر بْن الْأَشَجّ عَنْ بُسْر عِنْد مُسْلِم \" اِسْتَأْذَنْت عَلَى عُمَر أَمْس ثَلَاث مَرَّات فَلَمْ يُؤْذَن لِي فَرَجَعْت , ثُمَّ جِئْت الْيَوْم فَدَخَلْت عَلَيْهِ فَأَخْبَرْته أَنِّي جِئْت أَمْس فَسَلَّمْت ثَلَاثًا ثُمَّ اِنْصَرَفْت , قَالَ قَدْ سَمِعْنَاك وَنَحْنُ حِينَئِذٍ عَلَى شُغْل , فَلَوْ مَا اِسْتَأْذَنْت حَتَّى يُؤْذَن لَك ؟ قَالَ اِسْتَأْذَنْت كَمَا سَمِعْت \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد \" أَنَّ أَبَا مُوسَى أَتَى بَاب عُمَر فَاسْتَأْذَنَ , فَقَالَ عُمَر وَاحِدَة ثُمَّ اِسْتَأْذَنَ فَقَالَ عُمَر ثِنْتَانِ ثُمَّ اِسْتَأْذَنَ فَقَالَ عُمَر ثَلَاث ثُمَّ اِنْصَرَفَ فَاتَّبَعَهُ فَرَدَّهُ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق طَلْحَة بْن يَحْيَى عَنْ أَبِي بُرْدَة \" جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَر فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ هَذَا عَبْد اللَّه بْن قَيْس. فَلَمْ يَأْذَن لَهُ , فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ هَذَا أَبُو مُوسَى , السَّلَام عَلَيْكُمْ هَذَا الْأَشْعَرِيّ , ثُمَّ اِنْصَرَفَ. فَقَالَ : رُدُّوهُ عَلَيَّ \" وَظَاهِر هَذَيْنِ السِّيَاقَيْنِ التَّغَايُر , فَإِنَّ الْأَوَّل يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَرْجِع إِلَى عُمَر إِلَّا فِي الْيَوْم الثَّانِي , وَفِي الثَّانِي أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي الْحَال. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة لِمَالِك فِي الْمُوَطَّأ \" فَأَرْسَلَ فِي أَثَره \" وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ عُمَر لَمَّا فَرَغَ مِنْ الشُّغْل الَّذِي كَانَ فِيهِ تَذَكَّرَهُ فَسَأَلَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ بِرُجُوعِهِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَجِدهُ الرَّسُول فِي ذَلِكَ الْوَقْت وَجَاءَ هُوَ إِلَى عُمَر فِي الْيَوْم الثَّانِي. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ : مَا مَنَعَك ؟ قُلْت : اِسْتَأْذَنْت ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَن لِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْنٍ عَنْ أَبِي مُوسَى عِنْد الْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرَد \" فَقَالَ : يَا عَبْد اللَّه اِشْتَدَّ عَلَيْك أَنْ تَحْتَبِس عَلَى بَابِي ؟ اعْلَم أَنَّ النَّاس كَذَلِكَ يَشْتَدّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْتَبِسُوا عَلَى بَابك , فَقُلْت بَلْ اِسْتَأْذَنْت إِلَخْ \" وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَة دَلَالَة عَلَى أَنَّ عُمَر أَرَادَ تَأْدِيبه لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُ قَدْ يَحْتَبِس عَلَى النَّاس فِي حَال إِمْرَته , وَقَدْ كَانَ عُمَر اِسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْكُوفَة , مَعَ مَا كَانَ عُمَر فِيهِ مِنْ الشُّغْل. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا اِسْتَأْذَنَ أَحَدكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَن لَهُ فَلْيَرْجِعْ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن عُمَيْر \" كُنَّا نُؤْمَر بِذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْنٍ عَنْ أَبِي مُوسَى \" فَقَالَ عُمَر مِمَّنْ سَمِعْت هَذَا ؟ قُلْت سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي نَضْرَة \" إِنَّ هَذَا شَيْء حَفِظْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ وَاَللَّه لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بَيِّنَة ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" وَإِلَّا أَوْجَعْتُك \" , وَفِي رِوَايَة بُكَيْر بْن الْأَشَجّ \" فَوَاَللَّهِ لَأُوجِعَنَّ ظَهْرك وَبَطْنك أَوْ لَتَأْتِيَنِّي بِمَنْ يَشْهَد لَك عَلَى هَذَا \" وَفِي رِوَايَة عُبَيْد بْن عُمَيْر لَتَأْتِيَنِّي عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي نَضْرَة \" وَإِلَّا جَعَلْتُك عِظَة \". ‏ ‏قَوْله ( أَمِنْكُمْ أَحَد سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن عُمَيْر \" فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِس الْأَنْصَار فَسَأَلَهُمْ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي نَضْرَة فَقَالَ \" أَلَم تَعْلَمُوا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الِاسْتِئْذَان ثَلَاث ؟ قَالَ فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ , فَقُلْت أَتَاكُمْ أَخُوكُمْ وَقَدْ أُفْزِعَ فَتَضْحَكُونَ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أُبَيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن كَعْب وَهُوَ فِي رِوَايَة مُسْلِم كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( لَا يَقُوم مَعِي إِلَّا أَصْغَر الْقَوْم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة بُكَيْر بْن الْأَشَجّ \" فَوَاَللَّهِ لَا يَقُوم مَعَك إِلَّا أَحْدَثنَا سِنًّا , قُمْ يَا أَبَا سَعِيد \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَخْبَرْت عُمَر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقُمْت مَعَهُ فَذَهَبْت إِلَى عُمَر فَشَهِدْت \" وَفِي رِوَايَة أَبِي نَضْرَة \" فَقَالَ أَبُو سَعِيد : اِنْطَلِقْ , وَأَنَا شَرِيكك فِي هَذِهِ الْعُقُوبَة \" وَفِي رِوَايَة بُكَيْر اِبْن الْأَشَجّ \" فَقُمْت حَتَّى أَتَيْت عُمَر فَقُلْت : قَدْ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول هَذَا \" وَاتَّفَقَ الرُّوَاة عَلَى أَنَّ الَّذِي شَهِدَ لِأَبِي مُوسَى عِنْد عُمَر أَبُو سَعِيد , إِلَّا مَا عِنْد الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ طَرِيق عُبَيْد اِبْن حُنَيْنٍ فَإِنَّ فِيهِ \" فَقَامَ مَعِي أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيُّ أَوْ أَبُو مَسْعُود إِلَى عُمَر \" هَكَذَا بِالشَّكِّ , وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق طَلْحَة بْن يَحْيَى عَنْ أَبِي بُرْدَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَقَالَ عُمَر إِنْ وَجَدَ بَيِّنَة تَجِدُوهُ عِنْد الْمِنْبَر عَشِيَّة , وَإِنْ لَمْ يَجِد بَيِّنَة فَلَنْ تَجِدُوهُ , فَلَمَّا أَنْ جَاءَ بِالْعَشِيِّ وَجَدَهُ قَالَ : يَا أَبَا مُوسَى مَا تَقُول , أَقَدْ وَجَدْت ؟ قَالَ : نَعَمْ أُبَيّ بْن كَعْب , قَالَ : عَدْل. قَالَ : يَا أَبَا الطُّفَيْل - وَفِي لَفْظ لَهُ يَا أَبَا الْمُنْذِر - مَا يَقُول هَذَا ؟ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول ذَلِكَ يَا اِبْن الْخَطَّاب , فَلَا تَكُون عَذَابًا عَلَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : سُبْحَان اللَّه , أَنَا سَمِعْت شَيْئًا فَأَحْبَبْت أَنْ أَثْبُت \" هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيق , وَطَلْحَة بْن يَحْيَى فِيهِ ضَعْف , وَرِوَايَة الْأَكْثَر أَوْلَى أَنْ تَكُون مَحْفُوظَة , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ أُبَيّ بْن كَعْب جَاءَ بَعْد أَنْ شَهِدَ أَبُو سَعِيد. وَفِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْنٍ الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" زِيَادَة مُفِيدَة وَهِيَ أَنَّ أَبَا سَعِيد أَوْ أَبَا مَسْعُود قَالَ لِعُمَر \" خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا وَهُوَ يُرِيد سَعْد بْن عُبَادَةَ حَتَّى أَتَاهُ فَسَلَّمَ فَلَمْ يُؤْذَن لَهُ ثُمَّ سَلَّمَ الثَّانِيَة فَلَمْ يُؤْذَن لَهُ ثُمَّ سَلَّمَ الثَّالِثَة فَلَمْ يُؤْذَن لَهُ فَقَالَ : قَضَيْنَا مَا عَلَيْنَا ثُمَّ رَجَعَ , فَأَذِنَ لَهُ سَعْد \" الْحَدِيث , فَثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ فِعْله. وَقِصَّة سَعْد بْن عُبَادَةَ هَذِهِ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث قَيْس بْن سَعْد اِبْن عُبَادَةَ مُطَوَّلَة بِمَعْنَاهُ , وَأَحْمَد مِنْ طَرِيق ثَابِت عَنْ أَنَس أَوْ غَيْره كَذَا فِيهِ , وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّار عَنْ أَنَس بِغَيْرِ تَرَدُّد , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أُمّ طَارِق مَوْلَاة سَعْد , وَاتَّفَقَ الرُّوَاة عَلَى أَنَّ أَبَا سَعِيد حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَحَكَى قِصَّة أَبِي مُوسَى عَنْهُ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ الثِّقَة عَنْ بُكَيْر بْن الْأَشَجّ عَنْ بُسْر عَنْ أَبِي سَعِيد عَنْ أَبِي مُوسَى بِالْحَدِيثِ مُخْتَصَرًا دُون الْقِصَّة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ بُكَيْرٍ بِطُولِهِ وَصَرَّحَ فِي رِوَايَته بِسَمَاعِ أَبِي سَعِيد لَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أُخْرَى عِنْده \" فَقَالَ أَبُو مُوسَى إِنْ كَانَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْكُمْ أَحَد فَلْيَقُمْ مَعِي , فَقَالُوا لِأَبِي سَعِيد قُمْ مَعَهُ \" وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : رَوَى أَبُو سَعِيد حَدِيث الِاسْتِئْذَان عَنْ أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَشْهَد لَهُ عِنْد عُمَر فَأَدَّى إِلَى عُمَر مَا قَالَ أَهْل الْمَجْلِس , وَكَأَنَّهُ نَسِيَ أَسْمَاءَهُمْ بَعْد ذَلِكَ فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى وَحْده لِكَوْنِهِ صَاحِب الْقِصَّة. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّهُ مُخَالِف لِمَا فِي رِوَايَة الصَّحِيح لِأَنَّهُ قَالَ \" فَأَخْبَرْت عُمَر بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ \". قُلْت : وَلَيْسَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رَدّ مَا قَالَ الدَّاوُدِيّ. وَإِنَّمَا الْمُعْتَمَد فِي التَّصْرِيح بِذَلِكَ رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث وَهِيَ مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مَالِك , وَالتَّحْقِيق أَنَّ أَبَا سَعِيد حَكَى قِصَّة أَبِي مُوسَى عَنْهُ بَعْد وُقُوعهَا بِدَهْرٍ طَوِيل ; لِأَنَّ الَّذِينَ رَوَوْهَا عَنْهُ لَمْ يُدْرِكُوهَا , وَمِنْ جُمْلَة قِصَّة أَبِي مُوسَى الْحَدِيث الْمَذْكُور , فَكَأَنَّ الرَّاوِي لَمَّا اِخْتَصَرَهَا وَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَرْفُوع خَرَّجَ مِنْهَا أَنَّ أَبَا سَعِيد ذَكَرَ الْحَدِيث الْمَذْكُور عَنْ أَبِي مُوسَى وَغَفَلَ عَمَّا فِي آخِرهَا مِنْ رِوَايَة أَبِي سَعِيد الْمَرْفُوع عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَهَذَا مِنْ آفَات الِاخْتِصَار , فَيَنْبَغِي لِمَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى بَعْض الْحَدِيث أَنْ يَتَفَقَّد مِثْل هَذَا وَإِلَّا وَقَعَ فِي الْخَطَأ وَهُوَ كَحَذْفِ مَا لِلْمَتْنِ بِهِ تَعَلُّق , وَتَخْتَلِف الدَّلَالَة بِحَذْفِهِ وَقَدْ اِشْتَدَّ إِنْكَار اِبْن عَبْد الْبَرّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث إِنَّمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيد عَنْ أَبِي مُوسَى وَقَالَ إِنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأ لَهُمَا هُوَ مِنْ النَّقَلَة لِاخْتِلَاطِ الْحَدِيث عَلَيْهِمْ. وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : لَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ أَبَا سَعِيد رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي مُوسَى , وَإِنَّمَا الْمُرَاد عَنْ أَبِي سَعِيد عَنْ قِصَّة أَبِي مُوسَى وَاَللَّه أَعْلَم. وَمِمَّنْ وَافَقَ أَبَا مُوسَى عَلَى رِوَايَة الْحَدِيث الْمَرْفُوع جُنْدُبُ بْن عَبْد اللَّه أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ \" إِذَا اِسْتَأْذَنَ أَحَدكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَن لَهُ فَلْيَرْجِعْ \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اِبْن الْمُبَارَك ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه , وَابْن عُيَيْنَةَ هُوَ سُفْيَان الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الْأَوَّل , وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان سَمَاع بُسْر لَهُ مِنْ أَبِي سَعِيد , وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا حِبَّان اِبْن مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك , وَكَذَا وَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ عِنْد مُسْلِم عَنْ عَمْرو النَّاقِد , وَأَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان. حَدَّثَنَا يَزِيد بْن خُصَيْفَة سَمِعْت بُسْر بْن سَعِيد يَقُول حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيد \" وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ اِبْن الْعَرَبِيّ إِنْكَار عُمَر عَلَى أَبِي مُوسَى حَدِيثه الْمَذْكُور مَعَ كَوْنه وَقَعَ لَهُ مِثْل ذَلِكَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَلِكَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الطَّوِيل فِي هَجْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ فِي الْمَشْرُبَة , فَإِنَّ فِيهِ أَنَّ عُمَر اِسْتَأْذَنَ مَرَّة بَعْد مَرَّة فَلَمَّا لَمْ يُؤْذَن لَهُ فِي الثَّالِثَة رَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْإِذْن وَذَلِكَ بَيِّن فِي سِيَاق الْبُخَارِيّ , قَالَ : وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِعِلْمِهِ , أَوْ لَعَلَّهُ نَسِيَ مَا كَانَ وَقَعَ لَهُ. وَيُؤَيِّدهُ قَوْله \" شَغَلَنِي الصَّفْق بِالْأَسْوَاقِ \". قُلْت : وَالصُّورَة الَّتِي وَقَعَتْ لِعُمَر لَيْسَتْ مُطَابِقَة لِمَا رَوَاهُ أَبُو مُوسَى , بَلْ اِسْتَأْذَنَ فِي كُلّ مَرَّة فَلَمْ يُؤْذَن لَهُ فَرَجَعَ فَلَمَّا رَجَعَ فِي الثَّالِثَة اسْتُدْعِيَ فَأُذِنَ لَهُ , وَلَفْظ الْبُخَارِيّ الَّذِي أَحَالَ عَلَيْهِ ظَاهِر فِيمَا قُلْته , وَقَدْ اِسْتَوْفَيْت طُرُقه عِنْد شَرْح الْحَدِيث فِي أَوَاخِر النِّكَاح , وَلَيْسَ فِيهِ مَا اِدَّعَاهُ. وَتَعَلَّقَ بِقِصَّةِ عُمَر مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْبَل خَبَر الْوَاحِد , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ قَبِلَ خَبَر أَبِي سَعِيد الْمُطَابِق لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَلَا يَخْرُج بِذَلِكَ عَنْ كَوْنه خَبَر وَاحِد , وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ اِدَّعَى أَنَّ خَبَر الْعَدْل بِمُفْرَدِهِ لَا يُقْبَل حَتَّى يَنْضَمّ إِلَيْهِ غَيْره كَمَا فِي الشَّهَادَة , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَهُوَ خَطَأ مِنْ قَائِله وَجَهْل بِمَذْهَبِ عُمَر , فَقَدْ جَاءَ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّ عُمَر قَالَ لِأَبِي مُوسَى \" أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمك وَلَكِنِّي أَرَدْت أَنْ لَا يَتَجَرَّأ النَّاس عَلَى الْحَدِيث عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قُلْت : وَهَذِهِ الزِّيَادَة فِي الْمُوَطَّأ عَنْ رَبِيعَة عَنْ غَيْر وَاحِد مِنْ عُلَمَائِهِمْ أَنَّ أَبَا مُوسَى... فَذَكَرَ الْقِصَّة وَفِي آخِره \" فَقَالَ عُمَر لِأَبِي مُوسَى : أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمك , وَلَكِنِّي خَشِيت أَنْ يَتَقَوَّل النَّاس عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْنٍ الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا آنِفًا \" فَقَالَ عُمَر لِأَبِي مُوسَى وَاَللَّه إِنْ كُنْت لَأَمِينًا عَلَى حَدِيث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَكِنْ أَحْبَبْت أَنْ أَسْتَثْبِت \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة أَبِي بُرْدَة حِين قَالَ أُبَيّ بْن كَعْب لِعُمَر \" لَا تَكُنْ عَذَابًا عَلَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : سُبْحَان اللَّه , إِنَّمَا سَمِعْت شَيْئًا فَأَحْبَبْت أَنْ أَتَثَبَّت \" قَالَ اِبْن بَطَّال : فَيُؤْخَذ مِنْهُ التَّثَبُّت فِي خَبَر الْوَاحِد لِمَا يَجُوز عَلَيْهِ مِنْ السَّهْو وَغَيْره , وَقَدْ قَبِلَ عُمَر خَبَر الْعَدْل الْوَاحِد بِمُفْرَدِهِ فِي تَوْرِيث الْمَرْأَة مِنْ دِيَة زَوْجهَا وَأَخْذ الْجِزْيَة مِنْ الْمَجُوس إِلَى غَيْر ذَلِكَ , لَكِنَّهُ كَانَ يَسْتَثْبِت إِذَا وَقَعَ لَهُ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون حَضَرَ عِنْده مَنْ قَرُبَ عَهْده بِالْإِسْلَامِ فَخَشِيَ أَنَّ أَحَدهمْ يَخْتَلِق الْحَدِيث عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد الرَّغْبَة وَالرَّهْبَة طَلَبًا لِلْمَخْرَجِ مِمَّا يَدْخُل فِيهِ , فَأَرَادَ أَنْ يُعَلِّمهُمْ أَنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يُنْكَر عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِي بِالْمَخْرَجِ. وَادَّعَى بَعْضهمْ أَنَّ عُمَر لَمْ يَعْرِف أَبَا مُوسَى , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَهُوَ قَوْل خَرَجَ بِغَيْرِ رُؤْيَة مِنْ قَائِله وَلَا تَدَبُّر , فَإِنَّ مَنْزِلَة أَبِي مُوسَى عِنْد عُمَر مَشْهُورَة. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : اُخْتُلِفَ فِي طَلَب عُمَر مِنْ أَبِي مُوسَى الْبَيِّنَة عَلَى عَشَرَة أَقْوَال فَذَكَرَهَا , وَغَالِبهَا مُتَدَاخِل , وَلَا تَزِيد عَلَى مَا قَدَّمْته. وَاسْتُدِلَّ بِالْخَبَرِ الْمَرْفُوع عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوز الزِّيَادَة فِي الِاسْتِئْذَان عَلَى الثَّلَاث , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : فَذَهَبَ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم إِلَى ذَلِكَ وَقَالَ بَعْضهمْ : إِذَا لَمْ يُسْمَع فَلَا بَأْس أَنْ يَزِيد. وَرَوَى سَحْنُون عَنْ اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك : لَا أُحِبّ أَنْ يَزِيد عَلَى الثَّلَاث إِلَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَع. قُلْت : وَهَذَا هُوَ الْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَقِيلَ تَجُوز الزِّيَادَة مُطْلَقًا بِنَاء عَلَى أَنَّ الْأَمْر بِالرُّجُوعِ بَعْد الثَّلَاث لِلْإِبَاحَةِ وَالتَّخْفِيف عَنْ الْمُسْتَأْذِن , فَمَنْ اِسْتَأْذَنَ أَكْثَر فَلَا حَرَج عَلَيْهِ قَالَ : الِاسْتِئْذَان أَنْ يَقُول السَّلَام عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ ؟ كَذَا قَالَ , وَلَا يَتَعَيَّن هَذَا اللَّفْظ. وَحَكَى اِبْن الْعَرَبِيّ إِنْ كَانَ بِلَفْظِ الِاسْتِئْذَان لَا يُعِيد وَإِنْ كَانَ بِلَفْظٍ آخَر أَعَادَ , قَالَ : وَالْأَصَحّ لَا يُعِيد , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا حَكَاهُ الْمَازِرِيّ فِي ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" عَنْ أَبِي الْعَالِيَة قَالَ : أَتَيْت أَبَا سَعِيد فَسَلَّمْت فَلَمْ يُؤْذَن لِي ثُمَّ سَلَّمْت فَلَمْ يُؤْذَن لِي فَتَنَحَّيْت نَاحِيَة فَخَرَجَ عَلَيَّ غُلَام فَقَالَ : اُدْخُلْ , فَدَخَلْت فَقَالَ لِي أَبُو سَعِيد : أَمَا إِنَّك لَوْ زِدْت - يَعْنِي عَلَى الثَّلَاث - لَمْ يُؤْذَن لَك. وَاخْتُلِفَ فِي حِكْمَة الثَّلَاث فَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ قَوْل عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب : الْأُولَى إِعْلَام , وَالثَّانِيَة مُؤَامَرَة , وَالثَّالِثَة عَزْمَة إِمَّا أَنْ يُؤْذَن لَهُ وَإِمَّا أَنْ يُرَدّ. قُلْت : وَيُؤْخَذ مِنْ صَنِيع أَبِي مُوسَى حَيْثُ ذَكَرَ اِسْمه أَوَّلًا وَكُنْيَته ثَانِيًا وَنِسْبَته ثَالِثًا أَنَّ الْأُولَى هِيَ الْأَصْل وَالثَّانِيَة إِذَا جَوَّزَ أَنْ يَكُون اِلْتَبَسَ عَلَى مَنْ اِسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ وَالثَّالِثَة إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنّه أَنَّهُ عَرَفَهُ , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّ أَصْل الثَّلَاث فِي الِاسْتِئْذَان قَوْله تَعَالَى ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُم مِنْكُمْ ثَلَاث مَرَّات ) قَالَ : وَهَذَا غَيْر مَعْرُوف فِي تَفْسِيرهَا. وَإِنَّمَا أَطْبَقَ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْمَرَّاتِ الثَّلَاث الْأَوْقَات. قُلْت : وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق مُقَاتِل بْن حِبَّان قَالَ \" بَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار وَامْرَأَته أَسْمَاء بِنْت مَرْثَد صَنَعَا طَعَامًا , فَجَعَلَ النَّاس يَدْخُلُونَ بِغَيْرِ إِذْن , فَقَالَتْ أَسْمَاء : يَا رَسُول اللَّه مَا أَقْبَح هَذَا , إِنَّهُ لَيَدْخُل عَلَى الْمَرْأَة وَزَوْجهَا غُلَامُهُمَا وَهُمَا فِي ثَوْب وَاحِد بِغَيْرِ إِذْن , فَنَزَلَتْ \" وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَابْن أَبِي حَاتِم بِسَنَدٍ قَوِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الِاسْتِئْذَان فِي الْعَوْرَات الثَّلَاث فَقَالَ : إِنَّ اللَّه سِتِّير يُحِبّ السَّتْر , وَكَانَ النَّاس لَيْسَ لَهُمْ سُتُور عَلَى أَبْوَابهمْ فَرُبَّمَا فَاجَأَ الرَّجُل خَادِمه أَوْ وَلَده وَهُوَ عَلَى أَهْله فَأُمِرُوا أَنْ يَسْتَأْذِنُوا فِي الْعَوْرَات الثَّلَاث. ثُمَّ بَسَطَ اللَّه الرِّزْق فَاتَّخَذُوا السُّتُور وَالْحِجَال فَرَأَى النَّاس أَنَّ ذَلِكَ قَدْ كَفَاهُمْ اللَّه بِهِ مِمَّا أُمِرُوا بِهِ. وَمِنْ وَجْه آخَر صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس : لَمْ يَعْمَل بِهَا أَكْثَر النَّاس , وَإِنِّي لَآمُر جَارِيَتِي أَنْ تَسْتَأْذِن عَلَيَّ. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا أَنَّ لِصَاحِبِ الْمَنْزِل إِذَا سَمِعَ الِاسْتِئْذَان أَنْ لَا يَأْذَن سَوَاء سَلَّمَ مَرَّة أَمْ مَرَّتَيْنِ أَمْ ثَلَاثًا إِذَا كَانَ فِي شُغْل لَهُ دِينِيّ أَوْ دُنْيَوِيّ يَتَعَذَّر بِتَرْكِ الْإِذْن مَعَهُ لِلْمُسْتَأْذِنِ. وَفِيهِ أَنَّ الْعَالِم الْمُتَبَحِّر قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ الْعِلْم مَا يَعْلَمهُ مَنْ هُوَ دُونه وَلَا يَقْدَح ذَلِكَ فِي وَصْفه بِالْعِلْمِ وَالتَّبَحُّر فِيهِ. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ عَلَى عُمَر فَمَا ظَنّك بِمَنْ هُوَ دُونه. وَفِيهِ أَنَّ لِمَنْ تَحَقَّقَ بَرَاءَة الشَّخْص مِمَّا يَخْشَى مِنْهُ وَأَنَّهُ لَا يَنَالهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَكْرُوه أَنْ يُمَازِحهُ وَلَوْ كَانَ قَبْل إِعْلَامه بِمَا يَطْمَئِنّ بِهِ خَاطِره مِمَّا هُوَ فِيهِ , لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَطُول الْفَصْل لِئَلَّا يَكُون سَبَبًا فِي إِدَامَة تَأَذِّي الْمُسْلِمِينَ بِالْهَمِّ الَّذِي وَقَعَ لَهُ كَمَا وَقَعَ لِلْأَنْصَارِ مَعَ أَبِي مُوسَى , وَأَمَّا إِنْكَار أَبِي سَعِيد عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ اِخْتَارَ الْأُولَى وَهُوَ الْمُبَادَرَة إِلَى إِزَالَة مَا وَقَعَ فِيهِ قَبْل التَّشَاغُل بِالْمُمَازَحَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5777",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ ‏ ‏أَبَا هِرٍّ ‏ ‏الْحَقْ ‏ ‏أَهْلَ الصُّفَّةِ ‏ ‏فَادْعُهُمْ إِلَيَّ قَالَ فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأُذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا ‏",
        "sharh": "ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف طَرَفًا مِنْ حَدِيث مُجَاهِد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" دَخَلْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَح فَقَالَ : أَبَا هِرّ , اِلْحَقْ أَهْل الصُّفَّة فَادْعُهُمْ إِلَيَّ. قَالَ : فَأَتَيْتهمْ فَدَعَوْتهمْ فَأَقْبَلُوا , فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ , فَدَخَلُوا \" اقْتَصِر مِنْهُ عَلَى هَذَا الْقَدْر لِأَنَّهُ الَّذِي احْتَاج إِلَيْهِ هُنَا , وَسَاقَهُ فِي الرِّقَاق بِتَمَامِهِ كَمَا سَيَأْتِي , وَظَاهِره يُعَارِض الْحَدِيث الْأَوَّل وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجْزِم بِالْحُكْمِ. وَجَمَعَ الْمُهَلَّب وَغَيْره بِتَنْزِيلِ ذَلِكَ عَلَى اِخْتِلَاف حَالَيْنِ : إِنْ طَالَ الْعَهْد بَيْن الطَّلَب وَالْمَجِيء اِحْتَاجَ إِلَى اِسْتِئْنَاف الِاسْتِئْذَان , وَكَذَا إِنْ لَمْ يَطُلْ لَكِنْ كَانَ الْمُسْتَدْعِي فِي مَكَان يُحْتَاج مَعَهُ إِلَى الْإِذْن فِي الْعَادَة , وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى اِسْتِئْنَاف إِذْن. وَقَالَ اِبْن التِّين : لَعَلَّ الْأَوَّل فِيمَنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْده مَنْ يُسْتَأْذَن لِأَجْلِهِ , وَالثَّانِي بِخِلَافِهِ. قَالَ : وَالِاسْتِئْذَان عَلَى كُلّ حَال أَحْوَط. وَقَالَ غَيْره : إِنْ حَضَرَ صُحْبَة الرَّسُول أَغْنَاهُ اِسْتِئْذَان الرَّسُول \" وَيَكْفِيه سَلَام الْمُلَاقَاة , وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ الرَّسُول اِحْتَاجَ إِلَى الِاسْتِئْذَان. وَبِهَذَا جَمَعَ الطَّحَاوِيُّ , وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث الثَّانِي \" فَأَقْبَلُوا فَاسْتَئْذَنُوا \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ وَإِلَّا لَقَالَ فَأَقْبَلْنَا , كَذَا قَالَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5778",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَيَّارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَفْعَلُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَيَّار ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة هُوَ أَبُو الْحَكَم مَشْهُور بِاسْمِهِ وَكُنْيَته مَعًا فَيَجِيء غَالِبًا هَكَذَا عَنْ سَيَّار أَبِي الْحَكَم , وَهُوَ عَنَزِيّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون بَعْدهَا زَاي وَاسِطِيّ مِنْ طَبَقَة الْأَعْمَش , وَتَقَدَّمَتْ وَفَاته عَلَى وَفَاة شَيْخه ثَابِت الْبُنَانِيِّ بِسَنَةٍ وَقِيلَ أَكْثَر , وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ثَابِت إِلَّا هَذَا الْحَدِيث. وَقَالَ الْبَزَّار : لَمْ يُسْنِد سَيَّار عَنْ ثَابِت غَيْره. قُلْت : وَرِوَايَة شُعْبَة عَنْهُ مِنْ رِوَايَة الْأَقْرَان , وَقَدْ حَدَّثَ شُعْبَة عَنْ ثَابِت نَفْسه بِعِدَّةِ أَحَادِيث , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع هَذَا مِنْهُ فَأَدْخَلَ بَيْنهمَا وَاسِطَة. وَقَدْ رَوَى شُعْبَة أَيْضًا عَنْ آخَر اِسْمه سَيَّار وَهُوَ اِبْن سَلَامَة أَبُو الْمِنْهَال وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَاد هُنَا , وَلَمْ نَقِف لَهُ عَلَى رِوَايَة عَنْ ثَابِت. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ حَدِيث الْبَاب مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن سُلَيْمَان عَنْ ثَابِت بِأَتَمّ مِنْ سِيَاقه وَلَفْظه \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزُور الْأَنْصَار فَيُسَلِّم عَلَى صِبْيَانِهِمْ وَيَمْسَح عَلَى رُءُوسهمْ وَيَدْعُو لَهُمْ \" وَهُوَ مُشْعِر بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُ غَيْر مَرَّة , بِخِلَافِ سِيَاق الْبَاب حَيْثُ قَالَ \" مَرَّ عَلَى صِبْيَان فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ \" فَإِنَّهَا تَدُلّ عَلَى أَنَّهَا وَاقِعَة حَال , وَلَمْ أَقِف عَلَى أَسْمَاء الصِّبْيَان الْمَذْكُورِينَ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ ثَابِت بِلَفْظِ \" غِلْمَان \" بَدَل صِبْيَان , وَوَقَعَ لِابْنِ السُّنِّيّ وَأَبِي نُعَيْم فِي \" عَمَل يَوْم وَلَيْلَة \" مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن مَطَر عَنْ ثَابِت بِلَفْظِ \" فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُمْ يَا صِبْيَان \" وَعُثْمَان وَاهٍ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" اِنْتَهَى إِلَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا غُلَام فِي الْغِلْمَان فَسَلَّمَ عَلَيْنَا , فَأَرْسَلَنِي بِرِسَالَةٍ \" الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب حِفْظ السِّرّ \" وَلِلْبُخَارِيِّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" نَحْوه مِنْ هَذَا الْوَجْه وَلَفْظه \" وَنَحْنُ صِبْيَان فَسَلَّمَ عَلَيْنَا , وَأَرْسَلَنِي فِي حَاجَة , وَجَلَسَ فِي الطَّرِيق يَنْتَظِرنِي حَتَّى رَجَعْت \" قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي السَّلَام عَلَى الصِّبْيَان تَدْرِيبهمْ عَلَى آدَاب الشَّرِيعَة. وَفِيهِ طَرْح الْأَكَابِر رِدَاء الْكِبْر وَسُلُوك التَّوَاضُع وَلِين الْجَانِب. قَالَ أَبُو سَعِيد الْمُتَوَلِّي فِي \" التَّتِمَّة \" مَنْ سَلَّمَ عَلَى صَبِيّ لَمْ يَجِب عَلَيْهِ الرَّدّ لِأَنَّ الصَّبِيّ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْفَرْض , وَيَنْبَغِي لِوَلِيِّهِ أَنْ يَأْمُرهُ بِالرَّدِّ لِيَتَمَرَّن عَلَى ذَلِكَ , وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمْع فِيهِمْ صَبِيّ فَرَدَّ الصَّبِيّ دُونهمْ لَمْ يَسْقُط عَنْهُمْ الْفَرْض , وَكَذَا قَالَ شَيْخه الْقَاضِي حُسَيْن , وَرَدَّهُ الْمُسْتَظْهِرِيّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْأَصَحّ لَا يُجْزِئ , وَلَوْ اِبْتَدَأَ الصَّبِيّ بِالسَّلَامِ وَجَبَ عَلَى الْبَالِغ الرَّدّ عَلَى الصَّحِيح. قُلْت : وَيُسْتَثْنَى مِنْ السَّلَام عَلَى الصَّبِيّ مَا لَوْ كَانَ وَضِيئًا وَخُشِيَ مِنْ السَّلَام عَلَيْهِ الِافْتِتَان فَلَا يُشْرَع وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مُرَاهِقًا مُنْفَرِدًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5779",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قُلْتُ وَلِمَ قَالَ كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تُرْسِلُ إِلَى ‏ ‏بُضَاعَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏نَخْلٍ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَتَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ فَتَطْرَحُهُ فِي قِدْرٍ وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا وَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَدِّمُهُ إِلَيْنَا فَنَفْرَحُ مِنْ أَجْلِهِ وَمَا كُنَّا ‏ ‏نَقِيلُ ‏ ‏وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( اِبْن أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الْعَزِيز , وَاسْم أَبِي حَازِم سَلَمَة بْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا نَفْرَح يَوْم الْجُمُعَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِيَوْم بِزِيَادَة مُوَحَّدَة فِي أَوَّله , وَتَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي حَازِم بِلَفْظِ \" كُنَّا نَتَمَنَّى يَوْم الْجُمُعَة \" وَذَكَرَ سَبَب الْحَدِيث ثُمَّ قَالَ فِي آخِره \" كُنَّا نَفْرَح بِذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله ( قُلْت لِسَهْلٍ وَلِمَ ) ‏ ‏؟ بِكَسْرِ اللَّام لِلِاسْتِفْهَامِ , وَالْقَائِل هُوَ أَبُو حَازِم رَاوِي الْحَدِيث وَالْمُجِيب هُوَ سَهْل. ‏ ‏قَوْله ( كَانَتْ لَنَا عَجُوز ) ‏ ‏فِي الْجُمُعَة \" اِمْرَأَة \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا. ‏ ‏قَوْله ( تُرْسِل إِلَى بُضَاعَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة عَلَى الْمَشْهُور وَحُكِيَ كَسْرهَا وَبِتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَة وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَذَكَرَهُ بَعْضهمْ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اِبْن مَسْلَمَة نَخْل بِالْمَدِينَةِ ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَة شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ وَهُوَ الْقَعْنَبِيّ , وَفَسَّرَ بُضَاعَة بِأَنَّهَا نَخْل بِالْمَدِينَةِ , وَالْمُرَاد بِالنَّخْلِ الْبُسْتَان , وَلِذَلِكَ كَانَ يُؤْتَى مِنْهَا بِالسِّلْقِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْجُمُعَة أَنَّهَا كَانَتْ مَزْرَعَة لِلْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَة , وَفَسَّرَهَا غَيْره بِأَنَّهَا دُور بَنِي سَاعِدَة , وَبِهَا بِئْر مَشْهُورَة وَبِهَا مَال مِنْ أَمْوَال الْمَدِينَة , كَذَا قَالَ عِيَاض وَمُرَاده بِالْمَالِ الْبُسْتَان وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : فِي هَذَا الْحَدِيث بَيَان أَنَّ بِئْر بُضَاعَة بِئْر بُسْتَان , فَيَدُلّ عَلَى أَنَّ قَوْل أَبِي سَعِيد فِي حَدِيثه يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن أَنَّهَا كَانَتْ تُطْرَح فِيهَا خِرَق الْحُيَّض وَغَيْرهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُطْرَح فِي الْبُسْتَان فَيُجْرِيهَا الْمَطَر وَنَحْوه إِلَى الْبِئْر. قُلْت : وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي \" السُّنَن \" أَنَّهُ رَأَى بِئْر بُضَاعَة وَزَرْعهَا وَرَأَى مَاءَهَا وَبَسَطَ ذَلِكَ فِي كِتَاب الطَّهَارَة مِنْ سُنَنه , وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهَا كَانَتْ سَيْحًا وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ الْوَاقِدِيّ , وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِع اِسْتِيعَاب ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( فِي قِدْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ فِي الْقِدْر ‏ ‏( وَتُكَرْكِر ) ‏ ‏أَيْ تَطْحَن كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَة , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْكَرْكَرَة الطَّحْن وَالْجَشّ. وَأَصْله الْكَرّ , وَضُوعِفَ لِتَكْرَارِ عَوْد الرَّحَى فِي الطَّحْن مَرَّة أُخْرَى , وَقَدْ تَكُون الْكَرْكَرَة بِمَعْنَى الصَّوْت كَالْجَرْجَرَةِ , وَالْكَرْكَرَة أَيْضًا شِدَّة الصَّوْت لِلضَّحِكِ حَتَّى يَفْحُش وَهُوَ فَوْق الْقَرْقَرَة. ‏ ‏قَوْله ( حَبَّات مِنْ شَعِير ) ‏ ‏بَيَّنَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْجُمُعَة أَنَّهَا قَبْضَة , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّة شَرْحه هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5780",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ قَالَتْ قُلْتُ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَرَى مَا لَا نَرَى تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَالنُّعْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَبَرَكَاتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( اِبْن مُقَاتِل ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله ( يَا عَائِشَة هَذَا جِبْرِيل يَقْرَأ عَلَيْك السَّلَام ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْمَنَاقِب , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّ الدَّاوُدِيّ اِعْتَرَضَ فَقَالَ : لَا يُقَال لِلْمَلَائِكَةِ رِجَال , وَلَكِنَّ اللَّه ذَكَّرَهُمْ بِالتَّذْكِيرِ. وَالْجَوَاب أَنَّ جِبْرِيل كَانَ يَأْتِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صُورَة الرَّجُل , كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي وَقَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب : سَلَام الرِّجَال عَلَى النِّسَاء وَالنِّسَاء عَلَى الرِّجَال جَائِز إِذَا أُمِنَتْ الْفِتْنَة , وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّة بَيْن الشَّابَّة وَالْعَجُوز سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ , وَمَنَعَ مِنْهُ رَبِيعَة مُطْلَقًا. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : لَا يُشْرَع لِلنِّسَاءِ اِبْتِدَاء السَّلَام عَلَى الرِّجَال لِأَنَّهُنَّ مُنِعْنَ مِنْ الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَالْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ , قَالُوا وَيُسْتَثْنَى الْمَحْرَم فَيَجُوز لَهَا السَّلَام عَلَى مَحْرَمهَا. قَالَ الْمُهَلَّب : وَحُجَّة مَالِك حَدِيث سَهْل فِي الْبَاب , فَإِنَّ الرِّجَال الَّذِينَ كَانُوا يَزُورُونَهَا وَتُطْعِمهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ مَحَارِمهَا اِنْتَهَى. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي : إِنْ كَانَ لِلرَّجُلِ زَوْجَة أَوْ مَحْرَم أَوْ أَمَة فَكَالرَّجُلِ مَعَ الرَّجُل , وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّة نَظَرَ : إِنْ كَانَتْ جَمِيلَة يُخَاف الِافْتِتَان بِهَا لَمْ يُشْرَع السَّلَام لَا اِبْتِدَاء وَلَا جَوَابًا , فَلَوْ اِبْتَدَأَ أَحَدهمَا كُرِهَ لِلْآخَرِ الرَّدّ , وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا لَا يُفْتَتَن بِهَا جَازَ. وَحَاصِل الْفَرْق بَيْن هَذَا وَبَيْن الْمَالِكِيَّة التَّفْصِيل فِي الشَّابَّة بَيْن الْجَمَال وَعَدَمه , فَإِنَّ الْجَمَال مَظِنَّة الِافْتِتَان , بِخِلَافِ مُطْلَق الشَّابَّة. فَلَوْ اِجْتَمَعَ فِي الْمَجْلِس رِجَال وَنِسَاء جَازَ السَّلَام مِنْ الْجَانِبَيْنِ عِنْد أَمْن الْفِتْنَة. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ شُعَيْب , وَقَالَ يُونُس وَالنُّعْمَان عَنْ الزُّهْرِيِّ : وَبَرَكَاته ) ‏ ‏أَمَّا مُتَابَعَة شُعَيْب فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الرِّقَاق , وَأَمَّا زِيَادَة يُونُس وَهُوَ اِبْن يَزِيد فَتَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث بِتَمَامِهِ مَوْصُولًا فِي كِتَاب الْمَنَاقِب , وَأَمَّا مُتَابَعَة النُّعْمَان وَهُوَ اِبْن رُشْد فَوَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِير , وَوَقَعَتْ لَنَا بِعُلُوّ فِي \" جُزْء هِلَال الْحَفَّار \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : قَدْ أَخْرَجْنَا فِيهِ مِنْ حَدِيث اِبْن الْمُبَارَك \" وَبَرَكَاته \" وَكَانَ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي إِبْرَاهِيم الْبُنَانِيِّ وَمِنْ طَرِيق حِبَّان بْن مُوسَى كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن الْمُبَارَك وَكَذَا قَالَ عُقَيْل وَعُبَيْد اللَّه بْن أَبِي زِيَاد عَنْ الزُّهْرِيِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5781",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي فَدَقَقْتُ الْبَابَ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ ذَا فَقُلْتُ أَنَا فَقَالَ أَنَا أَنَا كَأَنَّهُ كَرِهَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" عَنْ أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن مَنْصُور وَغَيْره عَنْ عَلِيّ بْن الْجَعْد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ عَنْ شُعْبَة أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر \". ‏ ‏قَوْله ( أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَيْن كَانَ عَلَى أَبِي ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الْبُيُوع مِنْ وَجْه آخَر مُطَوَّلًا. ‏ ‏قَوْله ( فَدَقَقْت ) ‏ ‏بِقَافَيْنِ لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ \" فَدَفَعْت \" بِفَاءٍ وَعَيْن مُهْمَلَة , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَضَرَبْت الْبَاب \" وَهِيَ تُؤَيِّد رِوَايَة فَدَقَقْت بِالْقَافَيْنِ , وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر وَهِيَ عِنْد مُسْلِم \" اِسْتَأْذَنْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلِمُسْلِمٍ فِي أُخْرَى \" دَعَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت : أَنَا. فَقَالَ : أَنَا أَنَا. كَأَنَّهُ كَرِهَهَا ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُول أَنَا أَنَا \" وَفِي أُخْرَى \" كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَده عَنْ شُعْبَة \" كَرِهَ ذَلِكَ \" بِالْجَزْمِ. قَالَ الْمُهَلَّب : إِنَّمَا كَرِهَ قَوْل أَنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيَان إِلَّا إِنْ كَانَ الْمُسْتَأْذِن مِمَّنْ يَعْرِف الْمُسْتَأْذَن عَلَيْهِ صَوْته وَلَا يَلْتَبِس بِغَيْرِهِ , وَالْغَالِب الِالْتِبَاس. وَقِيلَ إِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ لِأَنَّ جَابِرًا لَمْ يَسْتَأْذِن بِلَفْظِ السَّلَام , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي سِيَاق حَدِيث جَابِر أَنَّهُ طَلَبَ الدُّخُول , وَإِنَّمَا جَاءَ فِي حَاجَته فَدَقَّ الْبَاب لِيُعْلِم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَجِيئِهِ , فَلِذَلِكَ خَرَجَ لَهُ. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ إِنَّمَا كَرِهَهُ لِأَنَّهُ أَجَابَهُ بِغَيْرِ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا ضَرَبَ الْبَاب عَرَفَ أَنَّ ثُمَّ ضَارِبًا , فَلَمَّا قَالَ أَنَا كَأَنَّهُ أَعْلَمَهُ أَنَّ ثَمَّ ضَارِبًا فَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى مَا عَرَفَ مَنْ ضَرَبَ الْبَاب , قَالَ : وَكَانَ هَذَا قَبْل نُزُول آيَة الِاسْتِئْذَان. قُلْت : وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْن الْقِصَّة وَبَيْن مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَة , وَلَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ الِاسْتِئْذَان يَنُوب عَنْ ضَرْب الْبَاب وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ الدَّاخِل قَدْ يَكُون لَا يَسْمَع الصَّوْت بِمُجَرَّدِهِ فَيَحْتَاج إِلَى ضَرْب الْبَاب لِيَبْلُغهُ صَوْت الدَّقّ فَيَقْرُب أَوْ يَخْرُج فَيَسْتَأْذِن عَلَيْهِ حِينَئِذٍ , وَكَلَامه الْأَوَّل سَبَقَهُ إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ : قَوْله \" أَنَا \" لَا يَتَضَمَّن الْجَوَاب وَلَا يُفِيد الْعِلْم بِمَا اِسْتَعْمَلَهُ وَكَانَ حَقّ الْجَوَاب أَنْ يَقُول أَنَا جَابِر لِيَقَع تَعْرِيف الِاسْم الَّذِي وَقَعَتْ الْمَسْأَلَة عَنْهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَسْجِد وَأَبُو مُوسَى يَقْرَأ. قَالَ فَجِئْت فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قُلْت : أَنَا بُرَيْدَةُ \" وَتَقَدَّمَ حَدِيث أُمّ هَانِئ \" جِئْت إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت أَنَا أُمّ هَانِئ \" الْحَدِيث فِي صَلَاة الضُّحَى , قَالَ النَّوَوِيّ : إِذَا لَمْ يَقَع التَّعْرِيف إِلَّا بِأَنْ يَكُنِّي الْمَرْء نَفْسه لَمْ يُكْرَه ذَلِكَ , وَكَذَا لَا بَأْس أَنْ يَقُول : أَنَا الشَّيْخ فُلَان أَوْ الْقَارِئ فُلَان أَوْ الْقَاضِي فُلَان إِذَا لَمْ يَحْصُل التَّمْيِيز إِلَّا بِذَلِكَ. وَذَكَرَ اِبْن الْجَوْزِيّ أَنَّ السَّبَب فِي كَرَاهَة قَوْل \" أَنَا \" أَنَّ فِيهَا نَوْعًا مِنْ الْكِبْر , كَأَنَّ قَائِلهَا يَقُول أَنَا الَّذِي لَا أَحْتَاج أَذْكُر اِسْمِي وَلَا نَسَبِي. وَتَعَقَّبَهُ مُغَلْطَاي بِأَنَّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي حَقّ جَابِر فِي مِثْل هَذَا الْمَقَام. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُمْنَع مِنْ تَعْلِيمه ذَلِكَ لِئَلَّا يَسْتَمِرّ عَلَيْهِ وَيَعْتَادهُ وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِي حَدِيث جَابِر مَشْرُوعِيَّة دَقّ الْبَاب , وَلَمْ يَقَع فِي الْحَدِيث بَيَان هَلْ كَانَ بِآلَةٍ أَوْ بِغَيْرِ آلَة. قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ حَدِيث أَنَس \" أَنَّ أَبْوَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ تُقْرَع بِالْأَظَافِيرِ \" وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي \" عُلُوم الْحَدِيث \" مِنْ حَدِيث الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة , وَهَذَا مَحْمُول مِنْهُمْ عَلَى الْمُبَالَغَة فِي الْأَدَب , وَهُوَ حَسَن لِمَنْ قَرُبَ مَحَلّه مِنْ بَابه , أَمَّا مَنْ بَعُدَ عَنْ الْبَاب بِحَيْثُ لَا يَبْلُغهُ صَوْت الْقَرْع بِالظُّفْرِ فَيُسْتَحَبّ أَنْ يَقْرَع بِمَا فَوْق ذَلِكَ بِحَسَبِهِ. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيّ أَنَّ السَّبَب فِي قَرْعهمْ بَابه بِالْأَظَافِيرِ أَنَّ بَابه لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَلْق فَلِأَجْلِ ذَلِكَ فَعَلُوهُ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ تَوْقِيرًا وَإِجْلَالًا وَأَدَبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5782",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ فَقَالَ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ فَارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏فِي الْأَخِيرِ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر بْن حَفْص الْعُمَرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏قَدْ قَالَ فِيهِ بَعْض الرُّوَاة \" عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَهِيَ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان الْمَذْكُورَة فِي آخِر الْبَاب , وَبَيَّنْت فِي كِتَاب الصَّلَاة أَيّ الرِّوَايَتَيْنِ أَرْجَح. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِد ) ‏ ‏الْحَدِيث فِي قِصَّة الْمُسِيء صَلَاته , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : وَعَلَيْك السَّلَام , اِرْجِعْ \" وَتَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة بِلَفْظِ \" فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة أُخْرَى \" فَقَالَ وَعَلَيْك \" وَسَقَطَ ذَلِكَ أَصْلًا مِنْ الرِّوَايَة الْآتِيَة فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ مَعَ بَقِيَّة شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب أَمْر الَّذِي لَا يُتِمّ رُكُوعه بِالْإِعَادَةِ \" مِنْ كِتَاب الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ أَبُو أُسَامَة فِي الْأَخِير : حَتَّى تَسْتَوِي قَائِمًا ) ‏ ‏وَصَلَ الْمُصَنِّف رِوَايَة أَبِي أُسَامَة هَذِهِ فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور كَمَا سَيَأْتِي , وَقَدْ بَيَّنْت فِي صِفَة الصَّلَاة النُّكْتَة فِي اِقْتِصَار الْبُخَارِيّ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَة مِنْ هَذَا الْحَدِيث. وَحَاصِله أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا فِي الْأَخِير \" ثُمَّ اِرْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنّ جَالِسًا \" فَأَرَادَ الْبُخَارِيّ أَنْ يُبَيِّن أَنَّ رَاوِيهَا خُولِفَ فَذَكَرَ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة مُشِيرًا إِلَى تَرْجِيحهَا. وَأَجَابَ الدَّاوُدِيّ عَنْ أَصْل الْإِشْكَال بِأَنَّ الْجَالِس قَدْ يُسَمَّى قَائِمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا ). وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ التَّعْلِيم إِنَّمَا وَقَعَ لِبَيَانِ رَكْعَة وَاحِدَة وَاَلَّذِي يَلِيهَا هُوَ الْقِيَام , يَعْنِي فَيَكُون قَوْله حَتَّى تَسْتَوِي قَائِمًا هُوَ الْمُعْتَمَد , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ الدَّاوُدِيّ عَرَفَ ذَلِكَ وَجَعَلَ الْقِيَام مَحْمُولًا عَلَى الْجُلُوس وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ , وَالْإِشْكَال إِنَّمَا وَقَعَ فِي قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" حَتَّى تَطْمَئِنّ جَالِسًا \" وَجِلْسَة الِاسْتِرَاحَة عَلَى تَقْدِير أَنْ تَكُون مُرَادَة لَا تُشْرَع الطُّمَأْنِينَة فِيهَا , فَلِذَلِكَ اِحْتَاجَ الدَّاوُدِيّ إِلَى تَأْوِيله , لَكِنَّ الشَّاهِد الَّذِي أَتَى بِهِ عَكَسَ الْمُرَاد , وَالْمُحْتَاج إِلَيْهِ هُنَا أَنْ يَأْتِي بَشَاهِدٍ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْقِيَام قَدْ يُسَمَّى جُلُوسًا , وَفِي الْجُمْلَة الْمُعْتَمَد التَّرْجِيح كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ وَصَرَّحَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ , وَجَوَّزَ بَعْضهمْ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ التَّشَهُّد وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله فِي الطَّرِيق الْأَخِيرَة ‏ ‏( قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ اِرْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنّ جَالِسًا ) ‏ ‏هَكَذَا اِقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَدْر مِنْ الْحَدِيث , وَسَاقَهُ فِي كِتَاب الصَّلَاة بِتَمَامِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5783",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَامِرًا ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏حَدَّثَتْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَهَا ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏يُقْرِئُكِ السَّلَامَ قَالَتْ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5784",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ ‏ ‏إِكَافٌ ‏ ‏تَحْتَهُ ‏ ‏قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ ‏ ‏وَأَرْدَفَ وَرَاءَهُ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏وَهُوَ يَعُودُ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ‏ ‏فِي ‏ ‏بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ‏ ‏وَذَلِكَ قَبْلَ وَقْعَةِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏حَتَّى مَرَّ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ‏ ‏وَالْيَهُودِ ‏ ‏وَفِيهِمْ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ‏ ‏وَفِي الْمَجْلِسِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ‏ ‏فَلَمَّا غَشِيَتْ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ‏ ‏أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ ثُمَّ قَالَ لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ‏ ‏أَيُّهَا الْمَرْءُ لَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَلَا تُؤْذِنَا فِي مَجَالِسِنَا وَارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ فَمَنْ جَاءَكَ مِنَّا فَاقْصُصْ عَلَيْهِ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ‏ ‏اغْشَنَا فِي مَجَالِسِنَا فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ ‏ ‏وَالْيَهُودُ ‏ ‏حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَتَوَاثَبُوا فَلَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُخَفِّضُهُمْ ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَيْ ‏ ‏سَعْدُ ‏ ‏أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى مَا قَالَ ‏ ‏أَبُو حُبَابٍ ‏ ‏يُرِيدُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ‏ ‏قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ اعْفُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاصْفَحْ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ الَّذِي أَعْطَاكَ وَلَقَدْ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبَحْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُونَهُ بِالْعِصَابَةِ فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ بِذَلِكَ فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5785",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ كَلَامِنَا وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَأَقُولُ فِي نَفْسِي هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لَا حَتَّى كَمَلَتْ خَمْسُونَ لَيْلَةً وَآذَنَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى الْفَجْرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا اِبْن بُكَيْرٍ ) ‏ ‏هُوَ يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن بُكَيْرٍ , وَذَكَرَ قِطَعًا يَسِيرَة مِنْ حَدِيث كَعْب بْن مَالِك فِي قِصَّة تَوْبَته فِي غَزْوَة تَبُوك , وَقَدْ سَاقَهُ فِي الْمَغَازِي بِطُولِهِ عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَقَوْله \" وَآتِي \" هُوَ بِمَدِّ الْهَمْزَة فِعْل مُضَارِع مِنْ الْإِتْيَان , وَبَيْنَ قَوْله \" عَنْ كَلَامنَا \" وَبَيْن هَذِهِ الْجُمْلَة كَلَام كَثِير آخِره \" فَكُنْت أَخْرُج فَأَشْهَد الصَّلَاة مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطُوف فِي الْأَسْوَاق وَلَا يُكَلِّمنِي أَحَد \" وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا قِصَّته مَعَ أَبِي قَتَادَة وَتَسَوُّره عَلَيْهِ الْحَائِط وَامْتِنَاع أَبِي قَتَادَة مِنْ رَدّ السَّلَام عَلَيْهِ وَمِنْ جَوَابه لَهُ عَمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ. وَاقْتَصَرَ الْبُخَارِيّ عَلَى الْقَدْر الَّذِي ذَكَرَهُ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ هُنَا , وَفِيهِ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنْ تَرْك السَّلَام تَأْدِيبًا وَتَرْك الرَّدّ أَيْضًا , وَهُوَ مِمَّا يُخَصّ بِهِ عُمُوم الْأَمْر بِإِفْشَاءِ السَّلَام عِنْد الْجُمْهُور , وَعَكَسَ ذَلِكَ أَبُو أُمَامَةَ فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَمُرّ بِمُسلَّمٍ وَلَا نَصْرَانِيّ وَلَا صَغِير وَلَا كَبِير إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ , فَقِيلَ لَهُ , فَقَالَ : إِنَّا أُمِرْنَا بِإِفْشَاءِ السَّلَام , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِع عَلَى دَلِيل الْخُصُوص. وَاسْتَثْنَى اِبْن مَسْعُود مَا إِذَا اِحْتَاجَ لِذَلِكَ الْمُسْلِم لِضَرُورَةٍ دِينِيَّة أَوْ دُنْيَوِيَّة كَقَضَاءِ حَقّ الْمُرَافَقَة , فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عَلْقَمَة قَالَ \" كُنْت رِدْفًا لِابْنِ مَسْعُود , فَصَحِبَنَا دَهْقَان , فَلَمَّا اِنْشَعَبَتْ لَهُ الطَّرِيق أَخَذَ فِيهَا , فَأَتْبَعَهُ عَبْد اللَّه بَصَره فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ. فَقُلْت : أَلَسْت تَكْرَه أَنْ يُبْدَؤُا بِالسَّلَامِ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَلَكِنْ حَقّ الصُّحْبَة. وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ وَحُمِلَ عَلَيْهِ سَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْل مَجْلِس فِيهِ أَخْلَاط مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّار , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَاب عَنْهُ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏"
    },
    {
        "id": "5786",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا ‏ ‏السَّامُ ‏ ‏عَلَيْكَ فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ عَلَيْكُمْ ‏ ‏السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَهْلًا يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّ عَائِشَة قَالَتْ ) ‏ ‏كَذَا قَالَ صَالِح بْن كَيْسَانَ مِثْله كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَدَب , وَقَالَ سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة \" عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" وَسَيَأْتِي فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ. ‏ ‏قَوْله ( دَخَلَ رَهْط مِنْ الْيَهُود ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِف أَسْمَاءَهُمْ , لَكِنْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيف عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم قَالَ \" بَيْنَمَا أَنَا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ رَجُل مِنْ الْيَهُود يُقَال لَهُ ثَعْلَبَة بْن الْحَارِث فَقَالَ : السَّام عَلَيْك يَا مُحَمَّد. فَقَالَ : وَعَلَيْكُمْ. فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون أَحَد الرَّهْط الْمَذْكُورِينَ , وَكَانَ هُوَ الَّذِي بَاشَرَ الْكَلَام عَنْهُمْ كَمَا جَرَتْ الْعَادَة مِنْ نِسْبَة الْقَوْل إِلَى جَمَاعَة وَالْمُبَاشِر لَهُ وَاحِد مِنْهُمْ ; لِأَنَّ اِجْتِمَاعهمْ وَرِضَاهُمْ بِهِ فِي قُوَّة مَنْ شَارَكَهُ فِي النُّطْق. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالُوا السَّام عَلَيْك ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول بِأَلِفٍ سَاكِنَة , وَسَيَأْتِي فِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث الثَّانِي أَنَّهُ جَاءَ بِالْهَمْزِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِير السَّوْم بِالْمَوْتِ فِي كِتَاب الطِّبّ , وَقِيلَ هُوَ الْمَوْت الْعَاجِل. ‏ ‏قَوْله ( فَفَهِمْتهَا فَقُلْت : عَلَيْكُمْ السَّام وَاللَّعْنَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْأَدَب \" فَقَالَتْ عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمْ اللَّه وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْهَا \" بَلْ عَلَيْكُمْ السَّام وَالذَّام \" بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ لُغَة فِي الذَّمّ ضِدّ الْمَدْح يُقَال ذَمّ بِالتَّشْدِيدِ وَذَام بِالتَّخْفِيفِ وَذَيْم بِتَحْتَانِيَّةِ سَاكِنَة , وَقَالَ عِيَاض : لَمْ يَخْتَلِف الرُّوَاة أَنَّ الذَّامَ فِي هَذَا الْحَدِيث بِالْمُعْجَمَةِ , وَلَوْ رُوِيَ بِالْمُهْمَلَةِ مِنْ الدَّوَام لَكَانَ لَهُ وَجْه وَلَكِنْ كَانَ يَحْتَاج لِحَذْفِ الْوَاو لِيَصِيرَ صِفَة لِلسَّامِ , وَقَدْ حَكَى اِبْن الْأَعْرَابِيّ الدَّام لُغَة فِي الدَّائِم , قَالَ اِبْن بَطَّال : فَسَّرَ أَبُو عُبَيْد السَّام بِالْمَوْتِ وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ قَتَادَة تَأَوَّلَهُ عَلَى خِلَاف ذَلِكَ , فَفِي رِوَايَة عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة قَالَ : كَانَ قَتَادَة يَقُول تَفْسِير السَّام عَلَيْكُمْ تُسَامُونَ دِينكُمْ وَهُوَ - يَعْنِي السَّام - مَصْدَر سَئِمَهُ سَآمَة وَسَآمًا مِثْل رَضَعَهُ رَضَاعَة وَرَضَاعًا. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَوَجَدْت هَذَا الَّذِي فَسَّرَهُ قَتَادَة مَرْوِيًّا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَهُ بَقِيّ بْن مَخْلَد فِي تَفْسِيره مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَا هُوَ جَالِس مَعَ أَصْحَابه إِذْ أَتَى يَهُودِيّ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ فَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ ؟ قَالُوا سَلَّمَ يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : قَالَ سَام عَلَيْكُمْ أَيْ تُسَامُونَ دِينكُمْ. قُلْت : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله أَيْ تُسَامُونَ دِينكُمْ تَفْسِير قَتَادَة كَمَا بَيَّنَتْهُ رِوَايَة عَبْد الْوَارِث الَّتِي ذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّار وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس \" مَرَّ يَهُودِيّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَرَدَّ عَلَيْهِ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ ؟ قَالُوا نَعَمْ سَلَّمَ عَلَيْنَا. قَالَ فَإِنَّهُ قَالَ السَّام عَلَيْكُمْ أَيْ تُسَامُونَ دِينكُمْ , رُدُّوهُ عَلَيَّ , فَرَدُّوهُ فَقَالَ كَيْف قُلْت قَالَ السَّام عَلَيْكُمْ. فَقَالَ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْل الْكِتَاب فَقُولُوا عَلَيْكُمْ مَا قُلْتُمْ \" لَفْظ الْبَزَّار وَفِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان \" أَنَّ يَهُودِيًّا سَلَّمَ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَدْرُونَ \" وَالْبَاقِي نَحْوه وَلَمْ يَذْكُر قَوْله \" رُدُّوهُ إِلَخْ \" وَقَالَ فِي آخِره \" فَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ رَجُل مِنْ أَهْل الْكِتَاب فَقُولُوا وَعَلَيْك \". ‏ ‏قَوْله ( وَاللَّعْنَة ) يَحْتَمِل أَنْ تَكُون عَائِشَة فَهِمَتْ كَلَامهمْ بِفِطْنَتِهَا فَأَنْكَرَتْ عَلَيْهِمْ وَظَنَّتْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَنَّ أَنَّهُمْ تَلَفَّظُوا بِلَفْظِ السَّلَام فَبَالَغَتْ فِي الْإِنْكَار عَلَيْهِمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَقَ لَهَا سَمَاع ذَلِكَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي حَدِيثَيْ اِبْن عُمَر وَأَنَس فِي الْبَاب , وَإِنَّمَا أَطْلَقَتْ عَلَيْهِمْ اللَّعْنَة إِمَّا لِأَنَّهَا كَانَتْ تَرَى جَوَاز لَعْن الْكَافِر الْمُعَيَّن بِاعْتِبَارِ الْحَالَة الرَّاهِنَة لَا سِيَّمَا إِذَا صَدَرَ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي التَّأْدِيب , وَإِمَّا لِأَنَّهَا تَقَدَّمَ لَهَا عِلْم بِأَنَّ الْمَذْكُورِينَ يَمُوتُونَ عَلَى الْكُفْر فَأَطْلَقَتْ اللَّعْن وَلَمْ تُقَيِّدهُ بِالْمَوْتِ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَعَوَّد لِسَانهَا بِالْفُحْشِ , أَوْ أَنْكَرَ عَلَيْهَا الْإِفْرَاط فِي السَّبّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْأَدَب فِي \" بَاب الرِّفْق \" مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى جَوَاز لَعْن الْمُشْرِك الْمُعَيَّن الْحَيّ فِي \" بَاب الدُّعَاء عَلَى الْمُشْرِكِينَ \" مِنْ كِتَاب الدَّعَوَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( مَهْلًا يَا عَائِشَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بِشَرْحِهِ فِي \" بَاب الرِّفْق \" مِنْ كِتَاب الْأَدَب. ‏ ‏قَوْله ( فَقَدْ قُلْت عَلَيْكُمْ ) ‏ ‏وَكَذَا فِي رِوَايَة مَعْمَر وَشُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد مُسْلِم بِحَذْفِ الْوَاو , وَعِنْده فِي رِوَايَة سُفْيَان , وَعِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة أُخْرَى عَنْ الزُّهْرِيِّ بِإِثْبَاتِ الْوَاو. قَالَ الْمُهَلَّب : فِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز اِنْخِدَاع الْكَبِير لِلْمَكَايِدِ وَمُعَارَضَته مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُر إِذَا رُجِيَ رُجُوعه. قُلْت : فِي تَقْيِيده بِذَلِكَ نَظَر ; لِأَنَّ الْيَهُود حِينَئِذٍ كَانُوا أَهْل عَهْد , فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِمَصْلَحَةِ التَّآلُف. ‏"
    },
    {
        "id": "5787",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ ‏ ‏السَّامُ ‏ ‏عَلَيْكَ فَقُلْ وَعَلَيْكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏يَأْتِي فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظِ \" حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه اِبْن دِينَار سَمِعْت اِبْن عُمَر \". ‏ ‏قَوْله ( إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ الْيَهُود فَإِنَّمَا يَقُول أَحَدهمْ السَّام عَلَيْك , فَقُلْ : وَعَلَيْك ) ‏ ‏هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ الْبُخَارِيّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس عَنْ مَالِك , وَاَلَّذِي عِنْد جَمِيع رُوَاة الْمُوَطَّأ بِلَفْظِ \" فَقُلْ عَلَيْك \" لَيْسَ فِيهِ الْوَاو , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ , وَمِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن نَافِع كِلَاهُمَا عَنْ مَالِك بِإِثْبَاتِ الْوَاو , وَفِيهِ نَظَر فَإِنَّهُ فِي الْمُوَطَّأ عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ بِغَيْرِ وَاو , وَمُقْتَضَى كَلَام اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن نَافِع بِغَيْرِ وَاو لِأَنَّهُ قَالَ : لَمْ يُدْخِل أَحَد مِنْ رُوَاة الْمُوَطَّأ عَنْ مَالِك الْوَاو. قُلْت : لَكِنْ وَقَعَ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ فِي \" الْمُوَطَّآت \" مِنْ طَرِيق رَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ مَالِك بِلَفْظِ \" فَقُلْ وَعَلَيْكُمْ \" بِالْوَاوِ وَبِصِيغَةِ الْجَمْع , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : الْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ يَعْنِي عَنْ مَالِك. قُلْت : أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق رَوْح وَمَعْن وَقُتَيْبَة ثَلَاثَتهمْ عَنْ مَالِك بِغَيْرِ وَاو وَبِالْإِفْرَادِ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَة , وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ مَالِك وَالثَّوْرِيِّ جَمِيعًا عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار بِلَفْظِ \" قُلْ عَلَيْك \" بِغَيْرِ وَاو , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ وَحْده \" فَقُلْ عَلَيْكُمْ \" بِصِيغَةِ الْجَمْع بِغَيْرِ وَاو أَيْضًا , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ الثَّوْرِيّ وَحْده بِلَفْظِ \" فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ \" بِإِثْبَاتِ الْوَاو بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار بِغَيْرِ وَاو , وَفِي نُسْخَة صَحِيحَة مِنْ مُسْلِم بِإِثْبَاتِ الْوَاو , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن دِينَار بِلَفْظِ \" إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ فَإِنَّمَا يَقُول السَّام عَلَيْكُمْ فَقُلْ : عَلَيْكُمْ \" بِغَيْرِ وَاو وَبِصِيغَةِ الْجَمْع. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار مِثْل اِبْن مَهْدِيّ عَنْ الثَّوْرِيّ , وَقَالَ بَعْده وَكَذَا رَوَاهُ مَالِك وَالثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار قَالَ فِيهِ \" وَعَلَيْكُمْ \" قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي الْحَاشِيَة : حَدِيث مَالِك أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَحَدِيث الثَّوْرِيّ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ رِوَايَة مَالِك عِنْدهمَا بِالْوَاوِ , فَأَمَّا أَبُو دَاوُدَ فَلَعَلَّهُ حَمَلَ رِوَايَة مَالِك عَلَى رِوَايَة الثَّوْرِيّ أَوْ اِعْتَمَدَ رِوَايَة رَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ مَالِك , وَأَمَّا الْمُنْذِرِيُّ فَتَجَوَّزَ فِي عَزْوه لِلْبُخَارِيّ لِأَنَّهُ عِنْده بِصِيغَةِ الْإِفْرَاد , وَلِحَدِيثِ اِبْن عُمَر هَذَا سَبَب أَذْكُرهُ فِي الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "5788",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ ‏ ‏أَهْلُ الْكِتَابِ ‏ ‏فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن أَنَس حَدَّثَنَا أَنَس بْن مَالِك يَعْنِي جَدّه بِلَفْظِ \" إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْل الْكِتَاب فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ \" كَذَا رَوَاهُ مُخْتَصَرًا , وَرَوَاهُ قَتَادَة عَنْ أَنَس أَتَمّ مِنْهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْهُ بِلَفْظِ \" إِنَّ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا إِنَّ أَهْل الْكِتَاب يُسَلِّمُونَ عَلَيْنَا فَكَيْف نَرُدّ عَلَيْهِمْ ؟ قَالَ قُولُوا : وَعَلَيْكُمْ \" وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ قَتَادَة بِلَفْظِ \" مَرَّ يَهُودِيّ فَقَالَ السَّام عَلَيْكُمْ , فَرَدَّ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ قَالَ السَّام عَلَيْكُمْ , فَأُخِذَ الْيَهُودِيّ فَاعْتَرَفَ فَقَالَ : رُدُّوا عَلَيْهِ \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق شَيْبَانَ نَحْو رِوَايَة هَمَّام وَقَالَ فِي آخِره \" رُدُّوهُ. فَرَدُّوهُ , فَقَالَ : أَقُلْت : السَّام عَلَيْكُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ , فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ : إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْل الْكِتَاب فَقُولُوا : وَعَلَيْكُمْ \" وَتَقَدَّمَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث عَائِشَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ قَتَادَة بِزِيَادَةٍ فِيهِ , وَسَيَأْتِي فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن زَيْد بْن أَنَس \" سَمِعْت أَنَس بْن مَالِك يَقُول : مَرَّ يَهُودِيّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : السَّام عَلَيْك , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْك. ثُمَّ قَالَ : أَتَدْرُونَ مَاذَا يَقُول ؟ قَالَ : السَّام عَلَيْك. قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه أَلَا نَقْتُلهُ , قَالَ : إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْل الْكِتَاب فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ \" وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ أَنَّ الْقَائِل أَلَا نَقْتُلهُ عُمَر. وَالْجَمْع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات أَنَّ بَعْض الرُّوَاة حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَر , وَأَتَمّهَا سِيَاقًا رِوَايَة هِشَام بْن زَيْد هَذِهِ , وَكَأَنَّ بَعْض الصَّحَابَة لَمَّا أَخْبَرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْيَهُود تَقُول ذَلِكَ سَأَلُوا حِينَئِذٍ عَنْ كَيْفِيَّة الرَّدّ عَلَيْهِمْ كَمَا رَوَاهُ شُعْبَة عَنْ قَتَادَة , وَلَمْ يَقَع هَذَا السُّؤَال فِي رِوَايَة هِشَام بْن زَيْد , وَلَمْ تَخْتَلِف الرُّوَاة عَنْ أَنَس فِي لَفْظ الْجَوَاب وَهُوَ \" وَعَلَيْكُمْ \" بِالْوَاوِ وَبِصِيغَةِ الْجَمْع. قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَن وَكَذَا رِوَايَة عَائِشَة وَأَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْجُهَنِيّ وَأَبِي بَصْرَة. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : أَمَّا حَدِيث عَائِشَة فَمُتَّفَق عَلَيْهِ. قُلْت : هُوَ أَوَّل أَحَادِيث الْبَاب قَالَ : وَأَمَّا حَدِيث أَبِي عَبْد الرَّحْمَن فَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ , وَأَمَّا حَدِيث أَبِي بَصْرَة فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. قُلْت : هُمَا حَدِيث وَاحِد اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ أَبِي الْخَيْر , فَقَالَ عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر : عَنْ أَبِي بَصْرَة , أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالطَّحَاوِيّ , وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن , أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ وَالطَّحَاوِيّ أَيْضًا. وَقَدْ قَالَ بَعْض أَصْحَاب اِبْن إِسْحَاق عَنْهُ مِثْل مَا قَالَ عَبْد الْحَمِيد أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ , وَالْمَحْفُوظ قَوْل الْجَمَاعَة , وَلَفْظ النَّسَائِيِّ \" فَإِنْ سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ \" وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي إِثْبَات الْوَاو وَإِسْقَاطهَا فِي الرَّدّ عَلَى أَهْل الْكِتَاب لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَيّ الرِّوَايَتَيْنِ أَرْجَح. فَذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ اِبْن حَبِيب لَا يَقُولهَا بِالْوَاوِ لِأَنَّ فِيهَا تَشْرِيكًا , وَبَسْط ذَلِكَ أَنَّ الْوَاو فِي مِثْل هَذَا التَّرْكِيب يَقْتَضِي تَقْرِير الْجُمْلَة الْأُولَى وَزِيَادَة الثَّانِيَة عَلَيْهَا كَمَنْ قَالَ زَيْد كَاتِب فَقُلْت وَشَاعِر فَإِنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوت الْوَصْفَيْنِ لِزَيْدٍ , قَالَ وَخَالَفَهُ جُمْهُور الْمَالِكِيَّة , وَقَالَ بَعْض شُيُوخهمْ : يَقُول عَلَيْكُمْ السِّلَام بِكَسْرِ السِّين يَعْنِي الْحِجَارَة , وَوَهَّاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَع لَنَا سَبّ أَهْل الذِّمَّة. وَيُؤَيِّده إِنْكَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَائِشَة لَمَّا سَبَّتْهُمْ. وَذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ اِبْن طَاوُسٍ قَالَ : يَقُول عَلَاكُمْ السَّلَام , بِالْأَلِفِ أَيْ اِرْتَفَعَ. وَتَعَقَّبَهُ. وَذَهَبَ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف إِلَى أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يُقَال فِي الرَّدّ عَلَيْهِمْ \" عَلَيْكُمْ السَّلَام \" كَمَا يُرَدّ عَلَى الْمُسْلِم , وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَام ) وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ وَجْهًا عَنْ بَعْض الشَّافِعِيَّة لَكِنْ لَا يَقُول وَرَحْمَة اللَّه , وَقِيلَ يَجُوز مُطْلَقًا , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَلْقَمَة يَجُوز ذَلِكَ عِنْد الضَّرُورَة , وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ : إِنْ سَلَّمْت فَقَدْ سَلَّمَ الصَّالِحُونَ , وَإِنْ تَرَكْت فَقَدْ تَرَكُوا. وَعَنْ طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء : لَا يُرَدّ عَلَيْهِمْ السَّلَام أَصْلًا. وَعَنْ بَعْضهمْ التَّفْرِقَة بَيْن أَهْل الذِّمَّة وَأَهْل الْحَرْب. وَالرَّاجِح مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَال كُلّهَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيث وَلَكِنَّهُ مُخْتَصّ بِأَهْلِ الْكِتَاب. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ حُمَيْدِ بْن زَادَوَيْهِ وَهُوَ غَيْر حُمَيْدٍ الطَّوِيل فِي الْأَصَحّ عَنْ أَنَس \" أُمِرْنَا أَنْ لَا نَزِيد عَلَى أَهْل الْكِتَاب عَلَى : وَعَلَيْكُمْ \" وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْخَطَّابِيِّ نَحْو مَا قَالَ اِبْن حَبِيب فَقَالَ , رِوَايَة مَنْ رَوَى عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ وَاو أَحْسَن مِنْ الرِّوَايَة بِالْوَاوِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ رَدَدْت مَا قُلْتُمُوهُ عَلَيْكُمْ , وَبِالْوَاوِ يَصِير الْمَعْنَى عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ لِأَنَّ الْوَاو حَرْف التَّشْرِيك اِنْتَهَى. وَكَأَنَّهُ نَقَلَهُ مِنْ \" مَعَالِم السُّنَن لِلْخَطَّابِيِّ \" فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ هَكَذَا يَرْوِيه عَامَّة الْمُحَدِّثِينَ وَعَلَيْكُمْ بِالْوَاوِ , وَكَانَ اِبْن عُيَيْنَةَ يَرْوِيه بِحَذْفِ الْوَاو وَهُوَ الصَّوَاب , وَذَلِكَ أَنَّهُ بِحَذْفِهَا يَصِير قَوْلهمْ بِعَيْنِهِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ , وَبِالْوَاوِ يَقَع الِاشْتِرَاك وَالدُّخُول فِيمَا قَالُوهُ اِنْتَهَى. وَقَدْ رَجَعَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ فِي الْإِعْلَام مِنْ شَرْح الْبُخَارِيّ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور فِي كِتَاب الْأَدَب مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْهَا نَحْو حَدِيث الْبَاب وَزَادَ فِي آخِره \" أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْت ؟ رَدَدْت عَلَيْهِمْ , فَيُسْتَجَاب لِي فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَاب لَهُمْ فِيَّ \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَا مُلَخَّصه : إِنَّ الدَّاعِي إِذَا دَعَا بِشَيْءٍ ظُلْمًا فَإِنَّ اللَّه لَا يَسْتَجِيب لَهُ وَلَا يَجِد دُعَاؤُهُ مَحَلًّا فِي الْمَدْعُوّ عَلَيْهِ اِنْتَهَى. وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث جَابِر قَالَ \" سَلَّمَ نَاس مِنْ الْيَهُود عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : السَّام عَلَيْكُمْ. قَالَ وَعَلَيْكُمْ. قَالَتْ عَائِشَة وَغَضِبَتْ : أَلَم تَسْمَع مَا قَالُوا ؟ قَالَ : بَلَى قَدْ رَدَدْت عَلَيْهِمْ فَنُجَاب عَلَيْهِمْ وَلَا يُجَابُونَ فِينَا \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا. وَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذِهِ الْمُرَاجَعَة مِنْ عَائِشَة وَجَوَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا مَنْ أَنْكَرَ الرِّوَايَة بِالْوَاوِ , وَقَدْ تَجَاسَرَ بَعْض مَنْ أَدْرَكْنَاهُ فَقَالَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَنَس فِي هَذَا الْبَاب : الرِّوَايَة الصَّحِيحَة عَنْ مَالِك بِغَيْرِ وَاو , وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن عُيَيْنَةَ وَهِيَ أَصْوَب مِنْ الَّتِي بِالْوَاوِ ; لِأَنَّهُ بِحَذْفِهَا يَرْجِع الْكَلَام عَلَيْهِمْ وَبِإِثْبَاتِهَا يَقَع الِاشْتِرَاك اِنْتَهَى. وَمَا أَفْهَمَهُ مِنْ تَضْعِيف الرِّوَايَة بِالْوَاوِ وَتَخْطِئَتهَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مَرْدُود عَلَيْهِ بِمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الصَّوَاب أَنَّ حَذْف الْوَاو وَإِثْبَاتهَا ثَابِتَانِ جَائِزَانِ وَبِإِثْبَاتِهَا أَجْوَد وَلَا مَفْسَدَة فِيهِ وَعَلَيْهِ أَكْثَر الرِّوَايَات , وَفِي مَعْنَاهَا وَجْهَانِ : أَحَدهمَا أَنَّهُمْ قَالُوا عَلَيْكُمْ الْمَوْت فَقَالَ وَعَلَيْكُمْ أَيْضًا أَيْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاء كُلّنَا نَمُوت. وَالثَّانِي أَنَّ الْوَاو لِلِاسْتِئْنَافِ لَا لِلْعَطْفِ وَالتَّشْرِيك وَالتَّقْدِير : وَعَلَيْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ الذَّمّ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : فِي الْعَطْف شَيْء مُقَدَّر , وَالتَّقْدِير وَأَقُول عَلَيْكُمْ مَا تُرِيدُونَ بِنَا أَوْ مَا تَسْتَحِقُّونَ , وَلَيْسَ هُوَ عَطْفًا عَلَى \" عَلَيْكُمْ \" فِي كَلَامهمْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : قِيلَ الْوَاو لِلِاسْتِئْنَافِ وَقِيلَ زَائِدَة , وَأَوْلَى الْأَجْوِبَة أَنَّا نُجَاب عَلَيْهِمْ وَلَا يُجَابُونَ عَلَيْنَا. وَحَكَى اِبْن دَقِيق الْعِيد عَنْ اِبْن رُشْد تَفْصِيلًا يَجْمَع الرِّوَايَتَيْنِ إِثْبَات الْوَاو وَحَذْفهَا فَقَالَ : مَنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ قَالَ السَّام أَوْ السِّلَام بِكَسْرِ السِّين فَلْيَرُدَّ عَلَيْهِ بِحَذْفِ الْوَاو وَمَنْ لَمْ يَتَحَقَّق مِنْهُ فَلْيَرُدَّ بِإِثْبَاتِ الْوَاو. فَيَجْتَمِع مِنْ مَجْمُوع كَلَام الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ سِتَّة أَقْوَال. وَقَالَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ : مَنْ فَسَّرَ السَّام بِالْمَوْتِ فَلَا يُبْعِد ثُبُوت الْوَاو وَمَنْ فَسَّرَهَا بِالسَّآمَةِ فَإِسْقَاطهَا هُوَ الْوَجْه. قُلْت : بَلْ الرِّوَايَة بِإِثْبَاتِ الْوَاو ثَابِتَة وَهِيَ تُرَجِّح التَّفْسِير بِالْمَوْتِ , وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَغْلِيط الثِّقَة. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْل الْكِتَاب \" بِأَنَّهُ لَا \" يُشْرَع لِلْمُسْلِمِ اِبْتِدَاء الْكَافِر بِالسَّلَامِ حَكَاهُ الْبَاجِيّ عَنْ عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ الْبَاجِيّ : لِأَنَّهُ بَيَّنَ حُكْم الرَّدّ وَلَمْ يَذْكُر حُكْم الِابْتِدَاء , كَذَا قَالَ , وَنَقَلَ اِبْن الْعَرَبِيّ عَنْ مَالِك : لَوْ اِبْتَدَأَ شَخْصًا بِالسَّلَامِ وَهُوَ يَظُنّهُ مُسْلِمًا فَبَانَ كَافِرًا كَانَ اِبْن عُمَر يَسْتَرِدّ مِنْهُ سَلَامه , وَقَالَ مَالِك : لَا. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لِأَنَّ الِاسْتِرْدَاد حِينَئِذٍ لَا فَائِدَة لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُل لَهُ مِنْهُ شَيْء لِكَوْنِهِ قَصَدَ السَّلَام عَلَى الْمُسْلِم. وَقَالَ غَيْره لَهُ فَائِدَة وَهُوَ إِعْلَام الْكَافِر بِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ. قُلْت : وَيَتَأَكَّد إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُخْشَى إِنْكَاره لِذَلِكَ أَوْ اِقْتِدَاؤُهُ بِهِ إِذَا كَانَ الَّذِي سَلَّمَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّدّ خَاصّ بِالْكُفَّارِ فَلَا يُجْزِئ فِي الرَّدّ عَلَى الْمُسْلِم , وَقِيلَ : إِنْ أَجَابَ بِالْوَاوِ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد التَّحْقِيق أَنَّهُ كَافٍ فِي حُصُول مَعْنَى السَّلَام لَا فِي اِمْتِثَال الْأَمْر فِي قَوْله ( فَحَيُّوا بِأَحْسَن مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الَّذِي بِغَيْرِ وَاو , وَأَمَّا الَّذِي بِالْوَاوِ فَقَدْ وَرَدَ فِي عِدَّة أَحَادِيث : مِنْهَا فِي الطَّبَرَانِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : سَلَام عَلَيْكُمْ فَقَالَ وَعَلَيْك وَرَحْمَة اللَّه \" وَلَهُ فِي الْأَوْسَط عَنْ سَلْمَان \" أَتَى رَجُل فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول اللَّه , فَقَالَ : وَعَلَيْك \". قُلْت : لَكِنْ لَمَّا اِشْتَهَرَتْ هَذِهِ الصِّيغَة لِلرَّدِّ عَلَى غَيْر الْمُسْلِم يَنْبَغِي تَرْك جَوَاب الْمُسْلِم بِهَا وَإِنْ كَانَتْ مُجْزِئَة فِي أَصْل الرَّدّ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5789",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ إِدْرِيسَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ‏ ‏وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ ‏ ‏وَكُلُّنَا فَارِسٌ فَقَالَ ‏ ‏انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا ‏ ‏رَوْضَةَ خَاخٍ ‏ ‏فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ ‏ ‏حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ ‏ ‏إِلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ قُلْنَا أَيْنَ الْكِتَابُ الَّذِي مَعَكِ قَالَتْ مَا مَعِي كِتَابٌ فَأَنَخْنَا بِهَا فَابْتَغَيْنَا فِي رَحْلِهَا فَمَا وَجَدْنَا شَيْئًا قَالَ صَاحِبَايَ مَا نَرَى كِتَابًا قَالَ قُلْتُ لَقَدْ عَلِمْتُ مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ ‏ ‏لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَأُجَرِّدَنَّكِ قَالَ فَلَمَّا رَأَتْ الْجِدَّ مِنِّي أَهْوَتْ بِيَدِهَا إِلَى ‏ ‏حُجْزَتِهَا ‏ ‏وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتْ الْكِتَابَ قَالَ فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ مَا حَمَلَكَ يَا ‏ ‏حَاطِبُ ‏ ‏عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ مَا بِي إِلَّا أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا غَيَّرْتُ وَلَا بَدَّلْتُ أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ هُنَاكَ إِلَّا وَلَهُ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ قَالَ صَدَقَ فَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا قَالَ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ قَالَ فَقَالَ يَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ قَالَ فَدَمَعَتْ عَيْنَا ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏وَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ فِي قِصَّة حَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة الْمُمْتَحَنَة. وَيُوسُف بْن بُهْلُول شَيْخه فِيهِ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْهَاء شَيْخ كُوفِيّ أَصْله مِنْ الْأَنْبَار , وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ مِنْ السِّتَّة إِلَّا الْبُخَارِيّ , وَمَا لَهُ فِي الصَّحِيح إِلَّا هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ أَوْرَدَهُ مِنْ طُرُق أُخْرَى فِي الْمَغَازِي وَالتَّفْسِير , مِنْهَا فِي الْمَغَازِي عَنْ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم عَنْ عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور هُنَا , وَبَقِيَّة رِجَال الْإِسْنَاد كُلّهمْ كُوفِيُّونَ أَيْضًا. قَالَ اِبْن التِّين : مَعْنَى بُهْلُول الضَّحَّاك وَسُمِّيَ بِهِ وَلَا يُفْتَح أَوَّله لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام فَعْلُول بِالْفَتْحِ. وَقَالَ الْمُهَلَّب : فِي حَدِيث عَلِيٍّ هَتْك سَتْر الذَّنْب , وَكَشْف الْمَرْأَة الْعَاصِيَة , وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ لَا يَجُوز النَّظَر فِي كِتَاب أَحَد إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّهَمًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ , وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُتَّهَمًا فَلَا حُرْمَة لَهُ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوز النَّظَر إِلَى عَوْرَة الْمَرْأَة لِلضَّرُورَةِ الَّتِي لَا يَجِد بُدًّا مِنْ النَّظَر إِلَيْهَا. وَقَالَ اِبْن التِّين : قَوْل عُمَر دَعْنِي أَضْرِب عُنُقه مَعَ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع ذَلِكَ أَوْ كَانَ قَوْله قَبْل قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عُمَر لِشِدَّتِهِ فِي أَمْر اللَّه حَمَلَ النَّهْي عَلَى ظَاهِره مِنْ مَنْع الْقَوْل السَّيِّئ لَهُ وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ إِقَامَة مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْعُقُوبَة لِلذَّنْبِ الَّذِي اِرْتَكَبَهُ , فَبَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَادِق فِي اِعْتِذَاره , وَأَنَّ اللَّه عَفَا عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5790",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي نَفَرٍ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَكَانُوا تِجَارًا ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏ ‏فَأَتَوْهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُرِئَ فَإِذَا فِيهِ ‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏عَظِيمِ ‏ ‏الرُّومِ ‏ ‏السَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5791",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏أَنَّ أَهْلَ ‏ ‏قُرَيْظَةَ ‏ ‏نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَيْهِ فَجَاءَ فَقَالَ ‏ ‏قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ قَالَ خَيْرِكُمْ فَقَعَدَ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ قَالَ فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ فَقَالَ لَقَدْ حَكَمْتَ بِمَا حَكَمَ بِهِ الْمَلِكُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏أَفْهَمَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي عَنْ ‏ ‏أَبِي الْوَلِيدِ ‏ ‏مِنْ قَوْلِ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏إِلَى حُكْمِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْن سَهْل ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ فِي غَزْوَة بَنِي قُرَيْظَة مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي مَعَ شَرْح الْحَدِيث , وَمِمَّا لَمْ يُذْكَر هُنَاكَ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ حَكَى فِي \" الْعِلَل \" أَنَّ أَبَا مُعَاوِيَة رَوَاهُ عَنْ عِيَاض بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه , وَالْمَحْفُوظ عَنْ سَعْد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ أَبِي سَعِيد. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى حُكْم سَعْد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاذ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ ‏ ‏قَوْله فِي آخِره ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْبُخَارِيّ ‏ ‏( أَفْهَمَنِي بَعْض أَصْحَابِي عَنْ أَبِي الْوَلِيد ) ‏ ‏يَعْنِي شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث بِسَنَدِهِ هَذَا ‏ ‏( مِنْ قَوْل أَبِي سَعِيد إِلَى حُكْمك ) ‏ ‏يَعْنِي مِنْ أَوَّل الْحَدِيث إِلَى قَوْله فِيهِ \" عَلَى حُكْمك \" وَصَاحِب الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُحَمَّد بْن سَعْد كَاتِب الْوَاقِدِيّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي الطَّبَقَات عَنْ أَبِي الْوَلِيد بِهَذَا السَّنَد , أَوْ اِبْن الضُّرَيْس فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي \" الشُّعَب \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَيُّوب الرَّازِيِّ عَنْ أَبِي الْوَلِيد , وَشَرَحَهُ الْكَرْمَانِيُّ عَلَى وَجْه آخَر فَقَالَ , قَوْله \" إِلَى حُكْمك \" أَيْ قَالَ الْبُخَارِيّ سَمِعْت أَنَا مِنْ أَبِي الْوَلِيد بِلَفْظِ \" عَلَى حُكْمك \" وَبَعْض أَصْحَابِي نَقَلُوا لِي عَنْهُ بِلَفْظِ \" إِلَى \" بِصِيغَةِ الِانْتِهَاء بَدَل حَرْف الِاسْتِعْلَاء. كَذَا قَالَ , قَالَ اِبْن بَطَّال , فِي هَذَا الْحَدِيث أَمْر الْإِمَام الْأَعْظَم بِإِكْرَامِ الْكَبِير مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَمَشْرُوعِيَّة إِكْرَام أَهْل الْفَضْل فِي مَجْلِس الْإِمَام الْأَعْظَم وَالْقِيَام فِيهِ لِغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابه , وَإِلْزَام النَّاس كَافَّة بِالْقِيَامِ إِلَى الْكَبِير مِنْهُمْ. وَقَدْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قَوْم وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ \" خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا فَقُمْنَا لَهُ فَقَالَ : لَا تَقُومُوا كَمَا تَقُوم الْأَعَاجِم بَعْضهمْ لِبَعْضٍ \" وَأَجَابَ عَنْهُ الطَّبَرِيّ بِأَنَّهُ حَدِيث ضَعِيف مُضْطَرِب السَّنَد فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ , وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ أَنَّ أَبَاهُ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَة فَأَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّل لَهُ الرِّجَال قِيَامًا وَجَبَتْ لَهُ النَّار \" وَأَجَابَ عَنْهُ الطَّبَرِيّ بِأَنَّ هَذَا الْخَبَر إِنَّمَا فِيهِ نَهْي مَنْ يُقَام لَهُ عَنْ السُّرُور بِذَلِكَ , لَا نَهْي مَنْ يَقُوم لَهُ إِكْرَامًا لَهُ. وَأَجَابَ عَنْهُ اِبْن قُتَيْبَة بِأَنَّ مَعْنَاهُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُوم الرِّجَال عَلَى رَأْسه كَمَا يُقَام بَيْن يَدَيْ مُلُوك الْأَعَاجِم , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِهِ نَهْي الرَّجُل عَنْ الْقِيَام لِأَخِيهِ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ. وَاحْتَجَّ اِبْن بَطَّال لِلْجَوَازِ بِمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق عَائِشَة بِنْت طَلْحَة عَنْ عَائِشَة كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى فَاطِمَة بِنْته قَدْ أَقْبَلَتْ رَحَّبَ بِهَا ثُمَّ قَامَ فَقَبَّلَهَا ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهَا حَتَّى يُجْلِسَهَا فِي مَكَانه. قُلْت : وَحَدِيث عَائِشَة هَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم وَأَصْله فِي الصَّحِيح كَمَا مَضَى فِي الْمَنَاقِب وَفِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْقِيَام. وَتَرْجَمَ لَهُ أَبُو دَاوُد \" بَاب الْقِيَام \" وَأَوْرَدَ مَعَهُ فِيهِ حَدِيث أَبِي سَعِيد , وَكَذَا صَنَعَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَزَادَ مَعَهُمَا حَدِيث كَعْب بْن مَالِك فِي قِصَّة تَوْبَته وَفِيهِ \" فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه يُهَرْوِلُ \" وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَحَدِيث أَبِي أُمَامَةَ الْمُبْدَأ بِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ , وَحَدِيث اِبْن بُرَيْدَةَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ رِوَايَة حُسَيْن الْمُعَلِّم عَنْ عَبْد اللَّه اِبْن بُرَيْدَةَ عَنْ مُعَاوِيَة فَذَكَرَهُ وَفِيهِ \" مَا مِنْ رَجُل يَكُون عَلَى النَّاس فَيَقُوم عَلَى رَأْسه الرِّجَال يُحِبّ أَنْ يَكْثُرَ عِنْدَهُ الْخُصُوم فَيَدْخُل الْجَنَّة \" وَلَهُ طَرِيق أُخْرَى عَنْ مُعَاوِيَة أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَالْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ طَرِيق أَبِي مِجْلَز قَالَ \" خَرَجَ مُعَاوِيَة عَلَى اِبْن الزُّبَيْر وَابْن عَامِر , فَقَامَ اِبْن عَامِر وَجَلَسَ اِبْن الزُّبَيْر , فَقَالَ مُعَاوِيَة لِابْنِ عَامِر : اِجْلِسْ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّل لَهُ الرِّجَال قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَده مِنْ النَّار \" هَذَا لَفْظ أَبِي دَاوُد , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ حَبِيب بْن الشَّهِيد عَنْ أَبِي مِجْلَز وَأَحْمَد عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ حَبِيب مِثْله وَقَالَ \" الْعِبَاد \" بَدَل \" الرِّجَال \" وَمِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ حَبِيب مِثْله وَزَادَ فِيهِ \" وَلَمْ يَقُمْ اِبْن الزُّبَيْر وَكَانَ أَرْزَنهمَا , قَالَ : فَقَالَ مَهْ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَقَالَ فِيهِ \" مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّل لَهُ عِبَاد اللَّه قِيَامًا \" وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة عَنْ حَبِيب بِلَفْظِ \" خَرَجَ مُعَاوِيَة فَقَامُوا لَهُ \" وَبَاقِيه كَلَفْظِ حَمَّاد. وَأَمَّا التِّرْمِذِيّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ حَبِيب , وَلَفْظه \" خَرَجَ مُعَاوِيَة فَقَامَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَابْن صَفْوَان حِين رَأَوْهُ فَقَالَ اِجْلِسَا \" فَذَكَرَ مِثْل لَفْظ حَمَّاد , وَسُفْيَان وَإِنْ كَانَ مِنْ رِجَال الْحِفْظ إِلَّا أَنَّ الْعَدَد الْكَثِير وَفِيهِمْ مِثْل شُعْبَة أَوْلَى بِأَنْ تَكُون رِوَايَتهمْ مَحْفُوظَة مِنْ الْوَاحِد , وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ اِبْن الزُّبَيْر لَمْ يَقُمْ , وَأَمَّا إِبْدَال اِبْن عَامِر بِابْنِ صَفْوَان فَسَهْلٌ لِاحْتِمَالِ الْجَمْع بِأَنْ يَكُونَا مَعًا وَقَعَ لَهُمَا ذَلِكَ , وَيُؤَيِّدهُ الْإِتْيَان فِيهِ بِصِيغَةِ الْجَمْع وَفِي رِوَايَة مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة الْمَذْكُور , وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" إِلَى الْجَمْع الْمَنْقُول عَنْ اِبْن قُتَيْبَة فَتَرْجَمَ أَوَّلًا \" بَاب قِيَام الرَّجُل لِأَخِيهِ \" وَأَوْرَدَ الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا , ثُمَّ تَرْجَمَ \" بَاب قِيَام الرَّجُل لِلرَّجُلِ الْقَاعِد \" وَ \" بَاب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَقْعُد وَيَقُوم لَهُ النَّاس \" وَأَوْرَدَ فِيهِمَا , حَدِيث جَابِر \" اِشْتَكَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِد , فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا فَرَآنَا قِيَامًا , فَأَشَارَ إِلَيْنَا فَقَعَدْنَا , فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ , إِنْ كِدْتُمْ لَتَفْعَلُوا فِعْل فَارِس وَالرُّوم , يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكهمْ وَهُمْ قُعُود , فَلَا تَفْعَلُوا \" وَهُوَ حَدِيث صَحِيح أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيّ أَيْضًا قِيَام الرَّجُل لِلرَّجُلِ تَعْظِيمًا , وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث مُعَاوِيَة مِنْ طَرِيق أَبِي مِجْلَز , وَمُحَصَّل الْمَنْقُول عَنْ مَالِك إِنْكَار الْقِيَام مَا دَامَ الَّذِي يُقَام لِأَجْلِهِ لَمْ يَجْلِس وَلَوْ كَانَ فِي شُغْل نَفْسه , فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَة تُبَالِغ فِي إِكْرَام زَوْجهَا فَتَتَلَقَّاهُ وَتَنْزِع ثِيَابه وَتَقِف حَتَّى يَجْلِس فَقَالَ : أَمَّا التَّلَقِّي فَلَا بَأْس بِهِ , وَأَمَّا الْقِيَام حَتَّى يَجْلِس فَلَا فَإِنَّ هَذَا فِعْل الْجَبَابِرَة وَقَدْ أَنْكَرَهُ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي حَدِيث الْبَاب \" جَوَاز إِطْلَاق السَّيِّد \" عَلَى الْخَيِّر الْفَاضِل , وَفِيهِ أَنَّ قِيَام الْمَرْءُوس لِلرَّئِيسِ الْفَاضِل وَالْإِمَام الْعَادِل وَالْمُتَعَلِّم لِلْعَالِمِ مُسْتَحَبّ , وَإِنَّمَا يُكْرَه لِمَنْ كَانَ بِغَيْرِ هَذِهِ الصِّفَات. وَمَعْنَى حَدِيث \" مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُقَام لَهُ \" أَيْ بِأَنْ يُلْزِمَهُمْ بِالْقِيَامِ لَهُ صُفُوفًا عَلَى طَرِيق الْكِبْر وَالنَّخْوَة , وَرَجَّحَ الْمُنْذِرِيُّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْجَمْع عَنْ اِبْن قُتَيْبَة وَالْبُخَارِيّ وَأَنَّ الْقِيَام الْمَنْهِيَّ عَنْهُ أَنْ يُقَام عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِس , وَقَدْ رَدّ اِبْن الْقِيَّمِ فِي \" حَاشِيَة السُّنَن \" عَلَى هَذَا الْقَوْل بِأَنَّ سِيَاق حَدِيث مُعَاوِيَة يَدُلّ عَلَى خِلَاف ذَلِكَ , وَإِنَّمَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ الْقِيَام لَهُ لَمَّا خَرَجَ تَعْظِيمًا , وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُقَال لَهُ الْقِيَام لِلرَّجُلِ وَإِنَّمَا هُوَ الْقِيَام عَلَى رَأْس الرَّجُل أَوْ عِنْد الرَّجُل , قَالَ : وَالْقِيَام يَنْقَسِم إِلَى ثَلَاث مَرَاتِب : قِيَام عَلَى رَأْس الرَّجُل وَهُوَ فِعْل الْجَبَابِرَة , وَقِيَام إِلَيْهِ عِنْد قُدُومه وَلَا بَأْس بِهِ , وَقِيَام لَهُ عِنْد رُؤْيَته وَهُوَ الْمُتَنَازَع فِيهِ. قُلْت : وَوَرَدَ فِي خُصُوص الْقِيَام عَلَى رَأْس الْكَبِير الْجَالِس مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ فِي \" الْأَوْسَط \" عَنْ أَنَس قَالَ \" إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ بِأَنَّهُمْ عَظَّمُوا مُلُوكَهُمْ بِأَنْ قَامُوا وَهُمْ قُعُود \" ثُمَّ حَكَى الْمُنْذِرِيّ قَوْل الطَّبَرِيّ , وَأَنَّهُ قَصَرَ النَّهْي عَلَى مَنْ سَرَّهُ الْقِيَام لَهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَحَبَّة التَّعَاظُم وَرُؤْيَة مَنْزِلَة نَفْسه , وَسَيَأْتِي تَرْجِيح النَّوَوِيّ لِهَذَا الْقَوْل , ثُمَّ نَقَلَ الْمُنْذِرِيّ عَنْ بَعْض مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مُطْلَقًا أَنَّهُ رَدَّ الْحُجَّةَ بِقِصَّةِ سَعْد بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ لِسَعْدٍ لِيُنْزِلُوهُ عَنْ الْحِمَار لِكَوْنِهِ كَانَ مَرِيضًا , قَالَ : وَفِي ذَلِكَ نَظَر. قُلْت : كَأَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَى مُسْتَنَدِ هَذَا الْقَائِل , وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْنَد عَائِشَة عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق عَلْقَمَة بْن وَقَّاص عَنْهَا فِي قِصَّة غَزْوَة بَنِي قُرَيْظَة وَقِصَّة سَعْد بْن مُعَاذ وَمَجِيئِهِ مُطَوَّلًا وَفِيهِ \" قَالَ أَبُو سَعِيد فَلَمَّا طَلَعَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُومُوا إِلَى سَيِّدكُمْ , فَأَنْزَلُوهُ \" وَسَنَدُهُ حَسَن , وَهَذِهِ الزِّيَادَة تَخْدِشُ فِي الِاسْتِدْلَال بِقِصَّةِ سَعْد عَلَى مَشْرُوعِيَّة الْقِيَام الْمُتَنَازَع فِيهِ , وَقَدْ اِحْتَجَّ بِهِ النَّوَوِيّ فِي كِتَاب الْقِيَام وَنَقَلَ عَنْ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَأَبِي دَاوُد أَنَّهُمْ اِحْتَجُّوا بِهِ , وَلَفْظ مُسْلِم : لَا أَعْلَمُ فِي قِيَام الرَّجُل لِلرَّجُلِ حَدِيثًا أَصَحّ مِنْ هَذَا , وَقَدْ اِعْتَرَضَ عَلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو عَبْد اللَّه بْن الْحَاجّ فَقَالَ مَا مُلَخَّصُهُ : لَوْ كَانَ الْقِيَام الْمَأْمُور بِهِ لِسَعْدٍ هُوَ الْمُتَنَازَع فِيهِ لَمَا خَصَّ بِهِ الْأَنْصَار , فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي أَفْعَال الْقُرْب التَّعْمِيم , وَلَوْ كَانَ الْقِيَام لِسَعْدٍ عَلَى سَبِيل الْبِرِّ وَالْإِكْرَام لَكَانَ هُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ مَنْ فَعَلَهُ وَأَمَرَ بِهِ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَكَابِر الصَّحَابَة , فَلَمَّا لَمْ يَأْمُر بِهِ وَلَا فَعَلَهُ وَلَا فَعَلُوهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَمْر بِالْقِيَامِ لِغَيْرِ مَا وَقَعَ فِيهِ النِّزَاع , وَإِنَّمَا هُوَ لِيُنْزِلُوهُ عَنْ دَابَّتِهِ لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْمَرَض كَمَا جَاءَ فِي بَعْض الرِّوَايَات , وَلِأَنَّ عَادَة الْعَرَب أَنَّ الْقَبِيلَة تَخْدُم كَبِيرَهَا فَلِذَلِكَ خَصَّ الْأَنْصَار بِذَلِكَ دُون الْمُهَاجِرِينَ مَعَ أَنَّ الْمُرَاد بَعْضُ الْأَنْصَار لَا كُلُّهُمْ وَهُمْ الْأَوْس مِنْهُمْ لِأَنَّ سَعْد بْن مُعَاذ كَانَ سَيِّدَهُمْ دُون الْخَزْرَج , وَعَلَى تَقْدِير تَسْلِيم أَنَّ الْقِيَام الْمَأْمُور بِهِ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ لِلْإِعَانَةِ فَلَيْسَ هُوَ الْمُتَنَازَع فِيهِ , بَلْ لِأَنَّهُ غَائِب قَدِمَ , وَالْقِيَامُ لِلْغَائِبِ إِذَا قَدِمَ مَشْرُوع قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْقِيَام الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ لِتَهْنِئَتِهِ بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْمَنْزِلَة الرَّفِيعَة مِنْ تَحْكِيمه وَالرِّضَا بِمَا يَحْكُمُ بِهِ , وَالْقِيَام لِأَجْلِ التَّهْنِئَة مَشْرُوع أَيْضًا. ثُمَّ نَقَلَ عَنْ أَبِي الْوَلِيد بْن رُشْدٍ أَنَّ الْقِيَام يَقَع عَلَى أَرْبَعَة أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ مَحْظُورٌ وَهُوَ أَنْ يَقَع لِمَنْ يُرِيد أَنْ يُقَامَ إِلَيْهِ تَكَبُّرًا وَتَعَاظُمًا عَلَى الْقَائِمِينَ إِلَيْهِ , وَالثَّانِي مَكْرُوه وَهُوَ أَنْ يَقَعَ لِمَنْ لَا يَتَكَبَّرُ وَلَا يَتَعَاظَمُ عَلَى الْقَائِمِينَ , لَكِنْ يَخْشَى أَنْ يَدْخُلَ نَفْسَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَا يَحْذَرُ , وَلِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْجَبَابِرَةِ. وَالثَّالِث جَائِز , وَهُوَ أَنْ يَقَعَ عَلَى سَبِيل الْبِرِّ وَالْإِكْرَام لِمَنْ لَا يُرِيد ذَلِكَ وَيُؤْمَن مَعَهُ التَّشَبُّهَ بِالْجَبَابِرَةِ. وَالرَّابِع مَنْدُوب وَهُوَ أَنْ يَقُوم لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَرَحًا بِقُدُومِهِ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ , أَوْ إِلَى مَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَة فَيُهَنِّئُهُ بِحُصُولِهَا أَوْ مُصِيبَة فَيُعَزِّيهِ بِسَبَبِهَا. وَقَالَ التوربشتي فِي \" شَرْح الْمَصَابِيح \" مَعْنَى قَوْله \" قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ \" أَيْ إِلَى إِعَانَتِهِ وَإِنْزَالِهِ مِنْ دَابَّتِهِ , وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد التَّعْظِيم لَقَالَ : قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ. وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه لَيْسَ لِلتَّعْظِيمِ أَنْ لَا يَكُون لِلْإِكْرَامِ , وَمَا اِعْتَلَّ بِهِ مِنْ الْفَرْق بَيْن إِلَى وَاللَّام ضَعِيف لِأَنَّ إِلَى فِي هَذَا الْمَقَام أَفْخَمُ مِنْ اللَّام كَأَنَّهُ قِيلَ قُومُوا وَامْشُوا إِلَيْهِ تَلَقِّيًّا وَإِكْرَامًا , وَهَذَا مَأْخُوذ مِنْ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْف الْمُنَاسِب الْمُشْعِر بِالْعِلِّيَّةِ , فَإِنَّ قَوْله سَيِّدكُمْ عِلَّة لِلْقِيَامِ لَهُ , وَذَلِكَ لِكَوْنِهِ شَرِيفًا عَلِيَّ الْقَدْر. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : الْقِيَام عَلَى وَجْه الْبِرِّ وَالْإِكْرَام جَائِز كَقِيَامِ الْأَنْصَار لِسَعْدٍ وَطَلْحَة لِكَعْبٍ , وَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ يُقَام لَهُ أَنْ يَعْتَقِد اِسْتِحْقَاقَهُ لِذَلِكَ حَتَّى إِنْ تَرَكَ الْقِيَام لَهُ حَنِقَ عَلَيْهِ أَوْ عَاتَبَهُ أَوْ شَكَاهُ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : وَضَابِط ذَلِكَ أَنَّ كُلّ أَمْر نَدَبَ الشَّرْع الْمُكَلَّف بِالْمَشْيِ إِلَيْهِ فَتَأَخَّرَ حَتَّى قَدِمَ الْمَأْمُور لِأَجْلِهِ فَالْقِيَام إِلَيْهِ يَكُون عِوَضًا عَنْ الْمَشْي الَّذِي فَاتَ , وَاحْتَجَّ النَّوَوِيّ أَيْضًا بِقِيَامِ طَلْحَة لِكَعْبِ بْن مَالِك. وَأَجَابَ اِبْن الْحَاجّ بِأَنَّ طَلْحَة إِنَّمَا قَامَ لِتَهْنِئَتِهِ وَمُصَافَحَته وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيّ لِلْقِيَامِ , وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ فِي الْمُصَافَحَة , وَلَوْ كَانَ قِيَامه مَحَلَّ النِّزَاع لَمَا اِنْفَرَدَ بِهِ , فَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ لَهُ وَلَا أَمَرَ بِهِ وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِمَّنْ حَضَرَ , وَإِنَّمَا اِنْفَرَدَ طَلْحَة لِقُوَّةِ الْمَوَدَّة بَيْنهمَا عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَة أَنَّ التَّهْنِئَةَ وَالْبِشَارَةَ وَنَحْو ذَلِكَ تَكُون عَلَى قَدْر الْمَوَدَّة وَالْخُلْطَة بِخِلَافِ السَّلَام فَإِنَّهُ مَشْرُوع عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِف. وَالتَّفَاوُت فِي الْمَوَدَّة يَقَع بِسَبَبِ التَّفَاوُت فِي الْحُقُوق وَهُوَ أَمْر مَعْهُود. قُلْت : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون مَنْ كَانَ لِكَعْبٍ عِنْده مِنْ الْمَوَدَّة مِثْل مَا عِنْد طَلْحَة لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى وُقُوع الرِّضَا عَنْ كَعْب وَاطَّلَعَ عَلَيْهِ طَلْحَةُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَقِبَ مَنْع النَّاس مِنْ كَلَامه مُطْلَقًا , وَفِي قَوْل كَعْب \" لَمْ يَقُمْ إِلَيَّ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْره \" إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ قَامَ إِلَيْهِ غَيْره مِنْ الْأَنْصَار ثُمَّ قَالَ اِبْن الْحَاجّ : وَإِذَا حُمِلَ فِعْلُ طَلْحَة عَلَى مَحَلِّ النِّزَاع لَزِمَ أَنْ يَكُون مَنْ حَضَرَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ قَدْ تَرَكَ الْمَنْدُوب , وَلَا يُظَنُّ بِهِمْ ذَلِكَ. وَاحْتَجَّ النَّوَوِيّ بِحَدِيثِ عَائِشَة الْمُتَقَدِّم فِي حَقّ فَاطِمَة. وَأَجَابَ عَنْهُ اِبْن الْحَاجّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْقِيَام لَهَا لِأَجْلِ إِجْلَاسهَا فِي مَكَانه إِكْرَامًا لَهَا لَا عَلَى وَجْه الْقِيَام الْمُنَازَع فِيهِ , وَلَا سِيَّمَا مَا عُرِفَ مِنْ ضِيِق بُيُوتهمْ وَقِلَّة الْفُرُش فِيهَا , فَكَانَتْ إِرَادَة إِجْلَاسه لَهَا فِي مَوْضِعه مُسْتَلْزِمَة لِقِيَامِهِ , وَأَمْعَنَ فِي بَسْطِ ذَلِكَ. وَاحْتَجَّ النَّوَوِيّ أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِسًا يَوْمًا فَأَقْبَلَ أَبُوهُ مِنْ الرَّضَاعَة فَوَضَعَ لَهُ بَعْض ثَوْبه فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمّه فَوَضَعَ لَهَا شِقَّ ثَوْبه مِنْ الْجَانِب الْآخَر ثُمَّ أَقْبَلَ أَخُوهُ مِنْ الرَّضَاعَة فَقَامَ فَأَجْلَسَهُ بَيْن يَدَيْهِ. وَاعْتَرَضَهُ اِبْن الْحَاجّ بِأَنَّ هَذَا الْقِيَام لَوْ كَانَ مَحَلّ النِّزَاع لَكَانَ الْوَالِدَانِ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْأَخ , وَإِنَّمَا قَامَ لِلْأَخِ إِمَّا لِأَنْ يُوَسِّع لَهُ فِي الرِّدَاء أَوْ فِي الْمَجْلِس. وَاحْتَجَّ النَّوَوِيّ أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ مَالِك فِي قِصَّة عِكْرِمَة بْن أَبِي جَهْل أَنَّهُ لَمَّا فَرَّ إِلَى الْيَمَنِ يَوْم الْفَتْح وَرَحَلَتْ اِمْرَأَته إِلَيْهِ حَتَّى أَعَادَتْهُ إِلَى مَكَّة مُسْلِمًا فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَ إِلَيْهِ فَرِحًا وَمَا عَلَيْهِ رِدَاء , وَبِقِيَامِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ جَعْفَر مِنْ الْحَبَشَة فَقَالَ : مَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أَنَا أُسَرُّ بِقُدُومِ جَعْفَر أَوْ بِفَتْحِ خَيْبَر , وَبِحَدِيثِ عَائِشَة \" قَدِمَ زَيْد بْن حَارِثَة الْمَدِينَة وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي فَقَرَعَ الْبَاب فَقَامَ إِلَيْهِ فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ \" وَأَجَابَ اِبْن الْحَاجّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَحَلّ النِّزَاع كَمَا تَقَدَّمَ. وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثنَا فَإِذَا قَامَ قُمْنَا قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ دَخَلَ. وَأَجَابَ اِبْن الْحَاجّ بِأَنَّ قِيَامهمْ كَانَ لِضَرُورَةِ الْفَرَاغ لِيَتَوَجَّهُوا إِلَى أَشْغَالهمْ , وَلِأَنَّ بَيْته كَانَ بَابه فِي الْمَسْجِد وَالْمَسْجِد لَمْ يَكُنْ وَاسِعًا إِذْ ذَاكَ فَلَا يَتَأَتَّى أَنْ يَسْتَوُوا قِيَامًا إِلَّا وَهُوَ قَدْ دَخَلَ. كَذَا قَالَ. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي فِي الْجَوَاب أَنْ يُقَال : لَعَلَّ سَبَب تَأْخِيرهمْ حَتَّى يَدْخُل لِمَا يَحْتَمِل عِنْدهمْ مِنْ أَمْرٍ يَحْدُث لَهُ حَتَّى لَا يَحْتَاج إِذَا تَفَرَّقُوا أَنْ يَتَكَلَّف اِسْتِدْعَاءَهُمْ. ثُمَّ رَاجَعْت سُنَن أَبِي دَاوُد فَوَجَدْت فِي آخِرِ الْحَدِيث مَا يُؤَيِّد مَا قُلْته , وَهُوَ قِصَّة الْأَعْرَابِيّ الَّذِي جَبَذَ رِدَاءَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا رَجُلًا فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْمِل لَهُ عَلَى بَعِيره تَمْرًا وَشَعِيرًا , وَفِي آخِره \" ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ : اِنْصَرِفُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى \" ثُمَّ اِحْتَجَّ النَّوَوِيّ بِعُمُومَاتِ تَنْزِيل النَّاس مَنَازِلهمْ وَإِكْرَام ذِي الشَّيْبَة وَتَوْقِير الْكَبِير. وَاعْتَرَضَهُ اِبْن الْحَاجّ بِمَا حَاصِله أَنَّ الْقِيَام عَلَى سَبِيل الْإِكْرَام دَاخِل فِي الْعُمُومَاتِ الْمَذْكُورَة , لَكِنَّ مَحَلّ النِّزَاع قَدْ ثَبَتَ النَّهْي عَنْهُ فَيُخَصّ مِنْ الْعُمُومَاتِ. وَاسْتَدَلَّ النَّوَوِيّ أَيْضًا بِقِيَامِ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة عَلَى رَأْس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسَّيْفِ وَاعْتَرَضَهُ اِبْن الْحَاجّ بِأَنَّهُ كَانَ بِسَبَبِ الذَّبّ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة مِنْ أَذَى مَنْ يَقْرَب مِنْهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَلَيْسَ هُوَ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاع. ثُمَّ ذَكَرَ النَّوَوِيّ حَدِيث مُعَاوِيَة وَحَدِيث أَبِي أُمَامَةَ الْمُتَقَدِّمَيْنِ , وَقَدَّمَ قَبْل ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ أَنَس قَالَ \" لَمْ يَكُنْ شَخْص أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَته لِذَلِكَ \" قَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن صَحِيح غَرِيب , وَتَرْجَمَ لَهُ \" بَاب كَرَاهِيَة قِيَام الرَّجُل لِلرَّجُلِ \" وَتَرْجَمَ لِحَدِيثِ مُعَاوِيَة \" بَاب كَرَاهِيَة الْقِيَام لِلنَّاسِ \" قَالَ النَّوَوِيّ : وَحَدِيث أَنَس أَقْرَب مَا يُحْتَجُّ بِهِ , وَالْجَوَاب عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِمْ الْفِتْنَة إِذَا أَفْرَطُوا فِي تَعْظِيمه فَكَرِهَ قِيَامهمْ لَهُ لِهَذَا الْمَعْنَى كَمَا قَالَ \" لَا تُطْرُونِي \" وَلَمْ يَكْرَهْ قِيَام بَعْضهمْ لِبَعْضٍ , فَإِنَّهُ قَدْ قَامَ لِبَعْضِهِمْ وَقَامُوا لِغَيْرِهِ بِحَضْرَتِهِ فَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِمْ بَلْ أَقَرَّهُ وَأَمَرَ بِهِ. ثَانِيهمَا أَنَّهُ كَانَ بَيْنه وَبَيْن أَصْحَابه مِنْ الْأُنْس وَكَمَال الْوُدّ وَالصَّفَاء مَا لَا يَحْتَمِل زِيَادَة بِالْإِكْرَامِ بِالْقِيَامِ , فَلَمْ يَكُنْ فِي الْقِيَام مَقْصُود , وَإِنْ فُرِضَ لِلْإِنْسَانِ صَاحِب بِهَذِهِ الْحَالَة لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْقِيَام. وَاعْتَرَضَ اِبْن الْحَاجّ بِأَنَّهُ لَا يَتِمّ الْجَوَاب الْأَوَّل إِلَّا لَوْ سَلَّمَ أَنَّ الصَّحَابَة لَمْ يَكُونُوا يَقُومُونَ لِأَحَدٍ أَصْلًا , فَإِذَا خَصُّوهُ بِالْقِيَامِ لَهُ دَخَلَ فِي الْإِطْرَاء , لَكِنَّهُ قَرَّرَ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ فَكَيْفَ يُسَوَّغُ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا مَعَ غَيْره مَا لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ الْإِطْرَاء وَيَتْرُكُوهُ فِي حَقّه ؟ فَإِنْ كَانَ فِعْلهمْ ذَلِكَ لِلْإِكْرَامِ فَهُوَ أَوْلَى بِالْإِكْرَامِ لِأَنَّ الْمَنْصُوص عَلَى الْأَمْر بِتَوْقِيرِهِ فَوْق غَيْره , فَالظَّاهِر أَنَّ قِيَامهمْ لِغَيْرِهِ إِنَّمَا كَانَ لِضَرُورَةِ قُدُوم أَوْ تَهْنِئَة أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَاب الْمُتَقَدِّمَة لَا عَلَى صُورَة مَحَلّ النِّزَاع , وَأَنَّ كَرَاهَته لِذَلِكَ إِنَّمَا هِيَ فِي صُورَة مَحَلِّ النِّزَاع أَوْ لِلْمَعْنَى الْمَذْمُوم فِي حَدِيث مُعَاوِيَة. قَالَ : وَالْجَوَاب عَنْ الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ عَكَسَ فَقَالَ : إِنْ كَانَ الصَّاحِب لَمْ تَتَأَكَّد صُحْبَتُهُ لَهُ وَلَا عَرَفَ قَدْره فَهُوَ مَعْذُور بِتَرْكِ الْقِيَام بِخِلَافِ مَنْ تَأَكَّدَتْ صُحْبَتُهُ لَهُ وَعَظُمَتْ مَنْزِلَته مِنْهُ وَعَرَفَ مِقْدَاره لَكَانَ مُتَّجَهًا فَإِنَّهُ يَتَأَكَّد فِي حَقّه مَزِيد الْبِرّ وَالْإِكْرَام وَالتَّوْقِير أَكْثَر مِنْ غَيْره , قَالَ : وَيَلْزَم عَلَى قَوْله أَنَّ مَنْ كَانَ أَحَقّ بِهِ وَأَقْرَب مِنْهُ مَنْزِلَة كَانَ أَقَلّ تَوْقِيرًا لَهُ مِمَّنْ بَعُدَ لِأَجْلِ الْأُنْس وَكَمَال الْوُدّ , وَالْوَاقِع فِي صَحِيح الْأَخْبَار خِلَاف ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّة السَّهْو وَفِي الْقَوْم أَبُو بَكْر وَعُمَر فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ , وَقَدْ كَلَّمَهُ ذُو الْيَدَيْنِ مَعَ بُعْد مَنْزِلَته مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَبِي بَكْر وَعُمَر , قَالَ : وَيَلْزَم عَلَى هَذَا أَنَّ خَوَاصّ الْعَالِمِ وَالْكَبِير وَالرَّئِيس لَا يُعَظِّمُونَهُ وَلَا يُوَقِّرُونَهُ لَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِغَيْرِهِ بِخِلَافِ مَنْ بَعُدَ مِنْهُ , وَهَذَا خِلَاف مَا عَلَيْهِ عَمَل السَّلَف وَالْخَلَف اِنْتَهَى كَلَامه. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الْجَوَاب عَنْ حَدِيث مُعَاوِيَة : إِنَّ الْأَصَحّ وَالْأَوْلَى , بَلْ الَّذِي لَا حَاجَة إِلَى مَا سِوَاهُ , أَنَّ مَعْنَاهُ زَجْرُ الْمُكَلَّف أَنْ يُحِبَّ قِيَام النَّاس لَهُ. قَالَ : وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْقِيَامِ بِمَنْهِيٍّ وَلَا غَيْره , وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ : وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَحَبَّة الْقِيَام , فَلَوْ لَمْ يَخْطِر بِبَالِهِ فَقَامُوا لَهُ أَوْ لَمْ يَقُومُوا فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ , فَإِنْ أَحَبَّ اِرْتَكَبَ التَّحْرِيم سَوَاء قَامُوا أَوْ لَمْ يَقُومُوا. قَالَ : فَلَا يَصِحّ الِاحْتِجَاج بِهِ لِتَرْكِ الْقِيَام. فَإِنْ قِيلَ : فَالْقِيَام سَبَب لِلْوُقُوعِ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ , قُلْنَا : هَذَا فَاسِد , لِأَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ الْوُقُوع فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ يَتَعَلَّق بِالْمَحَبَّةِ خَاصَّة اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَاعْتَرَضَهُ اِبْن الْحَاجّ بِأَنَّ الصَّحَابِيّ الَّذِي تَلَقَّى ذَلِكَ مِنْ صَاحِب الشَّرْع قَدْ فَهِمَ مِنْهُ النَّهْي عَنْ الْقِيَام الْمُوقِع لِلَّذِي يُقَام لَهُ فِي الْمَحْذُور , فَصَوَّبَ فِعْل مَنْ اِمْتَنَعَ مِنْ الْقِيَام دُون مَنْ قَامَ , وَأَقَرُّوهُ عَلَى ذَلِكَ , وَكَذَا قَالَ اِبْن الْقِيَّمِ فِي حَوَاشِي السُّنَن : فِي سِيَاق حَدِيث مُعَاوِيَة رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا هُوَ فِي حَقّ مَنْ يَقُوم الرِّجَال بِحَضْرَتِهِ ; لِأَنَّ مُعَاوِيَة إِنَّمَا رَوَى الْحَدِيث حِين خَرَجَ فَقَامُوا لَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ اِبْن الْحَاجّ مِنْ الْمَفَاسِد الَّتِي تَتَرَتَّب عَلَى اِسْتِعْمَال الْقِيَام أَنَّ الشَّخْص صَارَ لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ التَّفْصِيل بَيْن مَنْ يُسْتَحَبّ إِكْرَامه وَبِرّه كَأَهْلِ الدِّين وَالْخَيْر وَالْعِلْم. أَوْ يَجُوز كَالْمَسْتُورِينَ , وَبَيْن مَنْ لَا يَجُوز كَالظَّالِمِ الْمُعْلِن بِالظُّلْمِ أَوْ يُكْرَه كَمَنْ لَا يَتَّصِفُ بِالْعَدَالَةِ وَلَهُ جَاهٌ , فَلَوْلَا اِعْتِيَاد الْقِيَام مَا اِحْتَاجَ أَحَد أَنْ يَقُوم لِمَنْ يَحْرُم إِكْرَامه أَوْ يُكْرَهُ , بَلْ جَرَّ ذَلِكَ إِلَى اِرْتِكَاب النَّهْي لِمَا صَارَ يَتَرَتَّب عَلَى التَّرْك مِنْ الشَّرّ. وَفِي الْجُمْلَة مَتَى صَارَ تَرْكُ الْقِيَام يُشْعِرُ بِالِاسْتِهَانَةِ أَوْ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَفْسَدَة اِمْتَنَعَ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ اِبْن عَبْد السَّلَام. وَنَقَلَ اِبْن كَثِير فِي تَفْسِيره عَنْ بَعْض الْمُحَقِّقِينَ التَّفْصِيل فِيهِ فَقَالَ : الْمَحْذُور أَنْ يُتَّخَذ دَيْدَنًا كَعَادَةِ الْأَعَاجِم كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث أَنَس , وَأَمَّا إِنْ كَانَ لِقَادِمٍ مِنْ سَفَر أَوْ لِحَاكِمٍ فِي مَحَلِّ وِلَايَته فَلَا بَأْس بِهِ. قُلْت : وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي أَجْوِبَة اِبْن الْحَاجّ كَالتَّهْنِئَةِ لِمَنْ حَدَثَتْ لَهُ نِعْمَة أَوْ لِإِعَانَةِ الْعَاجِز أَوْ لِتَوْسِيعِ الْمَجْلِس أَوْ غَيْر ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيّ : الْقِيَام عَلَى سَبِيل الْإِعْظَام مَكْرُوه وَعَلَى سَبِيل الْإِكْرَام لَا يُكْرَه. وَهَذَا تَفْصِيل حَسَن. قَالَ اِبْن التِّين : قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ \" ضَبَطْنَاهُ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيِّ بِفَتْحِ اللَّام أَيْ جِبْرِيل فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ اللَّه , وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ بِكَسْرِ اللَّام أَيْ بِحُكْمِ اللَّه أَيْ صَادَفْت حُكْم اللَّه. ‏"
    },
    {
        "id": "5792",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِأَنَسٍ ‏ ‏أَكَانَتْ الْمُصَافَحَةُ فِي ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ قَتَادَة قُلْت لِأَنَس بْن مَالِك : أَكَانَتْ الْمُصَافَحَة فِي أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته عَنْ هَمَّام \" قَالَ قَتَادَة وَكَانَ الْحَسَن يَعْنِي الْبَصْرِيّ يُصَافِح \" وَجَاءَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس \" قِيلَ يَا رَسُول اللَّه الرَّجُل يَلْقَى أَخَاهُ أَيَنْحَنِي لَهُ ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : فَيَأْخُذ بِيَدِهِ وَيُصَافِحهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَسَن. قَالَ اِبْن بَطَّال : الْمُصَافَحَة حَسَنَة عِنْد عَامَّة الْعُلَمَاء , وَقَدْ اِسْتَحَبَّهَا مَالِك بَعْد كَرَاهَته. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْمُصَافَحَة سُنَّة مُجْمَع عَلَيْهَا عِنْد التَّلَاقِي. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ الْبَرَاء رَفَعَه \" مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْل أَنْ يَتَفَرَّقَا \" وَزَادَ فِيهِ اِبْن السُّنِّيّ \" وَتَكَاشَرَا بِوُدٍّ وَنَصِيحَة \" وَفِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ , وَحَمِدَا اللَّه وَاسْتَغْفَرَاهُ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو بَكْر الرُّوْيَانِيّ فِي مُسْنَده مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْبَرَاء \" لَقِيت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَافَحَنِي , فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه كُنْت أَحْسِب أَنَّ هَذَا مِنْ زِيّ الْعَجَم , فَقَالَ : نَحْنُ أَحَقّ بِالْمُصَافَحَةِ \" فَذَكَرَ نَحْو سِيَاق الْخَبَر الْأَوَّل. وَفِي مُرْسَل عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ فِي الْمُوَطَّأ \" تَصَافَحُوا يَذْهَب الْغِلّ \" وَلَمْ نَقِف عَلَيْهِ مَوْصُولًا , وَاقْتَصَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَلَى شَوَاهِده مِنْ حَدِيث الْبَرَاء وَغَيْره , قَالَ النَّوَوِيّ : وَأَمَّا تَخْصِيص الْمُصَافَحَة بِمَا بَعْد صَلَاتَيْ الصُّبْح وَالْعَصْر فَقَدْ مَثَّلَ اِبْن عَبْد السَّلَام فِي \" الْقَوَاعِد \" الْبِدْعَة الْمُبَاحَة مِنْهَا. قَالَ النَّوَوِيّ : وَأَصْل الْمُصَافَحَة سُنَّة , وَكَوْنهمْ حَافَظُوا عَلَيْهَا فِي بَعْض الْأَحْوَال لَا يُخْرِج ذَلِكَ عَنْ أَصْل السُّنَّة. قُلْت : لِلنَّظَرِ فِيهِ مَجَال , فَإِنَّ أَصْل صَلَاة النَّافِلَة سُنَّة مُرَغَّب فِيهَا , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدَ كَرِهَ الْمُحَقِّقُونَ تَخْصِيص وَقْت بِهَا دُون وَقْت , وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ تَحْرِيم مِثْل ذَلِكَ كَصَلَاةِ الرَّغَائِب الَّتِي لَا أَصْل لَهَا , وَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُوم الْأَمْر بِالْمُصَافَحَةِ الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة وَالْأَمْرَد الْحَسَن. ‏"
    },
    {
        "id": "5793",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حَيْوَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَدَّهُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي حَيْوَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْوَاو بَيْنهمَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة وَآخِرهَا هَاء تَأْنِيث هُوَ اِبْن شُرَيْح الْمِصْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعَ جَدّه عَبْد اللَّه بْن هِشَام ) ‏ ‏أَيْ اِبْن زُهْرَة بْن عُثْمَان مِنْ بَنِي تَمِيم بْن مُرَّة. ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذ بِيَدِ عُمَر بْن الْخَطَّاب ) ‏ ‏كَذَا اِخْتَصَرَهُ , وَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي مَنَاقِب عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ. وَأَغْفَلَ الْمِزِّيّ ذِكْره هُنَا. وَلَمْ يَقَع فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ أَيْضًا. وَذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ هُنَا مِنْ رِوَايَة رِشْدِين بْن سَعْد وَابْن لَهِيعَة جَمِيعًا عَنْ زُهْرَة بْن مَعْبَد بِتَمَامِهِ , وَأَسْقَطَهُ مِنْ كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور. وَابْن لَهِيعَة وَرِشْدِين لَيْسَا مِنْ شَرْط الصَّحِيح , وَلَمْ يَقَع لِأَبِي نُعَيْم أَيْضًا مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ حَيْوَةَ , فَأَخْرَجَهُ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور بِتَمَامِهِ مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ , وَأَخْرَجَ الْقَدْر الْمُخْتَصَر هُنَا مِنْ رِوَايَة أَبِي زُرْعَة وَهْب اللَّه بْن رَاشِد عَنْ زُهْرَة بْن مَعْبَد , وَوَهْب اللَّه هَذَا مُخْتَلَف فِيهِ , وَلَيْسَ مِنْ رِجَال الصَّحِيح , وَوَجْه إِدْخَال هَذَا الْحَدِيث فِي الْمُصَافَحَة أَنَّ الْأَخْذ بِالْيَدِ يَسْتَلْزِم اِلْتِقَاء صَفْحَة الْيَد بِصَفْحَةِ الْيَد غَالِبًا وَمِنْ ثَمَّ أَفْرَدَهَا بِتَرْجَمَةٍ تَلِي هَذِهِ لِجَوَازِ وُقُوع الْأَخْذ بِالْيَدِ مِنْ غَيْر حُصُول الْمُصَافَحَة , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : رَوَى اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك أَنَّهُ كَرِهَ الْمُصَافَحَة وَالْمُعَانَقَة , وَذَهَبَ إِلَى هَذَا سَحْنُون وَجَمَاعَة , وَقَدْ جَاءَ عَنْ مَالِك جَوَاز الْمُصَافَحَة , وَهُوَ الَّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ صَنِيعه فِي الْمُوَطَّأ , وَعَلَى جَوَازه جَمَاعَة الْعُلَمَاء سَلَفًا وَخَلَفًا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5794",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَيْفٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُجَاهِدًا ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ ‏ ‏التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا السَّلَامُ ‏ ‏يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَلَّمَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَفِّي بَيْن كَفَّيْهِ التَّشَهُّد ) ‏ ‏كَذَا عِنْده بِتَأْخِيرِ الْمَفْعُول عَنْ الْجُمْلَة الْحَالِيَّة. وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة الْآتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا بِتَقْدِيمِ الْمَفْعُول وَهُوَ لَفْظ التَّشَهُّد. ‏ ‏قَوْله فِي آخِره ( وَهُوَ بَيْن ظَهْرَانَيْنَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة ثُمَّ نُون أَصْله ظَهْرنَا وَالتَّثْنِيَة بِاعْتِبَارِ الْمُتَقَدِّم عَنْهُ وَالْمُتَأَخِّر أَيْ كَائِن بَيْننَا وَالْأَلِف وَالنُّون زِيَادَة لِلتَّأْكِيدِ وَلَا يَجُوز كَسْر النُّون الْأُولَى قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا السَّلَام يَعْنِي عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَكَذَا جَاءَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث التَّشَهُّد هَذَا فِي أَوَاخِر صِفَة الصَّلَاة قُبَيْل كِتَاب الْجُمُعَة مِنْ رِوَايَة شَقِيق بْن سَلَمَة عَنْ اِبْن مَسْعُود وَلَيْسَتْ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَة , وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى وَأَمَّا هَذِهِ الزِّيَادَة فَظَاهِرهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ \" السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ \" بِكَافِ الْخِطَاب فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكُوا الْخِطَاب وَذَكَرُوهُ بِلَفْظِ الْغَيْبَة فَصَارُوا يَقُولُونَ \" السَّلَام عَلَى النَّبِيّ \" وَأَمَّا قَوْله فِي آخِره \" يَعْنِي عَلَى النَّبِيّ \" فَالْقَائِل \" يَعْنِي \" هُوَ الْبُخَارِيّ , وَإِلَّا فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة فِي مُسْنَده وَمُصَنَّفه عَنْ أَبِي نُعَيْم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ فِي آخِره \" فَلَمَّا قُبِضَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا السَّلَام عَلَى النَّبِيّ \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر , وَقَدْ أَشْبَعْت الْقَوْل فِي هَذَا عِنْد شَرْح الْحَدِيث الْمَذْكُور , قَالَ اِبْن بَطَّال : الْأَخْذ بِالْيَدِ هُوَ مُبَالَغَة الْمُصَافَحَة وَذَلِكَ مُسْتَحَبّ عِنْد الْعُلَمَاء , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفُوا فِي تَقْبِيل الْيَد فَأَنْكَرَهُ مَالِك وَأَنْكَرَ مَا رُوِيَ فِيهِ , وَأَجَازَهُ آخَرُونَ وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَر أَنَّهُمْ \" لَمَّا رَجَعُوا مِنْ الْغَزْو حَيْثُ فَرُّوا قَالُوا نَحْنُ الْفَرَّارُونَ , فَقَالَ : بَلْ أَنْتُمْ الْعَكَّارُونَ أَنَا فِئَة الْمُؤْمِنِينَ , قَالَ فَقَبَّلْنَا يَده \" قَالَ \" وَقَبَّلَ أَبُو لُبَابَة وَكَعْب بْن مَالِك وَصَاحِبَاهُ يَد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين تَابَ اللَّه عَلَيْهِمْ \" ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيّ , وَقَبَّلَ أَبُو عُبَيْدَة يَد عُمَر حِين قَدِمَ , وَقَبَّلَ زَيْد بْن ثَابِت يَد اِبْن عَبَّاس حِين أَخَذَ اِبْن عَبَّاس بِرِكَابِهِ , قَالَ الْأَبْهَرِيّ : وَإِنَّمَا كَرِهَهَا مَالِك إِذَا كَانَتْ عَلَى وَجْه التَّكَبُّر وَالتَّعَظُّم , وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ عَلَى وَجْه الْقُرْبَة إِلَى اللَّه لِدِينِهِ أَوْ لِعِلْمِهِ أَوْ لِشَرَفِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِز. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَذَكَرَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث صَفْوَان بْن عَسَّال \" أَنَّ يَهُودِيَّيْنِ أَتَيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْع آيَات \" الْحَدِيث وَفِي آخِره \" فَقَبَّلَا يَده وَرِجْله \" قَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن صَحِيح قُلْت : حَدِيث اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَأَبُو دَاوُدَ , وَحَدِيث أَبِي لُبَابَة أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" وَابْن الْمُقْرِي , وَحَدِيث كَعْب وَصَاحِبَيْهِ أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُقْرِي , وَحَدِيث أَبِي عُبَيْدَة أَخْرَجَهُ سُفْيَان فِي جَامِعه , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْن الْمُقْرِي , وَحَدِيث صَفْوَان أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم. وَقَدْ جَمَعَ الْحَافِظ أَبُو بَكْر بْن الْمُقْرِي جُزْءًا فِي تَقْبِيل الْيَد سَمِعْنَاهُ , أَوْرَدَ فِيهِ أَحَادِيث كَثِيرَة وَآثَارًا , فَمِنْ جَيِّدهَا حَدِيث الزَّارِع الْعَبْدِيّ وَكَانَ فِي وَفْد عَبْد الْقَيْس قَالَ \" فَجَعَلْنَا نَتَبَادَر مِنْ رَوَاحِلنَا فَنُقَبِّل يَد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْله \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَمِنْ حَدِيث مَزِيدَة الْعَصَرِيّ مِثْله , وَمِنْ حَدِيث أُسَامَة بْن شَرِيك قَالَ \" قُمْنَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلْنَا يَده \" وَسَنَده قَوِيّ وَمِنْ حَدِيث جَابِر \" أَنَّ عُمَر قَامَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَ يَده \" وَمِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ فِي قِصَّة الْأَعْرَابِيّ وَالشَّجَرَة فَقَالَ \" يَا رَسُول اللَّه اِئْذَنْ لِي أَنْ أُقَبِّل رَأَسَك وَرِجْلَيْك فَأَذِنَ لَهُ \" وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن رَزِين قَالَ \" أَخْرَجَ لَنَا سَلَمَة بْن الْأَكْوَع كَفًّا لَهُ ضَخْمَة كَأَنَّهَا كَفّ بَعِير فَقُمْنَا إِلَيْهَا فَقَبَّلْنَاهَا \" وَعَنْ ثَابِت أَنَّهُ قَبَّلَ يَد أَنَس , وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا قَبَّلَ يَد الْعَبَّاس وَرِجْله , وَأَخْرَجَهُ اِبْن الْمُقْرِي , وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق أَبِي مَالِك الْأَشْجَعِي قَالَ : قُلْت لِابْنِ أَبِي أَوْفَى نَاوِلْنِي يَدك الَّتِي بَايَعْت بِهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَاوَلَنِيهَا فَقَبَّلْتهَا. قَالَ النَّوَوِيّ : تَقْبِيل يَد الرَّجُل لِزُهْدِهِ وَصَلَاحه أَوْ عِلْمه أَوْ شَرَفه أَوْ صِيَانَته أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور الدِّينِيَّة لَا يُكْرَه بَلْ يُسْتَحَبّ , فَإِنْ كَانَ لِغِنَاهُ أَوْ شَوْكَته أَوْ جَاهه عِنْد أَهْل الدُّنْيَا فَمَكْرُوه شَدِيد الْكَرَاهَة وَقَالَ أَبُو سَعِيد الْمُتَوَلِّي : لَا يَجُوز. ‏"
    },
    {
        "id": "5795",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَلِيًّا يَعْنِي ابْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَنْبَسَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَقَالَ النَّاسُ يَا ‏ ‏أَبَا حَسَنٍ ‏ ‏كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا فَأَخَذَ بِيَدِهِ ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏فَقَالَ أَلَا تَرَاهُ أَنْتَ وَاللَّهِ بَعْدَ الثَّلَاثِ عَبْدُ الْعَصَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأُرَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَيُتَوَفَّى فِي وَجَعِهِ وَإِنِّي لَأَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ‏ ‏بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏الْمَوْتَ فَاذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَسْأَلَهُ فِيمَنْ يَكُونُ الْأَمْرُ فَإِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا أَمَرْنَاهُ فَأَوْصَى بِنَا قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏وَاللَّهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَمْنَعُنَا لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ أَبَدًا وَإِنِّي لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبَدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ كَمَا بَيَّنْته فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ لَعَلَّهُ اِبْن مَنْصُور لِأَنَّهُ رَوَى عَنْ بِشْر بْن شُعَيْب فِي \" بَاب مَرَض النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". قُلْت : وَهُوَ اِسْتِدْلَال عَلَى الشَّيْء بِنَفْسِهِ لِأَنَّ الْحَدِيث الْمَذْكُور هُنَاكَ وَهُنَا وَاحِد وَالصِّيغَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدَة فَكَانَ حَقّه إِنْ قَامَ الدَّلِيل عِنْده عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِإِسْحَاق هُنَاكَ اِبْن مَنْصُور أَنْ يَقُول هُنَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة. ‏ ‏قَوْله ( وَحَدَّثَنَا أَحْمَد بْن صَالِح ) ‏ ‏هُوَ إِسْنَاد آخَر إِلَى الزُّهْرِيّ يَرُدّ عَلَى مَنْ ظَنَّ اِنْفِرَاد شُعَيْب بِهِ , وَقَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ , وَلَمْ أَسْتَحْضِر حِينَئِذٍ رِوَايَة يُونُس هَذِهِ , فَهُمْ عَلَى هَذَا ثَلَاثَة مِنْ حُفَّاظ أَصْحَاب الزُّهْرِيّ رَوَوْهُ عَنْهُ , وَسِيَاق الْمُصَنِّف عَلَى لَفْظ أَحْمَد بْن صَالِح هَذَا , وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظ شُعَيْب , وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب وَقَدْ ذَكَرْتُ شَرْحَهُ هُنَاكَ. قَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب : تَرْجَمَ لِلْمُعَانَقَةِ وَلَمْ يَذْكُرهَا فِي الْبَاب , وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ مُعَانَقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَسَنِ الْحَدِيث الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي \" بَاب مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَسْوَاق \" فِي كِتَاب الْبُيُوع فَلَمْ يَجِد لَهُ سَنَدًا غَيْر السَّنَد الْأَوَّل فَمَاتَ قَبْل أَنْ يَكْتُب فِيهِ شَيْئًا فَبَقِيَ الْبَاب فَارِغًا مِنْ ذِكْرِ الْمُعَانَقَة , وَكَانَ بَعْده \" بَاب قَوْل الرَّجُل كَيْف أَصْبَحْت \" وَفِيهِ حَدِيث عَلِيٍّ , فَلَمَّا وَجَدَ نَاسِخُ الْكِتَاب التَّرْجَمَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ ظَنَّهُمَا وَاحِدَةً إِذْ لَمْ يَجِد بَيْنَهُمَا حَدِيثًا. وَفِي الْكِتَاب مَوَاضِع مِنْ الْأَبْوَاب فَارِغَة لَمْ يُدْرِكْ أَنْ يُتِمَّهَا بِالْأَحَادِيثِ مِنْهَا فِي كِتَاب الْجِهَاد اِنْتَهَى , وَفِي جَزْمه بِذَلِكَ نَظَر , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ أَرَادَ مَا أَخْرَجَهُ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" فَإِنَّهُ تَرْجَمَ فِيهِ \" بَاب الْمُعَانَقَة \" وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث جَابِر أَنَّهُ بَلَغَهُ حَدِيث عَنْ رَجُل مِنْ الصَّحَابَة قَالَ \" فَابْتَعْت بَعِيرًا فَشَدَدْت إِلَيْهِ رَحْلِي شَهْرًا حَتَّى قَدِمْت الشَّام , فَإِذَا عَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ فَبَعَثْت إِلَيْهِ فَخَرَجَ , فَاعْتَنَقَنِي وَاعْتَنَقْتُهُ \" الْحَدِيث فَهَذَا أَوْلَى بِمُرَادِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ طَرَفًا مِنْهُ فِي كِتَاب الْعِلْم مُعَلَّقًا فَقَالَ \" وَرَحَلَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه مَسِيرَة شَهْر فِي حَدِيث وَاحِد \" وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى سَنَدِهِ هُنَاكَ. وَأَمَّا جَزْمُهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَجِد لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة سَنَدًا آخَر فَفِيهِ نَظَر \" لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي كِتَاب اللِّبَاس بِسَنَدٍ آخَر وَعَلَّقَهُ فِي مَنَاقِب الْحَسَن فَقَالَ : وَقَالَ نَافِع بْن جُبَيْر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَذَكَرَ طَرَفًا مِنْهُ , فَلَوْ كَانَ أَرَادَ ذِكْرَهُ لَعَلَّقَ مِنْهُ مَوْضِع حَاجَته أَيْضًا بِحَذْفِ أَكْثَر السَّنَد أَوْ بَعْضه كَأَنْ يَقُول : وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة , أَوْ قَالَ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد عَنْ نَافِع بْن جُبَيْر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَأَمَّا قَوْله إِنَّهُمَا تَرْجَمَتَانِ خَلَتْ الْأُولَى عَنْ الْحَدِيث فَضَمَّهُمَا النَّاسِخ فَإِنَّهُ مُحْتَمَلٌ - وَلَكِنْ فِي الْجَزْم بِهِ نَظَر. وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْمُقَدِّمَة عَنْ أَبِي ذَرّ رَاوِي الْكِتَاب مَا يُؤَيِّد مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ بَعْض مَنْ سَمِعَ الْكِتَاب كَانَ يَضُمّ بَعْض التَّرَاجِم إِلَى بَعْض وَيَسُدّ الْبَيَاض وَهِيَ قَاعِدَة يُفْزَعُ إِلَيْهَا عِنْد الْعَجْز عَنْ تَطْبِيق الْحَدِيث عَلَى التَّرْجَمَة , وَيُؤَيِّدهُ إِسْقَاط لَفْظ الْمُعَانَقَة مِنْ رِوَايَة مَنْ ذَكَرْنَا , وَقَدْ تَرْجَمَ فِي الْأَدَب \" بَاب كَيْف أَصْبَحْت \" وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور وَأَفْرَدَ بَاب الْمُعَانَقَة عَنْ هَذَا الْبَاب وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث جَابِر كَمَا ذَكَرْتُ وَقَوَّى اِبْن التِّين مَا قَالَ اِبْن بَطَّال بِأَنَّهُ وَقَعَ عِنْده فِي رِوَايَة \" بَاب الْمُعَانَقَة \" قَوْل الرَّجُل كَيْف أَصْبَحْت بِغَيْرِ وَاو فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا تَرْجَمَتَانِ. وَقَدْ أَخَذَ اِبْنُ جَمَاعَة كَلَام اِبْن بَطَّال جَازِمًا بِهِ وَاخْتَصَرَهُ وَزَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ : تَرْجَمَ بِالْمُعَانَقَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي كِتَاب الْبُيُوع , وَكَأَنَّهُ تَرْجَمَ وَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ حَدِيث يُوَافِقهُ فِي الْمَعْنَى وَلَا طَرِيق آخَر لِسَنَدِ مُعَانَقَة الْحَسَن , وَلَمْ يَرَ أَنْ يَرْوِيه بِذَلِكَ السَّنَد لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ إِعَادَة السَّنَد الْوَاحِد , أَوْ لَعَلَّهُ أَخَذَ الْمُعَانَقَة مِنْ عَادَتِهِمْ عِنْد قَوْلهمْ كَيْف أَصْبَحْت فَاكْتَفَى بِكَيْفِ أَصْبَحْت لِاقْتِرَانِ الْمُعَانَقَة بِهِ عَادَة. قُلْت : وَقَدْ قَدَّمْت الْجَوَاب عَنْ الِاحْتِمَالَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ , وَأَمَّا الِاحْتِمَال الْأَخِير فَدَعْوَى الْعَادَة تَحْتَاج إِلَى دَلِيل وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" فِي \" بَاب كَيْف أَصْبَحْتَ \" حَدِيث مَحْمُود بْن لَبِيد \" أَنَّ سَعْد بْن مُعَاذ لَمَّا أُصِيبَ أَكْحَلُهُ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرَّ بِهِ يَقُول : كَيْف أَصْبَحْت \" الْحَدِيث , وَلَيْسَ فِيهِ لِلْمُعَانَقَةِ ذِكْرٌ , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" دَخَلَ أَبُو بَكْر عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كَيْف أَصْبَحْتَ ؟ فَقَالَ : صَالِح مَنْ رَجُل لَمْ يُصْبِح صَائِمًا \" وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق سَالِمِ بْن أَبِي الْجَعْد عَنْ اِبْن أَبِي عُمَر نَحْوه , وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ أَيْضًا فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ حَدِيث جَابِر قَالَ \" قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْف أَصْبَحْتَ ؟ قَالَ بِخَيْرٍ \" الْحَدِيث. وَمِنْ حَدِيث مُهَاجِر الصَّائِغ \" كُنْت أَجْلِس إِلَى رَجُل مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ إِذَا قِيلَ لَهُ كَيْف أَصْبَحْتَ ؟ قَالَ : لَا نُشْرِك بِاَللَّهِ \" وَمِنْ طَرِيق أَبِي الطُّفَيْل قَالَ \" قَالَ رَجُل لِحُذَيْفَة : كَيْف أَصْبَحْتَ , أَوْ كَيْف أَمْسَيْت يَا أَبَا عَبْد اللَّه ؟ قَالَ : أَحْمَد اللَّه \" وَمِنْ طَرِيق أَنَس أَنَّهُ \" سَمِعَ عُمَر سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُل فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ لَهُ : كَيْف أَنْتَ ؟ قَالَ أَحْمَد اللَّه. قَالَ هَذَا الَّذِي أَرَدْت مِنْك \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيّ فِي \" الْأَوْسَط \" نَحْو هَذَا مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مَرْفُوعًا , فَهَذِهِ عِدَّة أَخْبَار لَمْ تَقْتَرِن فِيهَا الْمُعَانَقَة بِقَوْلِ كَيْف أَصْبَحْتَ وَنَحْوهَا بَلْ وَلَمْ يَقَع فِي حَدِيث الْبَاب أَنَّ اِثْنَيْنِ تَلَاقَيَا فَقَالَ أَحَدهمَا لِلْآخَرِ كَيْف أَصْبَحْتَ حَتَّى يَسْتَقِيم الْحَمْل عَلَى الْعَادَة فِي الْمُعَانَقَة حِينَئِذٍ , وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ مَنْ حَضَرَ بَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَوْا خُرُوج عَلِيّ مِنْ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوهُ عَنْ حَاله فِي مَرَضه فَأَخْبَرَهُمْ , فَالرَّاجِح أَنَّ تَرْجَمَة الْمُعَانَقَة كَانَتْ خَالِيَة مِنْ الْحَدِيث كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمُعَانَقَة أَيْضًا حَدِيث أَبِي ذَرّ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيق رَجُل مِنْ عَنَزَة لَمْ يُسَمَّ قَالَ \" قُلْت لِأَبِي ذَرّ هَلْ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَافِحكُمْ إِذَا لَقِيتُمُوهُ. قَالَ : مَا لَقِيتُهُ قَطُّ إِلَّا صَافَحَنِي , وَبَعَثَ إِلَيَّ ذَات يَوْم فَلَمْ أَكُنْ فِي أَهْلِي , فَلَمَّا جِئْت أُخْبِرْتُ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَأَتَيْته وَهُوَ عَلَى سَرِيره فَالْتَزَمَنِي , فَكَانَتْ أَجْوَد وَأَجْوَد \" وَرِجَاله ثِقَات , إِلَّا هَذَا الرَّجُل الْمُبْهَم. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث أَنَس \" كَانُوا إِذَا تَلَاقَوْا تَصَافَحُوا , وَإِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَر تَعَانَقُوا \" وَلَهُ فِي الْكَبِير \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَقِيَ أَصْحَابه لَمْ يُصَافِحهُمْ حَتَّى يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ \" قَالَ اِبْن بَطَّال : اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الْمُعَانَقَة , فَكَرِهَهَا مَالِك , وَأَجَازَهَا اِبْن عُيَيْنَةَ. ثُمَّ سَاقَ قِصَّتهمَا فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن إِسْحَاق وَهُوَ مَجْهُول عَنْ عَلِيّ بْن يُونُس اللَّيْثِيِّ الْمَدَنِيّ وَهُوَ كَذَلِكَ , وَأَخْرَجَهَا اِبْن عَسَاكِر فِي تَرْجَمَة جَعْفَر مِنْ تَارِيخه مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَلِيّ بْن يُونُس قَالَ : اِسْتَأْذَنَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَلَى مَالِك فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ فَرَدُّوا عَلَيْهِ , ثُمَّ قَالَ : السَّلَام خَاصٌّ وَعَامٌّ , السَّلَام عَلَيْك يَا أَبَا عَبْد اللَّه وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته , فَقَالَ : وَعَلَيْك السَّلَام يَا أَبَا مُحَمَّد وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته. ثُمَّ قَالَ : لَوْلَا أَنَّهَا بِدْعَة لَعَانَقْتُك. قَالَ قَدْ عَانَقَ مَنْ هُوَ خَيْر مِنْك قَالَ جَعْفَر ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ : ذَاكَ خَاصّ قَالَ : مَا عَمَّهُ يَعُمُّنَا. ثُمَّ سَاقَ سُفْيَان الْحَدِيث عَنْ اِبْن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" لَمَّا قَدِمَ جَعْفَر مِنْ الْحَبَشَة اِعْتَنَقَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْحَدِيث. قَالَ الذَّهَبِيّ فِي \" الْمِيزَان \" : هَذِهِ الْحِكَايَة بَاطِلَة , وَإِسْنَادهَا مُظْلِم. قُلْت : وَالْمَحْفُوظ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ بِغَيْرِ هَذَا الْإِسْنَاد , فَأَخْرَجَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ فِي جَامِعه عَنْ الْأَجْلَح عَنْ الشَّعْبِيّ \" أَنَّ جَعْفَرًا لَمَّا قَدِمَ تَلَقَّاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَ جَعْفَرًا بَيْن عَيْنَيْهِ \" وَأَخْرَجَ الْبَغْوِيُّ فِي \" مُعْجَم الصَّحَابَة \" مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" لَمَّا قَدِمَ جَعْفَر اِسْتَقْبَلَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَ مَا بَيْن عَيْنَيْهِ \" وَسَنَده مَوْصُول لَكِنْ فِي سَنَده مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر وَهُوَ ضَعِيف , وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" قَدِمَ زَيْد بْن حَارِثَة الْمَدِينَة وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي , فَقَرَعَ الْبَاب , فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُرْيَانَا يَجُرّ ثَوْبه فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ \" قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حَسَن. وَأَخْرَجَ قَاسِم بْن أَصْبَغ \" عَنْ أَبِي الْهَيْثَم بْن التَّيْهَانِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ \" وَسَنَدُهُ ضَعِيف. قَالَ الْمُهَلَّب : فِي أَخْذ الْعَبَّاس بِيَدِ عَلِيٍّ جَوَاز الْمُصَافَحَة وَالسُّؤَال عَنْ حَال الْعَلِيل كَيْف أَصْبَحَ , وَفِيهِ جَوَاز الْيَمِين عَلَى غَلَبَة الظَّنّ , وَفِيهِ أَنَّ الْخِلَافَة لَمْ تُذْكَرْ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ أَصْلًا لِأَنَّ الْعَبَّاس حَلَفَ أَنَّهُ يَصِير مَأْمُورًا لَا آمِرًا لِمَا كَانَ يَعْرِف مِنْ تَوْجِيه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا إِلَى غَيْره , وَفِي سُكُوت عَلِيٍّ دَلِيل عَلَى عِلْم عَلِيّ بِمَا قَالَ الْعَبَّاس , قَالَ : وَأَمَّا قَوْل عَلِيّ لَوْ صَرَّحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَرْفِهَا عَنْ بَنِي عَبْد الْمُطَّلِبِ لَمْ يُمَكِّنهُمْ أَحَدٌ بَعْده مِنْهَا فَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" مُرُوا أَبَا بَكْر فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ \" وَقِيلَ لَهُ لَوْ أَمَرْت عُمَر فَامْتَنَعَ ثُمَّ لَمْ يَمْنَع ذَلِكَ عُمَر مِنْ وِلَايَتهَا بَعْد ذَلِكَ. قُلْت : وَهُوَ كَلَام مَنْ لَمْ يَفْهَم مُرَاد عَلِيٍّ. وَقَدْ قَدَّمْت فِي شَرْح الْحَدِيث فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة بَيَان مُرَاده , وَحَاصِله أَنَّهُ إِنَّمَا خَشِيَ أَنْ يَكُون مَنْعُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ مِنْ الْخِلَافَة حُجَّة قَاطِعَة بِمَنْعِهِمْ مِنْهَا عَلَى الِاسْتِمْرَار تَمَسُّكًا بِالْمَنْعِ الْأَوَّل لَوْ رَدَّهُ بِمَنْعِ الْخِلَافَة نَصًّا , وَأَمَّا مَنْع الصَّلَاة فَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلَى مَنْع الْخِلَافَة وَإِنْ كَانَ فِي التَّنْصِيص عَلَى إِمَامَة أَبِي بَكْر فِي مَرَضه إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ أَحَقّ بِالْخِلَافَةِ فَهُوَ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاط لَا النَّصّ , وَلَوْلَا قَرِينَة كَوْنه فِي مَرَض الْمَوْت مَا قَوِيَ , وَإِلَّا فَقَدْ اِسْتَنَابَ فِي الصَّلَاة قَبْل ذَلِكَ غَيْره فِي أَسْفَاره وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا مَا اِسْتَنْبَطَهُ أَوَّلًا فَفِيهِ نَظَر ; لِأَنَّ مُسْتَنَدَ الْعَبَّاس فِي ذَلِكَ الْفَرَاسَة وَقَرَائِن الْأَحْوَال , وَلَمْ يَنْحَصِر ذَلِكَ فِي أَنَّ مَعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّصّ عَلَى مَنْع عَلِيّ مِنْ الْخِلَافَة , وَهَذَا بَيِّنٌ مِنْ سِيَاق الْقِصَّة , وَقَدْ قَدَّمْت هُنَاكَ أَنَّ فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْعَبَّاس قَالَ لِعَلِيٍّ بَعْد أَنْ مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُبْسُطْ يَدك أُبَايِعْكَ فَيُبَايِعَكَ النَّاس فَلَمْ يَفْعَل , فَهَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْعَبَّاس لَمْ يَكُنْ عِنْده فِي ذَلِكَ نَصٌّ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَوْل الْعَبَّاس فِي هَذِهِ الرِّوَايَة لِعَلِيٍّ \" أَلَا تَرَاهُ أَنْتَ وَاَللَّه بَعْد ثَلَاث إِلَخْ \" قَالَ اِبْن التِّين : الضَّمِير فِي تَرَاهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَظْهَر أَنَّهُ ضَمِير الشَّأْن وَلَيْسَتْ الرُّؤْيَة هُنَا الرُّؤْيَة الْبَصَرِيَّة , وَقَدْ وَقَعَ فِي سَائِر الرِّوَايَات \" أَلَا تَرَى \" بِغَيْرِ ضَمِير. وَقَوْله \" لَوْ لَمْ تَكُنْ الْخِلَافَة فِينَا آمَرْنَاهُ \" قَالَ اِبْن التِّين : فَهُوَ بِمَدِّ الْهَمْزَة أَيْ شَاوَرْنَاهُ , قَالَ وَقَرَأْنَاهُ بِالْقَصْرِ مِنْ الْأَمْر. قُلْت : وَهُوَ الْمَشْهُور. وَالْمُرَاد سَأَلْنَاهُ ; لِأَنَّ صِيغَة الطَّلَب كَصِيغَةِ الْأَمْر , وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ يُؤَكِّد عَلَيْهِ فِي السُّؤَال حَتَّى يَصِير كَأَنَّهُ آمِرٌ لَهُ بِذَلِكَ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْأَمْر لَا يُشْتَرَط فِيهِ الْعُلُوّ وَلَا الِاسْتِعْلَاء. وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَاوُدِيِّ أَنَّ أَوَّل مَا اِسْتَعْمَلَ النَّاس \" كَيْف أَصْبَحْتَ \" فِي زَمَن طَاعُون عَمَوَاس , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الْعَرَب كَانَتْ تَقُولهُ قَبْل الْإِسْلَام. وَبِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوهُ فِي هَذَا الْحَدِيث. قُلْت : وَالْجَوَاب حَمْلُ الْأَوَّلِيَّة عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْإِسْلَام ; لِأَنَّ الْإِسْلَام جَاءَ بِمَشْرُوعِيَّةِ السَّلَام لِلْمُتَلَاقِيَيْنِ , ثُمَّ حَدَثَ السُّؤَال عَنْ الْحَال , وَقَلَّ مَنْ صَارَ يَجْمَع بَيْنهمَا , وَالسُّنَّة الْبُدَاءَة بِالسَّلَامِ , وَكَأَنَّ السَّبَب فِيهِ مَا وَقَعَ مِنْ الطَّاعُون فَكَانَتْ الدَّاعِيَة مُتَوَفِّرَة عَلَى سُؤَال الشَّخْص مِنْ صِدِيقِهِ عَنْ حَاله فِيهِ ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتَّى اِكْتَفَوْا بِهِ عَنْ السَّلَام , وَيُمْكِن الْفَرْق بَيْن سُؤَال الشَّخْص عَمَّنْ عِنْده مِمَّنْ عَرَفَ أَنَّهُ مُتَوَجِّع وَبَيْن سُؤَال مَنْ حَاله يَحْتَمِل الْحُدُوث. ‏"
    },
    {
        "id": "5796",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاذٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏مُعَاذُ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ قَالَ مِثْلَهُ ثَلَاثًا ‏ ‏هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ قُلْتُ لَا قَالَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً فَقَالَ يَا ‏ ‏مُعَاذُ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ قَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاذٍ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5797",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَاللَّهِ ‏ ‏أَبُو ذَرٍّ ‏ ‏بِالرَّبَذَةِ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏حَرَّةِ الْمَدِينَةِ ‏ ‏عِشَاءً اسْتَقْبَلَنَا ‏ ‏أُحُدٌ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏مَا أُحِبُّ أَنَّ ‏ ‏أُحُدًا ‏ ‏لِي ذَهَبًا يَأْتِي عَلَيَّ لَيْلَةٌ أَوْ ثَلَاثٌ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلَّا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَأَرَانَا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ هُمْ الْأَقَلُّونَ إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا ثُمَّ قَالَ لِي مَكَانَكَ لَا تَبْرَحْ يَا ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏حَتَّى أَرْجِعَ فَانْطَلَقَ حَتَّى غَابَ عَنِّي فَسَمِعْتُ صَوْتًا فَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عُرِضَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَرَدْتُ أَنْ أَذْهَبَ ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَبْرَحْ فَمَكُثْتُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُ صَوْتًا خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عُرِضَ لَكَ ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَكَ فَقُمْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاكَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ ‏ ‏مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْتُ ‏ ‏لِزَيْدٍ ‏ ‏إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ ‏ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏ ‏فَقَالَ أَشْهَدُ لَحَدَّثَنِيهِ ‏ ‏أَبُو ذَرٍّ ‏ ‏بِالرَّبَذَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الدَّرْدَاءِ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏يَمْكُثُ عِنْدِي فَوْقَ ثَلَاثٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5798",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس \" وَهَذَا الْحَدِيث لَيْسَ فِي الْمُوَطَّأ إِلَّا عِنْد اِبْن وَهْب وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل وَابْن وَهْب وَابْن الْحَسَن وَالْوَلِيد بْن مُسْلِم وَالْقَاسِم بْن يَزِيد وَطَاهِر بْن مِدْرَار كُلّهمْ عَنْ مَالِك , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة الْقَاسِم بْن يَزِيد الْجَرْمِيّ وَعَبْد اللَّه بْن وَهْب جَمِيعًا عَنْ مَالِك , وَضَاقَ عَلَى أَبِي نُعَيْم فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ نَفْسه , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْجُمُعَة مِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ نَافِع , وَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عُمَر الْعُمَرِيّ عَنْ نَافِع وَسِيَاقه أَتَمّ وَيَأْتِي شَرْحه فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5799",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏نَهَى أَنْ يُقَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ آخَرُ وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏يَكْرَهُ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسَ مَكَانَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقَام الرَّجُل مِنْ مَجْلِسه وَيَجْلِس فِيهِ آخَر ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة سُفْيَان , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر بِلَفْظِ \" لَا يُقِمْ الرَّجُل الرَّجُل مِنْ مَقْعَده ثُمَّ يَجْلِس فِيهِ \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا ) ‏ ‏هُوَ عَطْف تَفْسِيرِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة قَبِيصَة عَنْ سُفْيَان عِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ \" وَلَكِنْ لِيَقُلْ اِفْسَحُوا وَتَوَسَّعُوا \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة قَبِيصَة وَلَيْسَ عِنْده \" لِيَقُلْ \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة أَشَارَ مُسْلِم إِلَى أَنَّ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر تَفَرَّدَ بِهَا عَنْ نَافِع , وَأَنَّ مَالِكًا وَاللَّيْث وَأَيُّوب وَابْن جُرَيْجٍ رَوَوْهُ عَنْ نَافِع بِدُونِهَا , وَأَنَّ اِبْن جُرَيْجٍ زَادَ قُلْت لِنَافِعٍ : فِي الْجُمُعَة ؟ قَالَ : وَفِي غَيْرهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ زِيَادَة اِبْن جُرَيْجٍ هَذِهِ فِي كِتَاب الْجُمُعَة وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم \" لَا يُقِيمَنَّ أَحَدكُمْ أَخَاهُ يَوْم الْجُمُعَة ثُمَّ يُخَالِف إِلَى مَقْعَده فَيَقْعُد فِيهِ , وَلَكِنْ يَقُول اِفْسَحُوا \" فَجَمَعَ بَيْن الزِّيَادَتَيْنِ وَرَفَعَهُمَا , وَكَانَ ذَلِكَ سَبَب سُؤَال اِبْن جُرَيْجٍ لِنَافِعٍ. قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : هَذَا اللَّفْظ عَامّ فِي الْمَجَالِس , وَلَكِنَّهُ مَخْصُوص بِالْمَجَالِسِ الْمُبَاحَة إِمَّا عَلَى الْعُمُوم كَالْمَسَاجِدِ وَمَجَالِس الْحُكَّام وَالْعِلْم , وَإِمَّا عَلَى الْخُصُوص كَمَنْ يَدْعُو قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ إِلَى مَنْزِله لِوَلِيمَةٍ وَنَحْوهَا , وَأَمَّا الْمَجَالِس الَّتِي لَيْسَ لِلشَّخْصِ فِيهَا مِلْك وَلَا إِذْن لَهُ فِيهَا فَإِنَّهُ يُقَام وَيُخْرَج مِنْهَا , ثُمَّ هُوَ فِي الْمَجَالِس الْعَامَّة , وَلَيْسَ عَامًّا فِي النَّاس بَلْ هُوَ خَاصّ بِغَيْرِ الْمَجَانِين وَمَنْ يَحْصُل مِنْهُ الْأَذَى كَآكِلِ الثُّوم النِّيء إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِد , وَالسَّفِيه إِذَا دَخَلَ مَجْلِس الْعِلْم أَوْ الْحُكْم. قَالَ : وَالْحِكْمَة فِي هَذَا النَّهْي مَنْع اِسْتِنْقَاص حَقّ الْمُسْلِم الْمُقْتَضِي لِلضَّغَائِنِ , وَالْحَثّ عَلَى التَّوَاضُع الْمُقْتَضِي لِلْمُوَادَدَةِ , وَأَيْضًا فَالنَّاس فِي الْمُبَاح كُلّهمْ سَوَاء , فَمَنْ سَبَقَ إِلَى شَيْء اِسْتَحَقَّهُ , وَمَنْ اِسْتَحَقَّ شَيْئًا فَأَخَذَ مِنْهُ بِغَيْرِ حَقّ فَهُوَ غَصْب وَالْغَصْب حَرَام , فَعَلَى هَذَا قَدْ يَكُون بَعْض ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْكَرَاهَة وَبَعْضه عَلَى سَبِيل التَّحْرِيم , قَالَ : فَأَمَّا قَوْله \" تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا \" فَمَعْنَى الْأَوَّل أَنْ يَتَوَسَّعُوا فِيمَا بَيْنهمْ وَمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يَنْضَمّ بَعْضهمْ إِلَى بَعْض حَتَّى يَفْضُل مِنْ الْجَمْع مَجْلِس لِلدَّاخِلِ. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( يُكْرَه أَنْ يَقُوم الرَّجُل مِنْ مَجْلِسه ثُمَّ يُجْلَس مَكَانه ) ‏ ‏أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرَد عَنْ قَبِيصَة عَنْ سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ بِلَفْظِ \" وَكَانَ اِبْن عُمَر إِذَا قَامَ لَهُ رَجُل مِنْ مَجْلِسه لَمْ يَجْلِس فِيهِ \" , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ , وَقَوْله \" يَجْلِس \" فِي رِوَايَتنَا بِفَتْحِ أَوَّله , وَضَبَطَهُ أَبُو جَعْفَر الْغَرْنَاطِيّ فِي نُسْخَته بِضَمِّ أَوَّله عَلَى وَزْن \" يُقَام \" وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أَبِي الْخَصِيب بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَكَسْر الْمُهْمَلَة آخِره مُوَحَّدَة بِوَزْنِ عَظِيم وَاسْمه زِيَاد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ اِبْن عُمَر \" جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ لَهُ رَجُل مِنْ مَجْلِسه , فَذَهَبَ لِيَجْلِس فَنَهَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي الْحَسَن \" جَاءَنَا أَبُو بَكْرَة فَقَامَ لَهُ رَجُل مِنْ مَجْلِسه فَأَبَى أَنْ يَجْلِس فِيهِ وَقَالَ : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ذَا \" وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم وَصَحَّحَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه لَكِنْ لَفْظه مِثْل لَفْظ اِبْن عُمَر الَّذِي فِي الصَّحِيح , فَكَأَنَّ أَبَا بَكْرَة حَمَلَ النَّهْي عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمّ , وَقَدْ قَالَ الْبَزَّار إِنَّهُ لَا يُعْرَف لَهُ طَرِيق إِلَّا هَذِهِ , وَفِي سَنَده أَبُو عَبْد اللَّه مَوْلَى أَبِي بُرْدَة بْن أَبِي مُوسَى وَقِيلَ مَوْلَى قُرَيْش وَهُوَ بَصْرِيّ لَا يُعْرَف , قَالَ اِبْن بَطَّال : اُخْتُلِفَ فِي النَّهْي فَقِيلَ لِلْأَدَبِ , وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَجِب لِلْعَالِمِ أَنْ يَلِيه أَهْل الْفَهْم وَالنَّهْي , وَقِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِره , وَلَا يَجُوز لِمَنْ سَبَقَ إِلَى مَجْلِس مُبَاح أَنْ يُقَام مِنْهُ , وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَه \" إِذَا قَامَ أَحَدكُمْ مِنْ مَجْلِسه ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقّ بِهِ \" قَالُوا فَلَمَّا كَانَ أَحَقّ بِهِ بَعْد رُجُوعه ثَبَتَ أَنَّهُ حَقّه قَبْل أَنْ يَقُوم , وَيَتَأَيَّد ذَلِكَ بِفِعْلِ اِبْن عُمَر الْمَذْكُور فَإِنَّهُ رَاوِي الْحَدِيث وَهُوَ أَعْلَم بِالْمُرَادِ مِنْهُ. وَأَجَابَ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْأَدَب أَنَّ الْمَوْضِع فِي الْأَصْل لَيْسَ مِلْكه قَبْل الْجُلُوس وَلَا بَعْد الْمُفَارَقَة فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَقِّيَّةِ فِي حَالَة الْجُلُوس الْأَوْلَوِيَّة , فَيَكُون مَنْ قَامَ تَارِكًا لَهُ قَدْ سَقَطَ حَقّه جُمْلَة , وَمَنْ قَامَ لِيَرْجِع يَكُون أَوْلَى. وَقَدْ سُئِلَ مَالِك عَنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ : مَا سَمِعْت بِهِ , وَإِنَّهُ لَحَسَن إِذَا كَانَتْ أَوْبَته قَرِيبَة , وَإِنْ بَعُدَ فَلَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ وَلَكِنَّهُ مِنْ مَحَاسِن الْأَخْلَاق. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : هَذَا الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى صِحَّة الْقَوْل بِوُجُوبِ اِخْتِصَاص الْجَالِس بِمَوْضِعِهِ إِلَى أَنْ يَقُوم مِنْهُ , وَمَا اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْأَدَب لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِلْكًا لَهُ لَا قَبْل وَلَا بَعْد لَيْسَ بِحُجَّةٍ ; لِأَنَّا نُسَلِّم أَنَّهُ غَيْر مِلْك لَهُ لَكِنْ يَخْتَصّ بِهِ إِلَى أَنْ يَفْرُغ غَرَضه , فَصَارَ كَأَنَّهُ مَلَكَ مَنْفَعَته فَلَا يُزَاحِمهُ غَيْره عَلَيْهِ , قَالَ النَّوَوِيّ : قَالَ أَصْحَابنَا هَذَا فِي حَقّ مَنْ جَلَسَ فِي مَوْضِع مِنْ الْمَسْجِد أَوْ غَيْره لِصَلَاةٍ مَثَلًا ثُمَّ فَارَقَهُ لِيَعُودَ إِلَيْهِ كَإِرَادَةِ الْوُضُوء مَثَلًا أَوْ لِشُغْلٍ يَسِير ثُمَّ يَعُود لَا يَبْطُل اِخْتِصَاصه بِهِ , وَلَهُ أَنْ يُقِيم مَنْ خَالَفَهُ وَقَعَدَ فِيهِ , وَعَلَى الْقَاعِد أَنْ يُطِيعهُ. وَاخْتُلِفَ هَلْ يَجِب عَلَيْهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحّهمَا الْوُجُوب , وَقِيلَ يُسْتَحَبّ وَهُوَ مَذْهَب مَالِك , قَالَ أَصْحَابنَا : وَإِنَّمَا يَكُون أَحَقّ بِهِ فِي تِلْكَ الصَّلَاة دُون غَيْرهَا , قَالَ : وَلَا فَرْق بَيْن أَنْ يَقُوم مِنْهُ وَيَتْرُك لَهُ فِيهِ سَجَّادَة وَنَحْوهَا أَمْ لَا وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ عِيَاض : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ اِعْتَادَ بِمَوْضِعٍ مِنْ الْمَسْجِد لِلتَّدْرِيسِ وَالْفَتْوَى , فَحُكِيَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ أَحَقّ بِهِ إِذَا عُرِفَ بِهِ قَالَ : وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّ هَذَا اِسْتِحْسَان وَلَيْسَ بِحَقٍّ وَاجِب , وَلَعَلَّهُ مُرَاد مَالِك. وَكَذَا قَالُوا فِي مَقَاعِد الْبَاعَة مِنْ الْأَفْنِيَة وَالطُّرُق الَّتِي هِيَ غَيْر مُتَمَلَّكَة , قَالُوا : مَنْ اِعْتَادَ بِالْجُلُوسِ فِي شَيْء مِنْهَا فَهُوَ أَحَقّ بِهِ حَتَّى يَتِمّ غَرَضه. قَالَ : وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ عَنْ مَالِك قَطْعًا لِلتَّنَازُعِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : اِسْتَثْنَى أَصْحَابنَا مِنْ عُمُوم قَوْل \" لَا يُقِيمَن أَحَدكُمْ الرَّجُل مِنْ مَجْلِسه ثُمَّ يَجْلِس فِيهِ \" مَنْ أَلِفَ مِنْ الْمَسْجِد مَوْضِعًا يُفْتِي فِيهِ أَوْ يُقْرِئ فِيهِ قُرْآنًا أَوْ عِلْمًا فَلَهُ أَنْ يُقِيم مَنْ سَبَقَهُ إِلَى الْقُعُود فِيهِ. وَفِي مَعْنَاهُ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِع مِنْ الشَّوَارِع وَمَقَاعِد الْأَسْوَاق لِمُعَامَلَةٍ. قَالَ النَّوَوِيّ : وَأَمَّا مَا نُسِبَ إِلَى اِبْن عُمَر فَهُوَ وَرَع مِنْهُ , وَلَيْسَ قُعُوده فِيهِ حَرَامًا إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِرِضَا الَّذِي قَامَ وَلَكِنَّهُ تَوَرُّع مِنْهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الَّذِي قَامَ لِأَجْلِهِ اِسْتَحْيَا مِنْهُ فَقَامَ عَنْ غَيْر طِيب قَلْبه فَسَدَّ الْبَاب لِيَسْلَم مِنْ هَذَا أَوْ رَأَى أَنَّ الْإِيثَار بِالْقُرْبِ مَكْرُوه أَوْ خِلَاف الْأَوْلَى , فَكَانَ يَمْتَنِع لِأَجْلِ ذَلِكَ لِئَلَّا يَرْتَكِب ذَلِكَ أَحَد بِسَبَبِهِ. قَالَ عُلَمَاء أَصْحَابنَا : وَإِنَّمَا يُحْمَد الْإِيثَار بِحُظُوظِ النَّفْس وَأُمُور الدُّنْيَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5800",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏يَذْكُرُ عَنْ ‏ ‏أَبِي مِجْلَزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ ‏ ‏دَعَا النَّاسَ طَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ قَالَ فَأَخَذَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ فَلَمْ يَقُومُوا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ فَلَمَّا قَامَ قَامَ مَنْ قَامَ مَعَهُ مِنْ النَّاسِ وَبَقِيَ ثَلَاثَةٌ وَإِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَاءَ لِيَدْخُلَ فَإِذَا الْقَوْمُ جُلُوسٌ ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا فَانْطَلَقُوا قَالَ فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُمْ قَدْ انْطَلَقُوا فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ فَأَرْخَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5801",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي غَالِبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِفِنَاءِ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏مُحْتَبِيًا بِيَدِهِ هَكَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي غَالِب ) ‏ ‏هُوَ الْقُومِسِيّ بِضَمِّ الْقَاف وَسُكُون الْوَاو وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَة , نَزَلَ بَغْدَاد , وَهُوَ مِنْ صِغَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَمَاتَ قَبْله بِسِتِّ سِنِينَ , وَلَيْسَ لَهُ عِنْده سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيث آخَر فِي كِتَاب التَّوْحِيد. وَلَهُمْ شَيْخ آخَر يُقَال لَهُ مُحَمَّد بْن أَبِي غَالِب الْوَاسِطِي نَزِيل بَغْدَاد , قَالَ أَبُو نَصْر الْكَلَابَاذِيّ سَمِعَ مِنْ هُشَيْم وَمَاتَ قَبْل الْقُومِسِيّ بِسِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَة. ‏ ‏قَوْله ( مُحَمَّد بْن فُلَيْح عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ فُلَيْح بْن سُلَيْمَان الْمَدَنِيّ , وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيّ فِي حَدِيثه هَذَا دَرَجَتَيْنِ لِأَنَّهُ سَمِعَ الْكَثِير مِنْ أَصْحَاب فُلَيْح مِثْل يَحْيَى بْن صَالِح وَنَزَلَ فِي حَدِيث إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر دَرَجَة لِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ الْكَثِير وَأَخْرَجَ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَة. ‏ ‏قَوْله ( بِفِنَاءِ الْكَعْبَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء ثُمَّ نُون ثُمَّ مَدّ أَيْ جَانِبهَا مِنْ قِبَل الْبَاب. ‏ ‏قَوْله ( مُحْتَبِيًا بِيَدِهِ هَكَذَا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ عِنْده مُخْتَصَرًا , وَرُوِّينَاهُ فِي الْجُزْء السَّادِس مِنْ \" فَوَائِد أَبِي مُحَمَّد بْن صَاعِد \" عَنْ مَحْمُود بْن خَالِد عَنْ أَبِي غَزِيَّة وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَكَسْر الزَّاي وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة وَهُوَ مُحَمَّد بْن مُوسَى الْأَنْصَارِيّ الْقَاضِي عَنْ فُلَيْح نَحْوه وَزَادَ \" فَأَرَانَا فُلَيْح مَوْضِع يَمِينه عَلَى يَسَاره مَوْضِع الرُّسْغ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي مُوسَى مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عَنْ أَبِي غَزِيَّة بِسَنَدٍ آخَر قَالَ \" حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ عُمَر بْن مُحَمَّد بْن زَيْد عَنْ نَافِع \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث الْبَاب دُون كَلَام فُلَيْح , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي غَزِيَّة عَنْ فُلَيْح وَلَمْ يَذْكُر كَلَام فُلَيْح أَيْضًا , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ لِأَبِي غَزِيَّة فِيهِ شَيْخَيْنِ , وَأَبُو غَزِيَّة ضَعَّفَهُ اِبْن مَعِين وَغَيْره , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا جَلَسَ اِحْتَبَى بِيَدَيْهِ \" زَادَ الْبَزَّار \" وَنَصَبَ رُكْبَتَيْهِ \" وَأَخْرَجَ الْبَزَّار أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" جَلَسَ عِنْد الْكَعْبَة فَضَمَّ رِجْلَيْهِ فَأَقَامَهُمَا وَاحْتَبَى بِيَدَيْهِ \" وَيُسْتَثْنَى مِنْ الِاحْتِبَاء بِالْيَدَيْنِ مَا إِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِد يَنْتَظِر الصَّلَاة فَاحْتَبَى بِيَدَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُمْسِك إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى كَمَا وَقَعَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَضْع إِحْدَاهُمَا عَلَى رُسْغ الْأُخْرَى , وَلَا يُشَبِّك بَيْن أَصَابِعه فِي هَذِهِ الْحَالَة , فَقَدْ وَرَدَ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ عِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد بِسَنَدٍ لَا بَأْس بِهِ وَاَللَّه أَعْلَم. وَتَقَدَّمَتْ مَبَاحِث التَّشْبِيك فِي الْمَسْجِد فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد مِنْ كِتَاب الصَّلَاة. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : لَا يَجُوز لِلْمُحْتَبِي أَنْ يَصْنَع بِيَدَيْهِ شَيْئًا وَيَتَحَرَّك لِصَلَاةٍ أَوْ غَيْرهَا لِأَنَّ عَوْرَته تَبْدُو إِلَّا إِذْ كَانَ عَلَيْهِ ثَوْب يَسْتُر عَوْرَته فَيَجُوز , وَهَذَا بِنَاء عَلَى أَنَّ الِاحْتِبَاء قَدْ يَكُون بِالْيَدَيْنِ فَقَطْ وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَفَرَّقَ الدَّاوُدِيّ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ اِبْن التِّين بَيْن الِاحْتِبَاء وَالْقُرْفُصَاء فَقَالَ : الِاحْتِبَاء أَنْ يُقِيم رِجْلَيْهِ وَيُفَرِّج بَيْن رُكْبَيَتْهِ وَيُدِير عَلَيْهِ ثَوْبًا وَيَعْقِدهُ , فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ قَمِيص أَوْ غَيْره فَلَا يُنْهَى عَنْهُ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْء فَهُوَ الْقُرْفُصَاء. كَذَا قَالَ وَالْمُعْتَمَد مَا تَقَدَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5802",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْجُرَيْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرٌ ‏ ‏مِثْلَهُ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي بَكْرَة فِي أَكْبَر الْكَبَائِر وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ لِقَوْلِهِ فِيهِ \" وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي أَوَائِل كِتَاب الْأَدَب , وَوَرَدَ فِي مِثْل ذَلِكَ حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة ضِمَام بْن ثَعْلَبَة لَمَّا قَالَ \" أَيّكُمْ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب ؟ فَقَالُوا : ذَلِكَ الْأَبْيَض الْمُتَّكِئ \" قَالَ الْمُهَلَّب : يَجُوز لِلْعَالِمِ وَالْمُفْتِي وَالْإِمَام الِاتِّكَاء فِي مَجْلِسه بِحَضْرَةِ النَّاس لِأَلَمٍ يَجِدهُ فِي بَعْض أَعْضَائِهِ أَوْ لِرَاحَةٍ يَرْتَفِق بِذَلِكَ وَلَا يَكُون ذَلِكَ فِي عَامَّة جُلُوسه. ‏"
    },
    {
        "id": "5803",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏صَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعَصْرَ فَأَسْرَعَ ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُقْبَةَ بْن الْحَارِث , قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ جَوَاز إِسْرَاع الْإِمَام فِي حَاجَته , وَقَدْ جَاءَ أَنَّ إِسْرَاعه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي دُخُوله إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ صَدَقَة أَحَبَّ أَنْ يُفَرِّقهَا فِي وَقْته. قُلْت : وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ مُتَّصِل فِي حَدِيث عُقْبَةَ بْن الْحَارِث الْمَذْكُور كَمَا تَقَدَّمَ وَاضِحًا فِي كِتَاب الزَّكَاة , فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ هُنَاكَ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا تَامًّا , وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي صَلَاة الْجَمَاعَة , وَقَالَ فِي التَّرْجَمَة \" لِحَاجَةٍ أَوْ قَصْد \" لِأَنَّ الظَّاهِر مِنْ السِّيَاق أَنَّهُ كَانَ لِتِلْكَ الْحَاجَة الْخَاصَّة فَيُشْعِر بِأَنَّ مَشْيه لِغَيْرِ الْحَاجَة كَانَ عَلَى هِينَته , وَمِنْ ثَمَّ تَعَجَّبُوا مِنْ إِسْرَاعه , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ عَلَى غَيْر عَادَته. فَحَاصِل التَّرْجَمَة أَنَّ الْإِسْرَاع فِي الْمَشْي إِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْس , وَإِنْ كَانَ عَمْدًا لِغَيْرِ حَاجَة فَلَا. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن الْمُبَارَك فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان بِسَنَدٍ مُرْسَل أَنَّ مِشْيَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ مِشْيَة السُّوقِيّ لَا الْعَاجِز وَلَا الْكَسْلَان , وَأَخْرَجَ أَيْضًا \" كَانَ اِبْن عُمَر يُسْرِع فِي الْمَشْي وَيَقُول هُوَ أَبْعَد مِنْ الزَّهْو , وَأَسْرَع فِي الْحَاجَة \". قَالَ غَيْره : وَفِيهِ اِشْتِغَال عَنْ النَّظَر إِلَى مَا لَا يَنْبَغِي التَّشَاغُل بِهِ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الْمَشْي عَلَى قَدْر الْحَاجَة هُوَ السُّنَّة إِسْرَاعًا وَبُطْئًا , لَا التَّصَنُّع فِيهِ وَلَا التَّهَوُّر. ‏"
    },
    {
        "id": "5804",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الضُّحَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي وَسْطَ السَّرِيرِ وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ تَكُونُ لِي الْحَاجَةُ فَأَكْرَهُ أَنْ أَقُومَ فَأَسْتَقْبِلَهُ ‏ ‏فَأَنْسَلُّ ‏ ‏انْسِلَالًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة : قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ جَوَاز اِتِّخَاذ السَّرِير وَالنَّوْم عَلَيْهِ وَنَوْم الْمَرْأَة بِحَضْرَةِ زَوْجهَا. وَقَالَ اِبْن التِّين : وَقَوْله فِيهِ وَسَط السَّرِير قَرَأْنَاهُ بِسُكُونِ السِّين , وَاَلَّذِي فِي اللُّغَة الْمَشْهُورَة بِفَتْحِهَا. وَقَالَ الرَّاغِب وَسَط الشَّيْء يُقَال بِالْفَتْحِ لِلْكَمْيَّةِ الْمُتَّصِلَة كَالْجِسْمِ الْوَاحِد نَحْو وَسَطه صَلْب , وَيُقَال بِالسُّكُونِ لِلْكَمْيَّةِ الْمُنْفَصِلَة بَيْن جِسْمَيْنِ نَحْو وَسْط الْقَوْم - قُلْت وَهَذَا مِمَّا يُرَجِّح الرِّوَايَة بِالتَّحْرِيكِ , وَلَا يُمْنَع السُّكُون. وَوَجْه إِيرَاد هَذِهِ التَّرْجَمَة وَمَا قَبْلهَا وَمَا بَعْدهَا فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان أَنَّ الِاسْتِئْذَان يَسْتَدْعِي دُخُول الْمَنْزِل فَذَكَرَ مُتَعَلِّقَات الْمَنْزِل اِسْتِطْرَادًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5805",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو الْمَلِيحِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ مَعَ أَبِيكَ ‏ ‏زَيْدٍ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏فَحَدَّثَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي فَدَخَلَ عَلَيَّ فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ ‏ ‏أَدَمٍ ‏ ‏حَشْوُهَا لِيفٌ فَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ وَصَارَتْ الْوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَقَالَ لِي ‏ ‏أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ خَمْسًا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ سَبْعًا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تِسْعًا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِحْدَى عَشْرَةَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏شَطْرَ ‏ ‏الدَّهْرِ صِيَامُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شَاهِين الْوَاسِطِيُّ , ‏ ‏وَخَالِد ‏ ‏شَيْخه هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الطَّحَّان , ‏ ‏وَقَوْله \" وَحَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد \" ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ , ‏ ‏وَعَمْرو بْن عَوْن ‏ ‏مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ فِي الصَّلَاة وَغَيْرهَا بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَشَيْخه هُوَ الطَّحَّان الْمَذْكُور , وَشَيْخه ‏ ‏خَالِد ‏ ‏هُوَ اِبْن مِهْرَانَ الْحَذَّاء , وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد الثَّانِي دَرَجَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ إِسْحَاق بْن شَاهِين بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي كِتَاب الصَّلَاة , وَتَقَدَّمَتْ مَبَاحِث الْمَتْن فِي الصِّيَام , وَسَاقَهُ الْمُصَنِّف هُنَا عَلَى لَفْظ عَمْرو بْن عَوْن , وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِيرَاده لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه النَّازِل حَتَّى لَا تَتَمَحَّض إِعَادَته بِسَنَدٍ وَاحِد عَلَى صِفَة وَاحِدَة , وَقَدْ اِطَّرَدَ لَهُ هَذَا الصَّنِيع إِلَّا فِي مَوَاضِع يَسِيرَة إِمَّا ذُهُولًا وَإِمَّا لِضِيقِ الْمَخْرَج. ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَلِيح ) ‏ ‏بِوَزْنِ عَظِيم اِسْمه عَامِر وَقِيلَ زَيْد بْن أُسَامَة الْهُذَلِيّ. ‏ ‏قَوْله ( دَخَلْت مَعَ أَبِيك زَيْد ) ‏ ‏هَذَا الْخِطَاب لِأَبِي قِلَابَةَ وَاسْمه عَبْد اللَّه بْن زَيْد , وَلَمْ أَرَ لِزَيْدٍ ذِكْرًا إِلَّا فِي هَذَا الْخَبَر , وَهُوَ اِبْن عَمْرو وَقِيلَ اِبْن عَامِر بْن نَاتِل بِنُونٍ وَمُثَنَّاة اِبْن مَالِك بْن عُبَيْد الْجَرْمِيّ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَلْقَيْت لَهُ وِسَادَة ) ‏ ‏قَالَ الْمُهَلَّب فِيهِ إِكْرَام الْكَبِير , وَجَوَاز زِيَارَة الْكَبِير تِلْمِيذه وَتَعْلِيمه فِي مَنْزِله مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ فِي دِينه , وَإِيثَار التَّوَاضُع وَحَمْل النَّفْس عَلَيْهِ , وَجَوَاز رَدّ الْكَرَامَة حَيْثُ لَا يَتَأَذَّى بِذَلِكَ مَنْ تُرَدّ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5806",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُغِيرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏أَنَّهُ قَدِمَ ‏ ‏الشَّأْمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُغِيرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ ذَهَبَ ‏ ‏عَلْقَمَةُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي جَلِيسًا فَقَعَدَ إِلَى ‏ ‏أَبِي الدَّرْدَاءِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مِمَّنْ أَنْتَ قَالَ مِنْ أَهْلِ ‏ ‏الْكُوفَةِ ‏ ‏قَالَ أَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي كَانَ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏أَلَيْسَ فِيكُمْ ‏ ‏أَوْ كَانَ ‏ ‏فِيكُمْ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ الشَّيْطَانِ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏عَمَّارًا ‏ ‏أَوَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّوَاكِ وَالْوِسَادِ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏ابْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏كَيْفَ كَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏يَقْرَأُ ‏ { ‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ‏} ‏قَالَ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَقَالَ مَا زَالَ هَؤُلَاءِ حَتَّى كَادُوا يُشَكِّكُونِي وَقَدْ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن جَعْفَر ) ‏ ‏هُوَ الْبَيْكَنْدِيّ , ‏ ‏وَيَزِيد ‏ ‏هُوَ اِبْن هَارُون , ‏ ‏وَمُغِيرَة ‏ ‏هُوَ اِبْن مِقْسَم , ‏ ‏وَإِبْرَاهِيم ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي مَنَاقِب عَمَّار مَشْرُوحًا , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" اُرْزُقْنِي جَلِيسًا \" ‏ ‏فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ شُعْبَة فِي مَنَاقِب عَمَّار \" جَلِيسًا صَالِحًا \" وَكَذَا فِي مُعْظَم الرِّوَايَات ‏ ‏وَقَوْله \" أَوَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِب السِّوَاك وَالْوِسَاد \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" الْوِسَادَة \" يَعْنِي أَنَّ اِبْن مَسْعُود كَانَ يَتَوَلَّى أَمْر سِوَاك رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوِسَاده , وَيَتَعَاهَد خِدْمَته فِي ذَلِكَ بِالْإِصْلَاحِ وَغَيْره , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب بِزِيَادَةِ \" وَالْمَطْهَرَة \" وَتَقَدَّمَ الرَّدّ عَلَى الدَّاوُدِيّ فِي زَعْمه أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ اِبْن مَسْعُود لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكه فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَى هَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة , وَقَدْ قَالَ اِبْن التِّين هُنَا : الْمُرَاد أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاهُمَا جِهَازًا وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ إِيَّاهُمَا , وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَاد أَبِي الدَّرْدَاء , بَلْ السِّيَاق يُرْشِد إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ وَصْف كُلّ وَاحِد مِنْ الصَّحَابَة بِمَا كَانَ اِخْتَصَّ بِهِ مِنْ الْفَضْل دُون غَيْره مِنْ الصَّحَابَة , وَقَضِيَّة مَا قَالَهُ الدَّاوُدِيّ هُنَاكَ وَابْن التِّين هُنَا أَنْ يَكُون وَصَفَه بِالتَّقَلُّلِ , وَتِلْكَ صِفَة كَانَتْ لِغَالِبِ مَنْ كَانَ فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فُضَلَاء الصَّحَابَة وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ كَانَ فِيكُمْ \" ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ شُعْبَة , وَقَدْ رَوَاهُ إِسْرَائِيل عَنْ مُغِيرَة. بِلَفْظِ \" وَفِيكُمْ \" وَهِيَ فِي مَنَاقِب عَمَّار , وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ مُغِيرَة بِلَفْظِ \" أَوَ لَمْ يَكُنْ فِيكُمْ \" وَهِيَ فِي مَنَاقِب اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله ( الَّذِي أَجَارَهُ اللَّه عَلَى لِسَان رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الشَّيْطَان يَعْنِي عَمَّارًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل \" الَّذِي أَجَارَهُ اللَّه مِنْ الشَّيْطَان \" يَعْنِي عَلَى لِسَان رَسُوله , وَفِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة \" أَلُمْ يَكُنْ فِيكُمْ الَّذِي أُجِير مِنْ الشَّيْطَان \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْمُرَاد بِذَلِكَ فِي الْمَنَاقِب , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أُشِير بِذَلِكَ إِلَى مَا جَاءَ عَنْ عَمَّار إنْ كَانَ ثَابِتًا , فَإِنَّ الطَّبَرَانِيَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق الْحَسَن الْبَصْرِيّ قَالَ : كَانَ عَمَّار يَقُول قَاتَلْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجِنّ وَالْإِنْس , أَرْسَلَنِي إِلَى بِئْر بَدْر فَلَقِيت الشَّيْطَان فِي صُورَة إِنْسِيّ فَصَارَعَنِي فَصَرَعْته الْحَدِيث. وَفِي سَنَده الْحَكَم بْن عَطِيَّة مُخْتَلَف فِيهِ , وَالْحَسَن لَمْ يَسْمَع مِنْ عَمَّار. ‏"
    },
    {
        "id": "5807",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا ‏ ‏نَقِيلُ ‏ ‏وَنَتَغَدَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5808",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا كَانَ ‏ ‏لِعَلِيٍّ ‏ ‏اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ ‏ ‏أَبِي تُرَابٍ ‏ ‏وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ بِهِ إِذَا دُعِيَ بِهَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْتَ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏فَلَمْ يَجِدْ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏فِي الْبَيْتِ فَقَالَ ‏ ‏أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ فَقَالَتْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ ‏ ‏يَقِلْ ‏ ‏عِنْدِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِإِنْسَانٍ انْظُرْ أَيْنَ هُوَ فَجَاءَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ فَأَصَابَهُ تُرَابٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَهُوَ يَقُولُ قُمْ ‏ ‏أَبَا تُرَابٍ ‏ ‏قُمْ ‏ ‏أَبَا تُرَابٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( هُوَ فِي الْمَسْجِد رَاقِد ) ‏ ‏قَالَ الْمُهَلَّب : فِيهِ جَوَاز النَّوْم فِي الْمَسْجِد مِنْ غَيْر ضَرُورَة إِلَى ذَلِكَ , وَعَكَسَهُ غَيْره وَهُوَ الَّذِي يَظْهَر مِنْ سِيَاق الْقِصَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "5809",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثُمَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ سُلَيْمٍ ‏ ‏كَانَتْ تَبْسُطُ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نِطَعًا ‏ ‏فَيَقِيلُ ‏ ‏عِنْدَهَا عَلَى ذَلِكَ ‏ ‏النِّطَعِ ‏ ‏قَالَ فَإِذَا نَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخَذَتْ مِنْ عَرَقِهِ وَشَعَرِهِ فَجَمَعَتْهُ فِي ‏ ‏قَارُورَةٍ ‏ ‏ثُمَّ جَمَعَتْهُ فِي ‏ ‏سُكٍّ ‏ ‏قَالَ فَلَمَّا حَضَرَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏الْوَفَاةُ أَوْصَى إِلَيَّ أَنْ يُجْعَلَ فِي ‏ ‏حَنُوطِهِ ‏ ‏مِنْ ذَلِكَ ‏ ‏السُّكِّ ‏ ‏قَالَ فَجُعِلَ فِي ‏ ‏حَنُوطِهِ ‏",
        "sharh": "قِصَّة أُمّ سُلَيْمٍ فِي الْعَرَق. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا قُتَيْبَة بْن سَعِيد حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيّ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى بْن عَبْد اللَّه بْن أَنَس بْن مَالِك قَاضِي الْبَصْرَة وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيّ الرِّوَايَة عَنْهُ بِلَا وَاسِطَة كَاَلَّذِي هُنَا , وَثُمَامَة هُوَ عَمّ عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى الرَّاوِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ أُمّ سُلَيْمٍ ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِره أَنَّ الْإِسْنَاد مُرْسَل ; لِأَنَّ ثُمَامَة لَمْ يَلْحَق جَدَّة أَبِيهِ أُمّ سُلَيْمٍ وَالِدَة أَنَس , لَكِنْ دَلَّ قَوْله فِي أَوَاخِره \" فَلَمَّا حَضَرَ أَنَس بْن مَالِك الْوَفَاة أَوْصَى إِلَيَّ \" عَلَى أَنَّ ثُمَامَة حَمَلَهُ عَنْ أَنَس فَلَيْسَ هُوَ مُرْسَلًا وَلَا مِنْ مُسْنَد أُمّ سُلَيْمٍ بَلْ هُوَ مِنْ مُسْنَد أَنَس , وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ فَقَالَ فِي رِوَايَته عَنْ ثُمَامَة عَنْ أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْخُل عَلَى أُمّ سُلَيْمٍ \" وَذَكَرَ الْحَدِيث وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مَعْنَى الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة ثَابِت وَمَنْ رِوَايَة إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة وَمِنْ رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ كُلّهمْ عَنْ أَنَس , وَوَقَعَ عِنْده فِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَس عَنْ أُمّ سُلَيْمٍ , وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ أَنَسًا إِنَّمَا حَمَلَهُ عَنْ أُمّه. ‏ ‏قَوْله ( فَيَقِيل ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الْقَاف ‏ ‏( عِنْدهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس عِنْد مُسْلِم \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُل بَيْت أُمّ سُلَيْمٍ فَيَنَام عَلَى فِرَاشهَا وَلَيْسَتْ فِيهِ , فَجَاءَ ذَات يَوْم فَقِيلَ لَهَا فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرَق فَاسْتَنْقَعَ عَرَقه \" وَفِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ الْمَذْكُورَة \" كَانَ يَأْتِيهَا فَيَقِيل عِنْدهَا فَتَبْسُط لَهُ نِطْعًا فَيَقِيل عَلَيْهِ وَكَانَ كَثِير الْعَرَق \". ‏ ‏قَوْله ( أَخَذَتْ مِنْ عَرَقه وَشَعْره فَجَعَلْته فِي قَارُورَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فِي قَوَارِير \" وَلَمْ يَذْكُر الشَّعْر وَفِي ذِكْر الشَّعْر غَرَابَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة , وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضهمْ عَلَى مَا يَنْتَثِر مِنْ شَعْره عِنْد التَّرَجُّل ثُمَّ رَأَيْت فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سَعْد مَا يُزِيل اللَّبْس , فَإِنَّهُ أَخْرَجَ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَلَقَ شَعْره بِمِنًى أَخَذَ أَبُو طَلْحَة شَعْره فَأَتَى بِهِ أُمّ سُلَيْمٍ فَجَعَلَتْهُ فِي سُكّهَا , قَالَتْ أُمّ سُلَيْمٍ \" وَكَانَ يَجِيء فَيَقِيل عِنْدِي عَلَى نِطْع فَجَعَلْت أَسْلِت الْعَرَق \" الْحَدِيث فَيُسْتَفَاد مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّهَا لَمَّا أَخَذَتْ الْعَرَق وَقْت قَيْلُولَته أَضَافَتْهُ إِلَى الشَّعْر الَّذِي عِنْدهَا , لَا أَنَّهَا أَخَذَتْ مِنْ شَعْره لَمَّا نَامَ. وَيُسْتَفَاد مِنْهَا أَيْضًا أَنَّ الْقِصَّة الْمَذْكُورَة كَانَتْ بَعْد حَجَّة الْوَدَاع لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا حَلَقَ رَأْسه بِمِنًى فِيهَا. ‏ ‏قَوْله ( فِي سُكّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْكَاف هُوَ طِيب مُرَكَّب , وَفِي النِّهَايَة طِيب مَعْرُوف يُضَاف إِلَى غَيْره مِنْ الطِّيب وَيُسْتَعْمَل , وَفِي رِوَايَة الْحَسَن بْن سُفْيَان الْمَذْكُورَة \" ثُمَّ تَجْعَلهُ فِي سُكّهَا \" وَفِي رِوَايَة ثَابِت الْمَذْكُورَة عِنْد مُسْلِم \" دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عِنْدنَا فَعَرِقَ , وَجَاءَتْ أُمِّي بِقَارُورَةِ فَجَعَلَتْ تَسْلُت الْعَرَق فِيهَا , فَاسْتَيْقَظَ فَقَالَ : يَا أُمّ سُلَيْمٍ مَا هَذَا الَّذِي تَصْنَعِينَ ؟ قَالَتْ : هَذَا عَرَقك نَجْعَلهُ فِي طِيبنَا وَهُوَ مِنْ أَطْيَب الطِّيب \". وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة الْمَذْكُورَة \" عَرِقَ فَاسْتَنْقَعَ عَرَقه عَلَى قِطْعَة أَدِيم , فَفَتَحَتْ عَتِيدَتهَا فَجَعَلَتْ تُنَشِّف ذَلِكَ الْعَرَق فَتَعْصِرهُ فِي قَوَارِيرهَا , فَأَفَاقَ فَقَالَ : مَا تَصْنَعِينَ ؟ قَالَتْ نَرْجُو بَرَكَته لِصِبْيَانِنَا. فَقَالَ أَصَبْت \" وَالْعَتِيدَة بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاة وَزْن عَظِيمَة : السَّلَّة أَوْ الْحُقّ , وَهِيَ مَأْخُوذَة مِنْ الْعَتَاد وَهُوَ الشَّيْء الْمُعَدّ لِلْأَمْرِ الْمُهِمّ. وَفِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ الْمَذْكُورَة \" فَكَانَتْ تَجْمَع عَرَقه فَتَجْعَلهُ فِي الطِّيب وَالْقَوَارِير , فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالَتْ : عَرَقك أَذُوف بِهِ طِيبِي \" وَأَذُوف بِمُعْجَمَةٍ مَضْمُومَة ثُمَّ فَاء أَيْ أَخْلِط. وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَات اِطِّلَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِعْل أُمّ سُلَيْمٍ وَتَصْوِيبه. وَلَا مُعَارَضَة بَيْن قَوْلهَا إِنَّهَا كَانَتْ تَجْمَعهُ لِأَجْلِ طِيبه وَبَيْن قَوْلهَا لِلْبَرَكَةِ بَلْ يُحْمَل عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَفْعَل ذَلِكَ لِلْأَمْرَيْنِ مَعًا. قَالَ الْمُهَلَّب : فِي هَذَا الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة الْقَائِلَة لِلْكَبِيرِ فِي بُيُوت مَعَارِفه لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ثُبُوت الْمَوَدَّة وَتَأَكُّد الْمَحَبَّة , قَالَ : وَفِيهِ طَهَارَة شَعْر الْآدَمِيّ وَعَرَقه وَقَالَ غَيْره : لَا دَلَالَة فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَلِيل ذَلِكَ مُتَمَكِّن فِي الْقُوَّة وَلَا سِيَّمَا إِنْ ثَبَتَ الدَّلِيل عَلَى عَدَم طَهَارَة كُلّ مِنْهُمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5810",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا ذَهَبَ إِلَى ‏ ‏قُبَاءٍ ‏ ‏يَدْخُلُ عَلَى ‏ ‏أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ ‏ ‏فَتُطْعِمُهُ وَكَانَتْ تَحْتَ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ‏ ‏فَدَخَلَ يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ قَالَتْ فَقُلْتُ مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ‏ ‏نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ‏ ‏ثَبَجَ ‏ ‏هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ ‏ ‏أَوْ قَالَ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ شَكَّ ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏قُلْتُ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ فَقُلْتُ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ زَمَانَ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ ‏",
        "sharh": "قِصَّة أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان أُخْت أُمّ سُلَيْمٍ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاء ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُر أَحَد مِنْ رُوَاة الْمُوَطَّأ هَذِهِ الزِّيَادَة إِلَّا اِبْن وَهْب , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ وَتَابَعَ إِسْمَاعِيل عَلَيْهَا عَتِيق بْن يَعْقُوب عَنْ مَالِك. ‏ ‏قَوْله ( أُمّ حَرَام ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهِيَ خَالَة أَنَس وَكَانَ يُقَال لَهَا الرُّمَيْصَاء وَلِأُمِّ سُلَيْمٍ الْغُمَيْصَاء بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَالْبَاقِي مِثْله. قَالَ عِيَاض : وَقِيلَ بِالْعَكْسِ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ الْغُمَيْصَاء وَالرُّمَيْصَاء هِيَ أُمّ سُلَيْمٍ , وَيَرُدّهُ مَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ الرُّمَيْصَاء أُخْت أُمّ سُلَيْمٍ فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث الْبَاب. وَلِأَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق الدَّرَاوَرْدِيّ عَنْ أَبِي طُوَالَة عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ رَأْسه فِي بَيْت بِنْت مِلْحَان إِحْدَى خَالَات أَنَس , وَمَعْنَى الرَّمَص وَالْغَمَص مُتَقَارِب وَهُوَ اِجْتِمَاع الْقَذَى فِي مُؤَخَّر الْعَيْن وَفِي هُدْبهَا , وَقِيلَ اِسْتِرْخَاؤُهَا وَانْكِسَار الْجَفْن , وَقَدْ سَبَقَ حَدِيث الْبَاب فِي أَوَّل الْجِهَاد فِي عِدَّة مَوَاضِع مِنْهُ , وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ أَنَس : فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَده , وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَد أُمّ حَرَام , وَالتَّحْقِيق أَنَّ أَوَّله مِنْ مُسْنَد أَنَس وَقِصَّة الْمَنَام مِنْ مُسْنَد أُمّ حَرَام , فَإِنَّ أَنَسًا إِنَّمَا حَمَلَ قِصَّة الْمَنَام عَنْهَا , وَقَدْ وَقَعَ فِي أَثْنَاء هَذِهِ الرِّوَايَة \" قَالَتْ فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه مَا يُضْحِكك \" ؟ وَتَقَدَّمَ بَيَان مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ أَنَس عَنْ أُمّ حَرَام فِي \" بَاب الدُّعَاء بِالْجِهَادِ \" لَكِنَّهُ حَذَفَ مَا فِي أَوَّل الْحَدِيث وَابْتَدَأَهُ بِقَوْلِهِ \" اِسْتَيْقَظَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَوْمه إِلَى آخِره \" وَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب رُكُوب الْبَحْر \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حَبَّان بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة عَنْ أَنَس \" حَدَّثَتْنِي أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان أُخْت أُمّ سُلَيْمٍ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمًا فِي بَيْتهَا فَاسْتَيْقَظَ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَتْ تَحْت عُبَادَةَ بْن الصَّامِت ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِره أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ زَوْج عُبَادَةَ , وَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب غَزْو الْمَرْأَة فِي الْبَحْر \" مِنْ رِوَايَة أَبِي طُوَالَة عَنْ أَنَس قَالَ \" دَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اِبْنَة مِلْحَان \" فَذَكَرَ الْحَدِيث إِلَى أَنْ قَالَ \" فَتَزَوَّجَتْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت \" وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي \" بَاب رُكُوب الْبَحْر \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حَبَّان عَنْ أَنَس \" فَتَزَوَّجَ بِهَا عُبَادَةَ فَخَرَجَ بِهَا إِلَى الْغَزْو \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه , فَتَزَوَّجَ بِهَا عُبَادَةُ بَعْد , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْجَمْع فِي \" بَاب غَزْو الْمَرْأَة فِي الْبَحْر \" وَأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ هُنَا \" وَكَانَتْ تَحْت عُبَادَةَ \" الْإخْبَار عَمَّا آلَ إِلَيْهِ الْحَال بَعْد ذَلِكَ , وَهُوَ الَّذِي اِعْتَمَدَهُ النَّوَوِيّ وَغَيْره تَبَعًا لِعِيَاضٍ , لَكِنْ وَقَعَ فِي تَرْجَمَة أُمّ حَرَام مِنْ طَبَقَات اِبْن سَعْد أَنَّهَا كَانَتْ تَحْت عُبَادَةَ فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا عَمْرو بْن قَيْس بْن زَيْد الْأَنْصَارِيّ النَّجَّارِي فَوَلَدَتْ لَهُ قَيْسَا وَعَبْد اللَّه وَعَمْرو بْن قَيْس هَذَا اِتَّفَقَ أَهْل الْمَغَازِي أَنَّهُ اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ , وَكَذَا ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ اِبْنه قَيْس بْن عَمْرو بْن قَيْس اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ فَلَوْ كَانَ الْأَمْر كَمَا وَقَعَ عِنْد اِبْن سَعْد لَكَانَ مُحَمَّد صَحَابِيًّا لِكَوْنِهِ وُلِدَ لِعُبَادَةَ قَبْل أَنْ يُفَارِق أُمّ حَرَام ثُمَّ اِتَّصَلَتْ بِمَنْ وَلَدَتْ لَهُ قَيْسًا فَاسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ فَيَكُون مُحَمَّد أَكْبَر مِنْ قَيْس اِبْن عَمْرو , إِلَّا أَنْ يُقَال إِنَّ عُبَادَةَ سَمَّى اِبْنه مُحَمَّدًا فِي الْجَاهِلِيَّة كَمَا سَمَّى بِهَذَا الِاسْم غَيْر وَاحِد وَمَاتَ مُحَمَّد قَبْل إِسْلَام الْأَنْصَار فَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرُوهُ فِي الصَّحَابَة , وَيُعَكِّر عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَعُدُّوا مُحَمَّد بْن عُبَادَةَ فِيمَنْ سُمِّيَ بِهَذَا الِاسْم قَبْل الْإِسْلَام , وَيُمْكِن الْجَوَاب عَلَى هَذَا فَيَكُون عُبَادَةُ تَزَوَّجَهَا أَوَّلًا ثُمَّ فَارَقَهَا فَتَزَوَّجَتْ عَمْرو بْن قَيْس ثُمَّ اُسْتُشْهِدَ فَرَجَعَتْ إِلَى عُبَادَةَ , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الْأَمْر بِعَكْسِ مَا وَقَعَ فِي الطَّبَقَات وَأَنَّ عَمْرو بْن قَيْس تَزَوَّجَهَا أَوَّلًا فَوَلَدَتْ لَهُ ثُمَّ اُسْتُشْهِدَ هُوَ وَوَلَده قَيْس مِنْهَا وَتَزَوَّجَتْ بَعْده بِعُبَادَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَاب مَا قِيلَ فِي قِتَال الرُّوم , بَيَان الْمَكَان الَّذِي نَزَلَتْ بِهِ أُمّ حَرَام مَعَ عُبَادَةَ فِي الْغَزْو وَلَفْظه مِنْ طَرِيق عُمَيْر بْن الْأَسْوَد \" أَنَّهُ أَتَى عُبَادَةَ بْن الصَّامِت وَهُوَ نَازِل بِسَاحِلِ حِمْص وَمَعَهُ أُمّ حَرَام , قَالَ عُمَيْر فَحَدَّثَتْنَا أُمّ حَرَام فَذَكَرَ الْمَنَام \". ‏ ‏قَوْله ( فَدَخَلَ يَوْمًا ) ‏ ‏زَادَ الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِك \" عَلَيْهَا \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَطْعَمَتْهُ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين مَا أَطْعَمَتْهُ يَوْمئِذٍ , زَادَ فِي \" بَاب الدُّعَاء إِلَى الْجِهَاد \" وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسه , وَتَفْلِي بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْفَاء وَكَسْر اللَّام أَيْ تُفَتِّش مَا فِيهِ , وَتَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْأَدَب. ‏ ‏قَوْله ( فَنَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد فِي الْجِهَاد \" فَنَامَ قَرِيبًا مِنِّي \" وَفِي رِوَايَة أَبِي طُوَالَة فِي الْجِهَاد \" فَاتَّكَأَ \" وَلَمْ يَقَع فِي رِوَايَته وَلَا فِي رِوَايَة مَالِك بَيَان وَقْت النَّوْم الْمَذْكُور وَقَدْ زَادَ غَيْره أَنَّهُ كَانَ وَقْت الْقَائِلَة فَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد فِي الْجِهَاد \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمًا فِي بَيْتهَا \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَتَانَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عِنْدنَا \" وَلِأَحْمَد وَابْن سَعْد مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ يَحْيَى \" بَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِلًا فِي بَيْتِي \" وَلِأَحْمَد مِنْ رِوَايَة عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد عَنْ يَحْيَى \" فَنَامَ عِنْدهَا أَوْ قَالَ \" بِالشَّكِّ وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة إِلَى رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ اِسْتَيْقَظَ يَضْحَك ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" وَهُوَ يَضْحَك \" وَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم الرِّوَايَات الَّتِي ذَكَرْتهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت مَا يُضْحِكك ) ‏ ‏؟ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عِنْد مُسْلِم \" بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي \" وَفِي رِوَايَة أَبِي طُوَالَة \" لِمَ تَضْحَك \" وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيقه \" مِمَّ تَضْحَك \" ؟ وَفِي رِوَايَة عَطَاء بْن يَسَار عَنْ الرُّمَيْصَاء \" ثُمَّ اِسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَك وَكَانَتْ تَغْسِل رَأْسهَا فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه أَتَضْحَكُ مِنْ رَأْسِي ؟ قَالَ : لَا \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَلَمْ يَسُقْ الْمَتْن بَلْ أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد وَقَالَ : يَزِيد وَيَنْقُص , وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ أَبُو دَاوُدَ فَقَالَ عَنْ عَطَاء بْن يَسَار \" أَنَّ اِمْرَأَة حَدَّثَتْهُ \" وَسَاقَ الْمَتْن وَلَفْظه يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ فِي قِصَّة أُخْرَى غَيْر قِصَّة أُمّ حَرَام فَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ : نَاس مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد \" فَقَالَ : عَجِبْت مِنْ قَوْم مِنْ أُمَّتِي \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أُرِيت قَوْمًا مِنْ أُمَّتِي \" وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ ضَحِكَهُ كَانَ إِعْجَابًا بِهِمْ وَفَرَحًا لِمَا رَأَى لَهُمْ مِنْ الْمَنْزِلَة الرَّفِيعَة. ‏ ‏قَوْله ( يَرْكَبُونَ ثَبَج هَذَا الْبَحْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اللَّيْث \" يَرْكَبُونَ هَذَا الْبَحْر الْأَخْضَر \" وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد \" يَرْكَبُونَ الْبَحْر \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقه \" يَرْكَبُونَ ظَهْر الْبَحْر \" وَفِي رِوَايَة أَبِي طُوَالَة \" يَرْكَبُونَ الْبَحْر الْأَخْضَر فِي سَبِيل اللَّه \" وَالثَّبَج بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة وَالْمُوَحَّدَة ثُمَّ جِيم ظَهْر الشَّيْء , هَكَذَا فَسَّرَهُ جَمَاعَة , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَتْن الْبَحْر وَظَهْره , وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : ثَبَج كُلّ شَيْء وَسَطه , وَقَالَ أَبُو عَلِيّ فِي أَمَالِيهِ : قِيلَ ظَهْره وَقِيلَ مُعْظَمه وَقِيلَ هَوْله , وَقَالَ أَبُو زَيْد فِي نَوَادِره : ضَرَبَ ثَبَج الرَّجُل بِالسَّيْفِ أَيْ وَسَطه , وَقِيلَ مَا بَيْن كَتِفَيْهِ , وَالرَّاجِح أَنَّ الْمُرَاد هُنَا ظَهْره كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ فِي الطَّرِيق الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا , وَالْمُرَاد أَنَّهُمْ يَرْكَبُونَ السُّفُن الَّتِي تَجْرِي عَلَى ظَهْره. وَلَمَّا كَانَ جَرْي السُّفُن غَالِبًا إِنَّمَا يَكُون فِي وَسَطه قِيلَ الْمُرَاد وَسَطه وَإِلَّا فَلَا اِخْتِصَاص لِوَسَطِهِ بِالرُّكُوبِ , وَأَمَّا قَوْله \" الْأَخْضَر \" فَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ هِيَ صِفَة لَازِمَة لِلْبَحْرِ لَا مُخَصِّصَة اِنْتَهَى , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مُخَصِّصَة لِأَنَّ الْبَحْر يُطْلَق عَلَى الْمِلْح وَالْعَذْب فَجَاءَ لَفْظ الْأَخْضَر لِتَخْصِيصِ الْمِلْح بِالْمُرَادِ , قَالَ وَالْمَاء فِي الْأَصْل لَا لَوْن لَهُ وَإِنَّمَا تَنْعَكِس الْخُضْرَة مِنْ اِنْعِكَاس الْهَوَاء وَسَائِر مُقَابَلَاته إِلَيْهِ , وَقَالَ غَيْره : إِنَّ الَّذِي يُقَابِلهُ السَّمَاء , وَقَدْ أَطْلَقُوا عَلَيْهَا الْخَضْرَاء لِحَدِيثِ \" مَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاء وَلَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاء \" وَالْعَرَب تُطْلِق الْأَخْضَر عَلَى كُلّ لَوْن لَيْسَ بِأَبْيَض وَلَا أَحْمَر , قَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏وَأَنَا الْأَخْضَر مَنْ يَعْرِفنِي ‏ ‏أَخْضَر الْجِلْدَة مَنْ نَسْل الْعَرَب ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ بِأَحْمَر كَالْعَجَمِ , وَالْأَحْمَر يُطْلِقُونَهُ عَلَى كُلّ مَنْ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ. وَمِنْهُ \" بُعِثْت إِلَى الْأَسْوَد وَالْأَحْمَر \". ‏ ‏قَوْله ( مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِأَبِي ذَرّ \" مُلُوك \" بِالرَّفْعِ. ‏ ‏قَوْله ( أَوْ قَالَ مِثْل الْمُلُوك عَلَى الْأَسِرَّة يَشُكّ إِسْحَاق ) ‏ ‏يَعْنِي رَاوِيه عَنْ أَنَس , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اللَّيْث وَحَمَّاد الْمُشَار إِلَيْهِمَا قَبْل \" كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّة \" مِنْ غَيْر شَيْء , وَفِي رِوَايَة أَبِي طُوَالَة \" مِثْل الْمُلُوك عَلَى الْأَسِرَّة \" بِغَيْرِ شَكّ , أَيْضًا , وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيقه \" مَثَلهمْ كَمَثَلِ الْمُلُوك عَلَى الْأَسِرَّة \" وَهَذَا الشَّكّ مِنْ إِسْحَاق وَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة يُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ يُحَافَظ عَلَى تَأْدِيَة الْحَدِيث بِلَفْظِهِ وَلَا يَتَوَسَّع فِي تَأْدِيَته بِالْمَعْنَى كَمَا تَوَسَّعَ غَيْره كَمَا وَقَعَ لَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيث فِي عِدَّة مَوَاضِع تَظْهَر مِمَّا سُقْته وَأَسُوقهُ , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ , أَرَادَ وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّهُ رَأَى الْغُزَاة فِي الْبَحْر مِنْ أُمَّته مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّة فِي الْجَنَّة , وَرُؤْيَاهُ وَحْي , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي صِفَة أَهْل الْجَنَّة ( عَلَى سُرَر مُتَقَابِلِينَ ) وَقَالَ ( عَلَى الْأَرَائِك مُتَّكِئُونَ ) وَالْأَرَائِك السُّرَر فِي الْحِجَال. وَقَالَ عِيَاض : هَذَا مُحْتَمَل , وَيُحْتَمَل أَيْضًا أَنْ يَكُون خَبَرًا عَنْ حَالهمْ فِي الْغَزْو مِنْ سَعَة أَحْوَالهمْ وَقِوَام أَمْرهمْ وَكَثْرَة عَدَدهمْ وَجَوْدَة عَدَدهمْ فَكَأَنَّهُمْ الْمُلُوك عَلَى الْأَسِرَّة. قُلْت : وَفِي هَذَا الِاحْتِمَال بُعْد , وَالْأَوَّل أَظْهَر لَكِنَّ الْإِتْيَان بِالتَّمْثِيلِ فِي مُعْظَم طُرُقه يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ رَأَى مَا يَئُول إِلَيْهِ أَمْرهمْ لَا أَنَّهُمْ نَالُوا ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْحَالَة , أَوْ مَوْقِع التَّشْبِيه أَنَّهُمْ فِيمَا هُمْ مِنْ النَّعِيم الَّذِي أُثِيبُوا بِهِ عَلَى جِهَادهمْ مِثْل مُلُوك الدُّنْيَا عَلَى أَسِرَّتهمْ , وَالتَّشْبِيه بِالْمَحْسُوسَاتِ أَبْلَغ فِي نَفْس السَّامِع. ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت اُدْعُ اللَّه أَنْ يَجْعَلنِي مِنْهُمْ , فَدَعَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْجِهَاد بِلَفْظِ \" فَدَعَا لَهَا \" وَمِثْله فِي رِوَايَة اللَّيْث , وَفِي رِوَايَة أَبِي طُوَالَة \" فَقَالَ اللَّهُمَّ اِجْعَلْهَا مِنْهُمْ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد \" فَقَالَ أَنْتَ مِنْهُمْ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَإِنَّك مِنْهُمْ \" وَفِي رِوَايَة عُمَيْر بْن الْأَسْوَد \" فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَنَا مِنْهُمْ ؟ قَالَ أَنْتَ مِنْهُمْ \" وَيُجْمَع بِأَنَّهُ دَعَا لَهَا فَأُجِيبَ فَأَخْبَرَهَا جَازِمًا بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ وَضَعَ رَأْسه فَنَامَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اللَّيْث \" ثُمَّ قَامَ ثَانِيَة فَفَعَلَ مِثْلهَا , فَقَالَتْ مِثْل قَوْلهَا فَأَجَابَهَا مِثْلهَا \" وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد \" فَقَالَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة \" وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي طُوَالَة عِنْد أَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق الدَّرَاوَرْدِيّ عَنْهُ , وَلَهُ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْهُ \" فَفَعَلَ مِثْل ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ \" وَكُلّ ذَلِكَ شَاذّ وَالْمَحْفُوظ مِنْ طَرِيق أَنَس مَا اِتَّفَقَتْ عَلَيْهِ رِوَايَات الْجُمْهُور أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَرَّتَيْنِ مَرَّة بَعْد مَرَّة وَأَنَّهُ قَالَ لَهَا فِي الْأُولَى \" أَنْتِ مِنْهُمْ \" وَفِي الثَّانِيَة \" لَسْت مِنْهُمْ \" وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي رِوَايَة عُمَيْر بْن الْأَسْوَد حَيْثُ قَالَ فِي الْأُولَى \" يَغْزُونَ هَذَا الْبَحْر \" وَفِي الثَّانِيَة \" يَغْزُونَ مَدِينَة قَيْصَر \". ‏ ‏قَوْله ( أَنْت مِنْ الْأَوَّلِينَ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيّ عَنْ أَبِي طُوَالَة \" وَلَسْت مِنْ الْآخَرِينَ \" وَفِي رِوَايَة عُمَيْر بْن الْأَسْوَد فِي الثَّانِيَة \" فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَنَا مِنْهُمْ ؟ قَالَ لَا \". قُلْت : وَظَاهِر قَوْله فَقَالَ مِثْلهَا أَنَّ الْفِرْقَة الثَّانِيَة يَرْكَبُونَ الْبَحْر أَيْضًا وَلَكِنْ رِوَايَة عُمَيْر بْن الْأَسْوَد تَدُلّ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَة إِنَّمَا غَزَتْ فِي الْبَرّ لِقَوْلِهِ \" يَغْزُونَ مَدِينَة قَيْصَر \" وَقَدْ حَكَى اِبْن التِّين أَنَّ الثَّانِيَة وَرَدَتْ فِي غَزَاة الْبَرّ وَأَقَرَّهُ , وَعَلَى هَذَا يُحْتَاج إِلَى حَمْل الْمِثْلِيَّة فِي الْخَبَر عَلَى مُعْظَم مَا اِشْتَرَكَتْ فِيهِ الطَّائِفَتَانِ لَا خُصُوص رُكُوب الْبَحْر وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون بَعْض الْعَسْكَر الَّذِينَ غَزَوْا مَدِينَة قَيْصَر رَكِبُوا الْبَحْر إِلَيْهَا , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَا حَكَى اِبْن التِّين فَتَكُون الْأَوَّلِيَّة مَعَ كَوْنهَا فِي الْبَرّ مُقَيَّدَة بِقَصْدِ مَدِينَة قَيْصَر , وَإِلَّا فَقَدْ غَزَوْا قَبْل ذَلِكَ فِي الْبَرّ مِرَارًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ , الْأُولَى فِي أَوَّل مَنْ غَزَا الْبَحْر مِنْ الصَّحَابَة , وَالثَّانِيَة فِي أَوَّل مَنْ غَزَا الْبَحْر مِنْ التَّابِعِينَ. قُلْت : بَلْ كَانَ فِي كُلّ مِنْهُمَا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ لَكِنْ مُعْظَم الْأُولَى مِنْ الصَّحَابَة وَالثَّانِيَة بِالْعَكْسِ , وَقَالَ عِيَاض وَالْقُرْطُبِيّ فِي السِّيَاق دَلِيل عَلَى أَنَّ رُؤْيَاهُ الثَّانِيَة غَيْر رُؤْيَاهُ الْأُولَى , وَأَنَّ فِي كُلّ نَوْمَة عَرَضَتْ طَائِفَة مِنْ الْغُزَاة. وَأَمَّا قَوْل أُمّ حَرَام \" اُدْعُ اللَّه أَنْ يَجْعَلنِي مِنْهُمْ \" فِي الثَّانِيَة فَلِظَنِّهَا أَنَّ الثَّانِيَة تُسَاوِي الْأُولَى فِي الْمَرْتَبَة فَسَأَلَتْ ثَانِيًا لِيَتَضَاعَف لَهَا الْأَجْر , لَا أَنَّهَا شَكَّتْ فِي إِجَابَة دُعَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا فِي الْمَرَّة الْأُولَى وَفِي جَزْمه بِذَلِكَ. قُلْت : لَا تَنَافِي بَيْن إِجَابَة دُعَائِهِ وَجَزْمه بِأَنَّهَا مِنْ الْأَوَّلِينَ وَبَيْن سُؤَالهَا أَنْ تَكُون مِنْ الْآخِرِينَ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَع التَّصْرِيح لَهَا أَنَّهَا تَمُوت قَبْل زَمَان الْغَزْوَة الثَّانِيَة فَجَوَّزَتْ أَنَّهَا تُدْرِكهَا فَتَغْزُو مَعَهُمْ وَيَحْصُل لَهَا أَجْر الْفَرِيقَيْنِ , فَأَعْلَمَهَا أَنَّهَا لَا تُدْرِك زَمَان الْغَزْوَة الثَّانِيَة فَكَانَ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( فَرَكِبَتْ الْبَحْر فِي زَمَان مُعَاوِيَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اللَّيْث \" فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجهَا عُبَادَةَ بْن الصَّامِت غَازِيًا أَوَّل مَا رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْر مَعَ مُعَاوِيَة \" وَفِي رِوَايَة حَمَّاد \" فَتَزَوَّجَ بِهَا عُبَادَةُ , فَخَرَجَ بِهَا إِلَى الْغَزْو \" وَفِي رِوَايَة أَبِي طُوَالَة \" فَتَزَوَّجَتْ عُبَادَةَ , فَرَكِبَتْ الْبَحْر مَعَ بِنْت قَرَظَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ اِسْمهَا فِي \" بَاب غَزْوَة الْمَرْأَة فِي الْبَحْر \" وَتَقَدَّمَ فِي بَاب فَضْل مَنْ يُسْرِع فِي سَبِيل اللَّه بَيَان الْوَقْت الَّذِي رَكِبَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْر لِلْغَزْوِ أَوَّلًا وَأَنَّهُ كَانَ فِي سَنَة ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ , وَكَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَة عُثْمَان وَمُعَاوِيَة يَوْمئِذٍ أَمِير الشَّام , وَظَاهِر سِيَاق الْخَبَر يُوهِم أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خِلَافَته وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَدْ اِغْتَرَّ بِظَاهِرِهِ بَعْض النَّاس فَوَهَمَ , فَإِنَّ الْقِصَّة إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي حَقّ أَوَّل مَنْ يَغْزُو فِي الْبَحْر , وَكَانَ عُمَر يَنْهَى عَنْ رُكُوب الْبَحْر , فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَان اِسْتَأْذَنَهُ مُعَاوِيَة فِي الْغَزْو فِي الْبَحْر فَأَذِنَ لَهُ. وَنَقَلَهُ أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيُّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن أَسْلَمَ , وَيَكْفِي فِي الرَّدّ عَلَيْهِ التَّصْرِيح فِي الصَّحِيح بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّل مَا غَزَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْبَحْر , وَنُقِلَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق خَالِد بْن مَعْدَان قَالَ \" أَوَّل مَنْ غَزَا الْبَحْر مُعَاوِيَة فِي زَمَن عُثْمَان وَكَانَ اِسْتَأْذَنَ عُمَر فَلَمْ يَأْذَن لَهُ , فَلَمْ يَزَلْ بِعُثْمَان حَتَّى أَذِنَ لَهُ وَقَالَ : لَا تَنْتَخِب أَحَدًا , بَلْ مَنْ اِخْتَارَ الْغَزْو فِيهِ طَائِعًا فَأَعِنْهُ فَفَعَلَ \" وَقَالَ خَلِيفَة بْن خَيَّاط فِي تَارِيخه فِي حَوَادِث سَنَة ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ : وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَة الْبَحْر وَمَعَهُ اِمْرَأَته فَاخِتَة بِنْت قَرَظَة وَمَعَ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت اِمْرَأَته أُمّ حَرَام , وَأَرَّخَهَا فِي سَنَة ثَمَان وَعِشْرِينَ غَيْر وَاحِد , وَبِهِ جَزَمَ اِبْن أَبِي حَاتِم , وَأَرَّخَهَا يَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي الْمُحَرَّم سَنَة سَبْع وَعِشْرِينَ قَالَ : كَانَتْ فِيهِ غَزَاة قُبْرُس الْأُولَى. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْوَاقِدِيّ أَنَّ مُعَاوِيَة غَزَا الرُّوم فِي خِلَافَة عُثْمَان فَصَالَحَ أَهْل قُبْرُس , وَسَمَّى اِمْرَأَته كَبْرَة بِفَتْحِ الْكَاف وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَقِيلَ فَاخِتَة بِنْت قَرَظَة وَهُمَا أُخْتَانِ كَانَ مُعَاوِيَة تَزَوَّجَهُمَا وَاحِدَة بَعْد أُخْرَى , وَمِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ اِبْن لَهِيعَة أَنَّ مُعَاوِيَة غَزَا بِامْرَأَتِهِ إِلَى قُبْرُس فِي خِلَافَة عُثْمَان فَصَالَحَهُمْ. وَمَنْ طَرِيق أَبِي مَعْشَر الْمَدَنِيّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَنَة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ. فَتَحَصَّلْنَا عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال وَالْأَوَّل أَصَحّ وَكُلّهَا فِي خِلَافَة عُثْمَان أَيْضًا لِأَنَّهُ قُتِلَ فِي آخِر سَنَة خَمْس وَثَلَاثِينَ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتهَا حِين خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْر فَهَلَكَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اللَّيْث \" فَلَمَّا اِنْصَرَفُوا مِنْ غَزَوِهِمْ قَافِلِينَ إِلَى الشَّام قُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّة لِتَرْكَبَهَا فَصُرِعَتْ فَمَاتَتْ \" وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عِنْد أَحْمَد \" فَوَقَصَتْهَا بَغْلَة لَهَا شَهْبَاء فَوَقَعَتْ فَمَاتَتْ \" وَفِي رِوَايَة عَنْهُ مَضَتْ فِي \" بَاب رُكُوب الْبَحْر \" فَوَقَعَتْ فَانْدَقَّتْ عُنُقهَا. وَقَدْ جَمَعَ بَيْنهمَا فِي \" بَاب فَضْل مَنْ يُصْرَعُ فِي سَبِيل اللَّه \" وَالْحَاصِل أَنَّ الْبَغْلَة الشَّهْبَاء قُرِّبَتْ إِلَيْهَا لِتَرْكَبَهَا فَشَرَعَتْ لِتَرْكَب فَسَقَطَتْ فَانْدَقَّتْ عُنُقهَا فَمَاتَتْ , وَظَاهِر رِوَايَة اللَّيْث أَنَّ وَقَعَتَهَا كَانَتْ بِسَاحِلِ الشَّام لَمَّا خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْر بَعْد رُجُوعِهِمْ مِنْ غَزَاة قُبْرُسَ , لَكِنْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي عَاصِم فِي كِتَاب الْجِهَاد عَنْ هِشَام بْن عَمَّار عَنْ يَحْيَى بْن حَمْزَة بِالسَّنَدِ الْمَاضِي لِقِصَّةِ أُمّ حَرَام فِي \" بَاب مَا قِيلَ فِي قِتَال الرُّوم \" وَفِيهِ \" وَعُبَادَة نَازِل بِسَاحِلِ حِمْص \" قَالَ هِشَام بْن عَمَّار رَأَيْت قَبْرهَا بِسَاحِلِ حِمْص , وَجَزَمَ جَمَاعَة بِأَنَّ قَبْرهَا بِجَزِيرَةِ قُبْرُس , فَقَالَ اِبْن حِبَّان بَعْد أَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق اللَّيْث بْن سَعْد بِسَنَدِهِ \" قَبْر أُمّ حَرَام بِجَزِيرَةِ فِي بَحْر الرُّوم يُقَال لَهَا قُبْرُسُ بَيْن بِلَاد الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنهَا ثَلَاثَة أَيَّام \" وَجَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِأَنَّهَا حِين خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْر إِلَى جَزِيرَة قُبْرُسَ قُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابُّتُهَا فَصَرَعَتْهَا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق الْوَاقِدِيّ أَنَّ مُعَاوِيَة صَالَحَهُمْ بَعْد فَتْحِهَا عَلَى سَبْعَة آلَاف دِينَار فِي كُلّ سَنَةٍ , فَلَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوج مِنْهَا قُرِّبَتْ لِأُمّ حَرَام دَابَّة لِتَرْكَبَهَا فَسَقَطَتْ فَمَاتَتْ فَقَبْرهَا هُنَاكَ يَسْتَسْقُونَ بِهِ وَيَقُولُونَ قَبْر الْمَرْأَة الصَّالِحَة , فَعَلَى هَذَا فَلَعَلَّ مُرَاد هِشَام بْن عَمَّار بِقَوْلِهِ \" رَأَيْت قَبْرهَا بِالسَّاحِلِ \" أَيْ سَاحِل جَزِيرَة قُبْرُس فَكَأَنَّهُ تَوَجَّهَ إِلَى قُبْرُسَ لَمَّا غَزَاهَا الرَّشِيد فِي خِلَافَته. وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمْ لَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْجَزِيرَة بَادَرَتْ الْمُقَاتِلَة وَتَأَخَّرَتْ الضُّعَفَاء كَالنِّسَاءِ , فَلَمَّا غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ وَصَالَحُوهُمْ طَلَعَتْ أُمّ حَرَام مِنْ السَّفِينَة قَاصِدَة الْبَلَد لِتَرَاهَا وَتَعُود رَاجِعَة لِلشَّامِ فَوَقَعَتْ حِينَئِذٍ , وَيُحْمَلُ قَوْل حَمَّاد اِبْن زَيْد فِي رِوَايَته \" فَلَمَّا رَجَعَتْ \" وَقَوْل أَبِي طُوَالَة \" فَلَمَّا قَفَلَتْ \" أَيْ أَرَادَتْ الرُّجُوع , وَكَذَا قَوْل اللَّيْث فِي رِوَايَته \" فَلَمَّا اِنْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ \" أَيْ أَرَادُوا الِانْصِرَاف. ثُمَّ وَقَفْت عَلَى شَيْء يَزُول بِهِ الْإِشْكَال مِنْ أَصْلِهِ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ عَطَاء بْن يَسَار أَنَّ اِمْرَأَة حَدَّثَتْهُ قَالَتْ \" نَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ اِسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَك , فَقُلْت : تَضْحَك مِنِّي يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : لَا وَلَكِنْ مِنْ قَوْم مِنْ أُمَّتِي يَخْرُجُونَ غُزَاة فِي الْبَحْر , مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الْمُلُوك عَلَى الْأَسِرَّة. ثُمَّ نَامَ ثُمَّ اِسْتَيْقَظَ فَقَالَ مَثَلُ ذَلِكَ سَوَاء لَكِنْ قَالَ فَيَرْجِعُونَ قَلِيلَةً غَنَائِمُهُمْ مَغْفُورًا لَهُمْ. قَالَتْ فَادْعُ اللَّه أَنْ يَجْعَلنِي مِنْهُمْ , فَدَعَا لَهَا \" قَالَ عَطَاء فَرَأَيْتهَا فِي غَزَاة غَزَاهَا الْمُنْذِر بْن الزُّبَيْر إِلَى أَرْض الرُّوم فَمَاتَتْ بِأَرْضِ الرُّوم , وَهَذَا إِسْنَاد عَلَى شَرْط الصَّحِيح. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيق هِشَام بْن يُوسُف عَنْ مَعْمَر فَقَالَ فِي رِوَايَته \" عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ الرُّمَيْصَاء أُخْت أُمّ سُلَيْمٍ \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن وَهْب عَنْ حَفْص بْن مَيْسَرَة عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ فَقَالَ فِي رِوَايَته \" عَنْ أُمّ حَرَام \" وَكَذَا قَالَ زُهَيْر بْن عَبَّاد عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ قَوْل مَنْ قَالَ حَدِيث عَطَاء بْن يَسَار هَذَا عَنْ أُمّ حَرَام وَهْمٌ , وَإِنَّمَا هِيَ الرُّمَيْصَاء , وَلَيْسَتْ أُمّ سُلَيْمٍ وَإِنْ كَانَتْ يُقَال لَهَا أَيْضًا الرُّمَيْصَاء كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب مِنْ حَدِيث جَابِر ; لِأَنَّ أُمّ سُلَيْمٍ لَمْ تَمُتْ بِأَرْضِ الرُّوم وَلَعَلَّهَا أُخْتهَا أُمّ عَبْد اللَّه بْن مِلْحَانَ فَقَدْ ذَكَرَهَا اِبْن سَعْد فِي الصَّحَابِيَّات وَقَالَ : إِنَّهَا أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْء مِنْ خَبَرهَا إِلَّا مَا ذَكَرَ اِبْن سَعْد. فَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون هِيَ صَاحِبَة الْقِصَّة الَّتِي ذَكَرَهَا اِبْن عَطَاء اِبْن يَسَار وَتَكُون تَأَخَّرَتْ حَتَّى أَدْرَكَهَا عَطَاء , وَقِصَّتهَا مُغَايِرَة لِقِصَّةِ أُمّ حَرَام مِنْ أَوْجُهٍ : الْأَوَّل أَنَّ فِي حَدِيث أُمّ حَرَام أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَامَ كَانَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ , وَفِي حَدِيث الْأُخْرَى أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِل رَأْسهَا كَمَا قَدَّمْت ذِكْرَهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي دَاوُد. الثَّانِي ظَاهِر رِوَايَة أُمّ حَرَام أَنَّ الْفِرْقَة الثَّانِيَة تَغْزُو فِي الْبَرّ وَظَاهِر رِوَايَة الْأُخْرَى أَنَّهَا تَغْزُو فِي الْبَحْر. الثَّالِث أَنَّ فِي رِوَايَة أُمّ حَرَام أَنَّهَا مِنْ أَهْل الْفِرْقَة الْأُولَى وَفِي رِوَايَة الْأُخْرَى أَنَّهَا مِنْ أَهْل الْفِرْقَة الثَّانِيَة. الرَّابِع أَنَّ فِي حَدِيث أُمّ حَرَام أَنَّ أَمِير الْغَزْوَة كَانَ مُعَاوِيَة وَفِي رِوَايَة الْأُخْرَى أَنَّ أَمِيرهَا كَانَ الْمُنْذِر بْن الزُّبَيْر. الْخَامِس أَنَّ عَطَاء بْن يَسَار ذَكَرَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ وَهُوَ يَصْغُر عَنْ إِدْرَاك أُمّ حَرَام وَعَنْ أَنْ يَغْزُو فِي سَنَة ثَمَان وَعِشْرِينِ بَلْ وَفِي سَنَة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ ; لِأَنَّ مَوْلِده عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ عَمْرو بْن عَلِيّ وَغَيْره كَانَ فِي سَنَة تِسْع عَشْرَة. وَعَلَى هَذَا فَقَدْ تَعَدَّدَتْ الْقِصَّة لِأُمّ حَرَام وَلِأُخْتِهَا أُمّ عَبْد اللَّه فَلَعَلَّ إِحْدَاهُمَا دُفِنَتْ بِسَاحِلِ قُبْرُس وَالْأُخْرَى بِسَاحِلِ حِمْصٍ , وَلَمْ أَرَ مَنْ حَرَّرَ ذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْد عَلَى جَزِيل نِعَمه. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ التَّرْغِيب فِي الْجِهَاد وَالْحَضّ عَلَيْهِ , وَبَيَان فَضِيلَة الْمُجَاهِد. وَفِيهِ جَوَاز رُكُوب الْبَحْر الْمِلْح لِلْغَزْوِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ وَأَنَّ عُمَر كَانَ يَمْنَع مِنْهُ ثُمَّ أَذِنَ فِيهِ عُثْمَان , قَالَ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : ثُمَّ مَنَعَ مِنْهُ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز ثُمَّ أَذِنَ فِيهِ مَنْ بَعْده وَاسْتَقَرَّ الْأَمْر عَلَيْهِ , وَنُقِلَ عَنْ عُمَر أَنَّهُ إِنَّمَا مَنَعَ رُكُوبه لِغَيْرِ الْحَجّ وَالْعُمْرَة وَنَحْو ذَلِكَ , وَنَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ أَنَّهُ يَحْرُم رُكُوبه عِنْد اِرْتِجَاجه اِتِّفَاقًا , وَكَرِهَ مَالِك رُكُوب النِّسَاء مُطْلَقًا الْبَحْرَ لِمَا يُخْشَى مِنْ اِطِّلَاعِهِنَّ عَلَى عَوْرَات الرِّجَال فِيهِ إِذْ يَتَعَسَّر الِاحْتِرَاز مِنْ ذَلِكَ , وَخَصَّ أَصْحَابه ذَلِكَ بِالسُّفُنِ الصِّغَار , وَأَمَّا الْكِبَار الَّتِي يُمْكِنُهُنَّ فِيهِنَّ الِاسْتِتَار بِأَمَاكِن تَخُصّهُنَّ فَلَا حَرَج فِيهِ. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز تَمَنِّي الشَّهَادَة وَأَنَّ مَنْ يَمُوت غَازِيًا يَلْحَق بِمَنْ يُقْتَل فِي الْغَزْو , كَذَا قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ وَهُوَ ظَاهِر الْقِصَّة , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ الِاسْتِوَاء فِي أَصْل الْفَضْل الِاسْتِوَاء فِي الدَّرَجَات , وَقَدْ ذَكَرْت فِي \" بَاب الشُّهَدَاء \" مِنْ كِتَاب الْجِهَاد كَثِيرًا مِمَّنْ يُطْلَق عَلَيْهِ شَهِيد وَإِنْ لَمْ يُقْتَل. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْقَائِلَة لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَة عَلَى قِيَام اللَّيْل , وَجَوَاز إِخْرَاج مَا يُؤْذِي الْبَدَن مِنْ قَمْل وَنَحْوه عَنْهُ , وَمَشْرُوعِيَّة الْجِهَاد مَعَ كُلّ إِمَام لِتَضَمُّنِهِ الثَّنَاء عَلَى مَنْ غَزَا مَدِينَة قَيْصَر وَكَانَ أَمِير تِلْكَ الْغَزْوَة يَزِيد بْن مُعَاوِيَة وَيَزِيد يَزِيد , وَثُبُوت فَضْل الْغَازِي إِذَا صَلُحَتْ نِيَّته , وَقَالَ بَعْض الشُّرَّاح فِي فَضْل الْمُجَاهِدِينَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لِقَوْلِهِ فِيهِ \" وَلَسْت مِنْ الْآخِرِينَ \" وَلَا نِهَايَة لِلْآخِرِينَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِالْآخِرِينَ فِي الْحَدِيث الْفِرْقَة الثَّانِيَة , نَعَمْ يُؤْخَذ مِنْهُ فَضْل الْمُجَاهِدِينَ فِي الْجُمْلَة لَا خُصُوص الْفَضْل الْوَارِد فِي حَقّ الْمَذْكُورِينَ , وَفِيهِ ضُرُوب مِنْ أَخْبَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا سَيَقَعُ فَوَقَعَ كَمَا قَالَ , وَذَلِكَ مَعْدُود مِنْ عَلَامَات نُبُوَّته : مِنْهَا إِعْلَامه بِبَقَاءِ أُمَّته بَعْده وَأَنَّ فِيهِمْ أَصْحَاب قُوَّة وَشَوْكَة وَنِكَايَة فِي الْعَدُوّ , وَأَنَّهُمْ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الْبِلَاد حَتَّى يَغْزُوا الْبَحْر , وَأَنَّ أُمّ حَرَام تَعِيش إِلَى ذَلِكَ الزَّمَان , وَأَنَّهَا تَكُون مَعَ مَنْ يَغْزُو الْبَحْر , وَأَنَّهَا لَا تُدْرِكُ زَمَان الْغَزْوَة الثَّانِيَة. وَفِيهِ جَوَاز الْفَرَح بِمَا يَحْدُثُ مِنْ النِّعَم , وَالضَّحِك عِنْد حُصُول السُّرُور لِضَحِكِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِعْجَابًا بِمَا رَأَى مِنْ اِمْتِثَال أُمَّته أَمْرَهُ لَهُمْ بِجِهَادِ الْعَدُوّ , وَمَا أَثَابَهُمْ اللَّه تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ , وَمَا وَرَدَ فِي بَعْص طُرُقه بِلَفْظِ التَّعَجُّب مَحْمُول عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَاز قَائِلَة الضَّيْف فِي غَيْر بَيْته بِشَرْطِهِ كَالْإِذْنِ وَأَمْنِ الْفِتْنَة , وَجَوَاز خِدْمَة الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة لِلضَّيْفِ بِإِطْعَامِهِ وَالتَّمْهِيد لَهُ وَنَحْو ذَلِكَ , وَإِبَاحَة مَا قَدَّمَتْهُ الْمَرْأَة لِلضَّيْفِ مِنْ مَال زَوْجهَا لِأَنَّ الْأَغْلَب أَنَّ الَّذِي فِي بَيْت الْمَرْأَة هُوَ مِنْ مَال الرَّجُل , كَذَا قَالَ اِبْن بَطَّال قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ الْوَكِيل وَالْمُؤْتَمَن إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَسُرُّ صَاحِبه مَا يَفْعَلهُ مِنْ ذَلِكَ جَازَ لَهُ فِعْلُهُ , وَلَا شَكّ أَنَّ عُبَادَةَ كَانَ يَسُرُّهُ أَكْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا قَدَّمَتْهُ لَهُ اِمْرَأَتُهُ وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْن خَاصّ مِنْهُ , وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّ عُبَادَة حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ زَوْجهَا كَمَا تَقَدَّمَ. قُلْت : لَكِنْ لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَنْفِي أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ ذَات زَوْج , إِلَّا أَنَّ فِي كَلَام اِبْن سَعْد مَا يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ عَزَبًا. وَفِيهِ خِدْمَة الْمَرْأَة الضَّيْف بِتَفْلِيَةِ رَأْسه , وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا عَلَى جَمَاعَة فَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : أَظُنّ أَنَّ أُمّ حَرَام أَرْضَعَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أُخْتهَا أُمّ سُلَيْمٍ فَصَارَتْ كُلّ مِنْهُمَا أُمّه أَوْ خَالَته مِنْ الرَّضَاعَة فَلِذَلِكَ كَانَ يَنَام عِنْدهَا وَتَنَال مِنْهُ مَا يَجُوز لِلْمَحْرَمِ أَنْ يَنَالهُ مِنْ مَحَارِمه , ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ إِلَى يَحْيَى بْن إِبْرَاهِيم بْن مُزَيِّن قَالَ : إِنَّمَا اِسْتَجَازَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَفْلِي أُمّ حَرَام رَأْسه لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْهُ ذَات مَحْرَم مِنْ قِبَل خَالَاته ; لِأَنَّ أُمّ عَبْد الْمُطَّلِب جَدّه كَانَتْ مِنْ بَنِي النَّجَّار. وَمِنْ طَرِيق يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى قَالَ : قَالَ لَنَا اِبْن وَهْب أُمّ حَرَام إِحْدَى خَالَات النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الرَّضَاعَة فَلِذَلِكَ كَانَ يُقِيل عِنْدهَا وَيَنَام فِي حِجْرِهَا وَتَفْلِي رَأْسه. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ وَأَيّهُمَا كَانَ فَهِيَ مَحْرَم لَهُ. وَجَزَمَ أَبُو الْقَاسِم بْن الْجَوْهَرِيّ والدَاوُدِيُّ وَالْمُهَلَّب فِيمَا حَكَاهُ اِبْن بَطَّال عَنْهُ بِمَا قَالَ اِبْن وَهْب قَالَ : وَقَالَ غَيْره إِنَّمَا كَانَتْ خَالَة لِأَبِيهِ أَوْ جَدّه عَبْد الْمُطَّلِبِ , وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ سَمِعْت بَعْض الْحُفَّاظ يَقُول : كَانَتْ أُمّ سُلَيْمٍ أُخْت آمِنَة بِنْت وَهْب أُمّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الرَّضَاعَة. وَحَكَى اِبْن الْعَرَبِيّ مَا قَالَ اِبْن وَهْب ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ غَيْره بَلْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُومًا يَمْلِك أَرَبَهُ عَنْ زَوْجَته فَكَيْف عَنْ غَيْرهَا مِمَّا هُوَ الْمُنَزَّهُ عَنْهُ , وَهُوَ الْمُبَرَّأ عَنْ كُلّ فِعْلٍ قَبِيحٍ وَقَوْلٍ رَفَثٍ , فَيَكُون ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصه. ثُمَّ قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَبْل الْحِجَاب , وَرُدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد الْحِجَاب جَزْمًا , وَقَدْ قَدَّمْت فِي أَوَّل الْكَلَام عَلَى شَرْحه أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد حَجَّة الْوَدَاع وَرَدَّ عِيَاضٌ الْأَوَّل بِأَنَّ الْخَصَائِص لَا تَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ , وَثُبُوتُ الْعِصْمَةِ مُسَلَّمٌ لَكِنَّ الْأَصْل عَدَم الْخُصُوصِيَّة , وَجَوَاز الِاقْتِدَاء بِهِ فِي أَفْعَاله حَتَّى يَقُوم عَلَى الْخُصُوصِيَّة دَلِيل. وَبَالَغَ الدِّمْيَاطِيّ فِي الرَّدّ عَلَى مَنْ اِدَّعَى الْمَحْرَمِيَّةَ فَقَالَ : ذَهِلَ كُلّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أُمّ حَرَام إِحْدَى خَالَات النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الرَّضَاعَة أَوْ مِنْ النَّسَب وَكُلّ مَنْ أَثْبَتَ لَهَا خُؤُولَةً تَقْتَضِي مَحْرَمِيَّةً ; لِأَنَّ أُمَّهَاته مِنْ النَّسَب وَاَللَّاتِي أَرْضَعْنَهُ مَعْلُومَات لَيْسَ فِيهِنَّ أَحَد مِنْ الْأَنْصَار الْبَتَّة سِوَى أُمّ عَبْد الْمُطَّلِب وَهِيَ سَلْمَى بِنْت عَمْرو بْن زَيْد بْن لَبِيدِ بْن خِرَاش بْن عَامِر بْن غَنْم بْن عَدِيِّ بْن النَّجَّار , وَأُمّ حَرَام هِيَ بِنْت مِلْحَان بْن خَالِد بْن زَيْد بْن حَرَام بْن جُنْدُب بْن عَامِر الْمَذْكُور فَلَا تَجْتَمِع أُمّ حَرَام وَسَلْمَى إِلَّا فِي عَامِر بْن غَنْمٍ جَدّهمَا الْأَعْلَى , وَهَذِهِ خُؤُولَةٌ لَا تَثْبُت بِهَا مَحْرَمِيَّةٌ لِأَنَّهَا خُؤُولُةٌ مَجَازِيَّة , وَهِيَ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاص \" هَذَا خَالِي \" لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي زُهْرَة وَهُمْ أَقَارِب أُمّه آمِنَة , وَلَيْسَ سَعْد أَخًا لِآمِنَةَ لَا مِنْ النَّسَب وَلَا مِنْ الرَّضَاعَة. ثُمَّ قَالَ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَدْخُل عَلَى أَحَد مِنْ النِّسَاء إِلَّا عَلَى أَزْوَاجه , إِلَّا عَلَى أُمّ سُلَيْمٍ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ : أَرْحَمهَا قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي , يَعْنِي حَرَام بْن مِلْحَانَ , وَكَانَ قَدْ قُتِلَ يَوْم بِئْر مَعُونَة. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّته فِي الْجِهَاد فِي \" بَاب فَضْل مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا \" وَأَوْضَحْت هُنَاكَ وَجْه الْجَمْع بَيْن مَا أَفْهَمَهُ هَذَا الْحَصْر وَبَيْن مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب فِي أُمّ حَرَام بِمَا حَاصِله أَنَّهُمَا أُخْتَانِ كَانَتَا فِي دَار وَاحِدَة كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي بَيْت مِنْ تِلْكَ الدَّار , وَحَرَام بْن مِلْحَانَ أَخُوهُمَا مَعًا فَالْعِلَّة مُشْتَرِكَة فِيهِمَا. وَإِنْ ثَبَتَ قِصَّة أُمّ عَبْد اللَّه بِنْت مِلْحَانَ الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا قَرِيبًا فَالْقَوْل فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي أُمّ حَرَام , وَقَدْ اِنْضَافَ إِلَى الْعِلَّة الْمَذْكُورَة كَوْن أَنَس خَادِم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَة بِمُخَالَطَةِ الْمَخْدُوم خَادِمه وَأَهْل خَادِمه وَرَفْعُ الْحِشْمَة الَّتِي تَقَع بَيْن الْأَجَانِب عَنْهُمْ , ثُمَّ قَالَ الدِّمْيَاطِيّ : عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى الْخَلْوَة بِأُمِّ حَرَام , وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ مَعَ وَلَد أَوْ خَادِم أَوْ زَوْج أَوْ تَابِع. قُلْت : وَهُوَ اِحْتِمَال قَوِيّ , لَكِنَّهُ لَا يَدْفَع الْإِشْكَال مِنْ أَصْلِهِ لِبَقَاءِ الْمُلَامَسَة فِي تَفْلِيَة الرَّأْس , وَكَذَا النَّوْم فِي الْحِجْر , وَأَحْسَن الْأَجْوِبَة دَعْوَى الْخُصُوصِيَّة وَلَا يَرُدّهَا كَوْنُهَا لَا تَثْبُت إِلَّا بِدَلِيل ; لِأَنَّ الدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ وَاضِح , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5811",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ ‏ ‏وَالِاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِ الْإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ ‏ ‏وَالْمُلَامَسَةِ ‏ ‏وَالْمُنَابَذَةِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ ‏ ‏وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي النَّهْي عَنْ لِبْسَتَيْنِ وَبَيْعَتَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي سَتْر الْعَوْرَة مِنْ كِتَاب الصَّلَاة وَفِي كِتَاب الْبُيُوع , قَالَ الْمُهَلَّب : هَذِهِ التَّرْجَمَة قَائِمَة مِنْ دَلِيل الْحَدِيث , وَذَلِكَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ حَالَتَيْنِ فَفُهِمَ مِنْهُ إِبَاحَة غَيْرهمَا مِمَّا تَيَسَّرَ مِنْ الْهَيْئَات وَالْمَلَابِس إِذَا سَتَرَ الْعَوْرَة. قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الْمُنَاسَبَة تُؤْخَذ مِنْ جِهَة الْعُدُول عَنْ النَّهْي عَنْ هَيْئَة الْجُلُوس إِلَى النَّهْي عَنْ لِبْسَتَيْنِ يَسْتَلْزِم كُلّ مِنْهُمَا اِنْكِشَاف الْعَوْرَة , فَلَوْ كَانَتْ الْجِلْسَة مَكْرُوهَة لِذَاتِهَا لَمْ يَتَعَرَّض لِذِكْرِ اللُّبْس , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْي عَنْ جِلْسَة تُفْضِي إِلَى كَشْف الْعَوْرَة وَمَا لَا يُفْضِي إِلَى كَشْف الْعَوْرَة يُبَاح فِي كُلّ صُورَة , ثُمَّ اِدَّعَى الْمُهَلَّب أَنَّ النَّهْي عَنْ هَاتَيْنِ اللِّبْسَتَيْنِ خَاصّ بِحَالَةِ الصَّلَاة لِكَوْنِهِمَا لَا يَسْتُرَانِ الْعَوْرَة فِي الْخَفْض وَالرَّفْع , وَأَمَّا الْجَالِس فِي غَيْر الصَّلَاة فَإِنَّهُ لَا يَصْنَع شَيْئًا وَلَا يَتَصَرَّف بِيَدَيْهِ فَلَا تَنْكَشِف عَوْرَته فَلَا حَرَج عَلَيْهِ , قَالَ : وَقَدْ سَبَقَ فِي بَاب الِاحْتِبَاء أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِحْتَبَى. قُلْت : وَغَفَلَ رَحِمه اللَّه عَمَّا وَقَعَ مِنْ التَّقْيِيد فِي نَفْس الْخَبَر , فَإِنَّ فِيهِ \" وَالِاحْتِبَاء فِي ثَوْب وَاحِد لَيْسَ عَلَى فَرْجه مِنْهُ شَيْء \" وَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب اِشْتِمَال الصَّمَّاء \" مِنْ كِتَاب اللِّبَاس وَفِيهِ \" وَالصَّمَّاء أَنْ يَجْعَل ثَوْبه عَلَى أَحَد عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُو أَحَد شِقَّيْهِ \" وَسَتْر الْعَوْرَة مَطْلُوب فِي كُلّ حَالَة وَإِنْ تَأَكَّدَ فِي حَالَة الصَّلَاة لِكَوْنِهَا قَدْ تَبْطُل بِتَرْكِهِ , وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ اِبْن طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَه التَّرَبُّع وَيَقُول هِيَ جِلْسَة مَمْلَكَة , وَتُعُقِّبَ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالثَّلَاثَة مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الْفَجْر تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسه حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس \" وَيُمْكِن الْجَمْع. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ مَعْمَر وَمُحَمَّد بْن أَبِي حَفْص وَعَبْد اللَّه بْن بُدَيْل عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏أَمَّا مُتَابَعَة مَعْمَر فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْبُيُوع , وَأَمَّا مُتَابَعَة مُحَمَّد بْن أَبِي حَفْص فَهِيَ عِنْد أَبِي أَحْمَد بْن عَدِيّ فِي نُسْخَة أَحْمَد بْن حَفْص النَّيْسَابُورِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي حَفْص , وَأَمَّا مُتَابَعَة عَبْد اللَّه بْن بُدَيْل فَأَظُنّهَا فِي \" الزُّهْرِيَّات \" جَمْع الذُّهْلِيِّ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5812",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فِرَاسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏حَدَّثَتْنِي ‏ ‏عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِيِنَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏إِنَّا كُنَّا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَهُ جَمِيعًا لَمْ تُغَادَرْ مِنَّا وَاحِدَةٌ فَأَقْبَلَتْ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏تَمْشِي لَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَى مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ قَالَ ‏ ‏مَرْحَبًا بِابْنَتِي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا فَلَمَّا رَأَى حُزْنَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَإِذَا هِيَ تَضْحَكُ فَقُلْتُ لَهَا أَنَا مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالسِّرِّ مِنْ بَيْنِنَا ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَأَلْتُهَا عَمَّا سَارَّكِ قَالَتْ مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سِرَّهُ فَلَمَّا تُوُفِّيَ قُلْتُ لَهَا عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنْ الْحَقِّ لَمَّا أَخْبَرْتِنِي قَالَتْ أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ فَأَخْبَرَتْنِي قَالَتْ أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ قَدْ عَارَضَنِي بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أَرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدْ اقْتَرَبَ فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ قَالَتْ فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ قَالَ يَا ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5813",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَلْقِيًا وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5814",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةٌ فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ نَافِع ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا عَنْ مَالِك عَنْ نَافِع , وَلِمَالِك فِيهِ شَيْخ آخَر عَنْ اِبْن عُمَر , وَفِيهِ قِصَّة سَأَذْكُرُهَا بَعْد بَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا كَانُوا ثَلَاثَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنَصْبِ ثَلَاثَة عَلَى أَنَّهُ الْخَبَر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" إِذَا كَانَ ثَلَاثَة \" بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَلَا يَتَنَاجَى اِثْنَانِ دُون الثَّالِث ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِأَلِفٍ مَقْصُورَة ثَابِتَة فِي الْخَطّ صُورَة يَاء وَتَسْقُط فِي اللَّفْظ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ , وَهُوَ بِلَفْظِ الْخَبَر وَمَعْنَاهُ النَّهْي. وَفِي بَعْض النُّسَخ بِجِيمٍ فَقَطْ بِلَفْظِ النَّهْي وَبِمَعْنَاهُ , زَادَ أَيُّوب عَنْ نَافِع كَمَا سَيَأْتِي بَعْد بَاب \" فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنهُ \" وَبِهَذِهِ الزِّيَادَة تَظْهَر مُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلْآيَةِ الْأُولَى مِنْ قَوْله ( لِيَحْزُن الَّذِينَ آمَنُوا ) وَسَيَأْتِي بَسْطه بَعْد أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "5815",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سِرًّا فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا بَعْدَهُ وَلَقَدْ سَأَلَتْنِي ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏فَمَا أَخْبَرْتُهَا بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ التَّيْمِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِرًّا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس عِنْد مُسْلِم أَثْنَاء حَدِيث \" فَبَعَثَنِي فِي حَاجَة فَأَبْطَأْت عَلَى أُمِّي فَلَمَّا جِئْت قَالَتْ مَا حَبَسَك \" وَلِأَحْمَد وَابْن سَعْد مِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس فَأَرْسَلَنِي فِي رِسَالَة فَقَالَتْ أُمّ سُلَيْمٍ مَا حَبَسَك. ‏ ‏قَوْله ( فَمَا أَخْبَرْت بِهِ أَحَدًا بَعْده وَلَقَدْ سَأَلَتْنِي أُمّ سُلَيْمٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة ثَابِت فَقَالَتْ \" مَا حَاجَته ؟ قُلْت : إِنَّهَا سِرّ , قَالَتْ : لَا تُخْبِر بِسِرِّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا \" وَفِي رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" فَقَالَتْ اِحْفَظْ سِرّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة ثَابِت \" وَاَللَّه لَوْ حَدَّثْت بِهِ أَحَدًا لَحَدَّثْتُك يَا ثَابِت \". قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : كَأَنَّ هَذَا السِّرّ يَخْتَصّ بِنِسَاءِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ مِنْ الْعِلْم مَا وَسِعَ أَنَسًا كِتْمَانه. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : الَّذِي عَلَيْهِ أَهْل الْعِلْم أَنَّ السِّرّ لَا يُبَاح بِهِ إِذَا كَانَ عَلَى صَاحِبه مِنْهُ مَضَرَّة , وَأَكْثَرهمْ يَقُول : إِنَّهُ إِذَا مَاتَ لَا يَلْزَم مِنْ كِتْمَانه مَا كَانَ يَلْزَم فِي حَيَاته إِلَّا أَنْ يَكُون عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَة قُلْت : الَّذِي يَظْهَر اِنْقِسَام ذَلِكَ بَعْد الْمَوْت إِلَى مَا يُبَاح , وَقَدْ يُسْتَحَبّ ذِكْره وَلَوْ كَرِهَهُ صَاحِب السِّرّ , كَأَنْ يَكُون فِيهِ تَزْكِيَة لَهُ مِنْ كَرَامَة أَوْ مَنْقَبَة أَوْ نَحْو ذَلِكَ وَإِلَى مَا يُكْرَه مُطْلَقًا وَقَدْ يَحْرُم وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْن بَطَّال , وَقَدْ يَجِب كَأَنْ يَكُون فِيهِ مَا يَجِب ذِكْره كَحَقٍّ عَلَيْهِ كَانَ يُعْذَر بِتَرْكِ الْقِيَام بِهِ فَيُرْجَى بَعْده إِذَا ذُكِرَ لِمَنْ يَقُوم بِهِ عَنْهُ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ. وَمِنْ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي حِفْظ السِّرّ حَدِيث أَنَس \" اِحْفَظْ سِرِّي تَكُنْ مُؤْمِنًا \" أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَالْخَرَائِطِيُّ , وَفِيهِ عَلِيّ بْن زَيْد وَهُوَ صَدُوق كَثِير الْأَوْهَام , وَقَدْ أَخْرَجَ أَصْله التِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَلَكِنْ لَمْ يَسُقْ هَذَا الْمَتْن بَلْ ذَكَرَ بَعْض الْحَدِيث ثُمَّ قَالَ : وَفِي الْحَدِيث طُول. وَحَدِيث \" إِنَّمَا يَتَجَالَس الْمُتَجَالِسَانِ بِالْأَمَانَةِ , فَلَا يَحِلّ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْشِي عَلَى صَاحِبه مَا يَكْرَه \" أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ مُرْسَل أَبِي بَكْر بْن حَزْم , وَأَخْرَجَ الْقُضَاعِيّ فِي \" مُسْنَد الشِّهَاب \" مِنْ حَدِيث عَلِيّ مَرْفُوعًا \" الْمَجَالِس بِالْأَمَانَةِ \" وَسَنَده ضَعِيف. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث جَابِر مِثْله وَزَادَ \" إِلَّا ثَلَاثَة مَجَالِس : مَا سُفِكَ فِيهِ دَم حَرَام , أَوْ فَرْج حُرِّمَ أَوْ اُقْتُطِعَ فِيهِ مَال بِغَيْرِ حَقّ \" وَحَدِيث جَابِر رَفَعَهُ \" إِذَا حَدَّثَ الرَّجُل بِالْحَدِيثِ ثُمَّ اِلْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَة \" أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث أَنَس عِنْد أَبِي يَعْلَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5816",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى رَجُلَانِ دُونَ الْآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ أَجْلَ أَنْ يُحْزِنَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله ( فَلَا يَتَنَاجَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِجِيمٍ لَيْسَ بَعْدهَا يَاء وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه قَبْل بَاب. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ ) ‏ ‏أَيْ يَخْتَلِط الثَّلَاثَة بِغَيْرِهِمْ. وَالْغَيْر أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون وَاحِدًا أَوْ أَكْثَر فَطَابَقَتْ التَّرْجَمَة , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا أَرْبَعَة لَمْ يَمْتَنِع تَنَاجِي اِثْنَيْنِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَتَنَاجَى الِاثْنَانِ الْآخَرَانِ , وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِيمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" قُلْت فَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَة ؟ قَالَ : لَا يَضُرّهُ \" وَفِي رِوَايَة مَالِك عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار \" كَانَ اِبْن عُمَر إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسَارِر رَجُلًا وَكَانُوا ثَلَاثَة دَعَا رَابِعًا ثُمَّ قَالَ لِلِاثْنَيْنِ : اِسْتَرِيحَا شَيْئًا فَإِنِّي سَمِعْت \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَفِي رِوَايَة سُفْيَان فِي جَامِعه عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار نَحْوه وَلَفْظه \" فَكَانَ اِبْن عُمَر إِذَا أَرَادَ أَنْ يُنَاجِي رَجُلًا دَعَا آخَر ثُمَّ نَاجَى الَّذِي أَرَادَ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق نَافِع \" إِذَا أَرَادَ أَنْ يُنَاجِي وَهُمْ ثَلَاثَة دَعَا رَابِعًا \" وَيُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ \" أَنَّ الزَّائِد عَلَى الثَّلَاثَة يَعْنِي سَوَاء جَاءَ اِتِّفَاقًا أَمْ عَنْ طَلَب كَمَا فَعَلَ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( أَجْل أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنهُ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ أَجْل , وَكَذَا هُوَ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" بِالْإِسْنَادِ الَّذِي فِي الصَّحِيح بِزِيَادَةِ \" مِنْ \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ نَطَقُوا بِهَذَا اللَّفْظ بِإِسْقَاطِ \" مِنْ \" وَذَكَرَ لِذَلِكَ شَاهِدًا , وَيَجُوز كَسْر هَمْزَة \" إِنَّ ذَلِكَ \" وَالْمَشْهُور فَتْحهَا. قَالَ : وَإِنَّمَا قَالَ يُحْزِنهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَوَهَّم أَنَّ نَجَوَاهَا إِنَّمَا هِيَ لِسُوءِ رَأْيهمَا فِيهِ أَوْ لِدَسِيسَة غَائِلَة لَهُ. قُلْت : وَيُؤْخَذ مِنْ التَّعْلِيل اِسْتِثْنَاء صُورَة مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن عُمَر مِنْ إِطْلَاق الْجَوَاز إِذَا كَانُوا أَرْبَعَة , وَهِيَ مِمَّا لَوْ كَانَ بَيْن الْوَاحِد الْبَاقِي وَبَيْن الِاثْنَيْنِ مُقَاطَعَة بِسَبَبٍ يُعْذَرَانِ بِهِ أَوْ أَحَدهمَا فَإِنَّهُ يَصِير فِي مَعْنَى الْمُنْفَرِد , وَأَرْشَدَ هَذَا التَّعْلِيل إِلَى أَنَّ الْمُنَاجِي إِذَا كَانَ مِمَّنْ إِذَا خَصَّ أَحَدًا بِمُنَاجَاتِهِ أَحْزَنَ الْبَاقِينَ اِمْتَنَعَ ذَلِكَ , إِلَّا أَنْ يَكُون فِي أَمْر مُهِمّ لَا يَقْدَح فِي الدِّين. وَقَدْ نَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ أَشْهَب عَنْ مَالِك قَالَ : لَا يَتَنَاجَى ثَلَاثَة دُون وَاحِد وَلَا عَشَرَة لِأَنَّهُ قَدْ نُهِيَ أَنْ يَتْرُك وَاحِدًا قَالَ : وَهَذَا مُسْتَنْبَط مِنْ حَدِيث الْبَاب ; لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي تَرْك الْجَمَاعَة لِلْوَاحِدِ كَتَرْكِ الِاثْنَيْنِ لِلْوَاحِدِ , قَالَ : وَهَذَا مِنْ حُسْن الْأَدَب لِئَلَّا يَتَبَاغَضُوا وَيَتَقَاطَعُوا. وَقَالَ الْمَازِرِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ : لَا فَرْق فِي الْمَعْنَى بَيْن الِاثْنَيْنِ وَالْجَمَاعَة لِوُجُودِ الْمَعْنَى فِي حَقّ الْوَاحِد , زَادَ الْقُرْطُبِيّ : بَلْ وُجُوده فِي الْعَدَد الْكَثِير أَمْكَن وَأَشَدّ , فَلْيَكُنْ الْمَنْع أَوْلَى , وَإِنَّمَا خَصَّ الثَّلَاثَة بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَوَّل عَدَد يُتَصَوَّر فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى , فَمَهْمَا وُجِدَ الْمَعْنَى فِيهِ أُلْحِقَ بِهِ فِي الْحُكْم. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَكُلَّمَا كَثُرَ الْجَمَاعَة مَعَ الَّذِي لَا يُنَاجَى كَانَ أَبْعَد لِحُصُولِ الْحُزْن وَوُجُود التُّهْمَة , فَيَكُون أَوْلَى. وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا اِنْفَرَدَ جَمَاعَة بِالتَّنَاجِي دُون جَمَاعَة , قَالَ اِبْن التِّين : وَحَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة فَاطِمَة دَالّ عَلَى الْجَوَاز. ‏"
    },
    {
        "id": "5817",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَسَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمًا قِسْمَةً فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ قُلْتُ أَمَا وَاللَّهِ لَآتِيَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي مَلَإٍ فَسَارَرْتُهُ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي قِصَّة الَّذِي قَالَ \" هَذِهِ قِسْمَة مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْه اللَّه \" وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْل اِبْن مَسْعُود \" فَأَتَيْته وَهُوَ فِي مَلَإٍ فَسَارَرْته \" فَإِنَّ فِي ذَلِكَ دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْمَنْع يَرْتَفِع إِذَا بَقِيَ جَمَاعَة لَا يَتَأَذَّوْنَ بِالسِّرَارِ , وَيُسْتَثْنَى مِنْ أَصْل الْحُكْم مَا إِذَا أَذِنَ مَنْ يَبْقَى سَوَاء كَانَ وَاحِدًا أَمْ أَكْثَر لِلِاثْنَيْنِ فِي التَّنَاجِي دُونه أَوْ دُونهمْ فَإِنَّ الْمَنْع يَرْتَفِع لِكَوْنِهِ حَقّ مَنْ يَبْقَى , وَأَمَّا إِذَا اِنْتَجَى اِثْنَانِ اِبْتِدَاء وَثَمَّ ثَالِث كَانَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَع كَلَامهمَا لَوْ تَكَلَّمَا جَهْرًا فَأَتَى لِيَسْتَمِع عَلَيْهِمَا فَلَا يَجُوز كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا مَعَهُمَا أَصْلًا. وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّف فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ رِوَايَة سَعِيد الْمَقْبُرِيُّ قَالَ \" مَرَرْت عَلَى اِبْن عُمَر وَمَعَهُ رَجُل يَتَحَدَّث فَقُمْت إِلَيْهِمَا , فَلَطَمَ صَدْرِي وَقَالَ : إِذَا وَجَدْت اِثْنَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ فَلَا تَقُمْ مَعَهُمَا حَتَّى تَسْتَأْذِنهُمَا \" زَادَ أَحْمَد فِي رِوَايَته مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد \" وَقَالَ : أَمَا سَمِعْت أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا تَنَاجَى اِثْنَانِ فَلَا يَدْخُل مَعَهُمَا غَيْرهمَا حَتَّى يَسْتَأْذِنهُمَا \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُل عَلَى الْمُتَنَاجِيَيْنِ فِي حَال تَنَاجِيهمَا. قُلْت : وَلَا يَنْبَغِي لِدَاخِلٍ الْقُعُود عِنْدهمَا وَلَوْ تَبَاعَدَ عَنْهُمَا إِلَّا بِإِذْنِهِمَا , لَمَّا اِفْتَتَحَا حَدِيثهمَا سِرًّا وَلَيْسَ عِنْدهمَا أَحَد دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادهمَا أَلَّا يَطَّلِع أَحَد عَلَى كَلَامهمَا. وَيَتَأَكَّد ذَلِكَ إِذَا كَانَ صَوْت أَحَدهمَا جَهُورِيًّا لَا يَتَأَتَّى لَهُ إِخْفَاء كَلَامه مِمَّنْ حَضَرَهُ , وَقَدْ يَكُون لِبَعْضِ النَّاس قُوَّة فَهْم بِحَيْثُ إِذَا سَمِعَ بَعْض الْكَلَام اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى بَاقِيه , فَالْمُحَافَظَة عَلَى تَرْك مَا يُؤْذِي الْمُؤْمِن مَطْلُوبَة وَإِنْ تَفَاوَتَتْ الْمَرَاتِب. وَقَدْ أَخْرَجَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ فِي جَامِعه عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد قَالَ \" قَالَ اِبْن عُمَر فِي زَمَن الْفِتْنَة : أَلَا تَرَوْنَ الْقَتْل شَيْئًا وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" فَذَكَرَ حَدِيث الْبَاب وَزَادَ فِي آخِره \" تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ الْمُسْلِم \" وَأَظُنّ هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ كَلَام اِبْن عُمَر اِسْتَنْبَطَهَا مِنْ الْحَدِيث. فَأُدْرِجَتْ فِي الْخَبَر وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ النَّوَوِيّ : النَّهْي فِي الْحَدِيث لِلتَّحْرِيمِ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ رِضَاهُ. وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : إِلَّا بِإِذْنِهِ أَيْ صَرِيحًا كَانَ أَوْ غَيْر صَرِيح , وَالْإِذْن أَخَصّ مِنْ الرِّضَا لِأَنَّ الرِّضَا قَدْ يُعْلَم بِالْقَرِينَةِ فَيُكْتَفَى بِهَا عَنْ التَّصْرِيح , وَالرِّضَا أَخَصّ مِنْ الْإِذْن مِنْ وَجْه آخَر لِأَنَّ الْإِذْن قَدْ يَقَع مَعَ الْإِكْرَاه وَنَحْوه , وَالرِّضَا لَا يُطَّلَع عَلَى حَقِيقَته , لَكِنْ الْحُكْم لَا يُنَاط إِلَّا بِالْإِذْنِ الدَّالّ عَلَى الرِّضَا , وَظَاهِر الْإِطْلَاق أَنَّهُ لَا فَرْق فِي ذَلِكَ بَيْن الْحَضَر وَالسَّفَر وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْد بْن حَرْبَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ مُخْتَصّ بِالسَّفَرِ فِي الْمَوْضِع الَّذِي لَا يَأْمَن فِيهِ الرَّجُل عَلَى نَفْسه , فَأَمَّا فِي الْحَضَر وَفِي الْعِمَارَة فَلَا بَأْس. وَحَكَى عِيَاض نَحْوه وَلَفْظه : قِيلَ إِنَّ الْمُرَاد بِهَذَا الْحَدِيث السَّفَر وَالْمَوَاضِع الَّتِي لَا يَأْمَن فِيهَا الرَّجُل رَفِيقه أَوْ لَا يَعْرِفهُ أَوْ لَا يَثِق بِهِ وَيَخْشَى مِنْهُ , قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ أَثَر , وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي سَالِم الْجَيْشَانِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" وَلَا يَحِلّ لِثَلَاثَةِ نَفَر يَكُونُونَ بِأَرْضِ فَلَاة أَنْ يَتَنَاجَى اِثْنَانِ دُون صَاحِبهمَا \" الْحَدِيث , وَفِي سَنَده اِبْن لَهِيعَة , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوته فَتَقْيِيده بِأَرْضِ الْفَلَاة يَتَعَلَّق بِإِحْدَى عِلَّتَيْ النَّهْي. قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا قَالَ يُحْزِنهُ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَتَوَهَّم أَنَّ نَجَوَاهُمَا إِنَّمَا هِيَ لِسُوءِ رَأْيهمَا فِيهِ , أَوْ أَنَّهُمَا يَتَّفِقَانِ عَلَى غَائِلَة تَحْصُل لَهُ مِنْهُمَا. قُلْت : فَحَدِيث الْبَاب يَتَعَلَّق بِالْمَعْنَى الْأَوَّل , وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو يَتَعَلَّق بِالثَّانِي , وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى عَوَّلَ اِبْن حَرْبَوَيْهِ وَكَأَنَّهُ مَا اِسْتَحْضَرَ الْحَدِيث الْأَوَّل. قَالَ عِيَاض : قِيلَ كَانَ هَذَا فِي أَوَّل الْإِسْلَام , فَلَمَّا فَشَا الْإِسْلَام وَأَمِنَ النَّاس سَقَطَ هَذَا الْحُكْم , وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّ هَذَا تَحَكُّم وَتَخْصِيص لَا دَلِيل عَلَيْهِ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الْخَبَر عَامّ اللَّفْظ وَالْمَعْنَى , وَالْعِلَّة الْحُزْن وَهِيَ مَوْجُودَة فِي السَّفَر وَالْحَضَر , فَوَجَبَ أَنْ يَعُمّهُمَا النَّهْي جَمِيعًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5818",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَرَجُلٌ يُنَاجِي رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَا زَالَ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" أُقِيمَتْ الصَّلَاة وَرَجُل يُنَاجِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْحَدِيث وَعَبْد الْعَزِيز رَاوِيه عَنْ أَنَس هُوَ اِبْن صُهَيْب , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب الْإِمَام تَعْرِض لَهُ الْحَاجَة \" وَهُوَ قُبَيْل صَلَاة الْجَمَاعَة. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى نَامَ أَصْحَابه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هُنَاكَ بِلَفْظِ \" حَتَّى نَامَ بَعْض الْقَوْم \" فَيُحْمَل الْإِطْلَاق فِي حَدِيث الْبَاب عَلَى ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5819",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ ‏",
        "sharh": "فَأَمَّا حَدِيث اِبْن عُمَر فَقَوْله فِي السَّنَد ‏ ‏\" اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ \" عَنْ سُفْيَان حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ \" ‏ ‏وَقَوْله \" حِين يَنَامُونَ \" ‏ ‏قَيَّدَهُ بِالنَّوْمِ لِحُصُولِ الْغَفْلَة بِهِ غَالِبًا , وَيُسْتَنْبَط مِنْهُ أَنَّهُ مَتَى وُجِدَتْ الْغَفْلَة حَصَلَ النَّهْي. ‏"
    },
    {
        "id": "5820",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏احْتَرَقَ بَيْتٌ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏عَلَى أَهْلِهِ مِنْ اللَّيْلِ فَحُدِّثَ بِشَأْنِهِمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ ‏",
        "sharh": "وَأَمَّا حَدِيث أَبِي مُوسَى ‏ ‏فَقَوْله \" اِحْتَرَقَ بَيْت بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْله \" ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَتهمْ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يُؤْخَذ مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى سَبَب الْأَمْر فِي حَدِيث جَابِر بِإِطْفَاءِ الْمَصَابِيح , وَهُوَ فَنّ حَسَن غَرِيب , وَلَوْ تُتُبِّعَ لَحَصَلَ مِنْهُ فَوَائِد. قُلْت : قَدْ أَفْرَدَهُ أَبُو حَفْص الْعُكْبَرِيّ مِنْ شُيُوخ أَبِي يَعْلَى بْن الْفَرَّاء بِالتَّصْنِيفِ وَهُوَ فِي الْمِائَة الْخَامِسَة , وَوَقَفْت عَلَى مُخْتَصَر مِنْهُ , وَكَأَنَّ الشَّيْخ مَا وَقَفَ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ تَمَنَّى أَنْ لَوْ تُتُبِّعَ , ‏ ‏وَقَوْله \" إِنَّ هَذِهِ النَّار إِنَّمَا هِيَ عَدُوّ لَكُمْ \" ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ بِصِيغَةِ الْحَصْر مُبَالَغَة فِي تَأْكِيد ذَلِكَ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : مَعْنَى كَوْن النَّار عَدُوًّا لَنَا أَنَّهَا تُنَافِي أَبْدَاننَا وَأَمْوَالنَا مُنَافَاة الْعَدُوّ , وَإِنْ كَانَتْ لَنَا بِهَا مَنْفَعَة , لَكِنْ لَا يَحْصُل لَنَا مِنْهَا إِلَّا بِوَاسِطَةٍ , فَأَطْلَقَ أَنَّهَا عَدُوّ لَنَا لِوُجُودِ مَعْنَى الْعَدَاوَة فِيهَا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5821",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَثِيرٍ هُوَ ابْنُ شِنْظِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَمِّرُوا الْآنِيَةَ وَأَجِيفُوا الْأَبْوَابَ وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتْ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ ‏",
        "sharh": "وَأَمَّا حَدِيث جَابِر ‏ ‏فَقَوْله فِي السَّنَد \" كَثِير \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب , زَادَ أَبُو ذَرّ فِي رِوَايَته \" هُوَ اِبْن شِنْظِير \" وَهُوَ كَذَلِكَ , وَشِنْظِير بِكَسْرِ الشِّين وَالظَّاء الْمُعْجَمَتَيْنِ بَيْنهمَا نُون سَاكِنَة تَقَدَّمَ ضَبْطه وَالْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب ذِكْر الْجِنّ \" مِنْ كِتَاب بَدْء الْخَلْق وَشَرْح حَدِيثه هَذَا وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَوَقَعَ فِي رِجَال الصَّحِيح لِلْكَلَابَاذِيّ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ لَهُ أَيْضًا فِي \" بَاب اِسْتِعَانَة الْيَد فِي الصَّلَاة \" فَرَاجَعْت الْبَاب الْمَذْكُور مِنْ الصَّحِيح وَهُوَ قُبَيْل كِتَاب الْجَنَائِز فَمَا وَجَدْت لَهُ هُنَاكَ ذِكْرًا. ثُمَّ وَجَدْت لَهُ بَعْد الْبَاب الْمَذْكُور بِأَحَدَ عَشَر بَابًا حَدِيثًا آخَر بِسَنَدِهِ هَذَا وَقَدْ نَبَّهْت عَلَيْهِ فِي \" بَاب ذِكْر الْجِنّ \" وَالشِّنْظِير فِي اللُّغَة السَّيِّئ الْخُلُق , وَكَثِير الْمَذْكُور يُكَنَّى أَبَا قُرَّة وَهُوَ بَصْرِيّ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْأَمْر وَالنَّهْي فِي هَذَا الْحَدِيث لِلْإِرْشَادِ , قَالَ : وَقَدْ يَكُون لِلنَّدْبِ , وَجَزَمَ النَّوَوِيّ بِأَنَّهُ لِلْإِرْشَادِ لِكَوْنِهِ لِمَصْلَحَة دُنْيَوِيَّة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى مَصْلَحَة دِينِيَّة وَهِيَ حِفْظ النَّفْس الْمُحَرَّم قَتْلهَا وَالْمَال الْمُحَرَّم تَبْذِيره , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّ الْوَاحِد إِذَا بَاتَ بِبَيْتٍ لَيْسَ فِيهِ غَيْره وَفِيهِ نَار فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْفِئهَا قَبْل نَوْمه أَوْ يَفْعَل بِهَا مَا يُؤْمَن مَعَهُ الِاحْتِرَاق , وَكَذَا إِنْ كَانَ فِي الْبَيْت جَمَاعَة فَإِنَّهُ يَتَعَيَّن عَلَى بَعْضهمْ وَأَحَقّهمْ بِذَلِكَ آخِرهمْ نَوْمًا , فَمَنْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ كَانَ لِلسُّنَّةِ مُخَالِفًا وَلِأَدَائِهَا تَارِكًا. ثُمَّ أَخْرَجَ الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" جَاءَتْ فَأْرَة فَجَرَّتْ الْفَتِيلَة فَأَلْقَتْهَا بَيْن يَدَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخُمْرَة الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا مِثْل مَوْضِع الدِّرْهَم , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا سِرَاجكُمْ فَإِنَّ الشَّيْطَان يَدُلّ مِثْل هَذِهِ عَلَى هَذَا فَيُحْرِقكُمْ \" وَفِي هَذَا الْحَدِيث بَيَان سَبَب الْأَمْر أَيْضًا وَبَيَان الْحَامِل لِلْفُوَيْسِقَةِ - وَهِيَ الْفَأْرَة - عَلَى جَرّ الْفَتِيلَة وَهُوَ الشَّيْطَان , فَيَسْتَعِين وَهُوَ عَدُوّ الْإِنْسَان عَلَيْهِ بَعْدُو آخَر وَهِيَ النَّار , أَعَاذَنَا اللَّه بِكَرَمِهِ مِنْ كَيَدِ الْأَعْدَاء إِنَّهُ رَءُوف رَحِيم. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : إِذَا كَانَتْ الْعِلَّة فِي إِطْفَاء السِّرَاج الْحَذَر مِنْ جَرّ الْفُوَيْسِقَة الْفَتِيلَة فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ السِّرَاج إِذَا كَانَ عَلَى هَيْئَة لَا تَصِل إِلَيْهَا الْفَأْرَة لَا يُمْنَع إِيقَاده , كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى مَنَارَة مِنْ نُحَاس أَمْلَس لَا يُمْكِن الْفَأْرَة الصُّعُود إِلَيْهِ , أَوْ يَكُون مَكَانه بَعِيدًا عَنْ مَوْضِع يُمْكِنهَا أَنْ تَثِب مِنْهُ إِلَى السِّرَاج. قَالَ : وَأَمَّا وُرُود الْأَمْر بِإِطْفَاءِ النَّار مُطْلَقًا كَمَا فِي حَدِيثَيْ اِبْن عُمَر وَأَبِي مُوسَى - وَهُوَ أَعَمّ مِنْ نَار السِّرَاج - فَقَدْ يَتَطَرَّق مِنْهُ مَفْسَدَة أُخْرَى غَيْر جَرّ الْفَتِيلَة كَسُقُوطِ شَيْء مِنْ السِّرَاج عَلَى بَعْض مَتَاع الْبَيْت , وَكَسُقُوطِ الْمَنَارَة فَيُنْثَر السِّرَاج إِلَى شَيْء مِنْ الْمَتَاع فَيُحْرِقهُ , فَيَحْتَاج إِلَى الِاسْتِيثَاق مِنْ ذَلِكَ , فَإِذَا اِسْتَوْثَقَ بِحَيْثُ يُؤْمَن مَعَهُ الْإِحْرَاق فَيَزُول الْحُكْم بِزَوَالِ عِلَّته. قُلْت : وَقَدْ صَرَّحَ النَّوَوِيّ بِذَلِكَ فِي الْقِنْدِيل مَثَلًا لِأَنَّهُ يُؤْمَن مَعَهُ الضَّرَر الَّذِي لَا يُؤْمَن مِثْله فِي السِّرَاج. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد أَيْضًا : هَذِهِ الْأَوَامِر لَمْ يَحْمِلهَا الْأَكْثَر عَلَى الْوُجُوب , وَيَلْزَم أَهْل الظَّاهِر حَمْلهَا عَلَيْهِ , قَالَ : وَهَذَا لَا يَخْتَصّ بِالظَّاهِرِيِّ بَلْ الْحَمْل عَلَى الظَّاهِر إِلَّا لِمُعَارِضٍ ظَاهِر يَقُول بِهِ أَهْل الْقِيَاس , وَإِنْ كَانَ أَهْل الظَّاهِر أَوْلَى بِالِالْتِزَامِ بِهِ لِكَوْنِهِمْ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى الْمَفْهُومَات وَالْمُنَاسَبَات , وَهَذِهِ الْأَوَامِر تَتَنَوَّع بِحَسَبِ مَقَاصِدهَا : فَمِنْهَا مَا يُحْمَل عَلَى النَّدْب وَهُوَ التَّسْمِيَة عَلَى كُلّ حَال , وَمِنْهَا مَا يُحْمَل عَلَى النَّدْب وَالْإِرْشَاد مَعًا كَإِغْلَاقِ الْأَبْوَاب مِنْ أَجْل التَّعْلِيل بِأَنَّ الشَّيْطَان لَا يَفْتَح بَابًا مُغْلَقًا ; لِأَنَّ الِاحْتِرَاز مِنْ مُخَالَطَة الشَّيْطَان مَنْدُوب إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ تَحْته مَصَالِح دُنْيَوِيَّة كَالْحِرَاسَةِ , وَكَذَا إِيكَاء السِّقَاء وَتَخْمِير الْإِنَاء. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5822",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَسَّانُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ بِاللَّيْلِ إِذَا رَقَدْتُمْ وَغَلِّقُوا الْأَبْوَابَ ‏ ‏وَأَوْكُوا ‏ ‏الْأَسْقِيَةَ ‏ ‏وَخَمِّرُوا ‏ ‏الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏وَأَحْسِبُهُ قَالَ ‏ ‏وَلَوْ بِعُودٍ يَعْرُضُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( هَمَّام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَحْيَى , وَعَطَاء هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاح. ‏ ‏قَوْله ( أَطْفِئُوا الْمَصَابِيح بِاللَّيْلِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله ( وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ \" وَغَلِّقُوا \" بِتَشْدِيدِ اللَّام , وَتَقَدَّمَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله بِلَفْظِ \" أَجِيفُوا \" بِالْجِيمِ وَالْفَاء وَهِيَ بِمَعْنَى أَغْلِقُوا وَتَقَدَّمَ شَرْحهَا فِي \" بَاب ذِكْر الْجِنّ \" وَكَذَا بَقِيَّة الْحَدِيث. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِي الْأَمْر بِإِغْلَاقِ الْأَبْوَاب مِنْ الْمَصَالِح الدِّينِيَّة وَالدُّنْيَوِيَّة حِرَاسَة الْأَنْفُس وَالْأَمْوَال مِنْ أَهْل الْعَبَث وَالْفَسَاد وَلَا سِيَّمَا الشَّيَاطِين , وَأَمَّا قَوْله \" فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَفْتَح بَابًا مُغْلَقًا \" فَإِشَارَة إِلَى أَنَّ الْأَمْر بِالْإِغْلَاقِ لِمَصْلَحَةِ إِبْعَاد الشَّيْطَان عَنْ الِاخْتِلَاط بِالْإِنْسَانِ , وَخَصَّهُ بِالتَّعْلِيلِ تَنْبِيهًا عَلَى مَا يَخْفَى مِمَّا لَا يُطَّلَع عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ جَانِب النُّبُوَّة , قَالَ : وَاللَّام فِي الشَّيْطَان لِلْجِنْسِ إِذْ لَيْسَ الْمُرَاد فَرْدًا بِعَيْنِهِ , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" وَخَمِّرُوا الطَّعَام وَالشَّرَاب \" قَالَ هَمَّام : وَأَحْسِبهُ قَالَ \" وَلَوْ بِعُودٍ يَعْرُضهُ \" وَهُوَ بِضَمِّ الرَّاء بَعْدهَا ضَاد مُعْجَمَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَزْم بِذَلِكَ عَنْ عَطَاء فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ فِي الْبَاب الْمَذْكُور , وَلَفْظه \" وَخَمِّرْ إِنَاءَك وَلَوْ بِعُودٍ تَعْرُضهُ عَلَيْهِ \" وَزَادَ فِي كُلّ مِنْ الْأَوَامِر الْمَذْكُورَة \" وَاذْكُرْ اِسْم اللَّه تَعَالَى \" وَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب شُرْب اللَّبَن \" مِنْ كِتَاب الْأَشْرِبَة بَيَان الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ , وَقَدْ حَمَلَهُ اِبْن بَطَّال عَلَى عُمُومه وَأَشَارَ إِلَى اِسْتِشْكَاله فَقَالَ : أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الشَّيْطَان لَمْ يُعْطَ قُوَّة عَلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ أُعْطِيَ مَا هُوَ أَعْظَم مِنْهُ وَهُوَ وُلُوجه فِي الْأَمَاكِن الَّتِي لَا يَقْدِر الْآدَمِيّ أَنْ يَلِج فِيهَا. قُلْت : وَالزِّيَادَة الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا قَبْل تَرْفَع الْإِشْكَال , وَهُوَ أَنَّ ذِكْر اِسْم اللَّه يَحُول بَيْنه وَبَيْن فِعْل هَذِهِ الْأَشْيَاء. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَتَمَكَّن مِنْ كُلّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَذْكُر اِسْم اللَّه , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالْأَرْبَعَة عَنْ جَابِر رَفَعَه \" إِذَا دَخَلَ الرَّجُل بَيْته فَذَكَرَ اللَّه عِنْد دُخُوله وَعِنْد طَعَامه قَالَ الشَّيْطَان : لَا مَبِيت لَكُمْ وَلَا عَشَاء , وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُر اللَّه عِنْد دُخُوله قَالَ الشَّيْطَان : أَدْرَكْتُمْ \" وَقَدْ تَرَدَّدَ اِبْن دَقِيق الْعِيد فِي ذَلِكَ فَقَالَ فِي شَرْح الْإِمَام : يَحْتَمِل أَنْ يُؤْخَذ قَوْله \" فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَفْتَح بَابًا مُغْلَقًا \" عَلَى عُمُومه , وَيَحْتَمِل أَنْ يُخَصّ بِمَا ذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَنْع لِأَمْرٍ يَتَعَلَّق بِجِسْمِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِمَانِعٍ مِنْ اللَّه بِأَمْرٍ خَارِج عَنْ جِسْمه , قَالَ : وَالْحَدِيث يَدُلّ عَلَى مَنْع دُخُول الشَّيْطَان الْخَارِج , فَأَمَّا الشَّيْطَان الَّذِي كَانَ دَاخِلًا فَلَا يَدُلّ الْخَبَر عَلَى خُرُوجه , قَالَ : فَيَكُون ذَلِكَ لِتَخْفِيفِ الْمَفْسَدَة لَا رَفْعهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون التَّسْمِيَة عِنْد الْإِغْلَاق تَقْتَضِي طَرْد مَنْ فِي الْبَيْت مِنْ الشَّيَاطِين , وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُون التَّسْمِيَة مِنْ اِبْتِدَاء الْإِغْلَاق إِلَى تَمَامه. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضهمْ مَشْرُوعِيَّة غَلْق الْفَم عِنْد التَّثَاؤُب لِدُخُولِهِ فِي عُمُوم الْأَبْوَاب مَجَازًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5823",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْفِطْرَةُ خَمْسٌ الْخِتَانُ ‏ ‏وَالِاسْتِحْدَادُ ‏ ‏وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( الْفِطْرَة خَمْس ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر كِتَاب اللِّبَاس , وَكَذَلِكَ حُكْم الْخِتَان. وَاسْتَدَلَّ اِبْن بَطَّال عَلَى عَدَم وُجُوبه بِأَنَّ سَلْمَان لَمَّا أَسْلَمَ لَمْ يُؤْمَر بِالِاخْتِتَانِ , وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون تُرِكَ لِعُذْرٍ أَوْ لِأَنَّ قِصَّته كَانَتْ قَبْل إِيجَاب الْخِتَان أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مُخْتَتِنًا. ثُمَّ لَا يَلْزَم مِنْ عَدَم النَّقْل عَدَم الْوُقُوع , وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْر لِغَيْرِهِ بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5824",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اخْتَتَنَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً وَاخْتَتَنَ ‏ ‏بِالْقَدُومِ ‏ ‏مُخَفَّفَةً ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُغِيرَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏بِالْقَدُّومِ ‏ ‏وَهُوَ مَوْضِعٌ مُشَدَّدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( اِخْتَتَنَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام بَعْد ثَمَانِينَ سَنَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ وَالِاخْتِلَاف فِي سِنِّهِ حِين اِخْتَتَنَ وَبَيَان قَدْر عُمْره فِي شَرْح الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام , وَذَكَرْت هُنَاكَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأ مِنْ رِوَايَة أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ إِبْرَاهِيم أَوَّل مَنْ اِخْتَتَنَ وَهُوَ اِبْن عِشْرِينَ وَمِائَة , وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ , وَعَاشَ بَعْد ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَة , وَرُوِّينَاهُ فِي \" فَوَائِد اِبْن السِّمَاك \" مِنْ طَرِيق أَبِي أُوَيْس عَنْ أَبِي الزِّنَاد بِهَذَا السَّنَد مَرْفُوعًا , وَأَبُو أُوَيْس فِيهِ لِين , وَأَكْثَر الرِّوَايَات عَلَى مَا وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَاب أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام اِخْتَتَنَ وَهُوَ اِبْن ثَمَانِينَ سَنَة , وَقَدْ حَاوَلَ الْكَمَال بْن طَلْحَة فِي جُزْء لَهُ فِي الْخِتَان الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ فَقَالَ : نُقِلَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح أَنَّهُ اِخْتَتَنَ لِثَمَانِينَ , وَفِي رِوَايَة أُخْرَى صَحِيحَة أَنَّهُ اِخْتَتَنَ لِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ , وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ إِبْرَاهِيم عَاشَ مِائَتَيْ سَنَة مِنْهَا ثَمَانِينَ سَنَة غَيْر مَخْتُون وَمِنْهَا مِائَة وَعِشْرِينَ وَهُوَ مَخْتُون , فَمَعْنَى الْحَدِيث الْأَوَّل اِخْتَتَنَ لِثَمَانِينَ مَضَتْ مِنْ عُمْره , وَالثَّانِي لِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ بَقِيَتْ مِنْ عُمْره. وَتَعَقَّبَهُ الْكَمَال بْن الْعَدِيم فِي جُزْء سَمَّاهُ \" الْمُلْحَة فِي الرَّدّ عَلَى اِبْن طَلْحَة \" بِأَنَّ فِي كَلَامه وَهْمًا مِنْ أَوْجُه : ‏ ‏أَحَدهَا تَصْحِيحه لِرِوَايَةِ مِائَة وَعِشْرِينَ وَلَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ , ثُمَّ أَوْرَدَهَا مِنْ رِوَايَة الْوَلِيد عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعَة وَتَعَقَّبَهُ بِتَدْلِيسِ الْوَلِيد , ثُمَّ أَوْرَدَهُ مِنْ \" فَوَائِد اِبْن الْمُقْرِي \" مِنْ رِوَايَة جَعْفَر بْن عَوْن عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بِهِ مَوْقُوفًا , وَمَنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر وَعِكْرِمَة بْن إِبْرَاهِيم كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد كَذَلِكَ. ‏ ‏ثَانِيهَا قَوْله فِي كُلّ مِنْهُمَا لِثَمَانِينَ لِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ , وَلَمْ يَرِد فِي طَرِيق مِنْ الطُّرُق بِاللَّامِ وَإِنَّمَا وَرَدَ بِلَفْظِ اِخْتَتَنَ وَهُوَ اِبْن ثَمَانِينَ وَفِي الْأُخْرَى وَهُوَ اِبْن مِائَة وَعِشْرِينَ , وَوَرَدَ الْأَوَّل أَيْضًا بِلَفْظِ \" عَلَى رَأْس ثَمَانِينَ \" وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏ثَالِثهَا أَنَّهُ صَرَّحَ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات أَنَّهُ عَاشَ بَعْد ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَة , فَلَا يُوَافِق الْجَمْع الْمَذْكُور أَنَّ الْمِائَة وَعِشْرِينَ هِيَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ عُمْره. ‏ ‏وَرَابِعهَا أَنَّ الْعَرَب لَا تَزَال تَقُول خَلَوْنَ إِلَى النِّصْف فَإِذَا تَجَاوَزَتْ النِّصْف قَالُوا بَقِينَ , وَاَلَّذِي جَمَعَ بِهِ اِبْن طَلْحَة يَقَع بِالْعَكْسِ , وَيَلْزَم أَنْ يَقُول فِيمَا إِذَا مَضَى مِنْ الشَّهْر عَشَرَة أَيَّام لِعِشْرِينَ بَقِينَ وَهَذَا لَا يُعْرَف فِي اِسْتِعْمَالهمْ. ثُمَّ ذَكَرَ الِاخْتِلَاف فِي سِنّ إِبْرَاهِيم وَجَزَمَ بِأَنَّهُ لَا يَثْبُت مِنْهَا شَيْء. مِنْهَا قَوْل هِشَام بْن الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : دَعَا إِبْرَاهِيم النَّاس إِلَى الْحَجّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الشَّام فَمَاتَ بِهِ وَهُوَ اِبْن مِائَتَيْ سَنَة. وَذَكَرَ أَبُو حُذَيْفَة الْبُخَارِيّ أَحَد الضُّعَفَاء فِي \" الْمُبْتَدَأ \" بِسَنَدٍ لَهُ ضَعِيف أَنَّ إِبْرَاهِيم عَاشَ مِائَة وَخَمْسًا وَسَبْعِينَ سَنَة , وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا مِنْ مُرْسَل عُبَيْد بْن عُمَيْر فِي وَفَاة إِبْرَاهِيم وَقِصَّته مَعَ مَلَكَ الْمَوْت وَدُخُوله عَلَيْهِ فِي صُورَة شَيْخ فَأَضَافَهُ , فَجَعَلَ يَضَع اللُّقْمَة فِي فِيهِ فَتَتَنَاثَر وَلَا تَثْبُت فِي فِيهِ , فَقَالَ لَهُ : كَمْ أَتَى عَلَيْك ؟ قَالَ : مِائَة وَإِحْدَى وَسِتُّونَ سَنَة. فَقَالَ إِبْرَاهِيم فِي نَفْسه وَهُوَ يَوْمئِذٍ اِبْن سِتِّينَ وَمِائَة : مَا بَقِيَ أَنْ أَصِير هَكَذَا إِلَّا سَنَة وَاحِدَة فَكَرِهَ الْحَيَاة , فَقَبَضَ مَلَكَ الْمَوْت حِينَئِذٍ رُوحه بِرِضَاهُ. فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقْوَال مُخْتَلِفَة يَتَعَسَّر الْجَمْع بَيْنهَا , لَكِنْ أَرْجَحهَا الرِّوَايَة الثَّالِثَة. وَخَطَرَ لِي بَعْد أَنَّهُ يَجُوز الْجَمْع بِأَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" وَهُوَ اِبْن ثَمَانِينَ \" أَنَّهُ مِنْ وَقْت فَارَقَ قَوْمه وَهَاجَرَ مِنْ الْعِرَاق إِلَى الشَّام , وَأَنَّ الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" وَهُوَ اِبْن مِائَة وَعِشْرِينَ \" أَيْ مِنْ مَوْلِده , أَوْ أَنَّ بَعْض الرُّوَاة رَأَى مِائَة وَعِشْرِينَ فَظَنَّهَا إِلَّا عِشْرِينَ أَوْ بِالْعَكْسِ , وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ الْمُهَلَّب : لَيْسَ اِخْتِتَان إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام بَعْد ثَمَانِينَ مِمَّا يُوجِب عَلَيْنَا مِثْل فِعْله , إِذْ عَامَّة مَنْ يَمُوت مِنْ النَّاس لَا يَبْلُغ الثَّمَانِينَ , وَإِنَّمَا اِخْتَتَنَ وَقْت أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُ بِهِ , قَالَ : وَالنَّظَر يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الِاخْتِتَان إِلَّا قُرْب وَقْت الْحَاجَة إِلَيْهِ لِاسْتِعْمَالِ الْعُضْو فِي الْجِمَاع , كَمَا وَقَعَ لِابْنِ عَبَّاس حَيْثُ قَالَ \" كَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُل حَتَّى يُدْرِك \" ثُمَّ قَالَ : وَالِاخْتِتَان فِي الصِّغَر لِتَسْهِيلِ الْأَمْر عَلَى الصَّغِير لِضَعْفِ عُضْوه وَقِلَّة فَهْمه. قُلْت : يُسْتَدَلّ بِقِصَّةِ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام لِمَشْرُوعِيَّةِ الْخِتَان حَتَّى لَوْ أُخِّرَ لِمَانِعٍ حَتَّى بَلَغَ السِّنّ الْمَذْكُور لَمْ يَسْقُط طَلَبه , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيّ بِالتَّرْجَمَةِ , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ الْخِتَان يُشْرَع تَأْخِيره إِلَى الْكِبَر حَتَّى يَحْتَاج إِلَى الِاعْتِذَار عَنْهُ. وَأَمَّا التَّعْلِيل الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيق النَّظَر فَفِيهِ نَظَر , فَإِنَّ حِكْمَة الْخِتَان لَمْ تَنْحَصِر فِي تَكْمِيل مَا يَتَعَلَّق بِالْجِمَاعِ بَلْ وَلِمَا يُخْشَى مِنْ اِنْحِبَاس بَقِيَّة الْبَوْل فِي الْغُرْلَة وَلَا سِيَّمَا لِلْمُسْتَجْمِرِ فَلَا يُؤْمَن أَنْ يَسِيل فَيُنَجِّس الثَّوْب أَوْ الْبَدَن , فَكَانَتْ الْمُبَادَرَة لِقَطْعِهَا عِنْد بُلُوغ السِّنّ الَّذِي يُؤْمَر بِهِ الصَّبِيّ بِالصَّلَاةِ أَلْيَق الْأَوْقَات , وَقَدْ بَيَّنْت الِاخْتِلَاف فِي الْوَقْت الَّذِي يُشْرَع فِيهِ فِيمَا مَضَى. ‏ ‏قَوْله ( وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ مُخَفَّفَة ) ‏ ‏ثُمَّ أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ طَرِيق أُخْرَى مُشَدَّدَة وَزَادَ \" وَهُوَ مَوْضِع \" وَقَدْ قَدَّمْت بَيَانه فِي شَرْح الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَأَشَرْت إِلَيْهِ أَيْضًا فِي أَثْنَاء اللِّبَاس , وَقَالَ الْمُهَلَّب : الْقَدُوم بِالتَّخْفِيفِ الْآلَة كَقَوْلِ الشَّاعِر ‏ ‏عَلَى خُطُوب مِثْل نَحَتْ الْقُدُوم ‏ ‏وَبِالتَّشْدِيدِ الْمَوْضِع , قَالَ : وَقَدْ يَتَّفِق لِإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام الْأَمْرَانِ يَعْنِي أَنَّهُ اِخْتَتَنَ بِالْآلَةِ وَفِي الْمَوْضِع. قُلْت : وَقَدْ قَدَّمْت الرَّاجِح مِنْ ذَلِكَ هُنَاكَ , وَفِي الْمُتَّفَق لِلجَّوْزَقِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عَبْد الرَّزَّاق قَالَ : الْقَدُّوم الْقَرْيَة. وَأَخْرَجَ أَبُو الْعَبَّاس السَّرَّاج فِي تَارِيخه عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ اِبْن عَجْلَان عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَه \" اِخْتَتَنَ إِبْرَاهِيم بِالْقَدُومِ \" فَقُلْت لِيَحْيَى : مَا الْقَدُوم ؟ قَالَ الْفَأْس. قَالَ الْكَمَال بْن الْعَدِيم فِي الْكِتَاب الْمَذْكُور. الْأَكْثَر عَلَى أَنَّ الْقَدُوم الَّذِي اِخْتَتَنَ بِهِ إِبْرَاهِيم هُوَ الْآلَة , يُقَال بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف وَالْأَفْصَح التَّخْفِيف , وَوَقَعَ فِي رِوَايَتَيْ الْبُخَارِيّ بِالْوَجْهَيْنِ , وَجَزَمَ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ أَنَّهُ اِخْتَتَنَ بِالْآلَةِ الْمَذْكُورَة , فَقِيلَ لَهُ : يَقُولُونَ قَدُوم قَرْيَة بِالشَّامِ , فَلَمْ يَعْرِفهُ وَثَبَتَ عَلَى الْأَوَّل. وَفِي صِحَاح الْجَوْهَرِيّ : الْقَدُوم الْآلَة وَالْمَوْضِع بِالتَّخْفِيفِ مَعًا. وَأَنْكَرَ اِبْن السِّكِّيت التَّشْدِيد مُطْلَقًا. وَوَقَعَ فِي مُتَّفِق الْبُلْدَان لِلْحَازِمِيِّ : قَدُوم قَرْيَة كَانَتْ عِنْد حَلَبَ وَكَانَتْ مَجْلِس إِبْرَاهِيم. ‏"
    },
    {
        "id": "5825",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبَّادُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ سُئِلَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏مِثْلُ مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ أَنَا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ قَالَ وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ إِدْرِيسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قُبِضَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا خَتِينٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم ) ‏ ‏هُوَ الْبَغْدَادِيّ الْمَعْرُوف بِصَاعِقَة , وَشَيْخه ‏ ‏عَبَّاد بْن مُوسَى ‏ ‏هُوَ الْخُتَّلِيّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْمُثَنَّاة الْفَوْقَانِيَّة وَفَتْحهَا بَعْدهَا لَامَ مِنْ الطَّبَقَة الْوُسْطَى مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد دَرَجَة بِالنِّسْبَةِ لِإِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْكَثِير عَنْ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر بِوَاسِطَةٍ وَاحِدَة كَقُتَيْبَةَ وَعَلِيّ بْن حُجْرٍ , وَنَزَلَ فِيهِ دَرَجَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِإِسْرَائِيل فَإِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ وَاحِدَة كَعَبْدِ اللَّه بْن مُوسَى وَمُحَمَّد بْن سَابِق. ‏ ‏قَوْله ( أَنَا مَخْتُون ) ‏ ‏أَيْ وَقَعَ لَهُ الْخِتَان , يُقَال صَبِيّ مَخْتُون وَمُخْتَتَن وَخَتِين بِمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُل حَتَّى يُدْرِك ) ‏ ‏أَيْ حَتَّى يَبْلُغ الْحُلُم , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَا أَدْرِي مَنْ الْقَائِل \" وَكَانُوا يَخْتِنُونَ \" أَهُوَ أَبُو إِسْحَاق أَوْ إِسْرَائِيل أَوْ مَنْ دُونه , وَقَدْ قَالَ أَبُو بِشْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" قُبِضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا اِبْن عَشْر \" وَقَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى وَأَنَا قَدْ نَاهَزْت الِاحْتِلَام \" قَالَ : وَالْأَحَادِيث عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا مُضْطَرِبَة. قُلْت : وَفِي كَلَامه نَظَر , أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْأَصْل أَنَّ الَّذِي يَثْبُت فِي الْحَدِيث مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْله فَهُوَ مُضَاف إِلَى مَنْ نَقَلَ عَنْهُ الْكَلَام السَّابِق حَتَّى يَثْبُت أَنَّهُ مِنْ كَلَام غَيْره. وَلَا يَثْبُت الْإِدْرَاج بِالِاحْتِمَالِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَدَعْوَى الِاضْطِرَاب مَرْدُودَة مَعَ إِمْكَان الْجَمْع أَوْ التَّرْجِيح , فَإِنَّ الْمَحْفُوظ الصَّحِيح أَنَّهُ وُلِدَ بِالشِّعْبِ وَذَلِكَ قَبْل الْهِجْرَة بِثَلَاثِ سِنِينَ فَيَكُون لَهُ عِنْد الْوَفَاة النَّبَوِيَّة ثَلَاث عَشْرَة سَنَة , وَبِذَلِكَ قَطَعَ أَهْل السِّيَر وَصَحَّحَهُ اِبْن عَبْد الْبَرِّ وَأَوْرَدَ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ \" وُلِدْت وَبَنُو هَاشِم فِي الشِّعْب \" وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْله \" نَاهَزْت الِاحْتِلَام \" أَيْ قَارَبْته وَلَا قَوْله \" وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُل حَتَّى يُدْرِك \" لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون أَدْرَكَ فَخُتِنَ قَبْل الْوَفَاة النَّبَوِيَّة وَبَعْد حَجَّة الْوَدَاع , وَأَمَّا قَوْله \" وَأَنَا اِبْن عَشْر \" فَمَحْمُول عَلَى إِلْغَاء الْكَسْر , وَرَوَى أَحْمَد مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ اِبْن خَمْس عَشْرَة , وَيُمْكِن رَدّه إِلَى رِوَايَة ثَلَاث عَشْرَة بِأَنْ يَكُون اِبْن ثَلَاث عَشْرَة وَشَيْء وَوُلِدَ فِي أَثْنَاء السَّنَة فَجَبْر الْكَسْرَيْنِ بِأَنْ يَكُون وُلِدَ مَثَلًا فِي شَوَّال فَلَهُ مِنْ السَّنَة الْأُولَى ثَلَاثَة أَشْهُر فَأَطْلَقَ عَلَيْهَا سَنَة وَقُبِضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَبِيع فَلَهُ مِنْ السَّنَة الْأَخِيرَة ثَلَاثَة أُخْرَى وَأَكْمَلَ بَيْنهمَا ثَلَاث عَشْرَة , فَمَنْ قَالَ ثَلَاث عَشْرَة أَلْغَى الْكَسْرَيْنِ وَمَنْ قَالَ خَمْس عَشْرَة جَبَرَهُمَا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اِبْن إِدْرِيس ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه وَأَبُوهُ هُوَ اِبْن يَزِيد الْأَوْدِيّ , وَشَيْخه أَبُو إِسْحَاق هُوَ السَّبِيعِيّ. ‏ ‏قَوْله ( قُبِضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا خَتِين ) ‏ ‏أَيْ مَخْتُون كَقَتِيلٍ وَمَقْتُول , وَهَذَا الطَّرِيق وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس. ‏"
    },
    {
        "id": "5826",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَفِيهِ \" وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرك \" الْحَدِيث. وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْقِمَار مِنْ جُمْلَة اللَّهْو , وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ دَعَا إِلَى الْمَعْصِيَة , فَلِذَلِكَ أَمَرَ بِالتَّصَدُّقِ لِيُكَفِّر عَنْهُ تِلْكَ الْمَعْصِيَة ; لِأَنَّ مَنْ دَعَا إِلَى مَعْصِيَة وَقَعَ بِدُعَائِهِ إِلَيْهَا فِي مَعْصِيَة. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَجْه تَعَلُّق هَذَا الْحَدِيث بِالتَّرْجَمَةِ وَالتَّرْجَمَة بِالِاسْتِئْذَانِ أَنَّ الدَّاعِي إِلَى الْقِمَار لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْذَن لَهُ فِي دُخُول الْمَنْزِل , ثُمَّ لِكَوْنِهِ يَتَضَمَّن اِجْتِمَاع النَّاس , وَمُنَاسَبَة بَقِيَّة حَدِيث الْبَاب لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْحَلِف بِاَللَّاتِ لَهْو يَشْغَل عَنْ الْحَقّ بِالْخَلْقِ فَهُوَ بَاطِل اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَمَّا قَدَّمَ تَرْجَمَة تَرْك السَّلَام عَلَى مَنْ اِقْتَرَفَ ذَنْبًا أَشَارَ إِلَى تَرْك الْإِذْن لِمَنْ يَشْتَغِل بِاللَّهْوِ عَنْ الطَّاعَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث الْبَاب فِي تَفْسِير سُورَة وَالنَّجْم , قَالَ مُسْلِم فِي صَحِيحه. بَعْد أَنْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث : هَذَا الْحَرْف \" تَعَالَ أُقَامِرك \" لَا يَرْوِيه أَحَد إِلَّا الزُّهْرِيُّ , وَلِلزُّهْرِيِّ نَحْو تِسْعِينَ حَرْفًا لَا يُشَارِكهُ فِيهَا غَيْره عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَسَانِيد جِيَاد. قُلْت : وَإِنَّمَا قَيَّدَ التَّفَرُّد بِقَوْلِهِ \" تَعَالَ أُقَامِرك \" لِأَنَّ لِبَقِيَّةِ الْحَدِيث شَاهِدًا مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص يُسْتَفَاد مِنْهُ سَبَب حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيّ قَالَ \" كُنَّا حَدِيثِي عَهْد بِجَاهِلِيَّةٍ , فَحَلَفْت بِاَللَّاتِ وَالْعُزَّى , فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قُلْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ , لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد , وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير , وَانْفُثْ عَنْ شِمَالك وَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ ثُمَّ لَا تَعُدْ \" فَيُمْكِن أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَلْيَقُلْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" إِلَى آخِر الذِّكْر الْمَذْكُور إِلَى قَوْله \" قَدِير \" وَيَحْتَمِل الِاكْتِفَاء بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه لِأَنَّهَا كَلِمَة التَّوْحِيد , وَالزِّيَادَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث سَعْد تَأْكِيد. ‏"
    },
    {
        "id": "5827",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَنَيْتُ بِيَدِي بَيْتًا يُكِنُّنِي مِنْ الْمَطَرِ وَيُظِلُّنِي مِنْ الشَّمْسِ مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق هُوَ اِبْن سَعِيد ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل ‏ ‏وَسَعِيد ‏ ‏الْمَذْكُور هُوَ اِبْن عَمْرو بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ الْأُمَوِيّ , وَنُسِبَ كَذَلِكَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي نُعَيْم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَعَمْرو بْن سَعِيد هُوَ الْمَعْرُوف بِالْأَشْدَقِ ‏ ‏وَإِسْحَاق بْن سَعِيد ‏ ‏يُقَال لَهُ السَّعِيدِيّ سَكَنَ مَكَّة. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ وَالِده وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" عَنْ سَعِيد \". ‏ ‏قَوْله ( رَأَيْتُنِي ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاة كَأَنَّهُ اِسْتَحْضَرَ الْحَالَة الْمَذْكُورَة فَصَارَ لِشِدَّةِ عِلْمه بِهَا كَأَنَّهُ يَرَى نَفْسه يَفْعَل مَا ذَكَرَ. ‏ ‏قَوْله ( مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( يُكِنُّنِي ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْكَاف وَتَشْدِيد النُّون مِنْ أَكَنَّ إِذَا وَقَى , وَجَاءَ بِفَتْحِ أَوَّله مِنْ كَنَّ , وَقَالَ أَبُو زَيْد الْأَنْصَارِيّ : كَنَنْته وَأَكْنَنْته بِمَعْنًى أَيْ سَتَرْته وَأَسْرَرْته , وَقَالَ الْكِسَائِيّ كَنَنْته صُنْته وَأَكْنَنْته أَسْرَرْته. ‏ ‏قَوْله ( مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ أَحَد مِنْ خَلْق اللَّه ) ‏ ‏هُوَ تَأْكِيد لِقَوْلِهِ \" بَنَيْت بِيَدِي \" وَإِشَارَة إِلَى خِفَّة مُؤْنَته. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن عَبْد الْحَمِيد الْحِمَّانِيّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمِيم عَنْ إِسْحَاق بْن سَعِيد السَّعِيدِيّ بِهَذَا السَّنَد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَجَيْنِ \" بَيْتًا مِنْ شَعْر \" , وَاعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَلَى الْبُخَارِيّ بِهَذِهِ الزِّيَادَة فَقَالَ أَدْخَلَ هَذَا الْحَدِيث فِي الْبِنَاء بِالطِّينِ وَالْمَدَر وَالْخَبَر إِنَّمَا هُوَ فِي بَيْت الشَّعْر , وَأُجِيبَ بِأَنَّ رَاوِي الزِّيَادَة ضَعِيف عِنْدهمْ , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوتهَا فَلَيْسَ فِي التَّرْجَمَة تَقْيِيد بِالطِّينِ وَالْمَدَر. ‏"
    },
    {
        "id": "5828",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا وَضَعْتُ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ وَلَا غَرَسْتُ نَخْلَةً مُنْذُ قُبِضَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏فَذَكَرْتُهُ لِبَعْضِ أَهْلِهِ قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ بَنَى قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قُلْتُ فَلَعَلَّهُ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله ( لَبِنَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَكَسْر الْمُوَحَّدَة مِثْل كَلِمَة , وَيَجُوز كَسْر أَوَّله وَسُكُون الْمُوَحَّدَة. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا غَرَسْت نَخْلَة ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيّ : لَيْسَ الْغَرْس كَالْبِنَاءِ ; لِأَنَّ مَنْ غَرَسَ وَنِيَّته طَلَب الْكَفَاف أَوْ لِفَضْلِ مَا يَنَال مِنْهُ فَفِي ذَلِكَ الْفَضْلُ لَا الْإِثْمُ. قُلْت : لَمْ يَتَقَدَّم لِلْإِثْمِ فِي الْخَبَر ذِكْر حَتَّى يُعْتَرَض بِهِ , وَكَلَامه يُوهِم أَنَّ فِي الْبِنَاء كُلّه الْإِثْم , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ التَّفْصِيل , وَلَيْسَ كُلّ مَا زَادَ مِنْهُ عَلَى الْحَاجَة يَسْتَلْزِم الْإِثْم , وَلَا شَكّ أَنَّ فِي الْغَرْس مِنْ الْأَجْر مِنْ أَجْل مَا يُؤْكَل مِنْهُ مَا لَيْسَ فِي الْبِنَاء , وَإِنْ كَانَ فِي بَعْض الْبِنَاء مَا يَحْصُل بِهِ الْأَجْر مِثْل الَّذِي يَحْصُل بِهِ النَّفْع لِغَيْرِ الْبَانِي فَإِنَّهُ يَحْصُل لِلْبَانِي بِهِ الثَّوَاب , وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( فَذَكَرْته لِبَعْضِ أَهْله ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَته , وَالْقَائِل هُوَ سُفْيَان. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ وَاَللَّه لَقَدْ بَنَى ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيّ فِي رِوَايَته \" بَيْتًا \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ سُفْيَان قُلْت فَلَعَلَّهُ قَالَ قَبْل ) ‏ ‏أَيْ قَالَ مَا وَضَعْت لَبِنَة إِلَخْ قَبَل أَنْ يُبْنَى الَّذِي ذَكَرْت , وَهَذَا اِعْتِذَار حَسَن مِنْ سُفْيَان رَاوِي الْحَدِيث , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن عُمَر نَفَى أَنْ يَكُون بَنَى بِيَدِهِ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ فِي زَمَنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْل ذَلِكَ , وَاَلَّذِي أَثْبَتَهُ بَعْض أَهْله كَانَ بَنَى بِأَمْرِهِ فَنَسَبَهُ إِلَى فِعْله مَجَازًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِنَاؤُهُ بَيْتًا مِنْ قَصَب أَوْ شَعْر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الَّذِي نَفَاهُ اِبْن عُمَر مَا زَادَ عَلَى حَاجَته , وَاَلَّذِي أَثْبَتَهُ بَعْض أَهْله بِنَاء بَيْت لَا بُدّ لَهُ مِنْهُ أَوْ إِصْلَاح مَا وَهَى مِنْ بَيْته , قَالَ اِبْن بَطَّال : يُؤْخَذ مِنْ جَوَاب سُفْيَان أَنَّ الْعَالِم إِذَا جَاءَ عَنْهُ قَوْلَانِ مُخْتَلِفَانِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِسَامِعِهِمَا أَنْ يَتَأَوَّلهُمَا عَلَى وَجْه يَنْفِي عَنْهُمَا التَّنَاقُض تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ الْكَذِب اِنْتَهَى. وَلَعَلَّ سُفْيَان فَهِمَ مِنْ قَوْل بَعْض أَهْل اِبْن عُمَر الْإِنْكَار عَلَى مَا رَوَاهُ لَهُ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر , فَبَادَرَ سُفْيَان إِلَى الِانْتِصَار لِشَيْخِهِ وَلِنَفْسِهِ وَسَلَكَ الْأَدَب مَعَ الَّذِي خَاطَبَهُ بِالْجَمْعِ الَّذِي ذَكَرَهُ , وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الِاسْتِئْذَان مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى خَمْسَة وَثَمَانِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ اِثْنَا عَشَر حَدِيثًا وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى خَمْسَة وَسِتُّونَ حَدِيثًا وَالْخَالِص عِشْرُونَ , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث لِأَبِي هُرَيْرَة \" رَسُول الرَّجُل إِذْنه \" وَحَدِيث أَنَس فِي الْمُصَافَحَة , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي الِاحْتِبَاء , وَحَدِيثه فِي الْبِنَاء , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي خِتَانه. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ سَبْعَة آثَار. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5829",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس. ‏ ‏قَوْله ( مُسْتَجَابَة ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَلَمْ أَرَهَا عِنْد الْبَاقِينَ وَلَا فِي شَيْء مِنْ نُسَخ الْمُوَطَّأ. ‏ ‏قَوْله ( يَدْعُو بِهَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَيُعَجِّل كُلّ نَبِيّ دَعَوْته \" وَفِي حَدِيث أَنَس ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب \" فَاسْتُجِيبَ لَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( وَأُرِيد أَنْ أَخْتَبِئ دَعْوَتِي شَفَاعَة لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَة ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة الْآتِيَة فِي التَّوْحِيد \" فَأُرِيد إِنْ شَاءَ اللَّه أَنْ أَخْتَبِئ \" وَزِيَادَة \" إِنْ شَاءَ اللَّه \" فِي هَذَا لِلتَّبَرُّكِ. وَلِمُسْلِمٍ \" مِنْ رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَإِنِّي اِخْتَبَأْت \" وَفِي حَدِيث أَنَس \" فَجَعَلْت دَعْوَتِي \" وَزَادَ \" يَوْم الْقِيَامَة \" وَزَادَ أَبُو صَالِح فَهِيَ نَائِلَة إِنْ شَاءَ اللَّه مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا \" وَقَوْله \" مَنْ مَاتَ \" فِي مَحَلّ نَصْب عَلَى الْمَفْعُولِيَّة و \" لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ \" فِي مَحَلّ نَصْب عَلَى الْحَال , وَالتَّقْدِير شَفَاعَتِي نَائِلَة مَنْ مَاتَ غَيْر مُشْرِك , وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يُؤَخِّرهَا ثُمَّ عَزَمَ فَفَعَلَ وَرَجَا وُقُوع ذَلِكَ فَأَعْلَمَهُ اللَّه بِهِ فَجَزَمَ بِهِ , وَسَيَأْتِي تَتِمَّة الْكَلَام عَلَى الشَّفَاعَة وَأَنْوَاعهَا فِي أَوَّل كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ ظَاهِر الْحَدِيث بِمَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْأَنْبِيَاء مِنْ الدَّعَوَات الْمُجَابَة وَلَا سِيَّمَا نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَظَاهِره أَنَّ لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة مُسْتَجَابَة فَقَطْ , وَالْجَوَاب أَنَّ الْمُرَاد بِالْإِجَابَةِ فِي الدَّعْوَة الْمَذْكُورَة الْقَطْع بِهَا , وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ دَعَوَاتهمْ فَهُوَ عَلَى رَجَاء الْإِجَابَة. وَقِيلَ مَعْنَى قَوْله \" لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة \" أَيْ أَفْضَل دَعَوَاته , وَلَهُمْ دَعَوَات أُخْرَى , وَقِيلَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ دَعْوَة عَامَّة مُسْتَجَابَة فِي أُمَّته إِمَّا بِإِهْلَاكِهِمْ وَإِمَّا بِنَجَاتِهِمْ , وَأَمَّا الدَّعَوَات الْخَاصَّة فَمِنْهَا مَا يُسْتَجَاب وَمِنْهَا مَا لَا يُسْتَجَاب , وَقِيلَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ دَعْوَة تَخُصّهُ لِدُنْيَاهُ أَوْ لِنَفْسِهِ كَقَوْلِ نُوحَ ( لَا تَذَر عَلَى الْأَرْض ) وَقَوْل زَكَرِيَّا ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك وَلِيًّا يَرِثنِي ) وَقَوْل سُلَيْمَان ( وَهْب لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) حَكَاهُ اِبْن التِّين. وَقَالَ بَعْض شُرَّاح \" الْمَصَابِيح \" مَا لَفْظه : اِعْلَمْ أَنَّ جَمِيع دَعَوَات الْأَنْبِيَاء مُسْتَجَابَة , وَالْمُرَاد بِهَذَا الْحَدِيث أَنَّ كُلّ نَبِيّ دَعَا عَلَى أُمَّته بِالْإِهْلَاكِ إِلَّا أَنَا فَلَمْ أَدْعُ فَأُعْطِيت الشَّفَاعَة عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ لِلصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ , وَالْمُرَاد بِالْأُمَّةِ أُمَّة الدَّعْوَة لَا أُمَّة الْإِجَابَة. وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلَى أَحْيَاء مِنْ الْعَرَب وَدَعَا عَلَى أُنَاس مِنْ قُرَيْش بِأَسْمَائِهِمْ وَدَعَا عَلَى رِعْل وَذَكْوَان وَدَعَا عَلَى مُضَر , قَالَ : وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَال إِنَّ اللَّه جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة تُسْتَجَاب فِي حَقّ أُمَّته فَنَالَهَا كُلّ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا , وَأَمَّا نَبِيّنَا فَإِنَّهُ لَمَّا دَعَا عَلَى بَعْض أُمَّته نَزَلَ عَلَيْهِ ( لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْر شَيْء أَوْ يَتُوب عَلَيْهِمْ ) فَبَقِيَ تِلْكَ الدَّعْوَة الْمُسْتَجَابَة مُدَّخَرَة لِلْآخِرَةِ , وَغَالِب مَنْ دَعَا عَلَيْهِمْ لَمْ يُرِدْ إِهْلَاكهمْ وَإِنَّمَا أَرَادَ رَدْعهمْ لِيَتُوبُوا. وَأَمَّا جَزْمه أَوَّلًا بِأَنَّ جَمِيع أَدْعِيَتهمْ مُسْتَجَابَة فَفِيهِ غَفْلَة عَنْ الْحَدِيث الصَّحِيح \" سَأَلْت اللَّه ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي اِثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَة \" الْحَدِيث \" قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذَا الْحَدِيث بَيَان فَضْل نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَائِر الْأَنْبِيَاء حَيْثُ آثَرَ أُمَّته عَلَى نَفْسه وَأَهْل بَيْته بِدَعْوَتِهِ الْمُجَابَة , وَلَمْ يَجْعَلهَا أَيْضًا دُعَاء عَلَيْهِمْ بِالْهَلَاكِ كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : هَذَا مِنْ حُسْن تَصَرُّفه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ جَعَلَ الدَّعْوَة فِيمَا يَنْبَغِي , وَمِنْ كَثْرَة كَرَمه لِأَنَّهُ آثَرَ أُمَّته عَلَى نَفْسه , وَمِنْ صِحَّة نَظَره لِأَنَّهُ جَعَلَهَا لِلْمُذْنِبِينَ مِنْ أُمَّته لِكَوْنِهِمْ أَحْوَج إِلَيْهَا مِنْ الطَّائِعِينَ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : فِيهِ كَمَال شَفَقَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّته وَرَأْفَته بِهِمْ وَاعْتِنَاؤُهُ بِالنَّظَرِ فِي مَصَالِحهمْ , فَجَعَلَ دَعَوْته فِي أَهَمّ أَوْقَات حَاجَتهمْ. وَأَمَّا قَوْله \" فَهِيَ نَائِلَة \" فَفِيهِ دَلِيل لِأَهْلِ السُّنَّة أَنَّ مَنْ مَاتَ غَيْر مُشْرِك لَا يَخْلُد فِي النَّار , وَلَوْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِر. ‏"
    },
    {
        "id": "5830",
        "content": "‏ ‏وَقَالَ لِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُلُّ نَبِيٍّ سَأَلَ سُؤْلًا أَوْ قَالَ ‏ ‏لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ مُعْتَمِر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ , كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْحُمَيْدِيّ , لَكِنْ عِنْد الْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَة فِي أَوَّله \" قَالَ لِي خَلِيفَة حَدَّثَنَا مُعْتَمِر \" فَعَلَى هَذَا هُوَ مُتَّصِل , وَقَدْ وَصَلَهُ أَيْضًا مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى عَنْ مُعْتَمِر. ‏ ‏قَوْله ( لِكُلِّ نَبِيّ سَأَلَ سُؤَالًا أَوْ قَالَ لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ , وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِم لَفْظه بَلْ أَحَالَ بِهِ عَلَى طَرِيق قَتَادَة عَنْ أَنَس , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَهْ فِي كِتَاب الْإِيمَان مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى بِهِ , وَمِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن الرَّبِيع وَمُسَدَّد وَغَيْرهمَا عَنْ مُعْتَمِر بِالشَّكِّ , وَلَفْظه \" كُلّ نَبِيّ قَدْ سَأَلَ سُؤَالًا أَوْ قَالَ لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة قَدْ دَعَا بِهَا \" الْحَدِيث وَلَفْظ قَتَادَة عِنْد مُسْلِم \" لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة لِأُمَّتِهِ \" فَذَكَرَهُ وَلَمْ يَشُكّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5831",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُسَيْنُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ الْعَدَوِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَيِّدُ ‏ ‏الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ قَالَ وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا الْحُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن ذَكْوَانَ الْمُعَلِّم , وَوَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة غُنْدَر حَدَّثَنَا الْحُسَيْن الْمُعَلِّم , وَكَذَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ حُسَيْن الْمُعَلِّم. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْحُصَيْب الْأَسْلَمِيّ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا بُشَيْر ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَة مُصَغَّر , وَقَدْ تَابَعَ حُسَيْنًا عَلَى ذَلِكَ ثَابِت الْبُنَانِيُّ وَأَبُو الْعَوَّام عَنْ بُرَيْدَةَ وَلَكِنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا بُشَيْر بْن كَعْب بَلْ قَالَا عَنْ اِبْن بُرَيْدَةَ عَنْ شَدَّاد أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَخَالَفَهُمْ الْوَلِيد بْن ثَعْلَبَة فَقَالَ : عَنْ اِبْن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَة إِلَّا التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم لَكِنْ لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة الْوَلِيد أَوَّل الْحَدِيث , قَالَ النَّسَائِيُّ حُسَيْن الْمُعَلِّم أَثْبَت مِنْ الْوَلِيد بْن ثَعْلَبَة وَأَعْلَم بِعَبْدِ اللَّه بْن بُرَيْدَةَ وَحَدِيثه أَوْلَى بِالصَّوَابِ. قُلْت : كَأَنَّ الْوَلِيد سَلَكَ الْجَادَّة ; لِأَنَّ جُلّ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ , وَكَأَنَّ مَنْ صَحَّحَهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُون عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي شَدَّاد بْن أَوْس ) ‏ ‏أَيْ اِبْن ثَابِت بْن الْمُنْذِر بْن حَرَام بِمُهْمَلَتَيْنِ الْأَنْصَارِيّ اِبْن أَخِي حَسَّان بْن ثَابِت الشَّاعِر , وَشَدَّاد صَحَابِيّ جَلِيل نَزَلَ الشَّام وَكُنْيَته أَبُو يَعْلَى. وَاخْتُلِفَ فِي صُحْبَة أَبِيهِ وَلَيْسَ لِشَدَّادٍ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد. ‏ ‏قَوْله ( سَيِّد الِاسْتِغْفَار ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : لَمَّا كَانَ هَذَا الدُّعَاء جَامِعًا لِمَعَانِي التَّوْبَة كُلّهَا اُسْتُعِيرَ لَهُ اِسْم السَّيِّد , وَهُوَ فِي الْأَصْل الرَّئِيس الَّذِي يُقْصَد فِي الْحَوَائِج , وَيُرْجَع إِلَيْهِ فِي الْأُمُور. ‏ ‏قَوْله ( أَنْ يَقُول ) ‏ ‏أَيْ الْعَبْد , وَثَبَتَ فِي رِوَايَة أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ \" إِنَّ سَيِّد الِاسْتِغْفَار أَنْ يَقُول الْعَبْد \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَة عُثْمَان بْن رَبِيعَة عَنْ شَدَّاد \" أَلَا أَدُلّك عَلَى سَيِّد الِاسْتِغْفَار \" وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد النَّسَائِيِّ \" تَعَلَّمُوا سَيِّد الِاسْتِغْفَار \". ‏ ‏قَوْله ( لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتنِي ) ‏ ‏كَذَا فِي نُسْخَة مُعْتَمَدَة بِتَكْرِيرِ أَنْتَ , وَسَقَطَتْ الثَّانِيَة مِنْ مُعْظَم الرِّوَايَات , وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ \" مَنْ قَالَ حِين يُصْبِح : اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ \" وَالْبَاقِي نَحْو حَدِيث شَدَّاد وَزَادَ فِيهِ \" آمَنْت لَك مُخْلِصًا لَك دِينِي \". ‏ ‏قَوْله ( وَأَنَا عَبْدك ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : يَجُوز أَنْ تَكُون مُؤَكَّدَة , وَيَجُوز أَنْ تَكُون مُقَدَّرَة , أَيْ أَنَا عَابِد لَك , وَيُؤَيِّدهُ عَطْف قَوْله \" وَأَنَا عَلَى عَهْدك \". ‏ ‏قَوْله ( وَأَنَا عَلَى عَهْدك ) ‏ ‏سَقَطَتْ الْوَاو فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيد أَنَا عَلَى مَا عَهِدْتُك عَلَيْهِ وَوَاعَدْتُك مِنْ الْإِيمَان بِك وَإِخْلَاص الطَّاعَة لَك مَا اِسْتَطَعْت مِنْ ذَلِكَ. وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد أَنَا مُقِيم عَلَى مَا عَهِدْت إِلَيَّ مِنْ أَمْرك وَمُتَمَسِّك بِهِ وَمُنْتَجِز وَعْدك فِي الْمَثُوبَة وَالْأَجْر. وَاشْتِرَاط الِاسْتِطَاعَة فِي ذَلِكَ مَعْنَاهُ الِاعْتِرَاف بِالْعَجْزِ وَالْقُصُور عَنْ كُنْه الْوَاجِب مِنْ حَقّه تَعَالَى. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : قَوْله \" وَأَنَا عَلَى عَهْدك وَوَعْدك \" يُرِيد الْعَهْد الَّذِي أَخَذَهُ اللَّه عَلَى عِبَاده حَيْثُ أَخْرَجَهُمْ أَمْثَال الذَّرّ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ فَأَقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ. وَبِالْوَعْدِ مَا قَالَ عَلَى لِسَان نَبِيّه \" إنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا وَأَدَّى مَا اِفْتَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُدْخِلهُ الْجَنَّة \". قُلْت : وَقَوْله وَأَدَّى مَا اِفْتَرَضَ عَلَيْهِ زِيَادَة لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي هَذَا الْمَقَام لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمُرَاد بِالْعَهْدِ الْمِيثَاق الْمَأْخُوذ فِي عَالَم الذَّرّ وَهُوَ التَّوْحِيد خَاصَّة , فَالْوَعْد هُوَ إِدْخَال مَنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّة. ‏ ‏قَالَ وَفِي قَوْله \" مَا اِسْتَطَعْت \" ‏ ‏إِعْلَام لِأُمَّتِهِ أَنَّ أَحَدًا لَا يَقْدِر عَلَى الْإِتْيَان بِجَمِيعِ مَا يَجِب عَلَيْهِ لِلَّهِ. وَلَا الْوَفَاء بِكَمَالِ الطَّاعَات وَالشُّكْر عَلَى النِّعَم , فَرَفَقَ اللَّه بِعِبَادِهِ فَلَمْ يُكَلِّفهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا وُسْعهمْ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالْعَهْدِ وَالْوَعْد مَا فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة , كَذَا قَالَ : وَالتَّفْرِيق بَيْن الْعَهْد وَالْوَعْد أَوْضَح. ‏ ‏قَوْله ( أَبُوء لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ ) ‏ ‏سَقَطَ لَفْظ لَك مِنْ رِوَايَة النَّسَائِيِّ , وَأَبُوء بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْهَمْز مَمْدُود مَعْنَاهُ أَعْتَرِف. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُثْمَان بْن رَبِيعَة عَنْ شَدَّاد \" وَأَعْتَرِف بِذُنُوبِي \" وَأَصْله الْبَوَاء وَمَعْنَاهُ اللُّزُوم , وَمِنْهُ بَوَّأَهُ اللَّه مَنْزِلًا إِذَا أَسْكَنَهُ فَكَأَنَّهُ أَلْزَمَهُ بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَأَبُوء لَك بِذَنْبِي ) ‏ ‏أَيْ أَعْتَرِف أَيْضًا , وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَحْمِلهُ بِرَغْمِي لَا أَسْتَطِيع صَرْفه عَنِّي. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : اِعْتَرَفَ أَوَّلًا بِأَنَّهُ أَنْعَمَ عَلَيْهِ , وَلَمْ يُقَيِّدهُ لِأَنَّهُ يَشْمَل أَنْوَاع الْإِنْعَام , ثُمَّ اِعْتَرَفَ بِالتَّقْصِيرِ وَأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِأَدَاءِ شُكْرهَا , ثُمَّ بَالَغَ فَعَدَّهُ ذَنْبًا مُبَالَغَة فِي التَّقْصِير وَهَضْم النَّفْس. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله \" أَبُوء لَك بِذَنْبِي \" أَعْتَرِف بِوُقُوعِ الذَّنْب مُطْلَقًا لِيَصِحّ الِاسْتِغْفَار مِنْهُ , لَا أَنَّهُ عَدَّ مَا قَصَّرَ فِيهِ مِنْ أَدَاء شُكْر النِّعَم ذَنْبًا. ‏ ‏قَوْله ( فَاغْفِرْ لِي إِنَّهُ لَا يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا أَنْتَ ) ‏ ‏يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَنْ اِعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ غُفِرَ لَهُ , وَقَدْ وَقَعَ صَرِيحًا فِي حَدِيث الْإِفْك الطَّوِيل وَفِيهِ \" الْعَبْد إِذَا اِعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ وَتَابَ تَابَ اللَّه عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله ( مَنْ قَالَهَا مُوقِنًا بِهَا ) ‏ ‏أَيْ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبه مُصَدِّقًا بِثَوَابِهَا , وَقَالَ الدَّاوُدِيّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا مِنْ قَوْله إِنَّ الْحَسَنَات يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات وَمِثْل قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوُضُوء وَغَيْره ; لِأَنَّهُ بُشِّرَ بِالثَّوَابِ ثُمَّ بُشِّرَ بِأَفْضَل مِنْهُ فَثَبَتَ الْأَوَّل وَمَا زِيدَ عَلَيْهِ , وَلَيْسَ يُبَشِّر بِالشَّيْءِ ثُمَّ يُبَشِّر بِأَقَلّ مِنْهُ مَعَ اِرْتِفَاع الْأَوَّل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ نَاسِخًا وَأَنْ يَكُون هَذَا فِيمَنْ قَالَهَا وَمَاتَ قَبْل أَنْ يَفْعَل مَا يَغْفِر لَهُ بِهِ ذُنُوبه , أَوْ يَكُون مَا فَعَلَهُ مِنْ الْوُضُوء وَغَيْره لَمْ يَنْتَقِل مِنْهُ بِوَجْهٍ مَا , وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى يَفْعَل مَا يَشَاء. كَذَا حَكَاهُ اِبْن التِّين عَنْهُ , وَبَعْضه يَحْتَاج إِلَى تَأَمُّل. ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" فَإِنْ قَالَهَا حِين يُصْبِح \" وَفِي رِوَايَة عُثْمَان بْن رَبِيعَة \" لَا يَقُولهَا أَحَدكُمْ حِين يُمْسِي فَيَأْتِي عَلَيْهِ قَدَر قَبْل أَنْ يُصْبِح , أَوْ حِين يُصْبِح فَيَأْتِي عَلَيْهِ قَدَر قَبْل أَنْ يُمْسِي \". ‏ ‏قَوْله ( فَهُوَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" دَخَلَ الْجَنَّة \" وَفِي رِوَايَة عُثْمَان بْن رَبِيعَة \" إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة \" قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : جَمَعَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ بَدِيع الْمَعَانِي وَحُسْن الْأَلْفَاظ مَا يَحِقّ لَهُ أَنَّهُ يُسَمَّى سَيِّد الِاسْتِغْفَار , فَفِيهِ الْإِقْرَار لِلَّهِ وَحْده بِالْإِلَهِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّة , وَالِاعْتِرَاف بِأَنَّهُ الْخَالِق , وَالْإِقْرَار بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِ , وَالرَّجَاء بِمَا وَعَدَهُ بِهِ , وَالِاسْتِعَاذَة مِنْ شَرّ مَا جَنَى الْعَبْد عَلَى نَفْسه , وَإِضَافَة النَّعْمَاء إِلَى مُوجِدهَا , وَإِضَافَة الذَّنْب إِلَى نَفْسه , وَرَغْبَته فِي الْمَغْفِرَة , وَاعْتِرَافه بِأَنَّهُ لَا يَقْدِر أَحَد عَلَى ذَلِكَ إِلَّا هُوَ , وَفِي كُلّ ذَلِكَ الْإِشَارَة إِلَى الْجَمْع بَيْن الشَّرِيعَة وَالْحَقِيقَة , فَإِنَّ تَكَالِيف الشَّرِيعَة لَا تَحْصُل إِلَّا إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ عَوْن مِنْ اللَّه تَعَالَى. وَهَذَا الْقَدَر الَّذِي يُكَنَّى عَنْهُ بِالْحَقِيقَةِ. فَلَوْ اِتَّفَقَ أَنَّ الْعَبْد خَالَفَ حَتَّى يَجْرِي عَلَيْهِ مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ وَقَامَتْ الْحُجَّة عَلَيْهِ بِبَيَانِ الْمُخَالَفَة لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَحَد أَمْرَيْنِ : إِمَّا الْعُقُوبَة بِمُقْتَضَى الْعَدْل أَوْ الْعَفْو بِمُقْتَضَى الْفَضْل , اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. أَيْضًا : مِنْ شُرُوط الِاسْتِغْفَار صِحَّة النِّيَّة , وَالتَّوَجُّه وَالْأَدَب , فَلَوْ أَنَّ أَحَدًا حَصَّلَ الشُّرُوط وَاسْتَغْفَرَ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظ الْوَارِد وَاسْتَغْفَرَ آخَر بِهَذَا اللَّفْظ الْوَارِد لَكِنْ أَخَلَّ بِالشُّرُوطِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ الَّذِي يَظْهَر أَنَّ اللَّفْظ الْمَذْكُور إِنَّمَا يَكُون سَيِّد الِاسْتِغْفَار إِذَا جَمَعَ الشُّرُوط الْمَذْكُورَة , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5832",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس بْن يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيِّ \" أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( وَاَللَّه إِنِّي لِأَسْتَغْفِر اللَّه ) ‏ ‏فِيهِ الْقَسَم عَلَى الشَّيْء تَأْكِيدًا لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْد السَّامِع فِيهِ شَكّ. ‏ ‏قَوْله ( لَأَسْتَغْفِر اللَّه وَأَتُوب إِلَيْهِ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ يَطْلُب الْمَغْفِرَة وَيَعْزِم عَلَى التَّوْبَة \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد يَقُول هَذَا اللَّفْظ بِعَيْنِهِ , وَيُرَجِّح الثَّانِي مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّد مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" أَسْتَغْفِر اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ الْقَيُّوم وَأَتُوب إِلَيْهِ فِي الْمَجْلِس قَبْل أَنْ يَقُوم مِائَة مَرَّة \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن سُوقَة عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" إِنَّا كُنَّا لَنَعُدّ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِس : رَبّ اِغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّك أَنْتَ التَّوَّاب الْغَفُور , مِائَة مَرَّة \". ‏ ‏قَوْله ( أَكْثَر مِنْ سَبْعِينَ مَرَّة ) ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس \" إِنِّي لَأَسْتَغْفِر اللَّه فِي الْيَوْم سَبْعِينَ مَرَّة , فَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد الْمُبَالَغَة وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد الْعَدَد بِعَيْنِهِ. وَقَوْله \" أَكْثَر \" مُبْهَم فَيَحْتَمِل أَنْ يُفَسَّر بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر الْمَذْكُور وَأَنَّهُ يَبْلُغ الْمِائَة. وَقَدْ وَقَعَ فِي طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" إِنِّي لَأَسْتَغْفِر اللَّه فِي الْيَوْم مِائَة مَرَّة \" لَكِنْ خَالَفَ أَصْحَاب الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ. نَعَمْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة بِلَفْظِ \" إِنِّي لَأَسْتَغْفِر اللَّه وَأَتُوب إِلَيْهِ كُلّ يَوْم مِائَة مَرَّة \" وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ النَّاس فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس تُوبُوا إِلَى اللَّه , فَإِنِّي أَتُوب إِلَيْهِ فِي الْيَوْم مِائَة مَرَّة \" وَلَهُ فِي حَدِيث الْأَغَرّ الْمُزَنِيِّ رَفَعَه مِثْله , وَهُوَ عِنْده وَعِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" إِنَّهُ لَيُغَان عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِر اللَّه كُلّ يَوْم مِائَة مَرَّة \" قَالَ عِيَاض : الْمُرَاد بِالْغَيْنِ فَتَرَات عَنْ الذِّكْر الَّذِي شَأْنه أَنْ يُدَاوِم عَلَيْهِ , فَإِذَا فَتَرَ عَنْهُ لِأَمْرٍ مَا عَدَّ ذَلِكَ ذَنْبًا فَاسْتَغْفَرَ عَنْهُ. وَقِيلَ هُوَ شَيْء يَعْتَرِي الْقَلْب مِمَّا يَقَع مِنْ حَدِيث النَّفْس , وَقِيلَ هُوَ السَّكِينَة الَّتِي تَغْشَى قَلْبه وَالِاسْتِغْفَار لِإِظْهَارِ الْعُبُودِيَّة لِلَّهِ وَالشُّكْر لِمَا أَوْلَاهُ , وَقِيلَ هِيَ حَالَة خَشْيَة وَإِعْظَام وَالِاسْتِغْفَار شُكْرهَا , وَمِنْ ثُمَّ قَالَ الْمُحَاسِبِيّ : خَوْف الْمُتَقَرِّبِينَ خَوْف إِجْلَال وَإِعْظَام. وَقَالَ الشَّيْخ شِهَاب الدِّين السُّهْرَوَرْدِيّ : لَا يُعْتَقَد أَنَّ الْغَيْن فِي حَالَة نَقْص , بَلْ هُوَ كَمَال أَوْ تَتِمَّة كَمَال. ثُمَّ مَثَّلَ ذَلِكَ بِجَفْنِ الْعَيْن حِين يُسْبَل لِيَدْفَع الْقَذَى عَنْ الْعَيْن مَثَلًا فَإِنَّهُ يَمْنَع الْعَيْن مِنْ الرُّؤْيَة , فَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّة نَقْص , وَفِي الْحَقِيقَة هُوَ كَمَال. هَذَا مُحَصَّل كَلَامه بِعِبَارَةٍ طَوِيلَة , قَالَ : فَهَكَذَا بَصِيرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَعَرِّضَة لِلْأَغْيِرَة الثَّائِرَة مِنْ أَنْفَاس الْأَغْيَار فَدَعَتْ الْحَاجَة إِلَى السَّتْر عَلَى حَدَقَة بَصِيرَته صِيَانَة لَهَا وَوِقَايَة عَنْ ذَلِكَ اِنْتَهَى. وَقَدْ اسْتَشْكَلَ وُقُوع الِاسْتِغْفَار مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَعْصُوم , وَالِاسْتِغْفَار يَسْتَدْعِي وُقُوع مَعْصِيَة. وَأُجِيبَ بِعِدَّةِ أَجْوِبَة : مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْغَيْن , وَمِنْهَا قَوْل اِبْن الْجَوْزِيّ : هَفَوَات الطِّبَاع الْبَشَرِيَّة لَا يَسْلَم مِنْهَا أَحَد , وَالْأَنْبِيَاء وَإِنْ عُصِمُوا مِنْ الْكَبَائِر فَلَمْ يُعْصَمُوا مِنْ الصَّغَائِر. كَذَا قَالَ , وَهُوَ مُفَرَّع عَلَى خِلَاف الْمُخْتَار , وَالرَّاجِح عِصْمَتهمْ مِنْ الصَّغَائِر أَيْضًا. وَمِنْهَا قَوْل اِبْن بَطَّال : الْأَنْبِيَاء أَشَدّ النَّاس اِجْتِهَادًا فِي الْعِبَادَة لِمَا أَعْطَاهُمْ اللَّه تَعَالَى مِنْ الْمَعْرِفَة , فَهُمْ دَائِبُونَ فِي شُكْره مُعْتَرِفُونَ لَهُ بِالتَّقْصِيرِ اِنْتَهَى. وَمُحَصَّل جَوَابه أَنَّ الِاسْتِغْفَار مِنْ التَّقْصِير فِي أَدَاء الْحَقّ الَّذِي يَجِب لِلَّهِ تَعَالَى , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِاشْتِغَالِهِ بِالْأُمُورِ الْمُبَاحَة مِنْ أَكْل أَوْ شُرْب أَوْ جِمَاع أَوْ نَوْم أَوْ رَاحَة , أَوْ لِمُخَاطَبَةِ النَّاس وَالنَّظَر فِي مَصَالِحهمْ , وَمُحَارَبَة عَدُوّهُمْ تَارَة وَمُدَارَاته أُخْرَى , وَتَأْلِيف الْمُؤَلَّفَة وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَحْجُبهُ عَنْ الِاشْتِغَال بِذِكْرِ اللَّه وَالتَّضَرُّع إِلَيْهِ وَمُشَاهَدَته وَمُرَاقَبَته , فَيَرَى ذَلِكَ ذَنْبًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَقَام الْعَلِيّ وَهُوَ الْحُضُور فِي حَظِيرَة الْقُدْس. وَمِنْهَا أَنَّ اِسْتِغْفَاره تَشْرِيع لِأُمَّتِهِ , أَوْ مِنْ ذُنُوب الْأُمَّة فَهُوَ كَالشَّفَاعَةِ لَهُمْ. وَقَالَ الْغَزَالِيّ فِي \" الْإِحْيَاء \" كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَائِم التَّرَقِّي , فَإِذَا اِرْتَقَى إِلَى حَال رَأَى مَا قَبْلهَا دُونهَا فَاسْتَغْفَرَ مِنْ الْحَالَة السَّابِقَة , وَهَذَا مُفَرَّع عَلَى أَنَّ الْعَدَد الْمَذْكُور فِي اِسْتِغْفَاره كَانَ مُفَرَّقًا بِحَسَبِ تَعَدُّد الْأَحْوَال , وَظَاهِر أَلْفَاظ الْحَدِيث يُخَالِف ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّيْخ السُّهْرَوَرْدِيّ : لَمَّا كَانَ رُوح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ فِي التَّرَقِّي إِلَى مَقَامَات الْقُرْب يَسْتَتْبِع الْقَلْب , وَالْقَلْب يَسْتَتْبِع النَّفْس , وَلَا رَيْب أَنَّ حَرَكَة الرُّوح وَالْقَلْب أَسْرَع مِنْ نَهْضَة النَّفْس فَكَانَتْ خُطَا النَّفْس تَقْصُر عَنْ مَدَاهُمَا فِي الْعُرُوج , فَاقْتَضَتْ الْحِكْمَة إِبْطَاء حَرَكَة الْقَلْب لِئَلَّا تَنْقَطِع عَلَاقَة النَّفْس عَنْهُ فَيَبْقَى الْعِبَاد مَحْرُومِينَ , فَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْزَع إِلَى الِاسْتِغْفَار لِقُصُورِ النَّفْس عَنْ شَأْو تَرَقِّي الْقَلْب , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5833",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏حَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا قَالَ ‏ ‏أَبُو شِهَابٍ ‏ ‏بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏وَجَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَارَةُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْحَارِثَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏وَأَبُو مُسْلِمٍ اسْمُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ كُوفِيٌّ قَائِدُ الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس نُسِبَ إِلَى جَدّه وَاشْتَهَرَ بِذَلِكَ , وَأَبُو شِهَاب شَيْخه اِسْمه عَبْد رَبّه بْن نَافِع الْحَنَّاط بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون وَهُوَ أَبُو شِهَاب الْحَنَّاط الصَّغِير , وَأَمَّا أَبُو شِهَاب الْحَنَّاط الْكَبِير فَهُوَ فِي طَبَقَة شُيُوخ هَذَا وَاسْمه مُوسَى بْن نَافِع , وَلَيْسَا أَخَوَيْنِ وَهُمَا كُوفِيَّانِ , وَكَذَا بَقِيَّة رِجَال هَذَا السَّنَد. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عُمَارَة بْن عُمَيْر ) ‏ ‏فَذَكَر الْمُصَنِّف تَصْرِيح الْأَعْمَش بِالتَّحْدِيثِ وَتَصْرِيح شَيْخه عُمَارَة , وَفِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة الْمُعَلَّقَة بَعْد هَذَا , وَعُمَارَة تَيْمِيّ مِنْ بَنِي تَيْم اللَّات اِبْن ثَعْلَبَة كُوفِيّ مِنْ طَبَقَة الْأَعْمَش , وَشَيْخه الْحَارِث اِبْن سُوَيْدٍ تَيْمِيّ أَيْضًا , وَفِي السَّنَد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق أَوَّلهمْ الْأَعْمَش وَهُوَ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , وَعُمَارَة مِنْ أَوْسَاطهمْ , وَالْحَارِث مِنْ كِبَارهمْ. ‏ ‏قَوْله ( حَدِيثَيْنِ أَحَدهمَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآخَر عَنْ نَفْسه قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِن ) ‏ ‏فَذَكَرَهُ إِلَى قَوْله \" فَوْق أَنْفه \" ثُمَّ قَالَ \" لَلَّه أَفْرَح بِتَوْبَةِ عَبْده \" هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة غَيْر مُصَرَّح بِرَفْعِ أَحَد الْحَدِيثَيْنِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ النَّوَوِيّ : قَالُوا الْمَرْفُوع \" لَلَّه أَفْرَح إِلَخْ \" وَالْأَوَّل قَوْل اِبْن مَسْعُود , وَكَذَا جَزَمَ اِبْن بَطَّال بِأَنَّ الْأَوَّل هُوَ الْمَوْقُوف وَالثَّانِي هُوَ الْمَرْفُوع وَهُوَ كَذَلِكَ , وَلَمْ يَقِف اِبْن التِّين عَلَى تَحْقِيق ذَلِكَ فَقَالَ : أَحَد الْحَدِيثَيْنِ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَالْآخَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَزِدْ فِي الشَّرْح عَلَى الْأَصْل شَيْئًا , وَأَغْرَبَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة فِي مُخْتَصَره فَأَفْرَدَ أَحَد الْحَدِيثَيْنِ مِنْ الْآخَر وَعَبَّرَ فِي كُلّ مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ \" عَنْ اِبْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ نُسَخ الْبُخَارِيّ , وَلَا التَّصْرِيح بِرَفْعِ الْحَدِيث الْأَوَّل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْء مِنْ نُسَخ كُتُب الْحَدِيث إِلَّا مَا قَرَأْت فِي شَرْح مُغَلْطَاي أَنَّهُ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ طَرِيق وَهَّاهَا أَبُو أَحْمَد الجُّرْجَانِيّ يَعْنِي اِبْن عَدِيّ , وَقَدْ وَقَعَ بَيَان ذَلِكَ فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة , وَكَذَا وَقَعَ الْبَيَان فِي رِوَايَة مُسْلِم مَعَ كَوْنه لَمْ يَسُقْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْمَوْقُوف وَلَفْظه مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عَنْ عُمَارَة عَنْ الْحَارِث قَالَ \" دَخَلْت عَلَى اِبْن مَسْعُود أَعُودهُ وَهُوَ مَرِيض فَحَدَّثَنَا بِحَدِيثَيْنِ : حَدِيثًا عَنْ نَفْسه , وَحَدِيثًا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لَلَّه أَشَدّ فَرَحًا \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ الْمُؤْمِن يَرَى ذُنُوبه كَأَنَّهُ قَاعِد تَحْت جَبَل يَخَاف أَنْ يَقَع عَلَيْهِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : السَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّ قَلْب الْمُؤْمِن مُنَوَّر , فَإِذَا رَأَى مِنْ نَفْسه مَا يُخَالِف مَا يُنَوِّر بِهِ قَلْبه عَظُمَ الْأَمْر عَلَيْهِ , وَالْحِكْمَة فِي التَّمْثِيل بِالْجَبَلِ أَنَّ غَيْره مِنْ الْمُهْلِكَات قَدْ يَحْصُل التَّسَبُّب إِلَى النَّجَاة مِنْهُ بِخِلَافِ الْجَبَل إِذَا سَقَطَ عَلَى الشَّخْص لَا يَنْجُو مِنْهُ عَادَة. وَحَاصِله أَنَّ الْمُؤْمِن يَغْلِب عَلَيْهِ الْخَوْف لِقُوَّةِ مَا عِنْده مِنْ الْإِيمَان فَلَا يَأْمَن الْعُقُوبَة بِسَبَبِهَا , وَهَذَا شَأْن الْمُسْلِم أَنَّهُ دَائِم الْخَوْف وَالْمُرَاقَبَة , يَسْتَصْغِر عَمَله الصَّالِح وَيَخْشَى مِنْ صَغِير عَمَله السَّيِّئ. ‏ ‏قَوْله ( وَإنَّ الْفَاجِر يَرَى ذُنُوبه كَذُبَابٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الرَّبِيع الزُّهْرَانِيّ عَنْ أَبِي شِهَاب عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" يَرَى ذُنُوبه كَأَنَّهَا ذُبَاب مَرَّ عَلَى أَنْفه \" أَيْ ذَنْبه سَهْل عِنْده لَا يَعْتَقِد أَنَّهُ يَحْصُل لَهُ بِسَبَبِهِ كَبِير ضَرَر , كَمَا أَنَّ ضَرَر الذُّبَاب عِنْده سَهْل , وَكَذَا دَفْعه عَنْهُ. وَالذُّبَاب بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَة بَيْنهمَا أَلِف جَمْع ذُبَابَة وَهِيَ الطَّيْر الْمَعْرُوف. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ بِهِ هَكَذَا ) ‏ ‏أَيْ نَحَّاهُ بِيَدِهِ أَوْ دَفَعَهُ , هُوَ مِنْ إِطْلَاق الْقَوْل عَلَى الْفِعْل قَالُوا وَهُوَ أَبْلَغ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( بِيَدِهِ عَلَى أَنْفه ) ‏ ‏هُوَ تَفْسِير مِنْهُ لِقَوْلِهِ \" فَقَالَ بِهِ \" قَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ : إِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ صِفَة الْمُؤْمِن لِشِدَّةِ خَوْفه مِنْ اللَّه وَمِنْ عُقُوبَته ; لِأَنَّهُ عَلَى يَقِين مِنْ الذَّنْب وَلَيْسَ عَلَى يَقِين مِنْ الْمَغْفِرَة , وَالْفَاجِر قَلِيل الْمَعْرِفَة بِاَللَّهِ فَلِذَلِكَ قَلَّ خَوْفه وَاسْتَهَانَ بِالْمَعْصِيَةِ. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : السَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّ قَلْب الْفَاجِر مُظْلِم فَوُقُوع الذَّنْب خَفِيف عِنْده , وَلِهَذَا تَجِد مَنْ يَقَع فِي الْمَعْصِيَة إِذَا وُعِظَ يَقُول هَذَا سَهْل , قَالَ : وَيُسْتَفَاد مِنْ الْحَدِيث أَنَّ قِلَّة خَوْف الْمُؤْمِن ذُنُوبه وَخِفَّته عَلَيْهِ يَدُلّ عَلَى فُجُوره , قَالَ : وَالْحِكْمَة فِي تَشْبِيهِ ذُنُوب الْفَاجِر بِالذُّبَابِ كَوْن الذُّبَاب أَخَفّ الطَّيْر وَأَحْقَره , وَهُوَ مِمَّا يُعَايَن وَيُدْفَع بِأَقَلّ الْأَشْيَاء , قَالَ : وَفِي ذِكْر الْأَنْف مُبَالَغَة فِي اِعْتِقَاده خِفَّة الذَّنْب عِنْده ; لِأَنَّ الذُّبَاب قَلَّمَا يَنْزِل عَلَى الْأَنْف وَإِنَّمَا يَقْصِد غَالِبًا الْعَيْن , قَالَ : وَفِي إِشَارَته بِيَدِهِ تَأْكِيد لِلْخِفَّةِ أَيْضًا لِأَنَّهُ بِهَذَا الْقَدْر الْيَسِير يُدْفَع ضَرَره , قَالَ : وَفِي الْحَدِيث ضَرْب الْمِثْل بِمَا يُمْكِن , وَإِرْشَاد إِلَى الْحَضّ عَلَى مُحَاسِبَة النَّفْس , وَاعْتِبَار الْعَلَامَات الدَّالَّة عَلَى بَقَاء نِعْمَة الْإِيمَان , وَفِيهِ أَنَّ الْفُجُور أَمْر قَلْبِيّ كَالْإِيمَانِ , وَفِيهِ دَلِيل لِأَهْلِ السُّنَّة لِأَنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ , وَرَدّ عَلَى الْخَوَارِج وَغَيْرهمْ مِمَّنْ يُكَفِّر بِالذُّنُوبِ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون الْمُؤْمِن عَظِيم الْخَوْف مِنْ اللَّه تَعَالَى مِنْ كُلّ ذَنْب صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ يُعَذِّب عَلَى الْقَلِيل فَإِنَّهُ لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل سُبْحَانه وَتَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَالَ : لَلَّه أَفْرَح بِتَوْبَةِ الْعَبْد مِنْ رَجُل نَزَلَ مَنْزِلًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الرَّبِيع الْمَذْكُورَة \" بِتَوْبَةِ عَبْده الْمُؤْمِن \" وَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة جَرِير , وَمِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" لَلَّه أَشَدّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْده الْمُؤْمِن \" وَكَذَا عِنْده مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَإِطْلَاق الْفَرَح فِي حَقّ اللَّه مَجَاز عَنْ رِضَاهُ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ اللَّه أَرْضَى بِالتَّوْبَةِ وَأَقْبَل لَهَا , وَالْفَرَح الَّذِي يَتَعَارَفهُ النَّاس بَيْنهمْ غَيْر جَائِز عَلَى اللَّه , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( كُلّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) أَيْ رَاضُونَ. وَقَالَ اِبْن فَوْرَك : الْفَرَح فِي اللُّغَة السُّرُور. وَيُطْلَق عَلَى الْبَطَر , وَمِنْهُ ( إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْفَرِحِينَ ) وَعَلَى الرِّضَا , فَإِنَّ كُلّ مَنْ يُسَرّ بِشَيْءٍ وَيَرْضَى بِهِ يُقَال فِي حَقّه فَرِحَ بِهِ. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : كُلّ صِفَة تَقْتَضِي التَّغَيُّر لَا يَجُوز أَنْ يُوصَف اللَّه بِحَقِيقَتِهَا , فَإِنْ وَرَدَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ حُمِلَ عَلَى مَعْنًى يَلِيق بِهِ , وَقَدْ يُعَبَّر عَنْ الشَّيْء بِسَبَبِهِ أَوْ ثَمَرَته الْحَاصِلَة عَنْهُ , فَإِنَّ مَنْ فَرِحَ بِشَيْءٍ جَادَ لِفَاعِلِهِ بِمَا سَأَلَ وَبَذَلَ لَهُ مَا طَلَبَ , فَعَبَّرَ عَنْ عَطَاء الْبَارِي وَوَاسِع كَرَمه بِالْفَرَحِ. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : كَنَّى عَنْ إِحْسَان اللَّه لِلتَّائِبِ وَتَجَاوُزه عَنْهُ بِالْفَرَحِ لِأَنَّ عَادَة الْمَلِك إِذَا فَرِحَ بِفِعْلِ أَحَد أَنْ يُبَالِغ فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : هَذَا مَثَل قُصِدَ بِهِ بَيَان سُرْعَة قَبُول اللَّه تَوْبَة عَبْده التَّائِب , وَأَنَّهُ يُقْبِل عَلَيْهِ بِمَغْفِرَتِهِ وَيُعَامِلهُ مُعَامَلَة مَنْ يَفْرَح بِعَمَلِهِ , وَوَجْه هَذَا الْمَثَل أَنَّ الْعَاصِي حَصَلَ بِسَبَبِ مَعْصِيَته فِي قَبْضَة الشَّيْطَان وَأَسْره وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاك , فَإِذَا لَطَفَ اللَّه بِهِ وَوَفَّقَهُ لِلتَّوْبَةِ خَرَجَ مِنْ شُؤْم تِلْكَ الْمَعْصِيَة وَتَخَلَّصَ مِنْ أَسْر الشَّيْطَان وَمَنْ الْمَهْلَكَة الَّتِي أَشْرَفَ عَلَيْهَا فَأَقْبَلَ اللَّه عَلَيْهِ بِمَغْفِرَتِهِ وَبِرَحْمَتِهِ , وَإِلَّا فَالْفَرَح الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَات الْمَخْلُوقِينَ مُحَال عَلَى اللَّه تَعَالَى لِأَنَّهُ اِهْتِزَاز وَطَرَب يَجِدهُ الشَّخْص مِنْ نَفْسه عِنْد ظَفَره بِغَرَضٍ يَسْتَكْمِل بِهِ نُقْصَانه وَيَسُدّ بِهِ خُلَّته , أَوْ يَدْفَع بِهِ عَنْ نَفْسه ضَرَرًا أَوْ نَقْصًا , وَكُلّ ذَلِكَ مُحَال عَلَى اللَّه تَعَالَى فَإِنَّهُ الْكَامِل بِذَاتِهِ الْغَنِيّ بِوُجُودِهِ الَّذِي لَا يَلْحَقهُ نَقَصَ وَلَا قُصُور , لَكِنْ هَذَا الْفَرَح لَهُ عِنْدنَا ثَمَرَة وَفَائِدَة وَهُوَ الْإِقْبَال عَلَى الشَّيْء الْمَفْرُوح بِهِ وَإِحْلَاله الْمَحَلّ الْأَعْلَى , وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَصِحّ فِي حَقّه تَعَالَى , فَعَبَّرَ عَنْ ثَمَرَة الْفَرَح بِالْفَرَحِ عَلَى طَرِيقَة الْعَرَب فِي تَسْمِيَة الشَّيْء بِاسْمِ مَا جَاوَرَهُ أَوْ كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ , وَهَذَا الْقَانُونَ جَارٍ فِي جَمِيع مَا أَطْلَقَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَى صِفَة مِنْ الصِّفَات الَّتِي لَا تَلِيق بِهِ , وَكَذَا مَا ثَبَتَ بِذَلِكَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( وَبِهِ مَهْلَكَة ) ‏ ‏كَذَا فِي الرِّوَايَات الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا مِنْ صَحِيح الْبُخَارِيّ بِوَاوٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ مُوَحَّدَة خَفِيفَة مَكْسُورَة ثُمَّ هَاء ضَمِير , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة أَبِي الرَّبِيع عَنْ أَبِي شِهَاب بِسَنَدِ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" بِدَوِّيَة \" بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَة وَدَال مَفْتُوحَة ثُمَّ وَاو ثَقِيلَة مَكْسُورَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة مَفْتُوحَة ثُمَّ هَاء تَأْنِيث , وَكَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات خَارِج الْبُخَارِيّ عِنْد مُسْلِم وَأَصْحَاب السُّنَن وَالْمَسَانِيد وَغَيْرهمْ , وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" فِي أَرْض دَوِّيَّة مَهْلَكَة \" وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَة مِنْ الْبُخَارِيّ \" وَبِيئَة \" وَزْن فَعِيلَة مِنْ الْوَبَاء وَلَمْ أَقِف أَنَا عَلَى ذَلِكَ فِي كَلَام غَيْره , وَيَلْزَم عَلَيْهِ أَنْ يَكُون وَصْف الْمُذَكَّر وَهُوَ الْمَنْزِل بِصِفَةِ الْمُؤَنَّث فِي قَوْله \" وَبِيئَة مَهْلَكَة \" وَهُوَ جَائِز عَلَى إِرَادَة الْبُقْعَة , وَالدَّوِّيَّة هِيَ الْقَفْر وَالْمَفَازَة , وَهِيَ الدَّاوِيَّة بِإِشْبَاعِ الدَّالّ , وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ وَجَمْعهَا دَاوِيّ قَالَ الشَّاعِر \" أَرْوَع خَرَاج مِنْ الدَّاوِيّ \". ‏ ‏قَوْله ( مَهْلَكَة ) بِفَتْحِ الْمِيم وَاللَّام بَيْنهمَا هَاء سَاكِنَة يَهْلِك مَنْ حَصَلَ بِهَا , وَفِي بَعْض النُّسَخ بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْر اللَّام مِنْ الرُّبَاعِيّ أَيْ تُهْلِك هِيَ مَنْ يَحْصُل بِهَا. ‏ ‏قَوْله ( عَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه ) ‏ ‏زَادَ أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش \" وَمَا يُصْلِحهُ \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله ( وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" فَأَضَلَّهَا فَخَرَجَ فِي طَلَبهَا \" وَفِي رِوَايَة جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عِنْد مُسْلِم \" فَطَلَبهَا \". ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى إِذَا اِشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرّ وَالْعَطَش أَوْ مَا شَاءَ اللَّه ) ‏ ‏شَكّ مِنْ أَبِي شِهَاب , وَاقْتَصَرَ جَرِير عَلَى ذِكْر الْعَطَش , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْمَوْت \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَرْجِع ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ قَطْع بِلَفْظِ الْمُتَكَلِّم. ‏ ‏قَوْله ( إِلَى مَكَانِي فَرَجَعَ فَنَامَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" أَرْجِع إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْت فِيهِ فَأَنَام حَتَّى أَمُوت فَوَضَعَ رَأْسه عَلَى سَاعِده لِيَمُوتَ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" أَرْجِع إِلَى مَكَانِي الَّذِي أَضْلَلْتهَا فِيهِ فَأَمُوت فِيهِ , فَرَجَعَ إِلَى مَكَانه فَغَلَبَتْهُ عَيْنه \". ‏ ‏قَوْله ( فَنَامَ نَوْمَة ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه فَإِذَا رَاحِلَته عِنْده ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْده رَاحِلَته عَلَيْهَا زَاده طَعَامه وَشَرَابه \" وَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَة فِي رِوَايَته \" وَمَا يُصْلِحهُ \". ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَة ) ‏ ‏هُوَ الْوَضَّاح , وَجَرِير هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد ‏ ‏( عَنْ الْأَعْمَش ) ‏ ‏فَأَمَّا مُتَابَعَة أَبِي عَوَانَة فَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن حَمَّاد عَنْهُ , وَأَمَّا مُتَابَعَة جَرِير فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَقَدْ ذَكَرْت اِخْتِلَاف لَفْظهَا. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ أَبُو أُسَامَة ) ‏ ‏هُوَ حَمَّاد بْن أُسَامَة ‏ ‏( حَدَّثَنَا الْأَعْمَش حَدَّثَنَا عُمَارَة حَدَّثَنَا الْحَارِث ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ اِبْن مَسْعُود بِالْحَدِيثَيْنِ , وَمُرَاده أَنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة وَافَقُوا أَبَا شِهَاب فِي إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث , إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَيْنِ عَنْعَنَاهُ , وَصَرَّحَ فِيهِ أَبُو أُسَامَة , وَرِوَايَة أَبِي أُسَامَة وَصَلَهَا مُسْلِم أَيْضًا وَقَالَ مِثْل حَدِيث جَرِير. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ شُعْبَة وَأَبُو مُسْلِم ) ‏ ‏زَادَ الْمُسْتَمْلِي فِي رِوَايَته عَنْ الْفَرَبْرِيّ \" اِسْمه عُبَيْد اللَّه \" أَيْ بِالتَّصْغِيرِ كُوفِيّ قَائِد الْأَعْمَش. قُلْت : وَاسْم أَبِيهِ سَعِيد بْن مُسْلِم كُوفِيّ ضَعَّفَهُ جَمَاعَة , لَكِنْ لَمَّا وَافَقَهُ شُعْبَة تَرَخَّصَ الْبُخَارِيّ فِي ذِكْره , وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي تَارِيخه وَقَالَ : فِي حَدِيثه نَظَر وَقَالَ الْعُقَيْلِيّ : يُكْتَب حَدِيثه وَيُنْظَر فِيهِ , وَمُرَاده أَنَّ شُعْبَة وَأَبَا مُسْلِم خَالَفَا أَبَا شِهَاب وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَسْمِيَة شَيْخ الْأَعْمَش فَقَالَ الْأَوَّلُونَ عُمَارَة , وَقَالَ هَذَانِ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ , وَقَدْ ذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ وَشُجَاع بْن الْوَلِيد وَقُطْبَة بْن عَبْد الْعَزِيز وَافَقُوا أَبَا شِهَاب عَلَى قَوْله عُمَارَة عَنْ الْحَارِث , ثُمَّ سَاقَ رِوَايَاتهمْ , وَطَرِيق قُطْبَة عِنْد مُسْلِم أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَة حَدَّثَنَا الْأَعْمَش عَنْ عُمَارَة عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَبْد اللَّه وَعَنْ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ عَنْ الْحَارِث بْن سُوَيْدٍ عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ أَبَا مُعَاوِيَة خَالَفَ الْجَمِيع فَجَعَلَ الْحَدِيث عِنْد الْأَعْمَش عَنْ عُمَارَة بْن عُمَيْر وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ جَمِيعًا , لَكِنَّهُ عِنْد عُمَارَة عَنْ الْأَسْوَد وَهُوَ اِبْن يَزِيد النَّخَعِيُّ , وَعِنْد إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ عَنْ الْحَارِث اِبْن سُوَيْدٍ , وَأَبُو شِهَاب وَمَنْ تَبِعَهُ جَعَلُوهُ عِنْد عُمَارَة عَنْ الْحَارِث بْن سُوَيْدٍ , وَرِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة لَمْ أَقِف عَلَيْهَا فِي شَيْء مِنْ السُّنَن وَالْمَسَانِيد عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ هَنَّاد بْن السَّرِيّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّد بْن عُبَيْد وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي هَمَّام وَمِنْ طَرِيق أَبِي كُرَيْب وَمِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن طَرِيف كُلّهمْ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة كَمَا قَالَ أَبُو شِهَاب وَمَنْ تَبِعَهُ , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَحْمَد بْن حَرْب الْمَوْصِلِيّ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة فَجَمَعَ بَيْن الْأَسْوَد وَالْحَارِث بْن سُوَيْدٍ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي كُرَيْب , وَلَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ , وَإِنَّمَا وَجَدْته عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ الْأَعْمَش كَذَلِكَ , وَفِي الْجُمْلَة فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عُمَارَة فِي شَيْخه هَلْ هُوَ الْحَارِث بْن سُوَيْدٍ أَوْ الْأَسْوَد , وَتَبَيَّنَ مِمَّا ذَكَرْته أَنَّهُ عِنْده عَنْهُمَا جَمِيعًا , وَاخْتُلِفَ عَلَى الْأَعْمَش فِي شَيْخه هَلْ هُوَ عُمَارَة أَوْ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيُّ , وَتَبَيَّنَ أَيْضًا أَنَّهُ عِنْده عَنْهُمَا جَمِيعًا , وَالرَّاجِح مِنْ الِاخْتِلَاف كُلّه مَا قَالَ أَبُو شِهَاب وَمَنْ تَبِعَهُ , وَلِذَلِكَ اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ مُسْلِم , وَصَدَّرَ بِهِ الْبُخَارِيّ كَلَامه فَأَخْرَجَهُ مَوْصُولًا , وَذَكَرَ الِاخْتِلَاف مُعَلَّقًا كَعَادَتِهِ فِي الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ مِثْل هَذَا الْخِلَاف لَيْسَ بِقَادِحٍ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ذَكَرَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث الْبَرَاء لِهَذَا الْحَدِيث الْمَرْفُوع سَبَبًا وَأَوَّله \" كَيْف تَقُولُونَ فِي رَجُل اِنْفَلَتَتْ مِنْهُ رَاحِلَته بِأَرْضٍ قَفْر لَيْسَ بِهَا طَعَام وَلَا شَرَاب وَعَلَيْهَا لَهُ طَعَام وَشَرَاب فَطَلَبَهَا حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِ \" فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مُخْتَصَرًا \" ذَكَرُوا الْفَرَح عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالرَّجُل يَجِد ضَالَّته فَقَالَ : لَلَّه أَشَدّ فَرَحًا \" الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "5834",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَبَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن مَنْصُور , فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ عَنْ إِسْحَاق اِبْن مَنْصُور عَنْ حِبَّان بْن هِلَال حَدِيثًا غَيْر هَذَا. قُلْت : وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع فِي \" بَاب الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ \" فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن شَبُّويَةَ \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن مَنْصُور حَدَّثَنَا حِبَّان بْن هِلَال \" فَذَكَرَ حَدِيثًا غَيْر هَذَا , وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي ظَنَّ أَبِي عَلِيّ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَحَبَّان بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة ثُمَّ الْمُوَحَّدَة الثَّقِيلَة , وَهَمَّام هُوَ اِبْن يَحْيَى , وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيّ فِي حَدِيثه فِي السَّنَد الْأَوَّل ثُمَّ عَلَّاهُ بِدَرَجَةٍ فِي السَّنَد الثَّانِي , وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي السَّنَد النَّازِل تَصْرِيح قَتَادَة بِتَحْدِيثِ أَنَس لَهُ , وَوَقَعَ فِي السَّنَد الْعَالِي بِالْعَنْعَنَةِ. ‏ ‏قَوْله ( سَقَطَ عَلَى بَعِيره ) ‏ ‏أَيْ صَادَفَهُ وَعَثَرَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْر قَصْد فَظَفِرَ بِهِ , وَمِنْهُ قَوْلهمْ \" عَلَى الْخَبِير سَقَطْت \" وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي رِوَايَة \" سَقَطَ إِلَى بَعِيره \" أَيْ اِنْتَهَى إِلَيْهِ وَالْأَوَّل أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله ( وَقَدْ أَضَلَّهُ ) ‏ ‏أَيْ ذَهَب مِنْهُ بِغَيْرِ قَصْده , قَالَ اِبْن السِّكِّيت : أَضْلَلْت بَعِيرِي أَيْ ذَهَب مِنِّي , وَضَلَلْت بَعِيرِي أَيْ لَمْ أَعْرِف مَوْضِعه. ‏ ‏قَوْله ( بِفَلَاةٍ ) ‏ ‏أَيْ مَفَازَة. إِلَى هُنَا اِنْتَهَتْ رِوَايَة قَتَادَة : وَزَادَ إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس فِيهِ عِنْد مُسْلِم \" فَانْفَلَتَ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه , فَأَيِس مِنْهَا , فَأَتَى شَجَرَة فَاضْطَجَعَ فِي ظِلّهَا , فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا بِهَا قَائِمَة عِنْده , فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّة الْفَرَح : اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبّك. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّة الْفَرَح \" قَالَ عِيَاض : فِيهِ أَنَّ مَا قَالَهُ الْإِنْسَان مِنْ مِثْل هَذَا فِي حَال دَهْشَته وَذُهُوله لَا يُؤَاخَذ بِهِ , وَكَذَا حِكَايَته عَنْهُ عَلَى طَرِيق عِلْمِيّ وَفَائِدَة شَرْعِيَّة لَا عَلَى الْهَزْل وَالْمُحَاكَاة وَالْعَبَث , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ حِكَايَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مُنْكَرًا مَا حَكَاهُ وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ اِبْن أَبِي حَمْزَة : وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود مِنْ الْفَوَائِد جَوَاز سَفَر الْمَرْء وَحْده لِأَنَّهُ لَا يَضْرِب الشَّارِع الْمَثَل إِلَّا بِمَا يَجُوز , وَيُحْمَل حَدِيث النَّهْي عَلَى الْكَرَاهَة جَمْعًا , وَيَظْهَر مِنْ هَذَا الْحَدِيث حِكْمَة النَّهْي. قُلْت : وَالْحَصْر الْأَوَّل مَرْدُود , وَهَذِهِ الْقِصَّة تُؤَكِّد النَّهْي. قَالَ : وَفِيهِ تَسْمِيَة الْمَفَازَة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مَا يُؤْكَل وَلَا يُشْرَب مَهْلَكَة. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ رَكَنَ إِلَى مَا سِوَى اللَّه يُقْطَع بِهِ أَحْوَج مَا يَكُون إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الرَّجُل مَا نَامَ فِي الْفَلَاة وَحْده إِلَّا رُكُونًا إِلَى مَا مَعَهُ مِنْ الزَّاد , فَلَمَّا اِعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ خَانَهُ , لَوْلَا أَنَّ اللَّه لَطَفَ بِهِ وَأَعَادَ عَلَيْهِ ضَالَّته قَالَ بَعْضهمْ : ‏ ‏مَنْ سَرَّهُ أَنْ لَا يَرَى مَا يَسُوؤُهُ ‏ ‏فَلَا يَتَّخِذ شَيْئًا يَخَاف لَهُ فَقْدًا ‏ ‏قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ فَرَح الْبَشَر وَغَمّهمْ إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا جَرَى بِهِ أَثَر الْحِكْمَة مِنْ الْعَوَائِد , يُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ حُزْن الْمَذْكُور إِنَّمَا كَانَ عَلَى ذَهَاب رَاحِلَته لِخَوْفِ الْمَوْت مِنْ أَجْل فَقْد زَاده , وَفَرَحه بِهَا إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْل وِجْدَانه مَا فَقَدَ مِمَّا تُنْسَب الْحَيَاة إِلَيْهِ فِي الْعَادَة , وَفِيهِ بَرَكَة الِاسْتِسْلَام لِأَمْرِ اللَّه ; لِأَنَّ الْمَذْكُور لَمَّا أَيِس مِنْ وِجْدَان رَاحِلَته اِسْتَسْلَمَ لِلْمَوْتِ فَمَنَّ اللَّه عَلَيْهِ بِرَدِّ ضَالَّته. وَفِيهِ ضَرْب الْمَثَل بِمَا يَصِل إِلَى الْأَفْهَام مِنْ الْأُمُور الْمَحْسُوسَة , وَالْإِرْشَاد إِلَى الْحَضّ عَلَى مُحَاسَبَة النَّفْس , وَاعْتِبَار الْعَلَامَات الدَّالَّة عَلَى بَقَاء نِعْمَة الْإِيمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "5835",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَجِيءَ الْمُؤَذِّنُ فَيُؤْذِنَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي اِضْطِجَاعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد رَكْعَتَيْ الْفَجْر , وَقَدْ مَضَى شَرْحه فِي كِتَاب الصَّلَاة , وَتَرْجَمَ لَهُ \" بَاب الضَّجْع عَلَى الشِّقّ الْأَيْمَن بَعْد رَكْعَتَيْ الْفَجْر \" قَالَ اِبْن التِّين : أَصْل اِضْطَجَعَ اِضْتَجَعَ بِمُثَنَّاةٍ فَأَبْدَلُوهَا طَاء , وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْقَاهَا وَلَمْ يُدْغِمُوا الضَّاد فِيهَا , وَحَكَى الْمَازِنِيّ الضَّجْع بِلَامٍ سَاكِنَة قَبْل الضَّاد كَرَاهَة لِلْجَمْعِ بَيْن الضَّاد وَالطَّاء فِي النُّطْق لِثِقَلِهِ فَجَعَلَ بَدَلهَا اللَّام. وَذَكَرَ الْمُصَنِّف هَذَا الْبَاب وَاَلَّذِي بَعْده تَوْطِئَة لِمَا يَذْكُر بَعْدهمَا مِنْ الْقَوْل عِنْد النَّوْم. ‏"
    },
    {
        "id": "5836",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مَنْصُورًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وَضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ وَقُلْ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ فَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ فَقُلْتُ أَسْتَذْكِرُهُنَّ وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ قَالَ لَا وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مُعْتَمَر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ , وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمَر. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة ) ‏ ‏كَذَا قَالَ الْأَكْثَر , وَخَالَفَهُمْ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان فَقَالَ \" عَنْ مَنْصُور عَنْ الْحَكَم عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة \" زَادَ فِي الْإِسْنَاد الْحَكَم أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَقَدْ سَأَلَ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْهُ أَبَاهُ فَقَالَ : هَذَا خَطَأ لَيْسَ فِيهِ الْحَكَم. قُلْت : فَهُوَ مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَأَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ , وَسَقَطَ لَفْظ \" لِي \" مِنْ رِوَايَة الْبَاقِينَ , وَفِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" أَمَرَ رَجُلًا \" وَفِي أُخْرَى لَهُ \" أَوْصَى رَجُلًا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْآتِيَة كِتَاب التَّوْحِيد عَنْ الْبَرَاء \" قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا فُلَان إِذَا أَوَيْت إِلَى فِرَاشك \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ أَلَا أُعَلِّمك كَلِمَات تَقُول إِذَا أَوَيْت إِلَى فِرَاشك \". ‏ ‏قَوْله ( إِذَا أَتَيْت مَضْجَعك ) ‏ ‏أَيْ إِذَا أَرَدْت أَنْ تَضْطَجِع , وَوَقَعَ صَرِيحًا كَذَلِكَ فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق الْمَذْكُورَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة فِطْر بْن خَلِيفَة عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ \" إِذَا أَوَيْت إِلَى فِرَاشك وَأَنْتَ طَاهِر فَتَوَسَّدْ يَمِينك \" الْحَدِيث نَحْو حَدِيث الْبَاب وَسَنَده جَيِّد , وَلَكِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاء حَدِيث آخَر سَأُشِيرُ إِلَيْهِ فِي شَرْح حَدِيث حُذَيْفَة الْآتِي فِي الْبَاب بَعْده , وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق الرَّبِيع بْن الْبَرَاء بْن عَازِب قَالَ قَالَ الْبَرَاء فَذَكَرَ الْحَدِيث بِلَفْظِ \" مَنْ تَكَلَّمَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَات حِين يَأْخُذ جَنْبه مِنْ مَضْجَعه بَعْد صَلَاة الْعِشَاء \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث الْبَاب. ‏ ‏قَوْله ( فَتَوَضَّأْ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ ) ‏ ‏الْأَمْر فِيهِ لِلنَّدَبِ. وَلَهُ فَوَائِد : مِنْهَا أَنْ يَبِيت عَلَى طَهَارَة لِئَلَّا يَبْغَتهُ الْمَوْت فَيَكُون عَلَى هَيْئَة كَامِلَة , وَيُؤْخَذ مِنْهُ النَّدْب إِلَى الِاسْتِعْدَاد لِلْمَوْتِ بِطَهَارَةِ الْقَلْب لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ طَهَارَة الْبَدَن. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق مُجَاهِد قَالَ \" قَالَ لِي اِبْن عَبَّاس : لَا تَبِيتَنَّ إِلَّا عَلَى وُضُوء , فَإِنَّ الْأَرْوَاح تُبْعَث عَلَى مَا قُبِضَتْ عَلَيْهِ \" وَرِجَاله ثِقَات إِلَّا أَبَا يَحْيَى الْقَتَّات هُوَ صَدُوق فِيهِ كَلَام. وَمِنْ طَرِيق أَبِي مراية الْعِجْلِيِّ قَالَ مَنْ أَوَى إِلَى فِرَاشه طَاهِرًا وَنَامَ ذَاكِرًا كَانَ فِرَاشه مَسْجِدًا وَكَانَ فِي صَلَاة وَذِكْر حَتَّى يَسْتَيْقِظ \" وَمِنْ طَرِيق طَاوُسٍ نَحْوه. وَيَتَأَكَّد ذَلِكَ فِي حَقّ الْمُحْدِث وَلَا سِيَّمَا الْجُنُب وَهُوَ أَنْشَط لِلْعَوْدِ , وَقَدْ يَكُون مُنَشِّطًا لِلْغُسْلِ فَيَبِيت عَلَى طَهَارَة كَامِلَة. وَمِنْهَا أَنْ يَكُون أَصْدَق لِرُؤْيَاهُ وَأَبْعَد مِنْ تَلَعُّب الشَّيْطَان بِهِ. قَالَ التِّرْمِذِيّ : لَيْسَ فِي الْأَحَادِيث ذِكْر الْوُضُوء عِنْد النَّوْم إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ اِضْطَجِعْ عَلَى شِقّك ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْقَاف أَيْ الْجَانِب , وَخَصَّ الْأَيْمَن لِفَوَائِد : مِنْهَا أَنَّهُ أَسْرَع إِلَى الِانْتِبَاه , وَمِنْهَا أَنَّ الْقَلْب مُتَعَلِّق إِلَى جِهَة الْيَمِين فَلَا يَثْقُل بِالنَّوْمِ , وَمِنْهَا قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : هَذِهِ الْهَيْئَة نَصَّ الْأَطِبَّاء عَلَى أَنَّهَا أَصْلَح لِلْبَدَنِ , قَالُوا يَبْدَأ بِالِاضْطِجَاعِ عَلَى الْجَانِب الْأَيْمَن سَاعَة ثُمَّ يَنْقَلِب إِلَى الْأَيْسَر لِأَنَّ الْأَوَّل سَبَب لِانْحِدَارِ الطَّعَام , وَالنَّوْم عَلَى الْيَسَار يَهْضِم لِاشْتِمَالِ الْكَبِد عَلَى الْمَعِدَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة سَعْد بْن عُبَيْدَة وَأَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْعَلَاء بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْبَرَاء مِنْ فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَفْظه كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشه نَامَ عَلَى شِقّه الْأَيْمَن ثُمَّ قَالَ \" الْحَدِيث فَيُسْتَفَاد مَشْرُوعِيَّة هَذَا الذِّكْر مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ فِعْله , وَوَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة حُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة عَنْ الْبَرَاء وَزَادَ فِي أَوَّله \" ثُمَّ قَالَ : بِسْمِ اللَّه اللَّهُمَّ أَسْلَمْت نَفْسِي إِلَيْك \" وَوَقَعَ عِنْد الْخَرَائِطِيّ فِي \" مَكَارِم الْأَخْلَاق \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْبَرَاء بِلَفْظِ \" كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشه قَالَ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَمَلِيكِي وَإِلَهِي لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ , إِلَيْك وَجَّهْت وَجْهِي \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( وَقُلْ : اللَّهُمَّ أَسْلَمْت وَجْهِي إِلَيْك ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَأَبِي زَيْد وَلِغَيْرِهِمَا \" أَسْلَمْت نَفْسِي \" قِيلَ الْوَجْه وَالنَّفْس هُنَا بِمَعْنَى الذَّات وَالشَّخْص , أَيْ أَسْلَمْت ذَاتِي وَشَخْصِي لَك , وَفِيهِ نَظَر لِلْجَمْعِ بَيْنهمَا فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء الْآتِيَة بَعْد بَاب وَلَفْظه أَسْلَمْت نَفْسِي إِلَيْك وَفَوَّضْت أَمْرِي إِلَيْك وَوَجَّهْت وَجْهِي إِلَيْك \" وَجَمَعَ بَيْنهمَا أَيْضًا فِي رِوَايَة الْعَلَاء بْن الْمُسَيِّب وَزَادَ خَصْلَة رَابِعَة وَلَفْظه \" أَسْلَمْت نَفْسِي إِلَيْك وَوَجَّهْت وَجْهِي إِلَيْك وَفَوَّضْت أَمْرِي وَأَلْجَأْت ظَهْرِي إِلَيْك \" فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِالنَّفْسِ هُنَا الذَّات وَبِالْوَجْهِ الْقَصْد , وَأَبْدَى الْقُرْطُبِيّ هَذَا اِحْتِمَالًا بَعْد جَزْمه بِالْأَوَّلِ. ‏ ‏قَوْله ( أَسْلَمْت ) أَيْ اِسْتَسْلَمْت وَانْقَدْت , وَالْمَعْنَى جَعَلْت نَفْسِي مُنْقَادَة لَك تَابِعَة لِحُكْمِك إِذْ لَا قُدْرَة لِي عَلَى تَدْبِيرهَا وَلَا عَلَى جَلْب مَا يَنْفَعهَا إِلَيْهَا وَلَا دَفْع مَا يَضُرّهَا عَنْهَا , ‏ ‏وَقَوْله \" وَفَوَّضْت أَمْرِي إِلَيْك \" ‏ ‏أَيْ تَوَكَّلْت عَلَيْك فِي أَمْرِي كُلّه ‏ ‏وَقَوْله \" وَأَلْجَأْت \" ‏ ‏أَيْ اِعْتَمَدْت فِي أُمُورِي عَلَيْك لِتُعِينَنِي عَلَى مَا يَنْفَعنِي ; لِأَنَّ مَنْ اِسْتَنَدَ إِلَى شَيْء تَقَوَّى بِهِ وَاسْتَعَانَ بِهِ , وَخَصَّهُ بِالظَّهْرِ لِأَنَّ الْعَادَة جَرَتْ أَنَّ الْإِنْسَان يَعْتَمِد بِظَهْرِهِ إِلَى مَا يَسْتَنِد إِلَيْهِ , ‏ ‏وَقَوْله \" رَغْبَة وَرَهْبَة إِلَيْك \" ‏ ‏أَيْ رَغْبَة فِي رَفْدك وَثَوَابك \" وَرَهْبَة \" أَيْ خَوْفًا مِنْ غَضَبك وَمِنْ عِقَابك. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : أَسْقَطَ \" مِنْ \" مَعَ ذِكْر الرَّهْبَة وَأَعْمَلَ \" إِلَى \" مَعَ ذِكْر الرَّغْبَة وَهُوَ عَلَى طَرِيق الِاكْتِفَاء كَقَوْلِ الشَّاعِر \" وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِب وَالْعَيُونَا \" وَالْعُيُون لَا تُزَجَّج , لَكِنْ لَمَّا جَمَعَهُمَا فِي نَظْم حَمَلَ أَحَدهمَا عَلَى الْآخَر فِي اللَّفْظ , وَكَذَا قَالَ الطِّيبِيُّ , وَمَثَّلَ بِقَوْلِهِ \" مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا \". قُلْت : وَلَكِنْ وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه بِإِثْبَاتِ \" مِنْ \" وَلَفْظه \" رَهْبَة مِنْك وَرَغْبَة إِلَيْك \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَحْمَد مِنْ طَرِيق حُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة. ‏ ‏قَوْله ( لَا مَلْجَأ وَلَا مَنْجَأ مِنْك إِلَّا إِلَيْك ) ‏ ‏أَصْل مَلْجَأ بِالْهَمْزِ وَمَنْجَى بِغَيْرِ هَمْز وَلَكِنْ لَمَّا جُمِعَا جَازَ أَنْ يُهْمَزَا لِلِازْدِوَاجِ , وَأَنْ يُتْرَك الْهَمْز فِيهِمَا , وَأَنْ يُهْمَز الْمَهْمُوز وَيُتْرَك الْآخَر , فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَوْجُه , وَيَجُوز التَّنْوِين مَعَ الْقَصْر فَتَصِير خَمْسَة. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَانِ اللَّفْظَانِ إِنْ كَانَا مَصْدَرَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فِي \" مِنْك \" وَإِنْ كَانَا ظَرْفَيْنِ فَلَا , إِذْ اِسْم الْمَكَان لَا يَعْمَل , وَتَقْدِيره لَا مَلْجَأ مِنْك إِلَى أَحَد إِلَّا إِلَيْك وَلَا مَنْجَى مِنْك إِلَّا إِلَيْك. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : فِي نَظْم هَذَا الذِّكْر عَجَائِب لَا يَعْرِفهَا إِلَّا الْمُتْقِن مِنْ أَهْل الْبَيَان , فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ \" أَسْلَمْت نَفْسِي \" إِلَى أَنَّ جَوَارِحه مُنْقَادَة لِلَّهِ تَعَالَى فِي أَوَامِره وَنَوَاهِيه , وَبِقَوْلِهِ \" وَجَّهْت وَجْهِي \" إِلَى أَنَّ ذَاته مُخْلِصَة لَهُ بَرِيئَة مِنْ النِّفَاق , وَبِقَوْلِهِ \" فَوَّضْت أَمْرِي \" إِلَى أَنَّ أُمُوره الْخَارِجَة وَالدَّاخِلَة مُفَوَّضَة إِلَيْهِ لَا مُدَبِّر لَهَا غَيْره , وَبِقَوْلِهِ \" أَلْجَأْت ظَهْرِي \" إِلَى أَنَّهُ بَعْد التَّفْوِيض يَلْتَجِئ إِلَيْهِ مِمَّا يَضُرّهُ وَيُؤْذِيه مِنْ الْأَسْبَاب كُلّهَا. قَالَ : وَقَوْله رَغْبَة وَرَهْبَة مَنْصُوبَانِ عَلَى الْمَفْعُول لَهُ عَلَى طَرِيق اللَّفّ وَالنَّشْر , أَيْ فَوَّضْت أُمُورِي إِلَيْك رَغْبَة وَأَلْجَأْت ظَهْرِي إِلَيْك رَهْبَة. ‏ ‏قَوْله ( آمَنْت بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِهِ الْقُرْآن , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد اِسْم الْجِنْس فَيَشْمَل كُلّ كِتَاب أُنْزِلَ. ‏ ‏قَوْله ( وَنَبِيّك الَّذِي أَرْسَلْت ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ \" أَرْسَلْته وَأَنْزَلْته \" فِي الْأَوَّل بِزِيَادَةِ الضَّمِير فِيهِمَا. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنْ مُتّ مُتّ عَلَى الْفِطْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْآتِيَة فِي التَّوْحِيد \" مِنْ لَيْلَتك \" وَفِي رِوَايَة الْمُسَيِّب بْن رَافِع \" مَنْ قَالَهُنَّ ثُمَّ مَاتَ تَحْت لَيْلَته \" قَالَ الطِّيبِيُّ : فِيهِ إِشَارَة إِلَى وُقُوع ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَنْسَلِخ النَّهَار مِنْ اللَّيْل وَهُوَ تَحْته , أَوْ الْمَعْنَى بِالتَّحْتِ أَيْ مُتّ تَحْت نَازِل يَنْزِل عَلَيْك فِي لَيْلَتك , وَكَذَا مَعْنَى \" مِنْ \" فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَيْ مِنْ أَجْل مَا يَحْدُث فِي لَيْلَتك , وَقَوْله \" عَلَى الْفِطْرَة \" أَيْ عَلَى الدِّين الْقَوِيم مِلَّة إِبْرَاهِيم , فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَسْلَمَ وَاسْتَسْلَمَ , قَالَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ ( جَاءَ رَبّه بِقَلْبٍ سَلِيم ) وَقَالَ عَنْهُ ( أَسْلَمْت لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) وَقَالَ ( فَلَمَّا أَسْلَمَا ) وَقَالَ اِبْن بَطَّال وَجَمَاعَة : الْمُرَاد بِالْفِطْرَةِ هُنَا دِين الْإِسْلَام , وَهُوَ بِمَعْنَى الْحَدِيث الْآخَر \" مَنْ كَانَ آخِر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : كَذَا قَالَ الشُّيُوخ وَفِيهِ نَظَر ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ قَائِل هَذِهِ الْكَلِمَات الْمُقْتَضِيَة لِلْمَعَانِي الَّتِي ذُكِرَتْ مِنْ التَّوْحِيد وَالتَّسْلِيم وَالرِّضَا إِلَى أَنْ يَمُوت كَمَنْ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مِمَّنْ لَمْ يَخْطُر لَهُ شَيْء مِنْ هَذِهِ الْأُمُور فَأَيْنَ فَائِدَة هَذِهِ الْكَلِمَات الْعَظِيمَة وَتِلْكَ الْمَقَامَات الشَّرِيفَة ؟ وَيُمْكِن أَنْ يَكُون الْجَوَاب أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَإِنْ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَة فَبَيْن الْفِطْرَتَيْنِ مَا بَيْن الْحَالَتَيْنِ , فَفِطْرَة الْأَوَّل فِطْرَة الْمُقَرَّبِينَ وَفِطْرَة الثَّانِي فِطْرَة أَصْحَاب الْيَمِين. قُلْت : وَقَعَ فِي رِوَايَة حُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة فِي آخِره عِنْد أَحْمَد بَدَل قَوْله : مَاتَ عَلَى الْفِطْرَة \" بُنِيَ لَهُ بَيْت فِي الْجَنَّة \" وَهُوَ يُؤَيِّد مَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيّ , وَوَقَعَ فِي آخِر الْحَدِيث فِي التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء \" وَإِنْ أَصْبَحْت أَصَبْت خَيْرًا \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" فَإِنْ أَصْبَحْت أَصْبَحْت وَقَدْ أَصَبْت خَيْرًا \" وَهُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق حُصَيْن عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة وَلَفْظه \" وَإِنْ أَصْبَحَ أَصَابَ خَيْرًا \" أَيْ صَلَاحًا فِي الْمَال وَزِيَادَة فِي الْأَعْمَال. ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَأَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ , وَلِغَيْرِهِمَا \" فَجَعَلْت أَسْتَذْكِرهُنَّ \" أَيْ أَتَحَفَّظهُنَّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ عَنْ مَنْصُور الْمَاضِيَة فِي آخِر كِتَاب الْوُضُوء \" فَرَدَدْتهَا \" أَيْ رَدَدْت تِلْكَ الْكَلِمَات لِأَحْفَظهُنَّ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة جَرِير عَنْ مَنْصُور \" فَرَدَّدْتُهُنَّ لِأَسْتَذْكِرهُنَّ \". ‏ ‏قَوْله ( وَبِرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْت , قَالَ : لَا. وَبِنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير عَنْ مَنْصُور \" فَقَالَ قُلْ وَبِنَبِيِّك \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ : هَذَا حُجَّة لِمَنْ لَمْ يُجِزْ نَقْل الْحَدِيث بِالْمَعْنَى , وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ مَذْهَب مَالِك , فَإِنَّ لَفْظ النُّبُوَّة وَالرِّسَالَة مُخْتَلِفَانِ فِي أَصْل الْوَضْع , فَإِنَّ النُّبُوَّة مِنْ النَّبَأ وَهُوَ الْخَبَر فَالنَّبِيّ فِي الْعُرْف هُوَ الْمُنَبَّأ مِنْ جِهَة اللَّه بِأَمْر يَقْتَضِي تَكْلِيفًا , وَإِنْ أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ إِلَى غَيْره فَهُوَ رَسُول , وَإِلَّا فَهُوَ نَبِيّ غَيْر رَسُول , وَعَلَى هَذَا فَكُلّ رَسُول نَبِيّ بِلَا عَكْس , فَإِنَّ النَّبِيّ وَالرَّسُول اِشْتَرَكَا فِي أَمْر عَامّ وَهُوَ النَّبَأ وَافْتَرَقَا فِي الرِّسَالَة , فَإِذَا قُلْت : فُلَان رَسُول تَضَمَّنَ أَنَّهُ نَبِيّ رَسُول , وَإِذَا قُلْت : فُلَان نَبِيّ لَمْ يَسْتَلْزِم أَنَّهُ رَسُول , فَأَرَادَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْمَع بَيْنهمَا فِي اللَّفْظ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِيهِ حَتَّى يُفْهَم مِنْ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِنْ حَيْثُ النُّطْق مَا وُضِعَ لَهُ وَلِيَخْرُج عَمَّا يَكُون شِبْه التَّكْرَار فِي اللَّفْظ مِنْ غَيْر فَائِدَة , فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ \" وَرَسُولك \" فَقَدْ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ , فَإِذَا قَالَ \" الَّذِي أَرْسَلْت \" صَارَ كَالْحَشْوِ الَّذِي لَا فَائِدَة فِيهِ , بِخِلَافِ قَوْله \" وَنَبِيّك الَّذِي أَرْسَلْت \" فَلَا تَكْرَار فِيهِ لَا مُتَحَقِّقًا وَلَا مُتَوَهَّمًا , اِنْتَهَى كَلَامه. وَقَوْله صَارَ كَالْحَشْوِ مُتَعَقَّبٌ لِثُبُوتِهِ فِي أَفْصَح الْكَلَام كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمه - إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ - هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُوله بِالْهُدَى ) وَمِنْ غَيْر هَذَا اللَّفْظ ( يَوْم يُنَادِي الْمُنَادِي ) إِلَى غَيْر ذَلِكَ , فَالْأَوْلَى حَذْف هَذَا الْكَلَام الْأَخِير , وَالِاقْتِصَار عَلَى قَوْله \" وَنَبِيّك الَّذِي أَرْسَلْت \" فِي هَذَا الْمَقَام أَفْيَد مِنْ قَوْله وَرَسُولك الَّذِي أَرْسَلْت لِمَا ذُكِرَ , وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْفَرْق بَيْن الرَّسُول وَالنَّبِيّ مُقَيَّد بِالرَّسُولِ الْبَشَرِيّ , وَإِلَّا فَإِطْلَاق الرَّسُول كَمَا فِي اللَّفْظ هُنَا يَتَنَاوَل الْمَلَك كَجِبْرِيل مَثَلًا فَيَظْهَر لِذَلِكَ فَائِدَة أُخْرَى وَهِيَ تَعَيُّن الْبَشَرِيّ دُون الْمَلَك فَيَخْلُص الْكَلَام مِنْ اللَّبْس. وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى مَنْع الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى فَفِيهِ نَظَر ; لِأَنَّ شَرْط الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى أَنْ يَتَّفِق اللَّفْظَانِ فِي الْمَعْنَى الْمَذْكُور , وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ النَّبِيّ وَالرَّسُول مُتَغَايِرَانِ لَفْظًا وَمَعْنًى فَلَا يَتِمّ الِاحْتِجَاج بِذَلِكَ. قِيلَ وَفِي الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيث لِمَنْعِ الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى مُطْلَقًا نَظَر , وَخُصُوصًا إِبْدَال الرَّسُول بِالنَّبِيِّ وَعَكْسه إِذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَة ; لِأَنَّ الذَّات الْمُحَدِّث عَنْهَا وَاحِدَة , فَالْمُرَاد يُفْهَم بِأَيِّ صِفَة وُصِفَ بِهَا الْمَوْصُوف إِذَا ثَبَتَتْ الصِّفَة لَهُ , وَهَذَا بِنَاء عَلَى أَنَّ السَّبَب فِي مَنْع الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يَسْتَجِيز ذَلِكَ قَدْ يُظَنّ يُوفِي بِمَعْنَى اللَّفْظ الْآخَر وَلَا يَكُون كَذَلِكَ فِي نَفْس الْأَمْر كَمَا عُهِدَ فِي كَثِير مِنْ الْأَحَادِيث , فَالِاحْتِيَاط الْإِتْيَان بِاللَّفْظِ , فَعَلَى هَذَا إِذَا تَحَقَّقَ بِالْقَطْعِ أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا مُتَّحِد لَمْ يَضُرّ , بِخِلَافِ مَا إِذَا اِقْتَصَرَ عَلَى الظَّنّ وَلَوْ كَانَ غَالِبًا. وَأَوْلَى مَا قِيلَ فِي الْحِكْمَة فِي رَدّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ قَالَ الرَّسُول بَدَل النَّبِيّ أَنَّ أَلْفَاظ الْأَذْكَار تَوْقِيفِيَّة , وَلَهَا خَصَائِص وَأَسْرَار لَا يَدْخُلهَا الْقِيَاس , فَتَجِب الْمُحَافَظَة عَلَى اللَّفْظ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ , وَهَذَا اِخْتِيَار الْمَازِرِيّ قَالَ : فَيُقْتَصَر فِيهِ عَلَى اللَّفْظ الْوَارِد بِحُرُوفِهِ. وَقَدْ يَتَعَلَّق الْجَزَاء بِتِلْكَ الْحُرُوف , وَلَعَلَّهُ أَوْحَى إِلَيْهِ بِهَذِهِ الْكَلِمَات فَيَتَعَيَّن أَدَاؤُهَا بِحُرُوفِهَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ : فِي الْحَدِيث ثَلَاث سُنَن إِحْدَاهَا الْوُضُوء عِنْد النَّوْم , وَإِنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا كَفَاهُ لِأَنَّ الْمَقْصُود النَّوْم عَلَى طَهَارَة. ثَانِيهَا النَّوْم عَلَى الْيَمِين. ثَالِثهَا الْخَتْم بِذِكْرِ اللَّه. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا الْحَدِيث يَشْتَمِل عَلَى الْإِيمَان بِكُلِّ مَا يَجِب الْإِيمَان بِهِ إِجْمَالًا مِنْ الْكُتُب وَالرُّسُل مِنْ الْإِلَهِيَّات وَالنَّبَوِيَّات , وَعَلَى إِسْنَاد الْكُلّ إِلَى اللَّه مِنْ الذَّوَات وَالصِّفَات وَالْأَفْعَال , لِذِكْرِ الْوَجْه وَالنَّفْس وَالْأَمْر وَإِسْنَاد الظَّهْر مَعَ مَا فِيهِ مِنْ التَّوَكُّل عَلَى اللَّه وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ , وَهَذَا كُلّه بِحَسَب الْمَعَاش , وَعَلَى الِاعْتِرَاف بِالثَّوَابِ وَالْعِقَاب خَيْرًا وَشَرًّا وَهَذَا بِحَسَب الْمَعَاد. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة فِي أَصْل الْحَدِيث \" آمَنَتْ بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت وَبِرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْت \" وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة الزِّيَادَة الَّتِي فِي آخِره فَرَوَى بِالْمَعْنَى , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء نَظِير مَا فِي رِوَايَة مَنْصُور عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق , وَفِي آخِره \" قَالَ الْبَرَاء : فَقُلْت وَبِرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْت , فَطَعَنَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي ثُمَّ قَالَ : وَنَبِيّك الَّذِي أَرْسَلْت. وَكَذَا أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق فِطْر بْن خَلِيفَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق وَلَفْظه \" فَوَضَعَ يَده فِي صَدْرِي \" نَعَمْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" إِذَا اِضْطَجَعَ أَحَدكُمْ عَلَى يَمِينه ثُمَّ قَالَ \" فَذَكَرَ نَحْو الْحَدِيث , وَفِي آخِره \" أُؤْمِن بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت وَبِرُسُلِك الَّذِي أَرْسَلْت \" هَكَذَا فِيهِ بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَقَالَ : حَسَن غَرِيب. فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَالسِّرّ فِيهِ حُصُول التَّعْمِيم الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَة الْجَمْع صَرِيحًا فَدَخَلَ فِيهِ جَمِيع الرُّسُل مِنْ الْمَلَائِكَة وَالْبَشَر فَأُمِنَ اللَّبْس , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( كُلّ آمَنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله ) وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5837",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ ‏ ‏بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا وَإِذَا قَامَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , وَعَبْد الْمَلِك هُوَ اِبْن عُمَيْر , وَثَبَتَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَأَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشه ) ‏ ‏أَيْ دَخَلَ فِيهِ , وَفِي الطَّرِيق الْآتِيَة قَرِيبًا \" إِذَا أَخَذَ مَضْجَعه \" وَأَوَى بِالْقَصْرِ. وَأَمَّا قَوْله \" الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي آوَانَا \" فَهُوَ بِالْمَدِّ وَيَجُوز فِيهِ الْقَصْر , وَالضَّابِط فِي هَذِهِ اللَّفْظَة أَنَّهَا مَعَ اللُّزُوم تُمَدّ فِي الْأَفْصَح وَيَجُوز الْقَصْر , وَفِي التَّعَدِّي بِالْعَكْسِ. ‏ ‏قَوْله ( بِاسْمِك أَمُوت وَأَحْيَا ) ‏ ‏أَيْ بِذِكْرِ اِسْمك أَحْيَا مَا حَيِيت وَعَلَيْهِ أَمُوت. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَوْله \" بِاسْمِك أَمُوت \" يَدُلّ عَلَى أَنَّ الِاسْم هُوَ الْمُسَمَّى , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( سَبِّحْ اِسْم رَبّك الْأَعْلَى ) أَيْ سَبِّحْ رَبّك , هَكَذَا قَالَ جُلّ الشَّارِحِينَ , قَالَ : وَاسْتَفَدْت مِنْ بَعْض الْمَشَايِخ مَعْنًى آخَر وَهُوَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى سَمَّى نَفْسه بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَمَعَانِيهَا ثَابِتَة لَهُ فَكُلّ مَا صَدَرَ فِي الْوُجُود فَهُوَ صَادِر عَنْ تِلْكَ الْمُقْتَضَيَات , فَكَأَنَّهُ قَالَ بِاسْمِك الْمُحْيِي أَحْيَا وَبِاسْمِك الْمُمِيت أَمُوت اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَالْمَعْنَى الَّذِي صَدَّرْت بِهِ أَلْيَق , وَعَلَيْهِ فَلَا يَدُلّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الِاسْم غَيْر الْمُسَمَّى وَلَا عَيْنه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَفْظ الِاسْم هُنَا زَائِدًا كَمَا فِي قَوْل الشَّاعِر : ‏ ‏إِلَى الْحَوْل ثُمَّ اِسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا ‏ ‏قَوْله ( وَإِذَا قَامَ قَالَ الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا ) ‏ ‏قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : النَّفْس الَّتِي تُفَارِق الْإِنْسَان عِنْد النَّوْم هِيَ الَّتِي لِلتَّمْيِيزِ , وَاَلَّتِي تُفَارِقهُ عِنْد الْمَوْت هِيَ الَّتِي لِلْحَيَاةِ وَهِيَ الَّتِي يَزُول مَعَهَا التَّنَفُّس , وَسُمِّيَ النَّوْم مَوْتًا لِأَنَّهُ يَزُول مَعَهُ الْعَقْل وَالْحَرَكَة تَمْثِيلًا وَتَشْبِيهًا قَالَهُ فِي النِّهَايَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْمَوْتِ هُنَا السُّكُون كَمَا قَالُوا مَاتَتْ الرِّيح أَيْ سَكَنَتْ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَطْلَقَ الْمَوْت عَلَى النَّائِم بِمَعْنَى إِرَادَة سُكُون حَرَكَته لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَهُوَ الَّذِي جَعَل لَكُمْ اللَّيْل لِتَسْكُنُوا فِيهِ ) قَالَهُ الطِّيبِيُّ : قَالَ : وَقَدْ يُسْتَعَار الْمَوْت لِلْأَحْوَالِ الشَّاقَّة كَالْفَقْرِ وَالذُّلّ وَالسُّؤَال وَالْهَرَم وَالْمَعْصِيَة وَالْجَهْل , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : \" النَّوْم وَالْمَوْت يَجْمَعهُمَا اِنْقِطَاع تَعَلُّق الرُّوح بِالْبَدَنِ \" وَذَلِكَ قَدْ يَكُون ظَاهِرًا وَهُوَ النَّوْم وَلِذَا قِيلَ النَّوْم أَخُو الْمَوْت , وَبَاطِنًا وَهُوَ الْمَوْت , فَإِطْلَاق الْمَوْت عَلَى النَّوْم يَكُون مَجَازًا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي اِنْقِطَاع تَعَلُّق الرُّوح بِالْبَدَنِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْحِكْمَة فِي إِطْلَاق الْمَوْت عَلَى النَّوْم أَنَّ اِنْتِفَاع الْإِنْسَان بِالْحَيَاةِ إِنَّمَا هُوَ لِتَحَرِّي رِضَا اللَّه عَنْهُ وَقَصْد طَاعَته وَاجْتِنَاب سَخَطه وَعِقَابه , فَمَنْ نَامَ زَالَ عَنْهُ هَذَا الِانْتِفَاع فَكَانَ كَالْمَيِّتِ فَحَمِدَ اللَّه تَعَالَى عَلَى هَذِهِ النِّعْمَة وَزَوَال ذَلِكَ الْمَانِع , قَالَ : وَهَذَا التَّأْوِيل مُوَافِق لِلْحَدِيثِ الْآخَر الَّذِي فِيهِ \" وَإِنْ أَرْسَلْتهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظ بِهِ عِبَادك الصَّالِحِينَ \" وَيَنْتَظِم مَعَهُ قَوْله \" وَإِلَيْهِ النُّشُور \" أَيْ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِع فِي نَيْل الثَّوَاب بِمَا يَكْتَسِب فِي الْحَيَاة. قُلْت : وَالْحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ سَيَأْتِي مَعَ شَرْحه قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله ( وَإِلَيْهِ النُّشُور ) ‏ ‏أَيْ الْبَعْث يَوْم الْقِيَامَة وَالْإِحْيَاء بَعْد الْإِمَاتَة , يُقَال نَشَرَ اللَّه الْمَوْتَى فَنُشِرُوا أَيْ أَحْيَاهُمْ فَحَيُوا. ‏ ‏قَوْله ( نَنْشُرهَا نُخْرِجهَا ) كَذَا ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ وَحْده , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس بِذَلِكَ وَذَكَرَهَا بِالزَّايِ مِنْ أَنْشَزَهُ إِذَا رَفَعَهُ بِتَدْرِيجٍ وَهِيَ قِرَاءَة الْكُوفِيِّينَ وَابْن عَامِر , وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نُجَيْح عَنْ مُجَاهِد قَالَ : نَنْشُرهَا أَيْ نُحْيِيهَا , وَذَكَرَهَا بِالرَّاءِ مِنْ أَنْشَرَهَا أَيْ أَحْيَاهَا وَمِنْهُ ( ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ) وَهِيَ قِرَاءَة أَهْل الْحِجَاز وَأَبِي عَمْرو قَالَ : وَالْقِرَاءَتَانِ مُتَقَارِبَتَانِ فِي الْمَعْنَى , وَقُرِئَ فِي الشَّاذّ بِفَتْحِ أَوَّله بِالرَّاءِ وَبِالزَّايِ أَيْضًا وَبِضَمِّ التَّحْتَانِيَّة مَعَهُمَا أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5838",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏وَمُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَرَ رَجُلًا ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْصَى رَجُلًا فَقَالَ ‏ ‏إِذَا أَرَدْتَ مَضْجَعَكَ فَقُلْ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَا وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ السَّبِيعِيّ ‏ ‏( سَمِعْت الْبَرَاء أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَجُلًا ح. وَحَدَّثَنَا آدَم حَدَّثَنَا شُعْبَة حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق الْهَمْدَانِيُّ عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" عَنْ أَبِي إِسْحَاق سَمِعْت الْبَرَاء \" وَالْأَوَّل أَصْوَب وَإِلَّا لَكَانَ مُوَافِقًا لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى مِنْ كُلّ جِهَة , وَلِأَحْمَد عَنْ عَفَّانَ عَنْ شُعْبَة \" أَمَرَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي الْبَاب قَبْله. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏الْأَوَّل لِشُعْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيث شَيْخ آخَر أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْهُ عَنْ مُهَاجِر أَبِي الْحَسَن عَنْ الْبَرَاء , وَغُنْدَر مِنْ أَثْبَت النَّاس فِي شُعْبَة وَلَكِنْ لَا يَقْدَح ذَلِكَ فِي رِوَايَة الْجَمَاعَة عَنْ شُعْبَة , فَكَأَنَّ لِشُعْبَةَ فِيهِ شَيْخَيْنِ الثَّانِي وَقَعَ فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق فِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ الْبَرَاء \" لَا مَلْجَأ وَلَا مَنْجَى مِنْك إِلَّا إِلَيْك \" وَهَذَا الْقَدْر مِنْ الْحَدِيث مُدْرَج لَمْ يَسْمَعهُ أَبُو إِسْحَاق مِنْ الْبَرَاء وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فِي غَيْر رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ إِسْرَائِيل عَنْ جَدّه أَبِي إِسْحَاق , وَهُوَ مِنْ أَثْبَت النَّاس فِيهِ , أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقه فَسَاقَ الْحَدِيث بِتَمَامِهِ ثُمَّ قَالَ. كَانَ أَبُو إِسْحَاق يَقُول \" لَا مَلْجَأ وَلَا مَنْجَى مِنْك إِلَّا إِلَيْك \" لَمْ أَسْمَع هَذَا مِنْ الْبَرَاء سَمِعْتهمْ يَذْكُرُونَهُ عَنْهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ هِلَال بْن يَسَاف عَنْ الْبَرَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "5839",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث حُذَيْفَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله وَفِيهِ \" وَضَعَ يَده تَحْت خَدّه \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَيْسَ فِيهِ ذِكْر الْيُمْنَى وَإِنَّمَا ذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَة شَرِيك وَمُحَمَّد بْن جَابِر عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر. قُلْت : جَرَى الْبُخَارِيّ عَلَى عَادَته فِي الْإِشَارَة إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث وَطَرِيق شَرِيك هَذِهِ أَخْرَجَهَا أَحْمَد مِنْ طَرِيقه , وَفِي الْبَاب عَنْ الْبَرَاء أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي خَيْثَمَةَ وَالثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْهُ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشه وَضَعَ يَده الْيُمْنَى تَحْت خَدّه الْأَيْمَن وَقَالَ : اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابك يَوْم تَبْعَث عِبَادك \" وَسَنَده صَحِيح. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ حَفْصَة وَزَادَ \" يَقُول ذَلِكَ ثَلَاثًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "5840",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ ‏ ‏وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ قَالَهُنَّ ثُمَّ مَاتَ تَحْتَ لَيْلَتِهِ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ ‏ { ‏اسْتَرْهَبُوهُمْ ‏} ‏مِنْ الرَّهْبَةِ مَلَكُوتٌ مُلْكٌ مَثَلُ رَهَبُوتٌ خَيْرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ تَقُولُ تَرْهَبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرْحَمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( الْعَلَاء بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَافِع الْكَاهِلِيّ وَيُقَال الثَّعْلَبِيّ بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة يُكَنَّى أَبَا الْعَلَاء , وَكَانَ مِنْ ثِقَات الْكُوفِيِّينَ , وَمَا لِوَلَدِهِ الْعَلَاء فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث وَآخَر تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة وَهُوَ ثِقَة , قَالَ الْحَاكِم : لَهُ أَوْهَام. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي \" مُسْتَخْرَج أَبِي نُعَيْم \" فِي هَذَا الْمَوْضِع مَا نَصّه \" اسْتَرْهِبُوهُمْ مِنْ الرَّهْبَة. مَلَكُوت مَلَك مِثْل رَهَبُوت وَرَحَمُوت , تَقُول : تُرْهِب خَيْر مِنْ أَنْ تَرْحَم \" اِنْتَهَى وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ هُنَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْله \" اِسْتَرْهِبُوهُمْ مِنْ الرَّهْبَة \" فِي تَفْسِير سُورَة الْأَعْرَاف وَبَاقِيه تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْأَنْعَام , وَتَكَلَّمْت عَلَيْهِ هُنَاكَ وَبَيَّنْت مَا وَقَعَ فِي سِيَاق أَبِي ذَرّ فِيهِ مِنْ تَغْيِير وَأَنَّ الصَّوَاب كَاَلَّذِي وَقَعَ هُنَا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5841",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بِتُّ عِنْدَ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَتَى حَاجَتَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ فَأَتَى ‏ ‏الْقِرْبَةَ ‏ ‏فَأَطْلَقَ ‏ ‏شِنَاقَهَا ‏ ‏ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ فَصَلَّى فَقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَتَّقِيهِ فَتَوَضَّأْتُ فَقَامَ ‏ ‏يُصَلِّي فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَتَتَامَّتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ فَآذَنَهُ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ ‏ ‏اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ يَسَارِي نُورًا وَفَوْقِي نُورًا وَتَحْتِي نُورًا وَأَمَامِي نُورًا وَخَلْفِي نُورًا وَاجْعَلْ لِي نُورًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُرَيْبٌ ‏ ‏وَسَبْعٌ فِي التَّابُوتِ فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ ‏ ‏الْعَبَّاسِ ‏ ‏فَحَدَّثَنِي بِهِنَّ فَذَكَرَ عَصَبِي وَلَحْمِي وَدَمِي وَشَعَرِي وَبَشَرِي وَذَكَرَ خَصْلَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , وَسَلَمَة هُوَ اِبْن كُهَيْل. ‏ ‏قَوْله ( بِتّ عِنْد مَيْمُونَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مَضْمُومًا إِلَى مَا فِي ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب فِي أَوَّل أَبْوَاب الْوِتْر دُون مَا فِي آخِره مِنْ الدُّعَاء فَأَحَلْت بِهِ عَلَى مَا هُنَا. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" فَغَسَلَ وَجْهه \" ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ \" غَسَلَ \" بِغَيْرِ فَاء. ‏ ‏وَقَوْله \" شِنَاقهَا \" ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف النُّون ثُمَّ قَاف هُوَ رِبَاط الْقِرْبَة يَشُدّ عُنُقهَا فَشُبِّهَ بِمَا يُشْنَق بِهِ , وَقِيلَ هُوَ مَا تُعَلَّق بِهِ , وَرَجَّحَ أَبُو عُبَيْد الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله ( وُضُوءًا بَيْن وُضُوءَيْنِ ) ‏ ‏قَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ \" لَمْ يُكْثِر وَقَدْ أَبْلَغَ \" وَهُوَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَلَّلَ مِنْ الْمَاء مَعَ التَّثْلِيث أَوْ اِقْتَصَرَ عَلَى دُون الثَّلَاث , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ سَلَمَة عِنْد مُسْلِم \" وُضُوءًا حَسَنًا \" وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق مَنْصُور بْن مُعْتَمِر عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عَنْ أَبِيهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" وَإِلَى جَانِبه مِخْضَب مِنْ بِرَامٍ مُطْبَق عَلَيْهِ سِوَاك فَاسْتَنَّ بِهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ \". ‏ ‏قَوْله ( أَتَّقِيه ) ‏ ‏بِمُثَنَّاةٍ ثَقِيلَة وَقَاف مَكْسُورَة كَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَطَائِفَة , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ أَرْتَقِبهُ. وَفِي رِوَايَة بِتَخْفِيفِ النُّون وَتَشْدِيد الْقَاف ثُمَّ مُوَحَّدَة مِنْ التَّنْقِيب وَهُوَ التَّفْتِيش. وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ \" أَبْغِيه \" بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُعْجَمَة مَكْسُورَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة أَيْ أَطْلُبهُ , وَلِلْأَكْثَرِ \" أَرْقُبهُ \" وَهِيَ أَوْجَه. ‏ ‏قَوْله ( فَتَتَامَّتْ ) ‏ ‏بِمُثَنَّاتَيْنِ أَيْ تَكَامَلَتْ , وَهِيَ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ سَلَمَة عِنْد مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله ( فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ , وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ وَكُنَّا نَعْرِفهُ إِذَا نَامَ بِنَفْخِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ دُعَاءَهُ حِينَئِذٍ كَانَ كَثِيرًا , وَكَانَ هَذَا مِنْ جُمْلَته , وَقَدْ ذَكَرَ فِي ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب قَوْله \" اللَّهُمَّ أَنْتَ نُور السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَخْ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ سَلَمَة \" فَكَانَ يَقُول فِي صَلَاته وَسُجُوده \" وَسَأَذْكُرُ أَنَّ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ زِيَادَة فِي هَذَا الدُّعَاء طَوِيلَة , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم أَيْضًا فِي رِوَايَة عَلِيّ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ الذِّكْر الْآتِي فِي الْحَدِيث الثَّانِي أَوَّل مَا قَامَ قَبْل أَنْ يَدْخُل فِي الصَّلَاة , وَقَالَ هَذَا الدُّعَاء الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث الْأَوَّل وَهُوَ ذَاهِب إِلَى صَلَاة الصُّبْح , فَأَفَادَ أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ فِي قِصَّة وَاحِدَة وَأَنَّ تَفْرِيقهمَا صَنِيع الرُّوَاة. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ الَّتِي سَيَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ حِين فَرَغَ مِنْ صَلَاته , وَوَقَعَ عِنْد الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْل يُصَلِّي فَقَضَى صَلَاته يُثْنِي عَلَى اللَّه بِمَا هُوَ أَهْله , ثُمَّ يَكُون آخِر كَلَامه اللَّهُمَّ اِجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا الْحَدِيث \" وَيُجْمَع بِأَنَّهُ كَانَ يَقُول ذَلِكَ عِنْد الْقُرْب مِنْ فَرَاغه. ‏ ‏قَوْله ( اللَّهُمَّ اِجْعَلْ فِي قَلْبِيّ نُورًا إِلَخْ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : التَّنْوِين فِيهَا لِلتَّعْظِيمِ أَيْ نُورًا عَظِيمًا كَذَا قَالَ , وَقَدْ اِقْتَصَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى ذِكْر الْقَلْب وَالسَّمْع وَالْبَصَر وَالْجِهَات السِّتّ وَقَالَ فِي آخِره \" وَاجْعَلْ لِي نُورًا \". وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَبْد اللَّه بْن هَاشِم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيٍّ بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب \" وَعَظِّمْ لِي نُورًا \" بِتَشْدِيدِ الظَّاء الْمُعْجَمَة. وَلَأَبَى يَعْلَى عَنْ أَبَى خَيْثَمَةَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن \" وَأَعْظِمْ لِي نُورًا \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة بُنْدَار عَنْ عَبْد الرَّحْمَن. وَكَذَا لِأَبِي عَوَانَة مِنْ رِوَايَة أَبِي حُذَيْفَة عَنْ سُفْيَان وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ سَلَمَة \" وَاجْعَلْ لِي نُورًا \" أَوْ قَالَ \" وَاجْعَلْنِي نُورًا \" هَذِهِ رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة , وَفِي رِوَايَة النَّضْر عَنْ شُعْبَة \" وَاجْعَلْنِي \" وَلَمْ يَشُكّ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الدُّعَاء مِنْ طَرِيق الْمِنْهَال بْن عَمْرو عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عَنْ أَبِيهِ فِي آخِره \" وَاجْعَلْ لِي يَوْم الْقِيَامَة نُورًا \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ كُرَيْب : وَسَبْع فِي التَّابُوت ) ‏ ‏قُلْت : حَاصِل مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة عَشَرَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عُقَيْل عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل \" فَدَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِسْعَ عَشْرَة كَلِمَة حَدَّثَنِيهَا كُرَيْب فَحَفِظْت مِنْهَا ثِنْتَيْ عَشْرَة وَنَسِيت مَا بَقِيَ \" فَذَكَرَ مَا فِي رِوَايَة الثَّوْرِيِّ هَذِهِ وَزَادَ \" وَفِي لِسَانِي نُورًا \" بَعْد قَوْله \" فِي قَلْبِي \" وَقَالَ فِي آخِره \" وَاجْعَلْ لِي فِي نَفْسِي نُورًا وَأَعْظِمْ لِي نُورًا \" وَهَاتَانِ ثِنْتَانِ مِنْ السَّبْع الَّتِي ذَكَرَ كُرَيْب أَنَّهَا فِي التَّابُوت مِمَّا حَدَّثَهُ بَعْض وَلَد الْعَبَّاس. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مُرَاده بِقَوْلِهِ التَّابُوت فَجَزَمَ الدِّمْيَاطِيّ فِي حَاشِيَته بِأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الصَّدْر الَّذِي هُوَ وِعَاء الْقَلْب , وَسَبَقَ اِبْن بَطَّال وَالدَّاوُدِيّ إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالتَّابُوتِ الصَّدْر , وَزَادَ اِبْن بَطَّال : كَمَا يُقَال لِمَنْ يَحْفَظ الْعِلْم : عِلْمه فِي التَّابُوت مُسْتَوْدَع , وَقَالَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ : الْمُرَاد بِالتَّابُوتِ الْأَضْلَاع وَمَا تَحْوِيه مِنْ الْقَلْب وَغَيْره تَشْبِيهًا بِالتَّابُوتِ الَّذِي يُحْرَز فِيهِ الْمَتَاع , يَعْنِي سَبْع كَلِمَات فِي قَلْبِي وَلَكِنْ نَسِيتهَا , قَالَ : وَقِيلَ الْمُرَاد سَبْعَة أَنْوَار كَانَتْ مَكْتُوبَة فِي التَّابُوت الَّذِي كَانَ لِبَنِي إِسْرَائِيل فِيهِ السَّكِينَة , وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ يُرِيد بِالتَّابُوتِ الصُّنْدُوق أَيْ سَبْع مَكْتُوبَة فِي صُنْدُوق عِنْده لَمْ يَحْفَظهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْت. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ عِنْد أَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق أَبِي حُذَيْفَة عَنْ الثَّوْرِيّ بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب \" قَالَ كُرَيْب وَسِتَّة عِنْدِي مَكْتُوبَات فِي التَّابُوت \" وَجَزَمَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" وَغَيْر وَاحِد بِأَنَّ الْمُرَاد بِالتَّابُوتِ الْجَسَد أَيْ أَنَّ السَّبْع الْمَذْكُورَة تَتَعَلَّق بِجَسَدِ الْإِنْسَان بِخِلَافِ أَكْثَر مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّق بِالْمَعَانِي كَالْجِهَاتِ السِّتّ وَإِنْ كَانَ السَّمْع وَالْبَصَر مِنْ الْجَسَد , وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّ مَعْنَى قَوْله \" فِي التَّابُوت \" أَيْ فِي صَحِيفَة فِي تَابُوت عِنْد بَعْض وَلَد الْعَبَّاس , قَالَ : وَالْخَصْلَتَانِ الْعَظْم وَالْمُخّ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَعَلَّهُمَا الشَّحْم وَالْعَظْم , كَذَا قَالَا وَفِيهِ نَظَر , سَأُوَضِّحُهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَلَقِيت رَجُلًا مِنْ وَلَد الْعَبَّاس ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : لَيْسَ كُرَيْب هُوَ الْقَائِل \" فَلَقِيت رَجُلًا مِنْ وَلَد الْعَبَّاس \" وَإِنَّمَا قَالَهُ سَلَمَة بْن كُهَيْل الرَّاوِي عَنْ كُرَيْب. قُلْت : هُوَ مُحْتَمَل , وَظَاهِر رِوَايَة أَبِي حُذَيْفَة أَنَّ الْقَائِل هُوَ كُرَيْب , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَقَدْ وَجَدْت الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عَنْ أَبِيهِ قَالَ فَذَكَرَ الْحَدِيث مُطَوَّلًا , وَظَهَرَتْ مِنْهُ مَعْرِفَة الْخَصْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ نَسِيَهُمَا فَإِنَّ فِيهِ \" اللَّهُمَّ اِجْعَلْ فِي عِظَامِي نُورًا وَفِي قَبْرِي نُورًا \". ‏ ‏قُلْت : بَلْ الْأَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِهِمَا اللِّسَان وَالنَّفْس وَهُمَا اللَّذَانِ زَادَهُمَا عُقَيْل فِي رِوَايَته عِنْد مُسْلِم وَهُمَا مِنْ جُمْلَة الْجَسَد , وَيَنْطَبِق عَلَيْهِ التَّأْوِيل الْأَخِير لِلتَّابُوتِ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" وَلَا يُنَافِيه مَا عَدَاهُ , وَالْحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه \" سَمِعْت نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة حِين فَرَغَ مِنْ صَلَاته يَقُول : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك رَحْمَة مِنْ عِنْدك \" فَسَاقَ الدُّعَاء بِطُولِهِ وَفِيهِ \" اللَّهُمَّ اِجْعَلْ لِي نُورًا فِي قَبْرِي \" ثُمَّ ذَكَرَ الْقَلْب ثُمَّ الْجِهَات السِّتّ وَالسَّمْع وَالْبَصَر ثُمَّ الشَّعْر وَالْبَشَر ثُمَّ اللَّحْم وَالدَّم وَالْعِظَام ثُمَّ قَالَ فِي آخِره \" اللَّهُمَّ عَظِّمْ لِي نُورًا وَأَعْطِنِي نُورًا وَاجْعَلْنِي نُورًا \" قَالَ التِّرْمِذِيّ غَرِيب. وَقَدْ رَوَى شُعْبَة وَسُفْيَان عَنْ سَلَمَة عَنْ كُرَيْب بَعْض هَذَا الْحَدِيث وَلَمْ يَذْكُرُوهُ بِطُولِهِ اِنْتَهَى. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عَنْ أَبِيهِ فِي آخِره \" وَزِدْنِي نُورًا. قَالَهَا ثَلَاثًا \" وَعِنْد اِبْن أَبِي عَاصِم فِي كِتَاب الدُّعَاء مِنْ طَرِيق عَبْد الْحَمِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ كُرَيْب فِي آخِر الْحَدِيث \" وَهَبْ لِي نُورًا عَلَى نُور \" وَيَجْتَمِع مِنْ اِخْتِلَاف الرِّوَايَات كَمَا قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ خَمْس وَعِشْرُونَ خَصْلَة. ‏ ‏قَوْله ( فَذَكَرَ عَصَبِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبَعْدهمَا مُوَحَّدَة قَالَ اِبْن التِّين هِيَ أَطْنَاب الْمَفَاصِل , ‏ ‏وَقَوْله \" وَبَشَرِي \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَالْمُعْجَمَة : ظَاهِر الْجَسَد. ‏ ‏قَوْله ( وَذَكَرَ خَصْلَتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ تَكْمِلَة السَّبْعَة , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذِهِ الْأَنْوَار الَّتِي دَعَا بِهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمْكِن حَمْلهَا عَلَى ظَاهِرهَا فَيَكُون سَأَلَ اللَّه تَعَالَى أَنْ يَجْعَل لَهُ فِي كُلّ عُضْو مِنْ أَعْضَائِهِ نُورًا يَسْتَضِيء بِهِ يَوْم الْقِيَامَة فِي تِلْكَ الظُّلَم هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ أَوْ مَنْ شَاءَ اللَّه مِنْهُمْ , قَالَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَال : هِيَ مُسْتَعَارَة لِلْعِلْمِ وَالْهِدَايَة كَمَا قَالَ تَعَالَى ( فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبّه ) وَقَوْله تَعَالَى ( وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس ) ثُمَّ قَالَ : وَالتَّحْقِيق فِي مَعْنَاهُ أَنَّ النُّور مُظْهِر مَا نُسِبَ إِلَيْهِ , وَهُوَ يَخْتَلِف بِحَسَبِهِ : فَنُور السَّمْع مُظْهِر لِلْمَسْمُوعَاتِ , وَنُور الْبَصَر كَاشِف لِلْمُبْصَرَاتِ , وَنُور الْقَلْب كَاشِف عَنْ الْمَعْلُومَات , وَنُور الْجَوَارِح مَا يَبْدُو عَلَيْهَا مِنْ أَعْمَال الطَّاعَات. قَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَى طَلَب النُّور لِلْأَعْضَاءِ عُضْوًا عُضْوًا أَنْ يَتَحَلَّى بِأَنْوَارِ الْمَعْرِفَة وَالطَّاعَات وَيَتَعَرَّى عَمَّا عَدَاهُمَا , فَإِنَّ الشَّيَاطِين تُحِيط بِالْجِهَاتِ السِّتّ بِالْوَسَاوِسِ فَكَانَ التَّخَلُّص مِنْهَا بِالْأَنْوَارِ السَّادَّة لِتِلْكَ الْجِهَات. قَالَ : وَكُلّ هَذِهِ الْأُمُور رَاجِعَة إِلَى الْهِدَايَة وَالْبَيَان وَضِيَاء الْحَقّ , وَإِلَى ذَلِكَ يُرْشِد قَوْله تَعَالَى ( اللَّه نُور السَّمَاوَات وَالْأَرْض - إِلَى قَوْله تَعَالَى - نُور عَلَى نُور , يَهْدِي اللَّه لِنُورِهِ مَنْ يَشَاء ) اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَكَانَ فِي بَعْض أَلْفَاظه مَا لَا يَلِيق بِالْمَقَامِ فَحَذَفْته. وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْضًا : خَصَّ السَّمْع وَالْبَصَر وَالْقَلْب بِلَفْظِ \" لِي \" لِأَنَّ الْقَلْب مَقَرّ الْفِكْرَة فِي آلَاء اللَّه , وَالسَّمْع وَالْبَصَر مَسَارِح آيَات اللَّه الْمَصُونَة , قَالَ : وَخَصَّ الْيَمِين وَالشِّمَال بِعَنْ إِيذَانًا بِتَجَاوُزِ الْأَنْوَار عَنْ قَلْبه وَسَمْعه وَبَصَره إِلَى مَنْ عَنْ يَمِينه وَشِمَاله مِنْ أَتْبَاعه , وَعَبَّرَ عَنْ بَقِيَّة الْجِهَات بِمَنْ يَشْمَل اِسْتِنَارَته وَإِنَارَته مِنْ اللَّه وَالْخَلْق. وَقَوْله فِي آخِره \" وَاجْعَلْ لِي نُورًا \" هِيَ فَذْلَكَة لِذَلِكَ وَتَأْكِيد لَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5842",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ حَقٌّ وَقَوْلُكَ حَقٌّ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ ‏ ‏وَمُحَمَّدٌ ‏ ‏حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَة. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْل يَتَهَجَّد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِل التَّهَجُّد , وَقَوْله فِي آخِره \" لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ أَوْ لَا إِلَه غَيْرك \" شَكّ مِنْ الرَّاوِي. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِلطَّبَرَانِيِّ فِي آخِره \" وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيّ الْعَظِيم \". ‏"
    },
    {
        "id": "5843",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهِمَا السَّلَام ‏ ‏شَكَتْ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنْ الرَّحَى فَأَتَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَسْأَلُهُ خَادِمًا فَلَمْ تَجِدْهُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ قَالَ فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْتُ أَقُومُ فَقَالَ مَكَانَكِ فَجَلَسَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي فَقَالَ ‏ ‏أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا أَوْ أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَكَبِّرَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَهَذَا خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏التَّسْبِيحُ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْحَكَم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُتَيْبَة بِمُثَنَّاةٍ وَمُوَحَّدَة مُصَغَّر فَقِيه الْكُوفَة. ‏ ‏وَقَوْله \" عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى \" ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏وَقَوْله \" عَنْ عَلِيّ \" ‏ ‏قَدْ وَقَعَ فِي النَّفَقَات \" عَنْ بَدَل بْن الْمُحَبَّر عَنْ شُعْبَة أَخْبَرَنِي الْحَكَم سَمِعْت عَبْد الرَّحْمَن اِبْن أَبِي لَيْلَى أَنْبَأَنَا عَلِيّ \". ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ فَاطِمَة شَكَتْ مَا تَلْقَى فِي يَدهَا مِنْ الرَّحَى ) ‏ ‏زَادَ بَدَل فِي رِوَايَته \" مِمَّا تَطْحَن \" وَفِي رِوَايَة الْقَاسِم مَوْلَى مُعَاوِيَة عَنْ عَلِيّ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" وَأَرَتْهُ أَثَرًا فِي يَدهَا مِنْ الرَّحَى \" وَفِي زَوَائِد عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي مُسْنَد أَبِيهِ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَة بْن عَمْرو عَنْ عَلِيّ \" اِشْتَكَتْ فَاطِمَة مَجْل يَدهَا \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْجِيم بَعْدهَا لَامَ مَعْنَاهُ التَّقْطِيع , وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : الْمُرَاد بِهِ غِلَظ الْيَد , وَكُلّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا بِكَفِّهِ فَغَلُظَ جِلْدهَا قِيلَ مَجَلَتْ كَفّه. وَعِنْد أَحْمَد مِنْ رِوَايَة هُبَيْرَة بْن يَرِيم عَنْ عَلِيّ \" قُلْت لِفَاطِمَة لَوْ أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتِيهِ خَادِمًا , فَقَدْ أَجْهَدَك الطَّحْن وَالْعَمَل \" وَعِنْده وَعِنْد اِبْن سَعْد مِنْ رِوَايَة عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا زَوَّجَهُ فَاطِمَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَقَالَ عَلِيّ لِفَاطِمَة ذَات يَوْم : وَاَللَّه لَقَدْ سَنَوْت حَتَّى اِشْتَكَيْت صَدْرِي , فَقَالَتْ : وَأَنَا وَاَللَّه لَقَدْ طَحَنْت حَتَّى مَجَلَتْ يَدَاي \" وَقَوْله \" سَنَوْت \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون أَيْ اِسْتَقَيْت مِنْ الْبِئْر فَكُنْت مَكَان السَّانِيَة وَهِيَ النَّاقَة , وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أَبِي الْوَرْد بْن ثُمَامَة عَنْ عَلِيّ بْن أَعْبُد عَنْ عَلِيّ قَالَ \" كَانَتْ عِنْدِي فَاطِمَة بِنْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَرَّتْ بِالرَّحَى حَتَّى أَثَّرَتْ بِيَدِهَا , وَاسْتَقَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَتْ فِي عُنُقهَا , وَقَمَّتْ الْبَيْت حَتَّى اِغْبَرَّتْ ثِيَابهَا \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" وَخَبَزَتْ حَتَّى تَغَيَّرَ وَجْههَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْأَلهُ خَادِمًا ) ‏ ‏أَيْ جَارِيَة تَخْدُمهَا , وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى الذَّكَر. وَفِي رِوَايَة السَّائِب \" وَقَدْ جَاءَ اللَّه أَبَاك بِسَبْيٍ , فَاذْهَبِي إِلَيْهِ فَاسْتَخْدِمِيهِ \" أَيْ اِسْأَلِيهِ خَادِمًا. وَزَادَ فِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ شُعْبَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي النَّفَقَات \" وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيق \" وَفِي رِوَايَة بَدَل \" وَبَلَغَهَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى بِسَبْيٍ \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ تَجِدهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْقَطَّان \" فَلَمْ تُصَادِفهُ \" وَفِي رِوَايَة بَدَل فَلَمْ تُوَافِقهُ وَهِيَ بِمَعْنَى تُصَادِفهُ , وَفِي رِوَايَة أَبِي الْوَرْد \" فَأَتَتْهُ فَوَجَدَتْ عِنْده حُدَّاثًا \" بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الدَّال وَبَعْد الْأَلِف مُثَلَّثَة أَيْ جَمَاعَة يَتَحَدَّثُونَ \" فَاسْتَحْيَتْ فَرَجَعَتْ \" فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهَا لَمْ تَجِدهُ فِي الْمَنْزِل بَلْ فِي مَكَان آخَر كَالْمَسْجِدِ وَعِنْده مَنْ يَتَحَدَّث مَعَهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَة , فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْقَطَّان \" أَخْبَرَتْهُ عَائِشَة \" زَادَ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة فِي الْمَنَاقِب \" بِمَجِيءِ فَاطِمَة \" وَفِي رِوَايَة بَدَل \" فَذَكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَة لَهُ \" وَفِي رِوَايَة مُجَاهِد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عِنْد جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ فِي \" الذِّكْر \" وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي \" الْعِلَل \" وَأَصْله فِي مُسْلِم \" حَتَّى أَتَتْ مَنْزِل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تُوَافِقهُ , فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ أُمّ سَلَمَة بَعْد أَنْ رَجَعَتْ فَاطِمَة \" وَيُجْمَع بِأَنَّ فَاطِمَة اِلْتَمَسَتْهُ فِي بَيْتَيْ أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ , وَقَدْ وَرَدَتْ الْقِصَّة مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة نَفْسهَا أَخْرَجَهَا الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبه مِنْ طَرِيق شَهْر بْن حَوْشَب عَنْهَا قَالَتْ \" جَاءَتْ فَاطِمَة إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشْكُو إِلَيْهِ الْخِدْمَة \" فَذَكَرَتْ الْحَدِيث مُخْتَصَرًا , وَفِي رِوَايَة السَّائِب \" فَأَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا جَاءَ بِك يَا بُنَيَّة ؟ قَالَتْ : جِئْت لِأُسَلِّم عَلَيْك , وَاسْتَحْيَتْ أَنْ تَسْأَلهُ وَرَجَعَتْ , فَقُلْت : مَا فَعَلْت ؟ قَالَتْ : اِسْتَحْيَيْت \". قُلْت : وَهَذَا مُخَالِف لِمَا فِي الصَّحِيح , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ تَكُون لَمْ تَذْكُر حَاجَتهَا أَوَّلًا عَلَى مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , ثُمَّ ذَكَرَتْهَا ثَانِيًا لِعَائِشَة لَمَّا لَمْ تَجِدهُ , ثُمَّ جَاءَتْ هِيَ وَعَلِيّ عَلَى مَا فِي رِوَايَة السَّائِب فَذَكَرَ بَعْض الرُّوَاة مَا لَمْ يَذْكُر بَعْض. وَقَدْ اِخْتَصَرَهُ بَعْضهمْ , فَفِي رِوَايَة مُجَاهِد الْمَاضِيَة فِي النَّفَقَات \" أَنَّ فَاطِمَة أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْأَلهُ خَادِمًا فَقَالَ : أَلَا أُخْبِرك مَا هُوَ خَيْر لَك مِنْهُ \" وَفِي رِوَايَة هُبَيْرَة \" فَقَالَتْ اِنْطَلِقْ مَعِي , فَانْطَلَقْت مَعَهَا فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ : أَلَا أَدُلّكُمَا \" الْحَدِيث. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ فَاطِمَة أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْأَلهُ خَادِمًا وَشَكَتْ الْعَمَل فَقَالَ : مَا أَلْفَيْته عِنْدنَا \" وَهُوَ بِالْفَاءِ أَيْ مَا وَجَدْته , وَيُحْمَل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد مَا وَجَدْته عِنْدنَا فَاضِلًا عَنْ حَاجَتنَا إِلَيْهِ لِمَا ذَكَرَ مِنْ إِنْفَاق أَثْمَان السَّبْي عَلَى أَهْل الصُّفَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعنَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة السَّائِب \" فَأَتَيْنَاهُ جَمِيعًا , فَقُلْت بِأَبِي يَا رَسُول اللَّه , وَاَللَّه لَقَدْ سَنَوْت حَتَّى اِشْتَكَيْت صَدْرِي. وَقَالَتْ فَاطِمَة : لَقَدْ طَحَنْت حَتَّى مَجَلَتْ يَدَاي , وَقَدْ جَاءَك اللَّه بِسَبْيٍ وَسَعَة فَأَخْدِمنَا فَقَالَ : وَاَللَّه لَا أُعْطِيكُمَا وَأَدَع أَهْل الصُّفَّة تُطْوَى بُطُونهمْ لَا أَجِد مَا أُنْفِق عَلَيْهِمْ , وَلَكِنِّي أَبِيعهُمْ وَأُنْفِق عَلَيْهِمْ أَثْمَانهمْ \" وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّف إِلَى هَذِهِ الزِّيَادَة فِي فَرْض الْخُمُس وَتَكَلَّمْت عَلَى شَرْحهَا هُنَاكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْدَة بْن عَمْرو عَنْ عَلِيّ عِنْد اِبْن حِبَّان مِنْ الزِّيَادَة \" فَأَتَانَا وَعَلَيْنَا قَطِيفَة إِذَا لَبِسْنَاهَا طُولًا خَرَجَتْ مِنْهَا جُنُوبنَا وَإِذَا لَبِسْنَاهَا عَرْضًا خَرَجَتْ مِنْهَا رُءُوسنَا وَأَقْدَامنَا \" وَفِي رِوَايَة السَّائِب \" فَرَجَعَا فَأَتَاهُمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ دَخَلَا فِي قَطِيفَة لَهُمَا إِذَا غَطَّيَا رُءُوسهمَا تَكَشَّفَتْ أَقْدَامهمَا , وَإِذَا غَطَّيَا أَقْدَامهمَا تَكَشَّفَتْ رُءُوسهمَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَذَهَبْت أَقُوم ) ‏ ‏وَافَقَهُ غُنْدَر , وَفِي رِوَايَة الْقَطَّان \" فَذَهَبْنَا نَقُوم \" وَفِي رِوَايَة بَدَل \" لِنَقُومَ \" وَفِي رِوَايَة السَّائِب \" فَقَامَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ مَكَانك ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة غُنْدَر \" مَكَانكُمَا \" وَهُوَ بِالنَّصْبِ أَيْ اِلْزَمَا مَكَانكُمَا , وَفِي رِوَايَة الْقَطَّان وَبَدَل \" فَقَالَ عَلَى مَكَانكُمَا \" أَيْ اِسْتَمِرَّا عَلَى مَا أَنْتُمَا عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَجَلَسَ بَيْننَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غُنْدَر \" فَقَعَدَ \" بَدَل جَلَسَ , وَفِي رِوَايَة الْقَطَّان \" فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنهَا \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى عِنْد النَّسَائِيِّ , \" أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى وَضَعْ قَدَمه بَيْنِي وَبَيْن فَاطِمَة. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى وَجَدْت بَرْد قَدَمَيْهِ ) ‏ ‏هَكَذَا هُنَا بِالتَّثْنِيَةِ وَكَذَا فِي رِوَايَة غُنْدَر وَعِنْد مُسْلِم أَيْضًا , وَفِي رِوَايَة الْقَطَّان بِالْإِفْرَادِ , وَفِي رِوَايَة بَدَل كَذَلِكَ بِالْإِفْرَادِ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ , وَفِي رِوَايَة لِلطَّبَرِيِّ \" فَسَخَّنْتُهُمَا \" وَفِي رِوَايَة عَطَاء عَنْ مُجَاهِد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عِنْد جَعْفَر فِي الذِّكْر وَأَصْله فِي مُسْلِم مِنْ الزِّيَادَة \" فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى مَنْزِل فَاطِمَة وَقَدْ دَخَلَتْ هِيَ وَعَلِيّ فِي اللِّحَاف فَلَمَّا اِسْتَأْذَنَ هَمَّا أَنْ يَلْبَسَا فَقَالَ : كَمَا أَنْتُمَا , إِنِّي أُخْبِرَتْ أَنَّك جِئْت تَطْلُبِينَ , فَمَا حَاجَتك ؟ قَالَتْ : بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْك خَدَم , فَأَحْبَبْت أَنْ تُعْطِينِي خَادِمًا يَكْفِينِي الْخُبْز وَالْعَجْن فَإِنَّهُ قَدْ شَقَّ عَلَيَّ , قَالَ : فَمَا جِئْت تَطْلُبِينَ أَحَبّ إِلَيْك أَوْ مَا هُوَ خَيْر مِنْهُ ؟ قَالَ عَلِيّ : فَغَمَزْتهَا فَقُلْت قُولِي مَا هُوَ خَيْر مِنْهُ أَحَبّ إِلَيَّ , قَالَ : فَإِذَا كُنْتُمَا عَلَى مِثْل حَالكُمَا الَّذِي أَنْتُمَا عَلَيْهِ فَذَكَرَ التَّسْبِيح. وَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن أَعْبُد \" فَجَلَسَ عِنْد رَأْسهَا فَأَدْخَلَتْ رَأْسهَا فِي اللِّفَاع حَيَاء مِنْ أَبِيهَا \" وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ أَوَّلًا , فَلَمَّا تَآنَسَتْ بِهِ دَخَلَ مَعَهُمَا فِي الْفِرَاش مُبَالَغَة مِنْهُ فِي التَّأْنِيس , وَزَادَ فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن أَعْبُد \" فَقَالَ مَا كَانَ حَاجَتك أَمْس ؟ فَسَكَتَتْ مَرَّتَيْنِ , فَقُلْت : أَنَا وَاَللَّه أُحَدِّثك يَا رَسُول اللَّه فَذَكَرْته لَهُ \" وَيُجْمَع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهَا أَوَّلًا اِسْتَحْيَتْ فَتَكَلَّمَ عَلِيّ عَنْهَا , فَأُنْشِطَتْ لِلْكَلَامِ فَأَكْمَلَتْ الْقِصَّة. وَاتَّفَقَ غَالِب الرُّوَاة عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَيْهِمَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شَبَث وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُثَلَّثَة اِبْن رِبْعِيّ عَنْ عَلِيّ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَجَعْفَر فِي الذِّكْر وَالسِّيَاق لَهُ \" قَدِمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْي , فَانْطَلَقَ عَلِيّ وَفَاطِمَة حَتَّى أَتَيَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا أَتَى بِكَمَا , قَالَ عَلِيّ : شَقَّ عَلَيْنَا الْعَمَل. فَقَالَ : أَلَا أَدُلّكُمَا \" وَفِي لَفْظ جَعْفَر \" فَقَالَ عَلِيّ لِفَاطِمَة : اِئْتِ أَبَاك فَاسْأَلِيهِ أَنْ يُخْدِمك , فَأَتَتْ أَبَاهَا حِين أَمْسَتْ فَقَالَ : مَا جَاءَ بِك يَا بُنَيَّة ؟ قَالَتْ : جِئْت أُسَلِّم عَلَيْك. وَاسْتَحْيَتْ. حَتَّى إِذَا كَانَتْ الْقَابِلَة قَالَ : اِئْتِ أَبَاك \" فَذَكَرَ مِثْله \" حَتَّى إِذَا كَانَتْ اللَّيْلَة الثَّالِثَة قَالَ لَهَا عَلِيّ : اِمْشِي فَخَرَجَا مَعًا \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" أَلَا أَدُلّكُمَا عَلَى خَيْر لَكُمَا مِنْ حُمْر النَّعَم \" وَفِي مُرْسَل عَلِيّ بْن الْحُسَيْن عِنْد جَعْفَر أَيْضًا \" إِنَّ فَاطِمَة أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْأَلهُ خَادِمًا وَبِيَدِهَا أَثَر الطَّحْن مِنْ قُطْب الرَّحَى , فَقَالَ : إِذَا أَوَيْت إِلَى فِرَاشك \" الْحَدِيث. فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون قِصَّة أُخْرَى. فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أُمّ الْحَكَم أَوْ ضُبَاعَة بِنْت الزُّبَيْر أَيْ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب قَالَتْ \" أَصَابَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيًا , فَذَهَبْت أَنَا وَأُخْتِي فَاطِمَة بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَشْكُو إِلَيْهِ مَا نَحْنُ فِيهِ , وَسَأَلْنَاهُ أَنْ يَأْمُر لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ السَّبْي فَقَالَ : سَبَقَكُنَّ يَتَامَى بَدْر \" فَذَكَرَ قِصَّة التَّسْبِيح إِثْر كُلّ صَلَاة وَلَمْ يَذْكُر قِصَّة التَّسْبِيح عِنْد النَّوْم , فَلَعَلَّهُ عَلَّمَ فَاطِمَة فِي كُلّ مَرَّة أَحَد الذِّكْرَيْنِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي تَهْذِيب الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي أُمَامَةَ عَنْ عَلِيّ فِي قِصَّة فَاطِمَة مِنْ الزِّيَادَة \" فَقَالَ اِصْبِرِي يَا فَاطِمَة , إِنَّ خَيْر النِّسَاء الَّتِي نَفَعَتْ أَهْلهَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَلَا أَدُلّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْر لَكُمَا مِنْ خَادِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة بَدَل \" خَيْر مِمَّا سَأَلْتُمَاهُ \" وَفِي رِوَايَة غُنْدَر \" مِمَّا سَأَلْتُمَانِي \" وَلِلْقَطَّانِ نَحْوه , وَفِي رِوَايَة السَّائِب \" أَلَا أُخْبِركُمَا بِخَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَانِي ؟ فَقَالَا : بَلَى. فَقَالَ : كَلِمَات عَلَّمَنِيهُنَّ جِبْرِيل \". ‏ ‏قَوْله ( إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشكُمَا أَوْ أَخَذْتُمَا مَضَاجِعكُمَا ) ‏ ‏هَذَا شَكّ مِنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب , وَكَذَا فِي رِوَايَة الْقَطَّان , وَجَزَمَ بَدَل وَغُنْدَر بِقَوْلِهِ \" إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعكُمَا \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة مُعَاذ عَنْ شُعْبَة \" إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعكُمَا مِنْ اللَّيْل \" وَجَزَمَ فِي رِوَايَة السَّائِب بِقَوْلِهِ \" إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشكُمَا \" وَزَادَ فِي رِوَايَة \" تُسَبِّحَانِ دُبُر كُلّ صَلَاة عَشْرًا وَتَحْمَدَانِ عَشْرًا وَتُكَبِّرَانِ عَشْرًا \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة ثَابِتَة فِي رِوَايَة عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ عِنْد أَصْحَاب السُّنَن الْأَرْبَعَة فِي حَدِيث أَوَّله \" خَصْلَتَانِ لَا يُحْصِيهِمَا عَبْد إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّة \" وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّان , وَفِيهِ ذِكْر مَا يُقَال عِنْد النَّوْم أَيْضًا. وَيُحْتَمَل إِنْ كَانَ حَدِيث السَّائِب عَنْ عَلِيّ مَحْفُوظًا أَنْ يَكُون عَلَى ذِكْر الْقِصَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَشَرْت إِلَيْهِمَا قَرِيبًا مَعًا. ثُمَّ وَجَدْت الْحَدِيث فِي \" تَهْذِيب الْآثَار \" لِلطَّبَرِيِّ فَسَاقَهُ مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَطَاء كَمَا ذَكَرْت , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ عَطَاء عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ عَلِيًّا وَفَاطِمَة إِذَا أَخَذَا مَضَاجِعهمَا بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيد وَالتَّكْبِير \" فَسَاقَ الْحَدِيث فَظَهَرَ أَنَّ الْحَدِيث فِي قِصَّة عَلِيّ وَفَاطِمَة , وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَذْكُرهُمَا مِنْ الرُّوَاة اِخْتَصَرَ الْحَدِيث , وَأَنَّ رِوَايَة السَّائِب إِنَّمَا هِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَأَنَّ قَوْل مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ عَلِيّ لَمْ يُرِدْ الرِّوَايَة عَنْ عَلِيّ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ عَنْ قِصَّة عَلِيّ وَفَاطِمَة كَمَا فِي نَظَائِره. ‏ ‏قَوْله ( فَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِصِيغَةِ الْأَمْر وَالْجَزْم بِأَرْبَعٍ فِي التَّكْبِير , وَفِي رِوَايَة بَدَل مِثْله وَلَفْظه \" فَكَبِّرَا اللَّه \" وَمِثْله لِلْقَطَّانِ لَكِنْ قَدَّمَ التَّسْبِيح وَأَخَّرَ التَّكْبِير وَلَمْ يَذْكُر الْجَلَالَة , وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى وَفِي رِوَايَة السَّائِب كِلَاهُمَا مِثْله , وَكَذَا فِي رِوَايَة هُبَيْرَة عَنْ عَلِيّ وَزَادَ فِي آخِره \" فَتِلْكَ مِائَة بِاللِّسَانِ وَأَلْف فِي الْمِيزَان \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة ثَبَتَتْ أَيْضًا فِي رِوَايَة هُبَيْرَة وَعُمَارَة بْن عَبْد مَعًا عَنْ عَلِيّ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ , وَفِي رِوَايَة السَّائِب كَمَا مَضَى , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم كَالْأَوَّلِ لَكِنْ قَالَ تُسَبِّحِينَ بِصِيغَةِ الْمُضَارِع , وَفِي رِوَايَة عُبَيْدَة بْن عَمْرو \" فَأَمَرَنَا عِنْد مَنَامنَا بِثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَع وَثَلَاثِينَ مِنْ تَسْبِيح وَتَحْمِيد وَتَكْبِير \" وَفِي رِوَايَة غُنْدَر لِلْكُشْمِيهَنِيِّ مِثْل الْأَوَّل , وَعَنْ غَيْر الْكُشْمِيهَنِيّ \" تُكَبِّرَانِ \" بِصِيغَةِ الْمُضَارِع وَثُبُوت النُّون , وَحُذِفَتْ فِي نُسْخَة وَهِيَ إِمَّا عَلَى أَنَّ إِذَا تَعْمَل عَمَل الشَّرْط وَإِمَّا حُذِفَتْ تَخْفِيفًا. وَفِي رِوَايَة مُجَاهِد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى فِي النَّفَقَات بِلَفْظِ \" تُسَبِّحِينَ اللَّه عِنْد مَنَامك \" وَقَالَ فِي الْجَمِيع \" ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ \" ثُمَّ قَالَ فِي آخِره قَالَ سُفْيَان رِوَايَة إِحْدَاهُنَّ أَرْبَع \" وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ عَنْ قُتَيْبَة عَنْ سُفْيَان \" لَا أَدْرِي أَيّهَا أَرْبَع وَثَلَاثُونَ \" وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ عَنْ عَلِيّ فِي الْجَمِيع \" ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ. وَاخْتِمَاهَا بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْحَنَفِيَّة عَنْ عَلِيّ \" وَكَبِّرَاهُ وَهَلِّلَاهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي مَرْيَم عَنْ عَلِيّ \" اِحْمَدَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ \" وَكَذَا لَهُ فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة , وَلَهُ مِنْ طَرِيق هُبَيْرَة أَنَّ التَّهْلِيل أَرْبَع وَثَلَاثُونَ وَلَمْ يَذْكُر التَّحْمِيد , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق هُبَيْرَة كَالْجَمَاعَةِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ شَاذّ , وَفِي رِوَايَة عَطَاء عَنْ مُجَاهِد عِنْد جَعْفَر وَأَصْله عِنْد مُسْلِم \" أَشُكّ أَيّهَا أَرْبَع وَثَلَاثُونَ غَيْر أَنِّي أَظُنّهُ التَّكْبِير \" وَزَادَ فِي آخِره \" قَالَ عَلِيّ فَمَا تَرَكْتهَا بَعْد فَقَالُوا لَهُ : وَلَا لَيْلَة صِفِّين ؟ فَقَالَ : وَلَا لَيْلَة صِفِّين \" وَفِي رِوَايَة الْقَاسِم مَوْلَى مُعَاوِيَة عَنْ عَلِيّ \" فَقِيلَ لِي \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو اِبْن مُرَّة \" فَقَالَ لَهُ رَجُل \" وَكَذَا فِي رِوَايَة هُبَيْرَة , وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَة مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى \" قُلْت وَلَا لَيْلَة صِفِّين \" وَفِي رِوَايَة جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ فِي الذِّكْر مِنْ هَذَا الْوَجْه \" قَالَ عَبْد الرَّحْمَن : قُلْت وَلَا لَيْلَة صِفِّين ؟ قَالَ : وَلَا لَيْلَة صِفِّين \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مطين فِي مُسْنَد عَلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة زُهَيْر اِبْن مُعَاوِيَة عَنْ أَبِي إِسْحَق \" حَدَّثَنِي هُبَيْرَة وَهَانِئ بْن هَانِئ وَعُمَارَة بْن عَبْد أَنَّهُمْ سَمِعُوا عَلِيًّا يَقُول \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِي آخِره \" فَقَالَ لَهُ رَجُل قَالَ زُهَيْر أَرَاهُ الْأَشْعَث بْن قَيْس : وَلَا لَيْلَة صِفِّين ؟ قَالَ : وَلَا لَيْلَة صِفِّين \" وَفِي رِوَايَة السَّائِب فَقَالَ لَهُ اِبْن الْكَوَّاء : وَلَا لَيْلَة صِفِّين ؟ فَقَالَ : قَاتَلَكُمْ اللَّه يَا أَهْل الْعِرَاق. نَعَمْ : وَلَا لَيْلَة صِفِّين , وَلِلْبَزَّارِ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب \" فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه بْن الْكَوَّاء \" وَالْكَوَّاء بِفَتْحِ الْكَاف وَتَشْدِيد الْوَاو مَعَ الْمَدّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب عَلِيّ لَكِنَّهُ كَانَ كَثِير التَّعَنُّت فِي السُّؤَال. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة عَنْ الْحَكَم بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب \" فَقَالَ اِبْن الْكَوَّاء : وَلَا لَيْلَة صِفِّين ؟ فَقَالَ : وَيْحك مَا أَكْثَر مَا تُعَنِّتنِي , لَقَدْ أَدْرَكْتهَا مِنْ السَّحَر \" وَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن أَعْبُد \" مَا تَرَكْتهنَّ مُنْذُ سَمِعْتهنَّ إِلَّا لَيْلَة صِفِّين فَإِنِّي ذَكَرْتهَا مِنْ آخِر اللَّيْل فَقُلْتهَا \" وَفِي رِوَايَة لَهُ وَهِيَ عِنْد جَعْفَر أَيْضًا فِي الذِّكْر \" إِلَّا لَيْلَة صِفِّين فَإِنِّي أُنْسِيتهَا حَتَّى ذَكَرْتهَا مِنْ آخِر اللَّيْل \" وَفِي رِوَايَة شَبَث بْن رِبْعِيّ مِثْله وَزَادَ \" فَقُلْتهَا \" وَلَا اِخْتِلَاف فَإِنَّهُ نَفَى أَنْ يَكُون قَالَهَا أَوَّل اللَّيْل وَأَثْبَتَ أَنَّهُ قَالَهَا فِي آخِره , وَأَمَّا الِاخْتِلَاف فِي تَسْمِيَة السَّائِل فَلَا يُؤَثِّر لِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى التَّعَدُّد بِدَلِيلِ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" فَقَالُوا \" وَفِي هَذِهِ تَعَقُّب عَلَى الْكَرْمَانِيّ حَيْثُ فَهِمَ مِنْ قَوْل عَلِيّ \" وَلَا لَيْلَة صِفِّين \" أَنَّهُ قَالَهَا مِنْ اللَّيْل فَقَالَ : مُرَاده أَنَّهُ لَمْ يَشْتَغِل مَعَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الشُّغْل بِالْحَرْبِ عَنْ قَوْل الذِّكْر الْمُشَار إِلَيْهِ , فَإِنَّ فِي قَوْل عَلِيّ \" فَأُنْسِيتهَا \" التَّصْرِيح بِأَنَّهُ نَسِيَهَا أَوَّل اللَّيْل وَقَالَهَا فِي آخِره. وَالْمُرَاد بِلَيْلَةِ صِفِّين الْحَرْب الَّتِي كَانَتْ بَيْن عَلِيّ وَمُعَاوِيَة بِصِفِّين , وَهِيَ بَلَد مَعْرُوف بَيْن الْعِرَاق وَالشَّام , وَأَقَامَ الْفَرِيقَانِ بِهَا عِدَّة أَشْهُر , وَكَانَتْ بَيْنهمْ وَقَعَات كَثِيرَة , لَكِنْ لَمْ يُقَاتِلُوا فِي اللَّيْل إِلَّا مَرَّة وَاحِدَة وَهِيَ لَيْلَة الْهَرِير بِوَزْنِ عَظِيم , سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا كَانَ الْفُرْسَان يَهِرُّونَ فِيهَا , وَقُتِلَ بَيْن الْفَرِيقَيْنِ تِلْكَ اللَّيْلَة عِدَّة آلَاف , وَأَصْبَحُوا وَقَدْ أَشْرَفَ عَلِيّ وَأَصْحَابه عَلَى النَّصْر فَرَفَعَ مُعَاوِيَة وَأَصْحَابه الْمَصَاحِف , فَكَانَ مَا كَانَ مِنْ الِاتِّفَاق عَلَى التَّحْكِيم وَانْصِرَاف كُلّ مِنْهُمْ إِلَى بِلَاده. وَاسْتَفَدْنَا مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَة أَنَّ تَحْدِيث عَلِيّ بِذَلِكَ كَانَ بَعْد وَقْعَة صِفِّين بِمُدَّةٍ , وَكَانَتْ صِفِّين سَنَة سَبْع وَثَلَاثِينَ , وَخَرَجَ الْخَوَارِج عَلَى عَلِيّ عَقِب التَّحْكِيم فِي أَوَّل سَنَة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَقَتَلَهُمْ بِالنَّهْرَوَانِ , وَكُلّ ذَلِكَ مَشْهُور مَبْسُوط فِي تَارِيخ الطَّبَرِيِّ وَغَيْره ‏ ‏( فَائِدَة ) : ‏ ‏زَادَ أَبُو هُرَيْرَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة مَعَ الذِّكْر الْمَأْثُور دُعَاء آخَر وَلَفْظه عِنْد الطَّبَرِيِّ فِي تَهْذِيبه مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْهُ \" جَاءَتْ فَاطِمَة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْأَلهُ خَادِمًا فَقَالَ : أَلَا أَدُلّك عَلَى مَا هُوَ خَيْر مِنْ خَادِم ؟ تُسَبِّحِينَ \" فَذَكَرَهُ وَزَادَ \" وَتَقُولِينَ : اللَّهُمَّ رَبّ السَّمَاوَات السَّبْع وَرَبّ الْعَرْش الْعَظِيم , رَبّنَا وَرَبّ كُلّ شَيْء , مُنْزِل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَالْفُرْقَان , أَعُوذ بِك مِنْ شَرّ كُلّ ذِي شَرّ , وَمِنْ شَرّ كُلّ دَابَّة أَنْتَ آخِذ بِنَاصِيَتِهَا , أَنْتَ الْأَوَّل فَلَيْسَ قَبْلك شَيْء , وَأَنْتَ الْآخِر فَلَيْسَ بَعْدك شَيْء , وَأَنْتَ الظَّاهِر فَلَيْسَ فَوْقك شَيْء , وَأَنْتَ الْبَاطِن فَلَيْسَ دُونك شَيْء , اِقْضِ عَنِّي الدَّيْن وَأَغْنِنِي مِنْ الْفَقْر \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ لَكِنْ فَرَّقَهُ حَدِيثَيْنِ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش لَكِنْ اِقْتَصَرَ عَلَى الذِّكْر الثَّانِي وَلَمْ يَذْكُر التَّسْبِيح وَمَا مَعَهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ شُعْبَة عَنْ خَالِد ) ‏ ‏هُوَ الْحَذَّاء ‏ ‏( عَنْ اِبْن سِيرِينَ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد ‏ ‏( قَالَ التَّسْبِيح أَرْبَع وَثَلَاثُونَ ) ‏ ‏هَذَا مَوْقُوف عَلَى اِبْن سِيرِينَ , وَهُوَ مَوْصُول بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب. وَظَنَّ بَعْضهمْ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ بِسَنَدِهِ إِلَى عَلِيّ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامه , وَذَلِكَ أَنَّ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيَّ وَابْن حِبَّان أَخْرَجُوا الْحَدِيث الْمَذْكُور مِنْ طَرِيق اِبْن عَوْن عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَة بْن عَمْرو عَنْ عَلِيّ , لَكِنْ الَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّهُ مِنْ قَوْل اِبْن سِيرِينَ مَوْقُوف عَلَيْهِ , إِذْ لَمْ يَتَعَرَّض الْمُصَنِّف لِطَرِيقِ اِبْن سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَة , وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَته عَنْ عُبَيْدَة تَعْيِين عَدَد التَّسْبِيح وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْقَاضِي يُوسُف فِي كِتَاب الذِّكْر عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِسَنَدِهِ هَذَا إِلَى اِبْن سِيرِينَ مِنْ قَوْله فَثَبَتَ مَا قُلْته وَلِلَّهِ الْحَمْد. وَوَقَعَ فِي مُرْسَل عُرْوَة عِنْد جَعْفَر أَنَّ التَّحْمِيد أَرْبَع , وَاتِّفَاق الرُّوَاة عَلَى أَنَّ الْأَرْبَع لِلتَّكْبِيرِ أَرْجَح , قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا نَوْع مِنْ الذِّكْر عِنْد النَّوْم , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول جَمِيع ذَلِكَ عِنْد النَّوْم وَأَشَارَ لِأُمَّتِهِ بِالِاكْتِفَاءِ بِبَعْضِهَا إِعْلَامًا مِنْهُ أَنَّ مَعْنَاهُ الْحَضّ وَالنَّدْب لَا الْوُجُوب. وَقَالَ عِيَاض : جَاءَتْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذْكَار عِنْد النَّوْم مُخْتَلِفَة بِحَسَبِ الْأَحْوَال وَالْأَشْخَاص وَالْأَوْقَات , وَفِي كُلّ فَضْل , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَفِي هَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِمَنْ فَضَّلَ الْفَقْر عَلَى الْغِنَى لِقَوْلِهِ \" أَلَا أَدُلّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْر لَكُمَا مِنْ خَادِم \" فَعَلَّمَهُمَا الذِّكْر , فَلَوْ كَانَ الْغِنَى أَفْضَل مِنْ الْفَقْر لَأَعْطَاهُمَا الْخَادِم وَعَلَّمَهُمَا الذِّكْر فَلَمَّا مَنَعَهُمَا الْخَادِم وَقَصَرَهُمَا عَلَى الذِّكْر عُلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا اِخْتَارَ لَهُمَا الْأَفْضَل عِنْد اللَّه. قُلْت : وَهَذَا إِنَّمَا يَتِمّ أَنْ لَوْ كَانَ عِنْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْخُدَّام فَضْلَة , وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْخَبَر أَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى بَيْع ذَلِكَ الرَّقِيق لِنَفَقَتِهِ عَلَى أَهْل الصِّفَة , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ عِيَاض : لَا وَجْه لِمَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفَقِير أَفْضَل مِنْ الْغَنِيّ , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْخَيْرِيَّة فِي الْخَبَر فَقَالَ عِيَاض : ظَاهِره أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمهُمَا أَنَّ عَمَل الْآخِرَة أَفْضَل مِنْ أُمُور الدُّنْيَا عَلَى كُلّ حَال , وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ لَمَّا لَمْ يُمْكِنهُ إِعْطَاء الْخَادِم , ثُمَّ عَلَّمَهُمَا إِذْ فَاتَهُمَا مَا طَلَبَاهُ ذِكْرًا يُحَصِّل لَهُمَا أَجْرًا أَفْضَل مِمَّا سَأَلَاهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّمَا أَحَالَهُمَا عَلَى الذِّكْر لِيَكُونَ عِوَضًا عَنْ الدُّعَاء عِنْد الْحَاجَة , أَوْ لِكَوْنِهِ أَحَبَّ لِابْنَتِهِ مَا أَحَبَّ لِنَفْسِهِ مِنْ إِيثَار الْفَقْر وَتَحَمُّل شِدَّته بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ تَعْظِيمًا لِأَجْرِهَا. وَقَالَ الْمُهَلَّب : عَلَّمَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْنَته مِنْ الذِّكْر مَا هُوَ أَكْثَر نَفْعًا لَهَا فِي الْآخِرَة , وَآثَرَ أَهْل الصُّفَّة لِأَنَّهُمْ كَانُوا وَقَفُوا أَنْفُسهمْ لِسَمَاعِ الْعِلْم وَضَبْط السُّنَّة عَلَى شِبَع بُطُونهمْ لَا يَرْغَبُونَ فِي كَسْب مَال وَلَا فِي عِيَال , وَلَكِنَّهُمْ اِشْتَرَوْا أَنْفُسهمْ مِنْ اللَّه بِالْقُوتِ. وَيُؤْخَذ مِنْهُ تَقْدِيم طَلَبَة الْعِلْم عَلَى غَيْرهمْ فِي الْخُمُس. وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَف الصَّالِح مِنْ شَظَف الْعَيْش وَقِلَّة الشَّيْء وَشِدَّة الْحَال. وَأَنَّ اللَّه حَمَاهُمْ الدُّنْيَا مَعَ إِمْكَان ذَلِكَ صِيَانَة لَهُمْ مِنْ تَبِعَاتهَا , وَتِلْكَ سُنَّة أَكْثَر الْأَنْبِيَاء وَالْأَوْلِيَاء. وَقَالَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي : فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَسِّم الْخُمُس حَيْثُ رَأَى ; لِأَنَّ السَّبْي لَا يَكُون إِلَّا مِنْ الْخُمُس , وَأَمَّا الْأَرْبَعَة أَخْمَاس فَهُوَ حَقّ الْغَانِمِينَ اِنْتَهَى. وَهُوَ قَوْل مَالِك وَجَمَاعَة , وَذَهَبَ الشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة إِلَى أَنَّ لِآلِ الْبَيْت سَهْمًا مِنْ الْخُمُس , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْط ذَلِكَ فِي فَرْض الْخُمُس فِي أَوَاخِر الْجِهَاد. ثُمَّ وَجَدْت فِي تَهْذِيب الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْه آخَر مَا لَعَلَّهُ يُعَكِّر عَلَيَّ ذَلِكَ , فَسَاقَ مِنْ طَرِيق أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ عَنْ عَلِيّ قَالَ \" أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَقِيق , أَهْدَاهُمْ لَهُ بَعْض مُلُوك الْأَعَاجِم , فَقُلْت لِفَاطِمَة : اِئْتِ أَبَاك فَاسْتَخْدِمِيهِ \" فَلَوْ صَحَّ هَذَا لَأَزَالَ الْإِشْكَال مِنْ أَصْله ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُون لِلْغَانِمِينَ فِيهِ شَيْء. وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مَال الْمَصَالِح يَصْرِفهُ الْإِمَام حَيْثُ يَرَاهُ. وَقَالَ الْمُهَلَّب : فِيهِ حَمْل الْإِنْسَان أَهْله عَلَى مَا يَحْمِل عَلَيْهِ نَفْسه مِنْ إِيثَار الْآخِرَة عَلَى الدُّنْيَا إِذَا كَانَتْ لَهُمْ قُدْرَة عَلَى ذَلِكَ. قَالَ : وَفِيهِ جَوَاز دُخُول الرَّجُل عَلَى اِبْنَته وَزَوْجهَا بِغَيْرِ اِسْتِئْذَان وَجُلُوسه بَيْنهمَا فِي فِرَاشهمَا , وَمُبَاشَرَة قَدَمَيْهِ بَعْض جَسَدهمَا. قُلْت : وَفِي قَوْله بِغَيْرِ اِسْتِئْذَان نَظَر ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّهُ اِسْتَأْذَنَ كَمَا قَدَّمْته مِنْ رِوَايَة عَطَاء عَنْ مُجَاهِد فِي الذِّكْر لِجَعْفَر , وَأَصْله عِنْد مُسْلِم , وَهُوَ فِي \" الْعِلَل \" لِلدَّارَقُطْنِيِّ أَيْضًا بِطُولِهِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبه مِنْ طَرِيق أَبِي مَرْيَم \" سَمِعْت عَلِيًّا يَقُول : إِنَّ فَاطِمَة كَانَتْ تَدُقّ الدَّرْمَك بَيْن حَجَرَيْنِ حَتَّى مَجَلَتْ يَدَاهَا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَفِيهِ \" فَأَتَانَا وَقَدْ دَخَلْنَا فِرَاشنَا فَلَمَّا اِسْتَأْذَنَ عَلَيْنَا تَخَشَّشْنَا لِنَلْبَس عَلَيْنَا ثِيَابنَا , فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ قَالَ : كَمَا أَنْتُمَا فِي لِحَافكُمَا \". وَدَفَعَ بَعْضهمْ الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور لِعِصْمَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَلْحَق بِهِ غَيْره مِمَّنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ. وَفِي الْحَدِيث مَنْقَبَة ظَاهِرَة لِعَلِيٍّ وَفَاطِمَة عَلَيْهِمَا السَّلَام. وَفِيهِ بَيَان إِظْهَار غَايَة التَّعَطُّف وَالشَّفَقَة عَلَى الْبِنْت وَالصِّهْر وَنِهَايَة الِاتِّحَاد بِرَفْعِ الْحِشْمَة وَالْحِجَاب حَيْثُ لَمْ يُزْعِجهُمَا عَنْ مَكَانهمَا فَتَرَكَهُمَا عَلَى حَالَة اِضْطِجَاعهمَا , وَبَالَغَ حَتَّى أَدْخَلَ رِجْله بَيْنهمَا وَمَكَثَ بَيْنهمَا حَتَّى عَلَّمَهُمَا مَا هُوَ الْأَوْلَى بِحَالِهِمَا مِنْ الذِّكْر عِوَضًا عَمَّا طَلَبَاهُ مِنْ الْخَادِم , فَهُوَ مِنْ بَاب تَلَقِّي الْمُخَاطَب بِغَيْرِ مَا يَطْلُب إِيذَانًا بِأَنَّ الْأَهَمّ مِنْ الْمَطْلُوب هُوَ التَّزَوُّد لِلْمَعَادِ وَالصَّبْر عَلَى مَشَاقّ الدُّنْيَا وَالتَّجَافِي عَنْ دَار الْغُرُور. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : فِيهِ دَلَالَة عَلَى مَكَانَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ خَصَّتْهَا فَاطِمَة بِالسِّفَارَةِ بَيْنهَا وَبَيْن أَبِيهَا دُون سَائِر الْأَزْوَاج. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنَّهَا لَمْ تُرِدْ التَّخْصِيص بَلْ الظَّاهِر أَنَّهَا قَصَدَتْ أَبَاهَا فِي يَوْم عَائِشَة فِي بَيْتهَا فَلَمَّا لَمْ تَجِدهُ ذَكَرَتْ حَاجَتهَا لِعَائِشَة , وَلَوْ اِتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ يَوْم غَيْرهَا مِنْ الْأَزْوَاج لَذَكَرْت لَهَا ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّ أُمّ سَلَمَة ذَكَرَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ أَيْضًا , فَيَحْتَمِل أَنَّ فَاطِمَة لَمَّا لَمْ تَجِدهُ فِي بَيْت عَائِشَة مَرَّتْ عَلَى بَيْت أُمّ سَلَمَة فَذَكَرَتْ لَهَا ذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَخْصِيص هَاتَيْنِ مِنْ الْأَزْوَاج لِكَوْنِ بَاقِيهنَّ كُنَّ حِزْبَيْنِ كُلّ حِزْب يَتْبَع وَاحِدَة مِنْ هَاتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ صَرِيحًا فِي كِتَاب الْهِبَة. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ وَاظَبَ عَلَى هَذَا الذِّكْر عِنْد النَّوْم لَمْ يُصِبْهُ إِعْيَاء لِأَنَّ فَاطِمَة شَكَتْ التَّعَب مِنْ الْعَمَل فَأَحَالَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ , كَذَا أَفَادَهُ اِبْن تَيْمِيَةَ , وَفِيهِ نَظَر وَلَا يَتَعَيَّن رَفْع التَّعَب بَلْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَنْ وَاظَبَ عَلَيْهِ لَا يَتَضَرَّر بِكَثْرَةِ الْعَمَل وَلَا يَشُقّ عَلَيْهِ وَلَوْ حَصَلَ لَهُ التَّعَب , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5844",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ نَفَثَ فِي يَدَيْهِ وَقَرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَمَسَحَ بِهِمَا جَسَدَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِرَاءَة الْمُعَوِّذَات , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الطِّبّ , وَبَيَّنْت اِخْتِلَاف الرُّوَاة فِي أَنَّهُ كَانَ يَقُول ذَلِكَ دَائِمًا أَوْ بِقَيْدِ الشَّكْوَى , وَأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهُ يُفِيد الْأَمْرَيْنِ مَعًا لِمَا فِي رِوَايَة عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشه كُلّ لَيْلَة \" وَبَيَّنْت فِيهِ أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُعَوِّذَاتِ الْإِخْلَاص وَالْفَلَق وَالنَّاس , وَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة عُقَيْل الْمَذْكُورَة وَأَنَّهَا تُعَيِّن أَحَد الِاحْتِمَالَات الْمَاضِي ذِكْرهَا ثَمَّةَ , وَفِيهَا كَيْفِيَّة مَسْح جَسَده بِيَدَيْهِ , وَقَدْ وَرَدَ فِي الْقِرَاءَة عِنْد النَّوْم عِدَّة أَحَادِيث صَحِيحَة : مِنْهَا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِرَاءَة آيَة الْكُرْسِيّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَة وَغَيْرهَا , وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود الْآيَتَانِ مِنْ آخِر سُورَة الْبَقَرَة وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَضَائِل الْقُرْآن , وَحَدِيث فَرْوَة بْن نَوْفَل عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِنَوْفَل اِقْرَأْ قُلْ يَا أَيّهَا الْكَافِرُونَ فِي كُلّ لَيْلَة وَنَمْ عَلَى خَاتِمَتهَا فَإِنَّهَا بَرَاءَة مِنْ الشِّرْك \" أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن الثَّلَاثَة وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم , وَحَدِيث الْعِرْبَاض بْن سَارِيَة \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأ الْمُسَبِّحَات قَبْل أَنْ يَرْقُد وَيَقُول فِيهِنَّ آيَة خَيْر مِنْ أَلْف آيَة \" أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَة , وَحَدِيث جَابِر رَفَعَهُ \" كَانَ لَا يَنَام حَتَّى يَقْرَأ الم تَنْزِيل وَتَبَارَكَ \" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَحَدِيث شَدَّاد بْن أَوْس رَفَعَهُ \" مَا مِنْ اِمْرِئِ مُسْلِم يَأْخُذ مَضْجَعه فَيَقْرَأ سُورَة مِنْ كِتَاب اللَّه إِلَّا بَعَثَ اللَّه مَلَكًا يَحْفَظهُ مِنْ كُلّ شَيْء يُؤْذِيه حَتَّى يَهُبّ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ , وَوَرَدَ فِي التَّعَوُّذ أَيْضًا عِدَّة أَحَادِيث : مِنْهَا حَدِيث أَبِي صَالِح عَنْ رَجُل مِنْ أَسْلَمَ رَفَعَهُ \" لَوْ قُلْت حِين أَمْسَيْت أَعُوذ بِكَلِمَاتِ اللَّه التَّامَّة مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرّك شَيْء \" وَفِيهِ قِصَّة. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم. وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرنَا إِذَا أَخَذَ أَحَدنَا مَضْجَعه أَنْ يَقُول : اللَّهُمَّ رَبّ السَّمَاوَات وَرَبّ الْأَرْض \" الْحَدِيث , وَفِي لَفْظ \" اللَّهُمَّ فَاطِر السَّمَاوَات وَالْأَرْض عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة رَبّ كُلّ شَيْء وَمَلِيكه أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ أَعُوذ بِك مِنْ شَرّ نَفْسِي وَمِنْ شَرّ الشَّيْطَان الرَّجِيم وَشِرْكه \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ , وَحَدِيث عَلِيٍّ رَفَعَهُ \" كَانَ يَقُول عِنْد مَضْجَعه : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِوَجْهِك الْكَرِيم وَكَلِمَاتك التَّامَّات مِنْ شَرّ كُلّ شَيْء أَنْتَ آخِذ بِنَاصِيَتِهِ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ , قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي حَدِيث عَائِشَة رَدّ عَلَى مَنْ مَنَعَ اِسْتِعْمَال الْعَوْذ وَالرُّقَى إِلَّا بَعْد وُقُوع الْمَرَض اِنْتَهَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ وَالْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الطِّبّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5845",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ ‏ ‏وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَبِشْرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏وَابْنُ عَجْلَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِغَيْرِ تَرْجَمَة , وَسَقَطَ لِبَعْضِهِمْ , وَعَلَيْهِ شَرْح اِبْن بَطَّال وَمَنْ تَبِعَهُ , وَالرَّاجِح إِثْبَاته. وَمُنَاسَبَته لِمَا قَبْله عُمُوم الذِّكْر عِنْد النَّوْم , وَعَلَى إِسْقَاطه , فَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَاب الَّذِي قَبْله لِأَنَّ فِي الْحَدِيث مَعْنَى التَّعْوِيذ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِلَفْظِهِ. ‏ ‏قَوْله ( زُهَيْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيُّ , وَعُبَيْد اللَّه بْن عُمَر هُوَ الْعُمَرِيّ , وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير وَشَيْخه تَابِعِيّ وَسَط وَأَبُوهُ تَابِعِيّ كَبِير , فَفِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا أَوَى ) ‏ ‏بِالْقَصْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه قَرِيبًا ‏ ‏قَوْله ( فَلْيَنْفُضْ فِرَاشه بِدَاخِلَةِ إِزَاره ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ \" بِدَاخِلِ \" بِلَا هَاء , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك الْآتِيَة فِي التَّوْحِيد \" بِصَنِفَة ثَوْبه \" وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْه آخَر , وَهِيَ بِفَتْحِ الصَّاد الْمُهْمَلَة وَكَسْر النُّون بَعْدهَا فَاءَ هِيَ الْحَاشِيَة الَّتِي تَلِي الْجِلْد , وَالْمُرَاد بِالدَّاخِلَةِ طَرَف الْإِزَار الَّذِي يَلِي الْجَسَد , قَالَ مَالِك : دَاخِلَة الْإِزَار مَا يَلِي دَاخِل الْجَسَد مِنْهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْدَةَ بْن سُلَيْمَان عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عِنْد مُسْلِم \" فَلْيَحُلَّ دَاخِلَة إِزَاره فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشه \" وَفِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان كَمَا سَيَأْتِي \" فَلْيَنْزِعْ \" وَقَالَ عِيَاض : دَاخِلَة الْإِزَار فِي هَذَا الْحَدِيث طَرَفه , وَدَاخِلَة الْإِزَار فِي حَدِيث الَّذِي أُصِيبَ بِالْعَيْنِ مَا يَلِيهَا مِنْ الْجَسَد , وَقِيلَ : كَنَّى بِهَا عَنْ الذَّكَر وَقِيلَ عَنْ الْوَرِك , وَحَكَى بَعْضهمْ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِره وَأَنَّهُ أَمَرَ بِغَسْلِ طَرَف ثَوْبه , وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : حِكْمَة هَذَا النَّفْض قَدْ ذُكِرَتْ فِي الْحَدِيث , وَأَمَّا اِخْتِصَاص النَّفْض بِدَاخِلَةِ الْإِزَار فَلَمْ يَظْهَر لَنَا , وَيَقَع لِي أَنَّ فِي ذَلِكَ خَاصِّيَّة طِبِّيَّة تَمْنَع مِنْ قُرْب بَعْض الْحَيَوَانَات كَمَا أُمِرَ بِذَلِكَ الْعَائِن , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه \" فَلْيَنْفُضْ بِهَا ثَلَاثًا \" فَحَذَا بِهَا حَذْو الرُّقَى فِي التَّكْرِير اِنْتَهَى. وَقَدْ أَبْدَى غَيْره حِكْمَة ذَلِكَ , وَأَشَارَ الدَّاوُدِيّ فِيمَا نَقَلَهُ اِبْن التِّين إِلَى أَنَّ الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّ الْإِزَار يُسْتَر بِالثِّيَابِ فَيَتَوَارَى بِمَا يَنَالهُ مِنْ الْوَسَخ , فَلَوْ نَالَ ذَلِكَ بِكُمِّهِ صَارَ غَيْر لَدِن الثَّوْب , وَاَللَّه يُحِبّ إِذَا عَمِلَ الْعَبْد عَمَلًا أَنْ يُحْسِنهُ. وَقَالَ صَاحِب النِّهَايَة : إِنَّمَا أَمَرَ بِدَاخِلَتِهِ دُون خَارِجَته لِأَنَّ الْمُؤْتَزِر يَأْخُذ طَرَفَيْ إِزَاره بِيَمِينِهِ وَشِمَاله وَيُلْصِق مَا بِشِمَالِهِ وَهُوَ الطَّرَف الدَّاخِلِيّ عَلَى جَسَده وَيَضَع مَا بِيَمِينِهِ فَوْق الْأُخْرَى , فَمَتَى عَاجَلَهُ أَمْر أَوْ خَشِيَ سُقُوط إِزَاره أَمْسَكَهُ بِشِمَالِهِ وَدَفَعَ عَنْ نَفْسه بِيَمِينِهِ , فَإِذَا صَارَ إِلَى فِرَاشه فَحَلَّ إِزَاره فَإِنَّهُ يَحِلّ بِيَمِينِهِ خَارِج الْإِزَار وَتَبْقَى الدَّاخِلَة مُعَلَّقَة وَبِهَا يَقَع النَّفْض. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : إِنَّمَا أَمَرَ بِالنَّفْضِ بِهَا لِأَنَّ الَّذِي يُرِيد النَّوْم يَحِلّ بِيَمِينِهِ خَارِج الْإِزَار وَتَبْقَى الدَّاخِلَة مُعَلَّقَة فَيَنْفُض بِهَا وَأَشَارَ الْكَرْمَانِيُّ إِلَى أَنَّ الْحِكْمَة فِيهِ أَنْ تَكُون يَده حِين النَّفْض مَسْتُورَة لِئَلَّا يَكُون هُنَاكَ شَيْء فَيَحْصُل فِي يَده مَا يَكْرَه اِنْتَهَى. وَهِيَ حِكْمَة النَّفْض بِطَرَفِ الثَّوْب دُون الْيَد لَا خُصُوص الدَّاخِلَة. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ اللَّام أَيْ حَدَثَ بَعْده فِيهِ , وَهِيَ رِوَايَة اِبْن عَجْلَان عِنْد التِّرْمِذِيّ , وَفِي رِوَايَة عَبْدَةَ \" فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَنْ خَلَفَهُ فِي فِرَاشه \" وَزَادَ فِي رِوَايَته \" ثُمَّ لِيَضْطَجِع عَلَى شِقّه الْأَيْمَن \" وَفِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان \" ثُمَّ لِيَتَوَسَّد بِيَمِينِهِ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" : \" وَلْيُسَمِّ اللَّه فَإِنَّهُ لَا يَعْلَم مَا خَلَفَهُ بَعْده عَلَى فِرَاشه \" أَيْ مَا صَارَ بَعْده خَلَفًا وَبَدَلًا عَنْهُ إِذَا غَابَ. قَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَاهُ لَا يَدْرِي مَا وَقَعَ فِي فِرَاشه بَعْدَمَا خَرَجَ مِنْهُ مِنْ تُرَاب أَوْ قَذَاة أَوْ هَوَامّ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يَقُول بِاسْمِك رَبِّي وَضَعْت جَنْبِي وَبِك أَرْفَعهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْدَةَ \" ثُمَّ لِيَقُلْ \" بِصِيغَةِ الْأَمْر وَفِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان \" اللَّهُمَّ بِاسْمِك \" وَفِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة \" ثُمَّ يَقُول سُبْحَانك رَبِّي وَضَعْت جَنْبِي \" ‏ ‏قَوْله ( إِنْ أَمْسَكْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان \" اللَّهُمَّ إِنْ أَمْسَكْت \" وَفِي رِوَايَة اِبْن عَجْلَان \" اللَّهُمَّ فَإِنْ أَمْسَكْت \" وَفِي رِوَايَة عَبْدَةَ \" فَإِنْ اِحْتَبَسْت \". ‏ ‏قَوْله ( فَارْحَمْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" فَاغْفِرْ لَهَا \" وَكَذَا فِي رِوَايَة اِبْن عَجْلَان عِنْد التِّرْمِذِيّ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْإِمْسَاك كِنَايَة عَنْ الْمَوْت , فَالرَّحْمَة أَوْ الْمَغْفِرَة تُنَاسِبهُ , وَالْإِرْسَال كِنَايَة عَنْ اِسْتِمْرَار الْبَقَاء وَالْحِفْظ يُنَاسِبهُ , قَالَ الطِّيبِيُّ : هَذَا الْحَدِيث مُوَافِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( اللَّه يَتَوَفَّى الْأَنْفُس حِين مَوْتهَا ) الْآيَة , قُلْت : وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِالْمَوْتِ وَالْحَيَاة فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث عَنْ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَجُلًا إِذَا أَخَذَ مَضْجَعه أَنْ يَقُول : اللَّهُمَّ أَنْتَ خَلَقْت نَفْسِي وَأَنْتَ تَتَوَفَّاهَا , لَك مَمَاتهَا وَمَحْيَاهَا إِنْ أَحْيَيْتهَا فَاحْفَظْهَا وَإِنْ أَمَتّهَا فَاغْفِرْ لَهَا \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان. ‏ ‏قَوْله ( بِمَا تَحْفَظ بِهِ عِبَادك الصَّالِحِينَ ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : هَذِهِ الْبَاء هِيَ مِثْل الْبَاء فِي قَوْلك كَتَبْت بِالْقَلَمِ وَمَا مُبْهَمَة , وَبَيَانهَا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ صِلَتهَا. وَزَادَ اِبْن عَجْلَان عِنْد التِّرْمِذِيّ فِي آخِره شَيْئًا لَمْ أَرَهُ عِنْد غَيْره وَهُوَ قَوْله \" وَإِذَا اِسْتَيْقَظَ فَلْيَقُلْ : الْحَمْد لِلَّهِ الذَّيّ عَافَانِي فِي جَسَدِي , وَرَدَّ إِلَيَّ رُوحِي \" وَهُوَ يُشِير إِلَى مَا ذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ. وَقَدْ نَقَلْت قَوْل الزَّجَّاج فِي ذَلِكَ فِي أَوَاخِر الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْبَرَاء فِيمَا مَضَى قَرِيبًا , وَكَذَلِكَ كَلَام الطِّيبِيِّ. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذَا الْحَدِيث أَدَب عَظِيم , وَقَدْ ذَكَرَ حِكْمَته فِي الْخَبَر وَهُوَ خَشْيَة أَنْ يَأْوِي إِلَى فِرَاشه بَعْض الْهَوَامّ الضَّارَّة فَتُؤْذِيه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ الْمَنَام أَنْ يَمْسَح فِرَاشه لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون فِيهِ شَيْء يَخْفَى مِنْ رُطُوبَة أَوْ غَيْرهَا. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هَذَا مِنْ الْحَذَر وَمِنْ النَّظَر فِي أَسْبَاب دَفْع سُوء الْقَدَر أَوْ هُوَ مِنْ الْحَدِيث الْآخَر \" اِعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ \". قُلْت : وَمِمَّا وَرَدَ مَا يُقَال عِنْد النَّوْم حَدِيث أَنَس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشه قَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا , فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِي لَهُ وَلَا مُؤْوِي \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالثَّلَاثَة , وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر نَحْوه وَزَادَ \" وَاَلَّذِي مَنَّ عَلَيَّ فَأَفْضَلَ , وَاَلَّذِي أَعْطَانِي فَأَجْزَلَ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث عَلِيّ \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول عِنْد مَضْجَعه : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِوَجْهِك الْكَرِيم وَكَلِمَاتك التَّامَّة مِنْ شَرّ مَا أَنْتَ آخِذ بِنَاصِيَتِهِ , اللَّهُمَّ أَنْتَ تَكْشِف الْمَأْثَم وَالْمَغْرَم , اللَّهُمَّ لَا يُهْزَم جُنْدك , وَلَا يُخْلَف وَعْدك وَلَا يَنْفَع ذَا الْجَدّ مِنْك الْجَدّ , سُبْحَانك وَبِحَمْدِك \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي الْأَزْهَر الْأَنْمَارِيّ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول إِذَا أَخَذَ مَضْجَعه مِنْ اللَّيْل : بِسْمِ اللَّه وَضَعْت جَنْبِي , اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي ذَنْبِي , وَأَخْسِئْ شَيْطَانِي , وَفُكَّ رِهَانِي وَاجْعَلْنِي فِي النِّدَاء الْأَعْلَى \" وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَالتِّرْمِذِيّ , وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد رَفَعَهُ \" مَنْ قَالَ حِين يَأْوِي إِلَى فِرَاشه : أَسْتَغْفِر اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ الْقَيُّوم وَأَتُوب إِلَيْهِ ثَلَاث مَرَّات غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبه وَإِنْ كَانَتْ مِثْل زَبَد الْبَحْر وَإِنْ كَانَتْ عَدَد رَمْل عَالِج , وَإِنْ كَانَتْ عَدَد أَيَّام الدُّنْيَا \" وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث حَفْصَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْقُد وَضَعَ يَده الْيُمْنَى تَحْت خَدّه ثُمَّ يَقُول : اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَك يَوْم تَبْعَث عِبَادك ثَلَاثًا \" وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث الْبَرَاء وَحَسَّنَهُ وَمِنْ حَدِيث حُذَيْفَة وَصَحَّحَهُ ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ أَبُو ضَمْرَة وَإِسْمَاعِيل بْن زَكَرِيَّا عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد , وَأَبُو ضَمْرَة هُوَ أَنَس بْن عِيَاض , وَمُرَاده أَنَّهُمَا تَابَعَا زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة فِي إِدْخَال الْوَاسِطَة بَيْن سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَة , فَأَمَّا مُتَابَعَة أَبِي ضَمْرَة فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَالْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَأَمَّا مُتَابَعَة إِسْمَاعِيل بْن زَكَرِيَّا فَوَصَلَهَا الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة عَنْ يُونُس بْن مُحَمَّد عَنْهُ , كَذَا رَأَيْته فِي شَرْح مُغَلْطَاي , وَكُنْت وَقَفْت عَلَيْهَا فِي \" الْأَوْسَط لِلطَّبَرَانِيِّ \" وَأَوْرَدْتهَا مِنْهُ فِي \" تَعْلِيق التَّعْلِيق \" ثُمَّ خَفِيَ عَلَيَّ مَكَانهَا الْآن. وَوَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" هُنَا وَعَبْدَة وَهُوَ اِبْن سُلَيْمَان وَلَمْ أَرَهَا لِغَيْرِهِ , فَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَة فَإِنَّهَا عِنْد مُسْلِم مَوْصُولَة. وَقَدْ ذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ الْأَكْثَر لَمْ يَقُولُوا فِي السَّنَد \" عَنْ أَبِيهِ \" وَأَنَّ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة وَعُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنْ أَخِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , ثُمَّ سَاقَهُ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ. وَهَذَا الشَّكّ لَا تَأْثِير لَهُ لِاتِّفَاقِ الْجَمَاعَة عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَخِي سَعِيد فِيهِ ذِكْر , وَاسْم أَخِي سَعِيد الْمَذْكُور عَبَّاد. وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ أَبَا بَدْر شُجَاع بْن الْوَلِيد وَالْحَسَن بْن صَالِح وَهُرَيْم وَهُوَ بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَة مُصَغَّر اِبْن سُفْيَان وَجَعْفَر بْن زِيَاد وَخَالِد بْن حُمَيْدٍ تَابَعُوا زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة فِي قَوْله فِيهِ \" عَنْ أَبِيهِ \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان ‏ ‏( وَبِشْر بْن الْمُفَضَّل عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ , وَأَمَّا رِوَايَة بِشْر بْن الْمُفَضَّل فَأَخْرَجَهَا مُسَدَّد فِي مُسْنَده الْكَبِير عَنْهُ , وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ هِشَام بْن حَسَّان وَمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان وَعَبْد اللَّه بْن كَثِير رَوَوْهُ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر كَذَلِكَ , وَكَذَا ذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر , وَالطَّبَرَانِيُّ أَنَّ مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان وَيَحْيَى اِبْن سَعِيد الْأُمَوِيّ وَأَبَا أُسَامَة رَوَوْهُ كُلّهمْ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر كَذَلِكَ , وَأَشَارَ الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ \" عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِلَى أَنَّ بَعْضهمْ رَوَاهُ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَوْقُوفًا , مِنْهُمْ هِشَام بْن حَسَّان وَالْحَمَّادَانِ وَابْن الْمُبَارَك وَبِشْر بْن الْمُفَضَّل ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ , قُلْت : فَلَعَلَّهُ اُخْتُلِفَ عَلَى بِشْر فِي وَقْفه وَرَفْعه , وَكَذَا عَلَى هِشَام اِبْن حَسَّان. وَرِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك وَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مَوْقُوفَة. ‏ ‏قَوْله ( وَرَوَاهُ مَالِك وَابْن عَجْلَان عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة مَالِك فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي كِتَاب التَّوْحِيد عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه الْأُوَيْسِيّ عَنْهُ , وَقَصَّرَ مُغَلْطَاي فَعَزَاهَا لِتَخْرِيجِ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي غَرَائِب مَالِك مَعَ وُجُودهَا فِي الصَّحِيح الَّذِي شَرَحَهُ , وَتَبِعَهُ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّف فِي التَّوْحِيد أَكْثَر هَذِهِ التَّعَالِيق الْمَذْكُورَة هُنَا أَيْضًا عَقِب رِوَايَة مَالِك , وَلَمَّا ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ حَدِيث مَالِك الْمَذْكُور قَالَ : هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا أَعْلَم أَسْنَدَهُ عَنْ مَالِك إِلَّا الْأُوَيْسِيّ , وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان عَنْ مَالِك عَنْ سَعِيد مُرْسَلًا. وَأَمَّا رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَجْلَان فَوَصَلَهَا أَحْمَد عَنْهُ , وَوَصَلَهَا أَيْضًا التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاء مِنْ طُرُق عَنْهُ , وَقَدْ ذَكَرْت الزِّيَادَة الَّتِي عِنْد التِّرْمِذِيّ فِيهِ قَبْل. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ عَبَّرَ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ \" تَابَعَهُ \" ثُمَّ بِقَوْلِهِ \" وَقَالَ \" لِأَنَّهُمَا لِلتَّحَمُّلِ , وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ \" رَوَاهُ \" لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَل عِنْد الْمُذَاكَرَة. قُلْت : وَهَذَا لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ , لِمَا بَيَّنْت أَنَّهُ وَصَلَ رِوَايَة مَالِك فِي كِتَاب التَّوْحِيد بِصِيغَةِ التَّحَمُّل وَهِيَ \" حَدَّثَنَا \" لَا بِصِيغَةِ الْمُذَاكَرَة كَقَالَ وَرَوَى , إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ لِلْمُذَاكَرَةِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5846",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ ‏ ‏وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ ‏ ‏مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَتَنَزَّل رَبّنَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ هُنَا بِوَزْنِ يَتَفَعَّل مُشَدَّدًا , وَلِلنَّسَفِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ \" يَنْزِل \" بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه وَكَسْر الزَّاي. ‏ ‏قَوْله ( حِين يَبْقَى ثُلُث اللَّيْل ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : تَرْجَمَ بِنِصْفِ اللَّيْل وَسَاقَ فِي الْحَدِيث أَنَّ التَّنَزُّل يَقَع ثُلُث اللَّيْل , لَكِنَّ الْمُصَنِّف عَوَّلَ عَلَى مَا فِي الْآيَة وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ( قُمْ اللَّيْل إِلَّا قَلِيلًا نِصْفه أَوْ اُنْقُصْ مِنْهُ ) فَأَخَذَ التَّرْجَمَة مِنْ دَلِيل الْقُرْآن , وَذِكْر النِّصْف فِيهِ يَدُلّ عَلَى تَأْكِيد الْمُحَافَظَة عَلَى وَقْت التَّنَزُّل قَبْل دُخُوله لِيَأْتِيَ وَقْت الْإِجَابَة وَالْعَبْد مُرْتَقِب لَهُ مُسْتَعِدّ لِلِقَائِهِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَفْظ الْخَبَر \" حِين يَبْقَى ثُلُث اللَّيْل \" وَذَلِكَ يَقَع فِي النِّصْف الثَّانِي اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الْبُخَارِيّ جَرَى عَلَى عَادَته فَأَشَارَ إِلَى الرِّوَايَة الَّتِي وَرَدَتْ بِلَفْظِ النِّصْف , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ مُحَمَّد بْن عُمَر , وَعَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" يَنْزِل اللَّه إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا نِصْف اللَّيْل الْأَخِير أَوْ ثُلُث اللَّيْل الْآخِر \" وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَاب الرُّؤْيَا مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه الْعُمَرِيّ عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْوه , وَمِنْ طَرِيق حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت عَنْ الْأَغَرّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" شَطْر اللَّيْل \" مِنْ غَيْر تُرَدَّد , وَسَأَسْتَوْعِبُ أَلْفَاظه فِي التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَالَ أَيْضًا : النُّزُول مُحَال عَلَى اللَّه لِأَنَّ حَقِيقَته الْحَرَكَة مِنْ جِهَة الْعُلُوّ إِلَى السُّفْل , وَقَدْ دَلَّتْ الْبَرَاهِين الْقَاطِعَة عَلَى تَنْزِيهه عَلَى ذَلِكَ فَلْيُتَأَوَّلْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَاد نُزُول مَلَك الرَّحْمَة وَنَحْوه أَوْ يُفَوَّض مَعَ اِعْتِقَاد التَّنْزِيه , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث فِي الصَّلَاة فِي \" بَاب الدُّعَاء فِي الصَّلَاة مِنْ آخِر اللَّيْل \" مِنْ أَبْوَاب التَّهَجُّد , وَيَأْتِي مَا بَقِيَ مِنْهُ فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5847",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا دَخَلَ ‏ ‏الْخَلَاءَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ‏ ‏الْخُبُثِ ‏ ‏وَالْخَبَائِثِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَفِيهِ ذِكْر مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ \" إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُل \". ‏"
    },
    {
        "id": "5848",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَيِّدُ ‏ ‏الِاسْتِغْفَارِ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ إِذَا قَالَ حِينَ يُمْسِي فَمَاتَ دَخَلَ الْجَنَّةَ أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِذَا قَالَ حِينَ يُصْبِحُ فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث شَدَّاد بْن أَوْس قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه قَرِيبًا فِي \" بَاب أَفْضَل الِاسْتِغْفَار \". ‏"
    },
    {
        "id": "5849",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَالَ ‏ ‏بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا وَإِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ ‏ ‏النُّشُورُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث حُذَيْفَة قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه بَعْد ذَلِكَ فِي \" بَاب مَا يَقُول إِذَا نَامَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5850",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا فَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي ذَرّ وَهُوَ بِلَفْظِ حُذَيْفَة سَوَاء مِنْ مَخْرَجه , فَإِنَّهُ مِنْ طَرِيق أَبِي حَمْزَة وَهُوَ السُّكَّرِيّ عَنْ مَنْصُور وَهُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر عَنْ رِبْعِيّ بْن حِرَاش عَنْ خَرَشَة بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء ثُمَّ شِين مُعْجَمَة ثُمَّ هَاء تَأْنِيث اِبْن الْحُرّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة ضِدّ الْعَبْد عَنْ أَبِي ذَرّ , وَحَدِيث حُذَيْفَة هُوَ مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْ رِبْعِيّ عَنْهُ , فَكَأَنَّهُ وَضَّحَ لِلْبُخَارِيّ أَنَّ لِرِبْعِيّ فِيهِ طَرِيقَيْنِ , وَكَأَنَّ مُسْلِمًا أَعْرَضَ عَنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ مِنْ أَجْل هَذَا الِاخْتِلَاف , وَقَدْ وَافَقَ أَبَا حَمْزَة عَلَى هَذَا الْإِسْنَاد شَيْبَانَ النَّحْوِيّ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَجَيْنِ مِنْ طَرِيقه , وَهَذَا الْمَوْضِع مِمَّا كَانَ لِلدَّارَقُطْنِيِّ ذِكْره فِي التَّتَبُّع. ‏"
    },
    {
        "id": "5851",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏قَالَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي قَالَ ‏ ‏قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏إِنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ \" عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِّمْنِي دُعَاء أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب الدُّعَاء قُبَيْل السَّلَام \" فِي أَوَاخِر صِفَة الصَّلَاة قُبَيْل كِتَاب الْجُمُعَة بِمَا فِيهِ كِفَايَة. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث ‏ ‏( عَنْ يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَبِيب وَهُوَ الْمَذْكُور فِي السَّنَد الْأَوَّل , وَأَبُو الْخَيْر هُوَ مَرْثَد بِفَتْحِ الْمِيم وَالْمُثَلَّثَة بَيْنهمَا رَاء مُهْمَلَة. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏وَصَلَهُ فِي التَّوْحِيد مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن وَهْب عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث وَلَفْظه \" أَنَّ أَبَا بَكْر قَالَ : يَا رَسُول اللَّه \" وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي شَرْحه. قَالَ الطَّبَرِيُّ : فِي حَدِيث أَبِي بَكْر دَلَالَة عَلَى رَدّ قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقّ اِسْم الْإِيمَان إِلَّا مَنْ لَا خَطِيئَة لَهُ وَلَا ذَنْب ; لِأَنَّ الصِّدِّيق مِنْ أَكْبَر أَهْل الْإِيمَان. وَقَدْ عَلَّمَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول \" إِنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا أَنْتَ \". وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا الدُّعَاء مِنْ الْجَوَامِع ; لِأَنَّ فِيهِ الِاعْتِرَاف بِغَايَةِ التَّقْصِير وَطَلَب غَايَة الْإِنْعَام , فَالْمَغْفِرَة سَتْر الذُّنُوب وَمَحَوْهَا , وَالرَّحْمَة إِيصَال الْخَيْرَات , فَفِي الْأَوَّل طَلَب الزَّحْزَحَة عَنْ النَّار وَفِي الثَّانِي طَلَب إِدْخَال الْجَنَّة وَهَذَا هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم. وَقَالَ اِبْن أَبِي حَمْزَة مَا مُلَخَّصه : فِي الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة الدُّعَاء فِي الصَّلَاة , وَفَضْل الدُّعَاء الْمَذْكُور عَلَى غَيْره , وَطَلَب التَّعْلِيم مِنْ الْأَعْلَى وَإِنْ كَانَ الطَّالِب يَعْرِف ذَلِكَ النَّوْع , وَخَصَّ الدُّعَاء بِالصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَقْرَب مَا يَكُون الْعَبْد مِنْ رَبّه وَهُوَ سَاجِد \" وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْء يَنْظُر فِي عِبَادَته إِلَى الْأَرْفَع فَيَتَسَبَّب فِي تَحْصِيله. وَفِي تَعْلِيم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْر هَذَا الدُّعَاء إِشَارَة إِلَى إِيثَار أَمْر الْآخِرَة عَلَى أَمْر الدُّنْيَا , وَلَعَلَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ حَال أَبِي بَكْر وَإِيثَاره أَمْر الْآخِرَة قَالَ : وَفِي قَوْله \" ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا أَنْتَ \" أَيْ لَيْسَ لِي حِيلَة فِي دَفْعه فَهِيَ حَالَة اِفْتِقَار , فَأَشْبَهَ حَال الْمُضْطَرّ الْمَوْعُود بِالْإِجَابَةِ , وَفِيهِ هَضْم النَّفْس وَالِاعْتِرَاف بِالتَّقْصِيرِ , وَتَقَدَّمَتْ بَقِيَّة فَوَائِده هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5852",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ { ‏وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ‏} ‏أُنْزِلَتْ فِي الدُّعَاءِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قَوْله تَعَالَى ( وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك وَلَا تُخَافِت بِهَا ) قَالَ : أُنْزِلَتْ فِي الدُّعَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي تَفْسِير سُبْحَان , وَعَلِيّ شَيْخه هُوَ اِبْن سَلَمَة كَمَا أَشَرْت إِلَيْهِ فِي تَفْسِير الْمَائِدَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5853",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاتَ يَوْمٍ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إِلَى قَوْلِهِ الصَّالِحِينَ فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ صَالِحٍ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنْ الثَّنَاءِ مَا شَاءَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن مَسْعُود فِي التَّشَهُّد , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر صِفَة الصَّلَاة , وَأَخَذَ التَّرْجَمَة مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث إِلَّا أَنَّ الْأَوَّل نَصّ فِي الْمَطْلُوب , وَالثَّانِي يُسْتَفَاد مِنْهُ صِفَة مِنْ صِفَات الدَّاعِي وَهِيَ عَدَم الْجَهْر وَالْمُخَافَتَة فَيُسْمِع نَفْسه وَلَا يُسْمِع غَيْره , وَقِيلَ لِلدُّعَاءِ صَلَاة لِأَنَّهَا لَا تَكُون إِلَّا بِدَعَاءٍ فَهُوَ مِنْ تَسْمِيَة بَعْض الشَّيْء بِاسْمِ كُلّه. وَالثَّالِث فِيهِ الْأَمْر بِالدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّد وَهُوَ مِنْ جُمْلَة الصَّلَاة , وَالْمُرَاد بِالثَّنَاءِ الدُّعَاء , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَاب التَّشَهُّد بِلَفْظِ \" فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاء مَا شَاءَ \". وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْر بِالدُّعَاءِ فِي السُّجُود فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" أَقْرَب مَا يَكُون الْعَبْد مِنْ رَبّه وَهُوَ سَاجِد فَأَكْثِرُوا مِنْ الدُّعَاء \" وَوَرَدَ الْأَمْر أَيْضًا بِالدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّد فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَفِي حَدِيث فَضَالَة بْن عُبَيْد عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ , وَفِيهِ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا بَعْد التَّشَهُّد أَنْ يُثْنِي عَلَى اللَّه بِمَا هُوَ أَهْله ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لِيَدَع بِمَا شَاءَ , وَمُحَصَّل مَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَوَاضِع الَّتِي كَانَ يَدْعُو فِيهَا دَاخِل الصَّلَاة سِتَّة مَوَاطِن : الْأَوَّل عَقِب تَكْبِيرَة الْإِحْرَام فَفِيهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الصَّحِيحَيْنِ \" اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْن خَطَايَايَ \" الْحَدِيث الثَّانِي فِي الِاعْتِدَال فَفِيهِ حَدِيث اِبْن أَبِي أَوْفَى عِنْد مُسْلِم أَنَّهُ كَانَ يَقُول بَعْد قَوْله مِنْ شَيْء بَعْد \" اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَد وَالْمَاء الْبَارِد \". الثَّالِث فِي الرُّكُوع وَفِيهِ حَدِيث عَائِشَة \" كَانَ يُكْثِر أَنْ يَقُول فِي رُكُوعه وَسُجُوده : سُبْحَانك اللَّهُمَّ رَبّنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي \" أَخْرَجَاهُ. الرَّابِع فِي السُّجُود وَهُوَ أَكْثَر مَا كَانَ يَدْعُو فِيهِ وَقَدْ أَمَرَ بِهِ فِيهِ. الْخَامِس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ \" اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي \" السَّادِس فِي التَّشَهُّد وَسَيَأْتِي , وَكَانَ أَيْضًا يَدْعُو فِي الْقُنُوت وَفِي حَال الْقِرَاءَة إِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَة سَأَلَ , وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَاب اِسْتَعَاذَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5854",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏وَرْقَاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ ‏ ‏الدُّثُورِ ‏ ‏بِالدَّرَجَاتِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ قَالَ كَيْفَ ذَاكَ قَالُوا ‏ ‏صَلَّوْا كَمَا صَلَّيْنَا وَجَاهَدُوا كَمَا جَاهَدْنَا وَأَنْفَقُوا مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِهِمْ وَلَيْسَتْ لَنَا أَمْوَالٌ قَالَ أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَمْرٍ تُدْرِكُونَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَتَسْبِقُونَ مَنْ جَاءَ بَعْدَكُمْ وَلَا يَأْتِي أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتُمْ بِهِ إِلَّا مَنْ جَاءَ بِمِثْلِهِ تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏ابْنُ عَجْلَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏وَرَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الدَّرْدَاءِ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏سُهَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق \" ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ أَوْ اِبْن مَنْصُور , ‏ ‏وَيَزِيد ‏ ‏هُوَ اِبْن هَارُون , ‏ ‏وَوَرْقَاء ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْيَشْكُرِيّ , ‏ ‏وَسُمَيّ ‏ ‏هُوَ مَوْلَى أَبِي صَالِح. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر ) ‏ ‏هُوَ الْعُمَرِيّ ( عَنْ سُمَيّ ) يَعْنِي فِي إِسْنَاده , وَفِي أَصْل الْحَدِيث لَا فِي الْعَدَد الْمَذْكُور , وَقَدْ بَيَّنْت هُنَاكَ عِنْد شَرْحه أَنَّ وَرْقَاء خَالَفَ غَيْره فِي قَوْله عَشْرًا وَأَنَّ الْكُلّ قَالُوا \" ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ \" وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْمَجْمُوع هَذَا الْقَدْر. قُلْت : قَدْ وَرَدَ بِالذِّكْرِ الْعَشْر فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَجَمَاعَة , وَحَدِيث عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر تَقَدَّمَ مَوْصُولًا هُنَاكَ , وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ لَمَّا جَاءَ هُنَاكَ بِلَفْظِ الدَّرَجَات فَقَيَّدَهَا بِالْعُلَا وَقَيَّدَ أَيْضًا زِيَادَة فِي الْأَعْمَال مِنْ الصَّوْم وَالْحَجّ وَالْعُمْرَة زَادَ فِي عِدَّة الْأَذْكَار , يَعْنِي وَلَمَّا خَلَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ ذَلِكَ نَقَصَ الْعَدَد , ثُمَّ قَالَ : عَلَى أَنَّ مَفْهُوم الْعَدَد لَا اِعْتِبَار بِهِ اِنْتَهَى. وَكِلَا الْجَوَابَيْنِ مُتَعَقَّبٌ : أَمَّا الْأَوَّل فَمَخْرَج الْحَدِيثَيْنِ وَاحِد وَهُوَ مِنْ رِوَايَة سُمَيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفَ الرُّوَاة عَنْهُ فِي الْعَدَد الْمَذْكُور فِي الزِّيَادَة وَالنَّقْص , فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْع وَإِلَّا فَيُؤْخَذ بِالرَّاجِحِ. فَإِنْ اِسْتَوَوْا فَاَلَّذِي حَفِظَ الزِّيَادَة مُقَدَّم. وَأَظُنّ سَبَب الْوَهْم أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عَجْلَان \" يُسَبِّحُونَ وَيُكَبِّرُونَ وَيَحْمَدُونَ فِي دُبُر كُلّ صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّة \" فَحَمَلَهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّ الْعَدَد الْمَذْكُور مَقْسُوم عَلَى الْأَذْكَار الثَّلَاثَة فَرَوَى الْحَدِيث بِلَفْظِ إِحْدَى عَشْرَة , وَأَلْغَى بَعْضهمْ الْكَسْر فَقَالَ عَشْر وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا الثَّانِي فَمُرَتَّب عَلَى الْأَوَّل , وَهُوَ لَائِق بِمَا إِذَا اِخْتَلَفَ مَخَارِج الْحَدِيث أَمَّا إِذَا اِتَّحَدَ الْمَخْرَج فَهُوَ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة , فَإِذَا أَمْكَنَ الْجَمْع وَإِلَّا فَالتَّرْجِيح. ‏ ‏قَوْله ( وَرَوَاهُ اِبْن عَجْلَان عَنْ سُمَيّ وَرَجَاء بْن حَيْوَةَ ) ‏ ‏وَصَلَهُ مُسْلِم قَالَ \" حَدَّثَنَا قُتَيْبَة حَدَّثَنَا اللَّيْث عَنْ اِبْن عَجْلَان \" فَذَكَرَهُ مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر كِلَاهُمَا عَنْ سُمَيّ عَنْ أَبِي صَالِح بِهِ وَفِي آخِره \" قَالَ اِبْن عَجْلَان : فَحَدَّثْت بِهِ رَجَاء بْن حَيْوَةَ فَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهِ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق حَيْوَةَ بْن شُرَيْح عَنْ مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ رَجَاء بْن حَيْوَةَ وَسُمَيّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي صَالِح بِهِ وَفِيهِ \" تُسَبِّحُونَ اللَّه دُبُر كُلّ صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدُونَهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتُكَبِّرُونَهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ \" وَقَالَ فِي \" الْأَوْسَط \" لَمْ يَرْوِهِ عَنْ رَجَاء إِلَّا اِبْن عَجْلَان. ‏ ‏قَوْله ( وَرَوَاهُ جَرِير ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عَبْد الْحَمِيد ‏ ‏( عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَده وَالْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْهُ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ جَرِير , وَوَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث جَرِير بِهَذَا وَفِيهِ مِثْل مَا فِي رِوَايَة اِبْن عَجْلَان مِنْ تَرْبِيع التَّكْبِير , وَفِي سَمَاع أَبِي صَالِح مِنْ أَبِي الدَّرْدَاء نَظَر , وَقَدْ بَيَّنَ النَّسَائِيُّ الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع فَأَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة الثَّوْرِيّ عَنْهُ عَنْ أَبِي عُمَر الضَّبِّيّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء , وَكَذَا رَوَاهُ شَرِيك عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع عَنْ أَبِي عُمَر لَكِنْ زَادَ أُمّ الدَّرْدَاء بَيْن أَبِي الدَّرْدَاء وَبَيْن أَبِي عُمَر أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا , وَلَمْ يُوَافِق شَرِيك عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَة فَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ الْحَكَم عَنْ أَبِي عُمَر عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء , وَمِنْ رِوَايَة زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة عَنْ الْحَكَم لَكِنْ قَالَ \" عَنْ عُمَر الضَّبِّيّ \" فَإِنْ كَانَ اِسْم أَبِي عُمَر عُمَر اِتَّفَقَتْ الرِّوَايَتَانِ , لَكِنْ جَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِف اِسْمه فَكَأَنَّهُ تَحَرُّف عَلَى الرَّاوِي وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَرَوَاهُ سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏وَصَلَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة رَوْح بْن الْقَاسِم عَنْ سُهَيْل فَسَاقَ الْحَدِيث بِطُولِهِ لَكِنْ قَالَ فِيهِ \" تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُر كُلّ صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ , قَالَ سُهَيْل : إِحْدَى عَشْرَة وَإِحْدَى عَشْرَة وَإِحْدَى عَشْرَة فَذَلِكَ كُلّه ثَلَاث وَثَلَاثُونَ \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ اِبْن عَجْلَان عَنْ سُهَيْل بِهَذَا السَّنَد بِغَيْرِ قِصَّة , وَلَفْظ آخَر قَالَ فِيهِ \" مَنْ قَالَ خَلْف كُلّ صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَة وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَة وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَحْمِيدَة وَيَقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ يَعْنِي تَمَام الْمِائَة غُفِرَتْ لَهُ خَطَايَاهُ \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اللَّيْث عَنْ اِبْن عَجْلَان عَنْ سُهَيْل عَنْ عَطَاء بْن يَزِيد عَنْ بَعْض الصَّحَابَة , وَمِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة عَنْ سُهَيْل عَنْ أَبِي عُبَيْد عَنْ عَطَاء بْن يَزِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَهَذَا اِخْتِلَاف شَدِيد عَلَى سُهَيْل , وَالْمُعْتَمَد فِي ذَلِكَ رِوَايَة سُمَيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَاَللَّه أَعْلَم. وَرِوَايَة أَبِي عُبَيْد عَنْ عَطَاء بْن يَزِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهَا مَالِك فِي الْمُوَطَّأ لَكِنْ لَمْ يَرْفَعهُ , وَأَوْرَدَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق خَالِد بْن عَبْد اللَّه وَإِسْمَاعِيل بْن زَكَرِيَّا كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْل عَنْ أَبِي عُبَيْد مَوْلَى سُلَيْمَان بْن عَبْد الْمَلِك. ‏"
    },
    {
        "id": "5855",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَرَّادٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ كَتَبَ ‏ ‏الْمُغِيرَةُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا سَلَّمَ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْمُسَيَّبَ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي حَدِيث الْمُغِيرَة ‏ ‏( جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , ‏ ‏وَمَنْصُور ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر. ‏ ‏قَوْله ( فِي دُبُر كُلّ صَلَاة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي \" فِي دُبُر صَلَاته \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ شُعْبَة عَنْ مَنْصُور قَالَ سَمِعْت الْمُسَيِّب ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن رَافِع بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور وَصَلَهُ أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد اِبْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة بِهِ وَلَفْظه \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَلَّمَ قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ \" الْحَدِيث قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الْحَضّ عَلَى الذِّكْر فِي أَدْبَار الصَّلَوَات \" وَأَنَّ ذَلِكَ يُوَازِي إِنْفَاق الْمَال فِي طَاعَة اللَّه لِقَوْلِهِ \" تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ \" وَسُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ هَلْ الذِّكْر بَعْد الصَّلَاة أَفْضَل أَمْ تِلَاوَة الْقُرْآن ؟ فَقَالَ : لَيْسَ شَيْء يَعْدِل الْقُرْآن , وَلَكِنْ كَانَ هَدْي السَّلَف الذِّكْر. وَفِيهَا أَنَّ الذِّكْر الْمَذْكُور يَلِي الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة وَلَا يُؤَخَّر إِلَى أَنْ يُصَلِّي الرَّاتِبَة لِمَا تَقَدَّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5856",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ أَيَا ‏ ‏عَامِرُ ‏ ‏لَوْ أَسْمَعْتَنَا مِنْ ‏ ‏هُنَيْهَاتِكَ ‏ ‏فَنَزَلَ ‏ ‏يَحْدُو ‏ ‏بِهِمْ يُذَكِّرُ ‏ ‏تَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا ‏ ‏وَذَكَرَ شِعْرًا غَيْرَ هَذَا وَلَكِنِّي لَمْ أَحْفَظْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ هَذَا السَّائِقُ قَالُوا ‏ ‏عَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ ‏ ‏قَالَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْلَا مَتَّعْتَنَا بِهِ فَلَمَّا صَافَّ الْقَوْمَ قَاتَلُوهُمْ فَأُصِيبَ ‏ ‏عَامِرٌ ‏ ‏بِقَائِمَةِ سَيْفِ نَفْسِهِ فَمَاتَ فَلَمَّا أَمْسَوْا أَوْقَدُوا نَارًا كَثِيرَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا هَذِهِ النَّارُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ قَالُوا ‏ ‏عَلَى حُمُرٍ إِنْسِيَّةٍ فَقَالَ ‏ ‏أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا وَكَسِّرُوهَا قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا ‏ ‏نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا قَالَ أَوْ ذَاكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان. ‏ ‏قَوْله ( خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَر فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم ) ‏ ‏هُوَ عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَعَامِر هُوَ اِبْن الْأَكْوَع عَمّ سَلَمَة رَاوِي الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ كُلّه فِي غَزْوَة خَيْبَر مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي , وَسَبَب قَوْل عُمَر \" لَوْلَا مَتَّعْتَنَا بِهِ \" وَأَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي صَحِيح مُسْلِم , وَأَمَّا اِبْن عَبْد الْبَرّ فَأَوْرَدَهُ مَوْرِد الِاسْتِقْرَاء فَقَالَ \" كَانُوا عَرَفُوا أَنَّهُ مَا اِسْتَرْحَمَ لِإِنْسَانٍ قَطّ فِي غَزَاة تَخُصّهُ إِلَّا اُسْتُشْهِدَ , فَلِذَا قَالَ عُمَر لَوْلَا أَمْتَعَتْنَا بِعَامِرٍ \" ‏ ‏قَوْله ( وَذَكَرَ شِعْرًا غَيْر هَذَا وَلَكِنِّي لَمْ أَحْفَظهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْمَكَان الْمَذْكُور مِنْ طَرِيق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل عَنْ يَزِيد بْن أَبِي عُبَيْد , وَيُعْرَف مِنْهُ أَنَّ الْقَائِل \" وَذَكَرَ شِعْرًا \" هُوَ يَحْيَى بْن سَعِيد رَاوِيه , وَأَنَّ الذَّاكِر هُوَ يَزِيد بْن أَبِي عُبَيْد. وَقَوْله \" مِنْ هَنَاتك \" بِفَتْحِ الْهَاء وَالنُّون جَمْع هَنَة , وَيُرْوَى \" هُنَيْهَاتك , وَهُنَيَّاتك \" وَالْمُرَاد الْأَرَاجِيز الْقِصَار , وَتَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا أَمْسَوْا أَوْقَدُوا نَارًا كَثِيرَة ) ‏ ‏الْحَدِيث فِي قِصَّة الْحُمُر الْأَهْلِيَّة فِي رِوَايَة حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل \" فَلَمَّا أَمْسَى النَّاس مَسَاء الْيَوْم الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ \" يَعْنِي خَيْبَر وَذَكَرَ الْحَدِيث بِطُولِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه. ‏"
    },
    {
        "id": "5857",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو هُوَ ابْنُ مُرَّةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَتَاهُ رَجُلٌ بِصَدَقَةٍ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ فَأَتَاهُ أَبِي فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ ‏ ‏أَبِي أَوْفَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَعَمْرو شَيْخ شُعْبَة فِيهِ هُوَ اِبْن مُرَّة , وَابْن أَبِي أَوْفَى هُوَ عَبْد اللَّه. ‏ ‏قَوْله ( صَلِّ عَلَى آل أَبِي أَوْفَى ) ‏ ‏أَيْ عَلَيْهِ نَفْسه وَقِيلَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَتْبَاعه , وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي الصَّلَاة عَلَى غَيْر الْأَنْبِيَاء بَعْد ثَلَاثَة عَشَر بَابًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5858",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَرِيرًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ وَهُوَ نُصُبٌ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ يُسَمَّى الْكَعْبَةَ الْيَمَانِيَةَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَصَكَّ فِي صَدْرِي فَقَالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا قَالَ فَخَرَجْتُ فِي خَمْسِينَ فَارِسًا مِنْ ‏ ‏أَحْمَسَ ‏ ‏مِنْ قَوْمِي ‏ ‏وَرُبَّمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏فَانْطَلَقْتُ فِي ‏ ‏عُصْبَةٍ ‏ ‏مِنْ قَوْمِي فَأَتَيْتُهَا فَأَحْرَقْتُهَا ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا أَتَيْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا مِثْلَ الْجَمَلِ الْأَجْرَبِ فَدَعَا ‏ ‏لِأَحْمَسَ ‏ ‏وَخَيْلِهَا ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي حَدِيث جَرِير وَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْبَجْلِيُّ ‏ ‏( وَهُوَ نُصُب ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون وَبِصَادٍ مُهْمَلَة ثُمَّ مُوَحَّدَة هُوَ الصَّنَم , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي تَفْسِير سُورَة سَأَلَ , وَقَوْله يُسَمَّى \" الْكَعْبَة الْيَمَانِيَة \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" كَعْبَة الْيَمَانِيَة \" وَهِيَ لُغَة وَقَوْله \" فَخَرَجْت فِي خَمْسِينَ مِنْ قَوْمِي \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَارِسًا \" وَالْقَائِل ‏ ‏( وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي. ‏"
    },
    {
        "id": "5859",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏خَادِمُكَ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ ‏",
        "sharh": "فِي دُعَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَس أَنْ يُكْثِر مَاله وَوَلَده , وَسَيَأْتِي شَرْحه قَرِيبًا بَعْد ثَمَانِيَة وَعِشْرِينَ بَابًا , وَقَدْ بَيَّنَ مُسْلِم - فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس - أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي آخِر دُعَائِهِ لِأَنَس وَلَفْظه \" فَقَالَتْ أُمِّي يَا رَسُول اللَّه خُوَيْدِمك اُدْعُ اللَّه لَهُ , فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْر , وَكَانَ فِي دُعَائِهِ أَنْ قَالَ \" فَذَكَرَهُ. قَالَ الدَّاوُدِيّ هَذَا يَدُلّ عَلَى بُطْلَان الْحَدِيث الَّذِي وَرَدَ \" اللَّهُمَّ مَنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَ مَا جِئْت بِهِ فَاقْلِلْ لَهُ مِنْ الْمَال وَالْوَلَد \" الْحَدِيث قَالَ : وَكَيْف يَصِحّ ذَلِكَ وَهُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحُضّ عَلَى النِّكَاح وَالْتِمَاس الْوَلَد. قُلْت : لَا مُنَافَاة بَيْنهمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون وَرَدَ فِي حُصُول الْأَمْرَيْنِ مَعًا , لَكِنْ يُعَكِّر عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب فَيُقَال : كَيْف دَعَا لِأَنَسٍ وَهُوَ خَادِمه بِمَا كَرِهَهُ لِغَيْرِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعَ دُعَائِهِ لَهُ بِذَلِكَ قَرَنَهُ بِأَنْ لَا يَنَالهُ مِنْ قِبَل ذَلِكَ ضَرَر ; لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي كَرَاهِيَة اِجْتِمَاع كَثْرَة الْمَال وَالْوَلَد إِنَّمَا هُوَ لِمَا يُخْشَى مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْفِتْنَة بِهِمَا , وَالْفِتْنَة لَا يُؤْمَن مَعَهَا الْهَلَكَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5860",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَمِعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ ‏ ‏رَحِمَهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهَا فِي سُورَةِ كَذَا وَكَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان. ‏ ‏قَوْله ( رَجُلًا يَقْرَأ فِي الْمَسْجِد ) ‏ ‏هُوَ عَبَّاد بْن بِشْر كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَات , وَتَقَدَّمَ شَرْح الْمَتْن فِي فَضَائِل الْقُرْآن. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَة \" ‏ ‏قَالَ الْجُمْهُور : يَجُوز عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْسَى شَيْئًا مِنْ الْقُرْآن بَعْد التَّبْلِيغ لَكِنَّهُ لَا يُقَرّ عَلَيْهِ , وَكَذَا يَجُوز أَنْ يَنْسَى مَا لَا يَتَعَلَّق بِالْإِبْلَاغِ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ( سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه ). ‏"
    },
    {
        "id": "5861",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَسَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَسْمًا فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَغَضِبَ حَتَّى رَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ وَقَالَ ‏ ‏يَرْحَمُ اللَّهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مِهْرَانَ الْأَعْمَش. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي وَائِل ) ‏ ‏هُوَ شَقِيق بْن سَلَمَة وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق حَفْص بْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش \" سَمِعْت شَقِيقًا \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ رَجُل ) ‏ ‏هُوَ مُعَتَّب بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاة ثَقِيلَة ثُمَّ مُوَحَّدَة , أَوْ حُرْقُوص كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ هُنَاكَ , وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا قَوْله \" يَرْحَم اللَّه مُوسَى \" فَخَصَّهُ بِالدُّعَاءِ فَهُوَ مُطَابِق لِأَحَدِ رُكْنَيْ التَّرْجَمَة , ‏ ‏وَقَوْله \" وَجْه اللَّه \" ‏ ‏أَيْ الْإِخْلَاص لَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5862",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ أَبُو حَبِيبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَارُونُ الْمُقْرِئُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَدِّثْ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ فَإِنْ أَكْثَرْتَ فَثَلَاثَ مِرَارٍ وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ وَلَا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلُّهُمْ وَلَكِنْ أَنْصِتْ فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ فَانْظُرْ ‏ ‏السَّجْعَ ‏ ‏مِنْ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ ‏ ‏يَعْنِي لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ ‏ ‏الِاجْتِنَابَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( هَارُون الْمُقْرِئ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُوسَى النَّحْوِيّ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن الْخِرِّيت ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء الْمَكْسُورَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ مُثَنَّاة. ‏ ‏قَوْله ( حَدِّثْ النَّاس كُلّ جُمْعَة مَرَّة , فَإِنْ أَبَيْت فَمَرَّتَيْنِ ) ‏ ‏هَذَا إِرْشَاد وَقَدْ بَيَّنَ حِكْمَته. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا تُمِلّ النَّاس هَذَا الْقُرْآن ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ أَوَّل تُمِلّ مِنْ الرُّبَاعِيّ , وَالْمَلَل وَالسَّآمَة بِمَعْنًى , وَهَذَا الْقُرْآن مَنْصُوب عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلنَا بِالْمَوْعِظَةِ كَرَاهَة السَّآمَة عَلَيْنَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَا أُلْفَيَنَّكَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة وَبِالْفَاءِ أَيْ لَا أَجِدَنَّك , وَالنُّون مُثَقَّلَة لِلتَّأْكِيدِ , وَهَذَا النَّهْي بِحَسَبِ الظَّاهِر لِلْمُتَكَلِّمِ , وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة لِلْمُخَاطَبِ وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ لَا أَرَيَنَّك هَاهُنَا. وَفِيهِ كَرَاهَة التَّحْدِيث عِنْد مَنْ لَا يُقْبِل عَلَيْهِ , وَالنَّهْي عَنْ قَطْع حَدِيث غَيْره , وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي نَشْر الْعِلْم عِنْد مَنْ لَا يَحْرِص عَلَيْهِ وَيُحَدِّث مَنْ يَشْتَهِي سَمَاعه لِأَنَّهُ أَجْدَر أَنْ يَنْتَفِع بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَتَمَلّهُمْ ) ‏ ‏يَجُوز فِي مَحَلّه الرَّفْع وَالنَّصْب. ‏ ‏قَوْله ( وَانْظُرْ السَّجْع مِنْ الدُّعَاء فَاجْتَنِبْهُ ) ‏ ‏أَيْ لَا تَقْصِد إِلَيْهِ وَلَا تَشْغَل فِكْرك بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّف الْمَانِع لِلْخُشُوعِ الْمَطْلُوب فِي الدُّعَاء , وَقَالَ اِبْن التِّين : الْمُرَاد بِالنَّهْيِ الْمُسْتَكْرَه مِنْهُ , وَقَالَ الدَّاوُدِيّ الِاسْتِكْثَار مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ تَرْك السَّجْع. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْقَاسِم بْن زَكَرِيَّا عَنْ يَحْيَى بْن مُحَمَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ بِسَنَدِهِ فِيهِ \" لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ \" بِإِسْقَاطِ إِلَّا , وَهُوَ وَاضِح , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّار فِي مُسْنَده عَنْ يَحْيَى وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ الْبَزَّار , وَلَا يَرُدّ عَلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَصْدُر مِنْ غَيْر قَصْد إِلَيْهِ وَلِأَجْلِ هَذَا يَجِيء فِي غَايَة الِانْسِجَام كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجِهَاد \" اللَّهُمَّ مُنْزِل الْكِتَاب , سَرِيع الْحِسَاب , هَازِم الْأَحْزَاب \" وَكَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" صَدَقَ وَعْده , وَأَعَزّ جُنْده \" الْحَدِيث وَكَقَوْلِهِ \" أَعُوذ بِك مِنْ عَيْن لَا تَدْمَع , وَنَفْس لَا تَشْبَع , وَقَلْب لَا يَخْشَع \" وَكُلّهَا صَحِيحَة. قَالَ الْغَزَالِيّ : الْمَكْرُوه مِنْ السَّجْع هُوَ الْمُتَكَلَّف لِأَنَّهُ لَا يُلَائِم الضَّرَاعَة وَالذِّلَّة , وَإِلَّا فَفِي الْأَدْعِيَة الْمَأْثُورَة كَلِمَات مُتَوَازِيَة لَكِنَّهَا غَيْر مُتَكَلَّفَة , قَالَ الْأَزْهَرِيّ : وَإِنَّمَا كَرِهَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُشَاكَلَتِهِ كَلَام الْكَهَنَة كَمَا فِي قِصَّة الْمَرْأَة مِنْ هُذَيْل. وَقَالَ أَبُو زَيْد وَغَيْره : أَصْل السَّجْع الْقَصْد الْمُسْتَوِي , سَوَاء كَانَ فِي الْكَلَام أَمْ غَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "5863",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ وَلَا يَقُولَنَّ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي فَإِنَّهُ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّة , ‏ ‏وَعَبْد الْعَزِيز ‏ ‏هُوَ اِبْن صُهَيْب , وَنُسِبَ فِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله ( فَلْيَعْزِمْ الْمَسْأَلَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور \" الدُّعَاء \" وَمَعْنَى الْأَمْر بِالْعَزْمِ الْجِدّ فِيهِ , وَأَنْ يَجْزِم بِوُقُوعِ مَطْلُوبه وَلَا يُعَلِّق ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّه تَعَالَى , وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا فِي جَمِيع مَا يُرِيد فِعْله أَنْ يُعَلِّقهُ بِمَشِيئَةِ اللَّه تَعَالَى. وَقِيلَ : مَعْنَى الْعَزْم أَنْ يُحْسِن الظَّنّ بِاَللَّهِ فِي الْإِجَابَة. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يَقُولَنَّ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْت فَأَعْطِنِي ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور بَعْده \" اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي إِنْ شِئْت , اللَّهُمَّ اِرْحَمْنِي إِنْ شِئْت \" وَزَادَ فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة الْآتِيَة فِي التَّوْحِيد \" اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي إِنْ شِئْت \" وَهَذِهِ كُلّهَا أَمْثِلَة , وَرِوَايَة الْعَلَاء عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم تَتَنَاوَل جَمِيع مَا يُدْعَى بِهِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن مِينَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" لِيَعْزِم فِي الدُّعَاء \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة الْعَلَاء \" لِيَعْزِم وَلْيُعَظِّمْ الرَّغْبَة \" وَمَعْنَى قَوْله لِيُعَظِّم الرَّغْبَة أَيْ يُبَالِغ فِي ذَلِكَ بِتَكْرَارِ الدُّعَاء وَالْإِلْحَاح فِيهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ الْأَمْر بِطَلَبِ الشَّيْء الْعَظِيم الْكَثِير , وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي آخِر هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَإِنَّ اللَّه لَا يَتَعَاظَمهُ شَيْء \". ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُ لَا مُسْتَكْرِه لَهُ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَإِنَّهُ لَا مُكْرِه لَهُ \" وَهُمَا بِمَعْنًى , وَالْمُرَاد أَنَّ الَّذِي يَحْتَاج إِلَى التَّعْلِيق بِالْمَشِيئَةِ مَا إِذَا كَانَ الْمَطْلُوب مِنْهُ يَتَأَتَّى إِكْرَاهه عَلَى الشَّيْء فَيُخَفِّف الْأَمْر عَلَيْهِ وَيَعْلَم بِأَنَّهُ لَا يَطْلُب مِنْهُ ذَلِكَ الشَّيْء إِلَّا بِرِضَاهُ , وَأَمَّا اللَّه سُبْحَانه فَهُوَ مُنَزَّه عَنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلتَّعْلِيقِ فَائِدَة. وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ فِيهِ صُورَة الِاسْتِغْنَاء عَنْ الْمَطْلُوب وَالْمَطْلُوب مِنْهُ , وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَطَاء بْن مِينَاء \" فَإِنَّ اللَّه صَانِع مَا شَاءَ \" وَفِي رِوَايَة الْعَلَاء \" فَإِنَّ اللَّه لَا يَتَعَاظَمهُ شَيْء أَعْطَاهُ \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَقُول اللَّهُمَّ أَعْطِنِي إِنْ شِئْت وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُور الدِّين وَالدُّنْيَا لِأَنَّهُ كَلَام مُسْتَحِيل لَا وَجْه لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَفْعَل إِلَّا مَا شَاءَهُ , وَظَاهِره أَنَّهُ حَمَلَ النَّهْي عَلَى التَّحْرِيم , وَهُوَ الظَّاهِر , وَحَمَلَ النَّوَوِيّ النَّهْي فِي ذَلِكَ عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه وَهُوَ أَوْلَى , وَيُؤَيِّدهُ مَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث الِاسْتِخَارَة. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي الْحَدِيث أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلدَّاعِي أَنْ يَجْتَهِد فِي الدُّعَاء وَيَكُون عَلَى رَجَاء الْإِجَابَة , وَلَا يَقْنَط مِنْ الرَّحْمَة فَإِنَّهُ يَدْعُو كَرِيمًا. وَقَدْ قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ : لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا الدُّعَاء مَا يَعْلَم فِي نَفْسه - يَعْنِي مِنْ التَّقْصِير - فَإِنَّ اللَّه قَدْ أَجَابَ دُعَاء شَرّ خَلْقه وَهُوَ إِبْلِيس حِين قَالَ ( رَبّ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ ) وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : مَعْنَى قَوْله \" لِيَعْزِم الْمَسْأَلَة \" أَنْ يَجْتَهِد وَيُلِحّ وَلَا يَقُلْ إِنْ شِئْت كَالْمُسْتَثْنِي , وَلَكِنْ دُعَاء الْبَائِس الْفَقِير. ‏ ‏قُلْت : وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ كَالْمُسْتَثْنَى إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَالَهَا عَلَى سَبِيل التَّبَرُّك لَا يُكْرَه وَهُوَ جَيِّد. ‏"
    },
    {
        "id": "5864",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5865",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ أَزْهَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي عُبَيْد ) ‏ ‏هُوَ سَعْد بْن عُبَيْد. ‏ ‏قَوْله ( مَوْلَى اِبْن أَزْهَر ) ‏ ‏اِسْمه عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله ( يُسْتَجَاب لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَل ) ‏ ‏أَيْ يُجَاب دُعَاؤُهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي التَّفْسِير فِي قَوْله تَعَالَى ( الَّذِينَ اِسْتَجَابُوا لِلَّهِ ). ‏ ‏قَوْله ( يَقُول دَعَوْت فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" فَيَقُول \" بِزِيَادَةِ فَاء وَاللَّام مَنْصُوبَة , قَالَ اِبْن بَطَّال : الْمَعْنَى أَنَّهُ يَسْأَم فَيَتْرُك الدُّعَاء فَيَكُون كَالْمَانِّ بِدُعَائِهِ , أَوْ أَنَّهُ أَتَى مِنْ الدُّعَاء مَا يَسْتَحِقّ بِهِ الْإِجَابَة فَيَصِير كَالْمُبْخِلِ لِلرَّبِّ الْكَرِيم الَّذِي لَا تُعْجِزهُ الْإِجَابَة وَلَا يُنْقِصهُ الْعَطَاء. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي إِدْرِيس الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ \" لَا يَزَال يُسْتَجَاب لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَة رَحِم , وَمَا لَمْ يَسْتَعْجِل. قِيلَ : وَمَا الِاسْتِعْجَال ؟ قَالَ : يَقُول قَدْ دَعَوْت وَقَدْ دَعَوْت فَلَمْ أَرَ يُسْتَجَاب لِي , فَيَسْتَحْسِر عِنْد ذَلِكَ وَيَدَع الدُّعَاء \" وَمَعْنَى قَوْله يَسْتَحْسِر وَهُوَ بِمُهْمَلَاتٍ يَنْقَطِع. وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَدَب مِنْ آدَاب الدُّعَاء , وَهُوَ أَنَّهُ يُلَازِم الطَّلَب وَلَا يَيْأَس مِنْ الْإِجَابَة لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِانْقِيَاد وَالِاسْتِسْلَام وَإِظْهَار الِافْتِقَار , حَتَّى قَالَ بَعْض السَّلَف لَأَنَا أَشَدّ خَشْيَة أَنْ أُحْرَم الدُّعَاء مِنْ أَنْ أُحْرَم الْإِجَابَة , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيث اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَاب الدُّعَاء فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَاب الرَّحْمَة \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ بِسَنَدٍ لَيِّن وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم فَوَهَمَ , قَالَ الدَّاوُدِيّ : يُخْشَى عَلَى مَنْ خَالَفَ وَقَالَ قَدْ دَعَوْت فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي أَنْ يُحْرَم الْإِجَابَة وَمَا قَامَ مَقَامهَا مِنْ الِادِّخَار وَالتَّكْفِير اِنْتَهَى. وَقَدْ قَدَّمْت فِي أَوَّل كِتَاب الدُّعَاء الْأَحَادِيث الدَّالَّة عَلَى أَنَّ دَعْوَة الْمُؤْمِن لَا تُرَدّ , وَأَنَّهَا إِمَّا أَنْ تُعَجَّل لَهُ الْإِجَابَة , وَإِمَّا أَنْ تَدْفَع عَنْهُ مِنْ السُّوء مِثْلهَا , وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَر لَهُ فِي الْآخِرَة خَيْر مِمَّا سَأَلَ. فَأَشَارَ الدَّاوُدِيّ إِلَى ذَلِكَ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ اِبْن الْجَوْزِيّ بِقَوْلِهِ : اِعْلَمْ أَنَّ دُعَاء الْمُؤْمِن لَا يُرَدّ , غَيْر أَنَّهُ قَدْ يَكُون الْأَوْلَى لَهُ تَأْخِير الْإِجَابَة أَوْ يُعَوَّض بِمَا هُوَ أَوْلَى لَهُ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا , فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يَتْرُك الطَّلَب مِنْ رَبّه فَإِنَّهُ مُتَعَبِّد بِالدُّعَاءِ كَمَا هُوَ مُتَعَبِّد بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّفْوِيض. وَمِنْ جُمْلَة آدَاب الدُّعَاء تَحَرِّي الْأَوْقَات الْفَاضِلَة كَالسُّجُودِ , وَعِنْد الْأَذَان , وَمِنْهَا تَقْدِيم الْوُضُوء وَالصَّلَاة , وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَة , وَرَفْع الْيَدَيْنِ , وَتَقْدِيم التَّوْبَة , وَالِاعْتِرَاف بِالذَّنْبِ , وَالْإِخْلَاص , وَافْتِتَاحه بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاء وَالصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالسُّؤَال بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى , وَأَدِلَّة ذَلِكَ ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْكِتَاب. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ مَا مُلَخَّصه : الَّذِي يُتَصَوَّر فِي الْإِجَابَة وَعَدَمهَا أَرْبَع صُوَر : الْأُولَى عَدَم الْعَجَلَة وَعَدَم الْقَوْل الْمَذْكُور , الثَّانِيَة وُجُودهمَا , الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة عَدَم أَحَدهمَا وَوُجُود الْآخَر , فَدَلَّ الْخَبَر عَلَى أَنَّ الْإِجَابَة تَخْتَصّ بِالصُّورَةِ الْأُولَى دُون ثَلَاث , قَالَ : وَدَلَّ الْحَدِيث عَلَى أَنَّ مُطْلَق قَوْله تَعَالَى ( أُجِيبُ دَعْوَة الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) مُقَيَّد بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيث. قُلْت : وَقَدْ أُوِّلَ الْحَدِيث الْمُشَار إِلَيْهِ قَبْلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْإِجَابَةِ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ تَحْصِيل الْمَطْلُوب بِعَيْنِهِ أَوْ مَا يَقُوم مَقَامه وَيَزِيد عَلَيْهِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5866",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا فَتَغَيَّمَتْ السَّمَاءُ وَمُطِرْنَا حَتَّى مَا كَادَ الرَّجُلُ يَصِلُ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمْ تَزَلْ تُمْطَرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنَّا فَقَدْ غَرِقْنَا فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا فَجَعَلَ السَّحَابُ يَتَقَطَّعُ حَوْلَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَلَا يُمْطِرُ ‏ ‏أَهْلَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث قَتَادَة عَنْ أَنَس \" بَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب يَوْم الْجُمُعَة فَقَامَ رَجُل فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه اُدْعُ اللَّه أَنْ يَسْقِينَا \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُل أَوْ غَيْره فَقَالَ : اُدْعُ اللَّه أَنْ يَصْرِف عَنَّا فَقَدْ غَرِقْنَا , فَقَالَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الِاسْتِسْقَاء , وَفِي بَعْض طُرُقه فِي الْأَوَّل \" فَقَالَ : اللَّهُمَّ اِسْقِنَا \" وَوَجْه أَخْذه مِنْ التَّرْجَمَة مِنْ جِهَة أَنَّ الْخَطِيب مِنْ شَأْنه أَنْ يَسْتَدْبِر الْقِبْلَة , وَأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَعَا فِي الْمَرَّتَيْنِ اِسْتَدَارَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاء مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس فِي هَذِهِ الْقِصَّة فِي آخِره \" وَلَمْ يَذْكُر أَنَّهُ حَوَّلَ رِدَاءَهُ , وَلَا اِسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "5867",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى هَذَا الْمُصَلَّى ‏ ‏يَسْتَسْقِي فَدَعَا وَاسْتَسْقَى ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد قَالَ \" خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي فَدَعَا وَاسْتَسْقَى , ثُمَّ اِسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة وَقَلَبَ رِدَاءَهُ \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الْحَدِيث مُطَابِق لِلتَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْل هَذَا , يُرِيد أَنَّهُ قَدَّمَ الدُّعَاء قَبْل الِاسْتِسْقَاء , ثُمَّ قَالَ : لَكِنْ لَعَلَّ الْبُخَارِيّ أَرَادَ أَنَّهُ لَمَّا تَحَوَّلَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ دَعَا حِينَئِذٍ أَيْضًا , قُلْت : وَهُوَ كَذَلِكَ , فَأَشَارَ كَعَادَتِهِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث , وَقَدْ مَضَى فِي الِاسْتِسْقَاء مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" وَأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُو اِسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ \" وَتَرْجَمَ لَهُ \" اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة فِي الدُّعَاء \" وَالْجَمْع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث أَنَس أَنَّ الْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث أَنَس كَانَتْ فِي خُطْبَة الْجُمُعَة بِالْمَسْجِدِ , وَالْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد كَانَتْ بِالْمُصَلَّى , وَقَدْ سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَة مِنْ رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ فَصَارَ حَدِيثهَا مِنْ جُمْلَة الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَيَسْقُط بِذَلِكَ اِعْتِرَاض الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ أَصْله. وَقَدْ وَرَدَ فِي اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة فِي الدُّعَاء مِنْ فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَّة أَحَادِيث : مِنْهَا حَدِيث عُمَر عِنْد التِّرْمِذِيّ وَقَدْ قَدَّمْته فِي \" بَاب رَفْع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء \" وَلِمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر \" لَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر نَظَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة ثُمَّ مَدّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِف بِرَبِّهِ \" الْحَدِيث , وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" اِسْتَقْبَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَعْبَة فَدَعَا عَلَى نَفَر مِنْ قُرَيْش \" الْحَدِيث مُتَّفَق عَلَيْهِ , وَفِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن طَارِق عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا جَازَ مَكَانًا مِنْ دَار يَعْلَى اِسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة فَدَعَا \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّفْظ لَهُ , وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَبْر عَبْد اللَّه ذِي النِّجَادَيْنِ \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ دَفْنه اِسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة رَافِعًا يَدَيْهِ \" أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه. ‏"
    },
    {
        "id": "5868",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَرَمِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَتْ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ خَادِمُكَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏ادْعُ اللَّهَ لَهُ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" قَالَتْ أُمِّي يَا رَسُول اللَّه خَادِمك اُدْعُ اللَّه لَهُ , قَالَ : اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَاله وَوَلَده \" الْحَدِيث. وَقَدْ مَضَى قَرِيبًا , وَذَكَرَهُ فِي عِدَّة أَبْوَاب. وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا ذِكْر الْعُمْر , فَقَالَ بَعْض الشُّرَّاح : مُطَابَقَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الدُّعَاء بِكَثْرَةِ الْوَلَد يَسْتَلْزِم حُصُول طُول الْعُمْر , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا مُلَازَمَة بَيْنهمَا إِلَّا بِنَوْعٍ مِنْ الْمَجَاز بِأَنْ يُرَاد أَنَّ كَثْرَة الْوَلَد فِي الْعَادَة تَسْتَدْعِي بَقَاء ذِكْر الْوَلَد مَا بَقِيَ أَوْلَاده , فَكَأَنَّهُ حَيّ. وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَاب أَنَّهُ أَشَارَ كَعَادَتِهِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه , فَأَخْرَجَ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس قَالَ \" قَالَتْ أُمّ سُلَيْمٍ - وَهِيَ أُمّ أَنَس - خُوَيْدِمك أَلَا تَدْعُو لَهُ ؟ فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَاله وَوَلَده وَأَطِلْ حَيَاته وَاغْفِرْ لَهُ \" فَأَمَّا كَثْرَة وَلَد أَنَس وَمَاله فَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس \" قَالَ أَنَس : فَوَاَللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِير , وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَد وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْو الْمِائَة الْيَوْم \" , وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيث \" الطَّاعُون شَهَادَة لِكُلِّ مُسْلِم \" فِي كِتَاب الطِّبّ قَوْل أَنَس \" أَخْبَرَتْنِي اِبْنَتِي أَمِينَة أَنَّهُ دُفِنَ مِنْ صُلْبِي إِلَى يَوْم مَقْدِم الْحَجَّاج الْبَصْرَة مِائَة وَعِشْرُونَ \" وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي تَرْجَمَته : كَانَ أَكْثَر الصَّحَابَة أَوْلَادًا. وَقَدْ قَالَ اِبْن قُتَيْبَة فِي \" الْمَعَارِف \" : كَانَ بِالْبَصْرَةِ ثَلَاثَة مَا مَاتُوا حَتَّى رَأَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ مِنْ وَلَده مِائَة ذَكَرَ لِصُلْبِهِ : أَبُو بَكْرَة وَأَنَس وَخَلِيفَة بْن بَدْر , وَزَادَ غَيْره رَابِعًا وَهُوَ الْمُهَلَّب بْن أَبِي صُفْرَة. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي ذِكْر أَنَس : وَكَانَ لَهُ بُسْتَان يَأْتِي فِي كُلّ سَنَة الْفَاكِهَة مَرَّتَيْنِ , وَكَانَ فِيهِ رَيْحَان يَجِيء مِنْهُ رِيح الْمِسْك , وَرِجَاله ثِقَات. وَأَمَّا طُول عُمُر أَنَس فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّهُ كَانَ فِي الْهِجْرَة اِبْن تِسْع سِنِينَ وَكَانَتْ وَفَاته سَنَة إِحْدَى وَتِسْعِينَ فِيمَا قِيلَ وَقِيلَ سَنَة ثَلَاث وَلَهُ مِائَة وَثَلَاث سِنِينَ قَالَهُ خَلِيفَة وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَأَكْثَر مَا قِيلَ فِي سِنّه أَنَّهُ بَلَغَ مِائَة وَسَبْع سِنِينَ , وَأَقَلّ مَا قِيلَ فِيهِ تِسْعًا وَتِسْعِينَ سَنَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5869",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَالِيَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْعُو عِنْدَ ‏ ‏الْكَرْبِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( هِشَام ) ‏ ‏وَفِي الطَّرِيق الثَّانِيَة \" هِشَام بْن أَبِي عَبْد اللَّه \" وَهُوَ الدَّسْتُوَائِيّ , وَأَبُو الْعَالِيَة هُوَ الرِّيَاحِيّ بِتَحْتَانِيَّة ثُمَّ مُهْمَلَة وَاسْمه رُفَيْع , وَقَدْ رَوَاهُ قَتَادَة عَنْهُ بِالْعَنْعَنَةِ وَهُوَ مُدَلِّس , وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَن فِي كِتَاب الطَّهَارَة عَقِب حَدِيث أَبِي خَالِد الدَّالَانِيّ عَنْ قَتَادَة عَنْ أَبِي الْعَالِيَة قَالَ شُعْبَة : إِنَّمَا سَمِعَ قَتَادَة مِنْ أَبِي الْعَالِيَة أَرْبَعَة أَحَادِيث : حَدِيث يُونُس بْن مَتَّى , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي الصَّلَاة , وَحَدِيث الْقُضَاة ثَلَاثَة. وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس شَهِدَ عِنْدِي رِجَال مَرْضِيُّونَ , وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم فِي \" الْمَرَاسِيل \" بِسَنَدِهِ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ شُعْبَة قَالَ : لَمْ يَسْمَع قَتَادَة مِنْ أَبِي الْعَالِيَة إِلَّا ثَلَاثَة أَحَادِيث فَذَكَرهَا بِنَحْوِهِ وَلَمْ يَذْكُر حَدِيث اِبْن عُمَر , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يَعْتَبِر بِهَذَا الْحَصْر لِأَنَّ شُعْبَة مَا كَانَ يُحَدِّث عَنْ أَحَد مِنْ الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا بِمَا يَكُون ذَلِكَ الْمُدَلِّس قَدْ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخه , وَقَدْ حَدَّثَ شُعْبَة بِهَذَا الْحَدِيث عَنْ قَتَادَة , وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِيرَاده لَهُ مُعَلَّقًا فِي آخِر التَّرْجَمَة مِنْ رِوَايَة شُعْبَة. وَأَخْرَجَ مُسْلِم الْحَدِيث مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة أَنَّ أَبَا الْعَالِيَة حَدَّثَهُ , وَهَذَا صَرِيح فِي سَمَاعه لَهُ مِنْهُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة قَتَادَة عَنْ أَبِي الْعَالِيَة غَيْر هَذَا , وَهُوَ حَدِيث رُؤْيَة مُوسَى وَغَيْره لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا. وَقَوْله فِي هَذَا الْمُعَلَّق \" وَقَالَ وَهْب \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْمُسْتَمْلِي وَحْده \" وُهَيْب \" بِالتَّصْغِيرِ , وَقَالَ أَبُو ذَرّ : الصَّوَاب الْأَوَّل. قُلْت : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ \" وَهْب بْن جَرِير \" أَيْ اِبْن حَازِم فَأَزَالَ الْإِشْكَال , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق وُهَيْب بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ اِبْن خَالِد فَقَالَ : سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة. فَظَهَرَ أَنَّهُ عِنْد وُهَيْب بِالتَّصْغِيرِ عَنْ سَعِيد بِالْمُهْمَلَةِ وَالدَّال , وَعِنْد وَهْب بِسُكُونِ الْهَاء عَنْ شُعْبَة بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَة. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ يَدْعُو عِنْد الْكَرْب ) ‏ ‏أَيْ عِنْد حُلُول الْكَرْب , وَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَاده \" كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ وَيَقُولهُنَّ عِنْد الْكَرْب \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة يُوسُف بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث عَنْ أَبِي الْحَارِث عَنْ أَبِي الْعَالِيَة \" كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْر \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالزَّاي وَبِالْمُوَحَّدَةِ أَيْ هَجَمَ عَلَيْهِ أَوْ غَلَبَهُ , وَفِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد النَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم \" لَقَّنَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَات وَأَمَرَنِي إِنْ نَزَلَ بِي كَرْب أَوْ شِدَّة أَنْ أَقُولهَا \". ‏ ‏قَوْله ( لَا إِلَه إِلَّا اللَّه الْعَظِيم الْحَلِيم , لَا إِلَه إِلَّا اللَّه رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَرَبّ الْعَرْش الْعَظِيم ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا بِلَفْظِ \" وَرَبّ الْأَرْض وَرَبّ الْعَرْش الْكَرِيم \" وَقَالَ فِي أَوَّله \" رَبّ الْعَرْش الْكَرِيم \" بَدَل \" الْعَظِيم الْحَلِيم \" وَوَقَعَ جَمِيع مَا تَضَمَّنَتْهُ هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ فِي رِوَايَة وُهَيْب بْن خَالِد الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا , لَكِنْ قَالَ \" الْعَلِيم الْحَلِيم \" بِاللَّامِ بَدَل الظَّاء الْمُعْجَمَة , وَكَذَا هُوَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق مُعَاذ بْن هِشَام وَقَالَ \" الْعَظِيم \" بَدَل \" الْعَلِيم \". ‏"
    },
    {
        "id": "5870",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَالِيَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَقُولُ عِنْدَ ‏ ‏الْكَرْبِ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏وَهْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( رَبّ الْعَرْش الْعَظِيم ) ‏ ‏نَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ رَوَاهُ بِرَفْعِ الْعَظِيم , وَكَذَا بِرَفْعِ الْكَرِيم فِي قَوْله \" رَبّ الْعَرْش الْكَرِيم \" عَلَى أَنَّهُمَا نَعْتَانِ لِلرَّبِّ , وَاَلَّذِي ثَبَتَ فِي رِوَايَة الْجُمْهُور بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ نَعْت لِلْعَرْشِ , وَكَذَا قَرَأَ الْجُمْهُور فِي قَوْله تَعَالَى ( رَبّ الْعَرْش الْعَظِيم - وَرَبّ الْعَرْش الْكَرِيم ) بِالرَّفْعِ , وَقَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن بِالْجَرِّ فِيهِمَا , وَجَاءَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ اِبْن كَثِير وَعَنْ أَبِي جَعْفَر الْمَدَنِيّ , وَأُعْرِب بِوَجْهَيْنِ أَحَدهمَا مَا تَقَدَّمَ وَالثَّانِي أَنْ يَكُون مَعَ الرَّفْع نَعْتًا لِلْعَرْشِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر لِمُبْتَدَأ مَحْذُوف قُطِعَ عَمَّا قَبْله لِلْمَدْحِ , وَرُجِّحَ لِحُصُولِ تَوَافُق الْقِرَاءَتَيْنِ , وَرَجَّحَ أَبُو بَكْر الْأَصَمّ الْأَوَّل لِأَنَّ وَصْف الرَّبّ بِالْعَظِيمِ أَوْلَى مِنْ وَصْف الْعَرْش , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ وَصْف مَا يُضَاف لِلْعَظِيمِ بِالْعَظِيمِ أَقْوَى فِي تَعْظِيم الْعَظِيم , فَقَدْ نَعَتَ الْهُدْهُد عَرْش بَلْقِيس بِأَنَّهُ عَرْش عَظِيم وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ سُلَيْمَان , قَالَ الْعُلَمَاء : الْحَلِيم الَّذِي يُؤَخِّر الْعُقُوبَة مَعَ الْقُدْرَة , وَالْعَظِيم الَّذِي لَا شَيْء يَعْظُم عَلَيْهِ , وَالْكَرِيم الْمُعْطِي فَضْلًا , وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيد فِي شَرْح الْأَسْمَاء الْحُسْنَى قَرِيبًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : صَدَّرَ هَذَا الثَّنَاء بِذِكْرِ الرَّبّ لِيُنَاسِب كَشْف الْكَرْب , لِأَنَّهُ مُقْتَضَى التَّرْبِيَة , وَفِيهِ التَّهْلِيل الْمُشْتَمِل عَلَى التَّوْحِيد , وَهُوَ أَصْل التَّنْزِيهَات الْجَلَالِيَّة , وَالْعَظَمَة الَّتِي تَدُلّ عَلَى تَمَام الْقُدْرَة , وَالْحِلْم الَّذِي يَدُلّ عَلَى الْعِلْم , إِذْ الْجَاهِل لَا يُتَصَوَّر مِنْهُ حِلْم وَلَا كَرَم , وَهُمَا أَصْل الْأَوْصَاف الْإِكْرَامِيَّة. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَلِيٍّ الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ \" لَا إِلَه إِلَّا اللَّه الْكَرِيم الْعَظِيم , سُبْحَان اللَّه تَبَارَكَ اللَّه رَبّ الْعَرْش الْعَظِيم , وَالْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ \" وَفِي لَفْظ \" الْحَلِيم الْكَرِيم \" فِي الْأَوَّل وَفِي لَفْظ \" لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ الْعَلِيّ الْعَظِيم , لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ الْحَلِيم الْكَرِيم \" وَفِي لَفْظ \" لَا إِلَه إِلَّا اللَّه الْحَلِيم الْكَرِيم سُبْحَانه تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَبّ الْعَرْش الْعَظِيم , الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ \" أَخْرَجَهَا كُلّهَا النَّسَائِيُّ. قَالَ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَى قَوْل اِبْن عَبَّاس \" يَدْعُو \" وَإِنَّمَا هُوَ تَهْلِيل وَتَعْظِيم يَحْتَمِل أَمْرَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ الْمُرَاد تَقْدِيم ذَلِكَ قُبَيْل الدُّعَاء كَمَا وَرَدَ مِنْ طَرِيق يُوسُف اِبْن عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث الْمَذْكُورَة وَفِي آخِره \" ثُمَّ يَدْعُو \". قُلْت : وَكَذَا هُوَ عِنْد أَبِي عَوَانَة فِي مُسْتَخْرَجه مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَعِنْد عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْر قَالَ \" فَذَكَرَ الذِّكْر الْمَأْثُور وَزَادَ \" ثُمَّ دَعَا \" وَفِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث \" سَمِعْت اِبْن عَبَّاس \" فَذَكَرَهُ وَزَادَ فِي آخِره \" اللَّهُمَّ اِصْرِفْ عَنِّي شَرّه \" قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَيُؤَيِّد هَذَا مَا رَوَى الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم قَالَ : كَانَ يُقَال إِذَا بَدَأَ الرَّجُل بِالثَّنَاءِ قَبْل الدُّعَاء اُسْتُجِيبَ , وَإِذَا بَدَأَ بِالدُّعَاءِ قَبْل الثَّنَاء كَانَ عَلَى الرَّجَاء. ثَانِيهمَا مَا أَجَابَ بِهِ اِبْن عُيَيْنَةَ فِيمَا حَدَّثَنَا حُسَيْن بْن حَسَن الْمَرْوَزِيُّ قَالَ \" سَأَلْت اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الْحَدِيث الَّذِي فِيهِ أَكْثَر مَا كَانَ يَدْعُو بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَة لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ \" الْحَدِيث فَقَالَ سُفْيَان : هُوَ ذِكْر , وَلَيْسَ فِيهِ دُعَاء , وَلَكِنْ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبّه عَزَّ وَجَلَّ : مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْته أَفْضَل مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ \" قَالَ وَقَالَ أُمِّيَّة اِبْن أَبِي الصَّلْت فِي مَدْح عَبْد اللَّه بْن جُدْعَان : ‏ ‏أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ‏ ‏حَيَاؤُك إِنَّ شِيمَتك الْحَيَاء ‏ ‏إِذَا أَثْنَى عَلَيْك الْمَرْء يَوْمًا ‏ ‏كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضك الثَّنَاء ‏ ‏قَالَ سُفْيَان : فَهَذَا مَخْلُوق حِين نُسِبَ إِلَى الْكَرَم اِكْتَفَى بِالثَّنَاءِ عَنْ السُّؤَال فَكَيْف بِالْخَالِقِ ؟ قُلْت : وَيُؤَيِّد الِاحْتِمَال الثَّانِي حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص رَفَعَهُ \" دَعْوَة ذِي النُّون إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْن الْحُوت : لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانك إِنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ , فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُل مُسْلِم فِي شَيْء قَطّ إِلَّا اِسْتَجَابَ اللَّه تَعَالَى لَهُ \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم , وَفِي لَفْظ لِلْحَاكِمِ \" فَقَالَ رَجُل : أَكَانَتْ لِيُونُس خَاصَّة أَمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّة ؟ فَقَالَ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا تَسْمَع إِلَى قَوْل اللَّه تَعَالَى ( وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ). وَقَالَ اِبْن بَطَّال : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر الرَّازِيُّ قَالَ كُنْت بِأَصْبَهَان عِنْد أَبِي نُعَيْم أَكْتُب الْحَدِيث , وَهُنَاكَ شَيْخ يُقَال لَهُ أَبُو بَكْر بْن عَلِيّ عَلَيْهِ مَدَار الْفُتْيَا فَسُعِىَ بِهِ عِنْد السُّلْطَان فَسُجِنَ , فَرَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَام وَجِبْرِيل عَنْ يَمِينه يُحَرِّك شَفَتَيْهِ بِالتَّسْبِيحِ لَا يَفْتُر , فَقَالَ لِي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِأَبِي بَكْر بْن عَلِيّ يَدْعُو بِدُعَاءِ الْكَرْب الَّذِي فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ حَتَّى يُفَرِّج اللَّه عَنْهُ. قَالَ فَأَصْبَحْت فَأَخْبَرْته فَدَعَا بِهِ فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أُخْرِجَ اِنْتَهَى. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَاب \" الْفَرَج بَعْد الشِّدَّة \" لَهُ مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر قَالَ : كَتَبَ الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك إِلَى عُثْمَان بْن حَيَّان اُنْظُرْ الْحَسَن بْن الْحَسَن فَاجْلِدْهُ مِائَة جَلْدَة وَأَوْقِفْهُ لِلنَّاسِ , قَالَ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجِيءَ بِهِ فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن فَقَالَ : يَا اِبْن عَمّ تَكَلَّمْ بِكَلِمَاتِ الْفَرَج يُفَرِّج اللَّه عَنْك , فَذَكَرَ حَدِيث عَلِيّ بِاللَّفْظِ الثَّانِي , فَقَالَهَا , فَرَفَعَ إِلَيْهِ عُثْمَان رَأْسه فَقَالَ : أَرَى وَجْه رَجُل كُذِبَ عَلَيْهِ , خَلُّوا سَبِيله , فَسَأَكْتُبُ إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ بِعُذْرِهِ فَأَطْلَقَ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَالطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن الْحَسَن بْن عَلِيّ قَالَ : لَمَّا زَوَّجَ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر اِبْنَته قَالَ لَهَا إِنْ نَزَلَ بِك أَمْر فَاسْتَقْبِلِيهِ بِأَنْ تَقُولِي : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه الْحَلِيم الْكَرِيم , سُبْحَان اللَّه رَبّ الْعَرْش الْعَظِيم , الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ. قَالَ الْحَسَن : فَأَرْسَلَ إِلَيَّ الْحَجَّاج فَقُلْتهنَّ فَقَالَ : وَاَللَّه لَقَدْ أَرْسَلْت إِلَيْك وَأَنَا أُرِيدَ أَنْ أَقْتُلك , فَلَأَنْت الْيَوْم أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا. وَزَادَ فِي لَفْظ : فَسَلْ حَاجَتك. وَمِمَّا وَرَدَ مِنْ دَعَوَات الْكَرْب مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن إِلَّا التِّرْمِذِيّ عَنْ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْس قَالَتْ \" قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا أُعَلِّمك كَلِمَات تَقُولِيهِنَّ عِنْد الْكَرْب ؟ اللَّه اللَّه رَبِّي لَا أُشْرِك بِهِ شَيْئًا \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي الْجَوْزَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله. وَلِأَبِي دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان عَنْ أَبِي بَكْرَة رَفَعَهُ \" دَعَوَات الْمَكْرُوب : اللَّهُمَّ رَحْمَتك أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَة عَيْن , وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلّه لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5871",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سُمَيٌّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَعَوَّذُ مِنْ ‏ ‏جَهْدِ ‏ ‏الْبَلَاءِ ‏ ‏وَدَرَكِ الشَّقَاءِ ‏ ‏وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏الْحَدِيثُ ثَلَاثٌ زِدْتُ أَنَا وَاحِدَةً ‏ ‏لَا أَدْرِي أَيَّتُهُنَّ هِيَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُمَيّ ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّر هُوَ مَوْلَى أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَخْزُومِيّ. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ يَتَعَوَّذ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَرَوَاهُ مُسَدَّد عَنْ سُفْيَان بِسَنَدِهِ هَذَا بِلَفْظِ الْأَمْر \" تَعَوَّذُوا \" وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْقَدَر , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَسَن بْن عَلِيّ الْوَاسِطِيّ عَنْ سُفْيَان عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم. ‏ ‏قَوْله ( وَدَرَك الشَّقَاء ) ‏ ‏بِفَتْحِ الدَّالّ وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَيَجُوز سُكُون الرَّاء وَهُوَ الْإِدْرَاك وَاللِّحَاق , وَالشَّقَاء بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ قَاف هُوَ الْهَلَاك , وَيُطْلَق عَلَى السَّبَب الْمُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاك. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَة رَاوِي الْحَدِيث الْمَذْكُور , وَهُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( الْحَدِيث ثَلَاث , زِدْت أَنَا وَاحِدَة لَا أَدْرِي أَيَّتهنَّ ) ‏ ‏أَيْ الْحَدِيث الْمَرْفُوع الْمَرْوِيّ يَشْتَمِل عَلَى ثَلَاث جُمَل مِنْ الْجُمَل الْأَرْبَع وَالرَّابِعَة زَادَهَا سُفْيَان مِنْ قِبَل نَفْسه ثُمَّ خَفِيَ عَلَيْهِ تَعْيِينهَا , وَوَقَعَ عِنْد الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان \" الْحَدِيث ثَلَاث مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَع \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق الْحُمَيْدِيِّ وَلَمْ يُفَصِّل ذَلِكَ بَعْض الرُّوَاة عَنْ سُفْيَان , وَفِي ذَلِكَ تَعَقُّب عَلَى الْكَرْمَانِيّ حَيْثُ اِعْتَذَرَ عَنْ سُفْيَان فِي جَوَاب مَنْ اِسْتَشْكَلَ جَوَاز زِيَادَته الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوز الْإِدْرَاج فِي الْحَدِيث فَقَالَ : يُجَاب عَنْهُ بِأَنَّهُ كَانَ يُمَيِّزهَا إِذَا حَدَّثَ , كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَر , فَسَيَأْتِي فِي الْقَدَر عَنْ مُسَدَّد وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ وَعَمْرو النَّاقِد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَة وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد وَأَبُو عَوَانَة مِنْ رِوَايَة عَبْد الْجَبَّار بْن الْعَلَاء وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن وَكِيع كُلّهمْ عَنْ سُفْيَان بِالْخِصَالِ الْأَرْبَعَة بِغَيْرِ تَمْيِيز , إِلَّا أَنَّ مُسْلِمًا قَالَ عَنْ عَمْرو النَّاقِد : قَالَ سُفْيَان أَشُكّ أَنِّي زِدْت وَاحِدَة مِنْهَا. وَأَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن هَاشِم عَنْ سُفْيَان فَاقْتَصَرَ عَلَى ثَلَاثَة ثُمَّ قَالَ : قَالَ سُفْيَان وَشَمَاتَة الْأَعْدَاء. وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان , وَبَيَّنَ أَنَّ الْخَصْلَة الْمَزِيدَة هِيَ شَمَاتَة الْأَعْدَاء , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق شُجَاع بْن مَخْلَد عَنْ سُفْيَان مُقْتَصِرًا عَلَى الثَّلَاثَة دُونهَا , وَعُرِفَ مِنْ ذَلِكَ تَعْيِين الْخَصْلَة الْمَزِيدَة , وَيُجَاب عَنْ النَّظَر بِأَنَّ سُفْيَان كَانَ إِذَا حَدَّثَ مَيَّزَهَا ثُمَّ طَالَ الْأَمْر فَطَرَقَهُ السَّهْو عَنْ تَعْيِينهَا فَحَفِظَ بَعْض مَنْ سَمِعَ تَعْيِينهَا مِنْهُ قَبْل أَنْ يَطْرُقهُ السَّهْو , ثُمَّ كَانَ بَعْد أَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ تَعْيِينهَا يَذْكُر كَوْنهَا مَزِيدَة مَعَ إِبْهَامهَا , ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ إِمَّا أَنْ يُحْمَل الْحَال حَيْثُ لَمْ يَقَع تَمْيِيزهَا لَا تَعْيِينًا وَلَا إِبْهَامًا أَنْ يَكُون ذَهِلَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَيَّنَ أَوْ مَيَّزَ فَذَهِلَ عَنْهُ بَعْض مَنْ سَمِعَ , وَيَتَرَجَّح كَوْن الْخَصْلَة الْمَذْكُورَة هِيَ الْمَزِيدَة بِأَنَّهَا تَدْخُل فِي عُمُوم كُلّ وَاحِدَة مِنْ الثَّلَاثَة ثُمَّ كُلّ وَاحِدَة مِنْ الثَّلَاثَة مُسْتَقِلَّة , فَإِنَّ كُلّ أَمْر يُكْرَه يُلَاحَظ فِيهِ جِهَة الْمَبْدَأ وَهُوَ سُوء الْقَضَاء وَجِهَة الْمَعَاد وَهُوَ دَرَك الشَّقَاء لِأَنَّ شَقَاء الْآخِرَة هُوَ الشَّقَاء الْحَقِيقِيّ وَجِهَة الْمَعَاش وَهُوَ جَهْد الْبَلَاء وَأَمَّا شَمَاتَة الْأَعْدَاء فَتَقَع لِكُلِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ كُلّ مِنْ الْخِصَال الثَّلَاثَة. وَقَالَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره : جَهْد الْبَلَاء كُلّ مَا أَصَابَ الْمَرْء مِنْ شِدَّة مَشَقَّة وَمَا لَا طَاقَة لَهُ بِحَمْلِهِ وَلَا يَقْدِر عَلَى دَفْعه. وَقِيلَ الْمُرَاد بِجَهْدِ الْبَلَاء قِلَّة الْمَال وَكَثْرَة الْعِيَال كَذَا جَاءَ عَنْ اِبْن عُمَر. وَالْحَقّ أَنَّ ذَلِكَ فَرْد مِنْ أَفْرَاد جَهْد الْبَلَاء. وَقِيلَ هُوَ مَا يَخْتَار الْمَوْت عَلَيْهِ , قَالَ : وَدَرَك الشَّقَاء يَكُون فِي أُمُور الدُّنْيَا وَفِي أُمُور الْآخِرَة , وَكَذَلِكَ سُوء الْقَضَاء عَامّ فِي النَّفْس وَالْمَال وَالْأَهْل وَالْوَلَد وَالْخَاتِمَة وَالْمَعَاد , قَالَ : وَالْمُرَاد بِالْقَضَاءِ هُنَا الْمَقْضِيّ ; لِأَنَّ حُكْم اللَّه كُلّه حَسَن لَا سُوء فِيهِ. وَقَالَ غَيْره : الْقَضَاء الْحُكْم بِالْكُلِّيَّاتِ عَلَى سَبِيل الْإِجْمَال فِي الْأَزَل , وَالْقَدَر الْحُكْم بِوُقُوعِ الْجُزْئِيَّات الَّتِي لِتِلْكَ الْكُلِّيَّات عَلَى سَبِيل التَّفْصِيل , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَشَمَاتَة الْأَعْدَاء مَا يَنْكَأ الْقَلْب وَيَبْلُغ مِنْ النَّفْس أَشَدّ مَبْلَغ , وَإِنَّمَا تَعَوَّذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ تَعْلِيمًا لِأُمَّتِهِ , فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى كَانَ آمَنَهُ مِنْ جَمِيع ذَلِكَ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ عِيَاض. قُلْت : وَلَا يَتَعَيَّن ذَلِكَ , بَلْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِسْتَعَاذَ بِرَبِّهِ مِنْ وُقُوع ذَلِكَ بِأُمَّتِهِ , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مُسَدَّد الْمَذْكُورَة بِصِيغَةِ الْأَمْر كَمَا قَدَّمْته , وَقَالَ النَّوَوِيّ : شَمَاتَة الْأَعْدَاء فَرَحهمْ بِبَلِيَّةٍ تَنْزِل بِالْمُعَادِي , قَالَ : وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة لِاسْتِحْبَابِ الِاسْتِعَاذَة مِنْ الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة , وَأَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ الْعُلَمَاء فِي جَمِيع الْأَعْصَار وَالْأَمْصَار , وَشَذَّتْ طَائِفَة مِنْ الزُّهَّاد. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَائِل كِتَاب الدَّعَوَات. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الْكَلَام الْمَسْجُوع لَا يُكْرَه إِذَا صَدَرَ عَنْ غَيْر قَصْد إِلَيْهِ وَلَا تَكَلُّف , قَالَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ , قَالَ : وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة الِاسْتِعَاذَة , وَلَا يُعَارِض ذَلِكَ كَوْن مَا سَبَقَ فِي الْقَدَر لَا يُرَدّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون مِمَّا قَضَى , فَقَدْ يُقْضَى عَلَى الْمَرْء مَثَلًا بِالْبَلَاءِ وَيُقْضَى أَنَّهُ إِنْ دَعَا كُشِفَ , فَالْقَضَاء مُحْتَمِل لِلدِّفَاع وَالْمَدْفُوع , وَفَائِدَة الِاسْتِعَاذَة وَالدُّعَاء إِظْهَار الْعَبْد فَاقَته لِرَبِّهِ وَتَضَرُّعه إِلَيْهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي أَوَائِل كِتَاب الدَّعَوَات. ‏"
    },
    {
        "id": "5872",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ ‏ ‏لَنْ يُقْبَضَ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى قُلْتُ إِذًا لَا يَخْتَارُنَا وَعَلِمْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَتْ فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر فِي رِجَال مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين أَحَد مِنْهُمْ صَرِيحًا , وَقَدْ رَوَى أَصْل الْحَدِيث الْمَذْكُور عَنْ عَائِشَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة وَذَكْوَان مَوْلَى عَائِشَة وَأَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن وَالْقَاسِم بْن مُحَمَّد , فَيُمْكِن أَنْ يَكُون الزُّهْرِيُّ عَنَاهُمْ أَوْ بَعْضهمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "5873",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ أَتَيْتُ ‏ ‏خَبَّابًا ‏ ‏وَقَدْ اكْتَوَى سَبْعًا قَالَ ‏ ‏لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏قَالَ أَتَيْتُ ‏ ‏خَبَّابًا ‏ ‏وَقَدْ اكْتَوَى سَبْعًا فِي بَطْنِهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏لَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث خَبَّاب , ‏ ‏وَيَحْيَى ‏ ‏فِي سَنَده هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان , ‏ ‏وَإِسْمَاعِيل ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , ‏ ‏وَقَيْس ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَإِنَّمَا أَعَادَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى بَعْد أَنْ أَوْرَدَهُ عَنْ مُسَدَّد وَكِلَاهُمَا يَرْوِيه عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان لِمَا فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى مِنْ الزِّيَادَة وَهِيَ قَوْله \" فِي بَطْنه فَسَمِعْته يَقُول \" وَبَاقِي سِيَاقهمَا سَوَاء , وَوَقَعَتْ الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة عِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ وَحْده فِي رِوَايَة مُسَدَّد وَهِيَ غَلَط , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب عِيَادَة الْمَرْضَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5874",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" لَا يَتَمَنَّيَن أَحَدكُمْ الْمَوْت \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَحَد مِنْكُمْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه أَيْضًا هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5875",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ ‏ ‏فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ ‏ ‏الْحَجَلَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَاتِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل , ‏ ‏وَالْجَعْد ‏ ‏يُقَال فِيهِ الْجُعَيْد بِالتَّصْغِيرِ , ‏ ‏وَالسَّائِب بْن يَزِيد ‏ ‏يُعْرَف بِابْنِ أُخْت النَّمِر , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب خَاتَم النُّبُوَّة \" فِي أَوَائِل التَّرْجَمَة النَّبَوِيَّة قَبْل الْمَبْعَث , وَتَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث هُنَاكَ وَفِي \" بَاب اِسْتِعْمَال فَضْل وَضُوء النَّاس \" مِنْ كِتَاب الطَّهَارَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5876",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُقَيْلٍ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ ‏ ‏مِنْ السُّوقِ أَوْ إِلَى السُّوقِ فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ فَيَلْقَاهُ ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَابْنُ عُمَرَ ‏ ‏فَيَقُولَانِ أَشْرِكْنَا ‏ ‏فَإِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ دَعَا لَكَ بِالْبَرَكَةِ فَيُشْرِكُهُمْ فَرُبَّمَا أَصَابَ الرَّاحِلَةَ كَمَا هِيَ فَيَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْمَنْزِلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي عَقِيل ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَاسْمه زُهْرَة بْن مَعْبَد , ‏ ‏وَعَبْد اللَّه بْن هِشَام ‏ ‏هُوَ التَّيْمِيُّ مِنْ بَنِي تَيْم بْن مُرَّة , تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيثه فِي الشَّرِكَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5877",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏وَهُوَ الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي وَجْهِهِ وَهُوَ غُلَامٌ مِنْ بِئْرِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَحْمُود بْن رَبِيع وَهُوَ الَّذِي مَجَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهه وَهُوَ غُلَام مِنْ بِئْرهمْ ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَأَوْرَدَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه فِي الطَّهَارَة كَذَلِكَ , وَلَمْ يَذْكُر الْخَبَر الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ مَحْمُود وَهُوَ حَدِيثه عَنْ عِتْبَان بْن مَالِك فِي صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْته , وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي \" بَاب إِذَا دَخَلَ بَيْتًا صَلَّى حَيْثُ شَاءَ \" مِنْ كِتَاب الصَّلَاة مِنْ هَذَا الْوَجْه مُخْتَصَرًا فَقَالَ \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَة أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ الَّذِي أَوْرَدَهُ هُنَا إِلَى مَحْمُود بْن الرَّبِيع فَزَادَ \" عَنْ عِتْبَان بْن مَالِك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ إِلَى مَنْزِله فَقَالَ : أَيْنَ تُحِبّ أَنْ أُصَلِّي فِي بَيْتك \" الْحَدِيث. وَأَوْرَدَهُ عَنْهُ مِنْ طَرِيق عَقِيل عَنْ اِبْن شِهَاب \" أَخْبَرَنِي مَحْمُود اِبْن الرَّبِيع عَنْ عِتْبَان بْن مَالِك \" فَذَكَرَهُ مُطَوَّلًا وَلَمْ يَذْكُر قَوْل مَحْمُود فِي الْمَجَّة , وَذَكَرَ فِي الْعِلْم مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُود مُقْتَصِرًا عَلَى قِصَّة الْمَجَّة أَتَمّ مِمَّا هُنَا قَالَ \" عَقَلْت مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجَّة \" وَقَدْ شَرَحْته هُنَاكَ وَأَوْرَدَهُ قَبْل \" بَاب الذِّكْر فِي الصَّلَاة \" مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ مُطَوَّلًا بِقِصَّةِ الْمَجَّة وَبِحَدِيثِ عِتْبَان , وَأَوْرَدَهُ فِي الرِّقَاق مِنْ هَذَا الْوَجْه كَذَلِكَ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ , وَقَدْ أَوْرَدَ مُسْلِم حَدِيث عِتْبَان مِنْ طُرُق عَنْ الزُّهْرِيِّ مِنْهَا لِلْأَوْزَاعِيّ عَنْهُ قِصَّة مَحْمُود فِي الْمَجَّة , وَلَمْ يَتَنَبَّه لِذَلِكَ الْحُمَيْدِيّ فِي جَمْعه فَتَرْجَمَ لِمَحْمُودِ بْن الرَّبِيع فِي الصَّحَابَة الَّذِينَ اِنْفَرَدَ الْبُخَارِيّ بِتَخْرِيجِ حَدِيثهمْ وَسَاقَ لَهُ حَدِيث الْمَجَّة الْمَذْكُورَة , وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى الْبُخَارِيّ أَفْرَدَهُ وَلَمْ يُفْرِدهُ مُسْلِم ظَنَّ أَنَّهُ حَدِيث مُسْتَقِلّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5878",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيَدْعُو لَهُمْ ‏ ‏فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الْغُلَام الَّذِي بَالَ فِي حِجْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "5879",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ ‏ ‏وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏مَسَحَ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ رَأَى ‏ ‏سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن ثَعْلَبَة بْن صُعَيْر بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّر وَهُوَ صَحَابِيّ صَغِير , وَأَبُوهُ ثَعْلَبَة صَحَابِيّ أَيْضًا , وَيُقَال فِيهِ اِبْن أَبِي صُعَيْر أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَيْنه ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِاخْتِصَارٍ , وَتَقَدَّمَ مُعَلَّقًا فِي غَزْوَة الْفَتْح مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" مَسَحَ وَجْهه عَام الْفَتْح \" وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ. وَوَقَعَ فِي \" الزُّهْرِيَّات لِلذُّهْلِيِّ \" عَنْ أَبِي الْيَمَان شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ مَسَحَ وَجْهه زَمَن الْفَتْح , كَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" مُسْنَد الشَّامِيِّينَ \" عَنْ أَبِي زُرْعَة الدِّمَشْقِيّ عَنْ أَبِي الْيَمَان. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّهُ رَأَى سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص يُوتِر بِرَكْعَةٍ ) ‏ ‏سَبَقَتْ الْإِشَارَة إِلَى هَذَا فِي كِتَاب الْوِتْر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ بَعْد قَوْله : \" رَكْعَة وَاحِدَة بَعْد صَلَاة الْعِشَاء لَا يَزِيد عَلَيْهَا حَتَّى يَقُوم مِنْ جَوْف اللَّيْل \" وَسَبَقَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي الْوِتْر بِرَكْعَةٍ فَرْدَة مُسْتَوْفًى. ‏"
    },
    {
        "id": "5880",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏قَالَ لَقِيَنِي ‏ ‏كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ فَقُولُوا ‏ ‏اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَعَلَى آلِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَعَلَى آلِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا الْحَكَم ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَيْهِ فِي جَمِيع الطُّرُق عَنْ شُعْبَة إِلَّا هَكَذَا غَيْر مَنْسُوب , وَهُوَ فَقِيه الْكُوفَة فِي عَصْره وَهُوَ اِبْن عُتَيْبَة بِمُثَنَّاةٍ وَمُوَحَّدَة مُصَغَّر , وَوَقَعَ عَنْ التِّرْمِذِيّ وَالطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرهمَا مِنْ رِوَايَة مَالِك بْن مِغْوَل وَغَيْره مَنْسُوبًا قَالُوا \" عَنْ الْحَكَم بْن عُتَيْبَة \" وَعَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى تَابِعِيّ كَبِير وَهُوَ وَالِد اِبْن أَبِي لَيْلَى فَقِيه الْكُوفَة مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى يُنْسَب إِلَى جَدّه. ‏ ‏قَوْله ( لَقِيَنِي كَعْب بْن عُجْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة فِطْر بْن خَلِيفَة عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى \" لَقِيَنِي كَعْب بْن عُجْرَة الْأَنْصَارِيّ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ , وَنَقَلَ اِبْن سَعْد عَنْ الْوَاقِدِيّ أَنَّهُ أَنْصَارِيّ مِنْ أَنْفُسهمْ , وَتَعَقَّبَهُ فَقَالَ : لَمْ أَجِدهُ فِي نَسَب الْأَنْصَار , وَالْمَشْهُور أَنَّهُ بَلَوِيّ , وَالْجَمْع بَيْن الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ بَلَوِيّ حَالَفَ الْأَنْصَار , وَعَيَّنَ الْمُحَارِبِيّ عَنْ مَالِك بْن مِغْوَل عَنْ الْحَكَم الْمَكَان الَّذِي اِلْتَقَيَا بِهِ , فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقه بِلَفْظِ أَنَّ كَعْبًا قَالَ لَهُ وَهُوَ يَطُوف بِالْبَيْتِ. ‏ ‏قَوْله ( أَلَا أُهْدِي لَك هَدِيَّة ) ‏ ‏زَادَ عَبْد اللَّه بْن عِيسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ جَدّه كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيث لِلْأَنْبِيَاءِ \" سَمِعْتهَا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَيْنَا ) ‏ ‏يَجُوز فِي أَنَّ الْفَتْح وَالْكَسْر , وَقَالَ الْفَاكِهَانِيّ فِي \" شَرْح الْعُمْدَة \" : فِي هَذَا السِّيَاق إِضْمَار تَقْدِيره فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن نَعَمْ فَقَالَ كَعْب إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْت : وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة شَبَّابَة وَعَفَّان عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" قُلْت بَلَى قَالَ \" أَخْرَجَهُ الْخَلَعِيّ فِي فَوَائِده , وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عِيسَى الْمَذْكُورَة وَلَفْظه \" فَقُلْت بَلَى فَاهْدِهَا لِي , فَقَالَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْنَا يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏كَذَا فِي مُعْظَم الرِّوَايَات عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة \" قُلْنَا \" بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي الْبَاب , وَمِثْله فِي حَدِيث أَبِي بُرَيْدَةَ عِنْد أَحْمَد وَفِي حَدِيث طَلْحَة عِنْد النَّسَائِيِّ وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الطَّبَرِيِّ , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ عَنْ حَفْص بْن عُمَر عَنْ شُعْبَة بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب \" قُلْنَا أَوْ قَالُوا يَا رَسُول اللَّه \" بِالشَّكِّ وَالْمُرَاد الصَّحَابَة أَوْ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ , وَوَقَعَ عِنْد السَّرَّاج وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَة قَيْس بْن سَعْد عَنْ الْحَكَم بِهِ \" أَنَّ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا \" وَقَالَ الْفَاكِهَانِيّ : الظَّاهِر أَنَّ السُّؤَال صَدَرَ مِنْ بَعْضهمْ لَا مِنْ جَمِيعهمْ فَفِيهِ التَّعْبِير عَنْ الْبَعْض بِالْكُلِّ. ثُمَّ قَالَ : وَيَبْعُد جِدًّا أَنْ يَكُون كَعْب هُوَ الَّذِي بَاشَرَ السُّؤَال مُنْفَرِدًا فَأَتَى بِالنُّونِ الَّتِي لِلتَّعْظِيمِ , بَلْ لَا يَجُوز ذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَابَ بِقَوْلِهِ \" قُولُوا فَلَوْ كَانَ السَّائِل وَاحِدًا لَقَالَ لَهُ قُلْ وَلَمْ يَقُلْ قُولُوا \" اِنْتَهَى , وَلَمْ يَظْهَر لِي وَجْه نَفْي الْجَوَاز وَمَا الْمَانِع أَنْ يَسْأَل الصَّحَابِيّ الْوَاحِد عَنْ الْحُكْم فَيُجِيب صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِيغَةِ الْجَمْع إِشَارَة إِلَى اِشْتَرَاك الْكُلّ فِي الْحُكْم , وَيُؤَكِّدهُ أَنَّ فِي نَفْس السُّؤَال \" قَدْ عَرَفْنَا كَيْف نُسَلِّم عَلَيْك فَكَيْف نُصَلِّي \" كُلّهَا بِصِيغَةِ الْجَمْع فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَأَلَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ فَحَسُنَ الْجَوَاب بِصِيغَةِ الْجَمْع , لَكِنْ الْإِتْيَان بِنُونِ الْعَظَمَة فِي خِطَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُظَنّ بِالصَّحَابِيِّ , فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ السَّائِل كَانَ مُتَعَدِّدًا فَوَاضِح , وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ وَاحِدًا فَالْحِكْمَة فِي الْإِتْيَان بِصِيغَةِ الْجَمْع الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ السُّؤَال لَا يَخْتَصّ بِهِ بَلْ يُرِيد نَفْسه وَمَنْ يُوَافِقهُ عَلَى ذَلِكَ , فَحَمْلهُ عَلَى ظَاهِره مِنْ الْجَمْع هُوَ الْمُعْتَمَد , عَلَى أَنَّ الَّذِي نَفَاهُ الْفَاكِهَانِيّ قَدْ وَرَدَ فِي بَعْض الطُّرُق , فَعِنْد الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق الْأَجْلَح , عَنْ الْحَكَم بِلَفْظِ \" قُمْت إِلَيْهِ فَقُلْت : السَّلَام عَلَيْك قَدْ عَرَفْنَاهُ , فَكَيْف الصَّلَاة عَلَيْك يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ قُلْ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد الْحَدِيث \" وَقَدْ وَقَفْت مِنْ تَعْيِين مَنْ بَاشَرَ السُّؤَال عَلَى جَمَاعَة : وَهُمْ كَعْب بْن عُجْرَة وَبَشِير بْن سَعْد وَالِد النُّعْمَان وَزَيْد بْن خَارِجَة الْأَنْصَارِيّ وَطَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه وَأَبُو هُرَيْرَة وَعَبْد الرَّحْمَن بْن بَشِير , أَمَّا كَعْب فَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَم بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظِ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه قَدْ عَلِمْنَا \" وَأَمَّا بَشِير فَفِي حَدِيث أَبِي مَسْعُود عِنْد مَالِك وَمُسْلِم وَغَيْرهمَا أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِس سَعْد بْن عُبَادَةَ , فَقَالَ لَهُ بَشِير بْن سَعْد \" أَمَرَنَا اللَّه أَنْ نُصَلِّي عَلَيْك \" الْحَدِيث , وَأَمَّا زَيْد بْن خَارِجَة فَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثه قَالَ \" أَنَا سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : صَلُّوا عَلَيَّ وَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاء وَقُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد \" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيث طَلْحَة قَالَ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه كَيْف الصَّلَاة عَلَيْك \" وَمَخْرَج حَدِيثهمَا وَاحِد , وَأَمَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَأَخْرَجَ الشَّافِعِيّ مِنْ حَدِيثه أَنَّهُ قَالَ \" يَا رَسُول اللَّه كَيْف نُصَلِّي عَلَيْك \" وَأَمَّا حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن بَشِير فَأَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي كِتَاب \" فَضْل الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قَالَ \" قُلْت أَوْ قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" هَكَذَا عِنْده عَلَى الشَّكّ , وَأَبْهَمَ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ رِوَايَة الْأَجْلَح وَحَمْزَة الزَّيَّات عَنْ الْحَكَم السَّائِل وَلَفْظه \" جَاءَ رَجُل فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه قَدْ عَلِمْنَا \" وَوَقَعَ لِهَذَا السُّؤَال سَبَب أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْخُلَعِيّ مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن الصَّبَاح الزَّعْفَرَانِيّ \" حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن زَكَرِيَّا عَنْ الْأَعْمَش وَمِسْعَر وَمَالِك بْن مِغْوَل عَنْ الْحَكَم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ ( إِنَّ اللَّه وَمَلَائِكَته يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ ) الْآيَة قُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه , قَدْ عَلِمْنَا \" الْحَدِيث. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث عَنْ مُحَمَّد بْن بَكَّار عَنْ إِسْمَاعِيل اِبْن زَكَرِيَّا وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه بَلْ أَحَالَ بِهِ عَلَى مَا قَبْله فَهُوَ عَلَى شَرْطه , وَأَخْرَجَهُ السَّرَّاج مِنْ طَرِيق مَالِك بْن مِغْوَل وَحْده كَذَلِكَ , وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَالْبَيْهَقِيُّ وَإِسْمَاعِيل الْقَاضِي مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى وَالطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق الْأَجْلَح وَالسَّرَّاج مِنْ طَرِيق سُفْيَان وَزَائِدَة فَرَّقَهُمَا , وَأَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق الْأَجْلَح وَحَمْزَة الزَّيَّات كُلّهمْ عَنْ الْحَكَم مِثْله , وَأَخْرَجَ أَبُو عَوَانَة أَيْضًا مِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن اِبْن أَبِي لَيْلَى مِثْله , وَفِي حَدِيث طَلْحَة عِنْد الطَّبَرِيِّ \" أَتَى رَجُل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : سَمِعْت اللَّه يَقُول ( إِنَّ اللَّه وَمَلَائِكَته ) الْآيَة فَكَيْف الصَّلَاة عَلَيْك \". ‏ ‏قَوْله ( قَدْ عَلِمْنَا ) ‏ ‏الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر اللَّام مُخَفَّفًا , وَجَوَّزَ بَعْضهمْ ضَمّ أَوَّله وَالتَّشْدِيد عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد وَبِالشَّكِّ وَلَفْظه \" قُلْنَا قَدْ عُلِّمْنَاهُ أَوْ عُلِّمْنَا \" رُوِّينَاهُ فِي \" الْخَلِيعَات \" وَكَذَا أَخْرَجَ السَّرَّاج مِنْ طَرِيق مَالِك بْن مِغْوَل عَنْ الْحَكَم بِلَفْظِ \" عُلِّمْنَا \" أَوْ عُلِّمْنَاهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَفْص بْن عُمَر الْمَذْكُورَة \" أَمَرْتنَا أَنْ نُصَلِّي عَلَيْك , وَأَنْ نُسَلِّم عَلَيْك , فَأَمَّا السَّلَام فَقَدْ عَرَفْنَاهُ \" وَفِي ضَبْط عَرَفْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ فِي عُلِّمْنَاهُ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ \" أَمَرْتنَا \" أَيْ بَلَّغْتنَا عَنْ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي مَسْعُود \" أَمَرَنَا اللَّه \" وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عِيسَى الْمَذْكُورَة \" كَيْف الصَّلَاة عَلَيْكُمْ أَهْل الْبَيْت فَإِنَّ اللَّه قَدْ عَلَّمَنَا كَيْف نُسَلِّم \" أَيْ عَلَّمَنَا اللَّه كَيْفِيَّة السَّلَام عَلَيْك عَلَى لِسَانك وَبِوَاسِطَةِ بَيَانك. وَأَمَّا إِتْيَانه بِصِيغَةِ الْجَمْع فِي قَوْله \" عَلَيْكُمْ \" فَقَدْ بَيَّنَ مُرَاده بِقَوْلِهِ , أَهْل الْبَيْت , لِأَنَّهُ لَوْ اِقْتَصَرَ عَلَيْهَا لَاحْتَمَلَ أَنْ يُرِيد بِهَا التَّعْظِيم , وَبِهَا تَحْصُل مُطَابَقَة الْجَوَاب لِلسُّؤَالِ حَيْثُ قَالَ \" عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد \" وَبِهَذَا يُسْتَغْنَى عَنْ قَوْل مَنْ قَالَ : فِي الْجَوَاب زِيَادَة عَلَى السُّؤَال لِأَنَّ السُّؤَال وَقَعَ عَنْ كَيْفِيَّة الصَّلَاة عَلَيْهِ فَوَقَعَ الْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ بِزِيَادَةِ كَيْفِيَّة الصَّلَاة عَلَى آله. ‏ ‏قَوْله ( كَيْف نُسَلِّم عَلَيْك ) ‏ ‏قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فِيهِ إِشَارَة إِلَى السَّلَام الَّذِي فِي التَّشَهُّد وَهُوَ قَوْل \" السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته \" فَيَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِمْ \" فَكَيْف نُصَلِّي عَلَيْك \" أَيْ بَعْد التَّشَهُّد. اِنْتَهَى. وَتَفْسِير السَّلَام بِذَلِكَ هُوَ الظَّاهِر. وَحَكَى اِبْن عَبْد الْبَرّ فِيهِ اِحْتِمَالًا , وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ السَّلَام الَّذِي يَتَحَلَّل بِهِ مِنْ الصَّلَاة وَقَالَ : إِنَّ الْأَوَّل أَظْهَر , وَكَذَا ذَكَرَ عِيَاض وَغَيْره , وَرَدّ بَعْضهمْ الِاحْتِمَال الْمَذْكُور بِأَنَّ سَلَام التَّحَلُّل لَا يَتَقَيَّد بِهِ اِتِّفَاقًا , كَذَا قِيلَ , وَفِي نَقْل الِاتِّفَاق نَظَر , فَقَدْ جَزَمَ جَمَاعَة مِنْ الْمَالِكِيَّة بِأَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقُول عِنْد سَلَام التَّحَلُّل , السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته السَّلَام عَلَيْكُمْ , ذَكَرَهُ عِيَاض وَقَبْله اِبْن أَبِي زَيْد وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله ( فَكَيْف نُصَلِّي عَلَيْك ) ‏ ‏زَادَ أَبُو مَسْعُود فِي حَدِيثه , فَسَكَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلهُ وَإِنَّمَا تَمَنَّوْا ذَلِكَ خَشْيَة أَنْ يَكُون لَمْ يُعْجِبهُ السُّؤَال الْمَذْكُور لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدهمْ مِنْ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ( لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء ) مِنْ سُورَة الْمَائِدَة بَيَان ذَلِكَ , وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْه آخَر فِي هَذَا الْحَدِيث , فَسَكَتَ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْي فَقَالَ \" تَقُولُونَ \" وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِمْ \" كَيْف \" فَقِيلَ الْمُرَاد السُّؤَال عَنْ مَعْنَى الصَّلَاة الْمَأْمُور بِهَا بِأَيِّ لَفْظ يُؤَدَّى , وَقِيلَ عَنْ صِفَتهَا , قَالَ عِيَاض : لَمَّا كَانَ لَفْظ الصَّلَاة الْمَأْمُور بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى ( صَلُّوا عَلَيْهِ ) يَحْتَمِل الرَّحْمَة وَالدُّعَاء وَالتَّعْظِيم سَأَلُوا بِأَيِّ لَفْظ تُؤَدَّى ؟ هَكَذَا قَالَ بَعْض الْمَشَايِخ , وَرَجَّحَ الْبَاجِيّ أَنَّ السُّؤَال إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ صِفَتهَا لَا عَنْ جِنْسهَا , وَهُوَ أَظْهَر لِأَنَّ لَفْظ \" كَيْف \" ظَاهِر فِي الصِّفَة , وَأَمَّا الْجِنْس فَيُسْأَل عَنْهُ بِلَفْظِ \" مَا \" وَبِهِ جَزَمَ الْقُرْطُبِيّ فَقَالَ : هَذَا سُؤَال مَنْ أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ كَيْفِيَّة مَا فُهِمَ أَصْله , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَرَفُوا الْمُرَاد بِالصَّلَاةِ فَسَأَلُوا عَنْ الصِّفَة الَّتِي تَلِيق بِهَا لِيَسْتَعْمِلُوهَا اِنْتَهَى. وَالْحَامِل لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ السَّلَام لَمَّا تَقَدَّمَ بِلَفْظٍ مَخْصُوص وَهُوَ \" السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته \" فَهِمُوا مِنْهُ أَنَّ الصَّلَاة أَيْضًا تَقَع بِلَفْظٍ مَخْصُوص , وَعَدَلُوا عَنْ الْقِيَاس لِإِمْكَانِ الْوُقُوف عَلَى النَّصّ وَلَا سِيَّمَا فِي أَلْفَاظ الْأَذْكَار فَإِنَّهَا تَجِيء خَارِجَة عَنْ الْقِيَاس غَالِبًا , فَوَقَعَ الْأَمْر كَمَا فَهِمُوا فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ قُولُوا الصَّلَاة عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته وَلَا قُولُوا الصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَيْك إِلَخْ بَلْ عَلَّمَهُمْ صِيغَة أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ ) ‏ ‏هَذِهِ كَلِمَة كَثُرَ اِسْتِعْمَالهَا فِي الدُّعَاء وَهُوَ بِمَعْنَى يَا اللَّه , وَالْمِيم عِوَض عَنْ حَرْف النِّدَاء فَلَا يُقَال اللَّهُمَّ غَفُور رَحِيم مَثَلًا وَإِنَّمَا يُقَال اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي , وَلَا يَدْخُلهَا حَرْف النِّدَاء إِلَّا فِي نَادِر كَقَوْلِ الرَّاجِز. ‏ ‏إِنِّي إِذَا مَا حَادِث أَلَمَّا ‏ ‏أَقُول يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا ‏ ‏وَاخْتَصَّ هَذَا الِاسْم بِقَطْعِ الْهَمْزَة عِنْد النِّدَاء وَوُجُوب تَفْخِيم لَامه وَبِدُخُولِ حَرْف النِّدَاء عَلَيْهِ مَعَ التَّعْرِيف , وَذَهَبَ الْفَرَّاء وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْكُوفِيِّينَ إِلَى أَنَّ أَصْله يَا اللَّه وَحُذِفَ حَرْف النِّدَاء تَخْفِيفًا وَالْمِيم مَأْخُوذ مِنْ جُمْلَة مَحْذُوفَة مِثْل أُمَّنَا بِخَيْرٍ , وَقِيلَ بَلْ زَائِدَة كَمَا فِي زُرْقُم لِلشَّدِيدِ الزُّرْقَة , وَزِيدَتْ فِي الِاسْم الْعَظِيم تَفْخِيمًا , وَقِيلَ بَلْ هُوَ كَالْوَاوِ الدَّالَّة عَلَى الْجَمْع كَأَنَّ الدَّاعِي قَالَ : يَا مَنْ اجْتَمَعَتْ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى , وَلِذَلِكَ شُدِّدَتْ الْمِيم لِتَكُونَ عِوَضًا عَنْ عَلَامَة الْجَمْع , وَقَدْ جَاءَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : اللَّهُمَّ مُجْتَمَع الدُّعَاء , وَعَنْ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ : مَنْ قَالَ اللَّهُمَّ فَقَدْ سَأَلَ اللَّه بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ. ‏ ‏قَوْله ( صَلِّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر تَفْسِير الْأَحْزَاب عَنْ أَبِي الْعَالِيَة أَنَّ مَعْنَى صَلَاة اللَّه عَلَى نَبِيّه ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْد مَلَائِكَته , وَمَعْنَى صَلَاة الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ الدُّعَاء لَهُ. وَعِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ مُقَاتِل بْن حِبَّان قَالَ : صَلَاة اللَّه مَغْفِرَته وَصَلَاة الْمَلَائِكَة الِاسْتِغْفَار. وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ مَعْنَى صَلَاة الرَّبّ الرَّحْمَة وَصَلَاة الْمَلَائِكَة الِاسْتِغْفَار. وَقَالَ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم : صَلَاة اللَّه رَحْمَته , وَفِي رِوَايَة عَنْهُ مَغْفِرَته , وَصَلَاة الْمَلَائِكَة الدُّعَاء أَخْرَجَهُمَا إِسْمَاعِيل الْقَاضِي عَنْهُ , وَكَأَنَّهُ يُرِيد الدُّعَاء بِالْمَغْفِرَةِ وَنَحْوهَا. وَقَالَ الْمُبَرِّد : الصَّلَاة مِنْ اللَّه الرَّحْمَة وَمِنْ الْمَلَائِكَة رِقَّة تَبْعَث عَلَى اِسْتِدْعَاء الرَّحْمَة. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اللَّه غَايَرَ بَيْن الصَّلَاة وَالرَّحْمَة فِي قَوْله ( أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَات مِنْ رَبّهمْ وَرَحْمَة ) وَكَذَلِكَ فَهِمَ الصَّحَابَة الْمُغَايَرَة مِنْ قَوْله تَعَالَى ( صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا ) حَتَّى سَأَلُوا عَنْ كَيْفِيَّة الصَّلَاة مَعَ تَقَدُّم ذِكْر الرَّحْمَة فِي تَعْلِيم السَّلَام حَيْثُ جَاءَ بِلَفْظِ \" السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته \" وَأَقَرَّهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاة بِمَعْنَى الرَّحْمَة لَقَالَ لَهُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فِي السَّلَام , وَجَوَّزَ الْحَلِيمِيّ أَنْ تَكُون الصَّلَاة بِمَعْنَى السَّلَام عَلَيْهِ , وَفِيهِ نَظَر وَحَدِيث الْبَاب يَرُدّ عَلَى ذَلِكَ , وَأَوْلَى الْأَقْوَال مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَة أَنَّ مَعْنَى صَلَاة اللَّه عَلَى نَبِيّه ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَتَعْظِيمه , وَصَلَاة الْمَلَائِكَة وَغَيْرهمْ عَلَيْهِ طَلَب ذَلِكَ لَهُ مِنْ اللَّه تَعَالَى وَالْمُرَاد طَلَب الزِّيَادَة لَا طَلَب أَصْل الصَّلَاة , وَقِيلَ صَلَاة اللَّه عَلَى خَلْقه تَكُون خَاصَّة وَتَكُون عَامَّة فَصَلَاته عَلَى أَنْبِيَائِهِ هِيَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الثَّنَاء وَالتَّعْظِيم , وَصَلَاته عَلَى غَيْرهمْ الرَّحْمَة فَهِيَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْء. وَنَقَلَ عِيَاض عَنْ بَكْر الْقُشَيْرِيِّ قَالَ : الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اللَّه تَشْرِيف وَزِيَادَة تَكْرِمَة وَعَلَى مَنْ دُون النَّبِيّ رَحْمَة , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَظْهَر الْفَرْق بَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْن سَائِر الْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ قَالَ اللَّه تَعَالَى ( إِنَّ اللَّه وَمَلَائِكَته يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ ) وَقَالَ قَبْل ذَلِكَ فِي السُّورَة الْمَذْكُورَة ( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَته ) وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ الْقَدْر الَّذِي يَلِيق بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ أَرْفَع مِمَّا يَلِيق بِغَيْرِهِ , وَالْإِجْمَاع مُنْعَقِد عَلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَة مِنْ تَعْظِيم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّنْوِيه بِهِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرهَا. وَقَالَ الْحَلِيمِيّ فِي الشُّعَب مَعْنَى الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْظِيمه , فَمَعْنَى قَوْلنَا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد عَظِّمْ مُحَمَّدًا. وَالْمُرَاد تَعْظِيمه فِي الدُّنْيَا بِإِعْلَاءِ ذِكْره وَإِظْهَار دِينه وَإِبْقَاء شَرِيعَته وَفِي الْآخِرَة بِإِجْزَالِ مَثُوبَته وَتَشْفِيعه فِي أُمَّته وَإِبْدَاء فَضِيلَته بِالْمَقَامِ الْمَحْمُود , وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( صَلُّوا عَلَيْهِ ) اُدْعُوا رَبّكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ اِنْتَهَى. وَلَا يُعَكِّر عَلَيْهِ عَطْف آله وَأَزْوَاجه وَذُرِّيَّته عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِع أَنْ يُدْعَى لَهُمْ بِالتَّعْظِيمِ , إِذْ تَعْظِيم كُلّ أَحَد بِحَسَبِ مَا يَلِيق بِهِ , وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَة أَظْهَر , فَإِنَّهُ يَحْصُل بِهِ اِسْتِعْمَال لَفْظ الصَّلَاة بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّه وَإِلَى مَلَائِكَته وَإِلَى الْمُؤْمِنِينَ الْمَأْمُورِينَ بِذَلِكَ بِمَعْنًى وَاحِد , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ لَا خِلَاف فِي جَوَاز التَّرَحُّم عَلَى غَيْر الْأَنْبِيَاء , وَاخْتُلِفَ فِي جَوَاز الصَّلَاة عَلَى غَيْر الْأَنْبِيَاء , وَلَوْ كَانَ مَعْنَى قَوْلنَا اللَّهُمَّ صَلَّى عَلَى مُحَمَّد اللَّهُمَّ اِرْحَمْ مُحَمَّدًا أَوْ تَرَحَّمْ عَلَى مُحَمَّد لَجَازَ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاء , وَكَذَا لَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْبَرَكَة وَكَذَا الرَّحْمَة لَسَقَطَ الْوُجُوب فِي التَّشَهُّد عِنْد مَنْ يُوجِبهُ بِقَوْلِ الْمُصَلِّي فِي التَّشَهُّد \" السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته \" وَيُمْكِن الِانْفِصَال بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بِطَرِيقِ التَّعَبُّد فَلَا بُدّ مِنْ الْإِتْيَان بِهِ وَلَوْ سَبَقَ الْإِتْيَان بِمَا يَدُلّ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي قَوْلِهِ صَلّ وَفِي قَوْله وَبَارِكْ , وَلَكِنْ وَقَعَ فِي الثَّانِي وَبَارِكْ عَلَى آل إِبْرَاهِيم , وَوَقَعَ عِنْد الْبَيْهَقِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ آدَم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ عَلَى إِبْرَاهِيم وَلَمْ يَقُلْ عَلَى آل إِبْرَاهِيم , وَأَخَذَ الْبَيْضَاوِيّ مِنْ هَذَا أَنَّ ذِكْرَ الْآل فِي رِوَايَة الْأَصْل مُقْحَمٌ كَقَوْلِهِ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى. قُلْت : وَالْحَقّ أَنَّ ذِكْرَ مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم وَذِكْرَ آل مُحَمَّد وَآلِ إِبْرَاهِيم ثَابِت فِي أَصْل الْخَبَر. وَإِنَّمَا حَفِظَ بَعْض الرُّوَاة مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَر , وَسَأُبَيِّنُ مَنْ سَاقَهُ تَامًّا بَعْد قَلِيل. وَشَرَحَ الطِّيبِيُّ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ هُنَا فَقَالَ : هَذَا اللَّفْظ يُسَاعِد قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّ مَعْنَى قَوْل الصَّحَابِيّ \" عَلِمْنَا كَيْف السَّلَام عَلَيْك \" أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) فَكَيْف نُصَلِّي عَلَيْك أَيْ عَلَى أَهْل بَيْتك ; لِأَنَّ الصَّلَاة عَلَيْهِ قَدْ عُرِفَتْ مَعَ السَّلَام مِنْ الْآيَة , قَالَ : فَكَانَ السُّؤَال عَنْ الصَّلَاة عَلَى الْآل تَشْرِيفًا لَهُمْ. وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّد فِي الْجَوَاب لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَا تُقَدِّمُوا بَيْن يَدَيْ اللَّه وَرَسُوله ) وَفَائِدَته الدَّلَالَة عَلَى الِاخْتِصَاص , قَالَ : وَإِنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَ إِبْرَاهِيم لِيُنَبِّهَ عَلَى هَذِهِ النُّكْتَة , وَلَوْ ذَكَرَ لَمْ يُفْهَمْ أَنَّ ذِكْرَ مُحَمَّد عَلَى سَبِيل التَّمْهِيد اِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى ضَعْف مَا قَالَ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي مَسْعُود عِنْد أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ \" عَلَى مُحَمَّد النَّبِيّ الْأُمِّيّ \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي الْبَاب \" عَلَى مُحَمَّد عَبْدك وَرَسُولك كَمَا صَلَّيْت عَلَى إِبْرَاهِيم \" وَلَمْ يَذْكُر آلَ مُحَمَّد وَلَا آلَ إِبْرَاهِيم , وَهَذَا إِنْ لَمْ يُحْمَل عَلَى مَا قُلْته إِنَّ بَعْض الرُّوَاة حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَر وَالْأَظْهَر فَسَاد مَا بَحَثَهُ الطِّيبِيُّ. وَفِي حَدِيث أَبِي حُمَيْد فِي الْبَاب بَعْده \" عَلَى مُحَمَّد وَأَزْوَاجه وَذُرِّيَّته \" وَلَمْ يَذْكُر الْآل فِي الصَّحِيح , وَوَقَعَتْ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ وَعِنْد أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد النَّبِيّ وَأَزْوَاجه أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ وَذُرِّيَّته وَأَهْل بَيْته \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ أَبُو دَاوُد وَلَكِنْ وَقَعَ فِي السَّنَد اِخْتِلَاف بَيْن مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل شَيْخ أَبُو دَاوُد فِيهِ وَبَيْن عَمْرو بْن عَاصِم شَيْخ شَيْخ النَّسَائِيّ فِيهِ فَرَوَيَاهُ مَعًا عَنْ حِبَّان بْن يَسَار وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة وَأَبُوهُ بِمُثَنَّاةٍ وَمُهْمَلَة خَفِيفَة فَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُوسَى عَنْهُ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن طَلْحَة عَنْ مُحَمَّد بْن عَلِيّ عَنْ نُعَيْم الْمُجْمِر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن عَاصِم عَنْهُ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن طَلْحَة عَنْ مُحَمَّد بْن عَلِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن الْحَنَفِيَّة عَنْ أَبِيهِ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , وَرِوَايَة مُوسَى أَرْجَح , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِحِبَّانَ فِيهِ سَنَدَانِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي مَسْعُود وَحْدَهُ فِي آخِره \" فِي الْعَالَمِينَ إِنَّك حَمِيد مَجِيد \" وَمِثْله فِي رِوَايَة دَاوُد بْن قَيْس عَنْ نُعَيْم الْمُجْمِر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد السَّرَّاج , قَالَ النَّوَوِيّ فِي \" شَرْح الْمُهَذَّب \" : يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَع مَا فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فَيَقُول \" اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد النَّبِيّ الْأُمِّيّ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد وَأَزْوَاجه وَذُرِّيَّته كَمَا صَلَّيْت عَلَى إِبْرَاهِيم وَآلِ إِبْرَاهِيم وَبَارِكْ \" مِثْله وَزَادَ فِي آخِره \" فِي الْعَالَمِينَ \" وَقَالَ فِي \" الْأَذْكَار \" مِثْله وَزَادَ عَبْدك وَرَسُولك بَعْد قَوْله مُحَمَّد فِي مَحَلٍّ وَلَمْ يَزِدْهَا فِي بَارِكْ , وَقَالَ فِي \" التَّحْقِيق \" وَ \" الْفَتَاوَى \" مِثْله إِلَّا أَنَّهُ أَسْقَطَ النَّبِيّ الْأُمِّيّ فِي وَبَارِكْ , وَفَاتَهُ أَشْيَاء لَعَلَّهَا تُوَازِي قَدْرَ مَا زَادَهُ أَوْ تَزِيد عَلَيْهِ , مِنْهَا قَوْله \" أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ \" بَعْد قَوْله أَزْوَاجه وَمِنْهَا \" وَأَهْل بَيْته \" بَعْد قَوْله وَذُرِّيَّته , وَقَدْ وَرَدَتْ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ , وَمِنْهَا \" وَرَسُولك \" فِي وَبَارِكْ , وَمِنْهَا \" فِي الْعَالَمِينَ \" فِي الْأَوَّل , وَمِنْهَا \" إِنَّك حَمِيد مَجِيد \" قَبْل وَبَارِكْ , وَمِنْهَا \" اللَّهُمَّ \" قَبْل وَبَارِكْ فَإِنَّهُمَا ثَبَتَا مَعًا فِي رِوَايَة لِلنَّسَائِيِّ , وَمِنْهَا \" وَتَرَحَّمْ عَلَى مُحَمَّد إِلَخْ \" وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهَا بَعْد , وَمِنْهَا فِي آخِر التَّشَهُّد \" وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ \" وَهِيَ عِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ زَائِدَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ الْحَكَم نَحْو حَدِيث الْبَاب , قَالَ فِي آخِره : قَالَ عَبْد الرَّحْمَن وَنَحْنُ نَقُول , وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ , وَكَذَا أَخْرَجَهَا السَّرَّاج مِنْ طَرِيق زَائِدَة , وَتَعَقَّبَ اِبْن الْعَرَبِيّ هَذِهِ الزِّيَادَة قَالَ : هَذَا شَيْء اِنْفَرَدَ بِهِ زَائِدَة فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ , فَإِنَّ النَّاس اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآلِ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا وَمِنْ جُمْلَته أَنَّهُمْ أُمَّته فَلَا يَبْقَى لِلتَّكْرَارِ فَائِدَة , وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي جَوَاز الصَّلَاة عَلَى غَيْر الْأَنْبِيَاء فَلَا نَرَى أَنْ نُشْرِك فِي هَذِهِ الْخُصُوصِيَّة مَعَ مُحَمَّد وَآلِهِ أَحَدًا. وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" بِأَنَّ زَائِدَة مِنْ الْأَثْبَات فَانْفِرَادُهُ لَوْ اِنْفَرَدَ لَا يَضُرّ مَعَ كَوْنه لَمْ يَنْفَرِد , فَقَدْ أَخْرَجَهَا إِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي كِتَاب فَضْل الصَّلَاة مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى وَيَزِيدُ اِسْتَشْهَدَ بِهِ مُسْلِم , وَعِنْد الْبَيْهَقِيّ فِي \" الشُّعَب \" مِنْ حَدِيث جَابِر نَحْو حَدِيث الْبَاب وَفِي آخِره \" وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ \" وَأَمَّا الْإِيرَاد الْأَوَّل فَإِنَّهُ يَخْتَصّ بِمَنْ يَرَى أَنَّ مَعْنَى الْآلِ كُلّ الْأُمَّة , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يَعْطِف الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ وَلَا سِيَّمَا فِي الدُّعَاء , وَأَمَّا الْإِيرَاد الثَّانِي فَلَا نَعْلَم مَنْ مَنَع ذَلِكَ تَبَعًا , وَإِنَّمَا الْخِلَاف فِي الصَّلَاة عَلَى غَيْر الْأَنْبِيَاء اِسْتِقْلَالًا , وَقَدْ شُرِعَ الدُّعَاء لِلْآحَادِ بِمَا دَعَاهُ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ فِي حَدِيث \" اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك مِنْ خَيْر مَا سَأَلَك مِنْهُ مُحَمَّد \" وَهُوَ حَدِيث صَحِيح أَخْرَجَهُ مُسْلِم اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَحَدِيث جَابِر ضَعِيف. وَرِوَايَة يَزِيد أَخْرَجَهَا أَحْمَد أَيْضًا عَنْ مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْهُ وَزَادَ فِي آخِره : قَالَ يَزِيد فَلَا أَدْرِي أَشَيْء زَادَهُ عَبْد الرَّحْمَن مِنْ قِبَلِ نَفْسه أَوْ رَوَاهُ عَنْ كَعْب , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ , وَوَرَدَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ مَرْفُوعَيْنِ أَحَدهمَا عِنْد الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق فِطْر بْن خَلِيفَة عَنْ الْحَكَم بِلَفْظِ : يَقُولُونَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد إِلَى قَوْله وَآلِ إِبْرَاهِيم وَصَلِّ عَلَيْنَا مَعَهُمْ , وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّد مِثْله , وَفِي آخِره وَبَارِكْ عَلَيْنَا مَعَهُمْ , وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ لَكِنَّهُ فِيمَا أَحْسِب مُدْرَجٌ لِمَا بَيَّنَهُ زَائِدَة عَنْ الْأَعْمَش. ثَانِيهمَا عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن مَسْعُود مِثْله لَكِنْ قَالَ اللَّهُمَّ بَدَل الْوَاو فِي وَصَلِّ وَفِي وَبَارِكْ , وَفِيهِ عَبْد الْوَهَّاب بْن مُجَاهِد وَهُوَ ضَعِيف , وَقَدْ تَعَقَّبَ الْإِسْنَوِيُّ مَا قَالَهُ النَّوَوِيّ فَقَالَ : لَمْ يَسْتَوْعِب مَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيث مَعَ اِخْتِلَاف كَلَامه. وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ : لَمْ يَسْبِق إِلَى مَا قَالَ. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْأَفْضَل لِمَنْ تَشَهَّدَ أَنْ يَأْتِي بِأَكْمَل الرِّوَايَات وَيَقُول كُلّ مَا ثَبَتَ هَذَا مَرَّة وَهَذَا مَرَّة , وَأَمَّا التَّلْفِيق فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِم إِحْدَاث صِفَةٍ فِي التَّشَهُّد لَمْ تَرِدْ مَجْمُوعَة فِي حَدِيث وَاحِد اِنْتَهَى. وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَلَام اِبْن الْقَيِّم فَإِنَّهُ قَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْكَيْفِيَّة لَمْ تَرِدْ مَجْمُوعَة فِي طَرِيق مِنْ الطُّرُق , وَالْأَوْلَى أَنْ يُسْتَعْمَلَ كُلّ لَفْظ ثَبَتَ عَلَى حِدَة فَبِذَلِكَ يَحْصُل الْإِتْيَان بِجَمِيعِ مَا وَرَدَ بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ الْجَمِيع دَفْعَة وَاحِدَة فَإِنَّ الْغَالِب عَلَى الظَّنّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْهُ كَذَلِكَ. وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ أَيْضًا : كَانَ يَلْزَم الشَّيْخ أَنْ يَجْمَع الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة فِي التَّشَهُّد. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه لَمْ يُصَرِّح بِذَلِكَ أَنْ لَا يَلْتَزِمَهُ. وَقَالَ اِبْن الْقَيِّم أَيْضًا : قَدْ نَصَّ الشَّافِعِيّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَاف فِي أَلْفَاظ التَّشَهُّد وَنَحْوه كَالِاخْتِلَافِ فِي الْقِرَاءَات , وَلَمْ يَقُلْ أَحَد مِنْ الْأَئِمَّة بِاسْتِحْبَابِ التِّلَاوَة بِجَمِيعِ الْأَلْفَاظ الْمُخْتَلِفَة فِي الْحَرْف الْوَاحِد مِنْ الْقُرْآن وَإِنْ كَانَ بَعْضهمْ أَجَازَ ذَلِكَ عِنْد التَّعْلِيم لِلتَّمْرِينِ اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ اللَّفْظ إِنْ كَانَ بِمَعْنَى اللَّفْظ الْآخَر سَوَاء كَمَا فِي أَزْوَاجه وَأُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَار فِي كُلّ مَرَّة عَلَى أَحَدهمَا وَإِنْ كَانَ اللَّفْظ يَسْتَقِلُّ بِزِيَادَةِ مَعْنًى لَيْسَ فِي اللَّفْظ الْآخَر الْبَتَّة , فَالْأَوْلَى الْإِتْيَان بِهِ , وَيَحْتَمِلُ عَلَى أَنَّ بَعْض الرُّوَاة حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَرُ كَمَا تَقَدَّمَ , وَإِنْ كَانَ يَزِيد عَلَى الْآخَرِ فِي الْمَعْنَى شَيْئًا مَا فَلَا بَأْس بِالْإِتْيَانِ بِهِ اِحْتِيَاطًا. وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ الطَّبَرِيّ : إِنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلَاف الْمُبَاح , فَأَيّ لَفْظ ذَكَرَهُ الْمَرْء أَجْزَأَ , وَالْأَفْضَل أَنْ يَسْتَعْمِل أَكْمَلَهُ وَأَبْلَغَهُ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ النَّقْل عَنْ الصَّحَابَة فَذَكَرَ مَا نُقِلَ عَنْ عَلِيّ , وَهُوَ حَدِيث مَوْقُوف طَوِيل أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور وَالطَّبَرِيّ والطَّبَرَانِيّ وَابْن فَارِس وَأَوَّله \" اللَّهُمَّ دَاحِي الْمَدْحُوَّات \" إِلَى أَنْ قَالَ \" اِجْعَلْ شَرَائِف صَلَوَاتك وَنَوَامِي بَرَكَاتك وَرَأْفَة تَحِيَّتك عَلَى مُحَمَّد عَبْدك وَرَسُولك \" الْحَدِيث. وَعَنْ اِبْن مَسْعُود بِلَفْظِ \" اللَّهُمَّ اِجْعَلْ صَلَوَاتك وَبَرَكَاتك وَرَحْمَتك عَلَى سَيِّد الْمُرْسَلِينَ إِمَام الْمُتَّقِينَ وَخَاتَم النَّبِيِّينَ مُحَمَّد عَبْدك وَرَسُولك \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَالطَّبَرِيّ , وَادَّعَى اِبْن الْقَيِّم أَنَّ أَكْثَر الْأَحَادِيث بَلْ كُلّهَا مُصَرِّحَة بِذِكْرِ مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد وَبِذِكْرِ آلِ إِبْرَاهِيم فَقَطْ أَوْ بِذَكَرِ إِبْرَاهِيم فَقَطْ قَالَ : وَلَمْ يَجِيء فِي حَدِيث صَحِيح بِلَفْظِ إِبْرَاهِيم وَآلِ إِبْرَاهِيم مَعًا إِنَّمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن السَّبَّاق عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي الْحَارِث عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَيَحْيَى مَجْهُول وَشَيْخه مُبْهَم فَهُوَ سَنَد ضَعِيف , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ وَجْه آخَر قَوِيّ لَكِنَّهُ مَوْقُوف عَلَى اِبْن مَسْعُود , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيث طَلْحَة. قُلْت : وَغَفَلَ عَمَّا وَقَعَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عِيسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى بِلَفْظِ \" كَمَا صَلَّيْت عَلَى إِبْرَاهِيم وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيم إِنَّك حَمِيد مَجِيد \" وَكَذَا فِي قَوْله \" كَمَا بَارَكْت \" وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي مَسْعُود الْبَدْرِيّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ مُحَمَّد اِبْن عَبْد اللَّه بْن زَيْد عَنْهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيّ , بَلْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيّ أَيْضًا فِي رِوَايَة الْحَكَم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن قَيْس عَنْ الْحَكَم بْن عُتَيْبَة فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ \" عَلَى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد إِنَّك حَمِيد مَجِيد \" وَبِلَفْظِ \" عَلَى إِبْرَاهِيم وَآلِ إِبْرَاهِيم إِنَّك حَمِيد مَجِيد \" وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْأَجْلَح عَنْ الْحَكَم مِثْله سَوَاء , وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق حَنْظَلَة اِبْن عَلِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَا سَأَذْكُرُهُ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو الْعَبَّاس السَّرَّاج مِنْ طَرِيق دَاوُد بْن قَيْس عَنْ نُعَيْم الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُول اللَّه كَيْف نُصَلِّي عَلَيْك ؟ قَالَ : قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِ مُحَمَّد وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِ مُحَمَّد كَمَا صَلَّيْت وَبَارَكْت عَلَى إِبْرَاهِيم وَآلِ إِبْرَاهِيم إِنَّك حَمِيد مَجِيد \" وَمِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ \" اللَّهُمَّ اِجْعَلْ صَلَوَاتك وَرَحْمَتك وَبَرَكَاتك عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِ مُحَمَّد كَمَا جَعَلْتَهَا عَلَى إِبْرَاهِيم وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيم \" وَأَصْله عِنْد أَحْمَد , وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْمُشَار إِلَيْهِ زِيَادَة أُخْرَى وَهِيَ \" وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّد كَمَا صَلَّيْت وَبَارَكْتَ وَتَرَحَّمْت عَلَى إِبْرَاهِيم \" الْحَدِيث , وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود فَاغْتَرَّ بِتَصْحِيحِهِ قَوْم فَوَهَمُوا , فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن السَّبَّاق وَهُوَ مَجْهُول , عَنْ رَجُل مُبْهَم. نَعَمْ أَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ ذَلِكَ عَنْ اِبْن مَسْعُود مِنْ قَوْله \" قَالَ قُولُوا : اللَّهُمَّ اِجْعَلْ صَلَوَاتك وَرَحْمَتك وَبَرَكَاتك عَلَى مُحَمَّد عَبْدك وَرَسُولك \" الْحَدِيث وَبَالَغَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي إِنْكَار ذَلِكَ فَقَالَ : حَذَارِ مِمَّا ذَكَرَهُ اِبْن أَبِي زَيْد مِنْ زِيَادَة \" وَتَرَحَّمْ \" فَإِنَّهُ قَرِيب مِنْ الْبِدْعَة لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُمْ كَيْفِيَّة الصَّلَاة عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ فَفِي الزِّيَادَة عَلَى ذَلِكَ اِسْتِدْرَاك عَلَيْهِ اِنْتَهَى. وَابْن أَبِي زَيْد ذَكَرَ ذَلِكَ فِي صِفَة التَّشَهُّد فِي \" الرِّسَالَة \" لَمَّا ذَكَرَ مَا يُسْتَحَبّ فِي التَّشَهُّد وَمِنْهُ \" اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد \" فَزَادَ \" وَتَرَحَّمْ عَلَى مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد , وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد إِلَخْ \" فَإِنْ كَانَ إِنْكَاره لِكَوْنِهِ لَمْ يَصِحّ فَمُسَلَّمٌ , وَإِلَّا فَدَعْوَى مَنْ اِدَّعَى أَنَّهُ لَا يُقَال اِرْحَمْ مُحَمَّدًا مَرْدُودَة لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي عِدَّة أَحَادِيث أَصَحّهَا فِي التَّشَهُّد \" السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته \" ثُمَّ وَجَدْت لِابْنِ أَبِي زَيْد مُسْتَنَدًا , فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيّ فِي تَهْذِيبه مِنْ طَرِيق حَنْظَلَة بْن عَلِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" مَنْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد كَمَا صَلَّيْت عَلَى إِبْرَاهِيم وَعَلَى آل إِبْرَاهِيم , وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيم وَعَلَى آل إِبْرَاهِيم , وَتَرَحَّم عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد كَمَا تَرَحَّمَتْ عَلَى إِبْرَاهِيم وَعَلَى آل إِبْرَاهِيم شَهِدْت لَهُ يَوْم الْقِيَامَة وَشَفَعْت لَهُ \" وَرِجَال سَنَدِهِ رِجَال الصَّحِيح إِلَّا سَعِيد بْن سُلَيْمَان مَوْلَى سَعِيد بْن الْعَاصِ الرَّاوِي لَهُ عَنْ حَنْظَلَة بْن عَلِيّ فَإِنَّهُ مَجْهُول. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏هَذَا كُلّه فِيمَا يُقَال مَضْمُومًا إِلَى السَّلَام أَوْ الصَّلَاة , وَقَدْ وَافَقَ اِبْن الْعَرَبِيّ الصَّيْدَلَانِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّة عَلَى الْمَنْع , وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْأَنْصَارِيّ شَارِح \" الْإِرْشَاد \" يَجُوز ذَلِكَ مُضَافًا إِلَى الصَّلَاة وَلَا يَجُوز مُفْرَدًا , وَنَقَلَ عِيَاض عَنْ الْجُمْهُور الْجَوَاز مُطْلَقًا , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" إِنَّهُ الصَّحِيح لِوُرُودِ الْأَحَادِيث بِهِ , وَخَالَفَهُ غَيْره : فَفِي \" الذَّخِيرَة \" مِنْ كُتُب الْحَنَفِيَّة عَنْ مُحَمَّد يُكْرَه ذَلِكَ لِإِيهَامِهِ النَّقْص لِأَنَّ الرَّحْمَة غَالِبًا إِنَّمَا تَكُون عَنْ فِعْل مَا يُلَام عَلَيْهِ , وَجَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِمَنْعِهِ فَقَالَ : لَا يَجُوز لِأَحَدٍ إِذَا ذُكِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول رَحِمَهُ اللَّه لِأَنَّهُ قَالَ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ , وَلَمْ يَقُلْ مَنْ تَرَحَّمَ عَلَيَّ وَلَا مَنْ دَعَا لِي , وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الصَّلَاة الرَّحْمَة , وَلَكِنَّهُ خُصَّ هَذَا اللَّفْظ تَعْظِيمًا لَهُ فَلَا يُعْدَل عَنْهُ إِلَى غَيْره , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى ( لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضكُمْ بَعْضًا ) اِنْتَهَى. وَهُوَ بَحْث حَسَن لَكِنْ فِي التَّعْلِيل الْأَوَّل نَظَر , وَالْمُعْتَمَد الثَّانِي , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَعَلَى آل مُحَمَّد ) ‏ ‏قِيلَ أَصْل \" آل \" أَهْل قُلِبَتْ الْهَاء هَمْزَة ثُمَّ سُهِّلَتْ وَلِهَذَا إِذَا صُغِّرَ رُدَّ إِلَى الْأَصْل فَقَالُوا أُهَيْل , وَقِيلَ بَلْ أَصْله أَوَلَ مِنْ آلَ إِذَا رَجَعَ , سُمِّيَ بِذَلِكَ مَنْ يَئُول إِلَى الشَّخْص وَيُضَاف إِلَيْهِ , وَيُقَوِّيه أَنَّهُ لَا يُضَاف إِلَّا إِلَى مُعَظَّم فَيُقَال آل الْقَاضِي وَلَا يُقَال آل الْحَجَّام بِخِلَافِ أَهْل , وَلَا يُضَاف آل أَيْضًا غَالِبًا إِلَى غَيْر الْعَاقِل وَلَا إِلَى الْمُضْمَر عِنْد الْأَكْثَر , وَجَوَّزَهُ بَعْضهمْ بِقِلَّةٍ , وَقَدْ ثَبَتَ فِي شِعْر عَبْد الْمُطَّلِب فِي قَوْله فِي قِصَّة أَصْحَاب الْفِيل مِنْ أَبْيَات \" وَانْصُرْ عَلَى آل الصَّلِيب وَعَابِدِيهِ الْيَوْم آلَك \". وَقَدْ يُطْلَق آل فُلَان عَلَى نَفْسه وَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ يُضَاف إِلَيْهِ جَمِيعًا وَضَابِطه أَنَّهُ إِذَا قِيلَ فَعَلَ آل فُلَان كَذَا دَخَلَ هُوَ فِيهِمْ إِلَّا بِقَرِينَةٍ , وَمِنْ شَوَاهِده قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَسَنِ بْن عَلِيّ , إِنَّا آل مُحَمَّد لَا تَحِلّ لَنَا الصَّدَقَة , وَإِنْ ذُكِرَا مَعًا فَلَا , وَهُوَ كَالْفَقِيرِ وَالْمِسْكِين , وَكَذَا الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَالْفُسُوق وَالْعِصْيَان , وَلَمَّا اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظ الْحَدِيث فِي الْإِتْيَان بِهِمَا مَعًا وَفِي إِفْرَاد أَحَدهمَا كَانَ أَوْلَى الْمَحَامِل أَنْ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ كُلّه , وَيَكُون بَعْض الرُّوَاة حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَر , وَأَمَّا التَّعَدُّد فَبَعِيد لِأَنَّ غَالِب الطُّرُق تُصَرِّح بِأَنَّهُ وَقَعَ جَوَابًا عَنْ قَوْلهمْ \" كَيْف نُصَلِّي عَلَيْك \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بَعْض مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى آل إِبْرَاهِيم بِدُونِ ذِكْر إِبْرَاهِيم رَوَاهُ بِالْمَعْنَى بِنَاء عَلَى دُخُول إِبْرَاهِيم فِي قَوْله آل إِبْرَاهِيم كَمَا تَقَدَّمَ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِآلِ مُحَمَّد فِي هَذَا الْحَدِيث , فَالرَّاجِح أَنَّهُمْ مَنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَاب الزَّكَاة , وَهَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ وَاخْتَارَهُ الْجُمْهُور , وَيُؤَيِّدهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَسَنِ بْن عَلِيّ \" إِنَّا آلُ مُحَمَّد لَا تَحِلّ لَنَا الصَّدَقَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث عَبْد الْمُطَّلِب بْن رَبِيعَة فِي أَثْنَاء حَدِيث مَرْفُوع \" إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَة إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخ النَّاس وَإِنَّهَا لَا تَحِلّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّد \" وَقَالَ أَحْمَد : الْمُرَاد بِآلِ مُحَمَّد فِي حَدِيث التَّشَهُّد أَهْل بَيْته , وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَجُوز أَنْ يُقَال أَهْل عِوَض آل ؟ رِوَايَتَانِ عِن"
    },
    {
        "id": "5881",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي قَالَ قُولُوا ‏ ‏اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَبَارِكْ عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَعَلَى آلِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏كَمَا بَارَكْتَ عَلَى ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَآلِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب ‏ ‏( اِبْن أَبِي حَازِم وَالدَّرَاوَرْدِيّ ) ‏ ‏اِسْم كُلّ مِنْهُمَا عَبْد الْعَزِيز , وَابْن أَبِي حَازِم مِمَّنْ يَحْتَجّ بِهِ الْبُخَارِيّ , وَالدَّرَاوَرْدِيّ إِنَّمَا يُخَرِّج لَهُ فِي الْمُتَابَعَات أَوْ مَقْرُونًا بِآخَر , وَيَزِيد شَيْخهمَا هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن الْهَاد , وَعَبْد اللَّه بْن خَبَّاب بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَة. ‏ ‏قَوْله ( هَذَا السَّلَام عَلَيْك ) ‏ ‏أَيْ عَرَفْنَاهُ كَمَا وَقَعَ تَقْرِيره فِي الْحَدِيث الْأَوَّل وَتَقَدَّمَتْ بَقِيَّة فَوَائِده فِي الَّذِي قَبْله , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى تَعَيُّن هَذَا اللَّفْظ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ فِي اِمْتِثَال الْأَمْر سَوَاء قُلْنَا بِالْوُجُوبِ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا بِالصَّلَاةِ , وَأَمَّا تَعَيُّنه فِي الصَّلَاة فَعَنْ أَحْمَد فِي رِوَايَة , وَالْأَصَحّ عِنْد أَتْبَاعه لَا تَجِب , وَاخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَل : فَعَنْ أَحْمَد أَكْمَل مَا وَرَدَ , وَعَنْهُ يَتَخَيَّر , وَأَمَّا الشَّافِعِيَّة فَقَالُوا يَكْفِي أَنْ يَقُول \" اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد \" وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَكْفِي الْإِتْيَان بِمَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ كَأَنْ يَقُولهُ بِلَفْظِ الْخَبَر فَيَقُول : صَلَّى اللَّه عَلَى مُحَمَّد مَثَلًا , وَالْأَصَحّ إِجْزَاؤُهُ. وَذَلِكَ أَنَّ الدُّعَاء بِلَفْظِ الْخَبَر آكَد فَيَكُون جَائِزًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَمَنْ مَنَعَ وَقَفَ عِنْد التَّعَبُّد. وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ. بَلْ كَلَامه يَدُلّ عَلَى أَنَّ الثَّوَاب الْوَارِد لِمَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا يَحْصُل لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَة. وَاتَّفَقَ أَصْحَابنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئ أَنْ يَقْتَصِر عَلَى الْخَبَر كَأَنْ يَقُول الصَّلَاة عَلَى مُحَمَّد , إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِسْنَاد الصَّلَاة إِلَى اللَّه تَعَالَى , وَاخْتَلَفُوا فِي تَعَيُّن لَفْظ مُحَمَّد , لَكِنْ جَوَّزُوا الِاكْتِفَاء بِالْوَصْفِ دُون الِاسْم كَالنَّبِيِّ وَرَسُول اللَّه لِأَنَّ لَفْظ مُحَمَّد وَقَعَ التَّعَبُّد بِهِ فَلَا يُجْزِئ عَنْهُ إِلَّا مَا كَانَ أَعْلَى مِنْهُ , وَلِهَذِهِ قَالُوا لَا يُجْزِئ الْإِتْيَان بِالضَّمِيرِ وَلَا بِأَحْمَد مَثَلًا فِي الْأَصَحّ فِيهِمَا مَعَ تَقَدُّم ذِكْره فِي التَّشَهُّد بِقَوْلِهِ النَّبِيّ وَبِقَوْلِهِ مُحَمَّد , وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى الِاجْتِزَاء بِكُلِّ لَفْظ أَدَّى الْمُرَاد بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَالَ بَعْضهمْ : وَلَوْ قَالَ فِي أَثْنَاء التَّشَهُّد الصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ أَجْزَأَ , وَكَذَا لَوْ قَالَ أَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْده وَرَسُوله , بِخِلَافِ مَا إِذَا قَدَّمَ عَبْده وَرَسُوله , وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ تَرْتِيب أَلْفَاظ التَّشَهُّد لَا يُشْتَرَط وَهُوَ الْأَصَحّ , وَلَكِنْ دَلِيل مُقَابِله قَوِيّ لِقَوْلِهِمْ \" كَمَا يُعَلِّمنَا السُّورَة \" وَقَوْل اِبْن مَسْعُود \" عَدَّهُنَّ فِي يَدَيَّ \" وَرَأَيْت لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيهِ تَصْنِيفًا , وَعُمْدَة الْجُمْهُور فِي الِاكْتِفَاء بِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْوُجُوب ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآن بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) فَلَمَّا سَأَلَ الصَّحَابَة عَنْ الْكَيْفِيَّة وَعَلَّمَهَا لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتَلَفَ النَّقْل لِتِلْكَ الْأَلْفَاظ اِقْتَصَرَ عَلَى مَا اِتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَات وَتَرَكَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فِي التَّشَهُّد , إِذْ لَوْ كَانَ الْمَتْرُوك وَاجِبًا لَمَا سَكَتَ عَنْهُ اِنْتَهَى. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ ذَلِكَ اِبْن الْفِرْكَاح فِي \" الْإِقْلِيد \" فَقَالَ : جَعْلهمْ هَذَا هُوَ الْأَقَلّ يَحْتَاج إِلَى دَلِيل عَلَى الِاكْتِفَاء بِمُسَمَّى الصَّلَاة , فَإِنَّ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة لَيْسَ فِيهَا الِاقْتِصَار , وَالْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا الْأَمْر بِمُطْلَقِ الصَّلَاة لَيْسَ فِيهَا مَا يُشِير إِلَى مَا يَجِب مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّلَاة , وَأَقَلّ مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَات \" اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد كَمَا صَلَّيْت عَلَى إِبْرَاهِيم \" وَمِنْ ثَمَّ حَكَى الْفُورَانِيّ عَنْ صَاحِب الْفُرُوع فِي إِيجَاب ذِكْر إِبْرَاهِيم وَجْهَيْنِ , وَاحْتَجَّ لِمَنْ لَمْ يُوجِبهُ بِأَنَّهُ وَرَدَ بِدُونِ ذِكْره فِي حَدِيث زَيْد بْن خَارِجَة عِنْد النَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ قَوِيّ وَلَفْظه \" صَلُّوا عَلَيَّ وَقُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد \" وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ مِنْ اِخْتِصَار بَعْض الرُّوَاة فَإِنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِتَمَامِهِ , وَكَذَا الطَّحَاوِيُّ وَاخْتُلِفَ فِي إِيجَاب الصَّلَاة عَلَى الْآل فَفِي تَعَيُّنهَا أَيْضًا عِنْد الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَابِلَة رِوَايَتَانِ , وَالْمَشْهُور عِنْدهمْ لَا , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور وَادَّعَى كَثِير مِنْهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاع وَأَكْثَر مَنْ أَثْبَتَ الْوُجُوب مِنْ الشَّافِعِيَّة نَسَبُوهُ إِلَى التُّرُنْجِيّ , وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْمَرْوَزِيِّ وَهُوَ مِنْ كِبَار الشَّافِعِيَّة قَالَ : أَنَا أَعْتَقِد وُجُوبهَا , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَفِي الْأَحَادِيث الثَّابِتَة دَلَالَة عَلَى صِحَّة مَا قَالَ. قُلْت : وَفِي كَلَام الطَّحَاوِيِّ فِي مُشْكِلِهِ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ حَرْمَلَة نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيّ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ وَآله فِي التَّشَهُّد الْأَوَّل وَالْمُصَحَّح عِنْد الشَّافِعِيَّة اِسْتِحْبَاب الصَّلَاة عَلَيْهِ فَقَطْ لِأَنَّهُ مَبْنِيّ عَلَى التَّخْفِيف وَأَمَّا الْأَوَّل فَبَنَاهُ الْأَصْحَاب عَلَى حُكْم ذَلِكَ فِي التَّشَهُّد الْأَخِير إِنْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ. قُلْت : وَاسْتُدِلَّ بِتَعْلِيمِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ الْكَيْفِيَّة بَعْد سُؤَالهمْ عَنْهَا بِأَنَّهَا أَفْضَل كَيْفِيَّات الصَّلَاة عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَخْتَار لِنَفْسِهِ إِلَّا الْأَشْرَف الْأَفْضَل وَيَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ لَوْ حَلَفَ أَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ أَفْضَل الصَّلَاة فَطَرِيق الْبِرّ أَنْ يَأْتِي بِذَلِكَ هَكَذَا صَوَّبَهُ النَّوَوِيّ فِي \" الرَّوْضَة \" بَعْد ذِكْر حِكَايَة الرَّافِعِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يَبَرّ إِذَا قَالَ : كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ , وَكُلَّمَا سَهَا عَنْ ذِكْره الْغَافِلُونَ. قَالَ النَّوَوِيّ وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ كَوْن الشَّافِعِيّ ذَكَرَ هَذِهِ الْكَيْفِيَّة. قُلْت : وَهِيَ فِي خُطْبَة الرِّسَالَة , لَكِنْ بِلَفْظِ غَفَلَ بَدَل سَهَا. وَقَالَ الْأَذْرَعِيّ : إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور كَثِير النَّقْل مِنْ تَعْلِيقَة الْقَاضِي حُسَيْن , وَمَعَ ذَلِكَ فَالْقَاضِي قَالَ : فِي طَرِيق الْبِرّ يَقُول اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد كَمَا هُوَ أَهْله وَمُسْتَحَقّه , وَكَذَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي تَعْلِيقه. قُلْت : وَلَوْ جَمَعَ بَيْنهَا فَقَالَ مَا فِي الْحَدِيث وَأَضَافَ إِلَيْهِ أَثَر الشَّافِعِيّ وَمَا قَالَهُ الْقَاضِي لَكَانَ أَشْمَل , وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : يَعْمِد إِلَى جَمِيع مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَات الثَّابِتَة فَيَسْتَعْمِل مِنْهَا ذِكْرًا يَحْصُل بِهِ الْبِرّ , وَذَكَرَ شَيْخنَا مَجْد الدِّين الشِّيرَازِيّ فِي جُزْء لَهُ فِي فَضْل الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّهُ قَالَ : أَفْضَل الْكَيْفِيَّات أَنْ يَقُول : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد عَبْدك وَرَسُولك النَّبِيّ الْأُمِّيّ وَعَلَى آله وَأَزْوَاجه وَذُرِّيَّته وَسَلِّمْ عَدَد خَلْقك وَرِضَا نَفْسك وَزِنَة عَرْشك وَمِدَاد كَلِمَاتك. وَعَنْ آخَر نَحْوه لَكِنْ قَالَ : عَدَد الشَّفْع وَالْوِتْر وَعَدَد كَلِمَاتك التَّامَّة. وَلَمْ يُسَمِّ قَائِلهَا. وَاَلَّذِي يُرْشِد إِلَيْهِ الدَّلِيل أَنَّ الْبِرّ يَحْصُل بِمَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَال بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد النَّبِيّ وَأَزْوَاجه أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ وَذُرِّيَّته وَأَهْل بَيْته كَمَا صَلَّيْت عَلَى إِبْرَاهِيم \" الْحَدِيث وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏إِنْ كَانَ مُسْتَنَد الْمَرْوَزِيِّ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيّ فَظَاهِر كَلَام الشَّافِعِيّ أَنَّ الضَّمِير لِلَّهِ تَعَالَى , فَإِنَّ لَفْظه \" وَصَلَّى اللَّه عَلَى نَبِيّه كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ \" فَكَانَ حَقّ مَنْ غَيَّرَ عِبَارَته أَنْ يَقُول : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد كُلَّمَا ذَكَرَك الذَّاكِرُونَ إِلَخْ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الصَّلَاة عَلَى غَيْر الْأَنْبِيَاء , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْوَاو لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب لِأَنَّ صِيغَة الْأَمْر وَرَدَتْ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيم بِالْوَاوِ فِي قَوْله تَعَالَى ( صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا ) وَقَدَّمَ تَعْلِيم السَّلَام قَبْل الصَّلَاة كَمَا قَالُوا \" عَلِّمْنَا كَيْف نُسَلِّم عَلَيْك فَكَيْف نُصَلِّي عَلَيْك \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى رَدّ قَوْل النَّخَعِيِّ : يُجْزِئ فِي اِمْتِثَال الْأَمْر بِالصَّلَاةِ قَوْله السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته فِي التَّشَهُّد ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَأَرْشَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابه إِلَى ذَلِكَ وَلَمَا عَدَلَ إِلَى تَعْلِيمهمْ كَيْفِيَّة أُخْرَى , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ إِفْرَاد الصَّلَاة عَنْ التَّسْلِيم لَا يُكْرَه وَكَذَا الْعَكْس ; لِأَنَّ تَعْلِيم التَّسْلِيم تَقَدَّمَ قَبْل تَعْلِيم الصَّلَاة كَمَا تَقَدَّمَ فَأَفْرَدَ التَّسْلِيم مُدَّة فِي التَّشَهُّد قَبْل الصَّلَاة عَلَيْهِ , وَقَدْ صَرَّحَ النَّوَوِيّ بِالْكَرَاهَةِ , وَاسْتُدِلَّ بِوُرُودِ الْأَمْر بِهِمَا مَعًا فِي الْآيَة , وَفِيهِ نَظَر. نَعَمْ يُكْرَه أَنْ يُفْرِد الصَّلَاة وَلَا يُسَلِّم أَصْلًا أَمَّا لَوْ صَلَّى فِي وَقْت وَسَلَّمَ فِي وَقْت آخَر فَإِنَّهُ يَكُون مُمْتَثِلًا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضِيلَة الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَة وُرُود الْأَمْر بِهَا وَاعْتِنَاء الصَّحَابَة بِالسُّؤَالِ عَنْ كَيْفِيَّتهَا , وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّصْرِيح بِفَضْلِهَا أَحَادِيث قَوِيَّة لَمْ يُخَرِّج الْبُخَارِيّ مِنْهَا شَيْئًا , مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَة صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ عَشْرًا \" وَلَهُ شَاهِد عَنْ أَنَس عِنْد أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان , وَعَنْ أَبِي بُرْدَة بْن نِيَار وَأَبِي طَلْحَة كِلَاهُمَا عِنْد النَّسَائِيِّ وَرُوَاتهمَا ثِقَات , وَلَفْظ أَبِي بُرْدَة \" مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِنْ أُمَّتِي صَلَاة مُخْلِصًا مِنْ قَلْبه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ بِهَا عَشْر صَلَوَات وَرَفَعَهُ بِهَا عَشْر دَرَجَات وَكَتَبَ لَهُ بِهَا عَشْر حَسَنَات وَمَحَا عَنْهُ عَشْر سَيِّئَات \" وَلَفْظ أَبِي طَلْحَة عِنْده نَحْوه وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان , وَمِنْهَا حَدِيث اِبْن مَسْعُود رَفَعَهُ \" إِنَّ أَوْلَى النَّاس بِي يَوْم الْقِيَامَة أَكْثَرهمْ عَلَيَّ صَلَاة \" وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان , وَلَهُ شَاهِد عِنْد الْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بِلَفْظِ \" صَلَاة أُمَّتِي تُعْرَض عَلَيَّ فِي كُلّ يَوْم جُمْعَة , فَمَنْ كَانَ أَكْثَرهمْ عَلَيَّ صَلَاة كَانَ أَقْرَبهمْ مِنِّي مَنْزِلَة \" وَلَا بَأْس بِسَنَدِهِ , وَوَرَدَ الْأَمْر بِإِكْثَارِ الصَّلَاة عَلَيْهِ يَوْم الْجُمُعَة مِنْ حَدِيث أَوْس بْن أَوْس وَهُوَ عِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم , وَمِنْهَا حَدِيث \" الْبَخِيل مَنْ ذُكِرْت عِنْده فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم وَإِسْمَاعِيل الْقَاضِي وَأَطْنَبَ فِي تَخْرِيج طُرُقه وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ مِنْ حَدِيث عَلِيٍّ وَمِنْ حَدِيث اِبْنه الْحُسَيْن وَلَا يَقْصُر عَنْ دَرَجَة الْحَسَن , وَمِنْهَا حَدِيث \" مَنْ نَسِيَ الصَّلَاة عَلَيَّ خَطِئَ طَرِيق الْجَنَّة \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث جَابِر وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث حُسَيْن بْن عَلِيّ , وَهَذِهِ الطُّرُق يَشُدّ بَعْضهَا بَعْضًا وَحَدِيث \" رَغِمَ أَنْف رَجُل ذُكِرْت عِنْده فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَنْ ذُكِرْت عِنْده وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّار فَأَبْعَده اللَّه \" وَلَهُ شَاهِد عِنْده , وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ فِي الطَّبَرَانِيِّ وَآخَر عَنْ أَنَس عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة وَآخَر مُرْسَل عَنْ الْحَسَن عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور , وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَمِنْ حَدِيث مَالِك بْن الْحُوَيْرِث وَمِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرَانِيِّ وَمِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر عِنْد الْفِرْيَابِيّ وَعِنْد الْحَاكِم مِنْ حَدِيث كَعْب بْن عُجْرَة بِلَفْظِ \" بَعُدَ مَنْ ذُكِرْت عِنْده فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ \" وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ \" شَقِىَ عَبْد ذُكِرْت عِنْده فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ \" وَعِنْد عَبْد الرَّزَّاق مِنْ مُرْسَل قَتَادَة \" مِنْ الْجَفَاء أَنْ أُذْكَر عِنْد رَجُل فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ \" وَمِنْهَا حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْبٍ \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِر الصَّلَاةَ فَمَا أَجْعَل لَك مِنْ صَلَاتِي ؟ قَالَ : مَا شِئْت. قَالَ الثُّلُث ؟ قَالَ مَا شِئْت , وَإِنْ زِدْت فَهُوَ خَيْر \" إِلَى أَنْ قَالَ \" أَجْعَل لَك كُلَّ صَلَاتِي ؟ قَالَ : إِذًا تُكْفَى هَمَّك \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَغَيْره بِسَنَدٍ حَسَن , فَهَذَا الْجَيِّد مِنْ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ , وَفِي الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة ضَعِيفَة وَوَاهِيَة , وَأَمَّا مَا وَضَعَهُ الْقَصَّاص فِي ذَلِكَ فَلَا يُحْصَى كَثْرَة وَفِي الْأَحَادِيث الْقَوِيَّة غُنْيَة عَنْ ذَلِكَ. قَالَ الْحَلِيمِيّ : الْمَقْصُود بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّقَرُّب إِلَى اللَّه بِامْتِثَالِ أَمْره وَقَضَاء حَقّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا. وَتَبِعَهُ اِبْن عَبْد السَّلَام فَقَالَ : لَيْسَتْ صَلَاتنَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَفَاعَة لَهُ , فَإِنَّ مِثْلنَا لَا يَشْفَع لِمِثْلِهِ , وَلَكِنَّ اللَّه أَمَرَنَا بِمُكَافَأَةِ مَنْ أَحْسَن إِلَيْنَا , فَإِنْ عَجَزْنَا عَنْهَا كَافَأْنَاهُ بِالدُّعَاءِ , فَأَرْشَدَنَا اللَّه لِمَا عَلِمَ عَجْزنَا عَنْ مُكَافَأَة نَبِيّنَا إِلَى الصَّلَاة عَلَيْهِ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فَائِدَة الصَّلَاة عَلَيْهِ تَرْجِع إِلَى الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ لِدَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى نُصُوع الْعَقِيدَة وَخُلُوص النِّيَّة وَإِظْهَار الْمَحَبَّة وَالْمُدَاوَمَة عَلَى الطَّاعَة وَالِاحْتِرَام لِلْوَاسِطَةِ الْكَرِيمَة صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَة مَنْ أَوْجَبَ الصَّلَاة عَلَيْهِ كُلَّمَا ذُكِرَ ; لِأَنَّ الدُّعَاء بِالرَّغْمِ وَالْإِبْعَاد وَالشَّقَاء وَالْوَصْف بِالْبُخْلِ وَالْجَفَاء يَقْتَضِي الْوَعِيد وَالْوَعِيد عَلَى التَّرْك مِنْ عَلَامَات الْوُجُوب , وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ فَائِدَة الْأَمْر بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مُكَافَأَته عَلَى إِحْسَانه وَإِحْسَانه مُسْتَمِرّ فَيَتَأَكَّد إِذَا ذُكِرَ وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ ( لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضكُمْ بَعْضًا ) فَلَوْ كَانَ إِذَا ذُكِرَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لَكَانَ كَآحَادِ النَّاس. وَيَتَأَكَّد ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ ( دُعَاء الرَّسُول ) الدُّعَاء الْمُتَعَلِّق بِالرَّسُولِ. وَأَجَابَ مَنْ لَمْ يُوجِب ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ : مِنْهَا أَنَّهُ قَوْل لَا يُعْرَف عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَهُوَ قَوْل مُخْتَرَع , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومه لَلَزِمَ الْمُؤَذِّن إِذَا أَذَّنَ وَكَذَا سَامِعه وَلَلَزِمَ الْقَارِئ إِذَا مَرَّ ذِكْره فِي الْقُرْآن وَلَلَزِمَ الدَّاخِل فِي الْإِسْلَام إِذَا تَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّة وَالْحَرَج مَا جَاءَتْ الشَّرِيعَة السَّمْحَة بِخِلَافِهِ , وَلَكَانَ الثَّنَاء عَلَى اللَّه كُلَّمَا ذُكِرَ أَحَقّ بِالْوُجُوبِ وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ. وَقَدْ أَطْلَقَ الْقُدُورِيّ وَغَيْره مِنْ الْحَنَفِيَّة أَنَّ الْقَوْل بِوُجُوبِ الصَّلَاة عَلَيْهِ كُلَّمَا ذُكِرَ مُخَالِف لِلْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِد قَبْل قَائِله ; لِأَنَّهُ لَا يُحْفَظ عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة أَنَّهُ خَاطَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْك , وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَفَرَّغ السَّامِع لِعِبَادَة أُخْرَى , وَأَجَابُوا عَنْ الْأَحَادِيث بِأَنَّهَا خَرَجَتْ مَخْرَج الْمُبَالَغَة فِي تَأْكِيد ذَلِكَ وَطَلَبه وَفِي حَقّ مَنْ اِعْتَادَ تَرْك الصَّلَاة عَلَيْهِ دَيْدَنًا. وَفِي الْجُمْلَة لَا دَلَالَة عَلَى وُجُوب تَكَرُّر ذَلِكَ بِتَكَرُّرِ ذِكْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِس الْوَاحِد وَاحْتَجَّ الطَّبَرِيُّ لِعَدَمِ الْوُجُوب أَصْلًا مَعَ وُرُود صِيغَة الْأَمْر بِذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ مِنْ جَمِيع الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلَمَاء الْأُمَّة عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْر لَازِم فَرْضًا حَتَّى يَكُون تَارِكه عَاصِيًا , قَالَ : فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَمْر فِيهِ لِلنَّدَبِ وَيَحْصُل الِامْتِثَال لِمَنْ قَالَهُ وَلَوْ كَانَ خَارِج الصَّلَاة. وَمَا اِدَّعَاهُ مِنْ الْإِجْمَاع مُعَارَض بِدَعْوَى غَيْره الْإِجْمَاع عَلَى مَشْرُوعِيَّة ذَلِكَ فِي الصَّلَاة إِمَّا بِطَرِيقِ الْوُجُوب وَإِمَّا بِطَرِيقِ النَّدْب , وَلَا يُعْرَف عَنْ السَّلَف لِذَلِكَ مُخَالِف إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَالطَّبَرِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ قَوْل الْمُصَلِّي فِي التَّشَهُّد السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته يُجْزِئ عَنْ الصَّلَاة , وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُخَالِف فِي أَصْل الْمَشْرُوعِيَّة وَإِنَّمَا اِدَّعَى إِجْزَاء السَّلَام عَنْ الصَّلَاة , وَاَللَّه أَعْلَم. وَمِنْ الْمَوَاطِن الَّتِي اُخْتُلِفَ فِي وُجُوب الصَّلَاة عَلَيْهِ فِيهَا التَّشَهُّد الْأَوَّل وَخُطْبَة الْجُمُعَة وَغَيْرهَا مِنْ الْخُطَب وَصَلَاة الْجِنَازَة , وَمِمَّا يَتَأَكَّد وَوَرَدَتْ فِيهِ أَخْبَار خَاصَّة أَكْثَرهَا بِأَسَانِيد جَيِّدَة عَقِب إِجَابَة الْمُؤَذِّن وَأَوَّل الدُّعَاء وَأَوْسَطه وَآخِره وَفِي أَوَّله آكَد وَفِي آخِر الْقُنُوت وَفِي أَثْنَاء تَكْبِيرَات الْعِيد وَعِنْد دُخُول الْمَسْجِد وَالْخُرُوج مِنْهُ وَعِنْد الِاجْتِمَاع وَالتَّفَرُّق وَعِنْد السَّفَر وَالْقُدُوم وَعِنْد الْقِيَام لِصَلَاةِ اللَّيْل وَعِنْد خَتْم الْقُرْآن وَعِنْد الْهَمّ وَالْكَرْب وَعِنْد التَّوْبَة مِنْ الذَّنْب وَعِنْد قِرَاءَة الْحَدِيث تَبْلِيغ الْعِلْم وَالذِّكْر وَعِنْد نِسْيَان الشَّيْء , وَوَرَدَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي أَحَادِيث ضَعِيفَة وَعِنْد اِسْتِلَام الْحَجَر وَعِنْد طَنِين الْأُذُن وَعِنْد التَّلْبِيَة وَعَقِب الْوُضُوء وَعِنْد الذَّبْح وَالْعُطَاس , وَوَرَدَ الْمَنْع مِنْهَا عِنْدهمَا أَيْضًا , وَوَرَدَ الْأَمْر بِالْإِكْثَارِ مِنْهَا يَوْم الْجُمُعَة فِي حَدِيث صَحِيح كَمَا تَقَدَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5882",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ إِذَا أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِصَدَقَتِهِ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ ‏ ‏أَبِي أَوْفَى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5883",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ‏ ‏أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ قُولُوا ‏ ‏اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَبَارِكْ عَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب ‏ ‏( عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم الْأَنْصَارِيّ , مُخْتَلَف فِي اِسْمه وَقِيلَ كُنْيَته اِسْمه , وَرِوَايَته عَنْ عَمْرو بْن سُلَيْمٍ مِنْ الْأَقْرَان , وَوَلَده مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , فَفِي السَّنَد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق , وَالسَّنَد كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( وَذُرِّيَّته ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَحُكِيَ كَسْرهَا هِيَ النَّسْل , وَقَدْ يَخْتَصّ بِالنِّسَاءِ وَالْأَطْفَال , وَقَدْ يُطْلَق عَلَى الْأَصْل , وَهِيَ مِنْ ذَرَأَ بِالْهَمْزِ أَيْ خَلَقَ , إِلَّا أَنَّ الْهَمْزَة سُهِّلَتْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَال , وَقِيلَ بَلْ هِيَ مِنْ الذَّرّ أَيْ خُلِقُوا أَمْثَال الذَّرّ وَعَلَيْهِ فَلَيْسَ مَهْمُوز الْأَصْل , وَاَللَّه أَعْلَم. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِآلِ مُحَمَّد أَزْوَاجه وَذُرِّيَّته كَمَا تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي الْكَلَام عَلَى آل مُحَمَّد فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاة عَلَى الْآل لَا تَجِب لِسُقُوطِهَا فِي هَذَا الْحَدِيث , وَهُوَ ضَعِيف لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْآلِ غَيْر أَزْوَاجه وَذُرِّيَّته أَوْ أَزْوَاجه وَذُرِّيَّته , وَعَلَى تَقْدِير كُلّ مِنْهُمَا لَا يَنْهَض الِاسْتِدْلَال عَلَى عَدَم الْوُجُوب , أَمَّا عَلَى الْأَوَّل فَلِثُبُوتِ الْأَمْر بِذَلِكَ فِي غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث الْمَنْع مِنْهُ بَلْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق اِبْن طَاوُسٍ عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم عَنْ رَجُل مِنْ الصَّحَابَة الْحَدِيث الْمَذْكُور بِلَفْظِ \" صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَأَهْل بَيْته وَأَزْوَاجه وَذُرِّيَّته \" وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَوَاضِح , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّ الْأَزْوَاج مِنْ أَهْل الْبَيْت وَأَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمْ الرِّجْس أَهْل الْبَيْت ). ‏"
    },
    {
        "id": "5884",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( اللَّهُمَّ فَأَيّمَا مُؤْمِن ) ‏ ‏الْفَاء جَوَاب الشَّرْط الْمَحْذُوف لِدَلَالَةِ السِّيَاق عَلَيْهِ , قَالَ الْمَازِرِيّ : إِنْ قِيلَ كَيْف يَدْعُو صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَعْوَةٍ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ ؟ قِيلَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ \" عِنْدك فِي بَاطِن أَمْره لَا عَلَى مَا يَظْهَر مِمَّا يَقْتَضِيه حَاله وَجِنَايَته حِين دُعَائِي عَلَيْهِ , فَكَأَنَّهُ يَقُول : مَنْ كَانَ بَاطِن أَمْره عِنْدك أَنَّهُ مِمَّنْ تَرْضَى عَنْهُ فَاجْعَلْ دَعْوَتِي عَلَيْهِ الَّتِي اِقْتَضَاهَا مَا ظَهَرَ لِي مِنْ مُقْتَضَى حَاله حِينَئِذٍ طَهُورًا وَزَكَاة , قَالَ : وَهَذَا مَعْنًى صَحِيح لَا إِحَالَة فِيهِ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالظَّوَاهِرِ , وَحِسَاب النَّاس فِي الْبَوَاطِن عَلَى اللَّه اِنْتَهَى. وَهَذَا مَبْنِيّ عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّهُ كَانَ يَجْتَهِد فِي الْأَحْكَام وَيْحكُمْ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اِجْتِهَاده , وَأَمَّا مَنْ قَالَ : كَانَ لَا يَحْكُم إِلَّا بِالْوَحْيِ فَلَا يَأْتِي مِنْهُ هَذَا الْجَوَاب. ثُمَّ قَالَ الْمَازِرِيّ : فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى قَوْله وَأَغْضَب كَمَا يَغْضَب الْبَشَر ؟ فَإِنَّ هَذَا يُشِير إِلَى أَنَّ تِلْكَ الدَّعْوَة وَقَعَتْ بِحُكْمِ سَوْرَة الْغَضَب , لَا أَنَّهَا عَلَى مُقْتَضَى الشَّرْع , فَيَعُود السُّؤَال , فَالْجَوَاب أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ دَعَوْته عَلَيْهِ أَوْ سَبّه أَوْ جَلْده كَانَ مِمَّا خُيِّرَ بَيْن فِعْله لَهُ عُقُوبَة لِلْجَانِي أَوْ تَرْكه وَالزَّجْر لَهُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ , فَيَكُون الْغَضَب لِلَّهِ تَعَالَى بَعَثَهُ عَلَى لَعْنه أَوْ جَلْده , وَلَا يَكُون ذَلِكَ خَارِجًا عَنْ شَرْعه. قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَج الْإِشْفَاق وَتَعْلِيم أُمَّته الْخَوْف مِنْ تَعَدِّي حُدُود اللَّه , فَكَأَنَّهُ أَظْهَرَ الْإِشْفَاق مِنْ أَنْ يَكُون الْغَضَب يَحْمِلهُ عَلَى زِيَادَة فِي عُقُوبَة الْجَانِي لَوْلَا الْغَضَب مَا وَقَعَتْ , أَوْ إِشْفَاقًا مِنْ أَنْ يَكُون الْغَضَب يَحْمِلهُ عَلَى زِيَادَة يَسِيرَة فِي عُقُوبَة الْجَانِي لَوْلَا الْغَضَب مَا زَادَتْ , وَيَكُون مِنْ الصَّغَائِر عَلَى قَوْل مَنْ يُجَوِّزهَا , أَوْ يَكُون الزَّجْر يَحْصُل بِدُونِهَا. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اللَّعْن وَالسَّبّ يَقَع مِنْهُ مِنْ غَيْر قَصْد إِلَيْهِ فَلَا يَكُون فِي ذَلِكَ كَاللَّعْنَةِ الْوَاقِعَة رَغْبَة إِلَى اللَّه وَطَلَبًا لِلِاسْتِجَابَةِ. وَأَشَارَ عِيَاض إِلَى تَرْجِيح هَذَا الِاحْتِمَال الْأَخِير فَقَالَ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَا ذَكَرَهُ مِنْ سَبّ وَدُعَاء غَيْر مَقْصُود وَلَا مَنَوِيّ , وَلَكِنْ جَرَى عَلَى عَادَة الْعَرَب فِي دَعْم كَلَامهَا وَصِلَة خِطَابهَا عِنْد الْحَرَج وَالتَّأْكِيد لِلْعَتْبِ لَا عَلَى نِيَّة وُقُوع ذَلِكَ , كَقَوْلِهِمْ عَقْرَى حَلْقَى وَتَرِبَتْ يَمِينك , فَأَشْفَقَ مِنْ مُوَافَقَة أَمْثَالهَا الْقَدَر , فَعَاهَدَ رَبّه وَرَغِبَ إِلَيْهِ أَنْ يَجْعَل ذَلِكَ الْقَوْل رَحْمَة وَقُرْبَة اِنْتَهَى. وَهَذَا الِاحْتِمَال حَسَن إِلَّا أَنَّهُ يَرُدّ عَلَيْهِ قَوْله \" جَلَدْته \" فَإِنَّ هَذَا الْجَوَاب لَا يَتَمَشَّى فِيهِ , إِذْ لَا يَقَع الْجَلْد عَنْ غَيْر قَصْد , وَقَدْ سَاقَ الْجَمِيع مَسَاقًا وَاحِدًا إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى الْجَلْدَة الْوَاحِدَة فَيُتَّجَه. ثُمَّ أَبْدَى الْقَاضِي اِحْتِمَالًا آخَر فَقَالَ : كَانَ لَا يَقُول وَلَا يَفْعَل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَال غَضَبه إِلَّا الْحَقّ , لَكِنْ غَضَبه لِلَّهِ قَدْ يَحْمِلهُ عَلَى تَعْجِيل مُعَاقَبَة مُخَالِفه وَتَرْك الْإِغْضَاء وَالصَّفْح , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث عَائِشَة \" مَا اِنْتَقَمَ لِنَفْسِهِ قَطّ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَك حُرُمَات اللَّه \" وَهُوَ فِي الصَّحِيح. قُلْت : فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْله \" لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ \" أَيْ مِنْ جِهَة تَعَيُّن التَّعْجِيل. ‏ ‏وَفِي الْحَدِيث كَمَال شَفَقَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّته وَجَمِيل خَلْقه وَكَرَم ذَاته حَيْثُ قَصَدَ مُقَابَلَة مَا وَقَعَ مِنْهُ بِالْجَبْرِ وَالتَّكْرِيم , وَهَذَا كُلّه فِي حَقّ مُعَيَّن وَفِي زَمَن وَاضِح , وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنْهُ بِطَرِيقِ التَّعْمِيم لِغَيْرِ مُعَيَّن حَتَّى يَتَنَاوَل مَنْ لَمْ يُدْرِك زَمَنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا أَظُنّهُ يَشْمَلهُ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5885",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى ‏ ‏أَحْفَوْهُ ‏ ‏الْمَسْأَلَةَ فَغَضِبَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ ‏ ‏لَا تَسْأَلُونِي الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي فَإِذَا رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى الرِّجَالَ يُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبِي قَالَ ‏ ‏حُذَافَةُ ‏ ‏ثُمَّ أَنْشَأَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ‏ ‏وَبِمُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَسُولًا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا وَرَاءَ الْحَائِطِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏يَذْكُرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ هَذِهِ الْآيَةَ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ‏}",
        "sharh": "سَيَأْتِي فِي كِتَاب الْفِتَن , وَتَقَدَّمَ شَيْء مِنْ شَرْحه يَتَعَلَّق بِسَبَبِ نُزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة فِي آخِر الْحَدِيث فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة , ‏ ‏وَقَوْله \" أَحْفَوْهُ \" ‏ ‏بِحَاءٍ مُهْمَلَة سَاكِنَة وَفَاء مَفْتُوحَة أَيْ أَلَحُّوا عَلَيْهِ , يُقَال أَحْفَيْته إِذَا حَمَلْته عَلَى أَنْ يَبْحَث عَنْ الْخَبَر , ‏ ‏وَقَوْله : \" لَافٌّ \" ‏ ‏بِالرَّفْعِ وَيَجُوز النَّصْب عَلَى الْحَال , ‏ ‏وَقَوْله \" إِذَا لَاحَى \" ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ خَفِيفَة أَيْ خَاصَمَ , وَفِي الْحَدِيث أَنَّ غَضَب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَمْنَع مِنْ حُكْمه فَإِنَّهُ لَا يَقُول إِلَّا الْحَقّ فِي الْغَضَب وَالرِّضَا , وَفِيهِ فَهْم عُمَر وَفَضْل عِلْمه. ‏"
    },
    {
        "id": "5886",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِأَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏الْتَمِسْ لَنَا غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي فَخَرَجَ بِي ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏يُرْدِفُنِي ‏ ‏وَرَاءَهُ فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُلَّمَا نَزَلَ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَأَقْبَلَ ‏ ‏بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ‏ ‏قَدْ حَازَهَا فَكُنْتُ أَرَاهُ يُحَوِّي وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ أَوْ كِسَاءٍ ثُمَّ ‏ ‏يُرْدِفُهَا ‏ ‏وَرَاءَهُ حَتَّى إِذَا كُنَّا ‏ ‏بِالصَّهْبَاءِ ‏ ‏صَنَعَ ‏ ‏حَيْسًا ‏ ‏فِي ‏ ‏نِطَعٍ ‏ ‏ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ ‏ ‏أُحُدٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي ‏ ‏مُدِّهِمْ ‏ ‏وَصَاعِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( فَكُنْت أَسْمَعهُ يُكْثِر أَنْ يَقُول ) ‏ ‏اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَة لَا تَدُلّ عَلَى الدَّوَام وَلَا الْإِكْثَار , وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِقَوْلِهِ \" يُكْثِر \" فَائِدَة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالدَّوَامِ أَعَمّ مِنْ الْفِعْل وَالْقُوَّة , وَيَظْهَر لِي أَنَّ الْحَاصِل أَنَّهُ لَمْ يَعْرِف لِذَلِكَ مُزِيلًا , وَيُفِيد قَوْله \" يُكْثِر \" وُقُوع ذَلِكَ مِنْ فِعْله كَثِيرًا. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ الْهَمّ وَالْحَزَن إِلَى قَوْله وَالْجُبْن ) ‏ ‏يَأْتِي شَرْحه قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله ( وَضَلَع الدَّيْن ) ‏ ‏أَصْل الضَّلَع وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَاللَّام الِاعْوِجَاج , يُقَال ضَلَعَ بِفَتْحِ اللَّام يَضْلَع أَيْ مَال , وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا ثِقَل الدَّيْن وَشِدَّته وَذَلِكَ حَيْثُ لَا يَجِد مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْن وَفَاء وَلَا سِيَّمَا مَعَ الْمُطَالَبَة. وَقَالَ بَعْض السَّلَف مَا دَخَلَ هَمّ الدَّيْن قَلْبًا إِلَّا أَذْهَبَ مِنْ الْعَقْل مَا لَا يَعُود إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَغَلَبَة الرِّجَال ) ‏ ‏أَيْ شِدَّة تَسَلُّطهمْ كَاسْتِيلَاءِ الرِّعَاع هَرْجًا وَمَرْجًا. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا الدُّعَاء مِنْ جَوَامِع الْكَلِم ; لِأَنَّ أَنْوَاع الرَّذَائِل ثَلَاثَة : نَفْسَانِيَّة وَبَدَنِيَّة وَخَارِجِيَّة , فَالْأُولَى بِحَسَبِ الْقُوَى الَّتِي لِلْإِنْسَانِ وَهِيَ ثَلَاثَة : الْعَقْلِيَّة وَالْغَضَبِيَّة وَالشَّهْوَانِيَّة , فَالْهَمّ وَالْحَزَن يَتَعَلَّق بِالْعَقْلِيَّةِ , وَالْجُبْن بِالْغَضَبِيَّةِ , وَالْبُخْل بِالشَّهْوَانِيَّةِ. وَالْعَجْز وَالْكَسَل بِالْبَدَنِيَّةِ. وَالثَّانِي يَكُون عِنْد سَلَامَة الْأَعْضَاء وَتَمَام الْآلَات وَالْقُوَى , وَالْأَوَّل عِنْد نُقْصَان عُضْو وَنَحْوه , وَالضَّلَع وَالْغَلَبَة بِالْخَارِجِيَّةِ فَالْأَوَّل مَالِيّ وَالثَّانِي جَاهِيّ , وَالدُّعَاء مُشْتَمِل عَلَى جَمِيع ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5887",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أُمَّ خَالِدٍ بِنْتَ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَيْرَهَا قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , ‏ ‏وَأُمّ خَالِد بِنْت خَالِد ‏ ‏اِسْمهَا أَمَة بِتَخْفِيفِ الْمِيم بِنْت خَالِد بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ , تَقَدَّمَ ذِكْرهَا فِي اللِّبَاس وَأَنَّهَا وُلِدَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَة لَمَّا هَاجَرَ أَبَوَاهَا إِلَيْهَا , ثُمَّ قَدِمُوا الْمَدِينَة وَكَانَتْ صَغِيرَة فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ حَفِظَتْ عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5888",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُصْعَبٍ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يَأْمُرُ بِخَمْسٍ وَيَذْكُرُهُنَّ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِهِنَّ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا ‏ ‏يَعْنِي فِتْنَةَ ‏ ‏الدَّجَّالِ ‏ ‏وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ‏",
        "sharh": "قَوْله ( بَاب التَّعَوُّذ مِنْ الْبُخْل ) كَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَة هُنَا لِلْمُسْتَمْلِي وَحْده , وَهِيَ غَلَط مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ الْحَدِيث الْأَوَّل فِي الْبَاب وَإِنْ كَانَ فِيهِ ذِكْر الْبُخْل لَكِنْ قَدْ تَرْجَمَ لِهَذِهِ التَّرْجَمَة بِعَيْنِهَا بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب وَذَكَرَ فِيهِ الْحَدِيث الْمَذْكُور بِعَيْنِهِ , ثَانِيهمَا أَنَّ الْحَدِيث الثَّانِي مُخْتَصّ بِعَذَابِ الْقَبْر لَا ذِكْر لِلْبُخْلِ فِيهِ أَصْلًا فَهُوَ بَقِيَّة مِنْ الْبَاب الَّذِي قَبْله وَهُوَ اللَّائِق بِهِ , وَقَوْله \" عَنْ عَبْد الْمَلِك \" هُوَ اِبْن عُمَيْر كَمَا سَيَأْتِي مَنْسُوبًا فِي الْبَاب الْمُشَار إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُصْعَب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ , وَسَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة عَنْ عَبْد الْمَلِك عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , وَلِعَبْدِ الْمَلِك بْن عُمَيْر فِيهِ شَيْخ آخَر , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْجِهَاد مِنْ طَرِيق أَبِي عَوَانَة عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون عَنْ سَعْد وَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ عَبْد الْمَلِك : فَحَدَّثْت بِهِ مُصْعَبًا فَصَدَّقَهُ \" وَأَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق زَائِدَة عَنْ عَبْد الْمَلِك عَنْ مُصْعَب وَقَالَ فِي آخِره \" فَحَدَّثْت بِهِ عَمْرو بْن مَيْمُون فَقَالَ وَأَنَا حَدَّثَنِي بِهِنَّ سَعْد \" وَقَدْ أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عَمْرو الرَّقِّيّ عَنْ عَبْد الْمَلِك عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد وَعَمْرو بْن مَيْمُون جَمِيعًا عَنْ سَعْد وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظ مُصْعَب , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق زَائِدَة عَنْ عَبْد الْمَلِك عَنْهُمَا , وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيق زَائِدَة عَنْ عَبْد الْمَلِك عَنْ مُصْعَب وَحْده , وَفِي سِيَاق عَمْرو أَنَّهُ كَانَ يَقُول ذَلِكَ دُبُر الصَّلَاة , وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة مُصْعَب , وَفِي رِوَايَة مُصْعَب ذِكْر الْبُخْل وَلَيْسَ فِي رِوَايَة عَمْرو , وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق السَّبِيعِيّ عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون عَنْ اِبْن مَسْعُود هَذِهِ رِوَايَة زَكَرِيَّا عَنْهُ , وَقَالَ إِسْرَائِيل عَنْهُ عَنْ عَمْرو عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَنَقَلَ التِّرْمِذِيّ عَنْ الدَّارِمِيِّ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ أَبُو إِسْحَاق يَضْطَرِب فِيهِ. قُلْت : لَعَلَّ عَمْرو بْن مَيْمُون سَمِعَهُ مِنْ جَمَاعَة , فَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة زُهَيْر عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَمْرو عَنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سَمَّى مِنْهُمْ ثَلَاثَة كَمَا تَرَى , وَقَوْله إِنَّهُ \" كَانَ سَعْد يَأْمُر \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" يَأْمُرنَا \" بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَجَرِير الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث الثَّانِي هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق بْن سَلَمَة وَهُوَ وَمَسْرُوق شَيْخه مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ , وَرِجَال الْإِسْنَاد كُلّهمْ كُوفِيُّونَ إِلَى عَائِشَة , وَرِوَايَة أَبِي وَائِل عَنْ مَسْرُوق مِنْ الْأَقْرَان , وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق الْمُسْتَمْلِي عَنْ الْفَرَبْرِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" مَنْصُور عَنْ أَبِي وَائِل وَمَسْرُوق عَنْ عَائِشَة \" بِوَاوٍ بَدَل عَنْ قَالَ : وَالصَّوَاب الْأَوَّل , وَلَا يُحْفَظ لِأَبِي وَائِل عَنْ عَائِشَة رِوَايَة. قُلْت أَمَّا كَوْنه الصَّوَاب فَصَوَاب لِاتِّفَاقِ الرُّوَاة فِي الْبُخَارِيّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي وَائِل عَنْ مَسْرُوق , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَغَيْره مِنْ رِوَايَة مَنْصُور , وَأَمَّا النَّفْي فَمَرْدُود فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي وَائِل عَنْ عَائِشَة حَدِيثَيْنِ أَحَدهمَا \" مَا رَأَيْت الْوَجَع عَلَى أَحَد أَشَدّ مِنْهُ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَهَذَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة أَبِي وَائِل عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة , وَالثَّانِي \" إِذَا تَصَدَّقَتْ الْمَرْأَة مِنْ بَيْت زَوْجهَا \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن مُرَّة \" سَمِعْت أَبَا وَائِل عَنْ عَائِشَة \" وَهَذَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة مَنْصُور وَالْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة , وَهَذَا جَمِيع مَا فِي الْكُتُب السِّتَّة لِأَبِي وَائِل عَنْ عَائِشَة , وَأَخْرَجَ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَائِشَة حَدِيث \" مَا مِنْ مُسْلِم يُشَاك شَوْكَة فَمَا دُونهَا إِلَّا رَفَعَهُ اللَّه بِهَا دَرَجَة \" الْحَدِيث , وَفِي بَعْض هَذَا مَا يَرُدّ إِطْلَاق أَبِي عَلِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5889",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ ‏ ‏يَهُودِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالَتَا لِي إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا فَخَرَجَتَا وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَجُوزَيْنِ وَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ ‏ ‏صَدَقَتَا إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ كُلُّهَا فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُز يَهُود الْمَدِينَة ) ‏ ‏عُجُز بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَالْجِيم بَعْدهَا زَاي جَمْع عَجُوز مِثْل عَمُود وَعُمُد , وَيُجْمَع أَيْضًا عَلَى عَجَائِز , وَهَذِهِ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ عِمْرَان بْن مُوسَى عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , قَالَ اِبْن السِّكِّيت : وَلَا يُقَال عَجُوزَة , وَقَالَ غَيْره : هِيَ لُغَة رَدِيئَة. وَقَوْله \" وَلَمْ أُنْعِم \" هُوَ رُبَاعِيّ مِنْ أَنْعَمَ وَالْمُرَاد أَنَّهَا لَمْ تُصَدِّقهُمَا أَوَّلًا. ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّ عَجُوزَيْنِ وَذَكَرْت لَهُ فَقَالَ صَدَقَتَا ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ حُذِفَ خَبَر \" إِنَّ \" لِلْعِلْمِ بِهِ وَالتَّقْدِير دَخَلَتَا. قُلْت : ظَهَرَ لِي أَنَّ الْبُخَارِيّ هُوَ الَّذِي اِخْتَصَرَهُ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ عِمْرَان بْن مُوسَى عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَسَاقَهُ وَلَفْظه \" فَقُلْت لَهُ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عَجَائِز يَهُود الْمَدِينَة دَخَلَتَا عَلَيَّ فَزَعَمَتَا أَنَّ أَهْل الْقُبُور يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورهمْ , فَقَالَ : صَدَقَتَا \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ جَرِير شَيْخ عُثْمَان فِيهِ , فَعَلَى هَذَا فَيُضْبَط \" وَذَكَرْتُ لَهُ \" بِضَمِّ التَّاء وَسُكُون الرَّاء أَيْ ذَكَرْت لَهُ مَا قَالَتَا , وَقَوْله \" تَسْمَعهُ الْبَهَائِم \" تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى , وَبَيَّنْت طَرِيق الْجَمْع بَيْن جَزْمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَا بِتَصْدِيقِ الْيَهُودِيَّتَيْنِ فِي إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر وَقَوْله فِي الرِّوَايَة \" عَائِذًا بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ \" وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ عَنْ عَائِشَة , وَحَاصِله أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي الْقُبُور فَقَالَ \" إِنَّمَا يُفْتَن يَهُود \" فَجَرَى عَلَى مَا كَانَ عِنْده مِنْ عِلْم ذَلِكَ , ثُمَّ لَمَّا عَلِمَ بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَع لِغَيْرِ الْيَهُود اِسْتَعَاذَ مِنْهُ وَعَلَّمَهُ وَأَمَرَ بِإِيقَاعِهِ فِي الصَّلَاة لِيَكُونَ أَنْجَحَ فِي الْإِجَابَة , وَاَللَّه أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "5890",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُعْتَمِرُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس وَفِيهِ ذِكْر الْعَجْز وَالْكَسَل وَالْجُبْن , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْجِهَاد وَالْبُخْل , وَسَيَأْتِي بَعْد بَابَيْنِ , وَالْهَرَم وَالْمُرَاد بِهِ الزِّيَادَة فِي كَبِرَ السِّنّ , وَعَذَاب الْقَبْر وَقَدْ مَضَى فِي الْجَنَائِز. وَأَمَّا فِتْنَة الْمَحْيَا وَالْمَمَات فَقَالَ اِبْن بَطَّال هَذِهِ كَلِمَة جَامِعَة لَمَعَانٍ كَثِيرَة , وَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَرْغَب إِلَى رَبّه فِي رَفْع مَا نَزَلَ وَدَفْع مَا لَمْ يَنْزِل , وَيَسْتَشْعِر الِافْتِقَار إِلَى رَبّه فِي جَمِيع ذَلِكَ , وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذ مِنْ جَمِيع مَا ذَكَرَ دَفْعًا عَنْ أُمَّته وَتَشْرِيعًا لَهُمْ لِيُبَيِّن لَهُمْ صِفَة الْمُهِمّ مِنْ الْأَدْعِيَة. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْمُرَاد بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَة الْمَمَات فِي \" بَاب الدُّعَاء قَبْل السَّلَام \" فِي أَوَاخِر صِفَة الصَّلَاة قُبَيْل كِتَاب الْجُمُعَة , وَأَصْل الْفِتْنَة الِامْتِحَان وَالِاخْتِبَار , وَاسْتُعْمِلَتْ فِي الشَّرْع فِي اِخْتِبَار كَشْف مَا يُكْرَه , وَيُقَال فَتَنْت الذَّهَب إِذَا اِخْتَبَرْته بِالنَّارِ لِتَنْظُر جَوْدَته , وَفِي الْغَفْلَة عَنْ الْمَطْلُوب كَقَوْلِهِ ( إِنَّمَا أَمْوَالكُمْ وَأَوْلَادكُمْ فِتْنَة ) وَتُسْتَعْمَل فِي الْإِكْرَاه عَلَى الرُّجُوع عَنْ الدِّين كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ). قُلْت : وَاسْتُعْمِلَتْ أَيْضًا فِي الضَّلَال وَالْإِثْم وَالْكُفْر وَالْعَذَاب وَالْفَضِيحَة , وَيُعْرَف الْمُرَاد حَيْثُمَا وَرَدَ بِالسِّيَاقِ وَالْقَرَائِن. ‏"
    },
    {
        "id": "5891",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ ‏ ‏وَالْمَأْثَمِ ‏ ‏وَالْمَغْرَمِ ‏ ‏وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ ‏ ‏الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ‏ ‏اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّ قَلْبِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مِنْ الْكَسَل وَالْهَرَم ) ‏ ‏تَقَدَّمَا فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله ( وَالْمَأْثَم وَالْمَغْرَم ) ‏ ‏وَالْمُرَاد الْإِثْم وَالْغَرَامَة , وَهِيَ مَا يَلْزَم الشَّخْص أَدَاؤُهُ كَالدَّيْنِ. زَادَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة كَمَا مَضَى فِي \" بَاب الدُّعَاء قَبْل السَّلَام \" فَقَالَ لَهُ قَائِل \" مَا أَكْثَر مَا تَسْتَعِيذ مِنْ الْمَأْثَم وَالْمَغْرَم \" هَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن سُلَيْمٍ الْحِمْصِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيث مُخْتَصَرًا وَفِيهِ \" فَقَالَ لَهُ يَا رَسُول اللَّه إِنَّك تُكْثِر التَّعَوُّذ \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه هُنَاكَ وَقُلْت إِنِّي لَمْ أَقِف حِينَئِذٍ عَلَى تَسْمِيَة الْقَائِل , ثُمَّ وَجَدْت تَفْسِير الْمُبْهَم فِي الِاسْتِعَاذَة لِلنَّسَائِيِّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق سَلَمَة بْن سَعِيد بْن عَطِيَّة عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيث مُخْتَصَرًا وَلَفْظه \" كَانَ يَتَعَوَّذ مِنْ الْمَغْرَم وَالْمَأْثَم \" قُلْت : يَا رَسُول اللَّه مَا أَكْثَر مَا تَتَعَوَّذ مِنْ الْمَغْرَم , قَالَ : \" إِنَّهُ مَنْ غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ \" فَعُرِفَ أَنَّ السَّائِل لَهُ عَنْ ذَلِكَ عَائِشَة رَاوِيَة الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( وَمِنْ فِتْنَة الْقَبْر ) ‏ ‏هِيَ سُؤَال الْمَلَكَيْنِ , وَعَذَاب الْقَبْر تَقَدَّمَ شَرْحه. ‏ ‏قَوْله ( وَمِنْ فِتْنَة النَّار ) ‏ ‏هِيَ سُؤَال الْخَزَنَة عَلَى سَبِيل التَّوْبِيخ , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خَزَنَتهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير ) وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" بَاب الِاسْتِعَاذَة مِنْ أَرْذَل الْعُمُر \" بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْله ( وَمِنْ شَرّ فِتْنَة الْغِنَى وَأَعُوذ بِك مِنْ فِتْنَة الْفَقْر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي \" بَاب الدُّعَاء قَبْل السَّلَام قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : صَرَّحَ فِي فِتْنَة الْغِنَى بِذِكْرِ الشَّرّ إِشَارَة إِلَى أَنَّ مَضَرَّته أَكْثَر مِنْ مَضَرَّة غَيْره , أَوْ تَغْلِيظًا عَلَى أَصْحَابه حَتَّى لَا يَغْتَرُّوا فَيَغْفُلُوا عَنْ مَفَاسِده , أَوْ إِيمَاء إِلَى أَنَّ صُورَته لَا يَكُون فِيهَا خَيْر , بِخِلَافِ صُورَة الْفَقْر فَإِنَّهَا قَدْ تَكُون خَيْرًا اِنْتَهَى. وَكُلّ هَذَا غَفْلَة عَنْ الْوَاقِع , فَإِنَّ الَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ لَفْظ \" شَرّ \" فِي الْأَصْل ثَابِتَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَإِنَّمَا اِخْتَصَرَهَا بَعْض الرُّوَاة , فَسَيَأْتِي بَعْد قَلِيل فِي \" بَاب الِاسْتِعَاذَة مِنْ أَرْذَل الْعُمُر \" مِنْ طَرِيق وَكِيع وَأَبِي مُعَاوِيَة مُفَرَّقًا عَنْ هِشَام بِسَنَدِهِ هَذَا بِلَفْظِ \" شَرّ فِتْنَة الْغِنَى وَشَرّ فِتْنَة الْفَقْر \" وَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب أَيْضًا مِنْ رِوَايَة سَلَّام بْن أَبِي مُطِيع عَنْ هِشَام بِإِسْقَاطِ \" شَرّ \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَالتَّقْيِيد فِي الْغِنَى وَالْفَقْر بِالشَّرِّ لَا بُدّ مِنْهُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ خَيْر بِاعْتِبَارٍ , فَالتَّقْيِيد فِي الِاسْتِعَاذَة مِنْهُ بِالشَّرِّ يُخْرِج مَا فِيهِ مِنْ الْخَيْر سَوَاء قَلَّ أَمْ كَثُرَ , قَالَ الْغَزَالِيّ : فِتْنَة الْغِنَى الْحِرْص عَلَى جَمْع الْمَال وَحُبّه حَتَّى يَكْسِبهُ مِنْ غَيْر حِلّه وَيَمَنْعه مِنْ وَاجِبَات إِنْفَاقه وَحُقُوقه , وَفِتْنَة الْفَقْر يُرَاد بِهِ الْفَقْر الْمُدْقِع الَّذِي لَا يَصْحَبهُ خَيْر وَلَا وَرَع حَتَّى يَتَوَرَّط صَاحِبه بِسَبَبِهِ فِيمَا لَا يَلِيق بِأَهْلِ الدِّين وَالْمُرُوءَة , وَلَا يُبَالِي بِسَبَبِ فَاقَته عَلَى أَيّ حَرَام وَثَبَ , وَلَا فِي أَيّ حَالَة تَوَرَّطَ. وَقِيلَ الْمُرَاد بِهِ فَقْر النَّفْس الَّذِي لَا يَرُدّهُ مِلْك الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا , وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلّ عَلَى تَفْضِيل الْفَقْر عَلَى الْغِنَى وَلَا عَكْسه. ‏ ‏قَوْله ( وَأَعُوذ بِك مِنْ فِتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وَكِيع \" وَمِنْ شَرّ فِتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي \" بَاب الدُّعَاء قَبْل السَّلَام \". ‏ ‏قَوْله ( اللَّهُمَّ اِغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْج وَالْبَرَد إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي أَوَائِل صِفَة الصَّلَاة , وَحِكْمَة الْعُدُول عَنْ الْمَاء الْحَارّ إِلَى الثَّلْج وَالْبَرَد مَعَ أَنَّ الْحَارّ فِي الْعَادَة أَبْلَغ فِي إِزَالَة الْوَسَخ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الثَّلْج وَالْبَرَد مَاءَانِ طَاهِرَانِ لَمْ تَمَسّهُمَا الْأَيْدِي وَلَمْ يَمْتَهِنهُمَا الِاسْتِعْمَال , فَكَانَ ذِكْرهمَا آكَد فِي هَذَا الْمَقَام , أَشَارَ إِلَى هَذَا الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَلَهُ تَوْجِيه آخَر وَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَ الْخَطَايَا بِمَنْزِلَةِ النَّار لِكَوْنِهَا تُؤَدِّي إِلَيْهَا فَعَبَّرَ عَنْ إِطْفَاء حَرَارَتهَا بِالْغَسْلِ تَأْكِيدًا فِي إِطْفَائِهَا , وَبَالَغَ فِيهِ بِاسْتِعْمَالِ الْمُبَرِّدَات تَرَقِّيًا عَنْ الْمَاء إِلَى أَبْرَد مِنْهُ وَهُوَ الثَّلْج ثُمَّ إِلَى أَبْرَد مِنْهُ وَهُوَ الْبَرَد بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدْ يَجْمُد وَيَصِير جَلِيدًا , بِخِلَافِ الثَّلْج فَإِنَّهُ يَذُوب. وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَة كَمَا أَشَرْت إِلَيْهِ , وَقَيَّدَهُ بِالصَّلَاةِ وَلَفْظه \" كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاة \" وَذَكَرْت هُنَاكَ تَوْجِيه إِدْخَاله فِي الدُّعَاء قَبْل السَّلَام , وَلَمْ يَقَع فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد الْمُصَنِّف ذِكْر الْمَأْثَم وَالْمَغْرَم , وَوَقَعَ ذَلِكَ عِنْد مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَلَمْ يَقَع عِنْدهمَا مَعًا فِيهِ قَوْله \" اللَّهُمَّ اِغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ إِلَخْ \" وَهُوَ حَدِيث وَاحِد ذَكَرَ فِيهِ كُلّ مِنْ هِشَام بْن عُرْوَة وَالزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة مَا لَمْ يَذْكُرهُ الْآخَر.وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5892",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ ‏ ‏وَضَلَعِ ‏ ‏الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال , وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ فِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ مَوْلَى الْمُطَّلِب الْمَاضِي ذِكْرهُ فِي \" بَاب التَّعَوُّذ مِنْ غَلَبَة الرِّجَال \". ‏ ‏قَوْله ( فَكُنْت أَسْمَعهُ يُكْثِر أَنْ يَقُول : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ الْهَمّ إِلَى قَوْله وَالْجُبْن ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْح هَذِهِ الْأُمُور السِّتَّة , وَمُحَصَّله أَنَّ الْهَمّ لِمَا يَتَصَوَّرهُ الْعَقْل مِنْ الْمَكْرُوه فِي الْحَال , وَالْحَزَن لِمَا وَقَعَ فِي الْمَاضِي , وَالْعَجْز ضِدّ الِاقْتِدَار , وَالْكَسَل ضِدّ النَّشَاط , وَالْبُخْل ضِدّ الْكَرَم , وَالْجُبْن ضِدّ الشَّجَاعَة. ‏ ‏وَقَوْله \" وَضَلَع الدَّيْن \" ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطه وَتَفْسِيره قَبْل ثَلَاث أَبْوَاب , ‏ ‏وَقَوْله \" وَغَلَبَة الرِّجَال \" ‏ ‏هِيَ إِضَافَة لِلْفَاعِلِ , اِسْتَعَاذَ مِنْ أَنْ يَغْلِبهُ الرِّجَال لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْوَهْن فِي النَّفْس وَالْمَعَاش. ‏"
    },
    {
        "id": "5893",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَانَ يَأْمُرُ بِهَؤُلَاءِ الْخَمْسِ وَيُحَدِّثُهُنَّ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَأَعُوذ بِك أَنْ أُرَدّ إِلَى أَرْذَل الْعُمُر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" وَأَعُوذ بِك مِنْ أَنْ أُرَدّ \" بِزِيَادَةِ \" مِنْ \" وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله ( وَأَعُوذ بِك مِنْ فِتْنَة الدُّنْيَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ رَوْح عَنْ شُعْبَة وَزَادَ فِي رِوَايَة آدَم الْمَاضِيَة قَرِيبًا عَنْ شُعْبَة \" يَعْنِي فِتْنَة الدَّجَّال \" وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ هَذَا التَّفْسِير مِنْ كَلَام شُعْبَة , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَقَدْ بَيَّنَ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ شُعْبَة أَنَّهُ مِنْ كَلَام عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر رَاوِي الْخَبَر أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه وَلَفْظه \" قَالَ شُعْبَة فَسَأَلْت عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْ فِتْنَة الدُّنْيَا فَقَالَ : الدَّجَّال \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة زَائِدَة بْن قُدَامَةَ عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر بِلَفْظِ \" وَأَعُوذ بِك مِنْ فِتْنَة الدَّجَّال \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ عُثْمَان اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ حَسَن بْن عَلِيّ الْجُعْفِيِّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده عَنْ إِسْحَاق عَنْ حُسَيْن بْن عَلِيّ بِلَفْظِ \" مِنْ فِتْنَة الدُّنْيَا \" فَلَعَلَّ بَعْض رُوَاته ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر , وَفِي إِطْلَاق الدُّنْيَا عَلَى الدَّجَّال إِشَارَة إِلَى أَنَّ فِتْنَته أَعْظَم الْفِتَن الْكَائِنَة فِي الدُّنْيَا , وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ قَالَ \" خَطَبَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِتْنَة فِي الْأَرْض مُنْذُ ذَرَأَ اللَّه ذُرِّيَّة آدَم أَعْظَم مِنْ فِتْنَة الدَّجَّال \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ. ‏"
    },
    {
        "id": "5894",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَعَوَّذُ يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَرَمِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5895",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏أَوْ أَشَدَّ وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى ‏ ‏الْجُحْفَةِ ‏ ‏اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا وَصَاعِنَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَة \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" اُنْقُلْ حِمَاهَا إِلَى الْجُحْفَة \" وَهُوَ يَتَعَلَّق بِالرُّكْنِ الْأَوَّل مِنْ التَّرْجَمَة وَهُوَ الْوَبَاء لِأَنَّهُ الْمَرَض الْعَامّ , وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه حَيْثُ قَالَتْ فِي أَوَّله \" قَدِمْنَا الْمَدِينَة وَهِيَ أَوَبَأ أَرْض اللَّه \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا اللَّفْظ فِي آخِر كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5896",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ شَكْوَى أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَ بِي مَا تَرَى مِنْ الْوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ ‏ ‏لَا قُلْتُ فَبِشَطْرِهِ قَالَ الثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي ‏ ‏فِي امْرَأَتِكَ قُلْتُ آأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي قَالَ إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ دَرَجَةً وَرِفْعَةً وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ لَكِنْ الْبَائِسُ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏رَثَى لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص \" عَادَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّة الْوَدَاع مِنْ شَكْوَى \" الْحَدِيث وَهُوَ مُتَعَلِّق بِالرُّكْنِ الثَّانِي مِنْ التَّرْجَمَة وَهُوَ الْوَجَع , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْوَصَايَا , وَقَوْله فِي آخِره \" قَالَ سَعْد رَثَى لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ \" يَرُدّ قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ فِي الْحَدِيث إِدْرَاجًا , وَأَنَّ قَوْله \" يُرْثَى لَهُ إِلَخْ \" مِنْ قَوْل الزُّهْرِيِّ مُتَمَسِّكًا بِمَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه وَفِيهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ إِلَخْ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرْجِع إِلَى اِخْتِلَاف الرُّوَاة عَنْ الزُّهْرِيِّ هَلْ وَصَلَ هَذَا الْقَدْر عَنْ سَعْد أَوْ قَالَ مِنْ قِبَل نَفْسه : وَالْحُكْم لِلْوَصْلِ لِأَنَّ مَعَ رُوَاته زِيَادَة عِلْم وَهُوَ حَافِظ , وَشَاهِد التَّرْجَمَة مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتهمْ وَلَا تَرُدّهُمْ عَلَى أَعْقَابهمْ \" فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى الدُّعَاء لِسَعْدٍ بِالْعَافِيَةِ لِيَرْجِع إِلَى دَار هِجْرَته وَهِيَ الْمَدِينَة وَلَا يَسْتَمِرّ مُقِيمًا بِسَبَبِ الْوَجَع بِالْبَلَدِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا وَهِيَ مَكَّة , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ \" لَكِنَّ الْبَائِس سَعْد بْن خَوْلَة إِلَخْ \" وَقَدْ أَوْضَحْت فِي أَوَائِل الْوَصَايَا مَا يَتَعَلَّق بِسَعْدِ بْن خَوْلَة. وَنَقَلَ اِبْن الْمُزَيِّن الْمَالِكِيّ أَنَّ الرِّثَاء لِسَعْدِ بْن خَوْلَة بِسَبَبِ إِقَامَته بِمَكَّة وَلَمْ يُهَاجِر , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَلَكِنْ اِخْتَلَفُوا مَتَى رَجَعَ إِلَى مَكَّة حَتَّى مَرِضَ بِهَا فَمَاتَ ؟ فَقِيلَ إِنَّهُ سَكَنَ مَكَّة بَعْد أَنْ شَهِدَ بَدْرًا وَقِيلَ مَاتَ فِي حَجَّة الْوَدَاع , وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فِيمَا حَكَاهُ اِبْن التِّين فَقَالَ : لَمْ يَكُنْ لِلْمُهَاجِرِينَ أَنْ يُقِيمُوا بِمَكَّة إِلَّا ثَلَاثًا بَعْد الصَّدْر , فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ سَعْد بْن خَوْلَة تُوُفِّيَ قَبْل تِلْكَ الْحَجَّة , وَقِيلَ مَاتَ فِي الْفَتْح بَعْد أَنْ أَطَالَ الْمَقَام بِمَكَّة بِغَيْرِ عُذْر , إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ عُذْر لَمْ يَأْثَم , وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين قِيلَ لَهُ إِنَّ صَفِيَّة حَاضَتْ \" أَحَابِسَتنَا هِيَ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِلْمُهَاجِرِ إِذَا كَانَ لَهُ عُذْر أَنْ يُقِيم أَزْيَد مِنْ الثَّلَاث الْمَشْرُوعَة لِلْمُهَاجِرِينَ , وَقَالَ : يَحْتَمِل أَنْ تَكُون هَذِهِ اللَّفْظَة قَالَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل حَجَّة الْوَدَاع ثُمَّ حَجّ فَقَرَنَهَا الرَّاوِي بِالْحَدِيثِ لِكَوْنِهَا مِنْ تَكْمِلَته اِنْتَهَى. وَكَلَامه مُتَعَقَّبٌ فِي مَوَاضِع : مِنْهَا اِسْتِشْهَاده بِقِصَّةِ صَفِيَّة وَلَا حُجَّة فِيهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تُجَاوِز الثَّلَاث الْمَشْرُوعَة , وَالِاحْتِبَاس الِامْتِنَاع وَهُوَ يَصْدُق بِالْيَوْمِ بَلْ بِدُونِهِ. وَمِنْهَا جَزْمه بِأَنَّ سَعْد بْن خَوْلَة أَطَالَ الْمَقَام بِمَكَّة وَرَمْزهُ إِلَى أَنَّهُ أَقَامَ بِغَيْرِ عُذْر وَإِنَّهُ أَثِمَ بِذَلِكَ إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَظْهَر فَسَاده بِالتَّأَمُّلِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5897",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْحُسَيْنُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَعَوَّذُوا بِكَلِمَاتٍ كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنْبَأَنَا الْحُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَلِيّ الْجُعْفِيُّ الزَّاهِد الْمَشْهُور , ‏ ‏وَإِسْحَاق ‏ ‏الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ , وَشَيْخه ‏ ‏زَائِدَة ‏ ‏, هُوَ اِبْن قُدَامَةَ , ‏ ‏وَعَبْد الْمَلِك ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَيْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى قَبْل قَلِيل. ‏"
    },
    {
        "id": "5898",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَغْرَمِ وَالْمَأْثَمِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَفِتْنَةِ النَّارِ وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَشَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ ‏ ‏الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ‏ ‏اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّ قَلْبِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5899",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالَتِهِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَتَعَوَّذُ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْغِنَى وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ ‏ ‏الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5900",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَشَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ ‏ ‏الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ‏ ‏اللَّهُمَّ اغْسِلْ قَلْبِي بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّ قَلْبِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5901",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سُلَيْمٍ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏خَادِمُكَ ادْعُ اللَّهَ لَهُ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( شُعْبَة قَالَ سَمِعْت قَتَادَة عَنْ أَنَس عَنْ أُمّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُول اللَّه أَنَس خَادِمك اُدْعُ اللَّه لَهُ. الْحَدِيث ) ‏ ‏وَفِي آخِره ‏ ‏( وَعَنْ هِشَام بْن زَيْد سَمِعْت أَنَس بْن مَالِك مِثْله ) ‏ ‏قُلْت هَكَذَا قَالَ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة جَعَلَ الْحَدِيث مِنْ مُسْنَد أُمّ سُلَيْمٍ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَهُوَ غُنْدَر هَذَا فَذَكَرَ مِثْله , وَلَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُر رِوَايَة هِشَام بْن زَيْد الَّتِي فِي آخِره , وَقَالَ : حَسَن صَحِيح , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ شُعْبَة فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ أُمّ سُلَيْمٍ \" كَمَا قَالَ غُنْدَر , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ حَجَّاج بْن مُحَمَّد وَعَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَة , وَأَخْرَجَهُ فِي \" بَاب مَنْ خَصَّ أَخَاهُ بِالدُّعَاءِ \" مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن الرَّبِيع عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَة قَالَ \" سَمِعْت أَنَسًا قَالَ قَالَتْ أُمّ سُلَيْمٍ \" وَظَاهِره أَنَّهُ مِنْ مُسْنَد أَنَس وَهُوَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا كَذَلِكَ , وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب دَعْوَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَادِمِهِ بِطُولِ الْعُمُر \" مِنْ طَرِيق حَرْمِيّ بْن عُمَارَة عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس قَالَ \" قَالَتْ أُمِّي \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن مَرْزُوق عَنْ شُعْبَة. وَهَذَا الِاخْتِلَاف لَا يَضُرّ فَإِنَّ أَنَسًا حَضَرَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس قَالَ \" جَاءَتْ بِي أُمِّي أُمّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : هَذَا اِبْنِي أَنَس يَخْدُمك , فَادْعُ اللَّه لَهُ , فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَاله وَوَلَده \" وَأَمَّا رِوَايَة هِشَام بْن زَيْد الْمَعْطُوفَة هُنَا فَإِنَّهَا مَعْطُوفَة عَلَى رِوَايَة قَتَادَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَة وَهِشَام بْن زَيْد جَمِيعًا عَنْ أَنَس , وَكَذَا صَنِيع مُسْلِم حَيْثُ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ عَنْ شُعْبَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا \" وَعَنْ هِشَام بْن عُرْوَة قَالَ \" وَالْأَوَّل هُوَ الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُول اللَّه أَنَس خَادِمك اُدْعُ اللَّه لَهُ ) تَقَدَّمَ لِهَذَا الْحَدِيث مَبْدَأ مِنْ رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس فِي كِتَاب الصِّيَام فِي \" بَاب مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَمْ يُفْطِر عِنْدهمْ \" وَقَدْ بَسَطْت شَرْحه هُنَاكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته , وَذَكَرْت طَرَفًا مِنْهُ قَرِيبًا فِي \" بَاب دَعْوَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَادِمِهِ بِطُولِ الْعُمُر \". ‏"
    },
    {
        "id": "5902",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو زَيْدٍ سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏خَادِمُكَ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5903",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو مُصْعَبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعَلِّمُنَا ‏ ‏الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَالسُّورَةِ مِنْ الْقُرْآنِ إِذَا هَمَّ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الْمَوَال ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَتَخْفِيف الْوَاو جَمْع مَوْلَى , وَاسْمه زَيْد , وَيُقَال زَيْد جَدّ عَبْد الرَّحْمَن وَأَبُوهُ لَا يُعْرَف اِسْمه , وَعَبْد الرَّحْمَن مِنْ ثِقَات الْمَدَنِيِّينَ , وَكَانَ يُنْسَب إِلَى وَلَاء آل عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , وَخَرَجَ مَعَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن فِي زَمَن الْمَنْصُور , فَلَمَّا قُتِلَ مُحَمَّد حُبِسَ عَبْد الرَّحْمَن الْمَذْكُور بَعْد أَنْ ضُرِبَ. وَقَدْ وَثَّقَهُ اِبْن المعين وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرهمْ , وَذَكَرَهُ اِبْن عَدِيّ فِي \" الْكَامِل \" فِي الضُّعَفَاء , وَأَسْنَدَ عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل أَنَّهُ قَالَ : كَانَ مَحْبُوسًا فِي المطبق حِين هُزِمَ هَؤُلَاءِ يَعْنِي بَنِي حَسَن , قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر حَدِيث الِاسْتِخَارَة وَلَيْسَ أَحَد يَرْوِيه غَيْره , وَهُوَ مُنْكَر , وَأَهْل الْمَدِينَة إِذَا كَانَ حَدِيثٌ غَلَطًا يَقُولُونَ : اِبْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر , كَمَا أَنَّ أَهْل الْبَصْرَة يَقُولُونَ : ثَابِت عَنْ أَنَس يَحْمِلُونَ عَلَيْهِمَا. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" هَذَا الْكَلَام وَقَالَ : مَا عَرَفْت الْمُرَاد بِهِ , فَإِنَّ اِبْن الْمُنْكَدِر وَثَابِتًا ثِقَتَانِ مُتَّفَق عَلَيْهِمَا. قُلْت : يَظْهَر لِي أَنَّ مُرَادهمْ التَّهَكُّم وَالنُّكْتَة فِي اِخْتِصَاص التَّرْجَمَة لِلشُّهْرَةِ وَالْكَثْرَة. ثُمَّ سَاقَ اِبْن عَدِيّ لِعَبْدِ الرَّحْمَن أَحَادِيث وَقَالَ : هُوَ مُسْتَقِيم الْحَدِيث وَاَلَّذِي أَنْكَرَ عَلَيْهِ حَدِيث الِاسْتِخَارَة , وَقَدْ رَوَاهُ غَيْر وَاحِد مِنْ الصَّحَابَة كَمَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي الْمَوَّال. قُلْت : يُرِيد أَنَّ لِلْحَدِيثِ شَوَاهِد , وَهُوَ كَمَا قَالَ مَعَ مُشَاحَحَة فِي إِطْلَاقه. قَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ : حَسَن صَحِيح غَرِيب لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث اِبْن أَبِي الْمَوَّال , وَهُوَ مَدَنِيّ ثِقَة رَوَى عَنْهُ غَيْر وَاحِد. وَفِي الْبَاب عَنْ اِبْن مَسْعُود وَأَبِي أَيُّوب. قُلْت : وَجَاءَ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَابْن عُمَر , فَحَدِيث اِبْن مَسْعُود أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَحَدِيث أَبِي أَيُّوب أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم , وَحَدِيث أَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُمَا اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه , وَحَدِيث اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس حَدِيث وَاحِد أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن أَبِي عَبْلَة عَنْ عَطَاء عَنْهُمَا , وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا ذِكْر الصَّلَاة سِوَى حَدِيث جَابِر , إِلَّا أَنَّ لَفْظ أَبِي أَيُّوب \" اُكْتُمْ الْخُطْبَة وَتَوَضَّأْ فَأَحْسِنْ الْوُضُوء ثُمَّ صَلِّ مَا كَتَبَ اللَّه لَك \" الْحَدِيث , فَالتَّقْيِيد بِرَكْعَتَيْنِ خَاصّ بِحَدِيثِ جَابِر , وَجَاءَ ذِكْر الِاسْتِخَارَة فِي حَدِيث سَعْد رَفَعَهُ \" مِنْ سَعَادَة اِبْن آدَم اِسْتِخَارَته اللَّه \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَسَنَده حَسَن , وَأَصْله عِنْد التِّرْمِذِيّ لَكِنْ بِذِكْرِ الرِّضَا وَالسُّخْط لَا بِلَفْظِ الِاسْتِخَارَة , وَمِنْ حَدِيث أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا قَالَ : اللَّهُمَّ خِرْ لِي وَاخْتَرْ لِي \" وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَسَنَده ضَعِيف , وَفِي حَدِيث أَنَس رَفَعَهُ \" مَا خَابَ مَنْ اِسْتَخَارَ \" وَالْحَدِيث أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الصَّغِير \" بِسَنَدٍ وَاهٍ جِدًّا. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر ) ‏ ‏وَقَعَ فِي التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق مَعْن بْن عِيسَى عَنْ عَبْد الرَّحْمَن \" سَمِعْت مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر يُحَدِّث عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن - أَيْ اِبْن الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب - يَقُول أَخْبَرَنِي جَابِر السَّلَمِيّ \" وَهُوَ بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة وَاللَّام نِسْبَة إِلَى بَنِي سَلَمَة بِكَسْرِ اللَّام بَطْن مِنْ الْأَنْصَار وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق بِشْر بْن عُمَيْر \" حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن سَمِعْت اِبْن الْمُنْكَدِر حَدَّثَنِي جَابِر \". ‏ ‏قَوْله ( كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمنَا الِاسْتِخَارَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْن \" يُعَلِّم أَصْحَابه \" وَكَذَا فِي طَرِيق بِشْر بْن عُمَيْر. ‏ ‏قَوْله ( فِي الْأُمُور كُلّهَا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : هُوَ عَامّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوص , فَإِنَّ الْوَاجِب وَالْمُسْتَحَبّ لَا يُسْتَخَار فِي فِعْلهمَا وَالْحَرَام وَالْمَكْرُوه لَا يُسْتَخَار فِي تَرْكهمَا , فَانْحَصَرَ الْأَمْر فِي الْمُبَاح وَفِي الْمُسْتَحَبّ إِذَا تَعَارَضَ مِنْهُ أَمْرَانِ أَيّهمَا يَبْدَأ بِهِ وَيَقْتَصِر عَلَيْهِ. قُلْت : وَتَدْخُل الِاسْتِخَارَة فِيمَا عَدَا ذَلِكَ فِي الْوَاجِب وَالْمُسْتَحَبّ الْمُخَيَّر , وَفِيمَا كَانَ زَمَنه مُوَسَّعًا وَيَتَنَاوَل الْعُمُوم الْعَظِيم مِنْ الْأُمُور وَالْحَقِير , فَرُبَّ حَقِير يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْأَمْر الْعَظِيم. ‏ ‏قَوْله ( كَالسُّورَةِ مِنْ الْقُرْآن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة قُتَيْبَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن الْمَاضِيَة فِي صَلَاة اللَّيْل \" كَمَا يُعَلِّمنَا السُّورَة مِنْ الْقُرْآن \" قِيلَ وَجْه التَّشْبِيه عُمُوم الْحَاجَة فِي الْأُمُور كُلّهَا إِلَى الِاسْتِخَارَة كَعُمُومِ الْحَاجَة إِلَى الْقُرْآن فِي الصَّلَاة وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَا يَقَع فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي التَّشَهُّد \" عَلَّمَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّشَهُّد كَفِّي بَيْن كَفَّيْهِ \" أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الِاسْتِئْذَان , وَفِي رِوَايَة الْأَسْوَد بْن يَزِيد عَنْ اِبْن مَسْعُود \" أَخَذْت التَّشَهُّد مِنْ فِي رَسُول اللَّه كَلِمَة كَلِمَة \" أَخْرَجَهَا الطَّحَاوِيُّ , وَفِي حَدِيث سَلْمَان نَحْوه وَقَالَ حَرْفًا حَرْفًا , أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. ‏ ‏وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : التَّشْبِيه فِي تَحَفُّظ حُرُوفه وَتَرَتُّب كَلِمَاته وَمَنْع الزِّيَادَة وَالنَّقْص مِنْهُ وَالدَّرْس لَهُ وَالْمُحَافَظَة عَلَيْهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ جِهَة الِاهْتِمَام بِهِ وَالتَّحَقُّق لِبَرَكَتِهِ وَالِاحْتِرَام لَهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ جِهَة كَوْن كُلّ مِنْهُمَا عَلِمَ بِالْوَحْيِ. قَالَ الطِّيبِيُّ : فِيهِ إِشَارَة إِلَى الِاعْتِنَاء التَّامّ الْبَالِغ بِهَذَا الدُّعَاء وَهَذِهِ الصَّلَاة لِجَعْلِهِمَا تِلْوَيْنِ لِلْفَرِيضَةِ وَالْقُرْآن. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا هَمَّ ) ‏ ‏فِيهِ حَذْف تَقْدِيره يُعَلِّمنَا قَائِلًا إِذَا هَمَّ , وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة قُتَيْبَة \" يَقُول إِذَا هَمَّ \" وَزَادَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ عَنْ قُتَيْبَة \" لَنَا \" قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة تَرْتِيب الْوَارِد عَلَى الْقَلْب عَلَى مَرَاتِب الْهِمَّة ثُمَّ اللَّمَّة ثُمَّ الْخَطْرَة ثُمَّ النِّيَّة ثُمَّ الْإِرَادَة ثُمَّ الْعَزِيمَة , فَالثَّلَاثَة الْأُولَى لَا يُؤَاخَذ بِهَا بِخِلَافِ الثَّلَاثَة الْأُخْرَى , فَقَوْله \" إِذَا هَمَّ \" يُشِير إِلَى أَوَّل مَا يَرِد عَلَى الْقَلْب يَسْتَخِير فَيَظْهَر لَهُ بِبَرَكَةِ الصَّلَاة وَالدُّعَاء مَا هُوَ الْخَيْر , بِخِلَافِ مَا إِذَا تَمَكَّنَ الْأَمْر عِنْده وَقَوِيَتْ فِيهِ عَزِيمَته وَإِرَادَته فَإِنَّهُ يَصِير إِلَيْهِ لَهُ مَيْل وَحُبّ فَيُخْشَى أَنْ يَخْفَى عَنْهُ وَجْه الْأَرْشَدِيَّةِ لِغَلَبَةِ مَيْله إِلَيْهِ. قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْهَمّ الْعَزِيمَة لِأَنَّ الْخَاطِر لَا يَثْبُت فَلَا يَسْتَمِرّ إِلَّا عَلَى مَا يَقْصِد التَّصْمِيم عَلَى فِعْله وَإِلَّا لَوْ اِسْتَخَارَ فِي كُلّ خَاطِر لَاسْتَخَارَ فِيمَا لَا يَعْبَأ بِهِ فَتَضِيع عَلَيْهِ أَوْقَاته. وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" إِذَا أَرَادَ أَحَدكُمْ أَمْرًا فَلْيَقُلْ \". ‏ ‏قَوْله ( فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ) ‏ ‏يُقَيِّد مُطْلَق حَدِيث أَبِي أَيُّوب حَيْثُ قَالَ \" صَلِّ مَا كَتَبَ اللَّه لَك \" وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَقْتَصِر عَلَى رَكْعَة وَاحِدَة لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ وَيَكُون ذِكْرهمَا عَلَى سَبِيل التَّنْبِيه بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى , فَلَوْ صَلَّى أَكْثَر مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَجْزَأَ , وَالظَّاهِر أَنَّهُ يُشْتَرَط إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسَلِّم مِنْ كُلّ رَكْعَتَيْنِ لِيَحْصُل مُسَمَّى رَكْعَتَيْنِ , وَلَا يُجْزِئ لَوْ صَلَّى أَرْبَعًا مَثَلًا بِتَسْلِيمَةٍ , وَكَلَام النَّوَوِيّ يُشْعِر بِالْإِجْزَاءِ. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ غَيْر الْفَرِيضَة ) فِيهِ اِحْتِرَاز عَنْ صَلَاة الصُّبْح مَثَلًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالْفَرِيضَةِ عَيْنهَا وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا , فَيَحْتَرِز عَنْ الرَّاتِبَة كَرَكْعَتِي الْفَجْر مَثَلًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي \" الْأَذْكَار \" : لَوْ دَعَا بِدُعَاءِ الِاسْتِخَارَة عَقِب رَاتِبَة صَلَاة الظُّهْر مَثَلًا أَوْ غَيْرهَا مِنْ النَّوَافِل الرَّاتِبَة وَالْمُطْلَقَة سَوَاء اِقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَر أَجْزَأَ. كَذَا أَطْلَقَ وَفِيهِ نَظَر. وَيَظْهَر أَنْ يُقَال : إِنْ نَوَى تِلْكَ الصَّلَاة بِعَيْنِهَا وَصَلَاة الِاسْتِخَارَة مَعًا أَجْزَأَ , بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَنْوِ , وَيُفَارِق صَلَاة تَحِيَّة الْمَسْجِد لِأَنَّ الْمُرَاد بِهَا شَغْل الْبُقْعَة بِالدُّعَاءِ وَالْمُرَاد بِصَلَاةِ الِاسْتِخَارَة أَنْ يَقَع الدُّعَاء عَقِبهَا أَوْ فِيهَا , وَيَبْعُد الْإِجْزَاء لِمَنْ عَرَضَ لَهُ الطَّلَب بَعْد فَرَاغ الصَّلَاة لِأَنَّ ظَاهِر الْخَبَر أَنْ تَقَع الصَّلَاة وَالدُّعَاء بَعْد وُجُود إِرَادَة الْأَمْر. وَأَفَادَ النَّوَوِيّ أَنَّهُ يَقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاص , قَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" : لَمْ أَقِف عَلَى دَلِيل ذَلِكَ , وَلَعَلَّهُ أَلْحَقهُمَا بِرَكْعَتَيْ الْفَجْر وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْد الْمَغْرِب , قَالَ : وَلَهُمَا مُنَاسَبَة بِالْحَالِ لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْإِخْلَاص وَالتَّوْحِيد وَالْمُسْتَخِير مُحْتَاج لِذَلِكَ. قَالَ شَيْخنَا : وَمِنْ الْمُنَاسِب أَنْ يَقْرَأ فِيهِمَا مِثْل قَوْله ( وَرَبّك يَخْلُق مَا يَشَاء وَيَخْتَار ) وَقَوْله ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّه وَرَسُوله أَمْرًا أَنْ يَكُون لَهُمْ الْخِيَرَة ). قُلْت : وَالْأَكْمَل أَنْ يَقْرَأ فِي كُلّ مِنْهُمَا السُّورَة وَالْآيَة الْأَوَّلِيَّيْنِ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَيَيْنِ فِي الثَّانِيَة , وَيُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" مِنْ غَيْر الْفَرِيضَة \" أَنَّ الْأَمْر بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْ الِاسْتِخَارَة لَيْسَ عَلَى الْوُجُوب قَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" : وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِخَارَة لِوُرُودِ الْأَمْر بِهَا وَلِتَشْبِيهِهَا بِتَعْلِيمِ السُّورَة مِنْ الْقُرْآن كَمَا اِسْتَدَلَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي وُجُوب التَّشَهُّد فِي الصَّلَاة لِوُرُودِ الْأَمْر بِهِ فِي قَوْله \" فَلْيَقُلْ \" , وَلِتَشْبِيهِهِ بِتَعْلِيمِ السُّورَة مِنْ الْقُرْآن , فَإِنْ قِيلَ الْأَمْر تَعَلَّقَ بِالشَّرْطِ وَهُوَ قَوْله \" إِذَا هَمَّ أَحَدكُمْ بِالْأَمْرِ \" قُلْنَا : وَكَذَلِكَ فِي التَّشَهُّد إِنَّمَا يُؤْمَر بِهِ مَنْ صَلَّى , وَيُمْكِن الْفَرْق وَإِنْ اِشْتَرَكَا فِيمَا ذُكِرَ أَنَّ التَّشَهُّد جُزْء مِنْ الصَّلَاة فَيُؤْخَذ الْوُجُوب مِنْ قَوْله \" صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي \" وَدَلَّ عَلَى عَدَم وُجُوب الِاسْتِخَارَة مَا دَلَّ عَلَى عَدَم وُجُوب صَلَاة زَائِدَة عَلَى الْخَمْس فِي حَدِيث \" هَلْ عَلَيَّ غَيْرهَا ؟ قَالَ : لَا , إِلَّا أَنْ تَطَّوَّع \" اِنْتَهَى , وَهَذَا وَإِنْ صَلُحَ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عَدَم وُجُوب رَكْعَتَيْ الِاسْتِخَارَة لَكِنْ لَا يَمْنَع مِنْ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى وُجُوب دُعَاء الِاسْتِخَارَة , فَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْأَمْر فِيهِ لِلْإِرْشَادِ فَعَدَلُوا بِهِ عَنْ سُنَن الْوُجُوب , وَلَمَّا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى ذِكْر اللَّه وَالتَّفْوِيض إِلَيْهِ كَانَ مَنْدُوبًا وَاَللَّه أَعْلَم. ثُمَّ نَقُول : هُوَ ظَاهِر فِي تَأْخِير الدُّعَاء عَنْ الصَّلَاة , فَلَوْ دَعَا بِهِ فِي أَثْنَاء الصَّلَاة اِحْتَمَلَ الْإِجْزَاء , وَيَحْتَمِل التَّرْتِيب عَلَى تَقْدِيم الشُّرُوع فِي الصَّلَاة قَبْل الدُّعَاء , فَإِنَّ مَوْطِن الدُّعَاء فِي الصَّلَاة السُّجُود أَوْ التَّشَهُّد. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة. الْحِكْمَة فِي تَقْدِيم الصَّلَاة عَلَى الدُّعَاء أَنَّ الْمُرَاد بِالِاسْتِخَارَةِ حُصُول الْجَمْع بَيْن خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَيَحْتَاج إِلَى قَرْع بَاب الْمَلِك , وَلَا شَيْء لِذَلِكَ أَنْجَع وَلَا أَنْجَح مِنْ الصَّلَاة لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيم اللَّه وَالثَّنَاء عَلَيْهِ وَالِافْتِقَار إِلَيْهِ مَآلًا وَحَالًا. ‏ ‏قَوْله ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرك بِعِلْمِك ) ‏ ‏الْبَاء لِلتَّعْلِيلِ أَيْ لِأَنَّك أَعْلَم , وَكَذَا هِيَ فِي قَوْله \" بِقُدْرَتِك \" وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون لِلِاسْتِعَانَةِ كَقَوْلِهِ ( بِسْمِ اللَّه مَجْراهَا ) وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون لِلِاسْتِعْطَافِ كَقَوْلِهِ ( قَالَ رَبّ بِمَا أَنْعَمْت عَلَيَّ ) الْآيَة. ‏ ‏وَقَوْله \" وَأَسْتَقْدِرك \" ‏ ‏أَيْ أَطْلُب مِنْك أَنْ تَجْعَل لِي عَلَى ذَلِكَ قُدْرَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى أَطْلُب مِنْك أَنْ تَقْدُرهُ لِي , وَالْمُرَاد بِالتَّقْدِيرِ التَّيْسِير. ‏ ‏قَوْله ( وَأَسَالك مِنْ فَضْلك ) ‏ ‏إِشَارَة إِلَى أَنَّ إِعْطَاء الرَّبّ فَضْل مِنْهُ , وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ حَقّ فِي نِعَمه كَمَا هُوَ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّك تَقْدِر وَلَا أَقْدِر , وَتَعْلَم وَلَا أَعْلَم ) ‏ ‏إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْعِلْم وَالْقُدْرَة لِلَّهِ وَحْده , وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا قَدَّرَ اللَّه لَهُ , وَكَأَنَّهُ قَالَ : أَنْتَ يَا رَبّ تُقَدِّر قَبْل أَنْ تَخْلُق فِيّ الْقُدْرَة وَعِنْدَمَا تَخْلُقهَا فِيَّ وَبَعْد مَا تَخْلُقهَا. ‏ ‏قَوْله ( اللَّهُمَّ إِنْ كُنْت تَعْلَم أَنَّ هَذَا الْأَمْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْن وَغَيْره \" فَإِنْ كُنْت تَعْلَم هَذَا الْأَمْر \" زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مُقَاتِل عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الْمَوَّال \" الَّذِي يُرِيد \" وَزَادَ فِي رِوَايَة مَعْن \" ثُمَّ يُسَمِّيه بِعَيْنِهِ \" وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي آخِر الْحَدِيث فِي الْبَاب , وَظَاهِر سِيَاقه أَنْ يَنْطِق بِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكْتَفِي بِاسْتِحْضَارِهِ بِقَلْبِهِ عِنْد الدُّعَاء , وَعَلَى الْأَوَّل تَكُون التَّسْمِيَة بَعْد الدُّعَاء , وَعَلَى الثَّانِي تَكُون الْجُمْلَة حَالِيَّة وَالتَّقْدِير فَلْيَدْعُ مُسَمِّيًا حَاجَته. وَقَوْله \" إِنْ كُنْت \" اِسْتَشْكَلَ الْكَرْمَانِيُّ الْإِتْيَان بِصِيغَةِ الشَّكّ هُنَا وَلَا يَجُوز الشَّكّ فِي كَوْن اللَّه عَالِمًا : وَأَجَابَ بِأَنَّ الشَّكّ فِي أَنَّ الْعِلْم مُتَعَلِّق بِالْخَيْرِ أَوْ الشَّرّ لَا فِي أَصْل الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله ( وَمَعَاشِي ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُدَ \" وَمَعَادِي \" وَهُوَ يُؤَيِّد أَنَّ الْمُرَاد بِالْمَعَاشِ الْحَيَاة , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالْمَعَاشِ مَا يُعَاش فِيهِ وَلِذَلِكَ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي بَعْض طُرُقه عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَط \" فِي دِينِي وَدُنْيَايَ \" وَفِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" فِي دُنْيَايَ وَآخِرَتِي \" زَادَ اِبْن حِبَّان فِي رِوَايَته \" وَدِينِي \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي دِينِي وَمَعِيشَتِي. ‏ ‏قَوْله ( وَعَاقِبَة أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِل أَمْرِي وَآجِله ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي وَلَمْ تَخْتَلِف الطُّرُق فِي ذَلِكَ , وَاقْتَصَرَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عَلَى \" عَاقِبَة أَمْرِي \" وَكَذَا فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود , وَهُوَ يُؤَيِّد أَحَد الِاحْتِمَالَيْنِ فِي أَنَّ الْعَاجِل وَالْآجِل مَذْكُورَانِ بَدَل الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة أَوْ بَدَل الْأَخِيرَيْنِ فَقَطْ , وَعَلَى هَذَا فَقَوْل الْكَرْمَانِيّ : لَا يَكُون الدَّاعِي جَازِمًا بِمَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا إِنْ دَعَا ثَلَاث مَرَّات يَقُول مَرَّة فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَة أَمْرِي , وَمَرَّة فِي عَاجِل أَمْرِي وَآجِله , وَمَرَّة فِي دِينِي وَعَاجِل أَمْرِي وَآجِله. قُلْت : وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ أَيْ الشَّكّ فِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب وَلَا أَبِي هُرَيْرَة أَصْلًا. ‏ ‏قَوْله ( فَاقْدُرْهُ لِي ) ‏ ‏قَالَ أَبُو الْحَسَن الْقَابِسِيّ : أَهْل بَلَدنَا يَكْسِرُونَ الدَّال , وَأَهْل الشَّرْق يَضُمُّونَهَا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مَعْنَى قَوْله اِجْعَلْهُ مَقْدُورًا لِي أَوْ قَدِّرْهُ , وَقِيلَ مَعْنَاهُ يَسِّرْهُ لِي. زَادَ مَعْن \" وَيَسِّرْهُ لِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ \". ‏ ‏قَوْله ( فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ ) ‏ ‏أَيْ حَتَّى لَا يَبْقَى قَلْبه بَعْد صَرْف الْأَمْر عَنْهُ مُتَعَلِّقًا بِهِ , وَفِيهِ دَلِيل لِأَهْلِ السُّنَّة أَنَّ الشَّرّ مِنْ تَقْدِير اللَّه عَلَى الْعَبْد لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَقْدِر عَلَى اِخْتِرَاعه لَقَدَرَ عَلَى صَرْفه وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى طَلَب صَرْفه عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَاقْدُرْ لِي الْخَيْر حَيْثُ كَانَ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد بَعْد قَوْله وَاقْدُرْ لِي الْخَيْر أَيْنَمَا كَانَ \" لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ رَضِّنِي ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ , وَفِي رِوَايَة قُتَيْبَة \" ثُمَّ اِرْضَنِي \" بِهِ أَيْ اِجْعَلْنِي بِهِ رَاضِيًا , وَفِي بَعْض طُرُق حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَط \" وَرَضَّنِي بِقَضَائِك \" وَفِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب \" وَرَضِّنِي بِقَدَرِك \" وَالسِّرّ فِيهِ أَنْ لَا يَبْقَى قَلْبه مُتَعَلِّقًا بِهِ فَلَا يَطْمَئِنّ خَاطِره. وَالرِّضَا سُكُون النَّفْس إِلَى الْقَضَاء. وَفِي الْحَدِيث شَفَقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّته وَتَعْلِيمهمْ جَمِيع مَا يَنْفَعهُمْ فِي دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ , وَوَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاء إِذَا أَرَادَ أَنْ يَصْنَع أَمْرًا. وَفِيهِ أَنَّ الْعَبْد لَا يَكُون قَادِرًا إِلَّا مَعَ الْفِعْل لَا قَبْله , وَاَللَّه هُوَ خَالِق الْعِلْم بِالشَّيْءِ لِلْعَبْدِ وَهَمُّهُ بِهِ وَاقْتِدَاره عَلَيْهِ , فَإِنَّهُ يَجِب عَلَى الْعَبْد رَدّ الْأُمُور كُلّهَا إِلَى اللَّه وَالتَّبَرِّي مِنْ الْحَوْل وَالْقُوَّة إِلَيْهِ وَأَنْ يَسْأَل رَبّه فِي أُمُوره كُلّهَا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَمْر بِالشَّيْءِ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدّه لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ \" إِنْ كُنْت تَعْلَم أَنَّهُ خَيْر لِي \" عَنْ قَوْله \" وَإِنْ كُنْت تَعْلَم أَنَّهُ شَرّ لِي إِلَخْ \" لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ خَيْرًا فَهُوَ شَرّ , وَفِيهِ نَظَر لِاحْتِمَالِ وُجُود الْوَاسِطَة. وَاخْتُلِفَ فِيمَاذَا يَفْعَل الْمُسْتَخِير بَعْد الِاسْتِخَارَة , فَقَالَ اِبْن عَبْد السَّلَام : يَفْعَل مَا اِتَّفَقَ , وَيُسْتَدَلّ لَهُ بِقَوْلِهِ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَفِي آخِره , ثُمَّ يَعْزِم , وَأَوَّل الْحَدِيث \" إِذَا أَرَادَ أَحَدكُمْ أَمْرًا فَلْيَقُلْ \" وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي \" الْأَذْكَار \" : يَفْعَل بَعْد الِاسْتِخَارَة مَا يَنْشَرِح بِهِ صَدْره. وَيَسْتَدِلّ لَهُ بِحَدِيثِ أَنَس عِنْد اِبْن السُّنِّيّ \" إِذَا هَمَمْت بِأَمْرٍ فَاسْتَخِرْ رَبّك سَبْعًا ثُمَّ اُنْظُرْ إِلَى الَّذِي يَسْبِق فِي قَلْبك فَإِنَّ الْخَيْر فِيهِ \" وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ هُوَ الْمُعْتَمَد , لَكِنْ سَنَده وَاهٍ جِدًّا , وَالْمُعْتَمَد أَنَّهُ لَا يَفْعَل مَا يَنْشَرِح بِهِ صَدْره مِمَّا كَانَ لَهُ فِيهِ هَوًى قَوِيّ قَبْل الِاسْتِخَارَة , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ فِي آخِر حَدِيث أَبِي سَعِيد \" وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5904",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَعَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ ‏ ‏لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ ‏ ‏وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنْ النَّاسِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5905",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّهَا النَّاسُ ‏ ‏ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا وَلَكِنْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَقَالَ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ ‏ ‏قُلْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ أَوْ قَالَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ هِيَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَيُّوب ) ‏ ‏هُوَ السِّخْتِيَانِيّ , وَأَبُو عُثْمَان هُوَ النَّهْدِيّ. ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَر ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِينه. ‏ ‏قَوْله ( اِرْبَعُوا ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ وَصْل مَكْسُورَة ثُمَّ مُوَحَّدَة مَفْتُوحَة أَيْ اُرْفُقُوا وَلَا تُجْهِدُوا أَنْفُسكُمْ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمّ ) ‏ ‏يَأْتِي بَيَانه فِي التَّوْحِيد. ‏ ‏قَوْله ( كَنْز ) ‏ ‏سَمَّى هَذِهِ الْكَلِمَة كَنْزًا لِأَنَّهَا كَالْكَنْزِ فِي نَفَاسَته وَصِيَانَته عَنْ أَعْيُن النَّاس. ‏ ‏قَوْله ( أَوْ قَالَ أَلَا أَدُلّك عَلَى كَلِمَة هِيَ كَنْز إِلَخْ ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي هَلْ قَالَ \" قُلْ لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ فَإِنَّهَا كَنْز مِنْ كُنُوز الْجَنَّة \" أَوْ قَالَ \" أَلَا أَدُلّك إِلَخْ \" وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْقَدَر مِنْ رِوَايَة خَالِد الْحَذَّاء عَنْ أَبِي عُثْمَان بِلَفْظِ \" ثُمَّ قَالَ يَا عَبْد اللَّه بْن قَيْس أَلَا أُعَلِّمك كَلِمَة إِلَخْ \" وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِر كِتَاب الدَّعَوَات أَيْضًا مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَان بِلَفْظِ \" ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا مُوسَى أَوْ يَا عَبْد اللَّه بْن قَيْس أَلَا أَدُلّك إِلَخْ \" وَلَمْ يَتَرَدَّد. وَوَقَعَ فِي هَذَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ بَيَان سَبَب قَوْله \" إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمّ \" فَإِنَّ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان \" فَلَمَّا عَلَا عَلَيْهَا رَجُل نَادَى فَرَفَعَ صَوْته \" وَفِي رِوَايَة خَالِد \" فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَد شَرَفًا إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتنَا بِالتَّكْبِيرِ \" وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ \" أَصَمًّا \" وَكَأَنَّهُ لِمُنَاسَبَةِ \" غَائِبًا \" وَقَوْله \" بَصِيرًا \" وَوَقَعَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَة \" قَرِيبًا \" وَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْقَدَر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله \" لَا حَوْل \" يَجُوز أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع جَرّ عَلَى الْبَدَل مِنْ قَوْله \" عَلَى كَنْز \" وَفِي مَوْضِع نَصْب بِتَقْدِيرِ أَعْنِي , وَفِي مَوْضِع رَفْع بِتَقْدِيرِ هُوَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5906",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( كَانَ إِذَا قَفَلَ ) ‏ ‏بِقَافٍ ثُمَّ فَاء أَيْ رَجَعَ وَزْنه وَمَعْنَاهُ , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه الْأَزْدِيّ عَنْ اِبْن عُمَر فِي أَوَّله مِنْ الزِّيَادَة \" كَانَ إِذَا اِسْتَوَى عَلَى بَعِيره خَارِجًا إِلَى سَفَر كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ : سُبْحَان الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث إِلَى أَنْ قَالَ \" وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ : آيِبُونَ تَائِبُونَ \" الْحَدِيث , وَإِلَى هَذِهِ الزِّيَادَة أَشَارَ الْمُصَنِّف فِي التَّرْجَمَة بِقَوْلِهِ \" إِذَا أَرَادَ سَفَرًا \". ‏ ‏قَوْله ( مِنْ غَزْو أَوْ حَجّ أَوْ عُمْرَة ) ‏ ‏ظَاهِره اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِهَذِهِ الْأُمُور الثَّلَاث , وَلَيْسَ الْحُكْم كَذَلِكَ عِنْد الْجُمْهُور , بَلْ يُشْرَع قَوْل ذَلِكَ فِي كُلّ سَفَر إِذَا كَانَ سَفَر طَاعَة كَصِلَةِ الرَّحِم وَطَلَب الْعِلْم , لِمَا يَشْمَل الْجَمِيع مِنْ اِسْم الطَّاعَة , وَقِيلَ يَتَعَدَّى أَيْضًا إِلَى الْمُبَاح لِأَنَّ الْمُسَافِر فِيهِ لَا ثَوَاب لَهُ فَلَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ فِعْل مَا يَحْصُل لَهُ الثَّوَاب , وَقِيلَ يُشْرَع فِي سَفَر الْمَعْصِيَة أَيْضًا لِأَنَّ مُرْتَكِبهَا أَحْوَج إِلَى تَحْصِيل الثَّوَاب مِنْ غَيْره , وَهَذَا التَّعْلِيل مُتَعَقَّبٌ ; لِأَنَّ الَّذِي يَخُصّهُ بِسَفَرِ الطَّاعَة لَا يَمْنَع مَنْ سَافَرَ فِي مُبَاح وَلَا فِي مَعْصِيَة مِنْ الْإِكْثَار مِنْ ذِكْر اللَّه وَإِنَّمَا النِّزَاع فِي خُصُوص هَذَا الذِّكْر فِي هَذَا الْوَقْت الْمَخْصُوص , فَذَهَبَ قَوْم إِلَى الِاخْتِصَاص لِكَوْنِهَا عِبَادَات مَخْصُوصَة شُرِعَ لَهَا ذِكْر مَخْصُوص فَتَخْتَصّ بِهِ كَالذِّكْرِ الْمَأْثُور عَقِب الْأَذَان وَعَقِب الصَّلَاة , وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ الصَّحَابِيّ عَلَى الثَّلَاث لِانْحِصَارِ سَفَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا , وَلِهَذَا تَرْجَمَ بِالسَّفَرِ , عَلَى أَنَّهُ تَعَرَّضَ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِر فَتَرْجَمَ فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الْعُمْرَة \" مَا يَقُول إِذَا رَجَعَ مِنْ الْغَزْو أَوْ الْحَجّ أَوْ الْعُمْرَة \". ‏ ‏قَوْله ( يُكَبِّر عَلَى كُلّ شَرَف ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء بَعْدهَا فَاءَ هُوَ الْمَكَان الْعَالِي , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر الْعُمَرِيّ عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" إِذَا أَوْفَى \" أَيْ اِرْتَفَعَ \" عَلَى ثَنِيَّة \" بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ نُون ثُمَّ تَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة هِيَ الْعَقَبَة \" أَوْ فَدْفَد \" بِفَتْحِ الْفَاء بَعْدهَا دَال مُهْمَلَة ثُمَّ فَاء ثُمَّ دَال وَالْأَشْهَر تَفْسِيره بِالْمَكَانِ الْمُرْتَفِع وَقِيلَ هُوَ الْأَرْض الْمُسْتَوِيَة وَقِيلَ الْفَلَاة الْخَالِيَة مِنْ شَجَر وَغَيْره وَقِيلَ غَلِيظ الْأَوْدِيَة ذَات الْحَصَى. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه إِلَخْ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِهَذَا الذِّكْر عَقِب التَّكْبِير وَهُوَ عَلَى الْمَكَان الْمُرْتَفِع , وَيَحْتَمِل أَنَّ التَّكْبِير يَخْتَصّ بِالْمَكَانِ الْمُرْتَفِع وَمَا بَعْده إِنْ كَانَ مُتَّسِعًا أَكْمَلَ الذِّكْر الْمَذْكُور فِيهِ , وَإِلَّا فَإِذَا هَبَطَ سَبَّحَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث جَابِر. وَيَحْتَمِل أَنْ يُكْمِل الذِّكْر مُطْلَقًا عَقِب التَّكْبِير ثُمَّ يَأْتِي بِالتَّسْبِيحِ إِذَا هَبَطَ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَفِي تَعْقِيب التَّكْبِير بِالتَّهْلِيلِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ الْمُتَفَرِّد بِإِيجَادِ جَمِيع الْمَوْجُودَات , وَأَنَّهُ الْمَعْبُود فِي جَمِيع الْأَمَاكِن. ‏ ‏قَوْله ( آيِبُونَ ) ‏ ‏جَمْع آيِب أَيْ رَاجِع وَزْنه وَمَعْنَاهُ , وَهُوَ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف , وَالتَّقْدِير نَحْنُ آيِبُونَ , وَلَيْسَ الْمُرَاد الْإِخْبَار بِمَحْضِ الرُّجُوع فَإِنَّهُ تَحْصِيل الْحَاصِل , بَلْ الرُّجُوع فِي حَالَة مَخْصُوصَة وَهِيَ تَلَبُّسهمْ بِالْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَة وَالِاتِّصَاف بِالْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَة , وَقَوْله تَائِبُونَ فِيهِ إِشَارَة إِلَى التَّقْصِير فِي الْعِبَادَة , وَقَالَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَبِيل التَّوَاضُع أَوْ تَعْلِيمًا لِأُمَّتِهِ , أَوْ الْمُرَاد أُمَّته كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره. وَقَدْ تُسْتَعْمَل التَّوْبَة لِإِرَادَةِ الِاسْتِمْرَار عَلَى الطَّاعَة فَيَكُون الْمُرَاد أَنْ لَا يَقَع مِنْهُمْ ذَنْب. ‏ ‏قَوْله ( صَدَقَ اللَّه وَعْده ) ‏ ‏أَيْ فِيمَا وَعَدَ بِهِ مِنْ إِظْهَار دِينه فِي قَوْله ( وَعَدَكُمْ اللَّه مَغَانِم كَثِيرَة ) وَقَوْله ( وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَيَسْتَخْلِفَنهُمْ فِي الْأَرْض ) الْآيَة. وَهَذَا فِي سَفَر الْغَزْو وَمُنَاسَبَته لِسَفَرِ الْحَجّ وَالْعُمْرَة قَوْله تَعَالَى ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِد الْحَرَام إِنْ شَاءَ اللَّه آمِنِينَ ). ‏ ‏قَوْله ( وَنَصَرَ عَبْده ) ‏ ‏يُرِيد نَفْسه. ‏ ‏قَوْله ( وَهَزَمَ الْأَحْزَاب وَحْده ) ‏ ‏أَيْ مِنْ غَيْر فِعْل أَحَد مِنْ الْآدَمِيِّينَ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالْأَحْزَابِ هُنَا فَقِيلَ هُمْ كُفَّار قُرَيْش وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْعَرَب وَالْيَهُود الَّذِينَ تَحَزَّبُوا أَيْ تَجَمَّعُوا فِي غَزْوَة الْخَنْدَق وَنَزَلَتْ فِي شَأْنهمْ سُورَة الْأَحْزَاب , وَقَدْ مَضَى خَبَرهمْ مُفَصَّلًا فِي كِتَاب الْمَغَازِي. وَقِيلَ الْمُرَاد أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ النَّوَوِيّ. الْمَشْهُور الْأَوَّل , وَقِيلَ فِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ يَتَوَقَّف عَلَى أَنَّ هَذَا الدُّعَاء إِنَّمَا شُرِعَ مِنْ بَعْد الْخَنْدَق , وَالْجَوَاب أَنَّ غَزَوَات النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا بِنَفْسِهِ مَحْصُورَة , وَالْمُطَابِق مِنْهَا لِذَلِكَ غَزْوَة الْخَنْدَق لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْأَحْزَاب ( وَرَدَّ اللَّه الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال ) وَفِيهَا قَبْل ذَلِكَ ( إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُود فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ) الْآيَة. وَالْأَصْل فِي الْأَحْزَاب أَنَّهُ جَمْع حِزْب وَهُوَ الْقِطْعَة الْمُجْتَمِعَة مِنْ النَّاس , فَاللَّام إِمَّا جِنْسِيَّة وَالْمُرَاد كُلّ مَنْ تَحَزَّبَ مِنْ الْكُفَّار , وَإِمَّا عَهْدِيَّة وَالْمُرَاد مَنْ تَقَدَّمَ وَهُوَ الْأَقْرَب , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا الْخَبَر بِمَعْنَى الدُّعَاء أَيْ اللَّهُمَّ اِهْزِمْ الْأَحْزَاب , وَالْأَوَّل أَظْهَر. ‏"
    },
    {
        "id": "5907",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ ‏ ‏مَهْيَمْ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏مَهْ ‏ ‏قَالَ قَالَ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ ‏ ‏بَارَكَ اللَّهُ لَكَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5908",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَلَكَ أَبِي وَتَرَكَ سَبْعَ أَوْ تِسْعَ بَنَاتٍ فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَزَوَّجْتَ يَا ‏ ‏جَابِرُ ‏ ‏قُلْتُ نَعَمْ قَالَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا قُلْتُ ثَيِّبًا قَالَ ‏ ‏هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ أَوْ تُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ قُلْتُ هَلَكَ أَبِي فَتَرَكَ سَبْعَ أَوْ تِسْعَ بَنَاتٍ فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ قَالَ فَبَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ ‏ ‏لَمْ يَقُلْ ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي تَزْوِيجه الثَّيِّب وَفِيهِ \" هَلَّا جَارِيَة تُلَاعِبهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي النِّكَاح , وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" بَارَكَ اللَّه عَلَيْك \" ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" تَزَوَّجْت يَا جَابِر قُلْت نَعَمْ , قَالَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا \" ‏ ‏اِنْتَصَبَ عَلَى حَذْف فِعْل تَقْدِيره أَتَزَوَّجْت , وَقَوْله فِي الْجَوَاب \" قُلْت ثَيِّب \" بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ التَّقْدِير مَثَلًا الَّتِي تَزَوَّجْتهَا ثَيِّب , قِيلَ وَكَانَ الْأَحْسَن النَّصْب عَلَى نَسْقِ الْأَوَّل أَيْ تَزَوَّجْت ثَيِّبًا. قُلْت : وَلَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُون مَنْصُوبًا فَكُتِبَ بِغَيْرِ أَلِف عَلَى تِلْكَ اللُّغَة , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" أَوْ تُضَاحِكهَا \" ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي \" وَهُوَ يُعَيِّن أَحَد الِاحْتِمَالَيْنِ فِي تُلَاعِبهَا هَلْ مِنْ اللَّعِب أَوْ مِنْ اللُّعَاب \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه عِنْد شَرْحه. ‏ ‏قَوْله ( لَمْ يَقُلْ اِبْن عُيَيْنَةَ وَمُحَمَّد بْن مُسْلِم عَنْ عَمْرو بَارَكَ اللَّه عَلَيْك ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ فَتَقَدَّمَتْ مَوْصُولَة فِي الْمَغَازِي وَفِي النَّفَقَات مِنْ طَرِيقه , وَأَمَّا رِوَايَة مُحَمَّد بْن مُسْلِم وَهُوَ الطَّائِفِيّ فَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهَا فِي الْمَغَازِي , وَمُنَاسَبَة قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ الرَّحْمَن \" بَارَكَ اللَّه لَك \" وَلِجَابِرٍ \" بَارَكَ اللَّه عَلَيْك \" أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَوَّلِ اِخْتِصَاصه بِالْبَرَكَةِ فِي زَوْجَته وَبِالثَّانِي شُمُول الْبَرَكَة لَهُ فِي جَوْدَة عَقْله حَيْثُ قَدَّمَ مَصْلَحَة أَخَوَاته عَلَى حَظّ نَفْسه فَعَدَلَ لِأَجْلِهِنَّ عَنْ تَزَوُّج الْبِكْر مَعَ كَوْنهَا أَرْفَع رُتْبَة لِلْمُتَزَوِّجِ الشَّابّ مِنْ الثَّيِّب غَالِبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5909",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَفِي لَفْظه مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْقَوْل الْمَذْكُور يُشْرَع عِنْد إِرَادَة الْجِمَاع فَيَرْفَع اِحْتِمَال ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُ يُشْرَع عِنْد الشُّرُوع فِي الْجِمَاع , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب النِّكَاح. ‏ ‏وَقَوْله \" لَمْ يَضُرّهُ شَيْطَان أَبَدًا \" ‏ ‏أَيْ لَمْ يَضُرّ الْوَلَد الْمَذْكُور بِحَيْثُ يَتَمَكَّن مِنْ إِضْرَاره فِي دِينه أَوْ بَدَنه , وَلَيْسَ الْمُرَاد رَفْع الْوَسْوَسَة مِنْ أَصْلهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5910",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب عَنْ أَنَس بِلَفْظِ \" كَانَ أَكْثَر دُعَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ آتِنَا إِلَى آخِر الْآيَة \" وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة عَنْ أَبِي مَعْمَر عَنْ عَبْد الْوَارِث بِسَنَدِهِ هَذَا وَلَكِنْ لَفْظه \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" وَلِلْبَاقِي مِثْله وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ عَبْد الْعَزِيز قَالَ \" سَأَلَ قَتَادَة أَنَسًا أَيّ دَعْوَة كَانَ يَدْعُو بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَر ؟ قَالَ : اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة إِلَى آخِره. قَالَ : وَكَانَ أَنَس إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ دَعَا بِهَا \" وَهَذَا الْحَدِيث سَمِعَهُ شُعْبَة مِنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ عَبْد الْعَزِيز عَنْ أَنَس مُخْتَصَرًا رَوَاهُ عَنْهُ يَحْيَى بْن أَبِي بُكَيْرٍ قَالَ فَلَقِيت إِسْمَاعِيل فَحَدَّثَنِي بِهِ فَذَكَرَهُ كَمَا عِنْد مُسْلِم , وَأَوْرَدَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول ( رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة ) الْآيَة. وَهَذَا مُطَابِق لِلتَّرْجَمَةِ. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق أَبِي نُعَيْم حَدَّثَنَا عَبْد السَّلَام أَبُو طَالُوت \" كُنْت عِنْد أَنَس فَقَالَ لَهُ ثَابِت : إِنَّ إِخْوَانك يَسْأَلُونَك أَنْ تَدْعُو لَهُمْ , فَقَالَ : اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار , فَذَكَرَ الْقِصَّة وَفِيهَا : إِذَا آتَاكُمْ اللَّه ذَلِكَ فَقَدْ آتَاكُمْ الْخَيْر كُلّه \" قَالَ عِيَاض إِنَّمَا كَانَ يُكْثِر الدُّعَاء بِهَذِهِ الْآيَة لِجَمْعِهَا مَعَانِي الدُّعَاء كُلّه مِنْ أَمْر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , قَالَ : وَالْحَسَنَة عِنْدهمْ هَاهُنَا النِّعْمَة , فَسَأَلَ نُعَيْم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالْوِقَايَة مِنْ الْعَذَاب , نَسْأَل اللَّه تَعَالَى أَنْ يَمُنّ عَلَيْنَا بِذَلِكَ وَدَوَامه. قُلْت قَدْ اِخْتَلَفَتْ عِبَارَات السَّلَف فِي تَفْسِير الْحَسَنَة , فَعَنْ الْحَسَن قَالَ : هِيَ الْعِلْم وَالْعِبَادَة فِي الدُّنْيَا أَخْرَجَهُ ابْن أَبِي حَاتِم بِسَنَدٍ صَحِيح , وَعَنْهُ بِسَنَدٍ ضَعِيف : الرِّزْق الطَّيِّب وَالْعِلْم النَّافِع , وَفِي الْآخِرَة الْجَنَّة. وَتَفْسِير الْحَسَنَة فِي الْآخِرَة بِالْجَنَّةِ نَقَلَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم أَيْضًا عَنْ السُّدِّيّ وَمُجَاهِد وَإِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد وَمُقَاتِل بْن حَيَّان , وَعَنْ اِبْن الزُّبَيْر يَعْمَلُونَ فِي دُنْيَاهُمْ لِدُنْيَاهُمْ وَآخِرَتهمْ , وَعَنْ قَتَادَة هِيَ الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَعَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ الزَّوْجَة الصَّالِحَة مِنْ الْحَسَنَات وَنَحْوه عَنْ يَزِيد بْن أَبِي مَالِك , وَأَخْرَجَ اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق سُفْيَان الثَّوْرِيّ قَالَ : الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا الرِّزْق الطَّيِّب وَالْعِلْم وَفِي الْآخِرَة الْجَنَّة. وَمِنْ طَرِيق سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ : الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا الْمُنَى , وَمِنْ طَرِيق السُّدِّيّ , قَالَ الْمَال. وَنَقَلَ الثَّعْلَبِيّ عَنْ السُّدِّيّ وَمُقَاتِل : حَسَنَة الدُّنْيَا الرِّزْق الْحَلَال الْوَاسِع وَالْعَمَل الصَّالِح , وَحَسَنَة الْآخِرَة الْمَغْفِرَة وَالثَّوَاب. وَعَنْ عَطِيَّة : حَسَنَة الدُّنْيَا الْعِلْم وَالْعَمَل بِهِ وَحَسَنَة الْآخِرَة تَيْسِير الْحِسَاب وَدُخُول الْجَنَّة. وَبِسَنَدِهِ عَنْ عَوْف قَالَ : مَنْ آتَاهُ اللَّه الْإِسْلَام وَالْقُرْآن وَالْأَهْل وَالْمَال وَالْوَلَد فَقَدْ آتَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة. وَنَقَلَ الثَّعْلَبِيّ عَنْ سَلَف الصُّوفِيَّة أَقْوَالًا أُخْرَى مُتَغَايِرَة اللَّفْظ مُتَوَافِقَة الْمَعْنَى حَاصِلهَا السَّلَامَة فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة. وَاقْتَصَرَ الْكَشَّاف عَلَى مَا نَقَلَهُ الثَّعْلَبِيّ عَنْ عَلِيّ أَنَّهَا فِي الدُّنْيَا الْمَرْأَة الصَّالِحَة وَفِي الْآخِرَة الْحَوْرَاء , وَعَذَاب النَّار الْمَرْأَة السُّوء. وَقَالَ الشَّيْخ عِمَاد الدِّين اِبْن كَثِير : الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا تَشْمَل كُلّ مَطْلُوب دُنْيَوِيّ مِنْ عَافِيَة وَدَار رَحْبَة وَزَوْجَة حَسَنَة وَوَلَد بَارّ وَرِزْق وَاسِع وَعِلْم نَافِع وَعَمَل صَالِح وَمَرْكَب هَنِيء وَثَنَاء جَمِيل إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا شَمِلَتْهُ عِبَارَاتهمْ فَإِنَّهَا كُلّهَا مُنْدَرِجَة فِي الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا , وَأَمَّا الْحَسَنَة فِي الْآخِرَة فَأَعْلَاهَا دُخُول الْجَنَّة وَتَوَابِعه مِنْ الْأَمْن مِنْ الْفَزَع الْأَكْبَر فِي الْعَرَصَات وَتَيْسِير الْحِسَاب وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُور الْآخِرَة , وَأَمَّا الْوِقَايَة مِنْ عَذَاب النَّار فَهُوَ يَقْتَضِي تَيْسِير أَسْبَابه فِي الدُّنْيَا مِنْ اِجْتِنَاب الْمَحَارِم وَتَرْك الشُّبُهَات. قُلْت : أَوْ الْعَفْو مَحْضًا , وَمُرَاده بِقَوْلِهِ وَتَوَابِعه مَا يَلْتَحِق بِهِ فِي الذِّكْر لَا مَا يَتْبَعهُ حَقِيقَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5911",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعَلِّمُنَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا تُعَلَّمُ الْكِتَابَةُ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5912",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُنْذِرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طُبَّ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ صَنَعَ الشَّيْءَ وَمَا صَنَعَهُ وَإِنَّهُ دَعَا رَبَّهُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ جَاءَنِي رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ مَا وَجَعُ الرَّجُلِ قَالَ ‏ ‏مَطْبُوبٌ ‏ ‏قَالَ مَنْ ‏ ‏طَبَّهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ ‏ ‏قَالَ فِي مَاذَا قَالَ فِي مُشْطٍ ‏ ‏وَمُشَاطَةٍ ‏ ‏وَجُفِّ ‏ ‏طَلْعَةٍ قَالَ فَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي ‏ ‏ذَرْوَانَ ‏ ‏وَذَرْوَانُ ‏ ‏بِئْرٌ فِي ‏ ‏بَنِي زُرَيْقٍ ‏ ‏قَالَتْ فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَقَالَ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ قَالَتْ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَهَا عَنْ الْبِئْرِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلَّا أَخْرَجْتَهُ قَالَ أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا ‏ ‏زَادَ ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سُحِرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَعَا وَدَعَا وَسَاقَ الْحَدِيثَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( زَادَ عِيسَى بْن يُونُس وَاللَّيْث بْن سَعْد عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : سُحِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَدَعَا وَدَعَا وَسَاقَ الْحَدِيث ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَسَقَطَ كُلّ ذَلِكَ لِأَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ , وَرِوَايَة عِيسَى اِبْن يُونُس تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَة فِي الطِّبّ مَعَ شَرْح الْحَدِيث , وَهُوَ الْمُطَابِق لِلتَّرْجَمَةِ بِخِلَافِ رِوَايَة أَنَس بْن عِيَاض الَّتِي أَوْرَدَهَا فِي الْبَاب فَلَيْسَ فِيهَا تَكْرِير الدُّعَاء. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ هِشَام فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَدَعَا ثُمَّ دَعَا ثُمَّ دَعَا \" , وَتَقَدَّمَ تَوْجِيه ذَلِكَ , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى طَرِيق اللَّيْث فِي صِفَة إِبْلِيس مِنْ بَدْء الْخَلْق ‏"
    },
    {
        "id": "5913",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْأَحْزَابِ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اهْزِمْ الْأَحْزَابَ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا اِبْن سَلَام ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن أَبِي خَالِد اِسْمه إِسْمَاعِيل وَابْن أَبِي أَوْفَى هُوَ عَبْد اللَّه. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى الْأَحْزَاب ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْمُرَاد بِهِ قَرِيبًا , وَسَرِيع الْحِسَاب أَيْ سَرِيع فِيهِ أَوْ الْمَعْنَى أَنَّ مَجِيء الْحِسَاب سَرِيع , وَتَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدُوّ \" مِنْ كِتَاب الْجِهَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "5914",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ قَنَتَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ ‏ ‏عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ ‏ ‏الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي ‏ ‏يُوسُفَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الدُّعَاء فِي الْقُنُوت لِلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , ‏ ‏وَفِيهِ \" اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتك عَلَى مُضَر \" ‏ ‏أَيْ خُذْهُمْ بِشِدَّةٍ , وَأَصْلهَا مِنْ الْوَطْء بِالْقَدَمِ وَالْمُرَاد الْإِهْلَاك ; لِأَنَّ مَنْ يَطَأ عَلَى الشَّيْء بِرِجْلِهِ فَقَدْ اِسْتَقْصَى فِي هَلَاكه وَالْمُرَاد بِمُضَرَ الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة الَّتِي مِنْهَا جَمِيع بُطُون قَيْس وَقُرَيْش وَغَيْرهمْ , وَهُوَ عَلَى حَذْف مُضَاف أَيْ كُفَّار مُضَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد أَنَّهُ يُشْرَح فِي الْمَغَازِي فَلَمْ يَتَهَيَّأ ذَلِكَ فَشُرِحَ فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَة اِبْن هِشَام \" ‏ ‏نَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ عَمّ أَبِي جَهْل , قَالَ : فَعَلَى هَذَا فَاسْم أَبِي جَهْل هِشَام وَاسْم جَدّه هِشَام. قُلْت : وَهُوَ خَطَأ مِنْ عِدَّة أَوْجُه فَإِنَّ اِسْم أَبِي جَهْل عَمْرو وَاسْم أَبِيهِ هِشَام , وَسَلَمَة أَخُوهُ بِلَا خِلَاف بَيْن أَهْل الْأَخْبَار فِي ذَلِكَ , فَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ \" فَاسْم أَبِي أَبِي جَهْل \" فَيَسْتَقِيم , لَكِنْ قَوْله وَسَلَمَة عَمّ أَبِي جَهْل خَطَأ فَيَرْجِع الْخَطَأ. ‏"
    },
    {
        "id": "5915",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَرِيَّةً يُقَالُ لَهُمْ الْقُرَّاءُ فَأُصِيبُوا فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَجَدَ عَلَى شَيْءٍ مَا وَجَدَ عَلَيْهِمْ فَقَنَتَ شَهْرًا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَيَقُولُ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏عُصَيَّةَ ‏ ‏عَصَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّة يُقَال لَهُمْ الْقُرَّاء \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي غَزْوَة بِئْر مَعُونَة مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي , ‏ ‏وَقَوْله \" وَجَدَ \" ‏ ‏مِنْ الْوَجْد بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُون أَيْ حُزْن. ‏"
    },
    {
        "id": "5916",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏يُسَلِّمُونَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُونَ ‏ ‏السَّامُ ‏ ‏عَلَيْكَ فَفَطِنَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِمْ فَقَالَتْ عَلَيْكُمْ ‏ ‏السَّامُ ‏ ‏وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَهْلًا يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا يَقُولُونَ قَالَ أَوَلَمْ تَسْمَعِي أَنِّي أَرُدُّ ذَلِكِ عَلَيْهِمْ فَأَقُولُ وَعَلَيْكُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" كَانَتْ الْيَهُود يُسَلِّمُونَ \" , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان. ‏"
    },
    {
        "id": "5917",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبِيدَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ وَهِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ \" كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْخَنْدَق \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" مَلَأ اللَّه قُبُورهمْ وَبُيُوتهمْ نَارًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة , وَأَشَرْت إِلَى اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء فِي الصَّلَاة الْوُسْطَى وَبَلَّغْته إِلَى عِشْرِينَ قَوْلًا. وَقَدْ تَعَسَّفَ أَبُو الْحَسَن بْن الْقَصَّارِ فِي تَأْوِيله فَقَالَ : إِنَّمَا تَسْمِيَة الْعَصْر وُسْطَى يَخْتَصّ بِذَلِكَ الْيَوْم لِأَنَّهُمْ شُغِلُوا عَنْ الظُّهْر وَالْعَصْر وَالْمَغْرِب فَكَانَتْ الْعَصْر بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّلَاثَة الَّتِي شُغِلُوا عَنْهَا وُسْطَى , لَا أَنَّ الْمُرَاد بِالْوُسْطَى تَفْسِير مَا وَقَعَ فِي سُورَة الْبَقَرَة. قُلْت : وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" وَهِيَ صَلَاة الْعَصْر \" جَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ مُدْرَج فِي الْخَبَر مِنْ قَوْل بَعْض رُوَاته , وَفِيهِ نَظَر , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد مِنْ رِوَايَة عِيسَى بْن يُونُس وَفِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَة رَوْح بْن عُبَادَةَ وَفِي التَّفْسِير مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن هَارُون وَمِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد كُلّهمْ عَنْ هِشَام وَلَمْ يَقَع عِنْده ذِكْر صَلَاة الْعَصْر عَنْ أَحَد مِنْهُمْ , إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمَغَازِي \" إِلَى أَنْ غَابَتْ الشَّمْس \" وَهُوَ مُشْعِر بِأَنَّهَا الْعَصْر , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة وَمِنْ رِوَايَة الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان وَمِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد ثَلَاثَتهمْ عَنْ هِشَام كَذَلِكَ وَلَكِنْ بِلَفْظِ \" شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق شُتَيْر بْن شَكَل عَنْ عَلِيّ وَمِنْ طَرِيق مُرَّة عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود مِثْله سَوَاء , وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة مَرْفُوعًا \" شَغَلُونَا عَنْ صَلَاة الْعَصْر \" وَهُوَ ظَاهِر فِي أَنَّهُ مِنْ نَفْس الْحَدِيث , وَقَوْله فِي السَّنَد \" حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيّ \" يُرِيد مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى الْقَاضِي وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَلَكِنْ رُبَّمَا أَخْرَجَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَاَلَّذِي هُنَا , وَقَوْله \" حَدَّثَنَا هِشَام بْن حَسَّان \" يُرَجِّح قَوْل مَنْ قَالَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي مَضَتْ فِي الْجِهَاد مِنْ طَرِيق عِيسَى بْن يُونُس \" حَدَّثَنَا هِشَام \" أَنَّهُ اِبْن حَسَّان , وَقَدْ كُنْت ظَنَنْت أَنَّهُ الدَّسْتُوَائِيّ وَرَدَدْت عَلَى الْأَصِيلِيّ حَيْثُ جَزَمَ بِأَنَّهُ اِبْن حَسَّان ثُمَّ نَقَلَ تَضْعِيف هِشَام بْن حَسَّان يَرُوم رَدّ الْحَدِيث فَتَعَقَّبْته هُنَاكَ , ثُمَّ وَقَفْت عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة فَرَجَعْت عَمَّا ظَنَنْته , لَكِنْ أُجِيب الْآن عَنْ تَضْعِيفه لِهِشَام بِأَنَّ هِشَام بْن حَسَّان وَإِنْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضهمْ مِنْ قِبَل حِفْظه لَكِنْ لَمْ يُضَعِّفهُ بِذَلِكَ أَحَد مُطْلَقًا بَلْ بِقَيْدِ بَعْض شُيُوخه , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الشَّيْخ الَّذِي حَدَّثَ عَنْهُ بِحَدِيثِ الْبَاب وَهُوَ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ , قَالَ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة : مَا كَانَ أَحَد أَحْفَظ عَنْ اِبْن سِيرِينَ مِنْ هِشَام , وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّان : هِشَام بْن حَسَّان ثِقَة فِي مُحَمَّد بْن سِيرِينَ , وَقَالَ أَيْضًا : هُوَ أَحَبّ إِلَيَّ فِي اِبْن سِيرِينَ مِنْ عَاصِم الْأَحْوَال وَخَالِد الْحَذَّاء , وَقَالَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ : كَانَ يَحْيَى الْقَطَّان يُضَعِّف حَدِيث هِشَام بْن حَسَّان عَنْ عَطَاء وَكَانَ أَصْحَابنَا يُثْبِتُونَهُ , قَالَ : وَأَمَّا حَدِيثه عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ فَصَحِيح , وَقَالَ يَحْيَى بْن مَعِين : كَانَ يَنْفِي حَدِيثه عَنْ عَطَاء وَعَنْ عِكْرِمَة وَعَنْ الْحَسَن. قُلْت : قَدْ قَالَ أَحْمَد مَا يَكَاد يُنْكَر عَلَيْهِ شَيْء إِلَّا وَوَجَدْت غَيْره قَدْ حَدَّثَ بِهِ , إِمَّا أَيُّوب وَإِمَّا عَوْف. وَقَالَ اِبْن عَدِيّ : أَحَادِيثه مُسْتَقِيمَة , وَلَمْ أَرَ فِيهَا شَيْئًا مُنْكَرًا اِنْتَهَى. وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَطَاء شَيْء , وَلَهُ فِي الْبُخَارِيّ شَيْء يَسِير عَنْ عِكْرِمَة وَتُوبِعَ عَلَيْهِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5918",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏دَوْسًا ‏ ‏قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِمْ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ اهْدِ ‏ ‏دَوْسًا ‏ ‏وَأْتِ بِهِمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5919",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَبَّاحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ ‏ ‏رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ‏ ‏وَحَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِنَحْوِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد الْمَلِك بْن الصَّبَّاحِ ) ‏ ‏مَا له فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ أَوْرَدَ طَرِيق مُعَاذ عَنْ مُعَاذ عَنْ شُعْبَة عَقِبه إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِد بِهِ , وَعَكَسَ مُسْلِم فَصَدَّرَ بِطَرِيقِ مُعَاذ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِطَرِيقِ عَبْد الْمَلِك هَذَا , قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيُّ : عَبْد الْمَلِك بْن الصَّبَّاحِ صَالِح. قُلْت : وَهِيَ مِنْ أَلْفَاظ التَّوْثِيق لَكِنَّهَا مِنْ الرُّتْبَة الْأَخِيرَة عِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم. وَقَالَ : إِنَّ مَنْ قِيلَ فِيهِ ذَلِكَ يُكْتَب حَدِيثه لِلِاعْتِبَارِ , وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ عَبْد الْمَلِك بْن الصَّبَّاحِ مِنْ شَرْط الصَّحِيح , لَكِنْ اِتِّفَاق الشَّيْخَيْنِ عَلَى التَّخْرِيج لَهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ أَرْفَع رُتْبَة مِنْ ذَلِكَ , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ تَابَعَهُ مُعَاذ بْن مُعَاذ وَهُوَ مِنْ الْأَثْبَات. وَوَقَعَ فِي الْإِرْشَاد لَلْخَلِيلِيّ : عَبْد الْمَلِك بْن الصَّبَّاحِ الصَّنْعَانِيُّ عَنْ مَالِك مُتَّهَم بِسَرِقَةِ الْحَدِيث حَكَاهُ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان , وَقَالَ : هُوَ الْمُسْمِعِيّ مِصْرِيّ صَدُوق خَرَّجَ لَهُ صَاحِب الصَّحِيح اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ غَيْر الْمُسْمِعِيّ فَإِنَّ الصَّنْعَانِيَّ إِمَّا مِنْ صَنْعَاء الْيَمَن أَوْ صَنْعَاء دِمَشْق. وَهَذَا بَصْرِيّ قَطْعًا فَافْتَرَقَا. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ السَّبِيعِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن أَبِي مُوسَى ) ‏ ‏هَكَذَا جَاءَ مُبْهَمًا فِي رِوَايَة عَبْد الْمَلِك , وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان وَالْقَاسِم بْن زَكَرِيَّا كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي النَّوْع الثَّانِي عَشَر مِنْ الْقِسْم الْخَامِس مِنْ صَحِيحه عَنْ عُمَر بْن مُحَمَّد بْن بَشَّار \" حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِك بْن الصَّبَّاحِ الْمُسْمِعِيّ \" فَذَكَرَهُ , وَسَمَّاهُ مُعَاذ عَنْ شُعْبَة فَقَالَ فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي بُرْدَة بْن أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاء ) ‏ ‏لَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ طُرُقه مَحَلّ الدُّعَاء بِذَلِكَ وَقَدْ وَقَعَ مُعْظَم آخِره فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولهُ فِي صَلَاة اللَّيْل , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه قَبْل. وَوَقَعَ أَيْضًا فِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد مُسْلِم أَنَّهُ كَانَ يَقُولهُ فِي آخِر الصَّلَاة , وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة : هَلْ كَانَ يَقُولهُ قَبْل السَّلَام أَوْ بَعْده , فَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" ثُمَّ يَكُون مِنْ آخِر مَا يَقُول بَيْن التَّشَهُّد وَالسَّلَام : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَسْرَفْت وَمَا أَعْلَنْت وَمَا أَنْتَ أَعْلَم بِهِ مِنِّي , أَنْتَ الْمُقَدِّم وَأَنْتَ الْمُؤَخِّر لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت إِلَخْ \" وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِحَمْلِ الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَلَى إِرَادَة السَّلَام لِأَنَّ مَخْرَج الطَّرِيقَيْنِ وَاحِد. وَأَوْرَدَهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه بِلَفْظِ \" كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاة وَسَلَّمَ \" وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّهُ بَعْد السَّلَام , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ يَقُول ذَلِكَ قَبْل السَّلَام وَبَعْده , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس نَحْو ذَلِكَ كَمَا بَيَّنْته عِنْد شَرْحه. ‏ ‏قَوْله ( رَبّ اِغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي ) ‏ ‏الْخَطِيئَة الذَّنْب , يُقَال خَطِئَ يُخْطِئ , وَيَجُوز تَسْهِيل الْهَمْزَة فَيُقَال خَطِيَّة بِالتَّشْدِيدِ. ‏ ‏قَوْله ( وَجَهْلِي ) ‏ ‏الْجَهْل ضِدّ الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله ( وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلّه ) ‏ ‏الْإِسْرَاف مُجَاوَزَة الْحَدّ فِي كُلّ شَيْء , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَتَعَلَّق بِالْإِسْرَافِ فَقَطْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَتَعَلَّق بِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ. ‏ ‏قَوْله ( اِغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ فِي طَرِيق إِسْرَائِيل \" خَطَئِي \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" بِالسَّنَدِ الَّذِي فِي الصَّحِيح , وَهُوَ الْمُنَاسِب لِذِكْرِ الْعَمْد وَلَكِنَّ جُمْهُور الرُّوَاة عَلَى الْأَوَّل , وَالْخَطَايَا جَمْع خَطِيئَة , وَعَطْف الْعَمْد عَلَيْهَا مِنْ عَطْف الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ , فَإِنَّ الْخَطِيئَة أَعَمّ مِنْ أَنْ تَكُون عَنْ خَطَأ وَعَنْ عَمْد , أَوْ هُوَ مِنْ عَطْف أَحَد الْعَامَّيْنِ عَلَى الْآخَر. ‏ ‏قَوْله ( وَجَهْلِي وَجِدِّي ) ‏ ‏وَقَعَ فِي مُسْلِم \" اِغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي \" وَهُوَ أَنْسَب , وَالْجِدّ بِكَسْرِ الْجِيم ضِدّ الْهَزْل. ‏ ‏قَوْله ( وَكُلّ ذَلِكَ عِنْدِي ) ‏ ‏أَيْ مَوْجُود أَوْ مُمْكِن. ‏ ‏قَوْله ( اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ سِرّ الْمُرَاد بِهِ وَبَيَان تَأْوِيله. ‏ ‏قَوْله ( أَنْتَ الْمُقَدِّم وَأَنْتَ الْمُؤَخِّر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمُقَدِّم إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْله ( وَأَنْتَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير ) ‏ ‏فِي حَدِيث عَلِيّ الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ قَبْل \" لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ \" بَدَل قَوْله \" وَأَنْتَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير \" قَالَ الطَّبَرِيُّ بَعْد أَنْ اِسْتَشْكَلَ صُدُور هَذَا الدُّعَاء مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْله تَعَالَى ( لِيَغْفِر لَك اللَّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك وَمَا تَأَخَّرَ ) مَا حَاصِله : أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِمْتَثَلَ مَا أَمَرَهُ اللَّه بِهِ مِنْ تَسْبِيحه وَسُؤَاله الْمَغْفِرَة إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالْفَتْح , قَالَ : وَزَعَمَ قَوْم أَنَّ اِسْتِغْفَاره عَمَّا يَقَع بِطَرِيقِ السَّهْو وَالْغَفْلَة أَوْ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَاد مِمَّا لَا يُصَادِف مَا فِي نَفْس الْأَمْر , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ مِنْهُ أَنَّ الْأَنْبِيَاء يُؤَاخَذُونَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَيَكُونُونَ أَشَدّ حَالًا مِنْ أُمَمهمْ. وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ. قَالَ الْمُحَاسِبِيّ : الْمَلَائِكَة وَالْأَنْبِيَاء أَشَدّ لِلَّهِ خَوْفًا مِمَّنْ دُونهمْ , وَخَوْفهمْ خَوْف إِجْلَال وَإِعْظَام , وَاسْتِغْفَارهمْ مِنْ التَّقْصِير لَا مِنْ الذَّنْب الْمُحَقَّق. وَقَالَ عِيَاض : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله \" اِغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي \" وَقَوْله \" اِغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت \" عَلَى سَبِيل التَّوَاضُع وَالِاسْتِكَانَة وَالْخُضُوع وَالشُّكْر لِرَبِّهِ , لَمَّا عِلْم أَنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ. وَقِيلَ هُوَ مَحْمُول عَلَى مَا صَدَرَ مِنْ غَفْلَة أَوْ سَهْو. وَقِيلَ عَلَى مَا مَضَى قَبْل النُّبُوَّة. وَقَالَ قَوْم وُقُوع الصَّغِيرَة جَائِز مِنْهُمْ فَيَكُون الِاسْتِغْفَار مِنْ ذَلِكَ. وَقِيلَ هُوَ مِثْل مَا قَالَ بَعْضهمْ فِي آيَة الْفَتْح ( لِيَغْفِر لَك اللَّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك ) أَيْ مِنْ ذَنْب أَبِيك آدَم ( وَمَا تَأَخَّرَ ) أَيْ مِنْ ذُنُوب أُمَّتك. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" وُقُوع الْخَطِيئَة مِنْ الْأَنْبِيَاء جَائِز لِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ فَيَخَافُونَ وُقُوع ذَلِكَ وَيَتَعَوَّذُونَ مِنْهُ. وَقِيلَ قَالَهُ عَلَى سَبِيل التَّوَاضُع وَالْخُضُوع لِحَقِّ الرُّبُوبِيَّة لِيُقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ إِلَخْ ) ‏ ‏أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِصَرِيحِ التَّحْدِيث فَقَالَ \" حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ \" وَكَذَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ بِهِ \" وَأَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيّ إِلَى أَنَّ فِي السَّنَد عِلَّة أُخْرَى فَقَالَ : سَمِعْت بَعْض الْحُفَّاظ يَقُول إِنَّ أَبَا إِسْحَاق لَمْ يَسْمَع هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَبِي بُرْدَة وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِيهِ. قُلْت وَهَذَا تَعْلِيل غَيْر قَادِح , فَإِنَّ شُعْبَة كَانَ لَا يَرْوِي عَنْ أَحَد مِنْ الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا مَا يَتَحَقَّق أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخه. ‏"
    },
    {
        "id": "5920",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى ‏ ‏وَأَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏أَحْسِبُهُ عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو ‏ ‏اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي وَخَطَايَايَ وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِسْرَائِيل حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي مُوسَى وَأَبِي بُرْدَة أَحْسَبهُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ) ‏ ‏لَمْ أَجِد طَرِيق إِسْرَائِيل هَذِهِ فِي \" مُسْتَخْرَج الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَضَاقَتْ عَلَى أَبِي نُعَيْم فَأَوْرَدَهَا مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ وَلَمْ يَسْتَخْرِجهَا مِنْ وَجْه آخَر , وَأَفَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ شَرِيكًا وَأَشْعَث وَقَيْس بْن الرَّبِيع رَوَوْهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي بُرْدَة بْن أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ , وَقَدْ وَقَعَتْ لِي طَرِيق إِسْرَائِيل مِنْ وَجْه آخَر أَخْرَجَهَا أَبُو مُحَمَّد بْن صَاعِد فِي فَوَائِده عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو الْهَرَوِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد الْمَجِيد الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقه بِسَنَدِهِ وَقَالَ فِي رِوَايَته \" عَنْ أَبِي بَكْر وَأَبِي بُرْدَة اِبْنَيْ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِمَا \" وَلَمْ يَشُكّ وَقَالَ : غَرِيب مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْر بْن أَبِي مُوسَى. قُلْت : وَإِسْرَائِيل هُوَ اِبْن يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق وَهُوَ مِنْ أَثْبَت النَّاس فِي حَدِيث جَدّه. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏حَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْض نُسَخ الْبُخَارِيّ : وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مُعَاذ بِالتَّكْبِيرِ. قُلْت : وَهُوَ خَطَأ مَحْض , وَكَذَا حَكَى أَنَّ فِي بَعْض النُّسَخ مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَمِيد بِتَأْخِيرِ الْمِيم وَهُوَ خَطَأ أَيْضًا , وَهَذَا هُوَ أَبُو عَلِيّ الْحَنَفِيّ مَشْهُور مِنْ رِجَال الصَّحِيحَيْنِ. ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏نَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ تَبَعًا لِمُغَلْطَاي عَنْ الْقَرَافِيّ أَنَّ قَوْل الْقَائِل فِي دُعَائِهِ \" اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ \" دُعَاء بِالْمُحَالِ لِأَنَّ صَاحِب الْكَبِيرَة قَدْ يَدْخُل النَّار وَدُخُول النَّار يُنَافِي الْغُفْرَان. وَتُعُقِّبَ بِالْمَنْعِ وَأَنَّ الْمُنَافِي لِلْغُفْرَانِ الْخُلُود فِي النَّار , وَأَمَّا الْإِخْرَاج بِالشَّفَاعَةِ أَوْ الْعَفْو فَهُوَ غُفْرَان فِي الْجُمْلَة. وَتُعُقِّبَ أَيْضًا بِالْمُعَارَضَةِ بِقَوْلِ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام ( رَبّ اِغْفِرْ لِي وَلِوَالِدِيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ) وَقَوْل إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام ( رَبّ اِغْفِرْ لِي وَلِوَالِدِيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْم يَقُوم الْحِسَاب ) وَبِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ بِذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ( وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ). وَالتَّحْقِيق أَنَّ السُّؤَال بِلَفْظِ التَّعْمِيم لَا يَسْتَلْزِم طَلَب ذَلِكَ لِكُلِّ فَرْد بِطَرِيقِ التَّعْيِين , فَلَعَلَّ مُرَاد الْقَرَافِيّ مَنْع مَا يُشْعِر بِذَلِكَ لَا مَنْع أَصْل الدُّعَاء بِذَلِكَ. ثُمَّ إنِّي لَا يَظْهَر لِي مُنَاسَبَة ذِكْر هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي هَذَا الْبَاب , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5921",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ ‏ ‏يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ وَقَالَ بِيَدِهِ قُلْنَا يُقَلِّلُهَا يُزَهِّدُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَسْأَل اللَّه خَيْرًا ) ‏ ‏يُقَيِّد قَوْله فِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" شَيْئًا \" وَأَنَّ الْفَضْل الْمَذْكُور لِمَنْ يَسْأَل الْخَيْر , فَيَخْرُج الشَّرّ مِثْل الدُّعَاء بِالْإِثْمِ وَقَطِيعَة الرَّحِم وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏وَقَوْله \" وَقَالَ بِيَدِهِ \" ‏ ‏فِيهِ إِطْلَاق الْقَوْل عَلَى الْفِعْل , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" وَأَشَارَ بِيَدِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( قُلْنَا يُقَلِّلهَا يُزَهِّدهَا ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله يُزَهِّدهَا وَقَعَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ يُقَلِّلهَا , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْخَطَّابِيُّ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَالَ أَحَد اللَّفْظَيْنِ فَجَمَعَهُمَا الرَّاوِي. ثُمَّ وَجَدْته عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْر بْن حَرْب \" يُقَلِّلهَا وَيُزَهِّدهَا \" فَجَمَعَ بَيْنهمَا , وَهُوَ عَطْف تَأْكِيد. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ زُهَيْر بْن حَرْب عَنْ إِسْمَاعِيل شَيْخ مُسَدِّد فِيهِ فَلَمْ يَقَع عِنْده \" قُلْنَا \" وَلَفْظه \" وَقَالَ بِيَدِهِ يُقْلِلْهَا يُزَهِّدهَا \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ الزَّعْفَرَانِيّ عَنْ إِسْمَاعِيل بِلَفْظِ \" وَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَقُلْنَا يُزَهِّدهَا أَوْ يُقَلِّلهَا \" وَهَذِهِ أَوْضَح الرِّوَايَات وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5922",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏أَتَوْا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا ‏ ‏السَّامُ ‏ ‏عَلَيْكَ قَالَ وَعَلَيْكُمْ فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏السَّامُ ‏ ‏عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمْ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَهْلًا يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ أَوْ الْفُحْشَ قَالَتْ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قَوْل الْيَهُود السَّام عَلَيْكُمْ وَفِي قَوْلهَا لَهُمْ \" السَّام عَلَيْكُمْ وَاللَّعْنَة \" وَفِي آخِره \" رَدَدْت عَلَيْهِمْ فَيُسْتَجَاب لِي فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَاب لَهُمْ فِيَّ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث جَابِر \" وَإِنَّا نُجَاب عَلَيْهِمْ وَلَا يُجَابُونَ عَلَيْنَا \" , وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْأَشْعَث عَنْ عَائِشَة فِي نَحْو حَدِيث الْبَاب \" فَقَالَ : مَهْ , إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْفُحْش وَلَا التَّفَحُّش , قَالُوا قَوْلًا فَرَدَدْنَاهُ عَلَيْهِمْ , فَلَمْ يَضُرّنَا شَيْء وَلَزِمَهُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان وَفِيهِ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي الْمُرَاد بِذَلِكَ , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الدَّاعِي إِذَا كَانَ ظَالِمًا عَلَى مَنْ دَعَا عَلَيْهِ لَا يُسْتَجَاب دُعَاؤُهُ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى : ( وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَال ) ‏ ‏وَقَوْله هُنَا : \" وَإِيَّاكَ وَالْعُنْف \" ‏ ‏بِضَمِّ الْعَيْن وَيَجُوز كَسْرهَا وَفَتْحهَا , وَهُوَ ضِدّ الرِّفْق. ‏"
    },
    {
        "id": "5923",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَاهُ عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئ فَأَمِّنُوا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الصَّلَاة , وَالْمُرَاد بِالْقَارِئِ هُنَا الْإِمَام إِذَا قَرَأَ فِي الصَّلَاة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْقَارِئِ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ. وَوَرَدَ فِي التَّأْمِين مُطْلَقًا أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعًا \" مَا حَسَدَتْكُمْ الْيَهُود عَلَى شَيْء مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَام وَالتَّأْمِين \" رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ : \" مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى آمِينَ , فَأَكْثِرُوا مِنْ قَوْل آمِينَ \" وَأَخْرَجَ الْحَاكِم \" عَنْ حَبِيب بْن مَسْلَمَة الْفِهْرِيّ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : لَا يَجْتَمِع مَلَأ فَيَدْعُو بَعْضهمْ وَيُؤَمِّن بَعْضهمْ إِلَّا أَجَابَهُمْ اللَّه تَعَالَى \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي زُهَيْر النُّمَيْرِيّ قَالَ : \" وَقَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُل قَدْ أَلَحَّ فِي الدُّعَاء فَقَالَ : أَوْجَبَ إِنْ خَتَمَ , فَقَالَ : بِأَيِّ شَيْء ؟ قَالَ بِآمِينَ. فَأَتَاهُ الرَّجُل فَقَالَ : يَا فُلَان اِخْتِمْ بِآمِينَ وَأَبْشِرْ \" وَكَانَ أَبُو زُهَيْر يَقُول : آمِينَ مِثْل الطَّابِع عَلَى الصَّحِيفَة. وَقَدْ ذَكَرْت فِي \" بَاب جَهْر الْإِمَام بِالتَّأْمِينِ \" فِي كِتَاب الصَّلَاة. مَا فِي آمِينَ مِنْ اللُّغَات وَاخْتِلَاف فِي مَعْنَاهَا فَأَغْنَى عَنْ الْإِعَادَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5924",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ ‏ ‏عَدْلَ ‏ ‏عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ ‏ ‏حِرْزًا ‏ ‏مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ مَالِك عَنْ سُمَيّ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ مُصَغَّر , وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة فِي مُسْنَده عَنْ زَيْد بْن الْحُبَاب عَنْ مَالِك \" حَدَّثَنِي سُمَيّ مَوْلَى أَبِي بَكْر \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ. وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن سَعِيد عَنْ أَبِي هِنْد عَنْ سُمَيّ مَوْلَى أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي صَالِح ) ‏ ‏هُوَ السَّمَّان. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن سَعِيد \" أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة \". ‏ ‏قَوْله ( مِنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ , لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير ) ‏ ‏هَكَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , وَوَرَدَ فِي بَعْضهَا زِيَادَة \" يُحْيِي وَيُمِيت \" وَفِي أُخْرَى زِيَادَة \" بِيَدِهِ الْخَيْر \" وَسَأَذْكُرُ مَنْ زَادَ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( مِائَة مَرَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن يُوسُف عَنْ مَالِك الْمَاضِيَة فِي بَدْء الْخَلْق \" فِي يَوْم مِائَة مَرَّة \" وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن سَعِيد \" إِذَا أَصْبَحَ \" وَمِثْله فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْد جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ فِي الذِّكْر , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ تَقْيِيده بِأَنَّ ذَلِكَ \" فِي دُبُر صَلَاة الْفَجْر قَبْل أَنْ يَتَكَلَّم \" لَكِنْ قَالَ \" عَشْر مَرَّات \" وَفِي سَنَدهمَا شَهْر بْن حَوْشَب وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَقَال. ‏ ‏قَوْله ( كَانَتْ لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن يُوسُف الْمَاضِيَة كَانَ بِالتَّذْكِيرِ أَيْ الْقَوْل الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( عَدْل ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن , قَالَ الْفَرَّاء : الْعَدْل بِالْفَتْحِ مَا عَدَلَ الشَّيْء مِنْ غَيْر جِنْسه , وَبِالْكَسْرِ الْمِثْل. ‏ ‏قَوْله ( عَشْر رِقَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن سَعِيد \" عَدْل رَقَبَة \" وَيُوَافِقهُ رِوَايَة مَالِك حَدِيث الْبَرَاء بِلَفْظِ \" مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" وَفِي آخِره \" عَشْر مَرَّات كُنَّ لَهُ عَدْل رَقَبَة \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم وَنَظِيره فِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب الَّذِي فِي الْبَاب كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهِ , وَأَخْرَجَ جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ فِي الذِّكْر مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عِكْرِمَة بْن مُحَمَّد الدُّؤَلِيّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ \" مَنْ قَالَهَا فَلَهُ عَدْل رَقَبَة , وَلَا تَعْجِزُوا أَنْ تَسْتَكْثِرُوا مِنْ الرِّقَاب \" وَمِثْله رِوَايَة سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ لَكِنَّهُ خَالَفَ فِي صَحَابِيّه فَقَالَ عَنْ أَبِي عَيَّاش الزُّرَقِيّ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( وَكُتِبَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَكُتِبَ \" بِالتَّذْكِيرِ. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن سَعِيد \" وَحُفِظَ يَوْمه حَتَّى يُمْسِي \" وَزَادَ \" وَمَنْ قَالَ مِثْل ذَلِكَ حِين يُمْسِي كَانَ لَهُ مِثْل ذَلِكَ \" وَمِثْل ذَلِكَ فِي طُرُق أُخْرَى يَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا بَعْد. ‏ ‏قَوْله ( وَلَمْ يَأْتِ أَحَد بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا \" وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن يُوسُف \" مِمَّا جَاءَ بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا رَجُل عَمِلَ أَكْثَر مِنْهُ ) ‏ ‏فِي حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه \" لَمْ يَجِئْ أَحَد بِأَفْضَل مِنْ عَمَله إِلَّا مَنْ قَالَ أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح إِلَى عَمْرو , وَالِاسْتِثْنَاء فِي قَوْله \" إِلَّا رَجُل \" مُنْقَطِع وَالتَّقْدِير لَكِنْ رَجُل قَالَ أَكْثَر مِمَّا قَالَهُ فَإِنَّهُ يَزِيد عَلَيْهِ , وَيَجُوز أَنْ يَكُون الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5925",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ قَالَ عَشْرًا كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏وَحَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِلرَّبِيعِ ‏ ‏مِمَّنْ سَمِعْتَهُ فَقَالَ مِنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏فَأَتَيْتُ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ ‏ ‏فَقُلْتُ مِمَّنْ سَمِعْتَهُ فَقَالَ مِن ‏ ‏ابْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏فَأَتَيْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏فَقُلْتُ مِمَّنْ سَمِعْتَهُ فَقَالَ مِن ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏يُحَدِّثَهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏قَوْلَهُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الرَّبِيعِ ‏ ‏قَوْلَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏هِلَالَ بْنَ يَسَافٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ ‏ ‏وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏قَوْلَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏وَحُصَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الرَّبِيعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَوْلَهُ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ ‏ ‏إِسْمَاعِيلِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَالصَّحِيحُ قَوْلُ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَمْرٍو ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5926",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَنْ قَالَ سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْم مِائَة مَرَّة حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْل زَبَد الْبَحْر ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ سُمَيّ عَنْ أَبِي صَالِح \" مَنْ قَالَ حِين يُمْسِي وَحِين يُصْبِح \" وَيَأْتِي فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيّ مِنْ أَنَّ الْأَفْضَل أَنْ يَقُول ذَلِكَ مُتَوَالِيًا فِي أَوَّل النَّهَار وَفِي أَوَّل اللَّيْل , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" وَإِنْ كَانَتْ مِثْل زَبَد الْبَحْر \" الْكِنَايَة عَنْ الْمُبَالَغَة فِي الْكَثْرَة , قَالَ عِيَاض قَوْله \" حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْل زَبَد الْبَحْر \" مَعَ قَوْله فِي التَّهْلِيل \" مُحِيَتْ عَنْهُ مِائَة سَيِّئَة \" قَدْ يُشْعِر بِأَفْضَلِيَّةِ التَّسْبِيح عَلَى التَّهْلِيل , يَعْنِي لِأَنَّ عَدَد زَبَد الْبَحْر أَضْعَاف أَضْعَاف الْمِائَة , لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي التَّهْلِيل \" وَلَمْ يَأْتِ أَحَد بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ \" فَيَحْتَمِل أَنْ يُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنْ يَكُون التَّهْلِيل أَفْضَل وَأَنَّهُ بِمَا زَيْد مِنْ رَفْع الدَّرَجَات وَكَتْب الْحَسَنَات ثُمَّ مَا جُعِلَ مَعَ ذَلِكَ مِنْ فَضْل عِتْق الرِّقَاب قَدْ يَزِيد عَلَى فَضْل التَّسْبِيح وَتَكْفِيره جَمِيع الْخَطَايَا لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ \" مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَة أَعْتَقَ اللَّه بِكُلِّ عُضْو مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّار \" فَحَصَلَ بِهَذَا الْعِتْق تَكْفِير جَمِيع الْخَطَايَا عُمُومًا بَعْد حَصْر مَا عَدَّدَ مِنْهَا خُصُوصًا مَعَ زِيَادَة مِائَة دَرَجَة وَمَا زَادَهُ عِتْق الرِّقَاب الزِّيَادَة عَلَى الْوَاحِدَة , وَيُؤَيِّدهُ الْحَدِيث الْآخَر \" أَفْضَل الذِّكْر التَّهْلِيل \" وَأَنَّهُ أَفْضَل مَا قَالَهُ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْله وَهُوَ كَلِمَة التَّوْحِيد وَالْإِخْلَاص , وَقِيلَ إِنَّهُ اِسْم اللَّه الْأَعْظَم , وَقَدْ مَضَى شَرْح التَّسْبِيح وَأَنَّهُ التَّنْزِيه عَمَّا لَا يَلِيق بِاَللَّهِ تَعَالَى وَجَمِيع ذَلِكَ دَاخِل فِي ضِمْن \" لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير \" اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. قُلْت : وَحَدِيث \" أَفْضَل الذِّكْر لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث جَابِر , وَيُعَارِضهُ فِي الظَّاهِر حَدِيث أَبِي ذَرّ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَخْبِرْنِي بِأَحَبّ الْكَلَام إِلَى اللَّه , قَالَ : إِنَّ أَحَبّ الْكَلَام إِلَى اللَّه سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَفِي رِوَايَة \" سُئِلَ أَيّ الْكَلَام أَفْضَل ؟ قَالَ : مَا اِصْطَفَاهُ اللَّه لِمَلَائِكَتِهِ : سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ \" وَقَالَ الطِّيبِيُّ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي ذَرّ : فِيهِ تَلْمِيح بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَة عَنْ الْمَلَائِكَة ( وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك ) وَيُمْكِن أَنْ يَكُون قَوْله \" سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ \" مُخْتَصَرًا مِنْ الْكَلِمَات الْأَرْبَع وَهِيَ سُبْحَان اللَّه وَالْحَمْد لِلَّهِ وَلَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَاَللَّه أَكْبَر ; لِأَنَّ \" سُبْحَان اللَّه \" تَنْزِيه لَهُ عَمَّا لَا يَلِيق بِجَلَالِهِ وَتَقْدِيس لِصِفَاتِهِ مِنْ النَّقَائِص. فَيَنْدَرِج فِيهِ مَعْنَى لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَقَوْله \" وَبِحَمْدِهِ \" صَرِيح فِي مَعْنَى وَالْحَمْد لِلَّهِ لِأَنَّ الْإِضَافَة فِيهِ بِمَعْنَى اللَّام فِي الْحَمْد , وَيَسْتَلْزِم ذَلِكَ مَعْنَى اللَّه أَكْبَر لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كُلّ الْفَضْل وَالْأَفْضَال لِلَّهِ وَمِنْ اللَّه وَلَيْسَ مِنْ غَيْره شَيْء مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَكُون أَحَد أَكْبَر مِنْهُ , وَمَعَ ذَلِكَ كُلّه فَلَا يَلْزَم أَنْ يَكُون التَّسْبِيح أَفْضَل مِنْ التَّهْلِيل لِأَنَّ التَّهْلِيل صَرِيح فِي التَّوْحِيد وَالتَّسْبِيح مُتَضَمِّن لَهُ , وَلِأَنَّ نَفْي الْآلِهَة فِي قَوْل \" لَا إِلَه \" نَفْي لِمُضْمَنِهَا مِنْ فِعْل الْخَلْق وَالرِّزْق وَالْإِثَابَة وَالْعُقُوبَة , وَقَوْل \" إِلَّا اللَّه \" إِثْبَات لِذَلِكَ , وَيَلْزَم مِنْهُ نَفْي مَا يَضَادّهُ وَيُخَالِفهُ مِنْ النَّقَائِص , فَمَنْطُوق سُبْحَان اللَّه تَنْزِيه وَمَفْهُومه تَوْحِيد وَمَنْطُوق لَا إِلَه إِلَّا اللَّه تَوْحِيد وَمَفْهُومه تَنْزِيه , يَعْنِي فَيَكُون لَا إِلَه إِلَّا اللَّه أَفْضَل لِأَنَّ التَّوْحِيد أَصْل وَالتَّنْزِيه يَنْشَأ عَنْهُ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ جَمَعَ الْقُرْطُبِيّ بِمَا حَاصِله : إِنَّ هَذِهِ الْأَذْكَار إِذَا أُطْلِق عَلَى بَعْضهَا أَنَّهُ أَفْضَل الْكَلَام أَوْ أَحَبّهُ إِلَى اللَّه فَالْمُرَاد إِذَا اِنْضَمَّتْ إِلَى أَخَوَاتهَا , بِدَلِيلِ حَدِيث سَمُرَة عِنْد مُسْلِم \" أَحَبّ الْكَلَام إِلَى اللَّه أَرْبَع لَا يَضُرّك بِأَيِّهِنَّ بَدَأْت : سُبْحَان اللَّه وَالْحَمْد لِلَّهِ وَلَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَاَللَّه أَكْبَر \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِالْمَعْنَى فَيَكُون مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى بَعْضهَا كَفَى ; لِأَنَّ حَاصِلهَا التَّعْظِيم وَالتَّنْزِيه , وَمَنْ نَزَّهَهُ فَقَدْ عَظَّمَهُ وَمَنْ عَظَّمَهُ فَقَدْ نَزَّهَهُ , اِنْتَهَى. وَقَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا الْإِطْلَاق فِي الْأَفْضَلِيَّة مَحْمُول عَلَى كَلَام الْآدَمِيّ , وَإِلَّا فَالْقُرْآن أَفْضَل الذِّكْر. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : الظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد مِنْ الْكَلَام كَلَام الْبَشَر , فَإِنَّ الثَّلَاث الْأُوَل وَإِنْ وُجِدَتْ فِي الْقُرْآن لَكِنْ الرَّابِعَة لَمْ تُوجَد فِيهِ , وَلَا يَفْضُل مَا لَيْسَ فِيهِ عَلَى مَا هُوَ فِيهِ. قُلْت وَيَحْتَمِل أَنْ يُجْمَع بِأَنْ تَكُون \" مِنْ \" مُضْمَرَة فِي قَوْله \" أَفْضَل الذِّكْر لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" وَفِي قَوْله \" أَحَبّ الْكَلَام \" بِنَاء عَلَى أَنَّ لَفْظ أَفْضَل وَأَحَبّ مُتَسَاوِيَانِ فِي الْمَعْنَى , لَكِنْ يَظْهَر مَعَ ذَلِكَ تَفْضِيل لَا إِلَه إِلَّا اللَّه لِأَنَّهَا ذُكِرَتْ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهَا بِالْأَفْضَلِيَّةِ الصَّرِيحَة وَذُكِرَتْ مَعَ أَخَوَاتهَا بِالْأَحَبِّيَّةِ فَحَصَلَ لَهَا التَّفْضِيل تَنْصِيصًا وَانْضِمَامًا وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن بَابَاه عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ قَالَ \" إِنَّ الرَّجُل إِذَا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَهِيَ كَلِمَة الْإِخْلَاص الَّتِي لَا يَقْبَل اللَّه عَمَلًا حَتَّى يَقُولهَا , وَإِذَا قَالَ الْحَمْد لِلَّهِ فَهِيَ كَلِمَة الشُّكْر الَّتِي لَمْ يَشْكُر اللَّه عَبْد حَتَّى يَقُولهَا \" وَمِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَلْيَقُلْ عَلَى أَثَرهَا الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ \". ‏ ‏( تَكْمِيل ) : ‏ ‏أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَبِي سَعِيد \" عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مُوسَى يَا رَبّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرك بِهِ , قَالَ : قُلْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" لَوْ أَنَّ السَّمَاوَات السَّبْع وَعَامِرهنَّ وَالْأَرَضِينَ السَّبْع جُعِلْنَ فِي كِفَّة وَلَا إِلَه إِلَّا اللَّه فِي كِفَّة لَمَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الذِّكْر بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه أَرْجَح مِنْ الذِّكْر بِالْحَمْد لِلَّهِ , وَلَا يُعَارِضهُ حَدِيث أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ رَفَعَهُ \" وَالْحَمْد لِلَّهِ تَمْلَأ الْمِيزَان \" فَإِنَّ الْمِلْء يَدُلّ عَلَى الْمُسَاوَاة وَالرُّجْحَان صَرِيح فِي الزِّيَادَة فَيَكُون أَوْلَى , وَمَعْنَى \" مِلْء الْمِيزَان \" أَنَّ ذَاكِرهَا يَمْتَلِئ مِيزَانه ثَوَابًا. وَذَكَرَ اِبْن بَطَّال عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّ الْفَضْل الْوَارِد فِي حَدِيث الْبَاب وَمَا شَابَهَهُ إِنَّمَا هُوَ لِأَهْلِ الْفَضْل فِي الدِّين وَالطَّهَارَة مِنْ الْجَرَائِم الْعِظَام , وَلَيْسَ مَنْ أَصَرَّ عَلَى شَهَوَاته وَانْتَهَكَ دِين اللَّه وَحُرُمَاته بِلَا حَقّ بِالْأَفَاضِلِ الْمُطَهَّرِينَ فِي ذَلِكَ. وَيَشْهَد لَهُ قَوْله تَعَالَى ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئَات أَنْ نَجْعَلهُمْ كَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتهمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ). ‏"
    },
    {
        "id": "5927",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا اِبْن فُضَيْلٍ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد , وَأَبُوهُ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَة مُصَغَّر , ‏ ‏وَعُمَارَة ‏ ‏هُوَ اِبْن الْقَعْقَاع بْن شُبْرُمَةَ , ‏ ‏وَأَبُو زُرْعَة ‏ ‏هُوَ اِبْن عَمْرو بْن جَرِير , وَرِجَال الْإِسْنَاد مَا بَيْن زُهَيْر بْن حَرْب وَأَبِي هُرَيْرَة كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَان إِلَخْ ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ الْخِفَّة مُسْتَعَارَة لِلسُّهُولَةِ , شَبَّهَ سُهُولَة جَرَيَان هَذَا الْكَلَام عَلَى اللِّسَان بِمَا يَخِفّ عَلَى الْحَامِل مِنْ بَعْض الْمَحْمُولَات فَلَا يَشُقّ عَلَيْهِ , فَذَكَرَ الْمُشَبَّه وَأَرَادَ الْمُشَبَّه بِهِ , وَأَمَّا الثِّقَل فَعَلَى حَقِيقَته لِأَنَّ الْأَعْمَال تَتَجَسَّم عِنْد الْمِيزَان , وَالْخِفَّة وَالسُّهُولَة مِنْ الْأُمُور النِّسْبِيَّة.. وَفِي الْحَدِيث حَثّ عَلَى الْمُوَاظَبَة عَلَى هَذَا الذِّكْر وَتَحْرِيض عَلَى مُلَازَمَته ; لِأَنَّ جَمِيع التَّكَالِيف شَاقَّة عَلَى النَّفْس. وَهَذَا سَهْل وَمَعَ ذَلِكَ يَثْقُل فِي الْمِيزَان كَمَا تَثْقُل الْأَفْعَال الشَّاقَّة فَلَا يَنْبَغِي التَّفْرِيط فِيهِ. وَقَوْله \" حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَن \" تَثْنِيَة حَبِيبَة وَهِيَ الْمَحْبُوبَة , وَالْمُرَاد أَنَّ قَائِلهَا مَحْبُوب لِلَّهِ , وَمَحَبَّة اللَّه لِلْعَبْدِ إِرَادَة إِيصَال الْخَيْر لَهُ وَالتَّكْرِيم , وَخَصَّ الرَّحْمَن مِنْ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى لِلتَّنْبِيهِ عَلَى سَعَة رَحْمَة اللَّه , حَيْثُ يُجَازِي عَلَى الْعَمَل الْقَلِيل بِالثَّوَابِ الْجَزِيل , وَلِمَا فِيهَا مِنْ التَّنْزِيه وَالتَّحْمِيد وَالتَّعْظِيم , وَفِي الْحَدِيث جَوَاز السَّجْع فِي الدُّعَاء إِذَا وَقَعَ بِغَيْرِ كُلْفَة , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي آخِر الصَّحِيح حَيْثُ خَتَمَ بِهِ الْمُصَنِّف إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5928",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَثَل الَّذِي يَذْكُر رَبّه وَاَلَّذِي لَا يَذْكُر رَبّه مَثَل الْحَيّ وَالْمَيِّت ) ‏ ‏سَقَطَ لَفْظ \" رَبّه \" الثَّانِيَة مِنْ رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ , هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع نُسَخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي كُرَيْب وَهُوَ مُحَمَّد بْن الْعَلَاء شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور بِلَفْظِ \" مَثَل الْبَيْت الَّذِي يُذْكَر اللَّه فِيهِ وَالْبَيْت الَّذِي لَا يُذْكَر اللَّه فِيهِ مَثَل الْحَيّ وَالْمَيِّت \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحه جَمِيعًا عَنْ أَبِي يَعْلَى عَنْ أَبِي كُرَيْب , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ أَحْمَد بْن عَبْد الْحَمِيد وَالْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ عَبْد اللَّه بْن بَرَّاد , وَعَنْ الْقَاسِم اِبْن زَكَرِيَّا عَنْ يُوسُف بْن مُوسَى وَإِبْرَاهِيم بْن سَعِيد الْجَوْهَرِيّ وَمُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ وَالْقَاسِم بْن دِينَار كُلّهمْ عَنْ أَبِي أُسَامَة , فَتَوَارُد هَؤُلَاءِ عَلَى هَذَا اللَّفْظ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ بُرَيْد بْن عَبْد اللَّه شَيْخ أَبِي أُسَامَة , وَانْفِرَاد الْبُخَارِيّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور دُون بَقِيَّة أَصْحَاب أَبِي كُرَيْب وَأَصْحَاب أَبِي أُسَامَة يُشْعِر بِأَنَّهُ رَوَاهُ مِنْ حِفْظه أَوْ تَجَوَّزَ فِي رِوَايَته بِالْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَ لَهُ وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يُوصَف بِالْحَيَاةِ وَالْمَوْت حَقِيقَة هُوَ السَّاكِن لَا السَّكَن وَأَنَّ إِطْلَاق الْحَيّ وَالْمَيِّت فِي وَصْف الْبَيْت إِنَّمَا يُرَاد بِهِ سَاكِن الْبَيْت فَشَبَّهَ الذَّاكِر بِالْحَيِّ الَّذِي ظَاهِره مُتَزَيِّن بِنُورِ الْحَيَاة وَبَاطِنه بِنُورِ الْمَعْرِفَة وَغَيْر الذَّاكِر بِالْبَيْتِ الَّذِي ظَاهِره عَاطِل وَبَاطِنه بَاطِل , وَقِيلَ مَوْقِع التَّشْبِيه بِالْحَيِّ وَالْمَيِّت لِمَا فِي الْحَيّ مِنْ النَّفْع لِمَنْ يُوَالِيه وَالضُّرّ لِمَنْ يُعَادِيه وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْمَيِّت. ‏"
    },
    {
        "id": "5929",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا يَقُولُ عِبَادِي قَالُوا يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي قَالَ فَيَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ قَالَ فَيَقُولُ وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا قَالَ يَقُولُ فَمَا يَسْأَلُونِي قَالَ يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً قَالَ فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ قَالَ يَقُولُونَ مِنْ النَّارِ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً قَالَ فَيَقُولُ فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ قَالَ يَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ قَالَ هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏وَلَمْ يَرْفَعْهُ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏سُهَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا قُتَيْبَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي غَيْر رِوَايَة أَبِي ذَرّ. ‏ ‏قَوْله ( جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي صَالِح ) ‏ ‏لَمْ أَرَهُ مِنْ حَدِيث الْأَعْمَش إِلَّا بِالْعَنْعَنَةِ لَكِنْ اِعْتَمَدَ الْبُخَارِيّ عَلَى وَصْله لِكَوْنِ شُعْبَة رَوَاهُ عَنْ الْأَعْمَش كَمَا سَأَذْكُرُهُ. فَإِنَّ شُعْبَة كَانَ لَا يُحَدِّث عَنْ شُيُوخه الْمَنْسُوبِينَ لِلتَّدْلِيسِ إِلَّا بِمَا تَحَقَّقَ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏كَذَا قَالَ جَرِير , وَتَابَعَهُ الْفُضَيْل بْن عِيَاض عِنْد اِبْن حِبَّان وَأَبُو بَكْر بْن عَيَّاش عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَش , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش فَقَالَ \" عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيد \" هَكَذَا بِالشَّكِّ لِلْأَكْثَرِ , وَفِي نُسْخَة \" وَعَنْ أَبِي سَعِيد \" بِوَاوِ الْعَطْف , وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة بِالشَّكِّ وَقَالَ : شَكّ الْأَعْمَش , وَكَذَا قَالَ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا عَنْ إِسْحَاق بْن إِسْمَاعِيل عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيد وَقَالَ شَكّ سُلَيْمَان يَعْنِي الْأَعْمَش , قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَسَن صَحِيح , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ غَيْر هَذَا الْوَجْه يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ بِغَيْرِ تَرَدُّد. ‏ ‏قَوْله بَعْد سِيَاق الْمَتْن ( رَوَاهُ شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش ) ‏ ‏يَعْنِي بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( وَلَمْ يَرْفَعهُ ) ‏ ‏هَكَذَا وَصَلَهُ أَحْمَد قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة قَالَ بِنَحْوِهِ وَلَمْ يَرْفَعهُ , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة بِشْر بْن خَالِد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر مَوْقُوفًا. ‏ ‏قَوْله ( وَرَوَاهُ سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏وَصَلَهُ مُسْلِم وَأَحْمَد مِنْ طَرِيقه , وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَته مِنْ فَائِدَة. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَة ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ كِلَاهُمَا عَنْ جَرِير \" فَضْلًا \" وَكَذَا لِابْنِ حِبَّان مِنْ طَرِيق فُضَيْل بْن عِيَاض , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة سُهَيْل , قَالَ عِيَاض فِي \" الْمَشَارِق \" مَا نَصّه : فِي رِوَايَتنَا عَنْ أَكْثَرهمْ بِسُكُونِ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ الصَّوَاب , وَرَوَاهُ الْعُذْرِيّ وَالْهَوْزَنِيّ \" فُضْل \" بِالضَّمِّ وَبَعْضهمْ بِضَمِّ الضَّاد , وَمَعْنَاهُ زِيَادَة عَلَى كِتَاب النَّاس هَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْبُخَارِيّ , قَالَ : وَكَانَ هَذَا الْحَرْف فِي كِتَاب اِبْن عِيسَى \" فُضَلَاء \" بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الضَّاد وَالْمَدّ وَهُوَ وَهْم هُنَا وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتهمْ عَلَيْهِمْ السَّلَام , وَقَالَ فِي \" الْإِكْمَال \" الرِّوَايَة فِيهِ عِنْد جُمْهُور شُيُوخنَا فِي مُسْلِم وَالْبُخَارِيّ بِفَتْحِ الْفَاء وَسُكُون الضَّاد فَذَكَر نَحْو مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ : هَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْبُخَارِيّ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة الضَّرِير , وَقَالَ اِبْن الْأَثِير فِي \" النِّهَايَة \" فَضْلًا أَيْ زِيَادَة عَنْ الْمَلَائِكَة الْمُرَتَّبِينَ مَعَ الْخَلَائِق , وَيُرْوَى بِسُكُونِ الضَّاد وَبِضَمِّهَا قَالَ بَعْضهمْ وَالسُّكُون أَكْثَر وَأَصْوَب , وَقَالَ النَّوَوِيّ : ضَبَطُوا فَضْلًا عَلَى أَوْجُه أَرْجَحهَا بِضَمِّ الْفَاء وَالضَّاد وَالثَّانِي بِضَمِّ الْفَاء وَسُكُون الضَّاد وَرَجَّحَهُ بَعْضهمْ وَادَّعَى أَنَّهَا أَكْثَر وَأَصْوَب , وَالثَّالِث بِفَتْحِ الْفَاء وَسُكُون الضَّاد , قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هَكَذَا الرِّوَايَة عِنْد جُمْهُور شُيُوخنَا فِي الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم , وَالرَّابِع بِضَمِّ الْفَاء وَالضَّاد كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِرَفْعِ اللَّام يَعْنِي عَلَى أَنَّهُ خَبَر إِنَّ , وَالْخَامِس فُضَلَاء بِالْمَدِّ جَمْع فَاضِل قَالَ الْعُلَمَاء وَمَعْنَاهُ عَلَى جَمِيع الرِّوَايَات أَنَّهُمْ زَائِدُونَ عَلَى الْحَفَظَة وَغَيْرهمْ مِنْ الْمُرَتَّبِينَ مَعَ الْخَلَائِق لَا وَظِيفَة لَهُمْ إِلَّا حِلَق الذِّكْر , وَقَالَ الطِّيبِيُّ فُضْلًا بِضَمِّ الْفَاء وَسُكُون الضَّاد جَمْع فَاضِل كَنُزْل وَنَازِل اِنْتَهَى , وَنِسْبَة عِيَاض هَذِهِ اللَّفْظَة لِلْبُخَارِيّ وَهْم فَإِنَّهَا لَيْسَتْ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ هُنَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات إِلَّا أَنْ تَكُون خَارِج الصَّحِيح , وَلَمْ يُخَرِّج الْبُخَارِيّ الْحَدِيث الْمَذْكُور عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة أَصْلًا وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقه التِّرْمِذِيّ , وَزَادَ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ رِوَايَة جَرِير فَضْلًا عَنْ كِتَاب النَّاس , وَمِثْله لِابْنِ حِبَّان مِنْ رِوَايَة فُضَيْل اِبْن عِيَاض وَزَادَ \" سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْض \" وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ كِتَاب الْأَيْدِي , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ \" سَيَّارَة فَضْلًا \". ‏ ‏قَوْله ( يَطُوفُونَ فِي الطَّرِيق يَلْتَمِسُونَ أَهْل الذِّكْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُهَيْل \" يَتَّبِعُونَ مَجَالِس الذِّكْر \". وَفِي حَدِيث جَابِر بْن أَبِي يَعْلَى \" إِنَّ لِلَّهِ سَرَايَا مِنْ الْمَلَائِكَة تَقِف وَتَحِلّ بِمَجَالِس الذِّكْر فِي الْأَرْض \". ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة فُضَيْل بْن عِيَاض \" فَإِذَا رَأَوْا قَوْمًا \" وَفِي رِوَايَة سُهَيْل \" فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْر \". ‏ ‏قَوْله ( تَنَادَوْا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" يَتَنَادَوْنَ \". ‏ ‏قَوْله ( هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" بُغْيَتكُمْ \" وَقَوْله \" هَلُمُّوا \" عَلَى لُغَة أَهْل نَجْد , وَأَمَّا أَهْل الْحِجَاز فَيَقُولُونَ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْع هَلُمَّ بِلَفْظِ الْإِفْرَاد , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ فِي التَّفْسِير. وَاخْتُلِفَ فِي أَصْل هَذِهِ الْكَلِمَة فَقِيلَ هَلْ لَك فِي الْأَكْل أُمّ , أَيْ اِقْصِدْ , وَقِيلَ أَصْله لُمَّ بِضَمِّ اللَّام وَتَشْدِيد الْمِيم وَهَا لِلتَّنْبِيهِ حُذِفَتْ أَلِفهَا تَخْفِيفًا. ‏ ‏قَوْله ( فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ ) ‏ ‏أَيْ يَدْنُونَ بِأَجْنِحَتِهِمْ حَوْل الذَّاكِرِينَ , وَالْبَاء لِلتَّعَدِّيَةِ وَقِيلَ لِلِاسْتِعَانَةِ. ‏ ‏قَوْله ( إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا \" وَفِي رِوَايَة سُهَيْل \" قَعَدُوا مَعَهُمْ وَحَفَّ بَعْضهمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنهمْ وَبَيْن سَمَاء الدُّنْيَا \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ فَيَسْأَلهُمْ رَبّهمْ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَم مِنْهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِهِمْ \" كَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ , وَهِيَ جُمْلَة مُعْتَرِضَة وَرَدَتْ لِرَفْعِ التَّوَهُّم , زَادَ فِي رِوَايَة سُهَيْل \" مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : جِئْنَا مِنْ عِنْد عِبَاد لَك فِي الْأَرْض \" وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ \" فَيَقُول اللَّه : أَيّ شَيْء تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ \". ‏ ‏قَوْله ( مَا يَقُول عِبَادِي ؟ قَالَ : تَقُول يُسَبِّحُونَك ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ بِالْإِفْرَادِ فِيهِمَا , وَلِغَيْرِهِ \" قَالُوا يَقُولُونَ \" وَلِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا \" قَالَ يَقُولُونَ \" وَزَادَ سُهَيْل فِي رِوَايَته \" فَإِذَا تَفَرَّقُوا \" أَيْ أَهْل الْمَجْلِس \" عَرَجُوا \" أَيْ الْمَلَائِكَة \" وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاء \". ‏ ‏قَوْله ( يُسَبِّحُونَك وَيُكَبِّرُونَك وَيَحْمَدُونَك ) ‏ ‏زَادَ إِسْحَاق وَعُثْمَان عَنْ جَرِير \" وَيُمَجِّدُونَك \" وَكَذَا لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا , وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ يَحْمَدُونَك وَيُمَجِّدُونَك وَيَذْكُرُونَك \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالُوا رَبّنَا مَرَرْنَا بِهِمْ وَهُمْ يَذْكُرُونَك إِلَخْ \" وَفِي رِوَايَة سُهَيْل \" جِئْنَا مِنْ عِنْد عِبَاد لَك فِي الْأَرْض يُسَبِّحُونَك وَيُكَبِّرُونَك وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَك وَيَسْأَلُونَك \" وَفِي حَدِيث أَنَس عِنْد الْبَزَّار \" وَيُعَظِّمُونَ آلَاءَك وَيَتْلُونَ كِتَابك وَيُصَلُّونَ عَلَى نَبِيّك وَيَسْأَلُونَك لِآخِرَتِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ \" وَيُؤْخَذ مِنْ مَجْمُوع هَذِهِ الطُّرُق الْمُرَاد بِمَجَالِس الذِّكْر وَأَنَّهَا الَّتِي تَشْتَمِل عَلَى ذِكْر اللَّه بِأَنْوَاعِ الذِّكْر الْوَارِدَة مِنْ تَسْبِيح وَتَكْبِير وَغَيْرهمَا وَعَلَى تِلَاوَة كِتَاب اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى وَعَلَى الدُّعَاء بِخَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَفِي دُخُول قِرَاءَة الْحَدِيث النَّبَوِيّ وَمُدَارَسَة الْعِلْم الشَّرْعِيّ وَمُذَاكَرَته وَالِاجْتِمَاع عَلَى صَلَاة النَّافِلَة فِي هَذِهِ الْمَجَالِس نَظَر , وَالْأَشْبَه اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِمَجَالِس التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَنَحْوهمَا وَالتِّلَاوَة حَسْب , وَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَة الْحَدِيث وَمُدَارَسَة الْعِلْم وَالْمُنَاظَرَة فِيهِ مِنْ جُمْلَة مَا يَدْخُل تَحْت مُسَمَّى ذِكْر اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ فَيَقُول هَلْ رَأَوْنِي ؟ قَالَ فَيَقُولُونَ لَا وَاَللَّه مَا رَأَوْك ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ لَفْظ الْجَلَالَة فِي جَمِيع نُسَخ الْبُخَارِيّ وَكَذَا فِي بَقِيَّة الْمَوَاضِع , وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ. ‏ ‏قَوْله ( كَانُوا أَشَدّ لَك عِبَادَة وَأَشَدّ لَك تَمْجِيدًا ) ‏ ‏زَادَ أَبُو ذَرّ فِي رِوَايَته \" وَتَحْمِيدًا \" وَكَذَا لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا , وَزَادَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَأَشَدّ لَك ذِكْرًا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي الدُّنْيَا \" وَأَكْثَر لَك تَسْبِيحًا \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ يَقُول ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" فَيَقُول \". ‏ ‏قَوْله ( فَمَا يَسْأَلُونِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" فَأَيّ شَيْء يَطْلُبُونَ \". ‏ ‏قَوْله ( يَسْأَلُونَك الْجَنَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُهَيْل \" يَسْأَلُونَك جَنَّتك \". ‏ ‏قَوْله ( كَانُوا أَشَدّ عَلَيْهَا حِرْصًا ) ‏ ‏زَادَ أَبُو مُعَاوِيَة فِي رِوَايَته \" عَلَيْهَا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي الدُّنْيَا \" كَانُوا أَشَدّ حِرْصًا وَأَشَدّ طِلْبَة وَأَعْظَم لَهَا رَغْبَة \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ ؟ قَالَ يَقُولُونَ مِنْ النَّار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" فَمِنْ أَيّ شَيْء يَتَعَوَّذُونَ ؟ فَيَقُولُونَ مِنْ النَّار \" وَفِي رِوَايَة سُهَيْل \" قَالُوا وَيَسْتَجِيرُونَك. وَقَالَ وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي ؟ قَالُوا مِنْ نَارك \". ‏ ‏قَوْله ( كَانُوا أَشَدّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدّ لَهَا مَخَافَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" كَانُوا أَشَدّ مِنْهَا هَرَبَا وَأَشَدّ مِنْهَا تَعَوُّذًا وَخَوْفًا \" وَزَادَ سُهَيْل فِي رِوَايَته \" قَالُوا وَيَسْتَغْفِرُونَك \" قَالَ فَيَقُول : قَدْ غَفَرْت لَهُمْ وَأَعْطَيْتهمْ مَا سَأَلُوا \" وَفِي حَدِيث أَنَس \" فَيَقُول غَشُّوهُمْ رَحْمَتِي \". ‏ ‏قَوْله ( يَقُول مَلَك مِنْ الْمَلَائِكَة : فِيهِمْ فُلَان لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" فَيَقُولُونَ إِنَّ فِيهِمْ فُلَانًا الْخَطَّاء لَمْ يُرِدْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ \" وَفِي رِوَايَة سُهَيْل \" قَالَ يَقُولُونَ : رَبّ فِيهِمْ فُلَان عَبْد خَطَّاء إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ \" وَزَادَ فِي رِوَايَته \" قَالَ وَلَهُ قَدْ غَفَرْت \". ‏ ‏قَوْله ( هُمْ الْجُلَسَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة وَكَذَا فِي رِوَايَة سُهَيْل \" هُمْ الْقَوْم \" وَفِي اللَّام إِشْعَار بِالْكَمَالِ أَيْ هُمْ الْقَوْم كُلّ الْقَوْم. ‏ ‏قَوْله ( لَا يَشْقَى جَلِيسهمْ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ \" لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسهمْ \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ \" لَا يَشْقَى لَهُمْ جَلِيس \" وَهَذِهِ الْجُمْلَة مُسْتَأْنَفَة لِبَيَانِ الْمُقْتَضِي لِكَوْنِهِمْ أَهْل الْكَمَال , وَقَدْ أَخْرَجَ جَعْفَر فِي الذِّكْر مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَشْهَب عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ قَالَ \" بَيْنَمَا قَوْم يَذْكُرُونَ اللَّه إِذْ أَتَاهُمْ رَجُل فَقَعَدَ إِلَيْهِمْ , قَالَ فَنَزَلَتْ الرَّحْمَة ثُمَّ اِرْتَفَعَتْ , فَقَالُوا رَبّنَا فِيهِمْ عَبْدك فُلَان , قَالَ غَشُّوهُمْ رَحْمَتِي , هُمْ الْقَوْم لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسهمْ \" وَفِي هَذِهِ الْعِبَارَة مُبَالَغَة فِي نَفْي الشَّقَاء عَنْ جَلِيس الذَّاكِرِينَ , فَلَوْ قِيلَ لَسَعِدَ بِهِمْ جَلِيسهمْ لَكَانَ ذَلِكَ فِي غَايَة الْفَضْل , لَكِنَّ التَّصْرِيح بِنَفْيِ الشَّقَاء أَبْلَغ فِي حُصُول الْمَقْصُود. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏اِخْتَصَرَ أَبُو زَيْد الْمَرْوَزِيِّ فِي رِوَايَته عَنْ الْفَرَبْرِيّ مَتْن هَذَا الْحَدِيث فَسَاقَ مِنْهُ إِلَى قَوْله \" هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتكُمْ \" ثُمَّ قَالَ : فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَفِي الْحَدِيث فَضْل مَجَالِس الذِّكْر وَالذَّاكِرِينَ , وَفَضْل الِاجْتِمَاع عَلَى ذَلِكَ , وَأَنَّ جَلِيسهمْ يَنْدَرِج مَعَهُمْ فِي جَمِيع مَا يَتَفَضَّل اللَّه تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِمْ إِكْرَامًا لَهُمْ وَلَوْ لَمْ يُشَارِكهُمْ فِي أَصْل الذِّكْر. ‏ ‏وَفِيهِ مَحَبَّة الْمَلَائِكَة بَنِي آدَم وَاعْتِنَاؤُهُمْ بِهِمْ , وَفِيهِ أَنَّ السُّؤَال قَدْ يَصْدُر مِنْ السَّائِل وَهُوَ أَعْلَم بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ مِنْ الْمَسْئُول لِإِظْهَارِ الْعِنَايَة بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ وَالتَّنْوِيَة بِقَدْرِهِ وَالْإِعْلَان بِشَرَفِ مَنْزِلَته. وَقِيلَ إِنَّ فِي خُصُوص سُؤَال اللَّه الْمَلَائِكَة عَنْ أَهْل الذِّكْر الْإِشَارَة إِلَى قَوْلهمْ ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَنُقَدِّس لَك \" فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ : اُنْظُرُوا إِلَى مَا حَصَلَ مِنْهُمْ مِنْ التَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس مَعَ مَا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنْ الشَّهَوَات وَوَسَاوِس الشَّيْطَان , وَكَيْف عَالَجُوا ذَلِكَ وَضَاهَوْكُمْ فِي التَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس , وَقِيلَ إِنَّهُ يُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الذِّكْر الْحَاصِل مِنْ بَنِي آدَم أَعْلَى وَأَشْرَف مِنْ الذِّكْر الْحَاصِل مِنْ الْمَلَائِكَة لِحُصُولِ ذِكْر الْآدَمِيِّينَ مَعَ كَثْرَة الشَّوَاغِل وَوُجُود الصَّوَارِف وَصُدُوره فِي عَالَم الْغَيْب , بِخِلَافِ الْمَلَائِكَة فِي ذَلِكَ كُلّه. وَفِيهِ بَيَان كَذِب مَنْ اِدَّعَى مِنْ الزَّنَادِقَة أَنَّهُ يَرَى اللَّه تَعَالَى جَهْرًا فِي دَار الدُّنْيَا , وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَه \" وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَمْ تَرَوْا رَبّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا \". وَفِيهِ جَوَاز الْقَسَم فِي الْأَمْر الْمُحَقَّق تَأْكِيدًا لَهُ وَتَنْوِيهًا بِهِ. وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّة مِنْ أَنْوَاع الْخَيْرَات وَالنَّار مِنْ أَنْوَاع الْمَكْرُوهَات فَوْق مَا وُصِفَتَا بِهِ , وَأَنَّ الرَّغْبَة وَالطَّلَب مِنْ اللَّه وَالْمُبَالَغَة فِي ذَلِكَ مِنْ أَسْبَاب الْحُصُول. ‏"
    },
    {
        "id": "5930",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَخَذَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي عَقَبَةٍ أَوْ قَالَ فِي ثَنِيَّةٍ قَالَ فَلَمَّا عَلَا عَلَيْهَا رَجُلٌ نَادَى فَرَفَعَ صَوْتَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى بَغْلَتِهِ قَالَ ‏ ‏فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏أَبَا مُوسَى ‏ ‏أَوْ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ قُلْتُ بَلَى قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5931",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رِوَايَةً ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَفِظْنَاهُ مِنْ أَبِي الزِّنَاد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَاد \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله ( رِوَايَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلِمُسْلِم عَنْ عَمْرو بْن مُحَمَّد النَّاقِد عَنْ سُفْيَان بِهَذَا السَّنَد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُصَنِّفِ فِي التَّوْحِيد مِنْ رِوَايَة شُعَيْب \" عَنْ أَبِي الزِّنَاد بِسَنَدِهِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" وَوَقَعَ عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" مِنْ رِوَايَة عَبْد الْمَلِك بْن يَحْيَى بْن بُكَيْر عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور \" عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : لِي تِسْعَة وَتِسْعُونَ اِسْمًا \". قُلْت : وَهَذَا الْحَدِيث رَوَاهُ عَنْ الْأَعْرَج أَيْضًا مُوسَى بْن عُقْبَة عِنْد اِبْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة زُهَيْر بْن مُحَمَّد عَنْهُ وَسَرَدَ الْأَسْمَاء , وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي الزِّنَاد أَيْضًا شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة كَمَا مَضَى فِي الشُّرُوط , وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ شُعَيْب وَسَرَدَ الْأَسْمَاء , وَمُحَمَّد بْن عَجْلَان عِنْد أَبِي عَوَانَة , وَمَالِك عِنْد اِبْن خُزَيْمَة وَالنَّسَائِيّ , والدَّارَقُطْنِيّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" وَقَالَ : صَحِيح عَنْ مَالِك وَلَيْسَ فِي الْمُوَطَّأ قَدْر مَا عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي طُرُق الْأَسْمَاء الْحُسْنَى , وَعَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الزِّنَاد عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ , وَأَبُو عَوَانَة وَمُحَمَّد اِبْن إِسْحَاق عِنْد أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ , وَمُوسَى بْن عُقْبَة عِنْد أَبِي نُعَيْم مِنْ رِوَايَة حَفْص بْن مَيْسَرَة عَنْهُ. وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا هَمَّام بْن مُنَبِّه عِنْد مُسْلِم وَأَحْمَد , وَمُحَمَّد بْن سِيرِين عِنْد مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ والطَّبَرَانِيّ فِي الدُّعَاء وَجَعْفَر الْفِرْيَابِيّ فِي الذِّكْر , وَأَبُو رَافِع عِنْد التِّرْمِذِيّ , وَأَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عِنْد أَحْمَد , وَابْن مَاجَهْ وَعَطَاء بْن يَسَار وَسَعِيد الْمَقْبُرِيّ وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَعَبْد اللَّه بْن شَقِيق وَمُحَمَّد بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْم بِأَسَانِيد عَنْهُمْ كُلّهَا ضَعِيفَة , وَعِرَاك بْن مَالِك عِنْد الْبَزَّار لَكِنْ شَكَّ فِيهِ , وَرُوِّينَاهَا فِي \" جُزْء الْمَعَالِي \" وَفِي \" أَمَالِي الْجُرْفِيّ \" مِنْ طَرِيقه بِغَيْرِ شَكّ , وَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَة سَلْمَان الْفَارِسِيّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَعَلِيّ وَكُلّهَا عِنْد أَبِي نُعَيْم أَيْضًا بِأَسَانِيد ضَعِيفَة , وَحَدِيث عَلِيّ فِي \" طَبَقَات الصُّوفِيَّة \" لِأَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس وَابْن عُمَر مَعًا فِي الْجُزْء الثَّالِث عَشَر مِنْ \" أَمَالِي أَبِي الْقَاسِم بْن بَشْرَان \" وَفِي \" فَوَائِد أَبِي عُمَر بْن حَيُّوَيْهِ \" اِنْتِقَاء الدَّارَقُطْنِيّ , هَذَا جَمِيع مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ طُرُقه. وَقَدْ أَطْلَقَ اِبْن عَطِيَّة فِي تَفْسِيره أَنَّهُ تَوَاتَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ : فِي سَرْد الْأَسْمَاء نَظَر , فَإِنَّ بَعْضهَا لَيْسَ فِي الْقُرْآن وَلَا فِي الْحَدِيث الصَّحِيح , وَلَمْ يَتَوَاتَر الْحَدِيث مِنْ أَصْلِهِ وَإِنْ خَرَجَ فِي الصَّحِيح , وَلَكِنَّهُ تَوَاتَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , كَذَا قَالَ وَلَمْ يَتَوَاتَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا بَلْ غَايَة أَمْرِهِ أَنْ يَكُون مَشْهُورًا , وَلَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ طُرُقه سَرْد الْأَسْمَاء إِلَّا فِي رِوَايَة الْوَلِيد بْن مُسْلِم عِنْد التِّرْمِذِيّ , وَفِي رِوَايَة زُهَيْر بْن مُحَمَّد عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة عِنْد اِبْن مَاجَهْ , وَهَذَانِ الطَّرِيقَانِ يَرْجِعَانِ إِلَى رِوَايَة الْأَعْرَج , وَفِيهِمَا اِخْتِلَاف شَدِيد فِي سَرْد الْأَسْمَاء وَالزِّيَادَة وَالنَّقْص عَلَى مَا سَأُشِيرُ إِلَيْهِ. وَوَقَعَ سَرْد الْأَسْمَاء أَيْضًا فِي طَرِيق ثَالِثَة أَخْرَجَهَا الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" وَجَعْفَر الْفِرْيَابِيّ فِي الذِّكْر مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن الْحُصَيْن عَنْ أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِين عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي سَرْد الْأَسْمَاء هَلْ هُوَ مَرْفُوع أَوْ مُدْرَج فِي الْخَبَر مِنْ بَعْض الرُّوَاة , فَمَشَى كَثِير مِنْهُمْ عَلَى الْأَوَّل وَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى جَوَاز تَسْمِيَة اللَّه تَعَالَى بِمَا لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآن بِصِيغَةِ الِاسْم ; لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاء كَذَلِكَ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ التَّعْيِين مُدْرَج لِخُلُوِّ أَكْثَر الرِّوَايَات عَنْهُ. وَنَقَلَهُ عَبْد الْعَزِيز النَّخْشَبِيّ عَنْ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء , قَالَ الْحَاكِم بَعْد تَخْرِيج الْحَدِيث مِنْ طَرِيق صَفْوَان بْن صَالِح عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم : صَحِيح عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ , وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ بِسِيَاقِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى , وَالْعِلَّة فِيهِ عِنْدهمَا تَفَرُّد الْوَلِيد بْن مُسْلِم , قَالَ وَلَا أَعْلَم خِلَافًا عِنْد أَهْل الْحَدِيث أَنَّ الْوَلِيد أَوْثَق وَأَحْفَظ وَأَجَلّ وَأَعْلَم مِنْ بِشْر بْن شُعَيْب وَعَلِيّ بْن عَيَّاش وَغَيْرهمَا مِنْ أَصْحَاب شُعَيْب , يُشِير إِلَى أَنَّ بِشْرًا وَعَلِيًّا وَأَبَا الْيَمَانِ رَوَوْهُ عَنْ شُعَيْب بِدُونِ سِيَاق الْأَسْمَاء فَرِوَايَة أَبِي الْيَمَانِ عِنْد الْمُصَنِّف , وَرِوَايَة عَلِيّ عِنْد النَّسَائِيّ , وَرِوَايَة بِشْر عِنْد الْبَيْهَقِيّ , وَلَيْسَتْ الْعِلَّة عِنْد الشَّيْخَيْنِ تَفَرُّد الْوَلِيد فَقَطْ بَلْ الِاخْتِلَاف فِيهِ وَالِاضْطِرَاب وَتَدْلِيسه وَاحْتِمَال الْإِدْرَاج , قَالَ الْبَيْهَقِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّعْيِين وَقَعَ مِنْ بَعْض الرُّوَاة فِي الطَّرِيقَيْنِ مَعًا , وَلِهَذَا وَقَعَ الِاخْتِلَاف الشَّدِيد بَيْنهمَا , وَلِهَذَا الِاحْتِمَال تَرَكَ الشَّيْخَانِ تَخْرِيج التَّعْيِين. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْد أَنَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق الْوَلِيد : هَذَا حَدِيث غَرِيب حَدَّثَنَا بِهِ غَيْر وَاحِد عَنْ صَفْوَان وَلَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث صَفْوَان وَهُوَ ثِقَة , وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَا نَعْلَم فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات ذِكْرَ الْأَسْمَاء إِلَّا فِي هَذِهِ الطَّرِيق وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَاد آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِيهِ ذِكْر الْأَسْمَاء وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَاد صَحِيح اِنْتَهَى. وَلَمْ يَنْفَرِد بِهِ صَفْوَان فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن أَيُّوب النَّصِيبِيّ وَهُوَ ثِقَة عَنْ الْوَلِيد أَيْضًا , وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي سَنَدِهِ عَلَى الْوَلِيد فَأَخْرَجَهُ عُثْمَان الدَّارِمِيّ فِي \" النَّقْض عَلَى الْمَرِيسِيّ \" عَنْ هِشَام بْن عَمَّار عَنْ الْوَلِيد فَقَالَ : عَنْ خُلَيْد بْن دَعْلَج عَنْ قَتَادَة عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِين عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَذَكَرَهُ بِدُونِ التَّعْيِين , قَالَ الْوَلِيد وَحَدَّثَنَا سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز مِثْل ذَلِكَ وَقَالَ : كُلّهَا فِي الْقُرْآن ( هُوَ اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم ) وَسَرْد الْأَسْمَاء وَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخ اِبْن حِبَّان مِنْ رِوَايَة أَبِي عَامِر الْقُرَشِيّ عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم بِسَنَد آخَر فَقَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْر بْن مُحَمَّد عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ زُهَيْر : فَبَلَغَنَا أَنَّ غَيْر وَاحِد مِنْ أَهْل الْعِلْم قَالَ إِنَّ أَوَّلهَا أَنَّ تُفْتَتَح بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَسَرْد الْأَسْمَاء وَهَذِهِ الطَّرِيق أَخْرَجَهَا اِبْن مَاجَهْ وَابْن أَبِي عَاصِم وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَلِك بْن مُحَمَّد الصَّنْعَانِيّ عَنْ زُهَيْر بْن مُحَمَّد لَكِنْ سَرَدَ الْأَسْمَاء أَوَّلًا فَقَالَ بَعْد قَوْله مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّة : اللَّه الْوَاحِد الصَّمَد إِلَخْ ثُمَّ قَالَ بَعْد أَنْ اِنْتَهَى الْعَدّ : قَالَ زُهَيْر فَبَلَغَنَا عَنْ غَيْر وَاحِد مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّ أَوَّلهَا يُفْتَتَح بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى. قُلْت : وَالْوَلِيد بْن مُسْلِم أَوْثَق مِنْ عَبْد الْمَلِك بْن مُحَمَّد الصَّنْعَانِيّ , وَرِوَايَة الْوَلِيد تُشْعِر بِأَنَّ التَّعْيِين مُدْرَج , وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي رِوَايَة الْوَلِيد عَنْ زُهَيْر ثَلَاثَة أَسْمَاء وَهِيَ \" الْأَحَد الصَّمَد الْهَادِي \" وَوَقَعَ بَدَّلَهَا فِي رِوَايَة عَبْد الْمَلِك \" الْمُقْسِط الْقَادِر الْوَالِي \" وَعِنْد الْوَلِيد أَيْضًا \" الْوَالِي الرَّشِيد \" وَعِنْد عَبْد الْمَلِك \" الْوَالِي الرَّاشِد \" وَعِنْد الْوَلِيد \" الْعَادِل الْمُنِير \" وَعِنْد عَبْد الْمَلِك \" الْفَاطِر الْقَاهِر \" وَاتَّفَقَا فِي الْبَقِيَّة. وَأَمَّا رِوَايَة الْوَلِيد عَنْ شُعَيْب وَهِيَ أَقْرَب الطُّرُق إِلَى الصِّحَّة وَعَلَيْهَا عَوَّلَ غَالِب مَنْ شَرَحَ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى فَسِيَاقهَا عِنْد التِّرْمِذِيّ , هُوَ اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم الْمَلِك الْقُدُّوس السَّلَام الْمُؤْمِن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار الْمُتَكَبِّر الْخَالِق الْبَارِئ الْمُصَوِّر الْغَفَّار الْقَهَّار الْوَهَّاب الرَّزَّاق الْفَتَّاح الْعَلِيم الْقَابِض الْبَاسِط الْخَافِض الرَّافِع الْمُعِزّ الْمُذِلّ السَّمِيع الْبَصِير الْحَكَم الْعَدْل اللَّطِيف الْخَبِير الْحَلِيم الْعَظِيم الْغَفُور الشَّكُور الْعَلِيّ الْكَبِير الْحَفِيظ الْمُقِيت الْحَسِيب الْجَلِيل الْكَرِيم الرَّقِيب الْمُجِيب الْوَاسِع الْحَكِيم الْوَدُود الْمَجِيد الْبَاعِث الشَّهِيد الْحَقّ الْوَكِيل الْقَوِيّ الْمَتِين الْوَلِيّ الْحَمِيد الْمُحْصِي الْمُبْدِئ الْمُعِيد الْمُحْيِي الْمُمِيت الْحَيّ الْقَيُّوم الْوَاجِد الْمَاجِد الْوَاحِد الصَّمَد الْقَادِر الْمُقْتَدِر الْمُقَدِّم الْمُؤَخِّر الْأَوَّل الْآخِر الظَّاهِر الْبَاطِن الْوَالِي الْمُتَعَالِي الْبَرّ التَّوَّاب الْمُنْتَقِم الْعَفُوّ الرَّءُوف مَالِك الْمُلْك ذُو الْجَلَال وَالْإِكْرَام الْمُقْسِط الْجَامِع الْغَنِيّ الْمُغْنِي الْمَانِع الضَّارّ النَّافِع النُّور الْهَادِي الْبَدِيع الْبَاقِي الْوَارِث الرَّشِيد الصَّبُور \". وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ عَنْ أَبِي زُرْعَة الدِّمَشْقِيّ عَنْ صَفْوَان بْن صَالِح فَخَالَفَ فِي عِدَّة أَسْمَاء فَقَالَ \" الْقَائِم الدَّائِم \" بَدَل \" الْقَابِض الْبَاسِط \" وَ \" الشَّدِيد \" بَدَل \" الرَّشِيد \" وَ \" الْأَعْلَى الْمُحِيط مَالِك يَوْم الدِّين \" بَدَل \" الْوَدُود الْمَجِيد الْحَكِيم \" وَوَقَعَ عِنْد اِبْن حِبَّان عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ صَفْوَان \" الرَّافِع \" بَدَل الْمَانِع وَوَقَعَ فِي صَحِيح اِبْن خُزَيْمَة فِي رِوَايَة صَفْوَان أَيْضًا مُخَالَفَة فِي بَعْض الْأَسْمَاء , قَالَ \" الْحَاكِم \" بَدَل \" الْحَكِيم \" و \" الْقَرِيب \" بَدَل \" الرَّقِيب \" و \" الْمَوْلَى \" بَدَل \" الْوَالِي \" و \" الْأَحَد \" بَدَل \" الْمُغْنِي \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ وَابْن مَنْدَه مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن أَيُّوب عَنْ الْوَلِيد \" الْمُغِيث \" بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَة بَدَل \" الْمُقِيت \" بِالْقَافِ وَالْمُثَنَّاة , وَوَقَعَ بَيْن رِوَايَة زُهَيْر وَصَفْوَان الْمُخَالَفَة فِي ثَلَاثَة وَعِشْرِينَ اِسْمًا , فَلَيْسَ فِي رِوَايَة زُهَيْر \" الْفَتَّاح الْقَهَّار الْحَكَم الْعَدْل الْحَسِيب الْجَلِيل الْمُحْصِي الْمُقْتَدِر الْمُقَدِّم الْمُؤَخِّر الْبَرّ الْمُنْتَقِم الْمُغْنِي النَّافِع الصَّبُور الْبَدِيع الْغَفَّار الْحَفِيظ الْكَبِير الْوَاسِع الْأَحَد مَالِك الْمُلْك ذُو الْجَلَال وَالْإِكْرَام \" وَذَكَرَ بَدَلَهَا \" الرَّبّ الْفَرْد الْكَافِي الْقَاهِر الْمُبِين بِالْمُوَحَّدَةِ الصَّادِق الْجَمِيل الْبَادِي بِالدَّالِ الْقَدِيم الْبَارّ بِتَشْدِيدِ الرَّاء الْوَفِيّ الْبُرْهَان الشَّدِيد الْوَاقِي بِالْقَافِ الْقَدِير الْحَافِظ الْعَادِل الْمُعْطِي الْعَالِم الْأَحَد الْأَبَد الْوِتْر ذُو الْقُوَّة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن الْحُصِين اِخْتِلَاف آخَر فَسَقَطَ فِيهَا مِمَّا فِي رِوَايَة صَفْوَان مِنْ \" الْقَهَّار \" إِلَى تَمَام خَمْسَة عَشَر اِسْمًا عَلَى الْوَلَاء , وَسَقَطَ مِنْهَا أَيْضًا \" الْقَوِيّ الْحَلِيم الْمَاجِد الْقَابِض الْبَاسِط الْخَافِض الرَّافِع الْمُعِزّ الْمُذِلّ الْمُقْسِط الْجَامِع الضَّارّ النَّافِع الْوَالِي الرَّبّ \" فَوَقَعَ فِيهَا مِمَّا فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة الْمَذْكُورَة آنِفًا ثَمَانِيَة عَشَر اِسْمًا عَلَى الْوَلَاء , وَفِيهَا أَيْضًا \" الْحَنَّان الْمَنَّان الْجَلِيل الْكَفِيل الْمُحِيط الْقَادِر الرَّفِيع الشَّاكِر الْأَكْرَم الْفَاطِر الْخَلَّاق الْفَاتِح الْمُثِيب بِالْمُثَلَّثَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَة الْعَلَّام الْمَوْلَى النَّصِير ذُو الطَّوْل ذُو الْمَعَارِج ذُو الْفَضْل الْإِلَه الْمُدَبِّر بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَة \" قَالَ الْحَاكِم : إِنَّمَا أَخْرَجْت رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن الْحُصَيْن شَاهِدًا لِرِوَايَةِ الْوَلِيد عَنْ شُعْبَة لِأَنَّ الْأَسْمَاء الَّتِي زَادَهَا عَلَى الْوَلِيد كُلّهَا فِي الْقُرْآن , كَذَا قَالَ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا تُؤْخَذ مِنْ الْقُرْآن بِضَرْب مِنْ التَّكَلُّف لَا أَنَّ جَمِيعهَا وَرَدَ فِيهِ بِصُورَةِ الْأَسْمَاء. وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيّ فِي \" شَرْح الْأَسْمَاء \" لَهُ : لَا أَعْرِف أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاء عُنِيَ بِطَلَبِ أَسْمَاء وَجَمْعهَا سِوَى رَجُل مِنْ حُفَّاظ الْمَغْرِب يُقَال لَهُ عَلِيّ بْن حَزْم فَإِنَّهُ قَالَ : صَحَّ عِنْدِي قَرِيب مِنْ ثَمَانِينَ اِسْمًا يَشْتَمِل عَلَيْهَا كِتَاب اللَّه وَالصِّحَاح مِنْ الْأَخْبَار , فَلْتُطْلَب الْبَقِيَّة مِنْ الْأَخْبَار الصَّحِيحَة. قَالَ الْغَزَالِيّ : وَأَظُنّهُ لَمْ يَبْلُغهُ الْحَدِيث يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ أَوْ بَلَغَهُ فَاسْتَضْعَفَ إِسْنَاده , قُلْت : الثَّانِي هُوَ مُرَاده , فَإِنَّهُ ذَكَرَ نَحْو ذَلِكَ فِي \" الْمُحَلَّى \" ثُمَّ قَالَ : وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي سَرْد الْأَسْمَاء ضَعِيفَة لَا يَصِحّ شَيْء مِنْهَا أَصْلًا , وَجَمِيع مَا تَتَبَّعْتهُ مِنْ الْقُرْآن ثَمَانِيَة وَسِتُّونَ اِسْمًا. فَإِنَّهُ اِقْتَصَرَ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ بِصُورَةِ الِاسْم لَا مَا يُؤْخَذ مِنْ الِاشْتِقَاق كَالْبَاقِي مِنْ قَوْله تَعَالَى ( وَيَبْقَى وَجْه رَبّك ) وَلَا مَا وَرَدَ مُضَافًا كَالْبَدِيعِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ( بَدِيع السَّمَوَات وَالْأَرْض ) وَسَأُبَيِّنُ الْأَسْمَاء الَّتِي اِقْتَصَرَ عَلَيْهَا قَرِيبًا. وَقَدْ اِسْتَضْعَفَ الْحَدِيث أَيْضًا جَمَاعَة فَقَالَ الدَاوُدِيّ : لَمْ يَثْبُت أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَيَّنَ الْأَسْمَاء الْمَذْكُورَة , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ يُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْأَسْمَاء تَكْمِلَة الْحَدِيث الْمَرْفُوع , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون مِنْ جَمْع بَعْض الرُّوَاة وَهُوَ الْأَظْهَر عِنْدِي , وَقَالَ أَبُو الْحَسَن الْقَابِسِيّ : أَسْمَاء اللَّه وَصِفَاته لَا تُعْلَم إِلَّا بِالتَّوْقِيفِ مِنْ الْكِتَاب أَوْ السُّنَّة أَوْ الْإِجْمَاع , وَلَا يَدْخُل فِيهَا الْقِيَاس وَلَمْ يَقَع فِي الْكِتَاب ذِكْر عَدَد مُعَيَّن , وَثَبَتَ فِي السُّنَّة أَنَّهَا تِسْعَة وَتِسْعُونَ , فَأَخْرَجَ بَعْض النَّاس مِنْ الْكِتَاب تِسْعَة وَتِسْعِينَ اِسْمًا , وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا أَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ بَعْضهَا لَيْسَتْ أَسْمَاء يَعْنِي صَرِيحَة. وَنَقَلَ الْفَخْر الرَّازِيّ عَنْ أَبِي زَيْد الْبَلْخِيّ أَنَّهُ طَعَنَ فِي حَدِيث الْبَاب فَقَالَ : أَمَّا الرِّوَايَة الَّتِي لَمْ يُسْرَد فِيهَا الْأَسْمَاء وَهِيَ الَّتِي اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا أَقْوَى مِنْ الرِّوَايَة الَّتِي سُرِدَتْ فِيهَا الْأَسْمَاء فَضَعِيفَة مِنْ جِهَة أَنَّ الشَّارِع ذَكَرَ هَذَا الْعَدَد الْخَاصّ وَيَقُول إِنَّ مَنْ أَحْصَاهُ دَخَلَ الْجَنَّة ثُمَّ لَا يَسْأَلهُ السَّامِعُونَ عَنْ تَفْصِيلهَا , وَقَدْ عَلِمْت شِدَّة رَغْبَة الْخَلْق فِي تَحْصِيل هَذَا الْمَقْصُود , فَيَمْتَنِع أَنْ لَا يُطَالِبُوهُ بِذَلِكَ , وَلَوْ طَالَبُوهُ لَبَيَّنَهَا لَهُمْ وَلَوْ بَيَّنَهَا لَمَا أَغْفَلُوهُ وَلَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْهُمْ. وَأَمَّا الرِّوَايَة الَّتِي سُرِدَتْ فِيهَا الْأَسْمَاء فَيَدُلّ عَلَى ضَعْفهَا عَدَم تَنَاسُبهَا فِي السِّيَاق وَلَا فِي التَّوْقِيف وَلَا فِي الِاشْتِقَاق ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُرَاد الْأَسْمَاء فَقَطْ فَغَالِبهَا صِفَات , وَإِنْ كَانَ الْمُرَاد الصِّفَات فَالصِّفَات غَيْر مُتَنَاهِيَة. وَأَجَابَ الْفَخْر الرَّازِيّ عَنْ الْأَوَّل بِجَوَازِ أَنْ يَكُون الْمُرَاد مِنْ عَدَم تَفْسِيرهَا أَنْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْمُوَاظَبَة بِالدُّعَاءِ بِجَمِيعِ مَا وَرَدَ مِنْ الْأَسْمَاء رَجَاء أَنْ يَقَعُوا عَلَى تِلْكَ الْأَسْمَاء الْمَخْصُوصَة , كَمَا أُبْهِمَتْ سَاعَة الْجُمُعَة وَلَيْلَة الْقَدْر وَالصَّلَاة الْوُسْطَى. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ سَرْدهَا إِنَّمَا وَقَعَ بِحَسَب التَّتَبُّع وَالِاسْتِقْرَاء عَلَى الرَّاجِح فَلَمْ يَحْصُل الِاعْتِنَاء بِالتَّنَاسُبِ , وَبِأَنَّ الْمُرَاد مَنْ أَحْصَى هَذِهِ الْأَسْمَاء دَخَلَ الْجَنَّة بِحَسَب مَا وَقَعَ الِاخْتِلَاف فِي تَفْسِير الْمُرَاد بِالْإِحْصَاءِ فَلَمْ يَكُنْ الْقَصْد حَصْر الْأَسْمَاء اِنْتَهَى. وَإِذَا تَقَرَّرَ رُجْحَان أَنَّ سَرْد الْأَسْمَاء لَيْسَ مَرْفُوعًا فَقَدْ اِعْتَنَى جَمَاعَة بِتَتَبُّعِهَا مِنْ الْقُرْآن مِنْ غَيْر تَقْيِيد بِعَدَد , فَرُوِّينَا فِي \" كِتَاب الْمِائَتَيْنِ \" لِأَبِي عُثْمَان الصَّابُونِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهَلِيّ أَنَّهُ اِسْتَخْرَجَ الْأَسْمَاء مِنْ الْقُرْآن , وَكَذَا أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم عَنْ الطَّبَرَانِيّ عَنْ أَحْمَد بْن عَمْرو الْخَلَّال عَنْ اِبْن أَبِي عَمْرو \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن سَأَلْت أَبَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد الصَّادِق عَنْ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى فَقَالَ : هِيَ فِي الْقُرْآن. وَرُوِّينَا فِي \" فَوَائِد تَمَّام \" مِنْ طَرِيق أَبِي الطَّاهِر بْن السَّرْح عَنْ حِبَّان بْن نَافِع عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة الْحَدِيث , يَعْنِي حَدِيث \" إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَة وَتِسْعِينَ اِسْمًا \" قَالَ فَوَعَدَنَا سُفْيَان أَنْ يُخْرِجهَا لَنَا مِنْ الْقُرْآن فَأَبْطَأَ , فَأَتَيْنَا أَبَا زَيْد فَأَخْرَجَهَا لَنَا فَعَرَضْنَاهَا عَلَى سُفْيَان فَنَظَرَ فِيهَا أَرْبَع مَرَّات وَقَالَ : نَعَمْ هِيَ هَذِهِ , وَهَذَا سِيَاق مَا ذَكَرَهُ جَعْفَر. وَأَبُو زَيْد قَالَا : فَفِي الْفَاتِحَة خَمْسَة \" اللَّه رَبّ الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالِك \" وَفِي الْبَقَرَة \" مُحِيط قَدِير عَلِيم حَكِيم عَلِيّ عَظِيم تَوَّاب بَصِير وَلِيّ وَاسِع كَافٍ رَءُوف بَدِيع شَاكِر وَاحِد سَمِيع قَابِض بَاسِط حَيّ قَيُّوم غَنِيّ حَمِيد غَفُور حَلِيم \" وَزَادَ جَعْفَر \" إِلَه قَرِيب مُجِيب عَزِيز نَصِير قَوِيّ شَدِيد سَرِيع خَبِير \" قَالَا : وَفِي آل عِمْرَان \" وَهَّاب قَائِم \" زَادَ جَعْفَر الصَّادِق \" بَاعِث مُنْعِم مُتَفَضِّل \" وَفِي النِّسَاء \" رَقِيب حَسِيب شَهِيد مُقِيت وَكَيْل \" زَادَ جَعْفَر \" عَلِيّ كَبِير \" وَزَادَ سُفْيَان \" عَفُوّ \" وَفِي الْأَنْعَام \" فَاطِر قَاهِر \" وَزَادَ جَعْفَر \" مُمِيت غَفُور بُرْهَان \" وَزَادَ سُفْيَان \" لَطِيف خَبِير قَادِر \" وَفِي الْأَعْرَاف \" مُحْيِي مُمِيت \" وَفِي الْأَنْفَال \" نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير \" وَفِي هُود \" حَفِيظ مَجِيد وَدُود فَعَّال لِمَا يُرِيد \" زَادَ سُفْيَان \" قَرِيب مُجِيب \" وَفِي الرَّعْد \" كَبِير مُتَعَال \" وَفِي إِبْرَاهِيم \" مَنَّان \" زَادَ جَعْفَر \" صَادِق وَارِث \" وَفِي الْحِجْر \" خَلَّاق \" وَفِي مَرْيَم \" صَادِق وَارِث \" زَادَ جَعْفَر \" فَرْد \" وَفِي طَه عِنْد جَعْفَر وَحْدَه \" غَفَّار \" وَفِي الْمُؤْمِنِينَ \" كَرِيم \" وَفِي النُّور \" حَقّ مُبِين \" زَادَ سُفْيَان \" نُور \" وَفِي الْفُرْقَان \" هَادٍ \" وَفِي سَبَأ \" فَتَّاح \" وَفِي الزُّمَر \" عَالِم \" عِنْد جَعْفَر وَحْدَه , وَفِي الْمُؤْمِن \" غَافِر قَابِل ذُو الطَّوْل \" زَادَ سُفْيَان \" شَدِيد \" وَزَادَ جَعْفَر \" رَفِيع \" وَفِي الذَّارِيَات \" رَزَّاق ذُو الْقُوَّة الْمَتِين \" بِالتَّاءِ وَفِي الطُّور \" بَرّ \" وَفِي اِقْتَرَبَتْ \" مُقْتَدِر \" زَادَ جَعْفَر \" مَلِيك \" وَفِي الرَّحْمَن \" ذُو الْجَلَال وَالْإِكْرَام \" زَادَ جَعْفَر \" رَبّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبّ الْمَغْرِبَيْنِ بَاقِي مُعِين \" وَفِي الْحَدِيد \" أَوَّل آخِر ظَاهِر بَاطِن \" وَفِي الْحَشْر \" قُدُّوس سَلَام مُؤْمِن مُهَيْمِن عَزِيز جَبَّار مُتَكَبِّر خَالِق بَارِئ مُصَوِّر \" زَادَ جَعْفَر \" مَلِك \" وَفِي الْبُرُوج \" مُبْدِئ مُعِيد \" وَفِي الْفَجْر \" وَتْر \" عِنْد جَعْفَر وَحْده , وَفِي الْإِخْلَاص \" أَحَد صَمَد \" هَذَا آخِر مَا رُوِّينَاهُ عَنْ جَعْفَر وَأَبِي زَيْد وَتَقْرِير سُفْيَان مِنْ تَتَبُّع الْأَسْمَاء مِنْ الْقُرْآن , وَفِيهَا اِخْتِلَاف شَدِيد وَتَكْرَار وَعِدَّة أَسْمَاء لَمْ تَرِد بِلَفْظِ الِاسْم وَهِيَ \" صَادِق مُنْعِم مُتَفَضِّل مَنَّان مُبْدِئ مُعِيد بَاعِث قَابِض بَاسِط بُرْهَان مُعِين مُمِيت بَاقِي \" وَوَقَفْت فِي كِتَاب \" الْمَقْصِد الْأَسْنَى \" لِأَبِي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الزَّاهِد أَنَّهُ تَتَبَّعَ الْأَسْمَاء مِنْ الْقُرْآن فَتَأَمَّلْتهُ فَوَجَدْتهُ كَرَّرَ أَسْمَاء وَذَكَرَ مِمَّا لَمْ أَرَهُ فِيهِ بِصِيغَةِ الِاسْم \" الصَّادِق وَالْكَاشِف وَالْعَلَّام \" وَذَكَرَ مِنْ الْمُضَاف \" الْفَالِق \" مِنْ قَوْله ( فَالِق الْحَبّ وَالنَّوَى ) وَكَانَ يَلْزَمهُ أَنْ يَذْكُر الْقَابِل مِنْ قَوْله ( قَابِل التَّوْب ) وَقَدْ تَتَبَّعْت مَا بَقِيَ مِنْ الْأَسْمَاء مِمَّا وَرَدَ فِي الْقُرْآن بِصِيغَةِ الِاسْم مِمَّا لَمْ يُذْكَر فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَهِيَ \" الرَّبّ الْإِلَه الْمُحِيط الْقَدِير الْكَافِي الشَّاكِر الشَّدِيد الْقَائِم الْحَاكِم الْفَاطِر الْغَافِر الْقَاهِر الْمَوْلَى النَّصِير الْغَالِب الْخَالِق الرَّفِيع الْمَلِيك الْكَفِيل الْخَلَّاق الْأَكْرَم الْأَعْلَى الْمُبِين بِالْمُوَحَّدَةِ الْحَفِيّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالْفَاء الْقَرِيب الْأَحَد الْحَافِظ \" فَهَذِهِ سَبْعَة وَعِشْرُونَ اِسْمًا إِذَا اِنْضَمَّتْ إِلَى الْأَسْمَاء الَّتِي وَقَعَتْ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِمَّا وَقَعَتْ فِي الْقُرْآن بِصِيغَةِ الِاسْم تَكْمُل بِهَا التِّسْعَة وَالتِّسْعُونَ وَكُلّهَا فِي الْقُرْآن , لَكِنْ بَعْضهَا بِإِضَافَة كَالشَّدِيدِ مِنْ ( شَدِيد الْعِقَاب ) وَالرَّفِيع مِنْ ( رَفِيع الدَّرَجَات ) وَالْقَائِم مِنْ قَوْله ( قَائِم عَلَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ ) وَالْفَاطِر مِنْ ( فَاطِر السَّمَاوَات ) وَالْقَاهِر مِنْ ( وَهُوَ الْقَاهِر فَوْق عِبَاده ) وَالْمَوْلَى وَالنَّصِير مِنْ ( نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير ) وَالْعَالِم مِنْ ( عَالِم الْغَيْب ) وَالْخَالِق مِنْ قَوْله ( خَالِق كُلّ شَيْء ) وَالْغَافِر مِنْ ( غَافِر الذَّنْب ) وَالْغَالِب مِنْ ( وَاَللَّه غَالِب عَلَى أَمَرَهُ ) وَالرَّفِيع مِنْ ( رَفِيع الدَّرَجَات ) وَالْحَافِظ مِنْ قَوْله ( فَاَللَّه خَيْر حَافِظًا ) وَمِنْ قَوْله ( وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) وَقَدْ وَقَعَ نَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاء الَّتِي فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَهِيَ الْمُحْيِي مِنْ قَوْله ( لَمُحْيِي الْمَوْتَى ) وَالْمَالِك مِنْ قَوْله ( مَالِك الْمُلْك ) وَالنُّور مِنْ قَوْله ( نُور السَّمَاوَات وَالْأَرْض ) وَالْبَدِيع مِنْ قَوْله ( بَدِيع السَّمَوَات وَالْأَرْض ) وَالْجَامِع مِنْ قَوْله ( جَامِع النَّاس ) وَالْحَكَم مِنْ قَوْله ( أَفَغَيْر اللَّه أَبْتَغِي حَكَمًا ) وَالْوَارِث مِنْ قَوْله ( وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ) وَالْأَسْمَاء الَّتِي تُقَابِل هَذِهِ مِمَّا وَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِمَّا لَمْ تَقَع فِي الْقُرْآن بِصِيغَةِ الِاسْم وَهِيَ سَبْعَة وَعِشْرُونَ اِسْمًا \" الْقَابِض الْبَاسِط الْخَافِض الرَّافِع الْمُعِزّ الْمُذِلّ الْعَدْل الْجَلِيل الْبَاعِث الْمُحْصِي الْمُبْدِئ الْمُعِيد الْمُمِيت الْوَاجِد الْمَاجِد الْمُقَدِّم الْمُؤَخِّر الْوَالِي ذُو الْجَلَال وَالْإِكْرَام الْمُقْسِط الْمُغْنِي الْمَانِع الضَّارّ النَّافِع الْبَاقِي الرَّشِيد الصَّبُور \" فَإِذَا اقْتُصِرَ مِنْ رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَلَى مَا عَدَا هَذِهِ الْأَسْمَاء وَأُبْدِلَتْ بِالسَّبْعَةِ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي ذَكَرْتهَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ تِسْعَة وَتِسْعُونَ اِسْمًا كُلّهَا فِي الْقُرْآن وَارِدَة بِصِيغَةِ الِاسْم وَمَوَاضِعهَا كُلّهَا ظَاهِرَة مِنْ الْقُرْآن إِلَّا قَوْله الْحَفِيّ فَإِنَّهُ فِي سُورَة مَرْيَم فِي قَوْل إِبْرَاهِيم ( سَأَسْتَغْفِرُ لَك رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ) وَقَلَّ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ , وَلَا يَبْقَى بَعْد ذَلِكَ إِلَّا النَّظَر فِي الْأَسْمَاء الْمُشْتَقَّة مِنْ صِفَة وَاحِدَة مِثْل \" الْقَدِير وَالْمُقْتَدِر وَالْقَادِر وَالْغَفُور وَالْغَفَّار وَالْغَافِر وَالْعَلِيّ وَالْأَعْلَى وَالْمُتَعَال وَالْمَلِك وَالْمَلِيك وَالْمَالِك وَالْكَرِيم وَالْأَكْرَم وَالْقَاهِر وَالْقَهَّار وَالْخَالِق وَالْخَلَّاق وَالشَّاكِر وَالشَّكُور وَالْعَالِم وَالْعَلِيم \" فَأَمَّا أَنْ يُقَال لَا يَمْنَع ذَلِكَ مِنْ عَدِّهَا فَإِنَّ فِيهَا التَّغَايُر فِي الْجُمْلَة فَإِنَّ بَعْضهَا يَزِيد بِخُصُوصِيَّة عَلَى الْآخَر لَيْسَتْ فِيهِ , وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاق عَلَى أَنَّ الرَّحْمَن الرَّحِيم اِسْمَانِ مَعَ كَوْنهِمَا مُشْتَقَّيْنِ مِنْ صِفَة وَاحِدَة , وَلَوْ مَنَعَ مِنْ عَدّ ذَلِكَ لَلَزِمَ أَنْ لَا يُعَدّ مَا يَشْتَرِك الِاسْمَانِ فِيهِ مَثَلًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مِثْل الْخَالِق الْبَارِئ الْمُصَوِّر لَكِنَّهَا عُدَّت لِأَنَّهَا وَلَوْ اِشْتَرَكَتْ فِي مَعْنَى الْإِيجَاد وَالِاخْتِرَاع فَهِيَ مُغَايِرَة مِنْ جِهَة أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْخَالِق يُفِيد الْقُدْرَة عَلَى الْإِيجَاد وَالْبَارِئ يُفِيد الْمُوجِد لِجَوْهَرِ الْمَخْلُوق وَالْمُصَوِّر يُفِيد خَالِق الصُّورَة فِي تِلْكَ الذَّات الْمَخْلُوقَة وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لَا يَمْنَع الْمُغَايِرَة لَمْ يَمْتَنِع عَدَّهَا أَسْمَاء مَعَ وُرُودهَا وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. وَهَذَا سَرْدهَا لِتُحْفَظ وَلَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ إِعَادَة لَكِنَّهُ يُغْتَفَر لِهَذَا الْقَصْد \" اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم الْمَلِك الْقُدُّوس السَّلَام الْمُؤْمِن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار الْمُتَكَبِّر الْخَالِق الْبَارِئ الْمُصَوِّر الْغَفَّار الْقَهَّار التَّوَّاب الْوَهَّاب الْخَلَّاق الرَّزَّاق الْفَتَّاح الْعَلِيم الْحَلِيم الْعَظِيم الْوَاسِع الْحَكِيم الْحَيّ الْقَيُّوم السَّمِيع الْبَصِير اللَّطِيف الْخَبِير الْعَلِيّ الْكَبِير الْمُحِيط الْقَدِير الْمَوْلَى النَّصِير الْكَرِيم الرَّقِيب الْقَرِيب الْمُجِيب الْوَكِيل الْحَسِيب الْحَفِيظ الْمُقِيت الْوَدُود الْمَجِيد الْوَارِث الشَّهِيد الْوَلِيّ الْحَمِيد الْحَقّ الْمُبِين الْقَوِيّ الْمَتِين الْغَنِيّ الْمَالِك الشَّدِيد الْقَادِر الْمُقْتَدِر الْقَاهِر الْكَافِي الشَّاكِر الْمُسْتَعَان الْفَاطِر الْبَدِيع الْغَافِر الْأَوَّل الْآخِر الظَّاهِر الْبَاطِن الْكَفِيل الْغَالِب الْحَكَم الْعَالِم الرَّفِيع الْحَافِظ الْمُنْتَقِم الْقَائِم الْمُحْيِي الْجَامِع الْمَلِيك الْمُتَعَالِي النُّور الْهَادِي الْغَفُور الشَّكُور الْعَفُوّ الرَّءُوف الْأَكْرَم الْأَعْلَى الْبَرّ الْحَفِيّ الرَّبّ الْإِلَه الْوَاحِد الْأَحَد الصَّمَد الَّذِي لَمْ يَلِد وَلَمْ يُولَد وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد \". ‏ ‏قَوْله ( لِلَّهِ تِسْعَة وَتِسْعُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ \" إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَة وَتِسْعِينَ \" وَكَذَا فِي رِوَايَة شُعَيْب. ‏ ‏قَوْله ( اِسْمًا ) ‏ ‏كَذَا فِي مُعْظَم الرِّوَايَات بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيز , وَحَكَى السُّهَيْلِيّ أَنَّهُ رُوِيَ بِالْجَرِّ وَخَرَّجَهُ عَلَى لُغَة مَنْ يَجْعَل الْإِعْرَاب فِي النُّون وَيُلْزِم الْجَمْع الْيَاء فَيَقُول كَمْ سِنِينُكَ بِرَفْعِ النُّون وَعَدَدْت سِنِينَكَ بِالنَّصْبِ وَكَمْ مَرَّ مِنْ سِنِينِكَ بِكَسْرِ النُّون وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر \" وَقَدْ جَاوَزْت حَدّ الْأَرْبَعِينِ \" بِكَسْرِ النُّون فَعَلَامَة النَّصْب فِي الرِّوَايَة فَتْح النُّون وَحَذْف التَّنْوِين لِأَجْلِ الْإِضَافَة , وَقَوْله مِائَة بِالرَّفْعِ وَالنَّصْب عَلَى الْبَدَل فِي الرِّوَايَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا وَاحِدَة ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال كَذَا وَقَعَ هُنَا وَلَا يَجُوز فِي الْعَرَبِيَّة , قَالَ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب فِي الِاعْتِصَام \" إِلَّا وَاحِدًا \" بِالتَّذْكِيرِ وَهُوَ الصَّوَاب كَذَا قَالَ , وَلَيْسَتْ الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة فِي الِاعْتِصَام بَلْ فِي التَّوْحِيد , وَلَيْسَتْ الرِّوَايَة الَّتِي هُنَا خَطَأ بَلْ وَجَّهُوهَا. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ هُنَا \" مِائَة غَيْر وَاحِد \" بِالتَّذْكِيرِ أَيْضًا , وَخَرَّجَ التَّأْنِيث عَلَى إِرَادَة التَّسْمِيَة. وَقَالَ السُّهَيْلِيّ بَلْ أَنَّثَ الِاسْم لِأَنَّهُ كَلِمَة , وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ سِيبَوَيْهِ : الْكَلِمَة اِسْم أَوْ فِعْل أَوْ حَرْف , فَسَمَّى الِاسْم كَلِمَة وَقَالَ اِبْن مَالِك : أَنَّثَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى التَّسْمِيَة أَوْ الصِّفَة أَوْ الْكَلِمَة. وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء : الْحِكْمَة فِي قَوْله \" مِائَة غَيْر وَاحِد \" بَعْد قَوْله \" تِسْعَة وَتِسْعُونَ \" أَنْ يَتَقَرَّر ذَلِكَ فِي نَفْس السَّامِع جَمْعًا بَيْن جِهَتَيْ الْإِجْمَال وَالتَّفْصِيل أَوْ دَفْعًا لِلتَّصْحِيفِ الْخَطِّيّ وَالسَّمْعِيّ , وَاسْتُدَِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّة اِسْتِثْنَاء الْقَلِيل مِنْ الْكَثِير وَهُوَ مُتَّفَق عَلَيْهِ , وَأَبْعَدَ مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الِاسْتِثْنَاء مُطْلَقًا حَتَّى يَدْخُل اِسْتِثْنَاء الْكَثِير حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا الْقَلِيل. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ اِبْن التِّين فَنَقَلَ الِاتِّفَاق عَلَى الْجَوَاز , وَأَنَّ مَنْ أَقَرَّ ثُمَّ اِسْتَثْنَى عَمِلَ بِاسْتِثْنَائِهِ حَتَّى لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيّ أَلْف إِلَّا تِسْعمِائَةٍ وَتِسْعَة وَتِسْعِينَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمهُ إِلَّا وَاحِد. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين فَقَالَ : ذَهَبَ إِلَى هَذَا فِي الْإِقْرَار جَمَاعَة , وَأَمَّا نَقْل الِاتِّفَاق فَمَرْدُود فَالْخِلَاف ثَابِت حَتَّى فِي مَذْهَب مَالِك , وَقَدْ قَالَ أَبُو الْحَسَن اللَّخْمِيّ مِنْهُمْ : لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا ثِنْتَيْنِ وَقَعَ عَلَيْهِ ثَلَاث , وَنَقَلَ عَبْد الْوَهَّاب وَغَيْره عَنْ عَبْد الْمَلِك وَغَيْره أَنَّهُ لَا يَصِحّ اِسْتِثْنَاء الْكَثِير مِنْ الْقَلِيل. وَمِنْ لَطِيف أَدِلَّتهمْ أَنَّ مَنْ قَالَ صُمْت الشَّهْر إِلَّا تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا يُسْتَهْجَن لِأَنَّهُ لَمْ يَصُمْ إِلَّا يَوْمًا وَالْيَوْم لَا يُسَمَّى شَهْرًا , وَكَذَا مَنْ قَالَ لَقِيت الْقَوْم جَمِيعًا إِلَّا بَعْضهمْ وَيَكُون مَا لَقِيَ إِلَّا وَاحِدًا. قُلْت : وَالْمَسْأَلَة مَشْهُورَة فَلَا يُحْتَاج إِلَى الْإِطَالَة فِيهَا. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْعَدَد هَلْ الْمُرَاد بِهِ حَصْر الْأَسْمَاء الْحُسْنَى فِي هَذِهِ الْعِدَّة أَوْ أَنَّهَا أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ اِخْتَصَّتْ هَذِهِ بِأَنَّ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة ؟ فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى الثَّانِي , وَنَقَلَ النَّوَوِيّ اِتِّفَاق الْعُلَمَاء عَلَيْهِ فَقَالَ : لَيْسَ فِي الْحَدِيث حَصْر أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى , وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ اِسْم غَيْر هَذِهِ التِّسْعَة وَالتِّسْعِينَ , وَإِنَّمَا مَقْصُود الْحَدِيث أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاء مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة , فَالْمُرَاد الْإِخْبَار عَنْ دُخُول الْجَنَّة بِإِحْصَائِهَا لَا الْإِخْبَار بِحَصْرِ الْأَسْمَاء , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان \" أَسْأَلك بِكُلِّ اِسْم هُوَ لَك سَمَّيْت بِهِ نَفْسك , أَوْ أَنْزَلْته فِي كِتَابك أَوْ عَلَّمْته أَحَدًا مِنْ خَلْقك أَوْ اِسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْم الْغَيْب عِنْدك \" وَعِنْد مَالِك عَنْ كَعْب الْأَحْبَار فِي دُعَاء \" وَأَسْأَلك بِأَسْمَائِك الْحُسْنَى مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَم \" وَأَوْرَدَ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَتَادَة نَحْوه , وَمِنْ حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا دَعَتْ بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ ذَلِكَ. وَسَيَأْتِي فِي الْكَلَام عَلَى الِاسْم الْأَعْظَم. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيث إِثْبَات هَذِهِ الْأَسْمَاء الْمَخْصُوصَة بِهَذَا الْعَدَد وَلَيْسَ فِيهِ مَنْع مَا عَدَاهَا مِنْ الزِّيَادَة , وَإِنَّمَا لِلتَّخْصِيصِ لِكَوْنِهَا أَكْثَر الْأَسْمَاء وَأَبْيَنهَا مَعَانِيَ , وَخَبَر الْمُبْتَدَأ فِي الْحَدِيث هُوَ قَوْله \" مَنْ أَحْصَاهَا \" لَا قَوْله \" لِلَّهِ \" وَهُوَ كَقَوْلِك لِزَيْدٍ أَلْف دِرْهَم أَعَدَّهَا لِلصَّدَقَةِ أَوْ لِعَمْرٍو مِائَة ثَوْب مَنْ زَارَهُ أَلْبَسهُ إِيَّاهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" نَحْو ذَلِكَ وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْر بْن الطَّيِّب قَالَ لَيْسَ فِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ مِنْ الْأَسْمَاء إِلَّا هَذِهِ الْعِدَّة وَإِنَّمَا مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة , وَيَدُلّ عَلَى عَدَم الْحَصْر أَنَّ أَكْثَرهَا صِفَات وَصِفَات اللَّه لَا تَتَنَاهَى. وَقِيلَ إِنَّ الْمُرَاد الدُّعَاء بِهَذِهِ الْأَسْمَاء لِأَنَّ الْحَدِيث مَبْنِيّ عَلَى قَوْله ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) فَذَكَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا تِسْعَة وَتِسْعُونَ فَيُدْعَى بِهَا وَلَا يُدْعَى بِغَيْرِهَا حَكَاهُ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي أَخْبَار صَحِيحَة الدُّعَاء بِكَثِيرٍ مِنْ الْأَسْمَاء الَّتِي لَمْ تَرِد فِي الْقُرْآن كَمَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِيَام اللَّيْل \" أَنْتَ الْمُقَدِّم وَأَنْتَ الْمُؤَخِّر \" وَغَيْر ذَلِكَ , وَقَالَ الْفَخْر الرَّازِيُّ : لَمَّا كَانَتْ الْأَسْمَاء مِنْ الصِّفَات وَهِيَ إِمَّا ثُبُوتِيَّة حَقِيقِيَّة كَالْحَيِّ أَوْ إِضَافِيَّة كَالْعَظِيمِ وَإِمَّا سَلْبِيَّة كَالْقُدُّوسِ وَإِمَّا مِنْ حَقِيقِيَّة وَإِضَافِيَّة كَالْقَدِيرِ أَوْ مِنْ سَلْبِيَّة إِضَافِيَّة كَالْأَوَّلِ وَالْآخِر وَإِمَّا مِنْ حَقِيقِيَّة وَإِضَافِيَّة سَلْبِيَّة كَالْمَلِكِ , وَالسُّلُوب غَيْر مُتَنَاهِيَة لِأَنَّهُ عَالِم بِلَا نِهَايَة قَادِر عَلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُون لَهُ مِنْ ذَلِكَ اِسْم فَيَلْزَم أَنْ لَا نِهَايَة لِأَسْمَائِهِ. وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْر اِبْن الْعَرَبِيّ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ لِلَّهِ أَلْف اِسْم , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ وَهَذَا قَلِيل فِيهَا , وَنَقَلَ الْفَخْر الرَّازِيُّ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ لِلَّهِ أَرْبَعَة آلَاف اِسْم اِسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ أَلْف مِنْهَا وَأَعْلَمَ الْمَلَائِكَة بِالْبَقِيَّةِ وَالْأَنْبِيَاء بِأَلْفَيْنِ مِنْهَا وَسَائِر النَّاس بِأَلْفٍ , وَهَذِهِ دَعْوًى تَحْتَاج إِلَى دَلِيل. وَاسْتَدَلَّ بَعْضهمْ لِهَذَا الْقَوْل بِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي نَفْس حَدِيث الْبَاب أَنَّهُ وَتْر يُحِبّ الْوَتْر , وَالرِّوَايَة الَّتِي سُرِدَتْ فِيهَا الْأَسْمَاء لَمْ يُعَدّ فِيهَا الْوَتْر فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُ اِسْمًا آخَر غَيْر التِّسْعَة وَالتِّسْعِينَ. وَتَعَقَّبَهُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْحَصْر فِي التِّسْعَة وَالتِّسْعِينَ كَابْنِ حَزْم بِأَنَّ الْخَبَر الْوَارِد لَمْ يَثْبُت رَفْعه وَإِنَّمَا هُوَ مُدْرَج كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ , وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا عَلَى عَدَم الْحَصْر بِأَنَّهُ مَفْهُوم عَدَد وَهُوَ ضَعِيف , وَابْن حَزْم مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى الْحَصْر فِي الْعَدَد الْمَذْكُور , وَهُوَ لَا يَقُول بِالْمَفْهُومِ أَصْلًا وَلَكِنَّهُ اِحْتَجَّ بِالتَّأْكِيدِ فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مِائَة إِلَّا وَاحِدًا \" قَالَ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُون لَهُ اِسْم زَائِد عَلَى الْعَدَد الْمَذْكُور لَزِمَ أَنْ يَكُون لَهُ مِائَة اِسْم فَيَبْطُل قَوْله مِائَة إِلَّا وَاحِدًا , وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ; لِأَنَّ الْحَصْر الْمَذْكُور عِنْدهمْ بِاعْتِبَارِ الْوَعْد الْحَاصِل لِمَنْ أَحْصَاهَا , فَمَنْ اِدَّعَى عَلَى أَنَّ الْوَعْد وَقَعَ لِمَنْ أَحْصَى زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ أَخْطَأَ , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُون هُنَاكَ اِسْم زَائِد , وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ) وَقَدْ قَالَ أَهْل التَّفْسِير : مِنْ الْإِلْحَاد فِي أَسْمَائِهِ تَسْمِيَته بِمَا لَمْ يَرِد فِي الْكِتَاب أَوْ السُّنَّة الصَّحِيحَة , وَقَدْ ذَكَرَ مِنْهَا فِي آخِر سُورَة الْحَشْر عِدَّة , وَخَتَمَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى , قَالَ : وَمَا يُتَخَيَّل مِنْ الزِّيَادَة فِي الْعِدَّة الْمَذْكُور لَعَلَّهُ مُكَرَّر مَعْنًى وَإِنْ تَغَايَرَ لَفْظًا كَالْغَافِرِ وَالْغَفَّار وَالْغَفُور مَثَلًا فَيَكُون الْمَعْدُود مِنْ ذَلِكَ وَاحِدًا فَقَطْ , فَإِذَا اُعْتُبِرَ ذَلِكَ وَجُمِعَتْ الْأَسْمَاء الْوَارِدَة نَصًّا فِي الْقُرْآن وَفِي الصَّحِيح مِنْ الْحَدِيث لَمْ تَزِدْ عَلَى الْعَدَد الْمَذْكُور , وَقَالَ غَيْره : الْمُرَاد بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى فِي قَوْله تَعَالَى ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) مَا جَاءَ فِي الْحَدِيث \" إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَة وَتِسْعِينَ اِسْمًا \" فَإِنْ ثَبَتَ الْخَبَر الْوَارِد فِي تَعْيِينهَا وَجَبَ الْمَصِير إِلَيْهِ وَإِلَّا فَلْيُتَتَبَّعْ مِنْ الْكِتَاب الْعَزِيز وَالسُّنَّة الصَّحِيحَة , فَإِنَّ التَّعْرِيف فِي الْأَسْمَاء لِلْعَهْدِ فَلَا بُدّ مِنْ الْمَعْهُود فَإِنَّهُ أَمَرَ بِالدُّعَاءِ بِهَا وَنَهَى عَنْ الدُّعَاء بِغَيْرِهَا فَلَا بُدّ مِنْ وُجُود الْمَأْمُور بِهِ قُلْت : وَالْحَوَالَة عَلَى الْكِتَاب الْعَزِيز أَقْرَب , وَقَدْ حَصَلَ بِحَمْدِ اللَّه تَتَبُّعهَا كَمَا قَدَّمْته وَبَقِيَ أَنْ يَعْمِد إِلَى مَا تَكَرَّرَ لَفْظًا وَمَعْنًى مِنْ الْقُرْآن فَيَقْتَصِر عَلَيْهِ وَيُتَتَبَّع مِنْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة تَكْمِلَة الْعِدَّة الْمَذْكُورَة فَهُوَ نَمَط آخَر مِنْ التَّتَبُّع عَسَى اللَّه أَنْ يُعِين عَلَيْهِ بِحَوْلِهِ وَقُوَّته آمِينَ. ‏ ‏( فَصْل ) وَأَمَّا الْحِكْمَة فِي الْقَصْر عَلَى الْعَدَد الْمَخْصُوص فَذَكَر الْفَخْر الرَّازِيّ عَنْ الْأَكْثَر أَنَّهُ تَعَبُّدٌ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ كَمَا قِيلَ فِي عَدَد الصَّلَوَات وَغَيْرهَا , وَنُقِلَ عَنْ أَبِي خَلَف مُحَمَّد بْن عَبْد الْمَلِكِ الطَّبَرِيّ السُّلَمِيّ قَالَ : إِنَّمَا خَصَّ هَذَا الْعَدَد إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْأَسْمَاء لَا تُؤْخَذ قِيَاسًا. وَقِيلَ الْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ مَعَانِيَ الْأَسْمَاء وَلَوْ كَانَتْ كَثِيرَة جِدًّا مَوْجُودَة فِي التِّسْعَة وَالتِّسْعِينَ الْمَذْكُورَة , وَقِيلَ الْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ الْعَدَد زَوْج وَفَرْد , وَالْفَرْد أَفْضَل مِنْ الزَّوْج , وَمُنْتَهَى الْأَفْرَاد مِنْ غَيْر تَكْرَار تِسْعَة وَتِسْعُونَ لِأَنَّ مِائَة وَوَاحِدًا يَتَكَرَّر فِيهِ الْوَاحِد. وَإِنَّمَا كَانَ الْفَرْد أَفْضَل مِنْ الزَّوْج لِأَنَّ الْوَتْر أَفْضَل مِنْ الشَّفْع لِأَنَّ الْوَتْر مِنْ صِفَة الْخَالِق وَالشَّفْع مِنْ صِفَة الْمَخْلُوق , وَالشَّفْع يَحْتَاج لِلْوَتْرِ مِنْ غَيْر عَكْسٍ. وَقِيلَ الْكَمَال فِي الْعَدَد حَاصِل فِي الْمِائَة لِأَنَّ الْأَعْدَاد ثَلَاثَة أَجْنَاس : آحَاد وَعَشْرَات وَمِئَات , وَالْأَلْف مُبْتَدَأ لِآحَادٍ أُخَر , فَأَسْمَاء اللَّه مِائَة اِسْتَأْثَرَ اللَّه مِنْهَا بِوَاحِدٍ وَهُوَ الِاسْم الْأَعْظَم فَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَد فَكَأَنَّهُ قِيلَ مِائَة لَكِنْ وَاحِد مِنْهَا عِنْد اللَّه وَقَالَ غَيْره : لَيْسَ الِاسْم الَّذِي يُكْمِل الْمِائَة مَخْفِيًا بَلْ هُوَ الْجَلَالَة , وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ السُّهَيْل"
    },
    {
        "id": "5932",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏قَالَ كُنَّا نَنْتَظِرُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏إِذْ جَاءَ ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ‏ ‏فَقُلْنَا أَلَا تَجْلِسُ قَالَ لَا وَلَكِنْ أَدْخُلُ فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ صَاحِبَكُمْ وَإِلَّا جِئْتُ أَنَا فَجَلَسْتُ فَخَرَجَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِهِ فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ أَمَا إِنِّي أَخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي شَقِيق ) ‏ ‏هُوَ أَبُو وَائِل , وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي كِتَاب الْعِلْم مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش , وَقَدْ ذَكَرْت هُنَاكَ مَا يَتَعَلَّق بِسَمَاعِ الْأَعْمَش لَهُ مِنْ أَبِي وَائِل. ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا نَنْتَظِر عَبْد اللَّه ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله ( إِذْ جَاءَ يَزِيد بْن مُعَاوِيَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ شَقِيق \" كُنَّا جُلُوسًا عِنْد بَاب عَبْد اللَّه نَنْتَظِرهُ فَمَرَّ بِنَا يَزِيد بْن مُعَاوِيَة النَّخَعِيُّ \". قُلْت : وَهُوَ كُوفِيّ تَابِعِيّ ثِقَة عَابِد , ذَكَرَ الْعِجْلِيُّ أَنَّهُ مِنْ طَبَقَة الرَّبِيع بْن خُثَيْم , وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه أَنَّهُ قُتِلَ غَازِيًا بِفَارِس كَأَنَّهُ فِي خِلَافَة عُثْمَان , وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ذِكْر إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَلَا أَحْفَظ لَهُ رِوَايَة , وَهُوَ نَخَعِيّ كَمَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم , وَفِيهِ رَدّ عَلَى اِبْن التِّين فِي حِكَايَته أَنَّهُ عَبْسِيّ بِالْمُوَحَّدَةِ. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت أَلَا تَجْلِس ؟ قَالَ : لَا , وَلَكِنْ أَدْخُل فَأُخْرِج إِلَيْكُمْ صَاحِبكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" فَقُلْنَا أَعْلِمهُ بِمَكَانِنَا فَدَخَلَ عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله ( أَمَا إِنِّي ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ الْمِيم ‏ ‏( أُخْبَر ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُوَحَّدَة عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم أَنَّ هَذَا الْكَلَام قَالَهُ اِبْن مَسْعُود جَوَاب قَوْلهمْ وَدِدْنَا أَنَّك لَوْ ذَكَّرْتنَا كُلّ يَوْم , وَأَنَّهُ كَانَ يُذَكِّرهُمْ كُلّ خَمِيس , وَزَادَ فِيهِ أَنَّ اِبْن مَسْعُود قَالَ : إِنِّي أَكْرَه أَنْ أَمَلّكُمْ. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ يَتَخَوَّلنَا بِالْمَوْعِظَةِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ وَبَيَان مَعْنَاهُ وَقَوْل مَنْ حَدَّثَ بِهِ بِالنُّونِ بَدَل اللَّام مِنْ \" يَتَخَوَّلنَا \". قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ يُرَاعِي الْأَوْقَات فِي تَعْلِيمهمْ وَوَعْظهمْ وَلَا يَفْعَلهُ كُلّ يَوْم خَشْيَة الْمَلَل , وَالتَّخَوُّل التَّعَهُّد , وَقِيلَ إِنَّ بَعْضهمْ رَوَاهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَفَسَّرَهُ بِأَنَّ الْمُرَاد يَتَفَقَّد أَحْوَالهمْ الَّتِي يَحْصُل لَهُمْ فِيهَا النَّشَاط لِلْمَوْعِظَةِ فَيَعِظهُمْ فِيهَا وَلَا يُكْثِر عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَمَلُّوا , حَكَى ذَلِكَ الطِّيبِيُّ ثُمَّ قَالَ : وَلَكِنَّ الرِّوَايَة فِي الصِّحَاح بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. ‏ ‏قَوْله ( فِي الْأَيَّام ) ‏ ‏يَعْنِي فَيُذَكِّرهُمْ أَيَّامًا وَيَتْرُكهُمْ أَيَّامًا , فَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي كِتَاب الْعِلْم \" بَاب مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ الْعِلْم أَيَّامًا مَعْلُومَة \". ‏ ‏قَوْله ( كَرَاهِيَة السَّآمَة عَلَيْنَا ) ‏ ‏أَيْ أَنْ تَقَع مِنَّا السَّآمَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيه \" عَلَيْنَا \" فِي كِتَاب الْعِلْم وَأَنَّ السَّآمَة ضُمِّنَتْ مَعْنَى الْمَشَقَّة فَعُدِّيَتْ بِعَلَى. وَفِيهِ رِفْق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَصْحَابِهِ وَحُسْن التَّوَصُّل إِلَى تَعْلِيمهمْ وَتَفْهِيمهمْ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ بِنَشَاطٍ لَا عَنْ ضَجَر وَلَا مَلَل , وَيُقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ , فَإِنَّ التَّعْلِيم بِالتَّدْرِيجِ أَخَفّ مُؤْنَة وَأَدْعَى إِلَى الثَّبَات مِنْ أَخْذه بِالْكَدِّ وَالْمُغَالَبَة. وَفِيهِ مَنْقَبَة لِابْنِ مَسْعُود لِمُتَابَعَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَوْل وَالْعَمَل وَمُحَافَظَته عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الدَّعَوَات مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى مِائَة وَخَمْسَة وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا , مِنْهَا أَحَد وَأَرْبَعُونَ مُعَلَّقَة وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَة وَأَحَد وَعِشْرُونَ حَدِيثًا وَالْبَقِيَّة خَالِصَة وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث شَدَّاد فِي سَيِّد الِاسْتِغْفَار وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي عَدَد الِاسْتِغْفَار كُلّ يَوْم وَحَدِيث حُذَيْفَة فِي الْقَوْل عِنْد النَّوْم وَحَدِيث أَبِي ذَرّ فِي ذَلِكَ وَحَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء فِي مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي اِجْتِنَاب السَّجْع فِي الدُّعَاء وَحَدِيث جَابِر فِي الِاسْتِخَارَة وَحَدِيث أَبِي أَيُّوب فِي التَّهْلِيل , وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ تِسْعَة آثَار. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5933",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نِعْمَتَانِ ‏ ‏مَغْبُونٌ ‏ ‏فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنَا الْمَكِّيّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْأَلِفِ وَاللَّام فِي أَوَّله , وَهُوَ اِسْم بِلَفْظِ النَّسَب , وَهُوَ مِنْ الطَّبَقَة الْعُلْيَا مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد عَنْهُ هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ. ‏ ‏قَوْله ( هُوَ اِبْن أَبِي هِنْد ) ‏ ‏الضَّمِير لِسَعِيدٍ لَا لِعَبْدِ اللَّه , وَهُوَ مِنْ تَفْسِير الْمُصَنِّف , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ مَكِّيّ وَوَكِيع جَمِيعًا \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن سَعِيد بْن أَبِي هِنْد \" وَعَبْد اللَّه الْمَذْكُور مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ لِأَنَّهُ لَقِيَ بَعْض صِغَار الصَّحَابَة وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ بْن سَهْل. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد \" حَدَّثَنِي أَبِي \" أ خَرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا \" سَمِعْت اِبْن عَبَّاس \". ‏ ‏قَوْله ( نِعْمَتَانِ مَغْبُون فِيهِمَا كَثِير مِنْ النَّاس : الصِّحَّة وَالْفَرَاغ ) ‏ ‏كَذَا لِسَائِرِ الرُّوَاة , لَكِنْ عِنْد أَحْمَد \" الْفَرَاغ وَالصِّحَّة \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر وَابْن الْمُبَارَك وَوَكِيع كُلّهمْ عَنْ عَبْد اللَّه اِبْن سَعِيد بِسَنَدِهِ \" الصِّحَّة وَالْفَرَاغ نِعْمَتَانِ مَغْبُون فِيهِمَا كَثِير مِنْ النَّاس \" وَلَمْ يُبَيِّن لِمَنْ اللَّفْظ , وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ كَذَلِكَ بِزِيَادَة وَلَفْظه \" إِنَّ الصِّحَّة وَالْفَرَاغ نِعْمَتَانِ مِنْ نِعَم اللَّه \" وَالْبَاقِي سَوَاء , وَهَذِهِ الزِّيَادَة وَهِيَ قَوْله \" مِنْ نِعَم اللَّه \" وَقَعَتْ فِي رِوَايَة اِبْن عَدِيّ الْمُشَار إِلَيْهَا , وَقَوْله \" نِعْمَتَانِ \" تَثْنِيَة نِعْمَة وَهِيَ الْحَالَة الْحَسَنَة , وَقِيلَ هِيَ الْمَنْفَعَة الْمَفْعُولَة عَلَى جِهَة الْإِحْسَان لِلْغَيْرِ , وَالْغَبَن بِالسُّكُونِ وَبِالتَّحْرِيكِ , وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : هُوَ فِي الْبَيْع بِالسُّكُونِ وَفِي الرَّأْي بِالتَّحْرِيكِ , وَعَلَى هَذَا فَيَصِحّ كُلّ مِنْهُمَا فِي هَذَا الْخَبَر فَإِنَّ مَنْ لَا يَسْتَعْمِلهُمَا فِيمَا يَنْبَغِي فَقَدْ غَبَنَ لِكَوْنِهِ بَاعَهُمَا بِبَخْسٍ وَلَمْ يُحْمَد رَأْيه فِي ذَلِكَ قَالَ اِبْن بَطَّال : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْمَرْء لَا يَكُون فَارِغًا حَتَّى يَكُون مَكْفِيًّا صَحِيح الْبَدَن فَمَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ فَلْيَحْرِصْ عَلَى أَنْ لَا يَغْبِن بِأَنْ يَتْرُك شُكْر اللَّه عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ , وَمِنْ شُكْره اِمْتِثَال أَوَامِره وَاجْتِنَاب نَوَاهِيه , فَمَنْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ فَهُوَ الْمَغْبُون. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ \" كَثِير مِنْ النَّاس \" إِلَى أَنَّ الَّذِي يُوَفَّق لِذَلِكَ قَلِيل. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : قَدْ يَكُون الْإِنْسَان صَحِيحًا وَلَا يَكُون مُتَفَرِّغًا لِشُغْلِهِ بِالْمَعَاشِ , وَقَدْ يَكُون مُسْتَغْنِيًا وَلَا يَكُون صَحِيحًا , فَإِذَا اِجْتَمَعَا فَغَلَبَ عَلَيْهِ الْكَسَل عَنْ الطَّاعَة فَهُوَ الْمَغْبُون , وَتَمَام ذَلِكَ أَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَة الْآخِرَة , وَفِيهَا التِّجَارَة الَّتِي يَظْهَر رِبْحهَا فِي الْآخِرَة , فَمَنْ اِسْتَعْمَلَ فَرَاغه وَصِحَّته فِي طَاعَة اللَّه فَهُوَ الْمَغْبُوط , وَمَنْ اِسْتَعْمَلَهُمَا فِي مَعْصِيَة اللَّه فَهُوَ الْمَغْبُون , لِأَنَّ الْفَرَاغ يَعْقُبهُ الشُّغْل وَالصِّحَّة يَعْقُبهَا السَّقَم , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْهَرَم كَمَا قِيلَ : ‏ ‏يَسُرّ الْفَتَى طُول السَّلَامَة وَالْبَقَا ‏ ‏فَكَيْف تَرَى طُول السَّلَامَة يَفْعَل ‏ ‏يَرُدّ الْفَتَى بَعْد اِعْتِدَال وَصِحَّة ‏ ‏يَنُوء إِذَا رَامَ الْقِيَام وَيُحْمَل ‏ ‏وَقَالَ الطِّيبِيُّ : ضَرَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُكَلَّفِ مَثَلًا بِالتَّاجِرِ الَّذِي لَهُ رَأْس مَال , فَهُوَ يَبْتَغِي الرِّبْح مَعَ سَلَامَة رَأْس الْمَال , فَطَرِيقه فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَحَرَّى فِيمَنْ يُعَامِلهُ وَيَلْزَم الصِّدْق وَالْحِذْق لِئَلَّا يُغْبَن , فَالصِّحَّة وَالْفَرَاغ رَأْس الْمَال , وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَامِل اللَّه بِالْإِيمَانِ , وَمُجَاهَدَة النَّفْس وَعَدُوّ الدِّين , لِيَرْبَح خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقَرِيب مِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى ( هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى تِجَارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم ) الْآيَات. وَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِب مُطَاوَعَة النَّفْس وَمُعَامَلَة الشَّيْطَان لِئَلَّا يُضَيِّع رَأْس مَاله مَعَ الرِّبْح. وَقَوْله فِي الْحَدِيث \" مَغْبُون فِيهِمَا كَثِير مِنْ النَّاس \" كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَقَلِيل مِنْ عِبَادِي الشَّكُور ) فَالْكَثِير فِي الْحَدِيث فِي مُقَابَلَة الْقَلِيل فِي الْآيَة. وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : اُخْتُلِفَ فِي أَوَّل نِعْمَة اللَّه عَلَى الْعَبْد فَقِيلَ الْإِيمَان , وَقِيلَ الْحَيَاة , وَقِيلَ الصِّحَّة , وَالْأَوَّل أَوْلَى فَإِنَّهُ نِعْمَة مُطْلَقَة , وَأَمَّا الْحَيَاة وَالصِّحَّة فَإِنَّهُمَا نِعْمَة دُنْيَوِيَّة , وَلَا تَكُون نِعْمَة حَقِيقَة إِلَّا إِذَا صَاحَبَتْ الْإِيمَان وَحِينَئِذٍ يُغْبَن فِيهَا كَثِير مِنْ النَّاس أَيْ يَذْهَب رِبْحهمْ أَوْ يَنْقُص , فَمَنْ اِسْتَرْسَلَ مَعَ نَفْسه الْأَمَّارَة بِالسُّوءِ الْخَالِدَة إِلَى الرَّاحَة فَتَرَكَ الْمُحَافَظَة عَلَى الْحُدُود وَالْمُوَاظَبَة عَلَى الطَّاعَة فَقَدْ غُبِنَ , وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ فَارِغًا فَإِنَّ الْمَشْغُول قَدْ يَكُون لَهُ مَعْذِرَة بِخِلَافِ الْفَارِغ فَإِنَّهُ يَرْتَفِع عَنْهُ الْمَعْذِرَة وَتَقُوم عَلَيْهِ الْحُجَّة. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عَبَّاس الْعَنْبَرِيّ ) ‏ ‏هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَة اِبْن عَبْد الْعَظِيم أَحَد الْحُفَّاظ , بَصْرِيّ مِنْ أَوْسَاط شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ الْعَبَّاس الْمَذْكُور فَقَالَ فِي كِتَاب الزُّهْد مِنْ السُّنَن فِي \" بَاب الْحِكْمَة مِنْهُ \" : حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن عَبْد الْعَظِيم الْعَنْبَرِيّ فَذَكَرَهُ سَوَاء , قَالَ الْحَاكِم : هَذَا الْحَدِيث صَدَّرَ بِهِ اِبْن الْمُبَارَك كِتَابه فَأَخْرَجَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد بِهَذَا الْإِسْنَاد. قُلْت : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقه قَالَ التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ غَيْر وَاحِد عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد فَرَفَعُوهُ , وَوَقَفَهُ بَعْضهمْ عَلَى اِبْن عَبَّاس وَفِي الْبَاب عَنْ أَنَس اِنْتَهَى وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طُرُق عَنْ اِبْن الْمُبَارَك , ثُمَّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد , ثُمَّ مِنْ طَرِيق بُنْدَار عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان عَنْ عَبْد اللَّه بِهِ ثُمَّ قَالَ : قَالَ بُنْدَار رُبَّمَا حَدَّثَ بِهِ يَحْيَى بْن سَعِيد وَلَمْ يَرْفَعهُ. وَأَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5934",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ ‏ ‏الْآخِرَهْ ‏ ‏فَأَصْلِحْ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرَهْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن إِيَاس الْمُزَنِيِّ , وِلِقُرَّةَ صُحْبَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة آدَم فِي فَضَائِل الْأَنْصَار عَنْ شُعْبَة \" حَدَّثَنَا أَبُو إِيَاس مُعَاوِيَة بْن قُرَّة \" وَإِيَاس هُوَ الْقَاضِي الْمَشْهُور بِالذَّكَاءِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ لَا عَيْش إِلَّا عَيْش الْآخِرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَصْلِحْ الْأَنْصَار وَالْمُهَاجِرَهْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي فَضْل الْأَنْصَار بَيَان الِاخْتِلَاف عَلَى شُعْبَة فِي لَفْظه وَأَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس وَزِيَادَة مَنْ زَادَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم الْخَنْدَق فَطَابَق حَدِيث سَهْل بْن سَعْد الْمَذْكُور فِي الَّذِي بَعْده وَزِيَادَة مَنْ زَادَ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ \" نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا عَلَى الْجِهَاد مَا بَقِينَا أَبَدًا فَأَجَابَهُمْ بِذَلِكَ \" وَتَقَدَّمَ فِي غَزْوَة الْخَنْدَق مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب عَنْ أَنَس أَتَمّ مِنْ ذَلِكَ كُلّه , وَفِيهِ مِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَدَاة بَارِدَة وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيد يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ. فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ النَّصَب وَالْجُوع قَالَ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5935",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ ‏ ‏كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏وَهُوَ يَحْفِرُ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ وَيَمُرُّ بِنَا فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ ‏ ‏الْآخِرَهْ ‏ ‏فَاغْفِرْ ‏ ‏لِلْأَنْصَارِ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرَهْ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( الْفُضَيْل بْن سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ النُّمَيْرِيّ , صَدُوق فِي حِفْظه شَيْء. ‏ ‏قَوْله ( وَهُوَ يَحْفِر وَنَحْنُ نَنْقُل التُّرَاب ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي فَضْل الْأَنْصَار مِنْ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْل \" خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَق \" الْحَدِيث , وَيُجْمَع بِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَحْفِر مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَنْقُل التُّرَاب. ‏ ‏قَوْله ( وَبَصُرَ بِنَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمَّ الصَّادّ الْمُهْمَلَة , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَيَمُرّ بِنَا \" مِنْ الْمُرُور. ‏ ‏قَوْله ( فَاغْفِرْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة الْخَنْدَق بِلَفْظِ \" فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار \" وَأَنَّ الْأَلْفَاظ الْمَنْقُولَة فِي ذَلِكَ بَعْضهَا مَوْزُون أَكْثَرهَا غَيْر مَوْزُون , وَيُمْكِن رَدّه إِلَى الْوَزْن بِضَرْبٍ مِنْ الزِّحَاف , وَهُوَ غَيْر مَقْصُود إِلَيْهِ بِالْوَزْنِ فَلَا يَدْخُل هُوَ فِي الشِّعْر. وَفِي هَذَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ إِشَارَة إِلَى تَحْقِير عَيْش الدُّنْيَا لِمَا يَعْرِض لَهُ مِنْ التَّكْدِير وَسُرْعَة الْفَنَاء. ‏ ‏قَالَ اِبْن الْمُنِير مُنَاسَبَة إِيرَاد حَدِيث أَنَس وَسَهْل مَعَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس الَّذِي تَضَمَّنْته التَّرْجَمَة أَنَّ النَّاس قَدْ غُبِنَ كَثِير مِنْهُمْ فِي الصِّحَّة وَالْفَرَاغ لِإِيثَارِهِمْ لِعَيْشِ الدُّنْيَا عَلَى عَيْش الْآخِرَة , فَأَرَادَ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الْعَيْش الَّذِي اُشْتُغِلُوا بِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ بَلْ الْعَيْش الَّذِي شُغِلُوا عَنْهُ هُوَ الْمَطْلُوب , وَمَنْ فَاتَهُ فَهُوَ الْمَغْبُون. ‏"
    },
    {
        "id": "5936",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5937",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو المُنْذِرِ الطُّفَاوِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَنْكِبِي فَقَالَ ‏ ‏كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْأَعْمَش حَدَّثَنِي مُجَاهِد ) ‏ ‏أَنْكَرَ الْعُقَيْلِيّ هَذِهِ اللَّفْظَة وَهِيَ \" حَدَّثَنِي مُجَاهِد \" وَقَالَ : إِنَّمَا رَوَاهُ الْأَعْمَش بِصِيغَة \" عَنْ مُجَاهِد \" كَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَاب الْأَعْمَش عَنْهُ وَكَذَا أَصْحَاب الطَّفَاوِيِّ عَنْهُ , وَتَفَرَّدَ اِبْن الْمَدِينِيّ بِالتَّصْرِيحِ قَالَ وَلَمْ يَسْمَعهُ الْأَعْمَش عَنْ مُجَاهِد وَإِنَّمَا مِنْ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْمٍ عَنْهُ فَدَلَّسَهُ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن قَزَعَة \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الطَّفَاوِيُّ عَنْ الْأَعْمَش عَنْ مُجَاهِد \" بِالْعَنْعَنَةِ وَقَالَ : قَالَ الْحَسَن بْن قَزَعَة مَا سَأَلَنِي يَحْيَى بْن مَعِين إِلَّا عَنْ هَذَا الْحَدِيث , وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي \" رَوْضَة الْعُقَلَاء \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْمُقَدِّمِيّ عَنْ الطَّفَاوِيِّ بِالْعَنْعَنَةِ أَيْضًا وَقَالَ : مَكَثْت مُدَّة أَظُنّ أَنَّ الْأَعْمَش دَلَّسَهُ عَنْ مُجَاهِد وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ لَيْث حَتَّى رَأَيْت عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ رَوَاهُ عَنْ الطَّفَاوِيِّ فَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ , يُشِير إِلَى رِوَايَة الْبُخَارِيّ الَّتِي فِي الْبَاب. قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِد , وَأَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ فِي الْكَامِل مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن شُعَيْب عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّات عَنْ مُجَاهِد , وَلَيْث وَأَبُو يَحْيَى ضَعِيفَانِ وَالْعُمْدَة عَلَى طَرِيق الْأَعْمَش , وَلِلْحَدِيثِ طَرِيق أُخْرَى أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة عَبْدَةَ بْن أَبِي لُبَابَة عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا , وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي الْحَدِيث الْمَذْكُور لِأَنَّ رُوَاته مِنْ رِجَال الصَّحِيح , وَإِنْ كَانَ اُخْتُلِفَ فِي سَمَاع عَبْدَةَ مِنْ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( أَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي ) ‏ ‏فِيهِ تَعْيِين مَا أُبْهِم فِي رِوَايَة لَيْث عِنْد التِّرْمِذِيّ \" أَخَذَ بِبَعْضِ جَسَدِي \" وَالْمَنْكِب بِكَسْرِ الْكَاف مَجْمَع الْعَضُد وَالْكَتِف , وَضُبِطَ فِي بَعْض الْأُصُول بِالتَّثْنِيَةِ. ‏ ‏قَوْله ( كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيب أَوْ عَابِر سَبِيل ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : لَيْسَتْ أَوْ لِلشَّكِّ بَلْ لِلتَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَة , وَالْأَحْسَن أَنْ تَكُون بِمَعْنَى بَلْ , فَشَبَّهَ النَّاسِك السَّالِك بِالْغَرِيبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَسْكَن يَأْوِيه وَلَا مَسْكَن يَسْكُنهُ , ثُمَّ تَرَقَّى وَأَضْرَبَ عَنْهُ إِلَى عَابِر السَّبِيل لِأَنَّ الْغَرِيب قَدْ يَسْكُن فِي بَلَد الْغُرْبَة بِخِلَافِ عَابِر السَّبِيل الْقَاصِد لِبَلَدٍ شَاسِع وَبَيْنهمَا أَوْدِيَة مُرْدِيَة وَمَفَاوِز مُهْلِكَة وَقُطَّاع طَرِيق فَإِنَّ مَنْ شَأْنه أَنْ لَا يُقِيم لَحْظَة وَلَا يَسْكُن لَمْحَة , وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ \" إِذَا أَمْسَيْت فَلَا تَنْتَظِر الصَّبَاح إِلَخْ \" وَبِقَوْلِهِ \" وَعُدَّ نَفْسك فِي أَهْل الْقُبُور \" وَالْمَعْنَى اِسْتَمِرَّ سَائِرًا وَلَا تَفْتُر , فَإِنَّك إِنْ قَصَّرْت اِنْقَطَعْت وَهَلَكْت فِي تِلْكَ الْأَوْدِيَة , وَهَذَا مَعْنَى الْمُشَبَّه بِهِ , وَأَمَّا الْمُشَبَّه فَهُوَ قَوْله \" وَخُذْ مِنْ صِحَّتك لِمَرَضِك \" أَيْ أَنَّ الْعُمُر لَا يَخْلُو عَنْ صِحَّة وَمَرَض , فَإِذَا كُنْت صَحِيحًا فَسِرْ سَيْر الْقَصْد وَزِدْ عَلَيْهِ بِقَدْرِ قُوَّتك مَا دَامَتْ فِيك قُوَّة بِحَيْثُ تَكُون مَا بِك مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَة قَائِمًا مَقَام مَا لَعَلَّهُ يُفَوِّت حَالَة الْمَرَض وَالضَّعْف , زَادَ عَبْدَة فِي رِوَايَته عَنْ اِبْن عُمَر \" اُعْبُدْ اللَّه كَأَنَّك تَرَاهُ وَكُنْ فِي الدُّنْيَا \" الْحَدِيث , وَزَادَ لَيْث فِي رِوَايَته \" وَعُدَّ نَفْسك فِي أَهْل الْقُبُور \" وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور \" وَكَأَنَّك عَابِر سَبِيل \" وَقَالَ اِبْن بَطَّال : لَمَّا كَانَ الْغَرِيب قَلِيل الِانْبِسَاط إِلَى النَّاس بَلْ هُوَ مُسْتَوْحِش مِنْهُمْ إِذْ لَا يَكَاد يَمُرّ بِمَنْ يَعْرِفهُ مُسْتَأْنِس بِهِ فَهُوَ ذَلِيل فِي نَفْسه خَائِف , وَكَذَلِكَ عَابِر السَّبِيل لَا يَنْفُذ فِي سَفَره إِلَّا بِقُوَّتِهِ عَلَيْهِ وَتَخْفِيفه مِنْ الْأَثْقَال غَيْر مُتَثَبِّت بِمَا يَمْنَعهُ مِنْ قَطْع سَفَره مَعَهُ زَاده وَرَاحِلَته يُبَلِّغَانِهِ إِلَى بُغْيَته مِنْ قَصْده شَبَّهَهُ بِهِمَا , وَفِي ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى إِيثَار الزُّهْد فِي الدُّنْيَا وَأَخْذ الْبُلْغَة مِنْهَا وَالْكَفَاف , فَكَمَا لَا يَحْتَاج الْمُسَافِر إِلَى أَكْثَر مِمَّا يُبَلِّغهُ إِلَى غَايَة سَفَره فَكَذَلِكَ لَا يَحْتَاج الْمُؤْمِن فِي الدُّنْيَا إِلَى أَكْثَر مِمَّا يُبَلِّغهُ الْمَحَلّ. وَقَالَ غَيْره : هَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي الْحَثّ عَلَى الْفَرَاغ عَنْ الدُّنْيَا وَالزُّهْد فِيهَا وَالِاحْتِقَار لَهَا وَالْقَنَاعَة فِيهَا بِالْبُلْغَةِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى الْحَدِيث لَا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا تَتَّخِذهَا وَطَنًا وَلَا تُحَدِّث نَفْسك بِالْبَقَاءِ فِيهَا وَلَا تَتَعَلَّق مِنْهَا بِمَا لَا يَتَعَلَّق بِهِ الْغَرِيب فِي غَيْر وَطَنه. وَقَالَ غَيْره : عَابِر السَّبِيل هُوَ الْمَارّ عَلَى الطَّرِيق طَالِبًا وَطَنه , فَالْمَرْء فِي الدُّنْيَا كَعَبْدٍ أَرْسَلَهُ سَيِّده فِي حَاجَة إِلَى غَيْر بَلَده , فَشَأْنه أَنْ يُبَادِر بِفِعْلِ مَا أُرْسِلَ فِيهِ ثُمَّ يَعُود إِلَى وَطَنه وَلَا يَتَعَلَّق بِشَيْءٍ غَيْر مَا هُوَ فِيهِ وَقَالَ غَيْره : الْمُرَاد أَنْ يُنَزِّل الْمُؤْمِن نَفْسه فِي الدُّنْيَا مَنْزِلَة الْغَرِيب فَلَا يَعْلَق قَلْبه بِشَيْءٍ مِنْ بَلَد الْغُرْبَة , بَلْ قَلْبه مُتَعَلِّق بِوَطَنِهِ الَّذِي يَرْجِع إِلَيْهِ , وَيَجْعَل إِقَامَته فِي الدُّنْيَا لِيَقْضِيَ حَاجَته وَجِهَازه لِلرُّجُوعِ إِلَى وَطَنه , وَهَذَا شَأْن الْغَرِيب. أَوْ يَكُون كَالْمُسَافِرِ لَا يَسْتَقِرّ فِي مَكَان بِعَيْنِهِ بَلْ هُوَ دَائِم السَّيْر إِلَى بَلَد الْإِقَامَة. وَاسْتَشْكَلَ عَطْف عَابِر السَّبِيل عَلَى الْغَرِيب وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَاب الطِّيبِيِّ , وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ مِنْ عَطْف الْعَامّ عَلَى الْخَاصّ , وَفِيهِ نَوْع مِنْ التَّرَقِّي لِأَنَّ تَعَلُّقَاته أَقَلّ مِنْ تَعَلُّقَات الْغَرِيب الْمُقِيم. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ اِبْن عُمَر يَقُول ) ‏ ‏فِي رِوَايَة لَيْث \" وَقَالَ لِي اِبْن عُمَر إِذَا أَصْبَحْت \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( وَخُذْ مِنْ صِحَّتك ) ‏ ‏أَيْ زَمَن صِحَّتك ‏ ‏( لِمَرَضِك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة لَيْث \" لِسَقَمِك \" وَالْمَعْنَى اِشْتَغِلْ فِي الصِّحَّة بِالطَّاعَةِ بِحَيْثُ لَوْ حَصَلَ تَقْصِير فِي الْمَرَض لَا يُجْبَر بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( وَمِنْ حَيَاتك لِمَوْتِك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة لَيْث \" قَبْل مَوْتك \" وَزَادَ \" فَإِنَّك لَا تَدْرِي يَا عَبْد اللَّه مَا اِسْمك غَدًا \" أَيْ هَلْ يُقَال لَهُ شَقِيّ أَوْ سَعِيد , وَلَمْ يُرِدْ اِسْمه الْخَاصّ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَغَيَّر. وَقِيلَ الْمُرَاد هَلْ هُوَ حَيّ أَوْ مَيِّت. وَهَذَا الْقَدْر الْمَوْقُوف مِنْ هَذَا تَقَدَّمَ مُحَصَّل مَعْنَاهُ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَوَّل كِتَاب الرِّقَاق , وَجَاءَ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَيْضًا مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الْحَاكِم \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظهُ : اِغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْل خَمْس , شَبَابك قَبْل هَرَمك , وَصِحَّتك قَبْل سَقَمك , وَغِنَاك قَبْل فَقْرك , وَفَرَاغك قَبْل شُغْلك , وَحَيَاتك قَبْل مَوْتك \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن الْمُبَارَك فِي الزُّهْد بِسَنَدٍ صَحِيح مِنْ مُرْسَل عَمْرو بْن مَيْمُون , قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : كَلَام اِبْن عُمَر مُنْتَزَع مِنْ الْحَدِيث الْمَرْفُوع , وَهُوَ مُتَضَمِّن لِنِهَايَةِ قِصَر الْأَمَل , وَأَنَّ الْعَاقِل يَنْبَغِي لَهُ إِذَا أَمْسَى لَا يَنْتَظِر الصَّبَاح وَإِذَا أَصْبَحَ لَا يَنْتَظِر الْمَسَاء , بَلْ يَظُنّ أَنَّ أَجَله مُدْرِكه قَبْل ذَلِكَ. قَالَ : وَقَوْله \" خُذْ مِنْ صِحَّتك إِلَخْ \" أَيْ اِعْمَلْ مَا تَلْقَى نَفْعه بَعْد مَوْتك , وَبَادِرْ أَيَّام صِحَّتك بِالْعَمَلِ الصَّالِح فَإِنَّ الْمَرَض قَدْ يَطْرَأ فَيَمْتَنِع مِنْ الْعَمَل فَيُخْشَى عَلَى مَنْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَصِل إِلَى الْمَعَاد بِغَيْرِ زَاد. وَلَا يُعَارِض ذَلِكَ الْحَدِيث الْمَاضِي فِي الصَّحِيح \" إِذَا مَرِضَ الْعَبْد أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّه لَهُ مَا كَانَ يَعْمَل صَحِيحًا مُقِيمًا \" لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي حَقّ مَنْ يَعْمَل , وَالتَّحْذِير الَّذِي فِي حَدِيث اِبْن عُمَر فِي حَقّ مَنْ لَمْ يَعْمَل شَيْئًا , فَإِنَّهُ إِذَا مَرِضَ نَدِمَ عَلَى تَرْكه الْعَمَل , وَعَجَزَ لِمَرَضِهِ عَنْ الْعَمَل فَلَا يُفِيدهُ النَّدَم. وَفِي الْحَدِيث مَسّ الْمُعَلِّم أَعْضَاء الْمُتَعَلِّم عِنْد التَّعْلِيم وَالْمَوْعُوظ عِنْد الْمَوْعِظَة وَذَلِكَ لِلتَّأْنِيسِ وَالتَّنْبِيه , وَلَا يُفْعَل ذَلِكَ غَالِبًا إِلَّا بِمَنْ يَمِيل إِلَيْهِ , وَفِيهِ مُخَاطَبَة الْوَاحِد وَإِرَادَة الْجَمْع , وَحِرْص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِيصَال الْخَيْر لِأُمَّتِهِ , وَالْحَضّ عَلَى تَرْك الدُّنْيَا وَالِاقْتِصَار عَلَى مَا لَا بُدّ مِنْهُ ‏"
    },
    {
        "id": "5938",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُنْذِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَطَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَطًّا مُرَبَّعًا وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ وَقَالَ ‏ ‏هَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ , ‏ ‏وَأَبُوهُ ‏ ‏سَعِيد بْن مَسْرُوق , ‏ ‏وَمُنْذِر ‏ ‏هُوَ اِبْن يَعْلَى الثَّوْرِيُّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَبُو يَعْلَى \" فَقَطْ , وَالرَّبِيع بْن خُثَيْم بِمُعْجَمَةٍ وَمُثَلَّثَة مُصَغَّر , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود وَمِنْ الثَّوْرِيّ فَصَاعِدًا كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( خَطَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا مُرَبَّعًا ) ‏ ‏الْخَطّ الرَّسْم وَالشَّكْل , وَالْمُرَبَّع الْمُسْتَوِي الزَّوَايَا ‏ ‏قَوْله ( وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَط خَارِجًا مِنْهُ وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَط مِنْ جَانِبه الَّذِي فِي الْوَسَط ) ‏ ‏قِيلَ هَذِهِ صِفَة الْخَطّ : وَالْأَوَّل الْمُعْتَمَد , وَسِيَاق الْحَدِيث يَتَنَزَّل عَلَيْهِ , فَالْإِشَارَة بِقَوْلِهِ \" هَذَا الْإِنْسَان \" إِلَى النُّقْطَة الدَّاخِلَة , وَبِقَوْلِهِ \" وَهَذَا أَجَله مُحِيط بِهِ \" إِلَى الْمُرَبَّع , وَبِقَوْلِهِ \" وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِج أَمَله \" إِلَى الْخَطّ الْمُسْتَطِيل الْمُنْفَرِد , وَبِقَوْلِهِ \" وَهَذِهِ إِلَى الْخُطُوط \" وَهِيَ مَذْكُورَة عَلَى سَبِيل الْمِثَال لَا أَنَّ الْمُرَاد اِنْحِصَارهَا فِي عَدَد مُعَيَّن , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي حَدِيث أَنَس بَعْده \" إِذْ جَاءَهُ الْخَطّ الْأَقْرَب \" فَإِنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى الْخَطّ الْمُحِيط بِهِ , وَلَا شَكّ أَنَّ الَّذِي يُحِيط بِهِ أَقْرَب إِلَيْهِ مِنْ الْخَارِج عَنْهُ , وَقَوْله \" خُطَطًا \" بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَالطَّاء الْأُولَى لِلْأَكْثَرِ وَيَجُوز فَتْح الطَّاء , وَقَوْله \" هَذَا إِنْسَان \" مُبْتَدَأ وَخَبَر أَيْ هَذَا الْخَطّ هُوَ الْإِنْسَان عَلَى التَّمْثِيل. ‏ ‏قَوْله ( وَهَذِهِ الْخُطَط ) ‏ ‏بِالضَّمِّ فِيهِمَا أَيْضًا , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ \" وَهَذِهِ الْخُطُوط \". ‏ ‏قَوْله ( الْأَعْرَاض ) ‏ ‏جَمْع عَرَض بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ مَا يُنْتَفَع بِهِ فِي الدُّنْيَا فِي الْخَيْر وَفِي الشَّرّ , وَالْعَرْض بِالسُّكُونِ ضِدّ الطَّوِيل , وَيُطْلَق عَلَى مَا يُقَابِل النَّقْدَيْنِ وَالْمُرَاد هُنَا الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله ( نَهَشَهُ ) ‏ ‏بِالنُّونِ وَالشِّين الْمُعْجَمَة أَيْ أَصَابَهُ. وَاسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الْإِشَارَات الْأَرْبَع مَعَ أَنَّ الْخُطُوط ثَلَاثَة فَقَطْ وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ لِلْخَطِّ الدَّاخِل اِعْتِبَارَيْنِ : فَالْمِقْدَار الدَّاخِل مِنْهُ هُوَ الْإِنْسَان وَالْخَارِج أَمَله , وَالْمُرَاد بِالْأَعْرَاضِ الْآفَات الْعَارِضَة لَهُ فَإِنْ سَلِمَ مِنْ هَذَا لَمْ يَسْلَم مِنْ هَذَا وَإِنْ سَلِمَ مِنْ الْجَمِيع وَلَمْ تُصِبْهُ آفَة مِنْ مَرَض أَوْ فَقْد مَال أَوْ غَيْر ذَلِكَ بَغَتَهُ الْأَجَل. وَالْحَاصِل أَنَّ مَنْ لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِالْأَجَلِ. وَفِي الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى الْحَضّ عَلَى قِصَر الْأَمَل وَالِاسْتِعْدَاد لِبَغْتَةِ الْأَجَل. وَعَبَّرَ بِالنَّهْشِ وَهُوَ لَدْغ ذَات السُّمّ مُبَالَغَة فِي الْإِصَابَة وَالْإِهْلَاك. ‏"
    },
    {
        "id": "5939",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَطَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خُطُوطًا فَقَالَ ‏ ‏هَذَا الْأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الْأَقْرَبُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن سَلَام عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( هَمَّام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَحْيَى وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ إِسْحَاق ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق \" وَهُوَ اِبْن أَخِي أَنَس لِأُمِّهِ. ‏ ‏قَوْله ( خُطُوطًا ) ‏ ‏قَدْ فُسِّرَتْ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله ( فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" يَأْمُل \" وَعِنْد الْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْد مِنْ وَجْه عَنْ إِسْحَاق سِيَاق الْمَتْن أَتَمّ مِنْهُ وَلَفْظه \" خَطَّ خُطُوطًا وَخَطَّ خَطًّا نَاحِيَة ثُمَّ قَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ هَذَا مَثَل اِبْن آدَم وَمَثَل التَّمَنِّي , وَذَلِكَ الْخَطّ الْأَمَل , بَيْنَمَا يَأْمُل إِذْ جَاءَهُ الْمَوْت \" وَإِنَّمَا جَمَعَ الْخُطُوط ثُمَّ اِقْتَصَرَ فِي التَّفْصِيل عَلَى اِثْنَيْنِ اِخْتِصَارًا , وَالثَّالِث الْإِنْسَان , وَالرَّابِع الْآفَات. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث أَنَس مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن أَنَس عَنْ أَنَس بِلَفْظِ \" هَذَا اِبْن آدَم وَهَذَا أَجَله , وَوَضَعَ يَده عِنْد قَفَاهُ ثُمَّ بَسَطَهَا فَقَالَ : وَثَمَّ أَمَله , وَثَمَّ أَجَله \" إِنَّ أَجَله أَقْرَب إِلَيْهِ مِنْ أَمَله. قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي سَعِيد. قُلْت : أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن عَلِيّ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل عَنْهُ وَلَفْظه \" إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَرَزَ عُودًا بَيْن يَدَيْهِ ثُمَّ غَرَزَ إِلَى جَنْبه آخَر ثُمَّ غَرْز الثَّالِث فَأَبْعَدَهُ ثُمَّ قَالَ : هَذَا الْإِنْسَان وَهَذَا أَجَله وَهَذَا أَمَله , وَالْأَحَادِيث مُتَوَافِقَة عَلَى أَنَّ الْأَجَل أَقْرَب مِنْ الْأَمَل ‏"
    },
    {
        "id": "5940",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏وَابْنُ عَجْلَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَقْبُرِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد السَّلَام بْن مُطَهَّر ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْهَاء الْمَفْتُوحَة وَشَيْخه عُمَر بْن عَلِيّ هُوَ الْمُقَدِّمِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَى أَبِي هُرَيْرَة حَدِيث آخَر وَذَكَرْت أَنَّ عُمَر مُدَلِّس وَأَنَّهُ أَوْرَدَهُ بِالْعَنْعَنَةِ وَبَيَّنْت عُذْر الْبُخَارِيّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ وُجِدَ مَنْ وَجْه آخَر مُصَرَّح فِيهِ بِالسَّمَاعِ , وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيث فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي غِفَار عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ بِنَحْوِهِ , وَهَذَا الرَّجُل الْمُبْهَم هُوَ مَعْن بْن مُحَمَّد الْغِفَارِيُّ , فَهِيَ مُتَابَعَة قَوِيَّة لِعُمَر بْن عَلِيّ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مَعْمَر , وَوَقَعَ لِشَيْخِهِ فِيهِ وَهْم لَيْسَ هَذَا مَوْضِع بَيَانه. ‏ ‏قَوْله ( أَعْذَرَ اللَّه ) ‏ ‏الْإِعْذَار إِزَالَة الْعُذْر , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ اِعْتِذَار كَأَنْ يَقُول لَوْ مُدَّ لِي فِي الْأَجَل لَفَعَلْت مَا أُمِرْت بِهِ , يُقَال أَعْذَرَ إِلَيْهِ إِذَا بَلَّغَهُ أَقْصَى الْغَايَة فِي الْعُذْر وَمَكَّنَهُ مِنْهُ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْر فِي تَرْك الطَّاعَة مَعَ تَمَكُّنه مِنْهَا بِالْعُمْرِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ حِينَئِذٍ إِلَّا الِاسْتِغْفَار وَالطَّاعَة وَالْإِقْبَال عَلَى الْآخِرَة بِالْكُلِّيَّةِ , وَنِسْبَة الْإِعْذَار إِلَى اللَّه مَجَازِيَّة وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّه لَمْ يَتْرُك لِلْعَبْدِ سَبَبًا فِي الِاعْتِذَار يَتَمَسَّك بِهِ. وَالْحَاصِل أَنَّهُ لَا يُعَاقَب إِلَّا بَعْد حُجَّة. ‏ ‏قَوْله ( أَخَّرَ أَجَله ) ‏ ‏يَعْنِي أَطَالَهُ ‏ ‏( حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَة ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّه إِلَى عَبْد أَحْيَاهُ حَتَّى يَبْلُغ سِتِّينَ سَنَة أَوْ سَبْعِينَ سَنَة , لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّه إِلَيْهِ , لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّه إِلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ أَبُو حَازِم وَابْن عَجْلَان عَنْ الْمَقْبُرِيِّ ) ‏ ‏أَمَّا مُتَابَعَة أَبِي حَازِم وَهُوَ سَلَمَة بْن دِينَار فَأَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم \" حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" كَذَا أَخْرَجَهُ الْحُفَّاظ عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم وَخَالَفَهُمْ هَارُون بْن مَعْرُوف فَرَوَاهُ عَنْ اِبْن أَبِي حَازِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَإِدْخَاله بَيْن سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة فِيهِ رَجُلًا مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة يَعْقُوب بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِغَيْرِ وَاسِطَة. وَأَمَّا طَرِيق مُحَمَّد بْن عَجْلَان فَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ سَعِيد اِبْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَنْ أَتَتْ عَلَيْهِ سِتُّونَ سَنَة فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّه إِلَيْهِ فِي الْعُمْر \" قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا كَانَتْ السِّتُّونَ حَدًّا لِهَذَا لِأَنَّهَا قَرِيبَة مِنْ الْمُعْتَرَك وَهِيَ سِنّ الْإِنَابَة وَالْخُشُوع وَتَرَقُّب الْمَنِيَّة فَهَذَا إِعْذَار بَعْد إِعْذَار لُطْفًا مِنْ اللَّه بِعِبَادِهِ حَتَّى نَقَلَهُمْ مِنْ حَالَة الْجَهْل إِلَى حَالَة الْعِلْم , ثُمَّ أَعْذَرَ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يُعَاقِبهُمْ إِلَّا بَعْد الْحُجَج الْوَاضِحَة وَإِنْ كَانُوا فُطِرُوا عَلَى حُبّ الدُّنْيَا وَطُول الْأَمَل لَكِنَّهُمْ أُمِرُوا بِمُجَاهِدَةِ النَّفْس فِي ذَلِكَ لِيَتَمَثَّلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الطَّاعَة وَيَنْزَجِرُوا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ مِنْ الْمَعْصِيَة. وَفِي الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى أَنَّ اِسْتِكْمَال السِّتِّينَ مَظِنَّة لِانْقِضَاءِ الْأَجَل. وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ بِسَنَدٍ حَسَن إِلَى أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" أَعْمَار أُمَّتِي مَا بَيْن السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ , وَأَقَلّهمْ مَنْ يَجُوز ذَلِكَ \". قَالَ بَعْض الْحُكَمَاء الْأَسْنَان أَرْبَعَة سِنّ الطُّفُولِيَّة , ثُمَّ الشَّبَاب , ثُمَّ الْكُهُولَة , ثُمَّ الشَّيْخُوخَة وَهِيَ آخِر الْأَسْنَان , وَغَالِب مَا يَكُون مَا بَيْن السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ فَحِينَئِذٍ يَظْهَر ضَعْف الْقُوَّة بِالنَّقْصِ وَالِانْحِطَاط , فَيَنْبَغِي لَهُ الْإِقْبَال عَلَى الْآخِرَة بِالْكُلِّيَّةِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَرْجِع إِلَى الْحَالَة الْأُولَى مِنْ النَّشَاط وَالْقُوَّة. وَقَدْ اِسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْض الشَّافِعِيَّة أَنَّ مَنْ اِسْتَكْمَلَ سِتِّينَ فَلَمْ يَحُجّ مَعَ الْقُدْرَة فَإِنَّهُ يَكُون مُقَصِّرًا : وَيَأْثَم إِنْ مَاتَ قَبْل أَنْ يَحُجّ , بِخِلَافِ مَا دُون ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5941",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏وَأَبُو سَلَمَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد الْأَيْلِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( لَا يَزَال قَلْب الْكَبِير شَابًّا فِي اِثْنَتَيْنِ : فِي حُبّ الدُّنْيَا وَطُول الْأَمَل ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْأَمَلِ هُنَا مَحَبَّة طُول الْعُمْر , فَسَّرَهُ حَدِيث أَنَس الَّذِي بَعْده فِي آخِر الْبَاب , وَسَمَّاهُ شَابًّا إِشَارَة إِلَى قُوَّة اِسْتِحْكَام حُبّه لِلْمَالِ , أَوْ هُوَ مِنْ بَاب الْمُشَاكَلَة وَالْمُطَابَقَة. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لَيْث عَنْ يُونُس , وَابْن وَهْب عَنْ يُونُس , عَنْ اِبْن شِهَاب أَخْبَرَنِي سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُسَيِّب ‏ ‏( وَأَبُو سَلَمَة ) ‏ ‏يَعْنِي كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. أَمَّا رِوَايَة لَيْث وَهُوَ اِبْن سَعْد فَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح كَاتِب اللَّيْث \" حَدَّثَنَا اللَّيْث حَدَّثَنِي يُونُس هُوَ اِبْن يَزِيد عَنْ اِبْن شِهَاب أَخْبَرَنِي سَعِيد وَأَبُو سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ \" الْمَال \" بَدَل الدُّنْيَا. وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن وَهْب فَوَصَلَهَا مُسْلِم عَنْ حَرْمَلَة عَنْهُ بِلَفْظِ \" قَلْب الشَّيْخ شَابّ عَلَى حُبّ اِثْنَتَيْنِ طُول الْحَيَاة وَحُبّ الْمَال \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَيُّوب بْن سُوَيْدٍ عَنْ يُونُس مِثْل رِوَايَة اِبْن وَهْب سَوَاء , وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِزِيَادَةٍ فِي أَوَّله قَالَ \" إِنَّ اِبْن آدَم يَضْعُف جِسْمه وَيَنْحَل لَحْمه مِنْ الْكِبَر وَقَلْبه شَابّ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5942",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَكْبَرُ ابْنُ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَانِ حُبُّ الْمَالِ وَطُولُ الْعُمُرِ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ غَيْر مَنْسُوب وَلِغَيْرِهِ \" حَدَّثَنَا مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم \" وَهِشَام هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ. ‏ ‏قَوْله ( يَكْبَر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة أَيْ يَطْعَن فِي السِّنّ. ‏ ‏قَوْله ( وَيَكْبُر مَعَهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة أَيْ يَعْظُم , وَيَجُوز الْفَتْح , وَيَجُوز الضَّمّ فِي الْأَوَّل تَعْبِيرًا عَنْ الْكَثْرَة وَهِيَ كَثْرَة عَدَد السِّنِينَ بِالْعِظَمِ. ‏ ‏قَوْله ( اِثْنَتَانِ حُبّ الْمَال وَطُول الْعُمْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة عَنْ قَتَادَة عِنْد مُسْلِم \" يَهْرَم اِبْن آدَم وَيَشِبّ مَعَهُ اِثْنَتَانِ الْحِرْص عَلَى الْمَال , وَالْحِرْص عَلَى الْعُمْر \" ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مُعَاذ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ قَالَهُ بِمِثْلِهِ. ‏ ‏قَوْله ( رَوَاهُ شُعْبَة عَنْ قَتَادَة ) ‏ ‏وَصَلَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة وَلَفْظه \" سَمِعْت قَتَادَة يُحَدِّث عَنْ أَنَس بِنِحْوِهِ \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بِلَفْظِ \" يَهْرَم اِبْن آدَم وَيَشِبّ مِنْهُ اِثْنَتَانِ \" وَفَائِدَة هَذَا التَّعْلِيق دَفْع تَوَهُّم الِانْقِطَاع فِيهِ لِكَوْنِ قَتَادَة مُدَلِّسًا وَقَدْ عَنْعَنَهُ , لَكِنْ شُعْبَة لَا يُحَدِّث عَنْ الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا بِمَا عَلِمَ أَنَّهُ دَاخِل فِي سَمَاعهمْ فَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ التَّصْرِيح وَالْعَنْعَنَة بِخِلَافِ غَيْره. قَالَ النَّوَوِيّ هَذَا مَجَاز وَاسْتِعَارَة وَمَعْنَاهُ : أَنَّ قَلْب الشَّيْخ كَامِل الْحُبّ لِلْمَالِ مُتَحَكِّم فِي ذَلِكَ كَاحْتِكَامِ قُوَّة الشَّابّ فِي شَبَابه , هَذَا صَوَابه , وَقِيلَ فِي تَفْسِيره غَيْر هَذَا مِمَّا لَا يُرْتَضَى , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْل عِيَاض : هَذَا الْحَدِيث فِيهِ مِنْ الْمُطَابَقَة وَبَدِيع الْكَلَام الْغَايَة , وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْخ مِنْ شَأْنه أَنْ تَكُون آمَاله وَحِرْصه عَلَى الدُّنْيَا قَدْ بَلِيَتْ عَلَى بَلَاء جِسْمه إِذَا اِنْقَضَى عُمْره وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا اِنْتِظَار الْمَوْت , فَلَمَّا كَانَ الْأَمْر بِضِدِّهِ ذَمّ. قَالَ : وَالتَّعْبِير بِالشَّابِّ إِشَارَة إِلَى كَثْرَة الْحِرْص وَبُعْد الْأَمَل الَّذِي هُوَ فِي الشَّبَاب أَكْثَر وَبِهِمْ أَلْيَق لِكَثْرَةِ الرَّجَاء عَادَة عِنْدهمْ فِي طُول أَعْمَارهمْ وَدَوَام اِسْتِمْتَاعهمْ وَلَذَّاتهمْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِي هَذَا الْحَدِيث كَرَاهَة الْحِرْص عَلَى طُول الْعُمْر وَكَثْرَة الْمَال وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ. وَقَالَ غَيْره : الْحِكْمَة فِي التَّخْصِيص بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ أَنَّ أَحَبّ الْأَشْيَاء إِلَى اِبْن آدَم نَفْسه , فَهُوَ رَاغِب فِي بَقَائِهَا فَأَحَبَّ لِذَلِكَ طُول الْعُمْر , وَأَحَبَّ الْمَال لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَم الْأَسْبَاب فِي دَوَام الصِّحَّة الَّتِي يَنْشَأ عَنْهَا غَالِبًا طُول الْعُمْر , فَكُلَّمَا أَحَسَّ بِقُرْبِ نَفَاد ذَلِكَ اِشْتَدَّ حُبّه لَهُ وَرَغْبَته فِي دَوَامه. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِرَادَة فِي الْقَلْب خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّهَا فِي الرَّأْس , قَالَهُ الْمَازِرِيّ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُر هَذَا الْحَدِيث فِي الْبَاب السَّابِق يَعْنِي \" بَاب فِي الْأَمَل وَطُوله \". ‏ ‏قُلْت : وَمُنَاسَبَته لِلْبَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِ لَيْسَتْ بِبَعِيدَة وَلَا خَفِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "5943",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏وَزَعَمَ ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ وَعَقَلَ ‏ ‏مَجَّةً ‏ ‏مَجَّهَا مِنْ دَلْوٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ ‏ ‏ثُمَّ أَحَدَ ‏ ‏بَنِي سَالِمٍ ‏ ‏قَالَ غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَنْ يُوَافِيَ عَبْدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُعَاذ بْن أَسَد ) ‏ ‏هُوَ الْمَرْوَزِيُّ , ‏ ‏وَشَيْخه عَبْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله ( غَدَا عَلَيَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَنْ يُوَافِي ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْل مُعَقَّبًا بِالْغُدُوِّ بَلْ بَيْنهمَا أُمُور كَثِيرَة مِنْ دُخُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْزِله وَصَلَاته فِيهِ وَسُؤَالهمْ أَنْ يَتَأَخَّر عِنْدهمْ حَتَّى يُطْعِمُوهُ وَسُؤَاله عَنْ مَالِك بْن الدَّخْشَم وَكَلَام مَنْ وَقَعَ فِي حَقّه وَالْمُرَاجَعَة فِي ذَلِكَ , وَفِي آخِره ذَلِكَ الْقَوْل الْمَذْكُور هُنَا , وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي \" بَاب الْمَسَاجِد فِي الْبُيُوت \" فِي أَوَائِل الصَّلَاة وَأَوْرَدَهُ أَيْضًا مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي أَبْوَاب صَلَاة التَّطَوُّع , وَأَخْرَجَ مِنْهُ أَيْضًا فِي أَوَائِل الصَّلَاة فِي \" بَاب إِذَا زَارَ قَوْمًا فَصَلَّى عِنْدهمْ \" عَنْ مُعَاذ بْن أَسَد بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْمَتْن طَرَفًا غَيْر الْمَذْكُور هُنَا , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ النَّار \" وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة \" حَرَّمَهُ اللَّه عَلَى النَّار \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ مَا مُلَخَّصه : وَالْمَعْنَى وَاحِد لِوُجُودِ التَّلَازُم بَيْن الْأَمْرَيْنِ , وَاللَّفْظ الْأَوَّل هُوَ الْحَقِيقَة لِأَنَّ النَّار تَأْكُل مَا يُلْقَى فِيهَا , وَالتَّحْرِيم يُنَاسِب الْفَاعِل فَيَكُون اللَّفْظ الثَّانِي مَجَازًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5944",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ‏ ‏مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا ‏ ‏قَبَضْتُ صَفِيَّهُ ‏ ‏مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الْجَنَّةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَعْقُوب بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ الْإسْكَنْدَرَانِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَمْرو مَوْلَى الْمُطَّلِب. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَقُول اللَّه تَعَالَى مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِن عِنْدِي جَزَاء ) ‏ ‏أَيْ ثَوَاب وَلَمْ أَرَ لَفْظ جَزَاء فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان , وَلِأَبِي نُعَيْم مِنْ طَرِيق السَّرَّاج كِلَاهُمَا عَنْ قُتَيْبَة. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا قَبَضْت صَفِيّه ) ‏ ‏بِفَتْحِ الصَّادّ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْفَاء وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة وَهُوَ الْحَبِيب الْمُصَافِي كَالْوَلَدِ وَالْأَخ وَكُلّ مَنْ يُحِبّهُ الْإِنْسَان , وَالْمُرَاد بِالْقَبْضِ قَبْض رُوحه وَهُوَ الْمَوْت. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ اِحْتَسَبَهُ إِلَّا الْجَنَّة ) ‏ ‏قَالَ الْجَوْهَرِيّ اِحْتَسَبَ وَلَده إِذَا مَاتَ كَبِيرًا. فَإِنْ مَاتَ صَغِيرًا قِيلَ أَفْرَطَهُ , وَلَيْسَ هَذَا التَّفْصِيل مُرَادًا هُنَا بَلْ الْمُرَاد بِاحْتَسَبَهُ صَبَرَ عَلَى فَقْده رَاجِيًا الْأَجْر مِنْ اللَّه عَلَى ذَلِكَ , وَأَصْل الْحِسْبَة بِالْكَسْرِ الْأُجْرَة , وَالِاحْتِسَاب طَلَب الْأَجْر مِنْ اللَّه تَعَالَى خَالِصًا. وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن بَطَّال عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَد وَاحِد يَلْتَحِق بِمَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة وَكَذَا اِثْنَانِ , وَأَنَّ قَوْل الصَّحَابِيّ كَمَا مَضَى فِي \" بَاب فَضْل مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَد \" مِنْ كِتَاب الْجَنَائِز \" وَلَمْ نَسْأَلهُ عَنْ الْوَاحِد \" لَا يَمْنَع مِنْ حُصُول الْفَضْل لِمَنْ مَاتَ لَهُ وَاحِد , فَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ بَعْد ذَلِكَ عَنْ الْوَاحِد فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ , أَوْ أَنَّهُ أَعْلَم بِأَنَّ حُكْم الْوَاحِد حُكْم مَا زَادَ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَ بِهِ. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز تَسْمِيَة مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ , وَالرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا \" ثُمَّ لَمْ نَسْأَلهُ عَنْ الْوَاحِد \" وَلَمْ يَقَع لِي إِذْ ذَاكَ وُقُوع السَّائِل عَنْ الْوَاحِد. وَقَدْ وَجَدْت مِنْ حَدِيث جَابِر مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق مَحْمُود بْن أَسَد عَنْ جَابِر وَفِيهِ \" قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه وَاثْنَانِ ؟ قَالَ : وَاثْنَانِ. قَالَ مَحْمُود فَقُلْت لِجَابِرٍ أَرَاكُمْ لَوْ قُلْتُمْ وَاحِدًا لَقَالَ وَاحِد , قَالَ وَأَنَا وَاَللَّه أَظُنّ ذَاكَ \" وَرِجَاله مُوَثَّقُونَ. وَعِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث مُعَاذ رَفَعَهُ \" أَوْجَبَ ذُو الثَّلَاثَة. فَقَالَ لَهُ مُعَاذ : وَذُو الِاثْنَيْنِ ؟ قَالَ : وَذُو الِاثْنَيْنِ \" زَادَ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ قَالَ \" أَوْ وَاحِد \" وَفِي سَنَده ضَعْف. وَلَهُ فِي الْكَبِير وَالْأَوْسَط مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة رَفَعَهُ \" مَنْ دُفِنَ لَهُ ثَلَاثَة فَصَبَرَ \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَقَالَتْ أُمّ أَيْمَن : وَوَاحِد ؟ فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ : يَا أُمّ أَيْمَن مَنْ دَفَنَ وَاحِدًا فَصَبَرَ عَلَيْهِ وَاحْتَسَبَهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة \" وَفِي سَنَدهمَا نَاصِح بْن عَبْد اللَّه وَهُوَ ضَعِيف جِدًّا. وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْ حَدِيث الْبَاب أَنَّ الصَّفِيّ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون وَلَدًا أَمْ غَيْره وَقَدْ أَفْرَدَ وَرَتَّبَ الثَّوَاب بِالْجَنَّةِ لِمَنْ مَاتَ لَهُ فَاحْتَسَبَهُ , وَيُدْخِل هَذَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث قُرَّة بْن إِيَاس \" أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْتِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ اِبْن لَهُ , فَقَالَ : أَتُحِبُّهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ. فَفَقَدَهُ فَقَالَ مَا فَعَلَ فُلَان ؟ قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه مَاتَ اِبْنه , فَقَالَ : أَلَا تُحِبّ أَنْ لَا تَأْتِي بَابًا مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة , إِلَّا وَجَدْته يَنْتَظِرك. فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه أَلَهُ خَاصَّة أَمْ لِكُلِّنَا ؟ قَالَ : بَلْ لِكُلِّكُمْ \" وَسَنَده عَلَى شَرْط الصَّحِيح وَقَدْ صَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم. ‏"
    },
    {
        "id": "5945",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ ‏ ‏وَهُوَ حَلِيفٌ ‏ ‏لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ‏ ‏كَانَ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏يَأْتِي ‏ ‏بِجِزْيَتِهَا ‏ ‏وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ صَالَحَ أَهْلَ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ ‏ ‏فَقَدِمَ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏ ‏بِمَالٍ مِنْ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏فَسَمِعَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏بِقُدُومِهِ ‏ ‏فَوَافَتْهُ ‏ ‏صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا انْصَرَفَ تَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ ‏ ‏أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ بِقُدُومِ ‏ ‏أَبِي عُبَيْدَةَ ‏ ‏وَأَنَّهُ جَاءَ بِشَيْءٍ قَالُوا أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَةَ ) ‏ ‏هُوَ عَمّ إِسْمَاعِيل الرَّاوِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ : قَالَ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ الزُّهْرِيُّ ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ عَمْرو بْن عَوْف ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان نَسَبه فِي الْجِزْيَة. وَفِي السَّنَد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق وَهُمْ مُوسَى وَابْن شِهَاب وَعُرْوَة وَصَحَابِيَّانِ وَهُمَا الْمِسْوَر وَعَمْرو , كُلّهمْ مَدَنِيُّونَ وَكَذَا بَقِيَّة رِجَال الْإِسْنَاد مِنْ إِسْمَاعِيل فَصَاعِدًا. ‏ ‏قَوْله ( إِلَى الْبَحْرَيْنِ ) ‏ ‏سَقَطَ \" إِلَى \" مِنْ رِوَايَة الْأَكْثَر وَثَبَتَتْ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( فَوَاقَفَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والْكُشْمِيهَنِيّ \" فَوَافَقَتْ \". ‏ ‏قَوْله ( فَوَاَللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ ) ‏ ‏بِنَصْبِ الْفَقْر أَيْ مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ الْفَقْر , وَيَجُوز الرَّفْع بِتَقْدِيرِ ضَمِير أَيْ مَا الْفَقْر أَخْشَاهُ عَلَيْكُمْ , وَالْأَوَّل هُوَ الرَّاجِح , وَخَصَّ بَعْضهمْ جَوَاز ذَلِكَ بِالشِّعْرِ , وَهَذِهِ الْخَشْيَة يُحْتَمَل أَنْ يَكُون سَبَبهَا عِلْمه أَنَّ الدُّنْيَا سَتُفْتَحُ عَلَيْهِمْ وَيَحْصُل لَهُمْ الْغِنَى بِالْمَالِ , وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي أَعْلَام النُّبُوَّة مِمَّا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوُقُوعِهِ قَبْل أَنْ يَقَع فَوَقَعَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : فَائِدَة تَقْدِيم الْمَفْعُول هُنَا الِاهْتِمَام بِشَأْنِ الْفَقْر , فَإِنَّ الْوَالِد الْمُشْفِق إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْت كَانَ اِهْتِمَامه بِحَالِ وَلَده فِي الْمَال , فَأَعْلَمَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابه أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِي الشَّفَقَة عَلَيْهِمْ كَالْأَبِ لَكِنَّ حَاله فِي أَمْر الْمَال يُخَالِف حَال الْوَالِد , وَأَنَّهُ لَا يَخْشَى عَلَيْهِمْ الْفَقْر كَمَا يَخْشَاهُ الْوَالِد , وَلَكِنْ يَخْشَى عَلَيْهِمْ مِنْ الْغِنَى الَّذِي هُوَ مَطْلُوب الْوَالِد لِوَلَدِهِ. وَالْمُرَاد بِالْفَقْرِ الْعَهْدِيّ وَهُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة مِنْ قِلَّة الشَّيْء وَيَحْتَمِل الْجِنْس وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ مَضَرَّة الْفَقْر دُون مَضَرَّة الْغِنَى ; لِأَنَّ مَضَرَّة الْفَقْر دُنْيَوِيَّة غَالِبًا وَمَضَرَّة الْغِنَى دِينِيَّة غَالِبًا. ‏ ‏قَوْله ( فَتَنَافَسُوهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة فِيهَا , وَالْأَصْل فَتَتَنَافَسُوا فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ , وَالتَّنَافُس مِنْ الْمُنَافَسَة وَهِيَ الرَّغْبَة فِي الشَّيْء وَمَحَبَّة الِانْفِرَاد بِهِ وَالْمُغَالَبَة عَلَيْهِ , وَأَصْلهَا مِنْ الشَّيْء النَّفِيس فِي نَوْعه , يُقَال نَافَسْت فِي الشَّيْء مُنَافَسَة وَنَفَاسَة وَنِفَاسًا , وَنَفُسَ الشَّيْء بِالضَّمِّ نَفَاسَة صَارَ مَرْغُوبًا فِيهِ , وَنَفِسْت بِهِ بِالْكَسْرِ بَخِلْت , وَنَفِسْت عَلَيْهِ لَمْ أَرَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( فَتُهْلِككُمْ ) ‏ ‏أَيْ لِأَنَّ الْمَال مَرْغُوب فِيهِ فَتَرْتَاح النَّفْس لِطَلَبِهِ فَتُمْنَع مِنْهُ فَتَقَع الْعَدَاوَة الْمُقْتَضِيَة لِلْمُقَاتَلَةِ الْمُفْضِيَة إِلَى الْهَلَاك. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ أَنَّ زَهْرَة الدُّنْيَا يَنْبَغِي لِمَنْ فُتِحَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَحْذَر مِنْ سُوء عَاقِبَتهَا وَشَرّ فِتْنَتهَا , فَلَا يَطْمَئِنّ إِلَى زُخْرُفهَا وَلَا يُنَافِس غَيْره فِيهَا , وَيُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفَقْر أَفْضَل مِنْ الْغِنَى لِأَنَّ فِتْنَة الدُّنْيَا مَقْرُونَة بِالْغِنَى وَالْغِنَى مَظِنَّة الْوُقُوع فِي الْفِتْنَة الَّتِي قَدْ تَجُرّ إِلَى هَلَاك النَّفْس غَالِبًا وَالْفَقِير آمِن مِنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5946",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي ‏ ‏فَرَطُكُمْ ‏ ‏وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ أَوْ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُقْبَةَ بْن عَامِر فِي صَلَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شُهَدَاء أُحُد بَعْد ثَمَان سِنِينَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر كِتَاب الْجَنَائِز وَعَلَامَات النُّبُوَّة , وَقَوْله \" أَنَا فَرَطكُمْ \" بِفَتْحِ الْفَاء وَالرَّاء أَيْ السَّابِق إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5947",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ قِيلَ وَمَا بَرَكَاتُ الْأَرْضِ قَالَ زَهْرَةُ الدُّنْيَا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ هَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَصَمَتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ جَبِينِهِ فَقَالَ أَيْنَ السَّائِلُ قَالَ أَنَا قَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏لَقَدْ حَمِدْنَاهُ حِينَ طَلَعَ ذَلِكَ قَالَ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلَّا بِالْخَيْرِ إِنَّ هَذَا الْمَالَ ‏ ‏خَضِرَةٌ ‏ ‏حُلْوَةٌ وَإِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ ‏ ‏حَبَطًا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏يُلِمُّ ‏ ‏إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرَةِ أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ الشَّمْسَ ‏ ‏فَاجْتَرَّتْ ‏ ‏وَثَلَطَتْ ‏ ‏وَبَالَتْ ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ مَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد. ‏ ‏قَوْله ( إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَقَدْ وَافَقَهُ فِي رِوَايَة هَذَا الْحَدِيث عَنْ مَالِك بِتَمَامِهِ اِبْن وَهْب وَإِسْحَاق بْن مُحَمَّد وَأَبُو قُرَّة , وَرَوَاهُ مَعْن بْن عِيسَى وَالْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ مَالِك مُخْتَصَرًا كُلٌّ مِنْهُمَا طَرَفًا , وَلَيْسَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأ قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْغَرَائِب \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَكْثَر مَا أَخَاف عَلَيْكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِلَال بْن أَبِي مَيْمُونَة عَنْ عَطَاء بْن يَسَار الْمَاضِيَة فِي كِتَاب الزَّكَاة فِي أَوَّله \" أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيَّ يُحَدِّث أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ ذَات يَوْم عَلَى الْمِنْبَر وَجَلَسْنَا حَوْله فَقَالَ : إِنَّ مِمَّا أَخَاف عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَح عَلَيْكُمْ \" وَفِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" إِنِّي مِمَّا أَخَاف \" وَمَا فِي قَوْله مَا يُفْتَح فِي مَوْضِع نَصْب لِأَنَّهَا اِسْم إِنَّ , و \" مِمَّا \" فِي قَوْله \" إِنَّ مِمَّا \" فِي مَوْضِع رَفْع لِأَنَّهَا الْخَبَر. ‏ ‏قَوْله ( زَهْرَة الدُّنْيَا ) ‏ ‏زَادَ هِلَال \" وَزِينَتهَا \" وَهُوَ عَطْف تَفْسِير , وَزَهْرَة الدُّنْيَا بِفَتْحِ الزَّاي وَسُكُون الْهَاء. وَقَدْ قُرِئَ فِي الشَّاذّ عَنْ الْحَسَن وَغَيْره بِفَتْحِ الْهَاء فَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى مِثْل جَهْرَة وَجَهَرَة , وَقِيلَ بِالتَّحْرِيكِ جَمْع زَاهِر كَفَاجِرِ وَفَجَرَة , وَالْمُرَاد بِالزَّهْرَةِ الزِّينَة وَالْبَهْجَة كَمَا فِي الْحَدِيث , وَالزَّهْرَة مَأْخُوذَة مِنْ زَهْرَة الشَّجَر وَهُوَ نُورهَا بِفَتْحِ النُّون , وَالْمُرَاد مَا فِيهَا مِنْ أَنْوَاع الْمَتَاع وَالْعَيْن وَالثِّيَاب وَالزُّرُوع وَغَيْرهَا مِمَّا يَفْتَخِر النَّاس بِحُسْنِهِ مَعَ قِلَّة الْبَقَاء. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله ( هَلْ يَأْتِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِلَال \" أَوَ يَأْتِي \" وَهِيَ بِفَتْحِ الْوَاو وَالْهَمْزَة لِلِاسْتِفْهَامِ وَالْوَاو عَاطِفَة عَلَى شَيْء مُقَدَّر أَيْ تَصِير النِّعْمَة عُقُوبَة ؟ لِأَنَّ زَهْرَة الدُّنْيَا نِعْمَة مِنْ اللَّه فَهَلْ تَعُود هَذِهِ النِّعْمَة نِقْمَة ؟ وَهُوَ اِسْتِفْهَام اِسْتِرْشَاد لَا إِنْكَار , وَالْبَاء فِي قَوْله \" بِالشَّرِّ \" صِلَة لِيَأْتِيَ , أَيْ هَلْ يَسْتَجْلِب الْخَيْر الشَّرّ ؟. ‏ ‏قَوْله ( ظَنَنْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" ظَنَنَّا \" وَفِي رِوَايَة هِلَال \" فَرُئِينَا \" بِضَمِّ الرَّاء وَكَسْر الْهَمْزَة وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَأُرِينَا \" بِضَمِّ الْهَمْزَة. ‏ ‏قَوْله ( يَنْزِل عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ الْوَحْي , وَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا ذَلِكَ بِالْقَرِينَةِ مِنْ الْكَيْفِيَّة الَّتِي جَرَتْ عَادَتهُ بِهَا عِنْدَمَا يُوحَى إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ جَعَلَ يَمْسَح عَنْ جَبِينه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيِّ \" الْعَرَق \" وَفِي رِوَايَة هِلَال \" فَيَمْسَح عَنْهُ الرُّحَضَاء \" بِضَمِّ الرَّاء وَفَتْح الْمُهْمَلَة ثُمَّ الْمُعْجَمَة وَالْمَدّ هُوَ \" الْعَرَق \" وَقِيلَ الْكَثِير , وَقِيلَ عَرَق الْحُمَّى , وَأَصْل الرَّحْض بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُون الْغَسِيل , وَلِهَذَا فَسَّرَهُ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ عَرَق يَرْحَض الْجِلْد لِكَثْرَتِهِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو سَعِيد لَقَدْ حَمِدْنَاهُ حِين طَلَعَ لِذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" حِين طَلَعَ ذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة هِلَال \" وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ \". وَالْحَاصِل أَنَّهُمْ لَامُوهُ أَوَّلًا حَيْثُ رَأَوْا سُكُوت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَظَنُّوا أَنَّهُ أَغْضَبَهُ , ثُمَّ حَمِدُوهُ آخِرًا لَمَّا رَأَوْا مَسْأَلَته سَبَبًا لِاسْتِفَادَةِ مَا قَالَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَمَّا قَوْله \" وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ \" فَأَخَذُوهُ مِنْ قَرِينَة الْحَال. ‏ ‏قَوْله ( لَا يَأْتِي الْخَيْر إِلَّا بِالْخَيْرِ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيِّ تَكْرَار ذَلِكَ ثَلَاث مَرَّات , وَفِي رِوَايَة هِلَال \" إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْر بِالشَّرِّ \" وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الرِّزْق وَلَوْ كَثُرَ فَهُوَ مِنْ جُمْلَة الْخَيْر , إِنَّمَا يَعْرِض لَهُ الشَّرّ بِعَارِضِ الْبُخْل بِهِ عَمَّنْ يَسْتَحِقّهُ وَالْإِسْرَاف فِي إِنْفَاقه فِيمَا لَمْ يُشْرَع , وَأَنَّ كُلّ شَيْء قَضَى اللَّه أَنْ يَكُون خَيْرًا فَلَا يَكُون شَرًّا وَبِالْعَكْسِ , وَلَكِنْ يُخْشَى عَلَى مَنْ رُزِقَ الْخَيْر أَنْ يَعْرِض لَهُ فِي تَصَرُّفه فِيهِ مَا يَجْلُب لَهُ الشَّرّ. وَوَقَعَ فِي مُرْسَل سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور \" أَوَخَيْر هُوَ ؟ ثَلَاث مَرَّات \" وَهُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار , أَيْ أَنَّ الْمَال لَيْسَ خَيْرًا حَقِيقِيًّا وَإِنْ سُمِّيَ خَيْرًا لِأَنَّ الْخَيْر الْحَقِيقِيّ هُوَ مَا يَعْرِض لَهُ مِنْ الْإِنْفَاق فِي الْحَقّ , كَمَا أَنَّ الشَّرّ الْحَقِيقِيّ فِيهِ مَا يَعْرِض لَهُ مِنْ الْإِمْسَاك عَنْ الْحَقّ وَالْإِخْرَاج فِي الْبَاطِل , وَمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيث بَعْد ذَلِكَ مِنْ قَوْله \" إِنَّ هَذَا الْمَال خَضِرَة حُلْوَة \" كَضَرْبِ الْمَثَل بِهَذِهِ الْجُمْلَة. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ هَذَا الْمَال ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيِّ \" وَلَكِنَّ هَذَا الْمَال إِلَخْ \" وَمَعْنَاهُ أَنَّ صُورَة الدُّنْيَا حَسَنَة مُونِقَة , وَالْعَرَب تُسَمِّي كُلّ شَيْء مَشْرِق نَاضِر أَخْضَر , وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : قَوْله \" الْمَال خَضِرَة حُلْوَة \" لَيْسَ هُوَ صِفَة الْمَال وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّشْبِيهِ. كَأَنَّهُ قَالَ : الْمَال كَالْبَقْلَةِ الْخَضْرَاء الْحُلْوَة , أَوْ التَّاء فِي قَوْله خَضِرَة وَحُلْوَة بِاعْتِبَارِ مَا يَشْتَمِل عَلَيْهِ الْمَال مِنْ زَهْرَة الدُّنْيَا , أَوْ عَلَى مَعْنَى فَائِدَة الْمَال أَيْ أَنَّ الْحَيَاة بِهِ أَوْ الْعِيشَة , أَوْ أَنَّ الْمُرَاد بِالْمَالِ هُنَا الدُّنْيَا لِأَنَّهُ مِنْ زِينَتهَا , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( الْمَال وَالْبَنُونَ زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا ) وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد أَيْضًا الْمُخَرَّج فِي السُّنَن \" الدُّنْيَا خَضِرَة حُلْوَة \" فَيَتَوَافَق الْحَدِيثَانِ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون التَّاء فِيهِمَا لِلْمُبَالَغَةِ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّ كُلّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيع ) ‏ ‏أَيْ الْجَدْوَل , وَإِسْنَاد الْإِثْبَات إِلَيْهِ مَجَازِيّ وَالْمُنْبِت فِي الْحَقِيقَة هُوَ اللَّه تَعَالَى , وَفِي رِوَايَة هِلَال \" وَأَنَّ مِمَّا يُنْبِت \" وَمِمَّا فِي قَوْله مِمَّا يُنْبِت لِلتَّكْثِيرِ وَلَيْسَتْ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ لِتُوَافِق رِوَايَة \" كُلّ مَا أَنْبَتَ \" وَهَذَا الْكَلَام كُلّه وَقَعَ كَالْمَثَلِ لِلدُّنْيَا , وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ فِي مُرْسَل سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( يَقْتُل حَبَطًا أَوْ يُلِمّ ) ‏ ‏أَمَّا حَبَطًا فَبِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة وَالطَّاء مُهْمَلَة أَيْضًا , وَالْحَبَط اِنْتِفَاخ الْبَطْن مِنْ كَثْرَة الْأَكْل يُقَال حَبِطَتْ الدَّابَّة تَحْبَط حَبَطًا إِذَا أَصَابَتْ مَرْعًى طَيِّبًا فَأَمْعَنَتْ فِي الْأَكْل حَتَّى تَنْتَفِخ فَتَمُوت , وَرُوِيَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة مِنْ التَّخَبُّط وَهُوَ الِاضْطِرَاب وَالْأَوَّل الْمُعْتَمَد , وَقَوْله \" يُلِمّ \" بِضَمِّ أَوَّله أَيْ يُقَرِّب مِنْ الْهَلَاك. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ عَلَى الِاسْتِثْنَاء , وَرُوِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَتَحْفِيف اللَّام لِلِاسْتِفْتَاحِ. ‏ ‏قَوْله ( آكِلَة ) ‏ ‏بِالْمَدِّ وَكَسْر الْكَاف , \" ‏ ‏الْخَضِر \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْخَاء وَكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَتَيْنِ لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ ضَرْب مِنْ الْكَلَأ يُعْجِب الْمَاشِيَة وَوَاحِدُهُ خَضِرَة وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِضَمِّ الْخَاء وَسُكُون الضَّاد وَزِيَادَة الْهَاء فِي آخِره , وَفِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" الْخَضْرَاء \" بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه وَبِالْمَدِّ , وَلِغَيْرِهِمْ بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح ثَانِيه جَمْع خَضِرَة. ‏ ‏قَوْله ( اِمْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا ) ‏ ‏تَثْنِيَة خَاصِرَة بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَصَاد مُهْمَلَة وَهُمَا جَانِبَا الْبَطْن مِنْ الْحَيَوَان , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" خَاصِرَتهَا \" بِالْإِفْرَادِ. ‏ ‏قَوْله ( أَتَتْ ) ‏ ‏بِمُثَنَّاةٍ أَيْ جَاءَتْ وَفِي رِوَايَة هِلَال \" اِسْتَقْبَلَتْ \". ‏ ‏قَوْله ( اِجْتَرَّتْ ) ‏ ‏بِالْجِيمِ أَيْ اِسْتَرْفَعَتْ مَا أَدْخَلَتْهُ فِي كَرِشهَا مِنْ الْعَلَف فَأَعَادَتْ مَضْغه. ‏ ‏قَوْله ( وَثَلَطَتْ ) ‏ ‏بِمُثَلَّثَةٍ وَلَام مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ طَاء مُهْمَلَة وَضَبَطَهَا اِبْن التِّين بِكَسْرِ اللَّام أَيْ أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنهَا رَقِيقًا , زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ \" ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ \" وَالْمَعْنَى أَنَّهَا إِذَا شَبِعَتْ فَثَقُلَ عَلَيْهَا مَا أَكَلَتْ تَحَيَّلَتْ فِي دَفْعه بِأَنْ تَجْتَرّ فَيَزْدَاد نُعُومَة , ثُمَّ تَسْتَقْبِل الشَّمْس فَتَحْمَى بِهَا فَيَسْهُل خُرُوجه , فَإِذَا خَرَجَ زَالَ الِانْتِفَاخ فَسَلِمَتْ , وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ لَمْ تَتَمَكَّن مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الِانْتِفَاخ يَقْتُلهَا سَرِيعًا , قَالَ الْأَزْهَرِيّ : هَذَا الْحَدِيث إِذَا فُرِّقَ لَمْ يَكَدْ يَظْهَر مَعْنَاهُ , وَفِيهِ مَثَلَانِ أَحَدهمَا لِلْمُفَرِّطِ فِي جَمِيع الدُّنْيَا الْمَانِع مِنْ إِخْرَاجهَا فِي وَجْههَا وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ أَيْ الَّذِي يَقْتُل حَبَطًا. وَالثَّانِي الْمُقْتَصِد فِي جَمْعهَا وَفِي الِانْتِفَاع بِهَا وَهُوَ آكِلَة الْخَضِر فَإِنَّ الْخَضِر لَيْسَ مِنْ أَحْرَار الْبُقُول الَّتِي يُنْبِتهَا الرَّبِيع وَلَكِنَّهَا الْحَبَّة وَالْحَبَّة مَا فَوْق الْبَقْل وَدُون الشَّجَر الَّتِي تَرْعَاهَا الْمَوَاشِي بَعْد هَيْج الْبُقُول , فَضَرَبَ آكِلَة الْخَضِر مِنْ الْمَوَاشِي مَثَلًا لِمَنْ يَقْتَصِد فِي أَخْذ الدُّنْيَا وَجَمْعهَا وَلَا يَحْمِلهُ الْحِرْص عَلَى أَخْذهَا بِغَيْرِ حَقّهَا وَلَا مَنْعهَا مِنْ مُسْتَحِقّهَا , فَهُوَ يَنْجُو مِنْ وَبَالهَا كَمَا نَجَتْ آكِلَة الْخَضِر , وَأَكْثَر مَا تَحْبَط الْمَاشِيَة إِذَا اِنْحَبَسَ رَجِيعهَا فِي بَطْنهَا. وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : آكِلَة الْخَضِر هِيَ بَهِيمَة الْأَنْعَام الَّتِي أَلِفَ الْمُخَاطَبُونَ أَحْوَالهَا فِي سَوْمهَا وَرَعْيهَا وَمَا يَعْرِض لَهَا مِنْ الْبَشَم وَغَيْره , وَالْخَضِر وَالنَّبَات الْأَخْضَر وَقِيلَ حِرَار الْعُشْب الَّتِي تَسْتَلِذّ الْمَاشِيَة أَكْله فَتَسْتَكْثِر مِنْهُ , وَقِيلَ هُوَ مَا يَنْبُت بَعْد إِدْرَاك الْعُشْب وَهِيَاجه فَإِنَّ الْمَاشِيَة تَقْتَطِف مِنْهُ مَثَلًا شَيْئًا فَشَيْئًا وَلَا يُصِيبهَا مِنْهُ أَلَم , وَهَذَا الْأَخِير فِيهِ نَظَر فَإِنَّ سِيَاق الْحَدِيث يَقْتَضِي وُجُود الْحَبَط لِلْجَمِيعِ إِلَّا لِمَنْ وَقَعَتْ مِنْهُ الْمُدَاوَمَة حَتَّى اِنْدَفَعَ عَنْهُ مَا يَضُرّهُ , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ آكِلَة الْخَضِر لَا يَحْصُل لَهَا مِنْ أَكْله ضَرَر أَلْبَتَّةَ , وَالْمُسْتَثْنَى آكِلَة الْخَضِر بِالْوَصْفِ الْمَذْكُور لَا كُلّ مَنْ اِتَّصَفَ بِأَنَّهُ آكِلَة الْخَضِر , وَلَعَلَّ قَائِله وَقَعَتْ لَهُ رِوَايَة فِيهَا \" يَقْتُل أَوْ يُلِمّ إِلَّا آكِلَة الْخَضِر \" وَلَمْ يَذْكُر مَا بَعْده فَشَرَحَهُ عَلَى ظَاهِر هَذَا الِاخْتِصَار. ‏ ‏قَوْله ( فَنِعْمَ الْمَعُونَة ) ‏ ‏هُوَ فِي رِوَايَة هِلَال \" فَنِعْمَ صَاحِب الْمُسْلِم هُوَ \". ‏ ‏قَوْله ( وَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِلَال \" وَأَنَّهُ مَنْ يَأْخُذهُ بِغَيْرِ حَقّه \". ‏ ‏قَوْله ( كَاَلَّذِي يَأْكُل وَلَا يَشْبَع ) ‏ ‏زَادَ هِلَال \" وَيَكُون شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة \" يَحْتَمِل أَنْ يَشْهَد عَلَيْهِ حَقِيقَة بِأَنْ يُنْطِقهُ اللَّه تَعَالَى , وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَجَازًا , وَالْمُرَاد شَهَادَة الْمَلِك الْمُوَكَّل بِهِ. وَيُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث التَّمْثِيل لِثَلَاثَةِ أَصْنَاف ; لِأَنَّ الْمَاشِيَة إِذَا رَعَتْ الْخَضِر لِلتَّغْذِيَةِ إِمَّا أَنْ تَقْتَصِر مِنْهُ عَلَى الْكِفَايَة , وَإِمَّا أَنْ تَسْتَكْثِر , الْأَوَّل الزُّهَّاد وَالثَّانِي إِمَّا أَنْ يَحْتَال عَلَى إِخْرَاج مَا لَوْ بَقِيَ لَضَرَّ فَإِذَا أَخْرَجَهُ زَالَ الضُّرّ وَاسْتَمَرَّ النَّفْع , وَإِمَّا أَنْ يُهْمِل ذَلِكَ , الْأَوَّل الْعَامِلُونَ فِي جَمِيع الدُّنْيَا بِمَا يَجِب مِنْ إِمْسَاك وَبَذْل , وَالثَّانِي الْعَامِلُونَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : يُؤْخَذ مِنْهُ أَرْبَعَة أَصْنَاف : فَمَنْ أَكَلَ مِنْهُ أَكَلَ مُسْتَلِذّ مُفْرِط مُنْهَمِك حَتَّى تَنْتَفِخ أَضْلَاعه وَلَا يُقْلِع فَيُسْرِع إِلَيْهِ الْهَلَاك , وَمَنْ أَكَلَ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ أَخَذَ فِي الِاحْتِيَال لِدَفْعِ الدَّاء بَعْد أَنْ اِسْتَحْكَمَ فَغَلَبَهُ فَأَهْلَكَهُ , وَمَنْ أَكَلَ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ بَادَرَ إِلَى إِزَالَة مَا يَضُرّهُ وَيُحِيل فِي دَفْعه حَتَّى اِنْهَضَمَ فَيَسْلَم , وَمَنْ أَكَلَ غَيْر مُفْرِط وَلَا مُنْهَمِك وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى مَا يَسُدّ جَوْعَته وَيُمْسِك رَمَقَهُ , فَالْأَوَّل مِثَال الْكَافِر وَالثَّانِي مِثَال الْعَاصِي الْغَافِل عَنْ الْإِقْلَاع وَالتَّوْبَة إِلَّا عِنْد فَوْتهَا وَالثَّالِث مِثَال لِلْمُخَلِّطِ الْمُبَادِر لِلتَّوْبَةِ حَيْثُ تَكُون مَقْبُولَة وَالرَّابِع مِثَال الزَّاهِد فِي الدُّنْيَا الرَّاغِب فِي الْآخِرَة , وَبَعْضهَا لَمْ يُصَرِّح بِهِ فِي الْحَدِيث وَأَخْذه مِنْهُ مُحْتَمَل , وَقَوْله \" فَنِعْمَ الْمَعُونَة \" كَالتَّذْيِيلِ لِلْكَلَامِ الْمُتَقَدِّم , وَفِيهِ حَذْف تَقْدِيره إِنْ عَمِلَ فِيهِ بِالْحَقِّ. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى عَكْسه , وَهُوَ بِئْسَ الرَّفِيق هُوَ لِمَنْ عَمِلَ فِيهِ بِغَيْرِ الْحَقّ , وَقَوْله \" كَاَلَّذِي يَأْكُل وَلَا يَشْبَع \" ذُكِرَ فِي مُقَابَلَة \" فَنِعْمَ الْمَعُونَة هُوَ \" وَقَوْله \" وَيَكُون شَهِيدًا عَلَيْهِ \" أَيْ حُجَّة يَشْهَد عَلَيْهِ بِحِرْصِهِ وَإِسْرَافه وَإِنْفَاقه فِيمَا لَا يُرْضِي اللَّه. وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : فِي هَذَا الْحَدِيث وُجُوه مِنْ التَّشْبِيهَات بَدِيعَة : أَوَّلهَا تَشْبِيه الْمَال وَنُمُوّهُ بِالنَّبَاتِ وَظُهُوره , ثَانِيهَا تَشْبِيه الْمُنْهَمِك فِي الِاكْتِسَاب وَالْأَسْبَاب بِالْبَهَائِمِ الْمُنْهَمِكَة فِي الْأَعْشَاب , وَثَالِثهَا تَشْبِيه الِاسْتِكْثَار مِنْهُ وَالِادِّخَار لَهُ بِالشَّرَهِ فِي الْأَكْل وَالِامْتِلَاء مِنْهُ , وَرَابِعهَا تَشْبِيه الْخَارِج مِنْ الْمَال مَعَ عَظَمَته فِي النُّفُوس حَتَّى أَدَّى إِلَى الْمُبَالَغَة فِي الْبُخْل بِهِ بِمَا تَطْرَحهُ الْبَهِيمَة مِنْ السَّلْح فَفِيهِ إِشَارَة بَدِيعَة إِلَى اِسْتِقْذَاره شَرْعًا , وَخَامِسهَا تَشْبِيه الْمُتَقَاعِد عَنْ جَمْعه وَضَمّه بِالشَّاةِ إِذَا اِسْتَرَاحَتْ وَحَطَّتْ جَانِبهَا مُسْتَقْبِلَة عَيْن الشَّمْس فَإِنَّهَا مِنْ أَحْسَن حَالَاتهَا سُكُونًا وَسَكِينَة وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى إِدْرَاكهَا لِمَصَالِحِهَا , وَسَادِسهَا تَشْبِيه مَوْت الْجَامِع الْمَانِع بِمَوْتِ الْبَهِيمَة الْغَافِلَة عَنْ دَفْع مَا يَضُرّهَا , وَسَابِعهَا تَشْبِيه الْمَال بِالصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُؤْمَن أَنْ يَنْقَلِب عَدُوًّا , فَإِنَّ الْمَال مِنْ شَأْنه أَنْ يُحْرَز وَيُشَدّ وَثَاقه حُبًّا لَهُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي مَنْعه مِنْ مُسْتَحِقّه فَيَكُون سَبَبًا لِعِقَابِ مُقْتَنِيه , وَثَامِنهَا تَشْبِيه آخِذه بِغَيْرِ حَقّ بِاَلَّذِي يَأْكُل وَلَا يَشْبَع. وَقَالَ الْغَزَالِيّ : مَثَل الْمَال مَثَل الْحَيَّة الَّتِي فِيهَا تِرْيَاق نَافِع وَسُمّ نَاقِع , فَإِنْ أَصَابَهَا الْعَارِف الَّذِي يَحْتَرِز عَنْ شَرّهَا وَيَعْرِف اِسْتِخْرَاج تِرْيَاقهَا كَانَ نِعْمَة , وَإِنْ أَصَابَهَا الْغَبِيّ فَقَدْ لَقِيَ الْبَلَاء الْمُهْلِك. وَفِي الْحَدِيث جُلُوس الْإِمَام عَلَى الْمِنْبَر عِنْد الْمَوْعِظَة فِي غَيْر خُطْبَة الْجُمُعَة وَنَحْوهَا. وَفِيهِ جُلُوس النَّاس حَوْله وَالتَّحْذِير مِنْ الْمُنَافَسَة فِي الدُّنْيَا. وَفِيهِ اِسْتِفْهَام الْعَالِم عَمَّا يُشْكِل وَطَلَب الدَّلِيل لِدَفْعِ الْمُعَارَضَة. وَفِيهِ تَسْمِيَة الْمَال خَيْرًا , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى ( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْر لَشَدِيد ) وَفِي قَوْله تَعَالَى ( إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ). وَفِيهِ ضَرْب الْمَثَل بِالْحِكْمَةِ وَإِنْ وَقَعَ فِي اللَّفْظ ذِكْر مَا يُسْتَهْجَن كَالْبَوْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُغْتَفَر لِمَا يَتَرَتَّب عَلَى ذِكْره مِنْ الْمَعَانِي اللَّائِقَة بِالْمَقَامِ. وَفِيهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْتَظِر الْوَحْي عِنْد إِرَادَة الْجَوَاب عَمَّا يُسْأَل عَنْهُ , وَهَذَا عَلَى مَا ظَنَّهُ الصَّحَابَة , وَيَجُوز أَنْ يَكُون سُكُوته لِيَأْتِيَ بِالْعِبَارَةِ الْوَجِيزَة الْجَامِعَة الْمُفْهِمَة. وَقَدْ عَدَّ اِبْن دُرَيْدٍ هَذَا الْحَدِيث وَهُوَ قَوْله \" إِنَّ مِمَّا يُنْبِت الرَّبِيع يَقْتُل حَبَطًا أَوْ يُلِمّ \" مِنْ الْكَلَام الْمُفْرَد الْوَجِيز الَّذِي لَمْ يُسْبَق صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَعْنَاهُ , وَكُلّ مَنْ وَقَعَ شَيْء مِنْهُ فِي كَلَامه فَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْهُ. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ تَرْك الْعَجَلَة فِي الْجَوَاب إِذَا كَانَ يَحْتَاج إِلَى التَّأَمُّل. وَفِيهِ لَوْم مَنْ ظُنَّ بِهِ تَعَنُّت فِي السُّؤَال وَحَمْد مَنْ أَجَادَ فِيهِ , وَيُؤَيِّد أَنَّهُ مِنْ الْوَحْي قَوْله يَمْسَح الْعَرَق فَإِنَّهَا كَانَتْ عَادَته عِنْد نُزُول الْوَحْي كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي \" وَإِنَّ جَبِينه لَيَتَفَصَّد عَرَقًا \" وَفِيهِ تَفْضِيل الْغَنِيّ عَلَى الْفَقِير , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ يُمْكِن التَّمَسُّك بِهِ لِمَنْ لَمْ يُرَجِّح أَحَدهمَا عَلَى الْآخَر. وَالْعَجَب أَنَّ النَّوَوِيّ قَالَ : فِيهِ حُجَّة لِمَنْ رَجَّحَ الْغَنِيّ عَلَى الْفَقِير , وَكَانَ قَبْل ذَلِكَ شَرَحَ قَوْله \" لَا يَأْتِي الْخَيْر إِلَّا بِالْخَيْرِ \" عَلَى أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الْخَيْر الْحَقِيقِيّ لَا يَأْتِي إِلَّا بِالْخَيْرِ , لَكِنْ هَذِهِ الزَّهْرَة لَيْسَتْ خَيْرًا حَقِيقِيًّا لِمَا فِيهَا مِنْ الْفِتْنَة وَالْمُنَافَسَة وَالِاشْتِغَال عَنْ كَمَالِ الْإِقْبَال عَلَى الْآخِرَة. قُلْت : فَعَلَى هَذَا يَكُون حُجَّة لِمَنْ يُفَضِّل الْفَقْر عَلَى الْغِنَى وَالتَّحْقِيق أَنْ لَا حُجَّة فِيهِ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَفِيهِ الْحَضّ عَلَى إِعْطَاء الْمِسْكِين وَالْيَتِيم وَابْن السَّبِيل. وَفِيهِ أَنَّ الْمُكْتَسِب لِلْمَالِ مِنْ غَيْر حِلّه لَا يُبَارَك لَهُ فِيهِ لِتَشْبِيهِهِ بِاَلَّذِي يَأْكُل وَلَا يَشْبَع. وَفِيهِ ذَمّ الْإِسْرَاف وَكَثْرَة الْأَكْل وَالنَّهَم فِيهِ , وَأَنَّ اِكْتِسَاب الْمَال مِنْ غَيْر حِلّه وَكَذَا إِمْسَاكه عَنْ إِخْرَاج الْحَقّ مِنْهُ سَبَب لِمَحْقِهِ فَيَصِير غَيْر مُبَارَك كَمَا قَالَ تَعَالَى ( يَمْحَق اللَّه الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَات ). ‏"
    },
    {
        "id": "5948",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا جَمْرَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَالَ ‏ ‏عِمْرَانُ ‏ ‏فَمَا أَدْرِي قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ قَوْلِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت أَبَا جَمْرَة ) ‏ ‏هُوَ بِالْجِيمِ وَالرَّاء وَهُوَ الضُّبَعِيُّ نَصْر بْن عِمْرَانَ , وَقَدْ رَوَى شُعْبَة عَنْ أَبِي حَمْزَة بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي حَدِيثًا لَكِنَّهُ عِنْد مُسْلِم دُون الْبُخَارِيّ , وَلَيْسَ لِشُعْبَةَ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي جَمْرَة بِهَذِهِ الصُّورَة إِلَّا عَنْ نَصْر بْن عِمْرَانَ. وَزَهْدَم بِالزَّايِ وَزْن جَعْفَر وَمُضَرِّب بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة ثُمَّ الْمُوَحَّدَة وَالتَّشْدِيد بِاسْمِ الْفَاعِل , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي الشَّهَادَات وَفِي أَوَّل فَضَائِل الصَّحَابَة , وَكَذَا الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "5949",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي حَمْزَة ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي هُوَ مُحَمَّد بْن مَيْمُون السُّكَّرِيّ , وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخَعِيُّ , وَعَبِيدَة بِفَتْحِ أَوَّله هُوَ اِبْن عَمْرو. ‏"
    },
    {
        "id": "5950",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏خَبَّابًا ‏ ‏وَقَدْ اكْتَوَى يَوْمَئِذٍ سَبْعًا فِي بَطْنِهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِالْمَوْتِ إِنَّ ‏ ‏أَصْحَابَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصْهُمْ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنْ الدُّنْيَا مَا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلَّا التُّرَابَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث خَبَّاب أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ فِي الْأُولَى زِيَادَة عَلَى مَا فِي الثَّانِيَة , وَهُوَ حَدِيث وَاحِد ذَكَرَ فِيهِ بَعْض الرُّوَاة مَا لَمْ يَذْكُر بَعْض وَأَبْهَمَ شَيْئًا قَالَهُ شُعْبَة , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَته لَهُ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد فِي أَوَاخِر كِتَاب الْمَرْضَى قَبْل كِتَاب الطِّبّ وَشُرِحَ هُنَاكَ وَزَادَ أَحْمَد عَنْ وَكِيع بِهَذَا السَّنَد فِي هَذَا الْمَتْن فَقَالَ فِي أَوَّله \" دَخَلْنَا عَلَى خَبَّاب نَعُودهُ وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ فَقَالَ : إِنَّ الْمُسْلِم يُؤْجَر فِي كُلّ شَيْء إِلَّا مَا يَجْعَلهُ فِي هَذَا التُّرَاب \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذِهِ الزِّيَادَة هُنَاكَ. وَإِسْمَاعِيل فِي الطَّرِيقَيْنِ هِرّ اِبْن أَبِي خَالِد , وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم وَرِجَال الْإِسْنَاد مِنْ وَكِيع فَصَاعِدًا كُوفِيُّونَ , وَيَحْيَى فِي السَّنَد الثَّانِي هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان وَهُوَ بَصْرِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5951",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏قَالَ أَتَيْتُ ‏ ‏خَبَّابًا ‏ ‏وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ مَضَوْا لَمْ تَنْقُصْهُمْ الدُّنْيَا شَيْئًا وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ شَيْئًا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلَّا التُّرَابَ ‏",
        "sharh": "اُنْظُرْ الْحَدِيث السَّابِق ‏"
    },
    {
        "id": "5952",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَبَّابٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَصَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث خَبَّاب أَيْضًا , وَرِجَاله مِنْ شَيْخ الْبُخَارِيّ فَصَاعِدًا كُوفِيُّونَ , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ شَقِيق أَبِي وَائِل عَنْ خَبَّاب ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَة مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان عَنْ الْأَعْمَش \" سَمِعْت أَبَا وَائِل حَدَّثَنَا خَبَّاب \". ‏ ‏قَوْله ( هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَّهُ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَتَشْدِيد الْمُهْمَلَة بَعْدهَا ضَمِير , وَالْمُرَاد أَنَّ الرَّاوِي قَصَّ الْحَدِيث وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ بِتَمَامِهِ فِي أَوَّل الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور هُنَا وَقَرَنَهُ بِرِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ الْأَعْمَش وَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ وَقَالَ بَعْد الْمَذْكُور هُنَا \" فَوَقَعَ أَجْرنَا عَلَى اللَّه تَعَالَى , فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْخُذ مِنْ أَجْره شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَب بْن عُمَيْر \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْره فِي الْجَنَائِز وَأَحَلْت شَرْحه عَلَى مَا هُنَا , وَذُكِرَ فِي الْهِجْرَة فِي مَوْضِعَيْنِ وَفِي غَزْوَة أُحُد فِي مَوْضِعَيْنِ وَأَحَلْت بِهِ فِي الْهِجْرَة عَلَى الْمَغَازِي , وَلَمْ يَتَيَسَّر فِي الْمَغَازِي التَّعَرُّض لِشَرْحِهِ ذُهُولًا وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. وَسَيَأْتِي بَعْد ثَمَانِيَة أَبْوَاب فِي \" بَاب فَضْل الْفَقْر \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "5953",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ قَالَ أَتَيْتُ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ‏ ‏بِطَهُورٍ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْمَقَاعِدِ فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَوَضَّأَ وَهُوَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هَذَا الْوُضُوءِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ قَالَ وَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا ‏ ‏تَغْتَرُّوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( شَيْبَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , و ‏ ‏( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن كَثِير , و ‏ ‏( مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ التَّيْمِيُّ وَاسْم جَدّه الْحَارِث بْن خَالِد وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَة. ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي مُعَاذ بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُثْمَان بْن عُبَيْد اللَّه التَّيْمِيُّ , وَعُثْمَان جَدّه هُوَ أَخُو طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه , وَوَالِده عَبْد الرَّحْمَن صَحَابِيّ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِم , وَكَانَ يُلَقَّب شَارِب الذَّهَب , وَقُتِلَ مَعَ اِبْن الزُّبَيْر. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ شَقِيق بْن سَلَمَة. هَذِهِ رِوَايَة الْوَلِيد بْن مُسْلِم عِنْد النَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَهْ , وَفِي رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد بْن حَبِيب عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ بِسَنَدِهِ \" عَنْ عِيسَى بْن طَلْحَة \" بَدَل شَقِيق بْن سَلَمَة. قَالَ الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" : رِوَايَة الْوَلِيد أَصْوَب. قُلْت : وَرِوَايَة شَيْبَانَ أَرْجَح مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ لِأَنَّ نَافِع بْن جُبَيْر وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي سَلَمَة وَافَقَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيَّ فِي رِوَايَته لَهُ عَنْ مُعَاذ بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الطَّرِيقَانِ مَحْفُوظَيْنِ لِأَنَّ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم صَاحِب حَدِيث فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُعَاذ وَمِنْ عِيسَى بْن طَلْحَة وَكُلّ مِنْهُمَا مِنْ رَهْطه وَمِنْ بَلَده الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة , وَأَمَّا شَقِيق بْن سَلَمَة فَلَيْسَ مِنْ رَهْطه وَلَا مِنْ بَلَده. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ اِبْن أَبَان أَخْبَرَهُ ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض وَقَعَ لِأَبِي ذَرّ وَالنَّسَفِيّ وَالْكَافَّة \" أَنَّ اِبْن أَبَان أَخْبَرَهُ \" وَوَقَعَ لِابْنِ السَّكَن \" أَنَّ حُمْرَان بْن أَبَان \" وَوَقَعَ لِلجُّرْجَانِيِّ وَحْده \" أَنَّ أَبَان أَخْبَرَهُ \" وَهُوَ خَطَأ. قُلْت : وَوَقَعَ فِي نُسْخَة مُعْتَمَدَة مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" أَنَّ اِبْن أَبَان \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ الْحَسَن بْن مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ بِسَنَد الْبُخَارِيّ فِيهِ وَوَقَعَ عِنْده \" أَنَّ حُمْرَان بْن أَبَان أَخْبَرَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَحْسَنَ الْوُضُوء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة نَافِع بْن جُبَيْر عَنْ حُمْرَان \" فَأَسْبَغَ الْوُضُوء \" وَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حُمْرَان بَيَان صِفَة الْإِسْبَاغ الْمَذْكُور وَالتَّثْلِيث فِيهِ وَقَوْل عُرْوَة \" إِنَّ هَذَا أَسْبَغَ الْوُضُوء \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَالَ مَنْ تَوَضَّأَ مِثْل هَذَا الْوُضُوء ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هُنَاكَ تَوْجِيهه وَتُعُقِّبَ مَنْ نَفَى وُرُود الرِّوَايَة بِلَفْظِ \" مِثْل \" وَأَنَّ الْحِكْمَة فِي وُرُودهَا بِلَفْظِ \" نَحْو \" التَّعَذُّر عَلَى كُلّ أَحَد أَنْ يَأْتِي بِمِثْلِ وُضُوء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِد فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ ) ‏ ‏هَكَذَا أَطْلَقَ صَلَاة رَكْعَتَيْنِ , وَهُوَ نَحْو رِوَايَة اِبْن شِهَاب الْمَاضِيَة فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَقَيَّدَهُ مُسْلِم فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق نَافِع بْن جُبَيْر عَنْ حُمْرَان بِلَفْظِ \" ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة فَصَلَّاهَا مَعَ النَّاس أَوْ فِي الْمَسْجِد \" وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُمْرَان عِنْده \" فَيُصَلِّي صَلَاة \" وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْهُ \" فَيُصَلِّي الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة \" وَزَادَ \" إِلَّا غَفَرَ اللَّه لَهُ مَا بَيْنهَا وَبَيْن الصَّلَاة الَّتِي تَلِيهَا \" أَيْ الَّتِي سَبَقَتْهَا , وَفِيهِ تَقْيِيد لِمَا أَطْلَقَ فِي قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" غَفَرَ اللَّه لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه \" وَإِنَّ التَّقَدُّم خَاصّ بِالزَّمَانِ الَّذِي بَيْن الصَّلَاتَيْنِ , وَأَصْرَح مِنْهُ فِي رِوَايَة أَبِي صَخْرَة عَنْ حُمْرَان عِنْد مُسْلِم أَيْضًا \" مَا مِنْ مُسْلِم يَتَطَهَّر فَيُتِمّ الطَّهُور الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ فَيُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَوَات الْخَمْس إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَة لِمَا بَيْنهنَّ \" , وَتَقَدَّمَ مِنْ طَرِيق عُرْوَة عَنْ حُمْرَان \" إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنه وَبَيْن الصَّلَاة حَتَّى يُصَلِّيهَا \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ عَنْ عُثْمَان بِنَحْوِهِ , وَفِيهِ تَقْيِيده بِمَنْ لَمْ يَغْشَ الْكَبِيرَة , وَقَدْ بَيَّنْت تَوْجِيه ذَلِكَ فِي كِتَاب الطَّهَارَة وَاضِحًا , وَالْحَاصِل أَنَّ لِحُمْرَانَ عَنْ عُثْمَان حَدِيثَيْنِ فِي هَذَا : أَحَدهمَا مُقَيَّد بِتَرْكِ حَدِيث النَّفْس وَذَلِكَ فِي صَلَاة رَكْعَتَيْنِ مُطْلَقًا غَيْر مُقَيَّد بِالْمَكْتُوبَةِ , وَالْآخَر فِي الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة فِي الْجَمَاعَة أَوْ فِي الْمَسْجِد مِنْ غَيْر تَقْيِيد بِتَرْكِ حَدِيث النَّفْس. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَغْتَرُّوا ) ‏ ‏قَدَّمْت شَرْحه فِي الطَّهَارَة وَحَاصِله لَا تَحْمِلُوا الْغُفْرَان عَلَى عُمُومه فِي جَمِيع الذُّنُوب فَتَسْتَرْسِلُوا فِي الذُّنُوب اِتِّكَالًا عَلَى غُفْرَانهَا بِالصَّلَاةِ , فَإِنَّ الصَّلَاة الَّتِي تُكَفِّر الذُّنُوب هِيَ الْمَقْبُولَة وَلَا اِطِّلَاع لِأَحَدٍ عَلَيْهِ. ظَهَرَ لِي جَوَاب آخَر وَهُوَ أَنَّ الْمُكَفَّر بِالصَّلَاةِ هِيَ الصَّغَائِر فَلَا تَغْتَرُّوا فَتَعْمَلُوا الْكَبِيرَة بِنَاء عَلَى تَكْفِير الذُّنُوب بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهُ خَاصّ بِالصَّغَائِرِ , أَوْ لَا تَسْتَكْثِرُوا مِنْ الصَّغَائِر فَإِنَّهَا بِالْإِصْرَارِ تُعْطَى حُكْم الْكَبِيرَة فَلَا يُكَفِّرهَا مَا يُكَفِّر الصَّغِيرَة , أَوْ أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِأَهْلِ الطَّاعَة فَلَا يَنَالهُ مَنْ هُوَ مُرْتَبِك فِي الْمَعْصِيَة. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5954",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَيَانٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مِرْدَاسٍ الْأَسْلَمِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ وَيَبْقَى ‏ ‏حُفَالَةٌ ‏ ‏كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوْ التَّمْرِ لَا يُبَالِيهِمْ اللَّهُ بَالَةً ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏يُقَالُ حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن حَمَّاد ) ‏ ‏هُوَ مِنْ قُدَمَاء مَشَايِخه , وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ فِي كِتَاب الْحَيْض. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ بَيَان ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّة خَفِيفَة وَهُوَ اِبْن بِشْر , وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَمِرْدَاس الْأَسْلَمِيّ هُوَ اِبْن مَالِك , زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : رَجُل مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهِيَ عِنْده فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ بَيَان , وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَاب الشَّجَرَة أَيْ الَّذِينَ بَايَعُوا بَيْعَة الرِّضْوَان , وَذَكَرَ مُسْلِم فِي الْوُحْدَان وَتَبِعَهُ جَمَاعَة مِمَّنْ صَنَّفَ فِيهَا أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا قَيْس بْن أَبِي حَازِم , وَوَقَعَ فِي \" التَّهْذِيب لِلْمِزِّيّ \" فِي تَرْجَمَة مِرْدَاس هَذَا أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ زِيَاد بْن عَلَاقَة أَيْضًا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مِرْدَاس آخَر أَفْرَدَهُ أَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن فِي الصَّحَابَة عَنْ مِرْدَاس بْن مَالِك وَقَالَ : إِنَّهُ مِرْدَاس بْن غَرْوَة. وَمِمَّنْ فَرَّقَ بَيْنهمَا الْبُخَارِيّ وَالرَّازِيّ وَالْبُسْتِيّ وَرَجَّحَهُ اِبْن السَّكَن. ‏ ‏قَوْله ( يَذْهَب الصَّالِحُونَ الْأَوَّل فَالْأَوَّل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد بْن غِيَاث عَنْ أَبِي عَوَانَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" يُقْبَض \" بَدَل يَذْهَب وَالْمُرَاد قَبْض أَرْوَاحهمْ , وَعِنْده مِنْ رِوَايَة خَالِد الطَّحَّان عَنْ بَيَان \" يَذْهَب الصَّالِحُونَ أَسْلَافًا وَيُقْبَض الصَّالِحُونَ الْأَوَّل فَالْأَوَّل \" وَالثَّانِيَة تَفْسِير لِلْأُولَى. ‏ ‏قَوْله ( وَيَبْقَى حُثَالَة أَوْ حُفَالَة ) ‏ ‏هُوَ شَكّ هَلْ هِيَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة أَوْ بِالْفَاءِ وَالْحَاء الْمُهْمَلَة فِي الْحَالَيْنِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد \" حُثَالَة \" بِالْمُثَلَّثَةِ جَزْمًا. ‏ ‏قَوْله ( كَحُثَالَةِ الشَّعِير أَوْ التَّمْر ) ‏ ‏يَحْتَمِل الشَّكّ وَيَحْتَمِل التَّنْوِيع , وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد \" كَحُثَالَةِ الشَّعِير \" فَقَطْ , وَفِي رِوَايَة \" حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مِثْل حُثَالَة التَّمْر وَالشَّعِير \" زَادَ غَيْر أَبِي ذَرّ مِنْ رُوَاة الْبُخَارِيّ : قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه وَهُوَ الْبُخَارِيّ حُثَالَة وَحُفَالَة يَعْنِي أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِد. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْحُثَالَة بِالْفَاءِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ الرَّدِيء مِنْ كُلّ شَيْء , وَقِيلَ آخِر مَا يَبْقَى مِنْ الشَّعِير وَالتَّمْر وَأَرْدَؤُهُ , وَقَالَ اِبْن التِّين : الْحُثَالَة سَقَط النَّاس , وَأَصْلهَا مَا يَتَسَاقَط مِنْ قُشُور التَّمْر وَالشَّعِير وَغَيْرهمَا. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : مَا يَسْقُط مِنْ الشَّعِير عِنْد الْغَرْبَلَة وَيَبْقَى مِنْ التَّمْر بَعْد الْأَكْل. وَوَجَدْت لِهَذَا الْحَدِيث شَاهِدًا مِنْ رِوَايَة الْفَزَارِيَّة اِمْرَأَة عُمَر بِلَفْظِ \" تَذْهَبُونَ الْخَيِّر فَالْخَيِّر حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا حُثَالَة كَحُثَالَةِ التَّمْر يَنْزَوِ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض نَزْو الْمَعْز \" أَخْرَجَهُ أَبُو سَعِيد بْن يُونُس فِي \" تَارِيخ مِصْر \" وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِرَفْعِهِ لَكِنْ لَهُ حُكْم الْمَرْفُوع. ‏ ‏قَوْله ( لَا يُبَالِيهِمْ اللَّه بَالَة ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ لَا يَرْفَع لَهُمْ قَدْرًا وَلَا يُقِيم لَهُمْ وَزْنًا , يُقَال بَالَيْت بِفُلَانٍ وَمَا بَالَيْت بِهِ مُبَالَاة وَبَالِيَة وَبَالَة. وَقَالَ غَيْره : أَصْل بَالَة بَالِيَة فَحُذِفَتْ الْيَاء تَخْفِيفًا. وَتُعُقِّبَ قَوْل الْخَطَّابِيِّ بِأَنَّ بَالِيَة لَيْسَ مَصْدَرًا لِبَالَيْت وَإِنَّمَا هُوَ اِسْم مَصْدَره. وَقَالَ أَبُو الْحَسَن الْقَابِسِيّ : سَمِعْته فِي الْوَقْف بَالَة , وَلَا أَدْرِي كَيْف هُوَ فِي الدَّرْج , وَالْأَصْل بَالَيْته بَالَاة فَكَأَنَّ الْأَلِف حُذِفَتْ فِي الْوَقْف. كَذَا قَالَ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع فِي مَصْدَره بَالَاة. قَالَ : وَلَوْ عَلِمَ الْقَابِسِيّ مَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ بَالَة مَصْدَر مُصَار لَمَا اِحْتَاجَ إِلَى هَذَا التَّكَلُّف. قُلْت : تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَة عِيسَى بْن يُونُس عَنْ بَيَان بِلَفْظِ \" لَا يَعْبَأ اللَّه بِهِمْ شَيْئًا \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد \" لَا يُبَالِي اللَّه عَنْهُمْ \" وَكَذَا فِي رِوَايَة خَالِد الطَّحَّان , وَ \" عَنْ \" هُنَا بِمَعْنَى الْبَاء يُقَال مَا بَالَيْت بِهِ وَمَا بَالَيْت عَنْهُ , وَقَوْله يَعْبَأ بِالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَة وَالْمُوَحَّدَة مَهْمُوز أَيْ لَا يُبَالِي , وَأَصْله مِنْ الْعِبْء بِالْكَسْرِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَة مَهْمُوز وَهُوَ الثِّقَل فَكَأَنَّ مَعْنَى لَا يَعْبَأ بِهِ أَنَّهُ لَا وَزْن لَهُ عِنْده. وَوَقَعَ فِي آخِر حَدِيث الْفَزَارِيَّة الْمَذْكُور آنِفًا \" عَلَى أُولَئِكَ تَقُوم السَّاعَة \" قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي الْحَدِيث أَنَّ مَوْت الصَّالِحِينَ مِنْ أَشْرَاط السَّاعَة. وَفِيهِ النَّدْب إِلَى الِاقْتِدَاء بِأَهْلِ الْخَيْر , وَالتَّحْذِير مِنْ مُخَالَفَتهمْ خَشْيَة أَنْ يَصِير مَنْ خَالَفَهُمْ مِمَّنْ لَا يَعْبَأ اللَّه بِهِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوز اِنْقِرَاض أَهْل الْخَيْر فِي آخِر الزَّمَان حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا أَهْل الشَّرّ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز خُلُوّ الْأَرْض مِنْ عَالِم حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا أَهْل الْجَهْل صِرْفًا. وَيُؤَيِّدهُ الْحَدِيث الْآتِي فِي الْفِتَن \" حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِم اِتَّخَذَ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا \" وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ هُنَا قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه حُفَالَة وَحُثَالَة أَيْ أَنَّهَا رُوِيَتْ بِالْفَاءِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ , وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِد. ‏"
    },
    {
        "id": "5955",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ‏ ‏وَالْقَطِيفَةِ ‏ ‏وَالْخَمِيصَةِ ‏ ‏إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الزِّمِّيّ بِكَسْرِ الزَّاي وَتَشْدِيد الْمِيم وَيُقَال لَهُ اِبْن أَبِي كَرِيمَة فَقِيلَ هِيَ كُنْيَة أَبِيهِ وَقِيلَ. هُوَ جَدّه وَاسْمه كُنْيَته , أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيّ بِغَيْرِ وَاسِطَة فِي الصَّحِيح وَأَخْرَجَ عَنْهُ خَارِج الصَّحِيح بِوَاسِطَةٍ. ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة ثُمَّ مُعْجَمَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنَا \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي حَصِين ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ بِفَتْحِ أَوَّله هُوَ عُثْمَان بْن عَاصِم , وَفِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ أَيْضًا \" حَدَّثَنَا \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَافَقَ أَبَا بَكْر عَلَى رَفْعه شَرِيك الْقَاضِي , وَقِيسَ بْن الرَّبِيع عَنْ أَبِي حَصِينٍ , وَخَالَفَهُمْ إِسْرَائِيل فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ مَوْقُوفًا. قُلْت : إِسْرَائِيل أَثْبَت مِنْهُمْ , وَلَكِنْ اِجْتِمَاع الْجَمَاعَة يُقَاوِم ذَلِكَ , وَحِينَئِذٍ تَتِمّ الْمُعَارَضَة بَيْن الرَّفْع وَالْوَقْف فَيَكُون الْحُكْم لِلرَّفْعِ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث سَنَدًا وَمَتْنًا فِي بَاب الْحِرَاسَة فِي الْغَزْو مِنْ كِتَاب الْجِهَاد , وَهُوَ مِنْ نَوَادِر مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْجَامِع الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله ( تَعِسَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَيَجُوز الْفَتْح أَيْ سَقَطَ وَالْمُرَاد هُنَا هَلَكَ , وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : التَّعْس الشَّرّ , قَالَ تَعَالَى ( فَتَعْسًا لَهُمْ ) أَرَادَ أَلْزَمهُمْ الشَّرّ , وَقِيلَ التَّعْس الْبُعْد أَيْ بُعْدًا لَهُمْ. وَقَالَ غَيْره قَوْلهمْ تَعْسًا لِفُلَانٍ نَقِيض قَوْلهمْ لَعًا لَهُ , فَتَعْسًا دُعَاء عَلَيْهِ بِالْعَثْرَةِ وَلَعًا دُعَاء لَهُ بِالِانْتِعَاشِ. ‏ ‏قَوْله ( عَبْد الدِّينَار ) ‏ ‏أَيْ طَالِبه الْحَرِيص عَلَى جَمْعه الْقَائِم عَلَى حِفْظه , فَكَأَنَّهُ لِذَلِكَ خَادِمه وَعَبْده. قَالَ الطِّيبِيُّ : قِيلَ خُصَّ الْعَبْد بِالذِّكْرِ لِيُؤْذَن بِانْغِمَاسِهِ فِي مَحَبَّة الدُّنْيَا وَشَهَوَاتهَا كَالْأَسِيرِ الَّذِي لَا يَجِد خَلَاصًا , وَلَمْ يَقُلْ مَالِك الدِّينَار وَلَا جَامِع الدِّينَار لِأَنَّ الْمَذْمُوم مِنْ الْمِلْك وَالْجَمْع الزِّيَادَةُ عَلَى قَدْر الْحَاجَة. وَقَوْله \" إِنْ أُعْطِىَ إِلَخْ \" يُؤْذِن بِشِدَّةِ الْحِرْص عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ غَيْره : جَعَلَهُ عَبْدًا لَهُمَا لِشَغَفِهِ وَحِرْصه , فَمَنْ كَانَ عَبْدًا لِهَوَاهُ لَمْ يَصْدُق فِي حَقّه ( إِيَّاكَ نَعْبُد ) فَلَا يَكُون مَنْ اِتَّصَفَ بِذَلِكَ صِدِّيقًا. ‏ ‏قَوْله ( وَالْقَطِيفَة ) ‏ ‏هِيَ الثَّوْب الَّذِي لَهُ خَمْل \" وَالْخَمِيصَة الْكِسَاء الْمُرَبَّع \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث , فِي كِتَاب الْجِهَاد مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ أَبِي صَالِح بِلَفْظِ \" تَعِسَ عَبْد الدِّينَار وَعَبْد الدِّرْهَم وَعَبْد الْخَمِيصَة , تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا اِنْتَقَشَ \" وَقَوْله وَانْتَكَسَ أَيْ عَاوَدَهُ الْمَرَض فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِير التَّعْس بِالسُّقُوطِ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ إِذَا قَامَ مِنْ سَقْطَته عَاوَدَهُ السُّقُوط , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى بِانْتَكَسَ بَعْد تَعِسَ اِنْقَلَبَ عَلَى رَأْسه بَعْد أَنْ سَقَطَ. ثُمَّ وَجَدْته فِي شَرْح الطِّيبِيِّ , قَالَ فِي قَوْله \" تَعِسَ وَانْتَكَسَ \" فِيهِ التَّرَقِّي فِي الدُّعَاء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذَا تَعِسَ اِنْكَبَّ عَلَى وَجْهه فَإِذَا اِنْتَكَسَ اِنْقَلَبَ عَلَى رَأْسه , وَقِيلَ التَّعْس الْخَرّ عَلَى الْوَجْه وَالنَّكْس الْخَرّ عَلَى الرَّأْس. وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة \" وَإِذَا شِيكَ \" بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ثُمَّ كَاف أَيْ إِذَا دَخَلَتْ فِيهِ شَوْكَة لَمْ يَجِد مَنْ يُخْرِجهَا بِالْمِنْقَاشِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْله فَلَا اِنْتَقَشَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد لَمْ يَقْدِر الطَّبِيب أَنْ يُخْرِجهَا. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى الدُّعَاء عَلَيْهِ بِمَا يُثَبِّطهُ عَنْ السَّعْي وَالْحَرَكَة , وَسَوَّغَ الدُّعَاء عَلَيْهِ كَوْنه قَصَرَ عَمَله عَلَى جَمْع الدُّنْيَا وَاشْتَغَلَ بِهَا عَنْ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مِنْ التَّشَاغُل بِالْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَات. قَالَ الطِّيبِيُّ : وَإِنَّمَا خُصَّ اِنْتِقَاش الشَّوْكَة بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَسْهَلَ مَا يُتَصَوَّر مِنْ الْمُعَاوَنَة , فَإِذَا اِنْتَفَى ذَلِكَ الْأَسْهَل اِنْتَفَى مَا فَوْقه بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. ‏ ‏قَوْله ( إِنْ أُعْطِيَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ ) ‏ ‏وَقَعَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ الْوَفَاء عِوَض الرِّضَا وَأَحَدهمَا مَلْزُوم لِلْآخَرِ غَالِبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5956",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَوْ كَانَ لِابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَطَاء ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاح , وَصَرَّحَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة بِسَمَاعِ اِبْن جُرَيْجٍ لَهُ مِنْ عَطَاء , وَهَذَا هُوَ الْحِكْمَة فِي إِيرَاد الْإِسْنَاد النَّازِل عَقِب الْعَالِي إِذْ بَيْنه وَبَيْن اِبْن جَرِيح فِي الْأَوَّل وَاحِد وَفِي الثَّانِي اِثْنَانِ , وَفِي السَّنَد الثَّانِي أَيْضًا فَائِدَة أُخْرَى وَهِيَ الزِّيَادَة فِي آخِره , وَمُحَمَّد فِي الثَّانِي هُوَ اِبْن سَلَام وَقَدْ نُسِبَ فِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ كَذَلِكَ , وَمَخْلَد بِفَتْحِ الْمِيم وَاللَّام بَيْنهمَا خَاء مُعْجَمَة. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذَا مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي صَرَّحَ فِيهَا اِبْن عَبَّاس بِسَمَاعِهِ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهِيَ قَلِيلَة بِالنِّسْبَةِ لِمَرْوِيِّهِ عَنْهُ , فَإِنَّهُ أَحَد الْمُكْثِرِينَ , وَمَعَ ذَلِكَ فَتَحَمُّله كَانَ أَكْثَره عَنْ كِبَار الصَّحَابَة. ‏ ‏قَوْله ( لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَم وَادِيَانِ مِنْ مَال لَابْتَغَى ثَالِثًا ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَم وَادِيًا مَالًا لَأَحَبَّ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ مِثْله \" وَنَحْوه فِي حَدِيث أَنَس فِي الْبَاب وَجَمَعَ بَيْن الْأَمْرَيْنِ فِي الْبَاب أَيْضًا , وَمِثْله فِي مُرْسَل جُبَيْر بْن نُفَيْر الَّذِي قَدَّمْته وَفِي حَدِيث أَبِي الَّذِي سَأَذْكُرُهُ , وَقَوْله \" مِنْ مَال \" فَسَّرَهُ فِي حَدِيث اِبْن الزُّبَيْر بِقَوْلِهِ \" مِنْ ذَهَب \" وَمِثْله فِي حَدِيث أَنَس فِي الْبَاب وَفِي حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم عِنْد أَحْمَد وَزَادَ \" وَفِضَّة \" وَأَوَّله مِثْل لَفْظ رِوَايَة اِبْن عَبَّاس الْأُولَى , وَلَفْظه عِنْد أَبِي عُبَيْدَة فِي فَضَائِل الْقُرْآن \" كُنَّا نَقْرَأ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَم وَادِيَانِ مِنْ ذَهَب وَفِضَّة لَابْتَغَى الثَّالِث \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث جَابِر بِلَفْظِ \" لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَم وَادِي نَخْل \" وَقَوْله \" لَابْتَغَى \" بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ اِفْتَعَلَ بِمَعْنَى الطَّلَب , وَمِثْله فِي حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم , وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" أَحَبَّ \" وَكَذَا فِي حَدِيث أَنَس , وَقَالَ فِي حَدِيث أَنَس \" لَتَمَنَّى مِثْله ثُمَّ تَمَنَّى مِثْله حَتَّى يَتَمَنَّى أَوْدِيَة \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يَمْلَأ جَوْف اِبْن آدَم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن جُرَيْج عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" نَفْس \" بَدَل \" جَوْف \" وَفِي حَدِيث جَابِر كَالْأَوَّلِ , وَفِي مُرْسَل جُبَيْر بْن نُفَيْر \" وَلَا يُشْبِع \" بِضَمِّ أَوَّله \" جَوْف \" وَفِي حَدِيث اِبْن الزُّبَيْر \" وَلَا يَسُدّ جَوْف \" وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة فِي الْبَاب \" وَلَا يَمْلَأ عَيْن \" وَفِي حَدِيث أَنَس فِيهِ \" وَلَا يَمْلَأ فَاهُ \" وَمِثْله فِي حَدِيث أَبِي وَاقِد عِنْد أَحْمَد , وَلَهُ فِي حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم \" وَلَا يَمْلَأ بَطْن \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَيْسَ الْمُرَاد الْحَقِيقَة فِي عُضْو بِعَيْنِهِ بِقَرِينَةِ عَدَم الِانْحِصَار فِي التُّرَاب إِذْ غَيْره يَمْلَؤُهُ أَيْضًا , بَلْ هُوَ كِنَايَة عَنْ الْمَوْت لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِم لِلِامْتِلَاءِ , فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يَشْبَع مِنْ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُوت , فَالْغَرَض مِنْ الْعِبَارَات كُلّهَا وَاحِد وَهِيَ مِنْ التَّفَنُّن فِي الْعِبَارَة. قُلْت : وَهَذَا يَحْسُن فِيمَا إِذَا اِخْتَلَفَتْ مَخَارِج الْحَدِيث , وَأَمَّا إِذَا اِتَّحَدَتْ فَهُوَ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة , ثُمَّ نِسْبَة الِامْتِلَاء لِلْجَوْفِ وَاضِحَة , وَالْبَطْن بِمَعْنَاهُ , وَأَمَّا النَّفْس فَعَبَّرَ بِهَا عَنْ الذَّات وَأَطْلَقَ الذَّات وَأَرَادَ الْبَطْن مِنْ إِطْلَاق الْكُلّ وَإِرَادَة الْبَعْض , وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَم فَلِكَوْنِهِ الطَّرِيق إِلَى الْوُصُول لِلْجَوْفِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالنَّفْسِ الْعَيْن , وَأَمَّا الْعَيْن فَلِأَنَّهَا الْأَصْل فِي الطَّلَب لِأَنَّهُ يَرَى مَا يُعْجِبهُ فَيَطْلُبهُ لِيَحُوزَهُ إِلَيْهِ , وَخَصَّ الْبَطْن فِي أَكْثَر الرِّوَايَات لِأَنَّ أَكْثَر مَا يُطْلَب الْمَال لِتَحْصِيلِ الْمُسْتَلَذَّات وَأَكْثَرهَا يَكُون لِلْأَكْلِ وَالشُّرْب , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : وَقَعَ قَوْله \" وَلَا يَمْلَأ إِلَخْ \" مَوْقِع التَّذْيِيل وَالتَّقْرِير لِلْكَلَامِ السَّابِق كَأَنَّهُ قِيلَ وَلَا يَشْبَع مَنْ خُلِقَ مِنْ التُّرَاب إِلَّا بِالتُّرَابِ. وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْحِكْمَة فِي ذِكْر التُّرَاب دُون غَيْره أَنَّ الْمَرْء لَا يَنْقَضِي طَمَعه حَتَّى يَمُوت , فَإِذَا مَاتَ كَانَ مِنْ شَأْنه أَنْ يُدْفَن فَإِذَا دُفِنَ صُبَّ عَلَيْهِ التُّرَاب فَمَلَأ جَوْفَهُ وَفَاهُ وَعَيْنَيْهِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَوْضِع يَحْتَاج إِلَى تُرَاب غَيْره. وَأَمَّا النِّسْبَة إِلَى الْفَم فَلِكَوْنِهِ الطَّرِيق إِلَى لِلْوُصُولِ لِلْجَوْفِ. ‏"
    },
    {
        "id": "5957",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَخْلَدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَطَاءً ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَوْ أَنَّ لِابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏مِثْلَ وَادٍ مَالًا لَأَحَبَّ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ مِثْلَهُ وَلَا يَمْلَأُ عَيْنَ ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَلَا أَدْرِي مِنْ الْقُرْآنِ هُوَ أَمْ لَا ‏ ‏قَالَ وَسَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏يَقُولُ ذَلِكَ ‏ ‏عَلَى الْمِنْبَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَيَتُوب اللَّه عَلَى مَنْ تَابَ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ اللَّه يَقْبَل التَّوْبَة مِنْ الْحَرِيص كَمَا يَقْبَلهَا مِنْ غَيْره , قِيلَ وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى ذَمّ الِاسْتِكْثَار مِنْ جَمْع الْمَال وَتَمَنِّي ذَلِكَ وَالْحِرْص عَلَيْهِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَتْرُك ذَلِكَ يُطْلَق عَلَيْهِ أَنَّهُ تَابَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَابَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيّ وَهُوَ مُطْلَق الرُّجُوع أَيْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْل وَالتَّمَنِّي. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : يُمْكِن أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ أَنَّ الْآدَمِيّ مَجْبُول عَلَى حُبّ الْمَال وَأَنَّهُ لَا يَشْبَع مِنْ جَمْعه إِلَّا مَنْ حَفِظَهُ اللَّه تَعَالَى وَوَفَّقَهُ لِإِزَالَةِ هَذِهِ الْجِبِلَّة عَنْ نَفْسه وَقَلِيل مَا هُمْ , فَوَضَعَ \" وَيَتُوب \" مَوْضِعه إِشْعَارًا بِأَنَّ هَذِهِ الْجِبِلَّة مَذْمُومَة جَارِيَة مَجْرَى الذَّنْب , وَأَنَّ إِزَالَتهَا مُمْكِنَة بِتَوْفِيقِ اللَّه وَتَسْدِيده , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَنْ يُوقَ شُحّ نَفْسه فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ) فَفِي إِضَافَة الشُّحّ إِلَى النَّفْس دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ غَرِيزَة فِيهَا , وَفِي قَوْله ( وَمَنْ يُوقَ ) إِشَارَة إِلَى إِمْكَان إِزَالَة ذَلِكَ , ثُمَّ رَتَّبَ الْفَلَاح عَلَى ذَلِكَ قَالَ : وَتُؤْخَذ الْمُنَاسَبَة أَيْضًا مِنْ ذِكْر التُّرَاب , فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْآدَمِيّ خُلِقَ مِنْ التُّرَاب وَمِنْ طَبْعه الْقَبْض وَالْيُبْس , وَأَنَّ إِزَالَته مُمْكِنَة بِأَنْ يُمْطِر اللَّه عَلَيْهِ مَا يُصْلِحهُ حَتَّى يُثْمِر الْخِلَال الزَّكِيَّة وَالْخِصَال الْمَرَضِيَّة , قَالَ تَعَالَى ( وَالْبَلَد الطَّيِّب يَخْرُج نَبَاته بِإِذْنِ رَبّه , وَاَلَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُج إِلَّا نَكِدًا ) فَوَقَعَ قَوْله \" وَيَتُوب اللَّه إِلَخْ \" مَوْقِع الِاسْتِدْرَاك , أَيْ أَنَّ ذَلِكَ الْعُسْر الصَّعْب يُمْكِن أَنْ يَكُون يَسِيرًا عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَلَا أَدْرِي مِنْ الْقُرْآن هُوَ أَمْ لَا ) ‏ ‏يَعْنِي الْحَدِيث الْمَذْكُور , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أُبَيّ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ وَسَمِعْت اِبْن الزُّبَيْر ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ عَطَاء , وَهُوَ مُتَّصِل بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. ‏ ‏وَقَوْله \" عَلَى الْمِنْبَر \" ‏ ‏بَيَّنَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا أَنَّهُ مِنْبَر مَكَّة , ‏ ‏وَقَوْله \" ذَلِكَ \" ‏ ‏إِشَارَة إِلَى الْحَدِيث , وَظَاهِره أَنَّهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور بِدُونِ زِيَادَة اِبْن عَبَّاس. ‏"
    },
    {
        "id": "5958",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فِي خُطْبَتِهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَقُولُ ‏ ‏لَوْ أَنَّ ابْنَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏أُعْطِيَ وَادِيًا مَلْئًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَوْ أُعْطِيَ ثَانِيًا أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَالِثًا وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد الرَّحْمَن بْن سُلَيْمَان بْن الْغَسِيل ) ‏ ‏أَيْ غَسِيل الْمَلَائِكَة وَهُوَ حَنْظَلَة بْن أَبِي عَامِر الْأَوْسِيّ , وَهُوَ جَدّ سُلَيْمَان الْمَذْكُور لِأَنَّهُ اِبْن عَبْد اللَّه بْن حَنْظَلَة , وَلِعَبْدِ اللَّه صُحْبَة وَهُوَ مِنْ صِغَار الصَّحَابَة وَقُتِلَ يَوْم الْحَرَّة وَكَانَ الْأَمِير عَلَى طَائِفَة الْأَنْصَار يَوْمئِذٍ , وَأَبُوهُ اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَهُوَ مِنْ كِبَار الصَّحَابَة وَأَبُوهُ أَبُو عَامِر يُعْرَف بِالرَّاهِبِ وَهُوَ الَّذِي بُنِيَ مَسْجِد الضِّرَار بِسَبَبِهِ وَنَزَلَ فِيهِ الْقُرْآن. وَعَبْد الرَّحْمَن مَعْدُود فِي صِغَار التَّابِعِينَ لِأَنَّهُ لَقِيَ بَعْض صِغَار الصَّحَابَة , وَهَذَا الْإِسْنَاد مِنْ أَعْلَى مَا فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ لِأَنَّهُ فِي حُكْم الثُّلَاثِيَّات وَإِنْ كَانَ رُبَاعِيًّا , وَعَبَّاس بْن سَهْل بْن سَعْد هُوَ وَلَد الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور. ‏"
    },
    {
        "id": "5959",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَوْ أَنَّ لِابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ وَلَنْ يَمْلَأَ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ ‏ ‏وَقَالَ لَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُبَيٍّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَرَى هَذَا مِنْ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ ‏ ‏أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏هُوَ الْأُوَيْسِيّ , ‏ ‏وَصَالِح ‏ ‏هُوَ اِبْن كَيْسَانَ , ‏ ‏وَابْن شِهَاب ‏ ‏هُوَ الزُّهْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( أَحَبَّ أَنْ يَكُون ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِغَيْرِ لَام وَهُوَ جَائِز , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ \" لَأَحَبَّ \" ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ لَنَا أَبُو الْوَلِيد ) ‏ ‏هُوَ الطَّيَالِسِيّ هِشَام بْن عَبْد الْمَلِك , وَشَيْخه حَمَّاد بْن سَلَمَة لَمْ يَعُدُّوهُ فِيمَنْ خَرَّجَ لَهُ الْبُخَارِيّ مَوْصُولًا , بَلْ عَلَّمَ الْمِزِّيّ عَلَى هَذَا السَّنَد فِي \" الْأَطْرَاف \" عَلَامَة التَّعْلِيق , وَكَذَا رَقَّمَ لِحَمَّادِ بْن سَلَمَة فِي التَّهْذِيب عَلَامَة التَّعْلِيق وَلَمْ يُنَبِّه عَلَى هَذَا الْمَوْضِع , وَهُوَ مَصِير مِنْهُ إِلَى اِسْتِوَاء قَالَ فُلَان وَقَالَ لَنَا فُلَان , وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ قَوْله قَالَ لَنَا ظَاهِر فِي الْوَصْل وَإِنْ كَانَ بَعْضهمْ قَالَ إِنَّهَا لِلْإِجَازَةِ أَوْ لِلْمُنَاوَلَةِ أَوْ لِلْمُذَاكَرَةِ فَكُلّ ذَلِكَ فِي حُكْم الْمَوْصُول , وَإِنْ كَانَ التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ أَشَدّ اِتِّصَالًا , وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيع الْبُخَارِيّ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهَذِهِ الصِّيغَة إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَتْن لَيْسَ عَلَى شَرْطه فِي أَصْل مَوْضُوع كِتَابه , كَأَنْ يَكُون ظَاهِره الْوَقْف , أَوْ فِي السَّنَد مَنْ لَيْسَ عَلَى شَرْطه فِي الِاحْتِجَاج , فَمِنْ أَمْثِلَة الْأَوَّل قَوْله فِي كِتَاب النِّكَاح فِي \" بَاب مَا يَحِلّ مِنْ النِّسَاء وَمَا يَحْرُم \" : \" قَالَ لَنَا أَحْمَد بْن حَنْبَل حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْقَطَّان \" فَذَكَرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" حَرُمَ مِنْ النَّسَب سَبْع وَمِنْ الصِّهْر سَبْع \" الْحَدِيث , فَهَذَا مِنْ كَلَام اِبْن عَبَّاس فَهُوَ مَوْقُوف , وَإِنْ كَانَ يُمْكِن أَنْ يُتَلَمَّح لَهُ مَا يُلْحِقهُ بِالْمَرْفُوعِ. وَمِنْ أَمْثِلَة الثَّانِي قَوْله فِي الْمُزَارَعَة \" قَالَ لَنَا مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا أَبَان الْعَطَّار \" فَذَكَرَ حَدِيث أَنَس \" لَا يَغْرِس مُسْلِم غَرْسًا \" الْحَدِيث , فَأَبَانُ لَيْسَ عَلَى شَرْطه كَحَمَّادِ بْن سَلَمَة , وَعَبَّرَ فِي التَّخْرِيج لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِهَذِهِ الصِّيغَة لِذَلِكَ , وَقَدْ عَلَّقَ عَنْهُمَا أَشْيَاء بِخِلَافِ الْوَاسِطَة الَّتِي بَيْنه وَبَيْنه وَذَلِكَ تَعْلِيق ظَاهِر , وَهُوَ أَظْهَر فِي كَوْنه لَمْ يَسُقْهُ مَسَاق الِاحْتِجَاج مِنْ هَذِهِ الصِّيغَة الْمَذْكُورَة هُنَا , لَكِنَّ السِّرّ فِيهِ مَا ذَكَرْت وَأَمْثِلَة ذَلِكَ فِي الْكِتَاب كَثِيرَة تَظْهَر لِمَنْ تَتَبَّعَهَا. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ ثَابِت ) ‏ ‏هُوَ الْبُنَانِيُّ وَيُقَال إِنَّ حَمَّاد بْن سَلَمَة كَانَ أَثْبَت النَّاس فِي ثَابِت , وَقَدْ أَكْثَرَ مُسْلِم مِنْ تَخْرِيج ذَلِكَ مُحْتَجًّا بِهِ وَلَمْ يُكْثِر مِنْ الِاحْتِجَاج بِحَمَّادِ بْن سَلَمَة كَإِكْثَارِهِ فِي اِحْتِجَاجه بِهَذِهِ النُّسْخَة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أُبَيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن كَعْب , وَهَذَا مِنْ رِوَايَة صَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ وَإِنْ كَانَ أُبَيّ أَكْبَر مِنْ أَنَس. ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا نُرَى ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون أَوَّله أَيْ نَظُنّ , وَيَجُوز فَتْحهَا مِنْ الرَّأْي أَيْ نَعْتَقِد. ‏ ‏قَوْله ( هَذَا ) ‏ ‏لَمْ يُبَيِّن مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ هَذَا , وَقَدْ بَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة وَلَفْظه \" كُنَّا نُرَى هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْقُرْآن : لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَم وَادِيَيْنِ مِنْ مَال لَتَمَنَّى وَادِيًا ثَالِثًا \" الْحَدِيث دُون قَوْله \" وَيَتُوب اللَّه إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى نَزَلَتْ أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل \" إِلَى آخِر السُّورَة \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَفَّانَ وَمِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن إِسْحَاق , الْحَضْرَمِيّ قَالَا \" حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة \" فَذَكَرَ مِثْله وَأَوَّله \" كُنَّا نُرَى أَنَّ هَذَا مِنْ الْقُرْآن إِلَخْ \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب مِنْ رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس عَنْهُ مُقَدَّمًا عَلَى رِوَايَة اِبْن شِهَاب عَنْ أَنَس فِي هَذَا الْبَاب عِنْد أَبِي ذَرّ , وَعَكَسَ ذَلِكَ غَيْره وَهُوَ الْأَنْسَب , قَالَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره : قَوْله ( أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر ) خَرَجَ عَلَى لَفْظ الْخِطَاب لِأَنَّ اللَّه فَطَرَ النَّاس عَلَى حُبّ الْمَال وَالْوَلَد فَلَهُمْ رَغْبَة فِي الِاسْتِكْثَار مِنْ ذَلِكَ , وَمِنْ لَازِم ذَلِكَ الْغَفْلَة عَنْ الْقِيَام بِمَا أُمِرُوا بِهِ حَتَّى يَفْجَأهُمْ الْمَوْت. وَفِي أَحَادِيث الْبَاب ذَمّ الْحِرْص وَالشَّرَهِ وَمِنْ ثَمَّ آثَرَ أَكْثَر السَّلَف التَّقَلُّل مِنْ الدُّنْيَا وَالْقَنَاعَة بِالْيَسِيرِ وَالرِّضَا بِالْكَفَافِ , وَوَجْه ظَنّهمْ أَنَّ الْحَدِيث الْمَذْكُور مِنْ الْقُرْآن مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ ذَمّ الْحِرْص عَلَى الِاسْتِكْثَار مِنْ جَمْع الْمَال وَالتَّقْرِيع بِالْمَوْتِ الَّذِي يَقْطَع ذَلِكَ وَلَا بُدّ لِكُلِّ أَحَد مِنْهُ , فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَة وَتَضَمَّنَتْ مَعْنَى ذَلِكَ مَعَ الزِّيَادَة عَلَيْهِ عَلِمُوا أَنَّ الْأَوَّل مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ شَرَحَهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قُرْآنًا وَنُسِخَتْ تِلَاوَته لَمَّا نَزَلَتْ ( أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِر ) فَاسْتَمَرَّتْ تِلَاوَتهَا فَكَانَتْ نَاسِخَة لِتِلَاوَةِ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْحُكْم فِيهِ وَالْمَعْنَى فَلَمْ يُنْسَخ إِذْ نَسْخ التِّلَاوَة لَا يَسْتَلْزِم الْمُعَارَضَة بَيْن النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ كَنَسْخِ الْحُكْم , وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ النَّسْخ فِي شَيْء. قُلْت : يُؤَيِّد مَا رَدَّهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق زِرّ بْن حُبَيْش \" عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ إِنَّ اللَّه أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأ عَلَيْك الْقُرْآن فَقَرَأَ عَلَيْهِ ( لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْل الْكِتَاب ) قَالَ وَقَرَأَ فِيهَا : إِنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْحَنِيفِيَّة السَّمْحَة \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" وَقَرَأَ عَلَيْهِ : لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَم وَادِيًا مِنْ مَال \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَيَتُوب اللَّه عَلَى مَنْ تَابَ \" وَسَنَده جَيِّد , وَالْجَمْع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث أَنَس عَنْ أُبَيّ الْمَذْكُور آنِفًا أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أُبَيّ لَمَّا قَرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَمْ يَكُنْ ) وَكَانَ هَذَا الْكَلَام فِي آخِر مَا ذَكَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِحْتَمَلَ عِنْده أَنْ يَكُون بَقِيَّة السُّورَة وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَتَهَيَّأ لَهُ أَنْ يَسْتَفْصِل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ ( أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر ) فَلَمْ يَنْتَفِ الِاحْتِمَال. وَمِنْهُ مَا وَقَعَ عِنْد أَحْمَد وَأَبِي عُبَيْد فِي \" فَضَائِل الْقُرْآن \" مِنْ حَدِيث أَبِي وَاقِد اللَّيْثِيّ قَالَ \" كُنَّا نَأْتِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ فَيُحَدِّثنَا , فَقَالَ لَنَا ذَات يَوْم : إِنَّ اللَّه قَالَ إِنَّمَا أَنْزَلْنَا الْمَال لِإِقَامِ الصَّلَاة وَإِيتَاء الزَّكَاة , وَلَوْ كَانَ لِابْنِ آدَم وَادٍ لَأَحَبَّ أَنْ يَكُون لَهُ ثَانٍ \" الْحَدِيث بِتَمَامِهِ , وَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِهِ عَنْ اللَّه تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْقُرْآن , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ الْأَحَادِيث الْقُدْسِيَّة , وَاَللَّه أَعْلَم وَعَلَى الْأَوَّل فَهُوَ مِمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَته جَزْمًا وَإِنْ كَانَ حُكْمه مُسْتَمِرًّا. وَيُؤَيِّد هَذَا الِاحْتِمَال مَا أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْد فِي \" فَضَائِل الْقُرْآن \" مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى قَالَ \" قَرَأْت سُورَة نَحْو بَرَاءَة فَغِبْت وَحَفِظْت مِنْهَا : وَلَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَم وَادِيَيْنِ مِنْ مَال لَتَمَنَّى وَادِيًا ثَالِثًا \" الْحَدِيث , وَمِنْ حَدِيث جَابِر \" كُنَّا نَقْرَأ لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَم مِلْء وَادٍ مَالًا لَأَحَبَّ إِلَيْهِ مِثْله \" الْحَدِيث ‏"
    },
    {
        "id": "5960",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏يَقُولُ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ هَذَا الْمَالُ ‏ ‏وَرُبَّمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏يَا ‏ ‏حَكِيمُ ‏ ‏إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَة. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَالَ : إِنَّ هَذَا الْمَال , رُبَّمَا قَالَ سُفْيَان : قَالَ لِي يَا حَكِيم إِنَّ هَذَا الْمَال ) ‏ ‏فَاعِل قَالَ أَوَّلًا هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقَائِل \" رُبَّمَا \" هُوَ عَلِيّ بْن الْمُدَايِنِيّ رَاوِيه عَنْ سُفْيَان , وَالْقَائِل قَالَ لِي هُوَ حَكِيم بْن حِزَام صَحَابِيّ الْحَدِيث الْمَذْكُور , وَحَكِيم بِالرَّفْعِ بِغَيْرِ تَنْوِين مُنَادَى مُفْرَد حُذِفَ مِنْهُ حَرْف النِّدَاء , وَظَاهِر السِّيَاق أَنَّ حَكِيمًا قَالَ لِسُفْيَان وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكهُ لِأَنَّ بَيْن وَفَاة حَكِيم وَمَوْلِد سُفْيَان نَحْو الْخَمْسِينَ سَنَة وَلِهَذَا لَا يُقْرَأ حَكِيم بِالتَّنْوِينِ وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنَّ سُفْيَان رَوَاهُ مَرَّة بِلَفْظِ \" ثُمَّ قَالَ \" أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّ هَذَا الْمَال \" وَمَرَّة بِلَفْظِ \" ثُمَّ قَالَ لِي يَا حَكِيم إِنَّ هَذَا الْمَال إِلَخْ \" وَقَدْ وَقَعَ بِإِثْبَاتِ حَرْف النِّدَاء فِي مُعْظَم الرِّوَايَات , وَإِنَّمَا سَقَطَ مِنْ رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ , وَتَقَدَّمَ شَرْح قَوْله \" فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْس إِلَخْ \" فِي بَاب \" الِاسْتِعْفَاف عَنْ الْمَسْأَلَة \" مِنْ كِتَاب الزَّكَاة , وَتَقَدَّمَ شَرْح قَوْله فِي آخِره \" وَالْيَد الْعُلْيَا خَيْر مِنْ الْيَد السُّفْلَى \" فِي \" بَاب لَا صَدَقَة إِلَّا عَنْ ظَهْر غِنًى \" مِنْ كِتَاب الزَّكَاة أَيْضًا , وَقَوْله \" بُورِكَ لَهُ فِيهِ \" زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن يَسَار عَنْ سُفْيَان بِسَنَدِهِ وَمَتْنه , وَإِبْرَاهِيم كَانَ أَحَد الْحُفَّاظ وَفِيهِ مَقَال. ‏"
    },
    {
        "id": "5961",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ قَالَ فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عُمَر بْن حَفْص ) ‏ ‏أَيْ اِبْن غِيَاث. ‏ ‏وَعَبْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود , وَرِجَال السَّنَد كُلّهمْ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( أَيّكُمْ مَال وَارِثه أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ مَاله ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ الَّذِي يَخْلُفهُ الْإِنْسَان مِنْ الْمَال وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي الْحَال مَنْسُوبًا إِلَيْهِ فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ اِنْتِقَاله إِلَى وَارِثه يَكُون مَنْسُوبًا لِلْوَارِثِ , فَنِسْبَته لِلْمَالِكِ فِي حَيَاته حَقِيقِيَّة وَنِسْبَته لِلْوَارِثِ فِي حَيَاة الْمُوَرِّث مَجَازِيَّة وَمِنْ بَعْد مَوْته حَقِيقِيَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّ مَاله مَا قَدَّمَ ) ‏ ‏أَيْ هُوَ الَّذِي يُضَاف إِلَيْهِ فِي الْحَيَاة وَبَعْد الْمَوْت بِخِلَافِ الْمَال الَّذِي يَخْلُفهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش بِهِ سَنَدًا وَمَتْنًا وَزَادَ فِي آخِره \" مَا تَعُدُّونَ الصُّرْعَة فِيكُمْ \" الْحَدِيث وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا \" مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوب فِيكُمْ \" الْحَدِيث. قَالَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره : فِيهِ التَّحْرِيض عَلَى تَقْدِيم مَا يُمْكِن تَقْدِيمه مِنْ الْمَال فِي وُجُوه الْقُرْبَة وَالْبِرّ لِيَنْتَفِع بِهِ فِي الْآخِرَة , فَإِنَّ كُلّ شَيْء يَخْلُفهُ الْمُوَرِّث يَصِير مِلْكًا لِلْوَارِثِ فَإِنْ عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّه اخْتَصَّ بِثَوَابِ ذَلِكَ وَكَانَ ذَلِكَ الَّذِي تَعِبَ فِي جَمْعه وَمَنْعه , وَإِنْ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللَّه فَذَاكَ أَبْعَد لِمَالِكِهِ الْأَوَّل مِنْ الِانْتِفَاع بِهِ إِنْ سَلِمَ مِنْ تَبِعَته. وَلَا يُعَارِضهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدٍ \" إِنَّك أَنْ تَذَر وَرَثَتك أَغْنِيَاء خَيْر مِنْ أَنْ تَذَرهُمْ عَالَة \" لِأَنَّ حَدِيث سَعْد مَحْمُول عَلَى مَنْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلّه أَوْ مُعْظَمه فِي مَرَضه , وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي حَقّ مَنْ يَتَصَدَّق فِي صِحَّته وَشُحّه. ‏"
    },
    {
        "id": "5962",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمْشِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ قَالَ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ مَنْ هَذَا قُلْتُ ‏ ‏أَبُو ذَرٍّ ‏ ‏جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ يَا ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏تَعَالَهْ قَالَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏الْمُكْثِرِينَ ‏ ‏هُمْ ‏ ‏الْمُقِلُّونَ ‏ ‏يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا قَالَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ لِي اجْلِسْ هَا هُنَا قَالَ فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ لِي اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ قَالَ فَانْطَلَقَ فِي ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏حَتَّى لَا أَرَاهُ فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ وَهُوَ يَقُولُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا قَالَ ذَلِكَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏قَالَ بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ يَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ نَعَمْ وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ‏ ‏وَالْأَعْمَشُ ‏ ‏وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏حَدِيثُ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الدَّرْدَاءِ ‏ ‏مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ إِنَّمَا أَرَدْنَا لِلْمَعْرِفَةِ وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏قِيلَ ‏ ‏لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدِيثُ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الدَّرْدَاءِ ‏ ‏قَالَ مُرْسَلٌ أَيْضًا لَا يَصِحُّ وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏وَقَالَ اضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ ‏ ‏أَبِي الدَّرْدَاءِ ‏ ‏هَذَا إِذَا مَاتَ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , وَقَدْ رَوَى جَرِير بْن حَازِم هَذَا الْحَدِيث لَكِنْ عَنْ الْأَعْمَش عَنْ زَيْد اِبْن وَهْب كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه , لَكِنْ قُتَيْبَة لَمْ يُدْرِكهُ اِبْن حَازِم , ‏ ‏وَعَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع ‏ ‏بِفَاءٍ وَمُهْمَلَة مُصَغَّر مَكِّيّ سَكَنَ الْكُوفَة وَهُوَ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ لَقِيَ بَعْض الصَّحَابَة كَأَنَسٍ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي ذَرّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْمَش الْمَاضِيَة فِي الِاسْتِئْذَان عَنْ زَيْد بْن وَهْب \" حَدَّثَنَا وَاَللَّه أَبُو ذَرّ بِالرَّبْذَةِ \" بِفَتْحِ الرَّاء وَالْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُعْجَمَة مَكَان مَعْرُوف مِنْ عَمَل الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة وَبَيْنهمَا ثَلَاث مَرَاحِل مِنْ طَرِيق الْعِرَاق , سَكَنَهُ أَبُو ذَرّ بِأَمْرِ عُثْمَان وَمَاتَ بِهِ فِي خِلَافَته , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان سَبَب ذَلِكَ فِي كِتَاب الزَّكَاة. ‏ ‏قَوْله ( خَرَجْت لَيْلَة مِنْ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَحْده لَيْسَ مَعَهُ إِنْسَان ) ‏ ‏هُوَ تَأْكِيد لِقَوْلِهِ \" وَحْده \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِرَفْعِ تَوَهُّم أَنْ يَكُون مَعَهُ أَحَد مِنْ غَيْر جِنْس الْإِنْسَان مِنْ مَلَك أَوْ جِنِّيّ , وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ زَيْد بْن وَهْب عَنْهُ \" كُنْت أَمْشِي مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرَّة الْمَدِينَة عِشَاء \" فَأَفَادَتْ تَعْيِين الزَّمَان وَالْمَكَان , وَالْحَرَّة مَكَان مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ مِنْ الْجَانِب الشَّمَالِيّ مِنْهَا وَكَانَتْ بِهِ الْوَقْعَة الْمَشْهُورَة فِي زَمَن يَزِيد بْن مُعَاوِيَة. وَقِيلَ الْحَرَّة الْأَرْض الَّتِي حِجَارَتهَا سُود , وَهُوَ يَشْمَل جَمِيع جِهَات الْمَدِينَة الَّتِي لَا عِمَارَة فِيهَا , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قَوْله فِي رِوَايَة الْمَعْرُور بْن سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرّ \" اِنْتَهَيْت إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي ظِلّ الْكَعْبَة وَهُوَ يَقُول هُمْ الْأَخْسَرُونَ وَرَبّ الْكَعْبَة \" فَذَكَرَ قِصَّة الْمُكْثِرِينَ وَهِيَ قِصَّة أُخْرَى مُخْتَلِفَة الزَّمَان وَالْمَكَان وَالسِّيَاق. ‏ ‏قَوْله ( فَظَنَنْت أَنَّهُ يَكْرَه أَنْ يَمْشِي مَعَهُ أَحَد فَجَعَلْت أَمْشِي فِي ظِلّ الْقَمَر ) ‏ ‏أَيْ فِي الْمَكَان الَّذِي لَيْسَ لِلْقَمَرِ فِيهِ ضَوْء لِيُخْفِيَ شَخْصه , وَإِنَّمَا اِسْتَمَرَّ يَمْشِي لِاحْتِمَالِ أَنْ يَطْرَأ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَة فَيَكُون قَرِيبًا مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ : مَنْ هَذَا ) ‏ ‏كَأَنَّهُ رَأَى شَخْصه وَلَمْ يَتَمَيَّز لَهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت أَبُو ذَرّ ) ‏ ‏أَيْ أَنَا أَبُو ذَرّ. ‏ ‏قَوْله ( جَعَلَنِي اللَّه فِدَاءَك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص فِي الْبَاب بَعْده عَنْ الْأَعْمَش وَكَذَا لِأَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عِنْد أَحْمَد \" فَقُلْت لَبَّيْكَ يَا رَسُول اللَّه \" وَفِي رِوَايَة حَفْص عَنْ الْأَعْمَش كَمَا مَضَى فِي الِاسْتِئْذَان \" فَقُلْت لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَبَا ذَرّ تَعَالَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" تَعَالَهْ \" بِهَاءِ السَّكْت. قَالَ الدَّاوُدِيّ : فَائِدَة الْوُقُوف عَلَى هَاء السَّكْت أَنْ لَا يَقِف عَلَى سَاكِنَيْنِ نَقَلَهُ اِبْن التِّين , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْر مُطَّرِد , وَقَدْ اِخْتَصَرَ أَبُو زَيْد الْمَرْوَزِيُّ فِي رِوَايَته سِيَاق الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب فَقَالَ بَعْد قَوْله \" لَيْسَ مَعَهُ أَحَد \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَقَالَ فِيهِ \" إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمْ الْمُقِلُّونَ يَوْم الْقِيَامَة \" : هَكَذَا عِنْده وَسَاقَ الْبَاقُونَ الْحَدِيث بِتَمَامِهِ , وَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ النَّضْر ) ‏ ‏بْن شُمَيْلٍ ‏ ‏\" أَنْبَأَنَا شُعْبَة عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت وَالْأَعْمَش وَعَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع قَالُوا حَدَّثَنَا زَيْد بْن وَهْب بِهَذَا \" ‏ ‏الْغَرَض بِهَذَا التَّعْلِيق تَصْرِيح الشُّيُوخ الثَّلَاثَة الْمَذْكُورِينَ بِأَنَّ زَيْد بْن وَهْب حَدَّثَهُمْ , وَالْأَوَّلَانِ نُسِبَا إِلَى التَّدْلِيس مَعَ أَنَّهُ لَوْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة بِغَيْرِ تَصْرِيح لَأُمِنَ فِيهِ التَّدْلِيس لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُحَدِّث عَنْ شُيُوخه إِلَّا بِمَا لَا تَدْلِيس فِيهِ , وَقَدْ ظَهَرَتْ فَائِدَة ذَلِكَ فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم عَنْ الْأَعْمَش فَإِنَّهُ زَادَ فِيهِ بَيْن الْأَعْمَش وَزَيْد بْن وَهْب رَجُلًا مُبْهَمًا , ذَكَرَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة الْمُصَرِّحَة أَنَّهُ مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد. وَقَدْ اِعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَلَى قَوْل الْبُخَارِيّ فِي هَذَا السَّنَد \" بِهَذَا \" فَأَشَارَ إِلَى رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز اِبْن رُفَيْع , وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ رِوَايَة شُعْبَة هَذِهِ نَظِير رِوَايَته فَقَالَ : لَيْسَ فِي حَدِيث شُعْبَة قِصَّة الْمُقِلِّينَ وَالْمُكْثِرِينَ , إِنَّمَا فِيهِ قِصَّة مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا قَالَ : وَالْعَجَب مِنْ الْبُخَارِيّ كَيْفَ أَطْلَقَ ذَلِكَ ثُمَّ سَاقَهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيق حُمَيْدِ اِبْن زَنْجَوَيْهِ حَدَّثَنَا النَّضْر بْن شُمَيْلٍ عَنْ شُعْبَة وَلَفْظه \" أَنَّ جِبْرِيل بَشَّرَنِي أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة. قُلْت : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ \". قِيلَ لِسُلَيْمَان يَعْنِي الْأَعْمَش إِنَّمَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء , فَقَالَ : إِنَّمَا سَمِعْته عَنْ أَبِي ذَرّ. ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مُعَاذ حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت وَبِلَال وَالْأَعْمَش وَعَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع سَمِعُوا زَيْد بْن وَهْب عَنْ أَبِي ذَرّ زَادَ فِيهِ رَاوِيًا وَهُوَ بِلَال وَهُوَ اِبْن مِرْدَاس الْفَزَارِيُّ , شَيْخ كُوفِيّ أَخْرَجَ لَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَهُوَ صَدُوق لَا بَأْس بِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ عَنْ شُعْبَة كَرِوَايَةِ النَّضْر لَيْسَ فِيهِ بِلَال , وَقَدْ تَبِعَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَلَى اِعْتِرَاضه الْمَذْكُور جَمَاعَة مِنْهُمْ مُغَلْطَاي وَمَنْ بَعْده , وَالْجَوَاب عَنْ الْبُخَارِيّ وَاضِح عَلَى طَرِيقَة أَهْل الْحَدِيث لِأَنَّ مُرَاده أَصْل الْحَدِيث , فَإِنَّ الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْأَصْل قَدْ اِشْتَمَلَ عَلَى ثَلَاثَة أَشْيَاء فَيَجُوز إِطْلَاق الْحَدِيث عَلَى كُلّ وَاحِد مِنْ الثَّلَاثَة إِذَا أُرِيدَ بِقَوْلِ الْبُخَارِيّ \" بِهَذَا \" أَيْ بِأَصْلِ الْحَدِيث لَا خُصُوص اللَّفْظ الْمُسَاق , فَالْأَوَّل مِنْ الثَّلَاثَة \" مَا يَسُرّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا \" وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي ذَرّ أَيْضًا بِنَحْوِهِ الْأَحْنَف بْن قَيْس وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة , وَالنُّعْمَان الْغِفَارِيُّ وَسَالِم بْن أَبِي الْجَعْد وَسُوَيْد بْن الْحَارِث كُلّهمْ عَنْ أَبِي ذَرّ , وَرِوَايَاتهمْ عِنْد أَحْمَد , وَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَة وَهُوَ فِي آخِر الْبَاب مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة عَنْهُ , وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب التَّمَنِّي مِنْ طَرِيق هَمَّام , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن زِيَاد وَهُوَ عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن يَسَار كُلّهمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. الثَّانِي حَدِيث الْمُكْثِرِينَ وَالْمُقِلِّينَ , وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي ذَرّ أَيْضًا الْمَعْرُور بْن سُوَيْدٍ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ وَالنُّعْمَان الْغِفَارِيُّ وَهُوَ عِنْد أَحْمَد أَيْضًا. الثَّالِث حَدِيث \" مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة \" وَفِي بَعْض طُرُقه \" وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ \" وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي ذَرّ أَيْضًا أَبُو الْأَسْوَد الدُّؤَلِيّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي اللِّبَاس , وَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَة كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ بَيَان \" وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ \" وَأَبُو الدَّرْدَاء كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ مِنْ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَفِيهِ أَيْضًا فَائِدَة أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ بَعْض الرُّوَاة قَالَ عَنْ زَيْد بْن وَهْب عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء , فَلِذَلِكَ قَالَ الْأَعْمَش لِزَيْدٍ مَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث عَنْهُ : قُلْت لِزَيْدٍ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَبُو الدَّرْدَاء , فَأَفَادَتْ رِوَايَة شُعْبَة أَنَّ حَبِيبًا وَعَبْد الْعَزِيز وَافَقَا الْأَعْمَش عَلَى أَنَّهُ عَنْ زَيْد بْن وَهْب عَنْ أَبِي ذَرّ لَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء , وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ زَيْد بْن وَهْب عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فَقَالَ عَنْ عِيسَى بْن مَالِك عَنْ زَيْد بْن وَهْب عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَالْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه النَّخَعِيُّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طُرُقه عَنْ زَيْد بْن وَهْب عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء بِلَفْظِ \" مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة \" فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء \" وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ \" قَالَ : \" وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ \" فَكَرَّرَهَا ثَلَاثًا وَفِي الثَّالِثَة \" وَإِنْ رَغِمَ أَنْف أَبِي الدَّرْدَاء \" وَسَأَذْكُرُ بَقِيَّة طُرُقه عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء فِي آخِر الْبَاب الَّذِي يَلِيه. وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" فَقَالَ يُشْبِه أَنْ يَكُون الْقَوْلَانِ صَحِيحَيْنِ. قُلْت : وَفِي حَدِيث كُلّ مِنْهُمَا فِي بَعْض الطُّرُق مَا لَيْسَ فِي الْآخَر. ‏"
    },
    {
        "id": "5963",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَبُو ذَرٍّ ‏ ‏كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏حَرَّةِ الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَاسْتَقْبَلَنَا ‏ ‏أُحُدٌ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏هَذَا ذَهَبًا تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلَّا شَيْئًا ‏ ‏أَرْصُدُهُ ‏ ‏لِدَيْنٍ إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ثُمَّ مَشَى فَقَالَ إِنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمْ الْأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ثُمَّ قَالَ لِي مَكَانَكَ لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارَى فَسَمِعْتُ صَوْتًا قَدْ ارْتَفَعَ فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِي لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ فَلَمْ أَبْرَحْ حَتَّى أَتَانِي قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًا تَخَوَّفْتُ فَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ وَهَلْ سَمِعْتَهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ ذَاكَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏أَتَانِي فَقَالَ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الرَّبِيع ) ‏ ‏هُوَ أَبُو عَلِيّ الْبُورَانِيّ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاء وَبَعْد الْأَلِف نُون , وَأَبُو الْأَحْوَص هُوَ سَلَّام بِالتَّشْدِيدِ اِبْن سُلَيْمٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع \" فَالْتَفَتَ فَرَآنِي \" كَمَا تَقَدَّمَ وَتَقَدَّمَ قِصَّة الْمُكْثِرِينَ وَالْمُقِلِّينَ , وَقَوْله \" فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُد \" هُوَ بِفَتْحِ اللَّام , وَأُحُد بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّة , وَفِي رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث \" فَاسْتَقْبَلْنَا أُحُدًا \" بِسُكُونِ اللَّام وَأُحُدًا بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ يَا أَبَا ذَرّ , فَقُلْت : لَبَّيْكَ يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد وَمَنْصُور عَنْ زَيْد بْن وَهْب عِنْد أَحْمَد \" فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرّ أَيّ جَبَل هَذَا ؟ قُلْت : أُحُد \" وَفِي رِوَايَة الْأَحْنَف الْمَاضِيَة فِي الزَّكَاة \" يَا أَبَا ذَرّ أَتُبْصِرُ أُحُدًا ؟ قَالَ : فَنَظَرْت إِلَى الشَّمْس مَا بَقِيَ مِنْ النَّهَار , وَأَنَا أَرَى أَنْ يُرْسِلنِي فِي حَاجَة لَهُ فَقُلْت : نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله ( مَا يَسُرّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْل أُحُد هَذَا ذَهَبًا تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث ( مَا أُحِبّ أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا يَأْتِي عَلَيَّ يَوْم وَلَيْلَة أَوْ ثَلَاث عِنْدِي مِنْهُ دِينَار ) وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَحْمَد \" مَا أُحِبّ أَنَّ لِي أُحُدًا ذَاكَ ذَهَبًا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي شِهَاب عَنْ الْأَعْمَش فِي الِاسْتِئْذَان \" فَلَمَّا أَبْصَرَ أُحُدًا قَالَ : مَا أُحِبّ أَنَّهُ تَحَوَّلَ لِي ذَهَبًا يَمْكُث عِنْدِي مِنْهُ دِينَار فَوْق ثَلَاث \" قَالَ اِبْن مَالِك تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيث اِسْتِعْمَال حَوَّلَ بِمَعْنَى صَيَّرَ وَأَعْمَلَهَا عَمَلهَا , وَهُوَ اِسْتِعْمَال صَحِيح خَفِيَ عَلَى أَكْثَر النُّحَاة , وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة مُبَيِّنَة لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله فَرَفَعَتْ أَوَّل الْمَفْعُولَيْنِ وَهُوَ ضَمِير عَائِد عَلَى أُحُد وَنُصِبَ ثَانِيهمَا وَهُوَ قَوْله \" ذَهَبًا \" فَصَارَتْ بِبِنَائِهَا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله جَارِيَة مَجْرَى صَارَ فِي رَفْع الْمُبْتَدَأ وَنَصْب الْخَبَر. اِنْتَهَى كَلَامه. وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظ هَذَا الْحَدِيث , وَهُوَ مُتَّحِد الْمَخْرَج فَهُوَ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة فَلَا يَكُون حُجَّة فِي اللُّغَة , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن قَوْله \" مِثْل أُحُد \" وَبَيْن قَوْله \" تَحَوَّلَ لِي أُحُد \" بِحَمْل الْمِثْلِيَّة عَلَى شَيْء يَكُون وَزْنه مِنْ الذَّهَب وَزْن أُحُد , وَالتَّحْوِيل عَلَى أَنَّهُ إِذَا اِنْقَلَبَ ذَهَبًا كَانَ قَدْر وَزْنه أَيْضًا. وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظ رُوَاته عَنْ أَبِي ذَرّ أَيْضًا : فَفِي رِوَايَة سَالِم وَمَنْصُور عَنْ زَيْد بْن وَهْب بَعْد قَوْله قُلْت أُحُد قَالَ \" وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَسُرّنِي أَنَّهُ ذَهَب قَطْعًا أُنْفِقهُ فِي سَبِيل اللَّه أَدَع مِنْهُ قِيرَاطًا \" وَفِي رِوَايَة سُوَيْد بْن الْحَارِث عَنْ أَبِي ذَرّ \" مَا يَسُرّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا أَمُوت يَوْم أَمُوت وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَار أَوْ نِصْف دِينَار \". وَاخْتَلَفَتْ أَلْفَاظ الرُّوَاة أَيْضًا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب كَمَا سَأَذْكُرُهُ. قَوْله ( تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَة ) أَيْ لَيْلَة ثَالِثَة , قِيلَ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأ تَفْرِيق قَدْر أُحُد مِنْ الذَّهَب فِي أَقَلَّ مِنْهَا غَالِبًا , وَيُعَكِّر عَلَيْهِ رِوَايَة \" يَوْم وَلَيْلَة \" فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَال الثَّلَاثَة أَقْصَى مَا يُحْتَاج إِلَيْهِ فِي تَفْرِقَة مِثْل ذَلِكَ , وَالْوَاحِدَة أَقَلّ مَا يُمْكِن. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدهُ لِدَيْنٍ ) ‏ ‏أَيْ أَعُدُّهُ أَوْ أَحْفَظهُ. وَهَذَا الْإِرْصَاد أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون لِصَاحِبِ دَيْن غَائِب حَتَّى يَحْضُر فَيَأْخُذهُ , أَوْ لِأَجْلِ وَفَاء دَيْن مُؤَجَّل حَتَّى يَحِلّ فَيُوَفَّى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَفْص وَأَبِي شِهَاب جَمِيعًا عَنْ الْأَعْمَش \" إِلَّا دِينَار \" بِالرَّفْعِ , وَالنَّصْب وَالرَّفْع جَائِزَانِ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُطْلَق عَامّ وَالْمُسْتَثْنَى مُقَيَّد خَاصّ فَاتَّجَهَ النَّصْب , وَتَوْجِيه الرَّفْع أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي سِيَاق النَّفْي وَجَوَاب لَوْ هُنَا فِي تَقْدِير النَّفْي , وَيَجُوز أَنْ يُحْمَل النَّفْي الصَّرِيح فِي أَنْ لَا يَمُرّ عَلَى حَمْل إِلَّا عَلَى الصِّفَة , وَقَدْ فُسِّرَ الشَّيْء فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِالدِّينَارِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُوَيْد بْن الْحَارِث عَنْ أَبِي ذَرّ \" وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَار أَوْ نِصْف دِينَار \" وَفِي رِوَايَة سَالِم وَمَنْصُور \" أَدَع مِنْهُ قِيرَاطًا. قَالَ قُلْت : قِنْطَارًا ؟ قَالَ : قِيرَاطًا \" وَفِيهِ \" ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا ذَرّ إِنَّمَا أَقُول الَّذِي هُوَ أَقَلّ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَحْنَف \" مَا أُحِبّ أَنَّ لِي مِثْل أُحُد ذَهَبَا أُنْفِقهُ كُلّه إِلَّا ثَلَاثَة دَنَانِير \" فَظَاهِره نَفْي مَحَبَّة حُصُول الْمَال وَلَوْ مَعَ الْإِنْفَاق وَلَيْسَ مُرَادًا , وَإِنَّمَا الْمَعْنَى نَفْي إِنْفَاق الْبَعْض مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ , فَهُوَ يُحِبّ إِنْفَاق الْكُلّ إِلَّا مَا اِسْتَثْنَى , وَسَائِر الطُّرُق تَدُلّ عَلَى ذَلِكَ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد \" مَا يَسُرّنِي أَنَّ أُحُدكُمْ هَذَا ذَهَبًا أُنْفِق مِنْهُ كُلّ يَوْم فِي سَبِيل اللَّه فَيَمُرّ بِي ثَلَاثَة أَيَّام وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْء إِلَّا شَيْء أَرْصُدهُ لِدَيْنٍ \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره وَالْمُرَاد بِالْكَرَاهَةِ الْإِنْفَاق فِي خَاصَّة نَفْسه لَا فِي سَبِيل اللَّه فَهُوَ مَحْبُوب. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا أَنْ أَقُول بِهِ فِي عِبَاد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِسْتِثْنَاء بَعْد اِسْتِثْنَاء فَيُفِيد الْإِثْبَات , فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ نَفْي مَحَبَّة الْمَال مُقَيَّدَة بِعَدَمِ الْإِنْفَاق فَيَلْزَم مَحَبَّة وُجُوده مَعَ الْإِنْفَاق , فَمَادَامَ الْإِنْفَاق مُسْتَمِرًّا لَا يُكْرَه وُجُود الْمَال , وَإِذَا اِنْتَفَى الْإِنْفَاق ثَبَتَتْ كَرَاهِيَة وُجُود الْمَال , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ كَرَاهِيَة حُصُول شَيْء آخَر وَلَوْ كَانَ قَدْر أُحُد أَوْ أَكْثَر مَعَ اِسْتِمْرَار الْإِنْفَاق. ‏ ‏قَوْله ( هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا , عَنْ يَمِينه وَعَنْ شِمَاله وَمِنْ خَلْفه ) ‏ ‏هَكَذَا اِقْتَصَرَ عَلَى ثَلَاث , وَحُمِلَ عَلَى الْمُبَالَغَة لِأَنَّ الْعَطِيَّة لِمَنْ بَيْن يَدَيْهِ هِيَ الْأَصْل , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفَات الرُّوَاة , وَأَنَّ أَصْل الْحَدِيث مُشْتَمِل عَلَى الْجِهَات الْأَرْبَع , ثُمَّ وَجَدْته فِي الْجُزْء الثَّالِث مِنْ \" الْبُشْرَانِيَّات \" مِنْ رِوَايَة أَحْمَد بْن مُلَاعِب عَنْ عُمَر اِبْن حَفْص بْن غِيَاث عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ \" إِلَّا أَنْ أَقُول بِهِ فِي عِبَاد اللَّه هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا , وَأَرَانَا بِيَدِهِ \" كَذَا فِيهِ بِإِثْبَاتِ الْأَرْبَع , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الِاسْتِئْذَان عَنْ عُمَر بْن حَفْص مِثْله , لَكِنْ اِقْتَصَرَ مِنْ الْأَرْبَع عَلَى ثَلَاث , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق سَهْل بْن بَحْر عَنْ عُمَر بْن حَفْص فَاقْتَصَرَ عَلَى ثِنْتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ مَشَى ثُمَّ قَالَ : أَلَا إِنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمْ الْمُقِلُّونَ يَوْم الْقِيَامَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي شِهَاب فِي الِاسْتِقْرَاض وَرِوَايَة حَفْص فِي الِاسْتِئْذَان \" هُمْ الْأَقَلُّونَ \" بِالْهَمْز فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع الْمَاضِيَة فِي الْبَاب قَبْله \" إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمْ الْمُقِلُّونَ \" بِالْمِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَلِأَحْمَد مِنْ رِوَايَة النُّعْمَان الْغِفَارِيِّ عَنْ أَبِي ذَرّ \" إِنَّ الْمُكْثِرِينَ الْأَقَلُّونَ \" وَالْمُرَاد الْإِكْثَار مِنْ الْمَال وَالْإِقْلَال مِنْ ثَوَاب الْآخِرَة وَهَذَا فِي حَقّ مَنْ كَانَ مُكْثِرًا وَلَمْ يَتَّصِف بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاء بَعْده مِنْ الْإِنْفَاق. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا , عَنْ يَمِينه وَعَنْ شِمَاله وَمِنْ خَلْفه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي شِهَاب \" إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا , وَأَشَارَ أَبُو شِهَاب بَيْن يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينه وَعَنْ شِمَاله \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عِنْد أَحْمَد \" إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا فَحَثَا عَنْ يَمِينه وَمِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَعَنْ يَسَاره \" فَاشْتَمَلَتْ هَذِهِ الرِّوَايَات عَلَى الْجِهَات الْأَرْبَع وَإِنْ كَانَ كُلّ مِنْهَا اِقْتَصَرَ عَلَى ثَلَاث , وَقَدْ جَمَعَهَا عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع فِي رِوَايَته وَلَفْظه \" إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّه خَيْرًا - أَيْ مَالًا - فَنَفَحَ بِنُونٍ وَفَاء وَمُهْمَلَة أَيْ أَعْطَى كَثِيرًا بِغَيْرِ تَكَلُّف يَمِينًا وَشِمَالًا وَبَيْن يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ \" وَبَقِيَ مِنْ الْجِهَات فَوْق وَأَسْفَل , وَالْإِعْطَاء مِنْ قِبَل كُلّ مِنْهُمَا مُمْكِن , لَكِنْ حُذِفَ لِنُدُورِهِ. وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضهمْ الْإِنْفَاق مِنْ وَرَاء بِالْوَصِيَّةِ , وَلَيْسَ قَيْدًا فِيهِ بَلْ قَدْ يُقْصَد الصَّحِيح الْإِخْفَاء فَيَدْفَع لِمَنْ وَرَاءَهُ مَالًا يُعْطِي بِهِ مَنْ هُوَ أَمَامه. وَقَوْله \" هَكَذَا \" صِفَة لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف أَيْ أَشَارَ إِشَارَة مِثْل هَذِهِ الْإِشَارَة , وَقَوْله \" مِنْ خَلْفه \" بَيَان لِلْإِشَارَةِ وَخَصَّ عَنْ الْيَمِين وَالشِّمَال لِأَنَّ الْغَالِب فِي الْإِعْطَاء صُدُوره بِالْيَدَيْنِ , وَزَادَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع \" وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا \" أَيْ حَسَنَة وَفِي سِيَاقه جِنَاس تَامّ فِي قَوْله أَعْطَاهُ اللَّه خَيْرًا , وَفِي قَوْله وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا , فَمَعْنَى الْخَيْر الْأَوَّل الْمَال وَالثَّانِي الْحَسَنَة. ‏ ‏قَوْله ( وَقَلِيل مَا هُمْ ) ‏ ‏مَا زَائِدَة مُؤَكِّدَة لِلْقِلَّةِ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مَوْصُوفَة , وَلَفْظ قَلِيل هُوَ الْخَبَر وَهُمْ هُوَ الْمُبْتَدَأ وَالتَّقْدِير وَهُمْ قَلِيل , وَقَدَّمَ الْخَبَر لِلْمُبَالَغَةِ فِي الِاخْتِصَاص. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَالَ لِي : مَكَانك ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ اِلْزَمْ مَكَانك , وَقَوْله \" لَا تَبْرَح \" تَأْكِيد لِذَلِكَ , وَرُفِعَ لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْأَمْر بِلُزُومِ الْمَكَان لَيْسَ عَامًّا فِي الْأَزْمِنَة , وَقَوْله \" حَتَّى آتِيك \" غَايَة لِلُزُومِ الْمَكَان الْمَذْكُور , وَفِي رِوَايَة حَفْص \" لَا تَبْرَح يَا أَبَا ذَرّ حَتَّى أَرْجِع \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع \" فَمَشَيْت مَعَهُ سَاعَة , فَقَالَ لِي اِجْلِسْ هَا هُنَا , فَأَجْلَسَنِي فِي قَاع \" أَيْ أَرْض سَهْلَة مُطَمْئِنَة. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ اِنْطَلَقَ فِي سَوَاد اللَّيْل ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ الْقَمَر كَانَ قَدْ غَابَ. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى تَوَارَى ) ‏ ‏أَيْ غَابَ شَخْصه , زَادَ أَبُو مُعَاوِيَة \" عَنِّي \" وَفِي رِوَايَة حَفْص \" حَتَّى غَابَ عَنِّي \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز \" فَأَطْلَقَ فِي الْحَرَّة - أَيْ دَخَلَ فِيهَا - حَتَّى لَا أَرَاهُ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي شِهَاب \" فَتَقَدَّمَ غَيْر بَعِيد \" زَادَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز \" فَأَطَالَ اللُّبْث \". ‏ ‏قَوْله ( فَسَمِعْت صَوْتًا قَدْ اِرْتَفَعَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" فَسَمِعْت لَغَطًا وَصَوْتًا \". ‏ ‏قَوْله ( فَتَخَوَّفْت أَنْ يَكُون أَحَد عَرَضَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ تَعَرَّضَ لَهُ بِسُوءٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز \" فَتَخَوَّفْت أَنْ يَكُون عُرِضَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّل عُرِضَ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَرَدْت أَنْ آتِيه ) ‏ ‏أَيْ أَتَوَجَّه إِلَيْهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز \" فَأَرَدْت أَنْ أَذْهَب \" أَيْ إِلَيْهِ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَوَجَّه إِلَى حَال سَبِيله بِدَلِيلِ رِوَايَة الْأَعْمَش فِي الْبَاب. ‏ ‏قَوْله ( فَذَكَرْت قَوْله لَا تَبْرَح فَلَمْ أَبْرَح حَتَّى أَتَانِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش \" فَانْتَظَرْته حَتَّى جَاءَ \". ‏ ‏قَوْله ( قُلْت يَا رَسُول اللَّه لَقَدْ سَمِعْت صَوْتًا تَخَوَّفْت فَذَكَرْت لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" فَذَكَرْت لَهُ الَّذِي سَمِعْت \" وَفِي رِوَايَة أَبِي شِهَاب \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه الَّذِي سَمِعْت أَوْ قَالَ الصَّوْت الَّذِي سَمِعْت \" كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز \" ثُمَّ إِنِّي سَمِعْته وَهُوَ يَقُول وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى , فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه مَنْ تَكَلَّمَ فِي جَانِب الْحَرَّة مَا سَمِعْت أَحَدًا يُرْجِع إِلَيْك شَيْئًا \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ وَهَلْ سَمِعْته ؟ قُلْت نَعَمْ. قَالَ ذَلِكَ جِبْرِيل ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي كُنْت أُخَاطِبهُ , أَوْ ذَلِكَ صَوْت جِبْرِيل. ‏ ‏قَوْله ( أَتَانِي ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة حَفْص \" فَأَخْبَرَنِي \". وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز \" عَرَضَ لِي - أَيْ ظَهَرَ - فَقَالَ : بَشِّرْ أُمَّتك \" وَلَمْ أَرَ لَفْظ التَّبْشِير فِي رِوَايَة الْأَعْمَش. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا ) ‏ ‏زَادَ الْأَعْمَش \" مِنْ أُمَّتك \". ‏ ‏قَوْله ( دَخَلَ الْجَنَّة ) ‏ ‏هُوَ جَوَاب الشَّرْط. رَتَّبَ دُخُول الْجَنَّة عَلَى الْمَوْت بِغَيْرِ إِشْرَاك بِاَللَّهِ , وَقَدْ ثَبَتَ الْوَعِيد بِدُخُولِ النَّار لِمَنْ عَمِلَ بَعْض الْكَبَائِر , وَبِعَدَمِ دُخُول الْجَنَّة لِمَنْ عَمِلَهَا فَلِذَلِكَ وَقَعَ الِاسْتِفْهَام. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن مَالِك : حَرْف الِاسْتِفْهَام فِي أَوَّل هَذَا الْكَلَام مُقَدَّر وَلَا بُدّ مِنْ تَقْدِيره. وَقَالَ غَيْره التَّقْدِير أَوْ إِنْ زَنَى أَوْ إِنْ سَرَقَ دَخَلَ الْجَنَّة. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أُدْخِلَ الْجَنَّة وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ. وَالشَّرْط حَال , وَلَا يَذْكُر الْجَوَاب مُبَالَغَة , وَتَتْمِيمًا لِمَعْنَى الْإِنْكَار قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز اِبْن رُفَيْع \" قُلْت يَا جِبْرِيل وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ : نَعَمْ \". وَكَرَّرَهَا مَرَّتَيْنِ لِلْأَكْثَرِ وَثَلَاثًا لِلْمُسْتَمْلِي وَزَادَ فِي آخِر الثَّالِثَة \" وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْر \" وَكَذَا وَقَعَ التَّكْرَار ثَلَاثًا فِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد عَنْ أَبِي ذَرّ فِي اللِّبَاس , لَكِنْ بِتَقْدِيمِ الزِّنَا عَلَى السَّرِقَة كَمَا فِي رِوَايَة الْأَعْمَش , وَلَمْ يَقُلْ \" وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْر \" وَلَا وَقَعَتْ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش , وَزَادَ أَبُو الْأَسْوَد \" عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي ذَرّ \" قَالَ وَكَانَ أَبُو ذَرّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيث يَقُول \" وَإِنْ رَغِمَ أَنْف أَبِي ذَرّ \" وَزَادَ حَفْص اِبْن غِيَاث فِي رِوَايَته عَنْ الْأَعْمَش : قَالَ الْأَعْمَش قُلْت لِزَيْدِ بْن وَهْب إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَبُو الدَّرْدَاء قَالَ أَشْهَد لَحَدَّثَنِيهِ أَبُو ذَرّ بِالرَّبْذَةِ. قَالَ الْأَعْمَش : وَحَدَّثَنِي أَبُو صَالِح عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء نَحْوه. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ أَبِي نُمَيْر عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء بِلَفْظِ \" إِنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة \" نَحْوه , وَفِيهِ \" وَإِنْ رَغِمَ أَنْف أَبِي الدَّرْدَاء \" , قَالَ الْبُخَارِيّ فِي بَعْض النُّسَخ عَقِب رِوَايَة حَفْص : حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء مُرْسَل لَا يَصِحّ إِنَّمَا أَرَدْنَا لِلْمَعْرِفَةِ أَيْ إِنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نَذْكُرهُ لِلْمَعْرِفَةِ بِحَالِهِ. قَالَ : وَالصَّحِيح حَدِيث أَبِي ذَرّ قِيلَ لَهُ : فَحَدِيث عَطَاء اِبْن يَسَار عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ؟ فَقَالَ : مُرْسَل أَيْضًا لَا يَصِحّ. ثُمَّ قَالَ : اِضْرِبُوا عَلَى حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء. قُلْت : فَلِهَذَا هُوَ سَاقِط مِنْ مُعْظَم النُّسَخ , وَثَبَتَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ , وَأَوَّله قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه حَدِيث أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء مُرْسَل , فَسَاقَهُ إِلَخْ. وَرِوَايَة عَطَاء بْن يَسَار الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن أَبِي حَرْمَلَة عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ يَقُصّ عَلَى الْمِنْبَر يَقُول ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَام رَبّه جَنَّتَانِ ) فَقُلْت : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ , فَأَعَدْت فَأَعَادَ فَقَالَ فِي الثَّالِثَة قَالَ : نَعَمْ وَإِنْ رَغِمَ أَنْف أَبِي الدَّرْدَاء \" وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِسَمَاعِ عَطَاء بْن يَسَار لَهُ مِنْ أَبِي الدَّرْدَاء فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي حَاتِم فِي \" التَّفْسِير \" وَالطَّبَرَانِيِّ فِي \" الْمُعْجَم \" وَالْبَيْهَقِيِّ فِي \" الشُّعَب \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء هَذَا غَيْر حَدِيث أَبِي ذَرّ وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْض مَعْنَاهُ. قُلْت : وَهُمَا قِصَّتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ , وَإِنْ اِشْتَرَكَتَا فِي الْمَعْنَى الْأَخِير وَهُوَ سُؤَال الصَّحَابِيّ بِقَوْلِهِ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ , وَاشْتَرَكَا أَيْضًا فِي قَوْله وَإِنْ رَغِمَ , وَمِنْ الْمُغَايَرَة بَيْنهمَا أَيْضًا وُقُوع الْمُرَاجَعَة الْمَذْكُورَة بَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجِبْرِيل فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ دُون أَبِي الدَّرْدَاء , وَلَهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء طُرُق أُخْرَى مِنْهَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء نَحْو رِوَايَة عَطَاء بْن يَسَار , وَمِنْهَا لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق أُمّ الدَّرْدَاء عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء رَفَعَهُ بِلَفْظِ \" مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة , فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي الدَّرْدَاء \" وَمِنْ طَرِيق أَبِي مَرْيَم عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء نَحْوه , وَمِنْ طَرِيق كَعْب بْن ذُهْلٍ \" سَمِعْت أَبَا الدَّرْدَاء رَفَعَهُ. أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ مَنْ يَعْمَل سُوءًا أَوْ يَظْلِم نَفْسه ثُمَّ يَسْتَغْفِر اللَّه يَجِد اللَّه غَفُورًا رَحِيمًا , فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ثُمَّ ثَلَّثْت فَقَالَ عَلَى رَغْم أَنْف عُوَيْمِر فَرَدَّدَهَا , قَالَ فَأَنَا رَأَيْت أَبَا الدَّرْدَاء يَضْرِب أَنْفه بِإِصْبَعِهِ \" وَمِنْهَا لِأَحْمَد مِنْ طَرِيق وَاهِب بْن عَبْد اللَّه الْمُغَافِرِيّ \" عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء رَفَعَهُ : مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير دَخَلَ الْجَنَّة , قُلْت : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ. قُلْت : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ , عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي الدَّرْدَاء. قَالَ فَخَرَجْت لِأُنَادِيَ بِهَا فِي النَّاس , فَلَقِيَنِي عُمَر فَقَالَ : اِرْجِعْ , فَإِنَّ النَّاس إِنْ يَعْلَمُوا بِهَذَا اِتَّكَلُوا عَلَيْهَا , فَرَجَعْت فَأَخْبَرْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : صَدَقَ عُمَر \" قُلْت : وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة الْأَخِيرَة لِأَبِي هُرَيْرَة , وَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي \" بَاب مَنْ جَاهَدَ فِي طَاعَة اللَّه تَعَالَى \" قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "5964",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏ذَهَبًا لَسَرَّنِي أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن شَبِيب ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَمُوَحَّدَتَيْنِ مِثْل حَبِيب , وَهُوَ الْحَبَطِيّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة ثُمَّ الطَّاء الْمُهْمَلَة نِسْبَة إِلَى الْحَبَطَات مِنْ بَنِي تَمِيم , وَهُوَ بَصْرِيّ صَدُوق ضَعَّفَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ تَبَعًا لِأَبِي الْفَتْح الْأَزْدِيّ وَالْأَزْدِيّ غَيْر مَرْضِيٍّ فَلَا يُتْبَع فِي ذَلِكَ , وَأَبُوهُ يُكَنَّى أَبَا سَعِيد , رَوَى عَنْهُ اِبْن وَهْب وَهُوَ مِنْ أَقْرَانه , وَوَثَّقَهُ اِبْن الْمَدِينِيّ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي يُونُس ) ‏ ‏هَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ اللَّيْث , وَأَرَادَ الْبُخَارِيّ بِإِيرَادِهِ تَقْوِيَة رِوَايَة أَحْمَد بْن شَبِيب , وَيُونُس هُوَ اِبْن يَزِيد. ‏ ‏قَوْله ( لَوْ كَانَ لِي ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْأَعْوَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد فِي أَوَّله \" وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ \" وَعِنْده فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( مِثْل أُحُد ذَهَبًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْرَج لَوْ أَنَّ أُحُدكُمْ عِنْدِي ذَهَبًا \". ‏ ‏قَوْله ( مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاث لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْء إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدهُ لِدَيْنٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" إِلَّا أَنْ يَكُون شَيْء أَرْصُدهُ فِي دَيْن عَلَيَّ \" وَفِي رِوَايَة هَمَّام \" وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَار أَجِد مَنْ يَقْبَلهُ لَيْسَ شَيْئًا أَرْصُدهُ فِي دَيْنٍ عَلَيَّ \" قَالَ اِبْن مَالِك : فِي هَذَا الْحَدِيث وُقُوع التَّمَنِّي بَعْد مَثَلٍ , وَجَوَاب لَوْ مُضَارِعًا مَنْفِيًّا بِمَا , وَحَقّ جَوَابهَا أَنْ يَكُون مَاضِيًا مُثْبَتًا نَحْو لَوْ قَامَ لَقُمْت , أَوْ بِلَمْ نَحْو لَوْ قَامَ لَمْ أَقُمْ. وَالْجَوَاب مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون وَضَعَ الْمُضَارِع مَوْضِع الْمَاضِي الْوَاقِع جَوَابًا كَمَا وَقَعَ مَوْضِعه وَهُوَ شَرْط فِي قَوْله تَعَالَى ( لَوْ يُطِيعكُمْ فِي كَثِير مِنْ الْأَمْر لَعَنِتُّمْ ) , ثَانِيهمَا أَنْ يَكُون الْأَصْل مَا كَانَ يَسُرُّنِي فَحَذَفَ كَانَ وَهُوَ جَوَاب وَفِيهِ ضَمِير وَهُوَ الِاسْم وَيَسُرُّنِي خَبَر , وَحَذْفُ كَانَ مَعَ اِسْمهَا وَبَقَاء خَبَرهَا كَثِير نَظْمًا وَنَثْرًا وَمِنْهُ \" الْمَرْء مَجْزِيٌّ بِعَمَلِهِ إِنْ خَيْرًا فَخَيْر وَإِنْ شَرًّا فَشَرّ \" قَالَ وَأَشْبَهُ شَيْء بِحَذْفِ كَانَ قَبْل يَسُرُّنِي حَذْفُ جَعَلَ قَبْل يُجَادِلنَا فِي قَوْله تَعَالَى ( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيم الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا ) أَيْ جَعَلَ يُجَادِلُنَا , وَالْوَجْه الْأَوَّل أَوْلَى. وَفِيهِ أَيْضًا وُقُوع لَا بَيْن أَنْ وَتَمُرّ وَهِيَ زَائِدَة وَالْمَعْنَى مَا يَسُرُّنِي أَنْ تَمُرَّ , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْله \" مَا يَسُرُّنِي \" هُوَ جَوَاب \" لَوْ \" الِامْتِنَاعِيَّةِ فَيُفِيد أَنَّهُ لَمْ يَسُرَّهُ الْمَذْكُور بَعْده لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْده مِثْل أُحُدٍ ذَهَبًا , وَفِيهِ نَوْع مُبَالَغَة لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسُرُّهُ كَثْرَة مَا يُنْفِقهُ فَكَيْف مَا لَا يُنْفِقهُ قَالَ : وَفِي التَّقْيِيد بِالثَّلَاثَةِ تَتْمِيم وَمُبَالَغَة فِي سُرْعَة الْإِنْفَاق , فَلَا تَكُون لَا زَائِدَة كَمَا قَالَ اِبْن مَالِك بَلْ النَّفْي فِيهَا عَلَى حَاله. قُلْت : وَيُؤَيِّد قَوْل اِبْن مَالِك الرِّوَايَة الْمَاضِيَة قَبْلُ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ بِلَفْظِ \" مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْل أُحُدٍ ذَهَبًا تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَة \". وَفِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد أَدَب أَبِي ذَرّ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَقُّبُهُ أَحْوَاله وَشَفَقَته عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْخُل عَلَيْهِ أَدْنَى شَيْء مِمَّا يَتَأَذَّى بِهِ. وَفِيهِ حُسْنُ الْأَدَب مَعَ الْأَكَابِر وَأَنَّ الصَّغِير إِذَا رَأَى الْكَبِير مُنْفَرِدًا لَا يَتَسَوَّر عَلَيْهِ وَلَا يَجْلِس مَعَهُ وَلَا يُلَازِمُهُ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْهُ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِي مَجْمَع كَالْمَسْجِدِ وَالسُّوق فَيَكُون جُلُوسه مَعَهُ بِحَسَبِ مَا يَلِيق بِهِ. وَفِيهِ جَوَاز تَكْنِيَة الْمَرْء نَفْسه لِغَرَضٍ صَحِيح كَأَنْ يَكُون أَشْهَرَ مِنْ اِسْمه , وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ اِسْمُهُ مُشْتَرِكًا بِغَيْرِهِ وَكُنْيَته فَرْدَة. وَفِيهِ جَوَاز تَفْدِيَة الْكَبِير بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهَا , وَالْجَوَاب بِمِثْلِ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْك زِيَادَة فِي الْأَدَب. وَفِيهِ الِانْفِرَاد عِنْد قَضَاء الْحَاجَة. وَفِيهِ أَنَّ اِمْتِثَال أَمْر الْكَبِير وَالْوُقُوف عِنْده أَوْلَى مِنْ اِرْتِكَاب مَا يُخَالِفهُ بِالرَّأْيِ وَلَوْ كَانَ فِيمَا يَقْتَضِيه الرَّأْي تَوَهُّمُ دَفْع مَفْسَدَة حَتَّى يَتَحَقَّق ذَلِكَ فَيَكُون دَفْع الْمَفْسَدَة أَوْلَى. وَفِيهِ اِسْتِفْهَام التَّابِع مِنْ مَتْبُوعه عَلَى مَا يَحْصُل لَهُ فَائِدَة دِينِيَّة أَوْ عِلْمِيَّة أَوْ غَيْر ذَلِكَ. وَفِيهِ الْأَخْذ بِالْقَرَائِنِ لِأَنَّ أَبَا ذَرّ لَمَّا قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , \" أَتُبْصِرُ أُحُدًا \" فَهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يُرِيد أَنْ يُرْسِلهُ فِي حَاجَة فَنَظَرَ إِلَى مَا عَلَى أُحُدٍ مِنْ الشَّمْس لِيَعْلَم هَلْ يَبْقَى مِنْ النَّهَار قَدْر يَسْعُهَا. وَفِيهِ أَنَّ مَحَلّ الْأَخْذ بِالْقَرِينَةِ إِنْ كَانَ فِي اللَّفْظ مَا يُخَصِّصُ ذَلِكَ , فَإِنَّ الْأَمْر وَقَعَ عَلَى خِلَاف مَا فَهِمَهُ أَبُو ذَرّ مِنْ الْقَرِينَة , فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ بَعْض الْقَرَائِن لَا يَكُون دَالًّا عَلَى الْمُرَاد وَذَلِكَ لِضَعْفِهِ. وَفِيهِ الْمُرَاجَعَة فِي الْعِلْم بِمَا تَقَرَّرَ عِنْد الطَّالِب فِي مُقَابَلَة مَا يَسْمَعهُ مِمَّا يُخَالِف ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ عِنْد أَبِي ذَرّ مِنْ الْآيَات وَالْآثَار الْوَارِدَة فِي وَعِيد أَهْل الْكَبَائِر بِالنَّارِ وَبِالْعَذَابِ , فَلَمَّا سَمِعَ أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ دَخَلَ الْجَنَّة اِسْتَفْهَمَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ \" وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ \" وَاقْتَصَرَ عَلَى هَاتَيْنِ الْكَبِيرَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا كَالْمِثَالَيْنِ فِيمَا يَتَعَلَّق بِحَقِّ اللَّه وَحَقّ الْعِبَاد , وَأَمَّا قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ \" فَالْإِشَارَةُ إِلَى فُحْش تِلْكَ الْكَبِيرَة لِأَنَّهَا تُؤَدِّي إِلَى خَلَل الْعَقْل الَّذِي شَرُفَ بِهِ الْإِنْسَان عَلَى الْبَهَائِم , وَبِوُقُوعِ الْخَلَل فِيهِ قَدْ يَزُول التَّوَقِّي الَّذِي يَحْجِز عَنْ اِرْتِكَاب بَقِيَّة الْكَبَائِر. وَفِيهِ أَنَّ الطَّالِب إِذَا أَلَحَّ فِي الْمُرَاجَعَة يُزْجَرُ بِمَا يَلِيق بِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْله \" وَإِنْ رَغِمَ أَنْف أَبِي ذَرّ \" وَقَدْ حَمَلَهُ الْبُخَارِيّ كَمَا مَضَى فِي اللِّبَاس عَلَى مَنْ تَابَ عِنْد الْمَوْت , وَحَمَلَهُ غَيْره عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِدُخُولِ الْجَنَّة أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُون اِبْتِدَاء أَوْ بَعْد الْمُجَازَاة عَلَى الْمَعْصِيَة , وَالْأَوَّل هُوَ وَفْق مَا فَهِمَهُ أَبُو ذَرّ , وَالثَّانِي أَوْلَى لِلْجَمْعِ بَيْن الْأَدِلَّة , فَفِي الْحَدِيث حُجَّة لِأَهْلِ السُّنَّة وَرَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنْ الْخَوَارِج وَالْمُعْتَزِلَة أَنَّ صَاحِب الْكَبِيرَة إِذَا مَاتَ عَنْ غَيْر تَوْبَة يَخْلُد فِي النَّار , لَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَال بِهِ لِذَلِكَ نَظَر , لِمَا مَرَّ مِنْ سِيَاق كَعْب بْن ذُهْلٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء أَنَّ ذَلِكَ فِي حَقّ مَنْ عَمِلَ سُوءًا أَوْ ظَلَمَ نَفْسه ثُمَّ اِسْتَغْفَرَ , وَسَنَدُهُ جَيِّد عِنْد الطَّبَرَانِيّ. وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِره وَخَصَّ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ لِقَوْلِهِ فِيهِ \" بَشِّر أُمَّتك \" وَإِنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي , وَتُعُقِّبَ بِالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَة الْوَارِدَة فِي أَنَّ بَعْض عُصَاة هَذِهِ الْأُمَّة يُعَذَّبُونَ , فَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" الْمُفْلِس مِنْ أُمَّتِي \" الْحَدِيث. وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ تَأَوَّلَ فِي الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي أَنَّ \" مَنْ شَهِدَ أَنَّ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة \" وَفِي بَعْضِهَا \" حُرِّمَ عَلَى النَّار \" أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل نُزُول الْفَرَائِض وَالْأَمْر وَالنَّهْي , وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالزُّهْرِيّ , وَوَجْه التَّعَقُّب ذِكْرُ الزِّنَا وَالسَّرِقَة فِيهِ فَذُكِرَ عَلَى خِلَاف هَذَا التَّأْوِيل , وَحَمَلَهُ الْحَسَن الْبَصْرِيّ عَلَى مَنْ قَالَ الْكَلِمَة وَأَدَّى حَقَّهَا بِأَدَاءِ مَا وَجَبَ وَاجْتِنَاب مَا نَهَى , وَرَجَّحَهُ الطِّيبِيُّ إِلَّا أَنَّ هَذَا الْحَدِيث يَخْدِش فِيهِ , وَأَشْكَلُ الْأَحَادِيث وَأَصْعَبُهَا قَوْلُهُ \" لَا يَلْقَى اللَّه بِهِمَا عَبْد غَيْر شَاكّ فِيهِمَا إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّة \" وَفِي آخِره وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ \" وَقِيلَ أَشْكَلُهَا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" مَا مِنْ عَبْد يَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّه عَلَى النَّار \" لِأَنَّهُ أَتَى فِيهِ بِأَدَاةِ الْحَصْر وَمِنْ الِاسْتِغْرَاقِيَّةَ وَصَرَّحَ بِتَحْرِيمِ النَّار , بِخِلَافِ قَوْله \" دَخَلَ الْجَنَّة \" فَإِنَّهُ لَا يَنْفِي دُخُول النَّار أَوَّلًا , قَالَ الطِّيبِيُّ : لَكِنَّ الْأَوَّل يَتَرَجَّح بِقَوْلِهِ \" وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ \" لِأَنَّهُ شَرْط لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيد , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ كَرَّرَهُ ثَلَاثًا مُبَالَغَة وَخَتَمَ بِقَوْلِهِ \" وَإِنْ رَغِمَ أَنْف أَبِي ذَرّ \" تَتْمِيمًا لِلْمُبَالَغَةِ , وَالْحَدِيث الْآخَرُ مُطْلَقٌ يَقْبَل التَّقْيِيد فَلَا يُقَاوِمُ قَوْله \" وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ , وَقَالَ النَّوَوِيّ بَعْد أَنْ ذَكَرَ الْمُتُون فِي ذَلِكَ وَالِاخْتِلَاف فِي هَذَا الْحُكْم : مَذْهَب أَهْل السُّنَّة بِأَجْمَعِهِمْ أَنَّ أَهْل الذُّنُوب فِي الْمَشِيئَة , وَأَنَّ مَنْ مَاتَ مُوقِنًا بِالشَّهَادَتَيْنِ يَدْخُل الْجَنَّة , فَإِنْ كَانَ دَيِّنًا أَوْ سَلِيمًا مِنْ الْمَعَاصِي دَخَلَ الْجَنَّة بِرَحْمَةِ اللَّه وَحَرُمَ عَلَى النَّار , وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُخَلِّطِينَ بِتَضْيِيعِ الْأَوَامِر أَوْ بَعْضهَا وَارْتِكَاب النَّوَاهِي أَوْ بَعْضهَا وَمَاتَ عَنْ غَيْر تَوْبَة فَهُوَ فِي خَطَر الْمَشِيئَة , وَهُوَ بِصَدَدِ أَنْ يَمْضِي عَلَيْهِ الْوَعِيد إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه أَنْ يَعْفُو عَنْهُ , فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُعَذِّبَهُ فَمَصِيرُهُ إِلَى الْجَنَّة بِالشَّفَاعَةِ , اِنْتَهَى. وَعَلَى هَذَا فَتَقْيِيد اللَّفْظ الْأَوَّل تَقْدِيره وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ دَخَلَ الْجَنَّة , لَكِنَّهُ قَبْل ذَلِكَ إِنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى الْمَعْصِيَة فِي مَشِيئَة اللَّه , وَتَقْدِير الثَّانِي حَرَّمَهُ اللَّه عَلَى النَّار إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه أَوْ حَرَّمَهُ عَلَى نَار الْخُلُود وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ الطِّيبِيُّ : قَالَ بَعْض الْمُحَقِّقِينَ قَدْ يُتَّخَذُ مِنْ أَمْثَال هَذِهِ الْأَحَادِيث الْمُبْطَلَة ذَرِيعَة إِلَى طَرْحِ التَّكَالِيف وَإِبْطَال الْعَمَلِ ظَنًّا أَنَّ تَرْكَ الشِّرْك كَافٍ , وَهَذَا يَسْتَلْزِم طَيَّ بِسَاط الشَّرِيعَة وَإِبْطَال الْحُدُود , وَأَنَّ التَّرْغِيب فِي الطَّاعَة وَالتَّحْذِير عَنْ الْمَعْصِيَة لَا تَأْثِير لَهُ بَلْ يَقْتَضِي الِانْخِلَاع عَنْ الدِّين وَالِانْحِلَال عَنْ قَيْد الشَّرِيعَة وَالْخُرُوج عَنْ الضَّبْط وَالْوُلُوج فِي الْخَبْط وَتَرْك النَّاس سُدًى مُهْمَلِينَ وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى خَرَاب الدُّنْيَا بَعْد أَنْ يُفْضِي إِلَى خَرَاب الْأُخْرَى , مَعَ أَنَّ قَوْله فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث \" أَنْ يَعْبُدُوهُ \" يَتَضَمَّن جَمِيع أَنْوَاع التَّكَالِيف الشَّرْعِيَّة وَقَوْله \" وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا \" يَشْمَل مُسَمَّى الشِّرْك الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ , فَلَا رَاحَة لِلتَّمَسُّكِ بِهِ فِي تَرْكِ الْعَمَل لِأَنَّ الْأَحَادِيث إِذَا ثَبَتَتْ وَجَبَ ضَمُّ بَعْضهَا إِلَى بَعْضٍ فَإِنَّهَا فِي حُكْم الْحَدِيث الْوَاحِد , فَيُحْمَلُ مُطْلَقُهَا عَلَى مُقَيَّدهَا لِيَحْصُل الْعَمَل بِجَمِيعِ مَا فِي مَضْمُونهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. وَفِيهِ جَوَاز الْحَلِف بِغَيْرِ تَحْلِيف , وَيُسْتَحَبّ إِذَا كَانَ لِمَصْلَحَةٍ كَتَأْكِيدِ أَمْرٍ مُهِمٍّ وَتَحْقِيقه وَنَفْي الْمَجَاز عَنْهُ , وَفِي قَوْله فِي بَعْض طُرُقه وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ تَعْبِير الْإِنْسَان عَنْ نَفْسه بِاسْمِهِ دُون ضَمِيره , وَقَدْ ثَبَتَ بِالضَّمِيرِ فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى \" وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ \" وَفِي الْأَوَّل نَوْع تَجْرِيد , وَفِي الْحَلِف بِذَلِكَ زِيَادَة فِي التَّأْكِيد لِأَنَّ الْإِنْسَان إِذَا اِسْتَحْضَرَ أَنَّ نَفْسه وَهِيَ أَعَزّ الْأَشْيَاء عَلَيْهِ بِيَدِ اللَّه تَعَالَى يَتَصَرَّف فِيهَا كَيْف يَشَاء اِسْتَشْعَرَ الْخَوْف مِنْهُ فَارْتَدَعَ عَنْ الْحَلِف عَلَى مَا لَا يَتَحَقَّقهُ , وَمِنْ ثَمَّ شُرِعَ تَغْلِيظُ الْأَيْمَان بِذِكْرِ الصِّفَات الْإِلَهِيَّة وَلَا سِيَّمَا صِفَات الْجَلَال. وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى الْإِنْفَاق فِي وُجُوه الْخَيْر , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي أَعْلَى دَرَجَات الزُّهْد فِي الدُّنْيَا بِحَيْثُ إِنَّهُ لَا يُحِبّ أَنْ يَبْقَى بِيَدِهِ شَيْء مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا لِإِنْفَاقِهِ فِيمَنْ يَسْتَحِقّهُ , وَإِمَّا لِإِرْصَادِهِ لِمَنْ لَهُ حَقّ , وَإِمَّا لِتَعَذُّرِ مَنْ يَقْبَل ذَلِكَ مِنْهُ لِتَقْيِيدِهِ فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة الْآتِيَة فِي كِتَاب التَّمَنِّي بِقَوْلِهِ \" أَجِد مَنْ يَقْبَلهُ \" وَمِنْهُ يُؤْخَذ جَوَاز تَأْخِير الزَّكَاة الْوَاجِبَة عَنْ الْإِعْطَاء إِذَا لَمْ يُوجَد مَنْ يَسْتَحِقّ أَخْذَهَا , وَيَنْبَغِي لِمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ أَنْ يَعْزِل الْقَدْر الْوَاجِب مِنْ مَاله وَيَجْتَهِد فِي حُصُول مَنْ يَأْخُذهُ , فَإِنْ لَمْ يَجِد فَلَا حَرَج عَلَيْهِ وَلَا يُنْسَب إِلَى تَقْصِير فِي حَبْسِهِ. وَفِيهِ تَقْدِيم وَفَاء الدَّيْنِ عَلَى صَدَقَة التَّطَوُّع. وَفِيهِ جَوَاز الِاسْتِقْرَاض وَقَيَّدَهُ اِبْن بَطَّال بِالْيَسِيرِ أَخْذًا مِنْ قَوْله \" إِلَّا دِينَارًا \" قَالَ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَرْصُد لِأَدَائِهِ دِينَارًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ كَانَ أَحْسَن النَّاس قَضَاء. قَالَ وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الِاسْتِغْرَاق فِي الدَّيْنِ بِحَيْثُ لَا يَجِد لَهُ وَفَاء فَيَعْجِز عَنْ أَدَائِهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي فَهِمَهُ مِنْ لَفْظ الدِّينَار مِنْ الْوَحْدَة لَيْسَ كَمَا فَهِمَ , بَلْ إِنَّمَا الْمُرَاد بِهِ الْجِنْس , وَأَمَّا قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" ثَلَاثَة دَنَانِير \" فَلَيْسَتْ الثَّلَاثَة فِيهِ لِلتَّقْلِيلِ بَلْ لِلْمِثَالِ أَوْ لِضَرُورَةِ الْوَاقِع , وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْمُرَاد بِالثَّلَاثَةِ أَنَّهَا كَانَتْ كِفَايَته فِيمَا يَحْتَاج إِلَى إِخْرَاجه فِي ذَلِكَ الْيَوْم , وَقِيلَ بَلْ هِيَ دِينَار الدَّيْنِ كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَدِينَار لِلْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَهْل وَدِينَار لِلْإِنْفَاقِ عَلَى الضَّيْف , ثُمَّ الْمُرَاد بِدِينَارِ الدَّيْنِ الْجِنْس وَيُؤَيِّدهُ تَعْبِيره فِي أَكْثَر الطُّرُق بِالشَّيْءِ عَلَى الْإِبْهَام فَيَتَنَاوَل الْقَلِيل وَالْكَثِير. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا الْحَثّ عَلَى وَفَاء الدُّيُون وَأَدَاء الْأَمَانَات وَجَوَاز اِسْتِعْمَال \" لَوْ \" عِنْد تَمَنِّي الْخَيْر وَتَخْصِيص الْحَدِيث الْوَارِد عَنْ اِسْتِعْمَال \" لَوْ \" عَلَى مَا يَكُون فِي أَمْر غَيْر مَحْمُود شَرْعًا. وَادَّعَى الْمُهَلَّب أَنَّ قَوْله فِي رِوَايَة الْأَحْنَف عَنْ أَبِي ذَرّ \" أَتُبْصِر أُحُدًا ؟ قَالَ فَنَظَرْت مَا عَلَيْهِ مِنْ الشَّمْس \" الْحَدِيث أَنَّهُ ذُكِرَ لِلتَّمْثِيلِ فِي تَعْجِيل إِخْرَاج الزَّكَاة وَأَنَّ الْمُرَاد مَا أُحِبّ أَنْ أَحْبِسَ مَا أَوْجَبَ اللَّه عَلَيَّ إِخْرَاجه بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ النَّهَار , وَتَعَقَّبَهُ عِيَاض فَقَالَ : هُوَ بِعِيدٌ فِي التَّأْوِيل , وَإِنَّمَا السِّيَاق بَيِّنٌ فِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى عِظَمِ أُحُدٍ لِيَضْرِب بِهِ الْمَثَل فِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْره ذَهَبًا مَا أَحَبَّ أَنْ يُؤَخَّرَ عِنْده إِلَّا لِمَا ذَكَرَ مِنْ الْإِنْفَاق وَالْإِرْصَاد , فَظَنَّ أَبُو ذَرّ أَنَّهُ يُرِيد أَنْ يَبْعَثهُ فِي حَاجَة وَلَمْ يَكُنْ ذَاكَ مُرَادًا إِذْ ذَاكَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّمَا اِسْتَفْهَمَهُ عَنْ رُؤْيَته لِيَسْتَحْضِر قَدْره حَتَّى يُشَبِّهَ لَهُ مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ \" إِنَّ لِي مِثْلَهُ ذَهَبًا \". وَقَالَ عِيَاض : قَدْ يَحْتَجْ بِهِ مَنْ يُفَضِّلُ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى , وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُفَضِّلُ الْغِنَى عَلَى الْفَقْر , وَمَأْخَذ كُلّ مِنْهُمَا وَاضِح مِنْ سِيَاق الْخَبَر. وَفِيهِ الْحَضّ عَلَى إِنْفَاق الْمَال فِي الْحَيَاة وَفِي الصِّحَّة وَتَرْجِيحه عَلَى إِنْفَاقه عِنْد الْمَوْت , وَقَدْ مَضَى فِيهِ حَدِيث \" أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيح شَحِيح \" وَذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَغْنِيَاء يَشِحُّ بِإِخْرَاجِ مَا عِنْدَهُ مَا دَامَ فِي عَافِيَة فَيَأْمُل الْبَقَاء وَيَخْشَى الْفَقْر , فَمَنْ خَالَفَ شَيْطَانه وَقَهَرَ نَفْسه إِيثَارًا لِثَوَابِ الْآخِرَة فَازَ , وَمَنْ بَخِلَ بِذَلِكَ لَمْ يَأْمَن الْجَوْر فِي الْوَصِيَّة , وَإِنْ سَلِمَ لَمْ يَأْمَن تَأْخِير تَنْجِيز مَا أَوْصَى بِهِ أَوْ تَرْكَهُ أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآفَات وَلَا سِيَّمَا إِنَْ خَلَّفَ وَارِثًا غَيْر مُوَفَّق فَيُبَذِّرهُ فِي أَسْرَعِ وَقْت وَيَبْقَى وَبَاله عَلَى الَّذِي جَمَعَهُ , وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. ‏"
    },
    {
        "id": "5965",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَيَّاش بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّة ثُمَّ مُعْجَمَة , وَهُوَ الْقَارِئ الْمَشْهُور. وَأَبُو حَصِين بِفَتْحِ أَوَّله اِسْمه عُثْمَان. وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ كَثْرَة الْعَرَض ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالرَّاء ثُمَّ ضَاد مُعْجَمَة , أَمَّا عَنْ فَهِيَ سَبَبِيَّة , وَأَمَّا الْعَرَض فَهُوَ مَا يُنْتَفَع بِهِ مِنْ مَتَاع الدُّنْيَا , وَيُطْلَق بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى مَا يُقَابِل الْجَوْهَر وَعَلَى كُلّ مَا يَعْرِض لِلشَّخْصِ مِنْ مَرَض وَنَحْوه. وَقَالَ أَبُو عَبْد الْمَلِك الْبُونِيّ فِيمَا نَقَلَهُ اِبْن التِّين عَنْهُ قَالَ : اِتَّصَلَ بِي عَنْ شَيْخ مِنْ شُيُوخ الْقَيْرَوَان أَنَّهُ قَالَ : الْعَرَض بِتَحْرِيكِ الرَّاء الْوَاحِد مِنْ الْعُرُوض الَّتِي يُتَّجَر فِيهَا , قَالَ : وَهُوَ خَطَأ , فَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى ) وَلَا خِلَاف بَيْن أَهْل اللُّغَة فِي أَنَّهُ مَا يَعْرِض فِيهِ , وَلَيْسَ هُوَ أَحَد الْعُرُوض الَّتِي يُتَّجَر فِيهَا بَلْ وَاحِدهَا عَرْض بِالْإِسْكَانِ وَهُوَ مَا سِوَى النَّقْدَيْنِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : الْعُرُوض الْأَمْتِعَة وَهِيَ مَا سِوَى الْحَيَوَان وَالْعَقَار وَمَا لَا يَدْخُلهُ كَيْل وَلَا وَزْن , وَهَكَذَا حَكَاهُ عِيَاض وَغَيْره , وَقَالَ اِبْن فَارِس : الْعَرْض بِالسُّكُونِ كُلّ مَا كَانَ مِنْ الْمَال غَيْر نَقْد وَجَمْعه عُرُوض , وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَمَا يُصِيبهُ الْإِنْسَان مِنْ حَظّه فِي الدُّنْيَا , قَالَ تَعَالَى : ( تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا ) وَقَالَ : ( وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَض مِثْله يَأْخُذُوهُ ). ‏ ‏قَوْله ( إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد وَسَعِيد بْن مَنْصُور وَغَيْرهمَا \" إِنَّمَا الْغِنَى فِي النَّفْس \" وَأَصْله فِي مُسْلِم , وَلِابْنِ حِبَّان مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ \" قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا ذَرّ أَتَرَى كَثْرَة الْمَال هُوَ الْغِنَى ؟ قُلْت : نَعَمْ. قَالَ : وَتَرَى قِلَّة الْمَال هُوَ الْفَقْر ؟ قُلْت : نَعَمْ يَا رَسُول اللَّه. قَالَ : إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى الْقَلْب , وَالْفَقْر فَقْر الْقَلْب \" قَالَ اِبْن بَطَّال مَعْنَى الْحَدِيث لَيْسَ حَقِيقَة الْغِنَى كَثْرَة الْمَال لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ وَسَّعَ اللَّه عَلَيْهِ فِي الْمَال لَا يَقْنَع بِمَا أُوتِيَ فَهُوَ يَجْتَهِد فِي الِازْدِيَاد وَلَا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ يَأْتِيه , فَكَأَنَّهُ فَقِير لِشِدَّةِ حِرْصه , وَإِنَّمَا حَقِيقَة الْغِنَى غِنَى النَّفْس , وَهُوَ مَنْ اِسْتَغْنَى بِمَا أُوتِيَ وَقَنِعَ بِهِ وَرَضِيَ وَلَمْ يَحْرِص عَلَى الِازْدِيَاد وَلَا أَلَحَّ فِي الطَّلَب , فَكَأَنَّهُ غَنِيّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْغِنَى النَّافِع أَوْ الْعَظِيم أَوْ الْمَمْدُوح هُوَ غِنَى النَّفْس , وَبَيَانه أَنَّهُ إِذَا اِسْتَغْنَتْ نَفْسه كَفَّتْ عَنْ الْمَطَامِع فَعَزَّتْ وَعَظُمَتْ وَحَصَلَ لَهَا مِنْ الْحُظْوَة وَالنَّزَاهَة وَالشَّرَف وَالْمَدْح أَكْثَر مِنْ الْغِنَى الَّذِي يَنَالهُ مَنْ يَكُون فَقِير النَّفْس لِحِرْصِهِ فَإِنَّهُ يُوَرِّطهُ فِي رَذَائِل الْأُمُور وَخَسَائِس الْأَفْعَال لِدَنَاءَةِ هِمَّته وَبُخْله , وَيَكْثُر مَنْ يَذُمّهُ مِنْ النَّاس وَيَصْغُر قَدْره عِنْدهمْ فَيَكُون أَحْقَر مِنْ كُلّ حَقِير وَأَذَلَّ مِنْ كُلّ ذَلِيل. وَالْحَاصِل أَنَّ الْمُتَّصِف بِغِنَى النَّفْس يَكُون قَانِعًا بِمَا رَزَقَهُ اللَّه , لَا يَحْرِص عَلَى الِازْدِيَاد لِغَيْرِ حَاجَة وَلَا يُلِحّ فِي الطَّلَب وَلَا يَحْلِف فِي السُّؤَال , بَلْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّه لَهُ , فَكَأَنَّهُ وَاجِد أَبَدًا , وَالْمُتَّصِف بِفَقْرِ النَّفْس عَلَى الضِّدّ مِنْهُ لِكَوْنِهِ لَا يَقْنَع بِمَا أُعْطِىَ بَلْ هُوَ أَبَدًا فِي طَلَب الِازْدِيَاد مِنْ أَيّ وَجْه أَمْكَنَهُ , ثُمَّ إِذَا فَاتَهُ الْمَطْلُوب حَزِنَ وَأَسِفَ , فَكَأَنَّهُ فَقِير مِنْ الْمَال لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَغْنَ بِمَا أُعْطِىَ , فَكَأَنَّهُ لَيْسَ بِغَنِيٍّ , ثُمَّ غِنَى النَّفْس إِنَّمَا يَنْشَأ عَنْ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّه تَعَالَى وَالتَّسْلِيم لِأَمْرِهِ عِلْمًا بِأَنَّ الَّذِي عِنْد اللَّه خَيْر وَأَبْقَى , فَهُوَ مُعْرِض عَنْ الْحِرْص وَالطَّلَب , وَمَا أَحْسَن قَوْل الْقَائِل : ‏ ‏غِنَى النَّفْس مَا يَكْفِيك مِنْ سَدّ حَاجَة ‏ ‏فَإِنْ زَادَ شَيْئًا عَادَ ذَاكَ الْغِنَى فَقْرًا ‏ ‏وَقَالَ الطِّيبِيُّ : يُمْكِن أَنْ يُرَاد بِغِنَى النَّفْس حُصُول الْكَمَالَات الْعِلْمِيَّة وَالْعَمَلِيَّة , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْقَائِل : ‏ ‏وَمَنْ يُنْفِق السَّاعَات فِي جَمْع مَاله ‏ ‏مَخَافَة فَقْر فَاَلَّذِي فَعَلَ الْفَقْر ‏ ‏أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يُنْفِق أَوْقَاته فِي الْغِنَى الْحَقِيقِيّ وَهُوَ تَحْصِيل الْكَمَالَات , لَا فِي جَمْع الْمَال فَإِنَّهُ لَا يَزْدَاد بِذَلِكَ إِلَّا فَقْرًا اِنْتَهَى. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ يُمْكِن أَنْ يُرَاد لَكِنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ أَظْهَر فِي الْمُرَاد , وَإِنَّمَا يَحْصُل غِنَى النَّفْس بِغِنَى الْقَلْب بِأَنْ يَفْتَقِر إِلَى رَبّه فِي جَمِيع أُمُوره فَيَتَحَقَّق أَنَّهُ الْمُعْطِي الْمَانِع فَيَرْضَى بِقَضَائِهِ وَيَشْكُرهُ عَلَى نَعْمَائِهِ وَيَفْزَع إِلَيْهِ فِي كَشْف ضَرَّائِهِ , فَيَنْشَأ عَنْ اِفْتِقَار الْقَلْب لِرَبِّهِ غِنَى نَفْسه عَنْ غَيْره وَبِهِ تَعَالَى , وَالْغِنَى الْوَارِد فِي قَوْله ( وَوَجَدَك عَائِلًا فَأَغْنَى ) يَتَنَزَّل عَلَى غِنَى النَّفْس , فَإِنَّ الْآيَة مَكِّيَّة وَلَا يَخْفَى مَا كَانَ فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ تُفْتَح عَلَيْهِ خَيْبَر وَغَيْرهَا مِنْ قِلَّة الْمَال. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5966",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ ‏ ‏مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو نُعَيْم , وَأَبُو حَازِم هُوَ سَلَمَة بْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله ( مَرَّ رَجُل عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْده : مَا رَأْيك فِي هَذَا ) ‏ ‏؟ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْأَكْفَاء فِي الدِّين \" مِنْ أَوَائِل النِّكَاح عَنْ إِبْرَاهِيم بْن حَمْزَة عَنْ أَبِي حَازِم \" فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا \" وَهُوَ خِطَاب لِجَمَاعَةٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة جُبَيْر بْن نُفَيْر عَنْ أَبِي ذَرّ عِنْد أَحْمَد وَأَبِي يَعْلَى وَابْن حِبَّان بِلَفْظِ \" قَالَ لِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُنْظُرْ إِلَى أَرْفَع رَجُل فِي الْمَسْجِد فِي عَيْنَيْك , قَالَ فَنَظَرْت إِلَى رَجُل فِي حُلَّة \" الْحَدِيث , فَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّ الْمَسْئُول هُوَ أَبُو ذَرّ , وَيُجْمَع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث سَهْل أَنَّ الْخِطَاب وَقَعَ لِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَبُو ذَرّ وَوُجِّهَ إِلَيْهِ فَأَجَابَ وَلِذَلِكَ نَسَبَهُ لِنَفْسِهِ , وَأَمَّا الْمَارّ فَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أُخْرَى لِابْنِ حِبَّان \" سَأَلَنِي رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَجُل مِنْ قُرَيْش فَقَالَ : هَلْ تَعْرِف فُلَانًا ؟ قُلْت : نَعَمْ \" الْحَدِيث وَوَقَعَ فِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاق مَا قَدْ يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ عُيَيْنَة بْن حِصْن الْفَزَارِيُّ أَوْ الْأَقْرَع بْن حَابِس التَّمِيمِيّ كَمَا سَأَذْكُرُهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ ) ‏ ‏أَيْ الْمَسْئُول. ‏ ‏قَوْله ( رَجُل مِنْ أَشْرَاف النَّاس ) ‏ ‏أَيْ هَذَا رَجُل مِنْ أَشْرَاف النَّاس , وَوَقَعَ كَذَلِكَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّد اِبْن الصَّبَّاحِ عَنْ أَبِي حَازِم. ‏ ‏قَوْله ( هَذَا وَاَللَّه حَرِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْحَاء وَكَسْر الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْدِيد آخِره , أَيْ جَدِير وَحَقِيق وَزْنًا وَمَعْنًى , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن حَمْزَة \" قَالُوا حَرِيٌّ \". ‏ ‏قَوْله ( إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَح ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح ثَالِثه أَيْ تُجَاب خِطْبَته ‏ ‏( وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّع ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْفَاء أَيْ تُقْبَل شَفَاعَته , وَزَادَ إِبْرَاهِيم بْن حَمْزَة فِي رِوَايَته \" وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَع \" وَفِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان \" إِذَا سَأَلَ أُعْطِىَ وَإِذَا حَضَرَ أُدْخِلَ \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ مَرَّ رَجُل ) ‏ ‏زَادَ إِبْرَاهِيم \" مِنْ فُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان \" مِسْكِين مِنْ أَهْل الصُّفَّة \". ‏ ‏قَوْله ( هَذَا خَيْر مِنْ مِلْء ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون اللَّام مَهْمُوز. ‏ ‏قَوْله ( مِثْل ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام وَيَجُوز فَتْحهَا , قَالَ الطِّيبِيُّ : وَقَعَ التَّفْضِيل بَيْنهمَا بِاعْتِبَارِ مُمَيِّزه وَهُوَ قَوْله بَعْد هَذَا لِأَنَّ الْبَيَان وَالْمُبِين شَيْء وَاحِد , زَادَ أَحْمَد وَابْن حِبَّان \" عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة \" وَفِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان الْأُخْرَى \" خَيْر مِنْ طِلَاع الْأَرْض مِنْ الْآخِر \" وَطِلَاع بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف اللَّام وَآخِره مُهْمَلَة أَيْ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْس مِنْ الْأَرْض كَذَا قَالَ عِيَاض , وَقَالَ غَيْره : الْمُرَاد مَا فَوْق الْأَرْض , وَزَادَ فِي آخِر هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه أَفَلَا يُعْطَى هَذَا كَمَا يُعْطَى الْآخَر ؟ قَالَ : إِذَا أُعْطِىَ خَيْرًا فَهُوَ أَهْله وَإِذَا صُرِفَ عَنْهُ فَقَدْ أُعْطِىَ حَسَنَة \" وَفِي رِوَايَة أَبِي سَالِم الْجَيْشَانِيّ عَنْ أَبِي ذَرّ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُحَمَّد بْن هَارُون الرُّوْيَانِيّ فِي مُسْنَده وَابْن عَبْد الْحَكَم فِي \" فُتُوح مِصْر \" وَمُحَمَّد اِبْن الرَّبِيع الْجِيزِيّ فِي \" مُسْنَد الصَّحَابَة الَّذِينَ نَزَلُوا مِصْر \" مَا يُؤْخَذ مِنْهُ تَسْمِيَة الْمَارّ الثَّانِي وَلَفْظه \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ كَيْف تَرَى جُعَيْلًا ؟ قُلْت : مِسْكِينًا كَشَكْلِهِ مِنْ النَّاس , قَالَ : فَكَيْف تَرَى فُلَانًا ؟ قُلْت : سَيِّدًا مِنْ السَّادَات , قَالَ : فَجُعَيْلٌ خَيْر مِنْ مِلْء الْأَرْض مِثْل هَذَا. قَالَ فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه فَفُلَان هَكَذَا وَتَصْنَع بِهِ مَا تَصْنَع ؟ قَالَ : إِنَّهُ رَأْس قَوْمه فَأَتَأَلَّفهُمْ \". وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ مُرْسَلًا أَوْ مُعْضِلًا قَالَ \" قِيلَ يَا رَسُول اللَّه أَعْطَيْت عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَع مِائَة مِائَة وَتَرَكْت جُعَيْلًا. قَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَجُعَيْلُ بْن سُرَاقَة خَيْر مِنْ طِلَاع الْأَرْض مِثْل عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَع , وَلَكِنِّي أَتَأَلَّفهُمَا وَأَكِل جُعَيْلًا إِلَى إِيمَانه \" وَلِجُعَيْلٍ الْمَذْكُور ذِكْر فِي حَدِيث أَخِيهِ عَوْف بْن سُرَاقَة فِي غَزْوَة بَنِي قُرَيْظَة وَفِي حَدِيث الْعِرْبَاض بْن سَارِيَة فِي غَزْوَة تَبُوك , وَقِيلَ فِيهِ جِعَال بِكَسْرِ أَوَّله وَتَخْفِيف ثَانِيه وَلَعَلَّهُ صُغِّرَ وَقِيلَ بَلْ هُمَا أَخَوَانِ. وَفِي الْحَدِيث بَيَان فَضْل جُعَيْلٍ الْمَذْكُور وَأَنَّ السِّيَادَة بِمُجَرَّدِ الدُّنْيَا لَا أَثَر لَهَا , وَإِنَّمَا الِاعْتِبَار فِي ذَلِكَ بِالْآخِرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ \" أَنَّ الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة \" وَأَنَّ الَّذِي يَفُوتهُ الْحَظّ مِنْ الدُّنْيَا يُعَاض عَنْهُ بِحَسَنَةِ الْآخِرَة فَفِيهِ فَضِيلَة لِلْفَقْرِ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ , لَكِنْ لَا حُجَّة فِيهِ لِتَفْضِيلِ الْفَقِير عَلَى الْغَنِيّ قَالَ اِبْن بَطَّال لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فُضِّلَ عَلَيْهِ لِفَقْرِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُول : خَيْرٌ مِنْ مِلْء الْأَرْض مِثْله لَا فَقِير فِيهِمْ , وَإِنْ كَانَ لِفَضْلِهِ فَلَا حُجَّة فِيهِ. قُلْت يُمْكِنهُمْ أَنْ يَلْتَزِمُوا الْأَوَّل وَالْحَيْثِيَّة مَرْعِيَّة , لَكِنْ تَبَيَّنَ مِنْ سِيَاق طُرُق الْقِصَّة أَنَّ جِهَة تَفْضِيله إِنَّمَا هِيَ لِفَضْلِهِ بِالتَّقْوَى وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِي فَقِير مُتَّقٍ وَغَنِيّ غَيْر مُتَّقٍ بَلْ لَا بُدّ مِنْ اِسْتِوَائِهِمَا أَوَّلًا فِي التَّقْوَى , وَأَيْضًا فَمَا فِي التَّرْجَمَة تَصْرِيح بِتَفْضِيلِ الْفَقْر عَلَى الْغِنَى , إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ ثُبُوت فَضِيلَة الْفَقْر أَفْضَلِيَّته , وَكَذَلِكَ لَا يَلْزَم مِنْ ثُبُوت أَفْضَلِيَّة فَقِير عَلَى غَنِيّ أَفَضَلِيَّة كُلّ فَقِير عَلَى كُلّ غَنِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "5967",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ عُدْنَا ‏ ‏خَبَّابًا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ مِنْهُمْ ‏ ‏مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏قُتِلَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَتَرَكَ ‏ ‏نَمِرَةً ‏ ‏فَإِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنْ ‏ ‏الْإِذْخِرِ ‏ ‏وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ ‏ ‏يَهْدِبُهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث خَبَّاب بْن الْأَرَتّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض شَرْحه فِي الْجَنَائِز فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْكُفْرِ وَنَحْو ذَلِكَ , وَذُكِرَ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ الْهِجْرَة , وَأَحَلْت بِشَرْحِهِ عَلَى الْمَغَازِي فَلَمْ يَتَّفِق ذَلِكَ ذُهُولًا. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيّ حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ ‏ ‏( عَنْ الْأَعْمَش ) ‏ ‏وَقَعَ فِي أَوَائِل الْهِجْرَة بِهَذَا السَّنَد سَوَاء \" حَدَّثَنَا الْأَعْمَش \". ‏ ‏قَوْله ( عُدْنَا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة مِنْ الْعِيَادَة. ‏ ‏قَوْله ( هَاجَرْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة ) ‏ ‏أَيْ بِأَمْرِهِ وَإِذْنه , أَوْ الْمُرَاد بِالْمَعِيَّةِ الِاشْتِرَاك فِي حُكْم الْهِجْرَة إِذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حِسًّا إِلَّا الصِّدِّيق وَعَامِر بْن فُهَيْرَة. ‏ ‏قَوْله ( نَبْتَغِي وَجْه اللَّه ) ‏ ‏أَيْ جِهَة مَا عِنْده مِنْ الثَّوَاب لَا جِهَة الدُّنْيَا. ‏ ‏قَوْله ( فَوَقَعَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ كَمَا مَضَى فِي الْهِجْرَة عَنْ الْأَعْمَش \" فَوَجَبَ \" وَإِطْلَاق الْوُجُوب عَلَى اللَّه بِمَعْنَى إِيجَابه عَلَى نَفْسه بِوَعْدِهِ الصَّادِق وَإِلَّا فَلَا يَجِب عَلَى اللَّه شَيْء. ‏ ‏قَوْله ( أَجْرنَا عَلَى اللَّه ) ‏ ‏أَيْ إِثَابَتنَا وَجَزَاؤُنَا. ‏ ‏قَوْله ( لَمْ يَأْكُل مِنْ أَجْره شَيْئًا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ عَرَض الدُّنْيَا , وَهَذَا مُشْكِل عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِير اِبْتِغَاء وَجْه اللَّه , وَيُجْمَع بِأَنَّ إِطْلَاق الْأَجْر عَلَى الْمَال فِي الدُّنْيَا بِطَرِيقِ الْمَجَاز بِالنِّسْبَةِ لِثَوَابِ الْآخِرَة , وَذَلِكَ أَنَّ الْقَصْد الْأَوَّل هُوَ مَا تَقَدَّمَ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ مَاتَ قَبْل الْفُتُوح كَمُصْعَبِ بْن عُمَيْر وَمِنْهُمْ مَنْ عَاشَ إِلَى أَنْ فُتِحَ عَلَيْهِمْ , ثُمَّ اِنْقَسَمُوا فَمِنْهُمْ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ وَوَاسَى بِهِ الْمَحَاوِيج أَوَّلًا فَأَوَّلًا بِحَيْثُ بَقِيَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَة الْأُولَى وَهُمْ قَلِيل مِنْهُمْ أَبُو ذَرّ , وَهَؤُلَاءِ مُلْتَحِقُونَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّل , وَمِنْهُمْ مَنْ تَبَسَّطَ فِي بَعْض الْمُبَاح فِيمَا يَتَعَلَّق بِكَثْرَةِ النِّسَاء وَالسَّرَارِيّ أَوْ الْخَدَم وَالْمَلَابِس وَنَحْو ذَلِكَ وَلَمْ يَسْتَكْثِر وَهُمْ كَثِير وَمِنْهُمْ اِبْن عُمَر , وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ فَاسْتَكْثَرَ بِالتِّجَارَةِ وَغَيْرهَا مَعَ الْقِيَام بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَة وَالْمَنْدُوبَة وَهُمْ كَثِير أَيْضًا مِنْهُمْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَإِلَى هَذَيْنَ الْقِسْمَيْنِ أَشَارَ خَبَّاب , فَالْقِسْم الْأَوَّل وَمَا اِلْتَحَقَ بِهِ تَوَفَّرَ لَهُ أَجْره فِي الْآخِرَة , وَالْقِسْم الثَّانِي مُقْتَضَى الْخَبَر أَنَّهُ يُحْسَب عَلَيْهِمْ مَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَال الدُّنْيَا مِنْ ثَوَابهمْ فِي الْآخِرَة , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَفَعَهُ \" مَا مِنْ غَازِيَة تَغْزُو فَتَغْنَم وَتَسْلَم إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرهمْ \" الْحَدِيث , وَمِنْ ثَمَّ آثَرَ كَثِير مِنْ السَّلَف قِلَّة الْمَال وَقَنِعُوا بِهِ إِمَّا لِيَتَوَفَّر لَهُمْ ثَوَابهمْ فِي الْآخِرَة وَإِمَّا لِيَكُونَ أَقَلّ لِحِسَابِهِمْ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( مِنْهُمْ مُصْعَب بْن عُمَيْر ) ‏ ‏بِصِيغَةِ التَّصْغِير هُوَ اِبْن هِشَام بْن عَبْد مَنَافٍ بْن عَبْد الدَّار بْن قُصَيّ. يَجْتَمِع مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُصَيّ , وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا عَبْد اللَّه , مِنْ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَام وَإِلَى هِجْرَة الْمَدِينَة. قَالَ الْبَرَاء : أَوَّل مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَب بْن عُمَيْر وَابْن أُمّ مَكْتُوم وَكَانَا يُقْرِئَانِ الْقُرْآن أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي أَوَائِل الْهِجْرَة , وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَهُ مَعَ أَهْل الْعَقَبَة الْأُولَى يُقْرِئهُمْ وَيُعَلِّمهُمْ , وَكَانَ مُصْعَب وَهُوَ بِمَكَّة فِي ثَرْوَة وَنِعْمَة فَلَمَّا هَاجَرَ صَارَ فِي قِلَّة , فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن كَعْب حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيًّا يَقُول \" بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِد إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا مُصْعَب بْن عُمَيْر وَمَا عَلَيْهِ إِلَّا بُرْدَة لَهُ مَرْقُوعَة بِفَرْوَةٍ , فَبَكَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَآهُ لِلَّذِي كَانَ فِيهِ مِنْ النِّعَم وَاَلَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْم \". ‏ ‏قَوْله ( قُتِلَ يَوْم أُحُد ) ‏ ‏أَيْ شَهِيدًا , وَكَانَ صَاحِب لِوَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي مُرْسَل عُبَيْد بْن عُمَيْر بِسَنَدٍ صَحِيح عِنْد اِبْن الْمُبَارَك فِي كِتَاب الْجِهَاد. ‏ ‏قَوْله ( وَتَرَك نَمِرَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْمِيم ثُمَّ رَاء هِيَ إِزَار مِنْ صُوف مُخَطَّط أَوْ بُرْدَة. ‏ ‏قَوْله ( أَيْنَعَتْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَفَتْح النُّون وَالْمُهْمَلَة أَيْ اِنْتَهَتْ وَاسْتَحَقَّتْ الْقَطْف , وَفِي بَعْض الرِّوَايَات يَنَعَتْ بِغَيْرِ أَلِف وَهِيَ لُغَة , قَالَ الْقَزَّاز وَأَيْنَعَتْ أَكْثَر. ‏ ‏قَوْله ( فَهُوَ يَهْدِبُهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه وَكَسْر الْمُهْمَلَة وَيَجُوز ضَمّهَا بَعْدهَا مُوَحَّدَة أَيْ يَقْطِفهَا. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي الْحَدِيث مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَف مِنْ الصِّدْق فِي وَصْف أَحْوَالهمْ. وَفِيهِ أَنَّ الصَّبْر عَلَى مُكَابَدَة الْفَقْر وَصُعُوبَته مِنْ مَنَازِل الْأَبْرَار. وَفِيهِ أَنَّ الْكَفَن يَكُون سَاتِرًا لِجَمِيعِ الْبَدَن وَأَنَّ الْمَيِّت يَصِير كُلّه عَوْرَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكَمَال , وَقَدْ تَقَدَّمَ سَائِر مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ فِي كِتَاب الْجَنَائِز. ثُمَّ قَالَ اِبْن بَطَّال : لَيْسَ فِي حَدِيث خَبَّاب تَفْضِيل الْفَقِير عَلَى الْغَنِيّ , وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ هِجْرَتهمْ لَمْ تَكُنْ لِدُنْيَا يُصِيبُونَهَا وَلَا نِعْمَة يَتَعَجَّلُونَهَا وَإِنَّمَا كَانَتْ لِلَّهِ خَالِصَة لِيُثِيبَهُمْ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْل فَتْح الْبِلَاد تَوَفَّرَ لَهُ ثَوَابه , وَمَنْ بَقِيَ حَتَّى نَالَ مِنْ طَيِّبَات الدُّنْيَا خَشِيَ أَنْ يَكُون عَجَّلَ لَهُمْ أَجْر طَاعَتهمْ , وَكَانُوا عَلَى نَعِيم الْآخِرَة أَحْرَص. ‏"
    },
    {
        "id": "5968",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏وَعَوْفٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏صَخْرٌ ‏ ‏وَحَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سَلْم ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام ‏ ‏( اِبْن زَرِير ) ‏ ‏بِزَايٍّ ثُمَّ رَاءٍ وَزْن عَظِيم , وَأَبُو رَجَاء هُوَ الْعَطَارِدِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَد وَالْمَتْن فِي صِفَة الْجَنَّة مِنْ بَدْء الْخَلْق , وَيَأْتِي شَرْحه فِي صِفَة الْجَنَّة وَالنَّار مِنْ كِتَاب الرِّقَاق هَذَا. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ أَيُّوب وَعَوْف , وَقَالَ حَمَّاد بْن نُجَيْح وَصَخْر عَنْ أَبِي رَجَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏أَمَّا مُتَابَعَة أَيُّوب فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ وَتَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَاب النِّكَاح. وَأَمَّا مُتَابَعَة عَوْف فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي كِتَاب النِّكَاح. وَأَمَّا مُتَابَعَة حَمَّاد بْن نُجَيْح - وَهُوَ الْإِسْكَاف - الْبَصْرِيّ فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن عُمَر بْن فَارِس عَنْهُ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْكِتَابَيْنِ سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَقَدْ وَثَّقَهُ وَكِيع وَابْن مَعِين وَغَيْرهمَا. وَأَمَّا مُتَابَعَة صَخْر - وَهُوَ اِبْن جُوَيْرِيَةَ - فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْمُعَافَى بْن عِمْرَانَ عَنْهُ وَابْن مَنْدَهْ فِي كِتَاب التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا صَخْر بْن جُوَيْرِيَةَ وَحَمَّاد بْن نُجَيْح قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاء , وَقَدْ وَقَعَتْ لَنَا بِعُلُوّ فِي \" الْجَعْدِيَّات \" مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن الْجَعْد عَنْ صَخْر قَالَ سَمِعْت أَبَا رَجَاء حَدَّثَنَا اِبْن عَبَّاس بِهِ , قَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عَوْف : وَقَالَ أَيُّوب عَنْ أَبِي رَجَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَكِلَا الْإِسْنَادَيْنِ لَيْسَ فِيهِ مَقَال , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَنْ أَبِي رَجَاء عِنْد كُلّ مِنْهُمَا. وَقَالَ الْخَطِيب فِي \" الْمُدْرَج \" : رَوَى هَذَا الْحَدِيث أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ عَنْ أَبِي الْأَشْهَب وَجَرِير بْن حَازِم وَسَلْم بْن زَرِير وَحَمَّاد بْن نُجَيْح وَصَخْر بْن جُوَيْرِيَةَ عَنْ أَبِي رَجَاء عَنْ عِمْرَانَ وَابْن عَبَّاس بِهِ , وَلَا نَعْلَم أَحَدًا جَمَعَ بَيْن : هَؤُلَاءِ فَإِنَّ الْجَمَاعَة رَوَوْهُ عَنْ أَبِي رَجَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَسَلْم إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي رَجَاء عَنْ عِمْرَانَ , وَلَعَلَّ جَرِيرًا كَذَلِكَ , وَقَدْ جَاءَتْ الرِّوَايَة عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي رَجَاء بِالْوَجْهَيْنِ , وَرَوَاهُ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ فِطْر عَنْ أَبِي رَجَاء عَنْ عِمْرَانَ , فَالْحَدِيث عَنْ أَبِي رَجَاء عَنْهُمَا وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ اِبْن بَطَّال : لَيْسَ قَوْله \" اِطَّلَعْت فِي الْجَنَّة فَرَأَيْت أَكْثَر أَهْلهَا الْفُقَرَاء \" يُوجِب فَضْل الْفَقِير عَلَى الْغَنِيّ , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْفُقَرَاء فِي الدُّنْيَا أَكْثَر مِنْ الْأَغْنِيَاء فَأَخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا تَقُول أَكْثَر أَهْل الدُّنْيَا الْفُقَرَاء إِخْبَارًا عَنْ الْحَال , وَلَيْسَ الْفَقْر أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّة وَإِنَّمَا دَخَلُوا بِصَلَاحِهِمْ مَعَ الْفَقْر , فَإِنَّ الْفَقِير إِذَا لَمْ يَكُنْ صَالِحًا لَا يَفْضُل. قُلْت : ظَاهِر الْحَدِيث التَّحْرِيض عَلَى تَرْك التَّوَسُّع مِنْ الدُّنْيَا كَمَا أَنَّ فِيهِ تَحْرِيض النِّسَاء عَلَى الْمُحَافَظَة عَلَى أَمْر الدِّين لِئَلَّا يَدْخُلْنَ النَّار كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي حَدِيث \" تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَر أَهْل النَّار , قِيلَ : بِمَ ؟ قَالَ : بِكُفْرِهِنَّ , قِيلَ يَكْفُرْنَ بِاَللَّهِ ؟ قَالَ : يَكْفُرُونَ بِالْإِحْسَانِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5969",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمْ يَأْكُلْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى خِوَانٍ حَتَّى مَاتَ وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَر ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن الْحَجَّاج. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ قتادة \" كُنَّا نَأْتِي أَنَس بْن مَالِك \" وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى خِوَان ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَتَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْأَطْعِمَة. ‏ ‏قَوْله ( وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : تَرْكه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الْأَكْلَ عَلَى الْخِوَان وَأَكْلَ الْمُرَقَّق إِنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ طَيِّبَات الدُّنْيَا اِخْتِيَارًا لِطَيِّبَاتِ الْحَيَاة الدَّائِمَة , وَالْمَال إِنَّمَا يُرْغَب فِيهِ لِيُسْتَعَانَ بِهِ عَلَى الْآخِرَة فَلَمْ يَحْتَجْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَال مِنْ هَذَا الْوَجْه. وَحَاصِله أَنَّ الْخَبَر لَا يَدُلّ عَلَى تَفْضِيل الْفَقْر عَلَى الْغِنَى بَلْ يَدُلّ عَلَى فَضْل الْقَنَاعَة وَالْكَفَاف وَعَدَم التَّبَسُّط فِي مَلَاذّ الدُّنْيَا , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث اِبْن عُمَر \" لَا يُصِيب عَبْدٌ مِنْ الدُّنْيَا شَيْئًا إِلَّا نَقَصَ مِنْ دَرَجَاته , وَإِنْ كَانَ عِنْد اللَّه كَرِيمًا \" أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَسَنَده جَيِّد وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5970",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَقَدْ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا ‏ ‏شَطْرُ ‏ ‏شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي شَيْبَة ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْر وَأَبُو شَيْبَة جَدّه لِأَبِيهِ وَهُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي شَيْبَة وَاسْمه إِبْرَاهِيم , أَصْله مِنْ وَاسِط وَسَكَنَ الْكُوفَة وَهُوَ أَحَد الْحُفَّاظ الْكِبَار , وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ الْمُصَنِّف وَكَذَا مُسْلِم لَكِنْ مُسْلِم يُكَنِّيه دَائِمًا وَالْبُخَارِيّ يُسَمِّيه وَقَلَّ أَنْ كَنَّاهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَمَا فِي بَيْتِي شَيْء إِلَخْ ) ‏ ‏لَا يُخَالِف مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَصَايَا مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن الْحَارِث الْمُصْطَلِقِيّ \" مَا تَرَكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد مَوْته دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَيْئًا \" لِأَنَّ مُرَاده بِالشَّيْءِ الْمَنْفِيِّ مَا تَخَلَّفَ عَنْهُ مِمَّا كَانَ يَخْتَصّ بِهِ , وَأَمَّا الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ عَائِشَة فَكَانَ بَقِيَّة نَفَقَتهَا الَّتِي تَخْتَصّ بِهَا فَلَمْ يَتَّحِد الْمَوْرِدَانِ. ‏ ‏قَوْله ( يَأْكُلهُ ذُو كَبِد ) ‏ ‏شَمِلَ جَمِيع الْحَيَوَان وَانْتَفَى جَمِيع الْمَأْكُولَات. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا شَطْر شَعِير ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالشَّطْرِ هُنَا الْبَعْض , وَالشَّطْر يُطْلَق عَلَى النِّصْف وَعَلَى مَا قَارَبَهُ وَعَلَى الْجِهَة وَلَيْسَتْ مُرَادَة هُنَا , وَيُقَال أَرَادَتْ نِصْف وَسْق. ‏ ‏قَوْله ( فِي رَفّ لِي ) ‏ ‏قَالَ الْجَوْهَرِيّ الرَّفّ شِبْه الطَّاق فِي الْحَائِط , وَقَالَ عِيَاض : الرَّفّ خَشَب يَرْتَفِع عَنْ الْأَرْض فِي الْبَيْت يُوضَع فِيهِ مَا يُرَاد حِفْظه. قُلْت : وَالْأَوَّل أَقْرَب لِلْمُرَادِ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَكَلْت مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ , فَكِلْته ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْكَاف ‏ ‏( فَفَنِيَ ) ‏ ‏أَيْ فَرَغَ. قَالَ اِبْن بَطَّال حَدِيث عَائِشَة هَذَا فِي مَعْنَى حَدِيث أَنَس فِي الْأَخْذ مِنْ الْعَيْش بِالِاقْتِصَادِ وَمَا يَسُدّ الْجَوْعَة. قُلْت : إِنَّمَا يَكُون كَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤْثِر بِمَا عِنْده , فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَاءَهُ مَا فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ خَيْبَر وَغَيْرهَا مِنْ تَمْر وَغَيْره يَدَّخِر قُوت أَهْله سَنَة ثُمَّ يَجْعَل مَا بَقِيَ عِنْده عُدَّة فِي سَبِيل اللَّه تَعَالَى , ثُمَّ كَانَ مَعَ ذَلِكَ إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ طَارِئ أَوْ نَزَلَ بِهِ ضَيْف يُشِير عَلَى أَهْله بِإِيثَارِهِمْ فَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى نَفَاد مَا عِنْدهمْ أَوْ مُعْظَمه , وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" مَا شَبِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَة أَيَّام مُتَوَالِيَة , وَلَوْ شِئْنَا لَشَبِعْنَا , وَلَكِنَّهُ كَانَ يُؤْثِر عَلَى نَفْسه \" , وَأَمَّا قَوْلهَا \" فَكِلْته فَفَنِيَ \" قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ أَنَّ الطَّعَام الْمَكِيل يَكُون فَنَاؤُهُ مَعْلُومًا لِلْعِلْمِ بِكَيْلِهِ , وَأَنَّ الطَّعَام غَيْر الْمَكِيل فِيهِ الْبَرَكَة لِأَنَّهُ غَيْر مَعْلُوم مِقْدَاره. قُلْت : فِي تَعْمِيم كُلّ الطَّعَام بِذَلِكَ نَظَر , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْخُصُوصِيَّة لِعَائِشَة بِبَرَكَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ وَقَعَ مِثْل ذَلِكَ فِي حَدِيث جَابِر الَّذِي أَذْكُرهُ آخِر الْبَاب , وَوَقَعَ مِثْل ذَلِكَ فِي مِزْوَد أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق أَبِي الْعَالِيَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمَرَاتٍ فَقُلْت : اُدْعُ لِي فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ , قَالَ فَقَبَضَ ثُمَّ دَعَا ثُمَّ قَالَ : خُذْهُنَّ فَاجْعَلْهُنَّ فِي مِزْوَد فَإِذَا أَرَدْت أَنْ تَأْخُذ مِنْهُنَّ فَأَدْخِلْ يَدك فَخُذْ وَلَا تَنْثُر بِهِنَّ نَثْرًا , فَحَمَلْت مِنْ ذَلِكَ كَذَا وَكَذَا وَسْقًا فِي سَبِيل اللَّه , وَكُنَّا نَأْكُل وَنُطْعِم وَكَانَ الْمِزْوَد مُعَلَّقًا بِحَقْوِي لَا يُفَارِقهُ , فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَان اِنْقَطَعَ \" وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق سَهْل بْن زِيَاد عَنْ أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مُطَوَّلًا وَفِيهِ \" فَأَدْخِلْ يَدك فَخُذْ وَلَا تُكْفِئ فَيُكْفَأ عَلَيْك \" وَمِنْ طَرِيق يَزِيد بْن أَبِي مَنْصُور عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْوه , وَنَحْوه مَا وَقَعَ فِي عُكَّة الْمَرْأَة وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر \" أَنَّ أُمّ مَالِك كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُكَّة لَهَا سَمْنًا فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الْأُدْم فَتَعْمَد إِلَى الْعُكَّة فَتَجِد فِيهَا سَمْنًا فَمَا زَالَ يُقِيم لَهَا أُدْم بَيْتهَا حَتَّى عَصَرَتْهُ فَأَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَوْ تَرَكْتِهَا مَا زَالَ قَائِمًا \" وَقَدْ اسْتَشْكَلَ هَذَا النَّهْي مَعَ الْأَمْر بِكَيْلِ الطَّعَام وَتَرْتِيب الْبَرَكَة عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع مِنْ حَدِيث الْمِقْدَام بْن مَعْدِيَكْرِب بِلَفْظِ \" كِيلُوا طَعَامكُمْ يُبَارَك لَكُمْ فِيهِ \" , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَيْل عِنْد الْمُبَايَعَة مَطْلُوب مِنْ أَجْل تَعَلُّق حَقّ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَلِهَذَا الْقَصْد يُنْدَب , وَأَمَّا الْكَيْل عِنْد الْإِنْفَاق فَقَدْ يَبْعَث عَلَيْهِ الشُّحّ فَلِذَلِكَ كُرِهَ , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَعْقِل بْن عُبَيْد اللَّه عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر \" أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَطْعِمهُ , فَأَطْعَمَهُ شَطْر وَسْق شَعِير , فَمَا زَالَ الرَّجُل يَأْكُل مِنْهُ وَامْرَأَته وَضَيْفهمَا حَتَّى كَالَهُ , فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَوْ لَمْ تَكِلهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ وَلَقَامَ لَكُمْ \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : سَبَب رَفْع النَّمَاء مِنْ ذَلِكَ عِنْد الْعَصْر وَالْكَيْل - وَاَللَّه أَعْلَم - الِالْتِفَات بِعَيْنِ الْحِرْص مَعَ مُعَايَنَة إِدْرَار نِعَم اللَّه وَمَوَاهِب كَرَامَاته وَكَثْرَة بَرَكَاته , وَالْغَفْلَة عَنْ الشُّكْر عَلَيْهَا وَالثِّقَة بِاَلَّذِي وَهَبَهَا وَالْمَيْل إِلَى الْأَسْبَاب الْمُعْتَادَة عِنْد مُشَاهَدَة خَرْق الْعَادَة. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ مَنْ رُزِقَ شَيْئًا أَوْ أُكْرِم بِكَرَامَةٍ أَوْ لُطِفَ بِهِ فِي أَمْر مَا فَالْمُتَعَيِّن عَلَيْهِ مُوَالَاة الشُّكْر وَرُؤْيَة الْمِنَّة لِلَّهِ تَعَالَى , وَلَا يُحْدِث فِي تِلْكَ الْحَالَة تَغْيِيرًا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5971",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِ هَذَا الْحَدِيثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنْ كُنْتُ لَأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْجُوعِ وَإِنْ كُنْتُ لَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنْ الْجُوعِ وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمْ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ فَمَرَّ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ ثُمَّ مَرَّ بِي ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ ثُمَّ مَرَّ بِي ‏ ‏أَبُو الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وَجْهِي ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏أَبَا هِرٍّ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْحَقْ وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لِي فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ قَالُوا أَهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ أَوْ فُلَانَةُ قَالَ ‏ ‏أَبَا هِرٍّ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْحَقْ إِلَى ‏ ‏أَهْلِ الصُّفَّةِ ‏ ‏فَادْعُهُمْ لِي قَالَ ‏ ‏وَأَهْلُ الصُّفَّةِ ‏ ‏أَضْيَافُ الْإِسْلَامِ لَا يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ وَلَا عَلَى أَحَدٍ إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا فَسَاءَنِي ذَلِكَ فَقُلْتُ وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي ‏ ‏أَهْلِ الصُّفَّةِ ‏ ‏كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا فَإِذَا جَاءَ أَمَرَنِي فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بُدٌّ فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنْ الْبَيْتِ قَالَ يَا ‏ ‏أَبَا هِرٍّ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏خُذْ فَأَعْطِهِمْ قَالَ فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ فَقَالَ ‏ ‏أَبَا هِرٍّ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ قُلْتُ صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اقْعُدْ فَاشْرَبْ فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ فَقَالَ اشْرَبْ فَشَرِبْتُ فَمَا زَالَ يَقُولُ اشْرَبْ حَتَّى قُلْتُ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا قَالَ فَأَرِنِي فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم بِنَحْوٍ مِنْ نِصْف هَذَا الْحَدِيث ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون الْحَدِيث بِغَيْرِ إِسْنَاد يَعْنِي غَيْر مَوْصُول ; لِأَنَّ النِّصْف الْمَذْكُور مُبْهَم لَا يُدْرَى أَهُوَ الْأَوَّل أَوْ الثَّانِي. قُلْت : يَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يَكُون قَدْر النِّصْف الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ أَبُو نُعَيْم مُلَفَّقًا مِنْ الْحَدِيث الْمَذْكُور , وَاَلَّذِي يَتَبَادَر مِنْ الْإِطْلَاق أَنَّهُ النِّصْف الْأَوَّل , وَقَدْ جَزَمَ مُغَلْطَاي وَبَعْض شُيُوخنَا , أَنَّ الْقَدْر الْمَسْمُوع لَهُ مِنْهُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي \" بَاب إِذَا دُعِيَ الرَّجُل فَجَاءَ هَلْ يَسْتَأْذِن \" مِنْ كِتَاب الِاسْتِئْذَان حَيْثُ قَالَ \" حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا عُمَر بْن ذَرّ , وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن مُقَاتِل أَنْبَأَنَا عَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك أَنْبَأَنَا عُمَر بْن ذَرّ أَنْبَأَنَا مُجَاهِد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : دَخَلْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَح فَقَالَ : أَبَا هِرّ اِلْحَقْ أَهْل الصُّفَّة فَادْعُهُمْ إِلَيَّ. قَالَ فَأَتَيْتهمْ فَدَعَوْتهمْ فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا \" قَالَ مُغَلْطَاي : فَهَذَا هُوَ الْقَدْر الَّذِي سَمِعَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ أَبِي نُعَيْم , وَاعْتَرَضَهُ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ لَيْسَ هَذَا ثُلُث الْحَدِيث وَلَا رُبْعه فَضْلًا عَنْ نِصْفه. قُلْت : وَفِيهِ نَظَر مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ : أَحَدهمَا اِحْتِمَال أَنْ يَكُون هَذَا السِّيَاق لِابْنِ الْمُبَارَك فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّن كَوْنه لَفْظ أَبِي نُعَيْم , ثَانِيهمَا أَنَّهُ مُنْتَزَع مِنْ أَثْنَاء الْحَدِيث فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الْقِصَّة الْأُولَى الْمُتَعَلِّقَة بِأَبِي هُرَيْرَة وَلَا مَا فِي آخِره مِنْ حُصُول الْبَرَكَة فِي اللَّبَن إِلَخْ. نَعَمْ , الْمُحَرَّر قَوْل شَيْخنَا فِي \" النُّكَت عَلَى اِبْن الصَّلَاح \" مَا نَصّه : الْقَدْر الْمَذْكُور فِي الِاسْتِئْذَان بَعْض الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي الرِّقَاق , قُلْت : فَهُوَ مِمَّا حَدَّثَهُ بِهِ أَبُو نُعَيْم سَوَاء كَانَ بِلَفْظِهِ أَمْ بِمَعْنَاهُ , وَأَمَّا بَاقِيه الَّذِي لَمْ يَسْمَعهُ مِنْهُ فَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ إِنَّهُ يَصِير بِغَيْرِ إِسْنَاد فَيَعُود الْمَحْذُور , كَذَا قَالَ. وَكَأَنَّ مُرَاده أَنَّهُ لَا يَكُون مُتَّصِلًا لِعَدَمِ تَصْرِيحه بِأَنَّ أَبَا نُعَيْم حَدَّثَهُ بِهِ , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ مَحْذُور بَلْ يَحْتَمِل كَمَا قَالَ شَيْخنَا أَنْ يَكُون الْبُخَارِيّ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي نُعَيْم بِطَرِيقِ الْوِجَادَة أَوْ الْإِجَازَة أَوْ حَمَلَهُ عَنْ شَيْخ آخَر غَيْر أَبِي نُعَيْم , قُلْت : أَوْ سَمِعَ بَقِيَّة الْحَدِيث مِنْ شَيْخ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي نُعَيْم , وَلِهَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ أَوْرَدْته فِي \" تَعْلِيق التَّعْلِيق \" فَأَخْرَجْته مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ أَبِي نُعَيْم تَامًّا وَمِنْ طَرِيقه أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي \" السُّنَن الْكُبْرَى \" عَنْ أَحْمَد بْن يَحْيَى الصُّوفِيّ عَنْ أَبِي نُعَيْم بِتَمَامِهِ , وَاجْتَمَعَ لِي مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنْ عُمَر بْن ذَرّ شَيْخ أَبِي نُعَيْم أَيْضًا جَمَاعَة : مِنْهُمْ رَوْح بْن عُبَادَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ وَعَلِيّ بْن مُسْهِر وَمِنْ طَرِيقه أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحه وَيُونُس بْن بُكَيْر وَمِنْ طَرِيقه أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك وَالْبَيْهَقِيُّ. وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتهمْ مِنْ فَائِدَة زَائِدَة. ثُمَّ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ مُجِيبًا عَنْ الْمَحْذُور الَّذِي اِدَّعَاهُ مَا نَصّه : اِعْتَمَدَ الْبُخَارِيّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْأَطْعِمَة عَنْ يُوسُف بْن عِيسَى فَإِنَّهُ قَرِيب مِنْ نِصْف هَذَا الْحَدِيث. فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالنِّصْفِ هُنَا مَا لَمْ يَذْكُرهُ ثَمَّةَ فَيَصِير الْكُلّ مُسْنَدًا بَعْضه عَنْ يُوسُف وَبَعْضه عَنْ أَبِي نُعَيْم قُلْت : سَنَد طَرِيق يُوسُف مُغَايِر لِطَرِيقِ أَبِي نُعَيْم إِلَى أَبِي هُرَيْرَة فَيَعُود الْمَحْذُور بِالنِّسْبَةِ إِلَى خُصُوص طَرِيق أَبِي نُعَيْم فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَوَّل كِتَاب الْأَطْعِمَة \" حَدَّثَنَا يُوسُف بْن عِيسَى حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ أَصَابَنِي جَهْد \" فَذَكَرَ سُؤَاله عَنْ الْآيَة وَذَكَرَ مُرُور رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ , وَفِيهِ \" فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَحْله فَأَمَرَ لِي بِعُسٍّ مِنْ لَبَن فَشَرِبْت مِنْهُ ثُمَّ قَالَ عُدْ \" فَذَكَرَهُ وَلَمْ يَذْكُر قِصَّة أَصْحَاب الصُّفَّة وَلَا مَا يَتَعَلَّق بِالْبَرَكَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي اللَّبَن , وَزَادَ فِي آخِره مَا دَار بَيْن أَبِي هُرَيْرَة وَعُمَر وَنَدَم عُمَر عَلَى كَوْنه مَا اِسْتَتْبَعَهُ , فَظَهَرَ بِذَلِكَ الْمُغَايَرَة بَيْن الْحَدِيثَيْنِ فِي السَّنَدَيْنِ , وَأَمَّا الْمَتْن فَفِي أَحَد الطَّرِيقَيْنِ مَا لَيْسَ فِي الْآخَر لَكِنْ لَيْسَ فِي طَرِيق أَبِي حَازِم مِنْ الزِّيَادَة كَبِير أَمْر , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( عُمَر بْن ذَرّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَقُول ) ‏ ‏فِي رِوَايَة رَوْح وَيُونُس بْن بُكَيْرٍ وَغَيْرهمَا \" حَدَّثَنَا مُجَاهِد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \". ‏ ‏قَوْله ( اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ حَرْف الْجَرّ مِنْ الْقَسَم , وَهُوَ فِي رِوَايَتنَا بِالْخَفْضِ , وَحَكَى بَعْضهمْ جَوَاز النَّصْب , وَقَالَ اِبْن التِّين رُوِّينَاهُ بِالنَّصْبِ , وَقَالَ اِبْن جِنِّيّ : إِذَا حُذِفَ حَرْف الْقَسَم نُصِبَ الِاسْم بَعْده بِتَقْدِيرِ الْفِعْل , وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يَجُرّ اِسْم اللَّه وَحْده مَعَ حَذْف حَرْف الْجَرّ فَيَقُول : اللَّهِ لَأَقُومَنَّ , وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يَسْتَعْمِلُونَهُ. قُلْت : وَثَبَتَ فِي رِوَايَة رَوْح وَيُونُس بْن بُكَيْرٍ وَغَيْرهمَا بِالْوَاوِ فِي أَوَّله فَتَعَيَّنَ الْجَرّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( إِنْ كُنْت ) ‏ ‏بِسُكُونِ النُّون مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة , وَقَوْله \" لَأَعْتَمِد بِكَبِدِي عَلَى الْأَرْض مِنْ الْجُوع \" أَيْ أُلْصِق بَطْنِي بِالْأَرْضِ , وَكَأَنَّهُ كَانَ يَسْتَفِيد بِذَلِكَ مَا يَسْتَفِيدهُ مِنْ شَدّ الْحَجَر عَلَى بَطْنه , أَوْ هُوَ كِنَايَة عَنْ سُقُوطه إِلَى الْأَرْض مَغْشِيًّا عَلَيْهِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي حَازِم فِي أَوَّل الْأَطْعِمَة \" فَلَقِيت عُمَر بْن الْخَطَّاب فَاسْتَقْرَأْته آيَة \" فَذَكَرَهُ , قَالَ \" فَمَشَيْت غَيْر بَعِيد فَخَرَرْت عَلَى وَجْهِي مِنْ الْجَهْد وَالْجُوع , فَإِذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِي \" الْحَدِيث. وَفِي حَدِيث مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة الْآتِي فِي كِتَاب الِاعْتِصَام \" لَقَدْ رَأَيْتنِي وَإِنِّي لَأَخِرّ مَا بَيْن الْمِنْبَر وَالْحُجْرَة مِنْ الْجُوع مَغْشِيًّا عَلَيَّ , فَيَجِيء الْجَائِي فَيَضَع رِجْله عَلَى عُنُقِيّ يَرَى أَنَّ بِي الْجُنُون وَمَا بِي إِلَّا الْجُوع \" وَعِنْد اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن رَبَاح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" كُنْت مِنْ أَهْل الصُّفَّة , وَإِنْ كَانَ لَيُغْشَى عَلَيَّ فِيمَا بَيْن بَيْت عَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة مِنْ الْجُوع \" وَمَضَى أَيْضًا فِي مَنَاقِب جَعْفَر مِنْ طَرِيق سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَإِنِّي كُنْت أَلْزَم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِشِبَعِ بَطْنِي \" وَفِيهِ \" كُنْت أُلْصِق بَطْنِي بِالْحَصَى مِنْ الْجُوع , وَإِنْ كُنْت لَأَسْتَقْرِئ الرَّجُل الْآيَة وَهِيَ مَعِي كَيْ يَنْقَلِب بِي فَيُطْعِمنِي \" وَزَادَ فِيهِ التِّرْمِذِيّ \" وَكُنْت إِذَا سَأَلْت جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب لَمْ يُجِبْنِي حَتَّى يَذْهَب بِي إِلَى مَنْزِله \" ‏ ‏قَوْله ( وَإِنْ كُنْت لَأَشُدّ الْحَجَر عَلَى بَطْنِي مِنْ الْجُوع ) ‏ ‏عِنْد أَحْمَد فِي طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَقِيق \" أَقَمْت مَعَ أَبِي هُرَيْرَة سَنَة فَقَالَ : لَوْ رَأَيْتنَا وَإِنَّهُ لَيَأْتِي عَلَى أَحَدنَا الْأَيَّام مَا يَجِد طَعَامًا يُقِيم بِهِ صُلْبه , حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدنَا لَيَأْخُذ الْحَجَر فَيَشُدّ بِهِ عَلَى أَخْمُص بَطْنه ثُمَّ يَشُدّهُ بِثَوْبِهِ لِيُقِيمَ بِهِ صُلْبه \" قَالَ الْعُلَمَاء فَائِدَة شَدّ الْحَجَر الْمُسَاعَدَة عَلَى الِاعْتِدَال وَالِانْتِصَاب , أَوْ الْمَنْع مِنْ كَثْرَة التَّحَلُّل مِنْ الْغِذَاء الَّذِي فِي الْبَطْن لِكَوْنِ الْحَجَر بِقَدْرِ الْبَطْن فَيَكُون الضَّعْف أَقَلّ , أَوْ لِتَقْلِيلِ حَرَارَة الْجُوع بِبَرْدِ الْحَجَر , أَوْ لِأَنَّ فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى كَسْر النَّفْس. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ أَشْكَلَ الْأَمْر فِي شَدّ الْحَجَر عَلَى الْبَطْن مِنْ الْجُوع عَلَى قَوْم فَتَوَهَّمُوا أَنَّهُ تَصْحِيف , وَزَعَمُوا أَنَّهُ الْحُجَز بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْجِيم بَعْدهَا زَاي جَمْع الْحُجْزَة الَّتِي يُشَدّ بِهَا الْوَسَط , قَالَ : وَمَنْ أَقَامَ بِالْحِجَازِ وَعَرَفَ عَادَتهمْ عَرَفَ أَنَّ الْحَجَر وَاحِد الْحِجَارَة. وَذَلِكَ أَنَّ الْمَجَاعَة تَعْتَرِيهِمْ كَثِيرًا فَإِذَا خَوَى بَطْنه لَمْ يُمْكِن مَعَهُ الِانْتِصَاب فَيَعْمِد حِينَئِذٍ إِلَى صَفَائِح رِقَاق فِي طُول الْكَفّ أَوْ أَكْبَر فَيَرْبِطهَا عَلَى بَطْن وَتُشَدّ بِعِصَابَةٍ فَوْقهَا فَتَعْتَدِل قَامَته بَعْض الِاعْتِدَال , وَالِاعْتِمَاد بِالْكَبِدِ عَلَى الْأَرْض مِمَّا يُقَارِب ذَلِكَ. قُلْت : سَبَقَهُ إِلَى الْإِنْكَار الْمَذْكُور أَبُو حَاتِم بْن حِبَّان فِي صَحِيحه , فَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى الرَّدّ عَلَيْهِ , وَقَدْ ذَكَرْت كَلَامه وَتَعَقُّبه فِي \" بَاب التَّنْكِيل لِمَنْ أَرَادَ الْوِصَال \" مِنْ كِتَاب الصِّيَام. ‏ ‏قَوْله ( وَلَقَدْ قَعَدْت يَوْمًا عَلَى طَرِيقهمْ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ ) ‏ ‏الضَّمِير لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْض أَصْحَابه مِمَّنْ كَانَ طَرِيق مَنَازِلهمْ إِلَى الْمَسْجِد مُتَّحِدَة. ‏ ‏قَوْله ( فَمَرَّ أَبُو بَكْر فَسَأَلْته عَنْ آيَة مَا سَأَلْته إِلَّا لِيُشْبِعنِي ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَة مِنْ الشِّبَع , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لِيَسْتَتْبِعنِي \" بِمُهْمَلَة وَمُثَنَّاتَيْنِ وَمُوَحَّدَة أَيْ يَطْلُب مِنِّي أَنْ أَتْبَعهُ لِيُطْعِمنِي , وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة رَوْح وَأَكْثَر الرُّوَاة. ‏ ‏قَوْله ( فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَل ) ‏ ‏أَيْ الْإِشْبَاع أَوْ الِاسْتِتْبَاع. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى مَرَّ بِي عُمَر ) ‏ ‏يُشِير إِلَى أَنَّهُ اِسْتَمَرَّ فِي مَكَانه بَعْد ذَهَاب أَبِي بَكْر إِلَى أَنْ مَرَّ عُمَر , وَوَقَعَ فِي قِصَّة عُمَر مِنْ الِاخْتِلَاف فِي قَوْله \" لِيُشْبِعنِي \" نَظِير مَا وَقَعَ فِي الَّتِي قَبْلهَا , وَزَادَ فِي رِوَايَة أَبِي حَازِم \" فَدَخَلَ دَاره وَفَتَحَهَا عَلَيَّ \" أَيْ قَرَأَ الَّذِي اِسْتَفْهَمْته عَنْهُ , وَلَعَلَّ الْعُذْر لِكُلٍّ مِنْ أَبِي بَكْر وَعُمَر حَمْل سُؤَال أَبِي هُرَيْرَة عَلَى ظَاهِره أَوْ فَهِمَا مَا أَرَادَهُ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدهمَا إِذْ ذَاكَ مَا يُطْعِمَانِهِ , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي حَازِم مِنْ الزِّيَادَة أَنَّ عُمَر تَأَسَّفَ عَلَى عَدَم إِدْخَاله أَبَا هُرَيْرَة دَاره وَلَفْظه \" فَلَقِيت عُمَر فَذَكَرْت لَهُ وَقُلْت لَهُ وَلَّى اللَّه ذَلِكَ مَنْ كَانَ أَحَقّ بِهِ مِنْك يَا عُمَر \" وَفِيهِ \" قَالَ عُمَر وَاَللَّه لَأَنْ أَكُون أَدْخَلْتُك أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُون لِي حُمْر النَّعَم \" فَإِنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ كَانَ عِنْده مَا يُطْعِمهُ إِذْ ذَاكَ فَيُرَجَّح الِاحْتِمَال الْأَوَّل , وَلَمْ يُعَرِّج عَلَى مَا رَمَزَهُ أَبُو هُرَيْرَة مِنْ كِنَايَته بِذَلِكَ عَنْ طَلَب مَا يُؤْكَل. وَقَدْ اِسْتَنْكَرَ بَعْض مَشَايِخنَا ثُبُوت هَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة لِاسْتِبْعَادِ مُوَاجَهَة أَبِي هُرَيْرَة لِعُمَر بِذَلِكَ , وَهُوَ اِسْتِبْعَاد مُسْتَبْعَد. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو الْقَاسِم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَبَسَّمَ حِين رَآنِي وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ أَبُو هُرَيْرَة بِتَبَسُّمِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ مَا بِهِ ; لِأَنَّ التَّبَسُّم تَارَة يَكُون لِمَا يُعْجِب وَتَارَة يَكُون لِإِينَاسِ مَنْ تَبَسَّمَ إِلَيْهِ وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْحَال مُعْجِبَة فَقَوِيَ الْحَمْل عَلَى الثَّانِي. ‏ ‏قَوْله ( وَمَا فِي وَجْهِي ) ‏ ‏كَأَنَّهُ عَرَفَ مِنْ حَال وَجْهه مَا فِي نَفْسه مِنْ اِحْتِيَاجه إِلَى مَا يَسُدّ رَمَقَهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر وَرَوْح \" وَعَرَفَ مَا فِي وَجْهِي أَوْ نَفْسِي \" بِالشَّكِّ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَالَ لِي يَا أَبَا هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر \" فَقَالَ أَبُو هِرّ \" وَفِي رِوَايَة رَوْح \" فَقَالَ أَبَا هِرّ \" فَأَمَّا النَّصْب فَوَاضِح , وَأَمَّا الرَّفْع فَهُوَ عَلَى لُغَة مَنْ لَا يَعْرِف لَفْظ الْكُنْيَة , أَوْ هُوَ لِلِاسْتِفْهَامِ أَيْ أَنْتَ أَبُو هِرّ ؟ وَأَمَّا قَوْله \" هِرّ \" فَهُوَ بِتَشْدِيدِ الرَّاء وَهُوَ مِنْ رَدّ الِاسْم الْمُؤَنَّث إِلَى الْمُذَكَّر وَالْمُصَغَّر إِلَى الْمُكَبَّر , فَإِنَّ كُنْيَته فِي الْأَصْل أَبُو هُرَيْرَة تَصْغِير هِرَّة مُؤَنَّثًا وَأَبُو هِرّ مُذَكَّر مُكَبَّر , وَذَكَرَ بَعْضهمْ أَنَّهُ يَجُوز فِيهِ تَخْفِيف الرَّاء مُطْلَقًا فَعَلَى هَذَا يُسَكَّن , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يُونُس بْن بُكَيْرٍ \" فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة , أَيْ أَنْتَ أَبُو هُرَيْرَة , وَقَدْ ذَكَرْت تَوْجِيهه قَبْل. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت لَبَّيْكَ رَسُول اللَّه ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ حَرْف النِّدَاء , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر \" فَقُلْت لَبَّيْكَ يَا رَسُول اللَّه وَسَعْدَيْكَ \". ‏ ‏قَوْله ( اِلْحَقْ ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ وَصْل وَفَتْح الْمُهْمَلَة أَيْ اِتْبَعْ. ‏ ‏قَوْله ( وَمَضَى فَاتَّبَعْته ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر فَلَحِقْته. ‏ ‏قَوْله ( فَدَخَلَ ) ‏ ‏زَادَ عَلِيّ بْن مُسْهِر إِلَى أَهْله. ‏ ‏قَوْله ( فَأَسْتَأْذِن ) ‏ ‏بِهَمْزَةٍ بَعْد الْفَاء وَالنُّون مَضْمُومَة فِعْل مُتَكَلِّم وَعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ مُبَالَغَة فِي التَّحَقُّق. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر وَيُونُس وَغَيْرهمَا \" فَاسْتَأْذَنْت \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَذِنَ لِي فَدَخَلَ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ وَهُوَ إِمَّا تَكْرَار لِهَذِهِ اللَّفْظَة لِوُجُودِ الْفَصْل أَوْ اِلْتِفَات , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر \" فَدَخَلْت \" وَهِيَ وَاضِحَة. ‏ ‏قَوْله ( فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَح ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر \" فَإِذَا هُوَ بِلَبَنٍ فِي قَدَح \" وَفِي رِوَايَة يُونُس \" فَوَجَدَ قَدَحًا مِنْ اللَّبَن \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَن ؟ ) ‏ ‏زَادَ رَوْح \" لَكُمْ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن مُسْهِر \" فَقَالَ لِأَهْلِهِ : مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا \". ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا أَهْدَاهُ لَك فُلَان أَوْ فُلَانَة ) ‏ ‏كَذَا بِالشَّكِّ , وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم مَنْ أَهْدَاهُ , وَفِي رِوَايَة رَوْح \" أَهْدَاهُ لَنَا فُلَان أَوْ آل فُلَان \" وَفِي رِوَايَة يُونُس \" أَهْدَاهُ لَنَا فُلَان \". ‏ ‏قَوْله ( اِلْحَقْ إِلَى أَهْل الصُّفَّة ) ‏ ‏كَذَا عَدَّى اِلْحَقْ بِإِلَى وَكَأَنَّهُ ضَمَّنَهَا مَعْنَى اِنْطَلِقْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة رَوْح بِلَفْظِ \" اِنْطَلِقْ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ وَأَهْل الصُّفَّة مِنْ أَضْيَاف الْإِسْلَام ) ‏ ‏سَقَطَ لَفْظ \" قَالَ \" مِنْ رِوَايَة رَوْح وَلَا بُدّ مِنْهَا فَإِنَّهُ كَلَام أَبِي هُرَيْرَة قَالَهُ شَارِحًا لِحَالِ أَهْل الصُّفَّة وَلِلسَّبَبِ فِي اِسْتِدْعَائِهِمْ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخُصّهُمْ بِمَا يَأْتِيه مِنْ الصَّدَقَة وَيُشْرِكهُمْ فِيمَا يَأْتِيه مِنْ الْهَدِيَّة , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة يُونُس بْن بُكَيْرٍ هَذَا الْقَدْر فِي أَوَّل الْحَدِيث وَلَفْظه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" قَالَ كَانَ أَهْل الصُّفَّة أَضْيَاف الْإِسْلَام لَا يَأْوُونَ عَلَى أَهْل وَلَا مَال وَاَللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ إِلَخْ \" وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله ( لَا يَأْوُونَ عَلَى أَهْل وَلَا مَال ) ‏ ‏فِي رِوَايَة رَوْح وَالْأَكْثَر \" إِلَى \" بَدَل عَلَى. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا عَلَى أَحَد ) ‏ ‏تَعْمِيم بَعْد تَخْصِيص فَشَمِلَ الْأَقَارِب وَالْأَصْدِقَاء وَغَيْرهمْ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث طَلْحَة اِبْن عَمْرو عِنْد أَحْمَد وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم \" كَانَ الرَّجُل إِذَا قَدِمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ لَهُ بِالْمَدِينَةِ عَرِيف نَزَلَ عَلَيْهِ , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَرِيف نَزَلَ مَعَ أَصْحَاب الصُّفَّة \" وَفِي مُرْسَل يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن قُسَيْط عِنْد اِبْن سَعْد \" كَانَ أَهْل الصُّفَّة نَاسًا فُقَرَاء لَا مَنَازِل لَهُمْ , فَكَانُوا يَنَامُونَ فِي الْمَسْجِد لَا مَأْوَى لَهُمْ غَيْره \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق نُعَيْم الْمِجْمَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" كُنْت مِنْ أَهْل الصُّفَّة \" وَكُنَّا إِذَا أَمْسَيْنَا حَضَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْمُر كُلّ رَجُل فَيَنْصَرِف بِرَجُلٍ أَوْ أَكْثَر فَيَبْقَى مَنْ بَقِيَ عَشَرَة أَوْ أَقَلّ أَوْ أَكْثَر فَيَأْتِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشَائِهِ فَنَتَعَشَّى مَعَهُ فَإِذَا فَرَغْنَا قَالَ : نَامُوا فِي الْمَسْجِد \" , وَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب عَلَامَات النُّبُوَّة \" وَغَيْره حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر \" أَنَّ أَصْحَاب الصُّفَّة كَانُوا نَاسًا فُقَرَاء , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ كَانَ عِنْده طَعَام اِثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ \" الْحَدِيث , وَلِأَبِي نُعَيْم فِي \" الْحِلْيَة \" مِنْ مُرْسَل مُحَمَّد بْن سِيرِينَ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى قَسَمَ نَاسًا مِنْ أَصْحَاب الصُّفَّة بَيْن نَاس مِنْ أَصْحَابه فَيَذْهَب الرَّجُل بِالرَّجُلِ وَالرَّجُل بِالرَّجُلَيْنِ حَتَّى ذَكَرَ عَشَرَة \" الْحَدِيث , وَلَهُ مِنْ حَدِيث مُعَاوِيَة بْن الْحَكَم \" بَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصُّفَّة فَجَعَلَ يُوَجِّه الرَّجُل مَعَ الرَّجُل مِنْ الْأَنْصَار وَالرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَة حَتَّى بَقِيت فِي أَرْبَعَة وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَامِسنَا فَقَالَ : اِنْطَلِقُوا بِنَا , فَقَالَ : يَا عَائِشَة عَشِّينَا \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَة بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَتَنَاوَل مِنْهَا شَيْئًا ) ‏ ‏أَيْ لِنَفْسِهِ , وَفِي رِوَايَة رَوْح \" وَلَمْ يُصِبْ مِنْهَا شَيْئًا \" وَزَادَ \" وَلَمْ يُشْرِكهُمْ فِيهَا \" ‏ ‏قَوْله ( وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّة أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر \" وَشَرَّكَهُمْ \" بِالتَّشْدِيدِ وَقَالَ \" فِيهَا أَوْ مِنْهَا \" بِالشَّكِّ وَوَقَعَ عِنْد يُونُس \" الصَّدَقَة وَالْهَدِيَّة \" بِالتَّعْرِيفِ فِيهِمَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة وَغَيْرهَا بَيَان أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْبَل الْهَدِيَّة وَلَا يَقْبَل الصَّدَقَة , وَتَقَدَّمَ فِي الْهِبَة مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مُخْتَصَرًا مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن زِيَاد عَنْهُ \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ فَإِنْ قِيلَ صَدَقَة قَالَ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا , وَلَمْ يَأْكُل. وَإِنْ قِيلَ هَدِيَّة ضَرَبَ بِيَدِهِ فَأَكَلَ مَعَهُمْ \" وَلِأَحْمَد وَابْن حِبَّان مِنْ هَذَا الْوَجْه \" إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ مِنْ غَيْر أَهْله \" وَيُجْمَع بَيْن هَذَا وَبَيْن مَا وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَاب بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل أَنْ تُبْنَى الصُّفَّة , فَكَانَ يُقَسِّم الصَّدَقَة فِيمَنْ يَسْتَحِقّهَا وَيَأْكُل مِنْ الْهَدِيَّة مَعَ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَصْحَابه , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْحِلْيَة \" مِنْ مُرْسَل الْحَسَن قَالَ \" بُنِيَت صُفَّة فِي الْمَسْجِد لِضُعَفَاء الْمُسْلِمِينَ \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ حَالَيْنِ : فَيُحْمَل حَدِيث الْبَاب عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَحْضُرهُ أَحَد فَإِنَّهُ يُرْسِل بِبَعْضِ الْهَدِيَّة إِلَى أَهْل الصُّفَّة أَوْ يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ كَمَا فِي قِصَّة الْبَاب , وَإِنْ حَضَرَهُ أَحَد يُشْرِكهُ فِي الْهَدِيَّة فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ فَضْل أَرْسَلَهُ إِلَى أَهْل الصُّفَّة أَوْ دَعَاهُمْ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث طَلْحَة بْن عَمْرو الَّذِي ذَكَرْته آنِفًا \" وَكُنْت فِيمَنْ نَزَلَ الصُّفَّة فَوَافَقْت رَجُلًا فَكَانَ يَجْرِي عَلَيْنَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلّ يَوْم مُدّ مِنْ تَمْر بَيْن كُلّ رَجُلَيْنِ \" وَفِي رِوَايَة أَحْمَد \" فَنَزَلْت فِي الصُّفَّة مَعَ رَجُل فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنه كُلّ يَوْم مُدّ مِنْ تَمْر \" وَهُوَ مَحْمُول أَيْضًا عَلَى اِخْتِلَاف الْأَحْوَال : فَكَانَ أَوَّلًا يُرْسِل إِلَى أَهْل الصُّفَّة بِمَا حَضَرَهُ أَوْ يَدْعُوهُمْ أَوْ يُفَرِّقهُمْ عَلَى مَنْ حَضَرَ إِنْ لَمْ يَحْضُرهُ مَا يَكْفِيهِمْ , فَلَمَّا فُتِحَتْ فَدَك وَغَيْرهَا صَارَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْ التَّمْر فِي كُلّ يَوْم مَا ذَكَرَ ؟ وَقَدْ اِعْتَنَى بِجَمْعِ أَسْمَاء أَهْل الصُّفَّة أَبُو سَعِيد بْن الْأَعْرَابِيّ وَتَبِعَهُ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمَيّ فَزَادَ أَسْمَاء , وَجَمَعَ بَيْنهمَا أَبُو نُعَيْم فِي أَوَائِل \" الْحِلْيَة \" فَسَرَدَ جَمِيع ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَاضِي فِي عَلَامَات النُّبُوَّة أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعِينَ , وَلَيْسَ الْمُرَاد حَصْرهمْ فِي هَذَا الْعَدَد وَإِنَّمَا هِيَ عِدَّة مَنْ كَانَ مَوْجُودًا حِين الْقِصَّة الْمَذْكُورَة , وَإِلَّا فَمَجْمُوعهمْ أَضْعَاف ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّا مِنْ اِخْتِلَاف أَحْوَالهمْ. ‏ ‏قَوْله ( فَسَاءَنِي ذَلِكَ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر \" وَاَللَّه \" وَالْإِشَارَة إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْله \" اُدْعُهُمْ لِي \" وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ‏ ‏بِقَوْله ( فَقُلْت ) ‏ ‏أَيْ فِي نَفْسِي ‏ ‏( وَمَا هَذَا اللَّبَن ) ‏ ‏؟ أَيْ مَا قَدْره ‏ ‏( فِي أَهْل الصُّفَّة ) ‏ ‏؟ وَالْوَاو عَاطِفَة عَلَى شَيْء مَحْذُوف , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يُونُس بِحَذْفِ الْوَاو زَادَ فِي رِوَايَته \" وَأَنَا رَسُوله إِلَيْهِمْ \" وَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر , \" وَأَيْنَ يَقَع هَذَا اللَّبَن مِنْ أَهْل الصُّفَّة وَأَنَا وَرَسُول اللَّه \" ؟ وَهُوَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أَهْل الصُّفَّة وَيَجُوز الرَّفْع وَالتَّقْدِير وَأَنَا وَرَسُول اللَّه مَعَهُمْ. ‏ ‏قَوْله ( وَكُنْت أَرْجُو أَنْ أُصِيب مِنْ هَذَا اللَّبَن شَرْبَة أَتَقَوَّى بِهَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة رَوْح يَوْمِي وَلَيْلَتِي. ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا جَاءَ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالْإِفْرَادِ أَيْ مَنْ أَمَرَنِي بِطَلَبِهِ , وَلِلْأَكْثَرِ \" فَإِذَا جَاءُوا \" بِصِيغَةِ الْجَمْع. ‏ ‏قَوْله ( أَمَرَنِي ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏( فَكُنْت أَنَا أُعْطِيهِمْ ) ‏ ‏وَكَأَنَّهُ عَرَفَ بِالْعَادَةِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُلَازِم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَخْدُمهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب جَعْفَر مِنْ حَدِيث طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه \" كَانَ أَبُو هُرَيْرَة مِسْكِينًا لَا أَهْل لَهُ وَلَا مَال , وَكَانَ يَدُور مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُمَا دَار \" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه , وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع وَغَيْره مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" كُنْت اِمْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِشِبَعِ بَطْنِي \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يُونُس بْن بُكَيْرٍ \" فَسَيَأْمُرُنِي أَنْ أُدِيرَهُ عَلَيْهِمْ فَمَا عَسَى أَنْ يُصِيبنِي مِنْهُ , وَقَدْ كُنْت أَرْجُو أَنْ أُصِيبَ مِنْهُ مَا يُغْنِينِي \" أَيْ عَنْ جُوع ذَلِكَ الْيَوْم. ‏ ‏قَوْله ( وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغنِي مِنْ هَذَا اللَّبَن ) ‏ ‏أَيْ يَصِل إِلَيَّ بَعْد أَنْ يَكْتَفُوا مِنْهُ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ لَفْظ \" عَسَى \" زَائِد. ‏ ‏قَوْله ( وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَة اللَّه وَطَاعَة رَسُوله بُدّ ) ‏ ‏يُشِير إِلَى قَوْله تَعَالَى ( مَنْ يُطِعْ الرَّسُول فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه ). ‏ ‏قَوْله ( فَأَتَيْتهمْ فَدَعَوْتهمْ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : ظَاهِره أَنَّ الْإِتْيَان وَالدَّعْوَة وَقَعَ بَعْد الْإِعْطَاء , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْله \" فَكُنْت أَنَا أُعْطِيهِمْ \" عَطْف عَلَى جَوَاب \" فَإِذَا جَاءُوا \" فَهُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَال , قُلْت : وَهُوَ ظَاهِر مِنْ السِّيَاق. ‏ ‏قَوْله ( فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ , فَأَخَذُوا مَجَالِسهمْ مِنْ الْبَيْت ) ‏ ‏أَيْ فَقَعَدَ كُلّ مِنْهُمْ فِي الْمَجْلِس الَّذِي يَلِيق بِهِ , وَلَمْ أَقِف عَلَى عَدَدهمْ إِذْ ذَاكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد فِي أَوَائِل كِتَاب الصَّلَاة مِنْ طَرِيق أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" رَأَيْت سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَاب الصُّفَّة \" الْحَدِيث وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , وَذَكَرْت هُنَاكَ أَنَّ أَبَا عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمَيّ وَأَبَا سَعِيد بْن الْأَعْرَابِيّ وَالْحَاكِم اِعْتَنَوْا بِجَمْعِ أَسْمَائِهِمْ فَذَكَرَ كُلّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُر الْآخَر , وَجَمَعَ الْجَمِيع أَبُو نُعَيْم فِي \" الْحِلْيَة \" وَعِدَّتهمْ تَقْرُب مِنْ الْمِائَة لَكِنَّ الْكَثِير مِنْ ذَلِكَ لَا يَثْبُت , وَقَدْ بَيَّنَ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ أَبُو نُعَيْم , وَقَدْ قَالَ أَبُو نُعَيْم : كَانَ عَدَد أَهْل الصُّفَّة يَخْتَلِف بِحَسَبِ اِخْتِلَاف الْحَال فَرُبَّمَا اِجْتَمَعُوا فَكَثُرُوا وَرُبَّمَا تَفَرَّقُوا إِمَّا لِغَزْوٍ أَوْ سَفَر أَوْ اِسْتِفْتَاء فَقَلُّوا. وَوَقَعَ فِي عَوَارِف السَّهْرَوَرْدِيّ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعمِائَةٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ يَا أَبَا هِرّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر \" فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيه ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( خُذْ فَأَعْطِهِمْ ) ‏ ‏أَيْ الْقَدَح الَّذِي فِيهِ اللَّبَن , وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة يُونُس. ‏ ‏قَوْله ( أُعْطِيه الرَّجُل فَيَشْرَب حَتَّى يُرْوَى ثُمَّ يَرُدّ عَلَيَّ الْقَدَح فَأُعْطِيه الرَّجُل ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي إِلَى جَنْبه , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا فِيهِ أَنَّ الْمَعْرِفَة إِذَا أُعِيدَتْ مَعْرِفَة لَا تَكُون عَيْن الْأَوَّل , وَالتَّحْقِيق أَنَّ ذَلِكَ لَا يَطَّرِد بَلْ الْأَصْل أَنْ تَكُون عَيْنه إِلَّا أَنْ تَكُون هُنَاكَ قَرِينَة تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ غَيْره مِثْل مَا وَقَعَ هُنَا مِنْ قَوْله \" حَتَّى اِنْتَهَيْت إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ وَاحِدًا بَعْد وَاحِد إِلَى أَنْ كَانَ آخِرهمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْت : وَقَعَ فِي رِوَايَة يُونُس \" ثُمَّ يَرُدّهُ فَأُنَاوِلهُ الْآخَر \" وَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر \" قَالَ خُذْ فَنَاوِلْهُمْ , قَالَ فَجَعَلْت أُنَاوِل الْإِنَاء رَجُلًا رَجُلًا فَيَشْرَب , فَإِذَا رَوِيَ أَخَذْته فَنَاوَلْته الْآخَر , حَتَّى رَوِيَ الْقَوْم جَمِيعًا \" وَعَلَى هَذَا فَاللَّفْظ الْمَذْكُور مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة , فَلَا حُجَّة فِيهِ لِخَرْمِ الْقَاعِدَة. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى اِنْتَهَيْت إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْم كُلّهمْ ) ‏ ‏أَيْ فَأَعْطَيْته الْقَدَح. ‏ ‏قَوْله ( فَأَخَذَ الْقَدَح ) ‏ ‏زَادَ رَوْح \" وَقَدْ بَقِيَتْ فِيهِ فَضْلَة \". ‏ ‏قَوْله ( فَوَضَعَهُ عَلَى يَده فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر \" فَرَفَعَ رَأْسه فَتَبَسَّمَ \" كَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ تَفَرَّسَ فِي أَبِي هُرَيْرَة مَا كَانَ وَقَعَ فِي تَوَهُّمه أَنْ لَا يَفْضُل لَهُ مِنْ اللَّبَن شَيْء كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فَلِذَلِكَ تَبَسَّمَ إِلَيْهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ شَيْء. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَبَا هِرّ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ حَرْف النِّدَاء , وَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر \" فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهه. ‏ ‏قَوْله ( بَقِيت أَنَا وَأَنْتَ ) ‏ ‏كَأَنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْل الصُّفَّة , فَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي الْبَيْت مِنْ أَهْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَتَعَرَّض لِذِكْرِهِمْ. وَيَحْتَمِل أَنَّ الْبَيْت إِذْ ذَاكَ مَا كَانَ فِيهِ أَحَد مِنْهُمْ أَوْ كَانُوا أَخَذُوا كِفَايَتهمْ وَكَانَ اللَّبَن الَّذِي فِي ذَلِكَ الْقَدَح نَصِيب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( اُقْعُدْ فَاشْرَبْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر \" قَالَ خُذْ فَاشْرَبْ \". ‏ ‏قَوْله ( فَمَا زَالَ يَقُول اِشْرَبْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة رَوْح \" فَمَا زَالَ يَقُول لِي \". ‏ ‏قَوْله ( مَا أَجِد لَهُ مَسْلَكًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة رَوْح \" فِيَّ مَسْلَكًا \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَرِنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة رَوْح \" فَقَالَ نَاوِلْنِي الْقَدَح \". ‏ ‏قَوْله ( فَحَمِدَ اللَّه وَسَمَّى ) ‏ ‏أَيْ حَمِدَ اللَّه عَلَى مَا مَنَّ بِهِ مِنْ الْبَرَكَة الَّتِي وَقَعَتْ فِي اللَّبَن الْمَذْكُور مَعَ قِلَّته حَتَّى رَوِيَ الْقَوْم كُلّهمْ وَأَفْضَلُوا , وَسَمَّى فِي اِبْتِدَاء الشُّرْب. ‏ ‏قَوْله ( وَشَرِبَ الْفَضْلَة ) ‏ ‏أَيْ الْبَقِيَّة , وَهِيَ رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر وَفِي رِوَايَة رَوْح \" فَشَرِبَ مِنْ الْفَضْلَة \" وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ بَقِيَ بَعْد شُرْبه شَيْء , فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة فَلَعَلَّهُ أَعَدَّهَا لِمَنْ بَقِيَ فِي الْبَيْت إِنْ كَانَ. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ : اِسْتِحْبَاب الشُّرْب مِنْ قُعُود , وَأَنَّ خَادِم الْقَوْم إِذَا دَار عَلَيْهِمْ بِمَا يَشْرَبُونَ يَتَنَاوَل الْإِنَاء مِنْ كُلّ وَاحِد فَيَدْفَعهُ هُوَ إِلَى الَّذِي يَلِيه وَلَا يَدْعُ الرَّجُل يُنَاوِل رَفِيقه لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ نَوْع اِمْتِهَان الضَّيْف. وَفِيهِ مُعْجِزَة عَظِيمَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهَا نَظَائِر فِي عَلَامَات النُّبُوَّة مِنْ تَكْثِير الطَّعَام وَالشَّرَاب بِبَرَكَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِيهِ جَوَاز الشِّبَع وَلَوْ بَلَغَ أَقْصَى غَايَته أَخْذًا مِنْ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة \" لَا أَجِد لَهُ مَسْلَكًا \" وَتَقْرِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِهِ , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي اللَّبَن مَعَ رِقَّته وَنُفُوذه فَكَيْفَ بِمَا فَوْقه مِنْ الْأَغْذِيَة الْكَثِيفَة , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ خَاصًّا بِمَا وَقَعَ فِي تِلْكَ الْحَال فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ. وَقَدْ أَوْرَدَ التِّرْمِذِيّ عَقِب حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هَذَا حَدِيث اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" أَكْثَرهمْ فِي الدُّنْيَا شِبَعًا أَطْوَلهمْ جُوعًا يَوْم الْقِيَامَة \" وَقَالَ : حَسَن. وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ. قُلْت : وَحَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم وَضَعَّفَهُ أَحْمَد. وَفِي الْبَاب أَيْضًا حَدِيث الْمِقْدَام بْن مَعْد يَكْرِب رَفَعَهُ \" مَا مَلَأ اِبْن آدَم وِعَاء شَرًّا مِنْ بَطْنه \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا وَقَالَ حَسَن صَحِيح وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يُحْمَل الزَّجْر عَلَى مَنْ يَتَّخِذ الشِّبَع عَادَة لِمَا يَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْكَسَل عَنْ الْعِبَادَة وَغَيْرهَا , وَيُحْمَل الْجَوَاز عَلَى مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ نَادِرًا وَلَا سِيَّمَا بَعْد شِدَّة جُوع وَاسْتِبْعَاد حُصُول شَيْء بَعْده عَنْ قُرْب. وَفِيهِ أَنَّ كِتْمَان الْحَاجَة وَالتَّلْوِيح بِهَا أَوْلَى مِنْ إِظْهَارهَا وَالتَّصْرِيح بِهَا. وَفِيهِ كَرَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِيثَاره عَلَى نَفْسه وَأَهْله وَخَادِمه. وَفِيهِ مَا كَانَ بَعْض الصَّحَابَة عَلَيْهِ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ضِيق الْحَال , وَفَضْل أَبِي هُرَيْرَة وَتَعَفُّفه عَنْ التَّصْرِيح بِالسُّؤَالِ وَاكْتِفَاؤُهُ بِالْإِشَارَةِ إِلَى ذَلِكَ , وَتَقْدِيمه طَاعَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَظّ نَفْسه مَعَ شِدَّة اِحْتِيَاجه , وَفَضْل أَهْل الصُّفَّة. وَفِيهِ أَنَّ الْمُدَّعُو إِذَا وَصَلَ إِلَى دَار الدَّاعِي لَا يَدْخُل بِغَيْرِ اِسْتِئْذَان , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان مَعَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث \" رَسُول الرَّجُل إِذْنه \". وَفِيهِ جُلُوس كُلّ أَحَد فِي الْمَكَان اللَّائِق بِهِ. وَفِيهِ إِشْعَار بِمُلَازَمَةِ أَبِي بَكْر وَعُمَر لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَدُعَاء الْكَبِير خَادِمه بِالْكُنْيَةِ. وَفِيهِ تَرْخِيم الِاسْم عَلَى مَا تَقَدَّمَ , وَالْعَمَل بِالْفَرَاسَةِ , وَجَوَاب الْمُنَادَى بِلَبَّيْكَ , وَاسْتِئْذَان الْخَادِم عَلَى مَخْدُومه إِذَا دَخَلَ مَنْزِله , وَسُؤَال الرَّجُل عَمَّا يَجِدهُ فِي مَنْزِله مِمَّا لَا عَهْد لَهُ بِهِ لِيُرَتِّب عَلَى ذَلِكَ مُقْتَضَاهُ , وَقَبُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهَدِيَّة وَتَنَاوُله مِنْهَا وَإِيثَاره بِبَعْضِهَا الْفُقَرَاء , وَامْتِنَاعه مِنْ تَنَاوُل الصَّدَقَة وَوَضْعه لَهَا فِيمَنْ يَسْتَحِقّهَا , وَشُرْب السَّاقِي آخِرًا وَشُرْب صَاحِب الْمَنْزِل بَعْده , وَالْحَمْد عَلَى النِّعَم , وَالتَّسْمِيَة عِنْد الشُّرْب. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ لِأَبِي هُرَيْرَة قِصَّة أُخْرَى فِي تَكْثِير الطَّعَام مَعَ أَهْل الصُّفَّة , فَأَخْرَجَ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق سُلَيْم بْنِ حِبَّان عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ قَالَ \" أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثَة أَيَّام لَمْ أُطْعَم , فَجِئْت أُرِيدَ الصُّفَّة فَجَعَلْت أَسْقُط , فَجَعَلَ الصِّبْيَان يَقُولُونَ : جُنَّ أَبُو هُرَيْرَة , حَتَّى اِنْتَهَيْت إِلَى الصُّفَّة فَوَافَقْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيد فَدَعَا عَلَيْهَا أَهْل الصُّفَّة هُمْ يَأْكُلُونَ مِنْهَا , فَجَعَلْت أَتَطَاوَل كَيْ يَدْعُونِي حَتَّى قَامُوا وَلَيْسَ فِي الْقَصْعَة إِلَّا شَيْء فِي نَوَاحِيهَا , فَجَمَعَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَارَ لُقْمَة فَوَضَعَهَا عَلَى أَصَابِعه فَقَالَ لِي : كُلْ بِاسْمِ اللَّه , فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا زِلْت آكُل مِنْهَا حَتَّى شَبِعْت \" ‏"
    },
    {
        "id": "5972",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنِّي لَأَوَّلُ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَرَأَيْتُنَا نَغْزُو وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ ‏ ‏الْحُبْلَةِ ‏ ‏وَهَذَا السَّمُرُ وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ مَا لَهُ ‏ ‏خِلْطٌ ‏ ‏ثُمَّ أَصْبَحَتْ ‏ ‏بَنُو أَسَدٍ ‏ ‏تُعَزِّرُنِي ‏ ‏عَلَى الْإِسْلَامِ خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ سَعْيِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان , ‏ ‏وَإِسْمَاعِيل ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , ‏ ‏وَقَيْس ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , ‏ ‏وَسَعْد ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي وَقَّاص. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي لَأَوَّلُ الْعَرَب رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيل اللَّه ) ‏ ‏زَادَ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق بَيَان عَنْ قَيْس \" سَمِعْت سَعْدًا يَقُول إِنِّي لَأَوَّلُ رَجُل أَهَرَاقَ دَمًا فِي سَبِيل اللَّه \" وَفِي رِوَايَة اِبْن سَعْد فِي الطَّبَقَات مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعْد أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي السَّرِيَّة الَّتِي خَرَجَ فِيهَا مَعَ عُبَيْدَة بْن الْحَارِث فِي سِتِّينَ رَاكِبًا , وَهِيَ أَوَّل السَّرَايَا بَعْد الْهِجْرَة. ‏ ‏قَوْله ( وَرَأَيْتُنَا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاة. ‏ ‏قَوْله ( وَرَق الْحُبْلَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة وَبِسُكُونِ الْمُوَحَّدَة أَيْضًا , وَوَقَعَ فِي مَنَاقِب سَعْد بِالتَّرَدُّدِ بَيْن الرَّفْع وَالنَّصَب. ‏ ‏قَوْله ( وَهَذَا السَّمُر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَضَمَّ الْمِيم , قَالَ أَبُو عُبَيْد وَغَيْره : هُمَا نَوْعَانِ مِنْ شَجَر الْبَادِيَة , وَقِيلَ الْحُبْلَة ثَمَر الْعِضَاه بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُعْجَمَة شَجَر الشَّوْك كَالطَّلْحِ وَالْعَوْسَج , قَالَ النَّوَوِيّ : وَهَذَا جَيِّد عَلَى رِوَايَة الْبُخَارِيّ لِعَطْفِهِ الْوَرَق عَلَى الْحُبْلَة. قُلْت : هِيَ رِوَايَة أُخْرَى عِنْد الْبُخَارِيّ بِلَفْظِ \" إِلَّا الْحُبْلَة وَوَرَق السَّمُر \" وَكَذَا وَقَعَ عِنْد أَحْمَد وَابْن سَعْد وَغَيْرهمَا , وَفِي رِوَايَة بَيَان عِنْد التِّرْمِذِيّ \" وَلَقَدْ رَأَيْتنِي أَغْزُو فِي الْعِصَابَة مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا نَأْكُل إِلَّا وَرَق الشَّجَر وَالْحُبْلَة \" وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَر عِنْد مُسْلِم \" إِلَّا وَرَق الْحُبْلَة هَذَا السَّمُر \" وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : الْحُبْلَة ثَمَر السَّمُر يُشْبِه اللُّوبِيَا , وَفِي رِوَايَة التَّيْمِيِّ وَالطَّبَرِيّ فِي مُسْلِم \" وَهَذَا السَّمُر \" بِزِيَادَةِ وَاو , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَرِوَايَة الْبُخَارِيّ أَحْسَنهَا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْن الْوَرَق وَالسَّمُر , وَوَقَعَ فِي حَدِيث عُتْبَة بْن غَزْوَانَ عِنْد مُسْلِم \" لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِع سَبْعَة مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَنَا طَعَام إِلَّا وَرَق الشَّجَر حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقنَا \". ‏ ‏قَوْله ( لَيَضَع ) ‏ ‏بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة كِنَايَة عَنْ الَّذِي يَخْرُج مِنْهُ فِي حَال التَّغَوُّط. ‏ ‏قَوْله ( كَمَا تَضَع الشَّاة ) ‏ ‏زَادَ بَيَان فِي رِوَايَته \" وَالْبَعِير \". ‏ ‏قَوْله ( مَا لَه خِلْط ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام أَيْ يَصِير بَعْرًا لَا يَخْتَلِط مِنْ شِدَّة الْيُبْس النَّاشِئ عَنْ قَشَف الْعَيْش , وَتَقَدَّمَ بَيَانه فِي شَرْح الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي مَنَاقِب سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن خُزَيْمَةَ بْن مُدْرِكَة بْن إِلْيَاس بْن مُضَر , وَبَنُو أَسَد هُمْ إِخْوَة كِنَانَة بْن خُزَيْمَةَ جَدّ قُرَيْش , وَبَنُو أَسَد كَانُوا فِيمَنْ اِرْتَدَّ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَبِعُوا طُلَيْحَة بْن خُوَيْلِد الْأَسَدِيَّ لَمَّا اِدَّعَى النُّبُوَّة , ثُمَّ قَاتَلَهُمْ خَالِد بْن الْوَلِيد فِي عَهْد أَبِي بَكْر وَكَسَرَهُمْ وَرَجَعَ بَقِيَّتهمْ إِلَى الْإِسْلَام , وَتَابَ طُلَيْحَة وَحَسُنَ إِسْلَامه , وَسَكَنَ مُعْظَمهمْ الْكُوفَة بَعْد ذَلِكَ , ثُمَّ كَانُوا مِمَّنْ شَكَا سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَهُوَ أَمِير الْكُوفَة إِلَى عُمَر حَتَّى عَزَلَهُ , وَقَالُوا فِي جُمْلَة مَا شَكَوْهُ إِنَّهُ لَا يُحْسِن الصَّلَاة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ وَاضِحًا فِي بَاب \" وُجُوب الْقِرَاءَة عَلَى الْإِمَام وَالْمَأْمُوم \" مِنْ أَبْوَاب صِفَة الصَّلَاة , وَبَيَّنْت أَسْمَاء مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ بَنِي أَسَد الْمَذْكُورِينَ. وَأَغْرَبَ النَّوَوِيّ فَنَقَلَ عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّ مُرَاد سَعْد بِقَوْلِهِ \" فَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَد \" بَنُو الزُّبَيْر بْن الْعَوَامّ بْن خُوَيْلِد بْن أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى بْن قُصَيّ , وَفِيهِ نَظَر ; لِأَنَّ الْقِصَّة إِنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي وَقَعَتْ فِي عَهْد عُمَر فَلَمْ يَكُنْ لِلزُّبَيْرِ إِذْ ذَاكَ بَنُونَ يَصِفهُمْ سَعْد بِذَلِكَ وَلَا يَشْكُو مِنْهُمْ , فَإِنَّ أَبَاهُمْ الزُّبَيْر كَانَ إِذْ ذَاكَ مَوْجُودًا وَهُوَ صَدِيق سَعْد , وَإِنْ كَانَتْ بَعْد ذَلِكَ فَيَحْتَاج إِلَى بَيَان. ‏ ‏قَوْله ( تُعَزِّرُنِي ) ‏ ‏أَيْ تُوقِفنِي , وَالتَّعْزِيز التَّوْقِيف عَلَى الْأَحْكَام وَالْفَرَائِض قَالَهُ أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيُّ , وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَاهُ تُقَوِّمنِي وَتُعَلِّمنِي , وَمِنْهُ تَعْزِير السُّلْطَان وَهُوَ التَّقْوِيم بِالتَّأْدِيبِ , وَالْمَعْنَى أَنَّ سَعْدًا أَنْكَرَ أَهْلِيَّة بَنِي أَسَد لِتَعْلِيمِهِ الْأَحْكَام مَعَ سَابِقِيَّتِهِ وَقِدَم صُحْبَته. وَقَالَ الْحَرْبِيّ : مَعْنَى تُعَزِّرنِي تَلُومنِي وَتَعْتِبنِي , وَقِيلَ تُوَبِّخنِي عَلَى التَّقْصِير. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ بَعْد أَنْ حَكَى ذَلِكَ : فِي هَذِهِ الْأَقْوَال بُعْد عَنْ مَعْنَى الْحَدِيث , قَالَ : وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الْأَلْيَق بِمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُرَاد بِالتَّعْزِيرِ هُنَا الْإِعْظَام وَالتَّوْقِير كَأَنَّهُ وَصَفَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ حَالَتهمْ فِي أَوَّل الْأَمْر مِنْ شِدَّة الْحَال وَخُشُونَة الْعَيْش وَالْجَهْد , ثُمَّ إِنَّهُمْ اِتَّسَعَتْ عَلَيْهِمْ الدُّنْيَا بِالْفُتُوحَاتِ وَوُلُّوا الْوِلَايَات , فَعَظَّمَهُمْ النَّاس بِشُهْرَتِهِمْ وَفَضْلهمْ , فَكَأَنَّهُ كَرِهَ تَعْظِيم النَّاس لَهُ , وَخَصَّ بَنِي أَسَد بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ أَفْرَطُوا فِي تَعْظِيمه , قَالَ : وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي حَدِيث عُتْبَة بْن غَزْوَانَ الَّذِي بَعْده فِي مُسْلِم نَحْو حَدِيث سَعْد فِي الْإِشَارَة إِلَى مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ ضِيق الْعَيْش ثُمَّ قَالَ فِي آخِره : فَالْتَقَطْت بُرْدَة فَشَقَقْتهَا بَيْنِي وَبَيْن سَعْد بْن مَالِك - أَيْ اِبْن أَبِي وَقَّاص - فَاتَّزَرْت بِنِصْفِهَا وَاتَّزَرَ سَعْد بِنِصْفِهَا. فَمَا أَصْبَحَ مِنَّا أَحَد إِلَّا وَهُوَ أَمِير عَلَى مِصْر مِنْ الْأَمْصَار اِنْتَهَى. وَكَانَ عُتْبَة يَوْمئِذٍ أَمِير الْبَصْرَة وَسَعْد أَمِير الْكُوفَة. قُلْت : وَهَذَا كُلّه مَرْدُود لِمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ بَنِي أَسَد شَكَوْهُ وَقَالُوا فِيهِ مَا قَالُوا , وَلِذَلِكَ خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة خَالِد بْن عَبْد اللَّه الطَّحَّان عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث فِي مَنَاقِب سَعْد بَعْد قَوْله : وَضَلَّ عَمَلِي \" وَكَانُوا وَشَوْا بِهِ إِلَى عُمَر قَالُوا لَا يُحْسِن يُصَلِّي \" , وَوَقَعَ كَذَلِكَ هُنَا فِي رِوَايَة مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ إِسْمَاعِيل عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَوَقَعَ فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث الَّذِي فِيهِ أَنَّهُمْ شَكَوْهُ عِنْد مُسْلِم \" فَقَالَ سَعْد : أَتُعَلِّمُنِي الْأَعْرَاب الصَّلَاة \" فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد , وَتَفْسِير التَّعْزِير عَلَى مَا شَرَحَهُ مَنْ تَقَدَّمَ مُسْتَقِيم , وَأَمَّا قِصَّة عُتْبَة بْن غَزْوَانَ فَإِنَّمَا قَالَ فِي آخِر حَدِيثه مَا قَالَ لِأَنَّهُ خَطَبَ بِذَلِكَ وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَمِير , فَأَرَادَ إِعْلَام الْقَوْم بِأَوَّلِ أَمْره وَآخِره إِظْهَارًا مِنْهُ لِلتَّوَاضُعِ وَالتَّحَدُّث بِنِعْمَةِ اللَّه وَالتَّحْذِير مِنْ الِاغْتِرَار بِالدُّنْيَا. وَأَمَّا سَعْد فَقَالَ ذَلِكَ بَعْد أَنْ عُزِلَ وَجَاءَ إِلَى عُمَر فَاعْتَذَرَ , وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ سَعَى فِيهِ بِمَا سَعَى. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى الْإِسْلَام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة بَيَان \" عَلَى الدِّين \". ‏ ‏قَوْله ( خِبْت إِذًا وَضَلَّ سَعْيِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة خَالِد \" عَمَلِي كَمَا تَرَى \" وَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم الرِّوَايَات , وَفِي رِوَايَة بَيَان \" لَقَدْ خِبْت إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي \". وَوَقَعَ عِنْد اِبْن سَعْد عَنْ يَعْلَى وَمُحَمَّد اِبْنَيْ عُبَيْد عَنْ إِسْمَاعِيل بِسَنَدِهِ فِي آخِره \" وَضَلَّ عَمَلِيَهْ \" بِزِيَادَةِ هَاء فِي آخِره وَهِيَ هَاء السَّكْت , قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : إِنْ قِيلَ كَيْف سَاغَ لِسَعْدٍ أَنْ يَمْدَح نَفْسه وَمِنْ شَأْن الْمُؤْمِن تَرْك ذَلِكَ لِثُبُوتِ النَّهْي عَنْهُ , فَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ سَاغَ لَهُ لَمَّا عَيَّرَهُ الْجُهَّال بِأَنَّهُ لَا يُحْسِن الصَّلَاة , فَاضْطَرَّ إِلَى ذِكْر فَضْله , وَالْمِدْحَة إِذَا خَلَتْ عَنْ الْبَغْي وَالِاسْتِطَالَة وَكَانَ مَقْصُود قَائِلهَا إِظْهَار الْحَقّ وَشُكْر نِعْمَة اللَّه لَمْ يُكْرَه , كَمَا لَوْ قَالَ الْقَائِل : إِنِّي لَحَافِظٌ لِكِتَابِ اللَّه عَالِمٌ بِتَفْسِيرِهِ وَبِالْفِقْهِ فِي الدِّين , قَاصِدًا إِظْهَار الشُّكْر أَوْ تَعْرِيف مَا عِنْده لِيُسْتَفَادَ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَمْ يُعْلَم حَاله , وَلِهَذَا قَالَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام ( إِنِّي حَفِيظ عَلِيم ) وَقَالَ عَلِيّ : سَلُونِي عَنْ كِتَاب اللَّه. وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : لَوْ أَعْلَم أَحَدًا أَعْلَم بِكِتَابِ اللَّه مِنِّي لَأَتَيْته , وَسَاقَ فِي ذَلِكَ أَخْبَارًا وَآثَارًا عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ تُؤَيِّد ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5973",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا شَبِعَ آلُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُنْذُ قَدِمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي عُثْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي شَيْبَة , ‏ ‏وَجَرِير ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , ‏ ‏وَمَنْصُور ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , ‏ ‏وَإِبْرَاهِيم ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ , ‏ ‏وَالْأَسْوَد ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد , وَهَؤُلَاءِ كُلّهمْ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّد ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏( مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَة ) ‏ ‏يَخْرُج مَا كَانُوا فِيهِ قَبْل الْهِجْرَة ‏ ‏( مِنْ طَعَام بُرّ ) ‏ ‏يَخْرُج مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاع الْمَأْكُولَات ‏ ‏( ثَلَاث لَيَالٍ ) ‏ ‏أَيْ بِأَيَّامِهَا ‏ ‏( تِبَاعًا ) ‏ ‏يَخْرُج التَّفَارِيق ‏ ‏( حَتَّى قُبِضَ ) ‏ ‏إِشَارَة إِلَى اِسْتِمْرَاره عَلَى تِلْكَ الْحَال مُدَّة إِقَامَته بِالْمَدِينَةِ وَهِيَ عَشْر سِنِينَ بِمَا فِيهَا مِنْ أَيَّام أَسْفَاره فِي الْغَزْو وَالْحَجّ وَالْعُمْرَة , وَزَادَ اِبْن سَعْد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِبْرَاهِيم \" وَمَا رُفِعَ عَنْ مَائِدَته كِسْرَة خُبْز فَضْلًا حَتَّى قُبِضَ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ مَنْصُور فِيهِ بِلَفْظِ \" مَا شَبِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن عَابِس عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة \" مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّد مِنْ خُبْزِ بُرّ مَأْدُوم \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة \" مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُبْز الشَّعِير يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ \" أَخْرَجَاهُ , وَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن قُسَيْط عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" مَا شَبِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُبْز وَزَيْت فِي يَوْم وَاحِد مَرَّتَيْنِ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْهَا \" وَاَللَّه مَا شَبِعَ مِنْ خُبْز وَلَحْم فِي يَوْم مَرَّتَيْنِ \" وَعِنْد اِبْن سَعْد أَيْضًا مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ تَأْتِي عَلَيْهِ أَرْبَعَة أَشْهُر مَا يَشْبَع مِنْ خُبْز الْبُرّ \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة نَحْو حَدِيث الْبَاب ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي الْأَطْعِمَة مِنْ طَرِيق سَعْد الْمَقْبُرِيِّ عَنْهُ \" مَا شَبِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَة أَيَّام تِبَاعًا مِنْ خُبْز حِنْطَة حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَع مِنْ خُبْز الشَّعِير فِي الْيَوْم الْوَاحِد غَدَاء وَعَشَاء \" , وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد \" مَا شَبِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبْعَتَيْنِ فِي يَوْم حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا \" أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد وَالطَّبَرَانِيُّ , وَفِي حَدِيث عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ \" مَا شَبِعَ مِنْ غَدَاء أَوْ عَشَاء حَتَّى لَقِيَ اللَّه \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. قَالَ الطَّبَرِيُّ : اِسْتَشْكَلَ بَعْض النَّاس كَوْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه كَانُوا يَطْوُونَ الْأَيَّام جُوعًا مَعَ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَع لِأَهْلِهِ قُوت سَنَة , وَأَنَّهُ قَسَّمَ بَيْن أَرْبَعَة أَنْفُس أَلْف بَعِير مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهِ , وَأَنَّهُ سَاقَ فِي عُمْرَته مِائَة بَدَنَة فَنَحَرَهَا وَأَطْعَمَهَا الْمَسَاكِين , وَأَنَّهُ أَمَرَ لِأَعْرَابِيٍّ بِقَطِيعٍ مِنْ الْغَنَم وَغَيْر ذَلِكَ , مَعَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَاب الْأَمْوَال كَأَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَغَيْرهمْ مَعَ بَذْلهمْ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ بَيْن يَدَيْهِ , وَقَدْ أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ فَجَاءَ أَبُو بَكْر بِجَمِيعِ مَاله وَعُمَر بِنِصْفِهِ , وَحَثَّ عَلَى تَجْهِيز جَيْش الْعُسْرَة فَجَهَّزَهُمْ عُثْمَان بِأَلِفِ بَعِير إِلَى غَيْر ذَلِكَ , وَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُمْ فِي حَالَة دُون حَالَة لَا لِعَوْزٍ وَضِيق بَلْ تَارَة لِلْإِيثَارِ وَتَارَة لِكَرَاهَةِ الشِّبَع وَلِكَثْرَةِ الْأَكْل اِنْتَهَى. وَمَا نَفَاهُ مُطْلَقًا فِيهِ نَظَر لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيث آنِفًا , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه عَنْ عَائِشَة \" مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّا كُنَّا نَشْبَع مِنْ التَّمْر فَقَدْ كَذَبَكُمْ , فَلَمَّا اُفْتُتِحَتْ قُرَيْظَة أَصَبْنَا شَيْئًا مِنْ التَّمْر وَالْوَدَك \" وَتَقَدَّمَ فِي غَزْوَة خَيْبَر مِنْ رِوَايَة عِكْرِمَة عَنْ عَائِشَة \" لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَر قُلْنَا الْآن نَشْبَع مِنْ التَّمْر \" وَتَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْأَطْعِمَة حَدِيث مَنْصُور بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أُمّه صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة عَنْ عَائِشَة \" تُوُفِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين شَبِعْنَا مِنْ التَّمْر ) وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَر شَبِعْنَا مِنْ التَّمْر \" وَالْحَقّ أَنَّ الْكَثِير مِنْهُمْ كَانُوا فِي حَال ضِيق قَبْل الْهِجْرَة حَيْثُ كَانُوا بِمَكَّة , ثُمَّ لَمَّا هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَة كَانَ أَكْثَرهمْ كَذَلِكَ فَوَاسَاهُمْ الْأَنْصَار بِالْمَنَازِلِ وَالْمَنَائِح , فَلَمَّا فُتِحَتْ لَهُمْ النَّضِير وَمَا بَعْدهَا رَدُّوا عَلَيْهِمْ مَنَائِحَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَاب الْهِبَة. وَقَرِيب مِنْ ذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَقَدْ أُخِفْت فِي اللَّه وَمَا يُخَاف أَحَد , وَلَقَدْ أُوذِيت فِي اللَّه وَمَا يُؤْذَى أَحَد , وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ يَوْم وَلَيْلَة مَالِي وَلِبِلَالٍ طَعَام يَأْكُلهُ أَحَد إِلَّا شَيْء يُوَارِيه إِبِط بِلَال \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان بِمَعْنَاهُ. نَعَمْ كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَار ذَلِكَ مَعَ إِمْكَان حُصُول التَّوَسُّع وَالتَّبَسُّط فِي الدُّنْيَا لَهُ , كَمَا أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ \" عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاء مَكَّة ذَهَبًا فَقُلْت : لَا يَا رَبّ , وَلَكِنْ أَشْبَع يَوْمًا وَأَجُوع يَوْمًا , فَإِذَا جُعْت تَضَرَّعْت إِلَيْك , وَإِذَا شَبِعْت شَكَرْتُك \" وَسَأَذْكُرُ حَدِيث عَائِشَة فِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5974",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ هُوَ الْأَزْرَقُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالٍ الْوَزَّانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا أَكَلَ آلُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَكْلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ إِلَّا إِحْدَاهُمَا تَمْرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ الْبَغَوِيُّ , ‏ ‏وَهِلَال ‏ ‏الْمَذْكُور فِي السَّنَد هُوَ الْوَزَّان وَهُوَ اِبْن حُمَيْدٍ. ‏ ‏قَوْله ( مَا أَكْل آلُ مُحَمَّد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد بْن مُنَيْع عَنْ إِسْحَاق الْأَزْرَق بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور هُنَا \" مَا شَبِعَ مُحَمَّد \" بِحَذْفِ لَفْظ آل , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ آل مُحَمَّد قَدْ يُطْلَق وَيُرَاد بِهِ مُحَمَّد نَفْسه. ‏ ‏قَوْله ( أَكْلَتَيْنِ فِي يَوْم إِلَّا إِحْدَاهُمَا تَمْر ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ التَّمْر كَانَ أَيْسَر عِنْدهمْ مِنْ غَيْره وَالسَّبَب مَا تَقَدَّمَ فِي الْأَحَادِيث الَّتِي قَبْله , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمْ رُبَّمَا لَمْ يَجِدُوا فِي الْيَوْم إِلَّا أَكْلَة وَاحِدَة , فَإِنْ وَجَدُوا أَكْلَتَيْنِ فَإِحْدَاهُمَا تَمْر , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ مِسْعَر بِلَفْظِ \" مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّد يَوْمَيْنِ مِنْ خُبْز الْبُرّ إِلَّا وَأَحَدهمَا تَمْر \" وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق عِمْرَانَ بْن يَزِيد الْمَدَنِيّ \" حَدَّثَنِي وَالِدِي قَالَ دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَة فَقَالَتْ : خَرَجَ - تَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يَمْلَأ بَطْنه فِي يَوْم مِنْ طَعَامَيْنِ , كَانَ إِذَا شَبِعَ مِنْ التَّمْر لَمْ يَشْبَع مِنْ الشَّعِير وَإِذَا شَبِعَ مِنْ الشَّعِير لَمْ يَشْبَع مِنْ التَّمْر \" وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلّ عَلَى تَرْك الْجَمْع بَيْن لَوْنَيْنِ , فَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّف فِي الْأَطْعِمَة لِلْجَوَازِ , وَأَوْرَدَ حَدِيث \" كَانَ يَأْكُل الْقِثَّاء بِالرُّطَبِ \" وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ وَبَيَان مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "5975",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَدَمٍ ‏ ‏وَحَشْوُهُ ‏ ‏مِنْ لِيفٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( النَّضْر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شُمَيْلٍ بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ فِرَاش رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَدَم ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْمُوَحَّدَة ‏ ‏( حَشْوُهُ لِيفٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر عَنْ هِشَام عِنْد اِبْن مَاجَهْ بِلَفْظِ \" كَانَ ضِجَاع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدَمًا حَشْوُهُ لِيفٌ \" وَالضِّجَاع بِكَسْرِ الضَّاد الْمُعْجَمَة بَعْدهَا جِيم مَا يُرْقَد عَلَيْهِ , وَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَجَوَّز مِنْ اللِّبَاس وَالْبُسُط \" مِنْ كِتَاب اللِّبَاس حَدِيث عُمَر الطَّوِيل فِي قِصَّة الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ \" فَإِذَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِير قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبه وَتَحْت رَأْسه مِرْفَقَة مِنْ أَدَم حَشْوُهَا لِيف وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ حَدِيث أَنَس بِنَحْوِهِ وَفِيهِ \" وِسَادَة \" بَدَل مِرْفَقَة , وَمِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة \" دَخَلَتْ عَلَيَّ اِمْرَأَة فَرَأَتْ فِرَاش النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبَاءَة مَثْنِيَّة , فَبَعَثَتْ إِلَيَّ بِفِرَاشٍ حَشْوه صُوف , فَدَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَآهُ فَقَالَ : رُدِّيهِ يَا عَائِشَة , وَاَللَّه لَوْ شِئْتُ أَجْرَى اللَّه مَعِي جِبَال الذَّهَب وَالْفِضَّة \" وَعِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" اِضْطَجَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِير فَأَثَّرَ فِي جَنْبه , فَقِيلَ لَهُ : أَلَا نَأْتِيك بِشَيْءٍ يَقِيك مِنْهُ ؟ فَقَالَ مَا لِي وَلِلدُّنْيَا , إِنَّمَا أَنَا وَالدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اِسْتَظَلَّ تَحْت شَجَرَة ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "5976",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏قَالَ كُنَّا نَأْتِي ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ وَقَالَ ‏ ‏كُلُوا فَمَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ وَلَا رَأَى شَاةً ‏ ‏سَمِيطًا ‏ ‏بِعَيْنِهِ قَطُّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس , ‏ ‏قَوْله ( وَخَبَّازه قَائِم ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب الْخُبْز الْمُرَقَّق \" مِنْ كِتَاب الْأَطْعِمَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5977",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلَّا أَنْ نُؤْتَى بِاللُّحَيْمِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ وَقَدْ سَقَطَتْ الثَّانِيَة لِلنَّسَفِيِّ وَأَبِي ذَرّ وَثَبَتَتْ لِلْبَاقِينَ وَهِيَ عِنْد الْجَمِيع فِي كِتَاب الْهِبَة. ‏ ‏قَوْله فِي الطَّرِيق الْأُولَى ‏ ‏( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان , ‏ ‏وَهِشَام ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْر مَا نُوقِد فِيهِ نَارًا إِنَّمَا هُوَ التَّمْر وَالْمَاء , إِلَّا أَنْ نُؤْتَى بِاللُّحَيْمِ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالتَّصْغِيرِ إِشَارَة إِلَى قِلَّته. ‏"
    },
    {
        "id": "5978",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏لِعُرْوَةَ ‏ ‏ابْنَ أُخْتِي ‏ ‏إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَارٌ فَقُلْتُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ قَالَتْ الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جِيرَانٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏كَانَ لَهُمْ ‏ ‏مَنَائِحُ ‏ ‏وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ أَبْيَاتِهِمْ ‏ ‏فَيَسْقِينَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة \" اِبْن أَبِي حَازِم \" هُوَ ‏ ‏عَبْد الْعَزِيز بْن سَلَمَة بْن دِينَار , وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق مِنْ أَهْل الْمَدِينَة : أَبُو حَازِم وَيَزِيد وَعُرْوَة. ‏ ‏قَوْله ( اِبْن أُخْتِي ) ‏ ‏بِحَذْفِ حَرْف النِّدَاء أَيْ يَا اِبْن أُخْتِي , لِأَنَّ أُمّه أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله ( إِنْ كُنَّا لَنَنْظُر إِلَى الْهِلَال ثَلَاثَة أَهِلَّة فِي شَهْرَيْنِ ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْهِلَالِ الثَّالِث هِلَال الشَّهْر الثَّالِث , وَهُوَ يُرَى عِنْد اِنْقِضَاء الشَّهْرَيْنِ , وَبِرُؤْيَتِهِ يَدْخُل أَوَّل الشَّهْر الثَّالِث. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد اِبْن سَعْد \" كَانَ يَمُرّ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِلَال ثُمَّ هِلَال ثُمَّ هِلَال لَا يُوقَد فِي شَيْء مِنْ بُيُوته نَار لَا لِخُبْزٍ وَلَا لِطَبْخٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت مَا كَانَ يُعِيشكُمْ ) ‏ ‏؟ بِضَمِّ أَوَّله , يُقَال أَعَاشَهُ اللَّه أَيْ أَعْطَاهُ الْعَيْش , وَفِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة نَحْوه وَفِيهِ قُلْت فَمَا كَانَ طَعَامكُمْ ؟ قَالَتْ : الْأَسْوَدَانِ التَّمْر وَالْمَاء وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالُوا بِأَيِّ شَيْء كَانُوا يَعِيشُونَ نَحْوه. وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى ثَانِي الْحَال بَعْد أَنْ فُتِحَتْ قُرَيْظَة وَغَيْرهَا , وَمِنْ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث الزُّبَيْر قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمئِذٍ عَنْ النَّعِيم ) قُلْت : وَأَيّ نَعِيم نُسْأَل عَنْهُ ؟ وَإِنَّمَا هُوَ الْأَسْوَدَانِ التَّمْر وَالْمَاء , قَالَ : إِنَّهُ سَيَكُونُ. قَالَ الصَّغَانِيّ : الْأَسْوَدَانِ يُطْلَق عَلَى التَّمْر وَالْمَاء , وَالسَّوَاد لِلتَّمْرِ دُون الْمَاء فَنُعِتَا بِنَعْتٍ وَاحِد تَغْلِيبًا , وَإِذَا اِقْتَرَنَ الشَّيْئَانِ سُمِّيَا بِاسْمِ أَشْهَرهمَا. وَعَنْ أَبِي زَيْد : الْمَاء يُسَمَّى الْأَسْوَد وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِشِعْرٍ. قُلْت : وَفِيهِ نَظَر , وَقَدْ تَقَع الْخِفَّة أَوْ الشَّرَف مَوْضِع الشُّهْرَة كَالْعُمَرَيْنِ لِأَبِي بَكْر وَعُمَر وَالْقَمَرَيْنِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَر. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَان مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏زَادَ أَبُو هُرَيْرَة فِي حَدِيثه جَزَاهُمْ اللَّه خَيْرًا. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ ) ‏ ‏جَمْع مَنِيحَة بِنُونٍ وَحَاء مُهْمَلَة , وَعِنْد التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبِيت اللَّيَالِي الْمُتَتَابِعَة وَأَهْله طَاوِينَ لَا يَجِدُونَ عَشَاء \". وَعِنْد اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ سُخْن فَأَكَلَ , فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ , مَا دَخَلَ بَطْنِي طَعَام سُخْن مُنْذُ كَذَا وَكَذَا \" وَسَنَده حَسَن. وَمِنْ شَوَاهِد الْحَدِيث مَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَنَس \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول مِرَارًا : وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ مَا أَصْبَحَ عِنْد آلِ مُحَمَّد صَاع حَبّ وَلَا صَاع تَمْر , وَإِنَّ لَهُ يَوْمَئِذٍ لَتِسْع نِسْوَة \" وَلَهُ شَاهِد عِنْد اِبْن مَاجَهْ عَنْ اِبْن مَسْعُود. ‏"
    },
    {
        "id": "5979",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏قُوتًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ فُضَيْل بْن غَزْوَانَ ‏ ‏وَعُمَارَة ‏ ‏هُوَ اِبْن الْقَعْقَاع , ‏ ‏وَأَبُو زُرْعَة ‏ ‏هُوَ اِبْن عَمْرو بْن جَرِير. ‏ ‏قَوْله ( اللَّهُمَّ اُرْزُقْ آل مُحَمَّد قُوتًا ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ هُنَا , وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ عُمَارَة عِنْد مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَهْ \" اللَّهُمَّ اِجْعَلْ رِزْق آل مُحَمَّد قُوتًا \" وَهُوَ الْمُعْتَمَد , فَإِنَّ اللَّفْظ الْأَوَّل صَالِح لِأَنْ يَكُون دُعَاء بِطَلَبِ الْقُوت فِي ذَلِكَ الْيَوْم وَأَنْ يَكُون طَلَبَ لَهُمْ الْقُوت , بِخِلَافِ اللَّفْظ الثَّانِي فَإِنَّهُ يُعَيِّن الِاحْتِمَال الثَّانِي وَهُوَ الدَّالّ عَلَى الْكَفَاف , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَعَلَى ذَلِكَ شَرَحَهُ اِبْن بَطَّال فَقَالَ : فِيهِ دَلِيل عَلَى فَضْل الْكَفَاف وَأَخْذ الْبُلْغَة مِنْ الدُّنْيَا وَالزُّهْد فِيمَا فَوْق ذَلِكَ رَغْبَة فِي تَوَفُّر نَعِيم الْآخِرَة وَإِيثَارًا لِمَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى , فَيَنْبَغِي أَنْ تَقْتَدِيَ بِهِ أُمَّته فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّهُ طَلَبَ الْكَفَاف , فَإِنَّ الْقُوت مَا يَقُوت الْبَدَن وَيَكُفّ عَنْ الْحَاجَة , وَفِي هَذِهِ الْحَالَة سَلَامَة مِنْ آفَات الْغِنَى وَالْفَقْر جَمِيعًا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5980",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَشْعَثَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مَسْرُوقًا ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ الدَّائِمُ قَالَ قُلْتُ فَأَيَّ حِينٍ كَانَ يَقُومُ قَالَتْ كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْدَان ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن جَبَلَةَ بْن أَبِي رَوَّادٍ , ‏ ‏وَأَشْعَث ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْم بْن الْأَسْوَد وَأَبُوهُ يُكَنَّى أَبَا الشَّعْثَاء بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة ثُمَّ مُثَلَّثَة وَهُوَ بِهَا أَشْهَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي \" بَاب مَنْ نَامَ عِنْد السَّحَر \" مِنْ كِتَاب التَّهَجُّد , وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ. وَالْمُرَاد بِالصَّارِخِ الدِّيك. وَقَوْله هُنَا \" قُلْت فِي أَيّ حِين كَانَ يَقُوم \" وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَأَيّ حِين \" وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ بِلَفْظِ \" قُلْت مَتَى كَانَ يَقُوم \" وَأَعْقَبَهُ بِرِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَص عَنْ أَشْعَث بِلَفْظِ \" إِذَا سَمِعَ الصَّارِخ قَامَ فَصَلَّى \" اِخْتَصَرَهُ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه بِتَمَامِهِ وَقَالَ فِيهِ : \" قُلْت أَيّ حِين كَانَ يُصَلِّي \" فَذَكَرَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "5981",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة أَيْضًا مِنْ طَرِيق عُرْوَة عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : \" كَانَ أَحَبّ الْعَمَل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يَدُوم عَلَيْهِ صَاحِبه \" وَهَذَا يُفَسِّر الَّذِي قَبْله , وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا مِنْ لَفْظ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِي الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "5982",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ‏ ‏سَدِّدُوا ‏ ‏وَقَارِبُوا ‏ ‏وَاغْدُوا ‏ ‏وَرُوحُوا ‏ ‏وَشَيْءٌ مِنْ ‏ ‏الدُّلْجَةِ ‏ ‏وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ رِوَايَة سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب \" مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد يُنَجِّيه عَمَله \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيقه , وَتَقَدَّمَ فِي كَفَّارَة الْمَرَض مِنْ طَرِيق أَبِي عُبَيْد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ : \" لَمْ يُدْخِل أَحَدًا عَمَله الْجَنَّة \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا وَهُوَ كَلَفْظِ عَائِشَة فِي الْحَدِيث الرَّابِع هُنَا , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق اِبْن عَوْن عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" لَيْسَ أَحَد مِنْكُمْ يُنَجِّيه عَمَله \" وَمِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ \" لَنْ يَنْجُو أَحَد مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث جَابِر \" لَا يُدْخِل أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّة وَلَا يُجِيرهُ مِنْ النَّار \" وَمَعْنَى قَوْله يُنَجِّي أَيْ يُخَلِّص وَالنَّجَاة مِنْ الشَّيْء التَّخَلُّص مِنْهُ , قَالَ اِبْن بَطَّال فِي الْجَمْع بَيْن هَذَا الْحَدِيث وَقَوْله تَعَالَى ( وَتِلْكَ الْجَنَّة الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) مَا مُحَصَّله أَنْ تُحْمَل الْآيَة عَلَى أَنَّ الْجَنَّة تُنَال الْمَنَازِل فِيهَا بِالْأَعْمَالِ , فَإِنَّ دَرَجَات الْجَنَّة مُتَفَاوِتَة بِحَسَبِ تَفَاوُت الْأَعْمَال , وَأَنْ يُحْمَل الْحَدِيث عَلَى دُخُول الْجَنَّة وَالْخُلُود فِيهَا. ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا الْجَوَاب قَوْله تَعَالَى ( سَلَام عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا الْجَنَّة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) فَصَرَّحَ بِأَنَّ دُخُول الْجَنَّة أَيْضًا بِالْأَعْمَالِ , وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَفْظ مُجْمَل بَيَّنَهُ الْحَدِيث , وَالتَّقْدِير اُدْخُلُوا مَنَازِل الْجَنَّة وَقُصُورهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِذَلِكَ أَصْل الدُّخُول. ثُمَّ قَالَ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْحَدِيث مُفَسِّرًا لِلْآيَةِ , وَالتَّقْدِير اُدْخُلُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مَعَ رَحْمَة اللَّه لَكُمْ وَتَفَضُّله عَلَيْكُمْ , لِأَنَّ اِقْتِسَام مَنَازِل الْجَنَّة بِرَحْمَتِهِ , وَكَذَا أَصْل دُخُول الْجَنَّة هُوَ بِرَحْمَتِهِ حَيْثُ أَلْهَمَ الْعَامِلِينَ مَا نَالُوا بِهِ ذَلِكَ , وَلَا يَخْلُو شَيْء مِنْ مُجَازَاته لِعِبَادِهِ مِنْ رَحْمَته وَفَضْله , وَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ اِبْتِدَاء بِإِيجَادِهِمْ ثُمَّ بِرِزْقِهِمْ ثُمَّ بِتَعْلِيمِهِمْ. وَقَالَ عِيَاض طَرِيق الْجَمْع أَنَّ الْحَدِيث فَسَّرَ مَا أُجْمِلَ فِي الْآيَة , فَذَكَرَ نَحْوًا مِنْ كَلَام اِبْن بَطَّال الْأَخِير وَأَنَّ مِنْ رَحْمَة اللَّه تَوْفِيقه لِلْعَمَلِ وَهِدَايَته لِلطَّاعَةِ كُلّ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقّهُ الْعَامِل بِعَمَلِهِ. وَإِنَّمَا هُوَ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : يَتَحَصَّل عَنْ ذَلِكَ أَرْبَعَة أَجْوِبَة : الْأَوَّل أَنَّ التَّوْفِيق لِلْعَمَلِ مِنْ رَحْمَة اللَّه , وَلَوْلَا رَحْمَة اللَّه السَّابِقَة مَا حَصَلَ الْإِيمَان وَلَا الطَّاعَة الَّتِي يَحْصُل بِهَا النَّجَاة. الثَّانِي أَنَّ مَنَافِع الْعَبْد لِسَيِّدِهِ فَعَمَله مُسْتَحَقّ لِمَوْلَاهُ , فَمَهْمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَزَاء فَهُوَ مِنْ فَضْله. الثَّالِث جَاءَ فِي بَعْض الْأَحَادِيث أَنَّ نَفْس دُخُول الْجَنَّة بِرَحْمَةِ اللَّه , وَاقْتِسَام الدَّرَجَات بِالْأَعْمَالِ. الرَّابِع أَنَّ أَعْمَال الطَّاعَات كَانَتْ فِي زَمَن يَسِير وَالثَّوَاب لَا يَنْفَد فَالْإِنْعَام الَّذِي لَا يَنْفَد فِي جَزَاء مَا يَنْفَد بِالْفَضْلِ لَا بِمُقَابَلَةِ الْأَعْمَال. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ الْبَاء فِي قَوْله ( بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) لَيْسَ لِلسَّبَبِيَّةِ بَلْ لِلْإِلْصَاقِ أَوْ الْمُصَاحَبَة , أَيْ أُورِثْتُمُوهَا مُلَابَسَة أَوْ مُصَاحَبَة , أَوْ لِلْمُقَابَلَةِ نَحْو أُعْطِيت الشَّاة بِالدِّرْهَمِ , وَبِهَذَا الْأَخِير جَزَمَ الشَّيْخ جَمَال الدِّين بْن هِشَام فِي \" الْمُغْنِي \" فَسَبَقَ إِلَيْهِ فَقَالَ : تَرِدُ الْبَاء لِلْمُقَابَلَةِ وَهِيَ الدَّاخِلَة عَلَى الْأَعْوَاض كَاشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ , وَمِنْهُ ( اُدْخُلُوا الْجَنَّة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) وَإِنَّمَا لَمْ تُقَدَّر هُنَا لِلسَّبَبِيَّةِ كَمَا قَالَتْ الْمُعْتَزِلَة وَكَمَا قَالَ الْجَمِيع فِي \" لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ \" لِأَنَّ الْمُعْطِي بِعِوَضٍ قَدْ يُعْطِي مَجَّانًا بِخِلَافِ الْمُسَبَّب فَلَا يُوجَد بِدُونِ السَّبَب , قَالَ : وَعَلَى ذَلِكَ يَنْتَفِي التَّعَارُض بَيْن الْآيَة وَالْحَدِيث. قُلْت : سَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ اِبْن الْقَيِّم فَقَالَ فِي كِتَاب \" مِفْتَاح دَار السَّعَادَة \" : الْبَاء الْمُقْتَضِيَة لِلدُّخُولِ غَيْر الْبَاء الْمَاضِيَة , فَالْأُولَى السَّبَبِيَّة الدَّالَّة عَلَى أَنَّ الْأَعْمَال سَبَب الدُّخُول الْمُقْتَضِيَة لَهُ كَاقْتِضَاءِ سَائِر الْأَسْبَاب لِمُسَبَّبَاتِهَا , وَالثَّانِيَة بِالْمُعَاوَضَةِ نَحْو اِشْتَرَيْت مِنْهُ بِكَذَا فَأَخْبَرَ أَنَّ دُخُول الْجَنَّة لَيْسَ فِي مُقَابَلَة عَمَل أَحَد , وَأَنَّهُ لَوْلَا رَحْمَة اللَّه لِعَبْدِهِ لَمَا أَدْخَلَهُ الْجَنَّة لِأَنَّ الْعَمَل بِمُجَرَّدِهِ وَلَوْ تَنَاهَى لَا يُوجِب بِمُجَرَّدِهِ دُخُول الْجَنَّة وَلَا أَنْ يَكُون عِوَضًا لَهَا ; لِأَنَّهُ وَلَوْ وَقَعَ عَلَى الْوَجْه الَّذِي يُحِبّهُ اللَّه لَا يُقَاوِم نِعْمَة اللَّه , بَلْ جَمِيع الْعَمَل لَا يُوَازِي نِعْمَةً وَاحِدَةً , فَتَبْقَى سَائِر نِعَمه مُقْتَضِيَة لِشُكْرِهَا وَهُوَ لَمْ يُوَفِّهَا حَقّ شُكْرهَا , فَلَوْ عَذَّبَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَة لَعَذَّبَهُ وَهُوَ غَيْر ظَالِم , وَإِذَا رَحِمَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَة كَانَتْ رَحْمَته خَيْرًا مِنْ عَمَله كَمَا فِي حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ فِي ذِكْر الْقَدَر فَفِيهِ \" لَوْ أَنَّ اللَّه عَذَّبَ أَهْل سَمَاوَاته وَأَرْضه لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْر ظَالِم لَهُمْ , وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَته خَيْرًا لَهُمْ \" الْحَدِيث , قَالَ وَهَذَا فَصْل الْخِطَاب مَعَ الْجَبْرِيَّة الَّذِينَ أَنْكَرُوا أَنْ تَكُون الْأَعْمَال سَبَبًا فِي دُخُول الْجَنَّة مِنْ كُلّ وَجْه , وَالْقَدَرِيَّة الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْجَنَّة عِوَضُ الْعَمَل وَأَنَّهَا ثَمَنه وَأَنَّ دُخُولهَا بِمَحْضِ الْأَعْمَال , وَالْحَدِيث يُبْطِل دَعْوَى الطَّائِفَتَيْنِ وَاَللَّه أَعْلَم. قُلْت : وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَيْضًا أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ الدُّخُول لَيْسَ بِالْعَمَلِ , وَالْإِدْخَال الْمُسْتَفَاد مِنْ الْإِرْث بِالْعَمَلِ , وَهَذَا إِنْ مَشَى فِي الْجَوَاب عَنْ قَوْله تَعَالَى ( أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) لَمْ يَمْشِ فِي قَوْله تَعَالَى ( اُدْخُلُوا الْجَنَّة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) وَيَظْهَر لِي فِي الْجَمْع بَيْن الْآيَة وَالْحَدِيث جَوَاب آخَر وَهُوَ أَنْ يُحْمَل الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْعَمَل مِنْ حَيْثُ هُوَ عَمَل لَا يَسْتَفِيد بِهِ الْعَامِل دُخُول الْجَنَّة مَا لَمْ يَكُنْ مَقْبُولًا. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَمْر الْقَبُول إِلَى اللَّه تَعَالَى , وَإِنَّمَا يَحْصُل بِرَحْمَةِ اللَّه لِمَنْ يَقْبَل مِنْهُ , وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْله ( اُدْخُلُوا الْجَنَّة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أَيْ تَعْمَلُونَهُ مِنْ الْعَمَل الْمَقْبُول , وَلَا يَضُرّ بَعْد هَذَا أَنْ تَكُون الْبَاء لِلْمُصَاحَبَةِ أَوْ لِلْإِلْصَاقِ أَوْ الْمُقَابَلَة , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُون سَبَبِيَّة. ثُمَّ رَأَيْت النَّوَوِيّ جَزَمَ بِأَنَّ ظَاهِر الْآيَات أَنَّ دُخُول الْجَنَّة بِسَبَبِ الْأَعْمَال , وَالْجَمْع بَيْنَهَا وَبَيْن الْحَدِيث أَنَّ التَّوْفِيق لِلْأَعْمَالِ وَالْهِدَايَة لِلْإِخْلَاصِ فِيهَا وَقَبُولهَا إِنَّمَا هُوَ بِرَحْمَةِ اللَّه وَفَضْله , فَيَصِحّ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل بِمُجَرَّدِ الْعَمَل , وَهُوَ مُرَاد الْحَدِيث , وَيَصِحّ أَنَّهُ دَخَلَ بِسَبَبِ الْعَمَل وَهُوَ مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى. وَرَدَّ الْكَرْمَانِيُّ الْأَخِير بِأَنَّهُ خِلَاف صَرِيح الْحَدِيث. وَقَالَ الْمَازِرِيّ : ذَهَبَ أَهْل السُّنَّة إِلَى أَنَّ إِثَابَة اللَّه تَعَالَى مَنْ أَطَاعَهُ بِفَضْلٍ مِنْهُ , وَكَذَلِكَ اِنْتِقَامه مِمَّنْ عَصَاهُ بِعَدْلٍ مِنْهُ , وَلَا يَثْبُت وَاحِد مِنْهُمَا إِلَّا بِالسَّمْعِ , وَلَهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى أَنْ يُعَذِّب الطَّائِع وَيُنَعِّم الْعَاصِيَ , وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَفْعَل ذَلِكَ وَخَبَره صِدْق لَا خُلْف فِيهِ. وَهَذَا الْحَدِيث يُقَوِّي مَقَالَتهمْ وَيَرُدّ عَلَى الْمُعْتَزِلَة حَيْثُ أَثْبَتُوا بِعُقُولِهِمْ أَعْوَاض الْأَعْمَال , وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ خَبْط كَثِير وَتَفْصِيل طَوِيل. ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏؟ وَقَعَ فِي رِوَايَة بِشْر بْن سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" فَقَالَ رَجُل \" وَلَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين الْقَائِل قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : إِذَا كَانَ كُلّ النَّاس لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّه فَوَجْه تَخْصِيص رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالذِّكْرِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَقْطُوعًا لَهُ بِأَنَّهُ يَدْخُل الْجَنَّة ثُمَّ لَا يَدْخُلهَا إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّه فَغَيْره يَكُون فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. قُلْت : وَسَبَقَ إِلَى تَقْرِير هَذَا الْمَعْنَى الرَّافِعِيُّ فِي أَمَالِيهِ فَقَالَ : لَمَّا كَانَ أَجْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّاعَة أَعْظَم وَعَمَله فِي الْعِبَادَة أَقَوْم قِيلَ لَهُ \" وَلَا أَنْتَ \" أَيْ لَا يُنَجِّيك عَمَلك مَعَ عِظَم قَدْره , فَقَالَ \" لَا إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّه \" وَقَدْ وَرَدَ جَوَاب هَذَا السُّؤَال بِعَيْنِهِ مِنْ لَفْظ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر بِلَفْظِ \" لَا يُدْخِل أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّة وَلَا يُجِيرهُ مِنْ النَّار , وَلَا أَنَا إِلَّا بِرَحْمَةٍ مِنْ اللَّه تَعَالَى \". ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدنِي اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُهَيْل \" إِلَّا أَنْ يَتَدَارَكنِي \". ‏ ‏قَوْله ( بِرَحْمَةٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عُبَيْد \" بِفَضْلٍ وَرَحْمَة \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ مِنْ طَرِيقه \" بِفَضْلِ رَحْمَته \" وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" بِرَحْمَةٍ وَفَضْل \" وَفِي رِوَايَة بِشْر بْن سَعِيد \" مِنْهُ بِرَحْمَةٍ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن عَوْن \" بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَة \". وَقَالَ اِبْن عَوْن بِيَدِهِ هَكَذَا \" وَأَشَارَ عَلَى رَأْسه \" وَكَأَنَّهُ أَرَادَ تَفْسِير مَعْنَى \" يَتَغَمَّدنِي \" قَالَ أَبُو عُبَيْد : الْمُرَاد بِالتَّغَمُّدِ السَّتْر , وَمَا أَظُنّهُ إِلَّا مَأْخُوذًا مِنْ غَمْد السَّيْف لِأَنَّك إِذَا أَغْمَدْت السَّيْف فَقَدْ أَلْبَسْته الْغِمْد وَسَتَرْته بِهِ. قَالَ الرَّافِعِيّ : فِي الْحَدِيث أَنَّ الْعَامِل لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَّكِل عَلَى عَمَله فِي طَلَب النَّجَاة وَنَيْل الدَّرَجَات لِأَنَّهُ إِنَّمَا عَمِلَ بِتَوْفِيقِ اللَّه , وَإِنَّمَا تَرَكَ الْمَعْصِيَة بِعِصْمَةِ اللَّه , فَكُلّ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَته. ‏ ‏قَوْله ( سَدِّدُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة بِشْر بْن سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" وَلَكِنْ سَدِّدُوا \" وَمَعْنَاهُ اِقْصِدُوا السَّدَاد أَيْ الصَّوَاب , وَمَعْنَى هَذَا الِاسْتِدْرَاك أَنَّهُ قَدْ يُفْهَم مِنْ النَّفْي الْمَذْكُور نَفْيُ فَائِدَة الْعَمَل , فَكَأَنَّهُ قِيلَ بَلْ لَهُ فَائِدَة وَهُوَ أَنَّ الْعَمَل عَلَامَة عَلَى وُجُود الرَّحْمَة الَّتِي تُدْخِل الْعَامِل الْجَنَّة فَاعْمَلُوا وَاقْصِدُوا بِعَمَلِكُمْ الصَّوَاب أَيْ اِتِّبَاع السُّنَّة مِنْ الْإِخْلَاص وَغَيْره لِيَقْبَل عَمَلكُمْ فَيُنْزِل عَلَيْكُمْ الرَّحْمَة. ‏ ‏قَوْله ( وَقَارِبُوا ) ‏ ‏أَيْ لَا تُفْرِطُوا فَتُجْهِدُوا أَنْفُسكُمْ فِي الْعِبَادَة لِئَلَّا يُفْضِي بِكَمْ ذَلِكَ إِلَى الْمَلَال فَتَتْرُكُوا الْعَمَل فَتُفَرِّطُوا , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّار مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سُوقَة عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر وَلَكِنْ صَوَّبَ إِرْسَاله , وَلَهُ شَاهِد فِي الزُّهْد لِابْنِ الْمُبَارَك مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مَوْقُوف \" إِنَّ هَذَا الدِّين مَتِين فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ , وَلَا تُبْغِضُوا إِلَى أَنْفُسكُمْ عِبَادَة اللَّه فَإِنَّ الْمُنْبَتّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى \" وَالْمُنْبَتّ بِنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة ثُمَّ مُثَنَّاة ثَقِيلَة أَيْ الَّذِي عَطِبَ مَرْكُوبه مِنْ شِدَّة السَّيْر مَأْخُوذ مِنْ الْبَتّ وَهُوَ الْقَطْع أَيْ صَارَ مُنْقَطِعًا لَمْ يَصِل إِلَى مَقْصُوده وَفَقَدَ مَرْكُوبه. الَّذِي كَانَ يُوَصِّلهُ لَوْ رَفَقَ بِهِ. وَقَوْله \" أَوْغِلُوا \" بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة مِنْ الْوُغُول وَهُوَ الدُّخُول فِي الشَّيْء. ‏ ‏قَوْله ( وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْئًا مِنْ الدُّلْجَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب \" وَخَطًّا مِنْ الدُّلْجَة \" وَالْمُرَاد بِالْغُدُوِّ السَّيْر مِنْ أَوَّل النَّهَار , وَبِالرَّوَاحِ السَّيْر مِنْ أَوَّل النِّصْف الثَّانِي مِنْ النَّهَار , وَالدُّلْجَة بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام وَيَجُوز فَتْحهَا وَبَعْد اللَّام جِيمٌ سَيْر اللَّيْل يُقَال سَارَ دُلْجَة مِنْ اللَّيْل أَيْ سَاعَة فَلِذَلِكَ قَالَ شَيْئًا مِنْ الدُّلْجَة لِعُسْرِ سَيْر جَمِيع اللَّيْل , فَكَأَنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى صِيَام جَمِيع النَّهَار وَقِيَام بَعْض اللَّيْل وَإِلَى أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ مِنْ سَائِر أَوْجُه الْعِبَادَة , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى الْحَثّ عَلَى الرِّفْق فِي الْعِبَادَة وَهُوَ الْمُوَافِق لِلتَّرْجَمَةِ , وَعَبَّرَ بِمَا يَدُلّ عَلَى السَّيْر لِأَنَّ الْعَابِد كَالسَّائِرِ إِلَى مَحَلّ إِقَامَته وَهُوَ الْجَنَّة , وَشَيْئًا مَنْصُوب بِفِعْلٍ مَحْذُوف أَيْ اِفْعَلُوا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَبْسَط مِنْ هَذَا فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي \" بَاب الدِّين يُسْر \". ‏ ‏قَوْله ( وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاء أَيْ اِلْزَمُوا الطَّرِيق الْوَسَط الْمُعْتَدِل , وَمِنْهُ قَوْله فِي حَدِيث جَابِر اِبْن سَمُرَة عِنْد مُسْلِم \" كَانَتْ خُطْبَته قَصْدًا \" أَيْ لَا طَوِيلَةً وَلَا قَصِيرَةً , وَاللَّفْظ الثَّانِي لِلتَّأْكِيدِ , وَوَقَفْت عَلَى سَبَب لِهَذَا الْحَدِيث : فَأَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث جَابِر قَالَ \" مَرَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ يُصَلِّي عَلَى صَخْرَة فَأَتَى نَاحِيَة فَمَكَثَ ثُمَّ اِنْصَرَفَ فَوَجَدَهُ عَلَى حَاله فَقَامَ فَجَمَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أَيّهَا النَّاس عَلَيْكُمْ الْقَصْدَ , عَلَيْكُمْ الْقَصْدَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "5983",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَدِّدُوا ‏ ‏وَقَارِبُوا ‏ ‏وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْأُوَيْسِيّ , ‏ ‏وَسُلَيْمَانُ ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَالٍ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَةَ ) ‏ ‏قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن الْمَخْزُومِيّ عَنْ سُلَيْمَان اِبْن بِلَال عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُطَّلِب عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَةَ : لَمْ أَرَ فِي كِتَاب الْبُخَارِيّ \" عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُطَّلِب \" بَيْن سُلَيْمَان وَمُوسَى. قُلْت : وَهُوَ الْمَحْفُوظ , وَاَلَّذِي زَادَهُ غَيْر مُعْتَمَد لِأَنَّهُ مُتَّفَق عَلَى ضَعْفه وَهُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ زَبَالَة بِفَتْحِ الزَّاي وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة الْمَدَنِيّ , وَهَذَا مِنْ الْأَمْثِلَة لِمَا تَعَقَّبْته عَلَى اِبْن الصَّلَاح فِي جَزْمِهِ بِأَنَّ الزِّيَادَات الَّتِي تَقَع فِي الْمُسْتَخْرَجَات تَحْكُمُ بِصِحَّتِهَا لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ مَخْرَجَ الصَّحِيح , وَوَجْه التَّعَقُّب أَنَّ الَّذِينَ اِسْتَخْرَجُوا لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْتِزَامِ ذَلِكَ , سَلَّمْنَا أَنَّهُمْ اِلْتَزَمُوا ذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَفُوا بِهِ , وَهَذَا مِنْ أَمْثِلَة ذَلِكَ فَإِنَّ اِبْن زَبَالَة لَيْسَ مِنْ شَرْط الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏سَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِاتِّصَالِهِ بَعْد حَدِيثَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْمَتْن فِي الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّ أَحَبّ الْأَعْمَال إِلَخْ ) ‏ ‏خَرَّجَ هَذَا جَوَاب سُؤَال سَيَأْتِي بَيَانه فِي الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "5984",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏سُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ ‏ ‏أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ وَقَالَ اكْلَفُوا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , ‏ ‏وَأَبُو سَلَمَة ‏ ‏شَيْخه هُوَ عَمّه. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق وَهُوَ السَّبِيعِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أُمّ سَلَمَة فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيث عَائِشَة , وَرِوَايَة سَعْد بْن إِبْرَاهِيم أَقْوَى لِكَوْنِ أَبِي سَلَمَة بَلَدِيّه وَقَرِيبه , بِخِلَافِ اِبْن إِسْحَاق فِي الْأَمْرَيْنِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عِنْد أَبِي سَلَمَة عَنْ أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ لِاخْتِلَافِ السِّيَاقَيْنِ , فَإِنَّ لَفْظه عَنْ أُمّ سَلَمَة بَعْد زِيَادَة فِي أَوَّله \" وَكَانَ أَحَبّ الْأَعْمَال إِلَيْهِ الَّذِي يَدُوم عَلَيْهِ الْعَبْد وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ عَائِشَة نَحْو سِيَاق أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله ( سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيّ الْأَعْمَال أَحَبّ إِلَى اللَّه ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين السَّائِل عَنْ ذَلِكَ , لَكِنْ ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَدْوَمهَا وَإِنْ قَلَّ ) ‏ ‏فِيهِ سُؤَال وَهُوَ أَنَّ الْمَسْئُول عَنْهُ أَحَبّ الْأَعْمَال , وَظَاهِره السُّؤَال عَنْ ذَات الْعَمَل فَلَمْ يَتَطَابَقَا , وَيُمْكِن أَنْ يُقَال إِنَّ هَذَا السُّؤَال وَقَعَ بَعْد قَوْله فِي الْحَدِيث الْمَاضِي فِي الصَّلَاة وَفِي الْحَجّ وَفِي بِرّ الْوَالِدَيْنِ حَيْثُ أَجَابَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ بِالْبِرِّ إِلَخْ ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُدَاوَمَة عَلَى عَمَل مِنْ أَعْمَال الْبِرّ وَلَوْ كَانَ مَفْضُولًا أَحَبّ إِلَى اللَّه مِنْ عَمَل يَكُون أَعْظَم أَجْرًا لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ مُدَوَامَة. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( اِكْلَفُوا ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَبِضَمِّهَا أَيْضًا , قَالَ اِبْن التِّين هُوَ فِي اللُّغَة بِالْفَتْحِ وَرُوِّينَاهُ بِالضَّمِّ , وَالْمُرَاد بِهِ الْإِبْلَاغ بِالشَّيْءِ إِلَى غَايَته , يُقَال كَلِفْت بِالشَّيْءِ إِذَا أَوْلَعْت بِهِ , وَنَقَلَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّهُ رَوِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر اللَّام مِنْ الرُّبَاعِيّ , وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُسْمَع أَكَلَف بِالشَّيْءِ , قَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ : الْكَلَف بِالشَّيْءِ التَّوَلُّع بِهِ فَاسْتُعِيرَ لِلْعَمَلِ لِلِالْتِزَامِ وَالْمُلَابَسَة , وَأَلِفُهُ أَلِفُ وَصْل , وَالْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُدِيم لِلْعَمَلِ يُلَازِم الْخِدْمَة فَيُكْثِر التَّرَدُّد إِلَى بَاب الطَّاعَة كُلّ وَقْت لِيُجَازَى بِالْبِرِّ لِكَثْرَةِ تَرَدُّده , فَلَيْسَ هُوَ كَمَنْ لَازَمَ الْخِدْمَة مَثَلًا ثُمَّ اِنْقَطَعَ. وَأَيْضًا فَالْعَامِل إِذَا تَرَكَ الْعَمَل صَارَ كَالْمُعْرِضِ بَعْد الْوَصْل فَيَتَعَرَّض لِلذَّمِّ وَالْجَفَاء , وَمِنْ ثُمَّ وَرَدَ الْوَعِيد فِي حَقّ مَنْ حَفِظَ الْقُرْآن ثُمَّ نَسِيَهُ , وَالْمُرَاد بِالْعَمَلِ هُنَا الصَّلَاة وَالصِّيَام وَغَيْرهمَا مِنْ الْعِبَادَات. ‏ ‏قَوْله ( مَا تُطِيقُونَ ) ‏ ‏أَيْ قَدْر طَاقَتكُمْ. وَالْحَاصِل أَنَّهُ أَمَرَ بِالْجِدِّ فِي الْعِبَادَة وَالْإِبْلَاغ بِهَا إِلَى حَدّ النِّهَايَة , لَكِنْ بِقَيْدِ مَا لَا تَقَع مَعَهُ الْمَشَقَّة الْمُفْضِيَة إِلَى السَّآمَة وَالْمَلَال. ‏"
    },
    {
        "id": "5985",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَ عَمَلُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنْ الْأَيَّامِ قَالَتْ لَا ‏ ‏كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْتَطِيعُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخَعِيُّ , وَعَلْقَمَة هُوَ اِبْن قَيْس وَهُوَ خَال إِبْرَاهِيم , وَالسَّنَد كُلّه إِلَى عَائِشَة كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( هَلْ كَانَ يَخُصّ شَيْئًا مِنْ الْأَيَّام ) ‏ ‏أَيْ بِعِبَادَةٍ مَخْصُوصَة لَا يَفْعَل مِثْلهَا فِي غَيْره ‏ ‏( قَالَتْ لَا ) ‏ ‏, وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِمَا ثَبَتَ عَنْهَا أَنَّ أَكْثَر صِيَامه كَانَ فِي شَعْبَان كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي كِتَاب الصِّيَام , وَبِأَنَّهُ كَانَ يَصُوم أَيَّام الْبِيض كَمَا ثَبَتَ فِي السُّنَن وَتَقَدَّمَ بَيَانه أَيْضًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مُرَادهَا تَخْصِيص عِبَادَة مُعَيَّنَة فِي وَقْت خَاصّ , وَإِكْثَاره الصِّيَام فِي شَعْبَان إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْتَرِيه الْوَعْك كَثِيرًا وَكَانَ يُكْثِر السَّفَر فِي الْغَزْو فَيُفْطِر بَعْض الْأَيَّام الَّتِي كَانَ يُرِيد أَنْ يَصُومهَا فَيَتَّفِق أَنْ لَا يَتَمَكَّن مِنْ قَضَاء ذَلِكَ إِلَّا فِي شَعْبَان فَيَصِير صِيَامه فِي شَعْبَان بِحَسَبِ الصُّورَة أَكْثَر مِنْ صِيَامه فِي غَيْره. وَأَمَّا أَيَّام الْبِيض فَلَمْ يَكُنْ يُوَاظِب عَلَى صِيَامهَا فِي أَيَّام بِعَيْنِهَا. بَلْ كَانَ رُبَّمَا صَامَ مِنْ أَوَّل الشَّهْر وَرُبَّمَا صَامَ مِنْ وَسَطه وَرُبَّمَا صَامَ مِنْ آخِره , وَلِهَذَا قَالَ أَنَس \" مَا كُنْت تَشَاء أَنْ تَرَاهُ صَائِمًا مِنْ النَّهَار إِلَّا رَأَيْته , وَلَا قَائِمًا مِنْ اللَّيْل إِلَّا رَأَيْته \". وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلّه بِأَبْسَط مِنْ هَذَا فِي كِتَاب الصِّيَام أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ عَمَله دِيمَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الدَّالّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة أَيْ دَائِمًا , وَالدِّيمَة فِي الْأَصْل الْمَطَر الْمُسْتَمِرّ مَعَ سُكُونٍ بِلَا رَعْدٍ وَلَا بَرْق , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْره , وَأَصْلهَا الْوَاو فَانْقَلَبَتْ بِالْكَسْرَةِ قَبْلهَا يَاء. ‏ ‏قَوْله ( وَأَيّكُمْ يَسْتَطِيع إِلَخْ ) ‏ ‏أَيْ فِي الْعِبَادَة كَمِّيَّةً كَانَتْ أَوْ كَيْفِيَّةً مِنْ خُشُوع وَخُضُوع وَإِخْبَات وَإِخْلَاص وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5986",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَدِّدُوا ‏ ‏وَقَارِبُوا ‏ ‏وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ ‏ ‏قَالَ أَظُنُّهُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَفَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَدِّدُوا ‏ ‏وَأَبْشِرُوا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ { ‏قَوْلًا سَدِيدًا ‏} ‏وَسَدَادًا صِدْقًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مُحَمَّد بْن الزِّبْرِقَان ) ‏ ‏بِكَسْرِ الزَّاي وَالرَّاءِ بَيْنهمَا بَاءٌ مُوَحَّدَة وَبِالْقَافِ هُوَ أَبُو هَمَّام الْأَهْوَازِيّ , وَثَّقَهُ عَلِيُّ بْن الْمَدِينِيّ وَالَّداَرَقُطْنِيّ وَغَيْرهمَا وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيُّ : صَدُوق , وَذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات وَقَالَ : رُبَّمَا أَخْطَأَ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد وَقَدْ تُوبِعَ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَظُنّهُ عَنْ أَبِي النَّضْر ) ‏ ‏هُوَ سَالِم بْن أَبِي أُمَيَّة الْمَدَنِيّ التَّيْمِيُّ , وَفَاعِل أَظُنّهُ هُوَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَكَأَنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُون مُوسَى بْن عُقْبَةَ لَمْ يَسْمَع هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن وَأَنَّ بَيْنهمَا فِيهِ وَاسِطَة وَهُوَ أَبُو النَّضْر , لَكِنْ قَدْ ظَهَرَ مِنْ وَجْه آخَر أَنْ لَا وَاسِطَة لِتَصْرِيحِ وُهَيْب وَهُوَ اِبْن خَالِد عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَةَ بِقَوْلِهِ \" سَمِعْت أَبَا سَلَمَة \" وَهَذَا هُوَ النُّكْتَة فِي إِيرَاد الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة بَعْدهَا عَنْ عَفَّانَ عَنْ وُهَيْب , وَطَرِيق عَفَّانَ هَذِهِ وَصَلَهَا أَحْمَد فِي مُسْنَده قَالَ \" حَدَّثَنَا عَفَّانُ بِسَنَدِهِ \" وَأَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ عَنْ عَفَّانَ , وَأَخْرَجَ مُسْلِم الْحَدِيث الْمَذْكُور مِنْ طَرِيق بَهْز بْن أَسَد عَنْ وُهَيْب. ‏ ‏قَوْله ( سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا ) ‏ ‏هَكَذَا اِقْتَصَرَ عَلَى طَرَف الْمَتْن ; لِأَنَّ غَرَضه مِنْهُ بَيَان اِتِّصَال السَّنَد فَاكْتَفَى , وَقَدْ سَاقَهُ أَحْمَد بِتَمَامِهِ عَنْ عَفَّانَ مِثْل رِوَايَة أَبِي هَمَّام سَوَاء لَكِنْ قَدَّمَ وَأَخَّرَ فِي بَعْض أَلْفَاظه , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَة بَهْز وَزَادَ فِي آخِره \" وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَل إِلَى اللَّه أَدْوَمه وَإِنْ قَلَّ \" وَمَضَى لِنَحْوِ هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب اللِّبَاس سَبَب وَهُوَ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة \" عَنْ عَائِشَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْتَجِر حَصِيرًا بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَيَبْسُطهُ فِي النَّهَار فَيَجْلِس عَلَيْهِ , فَجَعَلَ النَّاس يُصَلُّونَ عَلَيْهِ بِصَلَاتِهِ حَتَّى كَثُرُوا , فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس عَلَيْكُمْ مِنْ الْأَعْمَال بِمَا تُطِيقُونَ \" وَوَقَفْت لَهُ عَلَى سَبَب آخَر وَهُوَ عِنْد اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" مَرَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَهْط مِنْ أَصْحَابه وَهُمْ يَضْحَكُونَ فَقَالَ : لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَم لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا , فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ : إِنَّ رَبّك يَقُول لَك لَا تُقَنِّط عِبَادِي , فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : سَدِّدُوا وَقَارِبُوا , قَالَ اِبْن حَزْم فِي كَلَامه عَلَى مَوَاضِع مِنْ الْبُخَارِيّ : مَعْنَى الْأَمْر بِالسَّدَادِ وَالْمُقَارَبَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ بُعِثَ مُيَسِّرًا مُسَهِّلًا , فَأَمَرَ أُمَّته بِأَنْ يَقْتَصِدُوا فِي الْأُمُور لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الِاسْتِدَامَة عَادَة. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ مُجَاهِد : سَدِيدًا سَدَادًا صِدْقًا ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ لِلْأَكْثَرِ , وَاَلَّذِي ثَبَتَ عَنْ مُجَاهِد عِنْد الْفِرْيَابِيّ وَالطَّبَرِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نُجَيْح عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى ( قَوْلًا سَدِيدًا ) قَالَ : سَدَادًا وَالسَّدَاد بِفَتْحِ أَوَّله الْعَدْل الْمُعْتَدِل الْكَافِي وَبِالْكَسْرِ مَا يَسُدّ الْخَلَل. وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي الرِّوَايَة بِالْفَتْحِ. وَزَعَمَ مُغَلْطَاي وَتَبِعَهُ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن أَنَّ الطَّبَرِيَّ وَصَلَ تَفْسِير مُجَاهِد عَنْ مُوسَى بْن هَارُون بْن عَمْرو بْن طَلْحَة عَنْ أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ عَنْ اِبْن أَبِي نُجَيْح عَنْ مُجَاهِد , وَهَذَا وَهْم فَاحِش , فَمَا لِلسُّدِّيِّ مِنْ اِبْن أَبِي نُجَيْح رِوَايَة , وَلَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَإِنَّمَا أَخْرَجَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ السُّدِّيّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله \" قَوْلًا سَدِيدًا \" قَالَ : الْقَوْل السَّدِيد أَنْ يَقُول لِمَنْ حَضَرَهُ الْمَوْت : قَدِّمْ لِنَفْسِك وَاتْرُكْ لِوَلَدِك. وَأَخْرَجَ أَثَرَ مُجَاهِد مِنْ رِوَايَة وَرْقَاء عَنْ اِبْن أَبِي نُجَيْح. وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ( قَوْلًا سَدِيدًا ) قَالَ : عَدْلًا يَعْنِي فِي مَنْطِقِهِ. وَفِي عَمَله. قَالَ وَالسَّدَاد الصِّدْق. وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ قَتَادَة , وَمِنْ طَرِيق مُبَارَك بْن فَضَالَة عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ فِي قَوْله ( قَوْلًا سَدِيدًا ) قَالَ : صِدْقًا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْكَلْبِيّ مِثْله , وَاَلَّذِي أَظُنّهُ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ الْأَصْل لَفْظَةٌ وَالتَّقْدِير قَالَ مُجَاهِد : سَدَادًا. وَقَالَ غَيْره صِدْقًا. أَوْ السَّاقِط مِنْهُ لَفْظَة أَيْ كَأَنَّ الْمُصَنِّف أَرَادَ تَفْسِير مَا فَسَّرَ بِهِ مُجَاهِد السَّدِيد. ‏"
    },
    {
        "id": "5987",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى لَنَا يَوْمًا الصَّلَاةَ ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ قَدْ ‏ ‏أُرِيتُ الْآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمْ الصَّلَاةَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قُبُلِ هَذَا الْجِدَارِ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( فُلَيْح ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( صَلَّى لَنَا يَوْمًا الصَّلَاة ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَس أَنَّهَا الظُّهْر. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ رَقِيَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الْقَاف مِنْ الِارْتِقَاء أَيْ صَعِدَ وَزْنًا وَمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ قِبَلِ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ جِهَة وَزْنًا وَمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله ( أُرِيت ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الرَّاء وَفِي بَعْضهَا \" رَأَيْت \" بِفَتْحَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( مُمَثَّلَتَيْنِ ) ‏ ‏أَيْ مُصَوَّرَتَيْنِ وَزْنًا وَمَعْنًى , يُقَال مَثَّلَهُ إِذَا صَوَّرَهُ كَأَنَّهُ يَنْظُر إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( فِي قُبُل ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَاف وَالْمُوَحَّدَة , وَالْمُرَاد بِالْجِدَارِ جِدَار الْمَسْجِد. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْر وَالشَّرّ ) ‏ ‏وَقَعَ هُنَا مُكَرَّرًا تَأْكِيدًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا اللَّفْظ فِي \" بَاب وَقْت الظُّهْر \" مِنْ أَبْوَاب الْمَوَاقِيت , وَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي الْحَدِيث إِشَارَةٌ إِلَى الْحَثّ عَلَى مُدَاوَمَة الْعَمَل ; لِأَنَّ مَنْ مَثَّلَ الْجَنَّة وَالنَّار بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَانَ ذَلِكَ بَاعِثًا لَهُ عَلَى الْمُوَاظَبَة عَلَى الطَّاعَة وَالِانْكِفَاف عَنْ الْمَعْصِيَة. وَبِهَذَا التَّقْرِيب تَظْهَر مُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ ‏"
    },
    {
        "id": "5988",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْئَسْ مِنْ الْجَنَّةِ وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا قُتَيْبَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد , وَثَبَتَ كَذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ , ‏ ‏وَعَمْرو ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَمْرو مَوْلَى الْمُطَلِّب وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير , وَشَيْخه تَابِعِيّ وَسَط , وَهُمَا مَدَنِيَّانِ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اللَّه خَلَقَ الرَّحْمَة يَوْم خَلَقَهَا مِائَة رَحْمَة ) ‏ ‏قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : رَحْمَة اللَّه صِفَة مِنْ صِفَات ذَاته , وَلَيْسَ هِيَ بِمَعْنَى الرِّقَّة الَّتِي فِي صِفَات الْآدَمِيِّينَ , بَلْ ضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلًا لِمَا يُعْقَل مِنْ ذِكْر الْأَجْزَاء وَرَحْمَة الْمَخْلُوقِينَ وَالْمُرَاد أَنَّهُ أَرْحَم الرَّاحِمِينَ. قُلْت : الْمُرَاد بِالرَّحْمَةِ هُنَا مَا يَقَع مِنْ صِفَات الْفِعْل كَمَا سَأُقَرِّرُهُ فَلَا حَاجَة لِلتَّأْوِيلِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْأَدَب جَوَاب آخَر مَعَ مَبَاحِث حَسَنَة وَهُوَ فِي \" بَاب جَعَلَ اللَّه الرَّحْمَة مِائَةَ جُزْء \". ‏ ‏قَوْله ( وَأَرْسَلَ فِي خَلْقه كُلّهمْ ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان وَلِأَبِي نُعَيْم مِنْ طَرِيق السَّرَّاج كِلَاهُمَا عَنْ قُتَيْبَة , وَذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" فِي خَلْقه كُلّه \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَوْ يَعْلَم الْكَافِر ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ فِي هَذِهِ الطَّرِيق بِالْفَاءِ إِشَارَة إِلَى تَرْتِيب مَا بَعْدهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا , وَمِنْ ثَمَّ قَدَّمَ ذِكْر الْكَافِر لِأَنَّ كَثْرَتهَا وَسَعَتهَا تَقْتَضِي أَنْ يَطْمَع فِيهَا كُلّ أَحَد , ثُمَّ ذَكَرَ الْمُؤْمِن اِسْتِطْرَادًا. وَرَوَى هَذَا الْحَدِيث الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَقَطَعَهُ حَدِيثَيْنِ أَخْرَجَهُمَا مُسْلِم مِنْ طَرِيقه , فَذَكَرَ حَدِيث الرَّحْمَة بِلَفْظِ \" خَلَقَ اللَّه مِائَة رَحْمَة , فَوَضَعَ وَاحِدَة بَيْن خَلْقه وَخَبَّأَ عِنْده مِائَة إِلَّا وَاحِدَة \" وَذَكَرَ الْحَدِيث الْآخَر بِلَفْظِ \" لَوْ يَعْلَم الْمُؤْمِن إِلَخْ \" وَالْحِكْمَة فِي التَّعْبِير بِالْمُضَارِعِ دُون الْمَاضِي الْإِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَع لَهُ عِلْم ذَلِكَ وَلَا يَقَع ; لِأَنَّهُ إِذَا اِمْتَنَعَ فِي الْمُسْتَقْبَل كَانَ مُمْتَنِعًا فِيمَا مَضَى. ‏ ‏قَوْله ( بِكُلِّ الَّذِي ) ‏ ‏اِسْتَشْكَلَ هَذَا التَّرْكِيب لِكَوْنِ كُلّ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الْمَوْصُول كَانَتْ إِذْ ذَاكَ لِعُمُومِ الْأَجْزَاء لَا لِعُمُومِ الْأَفْرَاد , وَالْغَرَض مِنْ سِيَاق الْحَدِيث تَعْمِيم الْأَفْرَاد , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّ الرَّحْمَة قُسِّمَتْ مِائَة جُزْء فَالتَّعْمِيم حِينَئِذٍ لِعُمُومِ الْأَجْزَاء فِي الْأَصْل , أَوْ نَزَلَتْ الْأَجْزَاء مَنْزِلَة الْأَفْرَاد مُبَالَغَة. ‏ ‏قَوْله ( لَمْ يَيْأَس مِنْ الْجَنَّة ) ‏ ‏قِيلَ الْمُرَاد أَنَّ الْكَافِر لَوْ عَلِمَ سَعَة الرَّحْمَة لَغَطَّى عَلَى مَا يَعْلَمهُ مِنْ عِظَم الْعَذَاب فَيَحْصُل بِهِ الرَّجَاء , أَوْ الْمُرَاد أَنَّ مُتَعَلِّق عِلْمه بِسَعَةِ الرَّحْمَة مَعَ عَدَم اِلْتِفَاته إِلَى مُقَابِلهَا يُطْمِعهُ فِي الرَّحْمَة , وَمُطَابَقَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ اِشْتَمَلَ عَلَى الْوَعْد وَالْوَعِيد الْمُقْتَضَيَيْنِ لِلرَّجَاءِ وَالْخَوْف , فَمَنْ عِلْم أَنَّ مِنْ صِفَات اللَّه تَعَالَى الرَّحْمَة لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَرْحَمهُ وَالِانْتِقَام مِمَّنْ أَرَادَ أَنْ يَنْتَقِم مِنْهُ لَا يَأْمَن اِنْتِقَامه مَنْ يَرْجُو رَحْمَته وَلَا يَيْأَس مِنْ رَحْمَته مَنْ يَخَاف اِنْتِقَامه , وَذَلِكَ بَاعِث عَلَى مُجَانَبَة السَّيِّئَة وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَة وَمُلَازَمَة الطَّاعَة وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَة , قِيلَ فِي الْجُمْلَة الْأُولَى نَوْع إِشْكَال , فَإِنَّ الْجَنَّة لَمْ تُخْلَق لِلْكَافِرِ وَلَا طَمَع لَهُ فِيهَا فَغَيْر مُسْتَبْعَد أَنْ يَطْمَعَ فِي الْجَنَّة مَنْ لَا يَعْتَقِد كُفْرَ نَفْسه فَيُشْكِل تَرَتُّبُ الْجَوَاب عَلَى مَا قَبْلَهُ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَة سِيقَتْ لِتَرْغِيبِ الْمُؤْمِن فِي سَعَة رَحْمَة اللَّه الَّتِي لَوْ عَلِمَهَا الْكَافِر الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُخْتَم عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا حَظّ لَهُ فِي الرَّحْمَة لَتَطَاوَلَ إِلَيْهَا وَلَمْ يَيْأَس مِنْهَا , إِمَّا بِإِيمَانِهِ الْمَشْرُوط وَإِمَّا لِقَطْعِ نَظَره عَنْ الشَّرْط مَعَ تَيَقُّنه بِأَنَّهُ عَلَى الْبَاطِل وَاسْتِمْرَاره عَلَيْهِ عِنَادًا , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ حَال الْكَافِر فَكَيْف لَا يَطْمَع فِيهَا الْمُؤْمِن الَّذِي هَدَاهُ اللَّه لِلْإِيمَانِ ؟ وَقَدْ وَرَدَ \" أَنَّ إِبْلِيس يَتَطَاوَل لِلشَّفَاعَةِ لِمَا يَرَى يَوْم الْقِيَامَة مِنْ سَعَة الرَّحْمَة \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث جَابِر , وَمِنْ حَدِيث حُذَيْفَة وَسَنَدُ كُلّ مِنْهُمَا ضَعِيفٌ , وَقَدْ تَكَلَّمَ الْكَرْمَانِيُّ هُنَا عَلَى \" لَوْ \" بِمَا حَاصِلُهُ : أَنَّهَا هُنَا لِانْتِفَاءِ الثَّانِي وَهُوَ الرَّجَاء لِانْتِفَاءِ الْأَوَّل وَهُوَ الْعِلْم , فَأَشْبَهَتْ لَوْ جِئْتنِي أَكْرَمْتُك , وَلَيْسَتْ لِانْتِفَاءِ الْأَوَّل لِانْتِفَاءِ الثَّانِي كَمَا بَحَثَهُ اِبْن الْحَاجِب فِي قَوْله تَعَالَى : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَة إِلَّا اللَّه لَفَسَدَتَا ) وَالْعِلْم عِنْد اللَّه. قَالَ : وَالْمَقْصُود مِنْ الْحَدِيث أَنَّ الْمُكَلَّف يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُون بَيْن الْخَوْف وَالرَّجَاء حَتَّى لَا يَكُون مُفْرِطًا فِي الرَّجَاء بِحَيْثُ يَصِير مِنْ الْمُرْجِئَة الْقَائِلِينَ لَا يَضُرّ مَعَ الْإِيمَان شَيْء , وَلَا فِي الْخَوْف بِحَيْثُ لَا يَكُون مِنْ الْخَوَارِج وَالْمُعْتَزِلَة الْقَائِلِينَ بِتَخْلِيدِ صَاحِب الْكَبِيرَة إِذَا مَاتَ عَنْ غَيْر تَوْبَة فِي النَّار , بَلْ يَكُون وَسَطًا بَيْنهمَا كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ) وَمَنْ تَتَبَّعَ دِين الْإِسْلَام وَجَدَ قَوَاعِده أُصُولًا وَفُرُوعًا كُلّهَا فِي جَانِب الْوَسَط , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5989",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ أُنَاسًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَعْطَاهُ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقَ بِيَدَيْهِ ‏ ‏مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ لَا أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى أَسْمَائِهِمْ , وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ مِنْهُمْ أَبَا سَعِيد , وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي بِشْر عَنْ أَبِي نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد \" إِنَّ رَجُلًا كَانَ ذَا حَاجَة فَقَالَ لَهُ أَهْله : اِئْتِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْأَلْهُ , فَأَتَاهُ \" فَذَكَرَ نَحْو الْمَتْن الْمَذْكُور هُنَا. وَمِنْ طَرِيق عُمَارَة بْن غَزِيَّة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي سَعِيد عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" سَرَّحَتْنِي أُمِّي إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْأَلهُ , فَأَتَيْته فَقَالَ \" الْحَدِيث , فَعُرِفَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" أَهْله \" وَمِنْ طَرِيق هِلَال بْن حُصَيْنٍ قَالَ \" نَزَلْت عَلَى أَبِي سَعِيد فَحَدَّثَ أَنَّهُ أَصْبَحَ وَقَدْ عَصَبَ عَلَى بَطْنه حَجَرًا مِنْ الْجُوع , فَقَالَتْ لَهُ اِمْرَأَته أَوْ أُمُّهُ : اِئْتِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْأَلْهُ , فَقَدْ أَتَاهُ فُلَان فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ \" الْحَدِيث وَوَقَعَ عِنْد الْبَزَّار مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ نَحْو مَا وَقَعَ لِأَبِي سَعِيد , وَأَنَّ ذَلِكَ حِين اُفْتُتِحَتْ قُرَيْظَة. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ نَاسًا ) فِي بَعْض النُّسَخ \" أَنَّ أُنَاسًا \" وَالْمَعْنَى وَاحِد. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ يَسْأَلهُ أَحَد مِنْهُمْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ , وَلِغَيْرِهِ بِحَذْفِ الضَّمِير , وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة بِلَفْظِ \" سَأَلُوا فَأَعْطَاهُمْ , ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد أَحْمَد \" فَجَعَلَ لَا يَسْأَلهُ أَحَد مِنْهُمْ إِلَّا أَعْطَاهُ \". ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى نَفِدَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْفَاء أَيْ فَرَغَ. قَوْلُهُ ( فَقَالَ لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقَ بِيَدَيْهِ ) يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةً أَوْ اِعْتِرَاضِيَّةً أَوْ اِسْتِئْنَافِيَّة وَالْبَاء تَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ \" شَيْء \" وَيَحْتَمِل أَنْ تَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ \" أَنْفَقَ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر \" فَقَالَ لَهُمْ حِين أَنْفَقَ كُلّ شَيْء بِيَدِهِ \" وَسَقَطَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ رِوَايَة مَالِك. ‏ ‏قَوْله ( مَا يَكُون عِنْدِي مِنْ خَيْر ) ‏ ‏أَيْ مَال وَمَا مَوْصُولَة مُتَضَمِّنَة مَعْنَى الشَّرْط , وَفِي رِوَايَة صَوَّبَهَا الدِّمْيَاطِيُّ \" مَا يَكُنْ \" وَمَا حِينَئِذٍ شَرْطِيَّة وَلَيْسَتْ الْأُولَى خَطَأً. ‏ ‏قَوْله ( لَا أَدَّخِرهُ عَنْكُمْ ) ‏ ‏بِالْإِدْغَامِ وَبِغَيْرِهِ , وَفِي رِوَايَة مَالِك \" فَلَمْ \" وَعَنْهُ \" فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ \" أَيْ أَجْعَلهُ ذَخِيرَة لِغَيْرِكُمْ مُعْرِضًا عَنْكُمْ , وَدَالُهُ مُهْمَلَة , وَقِيلَ مُعْجَمَة. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَشْدِيدِ الْفَاء , وَلِلْكُشْمِيهَنِي \" يَسْتَعْفِف \" بِفَاءَيْنِ , ‏ ‏وَقَوْله \" يُعِفَّهُ اللَّه \" ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْفَاء الْمَفْتُوحَة. ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّه ) ‏ ‏قُدِّمَ فِي رِوَايَة مَالِك الِاسْتِغْنَاء عَلَى التَّصَبُّر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي سَعِيد بَدَل التَّصَبُّر \" وَمَنْ اِسْتَكْفَى كَفَاهُ اللَّه \" وَزَادَ \" وَمَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَة أُوقِيَّة فَقَدْ أَلْحَفَ \" وَزَادَ فِي رِوَايَة هِلَال \" وَمَنْ سَأَلَنَا إِمَّا أَنْ نَبْذُل لَهُ وَإِمَّا أَنْ نُوَاسِيَهُ , وَمَنْ يَسْتَعِفّ أَوْ يَسْتَغْنِ أَحَبّ إِلَيْنَا مِمَّنْ يَسْأَلنَا \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" وَمَا أُعْطِىَ أَحَدٌ عَطَاء \" وَأُعْطِيَ بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله ( خَيْرًا وَأَوْسَع مِنْ الصَّبْر ) ‏ ‏كَذَا بِالنَّصْبِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَهُوَ مُتَّجَهٌ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك \" هُوَ خَيْر \" بِالرَّفْعِ وَلِمُسْلِمٍ \" عَطَاء خَيْر \" قَالَ النَّوَوِيّ : كَذَا فِي نُسَخ مُسْلِم خَيْر بِالرَّفْعِ وَهُوَ صَحِيح , وَالتَّقْدِير هُوَ خَيْر كَمَا فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ , يَعْنِي مِنْ طَرِيق مَالِك. وَفِي الْحَدِيث الْحَضّ عَلَى الِاسْتِغْنَاء عَنْ النَّاس وَالتَّعَفُّف عَنْ سُؤَالهمْ بِالصَّبْرِ وَالتَّوَكُّل عَلَى اللَّه وَانْتِظَار مَا يَرْزُقهُ اللَّه , وَأَنَّ الصَّبْر أَفْضَل مَا يُعْطَاهُ الْمَرْء لِكَوْنِ الْجَزَاء عَلَيْهِ غَيْر مُقَدَّر وَلَا مَحْدُود. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَى قَوْله \" مَنْ يَسْتَعِفّ \" أَيْ يَمْتَنِع عَنْ السُّؤَال , وَقَوْله \" يُعِفَّهُ اللَّه \" أَيْ إِنَّهُ يُجَازِيه عَلَى اِسْتِعْفَافه بِصِيَانَةِ وَجْهِهِ وَدَفْع فَاقَته , وَقَوْله \" وَمَنْ يَسْتَغْنِ \" أَيْ بِاَللَّهِ عَمَّنْ سِوَاهُ , وَقَوْله \" يُغْنِهِ \" أَيْ فَإِنَّهُ يُعْطِيه مَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ السُّؤَال وَيَخْلُق فِي قَلْبه الْغِنَى فَإِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْس كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره وَقَوْله \" وَمَنْ يَتَصَبَّرْ \" أَيْ يُعَالِج نَفْسه عَلَى تَرْك السُّؤَال وَيَصْبِر إِلَى أَنْ يَحْصُل لَهُ الرِّزْق وَقَوْله \" يُصَبِّرهُ اللَّه \" أَيْ فَإِنَّهُ يُقَوِّيه وَيُمَكِّنهُ مِنْ نَفْسه حَتَّى تَنْقَاد لَهُ وَيُذْعِن لِتَحَمُّلِ الشِّدَّة , فَعِنْد ذَلِكَ يَكُون اللَّه مَعَهُ فَيُظْفِرهُ بِمَطْلُوبِهِ. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : لَمَّا كَانَ التَّعَفُّف يَقْتَضِي سَتْر الْحَال عَنْ الْخَلْق وَإِظْهَار الْغِنَى عَنْهُمْ فَيَكُون صَاحِبه مُعَامِلًا لِلَّهِ فِي الْبَاطِن فَيَقَع لَهُ الرِّبْح عَلَى قَدْر الصِّدْق فِي ذَلِكَ , وَإِنَّمَا جُعِلَ الصَّبْر خَيْرَ الْعَطَاء لِأَنَّهُ حَبْسُ النَّفْس عَنْ فِعْل مَا تُحِبّهُ وَإِلْزَامهَا بِفِعْلِ مَا تَكْرَهُ فِي الْعَاجِل مِمَّا لَوْ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ لَتَأَذَّى بِهِ فِي الْآجِل. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَى قَوْله \" مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّه \" أَيْ إِنْ عَفَّ عَنْ السُّؤَال وَلَوْ لَمْ يُظْهِر الِاسْتِغْنَاء عَنْ النَّاس , لَكِنَّهُ إِنْ أُعْطِىَ شَيْئًا لَمْ يَتْرُكهُ يَمْلَأ اللَّه قَلْبه غِنًى بِحَيْثُ لَا يَحْتَاج إِلَى سُؤَال , وَمَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَأَظْهَرَ الِاسْتِغْنَاء فَتَصَبَّرَ وَلَوْ أُعْطِىَ لَمْ يَقْبَل فَذَاكَ أَرْفَع دَرَجَة , فَالصَّبْر جَامِع لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق. وَقَالَ اِبْن التِّين : مَعْنَى قَوْله \" يُعِفَّهُ اللَّه \" إِمَّا أَنْ يَرْزُقهُ مِنْ الْمَال مَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ السُّؤَال , وَإِمَّا أَنْ يَرْزُقهُ الْقَنَاعَة وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5990",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ أَوْ تَنْتَفِخَ قَدَمَاهُ فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ ‏ ‏أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَتَّى تَرِمَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء , ‏ ‏وَقَوْله \" أَوْ تَنْتَفِخ \" ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي وَهُوَ بِمَعْنَاهُ , ‏ ‏وَقَوْله \" فَيُقَال لَهُ \" ‏ ‏الْقَائِل لَهُ ذَلِكَ عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله ( أَفَلَا أَكُون عَبْدًا شَكُورًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مَعَ شَرْح بَقِيَّة الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِل أَبْوَاب التَّهَجُّد , وَوَجْه مُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الشُّكْر وَاجِب وَتَرْك الْوَاجِب حَرَام , وَفِي شَغْل النَّفْس بِفِعْلِ الْوَاجِب صَبْر عَلَى فِعْل الْحَرَام. وَالْحَاصِل أَنَّ الشُّكْر يَتَضَمَّن الصَّبْر عَلَى الطَّاعَة وَالصَّبْر عَنْ الْمَعْصِيَة , قَالَ بَعْض الْأَئِمَّة : الصَّبْر يَسْتَلْزِم الشُّكْر لَا يَتِمّ إِلَّا بِهِ , وَبِالْعَكْسِ فَمَتَى ذَهَبَ أَحَدُهُمَا ذَهَبَ الْآخَر , فَمَنْ كَانَ فِي نِعْمَة فَفَرْضه الشُّكْر وَالصَّبْر , أَمَّا الشُّكْر فَوَاضِح وَأَمَّا الصَّبْر فَعَنْ الْمَعْصِيَة , وَمَنْ كَانَ فِي بَلِيَّة فَفَرْضه الصَّبْر وَالشُّكْر , أَمَّا الصَّبْر فَوَاضِح وَأَمَّا الشُّكْر فَالْقِيَام بِحَقِّ اللَّه عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْبَلِيَّة , فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْعَبْد عُبُودِيَّة فِي الْبَلَاء كَمَا لَهُ عَلَيْهِ عُبُودِيَّة فِي النَّعْمَاء. ثُمَّ الصَّبْر عَلَى ثَلَاثَة أَقْسَام : صَبْر عَنْ الْمَعْصِيَة فَلَا يَرْتَكِبهَا , وَصَبْر عَلَى الطَّاعَة حَتَّى يُؤَدِّيَهَا , وَصَبْر عَلَى الْبَلِيَّة فَلَا يَشْكُو رَبَّهُ فِيهَا. وَالْمَرْء لَا بُدّ لَهُ مِنْ وَاحِدَة مِنْ هَذِهِ الثَّلَاث , فَالصَّبْر لَازِم لَهُ أَبَدًا لَا خُرُوج لَهُ عَنْهُ , وَالصَّبْر سَبَب فِي حُصُول كُلّ كَمَالٍ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث الْأَوَّل \" إِنَّ الصَّبْر خَيْر مَا أُعْطِيَهُ الْعَبْد \" وَقَالَ بَعْضهمْ : الصَّبْر تَارَة يَكُون لِلَّهِ , وَتَارَة يَكُون بِاَللَّهِ. فَالْأَوَّل الصَّابِر لِأَمْرِ اللَّه طَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ فَيَصْبِر عَلَى الطَّاعَة وَيَصْبِر عَنْ الْمَعْصِيَة , وَالثَّانِي الْمُفَوِّض لِلَّهِ بِأَنْ يَبْرَأَ مِنْ الْحَوْل وَالْقُوَّة وَيُضِيف ذَلِكَ إِلَى رَبّه. وَزَادَ بَعْضهمْ الصَّبْر عَلَى اللَّه , وَهُوَ الرِّضَا بِالْمَقْدُورِ , فَالصَّبْر لِلَّهِ يَتَعَلَّق بِإِلَهِيَّتِهِ وَمَحَبَّته , وَالصَّبْر بِهِ يَتَعَلَّق بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَته , وَالثَّالِث يَرْجِع إِلَى الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ عِنْد التَّحْقِيق , فَإِنَّهُ لَا يَخْرُج عَنْ الصَّبْر عَلَى أَحْكَامه الدِّينِيَّة وَهِيَ أَوَامِره وَنَوَاهِيه , وَالصَّبْر عَلَى اِبْتِلَائِهِ وَهُوَ أَحْكَامه الْكَوْنِيَّة وَاَللَّه أَعْلَم ‏"
    },
    {
        "id": "5991",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏فَقَالَ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَنْصُور كَمَا أَوْضَحْته فِي الْمُقَدِّمَة , وَغَلِطَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ اِبْن إِبْرَاهِيم وَسَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب يَدْخُل الْجَنَّة سَبْعُونَ أَلْفًا \" بَعْد ثَمَانِيَة وَعِشْرِينَ بَابًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ‏"
    },
    {
        "id": "5992",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ‏ ‏مُغِيرَةُ ‏ ‏وَفُلَانٌ وَرَجُلٌ ثَالِثٌ أَيْضًا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَرَّادٍ ‏ ‏كَاتِبِ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏كَتَبَ إِلَى ‏ ‏الْمُغِيرَةِ ‏ ‏أَنْ اكْتُبْ إِلَيَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ ‏ ‏الْمُغِيرَةُ ‏ ‏إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ الصَّلَاةِ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ ‏ ‏وَمَنْعٍ وَهَاتِ ‏ ‏وَعُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدِ الْبَنَاتِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏هُشَيْمٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏وَرَّادًا ‏ ‏يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن مُسْلِم ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْده \" وَقَالَ عَلِيّ بْن مُسْلِم \" جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" بِمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور. ‏ ‏قَوْله ( أَنْبَأَنَا غَيْر وَاحِد مِنْهُمْ مُغِيرَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُقْسِم الضَّبِّيّ وَفُلَان وَرَجُل ثَالِث , الْمُرَاد بِفُلَانٍ مُجَالِد بْن سَعِيد فَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه عَنْ زِيَاد بْن أَيُّوب وَيَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِيّ قَالَا \" حَدَّثَنَا هُشَيْم أَنْبَأَنَا غَيْر وَاحِد مِنْهُمْ مُغِيرَة وَمُجَالِد \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق أَبِي خُثَيْمَةَ عَنْ هُشَيْم , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ هُشَيْم , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ يَعْقُوب الدَّوْرَقِيّ لَكِنْ قَالَ فِي رِوَايَته \" عَنْ غَيْر وَاحِد مِنْهُمْ مُغِيرَة \" وَلَمْ يُسَمِّ مُجَالِدًا. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ الْحَسَن بْن إِسْمَاعِيل عَنْ هُشَيْم أَنْبَأَنَا مُغِيرَة وَذَكَرَ آخَر وَلَمْ يُسَمِّهِ وَكَأَنَّهُ مُجَالِد , وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى عَنْ زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى عَنْ هُشَيْم عَنْ مُغِيرَة عَنْ الشَّعْبِيّ وَلَمْ يَذْكُر مَعَ مُغِيرَة أَحَدًا وَأَمَّا الرَّجُل الثَّالِث فَيَحْتَمِل أَنَّهُ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , فَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن أَبِي بُكَيْرٍ الْكَرْمَانِيّ عَنْ هُشَيْم قَالَ أَنْبَأَنَا دَاوُد بْن أَبِي هِنْد وَغَيْره عَنْ الشَّعْبِيّ بِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة أَوْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد فَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن رَاشِد الْوَاسِطِيِّ عَنْ هُشَيْم عَنْ مُغِيرَة وَزَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة وَمُجَالِد وَإِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد كُلّهمْ عَنْ الشَّعْبِيّ , وَالْحَسَن الْمَذْكُور ثِقَة مِنْ شُيُوخ أَبِي دَاوُدَ تَكَلَّمَ فِيهِ عَبْدَان بِمَا لَا يَقْدَح فِيهِ , وَقَالَ اِبْن عَدِيّ : لَمْ أَرَ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا. ‏ ‏قَوْله ( فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَة ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ الْمُغِيرَة بَاشَرَ الْكِتَابَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق عَاصِم الْأَحْوَل عَنْ الشَّعْبِيّ \" أَنَّ مُعَاوِيَة كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَة اُكْتُبْ إِلَيَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْته , فَدَعَا غُلَامه وَرَّادًا فَقَالَ : اُكْتُبْ \" فَذَكَرَهُ. وَقَوْله لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه - إِلَى قَوْله - وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير زَادَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ هُنَا \" ثَلَاث مَرَّات \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْ وَرَّادٍ \" كَتَبَ مُعَاوِيَة إِلَى الْمُغِيرَة : اُكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ فَكَتَبْت إِلَيْهِ بِخَطِّي \" وَلَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة مَنْ كَتَبَ لِمُعَاوِيَةَ صَرِيحًا إِلَّا أَنَّ الْمُغِيرَة كَانَ مُعَاوِيَة أَمَّرَهُ عَلَى الْكُوفَة فِي سَنَة إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَة خَمْسِينَ أَوْ فِي الَّتِي بَعْدهَا وَكَانَ كَاتِب مُعَاوِيَة إِذْ ذَاكَ عُبَيْد بْن أَوْس الْغَسَّانِيّ. وَفِي الْحَدِيث حُجَّة عَلَى مَنْ لَمْ يَعْمَل فِي الرِّوَايَة بِالْمُكَاتَبَةِ , وَاعْتَلَّ بَعْضهمْ بِأَنَّ الْعُمْدَة حِينَئِذٍ عَلَى الَّذِي بَلَّغَ الْكِتَاب كَأَنْ يَكُون الَّذِي أَرْسَلَهُ أَمَرَهُ أَنْ يُوَصِّل الْكِتَاب وَأَنْ يُبَلِّغ مَا فِيهِ مُشَافَهَة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا يَحْتَاج إِلَى نَقْل , وَعَلَى تَقْدِير وُجُوده فَتَكُون الرِّوَايَة عَنْ مَجْهُول وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ ثِقَة عِنْد مَنْ أَرْسَلَهُ وَمَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ , فَتَجِيء فِيهِ مَسْأَلَة التَّعْدِيل عَلَى الْإِبْهَام وَالْمُرَجَّح عَدَم الِاعْتِدَاد بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ هُشَيْم أَنْبَأَنَا عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالطَّرِيقِ الَّتِي قَبْله , وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة يَعْقُوب الدَّوْرَقِيّ وَزِيَاد بْن أَيُّوب قَالَا \" حَدَّثَنَا هُشَيْم عَنْ عَبْد الْمَلِك بِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا أَطْلَقَ , وَظَاهِره أَنَّ الرِّوَايَة كَاَلَّتِي قَبْلهَا , وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق أَبِي الرَّبِيع الزُّهْرَانِيّ عَنْ هُشَيْم فَقَالَ فِي سِيَاقه \" كَتَبَ مُعَاوِيَة إِلَى الْمُغِيرَة أَنْ اُكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَهُ ‏"
    },
    {
        "id": "5993",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَلِلْبَاقِينَ \" حَدَّثَنَا \" وَكَذَا لِلْجَمِيعِ فِي هَذَا السَّنَد بِعَيْنِهِ فِي الْمُحَارِبِينَ , ‏ ‏وَعُمَر بْن عَلِيّ ‏ ‏الْمُقَدِّمِيّ بِفَتْحِ الْقَاف وَتَشْدِيد الدَّالّ هُوَ عَمّ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الرَّاوِي عَنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عُمَر مُدَلِّس لَكِنَّهُ صَرَّحَ هُنَا بِالسَّمَاعِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَهْل بْن سَعْد ) ‏ ‏هُوَ السَّاعِدِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ يَضْمَن ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَالْجَزْم مِنْ الضَّمَان بِمَعْنَى الْوَفَاء بِتَرْكِ الْمَعْصِيَة فَأَطْلَقَ الضَّمَان وَأَرَادَ لَازِمه وَهُوَ أَدَاء الْحَقّ الَّذِي عَلَيْهِ , فَالْمَعْنَى مَنْ أَدَّى الْحَقّ الَّذِي عَلَى لِسَانه مِنْ النُّطْق بِمَا يَجِب عَلَيْهِ أَوْ الصَّمْت عَمَّا لَا يَعْنِيه وَأَدَّى الْحَقّ الَّذِي عَلَى فَرْجه مِنْ وَضْعه فِي الْحَلَال وَكَفّه عَنْ الْحَرَام , وَسَيَأْتِي فِي الْمُحَارِبِينَ عَنْ خَلِيفَة بْن خَيَّاط عَنْ عُمَر بْن عَلِيّ بِلَفْظِ \" مَنْ تَوَكَّلَ \" وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى عَنْ عُمَر بْن عَلِيّ بِلَفْظِ \" مَنْ تَكَفَّلَ \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان قَالَ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْمُقَدَّمِيّ وَعُمَر بْن عَلِيّ هُوَ الْفَلَّاس وَغَيْرهمَا قَالُوا : حَدَّثَنَا عُمَر بْن عَلِيّ \" بِلَفْظِ \" مَنْ حَفِظَ \" عِنْد أَحْمَد وَأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى بِسَنَدٍ حَسَن , وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي رَافِع بِسَنَدٍ جَيِّد لَكِنْ قَالَ \" فَقْمَيْهِ \" بَدَل \" لَحْيَيْهِ \" وَهُوَ بِمَعْنَاهُ , وَالْفَقْم بِفَتْحِ الْفَاء وَسُكُون الْقَاف. ‏ ‏قَوْله ( لَحْيَيْهِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَالتَّثْنِيَة هُمَا الْعَظْمَاتُ فِي جَانِبَيْ الْفَم وَالْمُرَاد بِمَا بَيْنهمَا اللِّسَان وَمَا يَتَأَتَّى بِهِ النُّطْق , وَبِمَا بَيْن الرِّجْلَيْنِ الْفَرْج. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ الْمُرَاد بِمَا بَيْن اللَّحْيَيْنِ الْفَم , قَالَ : فَيَتَنَاوَل الْأَقْوَال وَالْأَكْل وَالشُّرْب وَسَائِر مَا يَتَأَتَّى بِالْفَمِ مِنْ الْفِعْل , قَالَ : وَمَنْ تَحَفَّظَ مِنْ ذَلِكَ أَمِنَ مِنْ الشَّرّ كُلّه لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا السَّمْع وَالْبَصَر , كَذَا قَالَ وَخَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَقِيَ الْبَطْش بِالْيَدَيْنِ , وَإِنَّمَا مَحْمَل الْحَدِيث عَلَى أَنَّ النُّطْق بِاللِّسَانِ أَصْل فِي حُصُول كُلّ مَطْلُوب فَإِذَا لَمْ يَنْطِق بِهِ إِلَّا فِي خَيْر سَلِمَ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : دَلَّ الْحَدِيث عَلَى أَنَّ أَعْظَم الْبَلَاء عَلَى الْمَرْء فِي الدُّنْيَا لِسَانه وَفَرْجه , فَمَنْ وُقِيَ شَرّهمَا وُقِيَ أَعْظَم الشَّرّ. ‏ ‏قَوْله ( أَضْمَنْ لَهُ ) ‏ ‏بِالْجَزْمِ جَوَاب الشَّرْط , وَفِي رِوَايَة خَلِيفَة \" تَوَكَّلْت لَهُ بِالْجَنَّةِ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَسَن \" تَكَفَّلْت لَهُ \" قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث سَهْل بْن سَعْد حَسَن صَحِيح , وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ أَبَا حَازِم تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ سَهْل فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَنْ وَقَاهُ اللَّه شَرّ مَا بَيْن لَحْيَيْهِ وَشَرّ مَا بَيْن رِجْلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّة \" وَحَسَّنَهُ , وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ أَبَا حَازِم الرَّاوِي عَنْ سَهْل غَيْر أَبِي حَازِم الرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. قُلْت : وَهُمَا مَدَنِيَّانِ تَابِعِيَّانِ , لَكِنَّ الرَّاوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة اِسْمه سَلْمَان وَهُوَ أَكْبَر مِنْ الرَّاوِي عَنْ سَهْل وَاسْمه سَلَمَة , وَلِهَذَا اللَّفْظ شَاهِد مِنْ مُرْسَل عَطَاء بْن يَسَار فِي الْمُوَطَّأ. ‏"
    },
    {
        "id": "5994",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل كِتَاب الْأَدَب , وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى إِكْرَام الضَّيْف وَمَنْع أَذَى الْجَار , وَفِيهِ \" مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت \" ‏"
    },
    {
        "id": "5995",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعَ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ جَائِزَتُهُ قِيلَ مَا جَائِزَتُهُ قَالَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي شُرَيْح , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه أَيْضًا هُنَاكَ , وَفِيهِ \" فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُت \" وَفِيهِ إِكْرَام الضَّيْف أَيْضًا , وَتَوْقِيت الضِّيَافَة بِثَلَاثَةِ أَيَّام , وَقَوْله \" الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام جَائِزَته , قِيلَ وَمَا جَائِزَته ؟ قَالَ : يَوْم وَلَيْلَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَدَب بِلَفْظِ \" فَلْيُكْرِمْ ضَيْفه جَائِزَته , قَالَ : وَمَا جَائِزَته ؟ قَالَ : يَوْم وَلَيْلَة \" وَعَلَى مَا هُنَا فَالْمَعْنَى أَعْطُوهُ جَائِزَتَهُ , فَإِنَّ الرِّوَايَة بِالنَّصْبِ , وَإِنْ جَاءَتْ بِالرَّفْعِ فَالْمَعْنَى تَتَوَجَّه عَلَيْكُمْ جَائِزَته , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي تَوْجِيهه , وَوَقَعَ قَوْله \" يَوْم وَلَيْلَة \" خَبَرًا عَنْ الْجَائِزَة وَفِيهِ حَذْف تَقْدِيرُهُ زَمَان جَائِزَته أَوْ تَضْيِيف يَوْم وَلَيْلَة. ‏"
    },
    {
        "id": "5996",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَلِغَيْرِهِ \" حَدَّثَنِي \" بِالْإِفْرَادِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( اِبْن أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الْعَزِيز بْن دِينَار , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل الْقَاضِي عَنْ إِبْرَاهِيم بْن حَمْزَة شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" أَنَّ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم وَعَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد الدَّرَاوَرْدِيّ حَدَّثَاهُ عَنْ يَزِيد \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِبْرَاهِيم لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيّ اِقْتَصَرَ عَلَى اِبْن أَبِي حَازِم , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون حَدَّثَ عَنْهُمَا فَحَذَفَ الْبُخَارِيّ ذِكْر عَبْد الْعَزِيز الدَّرَاوَرْدِيّ , وَعَلَى الْأَوَّل لَا إِشْكَال , وَعَلَى الثَّانِي يَتَوَقَّف الْجَوَاز عَلَى أَنَّ اللَّفْظ لِلِاثْنَيْنِ سَوَاء وَأَنْ الْمَذْكُور لَيْسَ هُوَ لَفْظ الْمَحْذُوف , أَوْ أَنَّ الْمَعْنَى عَلَيْهِمَا مُتَّحِد تَفْرِيعًا عَلَى جَوَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى , وَيُؤَيِّد الِاحْتِمَال الْأَوَّل أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِهِ إِلَى مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم حَدِيثًا جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ اِبْن أَبِي حَازِم وَالدَّرَاوَرْدِيّ وَهُوَ فِي \" بَاب فَضْل الصَّلَاة \" فِي أَوَائِل كِتَاب الصَّلَاة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْمَعْرُوف بِابْنِ الْهَاد , وَوَقَعَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل الْمَذْكُورَة , وَمُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم هُوَ التَّيْمِيُّ , وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد كُلّهمْ مَدَنِيُّونَ , وَفِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق , وَعِيسَى بْن طَلْحَة هُوَ اِبْن عُبَيْد اللَّه التَّيْمِيُّ , وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَطَلْحَة هُوَ أَحَد الْعَشَرَة. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ الْعَبْد لَيَتَكَلَّم ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِأَبِي ذَرّ \" يَتَكَلَّم \" بِحَذْفِ اللَّام. ‏ ‏قَوْله ( بِالْكَلِمَةِ ) ‏ ‏أَيْ الْكَلَام الْمُشْتَمِل عَلَى مَا يُفْهِم الْخَيْر أَوْ الشَّرّ سَوَاء طَالَ أَمْ قَصُرَ , كَمَا يُقَال كَلِمَة الشَّهَادَة , وَكَمَا يُقَال لِلْقَصِيدَةِ كَلِمَة فُلَان. ‏ ‏قَوْله ( مَا يَتَبَيَّن فِيهَا ) ‏ ‏أَيْ لَا يَتَطَلَّب مَعْنَاهَا , أَيْ لَا يُثْبِتهَا بِفِكْرِهِ وَلَا يَتَأَمَّلهَا حَتَّى يَتَثَبَّت فِيهَا فَلَا يَقُولهَا إِلَّا إِنْ ظَهَرَتْ الْمَصْلَحَة فِي الْقَوْل. وَقَالَ بَعْض الشُّرَّاح : الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُبَيِّنهَا بِعِبَارَةٍ وَاضِحَة , وَهَذَا يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُون بَيَّنَ وَتَبَيَّنَ بِمَعْنًى وَاحِد. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيّ عَنْ يَزِيد بْن الْهَاد عِنْد مُسْلِم \" مَا يَتَبَيَّن مَا فِيهَا \" وَهَذِهِ أَوْضَح , و \" مَا \" الْأُولَى نَافِيَة و \" مَا \" الثَّانِيَة مَوْصُولَة أَوْ مَوْصُوفَة وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مَا يَتَّقِي بِهَا \" وَمَعْنَاهَا يَئُول لِمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( يَزِلّ بِهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الزَّاي بَعْدهَا لَام أَيْ يَسْقُط. ‏ ‏قَوْله ( أَبْعَد مَا بَيْن الْمَشْرِق ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع النُّسَخ الَّتِي وَقَعَتْ لَنَا فِي الْبُخَارِيّ , وَكَذَا فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل الْقَاضِي عَنْ إِبْرَاهِيم بْن حَمْزَة شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ عِنْد أَبِي نُعَيْم , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة بَكْر بْن مُضَر عَنْ يَزِيد بْن الْهَاد بِلَفْظِ \" أَبْعَد مَا بَيْن الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب \" وَكَذَا وَقَعَ عِنْد اِبْن بَطَّال وَشَرَحَهُ الْكَرْمَانِيُّ عَلَى مَا وَقَعَ عِنْد الْبُخَارِيّ فَقَالَ : قَوْله \" مَا بَيْن الْمَشْرِق \" لَفْظ بَيْن يَقْتَضِي دُخُوله عَلَى الْمُتَعَدِّد وَالْمَشْرِق مُتَعَدِّد مَعْنًى إِذْ مَشْرِق الصَّيْف غَيْر مَشْرِق الشِّتَاء وَبَيْنهمَا بُعْد كَبِير , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِكْتَفَى بِأَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ عَنْ الْآخَر مِثْل ( سَرَابِيل تَقِيكُمْ الْحَرّ ) قَالَ : وَقَدْ ثَبَتَ فِي بَعْضهَا بِلَفْظِ \" بَيْن الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : الْكَلِمَة الَّتِي يَهْوِي صَاحِبُهَا بِسَبَبِهَا فِي النَّار هِيَ الَّتِي يَقُولهَا عِنْد السُّلْطَان الْجَائِر , وَزَادَ اِبْن بَطَّال : بِالْبَغْيِ أَوْ بِالسَّعْيِ عَلَى الْمُسْلِم فَتَكُون سَبَبًا لِهَلَاكِهِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْقَائِل ذَلِكَ لَكِنَّهَا رُبَّمَا أَدَّتْ إِلَى ذَلِكَ فَيُكْتَب عَلَى الْقَائِل إِثْمهَا , وَالْكَلِمَة الَّتِي تُرْفَع بِهَا الدَّرَجَات وَيُكْتَب بِهَا الرِّضْوَان هِيَ الَّتِي يَدْفَع بِهَا عَنْ الْمُسْلِم مَظْلِمَةً أَوْ يُفَرِّج بِهَا عَنْهُ كُرْبَةً أَوْ يَنْصُر بِهَا مَظْلُومًا. وَقَالَ غَيْره فِي الْأُولَى : هِيَ الْكَلِمَة عِنْد ذِي السُّلْطَان يُرْضِيه بِهَا فِيمَا يُسْخِط اللَّه , قَالَ اِبْن التِّين : هَذَا هُوَ الْغَالِب , وَرُبَّمَا كَانَتْ عِنْد غَيْر ذِي السُّلْطَان مِمَّنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ ذَلِكَ. وَنُقِلَ عَنْ اِبْن وَهْب أَنَّ الْمُرَاد بِهَا التَّلَفُّظ بِالسُّوءِ وَالْفُحْش مَا لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْجَحْد لِأَمْرِ اللَّه فِي الدِّين. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : يَحْتَمِل أَنْ تَكُون تِلْكَ الْكَلِمَة مِنْ الْخَنَى وَالرَّفَث , وَأَنْ تَكُون فِي التَّعْرِيض بِالْمُسْلِمِ بِكَبِيرَةٍ أَوْ بِمُجُونٍ , أَوْ اِسْتِخْفَاف بِحَقِّ النُّبُوَّة وَالشَّرِيعَة وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِد ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّيْخ عِزّ الدِّين بْن عَبْد السَّلَام : هِيَ الْكَلِمَة الَّتِي لَا يَعْرِف الْقَائِل حُسْنهَا مِنْ قُبْحهَا , قَالَ : فَيَحْرُم عَلَى الْإِنْسَان أَنْ يَتَكَلَّم بِمَا لَا يَعْرِف حُسْنه مِنْ قُبْحه. قُلْت : وَهَذَا الَّذِي يَجْرِي عَلَى قَاعِدَة مُقَدَّمَة الْوَاجِب. وَقَالَ النَّوَوِيّ : فِي هَذَا الْحَدِيث حَثّ عَلَى حِفْظ اللِّسَان , فَيَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْطِق أَنْ يَتَدَبَّر مَا يَقُول قَبْل أَنْ يَنْطِق , فَإِنْ ظَهَرَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ تَكَلَّمَ وَإِلَّا أَمْسَكَ. قُلْت : وَهُوَ صَرِيح الْحَدِيث الثَّانِي وَالثَّالِث. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ تَأْخِير طَرِيق عِيسَى بْن طَلْحَة عَنْ الطَّرِيق الْأُخْرَى , وَلِغَيْرِهِ بِالْعَكْسِ , وَسَقَطَ طَرِيق عِيسَى بْن طَلْحَة عِنْد النَّسَفِيّ أَصْلًا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "5997",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا النَّضْرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَعْني ابْنَ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة ( سَمِعَ أَبَا النَّضْر ) ‏ ‏هُوَ هَاشِم بْن الْقَاسِم , وَالتَّقْدِير أَنَّهُ سَمِعَ , وَيُحْذَف لَفْظ أَنَّهُ فِي الْكِتَابَة غَالِبًا. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي صَالِح ) ‏ ‏هُوَ ذَكْوَانُ , وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق. ‏ ‏قَوْله ( لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا ) ‏ ‏بِالْقَافِ فِي جَمِيع الرِّوَايَات أَيْ لَا يَتَأَمَّلُهَا بِخَاطِرِهِ وَلَا يَتَفَكَّر فِي عَاقِبَتهَا وَلَا يَظُنّ أَنَّهَا تُؤَثِّر شَيْئًا , وَهُوَ مِنْ نَحْو قَوْله تَعَالَى ( وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْد اللَّه عَظِيم ) وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث بِلَال بْن الْحَارِث الْمُزَنِيِّ الَّذِي أَخْرَجَهُ مَالِك وَأَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم بِلَفْظِ \" إِنَّ أَحَدكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَان اللَّه مَا يَظُنّ أَنْ تَبْلُغ مَا بَلَغَتْ يَكْتُب اللَّه لَهُ بِهَا رِضْوَانه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" وَقَالَ فِي السَّخَط مِثْل ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( يَرْفَع اللَّه بِهَا دَرَجَات ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ , وَلِلنَّسَفِيّ وَالْأَكْثَر \" يَرْفَع اللَّه لَهُ بِهَا دَرَجَات \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" يَرْفَعهُ اللَّه بِهَا دَرَجَات \". ‏ ‏قَوْله ( يَهْوِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْهَاء وَكَسْر الْوَاو , قَالَ عِيَاض : الْمَعْنَى يَنْزِل فِيهَا سَاقِطًا. وَقَدْ جَاءَ بِلَفْظِ \" يَنْزِل بِهَا فِي النَّار \" لِأَنَّ دَرَجَات النَّار إِلَى أَسْفَل , فَهُوَ نُزُول سُقُوط. وَقِيلَ أَهْوَى مِنْ قَرِيب وَهَوَى مِنْ بِعِيدِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق قَالَ \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيُّ \" بِلَفْظِ \" لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّار سَبْعِينَ خَرِيفًا \" ‏"
    },
    {
        "id": "5998",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ رَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "5999",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ فَقَالَ لِأَهْلِهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونِي ‏ ‏فَذَرُّونِي ‏ ‏فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَفَعَلُوا بِهِ فَجَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ قَالَ مَا حَمَلَنِي إِلَّا مَخَافَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , ‏ ‏وَمَنْصُور ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر. ‏ ‏وَرِبْعِيّ ‏ ‏هُوَ اِبْن حِرَاش بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَآخِره شِين مُعْجَمَة , وَالسَّنَد كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ حُذَيْفَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل تَصْرِيح حُذَيْفَة بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَوَقَعَ فِي صَحِيح أَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق وَالَانِ الْعَبْدِيّ عَنْ حُذَيْفَة عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ذِكْر هَذِهِ الْقِصَّة بَعْد ذِكْر حَدِيث الشَّفَاعَة بِطُولِهِ , وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ الرَّجُل الْمَذْكُور آخِر أَهْل النَّار خُرُوجًا مِنْهَا , وَسَيَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي الشَّفَاعَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَيَتَبَيَّن شُذُوذ هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ حَيْثُ الْمَتْن كَمَا ظَهَرَ شُذُوذهَا مِنْ حَيْثُ السَّنَد. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ رَجُل مِمَّنْ كَانَ قَبْلكُمْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَمِنْ ثَمَّ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله ( يُسِيء الظَّنّ بِعَمَلِهِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا. ‏ ‏قَوْله ( فَذَرُونِي ) ‏ ‏قَدَّمْت هُنَاكَ فِيهِ ثَلَاث رِوَايَات بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى التَّرْك وَالتَّشْدِيد بِمَعْنَى التَّفْرِيق , وَهُوَ ثُلَاثِيّ مُضَاعَف تَقُول ذَرَرْت الْمِلْح أَذُرّهُ وَمِنْهُ الذَّرِيرَة نَوْع مِنْ الطِّيب. قَالَ اِبْن التِّين : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِفَتْحِ أَوَّله , وَكَذَا قَرَأْنَاهُ وَرُوِّينَاهُ بِضَمِّهَا وَعَلَى الْأَوَّل هُوَ مِنْ الذَّرّ وَعَلَى الثَّانِي مِنْ التَّذْرِيَة وَبِهَمْزَةِ قَطْع وَسُكُون الْمُعْجَمَة مِنْ أَذَرَتْ الْعَيْن دَمْعَهَا وَأَذْرَيْت الرَّجُل عَنْ الْفَرَس وَبِالْوَصْلِ مِنْ ذَرَوْت الشَّيْء وَمِنْهُ تَذْرُوهُ الرِّيَاح. ‏ ‏قَوْله ( فِي الْبَحْر ) ‏ ‏سَيَأْتِي نَظِيره فِي حَدِيث سَلْمَان وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فِي الرِّيح \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْآتِي فِي التَّوْحِيد \" وَاذْرُوا نِصْفه فِي الْبَرّ وَنِصْفه فِي الْبَحْر \". ‏ ‏قَوْله ( فِي يَوْم صَائِف ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْ رِبْعِيّ بِلَفْظِ \" فَذَرُونِي فِي الْيَمّ فِي يَوْم حَازٍّ \" بِحَاءٍ مُهْمَلَة وَزَاي ثَقِيلَة كَذَا لِلْمَرْوَزِيِّ وَالْأَصِيلِيّ , وَلِأَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ وَكَرِيمَة عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَة وَهُوَ الْمُنَاسِب لِرِوَايَةِ الْبَاب , وَوُجِّهَت الْأُولَى بِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَحُزّ الْبَدَن لِشِدَّةِ حَرّه , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الَّذِي بَعْده \" حَتَّى إِذَا كَانَ رِيح عَاصِف \" وَذَكَرَ بَعْضهمْ رِوَايَة الْمَرْوَزِيِّ بِنُونٍ بَدَل الزَّاي أَيْ حَانَ رِيحه , قَالَ اِبْن فَارِس : الْحُون رِيح تَحِنّ كَحَنِينِ الْإِبِل. ‏"
    },
    {
        "id": "6000",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ ‏ ‏أَوْ قَبْلَكُمْ ‏ ‏آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا ‏ ‏يَعْنِي أَعْطَاهُ قَالَ فَلَمَّا حُضِرَ قَالَ لِبَنِيهِ أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ قَالُوا خَيْرَ أَبٍ قَالَ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا ‏ ‏فَسَّرَهَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏لَمْ يَدَّخِرْ ‏ ‏وَإِنْ يَقْدَمْ عَلَى اللَّهِ يُعَذِّبْهُ فَانْظُرُوا فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا فَاسْحَقُونِي ‏ ‏أَوْ قَالَ فَاسْهَكُونِي ‏ ‏ثُمَّ إِذَا كَانَ رِيحٌ عَاصِفٌ فَأَذْرُونِي فِيهَا فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي فَفَعَلُوا فَقَالَ اللَّهُ كُنْ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ ثُمَّ قَالَ أَيْ عَبْدِي ‏ ‏مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ قَالَ مَخَافَتُكَ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏فَرَقٌ ‏ ‏مِنْكَ ‏ ‏فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ اللَّهُ ‏ ‏فَحَدَّثْتُ ‏ ‏أَبَا عُثْمَانَ ‏ ‏فَقَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَلْمَانَ ‏ ‏غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ فَأَذْرُونِي فِي الْبَحْرِ أَوْ كَمَا حَدَّثَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عُقْبَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي الْحَدِيث ( عَنْ أَبِي سَعِيد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي تَابِعِيهِ , ‏ ‏وَمُوسَى ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيُّ , ‏ ‏وَمُعْتَمِر ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ , وَالسَّنَد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( فِيمَنْ سَلَفَ أَوْ فِيمَنْ كَانَ قَبْلكُمْ ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي عَنْ قَتَادَة , وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة عَنْ قَتَادَة بِلَفْظِ \" أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَبْلكُمْ \". ‏ ‏قَوْله ( آتَاهُ اللَّه مَالًا وَوَلَدًا ) ‏ ‏يَعْنِي أَعْطَاهُ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ تَفْسِير لِلَفْظِ آتَاهُ , وَهِيَ بِالْمَدِّ بِمَعْنَى الْعَطَاء وَبِالْقَصْرِ بِمَعْنَى الْمَجِيء , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ هُنَا \" مَالًا \" وَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهَا بِمُفْرَدِهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِر عِنْد اللَّه خَيْرًا فَسَّرَهَا قَتَادَة لَمْ يَدَّخِر ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا يَبْتَئِر بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَفَتْح الْمُثَنَّاة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة مَهْمُوزَة ثُمَّ رَاء مُهْمَلَة , وَتَفْسِير قَتَادَة صَحِيح وَأَصْله مِنْ الْبَئِيرَة بِمَعْنَى الذَّخِيرَة وَالْخَبِيئَة , قَالَ أَهْل اللُّغَة : بَأَرْت الشَّيْء وَابْتَأَرْتُهُ أَبْأَرُهُ وَأَبْتَئِرُهُ إِذَا خَبَّأْته , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن \" لَمْ يَأْبَتِرْ \" بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَة عَلَى الْمُوَحَّدَة حَكَاهُ عِيَاض , وَهُمَا صَحِيحَانِ بِمَعْنًى وَالْأَوَّل أَشْهَر , وَمَعْنَاهُ لَمْ يُقَدِّم خَيْرًا كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيث , يُقَال بَأَرْت الشَّيْء وَابْتَأَرْتُهُ وَائْبَتَرْتُهُ إِذَا اِدَّخَرْته , وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحُفْرَةِ الْبِئْر وَوَقَعَ فِي التَّوْحِيد وَفِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ فِيمَا اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ عِيَاض وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدنَا كَذَلِكَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" لَمْ يَبْتَئِر أَوْ لَمْ يَبْتَئِزْ \" بِالشَّكِّ فِي الزَّاي أَوْ الرَّاء , وَفِي رِوَايَة الجُّرْجَانِيّ بِنُونٍ بَدَل الْمُوَحَّدَة وَالزَّاي قَالَ : وَكِلَاهُمَا غَيْر صَحِيح وَفِي بَعْض الرِّوَايَات فِي غَيْر الْبُخَارِيّ يَنْتَهِز بِالْهَاءِ بَدَل الْهَمْزَة وَبِالزَّايِ , وَيَمْتَئِر بِالْمِيمِ بَدَل الْمُوَحَّدَة وَبِالرَّاءِ أَيْضًا قَالَ وَكِلَاهُمَا صَحِيح أَيْضًا كَالْأَوَّلَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنْ يَقْدَمْ عَلَى اللَّه يُعَذِّبْهُ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِفَتْحِ الدَّال وَسُكُون الْقَاف مِنْ الْقُدُوم وَهُوَ بِالْجَزْمِ عَلَى الشَّرْطِيَّة , وَكَذَا يُعَذِّبهُ بِالْجَزْمِ عَلَى الْجَزَاء , وَالْمَعْنَى إِنْ بُعِثَ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى هَيْئَته يَعْرِفهُ كُلّ أَحَد فَإِذَا صَارَ رَمَادًا مَبْثُوثًا فِي الْمَاء وَالرِّيح لَعَلَّهُ يَخْفَى , وَوَقَعَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ جَرِير بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب \" فَإِنَّهُ إِنْ يَقْدِر عَلَيَّ رَبِّي لَا يَغْفِر لِي \" وَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَئِنْ قَدَرَ اللَّه عَلَيَّ \" وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهه مُسْتَوْفًى فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل. وَمِنْ اللَّطَائِف أَنَّ مِنْ جُمْلَة الْأَجْوِبَة عَنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن فِي شَرْحه أَنَّ الرَّجُل قَالَ ذَلِكَ لِمَا غَلَبَهُ مِنْ الْخَوْف وَغَطَّى عَلَى فَهْمه مِنْ الْجَزَع فَيُعْذَر فِي ذَلِكَ , وَهُوَ نَظِير الْخَبَر الْمَرْوِيّ فِي قِصَّة الَّذِي يَدْخُل الْجَنَّة آخِر مَنْ يَدْخُلهَا فَيُقَال : إِنَّ لَك مِثْل الدُّنْيَا وَعَشَرَة أَمْثَالهَا فَيَقُول لِلْفَرَحِ الَّذِي دَخَلَهُ : أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّك. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّة الْفَرَح. قُلْت وَتَمَام هَذَا أَنَّ أَبَا عَوَانَة أَخْرَجَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق أَنَّ الرَّجُل الْمَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب هُوَ آخِر أَهْل الْجَنَّة دُخُولًا الْجَنَّة , فَعَلَى هَذَا يَكُون وَقَعَ لَهُ مِنْ الْخَطَإِ بَعْد دُخُول الْجَنَّة نَظِير مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْخَطَإِ عِنْد حُضُور الْمَوْت , لَكِنْ أَحَدهمَا مِنْ غَلَبَة الْخَوْف وَالْآخَر مِنْ غَلَبَة الْفَرَح. قُلْت : وَالْمَحْفُوظ أَنَّ الَّذِي قَالَ أَنْتَ عَبْدِي هُوَ الَّذِي وَجَدَ رَاحِلَته بَعْد أَنْ ضَلَّتْ , وَقَدْ نَبَّهْت عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى. ‏ ‏قَوْله ( فَأَحْرِقُونِي ) ‏ ‏فِي حَدِيث حُذَيْفَة هُنَاكَ \" فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا ثُمَّ أَوْرُوا نَارًا حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي \". ‏ ‏قَوْله ( فَاسْحَقُونِي , أَوْ قَالَ فَاسْهَكُونِي ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة , \" اِسْحَقُونِي \" بِغَيْرِ شَكّ , وَالسَّهْك بِمَعْنَى السَّحْق وَيُقَال هُوَ دُونه , وَوَقَعَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَحْرِقُونِي ثُمَّ اِطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُونِي \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ إِذَا كَانَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" حَتَّى إِذْ كَانَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي ) ‏ ‏هُوَ مِنْ الْقَسَم الْمَحْذُوف جَوَابه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون حِكَايَة الْمِيثَاق الَّذِي أَخَذَهُ , أَيْ قَالَ لِمَنْ أَوْصَاهُ قُلْ وَرَبِّي لَأَفْعَلَن ذَلِكَ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ عِنْد مُسْلِم \" فَأَخَذَ مِنْهُمْ يَمِينًا \" لَكِنْ يُؤَيِّد الْأَوَّل أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم أَيْضًا \" فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ وَرَبِّي \" فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ قَسَم مِنْ الْمُخْبِر , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ الَّذِي فِي الْبُخَارِيّ هُوَ الصَّوَاب , وَلَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِي عِنْد مُسْلِم لَعَلَّهُ أَصْوَب , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ مِنْ مُسْلِم \" وَذُرِّي \" بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء الْمَكْسُورَة بَدَل \" وَرَبِّي \" أَيْ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ التَّذْرِيَة , قَالَ عِيَاض : إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة فَهِيَ الْوَجْه , وَلَعَلَّ الذَّال سَقَطَتْ لِبَعْضِ النُّسَّاخ ثُمَّ صُحِّفَتْ اللَّفْظَة , كَذَا قَالَ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّل أَوْجَهُ لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْ تَصْوِيب هَذِهِ الرِّوَايَة تَخْطِئَة الْحُفَّاظ بِغَيْرِ دَلِيل , وَلِأَنَّ غَايَتهَا أَنْ تَكُون تَفْسِيرًا أَوْ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ \" فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ \" بِخِلَافِ قَوْله \" وَرَبِّي \" فَإِنَّهَا تَزِيد مَعْنًى آخَر غَيْر قَوْله \" وَذُرِّي \" وَأَبْعَدَ الْكَرْمَانِيُّ فَجَوَّزَ أَنْ يَكُون قَوْله فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ \" وَرَبِّي \" بِصِيغَةِ الْمَاضِي مِنْ التَّرْبِيَة أَيْ رَبِّي أَخَذَ الْمَوَاثِيق بِالتَّأْكِيدَاتِ وَالْمُبَالَغَات , قَالَ لَكِنَّهُ مَوْقُوف عَلَى الرِّوَايَة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ اللَّه كُنْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة وَكَذَا فِي حَدِيث حُذَيْفَة الَّذِي قَبْله \" فَجَمَعَهُ اللَّه \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَأَمَرَ اللَّه الْأَرْض فَقَالَ اِجْمَعِي مَا فِيك مِنْهُ فَفَعَلَتْ \". ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا رَجُل قَائِم ) ‏ ‏قَالَ اِبْن مَالِك جَازَ وُقُوع الْمُبْتَدَأ نَكِرَة مَحْضَة بَعْد إِذَا الْمُفَاجِئَة لِأَنَّهَا مِنْ الْقَرَائِن الَّتِي تَحْصُل بِهَا الْفَائِدَة كَقَوْلِك : خَرَجْت فَإِذَا سَبُع. ‏ ‏قَوْله ( مَخَافَتُك , أَوْ فَرَقٌ مِنْك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء وَالرَّاء وَهُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي. وَفِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة \" مَخَافَتك \" بِغَيْرِ شَكّ , وَتَقَدَّمَ بِلَفْظِ \" خَشْيَتك \" فِي حَدِيث حُذَيْفَة. وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ فِيمَا مَضَى وَهُوَ بِالرَّفْعِ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة \" مِنْ خَشْيَتك \" وَلِبَعْضِهِمْ \" خَشْيَتك \" بِغَيْرِ مِنْ وَهِيَ بِفَتْحِ التَّاء , وَجَوَّزُوا الْكَسْر عَلَى تَقْدِير حَذْفهَا وَإِبْقَاء عَمَلِهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ ) ‏ ‏أَيْ تَدَارَكَهُ و \" مَا \" مَوْصُولَة أَيْ الَّذِي تَلَافَاهُ هُوَ الرَّحْمَة , أَوْ نَافِيَة وَصِيغَة الِاسْتِثْنَاء مَحْذُوفَة , أَوْ الضَّمِير فِي تَلَافَاهُ لِعَمَلِ الرَّجُل , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي هَذِهِ اللَّفْظَة هُنَاكَ , وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة \" فَغَفَرَ لَهُ \" وَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , قَالَتْ الْمُعْتَزِلَة : غَفَرَ لَهُ لِأَنَّهُ تَابَ عِنْد مَوْته وَنَدِمَ عَلَى فِعْله , وَقَالَتْ الْمُرْجِئَة : غَفَرَ لَهُ بِأَصْلِ تَوْحِيده الَّذِي لَا تَضُرّ مَعَهُ مَعْصِيَة , وَتُعُقِّبَ الْأَوَّل بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ رَدَّ الْمَظْلِمَة فَالْمَغْفِرَة حِينَئِذٍ بِفَضْلِ اللَّه لَا بِالتَّوْبَةِ لِأَنَّهَا لَا تَتِمّ إِلَّا بِأَخْذِ الْمَظْلُوم حَقّه مِنْ الظَّالِم , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا. وَتُعُقِّبَ الثَّانِي بِأَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي بَكْر الصِّدِّيق الْمُشَار إِلَيْهِ أَوَّلًا أَنَّهُ عُذِّبَ , فَعَلَى هَذَا فَتُحْمَل الرَّحْمَة وَالْمَغْفِرَة عَلَى إِرَادَة تَرْك الْخُلُود فِي النَّار , وَبِهَذَا يُرَدّ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا : عَلَى الْمُرْجِئَة فِي أَصْل دُخُول النَّار وَعَلَى الْمُعْتَزِلَة فِي دَعْوَى الْخُلُود فِيهَا. وَفِيهِ أَيْضًا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنْ الْمُعْتَزِلَة أَنَّهُ بِذَلِكَ الْكَلَام تَابَ فَوَجَبَ عَلَى اللَّه قَبُول تَوْبَته , قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : كَانَ الرَّجُل مُؤْمِنًا لِأَنَّهُ قَدْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ وَأَنَّ السَّيِّئَات يُعَاقَب عَلَيْهَا. وَأَمَّا مَا أَوْصَى بِهِ فَلَعَلَّهُ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِهِمْ ذَلِكَ لِتَصْحِيحِ التَّوْبَة , فَقَدْ ثَبَتَ فِي شَرْعِ بَنِي إِسْرَائِيل قَتْلُهُمْ أَنْفُسَهُمْ لِصِحَّةِ التَّوْبَة. قَالَ : وَفِي الْحَدِيث جَوَاز تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا قَرُبَ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ قَالَ حَضَرَهُ الْمَوْت وَإِنَّمَا الَّذِي حَضَرَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة عَلَامَاتُهُ , وَفِيهِ فَضْل الْأُمَّة الْمُحَمَّدِيَّة لِمَا خُفِّفَ عَنْهُمْ مِنْ وَضْع مِثْل هَذِهِ الْآصَار , وَمَنَّ عَلَيْهِمْ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَة , وَفِيهِ عِظَم قُدْرَة اللَّه تَعَالَى أَنْ جَمَعَ جَسَدَ الْمَذْكُور بَعْد أَنْ تَفَرَّقَ ذَلِكَ التَّفْرِيق الشَّدِيد. قُلْت وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ إِخْبَار عَمَّا يَكُون يَوْم الْقِيَامَة , وَتَقْرِير ذَلِكَ مُسْتَوْفًى. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ فَحَدَّثْت أَبَا عُثْمَان ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ وَالِد مُعْتَمِر وَأَبُو عُثْمَان هُوَ النَّهْدِيّ عَبْد الرَّحْمَن بْن مُلّ , ‏ ‏وَقَوْله \" سَمِعْت سَلْمَان غَيْر أَنَّهُ زَادَ \" ‏ ‏حَذَفَ الْمَسْمُوع الَّذِي اِسْتُثْنِيَ مِنْهُ مَا ذُكِرَ , وَالتَّقْدِير سَمِعْت سَلْمَان يُحَدِّث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيث غَيْر أَنَّهُ زَادَ. ‏ ‏قَوْله ( أَوْ كَمَا حَدَّثَ ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي يُشِير إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى حَدِيث أَبِي سَعِيد لَا بِلَفْظِهِ كُلّه , وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ حَدِيث سَلْمَان مِنْ طَرِيق صَالِح بْن حَاتِم بْن وَرْدَان وَحُمَيْدِ بْن مَسْعَدَة قَالَا \" حَدَّثَنَا مُعْتَمِر سَمِعْت أَبِي سَمِعْت أَبَا عُثْمَان سَمِعْت هَذَا مِنْ سَلْمَان \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ مُعَاذ إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ مُسْلِم , وَقَدْ مَضَى التَّنْبِيه عَلَيْهِ أَيْضًا هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6001",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ ‏ ‏الْعُرْيَانُ ‏ ‏فَالنَّجَا النَّجَاءَ فَأَطَاعَتْهُ طَائِفَةٌ ‏ ‏فَأَدْلَجُوا ‏ ‏عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْشُ فَاجْتَاحَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( بُرَيْد ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ وَرَاء مُهْمَلَة مُصَغَّر. ‏ ‏قَوْله ( مَثَلِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَالْمُثَلَّثَة , وَالْمَثَل الصِّفَة الْعَجِيبَة الشَّأْن يُورِدُهَا الْبَلِيغ عَلَى سَبِيل التَّشْبِيه لِإِرَادَةِ التَّقْرِيب وَالتَّفْهِيم. ‏ ‏قَوْله ( مَا بَعَثَنِي اللَّه ) ‏ ‏الْعَائِد مَحْذُوف وَالتَّقْدِير بَعَثَنِي اللَّه بِهِ إِلَيْكُمْ. ‏ ‏قَوْله ( أَتَى قَوْمًا ) ‏ ‏التَّنْكِير فِيهِ لِلشُّيُوعِ. ‏ ‏قَوْله ( رَأَيْت الْجَيْش ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالشِّين الْمُعْجَمَة وَاللَّام فِيهِ لِلْعَهْدِ. ‏ ‏قَوْله ( بِعَيْنِي ) ‏ ‏بِالْإِفْرَادِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِي بِالتَّثْنِيَةِ بِفَتْحِ النُّون وَالتَّشْدِيد , قِيلَ ذَكَرَ الْعَيْنَيْنِ إِرْشَادًا إِلَى أَنَّهُ تَحَقَّقَ عِنْده جَمِيع مَا أَخْبَرَ عَنْهُ تَحَقُّق مَنْ رَأَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ لَا يَعْتَرِيه وَهْم وَلَا يُخَالِطهُ شَكٌّ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنِّي أَنَا النَّذِير الْعُرْيَان ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال النَّذِير الْعُرْيَان رَجُل مِنْ خَثْعَم حَمَلَ عَلَيْهِ رَجُل يَوْم ذِي الْخَلَصَة فَقَطَعَ يَدَهُ وَيَد اِمْرَأَته فَانْصَرَفَ إِلَى قَوْمه فَحَذَّرَهُمْ فَضُرِبَ بِهِ الْمَثَل فِي تَحْقِيق الْخَبَر. قُلْت : وَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ يَعْقُوب اِبْن السِّكِّيت وَغَيْره , وَسَمَّى الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ عَوْف بْن عَامِر الْيَشْكُرِيّ , وَأَنَّ الْمَرْأَة كَانَتْ مِنْ بَنِي كِنَانَة. وَتُعُقِّبَ بِاسْتِبْعَادِ تَنْزِيل هَذِهِ الْقِصَّة عَلَى لَفْظ الْحَدِيث ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَنَّهُ كَانَ عُرْيَانًا. وَزَعَمَ اِبْن الْكَلْبِيّ أَنَّ النَّذِير الْعُرْيَان اِمْرَأَة مِنْ بَنِي عَامِر بْن كَعْب لَمَّا قَتَلَ الْمُنْذِر بْن مَاء السَّمَاء أَوْلَاد أَبِي دَاوُدَ وَكَانَ جَار الْمُنْذِر خَشِيَتْ عَلَى قَوْمهَا فَرَكِبَتْ جَمَلًا وَلَحِقَتْ بِهِمْ وَقَالَتْ : أَنَا النَّذِير الْعُرْيَان. وَيُقَال أَوَّل مَنْ قَالَهُ أَبْرَهَة الْحَبَشِيّ لَمَّا أَصَابَتْهُ الرَّمْيَة بِتِهَامَة وَرَجَعَ إِلَى الْيَمَن , وَقَدْ سَقَطَ لَحْمه وَذَكَرَ أَبُو بِشْر الْآمِدِيّ أَنَّ زنبرا بِزَايٍّ وَنُون سَاكِنَة ثُمَّ مُوَحَّدَة اِبْن عَمْرو الْخَثْعَمِيَّ كَانَ نَاكِحًا فِي آلَ زُبَيْد , فَأَرَادُوا أَنْ يَغُرُّوا قَوْمَهُ وَخَشُوا أَنْ يُنْذِر بِهِمْ فَحَرَسَهُ أَرْبَعَة نَفَر , فَصَادَفَ مِنْهُمْ غِرَّة فَقَذَفَ ثِيَابه وَعَدَا وَكَانَ مِنْ أَشَدّ النَّاس عَدْوًا فَأَنْذَرَ قَوْمه. وَقَالَ غَيْره : الْأَصْل فِيهِ أَنَّ رَجُلًا لَقِيَ جَيْشًا فَسَلَبُوهُ وَأَسَرُوهُ فَانْفَلَتَ إِلَى قَوْمه فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْت الْجَيْش فَسَلَبُونِي , فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا فَتَحَقَّقُوا صِدْقه , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ وَلَا يَتَّهِمُونَهُ فِي النَّصِيحَة وَلَا جَرَتْ عَادَته بِالتَّعَرِّي , فَقَطَعُوا بِصِدْقِهِ لِهَذِهِ الْقَرَائِن , فَضَرَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ وَلِمَا جَاءَ بِهِ مَثَلًا بِذَلِكَ لِمَا أَبْدَاهُ مِنْ الْخَوَارِق وَالْمُعْجِزَات الدَّالَّة عَلَى الْقَطْع بِصِدْقِهِ تَقْرِيبًا لِأَفْهَامِ الْمُخَاطَبِينَ بِمَا يَأْلَفُونَهُ وَيَعْرِفُونَهُ. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ الرَّامَهُرْمُزِيّ فِي \" الْأَمْثَال \" وَهُوَ عِنْد أَحْمَد أَيْضًا بِسَنَدٍ جَيِّد مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات يَوْم فَنَادَى ثَلَاث مَرَّات : أَيّهَا النَّاس مَثَلِي وَمَثَلكُمْ مَثَل قَوْم خَافُوا عَدُوًّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ فَبَعَثُوا رَجُلًا يَتَرَايَا لَهُمْ , فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَبْصَرَ الْعَدُوَّ فَأَقْبَلَ لِيُنْذِر قَوْمَهُ فَخَشِيَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْعَدُوّ قَبْل أَنْ يُنْذِر قَوْمه فَأَهْوَى بِثَوْبِهِ أَيّهَا النَّاس أُتِيتُمْ ثَلَاث مَرَّات \". وَأَحْسَن مَا فُسِّرَ بِهِ الْحَدِيث مِنْ الْحَدِيث , وَهَذَا كُلّه يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْعُرْيَان مِنْ التَّعَرِّي وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَة , وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ مُحَمَّد بْن خَالِد رَوَاهُ بِالْمُوَحَّدَةِ قَالَ : فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاهُ الْفَصِيح بِالْإِنْذَارِ لَا يُكَنَّى وَلَا يُوَرَّى , يُقَال رَجُل عُرْيَان أَيْ فَصِيح اللِّسَان. ‏ ‏قَوْله ( فَالنَّجَاء النَّجَاء ) ‏ ‏بِالْمَدِّ فِيهِمَا وَبِمَدِّ الْأُولَى وَقَصْر الثَّانِيَة وَبِالْقَصْرِ فِيهِمَا تَخْفِيفًا. وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى الْإِغْرَاء , أَيْ اُطْلُبُوا النَّجَاء بِأَنْ تُسْرِعُوا الْهَرَب , إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ مُقَاوَمَة ذَلِكَ الْجَيْش. قَالَ الطِّيبِيُّ : فِي كَلَامه أَنْوَاع مِنْ التَّأْكِيدَات أَحَدهَا \" بِعَيْنِي \" ثَانِيهَا قَوْله \" وَإِنِّي أَنَا \" ثَالِثهَا قَوْله \" الْعُرْيَان \" لِأَنَّهُ الْغَايَة فِي قُرْب الْعَدُوّ , وَلِأَنَّهُ الَّذِي يَخْتَصّ فِي إِنْذَاره بِالصِّدْقِ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَطَاعَهُ طَائِفَة ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالتَّذْكِيرِ لِأَنَّ الْمُرَاد بَعْض الْقَوْم. ‏ ‏قَوْله ( فَأَدْلَجُوا ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ قَطْعٍ ثُمَّ سُكُون أَيْ سَارُوا أَوَّل اللَّيْل أَوْ سَارُوا اللَّيْل كُلّه عَلَى الِاخْتِلَاف فِي مَدْلُول هَذِهِ اللَّفْظَة , وَإِمَّا بِالْوَصْلِ وَالتَّشْدِيد عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ سَيْر آخِر اللَّيْل فَلَا يُنَاسِب هَذَا الْمَقَام. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى مَهَلهمْ ) ‏ ‏بِفَتْحَتَيْنِ وَالْمُرَاد بِهِ الْهِينَة وَالسُّكُون , وَبِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه الْإِمْهَال وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" عَلَى مُهْلَتهمْ \" بِزِيَادَةِ تَاء تَأْنِيث , وَضَبَطَهُ النَّوَوِيّ بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الْهَاء وَفَتْح اللَّام. ‏ ‏قَوْله ( وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَة ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : عَبَّرَ فِي الْفِرْقَة الْأُولَى بِالطَّاعَةِ وَفِي الثَّانِيَة بِالتَّكْذِيبِ لِيُؤْذِن بِأَنَّ الطَّاعَة مَسْبُوقَة بِالتَّصْدِيقِ وَيُشْعِر بِأَنَّ التَّكْذِيب مُسْتَتْبِع لِلْعِصْيَانِ. ‏ ‏قَوْله ( فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْش ) ‏ ‏أَيْ أَتَاهُمْ صَبَاحًا , هَذَا أَصْله ثُمَّ كَثُرَ اِسْتِعْمَاله حَتَّى اُسْتُعْمِلَ فِيمَنْ طُرِقَ بَغْتَة فِي أَيِّ وَقْت كَانَ. ‏ ‏قَوْله ( فَاجْتَاحَهُمْ ) ‏ ‏بِجِيمٍ ثُمَّ حَاء مُهْمَلَة أَيْ اِسْتَأْصَلَهُمْ مِنْ جُحْت الشَّيْء أَجُوحُهُ إِذَا اِسْتَأْصَلْته , وَالِاسْم الْجَائِحَة وَهِيَ الْهَلَاك , وَأُطْلِقَتْ عَلَى الْآفَة لِأَنَّهَا مُهْلِكَة , قَالَ الطِّيبِيُّ : شَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسه بِالرَّجُلِ وَإِنْذَاره بِالْعَذَابِ الْقَرِيب بِإِنْذَارِ الرَّجُل قَوْمه بِالْجَيْشِ الْمُصْبِح وَشَبَّهَ مَنْ أَطَاعَهُ مِنْ أُمَّته وَمَنْ عَصَاهُ بِمَنْ كَذَّبَ الرَّجُل فِي إِنْذَاره وَمَنْ صَدَّقَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6002",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , جَزَمَ الْمِزِّيّ فِي الْأَطْرَاف , بِأَنَّ الْبُخَارِيّ ذَكَرَهُ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي الرِّقَاق , فَوَجَدْته فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي تَرْجَمَة سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُر إِلَّا طَرَفًا مِنْهُ وَلَمْ أَسْتَحْضِرهُ إِذْ ذَاكَ فِي الرِّقَاق فَشَرَحْته هُنَاكَ , ثُمَّ ظَفِرْت بِهِ هُنَا فَأَذْكُرُ الْآنَ مِنْ شَرْحه مَا لَمْ يَتَقَدَّم. ‏ ‏قَوْله ( اِسْتَوْقَدَ ) ‏ ‏بِمَعْنَى أَوْقَدَ وَهُوَ أَبْلَغ , وَالْإِضَاءَة فَرْط الْإِنَارَة. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ) ‏ ‏اِخْتَصَرَهَا الْمُؤَلِّف هُنَاكَ وَنَسَبْتهَا أَنَا لِتَخْرِيجِ أَحْمَد وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق هَمَّام وَهِيَ فِي رِوَايَة شُعَيْب كَمَا تَرَى , وَكَأَنَّهُ تَبَرَّكَ بِلَفْظِ الْآيَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" مَا حَوْلهَا \" وَالضَّمِير لِلنَّارِ : وَالْأَوَّل لِلَّذِي أَوْقَدَ النَّار , وَحَوْل الشَّيْء جَانِبه الَّذِي يُمْكِن أَنْ يَنْتَقِل إِلَيْهِ , وَسُمِّيَ بِذَلِكَ إِشَارَة إِلَى الدَّوَرَان , وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعَامِ حَوْلٌ. ‏ ‏قَوْله ( الْفَرَاش ) ‏ ‏جَزَمَ الْمَازِرِيّ بِأَنَّهَا الْجَنَادِب , وَتَعَقَّبَهُ عِيَاض فَقَالَ الْجُنْدُب هُوَ الصِّرَار , قُلْت وَالْحَقّ أَنَّ الْفَرَاش اِسْم لِنَوْعٍ مِنْ الطَّيْر مُسْتَقِلّ لَهُ أَجْنِحَة أَكْبَر مِنْ جُثَّته , وَأَنْوَاعه مُخْتَلِفَة فِي الْكِبَر وَالصِّغَر وَكَذَا أَجْنِحَته وَعَطْف الدَّوَابّ عَلَى الْفَرَاش يُشْعِر بِأَنَّهَا غَيْر الْجَنَادِب وَالْجَرَاد , وَأَغْرَبَ اِبْن قُتَيْبَة فَقَالَ : الْفَرَاش مَا تَهَافَتَ فِي النَّار مِنْ الْبَعُوض , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ بَعْض الْبَعُوض هُوَ الَّذِي يَقَع فِي النَّار وَيُسَمَّى حِينَئِذٍ الْفَرَاش. وَقَالَ الْخَلِيل الْفَرَاش كَالْبَعُوضِ وَإِنَّمَا شَبَّهَهُ بِهِ لِكَوْنِهِ يُلْقِي نَفْسه فِي النَّار لَا أَنَّهُ يُشَارِك الْبَعُوض فِي الْقَرْص. ‏ ‏قَوْله ( وَهَذِهِ الدَّوَابّ الَّتِي تَقَع فِي النَّار يَقَعْنَ فِيهَا ) ‏ ‏الْقَوْل فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الَّذِي قَبْله , اِخْتَصَرَهُ هُنَاكَ فَنِسْبَته لِتَخْرِيجِ أَبِي نُعَيْم وَهُوَ فِي رِوَايَة شُعَيْب كَمَا تَرَى , وَيَدْخُل فِيمَا يَقَع فِي النَّار الْبَعُوض وَالْبَرْغَش , وَوَقَعَ فِي كَلَام بَعْض الشُّرَّاح الْبَقّ وَالْمُرَاد بِهِ الْبَعُوض. ‏ ‏قَوْله ( فَجَعَلَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَجَعَلَ \" وَمِنْ هَذِهِ الْكَلِمَة إِلَى آخِر الْحَدِيث لَمْ يَذْكُرهُ الْمُصَنِّف هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله ( فَجَعَلَ الرَّجُل يَزَعُهُنَّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَالزَّاي وَضَمَّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة أَيْ يَدْفَعُهُنَّ , وَفِي رِوَايَة يَنْزِعهُنَّ بِزِيَادَةِ نُون , وَعِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَجَعَلَ يَحْجِزهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا ) ‏ ‏أَيْ يَدْخُلْنَ , وَأَصْله الْقَحْم وَهُوَ الْإِقْدَام وَالْوُقُوع فِي الْأُمُور الشَّاقَّة مِنْ غَيْر تَثَبُّت , وَيُطْلَق عَلَى رَمْي الشَّيْء بَغْتَة , وَاقْتَحَمَ الدَّار هَجَمَ عَلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَأَنَا آخِذ ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ : رُوِيَ بِاسْمِ الْفَاعِل , وَيُرْوَى بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَة مِنْ الْمُتَكَلِّم. قُلْت : هَذَا فِي رِوَايَة مُسْلِم , وَالْأَوَّل هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْفَاء فِيهِ فَصَيْحَة , كَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ \" مَثَلِي وَمَثَل النَّاس \" إِلَخْ أَتَى بِمَا هُوَ أَهَمّ وَهُوَ قَوْله \" فَأَنَا آخِذ بِحُجَزِكُمْ \" وَمِنْ هَذِهِ الدَّقِيقَة اِلْتَفَتَ مِنْ الْغِيبَة فِي قَوْله \" مَثَل النَّاس \" إِلَى الْخِطَاب فِي قَوْله \" بِحُجَزِكُمْ \" كَمَا أَنَّ مَنْ أَخَذَ فِي حَدِيث مَنْ لَهُ بِشَأْنِهِ عِنَايَة وَهُوَ مُشْتَغِل فِي شَيْء يُوَرِّطهُ فِي الْهَلَاك يَجِد لِشِدَّةِ حِرْصه عَلَى نَجَاته أَنَّهُ حَاضِر عِنْده , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْإِنْسَان إِلَى النَّذِير أَحْوَج مِنْهُ إِلَى الْبَشِير ; لِأَنَّ جِبِلَّته مَائِلَة إِلَى الْحَظّ الْعَاجِل دُون الْحَظّ الْآجِل. وَفِي الْحَدِيث مَا كَانَ فِيهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الرَّأْفَة وَالرَّحْمَة وَالْحِرْص عَلَى نَجَاة الْأُمَّة , كَمَا قَالَ تَعَالَى { حَرِيص عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوف رَحِيم }. ‏ ‏قَوْله ( بِحُجَزِكُمْ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْجِيم بَعْدهَا زَايٌ جَمْع حُجْزَة وَهِيَ مَعْقِد الْإِزَار , وَمِنْ السَّرَاوِيل مَوْضِع التِّكَّة , وَيَجُوز ضَمُّ الْجِيم فِي الْجَمْع. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ النَّار ) ‏ ‏وَضَعَ الْمُسَبَّب مَوْضِع السَّبَب لِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ يَمْنَعهُمْ مِنْ الْوُقُوع فِي الْمَعَاصِي الَّتِي تَكُون سَبَبًا لِوُلُوجِ النَّار. ‏ ‏قَوْله ( وَأَنْتُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَهُمْ \" وَعَلَيْهَا شَرْح الْكَرْمَانِيّ فَقَالَ : كَانَ الْقِيَاس أَنْ يَقُول وَأَنْتُمْ , وَلَكِنَّهُ قَالَ وَهُمْ وَفِيهِ اِلْتِفَات , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ مَنْ أَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحُجْزَتِهِ لَا اِقْتِحَام لَهُ فِيهَا , قَالَ : وَفِيهِ أَيْضًا اِحْتِرَاز عَنْ مُوَاجَهَتهمْ بِذَلِكَ. قُلْت وَالرِّوَايَة بِلَفْظِ \" وَأَنْتُمْ \" ثَابِتَة تَدْفَع هَذَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَأَنْتُمْ تَفْلِتُونَ \" بِفَتْحِ أَوَّله وَالْفَاء وَاللَّام الثَّقِيلَة وَأَصْله تَتَفَلَّتُونَ , وَبِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الْفَاء وَفَتْح اللَّام ضَبَطُوهُ بِالْوَجْهَيْنِ وَكِلَاهُمَا صَحِيح , تَقُول تَفَلَّتَ مِنِّي وَأَفْلَتَ مِنِّي لِمَنْ كَانَ بِيَدِك فَعَالَجَ الْهَرَب مِنْك حَتَّى هَرَبَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان هَذَا التَّمْثِيل , وَحَاصِله أَنَّهُ شَبَّهَ تَهَافُت أَصْحَاب الشَّهَوَات فِي الْمَعَاصِي الَّتِي تَكُون سَبَبًا فِي الْوُقُوع فِي النَّار بِتَهَافُتِ الْفَرَاش بِالْوُقُوعِ فِي النَّار اِتِّبَاعًا لِشَهَوَاتِهَا , وَشَبَّهَ ذَبَّهُ الْعُصَاة عَنْ الْمَعَاصِي بِمَا حَذَّرَهُمْ بِهِ وَأَنْذَرَهُمْ بِذَبِّ صَاحِب النَّار الْفَرَاش عَنْهَا. وَقَالَ عِيَاض : شَبَّهَ تَسَاقُط أَهْل الْمَعَاصِي فِي نَار الْآخِرَة بِتَسَاقُطِ الْفَرَاش فِي نَار الدُّنْيَا. ‏ ‏قَوْله ( تَقَحَّمُونَ فِيهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هَمَّام عِنْد مُسْلِم \" فَيَغْلِبُونِّي \" النُّون مُثَقَّلَة لِأَنَّ أَصْله فَيَغْلِبُونَنِي , وَالْفَاء سَبَبِيَّة , وَالتَّقْدِير أَنَا آخِذ بِحُجَزِكُمْ لِأُخَلِّصكُمْ مِنْ النَّار فَجَعَلْتُمْ الْغَلَبَة مُسَبَّبَة عَنْ الْأَخْذ. ‏ ‏قَوْله ( تَقَحَّمُونَ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَالْقَاف وَالْمُهْمَلَة الْمُشَدَّدَة وَالْأَصْل تَتَقَحَّمُونَ فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ , قَالَ الطِّيبِيُّ : تَحْقِيق التَّشْبِيه الْوَاقِع فِي هَذَا الْحَدِيث يَتَوَقَّف عَلَى مَعْرِفَة مَعْنَى قَوْله { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُود اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } وَذَلِكَ أَنَّ حُدُود اللَّه مَحَارِمه وَنَوَاهِيه كَمَا فِي الْحَدِيث الصَّحِيح \" أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّه مَحَارِمه \" وَرَأْس الْمَحَارِم حُبّ الدُّنْيَا وَزِينَتهَا وَاسْتِيفَاء لَذَّتهَا وَشَهَوَاتهَا , فَشَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِظْهَار تِلْكَ الْحُدُود بِبَيَانَاتِهِ الشَّافِيَة الْكَافِيَة مِنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّة بِاسْتِنْقَاذِ الرِّجَال مِنْ النَّار , وَشَبَّهَ فُشُوّ ذَلِكَ فِي مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا بِإِضَاءَةِ تِلْكَ النَّار مَا حَوْل الْمُسْتَوْقَد. وَشَبَّهَ النَّاس وَعَدَمَ مُبَالَاتهمْ بِذَلِكَ الْبَيَان وَالْكَشْف , وَتَعَدِّيهمْ حُدُود اللَّه وَحِرْصهمْ عَلَى اِسْتِيفَاء تِلْكَ اللَّذَّات وَالشَّهَوَات وَمَنْعه إِيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِأَخْذِ حُجَزهمْ بِالْفَرَاشِ الَّتِي تَقْتَحِمْنَ فِي النَّار وَتَغْلِبْنَ الْمُسْتَوْقِد عَلَى دَفْعهنَّ عَنْ الِاقْتِحَام , كَمَا أَنَّ الْمُسْتَوْقِد كَانَ غَرَضه مِنْ فِعْله اِنْتِفَاع الْخَلْق بِهِ مِنْ الِاسْتِضَاءَة وَالِاسْتِدْفَاء وَغَيْر ذَلِكَ , وَالْفَرَاش لِجَهْلِهَا جَعَلَتْهُ سَبَبًا لِهَلَاكِهَا , فَكَذَلِكَ كَانَ الْقَصْد بِتِلْكَ الْبَيَانَات اِهْتِدَاء الْأُمَّة وَاجْتِنَابهَا مَا هُوَ سَبَب هَلَاكهمْ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ جَعَلُوهَا مُقْتَضِيَة لِتَرَدِّيهمْ. وَفِي قَوْله \" آخِذ بِحُجَزِكُمْ \" اِسْتِعَارَة مِثْل حَالَة مَنْعه الْأُمَّة عَنْ الْهَلَاك بِحَالَةِ رَجُل أَخَذَ بِحُجْزَةِ صَاحِبه الَّذِي يَكَاد يَهْوِي فِي مَهْوَاة مُهْلِكَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6003",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( زَكَرِيَّا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي زَائِدَة وَعَامِر هُوَ الشَّعْبِيّ. ‏ ‏قَوْله ( الْمُسْلِم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل كِتَاب الْإِيمَان. ‏ ‏قَوْله ( وَالْمُهَاجِر مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ ) ‏ ‏قِيلَ خُصَّ الْمُهَاجِر بِالذِّكْرِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ مَنْ لَمْ يُهَاجِر مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِفَوَاتِ ذَلِكَ بِفَتْحِ مَكَّة , فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ كَانَ هُوَ الْمُهَاجِرَ الْكَامِلَ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلْمُهَاجِرِينَ أَنْ لَا يَتَّكِلُوا عَلَى الْهِجْرَة فَيُقَصِّرُوا فِي الْعَمَل. وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ جَوَامِع الْكَلِم الَّتِي أُوتِيَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6004",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اللَّيْث بِسَنَدِهِ \" أَخْبَرَنِي سَعِيد \" , وَالْمُرَاد بِالْعِلْمِ هُنَا مَا يَتَعَلَّق بِعَظَمَةِ اللَّه وَانْتِقَامه مِمَّنْ يَعْصِيه وَالْأَهْوَال الَّتِي تَقَع عِنْد النَّزْع وَالْمَوْت وَفِي الْقَبْر وَيَوْم الْقِيَامَة , وَمُنَاسَبَة كَثْرَة الْبُكَاء وَقِلَّة الضَّحِك فِي هَذَا الْمَقَام وَاضِحَة , وَالْمُرَاد بِهِ التَّخْوِيف. وَقَدْ جَاءَ لِهَذَا الْحَدِيث سَبَب أَخْرَجَهُ سُنَيْد فِي تَفْسِيره بِسَنَدٍ وَاهٍ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ اِبْن عُمَر \" خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِد فَإِذَا بِقَوْمٍ يَتَحَدَّثُونَ وَيَضْحَكُونَ , فَقَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ \" فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث. وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ \" مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَوْت مَوْرِده , وَالْقِيَامَة مَوْعِده , وَالْوُقُوف بَيْن يَدَيْ اللَّه تَعَالَى مَشْهَده , فَحَقّه أَنْ يَطُول فِي الدُّنْيَا حُزْنه \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ صِنَاعَة الْبَدِيع مُقَابَلَة الضَّحِك بِالْبُكَاءِ وَالْقِلَّة بِالْكَثْرَةِ وَمُطَابَقَة كُلّ مِنْهُمَا ‏"
    },
    {
        "id": "6005",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ‏",
        "sharh": "وَحَدِيث أَنَس كَذَلِكَ , وَهُوَ طَرَف مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْمَائِدَة وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَاب الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَالْمُرَاد بِالْعِلْمِ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِعَظَمَةِ اللَّه وَانْتِقَامِهِ مِمَّنْ يَعْصِيهِ وَالْأَهْوَال الَّتِي تَقَعُ عِنْد النَّزْع وَالْمَوْت وَفِي الْقَبْرِ وَيَوْم الْقِيَامَة , وَمُنَاسَبَة كَثْرَة الْبُكَاء وَقِلَّة الضَّحِك فِي هَذَا الْمَقَام وَاضِحَةٌ , وَالْمُرَاد بِهِ التَّخْوِيف. وَقَدْ جَاءَ لِهَذَا الْحَدِيث سَبَب أَخْرَجَهُ سُنَيْد فِي تَفْسِيره بِسَنَدٍ وَاهٍ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ اِبْن عُمَر \" خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِد فَإِذَا بِقَوْمٍ يَتَحَدَّثُونَ وَيَضْحَكُونَ , فَقَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ \" فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ. وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيِّ \" مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَوْت مَوْرِدُهُ , وَالْقِيَامَةَ مَوْعِدُهُ , وَالْوُقُوفَ بَيْن يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى مَشْهَدُهُ , فَحَقُّهُ أَنْ يَطُولَ فِي الدُّنْيَا حُزْنُهُ \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ صِنَاعَة الْبَدِيع مُقَابَلَةُ الضَّحِكِ بِالْبُكَاءِ وَالْقِلَّة بِالْكَثْرَةِ وَمُطَابَقَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6006",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حُجِبَتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَحُجِبَتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْسٍ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي مَالِك ) ‏ ‏هَذَا الْحَدِيث لَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ , وَقَدْ ضَاقَ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيّ مَخْرَجُهُ فَأَخْرَجَهُ عَنْ الْهَيْثَمِ بْن خَلَف عَنْ الْبُخَارِيِّ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِسْمَاعِيل , وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ \" الْغَرَائِب \" مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيلَ , وَمِنْ طَرِيق سَعِيد بْن دَاوُدَ وَإِسْحَاق بْن مُحَمَّد الْفَرْوِيّ أَيْضًا عَنْ مَالِك , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه اِبْن وَهْبٍ عَنْ مَالِك بِهِ لَكِنْ وَقَفَهُ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن دَاوُدَ \" أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَاد \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن دَاوُدَ \" أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن هُرْمُزٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ \". ‏ ‏قَوْله ( حُجِبَتْ ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِلَّا الْفَرْوِيّ فَقَالَ \" حُفَّتْ \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة وَرْقَاءَ بْن عُمَر عَنْ أَبِي الزِّنَاد , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس. وَهُوَ مِنْ جَوَامِع كَلِمِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَدِيع بَلَاغَتِهِ فِي ذَمِّ الشَّهَوَاتِ وَإِنْ مَالَتْ إِلَيْهَا النُّفُوسُ , وَالْحَضِّ عَلَى الطَّاعَات وَإِنْ كَرِهَتْهَا النُّفُوسُ وَشَقَّ عَلَيْهَا. وَقَدْ وَرَدَ إِيضَاح ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرِيل إِلَى الْجَنَّة فَقَالَ : اُنْظُرْ إِلَيْهَا , قَالَ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ وَعِزَّتِك لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا , فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ , فَقَالَ : اِرْجِعْ إِلَيْهَا , فَرَجَعَ فَقَالَ : وَعِزَّتِك لَقَدْ خِفْت أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ. قَالَ : اِذْهَبْ إِلَى النَّار فَانْظُرْ إِلَيْهَا , فَرَجَعَ فَقَالَ : وَعِزَّتِك لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلهَا , فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ فَقَالَ : اِرْجِعْ إِلَيْهَا , فَرَجَعَ فَقَالَ : وَعِزَّتِك لَقَدْ خَشِيت أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَد \" فَهَذَا يُفَسِّرُ رِوَايَة الْأَعْرَجِ , فَإِنَّ الْمُرَاد بِالْمَكَارِهِ هُنَا مَا أُمِرَ الْمُكَلَّفُ بِمُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ فِيهِ فِعْلًا وَتَرْكًا كَالْإِتْيَانِ بِالْعِبَادَاتِ عَلَى وَجْهِهَا وَالْمُحَافَظَة عَلَيْهَا وَاجْتِنَاب الْمَنْهِيَّاتِ قَوْلًا وَفِعْلًا , وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا الْمَكَارِه لِمَشَقَّتِهَا عَلَى الْعَامِل وَصُعُوبَتِهَا عَلَيْهِ وَمَنْ جُمْلَتهَا الصَّبْرُ عَلَى الْمُصِيبَة وَالتَّسْلِيم لِأَمْرِ اللَّه فِيهَا ; وَالْمُرَاد بِالشَّهَوَاتِ مَا يُسْتَلَذُّ مِنْ أُمُور الدُّنْيَا مِمَّا مَنَعَ الشَّرْع مِنْ تَعَاطِيه إِمَّا بِالْأَصَالَةِ وَإِمَّا لِكَوْنِ فِعْلِهِ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ شَيْءٍ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ , وَيُلْتَحَقُ بِذَلِكَ الشُّبُهَاتُ وَالْإِكْثَارُ مِمَّا أُبِيحَ خَشْيَةَ أَنْ يُوقِعَ فِي الْمُحَرَّمِ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا يُوصَلُ إِلَى الْجَنَّةِ إِلَّا بِارْتِكَابِ الْمَشَقَّاتِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالْمَكْرُوهَاتِ , وَلَا إِلَى النَّار إِلَّا بِتَعَاطِي الشَّهَوَات , وَهُمَا مَحْجُوبَتَانِ فَمَنْ هَتَكَ الْحِجَابَ اِقْتَحَمَ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا الْخَبَرُ وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ فَالْمُرَاد بِهِ النَّهْيُ. وَقَوْله \" حُفَّتْ \" بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاء مِنْ الْحِفَاف وَهُوَ مَا يُحِيط بِالشَّيْءِ حَتَّى لَا يُتَوَصَّل إِلَيْهِ إِلَّا بِتَخَطِّيهِ فَالْجَنَّةُ لَا يُتَوَصَّل إِلَيْهَا إِلَّا بِقَطْعِ مَفَاوِزِ الْمَكَارِهِ , وَالنَّار لَا يُنَجَّى مِنْهَا إِلَّا بِتَرْكِ الشَّهَوَات. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الشَّهَوَاتِ جُعِلَتْ عَلَى حِفَافَيْ النَّار وَهِيَ جَوَانِبُهَا , وَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا ضُرِبَ بِهَا الْمِثْلُ فَجَعَلَهَا فِي جَوَانِبهَا مِنْ خَارِج , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَانَ مَثَلًا صَحِيحًا , وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ دَاخِل , وَهَذِهِ صُورَتُهَا : فَمَنْ اِطَّلَعَ الْحِجَابَ فَقَدْ وَاقِع مَا وَرَاءَهُ ; وَكُلّ مَنْ تَصَوَّرَهَا مِنْ خَارِج فَقَدْ ضَلَّ عَنْ مَعْنَى الْحَدِيث. ثُمَّ قَالَ : فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ جَاءَ فِي الْبُخَارِيّ \" حُجِبَتْ النَّار بِالشَّهَوَاتِ \" فَالْجَوَاب أَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ , لِأَنَّ الْأَعْمَى عَنْ التَّقْوَى الَّذِي قَدْ أَخَذَتْ الشَّهَوَاتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ يَرَاهَا وَلَا يَرَى النَّار الَّتِي هِيَ فِيهَا , وَذَلِكَ لِاسْتِيلَاءِ الْجَهَالَةِ وَالْغَفْلَةِ عَلَى قَلْبِهِ , فَهُوَ كَالطَّائِرِ يَرَى الْحَبَّةَ فِي دَاخِلِ الْفَخِّ وَهِيَ مَحْجُوبَةٌ بِهِ وَلَا يَرَى الْفَخَّ لِغَلَبَةِ شَهْوَةِ الْحَبَّةِ عَلَى قَلْبِهِ وَتَعَلُّقِ بَالِهِ بِهَا. قُلْت : بَالَغَ كَعَادَتِهِ فِي تَضْلِيلِ مَنْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ , وَلَيْسَ مَا قَالَهُ غَيْرُهُ بِبَعِيدٍ , وَأَنَّ الشَّهَوَاتِ عَلَى جَانِبِ النَّارِ مِنْ خَارِج فَمَنْ وَاقَعَهَا وَخَرَقَ الْحِجَابَ دَخَلَ النَّار , كَمَا أَنَّ الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي مُحْتَمَلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏أَدْخَلَ اِبْن بَطَّالٍ فِي هَذَا الْبَاب حَدِيثَيْ الْبَاب الَّذِي بَعْده وَحَذَفَ التَّرْجَمَةَ الَّتِي تَلِيهِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ , وَفِيهَا الْحَدِيثَانِ وَلَيْسَ فِي الَّذِي قَبْلهَا إِلَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6007",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏وَالْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُوسَى بْن مَسْعُود ) ‏ ‏هُوَ أَبُو حُذَيْفَةَ النَّهْدِيُّ وَهُوَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَرُ , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏شَيْخه هُوَ الثَّوْرِيُّ , ‏ ‏وَعَبْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود , وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( شِرَاك ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَبَيَانُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ اللِّبَاسِ وَأَنَّهُ السَّيْرُ الَّذِي يَدْخُل فِيهِ إِصْبَعُ الرَّجُل , وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى كُلّ سَيْرٍ وُقِيَ بِهِ الْقَدَمُ. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ أَنَّ الطَّاعَةَ مُوصِلَةٌ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَنَّ الْمَعْصِيَةَ مُقَرِّبَةٌ إِلَى النَّارِ , وَأَنَّ الطَّاعَةَ وَالْمَعْصِيَة قَدْ تَكُون فِي أَيْسَر الْأَشْيَاء. وَتَقَدَّمَ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَرِيبًا حَدِيثُ \" إِنَّ الرَّجُل لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ \" الْحَدِيث , فَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ لَا يَزْهَدَ فِي قَلِيلٍ مِنْ الْخَيْرِ أَنْ يَأْتِيَهُ , وَلَا فِي قَلِيلٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَجْتَنِبَهُ , فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْحَسَنَةَ الَّتِي يَرْحَمُهُ اللَّهُ بِهَا وَلَا السَّيِّئَةَ الَّتِي يَسْخَطُ عَلَيْهِ بِهَا. وَقَالَ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ تَحْصِيلَ الْجَنَّةِ سَهْلٌ بِتَصْحِيحِ الْقَصْدِ وَفِعْلِ الطَّاعَةِ , وَالنَّار كَذَلِكَ بِمُوَافَقَةِ الْهَوَى وَفِعْل الْمَعْصِيَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6008",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَهُ ‏ ‏الشَّاعِرُ ‏ ‏أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَفِي الْأَدَبِ. ‏ ‏قَوْله ( أَصْدَقُ بَيْتٍ ) ‏ ‏أَطْلَقَ الْبَيْتَ عَلَى بَعْضِهِ مَجَازًا , فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ نِصْفُهُ وَهُوَ الْمِصْرَاعُ الْأَوَّل الْمُسَمَّى عَرُوض الْبَيْتِ , وَأَمَّا نِصْفُهُ الثَّانِي وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالضَّرْبِ فَهُوَ \" وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ \". وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون عَلَى سَبِيل الِاكْتِفَاء فَأَشَارَ بِأَوَّلِ الْبَيْت إِلَى بَقِيَّتِهِ وَالْمُرَادُ كُلُّهُ , وَعَكْسُهُ مَا مَضَى فِي \" بَابٌ مَا يَجُوزُ مِنْ الشِّعْرِ \" فِي كِتَابِ الْأَدَبِ بِلَفْظِ \" أَصْدَقُ كَلِمَةٍ \" فَإِنَّ الْمُرَاد بِهَا الْقَصِيدَةُ وَقَدْ أَطْلَقَهَا وَأَرَادَ الْبَيْتَ , وَتَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي أَيَّام الْجَاهِلِيَّةِ , وَأَوْرَدَهُ فِيهَا أَيْضًا بِلَفْظِ \" أَصْدَقُ كَلِمَةٍ \" وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَذَكَرْت هُنَاكَ أَنَّ فِي رِوَايَة شَرِيكٍ عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" أَشْعَرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ \" وَبَحَثَ السُّهَيْلِيُّ فِي ذَلِكَ , وَذَكَرْت أَيْضًا مَا أَوْرَدَهُ اِبْن إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ فِيمَا جَرَى لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ مَعَ لَبِيدِ بْن رَبِيعَةَ نَاظِمِ هَذَا الْبَيْتِ حَيْثُ قَالَ لَهُ لَمَّا أَنْشَدَ الْمِصْرَاعَ الْأَوَّلَ : صَدَقْت , وَلَمَّا أَنْشَدَ الْمِصْرَاعَ الثَّانِيَ : كَذَبْت , ثُمَّ قَالَ لَهُ : نَعِيمُ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ. وَذَكَرْت تَوْجِيهَ كُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ , وَأَنَّ كُلَّ مَنْ صَدَّقَ بِأَنَّ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ فَقَدْ صَدَّقَ بِبُطْلَانِ مَا سِوَاهُ , فَيَدْخُل نَعِيمُ الْجَنَّةِ , بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَاد بِالْبَاطِلِ هُنَا الْهَالِك , وَكُلُّ شَيْءٍ سِوَى اللَّه جَائِزٌ عَلَيْهِ الْفِنَاءُ وَإِنْ خُلِقَ فِيهِ الْبَقَاءُ بَعْد ذَلِكَ كَنَعِيمِ الْجَنَّةِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال هُنَا : قَوْله \" مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ \" لَفْظٌ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ , وَالْمُرَاد أَنَّ كُلّ مَا قَرُبَ مِنْ اللَّه فَلَيْسَ بِبَاطِلٍ. وَأَمَّا أُمُورُ الدُّنْيَا الَّتِي لَا تَئُولُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَهِيَ الْبَاطِلُ اِنْتَهَى. وَلَعَلَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيث الثَّانِي لِلتَّرْجَمَةِ خَفِيَّةٌ , وَكَأَنَّ التَّرْجَمَة لَمَّا تَضَمَّنَتْ مَا فِي الْحَدِيث الْأَوَّل مِنْ التَّحْرِيض عَلَى الطَّاعَة وَلَوْ قَلَّتْ وَالزَّجْر عَنْ الْمَعْصِيَة وَلَوْ قَلَّتْ فَيُفْهَمُ أَنَّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِنَّمَا يُخَالِفُهُ لِرَغْبَةٍ فِي أَمْر مِنْ أُمُور الدُّنْيَا , وَكُلّ مَا فِي الدُّنْيَا بَاطِلٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ الثَّانِي , فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُؤْثِرَ الْفَانِيَ عَلَى الْبَاقِي. ‏"
    },
    {
        "id": "6009",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْسٍ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي الزِّنَاد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك \" حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَاد \" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْغَرَائِبِ \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْأَعْرَج ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن دَاوُدَ عَنْ مَالِك \" حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَاد أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن هُرْمُز أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة \" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا , وَضَاقَ مَخْرَجه عَلَى أَبِي نُعَيْمٍ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن زَكَرِيَّا عَنْ الْبُخَارِيّ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيق حُمَيْدِ بْن قُتَيْبَةَ عَنْ إِسْمَاعِيل وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ ) ‏ ‏بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَة عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله ( فِي الْمَال وَالْخَلْقِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيْ الصُّورَةِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ الْأَوْلَادُ وَالْأَتْبَاعُ وَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا , وَرَأَيْته فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ \" الْغَرَائِبِ \" لِلدَّارَقُطْنِيِّ \" وَالْخُلُق \" بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ. ‏ ‏قَوْله ( فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيزِ بْن يَحْيَى عَنْ مَالِك \" فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ \" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا. وَيَجُوزُ فِي أَسْفَلَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا. ‏ ‏قَوْله ( مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ ) كَذَا ثَبَتَ فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق الْمُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي الزِّنَاد , وَكَذَا ثَبَتَ لِمَالِك الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقه عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن دَاوُدَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ , وَزَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح الْمَذْكُورَة \" فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ \" أَيْ هُوَ حَقِيقٌ بِعَدَمِ الِازْدِرَاءِ وَهُوَ اِفْتِعَالٌ مِنْ زَرَيْت عَلَيْهِ وَأَزْرَيْت بِهِ إِذَا تَنَقَّصْتُهُ , وَفِي مَعْنَاهُ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه اِبْن الشِّخِّيرِ رَفَعَهُ \" أَقِلُّوا الدُّخُولَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ \" قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا الْحَدِيثُ جَامِعٌ لِمَعَانِي الْخَيْرِ لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَكُون بِحَالٍ تَتَعَلَّق بِالدِّينِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ مُجْتَهِدًا فِيهَا إِلَّا وَجَدَ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ , فَمَتَى طَلَبَتْ نَفْسُهُ اللَّحَاقَ بِهِ اِسْتَقْصَرَ حَالَهُ فَيَكُون أَبَدًا فِي زِيَادَةٍ تُقَرِّبُهُ مِنْ رَبّه , وَلَا يَكُون عَلَى حَال خَسِيسَةٍ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا وَجَدَ مِنْ أَهْلِهَا مَنْ هُوَ أَخَسُّ حَالًا مِنْهُ. فَإِذَا تَفَكَّرَ فِي ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ وَصَلَتْ إِلَيْهِ دُونَ كَثِيرٍ مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ أَوْجَبَهُ , فَيُلْزِمُ نَفْسَهُ الشُّكْرَ , فَيَعْظُمُ اِغْتِبَاطُهُ بِذَلِكَ فِي مَعَادِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ : فِي هَذَا الْحَدِيث دَوَاءُ الدَّاءِ لِأَنَّ الشَّخْص إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُؤَثِّرَ ذَلِكَ فِيهِ حَسَدًا , وَدَوَاؤُهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ دَاعِيًا إِلَى الشُّكْر. وَقَدْ وَقَعَ فِي نُسْخَة عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ قَالَ \" خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا : مَنْ نَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَيْهِ , وَمَنْ نَظَرَ فِي دِينه إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَاقْتَدَى بِهِ \". وَأَمَّا مَنْ نَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَأَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ فَإِنَّهُ لَا يُكْتَبُ شَاكِرًا وَلَا صَابِرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6010",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَعْدُ بْنُ دِينَارٍ أَبُو عُثْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ قَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَر ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْحَجَّاج الْمِنْقَرِيّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُون النُّون وَفَتْح الْقَاف , ‏ ‏وَعَبْد الْوَارِث ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد , وَالسَّنَد كُلّه بَصْرِيُّونَ , ‏ ‏وَجَعْد بْن دِينَار ‏ ‏تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ وَهُوَ الْجَعْدُ أَبُو عُثْمَان الرَّاوِي عَنْ أَنَسٍ فِي أَوَاخِر النَّفَقَاتِ وَفِي غَيْرِهَا. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَسَن بْن ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي رَجَاءَ \" حَدَّثَنِي اِبْن عَبَّاس \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسَدَّدٍ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ الطُّرُقِ التَّصْرِيحَ بِسَمَاعِ اِبْن عَبَّاسٍ لَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ) ‏ ‏هَذَا مِنْ الْأَحَادِيث الْإِلَهِيَّةِ , ثُمَّ هُوَ مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَلَقَّاهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبِّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِمَّا تَلَقَّاهُ بِوَاسِطَةِ الْمَلَك وَهُوَ الرَّاجِحُ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ الْأَحَادِيثِ الْقُدْسِيَّةِ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِلْبَيَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِسْنَادِ الصَّرِيحِ إِلَى اللَّه حَيْثُ قَالَ : \" إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ غَيْره لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى , بَلْ فِيهِ أَنَّ غَيْره كَذَلِكَ إِذْ قَالَ \" فِيمَا يَرْوِيهِ \" أَيْ فِي جُمْلَة مَا يَرْوِيه اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَالثَّانِي لَا يُنَافِي الْأَوَّل وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن سُلَيْمَان عَنْ الْجَعْد وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيق عَفَّان , وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيق قُتَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ جَعْفَر بِلَفْظِ \" فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ قَالَ : إِنَّ رَبَّكُمْ رَحِيمٌ , مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ \" وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ \" عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَمَنْ طُرُق أُخْرَى مِنْهَا عَنْ الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِذَا هَمَّ عَبْدِي \". ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى فَيَكُون التَّقْدِير قَالَ اللَّه إِنَّ اللَّه كَتَبَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِيهِ عَنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَاعِل \" ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ \" هُوَ اللَّهُ تَعَالَى , وَقَوْله \" فَمَنْ هَمَّ \" شَرْحُ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ فَصَّلَهُ بِقَوْلِهِ \" فَمَنْ هَمَّ \" وَالْمُجْمَلُ قَوْله \" كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ \" وَقَوْله كَتَبَ قَالَ الطُّوفِيُّ أَيْ أَمَرَ الْحَفَظَةَ أَنْ تَكْتُبَ , أَوْ الْمُرَاد قَدَّرَ ذَلِكَ فِي عِلْمِهِ عَلَى وَفْقِ الْوَاقِعِ مِنْهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ الْمُرَاد قَدَّرَ ذَلِكَ وَعَرَّفَ الْكَتَبَةَ مِنْ الْمَلَائِكَة ذَلِكَ التَّقْدِيرَ , فَلَا يَحْتَاج إِلَى الِاسْتِفْسَارِ فِي كُلِّ وَقْتٍ عَنْ كَيْفِيَّة الْكِتَابَة لِكَوْنِهِ أَمْرًا مَفْرُوغًا مِنْهُ اِنْتَهَى. وَقَدْ يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيق هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ قَالَ : \" قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ : رَبِّ ذَاكَ عَبْدُك يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً , وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ , فَقَالَ : اُرْقُبُوهُ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا \" فَهَذَا ظَاهِرُهُ وُقُوعُ الْمُرَاجَعَةِ لَكِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِإِرَادَةِ عَمَلِ السَّيِّئَةِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ فِي اِبْتِدَاء الْأَمْرِ فَلَمَّا حَصَلَ الْجَوَابُ اِسْتَقَرَّ ذَلِكَ فَلَا يُحْتَاج إِلَى الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَهُ. وَقَدْ وَجَدْت عَنْ الشَّافِعِيِّ مَا يُوَافِقُ ظَاهِرَ الْخَبَرِ , وَأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ إِنَّمَا تَقَعُ لِمَنْ هَمَّ عَلَى الشَّيْءِ فَشَرَعَ فِيهِ. لَا مَنْ هَمَّ بِهِ وَلَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْعَمَلُ , فَقَالَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لَمَّا ذَكَرَ الْعَمَلَ الَّذِي يُبْطِلُهَا مَا حَاصِلُهُ : إِنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ وَقَصَدَ الْقِتَالَ فَشَرَعَ فِيهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ , وَمَنْ تَحَرَّمَ وَقَصَدَ إِلَى الْعَدُوِّ لَوْ دَهَمَهُ دَفَعَهُ بِالْقِتَالِ لَمْ تَبْطُلْ. ‏ ‏قَوْله ( فَمَنْ هَمَّ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْد مُسْلِمٍ , وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج فِي التَّوْحِيدِ \" إِذَا أَرَادَ \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ \" إِذَا هَمَّ \" كَذَا عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ , وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" إِذَا تَحَدَّثَ \" وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى حَدِيثِ النَّفْسِ لِتُوَافِقَ الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَكِنْ لَيْسَ قَيْدًا فِي كِتَابَة الْحَسَنَةِ بَلْ بِمُجَرَّدِ الْإِرَادَة تُكْتَبُ الْحَسَنَةُ , نَعَمْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْهَمِّ وَالْإِرَادَةِ لَا يَكْفِي , فَعِنْد أَحْمَد وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث خَرِيمِ بْن فَاتِكٍ رَفَعَهُ \" وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ يَعْلَم اللَّهُ أَنَّهُ قَدْ أُشْعِرَ بِهَا قَلْبُهُ وَحَرَصَ عَلَيْهَا \" وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ اِبْن حِبَّانَ فَقَالَ بَعْدَ إِيرَاد حَدِيث الْبَاب فِي صَحِيحِهِ : الْمُرَاد بِالْهَمِّ هُنَا الْعَزْمُ. ثُمَّ قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنَّ اللَّهَ يَكْتُب الْحَسَنَةَ بِمُجَرَّدِ الْهَمِّ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهَا زِيَادَةً فِي الْفَضْلِ. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ يَعْمَلْهَا ) ‏ ‏يَتَنَاوَلُ نَفْيَ عَمَلِ الْجَوَارِحِ , وَأَمَّا عَمَلُ الْقَلْبِ فَيَحْتَمِل نَفْيه أَيْضًا إِنْ كَانَتْ الْحَسَنَةُ تُكْتَبُ بِمُجَرَّدِ الْهَمِّ كَمَا فِي مُعْظَمِ الْأَحَادِيثِ , لَا إِنْ قُيِّدَتْ بِالتَّصْمِيمِ كَمَا فِي حَدِيث خَرِيمٍ , وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّل حَدِيث أَبِي ذَرٍّ عِنْد مُسْلِم أَنَّ الْكَفَّ عَنْ الشَّرِّ صَدَقَةٌ. ‏ ‏قَوْله ( كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ ) ‏ ‏أَيْ لِلَّذِي هَمَّ بِالْحَسَنَةِ ‏ ‏( عِنْدَهُ ) ‏ ‏أَيْ عِنْد اللَّه ‏ ‏( حَسَنَةً كَامِلَةً ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس دُون حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْره وَصْف الْحَسَنَة بِكَوْنِهَا كَامِلَةً , وَكَذَا قَوْله \" عِنْده \" وَفِيهِمَا نَوْعَانِ مِنْ التَّأْكِيدِ : فَأَمَّا الْعِنْدِيَّةُ فَإِشَارَةٌ إِلَى الشَّرَف , وَأَمَّا الْكَمَالُ فَإِشَارَةٌ إِلَى رَفْعِ تَوَهُّمِ نَقْصِهَا لِكَوْنِهَا نَشَأَتْ عَنْ الْهَمِّ الْمُجَرَّدِ. فَكَأَنَّهُ قِيلَ بَلْ هِيَ كَامِلَةٌ لَا نَقْصَ فِيهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ : أَشَارَ بِقَوْلِهِ \" عِنْده \" إِلَى مَزِيد الِاعْتِنَاءِ بِهِ , وَبِقَوْلِهِ \" كَامِلَةً \" إِلَى تَعْظِيمِ الْحَسَنَةِ وَتَأْكِيد أَمْرِهَا , وَعَكْس ذَلِكَ فِي السَّيِّئَةِ فَلَمْ يَصِفْهَا بِكَامِلَةٍ بَلْ أَكَّدَهَا بِقَوْلِهِ \" وَاحِدَة \" إِشَارَة إِلَى تَخْفِيفهَا مُبَالَغَةً فِي الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ. وَمَعْنَى قَوْله : \" كَتَبَهَا اللَّهُ \" أَمَرَ الْحَفَظَة بِكِتَابَتِهَا بِدَلِيلِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْآتِي فِي التَّوْحِيد بِلَفْظِ : \" إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَل سَيِّئَة فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا \" وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَلَكَ يَطَّلِعُ عَلَى مَا فِي قَلْبِ الْآدَمِيِّ إِمَّا بِإِطْلَاعِ اللَّهِ إِيَّاهُ أَوْ بِأَنْ يَخْلُقَ لَهُ عِلْمًا يُدْرِكُ بِهِ ذَلِكَ , وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ : \" يُنَادِي الْمَلَك اُكْتُبْ لِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا , فَيَقُول يَا رَبِّ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْهُ , فَيَقُولُ إِنَّهُ نَوَاهُ \" وَقِيلَ بَلْ يَجِدُ الْمَلَك لِلْهَمِّ بِالسَّيِّئَةِ رَائِحَةً خَبِيثَةً وَبِالْحَسَنَةِ رَائِحَة طَيِّبَة , وَأَخْرَجَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ الْمَدَنِيِّ , وَجَاءَ مِثْلُهُ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَرَأَيْت فِي شَرْح مُغَلْطَاي أَنَّهُ وَرَدَ مَرْفُوعًا , قَالَ الطُّوفِيُّ إِنَّمَا كُتِبَتْ الْحَسَنَةُ بِمُجَرَّدِ الْإِرَادَةِ لِأَنَّ إِرَادَةَ الْخَيْرِ سَبَبٌ إِلَى الْعَمَلِ وَإِرَادَة الْخَيْر خَيْر لِأَنَّ إِرَادَة الْخَيْر مِنْ عَمَل الْقَلْب , وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ لَا تُضَاعَفُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } وَأُجِيبَ بِحَمْلِ الْآيَةِ عَلَى عَمَلِ الْجَوَارِحِ وَالْحَدِيثِ عَلَى الْهَمِّ الْمُجَرَّدِ وَاسْتَشْكَلَ أَيْضًا بِأَنَّ عَمَلَ الْقَلْبِ إِذَا اُعْتُبِرَ فِي حُصُولِ الْحَسَنَةِ فَكَيْفَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي حُصُولِ السَّيِّئَةِ ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَرْكَ عَمَلِ السَّيِّئَةِ الَّتِي وَقَعَ الْهَمُّ بِهَا يُكَفِّرُهَا لِأَنَّهُ قَدْ نَسَخَ قَصْدَهُ السَّيِّئَةَ وَخَالَفَ هَوَاهُ , ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيث حُصُول الْحَسَنَة بِمُجَرَّدِ التَّرْك سَوَاء كَانَ ذَلِكَ لِمَانِعٍ أَمْ لَا , وَيَتَّجِهُ أَنْ يُقَال : يَتَفَاوَتُ عِظَمُ الْحَسَنَةِ بِحَسَبِ الْمَانِعِ فَإِنْ كَانَ خَارِجِيًّا مَعَ بَقَاء قَصْد الَّذِي هَمَّ بِفِعْلِ الْحَسَنَةِ فَهِيَ عَظِيمَةُ الْقَدْرِ , وَلَا سِيَّمَا إِنْ قَارَنَهَا نَدَمٌ عَلَى تَفْوِيتِهَا وَاسْتَمَرَّتْ النِّيَّة عَلَى فِعْلِهَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ , وَإِنْ كَانَ التَّرْكُ مِنْ الَّذِي هَمَّ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ إِلَّا إِنْ قَارَنَهَا قَصْدُ الْإِعْرَاضِ عَنْهَا جُمْلَةً وَالرَّغْبَة عَنْ فِعْلِهَا , وَلَا سِيَّمَا إِنْ وَقَعَ الْعَمَلُ فِي عَكْسِهَا كَأَنْ يُرِيدَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ مَثَلًا فَصَرَفَهُ بِعَيْنِهِ فِي مَعْصِيَةٍ , فَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي الْأَخِيرِ أَنْ لَا تُكْتَبَ لَهُ حَسَنَةً أَصْلًا , وَأَمَّا مَا قَبْلَهُ فَعَلَى الِاحْتِمَال. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ حَسَنَةً كَامِلَةً عَلَى أَنَّهَا تُكْتَبُ حَسَنَةً مُضَاعَفَةً لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْكَمَالُ لَكِنَّهُ مُشْكِلٌ يَلْزَمُ مِنْهُ مُسَاوَاةُ مَنْ نَوَى الْخَيْرَ بِمَنْ فَعَلَهُ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَكْتُب لَهُ حَسَنَةً. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّضْعِيف فِي الْآيَة يَقْتَضِي اِخْتِصَاصَهُ بِالْعَامِلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ } وَالْمَجِيءُ بِهَا هُوَ الْعَمَلُ وَأَمَّا النَّاوِي فَإِنَّمَا وَرَدَ أَنَّهُ يُكْتَب لَهُ حَسَنَةٌ وَمَعْنَاهُ يُكْتَب لَهُ مِثْلُ ثَوَاب الْحَسَنَةِ , وَالتَّضْعِيفُ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ الْحَسَنَةِ , وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَإِنْ هَمَّ بِهَا وَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّه لَهُ عِنْدَهُ عَشْر حَسَنَاتٍ ) ‏ ‏يُؤْخَذُ مِنْهُ رَفْع تَوَهُّم أَنَّ حَسَنَةَ الْإِرَادَةِ تُضَافُ إِلَى عَشْرَة التَّضْعِيف فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِر رِوَايَة جَعْفَر بْن سُلَيْمَان عِنْد مُسْلِم وَلَفْظه : \" فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرَ أَمْثَالِهَا \" وَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَفِي بَعْض طُرُقه اِحْتِمَال , وَرِوَايَة عَبْد الْوَارِث فِي الْبَاب ظَاهِرَة فِيمَا قُلْته وَهُوَ الْمُعْتَمَد , قَالَ اِبْن عَبْد السَّلَام فِي أَمَالِيهِ : مَعْنَى الْحَدِيث إِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَإِنْ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَة عَمِلَهَا كُمِّلَتْ لَهُ عَشْرَةً لِأَنَّا نَأْخُذُ بِقَيْدِ كَوْنهَا قَدْ هَمَّ بِهَا , وَكَذَا السَّيِّئَةُ إِذَا عَمِلَهَا لَا تُكْتَبُ وَاحِدَةً لِلْهَمِّ وَأُخْرَى لِلْعَمَلِ بَلْ تُكْتَب وَاحِدَةً فَقَطْ. قُلْت : الثَّانِي صَرِيحٌ فِي حَدِيث هَذَا الْبَاب , وَهُوَ مُقْتَضَى كَوْنِهَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ لَا تُكْتَبُ بِمُجَرَّدِ الْهَمِّ , وَأَمَّا حَسَنَةُ الْهَمِّ بِالْحَسَنَةِ فَالِاحْتِمَال قَائِمٌ , وَقَوْله بِقَيْدِ كَوْنِهَا قَدْ هَمَّ بِهَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَنْ عَمِلَ حَسَنَةً بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْبِق لَهُ أَنَّهُ هَمَّ بِهَا فَإِنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ تِسْعَةٌ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْآيَةِ { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَنْ هَمَّ بِهَا وَمَنْ لَمْ يَهِمَّ , وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ حَسَنَةَ مَنْ هَمَّ بِهَا تَنْدَرِجُ فِي الْعَمَلِ فِي عَشْرَةٍ لِعَمَلٍ لَكِنْ تَكُونُ حَسَنَةُ مَنْ هَمَّ بِهَا أَعْظَمَ قَدْرًا مِمَّنْ لَمْ يَهِمَّ بِهَا , وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ) ‏ ‏الضِّعْفُ فِي اللُّغَة الْمِثْلُ , وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ اِسْمٌ يَقَعُ عَلَى الْعَدَدِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُون مَعَهُ عَدَدٌ آخَر , فَإِذَا قِيلَ ضِعْف الْعَشَرَة فُهِمَ أَنَّ الْمُرَاد عِشْرُونَ , وَمَنْ ذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّ لَهُ عِنْدِي ضِعْف دِرْهَم لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ أَوْ ضَعْفَيْ دِرْهَمٍ لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ. ‏ ‏قَوْله ( إِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة ) ‏ ‏لَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ طُرُق حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة \" إِلَّا فِي حَدِيثه الْمَاضِي فِي الصِّيَام فَإِنَّ فِي بَعْض طُرُقه عِنْد مُسْلِم \" إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْف إِلَى مَا شَاءَ اللَّه \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ رَفَعَهُ \" يَقُول اللَّه مَنْ عَمِلَ حَسَنَة فَلَهُ عَشْر أَمْثَالهَا وَأَزِيدُ \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الزَّاي , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ تَضْعِيف حَسَنَة الْعَمَل إِلَى عَشْرَةٍ مَجْزُومٌ بِهِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا جَائِز وُقُوعه بِحَسَبِ الزِّيَادَة فِي الْإِخْلَاص وَصِدْق الْعَزْم وَحُضُور الْقَلْب وَتَعَدِّي النَّفْعِ كَالصَّدَقَةِ الْجَارِيَة وَالْعِلْم النَّافِع وَالسُّنَّة الْحَسَنَة وَشَرَف الْعَمَل وَنَحْو ذَلِكَ , وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْعَمَل الَّذِي يُضَاعَف إِلَى سَبْعِمِائَةٍ خَاصٌّ بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيل اللَّه , وَتَمَسَّكَ قَائِلُهُ بِمَا فِي حَدِيث خَرِيم بْن فَاتِك الْمُشَار إِلَيْهِ قَرِيبًا رَفَعَهُ \" مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَمَنْ عَمِلَ حَسَنَة كَانَتْ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا , وَمَنْ أَنْفَقَ نَفَقَة فِي سَبِيل اللَّه كَانَتْ لَهُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه تُضَاعَف إِلَى سَبْعِمِائَةٍ وَلَيْسَ فِيهِ نَفْي ذَلِكَ عَنْ غَيْرهَا صَرِيحًا , وَيَدُلّ عَلَى التَّعْمِيم حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَاضِي فِي الصِّيَام \" كُلّ عَمَلِ اِبْن آدَم يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْفٍ \" الْحَدِيثَ وَاخْتُلِفَ فِي قَوْله تَعَالَى { وَاَللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ } هَلْ الْمُرَاد الْمُضَاعَفَةُ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ فَقَطْ أَوْ زِيَادَة عَلَى ذَلِكَ ؟ فَالْأَوَّل هُوَ الْمُحَقَّقُ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ وَالثَّانِي مُحْتَمَلٌ , وَيُؤَيِّد الْجَوَازَ سَعَةُ الْفَضْلِ. ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا كَتَبَهَا اللَّه لَهُ عِنْده حَسَنَة كَامِلَة ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْكَمَالِ عِظَم الْقَدْر كَمَا تَقَدَّمَ لَا التَّضْعِيف إِلَى الْعَشَرَة , وَلَمْ يَقَع التَّقْيِيد بِكَامِلَةٍ فِي طُرُق حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَظَاهِرِ الْإِطْلَاق كِتَابَة الْحَسَنَة بِمُجَرَّدِ التَّرْك , لَكِنَّهُ قَيَّدَهُ فِي حَدِيث الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب التَّوْحِيد وَلَفْظه \" إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَة فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا , فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا , وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَة \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه , لَكِنْ لَمْ يَقَع عِنْده \" مِنْ أَجْلِي \" وَوَقَعَ عِنْده مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَة , إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّاي \" بِفَتْحِ الْجِيم وَتَشْدِيد الرَّاء بَعْد الْأَلِف يَاء الْمُتَكَلِّم وَهِيَ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِي , وَنَقَلَ عِيَاض عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّهُ حَمَلَ حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس عَلَى عُمُومه , ثُمَّ صَوَّبَ حَمْل مُطْلَقِهِ عَلَى مَا قُيِّدَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُونُ حَسَنَةُ مَنْ تَرَكَ بِغَيْرِ اِسْتِحْضَارِ مَا قُيِّدَ بِهِ دُونَ حَسَنَةِ الْآخَر لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ تَرْك الْمَعْصِيَة كَفٌّ عَنْ الشَّرّ وَالْكَفّ عَنْ الشَّرّ خَيْر , وَيَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يُكْتَب لِمَنْ هَمَّ بِالْمَعْصِيَةِ ثُمَّ تَرَكَهَا حَسَنَة مُجَرَّدَة , فَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ مَخَافَة رَبِّهِ سُبْحَانَهُ كُتِبَتْ حَسَنَة مُضَاعَفَة. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَحَلّ كِتَابَة الْحَسَنَة عَلَى التَّرْك أَنْ يَكُونَ التَّارِك قَدْ قَدَرَ عَلَى الْفِعْل ثُمَّ تَرَكَهُ , لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُسَمَّى تَارِكًا إِلَّا مَعَ الْقُدْرَة , وَيَدْخُل فِيهِ مَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حِرْصه عَلَى الْفِعْل مَانِعٌ كَأَنْ يَمْشِيَ إِلَى اِمْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا مَثَلًا فَيَجِد الْبَاب مُغْلَقًا وَيَتَعَسَّر فَتْحه , وَمِثْله مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ الزِّنَا مَثَلًا فَلَمْ يَنْتَشِرْ أَوْ طَرَقَهُ مَا يَخَاف مِنْ أَذَاهُ عَاجِلًا. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي كَبْشَة الْأَنْمَارِيّ مَا قَدْ يُعَارِض ظَاهِرِ حَدِيث الْبَاب , وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ بِلَفْظِ \" إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةٍ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَعَبْد رَزَقَهُ اللَّه مَالًا وَلَمْ يَرْزُقهُ عِلْمًا فَهُوَ يَعْمَل فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْم لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِل فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَرَى لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا , فَهَذَا بِأَخْبَث الْمَنَازِل. وَرَجُل لَمْ يَرْزُقهُ اللَّه مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُول : لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْت فِيهِ بِعَمَلِ فُلَان , فَهُمَا فِي الْوِزْر سَوَاء \" فَقِيلَ الْجَمْع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ بِالتَّنْزِيلِ عَلَى حَالَتَيْنِ , فَتُحْمَل الْحَالَة الْأُولَى عَلَى مَنْ هَمَّ بِالْمَعْصِيَةِ هَمًّا مُجَرَّدًا مِنْ غَيْر تَصْمِيم , وَالْحَالَة الثَّانِيَة عَلَى مَنْ صَمَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ. وَهُوَ مُوَافِق لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبَاقِلَّانِيّ وَغَيْره ; قَالَ الْمَازِرِيّ : ذَهَبَ اِبْنِ الْبَاقِلَّانِيّ يَعْنِي وَمَنْ تَبِعَهُ إِلَى أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْمَعْصِيَة بِقَلْبِهِ وَوَطَّنَ عَلَيْهَا نَفْسَهُ أَنَّهُ يَأْثَم , وَحَمَلَ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْعَفْو عَمَّنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا عَلَى الْخَاطِرِ الَّذِي يَمُرُّ بِالْقَلْبِ وَلَا يَسْتَقِرّ. قَالَ الْمَازِرِيّ : وَخَالَفَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ , وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْهُ بِلَفْظِ \" فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا \" فَإِنَّ الظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِالْعَمَلِ هُنَا عَمَل الْجَارِحَة بِالْمَعْصِيَةِ الْمَهْمُوم بِهِ. وَتَعَقَّبَهُ عِيَاض بِأَنَّ عَامَّة السَّلَف وَأَهْل الْعِلْم عَلَى مَا قَالَ اِبْنِ الْبَاقِلَّانِيّ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْمُؤَاخَذَة بِأَعْمَالِ الْقُلُوب , لَكِنْهُمْ قَالُوا : إِنَّ الْعَزْم عَلَى السَّيِّئَة يُكْتَب سَيِّئَة مُجَرَّدَة لَا السَّيِّئَة الَّتِي هَمَّ أَنْ يَعْمَلَهَا , كَمَنْ يَأْمُر بِتَحْصِيلِ مَعْصِيَة ثُمَّ لَا يَفْعَلُهَا بَعْد حُصُولهَا فَإِنَّهُ يَأْثَم بِالْأَمْرِ الْمَذْكُور لَا بِالْمَعْصِيَةِ وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيث \" إِذَا اِلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار , قِيلَ هَذَا الْقَاتِل فَمَا بَالُ الْمَقْتُول ؟ قَالَ : إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْل صَاحِبِهِ \" وَسَيَأْتِي سِيَاقه وَشَرْحه فِي كِتَاب الْفِتَنِ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ مِنْ هَذَا الْجِنْس وَهُوَ أَنَّهُ يُعَاقَب عَلَى عَزْمه بِمِقْدَارِ مَا يَسْتَحِقّهُ وَلَا يُعَاقَب عِقَاب مَنْ بَاشَرَ الْقَتْل حِسًّا. وَهُنَا قِسْم آخَرُ وَهُوَ مَنْ فَعَلَ الْمَعْصِيَة وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا ثُمَّ هَمَّ أَنْ يَعُود إِلَيْهَا فَإِنَّهُ يُعَاقَب عَلَى الْإِصْرَار كَمَا جَزَمَ بِهِ اِبْنِ الْمُبَارَك وَغَيْره فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الْإِصْرَار مَعْصِيَة اِتِّفَاقًا , فَمَنْ عَزَمَ عَلَى الْمَعْصِيَة وَصَمَّمَ عَلَيْهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَة , فَإِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ مَعْصِيَة ثَانِيَة. قَالَ النَّوَوِيّ : وَهَذَا ظَاهِرٌ حَسَنٌ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ , وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوص الشَّرِيعَة بِالْمُؤَاخَذَةِ عَلَى عَزْم الْقَلْب الْمُسْتَقِرّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ } الْآيَة , وَقَوْله { اِجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ } وَغَيْر ذَلِكَ وَقَالَ اِبْنُ الْجَوْزِيّ : إِذَا حَدَّثَ نَفْسه بِالْمَعْصِيَةِ لَمْ يُؤَاخَذ فَإِنْ عَزَمَ وَصَمَّمَ زَادَ عَلَى حَدِيث النَّفْس وَهُوَ مِنْ عَمَل الْقَلْب. قَالَ : وَالدَّلِيل عَلَى التَّفْرِيق بَيْن الْهَمّ وَالْعَزْم أَنَّ مَنْ كَانَ فِي الصَّلَاة فَوَقَعَ فِي خَاطَرَهُ أَنْ يَقْطَعهَا لَمْ تَنْقَطِع , فَإِنْ صَمَّمَ عَلَى قَطْعهَا بَطَلَتْ. وَأُجِيبَ عَنْ الْقَوْل الْأَوَّل بِأَنَّ الْمُؤَاخَذَة عَلَى أَعْمَال الْقُلُوب الْمُسْتَقِلَّة بِالْمَعْصِيَةِ لَا تَسْتَلْزِم الْمُؤَاخَذَة عَلَى عَمَل الْقَلْب بِقَصْدِ مَعْصِيَة الْجَارِحَة إِذَا لَمْ يَعْمَل الْمَقْصُود , لِلْفَرْقِ بَيْن مَا هُوَ بِالْقَصْدِ وَمَا هُوَ بِالْوَسِيلَةِ. وَقَسَمَ بَعْضهمْ مَا يَقَع فِي النَّفْس أَقْسَامًا يَظْهَر مِنْهَا الْجَوَاب عَنْ الثَّانِي , أَضْعَفُهَا أَنْ يَخْطِر لَهُ ثُمَّ يَذْهَب فِي الْحَال , وَهَذَا مِنْ الْوَسْوَسَة وَهُوَ مَعْفُوّ عَنْهُ وَهُوَ دُونَ التَّرَدُّد , وَفَوْقَهُ أَنْ يَتَرَدَّد فِيهِ فَيَهُمّ بِهِ ثُمَّ يَنْفِر عَنْهُ فَيَتْرُكهُ ثُمَّ يَهُمّ بِهِ ثُمَّ يَتْرُك كَذَلِكَ وَلَا يَسْتَمِرّ عَلَى قَصْده , وَهَذَا هُوَ التَّرَدُّد فَيُعْفَى عَنْهُ أَيْضًا , وَفَوْقه أَنْ يَمِيل إِلَيْهِ وَلَا يَنْفِر عَنْهُ لَكِنْ لَا يُصَمِّم عَلَى فِعْله وَهَذَا هُوَ الْهَمّ فَيُعْفَى عَنْهُ أَيْضًا , وَفَوْقه أَنْ يَمِيل إِلَيْهِ وَلَا يَنْفِر مِنْهُ بَلْ يُصَمِّم عَلَى فِعْله فَهَذَا هُوَ الْعَزْم وَهُوَ مُنْتَهَى الْهَمّ , وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ : الْقِسْم الْأَوَّل أَنْ يَكُونُ مِنْ أَعْمَال الْقُلُوب صِرْفًا كَالشَّكِّ فِي الْوَحْدَانِيَّة أَوْ النُّبُوَّة أَوْ الْبَعْث فَهَذَا كُفْر وَيُعَاقَب عَلَيْهِ جَزْمًا , وَدُونه الْمَعْصِيَة الَّتِي لَا تَصِل إِلَى الْكُفْر كَمَنْ يُحِبّ مَا يُبْغِض اللَّه وَيُبْغِض مَا يُحِبّهُ اللَّه وَيُحِبّ لِلْمُسْلِمِ الْأَذَى بِغَيْرِ مُوجِب لِذَلِكَ فَهَذَا يَأْثَم , وَيَلْتَحِق بِهِ الْكِبْر وَالْعُجْب وَالْبَغْي وَالْمَكْر وَالْحَسَد , وَفِي بَعْض هَذَا خِلَاف. فَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ أَنَّ سُوء الظَّنّ بِالْمُسْلِمِ وَحَسَدَهُ مَعْفُوّ عَنْهُ وَحَمَلُوهُ عَلَى مَا يَقَع فِي النَّفْس مِمَّا لَا يُقْدَر عَلَى دَفْعه. لَكِنَّ مَنْ يَقَع لَهُ ذَلِكَ مَأْمُور بِمُجَاهَدَتِهِ النَّفْس عَلَى تَرْكه وَالْقِسْم الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مِنْ أَعْمَال الْجَوَارِح كَالزِّنَا وَالسَّرِقَة فَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ النِّزَاع , فَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى عَدَم الْمُؤَاخَذَة بِذَلِكَ أَصْلًا , عَنْ نَصّ الشَّافِعِيّ , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيث خُرَيْم بْن فَاتِك الْمُنَبَّه عَلَيْهِ قَبْل فَإِنَّهُ حَيْثُ ذَكَرَ الْهَمّ بِالْحَسَنَةِ قَالَ : عَلِمَ اللَّه أَنَّهُ أَشْعَرَهَا قَلْبه وَحَرَصَ عَلَيْهَا , وَحَيْثُ ذَكَرَ الْهَمّ بِالسَّيِّئَةِ لَمْ يُقَيِّد بِشَيْءٍ بَلْ قَالَ فِيهِ : وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَب عَلَيْهِ , وَالْمَقَام مَقَام الْفَضْل فَلَا يَلِيق التَّحْجِير فِيهِ. وَذَهَبَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى الْمُؤَاخَذَة بِالْعَزْمِ الْمُصَمَّم , وَسَأَلَ اِبْنُ الْمُبَارَك سُفْيَان الثَّوْرِيَّ : أَيُؤَاخَذُ الْعَبْد بِمَا يَهُمُّ بِهِ ؟ قَالَ : إِذَا جَزَمَ بِذَلِكَ. وَاسْتَدَلَّ كَثِير مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } وَحَمَلُوا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الصَّحِيح الْمَرْفُوع \" إِنَّ اللَّه تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ \" عَلَى الْخَطَرَات كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ اِفْتَرَقَ هَؤُلَاءِ فَقَالَتْ طَائِفَة : يُعَاقَب عَلَيْهِ صَاحِبُهُ فِي الدُّنْيَا خَاصَّة بِنَحْوِ الْهَمّ وَالْغَمّ , وَقَالَتْ طَائِفَة : بَلْ يُعَاقَب عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة لَكِنْ بِالْعِتَابِ لَا بِالْعَذَابِ , وَهَذَا قَوْل اِبْنِ جُرَيْجٍ وَالرَّبِيع بْن أَنَسٍ وَطَائِفَة وَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَى اِبْنِ عَبَّاس أَيْضًا , وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ النَّجْوَى الْمَاضِي شَرْحه فِي \" بَابِ سَتْر الْمُؤْمِن عَلَى نَفْسه \" مِنْ كِتَاب الْأَدَب , وَاسْتَثْنَى جَمَاعَة مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى عَدَم مُؤَاخَذَة مَنْ وَقَعَ مِنْهُ الْهَمّ بِالْمَعْصِيَةِ مَا يَقَع فِي الْحَرَم الْمَكِّيّ وَلَوْ لَمْ يُصَمِّم لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } ذَكَرَهُ السُّدِّيّ فِي تَفْسِيره عَنْ مُرَّة عَنْ اِبْنِ مَسْعُود , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيقه مَرْفُوعًا , وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَهُ مَوْقُوفًا , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ الْحَرَم يَجِبُ اِعْتِقَاد تَعْظِيمه فَمَنْ هَمَّ بِالْمَعْصِيَةِ فِيهِ خَالَفَ الْوَاجِبَ بِانْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ , وَتُعُقِّبَ هَذَا الْبَحْث بِأَنَّ تَعْظِيم اللَّه آكَدُ مِنْ تَعْظِيمِ الْحَرَم وَمَعَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِمَعْصِيَتِهِ لَا يُؤَاخِذُهُ فَكَيْفَ يُؤَاخَذ بِمَا دُونَهُ ؟ وَيُمْكِن أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ اِنْتَهَاك حُرْمَة الْحَرَم بِالْمَعْصِيَةِ تَسْتَلْزِم اِنْتَهَاك حُرْمَة اللَّه لِأَنَّ تَعْظِيم الْحَرَم مِنْ تَعْظِيم اللَّه فَصَارَتْ الْمَعْصِيَة فِي الْحَرَم أَشَدَّ مِنْ الْمَعْصِيَة فِي غَيْره وَإِنْ اِشْتَرَكَ الْجَمِيع فِي تَرْك تَعْظِيم اللَّه تَعَالَى , نَعَمْ مَنْ هَمَّ بِالْمَعْصِيَةِ قَاصِدًا الِاسْتِخْفَاف بِالْحَرَمِ عَصَى , وَمَنْ هَمَّ بِمَعْصِيَةِ اللَّه قَاصِدًا الِاسْتِخْفَاف بِاَللَّهِ كَفَرَ , وَإِنَّمَا الْمَعْفُوّ عَنْهُ مَنْ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ ذَاهِلًا عَنْ قَصْد الِاسْتِخْفَاف , وَهَذَا تَفْصِيل جَيِّد يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحْضَر عِنْد شَرْح حَدِيث \" لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِن \". وَقَالَ السُّبْكِيّ الْكَبِير : الْهَاجِس لَا يُؤَاخَذ بِهِ إِجْمَاعًا , وَالْخَاطِر وَهُوَ جَرَيَان ذَلِكَ الْهَاجِس وَحَدِيث النَّفْس لَا يُؤَاخَذ بِهِمَا لِلْحَدِيثِ الْمُشَار إِلَيْهِ , وَالْهَمّ وَهُوَ قَصْد فِعْل الْمَعْصِيَة مَعَ التَّرَدُّد لَا يُؤَاخَذ بِهِ الْحَدِيث الْبَاب , وَالْعَزْم - وَهُوَ قُوَّة ذَلِكَ الْقَصْد أَوْ الْجَزْم بِهِ وَرَفَعَ التَّرَدُّد - قَالَ الْمُحَقِّقُونَ يُؤَاخَذ بِهِ , وَقَالَ بَعْضهمْ لَا وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَهْل اللُّغَة : هَمَّ بِالشَّيْءِ عَزَمَ عَلَيْهِ , وَهَذَا لَا يَكْفِي , قَالَ : وَمِنْ أَدِلَّة الْأَوَّل حَدِيث \" إِذَا اِلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا \" الْحَدِيث , وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْل صَاحِبِهِ فَعُلِّلَ بِالْحِرْصِ , وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ بِأَعْمَالِ الْقُلُوب وَلَا حُجَّة مَعَهُ لِأَنَّهَا عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا لَا يَتَعَلَّق بِفِعْلٍ خَارِجِيٍّ وَلَيْسَ الْبَحْث فِيهِ , وَالثَّانِي يَتَعَلَّق بِالْمُلْتَقِيَيْنِ عَزَمَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى قَتْل صَاحِبِهِ وَاقْتَرَنَ بِعَزْمِهِ فِعْل بَعْض مَا عَزَمَ عَلَيْهِ وَهُوَ شَهْر السِّلَاح وَإِشَارَته بِهِ إِلَى الْآخَر فَهَذَا الْفِعْل يُؤَاخَذ بِهِ سَوَاء حَصَلَ الْقَتْل أَمْ لَا. اِنْتَهَى. وَلَا يَلْزَم مِنْ قَوْله \" فَالْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار \" أَنْ يَكُونَا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْعَذَاب بِالِاتِّفَاقِ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّه لَهُ سَيِّئَة وَاحِدَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا \" وَزَادَ مُسْلِم فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ \" فَجَزَاؤُهُ بِمِثْلِهَا أَوْ أَغْفِرُ \" وَلَهُ فِي آخِر حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَوْ \" يَمْحُوهَا \" وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّه يَمْحُوهَا بِالْفَضْلِ أَوْ بِالتَّوْبَةِ أَوْ بِالِاسْتِغْفَارِ أَوْ بِعَمَلِ الْحَسَنَةِ الَّتِي تُكَفِّر السَّيِّئَة , وَالْأَوَّل أَشْبَهُ لِظَاهِرِ حَدِيث أَبِي ذَرّ , وَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ اِدَّعَى أَنَّ الْكَبَائِر لَا تُغْفَرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ , وَيُسْتَفَادُ مِنْ التَّأْكِيد بِقَوْلِهِ \" وَاحِدَة \" أَنَّ السَّيِّئَة لَا تُضَاعَف كَمَا تُضَاعَف الْحَسَنَة , وَهُوَ عَلَى وَفْق قَوْله تَعَالَى { فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا } قَالَ اِبْن عَبْد السَّلَام فِي أَمَالِيهِ : فَائِدَة التَّأْكِيد دَفْع تَوَهُّم مَنْ يَظُنّ أَنَّهُ إِذَا عَمِلَ السَّيِّئَة كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةُ الْعَمَلِ وَأُضِيفَتْ إِلَيْهَا سَيِّئَةُ الْهَمِّ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ. وَقَدْ اِسْتَثْنَى بَعْض الْعُلَمَاء وُقُوع الْمَعْصِيَة فِي الْحَرَم الْمَكِّيِّ. قَالَ إِسْحَاق بْن مَنْصُور : قُلْت لِأَحْمَدَ هَلْ وَرَدَ فِي شَيْء مِنْ الْحَدِيث أَنَّ السَّيِّئَة تُكْتَب بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَة ؟ قَالَ : لَا , مَا سَمِعْت إِلَّا بِمَكَّةَ لِتَعْظِيمِ الْبَلَد. وَالْجُمْهُور عَلَى التَّعْمِيم فِي الْأَزْمِنَة وَالْأَمْكِنَة لَكِنْ قَدْ يَتَفَاوَتُ بِالْعِظَمِ , وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } لِأَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ تَعْظِيمًا لِحَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ مِنْ نِسَائِهِ يَقْتَضِي أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْفَاحِشَةِ وَهُوَ أَذَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَزَادَ مُسْلِمٌ بَعْد قَوْله \" أَوْ يَمْحُوهَا \" : \" وَلَا يَهْلِك عَلَى اللَّه إِلَّا هَالِكٌ \" أَيْ مَنْ أَصَرَّ عَلَى التَّجَرِّي عَلَى السَّيِّئَة عَزْمًا وَقَوْلًا وَفِعْلًا وَأَعْرَضَ عَنْ الْحَسَنَات هَمًّا وَقَوْلًا وَفِعْلًا , قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذَا الْحَدِيث بَيَان فَضْل اللَّه الْعَظِيم عَلَى هَذِهِ الْأَمَة لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ كَادَ لَا يَدْخُل أَحَدٌ الْجَنَّةَ , لِأَنَّ عَمَلَ الْعِبَادِ لِلسَّيِّئَاتِ أَكْثَر مِنْ عَمَلِهِمْ الْحَسَنَاتِ ; وَيُؤَيِّد مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب مِنْ الْإِثَابَةِ عَلَى الْهَمِّ بِالْحَسَنَةِ وَعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الْهَمِّ بِالسَّيِّئَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اِكْتَسَبَتْ } إِذْ ذَكَرَ فِي السُّوءِ الِافْتِعَالَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْمُعَالَجَةِ وَالتَّكَلُّفِ فِيهِ بِخِلَافِ الْحَسَنَة , وَفِيهِ مَا يَتَرَتَّب لِلْعَبْدِ عَلَى هِجْرَان لَذَّتِهِ وَتَرْكِ شَهْوَتِهِ مِنْ أَجْلِ رَبّه رَغْبَة فِي ثَوَابه وَرَهْبَة مِنْ عِقَابه , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَفَظَةَ لَا تَكْتُبُ الْمُبَاحَ لِلتَّقْيِيدِ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَات , وَأَجَابَ بَعْض الشُّرَّاح بِأَنَّ بَعْض الْأَئِمَّةِ عَدَّ الْمُبَاحَ مِنْ الْحَسَنِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْكَلَام فِيمَا يَتَرَتَّب عَلَى فِعْلِهِ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ الْمُبَاح وَلَوْ سُمِّيَ حَسَنًا كَذَلِكَ , نَعَمْ قَدْ يُكْتَبُ حَسَنَةً بِالنِّيَّةِ وَلَيْسَ الْبَحْثُ فِيهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب حِفْظ اللِّسَان \" قَرِيبًا شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَفِيهِ أَنَّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى بِفَضْلِهِ وَكَرَمه جَعَلَ الْعَدْلَ فِي السَّيِّئَةِ وَالْفَضْلَ فِي الْحَسَنَة فَضَاعَفَ الْحَسَنَةَ وَلَمْ يُضَاعِفْ السَّيِّئَةَ بَلْ أَضَافَ فِيهَا إِلَى الْعَدْلِ الْفَضْلَ فَأَدَارَهَا بَيْن الْعُقُوبَة وَالْعَفْو بِقَوْلِهِ : \" كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةٌ أَوْ يَمْحُوهَا \" وَبِقَوْلِهِ : \" فَجَزَاؤُهُ بِمِثْلِهَا أَوْ أَغْفِرُ \" وَفِي هَذَا الْحَدِيث رَدٌّ عَلَى الْكَعْبِيِّ فِي زَعْمِهِ أَنْ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ مُبَاحٌ بَلْ الْفَاعِل إِمَّا عَاصٍ وَإِمَّا مُثَابٌ , فَمَنْ اِشْتَغَلَ عَنْ الْمَعْصِيَة بِشَيْءٍ فَهُوَ مُثَابٌ , وَتَعَقَّبُوهُ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي يُثَابُ عَلَى تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ هُوَ الَّذِي يَقْصِدُ بِتَرْكِهَا رِضَا اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ يَلْزَمهُ أَنَّ الزَّانِيَ مَثَلًا مُثَابٌ لِاشْتِغَالِهِ بِالزِّنَا عَنْ مَعْصِيَةٍ أُخْرَى وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6011",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَهْدِيٌّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏غَيْلَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنْ الشَّعَرِ إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ الْمُوبِقَاتِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَهْدِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَيْمُون , ‏ ‏وَغَيْلَان ‏ ‏بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ وَزْن عَجْلَان هُوَ اِبْن جَامِعٍ وَالسَّنَد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( هِيَ أَدَقُّ ) ‏ ‏أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنْ الدِّقَّة بِكَسْرِ الدَّال إِشَارَةً إِلَى تَحْقِيرِهَا وَتَهْوِينِهَا , وَتُسْتَعْمَل فِي تَدْقِيق النَّظَر فِي الْعَمَل وَالْإِمْعَانِ فِيهِ أَيْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالًا تَحْسَبُونَهَا هَيِّنَةً وَهِيَ عَظِيمَةٌ أَوْ تَؤُول إِلَى الْعِظَمِ. ‏ ‏قَوْله ( إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَامِ التَّأْكِيد , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ بِحَذْفِهَا وَبِحَذْفِ الضَّمِير أَيْضًا وَلَفْظُهُمَا \" إِنْ كُنَّا نَعُدُّ \" وَلَهُ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" إِنْ كُنَّا نَعُدُّهَا \" وَإِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنْ الثَّقِيلَة وَهِيَ لِلتَّأْكِيدِ. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ الْمُوبِقَات ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ وَقَافٍ , وَسَقَطَ لَفْظُ \" مِنْ \" لِلسَّرَخْسِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّف ‏ ‏( يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَات ) ‏ ‏أَيْ الْمُوبِقَة هِيَ الْمُهْلِكَة , وَوَقَعَ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن الْحَجَّاج عَنْ مَهْدِيٍّ \" كُنَّا نَعُدُّهَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْكَبَائِر \" وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : الْمُحَقَّرَاتُ إِذَا كَثُرَتْ صَارَتْ كِبَارًا مَعَ الْإِصْرَار , وَقَدْ أَخْرَجَ أَسَد بْن مُوسَى فِي الزُّهْد عَنْ أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ قَالَ : \" إِنَّ الرَّجُل لَيَعْمَلُ الْحَسَنَةَ فَيَثِقُ بِهَا وَيَنْسَى الْمُحَقَّرَاتِ فَيَلْقَى اللَّهَ وَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ , وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ السَّيِّئَةَ فَلَا يَزَالُ مِنْهَا مُشْفِقًا حَتَّى يَلْقَى اللَّه آمِنًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "6012",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ الْأَلْهَانِيُّ الْحِمْصِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَظَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى رَجُلٍ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُسْلِمِينَ غَنَاءً عَنْهُمْ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا فَتَبِعَهُ رَجُلٌ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جُرِحَ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَقَالَ بِذُبَابَةِ سَيْفِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي قِصَّة الَّذِي قَتَلَ نَفْسه وَفِي آخِره \" وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالْخَوَاتِيمِ \" وَتَقَدَّمَ شَرْح الْقِصَّة فِي غَزْوَة خَيْبَر مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي , وَيَأْتِي شَرْح آخِره فِي كِتَاب الْقَدَر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ‏ ‏وَقَوْله \" غَنَاء \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدهَا نُونٌ مَمْدُود أَيْ كِفَايَة , وَأَغْنَى فُلَان عَنْ فُلَان نَابَ عَنْهُ وَجَرَى مَجْرَاهُ. وَذُبَابَة السَّيْف حَدُّهُ وَطَرَفُهُ. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي تَغْيِيب خَاتِمَةِ الْعَمَلِ عَنْ الْعَبْدِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ وَتَدْبِيرٌ لَطِيفٌ , لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ وَكَانَ نَاجِيًا أُعْجِبَ وَكَسِلَ وَإِنْ كَانَ هَالِكًا اِزْدَادَ عُتُوًّا فَحُجِبَ عَنْهُ ذَلِكَ لِيَكُونَ بَيْن الْخَوْف وَالرَّجَاء , وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ حَفْص بْن حُمَيْدٍ قَالَ : قُلْت لِابْنِ الْمُبَارَكِ رَأَيْت رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا ظُلْمًا فَقُلْت فِي نَفْسِي أَنَا أَفْضَلُ مِنْ هَذَا , فَقَالَ : أَمْنُك عَلَى نَفْسِك أَشَدُّ مِنْ ذَنْبِهِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ : لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَئُولُ إِلَيْهِ الْأَمْرُ لَعَلَّ الْقَاتِلَ يَتُوب فَتُقْبَل تَوْبَته , وَلَعَلَّ الَّذِي أَنْكَرَ عَلَيْهِ يُخْتَمُ لَهُ بِخَاتِمَةِ السُّوءِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6013",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ قَالَ ‏ ‏رَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏الزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏وَالنُّعْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَابْنُ مُسَافِرٍ ‏ ‏وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الْفِرْيَابِيّ , وَقَرَنَهُ هُنَا بِرِوَايَةِ أَبِي الْيَمَان , وَأَفْرَدَهَا فِي الْجِهَاد فَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِهِ هُنَاكَ , وَقَدْ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن الدَّارِمِيِّ عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف. ‏ ‏قَوْله ( جَاءَ أَعْرَابِيّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْجِهَاد أَنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ وَأَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ لَكِنْ لَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ فِي حَقِّهِ أَعْرَابِيٌّ. ‏ ‏قَوْله ( أَيّ النَّاسِ خَيْرٌ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ بِلَفْظِ \" أَفْضَل \" وَسَأَذْكُرُ لَهُ أَلْفَاظًا أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ رَجُل جَاهَدَ ) ‏ ‏هَذَا لَا يُنَافِي جَوَابه الْآخَر الْمَاضِيَ فِي الْإِيمَان \" مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ \" , وَلَا غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَجْوِبَة الْمُخْتَلِفَةِ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ اِخْتِلَاف الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْجِهَادِ. ‏ ‏قَوْله ( وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْجِهَادِ فَيُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ الْعُزْلَةُ لِيَسْلَم وَيَسْلَم غَيْرُهُ مِنْهُ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَا بَعْد عَصْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَوْله \" يَعْبُدُ رَبَّهُ \" زَادَ مُسْلِم مِنْ وَجْهٍ آخَر \" وَيُقِيم الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ مِنْ النَّاس إِلَّا فِي خَيْرٍ \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاس ؟ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ \" الْحَدِيثَ , وَفِيهِ \" أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِاَلَّذِي يَتْلُوهُ ؟ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي غُنَيْمَةٍ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ فِيهَا \" وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ وَقَالَ حَسَنٌ , وَقَوْلُهُ هُنَا \" تَابَعَهُ النُّعْمَانُ \" هُوَ اِبْن رَاشِدٍ الْجَزَرِيُّ , وَمُتَابَعَتُهُ وَصَلَهَا أَحْمَدُ عَنْ وَهْبِ بْن جَرِيرٍ حَدَّثَنَا أَبِي سَمِعْت النُّعْمَان بْن رَاشِدٍ بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَالزُّبَيْدِيُّ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن الْوَلِيد الشَّامِيّ , وَطَرِيقه وَصَلَهَا مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن حَمْزَة عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَسُلَيْمَان بْن كَثِير ) ‏ ‏هُوَ الْعَبْدِيُّ , وَطَرِيقه وَصَلَهَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيِّ عَنْهُ بِلَفْظِ \" سُئِلَ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ إِيمَانًا \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاء أَوْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ كَذَا بِالشَّكِّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق وَقَالَ فِي سِيَاقه \" مَعْمَر يَشُكُّ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر فَقَالَ \" عَنْ عَطَاء \" بِغَيْرِ شَكٍّ , وَكَذَا وَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي مُسْنَدِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وَلَمْ يَشُكَّ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ وَطَرِيقه وَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي \" الزَّهْرِيَّاتِ \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ عَنْ يُونُسَ. ‏ ‏قَوْله ( وَابْن مُسَافِر ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن مُسَافِر , وَطَرِيقه وَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي \" الزَّهْرِيَّات \" مِنْ طَرِيق اللَّيْث بْن سَعْد عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَيَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ , وَطَرِيقه وَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ بَعْض أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذَا لَا يُخَالِف الرِّوَايَة الْأُولَى , لِأَنَّ الَّذِي حَفِظَ اِسْمَ الصَّحَابِيِّ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ أَبْهَمَهُ , وَقَدْ بَيَّنْت لَفْظَ مَعْمَرٍ وَلَفْظ الزُّبَيْدِيِّ فِي كِتَاب الْجِهَادِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6014",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَاجِشُونُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ خَيْرُ مَالِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ الْغَنَمُ يَتْبَعُ بِهَا ‏ ‏شَعَفَ ‏ ‏الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ ‏ ‏الْقَطْرِ ‏ ‏يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا الْمَاجِشُون ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْجِيم وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَة هُوَ عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَلَمَة وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ عَنْ أَبِي نُعَيْم أَيْضًا وَلَكِنْ قَالَ فِيهِ \" حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة بْن الْمَاجِشُون \" فَنَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ , وَلَا مُغَايَرَةَ بَيْن قَوْله الْمَاجِشُون وَابْن الْمَاجِشُون فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ وَأَوْلَادِهِ يُقَالُ لَهُ الْمَاجِشُون. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي صَعْصَعَةَ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي صَعْصَعَة , قَدْ رَوَى مَالِك عَنْهُ هَذَا الْحَدِيث وُجُودِ نَسَبِهِ وَبَيَّنْت ذَلِكَ فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي \" بَابٌ مِنْ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنْ الْفِتَنِ \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن هَذَا أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ , أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَانٌ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ الْغَنَمُ ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا , وَفِي الْكَلَام حَذْفٌ تَقْدِيره يَكُون فِيهِ , وَتَقَدَّمَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَنْ أَبِي نُعَيْم بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظِ \" يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان يَكُون الْغَنَم فِيهِ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك \" يُوشِكُ أَنْ يَكُون خَيْرُ مَال الْمُسْلِم إِلَخْ \" وَتَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. وَلَفْظُهُ هُنَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَاد بِخَيْرِيَّةِ الْعُزْلَةِ أَنْ تَقَعَ فِي آخِر الزَّمَانِ , وَأَمَّا زَمَنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ الْجِهَادُ فِيهِ مَطْلُوبًا حَتَّى كَانَ يَجِب عَلَى الْأَعْيَان إِذَا خَرَجَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَازِيًا أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعْذُورًا ؟ وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُ فَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال , وَسَيَأْتِي مَزِيد بَيَان لِذَلِكَ فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالشِّعْب بِكَسْرِ أَوَّلِهِ الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ أَوْ الْمَوْضِع فِيهِ , وَشَعَفٌ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَة ثُمَّ فَاء : رَأْس الْجَبَل , وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي \" كِتَاب الْعُزْلَة \" أَنَّ الْعُزْلَة وَالِاخْتِلَاطَ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ مُتَعَلِّقَاتِهِمَا فَتُحْمَلُ الْأَدِلَّةُ الْوَارِدَةُ فِي الْحَضِّ عَلَى الِاجْتِمَاعِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِطَاعَةِ الْأَئِمَّةِ وَأُمُورِ الدِّينِ وَعَكْسُهَا فِي عَكْسِهِ , وَأَمَّا الِاجْتِمَاع وَالِافْتِرَاقُ بِالْأَبْدَانِ فَمَنْ عَرَفَ الِاكْتِفَاءَ بِنَفْسِهِ فِي حَقّ مَعَاشِهِ وَمُحَافَظَةِ دِينِهِ فَالْأَوْلَى لَهُ الِانْكِفَافُ عَنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ بِشَرْطِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَالسَّلَامِ وَالرَّدِّ وَحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعِيَادَةِ وَشُهُودِ الْجِنَازَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ , وَالْمَطْلُوبُ إِنَّمَا هُوَ تَرْكُ فُضُولِ الصُّحْبَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ شَغْلِ الْبَالِ وَتَضْيِيع الْوَقْت عَنْ الْمُهِمَّات , وَيَجْعَل الِاجْتِمَاع بِمَنْزِلَةِ الِاحْتِيَاج إِلَى الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ فَيَقْتَصِرُ مِنْهُ عَلَى مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَهُوَ أَرْوَحُ لِلْبَدَنِ وَالْقَلْب وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ فِي \" الرِّسَالَة \" : طَرِيقُ مَنْ آثَرَ الْعُزْلَةَ أَنْ يَعْتَقِدَ سَلَامَةَ النَّاسِ مِنْ شَرِّهِ لَا الْعَكْس. فَإِنَّ الْأَوَّل يُنْتِجُهُ اِسْتِصْغَارُهُ نَفْسَهُ وَهِيَ صِفَةُ الْمُتَوَاضِعِ , وَالثَّانِي شُهُودُهُ مَزِيَّةً لَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُتَكَبِّرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6015",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِذَا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سِنَان ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَنُونَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل كِتَاب الْعِلْم بِهَذَا الْإِسْنَاد مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ مُحَمَّد بْن فُلَيْح عَنْ أَبِيهِ , وَسَاقَهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظِهِ وَفِيهِ قِصَّةُ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ عَنْ قِيَامِ السَّاعَةِ. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ ) ‏ ‏هَذَا جَوَابُ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ عَنْ قِيَامِ السَّاعَةِ وَهُوَ الْقَائِلُ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا ؟ ‏ ‏قَوْله ( إِذَا أُسْنِدَ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ أَجَابَ عَنْ كَيْفِيَّة الْإِضَاعَة بِمَا يَدُلُّ عَلَى الزَّمَان لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْجَوَابَ , لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ بَيَانُ أَنَّ كَيْفِيَّتَهَا هِيَ الْإِسْنَادُ الْمَذْكُورُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ بِلَفْظِ \" وُسِّدَ \" مَعَ شَرْحِهِ , وَالْمُرَاد مِنْ \" الْأَمْر \" جِنْسُ الْأُمُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ كَالْخِلَافَةِ وَالْإِمَارَة وَالْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ وَغَيْر ذَلِكَ , وَقَوْله \" إِلَى غَيْر أَهْلِهِ \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : أَتَى بِكَلِمَةِ \" إِلَى \" بَدَلَ اللَّام لِيَدُلَّ عَلَى تَضْمِينِ مَعْنَى الْإِسْنَادِ. ‏ ‏قَوْله ( فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ ) ‏ ‏الْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ , أَوْ جَوَاب شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَانْتَظِرْ , قَالَ اِبْن بَطَّال : مَعْنَى \" أُسْنِدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْر أَهْلِهِ \" أَنَّ الْأَئِمَّةَ قَدْ اِئْتَمَنَهُمْ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ النَّصِيحَةَ لَهُمْ , فَيَنْبَغِي لَهُمْ تَوْلِيَةَ أَهْلِ الدِّينِ , فَإِذَا قَلَّدُوا غَيْرَ أَهْلِ الدِّينِ فَقَدْ ضَيَّعُوا الْأَمَانَةَ الَّتِي قَلَّدَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إِيَّاهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6016",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدِيثَيْنِ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ السُّنَّةِ وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ ‏ ‏الْوَكْتِ ‏ ‏ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ ‏ ‏الْمَجْلِ ‏ ‏كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ ‏ ‏فَنَفِطَ ‏ ‏فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ فَيُقَالُ إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامُ وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث حُذَيْفَةَ فِي ذِكْرِ الْأَمَانَةِ وَفِي ذِكْرِ رَفْعِهَا , وَسَيَأْتِي بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ وَيُشْرَحُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَالْجَذْرُ ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا الْأَصْلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ , وَالْوَكْتُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْكَاف بَعْدهَا مُثَنَّاةٌ أَثَرُ النَّارِ وَنَحْوُهُ , وَالْمَجْلُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ هُوَ أَثَر الْعَمَل فِي الْكَفِّ , وَالْمُنْتَبِر بِنُونٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَهُوَ الْمُتَنَفِّطُ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يَكَادُ أَحَدُهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَحَد \" بِغَيْرِ ضَمِيرٍ. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ إِيمَان ) ‏ ‏قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَمَانَةِ فِي الْحَدِيث الْإِيمَان وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ذَكَرَ ذَلِكَ لِكَوْنِهَا لَازِمَةَ الْإِيمَانِ. ‏ ‏قَوْله ( بَايَعْت ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَأَوَّلَهُ بَعْض النَّاس عَلَى بَيْعَةِ الْخِلَافَةِ , وَهَذَا خَطَأٌ , كَيْفَ يَكُونُ وَهُوَ يَقُول إِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَى سَاعِيهِ فَهَلْ يُبَايَعُ النَّصْرَانِيُّ عَلَى الْخِلَافَةِ ؟ وَإِنَّمَا أَرَادَ مُبَايَعَةَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. ‏ ‏قَوْله ( رَدَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" بِالْإِسْلَامِ \" بِزِيَادَةِ مُوَحَّدَةٍ. ‏ ‏قَوْله ( نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَى سَاعِيهِ ) ‏ ‏أَيْ وَالِيهِ الَّذِي أُقِيمَ عَلَيْهِ لِيُنْصَفَ مِنْهُ , وَأَكْثَر مَا يُسْتَعْمَل السَّاعِي فِي وُلَاة الصَّدَقَةِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَادَ بِهِ هُنَا الَّذِي يَتَوَلَّى قَبْضَ الْجِزْيَةِ. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَكَرَهُ بِهَذَا اللَّفْظ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَمَّى اِثْنَيْنِ مِنْ الْمَشْهُورِينَ بِالْأَمَانَةِ إِذْ ذَاكَ فَأَبْهَمَهُمَا الرَّاوِي , وَالْمَعْنَى لَسْت أَثِقُ بِأَحَدٍ أَأْتِمِنُهُ عَلَى بَيْعٍ وَلَا شِرَاءٍ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ الْفَرَبْرِيّ ) ثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَحْدَهُ , وَأَبُو جَعْفَر الَّذِي رَوَى عَنْهُ هُنَا هُوَ مُحَمَّد بْن أَبِي حَاتِم الْبُخَارِيُّ وَرَّاق الْبُخَارِيِّ أَيْ نَاسِخُ كُتُبِهِ , وَقَوْله \" حَدَّثْت أَبَا عَبْد اللَّه \" يُرِيد الْبُخَارِيَّ وَحَذَفَ مَا حَدَّثَهُ بِهِ لِعَدَمِ اِحْتِيَاجِهِ لَهُ حِينَئِذٍ , وَقَوْله \" فَقَالَ سَمِعْت \" الْقَائِلُ هُوَ الْبُخَارِيُّ وَشَيْخُهُ أَحْمَدُ بْن عَاصِمٍ هُوَ الْبَلْخِيّ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع , وَأَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت أَبَا عُبَيْدٍ ) هُوَ الْقَاسِمُ بْن سَلَّام الْمَشْهُورُ صَاحِب كِتَابِ \" غَرِيب الْحَدِيث \" وَغَيْره مِنْ التَّصَانِيف , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعَ , وَكَذَا الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عَمْرو. وَقَوْله \" قَالَ الْأَصْمَعِيُّ \" هُوَ عَبْد الْمَلِك بْن قَرِيب , وَأَبُو عَمْرو هُوَ اِبْن الْعَلَاءِ. ‏ ‏قَوْله ( وَغَيْرهمَا ) ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْوَلِيد الْعَدَنِيِّ عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيِّ , ثُمَّ قَالَ فِي آخِره \" قَالَ سُفْيَان الْجَذْرُ الْأَصْلُ \". ‏ ‏قَوْله ( الْجَذْرُ الْأَصْلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) اِتَّفَقُوا عَلَى التَّفْسِيرِ , وَلَكِنْ عِنْد أَبِي عَمْرٍو أَنَّ الْجِذْرَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَعِنْدَ الْأَصْمَعِيِّ بِفَتْحِهَا. ‏ ‏قَوْله ( وَالْوَكْت أَثَرُ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ مِنْهُ ) هَذَا مِنْ كَلَام أَبِي عُبَيْدٍ أَيْضًا وَهُوَ أَخَصُّ مِمَّا تَقَدَّمَ لِتَقْيِيدِهِ بِالْيَسِيرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6017",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر , سَنَدُهُ مَعْدُودٌ فِي أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ ‏ ‏قَوْله ( إِنَّمَا النَّاس كَالْإِبِلِ الْمِائَة لَا تَكَاد تَجِد فِيهَا رَاحِلَةً ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ \" تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً \" فَعَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ وَبِغَيْر تَكَاد فَالْمَعْنَى لَا تَجِدُ فِي مِائَةِ إِبِلٍ رَاحِلَةً تَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ , لِأَنَّ الَّذِي يَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَطِيئًا سَهْلَ الِانْقِيَادِ , وَكَذَا لَا تَجِدُ فِي مِائَةٍ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَصْلُح لِلصُّحْبَةِ بِأَنْ يُعَاوِنَ رَفِيقَهُ وَيُلِينُ جَانِبَهُ , وَالرِّوَايَة بِإِثْبَاتِ \" لَا تَكَاد \" أَوْلَى لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَة الْمَعْنَى وَمُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ , وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الْأَوَّلِ يَرْجِعُ إِلَى ذَلِكَ , وَيُحْمَل النَّفْي الْمُطْلَق عَلَى الْمُبَالَغَة وَعَلَى أَنَّ النَّادِر لَا حُكْمَ لَهُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْعَرَبُ تَقُولُ لِلْمِائَةِ مِنْ الْإِبِلِ إِبِلٌ يَقُولُونَ لِفُلَانٍ إِبِلٌ أَيْ مِائَةُ بَعِيرٍ , وَلِفُلَانٍ إِبِلَان أَيْ مِائَتَانِ. قُلْت : فَعَلَى هَذَا فَالرِّوَايَة الَّتِي بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ يَكُونُ قَوْلُهُ مِائَة تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ إِبِل , لِأَنَّ قَوْله كَإِبِلٍ أَيْ كَمِائَةِ بَعِيرٍ , وَلَمَّا كَانَ مُجَرَّد لَفْظ إِبِلٍ لَيْسَ مَشْهُورَ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْمِائَةِ ذَكَرَ الْمِائَةَ تَوْضِيحًا رَفْعًا لِلْإِلْبَاسِ , وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَاللَّامُ لِلْجِنْسِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ : الْإِبِلُ اِسْم مِائَةِ بَعِيرٍ , فَقَوْله كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ الْمُرَادُ بِهِ عَشَرَةُ آلَاف لِأَنَّ التَّقْدِير كَالْمِائَةِ الْمِائَة اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ عَلَى تَسْلِيم قَوْله لَا يَلْزَم مَا قَالَ إِنَّ الْمُرَاد عَشَرَة آلَافٍ ; بَلْ الْمِائَة الثَّانِيَة لِلتَّأْكِيدِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيث عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ النَّاس فِي أَحْكَامِ الدِّينِ سَوَاءٌ لَا فَضْلَ فِيهَا لِشَرِيفٍ عَلَى مَشْرُوفٍ وَلَا لِرَفِيعٍ عَلَى وَضِيعٍ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ الَّتِي لَا يَكُونُ فِيهَا رَاحِلَةٌ وَهِيَ الَّتِي تُرَحَّلُ لِتُرْكَبَ , وَالرَّاحِلَةُ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ أَيْ كُلّهَا حَمُولَةٌ تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ وَلَا تَصْلُح لِلرَّحْلِ وَالرُّكُوب عَلَيْهَا. وَالثَّانِي أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أَهْل نَقْصٍ : وَأَمَّا أَهْلُ الْفَضْلِ فَعَدَدُهُمْ قَلِيلٌ جِدًّا , فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الرَّاحِلَةِ فِي الْإِبِلِ الْحَمُولَةِ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }. قُلْت : وَأَوْرَدَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْقَضَاء فِي تَسْوِيَة الْقَاضِي بَيْن الْخَصْمَيْنِ أَخْذًا بِالتَّأْوِيلِ الْأَوَّل , وَنُقِلَ عَنْ اِبْن قُتَيْبَةَ أَنَّ الرَّاحِلَةَ هِيَ النَّجِيبَةُ الْمُخْتَارَةُ مِنْ الْإِبِل لِلرُّكُوبِ , فَإِذَا كَانَتْ فِي إِبِلٍ عُرِفَتْ , وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ النَّاس فِي النَّسَب كَالْإِبِلِ الْمِائَة الَّتِي لَا رَاحِلَةَ فِيهَا , فَهِيَ مُسْتَوِيَةٌ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الرَّاحِلَةُ عِنْد الْعَرَب الذَّكَرُ النَّجِيبُ وَالْأُنْثَى النَّجِيبَةُ , وَالْهَاءُ فِي الرَّاحِلَة لِلْمُبَالَغَةِ. قَالَ : وَقَوْل اِبْن قُتَيْبَةَ غَلَطٌ وَالْمَعْنَى أَنَّ الزَّاهِدَ فِي الدُّنْيَا الْكَامِلَ فِيهِ الرَّاغِبَ فِي الْآخِرَةِ قَلِيلٌ كَقِلَّةِ الرَّاحِلَةِ فِي الْإِبِل. وَقَالَ النَّوَوِيّ. هَذَا أَجْوَدُ , وَأَجْوَدُ مِنْهُمَا قَوْلُ آخَرِينَ إِنَّ الْمَرْضِيَّ الْأَحْوَالِ مِنْ النَّاسِ الْكَامِلَ الْأَوْصَافِ قَلِيلٌ. قُلْت : هُوَ الثَّانِي , إِلَّا أَنَّهُ خَصَّصَهُ بِالزَّاهِدِ , وَالْأَوْلَى تَعْمِيمُهُ كَمَا قَالَ الشَّيْخ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الَّذِي يُنَاسِبُ التَّمْثِيلَ أَنَّ الرَّجُل الْجَوَادَ الَّذِي يَحْمِل أَثْقَال النَّاس وَالْحُمَالَات عَنْهُمْ وَيَكْشِف كُرَبَهُمْ عَزِيزُ الْوُجُودِ كَالرَّاحِلَةِ فِي الْإِبِلِ الْكَثِيرَةِ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ النَّاس كَثِيرٌ وَالْمَرْضِيَّ مِنْهُمْ قَلِيلٌ , وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَوْمَأَ الْبُخَارِيُّ بِإِدْخَالِهِ فِي \" بَاب رَفْع الْأَمَانَة \" لِأَنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ فَالِاخْتِيَارُ عَدَمُ مُعَاشَرَتِهِ. وَأَشَارَ اِبْن بَطَّال إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالنَّاسِ فِي الْحَدِيث مَنْ يَأْتِي بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ حَيْثُ يَصِيرُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ. وَنَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ هَذَا عَنْ مُغَلْطَاي ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ كَلَامُهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْزُهُ فَقَالَ : لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّخْصِيص , لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْكَفَّارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6018",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جُنْدَبًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَيْرَهُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان. ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏فِي الطَّرِيقَيْنِ هُوَ الثَّوْرِيّ , وَالسَّنَد الثَّانِي أَعْلَى مِنْ الْأَوَّل , وَلَمْ يَكْتَفِ بِهِ مَعَ عُلُوّهُ لِأَنَّ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى مَزَايَا وَهِيَ جَلَالَةُ الْقَطَّان وَمَا وَقَعَ فِي سِيَاقه مِنْ تَصْرِيح سُفْيَان بِالتَّحْدِيثِ وَنِسْبَةُ سَلَمَةَ شَيْخِ الثَّوْرِيِّ وَهُوَ سَلَمَة بْن كُهَيْل بِالتَّصْغِيرِ اِبْن حُصَيْنٍ الْحَضْرَمِيّ , وَالسَّنَد الثَّانِي كُلُّهُ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُول قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَهُ ) ‏ ‏وَثَبَتَ كَذَلِكَ عِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَةٍ , وَقَائِل ذَلِكَ هُوَ سَلَمَة بْن كُهَيْل \" وَمُرَاده أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة حَدِيثًا مُسْنَدًا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ جُنْدَبٍ وَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيُّ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ وَهُوَ مِنْ صِغَار الصَّحَابَة وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مُرَادُهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ. قُلْت : اِحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ \" فِي ذَلِكَ الْمَكَان \" عَمَّنْ كَانَ مِنْ الصَّحَابَة مَوْجُودًا إِذْ ذَاكَ بِغَيْرِ الْمَكَان الَّذِي كَانَ فِيهِ جُنْدَبٌ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ جُنْدَبًا كَانَ بِالْكُوفَةِ إِلَى أَنْ مَاتَ وَكَانَ بِهَا فِي حَيَاة جُنْدَبٍ أَبُو جُحَيْفَةَ السَّوَائِيُّ وَكَانَتْ وَفَاته بَعْد جُنْدَبٍ بِسِتِّ سِنِينَ , وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى وَكَانَتْ وَفَاته بَعْد جُنْدَبٍ بِعِشْرِينَ سَنَةً , وَقَدْ رَوَى سَلَمَة عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُون مُرَادُهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْهُمَا وَلَا مِنْ أَحَدهمَا وَلَا مِنْ غَيْرهمَا مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ الصَّحَابَة بِغَيْرِ الْكُوفَة بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مِنْ جُنْدَبٍ الْحَدِيث الْمَذْكُور عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ سَمَّعَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمِيم الثَّقِيلَة وَالثَّانِيَة مِثْلُهَا , وَقَوْله \" وَمَنْ يُرَائِي \" بِضَمِّ التَّحْتِيَّة وَالْمَدِّ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالثَّانِيَة مِثْلُهَا وَقَدْ ثَبَتَتْ الْيَاء فِي آخِر كُلٍّ مِنْهُمَا أَمَّا الْأُولَى فَلِلْإِشْبَاعِ وَأَمَّا الثَّانِيَة فَكَذَلِكَ , أَوْ التَّقْدِير فَإِنَّهُ يُرَائِي بِهِ اللَّه. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة وَكِيع عَنْ سُفْيَان عِنْد مُسْلِم \" مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعْ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ \" وَلِابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْد مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ , وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ , وَمَنْ تَطَاوَلَ تَعَاظُمًا خَفَضَهُ اللَّهُ , وَمَنْ تَوَاضَعَ تَخَشُّعًا رَفَعَهُ اللَّه \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد \" مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ \" وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن جُحَادَة عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل عَنْ جَابِر فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث \" وَمَنْ كَانَ ذَا لِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ لِسَانَيْنِ مِنْ نَار يَوْمَ الْقِيَامَة \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا عَلَى غَيْر إِخْلَاصٍ وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَرَاهُ النَّاس وَيَسْمَعُوهُ جُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يُشَهِّرَهُ اللَّهُ وَيَفْضَحَهُ وَيُظْهِرَ مَا كَانَ يُبْطِنُهُ وَقِيلَ مَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ الْجَاهَ وَالْمَنْزِلَةَ عِنْد النَّاس وَلَمْ يُرِدْ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّه يَجْعَلهُ حَدِيثًا عِنْد النَّاس الَّذِينَ أَرَادَ نَيْلَ الْمَنْزِلَة عِنْدهمْ وَلَا ثَوَاب لَهُ فِي الْآخِرَة , وَمَعْنَى يُرَائِي يُطْلِعهُمْ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ لَا لِوَجْهِهِ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا - إِلَى قَوْله - مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } وَقِيلَ : الْمُرَادُ مَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ أَنْ يَسْمَعَهُ النَّاس وَيَرَوْهُ لِيُعَظِّمُوهُ وَتَعْلُوَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدهمْ حَصَلَ لَهُ مَا قَصَدَ , وَكَانَ ذَلِكَ جَزَاءَهُ عَلَى عَمَله ; وَلَا يُثَاب عَلَيْهِ فِي الْآخِرَة. وَقِيلَ الْمَعْنَى , مَنْ سَمَّعَ بِعُيُوبِ النَّاسِ وَأَذَاعَهَا أَظْهَرَ اللَّهُ عُيُوبَهُ وَسَمَّعَهُ الْمَكْرُوه. وَقِيلَ الْمَعْنَى مَنْ نَسَبَ إِلَى نَفْسه عَمَلًا صَالِحًا لَمْ يَفْعَلْهُ وَادَّعَى خَيْرًا لَمْ يَصْنَعْهُ فَإِنَّ اللَّه يَفْضَحُهُ وَيُظْهِرُ كَذِبَهُ , وَقِيلَ الْمَعْنَى مَنْ يُرَائِي النَّاس بِعَمَلِهِ أَرَاهُ اللَّه ثَوَاب ذَلِكَ الْعَمَل وَحَرَمَهُ إِيَّاهُ. قِيلَ مَعْنَى سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ شَهَّرَهُ أَوْ مَلَأَ أَسْمَاعَ النَّاسِ بِسُوءِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْقِيَامَة بِمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ خُبْث السَّرِيرَةِ , قُلْت : وَرَدَ فِي عِدَّة أَحَادِيثَ التَّصْرِيحُ بِوُقُوعِ ذَلِكَ فِي الْآخِرَة , فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ : فَعِنْد أَحْمَدَ وَالدَّارِمِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هِنْد الدَّارِيّ رَفَعَهُ \" مَنْ قَامَ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ رَاءَى اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَسَمَّعَ بِهِ \" , وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث عَوْف بْن مَالِك نَحْوه , وَلَهُ مِنْ حَدِيث مُعَاذ مَرْفُوعًا \" مَا مِنْ عَبْد يَقُوم فِي الدُّنْيَا مَقَام سُمْعَة وَرِيَاء إِلَّا سَمَّعَ اللَّه بِهِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ \" وَفِي الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب إِخْفَاء الْعَمَل الصَّالِح , لَكِنْ قَدْ يُسْتَحَبّ إِظْهَاره مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ عَلَى إِرَادَته الِاقْتِدَاءَ بِهِ , وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَة. قَالَ اِبْن عَبْد السَّلَام : يُسْتَثْنَى مِنْ اِسْتِحْبَاب إِخْفَاء الْعَمَل مَنْ يُظْهِرُهُ لِيُقْتَدَى بِهِ أَوْ لِيُنْتَفَعَ بِهِ كَكِتَابَةِ الْعِلْمِ , وَمِنْهُ حَدِيثُ سَهْل الْمَاضِي فِي الْجُمُعَةِ \" لِتَأْتَمُّوا بِي وَلْتَعْلَمُوا صَلَاتِي \" قَالَ الطَّبَرِيُّ كَانَ اِبْن عُمَر وَابْن مَسْعُود وَجَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ يَتَهَجَّدُونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَيَتَظَاهَرُونَ بِمَحَاسِنِ أَعْمَالِهِمْ لِيُقْتَدَى بِهِمْ , قَالَ : فَمَنْ كَانَ إِمَامًا يُسْتَنُّ بِعَمَلِهِ عَالِمًا بِمَا لِلَّهِ عَلَيْهِ قَاهِرًا لِشَيْطَانِهِ اِسْتَوَى مَا ظَهَرَ مِنْ عَمَلِهِ وَمَا خَفِيَ لِصِحَّةِ قَصْدِهِ , وَمَنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَالْإِخْفَاءُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ , وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى عَمَل السَّلَف. فَمِنْ الْأَوَّلِ حَدِيثُ حَمَّادِ بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ \" سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَقْرَأ وَيَرْفَع صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ فَقَالَ إِنَّهُ أَوَّابٌ قَالَ فَإِذَا هُوَ الْمِقْدَادُ بْن الْأَسْوَدِ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وَمِنْ الثَّانِي حَدِيث الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" قَامَ رَجُلٌ يُصَلِّي فَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُسْمِعْنِي وَأَسْمِعْ رَبَّك \" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْن أَبِي خَيْثَمَةَ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "6019",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا آخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ يَا ‏ ‏مُعَاذُ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏مُعَاذُ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ ‏ ‏هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ‏ ‏قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( هَمَّام ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ يَحْيَى. ‏ ‏قَوْله ( أَنَس عَنْ مُعَاذ بْن جَبَلٍ ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ , وَمُقْتَضَاهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ مُعَاذٍ , وَخَالَفَهُ هِشَامٌ الدَّسْتِوَائِيُّ عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ \" عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ - وَمُعَاذ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْل - يَا مُعَاذ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر كِتَاب الْعِلْم وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَد أَنَس وَالْمُعْتَمَد الْأَوَّل , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الْمُصَنِّف أَتْبَعَ رِوَايَة هِشَام رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَس قَالَ \" ذَكَرَ لِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذٍ \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَنَسًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحْتَمَلَ قَوْله \" ذُكِرَ \" عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَنْ يَكُون أَنَسٌ حَمَلَهُ عَنْ مُعَاذ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ , وَقَدْ أَشَرْت فِي شَرْحِهِ فِي الْعِلْمِ إِلَى اِحْتِمَالِ أَنْ يَكُون أَنَسٌ حَمَلَهُ عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون الْأَوْدِيِّ عَنْ مُعَاذ , أَوْ مِنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة عَنْ مُعَاذ , وَهَذَا كُلّه بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ , وَقَدْ رُجِّحَ لِي أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ وَإِنْ اِتَّحَدَ مَخْرَجُهُمَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس وَمَتْنُهُمَا فِي كَوْن مُعَاذ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلِاخْتِلَافِ فِيمَا وَرَدَا فِيهِ , وَهُوَ أَنَّ حَدِيث الْبَاب فِي حَقّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَحَقِّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ , وَالْمَاضِي فِيمَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا , وَكَذَا رِوَايَة أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيِّ وَأَبِي رَزِين وَأَبِي الْعَوَّام كُلّهمْ عَنْ مُعَاذ عِنْد أَحْمَد , وَرِوَايَة عَمْرو بْن مَيْمُون مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ حَدِيث الْبَاب , وَنَحْوُهَا رِوَايَةُ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة عَنْ مُعَاذ عِنْد النَّسَائِيِّ , وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ هِشَام الَّتِي فِي الْعِلْم , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي \" بَاب اِسْم الْفَرَس وَالْحِمَار \" مِنْ كِتَاب الْجِهَاد , وَقَدْ جَاءَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ مُعَاذ نَحْو حَدِيث الْبَاب أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ أَنَس قَالَ \" أَتَيْنَا مُعَاذًا فَقُلْنَا : حَدِّثْنَا مِنْ غَرَائِبِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" , فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ. ‏ ‏قَوْله ( بَيْنَا أَنَا رَدِيف ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه فِي أَوَاخِر كِتَاب اللِّبَاسِ قَبْل الْأَدَبِ بِبَابَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا آخِرَةُ الرَّحْلِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ لِلْبَعِيرِ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ , وَآخِرُهُ بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ هِيَ الْعُودُ الَّذِي يُجْعَل خَلْفَ الرَّاكِبِ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ , وَفَائِدَةُ ذِكْرِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي شِدَّةِ قُرْبِهِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ سَامِعِهِ أَنَّهُ ضَبَطَ مَا رَوَاهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ هَدَّابِ بْن خَالِدٍ وَهُوَ هُدْبَةُ شَيْخ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِسَنَدِهِ هَذَا \" مُؤْخَرَة \" بَدَل \" آخِرَة \" وَهِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُون الْهَمْزَةِ وَفَتْح الْخَاء , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن مَيْمُون عَنْ مُعَاذ \" كُنْت رِدْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَار يُقَال لَهُ عُفَيْر \" وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْجِهَاد , وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن غَنَم عَنْ مُعَاذ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ عَلَى حِمَار يُقَال لَهُ يَعْفُورُ رَسَنُهُ مِنْ لِيفٍ \" وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِآخِرَةِ الرَّحْلِ مَوْضِع آخِرَةِ الرَّحْلِ لِلتَّصْرِيحِ هُنَا بِكَوْنِهِ كَانَ عَلَى حِمَار , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ النَّوَوِيُّ وَمَشَى اِبْن الصَّلَاحِ عَلَى أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ , وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْعَوَّامِ عِنْد أَحْمَد \" عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ \" وَلَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ يَا مُعَاذ : قُلْت لَبَّيْكَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ. ‏ ‏قَوْله ( رَسُولَ اللَّهِ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ وَحَرْفُ النِّدَاءِ مَحْذُوفٌ , وَوَقَعَ فِي الْعِلْمِ بِإِثْبَاتِهِ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ سَارَ سَاعَة ) ‏ ‏فِيهِ بَيَان أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْعِلْمِ \" قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ , قَالَ يَا مُعَاذ \" لَمْ يَقَعْ النِّدَاءُ الثَّانِي عَلَى الْفَوْرِ بَلْ بَعْدَ سَاعَةٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" ثُمَّ قَالَ \". ‏ ‏قَوْله ( يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْعِلْمِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ هَلْ تَدْرِي ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم الْمُشَار إِلَيْهَا بَعْد قَوْله \" وَسَعْدَيْكَ \" الثَّانِيَة \" ثُمَّ سَارَ سَاعَة ثُمَّ قَالَ هَلْ تَدْرِي \" وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ هَمَّام الْمَاضِيَة فِي الِاسْتِئْذَان بَعْد الْمَرَّة الْأُولَى \" ثُمَّ قَالَ مِثْلَهُ ثَلَاثًا \" أَيْ النِّدَاء وَالْإِجَابَة وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوه فِي الْعِلْم , وَهُوَ لِتَأْكِيدِ الِاهْتِمَام بِمَا يُخْبِرُهُ بِهِ وَيُبَالِغ فِي تَفَهُّمِهِ وَضَبْطِهِ. ‏ ‏قَوْله ( هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّه عَلَى عِبَاده ) ‏ ‏الْحَقّ كُلّ مَوْجُودٍ مُتَحَقِّقٍ أَوْ مَا سَيُوجَدُ لَا مَحَالَةَ , وَيُقَال لِلْكَلَامِ الصِّدْقِ حَقٌّ لِأَنَّ وُقُوعَهُ مُتَحَقِّقٌ لَا تَرَدُّدَ فِيهِ , وَكَذَا الْحَقّ الْمُسْتَحَقُّ عَلَى الْغَيْرِ إِذَا كَانَ لَا تَرَدُّدَ فِيهِ , وَالْمُرَاد هُنَا مَا يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ مِمَّا جَعَلَهُ مُحَتَّمًا عَلَيْهِمْ قَالَهُ اِبْن التَّيْمِيِّ فِي التَّحْرِير , وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ هُوَ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنْ الثَّوَابِ وَأَلْزَمهُمْ إِيَّاهُ بِخِطَابِهِ. ‏ ‏قَوْله ( أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْعِبَادَةِ عَمَلُ الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَعَاصِي وَعَطَفَ عَلَيْهَا عَدَمَ الشِّرْكِ لِأَنَّهُ تَمَامُ التَّوْحِيدِ , وَالْحِكْمَةُ فِي عَطْفِهِ عَلَى الْعِبَادَة أَنَّ بَعْضَ الْكَفَرَةِ كَانُوا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ آلِهَةً أُخْرَى فَاشْتَرَطَ نَفْي ذَلِكَ , وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْجُمْلَة حَالِيَّةٌ وَالتَّقْدِيرُ يَعْبُدُونَهُ فِي حَالِ عَدَمِ الْإِشْرَاكِ بِهِ. قَالَ اِبْن حِبَّانَ : عِبَادَة اللَّه إِقْرَار بِاللِّسَانِ وَتَصْدِيق بِالْقَلْبِ وَعَمَل بِالْجَوَارِحِ , وَلِهَذَا قَالَ فِي الْجَوَاب \" فَمَا حَقّ الْعِبَاد إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ \" فَعَبَّرَ بِالْفِعْلِ وَلَمْ يُعَبِّرْ بِالْقَوْلِ. ‏ ‏قَوْله ( هَلْ تَدْرِي مَا حَقّ الْعِبَاد عَلَى اللَّه إِذَا فَعَلُوهُ ) ‏ ‏؟ الضَّمِير لَمَّا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْله \" يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا \" فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ \" إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله ( حَقّ الْعِبَاد عَلَى اللَّه أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن مَيْمُون \" أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا يُعَذِّبَهُمْ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي عُثْمَان \" يُدْخِلهُمْ الْجَنَّة \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الْعَوَّامِ مِثْلُهُ وَزَادَ \" وَيَغْفِر لَهُمْ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن غُنْمٍ \" أَنْ يُدْخِلَهُمْ الْجَنَّةَ \" قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنْ الثَّوَاب وَالْجَزَاءِ , فَحُقَّ ذَلِكَ وَوَجَبَ بِحُكْمِ وَعْدِهِ الصِّدْق , وَقَوْله الْحَقُّ الَّذِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ فِي الْخَبَرِ وَلَا الْخُلْفُ فِي الْوَعْدِ , فَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِحُكْمِ الْأَمْرِ إِذْ لَا آمِرَ فَوْقَهُ وَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ لِأَنَّهُ كَاشِفٌ لَا مُوجِبٌ اِنْتَهَى. وَتَمَسَّكَ بَعْض الْمُعْتَزِلَةِ بِظَاهِرِهِ. وَلَا مُتَمَسَّكَ لَهُمْ فِيهِ مَعَ قِيَام الِاحْتِمَال. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ عِدَّةُ أَجْوِبَةٍ غَيْرُ هَذِهِ , وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَقِّ هُنَا الْمُتَحَقِّق الثَّابِت أَوْ الْجَدِير , لِأَنَّ إِحْسَانَ الرَّبِّ لِمَنْ لَمْ يَتَّخِذْ رَبًّا سِوَاهُ جَدِيرٌ فِي الْحِكْمَة أَنْ لَا يُعَذِّبَهُ , أَوْ الْمُرَاد أَنَّهُ كَالْوَاجِبِ فِي تَحَقُّقِهِ وَتَأَكُّدِهِ , أَوْ ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَة. قَالَ : وَفِي الْحَدِيث جَوَازُ رُكُوبِ اِثْنَيْنِ عَلَى حِمَارٍ , وَفِيهِ تَوَاضُعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفَضْلُ مُعَاذ وَحُسْنُ أَدَبِهِ فِي الْقَوْلِ وَفِي الْعِلْمِ بِرَدِّهِ لِمَا لَمْ يُحِطْ بِحَقِيقَتِهِ إِلَى عِلْم اللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَقُرْبِ مَنْزِلَتِهِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ تَكْرَارُ الْكَلَامِ لِتَأْكِيدِهِ وَتَفْهِيمِهِ , وَاسْتِفْسَار الشَّيْخِ تِلْمِيذَهُ عَنْ الْحُكْمِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُ وَيُبَيِّنَ لَهُ مَا يُشْكِل عَلَيْهِ مِنْهُ. وَقَالَ اِبْن رَجَبٍ فِي شَرْحِهِ لِأَوَائِل الْبُخَارِيِّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ يُؤْخَذ مِنْ مَنْعِ مُعَاذ مِنْ تَبْشِيرِ النَّاسِ لِئَلَّا يَتَّكِلُوا أَنَّ أَحَادِيث الرُّخَصِ لَا تُشَاعُ فِي عُمُومِ النَّاسِ لِئَلَّا يَقْصُر فَهْمُهُمْ عَنْ الْمُرَادِ بِهَا , وَقَدْ سَمِعَهَا مُعَاذ فَلَمْ يَزْدَدْ إِلَّا اِجْتِهَادًا فِي الْعَمَلِ وَخَشْيَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مَنْزِلَتَهُ فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُقَصِّر اِتِّكَالًا عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ , وَقَدْ عَارَضَهُ مَا تَوَاتَرَ مِنْ نُصُوص الْكِتَاب وَالسُّنَّة أَنَّ بَعْضَ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ , فَعَلَى هَذَا فَيَجِب الْجَمْع بَيْن الْأَمْرَيْنِ , وَقَدْ سَلَكُوا فِي ذَلِكَ مَسَالِك : أَحَدهَا قَوْل الزُّهْرِيِّ إِنَّ هَذِهِ الرُّخْصَة كَانَتْ قَبْل نُزُول الْفَرَائِض وَالْحُدُود , وَسَيَأْتِي ذَلِكَ عَنْهُ فِي حَدِيث عُثْمَان فِي الْوُضُوء , وَاسْتَبْعَدَهُ غَيْره مِنْ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَدْخُل الْخَبَر , وَبِأَنَّ سَمَاع مُعَاذ لِهَذِهِ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْ أَكْثَرِ نُزُولِ الْفَرَائِضِ. وَقِيلَ لَا نَسْخَ بَلْ هُوَ عَلَى عُمُومِهِ , وَلَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِشَرَائِطَ كَمَا تُرَتَّبُ الْأَحْكَامُ عَلَى أَسْبَابِهَا الْمُقْتَضِيَةِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَى اِنْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ , فَإِذَا تَكَامَلَ ذَلِكَ عَمِلَ الْمُقْتَضِي عَمَلَهُ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ بِقَوْلِهِ الْمُتَقَدِّم فِي كِتَاب الْجَنَائِز فِي شَرْحِ \" أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ \" : لَيْسَ مِنْ مِفْتَاحٍ إِلَّا وَلَهُ أَسْنَانٌ , وَقِيلَ الْمُرَاد تَرْك دُخُول نَار الشِّرْك , وَقِيلَ تَرْكُ تَعْذِيبِ جَمِيعِ بَدَنِ الْمُوَحِّدِينَ لِأَنَّ النَّار لَا تَحْرِق مَوَاضِع السُّجُود , وَقِيلَ لَيْسَ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ وَحَّدَ وَعَبَدَ بَلْ يَخْتَصُّ بِمَنْ أَخْلَصَ , وَالْإِخْلَاصُ يَقْتَضِي تَحْقِيقَ الْقَلْبِ بِمَعْنَاهَا , وَلَا يُتَصَوَّر حُصُولُ التَّحْقِيقِ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لِامْتِلَاءِ الْقَلْبِ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَشْيَتِهِ فَتَنْبَعِث الْجَوَارِح إِلَى الطَّاعَة وَتَنْكَفُّ عَنْ الْمَعْصِيَةِ. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَفِي آخِر حَدِيثِ أَنَس عَنْ مُعَاذ فِي نَحْو هَذَا الْحَدِيث \" فَقُلْت أَلَا أُخْبِرُ النَّاسَ ؟ قَالَ : لَا لِئَلَّا يَتَّكِلُوا , فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْد مَوْته تَأَثُّمًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَاب الْعِلْمِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏هَذَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع عَنْ شَيْخٍ وَاحِدٍ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ , وَهِيَ قَلِيلَةٌ فِي كِتَابِهِ جِدًّا , وَلَكِنَّهُ أَضَافَ إِلَيْهِ فِي الِاسْتِئْذَانِ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل , وَقَدْ تَتَبَّعَ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ مَا أَخْرَجَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ بِسَنَدٍ فَبَلَغَ عِدَّتُهَا زِيَادَةً عَلَى الْعِشْرِينَ , وَفِي بَعْضِهَا يَتَصَرَّفُ فِي الْمَتْنِ بِالِاخْتِصَارِ مِنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6020",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كَانَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَاقَةٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْفَزَارِيُّ ‏ ‏وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ نَاقَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ وَكَانَتْ لَا تُسْبَقُ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا سُبِقَتْ الْعَضْبَاءُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي ذِكْرِ النَّاقَةِ لَمَّا سُبِقَتْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَاب الْجِهَاد فِي \" بَاب نَاقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ , وَغَفَلَ عَمَّا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْد النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ \" حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْءٌ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ \" فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى الْحَثِّ عَلَى عَدَم التَّرَفُّعِ , وَالْحَثَّ عَلَى التَّوَاضُعِ , وَالْإِعْلَامَ بِأَنَّ أُمُور الدُّنْيَا نَاقِصَةٌ غَيْرُ كَامِلَةٍ. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ هَوَان الدُّنْيَا عَلَى اللَّه , وَالتَّنْبِيه عَلَى تَرْك الْمُبَاهَاة وَالْمُفَاخَرَة , وَأَنَّ كُلّ شَيْء هَانَ عَلَى اللَّه فَهُوَ فِي مَحَلّ الضِّعَةِ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ ذِي عَقْلٍ أَنْ يَزْهَدَ فِيهِ وَيُقِلّ مُنَافَسَتَهُ فِي طَلَبه. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : فِي التَّوَاضُع مَصْلَحَة الدِّين وَالدُّنْيَا , فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ اِسْتَعْمَلُوهُ فِي الدُّنْيَا لَزَالَتْ بَيْنَهُمْ الشَّحْنَاءُ وَلَاسْتَرَاحُوا مِنْ تَعَبِ الْمُبَاهَاةِ وَالْمُفَاخَرَةِ , قُلْت : وَفِيهِ أَيْضًا حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَوَاضُعُهُ , لِكَوْنِهِ رَضِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا يُسَابِقُهُ , وَفِيهِ جَوَاز الْمُسَابَقَةِ. وَزُهَيْرٌ فِي السَّنَد الْأَوَّلِ هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيُّ ; وَمُحَمَّد فِي السَّنَد الثَّانِي هُوَ اِبْن سَلَام وَجَزَمَ بِهِ الْكَلَابَاذِيّ وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي نُسْخَة مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَالْفَزَارِيّ هُوَ مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن الْحَارِث , نَعَمْ رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق الْفَزَارِيِّ لَهُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْجِهَاد , وَأَبُو خَالِد الْأَحْمَر هُوَ سُلَيْمَان بْن حَيَّانَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6021",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ كَرَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ قَالَ ‏ ‏مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ ‏ ‏آذَنْتُهُ ‏ ‏بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مُحَمَّد بْن عُثْمَان بْن كَرَامَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْكَافِ وَالرَّاءِ الْخَفِيفَةِ هُوَ مِنْ صِغَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ , وَقَدْ شَارَكَهُ فِي كَثِير مِنْ شُيُوخِهِ مِنْهُمْ خَالِد بْن مَخْلَد شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث , فَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيّ كَثِيرًا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ مِنْهَا فِي \" بَاب الِاسْتِعَاذَة مِنْ الْجُبْنِ \" فِي كِتَاب الدَّعَوَاتِ وَهُوَ أَقْرَبُهَا إِلَى هَذَا. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَطَاء ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَسَار , وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي بَعْض النَّسْخِ , وَقِيلَ هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاح وَالْأَوَّل أَصَحُّ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْخَطِيب , وَسَاقَ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ خَالِد مِنْ الْمِيزَان بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْل أَحْمَد فِيهِ لَهُ مَنَاكِير , وَقَوْل أَبِي حَاتِم لَا يُحْتَجُّ بِهِ , وَأَخْرَجَ اِبْن عَدِيٍّ عَشَرَة أَحَادِيث مِنْ حَدِيثه اِسْتَنْكَرَهَا : هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن مَخْلَد عَنْ مُحَمَّد بْن عُثْمَان بْن كَرَامَة شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ وَقَالَ : هَذَا حَدِيث غَرِيب جِدًّا لَوْلَا هَيْبَةُ الصَّحِيحِ لَعَدُّوهُ فِي مُنْكَرَات خَالِدِ بْن مَخْلَد , فَإِنَّ هَذَا الْمَتْنَ لَمْ يُرْوَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَلَا خَرَّجَهُ مَنْ عَدَا الْبُخَارِيّ وَلَا أَظُنُّهُ فِي مُسْنَد أَحْمَدَ. قُلْت : لَيْسَ هُوَ فِي مُسْنَد أَحْمَد جَزْمًا , وَإِطْلَاق أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ هَذَا الْمَتْنُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَرْدُودٌ , وَمَعَ ذَلِكَ فَشَرِيكٌ شَيْخُ شَيْخِ خَالِدٍ فِيهِ مَقَالٌ أَيْضًا , وَهُوَ رَاوِي حَدِيث الْمِعْرَاج الَّذِي زَادَ فِيهِ وَنَقَصَ وَقَدَّمَ وَأَخَّرَ وَتَفَرَّدَ فِيهِ بِأَشْيَاءَ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهَا كَمَا يَأْتِي الْقَوْل فِيهِ مُسْتَوْعَبًا فِي مَكَانِهِ , وَلَكِنْ لِلْحَدِيثِ طُرُقٌ أُخْرَى يَدُلُّ مَجْمُوعُهَا عَلَى أَنْ لَهُ أَصْلًا , مِنْهَا عَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي \" الزُّهْد \" وَابْن أَبِي الدُّنْيَا وَأَبُو نُعَيْم فِي \" الْحِلْيَة \" وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الزُّهْد \" مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَاحِد بْن مَيْمُون عَنْ عُرْوَة عَنْهَا , وَذَكَرَ اِبْن حِبَّانَ وَابْن عَدِيٍّ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ , وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ إِنَّهُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ , لَكِنْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوب بْن مُجَاهِد عَنْ عُرْوَة وَقَالَ : لَمْ يَرَوْهُ عَنْ عُرْوَة إِلَّا يَعْقُوب وَعَبْد الْوَاحِد. وَمِنْهَا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الزُّهْد \" بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. وَمِنْهَا عَنْ عَلِيٍّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي مُسْنَد عَلِيٍّ , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَسَنَدُهُمَا ضَعِيفٌ , وَعَنْ أَنَس أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا , وَعَنْ حُذَيْفَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مُخْتَصَرًا وَسَنَده حَسَنٌ غَرِيبٌ , وَعَنْ مُعَاذِ بْن جَبَلٍ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي \" الْحِلْيَة \" مُخْتَصَرًا وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا , وَعَنْ وَهْب بْن مُنَبِّهٍ مَقْطُوعًا أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي \" الزُّهْد \" وَأَبُو نُعَيْم فِي \" الْحِلْيَة \" وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى اِبْن حِبَّانَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ إِخْرَاج حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : لَا يُعْرَفُ لِهَذَا الْحَدِيث إِلَّا طَرِيقَانِ يَعْنِي غَيْر حَدِيث الْبَاب وَهُمَا هِشَامٌ الْكِنَانِيُّ عَنْ أَنَس وَعَبْد الْوَاحِد بْن مَيْمُون عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ , وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا مِنْ الْأَحَادِيث الْقُدْسِيَّةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا قَبْلَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَ بِهِ عَنْ جِبْرِيل عَنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَذَلِكَ فِي حَدِيث أَنَسٍ. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ عَادَى لِي وَلِيًّا ) ‏ ‏الْمُرَاد بِوَلِيِّ اللَّهِ الْعَالِم بِاَللَّهِ الْمُوَاظِب عَلَى طَاعَته الْمُخْلِص فِي عِبَادَته. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ وُجُود أَحَدٍ يُعَادِيهِ لِأَنَّ الْمُعَادَاةَ إِنَّمَا تَقَعُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَمَنْ شَأْن الْوَلِيِّ الْحِلْم وَالصَّفْح عَمَّنْ يَجْهَل عَلَيْهِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُعَادَاةَ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي الْخُصُومَةِ وَالْمُعَامَلَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَثَلًا بَلْ قَدْ تَقَع عَنْ بُغْضٍ يَنْشَأُ عَنْ التَّعَصُّبِ كَالرَّافِضِيِّ فِي بُغْضِهِ لِأَبِي بَكْرٍ , وَالْمُبْتَدِع فِي بُغْضِهِ لِلسُّنِّيِّ , فَتَقَعُ الْمُعَادَاةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ , أَمَّا مِنْ جَانِب الْوَلِيِّ فَلِلَّهِ تَعَالَى وَفِي اللَّه , وَأَمَّا مِنْ جَانِب الْآخَر فَلِمَا تَقَدَّمَ. وَكَذَا الْفَاسِق الْمُتَجَاهِر بِبُغْضِهِ الْوَلِيُّ فِي اللَّه وَبِبُغْضِهِ الْآخَر لِإِنْكَارِهِ عَلَيْهِ وَمُلَازَمَتِهِ لِنَهْيِهِ عَنْ شَهَوَاتِهِ. وَقَدْ تُطْلَقُ الْمُعَادَاةُ وَيُرَاد بِهَا الْوُقُوع مِنْ أَحَد الْجَانِبَيْنِ بِالْفِعْلِ وَمِنْ الْآخَر بِالْقُوَّةِ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَوْله \" لِي \" هُوَ فِي الْأَصْل صِفَةٌ لِقَوْلِهِ \" وَلِيًّا \" لَكِنَّهُ لَمَّا تَقَدَّمَ صَارَ حَالًا. وَقَالَ اِبْن هُبَيْرَةَ فِي \" الْإِفْصَاحِ \" قَوْله \" عَادَى لِي وَلِيًّا \" أَيْ اِتَّخَذَهُ عَدُوًّا , وَلَا أَرَى الْمَعْنَى إِلَّا أَنَّهُ عَادَاهُ مِنْ أَجْلِ وِلَايَتِهِ وَهُوَ إِنْ تَضَمَّنَ التَّحْذِيرَ مِنْ إِيذَاء قُلُوبِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا كَانَتْ الْحَالُ تَقْتَضِي نِزَاعًا بَيْنَ وَلِيَّيْنِ فِي مُخَاصَمَةٍ أَوْ مُحَاكَمَةٍ تَرْجِعُ إِلَى اِسْتِخْرَاجِ حَقٍّ أَوْ كَشْف غَامِضٍ , فَإِنَّهُ جَرَى بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُشَاجَرَةٌ , وَبَيْن الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ , إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوَقَائِعِ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا. وَتَعَقَّبَهُ الْفَاكِهَانِيُّ بِأَنَّ مُعَادَاة الْوَلِيّ لِكَوْنِهِ وَلِيًّا لَا يُفْهَمُ إِلَّا إِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْحَسَدِ الَّذِي هُوَ تَمَنِّي زَوَال وِلَايَته وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا فِي حَقّ الْوَلِيِّ فَتَأَمَّلْهُ قُلْت : وَاَلَّذِي قَدَّمْته أَوْلَى أَنْ يُعْتَمَد , قَالَ اِبْن هُبَيْرَة : وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَقْدِيمُ الْإِعْذَارِ عَلَى الْإِنْذَارِ وَهُوَ وَاضِحٌ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَدْ آذَنْته ) ‏ ‏بِالْمَدِّ وَفَتْح الْمُعْجَمَةِ بَعْدهَا نُونٌ أَيْ أَعْلَمْته , وَالْإِيذَانُ الْإِعْلَامُ , وَمِنْهُ أُخِذَ الْأَذَانُ. ‏ ‏قَوْله ( بِالْحَرْبِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِحَرْبٍ \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَةَ \" مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا \" وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ \" مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا \" وَفِي أُخْرَى لَهُ \" مَنْ آذَى \" وَفِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ مِثْلُهُ \" فَقَدْ اِسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي \" وَفِي رِوَايَة وَهْبِ بْن مُنَبِّهٍ مَوْقُوفًا \" قَالَ اللَّهُ مَنْ أَهَانَ وَلِيِّي الْمُؤْمِنَ فَقَدْ اِسْتَقْبَلَنِي بِالْمُحَارَبَةِ \" وَفِي حَدِيث مُعَاذ \" فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ \" وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وَأَنَسٍ \" فَقَدْ بَارَزَنِي \" وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ وُقُوعُ الْمُحَارَبَةِ وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مَعَ أَنَّ الْمَخْلُوقَ فِي أَسْرِ الْخَالِقِ , وَالْجَوَاب أَنَّهُ مِنْ الْمُخَاطَبَةِ بِمَا يُفْهَمُ , فَإِنَّ الْحَرْبَ تَنْشَأُ عَنْ الْعَدَاوَةِ وَالْعَدَاوَةُ تَنْشَأُ عَنْ الْمُخَالَفَةِ وَغَايَة الْحَرْب الْهَلَاك وَاَللَّه لَا يَغْلِبُهُ غَالِبٌ , فَكَأَنَّ الْمَعْنَى فَقَدْ تَعَرَّضَ لِإِهْلَاكِي إِيَّاهُ. فَأَطْلَقَ الْحَرْبَ وَأَرَادَ لَازِمَهُ أَيْ أَعْمَلُ بِهِ مَا يَعْمَلُهُ الْعَدُوُّ الْمُحَارَبُ. قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ : فِي هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ , لِأَنَّ مَنْ حَارَبَهُ اللَّهُ أَهْلَكَهُ , وَهُوَ مِنْ الْمَجَازِ الْبَلِيغِ , لِأَنَّ مَنْ كَرِهَ مَنْ أَحَبَّ اللَّهُ خَالَفَ اللَّهَ وَمَنْ خَالَفَ اللَّهَ عَانَدَهُ وَمَنْ عَانَدَهُ أَهْلَكَهُ , وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي جَانِبِ الْمُعَادَاةِ ثَبَتَ فِي جَانِب الْمُوَالَاةِ , فَمَنْ وَالَى أَوْلِيَاءَ اللَّه أَكْرَمَهُ اللَّهُ. وَقَالَ الطُّوفِيُّ : لَمَّا كَانَ وَلِيُّ اللَّهِ مَنْ تَوَلَّى اللَّهَ بِالطَّاعَةِ وَالتَّقْوَى تَوَلَّاهُ اللَّهُ بِالْحِفْظِ وَالنُّصْرَةِ , وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِأَنَّ عَدُوَّ الْعَدُوّ صِدِّيقٌ وَصِدِّيقَ الْعَدُوِّ عَدُوٌّ , فَعَدُوُّ وَلِيِّ اللَّهِ عَدُوُّ اللَّهِ فَمَنْ عَادَاهُ كَانَ كَمَنْ حَارَبَهُ وَمَنْ حَارَبَهُ فَكَأَنَّمَا حَارَبَ اللَّه. ‏ ‏قَوْله ( وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا اِفْتَرَضْت عَلَيْهِ ) ‏ ‏يَجُوزُ فِي \" أَحَبّ \" الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ , وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا اللَّفْظِ جَمِيعُ فَرَائِضِ الْعَيْنِ وَالْكِفَايَةِ , وَظَاهِرُهُ الِاخْتِصَاصُ بِمَا اِبْتَدَأَ اللَّه فَرْضِيَّتَهُ , وَفِي دُخُول مَا أَوْجَبَهُ الْمُكَلَّف عَلَى نَفْسِهِ نَظَرٌ لِلتَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ اِفْتَرَضْت عَلَيْهِ , إِلَّا إِنْ أُخِذَ مِنْ جِهَة الْمَعْنَى الْأَعَمِّ , وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ أَدَاء الْفَرَائِض أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّه. قَالَ الطُّوفِيُّ : الْأَمْرُ بِالْفَرَائِضِ جَازِمٌ وَيَقَعُ بِتَرْكِهَا الْمُعَاقَبَةُ بِخِلَافِ النَّفْلِ فِي الْأَمْرَيْنِ وَإِنْ اِشْتَرَكَ مَعَ الْفَرَائِضِ فِي تَحْصِيلِ الثَّوَابِ فَكَانَتْ الْفَرَائِضُ أَكْمَلَ , فَلِهَذَا كَانَتْ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَشَدَّ تَقْرِيبًا , وَأَيْضًا فَالْفَرْضُ كَالْأَصْلِ وَالْأُسِّ وَالنَّفْلُ كَالْفَرْعِ وَالْبِنَاءِ , وَفِي الْإِتْيَانِ بِالْفَرَائِضِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ اِمْتِثَالُ الْأَمْرِ وَاحْتِرَامُ الْآمِرِ وَتَعْظِيمُهُ بِالِانْقِيَادِ إِلَيْهِ وَإِظْهَارُ عَظَمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَذُلِّ الْعُبُودِيَّةِ فَكَانَ التَّقَرُّبُ بِذَلِكَ أَعْظَمَ الْعَمَلِ , وَاَلَّذِي يُؤَدِّي الْفَرَائِض قَدْ يَفْعَلهُ خَوْفًا مِنْ الْعُقُوبَةِ وَمُؤَدِّي النَّفْلِ لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا إِيثَارًا لِلْخِدْمَةِ فَيُجَازَى بِالْمَحَبَّةِ الَّتِي هِيَ غَايَةُ مَطْلُوبِ مَنْ يَتَقَرَّبُ بِخِدْمَتِهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَمَا زَالَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَمَا يَزَالُ \" بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ. ‏ ‏قَوْله ( يَتَقَرَّب إِلَيَّ ) ‏ ‏التَّقَرُّب طَلَبُ الْقُرْبِ , قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقُشَيْرِيُّ : قُرْبُ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ يَقَعُ أَوَّلًا بِإِيمَانِهِ , ثُمَّ بِإِحْسَانِهِ. وَقُرْبُ الرَّبِّ مِنْ عَبْدِهِ مَا يَخُصُّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ عِرْفَانِهِ , وَفِي الْآخِرَة مِنْ رِضْوَانه , وَفِيمَا بَيْن ذَلِكَ مِنْ وُجُوه لُطْفه وَامْتِنَانه. وَلَا يَتِمُّ قُرْبُ الْعَبْدِ مِنْ الْحَقِّ إِلَّا بِبَعْدِهِ مِنْ الْخَلْقِ. قَالَ : وَقُرْب الرَّبّ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ عَامٌّ لِلنَّاسِ , وَبِاللُّطْفِ وَالنُّصْرَةِ خَاصٌّ بِالْخَوَاصِّ , وَبِالتَّأْنِيسِ خَاصٌّ بِالْأَوْلِيَاءِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ \" يَتَحَبَّبُ إِلَىَّ \" بَدَلَ \" يَتَقَرَّبُ \" وَكَذَا فِي حَدِيث مَيْمُونَةَ. ‏ ‏قَوْله ( بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أَحْبَبْته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أُحِبَّهُ \" ظَاهِرُهُ أَنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ تَقَعُ بِمُلَازَمَةِ الْعَبْدِ التَّقَرُّبَ بِالنَّوَافِلِ , وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ بِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلًا أَنَّ الْفَرَائِضَ أَحَبُّ الْعِبَادَاتِ الْمُتَقَرَّبِ بِهَا إِلَى اللَّهِ فَكَيْفَ لَا تُنْتِجُ الْمَحَبَّةَ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ النَّوَافِلِ مَا كَانَتْ حَاوِيَةً لِلْفَرَائِضِ مُشْتَمِلَةً عَلَيْهَا وَمُكَمِّلَةً لَهَا , وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ \" اِبْن آدَم. إِنَّك لَنْ تُدْرِكَ مَا عِنْدِي إِلَّا بِأَدَاءِ مَا اِفْتَرَضْت عَلَيْك \" وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّهُ إِذَا أَدَّى الْفَرَائِض وَدَامَ عَلَى إِتْيَان النَّوَافِل مِنْ صَلَاة وَصِيَام وَغَيْرهمَا أَفْضَى بِهِ ذَلِكَ إِلَى مَحَبَّة اللَّه تَعَالَى. وَقَالَ اِبْن هُبَيْرَة : يُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" مَا تَقْرَب إِلَخْ \" أَنَّ النَّافِلَة لَا تُقَدَّمُ عَلَى الْفَرِيضَة , لِأَنَّ النَّافِلَة إِنَّمَا سُمِّيَتْ نَافِلَةً لِأَنَّهَا تَأْتِي زَائِدَةً عَلَى الْفَرِيضَةِ , فَمَا لَمْ تُؤَدَّ الْفَرِيضَةُ لَا تَحْصُلُ النَّافِلَةُ , وَمَنْ أَدَّى الْفَرْضَ ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ النَّفْل وَأَدَامَ ذَلِكَ تَحَقَّقَتْ مِنْهُ إِرَادَةُ التَّقَرُّبِ اِنْتَهَى. وَأَيْضًا فَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ التَّقَرُّبَ يَكُون غَالِبًا بِغَيْرِ مَا وَجَبَ عَلَى الْمُتَقَرِّب كَالْهَدِيَّةِ وَالتُّحْفَة بِخِلَافِ مَنْ يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِنْ خَرَاجٍ أَوْ يَقْضِي مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّ مِنْ جُمْلَة مَا شُرِعَتْ لَهُ النَّوَافِل جَبْر الْفَرَائِض كَمَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم \" اُنْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَتَكْمُلُ بِهِ فَرِيضَتُهُ \" الْحَدِيث بِمَعْنَاهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّقَرُّب بِالنَّوَافِلِ أَنْ تَقَع مِمَّنْ أَدَّى الْفَرَائِضَ لَا مَنْ أَخَلَّ بِهَا كَمَا قَالَ بَعْض الْأَكَابِرِ : مَنْ شَغَلَهُ الْفَرْضُ عَنْ النَّفْلِ فَهُوَ مَعْذُورٌ وَمَنْ شَغَلَهُ النَّفْلُ عَنْ الْفَرْضِ فَهُوَ مَغْرُورٌ. ‏ ‏قَوْله ( فَكُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ ) ‏ ‏زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ \" بِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ) ‏ ‏فِي حَدِيث عَائِشَة فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد \" عَيْنَهُ الَّتِي يُبْصِرُ بِهَا \" وَفِي رِوَايَة يَعْقُوبَ بْن مُجَاهِد \" عَيْنَيْهِ الَّتِي يُبْصِرُ بِهِمَا \" بِالتَّثْنِيَةِ وَكَذَا قَالَ فِي الْأُذُنِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ , وَزَادَ عَبْد الْوَاحِد فِي رِوَايَته \" وَفُؤَادَهُ الَّذِي يَعْقِلُ بِهِ , وَلِسَانَهُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ \" وَنَحْوه فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ وَفِي حَدِيث مَيْمُونَةَ \" وَقَلْبَهُ الَّذِي يَعْقِلُ بِهِ \" وَفِي حَدِيث أَنَس \" وَمَنْ أَحْبَبْته كُنْت لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَيَدًا وَمُؤَيِّدًا \" وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ كَيْفَ يَكُونُ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا سَمْعَ الْعَبْدِ وَبَصَرَهُ إِلَخْ ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبِيل التَّمْثِيلِ , وَالْمَعْنَى كُنْت سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ فِي إِيثَارِهِ أَمْرِي فَهُوَ يُحِبُّ طَاعَتِي وَيُؤْثِرُ خِدْمَتِي كَمَا يُحِبّ هَذِهِ الْجَوَارِح : ثَانِيهَا أَنَّ الْمَعْنَى كُلِّيَّته مَشْغُولَةٌ بِي فَلَا يُصْغِي بِسَمْعِهِ إِلَّا إِلَى مَا يُرْضِينِي , وَلَا يَرَى بِبَصَرِهِ إِلَّا مَا أَمَرْتُهُ بِهِ. ثَالِثهَا الْمَعْنَى أُحَصِّلُ لَهُ مَقَاصِدَهُ كَأَنَّهُ يَنَالُهَا بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ إِلَخْ. رَابِعهَا كُنْت لَهُ فِي النُّصْرَة كَسَمْعِهِ وَبَصَره وَيَده وَرِجْلِهِ فِي الْمُعَاوَنَة عَلَى عَدُوِّهِ خَامِسهَا قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ وَسَبَقَهُ إِلَى مَعْنَاهُ اِبْن هُبَيْرَة : هُوَ فِيمَا يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ , وَالتَّقْدِيرُ كُنْت حَافِظ سَمْعِهِ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ فَلَا يَسْمَعُ إِلَّا مَا يَحِلُّ اِسْتِمَاعُهُ , وَحَافِظ بَصَرِهِ كَذَلِكَ إِلَخْ. سَادِسُهَا قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ : يَحْتَمِل مَعْنًى آخَرَ أَدَقَّ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ , وَهُوَ أَنْ يَكُون مَعْنَى سَمْعِهِ مَسْمُوعَهُ , لِأَنَّ الْمَصْدَر قَدْ جَاءَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ مِثْل فُلَانٌ أَمْلَى بِمَعْنَى مَأْمُولِي , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ إِلَّا ذِكْرِي وَلَا يَلْتَذُّ إِلَّا بِتِلَاوَةِ كِتَابِي وَلَا يَأْنَسُ إِلَّا بِمُنَاجَاتِي وَلَا يَنْظُرُ إِلَّا فِي عَجَائِبِ مَلَكُوتِي وَلَا يَمُدُّ يَدَهُ إِلَّا فِيمَا فِيهِ رِضَايَ وَرِجْله كَذَلِكَ , وَبِمَعْنَاهُ قَالَ اِبْن هُبَيْرَة أَيْضًا. وَقَالَ الطُّوفِيُّ : اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء مِمَّنْ يُعْتَدّ بِقَوْلِهِ أَنَّ هَذَا مَجَاز وَكِنَايَة عَنْ نُصْرَة الْعَبْد وَتَأْيِيده وَإِعَانَته , حَتَّى كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُنَزِّلُ نَفْسَهُ مِنْ عَبْدِهِ مَنْزِلَةَ الْآلَاتِ الَّتِي يَسْتَعِينُ بِهَا وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ \" فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي \" قَالَ : وَالِاتِّحَادِيَّة زَعَمُوا أَنَّهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّ الْحَقَّ عَيْنُ الْعَبْدِ , وَاحْتَجُّوا بِمَجِيءِ جِبْرِيلَ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ , قَالُوا فَهُوَ رُوحَانِيٌّ خَلَعَ صُورَتَهُ وَظَهَرَ بِمَظْهَرِ الْبَشَرِ , قَالُوا فَاَللَّهُ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَظْهَرَ فِي صُورَةِ الْوُجُودِ الْكُلِّيِّ أَوْ بَعْضِهِ , تَعَالَى اللَّه عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذِهِ أَمْثَالٌ وَالْمَعْنَى تَوْفِيقُ اللَّهِ لِعَبْدِهِ فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي يُبَاشِرُهَا بِهَذِهِ الْأَعْضَاءِ , وَتَيْسِير الْمَحَبَّة لَهُ فِيهَا بِأَنْ يَحْفَظ جَوَارِحه عَلَيْهِ وَيَعْصِمَهُ عَنْ مُوَاقَعَة مَا يَكْرَه اللَّهُ مِنْ الْإِصْغَاء إِلَى اللَّهْو بِسَمْعِهِ , وَمِنْ النَّظَر إِلَى مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ بِبَصَرِهِ , وَمِنْ الْبَطْش فِيمَا لَا يَحِلّ لَهُ بِيَدِهِ , وَمَنْ السَّعْيِ إِلَى الْبَاطِلِ بِرِجْلِهِ. وَإِلَى هَذَا نَحَا الدَّاوُدِيُّ , وَمِثْله الْكَلَابَاذِيّ , وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ أَحْفَظُهُ فَلَا يَتَصَرَّفُ إِلَّا فِي مَحَابِّي , لِأَنَّهُ إِذَا أَحَبَّهُ كَرِهَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا يَكْرَهُهُ مِنْهُ. سَابِعُهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا : وَقَدْ يَكُون عَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْ سُرْعَة إِجَابَة الدُّعَاء وَالنُّجْحِ فِي الطَّلَب , وَذَلِكَ أَنَّ مَسَاعِيَ الْإِنْسَان كُلَّهَا إِنَّمَا تَكُون بِهَذِهِ الْجَوَارِحِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَالَ بَعْضهمْ : وَهُوَ مُنْتَزَع مِمَّا تَقَدَّمَ لَا يَتَحَرَّك لَهُ جَارِحَةٌ إِلَّا فِي اللَّهِ وَلِلَّهِ , فَهِيَ كُلُّهَا تَعْمَلُ بِالْحَقِّ لِلْحَقِّ. وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الزُّهْد \" عَنْ أَبِي عُثْمَان الْجِيزِيّ أَحَد أَئِمَّة الطَّرِيق قَالَ : مَعْنَاهُ كُنْت أَسْرَعَ إِلَى قَضَاء حَوَائِجه مِنْ سَمْعِهِ فِي الْأَسْمَاع وَعَيْنِهِ فِي النَّظَرِ وَيَده فِي اللَّمْس وَرِجْله فِي الْمَشْي. وَحَمَلَهُ بَعْض مُتَأَخِّرِي الصُّوفِيَّة عَلَى مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ مَقَام الْفِنَاء وَالْمَحْو , وَأَنَّهُ الْغَايَة الَّتِي لَا شَيْء وَرَاءَهَا , وَهُوَ أَنْ يَكُون قَائِمًا بِإِقَامَةِ اللَّه لَهُ مُحِبًّا بِمَحَبَّتِهِ لَهُ نَاظِرًا بِنَظَرِهِ لَهُ مِنْ غَيْر أَنْ تَبْقَى مَعَهُ بَقِيَّةٌ تُنَاط بِاسْمٍ أَوْ تَقِفُ عَلَى رَسْمٍ أَوْ تَتَعَلَّقُ بِأَمْرٍ أَوْ تُوصَفُ بِوَصْفٍ , وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَام أَنَّهُ يَشْهَدُ إِقَامَةَ اللَّهِ لَهُ حَتَّى , قَامَ وَمَحَبَّته لَهُ حَتَّى أَحَبَّهُ وَنَظَرَهُ إِلَى عَبْدِهِ حَتَّى أَقْبَلَ نَاظِرًا إِلَيْهِ بِقَلْبِهِ. وَحَمَلَهُ بَعْض أَهْل الزَّيْغ عَلَى مَا يَدْعُونَهُ مِنْ أَنَّ الْعَبْد إِذَا لَازَمَ الْعِبَادَةَ الظَّاهِرَة وَالْبَاطِنَة حَتَّى يُصَفَّى مِنْ الْكُدُورَات أَنَّهُ يَصِير فِي مَعْنَى الْحَقّ , تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ , وَأَنَّهُ يَفْنَى عَنْ نَفْسه جُمْلَةً حَتَّى يَشْهَد أَنَّ اللَّه هُوَ الذَّاكِر لِنَفْسِهِ الْمُوَحِّد لِنَفْسِهِ الْمُحِبّ لِنَفْسِهِ وَأَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَاب وَالرُّسُوم تَصِير عَدَمًا صَرْفًا فِي شُهُوده وَإِنْ لَمْ تُعْدَم فِي الْخَارِج , وَعَلَى الْأَوْجُه كُلّهَا فَلَا مُتَمَسَّكَ فِيهِ لِلِاتِّحَادِيَّةِ وَلَا الْقَائِلِينَ بِالْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَة لِقَوْلِهِ فِي بَقِيَّة الْحَدِيث \" وَلَئِنْ سَأَلَنِي , وَلَئِنْ اِسْتَعَاذَنِي \" فَإِنَّهُ كَالصَّرِيحِ فِي الرَّدّ عَلَيْهِمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَإِنْ سَأَلَنِي ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ \" عَبْدِي \". ‏ ‏قَوْلُهُ ( أَعْطَيْته ) ‏ ‏أَيْ مَا سَأَلَ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَئِنْ اِسْتَعَاذَنِي ) ‏ ‏ضَبَطْنَاهُ بِوَجْهَيْنِ الْأَشْهَرُ بِالنُّونِ بَعْد الذَّال الْمُعْجَمَة وَالثَّانِي بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمَعْنَى أَعَذْته مِمَّا يَخَاف , وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ \" وَإِذَا اِسْتَنْصَرَ بِي نَصَرْته \" وَفِي حَدِيث أَنَس \" نَصَحَنِي فَنَصَحْت لَهُ \" وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْمُرَاد بِالنَّوَافِلِ جَمِيع مَا يُنْدَب مِنْ الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ الْمَذْكُور \" وَأَحَبُّ عِبَادَة عَبْدِي إِلَىَّ النَّصِيحَةُ \" وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ بِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْعُبَّادِ وَالصُّلَحَاءِ دَعَوْا وَبَالَغُوا وَلَمْ يُجَابُوا , وَالْجَوَاب أَنَّ الْإِجَابَةَ تَتَنَوَّعُ : فَتَارَةً يَقَع الْمَطْلُوبُ بِعَيْنِهِ عَلَى الْفَوْرِ , وَتَارَةً يَقَعُ وَلَكِنْ يَتَأَخَّرُ لِحِكْمَةٍ فِيهِ , وَتَارَة قَدْ تَقَع الْإِجَابَة وَلَكِنْ بِغَيْرِ عَيْنِ الْمَطْلُوبِ حَيْثُ لَا يَكُون فِي الْمَطْلُوب مَصْلَحَةٌ نَاجِزَةٌ وَفِي الْوَاقِع مَصْلَحَة نَاجِزَة أَوْ أَصْلَحُ مِنْهَا. وَفِي الْحَدِيث عِظَمُ قَدْر الصَّلَاة فَإِنَّهُ يَنْشَأ عَنْهَا مَحَبَّة اللَّه لِلْعَبْدِ الَّذِي يَتَقَرَّبُ بِهَا , وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْمُنَاجَاةِ وَالْقُرْبَةِ , وَلَا وَاسِطَةَ فِيهَا بَيْن الْعَبْد وَرَبِّهِ , وَلَا شَيْء أَقَرَّ لَعَيْنِ الْعَبْدِ مِنْهَا وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث أَنَس الْمَرْفُوع \" وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاة \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْره بِسَنَدٍ صَحِيحٍ , وَمَنْ كَانَتْ قُرَّةُ عَيْنه فِي شَيْء فَإِنَّهُ يَوَدُّ أَنْ لَا يُفَارِقَهُ وَلَا يَخْرُجَ مِنْهُ لِأَنَّ فِيهِ نَعِيمَهُ وَبِهِ تَطِيبُ حَيَاتُهُ , وَإِنَّمَا يَحْصُل ذَلِكَ لِلْعَابِدِ بِالْمُصَابَرَةِ عَلَى النَّصَب , فَإِنَّ السَّالِك غَرَضُ الْآفَات وَالْفُتُورِ. وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة مِنْ الزِّيَادَة \" وَيَكُون مِنْ أَوْلِيَائِي وَأَصْفِيَائِي , وَيَكُون جَارِي مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء فِي الْجَنَّة \" وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيث بَعْضُ الْجَهَلَة مِنْ أَهْلِ التَّجَلِّي وَالرِّيَاضَة فَقَالُوا : الْقَلْبُ إِذَا كَانَ مَحْفُوظًا مَعَ اللَّهِ كَانَتْ خَوَاطِرُهُ مَعْصُومَةً مِنْ الْخَطَأِ. وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ مِنْ أَهْل الطَّرِيق فَقَالُوا : لَا يُلْتَفَتُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ , وَالْعِصْمَةُ إِنَّمَا هِيَ لِلْأَنْبِيَاءِ وَمَنْ عَدَاهُمْ فَقَدْ يُخْطِئُ , فَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ رَأْسَ الْمُلْهَمِينَ وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ رُبَّمَا رَأَى الرَّأْيَ فَيُخْبِرُهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِهِ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ وَيَتْرُك رَأْيه. فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِمَا يَقَع فِي خَاطِرِهِ عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَقَدْ اِرْتَكَبَ أَعْظَم الْخَطَإِ , وَأَمَّا مَنْ بَالَغَ مِنْهُمْ فَقَالَ : حَدَّثَنِي قَلْبِي عَنْ رَبِّي فَإِنَّهُ أَشَدّ خَطَأ فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُون قَلْبه إِنَّمَا حَدَّثَهُ عَنْ الشَّيْطَانِ , وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. قَالَ الطُّوفِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي السُّلُوكِ إِلَى اللَّه وَالْوُصُول إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَطَرِيقِهِ , إِذْ الْمُفْتَرَضَاتُ الْبَاطِنَةُ وَهِيَ الْإِيمَان وَالظَّاهِرَة وَهِيَ الْإِسْلَام وَالْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا وَهُوَ الْإِحْسَانُ فِيهِمَا كَمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ جِبْرِيل , وَالْإِحْسَان يَتَضَمَّنُ مَقَامَاتِ السَّالِكِينَ مِنْ الزُّهْد وَالْإِخْلَاص وَالْمُرَاقَبَة وَغَيْرهَا , وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا أَنَّ مَنْ أَتَى بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَتَقَرَّبَ بِالنَّوَافِلِ لَمْ يُرَدَّ دُعَاؤُهُ لِوُجُودِ هَذَا الْوَعْد الصَّادِق الْمُؤَكَّد بِالْقَسَمِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَاب عَمَّا يَتَخَلَّفُ مِنْ ذَلِكَ , وَفِيهِ أَنَّ الْعَبْدَ وَلَوْ بَلَغَ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ حَتَّى يَكُونَ مَحْبُوبًا لِلَّهِ لَا يَنْقَطِعُ عَنْ الطَّلَبِ مِنْ اللَّهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُضُوعِ لَهُ وَإِظْهَارِ الْعُبُودِيَّةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ هَذَا وَاضِحًا فِي أَوَائِل كِتَاب الدَّعَوَات. ‏ ‏قَوْله ( وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ ) ‏ ‏وَفِي حَدِيث عَائِشَة \" تَرَدُّدِي عَنْ مَوْتِهِ \" وَوَقَعَ فِي \" الْحِلْيَة \" فِي تَرْجَمَة وَهْب بْن مُنَبِّه \" إِنِّي لَأَجِدُ فِي كُتُب الْأَنْبِيَاء أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : مَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْءٍ قَطُّ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْض رُوحِ الْمُؤْمِنِ إِلَخْ \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : التَّرَدُّدُ فِي حَقِّ اللَّهِ غَيْرُ جَائِزٍ , وَالْبَدَاءُ عَلَيْهِ فِي الْأُمُورِ غَيْرُ سَائِغٍ. وَلَكِنْ لَهُ تَأْوِيلَانِ : أَحَدهمَا أَنَّ الْعَبْدَ قَدْ يُشْرِفُ عَلَى الْهَلَاكِ فِي أَيَّامِ عُمُرِهِ مِنْ دَاءٍ يُصِيبُهُ وَفَاقَةٍ تَنْزِلُ بِهِ فَيَدْعُو اللَّه فَيَشْفِيهِ مِنْهَا وَيَدْفَع عَنْهُ مَكْرُوهَهَا , فَيَكُون ذَلِكَ مِنْ فِعْله كَتَرَدُّدِ مَنْ يُرِيدُ أَمْرًا ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فِيهِ فَيَتْرُكُهُ وَيُعْرِضُ عَنْهُ وَلَا بُدّ لَهُ مِنْ لِقَائِهِ إِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ , لِأَنَّ اللَّه قَدْ كَتَبَ الْفَنَاءَ عَلَى خَلْقِهِ وَاسْتَأْثَرَ بِالْبَقَاءِ لِنَفْسِهِ. وَالثَّانِي أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ مَا رَدَدْت رُسُلِي فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرْدِيدِي إِيَّاهُمْ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ , كَمَا رَوَى فِي قِصَّةِ مُوسَى وَمَا كَانَ مِنْ لَطْمَةِ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ وَتَرَدُّدِهِ إِلَيْهِ مَرَّةً بَعْد أُخْرَى , قَالَ : وَحَقِيقَة الْمَعْنَى عَلَى الْوَجْهَيْنِ عَطْف اللَّه عَلَى الْعَبْدِ وَلُطْفُهُ بِهِ وَشَفَقَتُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْكَلَابَاذِيّ مَا حَاصِله : أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ صِفَة الْفِعْل بِصِفَةِ الذَّات , أَيْ عَنْ التَّرْدِيد بِالتَّرَدُّدِ , وَجَعَلَ مُتَعَلَّقَ التَّرْدِيدِ اِخْتِلَافَ أَحْوَالِ الْعَبْدِ مِنْ ضَعْف وَنَصَبٍ إِلَى أَنْ تَنْتَقِلَ مَحَبَّتُهُ فِي الْحَيَاةِ إِلَى مَحَبَّتِهِ لِلْمَوْتِ فَيُقْبَضُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ : وَقَدْ يُحْدِثُ اللَّهُ فِي قَلْبِ عَبْدِهِ مِنْ الرَّغْبَة فِيمَا عِنْده وَالشَّوْق إِلَيْهِ وَالْمَحَبَّة لِلِقَائِهِ مَا يَشْتَاق مَعَهُ إِلَى الْمَوْت فَضْلًا عَنْ إِزَالَة الْكَرَاهَة عَنْهُ , فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَيَسُوءُهُ , وَيَكْرَهُ اللَّهُ مُسَاءَتَهُ فَيُزِيلُ عَنْهُ كَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ لِمَا يُورِدُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْوَال فَيَأْتِيه الْمَوْت وَهُوَ لَهُ مُؤْثِرٌ وَإِلَيْهِ مُشْتَاق. قَالَ : وَقَدْ وَرَدَ تَفَعَّلَ بِمَعْنَى فَعَلَ مِثْل تَفَكَّرَ وَفَكَّرَ وَتَدَبَّرَ وَدَبَّرَ وَتَهَدَّدَ وَهَدَّدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنْ بَعْضهمْ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَرْكِيب الْوَلِيّ يَحْتَمِل أَنْ يَعِيش خَمْسِينَ سَنَةً وَعُمُرُهُ الَّذِي كُتِبَ لَهُ سَبْعُونَ فَإِذَا بَلَغَهَا فَمَرِضَ دَعَا اللَّه بِالْعَافِيَةِ فَيُحْيِيهِ عِشْرِينَ أُخْرَى مَثَلًا , فَعَبَّرَ عَنْ قَدْر التَّرْكِيبِ وَعَمًّا اِنْتَهَى إِلَيْهِ بِحَسَبِ الْأَجَلِ الْمَكْتُوبِ بِالتَّرَدُّدِ , وَعَبَّرَ اِبْن الْجَوْزِيِّ عَنْ الثَّانِي بِأَنَّ التَّرَدُّدَ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ الرُّوحَ وَأَضَافَ الْحَقّ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ لِأَنَّ تَرَدُّدَهُمْ عَنْ أَمْرِهِ , قَالَ : وَهَذَا التَّرَدُّدُ يَنْشَأُ عَنْ إِظْهَارِ الْكَرَاهَةِ. فَإِنْ قِيلَ إِذَا أُمِرَ الْمَلَكُ بِالْقَبْضِ كَيْفَ يَقَعُ مِنْهُ التَّرَدُّدُ ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهُ يَتَرَدَّدُ فِيمَا يُحَدُّ لَهُ فِيهِ الْوَقْتُ. كَأَنْ يُقَالَ لَا تَقْبِضْ رُوحَهُ إِلَّا إِذَا رَضِيَ. ثُمَّ ذَكَرَ جَوَابًا ثَالِثًا وَهُوَ اِحْتِمَال أَنْ يَكُون مَعْنَى التَّرَدُّد اللُّطْف بِهِ كَأَنَّ الْمَلَك يُؤَخِّر الْقَبْض , فَإِنَّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَى قَدْرِ الْمُؤْمِنِ وَعِظَم الْمَنْفَعَةِ بِهِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا اِحْتَرَمَهُ فَلَمْ يَبْسُطْ يَدَهُ إِلَيْهِ , فَإِذَا ذَكَرَ أَمْرَ رَبِّهِ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ اِمْتِثَالِهِ. وَجَوَابًا رَابِعًا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ هَذَا خِطَابًا لَنَا بِمَا نَعْقِلُ وَالرَّبُّ مُنَزَّهٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ , بَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ \" وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْته هَرْوَلَةً \" فَكَمَا أَنَّ أَحَدَنَا يُرِيدُ أَنْ يَضْرِب وَلَده تَأْدِيبًا فَتَمْنَعُهُ الْمَحَبَّةُ وَتَبْعَثُهُ الشَّفَقَةُ فَيَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْوَالِدِ كَالْمُعَلَّمِ لَمْ يَتَرَدَّدْ بَلْ كَانَ يُبَادِرُ إِلَى ضَرْبِهِ لِتَأْدِيبِهِ فَأُرِيدَ تَفْهِيمُنَا تَحْقِيق الْمَحَبَّة لِلْوَلِيِّ بِذِكْرِ التَّرَدُّد. وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ اِحْتِمَالًا آخَر وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ يَقْبِض رُوح الْمُؤْمِن بِالتَّأَنِّي وَالتَّدْرِيجِ , بِخِلَافِ سَائِرِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ كُنْ سَرِيعًا دَفْعَةً. ‏ ‏قَوْله ( يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ ) ‏ ‏فِي حَدِيث عَائِشَة \" إِنَّهُ يَكْرَه الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَه مُسَاءَتَهُ \" زَادَ اِبْن مَخْلَد عَنْ اِبْن كَرَامَةَ فِي آخِره \" وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ \" وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا فِي حَدِيث وَهْب , وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الزُّهْد \" عَنْ الْجُنَيْد سَيِّد الطَّائِفَةِ قَالَ : الْكَرَاهَة هُنَا لِمَا يَلْقَى الْمُؤْمِن مِنْ الْمَوْت وَصُعُوبَتِهِ وَكَرْبِهِ , وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنِّي أَكْرَهُ لَهُ الْمَوْت لِأَنَّ الْمَوْت يُورِدُهُ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَمَغْفِرَتِهِ اِنْتَهَى. وَعَبَّرَ بَعْضهمْ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمَوْت حَتْم مَقْضِيّ , وَهُوَ مُفَارَقَة الرُّوح لِلْجَسَدِ , وَلَا تَحْصُل غَالِبًا إِلَّا بِأَلَمٍ عَظِيم جِدًّا كَمَا جَاءَ عَنْ عَمْرو بْن الْعَاصِ أَنَّهُ سُئِلَ وَهُوَ يَمُوت فَقَالَ : \" كَأَنِّي أَتَنَفَّس مِنْ خُرْم إِبْرَة , وَكَأَنَّ غُصْن شَوْك يَجُرُّ بِهِ مِنْ قَامَتِي إِلَى هَامَتِي \" وَعَنْ كَعْب أَنَّ عُمَر سَأَلَهُ عَنْ الْمَوْت فَوَصَفَهُ بِنَحْوِ هَذَا , فَلَمَّا كَانَ الْمَوْت بِهَذَا الْوَصْف , وَاَللَّهُ يَكْرَه أَذَى الْمُؤْمِنِ , أَطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ الْكَرَاهَة. وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْمُسَاءَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى طُول الْحَيَاة لِأَنَّهَا تُؤَدِّي إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ , وَتَنَكُّس الْخَلْق وَالرَّدّ إِلَى أَسْفَل سَافِلِينَ. وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَكْرَه مُكْرَهَهُ الْمَوْت فَلَا أُسْرِع بِقَبْضِ رُوحِهِ فَأَكُون كَالْمُتَرَدِّدِ. قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفَضْل بْن عَطَاء : فِي هَذَا الْحَدِيث عِظَم قَدْر الْوَلِيِّ , لِكَوْنِهِ خَرَجَ عَنْ تَدْبِيره إِلَى تَدْبِير رَبّه , وَعَنْ اِنْتِصَاره لِنَفْسِهِ إِلَى اِنْتِصَارِ اللَّهِ لَهُ , وَعَنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ بِصِدْقِ تَوَكُّلِهِ. قَالَ : وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنْ لَا يُحْكَمَ لِإِنْسَانٍ آذَى وَلِيًّا ثُمَّ لَمْ يُعَاجَلْ بِمُصِيبَةٍ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ بِأَنَّهُ سَلِمَ مِنْ اِنْتِقَامِ اللَّهِ , فَقَدْ تَكُون مُصِيبَتُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِ كَالْمُصِيبَةِ فِي الدِّينِ مَثَلًا. قَالَ : وَيَدْخُلُ فِي قَوْله \" اِفْتَرَضْت عَلَيْهِ \" الْفَرَائِض الظَّاهِرَة فِعْلًا كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَغَيْرهمَا مِنْ الْعِبَادَات , وَتَرْكًا كَالزِّنَا وَالْقَتْل وَغَيْرهمَا مِنْ الْمُحَرَّمَات , وَالْبَاطِنَة كَالْعِلْمِ بِاَللَّهِ وَالْحُبّ لَهُ وَالتَّوَكُّل عَلَيْهِ وَالْخَوْف مِنْهُ وَغَيْر ذَلِكَ. وَهِيَ تَنْقَسِم أَيْضًا إِلَى أَفْعَال وَتُرُوك. قَالَ : وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَاز اِطِّلَاع الْوَلِيّ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ بِإِطْلَاعِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ , وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنْ اِرْتَضَى مِنْ رَسُولٍ } فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ دُخُولَ بَعْضِ أَتْبَاعِهِ مَعَهُ بِالتَّبَعِيَّةِ لِصِدْقِ قَوْلِنَا مَا دَخَلَ عَلَى الْمَلِك الْيَوْمَ إِلَّا الْوَزِيرُ , وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّهُ دَخَلَ مَعَهُ بَعْض خَدَمِهِ. قُلْت الْوَصْف الْمُسْتَثْنَى لِلرَّسُولِ هُنَا إِنْ كَانَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ رَسُولًا فَلَا مُشَارَكَةَ لِأَحَدٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ فِيهِ إِلَّا مِنْهُ , وَإِلَّا فَيَحْتَمِل مَا قَالَ , وَالْعِلْم عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏أَشْكَلَ وَجْه دُخُول هَذَا الْحَدِيث فِي بَاب التَّوَاضُع حَتَّى قَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَيْسَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ التَّوَاضُع فِي شَيْء , وَقَالَ بَعْضهمْ : الْمُنَاسِبُ إِدْخَاله فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ مُجَاهَدَةُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى , وَبِذَلِكَ تَرْجَمَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الزُّهْد \" فَقَالَ : فَصْلٌ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الطَّاعَةِ وَمُلَازَمَةِ الْعُبُودِيَّةِ. وَالْجَوَاب عَنْ الْبُخَارِيّ مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدهَا أَنَّ التَّقَرُّب إِلَى اللَّه بِالنَّوَافِلِ لَا يَكُون إِلَّا بِغَايَةِ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ وَالتَّوَكُّل عَلَيْهِ , ذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ , ثَانِيهَا ذَكَرَهُ أَيْضًا فَقَالَ : قِيلَ التَّرْجَمَة مُسْتَفَادَة مِمَّا قَالَ \" كُنْت سَمْعَهُ \" وَمِنْ التَّرَدُّد. قُلْت : وَيَخْرُج مِنْهُ جَوَابٌ ثَالِثٌ , وَيَظْهَر لِي رَابِعٌ , وَهُوَ أَنَّهَا تُسْتَفَادُ مِنْ لَازِم قَوْله \" مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا \" لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الزَّجْر عَنْ مُعَادَاةِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُسْتَلْزِمِ لِمُوَالَاتِهِمْ , وَمُوَالَاة جَمِيع الْأَوْلِيَاء لَا تَتَأَتَّى إِلَّا بِغَايَةِ التَّوَاضُع , إِذْ مِنْهُمْ الْأَشْعَثُ الْأَغْبَرُ الَّذِي لَا يُؤْبَهُ لَهُ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَثِّ عَلَى التَّوَاضُعِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ لَكِنْ لَيْسَ شَيْء مِنْهَا عَلَى شَرْطِهِ فَاسْتَغْنَى عَنْهَا بِحَدِيثَيْ الْبَابِ , مِنْهَا حَدِيث عِيَاض بْن حِمَارٍ رَفَعَهُ \" إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَر أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرهمَا , وَمِنْهَا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ تَعَالَى إِلَّا رَفَعَهُ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا وَالتِّرْمِذِيُّ , وَمِنْهَا حَدِيث أَبِي سَعِيد رَفَعَهُ \" مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ ‏"
    },
    {
        "id": "6022",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ هَكَذَا وَيُشِيرُ بِإِصْبَعَيْهِ فَيَمُدُّ بِهِمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( عَنْ سَهْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ أَبِي حَازِمٍ سَمِعْت مِنْ سَهْل بْن سَعْد صَاحِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ. ‏ ‏قَوْله ( بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالسَّاعَةِ هُنَا يَوْم الْقِيَامَة , وَالْأَصْل فِيهَا قِطْعَةٌ مِنْ الزَّمَانِ , وَفِي عُرْف أَهْل الْمِيقَاتِ جُزْء مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ الْيَوْم وَاللَّيْلَة , وَثَبَتَ مِثْلُهُ فِي حَدِيث جَابِرٍ رَفَعَهُ \" يَوْم الْجُمُعَة اِثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً \" وَقَدْ بَيَّنْت حَالَهُ فِي كِتَاب الْجُمُعَة , وَأَطْلَقْت فِي الْحَدِيثِ عَلَى اِنْخِرَامِ قَرْنِ الصَّحَابَةِ فَفِي صَحِيح مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ \" كَانَ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّاعَة , فَنَظَرَ إِلَى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ فَقَالَ : إِنْ يَعِشْ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ \" وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيث أَنَس نَحْوه , وَأُطْلِقَتْ أَيْضًا عَلَى مَوْتِ الْإِنْسَانِ الْوَاحِدِ. ‏ ‏قَوْله ( كَهَاتَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ عِنْد الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي حَدِيث سَهْل , وَلِغَيْرِهِ \" كَهَاتَيْنِ هَكَذَا \" وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان لَكِنْ بِلَفْظِ \" كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ , أَوْ كَهَاتَيْنِ \" وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي حَازِم عِنْد مُسْلِم \" بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة هَكَذَا \" وَفِي رِوَايَة فُضَيْلِ بْن سُلَيْمَان \" قَالَ بِأُصْبُعَيْهِ هَكَذَا \". ‏ ‏قَوْله ( وَيُشِير بِإِصْبَعَيْهِ فَيَمُدُّهُمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" وَقَرَنَ بَيْن إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى \" وَفِي رِوَايَة فُضَيْلِ بْن سُلَيْمَان وَيَعْقُوب \" بِالْوُسْطَى وَاَلَّتِي تَلِي الْإِبْهَام \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم عَنْ أَبِيهِ \" وَجَمَعَ بَيْن إِصْبَعَيْهِ وَفَرَّقَ بَيْنهمَا شَيْئًا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة عَنْ أَبِي حَازِم عِنْد اِبْن جَرِير \" وَضَمَّ بَيْن أُصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَاَلَّتِي تَلِي الْإِبْهَام وَقَالَ : وَمَا مَثَلِي وَمَثَلُ السَّاعَةِ إِلَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ \" وَنَحْوه فِي حَدِيث بُرَيْدَةَ بِلَفْظِ \" بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة , إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرِيّ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ , وَفِي حَدِيث الْمُسْتَوْرِد بْن شَدَّادٍ \" بُعِثْت فِي نَفْس السَّاعَة سَبَقَهَا كَمَا سَبَقَتْ هَذِهِ لِهَذِهِ , لِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالطَّبَرِيّ. وَقَوْله \" فِي نَفَسٍ \" بِفَتْحِ الْفَاء وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْقُرْبِ أَيْ بُعِثْت عِنْدَ تَنَفُّسِهَا , وَمِثْله فِي حَدِيث أَبِي جَبِيرَة - بِفَتْحِ الْجِيم كَسْر الْمُوَحَّدَة : الْأَنْصَارِيّ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي جَبِيرَةَ مَرْفُوعًا بِغَيْرِ وَاسِطَة بِلَفْظٍ آخَرَ سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6023",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الجُعْفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏وَأَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6024",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ‏ ‏يَعْنِي إِصْبَعَيْنِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ( حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن يُوسُف ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ \" حَدَّثَنَا \". ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ \" أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ اِبْن عَيَّاشٍ \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ \" حَدَّثَنَا أَبُو حُصَيْنٍ \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة أَوَّله , وَأَبُو صَالِحٍ هُوَ ذَكْوَانُ , وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( كَهَاتَيْنِ يَعْنِي أُصْبُعَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ عَنْ هَنَّاد بْن السُّرِّىّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش \" وَجَمَعَ بَيْن أُصْبُعَيْهِ \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ هَنَّادٍ بِلَفْظِ \" وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى \" بَدَل قَوْله \" يَعْنِي أُصْبُعَيْنِ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ هَنَّاد \" بِلَفْظِ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ يَعْنِي أُصْبُعَيْهِ \" , وَلَهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي طَالِب عَنْ الدَّوْرِيِّ \" وَأَشَارَ أَبُو بَكْر بِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَة وَاَلَّتِي تَلِيهَا \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ إِدْرَاجًا , وَهَذِهِ الزِّيَادَة ثَابِتَة فِي الْمَرْفُوعِ لَكِنْ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيث جَابِر اِبْن سَمُرَة \" كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أُصْبُعَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ بِالْمُسَبِّحَةِ وَاَلَّتِي تَلِيهَا وَهُوَ يَقُول : بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ \" وَجَمَعَ رِوَايَة لَهُ عَنْهُ \" وَجَمَعَ بَيْن أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى , وَالْمُرَاد بِالسَّبَّابَةِ وَهِيَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة الْأُصْبُع الَّتِي بَيْن الْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى وَهِيَ الْمُرَاد بِالْمُسَبِّحَةِ سُمِّيَتْ مُسَبِّحَةً لِأَنَّهَا يُشَار بِهَا عِنْد التَّسْبِيح وَتُحَرَّكُ فِي التَّشَهُّدِ عِنْد التَّهْلِيل إِشَارَةً إِلَى التَّوْحِيدِ , وَسُمِّيَتْ سَبَّابَة لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَسَابُّوا أَشَارُوا بِهَا. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ إِسْرَائِيل ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق ‏ ‏( عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ) ‏ ‏يَعْنِي بِالسَّنَدِ وَالْمَتْن , وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيل بِسَنَدِهِ قَالَ مِثْل رِوَايَة هَنَّاد عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَقَدْ تَابَعَهُمَا قَيْس بْن الرَّبِيع عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ , قَالَ عِيَاض وَغَيْره : أَشَارَ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى اِخْتِلَاف أَلْفَاظِه إِلَى قِلَّة الْمُدَّة بَيْنه وَبَيْن السَّاعَة , وَالتَّفَاوُت إِمَّا فِي الْمُجَاوَرَة وَإِمَّا فِي قَدْر مَا بَيْنهمَا , وَيُعَضِّدهُ قَوْله \" كَفَضْلِ أَحَدهمَا عَلَى الْأُخْرَى \" وَقَالَ بَعْضهمْ : هَذَا الَّذِي يَتَّجِه أَنْ يُقَال , وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد الْأَوَّل لَقَامَتْ السَّاعَة لِاتِّصَالِ إِحْدَى الْأُصْبُعَيْنِ بِالْأُخْرَى قَالَ اِبْن التِّين : اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله \" كَهَاتَيْنِ \" فَقِيلَ كَمَا بَيْن السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى فِي الطُّول , وَقِيلَ الْمَعْنَى لَيْسَ بَيْنه وَبَيْنهَا نَبِيّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" حَاصِل الْحَدِيث تَقْرِيب أَمْر السَّاعَة وَسُرْعَة مَجِيئِهَا , قَالَ وَعَلَى رِوَايَة النَّصْب يَكُون التَّشْبِيه وَقَعَ بِالِانْضِمَامِ , وَعَلَى الرَّفْع وَقَعَ بِالتَّفَاوُتِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّ نِسْبَة تَقَدُّم الْبَعْثَة النَّبَوِيَّة عَلَى قِيَام السَّاعَة كَنِسْبَةِ فَضْل إِحْدَى الْأُصْبُعَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى , وَقِيلَ الْمُرَاد اِسْتِمْرَار دَعَوْته لَا تَفْتَرِق إِحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى , كَمَا أَنَّ الْأُصْبُعَيْنِ لَا تَفْتَرِق إِحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى. وَرَجَّحَ الطِّيبِيُّ قَوْل الْبَيْضَاوِيّ بِزِيَادَةِ الْمُسْتَوْرِد فِيهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" التَّذْكِرَة \" : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث تَقْرِيب أَمْر السَّاعَة. وَلَا مُنَافَاة بَيْنه وَبَيْن قَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر \" مَا الْمَسْئُول عَنْهَا بِأَعْلَم مِنْ السَّائِل \" فَإِنَّ الْمُرَاد بِحَدِيثِ الْبَاب أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنه وَبَيْن السَّاعَة نَبِيّ كَمَا لَيْسَ بَيْن السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى أُصْبُع أُخْرَى , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ عِلْم وَقْتهَا بِعَيْنِهِ لَكِنَّ سِيَاقه يُفِيد قُرْبهَا وَأَنَّ أَشْرَاطهَا مُتَتَابِعَة كَمَا قَالَ تَعَالَى { فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا } قَالَ الضَّحَّاك : أَوَّل أَشْرَاطهَا بَعْثَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْحِكْمَة فِي تَقَدُّم الْأَشْرَاط إِيقَاظ الْغَافِلِينَ وَحَثّهمْ عَلَى التَّوْبَة وَالِاسْتِعْدَاد. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قِيلَ مَعْنَاهُ الْإِشَارَة إِلَى قُرْب الْمُجَاوَرَة , وَقِيلَ إِلَى تَفَاوُت مَا بَيْنهمَا طُولًا , وَعَلَى هَذَا فَالنَّظَر فِي الْقَوْل الْأَوَّل إِلَى الْعَرْض , وَقِيلَ الْمُرَاد لَيْسَ بَيْنهمَا وَاسِطَة , وَلَا مُعَارَضَة بَيْن هَذَا وَبَيْن قَوْله تَعَالَى { إِنَّ اللَّه عِنْده عِلْم السَّاعَة } وَنَحْو ذَلِكَ لِأَنَّ عِلْم قُرْبهَا لَا يَسْتَلْزِم عِلْم وَقْت مَجِيئهَا مُعَيَّنًا , وَقِيلَ مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْن الْقِيَامَة شَيْء , هِيَ الَّتِي تَلِينِي كَمَا تَلِي السَّبَّابَة الْوُسْطَى , وَعَلَى هَذَا فَلَا تَنَافِي بَيْن مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيث وَبَيْن قَوْله تَعَالَى عَنْ السَّاعَة { لَا يَعْلَمهَا إِلَّا هُوَ } وَقَالَ عِيَاض : حَاوَلَ بَعْضهمْ فِي تَأْوِيله أَنَّ نِسْبَةَ مَا بَيْن الْأُصْبُعَيْنِ كَنِسْبَةِ مَا بَقِيَ مِنْ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا مَضَى وَأَنَّ جُمْلَتهَا سَبْعَة آلَآف سَنَة , وَاسْتَنَدَ إِلَى أَخْبَار لَا تَصِحّ. وَذَكَرَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي تَأْخِير هَذِهِ الْأَمَة نِصْف يَوْم وَفَسَّرَهُ بِخَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ , فَيُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي بَقِيَ نِصْفُ سُبُعٍ وَهُوَ قَرِيب مِمَّا بَيْنَ السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى فِي الطُّول , قَالَ : وَقَدْ ظَهَرَ عَدَم صِحَّة ذَلِكَ لِوُقُوعِ خِلَافه وَمُجَاوَزَة هَذَا الْمِقْدَارِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا لَمْ يَقَعُ خِلَافُهُ. قُلْت : وَقَدْ اِنْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مُنْذُ عَهْد عِيَاضٍ إِلَى هَذَا الْحِينِ ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : قِيلَ الْوُسْطَى تَزِيد عَلَى السَّبَّابَة نِصْف سُبُعِهَا , وَكَذَلِكَ الْبَاقِي الدُّنْيَا مِنْ الْبَعْثَة إِلَى قِيَام السَّاعَة. قَالَ : وَهَذَا بَعِيدٌ وَلَا يُعْلَمُ مِقْدَارُ الدُّنْيَا فَكَيْف يَتَحَصَّلُ لَنَا نِصْف سُبُع أَمَدٍ مَجْهُولٍ , فَالصَّوَاب الْإِعْرَاض عَنْ ذَلِكَ قُلْت : السَّابِق إِلَى ذَلِكَ أَبُو جَعْفَر بْن جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فَإِنَّهُ أَوْرَدَ فِي مُقَدِّمَة تَارِيخِهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الدُّنْيَا جُمُعَةٌ مِنْ جُمَع الْآخِرَة سَبْعَة آلَاف سَنَةٍ , وَقَدْ مَضَى سِتَّةُ آلَاف وَمِائَة سَنَة , وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن يَعْقُوب عَنْ حَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْهُ. وَيَحْيَى هُوَ أَبُو طَالِب الْقَاصُّ الْأَنْصَارِيّ , قَالَ الْبُخَارِيّ : مُنْكَر الْحَدِيث , وَشَيْخه هُوَ فَقِيهِ الْكُوفَة وَفِيهِ مَقَال. ثُمَّ أَوْرَدَ الطَّبَرِيُّ عَنْ كَعْب الْأَحْبَار قَالَ : الدُّنْيَا سِتَّةُ آلَافِ سَنَة. وَعَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه مِثْلُهُ وَزَادَ أَنَّ الَّذِي مَضَى مِنْهَا خَمْسَةُ آلَافٍ وَسِتُّمِائَةِ سَنَة , ثُمَّ زَيَّفَهُمَا وَرَجَّحَ مَا جَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس. ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيث اِبْن عُمَر الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا \" مَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ إِلَّا مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ \" وَمِنْ طَرِيق مُغِيرَة بْن حَكِيمٍ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ \" مَا بَقِيَ لِأُمَّتِي مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا كَمِقْدَارِ إِذَا صَلَّيْت الْعَصْر \" وَمِنْ طَرِيق مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر \" كُنَّا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالشَّمْس عَلَى قُعَيْقِعَان مُرْتَفِعَة بَعْد الْعَصْر فَقَالَ : مَا أَعْمَاركُمْ فِي أَعْمَار مَنْ مَضَى إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ هَذَا النَّهَارِ فِيمَا مَضَى مِنْهُ \" وَهُوَ عِنْد أَحْمَد أَيْضًا بِسَنَدٍ حَسَنٍ. ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيث أَنَس \" خَطَبَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا وَقَدْ كَادَتْ الشَّمْس تَغِيب \" فَذَكَرَ نَحْو الْحَدِيث الْأَوَّل عَنْ اِبْن عُمَرَ , وَمِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد بِمَعْنَاهُ قَالَ عِنْد غُرُوب الشَّمْس \" إِنَّ مِثْل مَا بَقِيَ مِنْ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا كَبَقِيَّةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ \" وَحَدِيث أَبِي سَعِيد أَخْرَجَهُ أَيْضًا وَفِيهِ عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان وَهُوَ ضَعِيفٌ , وَحَدِيث أَنَس أَخْرَجَهُ أَيْضًا وَفِيهِ مُوسَى بْن خَلَف , ثُمَّ جَمَعَ بَيْنهمَا بِمَا حَاصِله أَنَّهُ حَمَلَ قَوْله \" بَعْد صَلَاة الْعَصْرِ \" عَلَى مَا إِذَا صَلَّيْت فِي وَسَطٍ مِنْ وَقْتِهَا. قُلْت : وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِ أَنَسٍ وَأَبِي سَعِيد , وَحَدِيث اِبْن عُمَر صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَالصَّوَابُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ , وَلَهُ مَحْمَلَان أَحَدهمَا أَنَّ الْمُرَاد بِالتَّشْبِيهِ التَّقْرِيب وَلَا يُرَاد حَقِيقَة الْمِقْدَار فِيهِ يَجْتَمِع مَعَ حَدِيث أَنَس وَأَبِي سَعِيد عَلَى تَقْدِير ثُبُوتِهِمَا , وَالثَّانِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيُقَدَّم حَدِيث اِبْن عُمَرَ لِصِحَّتِهِ وَيَكُون فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ مُدَّةَ هَذِهِ الْأُمَّة قَدْر خُمُس النَّهَار تَقْرِيبًا. ثُمَّ أَيَّدَ الطَّبَرِيّ كَلَامه بِحَدِيثِ الْبَاب وَبِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبه الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَلَفْظه \" وَاَللَّهِ لَا تَعْجِزُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ نِصْف يَوْم \" وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ وَلَكِنْ رَجَّحَ الْبُخَارِيّ وَقْفَهُ , وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ بِلَفْظِ \" إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْد رَبِّهَا أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ , قِيلَ لِسَعْدٍ : كَمْ نِصْفُ يَوْمٍ ؟ قَالَ : خَمْسُمِائَةِ سَنَة \" وَرُوَاته مُوَثَّقُونَ إِلَّا أَنَّ فِيهَا اِنْقِطَاعًا. قَالَ الطَّبَرِيّ : وَنِصْف الْيَوْمِ خَمْسُمِائَةِ سَنَة أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى { وَإِنَّ يَوْمًا عِنْد رَبّك كَأَلْفِ سَنَة } فَإِذَا اِنْضَمَّ إِلَى قَوْل اِبْن عَبَّاس إِنَّ الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَاف سَنَة تَوَافَقَتْ الْأَخْبَارُ , فَيَكُون الْمَاضِي إِلَى وَقْت الْحَدِيث الْمَذْكُور سِتَّة آلَاف سَنَة وَخَمْسمِائَةِ سَنَة تَقْرِيبًا. وَقَدْ أَوْرَدَ السُّهَيْلِيُّ كَلَامَ الطَّبَرِيّ وَأَيَّدَهُ بِمَا وَقَعَ عِنْده فِي حَدِيث الْمُسْتَوْرِد , وَأَكَّدَهُ بِحَدِيثِ زِمْل رَفَعَهُ \" الدُّنْيَا سَبْعَة آلَاف سَنَة بُعِثْت فِي آخِرِهَا \". قُلْت وَهَذَا الْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ عَنْ اِبْن زِمْل وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا أَخْرَجَهُ اِبْن السَّكَن فِي \" الصَّحَابَة \" وَقَالَ إِسْنَاده مَجْهُولٌ , وَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ فِي الصَّحَابَةِ , وَابْن قُتَيْبَة فِي \" غَرِيب الْحَدِيث \" وَذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَة أَيْضًا اِبْن مَنْدَهْ وَغَيْره وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ عَبْد اللَّه وَبَعْضهمْ الضَّحَّاك , وَقَدْ أَوْرَدَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي الْمَوْضُوعَات , وَقَالَ اِبْن الْأَثِير : أَلْفَاظُهُ مَصْنُوعَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيث نِصْف يَوْم مَا يَنْفِي الزِّيَادَة عَلَى الْخَمْسمِائَةِ , قَالَ : وَقَدْ جَاءَ بَيَان ذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ جَعْفَر بْن عَبْد الْوَاحِد بِلَفْظِ \" إِنْ أَحْسَنَتْ أُمَّتِي فَبَقَاؤُهَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ وَذَلِكَ أَلْف سَنَة , وَإِنْ أَسَاءَتْ فَنِصْفُ يَوْمٍ \" قَالَ وَلَيْسَ فِي قَوْله \" بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ \" مَا يَقْطَعُ بِهِ عَلَى صِحَّة التَّأْوِيلِ الْمَاضِي , بَلْ قَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيله إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنه وَبَيْن السَّاعَة نَبِيٌّ مَعَ التَّقْرِيبِ لِمَجِيئِهَا. ثُمَّ جَوَّزَ أَنْ يَكُون فِي عَدَد الْحُرُوف الَّتِي فِي أَوَائِل السُّوَر مَعَ حَذْف الْمُكَرَّرِ مَا يُوَافِقُ حَدِيثَ اِبْن زِمْل , وَذَكَرَ أَنَّ عِدَّتَهَا تِسْعُمِائَةِ وَثَلَاثَة. قُلْت : وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى طَرِيقَة الْمَغَارِبَةِ فِي عَدِّ الْحُرُوفِ , وَأَمَّا الْمَشَارِقَةُ فَيَنْقُصُ الْعَدَدُ عِنْدَهُمْ مِائَتَيْنِ وَعَشْرَة فَإِنَّ السِّينَ عِنْد الْمَغَارِبَة بِثَلَاثِمِائَةِ وَالصَّاد بِسِتِّينَ وَأَمَّا الْمَشَارِقَةُ فَالسِّين عِنْدَهُمْ سِتُّونَ وَالصَّاد تِسْعُونَ فَيَكُون الْمِقْدَارُ عِنْدَهُمْ سِتّمِائَةِ وَثَلَاثَة وَتِسْعِينَ , وَقَدْ مَضَتْ وَزِيَادَة عَلَيْهَا مِائَة وَخَمْس وَأَرْبَعُونَ سَنَة , فَالْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّة بَاطِلٌ , وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ اِبْن عَبَّاس الزَّجْرُ عَنْ عَدِّ أَبِي جَاد وَالْإِشَارَة إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَة السِّحْر , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ فَإِنَّهُ لَا أَصْل لَهُ فِي الشَّرِيعَة. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ السُّهَيْلِيِّ فِي فَوَائِد رِحْلَتِهِ مَا نَصُّهُ : وَمَنْ الْبَاطِلِ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ فِي أَوَائِل السُّوَر , وَقَدْ تَحَصَّلَ لِي فِيهَا عِشْرُونَ قَوْلًا وَأَزْيَدُ وَلَا أَعْرِفُ أَحَدًا يَحْكُمُ عَلَيْهَا بِعِلْمِ وَلَا يَصِل فِيهَا إِلَى فَهْم إِلَّا أَنِّي أَقُول. فَذَكَرَ مَا مُلَخَّصُهُ أَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ لَهَا مَدْلُولًا مُتَدَاوَلًا بَيْنهمْ لَكَانُوا أَوَّلَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بَلْ تَلَا عَلَيْهِمْ ص وحم وَفُصِّلَتْ وَغَيْرهمَا فَلَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ بَلْ صَرَّحُوا بِالتَّسْلِيمِ لَهُ فِي الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ مَعَ تَشَوُّفِهِمْ إِلَى عَثْرَةٍ وَحِرْصِهِمْ عَلَى زَلَّةٍ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَمْرًا مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ لَا إِنْكَارَ فِيهِ. ‏ ‏قُلْت : وَأَمَّا عَدُّ الْحُرُوفِ بِخُصُوصِهِ فَإِنَّمَا جَاءَ عَنْ بَعْض الْيَهُودِ كَمَا حَكَاهُ اِبْن إِسْحَاق فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَنْ أَبِي يَاسِر بْن أَخْطَبَ وَغَيْره أَنَّهُمْ حَمَلُوا الْحُرُوفَ الَّتِي فِي أَوَائِل السُّوَرِ عَلَى هَذَا الْحِسَاب وَاسْتَقْصَرُوا الْمُدَّة أَوَّل مَا نَزَلَ الم والر , فَلَمَّا نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ المص وَطسم وَغَيْر ذَلِكَ قَالُوا أَلْبَسْت عَلَيْنَا الْأَمْرَ. وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون ذَلِكَ مُرَادًا فَلْيُحْمَلْ عَلَى جَمِيع الْحُرُوف الْوَارِدَةِ وَلَا يُحْذَفْ الْمُكَرَّرُ , فَإِنَّهُ مَا مِنْ حَرْفٍ مِنْهَا إِلَّا وَلَهُ سِرٌّ يَخُصُّهُ , أَوْ يُقْتَصَرُ عَلَى حَذْف الْمُكَرَّرِ مِنْ أَسْمَاء السُّوَر وَلَوْ تَكَرَّرَتْ الْحُرُوفُ فِيهَا , فَإِنَّ السُّوَر الَّتِي اُبْتُدِئَتْ بِذَلِكَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ سُورَةً وَعَدَد حُرُوف الْجَمِيع ثَمَانِيَة وَسَبْعُونَ حَرْفًا وَهِيَ الم سِتَّةٌ حم سِتَّة الر خَمْسَة طسم ثِنْتَانِ المص المر كهيعص حم عسق طه طس يس ص ق ن , فَإِذَا حُذِفَ مَا كُرِّرَ مِنْ السُّوَر وَهِيَ خَمْسٌ مِنْ الم وَخَمْس مِنْ حم وَأَرْبَع مِنْ الر وَوَاحِدَة مِنْ طسم بَقِيَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سُورَةً عَدَدُ حُرُوفِهَا ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ حَرْفًا فَإِذَا حُسِبَ عَدَدُهَا بِالْجُمَّلِ الْمَغْرِبِيِّ بَلَغَتْ أَلْفَيْنِ وَسِتَّمِائَةٍ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَأَمَّا بِالْجُمَّلِ الْمَشْرِقِيِّ فَتَبْلُغُ أَلْفًا وَسَبْعمِائَةِ وَأَرْبَعَة وَخَمْسِينَ وَلَمْ أَذْكُرْ ذَلِكَ لِيُعْتَمَد عَلَيْهِ إِلَّا لِأُبَيِّنَ أَنَّ الَّذِي جَنَحَ إِلَيْهِ السُّهَيْلِيُّ لَا يَنْبَغِي الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ لِشِدَّةِ التَّخَالُفِ فِيهِ , وَفِي الْجُمْلَةِ فَأَقْوَى مَا يُعْتَمَد فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ حَدِيثُ اِبْن عُمَر الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ قَبْلُ , , وَقَدْ أَخْرَجَ مَعْمَرٌ فِي الْجَامِع عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ مَعْمَر : وَبَلَغَنِي عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله تَعَالَى ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) قَالَ : الدُّنْيَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا يَوْمٌ مِقْدَارُهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ لَا يَدْرِي كَمْ مَضَى وَلَا كَمْ بَقِيَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى , وَقَدْ حَمَلَ بَعْض شُرَّاح \" الْمَصَابِيح \" حَدِيث \" لَنْ تَعْجِزَ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا نِصْفَ يَوْمٍ \" عَلَى حَال يَوْم الْقِيَامَة وَزَيَّفَهُ الطِّيبِيُّ فَأَصَابَ , وَأَمَّا زِيَادَة جَعْفَر فَهِيَ مَوْضُوعَةٌ لِأَنَّهَا لَا تُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَته وَهُوَ مَشْهُورٌ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ وَقَدْ كَذَّبَهُ الْأَئِمَّة مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسُقْ سَنَدَهُ بِذَلِكَ , فَالْعَجَبُ مِنْ السُّهَيْلِيِّ كَيْف سَكَتَ عَنْهُ مَعَ مَعْرِفَته بِحَالِهِ. وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6025",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ فَذَلِكَ حِينَ ‏ { ‏لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ‏} ‏وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ ‏ ‏يَلِيطُ ‏ ‏حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أَحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( بَابٌ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ ولِلكُشْمِيهَنِيِّ \" بَابٌ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا \" وَكَذَا هُوَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ وَهُوَ مُنَاسِبٌ وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَنْسَبُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَوَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِهِ أَنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا إِنَّمَا يَقَعُ عِنْدَ إِشْرَافِ قِيَامِ السَّاعَةِ كَمَا سَأُقَرِّرُهُ. ‏ ‏قَوْله ( أَبُو الزِّنَاد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْرَج وَصَرَّحَ بِهِ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ عَنْ أَحْمَد بْن عَبْد الْوَهَّاب عَنْ أَبِي الْيَمَان شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا بَعْض حَدِيث سَاقَهُ الْمُؤَلِّف فِي أَوَاخِر كِتَاب الْفِتَن بِهَذَا الْإِسْنَاد بِتَمَامِهِ وَفِي أَوَّله \" لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظْمِيَّتَانِ \" الْحَدِيثَ. وَذَكَرَ فِيهِ نَحْو عَشَرَة أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا الْجِنْس ثُمَّ ذَكَرَ مَا فِي هَذَا الْبَاب وَسَأَذْكُرُ شَرْحَهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ وَأَقْتَصِرُ هُنَا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْده مِنْ قُرْب الْقِيَامَةِ خَاصَّةً وَعَامَّةً. قَالَ الطِّيبِيُّ : الْآيَات أَمَارَاتٌ لِلسَّاعَةِ إِمَّا عَلَى قُرْبهَا وَإِمَّا عَلَى حُصُولهَا فَمِنْ الْأَوَّل الدَّجَّالُ وَنُزُولُ عِيسَى وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَالْخَسْفُ وَمِنْ الثَّانِي الدُّخَان وَطُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبِهَا وَخُرُوج الدَّابَّة وَالنَّار الَّتِي تَحْشُرُ النَّاسَ وَحَدِيث الْبَاب يُؤْذِنُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ جَعَلَ فِي طُلُوعهَا مِنْ الْمُغْرِب غَايَة لِعَدَمِ قِيَام السَّاعَة فَيَقْتَضِي أَنَّهَا إِذَا طَلَعَتْ كَذَلِكَ اِنْتَفَى عَدَم الْقِيَام فَثَبَتَ الْقِيَامُ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَآهَا النَّاس آمَنُوا أَجْمَعُونَ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي التَّفْسِير \" فَإِذَا رَآهَا النَّاس آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا \" أَيْ عَلَى الْأَرْض مِنْ النَّاسِ. ‏ ‏قَوْله ( فَذَاكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَذَلِكَ \" وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أَبِي زُرْعَة وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي التَّفْسِير أَيْضًا \" وَذَلِكَ \" بِالْوَاوِ. ‏ ‏قَوْله ( حِين لَا يَنْفَع نَفْسًا إِيمَانُهَا الْآيَةَ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا وَفِي رِوَايَة أَبِي زُرْعَة \" إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ \" وَفِي رِوَايَة هَمَّام \" إِيمَانهَا ثُمَّ قَرَأَ الْآيَة \" قَالَ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَى الْآيَة لَا يَنْفَع كَافِرًا لَمْ يَكُنْ آمَنَ قَبْلَ الطُّلُوعِ إِيمَانٌ بَعْدَ الطُّلُوعِ وَلَا يَنْفَع مُؤْمِنًا لَمْ يَكُنْ عَمِلَ صَالِحًا قَبْلَ الطُّلُوعِ عَمَلٌ صَالِحٌ بَعْد الطُّلُوع لِأَنَّ حُكْم الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالِح حِينَئِذٍ حُكْم مَنْ آمَنَ أَوْ عَمِلَ عِنْد الْغَرْغَرَة وَذَلِكَ لَا يُفِيد شَيْئًا كَمَا قَالَ تَعَالَى ( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ) وَكَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح \" تُقْبَلُ تَوْبَةُ الْعَبْدِ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْغَرْغَرَةَ \" وَقَالَ اِبْنِ عَطِيَّة : فِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْبَعْضِ فِي قَوْله تَعَالَى ( يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّك ) طُلُوع الشَّمْس مِنْ الْمُغْرِب وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُور وَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ عَنْ اِبْنِ مَسْعُود أَنَّ الْمُرَاد بِالْبَعْضِ إِحْدَى ثَلَاث هَذِهِ أَوْ خُرُوج الدَّابَّة أَوْ الدَّجَّال قَالَ : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ نُزُول عِيسَى بْن مَرْيَم يُعْقِبُ خُرُوجَ الدَّجَّال وَعِيسَى لَا يَقْبَل إِلَّا الْإِيمَان فَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ بِخُرُوجِ الدَّجَّال لَا يُقْبَلُ الْإِيمَانُ وَلَا التَّوْبَةُ. قُلْت : ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" ثَلَاث إِذَا خَرَجْنَ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ : طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا وَالدَّجَّال وَدَابَّة الْأَرْض \" قِيلَ فَلَعَلَّ حُصُول ذَلِكَ يَكُونُ مُتَتَابِعًا بِحَيْثُ تَبْقَى النِّسْبَة إِلَى الْأَوَّل مِنْهَا مَجَازِيَّةً وَهَذَا بَعِيد لِأَنَّ مُدَّة لُبْث الدَّجَّال إِلَى أَنْ يَقْتُلهُ عِيسَى ثُمَّ لُبْث عِيسَى وَخُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج كُلّ ذَلِكَ سَابِقٌ عَلَى طُلُوع الشَّمْس مِنْ الْمُغْرِب فَاَلَّذِي يَتَرَجَّح مِنْ مَجْمُوع الْأَخْبَار أَنَّ خُرُوج الدَّجَّال أَوَّلُ الْآيَاتِ الْعِظَامِ الْمُؤْذِنَةِ بِتَغَيُّرِ الْأَحْوَال الْعَامَّة فِي مُعْظَم الْأَرْض وَيَنْتَهِي ذَلِكَ بِمَوْتِ عِيسَى بْن مَرْيَم وَأَنَّ طُلُوع الشَّمْس مِنْ الْمُغْرِب هُوَ أَوَّلِ الْآيَات الْعِظَام الْمُؤْذِنَة بِتَغَيُّرِ أَحْوَال الْعَالَم الْعَلَوِيّ وَيَنْتَهِي ذَلِكَ بِقِيَامِ السَّاعَة وَلَعَلَّ خُرُوج الدَّابَّة يَقَع فِي ذَلِكَ الْيَوْم الَّذِي تَطْلُع فِيهِ الشَّمْس مِنْ الْمُغْرِب. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي زُرْعَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ رَفَعَهُ \" أَوَّلُ الْآيَات طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا وَخُرُوج الدَّابَّة عَلَى النَّاس ضُحًى فَأَيُّهُمَا خَرَجَتْ قَبْل الْأُخْرَى فَالْأُخْرَى مِنْهَا قَرِيب \" وَفِي الْحَدِيث قِصَّة لِمَرْوَان بْن الْحَكَم وَأَنَّهُ كَانَ يَقُول : أَوَّلُ الْآيَات خُرُوج الدَّجَّال فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو. قُلْت : وَلِكَلَامِ مَرْوَان مَحْمَلٌ يُعْرَف مِمَّا ذَكَرْته. قَالَ الْحَاكِم أَبُو عَبْد اللَّه : الَّذِي يَظْهَر أَنَّ طُلُوع الشَّمْس يَسْبِق خُرُوج الدَّابَّة ثُمَّ تَخْرُج الدَّابَّة فِي ذَلِكَ الْيَوْم أَوْ الَّذِي يَقْرُب مِنْهُ. قُلْت : وَالْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّ عِنْد طُلُوع الشَّمْس مِنْ الْمُغْرِب يُغْلَق بَابِ التَّوْبَة فَتَخْرُج الدَّابَّة تُمَيِّز الْمُؤْمِن مِنْ الْكَافِر تَكْمِيلًا لِلْمَقْصُودِ مِنْ إِغْلَاق بَابِ التَّوْبَة وَأَوَّلُ الْآيَات الْمُؤْذِنَة بِقِيَامِ السَّاعَة النَّار الَّتِي تَحْشُرُ النَّاسَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث أَنَسٍ فِي بَدْء الْخَلْق فِي مَسَائِل عَبْد اللَّه بْن سَلَام فَفِيهِ \" وَأَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاط السَّاعَة فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِق إِلَى الْمُغْرِب \" وَسَيَأْتِي فِيهِ زِيَادَة فِي \" بَاب كَيْف الْحَشْر \" قَالَ اِبْنِ عَطِيَّة وَغَيْره مَا حَاصِله : مَعْنَى الْآيَة أَنَّ الْكَافِر لَا يَنْفَعهُ إِيمَانه بَعْد طُلُوع الشَّمْس مِنْ الْمُغْرِب وَكَذَلِكَ الْعَاصِي لَا تَنْفَعهُ تَوْبَته وَمَنْ لَمْ يَعْمَل صَالِحًا مِنْ قَبْل وَلَوْ كَانَ مُؤْمِنًا لَا يَنْفَعهُ الْعَمَل بَعْد طُلُوعهَا مِنْ الْمُغْرِب. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : الْمَعْنَى لَا تَنْفَع تَوْبَة بَعْد ذَلِكَ بَلْ يُخْتَم عَلَى عَمَل كُلّ أَحَدٍ بِالْحَالَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا. وَالْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا أَوَّلُ اِبْتِدَاء قِيَام السَّاعَة بِتَغَيُّرِ الْعَالِم الْعَلَوِيّ فَإِذَا شُوهِدَ ذَلِكَ حَصَلَ الْإِيمَان الضَّرُورِيّ بِالْمُعَايَنَةِ وَارْتَفَعَ الْإِيمَان بِالْغَيْبِ فَهُوَ كَالْإِيمَانِ عِنْد الْغَرْغَرَة وَهُوَ لَا يَنْفَع فَالْمُشَاهَدَة لِطُلُوعِ الشَّمْس مِنْ الْمُغْرِب مِثْله. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" التَّذْكِرَة \" بَعْد أَنْ ذَكَرَ هَذَا : فَعَلَى هَذَا فَتَوْبَة مَنْ شَاهَدَ ذَلِكَ أَوْ كَانَ كَالْمَشَاهِدِ لَهُ مَرْدُودَة فَلَوْ اِمْتَدَّتْ أَيَّام الدُّنْيَا بَعْد ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَنْسَى هَذَا الْأَمْر أَوْ يَنْقَطِع تَوَاتُره وَيَصِير الْخَبَر عَنْهُ آحَادًا فَمَنْ أَسْلَمَ حِينَئِذٍ أَوْ تَابَ قُبِلَ مِنْهُ. وَأَيَّدَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ الشَّمْس وَالْقَمَر يُكْسَيَانِ الضَّوْء بَعْد ذَلِكَ وَيَطْلُعَانِ وَيَغْرُبَانِ مِنْ الْمَشْرِق كَمَا كَانَا قَبْل ذَلِكَ. قَالَ وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْث السَّمَرْقَنْدِيّ فِي تَفْسِيره عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ قَالَ : إِنَّمَا لَا يُقْبَل الْإِيمَان وَالتَّوْبَة وَقْت الطُّلُوع لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ صَيْحَة فَيَهْلِك بِهَا كَثِير مِنْ النَّاس فَمَنْ أَسْلَمَ أَوْ تَابَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت لَمْ تُقْبَل تَوْبَته وَمَنْ تَابَ بَعْد ذَلِكَ قُبِلَتْ تَوْبَته. قَالَ وَذَكَرَ الْمَيَّانِشِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَفَعَهُ قَالَ : تَبْقَى النَّاس بَعْد طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا عِشْرِينَ وَمِائَة سَنَة. قُلْت : رَفْع هَذَا لَا يَثْبُت. وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد اِبْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيره بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مَوْقُوفًا وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ مَا يُعَارِضهُ فَأَخْرَجَ أَحْمَد وَنُعَيْم بْن حَمَّاد مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَفَعَهُ : الْآيَات خَرَزَات مَنْظُومَات فِي سِلْك إِذَا اِنْقَطَعَ السِّلْك تَبِعَ بَعْضهَا بَعْضًا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَفَعَهُ : إِذَا طَلَعَ الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا خَرَّ إِبْلِيس سَاجِدًا يُنَادِي إِلَهِي مُرْنِي أَنْ أَسْجُد لِمَنْ شِئْت الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ نُعَيْم نَحْوَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَالْحَسَن وَقَتَادَة بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ. وَعِنْد اِبْنِ عَسَاكِر مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة بْن أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ رَفَعَهُ : بَيْن يَدَيْ السَّاعَة عَشْر آيَات كَالنَّظْمِ فِي الْخَيْط إِذَا سَقَطَ مِنْهَا وَاحِدة تَوَالَتْ. وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَة بَيْن أَوَّلِ الْآيَات وَآخِرهَا سِتَّة أَشْهُر يَتَتَابَعْنَ كَتَتَابُعِ الْخَرَزَات فِي النِّظَام. وَيُمْكِن الْجَوَاب عَنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بِأَنَّ الْمُدَّة وَلَوْ كَانَتْ كَمَا قَالَ عِشْرِينَ وَمِائَة سَنَة لَكِنَّهَا تَمُرّ مُرُورًا سَرِيعًا كَمِقْدَارِ مُرُور عِشْرِينَ وَمِائَة شَهْر مِنْ قَبْل ذَلِكَ أَوْ دُونَ ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَكُونَ السَّنَة كَالشَّهْرِ \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَالْيَوْم كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَة \" وَأَمَّا حَدِيث عِمْرَان فَلَا أَصْلَ لَهُ وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى هَذَا الِاحْتِمَال الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْبَعْث وَالنُّشُور \" فَقَالَ فِي \" بَابِ خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج \" فَصْل , ذَكَرَ الْحَلِيمِيّ أَنَّ أَوَّلَ الْآيَات الدَّجَّال ثُمَّ نُزُول عِيسَى لِأَنَّ طُلُوع الشَّمْس مِنْ الْمُغْرِب لَوْ كَانَ قَبْل نُزُول عِيسَى لَمْ يَنْفَع الْكُفَّارَ إِيمَانُهُمْ فِي زَمَانه وَلَكِنَّهُ يَنْفَعهُمْ إِذْ لَوْ لَمْ يَنْفَعهُمْ لَمَا صَارَ الدِّين وَاحِدًا بِإِسْلَامِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَهُوَ كَلَامِ صَحِيح لَوْ لَمْ يُعَارِض الْحَدِيث الصَّحِيح الْمَذْكُور أَنَّ \" أَوَّل الْآيَات طُلُوع الشَّمْس مِنْ الْمُغْرِب \" وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو طُلُوع الشَّمْس أَوْ خُرُوج الدَّابَّة وَفِي حَدِيث أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة الْجَزْم بِهِمَا وَبِالدَّجَّالِ فِي عَدَم نَفْع الْإِيمَان. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنْ كَانَ فِي عِلْم اللَّه أَنَّ طُلُوع الشَّمْس سَابِقٌ اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد نَفْي النَّفْع عَنْ أَنْفُس الْقَرْن الَّذِينَ شَاهَدُوا ذَلِكَ فَإِذَا اِنْقَرَضُوا وَتَطَاوَلَ الزَّمَان وَعَادَ بَعْضهمْ إِلَى الْكُفْر عَادَ تَكْلِيفه الْإِيمَان بِالْغَيْبِ وَكَذَا فِي قِصَّة الدَّجَّال لَا يَنْفَع إِيمَان مَنْ آمَنَ بِعِيسَى عِنْد مُشَاهَدَة الدَّجَّال وَيَنْفَعهُ بَعْد اِنْقِرَاضه. وَإِنْ كَانَ فِي عِلْم اللَّه طُلُوع الشَّمْس بَعْد نُزُول عِيسَى اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد بِالْآيَاتِ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو آيَات أُخْرَى غَيْر الدَّجَّال وَنُزُول عِيسَى إِذْ لَيْسَ فِي الْخَبَر نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ يَتَقَدَّم عِيسَى. قُلْت : وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَد وَالْأَخْبَار الصَّحِيحَة تُخَالِفهُ فَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" مَنْ تَابَ قَبْل أَنْ تَطْلُع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا تَابَ اللَّه عَلَيْهِ \" فَمَفْهُومه أَنَّ مَنْ تَابَ بَعْد ذَلِكَ لَمْ تُقْبَل. وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث مُعَاوِيَة رَفَعَهُ \" لَا تَزَال تُقْبَل التَّوْبَة حَتَّى يَطْلُع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا \" وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَلَام نَحْوُهُ. وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَالطَّبَرِيّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق مَالِك بْن يُخَامِرَ بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ وَبِكَسْرِ الْمِيم وَعَنْ مُعَاوِيَة وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَفَعُوهُ \" لَا تَزَالُ التَّوْبَة مَقْبُولَة حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا فَإِذَا طَلَعَتْ طَبَعَ اللَّه عَلَى كُلّ قَلْب بِمَا فِيهِ وَكَفَى النَّاسَ الْعَمَلُ \" وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَعَبْد بْن حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيره كُلّهمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هِنْد عَنْ مُعَاوِيَة رَفَعَهُ \" لَا تَنْقَطِع التَّوْبَة حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِنْ طَرِيق أَبِي الشَّعْثَاء عَنْ اِبْنِ مَسْعُود مَوْقُوفًا \" التَّوْبَة مَفْرُوضَة مَا لَمْ تَطْلُع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا \" وَفِي حَدِيث صَفْوَانَ بْن عَسَّالٍ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : إِنَّ بِالْمَغْرِبِ بَابًا مَفْتُوحًا لِلتَّوْبَةِ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ سَنَة لَا يُغْلَق حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس مِنْ نَحْوِهِ \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَسَن صَحِيح وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ. وَفِي حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس نَحْوُهُ عِنْد اِبْنِ مَرْدَوَيْهِ وَفِيهِ \" فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا رُدَّ الْمِصْرَاعَانِ فَيَلْتَئِم مَا بَيْنهمَا فَإِذَا أُغْلِقَ ذَلِكَ الْبَاب لَمْ تُقْبَل بَعْد ذَلِكَ تَوْبَة وَلَا تَنْفَع حَسَنَة إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْمَل الْخَيْر قَبْل ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجْرِي لَهُمْ مَا كَانَ قَبْل ذَلِكَ \" وَفِيهِ \" فَقَالَ أُبَيّ بْن كَعْب : فَكَيْف بِالشَّمْسِ وَالنَّاس بَعْد ذَلِكَ ؟ قَالَ : تُكْسَى الشَّمْس الضَّوْء وَتَطْلُع كَمَا كَانَتْ تَطْلُع وَتُقْبِل النَّاس عَلَى الدُّنْيَا فَلَوْ نَتَجَ رَجُل مُهْرًا لَمْ يَرْكَبهُ حَتَّى تَقُوم السَّاعَة \" وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ عِنْد نُعَيْم اِبْنِ حَمَّاد فِي كِتَاب الْفِتَنِ وَعَبْد الرَّزَّاق فِي تَفْسِيره عَنْ وَهْب بْن جَابِر الْخَيْوَانِيّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة قَالَ \" كُنَّا عِنْد عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فَذَكَرَ قِصَّة قَالَ ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثنَا قَالَ : إِنَّ الشَّمْس إِذَا غَرَبَتْ سَلَّمَتْ وَسَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ فِي الطُّلُوع فَيُؤْذَن لَهَا حَتَّى إِذَا كَانَ ذَات لَيْلَة فَلَا يُؤْذَن لَهَا وَتُحْبَس مَا شَاءَ اللَّه تَعَالَى ثُمَّ يُقَال لَهَا : اُطْلُعِي مِنْ حَيْثُ غَرَبْت قَالَ فَمِنْ يَوْمَئِذٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا يَنْفَع نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ. وَأَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيره عَنْ عَبْد الرَّزَّاق كَذَلِكَ وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى وَزَادَ فِيهَا قِصَّة الْمُتَهَجِّدِينَ وَأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يَسْتَنْكِرُونَ بُطْءَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى قَالَ \" تَأْتِي لَيْلَة قَدْر ثَلَاث لَيَالٍ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْمُتَهَجِّدُونَ يَقُوم فَيَقْرَأ حِزْبه ثُمَّ يَنَام ثُمَّ يَقُوم فَيَقْرَأ ثُمَّ يَنَام ثُمَّ يَقُوم فَعِنْدَهَا يَمُوجُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ حَتَّى إِذَا صَلَّوْا الْفَجْر وَجَلَسُوا فَإِذَا هُمْ بِالشَّمْسِ قَدْ طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبهَا فَيَضِجُّ النَّاسُ ضَجَّةً وَاحِدَةً حَتَّى إِذَا تَوَسَّطَتْ السَّمَاء رَجَعَتْ \" وَعِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي \" الْبَعْث وَالنُّشُور \" مِنْ حَدِيث اِبْنِ مَسْعُود نَحْوُهُ \" فَيُنَادِي الرَّجُل جَارَهُ يَا فُلَانُ مَا شَأْن اللَّيْلَة لَقَدْ نِمْت حَتَّى شَبِعْت وَصَلَّيْت حَتَّى أُعْيِيت \" وَعِنْد نُعَيْم بْن حَمَّاد مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ \" لَا يَلْبَثُونَ بَعْد يَأْجُوج وَمَأْجُوج إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا فَيُنَادِيهِمْ مُنَادٍ : يَا أَيِّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ قُبِلَ مِنْكُمْ وَيَا أَيِّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا قَدْ أُغْلِقَ عَنْكُمْ بَابُ التَّوْبَةِ وَجَفَّتْ الْأَقْلَام وَطُوِيَتْ الصُّحُفُ \" وَمِنْ طَرِيق يَزِيد بْن شُرَيْح وَكَثِير بْن مُرَّة \" إِذَا طَلَعَتْ الشَّمْس مِنْ الْمُغْرِب يُطْبَع عَلَى الْقُلُوب بِمَا فِيهَا وَتَرْتَفِع الْحَفَظَةُ وَتُؤْمَرُ الْمَلَائِكَةُ أَنْ لَا يَكْتُبُوا عَمَلًا \" وَأَخْرَجَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ وَالطَّبَرِيّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيق عَامِر الشَّعْبِيِّ عَنْ عَائِشَة \" إِذَا خَرَجَتْ أَوَّلُ الْآيَاتِ طُرِحَتْ الْأَقْلَام وَطُوِيَتْ الصُّحُف وَخَلَصَتْ الْحَفَظَة وَشَهِدَتْ الْأَجْسَاد عَلَى الْأَعْمَال \" وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا فَحُكْمه الرَّفْع. وَمِنْ طَرِيق الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْنِ عَبَّاس نَحْوُهُ وَمِنْ طَرِيق اِبْنِ مَسْعُود قَالَ \" الْآيَة الَّتِي يُخْتَم بِهَا الْأَعْمَال طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا \" فَهَذِهِ آثَارٌ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ الشَّمْس إِذَا طَلَعَتْ مِنْ الْمُغْرِب أُغْلِقَ بَابِ التَّوْبَة وَلَمْ يُفْتَح بَعْد ذَلِكَ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصّ بِيَوْمِ الطُّلُوع بَلْ يَمْتَدّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَيُؤْخَذ مِنْهَا أَنَّ طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا أَوَّلُ الْإِنْذَار بِقِيَامِ السَّاعَة وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى أَصْحَاب الْهَيْئَة وَمِنْ وَأَفَقَهُمْ أَنَّ الشَّمْس وَغَيْرهَا مِنْ الْفَلَكِيَّات بَسِيطَةٌ لَا يَخْتَلِفُ مُقْتَضَيَاتُهَا وَلَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا تَغْيِيرُ مَا هِيَ عَلَيْهِ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَقَوَاعِدُهُمْ مَنْقُوضَةٌ وَمُقَدِّمَاتُهُمْ مَمْنُوعَةٌ وَعَلَى تَقْدِير تَسْلِيمهَا فَلَا اِمْتِنَاع مِنْ اِنْطِبَاق مُنْطِقَة الْبُرُوج الَّتِي هِيَ مُعَدَّل النَّهَار بِحَيْثُ يَصِير الْمَشْرِق مَغْرِبًا وَبِالْعَكْسِ. وَاسْتَدَلَّ صَاحِبُ \" الْكَشَّاف \" بِهَذِهِ الْآيَة لِلْمُعْتَزِلَةِ فَقَالَ : قَوْله ( لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ ) صِفَة لِقَوْلِهِ ( نَفْسًا ) وَقَوْله ( أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ) عَطْف عَلَى ( آمَنَتْ ) الْمَعْنَى أَنَّ أَشْرَاط السَّاعَة إِذَا جَاءَتْ وَهِيَ آيَات مُلْجِئَة لِلْإِيمَانِ ذَهَبَ أَوَانُ التَّكْلِيف عِنْدهَا فَلَمْ يَنْفَع الْإِيمَان حِينَئِذٍ مِنْ غَيْر مُقَدِّمَةِ إِيمَانِهَا قَبْلَ ظُهُور الْآيَات أَوْ مُقَدِّمَة إِيمَانهَا مِنْ غَيْر تَقْدِيم عَمَل صَالِحٍ فَلَمْ يُفَرِّق كَمَا تَرَى بَيْن النَّفْس. الْكَافِرَة وَبَيْن النَّفْس الَّتِي آمَنَتْ فِي وَقْته وَلَمْ تَكْتَسِبْ خَيْرًا لِيُعْلَم أَنَّ قَوْله ( الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات ) جَمْعٌ بَيْن قَرِينَتَيْنِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَنْفَكَّ إِحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى حَتَّى يَفُوز صَاحِبُهَا وَيَسْعَد وَإِلَّا فَالشِّقْوَةُ وَالْهَلَاكُ. قَالَ الشِّهَاب السَّمِينُ : قَدْ أَجَابَ النَّاس بِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْآيَة أَنَّهُ إِذَا أَتَى بَعْض الْآيَات لَا يَنْفَع نَفْسًا كَافِرَةً إِيمَانُهَا الَّذِي أَوْقَعَتْهُ إِذْ ذَاكَ وَلَا يَنْفَع نَفْسًا سَبْقُ إِيمَانِهَا وَلَمْ تَكْسِب فِيهِ خَيْرًا فَقَدْ عَلَّقَ نَفْيَ نَفْعِ الْإِيمَانِ بِأَحَدِ وَصْفَيْنِ : إِمَّا نَفْي سَبْقِ الْإِيمَانِ فَقَطْ وَإِمَّا سَبْقُهُ مَعَ نَفْي كَسْب الْخَيْر وَمَفْهُومه أَنَّهُ يَنْفَع الْإِيمَان السَّابِق وَحْدَهُ وَكَذَا السَّابِق وَمَعَهُ الْخَيْر وَمَفْهُوم الصِّفَة قَوِيّ فَيُسْتَدَلّ بِالْآيَةِ لِمَذْهَبِ أَهْل السُّنَّةِ وَيَكُونُ فِيهِ قَلْبُ دَلِيلِ الْمُعْتَزِلَةِ دَلِيلًا عَلَيْهِمْ. وَأَجَابَ اِبْنِ الْمُنِير فِي \" الِانْتِصَاف \" فَقَالَ : هَذَا الْكَلَام مِنْ الْبَلَاغَة يُلَقَّبُ اللَّفُّ وَأَصْلُهُ يَوْمَ يَأْتِي بَعْض آيَات رَبِّك لَا يَنْفَعُ نَفْسًا لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنَةً قَبْلَ إِيمَانِهَا بَعْد وَلَا نَفْسًا لَمْ تَكْسِب خَيْرًا قَبْل مَا تَكْتَسِبهُ مِنْ الْخَيْر بَعْد لَفّ الْكَلَامَيْنِ فَجَعَلَهُمَا كَلَامًا وَاحِدًا إِيجَازًا وَبِهَذَا التَّقْرِير يَظْهَر أَنَّهَا لَا تُخَالِف مَذْهَب أَهْل الْحَقّ فَلَا يَنْفَع بَعْد ظُهُور الْآيَات اِكْتِسَاب الْخَيْر وَلَوْ نَفَعَ الْإِيمَان الْمُتَقَدِّم مِنْ الْخُلُود فَهِيَ بِالرَّدِّ عَلَى مَذْهَبه أَوْلَى مِنْ أَنْ تَدُلّ لَهُ. وَقَالَ اِبْنِ الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ : الْإِيمَان قَبْل مَجِيء الْآيَة نَافِع وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَمَلٌ صَالِحٌ غَيْره وَمَعْنَى الْآيَة لَا يَنْفَع نَفْسًا إِيمَانُهَا وَلَا كَسْبُهَا الْعَمَلَ الصَّالِحَ لَمْ يَكُنْ الْإِيمَان قَبْل الْآيَة أَوْ لَمْ يَكُنْ الْعَمَل مَعَ الْإِيمَان قَبْلهَا فَاخْتُصِرَ لِلْعِلْمِ وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ كَلَامَ الْأَئِمَّة فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ : الْمُعْتَمَد مَا قَالَ اِبْنُ الْمُنِير وَابْنُ الْحَاجِب وَبَسَطَهُ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا خَاطَبَ الْمُعَانِدِينَ بَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبَعُوهُ ) الْآيَةَ عَلَّلَ الْإِنْزَال بِقَوْلِهِ ( أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ ) إِلَخْ إِزَالَةً لِلْعُذْرِ وَإِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ( فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَة ) تَبْكِيتًا لَهُمْ وَتَقْرِيرًا لِمَا سَبَقَ مِنْ طَلَبِ الِاتِّبَاعِ ثُمَّ قَالَ ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ ) الْآيَة. أَيْ أَنَّهُ أَنْزَلَ هَذَا الْكِتَاب الْمُنِير كَاشِفًا لِكُلِّ رَيْب وَهَادِيًا إِلَى الطَّرِيق الْمُسْتَقِيم وَرَحْمَة مِنْ اللَّه لِلْخَلْقِ لِيَجْعَلُوهُ زَادًا لِمَعَادِهِمْ فِيمَا يُقَدِّمُونَهُ مِنْ الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالِح فَجَعَلُوا شُكْر النِّعْمَة أَنْ كَذَّبُوا بِهَا وَمُنِعُوا مِنْ الِانْتِفَاع بِهَا ثُمَّ قَالَ ( هَلْ يَنْظُرُونَ ) الْآيَة أَيْ مَا يَنْتَظِر هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَاب الدُّنْيَا بِنُزُولِ الْمَلَائِكَة بِالْعِقَابِ الَّذِي يَسْتَأْصِل شَأْفَتَهُمْ كَمَا جَرَى لِمَنْ مَضَى مِنْ الْأُمَم قَبْلَهُمْ أَوْ يَأْتِيهِمْ عَذَاب الْآخِرَة بِوُجُودِ بَعْض قَوَارِعهَا فَحِينَئِذٍ تَفُوت تِلْكَ الْفُرْصَة السَّابِقَة فَلَا يَنْفَعُهُمْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ يَنْفَعُهُمْ مِنْ قَبْلُ مِنْ الْإِيمَان وَكَذَا الْعَمَل الصَّالِح مَعَ الْإِيمَان فَكَأَنَّهُ قِيلَ يَوْم يَأْتِي بَعْض آيَات رَبِّك لَا يَنْفَع نَفْسًا إِيمَانهَا وَلَا كَسْبهَا الْعَمَل الصَّالِح فِي إِيمَانهَا حِينَئِذٍ إِذَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْل أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانهَا خَيْرًا مِنْ قَبْل فَفِي الْآيَة لَفٌّ لَكِنْ حُذِفَتْ إِحْدَى الْقَرِينَتَيْنِ بِإِعَانَةِ النَّشْر وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى ( وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ) قَالَ : فَهَذَا : الَّذِي عَنَاهُ اِبْنِ الْمُنِير بِقَوْلِهِ إِنَّ هَذَا الْكَلَام فِي الْبَلَاغَة يُقَال لَهُ اللَّفُّ وَالْمَعْنَى يَوْم يَأْتِي بَعْض آيَات رَبِّك لَا يَنْفَع نَفْسًا لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنَةً مِنْ قَبْل ذَلِكَ إِيمَانهَا مِنْ بَعْد ذَلِكَ وَلَا يَنْفَع نَفْسهَا كَانَتْ مُؤْمِنَة لَكِنْ لَمْ تَعْمَل فِي إِيمَانهَا عَمَلًا صَالِحًا قَبْل ذَلِكَ مَا تَعْمَلهُ مِنْ الْعَمَل الصَّالِح بَعْد ذَلِكَ قَالَ : وَبِهَذَا التَّقْرِير يَظْهَر مَذْهَب أَهْل السُّنَّة فَلَا يَنْفَع بَعْد ظُهُور الْآيَة اِكْتِسَاب الْخَيْر أَيْ لِإِغْلَاقِ بَابِ التَّوْبَة وَرَفْع الصُّحُف وَالْحَفَظَة وَإِنْ كَانَ مَا سَبَقَ قَبْل ظُهُور الْآيَة مِنْ الْإِيمَان يَنْفَع صَاحِبَهُ فِي الْجُمْلَة. ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ : وَقَدْ ظَفِرْت بِفَضْلِ اللَّه بَعْد هَذَا التَّقْرِير عَلَى آيَة أُخْرَى تُشْبِه هَذِهِ الْآيَة وَتُنَاسِبُ هَذَا التَّقْرِير مَعْنًى وَلَفْظًا مِنْ غَيْر إِفْرَاط وَلَا تَفْرِيط وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ( وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) الْآيَةَ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ الْإِيمَان الْمُجَرَّد قَبْل كَشْف قَوَارِع السَّاعَة نَافِعٌ وَأَنَّ الْإِيمَان الْمُقَارَن بِالْعَمَلِ الصَّالِح أَنْفَعُ وَأَمَّا بَعْد حُصُولهَا فَلَا يَنْفَع شَيْءٌ أَصْلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. ‏ ‏قَوْله ( وَلَتَقُومَن السَّاعَة وَقَدْ اِنْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام وَسُكُون الْقَاف بَعْدهَا مُهْمَلَة هِيَ ذَات الدَّرِّ مِنْ النُّوقِ. ‏ ‏قَوْله ( يُلِيطُ حَوْضَهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَيُقَال أَلَاطَ حَوْضَهُ إِذَا مَدَرَهُ أَيْ جَمَعَ حِجَارَة فَصَيَّرَهَا كَالْحَوْضِ ثُمَّ سَدَّ مَا بَيْنَهَا مِنْ الْفُرَج بِالْمَدَرِ وَنَحْوه لِيَنْحَبِسَ الْمَاء ; هَذَا أَصْله وَقَدْ يَكُون لِلْحَوْضِ خُرُوقٌ فَيَسُدُّهَا بِالْمَدَر قَبْل أَنْ يَمْلَأَهُ وَفِي كُلِّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْقِيَامَةَ تَقُومُ بَغْتَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى ( لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ). ‏"
    },
    {
        "id": "6026",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ قَالَ لَيْسَ ذَاكِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ ‏ ‏اخْتَصَرَهُ ‏ ‏أَبُو دَاوُدَ ‏ ‏وَعَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زُرَارَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمِنْهَالِ الْبَصْرِيّ وَهُوَ مِنْ كِبَار شُيُوخ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ رَوَى عَنْ هَمَّامٍ أَيْضًا حَجَّاج بْن مُحَمَّد الْمِصِّيصِيّ لَكِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ الْبُخَارِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ قَتَادَةَ ) ‏ ‏لِهَمَّامٍ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَر أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَفَّان عَنْ هَمَّام عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى \" حَدَّثَنِي فُلَانُ اِبْنُ فُلَانٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ بِمَعْنَاهُ وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ وَإِبْهَامُ الصَّحَابِيِّ لَا يَضُرُّ وَلَيْسَ ذَلِكَ اِخْتِلَافًا عَلَى هَمَّامٍ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَفَّان عَنْ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ أَنَسٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ \" سَمِعْت أَنَسًا \" وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَةِ. ‏ ‏قَوْله : ( عَنْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت ) ‏ ‏قَدْ رَوَاهُ حُمَيْدٌ عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَزَّار مِنْ طَرِيقه. وَذَكَرَ الْبَزَّارُ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ فَإِنْ أَرَادَ مُطْلَقًا وَرَدَتْ عَلَيْهِ رِوَايَةُ قَتَادَةَ وَإِنْ أَرَادَ بِقَيْدِ كَوْنِهِ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ سُلِّمَ. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَيْسَ الشَّرْطُ سَبَبًا لِلْجَزَاءِ بَلْ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ وَلَكِنَّهُ عَلَى تَأْوِيل الْخَبَر أَيْ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ بِأَنْ أَحَبَّ لِقَاءَهُ وَكَذَا الْكَرَاهَةُ وَقَالَ غَيْره فِيمَا نَقَلَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره \" مَنْ \" هُنَا خَبَرِيَّةٌ وَلَيْسَتْ شَرْطِيَّةً فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ سَبَب حُبِّ اللَّهِ لِقَاءَ الْعَبْدِ حُبُّ الْعَبْدِ لِقَاءَهُ وَلَا الْكَرَاهَة وَلَكِنَّهُ صِفَة حَال الطَّائِفَتَيْنِ فِي أَنْفُسهمْ عِنْد رَبِّهِمْ وَالتَّقْدِير مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَهُوَ الَّذِي أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَكَذَا الْكَرَاهَة. قُلْت : وَلَا حَاجَةَ إِلَى دَعْوَى نَفْي الشَّرْطِيَّةِ فَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْت لِقَاءَهُ \" الْحَدِيثَ فَيُعَيِّنُ أَنَّ \" مَنْ \" فِي حَدِيث الْبَاب شَرْطِيَّةٌ وَتَأْوِيلُهَا مَا سَبَقَ وَفِي قَوْله \" أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ \" الْعُدُولُ عَنْ الضَّمِيرِ إِلَى الظَّاهِرِ تَفْخِيمًا وَتَعْظِيمًا وَدَفْعًا لِتَوَهُّمِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى الْمَوْصُولِ لِئَلَّا يَتَّحِدَ فِي الصُّورَةِ الْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ فَفِيهِ إِصْلَاحُ اللَّفْظِ لِتَصْحِيحِ الْمَعْنَى وَأَيْضًا فَعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْمُضَاف إِلَيْهِ قَلِيل. وَقَرَأْت بِخَطِّ اِبْن الصَّائِغ فِي \" شَرْح الْمَشَارِقِ \" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِقَاء اللَّه مُضَافًا لِلْمَفْعُولِ فَأَقَامَهُ مَقَام الْفَاعِل وَلِقَاءَهُ إِمَّا مُضَاف لِلْمَفْعُولِ أَوْ لِلْفَاعِلِ الضَّمِير أَوْ لِلْمَوْصُولِ لِأَنَّ الْجَوَاب إِذَا كَانَ شَرْطًا فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُون فِيهِ ضَمِير نَعَمْ هُوَ مَوْجُودٌ هُنَا وَلَكِنْ تَقْدِيرًا. ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ كَرِهَ لِقَاء اللَّه كَرِهَ اللَّه لِقَاءَهُ ) ‏ ‏قَالَ الْمَازِرِيُّ : مَنْ قَضَى اللَّه بِمَوْتِهِ لَا بُدّ أَنْ يَمُوت وَإِنْ كَانَ كَارِهًا لِلِقَاءِ اللَّهِ وَلَوْ كَرِهَ اللَّهُ مَوْتَهُ لَمَا مَاتَ فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى كَرَاهَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْغُفْرَانَ لَهُ وَإِرَادَتِهِ لِإِبْعَادِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ. قُلْت : وَلَا اِخْتِصَاصَ لِهَذَا الْبَحْثِ بِهَذَا الشِّقِّ فَإِنَّهُ يَأْتِي مِثْلُهُ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ كَأَنْ يُقَالَ مَثَلًا مَنْ قَضَى اللَّهُ بِامْتِدَادِ حَيَاتِهِ لَا يَمُوتُ وَلَوْ كَانَ مُحِبًّا لِلْمَوْتِ إِلَخْ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَتْ عَائِشَة أَوْ بَعْض أَزْوَاجه ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِالشَّكِّ وَجَزَمَ سَعْد بْن هِشَام فِي رِوَايَته عَنْ عَائِشَة بِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي قَالَتْ ذَلِكَ وَلَمْ يَتَرَدَّدْ وَهَذِهِ الزِّيَادَة فِي هَذَا الْحَدِيث لَا تَظْهَرُ صَرِيحًا هَلْ هِيَ مِنْ كَلَامِ عُبَادَةَ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ سَمِعَ الْحَدِيث مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعَ مُرَاجَعَةَ عَائِشَةَ أَوْ مِنْ كَلَام أَنَس بِأَنْ يَكُون حَضَرَ ذَلِكَ فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا بِلَفْظِ \" فَقُلْنَا يَا رَسُول اللَّه \" فَيَكُون أَسْنَدَ الْقَوْل إِلَى جَمَاعَة وَإِنْ كَانَ الْمُبَاشِرُ لَهُ وَاحِدًا وَهِيَ عَائِشَة وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا وَفِيهَا \" فَأَكَبَّ الْقَوْمُ يَبْكُونَ وَقَالُوا : إِنَّا نَكْرَه الْمَوْت قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ \" وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْو حَدِيث الْبَاب وَفِيهِ \" قِيلَ يَا رَسُول اللَّه مَا مِنَّا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ فَقَالَ : إِذَا كَانَ ذَلِكَ كُشِفَ لَهُ \" وَيَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يَكُون مِنْ كَلَام قَتَادَةَ أَرْسَلَهُ فِي رِوَايَة هَمَّام وَوَصَلَهُ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَةَ عَنْهُ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ سَعْد بْن هِشَام عَنْ عَائِشَة فَيَكُون فِي رِوَايَة هَمَّام إِدْرَاجٌ وَهَذَا أَرْجَحُ فِي نَظَرِي فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ هَدَّاب بْن خَالِد عَنْ هَمَّام مُقْتَصَرًا عَلَى أَصْل الْحَدِيث دُون قَوْله \" فَقَالَتْ عَائِشَة إِلَخْ \" ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة مَوْصُولًا تَامًّا وَكَذَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَأَحْمَد مِنْ رِوَايَة شُعْبَة وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ وَكَذَا جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْر وَاحِد مِنْ الصَّحَابَة بِدُونِ الْمُرَاجَعَة وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَسَن بْن سُفْيَان وَأَبُو يَعْلَى جَمِيعًا عَنْ هُدْبَةَ بْن خَالِد عَنْ هَمَّام تَامًّا كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ هَمَّام وَهُدْبَة هُوَ هَدَّاب شَيْخ مُسْلِمٍ فَكَأَنَّ مُسْلِمًا حَذَفَ الزِّيَادَة عَمْدًا لِكَوْنِهَا مُرْسَلَةً مِنْ هَذَا الْوَجْه وَاكْتَفَى بِإِيرَادِهَا مَوْصُولَةً مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة وَقَدْ رَمَزَ الْبُخَارِيُّ إِلَى ذَلِكَ حَيْثُ عَلَّقَ رِوَايَة شُعْبَة بِقَوْلِهِ اِخْتَصَرَهُ إِلَخْ وَكَذَا أَشَارَ إِلَى رِوَايَة سَعِيد تَعْلِيقًا وَهَذَا مِنْ الْعِلَل الْخَفِيَّةِ جِدًّا. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعْد بْن هِشَام \" فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكَرَاهَةُ الْمَوْتِ ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ \". ‏ ‏قَوْله ( بَشِّرْ بِرِضْوَانِ اللَّه وَكَرَامَته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعْد بْن هِشَام \" بَشِّرْ بِرَحْمَةِ اللَّه وَرِضْوَانه وَجَنَّتِهِ \" وَفِي حَدِيث حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" وَلَكِنَّ الْمُؤْمِن إِذَا حُضِرَ جَاءَهُ الْبَشِيرُ مِنْ اللَّه وَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُون قَدْ لَقِيَ اللَّه فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى \" وَلَكِنَّهُ إِذَا حَضَرَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ فَإِذَا بُشِّرَ بِذَلِكَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَاَللَّهُ لِلِقَائِهِ أَحَبُّ \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَيْسَ شَيْء أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ مَا يَسْتَقْبِلُهُ بَعْد الْمَوْت وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمُرَاجَعَةُ مِنْ عَائِشَة لِبَعْضِ التَّابِعِينَ فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق شُرَيْح بْن هَانِئٍ قَالَ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة فَذَكَرَ أَصْلَ الْحَدِيث قَالَ \" فَأَتَيْت عَائِشَة فَقُلْت سَمِعْت حَدِيثًا إِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ هَلَكْنَا \" فَذَكَرَهُ قَالَ \" وَلَيْسَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ فَقَالَتْ : لَيْسَ بِاَلَّذِي تَذْهَبُ إِلَيْهِ وَلَكِنْ إِذَا شَخَصَ الْبَصَرُ - بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَآخِره مُهْمَلَة أَيْ فَتَحَ الْمُخْتَضِرُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْق فَلَمْ يَطْرِفْ - وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ - بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَة بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ وَآخِره جِيم أَيْ تَرَدَّدَتْ الرُّوحُ فِي الصَّدْرِ - وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ وَتَشَنَّجَتْ \" بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَالنُّون الثَّقِيلَةِ وَالْجِيمِ أَيْ تَقَبَّضَتْ وَهَذِهِ الْأُمُورُ هِيَ حَالَة الْمُخْتَضِر وَكَأَنَّ عَائِشَة أَخَذَتْهُ مِنْ مَعْنَى الْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهَا سَعْد بْن هِشَام مَرْفُوعًا وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ شُرَيْح بْن هَانِئ عَنْ عَائِشَة مِثْل رِوَايَته عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَزَادَ فِي آخِره \" وَالْمَوْت دُونَ لِقَاءِ اللَّهِ \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ كَلَامِ عَائِشَةِ فِيمَا يَظْهَرُ لِي ذَكَرَتْهَا اِسْتِنْبَاطًا مِمَّا تَقَدَّمَ وَعِنْد عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا \" إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا قَيَّضَ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ مَلَكًا يَسُدُّهُ وَيُوَفِّقُهُ حَتَّى يُقَال مَاتَ بِخَيْرِ مَا كَانَ فَإِذَا حَضَرَ وَرَأَى ثَوَابَهُ اِشْتَاقَتْ نَفْسه فَذَلِكَ حِينَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرًّا قَيَّضَ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ شَيْطَانًا فَأَضَلَّهُ وَفَتَنَهُ حَتَّى يُقَال مَاتَ بِشَرِّ مَا كَانَ عَلَيْهِ. فَإِذَا حَضَرَ وَرَأَى مَا أُعِدَّ لَهُ مِنْ الْعَذَاب جَزِعَتْ نَفْسُهُ فَذَلِكَ حِين كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّه لِقَاءَهُ \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَضَمَّنَ حَدِيث الْبَاب مِنْ التَّفْسِير مَا فِيهِ غُنْيَة عَنْ غَيْره وَاللِّقَاء يَقَع عَلَى أَوْجُه : مِنْهَا الْمُعَايَنَة وَمِنْهَا الْبَعْث كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ) وَمِنْهَا الْمَوْت كَقَوْلِهِ ( مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ) وَقَوْله ( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ) وَقَالَ اِبْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة : الْمُرَاد بِلِقَاءِ اللَّه هُنَا الْمَصِير إِلَى الدَّار الْآخِرَة وَطَلَب مَا عِنْد اللَّه وَلَيْسَ الْغَرَض بِهِ الْمَوْت لِأَنَّ كُلًّا يَكْرَهُهُ فَمَنْ تَرَكَ الدُّنْيَا وَأَبْغَضَهَا أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَمَنْ آثَرَهَا وَرَكَنَ إِلَيْهَا كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِلُ إِلَيْهِ بِالْمَوْتِ. وَقَوْل عَائِشَة وَالْمَوْت دُون لِقَاء اللَّه يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَوْت غَيْرُ اللِّقَاءِ وَلَكِنَّهُ مُعْتَرِضٌ دُونَ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ فَيَجِبُ أَنْ يَصْبِرَ عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلَ مَشَاقَّهُ حَتَّى يَصِل إِلَى الْفَوْزِ بِاللِّقَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ : يُرِيد أَنَّ قَوْل عَائِشَة إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْت يُوهِمُ أَنَّ الْمُرَاد بِلِقَاءِ اللَّه فِي الْحَدِيث الْمَوْت وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ لِقَاء اللَّه غَيْر الْمَوْت بِدَلِيلِ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" وَالْمَوْت دُونَ لِقَاءِ اللَّهِ \" لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَوْتُ وَسِيلَةً إِلَى لِقَاء اللَّه عُبِّرَ عَنْهُ بِلِقَاءِ اللَّه وَقَدْ سَبَقَ اِبْنَ الْأَثِير إِلَى تَأْوِيل لِقَاء اللَّه بِغَيْرِ الْمَوْت الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْن سَلَّام فَقَالَ : لَيْسَ وَجْهُهُ عِنْدِي كَرَاهَةَ الْمَوْتِ وَشِدَّتَهُ لِأَنَّ هَذَا لَا يَكَاد يَخْلُو عَنْهُ أَحَدٌ وَلَكِنَّ الْمَذْمُومَ مِنْ ذَلِكَ إِيثَارُ الدُّنْيَا وَالرُّكُون إِلَيْهَا وَكَرَاهِيَةُ أَنْ يَصِير إِلَى اللَّه وَالدَّار الْآخِرَة. قَالَ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى عَابَ قَوْمًا بِحُبِّ الْحَيَاة فَقَالَ ( إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ) وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى مَحَبَّةِ الْعَبْد لِلِّقَاءِ اللَّه إِيثَارُهُ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا فَلَا يُحِبُّ اِسْتِمْرَارَ الْإِقَامَة فِيهَا بَلْ يَسْتَعِدُّ لِلِارْتِحَالِ عَنْهَا وَالْكَرَاهَة بِضِدِّ ذَلِكَ وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْمَحَبَّة وَالْكَرَاهَة الَّتِي تُعْتَبَر شَرْعًا هِيَ الَّتِي تَقَع عِنْد النَّزْعِ فِي الْحَالَة الَّتِي لَا تُقْبَلُ فِيهَا التَّوْبَةُ حَيْثُ يُكْشَفُ الْحَالُ لِلْمُحْتَضِرِ وَيَظْهَرُ لَهُ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( بَشِّرْ بِعَذَابِ اللَّه وَعُقُوبَتِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعْد بْن هِشَام \" بَشِّرْ بِعَذَابِ اللَّه وَسَخَطِهِ \" وَفِي رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس \" وَإِنَّ الْكَافِرَ أَوْ الْفَاجِرَ إِذَا جَاءَهُ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ مِنْ السُّوءِ أَوْ مَا يَلْقَى مِنْ الشَّرِّ إِلَخْ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَبِي لَيْلَى نَحْو مَا مَضَى. ‏ ‏قَوْله ( اِخْتَصَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَعَمْرو عَنْ شُعْبَة ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس عَنْ عُبَادَةَ وَمَعْنَى اِخْتِصَاره أَنَّهُ اِقْتَصَرَ عَلَى أَصْل الْحَدِيث دُون قَوْله \" فَقَالَتْ عَائِشَة إِلَخْ \" فَأَمَّا رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ وَهُوَ الطَّيَالِسِيُّ فَوَصَلَهَا التِّرْمِذِيّ عَنْ مَحْمُود بْن غَيْلَان عَنْ أَبِي دَاوُدَ وَكَذَا وَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي مُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ وَأَمَّا رِوَايَة عَمْرو وَهُوَ اِبْن مَرْزُوقٍ فَوَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْمُعْجَم الْكَبِير \" عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيّ وَيُوسُف بْن يَعْقُوب الْقَاضِي كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرو بْن مَرْزُوق وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة وَهُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَهُوَ غُنْدَرٌ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق خَالِد بْن الْحَارِث وَمُحَمَّد بْن بَكْر كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي \" كِتَاب الْبَعْث \" لِابْنِ أَبِي دَاوُدَ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ الْبُدَاءَة بِأَهْلِ الْخَيْر فِي الذِّكْر لِشَرَفِهِمْ وَإِنْ كَانَ أَهْل الشَّرِّ أَكْثَرَ وَفِيهِ أَنَّ الْمُجَازَاةَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ فَإِنَّهُ قَابَلَ الْمَحَبَّةَ بِالْمَحَبَّةِ وَالْكَرَاهَةَ بِالْكَرَاهَةِ وَفِيهِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ اللِّقَاءَ أَعَمُّ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَيَحْتَمِل عَلَى بُعْدٍ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْله \" لِقَاءَ اللَّهِ \" حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ لِقَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ وَنَحْو ذَلِكَ وَوَجْهُ الْبُعْدِ فِيهِ الْإِتْيَانُ بِمُقَابِلِهِ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ الْعُقَلَاءِ لَا يَكْرَهُ لِقَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ بَلْ كُلُّ مَنْ يَكْرَهُ الْمَوْتَ إِنَّمَا يَكْرَهُهُ خَشْيَةَ أَنْ لَا يَلْقَى ثَوَابَ اللَّهِ إِمَّا لِإِبْطَائِهِ عَنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ بِالشُّغْلِ بِالتَّبَعَاتِ وَإِمَّا لِعَدَمِ دُخُولهَا أَصْلًا كَالْكَافِرِ. وَفِيهِ أَنَّ الْمُحْتَضِرَ إِذَا ظَهَرَتْ عَلَيْهِ عَلَامَاتُ السُّرُورِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ بُشِّرَ بِالْخَيْرِ وَكَذَا بِالْعَكْسِ. وَفِيهِ أَنَّ مَحَبَّةَ لِقَاءِ اللَّهِ لَا تَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْت لِأَنَّهَا مُمْكِنَةٌ مَعَ عَدَم تَمَنِّي الْمَوْت كَأَنْ تَكُون الْمَحَبَّةُ حَاصِلَةً لَا يَفْتَرِقُ حَالُهُ فِيهَا بِحُصُولِ الْمَوْتِ وَلَا بِتَأَخُّرِهِ وَأَنَّ النَّهْي عَنْ تَمَنِّي الْمَوْت مَحْمُول عَلَى حَالَة الْحَيَاة الْمُسْتَمِرَّة وَأَمَّا عِنْد الِاحْتِضَار وَالْمُعَايَنَة فَلَا تَدْخُل تَحْت النَّهْي بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّة. وَفِيهِ أَنَّ فِي كَرَاهَة الْمَوْت فِي حَال الصِّحَّة تَفْصِيلًا فَمَنْ كَرِهَهُ إِيثَارًا لِلْحَيَاةِ عَلَى مَا بَعْد الْمَوْت مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ كَانَ مَذْمُومًا وَمَنْ كَرِهَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى الْمُؤَاخَذَةِ كَأَنْ يَكُونَ مُقَصِّرًا فِي الْعَمَلِ لَمْ يَسْتَعِدَّ لَهُ بِالْأُهْبَةِ بِأَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ التَّبِعَاتِ وَيَقُومَ بِأَمْرِ اللَّهِ كَمَا يَجِبُ فَهُوَ مَعْذُورٌ لَكِنْ يَنْبَغِي لِمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى أَخْذِ الْأُهْبَةِ حَتَّى إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ لَا يَكْرَهُهُ بَلْ يُحِبُّهُ لِمَا يَرْجُو بَعْدَهُ مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَفِيهِ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَرَاهُ فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ مِنْ الْأَحْيَاء وَإِنَّمَا يَقَع ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْد الْمَوْتِ أَخْذًا مِنْ قَوْله \" وَالْمَوْتُ دُونَ لِقَاءِ اللَّهِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اللِّقَاء أَعَمُّ مِنْ الرُّؤْيَةِ فَإِذَا اِنْتَفَى اللِّقَاءُ اِنْتَفَتْ الرُّؤْيَةُ وَقَدْ وَرَدَ بِأَصْرَحَ مِنْ هَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمِ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَفِيهِ \" وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا \". ‏"
    },
    {
        "id": "6027",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى مِثْلُ حَدِيثِ عُبَادَةَ دُون قَوْله \" فَقَالَتْ عَائِشَة إِلَخْ \" وَكَأَنَّهُ أَوْرَدَهُ اِسْتِظْهَارًا لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَبَرِيد بِمُوَحِّدَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ هُوَ اِبْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6028",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ ‏ ‏إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى قُلْتُ إِذًا لَا يَخْتَارُنَا وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ قَالَتْ فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَوْلُهُ اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة عَقِيلٍ وَمَضَى فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ \" أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ \" وَلَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ أَحَدًا وَمِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ \" أَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فِي رِجَال مِنْ أَهْل الْعِلْم \" وَلَمْ يَذْكُر عُرْوَة وَقَدْ ذَكَرْت فِي كِتَاب الدَّعَوَاتِ تَسْمِيَة بَعْض مَنْ أُبْهِمَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ شُيُوخ الزُّهْرِيِّ وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّةِ وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة اِخْتِيَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلِقَاءِ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ خُيِّرَ بَيْن الْمَوْتِ وَالْحَيَاة فَاخْتَارَ الْمَوْتَ فَيَنْبَغِي الِاسْتِنَانُ بِهِ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ لَمَّا أَتَاهُ لِيَقْبِض رُوحَهُ : هَلْ رَأَيْت خَلِيلًا يُمِيتُ خَلِيلَهُ ؟ فَأَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ قُلْ لَهُ هَلْ رَأَيْت خَلِيلًا يَكْرَهُ لِقَاءَ خَلِيلِهِ ؟ فَقَالَ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ الْآن فَاقْبِضْ. وَوَجَدْت فِي \" الْمُبْتَدَأ \" لِأَبِي حُذَيْفَة إِسْحَاق بْن بِشْر الْبُخَارِيّ أَحَد الضُّعَفَاء بِسَنَدٍ لَهُ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" قَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ يَا رَبِّ إِنَّ عَبْدَك إِبْرَاهِيمَ جَزِعَ مِنْ الْمَوْت فَقَالَ : قُلْ لَهُ الْخَلِيلُ إِذَا طَالَ بِهِ الْعَهْدُ مِنْ خَلِيلِهِ اِشْتَاقَ إِلَيْهِ. فَبَلَّغَهُ فَقَالَ : نَعَمْ يَا رَبِّ قَدْ اِشْتَقْت إِلَى لِقَائِك فَأَعْطَاهُ رَيْحَانَةً فَشَمَّهَا فَقُبِضَ فِيهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "6029",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا عَمْرٍو ذَكْوَانَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏كَانَتْ ‏ ‏تَقُولُ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ ‏ ‏رَكْوَةٌ ‏ ‏أَوْ عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ يَشُكُّ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَقُولُ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ ثُمَّ ‏ ‏نَصَبَ ‏ ‏يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏الْعُلْبَةُ مِنْ الْخَشَبِ وَالرَّكْوَةُ مِنْ الْأَدَمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ ) ‏ ‏أَيْ اِبْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيِّ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَيْن يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أَوْ عُلْبَةٌ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ. ‏ ‏قَوْله ( شَكَّ عُمَرُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد بْن أَبِي حُسَيْن رَاوِيهِ وَتَقَدَّمَ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ بِلَفْظِ \" يَشُكُّ عُمَرُ \" وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" شَكَّ اِبْنُ أَبِي حُسَيْنٍ \". ‏ ‏قَوْله ( فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَهُ ) ‏ ‏عِنْد الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يَدَيْهِ \" بِالتَّثْنِيَةِ وَكَذَا تَقَدَّمَ لَهُمْ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ أَوَّلُهُ قِصَّةُ السِّوَاكِ فَاخْتَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا. ‏ ‏قَوْله ( فَيَمْسَحُ بِهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِهِمَا \" بِالتَّثْنِيَةِ وَكَذَا لَهُمْ فِي الْوَفَاةِ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة عِنْد أَصْحَاب السُّنَنِ سِوَى أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِلَفْظِ \" ثُمَّ يَقُول اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيث مُسْتَوْفًى هُنَاكَ. وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ عَائِشَة \" مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّهُ لَبَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي. فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهَا بِلَفْظِ \" مَا أَغْبِطُ أَحَدًا بِهَوْنِ مَوْتٍ بَعْدَ الَّذِي رَأَيْت مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ الْبُخَارِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( الْعُلْبَة مِنْ الْخَشَبِ وَالرَّكْوَةِ مِنْ الْأُدُمِ ) ‏ ‏ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَحْدَهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي تَفْسِيرِهِمَا وَوَقَعَ فِي \" الْمُحْكَمِ \" : الرَّكْوَة شِبْه تَوْرٍ مِنْ أَدَمٍ قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ : دَلْوٌ صَغِيرٌ : وَقَالَ غَيْره : كَالْقَصْعَةِ تُتَّخَذُ مِنْ جِلْدٍ وَلَهَا طَوْقٌ خَشَب. وَأَمَّا الْعُلْبَة فَقَالَ الْعَسْكَرِيُّ : هِيَ قَدَح الْأَعْرَاب تُتَّخَذ مِنْ جِلْد. وَقَالَ اِبْن فَارِس : قَدَح ضَخْم مِنْ خَشَب وَقَدْ يُتَّخَذ مِنْ جِلْد وَقِيلَ أَسْفَلُهُ جِلْد وَأَعْلَاهُ خَشَبٌ مُدَوَّرٌ. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ شِدَّة الْمَوْت لَا تَدُلّ عَلَى نَقْصٍ فِي الْمَرْتَبَةِ بَلْ هِيَ لِلْمُؤْمِنِ إِمَّا زِيَادَةٌ فِي حَسَنَاتِهِ وَإِمَّا تَكْفِيرٌ لِسَيِّئَاتِهِ. وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ أَحَادِيثِ الْبَابِ لِلتَّرْجَمَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6030",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏صَدَقَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رِجَالٌ مِنْ ‏ ‏الْأَعْرَابِ ‏ ‏جُفَاةً يَأْتُونَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَسْأَلُونَهُ مَتَى السَّاعَةُ فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ ‏ ‏إِنْ يَعِشْ هَذَا لَا يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏يَعْنِي مَوْتَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( صَدَقَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْفَضْل الْمَرْوَزِيُّ ‏ ‏وَعَبْدَة ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان. ‏ ‏وَهِشَام ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَةَ. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْأَعْرَابِ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى أَسْمَائِهِمْ. ‏ ‏قَوْله ( جُفَاة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَكْثَر بِالْجِيمِ وَفِي رِوَايَة بَعْضِهِمْ بِالْمُهْمَلَةِ وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِذَلِكَ أَمَّا عَلَى رِوَايَة الْجِيمِ فَلِأَنَّ سُكَّانَ الْبَوَادِي يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ الشَّظَفُ وَخُشُونَةُ الْعَيْشِ فَتَجْفُو أَخْلَاقُهُمْ غَالِبًا. وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْحَاءِ فَلِقِلَّةِ اِعْتِنَائِهِمْ بِالْمَلَابِسِ. ‏ ‏قَوْله ( مَتَى السَّاعَةُ ) ‏ ‏؟ فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَام \" كَانَ الْأَعْرَابُ إِذَا قَدِمُوا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوهُ عَنْ السَّاعَة مَتَى السَّاعَة ؟ وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا طَرَقَ أَسْمَاعَهُمْ مِنْ تَكْرَارِ اِقْتِرَابِهَا فِي الْقُرْآنِ فَأَرَادُوا أَنْ يَعْرِفُوا تَعْيِينَ وَقْتِهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَيَنْظُر إِلَى أَصْغَرهمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَنَظَرَ إِلَى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ فَقَالَ \" وَرِوَايَة عَبْدَة ظَاهِرهَا تَكْرِير ذَلِكَ وَيُؤَيِّد سِيَاق مُسْلِم حَدِيث أَنَس عِنْده \" إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَتَى تَقُوم السَّاعَة \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذَا بِعَيْنِهِ لَكِنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يُفَسَّر بِذِي الْخُوَيْصِرَة الْيَمَانِيّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِد وَسَأَلَ مَتَى تَقُوم السَّاعَة وَقَالَ اللَّهُمَّ اِرْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَكِنَّ جَوَابَهُ عَنْ السُّؤَالِ عَنْ السَّاعَةِ مُغَايِرٌ لِجَوَابِ هَذَا. ‏ ‏قَوْله ( إِنْ يَعِشْ هَذَا لَا يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَنَس عِنْدَ مُسْلِمٍ \" وَعِنْده غُلَام مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ مُحَمَّد \" وَلَهُ فِي رِوَايَة أُخْرَى \" وَعَنْده غُلَام مِنْ أَزْد شَنُوءَةَ \" بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَضَمِّ النُّونِ وَمَدٍّ وَبَعْدَ الْوَاوِ هَمْزَةٌ ثُمَّ هَاءُ تَأْنِيثٍ وَفِي أُخْرَى لَهُ \" غُلَام لِلْمُغِيرَةِ بْن شُعْبَة وَكَانَ مِنْ أَقَرَّانِي \" وَلَا مُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا وَطَرِيق الْجَمْع أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَزْد شَنُوءَة وَكَانَ حَلِيفًا لِلْأَنْصَارِ وَكَانَ يَخْدُمُ الْمُغِيرَة وَقَوْل أَنَس \" وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِي \" وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ \" مِنْ أَتْرَابِي \" يَزِيدُ فِي السِّنِّ وَكَانَ سِنُّ أَنَس حِينَئِذٍ نَحْوَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى تَقُوم عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ ) ‏ ‏قَالَ هِشَام ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَةَ رَاوِيهِ ‏ ‏( يَعْنِي مَوْتهمْ ) ‏ ‏وَهُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور وَفِي حَدِيث أَنَس \" حَتَّى تَقُوم السَّاعَة \" قَالَ عِيَاض : حَدِيث عَائِشَة هَذَا يُفَسِّرُ حَدِيثَ أَنَس وَأَنَّ الْمُرَاد سَاعَة الْمُخَاطَبِينَ وَهُوَ نَظِير قَوْله \" أَرَأَيْتكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَة سَنَة مِنْهَا لَا يَبْقَى عَلَى وَجْه الْأَرْض مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا الْآنَ أَحَدٌ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَاب الْعِلْم وَأَنَّ الْمُرَاد اِنْقِرَاض ذَلِكَ الْقَرْن وَأَنَّ مَنْ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَضَتْ مِائَةُ سَنَة مِنْ وَقْتِ تِلْكَ الْمَقَالَةِ لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ وَوَقَعَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَإِنَّ آخِر مَنْ بَقِيَ مِمَّنْ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْن وَاثِلَةَ كَمَا جَزَمَ بِهِ مُسْلِمٌ وَغَيْره وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَة عَشْرٍ وَمِائَةٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَذَلِكَ عِنْدَ رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ وَقْت تِلْكَ الْمَقَالَةِ وَقِيلَ كَانَتْ وَفَاتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ تَأَخَّرَ بَعْدَهُ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَان وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهِ اِحْتَجَّ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى كَذِبِ مَنْ اِدَّعَى الصُّحْبَةَ أَوْ الرُّؤْيَةَ مِمَّنْ تَأَخَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْت. وَقَالَ الرَّاغِبُ : السَّاعَة جُزْء مِنْ الزَّمَان وَيُعَبَّر بِهَا عَنْ الْقِيَامَة تَشْبِيهًا بِذَلِكَ لِسُرْعَةِ الْحِسَابِ قَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ) أَوْ لَمَّا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ) وَأُطْلِقَتْ السَّاعَةُ عَلَى ثَلَاثَة أَشْيَاءَ : السَّاعَة الْكُبْرَى وَهِيَ بَعْثُ النَّاس لِلْمُحَاسَبَةِ وَالْوُسْطَى وَهِيَ مَوْت أَهْل الْقَرْن الْوَاحِد نَحْو مَا رُوِيَ أَنَّهُ رَأَى عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس فَقَالَ : إِنْ يَطُلْ عُمُرُ هَذَا الْغُلَامِ لَمْ يَمُتْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَقِيلَ أَنَّهُ آخِر مَنْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَالصُّغْرَى مَوْتُ الْإِنْسَان فَسَاعَةُ كُلّ إِنْسَان مَوْتُهُ وَمِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد هُبُوب الرِّيح : تَخَوَّفْت السَّاعَةَ يَعْنِي مَوْتَهُ اِنْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَلَا هُوَ آخِر مَنْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَة جَزْمًا قَالَ الدَّاوُدِيُّ : هَذَا الْجَوَاب مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُمْ لَا أَدْرِي اِبْتِدَاءً مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الْجَفَاءِ وَقَبْل تَمَكُّنِ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ لَارْتَابُوا فَعَدَلَ إِلَى إِعْلَامِهِمْ بِالْوَقْتِ الَّذِي يَنْقَرِضُونَ هُمْ فِيهِ وَلَوْ كَانَ تَمَكَّنَ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ لَأَفْصَحَ لَهُمْ بِالْمُرَادِ. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيِّ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَكَلَّم بِأَشْيَاءَ عَلَى سَبِيلِ الْقِيَاسِ وَهُوَ دَلِيلٌ مَعْمُولٌ بِهِ فَكَأَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَات فِي تَقْرِيب السَّاعَة كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ) وَقَوْله تَعَالَى ( وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ ) حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَزِيد عَلَى مُضِيِّ قَرْنٍ وَاحِدٍ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي الدَّجَّالِ \" إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ \" فَجَوَّزَ خُرُوجَ الدَّجَّالِ فِي حَيَاتِهِ قَالَ : وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ. قُلْت : وَالِاحْتِمَال الَّذِي أَبَدَاهُ بَعِيدٌ جِدًّا. وَاَلَّذِي قَبْلَهُ هُوَ الْمُعْتَمَد وَالْفَرْق بَيْن الْخَبَر عَنْ السَّاعَة وَعَنْ الدَّجَّال تَعْيِينُ الْمُدَّةِ فِي السَّاعَةِ دُونَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحَادِيثَ أُخْرَى حَدَّثَ بِهَا خَوَاصَّ أَصْحَابِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ أُمُورًا عِظَامًا كَمَا سَيَأْتِي بَعْضهَا صَرِيحًا وَإِشَارَةً وَمُضِيّ بَعْضهَا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا الْجَوَاب مِنْ الْأُسْلُوب الْحَكِيم أَيْ دَعُوا السُّؤَال عَنْ وَقْت الْقِيَامَة الْكُبْرَى فَإِنَّهَا لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّه وَاسْأَلُوا عَنْ الْوَقْت الَّذِي يَقَع فِيهِ اِنْقِرَاضُ عَصْرِكُمْ فَهُوَ أَوْلَى لَكُمْ لِأَنَّ مَعْرِفَتَكُمْ بِهِ تَبْعَثُكُمْ عَلَى مُلَازَمَةِ الْعَمَل الصَّالِح قَبْلَ فَوْتِهِ لِأَنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَنْ الَّذِي يَسْبِقُ الْآخَرَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6031",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ ‏ ‏مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ قَالَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ ‏ ‏نَصَبِ ‏ ‏الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَحَلْحَلَةُ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَلَامَيْنِ الْأُولَى سَاكِنَةٌ وَالثَّانِيَة مَفْتُوحَة وَقَدْ صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ مِنْ اِبْن كَعْبٍ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَالسَّنَدُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ الرُّوَاةُ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِ الْمَارِّ وَلَا الْمَمْرُورِ بِجِنَازَتِهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَوَقَعَ فِي \" الْمُوَطَّآتِ \" لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْن عِيسَى عَنْ مَالِك بِلَفْظِ \" مَرَّ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِنَازَةٌ \" وَالْبَاءُ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى عَلَى وَذِكْرُ الْجِنَازَةِ بِاعْتِبَارِ الْمَيِّتِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ مُسْتَرِيحٌ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا وَوَقَعَ فِي رِوَايَة \" فَقَالَ \" بِزِيَادَةِ الْفَاء فِي أَوَّله وَكَذَا فِي رِوَايَة الْمُحَارِبِيّ الْمَذْكُورَة وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة وَهْب بْن كَيْسَانَ عَنْ مَعْبَد بْن مَالِكٍ وَقَالَ فِي رِوَايَته \" كُنَّا جُلُوسًا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ طَلَعَتْ جِنَازَةٌ \" ‏ ‏قَوْله ( مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ ) ‏ ‏الْوَاوُ فِيهِ بِمَعْنَى أَوْ وَهِيَ لِلتَّقْسِيمِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِمُقْتَضَاهُ فِي جَوَابِ سُؤَالِهِمْ. ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا ) ‏ ‏أَيْ الصَّحَابَةُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِ السَّائِلِ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ عِنْد أَبِي نُعَيْمٍ \" قُلْنَا \" فَيَدْخُلُ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ السَّائِلَ. ‏ ‏قَوْله ( مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيِّ \" وَمَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ \" بِإِعَادَةِ مَا. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا ) ‏ ‏زَادَ النَّسَائِيُّ رِوَايَة وَهْب بْن كَيْسَانَ \" مِنْ أَوْصَابِ الدُّنْيَا \" وَالْأَوْصَابُ جَمْع وَصَبٍ بِفَتْحِ الْوَاو وَالْمُهْمَلَة ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ وَهُوَ دَوَام الْوَجَع وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى فُتُورِ الْبَدَنِ وَالنَّصَب بِوَزْنِهِ لَكِنْ أَوَّلُهُ نُونٌ هُوَ التَّعَب وَزْنه وَمَعْنَاهُ وَالْأَذَى مِنْ عَطْف الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ : قَالَ اِبْن التِّين. يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالْمُؤْمِنِ التَّقِيّ خَاصَّة وَيَحْتَمِل كُلّ مُؤْمِن. وَالْفَاجِر يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِهِ الْكَافِرَ وَيَحْتَمِل أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ الْعَاصِي. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : أَمَّا اِسْتِرَاحَةُ الْعِبَادِ فَلِمَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الْمُنْكَرِ فَإِنْ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ آذَاهُمْ وَإِنْ تَرَكُوهُ أَثِمُوا وَاسْتِرَاحَة الْبِلَاد مِمَّا يَأْتِي بِهِ مِنْ الْمَعَاصِي فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ الْجَدْبُ فَيَقْتَضِي هَلَاكَ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ. وَتَعَقَّبَ الْبَاجِيّ أَوَّلَ كَلَامِهِ بِأَنَّ مَنْ نَالَهُ أَذَاهُ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ يُنْكِر بِقَلْبِهِ أَوْ يُنْكِر بِوَجْهٍ لَا يَنَالُهُ بِهِ أَذًى وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِرَاحَةِ الْعِبَادِ مِنْهُ لِمَا يَقَع لَهُمْ مِنْ ظُلْمِهِ وَرَاحَةُ الْأَرْضِ مِنْهُ لِمَا يَقَع عَلَيْهَا مِنْ غَصْبِهَا وَمَنْعِهَا مِنْ حَقِّهَا وَصَرْفِهِ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ وَرَاحَة الدَّوَابِّ مِمَّا لَا يَجُوزُ مِنْ إِتْعَابِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6032",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ كَعْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان ‏ ‏وَعَبْد رَبّه بْن سَعِيد ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ شُيُوخه الثَّلَاثَة وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى \" عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد بْن أَبِي هِنْد \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد لَكِنْ لَمْ يَذْكُر جَدَّهُ وَكَذَا عِنْده وَعِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الْمُحَارِبِيّ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن سَعِيد \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن السَّكَن مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد بْن أَبِي هِنْد وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ عَنْ مُسَدَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ مِثْله سَوَاء قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : هَذَا هُوَ الصَّوَاب وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن السَّكَن عَنْ الْفَرَبْرِيّ فَقَالَ فِي رِوَايَته \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد هُوَ اِبْن أَبِي هِنْد \" وَالْحَدِيث مَحْفُوظ لَهُ لَا لِعَبْدِ رَبّه. قُلْت : وَجَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَهُ لِعَبْدِ اللَّه بْن سَعِيد بْن أَبِي هِنْد بِهَذَا السَّنَد وَعَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَة مُسْلِم وَلَكِنَّ التَّصْرِيحَ بِابْنِ أَبِي هِنْد لَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ بِدُونِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ مُقْتَصِرًا عَلَى بَعْضه وَأَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق بُنْدَارٍ وَأَبِي مُوسَى عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان وَمِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق قَالَ \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن سَعِيد \" تَامًّا وَلَفْظه \" مُرَّ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجِنَازَةٍ \" فَذَكَرَ مِثْلَ سِيَاقِ مَالِك لَكِنْ قَالَ \" فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مُسْتَرِيحٌ إِلَخْ \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏مُنَاسَبَة دُخُول هَذَا الْحَدِيث فِي التَّرْجَمَة أَنَّ الْمَيِّت لَا يَعْدُو أَحَد الْقِسْمَيْنِ إِمَّا مُسْتَرِيحٌ وَإِمَّا مُسْتَرَاحٌ مِنْهُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَجُوزُ أَنْ يُشَدَّدَ عَلَيْهِ عِنْد الْمَوْت وَأَنْ يُخَفَّفَ وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يَحْصُل لَهُ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ وَلَا يَتَعَلَّق ذَلِكَ بِتَقْوَاهُ وَلَا بِفُجُورِهِ بَلْ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل التَّقْوَى اِزْدَادَ ثَوَابًا وَإِلَّا فَيُكَفَّر عَنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ ثُمَّ يَسْتَرِيحُ مِنْ أَذَى الدُّنْيَا الَّذِي هَذَا خَاتِمَتُهُ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ فِي الْحَدِيث الْأَوَّل وَقَدْ قَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز : مَا أُحِبُّ أَنْ يُهَوَّن عَلَيَّ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ إِنَّهُ لَآخِرُ مَا يُكَفَّر بِهِ عَنْ الْمُؤْمِنِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْبُشْرَى وَمَسَرَّة الْمَلَائِكَةِ بِلِقَائِهِ وَرِفْقِهِمْ بِهِ وَفَرَحِهِ بِلِقَاءِ رَبِّهِ يُهَوِّن عَلَيْهِ كُلَّ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ أَلَمِ الْمَوْتِ حَتَّى يَصِير كَأَنَّهُ لَا يُحِسُّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6033",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ وَلَيْسَ لِشَيْخِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْر فِي الصَّحِيح عَنْ أَنَس إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ. ‏ ‏قَوْله ( يَتْبَعُ الْمَيِّت ) ‏ ‏كَذَا لِلسَّرَخْسِيِّ وَالْأَكْثَر وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" الْمَرْء \" وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" الْمُؤْمِن \" وَالْأَوَّل الْمُعْتَمَدُ فَهُوَ الْمَحْفُوظُ مِنْ حَدِيث اِبْنِ عُيَيْنَةَ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْد مُسْلِمٍ. ‏ ‏قَوْله ( يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ ) ‏ ‏هَذَا يَقَع فِي الْأَغْلَب وَرُبَّ مَيِّتٍ لَا يَتْبَعُهُ إِلَّا عَمَلُهُ فَقَطْ وَالْمُرَادُ مَنْ يَتْبَعُ جِنَازَتَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَرُفْقَتِهِ وَدَوَابِّهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ وَإِذَا اِنْقَضَى أَمْرُ الْحُزْنِ عَلَيْهِ رَجَعُوا , سَوَاءٌ أَقَامُوا بَعْدَ الدَّفْنِ أَمْ لَا وَمَعْنَى بَقَاءِ عَمَلِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَهُ الْقَبْرَ وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْقَبْرِ عِنْد أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَفِيهِ \" وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ حَسَنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ : أَبْشِرْ بِاَلَّذِي يَسُرُّك فَيَقُول : مَنْ أَنْتَ ؟ فَيَقُول أَنَا عَمَلك الصَّالِح \" وَقَالَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ \" وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ \" الْحَدِيثَ وَفِيهِ \" بِاَلَّذِي يَسُوءُك وَفِيهِ عَمَلُك الْخَبِيثُ \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : التَّبَعِيَّةُ فِي حَدِيث أَنَس بَعْضهَا حَقِيقَة وَبَعْضهَا مَجَاز فَيُسْتَفَاد مِنْهُ اِسْتِعْمَال اللَّفْظ الْوَاحِد فِي حَقِيقَته وَمَجَازه. قُلْت : هُوَ فِي الْأَصْل حَقِيقَة فِي الْحِسِّ وَيَطْرُقُهُ الْمَجَازُ فِي الْبَعْضِ وَكَذَا الْمَال وَأَمَّا الْعَمَلُ فَعَلَى الْحَقِيقَةِ فِي الْجَمِيعِ وَهُوَ مَجَازٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّبَعِيَّةِ فِي الْحِسِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6034",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ غُدْوَةً وَعَشِيًّا إِمَّا النَّارُ وَإِمَّا الْجَنَّةُ فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى تُبْعَثَ إِلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَبُو النُّعْمَان ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن الْفَضْل وَالسَّنَدُ إِلَى نَافِعٍ بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَده ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالسَّرَخْسِيِّ \" عَلَى مَقْعَده \" وَهَذَا الْعَرْضُ يَقَعُ عَلَى الرُّوحِ حَقِيقَةً وَعَلَى مَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الْبَدَنِ الِاتِّصَالَ الَّذِي يُمْكِنُ بِهِ إِدْرَاكُ التَّنْعِيمِ أَوْ التَّعْذِيب عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره وَأَبْدَى الْقُرْطُبِيُّ فِي ذَلِكَ اِحْتِمَالَيْنِ : هَلْ هُوَ عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ أَوْ عَلَيْهَا وَعَلَى جُزْءٍ مِنْ الْبَدَنِ ؟ وَحَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ بَعْض أَهْل بَلَدهمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَرْضِ هُنَا الْإِخْبَار بِأَنَّ هَذَا مَوْضِع جَزَائِكُمْ عَلَى أَعْمَالكُمْ عِنْد اللَّه وَأُرِيدَ بِالتَّكْرِيرِ تَذْكَارُهُمْ بِذَلِكَ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْأَجْسَادَ تَفْنَى وَالْعَرْض لَا يَقَع عَلَى شَيْءٍ فَإِنْ قَالَ : فَبَانَ أَنَّ الْعَرْضَ الَّذِي يَدُوم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَرْوَاحِ خَاصَّةً وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَمْلَ الْعَرْضِ عَلَى الْإِخْبَارِ عُدُولٌ عَنْ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ مُقْتَضٍ لِذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إِلَّا بِصَارِفٍ يَصْرِفُهُ عَنْ الظَّاهِرِ قُلْت : وَيُؤَيِّدُ الْحَمْلَ عَلَى الظَّاهِرِ أَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فَلَوْ اُخْتُصَّ بِالرُّوحِ لَمْ يَكُنْ لِلشَّهِيدِ فِي ذَلِكَ كَبِيرُ فَائِدَةٍ لِأَنَّ رُوحَهُ مُنَعَّمَةٌ جَزْمًا كَمَا فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَكَذَا رُوح الْكَافِر مُعَذَّبَة فِي النَّار جَزْمًا فَإِذَا حُمِلَ عَلَى الرُّوحِ الَّتِي لَهَا اِتِّصَال بِالْبَدَنِ ظَهَرَتْ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الشَّهِيدِ وَفِي حَقِّ الْكَافِرِ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ) ‏ ‏أَيْ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْلِ الدُّنْيَا. ‏ ‏قَوْله ( إِمَّا النَّار وَإِمَّا الْجَنَّة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز مِنْ رِوَايَة مَالِك بِلَفْظِ \" إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة فَمِنْ أَهْل الْجَنَّة \" وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي أَوَاخِر كِتَاب الْجَنَائِز ; وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ بَحْثُ الْقُرْطُبِيِّ فِي \" الْمُفْهِم \". ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْعَرْضَ لِلْمُؤْمِنِ الْمُتَّقِي وَالْكَافِر ظَاهِرٌ وَأَمَّا الْمُؤْمِن الْمُخَلِّط فَيَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يُعْرَض عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ الَّتِي سَيَصِيرُ إِلَيْهَا. قُلْت : وَالِانْفِصَالُ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ يَظْهَرُ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة السُّؤَالِ فِي الْقَبْرِ وَفِيهِ \" ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا مَقْعَدُك وَمَا أَعَدَّ اللَّه لَك فِيهَا فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ النَّارِ فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا مَقْعَدك وَمَا أَعَدَّ اللَّه لَك فِيهَا لَوْ عَصَيْته فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا \" الْحَدِيثَ وَفِيهِ فِي حَقِّ الْكَافِرِ \" ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ النَّارِ \" وَفِيهِ \" فَيَزْدَادُ حَسْرَةً وَثُبُورًا \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَفِيهِ \" لَوْ أَطَعْته \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ اِبْن مَسْعُود \" مَا مِنْ نَفْس إِلَّا وَتَنْظُر فِي بَيْت فِي الْجَنَّة وَبَيْت فِي النَّار فَيَرَى أَهْل النَّار الْبَيْت الَّذِي فِي الْجَنَّة فَيُقَال : لَوْ عَمِلْتُمْ وَيَرَى أَهْل الْجَنَّة الْبَيْت الَّذِي فِي النَّار فَيُقَال لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ \" وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ رُؤْيَةَ ذَلِكَ لِلنَّجَاةِ أَوْ الْعَذَاب فِي الْآخِرَةِ فَعَلَى هَذَا يَحْتَمِل فِي الْمُذْنِبِ الَّذِي قُدِّرَ عَلَيْهِ أَنَّ يُعَذَّبَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَنْ يُقَال لَهُ مَثَلًا بَعْد عَرْضِ مَقْعَدِهِ مِنْ الْجَنَّةِ : هَذَا مَقْعَدُك مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ لَوْ لَمْ تُذْنِبْ وَهَذَا مَقْعَدُك مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ لِعِصْيَانِك نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ مِنْ كُلّ بَلِيَّة فِي الْحَيَاة وَبَعْد الْمَوْت إِنَّهُ ذُو الْفَضْل الْعَظِيم. ‏ ‏قَوْله ( فَيُقَال هَذَا مَقْعَدُك حَتَّى تُبْعَثَ إِلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" عَلَيْهِ \" وَفِي طَرِيق مَالِكٍ \" حَتَّى يَبْعَثَك اللَّه إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ \" وَقَدْ بَيَّنْت الْإِشَارَةَ إِلَيْهِ بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "6035",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الْأَمْوَاتِ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6036",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ‏ ‏أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتَبَّ رَجُلَانِ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏فَقَالَ الْمُسْلِمُ وَالَّذِي اصْطَفَى ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏عَلَى الْعَالَمِينَ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ وَالَّذِي اصْطَفَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَلَى الْعَالَمِينَ قَالَ فَغَضِبَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ فِي أَوَّلِ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَكَانَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِنَّ النَّاس يُصْعَقُونَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي قِصَّة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَذَكَرْت فِيهِ مَا نُقِلَ عَنْ اِبْن حَزْمٍ أَنَّ النَّفْخ فِي الصُّور يَقَعُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَتَعَقُّبَ كَلَامِهِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْت فِي كَلَام اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّهَا ثَلَاث : نَفْخَةُ الْفَزَعِ كَمَا فِي النَّمْل. وَنَفْخَةُ الصَّعْقِ كَمَا فِي الزُّمَر وَنَفْخَةُ الْبَعْثِ وَهِيَ الْمَذْكُورَة فِي الزُّمَر أَيْضًا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَالصَّحِيح أَنَّهُمَا نَفْخَتَانِ فَقَطْ لِثُبُوتِ الِاسْتِثْنَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) فِي كُلٍّ مِنْ الْآيَتَيْنِ وَلَا يَلْزَم مِنْ مُغَايَرَة الصَّعْق لِلْفَزَعِ أَنْ لَا يَحْصُلَا مَعًا مِنْ النَّفْخَة الْأُولَى ثُمَّ وَجَدْت مُسْتَنَد اِبْن الْعَرَبِيّ فِي حَدِيث الصُّور الطَّوِيل فَقَالَ فِيهِ \" ثُمَّ يُنْفَخ فِي الصُّور ثَلَاث نَفَخَات نَفْخَة الْفَزَع وَنَفْخَة الصَّعْق وَنَفْخَة الْقِيَام لِرَبِّ الْعَالَمِينَ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ هَكَذَا مُخْتَصَرًا وَقَدْ ذَكَرْت أَنَّ سَنَده ضَعِيف وَمُضْطَرِب وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّهُمَا نَفْخَتَانِ وَلَفْظه فِي أَثْنَاء حَدِيث مَرْفُوع \" ثُمَّ يُنْفَخ فِي الصُّور فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَد إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا ثُمَّ يُرْسِل اللَّه مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاس ثُمَّ يُنْفَخ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ \" وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ اِبْن مَسْعُود مَوْقُوفًا \" ثُمَّ يَقُوم مَلَك الصُّور بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض فَيَنْفُخُ فِيهِ وَالصُّور قَرْنٌ فَلَا يَبْقَى لِلَّهِ خَلْقٌ فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الْأَرْض إِلَّا مَاتَ إِلَّا مَنْ شَاءَ رَبُّك ثُمَّ يَكُون بَيْن النَّفْخَتَيْنِ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَكُون \" وَفِي حَدِيث أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ رَفَعَهُ \" إِنَّ أَفْضَلَ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ الصَّعْقَةُ وَفِيهِ النَّفْخَةُ \" الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة الزُّمَر مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" بَيْن النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ \" وَفِي كُلِّ ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمَا نَفْخَتَانِ فَقَطْ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ وَفِيهِ شَرْح قَوْل أَبِي هُرَيْرَة لَمَّا قِيلَ لَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً \" أَبَيْت \" بِالْمُوَحَّدَةِ وَمَعْنَاهُ اِمْتَنَعْت مِنْ تَبْيِينِهِ لِأَنِّي لَا أَعْلَمُهُ فَلَا أَخُوضُ فِيهِ بِالرَّأْيِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي \" التَّذْكِرَة \" : يَحْتَمِل قَوْله اِمْتَنَعْت أَنْ يَكُون عِنْده عِلْم مِنْهُ وَلَكِنَّهُ لَمْ يُفَسِّرْهُ لِأَنَّهُ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إِلَى بَيَانِهِ وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد اِمْتَنَعْت أَنْ أَسْأَلَ عَنْ تَفْسِيرِهِ فَعَلَى الثَّانِي لَا يَكُونُ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْهُ قَالَ : وَقَدْ جَاءَ أَنَّ بَيْن النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعِينَ عَامًا قُلْت : وَقَعَ كَذَلِكَ فِي طَرِيقٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي تَفْسِير اِبْن مَرْدَوَيْهِ وَأَخْرَجَ اِبْن الْمُبَارَك فِي \" الرَّقَائِقِ \" مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ \" بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ سَنَةً : الْأُولَى يُمِيتُ اللَّهُ بِهَا كُلَّ حَيٍّ وَالْأُخْرَى يُحْيِي اللَّه بِهَا كُلّ مَيِّت \" وَنَحْوه عِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَهُوَ ضَعِيف أَيْضًا وَعِنْده أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة لَمْ يَكُنْ عِنْده عِلْم بِالتَّعْيِينِ فَأَخْرَجَ عَنْهُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ أَنَّهُ لَمَّا قَالُوا \" أَرْبَعُونَ مَاذَا \" قَالَ \" هَكَذَا سَمِعْت \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ فَذَكَرَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مُنْقَطِعًا ثُمَّ قَالَ \" قَالَ أَصْحَابُهُ : مَا سَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا زَادَنَا عَلَيْهِ غَيْر أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ مِنْ رَأْيِهِمْ أَنَّهَا أَرْبَعُونَ سَنَةً \" وَفِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَلَى قَوْل الْحَلِيمِيّ : اِتَّفَقَتْ الرِّوَايَات عَلَى أَنَّ بَيْن النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعِينَ سَنَةً. قُلْت وَجَاءَ فِيمَا يُصْنَعُ بِالْمَوْتَى بَيْن النَّفْخَتَيْنِ مَا وَقَعَ فِي حَدِيث الصُّور الطَّوِيل أَنَّ جَمِيع الْأَحْيَاء إِذَا مَاتُوا بَعْد النَّفْخَة الْأُولَى وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا اللَّه قَالَ سُبْحَانَهُ : أَنَا الْجَبَّارُ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ؟ فَلَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ فَيَقُولُ : لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. وَأَخْرَجَ النَّحَّاس مِنْ طَرِيق أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه أَنَّ ذَلِكَ يَقَع بَعْدَ الْحَشْرِ وَرَجَّحَهُ. وَرَجَّحَ الْقُرْطُبِيّ الْأَوَّل. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَع مَرَّتَيْنِ وَهُوَ أَوْلَى. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي الزَّعْرَاءِ : كُنَّا عِنْد عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فَذَكَرَ الدَّجَّالَ إِلَى أَنْ قَالَ \" ثُمَّ يَكُونُ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَكُونَ فَلَيْسَ فِي بَنِي آدَمَ خَلْقٌ إِلَّا فِي الْأَرْضِ مِنْهُ شَيْءٌ قَالَ فَيُرْسِلُ اللَّهُ مَاءً مِنْ تَحْت الْعَرْشِ فَتَنْبُتُ جُسْمَانُهُمْ وَلَحْمَاتهمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَاء كَمَا تَنْبُتُ الْأَرْضُ مِنْ الرَّيِّ \" وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. إِلَّا أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏إِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ النَّفْخَةَ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْقُبُور فَكَيْف تَسْمَعُهَا الْمَوْتَى ؟ وَالْجَوَابُ : يَجُوز أَنْ تَكُون نَفْخَةُ الْبَعْثِ تَطُولُ إِلَى أَنْ يَتَكَامَلَ إِحْيَاؤُهُمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَتَقَدَّمَ الْإِلْمَامُ فِي قِصَّة مُوسَى بِشَيْءٍ مِمَّا وَرَدَ فِي تَعْيِينِ مَنْ اِسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) وَحَاصِلُ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَشَرَةُ أَقْوَالٍ : ‏ ‏الْأَوَّلُ أَنَّهُمْ الْمَوْتَى كُلُّهُمْ لِكَوْنِهِمْ لَا إِحْسَاسَ لَهُمْ فَلَا يُصْعَقُونَ وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْقُرْطُبِيُّ فِي \" الْمُفْهِمِ \" وَفِيهِ مَا فِيهِ وَمُسْتَنَدُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي تَعْيِينِهِمْ خَبَرٌ صَحِيحٌ وَتَعَقَّبَهُ صَاحِبُهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي \" التَّذْكِرَةِ \" فَقَالَ قَدْ صَحَّ فِيهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ; وَفِي الزُّهْد لِهَنَّادِ بْن السُّرِّىّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر مَوْقُوفًا هُمْ الشُّهَدَاء وَسَنَده إِلَى سَعِيدٍ صَحِيحٌ. وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَة فِي الَّذِي بَعْدَهُ وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الثَّانِي. ‏ ‏الثَّالِثُ الْأَنْبِيَاءُ وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ الْبَيْهَقِيُّ فِي تَأْوِيل الْحَدِيث فِي تَجْوِيزِهِ أَنْ يَكُون مُوسَى مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّهُ قَالَ : وَوَجْهُهُ عِنْدِي أَنَّهُمْ أَحْيَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ كَالشُّهَدَاءِ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّور النَّفْخَةُ الْأُولَى صَعِقُوا ثُمَّ لَا يَكُون ذَلِكَ مَوْتًا فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ إِلَّا فِي ذَهَاب الِاسْتِشْعَار. وَقَدْ جَوَّزَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُون مُوسَى مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّهُ فَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ لَا يَذْهَبُ اِسْتِشْعَارُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُ فِي صَعْقَةِ الطُّورِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَثَر سَعِيدِ بْن جُبَيْر فِي الشُّهَدَاء وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَأَلَ جِبْرِيلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة مَنْ الَّذِينَ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ أَنْ يُصْعَقُوا ؟ قَالَ : هُمْ شُهَدَاء اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَحَّحَهُ الْحَاكِم وَرُوَاته ثِقَاتٌ وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. ‏ ‏الرَّابِع قَالَ يَحْيَى بْن سَلَام فِي تَفْسِيره : بَلَغَنِي أَنَّ آخِر مَنْ يَبْقَى جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيل وَإِسْرَافِيلُ وَمَلَك الْمَوْت ثُمَّ يَمُوت الثَّلَاثَةُ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ مُتْ فَيَمُوت. قُلْت : وَجَاءَ نَحْوُ هَذَا مُسْنَدًا فِي حَدِيث أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ بِلَفْظِ \" فَكَانَ مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّهُ ثَلَاثَةٌ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيل وَمَلَكُ الْمَوْتِ \" الْحَدِيثَ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ وَلَهُ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَنَسٍ ضَعِيفَةٌ أَيْضًا عِنْد الطَّبَرِيّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ وَسِيَاقه أَتَمُّ وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ إِسْمَاعِيل السُّدِّيِّ وَوَصَلَهُ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي زِيَاد الشَّامِيّ فِي تَفْسِيره عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْل يَحْيَى بْن سَلَام وَنَحْوه عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَزَادَ \" لَيْسَ فِيهِمْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ لِأَنَّهُمْ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ \" ‏ ‏الْخَامِسُ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذ مِمَّا فِي الرَّابِعِ. ‏ ‏السَّادِسُ الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورُونَ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الطَّوِيل الْمَعْرُوف بِحَدِيثِ الصُّور وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ وَأَنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ مُضْطَرِبٌ وَعَنْ كَعْب الْأَحْبَار نَحْوه وَقَالَ : هُمْ اثْنَا عَشَرَ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَسْلَمَ مَقْطُوعًا وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَجَمَعَ فِي حَدِيث الصُّور بَيْنَ هَذَا الْقَوْل وَبَيْن الْقَوْل إِنَّهُمْ الشُّهَدَاء فَفِيهِ \" فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة يَا رَسُول اللَّه فَمَنْ اُسْتُثْنِيَ حِينَ الْفَزَعِ ؟ قَالَ : الشُّهَدَاءُ \" ثُمَّ ذَكَرَ نَفْخَةَ الصَّعْقِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏السَّابِع مُوسَى وَحْدَهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَنَس وَعَنْ قَتَادَةَ وَذَكَره الثَّعْلَبِيُّ عَنْ جَابِرٍ. ‏ ‏الثَّامِنُ الْوِلْدَانُ الَّذِينَ فِي الْجَنَّةِ وَالْحَوَرُ الْعَيْنُ. ‏ ‏التَّاسِعُ هُمْ وَخُزَّان الْجَنَّة وَالنَّار وَمَا فِيهَا مِنْ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ حَكَاهُمَا الثَّعْلَبِيُّ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ. ‏ ‏الْعَاشِرُ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ جَزَمَ بِهِ أَبُو مُحَمَّد بْن حَزْمٍ فِي \" الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ \" فَقَالَ : الْمَلَائِكَةُ أَرْوَاحٌ لَا أَرْوَاحَ فِيهَا فَلَا يَمُوتُونَ أَصْلًا. وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْد الطَّبَرِيّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ قَالَ الْحَسَن يَسْتَثْنِي اللَّه وَمَا يَدَعُ أَحَدًا إِلَّا أَذَاقَهُ الْمَوْتَ فَيُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّ قَوْلًا آخَرَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ اِسْتَضْعَفَ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ أَكْثَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَقَعَ مِنْ سُكَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ سُكَّانِهَا لِأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ فَحَمَلَتُهُ لَيْسُوا مِنْ سُكَّانِهَا وَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيل مِنْ الصَّافِّينَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَلِأَنَّ الْجَنَّةَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ عَالَمَانِ بِانْفِرَادِهِمَا خُلِقَتَا لِلْبَقَاءِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ الْمَلَائِكَةِ مَا أَخْرَجَهُ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيث لَقِيط اِبْن عَامِر مُطَوَّلًا وَفِيهِ \" يَلْبَثُونَ مَا لَبَّثَهُمْ ثُمَّ تُبْعَث الصَّائِحَة فَلَعَمْر إِلَهِك مَا تَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا مَاتَ حَتَّى الْمَلَائِكَة الَّذِينَ مَعَ رَبِّك \". ‏"
    },
    {
        "id": "6037",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَصْعَقُ النَّاسُ حِينَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ قَامَ فَإِذَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏آخِذٌ بِالْعَرْشِ فَمَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج ( فَمَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَبَقِيَّتُهُ \" أَمْ لَا \" أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن يَحْيَى عَنْ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( رَوَاهُ أَبُو سَعِيد ) ‏ ‏يَعْنِي الْخُدْرِيَّ ‏ ‏( عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏يَعْنِي أَصْل الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي كِتَاب الْأَشْخَاص وَفِي قِصَّة مُوسَى مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَذَكَرْت شَرْحَهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6038",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك ‏ ‏وَيُونُس ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيدَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏كَذَا قَالَ يُونُس وَخَالَفَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد فَقَالَ \" عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ \" كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة الزُّمَر وَهَذَا الِاخْتِلَافُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \". وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي كِتَاب التَّوْحِيد الطَّرِيقَيْنِ وَقَالَ : هُمَا مَحْفُوظَانِ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَسَأُشْبِعُ الْقَوْلَ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَأَقْتَصِرُ هُنَا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِتَبْدِيلِ الْأَرْضِ لِمُنَاسَبَةِ الْحَالِ. ‏ ‏قَوْله ( يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة اِبْن وَهْبٍ عَنْ يُونُس \" يَوْمَ الْقِيَامَةِ \" قَالَ عِيَاضٌ : هَذَا الْحَدِيثُ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ. الْقَبْضُ وَالطَّيُّ وَالْأَخْذُ. وَكُلُّهَا بِمَعْنَى الْجَمْعِ فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ مَبْسُوطَةٌ وَالْأَرْض مَدْحُوَّةٌ مَمْدُودَةٌ ثُمَّ رَجَعَ ذَلِكَ إِلَى مَعْنَى الرَّفْع وَالْإِزَالَة وَالتَّبْدِيل فَعَادَ ذَلِكَ إِلَى ضَمِّ بَعْضِهَا إِلَى بَعْض وَإِبَادَتِهَا فَهُوَ تَمْثِيلٌ لِصِفَةِ قَبْضِ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ وَجَمْعِهَا بَعْدَ بَسْطِهَا وَتَفَرُّقهَا دَلَالَة عَلَى الْمَقْبُوض وَالْمَبْسُوط لَا عَلَى الْبَسْطِ وَالْقَبْضِ قَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِشَارَةً إِلَى الِاسْتِيعَاب اِنْتَهَى. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي قَوْله تَعَالَى ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ) هَلْ الْمُرَادُ ذَاتُ الْأَرْضِ وَصِفَتُهَا أَوْ تَبْدِيل صِفَتهَا فَقَطْ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي شَرْح ثَالِث أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6039",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً ‏ ‏يَتَكَفَّؤُهَا ‏ ‏الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فَأَتَى رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏فَقَالَ بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ يَا ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ بَلَى قَالَ تَكُونُ الْأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَظَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَيْنَا ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ ‏ ‏نَوَاجِذُهُ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكَ ‏ ‏بِإِدَامِهِمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِدَامُهُمْ ‏ ‏بَالَامٌ وَنُونٌ قَالُوا وَمَا هَذَا قَالَ ثَوْرٌ ‏ ‏وَنُونٌ ‏ ‏يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ خَالِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيدَ وَفِي رِوَايَة شُعَيْب بْن اللَّيْث عَنْ أَبِيهِ \" حَدَّثَنِي خَالِد بْن يَزِيدَ \" وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ إِلَى سَعِيدٍ وَمِنْهُ إِلَى مُنْتَهَاهُ مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ‏ ‏يَعْنِي أَرْض الدُّنْيَا ‏ ‏( خُبْزَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْحَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَفَتْحِ الزَّايِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْخُبْزَة الطُّلْمَة بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام وَهُوَ عَجِينٌ يُوضَعُ فِي الْحُفْرَةِ بَعْد إِيقَادِ النَّارِ فِيهَا قَالَ وَالنَّاس يُسَمُّونَهَا الْمَلَّةَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيد اللَّامِ وَإِنَّمَا الْمَلَّةُ الْحُفْرَةُ نَفْسُهَا. ‏ ‏قَوْله ( يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْكَاف وَتَشْدِيد الْفَاء الْمَفْتُوحَة بَعْدهَا هَمْزَةٌ أَيْ يَمِيلُهَا مِنْ كَفَأْت الْإِنَاءَ إِذَا قَلَّبْته وَفِي رِوَايَة مُسْلِمٍ \" يَكْفَؤُهَا \" بِسُكُونِ الْكَافِ. ‏ ‏قَوْله ( كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَعْنِي خُبْزَ الْمَلَّةِ الَّذِي يَصْنَعُهُ الْمُسَافِرُ فَإِنَّهَا لَا تُدْحَى كَمَا تُدْحَى الرُّقَاقَةُ وَإِنَّمَا تُقَلَّبُ عَلَى الْأَيْدِي حَتَّى تَسْتَوِيَ وَهَذَا عَلَى أَنَّ السَّفَرَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ جَمْع سُفْرَة وَهُوَ الطَّعَام الَّذِي يُتَّخَذ لِلْمُسَافِرِ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ السُّفْرَةُ. ‏ ‏قَوْله ( نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ ) ‏ ‏النُّزُلُ بِضَمِّ النُّون وَبِالزَّايِ وَقَدْ تُسَكَّنُ. مَا يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ وَلِلْعَسْكَرِ يُطْلَق عَلَى الرِّزْق وَعَلَى الْفَضْل وَيُقَال أَصْلَحَ لِلْقَوْمِ نُزُلَهُمْ أَيْ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَيْهِ مِنْ الْغِذَاءِ وَعَلَى مَا يُعَجَّلُ لِلضَّيْفِ قَبْل الطَّعَام وَهُوَ اللَّائِقُ هُنَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمُرَادُ أَنَّهُ يَأْكُل مِنْهَا مَنْ سَيَصِيرُ إِلَى الْجَنَّة مِنْ أَهْل الْمَحْشَرِ لَا أَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَهَا حَتَّى يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ. قُلْت : وَظَاهِرُ الْخَبَرِ يُخَالِفُهُ وَكَأَنَّهُ بَنَى عَلَى مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : تَكُون الْأَرْض خُبْزَةً بَيْضَاءَ يَأْكُلُ الْمُؤْمِنُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ. وَمِنْ طَرِيق أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْبٍ أَوْ مُحَمَّد اِبْن قَيْسٍ نَحْوه وَلِلْبَيْهَُقِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عِكْرِمَةَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ مِثْلَ الْخُبْزَةِ يَأْكُل مِنْهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ حَتَّى يَفْرَغُوا مِنْ الْحِسَاب. وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ نَحْوُهُ. وَسَأَذْكُرُ بَقِيَّة مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنْ الْبَيْضَاوِيِّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مُشْكِلٌ جِدًّا لَا مِنْ جِهَةِ إِنْكَارِ صُنْعِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ بَلْ لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ عَلَى قَلْبِ جِرْمِ الْأَرْضِ مِنْ الطَّبْع الَّذِي عَلَيْهِ إِلَى طَبْعِ الْمَطْعُومِ وَالْمَأْكُول مَعَ مَا ثَبَتَ فِي الْآثَارِ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ تَصِيرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا وَتَنْضَمُّ إِلَى جَهَنَّمَ فَلَعَلَّ الْوَجْهَ فِيهِ أَنَّ مَعْنَى قَوْله خُبْزَةً وَاحِدَةً أَيْ كَخُبْزَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ نَعْتِهَا كَذَا وَكَذَا وَهُوَ نَظِير مَا فِي حَدِيث سَهْلٍ يَعْنِي الْمَذْكُور بَعْده كَقُرْصَةِ النَّقِي فَضَرَبَ الْمَثَل بِهَا لِاسْتِدَارَتِهَا وَبَيَاضِهَا فَضَرْبُ الْمَثَلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِخُبْزَةٍ تُشْبِهُ الْأَرْضَ فِي مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا بَيَان الْهَيْئَة الَّتِي تَكُون الْأَرْض عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ وَالْآخَر بَيَان الْخُبْزَة الَّتِي يُهَيِّئُهَا اللَّهُ تَعَالَى نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّة وَبَيَان عِظَم مِقْدَارِهَا اِبْتِدَاعًا وَاخْتِرَاعًا. قَالَ الطِّيبِيُّ : وَإِنَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْإِشْكَالُ لِأَنَّهُ رَأَى الْحَدِيثَيْنِ فِي بَابِ الْحَشْرِ فَظَنَّ أَنَّهُمَا لِشَيْءٍ وَاحِدٍ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هَذَا الْحَدِيث مِنْ بَابٍ وَحَدِيثُ سَهْلٍ مِنْ بَابٍ وَأَيْضًا فَالتَّشْبِيهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْمُشَارَكَةَ بَيْن الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ بَلْ يَكْفِي حُصُولُهُ فِي الْبَعْضِ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ شَبَّهَ أَرْضَ الْحَشْرِ بِالْخُبْزَةِ فِي الِاسْتِوَاءِ وَالْبَيَاضِ وَشَبَّهَ أَرْضَ الْجَنَّةِ فِي كَوْنِهَا نُزُلًا لِأَهْلِهَا وَمُهَيَّأَةً لَهُمْ تَكْرِمَةً بِعُجَالَةِ الرَّاكِبِ زَادُهُ يَقْنَعُ بِهِ فِي سَفَرِهِ. قُلْت : آخِر كَلَامه يُقَرِّرُ مَا قَالَ الْقَاضِي أَنَّ كَوْن أَرْض الدُّنْيَا تَصِير نَارًا مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّ كَوْنَهَا تَصِير خُبْزَةً يَأْكُل مِنْهَا أَهْل الْمَوْقِف مَحْمُولٌ عَلَى الْمَجَازِ وَالْآثَار الَّتِي أَوْرَدْتهَا عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَغَيْرِهِ تَرُدُّ عَلَيْهِ وَالْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَهْمَا أَمْكَنَ وَقُدْرَةُ اللَّه تَعَالَى صَالِحَةٌ لِذَلِكَ بَلْ اِعْتِقَادُ كَوْنِهِ حَقِيقَةً أَبْلَغُ وَكَوْن أَهْلِ الدُّنْيَا وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُعَاقَبُونَ بِالْجُوعِ فِي طُول زَمَان الْمَوْقِفِ بَلْ يَقْلِبُ اللَّه لَهُمْ بِقُدْرَتِهِ طَبْعَ الْأَرْضِ حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْهَا مِنْ تَحْت أَقْدَامِهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ بِغَيْرِ عِلَاجٍ وَلَا كُلْفَةٍ وَيَكُون مَعْنَى قَوْله \" نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ \" أَيْ الَّذِينَ يَصِيرُونَ إِلَى الْجَنَّة أَعَمَّ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ يَقَعُ بَعْدَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا أَوْ قَبْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَأَتَى رَجُلٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَأَتَاهُ \". ‏ ‏قَوْله ( مِنْ الْيَهُودِ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَنَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْنَا ثُمَّ ضَحِكَ ) ‏ ‏يُرِيدُ أَنَّهُ أَعْجَبَهُ إِخْبَارُ الْيَهُودِيِّ عَنْ كِتَابِهِمْ بِنَظِيرِ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْوَحْيِ وَكَانَ يُعْجِبُهُ مُوَافَقَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فَكَيْفَ بِمُوَافَقَتِهِمْ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ) ‏ ‏بِالنُّونِ وَالْجِيمِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ نَاجِذٍ وَهُوَ آخِر الْأَضْرَاسِ وَلِكُلِّ إِنْسَانٍ أَرْبَعُ نَوَاجِذَ. وَتُطْلَقُ النَّوَاجِذُ أَيْضًا عَلَى الْأَنْيَابِ وَالْأَضْرَاسِ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَالَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَقَالَ \". ‏ ‏قَوْلُهُ ( أَلَا أُخْبِرُك ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ \" أَلَا أُخْبِرُكُمْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ ( بِإِدَامِهِمْ ) ‏ ‏أَيْ مَا يُؤْكَلُ بِهِ الْخُبْزُ. ‏ ‏قَوْله ( بَالَامٌ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة بِغَيْرِ هَمْزٍ ‏ ‏وَقَوْلُهُ ( وَنُونٌ ) ‏ ‏أَيْ بِلَفْظِ أَوَّلِ السُّورَةِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا ) ‏ ‏أَيْ الصَّحَابَةُ وَفِي رِوَايَة مُسْلِمٍ \" فَقَالُوا \" ‏ ‏قَوْله ( مَا هَذَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَمَا هَذَا \" بِزِيَادَةِ وَاوٍ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ ثَوْرٌ وَنُونٌ ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَكَذَا رَوَوْهُ لَنَا وَتَأَمَّلْت النُّسَخَ الْمَسْمُوعَةَ مِنْ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيق حَمَّاد اِبْنِ شَاكِرٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْن مَعْقِلٍ وَالْفَرَبْرِيّ فَإِذَا كُلُّهَا عَلَى نَحْوٍ وَاحِدٍ. قُلْت : وَكَذَا عِنْد مُسْلِم وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فَأَمَّا نُونٌ فَهُوَ الْحُوتُ عَلَى مَا فُسِّرَ فِي الْحَدِيث وَأَمَّا بَالَامٌ فَدَلَّ التَّفْسِيرُ مِنْ الْيَهُودِيِّ عَلَى أَنَّهُ اِسْمٌ لِلثَّوْرِ وَهُوَ لَفْظٌ مُبْهَمٌ لَمْ يَنْتَظِمْ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُون عَلَى التَّفْرِقَةِ اِسْمًا لِشَيْءٍ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْيَهُودِيُّ أَرَادَ أَنْ يُعَمِّيَ الِاسْمَ فَقَطَعَ الْهِجَاء وَقَدَّمَ أَحَدَ الْحَرْفَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْهِجَاءِ لَام يَاء هِجَاء لَأَى بِوَزْنِ لَعَى وَهُوَ الثَّوْر الْوَحْشِيّ وَجَمْعُهُ آلَاءٌ بِثَلَاثِ هَمَزَاتٍ وَزْن أَحْبَال فَصَحَّفُوهُ فَقَالُوا بَالَامٌ بِالْمُوَحَّدَةِ وَإِنَّمَا هُوَ بِالْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَكَتَبُوهُ بِالْهِجَاءِ فَأَشْكَلَ الْأَمْر. هَذَا أَقْرَبُ مَا يَقَع لِي فِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُون إِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِلِسَانِهِ وَيَكُون ذَلِكَ بِلِسَانِهِمْ وَأَكْثَر الْعِبْرَانِيَّة فِيمَا يَقُولهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ مَقْلُوبٌ عَلَى لِسَانِ الْعَرَبِ بِتَقْدِيمٍ فِي الْحُرُوفِ وَتَأْخِيرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. وَقَالَ عِيَاض : أَوْرَدَ الْحُمَيْدِيُّ فِي اِخْتِصَاره يَعْنِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ بِاللَّأَى بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَأَلِفِ وَصْلٍ وَلَام ثَقِيلَة بَعْدهَا هَمْزَة مَفْتُوحَة خَفِيفَة بِوَزْنِ الرَّحَى وَاللَّأَى الثَّوْرُ الْوَحْشِيُّ قَالَ : وَلَمْ أَرَ أَحَدًا رَوَاهُ كَذَلِكَ فَلَعَلَّهُ مِنْ إِصْلَاحِهِ وَإِذَا كَانَ هَكَذَا بَقِيَتْ الْمِيمُ زَائِدَةً إِلَّا أَنْ يُدْعَى أَنَّهَا حُرِّفَتْ عَنْ الْيَاء الْمَقْصُورَة قَالَ : وَكُلّ هَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَسُّفِ قَالَ : وَأَوْلَى مَا يُقَال فِي هَذَا أَنْ تَبْقَى الْكَلِمَةُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَة وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا عِبْرَانِيَّةٌ وَلِذَلِكَ سَأَلَ الصَّحَابَةُ الْيَهُودِيَّ عَنْ تَفْسِيرِهَا وَلَوْ كَانَ اللَّأَى لَعَرَفُوهَا لِأَنَّهَا مِنْ لِسَانِهِمْ. وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِهَذَا فَقَالَ : هِيَ لَفَظَّةٌ عِبْرَانِيَّةٌ مَعْنَاهَا ثَوْرٌ. ‏ ‏قَوْله ( يَأْكُل مِنْ زَائِدَة كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا ) ‏ ‏قَالَ عِيَاضٌ زِيَادَةُ الْكَبِدِ وَزَائِدَتُهَا هِيَ الْقِطْعَةُ الْمُنْفَرِدَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهَا وَهِيَ أَطْيَبُهُ وَلِهَذَا خُصَّ بِأَكْلِهَا السَّبْعُونَ أَلْفًا وَلَعَلَّهُمْ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فُضِّلُوا بِأَطْيَبِ النُّزُلِ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَبَّرَ بِالسَّبْعِينَ عَنْ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ وَلَمْ يُرِدْ الْحَصْرَ فِيهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب الْهِجْرَة قُبَيْل الْمَغَازِي فِي مَسَائِل عَبْد اللَّه بْن سَلَام أَنَّ أَوَّل طَعَامٍ يَأْكُلهُ أَهْل الْجَنَّة لَهُ زِيَادَة كَبِد الْحُوت وَأَنَّ عِنْد مُسْلِم فِي حَدِيث ثَوْبَانَ \" تُحْفَةُ أَهْل الْجَنَّةِ زِيَادَةُ كَبِد النُّونِ \" وَفِيهِ \" غِذَاؤُهُمْ عَلَى أَثَرهَا أَنْ يُنْحَرَ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا \" وَفِيهِ \" وَشَرَابُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ عَيْنٍ تُسَمَّى سَلْسَبِيلَا \" وَأَخْرَجَ اِبْن الْمُبَارَك فِي \" الزُّهْد \" بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ كَعْب الْأَحْبَار : أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول لِأَهْلِ الْجَنَّة إِذَا دَخَلُوهَا : إِنَّ لِكُلِّ ضَيْفٍ جَزُورًا وَإِنِّي أَجْزُرُكُمْ الْيَوْم حُوتًا وَثَوْرًا فَيُجْزَرُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6040",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ ‏ ‏عَفْرَاءَ ‏ ‏كَقُرْصَةِ ‏ ‏نَقِيٍّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏غَيْرُهُ ‏ ‏لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مُحَمَّد بْن جَعْفَر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏وَأَبُو حَازِم ‏ ‏هُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ. ‏ ‏قَوْله ( يُحْشَرُ النَّاسُ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ. ‏ ‏قَوْله ( أَرْض عَفْرَاء ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْعَفَر بَيَاضٌ لَيْسَ بِالنَّاصِعِ وَقَالَ عِيَاضٌ : الْعَفَر بَيَاضٌ يَضْرِبُ إِلَى حُمْرَةٍ قَلِيلًا وَمِنْهُ سُمِّيَ عَفَر الْأَرْضِ وَهُوَ وَجْهُهَا. وَقَالَ اِبْنُ فَارِسٍ : مَعْنَى عَفْرَاء خَالِصَةُ الْبَيَاضِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : شَدِيدَة الْبَيَاض. كَذَا قَالَ وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَدُ. ‏ ‏قَوْله ( كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّونِ كَسْرِ الْقَافِ أَيْ الدَّقِيقِ النَّقِيِّ مِنْ الْغِشِّ وَالنَّخَّالِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ سَهْل أَوْ غَيْره لَيْسَ فِيهَا مَعْلَم لِأَحَدٍ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ وَسَهْلٌ هُوَ رَاوِي الْخَبَرِ وَأَوْ لِلشَّكِّ وَالْغَيْر الْمُبْهَم لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ. وَوَقَعَ هَذَا الْكَلَامُ الْأَخِيرُ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْن مَخْلَد عَنْ مُحَمَّد اِبْن جَعْفَر مُدْرَجًا بِالْحَدِيثِ وَلَفْظه \" لَيْسَ فِيهَا عِلْمٌ لِأَحَدٍ \" وَمِثْله لِسَعِيدِ بْن مَنْصُور عَنْ اِبْن أَبِي حَازِم عَنْ أَبِيهِ وَالْعِلْم وَالْمَعْلَمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيد أَنَّهَا مُسْتَوِيَةٌ. وَالْمَعْلَم بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ بَيْنَهُمَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى الطَّرِيق. وَقَالَ عِيَاض : الْمُرَاد أَنَّهَا لَيْسَ فِيهَا عَلَامَة سُكْنَى وَلَا بِنَاء وَلَا أَثَر وَلَا شَيْء مِنْ الْعَلَامَات الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا فِي الطَّرَقَات كَالْجَبَلِ وَالصَّخْرَة الْبَارِزَة. وَفِيهِ تَعْرِيض بِأَرْضِ الدُّنْيَا وَأَنَّهَا ذَهَبَتْ وَانْقَطَعَتْ الْعَلَّاقَةُ مِنْهَا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَحُوز أَحَد مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا مَا أَدْرَكَ مِنْهَا. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : فِيهِ دَلِيل عَلَى عَظِيم الْقُدْرَة وَالْإِعْلَام بِجُزْئِيَّاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِيَكُونَ السَّامِعُ عَلَى بَصِيرَةٍ فَيُخَلِّص نَفْسه مِنْ ذَلِكَ الْهَوْل لِأَنَّ فِي مَعْرِفَة جُزْئِيَّاتِ الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ رِيَاضَةَ النَّفْسِ وَحَمْلَهَا عَلَى مَا فِيهِ خَلَاصُهَا بِخِلَافِ مَجِيء الْأَمْر بَغْتَةً وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ أَرْض الْمَوْقِف أَكْبَر مِنْ هَذِهِ الْأَرْض الْمَوْجُودَةِ جِدًّا وَالْحِكْمَة فِي الصِّفَة الْمَذْكُورَة أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْم يَوْمُ عَدْلٍ وَظُهُورِ حَقٍّ فَاقْتَضَتْ الْحِكْمَة أَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ الَّذِي يَقَع فِيهِ ذَلِكَ طَاهِرًا عَنْ عَمَل الْمَعْصِيَةِ وَالظُّلْمِ وَلِيَكُونَ تَجَلِّيهِ سُبْحَانَهُ عَلَى عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَرْضٍ تَلِيقُ بِعَظَمَتِهِ وَلِأَنَّ الْحُكْم فِيهِ إِنَّمَا يَكُون لِلَّهِ وَحْدَهُ فَنَاسَبَ أَنْ يَكُون الْمَحَلُّ خَالِصًا لَهُ وَحْدَهُ. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَرْض الدُّنْيَا اِضْمَحَلَّتْ وَأُعْدِمَتْ وَأَنَّ أَرْض الْمَوْقِف تَجَدَّدَتْ. ‏ ‏وَقَدْ وَقَعَ لِلسَّلَفِ فِي ذَلِكَ خِلَاف فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ) هَلْ مَعْنَى تَبْدِيلِهَا تَغْيِيرُ ذَاتِهَا وَصِفَاتِهَا أَوْ تَغْيِير صِفَاتهَا فَقَطْ وَحَدِيث الْبَاب يُؤَيِّد الْأَوَّل. وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق وَعَبْد بْن حُمَيْدٍ وَالطَّبَرِيّ فِي تَفَاسِيرِهِمْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن مَيْمُون عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فِي قَوْله تَعَالَى ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ) الْآيَةَ قَالَ : تُبَدَّلُ الْأَرْض أَرْضًا كَأَنَّهَا فِضَّةٌ لَمْ يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ حَرَام وَلَمْ يُعْمَل عَلَيْهَا خَطِيئَة وَرِجَاله رِجَال الصَّحِيح وَهُوَ مَوْقُوف ; وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر مَرْفُوعًا وَقَالَ : الْمَوْقُوف أَصَحّ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَاصِم عَنْ زِرّ بْن حُبَيْشٍ عَنْ اِبْن مَسْعُود بِلَفْظِ : أَرْض بَيْضَاء كَأَنَّهَا سَبِيكَةُ فِضَّةٍ وَرِجَاله مُوَثَّقُونَ أَيْضًا وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب : أَرْض كَالْفِضَّةِ الْبَيْضَاء قِيلَ فَأَيْنَ الْخَلْقُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : هُمْ أَضْيَاف اللَّه لَنْ يُعْجِزَهُمْ مَا لَدَيْهِ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق سِنَان بْن سَعْد عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا : يُبَدِّلُهَا اللَّه بِأَرْضٍ مِنْ فِضَّةٍ لَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهَا الْخَطَايَا. وَعَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا نَحْوه. وَمِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد : أَرْضٌ كَأَنَّهَا فِضَّةٌ وَالسَّمَاوَات كَذَلِكَ. وَعَنْ عَلِيّ وَالسَّمَاوَات مِنْ ذَهَبٍ. وَعِنْد عَبْدٍ مِنْ طَرِيق الْحَكَم بْن أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الْأَرْض يَعْنِي أَرْض الدُّنْيَا تُطْوَى وَإِلَى جَنْبِهَا أُخْرَى يُحْشَرُ النَّاسُ مِنْهَا إِلَيْهَا. وَفِي حَدِيث الصُّور الطَّوِيل : تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ فَيَبْسُطُهَا وَيُسَطِّحهَا وَيَمُدّهَا مَدّ الْأَدِيم الْعُكَاظِيّ لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا. ثُمَّ يَزْجُر اللَّه الْخَلْق زَجْرَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ فِي هَذِهِ الْأَرْض الْمُبَدَّلَة فِي مِثْل مَوَاضِعِهِمْ مِنْ الْأَوْلَى مَا كَانَ فِي بَطْنِهَا كَانَ فِي بَطْنِهَا وَمَا كَانَ عَلَى ظَهْرِهَا كَانَ عَلَيْهَا اِنْتَهَى. وَهَذَا يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ يَقَع عَقِب نَفْخَة الصَّعْق بَعْد الْحَشْر الْأَوَّل وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى ( وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ). وَأَمَّا مَنْ ذَهَب إِلَى أَنَّ التَّغْيِير إِنَّمَا يَقَع فِي صِفَات الْأَرْض دُون ذَاتهَا فَمُسْتَنَدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة مُدَّتْ الْأَرْض مَدَّ الْأَدِيمِ وَحُشِرَ الْخَلَائِقُ. وَمِنْ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ تُمَدُّ الْأَرْضُ مَدَّ الْأَدِيمِ ثُمَّ لَا يَكُون لِابْنِ آدَم مِنْهَا إِلَّا مَوْضِع قَدَمَيْهِ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي صَحَابِيِّهِ. وَوَقَعَ فِي تَفْسِير الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ) قَالَ : يُزَاد فِيهَا وَيُنْقَصُ مِنْهَا وَيُذْهَبُ آكَامُهَا وَجِبَالُهَا وَأَوْدِيَتُهَا وَشَجَرُهَا وَتُمَدُّ مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيّ وَعَزَاهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيره لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَة وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي مَنْصُور الْأَزْهَرِيِّ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ يُخَالِفُ الْقَوْلَ الْأَوَّل فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ ذَلِكَ كُلّه يَقَع لِأَرْضِ الدُّنْيَا لَكِنَّ أَرْض الْمَوْقِف غَيْرهَا وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله أَنَّ أَرْض الدُّنْيَا تَصِير خُبْزَةً وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا تُعَدُّ لِأَكْلِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهَا فِي زَمَان الْمَوْقِف ثُمَّ تَصِير نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْمِنْهَال بْن عَمْرو عَنْ قَيْس بْن السَّكَنِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : الْأَرْض كُلّهَا تَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة فَاَلَّذِي قَبْله عَنْ اِبْن مَسْعُود أَصَحُّ سَنَدًا وَلَعَلَّ الْمُرَاد بِالْأَرْضِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَرْض الْبَحْر فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق كَعْب الْأَحْبَار قَالَ : يَصِير مَكَانُ الْبَحْر نَارًا وَفِي تَفْسِيرٍ لِلرَّبِيعِ بْن أَنَس عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب : تَصِير السَّمَاوَات جِفَانًا وَيَصِير مَكَانُ الْبَحْرِ نَارًا وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْبَعْث \" مِنْ هَذَا الْوَجْه فِي قَوْله تَعَالَى ( وَحُمِلَتْ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ) قَالَ : يَصِيرَانِ غَبَرَةً فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ. قُلْت : وَيُمْكِنُ الْجَمْع بِأَنَّ بَعْضهَا يَصِير نَارًا وَبَعْضهَا غُبَارًا وَبَعْضهَا يَصِير خُبْزَةً وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا \" سَأَلَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ) أَيْنَ يَكُون النَّاس حِينَئِذٍ ؟ قَالَ : عَلَى الصِّرَاط \" وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ \" عَلَى جِسْر جَهَنَّمَ \" وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق اِبْن عَبَّاس عَنْ عَائِشَة \" عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ \" وَأَخْرَجَ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيث ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا \" يَكُونُونَ فِي الظُّلْمَة دُون الْجِسْر \" فَقَدْ جَمَعَ بَيْنهَا الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْجِسْرِ الصِّرَاط كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي تَرْجَمَة مُسْتَقِلَّة وَأَنَّ فِي قَوْله عَلَى الصِّرَاط مَجَازًا لِكَوْنِهِمْ يُجَاوِزُونَهُ لِأَنَّ فِي حَدِيث ثَوْبَانَ زِيَادَةً يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا لِثُبُوتِهَا وَكَانَ ذَلِكَ عِنْد الزَّجْرَةِ الَّتِي تَقَع عِنْد نَقْلهمْ مِنْ أَرْض الدُّنْيَا إِلَى أَرْض الْمَوْقِف وَيُشِير إِلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ( كَلَّا إِذَا دُكَّتْ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّك وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) وَاخْتُلِفَ فِي السَّمَاوَات أَيْضًا فَتَقَدَّمَ قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهَا تَصِير جِفَانًا وَقِيلَ إِنَّهَا إِذَا طُوِيَتْ تُكَوَّر شَمْسُهَا وَقَمَرُهَا وَسَائِرُ نُجُومِهَا وَتَصِير تَارَة كَالْمُهْلِ وَتَارَة كَالدِّهَانِ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْبَعْث \" مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ عَنْ مُرَّة عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : السَّمَاء تَكُون أَلْوَانًا كَالْمُهْلِ وَكَالدِّهَانِ وَوَاهِيَةً وَتَشَقَّقُ فَتَكُون حَالًا بَعْد حَال وَجَمَعَ بَعْضهمْ بِأَنَّهَا تَنْشَقُّ أَوَّلًا فَتَصِيرُ كَالْوَرْدَةِ وَكَالدِّهَانِ وَوَاهِيَة وَكَالْمُهْلِ وَتُكَوَّر الشَّمْس وَالْقَمَر وَسَائِر النُّجُوم ثُمَّ تُطْوَى السَّمَاوَات وَتُضَاف إِلَى الْجِنَانِ وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" التَّذْكِرَة \" عَنْ أَبِي الْحَسَن بْن حَيْدَرَةَ صَاحِبِ \" الْإِفْصَاحِ \" أَنَّهُ جَمَعَ بَيْن هَذِهِ الْأَخْبَار بِأَنَّ تَبْدِيل السَّمَاوَات وَالْأَرْض يَقَع مَرَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا تُبَدَّلُ صِفَاتُهُمَا فَقَطْ وَذَلِكَ عِنْد النَّفْخَة الْأُولَى فَتُنْثَرُ الْكَوَاكِبُ وَتُخْسَفُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَتَصِيرُ السَّمَاءُ كَالْمُهْمَلِ وَتُكْشَط عَنْ الرُّءُوس وَتَسِير الْجِبَال وَتَمُوج الْأَرْض وَتَنْشَقُّ إِلَى أَنْ تَصِير الْهَيْئَة غَيْر الْهَيْئَة ثُمَّ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ تُطْوَى السَّمَاء وَالْأَرْض وَتُبَدَّلُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ إِلَى آخِر كَلَامِهِ فِي ذَلِكَ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6041",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ النَّارُ تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وُهَيْب ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ هُوَ اِبْن خَالِد ‏ ‏وَابْن طَاوُسٍ ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى ثَلَاث طَرَائِقَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ \" ثَلَاثَة وَالطَّرَائِق جَمْع طَرِيق وَهِيَ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ \". ‏ ‏قَوْله ( رَاغِبِينَ وَرَاهِبِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" رَاهِبِينَ \" بِغَيْرِ وَاوٍ وَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَهِيَ الطَّرِيقَةُ الْأُولَى. ‏ ‏قَوْله ( وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ ثَلَاثَةُ عَلَى بَعِيرٍ أَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ عَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالْوَاوِ فِي الْأَوَّل فَقَطْ وَفِي رِوَايَة مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ بِالْوَاوِ فِي الْجَمِيعِ وَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَهِيَ الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ. ‏ ‏قَوْله ( وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ النَّارُ ) ‏ ‏هَذِهِ هِيَ النَّارُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيث حُذَيْفَةَ بْن أَسِيدٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَعِنْد مُسْلِمٍ فِي حَدِيثٍ فِيهِ ذِكْرُ الْآيَاتِ الْكَائِنَةِ قَبْلَ قِيَام السَّاعَة كَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا فَفِيهِ \" وَآخِر ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُج مِنْ قَعْر عَدَن تُرَحِّلُ النَّاسَ \" وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ \" تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى حَشْرِهِمْ \". ‏ ‏قَوْله ( تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا إِلَخْ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مُلَازَمَةِ النَّارِ لَهُمْ إِلَى أَنْ يَصِلُوا إِلَى مَكَان الْحَشْر. وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا الْحَشْر يَكُون قَبْل قِيَام السَّاعَة تُحْشَر النَّاسَ أَحْيَاءً إِلَى الشَّام. وَأَمَّا الْحَشْر مِنْ الْقُبُور إِلَى الْمَوْقِف فَهُوَ عَلَى خِلَاف هَذِهِ الصُّورَة مِنْ الرُّكُوب عَلَى الْإِبِل وَالتَّعَاقُبِ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْبَاب \" حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً \" قَالَ : وَقَوْله \" وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ إِلَخْ \" يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَعْتَقِبُونَ الْبَعِيرَ الْوَاحِدَ يَرْكَبُ بَعْضٌ وَيَمْشِي بَعْضٌ. قُلْت : وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْخَمْسَةَ وَالسِّتَّةَ إِلَى الْعَشَرَةِ إِيجَازًا وَاكْتِفَاءً بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَعْدَادِ مَعَ أَنَّ الِاعْتِقَابَ لَيْسَ مَجْزُومًا بِهِ وَلَا مَانِعَ أَنْ يَجْعَل اللَّهُ فِي الْبَعِيرِ مَا يَقْوَى بِهِ عَلَى حَمْلِ الْعَشَرَةِ وَمَالَ الْحَلِيمِيّ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَشْرَ يَكُونُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْقُبُورِ وَجَزَمَ بِهِ الْغَزَالِيُّ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : ظَاهِر حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة يُخَالِف حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور بَعْد أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ حُفَاة عُرَاة مُشَاة قَالَ : وَيُجْمَع بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْحَشْر يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ النَّشْرِ لِاتِّصَالِهِ بِهِ وَهُوَ إِخْرَاجُ الْخَلْقِ مِنْ الْقُبُورِ حُفَاةً عُرَاةً فَيُسَاقُونَ وَيُجْمَعُونَ إِلَى الْمَوْقِف لِلْحِسَابِ فَحِينَئِذٍ يُحْشَر الْمُتَّقُونَ رُكْبَانًا عَلَى الْإِبِل وَجَمَعَ غَيْره بِأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الْقُبُورِ بِالْوَصْفِ الَّذِي فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس ثُمَّ يَفْتَرِقُ حَالُهُمْ مِنْ ثَمَّ إِلَى الْمَوْقِف عَلَى مَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرٍّ \" حَدَّثَنِي الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ أَنَّ النَّاس يُحْشَرُونَ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى ثَلَاثَة أَفْوَاجٍ : فَوْج طَاعِمِينِ كَاسِينَ رَاكِبِينَ : وَفَوْج يَمْشُونَ وَفَوْج تَسْحَبُهُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ \" الْحَدِيثَ وَصَوَّبَ عِيَاضٌ مَا ذَهَب إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ وَقَوَّاهُ بِحَدِيثِ حُذَيْفَة بْن أَسِيدٍ وَبِقَوْلِهِ فِي آخِر حَدِيث الْبَاب \" تَقِيل مَعَهُمْ وَتَبِيت وَتُصْبِحُ وَتُمْسِي \" فَإِنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ مُخْتَصَّةٌ بِالدُّنْيَا. وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ \" الْمَصَابِيح \" : حَمْلُهُ عَلَى الْحَشْرِ مِنْ الْقُبُورِ أَقْوَى مِنْ أَوْجُهٍ : ‏ ‏أَحَدهَا أَنَّ الْحَشْر إِذَا أُطْلِقَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ إِنَّمَا يُرَاد بِهِ الْحَشْرُ مِنْ الْقُبُورِ مَا لَمْ يَخُصَّهُ دَلِيلٌ ‏ ‏ثَانِيهَا أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ الْمَذْكُورَ فِي الْخَبَرِ لَا يَسْتَقِيمُ فِي الْحَشْرِ إِلَى أَرْضِ الشَّام لِأَنَّ الْمُهَاجِرَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُون رَاغِبًا أَوْ رَاهِبًا أَوْ جَامِعًا بَيْن الصِّفَتَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يَكُون رَاغِبًا رَاهِبًا فَقَطْ وَتَكُون هَذِهِ طَرِيقَةً وَاحِدَةً لَا ثَانِيَ لَهَا مِنْ جِنْسِهَا فَلَا ‏ ‏ثَالِثهَا حَشْر الْبَقِيَّة عَلَى مَا ذُكِرَ وَإِلْجَاء النَّار لَهُمْ إِلَى تِلْكَ الْجِهَةِ وَمُلَازَمَتُهَا حَتَّى لَا تُفَارِقهُمْ قَوْلٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ التَّوْقِيفُ وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَحْكُم بِتَسْلِيطِ النَّارِ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَهْلِ الشَّنْوَة مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ ‏ ‏رَابِعهَا أَنَّ الْحَدِيث يُفَسِّر بَعْضُهُ بَعْضًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْحِسَان مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ أَوْس بْن أَبِي أَوْس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" ثَلَاثًا عَلَى الدَّوَابِّ وَثَلَاثًا يَنْسِلُونَ عَلَى أَقْدَامهمْ وَثَلَاثًا عَلَى وُجُوههمْ \" قَالَ : وَنَرَى أَنَّ هَذَا التَّقْسِيم الَّذِي وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث نَظِير التَّقْسِيم الَّذِي وَقَعَ فِي تَفْسِير الْوَاقِعَة فِي قَوْله تَعَالَى ( وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَة ) الْآيَات فَقَوْله فِي الْحَدِيث \" رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ \" يُرِيد بِهِ عَوَامَّ الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ مَنْ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا فَيَتَرَدَّدُونَ بَيْن الْخَوْف وَالرَّجَاء يَخَافُونَ عَاقِبَة سَيِّئَاتِهِمْ وَيَرْجُونَ رَحْمَة اللَّه بِإِيمَانِهِمْ وَهَؤُلَاءِ أَصْحَاب الْمَيْمَنَة وَقَوْله \" وَاثْنَانِ عَلَى بَعِير إِلَخْ \" السَّابِقِينَ وَهُمْ أَفَاضِل الْمُؤْمِنِينَ يُحْشَرُونَ رُكْبَانًا. وَقَوْله \" وَتَحْشُر بَقِيَّتَهُمْ النَّار \" بِهِ أَصْحَاب الْمَشْأَمَة وَرُكُوب السَّابِقِينَ فِي الْحَدِيث يَحْتَمِل الْحَمْل دَفْعَة وَاحِدَة تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْبَعِير الْمَذْكُور يَكُون مِنْ بَدَائِع فِطْرَة اللَّه تَعَالَى حَتَّى يَقْوَى عَلَى مَا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ غَيْره مِنْ الْبُعْرَان وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ التَّعَاقُب قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنْ الْوَاحِد إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ يَكُون لِمَنْ فَوْقهمْ فِي الْمَرْتَبَة كَالْأَنْبِيَاءِ لِيَقَع الِامْتِيَاز بَيْن النَّبِيّ وَمَنْ دُونه مِنْ السَّابِقِينَ فِي الْمَرَاكِب كَمَا وَقَعَ فِي الْمَرَاتِب. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ وَرَجَّحَ مَا ذَهَب إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ وَأَجَابَ عَنْ الْأَوَّل بِأَنَّ الدَّلِيل ثَابِت فَقَدْ وَرَدَ فِي عِدَّة أَحَادِيث وُقُوع الْحَشْر فِي الدُّنْيَا إِلَى جِهَة الشَّام وَذَكَرَ حَدِيث حُذَيْفَة بْن أَسِيد الَّذِي نَبَّهْت عَلَيْهِ قَبْل وَحَدِيث مُعَاوِيَة بْن حَيْدَة جَدّ بَهْزِ بْن حَكِيم رَفَعَهُ \" إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ وَنَحَا بِيَدِهِ نَحْو الشَّام رِجَالًا وَرُكْبَانًا وَتَجُرُونَ عَلَى وُجُوهكُمْ \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَسَنَده قَوِيّ وَحَدِيث \" سَتَكُونُ هِجْرَة بَعْد هِجْرَة وَتَنْحَاز النَّاس إِلَى مَهَاجِر إِبْرَاهِيم وَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْض إِلَّا شِرَارهَا تَلْفِظهُمْ أَرْضُوهُمْ وَتَحْشُرهُمْ النَّار مَعَ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا وَتَقِيل مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَسَنَده لَا بَأْس بِهِ وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ النُّعْمَان بْن الْمُنْذِر عَنْ وَهْب بْن مُنَبَّه قَالَ : قَالَ اللَّه تَعَالَى لِصَخْرَةِ بَيْت الْمَقْدِسِ لَأَضَعَنَّ عَلَيْك عَرْشِي وَلَأَحْشُرَنَّ عَلَيْك خَلْقِي. وَفِي تَفْسِير اِبْن عُيَيْنَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : مَنْ شَكّ أَنَّ الْمَحْشَر هَهُنَا يَعْنِي الشَّام فَلْيَقْرَأ أَوَّل سُورَة الْحَشْر قَالَ لَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ اُخْرُجُوا قَالُوا إِلَى أَيْنَ قَالَ إِلَى أَرْض الْمَحْشَر. وَحَدِيث \" سَتَخْرُجُ نَار مِنْ حَضْرَمَوْت تَحْشُر النَّاس قَالُوا : فَمَا تَأْمُرنَا يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : عَلَيْكُمْ بِالشَّام \" ثُمَّ حَكَى خِلَافًا هَلْ الْمُرَاد بِالنَّارِ نَار عَلَى الْحَقِيقَة أَوْ هُوَ كِنَايَة عَنْ الْفِتْنَة الشَّدِيدَة كَمَا يُقَال نَار الْحَرْب لِشِدَّةِ مَا يَقَع فِي الْحَرْب قَالَ تَعَالَى ( كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّه ) وَعَلَى كُلّ حَال فَلَيْسَ الْمُرَاد بِالنَّارِ لَا هَذِهِ الْأَحَادِيث نَار الْآخِرَة وَلَوْ أُرِيدَ الْمَعْنَى الَّذِي زَعَمَهُ الْمُعْتَرِض لَقِيلَ تَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ إِلَى النَّار وَقَدْ أَضَافَ الْحَشْر إِلَى النَّار لَكَوْنِهَا هِيَ الَّتِي تَحْشُرُهُمْ وَتَخْتَطِف مَنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد عِنْد أَحْمَد وَغَيْره ; وَعَلَى تَقْدِير أَنَّ تَكُون النَّار كِنَايَة عَلَى الْفِتْنَة فَنِسْبَة الْحَشْر إِلَيْهَا سَبَبِيَّة كَأَنَّهَا تَفْشُو فِي كُلّ جِهَة وَتَكُون فِي جِهَة الشَّام أَخَفّ مِنْهَا فِي غَيْرهَا فَكُلّ مَنْ عَرَفَ اِزْدِيَادهَا فِي الْجِهَة الَّتِي هُوَ فِيهَا أَحَبَّ التَّحَوُّل مِنْهَا إِلَى الْمَكَان الَّذِي لَيْسَتْ فِيهِ شَدِيدَة فَتَتَوَفَّر الدَّوَاعِي عَلَى الرَّحِيل إِلَى الشَّام وَلَا يَمْتَنِع اِجْتِمَاع الْأَمْرَيْنِ وَإِطْلَاق النَّار عَلَى الْحَقِيقَة الَّتِي تَخْرُج مِنْ قَعْر عَدَن وَعَلَى الْمَجَازِيَّة وَهِيَ الْفِتْنَة إِذْ لَا تَنَافِي بَيْنهمَا وَيُؤَيِّد الْحَمْل عَلَى الْحَقِيقَة ظَاهِر الْحَدِيث الْأَخِير وَالْجَوَاب عَنْ الِاعْتِرَاض الثَّانِي أَنَّ التَّقْسِيم الْمَذْكُور فِي آيَات سُورَة الْوَاقِعَة لَا يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون هُوَ التَّقْسِيم الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث فَإِنَّ الَّذِي فِي الْحَدِيث وَرَدَ عَلَى الْقَصْد مِنْ الْخَلَاص مِنْ الْفِتْنَة فَمَنْ اِغْتَنَمَ الْفُرْصَة سَارَ عَلَى فُسْحَة مِنْ الظَّهْر وَيَسَرَة فِي الزَّاد رَاغِبًا فِيمَا يَسْتَقْبِلهُ رَاهِبًا فِيمَا يَسْتَدْبِرهُ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الصِّنْف الْأَوَّل فِي الْحَدِيث وَمَنْ تَوَانِي حَتَّى قَلَّ الظَّهْر وَضَاقَ عَنْ أَنْ يَسْعَهُمْ لِرُكُوبِهِمْ اِشْتَرَكُوا وَرَكِبُوا عَقِبَهُ فَيَحْصُل اِشْتَرَاك الِاثْنَيْنِ فِي الْبَعِير الْوَاحِد وَكَذَا الثَّلَاثَة وَيُمْكِنهُمْ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَأَمَّا الْأَرْبَعَة فِي الْوَاحِد فَالظَّاهِر مِنْ حَالهمْ التَّعَاقُب وَقَدْ يُمْكِنهُمْ إِذَا كَانُوا خِفَافًا أَوْ أَطْفَالًا وَأَمَّا الْعَشَرَة فَبِالتَّعَاقُبِ وَسَكَتَ عَمَّا فَوْقهَا إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا الْمُنْتَهَى فِي ذَلِكَ وَعَمَّا بَيْنهَا وَبَيْن الْأَرْبَعَة إِيجَازًا وَاخْتِصَارًا وَهَؤُلَاءِ هُمْ الصِّنْف الثَّانِي فِي الْحَدِيث وَأَمَّا الصِّنْف الثَّالِث فَعَبِّرْ عَنْهُ بِقَوْلِهِ \" تَحْشُر بَقِيَّتَهُمْ النَّار \" إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمْ عَجَزُوا عَنْ تَحْصِيل مَا يَرْكَبُونَهُ وَلَمْ يَقَع فِي الْحَدِيث بَيَان حَالهمْ بَلْ يَحْتَمِل أَنَّهُمْ يَمْشُونَ أَوْ يُسْحَبُونَ فِرَارًا مِنْ النَّار الَّتِي تَحْشُرُهُمْ وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي آخِر حَدِيث أَبِي ذَرّ الَّذِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي كَلَام الْمُعْتَرِض وَفِيهِ أَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ السَّبَب فِي مَشْي الْمَذْكُورِينَ فَقَالَ \" يُبْقِي اللَّه الْآفَة عَلَى الظَّهْر حَتَّى لَا يُلْقِي ذَات ظَهْر حَتَّى إِنَّ الرَّجُل لِيُعْطَى الْحَدِيقَة الْمُعْجَبَة بِالشَّارِفِ ذَات الْقَتَب \" أَيْ يَشْتَرِي النَّاقَة الْمُسِنّ لِأَجْلِ كَوْنِهَا تَحْمِلهُ عَلَى الْقَتَب بِالْبُسْتَانِ الْكَرِيم لِهَوَانِ الْعَقَار الَّذِي عَزَمَ عَلَى الرَّحِيل عَنْهُ وَعِزَّة الظَّهْر الَّذِي يُوصِلهُ إِلَى مَقْصُوده وَهَذَا لَائِق بِأَحْوَالِ الدُّنْيَا وَمُؤَكِّد لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ وَيَتَنَزَّل عَلَى وَفْقَ حَدِيث الْبَاب يَعْنِي مِنْ \" الْمَصَابِيح \" وَهُوَ أَنَّ قَوْله \" فَوْج طَاعِمِينِ كَاسِينَ رَاكِبِينَ \" مُوَافِق لِقَوْلِهِ \" رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ \" وَقَوْله \" وَفَوْج يَمْشُونَ \" مُوَافِق لِلصِّنْفِ الَّذِينَ يَتَعَاقَبُونَ عَلَى الْبَعِير فَإِنَّ صِفَة الْمَشْي لَازِمَة لَهُمْ وَأَمَّا الصِّنْف الَّذِينَ تَحْشُرهُمْ النَّار فَهُمْ الَّذِينَ تَسْحَبهُمْ الْمَلَائِكَة. وَالْجَوَاب عَنْ الِاعْتِرَاض الثَّالِث أَنَّهُ تَبَيَّنَ مِنْ شَوَاهِد الْحَدِيث أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَاد بِالنَّارِ نَار الْآخِرَة وَإِنَّمَا هِيَ نَار تَخْرُج فِي الدُّنْيَا أَنْذَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُرُوجِهَا وَذَكَرَ كَيْفِيَّة مَا تَفْعَل فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة. وَالْجَوَاب عَنْ الِاعْتِرَاض الرَّابِع أَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد مَعَ ضَعْفه لَا يُخَالِف حَدِيث الْبَاب لِأَنَّهُ مُوَافِق لِحَدِيثِ أَبِي ذَرّ فِي لَفْظه وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي الدُّنْيَا لَا بَعْد الْبَعْث فِي الْحَشْر إِلَى الْمَوْقِف إِذْ لَا حَدِيقَة هُنَاكَ وَلَا آفَة تُلْقَى عَلَى الظَّهْر حَتَّى يَعِزّ وَيَقِلَّ وَقَعَ فِي حَدِيث عَلِيّ بْن زَيْد الْمَذْكُور عِنْد أَحْمَد أَنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلّ حَدَب وَشَوْك وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ أَرْض الْمَوْقِف أَرْض مُسْتَوِيَة لَا عِوَج فِيهَا وَلَا أَكَمَة وَلَا حَدَب وَلَا شَوْك وَأَشَارَ الطِّيبِيّ إِلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَل الْحَدِيث الَّذِي مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد عَلَى مَنْ يُحْشَر مِنْ الْمَوْقِف إِلَى مَكَان الِاسْتِقْرَار مِنْ الْجَنَّة أَوْ النَّار وَيَكُون الْمُرَاد بِالرُّكْبَانِ السَّابِقِينَ الْمُتَّقِينَ وَهُمْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( يَوْم نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ) أَيْ رُكْبَانًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة مَرْيَم وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيّ عَنْ عَلِيّ فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ : أَمَا وَاَللَّه مَا يُحْشَر الْوَفْد عَلَى أَرْجُلهمْ وَلَا يُسَاقُونَ سَوْقًا وَلَكِنْ يُؤْتَوْنَ بِنُوق لَمْ تَرَ الْخَلَائِقُ مِثْلَهَا عَلَيْهَا رِحَال الذَّهَب وَأَزِمَّتهَا الزَّبَرْجَد فَيَرْكَبُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَضْرِبُوا أَبْوَاب الْجَنَّة وَالْمُرَاد سَوْق رَكَائِبهمْ إِسْرَاعًا بِهِمْ إِلَى دَار الْكَرَامَة كَمَا يُفْعَل فِي الْعَادَة بِمَنْ يَشْرُف وَيَكْرُم مِنْ الْوَافِدِينَ عَلَى الْمُلُوك. قَالَ : وَيُسْتَبْعَد أَنْ يُقَال يَجِيء وَفْد اللَّه عَشْر عَلَى بَعِير جَمِيعًا أَوْ مُتَعَاقِبِينَ وَعَلَى هَذَا فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَة حَال الْمَحْشُورِينَ عِنْد اِنْقِرَاض الدُّنْيَا إِلَى جِهَة أَرْض الْمَحْشَر وَهُمْ ثَلَاثَة أَصْنَاف وَحَال الْمَحْشُورِينَ فِي الْأُخْرَى إِلَى مَحِلّ الِاسْتِقْرَار اِنْتَهَى كَلَام الطَّيِّبِي عَنْ جَوَاب الْمُعْتَرِض مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا بِزِيَادَاتٍ فِيهِ لَكِنْ تَقَدَّمَ مِمَّا قَرَّرْته أَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد لَيْسَ فِي الْمَحْشُورِينَ مِنْ الْمَوْقِف إِلَى مَحِلّ الِاسْتِقْرَار. ثُمَّ خَتَمَ كَلَامه بِأَنْ قَالَ : هَذَا مَا سَنَحَ لِي عَلَى سَبِيل الِاجْتِهَاد ثُمَّ رَأَيْت فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ فِي \" بَاب الْمَحْشَر : يُحْشَرُ النَّاس يَوْم الْقِيَامَة عَلَى ثَلَاث طَرَائِق \" فَعَلِمْت مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي ذَهَب إِلَيْهِ الْإِمَام التُّورْبَشْتِيّ هُوَ الْحَقّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ. قُلْت : وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ طُرُق الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَلَى لَفْظ يَوْم الْقِيَامَة لَا فِي صَحِيحه وَلَا فِي غَيْره وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْرهمَا لَيْسَ فِيهِ يَوْم الْقِيَامَة نَعَمْ ثَبَتَ لَفْظ يَوْم الْقِيَامَة فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ الْمُنَبَّه عَلَيْهِ قَبْلُ وَهُوَ مُؤَوَّل بِأَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ أَنَّ يَوْم الْقِيَامَة يَعْقُبُ ذَلِكَ فَيَكُون مِنْ مَجَاز الْمُجَاوَرَة وَيَتَعَيَّن ذَلِكَ لِمَا وَقَعَ فِيهِ أَنَّ الظَّهْر يَقِلُّ لِمَا يُلْقَى عَلَيْهِ مِنْ الْآفَة وَأَنَّ الرَّجُل يَشْتَرِي الشَّارِف الْوَاحِد بِالْحَدِيقَةِ الْمُعْجَبَة فَإِنَّ ذَلِكَ ظَاهِر جِدًّا فِي أَنَّهُ مِنْ أَحْوَال الدُّنْيَا لَا بَعْد الْمَبْعَث. وَقَدْ أَبْدَى الْبَيْهَقِيّ فِي حَدِيث الْبَاب اِحْتِمَالَيْنِ فَقَالَ : قَوْله \" رَاغِبِينَ \" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِشَارَة إِلَى الْأَبْرَار وَقَوْله \" رَاهِبِينَ \" إِشَارَة إِلَى الْمُخَلَّطِينَ الَّذِينَ هُمْ بَيْن الْخَوْف وَالرَّجَاء وَاَلَّذِينَ تَحْشُرُهُمْ النَّار هُمْ الْكُفَّار. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ حَذَفَ ذِكْرَ قَوْله \" وَاثْنَانِ عَلَى بَعِير إِلَخْ \". وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّغْبَة وَالرَّهْبَة صِفَتَانِ لِلصِّنْفَيْنِ الْأَبْرَار وَالْمُخَلَّطِينَ وَكِلَاهُمَا يُحْشَر اثْنَانِ عَلَى بَعِير إِلَخْ قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي وَقْت حَشْرِهِمْ إِلَى الْجَنَّة بَعْد الْفَرَاغ. ثُمَّ قَالَ بَعْد إِيرَاد حَدِيث أَبِي ذَرّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْفَوْجِ الْأَوَّل الْأَبْرَار وَبِالْفَوْجِ الثَّانِي الَّذِينَ خَلَّطُوا فَيَكُونُونَ مُشَاة وَالْأَبْرَار رُكْبَانًا وَقَدْ يَكُون بَعْض الْكُفَّار أَعْيَا مِنْ بَعْض فَأُولَئِكَ يُسْحَبُونَ عَلَى وُجُوههمْ وَمَنْ دُونهمْ يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ مَعَ مَنْ شَاءَ اللَّه مِنْ الْفُسَّاق وَقْت حَشْرهمْ إِلَى الْمَوْقِف وَأَمَّا الظَّهْر فَلَعَلَّ الْمُرَاد بِهِ مَا يُحْيِهِ اللَّه بَعْد الْمَوْت مِنْ الدَّوَابّ فَيَرْكَبهَا الْأَبْرَار وَمَنْ شَاءَ اللَّه وَيَلْقَى اللَّه الْآفَة عَلَى بَقِيَّتِهَا حَتَّى يَبْقَى جَمَاعَة مِنْ الْمُخَلَّطِينَ بِلَا ظَهْر. قُلْت : وَلَا يَخْفَى ضَعْف هَذَا التَّأْوِيل مَعَ قَوْله فِي بَقِيَّة الْحَدِيث \" حَتَّى إِنَّ الرَّجُل لِيُعْطِيَ الْحَدِيقَة الْمُعْجَبَة بِالشَّارِفِ \" وَمِنْ أَيْنَ يَكُون لِلَّذِينَ يُبْعَثُونَ بَعْد الْمَوْت عُرَاة حُفَاة حَدَائِق حَتَّى يَدْفَعُوهَا فِي الشَّوَارِفِ ؟ فَالرَّاجِح مَا تَقَدَّمَ. وَكَذَا يَبْعُدُ غَايَة الْبُعْد أَنْ يَحْتَاج مَنْ يُسَاق مِنْ الْمَوْقِف إِلَى الْجَنَّة إِلَى التَّعَاقُب عَلَى الْأَبْعِرَة فَرَجَحَ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُون قَبْل الْمَبْعَث وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6042",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ قَالَ ‏ ‏أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏وَيُونُس ‏ ‏هُوَ الْمُؤَدِّب ‏ ‏وَشَيْبَان ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهه ) ‏ ‏كَأَنَّهُ اِسْتِفْهَامٌ حُذِفَ أَدَاته وَوَقَعَ فِي عِدَّةِ نُسَخٍ \" كَيْف يُحْشَرُ \" وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسْلِم وَغَيْره وَالْكَافِرُ اِسْمُ جِنْسٍ يَشْمَل الْجَمِيع وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى ( الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ ) الْآيَةَ وَقَوْله تَعَالَى ( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا ) الْآيَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير أَنَّ الْحَاكِم أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ \" كَيْف يُحْشَرُ أَهْلُ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ \". ‏ ‏قَوْله ( أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ إِلَخْ ) ‏ ‏ظَاهِر فِي أَنَّ الْمُرَاد بِالْمَشْيِ حَقِيقَته فَلِذَلِكَ اِسْتَغْرَبُوهُ حَتَّى سَأَلُوا عَنْ كَيْفِيَّتِهِ وَزَعَمَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ مَثَلٌ وَأَنَّهُ كَقَوْلِهِ ( أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا ) قَالَ مُجَاهِد : هَذَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ قُلْت : وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ لِهَذِهِ الْآيَةِ بِهَذَا أَنْ يُفَسَّر بِهِ الْآيَةُ الْأُخْرَى فَالْجَوَاب الصَّادِرُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَاهِرٌ فِي تَقْرِيرِ الْمَشْيِ عَلَى حَقِيقَتِهِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ قَتَادَةُ بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور وَالْحِكْمَة فِي حَشْر الْكَافِر عَلَى وَجْهه أَنَّهُ عُوقِبَ عَلَى عَدَمِ السُّجُودِ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يُسْحَبَ عَلَى وَجْهه فِي الْقِيَامَةِ إِظْهَارًا لِهَوَانِهِ بِحَيْثُ صَارَ وَجْهُهُ مَكَانَ يَدِهِ وَرِجْله فِي التَّوَقِّي عَنْ الْمُؤْذِيَاتِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6043",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرْلًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏هَذَا مِمَّا نَعُدُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ",
        "sharh": "الْحَدِيث ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. ‏ ‏قَوْله ( عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيِّ ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ سُفْيَان وَحَاكِي ذَلِكَ عَنْهُ هُوَ عَلِيٌّ وَكَانَ سُفْيَانُ كَثِيرًا مَا يَحْذِف الصِّيغَة فَيَقْتَصِر عَلَى اِسْم الرَّاوِي وَوَقَعَ فِي رِوَايَة صَدَقَةَ الَّتِي بَعْدهَا عَنْ عَمْرٍو وَكَذَا لِمُسْلِمٍ عَنْ قُتَيْبَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ سُفْيَانَ , وَعَمْرٌو هُوَ اِبْنُ دِينَارٍ. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ قُتَيْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ \" يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ \" وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِهِ لِرَاوِيَةِ قُتَيْبَةَ بَعْدَ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللَّه ) ‏ ‏أَيْ فِي الْمَوْقِف بَعْدَ الْبَعْثِ. ‏ ‏قَوْله ( حُفَاةً ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْفَاء جَمْع حَافٍ أَيْ بِلَا خُفّ وَلَا نَعْل وَقَوْله \" مُشَاة \" لَمْ أَرَ فِي رِوَايَة قُتَيْبَة هُنَا \" مُشَاة \" وَثَبَتَ فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْهُ وَعَنْ غَيْره وَلَيْسَ عِنْده عَنْهُمْ قَوْله \" عَلَى الْمِنْبَرِ \". ‏ ‏قَوْله فِي آخِر رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ ( قَالَ سُفْيَان إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول كَاَلَّذِي قَبْله وَلَمْ يُصِبْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُعَلَّق عَنْ سُفْيَان. ‏ ‏قَوْله ( هَذَا مِمَّا نَعُدّ أَنَّ اِبْن عَبَّاس سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ اِبْن عَبَّاس مِنْ صِغَار الصَّحَابَة وَهُوَ مِنْ الْمُكْثِرِينَ لَكِنَّهُ كَانَ كَثِيرًا مَا يُرْسِل مَا يَسْمَعهُ مِنْ أَكَابِر الصَّحَابَة وَلَا يَذْكُر الْوَاسِطَة وَتَارَة يَذْكُرهُ بِاسْمِهِ وَتَارَة مُبْهَمًا كَقَوْلِهِ فِي أَوْقَات الْكَرَاهَة \" حَدَّثَنِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ أَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ \" فَأَمَّا مَا صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ لَهُ فَقَلِيلٌ وَلِهَذَا كَانُوا يَعْتَنُونَ بَعْده فَجَاءَ عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر غُنْدَرٍ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي صَرَّحَ اِبْن عَبَّاس بِسَمَاعِهَا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَةٌ وَعَنْ يَحْيَى بْن مَعِين وَأَبِي دَاوُدَ صَاحِب السُّنَن تِسْعَةٌ وَأَغْرَبَ الْغَزَالِيُّ فِي \" الْمُسْتَصْفَى \" وَقَلَّدَهُ جَمَاعَة مِمَّنْ تَأَخَّرُوا عَنْهُ فَقَالَ : لَمْ يَسْمَع اِبْنُ عَبَّاسٍ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا : سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ الْعِشْرِينَ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ. قُلْت : وَقَدْ اِعْتَنَيْت بِجَمْعِهَا فَزَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ مَا بَيْنَ صَحِيحٍ وَحُسْنٍ خَارِجًا عَنْ الضَّعِيفِ وَزَائِدًا أَيْضًا عَلَى مَا هُوَ فِي حُكْمِ السَّمَاعِ كَحِكَايَتِهِ حُضُورَ شَيْءٍ فُعِلَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَأَنَّ الْغَزَالِيَّ اِلْتَبَسَ عَلَيْهِ مَا قَالُوا إِنَّ أَبَا الْعَالِيَة سَمِعَهُ مِنْ اِبْن عَبَّاسٍ وَقِيلَ خَمْسَة وَقِيلَ أَرْبَعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6044",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ ‏ ‏إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6045",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ‏ { ‏كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ‏} ‏الْآيَةَ وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ ‏ { ‏وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏الْحَكِيمُ ‏} ‏قَالَ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( قَامَ فِينَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ) ‏ ‏وَقَعَ لِمُسْلِمٍ بَدَلَ قَوْلِهِ يَخْطُب \" بِمَوْعِظَةٍ \" أَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ وَمُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى قَالَ وَاللَّفْظ لِابْنِ الْمُثَنَّى قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور هُنَا وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ إِنَّكُمْ ) ‏ ‏زَادَ اِبْنُ الْمُثَنَّى \" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ \". ‏ ‏قَوْله ( تُحْشَرُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَحْشُورُونَ \" وَهِيَ رِوَايَةُ اِبْنِ الْمُثَنَّى. ‏ ‏قَوْله ( حُفَاة ) ‏ ‏لَمْ يَقَعْ فِيهِ أَيْضًا \" مُشَاة \". ‏ ‏قَوْله ( عُرَاة ) ‏ ‏قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْت دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا وَقَالَ \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : إِنَّ الْمَيِّت يُبْعَث فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا \" وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ بَعْضَهُمْ يُحْشَرُ عَارِيًا وَبَعْضَهُمْ كَاسِيًا أَوْ يُحْشَرُونَ كُلُّهُمْ عُرَاةً ثُمَّ يُكْسَى الْأَنْبِيَاءُ فَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَوْ يَخْرُجُونَ مِنْ الْقُبُور بِالثِّيَابِ الَّتِي مَاتُوا فِيهَا ثُمَّ تَتَنَاثَرُ عَنْهُمْ عِنْد اِبْتِدَاءِ الْحَشْرِ فَيُحْشَرُونَ عُرَاة ثُمَّ يَكُون أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمَ وَحَمَلَ بَعْضهمْ حَدِيث أَبِي سَعِيد عَلَى الشُّهَدَاء لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ أَمَرَ أَنْ يُزَمَّلُوا فِي ثِيَابِهِمْ وَيُدْفَنُوا فِيهَا فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبُو سَعِيد سَمِعَهُ فِي الشَّهِيد فَحَمَلَهُ عَلَى الْعُمُوم وَمِمَّنْ حَمَلَهُ عَلَى عُمُومه مُعَاذ بْن جَبَلٍ فَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَمْرو بْن الْأَسْوَد قَالَ \" دَفَنَّا أُمَّ مُعَاذ بْن جَبَل فَأَمَرَ بِهَا فَكُفِّنَتْ فِي ثِيَابٍ جُدُدٍ وَقَالَ : أَحْسِنُوا أَكْفَانَ مَوْتَاكُمْ فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ فِيهَا \" قَالَ وَحَمَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْعَمَلِ وَإِطْلَاق الثِّيَاب عَلَى الْعَمَلِ وَقَعَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ) وَقَوْله تَعَالَى ( وَثِيَابَك فَطَهِّرْ ) عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ قَالَ : مَعْنَاهُ وَعَمَلَك فَأَخْلِصْهُ وَيُؤَكِّد ذَلِكَ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ \" يُبْعَث كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَحَدِيث فَضَالَة بْن عُبَيْد \" مَنْ مَاتَ عَلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِب بُعِثَ عَلَيْهَا يَوْم الْقِيَامَة \" الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَرَجَّحَ الْقُرْطُبِيُّ الْحَمْلَ عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) وَقَوْله تَعَالَى ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة فِي حَدِيث الْبَاب بِذِكْرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ) عَقِبَ قَوْله \" حُفَاة عُرَاة \" قَالَ : فَيُحْمَلُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي سَعِيد عَلَى الشُّهَدَاء لِأَنَّهُمْ يُدْفَنُونَ بِثِيَابِهِمْ فَيُبْعَثُونَ فِيهَا تَمْيِيزًا لَهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ وَقَدْ نَقَلَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ أَكْثَر الْعُلَمَاء وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرُ إِنَّ الْمَلَابِسَ فِي الدُّنْيَا أَمْوَالٌ وَلَا مَالَ فِي الْآخِرَةِ مِمَّا كَانَ فِي الدُّنْيَا وَلِأَنَّ الَّذِي يَقِي النَّفْسَ مِمَّا تَكْرَهُ فِي الْآخِرَةِ ثَوَاب بِحُسْنِ عَمَلهَا أَوْ رَحْمَةٌ مُبْتَدَأَةٌ مِنْ اللَّه وَأَمَّا مَلَابِس الدُّنْيَا فَلَا تُغْنِي عَنْهَا شَيْئًا قَالَهُ الْحَلِيمِيّ. وَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ إِلَى ظَاهِر حَدِيثِ أَبِي سَعِيد وَأَوْرَدَهُ بِزِيَادَةٍ لَمْ أَجِدْ لَهَا أَصْلًا وَهِيَ : فَإِنَّ أُمَّتِي تُحْشَر فِي أَكْفَانِهَا وَسَائِر الْأُمَم عُرَاة. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى الشُّهَدَاءِ مِنْ أُمَّتِهِ حَتَّى لَا تَتَنَاقَضَ الْأَخْبَارُ. ‏ ‏قَوْله ( غُرْلًا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ جَمْع أَغْرَلَ وَهُوَ الْأَقْلَفُ وَزْنه وَمَعْنَاهُ وَهُوَ مَنْ بَقِيَتْ غُرْلَتُهُ وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي يَقْطَعُهَا الْخَاتِنُ مِنْ الذَّكَرِ قَالَ أَبُو هِلَال الْعَسْكَرِيُّ : لَا تَلْتَقِي اللَّامُ مَعَ الرَّاءِ فِي كَلِمَةٍ إِلَّا فِي أَرْبَعٍ : أُرُل اِسْم جَبَلٍ وَوَرَلٌ اِسْمُ حَيَوَانٍ مَعْرُوفٍ وَحَرَل ضَرْبٌ مِنْ الْحِجَارَة وَالْغُرْلَة. وَاسْتُدْرِكَ عَلَيْهِ كَلِمَتَانِ هَرَل وَلَد الزَّوْجَةِ وَبَرَل الدِّيك الَّذِي يَسْتَدِيرُ بِعُنُقِهِ وَالسِّتَّةُ حُوشِيَّةٌ إِلَّا الْغُرْلَة. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ : يُحْشَرُ الْآدَمِيُّ عَارِيًا وَلِكُلٍّ مِنْ الْأَعْضَاءِ مَا كَانَ لَهُ يَوْمَ وُلِدَ فَمَنْ قُطِعَ مِنْهُ شَيْءٌ يُرَدُّ حَتَّى الْأَقْلَفُ. وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ : حَشَفَةُ الْأَقْلَفِ مُوَقَّاةٌ بِالْقُلْفَةِ فَتَكُون أَرَقَّ فَلَمَّا أَزَالُوا تِلْكَ الْقِطْعَةَ فِي الدُّنْيَا أَعَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِيُذِيقَهَا مِنْ حَلَاوَةِ فَضْلِهِ. ‏ ‏قَوْله ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ] الْآيَةَ ‏ ‏سَاقَ اِبْن الْمُثَنَّى الْآيَةَ كُلَّهَا إِلَى قَوْله ( فَاعِلِينَ ) وَمِثْلُهُ ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) وَمِنْهُ ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أُمّ سَلَمَة عِنْد اِبْن أَبِي الدُّنْيَا \" يُحْشَرُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً كَمَا بُدِئُوا \". ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّ أَوَّل الْخَلَائِق يُكْسَى يَوْم الْقُمَامَة إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَعْض الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" شَرْحِ مُسْلِمٍ \" : يَجُوز أَنْ يُرَاد بِالْخَلَائِقِ مَنْ عَدَا نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَدْخُلْ هُوَ فِي عُمُومِ خِطَابِ نَفْسِهِ وَتَعَقَّبَهُ تِلْمِيذه الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا فِي \" التَّذْكِرَةِ \" فَقَالَ : هَذَا حَسَنٌ لَوْلَا مَا جَاءَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُبَارَك فِي الزُّهْد مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث عَنْ عَلِيٍّ قَالَ \" أَوَّل مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَلِيلُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَام قِبْطِيَّتَيْنِ ثُمَّ يُكْسَى مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُلَّةً حِبَرَةً عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ \". قُلْت : كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مَوْقُوفًا وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مُطَوَّلًا مَرْفُوعًا وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن عَبَّاس نَحْو حَدِيث الْبَاب وَزَادَ \" وَأَوَّل مَنْ يُكْسَى مِنْ الْجَنَّة إِبْرَاهِيم يُكْسَى حُلَّة مِنْ الْجَنَّة وَيُؤْتَى بِكُرْسِيٍّ فَيُطْرَح عَنْ يَمِين الْعَرْشِ ثُمَّ يُؤْتَى بِي فَأُكْسَى حُلَّةً مِنْ الْجَنَّة لَا يَقُوم لَهَا الْبَشَر ثُمَّ يُؤْتَى بِكُرْسِيٍّ فَيُطْرَح عَلَى سَاق الْعَرْشِ وَهُوَ عَنْ يَمِين الْعَرْش \" وَفِي مُرْسَل عُبَيْد بْن عُمَيْرٍ عِنْد جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ \" يُحْشَر النَّاس حُفَاة عُرَاة فَيَقُول اللَّه تَعَالَى : أَلَا أَرَى خَلِيلِي عُرْيَانًا ؟ فَيُكْسَى إِبْرَاهِيمُ ثَوْبًا أَبْيَضَ فَهُوَ أَوَّل مَنْ يُكْسَى \" قِيلَ الْحِكْمَةُ فِي كَوْن إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى أَنَّهُ جُرِّدَ حِين أُلْقِيَ فِي النَّار وَقِيلَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ اِسْتَنَّ التَّسَتُّرَ بِالسَّرَاوِيلِ وَقِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ أَخْوَفُ لِلَّهِ مِنْهُ فَعُجِّلَتْ لَهُ الْكِسْوَة أَمَانًا لَهُ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ. وَهَذَا اِخْتِيَارُ الْحَلِيمِيّ وَالْأَوَّل اِخْتِيَارُ الْقُرْطُبِيِّ. قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن مَنْدَهْ مِنْ حَدِيث حَيْدَةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة رَفَعَهُ قَالَ \" أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ اللَّهُ : اُكْسُوَا خَلِيلِي لِيَعْلَمَ النَّاسُ الْيَوْمَ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ وَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَخْصِيصِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام بِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى أَنْ يَكُون أَفْضَلَ مِنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مُطْلَقًا وَقَدْ ظَهَرَ لِي الْآنَ أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا وَالْحُلَّةُ الَّتِي يُكْسَاهَا حِينَئِذٍ مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ خُلْعَةُ الْكَرَامَةِ بِقَرِينَةِ إِجْلَاسِهِ عَلَى الْكُرْسِيِّ عِنْدَ سَاقِ الْعَرْشِ فَتَكُونُ أَوَّلِيَّةُ إِبْرَاهِيمَ فِي الْكِسْوَةِ بِالنِّسْبَةِ لِبَقِيَّةِ الْخَلْقِ. وَأَجَابَ الْحَلِيمِيّ بِأَنَّهُ يُكْسَى أَوَّلًا ثُمَّ يُكْسَى نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ لَكِنَّ حُلَّةَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَى وَأَكْمَلُ فَتَجْبُرُ نَفَاسَتُهَا مَا فَاتَ مِنْ الْأَوَّلِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى جِهَةِ النَّارِ وَوَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي آخِر \" بَابٌ صِفَةُ النَّارِ \" مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن يَسَارٍ عَنْهُ وَلَفْظه \" فَإِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفَتْهُمْ خَرَجَ رَجُل مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ فَقَالَ : هَلُمَّ فَقُلْت : إِلَى أَيْنَ ؟ قَالَ : إِلَى النَّارِ \" الْحَدِيثَ. وَبَيَّنَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَوْضِعَ وَلَفْظُهُ \" لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الْحَوْضَ حَتَّى إِذَا عَرَفْتهمْ اِخْتَلَجُوا دُونِي \" الْحَدِيثَ وَفِي حَدِيث سَهْل \" لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونَنِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ : أَلَا هَلُمَّ \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد \" فَلَأَقُولَنَّ \" وَفِي رِوَايَة أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء \" أُصَيْحَابِي \" بِالتَّصْغِيرِ وَكَذَا هُوَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَؤُلَاءِ. ‏ ‏قَوْله ( فَيَقُولُ اللَّهُ إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدك ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور \" إِنَّهُمْ اِرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ الْقَهْقَرَى \" وَزَادَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا \" فَيَقُول إِنَّك لَا عِلْمَ لَك بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَك فَيُقَال إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدك فَأَقُول سُحْقًا سُحْقًا \" أَيْ بُعْدًا بُعْدًا وَالتَّأْكِيد لِلْمُبَالَغَةِ. وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي \" بَاب صِفَة النَّار \" أَيْضًا \" فَيُقَال إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدك فَأَقُول سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي \" وَزَادَ فِي رِوَايَة عَطَاء بْن يَسَار \" فَلَا أَرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلَّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ \" وَلِأَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرَةَ رَفَعَهُ \" لَيَرِدَنَّ عَلَى الْحَوْضِ رِجَالٌ مِمَّنْ صَحِبَنِي وَرَآنِي \" وَسَنَده حَسَنٌ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاءِ نَحْوُهُ وَزَادَ \" فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ لَا يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ : لَسْت مِنْهُمْ \" وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ : وَكُنْت عَلَيْهِمْ شَهِيدًا - إِلَى قَوْله - الْحَكِيمُ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَفِي رِوَايَة غَيْره زِيَادَةُ مَا دُمْت فِيهِمْ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ فَيُقَال إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَنْ يَزَالُوا \" وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَةِ مَرْيَمَ مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاءِ قَالَ الْفَرَبْرِيّ ذُكِرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيِّ عَنْ قَبِيصَةَ قَالَ : هُمْ الَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْر يَعْنِي حَتَّى قُتِلُوا وَمَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ. وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَبِيصَةَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَمْ يَرْتَدَّ مِنْ الصَّحَابَةِ أَحَدٌ وَإِنَّمَا اِرْتَدَّ قَوْمٌ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ مِمَّنْ لَا نُصْرَةَ لَهُ فِي الدِّينِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ قَدْحًا فِي الصَّحَابَةِ الْمَشْهُورِينَ. وَيَدُلُّ قَوْلُهُ \" أُصَيْحَابِي \" بِالتَّصْغِيرِ عَلَى قِلَّةِ عَدَدِهِمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ : قِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْمُرَادُ بِأُمَّتِي أَمَّةُ الدَّعْوَةِ لَا أَمَّةُ الْإِجَابَةِ. وَرُجِّحَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَأَقُولُ بُعْدًا لَهُمْ وَسُحْقًا \" وَيُؤَيِّدُهُ كَوْنُهُمْ خَفِيَ عَلَيْهِ حَالُهُمْ وَلَوْ كَانُوا مِنْ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ لَعَرَفَ حَالَهُمْ بِكَوْنِ أَعْمَالِهِمْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ. وَهَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيث أَنَس \" حَتَّى إِذَا عَرَفْتهمْ \" وَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. وَقَالَ اِبْن التِّين يَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا مُنَافِقِينَ أَوْ مِنْ مُرْتَكِبِي الْكَبَائِر. وَقِيلَ هُمْ قَوْمٌ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ رَغْبَةً وَرَهْبَةً. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَا يَمْتَنِعُ دُخُولُ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ وَالْبِدَعِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ , قِيلَ هُمْ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُرْتَدُّونَ فَيَجُوزُ أَنْ يُحْشَرُوا بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيل لِكَوْنِهِمْ مِنْ جُمْلَةِ الْأُمَّةِ فَيُنَادِيهِمْ مِنْ أَجْل السِّيمَا الَّتِي عَلَيْهِمْ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ بَدَّلُوا بَعْدَك أَيْ لَمْ يَمُوتُوا عَلَى ظَاهِرِ مَا فَارَقْتهمْ عَلَيْهِ. قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْره : وَعَلَى هَذَا فَيَذْهَبُ عَنْهُمْ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ وَيُطْفَأُ نُورُهُمْ. وَقِيلَ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُون عَلَيْهِمْ السِّيمَا بَلْ يُنَادِيهِمْ لِمَا كَانَ يَعْرِفُ مِنْ إِسْلَامِهِمْ وَقِيلَ هُمْ أَصْحَاب الْكَبَائِر وَالْبِدَع الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْإِسْلَام وَعَلَى هَذَا فَلَا يُقْطَعُ بِدُخُولِ هَؤُلَاءِ النَّارَ لِجَوَازِ أَنْ يُذَادُوا عَنْ الْحَوْضِ أَوَّلًا عُقُوبَةً لَهُمْ ثُمَّ يُرْحَمُوا وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُون لَهُمْ غُرَّةٌ وَتَحْجِيلٌ فَعَرَفَهُمْ بِالسِّيمَا سَوَاءٌ كَانُوا فِي زَمَنِهِ أَوْ بَعْدَهُ وَرَجَّحَ عِيَاضٌ وَالْبَاجِيّ وَغَيْرهمَا مَا قَالَ قَبِيصَة رَاوِي الْخَبَر إِنَّهُمْ مَنْ اِرْتَدَّ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ لَهُمْ أَنْ يَكُون عَلَيْهِمْ السِّيمَا لِأَنَّهَا كَرَامَةٌ يَظْهَرُ بِهَا عَمَلُ الْمُسْلِمِ. وَالْمُرْتَدُّ قَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ فَقَدْ يَكُونُ عَرَفَهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ لَا بِصِفَتِهِمْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ اِرْتِدَادِهِمْ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا مَنْ كَانَ فِي زَمَنه مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث الشَّفَاعَة \" وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّة فِيهَا مُنَافِقُوهَا \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ فَيَعْرِف أَعْيَانَهُمْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ تِلْكَ السِّيمَا فَمَنْ عَرَفَ صُورَتَهُ نَادَاهُ مُسْتَصْحِبًا لِحَالِهِ الَّتِي فَارَقَهُ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا وَأَمَّا دُخُولُ أَصْحَابِ الْبِدَعِ فِي ذَلِكَ فَاسْتُبْعِدَ لِتَعْبِيرِهِ فِي الْخَبَرِ بِقَوْلِهِ \" أَصْحَابِي \" وَأَصْحَابُ الْبِدَعِ إِنَّمَا حَدَثُوا بَعْدَهُ. وَأُجِيبَ بِحَمْلِ الصُّحْبَةِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَاسْتُبْعِدَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُقَال لِلْمُسْلِمِ وَلَوْ كَانَ مُبْتَدِعًا سُحْقًا وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَال ذَلِكَ لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالتَّعْذِيبِ عَلَى مَعْصِيَةٍ ثُمَّ يَنْجُو بِالشَّفَاعَةِ فَيَكُون قَوْله سُحْقًا تَسْلِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ مَعَ بَقَاء الرَّجَاء وَكَذَا الْقَوْل فِي أَصْحَاب الْكَبَائِر. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ لَيْسَ قَوْله \" مُرْتَدِّينَ \" نَصًّا فِي كَوْنهمْ اِرْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام بَلْ يَحْتَمِل ذَلِكَ وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد أَنَّهُمْ عُصَاةُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُرْتَدُّونَ عَنْ الِاسْتِقَامَةِ يُبَدِّلُونَ الْأَعْمَال الصَّالِحَة بِالسَّيِّئَةِ اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيد \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ حَدِيثًا فَقَالَ \" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ فَإِذَا جِئْتُمْ قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَقَالَ آخَرُ : أَنَا فُلَانُ اِبْنُ فُلَانٍ فَأَقُولُ أَمَّا النَّسَبُ فَقَدْ عَرَفْته وَلَعَلَّكُمْ أَحْدَثْتُمْ بَعْدِي وَارْتَدَدْتُمْ \" وَلِأَحْمَد وَالْبَزَّار نَحْوُهُ مِنْ حَدِيث جَابِر وَسَأَذْكُرُ فِي آخِر \" بَاب صِفَة النَّار \" مَا يَحْتَاج إِلَى شَرْحه مِنْ أَلْفَاظ الْأَحَادِيث الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6046",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا حَاتِم بْن أَبِي صَغِيرَة ) ‏ ‏هُوَ الْقُشَيْرِيُّ يُكَنَّى أَبَا يُونُس وَأَبُوهُ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وَزْن كَبِيرَةٍ وَضِدُّهَا وَاسْمُهُ مُسْلِمٌ. ‏ ‏قَوْله ( تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ أَيْضًا لَيْسَ فِيهِ \" مُشَاةٌ \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس عِنْد أَحْمَد وَالْحَاكِم بِلَفْظِ \" يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْو الشَّام - عُرَاةً حُفَاةً غُرْلًا بُهْمًا - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْهَاءِ - قُلْنَا : وَمَا بُهْمًا ؟ قَالَ : لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ \" وَوَقَعَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ زِيَادَة فِي أَوَّل حَدِيث عَائِشَة مِنْ رِوَايَته عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي خَالِد الْأَحْمَر وَاسْمه سُلَيْمَانُ بْنُ حِبَّانَ عَنْ حَاتِمٍ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور عَنْ عَائِشَة \" قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : حُفَاةً عُرَاةً \" وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ سَنَده عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَلَمْ يَسُقْ الْمَتْنَ. ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ النِّسَاءَ يَدْخُلْنَ فِي الضَّمِيرِ الْمُذَكَّرِ الْآتِي بِالْوَاوِ وَكَأَنَّهُ بِالتَّغْلِيبِ كَمَا فِي قَوْلهَا بَعْضهمْ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة الْمَذْكُورَة بَعْد قَوْله حُفَاةً عُرَاةً \" قُلْت : وَالنِّسَاءُ ؟ قَالَ : وَالنِّسَاءُ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَلِكَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْرِ الْهَاءِ مِنْ الرُّبَاعِيِّ يُقَالُ أَهَمَّهُ الْأَمْرُ وَجَوَّزَ اِبْن التِّين فَتْحَ أَوَّله وَضَمَّ ثَانِيهِ مِنْ هَمَّهُ الشَّيْءُ إِذَا آذَاهُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ حَاتِم عِنْد مُسْلِم \" قَالَ يَا عَائِشُ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة \" قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا نَسْتَحْيِي ؟ قَالَ : يَا عَائِشَةُ الْأَمْرُ أَهَمُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ \" وَلِلنَّسَائِيِّ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة \" قُلْت : يَا رَسُول اللَّه فَكَيْف بِالْعَوْرَاتِ ؟ قَالَ : لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن عَبْد الرَّحْمَن الْقُرَظِيِّ \" قَرَأَتْ عَائِشَةُ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقَالَتْ : وَاسَوْأَتَاه الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يُحْشَرُونَ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ ؟ فَقَالَ : لِكُلِّ اِمْرِئٍ الْآيَةَ وَزَادَ : لَا يَنْظُرُ الرِّجَالُ إِلَى النِّسَاءِ وَلَا النِّسَاءُ إِلَى الرِّجَالِ شُغِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ \" وَلِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ \" سَأَلَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْف يُحْشَرُ النَّاسُ ؟ قَالَ : حُفَاةً عُرَاةً. قَالَتْ : وَاسَوْأَتَاه قَالَ قَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّك كَانَ عَلَيْك ثِيَاب أَوْ لَا : لِكُلِّ اِمْرِئٍ الْآيَةَ \" وَفِي حَدِيث سَوْدَةَ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ نَحْوه أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيق أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي عَيَّاش عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْهَا وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط مِنْ رِوَايَة عَبْد الْجَبَّارِ بْن سُلَيْمَان عَنْ مُحَمَّد بِهَذَا الْإِسْنَاد فَقَالَ \" عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ \" بَدَلَ سَوْدَةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6047",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ ‏ ‏أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ‏ ‏شَطْرَ ‏ ‏أَهْلِ الْجَنَّةِ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ وَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَحْمَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّدُ بْن جَعْفَر وَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَمُحَمَّد بْن بَشَّارٍ شَيْخ الْبُخَارِيِّ فِيهِ كِلَاهُمَا عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ السَّبِيعِيُّ ‏ ‏( عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون ) ‏ ‏صَرَّحَ يُوسُف بْن إِسْحَاق بْن أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي إِسْحَاق بِسَمَاعِهِ مِنْ عَمْرو بْن مَيْمُون وَسَيَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يُوسُف الْمَذْكُورَة \" حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ \". ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى \" نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا \" وَفِي رِوَايَة يُوسُف الْمَذْكُورَة \" بَيْنَمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضِيفٌ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ يَمَانِي \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة مَالِك اِبْن مِغْوَلٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" خَطَبَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَة إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" أَسْنَدَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَهْرَهُ بِمِنًى إِلَى قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ \". ‏ ‏قَوْله ( أَتَرْضَوْنَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُوسُفَ \" إِذْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ أَلَا تَرْضَوْنَ \" وَفِي رِوَايَة إِسْرَائِيلَ \" أَلَيْسَ تَرْضَوْنَ \" وَفِي رِوَايَة مَالِك بْن مِغْوَلٍ \" أَتُحِبُّونَ \" قَالَ اِبْن التِّين : ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ لِإِرَادَةِ تَقْرِيرِ الْبِشَارَةِ بِذَلِكَ وَذَكَرَهُ بِالتَّدْرِيجِ لِيَكُونَ أَعْظَمَ لِسُرُورِهِمْ. ‏ ‏قَوْله ( قُلْنَا نَعَمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُوسُف \" قَالُوا بَلَى \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" فَكَبَّرْنَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ \" وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ وَزَادَ \" فَحَمِدْنَا \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" فَفَرِحُوا \" وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ اِسْتَبْشَرُوا بِمَا بَشَّرَهُمْ بِهِ فَحَمِدُوا اللَّهَ عَلَى نِعْمَتِهِ الْعُظْمَى وَكَبَّرُوهُ اِسْتِعْظَامًا لِنِعْمَتِهِ بَعْدَ اِسْتِعْظَامِهِمْ لِنِقْمَتِهِ. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ وَإِسْرَائِيلَ \" فَقَالَ وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ \" وَقَالَ \" نِصْف \" بَدَلَ \" شَطْر \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" إِنِّي لَأَطْمَعُ \" بَدَلَ \" لَأَرْجُو \" وَوَقَعَ لِهَذَا الْحَدِيث سَبَبٌ يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ عِنْد شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيد وَزَادَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي نَحْو حَدِيث أَبِي سَعِيد \" وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بَلْ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَيْ أَهْل الْجَنَّة \" وَلَا تَصِحّ هَذِهِ الزِّيَادَة لِأَنَّ الْكَلْبِيَّ وَاهٍ وَلَكِنْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" لَمَّا نَزَلَتْ ثُلَّةٌ مِنْ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنْ الْآخَرِينَ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ فَنَزَلَتْ ثُلَّةٌ مِنْ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنْ الْآخَرِينَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بَلْ ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بَلْ أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَتُقَاسِمُونَهُمْ فِي النِّصْف الثَّانِي \" وَأَخْرَجَهُ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي زِيَادَات الْمُسْنَد وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" أَنْتُمْ رُبُع أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْتُمْ ثُلُثُ أَهْل الْجَنَّة أَنْتُمْ نِصْف أَهْل الْجَنَّة أَنْتُمْ ثُلُثًا أَهْل الْجَنَّة \" وَأَخْرَجَ الْخَطِيب فِي \" الْمُبْهَمَات \" مِنْ مُرْسَل مُجَاهِد نَحْو حَدِيث الْكَلْبِيّ وَفِيهِ مَعَ إِرْسَاله أَبُو حُذَيْفَة إِسْحَاق بْن بِشْر أَحَد الْمَتْرُوكِينَ وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ \" أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ أُمَّتِي مِنْهَا ثَمَانُونَ صَفًّا \" وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود بِنَحْوِهِ وَأَتَمُّ مِنْهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَهَذَا يُوَافِقُ رِوَايَة الْكَلْبِيِّ فَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَجَا رَحْمَةَ رَبِّهِ أَنْ تَكُون أُمَّتُهُ نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَعْطَاهُ مَا اِرْتَجَاهُ وَزَادَهُ وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيك رَبُّك فَتَرْضَى ). ‏ ‏قَوْله ( وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْأَحْوَص \" وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة إِسْرَائِيلَ \" وَسَأُحَدِّثُكُمْ بِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ \" وَفِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْن مِغْوَلٍ \" مَا أَنْتُمْ فِيمَا سِوَاكُمْ مِنْ الْأُمَمِ \". ‏ ‏قَوْله ( كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْد الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَحْمَرِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ وَكَذَا فِي رِوَايَة إِسْرَائِيلَ لَكِنْ قَدَّمَ السَّوْدَاء عَلَى الْبَيْضَاءِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيّ عَنْ الْفَرَبْرِيّ الْأَبْيَض بَدَلَ الْأَحْمَر وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الْأُمَم كَمَثَلِ الشَّعْرَة الْبَيْضَاء فِي جِلْد الثَّوْر الْأَسْوَد أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاع الْحِمَارِ \" قَالَ اِبْن التِّين : أَطْلَقَ الشَّعْرَةَ وَلَيْسَ الْمُرَاد حَقِيقَة الْوَحْدَة لِأَنَّهُ لَا يَكُون ثَوْرٌ لَيْسَ فِي جِلْدِهِ غَيْرُ شَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ لَوْنِهِ وَالرَّقْمَةُ قِطْعَةٌ بَيْضَاءُ تَكُون فِي بَاطِنِ عُضْوِ الْحِمَارِ وَالْفَرَسِ وَتَكُونُ فِي قَوَائِمِ الشَّاةِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : الرَّقْمَةُ شَيْءٌ مُسْتَدِيرٌ لَا شَعْرَ فِيهِ سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهُ كَالرَّقْمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6048",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْغَيْثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ فَيُقَالُ هَذَا أَبُوكُمْ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ فَيَقُولُ أَخْرِجْ بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ كَمْ أُخْرِجُ فَيَقُولُ أَخْرِجْ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا أُخِذَ مِنَّا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فَمَاذَا يَبْقَى مِنَّا قَالَ إِنَّ أُمَّتِي فِي الْأُمَمِ كَالشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏وَأَخُوهُ ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْد الْحَمِيد ‏ ‏وَسُلَيْمَان ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْث ‏ ‏وَثَوْر ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد الدِّيلِيّ ‏ ‏وَأَبُو الْغَيْث ‏ ‏هُوَ سَالِمٌ وَالْكُلُّ مَدَنِيُّونَ وَرِوَايَة إِسْمَاعِيل عَنْ أَخِيهِ مِنْ رِوَايَة الْأَقْرَان وَكَذَا سُلَيْمَان عَنْ ثَوْرٍ وَلَكِنَّ إِسْمَاعِيلَ أَصْغَرُ مِنْ أَخِيهِ وَسُلَيْمَان أَصْغَر مِنْ ثَوْرٍ وَسَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله ( أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْم الْقِيَامَة آدَم إِلَخْ ) ‏ ‏يَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6049",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ اللَّهُ ‏ ‏يَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ قَالَ يَقُولُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ قَالَ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ ‏ { ‏وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ ‏ ‏سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى ‏ ‏وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ‏} ‏فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ قَالَ أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْ ‏ ‏يَأْجُوجَ ‏ ‏وَمَأْجُوجَ ‏ ‏أَلْفًا وَمِنْكُمْ رَجُلٌ ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ‏ ‏شَطْرَ ‏ ‏أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الْأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ أَوْ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْدِ الْحَمِيدِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَحَفْص بْن غِيَاثٍ فِي تَفْسِير سُورَة الْحَجّ كِلَاهُمَا \" عَنْ الْأَعْمَش حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح \" وَهُوَ ذَكْوَانُ وَأَبُو سَعِيدٍ هُوَ الْخُدْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( يَقُول اللَّه ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَرْفُوع وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" وَفِي رِوَايَة كَرِيمَةَ بِإِثْبَاتِ قَوْله \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَكَذَا وَقَعَ لِمُسْلِمٍ عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ جَرِير بِسَنَدِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ وَحَفْص وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ خِطَاب آدَم بِذَلِكَ أَوَّل شَيْء يَقَع يَوْم الْقِيَامَة وَلَفْظه \" أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَام فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ \" بِمُثَنَّاةٍ وَاحِدَةٍ وَمَدٍّ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ مُمَالَةٍ وَأَصْلُهُ فَتَتَرَاءَى فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَتَرَاءَى الشَّخْصَانِ تَقَابَلَا بِحَيْثُ صَارَ كُلّ مِنْهُمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ رُؤْيَةِ الْآخَر وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ ثَوْرٍ \" فَتَتَرَاءَى لَهُ ذُرِّيَّتُهُ \" عَلَى الْأَصْلِ وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَيُقَالُ هَذَا أَبُوكُمْ \" وَفِي رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ \" فَيَقُولُونَ هَذَا أَبُوكُمْ \". ‏ ‏قَوْله ( فَيَقُول لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْك ) ‏ ‏فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْخَيْرِ نَوْعُ تَعْطِيفٍ وَرِعَايَةٌ لِلْأَدَبِ وَإِلَّا فَالشَّرُّ أَيْضًا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ كَالْخَيْرِ. ‏ ‏قَوْله ( أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" بَعْث جَهَنَّم مِنْ ذُرِّيَّتِك \" وَفِي رِوَايَة أَحْمَدَ \" نَصِيبَ \" بَدَلَ \" بَعْثٍ \" وَالْبَعْثُ بِمَعْنَى الْمَبْعُوثِ وَأَصْلهَا فِي السَّرَايَا الَّتِي يَبْعَثُهَا الْأَمِيرُ إِلَى جِهَةٍ مِنْ الْجِهَات لِلْحَرْبِ وَغَيْرهَا وَمَعْنَاهَا هُنَا مَيَّزَ أَهْلَ النَّارِ مِنْ غَيْرهمْ وَإِنَّمَا خَصَّ بِذَلِكَ آدَمَ لِكَوْنِهِ وَالِدَ الْجَمِيعِ وَلِكَوْنِهِ كَانَ قَدْ عَرَفَ أَهْل السَّعَادَة مِنْ أَهْل الشَّقَاء فَقَدْ رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَعَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ شِمَاله أَسْوِدَةٌ الْحَدِيثَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث الْإِسْرَاء وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا مِنْ مُرْسَل الْحَسَن قَالَ \" يَقُول اللَّه لِآدَم : يَا آدَمُ أَنْتَ الْيَوْمَ عَدْلٌ بَيْنِي وَبَيْنَ ذُرِّيَّتِك قُمْ فَانْظُرْ مَا يُرْفَعُ إِلَيْك مِنْ أَعْمَالِهِمْ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ وَمَا بَعْثُ النَّارِ ) ‏ ‏الْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ سَمِعْت وَأَطَعْت وَمَا بَعْثُ النَّارِ أَيْ وَمَا مِقْدَارُ مَبْعُوثِ النَّارِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ \" فَيَقُولُ يَا رَبِّ كَمْ أُخْرِجُ \". ‏ ‏قَوْله ( مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مِنْ كُلّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" مِنْ كُلِّ أَلْفٍ وَاحِدٌ \" وَكَذَا فِي حَدِيث غَيْره وَيُشْبِه أَنْ يَكُون حَدِيث ثَوْر يَعْنِي رَاوِيه عَنْ أَبِي الْغَيْث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَهْمًا. قُلْت : وَلَعَلَّهُ يُرِيد بِقَوْلِهِ غَيْره مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ نَحْوه وَفِي أَوَّله زِيَادَةٌ قَالَ \" كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَرَفَعَ صَوْتَهُ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - إِلَى شَدِيدٌ فَحَثَّ أَصْحَابُهُ الْمَطِيَّ فَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ ذَاكَ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ : ذَاكَ يَوْمٌ يُنَادِي اللَّهُ آدَمَ \" فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَصَحَّحَهُ وَكَذَا الْحَاكِمُ وَهَذَا سِيَاقُ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَن مِنْ رِوَايَة هِشَام الدَّسْتِوَائِيِّ عَنْهُ وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ عَنْ أَنَس أَخْرَجَهُ الْحَاكِم أَيْضًا وَنَقَلَ عَنْ الذُّهْلِيِّ أَنَّ الرِّوَايَة الْأُولَى هِيَ الْمَحْفُوظَةُ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق هِلَالِ بْنِ خَبَّاب بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" تَلَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَة ثُمَّ قَالَ : هَلْ تَدْرُونَ \" فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعِنْد مُسْلِم رَفَعَهُ \" يَخْرُجُ الدَّجَّالُ - إِلَى أَنْ قَالَ - ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّور أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ثُمَّ يُقَالُ : أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ \" وَفِيهِ \" فَيُقَال مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ. فَذَاكَ يَوْمٌ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبَا \" وَكَذَا رَأَيْت هَذَا الْحَدِيث فِي مُسْنَد أَبِي الدَّرْدَاء بِمِثْلِ الْعَدَد الْمَذْكُور رُوِّينَاهُ فِي \" فَوَائِد طَلْحَة بْن الصَّقْر \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى نَحْوه فَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى هَذَا الْعَدَد وَلَمْ يَسْتَحْضِر الْإِسْمَاعِيلِيّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة مُتَابِعًا وَقَدْ ظَفِرْت بِهِ فِي مُسْنَد أَحْمَد فَإِنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق الْهِجْرِيِّ وَفِيهِ مَقَالٌ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُودٍ نَحْوه. وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَا اِعْتِبَارَ لَهُ فَالتَّخْصِيص بِعَدَدٍ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الزَّائِدِ وَالْمَقْصُود مِنْ الْعَدَدَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ تَقْلِيلُ عَدَدِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَكْثِيرُ عَدَدِ الْكَافِرِينَ. قُلْت : وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ الْأَوَّلِ تَقْدِيمُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَلَى حَدِيث أَبِي سَعِيد فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى زِيَادَةٍ فَإِنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيد يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَصِيب أَهْل الْجَنَّة مِنْ كُلّ أَلْفٍ وَاحِدٌ وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَة يَدُلُّ عَلَى عَشَرَةٍ فَالْحُكْم لِلزَّائِدِ وَمُقْتَضَى كَلَامه الْأَخِير أَنْ لَا يُنْظَر إِلَى الْعَدَدِ أَصْلًا بَلْ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَقْلِيلِ الْعَدَدِ وَقَدْ فَتَحَ اللَّه تَعَالَى فِي ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ أُخَرَ وَهُوَ حَمْلُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى جَمِيع ذُرِّيَّةِ آدَمَ فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ وَاحِدٌ وَحَمْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى مَنْ عَدَا يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فَيَكُون مِنْ كُلِّ أَلْفٍ عَشَرَةٌ وَيُقَرِّبُ ذَلِكَ أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ذَكَرُوا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيدٍ دُونَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْأَوَّل يَتَعَلَّقُ بِالْخَلْقِ أَجْمَعِينَ وَالثَّانِي بِخُصُوصِ هَذِهِ الْأُمَّة وَيُقَرِّبُهُ قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِذَا أُخِذَ مِنَّا \" لَكِنْ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" وَإِنَّمَا أُمَّتِي جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ \" وَيَحْتَمِل أَنْ تَقَع الْقِسْمَة مَرَّتَيْنِ مَرَّةً مِنْ جَمِيع الْأُمَم قَبْل هَذِهِ الْأُمَّة فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ وَاحِدٌ وَمَرَّةً مِنْ هَذِهِ الْأَمَة فَقَطْ فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ عَشَرَةٌ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِبَعْثِ النَّارِ الْكُفَّارُ وَمَنْ يَدْخُلهَا مِنْ الْعُصَاةِ فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ كَافِرًا وَمَنْ كُلّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ عَاصِيًا وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( فَذَاكَ حِين يَشِيبُ الصَّغِيرُ وَتَضَعُ , وَسَاقَ إِلَى قَوْله شَدِيد ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ ذَلِكَ يَقَع فِي الْمَوْقِف وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْت لَا حَمْلَ فِيهِ وَلَا وَضْعَ وَلَا شَيْبَ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ ذَلِكَ قَبْلَ يَوْم الْقِيَامَةِ لَكِنَّ الْحَدِيثَ يَرُدُّ عَلَيْهِ وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَالتَّهْوِيل وَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ فَقَالَ : فِيهِ وَجْهَانِ لِلْعُلَمَاءِ فَذَكَرَهُمَا وَقَالَ : التَّقْدِير أَنَّ الْحَال يَنْتَهِي أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ النِّسَاء حِينَئِذٍ حَوَامِلَ لَوَضَعَتْ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ \" أَصَابَنَا أَمْرٌ يَشِيبُ مِنْهُ الْوَلِيدُ \" وَأَقُولُ يَحْتَمِل أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ فَتُبْعَث الْحَامِلُ حَامِلًا وَالْمُرْضِع مُرْضِعَة وَالطِّفْلُ طِفْلًا فَإِذَا وَقَعَتْ زَلْزَلَةُ السَّاعَةِ وَقِيلَ ذَلِكَ لِآدَمَ وَرَأَى النَّاسُ آدَمَ وَسَمِعُوا مَا قِيلَ لَهُ وَقَعَ بِهِمْ مِنْ الْوَجَلِ مَا يَسْقُطُ مَعَهُ الْحَمْلُ وَيَشِيبُ لَهُ الطِّفْلُ وَتَذْهَلُ بِهِ الْمُرْضِعَةُ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى وَقَبْلَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ وَيَكُون خَاصًّا بِالْمَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ وَتَكُون الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ \" فَذَاكَ \" إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ صَرِيح فِي الْآيَة وَلَا يَمْنَع مِنْ هَذَا الْحَمْلِ مَا يُتَخَيَّلُ مِنْ طُولِ الْمَسَافَةِ بَيْن قِيَام السَّاعَةِ وَاسْتِقْرَارِ النَّاسِ فِي الْمَوْقِفِ وَنِدَاءِ آدَمَ لِتَمْيِيزِ أَهْل الْمَوْقِفِ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ مُتَقَارِبًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ( فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ) يَعْنِي أَرْض الْمَوْقِف وَقَالَ تَعَالَى ( يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ يَوْم الْقِيَامَة يُطْلَق عَلَى مَا بَعْدَ نَفْخَةِ الْبَعْثِ مِنْ أَهْوَالٍ وَزَلْزَلَةٍ وَغَيْر ذَلِكَ إِلَى آخِر الِاسْتِقْرَار فِي الْجَنَّة أَوْ النَّار وَقَرِيب مِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فِي أَشْرَاط السَّاعَة إِلَى أَنْ ذَكَرَ النَّفْخ فِي الصُّور إِلَى أَنْ قَالَ \" ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ. ثُمَّ يُقَالُ أَخْرِجُوا بَعْث النَّارِ \" فَذَكَرَهُ قَالَ \" فَذَاكَ يَوْمٌ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث الصُّور الطَّوِيلِ عِنْدَ عَلِيِّ بْن مَعْبَد وَغَيْره مَا يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي \" بَاب النَّفْخ فِي الصُّور \" وَفِيهِ بَعْد قَوْله وَتَضَعُ الْحَوَامِلُ مَا فِي بُطُونِهَا وَتَشِيبُ الْوِلْدَانُ وَتَتَطَايَر الشَّيَاطِين \" فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ تَصَدَّعَتْ الْأَرْضُ فَيَأْخُذُهُمْ لِذَلِكَ الْكَرْبُ وَالْهَوْل. ثُمَّ تَلَا الْآيَتَيْنِ مِنْ أَوَّل الْحَجّ \" الْحَدِيث. قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" التَّذْكِرَة \" : هَذَا الْحَدِيث صَحَّحَهُ اِبْن الْعَرَبِيِّ فَقَالَ : يَوْم الزَّلْزَلَة يَكُون عِنْد النَّفْخَة الْأُولَى وَفِيهِ مَا يَكُون فِيهِ مِنْ الْأَهْوَال الْعَظِيمَة وَمَنْ جُمْلَتِهَا مَا يُقَالُ لِآدَمَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِالنَّفْخَةِ الْأُولَى بَلْ لَهُ مَحْمَلَان. أَحَدهمَا أَنْ يَكُون آخِر الْكَلَام مَنُوطًا بِأَوَّلِهِ وَالتَّقْدِير يُقَال لِآدَم ذَلِكَ فِي أَثْنَاء الْيَوْم الَّذِي يَشِيبُ فِيهِ الْوِلْدَانُ وَغَيْر ذَلِكَ وَثَانِيهمَا أَنْ يَكُون شَيْب الْوِلْدَان عِنْد النَّفْخَة الْأُولَى حَقِيقَةً وَالْقَوْلُ لِآدَمَ يَكُون وَصْفه بِذَلِكَ إِخْبَارًا عَنْ شِدَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عَيْنُ ذَلِكَ الشَّيْءِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ حِينَ يَقَعُ لَا يُهِمُّ كُلَّ أَحَدٍ إِلَّا نَفْسُهُ حَتَّى إِنَّ الْحَامِل تُسْقِطُ مِنْ مِثْله وَالْمُرْضِعَة إِلَخْ. وَنُقِلَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ فِي هَذِهِ الْآيَة : الْمَعْنَى أَنْ لَوْ كَانَ هُنَاكَ مُرْضِعَة لَذَهَلَتْ. وَذَكَرَ الْحَلِيمِيّ وَاسْتَحْسَنَهُ الْقُرْطُبِيّ أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يُحْيِيَ اللَّهُ حِينَئِذٍ كُلَّ حَمْلٍ كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ فَتَذْهَلُ الْأُمُّ حِينَئِذٍ عَنْهُ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى إِرْضَاعِهِ إِذْ لَا غِذَاءَ هُنَا وَلَا لَبَنَ , وَأَمَّا الْحَمْلُ الَّذِي لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ فَإِنَّهُ إِذَا سَقَطَ لَمْ يَحْيَى لِأَنَّ ذَلِكَ يَوْمُ الْإِعَادَةِ , فَمَنْ لَمْ يَمُتْ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَحْيَى فِي الْآخِرَةِ. ‏ ‏قَوْله ( فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْم وَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ الْكَآبَة وَالْحُزْن \" وَفِي حَدِيث عِمْرَان عِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْن جُدْعَان عَنْ الْحَسَن \" فَأَنْشَأَ الْمُؤْمِنُونَ يَبْكُونَ \" وَمِنْ رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَن \" فَنُبِسَ الْقَوْم حَتَّى مَا أَبْدَوْا بِضَاحِكَةٍ \" وَنُبِسَ بِضَمِّ النُّون وَكَسْر الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُهْمَلَة مَعْنَاهُ تَكَلَّمَ فَأَسْرَعَ , وَأَكْثَر مَا يُسْتَعْمَل فِي النَّفْي , وَفِي رِوَايَة شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ عِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ \" أَبْلَسُوا \" وَكَذَا لَهُ نَحْوه مِنْ رِوَايَة ثَابِت عَنْ الْحَسَن. ‏ ‏قَوْله ( وَأَيّنَا ذَلِكَ الرَّجُل ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الِاسْتِفْهَام عَلَى حَقِيقَته , فَكَانَ حَقّ الْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ الْوَاحِد فُلَان أَوْ مَنْ يَتَّصِف بِالصِّفَةِ الْفُلَانِيَّة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِسْتِعْظَامًا لِذَلِكَ الْأَمْر وَاسْتِشْعَارًا لِلْخَوْفِ مِنْهُ , فَلِذَلِكَ وَقَعَ الْجَوَاب بِقَوْلِهِ \" أَبْشِرُوا \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه إِذَا أُخِذَ مِنَّا مِنْ كُلّ مِائَة تِسْعَة وَتِسْعُونَ فَمَاذَا يَبْقَى \" وَفِي حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء \" فَبَكَى أَصْحَابه \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَبْشِرُوا ) ‏ ‏فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس اِعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا , وَفِي حَدِيث عِمْرَان مِثْله , وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُدْعَان \" قَارِبُوا وَسَدِّدُوا \" وَنَحْوه فِي حَدِيث أَنَس. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوج وَمَأْجُوج أَلْفًا وَمِنْكُمْ رَجُل ) ‏ ‏ظَاهِره زِيَادَة وَاحِد عَمَّا ذَكَرَ مِنْ تَفْصِيل الْأَلْف فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ جَبْر الْكَسْر , وَالْمُرَاد أَنَّ مِنْ يَأْجُوج وَمَأْجُوج تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ أَوْ أَلْفًا إِلَّا وَاحِدًا , وَأَمَّا قَوْله \" وَمِنْكُمْ رَجُل \" تَقْدِيره وَالْمُخْرَج مِنْكُمْ أَوْ وَمِنْكُمْ رَجُل مُخْرَج , وَوَقَعَ فِي بَعْض الشُّرُوح أَنَّ لِبَعْضِ الرُّوَاة \" فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ يَأْجُوج وَمَأْجُوج أَلْفًا \" بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الْمَفْعُول بِإِخْرَاجِ الْمَذْكُور فِي أَوَّل الْحَدِيث , أَيْ فَإِنَّهُ يُخْرَج كَذَا , وَرَوَى بِالرَّفْعِ عَلَى خَبَر إِنَّ وَاسْمهَا مُضْمِر قَبْل الْمَجْرُور , أَيْ فَإِنَّ الْمُخْرَج مِنْكُمْ رَجُل , قُلْت : وَالنَّصْب أَيْضًا عَلَى اِسْم إِنَّ صَرِيحًا فِي الْأَوَّل وَبِتَقْدِيرٍ فِي الثَّانِي , وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الَّذِي قَالَهُ فَإِنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ بِالرَّفْعِ فِي أَلْف وَحْده وَبِالنَّصْبِ فِي رَجُلًا وَلِأَبِي ذَرّ بِالْعَكْسِ , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم بِالرَّفْعِ فِيهِمَا , قَالَ النَّوَوِيّ : هَكَذَا فِي جَمِيع الرَّوِيَّات وَالتَّقْدِير فَإِنَّهُ فَحَذَفَ الْهَاء وَهِيَ ضَمِير الشَّأْن وَذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ كَثِيرًا , وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" وَإِنَّمَا أُمَّتِي جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ \" قَالَ الطِّيبِيُّ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ دَاخِلُونَ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ وَالْوَعِيد كَمَا يَدُلُّ قَوْله \" رُبُع أَهْلِ الْجَنَّةِ \" عَلَى أَنَّ فِي غَيْر هَذِهِ الْأُمَّة أَيْضًا مِنْ أَهْل الْجَنَّةِ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : قَوْله \" مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ \" أَيْ مِنْهُمْ وَمِمَّنْ كَانَ عَلَى الشِّرْك مِثْلَهُمْ , وَقَوْله \" وَمِنْكُمْ رَجُلٌ \" يَعْنِي مِنْ أَصْحَابِهِ وَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا مِثْلَهُمْ. قُلْت : وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِشَارَةَ بِقَوْلِهِ \" مِنْكُمْ \" إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ , وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود بِقَوْلِهِ \" إِنَّ الْجَنَّة لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ \" وَكَذَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ , فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود وَقَعَتْ وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى , وَالْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد وَقَعَتْ وَهُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَائِرٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس \" بَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرِهِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ \" وَمِثْلُهُ فِي مُرْسَل مُجَاهِدٍ عِنْد الْخَطِيب فِي \" الْمُبْهَمَات \" كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي \" بَاب مَنْ يَدْخُل الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ \". ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ وَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ فِيهِ مَا لَمْ يَحْفَظْ الْآخَرُ , إِلَّا أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ كَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَة بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَاهٍ وَالصَّحِيحُ مَا فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمِنًى , وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِهِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي قُبَّتِهِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيث عِمْرَان بِأَنَّ تِلَاوَته الْآيَة وَجَوَابه عَنْهَا اِتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ وَهُوَ سَائِر , ثُمَّ قَوْله \" إِنِّي لَأَطْمَعُ إِلَخْ \" وَقَعَ بَعْد أَنْ نَزَلَ وَقَعَدَ بِالْقُبَّةِ , وَأَمَّا زِيَادَة الرُّبُعِ قَبْلَ الثُّلُثِ فَحَفِظَهَا أَبُو سَعِيدٍ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَحْفَظ الرُّبُعَ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ سَائِر مَبَاحِثِهِ فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ مِنْ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6050",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ ‏ ‏لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏ } ‏قَالَ يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ اِبْن عُمَر \" عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ : يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ \" فِي رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ نَافِع عِنْد مُسْلِم حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ , وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير ( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ) مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ نَافِع , وَالرَّشْح بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُون الشِّينِ الْمُعْجَمَة بَعْدَهُمَا مُهْمَلَةٌ هُوَ الْعَرَقُ شُبِّهَ بِرَشْحِ الْإِنَاءِ لِكَوْنِهِ يَخْرُجُ مِنْ الْبَدَنِ شَيْئًا فَشَيْئًا , وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْعَرَقَ يَحْصُلُ لِكُلِّ شَخْصٍ مِنْ نَفْسِهِ , وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُون مِنْ عَرَقِهِ فَقَطْ أَوْ مِنْ عَرَقِهِ وَعَرَقِ غَيْرِهِ , وَقَالَ عِيَاض : يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد عَرَق الْإِنْسَان نَفْسه بِقَدْرِ خَوْفه مِمَّا يُشَاهِدُهُ مِنْ الْأَهْوَالِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد عَرَقه وَعَرَق غَيْره فَيُشَدَّدُ عَلَى بَعْضٍ وَيُخَفَّفُ عَلَى بَعْض وَهَذَا كُلُّهُ بِتَزَاحُمِ النَّاس وَانْضِمَام بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى صَارَ الْعَرَق يَجْرِي سَائِحًا فِي وَجْه الْأَرْض كَالْمَاءِ فِي الْوَادِي بَعْدَ أَنْ شَرِبَتْ مِنْهُ الْأَرْضُ وَغَاصَ فِيهَا سَبْعِينَ ذِرَاعًا. قُلْت : وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ إِذَا وَقَفُوا فِي الْمَاءِ الَّذِي عَلَى أَرْضٍ مُعْتَدِلَةٍ كَانَتْ تَغْطِيَةُ الْمَاءِ لَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ , لَكِنَّهُمْ إِذَا اِخْتَلَفُوا فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ تَفَاوَتُوا فَكَيْفَ يَكُونُ الْكُلُّ إِلَى الْأُذُنِ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخَوَارِقِ الْوَاقِعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُون الْإِشَارَةُ بِمَنْ يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى أُذُنَيْهِ إِلَى غَايَةِ مَا يَصِلُ الْمَاءُ , وَلَا يَنْفِي أَنْ يَصِل الْمَاءُ لِبَعْضِهِمْ إِلَى دُونِ ذَلِكَ , فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث عُقْبَةَ بْن عَامِر رَفَعَهُ \" تَدْنُو الشَّمْسُ مِنْ الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَعْرَقُ النَّاسُ , فَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ عَرَقُهُ عَقِبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغ نِصْف سَاقَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغ رُكْبَتَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغ فَخِذَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغ خَاصِرَتَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغ مَنْكِبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغ فَاهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَأَلْجَمَهَا فَاهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُغَطِّيهِ عَرَقُهُ وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ \" وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْد مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث الْمِقْدَادِ بْن الْأَسْوَدِ وَلَيْسَ بِتَمَامِهِ وَفِيهِ \" تُدْنَى الشَّمْس يَوْم الْقِيَامَة مِنْ الْخَلْق حَتَّى تَكُون مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ فَتَكُون النَّاس عَلَى مِقْدَارِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ \" الْحَدِيثَ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُمْ يَسْتَوُونَ فِي وُصُول الْعَرَق إِلَيْهِمْ وَيَتَفَاوَتُونَ فِي حُصُوله فِيهِمْ. وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ \" عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ : مِقْدَار نِصْف يَوْم مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَيَهُون ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِن كَتَدَلِّي الشَّمْسِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن حِبَّانَ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد , وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْث مِنْ طَرِيق عَبْدِ اللَّهِ بْن الْحَارِثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ \" يُحْشَرُ النَّاسُ قِيَامًا أَرْبَعِينَ سَنَةً شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيُلْجِمُهُمْ الْعَرَقُ مِنْ شِدَّةِ الْكَرْبِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6051",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْغَيْثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ بِلَالٍ وَالسَّنَدُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( يَعْرَقُ النَّاسُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهِيَ مَكْسُورَةٌ فِي الْمَاضِي. ‏ ‏قَوْله ( يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يَذْهَب عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْض سَبْعِينَ ذِرَاعًا , وَيُلْجِمُهُمْ الْعَرَق حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال \" سَبْعِينَ بَاعَا \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ ثَوْر \" وَإِنَّهُ لَيَبْلُغ إِلَى أَفْوَاه النَّاس أَوْ إِلَى آذَانهمْ شَكَّ ثَوْرٌ \" وَجَاءَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ أَنَّ الَّذِي يُلْجِمُهُ الْعَرَق الْكَافِرُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْث بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْهُ قَالَ \" يَشْتَدُّ كَرْبُ ذَلِكَ الْيَوْم حَتَّى يُلْجِمُ الْكَافِرَ الْعَرَقُ , قِيلَ لَهُ : فَأَيْنَ الْمُؤْمِنُونَ ؟ قَالَ عَلَى الْكَرَاسِيّ مِنْ ذَهَبٍ وَيُظَلِّل عَلَيْهِمْ الْغَمَامُ \" وَبِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ \" الشَّمْس فَوْق رُءُوسِ النَّاس يَوْم الْقِيَامَة وَأَعْمَالهمْ تُظِلُّهُمْ \" وَأَخْرَجَ اِبْن الْمُبَارَك فِي الزُّهْد وَابْن أَبِي شَيْبَة فِي الْمُصَنَّف وَاللَّفْظ لَهُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ سَلْمَان قَالَ \" تُعْطَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَرَّ عَشْرِ سِنِينَ ثُمَّ تُدْنَى مِنْ جَمَاجِمِ النَّاسِ حَتَّى تَكُونَ قَابَ قَوْسَيْنِ فَيَعْرَقُونَ حَتَّى يَرْشَحُ الْعَرَق فِي الْأَرْضِ قَامَةً ثُمَّ تَرْتَفِعُ حَتَّى يُغَرْغِرَ الرَّجُلُ \" زَادَ اِبْن الْمُبَارَك فِي رِوَايَته \" وَلَا يَضُرُّ حَرُّهَا يَوْمَئِذٍ مُؤْمِنًا وَلَا مُؤْمِنَةً \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْمُرَاد مَنْ يَكُونُ كَامِلَ الْإِيمَانِ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمِقْدَادِ وَغَيْره أَنَّهُمْ يَتَفَاوَتُونَ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ , وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ \" إِنَّ الرَّجُلَ لَيُفِيضُ عَرَقًا حَتَّى يَسِيحَ فِي الْأَرْضِ قَامَةً , ثُمَّ يَرْتَفِع حَتَّى يَبْلُغ أَنْفه \" وَفِي رِوَايَة عَنْهُ عِنْد أَبِي يَعْلَى وَصَحَّحَهَا اِبْن حِبَّان \" إِنَّ الرَّجُل لَيُلْجِمُهُ الْعَرَق يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يَقُول : يَا رَبِّ أَرِحْنِي وَلَوْ إِلَى النَّارِ \" وَلِلْحَاكِمِ وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيث جَابِر نَحْوه , وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ ذَلِكَ كُلّه فِي الْمَوْقِف , وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ التَّفْصِيلَ الَّذِي فِي حَدِيث عُقْبَة وَالْمِقْدَاد يَقَع مِثْله لِمَنْ يَدْخُل النَّار , فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيث سَمُرَة رَفَعَهُ \" إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذهُ إِلَى حُجْزَتِهِ وَفِي رِوَايَةٍ إِلَى حِقْوَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذهُ إِلَى عُنُقِهِ \" وَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّار فِيهِ مَجَازًا عَنْ شِدَّةِ الْكَرْبِ النَّاشِئ عَنْ الْعَرَق فَيَتَّحِدُ الْمَوْرِدَانِ , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون وَرَدَ فِي حَقّ مَنْ يَدْخُل النَّارَ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ. فَإِنَّ أَحْوَالَهُمْ فِي التَّعْذِيبِ تَخْتَلِف بِحَسَبِ أَعْمَالهمْ , وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَإِنَّهُمْ فِي الْغَمَرَاتِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْن أَبِي جَمْرَةَ : ظَاهِر الْحَدِيث تَعْمِيمُ النَّاسِ بِذَلِكَ , وَلَكِنْ دَلَّتْ الْأَحَادِيث الْأُخْرَى عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْبَعْضِ وَهُمْ الْأَكْثَر , وَيُسْتَثْنَى الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ , فَأَشَدُّهُمْ فِي الْعَرَق الْكُفَّارُ ثُمَّ أَصْحَابُ الْكَبَائِرِ ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ وَالْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُفَّارِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي حَدِيثِ بَعْثِ النَّارِ , قَالَ : وَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِالذِّرَاعِ فِي الْحَدِيث الْمُتَعَارَف , وَقِيلَ هُوَ الذِّرَاع الْمَلَكِيُّ , وَمَنْ تَأَمَّلَ الْحَالَة الْمَذْكُورَة عَرَفَ عِظَمَ الْهَوْلِ فِيهَا , وَذَلِكَ أَنَّ النَّار تَحُفُّ بِأَرْضِ الْمَوْقِفِ وَتُدْنَى الشَّمْسُ مِنْ الرُّءُوسِ قَدْرَ مِيلٍ , فَكَيْفَ تَكُونُ حَرَارَةُ تِلْكَ الْأَرْضِ وَمَاذَا يَرْوِيهَا مِنْ الْعَرَقِ حَتَّى يَبْلُغَ مِنْهَا سَبْعِينَ ذِرَاعًا مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا يَجِدُ إِلَّا قَدْرَ مَوْضِع قَدَمِهِ , فَكَيْفَ تَكُونُ حَالَةُ هَؤُلَاءِ فِي عَرَقِهِمْ مَعَ تَنَوُّعِهِمْ فِيهِ , إِنَّ هَذَا لَمِمَّا يَبْهَرُ الْعُقُولَ وَيَدُلّ عَلَى عَظِيم الْقُدْرَة وَيَقْتَضِي الْإِيمَان بِأُمُورِ الْآخِرَة أَنْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهَا مَجَالٌ , وَلَا يُعْتَرَض عَلَيْهَا بِعَقْلٍ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا عَادَةٍ , وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْقَبُولِ وَيَدْخُل تَحْت الْإِيمَان بِالْغَيْبِ , وَمَنْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ دَلَّ عَلَى خُسْرَانِهِ وَحِرْمَانِهِ. وَفَائِدَةُ الْإِخْبَار بِذَلِكَ أَنْ يَتَنَبَّهَ السَّامِعُ فَيَأْخُذ فِي الْأَسْبَاب الَّتِي تُخَلِّصُهُ مِنْ تِلْكَ الْأَهْوَالِ , وَيُبَادِر إِلَى التَّوْبَة مِنْ التَّبِعَاتِ , وَيَلْجَأ إِلَى الْكَرِيمِ الْوَهَّابِ فِي عَوْنِهِ عَلَى أَسْبَاب السَّلَامَة , وَيَتَضَرَّع إِلَيْهِ فِي سَلَامَته مِنْ دَار الْهَوَان , وَإِدْخَاله دَار الْكَرَامَة بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6052",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالدِّمَاءِ ‏",
        "sharh": "أَحَدهَا حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَالسَّنَد إِلَيْهِ كُوفِيُّونَ , ‏ ‏وَشَقِيقٌ ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَمَةَ أَبُو وَائِلٍ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ اِسْمِهِ. ‏ ‏قَوْله ( أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْن النَّاس بِالدِّمَاءِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" الدِّمَاء \" وَسَيَأْتِي كَالْأَوَّلِ فِي الدِّيَات مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ الْأَعْمَش , وَلِمُسْلِمٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ الْأَعْمَش \" بَيْن النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فِي الدِّمَاء \" أَيْ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْن النَّاس فِي الدُّنْيَا , وَالْمَعْنَى أَوَّلُ الْقَضَايَا الْقَضَاءُ فِي الدِّمَاءِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّقْدِير أَوَّل مَا يُقْضَى فِيهِ الْأَمْر الْكَائِن فِي الدِّمَاء , وَلَا يُعَارِض هَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ \" الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن لِأَنَّ الْأَوَّل مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِمُعَامَلَاتِ الْخَلْق وَالثَّانِي فِيمَا يَتَعَلَّق بِعِبَادَةِ الْخَالِق , وَقَدْ جَمَعَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَته فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود بَيْن الْخَبَرَيْنِ وَلَفْظه \" أَوَّل مَا يُحَاسَب الْعَبْد عَلَيْهِ صَلَاته , وَأَوَّل مَا يُقْضَى بَيْن النَّاس فِي الدِّمَاء \" وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة الْحَجّ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَوَّلِيَّة بِأَخَصَّ مِمَّا فِي حَدِيث الْبَاب وَهُوَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ \" أَنَا أَوَّل مَنْ يَحْثُو لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ \" يَعْنِي هُوَ وَرَفِيقَاهُ حَمْزَةُ وَعُبَيْدَةُ وَخُصُومُهُمْ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ اِبْنَا رَبِيعَةَ وَالْوَلِيد بْن عُتْبَةَ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْم بَدْر , قَالَ أَبُو ذَرٍّ : فِيهِمْ نَزَلَتْ ( هَذَانِ خَصْمَانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) الْآيَةَ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ , وَفِي حَدِيث الصُّور الطَّوِيل عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" أَوَّل مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ , وَيَأْتِي كُلّ قَتِيل قَدْ حَمَلَ رَأْسَهُ فَيَقُول : يَا رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي \" الْحَدِيثَ , وَفِي حَدِيث نَافِعِ بْن جُبَيْرٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" يَأْتِي الْمَقْتُول مُعَلَّقًا رَأْسُهُ بِإِحْدَى يَدَيْهِ مُلَبِّبًا قَاتِله بِيَدِهِ الْأُخْرَى تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا حَتَّى يَقِفَا بَيْن يَدَيْ اللَّهِ \" الْحَدِيثَ , وَنَحْوه عِنْد اِبْن الْمُبَارَك عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْقِصَاصِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ فَيُعْلَمُ مِنْ الْحَدِيث الثَّانِي , وَأَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ عَنْ اِبْن عَبَّاسٍ رَفَعَهُ \" نَحْنُ آخِرُ الْأُمَمِ وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ \" وَفِي الْحَدِيث عِظَمُ أَمْر الدَّم , فَإِنَّ الْبُدَاءَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْأَهَمِّ , وَالذَّنْب يَعْظُمُ بِحَسَبِ عِظَم الْمَفْسَدَةِ وَتَفْوِيت الْمَصْلَحَة , وَإِعْدَامُ الْبِنْيَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ غَايَةُ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّغْلِيظ فِي أَمْر الْقَتْل آيَاتٌ كَثِيرَةٌ وَآثَارٌ شَهِيرَةٌ يَأْتِي بَعْضُهَا فِي أَوَّلِ الدِّيَاتِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6053",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ ‏ ‏فَلْيَتَحَلَّلْهُ ‏ ‏مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَالِك عَنْ سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك \" حَدَّثَنِي سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد \". ‏ ‏قَوْله ( مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مِنْ أَخِيهِ \". ‏ ‏قَوْله ( لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ ) ‏ ‏فِي حَدِيث اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دِينَارٌ أَوْ دِرْهَمٌ قُضِيَ مِنْ حَسَنَاته \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ , وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي كِتَاب الْمَظَالِم , وَالْمُرَاد بِالْحَسَنَاتِ الثَّوَابُ عَلَيْهَا وَبِالسَّيِّئَاتِ الْعِقَاب عَلَيْهَا , وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ إِعْطَاءُ الثَّوَابِ وَهُوَ لَا يَتَنَاهَى فِي مُقَابَلَة الْعِقَاب وَهُوَ مُتَنَاهٍ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُعْطَاهُ صَاحِب الْحَقّ مِنْ أَصْل الثَّوَاب مَا يُوَازِي الْعُقُوبَةَ عَنْ السَّيِّئَة وَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّه فَإِنَّهُ يَبْقَى لِصَاحِبِهِ , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ سَيِّئَات الْمُؤْمِنِ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ مُتَنَاهِيَةُ الْجَزَاءِ وَحَسَنَاته غَيْر مُتَنَاهِيَة الْجَزَاء لِأَنَّ مِنْ ثَوَابِهَا الْخُلُودُ فِي الْجَنَّة , فَوَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يُعْطَى خُصَمَاءُ الْمُؤْمِن الْمُسِيءِ مِنْ أَجْرِ حَسَنَاتِهِ مَا يُوَازِي عُقُوبَةَ سَيِّئَاته فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ خَطَايَا خُصُومه فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ يُعَذَّب إِنْ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ , فَإِذَا اِنْتَهَتْ عُقُوبَة تِلْكَ الْخَطَايَا أُدْخِلَ الْجَنَّةَ بِمَا كُتِبَ لَهُ مِنْ الْخُلُود فِيهَا بِإِيمَانِهِ وَلَا يُعْطَى خُصَمَاؤُهُ مَا زَادَ مِنْ أَجْر حَسَنَاته عَلَى مَا قَابَلَ عُقُوبَة سَيِّئَاتِهِ يَعْنِي مِنْ الْمُضَاعَفَة , لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فَضْل اللَّه يَخْتَصُّ بِهِ مَنْ وَافَى يَوْم الْقِيَامَة مُؤْمِنًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي \" كِتَاب الْمُوَازَنَة : النَّاس ثَلَاثَة \" مَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ مَنْ تَسَاوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ , فَالْأَوَّل فَائِزٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالثَّانِي يُقْتَضَى مِنْهُ بِمَا فَضَلَ مِنْ مَعَاصِيهِ عَلَى حَسَنَاتِهِ مِنْ النَّفْخَةِ إِلَى آخِر مَنْ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ بِمِقْدَارِ قِلَّةِ شَرِّهِ وَكَثْرَتِهِ وَالْقَسَمُ الثَّالِثُ أَصْحَاب الْأَعْرَاف , وَتَعَقَّبَهُ أَبُو طَالِب عَقِيل بْن عَطِيَّة فِي كِتَابه الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ فِيهِ بِأَنَّ حَقّ الْعِبَارَة فِيهِ أَنْ يُقَيَّد بِمَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُ مِنْهُمْ وَإِلَّا فَالْمُكَلَّفُ فِي الْمَشِيئَةِ وَصَوَّبَ الثَّالِثَ عَلَى أَحَد الْأَقْوَالِ أَهْل الْأَعْرَاف قَالَ : وَهُوَ أَرْجَح الْأَقْوَال فِيهِمْ. قُلْت : قَدْ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ أَيْضًا : وَالْحَقّ أَنَّ مَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ عَلَى قِسْمَيْنِ مَنْ يُعَذَّبُ ثُمَّ يُخْرَجُ مِنْ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ وَمَنْ يُعْفَى عَنْهُ فَلَا يُعَذَّب أَصْلًا. وَعِنْد أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُودٍ يُؤْخَذُ بِيَدِ الْعَبْدِ فَيُنْصَبُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ وَيُنَادِي مُنَادٍ : هَذَا فُلَانُ اِبْنُ فُلَان فَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فَلْيَأْتِ , فَيَأْتُونَ فَيَقُول الرَّبّ : آتِ هَؤُلَاءِ حُقُوقَهُمْ , فَيَقُول : يَا رَبِّ فَنِيَتْ الدُّنْيَا فَمِنْ أَيْنَ أُوتِيهِمْ , فَيَقُول لِلْمَلَائِكَةِ : خُذُوا مِنْ أَعْمَاله الصَّالِحَة فَأَعْطُوا كُلّ إِنْسَانٍ بِقَدْرِ طَلِبَتِهِ , فَإِنْ كَانَ نَاجِيًا وَفَضَلَ مِنْ حَسَنَاته مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ضَاعَفَهَا اللَّه حَتَّى يُدْخِلَهُ بِهَا الْجَنَّةَ. وَعِنْد اِبْن أَبِي الدُّنْيَا عَنْ حُذَيْفَة قَالَ : صَاحِب الْمِيزَان يَوْم الْقِيَامَة جِبْرِيلُ , يَرُدّ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , وَلَا ذَهَبَ يَوْمَئِذٍ وَلَا فِضَّةَ , فَيُؤْخَذ مِنْ حَسَنَات الظَّالِم فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَات أُخِذَ مِنْ سَيِّئَات الْمَظْلُومِ فَرُدَّتْ عَلَى الظَّالِمِ. أَخْرَجَ أَحْمَد وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث جَابِر عَنْ عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس رَفَعَهُ \" لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْل الْجَنَّة أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ حَتَّى أَقَصَّهُ مِنْهُ , حَتَّى اللَّطْمَة. قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْف وَإِنَّمَا نُحْشَرُ حُفَاةً عُرَاةً ؟ قَالَ : بِالسَّيِّئَاتِ وَالْحَسَنَات \" وَعَلَّقَ الْبُخَارِيُّ طَرَفًا مِنْهُ فِي التَّوْحِيد كَمَا سَيَأْتِي , وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ فِي نَحْو حَدِيث أَبِي سَعِيد \" إِنَّ اللَّه يَقُول لَا يُجَاوِزُنِي الْيَوْمَ ظُلْمُ ظَالِمٍ \" وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى مُوَازَنَة الْأَعْمَال يَوْم الْقِيَامَة. وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ الْحُمَيْدِيُّ صَاحِب \" الْجُمَع \" كِتَابًا لَطِيفًا وَتَعَقَّبَ أَبُو طَالِب عُقَيْل بْن عَطِيَّة أَكْثَرَهُ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ \" تَحْرِير الْمَقَال فِي مُوَازَنَة الْأَعْمَالِ \" وَفِي حَدِيث الْبَاب وَمَا بَعْده دَلَالَة عَلَى ضَعْف الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَة غَيْلَانَ بْن جَرِير عَنْ أَبِي بُرْدَة بْن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ \" يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ يَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى \" فَقَدْ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ شَدَّادٌ أَبُو طَلْحَةَ , وَالْكَافِر لَا يُعَاقَب بِذَنْبِ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) وَقَدْ أَخْرَجَ أَصْلَ الْحَدِيثِ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ أَبِي بُرْدَة بِلَفْظِ \" إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُول : هَذَا فِدَاؤُك مِنْ النَّارِ \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَمَعَ ذَلِكَ فَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ : الْحَدِيثُ فِي الشَّفَاعَةِ أَصَحُّ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْفِدَاء فِي قَوْمٍ كَانَتْ ذُنُوبُهُمْ كُفِّرَتْ عَنْهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ , وَحَدِيث الشَّفَاعَة فِي قَوْمٍ لَمْ تُكَفَّرْ ذُنُوبهمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا الْقَوْل لَهُمْ فِي الْفِدَاء بَعْد خُرُوجهمْ مِنْ النَّار بِالشَّفَاعَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْفِدَاء مَجَازًا عَمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْآتِي فِي أَوَاخِر \" بَاب صِفَة الْجَنَّة وَالنَّار \" قَرِيبًا بِلَفْظِ \" لَا يَدْخُل الْجَنَّة أَحَدٌ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّار لَوْ أَسَاءَ لِيَزْدَادَ شُكْرًا \" الْحَدِيثَ وَفِيهِ فِي مُقَابِلِهِ \" لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً \" فَيَكُون الْمُرَادُ بِالْفِدَاءِ إِنْزَالُ الْمُؤْمِنِ فِي مَقْعَدِ الْكَافِرِ مِنْ الْجَنَّة الَّذِي كَانَ أُعِدَّ لَهُ وَإِنْزَال الْكَافِر فِي مَقْعَد الْمُؤْمِن الَّذِي كَانَ أُعِدَّ لَهُ , وَقَدْ يُلَاحَظُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ( وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا ) وَبِذَلِكَ أَجَابَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ. وَأَمَّا رِوَايَة غَيْلَانَ بْن جَرِير فَأَوَّلهَا النَّوَوِيُّ أَيْضًا تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِأَنَّ اللَّه يَغْفِرُ تِلْكَ الذُّنُوب لِلْمُسْلِمِينَ , فَإِذَا سَقَطَتْ عَنْهُمْ وُضِعَتْ عَلَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِثْلُهَا بِكُفْرِهِمْ فَيُعَاقَبُونَ بِذُنُوبِهِمْ لَا بِذُنُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَيَكُون قَوْله \" وَيَضَعُهَا \" أَيْ يَضَع مِثْلَهَا لِأَنَّهُ لَمَّا أَسْقَطَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ سَيِّئَاتهمْ وَأَبْقَى عَلَى الْكُفَّار سَيِّئَاتِهِمْ صَارُوا فِي مَعْنَى مَنْ حَمَلَ إِثْمَ الْفَرِيقَيْنِ لِكَوْنِهِمْ اِنْفَرَدُوا بِحَمْلِ الْإِثْم الْبَاقِي وَهُوَ إِثْمُهُمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد آثَامًا كَانَتْ الْكُفَّارُ سَبَبًا فِيهَا بِأَنْ سَنُّوهَا فَلَمَّا غُفِرَتْ سَيِّئَات الْمُؤْمِنِينَ بَقِيَتْ سَيِّئَاتُ الَّذِي سَنَّ تِلْكَ السُّنَّةَ السَّيِّئَةَ بَاقِيَةً لِكَوْنِ الْكَافِرِ لَا يُغْفَرُ لَهُ , فَيَكُون الْوَضْع كِنَايَة عَنْ إِبْقَاء الذَّنْب الَّذِي لَحِقَ الْكَافِرَ بِمَا سَنَّهُ مِنْ عَمَلِهِ السَّيِّئِ , وَوَضَعَهُ عَنْ الْمُؤْمِنِ الَّذِي فَعَلَهُ بِمَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ الْعَفْو وَالشَّفَاعَة سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ النَّارِ أَوْ بَعْد دُخُولهَا وَالْخُرُوج مِنْهَا بِالشَّفَاعَةِ وَهَذَا الثَّانِي أَقْوَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6054",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ { ‏وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ‏} ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْن مُحَمَّدٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا تَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقُ وَهُوَ الْخَارِكِيّ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَكَافٍ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا بْن زُرَيْعٍ ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ) قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيد ) ‏ ‏أَيْ قَرَأَ يَزِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ وَفَسَّرَهَا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْمِنْهَالِ عَنْ يَزِيدَ بْن زُرَيْعٍ بِهَذَا السَّنَدِ إِلَى أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) قَالَ : \" يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ \" الْحَدِيثَ وَظَاهِره أَنَّ تِلَاوَةَ الْآيَةِ مَرْفُوعٌ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون كُلٌّ مِنْ رُوَاتِهِ تَلَا الْآيَةَ عِنْدَ إِيرَادِ الْحَدِيثِ فَاخْتَصَرَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة الصَّلْت مِمَّنْ فَوْقَ يَزِيدَ بْن زُرَيْعٍ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَة عَفَّان عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَةَ فِي هَذِهِ الْآيَة فَذَكَرَهَا قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ فَذَكَرَهُ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق شُعَيْب بْن إِسْحَاق عَنْ سَعِيد , وَرَوَاهُ عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء وَرَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ سَعِيد فَلَمْ يَذْكُرْ الْآيَةَ أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ , وَأَبُو الْمُتَوَكِّل النَّاجِي بِالنُّونِ اِسْمُهُ عَلِيُّ بْن دَاوُدَ , وَرِجَالُ السَّنَدِ كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ , وَصَرَّحَ قَتَادَةُ بِالتَّحْدِيثِ فِي هَذَا الْحَدِيث فِي رِوَايَةٍ مَضَتْ فِي الْمَظَالِمِ , وَكَذَا الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَةُ لِيُونُسَ بْن مُحَمَّد عَنْ شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ وَوَصَلَهَا اِبْن مَنْدَهْ , وَكَذَا أَخْرَجَهَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيره عَنْ يُونُسَ بْن مُحَمَّد , وَكَذَا فِي رِوَايَة شُعَيْب بْن إِسْحَاق عَنْ سَعِيد وَرِوَايَة بِشْر بْن خَالِد وَعَفَّانِ عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْعٍ. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّار ) ‏ ‏أَيْ نَجَوْا مِنْ السُّقُوطِ فِيهَا بَعْدَمَا جَازُوا عَلَى الصِّرَاط , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام عَنْ قَتَادَةَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْمَظَالِم \" إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ جِسْر جَهَنَّم \" وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث الشَّفَاعَة كَيْفِيَّةُ مُرُورِهِمْ عَلَى الصِّرَاطِ , قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ هُمْ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ الْقِصَاص لَا يَسْتَنْفِدُ حَسَنَاتِهِمْ. قُلْت : وَلَعَلَّ أَصْحَاب الْأَعْرَاف مِنْهُمْ عَلَى الْقَوْل الْمُرَجَّحِ آنِفًا , وَخَرَجَ مِنْ هَذَا صِنْفَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ : مَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ; وَمَنْ أَوْبَقَهُ عَمَلُهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ) ‏ ‏سَيَأْتِي أَنَّ الصِّرَاط جِسْرٌ مَوْضُوعٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ وَأَنَّ الْجَنَّة وَرَاءَ ذَلِكَ فَيَمُرُّ عَلَيْهِ النَّاسُ بِحَسَبِ أَعْمَالهمْ , فَمِنْهُمْ النَّاجِي وَهُوَ مَنْ زَادَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ أَوْ اِسْتَوَيَا أَوْ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ , وَمِنْهُمْ السَّاقِطُ وَهُوَ مَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ إِلَّا مَنْ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ , فَالسَّاقِط مِنْ الْمُوَحِّدِينَ يُعَذَّبُ مَا شَاءَ اللَّه ثُمَّ يَخْرُجُ بِالشَّفَاعَةِ وَغَيْرِهَا , وَالنَّاجِي قَدْ يَكُون عَلَيْهِ تَبِعَاتٌ وَلَهُ حَسَنَات تُوَازِيهَا أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا فَيُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا يَعْدِلُ تَبِعَاتِهِ فَيَخْلُصُ مِنْهَا. وَاخْتُلِفَ فِي الْقَنْطَرَة الْمَذْكُورَة فَقِيلَ هِيَ مِنْ تَتِمَّةِ الصِّرَاطِ وَهِيَ طَرَفُهُ الَّذِي يَلِي الْجَنَّة , وَقِيلَ إِنَّهُمَا صِرَاطَانِ , وَبِهَذَا الثَّانِي جَزَمَ الْقُرْطُبِيّ , وَسَيَأْتِي صِفَة الصِّرَاط فِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث الَّذِي فِي \" بَاب الصِّرَاط جِسْر جَهَنَّم \" فِي أَوَاخِر كِتَابِ الرِّقَاقِ. ‏ ‏قَوْله ( فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ أَوَّله فَتَكُون اللَّامُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة زَائِدَةً , أَوْ الْفَاعِل مَحْذُوفٌ وَهُوَ اللَّهُ أَوْ مَنْ أَقَامَهُ فِي ذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة شَيْبَانَ \" فَيَقْتَصُّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ \". ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْهَاء وَبِضَمِّ النُّون وَهُمَا بِمَعْنَى التَّمْيِيزِ وَالتَّخْلِيصِ مِنْ التَّبِعَاتِ. ‏ ‏قَوْله ( أَذِنَ لَهُمْ فِي دُخُول الْجَنَّة , فَوَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ كُلُّهُ وَكَذَا فِي سَائِر الرِّوَايَات إِلَّا فِي رِوَايَة عَفَّان عِنْد الطَّبَرِيّ فَإِنَّهُ جَعَلَ هَذَا مِنْ كَلَامِ قَتَادَةَ فَقَالَ بَعْد قَوْله \" فِي دُخُول الْجَنَّة \" قَالَ : وَقَالَ قَتَادَةُ \" وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى إِلَخْ \" وَفِي رِوَايَة شُعَيْب بْن إِسْحَاق بَعْد قَوْله \" فِي دُخُول الْجَنَّة \" قَالَ : فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِلَخْ فَأَبْهَمَ الْقَائِل , فَعَلَى رِوَايَة عَفَّان يَكُون هُوَ قَتَادَةَ وَعَلَى رِوَايَة غَيْره يَكُون هُوَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَزَادَ مُحَمَّد بْن الْمِنْهَال عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ. قَالَ قَتَادَةُ : كَانَ يُقَالُ مَا يُشَبَّهُ بِهِمْ إِلَّا أَهْلُ الْجُمُعَةِ إِذَا اِنْصَرَفُوا مِنْ جُمُعَتِهِمْ. وَهَكَذَا عِنْد عَبْد الْوَهَّاب وَرَوْح وَفِي رِوَايَة بِشْر بْن خَالِد وَعَفَّان جَمِيعًا عِنْد الطَّبَرِيّ قَالَ \" وَقَالَ بَعْضهمْ \" فَذَكَرَهُ وَكَذَا فِي رِوَايَة شُعَيْب بْن إِسْحَاق وَيُونُس بْن مُحَمَّد , وَالْقَائِل \" وَقَالَ بَعْضهمْ \" هُوَ قَتَادَةُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ الْقَائِلِ. ‏ ‏قَوْله ( لَأَحَدُهمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّة مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ \" أَهْدَى \" لَا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ بَلْ بِاللَّامِ أَوْ إِلَى , فَكَأَنَّهُ ضَمَّنَ مَعْنَى اللُّصُوقِ بِمَنْزِلِهِ هَادِيًا إِلَيْهِ , وَنَحْوه قَوْله تَعَالَى ( يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ) الْآيَةَ فَإِنَّ الْمَعْنَى يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ , فَأَقَامَ ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ ) إِلَى آخِرهَا بَيَانًا وَتَفْسِيرًا , لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِسَبَبِ السَّعَادَةِ كَالْوُصُولِ إِلَيْهَا. قُلْت : وَلِأَصْلِ الْحَدِيث شَاهِدٌ مِنْ مُرْسَل الْحَسَن أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ قَالَ \" بَلَغَنِي أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يُحْبَس أَهْل الْجَنَّة بَعْد مَا يَجُوزُونَ الصِّرَاط حَتَّى يُؤْخَذ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْض ظُلَامَاتُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّة وَلَيْسَ فِي قُلُوب بَعْضهمْ عَلَى بَعْض غِلٌّ \" قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن سَلَام أَنَّ الْمَلَائِكَة تَدُلُّهُمْ عَلَى طَرِيق الْجَنَّة يَمِينًا وَشِمَالًا , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَنْ لَمْ يُحْبَسْ بِالْقَنْطَرَةِ أَوْ عَلَى الْجَمِيع , وَالْمُرَاد أَنَّ الْمَلَائِكَة تَقُول ذَلِكَ لَهُمْ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ , فَمَنْ دَخَلَ كَانَتْ مَعْرِفَتُهُ بِمَنْزِلِهِ فِيهَا كَمَعْرِفَتِهِ بِمَنْزِلِهِ فِي الدُّنْيَا. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْقَوْل بَعْد الدُّخُول مُبَالَغَةٌ فِي التَّبْشِير وَالتَّكْرِيم , وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن سَلَام الْمَذْكُور أَخْرَجَهُ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك فِي الزُّهْد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم. ‏"
    },
    {
        "id": "6055",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ قَالَتْ قُلْتُ أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ‏} ‏قَالَ ذَلِكِ الْعَرْضُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ ‏ ‏وَأَيُّوبُ ‏ ‏وَصَالِحُ بْنُ رُسْتُمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ ) ‏ ‏قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : رَوَاهُ حَاتِم بْن أَبِي صَغِيرَة عَنْ عَبْد اللَّه اِبْن أَبِي مُلَيْكَة فَقَالَ \" حَدَّثَنِي الْقَاسِم بْن مُحَمَّد حَدَّثَتْنِي عَائِشَة \" وَقَوْله أَصَحّ لِأَنَّهُ زَادَ , وَهُوَ حَافِظ مُتْقِنٌ. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْره بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ عَائِشَة وَسَمِعَهُ مِنْ الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة فَحَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. قُلْت : وَهَذَا مُجَرَّد اِحْتِمَال , وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِسَمَاعِ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة لَهُ عَنْ عَائِشَة فِي بَعْض طُرُقه كَمَا فِي السَّنَد الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَاب فَانْتَفَى التَّعْلِيلُ بِإِسْقَاطِ رَجُلٍ مِنْ السَّنَدِ , وَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ الْقَاسِم عَنْ عَائِشَةَ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَةَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أَوْ بِالْعَكْسِ , وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ فِي رِوَايَته بِالْوَاسِطَةِ مَا لَيْسَ فِي رِوَايَته بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَإِنْ كَانَ مُؤَدَّاهُمَا وَاحِدًا , وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ بِحَمْدِ اللَّهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْدِ بْن حُمَيْدٍ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُوسَى شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَتْ قُلْت أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فَسَوْفَ يُحَاسَبُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْدٍ \" قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّه يَقُولُ ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ - إِلَى قَوْله - حِسَابًا يَسِيرًا ) \" وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَة \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي بَعْض صَلَاتِهِ : اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا , فَلَمَّا اِنْصَرَفَ قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْحِسَابُ الْيَسِيرُ ؟ قَالَ : أَنْ يَنْظُرَ فِي كِتَابه فَيَتَجَاوَزَ لَهُ عَنْهُ ; إِنَّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَا عَائِشَةُ يَوْمَئِذٍ هَلَكَ \" ‏ ‏قَوْله فِي السَّنَد الثَّانِي ‏ ‏( مِثْله ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة اِنْشَقَّتْ بِهَذَا السَّنَد وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ أَيْضًا , وَأَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن خَلَّاد عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد فَقَالَ مِثْل حَدِيث عُبَيْدِ اللَّهِ بْن مُوسَى سَوَاء. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ اِبْن جُرَيْجٍ وَمُحَمَّد بْن سُلَيْمٍ وَأَيُّوبَ وَصَالِح بْن رُسْتُم عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ ) ‏ ‏قُلْت مُتَابَعَةُ اِبْن جُرَيْجٍ وَمُحَمَّد بْن سُلَيْمٍ وَصَلَهُمَا أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيق أَبِي عَاصِم عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ وَعُثْمَان بْن الْأَسْوَد وَمُحَمَّد بْن سُلَيْمٍ كُلُّهُمْ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عَائِشَة بِهِ. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏أَحَدُهُمَا اُخْتُلِفَ عَلَى اِبْن جُرَيْجٍ فِي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيث , فَأَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء عَنْ عَائِشَة مُخْتَصَرًا وَلَفْظُهُ \" مَنْ حُوسِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ \". ‏ ‏ثَانِيهِمَا مُحَمَّد بْن سُلَيْمٍ هَذَا جَزَمَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيّ بِأَنَّهُ أَبُو عُثْمَان الْمَكِّيُّ وَقَالَ : اِسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي الرِّقَاقِ , وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّد بْن سُلَيْمٍ الْبَصْرِيّ وَهُوَ أَبُو هِلَال الرَّاسِبِيّ اِسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي التَّعْبِير , وَأَمَّا الْمِزِّيُّ فَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا عُثْمَان فِي التَّهْذِيب بَلْ اِقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ أَبِي هِلَالٍ وَعَلَّمَ عَلَامَةَ التَّعْلِيقِ عَلَى اِسْمِهِ فِي تَرْجَمَةِ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ وَهُوَ الَّذِي هُنَا وَعَلَى مُحَمَّد بْن سِيرِينَ وَهُوَ الَّذِي فِي التَّعْبِير , وَاَلَّذِي يَظْهَر تَصْوِيبُ أَبِي عَلِيٍّ. وَمُحَمَّد بْن سُلَيْمٍ أَبُو عُثْمَان الْمَذْكُور ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ فَقَالَ : يُرْوَى عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ وَرَوَى عَنْهُ وَكِيعٌ , وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم رَوَى عَنْهُ أَبُو عَاصِم وَنَقَلَ عَنْ إِسْحَاق اِبْن مَنْصُور عَنْ يَحْيَى بْن مَعِينٍ قَالَ هُوَ ثِقَةٌ , وَقَالَ أَبُو حَاتِم صَالِحٌ , وَذَكَره اِبْن حِبَّانَ فِي الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ الثِّقَاتِ. وَأَمَّا مُتَابَعَةُ أَيُّوبَ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي التَّفْسِير مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحه عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي عَنْ سُلَيْمَانَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَلَفْظُهُ \" مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ. قَالَتْ عَائِشَة : فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه فَأَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ) قَالَ : ذَاكِ الْعَرْضُ , وَلَكِنَّهُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَيُّوب بِلَفْظِ \" مَنْ نُوقِشَ عُذِّبَ فَقَالَتْ كَأَنَّهَا تُخَاصِمُهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ فِي آخِرِهِ : قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ حَمَّادٍ بِلَفْظِ \" ذَاكُمْ الْعَرْضُ \" بِزِيَادَةِ مِيمِ الْجَمَاعَةِ. وَأَمَّا مُتَابَعَةُ صَالِحِ بْن رُسْتُم بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَهُوَ أَبُو عَامِر الْخَزَّازُ بِمُعْجَمَاتٍ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ اِسْمِهِ فَوَصَلَهَا إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ , عَنْ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْخَزَّازِ , وَوَقَعَتْ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي \" الْمَحَامِلِيَّات \" وَفِي لَفْظِهِ زِيَادَةٌ \" قَالَ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ قُلْت إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ أَشَدُّ , فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا هِيَ ؟ قُلْت ( مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ) فَقَالَ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَازَى بِأَسْوَأ عَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا يُصِيبُهُ الْمَرَضُ حَتَّى النَّكْبَةُ , وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يُعَذِّبْهُ. قَالَتْ قُلْت : أَلَيْسَ قَالَ اللَّه تَعَالَى \" فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيث إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو عَوَانَةَ وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ عِدَّة طُرُقٍ عَنْ أَبِي عَامِر الْخَزَّاز نَحْوَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6056",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَتْنِي ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ‏} ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا عُذِّبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَاتِم بْن أَبِي صَغِيرَةَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكُنْيَة حَاتِم أَبُو يُونُس وَاسْم أَبِي صَغِيرَةَ مُسْلِمٌ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ زَوْجُ أُمِّ أَبِي يُونُسَ وَقِيلَ جَدُّهُ لِأُمِّهِ. ‏ ‏قَوْله ( لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ , ثُمَّ قَالَ أَخِيرًا : وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا عُذِّبَ ) ‏ ‏وَكِلَاهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ لِأَنَّ الْمُرَاد بِالْمُحَاسَبَةِ تَحْرِيرُ الْحِسَابِ فَيَسْتَلْزِمُ الْمُنَاقَشَةَ وَمَنْ عُذِّبَ فَقَدْ هَلَكَ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي \" الْمُفْهِمِ \" قَوْله \" حُوسِبَ \" أَيْ حِسَابَ اِسْتِقْصَاءٍ وَقَوْلُهُ \" عُذِّبَ \" أَيْ فِي النَّارِ جَزَاءً عَلَى السَّيِّئَاتِ الَّتِي أَظْهَرَهَا حِسَابُهُ , وَقَوْله \" هَلَكَ \" أَيْ بِالْعَذَابِ فِي النَّارِ. قَالَ : وَتَمَسَّكَتْ عَائِشَةُ بِظَاهِرِ لَفْظِ الْحِسَابِ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ. ‏ ‏قَوْله ( يُنَاقَش الْحِسَابَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَالتَّقْدِيرُ يُنَاقَشُ فِي الْحِسَابِ. ‏ ‏قَوْله ( أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَة اِنْشَقَّتْ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ أَبِي يُونُس بِلَفْظِ \" فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فَدَاءَك أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى \". ‏ ‏قَوْله ( إِنَّمَا ذَلِك الْعَرْضُ ) فِي رِوَايَة الْقَطَّانِ \" قَالَ ذَاكِ الْعَرْضُ تُعْرَضُونَ وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ \" وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ شَاهِدًا مِنْ رِوَايَة هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس رَفَعَهُ \" مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ \" وَقَالَهُ غَرِيب. قُلْت : وَالرَّاوِي لَهُ عَنْ هَمَّام عَلَى بْن أَبِي بَكْر صَدُوقٌ وَرُبَّمَا أَخْطَأَ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَى قَوْله \" إِنَّمَا ذَلِك الْعَرْضُ \" أَنَّ الْحِسَابَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ أَنْ تُعْرَضَ أَعْمَالُ الْمُؤْمِنِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْرِفَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي سَتْرِهَا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي عَفْوِهِ عَنْهَا فِي الْآخِرَةِ كَمَا فِي حَدِيث اِبْنِ عُمَرَ فِي النَّجْوَى , قَالَ عِيَاضٌ : قَوْله \" عُذِّبَ \" لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدهمَا أَنَّ نَفْسَ مُنَاقَشَةِ الْحِسَابِ وَعَرْض الذُّنُوبِ وَالتَّوْقِيف عَلَى قَبِيح مَا سَلَفَ وَالتَّوْبِيخ تَعْذِيب , وَالثَّانِي أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى اِسْتِحْقَاق الْعَذَابِ إِذْ لَا حَسَنَةَ لِلْعَبْدِ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِإِقْدَارِهِ عَلَيْهَا وَتَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ بِهَا وَهِدَايَته لَهَا وَلِأَنَّ الْخَالِص لِوَجْهِهِ قَلِيلٌ , وَيُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِيَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" هَلَكَ \" وَقَالَ النَّوَوِيّ : التَّأْوِيل الثَّانِي هُوَ الصَّحِيح لِأَنَّ التَّقْصِير غَالِبٌ عَلَى النَّاسِ , فَمَنْ اُسْتُقْصِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُسَامَحْ هَلَكَ. وَقَالَ غَيْره : وَجْه الْمُعَارَضَة أَنَّ لَفْظ الْحَدِيث عَامٌّ فِي تَعْذِيب كُلّ مَنْ حُوسِبَ وَلَفْظ الْآيَة دَالٌّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَا يُعَذَّبُ ; وَطَرِيق الْجَمْع أَنَّ الْمُرَاد بِالْحِسَابِ فِي الْآيَة الْعَرْض وَهُوَ إِبْرَاز الْأَعْمَال وَإِظْهَارهَا فَيُعَرِّف صَاحِبهَا بِذُنُوبِهِ ثُمَّ يَتَجَاوَز عَنْهُ , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ عِنْد الْبَزَّار وَالطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق عَبَّاد بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر \" سَمِعْت عَائِشَة تَقُول : سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحِسَابِ الْيَسِيرِ قَالَ : الرَّجُلُ تُعْرَضُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ ثُمَّ يُتَجَاوَزُ لَهُ عَنْهَا \" وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ \" يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال اِعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَار ذُنُوبه \" الْحَدِيثَ وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم وَالْحَاكِم \" مَنْ زَادَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَذَاكَ الَّذِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَمَنْ اِسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَذَاكَ الَّذِي يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ثُمَّ يَدْخُل الْجَنَّة , وَمَنْ زَادَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ فَذَاكَ الَّذِي أَوْبَقَ نَفْسَهُ وَإِنَّمَا الشَّفَاعَةُ فِي مِثْلِهِ \" وَيَدْخُل فِي هَذَا حَدِيث اِبْن عُمَر فِي النَّجْوَى وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الْمَظَالِم وَفِي تَفْسِير سُورَة هُود وَفِي التَّوْحِيد وَفِيهِ \" وَيَدْنُو أَحَدكُمْ مِنْ رَبّه حَتَّى يَضَع كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُول : أَعَمِلْت كَذَا وَكَذَا ؟ فَيَقُول : نَعَمْ فَيُقَرِّرُهُ. ثُمَّ يَقُول : إِنِّي سَتَرْت عَلَيْك فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَك الْيَوْمَ \" وَجَاءَ فِي كَيْفِيَّة الْعَرْضِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَة عَلِىّ بْن عَلِيٍّ الرِّفَاعِيِّ عَنْ الْحَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" تُعْرَض النَّاس يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاث عَرْضَات : فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ وَعِنْد ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ \" قَالَ التِّرْمِذِيّ : لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَلِىّ بْن عَلِيٍّ الرِّفَاعِيِّ عَنْ الْحَسَن عَنْ أَبِي مُوسَى اِنْتَهَى , وَهُوَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَأَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه مَرْفُوعًا , وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْث بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود مَوْقُوفًا , قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ : الْجِدَالُ لِلْكُفَّارِ يُجَادِلُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمْ فَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ إِذَا جَادَلُوا نَجَوْا , وَالْمَعَاذِيرُ اِعْتِذَارُ اللَّهِ لِآدَمَ وَأَنْبِيَائِهِ بِإِقَامَتِهِ الْحُجَّةَ عَلَى أَعْدَائِهِ , وَالثَّالِثَة لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ الْعَرْضُ الْأَكْبَرُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا \" لَا يُحَاسَب رَجُلٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ \" وَظَاهِرُهُ يُعَارِضُ حَدِيثَهَا الْمَذْكُور فِي الْبَاب , وَطَرِيق الْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ مَعًا فِي حَقّ الْمُؤْمِن , وَلَا مُنَافَاةَ بَيْن التَّعْذِيب وَدُخُول الْجَنَّة لِأَنَّ الْمُوَحِّدَ وَإِنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالتَّعْذِيبِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ أَوْ بِعُمُومِ الرَّحْمَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6057",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَقُولُ ‏ ‏يُجَاءُ بِالْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لَهُ قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَنَس \" يُجَاءُ بِالْكَافِرِ \" ‏ ‏ذَكَرَهُ مِنْ رِوَايَة هِشَام الدَّسْتِوَائِيِّ وَمِنْ رِوَايَة سَعِيدٍ وَهُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ وَسَاقَهُ بِلَفْظِ سَعِيد , وَأَمَّا لَفْظُ هِشَام فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُعَاذ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ \" يُقَال لِلْكَافِرِ \" وَالْبَاقِي مِثْلُهُ وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّلِ يُجَاءُ وَيُقَال , وَسَيَأْتِي بَعْد بَاب فِي \" بَاب صِفَة الْجَنَّة وَالنَّار \" مِنْ رِوَايَة أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَنَس التَّصْرِيحُ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ \" يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ : لَوْ أَنَّ لَك مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْت تَفْتَدِي بِهِ ؟ فَيَقُول نَعَمْ \" وَرَوَاهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق ثَابِت عَنْ أَنَسٍ , وَظَاهِر سِيَاقِهِ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ لِلْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَفْظُهُ \" يُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ يَا اِبْنَ آدَمَ كَيْفَ وَجَدْت مَضْجَعَك ؟ فَيَقُولُ : شَرَّ مَضْجَعٍ , فَيُقَال لَهُ : هَلْ تَفْتَدِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ ذَهَبًا ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ يَا رَبِّ , فَيُقَال لَهُ كَذَبْت \" وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالْمَضْجَعِ هُنَا مَضْجَعه فِي الْقَبْرِ فَيَلْتَئِمُ مَعَ الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَيُقَالُ لَهُ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ كَذَبْت. ‏ ‏قَوْله ( قَدْ كُنْت سُئِلْت مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عِمْرَانَ فَيَقُول \" أَرَدْت مِنْك مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ : أَنْ لَا تُشْرِكَ شَيْئًا , فَأَبَيْت إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي \" وَفِي رِوَايَة ثَابِت \" قَدْ سَأَلْتُك أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ تَفْعَلْ فَيُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ \" قَالَ عِيَاضٌ : يُشِير بِذَلِكَ إِلَى قَوْله تَعَالَى ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّك مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) الْآيَةَ فَهَذَا الْمِيثَاقُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي صُلْبِ آدَمَ , فَمَنْ وَفَّى بِهِ بَعْدَ وُجُودِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ مُؤْمِنٌ , وَمَنْ لَمْ يُوَفِّ بِهِ فَهُوَ الْكَافِرُ , فَمُرَادُ الْحَدِيثِ أَرَدْت مِنْك حِينَ أَخَذْت الْمِيثَاقَ فَأَبَيْت إِذْ أَخْرَجْتُك إِلَى الدُّنْيَا إِلَّا الشِّرْكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْإِرَادَةِ هُنَا الطَّلَب وَالْمَعْنَى أَمَرْتُك فَلَمْ تَفْعَلْ , لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَكُون فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا يُرِيدُ. وَاعْتَرَضَ بَعْض الْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا لَا يُرِيدُ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ وَلَا مُسْتَحِيلٍ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَرَادَ إِيمَان الْمُؤْمِن وَكُفْر الْكَافِر , وَلَوْ أَرَادَ مِنْ الْكَافِر الْإِيمَان لَآمَنَ , يَعْنِي لَوْ قَدَّرَهُ عَلَيْهِ لَوَقَعَ. وَقَالَ أَهْل الِاعْتِزَالِ : بَلْ أَرَادَ مِنْ الْجَمِيعِ الْإِيمَانَ فَأَجَابَ الْمُؤْمِنُ وَامْتَنَعَ الْكَافِر , فَحَمَلُوا الْغَائِبَ عَلَى الشَّاهِدِ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ مُرِيد الشَّرّ شِرِّيرٌ وَالْكُفْرُ شَرٌّ فَلَا يَصِحّ أَنْ يُرِيدَهُ الْبَارِي. وَأَجَابَ أَهْل السُّنَّة عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّرَّ شَرٌّ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ , وَأَمَّا فِي حَقِّ الْخَالِقِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ , وَإِنَّمَا كَانَتْ إِرَادَةُ الشَّرِّ شَرًّا لِنَهْيِ اللَّهِ عَنْهُ , وَالْبَارِي سُبْحَانه لَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ يَأْمُرُهُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ تُقَاسَ إِرَادَتُهُ عَلَى إِرَادَةِ الْمَخْلُوقِينَ , وَأَيْضًا فَالْمُرِيدُ لِفِعْلٍ مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ مَا أَرَادَهُ آذَنَ ذَلِكَ بِعَجْزِهِ وَضَعْفِهِ وَالْبَارِي تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالْعَجْزِ وَالضَّعْف فَلَوْ أَرَادَ الْإِيمَانَ مِنْ الْكَافِرِ وَلَمْ يُؤْمِنْ لَآذَنَ ذَلِكَ بِعَجْزٍ وَضَعْفٍ , تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ , وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ , وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) وَأُجِيبُوا بِأَنَّهُ مِنْ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ بِمَنْ قَضَى اللَّهُ لَهُ الْإِيمَانَ , فَعِبَادُهُ عَلَى هَذَا الْمَلَائِكَة وَمُؤْمِنُو الْإِنْس وَالْجِنّ وَقَالَ آخَرُونَ : الْإِرَادَة مَعْنَى الرِّضَا , وَمَعْنَى قَوْله ( وَلَا يَرْضَى ) أَيْ لَا يَشْكُرُهُ لَهُمْ وَلَا يُثِيبُهُمْ عَلَيْهِ , فَعَلَى هَذَا فَهِيَ صِفَةُ فِعْلٍ. وَقِيلَ مَعْنَى الرِّضَا أَنَّهُ لَا يَرْضَاهُ دِينًا مَشْرُوعًا لَهُمْ , وَقِيلَ الرِّضَا صِفَةٌ وَرَاءَ الْإِرَادَةِ , وَقِيلَ الْإِرَادَةُ تُطْلَقُ بِإِزَاءِ شَيْئَيْنِ إِرَادَة تَقْدِير وَإِرَادَة رِضًا , وَالثَّانِيَة أَخَصُّ مِنْ الْأُولَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ : الرِّضَا مِنْ اللَّهِ إِرَادَةُ الْخَيْرِ كَمَا أَنَّ السُّخْطَ إِرَادَةُ الشَّرِّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَوْله \" فَيُقَالُ لَهُ كَذَبْت \" مَعْنَاهُ لَوْ رَدَدْنَاك إِلَى الدُّنْيَا لَمَا اِفْتَدَيْت لِأَنَّك سُئِلْت أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ فَأَبَيْت , وَيَكُون مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) وَبِهَذَا يَجْتَمِعُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى ( لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ). قَالَ : وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ جَوَازُ قَوْلِ الْإِنْسَانِ يَقُولُ اللَّهُ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ , وَقَالَ : إِنَّمَا يَجُوزُ قَالَ اللَّه تَعَالَى وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ , وَقَدْ تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ. وَقَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَاَللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ). ‏"
    },
    {
        "id": "6058",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏خَيْثَمَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَسَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ ثُمَّ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى شَيْئًا قُدَّامَهُ ثُمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَيْثَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اتَّقُوا النَّارَ ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثُمَّ قَالَ اتَّقُوا النَّارَ ثُمَّ أَعْرَضَ ‏ ‏وَأَشَاحَ ‏ ‏ثَلَاثًا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ قَالَ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي خَيْثَمَةُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الْجُعْفِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ) ‏ ‏هُوَ الطَّائِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ) ‏ ‏ظَاهِرُ الْخِطَابِ لِلصَّحَابَةِ , وَيُلْتَحَقُ بِهِمْ الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ سَابِقُهُمْ وَمُقَصِّرُهُمْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْنُ أَبِي جَمْرَةَ. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وَكِيعٍ عَنْ الْأَعْمَش عَنْهُ اِبْن مَاجَهْ \" سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ \". ‏ ‏قَوْله ( لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا يَقُولُ وَبَيَّنَهُ فِي رِوَايَة مُحِلِّ بْن خَلِيفَة عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فِي الزَّكَاةِ بِلَفْظِ \" ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ. ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ : أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا ؟ فَيَقُول : بَلَى \" الْحَدِيثَ وَالتَّرْجُمَانُ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ فِي شَرْحِ قِصَّة هِرَقْلَ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى قُدَّامَهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ أَمَامَهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عِيسَى بْن يُونُس عَنْ الْأَعْمَشِ فِي التَّوْحِيد وَعِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" فَيَنْظُر أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَهُ , وَيَنْظُر أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ \" وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَةَ بِلَفْظِ \" فَلَا يَرَى شَيْئًا إِلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ \" وَفِي رِوَايَةِ مُحِلِّ بْن خَلِيفَةَ \" فَيَنْظُر عَنْ يَمِينه فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ , وَيَنْظُر عَنْ شِمَاله فَلَا يَرَى إِلَّا النَّار \" وَهَذِهِ الرِّوَايَة مُخْتَصَرَةٌ وَرِوَايَةُ خَيْثَمَةَ مُفَسَّرَةٌ فَهِيَ الْمُعْتَمَدَةُ فِي ذَلِكَ , وَقَوْله أَيْمَنَ وَأَشْأَمَ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَالْمُرَادُ بِهِمَا الْيَمِينُ وَالشِّمَالُ , قَالَ اِبْن هُبَيْرَةَ : نَظَرُ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ هُنَا كَالْمِثْلِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ شَأْنِهِ إِذَا دَهَمَهُ أَمْرٌ أَنْ يَلْتَفِتَ يَمِينًا وَشِمَالًا يَطْلُبُ الْغَوْثَ. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَبُ الِالْتِفَاتِ أَنَّهُ يَتَرَجَّى أَنْ يَجِدَ طَرِيقًا يَذْهَبُ فِيهَا لِيَحْصُلَ لَهُ النَّجَاةُ مِنْ النَّارِ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا يُفْضِي بِهِ إِلَى النَّارِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عِيسَى \" وَيَنْظُر بَيْن يَدِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَةَ \" يَنْظُرُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ \" قَالَ اِبْن هُبَيْرَةَ : وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّارَ تَكُونُ فِي مَمَرِّهِ فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحِيدَ عَنْهَا إِذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ. ‏ ‏قَوْله ( فَمَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ) ‏ ‏زَادَ وَكِيع فِي رِوَايَتِهِ \" فَلْيَفْعَلْ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَةَ \" أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ \" وَفِي رِوَايَة عِيسَى \" فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ \" أَيْ اِجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا وِقَايَةً مِنْ الصَّدَقَةِ وَعَمَلِ الْبِرِّ وَلَوْ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ الْأَعْمَش ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش كَذَلِكَ , وَبَيَّنَ عِيسَى بْن يُونُس فِي رِوَايَته أَنَّ الْقَدْر الَّذِي زَادَهُ عَمْرو بْن مُرَّةَ لِلْأَعْمَشِ فِي حَدِيثه عَنْ خَيْثَمَةَ قَوْله فِي آخِرِهِ \" فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ \" وَقَدْ مَضَى الْحَدِيثُ بِأَتَمَّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا فِي رِوَايَة مُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ فِي الزَّكَاةِ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُرَّةَ وَصَرَّحَ بِهِ رِوَايَة عِيسَى بْن يُونُسَ. ‏ ‏قَوْله ( اِتَّقُوا النَّارَ ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ) ‏ ‏بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ أَظْهَرَ الْحَذَرَ مِنْهَا , وَقَالَ الْخَلِيلِيُّ : أَشَاحَ بِوَجْهِهِ عَنْ الشَّيْء نَحَّاهُ عَنْهُ , وَقَالَ الْفَرَّاءُ الْمُشِيحُ الْحَذِرُ وَالْجَادُّ فِي الْأَمْرِ وَالْمُقْبِلُ فِي خِطَابِهِ , فَيَصِحّ أَحَدُ هَذِهِ الْمَعَانِي أَوْ كُلُّهَا أَيْ حَذِرُ النَّارِ كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا أَوْ جَدَّ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِاتِّقَائِهَا أَوْ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي خِطَابِهِ بَعْد أَنْ أَعْرَضَ عَنْ النَّار لَمَّا ذَكَرَهَا , وَحَكَى اِبْنُ التِّينِ أَنَّ مَعْنَى أَشَاحَ صَدَّ وَانْكَمَشَ , وَقِيلَ صَرَفَ وَجْهَهُ كَالْخَائِفِ أَنْ تَنَالَهُ. قُلْت : وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ مِنْ قَوْله أَعْرَضَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَةَ فِي أَوَّله \" ذَكَرَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّارَ فَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثُمَّ قَالَ اِتَّقُوا النَّارَ \". ‏ ‏قَوْله ( ثَلَاثًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" ثُمَّ قَالَ اِتَّقُوا النَّارَ , وَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَة جَرِيرٍ عَنْ الْأَعْمَش , قَالَ اِبْنُ هُبَيْرَةَ وَابْن أَبِي جَمْرَةَ فِي حَدِيث إِنَّ اللَّهَ يُكَلِّمُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدَّار الْآخِرَة بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ : وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ. قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ الصَّدَقَةِ وَلَوْ قُلْت , وَقَدْ قُيِّدَتْ فِي الْحَدِيثِ بِالْكَسْبِ الطَّيِّبِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ اِحْتِقَار الْقَلِيلِ مِنْ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا. وَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الزُّهْدِ حَيْثُ قَالُوا الْمُلْتَفِتُ هَالِكٌ يُؤْخَذُ مِنْ أَنَّ نَظَرَ الْمَذْكُورِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ فِيهِ صُورَةُ الِالْتِفَاتِ فَلِذَا لَمَّا نَظَرَ أَمَامَهُ اِسْتَقْبَلَتْهُ النَّارُ , وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قُرْبِ النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْمَوْقِفِ , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ مِنْ مُرْسَلِ عَبْدِ اللَّهِ بْن بَابَاه بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ رَفَعَهُ \" كَأَنِّي أَرَاكُمْ بِالْكَوَمِ جُثًى مِنْ دُونِ جَهَنَّمَ \" وَقَوْله \" جُثًى \" بِضَمِّ الْجِيم بَعْدهَا مُثَلَّثَةٌ مَقْصُورٌ جَمْعُ جَاثٍ , وَالْكَوَمُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْوَاوِ السَّاكِنَةِ الْمَكَانُ الْعَالِي الَّذِي تَكُونُ عَلَيْهِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيث كَعْب بْن مَالِك عِنْد مُسْلِم أَنَّهُمْ يَكُونُونَ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى تَلٍّ عَالٍ , وَفِيهِ أَنَّ اِحْتِجَابَ اللَّهِ عَنْ عِبَادِهِ لَيْسَ بِحَائِلٍ حِسِّيٍّ بَلْ بِأَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ يَتَعَلَّقُ بِقُدْرَتِهِ , يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى قُدَّامَهُ شَيْئًا. وَقَالَ اِبْن هُبَيْرَةَ الْمُرَاد بِالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ هُنَا يَدُلُّ عَلَى هُدًى أَوْ يُرَدُّ عَنْ رَدًى أَوْ يُصْلِحُ بَيْنَ اِثْنَيْنِ أَوْ يَفْصِلُ بَيْنَ مُتَنَازِعَيْنِ أَوْ يَحُلُّ مُشْكِلًا أَوْ يَكْشِف غَامِضًا أَوْ يَدْفَع ثَائِرًا أَوْ يُسَكِّنُ غَضَبًا , وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6059",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُصَيْنٌ ‏ ‏ح ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏أَسِيدُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ عِنْدَ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏فَقَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَأَخَذَ النَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْأُمَّةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْعَشَرَةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْخَمْسَةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ قُلْتُ يَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏هَؤُلَاءِ أُمَّتِي قَالَ لَا وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ قَالَ هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ وَهَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ قُلْتُ وَلِمَ قَالَ كَانُوا لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَامَ إِلَيْهِ ‏ ‏عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ ‏ ‏فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ سَبَقَكَ بِهَا ‏ ‏عُكَّاشَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا اِبْن الْفُضَيْل ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّدٌ , ‏ ‏وَحُصَيْن ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الْوَاسِطِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْبُخَارِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( وَحَدَّثَنِي أَسِيدٌ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ اِبْنُ زَيْدٍ الْجَمَّال بِالْجِيمِ كُوفِيٌّ حَدَّثَ بِبَغْدَاد , قَالَ أَبُو حَاتِم : كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ , وَأَفْحَشَ اِبْن مَعِينٍ فِيهِ الْقَوْلَ. وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَدْ قَرَنَهُ فِيهِ بِغَيْرِهِ , وَلَعَلَّهُ كَانَ عِنْده ثِقَة قَالَهُ أَبُو مَسْعُود , وَيَحْتَمِل أَنْ لَا يَكُون خَبُرَ أَمْرَهُ كَمَا يَنْبَغِي وَإِنَّمَا سَمِعَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَة مِنْهُمْ شُرَيْح بْن النُّعْمَانِ عِنْد أَحْمَد وَسَعِيد بْن مَنْصُور عِنْد مُسْلِم وَغَيْرهمَا , وَإِنَّمَا اِحْتَاجَ إِلَيْهِ فِرَارًا مِنْ تَكْرِير الْإِسْنَاد بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ السَّنَدَ الْأَوَّلَ فِي الطِّبِّ فِي \" بَابٌ مَنْ اِكْتَوَى \" ثُمَّ أَعَادَهُ هُنَا فَأَضَافَ إِلَيْهِ طَرِيقَ هُشَيْمٍ , وَتَقَدَّمَ لَهُ فِي الطِّبّ أَيْضًا فِي بَاب مَنْ لَمْ يَرْقِ مِنْ طَرِيق حُصَيْنِ بْن بَهْزٍ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , وَتَقَدَّمَ بِاخْتِصَارٍ قَرِيبًا مِنْ طَرِيق شُعْبَةَ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. ‏ ‏قَوْله ( كُنْت عِنْد سَعِيد بْن جُبَيْر فَقَالَ حَدَّثَنِي اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏زَادَ اِبْن فُضَيْلٍ فِي رِوَايَة عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَامِر وَهُوَ الشَّعْبِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ \" لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ \" الْحَدِيثَ , وَقَدْ بَيَّنْت الِاخْتِلَافَ فِي رَفْعِ حَدِيثِ عِمْرَانَ هَذَا وَالِاخْتِلَافَ فِي سَنَدِهِ أَيْضًا فِي كِتَابِ الطِّبِّ , وَأَنَّ فِي رِوَايَة هُشَيْمٍ زِيَادَةَ قِصَّةٍ وَقَعَتْ لِحُصَيْنِ بْن عَبْد الرَّحْمَن مَعَ سَعِيد بْن جُبَيْرٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالرُّقْيَةِ وَذَكَرْت حُكْمَ الرُّقْيَةِ هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله ( عُرِضَتْ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ. ‏ ‏قَوْله ( عَلَيَّ ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ ‏ ‏( الْأُمَمُ ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ , وَقَدْ بَيَّنَ عَبْثَر بْن الْقَاسِم بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ وَزْنَ جَعْفَرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْد التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَلَفْظُهُ \" لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُعِلَ يُمَرُّ بِالنَّبِيِّ وَمَعَهُ الْوَاحِدُ \" الْحَدِيثَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَحْفُوظًا كَانَتْ فِيهِ قُوَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى تَعَدُّدِ الْإِسْرَاءِ وَأَنَّهُ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ أَيْضًا غَيْر الَّذِي وَقَعَ بِمَكَّةَ , فَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ \" أَكْثَرْنَا الْحَدِيث عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عُدْنَا إِلَيْهِ فَقَالَ : عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاء اللَّيْلَة بِأُمَمِهَا , فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الثَّلَاثَة وَالنَّبِيّ يَمُرّ وَمَعَهُ الْعِصَابَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد الْبَزَّار \" أَبْطَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاة الْعِشَاء حَتَّى نَامَ بَعْض مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِد \" الْحَدِيثَ وَاَلَّذِي يَتَحَرَّرُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْإِسْرَاءَ الَّذِي وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ لَيْسَ فِيهِ مَا وَقَعَ بِمَكَّة مِنْ اِسْتِفْتَاحِ أَبْوَابِ السَّمَاوَاتِ بَابًا بَابًا وَلَا مِنْ اِلْتِقَاء الْأَنْبِيَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ فِي سَمَاءٍ وَلَا الْمُرَاجَعَةِ مَعَهُمْ وَلَا الْمُرَاجَعَةِ مَعَ مُوسَى فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِفَرْضِ الصَّلَوَاتِ وَلَا فِي طَلَبِ تَخْفِيفِهَا وَسَائِر مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ وَإِنَّمَا تَكَرَّرَتْ قَضَايَا كَثِيرَةٌ سِوَى ذَلِكَ رَآهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَمِنْهَا بِمَكَّةَ الْبَعْضُ وَمِنْهَا بِالْمَدِينَةِ بَعْد الْهِجْرَةِ الْبَعْضُ وَمُعْظَمُهَا فِي الْمَنَامِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَجِدُ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْجِيمِ بِلَفْظِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ , وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لِتَحَقُّقِ صُورَةِ الْحَالِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَأَخَذَ \" بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي. ‏ ‏قَوْله ( النَّبِيّ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ. ‏ ‏قَوْله ( يَمُرُّ مَعَهُ الْأُمَّةُ ) ‏ ‏أَيْ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ. ‏ ‏قَوْله ( وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ , وَالنَّبِيّ يَمُرُّ مَعَهُ الْعَشْرُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ رَاءٌ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن فُضَيْلٍ \" فَجَعَلَ النَّبِيّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ وَمَعَهُمْ الرَّهْطُ \" زَادَ عَبْثَر فِي رِوَايَته \" وَالشَّيْء \" وَفِي رِوَايَة حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ نَحْوه لَكِنْ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ , وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا آنِفًا \" فَرَأَيْت النَّبِيّ وَمَعَهُ الرَّهْط , وَالنَّبِيّ وَمَعَهُ الرَّجُل وَالرَّجُلَانِ , وَالنَّبِيّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ وَالنَّبِيَّ مَعَهُ الْخَمْسَة \" وَالرَّهْط تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قِصَّة هِرَقْلَ أَوَّلَ الْكِتَابِ , وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" فَجَعَلَ النَّبِيّ يَمُرّ وَمَعَهُ الثَّلَاثَة , وَالنَّبِيّ يَمُرّ وَمَعَهُ الْعِصَابَة , وَالنَّبِيّ يَمُرّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ \". وَالْحَاصِلُ مِنْ هَذِهِ الرَّوِيَّات أَنَّ الْأَنْبِيَاء يَتَفَاوَتُونَ فِي عَدَد أَتْبَاعِهِمْ. ‏ ‏قَوْله ( فَنَظَرْت فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حُصَيْنِ بْن نُمَيْر فَرَأَيْت سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ , وَالسَّوَادُ ضِدُّ الْبَيَاضِ هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي يُرَى مِنْ بَعِيدٍ , وَصَفَهُ بِالْكَثِيرِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِلَفْظِ الْجِنْسِ لَا الْوَاحِدِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن فُضَيْلٍ \" مَلَأ الْأُفُقَ \" الْأُفُقُ النَّاحِيَةُ , وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا نَاحِيَةُ السَّمَاءِ. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت يَا جِبْرِيلُ هَؤُلَاءِ أُمَّتِي ؟ قَالَ : لَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حُصَيْنِ بْن نُمَيْر \" فَرَجَوْت أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي فَقِيلَ هَذَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ \". وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُودٍ عِنْد أَحْمَدَ \" حَتَّى مَرَّ عَلَى مُوسَى فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَعْجَبَنِي , فَقُلْت مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ فَقِيلَ : هَذَا أَخُوك مُوسَى مَعَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ \" وَالْكَبْكَبَةُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ هِيَ الْجَمَاعَةُ مِنْ النَّاسِ إِذَا اِنْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ فَنَظَرْت فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور \" عَظِيمٌ \" وَزَادَ \" فَقِيلَ لِي اُنْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ , فَنَظَرْت فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ , فَقِيلَ لِي اُنْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ الْآخَرِ \" مِثْله , وَفِي رِوَايَة اِبْن فُضَيْلٍ \" فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأ الْأُفُقَ , فَقِيلَ لِي : اُنْظُرْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ \" وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" فَإِذَا الْأُفُق قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرِّجَالِ \" وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ \" فَرَأَيْت أُمَّتِي قَدْ مَلَئُوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ , فَأَعْجَبَنِي كَثْرَتُهُمْ وَهَيْئَتُهُمْ , فَقِيلَ أَرَضِيت يَا مُحَمَّدُ ؟ قُلْت : نَعَمْ أَيْ رَبِّ \" وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ كَوْنَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْرِفْ أُمَّتَهُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُمْ أُمَّةُ مُوسَى , وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ \" كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ تَرَ مِنْ أُمَّتِك ؟ فَقَالَ : إِنَّهُمْ غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ \" وَفِي لَفْظٍ \" سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمْ \" وَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَشْخَاص الَّتِي رَآهَا فِي الْأُفُقِ لَا يُدْرَكُ مِنْهَا إِلَّا الْكَثْرَةُ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ لِأَعْيَانِهِمْ , وَأَمَّا مَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا قَرُبُوا مِنْهُ , وَهَذَا كَمَا يَرَى الشَّخْصُ شَخْصًا عَلَى بُعْدٍ فَيُكَلِّمُهُ وَلَا يَعْرِفُ أَنَّهُ أَخُوهُ , فَإِذَا صَارَ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ عَرَفَهُ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَيْهِ الْحَوْضَ. ‏ ‏قَوْله ( هَؤُلَاءِ أُمَّتُك , وَهَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور \" مَعَهُمْ \" بَدَلَ قُدَّامَهُمْ وَفِي رِوَايَة حُصَيْنِ بْن نُمَيْرٍ \" وَمَعَ هَؤُلَاءِ \" وَكَذَا فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُودٍ , وَالْمُرَاد بِالْمَعِيَّةِ الْمَعْنَوِيَّة فَإِنَّ السَّبْعِينَ أَلْفًا الْمَذْكُورِينَ مِنْ جُمْلَةِ أُمَّتِهِ , لَكِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي الَّذِينَ عُرِضُوا إِذْ ذَاكَ فَأُرِيدَ الزِّيَادَةُ فِي تَكْثِيرِ أُمَّتِهِ بِإِضَافَةِ السَّبْعِينَ أَلْفًا إِلَيْهِمْ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْن فُضَيْلٍ \" وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ \" وَفِي رِوَايَة عَبْثَر بْن الْقَاسِمِ \" هَؤُلَاءِ أُمَّتُك , وَمَنْ هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّتِك سَبْعُونَ أَلْفًا \" وَالْإِشَارَةُ بِهَؤُلَاءِ إِلَى الْأُمَّة لَا إِلَى خُصُوصِ مَنْ عَرَضَ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مَعَ بِمَعْنَى مِنْ فَتَأْتَلِفُ الرِّوَايَاتُ. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت وَلِمَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا , يَسْتَفْهِمُ بِهَا عَنْ السَّبَبِ , وَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور وَشُرَيْح عَنْ هُشَيْمٍ \" ثُمَّ نَهَضَ - أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ , فَحَاصَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ : فَلَعَلَّهُمْ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالَ بَعْضهمْ : فَلَعَلَّهُمْ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا , وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ , فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ : هُمْ الَّذِينَ \" وَفِي رِوَايَةِ عَبْثَر \" فَدَخَلَ وَلَمْ يَسْأَلُوهُ وَلَمْ يُفَسِّرْ لَهُمْ \" وَالْبَاقِي نَحْوُهُ. وَفِي رِوَايَة اِبْن فُضَيْلٍ \" فَأَفَاضَ الْقَوْم فَقَالُوا : نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاَللَّهِ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ , فَنَحْنُ هُمْ , أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ , فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ فَقَالَ \" وَفِي رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْن نُمَيْر \" فَقَالُوا : أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ , وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ أَبْنَاؤُنَا \" وَفِي حَدِيث جَابِر \" وَقَالَ بَعْضُنَا : هُمْ الشُّهَدَاءُ \" وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ \" مَنْ رَقَّ قَلْبُهُ لِلْإِسْلَامِ \". ‏ ‏قَوْله ( كَانُوا لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) ‏ ‏اِتَّفَقَ عَلَى ذِكْرِ هَذِهِ الْأَرْبَعِ مُعْظَمُ الرِّوَايَاتِ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَإِنْ كَانَ عِنْد الْبَعْض تَقْدِيمٌ وَتَأْخِير , وَكَذَا فِي حَدِيث عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ عِنْد مُسْلِمٍ , وَفِي لَفْظٍ لَهُ سَقَطَ \" وَلَا يَتَطَيَّرُونَ \" هَكَذَا فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَفِي حَدِيث جَابِرٍ اللَّذَيْنِ أَشَرْت إِلَيْهِمَا بِنَحْوِ الْأَرْبَعِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور عِنْد مُسْلِم \" وَلَا يَرْقُونَ \" بَدَل \" وَلَا يَكْتَوُونَ \" وَقَدْ أَنْكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَزَعَمَ أَنَّهَا غَلَطٌ مِنْ رَاوِيهَا , وَاعْتَلَّ بِأَنَّ الرَّاقِيَ يُحْسِنُ إِلَى الَّذِي يَرْقِيهِ فَكَيْف يَكُونُ ذَلِكَ مَطْلُوبَ التَّرْكِ ؟ وَأَيْضًا فَقَدْ رَقَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَقَى النَّبِيّ أَصْحَابه وَأَذِنَ لَهُمْ فِي الرُّقَى وَقَالَ \" مَنْ اِسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ \" وَالنَّفْعُ مَطْلُوبٌ. قَالَ : وَأَمَّا الْمُسْتَرِقِي فَإِنَّهُ يَسْأَلُ غَيْرَهُ وَيَرْجُو نَفْعَهُ , وَتَمَامُ التَّوَكُّلِ يُنَافِي ذَلِكَ. قَالَ : وَإِنَّمَا الْمُرَاد وَصْف السَّبْعِينَ بِتَمَامِ التَّوَكُّل فَلَا يَسْأَلُونَ غَيْرَهُمْ أَنْ يَرْقِيَهُمْ , وَلَا يَكْوِيهِمْ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ مِنْ شَيْءٍ. وَأَجَابَ غَيْره بِأَنَّ الزِّيَادَة مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَسَعِيد بْن مَنْصُور حَافِظٌ وَقَدْ اِعْتَمَدَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَاعْتَمَدَ مُسْلِم عَلَى رِوَايَته هَذِهِ وَبِأَنَّ تَغْلِيطَ الرَّاوِي مَعَ إِمْكَانِ تَصْحِيحِ الزِّيَادَةِ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ. وَالْمَعْنَى الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى التَّغْلِيطِ مَوْجُودٌ فِي الْمُسْتَرِقِي لِأَنَّهُ اِعْتَلَّ بِأَنَّ الَّذِي لَا يَطْلُبُ مِنْ غَيْرِهِ أَنْ يَرْقِيَهُ تَامُّ التَّوَكُّلِ فَكَذَا يُقَال لَهُ وَاَلَّذِي يَفْعَلُ غَيْرُهُ بِهِ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُمَكِّنَهُ مِنْهُ لِأَجْلِ تَمَامِ التَّوَكُّل , وَلَيْسَ فِي وُقُوع ذَلِكَ مِنْ جِبْرِيلَ دَلَالَةٌ عَلَى الْمُدَّعَى وَلَا فِي فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ أَيْضًا دَلَالَةٌ لِأَنَّهُ فِي مَقَام التَّشْرِيعِ وَتَبَيُّنِ الْأَحْكَامِ , وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّمَا تَرَكَ الْمَذْكُورُونَ الرُّقَى وَالِاسْتِرْقَاءَ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ لِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكِلَ نَفْسَهُ إِلَيْهِ وَإِلَّا فَالرُّقْيَة فِي ذَاتهَا لَيْسَتْ مَمْنُوعَةً وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهَا مَا كَانَ شِرْكًا أَوْ اِحْتَمَلَهُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" اِعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ , وَلَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ شِرْكٌ \" فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عِلَّةِ النَّهْيِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَاب الطِّبِّ , وَقَدْ نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ غَيْره أَنَّ اِسْتِعْمَال الرُّقَى وَالْكَيّ قَادِح فِي التَّوَكُّل بِخِلَافِ سَائِر أَنْوَاع الطِّبّ , وَفُرِّقَ بَيْن الْقِسْمَيْنِ بِأَنَّ الْبُرْءَ فِيهِمَا أَمْرٌ مَوْهُومٌ وَمَا عَدَاهُمَا مُحَقَّقٌ عَادَةً كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَلَا يَقْدَحُ , قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ أَكْثَرَ أَبْوَابِ الطِّبِّ مَوْهُومٌ , وَالثَّانِي أَنَّ الرُّقَى بِأَسْمَاءِ اللَّه تَعَالَى تَقْتَضِي التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ وَالِالْتِجَاءَ إِلَيْهِ وَالرَّغْبَة فِيمَا عِنْده وَالتَّبَرُّكَ بِأَسْمَائِهِ , فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي التَّوَكُّل لَقَدَحَ الدُّعَاءُ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ , وَقَدْ رُقِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَقَى وَفَعَلَهُ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ , فَلَوْ كَانَ مَانِعًا مِنْ اللَّحَاقِ بِالسَّبْعِينَ أَوْ قَادِحًا فِي التَّوَكُّل لَمْ يَقَعْ مِنْ هَؤُلَاءِ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ وَأَفْضَلُ مِمَّنْ عَدَاهُمْ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ بَنَى كَلَامَهُ عَلَى أَنَّ السَّبْعِينَ الْمَذْكُورِينَ أَرْفَعُ رُتْبَةً مِنْ غَيْرِهِمْ مُطْلَقًا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَأُبَيِّنُهُ , وَجَوَّزَ أَبُو طَالِب بْن عَطِيَّةَ فِي \" مُوَازَنَة الْأَعْمَال \" أَنَّ السَّبْعِينَ الْمَذْكُورِينَ هُمْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ السَّابِقِينَ فَمُسَلَّمٌ وَإِلَّا فَلَا , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث رِفَاعَةَ الْجُهَنِيِّ قَالَ \" أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ حَدِيثًا وَفِيهِ \" وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ , وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا حَتَّى تَبَوَّءُوا أَنْتُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ أَزْوَاجكُمْ وَذُرِّيَّاتِكُمْ مَسَاكِنَ فِي الْجَنَّةِ \" فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَزِيَّةَ السَّبْعِينَ بِالدُّخُولِ بِغَيْرِ حِسَابٍ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ , بَلْ فِيمَنْ يُحَاسَبُ فِي الْجُمْلَةِ مَنْ يَكُون أَفْضَلَ مِنْهُمْ وَفِيمَنْ يَتَأَخَّرُ عَنْ الدُّخُولِ مِمَّنْ تَحَقَّقَتْ نَجَاتُهُ وَعُرِفَ مَقَامُهُ مِنْ الْجَنَّةِ يَشْفَعُ فِي غَيْرِهِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ , وَسَأَذْكُرُ بَعْدَ قَلِيلٍ مِنْ حَدِيث أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مُحْصَنٍ أَنَّ السَّبْعِينَ أَلْفًا مِمَّنْ يُحْشَرُ مِنْ مَقْبَرَةِ الْبَقِيعِ بِالْمَدِينَةِ وَهِيَ خُصُوصِيَّةٌ أُخْرَى. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ) تَقَدَّمَ بَيَانُ الطِّيرَةِ فِي كِتَاب الطِّبِّ , وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يَتَشَاءَمُونَ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله ( وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ ) يَحْتَمِل أَنْ تَكُون هَذِهِ الْجُمْلَة مُفَسِّرَة لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرْك الِاسْتِرْقَاء وَالِاكْتِوَاء وَالطِّيَرَة , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مِنْ الْعَامّ بَعْد الْخَاصّ لِأَنَّ صِفَة وَاحِدَة مِنْهَا صِفَة خَاصَّة مِنْ التَّوَكُّل وَهُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ , وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي التَّوْكِيل فِي \" بَاب وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ \" قَرِيبًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره : قَالَتْ طَائِفَة مِنْ الصُّوفِيَّة لَا يَسْتَحِقّ اِسْم التَّوَكُّل إِلَّا مَنْ لَمْ يُخَالِط قَلْبه خَوْف غَيْر اللَّه تَعَالَى , حَتَّى لَوْ هَجَمَ عَلَيْهِ الْأَسَد لَا يَنْزَعِج , وَحَتَّى لَا يَسْعَى فِي طَلَب الرِّزْق لِكَوْنِ اللَّه ضَمِنَهُ لَهُ. وَأَبَى هَذَا الْجُمْهُور وَقَالُوا : يَحْصُل التَّوَكُّل بِأَنْ يَثِق بِوَعْدِ اللَّه وَيُوقِن بِأَنَّ قَضَاءَهُ وَاقِع , وَلَا يَتْرُك اِتِّبَاع السُّنَّة فِي اِبْتِغَاء الرِّزْق مِمَّا لَا بُدّ لَهُ مِنْهُ مِنْ مَطْعَم وَمُشْرَب وَتَحَرُّز مِنْ عَدُوّ بِإِعْدَادِ السِّلَاح وَإِغْلَاق الْبَاب وَنَحْو ذَلِكَ , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَطْمَئِنُّ إِلَى الْأَسْبَاب بِقَلْبِهِ بَلْ يَعْتَقِد أَنَّهَا لَا تَجْلِب بِذَاتِهَا نَفْعًا وَلَا تَدْفَع ضُرًّا , بَلْ السَّبَب وَالْمُسَبِّب فِعْل اللَّه تَعَالَى وَالْكُلّ بِمَشِيئَتِهِ , فَإِذَا وَقَعَ مِنْ الْمَرْء رُكُون إِلَى السَّبَب قَدَحَ فِي تَوَكُّله , وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ فِيهِ عَلَى قِسْمَيْنِ : وَاصِل وَسَالِك , فَالْأَوَّل صِفَة الْوَاصِل وَهُوَ الَّذِي لَا يَلْتَفِت إِلَى الْأَسْبَاب وَلَوْ تَعَاطَاهَا , وَأَمَّا السَّالِك فَيَقَع لَهُ الِالْتِفَات إِلَى السَّبَب أَحْيَانًا إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَدْفَع ذَلِكَ عَنْ نَفْسه بِالطُّرُقِ الْعِلْمِيَّة وَالْأَذْوَاق الْحَالِيَّة إِلَى أَنْ يَرْتَقِي إِلَى مَقَام الْوَاصِل. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقُشَيْرِيُّ : التَّوَكُّل مَحَلّه الْقَلْب , وَأَمَّا الْحَرَكَة الظَّاهِرَة فَلَا تُنَافِيه إِذَا تَحَقَّقَ الْعَبْد أَنَّ الْكُلّ مِنْ قِبَل اللَّه , فَإِنْ تَيَسَّرَ شَيْء فَبِتَيْسِيرِهِ وَإِنْ تَعَسَّرَ فَبِتَقْدِيرِهِ. وَمِنْ الْأَدِلَّة عَلَى مَشْرُوعِيَّة الِاكْتِسَاب مَا تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" أَفْضَل مَا أَكَلَ الرَّجُل مِنْ كَسْبه , وَكَانَ دَاوُدُ يَأْكُل مِنْ كَسْبه \" فَقَدْ قَالَ تَعَالَى ( وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ) وَقَالَ تَعَالَى ( وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ). وَأَمَّا قَوْل الْقَائِل كَيْف تَطْلُب مَا لَا تَعْرِف مَكَانه فَجَوَابه أَنَّهُ يَفْعَل السَّبَب الْمَأْمُور بِهِ وَيَتَوَكَّل عَلَى اللَّه فِيمَا يَخْرُج عَنْ قُدْرَته فَيَشُقّ الْأَرْض مَثَلًا وَيُلْقِي الْحَبّ وَيَتَوَكَّل عَلَى اللَّه فِي إِنْبَاته وَإِنْزَال الْغَيْث لَهُ , وَيُحَصِّل السِّلْعَة مَثَلًا وَيَنْقُلهَا وَيَتَوَكَّل عَلَى اللَّه فِي إِلْقَاء الرَّغْبَة فِي قَلْب مَنْ يَطْلُبهَا مِنْهُ , بَلْ رُبَّمَا كَانَ التَّكَسُّب وَاجِبًا كَقَادِرٍ عَلَى الْكَسْب يَحْتَاج عِيَاله لِلنَّفَقَةِ فَمَتَى تَرَكَ ذَلِكَ كَانَ عَاصِيًا. وَسَلَكَ الْكَرْمَانِيُّ فِي الصِّفَات الْمَذْكُورَة مَسْلَك التَّأْوِيل فَقَالَ : قَوْله \" لَا يَكْتَوُونَ \" مَعْنَاهُ إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة مَعَ اِعْتِقَاد أَنَّ الشِّفَاء مِنْ اللَّه لَا مِنْ مُجَرَّد الْكَيّ , وَقَوْله \" وَيَسْتَرْقُونَ \" مَعْنَاهُ بِالرُّقَى الَّتِي لَيْسَتْ فِي الْقُرْآن وَالْحَدِيث الصَّحِيح كَرُقَى الْجَاهِلِيَّة وَمَا لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُون فِيهِ شِرْك , وَقَوْله \" وَلَا يَتَطَيَّرُونَ \" أَيْ لَا يَتَشَاءَمُونَ بِشَيْءٍ فَكَأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُمْ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ أَعْمَال الْجَاهِلِيَّة فِي عَقَائِدهمْ. قَالَ : فَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْمُتَّصِف بِهَذَا أَكْثَر مِنْ الْعَدَد الْمَذْكُور فَمَا وَجْه الْحَصْر فِيهِ ؟ وَأَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ التَّكْثِير لَا خُصُوص الْعَدَد. قُلْت : الظَّاهِر أَنَّ الْعَدَد الْمَذْكُور عَلَى ظَاهِره , فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ثَانِي أَحَادِيث الْبَاب وَصْفهمْ بِأَنَّهُمْ \" تُضِيء وُجُوههمْ إِضَاءَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر \" وَمَضَى فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" أَوَّل زُمْرَة تَدْخُل الْجَنَّة عَلَى صُورَة الْقَمَر , وَاَلَّذِينَ عَلَى آثَارهمْ كَأَحْسَن كَوْكَب دُرِّيّ فِي السَّمَاء إِضَاءَة \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طُرُق عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : مِنْهَا رِوَايَة أَبِي يُونُس وَهَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" عَلَى صُورَة الْقَمَر \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث جَابِر \" فَتَنْجُو أَوَّل زُمْرَة وُجُوههمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يُحَاسَبُونَ \" وَقَدْ وَقَعَ فِي أَحَادِيث أُخْرَى أَنَّ مَعَ السَّبْعِينَ أَلْفًا زِيَادَة عَلَيْهِمْ , فَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْث مِنْ رِوَايَة سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" سَأَلْت رَبِّي فَوَعَدَنِي أَنْ يُدْخِل الْجَنَّة مِنْ أُمَّتِي \" فَذَكَرَ الْحَدِيث نَحْو سِيَاق حَدِيث سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ثَانِي أَحَادِيث الْبَاب وَزَادَ \" فَاسْتَزَدْت فَزَادَنِي مَعَ كُلّ أَلْف سَبْعِينَ أَلْفًا \" وَسَنَده جَيِّد , وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي أَيُّوب عِنْد الطَّبَرَانِيِّ وَعَنْ حُذَيْفَة عِنْد أَحْمَد وَعَنْ أَنَس عِنْد الْبَزَّار وَعَنْ ثَوْبَانَ عِنْد اِبْن أَبِي عَاصِم , فَهَذِهِ طُرُق يُقَوِّي بَعْضهَا بَعْضًا وَجَاءَ فِي أَحَادِيثَ أُخْرَى مِنْ ذَلِكَ : فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ \" وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِل الْجَنَّة مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا مَعَ كُلّ أَلْف سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَاب عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَاب , وَثَلَاث حَثَيَات مِنْ حَثَيَات رَبِّي \" وَفِي صَحِيح اِبْن حِبَّان أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ جَيِّد مِنْ حَدِيث عُتْبَةَ بْن عَبْد نَحْوه بِلَفْظِ \" ثُمَّ يَشْفَع كُلّ أَلْف فِي سَبْعِينَ أَلْفًا , ثُمَّ يُحْثِي رَبِّي ثَلَاث حَثَيَات بِكَفَّيْهِ \" وَفِيهِ \" فَكَبَّرَ عُمَر , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ السَّبْعِينَ أَلْفًا يُشَفِّعُهُمْ اللَّه فِي آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتهمْ وَعَشَائِرهمْ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُون أَدْنَى أُمَّتِي الْحَثَيَات \" وَأَخْرَجَهُ الْحَافِظ الضِّيَاء وَقَالَ : لَا أَعْلَم لَهُ عِلَّة. قُلْت : عِلَّتُهُ الِاخْتِلَاف فِي سَنَدِهِ , فَإِنَّ الطَّبَرَانِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي سَلَام حَدَّثَنِي عَامِر بْن زَيْد أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ , ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَام أَيْضًا فَقَالَ \" حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن عَامِر أَنَّ قَيْس بْن الْحَارِث حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيد الْأَنْمَارِيّ حَدَّثَهُ \" فَذَكَرَهُ وَزَادَ \" قَالَ قَيْس فَقُلْت لِأَبِي سَعِيد : سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : وَقَالَ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَذَلِكَ يَسْتَوْعِب مُهَاجِرِي أُمَّتِي وَيُوَفِّي اللَّه بَقِيَّتَهُمْ مِنْ أَعْرَابِنَا \" وَفِي رِوَايَة لِابْنِ أَبِي عَاصِم قَالَ أَبُو سَعِيد \" فَحَسَبْنَا عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَلَغَ أَرْبَعَة آلَاف أَلْف وَتِسْعَمِائَةِ أَلْف \" يَعْنِي مَنْ عَدَا الْحَثَيَات وَقَدْ وَقَعَ عِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب نَحْو حَدِيث عُتْبَةَ بْن عَبْد وَزَادَ \" وَالْخَبِيئَة - بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة وَهَمْزَة وَزْن عَظِيمَة - عِنْد رَبِّي \" وَوَرَدَ مِنْ وَجْه آخَر مَا يَزِيد عَلَى الْعَدَد الَّذِي حَسَبَهُ أَبُو سَعِيد الْأَنْمَارِيّ , فَعِنْد أَحْمَد وَأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْر الصِّدِّيق نَحْوه بِلَفْظِ \" أَعْطَانِي مَعَ كُلّ وَاحِد مِنْ السَّبْعِينَ أَلْفًا سَبْعِينَ أَلْفًا \" وَفِي سَنَده رَاوِيَانِ أَحَدهمَا ضَعِيف الْحِفْظ وَالْآخَر لَمْ يُسَمَّ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْث مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن حَزْم مِثْله وَفِيهِ رَاوٍ ضَعِيف أَيْضًا , وَاخْتُلِفَ فِي سَنَده وَفِي سِيَاق مَتْنه. وَعِنْد الْبَزَّار مِنْ حَدِيث أَنَس بِسَنَدٍ ضَعِيف نَحْوه , وَعِنْد الْكَلَابَاذِيّ فِي \" مَعَانِي الْأَخْبَار \" بِسَنَدٍ وَاهٍ مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" فَقَدْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات يَوْم فَاتَّبَعْته فَإِذَا هُوَ فِي مَشْرُبَة يُصَلِّي , فَرَأَيْت عَلَى رَأْسِه ثَلَاثَة أَنْوَار , فَلَمَّا قَضَى صَلَاته قَالَ : رَأَيْت الْأَنْوَار ؟ قُلْت : نَعَمْ. قَالَ : إِنَّ آتِيًا أَتَانِي مِنْ رَبِّي فَبَشَّرَنِي أَنَّ اللَّه يُدْخِل الْجَنَّة مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَاب وَلَا عَذَاب , ثُمَّ أَتَانِي فَبَشَّرَنِي أَنَّ اللَّه يُدْخِل مِنْ أُمَّتِي مَكَان كُلّ وَاحِد مِنْ السَّبْعِينَ أَلْفًا سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَاب وَلَا عَذَاب , ثُمَّ أَتَانِي فَبَشَّرَنِي أَنَّ اللَّه يُدْخِل مِنْ أُمَّتِي مَكَان كُلّ وَاحِد مِنْ السَّبْعِينَ أَلْفًا الْمُضَاعَفَة سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَاب وَلَا عَذَاب , فَقُلْت يَا رَبّ لَا يَبْلُغ هَذَا أُمَّتِي قَالَ أُكَمِّلهُمْ لَك مِنْ الْأَعْرَاب مِمَّنْ لَا يَصُوم وَلَا يُصَلِّي \" قَالَ الْكَلَابَاذِيّ : الْمُرَاد بِالْأُمَّةِ أَوَّلًا أُمَّة الْإِجَابَة , وَبِقَوْلِهِ آخِرًا أُمَّتِي أُمَّة الِاتِّبَاع , فَإِنَّ أُمَّته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ثَلَاثَة أَقْسَام : أَحَدهَا أَخَصُّ مِنْ الْآخَر أُمَّة الِاتِّبَاع ثُمَّ أُمَّة الْإِجَابَة ثُمَّ أُمَّة الدَّعْوَة , فَالْأُولَى أَهْل الْعَمَل الصَّالِح وَالثَّانِيَة مُطْلَق الْمُسْلِمِينَ وَالثَّالِثَة مَنْ عَدَاهُمْ مِمَّنْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الْقَدْر الزَّائِد عَلَى الَّذِي قَبْله هُوَ مِقْدَار الْحَثَيَات , فَقَدْ وَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْ النَّضْر بْن أَنَس أَوْ غَيْره عَنْ أَنَس رَفَعَهُ \" إِنَّ اللَّه وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِل الْجَنَّة مِنْ أُمَّتِي أَرْبَعمِائَةِ أَلْف , فَقَالَ أَبُو بَكْر : زِدْنَا يَا رَسُول اللَّه , فَقَالَ : هَكَذَا وَجَمَعَ كَفَّيْهِ , فَقَالَ : زِدْنَا. فَقَالَ وَهَكَذَا. فَقَالَ عُمَر حَسْبك أَنَّ اللَّه إِنْ شَاءَ أَدْخَلَ خَلْقَهُ الْجَنَّة بِكَفٍّ وَاحِدَةٍ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَ عُمَر \" وَسَنَده جَيِّد لَكِنْ اُخْتُلِفَ عَلَى قَتَادَةَ فِي سَنَده اِخْتِلَافًا كَثِيرًا. ‏ ‏قَوْله ( فَقَامَ إِلَيْهِ عُكَّاشَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْكَاف وَيَجُوز تَخْفِيفهَا يُقَال عَكَشَ الشَّعْر وَيَعْكِش إِذَا اِلْتَوَى حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ , وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ مِنْ عَكَشَ الْقَوْم إِذَا حَمَلَ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ الْعُكَاشَة بِالتَّخْفِيفِ الْعَنْكَبُوت , وَيُقَال أَيْضًا لِبَيْتِ النَّمْل. وَمِحْصَن بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْحَاء وَفَتْح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ نُون آخِره هُوَ اِبْن حُرْثَان بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا مُثَلَّثَة مِنْ بَنِي أَسَد بْن خُزَيْمَةَ وَمَنْ حُلَفَاء بَنِي أُمِّيَّة. كَانَ عُكَّاشَة مِنْ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَام وَكَانَ مِنْ أَجْمَل الرِّجَال وَكُنْيَته أَبُو مِحْصَن وَهَاجَرَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَقَاتَلَ فِيهَا , قَالَ اِبْن إِسْحَاق بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" خَيْر فَارِس فِي الْعَرَب عُكَّاشَة \" وَقَالَ أَيْضًا : قَاتَلَ يَوْم بَدْر قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى اِنْقَطَعَ سَيْفه فِي يَده فَأَعْطَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَزْلًا مِنْ حَطَب فَقَالَ قَاتِلْ بِهَذَا فَقَاتَلَ بِهِ فَصَارَ فِي يَده سَيْفًا طَوِيلًا شَدِيد الْمَتْن أَبْيَض فَقَاتَلَ بِهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّه فَكَانَ ذَلِكَ السَّيْف عِنْده حَتَّى اُسْتُشْهِدَ فِي قِتَال الرِّدَّة مَعَ خَالِد اِبْن الْوَلِيد سَنَة اِثْنَتَيْ عَشْرَة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ اُدْعُ اللَّه أَنْ يَجْعَلنِي مِنْهُمْ , قَالَ : اللَّهُمَّ اِجْعَلْهُ مِنْهُمْ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ثَانِي أَحَادِيث الْبَاب مِثْله , وَعِنْد الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن زِيَاد عَنْهُ - وَسَاقَ مُسْلِم سَنَده - قَالَ \" فَدَعَا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حُصَيْنِ اِبْن نُمَيْر وَمُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ \" قَالَ : أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ لَهُ نَعَمْ \" وَيُجْمَع بِأَنَّهُ سَأَلَ الدُّعَاء أَوَّلًا فَدَعَا لَهُ ثُمَّ اِسْتَفْهَمَ قِيلَ أُجِبْت. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُل آخَر ) ‏ ‏وَقَعَ فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَاف هَلْ قَالَ \" اُدْعُ لِي \" أَوْ قَالَ \" أَمِنْهُمْ أَنَا \" كَمَا وَقَعَ فِي الَّذِي قَبْله. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي بَعْده \" رَجُل مِنْ الْأَنْصَار \" وَجَاءَ مِنْ طَرِيقٍ وَاهِيَةٍ أَنَّهُ سَعْد بْن عُبَادَةَ أَخْرَجَهُ الْخَطِيب فِي \" الْمُبْهَمَات \" مِنْ طَرِيق أَبِي حُذَيْفَة إِسْحَاق بْن بِشْر الْبُخَارِيّ أَحَد الضُّعَفَاء مِنْ طَرِيقَيْنِ لَهُ عَنْ مُجَاهِد أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اِنْصَرَفَ مِنْ غَزَاة بَنِي الْمُصْطَلِق , فَسَاقَ قِصَّة طَوِيلَة وَفِيهَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" أَهْل الْجَنَّة عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ; ثَمَانُونَ صَفًّا مِنْهَا أُمَّتِي وَأَرْبَعُونَ صَفًّا سَائِر الْأُمَم , وَلِي مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا مُدْخَلُونَ الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب , قِيلَ مَنْ هُمْ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَفِيهِ \" فَقَالَ : اللَّهُمَّ اِجْعَلْ عُكَّاشَة مِنْهُمْ , مَالَ فَاسْتُشْهِدَ بَعْد ذَلِكَ. ثُمَّ قَامَ سَعْد بْن عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيّ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه اُدْعُ اللَّه أَنْ يَجْعَلنِي مِنْهُمْ \" الْحَدِيث , وَهَذَا مَعَ ضَعْفه وَإِرْسَاله يُسْتَبْعَد مِنْ جِهَة جَلَالَة سَعْد بْن عُبَادَةَ , فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ آخَر بِاسْمِ سَيِّدِ الْخَزْرَجِ وَاسْم أَبِيهِ وَنِسْبَتِهِ , فَإِنَّ فِي الصَّحَابَة كَذَلِكَ آخَرَ لَهُ فِي مُسْنَد بِقِيِّ بْن مُخَلَّد حَدِيث , وَفِي الصَّحَابَة سَعْد بْن عِمَارَة الْأَنْصَارِيّ فَلَعَلَّ اِسْم أَبِيهِ تَحَرَّفَ. ‏ ‏قَوْله ( سَبَقَك بِهَا عُكَّاشَة ) ‏ ‏اِتَّفَقَ جُمْهُور الرُّوَاة عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَا وَقَعَ عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة وَالْبَزَّار وَأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد فَزَادَ : فَقَامَ رَجُل آخَر فَقَالَ اُدْعُ اللَّه أَنْ يَجْعَلنِي مِنْهُمْ وَقَالَ فِي آخِره : سَبَقَك بِهَا عُكَّاشَة وَصَاحِبه , أَمَا لَوْ قُلْتُمْ لَقُلْت وَلَوْ قُلْت لَوَجَبَتْ \" وَفِي سَنَده عَطِيَّة وَهُوَ ضَعِيف. وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ أَجْوِبَة الْعُلَمَاء فِي الْحِكْمَة قَوْله \" سَبَقَك بِهَا عُكَّاشَة \" فَأَخْرَجَ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي \" كَشْف الْمُشْكِل \" مِنْ طَرِيق أَبِي عُمَر الزَّاهِد أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا الْعَبَّاس أَحْمَد بْن يَحْيَى الْمَعْرُوف بِثَعْلَبٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : كَانَ مُنَافِقًا , وَكَذَا نَقَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الْعَبَّاس الْبِرْتِيّ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا مُثَنَّاة فَقَالَ : كَانَ الثَّانِي مُنَافِقًا , وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُسْأَل فِي شَيْء إِلَّا أَعْطَاهُ , فَأَجَابَهُ بِذَلِكَ. وَنَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم نَحْوَ قَوْل ثَعْلَب , وَقَالَ اِبْن نَاصِر قَوْل ثَعْلَب أَوْلَى مِنْ رِوَايَة مُجَاهِد لِأَنَّ سَنَدهَا وَاهٍ وَاسْتَبْعَدَ السُّهَيْلِيُّ قَوْل ثَعْلَب بِمَا وَقَعَ فِي مُسْنَد الْبَزَّار مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَقَامَ رَجُل مِنْ خِيَار الْمُهَاجِرِينَ \" وَسَنَده ضَعِيف جِدًّا مَعَ كَوْنه مُخَالِفًا لِرِوَايَةِ الصَّحِيح أَنَّهُ مِنْ الْأَنْصَار. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : مَعْنَى قَوْله \" سَبَقَك \" أَيْ إِلَى إِحْرَاز هَذِهِ الصِّفَات وَهِيَ التَّوَكُّل وَعَدَم التَّطَيُّر وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ , وَعَدَلَ عَنْ قَوْله \" لَسْت مِنْهُمْ أَوْ لَسْت عَلَى أَخْلَاقهمْ \" تَلَطُّفًا بِأَصْحَابِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُسْن أَدَبه مَعَهُمْ. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ \" يَظْهَر لِي أَنَّ الْأَوَّل سَأَلَ عَنْ صِدْق قَلْب فَأُجِيبَ , وَأَمَّا الثَّانِي فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أُرِيدَ بِهِ حَسْمُ الْمَادَّة , فَلَوْ قَالَ لِلثَّانِي نَعَمْ لَأَوْشَكَ أَنْ يَقُوم ثَالِث وَرَابِع إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَلَيْسَ كُلّ النَّاس يَصْلُح لِذَلِكَ \" وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَمْ يَكُنْ عِنْد الثَّانِي مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَال مَا كَانَ عِنْد عُكَّاشَة , فَلِذَلِكَ لَمْ يُجَبْ إِذْ لَوْ أَجَابَهُ لَجَازَ أَنْ يَطْلُب ذَلِكَ كُلّ مَنْ كَانَ حَاضِرًا فَيَتَسَلْسَل , فَسَدَّ الْبَاب بِقَوْلِهِ ذَلِكَ , وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ كَانَ مُنَافِقًا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ الْأَصْل فِي الصَّحَابَة عَدَم النِّفَاق فَلَا يَثْبُت مَا يُخَالِف ذَلِكَ إِلَّا بِنَقْلٍ صَحِيحٍ , وَالثَّانِي أَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَصْدُر مِثْل هَذَا السُّؤَال إِلَّا عَنْ قَصْد صَحِيح وَيَقِين بِتَصْدِيقِ الرَّسُول , كَيْف صَدَرَ ذَلِكَ مِنْ مُنَافِق ؟ وَإِلَى هَذَا جَنَحَ اِبْن تَيْمِيَّةَ. وَصَحَّحَ النَّوَوِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ بِالْوَحْيِ أَنَّهُ يُجَاب فِي عُكَّاشَة وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي حَقّ الْآخَر. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : الَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّهَا كَانَتْ سَاعَة إِجَابَة عَلِمَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتَّفَقَ أَنَّ الرَّجُل قَالَ بَعْدَمَا اِنْقَضَتْ , وَيُبَيِّنهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" ثُمَّ جَلَسُوا سَاعَة يَتَحَدَّثُونَ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق بَعْد قَوْله سَبَقَك بِهَا عُكَّاشَة \" وَبَرَدَتْ الدَّعْوَة \" أَيْ اِنْقَضَى وَقْتهَا. قُلْت : فَتَحَصَّلَ لَنَا مِنْ كَلَام هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة عَلَى خَمْسَة أَجْوِبَة وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ثُمَّ وَجَدْت لِقَوْلِ ثَعْلَب وَمَنْ وَافَقَهُ مُسْتَنَدًا وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَمُحَمَّد بْن سَنْجَر فِي مُسْنَده وَعُمَر بْن شَيْبَة فِي \" أَخْبَار الْمَدِينَة \" مِنْ طَرِيق نَافِع مَوْلَى حَمْنَةَ عَنْ أُمّ قَيْس بِنْت مِحْصَن وَهِيَ أُخْت عُكَّاشَة أَنَّهَا \" خَرَجَتْ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْبَقِيع فَقَالَ : يُحْشَر مِنْ هَذِهِ الْمَقْبَرَة سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب كَأَنَّ وُجُوههمْ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر , فَقَامَ رَجُل فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , وَأَنَا ؟ قَالَ وَأَنْتَ. فَقَامَ آخَر فَقَالَ أَنَا ؟ قَالَ : سَبَقَك بِهَا عُكَّاشَة قَالَ قُلْت لَهَا : لِمَ لَمْ يَقُلْ لِلْآخَرِ ؟ فَقَالَتْ : أَرَاهُ كَانَ مُنَافِقًا \" فَإِنْ كَانَ هَذَا أَصْل مَا جَزَمَ بِهِ مَنْ قَالَ كَانَ مُنَافِقًا فَلَا يَدْفَع تَأْوِيل غَيْره إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الظَّنّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6060",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَقَامَ ‏ ‏عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيُّ ‏ ‏يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ سَبَقَكَ بِهَا ‏ ‏عُكَّاشَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك ‏ ‏وَيُونُس ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد الْأَيْلِيُّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن وَهْب عَنْ يُونُس , لَكِنَّ مُعَاذ بْن أَسَد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ مَعْرُوف بِالرِّوَايَةِ عَنْ اِبْن الْمُبَارَك لَا عَنْ اِبْن وَهْب , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله ( يَدْخُل الْجَنَّة مِنْ أُمَّتِي زُمْرَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الزَّاي وَسُكُون الْمِيم هِيَ الْجَمَاعَةُ إِذْ كَانَ بَعْضُهُمْ إِثْرَ بَعْضٍ. ‏ ‏قَوْله ( سَبْعُونَ أَلْفًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الَّذِي قَبْله , وَعُرِفَ مِنْ مَجْمُوع الطُّرُق الَّتِي ذَكَرْتهَا أَنَّ أَوَّل مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ الَّذِي بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَة , وَمَعْنَى الْمَعِيَّة فِي قَوْله فِي الرِّوَايَات الْمَاضِيَة \" مَعَ كُلّ أَلْف سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ مَعَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَدْخُلُوا بِدُخُولِهِمْ تَبَعًا لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِثْل أَعْمَالهمْ كَمَا مَضَى حَدِيث \" الْمَرْء مَعَ مَنْ أَحَبَّ \" وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالْمَعِيَّةِ مُجَرَّد دُخُولهمْ الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب وَإِنْ دَخَلُوهَا فِي الزُّمْرَة الثَّانِيَة أَوْ مَا بَعْدهَا , وَهَذِهِ أَوْلَى. وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الْبَعْث \" مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن مُحَمَّد الصَّادِق عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِر رَفَعَهُ \" مَنْ زَادَتْ حَسَنَاته عَلَى سَيِّئَاته فَذَاكَ الَّذِي يَدْخُل الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب , وَمَنْ اِسْتَوَتْ حَسَنَاته وَسَيِّئَاته فَذَاكَ الَّذِي يُحَاسَب حِسَابًا يَسِيرًا , وَمَنْ أَوْبَقَ نَفْسه فَهُوَ الَّذِي يُشْفَع فِيهِ بَعْد أَنْ يُعَذَّب \" وَفِي التَّقْصِيد بِقَوْلِهِ \" أُمَّتِي \" إِخْرَاج غَيْر الْأُمَّة الْمُحَمَّدِيَّة مِنْ الْعَدَد الْمَذْكُور , وَلَيْسَ فِيهِ نَفْي دُخُول أَحَد مِنْ غَيْر هَذِهِ الْأُمَّة عَلَى الصِّفَة الْمَذْكُورَة - مِنْ شِبْه الْقَمَر وَمَنْ الْأَوَّلِيَّة وَغَيْر ذَلِكَ - كَالْأَنْبِيَاءِ وَمَنْ شَاءَ اللَّه مِنْ الشُّهَدَاء وَالصِّدِّيقِينَ وَالصَّالِحِينَ , وَإِنْ ثَبَتَ حَدِيث أُمّ قَيْس فَفِيهِ تَخْصِيص آخَر بِمَنْ يُدْفَن فِي الْبَقِيع مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة وَهِيَ مَزِيَّة عَظِيمَة لِأَهْلِ الْمَدِينَة. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( تُضِيء وُجُوههمْ إِضَاءَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" عَلَى صُورَة الْقَمَر \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْمُرَاد بِالصُّورَةِ الصِّفَة يَعْنِي أَنَّهُمْ فِي إِشْرَاق وُجُوههمْ عَلَى صِفَة الْقَمَر لَيْلَة تَمَامه وَهِيَ لَيْلَةُ أَرْبَعَةَ عَشْرَ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ أَنْوَار أَهْل الْجَنَّة تَتَفَاوَت بِحَسَبِ دَرَجَاتهمْ. قُلْت : وَكَذَا صِفَاتُهُمْ فِي الْجَمَالِ وَنَحْوِهِ. ‏ ‏قَوْله ( يَرْفَع نَمِرَة عَلَيْهِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْمِيم هِيَ كِسَاء مِنْ صُوف كَالشَّمْلَةِ مُخَطَّطَة بِسَوَادٍ وَبَيَاض يَلْبَسهَا الْأَعْرَابُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6061",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا ‏ ‏أَوْ سَبْعُ مِائَةِ أَلْفٍ شَكَّ فِي أَحَدِهِمَا ‏ ‏مُتَمَاسِكِينَ آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ الْجَنَّةَ وَوُجُوهُهُمْ عَلَى ضَوْءِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَبُو غَسَّان ) ‏ ‏بِغَيْنٍ مُعْجَمَة ثُمَّ مُهْمَلَة ثَقِيلَة , ‏ ‏أَبُو حَازِم ‏ ‏هُوَ سَلَمَة بْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله ( لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّة مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ سَبْعمِائَةِ أَلْف شَكَّ فِي أَحَدهمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِي حَازِم \" لَا يَدْرِي أَبُو حَازِم أَيَّهمَا قَالَ \". ‏ ‏قَوْله ( مُتَمَاسِكِينَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَال , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مُتَمَاسِكُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الصِّفَة , قَالَ النَّوَوِيّ : كَذَا فِي مُعْظَم النُّسَخِ وَفِي بَعْضهَا بِالنَّصْبِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ. ‏ ‏قَوْله ( آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" بَعْضهمْ بَعْضًا \". ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى يَدْخُل أَوَّلهمْ وَآخِرهمْ ) ‏ ‏هُوَ غَايَة لِلتَّمَاسُكِ الْمَذْكُور وَالْأَخْذ بِالْأَيْدِي وَفِي رِوَايَة فُضَيْلِ بْن سُلَيْمَان الْمَاضِيَة فِي بَدْء الْخَلْق \" لَا يَدْخُل أَوَّلهمْ حَتَّى يَدْخُل آخِرهمْ \" وَهَذَا ظَاهِره يَسْتَلْزِم الدَّوْرَ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ الْمُرَاد أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ صَفًّا وَاحِدًا فَيَدْخُل الْجَمِيع دَفْعَة وَاحِدَة , وَوَصَفَهُمْ بِالْأَوَّلِيَّةِ وَالْآخِرِيَّة بِاعْتِبَارِ الصِّفَة الَّتِي جَازُوا فِيهَا عَلَى الصِّرَاط وَفِي ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى سَعَة الْبَاب الَّذِي يَدْخُلُونَ مِنْهُ الْجَنَّة , قَالَ عِيَاض : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَى كَوْنهمْ مُتَمَاسِكِينَ أَنَّهُمْ عَلَى صِفَة الْوَقَار فَلَا يُسَابِق بَعْضهمْ بَعْضًا بَلْ كَوْن دُخُولهمْ جَمِيعًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ مُعْتَرِضِينَ صَفًّا وَاحِدًا بَعْضهمْ بِجَنْبِ بَعْضٍ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏هَذِهِ الْأَحَادِيث تَخُصُّ عُمُوم الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ رَفَعَهُ \" لَا تَزُول قَدَمَا عَبْدٍ يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يُسْأَل عَنْ أَرْبَع : عَنْ عُمُره فِيمَا أَفْنَاهُ , وَعَنْ جَسَده فِيمَا أَبْلَاهُ , وَعَنْ عَلَمِهِ فِيمَا عَمِلَ بِهِ , وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اِكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ \" وَلَهُ شَاهِد عَنْ اِبْن مَسْعُود عِنْد التِّرْمِذِيّ , وَعَنْ مُعَاذ بْن جَبَل عِنْد الطَّبَرَانِيِّ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : عُمُوم الْحَدِيث وَاضِح , لِأَنَّهُ نَكِرَة فِي سِيَاق النَّفْي , لَكِنَّهُ مَخْصُوص بِمَنْ يَدْخُل الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب , وَبِمَنْ يَدْخُل النَّار مِنْ أَوَّل وَهْلَة عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ) الْآيَةَ. ‏ ‏قُلْت : وَفِي سِيَاق حَدِيث أَبِي بَرْزَة إِشَارَة إِلَى الْخُصُوص , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَد عِنْده عِلْم يُسْأَل عَنْهُ , وَكَذَا الْمَال فَهُوَ مَخْصُوص بِمَنْ لَهُ عِلْم وَبِمَنْ لَهُ مَال دُون مَنْ لَا مَال لَهُ وَمَنْ لَا عِلْم لَهُ , وَأَمَّا السُّؤَال عَنْ الْجَسَد وَالْعُمُر فَعَامّ وَيَخُصّ مِنْ الْمَسْئُولِينَ مَنْ ذُكِرَ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6062",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ يَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ خُلُودٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن سَعْد , ‏ ‏وَصَالِح ‏ ‏هُوَ اِبْن كَيْسَانَ. ‏ ‏قَوْله ( يَدْخُل أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة وَأَهْل النَّار النَّار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن زَيْد عَنْ اِبْن عُمَر فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده \" إِذَا صَارَ أَهْل الْجَنَّة إِلَى الْجَنَّة وَأَهْل النَّار إِلَى النَّار أُتِيَ بِالْمَوْتِ \" وَوَقَعَ مِثْله فِي طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَفْظه عِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بَعْد ذِكْر الْجَوَاز عَلَى الصِّرَاط \" فَإِذَا أَدْخَلَ اللَّه أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة وَأَهْل النَّار النَّار أَتَى بِالْمَوْتِ مُلَبَّبًا \" وَهُوَ بِمُوَحَّدَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يَقُوم مُؤَذِّنٌ بَيْنهمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن زَيْد قِيلَ هَذَا قِصَّة ذَبْح الْمَوْت وَلَفْظه \" ثُمَّ جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَل بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار ثُمَّ يُذْبَح. ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ \" لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْم هَذَا الْمُنَادِي. ‏ ‏قَوْله ( يَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ خُلُود ) ‏ ‏أَمَّا قَوْله \" لَا مَوْت \" فَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة فِيهِمَا , وَأَمَّا قَوْله فِي آخِره \" خُلُود \" فَهَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة عَلَى بْن عَبْد اللَّه عَنْ يَعْقُوب , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ زُهَيْر بْن حَرْب وَغَيْر وَاحِد عَنْ يَعْقُوب بِتَقْدِيمِ نِدَاء أَهْل الْجَنَّة وَلَمْ يَقُلْ \" لَا مَوْت \" فِيهِمَا بَلْ قَالَ \" كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ \" وَكَذَا هُوَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن مَنْصُور عَنْ يَعْقُوب , وَضَبْط \" خُلُود \" فِي الْبُخَارِيّ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِين أَيْ هَذَا الْحَال مُسْتَمِرّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون جَمْع خَالِد أَيْ أَنْتُمْ خَالِدُونَ فِي الْجَنَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "6063",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ وَلِأَهْلِ النَّارِ يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يُقَال لِأَهْلِ الْجَنَّة يَا أَهْل الْجَنَّة ) ‏ ‏سَقَطَ لِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ قَوْله \" يَا أَهْل الْجَنَّة \" وَثَبَتَ لِلْجَمِيعِ فِي مُقَابِله \" يَا أَهْل النَّار \". ‏ ‏قَوْله ( لَا مَوْت ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته \" لَا مَوْت فِيهِ \" وَسَيَأْتِي فِي ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب الَّذِي يَلِيه أَنَّ ذَلِكَ يُقَال لِلْفَرِيقَيْنِ عِنْد ذَبْح الْمَوْت , وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏مُنَاسَبَة هَذَا الْحَدِيث وَاَلَّذِي قَبْله لِتَرْجَمَةِ دُخُول الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ كُلّ مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة يَخْلُد فِيهَا فَيَكُون لِلسَّابِقِ إِلَى الدُّخُول مَزِيَّة عَلَى غَيْره , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ‏"
    },
    {
        "id": "6064",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي رَجَاء ) ‏ ‏هُوَ الْعُطَارِدِيّ ‏ ‏وَعِمْرَان ‏ ‏هُوَ اِبْن حُصَيْنٍ , وَالسَّنَد كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث بِهَذَا السَّنَد فِي آخِر \" بَاب كُفْرَان الْعَشِير \" وَفِي أَوَاخِر كِتَاب النِّكَاح وَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب فَضْل الْفَقْر \" بَيَان الِاخْتِلَاف عَلَى أَيُّوب عَنْ أَبِي رَجَاء فِي صَحَابِيِّهِ , وَتَقَدَّمَ بَحْث اِبْن بَطَّال فِيمَا يَتَعَلَّق بِهِ مِنْ فَضْل الْفَقْر , ‏ ‏وَقَوْله اِطَّلَعْت ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الطَّاء أَيْ أَشْرَفْت , وَفِي حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد الَّذِي بَعْده \" قُمْت عَلَى بَاب الْجَنَّة \" وَظَاهِره أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ لَيْلَة الْإِسْرَاء أَوْ مَنَامًا , وَهُوَ غَيْر رُؤْيَته النَّار وَهُوَ فِي صَلَاة الْكُسُوف , وَوَهِمَ مَنْ وَحَّدَهُمَا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : رَأَى ذَلِكَ لَيْلَة الْإِسْرَاء أَوْ حِين خَسَفَتْ الشَّمْس , كَذَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله ( فَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاء ) ‏ ‏فِي حَدِيث أُسَامَة \" فَإِذَا عَامَّة مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِين \" وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُطْلَق عَلَى الْآخَر وَقَوْله \" فَإِذَا أَكْثَر \" فِي حَدِيث أُسَامَة \" فَإِذَا عَامَّة مَنْ دَخَلَهَا \". ‏ ‏قَوْله ( بِكُفْرِهِنَّ ) أَيْ بِسَبَبِ كُفْرهنَّ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب كُفْرَان الْعَشِير \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ إِنَّمَا كَانَ النِّسَاء أَقَلّ سَاكِنِي الْجَنَّة لِمَا يَغْلِب عَلَيْهِنَّ مِنْ الْهَوَى , وَالْمَيْل إِلَى عَاجِل زِينَة الدُّنْيَا , وَالْإِعْرَاض عَنْ الْآخِرَة لِنَقْصِ عَقْلهنَّ وَسُرْعَةِ اِنْخِدَاعِهِنَّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6065",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينَ وَأَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّةَ , ‏ ‏وَأَبُو عُثْمَان ‏ ‏هُوَ النَّهْدِيُّ , ‏ ‏وَأُسَامَة ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد بْن حَارِثَةَ الصَّحَابِيُّ اِبْن الصَّحَابِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( أَصْحَاب الْجَدِّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ الْغِنَى. ‏ ‏قَوْله ( مَحْبُوسُونَ ) ‏ ‏أَيْ مَمْنُوعُونَ مِنْ دُخُول الْجَنَّة مَعَ الْفُقَرَاء مِنْ أَجْل الْمُحَاسَبَة عَلَى الْمَال , وَكَأَنَّ ذَلِكَ عِنْد الْقَنْطَرَة الَّتِي يَتَقَاصُّونَ فِيهَا بَعْد الْجَوَاز عَلَى الصِّرَاط. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏سَقَطَ هَذَا الْحَدِيث وَاَلَّذِي قَبْله مِنْ كَثِير مِنْ النُّسَخ وَمَنْ مُسْتَخْرَجَيْ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم , وَلَا ذَكَرَ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" طَرِيق عُثْمَان بْن الْهَيْثَم وَلَا طَرِيق مُسَدَّد فِي كِتَاب الرِّقَاق وَهُمَا ثَابِتَانِ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ شُيُوخه الثَّلَاثَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6066",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُذْبَحُ ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك ‏ ‏وَعُمَر بْن مُحَمَّد بْن زَيْد ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَرَ , ‏ ‏قَوْله ( إِذَا صَارَ أَهْل الْجَنَّة إِلَى الْجَنَّة وَأَهْل النَّار إِلَى النَّار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ عِمْرَان بْن مُحَمَّد عِنْد مُسْلِم \" وَصَارَ أَهْل النَّار إِلَى النَّار \". ‏ ‏قَوْله ( جِيءَ بِالْمَوْتِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة مَرْيَم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْش أَمْلَح \" وَذَكَرَ مُقَاتِل وَالْكَلْبِيّ فِي تَفْسِيرهمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ) قَالَ : خَلَقَ الْمَوْتَ فِي صُورَة كَبْش لَا يَمُرُّ عَلَى أَحَد إِلَّا مَاتَ , وَخَلَقَ الْحَيَاة عَلَى صُورَة فَرَسٍ لَا يَمُرُّ عَلَى شَيْء إِلَّا حَيَا. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْحِكْمَة فِي الْإِتْيَان بِالْمَوْتِ هَكَذَا الْإِشَارَة إِلَى أَنَّهُمْ حَصَلَ لَهُمْ الْفِدَاء لَهُ كَمَا فُدِيَ وَلَد إِبْرَاهِيم بِالْكَبْشِ , وَفِي الْأَمْلَح إِشَارَة إِلَى صِفَتَيْ أَهْل الْجَنَّة وَالنَّار لِأَنَّ الْأَمْلَح مَا فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى يُجْعَل بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار ) ‏ ‏وَقَعَ لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَيُوقَف عَلَى السُّور الَّذِي بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يُذْبَح ) ‏ ‏لَمْ يُسَمِّ مَنْ ذَبَحَهُ , وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيّ عَنْ بَعْض الصُّوفِيَّة أَنَّ الَّذِي يَذْبَحهُ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِشَارَة إِلَى دَوَام الْحَيَاة , وَعَنْ بَعْض التَّصَانِيف أَنَّهُ جِبْرِيل. قُلْت : هُوَ فِي تَفْسِير إِسْمَاعِيل بْن أَبِي زِيَاد الشَّامِيّ أَحَد الضُّعَفَاء فِي آخِر حَدِيث الصُّور الطَّوِيل فَقَالَ فِيهِ \" فَيُحْيِي اللَّه تَعَالَى مَلَكَ الْمَوْت وَجِبْرِيل وَمِيكَائِيل وَإِسْرَافِيل وَيَجْعَل الْمَوْت فِي صُورَة كَبْش أَمْلَح فَيَذْبَح جِبْرِيل \" الْكَبْش وَهُوَ الْمَوْت \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَته , وَتَقَدَّمَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" ثُمَّ يَقُوم مُؤَذِّن بَيْنهمْ \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد بَعْد قَوْله أَمْلَح \" فَيُنَادِي مُنَادٍ \" وَظَاهِره أَنَّ الذَّبْح يَقَع بَعْد النِّدَاء , وَاَلَّذِي هُنَا يَقْتَضِي أَنَّ النِّدَاء بَعْد الذَّبْح , وَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا فَإِنَّ النِّدَاء الَّذِي قَبْل الذَّبْح لِلتَّنْبِيهِ عَلَى رُؤْيَة الْكَبْش وَاَلَّذِي بَعْد الذَّبْح لِلتَّنْبِيهِ عَلَى إِعْدَامه وَأَنَّهُ لَا يَعُودُ. ‏ ‏قَوْله ( يَا أَهْل الْجَنَّة لَا مَوْت ) ‏ ‏زَادَ فِي الْبَاب الْمَاضِي \" خُلُود \" وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فَيُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْل الْجَنَّة , فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُول : هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ , وَكُلّهمْ قَدْ رَآهُ وَعَرَفَهُ \" وَذَكَرَ فِي أَهْل النَّار مِثْله , قَالَ \" فَيُذْبَح ثُمَّ يَقُول - أَيْ الْمُنَادِي - يَا أَهْل الْجَنَّة خُلُود فَلَا مَوْت \" الْحَدِيث , وَفِي آخِره \" ثُمَّ قَرَأَ ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ) إِلَى آخِر الْآيَة \" وَعِنْد التِّرْمِذِيّ فِي آخِر حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ فَرَحًا لَمَاتَ أَهْل الْجَنَّة , وَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ حُزْنًا لَمَاتَ أَهْل النَّار \" وَقَوْله \" فَيَشْرَئِبُّونَ \" بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَفَتْح الرَّاء بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة مَهْمُوزَة ثُمَّ مُوَحَّدَة ثَقِيلَة أَيْ يَمُدُّونَ أَعْنَاقهمْ وَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ لِلنَّظَرِ. وَوَقَعَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَفِي صَحِيح اِبْن حِبَّان مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَيُوقَف عَلَى الصِّرَاط فَيُقَال يَا أَهْل الْجَنَّة فَيَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مَكَانهمْ الَّذِي هُمْ فِيهِ , ثُمَّ يُقَال : يَا أَهْل النَّار , فَيَطَّلِعُونَ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مَكَانهمْ الَّذِي هُمْ فِيهِ \" وَفِي آخِره \" ثُمَّ يُقَال لِلْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا خُلُود فِيمَا تَجِدُونَ لَا مَوْت فِيهِ أَبَدًا \" وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ \" فَيُقَال لِأَهْلِ الْجَنَّة وَأَهْل النَّار هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ فَيَقُولُونَ : قَدْ عَرَفْنَاهُ هُوَ الْمَوْت الَّذِي وُكِّلَ بِنَا , فَيُضْجَع فَيُذْبَح ذَبْحًا عَلَى السُّور \" قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : اُسْتُشْكِلَ هَذَا الْحَدِيث لِكَوْنِهِ يُخَالِف صَرِيح الْعَقْل لِأَنَّ الْمَوْت عَرَض وَالْعَرَض لَا يَنْقَلِب جِسْمًا فَكَيْف يُذْبَح ؟ فَأَنْكَرَتْ طَائِفَة صِحَّة هَذَا الْحَدِيث وَدَفَعَتْهُ , وَتَأَوَّلَتْهُ طَائِفَة فَقَالُوا : هَذَا تَمْثِيل وَلَا ذَبْح هُنَاكَ حَقِيقَة. وَقَالَتْ طَائِفَة : بَلْ الذَّبْح عَلَى حَقِيقَته وَالْمَذْبُوح مُتَوَلِّي الْمَوْت وَكُلّهمْ يَعْرِفهُ لِأَنَّهُ الَّذِي تَوَلَّى قَبْض أَرْوَاحهمْ. قُلْت : وَارْتَضَى هَذَا بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ وَحَمَلَ قَوْله \" هُوَ الْمَوْت الَّذِي وُكِّلَ بِنَا \" عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ مَلَك الْمَوْت لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وُكِّلَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الم السَّجْدَة وَاسْتَشْهَدَ لَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّ مَلَكَ الْمَوْت لَوْ اِسْتَمَرَّ حَيًّا لَنَغَّصَ عَيْش أَهْل الْجَنَّة. وَأَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث الْبَاب \" فَيَزْدَاد أَهْل الْجَنَّة فَرَحًا إِلَى فَرَحهمْ , وَيَزْدَاد أَهْل النَّار حُزْنًا إِلَى حُزْنهمْ \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْجَنَّة لَا حُزْن فِيهَا أَلْبَتَّةَ , وَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان أَنَّهُمْ يَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ إِنَّمَا هُوَ تَوَهُّم لَا يَسْتَقِرّ , وَلَا يَلْزَم مِنْ زِيَادَة الْفَرَح ثُبُوت الْحُزْن , بَلْ التَّعْبِير بِالزِّيَادَةِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْفَرَح لَمْ يَزُلْ , كَمَا أَنَّ أَهْل النَّار يَزْدَاد حُزْنهمْ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدهمْ فَرَح إِلَّا مُجَرَّد التَّوَهُّم الَّذِي لَمْ يَسْتَقِرّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب نَفْخ الصُّور \" عِنْد نَقْل الْخِلَاف فِي الْمُرَاد بِالْمُسْتَثْنَى فِي قَوْله تَعَالَى ( فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّه ) قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْت مِنْهُمْ. وَوَقَعَ عِنْد عَلِيّ بْن مَعْبَد مِنْ حَدِيث أَنَس \" ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ الْمَوْت فَيَقُول : رَبِّ بَقِيت أَنْتَ الْحَيّ الْقَيُّوم الَّذِي لَا يَمُوت وَبَقِيت أَنَا , فَيَقُول أَنْتَ خَلْق مِنْ خَلْقِي فَمُتْ ثُمَّ لَا تَحْيَا , فَيَمُوت \" وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيِّ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ آخِر مَنْ يَمُوت مِنْ الْخَلَائِق مَلَك الْمَوْت , فَيُقَال لَهُ : يَا مَلَكَ الْمَوْت مُتْ مَوْتًا لَا تَحْيَا بَعْده أَبَدًا. فَهَذَا لَوْ كَانَ ثَابِتًا لَكَانَ حُجَّةً فِي الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الَّذِي يُذْبَح لِكَوْنِهِ مَاتَ قَبْل ذَلِكَ مَوْتًا لَا حَيَاة بَعْده , لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُت. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : الْمَوْت عِنْدنَا عَرَض مِنْ الْأَعْرَاض , وَعِنْد الْمُعْتَزِلَة لَيْسَ بِمَعْنًى , وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ لَا يَصِحّ أَنْ يَكُون كَبْشًا وَلَا جِسْمًا , وَأَنَّ الْمُرَاد بِهَذَا التَّمْثِيل وَالتَّشْبِيه. ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ يَخْلُق اللَّه تَعَالَى هَذَا الْجِسْم ثُمَّ يُذْبَح ثُمَّ يُجْعَل مِثَالًا لِأَنَّ الْمَوْت لَا يَطْرَأ عَلَى أَهْل الْجَنَّة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي التَّذْكِرَة : الْمَوْت مَعْنًى وَالْمَعَانِي لَا تَنْقَلِب جَوْهَرًا , وَإِنَّمَا يَخْلُق اللَّه أَشْخَاصًا مِنْ ثَوَاب الْأَعْمَال , وَكَذَا الْمَوْت يَخْلُق اللَّه كَبْشًا يُسَمِّيهِ الْمَوْت وَيُلْقِي فِي قُلُوب الْفَرِيقَيْنِ أَنَّ هَذَا الْمَوْت يَكُون ذَبْحُهُ دَلِيلًا عَلَى الْخُلُود فِي الدَّارَيْنِ. وَقَالَ غَيْره : لَا مَانِع أَنْ يُنْشِئَ اللَّه مِنْ الْأَعْرَاض أَجْسَادًا يَجْعَلهَا مَادَّة لَهَا كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم فِي حَدِيث \" إِنَّ الْبَقَرَة وَآلَ عِمْرَانَ يَجِيئَانِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ \" وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث التَّصْرِيحُ بِأَنَّ خُلُود أَهْل النَّار فِيهَا لَا إِلَى غَايَة أَمَد , وَإِقَامَتهمْ فِيهَا عَلَى الدَّوَام بِلَا مَوْت وَلَا حَيَاة نَافِعَة وَلَا رَاحَة , كَمَا قَالَ تَعَالَى ( لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ) وَقَالَ تَعَالَى ( كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا ) قَالَ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَأَنَّهَا تَبْقَى خَالِيَة أَوْ أَنَّهَا تَفْنَى وَتَزُول فَهُوَ خَارِج عَنْ مُقْتَضَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْل السُّنَّة. قُلْت : جَمَعَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة سَبْعَة أَقْوَال : أَحَدهَا هَذَا الَّذِي نُقِلَ فِيهِ الْإِجْمَاع , وَالثَّانِي يُعَذَّبُونَ فِيهَا إِلَى أَنْ تَنْقَلِب طَبِيعَتهمْ فَتَصِير نَارِيَّة حَتَّى يَتَلَذَّذُوا بِهَا لِمُوَافَقَةِ طَبْعهمْ وَهَذَا قَوْل بَعْض مَنْ يُنْسَبُ إِلَى التَّصَوُّف مِنْ الزَّنَادِقَة , وَالثَّالِث يَدْخُلهَا قَوْم وَيَخْلُفهُمْ آخَرُونَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح عَنْ الْيَهُود وَقَدْ أَكْذَبَهُمْ اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِهِ ( وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ ) , وَالرَّابِع يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَتَسْتَمِرّ هِيَ عَلَى حَالهَا , الْخَامِس تَفْنَى لِأَنَّهَا حَادِثَة وَكُلّ حَادِث يَفْنَى وَهُوَ قَوْل الْجَهْمِيَّةِ , وَالسَّادِس تَفْنَى حَرَكَاتهمْ أَلْبَتَّةَ وَهُوَ قَوْل أَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّاف مِنْ الْمُعْتَزِلَة , وَالسَّابِع يَزُول عَذَابهَا وَيَخْرُج أَهْلهَا مِنْهَا جَاءَ ذَلِكَ عَنْ بَعْض الصَّحَابَة أَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيره مِنْ رِوَايَة الْحَسَن عَنْ عُمَر قَوْله وَهُوَ مُنْقَطِع وَلَفْظه \" لَوْ لَبِثَ أَهْل النَّار فِي النَّار عَدَد رَمْل عَالِج لَكَانَ لَهُمْ يَوْم يَخْرُجُونَ فِيهِ \" وَعَنْ اِبْن مَسْعُود \" لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا زَمَان لَيْسَ فِيهَا أَحَد \" قَالَ عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ رَاوِيه : كَانَ أَصْحَابنَا يَقُولُونَ : يَعْنِي بِهِ الْمُوَحِّدِينَ. قُلْت : وَهَذَا الْأَثَر عَنْ عُمَر لَوْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى الْمُوَحِّدِينَ , وَقَدْ مَالَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَى هَذَا الْقَوْل السَّابِع وَنَصَرَهُ بِعِدَّةِ أَوْجُهٍ مِنْ جِهَة النَّظَر , وَهُوَ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِله , وَقَدْ أَطْنَبَ السُّبْكِيُّ الْكَبِير فِي بَيَان وَهَائِهِ فَأَجَادَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6067",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ ‏ ‏لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ فَيَقُولُ أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَكِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات عَنْ مَالِكٍ بِالْعَنْعَنَةِ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُول لِأَهْلِ الْجَنَّة : يَا أَهْل الْجَنَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَبِيبِيّ عَنْ مَالِك عَنْ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" يَطَّلِعُ اللَّه عَلَى أَهْل الْجَنَّة فَيَقُول \". ‏ ‏قَوْله ( فَيَقُولُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِيّ \" يَقُولُونَ \" بِحَذْفِ الْفَاءِ. ‏ ‏قَوْله ( وَسَعْدَيْكَ ) ‏ ‏زَادَ سَعِيد بْن دَاوُدَ وَعَبْد الْعَزِيز بْن يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِك عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِب \" وَالْخَيْر فِي يَدَيْك \". ‏ ‏قَوْله ( فَيَقُول هَلْ رَضِيتُمْ ) ‏ ‏فِي حَدِيث جَابِر عِنْد الْبَزَّار وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ \" هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا \". ‏ ‏قَوْله ( وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتنَا ) ‏ ‏فِي حَدِيث جَابِر \" وَهَلْ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِمَّا أَعْطَيْتنَا \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ \" أَلَا أُعْطِيكُمْ \". ‏ ‏قَوْله ( أُحِلُّ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْمُهْمَلَة أَيْ أُنْزِلُ. ‏ ‏قَوْله ( رِضْوَانِي ) ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّله وَضَمِّهِ , وَفِي حَدِيث جَابِر قَالَ \" رِضْوَانِي أَكْبَر \" وَفِيهِ تَلْمِيح بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ) لِأَنَّ رِضَاهُ سَبَب كُلّ فَوْز وَسَعَادَة , وَكُلّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ سَيِّدَهُ رَاضٍ عَنْهُ كَانَ أَقَرَّ لَعَيْنه وَأَطْيَبَ لِقَلْبِهِ مِنْ كُلّ نَعِيم لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّعْظِيم وَالتَّكْرِيم. وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ النَّعِيمَ الَّذِي حَصَلَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏( الْأَوَّل ) حَدِيث أَبِي سَعِيد هَذَا كَأَنَّهُ مُحْتَصَر مِنْ الْحَدِيث الطَّوِيل الْمَاضِي فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء مِنْ طَرِيق حَفْص بْن مَيْسَرَةَ وَالْآتِي فِي التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي هِلَال كِلَاهُمَا عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ بِهَذَا السَّنَد فِي صِفَة الْجَوَاز عَلَى الصِّرَاط , وَفِيهِ قِصَّة الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنْ النَّار , وَفِي آخِره أَنَّهُ يُقَال لَهُمْ نَحْو هَذَا الْكَلَام , لَكِنْ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ يُقَال لِهَؤُلَاءِ لِكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْل الْجَنَّة فَهُوَ لِلسَّابِقَيْنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. ‏ ‏( الثَّانِي ) هَذَا الْخِطَاب غَيْر الْخِطَاب الَّذِي لِأَهْلِ الْجَنَّة كُلّهمْ , وَهُوَ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَحْمَد مِنْ حَدِيث صُهَيْبٍ رَفَعَهُ \" إِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة نَادَى مُنَادٍ : يَا أَهْل الْجَنَّة إِنَّ لَكُمْ مَوْعِدًا عِنْد اللَّه يُرِيد أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" فَيُكْشَف الْحِجَاب فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ \" وَفِيهِ \" فَوَاَللَّهِ مَا أَعْطَاهُمْ اللَّه شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَر إِلَيْهِ \" وَلَهُ شَاهِد عِنْد اِبْن الْمُبَارَك فِي الزُّهْد مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى مِنْ قَوْله , وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيثه مَرْفُوعًا بِاخْتِصَارِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6068",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أُصِيبَ ‏ ‏حَارِثَةُ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏وَهُوَ غُلَامٌ فَجَاءَتْ أُمُّهُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ ‏ ‏حَارِثَةَ ‏ ‏مِنِّي فَإِنْ يَكُ فِي الْجَنَّةِ أَصْبِرْ وَأَحْتَسِبْ وَإِنْ تَكُنْ الْأُخْرَى تَرَى مَا أَصْنَعُ فَقَالَ ‏ ‏وَيْحَكِ أَوَهَبِلْتِ أَوَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ وَإِنَّهُ لَفِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ , ‏ ‏وَمُعَاوِيَة بْن عَمْرو ‏ ‏هُوَ الْأَزْدِيُّ يُعْرَف بِابْنِ الْكَرْمَانِيِّ وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ كَمَا فِي كِتَاب الْجُمُعَةِ وَبِوَاسِطَةٍ كَاَلَّذِي هُنَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ فِي \" بَاب فَضْل مَنْ شَهِدَ بَدْرًا \" مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله ( أُصِيب حَارِثَة ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَلَّثَة هُوَ اِبْن سُرَاقَة بْن الْحَارِث الْأَنْصَارِيّ لَهُ وَلِأَبَوَيْهِ صُحْبَةٌ , وَأُمّه هِيَ الرُّبَيِّع بِالتَّشْدِيدِ بِنْت النَّضْر عَمَّةُ أَنَس , وَقَدْ ذَكَرْت الِاخْتِلَاف فِي اِسْمهَا فِي \" بَابٌ مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ \" مِنْ كِتَاب الْجِهَاد , وَذَكَرْت شَرْح الْحَدِيث فِي غَزْوَة بَدْر , وَقَوْلهَا هُنَا \" وَإِنْ تَكُنْ الْأُخْرَى تَرَ مَا أَصْنَع \" كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْجَزْمِ جَوَاب الشَّرْط , وَلِغَيْرِهِ \" تَرَى \" بِالْإِشْبَاعِ أَوْ بِحَذْفِ شَيْء بِتَقْدِيرِهِ سَوْفَ كَمَا فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة فِي آخِر هَذَا الْبَاب \" وَإِلَّا سَوْفَ تَرَى \" وَالْمَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّة صَنَعْت شَيْئًا مِنْ صَنِيع أَهْل الْحُزْن مَشْهُورًا يَرَاهُ كُلّ أَحَدٍ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّهُ لَفِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَحَذَفَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَته اللَّام , وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة \" الْفِرْدَوْس الْأَعْلَى \" قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : الْفِرْدَوْس مِنْ الْأَوْدِيَة مَا يُنْبِتُ ضُرُوبًا مِنْ النَّبَات. وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ وَغَيْره : بُسْتَان فِيهِ كُرُومٌ وَثَمَرَة وَغَيْرهَا وَيُذَكَّر وَيُؤَنَّث. وَقَالَ الْفَرَّاء : هُوَ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنْ الْفَرْدَسَة وَهِيَ السَّعَة , وَقِيلَ رُومِيٌّ نَقَلَتْهُ الْعَرَب , وَقَالَ غَيْره سُرْيَانِيّ , وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا مَكَان مِنْ الْجَنَّة مِنْ أَفْضَلِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6069",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْفُضَيْلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْ الْكَافِرِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ للرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏فَحَدَّثْتُ بِهِ ‏ ‏النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ ‏ ‏فَقَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( الْفَضْل بْن مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ السِّينَانِيّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَنُونَيْنِ الْمَرْوَزِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرُ مَنْسُوب , وَنَسَبَهُ اِبْن السَّكَن فِي رِوَايَته فَقَالَ الْفُضَيْلُ بْن غَزْوَانَ وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَنَسَبَهُ أَبُو الْحَسَن الْقَابِسِيُّ فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ فَقَالَ : الْفُضَيْلُ بْن عِيَاضٍ , وَرَدَّهُ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ فَقَالَ : لَا رِوَايَة لِلْفُضَيْلِ بْن عِيَاض فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَاب التَّوْحِيد. وَلَا رِوَايَة لَهُ عَنْ أَبِي حَازِم رَاوِي هَذَا الْحَدِيث وَلَا أَدْرَكَهُ , وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن فُضَيْلِ بْن غَزْوَانَ عَنْ أَبِيهِ بِسَنَدِهِ وَلَكِنْ لَمْ يَرْفَعهُ , وَهُوَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَالَ رَفَعَهُ , وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَقَالَة أَبِي عَلَى الْجَيَّانِيّ. ‏ ‏قَوْله ( مَنْكِبَيْ الْكَافِر ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْكَاف تَثْنِيَة مَنْكِب وَهُوَ مُجْتَمَعُ الْعَضُدِ وَالْكَتِفِ. ‏ ‏قَوْله ( مَسِيرَة ثَلَاثَة أَيَّام لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِع ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُوسُف بْن عِيسَى عَنْ الْفَضْل بْن مُوسَى بِسَنَدِ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" خَمْسَة أَيَّام \" أَخْرَجَهُ الْحَسَن بْن سُفْيَان فِي مُسْنَده عَنْهُ , وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد أَحْمَد مِنْ رِوَايَة مُجَاهِد عَنْهُ مَرْفُوعًا \" يَعْظُم أَهْل النَّار فِي النَّار حَتَّى إِنَّ بَيْن شَحْمَة أُذُن أَحَدهمْ إِلَى عَاتِقه مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عَام \" وَلِلْبَيْهَُقِيِّ فِي الْبَعْث مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس \" مَسِيرَة سَبْعِينَ خَرِيفًا \" وَلِابْنِ الْمُبَارَك فِي الزُّهْد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" ضِرْس الْكَافِر يَوْم الْقِيَامَة أَعْظَم مِنْ أُحُد , يَعْظُمُونَ لِتَمْتَلِئَ مِنْهُمْ وَلِيَذُوقُوا الْعَذَاب \" وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ , وَلَمْ يُصَرِّح بِرَفْعِهِ لَكِنْ لَهُ حُكْم الرَّفْع لِأَنَّهُ لَا مَجَال لِلرَّأْيِ فِيهِ , وَقَدْ أَخْرَجَ أَوَّلَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا وَزَادَ \" وَغِلَظ جِلْدِهِ مَسِيرَة ثَلَاثَة أَيَّام \" وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ وَجْه ثَالِث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِسَنَدٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ \" غِلَظُ جِلْدِ الْكَافِر وَكَثَافَة جِلْده اِثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْجَبَّار \" وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ \" أَرَادَ بِذَلِكَ التَّهْوِيل يَعْنِي بِلَفْظِ الْجَبَّار , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد جَبَّارًا مِنْ الْجَبَابِرَة إِشَارَة إِلَى عَزْم الذِّرَاع \" وَجَزَمَ اِبْن حِبَّانَ لِمَا أَخْرَجَهُ فِي صَحِيحه بِأَنَّ الْجَبَّار مَلِكٌ كَانَ بِالْيَمَنِ وَفِي مُرْسَل عُبَيْد بْن عُمَيْر عِنْد اِبْن الْمُبَارَك فِي الزُّهْد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ \" وَكَثَافَة جِلْده سَبْعُونَ ذِرَاعًا \" وَهَذَا يُؤَيِّد الِاحْتِمَال الْأَوَّل لِأَنَّ السَّبْعِينَ تُطْلَق لِلْمُبَالَغَةِ. وَلِلْبَيْهَُقِيِّ مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن يَسَار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَفَخِذه مِثْل وَرِقَانَ وَمَقْعَده مِثْل مَا بَيْن الْمَدِينَة وَالرَّبَذَة \" وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَلَفْظه \" بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة \" وَوَرْقَان بِفَتْحِ الْوَاو وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا قَاف جَبَل مَعْرُوف بِالْحِجَازِ , وَالرَّبَذَة تَقَدَّمَ ضَبْطهَا قَرِيبًا فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ وَكَأَنَّ اِخْتِلَاف هَذِهِ الْمَقَادِير مَحْمُول عَلَى اِخْتِلَاف تَعْذِيب الْكُفَّار فِي النَّار وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : إِنَّمَا عَظُمَ خَلْق الْكَافِر فِي النَّار لِيَعْظُمَ عَذَابه وَيُضَاعَف أَلَمُهُ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي حَقّ الْبَعْض بِدَلِيلِ الْحَدِيث الْآخَر \" إِنَّ الْمُتَكَبِّرِينَ يُحْشَرُونَ يَوْم الْقِيَامَة أَمْثَال الذَّرّ فِي صُوَر الرِّجَال يُسَاقُونَ إِلَى سِجْن فِي جَهَنَّمَ يُقَال لَهُ بُولَسُ \" قَالَ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْكُفَّار مُتَفَاوِتُونَ فِي الْعَذَاب عُلِمَ مِنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَلِأَنَّا نَعْلَم عَلَى الْقَطْع أَنَّ عَذَاب مَنْ قَتَلَ الْأَنْبِيَاء وَفَتَكَ فِي الْمُسْلِمِينَ وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْض لَيْسَ مُسَاوِيًا لِعَذَابِ مَنْ كَفَرَ فَقَطْ وَأَحْسَنَ مُعَامَلَة الْمُسْلِمِينَ مَثَلًا قُلْت : أَمَّا الْحَدِيث الْمَذْكُور فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِمُدَّعَاهُ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي أَوَّل الْأَمْر عِنْد الْحَشْر , وَأَمَّا الْأَحَادِيث الْأُخْرَى فَمَحْمُولَة عَلَى مَا بَعْد الِاسْتِقْرَار فِي النَّار وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" إِنَّ الْكَافِر لَيُسْحَب لِسَانُهُ الْفَرْسَخ وَالْفَرْسَخَيْنِ يَتَوَطَّؤُهُ النَّاس \" فَسَنَده ضَعِيف وَأَمَّا تَفَاوُت الْكُفَّار فِي الْعَذَاب فَلَا شَكَّ فِيهِ وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ ) وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا الْحَدِيث فِي أَهْوَن أَهْل النَّار عَذَابًا. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ رَاهْوَيْهِ كَذَا فِي جَمِيع النُّسَخ وَأَطْلَقَ الْمِزِّيُّ تَبَعًا لِأَبِي مَسْعُود أَنَّ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِمًا أَخْرَجَاهُ جَمِيعًا عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ مَعَ أَنَّ لَفْظ مُسْلِم \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِيّ \" وَهُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ وَلَيْسَ مِنْ رَأْي الْمِزِّيِّ التَّسْوِيَة بَيْن \" حَدَّثَنَا \" وَ \" قَالَ \" بَلْ وَلَا \" قَالَ لِي وَقَالَ لَنَا \" بَلْ يُعَلِّمُ عَلَى مِثْل ذَلِكَ كُلّه عَلَامَةَ التَّعْلِيق بِخِلَافِ \" حَدَّثَنَا \". ‏ ‏قَوْله ( أَنْبَأَنَا الْمُغِيرَة بْن سَلَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَنْبَأَنَا الْمَخْزُومِيّ \" قُلْت : وَهُوَ الْمُغِيرَة الْمَذْكُور وَكُنْيَته أَبُو هِشَام وَهُوَ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن بَشَّار وَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الْمُغِيرَة بْن سَلَمَة الْمَخْزُومِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ سَلَمَة بْن دِينَار , بِخِلَافِ الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله فَهُوَ سَلْمَان الْأَشْجَعِيُّ وَهُمَا مَدَنِيَّانِ تَابِعِيَّانِ ثِقَتَانِ لَكِنَّ سَلَمَةَ أَصْغَر مِنْ سَلْمَان. ‏ ‏قَوْله ( لَا يَقْطَعهَا ) ‏ ‏أَيْ لَا يَنْتَهِي إِلَى آخِر مَا يَمِيل مِنْ أَغْصَانِهَا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو حَازِم ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَالنُّعْمَان بْن أَبِي عَيَّاش بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُعْجَمَة هُوَ الزُّرَقِيّ , وَوَقَعَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَة مُسْلِم , وَهُوَ أَيْضًا مَدَنِيّ تَابِعِيّ ثِقَة يُكَنَّى أَبَا سَلَمَة وَهُوَ أَكْبَر مِنْ الرَّاوِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي أَبُو سَعِيد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ \" حَدَّثَنِي \". ‏ ‏قَوْله ( الْجَوَاد ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَتَخْفِيف الْوَاو هُوَ الْفَرَس , يُقَال جَادَ الْفَرَس إِذَا صَارَ فَائِقًا وَالْجَمْع جِيَاد وَأَجْوَاد , وَسَيَجِيءُ فِي صِفَة الْمُرُور عَلَى الصِّرَاط \" أَجَاوِيد الْخَيْل وَهُوَ جَمْع الْجَمْع \". ‏ ‏قَوْله ( أَوْ الْمُضَمَّر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْمِيم تَقَدَّمَ تَفْسِيره فِي كِتَاب الْجِهَاد , ‏ ‏وَقَوْله \" السَّرِيع \" ‏ ‏أَيْ فِي جَرْيه , وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب مِنْ وَجْه آخَر عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" الْجَوَاد السَّرِيع \" وَلَمْ يَشُكّ وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" الْجَوَاد الْمُضَمَّر السَّرِيع \" بِحَذْفِ أَوْ , وَالْجَوَاد فِي رِوَايَتنَا بِالرَّفْعِ وَكَذَا مَا بَعْده عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَة صِفَة لِلرَّاكِبِ , وَضُبِطَ فِي صَحِيح مُسْلِم بِنَصْبِ الثَّلَاثَة عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَتْن فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَمَنْ حَدِيث أَنَس بِلَفْظِ \" يَسِير الرَّاكِب \" وَزَادَ فِي آخِر حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : وَظِلٍّ مَمْدُودٍ \" وَالْمُرَاد بِالظِّلِّ الرَّاحَة وَالنَّعِيم وَالْجِهَة يُقَال عِزّ ظَلِيل وَأَنَا فِي ظِلّك أَيْ كَنَفك , وَقَالَ الرَّاغِب : الظِّلّ أَعَمّ مِنْ الْفَيْء فَإِنَّهُ يُقَال ظِلّ اللَّيْل وَظِلّ الْجَنَّة وَلِكُلِّ مَوْضِع لَا تَصِل إِلَيْهِ الشَّمْس , وَلَا يُقَال الْفَيْء إِلَّا لِمَا زَالَتْ عَنْهُ الشَّمْس , قَالَ وَيُعَبَّر بِالظِّلِّ عَنْ الْعِزّ وَالْمَنَعَة وَالرَّفَاهِيَة وَالْحِرَاسَة , وَيُقَال عَنْ غَضَارَة الْعَيْش ظِلٌّ ظَلِيلٌ. قُلْت : وَقَعَ التَّعْبِير فِي هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ \" الْفَيْء \" فِي حَدِيث أَسْمَاء بِنْت يَزِيد عِنْد التِّرْمِذِيّ وَلَفْظهَا \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول وَذَكَرَ سِدْرَة الْمُنْتَهَى : يَسِير الرَّاكِب فِي ظِلّ الْفَيْء مِنْهَا مِائَة سَنَة أَوْ يَسْتَظِلّ بِظِلِّهَا الرَّاكِب مِائَة سَنَة \" وَيُسْتَفَاد مِنْهُ تَعْيِين الشَّجَرَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث الْبَاب , وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد رَفَعَهُ \" شَجَرَة طُوبَى مِائَة سَنَة \" وَفِي حَدِيث عُقْبَة بْن عَبْد السُّلَمِيِّ فِي عِظَم أَصْل شَجَرَة طُوبَى \" لَوْ اِرْتَحَلَتْ جَذَعَة مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِر تَرْقُوَتهَا هَرَمًا \" أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه , وَالتَّرْقُوَة بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا قَاف مَضْمُومَة وَوَاو مَفْتُوحَة هِيَ الْعَظْم الَّذِي بَيْن ثُغْرَة النَّحْر وَالْعَاتِق وَالْجَمْع تَرَاقٍ , وَلِكُلِّ شَخْص تَرْقُوَتَانِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض هَذَا فِي صِفَة الْجَنَّة مِنْ بَدْء الْخَلْق. ‏"
    },
    {
        "id": "6070",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا ‏ ‏أَوْ سَبْعُ مِائَةِ أَلْفٍ لَا يَدْرِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏أَيُّهُمَا قَالَ ‏ ‏مُتَمَاسِكُونَ آخِذٌ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لَا يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6071",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ الْغُرَفَ فِي الْجَنَّةِ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ فِي السَّمَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏فَحَدَّثْتُ بِهِ ‏ ‏النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ ‏ ‏فَقَالَ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ وَيَزِيدُ فِيهِ كَمَا ‏ ‏تَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الْغَارِبَ فِي الْأُفُقِ الشَّرْقِيِّ وَالْغَرْبِيِّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَةَ ) ‏ ‏هُوَ الْقَعْنَبِيُّ , وَعَبْد الْعَزِيز هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم الْمَذْكُور قَبْلُ , ‏ ‏وَسَهْل ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعْدٍ. ‏ ‏قَوْله ( عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم. وَقَوْله عَنْ أَبِي حَازِم هُوَ أَبُوهُ وَاسْمه سَلَمَة بْن دِينَار الْمَذْكُور قَبْل , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَنِّي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَبِي يَعْقُوب \" حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم عَنْ أَبِيهِ \" وَتَقَدَّمَ شَرْح الْمَتْن مُسْتَوْفًى فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ. ‏ ‏قَوْله ( الْغُرَف ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَفَتْح الرَّاء جَمْع غُرْفَة بِضَمِّ أَوَّله وَبِفَتْحِهِ , جَاءَ فِي صِفَتهَا مِنْ حَدِيث أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ مَرْفُوعًا \" إِنَّ فِي الْجَنَّة غُرَفًا يُرَى ظَاهِرهَا مِنْ بَاطِنهَا \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّان , وَلِلطَّبَرَانِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر نَحْوه , وَتَقَدَّمَ فِي صِفَة الْجَنَّة مِنْ بَدْء الْخَلْق الْإِشَارَة إِلَى مِثْله مِنْ حَدِيث عَلِيّ , وَعِنْد الْبَيْهَقِيِّ نَحْوه مِنْ حَدِيث جَابِر وَزَادَ \" مِنْ أَصْنَاف الْجَوْهَر كُلّه \". ‏ ‏قَوْله ( الْكَوْكَب ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ \" الدُّرِّيّ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبِي ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ. ‏ ‏قَوْله ( أَشْهَدُ لَسَمِعْت ) ‏ ‏اللَّام جَوَاب قَسَمٍ مَحْذُوفٍ , وَأَبُو سَعِيد هُوَ الْخُدْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( يُحَدِّث ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يُحَدِّثهُ \" أَيْ يُحَدِّث الْحَدِيث , يُقَال حَدَّثْت كَذَا وَحَدَّثْت بِكَذَا. ‏ ‏ ‏ ‏قَوْله ( الْغَارِب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ الْغَابِر بِتَقْدِيمِ الْمُوَحَّدَة عَلَى الرَّاء , وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِتَحْتَانِيَّةٍ مَهْمُوزَة قَبْل الرَّاء قَالَ الطِّيبِيُّ شَبَّهَ رُؤْيَة الرَّائِي فِي الْجَنَّة صَاحِب الْغُرْفَة بِرُؤْيَةِ الرَّائِي الْكَوْكَبَ الْمُضِيءَ النَّائِي فِي جَانِب الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب فِي الِاسْتِضَاءَة مَعَ الْبُعْد , وَمَنْ رَوَاهُ الْغَائِر مِنْ الْغَوْر لَمْ يَصِحّ لِأَنَّ الْإِشْرَاق يَفُوت إِلَّا إِنْ قَدَرَ الْمُشْرِف عَلَى الْغَوْر , وَالْمَعْنَى إِذَا كَانَ طَالِعًا فِي الْأُفُق مِنْ الْمَشْرِق وَغَائِرًا فِي الْمَغْرِب. وَفَائِدَة ذِكْر الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب بَيَان الرِّفْعَة وَشِدَّة الْبُعْد , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث الْبَاب بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاق فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد , وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَيُّوب بْن سُوَيْد عَنْ مَالِك عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ سَهْل بْن سَعْد فِيهِ شَيْء مُدْرَجٌ بَيَّنْته هُنَاكَ , وَحَكَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْوَهْمِ , وَأَمَّا اِبْن حِبَّانَ فَاغْتَرَّ بِثِقَةِ أَيُّوبَ عِنْده فَأَخْرَجَهُ فِي صَحِيحه , وَهُوَ مَعْلُولٌ بِمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيُّ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَفَاوُت دَرَجَات أَهْل الْجَنَّة. وَقَدْ قُسِمُوا فِي سُورَة الْوَاقِعَة إِلَى السَّابِقِينَ وَأَصْحَاب الْيَمِين : فَالْقِسْم الْأَوَّل هُمْ مَنْ ذُكِرَ فِي قَوْله تَعَالَى ( فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) الْآيَةَ , وَمَنْ عَدَاهُمْ أَصْحَاب الْيَمِين , وَكُلٌّ مِنْ الصِّنْفَيْنِ مُتَفَاوِتُونَ فِي الدَّرَجَات , وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ خَصَّ الْمُقَرَّبِينَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالشُّهَدَاء لِقَوْلِهِ فِي آخِر الْحَدِيث \" رِجَالٌ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6072",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عِمْرَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ‏ ‏لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيَقُولُ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" يُقَال لِأَهْلِ النَّار \" الْحَدِيث الْمَاضِي فِي \" بَابٌ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6073",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ كَأَنَّهُمْ ‏ ‏الثَّعَارِيرُ ‏ ‏قُلْتُ مَا الثَّعَارِيرُ قَالَ ‏ ‏الضَّغَابِيسُ ‏ ‏وَكَانَ قَدْ سَقَطَ فَمُهُ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏أَبَا مُحَمَّدٍ ‏ ‏سَمِعْتَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَخْرُجُ بِالشَّفَاعَةِ مِنْ النَّارِ قَالَ نَعَمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَبُو النُّعْمَان ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن الْفَضْل , ‏ ‏وَحَمَّاد ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد , ‏ ‏وَعَمْرو ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار , ‏ ‏وَجَابِر ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( يَخْرُج مِنْ النَّار بِالشَّفَاعَةِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ رِوَايَة الْبُخَارِيّ بِحَذْفِ الْفَاعِل , وَثَبَتَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ عَنْ السَّرَخْسِيِّ عَنْ الْفَرَبْرِيّ \" يَخْرُج قَوْم \" وَكَذَا لِلْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْث مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن سُفْيَان عَنْ أَبِي النُّعْمَان شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الرَّبِيع الزَّهْرَانِيّ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد وَلَفْظه \" إِنَّ اللَّه يُخْرِجُ قَوْمًا مِنْ النَّار بِالشَّفَاعَةِ \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو سَمِعَ جَابِر مِثْله لَكِنْ قَالَ \" نَاسٌ مِنْ النَّار فَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّة \" وَعِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور وَابْنِ أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان عَنْ عَمْرو فِيهِ سَنَدٌ آخَر أَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَة عَمْرو عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا وَزَادَ \" فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ - يَعْنِي لِعَبِيدِ بْن عُمَيْر - وَكَانَ الرَّجُل يُتَّهَمُ بِرَأْيِ الْخَوَارِج وَيُقَال لَهُ هَارُونُ أَبُو مُوسَى : يَا أَبَا عَاصِم مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُهُ بِهِ ؟ فَقَالَ : إِلَيْك عَنِّي , لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ \" : قُلْت : وَقَدْ جَاءَ بَيَان هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ وَجْه آخَرَ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق يَزِيد الْفَقِير بِفَاءٍ ثُمَّ قَافٍ وَزْن عَظِيم وَلُقِّبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَشْكُو فَقَارَ ظَهْرِهِ لَا أَنَّهُ ضِدّ الْغِنَى قَالَ \" خَرَجْنَا فِي عِصَابَة نُرِيد أَنْ نَحُجّ ثُمَّ نَخْرُج عَلَى النَّاس , فَمَرَرْنَا بِالْمَدِينَةِ فَإِذَا رَجُل يُحَدِّث وَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ. فَقُلْت لَهُ : مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ بِهِ , وَاَللَّهُ يَقُولُ ( إِنَّك مَنْ تَدْخُلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْته ) وَ ( كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا ) قَالَ. أَتَقْرَأُ الْقُرْآن ؟ قُلْت : نَعَمْ , قَالَ : أَسَمِعْت بِمَقَامِ مُحَمَّد الَّذِي يَبْعَثُهُ اللَّهُ ؟ قُلْت : نَعَمْ. قَالَ : فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ الْمَحْمُود الَّذِي يُخْرِج اللَّه بِهِ مَنْ يُخْرِج مِنْ النَّار بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا. ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ الصِّرَاطِ وَمَدَّ النَّاسِ عَلَيْهِ , قَالَ : فَرَجَعْنَا وَقُلْنَا : أَتَرَوْنَ هَذَا الشَّيْخ يَكْذِب عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَوَاَللَّهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْر رَجُل وَاحِد \" وَحَاصِله أَنَّ الْخَوَارِج الطَّائِفَة الْمَشْهُورَة الْمُبْتَدِعَة كَانُوا يُنْكِرُونَ الشَّفَاعَة , وَكَانَ الصَّحَابَة يُنْكِرُونَ إِنْكَارَهُمْ وَيُحَدِّثُونَ بِمَا سَمِعُوا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ , فَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْث مِنْ طَرِيق شَبِيبِ بْن أَبِي فَضَالَةَ : ذَكَرُوا عِنْد عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ الشَّفَاعَة فَقَالَ رَجُل : إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونَا بِأَحَادِيثَ لَا نَجِدُ لَهَا فِي الْقُرْآنِ أَصْلًا , فَغَضِبَ وَذَكَرَ لَهُ مَا مَعْنَاهُ : أَنَّ الْحَدِيث يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ. وَأَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : مَنْ كَذَّبَ بِالشَّفَاعَةِ فَلَا نَصِيبَ لَهُ فِيهَا. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْث مِنْ طَرِيق يُوسُف بْن مِهْرَانَ عَنْ اِبْنِ عَبَّاس : خَطَبَ عُمَر فَقَالَ : إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّة قَوْم يُكَذِّبُونَ بِالرَّجْمِ , وَيُكَذِّبُونَ بِالدَّجَّالِ , وَيُكَذِّبُونَ بِعَذَابِ الْقَبْر , وَيُكَذِّبُونَ بِالشَّفَاعَةِ , وَيُكَذِّبُونَ بِقَوْمٍ يَخْرُجُونَ مِنْ النَّار. وَمَنْ طَرِيق أَبِي هِلَال عَنْ قَتَادَة قَالَ قَالَ أَنَسٌ : يَخْرُج قَوْمٌ مِنْ النَّارِ , وَلَا نُكَذِّب بِهَا كَمَا يُكَذِّب بِهَا أَهْل حَرُورَاء. يَعْنِي الْخَوَارِج. قَالَ اِبْنِ بَطَّال : أَنْكَرَتْ الْمُعْتَزِلَة وَالْخَوَارِج الشَّفَاعَة فِي إِخْرَاج مَنْ أُدْخِلَ النَّارَ مِنْ الْمُذْنِبِينَ وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ). وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآيَات. وَأَجَابَ أَهْل السُّنَّة بِأَنَّهَا فِي الْكُفَّار , وَجَاءَتْ الْأَحَادِيث فِي إِثْبَات الشَّفَاعَة الْمُحَمَّدِيَّة مُتَوَاتِرَة وَدَلَّ عَلَيْهَا قَوْله تَعَالَى ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَك رَبُّك مَقَامًا مَحْمُودًا ) وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الشَّفَاعَة , وَبَالَغَ الْوَاحِدِيُّ فَنَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ , وَلَكِنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا جَاءَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَزَيَّفَهُ , وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : قَالَ أَكْثَرُ أَهْل التَّأْوِيل الْمَقَام الْمَحْمُود هُوَ الَّذِي يَقُومهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُرِيحَهُمْ مِنْ كَرْب الْمَوْقِف , ثُمَّ أَخْرَجَ عِدَّة أَحَادِيث بَعْضهَا التَّصْرِيح بِذَلِكَ وَفِي بَعْضهَا مُطْلَق الشَّفَاعَة , فَمِنْهَا حَدِيث سَلْمَان قَالَ \" فَيُشَفِّعُهُ اللَّهُ فِي أُمَّتِهِ فَهُوَ الْمَقَام الْمَحْمُود \" وَمِنْ طَرِيق رِشْدِين بْن كُرَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْنِ عَبَّاس \" الْمَقَام الْمَحْمُود الشَّفَاعَة \" وَمِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن يَزِيد الْأَوْدِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي قَوْله تَعَالَى ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَك رَبُّك مَقَامًا مَحْمُودًا ) قَالَ \" سُئِلَ عَنْهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هِيَ الشَّفَاعَة \" وَمِنْ حَدِيث كَعْب بْن مَالِك رَفَعَهُ \" أَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ , فَيَكْسُونِي رَبِّي حُلَّة خَضْرَاء , ثُمَّ يُؤْذَن لِي فَأَقُول مَا شَاءَ اللَّه أَنْ أَقُولَ : فَذَلِكَ الْمَقَام الْمَحْمُود \" وَمِنْ طَرِيق يَزِيد بْن زُرَيْعٍ عَنْ قَتَادَة \" ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ شَافِعٍ , وَكَانَ أَهْل الْعِلْم يَقُولُونَ إِنَّهُ الْمَقَام الْمَحْمُود \" وَمِنْ حَدِيث أَبِي مَسْعُود رَفَعَهُ : إِنِّي لَأَقُومُ يَوْم الْقِيَامَة الْمَقَام الْمَحْمُود إِذَا جِيءَ بِكُمْ حُفَاةً عُرَاةً \" وَفِيهِ \" ثُمَّ يَكْسُونِي رَبِّي حُلَّة فَأَلْبَسُهَا فَأَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْش مَقَامًا لَا يَقُومهُ أَحَدٌ يَغْبِطُنِي بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ \" وَمِنْ طَرِيق اِبْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِد : الْمَقَام الْمَحْمُود الشَّفَاعَة. وَمِنْ طَرِيق الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ مِثْله , قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَقَالَ لَيْث عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى ( مَقَامًا مَحْمُودًا ) : يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى عَرْشِهِ. ثُمَّ أَسْنَدَهُ وَقَالَ : الْأَوَّل أَوْلَى , عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ لَيْسَ بِمَدْفُوعٍ لَا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَلَا مِنْ جِهَة النَّظَرِ. وَقَالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ : هُوَ كَذَلِكَ إِذَا حُمِلَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ. وَبَالَغَ الْوَاحِدِيّ فِي رَدِّ هَذَا الْقَوْل , وَأَمَّا النَّقَّاشُ فَنَقَلَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ صَاحِبِ السُّنَن أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَهُوَ مُتَّهَمٌ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ عِنْد الثَّعْلَبِيِّ وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاس عِنْد أَبِي الشَّيْخ وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن سَلَام قَالَ : إِنَّ مُحَمَّدًا يَوْم الْقِيَامَة عَلَى كُرْسِيّ الرَّبّ بَيْنَ يَدَيْ الرَّبّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. قُلْت : فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُونُ الْإِضَافَة إِضَافَة تَشْرِيف , وَعَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا جَاءَ عَنْ مُجَاهِد وَغَيْره , وَالرَّاجِح أَنَّ الْمُرَاد بِالْمَقَامِ الْمَحْمُود الشَّفَاعَة , لَكِنَّ الشَّفَاعَة الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِي الْمَقَام الْمَحْمُود نَوْعَانِ : الْأَوَّل الْعَامَّة فِي فَصْل الْقَضَاء , وَالثَّانِي الشَّفَاعَة فِي إِخْرَاج الْمُذْنِبِينَ مِنْ النَّار وَحَدِيث سَلْمَان الَّذِي ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ أَخْرَجَهُ اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيّ , وَحَدِيث كَعْب أَخْرَجَهُ اِبْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِم وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِم , وَحَدِيث اِبْنِ مَسْعُود أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم وَجَاءَ فِيهِ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد , وَعَنْ اِبْنِ عُمَر كَمَا مَضَى فِي الزَّكَاة عَنْ جَابِر عِنْد الْحَاكِم مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن عَنْهُ , وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ , فَالْمَشْهُور عَنْهُ أَنَّهُ مُرْسَل عَلِيّ بْن الْحُسَيْن , كَذَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر , وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيّ عَنْ رِجَال مِنْ أَهْل الْعِلْم أَخْرَجَهُ اِبْنُ أَبِي حَاتِم , وَحَدِيث جَابِر فِي ذَلِكَ عِنْد مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ , وَفِيهِ عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ اِبْنِ مَرْدَوَيْهِ ; وَعِنْده أَيْضًا مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ وَلَفْظه \" سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَقَام الْمَحْمُود فَقَالَ : هُوَ الشَّفَاعَة \" وَعَنْ أَبِي سَعِيد عِنْد التِّرْمِذِيّ وَابْنِ مَاجَهْ , وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ فِي تَفْسِيره : اُخْتُلِفَ فِي الْمَقَام الْمَحْمُود عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال , فَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ : الشَّفَاعَة وَالْإِجْلَاس , وَالثَّالِث إِعْطَاؤُهُ لِوَاءَ الْحَمْد يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذَا لَا يُغَايِر الْقَوْل الْأَوَّل , وَأَثْبَتَ غَيْره رَابِعًا وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ بْن أَبِي حَاتِم بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال أَحَدِ صِغَار التَّابِعِينَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْمَقَام الْمَحْمُود أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ يَوْم الْقِيَامَة بَيْن الْجَبَّار وَبَيْن جِبْرِيل , فَيَغْبِطهُ بِمَقَامِهِ ذَلِكَ أَهْل الْجَمْع. قُلْت : وَخَامِسًا هُوَ مَا اِقْتَضَاهُ حَدِيث حُذَيْفَة وَهُوَ ثَنَاؤُهُ عَلَى رَبِّهِ , وَسَيَأْتِي سِيَاقه فِي شَرْح الْحَدِيث السَّابِعَ عَشَرَ , وَلَكِنَّهُ لَا يُغَايِر الْأَوَّل أَيْضًا. وَحَكَى الْقُرْطُبِيّ سَادِسًا وَهُوَ مَا اِقْتَضَاهُ حَدِيث اِبْنِ مَسْعُود الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم قَالَ \" يَشْفَع نَبِيُّكُمْ رَابِع أَرْبَعَة جِبْرِيل ثُمَّ إِبْرَاهِيم ثُمَّ مُوسَى أَوْ عِيسَى ثُمَّ نَبِيّكُمْ لَا يَشْفَع أَحَدٌ فِي أَكْثَرِ مِمَّا يَشْفَع فِيهِ \" الْحَدِيث , وَهَذَا الْحَدِيث لَمْ يُصَرَّحْ بِرَفْعِهِ , وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيّ وَقَالَ : الْمَشْهُور قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَنَا أَوَّلُ شَافِع \". قُلْت : وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوته فَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْ طُرُقه التَّصْرِيح بِأَنَّهُ الْمَقَام الْمَحْمُود , مَعَ أَنَّهُ لَا يُغَايِر حَدِيث الشَّفَاعَة فِي الْمُذْنِبِينَ , وَجَوَّزَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ سَابِعًا وَهُوَ مَا اِقْتَضَاهُ حَدِيث كَعْب بْن مَالِك الْمَاضِي ذَكَرَهُ فَقَالَ بَعْد أَنَّ أَوْرَدَهُ : هَذَا يُشْعِر بِأَنَّ الْمَقَام الْمَحْمُود غَيْر الشَّفَاعَة , ثُمَّ قَالَ : وَيَجُوز أَنْ تَكُونُ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ \" فَأَقُول \" إِلَى الْمُرَاجَعَة فِي الشَّفَاعَة. قُلْت : وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَّجِه , وَيُمْكِن رَدُّ الْأَقْوَال كُلّهَا إِلَى الشَّفَاعَة الْعَامَّة , فَإِنَّ إِعْطَاءَهُ لِوَاءَ الْحَمْد وَثَنَاءَهُ عَلَى رَبِّهِ وَكَلَامِهِ بَيْن يَدَيْهِ وَجُلُوسه عَلَى كُرْسِيِّهِ وَقِيَامه أَقْرَبِ مِنْ جِبْرِيل كُلّ ذَلِكَ صِفَات لِلْمَقَامِ الْمَحْمُود الَّذِي يَشْفَع فِيهِ لِيُقْضَى بَيْن الْخَلْق , وَأَمَّا شَفَاعَته فِي إِخْرَاج الْمُذْنِبِينَ مِنْ النَّار فَمِنْ تَوَابِع ذَلِكَ , وَاخْتُلِفَ فِي فَاعِلِ الْحَمْد مِنْ قَوْله \" مَقَامًا مَحْمُودًا \" فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ أَهْل الْمَوْقِف , وَقِيلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ إِنَّهُ هُوَ يَحْمَد عَاقِبَة ذَلِكَ الْمَقَام بِتَهَجُّدِهِ فِي اللَّيْل , وَالْأَوَّل أَرْجَحُ لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيث اِبْنِ عُمَر الْمَاضِي فِي الزَّكَاة بِلَفْظِ \" مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدهُ أَهْل الْجَمْع كُلّهمْ \" وَيَجُوز أَنْ يُحْمَل عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ أَيْ مَقَامًا يَحْمَدهُ الْقَائِم فِيهِ وَكُلّ مَنْ عَرَفَهُ , وَهُوَ مُطْلَق فِي كُلّ مَا يَجْلِب الْحَمْدَ مِنْ أَنْوَاع الْكَرَامَات , وَاسْتَحْسَنَ هَذَا أَبُو حَيَّانَ وَأَيَّدَهُ بِأَنَّهُ نَكِرَة فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَاد مَقَامًا مَخْصُوصًا , قَالَ اِبْنِ بَطَّال : سَلَّمَ بَعْض الْمُعْتَزِلَة وُقُوع الشَّفَاعَة لَكِنْ خَصَّهَا بِصَاحِبِ الْكَبِيرَة الَّذِي تَابَ مِنْهَا وَبِصَاحِبِ الصَّغِيرَة الَّذِي مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مِنْ قَاعِدَتهمْ أَنَّ التَّائِب مِنْ الذَّنْب لَا يُعَذَّب , وَأَنَّ اِجْتِنَاب الْكَبَائِر يُكَفِّر الصَّغَائِر , فَيَلْزَم قَائِله أَنْ يُخَالِف أَصْله. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا مُغَايَرَة بَيْن الْقَوْلَيْنِ , إِذْ لَا مَانِعَ مِنْ أَنَّ حُصُول ذَلِكَ لِلْفَرِيقَيْنِ إِنَّمَا حَصَلَ بِالشَّفَاعَةِ , لَكِنْ يَحْتَاج مَنْ قَصَرَهَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى دَلِيلِ التَّخْصِيص , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الدَّعَوَات الْإِشَارَة إِلَى حَدِيث \" شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِر مِنْ أُمَّتِي \" وَلَمْ يَخُصّ بِذَلِكَ مَنْ تَابَ , وَقَالَ عِيَاض : أَثْبَتَتْ الْمُعْتَزِلَة الشَّفَاعَة الْعَامَّة فِي الْإِرَاحَة مِنْ كَرْب الْمَوْقِف وَهِيَ الْخَاصَّة بِنَبِيِّنَا وَالشَّفَاعَة فِي رَفْع الدَّرَجَات وَأَنْكَرَتْ مَا عَدَاهُمَا. قُلْت : وَفِي تَسْلِيم الْمُعْتَزِلَة الثَّانِيَة نَظَرٌ. قَالَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ : الشَّفَاعَة خَمْس فِي الْإِرَاحَة مِنْ هَوْل الْمَوْقِف وَفِي إِدْخَال قَوْم الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب , وَفِي إِدْخَال قَوْم حُوسِبُوا فَاسْتَحَقُّوا الْعَذَاب أَنْ لَا يُعَذَّبُوا , وَفِي إِخْرَاج مَنْ أُدْخِلَ النَّار مِنْ الْعُصَاة. وَفِي رَفْع الدَّرَجَات. وَدَلِيل الْأُولَى سَيَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي شَرْح الْحَدِيث السَّابِعَ عَشَرَ. وَدَلِيل الثَّانِيَة قَوْله تَعَالَى فِي جَوَاب قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أُمَّتِي أُمَّتِي : أَدْخِلْ الْجَنَّة مِنْ أُمَّتك مَنْ لَا حِسَاب عَلَيْهِمْ \" كَذَا قِيلَ , وَيَظْهَر لِي أَنَّ دَلِيله سُؤَاله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزِّيَادَة عَلَى السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب فَأُجِيبَ , وَقَدْ قَدَّمْت بَيَانه فِي شَرْح الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. وَدَلِيل الثَّالِثَة قَوْله فِي حَدِيث حُذَيْفَة عِنْد مُسْلِم \" وَنَبِيّكُمْ عَلَى الصِّرَاط يَقُول : رَبِّ سَلِّمْ \" وَلَهُ شَوَاهِد سَأَذْكُرُهَا فِي شَرْح الْحَدِيث السَّابِعَ عَشَر. وَدَلِيل الرَّابِعَة ذَكَرْته فِيهِ أَيْضًا مَبْسُوطًا. وَدَلِيل الْخَامِسَة قَوْله فِي حَدِيث أَنَسٍ عِنْد مُسْلِم \" أَنَا أَوَّلُ شَفِيع فِي الْجَنَّة \" كَذَا قَالَهُ بَعْض مَنْ لَقِينَاهُ وَقَالَ : وَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْجَنَّة ظَرْفًا لِشَفَاعَتِهِ. قُلْت : وَفِيهِ نَظَرٌ , لِأَنِّي سَأُبَيِّنُ أَنَّهَا ظَرْف فِي شَفَاعَته الْأُولَى الْمُخْتَصَّة بِهِ , وَاَلَّذِي يُطْلَب هُنَا أَنْ يَشْفَع لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ عَمَله دَرَجَة عَالِيَةً أَنْ يَبْلُغهَا بِشَفَاعَتِهِ. وَأَشَارَ النَّوَوِيّ فِي \" الرَّوْضَة \" إِلَى أَنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَة مِنْ خَصَائِصه مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر مُسْتَنَدَهَا , وَأَشَارَ عِيَاض إِلَى اِسْتِدْرَاك شَفَاعَة سَادِسَة وَهِيَ التَّخْفِيف عَنْ أَبِي طَالِبِ فِي الْعَذَاب كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي شَرْح ا9لْحَدِيث الرَّابِعَ عَشَرَ , وَزَادَ بَعْضهمْ شَفَاعَة سَابِعَة وَهِيَ الشَّفَاعَة لِأَهْلِ الْمَدِينَة لِحَدِيثِ سَعْد رَفَعَهُ \" لَا يَثْبُت عَلَى وَلَأْوَائِهَا أَحَدِ إِلَّا كُنْت لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" مَنْ اِسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فَلْيَفْعَلْ , فَإِنِّي أَشْفَع لِمَنْ مَاتَ بِهَا \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ قُلْت : وَهَذِهِ غَيْر وَارِدَة لِأَنَّ مُتَعَلَّقَهَا لَا يَخْرُج عَنْ وَاحِدَة مِنْ الْخَمْس الْأُوَلِ , وَلَوْ عُدَّ مِثْل ذَلِكَ لَعُدَّ حَدِيث عَبْد الْمَلِك بْن عَبَّاد \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : أَوَّلُ مَنْ أَشْفَع لَهُ أَهْل الْمَدِينَة ثُمَّ أَهْل مَكَّة ثُمَّ أَهْل الطَّائِف \" أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ , وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْنِ عُمَر رَفَعَهُ \" أَوَّلِ مَنْ أَشْفَع لَهُ أَهْل بَيْتِي ثُمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب ثُمَّ سَائِر الْعَرَب ثُمَّ الْأَعَاجِم \" وَذَكَرَ الْقَزْوِينِيّ فِي الْعُرْوَة الْوُثْقَى شَفَاعَته لِجَمَاعَةٍ مِنْ الصُّلَحَاء فِي التَّجَاوُز عَنْ تَقْصِيرهمْ وَلَمْ يَذْكُر مُسْتَنَدهَا , وَيَظْهَر لِي أَنَّهَا تَنْدَرِج فِي الْخَامِسَة , وَزَادَ الْقُرْطُبِيّ أَنَّهُ أَوَّلُ شَافِع فِي دُخُول أُمَّته الْجَنَّة قَبْل النَّاس , وَهَذِهِ أَفْرَدَهَا النَّقَّاشُ بِالذِّكْرِ وَهِيَ وَارِدَة وَدَلِيلهَا يَأْتِي فِي حَدِيث الشَّفَاعَة الطَّوِيل , وَزَادَ النَّقَّاش أَيْضًا شَفَاعَته فِي أَهْل الْكَبَائِر مِنْ أُمَّته وَلَيْسَتْ وَارِدَة لِأَنَّهَا تَدْخُل فِي الثَّالِثَة أَوْ الرَّابِعَة , وَظَهَرَ لِي بِالتَّتَبُّعِ شَفَاعَة أُخْرَى وَهِيَ الشَّفَاعَة فِيمَنْ اِسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ أَنْ يُدْخَل الْجَنَّة , وَمُسْتَنَدهَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ اِبْنِ عَبَّاس قَالَ : السَّابِق يَدْخُل الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَابٍ , وَالْمُقْتَصِد يَرْحَمُهُ اللَّهُ , وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ وَأَصْحَابُ الْأَعْرَافِ يَدْخُلُونَهَا بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ أَرْجَحَ الْأَقْوَالِ فِي أَصْحَاب الْأَعْرَاف أَنَّهُمْ قَوْم اِسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ , وَشَفَاعَةٌ أُخْرَى وَهِيَ شَفَاعَتُهُ فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يَعْمَل خَيْرًا قَطُّ , وَمُسْتَنَدهَا رِوَايَة الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي شَرْح الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ , وَلَا يَمْنَع مِنْ عَدِّهَا قَوْلُ اللَّه تَعَالَى لَهُ \" لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْك \" لِأَنَّ النَّفْيَ يَتَعَلَّق بِمُبَاشَرَةِ الْإِخْرَاج , وَإِلَّا فَنَفْسُ الشَّفَاعَة مِنْهُ قَدْ صَدَرَتْ وَقَبُولُهَا قَدْ وَقَعَ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا أَثَرُهَا , فَالْوَارِدُ عَلَى الْخَمْسَة أَرْبَعَة وَمَا عَدَاهَا لَا يُرَدُّ كَمَا تُرَدُّ الشَّفَاعَةُ فِي التَّخْفِيفِ عَنْ صَاحِبَيْ الْقَبْرَيْنِ وَغَيْر ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ أَحْوَالِ الدُّنْيَا. ‏ ‏قَوْله ( كَأَنَّهُمْ الثَّعَارِير ) ‏ ‏بِمُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ وَاحِدُهَا ثُعْرُورٌ كَعُصْفُورٍ. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت وَمَا الثَّعَارِيرُ ) ‏ ‏سَقَطَتْ الْوَاوُ لِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ الضَّغَابِيس ) ‏ ‏بِمُعْجَمَتَيْنِ ثُمَّ مُوَحَّدَة بَعْدهَا مُهْمَلَة. أَمَّا الثَّعَارِير فَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : هِيَ قِثَّاءٌ صِغَارٌ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة مِثْله وَزَادَ وَيُقَال بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة بَدَلَ الْمُثَلَّثَة , وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَب فِي قَوْل الرَّاوِي : وَكَانَ عَمْرو ذَهَبَ فَمه - أَيْ سَقَطَتْ أَسْنَانه - فَنَطَقَ بِهَا ثَاء مُثَلَّثَة وَهِيَ شِينٌ مُعْجَمَةٌ. وَقِيلَ هُوَ نَبْت فِي أُصُول الثُّمَام كَالْقُطْنِ يَنْبُت فِي الرَّمَل يَنْبَسِط عَلَيْهِ وَلَا يَطُول. وَوَقَعَ تَشْبِيههمْ بِالطَّرَاثِيثِ فِي حَدِيث حُذَيْفَة , وَهِيَ بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُثَلَّثَة هِيَ الثُّمَام بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم , وَقِيلَ الثُّعْرُور الْأَقِط الرَّطْب. وَأَغْرَبَ الْقَابِسِيّ فَقَالَ : هُوَ الصَّدَف الَّذِي يَخْرُج مِنْ الْبَحْر فِيهِ الْجَوْهَر. وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" كَأَنَّهُمْ اللُّؤْلُؤ \" وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّ أَلْفَاظ التَّشْبِيه تَخْتَلِف , وَالْمَقْصُود الْوَصْف بِالْبَيَاضِ وَالدِّقَّة. وَأَمَّا الضَّغَابِيس فَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : شَيْءٌ يَنْبُتُ فِي أُصُول التَّمَام يُشْبِهُ الْهِلْيُون يُسْلَقُ ثُمَّ يُؤْكَلُ بِالزَّيْتِ وَالْخَلّ. وَقِيلَ يَنْبُتُ فِي أُصُول الشَّجَر وَفِي الْإِذْخِر يَخْرُج قَدْر شِبْر فِي دِقَّة الْأَصَابِع لَا وَرَق لَهُ وَفِيهِ حُمُوضَة. وَفِي غَرِيب الْحَدِيث لِلْحَرْبِيِّ : الضُّغْبُوس شَجَرَة عَلَى طُول الْإِصْبَع , وَشُبِّهَ بِهِ الرَّجُل الضَّعِيف. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : هِيَ طُيُور صِغَار فَوْق الذُّبَاب. وَلَا مُسْتَنَدَ لَهُ فِيمَا قَالَ ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏هَذَا التَّشْبِيه لِصِفَتِهِمْ بَعْد أَنْ يَنْبُتُوا , وَأَمَّا فِي أَوَّل خُرُوجهمْ مِنْ النَّار فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ كَالْفَحْمِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. وَوَقَعَ فِي حَدِيث يَزِيد الْفَقِير عَنْ جَابِر 9عِنْد مُسْلِم \" فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَان السَّمَاسِم , فَيَدْخُلُونَ نَهْرًا فَيَغْتَسِلُونَ فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ الْقَرَاطِيس الْبِيض \" وَالْمُرَاد بَعِيدَانِ السَّمَاسِم مَا يَنْبُت فِيهِ السِّمْسِم , فَإِنَّهُ إِذَا جُمِعَ وَرُمِيَتْ الْعِيدَان تَصِير سُودًا دِقَاقًا. وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ اللَّفْظَة مُحَرَّفَة وَأَنَّ الصَّوَاب السَّاسم بِمِيمِ وَاحِدَة , وَهُوَ خَشَب أَسْوَد وَالثَّابِت فِي جَمِيع طُرُق الْحَدِيث بِإِثْبَاتِ الْمِيمَيْنِ وَتَوْجِيهُهُ وَاضِحٌ. ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت لِعَمْرٍو ) ‏ ‏الْقَائِلُ حَمَّادٌ. ‏ ‏قَوْله ( أَبَا مُحَمَّد ) ‏ ‏بِحَذْفِ أَدَاة النِّدَاء وَثَبَتَ بِلَفْظِ \" يَا أَبَا مُحَمَّد \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ وَعَمْرو هُوَ اِبْن دِينَار , وَأَرَادَ الِاسْتِثْبَات فِي سَمَاعه لَهُ مِنْ جَابِر وَسَمَاع جَابِر لَهُ , وَلَعَلَّ سَبَب ذَلِكَ رِوَايَة عَمْرو لَهُ عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر مُرْسَلًا , وَقَدْ حَدَّثَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ بِالطَّرِيقَيْنِ كَمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6074",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ النَّارِ بَعْدَ مَا مَسَّهُمْ مِنْهَا ‏ ‏سَفْعٌ ‏ ‏فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيُسَمِّيهِمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَهَنَّمِيِّينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد نَحْو هَذَا فِي الْحَدِيث الطَّوِيل فِي الشَّفَاعَة بِلَفْظِ \" حَدَّثَنَا أَنَس \" ‏ ‏وَقَوْله \" سَفْع \" ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْفَاء ثُمَّ عَيْن مُهْمَلَة أَيْ سَوَاد فِيهِ زُرْقَة أَوْ صُفْرَة , يُقَال سَفَعَتْهُ النَّار إِذَا لَفَحَتْهُ فَغَيَّرَتْ لَوْن بَشَرَتِهِ وَقَدْ وَقَعَ حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه بِلَفْظِ \" قَدْ اِمْتُحِشُوا \" وَيَأْتِي ضَبْطُهُ , وَفِي حَدِيثه عِنْد مُسْلِم \" إِنَّهُمْ يَصِيرُونَ فَحْمًا \" وَفِي حَدِيث جَابِر \" حِمَمًا \" وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ. ‏ ‏قَوْله ( فَيُسَمِّيهِمْ أَهْل الْجَنَّة الْجَهَنَّمِيِّينَ ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي الثَّامِن عَشَرَ مِنْ هَذَا الْبَاب مِنْ حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ بِلَفْظِ \" يَخْرُج قَوْم مِنْ النَّار بِشَفَاعَةِ مُحَمَّد فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّة وَيُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ , وَثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس عِنْد الْمُصَنِّف فِي التَّوْحِيد , وَزَادَ جَابِر فِي حَدِيثه \" فَيُكْتَب فِي رِقَابهمْ : عُتَقَاءُ اللَّه , فَيُسَمَّوْنَ فِيهَا الْجَهَنَّمِيِّينَ \" أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَصْله فِي مُسْلِم. وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن عَمْرو عَنْ أَنَس \" فَيَقُول لَهُمْ أَهْل الْجَنَّة : هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ , فَيَقُول اللَّه هَؤُلَاءِ عُتَقَاء اللَّه \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ أَبِي سَعِيد وَزَادَ \" فَيَدْعُونَ اللَّه فَيُذْهِب عَنْهُمْ هَذَا الِاسْمَ \" وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة عِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي \" الْبَعْث \" مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْهُ \" قَالَ لَهُمْ الْجَهَنَّمِيُّونَ , فَذَكَرَ لِي أَنَّهُمْ اِسْتَعْفَوْا اللَّهَ مِنْ ذَلِكَ الِاسْم فَأُعْفَاهُمْ. وَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَة لَيْسَتْ تَنْقِيصًا لَهُمْ بَلْ لِلِاسْتِذْكَارِ لِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيَزْدَادُوا بِذَلِكَ شُكْرًا , كَذَا قَالَ , وَسُؤَالهمْ إِذْهَاب ذَلِكَ الِاسْم عَنْهُمْ يَخْدِشُ فِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6075",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ يَقُولُ اللَّهُ ‏ ‏مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيَخْرُجُونَ قَدْ ‏ ‏امْتُحِشُوا ‏ ‏وَعَادُوا حُمَمًا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ‏ ‏أَوْ قَالَ حَمِيَّةِ السَّيْلِ ‏ ‏وَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَمْ تَرَوْا أَنَّهَا تَنْبُتُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل , ‏ ‏وَوُهَيْب ‏ ‏هُوَ اِبْن خَالِد , ‏ ‏وَعَمْرو ‏ ‏هُوَ اِبْن يَحْيَى الْمَازِنِيُّ , ‏ ‏وَأَبُوهُ ‏ ‏يَحْيَى هُوَ اِبْن عِمَارَةَ بْن أَبِي حَسَن الْمَازِنِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة وَأَهْل النَّار النَّار يَقُول اللَّه تَعَالَى : مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل مِنْ إِيمَان فَأَخْرِجُوهُ ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَى يَحْيَى بْن عِمَارَة عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ آخِر الْحَدِيث وَلَمْ يَذْكُر أَوَّلَهُ , وَرَوَاهُ عَطَاء اِبْن يَسَار عَنْ أَبِي سَعِيد مُطَوَّلًا وَأَوَّله الرُّؤْيَة وَكَشْف السَّاق وَالْعَرْض وَنَصْب الصِّرَاط وَالْمُرُور عَلَيْهِ وَسُقُوط مَنْ يَسْقُط وَشَفَاعَة الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْوَانهمْ وَقَوْل اللَّه أَخْرَجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ صُورَتَهُ , وَفِيهِ مَنْ فِي قَلْبه مِثْقَال دِينَار وَغَيْر ذَلِكَ , وَفِيهِ قَوْل اللَّه تَعَالَى شَفَعَتْ الْمَلَائِكَة وَالنَّبِيُّونَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ فَيَقْبِض قَبْضَة مِنْ النَّار فَيَخْرُج مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ صَارُوا حِمَمًا , وَقَدْ سَاقَ الْمُصَنِّف أَكْثَر فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء , وَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ فِي كِتَاب التَّوْحِيد , وَسَأَذْكُرُ فَوَائِده فِي شَرْح حَدَّثَ الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا مَعَ الْإِشَارَة إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الطَّرِيق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَتَقَدَّمَتْ لِهَذِهِ الرِّوَايَة طَرِيق أُخْرَى فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي \" بَاب تَفَاضُل أَهْل الْإِيمَان فِي الْأَعْمَال \" وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ هُنَاكَ. وَاسْتَدَلَّ الْغَزَالِيّ بِقَوْلِهِ \" مَنْ كَانَ فِي قَلْبه \" عَلَى نَجَاة مَنْ أَيْقَنَ بِذَلِكَ وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النُّطْق بِهِ الْمَوْت , وَقَالَ فِي حَقّ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَأَخَّرَ فَمَاتَ : يَحْتَمِل أَنَّ كَوْنَ اِمْتِنَاعه عَنْ النُّطْق بِمَنْزِلَةِ اِمْتِنَاعه عَنْ الصَّلَاة فَيَكُون غَيْرَ مُخَلَّدٍ فِي النَّار , وَيَحْتَمِل غَيْر ذَلِكَ. وَرَجَّحَ غَيْره الثَّانِي فَيَحْتَاج إِلَى تَأْوِيل قَوْله \" فِي قَلْبه \" فَيُقَدَّر فِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره مُنْضَمًّا إِلَى النُّطْق بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6076",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا إِسْحَاقَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏النُّعْمَانَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي ‏ ‏أَخْمَصِ ‏ ‏قَدَمَيْهِ جَمْرَةٌ يَغْلِي مِنْهَا دِمَاغُهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَعْلَى مِنْ الْآخَر , لَكِنْ فِي الْعَالِي عَنْعَنَة أَبِي إِسْحَاق عَمْرو بْن عَبْد اللَّه السَّبِيعِيِّ , وَفِي النَّازِل تَصْرِيحه بِالسَّمَاعِ فَانْجَبَرَ مَا فَاتَهُ مِنْ الْعُلُوّ الْحِسِّيّ بِالْعُلُوِّ الْمَعْنَوِيّ , وَإِسْرَائِيل فِي الطَّرِيق هُوَ اِبْن يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق الْمَذْكُور , وَالنُّعْمَان هُوَ اِبْن بَشِير بْن سَعْد الْأَنْصَارِيّ , وَوَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَمُحَمَّد بْن بَشَّار جَمِيعًا عَنْ غُنْدَر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن آدَم عَنْ إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق \" سَمِعْت النُّعْمَان بْن بَشِير الْأَنْصَارِيّ يَقُول \" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. ‏ ‏قَوْله ( أَهْوَن أَهْل النَّار عَذَابًا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ أَبُو طَالِب. قُلْت : وَقَدْ بَيَّنْت فِي قِصَّة أَبِي طَالِب مِنْ الْمَبْعَث النَّبَوِيّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد مُسْلِم التَّصْرِيح بِذَلِكَ وَلَفْظه \" أَهْوَن أَهْل النَّار عَذَابًا أَبُو طَالِب \". ‏ ‏قَوْله ( أَخْمَص ) ‏ ‏بِخَاءِ مُعْجَمَة وَصَادٍ مُهْمَلَة وَزْن أَحْمَر : مَا لَا يَصِل إِلَى الْأَرْض مِنْ بَاطِن الْقَدَم عِنْد الْمَشْيِ. ‏ ‏قَوْله ( جَمْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" جَمْرَتَانِ \" وَكَذَا فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل \" عَلَى أَخْمَص قَدِمَهُ جَمْرَتَانِ \" قَالَ اِبْن التِّين : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الِاقْتِصَار عَلَى الْجَمْرَة لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْأُخْرَى لِعِلْمِ السَّامِع بِأَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ قَدَمَيْنِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ أَبِي إِسْحَاق عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَار يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْده نَحْوه وَقَالَ \" يَغْلِي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَة نَعْلِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( مِنْهَا دِمَاغه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل \" مِنْهُمَا \" بِالتَّثْنِيَةِ , وَكَذَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "6077",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ عَلَى أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي ‏ ‏الْمِرْجَلُ وَالْقُمْقُمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَل بِالْقُمْقُمِ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" لَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدّ عَذَابًا مِنْهُ وَأَنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا \" وَالْمِرْجَل بِكَسْرِ الْمِيم وَيَسُكُّونَ الرَّاء وَفَتْح الْجِيم بَعْدهَا لَامٌ قِدْرٌ مِنْ نُحَاس , وَيُقَال أَيْضًا لِكُلِّ إِنَاء يَغْلِي فِيهِ الْمَاء مِنْ 9 أَيْ صِنْف كَانَ , وَالْقُمْقُم مَعْرُوف مِنْ آنِيَّة الْعَطَّار , وَيُقَال هُوَ إِنَاء ضَيِّق الرَّأْس يُسَخَّن فِيهِ الْمَاء يَكُون مِنْ نُحَاس وَغَيْره فَارِسِيّ وَيُقَال رُومِيّ وَهُوَ مُعَرَّب وَقَدْ يُؤَنَّث فَيُقَال قَمْقَمَة , قَالَ اِبْن التِّين : فِي هَذَا التَّرْكِيب نَظَر , وَقَالَ عِيَاض : الصَّوَاب \" كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَل وَالْقُمْقُم \" بِوَاوِ الْعَطْفِ لَا بِالْبَاءِ , وَجَوَّزَ غَيْره أَنْ تَكُون الْبَاء بِمَعْنَى مَعَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَل أَوْ الْقُمْقُم \" بِالشَّكِّ , تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ هَذَا فِي قِصَّة أَبِي طَالِب. ‏"
    },
    {
        "id": "6078",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَيْثَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَكَرَ النَّارَ فَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا ثُمَّ ذَكَرَ النَّارَ فَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ ‏ ‏اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم , تَقَدَّمَ شَرْحه قَرِيبًا فِي آخِر \" بَاب مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6079",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ ‏ ‏أَبُو طَالِبٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ‏ ‏ضَحْضَاحٍ ‏ ‏مِنْ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ أُمُّ دِمَاغِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي ذِكْر أَبِي طَالِب , تَقَدَّمَ فِي قِصَّة أَبِي طَالِب مِنْ طَرِيق اللَّيْث حَدَّثَنِي اِبْن الْهَادِ وَعَطَفَ عَلَيْهِ السَّنَد الْمَذْكُور هُنَا وَاخْتَصَرَ الْمَتْن , وَيَزِيد الْمَذْكُور هُنَا هُوَ اِبْن الْهَادِ الْمَذْكُور هُنَاكَ , وَاسْم كُلٌّ مِنْ اِبْن أَبِي حَازِم والدَّرَاوَرْدِيِّ عَبْد الْعَزِيز , وَهُمَا مَدَنِيَّانِ مَشْهُورَانِ وَكَذَا سَائِر رُوَاة هَذَا السَّنَدِ. ‏ ‏قَوْله ( لَعَلَّهُ تَنْفَعهُ شَفَاعَتِي ) ‏ ‏ظَهَرَ مِنْ حَدِيث الْعَبَّاس وُقُوع هَذَا التَّرَجِّي , وَاسْتُشْكِلَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنْفَعهُ شَفَاعَتِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ خُصَّ وَلِذَلِكَ عَدُّوهُ فِي خَصَائِص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقِيلَ مَعْنَى الْمَنْفَعَة فِي الْآيَة يُخَالِف مَعْنَى الْمَنْفَعَة فِي الْحَدِيث , وَالْمُرَاد بِهَا فِي الْآيَة الْإِخْرَاج مِنْ النَّار وَفِي الْحَدِيث الْمَنْفَعَة بِالتَّخْفِيفِ , وَبِهَذَا الْجَوَاب جَزَمَ الْقُرْطُبِيّ , وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْث : صِحَّة الرِّوَايَة فِي شَأْن أَبِي طَالِب فَلَا مَعْنَى لِلْإِنْكَارِ مِنْ حَيْثُ صِحَّةُ الرِّوَايَةِ , وَوَجْهُهُ عِنْدِي أَنَّ الشَّفَاعَة فِي الْكُفَّار إِنَّمَا اِمْتَنَعَتْ لِوُجُودِ الْخَبَر الصَّادِق فِي أَنَّهُ لَا يُشَفَّعُ فِيهِمْ أَحَدٌ , وَهُوَ عَامّ فِي حَقّ كُلّ كَافِر , فَيَجُوز أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ مَنْ ثَبَتَ الْخَبَر بِتَخْصِيصِهِ , قَالَ : وَحَمَلَهُ بَعْض أَهْل النَّظَر عَلَى أَنَّ جَزَاء الْكَافِر مِنْ الْعَذَاب يَقَع عَلَى كُفْره وَعَلَى مَعَاصِيه , فَيَجُوز أَنَّ اللَّه يَضَع عَنْ بَعْض الْكُفَّار بَعْض جَزَاء مَعَاصِيه تَطْيِيبًا لِقَلْبِ الشَّافِع لَا ثَوَابًا لِلْكَافِرِ لِأَنَّ حَسَنَاته صَارَتْ بِمَوْتِهِ عَلَى الْكُفْر هَبَاء. وَأَخْرَجَ مُسْلِم عَنْ أَنَس \" وَأَمَّا الْكَافِر فَيُعْطَى حَسَنَاته فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَة لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَة \" وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الشَّفَاعَة هَلْ هِيَ بِلِسَانٍ قَوْلِيّ أَوْ بِلِسَانٍ حَالِيٍّ ؟ وَالْأَوَّل يُشْكِل بِالْآيَةِ , وَجَوَابه جَوَاز التَّخْصِيص ; وَالثَّانِي يَكُون مَعْنَاهُ أَنَّ أَبَا طَالِب لَمَّا بَالَغَ فِي إِكْرَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالذَّبّ عَنْهُ جُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّخْفِيفِ فَأَطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ شَفَاعَة لِكَوْنِهَا بِسَبَبِهِ. قَالَ : وَيُجَاب عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْمُخَفَّف عَنْهُ لَمَّا لَمْ يَجِد أَثَر التَّخْفِيف فَكَأَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِع بِذَلِكَ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَعْتَقِد أَنْ لَيْسَ فِي النَّار أَشَدُّ عَذَابًا مِنْهُ , وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلِيل مِنْ عَذَاب جَهَنَّم لَا تُطِيقُهُ الْجِبَالُ فَالْمُعَذَّبُ لِاشْتِغَالِهِ بِمَا هُوَ فِيهِ يَصْدُق عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ اِنْتِفَاعٌ بِالتَّخْفِيفِ. قُلْت : وَقَدْ يُسَاعِد مَا سَبَقَ مَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاح مِنْ حَدِيث أُمّ حَبِيبَة فِي قِصَّة بِنْت أُمّ سَلَمَة \" أَرْضَعَتْنِي وَإِيَّاهَا ثُوَيْبَة \" قَالَ عُرْوَة \" إِنَّ أَبَا لَهَب رُئِيَ فِي الْمَنَام فَقَالَ : لَمْ أَرَ بَعْدكُمْ خَيْرًا غَيْر أَنِّي سُقِيت فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ , وَجَوَّزَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" التَّذْكِرَة \" أَنَّ الْكَافِر إِذَا عُرِضَ عَلَى الْمِيزَان وَرَجَحَتْ كِفَّة سَيِّئَاته بِالْكُفْرِ اِضْمَحَلَّتْ حَسَنَاته فَدَخَلَ النَّار , لَكِنَّهُمْ يَتَفَاوَتُونَ فِي ذَلِكَ : فَمَنْ كَانَتْ لَهُ مِنْهُمْ حَسَنَات مِنْ عِتْق وَمُوَاسَاة مُسْلِم لَيْسَ كَمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْء مِنْ ذَلِكَ , فَيَحْتَمِل أَنْ يُجَازَى بِتَخْفِيفِ الْعَذَاب عَنْهُ بِمِقْدَارِ مَا عَمِلَ , لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ). قُلْت : لَكِنْ هَذَا الْبَحْث النَّظَرِيَّ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ) وَحَدِيث أَنَس الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود رَفَعَهُ \" مَا أَحْسَنَ مُحْسِن مِنْ مُسْلِم وَلَا كَافِر إِلَّا أَثَابَهُ اللَّه قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه مَا إِثَابَة الْكَافِر ؟ قَالَ : الْمَال وَالْوَلَد وَالصِّحَّة وَأَشْبَاه ذَلِكَ. قُلْنَا وَمَا إِثَابَته فِي الْآخِرَة ؟ قَالَ : عَذَابًا دُون الْعَذَاب. ثُمَّ قَرَأَ : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْن أَشَدّ الْعَذَاب \". فَالْجَوَاب عَنْهُ أَنَّ سَنَده ضَعِيف , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوته فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّخْفِيف فِيمَا يَتَعَلَّق بِعَذَابِ مَعَاصِيه , بِخِلَافِ عَذَابِ الْكُفْرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6080",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ لَوْ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا فَيَأْتُونَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فَيَقُولُونَ أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ وَيَقُولُ ائْتُوا ‏ ‏نُوحًا ‏ ‏أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ ائْتُوا ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ ائْتُوا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ ائْتُوا ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ ائْتُوا ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَيَأْتُونِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُقَالُ لِي ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ ‏ ‏تُعْطَهْ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِي ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا مِثْلَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ حَتَّى مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏يَقُولُ عِنْدَ هَذَا أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس الطَّوِيل فِي الشَّفَاعَة , أَوْرَدَهُ هُنَا مِنْ طَرِيق أَبِي عَوَانَة , وَمَضَى فِي تَفْسِير الْبَقَرَة مِنْ رِوَايَة هِشَام الدَّسْتِوَائِيِّ وَمِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة , وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق هَمَّام أَرْبَعَتهمْ عَنْ قَتَادَةَ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَد مِنْ رِوَايَة شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق مَعْبَد بْن هِلَال عَنْ أَنَس وَفِيهِ زِيَادَة لِلْحَسَنِ عَنْ أَنَس , وَمِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس بِاخْتِصَارٍ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق النَّضْر بْن أَنَس عَنْ أَنَس , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَأَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق مُعْتَمِر عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس , وَعِنْد الْحَاكِم مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت , وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث سَلْمَان الْفَارِسِيّ وَجَاءَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة كَمَا مَضَى فِي التَّفْسِير مِنْ رِوَايَة أَبِي زَرْعَة عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة الْعَلَاء بْن يَعْقُوب عَنْهُ , مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد , وَلَهُ طُرُق عَنْ أَبِي سَعِيد مُخْتَصَرَة , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَحُذَيْفَة مَعًا , وَأَبُو عَوَانَة مِنْ رِوَايَة حُذَيْفَة عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَمَضَى فِي الزَّكَاة فِي تَفْسِير سُبْحَانَ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر بِاخْتِصَارٍ , وَعِنْد كُلٍّ مِنْهُمْ مَا لَيْسَ عِنْد الْآخَر , وَسَأَذْكُرُ مَا عِنْد كُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ فَائِدَةٍ مُسْتَوْعِبًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( يَجْمَع اللَّه النَّاس يَوْم الْقِيَامَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" جَمَعَ بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمَاضِي وَالْأَوَّل الْمُعْتَمَد وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْبَد بْن هِلَال \" إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة مَاجَ النَّاس بَعْضهمْ فِي بَعْض \" وَأَوَّل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَا سَيِّد النَّاس يَوْم الْقِيَامَة , يَجْمَع اللَّه النَّاس الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فِي صَعِيد وَاحِد يُسْمِعهُمْ الدَّاعِي وَيَنْفُذهُمْ الْبَصَر , وَتَدْنُو الشَّمْس فَيَبْلُغ النَّاس مِنْ الْغَمّ وَالْكَرْب مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ \" وَزَادَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ جَرِير عَنْ عِمَارَة بْن الْقَعْقَاع عَنْ أَبِي زَرْعه فِيهِ \" وَتَدْنُو الشَّمْس مِنْ رُءُوسِهِمْ فَيَشْتَدّ عَلَيْهِمْ حَرُّهَا وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ دُنُوُّهَا فَيَنْطَلِقُونَ مِنْ الضَّجَر وَالْجَزَع مِمَّا هُمْ فِيهِ \" وَهَذِهِ الطَّرِيق عِنْد مُسْلِم عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ جَرِير , لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظهَا , وَأَوَّل حَدِيث أَبِي بَكْر \" عُرِضَ عَلَيَّ مَا هُوَ كَائِن مِنْ أَمْر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة يَجْمَع اللَّه الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُفْظَع النَّاس لِذَلِكَ وَالْعَرَق كَادَ يُلَجِّمُهُمْ \" وَفِي رِوَايَة مُعْتَمِر \" يَلْبَثُونَ مَا شَاءَ اللَّه مِنْ الْحَبْس \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ \" مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث الْمِقْدَاد أَنَّ الشَّمْس تَدْنُو حَتَّى تَصِير مِنْ النَّاس قَدْرَ مِيل وَسَائِر مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَبَيَان تَفَاوُتِهِمْ فِي الْعَرَق بِقَدْرِ أَعْمَالهمْ , وَفِي حَدِيث سَلْمَان \" تُعْطِي الشَّمْس يَوْم الْقِيَامَة حَرّ عَشْر سِنِينَ , ثُمَّ تَدْنُو مِنْ جَمَاجِم النَّاس فَيَعْرَقُونَ حَتَّى يَرْشَح الْعَرَق فِي الْأَرْض قَامَة , ثُمَّ يَرْتَفِع الرَّجُل حَتَّى يَقُول عَقّ عَقّ \" وَفِي رِوَايَة النَّضْر بْن أَنَس \" لِغَمِّ مَا هُمْ فِيهِ وَالْخَلْق مُلَجَّمُونَ بِالْعَرَقِ , فَأَمَّا الْمُؤْمِن فَهُوَ عَلَيْهِ كَالزُّكْمَةِ , وَأَمَّا الْكَافِر فَيَغْشَاهُ الْمَوْت \" وَفِي حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت رَفَعَهُ \" إِنِّي لَسَيِّد النَّاس يَوْم الْقِيَامَة بِغَيْرِ فَخْر , وَمَا مِنْ النَّاس إِلَّا مَنْ هُوَ تَحْتَ لِوَائِي يَنْتَظِر الْفَرَجَ , وَإِنَّ مَعِي لِوَاءَ الْحَمْد \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام وَسَعِيد وَهَمَّام \" يَجْتَمِع الْمُؤْمِنُونَ فَيَقُولُونَ \" وَتَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَة النَّضْر بْن أَنَس أَنَّ التَّعْبِير بِالنَّاسِ , أَرْجَح لَكِنَّ الَّذِي يَطْلُبُ الشَّفَاعَةَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ. ‏ ‏قَوْله ( فَيَقُولُونَ لَوْ اِسْتَشْفَعْنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَيُلْهَمُونَ ذَلِكَ \" وَفِي لَفْظ \" فَيَهْتَمُّونَ بِذَلِكَ \" , وَفِي رِوَايَة هَمَّام \" حَتَّى يُهْتَمُّوا بِذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله ( عَلَى رَبّنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِشَام وَسَعِيد \" إِلَى رَبّنَا \" وَتَوَجَّهَ بِأَنَّهُ ضَمَّنَ مَعْنَى اِسْتَشْفَعْنَا سَعْي لِأَنَّ الِاسْتِشْفَاعَ طَلَب الشَّفَاعَة وَهِيَ اِنْضِمَام الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى مَا يَرُومُهُ. وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة وَأَبِي هُرَيْرَة مَعًا \" يَجْمَع اللَّه النَّاس يَوْم الْقِيَامَة , فَيَقُوم الْمُؤْمِنُونَ حَيّ تَتَزَلَّف لَهُمْ الْجَنَّة فَيَأْتُونَ آدَم \" وَ \" حَتَّى \" غَايَة لِقِيَامِهِمْ الْمَذْكُور. وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ طَلَبهمْ الشَّفَاعَة يَقَع حِين تَتَزَلَّف لَهُمْ الْجَنَّة. وَوَقَعَ فِي أَوَّل حَدِيث أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيد فِي مُسْلِم رَفَعَهُ \" أَنَا أَوَّل مَنْ تَنْشَقّ عَنْهُ الْأَرْض \" الْحَدِيثَ وَفِيهِ \" فَيَفْزَع النَّاس ثَلَاث فَزَعَاتٍ , فَيَأْتُونَ آدَم \" الْحَدِيثَ قَالَ الْقُرْطُبِيّ \" كَأَنَّ ذَلِكَ يَقَع إِذَا جِيءَ بِجَهَنَّمَ , فَإِذَا زَفَرَتْ فَزِعَ النَّاس حِينَئِذٍ وَجَثَوَا عَلَى رُكَبِهِمْ \". ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى يُرِيحَنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَيُرِيحنَا \" وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد اِبْن حِبَّانَ \" إِنَّ الرَّجُل لَيُلَجِّمُهُ الْعَرَق يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يَقُول : يَا رَبّ أَرِحْنِي وَلَوْ إِلَى النَّار \" وَفِي رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس \" يَطُول يَوْم الْقِيَامَة عَلَى النَّاس , فَيَقُول بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : اِنْطَلِقُوا بِنَا إِلَى آدَمَ أَبِي الْبَشَر فَلْيَشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّنَا فَلْيَقْضِ بَيْنَنَا \" وَفِي حَدِيث سَلْمَان \" فَإِذَا رَأَوْا مَا هُمْ فِيهِ قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : اِئْتُوا أَبَاكُمْ آدَمَ \". ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا ) فِي رِوَايَة ثَابِتٍ \" فَلْيَقْضِ بَيْنَنَا \" وَفِي رِوَايَة حُذَيْفَة وَأَبِي هُرَيْرَة فَيَقُولُونَ \" يَا أَبَانَا اِسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَيَأْتُونَ آدَم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شَيْبَانَ \" فَيَنْطَلِقُونَ حَتَّى يَأْتُوا آدَمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ الَّذِي \" فِي رِوَايَة مُسْلِم \" يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَر \" وَفِي رِوَايَة هَمَّام وَشَيْبَان \" أَنْتَ أَبُو الْبَشَر \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة نَحْو رِوَايَة مُسْلِم. وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة \" فَيَقُولُونَ يَا أَبَانَا \". ‏ ‏قَوْله ( خَلَقَك اللَّه بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيك مِنْ رُوحه ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة هَمَّام \" وَأَسْكَنَك جَنَّتَهُ وَعَلَّمَك أَسْمَاءَ كُلّ شَيْء \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" وَأَمَرَ الْمَلَائِكَة فَسَجَدُوا لَك \" وَفِي حَدِيث أَبِي بَكْر \" أَنْتَ أَبُو الْبَشَر وَأَنْتَ اِصْطَفَاك اللَّه \". ‏ ‏قَوْله ( فَاشْفَعْ لَنَا عِنْد رَبّنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" عِنْد رَبّك \" وَكَذَا لِشَيْبَانَ فِي حَدِيث أَبِي بَكْر وَأَبِي هُرَيْرَة اِشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّك , وَزَادَ أَبُو هُرَيْرَة \" أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ , أَلَّا تَرَى مَا بَلَغَنَا \". ‏ ‏قَوْله ( لَسْت هُنَاكُمْ ) ‏ ‏قَالَ عِيَاضٌ : قَوْله لَسْت هُنَاكُم كِنَايَةٌ عَنْ أَنَّ مَنْزِلَتَهُ دُون الْمَنْزِلَة الْمَطْلُوبَة قَالَهُ تَوَاضُعًا وَإِكْبَارًا لِمَا يَسْأَلُونَهُ , قَالَ : وَقَدْ يَكُون فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ هَذَا الْمَقَام لَيْسَ لِي بَلْ لِغَيْرِي. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْبَد بْن هِلَال \" فَيَقُول لَسْت لَهَا \" وَكَذَا فِي بَقِيَّة الْمَوَاضِع , وَفِي رِوَايَة حُذَيْفَة \" لَسْت بِصَاحِبِ ذَاكَ \" وَهُوَ يُؤَيِّد الْإِشَارَةَ الْمَذْكُورَةَ. ‏ ‏قَوْله ( وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم الَّتِي أَصَابَ , وَالرَّاجِح أَنَّ الْمَوْصُول مَحْذُوفٌ تَقْدِيره أَصَابَهَا , زَادَ هَمَّام فِي رِوَايَته \" أَكْلَهُ مِنْ الشَّجَرَة. وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا \" وَهُوَ بِنَصْبِ أَكْلَهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْله خَطِيئَتَهُ وَفِي رِوَايَة هِشَام \" فَيَذْكُر ذَنْبه فَيَسْتَحْيِ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس \" إِنِّي قَدْ أُخْرِجْت بِخَطِيئَتِي مِنْ الْجَنَّة \" وَفِي رِوَايَة أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيد \" وَإِنِّي أَذْنَبْت ذَنْبًا فَأَهْبَطَتْ بِهِ إِلَى الْأَرْض \" وَفِي رِوَايَة حُذَيْفَة وَأَبِي هُرَيْرَة مَعًا \" هَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنْ الْجَنَّة إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَم \" وَفِي رِوَايَة ثَابِت عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور \" إِنِّي أَخْطَأْت وَأَنَا فِي الْفِرْدَوْسِ فَإِنْ يُغْفَرْ لِي الْيَوْمَ حَسْبِي \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ , وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَة فَعَصَيْت , نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي , اِذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي \". ‏ ‏قَوْله ( اِئْتُوا نُوحًا فَيَأْتُونَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَلَكِنْ اِئْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُول بَعَثَهُ اللَّه إِلَى أَهْل الْأَرْض. فَيَأْتُونَ نُوحًا \" وَفِي رِوَايَة هِشَام \" فَإِنَّهُ أَوَّل رَسُول بَعَثَهُ اللَّه إِلَى أَهْل الْأَرْض \" وَفِي حَدِيث أَبِي بَكْر \" اِنْطَلِقُوا إِلَى أَبِيكُمْ بَعْدَ أَبِيكُمْ , إِلَى نُوح , اِئْتُوا عَبْدًا شَاكِرًا \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" اِذْهَبُوا إِلَى نُوح , فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ : يَا نُوح أَنْتَ أَوَّل الرُّسُل إِلَى أَهْل الْأَرْض , وَقَدْ سَمَّاك اللَّه عَبْدًا شَكُورًا \" وَفِي حَدِيث أَبِي بَكْر \" فَيَنْطَلِقُونَ إِلَى نُوح فَيَقُولُونَ : يَا نُوحُ اِشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّك , فَإِنَّ اللَّهَ اِصْطَفَاك وَاسْتَجَابَ لَك فِي دُعَائِك وَلَمْ يَدَعْ عَلَى الْأَرْض مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا \" وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ آدَم سَبَقَ إِلَى وَصْفِهِ بِأَنَّهُ أَوَّل رَسُول فَخَاطَبَهُ أَهْل الْمَوْقِف بِذَلِكَ , وَقَدْ اُسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الْأَوَّلِيَّة بِأَنَّ آدَم نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَكَذَا شِيث وَإِدْرِيس وَهُمْ قَبْلَ نُوح , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ فِي شَرْح حَدِيث جَابِر \" أُعْطِيت خَمْسًا \" فِي كِتَاب التَّيَمُّم وَفِيهِ \" وَكَانَ النَّبِيّ يُبْعَث إِلَى قَوْمه خَاصَّةً \" الْحَدِيثَ : وَمُحَصَّل الْأَجْوِبَة عَنْ الْإِشْكَال الْمَذْكُور أَنَّ الْأَوَّلِيَّة مُقَيَّدَة بِقَوْلِهِ \" أَهْل الْأَرْض \" لِأَنَّ آدَم وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ لَمْ يُرْسَلُوا إِلَى أَهْل الْأَرْض , وَيُشْكِل عَلَيْهِ حَدِيث جَابِر , وَيُجَاب بِأَنَّ بَعْثَتَهُ إِلَى أَهْل الْأَرْض بِاعْتِبَارِ الْوَاقِع لِصِدْقِ أَنَّهُمْ قَوْمُهُ بِخِلَافِ عُمُوم بَعْثَة نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْمِهِ وَلِغَيْرِ قَوْمِهِ , أَوْ الْأَوَّلِيَّة مُقَيَّدَة بِكَوْنِهِ أَهْلَكَ قَوْمَهُ , أَوْ أَنَّ الثَّلَاثَةَ كَانُوا أَنْبِيَاءَ وَلَمْ يَكُونُوا رُسُلًا , وَإِلَى هَذَا جَنَحَ اِبْن بَطَّال فِي حَقّ آدَم , وَتَعَقَّبَهُ عِيَاض بِمَا صَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ فَإِنَّهُ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ كَانَ مُرْسَلًا , وَفِيهِ التَّصْرِيح بِإِنْزَالِ الصُّحُف عَلَى شِيث وَهُوَ مِنْ عَلَامَات الْإِرْسَال , وَأَمَّا إِدْرِيس فَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل وَهُوَ إِلْيَاس , وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. وَمِنْ الْأَجْوِبَة أَنَّ رِسَالَةَ آدَمَ كَانَتْ إِلَى بَنِيهِ وَهُمْ مُوَحِّدُونَ لِيُعْلِمَهُمْ شَرِيعَتَهُ , وَنُوح كَانَتْ رِسَالَته إِلَى قَوْم كُفَّار يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْحِيد. ‏ ‏قَوْله ( فَيَقُول : لَسْت هُنَاكُمْ , وَيَذْكُر خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِشَام \" وَيَذْكُر سُؤَالَ رَبِّهِ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْم \" وَفِي رِوَايَة شَيْبَانَ \" سُؤَال اللَّه \" وَفِي رِوَايَة مَعْبَد بْن هِلَال مِثْل جَوَاب آدَم لَكِنْ قَالَ \" وَإِنَّهُ كَانَتْ لِي دَعْوَة دَعَوْت بِهَا عَلَى قَوْمِي \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" فَيَقُول لَيْسَ ذَاكُمْ عِنْدِي \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِنِّي دَعَوْت بِدَعْوَةٍ أَغْرَقَتْ أَهْل الْأَرْض \" وَيُجْمَع بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّل بِأَنَّهُ اِعْتَذَرَ بِأَمْرَيْنِ : أَحَدهمَا نَهْيُ اللَّه تَعَالَى لَهُ أَنْ يَسْأَل مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْم فَخَشِيَ أَنْ تَكُون شَفَاعَتُهُ لِأَهْلِ الْمَوْقِف مِنْ ذَلِكَ , ثَانِيهمَا أَنَّ لَهُ دَعْوَةً وَاحِدَةً مُحَقَّقَةَ الْإِجَابَة وَقَدْ اِسْتَوْفَاهَا بِدُعَائِهِ عَلَى أَهْل الْأَرْض فَخَشِيَ أَنْ يَطْلُبَ فَلَا يُجَابَ. وَقَالَ بَعْض الشُّرَّاح : كَانَ اللَّه وَعَدَ نُوحًا أَنْ يُنْجِيَهُ وَأَهْلَهُ , فَلَمَّا غَرِقَ اِبْنه ذَكَرَ لِرَبِّهِ مَا وَعَدَهُ فَقِيلَ لَهُ : الْمُرَاد مِنْ أَهْلِك مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَخَرَجَ اِبْنك مِنْهُمْ , فَلَا تَسْأَلْ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏( الْأَوَّل ) سَقَطَ مِنْ حَدِيث أَبِي حُذَيْفَة الْمَقْرُون بِأَبِي هُرَيْرَة ذِكْر نُوح , فَقَالَ فِي قِصَّة آدَم : اِذْهَبُوا إِلَى اِبْنِي إِبْرَاهِيم. وَكَذَا سَقَطَ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر , وَالْعُمْدَة عَلَى مَنْ حَفِظَ. ‏ ‏( الثَّانِي ) ذَكَرَ أَبُو حَامِد الْغَزَالِيّ فِي كَشْف عُلُوم الْآخِرَة أَنَّ بَيْن إِتْيَان أَهْل الْمَوْقِف آدَمَ وَإِتْيَانِهِمْ نُوحًا أَلْف سَنَة , وَكَذَا بَيْن كُلّ نَبِيّ وَنَبِيّ إِلَى نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ أَقِف لِذَلِكَ عَلَى أَصْل , وَلَقَدْ أَكْثَرَ فِي هَذَا الْكِتَاب مِنْ إِيرَاد أَحَادِيثَ لَا أُصُولَ لَهَا فَلَا يُغْتَرَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا. ‏ ‏قَوْله ( اِئْتُوا إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَلَكِنْ اِئْتُوا إِبْرَاهِيم الَّذِي اِتَّخَذَهُ اللَّه خَلِيلًا \" وَفِي رِوَايَة مَعْبَد بْن هِلَال \" وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَهُوَ خَلِيلُ اللَّهِ \". ‏ ‏قَوْله ( فَيَأْتُونَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيم \" زَادَ أَبُو هُرَيْرَة فِي حَدِيثه فَيَقُولُونَ : يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّه وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْل الْأَرْض , قُمْ اِشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّك \" وَذَكَرَ مِثْل مَا لِآدَم قَوْلًا وَجَوَابًا إِلَّا أَنَّهُ قَالَ \" قَدْ كُنْت كَذَبْت ثَلَاثَ كَذَبَات \" وَذَكَرَهُنَّ. ‏ ‏قَوْله ( فَيَقُول لَسْت هُنَاكُمْ , وَيَذْكُر خَطِيئَتَهُ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي رَبّه مِنْهَا \" وَفِي حَدِيث أَبِي بَكْر \" لَيْسَ ذَاكُمْ عِنْدِي \" وَفِي رِوَايَة هَمَّام \" إِنِّي كُنْت كَذَبْت ثَلَاث كَذَبَات \" زَادَ شَيْبَانَ فِي رِوَايَته \" قَوْله إِنِّي سَقِيم \" وَقَوْله فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا , وَقَوْله لِامْرَأَتِهِ أَخْبِرِيهِ أَنِّي أَخُوك \" وَفِي رِوَايَة أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيد \" فَيَقُول إِنِّي كَذَبْت ثَلَاث كَذَبَات , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْهَا كِذْبَة إِلَّا مَا حَلَّ بِهَا عَنْ دِين اللَّه \" وَمَا حَلَّ بِمُهْمَلَةٍ بِمَعْنَى جَادَلَ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حُذَيْفَة الْمَقْرُونَة \" لَسْت بِصَاحِبِ ذَاكَ , إِنَّمَا كُنْت خَلِيلًا مِنْ وَرَاء وَرَاء \" وَضُبِطَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبِضَمِّهَا , وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيح فِيهِمَا. قَالَ النَّوَوِيّ : أَشْهَرهمَا الْفَتْح بِلَا تَنْوِين وَيَجُوز بِنَاؤُهَا عَلَى الضَّمّ , وَصَوَّبَهُ أَبُو الْبَقَاء وَالْكِنْدِيّ , وَصَوَّبَ اِبْن دِحْيَة الْفَتْح عَلَى أَنَّ الْكَلِمَة مُرَكَّبَة مِثْل شَذَر مَذَر , وَإِنْ وَرَدَ مَنْصُوبًا مُنَوَّنًا جَازَ , وَمَعْنَاهُ لَمْ أَكُنْ فِي التَّقْرِيب وَالْإِدْلَال بِمَنْزِلَةِ الْحَبِيب. قَالَ صَاحِب التَّحْرِير : كَلِمَة تُقَال عَلَى سَبِيل التَّوَاضُع , أَيْ لَسْت فِي تِلْكَ الدَّرَجَة. قَالَ : وَقَدْ وَقَعَ لِي فِيهِ مَعْنَى مَلِيح وَهُوَ أَنَّ الْفَضْل الَّذِي أَعْطَيْته كَانَ بِسِفَارَةِ جِبْرِيل , وَلَكِنْ اِئْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّه بِلَا وَاسِطَة , وَكَرَّرَ وَرَاء إِشَارَة إِلَى نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ الرُّؤْيَةُ وَالسَّمَاعُ بِلَا وَاسِطَة , فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنَا مِنْ وَرَاء مُوسَى الَّذِي هُوَ مِنْ وَرَاء مُحَمَّد , قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : الْحَقّ أَنَّ الْكَلِمَات الثَّلَاث إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ , لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ صُورَتهَا صُورَة الْكَذِب أَشْفَقَ مِنْهَا اِسْتِصْغَارًا لِنَفْسِهِ عَنْ الشَّفَاعَة مَعَ وُقُوعهَا , لِأَنَّ مَنْ كَانَ أَعْرَفَ بِاَللَّهِ وَأَقْرَب إِلَيْهِ مَنْزِلَة كَانَ أَعْظَمَ خَوْفًا. ‏ ‏قَوْله ( اِئْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَلَكِنْ اِئْتُوا مُوسَى \" وَزَادَ \" وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاة \" وَكَذَا فِي رِوَايَة هِشَام وَغَيْره , وَفِي رِوَايَة مَعْبَد بْن هِلَال \" وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَهُوَ كَلِيم اللَّه \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" عَبْدًا أَعْطَاهُ اللَّه التَّوْرَاة وَكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا \" زَادَ هَمَّام فِي رِوَايَته \" وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا \" وَفِي رِوَايَة حُذَيْفَة الْمَقْرُونَة \" اِعْمِدُوا إِلَى مُوسَى \". ‏ ‏قَوْله ( فَيَأْتُونَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُول \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَيَقُولُونَ يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُول اللَّه فَضَّلَك اللَّه بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامه عَلَى النَّاس , اِشْفَعْ لَنَا \" فَذَكَرَ مِثْل آدَم قَوْلًا وَجَوَابًا لَكِنَّهُ قَالَ : \" إِنِّي قَتَلْت نَفْسًا لَمْ أُومَر بِقَتْلِهَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَيَقُول لَسْت هُنَاكُمْ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" فَيَذْكُر خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ قَتْلَ النَّفْس \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ \" فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا \" وَفِي رِوَايَة ثَابِت عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور إِنِّي قَتَلْت نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس , وَإِنْ يُغْفَر لِي الْيَوْمَ حَسْبِي \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِنِّي قَتَلْت نَفْسًا لَمْ أُومَر بِقَتْلِهَا \" وَذَكَرَ مِثْل مَا فِي آدَمَ. ‏ ‏قَوْله ( اِئْتُوا عِيسَى ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" رُوح اللَّه وَكَلِمَته \" وَفِي رِوَايَة هِشَام \" عَبْد اللَّه وَرَسُوله وَكَلِمَتُهُ وَرُوحُهُ \" وَفِي حَدِيث أَبِي بَكْر \" فَإِنَّهُ كَانَ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى \". ‏ ‏قَوْله ( فَيَأْتُونَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُول : لَسْت هُنَاكُمْ \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَيَقُولُونَ : يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُول اللَّه وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَرُوح مِنْهُ وَكَلَّمْت النَّاس فِي الْمَهْد صَبِيًّا , اِشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّك , أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ مِثْل آدَم قَوْلًا وَجَوَابًا لَكِنْ قَالَ : وَلَمْ يَذْكُر ذَنْبًا \" لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيد \" إِنِّي عُبِدْت مِنْ دُون اللَّه \" وَفِي رِوَايَة أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" إِنِّي اُتُّخِذْت إِلَهًا مِنْ دُون اللَّه \" وَفِي رِوَايَة ثَابِت عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور نَحْوه وَزَادَ \" وَإِنْ يُغْفَر لِي الْيَوْم حَسْبِي \". ‏ ‏قَوْله ( اِئْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه وَمَا تَأَخَّرَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" عَبْد غُفِرَ لَهُ إِلَخْ \" زَادَ ثَابِت \" مِنْ ذَنْبه \" وَفِي رِوَايَة هِشَام \" غَفَرَ اللَّه لَهُ \" وَفِي رِوَايَة مُعْتَمِر \" اِنْطَلِقُوا إِلَى مَنْ جَاءَ الْيَوْم مَغْفُورًا لَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْب \" وَفِي رِوَايَة ثَابِت أَيْضًا \" خَاتَم النَّبِيِّينَ قَدْ حَضَرَ الْيَوْم , أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ مَتَاع فِي وِعَاء قَدْ خُتِمَ عَلَيْهِ أَكَانَ يُقْدَر عَلَى مَا فِي الْوِعَاء حَتَّى يُفَضَّ الْخَاتَم \" وَعِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَيَرْجِعُونَ إِلَى آدَم فَيَقُول أَرَأَيْتُمْ إِلَخْ \" وَفِي حَدِيث أَبِي بَكْر \" وَلَكِنْ اِنْطَلِقُوا إِلَى سَيِّد وَلَد آدَم فَإِنَّهُ أَوَّل مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْض \" قَالَ عِيَاض : اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ( لِيَغْفِرَ لَك اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ ) فَقِيلَ : الْمُتَقَدِّم مَا قَبْل النُّبُوَّة وَالْمُتَأَخِّر الْعِصْمَة. وَقِيلَ : مَا وَقَعَ عَنْ سَهْو أَوْ تَأْوِيل. وَقِيلَ : الْمُتَقَدِّم ذَنْب آدَم وَالْمُتَأَخِّرُ ذَنْبُ أُمَّتِهِ , وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ لَوْ وَقَعَ , وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ. قُلْت : وَاللَّائِق بِهَذَا الْمَقَام الْقَوْل الرَّابِع , وَأَمَّا الثَّالِث فَلَا يَتَأَتَّى هُنَا , وَيُسْتَفَاد مِنْ قَوْل عِيسَى فِي حَقّ نَبِيّنَا هَذَا وَمَنْ قَوْل مُوسَى فِيمَا تَقَدَّمَ \" إِنِّي قَتَلْت نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس وَإِنْ يُغْفَر لِي الْيَوْم حَسْبِي \" مَعَ أَنَّ اللَّه قَدْ غَفَرَ لَهُ بِنَصِّ الْقُرْآن , التَّفْرِقَة بَيْن مَنْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْء وَمَنْ لَمْ يَقَع شَيْء أَصْلًا , فَإِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ وُقُوع الْمَغْفِرَة لَهُ لَمْ يَرْتَفِع إِشْفَاقه مِنْ الْمُؤَاخَذَة بِذَلِكَ وَرَأَى فِي نَفْسه تَقْصِيرًا عَنْ مَقَام الشَّفَاعَة مَعَ وُجُود مَا صَدَرَ مِنْهُ , بِخِلَافِ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ كُلّه , وَمِنْ ثَمَّ اِحْتَجَّ عِيسَى بِأَنَّهُ صَاحِب الشَّفَاعَة لِأَنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه وَمَا تَأَخَّرَ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّه أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذهُ بِذَنْبٍ لَوْ وَقَعَ مِنْهُ , وَهَذَا مِنْ النَّفَائِس الَّتِي فَتَحَ اللَّه بِهَا فِي فَتْح الْبَارِي فَلَهُ الْحَمْد. ‏ ‏قَوْله ( فَيَأْتُونِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّضْر بْن أَنَس عَنْ أَبِيهِ \" حَدَّثَنِي نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنِّي لَقَائِمٌ أَنْتَظِر أُمَّتِي تَعْبُر الصِّرَاط إِذْ جَاءَ عِيسَى فَقَالَ : يَا مُحَمَّد هَذِهِ الْأَنْبِيَاء قَدْ جَاءَتْك يَسْأَلُونَ لِتَدْعُوَ اللَّه أَنْ يُفَرِّق جَمْع الْأُمَم إِلَى حَيْثُ يَشَاء لِغَمِّ مَا هُمْ فِيهِ \" فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة تَعْيِين مَوْقِف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ , وَأَنَّ هَذَا الَّذِي وُصِفَ مِنْ كَلَام أَهْل الْمَوْقِف كُلّه يَقَع عِنْد نَصْب الصِّرَاط بَعْد تَسَاقُط الْكُفَّار فِي النَّار كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه قَرِيبًا , وَأَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ الَّذِي يُخَاطِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّ الْأَنْبِيَاء جَمِيعًا يَسْأَلُونَهُ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره مِنْ حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب فِي نُزُول الْقُرْآن عَلَى سَبْعَة أَحْرُف وَفِيهِ \" وَأَخَّرْت الثَّالِثَة لِيَوْمٍ يَرْغَب إِلَيَّ فِيهِ الْخَلْق حَتَّى إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْبَد بْن هِلَال \" فَيَأْتُونِي فَأَقُول : أَنَا لَهَا أَنَا لَهَا \" زَادَ عُقْبَة بْن عَامِر عِنْد اِبْن الْمُبَارَك فِي الزُّهْد \" فَيَأْذَن اللَّه لِي فَأَقُوم , فَيَثُور مِنْ مَجْلِسِي أَطْيَب رِيح شَمَّهَا أَحَد \" وَفِي حَدِيث سَلْمَان بْن أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة \" يَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ : يَا نَبِيّ اللَّه أَنْتَ الَّذِي فَتَحَ اللَّه بِك وَخَتَمَ , وَغَفَرَ لَك مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ , وَجِئْت فِي هَذَا الْيَوْم آمِنًا وَتَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ , فَقُمْ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّنَا. فَيَقُول : أَنَا صَاحِبكُمْ , فَيَجُوش النَّاس حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى بَاب الْجَنَّة \" وَفِي رِوَايَة مُعْتَمِر \" فَيَقُول : أَنَا صَاحِبهَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَسْتَأْذِنُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِشَام \" فَأَنْطَلِق حَتَّى أَسْتَأْذِنَ \". ‏ ‏قَوْله ( عَلَى رَبِّي ) ‏ ‏زَادَ هَمَّام \" فِي دَاره فَيُؤْذَن لِي \" قَالَ عِيَاض : أَيْ فِي الشَّفَاعَة. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ظَاهِر مَا تَقَدَّمَ أَنَّ اِسْتِئْذَانه الْأَوَّل وَالْإِذْن لَهُ إِنَّمَا هُوَ فِي دُخُول الدَّار وَهِيَ الْجَنَّة , وَأُضِيفَتْ إِلَى اللَّه تَعَالَى إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ , وَمِنْهُ ( وَاَللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ) عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْمُرَاد بِالسَّلَامِ هُنَا الِاسْم الْعَظِيم وَهُوَ مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى , قِيلَ الْحِكْمَة فِي اِنْتِقَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَانه إِلَى دَار السَّلَام أَنَّ أَرْض الْمَوْقِف لَمَّا كَانَتْ مَقَامَ عَرْض وَحِسَاب كَانَتْ مَكَانَ مَخَافَة وَإِشْفَاق , وَمَقَام الشَّافِع يُنَاسِب أَنْ يَكُون فِي مَكَانِ إِكْرَامٍ , وَمِنْ ثَمَّ يُسْتَحَبّ أَنْ يُتَحَرَّى لِلدُّعَاءِ الْمَكَانُ الشَّرِيفُ لِأَنَّ الدُّعَاءَ فِيهِ أَقْرَب لِلْإِجَابَةِ. قُلْت : وَتَقَدَّمَ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّ مِنْ جُمْلَة سُؤَال أَهْل الْمَوْقِف اِسْتِفْتَاح بَاب الْجَنَّة. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم أَنَّهُ أَوَّل مَنْ يَسْتَفْتِح بَاب الْجَنَّة , وَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ أَنَس عِنْد التِّرْمِذِيّ \" فَآخُذُ حَلْقَةَ بَاب الْجَنَّة فَأُقَعْقِعُهَا فَيُقَال : مَنْ هَذَا ؟ فَأَقُول : مُحَمَّد , فَيُفْتَحُونَ لِي وَيُرَحِّبُونَ , فَأَخُرُّ سَاجِدًا \" وَفِي رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس عِنْد مُسْلِم \" فَيَقُول الْخَازِن : مَنْ ؟ فَأَقُول : مُحَمَّد , فَيَقُول : بِك أُمِرْت أَنْ لَا أُفْتَح لِأَحَدٍ قَبْلَك \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة الْمُخْتَار بْن فُلْفُل عَنْ أَنَس رَفَعَهُ \" أَنَا أَوَّل مَنْ يَقْرَع بَاب الْجَنَّة \" وَفِي رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْ أَنَس \" آتِي بَاب الْجَنَّة فَأَسْتَفْتِح فَيُقَال : مَنْ هَذَا ؟ فَأَقُول : مُحَمَّد , فَيُقَال : مَرْحَبًا بِمُحَمَّدٍ \" وَفِي حَدِيث سَلْمَان \" فَيَأْخُذ بِحَلْقَةِ الْبَاب وَهِيَ مِنْ ذَهَب فَيَقْرَع الْبَاب فَيُقَال : مَنْ هَذَا ؟ فَيَقُول : مُحَمَّد , فَيُفْتَح لَهُ حَتَّى يَقُوم بَيْن يَدَيْ اللَّه فَيَسْتَأْذِن فِي السُّجُود فَيُؤْذَن لَهُ \" وَفِي حَدِيث أَبِي بَكْر الصِّدِّيق \" فَيَأْتِي جِبْرِيل رَبّه فَيَقُول اِئْذَنْ لَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا رَأَيْته وَقَعْت لَهُ سَاجِدًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر \" فَآتِي تَحْت الْعَرْش فَأَقَع سَاجِدًا لِرَبِّي \" وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حِبَّان مِنْ طَرِيق ثَوْبَانَ عَنْ أَنَس \" فَيَتَجَلَّى لَهُ الرَّبّ وَلَا يَتَجَلَّى لِشَيْءٍ قَبْلَهُ \" وَفِي حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب عِنْد أَبِي يَعْلَى رَفَعَهُ \" يُعَرِّفُنِي اللَّهُ نَفْسه , فَأَسْجُد لَهُ سَجْدَةً يَرْضَى بِهَا عَنِّي , ثُمَّ أَمْتَدِحُهُ بِمَدْحَةٍ يَرْضَى بِهَا عَنِّي \". ‏ ‏قَوْله ( فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّه ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" أَنْ يَدَعَنِي \" وَكَذَا فِي رِوَايَة هِشَام , وَفِي حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت \" فَإِذَا رَأَيْت رَبِّي خَرَرْت لَهُ سَاجِدًا شَاكِرًا لَهُ \" وَفِي رِوَايَة مَعْبَد بْن هِلَال \" فَأَقُوم بَيْن يَدَيْهِ فَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ لَا أَقْدِر عَلَيْهَا الْآن فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِد , ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا \" وَفِي حَدِيث أَبِي بَكْر الصِّدِّيق \" فَيَنْطَلِق إِلَيْهِ جِبْرِيل فَيَخِرُّ سَاجِدًا قَدْرَ جُمُعَةٍ \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يُقَال لِي اِرْفَعْ رَأْسَك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَيُقَال يَا مُحَمَّد \" وَكَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , وَفِي رِوَايَة النَّضْر بْن أَنَس \" فَأَوْحَى اللَّه إِلَى جِبْرِيل أَنْ اِذْهَبْ إِلَى مُحَمَّد فَقُلْ لَهُ اِرْفَعْ رَأْسَك \" فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى يَقُول لِي عَلَى لِسَان جِبْرِيلَ. ‏ ‏قَوْله ( وَسَلْ تُعْطَهُ وَقُلْ يُسْمَع وَاشْفَعْ تُشَفَّع ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم بِغَيْرِ وَاوٍ , وَسَقَطَ مِنْ أَكْثَر الرِّوَايَات \" وَقُلْ يُسْمَع \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي بَكْر \" فَيَرْفَع رَأْسَهُ فَإِذَا نَظَرَ إِلَى رَبّه خَرَّ سَاجِدًا قَدْرَ جُمُعَةٍ \" وَفِي حَدِيث سَلْمَان \" فَيُنَادِي يَا مُحَمَّد اِرْفَعْ رَأْسَك وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّع وَادْعُ تُجَبْ \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَرْفَع رَأْسِي فَأَحْمَد رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمنِي ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة هِشَام \" يُعَلِّمُنِيهِ \" وَفِي رِوَايَة ثَابِت \" بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِهَا أَحَد قَبْلِي , وَلَا يَحْمَدهُ بِهَا أَحَد بَعْدِي \" وَفِي حَدِيث سَلْمَان \" فَيَفْتَح اللَّه لَهُ مِنْ الثَّنَاء وَالتَّحْمِيد وَالتَّمْجِيد مَا لَمْ يَفْتَح لِأَحَدٍ مِنْ الْخَلَائِق \" وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلْهَمُ التَّحْمِيد قَبْل سُجُوده وَبَعْده , وَفِيهِ \" وَيَكُون فِي كُلّ مَكَان مَا يَلِيق بِهِ \" وَقَدْ وَرَدَ مَا لَعَلَّهُ يُفَسَّر بِهِ بَعْض ذَلِكَ لَا جَمِيعه , فَفِي النَّسَائِيِّ وَمُصَنَّف عَبْد الرَّزَّاق وَمُعْجَم الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة رَفَعَهُ قَالَ \" يُجْمَع النَّاس فِي صَعِيد وَاحِد فَيُقَال : يَا مُحَمَّد , فَأَقُول : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْر فِي يَدَيْك وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْت وَعَبْدك بَيْن يَدَيْك وَبِك وَإِلَيْك تَبَارَكْت وَتَعَالَيْت سُبْحَانَك لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْك إِلَّا إِلَيْك \" زَادَ عَبْد الرَّزَّاق \" سُبْحَانَك رَبَّ الْبَيْتِ \" فَذَلِكَ قَوْله ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَك رَبُّك مَقَامًا مَحْمُودًا ) قَالَ اِبْن مَنْدَهْ فِي كِتَاب الْإِيمَان : هَذَا حَدِيث مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّةِ إِسْنَادِهِ وَثِقَةِ رُوَاتِهِ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أَشْفَعُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْبَد بْن هِلَال \" فَأَقُول رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي أُمَّتِي \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة نَحْوُهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَيَحُدّ لِي حَدًّا ) ‏ ‏يُبَيِّن لِي فِي كُلّ طَوْر مِنْ أَطْوَار الشَّفَاعَة حَدًّا أَقِف عِنْده فَلَا أَتَعَدَّاهُ , مِثْل أَنْ يَقُول شَفَّعْتُك فِيمَنْ أَخَلَّ بِالْجَمَاعَةِ ثُمَّ فِيمَنْ أَخَلَّ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ فِيمَنْ شَرِبَ الْخَمْر ثُمَّ فِيمَنْ زَنَى وَعَلَى هَذَا الْأُسْلُوب , كَذَا حَكَاهُ الطِّيبِيُّ , وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ سِيَاق الْأَخْبَار أَنَّ الْمُرَاد بِهِ تَفْضِيل مَرَاتِب الْمُخْرَجِينَ فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة كَمَا وَقَعَ عِنْد أَحْمَد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ وَسَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ فِي آخِره , وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة هِشَام عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس فِي كِتَاب الْإِيمَان بِلَفْظِ \" يَخْرُج مِنْ النَّار مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبه وَزْن شَعِيرَة \" وَفِي رِوَايَة ثَابِت عِنْد أَحْمَد \" فَأَقُول : أَيْ رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي , فَيَقُول : أَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال شَعِيرَة \" ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ \" مِثْقَال ذَرَّة \" ثُمَّ قَالَ \" مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل \" وَلَمْ يَذْكُرْ بَقِيَّة الْحَدِيث. وَوَقَعَ فِي طَرِيق النَّضْر بْن أَنَس قَالَ \" فَشَفَعْت فِي أُمَّتِي أَنْ أُخْرِجَ مِنْ كُلّ تِسْعَة وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا وَاحِدًا , فَمَا زِلْت أَتَرَدَّدُ عَلَى رَبِّي لَا أَقُوم مِنْهُ مَقَامًا إِلَّا شُفِّعْت \" وَفِي حَدِيث سَلْمَان \" فَيَشْفَع فِي كُلّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ حِنْطَة ثُمَّ شَعِيرَة ثُمَّ حَبَّة مِنْ خَرْدَل فَذَلِكَ الْمَقَام الْمَحْمُود \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى شَيْء مِنْ هَذَا فِي شَرْح الْحَدِيث الثَّالِثَ عَشَرَ , وَيَأْتِي مَبْسُوطًا فِي شَرْح حَدِيث الْبَاب الَّذِي يَلِيه. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّار ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيُّ : كَأَنَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيث رَكَّبَ شَيْئًا عَلَى غَيْر أَصْله وَذَلِكَ أَنَّ فِي أَوَّل الْحَدِيث ذِكْرَ الشَّفَاعَة فِي الْإِرَاحَة مِنْ كَرْب الْمَوْقِف , وَفِي آخِره ذِكْر الشَّفَاعَة فِي الْإِخْرَاج مِنْ النَّار , يَعْنِي وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُون بَعْد التَّحَوُّل مِنْ الْمَوْقِف وَالْمُرُور عَلَى الصِّرَاط وَسُقُوط مَنْ يَسْقُط فِي تِلْكَ الْحَالَة فِي النَّار , ثُمَّ يَقَع بَعْد ذَلِكَ الشَّفَاعَة فِي الْإِخْرَاج. وَهُوَ إِشْكَالٌ قَوِيٌّ , وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ عِيَاض وَتَبِعَهُ النَّوَوِيّ وَغَيْره بِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة الْمَقْرُون بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة بَعْد قَوْله \" فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُوم وَيُؤْذَن لَهُ \" أَيْ فِي الشَّفَاعَة \" وَتُرْسَل الْأَمَانَة وَالرَّحِم فَيَقُومَانِ جَنْبَيْ الصِّرَاط يَمِينًا وَشِمَالًا فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ \" الْحَدِيثَ. قَالَ عِيَاض : فَبِهَذَا يَتَّصِل الْكَلَام , لِأَنَّ الشَّفَاعَة الَّتِي لَجَأَ النَّاس إِلَيْهِ فِيهَا هِيَ الْإِرَاحَة مِنْ كَرْب الْمَوْقِف , ثُمَّ تَجِيء الشَّفَاعَة فِي الْإِخْرَاج , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة - يَعْنِي الْآتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه بَعْد ذِكْر الْجَمْع فِي الْمَوْقِف - الْأَمْر بِاتِّبَاعِ كُلّ أُمَّة مَا كَانَتْ تَعْبُد , ثُمَّ تَمْيِيز الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , ثُمَّ حُلُول الشَّفَاعَة بَعْد وَضْع الصِّرَاط وَالْمُرُور عَلَيْهِ , فَكَانَ الْأَمْر بِاتِّبَاعِ كُلّ أُمَّة مَا كَانَتْ تَعْبُد هُوَ أَوَّل فَصْل الْقَضَاء وَالْإِرَاحَة مِنْ كَرْب الْمَوْقِف , قَالَ : وَبِهَذَا تَجْتَمِع مُتُون الْأَحَادِيث وَتَتَرَتَّب مَعَانِيهَا. قُلْت : فَكَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَر , وَسَيَأْتِي بَقِيَّته فِي شَرْح حَدِيث الْبَاب الَّذِي يَلِيه وَفِيهِ \" حَتَّى يَجِيء الرَّجُل فَلَا يَسْتَطِيع السَّيْر إِلَّا زَحْفًا وَفِي جَانِبَيْ الصِّرَاط كَلَالِيبُ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ , فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوشٌ فِي النَّار \" 00000000000فَظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّل مَا يَشْفَع لِيُقْضَى بَيْن الْخَلْق , وَأَنَّ الشَّفَاعَة فِيمَنْ يَخْرُج مِنْ النَّار مِمَّنْ سَقَطَ تَقَع بَعْد ذَلِكَ , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر اِخْتَصَرَ فِي سِيَاقه الْحَدِيث الَّذِي سَاقَهُ أَنَس وَأَبُو هُرَيْرَة مُطَوَّلًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الزَّكَاة مِنْ طَرِيق حَمْزَة بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ \" إِنَّ الشَّمْس تَدْنُو حَتَّى يَبْلُغ الْعَرَق نِصْف الْأُذُن , فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اِسْتَغَاثُوا بِآدَم ثُمَّ بِمُوسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ فَيَشْفَع لِيُقْضَى بَيْن الْخَلْق , فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذ بِحَلْقَةِ الْبَاب , فَيَوْمئِذٍ يَبْعَثهُ اللَّه مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدهُ أَهْل الْجَمْع كُلّهمْ \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب عِنْد أَبِي يَعْلَى \" ثُمَّ أَمْتَدِحهُ بِمَدْحَةٍ يَرْضَى بِهَا عَنِّي , ثُمَّ يُؤْذَن لِي فِي الْكَلَام , ثُمَّ تَمُرّ أُمَّتِي عَلَى الصِّرَاط وَهُوَ مَنْصُوب بَيْن ظَهْرَانَيْ جَهَنَّم فَيَمُرُّونَ \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث عَنْهُ عِنْد أَحْمَد \" فَيَقُول عَزَّ وَجَلَّ : يَا مُحَمَّد مَا تُرِيد أَنْ أَصْنَع فِي أُمَّتك ؟ فَأَقُول : يَا رَبّ عَجِّلْ حِسَابَهُمْ \" وَفِي رِوَايَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد أَحْمَد وَأَبِي يَعْلَى \" فَأَقُول أَنَا لَهَا , حَتَّى يَأْذَن اللَّه لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى , فَإِذَا أَرَادَ اللَّه أَنْ يَفْرُغ مِنْ خَلْقه نَادَى مُنَادٍ : أَيْنَ مُحَمَّد وَأُمَّته \" الْحَدِيث وَسَيَأْتِي بَيَان مَا يَقَع فِي الْمَوْقِف قَبْل نَصْب الصِّرَاط فِي شَرْح حَدِيث الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ. وَتَعَرَّضَ الطِّيبِيُّ لِلْجَوَابِ عَنْ الْإِشْكَال بِطَرِيقٍ آخَر فَقَالَ : يَجُوز أَنْ يُرَاد بِالنَّارِ الْحَبْس وَالْكَرْب وَالشِّدَّة الَّتِي كَانَ أَهْل الْمَوْقِف فِيهَا مِنْ دُنُوِّ الشَّمْس إِلَى رُءُوسِهِمْ وَكَرْبهمْ بِحَرِّهَا وَسَفْعهَا حَتَّى أَلْجَمَهُمْ الْعَرَق , وَأَنْ يُرَاد بِالْخُرُوجِ مِنْهَا خَلَاصهمْ مِنْ تِلْكَ الْحَالَة الَّتِي كَانُوا فِيهَا. قُلْت : وَهُوَ اِحْتِمَال بَعِيد , إِلَّا أَنْ يُقَال إِنَّهُ يَقَع إِخْرَاجَانِ وَقَعَ ذِكْر أَحَدهمَا فِي حَدِيث الْبَاب عَلَى اِخْتِلَاف طُرُقه وَالْمُرَاد بِهِ الْخَلَاص مِنْ كَرْب الْمَوْقِف , وَالثَّانِي فِي حَدِيث الْبَاب الَّذِي يَلِيه وَيَكُون قَوْله فِيهِ \" فَيَقُول مَنْ كَانَ يَعْبُد شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ \" بَعْد تَمَام الْخَلَاص مِنْ الْمَوْقِف وَنَصْب الصِّرَاط وَالْإِذْن فِي الْمُرُور عَلَيْهِ , وَيَقَع الْإِخْرَاج الثَّانِي لِمَنْ يَسْقُط فِي النَّار حَال الْمُرُور فَيَتَّحِدَا , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى الِاحْتِمَال الْمَذْكُور فِي شَرْح حَدِيث الْعَرَق فِي \" بَاب قَوْله تَعَالَى أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ \" وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيّ عَنْ أَصْل الْإِشْكَال بِأَنَّ فِي قَوْله آخِر حَدِيث أَبِي زُرْعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بَعْد قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقُول يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي \" فَيُقَال أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتك مِنْ الْبَاب الْأَيْمَن مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة مَنْ لَا حِسَاب عَلَيْهِ وَلَا عَذَاب \" قَالَ : فِي هَذَا مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشَفَّع فِيمَا طَلَبَ مِنْ تَعْجِيل الْحِسَاب , فَإِنَّهُ لِمَا أُذِنَ لَهُ فِي إِدْخَال مَنْ لَا حِسَاب عَلَيْهِ دَلَّ عَلَى تَأْخِير مَنْ عَلَيْهِ حِسَاب لِيُحَاسَب , وَوَقَعَ فِي حَدِيث الصُّور الطَّوِيل عِنْد أَبِي يَعْلَى \" فَأَقُول يَا رَبّ وَعَدْتنِي الشَّفَاعَة فَشَفِّعْنِي فِي أَهْل الْجَنَّة يَدْخُلُونَ الْجَنَّة , فَيَقُول اللَّه : وَقَدْ شَفَّعْتُك فِيهِمْ وَأَذِنْت لَهُمْ فِي دُخُول الْجَنَّة \" قُلْت : وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ الْعَرْض وَالْمِيزَان وَتَطَايُر الصُّحُف يَقَع فِي هَذَا الْمَوْطِن , ثُمَّ يُنَادِي الْمُنَادِي : لِيَتْبَعْ كُلّ أُمَّة مَنْ كَانَتْ تَعْبُد , فَيَسْقُط الْكُفَّار فِي النَّار , ثُمَّ يُمَيَّز بَيْن الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ بِالِامْتِحَانِ بِالسُّجُودِ عِنْد كَشْف السَّاق , ثُمَّ يُؤْذَن فِي نَصْب الصِّرَاط وَالْمُرُور عَلَيْهِ , فَيُطْفَأ نُور الْمُنَافِقِينَ فَيَسْقُطُونَ فِي النَّار أَيْضًا , وَيَمُرّ الْمُؤْمِنُونَ عَلَيْهِ إِلَى الْجَنَّة , فَمِنْ الْعُصَاة مَنْ يَسْقُط وَيُوقَف بَعْض مَنْ نَجَا عِنْد الْقَنْطَرَة لِلْمُقَاصَصَةِ بَيْنهمْ ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّة , وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ وَاضِحًا فِي شَرْح حَدِيث الْبَاب الَّذِي يَلِيه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ثُمَّ وَقَفْت فِي تَفْسِير يَحْيَى بْن سَلَام الْبَصْرِيّ نَزِيل مِصْر ثُمَّ إِفْرِيقِيَة - وَهُوَ فِي طَبَقَة يَزِيد بْن هَارُون , وَقَدْ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيُّ صَدُوق , وَقَالَ أَبُو زُرْعَة رُبَّمَا وَهِمَ , وَقَالَ اِبْن عَدِيّ يُكْتَب حَدِيثه مَعَ ضَعْفه - فَنَقَلَ فِيهِ عَنْ الْكَلْبِيّ قَالَ : إِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة وَأَهْل النَّار النَّار بَقِيَتْ زُمْرَة مِنْ آخِر زُمَر الْجَنَّة إِذَا خَرَجَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الصِّرَاط بِأَعْمَالِهِمْ فَيَقُول آخِر زُمْرَة مِنْ زُمَر النَّار لَهُمْ وَقَدْ بَلَغَتْ النَّار مِنْهُمْ كُلَّ مَبْلَغ : أَمَّا نَحْنُ فَقَدْ أَخَذْنَا بِمَا فِي قُلُوبنَا مِنْ الشَّكّ وَالتَّكْذِيب , فَمَا نَفَعَكُمْ أَنْتُمْ تَوْحِيدكُمْ ؟ قَالَ فَيَصْرُخُونَ عِنْد ذَلِكَ يَدْعُونَ رَبّهمْ , فَيَسْمَعهُمْ أَهْل الْجَنَّة فَيَأْتُونَ آدَم , فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي إِتْيَانهمْ الْأَنْبِيَاء الْمَذْكُورِينَ قَبْلُ وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيَنْطَلِق فَيَأْتِي رَبّ الْعِزَّة فَيَسْجُد لَهُ حَتَّى يَأْمُرهُ أَنْ يَرْفَع رَأْسَهُ ثُمَّ يَسْأَلهُ مَا تُرِيد ؟ وَهُوَ أَعْلَم بِهِ , فَيَقُول : رَبّ أُنَاس مِنْ عِبَادك أَصْحَاب ذُنُوب لَمْ يُشْرِكُوا بِك وَأَنْتَ أَعْلَم بِهِمْ , فَعَيَّرَهُمْ أَهْل الشِّرْك بِعِبَادَتِهِمْ إِيَّاكَ , فَيَقُول وَعِزَّتِي لَأُخْرِجَنهُمْ فَيُخْرِجهُمْ قَدْ اِحْتَرَقُوا , فَيَنْضَح عَلَيْهِمْ مِنْ الْمَاء حَتَّى يَنْبُتُوا ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّة فَيُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ , فَيُغْبِطهُ عِنْد ذَلِكَ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ , فَذَلِكَ قَوْله ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَك رَبُّك مَقَامًا مَحْمُودًا ). قُلْت : فَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَرَفَعَ الْإِشْكَال لَكِنَّ الْكَلْبِيّ ضَعِيف , وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُسْنِدهُ , ثُمّ"
    },
    {
        "id": "6081",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ النَّارِ بِشَفَاعَةِ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان ‏ ‏وَالْحَسَن بْن ذَكْوَانَ ‏ ‏هُوَ أَبُو سَلَمَة الْبَصْرِيّ تَكَلَّمَ فِيهِ أَحْمَد وَابْن مَعِين وَغَيْرهمَا لَكِنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان عَنْهُ مَعَ تَعَنُّتِهِ فِي الرِّجَال , وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مُتَابَعَةٌ , وَفِي طَبَقَتِهِ الْحُسَيْن بْن ذَكْوَانَ وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْح السِّين وَآخِره نُون بَصْرِيٌّ أَيْضًا يُعْرَف بِالْمُعَلِّمِ وَبِالْمُكْتِبِ وَهُوَ أَوْثَق مِنْ أَبِي سَلَمَة , وَتَقَدَّمَ شَرْحه ضَمِنَ أَحَادِيثِ الْبَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6082",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ حَارِثَةَ ‏ ‏أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ هَلَكَ ‏ ‏حَارِثَةُ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏أَصَابَهُ ‏ ‏غَرْبُ ‏ ‏سَهْمٍ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْتَ مَوْقِعَ ‏ ‏حَارِثَةَ ‏ ‏مِنْ قَلْبِي فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ وَإِلَّا سَوْفَ تَرَى مَا أَصْنَعُ فَقَالَ لَهَا ‏ ‏هَبِلْتِ أَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ وَإِنَّهُ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة أُمّ حَارِثَةَ , تَقَدَّمَ فِي الْبَاب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حُمَيْدٍ عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6083",
        "content": "‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏غَدْوَةٌ ‏ ‏فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ أَوْ مَوْضِعُ قَدَمٍ مِنْ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا وَلَنَصِيفُهَا ‏ ‏يَعْنِي الْخِمَارَ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ‏",
        "sharh": "فِيهِ \" وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ \" تَقَدَّمَ شَرْحه وَفِيهِ \" وَلَوْ أَنَّ اِمْرَأَة مِنْ نِسَاء أَهْل الْجَنَّة اِطَّلَعَتْ إِلَى الْأَرْض \". ‏ ‏قَوْله ( لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا ) ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيث سَعِيد بْن عَامِر الْجُمَحِيِّ عِنْد الْبِرَاز بِلَفْظِ \" تُشْرِف عَلَى الْأَرْض لَذَهَبَ ضَوْء الشَّمْس وَالْقَمَر \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا ) ‏ ‏أَيْ طَيِّبَةً , وَفِي حَدِيث سَعِيد بْن عَامِر الْمَذْكُور \" لَمَلَأَتْ الْأَرْض رِيح مِسْكٍ \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد أَحْمَد وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان \" وَإِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَة عَلَيْهَا لَتُضِيءُ مَا بَيْن الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَنَصِيفُهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الصَّاد الْمُهْمَلَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة ثُمَّ فَاء , فُسِّرَ فِي الْحَدِيث بِالْخِمَارِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمِيم , وَهَذَا التَّفْسِير مِنْ قُتَيْبَة فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر بِدُونِهِ , وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : النَّصِيف الْخِمَار , وَيُقَال أَيْضًا لِلْخَادِمِ. قُلْت : وَالْمُرَاد هُنَا الْأَوَّل جَزْمًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ \" وَلَتَاجُهَا عَلَى رَأْسهَا \" وَحَكَى أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيُّ أَنَّ النَّصِيف الْمِعْجَرُ بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْجِيم وَهُوَ مَا تَلْوِيه الْمَرْأَة عَلَى رَأْسهَا , وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : هُوَ كَالْعِصَابَةِ تَلُفُّهَا الْمَرْأَة عَلَى اِسْتِدَارَة رَأْسهَا , وَاعْتَجَرَ الرَّجُل بِعِمَامَتِهِ لَفَّهَا عَلَى رَأْسه وَرَدَّ طَرَفَهَا عَلَى وَجْهه وَشَيْئًا مِنْهَا تَحْت ذَقْنِهِ , وَقِيلَ الْمِعْجَرُ ثَوْبٌ تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ أَصْغَر مِنْ الرِّدَاء , وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن أَبِي الدُّنْيَا \" وَلَوْ أَخْرَجَتْ نَصِيفَهَا لَكَانَتْ الشَّمْسُ عِنْد حُسْنِهَا مِثْل الْفَتِيلَة مِنْ الشَّمْس لَا ضَوْء لَهَا , وَلَوْ أَطْلَعَتْ وَجْههَا لَأَضَاءَ حُسْنهَا مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض , وَلَوْ أَخْرَجَتْ كَفّهَا لَافْتُتِنَ الْخَلَائِق بِحُسْنِهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "6084",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ لَوْ أَسَاءَ لِيَزْدَادَ شُكْرًا وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ لَوْ أَحْسَنَ لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( لَا يَدْخُل أَحَد الْجَنَّة إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّار ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ ذَلِكَ يَقَع عِنْد الْمَسْأَلَة فِي الْقَبْر وَفِيهِ \" فَيُفْرَج لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ النَّار فَيَنْظُر إِلَيْهَا فَيُقَال لَهُ : اُنْظُرْ إِلَى مَا وَقَاقَ اللَّه \" وَفِي حَدِيث أَنَس الْمَاضِي فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز \" فَيُقَال اُنْظُرْ إِلَى مَقْعَدِك مِنْ النَّار \" زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَته \" هَذَا بَيْتُك كَانَ فِي النَّار , وَلَكِنَّ اللَّه عَصَمَك وَرَحِمَك \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" كَانَ هَذَا مَنْزِلَك لَوْ كَفَرْت بِرَبِّك \". ‏ ‏قَوْله ( لَوْ أَسَاءَ لِيَزْدَادَ شُكْرًا ) ‏ ‏أَيْ لَوْ كَانَ عَمِلَ عَمَلًا سَيِّئًا وَهُوَ الْكُفْر فَصَارَ مِنْ أَهْل النَّار , وَقَوْله \" لِيَزْدَادَ شُكْرًا \" أَيْ فَرَحًا وَرِضًا , فَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَازِمِهِ , لِأَنَّ الرَّاضِيَ بِالشَّيْءِ يَشْكُر مَنْ فَعَلَ لَهُ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يَدْخُل النَّار أَحَد ) ‏ ‏قَدَّمَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ الْفَاعِل عَلَى الْمَفْعُول , ‏ ‏وَقَوْله \" إِلَّا أُرِيَ \" ‏ ‏بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْرِ الرَّاءِ. ‏ ‏قَوْله ( لَوْ أَحْسَنَ ) ‏ ‏أَيْ لَوْ عَمِلَ عَمَلًا حَسَنًا وَهُوَ الْإِسْلَامُ. ‏ ‏قَوْله ( لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً ) ‏ ‏أَيْ لِلزِّيَادَةِ فِي تَعْذِيبه , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ أَيْضًا وَأَحْمَد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ : مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّة , وَمَنْزِلٌ فِي النَّار. فَإِذَا مَاتَ وَدَخَلَ النَّار وَرِثَ أَهْل الْجَنَّة مَنْزِلَهُ \" وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ( أُولَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ ) وَقَالَ جُمْهُور الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى ( وَقَالُوا الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ) الْآيَةَ : الْمُرَاد أَرْض الْجَنَّة الَّتِي كَانَتْ لِأَهْلِ النَّار لَوْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ , وَهُوَ مُوَافِق لِهَذَا الْحَدِيث , وَقِيلَ الْمُرَاد أَرْض الدُّنْيَا لِأَنَّهَا صَارَتْ خُبْزَة فَأَكَلُوهَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يُسَمَّى الْحُصُول فِي الْجَنَّة وِرَاثَة مِنْ حَيْثُ اِخْتِصَاصهمْ بِذَلِكَ دُون غَيْرهمْ , فَهُوَ إِرْثٌ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَة وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6085",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ ‏ ‏أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي عَمْرو مَوْلَى الْمُطَّلِب بْن عَبْد اللَّه بْن حَنْطَبَ , وَقَدْ وَقَعَ لَنَا هَذَا الْحَدِيث فِي نُسْخَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق عَلِيّ اِبْن حَجَر عَنْ إِسْمَاعِيل , وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اِسْمَ أَبِي عَمْرو وَالِد عَمْرو مَيْسَرَة. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ أَسْعَدُ النَّاس بِشَفَاعَتِك ) ‏ ‏لَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَة سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ عِنْد تَحْدِيثه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ \" وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ سِيَاقُهُ وَبَيَان أَلْفَاظه فِي أَوَّل كِتَاب الدَّعَوَات , وَمَنْ طُرُقِهِ \" شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِر مِنْ أُمَّتِي \" وَتَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث الْبَاب فِي \" بَاب الْحِرْص عَلَى الْحَدِيث \" مِنْ كِتَاب الْعِلْم. وَقَوْله \" مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسه \" بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْمُوَحَّدَة أَيْ قَالَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْو هَذَا الْحَدِيث وَفِيهِ \" لَقَدْ ظَنَنْت أَنَّك أَوَّلُ مَنْ يَسْأَلُنِي عَنْ ذَلِكَ مِنْ أُمَّتِي , وَشَفَاعَتِي لِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا يُصَدِّقُ قَلْبُهُ لِسَانَهُ وَلِسَانُهُ قَلْبَهُ \" وَالْمُرَاد بِهَذِهِ الشَّفَاعَة الْمَسْئُول عَنْهَا هُنَا بَعْض أَنْوَاع الشَّفَاعَة وَهِيَ الَّتِي يَقُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أُمَّتِي أُمَّتِي , فَيُقَال لَهُ : أَخْرِجْ مِنْ النَّار مَنْ فِي قَلْبه وَزْن كَذَا مِنْ الْإِيمَان \" فَأَسْعَد النَّاس بِهَذِهِ الشَّفَاعَة مَنْ يَكُون إِيمَانه أَكْمَلُ مِمَّنْ دُونه , وَأَمَّا الشَّفَاعَة الْعُظْمَى فِي الْإِرَاحَة مِنْ كَرْب الْمَوْقِف فَأَسْعَد النَّاس بِهَا مَنْ يَسْبِق إِلَى الْجَنَّة , وَهُمْ الَّذِينَ يَدْخُلُونَهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَهُوَ مَنْ يَدْخُلهَا بِغَيْرِ عَذَاب بَعْدَ أَنْ يُحَاسَب وَيَسْتَحِقّ الْعَذَاب , ثُمَّ مَنْ يُصِيبُهُ لَفْحٌ مِنْ النَّار وَلَا يَسْقُط. وَالْحَاصِل أَنَّ فِي قَوْله \" أَسْعَد \" إِشَارَةً إِلَى اِخْتِلَاف مَرَاتِبهمْ فِي السَّبَق إِلَى الدُّخُول بِاخْتِلَافِ مَرَاتِبهمْ فِي الْإِخْلَاص , وَلِذَلِكَ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ \" مِنْ قَلْبه \" مَعَ أَنَّ الْإِخْلَاص مَحَلُّهُ الْقَلْب , لَكِنَّ إِسْنَادَ الْفِعْلِ إِلَى الْجَارِحَة أَبْلَغُ فِي التَّأْكِيد , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَظْهَر مَوْقِع قَوْله \" أَسْعَد \" وَأَنَّهَا عَلَى بَابهَا مِنْ التَّفْضِيل , وَلَا حَاجَة إِلَى قَوْل بَعْض الشُّرَّاح الْأَسْعَد هُنَا بِمَعْنَى السَّعِيد لِكَوْنِ الْكُلّ يَشْتَرِكُونَ فِي شَرْطِيَّة الْإِخْلَاص , لِأَنَّا نَقُول يَشْتَرِكُونَ فِيهِ لَكِنَّ مَرَاتِبَهُمْ فِيهِ مُتَفَاوِتَةٌ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَنْ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ يَسْتَحِقّ بِهِ الرَّحْمَة وَالْخَلَاص , لِأَنَّ اِحْتِيَاجه إِلَى الشَّفَاعَة أَكْثَر وَانْتِفَاعه بِهَا أَوْفَى وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6086",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ كَبْوًا فَيَقُولُ اللَّهُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى فَيَقُولُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى فَيَقُولُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا ‏ ‏أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْلَ عَشَرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا ‏ ‏فَيَقُولُ تَسْخَرُ مِنِّي ‏ ‏أَوْ تَضْحَكُ مِنِّي ‏ ‏وَأَنْتَ الْمَلِكُ فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ وَكَانَ يَقُولُ ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( جَرِير ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد , ‏ ‏وَمَنْصُور ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , ‏ ‏وَإِبْرَاهِيم ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ , ‏ ‏وَعُبَيْدَة ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله هُوَ اِبْن عَمْرو , وَهَذَا السَّنَد كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِر أَهْل النَّار خُرُوجًا مِنْهَا وَآخِر أَهْل الْجَنَّة دُخُولًا فِيهَا ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : جَاءَ نَحْو هَذَا فِي آخِر مَنْ يَجُوز عَلَى الصِّرَاط يَعْنِي كَمَا يَأْتِي فِي آخِر الْبَاب الَّذِي يَلِيه قَالَ : فَيَحْتَمِل أَنَّهُمَا اِثْنَانِ إِمَّا شَخْصَانِ وَإِمَّا نَوْعَانِ أَوْ جِنْسَانِ , وَعُبِّرَ فِيهِ بِالْوَاحِدِ عَنْ الْجَمَاعَة لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْحُكْم الَّذِي كَانَ سَبَب ذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْخُرُوج هُنَا بِمَعْنَى الْوُرُود وَهُوَ الْجَوَاز عَلَى الصِّرَاط فَيَتَّحِد الْمَعْنَى إِمَّا فِي شَخْص وَاحِد أَوْ أَكْثَر. قُلْت : وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَنَس عَنْ اِبْن مَسْعُود مَا يُقَوِّي الِاحْتِمَال الثَّانِي وَلَفْظه \" آخِر مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة رَجُل فَهُوَ يَمْشِي مَرَّة وَيَكْبُو مَرَّة وَتَسْفَعُهُ النَّار مَرَّة , فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا اِلْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ : تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْك \" وَعِنْد الْحَاكِم مِنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْ اِبْن مَسْعُود مَا يَقْتَضِي الْجَمْعَ. ‏ ‏قَوْله ( حَبْوًا ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَة أَيْ زَحْفًا وَزْنه وَمَعْنَاهُ. وَوَقَعَ بِلَفْظِ \" زَحْفًا \" فِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عِنْد مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّ لَك مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشْرَةَ أَمْثَالهَا أَوْ إِنَّ لَك مِثْلَ عَشْرَة أَمْثَال الدُّنْيَا ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" فَيُقَال لَهُ أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْت فِيهِ - أَيْ الدُّنْيَا - فَيَقُول : نَعَمْ , فَيُقَال لَهُ : تَمَنَّ , فَيَتَمَنَّى \". ‏ ‏قَوْله ( أَتَسْخَرُ مِنِّي أَوْ تَضْحَك مِنِّي ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" أَتَسْخَرُ بِي \" وَلَمْ يَشُكّ , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة مَنْصُور , وَلَهُ مِنْ رِوَايَة أَنَس عَنْ اِبْن مَسْعُود \" أَتَسْتَهْزِئُ بِي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ \" وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : هَذَا مُشْكِل , وَتَفْسِير الضَّحِك بِالرِّضَا لَا يَتَأَتَّى هُنَا , وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ عَادَة الْمُسْتَهْزِئِ أَنْ يَضْحَك مِنْ الَّذِي اِسْتَهْزَأَ بِهِ ذَكَرَ مَعَهُ , وَأَمَّا نِسْبَة السُّخْرِيَة إِلَى اللَّه تَعَالَى فَهِيَ عَلَى سَبِيل الْمُقَابَلَة وَإِنْ لَمْ يَذْكُرهُ فِي الْجَانِب الْآخَر لَفْظًا لَكِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ عَاهَدَ مِرَارًا وَغَدَرَ حَلَّ فِعْله مَحَلّ الْمُسْتَهْزِئ وَظَنَّ أَنَّ فِي قَوْل اللَّه لَهُ \" اُدْخُلْ الْجَنَّة \" وَتَرَدُّدِهِ إِلَيْهَا وَظَنِّهِ أَنَّهَا مَلَأَيْ نَوْعًا مِنْ السُّخْرِيَة بِهِ جَزَاء عَلَى فِعْلِهِ فَسَمَّى الْجَزَاء عَلَى السُّخْرِيَة سُخْرِيَة , وَنَقَلَ عِيَاض عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ أَلِفَ أَتَسْخَرُ مِنِّي أَلِف النَّفْي كَهِيَ فِي قَوْله تَعَالَى ( أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ) عَلَى أَحَد الْأَقْوَال , قَالَ : وَهُوَ كَلَامُ مُتَدَلِّلٍ عَلِمَ مَكَانه مِنْ رَبّه وَبَسْطَهُ لَهُ بِالْإِعْطَاءِ. وَجَوَّزَ عِيَاض أَنَّ الرَّجُل قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ غَيْر ضَابِط لِمَا قَالَ إِذْ وَلَهَ عَقْله مِنْ السُّرُور بِمَا لَمْ يَخْطِر بِبَالِهِ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ قَالَ فِي بَعْض طُرُقه عِنْد مُسْلِم لَمَّا خَلَصَ مِنْ النَّار \" لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّه شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنْ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ \" وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" أَكْثَرُوا فِي تَأْوِيله , وَأَشْبَهَ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ اِسْتَخَفَّهُ الْفَرَح وَأَدْهَشَهُ فَقَالَ ذَلِكَ , وَقِيلَ قَالَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ خَافَ أَنْ يُجَازَى عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ التَّسَاهُل فِي الطَّاعَات وَارْتِكَاب الْمَعَاصِي كَفِعْلِ السَّاخِرِينَ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَتُجَازِينِي عَلَى مَا كَانَ مِنِّي ؟ فَهُوَ كَقَوْلِهِ سَخِرَ اللَّه مِنْهُمْ وَقَوْله اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ أَيْ يُنْزِلُ بِهِمْ جَزَاء سُخْرِيَتِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ وَسَيَأْتِي بَيَان الِاخْتِلَاف فِي اِسْم هَذَا الرَّجُلِ فِي آخِرِ شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذه ) ‏ ‏بِنُونٍ وَجِيمٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ جَمْع نَاجِذٍ , تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي كِتَاب الصِّيَام , وَفِي رِوَايَة اِبْن مَسْعُود \" فَضَحِكَ اِبْن مَسْعُود فَقَالُوا : مِمَّ تَضْحَك ؟ فَقَالَ : هَكَذَا فَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِين قَالَ الرَّجُل : أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي ؟ قَالَ : لَا أَسْتَهْزِئ مِنْك وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاء قَادِر \" قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : نِسْبَة الضَّحِك إِلَى اللَّه تَعَالَى مَجَاز بِمَعْنَى الرِّضَا , وَضَحِكُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَقِيقَته , وَضَحِكُ اِبْن مَسْعُود عَلَى سَبِيل التَّأَسِّي. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ يُقَال : ذَلِكَ أَدْنَى أَهْل الْجَنَّة مَنْزِلَة ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَيْسَ هَذَا مِنْ تَتِمَّة كَلَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ هُوَ مِنْ كَلَام الرَّاوِي نَقْلًا عَنْ الصَّحَابَة أَوْ عَنْ غَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْعِلْم. قُلْت : قَائِل \" وَكَانَ يُقَال \" هُوَ الرَّاوِي كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ , وَأَمَّا قَائِل الْمَقَالَة الْمَذْكُورَة فَهُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثَبَتَ ذَلِكَ فِي أَوَّل حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد مُسْلِم وَلَفْظه \" أَدْنَى أَهْل الْجَنَّة مَنْزِلَة رَجُل صَرَفَ اللَّه وَجْهَهُ عَنْ النَّار \" وَسَاقَ الْقِصَّة , وَفِي رِوَايَة لَهُ مِنْ حَدِيث الْمُغِيرَة أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام سَأَلَ رَبّه عَنْ ذَلِكَ , وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَدْنَى مَقْعَد أَحَدكُمْ مِنْ الْجَنَّة أَنْ يُقَال لَهُ تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى وَيَتَمَنَّى فَيُقَال إِنَّ لَك مَا تَمَنَّيْت وَمِثْلَهُ مَعَهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6087",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْعَبَّاسِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏قَالَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلْ نَفَعْتَ ‏ ‏أَبَا طَالِبٍ ‏ ‏بِشَيْءٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَيْر , وَنَوْفَل جَدّ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث هُوَ اِبْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب , ‏ ‏وَالْعَبَّاس ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب وَهُوَ عَمّ جَدّ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث الرَّاوِي عَنْهُ وَلِلْحَارِثِ بْن نَوْفَل وَلِأَبِيهِ صُحْبَة , وَيُقَال إِنَّ لِعَبْدِ اللَّه رُؤْيَةً , وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُلَقَّب بَبَّةَ بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ الثَّانِيَة ثَقِيلَة ثُمَّ هَاءِ تَأْنِيثٍ. ‏ ‏قَوْله ( هَلْ نَفَعْت أَبَا طَالِب بِشَيْءٍ ) ‏ ‏؟ هَكَذَا ثَبَتَ فِي جَمِيع النُّسَخ بِحَذْفِ الْجَوَاب , وَهُوَ اِخْتِصَارٌ مِنْ الْمُصَنِّف , وَقَدْ رَوَاهُ مُسَدَّد فِي مُسْنَده بِتَمَامِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْأَدَب عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ أَبِي عَوَانَة بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور هُنَا بِلَفْظِ \" فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُك وَيَغْضَبُ لَك , قَالَ : نَعَمْ هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ , وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُقَدَّمِيّ عَنْ أَبِي عَوَانَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" الدَّرَكَة \" بِزِيَادَةِ هَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ فِي شَرْح الْحَدِيث الرَّابِعَ عَشَرَ , وَمَضَى أَيْضًا فِي قِصَّة أَبِي طَالِب فِي الْمَبْعَث النَّبَوِيّ لِمُسَدَّدٍ فِيهِ سَنَد آخَر إِلَى عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر الْمَذْكُور وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6088",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَخْبَرهُمَا عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ أُنَاسٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ ‏ ‏هَلْ ‏ ‏تُضَارُّونَ ‏ ‏فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هَلْ ‏ ‏تُضَارُّونَ ‏ ‏فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ ‏ ‏الطَّوَاغِيتَ ‏ ‏وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا فَإِذَا أَتَانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَبِهِ كَلَالِيبُ مِثْلُ ‏ ‏شَوْكِ السَّعْدَانِ ‏ ‏أَمَا رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ فَتَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ مِنْهُمْ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمْ ‏ ‏الْمُخَرْدَلُ ‏ ‏ثُمَّ يَنْجُو حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِعَلَامَةِ آثَارِ السُّجُودِ وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏أَثَرَ السُّجُودِ فَيُخْرِجُونَهُمْ قَدْ ‏ ‏امْتُحِشُوا ‏ ‏فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ وَيَبْقَى رَجُلٌ مِنْهُمْ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ‏ ‏ذَكَاؤُهَا ‏ ‏فَاصْرِفْ وَجْهِي عَنْ النَّارِ فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللَّهَ فَيَقُولُ لَعَلَّكَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ فَيَقُولُ لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ فَيَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ يَا رَبِّ قَرِّبْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ وَيْلَكَ ابْنَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏مَا أَغْدَرَكَ فَلَا يَزَالُ يَدْعُو فَيَقُولُ لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ تَسْأَلُنِي غَيْرَهُ فَيَقُولُ لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ فَيُعْطِي اللَّهَ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهُ فَيُقَرِّبُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا رَأَى مَا فِيهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ ثُمَّ يَقُولُ رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ ثُمَّ يَقُولُ أَوَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ وَيْلَكَ يَا ابْنَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏مَا أَغْدَرَكَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ أَذِنَ لَهُ بِالدُّخُولِ فِيهَا فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا قِيلَ لَهُ تَمَنَّ مِنْ كَذَا فَيَتَمَنَّى ثُمَّ يُقَالُ لَهُ تَمَنَّ مِنْ كَذَا فَيَتَمَنَّى حَتَّى تَنْقَطِعَ بِهِ الْأَمَانِيُّ فَيَقُولُ لَهُ هَذَا لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ‏ ‏جَالِسٌ مَعَ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏لَا يُغَيِّرُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ هَذَا لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏حَفِظْتُ مِثْلُهُ مَعَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَعِيد وَعَطَاء بْن يَزِيد إِنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَخْبَرَهُمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ \" أَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَعَطَاء بْن يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ \". ‏ ‏قَوْله ( وَحَدَّثَنِي مَحْمُود ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غَيْلَان , وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظ مَعْمَرٍ , وَلَيْسَ فِي سَنَده ذِكْر سَعِيد , وَكَذَا يَأْتِي فِي التَّوْحِيد مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعِيد عَنْ الزُّهْرِيِّ لَيْسَ فِيهِ ذِكْر سَعِيد , وَوَقَعَ فِي تَفْسِير عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى ( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) عَنْ عَطَاء بْن يَزِيد فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. ‏ ‏قَوْلَة ( قَالَ أُنَاسٌ يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" إِنَّ النَّاس قَالُوا \" وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد بِلَفْظِ \" قُلْنَا \". ‏ ‏قَوْله ( هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ‏ ‏فِي التَّقْيِيد بِيَوْمِ الْقِيَامَة إِشَارَة إِلَى أَنَّ السُّؤَال لَمْ يَقَع عَنْ الرُّؤْيَة فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ \" وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا \" وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الرُّؤْيَة فِي كِتَاب التَّوْحِيد لِأَنَّهُ مَحَلّ الْبَحْث فِيهِ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عِنْد التِّرْمِذِيّ أَنَّ هَذَا السُّؤَال وَقَعَ عَلَى سَبَبٍ. وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْحَشْر وَالْقَوْل \" لِتَتْبَعْ كُلّ أُمَّة مَا كَانَتْ تَعْبُدُ \" وَقَوْل الْمُسْلِمِينَ \" هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى نَرَى رَبَّنَا. قَالُوا وَهَلْ نَرَاهُ \" فَذَكَرَهُ , وَمَضَى فِي الصَّلَاة وَغَيْرهَا وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد مِنْ رِوَايَة جَرِير قَالَ \" كُنَّا عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر فَقَالَ : إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ عَلَى رَبّكُمْ فَتَرَوْنَهُ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَر \" الْحَدِيث مُخْتَصَر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْكَلَام وَقَعَ عِنْد سُؤَالِهِمْ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله ( هَلْ تُضَارُّونَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَة مِنْ الضَّرَر وَأَصْله تُضَارِرُونَ بِكَسْرِ الرَّاء وَبِفَتْحِهَا أَيْ لَا تَضُرُّونَ أَحَدًا وَلَا يَضُرُّكُمْ بِمُنَازَعَةٍ وَلَا مُجَادَلَةٍ وَلَا مُضَايِقَةٍ , وَجَاءَ بِتَخْفِيفِ الرَّاء مِنْ الضَّيْرِ وَهُوَ لُغَة فِي الضُّرّ أَيْ لَا يُخَالِف بَعْض بَعْضًا فَيُكَذِّبهُ وَيُنَازِعهُ فَيُضِيرهُ بِذَلِكَ , يُقَال ضَارَّهُ يُضِيرهُ , وَقِيلَ الْمَعْنَى لَا تَضَايَقُونَ أَيْ لَا تَزَاحَمُونَ كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" لَا تُضَامُّونَ \" بِتَشْدِيدِ الْمِيم مَعَ فَتْح أَوَّله , وَقِيلَ الْمَعْنَى لَا يَحْجُب بَعْضكُمْ بَعْضًا عَنْ الرُّؤْيَة فَيُضِرُّ بِهِ , وَحَكَى الْجَوْهَرِيّ ضَرَّنِي فُلَانٌ إِذَا دَنَا مِنِّي دُنُوًّا شَدِيدًا , قَالَ اِبْن الْأَثِير : فَالْمُرَاد الْمُضَارَّة بِازْدِحَامٍ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : أَوَّله مَضْمُوم مُثَقَّلًا وَمُخَفَّفًا قَالَ : وَرَوَى \" تَضَامُّونَ \" بِالتَّشْدِيدِ مَعَ فَتْح أَوَّله وَهُوَ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَهُوَ مِنْ الضَّمّ , وَبِالتَّخْفِيفِ مَعَ ضَمّ أَوَّله مِنْ الضَّيْم وَالْمُرَاد الْمَشَقَّة وَالتَّعَب , قَالَ وَقَالَ عِيَاض : قَالَ بَعْضهمْ فِي الَّذِي بِالرَّاءِ وَبِالْمِيمِ بِفَتْحِ أَوَّله وَالتَّشْدِيد وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَة بِضَمِّ أَوَّله مُخَفَّفًا وَمُثَقَّلًا وَكُلُّهُ صَحِيح ظَاهِر الْمَعْنَى , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ \" لَا تُضَامُونَ أَوْ تُضَاهُونَ \" بِالشَّكِّ كَمَا مَضَى فِي فَضْل صَلَاة الْفَجْر , وَمَعْنَى الَّذِي بِالْهَاءِ لَا يَشْتِبَهُ عَلَيْكُمْ وَلَا تَرْتَابُونَ فِيهِ فَيُعَارِضُ بَعْضكُمْ بَعْضًا , وَمَعْنَى الضَّيْم الْغَلَبَة عَلَى الْحَقّ وَالِاسْتِبْدَاد بِهِ أَيْ لَا يَظْلِم بَعْضكُمْ بَعْضًا , وَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب فَضْل السُّجُود \" مِنْ رِوَايَة شُعَيْب \" هَلْ تُمَارُونَ \" بِضَمِّ أَوَّله وَتَخْفِيف الرَّاء أَيْ تُجَادِلُونَ فِي ذَلِكَ أَوْ يَدْخُلكُمْ فِيهِ شَكٌّ مِنْ الْمِرْيَة وَهُوَ الشَّكّ , وَجَاءَ بِفَتْحِ أَوَّله وَفَتْحِ الرَّاء عَلَى حَذْف إِحْدَى التَّاءَيْنِ , وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ \" تَتَمَارَوْنَ \" بِإِثْبَاتِهِمَا. ‏ ‏قَوْله ( تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ ) ‏ ‏الْمُرَاد تَشْبِيهُ الرُّؤْيَة بِالرُّؤْيَةِ فِي الْوُضُوح وَزَوَال الشَّكّ وَرَفْع الْمَشَقَّة وَالِاخْتِلَاف وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ سَمِعْت الشَّيْخ أَبَا الطَّيِّب الصُّعْلُوكِيّ يَقُول \" تُضَامُّونَ \" بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيد الْمِيم يُرِيد لَا تَجْتَمِعُونَ لِرُؤْيَتِهِ فِي جِهَة وَلَا يَنْضَمُّ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ فَإِنَّهُ لَا يُرَى فِي جِهَة , وَمَعْنَاهُ بِفَتْحِ أَوَّله لَا تَتَضَامُّونَ فِي رُؤْيَته بِالِاجْتِمَاعِ فِي جِهَة , وَهُوَ بِغَيْرِ تَشْدِيدٍ مِنْ الضَّيْم مَعْنَاهُ لَا تُظْلَمُونَ فِيهِ بِرُؤْيَةِ بَعْضكُمْ دُون بَعْض فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ فِي جِهَاتِكُمْ كُلِّهَا وَهُوَ مُتَعَالٍ عَنْ الْجِهَة , قَالَ : وَالتَّشْبِيه بِرُؤْيَةِ الْقَمَر لِتَعْيِينِ الرُّؤْيَة دُون تَشْبِيه الْمَرْئِيِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى , وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : إِنَّمَا خَصَّ الشَّمْس وَالْقَمَر بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ رُؤْيَة السَّمَاء بِغَيْرِ سَحَاب أَكْبَر آيَة وَأَعْظَم خَلْقًا مِنْ مُجَرَّد الشَّمْس وَالْقَمَر لِمَا خُصَّا بِهِ مِنْ عَظِيم النُّور وَالضِّيَاء بِحَيْثُ صَارَ التَّشْبِيه بِهِمَا فِيمَنْ يُوصَف بِالْجَمَالِ وَالْكَمَال سَائِغًا شَائِعًا فِي الِاسْتِعْمَال. وَقَالَ اِبْن الْأَثِير : قَدْ يَتَخَيَّل بَعْض النَّاس أَنَّ الْكَاف كَاف التَّشْبِيه لِلْمَرْئِيِّ وَهُوَ غَلَطٌ , وَإِنَّمَا هِيَ كَاف التَّشْبِيه لِلرُّؤْيَةِ وَهُوَ فِعْل الرَّائِي وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ رُؤْيَةٌ مُزَاحٌ عَنْهَا الشَّكُّ مِثْل رُؤْيَتكُمْ الْقَمَر. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : فِي الِابْتِدَاء بِذِكْرِ الْقَمَر قَبْل الشَّمْس مُتَابَعَةً لِلْخَلِيلِ , فَكَمَا أُمِرَ بِاتِّبَاعِهِ فِي الْمِلَّة اِتَّبَعَهُ فِي الدَّلِيل , فَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَلِيل عَلَى إِثْبَات الْوَحْدَانِيَّة وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْحَبِيب عَلَى إِثْبَات الرُّؤْيَة , فَاسْتَدَلَّ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمُقْتَضَى حَاله لِأَنَّ الْخُلَّة تَصِحّ بِمُجَرَّدِ الْوُجُود وَالْمَحَبَّة لَا تَقَع غَالِبًا إِلَّا بِالرُّؤْيَةِ , وَفِي عَطْف الشَّمْس عَلَى الْقَمَر مَعَ أَنَّ تَحْصِيل الرُّؤْيَة بِذِكْرِهِ كَافٍ لِأَنَّ الْقَمَر لَا يُدْرِك وَصْفَهُ الْأَعْمَى حِسًّا بَلْ تَقْلِيدًا , وَالشَّمْس يُدْرِكهَا الْأَعْمَى حِسًّا بِوُجُودِ حَرّهَا إِذَا قَابَلَهَا وَقْت الظَّهِيرَة مَثَلًا فَحَسُنَ التَّأْكِيد بِهَا , قَالَ : وَالتَّمْثِيل وَاقِع فِي تَحْقِيق الرُّؤْيَة لَا فِي الْكَيْفِيَّة , لِأَنَّ الشَّمْس وَالْقَمَر مُتَحَيِّزَانِ وَالْحَقّ سُبْحَانَهُ مُنَزَّه عَنْ ذَلِكَ. قُلْت : وَلَيْسَ فِي عَطْف الشَّمْس عَلَى الْقَمَر إِبْطَال لِقَوْلِ مَنْ قَالَ فِي شَرْح حَدِيث جَرِير : الْحِكْمَة فِي التَّمْثِيل بِالْقَمَرِ أَنَّهُ تَتَيَسَّر رُؤْيَته لِلرَّائِي بِغَيْرِ تَكَلُّف وَلَا تَحْدِيق يَضُرُّ بِالْبَصَرِ , بِخِلَافِ الشَّمْس , فَإِنَّهَا حِكْمَةُ الِاقْتِصَار عَلَيْهِ , وَلَا يَمْنَع ذَلِكَ وُرُود ذِكْر الشَّمْس بَعْده فِي وَقْتٍ آخَر , فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَجْلِس وَاحِدٌ خُدِشَ فِي ذَلِكَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن \" لَا تُمَارُونَ فِي رُؤْيَته تِلْكَ السَّاعَة ثُمَّ يَتَوَارَى \" قَالَ النَّوَوِيّ : مَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّ رُؤْيَة الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ مُمْكِنَةٌ وَنَفَتْهَا الْمُبْتَدِعَة مِنْ الْمُعْتَزِلَة وَالْخَوَارِج , وَهُوَ جَهْل مِنْهُمْ , فَقَدْ تَضَافَرَتْ الْأَدِلَّة مِنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وَسَلَف الْأَمَة عَلَى إِثْبَاتهَا فِي الْآخِرَة لِلْمُؤْمِنِينَ , وَأَجَابَ الْأَئِمَّة عَنْ اِعْتِرَاضَات الْمُبْتَدِعَة بِأَجْوِبَةٍ مَشْهُورَةٍ , وَلَا يُشْتَرَط فِي الرُّؤْيَة تَقَابُل الْأَشِعَّة وَلَا مُقَابَلَة الْمَرْئِيّ وَإِنْ جَرَتْ الْعَادَة بِذَلِكَ فِيمَا بَيْن الْمَخْلُوقِينَ وَاَللَّه أَعْلَم. وَاعْتَرَضَ اِبْن الْعَرَبِيّ عَلَى رِوَايَة الْعَلَاء وَأَنْكَرَ هَذِهِ الزِّيَادَة وَزَعَمَ أَنَّ الْمُرَاجَعَة الْوَاقِعَة فِي حَدِيث الْبَاب تَكُون بَيْن النَّاس وَبَيْن الْوَاسِطَة لِأَنَّهُ لَا يُكَلِّم الْكُفَّار وَلَا يَرَوْنَهُ أَلْبَتَّةَ , وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَلَا يَرَوْنَهُ إِلَّا بَعْد دُخُول الْجَنَّة بِالْإِجْمَاعِ. ‏ ‏قَوْله ( يَجْمَع اللَّه النَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" يَحْشُر \" وَهُوَ بِمَعْنَى الْجَمْع , وَقَوْله فِي رِوَايَة شُعَيْب \" فِي مَكَان \" زَادَ فِي رِوَايَة الْعَلَاء \" فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ \" وَمِثْله فِي رِوَايَة أَبِي زُرْعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" يَجْمَع اللَّه يَوْم الْقِيَامَة الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيد وَاحِد فَيُسْمِعهُمْ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي شَرْح الْحَدِيث الطَّوِيل فِي الْبَاب قَبْله , قَالَ النَّوَوِيّ : الصَّعِيد الْأَرْض الْوَاسِعَة الْمُسْتَوِيَة , وَيَنْفُذهُمْ بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون النُّون وَضَمّ الْفَاء بَعْدهَا ذَال مُعْجَمَة أَيْ يَخْرِقهُمْ بِمُعْجَمَةٍ وَقَاف حَتَّى يُجَوِّزهُمْ , وَقِيلَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة أَيْ يَسْتَوْعِبُهُمْ , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : مَعْنَاهُ يَنْفُذهُمْ بَصَرُ الرَّحْمَن حَتَّى يَأْتِي عَلَيْهِمْ كُلّهمْ , وَقَالَ غَيْره : الْمُرَاد بَصَر النَّاظِرِينَ وَهُوَ أَوْلَى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُجْمَعُونَ فِي مَكَان وَاحِد بِحَيْثُ لَا يَخْفَى مِنْهُمْ أَحَد بِحَيْثُ لَوْ دَعَاهُمْ دَاعٍ لَسَمِعُوهُ وَلَوْ نَظَرَ إِلَيْهِمْ نَاظِر لَأَدْرَكَهُمْ , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالدَّاعِي هُنَا مَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْعَرْض وَالْحِسَاب لِقَوْلِهِ ( يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان حَال الْمَوْقِف فِي \" بَاب الْحَشْر \" وَزَادَ الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن فِي رِوَايَته \" فَيَطَّلِع عَلَيْهِمْ رَبّ الْعَالَمِينَ \" قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لَمْ يَزَلْ اللَّه مُطَّلِعًا عَلَى خَلْقه , وَإِنَّمَا الْمُرَاد إِعْلَامه بِاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْث وَأَصْله فِي النَّسَائِيِّ \" إِذَا حُشِرَ النَّاس قَامُوا أَرْبَعِينَ عَامًا شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ إِلَى السَّمَاء لَا يُكَلِّمُهُمْ وَالشَّمْس عَلَى رُءُوسهمْ حَتَّى يُلْجِم الْعَرَق كُلّ بَرٍّ مِنْهُمْ وَفَاجِر \" , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد أَحْمَد أَنَّهُ \" يُخَفَّف الْوُقُوف عَنْ الْمُؤْمِن حَتَّى يَكُون كَصَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ \" وَسَنَده حَسَن , وَلِأَبِي يَعْلَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" كَتَدَلِّي الشَّمْس لِلْغُرُوبِ إِلَى أَنْ تَغْرُب \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر \" وَيَكُون ذَلِكَ الْيَوْم أَقْصَرَ عَلَى الْمُؤْمِن مِنْ سَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ \". ‏ ‏قَوْله ( فَيَتْبَع مَنْ كَانَ يَعْبُد الشَّمْسَ الشَّمْسَ , وَمَنْ كَانَ يَعْبُد الْقَمَرَ الْقَمَرَ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَةَ : فِي التَّنْصِيص عَلَى ذِكْر الشَّمْس وَالْقَمَر مَعَ دُخُولهمَا فِيمَنْ عُبِدَ دُون اللَّه التَّنْوِيه بِذِكْرِهِمَا لِعِظَمِ خَلْقهمَا , وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاء : أَيّهَا النَّاس أَلَيْسَ عَدْلًا مِنْ رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَصَوَّرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ غَيْرَهُ أَنْ يُوَلِّي كُلّ عَبْد مِنْكُمْ مَا كَانَ تَوَلَّى ؟ قَالَ فَيَقُولُونَ : بَلَى. ثُمَّ يَقُول : لِتَنْطَلِقْ كُلّ أُمَّة إِلَى مَنْ كَانَتْ تَعْبُدُ \" وَفِي رِوَايَة الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن \" أَلَا لِيَتْبَعْ كُلّ إِنْسَان مَا كَانَ يَعْبُد \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي مُسْنَد الْحُمَيْدِيِّ وَصَحِيح اِبْن خُزَيْمَةَ وَأَصْله فِي مُسْلِم بَعْد قَوْلِهِ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَته \" فَيَلْقَى الْعَبْد فَيَقُول أَلَمْ أُكْرِمْك وَأُزَوِّجْك وَأُسَخِّرْ لَك ؟ فَيَقُول : بَلَى فَيَقُول : أَظَنَنْت أَنَّك مُلَاقِيَّ ؟ فَيَقُول : لَا. فَيَقُول. إِنِّي أَنْسَاك كَمَا نَسِيتنِي \" الْحَدِيثَ وَفِيهِ \" وَيَلْقَى الثَّالِث فَيَقُول : آمَنْت بِك وَبِكِتَابِك وَبِرَسُولِك وَصَلَّيْت وَصُمْت , فَيَقُول : أَلَا نَبْعَث عَلَيْك شَاهِدًا ؟ فَيَخْتِمُ عَلَى فِيهِ وَتَنْطِقُ جَوَارِحُهُ وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ. ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ : أَلَا لِتَتْبَعْ كُلّ أُمَّة مَا كَانَتْ تَعْبُد \" , ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ كَانَ يَعْبُد الطَّوَاغِيت ) ‏ ‏الطَّوَاغِيت جَمْع طَاغُوت وَهُوَ الشَّيْطَان وَالصَّنَم وَيَكُون جَمْعًا وَمُفْرَدًا وَمُذَكَّرًا وَمُؤَنَّثًا , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء , وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : الصَّوَاب عِنْدِي أَنَّهُ كُلّ طَاغٍ طَغَى عَلَى 9 اللَّه يُعْبَد مِنْ دُونه إِمَّا بِقَهْرٍ مِنْهُ لِمَنْ عَبَدَ وَإِمَّا بِطَاعَةٍ مِمَّنْ عَبَدَ إِنْسَانًا كَانَ أَوْ شَيْطَانًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ جَمَادًا , قَالَ فَاتِّبَاعُهُمْ لَهُمْ حِينَئِذٍ بِاسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى الِاعْتِقَاد فِيهِمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَتْبَعُوهُمْ بِأَنْ يُسَاقُوا إِلَى النَّار قَهْرًا. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْآتِي فِي التَّوْحِيد \" فَيَذْهَب أَصْحَاب الصَّلِيب مَعَ صَلِيبهمْ , وَأَصْحَاب كُلّ الْأَوْثَان مَعَ أَوْثَانهمْ , وَأَصْحَاب كُلّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ \" وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ كُلّ مَنْ كَانَ يَعْبُد الشَّيْطَان وَنَحْوه مِمَّنْ يَرْضَى بِذَلِكَ أَوْ الْجَمَاد وَالْحَيَوَان دَالُّونَ فِي ذَلِكَ , وَأَمَّا مَنْ كَانَ يَعْبُد مَنْ لَا يَرْضَى بِذَلِكَ كَالْمَلَائِكَةِ وَالْمَسِيح فَلَا , لَكِنْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" فَيَتَمَثَّل لَهُمْ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فَيَنْطَلِقُونَ \" وَفِي رِوَايَة الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن \" فَيَتَمَثَّل لِصَاحِبِ الصَّلِيب صَلِيبُهُ وَلِصَاحِبِ التَّصَاوِير تَصَاوِيرُهُ \" فَأَفَادَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة تَعْمِيم مَنْ كَانَ يَعْبُد غَيْر اللَّه إِلَّا مَنْ سَيُذْكَرُ مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَإِنَّهُ يُخَصّ مِنْ عُمُوم ذَلِكَ بِدَلِيلِهِ الْآتِي ذِكْره. وَأَمَّا التَّعْبِير بِالتَّمْثِيلِ فَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّمْثِيل تَلْبِيسًا عَلَيْهِمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّمْثِيل لِمَنْ لَا يَسْتَحِقّ التَّعْذِيب , وَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ فَيُحْضَرُونَ حَقِيقَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ). ‏ ‏قَوْله ( وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّة ) ‏ ‏قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْأُمَّةِ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُحْمَل عَلَى أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ فَيَدْخُل فِيهِ جَمِيع أَهْل التَّوْحِيد حَتَّى مِنْ الْجِنّ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ مَا فِي بَقِيَّة الْحَدِيث أَنَّهُ يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُد اللَّه مِنْ بَرّ وَفَاجِر. قُلْت : وَيُؤْخَذ أَيْضًا مِنْ قَوْله فِي بَقِيَّة الْحَدِيث \" فَأَكُون أَوَّل مَنْ يُجِيز \" فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ بَعْدَهُ يُجِيزُونَ أُمَمَهُمْ. ‏ ‏قَوْله ( فِيهَا مُنَافِقُوهَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" فِيهَا شَافِعُوهَا أَوْ مُنَافِقُوهَا شَكَّ إِبْرَاهِيم \" وَالْأَوَّل الْمُعْتَمَد , وَزَادَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُد اللَّه مِنْ بَرّ وَفَاجِر \". وَغُبَّرَات أَهْل الْكِتَاب بِضَمِّ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَغُبَر \" وَكِلَاهُمَا جَمْع غَابِر , أَوْ الْغُبَّرَات جَمْع وَغُبَر جَمْع غَابِر , وَيُجْمَع أَيْضًا عَلَى أَغْبَار , وَغُبْر الشَّيْء بَقِيَّته , وَجَاءَ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَة وَالْمُرَاد هُنَا مَنْ كَانَ يُوَحِّد اللَّه مِنْهُمْ. وَصَحَّفَهُ بَعْضهمْ فِي مُسْلِم بِالتَّحْتَانِيَّةِ بِلَفْظِ الَّتِي لِلِاسْتِثْنَاءِ , وَجَزَمَ عِيَاض وَغَيْره بِأَنَّهُ وَهْم , قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : لَمْ يَذْكُر فِي الْخَبَر مَآلَ الْمَذْكُورِينَ , لَكِنْ لَمَّا كَانَ مِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ اِسْتِقْرَارَ الطَّوَاغِيت فِي النَّار عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ مَعَهُمْ فِي النَّار كَمَا قَالَ تَعَالَى ( فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ ). قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة سُهَيْل الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا قَرِيبًا \" فَتَتْبَع الشَّيَاطِينَ وَالصَّلِيبَ أَوْلِيَاؤُهُمْ إِلَى جَهَنَّم \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيدٍ مِنْ الزِّيَادَة \" ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ كَأَنَّهَا سَرَابٌ - بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة - فَيُقَال لِلْيَهُودِ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ \" الْحَدِيث وَفِيهِ ذِكْر النَّصَارَى , وَفِيهِ \" فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّم حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُد اللَّه مِنْ بَرّ أَوْ فَاجِر \" وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن سَعْد عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن مَنْدَهْ وَأَصْله فِي مُسْلِم \" فَلَا يَبْقَى أَحَد كَانَ يَعْبُد صَنَمًا وَلَا وَثَنًا وَلَا صُورَة إِلَّا ذَهَبُوا حَتَّى يَتَسَاقَطُوا فِي النَّار \" , وَفِي رِوَايَة الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن \" فَيُطْرَح مِنْهُمْ فِيهَا فَوْجٌ وَيُقَال : هَلْ اِمْتَلَأْت ؟ فَتَقُول : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ \" الْحَدِيث , وَكَانَ الْيَهُود وَكَذَا النَّصَارَى مِمَّنْ كَانَ لَا يَعْبُد الصُّلْبَان لَمَّا كَانُوا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّه تَعَالَى تَأَخَّرُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ , فَلَمَّا حَقَّقُوا عَلَى عِبَادَة مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْأَنْبِيَاء أُلْحِقُوا بِأَصْحَابِ الْأَوْثَان. وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَار جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ) الْآيَةَ. فَأَمَّا مَنْ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِدِينِهِ الْأَصْلِيّ فَخَرَجَ بِمَفْهُومِ قَوْله ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) وَعَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد يَبْقَى أَيْضًا مَنْ كَانَ يُظْهِر الْإِيمَان مِنْ مُخْلِصٍ وَمُنَافِقٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَتَدَّعِي الْيَهُود ) قُدِّمُوا بِسَبَبِ تَقَدُّم مِلَّتِهِمْ عَلَى مِلَّةِ النَّصَارَى. ‏ ‏قَوْله ( فَيُقَال لَهُمْ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ قَائِلِ ذَلِكَ لَهُمْ , وَالظَّاهِر أَنَّهُ الْمَلَك الْمُوَكَّل بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا نَعْبُد عُزَيْرًا اِبْن اللَّه ) هَذَا فِيهِ إِشْكَال لِأَنَّ الْمُتَّصِفَ بِذَلِكَ بَعْض الْيَهُود وَأَكْثَرهمْ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ , وَيُمْكِن أَنْ يُجَاب بِأَنَّ خُصُوص هَذَا الْخِطَاب لِمَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ وَمَنْ عَدَاهُمْ يَكُون جَوَابهمْ ذِكْر مَنْ كَفَرُوا بِهِ كَمَا وَقَعَ فِي النَّصَارَى فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ بِالْمَسِيحِ اِبْن اللَّه مَعَ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ كَانَ بِزَعْمِهِ يَعْبُد اللَّه وَحْدَهُ وَهُمْ الِاتِّحَادِيَّةُ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّه هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ. ‏ ‏قَوْله ( فَيُقَال لَهُمْ كَذَبْتُمْ ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : التَّصْدِيق وَالتَّكْذِيب لَا يَرْجِعَانِ إِلَى الْحُكْم الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ , فَإِذَا قِيلَ جَاءَ زَيْد بْن عَمْرو بِكَذَا فَمَنْ كَذَّبَهُ أَنْكَرَ مَجِيئَهُ بِذَلِكَ الشَّيْء لَا أَنَّهُ اِبْن عَمْرو , وَهُنَا لَمْ يُنْكِر عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ عَبَّدُوا وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ أَنَّ الْمَسِيح اِبْن اللَّه , قَالَ : وَالْجَوَاب عَنْ هَذَا أَنَّ فِيهِ نَفْيَ اللَّازِمِ وَهُوَ كَوْنه اِبْنَ اللَّه لِيَلْزَمَ نَفْيُ الْمَلْزُومِ وَهُوَ عِبَادَةُ اِبْن اللَّه. قَالَ وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْأَوَّل بِحَسَبِ الظَّاهِر وَتَحْصُل قَرِينَةٌ بِحَسَبِ الْمَقَام تَقْتَضِي الرُّجُوع إِلَيْهِمَا جَمِيعًا أَوْ إِلَى الْمُشَار إِلَيْهِ فَقَطْ , قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذَا الْحَدِيث إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يَتَأَخَّرُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ رَجَاء أَنْ يَنْفَعهُمْ ذَلِكَ بِنَاء عَلَى مَا كَانُوا يُظْهِرُونَهُ فِي الدُّنْيَا , فَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ يَسْتَمِرّ لَهُمْ , فَمَيَّزَ اللَّه تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيل إِذْ لَا غُرَّةَ لِلْمُنَافِقِ وَلَا تَحْجِيلَ. قُلْت : قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْغُرَّة وَالتَّحْجِيل خَاصّ بِالْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّة , فَالتَّحْقِيق أَنَّهُمْ فِي هَذَا الْمَقَام يَتَمَيَّزُونَ بِعَدَمِ السُّجُود وَبِإِطْفَاءِ نُورهمْ بَعْد أَنْ حَصَلَ لَهُمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَحْصُل لَهُمْ الْغُرَّة وَالتَّحْجِيل ثُمَّ يُسْلَبَانِ عِنْد إِطْفَاء النُّور. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَنَّ الْمُنَافِقُونَ أَنَّ تَسَتُّرَهُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ يَنْفَعهُمْ فِي الْآخِرَة كَمَا كَانَ يَنْفَعهُمْ فِي الدُّنْيَا جَهْلًا مِنْهُمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا حُشِرُوا مَعَهُمْ لِمَا كَانُوا يَظْهَرُونَهُ مِنْ الْإِسْلَام فَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ حَتَّى مَيَّزَهُمْ اللَّه تَعَالَى مِنْهُمْ , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا \" لِتَتْبَعْ كُلّ أُمَّة مَنْ كَانَتْ تَعْبُد \" وَالْمُنَافِق لَمْ يَكُنْ يَعْبُد شَيْئًا بَقِيَ حَائِرًا حَتَّى مَيِّزْ. قُلْت : هَذَا ضَعِيف لِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَخْصِيص ذَلِكَ بِمُنَافِقٍ كَانَ لَا يَعْبُد شَيْئًا , وَأَكْثَر الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّه مِنْ وَثْن وَغَيْرِهِ. ‏ ‏قَوْله ‏ ‏( فَيَأْتِيهِمْ اللَّه فِي غَيْر الصُّورَة الَّتِي يَعْرِفُونَ ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْآتِي فِي التَّوْحِيد \" فِي صُورَةٍ غَيْر صُورَته الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّل مَرَّة \" وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن سَعْد \" ثُمَّ يَتَبَدَّى لَنَا اللَّه فِي صُورَة غَيْر صُورَته الَّتِي رَأَيْنَاهُ فِيهَا أَوَّل مَرَّة \" وَيَأْتِي فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد مِنْ الزِّيَادَة \" فَيُقَال لَهُمْ : مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاس ؟ فَيَقُولُونَ : فَارَقْنَاهُمْ وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ الْيَوْم , وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي : لِيَلْحَقْ كُلّ قَوْم مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ وَإِنَّنَا نَنْتَظِر رَبَّنَا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم هُنَا \" فَارَقْنَا النَّاس فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ \" وَرَجَّحَ عِيَاض رِوَايَة الْبُخَارِيّ , وَقَالَ غَيْره : الضَّمِير لِلَّهِ وَالْمَعْنَى فَارَقْنَا النَّاس فِي مَعْبُودَاتهمْ وَلَمْ نُصَاحِبهُمْ وَنَحْنُ الْيَوْم أَحْوَج لِرَبِّنَا , أَيْ إِنَّا مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. وَقَالَ عِيَاض : بَلْ أَحْوَج عَلَى بَابهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَهُمْ فِي الْآخِرَة أَحْوَج إِلَيْهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : إِنْكَاره لِرِوَايَةِ مُسْلِم مُعْتَرَض , بَلْ مَعْنَاهُ التَّضَرُّع إِلَى اللَّه فِي كَشْف الشِّدَّة عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ لَزِمُوا طَاعَته وَفَارَقُوا فِي الدُّنْيَا مَنْ زَاغَ عَنْ طَاعَته مِنْ أَقَارِبهمْ مَعَ حَاجَتهمْ إِلَيْهِمْ فِي مَعَاشهمْ وَمَصَالِح دُنْيَاهُمْ , كَمَا جَرَى لِمُؤْمِنِي الصَّحَابَة حِين قَاطَعُوا مِنْ أَقَارِبهمْ مَنْ حَادَّ اللَّه وَرَسُوله مَعَ حَاجَتهمْ إِلَيْهِمْ وَالِارْتِفَاق بِهِمْ , وَهَذَا ظَاهِر فِي مَعْنَى الْحَدِيث لَا شَكَّ فِي حُسْنِهِ , وَأَمَّا نِسْبَة الْإِتْيَان إِلَى اللَّه تَعَالَى فَقِيلَ هُوَ عِبَارَة عَنْ رُؤْيَتهمْ إِيَّاهُ لِأَنَّ الْعَادَة أَنَّ كُلّ مَنْ غَابَ عَنْ غَيْره لَا يُمْكِن رُؤْيَته إِلَّا بِالْمَجِيءِ إِلَيْهِ فَعَبَّرَ عَنْ الرُّؤْيَة بِالْإِتْيَانِ مَجَازًا , وَقِيلَ الْإِتْيَان فِعْل مِنْ أَفْعَال اللَّه تَعَالَى يَجِبُ الْإِيمَان بِهِ مَعَ تَنْزِيهه سُبْحَانه وَتَعَالَى عَنْ سِمَات الْحُدُوث. وَقِيلَ فِيهِ حَذْف تَقْدِيره يَأْتِيهِمْ بَعْض مَلَائِكَة اللَّه , وَرَجَّحَهُ عِيَاض قَالَ : وَلَعَلَّ هَذَا الْمَلَك جَاءَهُمْ فِي صُورَة أَنْكَرُوهَا لَمَّا رَأَوْا فِيهَا مِنْ سِمَة الْحُدُوث الظَّاهِرَة عَلَى الْمَلَك لِأَنَّهُ مَخْلُوق , قَالَ : وَيَحْتَمِل وَجْهًا رَابِعًا وَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى يَأْتِيهِمْ اللَّه بِصُورَةِ - أَيْ بِصِفَةٍ - تَظْهَر لَهُمْ مِنْ الصُّوَر الْمَخْلُوقَة الَّتِي لَا تُشْبِهُ صِفَة الْإِلَه لِيَخْتَبِرَهُمْ بِذَلِكَ , فَإِذَا قَالَ لَهُمْ هَذَا الْمَلَك أَنَا رَبّكُمْ وَرَأَوْا عَلَيْهِ مِنْ عَلَامَة الْمَخْلُوقِينَ مَا يَعْلَمُونَ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ رَبَّهُمْ اِسْتَعَاذُوا مِنْهُ لِذَلِكَ. اِنْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمُشَار إِلَيْهَا \" فَيَطَّلِع عَلَيْهِمْ رَبّ الْعَالَمِينَ \" وَهُوَ يُقَوِّي الِاحْتِمَال الْأَوَّل , قَالَ : وَأَمَّا قَوْله بَعْد ذَلِكَ \" فَيَأْتِيهِمْ اللَّه فِي صُورَته الَّتِي يَعْرِفُونَهَا \" فَالْمُرَاد بِذَلِكَ الصِّفَة , وَالْمَعْنَى فَيَتَجَلَّى اللَّه لَهُمْ بِالصِّفَةِ الَّتِي يَعْلَمُونَهُ بِهَا , وَإِنَّمَا عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَقَدَّمَتْ لَهُمْ رُؤْيَتُهُ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ حِينَئِذٍ شَيْئًا لَا يُشْبِهُ الْمَخْلُوقِينَ , وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاته فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَبّهمْ فَيَقُولُونَ : أَنْتَ رَبّنَا , وَعَبَّرَ عَنْ الصِّفَة بِالصُّورَةِ لِمُجَانَسَةِ الْكَلَام لِتَقَدُّمِ ذِكْر الصُّورَة. قَالَ : وَأَمَّا قَوْله \" نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْك \" فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا الْكَلَام صَدَرَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ , قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَهَذَا لَا يَصِحُّ وَلَا يَسْتَقِيم الْكَلَام بِهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي صَحِيحٌ , وَلَفْظ الْحَدِيث مُصَرِّح بِهِ أَوْ ظَاهِرٌ فِيهِ. اِنْتَهَى. وَرَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيّ فِي \" التَّذْكِرَة \" وَقَالَ : إِنَّهُ مِنْ الِامْتِحَان الثَّانِي يَتَحَقَّق ذَلِكَ , فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَاد يَنْقَلِبُ \" وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّمَا اِسْتَعَاذُوا مِنْهُ أَوَّلًا لِأَنَّهُمْ اِعْتَقَدُوا أَنَّ ذَلِكَ الْكَلَام اِسْتِدْرَاج , لِأَنَّ اللَّه لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ , وَمِنْ الْفَحْشَاء اِتِّبَاع الْبَاطِل وَأَهْله , وَلِهَذَا وَقَعَ فِي الصَّحِيح \" فَيَأْتِيهِمْ اللَّه فِي صُورَة - أَيْ بِصُورَةٍ - لَا يَعْرِفُونَهَا \" وَهِيَ الْأَمْر بِاتِّبَاعِ أَهْل الْبَاطِل , فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ \" إِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ \" أَيْ إِذَا جَاءَنَا بِمَا عَهِدْنَاهُ مِنْهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيِّ : مَعْنَى الْخَبَر يَأْتِيهِمْ اللَّه بِأَهْوَالِ يَوْم الْقِيَامَة وَمَنْ صُوَر الْمَلَائِكَة بِمَا لَمْ يَعْهَدُوا مِثْلَهُ فِي الدُّنْيَا فَيَسْتَعِيذُونَ مِنْ تِلْكَ الْحَال وَيَقُولُونَ : إِذَا جَاءَ رَبّنَا عَرَفْنَاهُ , أَيْ إِذَا أَتَانَا بِمَا نَعْرِفُهُ مِنْ لُطْفه , وَهِيَ الصُّورَة الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ \" يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ \" أَيْ عَنْ شِدَّةٍ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : هُوَ مَقَامٌ هَائِلٌ يَمْتَحِن اللَّه بِهِ عِبَاده لِيُمَيِّزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّب , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا بَقِيَ الْمُنَافِقُونَ مُخْتَلِطِينَ بِالْمُؤْمِنِينَ زَاعِمِينَ أَنَّهُمْ مِنْهُمْ ظَانِّينَ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِي ذَلِكَ الْوَقْت كَمَا جَازَ فِي الدُّنْيَا اِمْتَحَنَهُمْ اللَّه بِأَنْ أَتَاهُمْ بِصُورَةٍ هَائِلَة قَالَتْ لِلْجَمِيعِ أَنَا رَبّكُمْ , فَأَجَابَهُ الْمُؤْمِنُونَ بِإِنْكَارِ ذَلِكَ لِمَا سَبَقَ لَهُمْ مِنْ مَعْرِفَته سُبْحَانه وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَات هَذِهِ الصُّورَة , فَلِهَذَا قَالُوا نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْك لَا نُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا , حَتَّى إِنَّ بَعْضهمْ لَيَكَاد يَنْقَلِب أَيْ يَزِلّ فَيُوَافِق الْمُنَافِقِينَ. قَالَ : وَهَؤُلَاءِ طَائِفَة لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رُسُوخ بَيْن الْعُلَمَاء وَلَعَلَّهُمْ الَّذِينَ اِعْتَقَدُوا الْحَقّ وَحَوَّمُوا عَلَيْهِ مِنْ غَيْر بَصِيرَة , قَالَ : ثُمَّ يُقَال بَعْد ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ هَلْ بَيْنكُمْ وَبَيْنه عَلَامَة ؟ قُلْت : وَهَذِهِ الزِّيَادَة أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد وَلَفْظه \" آيَة تَعْرِفُونَهَا فَيَقُولُونَ السَّاق , فَيَكْشِف عَنْ سَاقِهِ , فَيَسْجُد لَهُ كُلّ مُؤْمِن وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُد رِيَاءً وَسُمْعَةً فَيَذْهَب كَيْمَا يَسْجُد فَيَصِير ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا \" أَيْ يَسْتَوِي فَقَارُ ظَهْره فَلَا يَنْثَنِي لِلسُّجُودِ , وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ \" فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُد مِنْ تِلْقَاء نَفْسه إِلَّا أَذِنَ لَهُ فِي السُّجُود \" أَيْ سَهَّلَ لَهُ وَهَوَّنَ عَلَيْهِ \" وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُد اِتِّقَاءً وَرِيَاء إِلَّا جَعَلَ اللَّه ظَهْره طَبَقًا وَاحِدًا كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُد خَرَّ لِقَفَاهُ \" وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود نَحْوه لَكِنْ قَالَ \" فَيَقُولُونَ إِنْ اِعْتَرَفَ لَنَا عَرَفْنَاهُ , قَالَ فَيَكْشِف عَنْ سَاقٍ فَيَقَعُونَ سُجُودًا , وَتَبْقَى أَصْلَاب الْمُنَافِقِينَ كَأَنَّهَا صَيَاصِي الْبَقَرِ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الزَّعْرَاء عَنْهُ عِنْد الْحَاكِم \" وَتَبْقَى ظُهُور الْمُنَافِقِينَ طَبَقًا وَاحِدًا كَأَنَّمَا فِيهَا السَّفَافِيد \" وَهِيَ بِمُهْمَلَةِ وَفَاءَيْنِ جَمْع سَفُّود بِتَشْدِيدِ الْفَاء وَهُوَ الَّذِي يُدْخَل فِي الشَّاة إِذَا أُرِيدَ أَنْ تُشْوَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد اِبْن مَنْدَهْ \" فَيُوضَع الصِّرَاط وَيَتَمَثَّل لَهُمْ رَبّهمْ \" فَذَكَرَ نَحْو مَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ \" إِذَا تَعَرَّفَ لَنَا عَرَفْنَاهُ \" وَفِي رِوَايَة الْعَلَاء اِبْن عَبْد الرَّحْمَن \" ثُمَّ يَطْلُع عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ فَيُعَرِّفُهُمْ نَفْسه ثُمَّ يَقُول : أَنَا رَبّكُمْ فَاتَّبِعُونِي , فَيَتْبَعُهُ الْمُسْلِمُونَ \" وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَيُعَرِّفهُمْ نَفْسه \" أَيْ يُلْقِي فِي قُلُوبهمْ عِلْمًا قَطْعِيًّا يَعْرِفُونَ بِهِ أَنَّهُ رَبّهمْ سُبْحَانه وَتَعَالَى. وَقَالَ الْكَلَابَاذِيّ فِي \" مَعَانِي الْأَخْبَار \" عَرَفُوهُ بِأَنْ أَحْدَثَ فِيهِمْ لَطَائِفَ عَرَّفَهُمْ بِهَا نَفْسَهُ , وَمَعْنَى كَشْف السَّاق زَوَال الْخَوْف وَالْهَوْل الَّذِي غَيَّرَهُمْ حَتَّى غَابُوا عَنْ رُؤْيَة عَوْرَاتِهِمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام بْن سَعْد \" ثُمَّ نَرْفَع رُءُوسَنَا وَقَدْ عَادَ لَنَا فِي صُورَته الَّتِي رَأَيْنَاهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّة فَيَقُول : أَنَا رَبّكُمْ فَنَقُول : نَعَمْ , أَنْتَ رَبّنَا \" وَهَذَا فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُمْ رَأَوْهُ فِي أَوَّل مَا حُشِرُوا وَالْعِلْم عِنْد اللَّه. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذِهِ الرُّؤْيَة غَيْر الَّتِي تَقَع فِي الْجَنَّة إِكْرَامًا لَهُمْ , فَإِنَّ هَذِهِ لِلِامْتِحَانِ وَتِلْكَ لِزِيَادَةِ الْإِكْرَام كَمَا فُسِّرَتْ بِهِ \" الْحُسْنَى وَزِيَادَة \" قَالَ : وَلَا إِشْكَال فِي حُصُول الِامْتِحَان فِي الْمَوْقِف لِأَنَّ آثَار التَّكَالِيف لَا تَنْقَطِع إِلَّا بَعْد الِاسْتِقْرَار فِي الْجَنَّة أَوْ النَّار. قَالَ : وَيُشْبِه أَنْ يُقَال إِنَّمَا حَجَبَ عَنْهُمْ تَحَقُّق رُؤْيَته أَوَّلًا لِمَا كَانَ مَعَهُمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ رُؤْيَته , فَلَمَّا تَمَيَّزُوا رَفَعَ الْحِجَاب فَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ : أَنْتَ رَبُّنَا. قُلْت : وَإِذَا لُوحِظَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْله \" إِذَا تَعَرَّفَ لَنَا عَرَفْنَاهُ \" وَمَا ذَكَرْت مِنْ تَأْوِيله اِرْتَفَعَ الْإِشْكَال. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : لَا يَلْزَم مِنْ أَنَّ الدُّنْيَا دَار بَلَاء وَالْآخِرَة دَار جَزَاء أَنْ لَا يَقَع فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَا يُخَصُّ بِالْأُخْرَى , فَإِنَّ الْقَبْر أَوَّل مَنَازِل الْآخِرَة , وَفِيهِ الِابْتِلَاء وَالْفِتْنَة بِالسُّؤَالِ وَغَيْره , وَالتَّحْقِيق أَنَّ التَّكْلِيف خَاصّ بِالدُّنْيَا وَمَا يَقَع فِي الْقَبْر وَفِي الْمَوْقِف هِيَ آثَار ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود مِنْ الزِّيَادَة \" ثُمَّ يُقَال لِلْمُسْلِمِينَ اِرْفَعُوا رُءُوسكُمْ إِلَى نُورِكُمْ بِقَدْرِ أَعْمَالكُمْ \" وَفِي لَفْظ \" فَيُعْطَوْنَ نُورَهُمْ عَلَى قَدْر أَعْمَالهمْ , فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ الْجَبَل وَدُون ذَلِكَ وَمِثْل النَّخْلَة وَدُون ذَلِكَ حَتَّى يَكُون آخِرُهُمْ مَنْ يُعْطَى نُوره عَلَى إِبْهَام قَدَمِهِ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ جَابِر \" وَيُعْطَى كُلّ إِنْسَان مِنْهُمْ نُورًا - إِلَى أَنْ قَالَ - ثُمَّ يُطْفَأ نُور الْمُنَافِقِينَ \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ \" فَيُعْطَى كُلّ إِنْسَان مِنْهُمْ نُورًا , ثُمَّ يُوَجَّهُونَ إِلَى الصِّرَاط فَمَا كَانَ مِنْ مُنَافِق طُفِئَ نُورُهُ \" وَفِي لَفْظ \" فَإِذَا اِسْتَوَوْا عَلَى الصِّرَاط سَلَبَ اللَّه نُور الْمُنَافِقِينَ فَقَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ : اُنْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ \" الْآيَة. وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم \" وَإِنَّكُمْ يَوْم الْقِيَامَة فِي مَوَاطِن حَتَّى يَغْشَى النَّاسَ أَمْرٌ مِنْ أَمْر اللَّه فَتَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ , ثُمَّ يَنْتَقِلُونَ إِلَى مَنْزِلٍ آخَر فَتَغْشَى النَّاسَ الظُّلْمَةُ , فَيُقْسَم النُّور فَيَخْتَصّ بِذَلِكَ الْمُؤْمِن وَلَا يُعْطَى الْكَافِر وَلَا الْمُنَافِق مِنْهُ شَيْئًا , فَيَقُول الْمُنَافِقُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا : اُنْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ الْآيَة , فَيَرْجِعُونَ إِلَى الْمَكَان الَّذِي قُسِمَ فِيهِ النُّور فَلَا يَجِدُونَ شَيْئًا , فَيُضْرَبُ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ \". ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَيَتْبَعُونَهُ ) ‏ ‏قَالَ عِيَاضٌ أَيْ فَيَتْبَعُونَ أَمْرَهُ أَوْ مَلَائِكَتَهُ الَّذِينَ وُكِّلُوا بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( وَيُضْرَب جِسْر جَهَنَّم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب بَعْد قَوْله أَنْتَ رَبُّنَا \" فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَب جِسْر جَهَنَّم \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏حَذَفَ مِنْ هَذَا السِّيَاق مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث أَنَس فِي ذِكْر الشَّفَاعَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاء , كَمَا حَذَفَ مِنْ حَدِيث أَنَس مَا ثَبَتَ هُنَا مِنْ الْأُمُور الَّتِي تَقَع فِي الْمَوْقِف , فَيَنْتَظِم مِنْ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُمْ إِذَا حُشِرُوا وَقَعَ مَا فِي حَدِيث الْبَاب مِنْ تَسَاقُط الْكُفَّار فِي النَّار وَيَبْقَى مَنْ عَدَاهُمْ فِي كَرْب الْمَوْقِف فَيَسْتَشْفِعُونَ , فَيَقَع الْإِذْنُ بِنَصْبِ الصِّرَاط فَيَقَع الِامْتِحَانُ بِالسُّجُودِ لِيَتَمَيَّزَ الْمُنَافِق مِنْ الْمُؤْمِن ثُمَّ يَجُوزُونَ عَلَى الصِّرَاط. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد هُنَا \" ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْر عَلَى جَهَنَّمَ وَتَحِلّ الشَّفَاعَة وَيَقُولُونَ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكُون أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّل مَنْ يُجِيز ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" يَجُوز بِأُمَّتِهِ \" وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" يُجِيزُهَا \" وَالضَّمِير لِجَهَنَّمَ. قَالَ الْأَصْمَعِيّ : جَازَ الْوَادِي مَشَى فِيهِ , وَأَجَازَهُ قَطَعَهُ , وَقَالَ غَيْره : جَازَ وَأَجَازَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْمَعْنَى أَكُون أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّل مَنْ يَمْضِي عَلَى الصِّرَاط وَيَقْطَعُهُ , يَقُول جَازَ الْوَادِيَ وَأَجَازَهُ إِذَا قَطَعَهُ وَخَلَّفَهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْهَمْزَة هُنَا لِلتَّعَدِّيَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ هُوَ وَأُمَّتُهُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوز عَلَى الصِّرَاط لَزِمَ تَأْخِير غَيْرهمْ عَنْهُمْ حَتَّى يَجُوز , فَإِذَا جَازَ هُوَ وَأُمَّته فَكَأَنَّهُ أَجَازَ بَقِيَّة النَّاس. اِنْتَهَى. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن سَلَام عِنْد الْحَاكِم \" ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ أَيْنَ مُحَمَّد وَأُمَّتُهُ ؟ فَيَقُوم فَتَتْبَعُهُ أُمَّتُهُ بَرُّهَا وَفَاجِرُهَا , فَيَأْخُذُونَ الْجِسْرَ فَيَطْمِسُ اللَّهُ أَبْصَارَ أَعْدَائِهِ فَيَتَهَافَتُونَ مِنْ يَمِين وَشِمَال , وَيَنْجُو النَّبِيُّ وَالصَّالِحُونَ \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس يَرْفَعهُ \" نَحْنُ آخِر الْأُمَم وَأَوَّل مَنْ يُحَاسَب \" وَفِيهِ \" فَتُفْرَج لَنَا الْأُمَم عَنْ طَرِيقنَا فَنَمُرّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَار الطُّهُور , فَتَقُول الْأُمَم : كَادَتْ هَذِهِ الْأُمَّة أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ \". ‏ ‏قَوْله ( وَدُعَاء الرُّسُل يَوْمئِذٍ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" وَلَا يَتَكَلَّم يَوْمَئِذٍ أَحَد إِلَّا الرُّسُل \" وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" وَلَا يُكَلِّمهُ إِلَّا الْأَنْبِيَاء , وَدَعْوَى الرُّسُل يَوْمئِذٍ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْعَلَاء \" وَقَوْلهمْ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيث الْمُغِيرَة \" شِعَار الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الصِّرَاط : رَبّ سَلِّمْ سَلِّمْ \" وَالضَّمِير فِي الْأَوَّل لِلرُّسُلِ , وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنِ هَذَا الْكَلَام شِعَار الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَنْطِقُوا بِهِ بَلْ تَنْطِق بِهِ الرُّسُل يَدْعُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالسَّلَامَةِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ شِعَارًا لَهُمْ , فَبِهَذَا تَجْتَمِع الْأَخْبَار , وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَة سُهَيْل \" فَعِنْد ذَلِكَ حَلَّتْ الشَّفَاعَة اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد مِنْ الزِّيَادَة \" فَيَمُرّ الْمُؤْمِن كَطَرْفِ الْعَيْن وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيد الْخَيْل وَالرِّكَاب \" وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة وَأَبِي هُرَيْرَة مَعًا \" فَيَمُرّ أَوَّلُهُمْ كَمَرِّ الْبَرْق ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيح ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْر وَشَدّ الرِّحَال تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالهمْ \" وَفِي رِوَايَة الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن \" وَيُوضَع الصِّرَاط فَيَمُرّ عَلَيْهِ مِثْل جِيَاد الْخَيْل وَالرِّكَاب \" وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" ثُمَّ يُقَال لَهُمْ اُنْجُوَا عَلَى قَدْرِ نُورِكُمْ , فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرّ كَطَرْفِ الْعَيْن ثُمَّ كَالْبَرْقِ ثُمَّ كَالسَّحَابِ ثُمَّ كَانْقِضَاضِ الْكَوْكَب ثُمَّ كَالرِّيحِ ثُمَّ كَشَدِّ الْفَرَس ثُمَّ كَشَدِّ الرَّحْل حَتَّى يَمُرّ الرَّجُل الَّذِي أُعْطِيَ نُورَهُ عَلَى إِبْهَام قَدَمِهِ يَحْبُو عَلَى وَجْهه وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ يَجُرّ بِيَدٍ وَيَعْلَقُ يَدٌ وَيَجُرُّ بِرِجْلٍ وَيَعْلَقُ رِجْلٌ وَتَضْرِبُ جَوَانِبَهُ النَّارُ حَتَّى يَخْلُصَ \" وَعِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق أَبِي الزَّعْرَاء عَنْ اِبْن مَسْعُود \" كَمَرِّ الْبَرْق ثُمَّ الرِّيح ثُمَّ الطَّيْر ثُمَّ أَجْوَد الْخَيْل ثُمَّ أَجْوَد الْإِبِل ثُمَّ كَعَدْوِ الرَّجُل , حَتَّى إِنَّ آخِرهمْ رَجُل نُوره عَلَى مَوْضِع إِبْهَامَيْ قَدَمَيْهِ ثُمَّ يَتَكَفَّأ بِهِ الصِّرَاط \" وَعِنْد هَنَّاد بْن السُّرِّيِّ عَنْ اِبْن مَسْعُود بَعْد الرِّيح \" ثُمَّ كَأَسْرَع الْبَهَائِمِ حَتَّى يَمُرّ الرَّجُل سَعْيًا ثُمَّ مَشْيًا ثُمَّ آخِرهمْ يَتَلَبَّطُ عَلَى بَطْنِهِ فَيَقُول : يَا رَبّ لِمَ أَبْطَأْت بِي ؟ فَيَقُول : أَبْطَأَ بِك عَمَلُك \" وَلِابْنِ الْمُبَارَك مِنْ مُرْسَل عَبْد اللَّه بْن شَقِيق \" فَيَجُوزُ الرَّجُلُ كَالطَّرْفِ وَكَالسَّهْمِ وَكَالطَّائِرِ السَّرِيع وَكَالْفَرَسِ الْجَوَاد الْمُضَمَّر , وَيَجُوز الرَّجُل يَعْدُو عَدْوًا وَيَمْشِي مَشْيًا حَتَّى يَكُون آخِر مَنْ يَنْجُو يَحْبُو \". ‏ ‏قَوْله ( وَبِهِ كَلَالِيب ) ‏ ‏الضَّمِير لِلصِّرَاطِ , وَفِي رِوَايَة شُعَيْب \" وَفِي جَهَنَّم كَلَالِيب \" وَفِي رِوَايَة حُذَيْفَة وَأَبِي هُرَيْرَة مَعًا \" وَفِي حَافَّتَيْ الصِّرَاط كَلَالِيب مُعَلَّقَة مَأْمُورَة بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ \" وَفِي رِوَايَة سُهَيْل \" وَعَلَيْهِ كَلَالِيب النَّار \" وَكَلَالِيب جَمْع كَلُّوب بِالتَّشْدِيدِ , وَتَقَدَّمَ ضَبْطه وَبَيَانه فِي أَوَاخِر كِتَاب الْجَنَائِز. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : هَذِهِ الْكَلَالِيب هِيَ الشَّهَوَات الْمُشَار إِلَيْهَا فِي الْحَدِيث الْمَاضِي \" حُفَّتْ النَّار بِالشَّهَوَاتِ \" قَالَ : فَالشَّهَوَات مَوْضُوعَة عَلَى جَوَانِبهَا فَمَنْ اِقْتَحَمَ الشَّهْوَة سَقَطَ فِي النَّار لِأَنَّهَا خَطَ"
    },
    {
        "id": "6089",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏فَرَطُكُمْ ‏ ‏عَلَى الْحَوْضِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش , وَشَقِيق هُوَ أَبُو وَائِل الْمَذْكُور فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة وَوَقَعَ صَرِيحًا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِيهِمَا وَعِنْد مُسْلِم فِي الْأَوَّل , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُودٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "6090",
        "content": "‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏فَرَطُكُمْ ‏ ‏عَلَى الْحَوْضِ وَلَيُرْفَعَنَّ مَعِي رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حُصَيْنٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث عَنْ اِبْن مَسْعُود مَوْصُولًا وَعَنْ حُذَيْفَة مُعَلَّقًا. ‏ ‏وَالْمُغِيرَة ‏ ‏هُوَ اِبْن مِقْسَمٍ الضَّبِّيّ الْكُوفِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَلَيُرْفَعَنَّ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْفَاء وَالْعَيْن أَيْ يُظْهِرُهُمْ اللَّهُ لِي حَتَّى أَرَاهُمْ. ‏ ‏قَوْله ‏ ‏( ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَضَمِّ التَّحْتَانِيَّة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْمُثَنَّاة وَاللَّام وَضَمِّ الْجِيم بَعْدَهَا نُونٌ ثَقِيلَةٌ أَيْ يُنْزَعُونَ أَوْ يُجْذَبُونَ مِنِّي , يُقَال اِخْتَلَجَهُ مِنْهُ إِذَا نَزَعَهُ مِنْهُ أَوْ جَذَبَهُ بِغَيْرِ إِرَادَته , وَسَيَأْتِي زِيَادَة فِي إِيضَاحه فِي شَرْح حَدِيث أَنَس مِنْ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز وَمَا بَعْده وَحَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ عَاصِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي النَّجُود قَارِئُ الْكُوفَةِ , وَالضَّمِير لِلْأَعْمَشِ أَيْ إِنَّ عَاصِمًا رَوَاهُ كَمَا رَوَاهُ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل فَقَالَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَدْ وَصَلَهَا الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق سُفْيَان الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِم. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ حُصَيْنٌ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الْوَاسِطِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ حُذَيْفَة ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُ خَالَفَ الْأَعْمَش وَعَاصِمًا فَقَالَ عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ حُذَيْفَة , وَهَذِهِ الْمُتَابَعَة وَصَلَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق حُصَيْنٍ , وَصَنِيعُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْد أَبِي وَائِل عَنْ اِبْن مَسْعُود وَعَنْ حُذَيْفَة مَعًا , وَصَنِيع الْبُخَارِيّ يَقْتَضِي تَرْجِيح قَوْل مَنْ قَالَ عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه لِكَوْنِهِ سَاقَهَا مَوْصُولَةً وَعَلَّقَ الْأُخْرَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6091",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَامَكُمْ حَوْضٌ كَمَا بَيْنَ ‏ ‏جَرْبَاءَ ‏ ‏وَأَذْرُحَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان , ‏ ‏وَعُبَيْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( أَمَامَكُمْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة أَيْ قُدَّامَكُمْ ‏ ‏( حَوْض ) ‏ ‏فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيِّ \" حَوْضِي \" بِزِيَادَةِ يَاء الْإِضَافَة , وَالْأَوَّل هُوَ الَّذِي عِنْد كُلِّ مَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيث كَمُسْلِمٍ. ‏ ‏قَوْله ( كَمَا بَيْن جَرْبَاءَ وَأَذْرَحَ ) ‏ ‏أَمَّا جَرْبَاء فَهِيَ بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا مُوَحَّدَة بِلَفْظِ تَأْنِيث أَجْرَب , قَالَ عِيَاض : جَاءَتْ فِي الْبُخَارِيّ مَمْدُودَة , وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرْح مُسْلِم الصَّوَاب أَنَّهَا مَقْصُورَة وَكَذَا ذَكَرَهَا الْحَازِمِيّ وَالْجُمْهُور , قَالَ وَالْمَدّ خَطَأ , وَأَثْبَتَ صَاحِب التَّحْرِير الْمَدَّ وَجَوَّزَ الْقَصْر , وَيُؤَيِّدُ الْمَدَّ قَوْلُ أَبِي عُبَيْد الْبَكْرِيِّ هِيَ تَأْنِيث أَجْرَب. وَأَمَّا أَذْرَح فَبِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَضَمّ الرَّاء بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ , قَالَ عِيَاضٌ كَذَا لِلْجُمْهُورِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْعُذْرِيّ فِي مُسْلِم بِالْجِيمِ وَهُوَ وَهْم. قُلْت : وَسَأَذْكُرُ الْخِلَاف فِي تَعْيِين مَكَانَيْ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ فِي آخِر الْكَلَام عَلَى حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو الْآتِي شَرْحه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6092",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْكَوْثَرُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِسَعِيدٍ ‏ ‏إِنَّ أُنَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏النَّهَرُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ مِنْ الْخَيْرِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة الْكَوْثَر ‏ ‏وَقَوْله هُنَا \" هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْر \" ‏ ‏هُوَ جَعْفَر بْن أَبِي وَحْشِيَّةَ بِفَتْحِ الْوَاو وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُعْجَمَةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ ثَقِيلَةٌ ثُمَّ هَاءُ تَأْنِيثٍ , وَاسْم أَبِي وَحْشِيَّةَ إِيَاسٌ. ‏ ‏قَوْله ( وَعَطَاء بْن السَّائِب ) ‏ ‏هُوَ الْمُحَدِّث الْمَشْهُور كُوفِيٌّ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ صَدُوق اِخْتَلَطَ فِي آخِر عُمُرِهِ , وَسَمَاع هُشَيْمٍ مِنْهُ بَعْد اِخْتِلَاطه , وَلِذَلِكَ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيّ مَقْرُونًا بِأَبِي بِشْر , وَمَا لَهُ عِنْده إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ مَضَى فِي تَفْسِير الْكَوْثَر مِنْ جِهَة هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي بِشْر وَحْدَهُ , وَلِعَطَاءِ بْن السَّائِب فِي ذِكْر الْكَوْثَر سَنَدٌ آخَرُ عَنْ شَيْخٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ بِسَنَدٍ صَحِيح مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ مُحَارِب بْن دِثَار عَنْ اِبْن عُمَر فَذَكَرَ الْحَدِيث الْمُشَار إِلَيْهِ فِي تَفْسِير الْكَوْثَر , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَده عَنْ أَبِي عَوَانَة عَنْ عَطَاء قَالَ : قُلْ لِي مُحَارِب بْن دِثَار مَا كَانَ سَعِيد بْن جُبَيْر يَقُول فِي الْكَوْثَر ؟ قُلْت : كَانَ يُحَدِّث عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : هُوَ الْخَيْر الْكَثِير , فَقَالَ مُحَارِب : حَدَّثَنَا اِبْن عُمَر فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْث مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب وَزَادَ : فَقَالَ مُحَارِب سُبْحَانَ اللَّه مَا أَقَلَّ مَا يَسْقُط لِابْنِ عَبَّاس , فَذَكَرَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس ثُمَّ قَالَ : هَذَا وَاَللَّهِ هُوَ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6093",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنْ اللَّبَنِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا ‏",
        "sharh": "قَوْله ‏ ‏( نَافِع ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْجُمَحِيُّ الْمَكِّيُّ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ نَافِع بْن عُمَر بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَقَدْ خَالَفَ نَافِع بْن عُمَر فِي صَحَابِيّه عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن خُثَيْمٍ فَقَالَ : عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عَائِشَة أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ , وَنَافِع بْن عُمَر أَحْفَظ مِنْ اِبْن خُثَيْمٍ. ‏ ‏قَوْله ( حَوْضِي مَسِيرَة شَهْر ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْن حِبَّان فِي رِوَايَتهمْ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَزَوَايَاهُ سَوَاء \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة تَدْفَع تَأْوِيل مَنْ جَمَعَ بَيْن مُخْتَلِف الْأَحَادِيث فِي تَقْدِير مَسَافَة الْحَوْض عَلَى اِخْتِلَاف الْعَرْض وَالطُّول , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا فَوَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس الَّذِي بَعْده \" كَمَا بَيْن أَيْلَةَ وَصَنْعَاء مِنْ الْيَمَن \" وَأَيْلَة مَدِينَة كَانَتْ عَامِرَة وَهِيَ بِطَرَفِ بَحْر الْقُلْزُم مِنْ طَرَف الشَّام وَهِيَ الْآنَ خَرَاب يَمُرّ بِهَا الْحَاجّ مِنْ مِصْر فَتَكُون شَمَالِيَّهُمْ وَيَمُرّ بِهَا الْحَاجّ مِنْ غَزَّة وَغَيْرهَا فَتَكُون أَمَامهمْ , وَيَجْلِبُونَ إِلَيْهَا الْمِيرَة مِنْ الْكُرْك وَالشَّوْبَك وَغَيْرهمَا يَتَلَقَّوْنَ بِهَا الْحَاجّ ذَهَابًا وَإِيَابًا , وَإِلَيْهَا تُنْسَب الْعَقَبَة الْمَشْهُورَة عِنْد الْمِصْرِيِّينَ , وَبَيْنهَا وَبَيْن الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة نَحْو الشَّهْر بِسَيْرِ الْأَثْقَال إِنْ اِقْتَصَرُوا كُلَّ يَوْمٍ عَلَى مَرْحَلَة وَإِلَّا فَدُون ذَلِكَ , وَهِيَ مِنْ مِصْر عَلَى أَكْثَر مِنْ النِّصْف مِنْ ذَلِكَ , وَلَمْ يُصِبْ مَنْ قَالَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ إِنَّهَا عَلَى النِّصْف مِمَّا بَيْن مِصْر وَمَكَّة بَلْ هِيَ دُون الثُّلُث فَإِنَّهَا أَقْرَب إِلَى مِصْر. وَنَقَلَ عِيَاض عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّ أَيْلَةَ شِعْب مِنْ جَبَل رَضْوَى الَّذِي فِي يَنْبُع , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ اِسْمٌ وَافَقَ اِسْمًا , وَالْمُرَاد بِأَيْلَةَ فِي الْخَبَر هِيَ الْمَدِينَة الْمَوْصُوفَة آنِفًا , وَقَدْ ثَبَتَ ذِكْرُهَا فِي صَحِيح مُسْلِم فِي قِصَّة غَزْوَة تَبُوك وَفِيهِ \" أَنَّ صَاحِب أَيْلَةَ جَاءَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَالَحَهُ \" وَتَقَدَّمَ لَهَا ذِكْر أَيْضًا فِي كِتَاب الْجُمُعَة. وَأَمَّا صَنْعَاء فَإِنَّمَا قُيِّدَتْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِالْيَمَنِ اِحْتِرَازًا مِنْ صَنْعَاء الَّتِي بِالشَّامِ , وَالْأَصْل فِيهَا صَنْعَاءُ الْيَمَن لَمَّا هَاجَرَ أَهْل الْيَمَن فِي زَمَن عُمَر عِنْد فَتُوحَ الشَّام نَزَلَ أَهْل صَنْعَاء فِي مَكَان مِنْ دِمَشْق فَسُمِّيَ بِاسْمِ بَلَدهمْ , فَعَلَى هَذَا فَمِنْ فِي قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ الْيَمَن \" إِنْ كَانَتْ اِبْتِدَائِيَّةً فَيَكُون هَذَا اللَّفْظ مَرْفُوعًا وَإِنْ كَانَتْ بَيَانِيَّة فَيَكُون مُدْرَجًا مِنْ قَوْل بَعْض الرُّوَاة وَالظَّاهِر أَنَّهُ الزُّهْرِيُّ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة أَيْضًا \" كَمَا بَيْن صَنْعَاء وَأَيْلَة \" وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة مِثْله لَكِنْ قَالَ \" عَدَن \" بَدَلَ صَنْعَاء , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَبْعَد مِنْ أَيْلَةَ إِلَى عَدَن \" وَعَدَن بِفَتْحَتَيْنِ بَلَد مَشْهُور عَلَى سَاحِل الْبَحْر فِي أَوَاخِر سَوَاحِل الْيَمَن وَأَوَائِل سَوَاحِل الْهِنْد وَهِيَ تُسَامِت صَنْعَاء وَصَنْعَاء فِي جِهَة الْجِبَال , وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ \" مَا بَيْن عُمَان إِلَى أَيْلَةَ \" وَعُمَان بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف النُّون بَلَد عَلَى سَاحِل الْبَحْر مِنْ جِهَة الْبَحْرَيْنِ , وَفِي حَدِيث أَبِي بُرْدَة عِنْد اِبْن حِبَّان \" مَا بَيْن نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْن أَيْلَةَ وَصَنْعَاء مَسِيرَة شَهْر \" وَهَذِهِ الرِّوَايَات مُتَقَارِبَة لِأَنَّهَا كُلّهَا نَحْو شَهْر أَوْ تَزِيد أَوْ تَنْقُص. وَوَقَعَ فِي رِوَايَات أُخْرَى التَّحْدِيد بِمَا هُوَ دُون ذَلِكَ : فَوَقَعَ فِي حَدِيث عُقْبَة اِبْن عَامِر عِنْد أَحْمَد \" كَمَا بَيْن أَيْلَةَ إِلَى الْجُحْفَة \" وَفِي حَدِيث جَابِر \" كَمَا بَيْن صَنْعَاء إِلَى الْمَدِينَة \" وَفِي حَدِيث ثَوْبَانَ \" مَا بَيْن عَدَن وَعَمَّان الْبَلْقَاء \" وَنَحْوه لِابْنِ حِبَّان عَنْ أَبِي أُمَامَةَ. وَعَمَّان هَذِهِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمِيم لِلْأَكْثَرِ وَحُكِيَ تَخْفِيفهَا , وَتُنْسَب إِلَى الْبَلْقَاء لِقُرْبِهَا مِنْهَا. وَالْبَلْقَاء بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا قَاف وَبِالْمَدِّ بَلْدَة مَعْرُوفَة مِنْ فِلَسْطِين , وَعِنْد عَبْد الرَّزَّاق فِي حَدِيث ثَوْبَانَ \" مَا بَيْن بُصْرَى إِلَى صَنْعَاء أَوْ مَا بَيْن أَيْلَةَ إِلَى مَكَّة \" وَبُصْرَى بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَلَد مَعْرُوف بِطَرَفِ الشَّام مِنْ جِهَة الْحِجَاز تَقَدَّمَ ضَبْطهَا فِي بَدْء الْوَحْي , وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عِنْد أَحْمَد \" بُعْد مَا بَيْن مَكَّة وَأَيْلَة \" وَفِي لَفْظ \" مَا بَيْن مَكَّة وَعَمَّان \" وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة بْن أَسِيدٍ \" مَا بَيْن صَنْعَاء إِلَى بُصْرَى \" وَمِثْله لِابْنِ حِبَّان فِي حَدِيث عُتْبَةَ بْن عَبْد , وَفِي رِوَايَة الْحَسَن عَنْ أَنَس عِنْد أَحْمَد \" كَمَا بَيْن مَكَّة إِلَى أَيْلَةَ أَوْ بَيْن صَنْعَاء وَمَكَّة \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة وَابْن مَاجَهْ \" مَا بَيْن الْكَعْبَة إِلَى بَيْت الْمَقْدِس \" وَفِي حَدِيث عُتْبَةَ بْن عَبْد عِنْد الطَّبَرَانِيِّ \" كَمَا بَيْن الْبَيْضَاء إِلَى بُصْرَى \" وَالْبَيْضَاء بِالْقُرْبِ مِنْ الرَّبَذَةِ الْبَلَد الْمَعْرُوف بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة , وَهَذِهِ الْمَسَافَات مُتَقَارِبَة وَكُلّهَا تَرْجِع إِلَى نَحْو نِصْف شَهْر أَوْ تَزِيد عَلَى ذَلِكَ قَلِيلًا أَوْ تَنْقُص , وَأَقَلّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن بِشْر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر بِسَنَدِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَزَادَ قَالَ : قَالَ عُبَيْد اللَّه فَسَأَلَتْهُ قَالَ قَرْيَتَانِ بِالشَّام بَيْنهمَا مَسِيرَة ثَلَاثَة أَيَّام , وَنَحْوه لَهُ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر لَكِنْ قَالَ \" ثَلَاث لَيَالٍ \" وَقَدْ جَمَعَ الْعُلَمَاء بَيْن هَذَا الِاخْتِلَاف فَقَالَ عِيَاض : هَذَا مِنْ اِخْتِلَاف التَّقْدِير لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَع فِي حَدِيث وَاحِد فَيُعَدّ اِضْطِرَابًا مِنْ الرُّوَاة وَإِنَّمَا جَاءَ فِي أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ غَيْر وَاحِد مِنْ الصَّحَابَة سَمِعُوهُ فِي مَوَاطِنَ مُخْتَلِفَةٍ , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْرِب فِي كُلّ مِنْهُمَا مَثَلًا لِبُعْدِ أَقْطَارَ الْحَوْضَ وَسَعَتْهُ بِمَا يَسْنَح لَهُ مِنْ الْعِبَارَة وَبِقُرْبِ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِبُعْدِ بَيْن الْبِلَاد النَّائِيَة بَعْضهَا مِنْ بَعْض لَا عَلَى إِرَادَة الْمَسَافَة الْمُحَقَّقَة , قَالَ فَبِهَذَا يُجْمَع بَيْن الْأَلْفَاظ الْمُخْتَلِفَة مِنْ جِهَة الْمَعْنَى اِنْتَهَى مُلَخَّصًا , وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَة أَنَّ ضَرْب الْمَثَل وَالتَّقْدِير إِنَّمَا يَكُون فِيمَا يَتَقَارَبُ , وَأَمَّا هَذَا الِاخْتِلَاف الْمُتَبَاعِد الَّذِي يَزِيد تَارَة عَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَيَنْقُص إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام فَلَا , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَنَّ بَعْض الْقَاصِرِينَ أَنَّ الِاخْتِلَاف فِي قَدْر الْحَوْض اِضْطِرَاب وَلَيْسَ كَذَلِكَ , ثُمَّ نَقَلَ كَلَام عِيَاض وَزَادَ : وَلَيْسَ اِخْتِلَافًا بَلْ كُلّهَا تُفِيد أَنَّهُ كَبِير مُتَّسِع مُتَبَاعِد الْجَوَانِب , ثُمَّ قَالَ : وَلَعَلَّ ذِكْره لِلْجِهَاتِ الْمُخْتَلِفَة بِحَسَبِ مَنْ حَضَرَهُ مِمَّنْ يَعْرِف تِلْكَ الْجِهَة فَيُخَاطِب كُلَّ قَوْمٍ بِالْجِهَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا , وَأَجَابَ النَّوَوِيّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذِكْر الْمَسَافَة الْقَلِيلَة مَا يَدْفَع الْمَسَافَة الْكَثِيرَة فَالْأَكْثَر ثَابِت بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح فَلَا مُعَارَضَةَ. وَحَاصِله أَنَّهُ يُشِير إِلَى أَنَّهُ أَخْبَرَ أَوَّلًا بِالْمَسَافَةِ الْيَسِيرَة ثُمَّ أُعْلِمَ بِالْمَسَافَةِ الطَّوِيلَة فَأَخْبِرْهُ بِهَا كَأَنَّ اللَّه تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِاتِّسَاعِهِ شَيْئًا بَعْد شَيْء فَيَكُون الِاعْتِمَاد عَلَى مَا يَدُلّ عَلَى أَطْوَلهَا مَسَافَة. وَتَقَدَّمَ قَوْل مَنْ جَمَعَ الِاخْتِلَاف بِتَفَاوُتِ الطُّول وَالْعَرْض وَرَدَّهُ بِمَا فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" زَوَايَاهُ سَوَاء \". وَوَقَعَ أَيْضًا فِي حَدِيث النَّوَّاس بْن سَمْعَان وَجَابِر وَأَبِي بَرْزَة وَأَبِي ذَرّ \" طُوله وَعَرَضَهُ سَوَاء \" وَجَمَعَ غَيْره بَيْن الِاخْتِلَافَيْنِ الْأَوَّلِينَ بِاخْتِلَافِ السَّيْر الْبَطِيء وَهُوَ سَيْر الْأَثْقَال وَالسَّيْر السَّرِيع وَهُوَ سَيْر الرَّاكِب الْمُخِفّ وَيُحْمَل رِوَايَة أَقَلّهَا وَهُوَ الثَّلَاث عَلَى سَيْر الْبَرِيد فَقَدْ عُهِدَ مِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ مَسَافَة الشَّهْر فِي ثَلَاثَة أَيَّام وَلَوْ كَانَ نَادِرًا جِدًّا , وَفِي هَذَا الْجَوَاب عَنْ الْمَسَافَة الْأَخِيرَة نَظَرٌ وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهُ مُسَلَّم وَهُوَ أَوْلَى مَا يُجْمَع بِهِ , وَأَمَّا مَسَافَة الثَّلَاث فَإِنَّ الْحَافِظ ضِيَاء الدِّين الْمَقْدِسِيَّ ذَكَرَ فِي الْجُزْء الَّذِي جَمَعَهُ فِي الْحَوْض أَنَّ فِي سِيَاق لَفْظهَا غَلَطًا وَذَلِكَ الِاخْتِصَار وَقَعَ فِي سِيَاقه مِنْ بَعْض رُوَاته , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَأَخْرَجَهُ مِنْ \" فَوَائِد عَبْد الْكَرِيم بْن الْهَيْثَم الدَّيْرعَاقُولِيّ \" بِسَنَدٍ حَسَنٍ إِلَى أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا فِي ذِكْر الْحَوْض فَقَالَ فِيهِ \" عَرْضه مِثْل مَا بَيْنكُمْ وَبَيْن جَرْبَاء وَأَذْرَح \" قَالَ الضِّيَاء : فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر حَذْف تَقْدِيره كَمَا بَيْن مَقَامِي وَبَيْن جَرْبَاء وَأَذْرَح , فَسَقَطَ مَقَامِي وَبَيْن. وَقَالَ الْحَافِظ صَلَاح الدِّين الْعَلَائِيُّ بَعْد أَنْ حَكَى قَوْل اِبْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة هُمَا قَرْيَتَانِ بِالشَّامِ بَيْنهمَا مَسِيرَة ثَلَاثَة أَيَّام ثُمَّ غَلَّطَهُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ : لَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ بَيْنهمَا غَلْوَة سَهْم وَهُمَا مَعْرُوفَتَانِ بَيْن الْقُدْس وَالْكَرْك , قَالَ : وَقَدْ ثَبَتَ الْقَدْر الْمَحْذُوف عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْره بِلَفْظِ \" مَا بَيْن الْمَدِينَة وَجَرْبَاء وَأَذْرَح \". قُلْت : وَهَذَا يُوَافِق رِوَايَة أَبِي سَعِيد عِنْد اِبْن مَاجَهْ \" كَمَا بَيْن الْكَعْبَة وَبَيْت الْمَقْدِس \" وَقَدْ وَقَعَ ذِكْر جَرْبَاء وَأَذْرَح فِي حَدِيث آخَر عِنْد مُسْلِم وَفِيهِ \" وَافَى أَهْل جَرْبَاء وَأَذْرَح بِحَرَسِهِمْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ذَكَرَهُ فِي غَزْوَة تَبُوك , وَهُوَ يُؤَيِّد قَوْل الْعَلَائِيّ أَنَّهُمَا مُتَقَارِبَتَانِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ رَجَعَ جَمِيع الْمُخْتَلِف إِلَى أَنَّهُ لِاخْتِلَافِ السَّيْر الْبَطِيء وَالسَّيْر السَّرِيع , وَسَأَحْكِي كَلَام اِبْن التِّين فِي تَقْدِير الْمَسَافَة بَيْن جَرْبَاء وَأَذْرَح فِي شَرْح الْحَدِيث السَّادِسَ عَشَرَ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( مَاؤُهُ أَبْيَض مِنْ اللَّبَن ) ‏ ‏قَالَ الْمَازِرِيُّ : مُقْتَضَى كَلَام النُّحَاة أَنْ يُقَال أَشَدُّ بَيَاضًا وَلَا يُقَال أَبْيَض مِنْ كَذَا , وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ فِي الشِّعْر , وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ بِقِلَّةٍ وَيَشْهَد لَهُ هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ , فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ أَشَدّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَن , وَكَذَا لِابْنِ مَسْعُود عِنْد أَحْمَد , وَكَذَا لِأَبِي أُمَامَةَ عِنْد اِبْن أَبِي عَاصِم. ‏ ‏قَوْله ( وَرِيحه أَطْيَب مِنْ الْمِسْك ) ‏ ‏فِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد التِّرْمِذِيّ \" أَطْيَب رِيحًا مِنْ الْمِسْك \" وَمِثْله فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْد اِبْن حِبَّان رَائِحَة وَزَادَ اِبْن أَبِي عَاصِم وَابْن أَبِي الدُّنْيَا فِي حَدِيث بُرَيْدَةَ \" وَأَلْيَن مِنْ الزُّبْد \" وَزَادَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ وَثَوْبَان \" وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَل \" وَمِثْله لِأَحْمَد عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , وَلَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ \" وَأَحْلَى مَذَاقًا مِنْ الْعَسَل \" وَزَادَ أَحْمَد فِي حَدِيث اِبْن عَمْرو مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" وَأَبْرَد مِنْ الثَّلْج \" وَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي بَرْزَة , وَعِنْد الْبَزَّار مِنْ رِوَايَة عَدِيّ بْن ثَابِت عَنْ أَنَس , وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس وَعِنْد التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" وَمَاؤُهُ أَشَدُّ بَرْدًا مِنْ الثَّلْجِ \". ‏ ‏قَوْله ( وَكِيزَانه كَنُجُومِ السَّمَاء ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَنَس الَّذِي بَعْده \" وَفِيهِ مِنْ الْأَبَارِيق كَعِدَّةِ نُجُوم السَّمَاء \" وَلِأَحْمَد مِنْ رِوَايَة الْحَسَن عَنْ أَنَس \" أَكْثَر مِنْ عَدَد نُجُوم السَّمَاء \" وَفِي حَدِيث الْمُسْتَوْرِد فِي أَوَاخِر الْبَاب \" فِيهِ الْآنِيَّة مِثْل الْكَوَاكِب \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" فِيهِ أَبَارِيقُ كَنُجُومِ السَّمَاء \". ‏ ‏قَوْله ( مَنْ شَرِبَ مِنْهَا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْكِيزَان , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَنْ شَرِبَ مِنْهُ \" أَيْ مِنْ الْحَوْض ‏ ‏( فَلَا يَظْمَأ أَبَدًا ) ‏ ‏فِي حَدِيث سَهْل بْن سَعْد الْآتِي قَرِيبًا \" مَنْ مَرَّ عَلِيّ شِرْب وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأ أَبَدًا \" وَفِي رِوَايَة مُوسَى اِبْن عُقْبَة \" مَنْ وَرَدَهُ فَشَرِبَ لَمْ يَظْمَأ بَعْدهَا أَبَدًا \" وَهَذَا يُفَسِّر الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" مَنْ مَرَّ بِهِ شَرِبَ \" أَيْ مَنْ مَرَّ بِهِ فَمُكِّنَ مِنْ شُرْبه فَشَرِبَ لَا يَظْمَأ أَوْ مَنْ مُكِّنَ مِنْ الْمُرُور بِهِ شَرِبَ , وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ \" وَلَمْ يَسْوَدَّ وَجْهُهُ أَبَدًا \" وَزَادَ اِبْن أَبِي عَاصِم فِي حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب \" مَنْ صُرِفَ عَنْهُ لَمْ يُرْوَ أَبَدًا \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث النَّوَّاس بْن سَمْعَان عِنْد اِبْن أَبِي الدُّنْيَا \" أَوَّل مَنْ يَرِد عَلَيْهِ مَنْ يَسْقِي كُلَّ عَطْشَان \". ‏"
    },
    {
        "id": "6094",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ قَدْرَ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ ‏ ‏أَيْلَةَ ‏ ‏وَصَنْعَاءَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏وَإِنَّ فِيهِ مِنْ الْأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيدَ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي أَنَس ) ‏ ‏هَذَا يَدْفَع تَعْلِيل مَنْ أَعَلَّهُ بِأَنَّ اِبْن شِهَاب لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ أَنَس لِأَنَّ أَبَا أُوَيْس رَوَاهُ عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَخِيهِ عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم عَنْ أَنَس أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي عَاصِم , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم اِبْن أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ بِهِ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ كَانَ عِنْد اِبْن شِهَاب عَنْ أَخِيهِ عَنْ أَنَس ثُمَّ سَمِعَهُ عَنْ أَنَس فَإِنَّ بَيْن السِّيَاقَيْنِ اِخْتِلَافًا ; وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن أَبِي عَاصِم أَسْمَاء مَنْ رَوَاهُ عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَنَس بِلَا وَاسِطَةٍ فَزَادُوا عَلَى عَشْرَةٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "6095",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ قُلْتُ مَا هَذَا يَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قَالَ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ فَإِذَا طِينُهُ ‏ ‏أَوْ طِيبُهُ ‏ ‏مِسْكٌ أَذْفَرُ ‏ ‏شَكَّ ‏ ‏هُدْبَةُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس مِنْ رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْهُ , ‏ ‏قَوْله ( بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ تَفْسِير سُورَة الْكَوْثَر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ وَفِي أَوَاخِر الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْإِسْرَاء فِي أَوَائِل التَّرْجَمَة النَّبَوِيَّة , وَظَنَّ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ ذَلِكَ يَكُون يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ : إِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَوْض الَّذِي يُدْفَع عَنْهُ أَقْوَامٌ غَيْرُ النَّهَر الَّذِي فِي الْجَنَّة أَوْ يَكُون يَرَاهُمْ وَهُوَ دَاخِل الْجَنَّة وَهُمْ مِنْ خَارِجهَا فَيُنَادِيهِمْ فَيَصْرِفُونَ عَنْهُ. وَهُوَ تَكَلُّفٌ عَجِيبٌ يُغْنِي عَنْهُ أَنَّ الْحَوْض الَّذِي هُوَ خَارِج الْجَنَّة يُمَدّ مِنْ النَّهَر الَّذِي هُوَ دَاخِل الْجَنَّة فَلَا إِشْكَال أَصْلًا , وَقَوْله فِي آخِره \" طِيبه أَوْ طِينه \" شَكَّ هُدْبَةُ هَلْ هُوَ بِمُوَحَّدَةِ مِنْ الطِّيب أَوْ بِنُونٍ مِنْ الطِّين وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ أَبَا الْوَلِيد لَمْ يَشُكَّ فِي رِوَايَته أَنَّهُ بِالنُّونِ وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة الْكَوْثَر مِنْ طَرِيق شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ \" فَأَهْوَى الْمَلَك بِيَدِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْ طِينه مِسْكًا أَذْفَرَ \" وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْث مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم عَنْ أَنَس بِلَفْظِ \" تُرَابُهُ مِسْكٌ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6096",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الْحَوْضَ حَتَّى عَرَفْتُهُمْ ‏ ‏اخْتُلِجُوا ‏ ‏دُونِي فَأَقُولُ أَصْحَابِي فَيَقُولُ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَنَسٍ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ اِبْنُ صُهَيْبٍ عَنْهُ , ‏ ‏قَوْله ( أُصَيْحَابِي ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَصْحَابِي \" بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَيَقُول ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَيُقَال \" وَقَدْ ذُكِرَ شَرْح مَا تَضَمَّنَهُ فِي شَرْح حَدِيث اِبْن عَبَّاسٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "6097",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي ‏ ‏فَرَطُكُمْ ‏ ‏عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏فَسَمِعَنِي ‏ ‏النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ ‏ ‏فَقَالَ هَكَذَا سَمِعْتَ مِنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏فَقُلْتُ نَعَمْ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَشْهَدُ عَلَى ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏لَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَزِيدُ فِيهَا ‏ ‏فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏سُحْقًا بُعْدًا ‏ ‏يُقَالُ سَحِيقٌ بَعِيدٌ سَحَقَهُ وَأَسْحَقَهُ أَبْعَدَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ الْحَبَطِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي ‏ ‏فَيُحَلَّئُونَ ‏ ‏عَنْ الْحَوْضِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمْ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ ‏ ‏الْقَهْقَرَى ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد وَأَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ مِنْ رِوَايَة أَبِي حَازِم عَنْ سَهْل وَعَنْ النُّعْمَان بْن أَبِي عَيَّاش عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَقُول سُحْقًا سُحْقًا ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْحَاء الْمُهْمَلَة فِيهِمَا وَيَجُوز ضَمُّهَا وَمَعْنَاهُ بُعْدًا بُعْدًا , وَنُصِبَ بِتَقْدِيرِ أَلْزَمَهُمْ اللَّهُ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اِبْن عَبَّاس سُحْقًا بُعْدًا ) ‏ ‏وَصَلَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْهُ بِلَفْظِهِ. ‏ ‏قَوْله ( يُقَال سَحِيقٌ بَعِيدٌ ) ‏ ‏هُوَ كَلَام أَبِي عُبَيْدَة فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ( أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ) السَّحِيقُ الْبَعِيدُ وَالنَّخْلَةُ السَّحُوقُ الطَّوِيلَةُ. ‏ ‏قَوْله ( سَحَقَهُ وَأَسْحَقهُ أَبْعَدَهُ ) ‏ ‏ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ وَهُوَ مِنْ كَلَام أَبِي عُبَيْدَة أَيْضًا قَالَ : يُقَال سَحَقَهُ اللَّه وَأَسْحَقهُ أَيْ أَبْعَدَهُ , وَيُقَال بَعُدَ وَسُحِقَ إِذَا دَعَوْا عَلَيْهِ , وَسَحَقَتْهُ الرِّيح أَيْ طَرَدَتْهُ , وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : يُقَال سَحَقَهُ إِذَا اِعْتَمَدَهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَفَتَنَهُ وَأَسْحَقهُ أَبْعَده , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا فِي \" بَاب كَيْف الْحَشْر \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ أَحْمَد بْن شَبِيب إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ أَبِي زَرْعَة الرَّازِيِّ وَأَبِي الْحَسَن الْمَيْمُونِي قَالَا \" حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن شَبِيب بِهِ \" وَيُونُس هُوَ اِبْن يَزِيد نَسَبَهُ أَبُو عَوَانَة فِي رِوَايَته هَذِهِ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَحْمَدَ بْن شَبِيب. ‏"
    },
    {
        "id": "6098",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِي فَيُحَلَّئُونَ عَنْهُ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمْ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ ‏ ‏الْقَهْقَرَى ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيُجْلَوْنَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏فَيُحَلَّئُونَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( فَيُجْلَوْنَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ أَيْ يُصْرَفُونَ , وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد اللَّام بَعْدهَا هَمْزَة مَضْمُومَة قَبْل الْوَاو وَكَذَا لِلْأَكْثَرِ وَمَعْنَاهُ يُطْرَدُونَ , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّ بَعْضهمْ ذَكَرَهُ بِغَيْرِ هَمْزَة قَالَ : وَهُوَ فِي الْأَصْل مَهْمُوزٌ فَكَأَنَّهُ سَهَّلَ الْهَمْزَة. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّهُمْ اِرْتَدُّوا ) ‏ ‏هَذَا يُوَافِق تَفْسِير قَبِيصَةَ الْمَاضِي فِي \" بَاب كَيْفَ الْحَشْرُ \". ‏ ‏قَوْله ( عَلَى أَعْقَابِهِمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" عَلَى أَدْبَارِهِمْ \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ شُعَيْب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَمْزَة عَنْ الزُّهْرِيِّ يَعْنِي بِسَنَدِهِ وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" وَهُوَ بِسُكُونِ الْجِيم أَيْضًا , وَقِيلَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة بَعْدَهَا لَأُمٌّ ثَقِيلَةٌ وَوَاوٌ سَاكِنَةٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عُقَيْل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن خَالِد يَعْنِي عَنْ اِبْن شِهَابٍ بِسَنَدِهِ يُحَلَّئُونَ يَعْنِي بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالْهَمْزَة ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ الزُّبَيْدِيّ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن الْوَلِيد , وَمُحَمَّد بْن عَلِيّ شَيْخ الزُّهْرِيِّ فِيهِ هُوَ أَبُو جَعْفَر الْبَاقِر , وَشَيْخه عُبَيْد اللَّه هُوَ اِبْن أَبِي رَافِع مَوْلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَكَرَ الْجَيَّانِيّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ وَالْأَصِيلِيّ عَنْ الْمَرْوَزِيِّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَة وَهُوَ خَطَأ , وَفِي السَّنَد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ مَدَنِيُّونَ فِي نَسَق , فَالزُّهْرِيّ وَالْبَاقِر قَرِينَانِ وَعُبَيْد اللَّه أَكْبَر مِنْهُمَا , وَطَرِيق الزُّبَيْدِيّ الْمُشَار إِلَيْهَا وَصَلَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَاد مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن سَالِم عَنْهُ كَذَلِكَ , ثُمَّ سَاقَ الْمُصَنِّف الْحَدِيث مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس مِثْل رِوَايَة شَبِيب عَنْ يُونُس لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ أَبَا هُرَيْرَة بَلْ قَالَ \" عَنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَحَاصِل الِاخْتِلَاف أَنَّ اِبْن وَهْب وَشَبِيب بْن سَعِيد اِتَّفَقَا فِي رِوَايَتهمَا عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , ثُمَّ اِخْتَلَفَا فَقَالَ اِبْن سَعِيد \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَقَالَ اِبْن وَهْب عَنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَذَا لَا يَضُرّ لِأَنَّ فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب زِيَادَةً عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ رِوَايَة اِبْن سَعِيد , وَأَمَّا رِوَايَة عُقَيْل وَشُعَيْب فَإِنَّمَا تَخَالَفَتَا فِي بَعْض اللَّفْظ , وَخَالَفَ الْجَمِيع الزُّبَيْدِيّ فِي السَّنَد , فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْد الزُّهْرِيِّ بِسَنَدَيْنِ فَإِنَّهُ حَافِظٌ وَصَاحِب حَدِيث , وَدَلَّتْ رِوَايَة الزُّبَيْدِيّ عَلَى أَنَّ شُبَيْب بْن سَعِيد حَفِظَ فِيهِ أَبَا هُرَيْرَة. وَقَدْ أَعْرَضَ مُسْلِم عَنْ هَذِهِ الطُّرُق كُلّهَا وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن زِيَاد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" إِنِّي لَأَذُود عَنْ حَوْضِي رِجَالًا كَمَا تُذَاد الْغَرِيبَة عَنْ الْإِبِل \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي أَثْنَاء حَدِيث , وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَخْرُجهُ الْبُخَارِيّ مَعَ كَثْرَة مَا أَخْرَجَ مِنْ الْأَحَادِيث فِي ذِكْر الْحَوْض , وَالْحِكْمَة فِي الذَّوْد الْمَذْكُور أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيد أَنَّهُ يُرْشِد كُلّ أَحَد إِلَى حَوْض نَبِيّه عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وَأَنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ بِكَثْرَةِ مَنْ يَتْبَعُهُمْ فَيَكُون ذَلِكَ مِنْ جُمْلَة إِنْصَافه وَرِعَايَة إِخْوَانه مِنْ النَّبِيِّينَ , لَا أَنَّهُ يَطْرُدُهُمْ بُخْلًا عَلَيْهِمْ بِالْمَاءِ , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ يَطْرُد مَنْ لَا يَسْتَحِقّ الشُّرْبَ مِنْ الْحَوْض وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6099",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ فَقَالَ هَلُمَّ فَقُلْتُ أَيْنَ قَالَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ قُلْتُ وَمَا شَأْنُهُمْ قَالَ إِنَّهُمْ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ الْقَهْقَرَى ثُمَّ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ فَقَالَ هَلُمَّ قُلْتُ أَيْنَ قَالَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ قُلْتُ مَا شَأْنُهُمْ قَالَ إِنَّهُمْ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ الْقَهْقَرَى فَلَا أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلَّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة فُلَيْح بْن سُلَيْمَان عَنْ هِلَال بْن عَلِيّ عَنْ عَطَاء اِبْن يَسَار عَنْهُ وَرِجَال سَنَده كُلّهمْ مَدَنِيُّونَ , وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجُهُ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم وَسَائِر مِنْ اِسْتَخْرَجَ عَلَى الصَّحِيح فَأَخْرَجُوهُ مِنْ عِدَّة طُرُق عَنْ الْبُخَارِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر عَنْ مُحَمَّد بْن فُلَيْح عَنْ أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( بَيْنَا أَنَا نَائِم ) ‏ ‏كَذَا بِالنُّونِ لِلْأَكْثَرِ ولِلكُشْمِيهَنِيِّ \" قَائِم \" بِالْقَافِ وَهُوَ أَوْجَهُ , وَالْمُرَاد بِهِ قِيَامه عَلَى الْحَوْض يَوْم الْقِيَامَة , وَتُوَجَّهُ الْأُولَى بِأَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَام فِي الدُّنْيَا مَا سَيَقَعُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ إِذَا زُمْرَةٌ , حَتَّى إِذَا عَرَفْتهمْ خَرَجَ رَجُل مِنْ بَيْنِي وَبَيْنهمْ فَقَالَ هَلُمَّ ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالرَّجُلِ الْمَلَك الْمُوَكَّل بِذَلِكَ , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّهُمْ اِرْتَدُّوا الْقَهْقَرَى ) ‏ ‏أَيْ رَجَعُوا إِلَى خَلْف , وَمَعْنَى قَوْلهمْ رَجَعَ الْقَهْقَرَى رَجَعَ الرُّجُوع الْمُسَمَّى بِهَذَا الِاسْم وَهُوَ رُجُوعٌ مَخْصُوصٌ وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْعَدْوُ الشَّدِيدُ. ‏ ‏قَوْله ( فَلَا أَرَاهُ يَخْلُص مِنْهُمْ إِلَّا مِثْل هَمَل النَّعَم ) ‏ ‏يَعْنِي مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ دَنَوْا مِنْ الْحَوْض وَكَادُوا يَرِدُونَهُ فَصُدُّوا عَنْهُ , وَالْهَمَل بِفَتْحَتَيْنِ الْإِبِل بِلَا رَاعٍ , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْهَمَل مَا لَا يَرْعَى وَلَا يُسْتَعْمَل وَيُطْلَق عَلَى الضَّوَالّ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَرِدهُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيل , لِأَنَّ الْهَمَل فِي الْإِبِل قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6100",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَا بَيْن بَيْتِي وَمِنْبَرِي \" وَفِيهِ \" وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي \" تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر الْحَجّ وَالْمُرَاد بِتَسْمِيَةِ ذَلِكَ الْمَوْضِع رَوْضَة أَنَّ تِلْكَ الْبُقْعَة تُنْقَلُ إِلَى الْجَنَّة فَتَكُون رَوْضَةً مِنْ رِيَاضهَا , أَوْ أَنَّهُ عَلَى الْمَجَاز لِكَوْنِ الْعِبَادَة فِيهِ تَئُولُ إِلَى دُخُول الْعَابِد رَوْضَة الْجَنَّة وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ إِذْ لَا اِخْتِصَاص لِذَلِكَ بِتِلْكَ الْبُقْعَة , وَالْخَبَر مَسُوقٌ لِمَزِيدِ شَرَفِ تِلْكَ الْبُقْعَة عَلَى غَيْرهَا , وَقِيلَ فِيهِ تَشْبِيهٌ مَحْذُوفُ الْأَدَاةِ أَيْ هُوَ كَرَوْضَةٍ لِأَنَّ مَنْ يَقْعُد فِيهَا مِنْ الْمَلَائِكَة وَمُؤْمِنِي الْإِنْس وَالْجِنّ يُكْثِرُونَ الذِّكْر وَسَائِر أَنْوَاع الْعِبَادَة. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُرَاد مِنْ هَذَا الْحَدِيث التَّرْغِيب فِي سُكْنَى الْمَدِينَة وَأَنَّ مِنْ لَازِم ذِكْر اللَّه فِي مَسْجِدِهَا آلَ بِهِ إِلَى رَوْضَةِ الْجَنَّةِ وَسُقِيَ يَوْمَ الْقِيَامَة مِنْ الْحَوْض. ‏"
    },
    {
        "id": "6101",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جُنْدَبًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جُنْدَبٍ , وَعَبْد الْمَلِك رَاوِيه عَنْهُ هُوَ اِبْن عُمَيْرٍ الْكُوفِيُّ , وَالْفَرَطُ بِفَتْحِ الْفَاء وَالرَّاء السَّابِقُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6102",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي ‏ ‏فَرَطٌ ‏ ‏لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ‏ ‏أَوْ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ ‏ ‏وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَبِيب , ‏ ‏وَأَبُو الْخَيْر ‏ ‏هُوَ مَرْثَد بْن عَبْد اللَّه الْيَزَنِيّ , ‏ ‏وَعُقْبَة اِبْن عَامِر ‏ ‏هُوَ الْجُهَنِيُّ , وَقَدْ مَرَّ شَرْحه فِي كِتَاب الْجَنَائِز فِيمَا يَتَعَلَّق بِالصَّلَاةِ عَلَى الشُّهَدَاء , وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة فِيمَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الْمُنَافِسَة فِي شَرْح حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي أَوَائِل كِتَاب الرِّقَاق هَذَا. ‏ ‏قَوْله ( وَاَللَّهِ إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآن ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنَّهُ كُشِفَ لَهُ عَنْهُ لَمَّا خَطَبَ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد رُؤْيَةَ الْقَلْب. وَقَالَ اِبْن التِّين : النُّكْتَة فِي ذِكْره عَقِبَ التَّحْذِير الَّذِي قَبْله أَنَّهُ يُشِير إِلَى تَحْذِيرهمْ مِنْ فِعْل مَا يَقْتَضِي إِبْعَادَهُمْ عَنْ الْحَوْض , وَفِي الْحَدِيث عِدَّةُ أَعْلَامٍ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ كَمَا سَبَقَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6103",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَذَكَرَ الْحَوْضَ فَقَالَ كَمَا بَيْنَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَصَنْعَاءَ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَارِثَةَ ‏ ‏سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَوْلَهُ حَوْضُهُ مَا بَيْنَ ‏ ‏صَنْعَاءَ ‏ ‏وَالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏الْمُسْتَوْرِدُ ‏ ‏أَلَمْ تَسْمَعْهُ قَالَ الْأَوَانِي قَالَ لَا قَالَ ‏ ‏الْمُسْتَوْرِدُ ‏ ‏تُرَى فِيهِ الْآنِيَةُ مِثْلَ الْكَوَاكِبِ ‏",
        "sharh": "قَوْله ‏ ‏( مَعْبَد بْن خَالِد ) ‏ ‏هُوَ الْجَدَلِيّ بِفَتْحِ الْجِيم وَالْمُهْمَلَة مِنْ ثِقَات الْكُوفِيِّينَ , وَلَهُمْ مَعْبَد بْن خَالِد اِثْنَانِ غَيْره أَحَدهمَا أَكْبَرُ مِنْهُ وَهُوَ صَحَابِيٌّ جُهَنِيّ وَالْآخَر أَصْغَرُ مِنْهُ وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ مَجْهُولٌ. ‏ ‏قَوْله ( حَارِثَة بْن وَهْب ) ‏ ‏هُوَ الْخُزَاعِيُّ , صَحَابِيٌّ نَزَلَ الْكُوفَة لَهُ أَحَادِيثُ , وَكَانَ أَخَا عُبَيْد اللَّه بِالتَّصْغِيرِ اِبْن عُمَر بْن الْخَطَّاب لِأُمِّهِ. ‏ ‏قَوْله ( كَمَا بَيْن الْمَدِينَة وَصَنْعَاء ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : يُرِيد صَنْعَاء الشَّام. قُلْت : وَلَا بُعْد فِي حَمْله عَلَى الْمُتَبَادِر هُوَ صَنْعَاء الْيَمَن لِمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهه , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث الْخَامِس التَّقْيِيد بِصَنْعَاء الْيَمَن فَلْيَحْمِلْ الْمُطْلَق عَلَيْهِ , ثُمَّ قَالَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَا بَيْن الْمَدِينَة وَصَنْعَاء الشَّام قَدْر مَا بَيْنهَا وَصَنْعَاء الْيَمَن وَقَدْر مَا بَيْنهَا وَبَيْن أَيْلَةَ وَقَدْر مَا بَيْن جَرْبَاء وَأَذْرَح اِنْتَهَى. وَهُوَ اِحْتِمَال مَرْدُودٌ فَإِنَّهَا مُتَفَاوِتَةٌ إِلَّا مَا بَيْن الْمَدِينَة وَصَنْعَاء وَبَيْنهَا وَصَنْعَاء الْأُخْرَى وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَزَادَ اِبْن أَبِي عَدِيّ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم , وَأَبُو عَدِيّ جَدُّهُ لَا يُعْرَف اِسْمه , وَيُقَال بَلْ هِيَ كُنْيَةُ أَبِيهِ إِبْرَاهِيم , وَهُوَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ كَثِيرُ الْحَدِيثِ , وَقَدْ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حَوْضه ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ وَفِيهِ اِلْتِفَاتٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" حَوْضِي \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَوْرِد ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْمُثَنَّاة بَعْدهَا وَاو سَاكِنَة ثُمَّ رَاءٍ مَكْسُورَة ثُمَّ مُهْمَلَة هُوَ اِبْن شَدَّاد بْن عَمْرو بْن حِسْل بِكَسْرِ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه وَإِهْمَالهمَا ثُمَّ لَامٍ الْقُرَشِيّ الْفِهْرِيُّ , صَحَابِيٌّ اِبْنُ صَحَابِيٍّ , شَهِدَ فَتْح مِصْر وَسَكَنَ الْكُوفَة , وَيُقَال مَاتَ سَنَة خَمْس وَأَرْبَعِينَ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع , وَحَدِيثه مَرْفُوع وَإِنْ لَمْ يُصَرِّح بِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيمَا زَادَهُ مِنْ ذِكْر الْأَوَانِي. ‏"
    },
    {
        "id": "6104",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ وَسَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِي فَأَقُولُ يَا رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي فَيُقَالُ هَلْ شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ وَاللَّهِ مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا أَوْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا ‏ { ‏أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ ‏} ‏تَرْجِعُونَ عَلَى الْعَقِبِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر ) ‏ ‏جَمَعَ مُسْلِم بَيْن حَدِيث اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عَبْد اللَّه اِبْن عَمْرو وَحَدِيثه عَنْ أَسْمَاء , فَقَدَّمَ ذِكْر حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فِي صِفَة الْحَوْض ثُمَّ قَالَ بَعْد قَوْله لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا \" قَالَ وَقَالَتْ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَسَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِي ) ‏ ‏هُوَ مُبَيِّنٌ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي أَوَائِل الْبَاب ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي وَأَنَّ الْمُرَاد طَائِفَةٌ مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَقُول : يَا رَبِّ مِنِّي وَمَنْ أُمَّتِي ) ‏ ‏فِيهِ دَفْعٌ لِقَوْلِ مَنْ حَمَلَهُمْ عَلَى غَيْر هَذِهِ الْأُمَّة. ‏ ‏قَوْله ( هَلْ شَعَرْت مَا عَمِلُوا بَعْدك ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَشْخَاصَهُمْ بِأَعْيَانِهَا وَإِنْ كَانَ قَدْ عَرَفَ أَنَّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة بِالْعَلَامَةِ. ‏ ‏قَوْله ( مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ) ‏ ‏أَيْ يَرْتَدُّونَ كَمَا فِي حَدِيث الْآخَرِينَ. قَوْله ( قَالَ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ \" قَالَ فَكَانَ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة يَقُول \". ‏ ‏قَوْله ( أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا أَوْ نُفْتَنُ عَنْ دِينِنَا ) ‏ ‏أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الرُّجُوعَ عَلَى الْعَقِب كِنَايَةٌ عَنْ مُخَالَفَة الْأَمْر الَّذِي تَكُون الْفِتْنَةُ سَبَبَهُ فَاسْتَعَاذَ مِنْهُمَا جَمِيعًا. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى أَعْقَابكُمْ تَنْكِصُونَ تَرْجِعُونَ عَلَى الْعَقِب ) ‏ ‏هُوَ تَفْسِير أَبِي عُبَيْدَة لِلْآيَةِ وَزَادَ : نَكَصَ رَجَعَ عَلَى عَقِبَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6105",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَنْبَأَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ ‏ ‏إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ ‏ ‏عَلَقَةً ‏ ‏مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ ‏ ‏مُضْغَةً ‏ ‏مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعٍ بِرِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ ‏ ‏أَوْ الرَّجُلَ ‏ ‏يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ بَاعٍ أَوْ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ أَوْ ذِرَاعَيْنِ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏إِلَّا ذِرَاعٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6106",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ أَيْ رَبِّ ‏ ‏عَلَقَةٌ ‏ ‏أَيْ رَبِّ ‏ ‏مُضْغَةٌ ‏ ‏فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا قَالَ أَيْ رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَمَا الرِّزْقُ فَمَا الْأَجَلُ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَسٍ , ‏ ‏قَوْله ( حَمَّاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْدٍ , وَعُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر أَيْ اِبْن أَنَس بْن مَالِكٍ. ‏ ‏قَوْله ( وَكَّلَ اللَّه بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُول : أَيْ رَبِّ نُطْفَة , أَيْ رَبِّ عَلَقَة إِلَخْ ) ‏ ‏أَيْ يَقُول كُلّ كَلِمَة مِنْ ذَلِكَ فِي الْوَقْت الَّذِي تَصِير فِيهِ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِيهِ , وَتَقَدَّمَ شَيْء مِنْهُ فِي كِتَاب الْحَيْض , وَيَجُوز فِي قَوْله نُطْفَة النَّصْب عَلَى إِضْمَار فِعْل وَالرَّفْع عَلَى أَنَّهُ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف , وَفَائِدَة ذَلِكَ أَنَّهُ يَسْتَفْهِمُ هَلْ يَتَكَوَّنُ مِنْهَا أَوْ لَا ؟ وَقَوْله \" أَنْ يَقْضِيَ خَلْقهَا \" أَيْ يَأْذَن فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6107",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ الرِّشْكُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُعْرَفُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَلِمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ قَالَ ‏ ‏كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ أَوْ لِمَا يُسِّرَ لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرِّشْك ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء وَسُكُون الْمُعْجَمَة بَعْدهَا كَاف كُنْيَته أَبُو الْأَزْهَر , وَحَكَى الْكَلَابَاذِيّ أَنَّ اِسْم وَالِده سِنَان بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَنُونَيْنِ , وَهُوَ بَصْرِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ , قِيلَ كَانَ كَبِير اللِّحْيَة فَلُقِّبَ الرِّشْك وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ كَمَا زَعَمَ أَبُو عَلَى الْغَسَّانِيُّ وَجَزَمَ بِهِ اِبْن الْجَوْزِيّ الْكَبِير اللِّحْيَة , وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيُّ : كَانَ غَيُورًا فَقِيلَ لَهُ إرشك بِالْفَارِسِيَّةِ فَمَضَى عَلَيْهِ الرِّشْك , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ بَلْ الرِّشْك بِالْفَارِسِيَّةِ الْقَمْل الصَّغِير الْمُلْتَصِق , بِأُصُولِ شَعْر اللِّحْيَة , وَذَكَرَ الْكَلَابَاذِيّ أَنَّ الرِّشْك الْقَسَّام. قُلْت : بَلْ كَانَ يَزِيد يَتَعَانَى مَسَّاحَة الْأَرْض فَقِيلَ لَهُ الْقَسَّام وَكَانَ يُلَقَّب الرِّشْك لَا أَنَّ مَدْلُول الرِّشْك الْقَسَّام بَلْ هُمَا لَقَب وَنِسْبَة إِلَى صَنْعَة , وَالْمُعْتَمَد فِي أَمْره مَا قَالَ أَبُو حَاتِم , وَمَا لِيَزِيدَ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث أَوْرَدَهُ هُنَا وَفِي كِتَاب الِاعْتِصَامِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ رَجُل ) ‏ ‏هُوَ عِمْرَان بْن حُصَيْن رَاوِي الْخَبَر , بَيَّنَهُ عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد عَنْ يَزِيد الرِّشْك عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْن قَالَ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه \" فَذَكَرَهُ , وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي أَوَاخِر كِتَاب التَّوْحِيد , وَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ آخَرُونَ , وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ فِيهِ فِي شَرْح حَدِيث عَلِيٍّ قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله ( أَيُعْرَفُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ يَزِيد عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" أَعُلِمَ \" بِضَمِّ الْعَيْن , وَالْمُرَاد بِالسُّؤَالِ مَعْرِفَةُ الْمَلَائِكَةِ أَوْ مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّه عَلَى ذَلِكَ ; وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْعَامِلِ أَوْ مَنْ شَاهَدَهُ فَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالْعَمَلِ. ‏ ‏قَوْله ( فَلِمَ يَعْمَل الْعَامِلُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَات حَمَّاد \" فَفِيمَ \" ؟ وَهُوَ اِسْتِفْهَام وَالْمَعْنَى إِذَا سَبَقَ الْقَلَم بِذَلِكَ فَلَا يَحْتَاج الْعَامِل إِلَى الْعَمَل لِأَنَّهُ سَيَصِيرُ إِلَى مَا قُدِّرَ لَهُ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ : كُلٌّ يَعْمَل لِمَا خُلِقَ لَهُ أَوْ لِمَا يُيَسَّرُ لَهُ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يُسِرّ \" بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْمُهْمَلَة الثَّقِيلَة , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد الْمُشَار إِلَيْهَا \" قَالَ كُلّ مُيَسَّر لِمَا خُلِقَ لَهُ \" وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْكَلَام الْأَخِير عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة بِهَذَا اللَّفْظ يَزِيدُونَ عَلَى الْعَشَرَة سَأُشِيرُ إِلَيْهَا فِي آخِر الْبَاب الَّذِي يَلِي الَّذِي يَلِيهِ , مِنْهَا حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء عِنْد أَحْمَد بِسَنَدٍ حَسَن بِلَفْظِ \" كُلّ اِمْرِئٍ مُهَيَّأٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ \" وَفِي الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمَآل مَحْجُوب عَنْ الْمُكَلَّف فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِد فِي عَمَل مَا أُمِرَ بِهِ فَإِنَّ عَمَله أَمَارَةٌ إِلَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْره غَالِبًا وَإِنْ كَانَ بَعْضهمْ قَدْ يُخْتَم لَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَغَيْره لَكِنْ لَا اِطِّلَاع لَهُ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْذُل جَهْده وَيُجَاهِد نَفْسه فِي عَمَل الطَّاعَة لَا يَتْرُك وُكُولًا إِلَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْره فَيُلَام عَلَى تَرْك الْمَأْمُور وَيَسْتَحِقّ الْعُقُوبَة , وَقَدْ تَرْجَمَ اِبْن حِبَّان بِحَدِيثِ الْبَاب \" مَا يَجِب عَلَى الْمَرْء مِنْ التَّشْمِير فِي الطَّاعَات وَإِنْ جَرَى قَبْلَهَا مَا يَكْرَه اللَّهُ مِنْ الْمَحْظُورَات \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عِمْرَان أَنَّهُ قَالَ لَهُ : أَرَأَيْت مَا يَعْمَل النَّاس الْيَوْم أَشَيْء قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيّهمْ وَثَبَتَتْ الْحُجَّة عَلَيْهِمْ ؟ فَقَالَ : لَا بَلْ شَيْء قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ , وَتَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) وَفِيهِ قِصَّة لِأَبِي الْأَسْوَد الدُّؤَلِيّ مَعَ عِمْرَان وَفِيهِ قَوْله لَهُ : أَيَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا ؟ فَقَالَ : لَا كُلّ شَيْء خَلْق اللَّه وَمِلْك يَده فَلَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل. قَالَ عِيَاض : أَوْرَدَ عِمْرَان عَلَى أَبِي الْأَسْوَد شُبْهَة الْقَدَرِيَّة مِنْ تَحَكُّمِهِمْ عَلَى اللَّه وَدُخُولِهِمْ بِآرَائِهِمْ فِي حُكْمِهِ , فَلَمَّا أَجَابَهُ بِمَا دَلَّ عَلَى ثَبَاتِهِ فِي الدِّين قَوَّاهُ بِذِكْرِ الْآيَة وَهِيَ حَدٌّ لِأَهْلِ السُّنَّة , وَقَوْله كُلّ خَلْق اللَّه وَمُلْكه يُشِير إِلَى أَنَّ الْمَالِك الْأَعْلَى الْخَالِق الْآمِر لَا يُعْتَرَض عَلَيْهِ إِذَا تَصَرَّفَ فِي مُلْكه بِمَا يَشَاء , وَإِنَّمَا يُعْتَرَض عَلَى الْمَخْلُوقِ الْمَأْمُورِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6108",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6109",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَنْ اِبْن شِهَاب ‏ ‏( قَالَ وَأَخْبَرَنِي عَطَاء بْن يَزِيد ) ‏ ‏الْوَاو عَاطِفَة عَلَى شَيْء مَحْذُوف , كَأَنَّهُ حَدَّثَ قَبْل ذَلِكَ بِشَيْءٍ ثُمَّ حَدَّثَ بِحَدِيثِ عَطَاء , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عَطَاء بْن يَزِيد وَعِنْد أَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ \" حَدَّثَنِي عَطَاء بْن يَزِيد اللَّيْثِيُّ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6110",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ كَمَا تُنْتِجُونَ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ كَمَا بَيَّنْته فِي الْمُقَدِّمَةِ ‏"
    },
    {
        "id": "6111",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا ‏ ‏لِتَسْتَفْرِغَ ‏ ‏صَحْفَتَهَا ‏ ‏وَلْتَنْكِحْ فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَا تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاق أُخْتهَا - إِلَى قَوْله فِي آخِره - فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا \" وَقَدْ مَضَى شَرْحه فِي \" بَاب الشُّرُوط الَّتِي لَا تَحِلّ فِي النِّكَاح \" مِنْ كِتَاب النِّكَاح قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ أُصُول الدِّين السُّلُوك فِي مَجَارِي الْقَدَر , وَذَلِكَ لَا يُنَاقِض الْعَمَل فِي الطَّاعَات وَلَا يَمْنَع التَّحَرُّف فِي الِاكْتِسَاب وَالنَّظَر لِقُوتِ غَدٍ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَحَقَّق أَنَّهُ يَبْلُغُهُ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَحْسَن أَحَادِيث الْقَدَر عِنْد أَهْل الْعِلْم لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الزَّوْج لَوْ أَجَابَهَا وَطَلَّقَ مَنْ تَظُنّ أَنَّهَا تُزَاحِمُهَا فِي رِزْقِهَا فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّه لَهَا سَوَاءٌ أَجَابَهَا أَوْ لَمْ يُجِبْهَا , وَهُوَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ) ‏"
    },
    {
        "id": "6112",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ وَعِنْدَهُ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏وَمُعَاذٌ ‏ ‏أَنَّ ابْنَهَا ‏ ‏يَجُودُ بِنَفْسِهِ ‏ ‏فَبَعَثَ إِلَيْهَا ‏ ‏لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلِلَّهِ مَا أَعْطَى كُلٌّ بِأَجَلٍ فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُسَامَة وَهُوَ اِبْن زَيْد , ‏ ‏قَوْله ( عَاصِم ) ‏ ‏هُوَ الْأَحْوَلُ , ‏ ‏وَأَبُو عُثْمَان ‏ ‏هُوَ النَّهْدِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( وَعِنْده سَعْد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُبَادَةَ , ‏ ‏وَمُعَاذ ‏ ‏هُوَ اِبْن جَبَل , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْجَنَائِز وَمَا قِيلَ فِي تَسْمِيَة الِابْن الْمَذْكُور وَبَيَان الْجَمْع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَة وَالرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا \" أَنَّ اِبْنَتَهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "6113",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ الجُمَحِيُّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ ‏ ‏بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا وَنُحِبُّ الْمَالَ كَيْفَ تَرَى فِي الْعَزْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ذَلِكَ لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللَّهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَّا هِيَ كَائِنَةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد , ‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , ‏ ‏وَيُونُس ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيدَ. ‏ ‏قَوْله ( جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة الْمُرَيْسِيع وَفِي عِشْرَة النِّسَاء مِنْ كِتَاب النِّكَاح عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ \" سَأَلْنَا \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن مُحَيْرِيز أَنَّ أَبَا سَعِيد وَأَبَا صِرْمَة أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبَايَا , قَالَ \" فَتَرَاجَعْنَا فِي الْعَزْل , فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَلَعَلَّ أَبَا سَعِيد بَاشَرَ السُّؤَالَ وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ تَرَاجَعُوا فِي ذَلِكَ جَمَاعَةً , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَابْن السَّكَن وَغَيْره فِي الصَّحَابَة مِنْ حَدِيث مَجْدِي الضَّمْرِيِّ قَالَ \" غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَة الْمُرَيْسِيع فَأَصَبْنَا سَبْيًا , فَسَأَلْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْعَزْل \" الْحَدِيث , وَأَبُو صِرْمَة مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ , وَقَدْ وَقَعَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن مُحَيْرِيز \" دَخَلْت أَنَا وَأَبُو صِرْمَة عَلَى أَبِي سَعِيد فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيد هَلْ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَزْل \" الْحَدِيث , وَالثَّابِت أَنَّ أَبَا صِرْمَة وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الرَّاء إِنَّمَا سَأَلَ أَبَا سَعِيد , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي النِّكَاح , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله فِي آخِره \" وَلَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللَّه أَنْ تَخْرُج إِلَّا هِيَ كَائِنَةٌ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6114",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَقَدْ خَطَبَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خُطْبَةً مَا تَرَكَ فِيهَا شَيْئًا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ إِنْ كُنْتُ لَأَرَى الشَّيْءَ قَدْ نَسِيتُ فَأَعْرِفُ مَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ إِذَا غَابَ عَنْهُ فَرَآهُ فَعَرَفَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُوسَى بْن مَسْعُودٍ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو حُذَيْفَة النَّهْدِيُّ , ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ , ‏ ‏قَوْله ( لَقَدْ خَطَبَنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عِنْد مُسْلِم \" قَامَ فِينَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامًا \". ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا ذَكَرَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ \" إِلَّا حَدَّثَ بِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ \" وَزَادَ \" قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ \" أَيْ عَلِمُوا وُقُوع ذَلِكَ الْمَقَام وَمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الْكَلَام , وَقَدْ سَمَّيْت فِي أَوَّل بَدْء الْخَلْق مَنْ رَوَى نَحْوَ حَدِيث حُذَيْفَة هَذَا مِنْ الصَّحَابَة كَعُمَرَ وَأَبِي زَيْد بْن أَخْطَبَ وَأَبِي سَعِيد قَالَ وَغَيْرهمْ فَلَعَلَّ حُذَيْفَة أَشَارَ إِلَيْهِمْ أَوْ إِلَى بَعْضهمْ , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي إِدْرِيس الْخَوْلَانِيِّ عَنْ حُذَيْفَة \" وَاَللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ كُلَّ فِتْنَةٍ كَائِنَةٍ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْن السَّاعَة , وَمَا بِي أَنْ يَكُون رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسَرَّ إِلَىَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يُحَدِّثُ بِهِ غَيْرِي \" وَقَالَ فِي آخِره \" فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْط غَيْرِي \" وَهَذَا لَا يُنَاقِض الْأَوَّل بَلْ يُجْمَع بِأَنْ يُحْمَل عَلَى مَجْلِسَيْنِ , أَوْ الْمُرَاد بِالْأَوَّلِ أَعَمّ مِنْ الْمُرَاد بِالثَّانِي. ‏ ‏قَوْله ( إِنْ كُنْت لَأَرَى الشَّيْءَ قَدْ نَسِيت ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِإِثْبَاتِهِ وَلَفْظُهُ \" نَسِيته \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَعْرِفُهُ كَمَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ إِذَا غَابَ عَنْهُ فَرَآهُ فَعَرَفَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن يُوسُف عَنْ سُفْيَان عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" كَمَا يَعْرِف الرَّجُل \" بِحَذْفِ الْمَفْعُول , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ غَابَ عَنْهُ ثُمَّ رَآهُ فَعَرَفَهُ \" قَالَ عِيَاض : فِي هَذَا الْكَلَام تَلْفِيقٌ , وَكَذَا فِي رِوَايَة جَرِير \" وَأَنَّهُ لَيَكُون مِنْهُ الشَّيْء قَدْ نَسِيته فَأَرَاهُ فَأَذْكُرهُ كَمَا يَذْكُر الرَّجُل وَجْه الرَّجُل إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ \" قَالَ وَالصَّوَاب كَمَا يَنْسَى الرَّجُل وَجْهَ الرَّجُل - أَوْ كَمَا لَا يَذْكُر الرَّجُل وَجْه الرَّجُل - إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ. قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الرِّوَايَة فِي الْأَصْلَيْنِ مُسْتَقِيمَة , وَتَقْدِير مَا فِي حَدِيث سُفْيَان أَنَّهُ يَرَى الشَّيْء الَّذِي كَانَ نَسِيَهُ فَإِذَا رَآهُ عَرَفَهُ وَقَوْله \" كَمَا يَعْرِف الرَّجُل الرَّجُل غَابَ عَنْهُ \" أَيْ الَّذِي كَانَ غَابَ عَنْهُ فَنَسِيَ صُورَته ثُمَّ إِذَا رَاهَ عَرَفَهُ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك عَنْ سُفْيَان بِلَفْظِ \" إِنِّي لَأَرَى الشَّيْءَ نَسِيته فَأَعْرِفُهُ كَمَا يَعْرِف الرَّجُل إِلَخْ \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي \" الشِّفَاء \" مِنْ طَرِيق أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدِهِ إِلَى قَوْله \" ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ \" ثُمَّ قَالَ حُذَيْفَة \" مَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحَابِي أَمْ تَنَاسَوْهُ \" وَاَللَّهِ مَا تَرَكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَائِد فِتْنَةٍ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثَلَاثمِائَةٍ إِلَّا قَدْ سَمَّاهُ لَنَا \" قُلْت : وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي كِتَاب أَبِي دَاوُدَ , وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ آخَر مُسْتَقِلٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُذَيْفَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6115",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَعَهُ عُودٌ ‏ ‏يَنْكُتُ ‏ ‏فِي الْأَرْضِ وَقَالَ ‏ ‏مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ أَوْ مِنْ الْجَنَّةِ فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ الْقَوْمِ أَلَا نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيٍّ , ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَزَايٍ هُوَ مُحَمَّد بْن مَيْمُون السُّكَّرِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْعَيْن هُوَ السُّلَمِيُّ الْكُوفِيّ يُكَنَّى أَبَا حَمْزَة وَكَانَ صِهْرَ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث , وَوَقَعَ فِي تَفْسِير ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ) مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش \" سَمِعْت سَعْد بْن عُبَيْدَة \" وَأَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيُّ اِسْمُهُ عَبْد اللَّه بْن حَبِيب وَهُوَ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ , وَوَقَعَ مُسَمًّى فِي رِوَايَة مُعْتَمِرِ اِبْن سُلَيْمَان عَنْ مَنْصُور عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة عِنْد الْفِرْيَابِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَلِيٍّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم الْبُطَيْن عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيِّ \" أَخَذَ بِيَدِي عَلِيٌّ فَانْطَلَقْنَا نَمْشِي حَتَّى جَلَسْنَا عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ , فَقَالَ عَلِيٌّ : قَالَ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث مُخْتَصَرًا. ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا جُلُوسًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد عَنْ الْأَعْمَش \" كُنَّا قُعُودًا \" وَزَادَ فِي رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَش \" كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَقِيع الْغَرْقَد - بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالْقَاف بَيْنهمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ - فِي جِنَازَة \" فَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا جَمِيعًا شَهِدُوا الْجِنَازَة , لَكِنْ أَخْرَجَهُ فِي الْجَنَائِز مِنْ طَرِيق مَنْصُور عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة فَبَيَّنَ أَنَّهُمْ سَبَقُوا بِالْجِنَازَةِ وَأَتَاهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد ذَلِكَ وَلَفْظه \" كُنَّا فِي جِنَازَة فِي بَقِيع الْغَرْقَد فَأَتَانَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُت بِهِ فِي الْأَرْض ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة \" وَبِيَدِهِ عُود فَجَعَلَ يَنْكُت بِهِ فِي الْأَرْض \" وَفِي رِوَايَة مَنْصُور \" وَمَعَهُ مِخْصَرَة \" بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَفَتْح الصَّاد الْمُهْمَلَة هِيَ عَصًا أَوْ قَضِيب يُمْسِكهُ الرَّئِيس لِيَتَوَكَّأَ عَلَيْهِ وَيَدْفَع بِهِ عَنْهُ وَيُشِيرَ بِهِ لِمَا يُرِيد , وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُحْمَل تَحْتَ الْخِصْرِ غَالِبًا لِلِاتِّكَاءِ عَلَيْهَا , وَفِي اللُّغَة اِخْتَصَرَ الرَّجُل إِذَا أَمْسَكَ الْمِخْصَرَةَ. ‏ ‏قَوْله ( فَنَكَّسَ ) بِتَشْدِيدِ الْكَافِ أَيْ أَطْرَقَ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مَنْصُور \" مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ \" أَيْ مَصْنُوعَةٍ مَخْلُوقَةٍ , وَاقْتَصَرَ فِي رِوَايَة أَبِي حَمْزَة وَالثَّوْرِيّ عَلَى الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّار أَوْ مِنْ الْجَنَّة ) ‏ ‏أَوْ لِلتَّنْوِيعِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان مَا قَدْ يُشْعِر بِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْوَاو وَلَفْظه \" إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَده مِنْ الْجَنَّة وَمَقْعَده مِنْ النَّار \" وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر الدَّالّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ أَحَد مَقْعَدَيْنِ , وَفِي رِوَايَة مَنْصُور \" إِلَّا كُتِبَ مَكَانهَا مِنْ الْجَنَّة وَالنَّار \" وَزَادَ فِيهَا \" وَإِلَّا وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً \" وَإِعَادَة \" إِلَّا \" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون \" مَا مِنْ نَفْس \" بَدَل \" مَا مِنْكُمْ \" \" وَإِلَّا \" الثَّانِيَة بَدَلًا مِنْ الْأُولَى وَأَنْ يَكُون مِنْ بَاب اللَّفّ وَالنَّشْر فَيَكُون فِيهِ تَعْمِيم بَعْد تَخْصِيص وَالثَّانِي فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّل أَشَارَ إِلَيْهِ الْكَرْمَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان وَشُعْبَة \" فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه \" وَهَذَا الرَّجُل وَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم أَنَّهُ سُرَاقَة بْن مَالِك بْن جُعْشُم وَلَفْظه \" جَاءَ سُرَاقَة فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه أَنَعْمَلُ الْيَوْم فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَام وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِير , أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَل ؟ قَالَ : بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَام وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِير. فَقَالَ : فَفِيمَ الْعَمَل ؟ قَالَ : اِعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ نَحْوه وَزَادَ : وَقَرَأَ ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى - إِلَى قَوْله - الْعُسْرَى ) وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث سُرَاقَة نَفْسه لَكِنْ دُون تِلَاوَة الْآيَة. وَوَقَعَ هَذَا السُّؤَال وَجَوَابه سِوَى تِلَاوَة الْآيَة لِشُرَيْح بْن عَامِر الْكِلَابِيّ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ وَلَفْظه \" قَالَ : فَفِيمَ الْعَمَل إِذَا ؟ قَالَ : اِعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ \" وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر قَالَ \" قَالَ عُمَر : يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت مَا نَعْمَل فِيهِ أَمْر مُبْتَدَع أَوْ أَمْر قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ؟ قَالَ : فِيمَا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ \" فَذَكَرَ نَحْوه. وَأَخْرَجَ الْبَزَّار وَالْفِرْيَابِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ عُمَر قَالَ : يَا رَسُول اللَّه \" فَذَكَرَهُ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْر الصِّدِّيق \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه نَعْمَل عَلَى مَا فُرِغَ مِنْهُ \" الْحَدِيثَ نَحْوَهُ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ \" فَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار \" وَالْجَمْع بَيْنهَا تَعَدُّد السَّائِلِينَ عَنْ ذَلِكَ , فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّ السَّائِل عَنْ ذَلِكَ جَمَاعَة وَلَفْظه \" فَقَالَ أَصْحَابه : فَفِيمَ الْعَمَل إِنْ كَانَ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ؟ فَقَالَ : سَدِّدُوا وَقَارِبُوا فَإِنَّ صَاحِب الْجَنَّة يُخْتَم لَهُ بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ \" الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيّ. ‏ ‏قَوْله ( أَلَا نَتَّكِل يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" أَفَلَا \" وَالْفَاء مُعَقِّبَةٌ لِشَيْءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيره أَفَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَفَلَا نَتَّكِل , وَزَادَ فِي رِوَايَة مَنْصُور وَكَذَا فِي رِوَايَة شُعْبَة \" أَفَلَا نَتَّكِل عَلَى كِتَابنَا وَنَدَع الْعَمَل \" أَيْ نَعْتَمِد عَلَى مَا قُدِّرَ عَلَيْنَا , وَزَادَ فِي رِوَايَة مَنْصُور \" فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْل السَّعَادَة فَيَصِير إِلَى عَمَل السَّعَادَة وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْل الشَّقَاوَة \" مِثْله. ‏ ‏قَوْله ( اِعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ) ‏ ‏زَادَ شُعْبَة \" لِمَا خُلِقَ لَهُ , أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل السَّعَادَة فَيُيَسَّر لِعَمَلِ السَّعَادَة \" الْحَدِيث , وَفِي رِوَايَة مَنْصُور قَالَ \" أَمَّا أَهْل السَّعَادَة فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْل السَّعَادَة \" الْحَدِيث. وَحَاصِل السُّؤَال : أَلَّا نَتْرُك مَشَقَّة الْعَمَل فَإِنَّا سَنَصِيرُ إِلَى مَا قُدِّرَ عَلَيْنَا , وَحَاصِل الْجَوَاب : لَا مَشَقَّة ; لِأَنَّ كُلّ أَحَد مُيَسَّر لِمَا خُلِقَ لَهُ , وَهُوَ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّه. قَالَ الطِّيبِيُّ : الْجَوَاب مِنْ الْأُسْلُوب الْحَكِيم , مَنَعَهُمْ عَنْ تَرْك الْعَمَل وَأَمَرَهُمْ بِالْتِزَامِ مَا يَجِب عَلَى الْعَبْد مِنْ الْعُبُودِيَّة , وَزَجَرَهُمْ عَنْ التَّصَرُّف فِي الْأُمُور الْمُغَيَّبَة فَلَا يَجْعَلُوا الْعِبَادَة وَتَرْكَهَا سَبَبًا مُسْتَقِلًّا لِدُخُولِ الْجَنَّة وَالنَّار بَلْ هِيَ عَلَامَات فَقَطْ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَرَأَ : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ] الْآيَة ‏ ‏وَسَاقَ فِي رِوَايَة سُفْيَان وَوَكِيع الْآيَات إِلَى قَوْله ( الْعُسْرَى ) وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرَانِيِّ نَحْو حَدِيث عُمَر وَفِي آخِره \" قَالَ اِعْمَلْ فَكُلٌّ مُيَسَّر \" وَفِي آخِره عِنْد الْبَزَّار \" فَقَالَ الْقَوْم بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : فَالْجِدّ إِذًا \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي آخِر حَدِيث سُرَاقَة وَلَفْظه \" فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه فَفِيمَ الْعَمَل ؟ قَالَ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ , قَالَ : الْآن الْجِدّ الْآن الْجِدّ \" وَفِي آخِر حَدِيث عُمَر عِنْد الْفِرْيَابِيّ \" فَقَالَ عُمَر فَفِيمَ الْعَمَل إذًا ؟ قَالَ : كُلٌّ لَا يَنَال إِلَّا بِالْعَمَلِ , قَالَ عُمَر : إذًا نَجْتَهِد \" وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى بَشِير بْن كَعْب أَحَد كِبَار التَّابِعِينَ قَالَ \" سَأَلَ غُلَامَانِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَ الْعَمَل : فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَام وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِير أَمْ شَيْء نَسْتَأْنِفهُ ؟ قَالَ : بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَام , قَالَا : فَفِيمَ الْعَمَل ؟ قَالَ : اِعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا هُوَ عَامِل , قَالَا : فَالْجِدّ الْآن \" وَفِي الْحَدِيث جَوَاز الْقُعُود عِنْد الْقُبُور وَالتَّحَدُّث عِنْدهَا بِالْعِلْمِ وَالْمَوْعِظَة. وَقَالَ الْمُهَلَّب : نَكْتُهُ الْأَرْضَ بِالْمِخْصَرَةِ أَصْلٌ فِي تَحْرِيك الْأُصْبُع فِي التَّشَهُّد نَقَلَهُ اِبْن بَطَّال , وَهُوَ بَعِيد , وَإِنَّمَا هِيَ عَادَة لِمَنْ يَتَفَكَّر فِي شَيْء يَسْتَحْضِر مَعَانِيَهُ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ تَفَكُّرًا مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْر الْآخِرَة بِقَرِينَةِ حُضُور الْجِنَازَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِيمَا أَبَدَاهُ بَعْد ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ مِنْ الْحِكَمِ الْمَذْكُورَة , وَمُنَاسَبَتُهُ لِلْقِصَّةِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى التَّسْلِيَة عَنْ الْمَيِّت بِأَنَّهُ مَاتَ بِفَرَاغِ أَجَلِهِ. وَهَذَا الْحَدِيث أَصْل لِأَهْلِ السُّنَّة فِي أَنَّ السَّعَادَة وَالشَّقَاء بِتَقْدِيرِ اللَّه الْقَدِيم , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْجَبْرِيَّة ; لِأَنَّ التَّيْسِير ضِدّ الْجَبْر ; لِأَنَّ الْجَبْر لَا يَكُون إِلَّا عَنْ كُرْهٍ وَلَا يَأْتِي الْإِنْسَان الشَّيْء بِطَرِيقِ التَّيْسِير إِلَّا وَهُوَ غَيْر كَارِهٍ لَهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِمْكَان مَعْرِفَة الشَّقِيِّ مِنْ السَّعِيد فِي الدُّنْيَا كَمَنْ اُشْتُهِرَ لَهُ لِسَانُ صِدْق وَعَكْسه ; لِأَنَّ الْعَمَل أَمَارَة عَلَى الْجَزَاء عَلَى ظَاهِر هَذَا الْخَبَر , وَرُدَّ بِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود , وَأَنَّ هَذَا الْعَمَل الظَّاهِر قَدْ يَنْقَلِب لِعَكْسِهِ عَلَى وَفْق مَا قُدِّرَ , وَالْحَقّ أَنَّ الْعَمَل عَلَامَة وَأَمَارَة , فَيُحْكَم بِظَاهِرِ الْأَمْر وَأَمْر الْبَاطِن إِلَى اللَّه تَعَالَى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَمَّا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَبْق الْكَائِنَات رَامَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْقَدَرِ أَنْ يَتَّخِذَهُ حُجَّة فِي تَرْك الْعَمَل فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ هُنَا أَمْرَيْنِ لَا يَبْطُل أَحَدهمَا بِالْآخَرِ : بَاطِن وَهُوَ الْعِلَّة الْمُوجِبَة فِي حُكْم الرُّبُوبِيَّة , وَظَاهِر وَهُوَ الْعَلَامَة اللَّازِمَة فِي حَقّ الْعُبُودِيَّة , وَإِنَّمَا هِيَ أَمَارَة مُخَيَّلَة فِي مُطَالَعَة عِلْم الْعَوَاقِب غَيْر مُفِيدَة حَقِيقَةً , فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ , وَأَنَّ عَمَله فِي الْعَاجِل دَلِيل عَلَى مَصِيره فِي الْآجِل , وَلِذَلِكَ مَثَّلَ بِالْآيَاتِ. وَنَظِير ذَلِكَ الرِّزْق مَعَ الْأَمْر بِالْكَسْبِ , وَالْأَجَل مَعَ الْإِذْن فِي الْمُعَالَجَة. وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : هَذَا الْحَدِيث إِذَا تَأَمَّلْته وَجَدْت فِيهِ الشِّفَاء مِمَّا يُتَخَالَج فِي الضَّمِير مِنْ أَمْر الْقَدَر , وَذَلِكَ أَنَّ الْقَائِل \" أَفَلَا نَتَّكِل وَنَدَع الْعَمَل \" لَمْ يَدَع شَيْئًا مِمَّا يَدْخُل فِي أَبْوَاب الْمُطَالَبَات وَالْأَسْئِلَة إِلَّا وَقَدْ طَالَبَ بِهِ وَسَأَلَ عَنْهُ , فَأَعْلَمَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْقِيَاس فِي هَذَا الْبَاب مَتْرُوك وَالْمُطَالَبَة سَاقِطَة , وَأَنَّهُ لَا يُشْبِه الْأُمُور الَّتِي عُقِلَتْ مَعَانِيهَا وَجَرَتْ مُعَامَلَة الْبَشَر فِيمَا بَيْنهمْ عَلَيْهَا , بَلْ طَوَى اللَّه عِلْم الْغَيْب عَنْ خَلْقه وَحَجَبَهُمْ عَنْ دَرْكِهِ كَمَا أَخْفَى عَنْهُمْ أَمْر السَّاعَة فَلَا يَعْلَم أَحَدٌ مَتَى حِينُ قِيَامهَا اِنْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَام اِبْن السَّمْعَانِيِّ فِي نَحْو ذَلِكَ فِي أَوَّل كِتَاب الْقَدَر. وَقَالَ غَيْره : وَجْه الِانْفِصَال عَنْ شُبْهَة الْقَدَرِيَّة أَنَّ اللَّه أَمَرَنَا بِالْعَمَلِ فَوَجَبَ عَلَيْنَا الِامْتِثَال , وَغَيَّبَ عَنَّا الْمَقَادِير لِقِيَامِ الْحُجَّة , وَنَصَبَ الْأَعْمَال عَلَامَة عَلَى مَا سَبَقَ فِي مَشِيئَته. فَمَنْ عَدَلَ عَنْهُ ضَلَّ وَتَاهَ ; لِأَنَّ الْقَدَر سِرٌّ مِنْ أَسْرَار اللَّه لَا يَطَّلِع عَلَيْهِ إِلَّا هُوَ , فَإِذَا أَدْخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة كَشَفَ لَهُمْ عَنْهُ حِينَئِذٍ. وَفِي أَحَادِيث هَذَا الْبَاب أَنَّ أَفْعَال الْعِبَاد وَإِنْ صَدَرَتْ عَنْهُمْ لَكِنَّهَا قَدْ سَبَقَ عِلْم اللَّه بِوُقُوعِهَا بِتَقْدِيرِهِ , فَفِيهَا بُطْلَان قَوْل الْقَدَرِيَّة صَرِيحًا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6116",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ ‏ ‏هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ وَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ فَأَثْبَتَتْهُ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ الَّذِي تَحَدَّثْتَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ قَدْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ فَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَرْتَابُ فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحِ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى ‏ ‏كِنَانَتِهِ ‏ ‏فَانْتَزَعَ مِنْهَا سَهْمًا فَانْتَحَرَ بِهَا فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ قَدْ انْتَحَرَ فُلَانٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏بِلَالُ ‏ ‏قُمْ فَأَذِّنْ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6117",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَعْظَمِ الْمُسْلِمِينَ غَنَاءً عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَظَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ حَتَّى جُرِحَ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَجَعَلَ ‏ ‏ذُبَابَةَ سَيْفِهِ ‏ ‏بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُسْرِعًا فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ قُلْتَ لِفُلَانٍ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهِ وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِنَا غَنَاءً عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ فَلَمَّا جُرِحَ اسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَ ذَلِكَ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6118",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6119",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَأْتِ ابْنَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَدَّرْتُهُ وَلَكِنْ يُلْقِيهِ الْقَدَرُ وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6120",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي غَزَاةٍ فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ ‏ ‏شَرَفًا ‏ ‏وَلَا نَعْلُو شَرَفًا وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ قَالَ فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ‏ ‏ارْبَعُوا ‏ ‏عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا ثُمَّ قَالَ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ ‏ ‏أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَات بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِهِ لَكِنْ فِيهِ سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ بَدَل خَالِد الْحَذَّاء الْمَذْكُور هُنَا , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ لِعَبْدِ اللَّه - وَهُوَ اِبْن الْمُبَارَك - فِيهِ شَيْخَيْنِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة سُوَيْد اِبْن نَصْر عَنْ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ خَالِد الْحَذَّاء. ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة خَيْبَر مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي بَيَان أَنَّهَا غَزْوَةُ خَيْبَرَ. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ الْمَذْكُورَة \" فَلَمَّا عَلَا عَلَيْهَا رَجُل نَادَى فَرَفَعَ صَوْته لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ \" لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْم هَذَا الرَّجُل , وَيُجْمَع بِأَنَّ الْكُلّ كَبَّرُوا وَزَادَ هَذَا عَلَيْهِمْ بِالتَّهْلِيلِ , وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالتَّكْبِيرِ قَوْل لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. ‏ ‏قَوْله ( اِرْبَعُوا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة أَيْ اُرْفُقُوا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي أَوَائِل الدُّعَاء , قَالَ يَعْقُوب بْن السِّكِّيت : رَبَعَ الرَّجُل يَرْبَع إِذَا رَفَقَ وَكَفَّ , وَكَذَا بَقِيَّة أَلْفَاظه. قَالَ اِبْن بَطَّال : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام مُعَلِّمًا لِأُمَّتِهِ فَلَا يَرَاهُمْ عَلَى حَالَة مِنْ الْخَيْر إِلَّا أَحَبَّ لَهُمْ الزِّيَادَة , فَأَحَبَّ لِلَّذِينَ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاص وَالتَّكْبِير أَنْ يُضِيفُوا إِلَيْهَا التَّبَرِّي مِنْ الْحَوْل وَالْقُوَّة فَيَجْمَعُوا بَيْن التَّوْحِيد وَالْإِيمَان بِالْقَدَرِ , وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيث : \" إِذَا قَالَ الْعَبْد لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ قَالَ اللَّه أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ \". قُلْت : أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِسَنَدٍ قَوِيّ , وَفِي رِوَايَة لَهُ \" قَالَ لِي يَا أَبَا هُرَيْرَة أَلَا أَدُلّك عَلَى كَنْز مِنْ كُنُوز الْجَنَّة ؟ قُلْت : بَلَى يَا رَسُول اللَّه. قَالَ : تَقُول لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ. فَيَقُول اللَّه أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ \" وَزَادَ فِي رِوَايَة لَهُ \" وَلَا مَنْجَا وَلَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّه إِلَّا إِلَيْهِ \" ‏ ‏قَوْله ( مِنْ كُنُوز الْجَنَّة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ , وَحَاصِله أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهَا مِنْ ذَخَائِر الْجَنَّة أَوْ مُحَصِّلَات نَفَائِس الْجَنَّة , قَالَ النَّوَوِيّ : الْمَعْنَى أَنَّ قَوْلهَا يُحَصِّل ثَوَابًا نَفِيسًا يُدَّخَر لِصَاحِبِهِ فِي الْجَنَّة. وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان عَنْ أَيُّوب \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ عَلَى إِبْرَاهِيم عَلَى نَبِيَّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَقَالَ : يَا مُحَمَّد مُرْ أُمَّتَك أَنْ يُكْثِرُوا مِنْ غِرَاس الْجَنَّة , قَالَ : وَمَا غِرَاس الْجَنَّة ؟ قَالَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاَللَّهِ \". ‏ ‏قَوْله ( لَا تَدْعُونَ ) ‏ ‏كَذَا أَطْلَقَ عَلَى التَّكْبِيرِ وَنَحْوِهِ دُعَاءً مِنْ جِهَة أَنَّهُ بِمَعْنَى النِّدَاء لِكَوْنِ الذَّاكِر يُرِيد إِسْمَاع مَنْ ذَكَرَهُ وَالشَّهَادَةَ لَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6121",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ ‏ ‏بِطَانَتَانِ ‏ ‏بِطَانَةٌ ‏ ‏تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ ‏ ‏وَبِطَانَةٌ ‏ ‏تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ \" مَا اِسْتُخْلِفَ مِنْ خَلِيفَة إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَالْمَعْصُوم مَنْ عَصَمَ اللَّه \" وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْبِطَانَة بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة اِسْم جِنْس يَشْمَل الْوَاحِد وَالْجَمَاعَة , وَالْمُرَاد مَنْ يَطَّلِع عَلَى بَاطِن حَال الْكَبِير مِنْ أَتْبَاعِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6122",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ ‏ ‏بِاللَّمَمِ ‏ ‏مِمَّا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شَبَابَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَرْقَاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَعْمَر عَنْ اِبْن طَاوُسٍ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عَبَّاس : مَا رَأَيْت شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ) ‏ ‏فَذَكَرَ الْحَدِيث ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ شَبَابَة \" حَدَّثَنَا وَرْقَاء هُوَ اِبْن عُمَر عَنْ اِبْن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَكَأَنَّ طَاوُسًا سَمِعَ الْقِصَّة مِنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَكَانَ سَمِعَ الْحَدِيث الْمَرْفُوع مِنْ أَبِي هُرَيْرَة أَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة بَعْد أَنْ سَمِعَهُ مِنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَائِل كِتَاب الِاسْتِئْذَان وَبَيَّنْت الِاخْتِلَافَ فِي رَفْع الْحَدِيث وَوَقْفه , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى رِوَايَة شَبَابَةَ هَذِهِ مَوْصُولَةً , وَكُنْت قَرَأَتْ بِخَطِّ مُغَلْطَاي وَتَبِعَهُ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن أَنَّ الطَّبَرَانِيَّ وَصَلَهَا فِي الْمُعْجَم الْأَوْسَط عَنْ عَمْرو بْن عُثْمَان عَنْ اِبْن الْمُنَادِي عَنْهُ وَقَلَّدْتهمَا فِي ذَلِكَ فِي تَغْلِيق التَّعْلِيق ثُمَّ رَاجَعْت الْمُعْجَم الْأَوْسَط فَلَمْ أَجِدهَا. ‏ ‏قَوْله ( بِاللَّمَمِ ) بِفَتْحِ اللَّام وَالْمِيم هُوَ مَا يُلِمُّ بِهِ الشَّخْص مِنْ شَهَوَات النَّفْس , وَقِيلَ هُوَ مُقَارَفَة الذُّنُوب الصِّغَار , وَقَالَ الرَّاغِب : اللَّمَم مُقَارَفَة الْمَعْصِيَة وَيُعَبَّر بِهِ عَنْ الصَّغِيرَة , وَمُحَصَّل كَلَام اِبْن عَبَّاس تَخْصِيصه بِبَعْضِهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَة اللَّمَم أَوْ فِي حُكْم اللَّمَم. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اللَّه كَتَبَ عَلَى اِبْن آدَم ) ‏ ‏أَيْ قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَوْ أَمَرَ الْمَلَك بِكِتَابَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرْح حَدِيث اِبْن مَسْعُودٍ الْمَاضِي قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله ( أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم أَيْ لَا بُدّ لَهُ مِنْ عَمَل مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَعْمَلهُ , وَبِهَذَا تَظْهَر مُطَابَقَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ. قَالَ اِبْن بَطَّال كُلّ مَا كَتَبَهُ اللَّه عَلَى الْآدَمِيّ فَهُوَ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْم اللَّه وَإِلَّا فَلَا بُدّ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ , وَإِنَّ الْإِنْسَان لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسه إِلَّا أَنَّهُ يُلَامُ إِذَا وَاقَعَ مَا نُهِيَ عَنْهُ بِحَجْبِ ذَلِكَ عَنْهُ وَتَمْكِينِهِ مِنْ التَّمَسُّك بِالطَّاعَةِ , فَبِذَلِكَ يَنْدَفِع قَوْل الْقَدَرِيَّة وَالْمُجْبِرَة. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ \" وَالنَّفْس تَمَنَّى وَتَشْتَهِي \" لِأَنَّ الْمُشْتَهِي بِخِلَافِ الْمُلْجَأِ. ‏ ‏قَوْله ( حَظّه مِنْ الزِّنَا ) إِطْلَاق الزِّنَا عَلَى اللَّمْس وَالنَّظَر وَغَيْرهمَا بِطَرِيقِ الْمَجَاز لِأَنَّ كُلّ ذَلِكَ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَزِنَا الْعَيْن النَّظَرُ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى مَا لَا يَحِلّ لِلنَّاظِرِ ‏ ‏( وَزِنَا اللِّسَان الْمَنْطِق ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" النُّطْق \" بِضَمِّ النُّون بِغَيْرِ مِيمٍ فِي أَوَّلِهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَالنَّفْس تَمَنَّى ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى حَذْف إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَالْأَصْلُ تَتَمَنَّى. ‏ ‏قَوْله ( وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ ) ‏ ‏يُشِير إِلَى أَنَّ التَّصْدِيق هُوَ الْحُكْم بِمُطَابَقَةِ الْخَبَر لِلْوَاقِعِ وَالتَّكْذِيب عَكْسه , فَكَانَ الْفَرْج هُوَ الْمُوقَع أَوْ الْوَاقِع فَيَكُون تَشْبِيهًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد أَنَّ الْإِيقَاع يَسْتَلْزِم الْحُكْم بِهَا عَادَةً فَيَكُون كِنَايَةً. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُرَاد بِاللَّمَمِ مَا ذَكَرَهُ اللَّه فِي قَوْله تَعَالَى : ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ) وَهُوَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ. وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى : ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ) فَيُؤْخَذ مِنْ الْآيَتَيْنِ أَنَّ اللَّمَم مِنْ الصَّغَائِر وَأَنَّهُ يُكَفَّر بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِر , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث : \" مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ \" فِي وَسَط كِتَاب الرِّقَاق. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : تَفَضَّلَ اللَّه عَلَى عِبَاده بِغُفْرَانِ اللَّمَم إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْفَرْجِ تَصْدِيقٌ بِهَا فَإِذَا صَدَّقَهَا الْفَرْجُ كَانَ ذَلِكَ كَبِيرَة. وَنَقَلَ الْفَرَّاء أَنَّ بَعْضهمْ زَعَمَ أَنَّ \" إِلَّا \" فِي قَوْله : ( إِلَّا اللَّمَمَ ) بِمَعْنَى الْوَاوِ , وَأَنْكَرَهُ وَقَالَ : إِلَّا صَغَائِر الذُّنُوب فَإِنَّهَا تُكَفَّر بِاجْتِنَابِ كِبَارهَا , , إِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَيْهَا زِنًا لِأَنَّهَا مِنْ دَوَاعِيه , فَهُوَ مِنْ إِطْلَاق اِسْم الْمُسَبَّب عَلَى السَّبَب مَجَازًا. وَفِي قَوْله : \" وَالنَّفْس تَشْتَهِي وَالْفَرْج يُصَدِّق أَوْ يُكَذِّب \" مَا يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَبْد لَا يَخْلُق فِعْل نَفْسه لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيد الزِّنَا مَثَلًا وَيَشْتَهِيهِ فَلَا يُطَاوِعُهُ الْعُضْوُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَزْنِيَ بِهِ وَيُعْجِزهُ الْحِيلَة فِيهِ وَلَا يَدْرِي لِذَلِكَ سَبَبًا , وَلَوْ كَانَ خَالِقًا لِفِعْلِهِ لَمَا عَجَزَ عَنْ فِعْل مَا يُرِيدهُ مَعَ وُجُود الطَّوَاعِيَة وَاسْتِحْكَام الشَّهْوَة فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ يُقَدِّرهَا إِذَا شَاءَ وَيُعَطِّلهَا إِذَا شَاءَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6123",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ { ‏وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى ‏ ‏بَيْتِ الْمَقْدِسِ ‏ ‏قَالَ ‏ { ‏وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ‏} ‏قَالَ هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة سُبْحَان مُسْتَوْفًى , وَوَجْهُ دُخُوله فِي أَبْوَاب الْقَدَر مِنْ ذِكْر الْفِتْنَة , وَأَنَّ اللَّه - سُبْحَانه وَتَعَالَى - هُوَ الَّذِي جَعَلَهَا وَقَدْ قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام ( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُك تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ) وَأَصْل الْفِتْنَة الِاخْتِيَار , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَتْ فِيمَا أَخْرَجَهُ الِاخْتِيَار إِلَى الْمَكْرُوه , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْمَكْرُوه : فَتَارَةً فِي الْكُفْر كَقَوْلِهِ ( وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ ) وَتَارَةً فِي الْإِثْم كَقَوْلِهِ ( أَلَا فِي الْفِتْنَة سَقَطُوا ) وَتَارَة فِي الْإِحْرَاق كَقَوْلِهِ ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ ) وَتَارَة فِي الْإِزَالَة عَنْ الشَّيْء كَقَوْلِهِ ( وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَك ) وَتَارَة فِي غَيْر ذَلِكَ , وَالْمُرَاد بِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِع الِاخْتِيَار عَلَى بَابهَا الْأَصْلِيّ وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ اِبْن التِّين : وَجْهُ دُخُول هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْقَدَر الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ اللَّه قَدَّرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ التَّكْذِيب لِرُؤْيَا نَبِيِّهِ الصَّادِق فَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَة فِي طُغْيَانِهِمْ حَيْثُ قَالُوا : كَيْف يَسِير إِلَى بَيْت الْمَقْدِس فِي لَيْلَة وَاحِدَة ثُمَّ يَرْجِع فِيهَا ؟ وَكَذَلِكَ جَعَلَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ زِيَادَةً فِي طُغْيَانِهِمْ حَيْثُ قَالُوا : كَيْف يَكُون فِي النَّارِ شَجَرَةٌ وَالنَّار تَحْرِق الشَّجَر ؟ وَفِيهِ خَلْق اللَّه الْكُفْرَ وَدَوَاعِي الْكُفْر مِنْ الْفِتْنَة , وَسَيَأْتِي زِيَادَة فِي تَقْرِير ذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَى خَلْق أَفْعَال الْعِبَاد فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْجَوَاب عَنْ شُبْهَتِهِمْ أَنَّ اللَّه خَلَقَ الشَّجَرَة الْمَذْكُورَة مِنْ جَوْهَرٍ لَا تَأْكُلهُ النَّار وَمِنْهَا سَلَاسِل أَهْل النَّار , وَأَغْلَالُهُمْ وَخَزَنَة النَّار مِنْ الْمَلَائِكَة وَحَيَّاتهَا وَعَقَارِبهَا , وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ جِنْس مَا فِي الدُّنْيَا , وَأَكْثَر مَا وَقَعَ الْغَلَط لِمَنْ قَاسَ أَحْوَال الْآخِرَة عَلَى أَحْوَال الدُّنْيَا , وَاَللَّه تَعَالَى الْمُوَفِّق. قَالَ سُفْيَان : حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْله. ‏"
    },
    {
        "id": "6124",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏احْتَجَّ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏وَمُوسَى ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏يَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنْ الْجَنَّةِ قَالَ لَهُ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏يَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏اصْطَفَاكَ ‏ ‏اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً ‏ ‏فَحَجَّ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَحَجَّ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏ثَلَاثًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله ( حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرو ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن دِينَار , وَوَقَعَ فِي مُسْنَد الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا عَمْرو بْن دِينَار \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق الْحُمَيْدِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ طَاوُسٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ سُفْيَان عَنْ عَمْرو سَمِعَ طَاوُسًا , وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن مَنْصُور الْخَرَّاز عَنْ سُفْيَان عَنْ عَمْرو بْن دِينَار \" سَمِعْت طَاوُسًا \" ‏ ‏قَوْله فِي آخِره ( وَقَالَ سُفْيَان حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَاد ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول عَطْفًا عَلَى قَوْله : \" حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرو \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ \" قَالَ وَحَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَاد \" بِإِثْبَاتِ الْوَاو وَهِيَ أَظْهَر فِي الْمُرَاد , وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَ مُعَلَّقَةٌ , وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مُنْفَرِدَةً بَعْد أَنْ سَاقَ طَرِيق طَاوُسٍ عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ سُفْيَان فَقَالَ : \" أَخْبَرَنِيهِ الْقَاسِم - يَعْنِي اِبْن زَكَرِيَّا - حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن حَاتِم الْعَلَّاف حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَمْرو مِثْله سَوَاء وَزَادَ : قَالَ وَحَدَّثَنِي سُفْيَان عَنْ أَبِي الزِّنَاد بِهِ \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هَذَا الْحَدِيث ثَابِت بِالِاتِّفَاقِ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ , وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوه أُخْرَى مِنْ رِوَايَة الْأَئِمَّة الثِّقَات الْأَثْبَات. قُلْت : وَقَعَ لَنَا مِنْ طَرِيق عَشَرَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : مِنْهُمْ طَاوُسٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْأَعْرَج كَمَا ذَكَرْته وَهُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة الْحَارِث بْن أَبِي الذُّبَاب وَعِنْد النَّسَائِيّ عَنْ عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْرَج وَأَبُو صَالِح السَّمَّانِ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْن خُزَيْمَةَ كُلّهمْ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْهُ وَالنَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْقَعْقَاع بْن حَكِيم عَنْهُ , وَمِنْهُمْ أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عِنْد أَحْمَد وَأَبِي عَوَانَة مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْهُ وَقِيلَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن وَمِنْ رِوَايَة أَيُّوب بْن النَّجَّار عَنْ أَبِي سَلَمَة فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة طَه وَمِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَلْقَمَة عَنْ أَبِي سَلَمَة عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَأَبِي عَوَانَة وَجَعْفَر الْفِرْيَابِيّ فِي الْقَدَر وَمِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْهُ عِنْد أَبِي عَوَانَة , وَمِنْهُمْ حُمَيْدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّة مُوسَى مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَمِنْهُمْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ كَمَا مَضَى فِي تَفْسِير طَه وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَمِنْهُمْ الشَّعْبِيّ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة وَالنَّسَائِيُّ , وَمِنْهُمْ هَمَّام بْن مُنَبِّه أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَمِنْهُمْ عَمَّار بْن أَبِي عَمَّار أَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَمَنْ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَر عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَأَبِي عَوَانَة وَجُنْدَب بْن عَبْد اللَّه عِنْد النَّسَائِيِّ وَأَبُو سَعِيد عِنْد الْبَزَّار وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَعَبْد الرَّزَّاق وَالْحَارِث مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ , وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الثَّلَاثَة التِّرْمِذِيّ. ‏ ‏قَوْله ( اِحْتَجَّ آدَم وَمُوسَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هَمَّام وَمَالِكٍ \" تَحَاجَّ \" كَمَا فِي التَّرْجَمَة وَهِيَ أَوْضَحُ , وَفِي رِوَايَة أَيُّوب اِبْن النَّجَّار وَيَحْيَى بْن كَثِير \" حَجَّ آدَم وَمُوسَى \" وَعَلَيْهَا شَرَحَ الطِّيبِيُّ فَقَالَ : مَعْنَى قَوْله حَجَّ آدَم وَمُوسَى غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ وَقَوْله بَعْد ذَلِكَ \" قَالَ مُوسَى أَنْتَ آدَم إِلَخْ \" تَوْضِيح لِذَلِكَ وَتَفْسِير لِمَا أُجْمِلَ , وَقَوْله فِي آخِره \" فَحَجَّ آدَم مُوسَى \" تَقْرِير لِمَا سَبَقَ وَتَأْكِيد لَهُ , وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن هُرْمُز كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ \" عِنْد رَبِّهمَا \" وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِيرِينَ \" اِلْتَقَى آدَم وَمُوسَى \" وَفِي رِوَايَة عَمَّار وَالشَّعْبِيّ \" لَقِيَ آدَم مُوسَى \" وَفِي حَدِيث عُمَر \" لَقِيَ مُوسَى آدَم \" كَذَا عِنْد أَبِي عَوَانَة , وَأَمَّا أَبُو دَاوُدَ فَلَفْظه كَمَا تَقَدَّمَ \" قَالَ مُوسَى يَا رَبّ أَرِنِي آدَم \" وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي وَقْت هَذَا اللَّفْظ فَقِيلَ يَحْتَمِل أَنَّهُ فِي زَمَان مُوسَى فَأَحْيَا اللَّه لَهُ آدَم مُعْجِزَة لَهُ فَكَلَّمَهُ أَوْ كَشَفَ لَهُ عَنْ قَبْره فَتَحَدَّثَا أَوْ أَرَاهُ اللَّهُ رُوحَهُ كَمَا أَرَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْمِعْرَاج أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ أَرَاهُ اللَّه لَهُ فِي الْمَنَام وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاء وَحْيٌ وَلَوْ كَانَ يَقَع فِي بَعْضهَا مَا يَقْبَلُ التَّعْبِيرَ كَمَا فِي قِصَّة الذَّبِيح , أَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْد وَفَاة مُوسَى فَالْتَقَيَا فِي الْبَرْزَخ أَوَّلَ مَا مَاتَ مُوسَى فَالْتَقَتْ أَرْوَاحهمَا فِي السَّمَاء , وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَالْقَابِسِيُّ , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عُمَر لَمَّا قَالَ مُوسَى أَنْتَ آدَم قَالَ لَهُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا مُوسَى وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَع بَعْدُ وَإِنَّمَا يَقَع فِي الْآخِرَة : وَالتَّعْبِير عَنْهُ فِي الْحَدِيث بِلَفْظِ الْمَاضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعه. وَذَكَرَ اِبْن الْجَوْزِيّ اِحْتِمَال اِلْتِقَائِهِمَا فِي الْبَرْزَخ وَاحْتِمَال أَنْ يَكُون ذَلِكَ ضَرْبَ مَثَلٍ وَالْمَعْنَى لَوْ اِجْتَمَعَا لَقَالَا ذَلِكَ , وَخُصَّ مُوسَى بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ أَوَّلَ نَبِيٍّ بُعِثَ بِالتَّكَالِيفِ الشَّدِيدَةِ , قَالَ : وَهَذَا وَإِنْ اُحْتُمِلَ لَكِنَّ الْأَوَّل أَوْلَى , قَالَ : وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ لِثُبُوتِهِ عَنْ خَبَر الصَّادِق وَإِنْ لَمْ يُطَّلَع عَلَى كَيْفِيَّة الْحَال , وَلَيْسَ هُوَ بِأَوَّلِ مَا يَجِب عَلَيْنَا الْإِيمَان بِهِ وَإِنْ لَمْ نَقِف عَلَى حَقِيقَة مَعْنَاهُ كَعَذَابِ الْقَبْر وَنَعِيمه , وَمَتَى ضَاقَتْ الْحِيَل فِي كَشْف الْمُشْكِلَات لَمْ يَبْقَ إِلَّا التَّسْلِيم. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ مِثْل هَذَا عِنْدِي يَجِب فِيهِ التَّسْلِيم وَلَا يُوقَف فِيهِ عَلَى التَّحْقِيق ; لِأَنَّا لَمْ نُؤْتَ مِنْ جِنْس هَذَا الْعِلْم إِلَّا قَلِيلًا. ‏ ‏قَوْله ( أَنْتَ أَبُونَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير \" أَنْتَ أَبُو النَّاس \" وَكَذَا فِي حَدِيث عُمَر , وَفِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ \" أَنْتَ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ \" ‏ ‏قَوْله ( خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتنَا مِنْ الْجَنَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن \" أَنْتَ آدَم الَّذِي أَخْرَجَتْك خَطِيئَتُك مِنْ الْجَنَّة \" هَكَذَا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَنْهُ , وَفِي التَّوْحِيد \" أَخْرَجْت ذُرِّيَّتَك \" وَفِي رِوَايَة مَالِك \" أَنْتَ الَّذِي أَغْوَيْت النَّاس وَأَخْرَجْتهمْ مِنْ الْجَنَّة \" وَمِثْله فِي رِوَايَة هَمَّام وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِيرِينَ \" أَشْقَيْت \" بَدَلَ \" أَغْوَيْت \" وَمَعْنَى أَغْوَيْت كُنْت سَبَبًا لِغِوَايَةِ مَنْ غَوَى مِنْهُمْ , وَهُوَ سَبَبٌ بَعِيدٌ ; إِذْ لَوْ لَمْ يَقَع الْأَكْلُ مِنْ الشَّجَرَةِ لَمْ يَقَع الْإِخْرَاج مِنْ الْجَنَّة , وَلَوْ لَمْ يَقَعْ الْإِخْرَاجُ مَا تَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ الشَّهَوَاتُ وَالشَّيْطَانُ الْمُسَبَّب عَنْهُمَا الْإِغْوَاءُ , وَالْغَيُّ ضِدُّ الرُّشْدِ وَهُوَ الِانْهِمَاكُ فِي غَيْر الطَّاعَة , يُطْلَق أَيْضًا عَلَى مُجَرَّد الْخَطَأ يُقَال غَوَى أَيْ أَخَطَأَ صَوَابَ مَا أُمِرَ بِهِ. وَفِي تَفْسِير طه مِنْ رِوَايَة أَبِي سَلَمَة \" أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْت النَّاس مِنْ الْجَنَّة بِذَنْبِك \" وَعِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيقه \" أَنْتَ الَّذِي أَدْخَلْت ذُرِّيَّتَك النَّارَ \" وَالْقَوْل فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي أَغْوَيْت , وَزَادَ هَمَّام \" إِلَى الْأَرْض \" وَكَذَا فِي رِوَايَة يَزِيد بْن هُرْمُز \" فَأَهْبَطْت النَّاس بِخَطِيئَتِك إِلَى الْأَرْض \" وَأَوَّلُهُ عِنْده \" أَنْتَ الَّذِي خَلَقَك اللَّه بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَك مَلَائِكَتَهُ \" وَمِثْله فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح لَكِنْ قَالَ \" وَنَفَخَ فِيك مِنْ رُوحه \" وَلَمْ يَقُلْ \" وَأَسْجَدَ لَك مَلَائِكَته \" وَمِثْله فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو وَزَادَ \" وَأَسْكَنَك جَنَّتَهُ \" وَمِثْله فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِيرِينَ وَزَادَ \" ثُمَّ صَنَعْت مَا صَنَعْت \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو عَنْ الْأَعْرَج \" يَا آدَمُ خَلَقَك اللَّه بِيَدِهِ ثُمَّ نَفَخَ فِيك مِنْ رُوحه ثُمَّ قَالَ لَك كُنْ فَكُنْت ثُمَّ أَمَرَ الْمَلَائِكَة فَسَجَدُوا لَك ثُمَّ قَالَ لَك ( اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُك الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ) فَنَهَاك عَنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ فَعَصَيْت \" وَزَادَ الْفِرْيَابِيّ \" وَأَكَلْت مِنْهَا \" وَفِي رِوَايَة عِكْرِمَة بْن عَمَّار عَنْ أَبِي سَلَمَة \" أَنْتَ آدَم الَّذِي خَلَقَك اللَّه بِيَدِهِ \" فَأَعَادَ الضَّمِير فِي قَوْله خَلَقَكَ إِلَى قَوْله أَنْتَ وَالْأَكْثَر عَوْدُهُ إِلَى الْمَوْصُول , فَكَأَنَّهُ يَقُول خَلَقَهُ اللَّه , وَنَحْو ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَر \" أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجَتْك خَطِيئَتُك \" وَفِي حَدِيث عُمَر بَعْد قَوْلِهِ أَنْتَ آدَم \" قَالَ نَعَمْ , قَالَ أَنْتَ الَّذِي نَفَخَ اللَّه فِيك مِنْ رُوحه وَعَلَّمَك الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا , أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَك , قَالَ نَعَمْ , قَالَ فَلِمَ أَخْرَجْتنَا وَنَفْسَك مِنْ الْجَنَّة \" وَفِي لَفْظ لِأَبِي عَوَانَة \" فَوَاَللَّهِ لَوْلَا مَا فَعَلْت مَا دَخَلَ أَحَد مِنْ ذُرِّيَّتك النَّار \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة \" فَأَهْلَكْتنَا وَأَغْوَيْتنَا \" وَذَكَرَ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَذْكُر , مِنْ هَذَا وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ جَمِيع مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَات مَحْفُوظٌ وَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَر , وَقَوْله \" أَنْتَ آدَم \" اِسْتِفْهَام تَقْرِير , وَإِضَافَة اللَّه خَلْقَ آدَمَ إِلَى يَدِهِ فِي الْآيَة إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَكَذَا إِضَافَة رُوحه إِلَى اللَّه , وَمِنْ فِي قَوْله مِنْ رُوحه زَائِدَة عَلَى رَأْي , وَالنَّفْخ بِمَعْنَى الْخَلْق أَيْ خَلَقَ فِيك الرُّوح , وَمَعْنَى قَوْله أَخْرَجْتنَا كُنْت سَبَبًا لِإِخْرَاجِنَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره , وَقَوْله أَغْوَيْتنَا وَأَهْلَكْتنَا مِنْ إِطْلَاق الْكُلّ عَلَى الْبَعْض بِخِلَافِ أَخْرَجْتنَا فَهُوَ عَلَى عُمُومه , وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَخْطَأْت وَعَصَيْت وَنَحْوهمَا فَعَلْت خِلَاف مَا أُمِرْت بِهِ , وَأَمَّا قَوْلُهُ : خَيَّبْتنَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ثُمَّ الْمُوَحَّدَة مِنْ الْخَيْبَة فَالْمُرَاد بِهِ الْحِرْمَان , وَقِيلَ هِيَ كَـ أَغْوَيْتَنَا مِنْ إِطْلَاق الْكُلِّ عَلَى الْبَعْض , وَالْمُرَاد مَنْ يَجُوز مِنْهُ وُقُوع الْمَعْصِيَة , وَلَا مَانِع مِنْ حَمْلِهِ عَلَى عُمُومه وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ اِسْتَمَرَّ عَلَى تَرْك الْأَكْل مِنْ الشَّجَرَة لَمْ يَخْرُج مِنْهَا وَلَوْ اِسْتَمَرَّ فِيهَا لَوُلِدَ لَهُ فِيهَا وَكَانَ وَلَده سُكَّان الْجَنَّة عَلَى الدَّوَام , فَلَمَّا وَقَعَ الْإِخْرَاج فَاتَ أَهْلَ الطَّاعَةِ مِنْ وَلَدِهِ اِسْتِمْرَارُ الدَّوَامِ فِي الْجَنَّة وَإِنْ كَانُوا إِلَيْهَا يَنْتَقِلُونَ , وَفَاتَ أَهْلَ الْمَعْصِيَةِ تَأَخُّرَ اِلْكَوْنِ فِي الْجَنَّة مُدَّةَ الدُّنْيَا وَمَا شَاءَ اللَّه مِنْ مُدَّة الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ إِمَّا مُؤَقَّتًا فِي حَقّ الْمُوَحِّدِينَ وَإِمَّا مُسْتَمِرًّا فِي حَقّ الْكُفَّار فَهُوَ حِرْمَان نِسْبِيٌّ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَهُ آدَم : يَا مُوسَى اِصْطَفَاك اللَّه بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَك بِيَدِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْرَج \" أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاك اللَّه عِلْم كُلّ شَيْء وَاصْطَفَاك عَلَى النَّاس بِرِسَالَتِهِ \" وَفِي رِوَايَة هَمَّام نَحْوه لَكِنْ بِلَفْظِ \" اِصْطَفَاك وَأَعْطَاهُ \" وَزَادَ فِي رِوَايَة يَزِيد بْن هُرْمُز \" وَقَرَّبَك نَجِيًّا وَأَعْطَاك الْأَلْوَاحَ فِيهَا بَيَانُ كُلِّ شَيْءٍ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ \" اِصْطَفَاك اللَّه بِرِسَالَتِهِ وَاصْطَفَاك لِنَفْسِهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْك التَّوْرَاةَ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة \" اِصْطَفَاك اللَّه بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامه \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ \" فَقَالَ نَعَمْ \" وَفِي حَدِيث عُمَر \" قَالَ أَنَا مُوسَى , قَالَ نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيل ؟ قَالَ نَعَمْ , قَالَ أَنْتَ الَّذِي كَلَّمَك اللَّه مِنْ وَرَاء حِجَاب وَلَمْ يَجْعَل بَيْنك وَبَيْنه رَسُولًا مِنْ خَلْقِهِ ؟ قَالَ نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله ( أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْر قَدَّرَ اللَّه عَلِيّ ) ‏ ‏كَذَا لِلسَّرَخْسِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ بِحَذْفِ الْمَفْعُول وَلِلْبَاقِينَ \" قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ \". ‏ ‏قَوْله ( قَبْل أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة \" فَكَيْف تَلُومُنِي عَلَى أَمْر كَتَبَهُ اللَّه أَوْ قَدَّرَهُ اللَّه عَلَيَّ \" وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُدَّة وَثَبَتَ ذِكْرهَا فِي رِوَايَة طَاوُسٍ , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة وَلَفْظه \" فَكَمْ تَجِد فِي التَّوْرَاة أَنَّهُ كَتَبَ عَلَيَّ الْعَمَلَ الَّذِي عَمِلْته قَبْل أَنْ أُخْلَقَ ؟ قَالَ : بِأَرْبَعِينَ سَنَة. قَالَ : فَكَيْف تَلُومُنِي عَلَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن هُرْمُز نَحْوه وَزَادَ \" فَهَلْ وَجَدْت فِيهَا وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ؟ قَالَ نَعَمْ \" وَكَلَام اِبْن عَبْد الْبَرّ قَدْ يُوهِم تَفَرُّد اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد بِزِيَادَتِهَا لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِأَبِي الزِّنَاد وَإِلَّا فَقَدْ ذَكَرَ التَّقْيِيدَ بِالْأَرْبَعِينَ غَيْرُ اِبْن عُيَيْنَةَ كَمَا تَرَى , وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عِنْد أَحْمَد \" فَهَلْ وَجَدْت فِيهَا - يَعْنِي الْأَلْوَاح أَوْ التَّوْرَاة - أَنِّي أُهْبَط \" وَفِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ أَفَلَيْسَ تَجِد فِيمَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْك أَنَّهُ سَيُخْرِجُنِي مِنْهَا قَبْل أَنْ يُدْخِلَنِيهَا ؟ قَالَ بَلَى \" وَفِي رِوَايَة عَمَّار اِبْن أَبِي عَمَّار \" أَنَا أَقْدَمُ أَمْ الذِّكْر ؟ قَالَ بَلْ الذِّكْر \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو عَنْ الْأَعْرَج \" أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّه قَدَّرَ هَذَا عَلَيَّ قَبْل أَنْ يَخْلُقَنِي \" وَفِي رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ \" فَوَجَدْته كَتَبَ عَلَيَّ قَبْل أَنْ يَخْلُقَنِي ؟ قَالَ نَعَمْ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي صَالِح \" فَتَلُومُنِي فِي شَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّه عَلَيَّ قَبْل خَلْقِي \" وَفِي حَدِيث عُمَر قَالَ \" فَلَمْ تَلُومنِي عَلَى شَيْء سَبَقَ مِنْ اللَّه تَعَالَى فِيهِ الْقَضَاء \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ \" أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْر قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْل أَنْ يَخْلُق السَّمَاوَات وَالْأَرْض \" وَالْجَمْع بَيْنه وَبَيْن الرِّوَايَة الْمُقَيَّدَة بِأَرْبَعِينَ سَنَة حَمْلهَا عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِالْكِتَابَةِ وَحَمْل الْأُخْرَى عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِالْعِلْمِ , وَقَالَ اِبْن التِّين : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْأَرْبَعِينَ سَنَة مَا بَيْن قَوْله تَعَالَى ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) إِلَى نَفْخ الرُّوح فِي آدَم , وَأَجَابَ غَيْره أَنَّ اِبْتِدَاء الْمُدَّة وَقْت الْكِتَابَة فِي الْأَلْوَاح وَآخِرهَا اِبْتِدَاء خَلْق آدَم , وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : الْمَعْلُومَات كُلّهَا قَدْ أَحَاطَ بِهَا عِلْم اللَّه الْقَدِيم قَبْل وُجُود الْمَخْلُوقَات كُلّهَا , وَلَكِنَّ كِتَابَتَهَا وَقَعَتْ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ , وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح يَعْنِي صَحِيح مُسْلِم \" أَنَّ اللَّه قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ \" فَيَجُوز أَنْ تَكُون قِصَّة آدَم بِخُصُوصِهَا كُتِبَتْ قَبْل خَلْقِهِ بِأَرْبَعِينَ سَنَة , وَيَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ الْقَدْر مُدَّة لُبْثِهِ طِينًا إِلَى أَنْ نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ , فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم أَنَّ بَيْنَ تَصْوِيرِهِ طِينًا وَنَفْخ الرُّوح فِيهِ كَانَ مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَة , وَلَا يُخَالِف ذَلِكَ كِتَابَة الْمَقَادِير عُمُومًا قَبْل خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ , وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : الْأَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ كَتَبَهُ قَبْل خَلْق آدَم بِأَرْبَعِينَ عَامًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَظْهَرَهُ لِلْمَلَائِكَةِ أَوْ فَعَلَ فِعْلًا مَا أَضَافَ إِلَيْهِ هَذَا التَّارِيخ وَإِلَّا فَمَشِيئَة اللَّه وَتَقْدِيره قَدِيم , وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ \" قَدَّرَهُ اللَّه عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ \" أَيْ كَتَبَهُ فِي التَّوْرَاة لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْمُشَار إِلَيْهَا قَبْلُ \" فَكَمْ وَجَدْته كَتَبَ فِي التَّوْرَاة قَبْل أَنْ أُخْلَقَ \" وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْمُرَاد بِتَقْدِيرِهَا كَتْبُهُ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ أَوْ فِي التَّوْرَاة أَوْ فِي الْأَلْوَاح , وَلَا يَجُوز أَنْ يُرَاد أَصْل الْقَدَر ; لِأَنَّهُ أَزَلِيٌّ وَلَمْ يَزَلْ اللَّه - سُبْحَانه تَعَالَى - مُرِيدًا لِمَا يَقَع مِنْ خَلْقه. وَكَانَ بَعْض شُيُوخنَا يَزْعُم أَنَّ الْمُرَاد إِظْهَار ذَلِكَ عِنْد تَصْوِير آدَم طِينًا فَإِنَّ آدَم أَقَامَ فِي طِينَته أَرْبَعِينَ سَنَة , وَالْمُرَاد عَلَى هَذَا بِخَلْقِهِ نَفْخ الرُّوح فِيهِ. قُلْت : وَقَدْ يُعَكِّر عَلَى هَذَا رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح \" كَتَبَهُ اللَّه عَلَيَّ قَبْل أَنْ يَخْلُق السَّمَاوَات وَالْأَرْض \" لَكِنَّهُ يُحْمَل قَوْله فِيهِ \" كَتَبَهُ اللَّه عَلَيَّ \" قَدَّرَهُ أَوْ عَلَى تَعَدُّد الْكِتَابَة لِتَعَدُّدِ الْمَكْتُوب , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( فَحَجَّ آدَم مُوسَى , فَحَجَّ آدَم مُوسَى ثَلَاثًا ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الطُّرُق وَلَمْ يُكَرَّر فِي أَكْثَر الطُّرُق عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَفِي رِوَايَة أَيُّوب بْن النَّجَّار كَاَلَّذِي هُنَا لَكِنْ بِدُونِ قَوْله \" ثَلَاثًا \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ , كَذَا فِي حَدِيث جُنْدَبٍ عِنْد أَبِي عَوَانَة , وَثَبَتَ فِي حَدِيث عُمَر بِلَفْظِ \" فَاحْتَجَّا إِلَى اللَّه فَحَجَّ آدَم مُوسَى , قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو عَنْ الْأَعْرَج \" لَقَدْ حَجَّ آدَم مُوسَى , لَقَدْ حَجَّ آدَم مُوسَى , لَقَدْ حَجَّ آدَم مُوسَى \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد الْحَارِث \" فَحَجَّ آدَم مُوسَى ثَلَاثًا \" وَفِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ عِنْد النَّسَائِيِّ \" فَخَصَمَ آدَم مُوسَى , فَخَصَمَ آدَم مُوسَى وَاتَّفَقَ الرُّوَاة وَالنَّقَلَة وَالشُّرَّاح عَلَى أَنَّ آدَم بِالرَّفْعِ وَهُوَ الْفَاعِل , وَشَذَّ بَعْض النَّاس فَقَرَأَهُ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ الْمَفْعُول وَمُوسَى فِي مَحَلّ الرَّفْع عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِل نَقَلَهُ الْحَافِظ أَبُو بَكْر بْن الْخَاصِّيَّة عَنْ مَسْعُود بْن نَاصِر السَّجْزِيّ الْحَافِظ قَالَ : سَمِعْته يَقْرَأ \" فَحَجَّ آدَمَ \" بِالنَّصْبِ , قَالَ وَكَانَ قَدَرِيًّا. قُلْت : هُوَ مَحْجُوج بِالِاتِّفَاقِ قَبْله عَلَى أَنَّ آدَم بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِل , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" فَحَجَّهُ آدَمُ \" وَهَذَا يَرْفَع الْإِشْكَال فَإِنَّ رُوَاتَهُ أَئِمَّةٌ حُفَّاظٌ , وَالزُّهْرِيُّ مِنْ كِبَار الْفُقَهَاء الْحُفَّاظ فَرِوَايَته هِيَ الْمُعْتَمَدَة فِي ذَلِكَ , وَمَعْنِيّ حَجَّهُ غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ , يُقَال حَاجَجْت فُلَانًا فَحَجَجْته مِثْل خَاصَمْته فَخَصَمْته , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هَذَا الْحَدِيث أَصْلٌ جَسِيمٌ لِأَهْلِ الْحَقّ فِي إِثْبَات الْقَدَر , وَأَنَّ اللَّه قَضَى أَعْمَال الْعِبَاد فَكُلُّ أَحَدٍ يَصِير لِمَا قُدِّرَ لَهُ بِمَا سَبَقَ فِي عِلْم اللَّه , قَالَ : وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّة لِلْجَبْرِيَّةِ , وَإِنْ كَانَ فِي بَادِئ الرَّأْي يُسَاعِدهُمْ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي \" مَعَالِم السُّنَن \" : يَحْسَبُ كَثِير مِنْ النَّاس أَنَّ مَعْنَى الْقَضَاء وَالْقَدَر يَسْتَلْزِم الْجَبْر وَقَهْر الْعَبْد وَيُتَوَهَّم أَنَّ غَلَبَة آدَم كَانَتْ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْإِخْبَار عَنْ إِثْبَات عِلْم اللَّه بِمَا يَكُون مِنْ أَفْعَال الْعِبَاد وَصُدُورهَا عَنْ تَقْدِير سَابِق مِنْهُ , فَإِنَّ الْقَدَر اِسْم لِمَا صَدَرَ عَنْ فِعْل الْقَادِر , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ نَفَى عَنْهُمْ مِنْ وَرَاء عِلْم اللَّه أَفْعَالَهُمْ وَأَكْسَابَهُمْ وَمُبَاشَرَتَهُمْ تِلْكَ الْأُمُورَ عَنْ قَصْد وَتَعَمُّد وَاخْتِيَار , فَالْحُجَّة إِنَّمَا نُلْزِمُهُمْ بِهَا وَاللَّائِمَة إِنَّمَا تَتَوَجَّه عَلَيْهَا , وَجِمَاع الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا أَمْرَانِ لَا يُبَدَّل أَحَدهمَا عَنْ الْآخَر : أَحَدهمَا بِمَنْزِلَةِ الْأَسَاس وَالْآخَر بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاء وَنَقْضِهِ , وَإِنَّمَا جِهَة حُجَّة آدَم أَنَّ اللَّه عَلِمَ مِنْهُمْ أَنَّهُ يَتَنَاوَل مِنْ الشَّجَرَة فَكَيْف يُمْكِنُهُ أَنْ يَرُدَّ عِلْمَ اللَّه فِيهِ , وَإِنَّمَا خُلِقَ لِلْأَرْضِ وَأَنَّهُ لَا يُتْرَك فِي الْجَنَّة بَلْ يُنْقَل مِنْهَا إِلَى الْأَرْض فَكَانَ تَنَاوُله مِنْ الشَّجَرَة سَبَبًا لِإِهْبَاطِهِ وَاسْتِخْلَافه فِي الْأَرْض كَمَا قَالَ تَعَالَى قَبْل خَلْقه ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) قَالَ فَلَمَّا لَامَهُ مُوسَى عَنْ نَفْسه قَالَ لَهُ : أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّه عَلَيَّ ؟ فَاللَّوْمُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِك سَاقِطٌ عَنِّي إِذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُعَيِّرَ أَحَدًا بِذَنْبٍ كَانَ مِنْهُ , لِأَنَّ الْخَلْق كُلَّهُمْ تَحْت الْعُبُودِيَّة سَوَاء , وَإِنَّمَا يَتَّجِه اللُّوَّم مِنْ قِبَل اللَّه - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - إِذْ كَانَ نَهَاهُ فَبَاشَرَ مَا نَهَاهُ عَنْهُ , قَالَ : وَقَوْل مُوسَى وَإِنْ كَانَ فِي النَّفْس مِنْهُ شُبْهَةٌ وَفِي ظَاهِرِهِ تَعَلُّق لِاحْتِجَاجِهِ بِالسَّبَبِ لَكِنَّ تَعَلُّق آدَم بِالْقَدَرِ أَرْجَح فَلِهَذَا غَلَبَهُ. وَالْغَلَبَة تَقَع مَعَ الْمُعَارَضَة كَمَا تَقَع مَعَ الْبُرْهَان اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ فِي أَعْلَام الْحَدِيث نَحْوه مُلَخَّصًا وَزَادَ : وَمَعْنَى قَوْله \" فَحَجَّ آدَم مُوسَى \" دَفْع حُجَّتَهُ الَّتِي أَلْزَمَهُ اللَّوْم بِهَا. قَالَ : وَلَمْ يَقَع مِنْ آدَم إِنْكَار لِمَا صَدَرَ مِنْهُ بَلْ عَارَضَهُ بِأَمْرٍ دَفَعَ بِهِ عَنْهُ اللُّوَّمَ. قُلْت : وَلَمْ يَتَلَخَّصْ مِنْ كَلَامِهِ مَعَ تَطْوِيلِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ دَفْعٌ لِلشُّبْهَةِ إِلَّا فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْآدَمِيِّ أَنْ يَلُوم آخَرَ مِثْلَهُ عَلَى فِعْل مَا قَدَّرَهُ اللَّه عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ وَنَهَاهُ. وَلِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَقُول : وَمَا الْمَانِع إِذَا كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ أَنْ يُبَاشِرهُ مَنْ تَلَقَّى عَنْ اللَّه مِنْ رَسُوله وَمَنْ تَلَقَّى عَنْ رُسُله مِمَّنْ أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ عَنْهُمْ ؟ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّمَا غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ ; لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْ التَّوْرَاة أَنَّ اللَّه تَابَ عَلَيْهِ فَكَانَ لَوْمُهُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ نَوْعَ جَفَاءٍ كَمَا يُقَال ذِكْر الْجَفَاء بَعْد حُصُول الصَّفَاء جَفَاء , وَلِأَنَّ أَثَر الْمُخَالَفَة بَعْد الصَّفْح يَنْمَحِي حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَلَا يُصَادِف اللَّوْم مِنْ اللَّائِم حِينَئِذٍ مَحَلًّا اِنْتَهَى. وَهُوَ مُحَصَّل مَا أَجَابَ بِهِ الْمَازِرِيُّ وَغَيْره مِنْ الْمُحَقِّقِينَ , وَهُوَ الْمُعْتَمَد. وَقَدْ أَنْكَرَ الْقَدَرِيَّة هَذَا الْحَدِيث لِأَنَّهُ صَرِيح فِي إِثْبَات الْقَدَر السَّابِق وَتَقْرِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِآدَمَ عَلَى الِاحْتِجَاج بِهِ وَشَهَادَته بِأَنَّهُ غَلَبَ مُوسَى فَقَالُوا : لَا يَصِحّ لِأَنَّ مُوسَى لَا يَلُوم عَلَى أَمْر قَدْ تَابَ مِنْهُ صَاحِبه , وَقَدْ قَتَلَ هُوَ نَفْسًا لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهَا , ثُمَّ قَالَ : رَبِّ اِغْفِرْ لِي , فَغَفَرَ لَهُ , فَكَيْف يَلُوم آدَم عَلَى أَمْر قَدْ غُفِرَ لَهُ ؟ ثَانِيهَا لَوْ سَاغَ اللَّوْم عَلَى الذَّنْب بِالْقَدَرِ الَّذِي فُرِغَ مِنْ كِتَابَته عَلَى الْعَبْد لَا يَصِحّ هَذَا لَكَانَ مَنْ عُوتِبَ عَلَى مَعْصِيَةٍ قَدْ اِرْتَكَبَهَا فَيَحْتَج بِالْقَدَرِ السَّابِق وَلَوْ سَاغَ ذَلِكَ لَانْسَدَّ بَاب الْقِصَاص وَالْحُدُود وَلَاحْتَجَّ بِهِ كُلّ أَحَد عَلَى مَا يَرْتَكِبهُ مِنْ الْفَوَاحِش , وَهَذَا يُفْضِي إِلَى لَوَازِمَ قَطْعِيَّةٍ , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيث لَا أَصْل لَهُ. ‏ ‏وَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ : ‏ ‏أَحَدهَا أَنَّ آدَم إِنَّمَا اِحْتَجَّ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمَعْصِيَة لَا الْمُخَالَفَة , فَإِنَّ مُحَصَّل لَوْم مُوسَى إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْإِخْرَاج فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنَا لَمْ أُخْرِجْكُمْ وَإِنَّمَا أَخْرَجَكُمْ الَّذِي رَتَّبَ الْإِخْرَاج عَلَى الْأَكْل مِنْ الشَّجَرة وَاَلَّذِي رَتَّبَ ذَلِكَ قَدَّرَهُ قَبْل أَنْ أُخْلَقَ فَكَيْفَ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ لَيْسَ لِي فِيهِ نِسْبَةٌ إِلَّا الْأَكْل مِنْ الشَّجَرَة وَالْإِخْرَاج الْمُرَتَّب عَلَيْهَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِي. قُلْت : وَهَذَا الْجَوَابُ لَا يَدْفَعُ شُبْهَةَ الْجَبْرِيَّةِ. ‏ ‏ثَانِيهَا إِنَّمَا حَكَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِآدَم بِالْحُجَّةِ فِي مَعْنَى خَاصّ , وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ فِي الْمَعْنَى الْعَامّ لَمَا تَقَدَّمَ مِنْ اللَّه تَعَالَى لَوْمه بِقَوْلِهِ ( أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ) وَلَا أَخَذَهُ بِذَلِكَ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْجَنَّة وَأَهْبَطَهُ إِلَى الْأَرْض , وَلَكِنْ لَمَّا أَخَذَ مُوسَى فِي لَوْمه وَقَدَّمَ قَوْله لَهُ أَنْتَ الَّذِي خَلَقَك اللَّه بِيَدِهِ وَأَنْتَ وَأَنْتَ لِمَ فَعَلْت كَذَا ؟ عَارَضَهُ آدَم بِقَوْلِهِ أَنْتَ الَّذِي اِصْطَفَاك اللَّه وَأَنْتَ وَأَنْتَ. وَحَاصِل جَوَابه إِذَا كُنْت بِهَذِهِ الْمَنْزِلَة كَيْف يَخْفَى عَلَيْك أَنَّهُ لَا مَحِيدَ مِنْ الْقَدَر , وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْغَلَبَةُ لِآدَمَ مِنْ وَجْهَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِمَخْلُوقٍ أَنْ يَلُوم مَخْلُوقًا فِي وُقُوع مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْ اللَّه تَعَالَى فَيَكُون الشَّارِع هُوَ اللَّائِمَ , فَلَمَّا أَخَذَ مُوسَى فِي لَوْمه مِنْ غَيْر أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي ذَلِكَ عَارَضَهُ بِالْقَدَرِ فَأَسْكَتَهُ. ‏ ‏وَالثَّانِي أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ آدَم اِجْتَمَعَ فِيهِ الْقَدَر وَالْكَسْب , وَالتَّوْبَةُ تَمْحُو أَثَرَ الْكَسْبِ , وَقَدْ كَانَ اللَّه تَابَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَدَر , وَالْقَدَر لَا يَتَوَجَّه عَلَيْهِ لَوْم لِأَنَّهُ فِعْل اللَّه وَلَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَلُ. ‏ ‏ثَالِثهَا قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هَذَا عِنْدِي مَخْصُوص بِآدَم لِأَنَّ الْمُنَاظَرَة بَيْنهمَا وَقَعَتْ بَعْد أَنْ تَابَ اللَّه عَلَى آدَم قَطْعًا كَمَا قَالَ تَعَالَى ( فَتَلْقَى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ) فَحَسُنَ مِنْهُ أَنْ يُنْكِر عَلَى مُوسَى لَوْمَهُ عَلَى الْأَكْل مِنْ الشَّجَرَة لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ تِيبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَقُول لِمَنْ لَامَهُ عَلَى اِرْتِكَاب مَعْصِيَةٍ كَمَا لَوْ قَتَلَ أَوْ زَنَى أَوْ سَرَقَ : هَذَا سَبَقَ فِي عِلْم اللَّه وَقَدَرِهِ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي فَلَيْسَ لَك أَنْ تَلُومَنِي عَلَيْهِ , فَإِنَّ الْأُمَّة أَجْمَعَتْ عَلَى جَوَاز لَوْم مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ بَلْ عَلَى اِسْتِحْبَاب ذَلِكَ كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى اِسْتِحْبَاب مَحْمَدَةِ مَنْ وَاظَبَ عَلَى الطَّاعَة. قَالَ : وَقَدْ حَكَى اِبْن وَهْب فِي كِتَاب الْقَدَر عَنْ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ آدَم بَعْدَ أَنْ تِيبَ عَلَيْهِ. ‏ ‏رَابِعهَا إِنَّمَا تَوَجَّهَتْ الْحُجَّة لِآدَم لِأَنَّ مُوسَى لَامَهُ بَعْد أَنْ مَاتَ وَاللَّوْم إِنَّمَا يُتَوَجَّه عَلَى الْمُكَلَّف مَا دَامَ فِي دَار التَّكْلِيف , فَإِنَّ الْأَحْكَام حِينَئِذٍ جَارِيَةٌ عَلَيْهِمْ , فَيُلَام الْعَاصِي وَيُقَام عَلَيْهِ الْحَدّ وَالْقِصَاص وَغَيْر ذَلِكَ , وَأَمَّا بَعْد أَنْ يَمُوت فَقَدْ ثَبَتَ النَّهْي عَنْ سَبِّ الْأَمْوَات \" وَلَا تَذْكُرُوا مَوْتَاكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ \" لِأَنَّ مَرْجِعَ أَمْرِهِمْ إِلَى اللَّه , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُثَنِّي الْعُقُوبَة عَلَى مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدّ , بَلْ وَرَدَ النَّهْي عَنْ التَّثْرِيب عَلَى الْأَمَة إِذَا زَنَتْ وَأُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَوْم مُوسَى لِآدَم إِنَّمَا وَقَعَ بَعْد اِنْتِقَاله عَنْ دَار التَّكْلِيف , وَثَبَتَ أَنَّ اللَّه تَابَ عَلَيْهِ فَسَقَطَ عَنْهُ اللَّوْم , فَلِذَلِكَ عَدَلَ إِلَى الِاحْتِجَاج بِالْقَدَرِ السَّابِق وَأَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ غَلَبَ مُوسَى بِالْحُجَّةِ. قَالَ الْمَازِرِيُّ : لَمَّا تَابَ اللَّه عَلَى آدَم صَارَ ذِكْر مَا صَدَرَ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ كَالْبَحْثِ عَنْ السَّبَب الَّذِي دَعَاهُ إِلَى ذَلِكَ , فَأَخْبَرَ هُوَ أَنَّ الْأَصْل فِي ذَلِكَ الْقَضَاءُ السَّابِقُ فَلِذَلِكَ غَلَبَ بِالْحُجَّةِ. ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ اِبْن التِّين : إِنَّمَا قَامَتْ حُجَّةُ آدَم لِأَنَّ اللَّه خَلَقَهُ لِيَجْعَلَهُ فِي الْأَرْض خَلِيفَةً , فَلَمْ يَحْتَجَّ آدَم فِي أَكْله مِنْ الشَّجَرَة بِسَابِقِ الْعِلْم لِأَنَّهُ كَانَ عَنْ اِخْتِيَارٍ مِنْهُ , وَإِنَّمَا اِحْتَجَّ بِالْقَدَرِ لِخُرُوجِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذَلِكَ. وَقِيلَ إِنَّ آدَم أَبٌ وَمُوسَى اِبْنٌ وَلَيْسَ لِلِابْنِ أَنْ يَلُوم أَبَاهُ , حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره , وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِأَنَّ آدَم أَكْبَرُ مِنْهُ , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ بَعِيد مِنْ مَعْنَى الْحَدِيث , ثُمَّ هُوَ لَيْسَ عَلَى عُمُومه بَلْ يَجُوز لِلِابْنِ أَنْ يَلُوم أَبَاهُ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ , وَقِيلَ إِنَّمَا غَلَبَهُ لِأَنَّهُمَا فِي شَرِيعَتَيْنِ مُتَغَايِرَتَيْنِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا , وَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ فِي شَرِيعَة آدَم أَنَّ الْمُخَالِف يَحْتَجُّ بِسَابِقِ الْقَدَر , وَفِي شَرِيعَة مُوسَى أَنَّهُ لَا يَحْتَجُّ أَوْ أَنَّهُ يُتَوَجَّه لَهُ اللَّوْم عَلَى الْمُخَالِف , وَفِي الْجُمْلَة فَأَصَحُّ الْأَجْوِبَةِ الثَّانِي وَالثَّالِث , وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا فَيُمْكِن أَنْ يَمْتَزِجَ مِنْهُمَا جَوَابٌ وَاحِدٌ , وَهُوَ أَنَّ التَّائِب لَا يُلَام عَلَى مَا تِيبَ عَلَيْهِ مِنْهُ وَلَا سِيَّمَا إِذَا اِنْتَقَلَ عَنْ دَار التَّكْلِيف. وَقَدْ سَلَكَ النَّوَوِيّ هَذَا الْمَسْلَك فَقَالَ : مَعْنَى كَلَام آدَم أَنَّك يَا مُوسَى تَعْلَم أَنَّ هَذَا كُتِبَ عَلَيَّ قَبْل أَنْ أُخْلَقَ فَلَا بُدّ مِنْ وُقُوعه , وَلَوْ حَرَصْت أَنَا وَالْخَلْق أَجْمَعُونَ عَلَى رَدِّ مِثْقَال ذَرَّةٍ مِنْهُ لَمْ نَقْدِرْ فَلَا تَلُمْنِي فَإِنَّ اللَّوْم عَلَى الْمُخَالَفَة شَرْعِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ , وَإِذَا تَابَ اللَّه عَلَيَّ وَغَفَرَ لِي زَالَ اللَّوْم فَمَنْ لَامَنِي كَانَ مَحْجُوجًا بِالشَّرْعِ. فَإِنْ قِيلَ فَالْعَاصِي الْيَوْم لَوْ قَالَ هَذِهِ الْمَعْصِيَة قُدِّرَتْ عَلَيَّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُط عَنِّي اللَّوْم قُلْنَا الْفَرْق أَنَّ هَذَا الْعَاصِي بَاقٍ فِي دَار التَّكْلِيف جَارِيَة عَلَيْهِ الْأَحْكَام مِنْ الْعُقُوبَة وَاللَّوْم وَفِي ذَلِكَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ زَجْر وَعِظَة , فَأَمَّا آدَم فَمَيِّت خَارِج عَنْ دَار التَّكْلِيف مُسْتَغْنٍ عَنْ الزَّجْر فَلَمْ يَكُنْ لِلَوْمِهِ فَائِدَة بَلْ فِيهِ إِيذَاء وَتَخْجِيل فَلِذَلِكَ كَانَ الْغَلَبَة لَهُ. وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : لَيْسَ مَعْنَى قَوْله كَتَبَهُ اللَّه عَلَيَّ أَلْزَمَنِي بِهِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَثْبَتَهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَم وَحَكَمَ أَنَّ ذَلِكَ كَائِن. ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْمُحَاجَجَة إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي الْعَالَم الْعُلْوِيِّ عِنْد مُلْتَقَى الْأَرْوَاح وَلَمْ تَقَع فِي عَالَم الْأَسْبَاب , وَالْفَرْق بَيْنَهُمَا أَنَّ عَالَم الْأَسْبَاب لَا يَجُوز قَطْع النَّظَر فِيهِ عَنْ الْوَسَائِط وَالِاكْتِسَاب , بِخِلَافِ الْعَالَم الْعُلْوِيّ بَعْد اِنْقِطَاع مُوجِب الْكَسْب وَارْتِفَاع الْأَحْكَام التَّكْلِيفِيَّة , فَلِذَلِكَ اِحْتَجَّ آدَمُ بِالْقَدَرِ السَّابِقِ. ‏ ‏قُلْت : وَهُوَ مُحَصَّل بَعْض الْأَجْوِبَة الْمُتَقَدِّم ذِكْرُهَا , وَفِيهِ اِسْتِعْمَال التَّعْرِيض بِصِيغَةِ الْمَدْح يُؤْخَذ ذَلِكَ مِنْ قَوْل آدَم لِمُوسَى \" أَنْتَ الَّذِي اِصْطَفَاك اللَّه بِرِسَالَتِهِ \" إِلَى آخِر مَا خَاطَبَهُ بِهِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ اِطَّلَعَ عَلَى عُذْره وَعَرَفَهُ بِالْوَحْيِ فَلَوْ اِسْتَحْضَرَ ذَلِكَ مَا لَامَهُ مَعَ وُضُوح عُذْرِهِ , وَأَيْضًا فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى شَيْءٍ آخَرَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لِمُوسَى فِيهِ اِخْتِصَاصٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَوْ لَمْ يَقَع إِخْرَاجِي الَّذِي رُتِّبَ عَلَى أَكْلِي مِنْ الشَّجَرَة مَا حَصَلَتْ لَك هَذِهِ الْمَنَاقِبُ لِأَنِّي لَوْ بَقِيت فِي الْجَنَّة وَاسْتَمَرَّ نَسْلِي فِيهَا مَا وُجِدَ مَنْ تَجَاهَرَ بِالْكُفْرِ الشَّنِيع بِمَا جَاهَرَ بِهِ فِرْعَوْن حَتَّى أُرْسِلْت أَنْتَ إِلَيْهِ وَأُعْطِيت مَا أُعْطِيت , فَإِذَا كُنْت أَنَا السَّبَبَ فِي حُصُول هَذِهِ الْفَضَائِل لَك فَكَيْفَ يَسُوغُ لَك أَنْ تَلُومَنِي. ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ مَذْهَب الْجَبْرِيَّة إِثْبَات الْقُدْرَة لِلَّهِ وَنَفْيُهَا عَنْ الْعَبْد أَصْلًا , وَمَذْهَب الْمُعْتَزِلَة بِخِلَافِهِ , وَكِلَاهُمَا مِنْ الْإِفْرَاط وَالتَّفْرِيط عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ , وَالطَّرِيق الْمُسْتَقِيم الْقَصْد , فَلَمَّا كَانَ سِيَاق كَلَام مُوسَى يَؤُولُ إِلَى الثَّانِي بِأَنْ صَدَّرَ الْجُمْلَة بِحَرْفِ الْإِنْكَار وَالتَّعَجُّب وَصَرَّحَ بِاسْمِ آدَم وَوَصَفَهُ بِالصِّفَاتِ الَّتِي كُلّ وَاحِدَة مِنْهَا مُسْتَقِلَّة فِي عِلِّيَّة عَدَم اِرْتِكَابه الْمُخَالَفَةَ ثُمَّ أَسْنَدَ الْإِهْبَاط إِلَيْهِ وَنَفْس الْإِهْبَاط مَنْزِلَة دُون فَكَأَنَّهُ قَالَ : مَا أَبْعَدَ هَذَا الِانْحِطَاط مِنْ تِلْكَ الْمَنَاصِب الْعَالِيَة , فَأَجَابَ آدَم بِمَا يُقَابِلُهَا بَلْ أَبْلَغَ فَصَدَّرَ الْجُمْلَة بِهَمْزَةِ الْإِنْكَار أَيْضًا وَصَرَّحَ بِاسْمِ مُوسَى وَوَصَفَهُ بِصِفَاتٍ كُلُّ وَاحِدَة مُسْتَقِلَّة فِي عِلِّيَّة عَدَم الْإِنْكَار عَلَيْهِ , ثُمَّ رَتَّبَ الْعِلْم الْأَزَلِيّ عَلَى ذَلِكَ , ثُمَّ أَتَى بِهَمْزَةِ الْإِنْكَار بَدَلَ كَلِمَة الِاسْتِبْعَاد فَكَأَنَّهُ قَالَ : تَجِد فِي التَّوْرَاة هَذَا ثُمَّ تَلُومنِي قَالَ : وَفِي هَذَا التَّقْرِير تَنْبِيه عَلَى تَحَرِّي قَصْد الْأُمُور. قَالَ وَخَتَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيث بِقَوْلِهِ \" فَحَجَّ آدَم مُوسَى \" تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ بَعْض أُمَّتِهِ كَالْمُعْتَزِلَةِ يُنْكِرُونَ الْقَدَر فَاهْتَمَّ لِذَلِكَ وَبَالَغَ فِي الْإِرْشَاد. قُلْت : وَيَقْرُب مِنْ هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي الرَّدّ عَلَى الْمُرْجِئَة بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود رَفَعَهُ \" سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَاله كُفْر \" فَلَمَّا كَانَ الْمَقَام مَقَامَ الرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَة اِكْتَفَى بِهِ مُعْرِضًا عَمَّا يَقْتَضِيه ظَاهِره مِنْ تَقْوِيَة مَذْهَب الْخَوَارِج الْمُكَفِّرِينَ بِالذَّنْبِ اِعْتِمَادًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ دَفْعِهِ فِي مَكَانه , فَكَذَلِكَ هُنَا لَمَّا كَانَ الْمُرَاد بِهِ الرَّدَّ عَلَى الْقَدَرِيَّة الَّذِينَ يُنْكِرُونَ سَبْق الْقَدَر اِكْتَفَى بِهِ مُعْرِضًا عَمَّا يُوهِمُهُ ظَاهِرُهُ مِنْ تَقْوِيَة مَذْهَب الْجَبْرِيَّة لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ دَفْعِهِ فِي مَكَانِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏وَفِي هَذَا الْحَدِيث عِدَّةٌ مِنْ الْفَوَائِدِ غَيْر مَا تَقَدَّمَ : قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ السُّنَّة فِي أَنَّ الْجَنَّة الَّتِي أُخْرِجَ مِنْهَا آدَم هِيَ جَنَّة الْخُلْد الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ وَيَدْخُلُونَهَا فِي الْآخِرَة , خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ الْمُعْتَزِلَة وَغَيْرهمْ إِنَّهَا جَنَّةٌ أُخْرَى , وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَزَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَرْض , وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَاخِر كِتَاب الرِّقَاق. وَفِيهِ إِطْلَاق الْعُمُوم وَإِرَادَة الْخُصُوص فِي قَوْله \" أَعْطَاك عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ \" وَالْمُرَاد بِهِ كِتَابُهُ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ وَكُلّ شَيْء يَتَعَلَّق بِهِ ; وَلَيْسَ الْمُرَاد عُمُومه لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ الْخَضِر عَلَى قَوْله \" وَإِنِّي عَلَى عِلْم مِنْ عِلْم اللَّه لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ \" وَقَدْ مَضَى وَاضِحًا فِي تَفْسِير سُورَة الْكَهْف. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْحُجَج فِي الْمُنَاظَرَة لِإِظْهَارِ طَلَب الْحَقّ وَإِبَاحَة التَّوْبِيخِ وَالتَّعْرِيضِ فِي أَثْنَاء الْحِجَاجِ لِيُتَوَصَّل إِلَى ظُهُور الْحُجَّة وَأَنَّ اللَّوْم عَلَى مَنْ أَيْقَنَ وَعَلِمَ أَشَدُّ مِنْ اللَّوْم عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُل لَهُ ذَلِكَ. وَفِيهِ مُنَاظَرَة الْعَالِم مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَالِابْنِ أَبَاهُ وَمَحَلّ مَشْرُوعِيَّة ذَلِكَ إِذَا كَانَ لِإِظْهَارِ الْحَقّ أَوْ الِازْدِيَاد مِنْ الْعِلْم وَالْوُقُوف عَلَى حَقَائِق الْأُمُور. وَفِيهِ حُجَّة لِأَهْلِ السُّنَّة فِي إِثْبَات الْقَدَر وَخَلْق أَفْعَال الْعِبَاد. وَفِيهِ أَنَّهُ يُغْتَفَر لِلشَّخْصِ فِي بَعْض الْأَحْوَال مَا لَا يُغْتَفَر فِي بَعْضٍ كَحَالَةِ الْغَضَب وَالْأَسَف وَخُصُوصًا مِمَّنْ طُبِعَ عَلَى حِدَّة الْخُلُق وَشِدَّة الْغَضَبِ , فَإِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا غَلَبَتْ عَلَيْهِ حَالَةُ الْإِنْكَارِ فِي الْمُنَاظَرَة خَاطَبَ آدَمَ مَعَ كَوْنه وَالِدَهُ بِاسْمِهِ مُجَرَّدًا وَخَاطَبَهُ بِأَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ لِيُخَاطِبَ بِهَا فِي غَيْر تِلْكَ الْحَالَةِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَلَ إِلَى مُعَارَضَتِهِ فِيمَا أَبَدَاهُ مِنْ الْحُجَّة فِي دَفْعِ شُبْهَتِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6125",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَرَّادٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَتَبَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْمُغِيرَةِ ‏ ‏اكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ فَأَمْلَى عَلَيَّ ‏ ‏الْمُغِيرَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏وَرَّادًا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدُ إِلَى ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏فَسَمِعْتُهُ ‏ ‏يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث طَرَف مِنْ حَدِيث مُعَاوِيَة أَخْرَجَهُ مَالِك. وَلَمَحَ الْمُصَنِّف بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ بَعْضُ حَدِيثِ الْبَابِ كَمَا قَدَّمْته عِنْد شَرْحه فِي آخِر صِفَة الصَّلَاة , وَأَنَّ مُعَاوِيَة اِسْتَثْبَتَ الْمُغِيرَة فِي ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى هُنَاكَ. وَقَوْله : \" وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت \" زَادَ فِيهِ مِسْعَرٌ عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْ وَرَّاد \" وَلَا رَادَّ لِمَا قَضَيْت \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ , وَذَكَرْت لِهَذِهِ الزِّيَادَة طَرِيقًا أُخْرَى هُنَاكَ , وَكَذَا رُوِّينَاهَا فِي \" فَوَائِد أَبِي سَعْدٍ الْكَنْجَرُوذِيّ \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اِبْن جُرَيْجٍ ) ‏ ‏وَصَلَهُ أَحْمَد وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ , وَالْغَرَضُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ وَرَّادًا أَخْبَرَ بِهِ عَبْدَة ; لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى بِالْعَنْعَنَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6126",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُمَيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ ‏ ‏جَهْدِ ‏ ‏الْبَلَاءِ ‏ ‏وَدَرَكِ الشَّقَاءِ ‏ ‏وَسُوءِ الْقَضَاءِ ‏ ‏وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَهُوَ يَتَضَمَّن أَنَّ اللَّه تَعَالَى فَاعِلُ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ , وَالْمُرَاد بِسُوءِ الْقَضَاءِ سُوءُ الْمَقْضِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِل الدَّعَوَاتِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6127",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَثِيرًا مِمَّا كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَحْلِفُ ‏ ‏لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث سَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور قَرِيبًا , ‏ ‏وَقَوْله فِي السَّنَد : \" عَنْ سَالِمٍ \" ‏ ‏هُوَ الْمَحْفُوظ , وَكَذَا قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيُّ عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة , وَشَذَّ النُّفَيْلِيّ فَقَالَ عَنْ اِبْن الْمُبَارَك \" عَنْ مُوسَى عَنْ نَافِع \" بَدَل \" سَالِم \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة اِبْن دَاسَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6128",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏وَبِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَا أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِابْنِ صَيَّادٍ ‏ ‏خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئَا قَالَ الدُّخُّ قَالَ ‏ ‏اخْسَأْ ‏ ‏فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ قَالَ دَعْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَا تُطِيقُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث مَضَى فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز وَيَأْتِي مُسْتَوْعَبًا فِي الْفِتَنِ. ‏ ‏وَقَوْله : \" عَبْد اللَّه \" ‏ ‏فِي حَدِيثَيْ الْبَاب هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَقَدْ ذَكَرْت تَرْجَمَة عَلِىّ بْن حَفْص فِي أَوَائِل كِتَاب الْجِهَاد. ‏ ‏وَقَوْله : \" وَإِنْ يَكُنْهُ \" ‏ ‏بِهَاءِ ضَمِيرٍ لِلْأَكْثَرِ وَكَذَا فِي \" إِنْ لَمْ يَكُنْهُ \" وَوَقَعَ فِيهِمَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِلَفْظِ \" إِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ \" بِالْفَصْلِ وَهُوَ الْمُخْتَار عِنْد أَهْل الْعَرَبِيَّة , وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فَمَنَعَ الْأَوَّل. قَالَ اِبْن بَطَّال مَا حَاصِله : مُنَاسَبَة حَدِيث اِبْن عُمَر لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْآيَة نَصٌّ فِي أَنَّ اللَّه خَلَقَ الْكُفْر وَالْإِيمَان , وَأَنَّهُ يَحُول بَيْن قَلْب الْكَافِر وَبَيْن الْإِيمَان الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ فَلَا يُكْسِبُهُ إِنْ لَمْ يُقْدِرْهُ عَلَيْهِ بَلْ أَقْدَرَهُ عَلَى ضِدِّهِ وَهُوَ الْكُفْرُ , وَكَذَا فِي الْمُؤْمِن بِعَكْسِهِ , فَتَضَمَّنَتْ الْآيَة أَنَّهُ خَالِق جَمِيع أَفْعَال الْعِبَاد خَيْرهَا وَشَرّهَا وَهُوَ مَعْنَى قَوْله : \" مُقَلِّب الْقُلُوب \" لِأَنَّ مَعْنَاهُ تَقْلِيب قَلْب عَبْده عَنْ إِيثَار الْإِيمَان إِلَى إِيثَار الْكُفْر وَعَكْسه , قَالَ : وَكُلّ فِعْل اللَّه عَدْل فِيمَنْ أَضَلَّهُ وَخَذَلَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُمْ حَقًّا وَجَبَ لَهُمْ عَلَيْهِ قَالَ : وَمُنَاسَبَة الثَّانِي لِلتَّرْجَمَةِ قَوْله : \" إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَا تُطِيقُهُ \" يُرِيد أَنَّهُ إِنْ كَانَ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَخْرُج وَيَفْعَل فَإِنَّهُ لَا يُقْدِرك عَلَى قَتْل مَنْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ سَيَجِيءُ إِلَى أَنْ يَفْعَل مَا يَفْعَل ; إِذْ لَوْ أَقْدَرَك عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ فِيهِ اِنْقِلَاب عِلْمه , وَاَللَّه سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6129",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا ‏ ‏سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الطَّاعُونِ فَقَالَ ‏ ‏كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ وَيَمْكُثُ فِيهِ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَلَدِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي الطَّاعُون وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الطِّبّ , وَالْغَرَض مِنْ قَوْله فِيهِ : يَعْلَم أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏سَنَد حَدِيث عَائِشَة هَذَا مِنْ اِبْتِدَائِهِ إِلَى يَحْيَى بْن يَعْمُر مَرَاوِزَة , وَقَدْ سَكَنَ يَحْيَى الْمَذْكُور مَرْو مُدَّةً فَلَمْ يَبْقَ مِنْ رِجَال السَّنَد مَنْ لَيْسَ مَرْوَزِيًّا إِلَّا طَرَفَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَائِشَةُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6130",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ وَهُوَ يَقُولُ ‏ ‏وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا ‏ ‏وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا ‏ ‏فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ‏ ‏وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا ‏ ‏وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ‏ ‏إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء فِي قَوْله \" وَاَللَّهِ لَوْلَا اللَّهِ مَا اِهْتَدَيْنَا \" الْأَبْيَات وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهَا فِي غَزْوَة الْخَنْدَق , وَقَوْله هُنَا \" وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا \" كَذَا وَقَعَ مَزْحُوفًا , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق بِلَفْظِ \" وَلَا تَصَدَّقْنَا \" بَدَلَ \" وَلَا صُمْنَا \" وَبِهِ يَحْصُل الْوَزْن وَهُوَ الْمَحْفُوظ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْقَدَر مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى تِسْعَة وَعِشْرِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا ثَلَاثَة وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اِثْنَانِ وَعِشْرُونَ وَالْخَالِص سَبْعَة وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث أَبِي سَعِيد \" مَا اُسْتُخْلِفَ مِنْ خَلِيفَةٍ \" وَحَدِيث اِبْن عُمَر \" لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ \". وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ خَمْسَةُ آثَارٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6131",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ قَطُّ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ وَقَالَ ‏ ‏لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتُ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏( الصِّدِّيق ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ هِشَام بِسَنَدِهِ \" عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق أَنَّهُ كَانَ \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم , وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة عَائِشَة عَنْ أَبِيهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْمَائِدَة ذِكْر مَنْ رَوَاهُ مَرْفُوعًا , وَقَدْ ذَكَرَ التِّرْمِذِيّ فِي \" الْعِلَل الْمُفْرَد \" وَقَالَ : سَأَلْت مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ : هَذَا خَطَأٌ وَالصَّحِيحُ \" كَانَ أَبُو بَكْر \" وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَان وَوَكِيع عَنْ هِشَام بْن عُرْوَةَ. ‏ ‏قَوْله ( لَمْ يَكُنْ يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ قَطُّ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه كَفَّارَةَ الْيَمِينِ إِلَخْ ) ‏ ‏قِيلَ : إِنَّ قَوْل أَبِي بَكْر ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ عِنْد حَلِفِهِ أَنْ لَا يَصِلَ مِسْطَحًا بِشَيْءٍ فَنَزَلَتْ ( وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ) الْآيَةَ , فَعَادَ إِلَى مِسْطَح مَا كَانَ يَنْفَعُهُ بِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي شَرْح حَدِيث الْإِفْك فِي تَفْسِير النُّور , وَلَمْ أَقِف عَلَى النَّقْل الْمَذْكُور مُسْنَدًا , ثُمَّ وَجَدْته فِي تَفْسِير الثَّعْلَبِيِّ نَقْلًا عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ : \" حُدِّثْت أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْر الصِّدِّيق حِين حَلَفَ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَى مِسْطَح لِخَوْضِهِ فِي الْإِفْك \". ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْر وَكَفَّرْت ) ‏ ‏وَافَقَهُ وَكِيع , وَقَالَ اِبْن نُمَيْر فِي رِوَايَته \" إِلَّا كَفَّرْت عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْت \" وَوَافَقَهُ سُفْيَان. وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي \" بَاب الْكَفَّارَة قَبْل الْحِنْث \" مِنْ كِتَاب كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6132",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ ‏ ‏لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( الْحَسَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي الْحَسَن الْبَصْرِيّ , ‏ ‏وَعَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة ‏ ‏يَعْنِي اِبْن حَبِيب بْن عَبْد شَمْس بْن عَبْد مُنَافٍ , وَقِيلَ بَيْن حَبِيب وَعَبْد شَمْس رَبِيعَة , وَكُنْيَة عَبْد الرَّحْمَن أَبُو سَعِيد , وَهُوَ مِنْ مُسْلِمَة الْفَتْح , وَقِيلَ كَانَ اِسْمه قَبْل الْإِسْلَام عَبْد كُلَالٍ بِضَمِّ أَوَّله وَالتَّخْفِيف , وَقَدْ شَهِدَ فَتُوحَ الْعِرَاق وَكَانَ فَتْح سِجِسْتَانَ عَلَى يَدَيْهِ , أَرْسَلَهُ عَبْد اللَّه بْن عَامِر أَمِير الْبَصْرَة لِعُثْمَان عَلَى السَّرِيَّة فَفَتَحَهَا وَفَتَحَ غَيْرهَا. وَقَالَ اِبْن سَعْد : مَاتَ سَنَة خَمْسِينَ وَقِيلَ بَعْدهَا بِسَنَةٍ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. ‏ ‏قَوْله ( يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ الْوِلَايَةَ , وَسَيَأْتِي شَرْح ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْأَحْكَام. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( وَإِذَا حَلَفْت عَلَى يَمِين ) ‏ ‏يَأْتِي شَرْحه أَيْضًا فِي \" بَاب الْكَفَّارَة قَبْل الْحِنْثِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6133",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏رَهْطٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَشْعَرِيِّينَ ‏ ‏أَسْتَحْمِلُهُ فَقَالَ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ قَالَ ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ نَلْبَثَ ثُمَّ أُتِيَ بِثَلَاثِ ‏ ‏ذَوْدٍ ‏ ‏غُرِّ ‏ ‏الذُّرَى ‏ ‏فَحَمَلَنَا عَلَيْهَا فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا ‏ ‏أَوْ قَالَ بَعْضُنَا ‏ ‏وَاللَّهِ لَا يُبَارَكُ لَنَا أَتَيْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا ثُمَّ حَمَلَنَا فَارْجِعُوا بِنَا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنُذَكِّرُهُ فَأَتَيْنَاهُ فَقَالَ مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ بَلْ اللَّهُ حَمَلَكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ‏ ‏أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ‏ ‏وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( غَيْلَان ) ‏ ‏بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ هُوَ اِبْن جَرِير الْأَزْدِيُّ الْكُوفِيُّ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , ‏ ‏وَأَبُو بُرْدَة ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ , وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ أَيْضًا فِي \" بَاب الْكَفَّارَة قَبْلَ الْحِنْثِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6134",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ , وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن نَصْر عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عِدَّة أَحَادِيثَ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم الْقِيَامَة , وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَللَّه لَأَنْ يَلِجَ ) ‏ ‏هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ , وَلِغَيْرِهِ \" فَقَالَ \" بِالْفَاءِ وَالْأَوَّل أَوْجَهُ. وَقَوْله : \" نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم الْقِيَامَة \" طَرَف مِنْ حَدِيث تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي أَوَّل كِتَاب الْجُمُعَة , لَكِنْ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَقَدْ كَرَّرَ الْبُخَارِيّ مِنْهُ هَذَا الْقَدْر فِي بَعْض الْأَحَادِيث الَّتِي أَخْرَجَهَا مِنْ صَحِيفَة هَمَّام مِنْ رِوَايَة مَعْمَرٍ عَنْهُ ; وَالسَّبَب فِيهِ أَنَّ حَدِيث نَحْنُ الْآخِرُونَ هُوَ أَوَّل حَدِيث فِي النُّسْخَة وَكَانَ هَمَّام يَعْطِفُ عَلَيْهِ بَقِيَّة الْأَحَادِيث بِقَوْلِهِ : \" وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَسَلَكَ فِي ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مَسْلَكَيْنِ أَحَدهمَا هَذَا وَالثَّانِي مَسْلَك مُسْلِم فَإِنَّهُ بَعْد قَوْل هَمَّام \" هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" يَقُول \" فَذَكَرَ عِدَّة أَحَادِيث مِنْهَا وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ثُمَّ اِسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ فِي جَمِيع مَا أَخْرَجَهُ مِنْ هَذِهِ النُّسْخَة وَهُوَ مَسْلَكٌ وَاضِحٌ , وَأَمَّا الْبُخَارِيّ فَلَمْ يَطَّرِدْ لَهُ فِي ذَلِكَ عَمَلٌ , فَإِنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ هَذِهِ النُّسْخَة فِي الطَّهَارَة وَفِي الْبُيُوع وَفِي النَّفَقَات وَفِي الشَّهَادَات وَفِي الصُّلْح وَقِصَّة مُوسَى وَالتَّفْسِير وَخَلْق آدَم وَالِاسْتِئْذَان وَفِي الْجِهَاد فِي مَوَاضِعَ وَفِي الطِّبّ وَاللِّبَاس وَغَيْرهمَا فَلَمْ يُصَدِّرْ شَيْئًا مِنْ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة بِقَوْلِهِ : \" نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ \" إِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ جَوَازَ كُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ صَنِيع شَيْخ الْبُخَارِيّ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبُو هُرَيْرَة سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ فَحَدَّثَ بِهِمَا جَمِيعًا كَمَا سَمِعَهُمَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الرَّاوِي فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة أَحَادِيثَ فِي أَوَائِلهمَا ذَكَرَهَا عَلَى التَّرْتِيب الَّذِي سَمِعَهُ. قُلْت : وَيُعَكِّر عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْوُضُوء وَفِي أَوَائِل الْجُمُعَة وَغَيْرهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6135",
        "content": "‏ ‏وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاللَّهِ لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَاَللَّهِ لَأَنْ يَلِجَّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَهِيَ اللَّام الْمُؤَكِّدَة لِلْقَسَمِ وَيَلِجُّ بِكَسْرِ اللَّام وَيَجُوز فَتْحهَا بَعْدهَا جِيمٌ مِنْ اللَّجَاجِ وَهُوَ أَنْ يَتَمَادَى فِي الْأَمْر وَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُ , وَأَصْلُ اللَّجَاجِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْإِصْرَار عَلَى الشَّيْء مُطْلَقًا , يُقَال لَجِجْت أَلَجُّ بِكَسْرِ الْجِيم فِي الْمَاضِي وَفَتْحهَا فِي الْمُضَارِع وَيَجُوز الْعَكْس. ‏ ‏قَوْله ( أَحَدكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْله ) ‏ ‏سَقَطَ قَوْله \" فِي أَهْله \" مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ الْمَعْمَرِيّ عَنْ مَعْمَر عِنْد اِبْن مَاجَهْ. ‏ ‏قَوْله ( آثَم ) ‏ ‏بِالْمَدِّ أَيْ أَشَدُّ إِثْمًا. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي اِفْتَرَضَ اللَّه عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق \" مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّه \" قَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا تَتَعَلَّق بِأَهْلِهِ بِحَيْثُ يَتَضَرَّرُونَ بِعَدَمِ حِنْثِهِ فِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ فَيَفْعَلَ ذَلِكَ الشَّيْء وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينه , فَإِنْ قَالَ لَا أَحْنَثُ بَلْ أَتَوَرَّعُ عَنْ اِرْتِكَاب الْحِنْث خَشْيَةَ الْإِثْم فَهُوَ مُخْطِئٌ بِهَذَا الْقَوْل بَلْ اِسْتِمْرَاره عَلَى عَدَم الْحِنْث وَإِقَامَة الضَّرَر لِأَهْلِهِ أَكْثَر إِثْمًا مِنْ الْحِنْث , وَلَا بُدّ مِنْ تَنْزِيله عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْحِنْث لَا مَعْصِيَة فِيهِ. وَأَمَّا قَوْله \" آثَم \" بِصِيغَةِ أَفْعَل التَّفْضِيل فَهُوَ لِقَصْدِ مُقَابَلَة اللَّفْظ عَلَى زَعْمِ الْحَالِف أَوْ تَوَهُّمِهِ فَإِنَّهُ يُتَوَهَّم أَنَّ عَلَيْهِ إِثْمًا فِي الْحِنْث مَعَ أَنَّهُ لَا إِثْم عَلَيْهِ , فَيُقَال لَهُ : الْإِثْم فِي اللَّجَاج أَكْثَر مِنْ الْإِثْم فِي الْحِنْث. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : الْمُرَاد أَنَّ الرَّجُل إِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْء يَتَعَلَّق بِأَهْلِهِ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ كَانَ أَدْخَلَ فِي الْوِزْرِ وَأَفْضَى إِلَى الْإِثْم مِنْ الْحِنْث ; لِأَنَّهُ جَعَلَ اللَّه عُرْضَة لِيَمِينِهِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ , قَالَ : وَآثَم اِسْم تَفْضِيل وَأَصْله أَنْ يُطْلَق لِلَّاجِ فِي الْإِثْم فَأُطْلِقَ لِمَنْ يَلِج فِي مُوجِب الْإِثْم اِتِّسَاعًا , قَالَ : وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّج مِنْ الْحِنْث خَشْيَة الْإِثْم وَيَرَى ذَلِكَ , فَاللَّجَاج أَيْضًا إِثْم عَلَى زَعْمِهِ وَحُسْبَانِهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : لَا يَبْعُدُ أَنْ تَخْرُج أَفْعَل عَنْ بَابهَا كَقَوْلِهِمْ الصَّيْفُ أَحَرُّ مِنْ الشِّتَاء وَيَصِير الْمَعْنَى أَنَّ الْإِثْم فِي اللَّجَاج فِي بَابه أَبْلَغُ مِنْ ثَوَاب إِعْطَاء الْكَفَّارَة فِي بَابه , قَالَ : وَفَائِدَة ذِكْر \" أَهْل \" فِي هَذَا الْمَقَام لِلْمُبَالَغَةِ وَهِيَ مَزِيد الشَّفَاعَة لِاسْتِهْجَانِ اللَّجَاج فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْأَهْلِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي غَيْرهمْ مُسْتَهْجَنًا فَفِي حَقّهمْ أَشَدُّ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : فِي الْحَدِيث أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْحَانِث فَرْضٌ , قَالَ : وَمَعْنَى يَلِجّ أَنْ يُقِيم عَلَى تَرْك الْكَفَّارَة , كَذَا قَالَ وَالصَّوَاب عَلَى تَرْك الْحِنْث لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَقَع التَّمَادِي عَلَى حُكْم الْيَمِين وَبِهِ يَقَع الضَّرَر عَلَى الْمَحْلُوف عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6136",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ ‏ ‏اسْتَلَجَّ ‏ ‏فِي أَهْلِهِ بِيَمِينٍ فَهُوَ أَعْظَمُ إِثْمًا لِيَبَرَّ ‏ ‏يَعْنِي الْكَفَّارَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏جَزَمَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ بِأَنَّهُ اِبْن مَنْصُور , وَصَنِيع أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج يَقْضِي أَنَّهُ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور قَبْله , ‏ ‏وَيَحْيَى بْن صَالِح ‏ ‏هُوَ الْوُحَاظِيّ بِتَخْفِيفِ الْحَاء الْمُهْمَلَة بَعْد الْأَلِف ظَاءٌ مُشَالَةٌ مُعْجَمَةٌ , وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ الْبُخَارِيّ بِلَا وَاسِطَةٍ فِي كِتَاب الصَّلَاة وَبِوَاسِطَةٍ فِي الْحَجّ , وَشَيْخه ‏ ‏مُعَاوِيَة ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَّام بِتَشْدِيدِ اللَّام , ‏ ‏وَيَحْيَى ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير , ‏ ‏وَعِكْرِمَة ‏ ‏هُوَ مَوْلَى اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏كَذَا أَسْنَدَهُ مُعَاوِيَة بْن سَلَّام , وَخَالَفَهُ مَعْمَر فَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كُثْر فَأَرْسَلَهُ وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ أَبَا هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُبَارَك عَنْ مَعْمَر لَكِنَّهُ سَاقَهُ بِلَفْظِ رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَهُوَ خَطَأ مِنْ مَعْمَر , وَإِذَا كَانَ لَمْ يَضْبِط الْمَتْن فَلَا يُتَعَجَّب مِنْ كَوْنه لَمْ يَضْبِطْ الْإِسْنَادَ. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ اِسْتَلَجَّ ) ‏ ‏اِسْتَفْعَلَ مِنْ اللَّجَاج , وَذَكَرَ اِبْن الْأَثِير أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِسْتَلْجَجَ بِإِظْهَارِ الْإِدْغَام وَهِيَ لُغَةُ قُرَيْشٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَهُوَ أَعْظَم إِثْمًا لِيَبَرّ يَعْنِي الْكَفَّارَة ) ‏ ‏وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن , وَكَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِلَامٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدهَا تَحْتَانِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ رَاءٌ مُشَدَّدَةٌ وَاللَّام لَام الْأَمْر بِلَفْظِ أَمْر الْغَائِب مِنْ الْبِرّ أَوْ الْإِبْرَار وَيَعْنِي بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَكَسْر النُّون تَفْسِير الْبِرّ , وَالتَّقْدِير لِيَتْرُك اللَّجَاج وَيَبَرَّ , ثُمَّ فَسَّرَ الْبِرّ بِالْكَفَّارَةِ وَالْمُرَاد أَنَّهُ يَتْرُك اللَّجَاج فِيمَا حَلَفَ وَيَفْعَل الْمَحْلُوف عَلَيْهِ وَيَحْصُل لَهُ الْبِرّ بِأَدَاءِ الْكَفَّارَة عَنْ الْيَمِين الَّذِي حَلَفَهُ إِذَا حَنِثَ , وَمَعْنَى قَوْله \" فِي أَهْله \" مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّرِيق الَّتِي قَبْلهَا مِنْ تَصْوِيره بِأَنْ يَحْلِفَ أَنْ يَضُرَّ أَهْلَهُ مَثَلًا فَيَلِجّ فِي ذَلِكَ الْيَمِين وَيَقْصِد إِيقَاع الْإِضْرَار بِهِمْ لِتَنْحَلَّ يَمِينُهُ , فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ دَعْ اللَّجَاج فِي ذَلِكَ وَاحْنَثْ فِي هَذَا الْيَمِين وَاتْرُكْ إِضْرَارهمْ وَيَحْصُل لَك الْبِرّ فَإِنَّك إِنْ أَصْرَرْت عَلَى الْإِضْرَار بِهِمْ كَانَ ذَلِكَ أَعْظَم إِثْمًا مِنْ حِنْثك فِي الْيَمِين. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ وَالْأَصِيلِيّ \" لَيْسَ تُغْنِي الْكَفَّارَة \" بِفَتْحِ اللَّام وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا سِين مُهْمَلَة وَتُغْنِي بِضَمِّ الْمُثَنَّاة الْفَوْقَانِيَّة وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكَسْر النُّون وَالْكَفَّارَة بِالرَّفْعِ , وَالْمَعْنَى أَنَّ الْكَفَّارَة لَا تُغْنِي عَنْ ذَلِكَ , وَهُوَ خِلَاف الْمُرَاد , وَالرِّوَايَة الْأُولَى أَوْضَحُ. وَمِنْهُمْ مَنْ وَجَّهَ الثَّانِيَة بِأَنَّ الْمُفَضَّل عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ وَالْمَعْنَى أَنَّ الِاسْتِيلَاج أَعْظَم إِثْمًا مِنْ الْحِنْث وَالْجُمْلَة اِسْتِئْنَاف , وَالْمُرَاد أَنَّ ذَلِكَ الْإِثْم لَا تُغْنِي عَنْهُ كَفَّارَةٌ. وَقَالَ اِبْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة وَفِيهِ \" إِذَا اِسْتَلَجَّ أَحَدكُمْ بِيَمِينِهِ فَإِنَّهُ آثَمُ لَهُ عِنْد اللَّه مِنْ الْكَفَّارَة \" وَهُوَ اِسْتَفْعَلَ مِنْ اللَّجَاج , وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْء وَيَرَى أَنَّ غَيْره خَيْر مِنْهُ فَيُقِيم عَلَى يَمِينه وَلَا يَحْنَث فَيُكَفِّر فَذَلِكَ آثَم لَهُ , وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَرَى أَنَّهُ صَادِق فِيهَا مُصِيب فَيَلِجّ وَلَا يُكَفِّرهَا اِنْتَهَى. وَانْتُزِعَ ذَلِكَ كُلّه مِنْ كَلَام الْخَطَّابِيّ. وَقَدْ قُيِّدَ فِي رِوَايَة الصَّحِيح بِالْأَهْلِ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيّ مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّرِيق الْأُولَى وَهُوَ مُنْتَزَعٌ أَيْضًا مِنْ كَلَام عِيَاض , وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيّ فِي مُخْتَصَر الْبُخَارِيّ أَنَّهُ ضُبِطَ فِي بَعْض الْأُمَّهَات تُغْنِي بِالتَّاءِ الْمَضْمُومَة وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَفِي الْأَصْل الْمُعْتَمَد عَلَيْهِ بِالتَّاءِ الْفَوْقَانِيَّة الْمَفْتُوحَة وَالْعَيْن الْمُهْمَلَة وَعَلَيْهِ عَلَامَة الْأَصِيلِيّ وَفِيهِ بُعْدٌ وَوَجَدْنَاهُ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت وَهُوَ أَقْرَبُ , وَعِنْد اِبْن السَّكَن يَعْنِي لَيْسَ الْكَفَّارَة وَهُوَ عِنْدِي أَشْبَهُهَا إِذَا كَانَتْ لَيْسَ اِسْتِثْنَاء بِمَعْنَى إِلَّا أَيْ إِذَا لَجَّ فِي يَمِينه كَانَ أَعْظَم إِثْمًا إِلَّا أَنْ يُكَفِّرَ. ‏ ‏قُلْت : وَهَذَا أَحْسَن لَوْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَة , إِنَّمَا الَّذِي فِي النُّسَخ كُلّهَا بِتَقْدِيمِ لَيْسَ عَلَى يَعْنِي , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن سَعِيد الْجَوْهَرِيّ عَنْ يَحْيَى بْن صَالِح بِحَذْفِ الْجُمْلَة الْأَخِيرَة وَآخِر الْحَدِيث عِنْده \" فَهُوَ أَعْظَم إِثْمًا \" وَقَالَ اِبْن حَزْم : لَا جَائِز أَنْ يُحْمَل عَلَى الْيَمِين الْغَمُوس ; لِأَنَّ الْحَالِفَ بِهَا لَا يُسَمَّى مُسْتَلِجًّا فِي أَهْله بَلْ صُورَته أَنْ يَحْلِف أَنْ يُحْسِن إِلَى أَهْله وَلَا يَضُرَّهُمْ ثُمَّ يُرِيد أَنْ يَحْنَثَ وَيَلِجَّ فِي ذَلِكَ فَيَضُرّهُمْ وَلَا يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُكَفِّر عَنْ يَمِينه فَهَذَا مُسْتَلِجٌّ بِيَمِينِهِ فِي أَهْله آثِمٌ , وَمَعْنَى قَوْله لَا تُغْنِي الْكَفَّارَة , أَنَّ الْكَفَّارَة لَا تَحُطُّ عَنْهُ إِثْم إِسَاءَتِهِ إِلَى أَهْلِهِ وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْيَمِينِ الَّتِي حَلَفَهَا. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : قَوْله \" لَيْسَ تُغْنِي الْكَفَّارَة \" كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ إِثْمَهُ فِي قَصْده أَنْ لَا يَبَرَّ وَلَا يَفْعَلَ الْخَيْرَ , فَلَوْ كَفَّرَ لَمْ تَرْفَعْ الْكَفَّارَةُ سَبْقَ ذَلِكَ الْقَصْد , وَبَعْضهمْ ضَبَطَهُ بِفَتْحِ نُونِ \" يُغْنِي \" وَهُوَ بِمَعْنَى يَتْرُك أَيْ إِنَّ الْكَفَّارَةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُتْرَك. وَقَالَ اِبْن التِّين : قَوْله \" لَيْسَ تُغْنِي الْكَفَّارَة \" بِالْمُعْجَمَةِ يَعْنِي مَعَ تَعَمُّد الْكَذِب فِي الْأَيْمَان , قَالَ : وَهَذَا عَلَى رِوَايَة أَبِي ذَرّ , كَذَا قَالَ , وَفِي رِوَايَة أَبِي الْحَسَن يَعْنِي الْقَابِسِيَّ \" لَيْسَ يَعْنِي الْكَفَّارَة \" بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة قَالَ : وَهَذَا مُوَافِقٌ لِتَأْوِيلِ الْخَطَّابِيّ أَنَّهُ يَسْتَدِيم عَلَى لَجَاجِهِ وَيَمْتَنِع مِنْ الْكَفَّارَة إِذَا كَانَتْ خَيْرًا مِنْ التَّمَادِي وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الْحِنْث فِي الْيَمِين أَفْضَل مِنْ التَّمَادِي إِذَا كَانَ فِي الْحِنْث مَصْلَحَة , وَيَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ حُكْم الْمَحْلُوف عَلَيْهِ , فَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكِ حَرَامٍ فَيَمِينه طَاعَة وَالتَّمَادِي وَاجِب وَالْحِنْث مَعْصِيَة وَعَكْسه بِالْعَكْسِ , وَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْل نَفْلٍ فَيَمِينُهُ أَيْضًا طَاعَة وَالتَّمَادِي مُسْتَحَبٌّ وَالْحِنْثُ مَكْرُوهٌ , وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْك مَنْدُوبٍ فَبِعَكْسِ الَّذِي قَبْلَهُ , وَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْل مُبَاحٍ فَإِنْ كَانَ يَتَجَاذَبُهُ رُجْحَان الْفِعْل أَوْ التَّرْك كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُل طَيِّبًا وَلَا يَلْبَسُ نَاعِمًا فَفِيهِ عِنْد الشَّافِعِيَّة خِلَافٌ , وَقَالَ اِبْن الصَّبَّاغ وَصَوَّبَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ : إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال , وَإِنْ كَانَ مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ فَالْأَصَحّ أَنَّ التَّمَادِي أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏وَيُسْتَنْبَط مِنْ مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ ذِكْرَ الْأَهْل خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِب وَإِلَّا فَالْحُكْم يَتَنَاوَل غَيْر الْأَهْل إِذَا وُجِدَتْ الْعِلَّةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُرِفَ مَعْنَى الْحَدِيث فَمُطَابَقَته بَعْد تَمْهِيدِ تَقْسِيمِ أَحْوَالِ الْحَالِفِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْيَمِينَ كَأَنْ لَا يَقْصِدهَا أَوْ يَقْصِدهَا لَكِنْ يَنْسَى أَوْ غَيْر ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي لَغْو الْيَمِين فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا إِثْمَ , وَإِنْ قَصَدَهَا وَانْعَقَدَتْ ثُمَّ رَأَى أَنَّ الْمَحْلُوف عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الِاسْتِمْرَار عَلَى الْيَمِين فَلْيَحْنَثْ وَتَجِب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة , فَإِنْ تَخَيَّلَ أَنَّ الْكَفَّارَة لَا تَرْفَع عَنْهُ إِثْمَ الْحِنْث فَهُوَ تَخَيُّلٌ مَرْدُودٌ , سَلَّمْنَا لَكِنَّ الْحِنْث أَكْثَر إِثْمًا مِنْ اللَّجَاج فِي تَرْك فِعْل ذَلِكَ الْخَيْر كَمَا تَقَدَّمَ , فَلِلْآيَةِ الْمَذْكُورَة اِلْتِفَات إِلَى الَّتِي قَبْلهَا فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتْ الْمُرَاد مِنْ هَذَا الْحَدِيث حَيْثُ جَاءَ فِيهَا ( وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا ) وَالْمُرَاد لَا تَجْعَلْ الْيَمِينَ الَّذِي حَلَفْت أَنْ لَا تَفْعَل خَيْرًا سَوَاء كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلٍ أَوْ تَرْكٍ سَبَبًا يُعْتَذَر بِهِ عَنْ الرُّجُوع عَمَّا حَلَفْت عَلَيْهِ خَشْيَةً مِنْ الْإِثْم الْمُرَتَّب عَلَى الْحِنْث , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إِثْمًا حَقِيقَة لَكَانَ عَمَل ذَلِكَ الْخَيْر رَافِعًا لَهُ بِالْكَفَّارَةِ الْمَشْرُوعَة ثُمَّ يَبْقَى ثَوَاب الْبِرّ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ , وَحَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة الَّذِي قَبْله يُؤَكِّد ذَلِكَ لِوُرُودِ الْأَمْر فِيهِ بِفِعْلِ الْخَيْر وَكَذَا الْكَفَّارَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6137",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْثًا ‏ ‏وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمْرَتِهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ ‏ ‏لَخَلِيقًا ‏ ‏لِلْإِمَارَةِ وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي بَعْث أُسَامَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي آخِر الْمَغَازِي وَفِي الْمَنَاقِب , وَضُبِطَ قَوْله فِيهِ وَاَيْم اللَّه بِالْهَمْزِ وَتَرْكه , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6138",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏هُوَ الْفِرْيَابِيّ ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف وَهُوَ الْبِيكَنْدِيّ عَنْ سُفْيَان وَهُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ هُنَا. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن يُوسُف الْفِرْيَابِيّ حَدَّثَنَا سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيُّ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة وَكِيع , وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن بِشْر كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيِّ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( كَانَتْ يَمِين النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة وَكِيع \" الَّتِي يَحْلِفُ عَلَيْهَا \" وَفِي أُخْرَى لَهُ \" يَحْلِفُ بِهَا \". ‏ ‏قَوْله ( لَا وَمُقَلِّب الْقُلُوب ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر كِتَاب الْقَدَر مِنْ رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة بِلَفْظِ \" كَثِيرًا مَا كَانَ \" وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد مِنْ طَرِيقه بِلَفْظِ \" أَكْثَر مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْلِفُ \" فَذَكَرَهُ. ‏ ‏وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ كَانَ أَكْثَرُ أَيْمَانِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا وَمُصَرِّفِ الْقُلُوبِ \" وَقَوْله \" لَا \" نَفْيٌ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ \" وَمُقَلِّب الْقُلُوب \" هُوَ الْمُقْسَمُ بِهِ , وَالْمُرَاد بِتَقْلِيبِ الْقُلُوب تَقْلِيب أَعْرَاضهَا وَأَحْوَالهَا لَا تَقْلِيب ذَات الْقَلْب. وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى أَنَّ أَعْمَال الْقَلْب مِنْ الْإِرَادَات وَالدَّوَاعِي وَسَائِر الْأَعْرَاض بِخَلْقِ اللَّه تَعَالَى , وَفِيهِ جَوَاز تَسْمِيَة اللَّه - تَعَالَى - بِمَا ثَبَتَ مِنْ صِفَاته عَلَى الْوَجْه الَّذِي يَلِيقُ بِهِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِمَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَة عَلَى مَنْ حَلَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ فَحَنِثَ , وَلَا نِزَاعَ فِي أَصْل ذَلِكَ , وَإِنَّمَا الْخِلَاف فِي أَيِّ صِفَةٍ تَنْعَقِد بِهَا الْيَمِين , وَالتَّحْقِيق أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِاَلَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْره كَمُقَلِّبِ الْقُلُوب , قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : فِي الْحَدِيث جَوَاز الْحَلِف بِأَفْعَالِ اللَّه إِذَا وُصِفَ بِهَا , وَلَمْ يُذْكَرْ اِسْمُهُ , قَالَ : وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّة بَيْن الْقُدْرَة وَالْعِلْم فَقَالُوا : إِنْ حَلَفَ بِقُدْرَةِ اللَّه اِنْعَقَدَتْ يَمِينه وَإِنْ حَلَفَ بِعِلْمِ اللَّه لَمْ تَنْعَقِدْ ; لِأَنَّ الْعِلْم يُعَبَّر بِهِ عَنْ الْمَعْلُوم كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ). وَالْجَوَاب أَنَّهُ هُنَا مَجَاز إِنْ سَلِمَ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمَعْلُوم , وَالْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَة. قَالَ الرَّاغِب : تَقْلِيبُ اللَّهِ الْقُلُوبَ وَالْأَبْصَار صَرْفهَا عَنْ رَأْيٍ إِلَى رَأْيٍ , وَالتَّقَلُّب التَّصَرُّف , قَالَ تَعَالَى ( أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ ) قَالَ : وَسُمِّيَ قَلْب الْإِنْسَان لِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِ. وَيُعَبَّر بِالْقَلْبِ عَنْ الْمَعَانِي الَّتِي يَخْتَصّ بِهَا مِنْ الرُّوح وَالْعِلْم وَالشُّجَاعَة , وَمِنْ قَوْله ( وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ) أَيْ الْأَرْوَاحُ , وَقَوْله ( لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ) أَيْ عِلْمٌ وَفَهْمٌ , وَقَوْله ( وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ) أَيْ نَثْبُت بِهِ شُجَاعَتُكُمْ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : الْقَلْب جُزْء مِنْ الْبَدَن خَلَقَهُ اللَّه وَجَعَلَهُ لِلْإِنْسَانِ مَحَلّ الْعِلْم وَالْكَلَام وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الصِّفَات الْبَاطِنَة , وَجَعَلَ ظَاهِر الْبَدَن مَحَلَّ التَّصَرُّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ , وَوَكَّلَ بِهَا مَلَكًا يَأْمُر بِالْخَيْرِ وَشَيْطَانًا يَأْمُر بِالشَّرِّ , فَالْعَقْل بِنُورِهِ يَهْدِيهِ وَالْهَوَى بِظُلْمَتِهِ يُغْوِيهِ وَالْقَضَاء وَالْقَدَر مُسَيْطِرٌ عَلَى الْكُلِّ وَالْقَلْبُ يَنْقَلِبُ بَيْن الْخَوَاطِر الْحَسَنَة وَالسَّيِّئَة وَاللَّمَّة مِنْ الْمَلَك تَارَةً وَمِنْ الشَّيْطَان أُخْرَى وَالْمَحْفُوظ مَنْ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6139",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا هَلَكَ ‏ ‏قَيْصَرُ ‏ ‏فَلَا ‏ ‏قَيْصَرَ ‏ ‏بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏فَلَا ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏بَعْدَهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة \" إِذَا هَلَكَ كِسْرَى \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر عَلَامَات النُّبُوَّة وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6140",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا هَلَكَ ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏فَلَا ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ ‏ ‏قَيْصَرُ ‏ ‏فَلَا ‏ ‏قَيْصَرَ ‏ ‏بَعْدَهُ وَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِذَا هَلَكَ كِسْرَى \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6141",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ يَا أُمَّةَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَاللَّهِ ‏ ‏لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة , وَهُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث طَوِيل تَقَدَّمَ فِي صَلَاة الْكُسُوف , وَاقْتَصَرَ هُنَا عَلَى آخِره لِقَوْلِهِ \" وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ \" ‏ ‏وَمُحَمَّد ‏ ‏فِي أَوَّل هَذَا السَّنَد هُوَ اِبْن سَلَام , ‏ ‏وَعَبْدَة ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان , وَفِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَم لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا \" دَلَالَة عَلَى اِخْتِصَاصه بِمَعَارِفَ بَصَرِيَّةٍ وَقَلْبِيَّةٍ , وَقَدْ يُطْلِعُ اللَّه عَلَيْهَا غَيْره مِنْ الْمُخْلَصِينَ مِنْ أُمَّتِهِ لَكِنْ بِطَرِيقِ الْإِجْمَال , وَأَمَّا تَفَاصِيلهَا فَاخْتُصَّ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَدْ جَمَعَ اللَّه لَهُ بَيْن عِلْم الْيَقِين وَعَيْن الْيَقِين مَعَ الْخَشْيَة الْقَلْبِيَّة وَاسْتِحْضَار الْعَظَمَة الْإِلَهِيَّة عَلَى وَجْه لَمْ يَجْتَمِع لِغَيْرِهِ , وَيُشِير إِلَى ذَلِكَ قَوْله فِي الْحَدِيث الْمَاضِي فِي كِتَاب الْأَيْمَان مِنْ حَدِيث عَائِشَة \" إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاَللَّهِ لَأَنَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "6142",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏حَيْوَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏جَدَّهُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْآنَ يَا ‏ ‏عُمَرُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن هِشَام أَيْ اِبْن زُهْرَة بْن عُثْمَان التَّيْمِيِّ مِنْ رَهْط الصِّدِّيق. ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذ بِيَدِ عُمَر بْن الْخَطَّاب ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هَذَا الْقَدْر مِنْ هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا السَّنَد فِي آخِر مَنَاقِب عُمَر , فَذَكَرْت هُنَاكَ نَسَبَ عَبْد اللَّه بْن هِشَام وَبَعْض حَاله , وَتَقَدَّمَ لَهُ ذِكْر فِي الشَّرِكَة وَالدَّعَوَات. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَهُ عُمَر يَا رَسُول اللَّه لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلّ شَيْء إِلَّا نَفْسِي ) ‏ ‏اللَّام لِتَأْكِيدِ الْقَسَم الْمُقَدَّر كَأَنَّهُ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأَنْتَ إِلَخْ. ‏ ‏قَوْله ( لَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُون أَحَبَّ إِلَيْك مِنْ نَفْسك ) ‏ ‏أَيْ لَا يَكْفِي ذَلِكَ لِبُلُوغِ الرُّتْبَة الْعُلْيَا حَتَّى يُضَاف إِلَيْهِ مَا ذُكِرَ. وَعَنْ بَعْض الزُّهَّاد : تَقْدِير الْكَلَام لَا تَصْدُقُ فِي حُبِّي حَتَّى تُؤْثِر رِضَايَ عَلَى هَوَاك وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْهَلَاك. وَقَدْ قَدَّمْت تَقْرِير هَذَا فِي أَوَائِل كِتَاب الْأَيْمَان. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَهُ عُمَر فَإِنَّهُ الْآن يَا رَسُول اللَّه لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْآن يَا عُمَر ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيُّ : وُقُوف عُمَر أَوَّلَ مَرَّةٍ وَاسْتِثْنَاؤُهُ نَفْسه إِنَّمَا اتَّفَقَ حَتَّى لَا يَبْلُغ ذَلِكَ مِنْهُ فَيَحْلِف بِاَللَّهِ كَاذِبًا , فَلَمَّا قَالَ لَهُ مَا قَالَ تَقَرَّرَ فِي نَفْسه أَنَّهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسه فَحَلَفَ , كَذَا قَالَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : حُبُّ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ طَبْعٌ , وَحُبّ غَيْره اِخْتِيَار بِتَوَسُّطِ الْأَسْبَاب , وَإِنَّمَا أَرَادَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام حُبَّ الِاخْتِيَار إِذْ لَا سَبِيل إِلَى قَلْب الطِّبَاع وَتَغْيِيرهَا عَمَّا جُبِلَتْ عَلَيْهِ. قُلْت : فَعَلَى هَذَا فَجَوَاب عُمَر أَوَّلًا كَانَ بِحَسَبِ الطَّبْع , ثُمَّ تَأَمَّلَ فَعَرَفَ بِالِاسْتِدْلَالِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسه لِكَوْنِهِ السَّبَبَ فِي نَجَاتهَا مِنْ الْمُهْلِكَات فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى فَأَخْبَرَ بِمَا اِقْتَضَاهُ الِاخْتِيَار , وَلِذَلِكَ حَصَلَ الْجَوَاب بِقَوْلِهِ \" الْآن يَا عُمَر \" أَيْ الْآن عَرَفْت فَنَطَقْت بِمَا يَجِب. وَأَمَّا تَقْرِير بَعْض الشُّرَّاح الْآن صَارَ إِيمَانُك مُعْتَدًّا بِهِ , إِذْ الْمَرْءُ لَا يُعْتَدُّ بِإِيمَانِهِ حَتَّى يَقْتَضِيَ عَقْلُهُ تَرْجِيحَ جَانِبِ الرَّسُول. فَفِيهِ سُوء أَدَب فِي الْعِبَارَة , وَمَا أَكْثَرَ مَا يَقَع مِثْل هَذَا فِي كَلَام الْكِبَار عِنْد عَدَمِ التَّأَمُّلِ وَالتَّحَرُّزِ لِاسْتِغْرَاقِ الْفِكْر فِي الْمَعْنَى الْأَصْلِيّ , فَلَا يَنْبَغِي التَّشْدِيد فِي الْإِنْكَار عَلَى مَنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ بَلْ يُكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ إِلَى الرَّدّ وَالتَّحْذِير مِنْ الِاغْتِرَار بِهِ لِئَلَّا يَقَع الْمُنْكَر فِي نَحْو مِمَّا أَنْكَرَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6143",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَحَدُهُمَا اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَقَالَ الْآخَرُ وَهُوَ أَفْقَهُهُمَا أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ تَكَلَّمْ قَالَ إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏وَالْعَسِيفُ الْأَجِيرُ ‏ ‏زَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَجَارِيَةٍ لِي ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا وَأُمِرَ ‏ ‏أُنَيْسٌ الْأَسْلَمِيُّ ‏ ‏أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ فَإِنْ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَزَيْد بْن خَالِد فِي قِصَّة الْعَسِيف وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْحُدُود , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَمَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَن \" وَسَقَطَتْ \" أَمَا \" وَهِيَ بِتَخْفِيفِ الْمِيم لِلِافْتِتَاحِ مِنْ بَعْض الرِّوَايَاتِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6144",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ ‏ ‏أَسْلَمُ ‏ ‏وَغِفَارُ ‏ ‏وَمُزَيْنَةُ ‏ ‏وَجُهَيْنَةُ ‏ ‏خَيْرًا مِنْ ‏ ‏تَمِيمٍ ‏ ‏وَعَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ ‏ ‏وَغَطَفَانَ ‏ ‏وَأَسَدٍ ‏ ‏خَابُوا وَخَسِرُوا قَالُوا نَعَمْ فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ , وَفِي شُيُوخ الْبُخَارِيّ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد وَهُوَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَةَ لَكِنَّهُ لَمْ يُسَمِّ أَبَاهُ فِي شَيْء مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي أَخْرَجَهَا إِمَّا يُكَنِّيهِ وَيُكَنِّي أَبَاهُ أَوْ يُسَمِّيهِ وَيُكَنِّي أَبَاهُ , بِخِلَافِ الْجُعْفِيِّ فَإِنَّهُ يَنْسُبُهُ تَارَةً وَأُخْرَى لَا يَنْسُبُهُ كَهَذَا الْمَوْضِع , ‏ ‏وَوَهْب ‏ ‏هُوَ اِبْن جَرِير بْن حَازِم , ‏ ‏وَمُحَمَّد بْن أَبِي يَعْقُوب ‏ ‏نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ وَهُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي يَعْقُوب الضَّبِّيّ , ‏ ‏وَأَبُو بَكْرَة ‏ ‏هُوَ الثَّقَفِيّ , وَالْإِسْنَاد مِنْ وَهْب فَصَاعِدًا بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ أَسْلَمَ ) ‏ ‏أَيْ أَخْبِرُونِي , وَالْمُرَاد بِـ أَسْلَمَ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهَا قَبَائِلُ مَشْهُورَةٌ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي أَوَائِل الْمَبْعَث النَّبَوِيّ وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" فَقَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَنْتُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ \" وَالْمُرَاد خَيْرِيَّةُ الْمَجْمُوعِ عَلَى الْمَجْمُوع وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُون فِي الْمَفْضُولِينَ فَرْد أَفْضَل مِنْ فَرْد مِنْ الْأَفْضَلِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6145",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَعْمَلَ عَامِلًا فَجَاءَهُ الْعَامِلُ حِينَ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَفَلَا قَعَدْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ فَنَظَرْتَ أَيُهْدَى لَكَ أَمْ لَا ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ الْعَامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ فَيَأْتِينَا فَيَقُولُ هَذَا مِنْ عَمَلِكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَنَظَرَ هَلْ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا فَوَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏بِيَدِهِ لَا ‏ ‏يَغُلُّ ‏ ‏أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا جَاءَ بِهِ لَهُ ‏ ‏رُغَاءٌ ‏ ‏وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً جَاءَ بِهَا لَهَا ‏ ‏خُوَارٌ ‏ ‏وَإِنْ كَانَتْ شَاةً جَاءَ بِهَا ‏ ‏تَيْعَرُ ‏ ‏فَقَدْ بَلَّغْتُ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو حُمَيْدٍ ‏ ‏ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَهُ حَتَّى إِنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى ‏ ‏عُفْرَةِ ‏ ‏إِبْطَيْهِ قَالَ ‏ ‏أَبُو حُمَيْدٍ ‏ ‏وَقَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مَعِي ‏ ‏زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ‏ ‏مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَلُوهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( اِسْتَعْمَلَ عَامِلًا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن اللُّتْبِيَّةِ بِضَمِّ اللَّام وَسُكُون الْمُثَنَّاة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة ثُمَّ يَاءِ النَّسَبِ وَاسْمه عَبْد اللَّه كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي كِتَاب الزَّكَاة وَشَيْء مِنْ شَرْحه فِي الْهِبَة , وَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله فِي آخِره ( قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ : وَقَدْ سَمِعَ مَعِي زَيْد بْن ثَابِت مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلُوهُ ) ‏ ‏قَدْ فَتَّشْت مُسْنَدَ زَيْد بْن ثَابِت فَلَمْ أَجِدْ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ فِيهِ ذِكْرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6146",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏بِيَدِهِ ‏ ‏لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَم \" الْحَدِيث مُخْتَصَرًا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6147",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَعْرُورِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي ظِلِّ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏هُمْ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏هُمْ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏قُلْتُ مَا شَأْنِي أَيُرَى فِيَّ شَيْءٌ مَا شَأْنِي فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ فَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَسْكُتَ وَتَغَشَّانِي مَا شَاءَ اللَّهُ فَقُلْتُ مَنْ هُمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي ذَرّ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الرِّقَاق , وَسَاقَ بِهَذَا السَّنَد فِي كِتَاب الزَّكَاة الْمَتْن بِتَمَامِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6148",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( قَالَ سُلَيْمَان ) ‏ ‏أَيْ اِبْن دَاوُدَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَنْسُوبًا فِي أَوَائِل الْجِهَاد , وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي تَرْجَمَة سُلَيْمَان مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ \" إِنَّ اللَّه تَعَالَى \" فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء فِي الْأَيْمَان مِنْ كِتَاب كَفَّارَة الْأَيْمَان , وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ فِيهِ \" وَاَيْم الَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّه \" الْحَدِيث هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَفِي سَائِر الطُّرُق كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَة سُلَيْمَان بِغَيْرِ يَمِينٍ , وَاسْتُدِلَّ بِمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِع عَلَى جَوَاز إِضَافَة \" اَيْم \" إِلَى غَيْر لَفْظ الْجَلَالَة , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ نَادِر وَمِنْهُ قَوْل عُرْوَة بْن الزُّبَيْر فِي قِصَّته الْمُتَقَدِّمَة \" لَيْمُنكَ لَئِنْ اِبْتَلَيْتَ فَقَدْ عَافَيْتَ \" فَأَضَافَهَا إِلَى الضَّمِير. ‏"
    },
    {
        "id": "6149",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَرَقَةٌ مِنْ حَرِيرٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَدَاوَلُونَهَا بَيْنَهُمْ وَيَعْجَبُونَ مِنْ حُسْنِهَا وَلِينِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَعْجَبُونَ مِنْهَا قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَمَنَادِيلُ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا ‏ ‏لَمْ يَقُلْ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏وَإِسْرَائِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب فِي ذِكْر مَنَادِيل سَعْد تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْمَنَاقِب وَفِي اللِّبَاس , قَوْله فِي آخِره \" لَمْ يَقُلْ شُعْبَة وَإِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ \" يَعْنِي أَنَّهُمَا رَوَيَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء كَمَا رَوَاهُ أَبُو الْأَحْوَص وَأَنَّ أَبَا الْأَحْوَص اِنْفَرَدَ عَنْهُمَا بِهَذِهِ الزِّيَادَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث شُعْبَة فِي الْمَنَاقِب وَحَدِيث إِسْرَائِيل فِي اللِّبَاس مَوْصُولًا , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَكَذَا رَوَاهُ الْحُسَيْن بْن وَاقِد عَنْ أَبِي إِسْحَاق , كَذَا قَالَ أَبُو عَاصِم أَحْمَد اِبْن جَوَّاسٍ - بِفَتْحِ الْجِيم وَتَشْدِيد الْوَاو ثُمَّ الْمُهْمَلَة - عَنْ أَبِي الْأَحْوَص أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه , وَقَالَ : هُوَ مِنْ الْمُتَخَصِّصِينَ بِأَبِي الْأَحْوَص. قُلْت : وَشَيْخ الْبُخَارِيّ الَّذِي زَادَهَا عَنْ أَبِي الْأَحْوَص هُوَ مُحَمَّد بْن سَلَام , وَقَدْ وَافَقَهُ هَنَّاد اِبْن السُّرِّىّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَص أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ. ‏"
    },
    {
        "id": "6150",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ مِمَّا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ ‏ ‏أَخْبَاءٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏خِبَاءٍ ‏ ‏أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ ‏ ‏أَخْبَائِكَ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏خِبَائِكَ ‏ ‏شَكَّ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏ثُمَّ مَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ أَهْلُ ‏ ‏أَخْبَاءٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏خِبَاءٍ ‏ ‏أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ ‏ ‏أَخْبَائِكَ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏خِبَائِكَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏بِيَدِهِ قَالَتْ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ ‏ ‏رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ قَالَ لَا إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ يَزِيدَ. ‏ ‏قَوْله ( مَا كَانَ مِمَّا عَلَى ظَهْر الْأَرْض أَهْل أَخْبَاءٍ أَوْ خِبَاءٍ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ هَلْ هُوَ بِصِيغَةِ الْجَمْع أَوْ الْإِفْرَاد , وَبَيَّنَ أَنَّ الشَّكَّ مِنْ يَحْيَى وَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن بُكَيْر شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي النَّفَقَات مِنْ رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك عَنْ يُونُس بْن يَزِيد بِلَفْظِ \" أَهْل خِبَاء \" بِالْإِفْرَادِ وَلَمْ يَشُكّ , وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق عَنْبَسَةَ عَنْ يُونُس , وَتَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث فِي أَوَاخِر الْمَنَاقِب. وَقَوْله إِنَّ أَبَا سُفْيَان هُوَ اِبْن حَرْب وَالِد مُعَاوِيَة , وَقَوْله رَجُل مِسِّيك بِكَسْرِ الْمِيم , وَتَشْدِيد السِّين وَبِفَتْحِ الْمِيم وَتَخْفِيف السِّين وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَاب النَّفَقَات , وَقَوْله \" لَا , بِالْمَعْرُوفِ \" الْبَاء مُتَعَلِّقَة بِالْإِنْفَاقِ لَا بِالنَّفْيِ , وَقَدْ مَضَى فِي الْمَنَاقِب بِلَفْظِ \" فَقَالَ لَا إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ \" وَهِيَ أَوْضَحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6151",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُضِيفٌ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةٍ مِنْ ‏ ‏أَدَمٍ ‏ ‏يَمَانٍ إِذْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ ‏ ‏أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالُوا بَلَى قَالَ أَفَلَمْ تَرْضَوْا أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالُوا بَلَى قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عُثْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَوْدِيُّ ‏ ‏وَشُرَيْح ‏ ‏بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَالْحَاء الْمُهْمَلَة , ‏ ‏وَإِبْرَاهِيم بْن يُوسُف ‏ ‏أَيْ اِبْن إِسْحَاق بْن أَبِي إِسْحَاق السَّبِيعِيّ فَأَبُو إِسْحَاق جَدُّ يُوسُفَ وَالسَّنَد كُلّه كُوفِيُّونَ , وَمَضَى شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الرِّقَاقِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6152",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ ‏ ‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ‏ ‏يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِل ثُلُث الْقُرْآن تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي فَضَائِل الْقُرْآن. ‏"
    },
    {
        "id": "6153",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَبَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي إِذَا مَا رَكَعْتُمْ وَإِذَا مَا سَجَدْتُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ وَحَبَّان بِفَتْحِ أَوَّله ثُمَّ الْمُوَحَّدَة وَتَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي صِفَة الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "6154",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أَتَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَهَا أَوْلَادٌ لَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏إِنَّكُمْ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ رَاهْوَيْهِ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهَا وَلَا عَلَى أَسْمَاء أَوْلَادهَا. ‏ ‏قَوْله ( مَعَهَا أَوْلَادهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ أَوْلَاد لَهَا. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّكُمْ لَأَحَبُّ النَّاس إِلَيَّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار , وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث جَوَاز الْحَلِف بِاَللَّهِ تَعَالَى , وَقَالَ قَوْم : يُكْرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ ) وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا عَجَزَ عَنْ الْوَفَاء بِهَا , وَيُحْمَل مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ فِي طَاعَةٍ أَوْ دَعَتْ إِلَيْهَا حَاجَة كَتَأْكِيدِ أَمْر أَوْ تَعْظِيم مَنْ يَسْتَحِقّ التَّعْظِيم , أَوْ كَانَ فِي دَعْوَى عِنْد الْحَاكِم , وَكَانَ صَادِقًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6155",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَدْرَكَ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ ‏ ‏أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَهُوَ يَسِير ) ‏ ‏هَذَا السِّيَاق يَقْتَضِي أَنَّ الْخَبَر مِنْ مُسْنَد اِبْن عُمَر , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر , وَلَمْ أَرَ عَنْ نَافِع فِي ذَلِكَ اِخْتِلَافًا إِلَّا مَا حَكَى يَعْقُوب بْن شَيْبَة أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر الْعُمَرِيَّ الضَّعِيف الْمُكَبَّر رَوَاهُ عَنْ نَافِع فَقَالَ \" عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر \" قَالَ وَرَوَاهُ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر الْعُمَرِيّ الْمُصَغَّر الثِّقَة عَنْ نَافِع فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ \" عَنْ عُمَر \" وَهَكَذَا رَوَاهُ الثِّقَات عَنْ نَافِع , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَيُّوب عَنْ نَافِع أَنَّ عُمَر لَمْ يَقُلْ فِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر. قُلْت : قَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَيُّوب فَذَكَرَهُ , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب نَافِع بِمُوَافَقَةِ مَالِك , وَوَقَعَ لِلْمِزِّيِّ فِي \" الْأَطْرَاف \" أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْكَرِيم \" عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" فِي مُسْنَد عُمَر , وَهُوَ مُعْتَرَض فَإِنَّ مُسْلِمًا سَاقَ أَسَانِيده فِيهِ إِلَى سَبْعَة أَنْفُس مِنْ أَصْحَاب نَافِع مِنْهُمْ عَبْد الْكَرِيم ثُمَّ قَالَ سَبْعَتهمْ \" عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّة , وَقَدْ أَوْرَدَ الْمِزِّيُّ طُرُق السِّتَّة الْآخَرِينَ فِي مُسْنَد اِبْن عُمَر عَلَى الصَّوَاب وَوَقَعَ الِاخْتِلَاف فِي رِوَايَة سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ كَمَا أَشَارَ الْمُصَنِّف إِلَيْهِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ. ‏ ‏قَوْله ( فِي رَكْبٍ ) ‏ ‏فِي مُسْنَد يَعْقُوب بْن شَيْبَة مِنْ طَرِيق اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر \" بَيْنَا أَنَا رَاكِب أَسِير فِي غَزَاة مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( يَحْلِف بِأَبِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن شِهَاب \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ عُمَر وَهُوَ يَحْلِف بِأَبِيهِ وَهُوَ يَقُول وَأَبِي وَأَبِي \" وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر مِنْ الزِّيَادَة \" وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَلَا إِنَّ اللَّه يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ نَافِع \" فَنَادَاهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَوَقَعَ فِي مُصَنَّف اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة قَالَ \" قَالَ عُمَر : حَدَّثْت قَوْمًا حَدِيثًا فَقُلْت : لَا وَأَبِي , فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي. لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ , فَالْتَفَتّ فَإِذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : لَوْ أَنَّ أَحَدكُمْ حَلَفَ بِالْمَسِيحِ هَلَكَ وَالْمَسِيح خَيْر مِنْ آبَائِكُمْ \" وَهَذَا مُرْسَلٌ يَتَقَوَّى بِشَوَاهِدِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر \" عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُول لَا وَالْكَعْبَةِ , فَقَالَ : لَا تَحْلِفْ بِغَيْرِ اللَّه , فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّه فَقَدْ كَفَرَ , أَوْ أَشْرَكَ \" قَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَنٌ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَالتَّعْبِير بِقَوْلِهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْر وَالتَّغْلِيظ فِي ذَلِكَ , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ ) ‏ ‏قَالَ الْعُلَمَاء : السِّرّ فِي النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه أَنَّ الْحَلِفَ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي تَعْظِيمَهُ وَالْعَظَمَة فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هِيَ لِلَّهِ وَحْدَهُ , وَظَاهِر الْحَدِيث تَخْصِيص الْحَلِف بِاَللَّهِ خَاصَّة , لَكِنْ قَدْ اِتَّفَقَ الْفُقَهَاء عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ تَنْعَقِد بِاَللَّهِ وَذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الْعَلِيَّةِ , وَاخْتَلَفُوا فِي اِنْعِقَادهَا بِبَعْضِ الصِّفَات كَمَا سَبَقَ , وَكَأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" بِاَللَّهِ \" الذَّات لَا خُصُوص لَفْظ اللَّه , وَأَمَّا الْيَمِين بِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ الْمَنْع فِيهَا , وَهَلْ الْمَنْع لِلتَّحْرِيمِ ؟ قَوْلَانِ عِنْد الْمَالِكِيَّة , كَذَا قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد , وَالْمَشْهُور عِنْدهمْ الْكَرَاهَة , وَالْخِلَاف أَيْضًا عِنْد الْحَنَابِلَة لَكِنْ الْمَشْهُور عِنْدهمْ التَّحْرِيم , وَبِهِ جَزَمَ الظَّاهِرِيَّة. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَا يَجُوز الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه بِالْإِجْمَاعِ , وَمُرَاده بِنَفْيِ الْجَوَاز الْكَرَاهَة أَعَمّ مِنْ التَّحْرِيم وَالتَّنْزِيه , فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْيَمِين بِغَيْرِ اللَّه مَكْرُوهَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا لَا يَجُوز لِأَحَدٍ الْحَلِفُ بِهَا , وَالْخِلَاف مَوْجُود عِنْد الشَّافِعِيَّة مِنْ أَجْل قَوْل الشَّافِعِيّ : أَخْشَى أَنْ يَكُون الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه مَعْصِيَة , فَأَشْعَرَ بِالتَّرَدُّدِ , وَجُمْهُور أَصْحَابه عَلَى أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ : الْمَذْهَب الْقَطْع بِالْكَرَاهَةِ , وَجَزَمَ غَيْره بِالتَّفْصِيلِ , فَإِنْ اِعْتَقَدَ فِي الْمَحْلُوف فِيهِ مِنْ التَّعْظِيم مَا يَعْتَقِدهُ فِي اللَّه حَرُمَ الْحَلِف بِهِ وَكَانَ بِذَلِكَ الِاعْتِقَاد كَافِرًا , وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُور , وَأَمَّا إِذَا حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّه لِاعْتِقَادِهِ تَعْظِيم الْمَحْلُوف بِهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ التَّعْظِيم فَلَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ وَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يُحَلِّفَ أَحَدًا بِغَيْرِ اللَّه لَا بِطَلَاقٍ وَلَا عَتَاقٍ وَلَا نَذْرٍ , وَإِذَا حَلَّفَ الْحَاكِمُ أَحَدًا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَزْلُهُ لِجَهْلِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6156",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ { ‏أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ ‏} ‏يَأْثُرُ عِلْمًا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏وَالزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏وَمَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏سَمِعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عُمَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد الْأَيْلِيُّ , فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ حَرْمَلَة عَنْ اِبْن وَهْب \" أَخْبَرَنِي يُونُسُ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّه يَنْهَاكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ اِبْن شِهَاب بِهَذَا السَّنَد \" عَنْ عُمَر سَمِعَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَحْلِف بِأَبِي فَقَالَ : إِنَّ اللَّه \" فَذَكَرَ الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ هَكَذَا. ‏ ‏قَوْله ( فَوَاَللَّهِ مَا حَلَفْت بِهَا مُنْذُ سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ \" يَنْهَى عَنْهَا \". ‏ ‏قَوْلُهُ ( ذَاكِرًا ) ‏ ‏أَيْ عَامِدًا. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا آثِرًا ) ‏ ‏بِالْمَدِّ وَكَسْر الْمُثَلَّثَة أَيْ حَاكِيًا عَنْ الْغَيْر , أَيْ مَا حَلَفْت بِهَا وَلَا حَكَيْت ذَلِكَ عَنْ غَيْرِي , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْد مُسْلِم \" مَا حَلَفْت بِهَا مُنْذُ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهَا , وَلَا تَكَلَّمْت بِهَا \" وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ هَذَا التَّفْسِير لِتَصْدِيرِ الْكَلَام بِحَلَفْتُ وَالْحَاكِي عَنْ غَيْره لَا يُسَمَّى حَالِفًا , وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْعَامِل فِيهِ مَحْذُوفًا أَيْ وَلَا ذَكَرْتهَا آثِرًا عَنْ غَيْرِي , أَوْ يَكُون ضَمَّنَ حَلَفْت مَعْنَى تَكَلَّمْت وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةُ عُقَيْل. وَجَوَّزَ شَيْخُنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ لِقَوْلِهِ آثِرًا مَعْنًى آخَر أَيْ مُخْتَارًا , يُقَال آثَرَ الشَّيْء إِذَا اِخْتَارَهُ , فَكَأَنَّهُ قَالَ وَلَا حَلَفْت بِهَا مُؤْثِرًا لَهَا عَلَى غَيْرهَا , قَالَ شَيْخنَا : وَيَحْتَمِل أَنْ يَرْجِع قَوْله آثِرًا إِلَى مَعْنَى التَّفَاخُر بِالْآبَاءِ فِي الْإِكْرَام لَهُمْ , وَمِنْهُ قَوْلهمْ مَأْثُرَة وَمَآثِر وَهُوَ مَا يُرْوَى مِنْ الْمَفَاخِر فَكَأَنَّهُ قَالَ : مَا حَلَفْت بِآبَائِي ذَاكِرًا لِمَآثِرِهِمْ. وَجَوَّزَ فِي قَوْله \" ذَاكِرًا \" أَنْ يَكُون مِنْ الذُّكْر بِضَمِّ الْمُعْجَمَة كَأَنَّهُ اِحْتَرَزَ عَنْ أَنْ يَكُون يَنْطِق بِهَا نَاسِيًا , وَهُوَ يُنَاسِب تَفْسِير آثِرًا بِالِاخْتِيَارِ كَأَنَّهُ قَالَ لَا عَامِدًا وَلَا مُخْتَارًا. وَجَزَمَ اِبْن التِّين فِي شَرْحه بِأَنَّهُ مِنْ الذِّكْر بِالْكَسْرِ لَا بِالضَّمِّ , قَالَ : وَإِنَّمَا هُوَ لَمْ أَقُلْهُ مِنْ قِبَل نَفْسِي وَلَا حَدَّثْت بِهِ عَنْ غَيْرِي أَنَّهُ حَلَفَ بِهِ , قَالَ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : يُرِيد مَا حَلَفْت بِهَا وَلَا ذَكَرْت حَلِفَ غَيْرِي بِهَا كَقَوْلِهِ : إِنَّ فُلَانًا قَالَ وَحَقِّ أَبِي مَثَلًا. وَاسْتُشْكِلَ أَيْضًا أَنَّ كَلَام عُمَر الْمَذْكُور يَقْتَضِي أَنَّهُ تَوَرَّعَ عَنْ النُّطْق بِذَلِكَ مُطْلَقًا فَكَيْف نَطَقَ بِهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّة ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اُغْتُفِرَ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ التَّبْلِيغِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ مُجَاهِد أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم يَأْثُر عِلْمًا ) ‏ ‏كَذَا فِي جَمِيع النُّسَخ يَأْثُر بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة , وَهَذَا الْأَثَر وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيّ فِي تَفْسِيره عَنْ وَرْقَاء عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى ( اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ ) قَالَ : أَحَد يَأْثُر عِلْمًا , فَكَأَنَّهُ سَقَطَ أَحَد مِنْ أَصْل الْبُخَارِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْأَحْقَاف النَّقْل عَنْ أَبِي عُبَيْدَة وَغَيْره فِي بَيَان هَذِهِ اللَّفْظَة وَالِاخْتِلَاف فِي قِرَاءَتهَا وَمَعْنَاهَا , وَذَكَرَ الصَّغَانِيُّ وَغَيْره أَنَّهُ قُرِئَ أَيْضًا إِثَارَة بِكَسْرِ أَوَّله وَأَثَرَة بِفَتْحَتَيْنِ وَسُكُون ثَانِيه مَعَ فَتْح أَوَّله وَمَعَ كَسْره , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور هُنَاكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَشَكَّ فِي رَفْعه , وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم مَوْقُوفًا وَهُوَ الرَّاجِح , وَفِي رِوَايَة جَوْدَة الْخَطّ. وَقَالَ الرَّاغِب فِي قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى ( أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ ) : وَقُرِئَ \" أَوْ أَثَرَة \" يَعْنِي بِفَتْحَتَيْنِ , وَهُوَ مَا يُرْوَى أَيْ يُكْتَبُ فَيَبْقَى لَهُ أَثَر , تَقُول أَثَرْت الْعِلْم رَوَيْته آثُرُهُ أَثَرًا وَأَثَارَةً وَأَثَرَةً , وَالْأَصْل فِي أَثَر الشَّيْء حُصُول مَا يَدُلّ عَلَى وُجُوده , وَمُحَصَّل مَا ذَكَرُوهُ ثَلَاثَة أَقْوَال : أَحَدهَا الْبَقِيَّة , وَأَصْله أَثَرْت الشَّيْء أُثِيرُهُ إِثَارَة كَأَنَّهَا بَقِيَّة تُسْتَخْرَج فَتُثَار , الثَّانِي مِنْ الْأَثَر وَهُوَ الرِّوَايَة , الثَّالِث مِنْ الْأَثَر وَهُوَ الْعَلَامَةُ. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ عُقَيْل وَالزُّبَيْدِيّ وَإِسْحَاق فِي الْكَلْبِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏أَمَّا مُتَابَعَة عُقَيْل فَوَصَلَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق اللَّيْث بْن سَعْد عَنْهُ وَقَدْ بَيَّنْت مَا فِيهَا , وَلِلَيْثِ فِيهِ سَنَد آخَر رَوَاهُ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِهِ وَقَدْ مَضَى فِي الْأَدَب. وَأَمَّا مُتَابَعَة الزُّبَيْدِيِّ فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مُخْتَصَرَة مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن حَرْب عَنْ مُحَمَّد بْن الْوَلِيد الزُّبَيْدِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ \" عَنْ عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّه يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ , قَالَ عُمَر : فَوَاَللَّهِ مَا حَلَفْت بِهَا ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا \". وَأَمَّا مُتَابَعَة إِسْحَاق الْكَلْبِيّ وَهُوَ اِبْن يَحْيَى الْحِمْصِيّ فَوَقَعَتْ لَنَا مَوْصُولَة فِي نُسْخَته الْمَرْوِيَّة مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن شَاذَان عَنْ عَبْد الْقُدُّوس بْن مُوسَى الْحِمْصِيِّ عَنْ سُلَيْمِ بْن عَبْد الْحَمِيد عَنْ يَحْيَى بْن صَالِح الْوُحَاظِيّ عَنْ إِسْحَاق وَلَفْظه \" عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" فَذَكَرَ مِثْل رِوَايَة يُونُس عِنْد مُسْلِم , لَكِنْ قَالَ بَعْد قَوْله \" يَنْهَى عَنْهَا \" : وَلَا تَكَلَّمْت بِهَا ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا , فَجَمَعَ بَيْن لَفْظ يُونُس وَلَفْظ عُقَيْل. وَقَدْ صَرَّحَ مُسْلِم بِأَنَّ عُقَيْلًا لَمْ يَقُلْ فِي رِوَايَته ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ وَمَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر : سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَر ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ فَوَصَلَهَا الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَده عَنْهُ بِهَذَا السِّيَاق , وَكَذَا قَالَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَجُمْهُور أَصْحَاب اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْهُ مِنْهُمْ الْإِمَام أَحْمَد , وَقَالَ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن أَبِي عُمَر الْعَدَنِيّ وَمُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن يَزِيد الْمُقْرِئ وَسَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَخْزُومِيّ بِهَذَا السَّنَد عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر \" سَمِعَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَعَلَى مَعْمَر , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان فَقَالَ فِي رِوَايَته \" عَنْ عُمَر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَهُ يَحْلِف بِأَبِيهِ \" قَالَ وَقَالَ عَمْرو النَّاقِد وَغَيْر وَاحِد عَنْ سُفْيَان بِسَنَدِهِ إِلَى اِبْن عُمَر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ عُمَر \". وَأَمَّا رِوَايَة مَعْمَر فَوَصَلَهَا الْإِمَام أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ. وَأَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَد. قُلْت : وَصَنِيع مُسْلِم يَقْتَضِي أَنَّ رِوَايَة مَعْمَر كَذَلِكَ , فَإِنَّهُ صَدَّرَ بِرِوَايَةِ يُونُس ثُمَّ سَاقَهُ إِلَى عُقَيْل ثُمَّ قَالَ بَعْدهَا \" وَحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم وَعَبْد بْن حُمَيْدٍ قَالَا أَنْبَأَنَا عَبْد الرَّزَّاق أَنْبَأَنَا مَعْمَر \" ثُمَّ قَالَ كِلَاهُمَا : عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَاد أَيْ الْإِسْنَاد الَّذِي سَاقَهُ لِيُونُس مِثْله , أَيْ مِثْل الْمَتْن الَّذِي سَاقَهُ لَهُ. قَالَ : غَيْر أَنَّ فِي حَدِيث عُقَيْل \" وَلَا تَكَلَّمْت بِهَا \" لَكِنْ حَكَى الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ إِسْحَاق اِبْن إِبْرَاهِيم رَوَاهُ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق كَرِوَايَةِ أَحْمَد عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ عَبْد الرَّزَّاق فَقَالَ فِي رِوَايَته عَنْ عُمَر \" سَمِعَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْلِفُ \" وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّد بْن أَبِي السُّرِّيّ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق , وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ عَبْد الْأَعْلَى رَوَاهُ عَنْ مَعْمَر فَلَمْ يَقُلْ فِي السَّنَد \" عَنْ عُمَر \" كَرِوَايَةِ أَحْمَد. ‏ ‏قُلْت : وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده مِنْ رِوَايَة عَبْد الْأَعْلَى قَالَ يَعْقُوب بْن شَيْبَة رَوَاهُ إِسْحَاق بْن يَحْيَى عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَقُلْ عَنْ عُمَر , قُلْت : فَكَانَ الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ رَوَاهُ إِسْحَاق بْن يَحْيَى , وَهُوَ مُتْقِن صَاحِب حَدِيث , وَيُشْبِه أَنْ يَكُون اِبْن عُمَر سَمِعَ الْمَتْن مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقِصَّة الَّتِي وَقَعَتْ لِعُمَرَ مِنْهُ فَحَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد الزَّجْر عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه , وَإِنَّمَا خُصَّ فِي حَدِيث عُمَر بِالْآبَاءِ لِوُرُودِهِ عَلَى سَبَبه الْمَذْكُور , أَوْ خُصَّ لِكَوْنِهِ كَانَ غَالِبًا عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِف بِآبَائِهَا \" وَيَدُلّ عَلَى التَّعْمِيم قَوْله \" مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاَللَّهِ \" وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآن مِنْ الْقَسَم بِغَيْرِ اللَّه فَفِيهِ جَوَابَانِ : أَحَدهمَا أَنَّ فِيهِ حَذْفًا وَالتَّقْدِير وَرَبِّ الشَّمْسِ وَنَحْوه , وَالثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصّ بِاَللَّهِ فَإِذَا أَرَادَ تَعْظِيم شَيْء مِنْ مَخْلُوقَاته أَقْسَمَ بِهِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِمَّا يُخَالِف ذَلِكَ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ \" أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ \" فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل هَذَا الشَّرْح فِي \" بَاب الزَّكَاة مِنْ الْإِسْلَام \" فِي كِتَاب الْإِيمَان الْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ وَأَنَّ فِيهِمْ مَنْ طَعَنَ فِي صِحَّة هَذِهِ اللَّفْظَة , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هَذِهِ اللَّفْظَة غَيْر مَحْفُوظَة وَقَدْ جَاءَتْ عَنْ رَاوِيهَا وَهُوَ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر بِلَفْظِ \" أَفْلَحَ وَاَللَّهِ إِنْ صَدَقَ \" قَالَ : وَهَذَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَة مَنْ رَوَى عَنْهُ بِلَفْظِ أَفْلَحَ وَأَبِيهِ لِأَنَّهَا لَفْظَةٌ مُنْكَرَةٌ تَرُدُّهَا الْآثَارُ الصِّحَاح. وَلَمْ تَقَع فِي رِوَايَة مَالِك أَصْلًا. وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ بَعْض الرُّوَاة عَنْهُ صَحَّفَ قَوْله \" وَأَبِيهِ \" مِنْ قَوْله \" وَاَللَّهِ \" وَهُوَ مُحْتَمَل وَلَكِنَّ مِثْل ذَلِكَ لَا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ , وَقَدْ ثَبَتَ مِثْل ذَلِكَ مِنْ لَفْظ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق فِي قِصَّة السَّارِق الَّذِي سَرَقَ حُلِيَّ اِبْنَتِهِ فَقَالَ فِي حَقِّهِ \" وَأَبِيك مَا لَيْلُك بِلَيْلِ سَارِقٍ \" أَخْرَجَهُ فِي الْمُوَطَّأ وَغَيْره قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَقَدْ وَرَدَ نَحْوه فِي حَدِيث آخَر مَرْفُوع قَالَ لِلَّذِي سَأَلَ أَيُّ الصَّدَقَة أَفْضَل فَقَالَ \" وَأَبِيك لَتُنَبَّأَنَّ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَيُجَاب بِأَجْوِبَةٍ : الْأَوَّل أَنَّ هَذَا اللَّفْظ كَانَ يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مِنْ غَيْر أَنْ يَقْصِدُوا بِهِ الْقَسَم , وَالنَّهْي إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَقّ مَنْ قَصَدَ حَقِيقَة الْحَلِف , وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْبَيْهَقِيُّ , وَقَالَ النَّوَوِيّ : إِنَّهُ الْجَوَاب الْمَرَضِيّ. الثَّانِي أَنَّهُ كَانَ يَقَع فِي كَلَامهمْ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا لِلتَّعْظِيمِ وَالْآخَر لِلتَّأْكِيدِ , وَالنَّهْي إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ الْأَوَّل فَمَنْ أَمْثِلَة مَا وَقَعَ فِي كَلَامهمْ لِلتَّأْكِيدِ لَا لِلتَّعْظِيمِ قَوْل الشَّاعِر \" لَعَمْرُ أَبِي الْوَاشِينَ إِنِّي أُحِبُّهَا \" وَقَوْل الْآخَر. ‏ ‏فَإِنْ تَكُ لَيْلَى اِسْتَوْدَعَتْنِي أَمَانَةً ‏ ‏فَلَا وَأَبِي أَعْدَائِهَا لَا أُذِيعُهَا ‏ ‏فَلَا يُظَنُّ أَنَّ قَائِل ذَلِكَ قَصَدَ تَعْظِيمَ وَالِد أَعْدَائِهَا كَمَا لَمْ يَقْصِد الْآخَر تَعْظِيم وَالِد مَنْ وَشَى بِهِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَصْد بِذَلِكَ تَأْكِيد الْكَلَام لَا التَّعْظِيم. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : هَذَا اللَّفْظ مِنْ جُمْلَة مَا يُزَاد فِي الْكَلَام لِمُجَرَّدِ التَّقْرِير وَالتَّأْكِيد وَلَا يُرَاد بِهِ الْقَسَم , كَمَا تُزَاد صِيغَة النِّدَاء لِمُجَرَّدِ الِاخْتِصَاص دُون الْقَصْد إِلَى النِّدَاء , وَقَدْ تُعُقِّبَ الْجَوَاب بِأَنَّ ظَاهِر سِيَاق حَدِيث عُمَر يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّفهُ لِأَنَّ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّهُ كَانَ يَقُول لَا وَأَبِي لَا وَأَبِي فَقِيلَ لَهُ لَا تَحْلِفُوا , فَلَوْلَا أَنَّهُ أَتَى بِصِيغَةِ الْحَلِف مَا صَادَفَ النَّهْي مَحَلًّا , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضهمْ وَهُوَ الْجَوَاب الثَّالِث : إِنَّ هَذَا كَانَ جَائِزًا ثُمَّ نُسِخَ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ , وَقَالَ السُّبْكِيُّ : أَكْثَر الشُّرَّاح عَلَيْهِ , حَتَّى قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَرُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْلِف بِأَبِيهِ حَتَّى نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ : وَتَرْجَمَة أَبِي دَاوُدَ تَدُلّ عَلَى ذَلِكَ , يَعْنِي قَوْله \" بَاب الْحَلِف بِالْآبَاءِ \" ثُمَّ أَوْرَدَ الْحَدِيث الْمَرْفُوع الَّذِي فِيهِ \" أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ \" قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَلَا يَصِحّ لِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَحْلِف بِغَيْرِ اللَّهِ وَلَا يُقْسِمُ بِكَافِرٍ , تَاللَّهِ إِنَّ ذَلِكَ لَبَعِيدٌ مِنْ شِيمَتِهِ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : دَعْوَى النَّسْخ ضَعِيفَة لِإِمْكَانِ الْجَمْع وَلِعَدَمِ تَحَقُّقِ التَّارِيخ. وَالْجَوَاب الرَّابِع أَنَّ فِي الْجَوَاب حَذْفًا تَقْدِيره أَفْلَحَ وَرَبِّ أَبِيهِ قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ. الْخَامِس أَنَّهُ لِلتَّعَجُّبِ قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ , قَالَ : وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَرِد بِلَفْظِ \" أَبِي \" وَإِنَّمَا وَرَدَ بِلَفْظِ \" وَأَبِيهِ \" أَوْ \" وَأَبِيك \" بِالْإِضَافَةِ إِلَى ضَمِير الْمُخَاطَب حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا. السَّادِس أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِالشَّارِعِ دُون غَيْره مِنْ أُمَّته , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْخَصَائِص لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّه مُطْلَقًا لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ سَوَاء كَانَ الْمَحْلُوف بِهِ يَسْتَحِقّ التَّعْظِيم لِمَعْنًى غَيْر الْعِبَادَة كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَة وَالْعُلَمَاء وَالصُّلَحَاء وَالْمُلُوك وَالْآبَاء وَالْكَعْبَة , أَوْ كَانَ لَا يَسْتَحِقّ التَّعْظِيم كَالْآحَادِ , أَوْ يَسْتَحِقّ التَّحْقِير وَالْإِذْلَال كَالشَّيَاطِينِ وَالْأَصْنَام وَسَائِر مَنْ عُبِدَ مِنْ دُون اللَّه , وَاسْتَثْنَى بَعْض الْحَنَابِلَة مِنْ ذَلِكَ الْحَلِف بِنَبِيِّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : تَنْعَقِد بِهِ الْيَمِين وَتَجِب الْكَفَّارَة بِالْحِنْثِ , فَاعْتَلَّ بِكَوْنِهِ أَحَد رُكْنَيْ الشَّهَادَة الَّتِي لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ. وَأَطْلَقَ اِبْن الْعَرَبِيّ نِسْبَتَهُ لِمَذْهَبِ أَحْمَد وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الْأَيْمَان عِنْد أَحْمَد لَا تَتِمُّ إِلَّا بِفِعْلِ الصَّلَاة فَيَلْزَمهُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِالصَّلَاةِ أَنْ تَنْعَقِد يَمِينه وَيَلْزَمهُ الْكَفَّارَة إِذَا حَنِثَ. وَيُمْكِن الْجَوَاب عَنْ إِيرَاده وَالِانْفِصَال عَمَّا أَلْزَمَهُمْ بِهِ , وَفِيهِ الرَّدّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنْ فَعَلْت كَذَا فَهُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ كَافِرٌ أَنَّهُ يَنْعَقِد يَمِينًا وَمَتَى فَعَلَ تَجِب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة , وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الْحَنَفِيَّة وَالْحَنَابِلَة , وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْ الْخَبَر أَنَّهُ لَمْ يَحْلِف بِاَللَّهِ وَلَا بِمَا يَقُوم مَقَام ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ بَعْدُ , وَفِيهِ أَنَّ مَنْ قَالَ أَقْسَمْت لَأَفْعَلَن كَذَا لَا يَكُون يَمِينًا ; وَعِنْد الْحَنَفِيَّة يَكُون يَمِينًا , وَكَذَا قَالَ مَالِك وَأَحْمَد لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَنْوِيَ بِذَلِكَ الْحَلِف بِاَللَّهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ , وَقَدْ قَالَ بَعْض الشَّافِعِيَّة : إِنْ قَالَ عَلَيَّ أَمَانَةُ اللَّهِ لَأَفْعَلَن كَذَا وَأَرَادَ الْيَمِين أَنَّهُ يَمِين وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي مَعْنَى النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه , فَقَالَتْ طَائِفَة هُوَ خَاصّ بِالْأَيْمَانِ الَّتِي كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَحْلِفُونَ بِهِ تَعْظِيمًا لِغَيْرِ اللَّه تَعَالَى كَاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَالْآبَاء فَهَذِهِ يَأْثَم الْحَالِف بِهَا وَلَا كَفَّارَة فِيهَا , وَأَمَّا مَا كَانَ يَؤُولُ إِلَى تَعْظِيم اللَّه كَقَوْلِهِ وَحَقّ النَّبِيّ وَالْإِسْلَام وَالْحَجّ وَالْعُمْرَة وَالْهَدْي وَالصَّدَقَة وَالْعِتْق وَنَحْوهَا مِمَّا يُرَاد بِهِ تَعْظِيم اللَّه وَالْقُرْبَة إِلَيْهِ فَلَيْسَ دَاخِلًا فِي النَّهْي , وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو عُبَيْد وَطَائِفَة مِمَّنْ لَقِينَاهُ , وَاحْتَجُّوا بِمَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَة مِنْ إِيجَابهمْ عَلَى الْحَالِف بِالْعِتْقِ وَالْهَدْي وَالصَّدَقَة مَا أَوْجَبُوهُ مَعَ كَوْنهمْ رَأَوْا النَّهْي الْمَذْكُور , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْدهمْ لَيْسَ عَلَى عُمُومه ; إِذْ لَوْ كَانَ عَامًّا لَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُوجِبُوا فِيهِ شَيْئًا اِنْتَهَى. ‏ ‏وَتَعَقَّبَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِأَنَّ ذِكْر هَذِهِ الْأَشْيَاء , وَإِنْ كَانَتْ بِصُورَةِ الْحَلِف فَلَيْسَتْ يَمِينًا فِي الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ الِاتِّسَاع , وَلَا يَمِين فِي الْحَقِيقَة إِلَّا بِاَللَّهِ. وَقَالَ الْمُهَلَّب : كَانَتْ الْعَرَب تَحْلِف بِأَبَائِهَا وَآلِهَتِهَا فَأَرَادَ اللَّه نَسْخ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبهمْ لِيُنْسِيَهُمْ ذِكْر كُلّ شَيْء سِوَاهُ وَيَبْقَى ذِكْره ; لِأَنَّهُ الْحَقّ الْمَعْبُود فَلَا يَكُون الْيَمِين إِلَّا بِهِ , وَالْحَلِف بِالْمَخْلُوقَاتِ فِي حُكْم الْحَلِف بِالْآبَاءِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : فِي حَدِيث عُمَر - يَعْنِي حَدِيث الْبَاب - إِنَّ الْيَمِين لَا تَنْعَقِد إِلَّا بِاَللَّهِ وَإِنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْكَعْبَةِ أَوْ آدَم أَوْ جِبْرِيل وَنَحْو ذَلِكَ لَمْ تَنْعَقِد يَمِينه وَلَزِمَهُ الِاسْتِغْفَار لِإِقْدَامِهِ عَلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ وَلَا كَفَّارَة فِي ذَلِكَ , وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآن مِنْ الْقَسَم بِشَيْءٍ مِنْ الْمَخْلُوقَات فَقَالَ الشَّعْبِيّ : فَالْخَالِق يُقْسِم بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ وَالْمَخْلُوق لَا يُقْسِم إِلَّا بِالْخَالِقِ , قَالَ : وَلَأَنْ أُقْسِمَ بِاَللَّهِ فَأَحْنَثَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقْسِمَ بِغَيْرِهِ فَأَبَرَّ. وَجَاءَ مِثْله عَنْ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَابْن عُمَر. ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ مُطَرِّف عَنْ عَبْد اللَّه أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا أَقْسَمَ اللَّه بِهَذِهِ الْأَشْيَاء لِيُعْجِب بِهَا الْمَخْلُوقِينَ وَيُعَرِّفَهُمْ قُدْرَتَهُ لِعِظَمِ شَأْنهَا عِنْدهمْ وَلِدَلَالَتِهَا عَلَى خَالِقهَا , وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى مَنْ وَجَبَتْ لَهُ يَمِين عَلَى آخَر فِي حَقٍّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَحْلِف لَهُ إِلَّا بِاَللَّهِ , فَلَوْ حَلَفَ لَهُ بِغَيْرِهِ وَقَالَ نَوَيْت رَبَّ الْمَحْلُوفِ بِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يَمِينًا. وَقَالَ اِبْن هُبَيْرَة فِي كِتَاب الْإِجْمَاع : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْيَمِين مُنْعَقِدَة بِاَللَّهِ وَبِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَبِجَمِيعِ صِفَات ذَاتِهِ كَعِزَّتِهِ وَجَلَاله وَعِلْمِهِ وَقُوَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ , وَاسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَة عِلْمَ اللَّه فَلَمْ يَرَهُ يَمِينًا , وَكَذَا حَقّ اللَّه , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْلَفُ بِمُعَظَّمٍ غَيْرِ اللَّهِ كَالنَّبِيِّ , وَانْفَرَدَ أَحْمَد فِي رِوَايَة فَقَالَ تَنْعَقِد , وَقَالَ عِيَاض : لَا خِلَاف بَيْن فُقَهَاء الْأَمْصَار أَنَّ الْحَلِف بِأَسْمَاءِ اللَّه وَصِفَاته لَازِم إِلَّا مَا جَاءَ عَنْ الشَّافِعِيّ مِنْ اِشْتِرَاط نِيَّة الْيَمِين فِي الْحَلِف بِالصِّفَاتِ , وَإِلَّا فَلَا كَفَّارَة , وَتُعُقِّبَ إِطْلَاقُهُ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيّ , وَإِنَّمَا يَحْتَاج إِلَى النِّيَّة عِنْده مَا يَصِحّ إِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَعَلَى غَيْره. وَأَمَّا مَا لَا يُطْلَق فِي مَعْرِض التَّعْظِيم شَرْعًا إِلَّا عَلَيْهِ تَنْعَقِد الْيَمِين بِهِ وَتَجِب الْكَفَّارَة إِذَا حَنِثَ كَمُقَلِّبِ الْقُلُوب وَخَالِق الْخَلْق وَرَازِق كُلّ حَيّ , وَرَبّ الْعَالَمِينَ وَفَالِق الْحَبّ وَبَارِئ النَّسَمَة , وَهَذَا فِي حُكْم الصَّرِيح كَقَوْلِهِ وَاَللَّه , وَفِي وَجْه لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّة أَنَّ الصَّرِيح اللَّه فَقَطْ , وَيَظْهَر أَثَر الْخِلَاف فِيمَا لَوْ قَالَ قَصَدْت غَيْر اللَّه هَلْ يَنْفَعهُ فِي عَدَم الْحِنْث , وَسَيَأْتِي زِيَادَة تَفْصِيل فِيمَا يَتَعَلَّق بِالصِّفَاتِ فِي بَاب الْحَلِف بِعِزَّةِ اللَّه وَصِفَاته , وَالْمَشْهُور عَنْ الْمَالِكِيَّة التَّعْمِيم , وَعَنْ أَشْهَب التَّفْصِيل فِي مِثْل وَعِزَّة اللَّه إِنْ أَرَادَ الَّتِي جَعَلَهَا بَيْن عِبَادَة فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ , وَقِيَاسه أَنْ يَطَّرِد فِي كُلّ مَا يَصِحّ إِطْلَاقه عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْره , وَقَالَ بِهِ اِبْن سَحْنُونٍ مِنْهُمْ فِي عِزَّة اللَّه. وَفِي الْعُتْبِيَّة أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْمُصْحَفِ لَا تَنْعَقِد , وَاسْتَنْكَرَهُ بَعْضهمْ ثُمَّ أَوَّلَهَا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد إِذَا أَرَادَ جِسْم الْمُصْحَف , وَالتَّعْمِيم عِنْد الْحَنَابِلَة حَتَّى لَوْ أَرَادَ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَة الْمَعْلُوم وَالْمَقْدُور اِنْعَقَدَتْ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث زِيَادَةٌ أَخْرَجَهَا اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقه بِلَفْظِ \" سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَحْلِف بِأَبِيهِ فَقَالَ : لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ فَلْيَصْدُقْ وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاَللَّهِ فَلْيَرْضَ وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ مِنْ اللَّه \" وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "6157",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6158",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَهْدَمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ ‏ ‏جَرْمٍ ‏ ‏وَبَيْنَ ‏ ‏الْأَشْعَرِيِّينَ ‏ ‏وُدٌّ وَإِخَاءٌ فَكُنَّا عِنْدَ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي تَيْمِ اللَّهِ ‏ ‏أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مِنْ الْمَوَالِي فَدَعَاهُ إِلَى الطَّعَامِ فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهُ فَقَالَ قُمْ فَلَأُحَدِّثَنَّكَ عَنْ ذَاكَ إِنِّي أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏نَفَرٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَشْعَرِيِّينَ ‏ ‏نَسْتَحْمِلُهُ فَقَالَ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِنَهْبِ ‏ ‏إِبِلٍ فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ أَيْنَ النَّفَرُ ‏ ‏الْأَشْعَرِيُّونَ ‏ ‏فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ‏ ‏ذَوْدٍ ‏ ‏غُرِّ ‏ ‏الذُّرَى ‏ ‏فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا مَا صَنَعْنَا حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَحْمِلُنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا ثُمَّ حَمَلَنَا تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمِينَهُ وَاللَّهِ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ إِنَّا أَتَيْنَاكَ لِتَحْمِلَنَا فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا وَمَا عِنْدَكَ مَا تَحْمِلُنَا فَقَالَ إِنِّي لَسْتُ أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ‏ ‏وَتَحَلَّلْتُهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي قِصَّة الَّذِي حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ الدَّجَاجَ وَفِيهِ قِصَّة أَبِي مُوسَى مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اِسْتَحْمَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَشْعَرِيِّينَ وَفِيهِ \" لَا أَحْلِف عَلَى يَمِين فَأَرَى غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْت \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح مَا يَتَعَلَّق بِالدَّجَاجِ , وَبِمَا وَقَعَ فِي صَدْر الْحَدِيث مِنْ قِصَّة الرَّجُل الْجَرْمِيّ وَتَسْمِيَته فِي كِتَاب الذَّبَائِح , وَيَأْتِي شَرْح قِصَّته فِي كَفَّارَات الْأَيْمَان ; وَقَوْله فِي السَّنَد \" عَبْد الْوَهَّاب \" هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ , وَأَيُّوب هُوَ السَّخْتِيَانِيّ وَالْقَاسِم التَّيْمِيُّ هُوَ اِبْن عَاصِم بَصْرِيٌّ تَابِعِيٌّ وَهُوَ مِنْ صِغَار شُيُوخ أَيُّوب , قَالَ اِبْن الْمُنِير : أَحَادِيث الْبَاب مُطَابِقَةٌ لِلتَّرْجَمَةِ إِلَّا حَدِيث أَبِي مُوسَى , لَكِنْ يُمْكِن أَنْ يُقَال : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ عَنْ أَيْمَانه أَنَّهَا تَقْتَضِي الْكَفَّارَة , وَاَلَّذِي يَشْرَح تَكْفِيرَهُ مَا كَانَ الْحَلِف فِيهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْلِف إِلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6159",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6160",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ وَكَانَ يَلْبَسُهُ فَيَجْعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ فَصَنَعَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الْخَاتِمَ وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ فَرَمَى بِهِ ثُمَّ قَالَ وَاللَّهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي لُبْس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَم الذَّهَب وَفِيهِ \" فَرَمَى بِهِ ثُمَّ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر كِتَاب اللِّبَاس. وَقَدْ أَطْلَقَ بَعْض الشَّافِعِيَّة أَنَّ الْيَمِين بِغَيْرِ اِسْتِحْلَافٍ تُكْرَه فِيمَا لَمْ يَكُنْ طَاعَة , وَالْأَوْلَى أَنْ يُعَبَّر بِمَا فِيهِ مَصْلَحَة. قَالَ اِبْن الْمُنِير : مَقْصُود التَّرْجَمَة أَنْ يُخْرِج مِثْل هَذَا مِنْ قَوْله تَعَالَى ( وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ ) يَعْنِي عَلَى أَحَد التَّأْوِيلَات فِيهَا لِئَلَّا يُتَخَيَّل أَنَّ الْحَالِف قَبْل أَنْ يُسْتَحْلَفَ يَرْتَكِبُ النَّهْيَ , فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ النَّهْي يَخْتَصّ بِمَا لَيْسَ فِيهِ قَصْد صَحِيح كَتَأْكِيدِ الْحُكْم , كَاَلَّذِي وَرَدَ فِي حَدِيث الْبَاب مِنْ مَنْع لُبْس خَاتَمِ الذَّهَبِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6161",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ قَالَ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْن أَسَد حَدَّثَنَا وُهَيْب ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَنْ أَكْفَرَ أَخَاهُ \" عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ وُهَيْب كَاَلَّذِي هُنَا , وَقِيلَ ذَلِكَ فِي \" بَاب مَا يُنْهَى مِنْ السِّبَاب وَاللَّعْن \" مِنْ كِتَاب الْأَدَب أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَلِيِّ بْن الْمُبَارَك عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير بِسَنَدِهِ بِزِيَادَة \" وَلَيْسَ عَلَى اِبْن آدَم نَذْر فِيمَا لَا يَمْلِك \" وَسِيَاقه أَتَمُّ مِنْ سِيَاق غَيْره فَإِنَّ مَدَاره فِي الْكُتُب السِّتَّة وَغَيْرهَا عَلَى أَبِي قِلَابَةَ عَنْ ثَابِت بْن الضَّحَّاك , وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ خَالِد الْحَذَّاء وَيَحْيَى اِبْن أَبِي كَثِير وَأَيُّوب فَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الْجَنَائِز مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْعٍ عَنْ خَالِد الْحَذَّاء فَاقْتَصَرَ عَلَى خَصْلَتَيْنِ : الْأُولَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِد وَمِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ أَيُّوب كَذَلِكَ , وَأَشَرْت إِلَى رِوَايَة عَلَى بْن الْمُبَارَك عَنْ يَحْيَى وَأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ خَمْس خِصَال , الْأَرْبَع الْمَذْكُورَات فِي الْبَاب وَالْخَامِسَة الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق هِشَام الدُّسْتِوَائِيِّ عَنْ يَحْيَى فَذَكَرَ خَصْلَة النَّذْر وَلَعْن الْمُؤْمِن كَقَتْلِهِ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسه بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وَلَمْ يَذْكُرْ الْخَصْلَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ وَزَادَ بَدَلَهُمَا \" وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين صَبْر فَاجِرَة , وَمَنْ اِدَّعَى دَعْوَى كَاذِبَة لِيَتَكَثَّر بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّه إِلَّا قِلَّة \" فَإِذَا ضُمَّ بَعْض هَذِهِ الْخِصَال إِلَى بَعْض اِجْتَمَعَ مِنْهَا تِسْعَة , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى قَوْله وَلَعْن الْمُؤْمِن كَقَتْلِهِ هُنَاكَ , وَالْكَلَام عَلَى قَوْله \" وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ \" فِي \" بَاب مَنْ أَكْفَرَ أَخَاهُ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمُبَارَك \" وَمَنْ قَذَفَ \" بَدَل \" رَمَى \" وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. وَأَمَّا قَوْله \" وَمَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّة الْإِسْلَام \" فَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمُبَارَك \" مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّة غَيْر الْإِسْلَام \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين بِمِلَّة غَيْر الْإِسْلَام كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ \" قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الْحَلِف بِالشَّيْءِ حَقِيقَة هُوَ الْقَسَم بِهِ وَإِدْخَال بَعْض حُرُوف الْقَسَم عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ وَاَللَّه وَالرَّحْمَن , وَقَدْ يُطْلَق عَلَى التَّعْلِيق بِالشَّيْءِ يَمِينٌ كَقَوْلِهِمْ مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ فَالْمُرَاد تَعْلِيق الطَّلَاق وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ الْحَلِف لِمُشَابَهَتِهِ بِالْيَمِينِ فِي اِقْتِضَاء الْحِنْث وَالْمَنْع , وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد الْمَعْنَى الثَّانِي لِقَوْلِهِ \" كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا \" وَالْكَذِب يَدْخُل الْقَضِيَّة الْإِخْبَارِيَّة الَّتِي يَقَع مُقْتَضَاهَا تَارَة , وَلَا يَقَع أُخْرَى , وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلنَا وَاَللَّهِ وَمَا أَشْهَدُ فَلَيْسَ الْإِخْبَار بِهَا عَنْ أَمْر خَارِجِيّ بَلْ هِيَ لِإِنْشَاءِ الْقَسَم فَتَكُون صُورَة الْحَلِف هُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَتَعَلَّق بِالْمُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ إِنْ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ يَهُودِيٌّ , وَالثَّانِي يَتَعَلَّق بِالْمَاضِي كَقَوْلِهِ إِنْ كَانَ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ يَهُودِيٌّ , وَقَدْ يَتَعَلَّق بِهَذَا مَنْ لَمْ يَرَ فِيهِ الْكَفَّارَة لِكَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ كَفَّارَةً بَلْ جَعَلَ الْمُرَتَّب عَلَى كَذِبِهِ قَوْله \" فَهُوَ كَمَا قَالَ \" قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَلَا يَكْفُرُ فِي صُورَة الْمَاضِي إِلَّا إِنْ قَصَدَ التَّعْظِيم , وَفِيهِ خِلَاف عِنْد الْحَنَفِيَّة لِكَوْنِهِ يَتَخَيَّر مَعْنًى فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ هُوَ يَهُودِيّ , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنْ كَانَ لَا يَعْلَم أَنَّهُ يَمِين لَمْ يَكْفُر وَإِنْ كَانَ يَعْلَم أَنَّهُ يَكْفُر بِالْحِنْثِ بِهِ كَفَرَ لِكَوْنِهِ رَضِيَ بِالْكُفْرِ حِين أَقْدَمَ عَلَى الْفِعْل , وَقَالَ بَعْض الشَّافِعِيَّة : ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُ يُحْكَم عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ إِذَا كَانَ كَاذِبًا , وَالتَّحْقِيق التَّفْصِيل فَإِنْ اِعْتَقَدَ تَعْظِيم مَا ذَكَرَ كَفَرَ وَإِنْ قَصَدَ حَقِيقَة التَّعْلِيق فَيُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَكُون مُتَّصِفًا بِذَلِكَ كَفَرَ ; لِأَنَّ إِرَادَة الْكُفْرِ كُفْرٌ , وَإِنْ أَرَادَ الْبُعْد عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَكْفُرْ , لَكِنْ هَلْ يَحْرُم عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوْ يُكْرَه تَنْزِيهًا ؟ الثَّانِي هُوَ الْمَشْهُور. وَقَوْله \" كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا \" قَالَ عِيَاض : تَفَرَّدَ بِزِيَادَتِهَا سُفْيَان الثَّوْرِيُّ وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ يُسْتَفَاد مِنْهَا أَنَّ الْحَالِف الْمُتَعَمِّدَ إِنْ كَانَ مُطْمَئِنَّ الْقَلْب بِالْإِيمَانِ وَهُوَ كَاذِب فِي تَعْظِيم مَا لَا يَعْتَقِد تَعْظِيمه لَمْ يَكْفُرْ , وَإِنْ قَالَهُ مُعْتَقِدًا لِلْيَمِينِ بِتِلْكَ الْمِلَّة لِكَوْنِهَا حَقًّا كَفَرَ , وَإِنْ قَالَهَا لِمُجَرَّدِ التَّعْظِيم لَهَا اِحْتَمَلَ. قُلْت : وَيَنْقَدِح بِأَنْ يُقَال إِنْ أَرَادَ تَعْظِيمهَا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَتْ قَبْل النَّسْخ لَمْ يَكْفُرْ أَيْضًا. وَدَعْوَاهُ أَنَّ سُفْيَان تَفَرَّدَ بِهَا إِنْ أَرَادَ بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ مُسْلِم فَعَسَى فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ أَيُّوب وَسُفْيَان عَنْ خَالِد الْحَذَّاء جَمِيعًا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَبَيَّنَ أَنَّ لَفْظ \" مُتَعَمِّدًا \" لِسُفْيَان , وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا سُفْيَان فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْجَنَائِز مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن ذُرَيْع عَنْ خَالِد , وَكَذَا أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَبِي عَدِيّ عَنْ خَالِد , وَلِهَذِهِ الْخَصْلَة فِي حَدِيث ثَابِت بْن الضَّحَّاك شَاهِد مِنْ حَدِيث بُرَيْدَة أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيق الْحُسَيْن عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَة عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ \" مَنْ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَام فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ , وَإِنْ كَانَ صَادِقًا لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْلَام سَالِمًا \" يَعْنِي إِذَا حَلَفَ بِذَلِكَ , وَهُوَ يُؤَيِّد التَّفْصِيلَ الْمَاضِيَ , وَيُخَصَّص بِهَذَا عُمُوم الْحَدِيث الْمَاضِي , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهَذَا الْكَلَام التَّهْدِيد وَالْمُبَالَغَة فِي الْوَعِيد لَا الْحُكْم , وَكَأَنَّهُ قَالَ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ مِثْلَ عَذَاب مَنْ اِعْتَقَدَ مَا قَالَ , وَنَظِيره \" مَنْ تَرَكَ الصَّلَاة فَقَدْ كَفَرَ \" أَيْ اِسْتَوْجَبَ عُقُوبَةَ مَنْ كَفَرَ , وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : قَوْله \" فَهُوَ كَمَا قَالَ \" لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقه فِي نِسْبَتِهِ إِلَى الْكُفْر بَلْ الْمُرَاد أَنَّهُ كَاذِب كَكَذِبِ الْمُعَظِّمِ لِتِلْكَ الْجِهَة. ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ \" وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة \" وَقَوْله بِشَيْءٍ أَعَمّ مِمَّا وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" بِحَدِيدَةٍ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا \" قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : هَذَا مِنْ بَاب مُجَانَسَة الْعُقُوبَات الْأُخْرَوِيَّة لِلْجِنَايَاتِ الدُّنْيَوِيَّة , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ جِنَايَة الْإِنْسَان عَلَى نَفْسه كَجِنَايَتِهِ عَلَى غَيْره فِي الْإِثْم لِأَنَّ نَفْسه لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُ مُطْلَقًا بَلْ هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَتَصَرَّف فِيهَا إِلَّا بِمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ. قِيلَ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَوْجَبَ الْمُمَاثَلَة فِي الْقِصَاص خِلَافًا لِمَنْ خَصَّصَهُ بِالْمُحَدّد , وَرَدَّهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد بِأَنَّ أَحْكَام اللَّه لَا تُقَاسُ بِأَفْعَالِهِ , فَلَيْسَ كُلّ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ يَفْعَلهُ فِي الْآخِرَة يُشْرَعُ لِعِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا كَالتَّحْرِيقِ بِالنَّارِ مَثَلًا وَسَقْي الْحَمِيم الَّذِي يُقَطَّع بِهِ الْأَمْعَاء , وَحَاصِله أَنَّهُ يُسْتَدَلّ لِلْمُمَاثِلَةِ فِي الْقِصَاص بِغَيْرِ هَذَا الْحَدِيث وَقَدْ اِسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) وَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي كِتَاب الْقِصَاص وَالدِّيَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6162",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَشْعَثَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَشْعَثَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَرَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( بِإِبْرَارِ الْمُقْسِم ) ‏ ‏أَيْ بِفِعْلِ مَا أَرَادَهُ الْحَالِف لِيَصِيرَ بِذَلِكَ بَارًّا , وَهَذَا أَيْضًا طَرَف مِنْ حَدِيث أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا فِي مَوَاضِع بَيَّنْتهَا وَذَكَرْت كَيْفِيَّة مَا أَخْرَجَهَا فِي كِتَاب اللِّبَاس وَفِي أَوَّل كِتَاب الِاسْتِئْذَان , وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْط السِّين فَالْمَشْهُور أَنَّهَا بِالْكَسْرِ وَضَمّ أَوَّله عَلَى أَنَّهُ اِسْم فَاعِل , وَقِيلَ بِفَتْحِهَا أَيْ الْإِقْسَام , وَالْمَصْدَر قَدْ يَأْتِي لِلْمَفْعُولِ مِثْل أَدْخَلْته مُدْخَلًا بِمَعْنَى الْإِدْخَال وَكَذَا أَخْرَجْته. وَأَشْعَث الْمَذْكُور فِي السَّنَد هُوَ اِبْن أَبِي الشَّعْثَاء وَسُفْيَان فِي الطَّرِيق الْأُولَى هُوَ الثَّوْرِيُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6163",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا عُثْمَانَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏أَنَّ بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏وَسَعْدٌ ‏ ‏وَأُبَيٌّ ‏ ‏أَنَّ ابْنِي قَدْ احْتُضِرَ فَاشْهَدْنَا فَأَرْسَلَ يَقْرَأُ السَّلَامَ وَيَقُولُ ‏ ‏إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَتَحْتَسِبْ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ فَلَمَّا قَعَدَ رُفِعَ إِلَيْهِ فَأَقْعَدَهُ فِي حَجْرِهِ وَنَفْسُ الصَّبِيِّ ‏ ‏جُئِّثُ ‏ ‏فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هَذِهِ رَحْمَةٌ يَضَعُهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُسَامَة وَهُوَ اِبْن زَيْد بْن حَارِثَة الصَّحَابِيّ اِبْن الصَّحَابِيّ مَوْلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَبُو عُثْمَان الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ عَبْد الرَّحْمَن النَّهْدِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اِبْنَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" إِنَّ بِنْتًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ اِسْمُهَا فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ. ‏ ‏قَوْله ( وَمَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَة ) ‏ ‏فِيهِ تَجْرِيدٌ لِأَنَّ الظَّاهِر أَنْ يَقُول وَأَنَا مَعَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطِّبّ بِلَفْظِ \" أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ مَعَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( وَسَعْد ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى أُسَامَةَ , وَمَضَى فِي الْجَنَائِز بِلَفْظِ \" وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ \" ‏ ‏قَوْله ( وَأَبِي أَوْ أُبَيّ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ أَحَدهمَا بِلَفْظِ الْمُضَاف إِلَى الْمُتَكَلِّم وَالْآخَر بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الْيَاء يُرِيد اِبْن كَعْب , قَالَ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِلَفْظِ الْمُضَاف مُكَرَّرًا كَأَنَّهُ قَالَ وَمَعَهُ سَعْدٌ وَأَبِي أَوْ أَبِي فَقَطْ. ‏ ‏قُلْت : وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد , وَالثَّانِي وَإِنْ اُحْتُمِلَ لَكِنَّهُ خِلَاف الْوَاقِع. فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز بِلَفْظِ وَمَعَهُ سَعْد بْن عُبَادَةَ وَمُعَاذ بْن جَبَل وَأُبَيُّ بْن كَعْب وَزَيْد بْن ثَابِت وَرِجَال. وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ لِي أَنَّ الشَّكَّ فِي هَذَا مِنْ شُعْبَة , فَإِنَّهُ لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة غَيْره مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ عَاصِمٍ. ‏ ‏قَوْله ( تَقَعْقَعُ ) ‏ ‏أَيْ تَضْطَرِب وَتَتَحَرَّك , وَقِيلَ مَعْنَاهُ كُلَّمَا صَارَ إِلَى حَالٍ لَمْ يَلْبَث أَنْ يَصِير إِلَى غَيْرِهَا , وَتِلْكَ حَالَةُ الْمُحْتَضَرِ. ‏ ‏قَوْله ( مَا هَذَا ) ‏ ‏قِيلَ : هُوَ اِسْتِفْهَامٌ عَنْ الْحُكْم لَا لِلْإِنْكَارِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ سَائِر مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْجَنَائِزِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6164",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ تَمَسُّهُ النَّارُ إِلَّا ‏ ‏تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ \" بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ تَحْلِيلَهَا , وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّار لَا تَمَسُّ مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَد فَصَبَرَ إِلَّا بِقَدْرِ الْوُرُودِ , قَالَ اِبْن التِّين وَغَيْره : وَالْإِشَارَة بِذَلِكَ إِلَى قَوْله تَعَالَى ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْقَسَم فِيهِ مُقَدَّرٌ , وَقِيلَ بَلْ هُوَ مَذْكُور عَطْفًا عَلَى مَا بَعْد قَوْله تَعَالَى ( فَوَرَبِّك ) وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيث أَيْضًا مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْجَنَائِز. ‏"
    },
    {
        "id": "6165",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ ‏ ‏لَأَبَرَّهُ ‏ ‏وَأَهْلِ النَّارِ كُلُّ ‏ ‏جَوَّاظٍ ‏ ‏عُتُلٍّ ‏ ‏مُسْتَكْبِرٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث حَارِثَةَ بْن وَهْب وَهُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَبِالْمُثَلَّثَةِ. ‏ ‏قَوْله ( أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْل الْجَنَّة إِلَخْ ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمُرَاد أَنَّ كُلًّا مِنْ الصِّنْفَيْنِ فِي مَحَلِّهِ الْمَذْكُورِ لَا أَنَّ كُلًّا مِنْ الدَّارَيْنِ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ الصِّنْفَيْنِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ : كُلّ ضَعِيف فِي الْجَنَّة , وَكُلّ جَوَّاظٍ فِي النَّارِ , وَلَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا غَيْرُهُمَا. ‏ ‏قَوْله ( كُلُّ ضَعِيفٍ ) ‏ ‏قَالَ أَبُو الْبَقَاء : كُلّ بِالرَّفْعِ لَا غَيْرُ , وَالتَّقْدِير هُمْ كُلّ ضَعِيف إِلَخْ , وَالْمُرَاد بِالضَّعِيفِ الْفَقِير وَالْمُسْتَضْعَف بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة , وَغَلِطَ مَنْ كَسَرَهَا ; لِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّ النَّاس يَسْتَضْعِفُونَهُ وَيَقْهَرُونَهُ وَيُحَقِّرُونَهُ , وَذَكَرَ الْحَاكِم فِي \" عُلُوم الْحَدِيث \" أَنَّ اِبْن خُزَيْمَةَ سُئِلَ مَنْ الْمُرَاد بِالضَّعِيفِ هُنَا ؟ فَقَالَ : هُوَ الَّذِي يُبَرِّئُ نَفْسَهُ مِنْ الْحَوْل وَالْقُوَّة فِي الْيَوْم عِشْرِينَ مَرَّة إِلَى خَمْسِينَ مَرَّة. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَجُوز الْكَسْر , وَيُرَاد بِهِ الْمُتَوَاضِع الْمُتَذَلِّل , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِير سُورَة ن , وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْجَوَّاظَ هُوَ الْكَثِير اللَّحْم الْغَلِيظ الرَّقَبَة. وَقَوْله \" لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ \" أَيْ لَوْ حَلَفَ يَمِينًا عَلَى شَيْء أَنْ يَقَع طَمَعًا فِي كَرَمِ اللَّه بِإِبْرَارِهِ لَأَبَرَّهُ وَأَوْقَعَهُ لِأَجْلِهِ , وَقِيلَ هُوَ كِنَايَة عَنْ إِجَابَة دُعَائِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6166",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُئِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ قَالَ ‏ ‏قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏وَكَانَ أَصْحَابُنَا يَنْهَوْنَا وَنَحْنُ غِلْمَانٌ أَنْ نَحْلِفَ بِالشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَاب \" تَسْبِق شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الشَّهَادَات , ‏ ‏وَشَيْبَان ‏ ‏فِي السَّنَد هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن ‏ ‏وَمَنْصُور ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر ‏ ‏وَإِبْرَاهِيم ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ ‏ ‏وَعَبِيدَة ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله هُوَ اِبْن عَمْرٍو ‏ ‏وَعَبْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُودٍ. ‏ ‏قَوْله ( تَسْبِق شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ ) ‏ ‏قَالَ الطَّحَاوِيُّ أَيْ يُكْثِرُونَ الْأَيْمَانَ فِي كُلّ شَيْء حَتَّى يَصِير لَهُمْ عَادَة فَيَحْلِف أَحَدهمْ حَيْثُ لَا يُرَاد مِنْهُ الْيَمِين وَمِنْ قَبْلِ أَنْ يُسْتَحْلَف. وَقَالَ غَيْره : الْمُرَاد يَحْلِف عَلَى تَصْدِيق شَهَادَته قَبْل أَدَائِهَا أَوْ بَعْده , وَهَذَا إِذَا صَدَرَ مِنْ الشَّاهِد قَبْلَ الْحُكْم سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ. وَقِيلَ الْمُرَاد التَّسَرُّعُ إِلَى الشَّهَادَةِ وَالْيَمِين وَالْحِرْص عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يَدْرِي بِأَيِّهِمَا يَبْدَأ لِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ , وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمُتَقَدِّمِ. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ أَصْحَابنَا ) ‏ ‏يَعْنِي مَشَايِخه وَمَنْ يَصْلُح مِنْهُ اِتِّبَاع قَوْله , وَتَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَات بِلَفْظِ \" يَضْرِبُونَنَا \" بَدَل \" يَنْهَوْنَا \". ‏ ‏قَوْله ( أَنْ نَحْلِف بِالشَّهَادَةِ وَالْعَهْد ) ‏ ‏أَيْ أَنْ يَقُول أَحَدُنَا أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَوْ عَلَى عَهْد اللَّه , قَالَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَتَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الشَّهَادَات. ‏"
    },
    {
        "id": "6167",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏وَمَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ ‏ ‏يَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ‏ ‏أَوْ قَالَ أَخِيهِ ‏ ‏لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏فِي حَدِيثِهِ فَمَرَّ ‏ ‏الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ‏ ‏فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالُوا لَهُ فَقَالَ ‏ ‏الْأَشْعَثُ ‏ ‏نَزَلَتْ فِيَّ وَفِي صَاحِبٍ لِي فِي بِئْرٍ كَانَتْ بَيْنَنَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه , وَهُوَ اِبْن مَسْعُود وَالْأَشْعَث بْن قَيْس فِي نُزُول قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ) وَسُلَيْمَان فِي السَّنَد هُوَ الْأَعْمَش وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى بَعْد خَمْسَة أَبْوَاب , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6168",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ ‏ { ‏تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ‏} ‏حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( شَيْبَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ. ‏ ‏قَوْله ( فَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِك ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِير سُورَة ق وَالْقَوْل فِيهِ مَا تَقَدَّمَ , وَحَكَى الدَّاوُدِيُّ عَنْ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْل جَهَنَّم ( هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) مَعْنَاهُ لَيْسَ فِي مَزِيد قَالَ اِبْن التِّين وَحَدِيث الْبَاب يَرُدُّ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ ) ‏ ‏وَصَلَ رِوَايَته فِي تَفْسِير سُورَةِ ق وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَة الْمَوْصُولَة عَنْ أَنَس بِالْعَنْعَنَةِ , لَكِنَّ شُعْبَةَ مَا كَانَ يَأْخُذ عَنْ شُيُوخه الَّذِينَ ذَكَرَ عَنْهُمْ التَّدْلِيس إِلَّا مَا صَرَّحُوا فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏لَمَحَ الْمُصَنِّف بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى رَدِّ مَا جَاءَ عَنْ اِبْن مَسْعُود مِنْ الزَّجْر عَنْ الْحَلِف بِعِزَّةِ اللَّه , فَفِي تَرْجَمَة عَوْن بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة مِنْ \" الْحِلْيَة لِأَبِي نُعَيْمٍ \" مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن رَجَاء عَنْ الْمَسْعُودِيّ عَنْ عَوْن قَالَ \" قَالَ عَبْد اللَّه : لَا تَحْلِفُوا بِحَلِفِ الشَّيْطَان أَنْ يَقُول أَحَدكُمْ وَعِزَّةِ اللَّهِ وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى رَبّ الْعِزَّة \" اِنْتَهَى. وَفِي الْمَسْعُودِيّ ضَعْفٌ , وَعَوْن عَنْ عَبْد اللَّه مُنْقَطِع , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْعِزَّة فِي بَابٍ مُفْرَدٍ مِنْ كِتَاب التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6169",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأُوَيْسِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ ‏ ‏وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ ‏ ‏وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ الْحَدِيثِ وَفِيهِ ‏ ‏فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَعْذَرَ مِنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ‏ ‏فَقَامَ ‏ ‏أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ‏ ‏لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيثُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيث الْإِفْك وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْل أُسَيْد بْن حُضَيْر لِسَعْدِ بْن عُبَادَةَ \" لَعَمْر اللَّه لَأَقْتُلَنهُ \" وَقَدْ مَضَى شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِير النُّور , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الرِّقَاق فِي الْحَدِيث الطَّوِيل مِنْ رِوَايَة لَقِيط بْن عَامِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" لَعَمْر إِلَهك \" وَكَرَّرَهَا , وَهُوَ عِنْد عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي زِيَادَات الْمُسْنَد وَعِنْد غَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "6170",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ { ‏لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ‏} ‏قَالَ قَالَتْ أُنْزِلَتْ فِي قَوْلِهِ لَا وَاللَّهِ بَلَى وَاللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ تَفَرَّدَ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ هِشَام بِذِكْرِ السَّبَب فِي نُزُول الْآيَة قُلْت : قَدْ صَرَّحَ بَعْضهمْ بِرَفْعِهِ عَنْ عَائِشَة أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم الصَّائِع عَنْ عَطَاء عَنْهَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" لَغْو الْيَمِين هُوَ كَلَام الرَّجُل فِي بَيْته كَلَّا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ \" وَأَشَارَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى أَنَّهُ اُخْتُلِفَ عَلَى عَطَاء وَعَلَى إِبْرَاهِيم فِي رَفْعه وَوَقْفه , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي عَاصِم مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيِّ وَابْن وَهْب فِي جَامِعِهِ عَنْ يُونُس وَعَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفه عَنْ مَعْمَر كُلّهمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة : لَغْو الْيَمِينِ مَا كَانَ فِي الْمِرَاء وَالْهَزْل وَالْمُرَاجَعَة فِي الْحَدِيث الَّذِي كَانَ يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْقَلْب , وَهَذَا مَوْقُوف وَرِوَايَة يُونُس تُقَارِب الزُّبَيْدِيّ , وَلَفْظ مَعْمَر أَنَّهُ الْقَوْم يَتَدَارَؤُنَّ يَقُول أَحَدهمْ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ وَكَلَّا وَاَللَّهِ وَلَا يَقْصِد الْحَلِفَ وَلَيْسَ مُخَالِفًا لِلْأَوَّلِ وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَأَخْرَجَ اِبْن وَهْب عَنْ الثِّقَة عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَد هُوَ الَّذِي يَحْلِف عَلَى الشَّيْء لَا يُرِيد بِهِ إِلَّا الصِّدْقَ فَيَكُون عَلَى غَيْر مَا حَلَفَ عَلَيْهِ , وَهَذَا يُوَافِق الْقَوْل الثَّانِي , لَكِنَّهُ ضَعِيف مِنْ أَجْلِ هَذَا الْمُبْهَم شَاذٌّ لِمُخَالَفَةِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ وَأَكْثَرُ عَدَدًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6171",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَرْفَعُهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( زُرَارَةَ بْن أَوْفَى ) ‏ ‏هُوَ قَاضِي الْبَصْرَة مَاتَ , وَهُوَ سَاجِدٌ أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ وَكَانَ ذَلِكَ سَنَة ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة يَرْفَعُهُ ) ‏ ‏سَبَقَ فِي الْعِتْق مِنْ رِوَايَة سُفْيَان عَنْ مِسْعَرٍ بِلَفْظ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَل قَوْله هُنَا يَرْفَعُهُ , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق وَكِيعٍ. وَلِلنَّسَائِيِّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس كِلَاهُمَا عَنْ مِسْعَرٍ بِلَفْظِ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : إِنَّمَا قَالَ يَرْفَعُهُ لِيَكُونَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُون سَمِعَهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ سَمِعَهُ مِنْهُ. قُلْت : وَلَا اِخْتِصَاص لِذَلِكَ بِهَذِهِ الصِّيغَة بَلْ مِثْله فِي قَوْله قَالَ وَعَنْ , وَإِنَّمَا يَرْتَفِع الِاحْتِمَال إِذَا قَالَ سَمِعْت وَنَحْوهَا , وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ وَكِيعًا رَوَاهُ عَنْ مِسْعَرٍ فَلَمْ يَرْفَعهُ قَالَ : وَاَلَّذِي رَفَعَهُ ثِقَةٌ فَيَجِبُ الْمَصِير إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) لَمْ أَقِف عَلَى التَّصْرِيح بِسَمَاعِ زُرَارَةَ لِهَذَا الْحَدِيث مِنْ أَبِي هُرَيْرَة , لَكِنَّهُ لَمْ يُوصَف بِالتَّدْلِيسِ فَيُحْمَلُ عَلَى السَّمَاع. وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ الْفُرَات بْن خَالِد أَدْخَلَ بَيْن زُرَارَةَ وَبَيْن أَبِي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْإِسْنَاد رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِر , وَهُوَ خَطَأٌ فَإِنَّ زُرَارَةَ مِنْ بَنِي عَامِر فَكَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ عَنْ زُرَارَةَ رَجُل مِنْ بَنِي عَامِرٍ فَظَنَّهُ آخَرَ أُبْهِمَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( لِأُمَّتِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِشَام عَنْ قَتَادَةَ \" تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي \". ‏ ‏قَوْله ( عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هِشَام \" مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا \" وَلَمْ يَتَرَدَّدْ , وَكَذَا فِي رِوَايَة سَعِيد وَأَبِي عَوَانَة عِنْد مُسْلِم , وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" مَا وَسْوَسَتْ بِهَا صُدُورُهَا \" وَلَمْ يَتَرَدَّد أَيْضًا , وَضَبْطُ أَنْفُسهَا بِالنَّصْبِ لِلْأَكْثَرِ وَلِبَعْضِهِمْ بِالرَّفْعِ , وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ بِالثَّانِي وَبِهِ جَزَمَ أَهْل اللُّغَة يُرِيدُونَ بِغَيْرِ اِخْتِيَارِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ). ‏ ‏قَوْله ( مَا لَمْ تَعْمَل بِهِ أَوْ تَكَلَّم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس أَوْ تَتَكَلَّم بِهِ , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث ذِكْر النِّسْيَان , وَإِنَّمَا فِيهِ ذِكْر مَا خَطَرَ عَلَى قَلْب الْإِنْسَان. قُلْت : مُرَاد الْبُخَارِيّ إِلْحَاق مَا يَتَرَتَّب عَلَى النِّسْيَان بِالتَّجَاوُزِ ; لِأَنَّ النِّسْيَان مِنْ مُتَعَلَّقَات عَمَل الْقَلْب. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَاسَ الْخَطَأ وَالنِّسْيَان عَلَى الْوَسْوَسَة , فَكَمَا أَنَّهَا لَا اِعْتِبَارَ لَهَا عِنْد عَدَم التَّوَطُّنِ فَكَذَا النَّاسِي وَالْمُخْطِئُ لَا تَوْطِينَ لَهُمَا. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام بْن عَمَّار عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ مِسْعَرٍ فِي هَذَا الْحَدِيث بَعْد قَوْلِهِ أَوْ تَكَلَّم بِهِ \" وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة مُنْكَرَةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْه وَإِنَّمَا تُعْرَفُ مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ \" إِنَّ اللَّه وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَقِبَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ رِوَايَة الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ , وَالْحَدِيث عِنْد هِشَام بْن عَمَّار عَنْ الْوَلِيد فَلَعَلَّهُ دَخَلَ لَهُ بَعْض حَدِيث فِي حَدِيث , وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ الْحُمَيْدِيُّ وَهُوَ أَعْرَفُ أَصْحَابِ اِبْنِ عُيَيْنَةَ بِحَدِيثِهِ , وَتَقَدَّمَ فِي الْعِتْق عَنْهُ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة زِيَاد بْن أَيُّوب وَابْن الْمُقْرِي وَسَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَخْزُومِيّ كُلّهمْ عَنْ سُفْيَان بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فِيهِ أَنَّ الْوُجُود الذِّهْنِيّ لَا أَثَر لَهُ وَإِنَّمَا الِاعْتِبَار بِالْوُجُودِ الْقَوْلِيّ فِي الْقَوْلِيَّات وَالْعَمَلِيّ فِي الْعَمَلِيَّات , وَقَدْ اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى الْمُؤَاخَذَةَ بِمَا وَقَعَ فِي النَّفْس وَلَوْ عَزَمَ عَلَيْهِ , وَانْفَصَلَ مَنْ قَالَ يُؤَاخَذ بِالْعَزْمِ بِأَنَّهُ نَوْع مِنْ الْعَمَل يَعْنِي عَمَل الْقَلْب. قُلْت : وَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ الْمُرَاد بِالْعَمَلِ عَمَل الْجَوَارِح لِأَنَّ الْمَفْهُوم مِنْ لَفْظ \" مَا لَمْ يَعْمَلْ \" يُشْعِرُ بِأَنَّ كُلّ شَيْء فِي الصَّدْر لَا يُؤَاخَذُ بِهِ سَوَاءٌ تَوَطَّنَ بِهِ أَمْ لَمْ يَتَوَطَّنْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي أَوَاخِر الرِّقَاق فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث \" مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ لَا تُكْتَب عَلَيْهِ \". وَفِي الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى عَظِيم قَدْر الْأُمَّة الْمُحَمَّدِيَّة لِأَجْلِ نَبِيّهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ \" تَجَاوَزَ لِي \" وَفِيهِ إِشْعَار بِاخْتِصَاصِهَا بِذَلِكَ , بَلْ صَرَّحَ بَعْضهمْ بِأَنَّهُ كَانَ حُكْم النَّاسِي كَالْعَامِدِ فِي الْإِثْم , وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْإِصْرِ الَّذِي كَانَ عَلَى مَنْ قَبْلنَا , وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" لَمَّا نَزَلَتْ ( وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ : يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) اِشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي شَكْوَاهُمْ ذَلِكَ وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ \" تُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا مِثْلَ مَا قَالَ أَهْل الْكِتَاب سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا , بَلْ قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا , فَقَالُوهَا فَنَزَلَتْ ( آمَنَ الرَّسُولُ ) إِلَى آخِر السُّورَة \" وَفِيهِ قَوْله ( لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) قَالَ نَعَمْ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِنَحْوِهِ وَفِيهِ قَالَ قَدْ فَعَلْت. ‏"
    },
    {
        "id": "6172",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏عَنْهُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ شِهَابٍ ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنِي ‏ ‏عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ كُنْتُ أَحْسِبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَا وَكَذَا قَبْلَ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏افْعَلْ وَلَا حَرَجَ لَهُنَّ كُلِّهِنَّ يَوْمَئِذٍ فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن الْهَيْثَم أَوْ مُحَمَّد عَنْهُ ) ‏ ‏وَقَعَ مِثْل هَذَا فِي \" بَاب الذَّرِيرَة \" فِي أَوَاخِر كِتَاب اللِّبَاس , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن يَحْيَى عَنْ عُثْمَان بْن الْهَيْثَمِ بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( كُنْت أَحْسَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَا وَكَذَا قَبْلَ كَذَا وَكَذَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" إِنِّي كُنْت أَحْسَبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا \". ‏ ‏قَوْله ( هَؤُلَاءِ الثَّلَاث ) ‏ ‏قَدْ كُنْت أَظُنّ ذَلِكَ خَاصًّا بِهَذِهِ الرِّوَايَة , وَأَنَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِيهِ فَإِنَّهُ فِيهِ الْحَلْقُ وَالنَّحْرُ وَالرَّمْيُ , لَكِنْ وَجَدْته فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ بِالْإِبْهَامِ كَمَا أَشَرْت إِلَيْهِ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عِيسَى بْن يُونُس وَمُحَمَّد بْن بَكْر كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ مِثْل رِوَايَة عُثْمَان بْن الْهَيْثَم سَوَاء , إِلَّا أَنَّ اِبْن بَكْر لَمْ يَقُلْ \" لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاث \" وَمِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد الْأُمَوِيّ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِلَفْظِ \" حَلَقْت قَبْل أَنْ أَنْحَرَ وَنَحَرْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ \" فَالظَّاهِر أَنَّ الْإِشَارَة الْمَذْكُورَة مِنْ اِبْن جُرَيْجٍ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَة مَالِكٍ عَنْ اِبْن شِهَاب شَيْخ اِبْن جُرَيْجٍ فِيهِ مُفَسَّرًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْحَجّ مَعَ شَرْحِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6173",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏زُرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ قَالَ ‏ ‏لَا حَرَجَ قَالَ آخَرُ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ قَالَ لَا حَرَجَ قَالَ آخَرُ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ قَالَ لَا حَرَجَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الْحَجِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6174",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَجَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ فَصَلَّى ثُمَّ سَلَّمَ فَقَالَ وَعَلَيْكَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ فَأَعْلِمْنِي قَالَ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ وَاقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ وَتَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة الْمُسِيءِ صَلَاته , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن مَنْصُور حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر ) ‏ ‏هُوَ الْعُمَرِيّ , وَسَعِيد هُوَ الْمَقْبُرِيُّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان بِهَذَا السَّنَد سَوَاء لَكِنْ فِيهِ عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر بَدَل أَبِي أُسَامَة , وَفِي بَعْض سِيَاقِهِمَا اِخْتِلَاف بَيَّنْته هُنَاكَ , فَكَأَنَّ لِإِسْحَاق بْن مَنْصُور فِيهِ شَيْخَيْنِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ إِسْحَاق بْن مَنْصُور عَنْ عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر وَحْده , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي أُسَامَة وَعَبْد اللَّه بْن نُمَيْر جَمِيعًا , وَلَهُ طُرُق عَنْ هَذَيْنِ عِنْد مُسْلِم وَغَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "6175",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏هَزِيمَةً تُعْرَفُ فِيهِمْ فَصَرَخَ إِبْلِيسُ أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ ‏ ‏فَاجْتَلَدَتْ ‏ ‏هِيَ وَأُخْرَاهُمْ فَنَظَرَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ‏ ‏فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ فَقَالَ أَبِي أَبِي قَالَتْ فَوَاللَّهِ مَا انْحَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ فَقَالَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِي ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏مِنْهَا بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث حُذَيْفَة فِي قِصَّة قَتْل أَبِي الْيَمَان يَوْم أُحُد , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر الْمَنَاقِب وَفِي غَزْوَة أُحُد , ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِره \" بَقِيَّة خَيْر \" ‏ ‏بِالْإِضَافَةِ لِلْأَكْثَرِ أَيْ اِسْتَمَرَّ الْخَيْرُ فِيهِ , وَوَقَعَ فِي : رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بَقِيَّة \" بِالتَّنْوِينِ وَسَقَطَ عِنْده لَفْظ \" خَيْر \" وَعَلَيْهَا شَرْح الْكَرْمَانِيِّ فَقَالَ : أَيْ بَقِيَّة حُزْن وَتَحَسُّرٍ مِنْ قَتْل أَبِيهِ بِذَلِكَ الْوَجْه , وَهُوَ وَهْمٌ سَبَقَهُ غَيْره إِلَيْهِ , وَالصَّوَاب أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ خَيْر بِقَوْلِهِ لِلْمُسْلِمِينَ. الَّذِينَ قَتَلُوا أَبَاهُ خَطَأً \" عَفَا اللَّهُ عَنْكُمْ \" وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ الْخَيْرُ فِيهِ إِلَى أَنْ مَاتَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6176",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خِلَاسٍ ‏ ‏وَمُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِم فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ \" الْحَدِيث ; وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب الصَّائِم إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا \" مِنْ كِتَاب الصِّيَام , ‏ ‏وَعَوْف ‏ ‏فِي السَّنَد هُوَ الْأَعْرَابِيّ , ‏ ‏وَخِلَاس ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف اللَّام بَعْدهَا مُهْمَلَة , وَهُوَ اِبْن عَمْرو , ‏ ‏وَمُحَمَّد ‏ ‏هُوَ اِبْن سِيرِينَ , وَالْبُخَارِيّ لَا يُخْرِج لِخِلَاسِ إِلَّا مَقْرُونًا. وَمِمَّا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ هُنَا أَنَّ الْمِزِّيَّ فِي \" الْأَطْرَاف \" ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث فِي تَرْجَمَة خِلَاس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ \" خِلَاس فِي الصِّيَام عَنْ يُوسُف بْن مُوسَى \" فَوَهِمَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَلَمْ يُورِدْهُ فِي الصِّيَام مِنْ طَرِيق خِلَاس أَصْلًا , وَقَالَ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة : أَوْجَبَ مَالِك الْحِنْث عَلَى النَّاسِي وَلَمْ يُخَالِفْ ذَلِكَ فِي ظَاهِر الْأَمْر إِلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَصُومَن غَدًا فَأَكَلَ نَاسِيًا بَعْد أَنْ بَيَّتَ الصِّيَام مِنْ اللَّيْل , فَقَالَ مَالِك : لَا شَيْء عَلَيْهِ , فَاخْتُلِفَ عَنْهُ فَقِيلَ لَا قَضَاء عَلَيْهِ وَقِيلَ : لَا حِنْث وَلَا قَضَاء وَهُوَ الرَّاجِح , أَمَّا عَدَم الْقَضَاء فَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّد إِبْطَال الْعِبَادَة , وَأَمَّا عَدَم الْحِنْث فَهُوَ عَلَى تَقْدِير صِحَّة الصَّوْم ; لِأَنَّهُ الْمَحْلُوف : عَلَيْهِ , وَقَدْ صَحَّحَ الشَّارِع صَوْمه , فَإِذَا صَحَّ صَوْمه لَمْ يَقَع عَلَيْهِ حِنْثٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "6177",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ انْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ فَكَبَّرَ وَسَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُحَيْنَةَ فِي سُجُود السَّهْو قَبْل السَّلَام لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب سُجُود السَّهْو مِنْ أَوَاخِر كِتَاب الصَّلَاة مَعَ شَرْحِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6178",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏لَا أَدْرِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏وَهِمَ أَمْ ‏ ‏عَلْقَمَةُ ‏ ‏قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالُوا صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏هَاتَانِ السَّجْدَتَانِ لِمَنْ لَا يَدْرِي زَادَ فِي صَلَاتِهِ أَمْ نَقَصَ فَيَتَحَرَّى الصَّوَابَ فَيُتِمُّ مَا بَقِيَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي سُجُود السَّهْو بَعْد السَّلَام لِزِيَادَةِ رَكْعَة فِي الصَّلَاة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه أَيْضًا هُنَاكَ عَقِب حَدِيث اِبْن بُحَيْنَةَ , ‏ ‏وَقَوْله هُنَا \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم \" ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ رَاهْوَيْهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه مِنْ مُسْنَده , وَقَوْله سَمِعَ عَبْد الْعَزِيز أَيْ إِنَّهُ سَمِعَ وَلَفْظُهُ \" إِنَّهُ \" يُسْقِطُونَهَا فِي الْخَطّ أَحْيَانًا , وَعَبْد الْعَزِيز الْمَذْكُور هُوَ الْعَمِّيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالتَّثْقِيل , وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخَعِيُّ , وَعَلْقَمَة هُوَ اِبْن قَيْس. وَقَوْله فِيهِ \" فَزَادَ أَوْ نَقَصَ \" قَالَ مَنْصُور لَا أَدْرِي إِبْرَاهِيم وَهِمَ أَمْ عَلْقَمَة كَذَا أَطْلَقَ \" وَهِمَ \" مَوْضِع \" شَكَّ \" وَتَوْجِيهه أَنَّ الشَّكَّ يَنْشَأ عَنْ النِّسْيَان ; إِذْ لَوْ كَانَ ذَاكِرًا لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لَمَا وَقَعَ لَهُ التَّرَدُّد , يُقَال : وَهِمَ فِي كَذَا إِذَا غَلِطَ فِيهِ وَوَهِمَ إِلَى كَذَا إِذَا ذَهَب وَهْمُهُ إِلَيْهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب الْقِبْلَة مِنْ رِوَايَة جَرِير عَنْ مَنْصُور قَالَ \" قَالَ إِبْرَاهِيم : لَا أَدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ \" فَجَزَمَ بِأَنَّ إِبْرَاهِيم هُوَ الَّذِي تَرَدَّدَ , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ مَنْصُورًا حِين حَدَّثَ عَبْد الْعَزِيز كَانَ مُتَرَدِّدًا هَلْ عَلْقَمَة قَالَ ذَلِكَ أَمْ إِبْرَاهِيم , وَحِين حَدَّثَ جَرِيرًا كَانَ جَازِمًا بِإِبْرَاهِيم. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ لَفْظ \" أَقَصُرَتْ \" صَرِيح فِي أَنَّهُ نَقَصَ وَلَكِنَّهُ وَهْمٌ مِنْ الرَّاوِي وَالصَّوَاب مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة بِلَفْظِ \" أَحَدَثَ فِي الصَّلَاة شَيْءٌ \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مُبَاحًا هَذَا الْحَدِيث هُنَاكَ أَيْضًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6179",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ { ‏لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ‏} ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ الْأُولَى مِنْ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏نِسْيَانًا ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا يَسِيرًا مِنْ حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب فِي قِصَّة مُوسَى وَالْخَضِر , وَقَوْله : قُلْت لِابْنِ عَبَّاس فَقَالَ حَدَّثَنَا أُبَيّ بْن كَعْب هَكَذَا حَذَفَ مَقُول سَعِيد بْن جُبَيْر , وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي تَفْسِير الْكَهْف بِلَفْظِ \" قُلْت لِابْنِ عَبَّاس إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيّ \" فَذَكَرَ قِصَّة , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس رَادًّا عَلَيْهِ \" حَدَّثَنَا أُبَيّ بْن كَعْب إِلَخْ \" فَحَذَفَهَا الْبُخَارِيّ هُنَا كَمَا حَذَفَ أَكْثَر الْحَدِيث , إِلَى أَنْ قَالَ \" لَا تُؤَاخِذْنِي \". ‏ ‏قَوْله ( إِنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه يَقُول : قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيت ) ‏ ‏فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : يَقُول فِي تَفْسِير قَوْلِهِ تَعَالَى ( قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي ) إِلَخْ. ‏ ‏قَوْله ( كَانَتْ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ عِنْد إِنْكَاره خَرْقَ السَّفِينَةِ كَانَ نَاسِيًا لِمَا شَرَطَ عَلَيْهِ الْخَضِرُ فِي قَوْله ( فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَك مِنْهُ ذِكْرًا ) فَإِنْ قِيلَ تَرْكُ مُؤَاخَذَتِهِ بِالنِّسْيَانِ مُتَّجِهٌ فَكَيْف وَأَخَذَهُ ؟ قُلْنَا عَمَلًا بِعُمُومِ شَرْطه الَّذِي اِلْتَزَمَهُ , فَلَمَّا اِعْتَذَرَ لَهُ بِالنِّسْيَانِ عَلِمَ أَنَّهُ خَارِج بِحُكْمِ الشَّرْع مِنْ عُمُوم الشَّرْط , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَتَّجِه إِيرَاد هَذَا الْحَدِيث فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة. فَإِنْ قِيلَ : فَالْقِصَّة الثَّانِيَة لَمْ تَكُنْ إِلَّا عَمْدًا فَمَا الْحَامِلُ لَهُ عَلَى خَلْفِ الشَّرْطِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى كَانَ يَتَوَقَّعُ هَلَاكَ أَهْلِ السَّفِينَةِ فَبَادَرَ لِلْإِنْكَارِ فَكَانَ مَا كَانَ وَاعْتَذَرَ بِالنِّسْيَانِ وَقَدَّرَ اللَّه سَلَامَتَهُمْ , وَفِي الثَّانِيَة كَانَ قَتْل الْغُلَام فِيهَا مُحَقَّقًا فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْإِنْكَار فَأَنْكَرَ ذَاكِرًا لِلشَّرْطِ عَامِدًا لِإِخْلَافِهِ تَقْدِيمًا لِحُكْمِ الشَّرْع , وَلِذَلِكَ لَمْ يَعْتَذِرْ بِالنِّسْيَانِ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُجَرِّبَ نَفْسَهُ فِي الثَّالِثَة لِأَنَّهَا الْحَدُّ الْمُبَيِّنُ غَالِبًا لِمَا يَخْفَى مِنْ الْأُمُور. فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ كَانَتْ الثَّالِثَة عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا ؟ قُلْنَا : يَظْهَرُ أَنَّهَا كَانَتْ نِسْيَانًا , وَإِنَّمَا أَخَذَهُ صَاحِبه بِشَرْطِهِ الَّذِي شَرَطَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْمُفَارَقَةِ فِي الثَّالِثَة , وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن التِّين , وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ إِنَّهَا كَانَتْ عَمْدًا اِسْتِبْعَادًا لِأَنْ يَقَع مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِنْكَارُ أَمْرٍ مَشْرُوعٍ , وَهُوَ الْإِحْسَانُ لِمَنْ أَسَاءَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6180",
        "content": "‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏كَتَبَ إِلَيَّ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ‏ ‏وَكَانَ عِنْدَهُمْ ضَيْفٌ لَهُمْ فَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يَذْبَحُوا قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ لِيَأْكُلَ ضَيْفُهُمْ فَذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الذَّبْحَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي ‏ ‏عَنَاقٌ ‏ ‏جَذَعٌ عَنَاقُ لَبَنٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏يَقِفُ فِي هَذَا الْمَكَانِ عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏وَيُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَيَقِفُ فِي هَذَا الْمَكَانِ وَيَقُولُ ‏ ‏لَا أَدْرِي أَبَلَغَتْ الرُّخْصَةُ غَيْرَهُ أَمْ لَا ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء وَحَدِيث أَنَس فِي تَقْدِيم صَلَاة الْعِيد عَلَى الذَّبْحِ , وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُمَا مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّد بْن بَشَّار ) ‏ ‏لَمْ تَقَع هَذِهِ الصِّيغَة لِلْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحه عَنْ أَحَدٍ مِنْ مَشَايِخِهِ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ أَخْرَجَ بِصِيغَةِ الْمُكَاتَبَة فِيهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً لَكِنْ مِنْ رِوَايَة التَّابِعِيِّ عَنْ الصَّحَابِيِّ أَوْ مِنْ رِوَايَة غَيْر التَّابِعِيِّ عَنْ التَّابِعِيِّ وَنَحْو ذَلِكَ , وَمُحَمَّد بْن بَشَّار هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف بِبُنْدَارٍ , وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْهُ هَذَا الْحَدِيث فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْمُكَاتَبَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَصْلَ الْحَدِيث مِنْ عِدَّة طُرُق أُخْرَى مَوْصُولَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِيدَيْنِ وَغَيْره , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن سِنَان قَالَ : قَرَأْت عَلَى بُنْدَارٍ فَذَكَرَهُ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ رِوَايَة حُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن حَمَّاد قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( قَالَ قَالَ الْبَرَاء بْن عَازِب وَكَانَ عِنْدهمْ ضَيْف ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" كَانَ عِنْدهمْ ضَيْف \" بِغَيْرِ وَاوٍ , وَظَاهِر السِّيَاق أَنَّ الْقِصَّة وَقَعَتْ لِلْبَرَاءِ , لَكِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا وَقَعَتْ لِخَالِهِ أَبِي بُرْدَة بْن نِيَارٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْأَضَاحِيّ مِنْ طَرِيق زُبَيْد عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ الْبَرَاء فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَقَامَ أَبُو بُرْدَة بْن نِيَار وَقَدْ ذَبَحَ فَقَالَ إِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً \" الْحَدِيث , وَمِنْ طَرِيق مُطَرِّفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ الْبَرَاء \" ضَحَّى خَالٌ لِي يُقَالُ لَهُ أَبُو بُرْدَة قَبْلَ الصَّلَاةِ \". ‏ ‏قَوْله ( قَبْل أَنْ يَرْجِع ) ‏ ‏فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ \" قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَهُمْ \" وَالْمُرَاد قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيد الذِّبْحَ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : رُوِّينَاهُ بِكَسْرِ الذَّالِ , وَهُوَ مَا يُذْبَحُ وَبِالْفَتْحِ وَهُوَ مَصْدَرُ ذَبَحْت. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالَ الْبَرَاء يَا رَسُول اللَّه \" وَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّ الْقِصَّة وَقَعَتْ لِلْبَرَاءِ , فَلَوْلَا اِتِّحَادُ الْمَخْرَجِ لَأَمْكَنَ التَّعَدُّد , لَكِنَّ الْقِصَّة مُتَّحِدَةٌ وَالسَّنَد مُتَّحِدٌ مِنْ رِوَايَة الشَّعْبِيّ عَنْ الْبَرَاء وَالِاخْتِلَاف مِنْ الرُّوَاة عَنْ الشَّعْبِيِّ , فَكَأَنَّهُ وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة اِخْتِصَار وَحَذْف , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْبَرَاء شَارَكَ خَالَهُ فِي سُؤَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْقِصَّة فَنُسِبَتْ كُلّهَا إِلَيْهِ تَجَوُّزًا , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : كَانَ الْبَرَاء وَخَاله أَبُو بُرْدَةَ أَهْلَ بَيْتٍ وَاحِدٍ فَنَسَبَ الْقِصَّة تَارَة لِخَالِهِ وَتَارَة لِنَفْسِهِ اِنْتَهَى , وَالْمُتَكَلِّمُ فِي الْقِصَّة الْوَاحِدَة أَحَدهمَا فَتَكُون نِسْبَةُ الْقَوْلِ لِلْآخَرِ مَجَازِيَّة وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ اِبْن عَوْن ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه رَاوِي الْحَدِيث عَنْ الشَّعْبِيّ , وَهُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( يَقِف فِي هَذَا الْمَكَان عَنْ حَدِيث الشَّعْبِيِّ ) ‏ ‏أَيْ يَتْرُك تَكْمِلَتَهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَيُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ) ‏ ‏أَيْ عَنْ أَنَسٍ. ‏ ‏قَوْله ( بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيث ) ‏ ‏أَيْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ. ‏ ‏قَوْله ( وَيَقِف فِي هَذَا الْمَكَان ) ‏ ‏أَيْ فِي حَدِيث اِبْن سِيرِينَ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( وَيَقُول لَا أَدْرِي إِلَخْ ) ‏ ‏يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الَّذِي بَعْدَهُ. ‏ ‏قَوْله ( رَوَاهُ أَيُّوب عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَنَس ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْمُصَنِّف فِي أَوَائِل الْأَضَاحِيّ مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل وَهُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوب بِهَذَا السَّنَد وَلَفْظه \" مَنْ ذَبَحَ قَبْل الصَّلَاة فَلْيُعِدْ , فَقَامَ رَجُل فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْم - وَذَكَرَ جِيرَانَهُ - وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْم , فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا أَدْرِي أَبْلَغَتْ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لَا \" وَهَذَا ظَاهِره فِي أَنَّ الْكُلّ مِنْ رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَنَس , وَقَدْ أَوْضَحْت ذَلِكَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6181",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جُنْدَبًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهِدْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَلَّى يَوْمَ عِيدٍ ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مَنْ ذَبَحَ فَلْيُبَدِّلْ مَكَانَهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جُنْدَبٍ وَهُوَ اِبْن عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( خَطَبَ ثُمَّ قَالَ مَنْ ذَبَحَ فَلْيُبَدِّلْ مَكَانَهَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْأَضَاحِيّ عَنْ آدَم عَنْ شُعْبَة بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظِ \" مَنْ ذَبَحَ قَبْل أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ \" الْحَدِيث وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ أَيْضًا. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَمُنَاسَبَةُ حَدِيثَيْ الْبَرَاء وَجُنْدُبٍ لِلتَّرْجَمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْجَاهِلِ بِالْحُكْمِ وَالنَّاسِي. ‏"
    },
    {
        "id": "6182",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فِرَاسٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الشَّعْبِيَّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ ‏ ‏وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( النَّضْر ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْمُعْجَمَة هُوَ اِبْن شُمَيْلٍ بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ , وَوَقَعَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ رِوَايَة جَعْفَر بْن إِسْمَاعِيل عَنْ مُحَمَّد بْن مُقَاتِل شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ شُعْبَة \" وَكَأَنَّ لِابْنِ مُقَاتِل فِيهِ شَيْخَيْنِ إِنْ كَانَ حَفِظَهُ , وَفِرَاسٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرَهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) ‏ ‏أَيْ اِبْنِ الْعَاصِ. ‏ ‏قَوْله ( الْكَبَائِر الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شَيْبَانَ عَنْ فِرَاس فِي أَوَّله \" جَاءَ أَعْرَابِيّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَا الْكَبَائِر \" فَذَكَرَهُ , وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ إِلَخْ ) ذَكَرَ هُنَا ثَلَاثَة أَشْيَاءَ بَعْد الشِّرْك وَهُوَ الْعُقُوق وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ , وَرَوَاهُ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ أَوْ قَالَ الْيَمِين الْغَمُوس شَكَّ شُعْبَة \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ هَكَذَا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي أَوَائِل الدِّيَات وَالتِّرْمِذِيّ جَمِيعًا عَنْ بُنْدَارٍ عَنْ غُنْدَرٍ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيّ هُنَاكَ , وَوَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مُعَاذ بْن مُعَاذ عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ وَالْيَمِين الْغَمُوس وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ أَوْ قَالَ قَتْل النَّفْس \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شَيْبَانَ الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا \" الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ , قَالَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : ثُمَّ عُقُوق الْوَالِدَيْنِ , قَالَ ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ \" وَلَمْ يَذْكُرْ قَتْل النَّفْس , وَزَادَ فِي رِوَايَة شَيْبَانَ \" قُلْت وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ ؟ قَالَ : الَّتِي تَقْتَطِعُ مَالَ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَذِبٌ \" وَالْقَائِل قُلْت هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَاوِي الْخَبَر , وَالْمُجِيبُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون السَّائِل مَنْ دُونَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَالْمُجِيبُ هُوَ عَبْد اللَّه أَوْ مَنْ دُونَهُ , وَيُؤَيِّد كَوْنه مَرْفُوعًا حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَالْأَشْعَث الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , ثُمَّ وَقَفْت عَلَى تَعْيِين الْقَائِل \" قُلْت : وَمَا الْيَمِين الْغَمُوس \" وَعَلَى تَعْيِين الْمَسْئُول فَوَجَدْت الْحَدِيث فِي النَّوْع الثَّالِث مِنْ الْقِسْم الثَّانِي مِنْ صَحِيح اِبْن حِبَّانَ وَهُوَ قِسْم النَّوَاهِي , وَأَخْرَجَهُ عَنْ النَّضْر بْن مُحَمَّد عَنْ مُحَمَّد بْن عُثْمَان الْعِجْلِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى بِالسَّنَدِ الَّذِي أَخْرَجَهُ بِهِ الْبُخَارِيّ فَقَالَ فِي آخِره بَعْد قَوْله ثُمَّ الْيَمِين الْغَمُوس \" قُلْت لِعَامِرٍ : مَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ إِلَخْ \" فَظَهَرَ أَنَّ السَّائِل عَنْ ذَلِكَ فِرَاسٌ , وَالْمَسْئُول الشَّعْبِيُّ , وَهُوَ عَامِر فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَنْعَمَ ثُمَّ لِلَّهِ الْحَمْد ثُمَّ لِلَّهِ الْحَمْد , فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ تَحَرَّرَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ الشُّرَّاح , حَتَّى إِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ وَأَبَا نُعَيْم لَمْ يُخْرِجَاهُ فِي هَذَا الْبَاب مِنْ رِوَايَة شَيْبَانَ بَلْ اِقْتَصَرَ عَلَى رِوَايَة شُعْبَة , وَسَيَأْتِي عَدُّ الْكَبَائِر وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الْحُدُود فِي شَرْح حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" اِجْتَنِبُوا السَّبْع الْمُوبِقَات \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ بَيَّنْت ضَابِط الْكَبِيرَة وَالْخِلَاف فِي ذَلِكَ , وَأَنَّ فِي الذُّنُوب صَغِيرًا وَكَبِيرًا وَأَكْبَرَ , فِي أَوَائِل كِتَاب الْأَدَب , وَذَكَرْت مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْكَبَائِرِ فِي حَدِيث الْبَاب أَكْبَر الْكَبَائِر , وَأَنَّهُ وَرَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْد أَحْمَد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بِلَفْظِ \" مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر \" وَأَنَّ لَهُ شَاهِدًا عِنْد التِّرْمِذِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس وَذَكَرَ فِيهِ الْيَمِين الْغَمُوس أَيْضًا , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْيَمِين الْغَمُوس لَا كَفَّارَة فِيهَا لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الشِّرْك وَالْعُقُوق وَالْقَتْل لَا كَفَّارَة فِيهِ وَإِنَّمَا كَفَّارَتهَا التَّوْبَة مِنْهَا وَالتَّمْكِين مِنْ الْقِصَاص فِي الْقَتْل الْعَمْد , فَكَذَلِكَ الْيَمِين الْغَمُوس حُكْمهَا حُكْم مَا ذُكِرَتْ مَعَهُ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ ضَعِيف ; لِأَنَّ الْجَمْع بَيْن مُخْتَلِفِ الْأَحْكَامِ جَائِزٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ) وَالْإِيتَاء وَاجِب وَالْأَكْل غَيْر وَاجِب , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن الْجَوْزِيِّ فِي \" التَّحْقِيق \" مِنْ طَرِيق اِبْن شَاهِين بِسَنَدِهِ إِلَى خَالِد بْن مَعْدَان عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لَيْسَ فِيهَا كَفَّارَة يَمِين صَبْر يَقْتَطِع بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقّ , وَظَاهِر سَنَدِهِ الصِّحَّةُ , لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ ; لِأَنَّ فِيهِ عَنْعَنَةَ بَقِيَّة فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه فَقَالَ فِي هَذَا السَّنَد عَنْ الْمُتَوَكِّل أَوْ أَبِي الْمُتَوَكِّل , فَظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ النَّاجِيَ الثِّقَةَ بَلْ آخَر مَجْهُول , وَأَيْضًا فَالْمَتْن مُخْتَصَر وَلَفْظه عِنْد أَحْمَد \" مَنْ لَقِيَ اللَّه لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" وَخَمْسٌ لَيْسَ لَهَا كَفَّارَةٌ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ \" وَذَكَرَ فِي آخِرِهَا \" وَيَمِين صَابِرَة يَقْتَطِع بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقّ \" وَنَقَلَ مُحَمَّد بْن نَصْر فِي اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء ثُمَّ اِبْن الْمُنْذِر ثُمَّ اِبْن عَبْد الْبَرّ اِتِّفَاق الصَّحَابَة عَلَى أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِي الْيَمِين الْغَمُوس , وَرَوَى آدَم بْن أَبِي إِيَاس فِي مُسْنَد شُعْبَة وَإِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي الْأَحْكَام عَنْ اِبْن مَسْعُود \" كُنَّا نَعُدّ الذَّنْبَ الَّذِي لَا كَفَّارَةَ لَهُ الْيَمِين الْغَمُوس أَنْ يَحْلِف الرَّجُل عَلَى مَال أَخِيهِ كَاذِبًا لِيَقْتَطِعَهُ \" قَالَ : وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَة , وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّر , وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِالْكَفَّارَةِ كَالْحَكَمِ وَعَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمَعْمَرٍ وَالشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ أَحْوَج لِلْكَفَّارَةِ مِنْ غَيْره وَبِأَنَّ الْكَفَّارَة لَا تَزِيدهُ إِلَّا خَيْرًا , وَاَلَّذِي يَجِب عَلَيْهِ الرُّجُوع إِلَى الْحَقّ وَرَدّ الْمَظْلِمَةِ , فَإِنْ لَمْ يَفْعَل كَفَّرَ فَالْكَفَّارَة لَا تَرْفَعُ عَنْهُ حُكْم التَّعَدِّي بَلْ تَنْفَعهُ فِي الْجُمْلَة. وَقَدْ طَعَنَ اِبْن حَزْمٍ فِي صِحَّة الْأَثَر عَنْ اِبْن مَسْعُود وَاحْتَجَّ بِإِيجَابِ الْكَفَّارَة فِيمَنْ تَعَمَّدَ الْجِمَاع فِي صَوْم رَمَضَان , وَفِيمَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ , قَالَ : وَلَعَلَّهُمَا أَعْظَم إِثْمًا مِنْ بَعْض مَنْ حَلَفَ الْيَمِين الْغَمُوس , ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ أَوْجَبَ الْمَالِكِيَّة الْكَفَّارَة عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَزْنِيَ ثُمَّ زَنَى وَنَحْو ذَلِكَ , وَمِنْ حُجَّةِ الشَّافِعِيِّ قَوْله فِي الْحَدِيث الْمَاضِي فِي أَوَّل كِتَاب الْأَيْمَان \" فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْر وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينه \" فَأَمَرَ مَنْ تَعَمَّدَ الْحِنْث أَنْ يُكَفِّرَ فَيُؤْخَذ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّة الْكَفَّارَة لِمَنْ حَلَفَ حَانِثًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6183",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ عَلَى ‏ ‏يَمِينِ صَبْرٍ ‏ ‏يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ‏} ‏إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ‏ ‏فَدَخَلَ ‏ ‏الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ‏ ‏فَقَالَ مَا حَدَّثَكُمْ ‏ ‏أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَقَالُوا كَذَا وَكَذَا قَالَ ‏ ‏فِيَّ أُنْزِلَتْ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ قُلْتُ إِذًا يَحْلِفُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ حَلَفَ عَلَى ‏ ‏يَمِينِ صَبْرٍ ‏ ‏وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيلَ ) ‏ ‏هُوَ التَّبُوذَكِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَة ) ‏ ‏هُوَ الْوَضَّاح , وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ مُوسَى هَذَا بَعْض هَذَا الْحَدِيث بِدُونِ قِصَّة الْأَشْعَث فِي الشَّهَادَات لَكِنْ عَنْ عَبْد الْوَاحِد , وَهُوَ اِبْن زِيَاد بَدَل أَبِي عَوَانَة فَالْحَدِيث عِنْد مُوسَى الْمَذْكُور عَنْهُمَا جَمِيعًا. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي وَائِل ) ‏ ‏هُوَ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشُّرْب مِنْ رِوَايَة أَبِي حَمْزَة , وَهُوَ السُّكَّرِيُّ , وَفِي الْأَشْخَاص مِنْ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَش عَنْ شَقِيق , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ سُلَيْمَان , وَهُوَ الْأَعْمَش , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّهُ مِمَّا لَمْ يُدَلِّس فِيهِ الْأَعْمَش فَلَا يَضُرُّ مَجِيئُهُ عَنْهُ بِالْعَنْعَنَةِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏فِي تَفْسِير آلَ عِمْرَانَ عَنْ حَجَّاج بْن مِنْهَالٍ عَنْ أَبِي عَوَانَة بِهَذَا السَّنَد عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ التَّصْرِيح بِالرَّفْعِ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش , وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي رِوَايَة مَنْصُورٍ الْمَاضِيَة فِي الشَّهَادَات وَفِي الرَّهْن , وَوَقَعَ مَرْفُوعًا فِي رِوَايَة شُعْبَة الْمَاضِيَة قَرِيبًا عَنْ مَنْصُور وَالْأَعْمَش جَمِيعًا. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين صَبْر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الصَّاد وَسُكُون الْمُوَحَّدَة , وَيَمِين الصَّبْر هِيَ الَّتِي تَلْزَمُ وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا حَالِفُهَا يُقَال أَصَبَرَهُ الْيَمِين أَحْلَفَهُ بِهَا فِي مقَاطَع الْحَقّ , زَادَ أَبُو حَمْزَة عَنْ الْأَعْمَش \" هُوَ بِهَا فَاجِرٌ \" وَكَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" هُوَ عَلَيْهَا فَاجِر لِيَقْتَطِع \" وَكَأَنَّ فِيهَا حَذْفًا تَقْدِيره هُوَ فِي الْإِقْدَام عَلَيْهَا , وَالْمُرَاد بِالْفُجُورِ لَازِمُهُ وَهُوَ الْكَذِب , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة شُعْبَة \" عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ \". ‏ ‏قَوْله ( يَقْتَطِع بِهَا مَالَ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَجَّاج بْن مِنْهَال \" لِيَقْتَطِعَ بِهَا \" بِزِيَادَةِ لَام تَعْلِيل وَيَقْتَطِع يَفْتَعِل مِنْ الْقَطْع كَأَنَّهُ قَطَعَهُ عَنْ صَاحِبه أَوْ أَخْذ قِطْعَة مِنْ مَاله بِالْحَلِفِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله ( لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ) ‏ ‏فِي حَدِيث وَائِل بْن حُجْرٍ عِنْد مُسْلِم \" وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ \" وَفِي رِوَايَة كُرْدُوسٍ عَنْ الْأَشْعَث عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ أَجْذَمُ \" وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ بْن ثَعْلَبَة عِنْد مُسْلِم وَالنَّسَائِيِّ نَحْوه فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّه لَهُ النَّار وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّة \" وَفِي حَدِيث عِمْرَان عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّار \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَنْزَلَ اللَّه تَصْدِيق ذَلِكَ : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة الْأَعْمَش وَمَنْصُور , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة جَامِع بْن أَبِي رَاشِد وَعَبْد الْمَلِك بْن أَعْيَن عِنْد مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا جَمِيعًا عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَنْ حَلَفَ عَلَى مَال اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقّه \" الْحَدِيث ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ) فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَة , وَلَوْلَا التَّصْرِيحُ فِي رِوَايَة الْبَاب بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ لَكَانَ ظَاهِر هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّهَا نَزَلَتْ قَبْل ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير آلَ عِمْرَان أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْد الْعَصْر فَحَلَفَ كَاذِبًا , وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوز أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَعَلَّ الْآيَة لَمْ تَبْلُغ اِبْن أَبِي أَوْفَى إِلَّا عِنْد إِقَامَتِهِ السِّلْعَةَ فَظَنَّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ , أَوْ أَنَّ الْقِصَّتَيْنِ وَقَعَتَا فِي وَقْت وَاحِد فَنَزَلَتْ الْآيَة , وَاللَّفْظ عَامٌّ مُتَنَاوِلٌ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا. ‏ ‏قَوْله ( فَدَخَلَ الْأَشْعَث بْن قَيْس فَقَالَ : مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏؟ كَذَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة وَكِيع عَنْ الْأَعْمَش , وَأَبُو عَبْد الرَّحْمَن هِيَ كُنْيَة اِبْن مَسْعُود. وَفِي رِوَايَة جَرِير فِي الرَّهْن \" ثُمَّ إِنَّ الْأَشْعَث بْن قَيْس خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ : مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن \" وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّهُ خَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَان كَانَ فِيهِ فَدَخَلَ الْمَكَان الَّذِي كَانُوا فِيهِ , وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش وَمَنْصُور جَمِيعًا - كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَام - فَجَاءَ الْأَشْعَث وَعَبْد اللَّه يُحَدِّثهُمْ , وَيُجْمَعُ بِأَنَّ خُرُوجه مِنْ مَكَانه الَّذِي كَانَ فِيهِ إِلَى الْمَكَان الَّذِي كَانَ فِيهِ عَبْد اللَّه وَقَعَ وَعَبْد اللَّه يُحَدِّثُهُمْ فَلَعَلَّ الْأَشْعَث تَشَاغَلَ بِشَيْءٍ فَلَمْ يُدْرِكْ تَحْدِيث عَبْد اللَّه فَسَأَلَ أَصْحَابه عَمَّا حَدَّثَهُمْ بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالُوا كَذَا وَكَذَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" فَحَدَّثْنَاهُ \" وَبَيَّنَ شُعْبَةُ فِي رِوَايَته أَنَّ الَّذِي حَدَّثَهُ بِمَا حَدَّثَهُمْ بِهِ اِبْن مَسْعُود هُوَ أَبُو وَائِل الرَّاوِي وَلَفْظه فِي الْأَشْخَاص \" قَالَ فَلَقِيَنِي الْأَشْعَث فَقَالَ : مَا حَدَّثَكُمْ عَبْد اللَّه الْيَوْم ؟ قُلْت كَذَا وَكَذَا \" وَلَيْسَ بَيْن قَوْله فَلَقِيَنِي وَبَيْن قَوْله فِي الرِّوَايَة خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ مُنَافَاةٌ , وَإِنَّمَا اِنْفَرَدَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة لِكَوْنِهِ الْمُجِيبَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ فِيَّ أُنْزِلَتْ ) ‏ ‏رِوَايَة جَرِير \" قَالَ فَقَالَ صَدَقَ , لَفِيَّ وَاَللَّهِ أُنْزِلَتْ \" وَاللَّام لِتَأْكِيدِ الْقَسَم دَخَلْت عَلَى فِي , وَمُرَاده أَنَّ الْآيَة لَيْسَتْ بِسَبَبِ خُصُومَته الَّتِي يَذْكُرهَا , وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" فِيَّ وَاَللَّهِ كَانَ ذَلِكَ \" وَزَادَ جَرِير عَنْ مَنْصُور \" صَدَقَ \" قَالَ اِبْن مَالِك \" لَفِيَّ وَاَللَّهِ نَزَلَتْ \" شَاهِد عَلَى جَوَاز تَوَسُّط الْقَسَمِ بَيْنَ جُزْأَيْ الْجَوَاب , وَعَلَى أَنَّ اللَّام يَجِب وَصْلُهَا بِمَعْمُولَيْ الْفِعْل الْجَوَابِيِّ الْمُتَقَدِّمِ لَا بِالْفِعْلِ. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ لِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" كَانَتْ \". ‏ ‏قَوْله ( بِئْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" أَرْض \" وَادَّعَى الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي الشُّرْب أَنَّ أَبَا حَمْزَة تَفَرَّدَ بِقَوْلِهِ \" فِي بِئْر \" وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَقَدْ وَافَقَهُ أَبُو عَوَانَة كَمَا تَرَى , وَكَذَا يَأْتِي فِي الْأَحْكَام مِنْ رِوَايَة الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَش وَمَنْصُور جَمِيعًا , وَمِثْله فِي رِوَايَة شُعْبَة الْمَاضِيَة قَرِيبًا عَنْهُمْ لَكِنْ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ فِي حَدِيث الْأَعْمَش وَحْده , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة جَرِير عَنْ مَنْصُور \" فِي شَيْء \" وَلِبَعْضِهِمْ \" فِي بِئْر \" وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق عَاصِم عَنْ شَقِيق أَيْضًا \" فِي بِئْر \". ‏ ‏قَوْله ( فِي أَرْض اِبْن عَمّ لِي ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ أَنَّ الْخُصُومَة كَانَتْ فِي بِئْر يَدَّعِيهَا الْأَشْعَث فِي أَرْض لِخَصْمِهِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" كَانَ بَيْنِي وَبَيْن رَجُل مِنْ الْيَهُود أَرْض فَجَحَدَنِي \" وَيُجْمَع بِأَنَّ الْمُرَاد أَرْض الْبِئْر لَا جَمِيع الْأَرْض الَّتِي هِيَ أَرْض الْبِئْر , وَالْبِئْر مِنْ جُمْلَتهَا , وَلَا مُنَافَاة بَيْن قَوْله : اِبْن عَمّ لِي وَبَيْن قَوْله : مِنْ الْيَهُود ; لِأَنَّ جَمَاعَة مِنْ الْيَمَن كَانُوا تَهَوَّدُوا لَمَّا غَلَبَ يُوسُف ذُو نُوَاسٍ عَلَى الْيَمَن فَطَرَدَ عَنْهَا الْحَبَشَةَ فَجَاءَ الْإِسْلَام وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ , وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن إِسْحَاق فِي أَوَائِل السِّيرَة النَّبَوِيَّة مَبْسُوطًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشُّرْب أَنَّ اِسْم اِبْن عَمّه الْمَذْكُور الخفشيش بْن مَعْدَان بْن مَعْدِيكَرِب , وَبَيَّنْت الْخِلَاف فِي ضَبْط الخفشيش وَأَنَّهُ لَقَب وَاسْمه جَرِير وَقِيلَ مُعَدَّانِ حَكَاهُ اِبْن طَاهِر , وَالْمَعْرُوف أَنَّهُ اِسْم كَنْيَته أَبُو الْخَيْر , وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ الْأَشْعَث قَالَ : \" خَاصَمَ رَجُل مِنْ الْحَضْرَمِيِّينَ رَجُلًا مِنَّا يُقَال لَهُ الخفشيش إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَرْضٍ لَهُ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ جِئْ بِشُهُودِك عَلَى حَقّك وَإِلَّا حَلَفَ لَك \" الْحَدِيث. قُلْت : وَهَذَا يُخَالِف السِّيَاق الَّذِي فِي الصَّحِيح , فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا حُمِلَ عَلَى تَعَدُّد الْقِصَّة , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث عَدِيّ بْن عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ قَالَ : \" خَاصَمَ رَجُل مِنْ كِنْدَةَ يُقَال لَهُ اِمْرُؤُ الْقَيْس بْن عَابِس الْكِنْدِيّ رَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ فِي أَرْض \" فَذَكَر نَحْو قِصَّة الْأَشْعَث وَفِيهِ \" إِنْ مَكَّنْته مِنْ الْيَمِين ذَهَبَتْ أَرْضِي , وَقَالَ مَنْ حَلَفَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَتَلَا الْآيَة , وَمَعْدِيكَرِبَ جَدّ الخفشيش وَهُوَ جَدّ الْأَشْعَث بْن قَيْس بْن مَعْدِيكَرِبَ بْن مُعَاوِيَة بْن جَبَلَةَ بْن عَدِيّ بْن رَبِيعَة بْن مُعَاوِيَة , فَهُوَ اِبْن عَمّه حَقِيقَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق كُرْدُوس عَنْ الْأَشْعَث \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَة وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ اِخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَرْض مِنْ الْيَمَن \" فَذَكَرَ قِصَّةً تُشْبِهُ قِصَّة الْبَاب إِلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا اِخْتِلَافًا فِي السِّيَاق , وَأَظُنُّهَا قِصَّة أُخْرَى فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق عَلْقَمَة بْن وَائِل عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" جَاءَ رَجُل مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُل مِنْ كِنْدَة إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ : إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْض كَانَتْ لِأَبِي \" وَإِنَّمَا جَوَّزْت التَّعَدُّد ; لِأَنَّ الْحَضْرَمِيَّ يُغَايِر الْكِنْدِيَّ ; لِأَنَّ الْمُدَّعِي فِي حَدِيث الْبَاب هُوَ الْأَشْعَث وَهُوَ الْكِنْدِيّ جَزْمًا وَالْمُدَّعِي فِي حَدِيث وَائِل هُوَ الْحَضْرَمِيّ فَافْتَرَقَا , وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْحَضْرَمِيُّ : نُسِبَ إِلَى الْبَلَد لَا إِلَى الْقَبِيلَة فَإِنَّ أَصْل نِسْبَة الْقَبِيلَة كَانَتْ إِلَى الْبَلَد ثُمَّ اُشْتُهِرَتْ النِّسْبَة إِلَى الْقَبِيلَة , فَلَعَلَّ الْكِنْدِيّ فِي هَذِهِ الْقِصَّة كَانَ يَسْكُن حَضْرَمَوْتَ فَنُسِبَ إِلَيْهَا وَالْكِنْدِيّ لَمْ يَسْكُنْهَا فَاسْتَمَرَّ عَلَى نِسْبَتِهِ. وَقَدْ ذَكَرُوا الخفشيش فِي الصَّحَابَة , وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْض مَشَايِخنَا لِقَوْلِهِ فِي الطَّرِيق الْمَذْكُورَة قَرِيبًا إِنَّهُ يَهُودِيّ ثُمَّ قَالَ يَحْتَمِل أَنَّهُ أَسْلَمَ. قُلْت : وَتَمَامه أَنْ يُقَال : إِنَّمَا وَصَفَهُ الْأَشْعَث بِذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلًا , وَيُؤَيِّد إِسْلَامَهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة كُرْدُوس عَنْ الْأَشْعَث فِي آخِر الْقِصَّة أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ الْوَعِيدَ الْمَذْكُورَ قَالَ : هِيَ أَرْضُهُ , فَتَرَكَ الْيَمِين تَوَرُّعًا , فَفِيهِ إِشْعَار بِإِسْلَامِهِ. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَهُودِيًّا مَا بَالَى بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ , وَإِلَى ذَلِكَ وَقَعَتْ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَة عَنْهُمْ ( لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) أَيْ حَرَجٌ , وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ مُسْلِمًا أَيْضًا رِوَايَةُ الشَّعْبِيِّ الْآتِيَة قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله ( فَأَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الثَّوْرِيِّ \" خَاصَمْته \" وَفِي رِوَايَة جَرِير عَنْ مَنْصُور \" فَاخْتَصَمَا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" فَجَحَدَنِي فَقَدَّمْته إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ : بَيِّنَتُك أَوْ يَمِينُهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" فَقَالَ : أَلَك بَيِّنَةٌ ؟ فَقُلْت : لَا. فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ : اِحْلِفْ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي حَمْزَة \" فَقَالَ لِي : شُهُودك. قُلْت : مَا لِي شُهُود. قَالَ : فَيَمِينُهُ \" وَفِي رِوَايَة وَكِيع عِنْد مُسْلِم \" أَلَك عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ \" وَفِي رِوَايَة جَرِير عَنْ مَنْصُور \" شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ \" وَتَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَات تَوْجِيهُ الرَّفْعِ وَأَنَّهُ يَجُوز النَّصْبُ , وَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي لَفْظ رِوَايَة الْبَاب , وَيَجُوز أَنْ يَكُون تَوْجِيه الرَّفْع : لَك إِقَامَةُ شَاهِدَيْك أَوْ طَلَبُ يَمِينه , فَحُذِفَ فِيهِمَا الْمُضَاف وَأُقِيمَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مَقَامه فَرُفِعَ , وَالْأَصْل فِي هَذَا التَّقْدِير قَوْلُ سِيبَوَيْهِ الْمُثْبَت لَك مَا تَدَّعِيهِ شَاهِدَاك , وَتَأْوِيلُهُ الْمُثْبَتُ لَك هُوَ شَهَادَة شَاهِدَيْك إِلَخْ. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت إِذًا يَحْلِف عَلَيْهَا يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة أَبِي حَمْزَة مَا بَعْد قَوْله \" يَحْلِف \" وَتَقَدَّمَ فِي الشُّرْب \" أَنْ يَحْلِف \" بِالنَّصِّ لِوُجُودِ شَرَائِطه مِنْ الِاسْتِقْبَال وَغَيْره وَأَنَّهُ يَجُوز الرَّفْع وَذَكَرَ فِيهِ تَوْجِيهَ ذَلِكَ , وَزَادَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" إِذًا يَحْلِف وَيَذْهَب بِمَالِي \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث وَائِل مِنْ الزِّيَادَة بَعْد قَوْله أَلَك بَيِّنَةٌ \" قَالَ لَا قَالَ فَلَك يَمِينُهُ , قَالَ إِنَّهُ فَاجِرٌ لَيْسَ يُبَالِي مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ , قَالَ لَيْسَ لَك مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الشَّعْبِيِّ عَنْ الْأَشْعَث قَالَ \" أَرْضِي أَعْظَمُ شَأْنًا أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهَا , فَقَالَ : إِنَّ يَمِين الْمُسْلِم يُدْرَأُ بِهَا أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ حَلَفَ ) ‏ ‏فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيث اِبْنِ مَسْعُودٍ سَوَاء وَزَادَ \" وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ \" وَقَدْ بَيَّنْت أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَقَعَتْ فِي حَدِيث اِبْنِ مَسْعُودٍ عِنْد أَبِي حَمْزَة وَغَيْره , وَزَادَ أَبُو حَمْزَة \" فَأَنْزَلَ اللَّه ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ \" أَيْ لِحَدِيثِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ يَقَع فِي رِوَايَة مَنْصُور حَدِيث \" مَنْ حَلَفَ \" مِنْ رِوَايَة الْأَشْعَث بَلْ اِقْتَصَرَ عَلَى قَوْله \" فَأَنْزَلَ اللَّه \" وَسَاقَ الْآيَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة كُرْدُوس عَنْ الْأَشْعَث \" فَتَهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ لِلْيَمِينِ \" وَفِي حَدِيث وَائِلٍ \" فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ , فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْحَدِيث. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ عَنْ الْأَشْعَث \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ هُوَ حَلَفَ كَاذِبًا أَدْخَلَهُ اللَّه النَّارَ. فَذَهَبَ الْأَشْعَث فَأَخْبَرَهُ الْقِصَّة فَقَالَ : أَصْلِحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ , قَالَ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا \" وَفِي حَدِيث عَدِيّ بْن عُمَيْرَةَ \" فَقَالَ لَهُ أَمْرُؤُ الْقَيْس : مَا لِمَنْ تَرَكَهَا يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : الْجَنَّة. قَالَ أَشْهَدُ أَنِّي قَدْ تَرَكْتهَا لَهُ كُلَّهَا \" وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا أَشَرْت إِلَيْهِ مِنْ تَعَدُّد الْقِصَّة. وَفِي الْحَدِيث سَمَاع الْحَاكِم الدَّعْوَى فِيمَا لَمْ يَرَهُ إِذَا وُصِفَ وَحُدِّدَ وَعَرَفَهُ الْمُتَدَاعِيَانِ , لَكِنْ لَمْ يَقَع فِي الْحَدِيث تَصْرِيحٌ بِوَصْفٍ وَلَا تَحْدِيدٍ , فَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيّ عَلَى أَنَّ الْوَصْف وَالتَّحْدِيد لَيْسَ بِلَازِمٍ لِذَاتِهِ بَلْ يَكْفِي فِي صِحَّة الدَّعْوَى تَمْيِيز الْمُدَّعَى بِهِ تَمْيِيزًا يَنْضَبِط بِهِ. قُلْت : وَلَا يَلْزَم مِنْ تَرْك ذِكْر التَّحْدِيد وَالْوَصْف فِي الْحَدِيث أَنْ لَا يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ , وَلَا يُسْتَدَلُّ بِسُكُوتِ الرَّاوِي عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَقَع بَلْ يُطَالَب مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ شَرْطًا بِدَلِيلِهِ فَإِذَا ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ ذُكِرَ فِي الْحَدِيث , وَلَمْ يَنْقُلْهُ الرَّاوِي. وَفِيهِ أَنَّ الْحَاكِم يَسْأَل الْمُدَّعِي هَلْ لَهُ بَيِّنَة ؟ وَقَدْ تَرْجَمَ بِذَلِكَ فِي الشَّهَادَات \" وَأَنَّ الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي فِي الْأَمْوَال كُلّهَا \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَالِكٍ فِي قَوْله إِنَّ مَنْ رَضِيَ بِيَمِينِ غَرِيمه ثُمَّ أَرَادَ إِقَامَة الْبَيِّنَة بَعْد حَلِفِهِ أَنَّهَا لَا تُسْمَع إِلَّا إِنْ أَتَى بِعُذْرٍ يَتَوَجَّهُ لَهُ فِي تَرْك إِقَامَتهَا قَبْل اِسْتِحْلَافه , قَالَ اِبْنُ دَقِيق الْعِيد : وَوَجْهه أَنَّ \" أَوْ \" تَقْتَضِي أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ. فَلَوْ جَازَ إِقَامَة الْبَيِّنَة بَعْد الِاسْتِحْلَاف لَكَانَ لَهُ الْأَمْرَانِ مَعًا وَالْحَدِيث يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا أَحَدُهُمَا , قَالَ : وَقَدْ يُجَاب بِأَنَّ الْمَقْصُود مِنْ هَذَا الْكَلَام نَفْيُ طَرِيقٍ أُخْرَى لِإِثْبَاتِ الْحَقّ فَيَعُود الْمَعْنَى إِلَى حَصْر الْحُجَّة فِي الْبَيِّنَة وَالْيَمِين. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ النَّظَر إِلَى اِعْتِبَار مَقَاصِد الْكَلَام وَفَهْمه يُضْعِف هَذَا الْجَوَاب , قَالَ وَقَدْ يَسْتَدِلُّ الْحَنَفِيَّةُ بِهِ فِي تَرْك الْعَمَل بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين فِي الْأَمْوَال. قُلْت : وَالْجَوَاب عَنْهُ بَعْد ثُبُوت دَلِيل الْعَمَل بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين أَنَّهَا زِيَادَة صَحِيحَةٌ يَجِبُ الْمَصِير إِلَيْهَا لِثُبُوتِ ذَلِكَ بِالْمَنْطُوقِ , وَإِنَّمَا يُسْتَفَاد نَفْيُهُ مِنْ حَدِيث الْبَاب بِالْمَفْهُومِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَوْجِيه الْيَمِين فِي الدَّعَاوِي كُلّهَا عَلَى مَنْ لَيْسَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ. وَفِيهِ بِنَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَى الظَّاهِر , وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْر مُبْطِلًا. وَفِيهِ دَلِيلٌ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ حُكْم الْحَاكِم لَا يُبِيح لِلْإِنْسَانِ مَا لَمْ يَكُنْ حَلَالًا لَهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَة كَذَا أَطْلَقَهُ النَّوَوِيُّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْحُكْم لَا يُحِلُّ حَرَامًا فِي الْبَاطِن فِي الْأَمْوَال. قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي حِلِّ عِصْمَةِ نِكَاحٍ مَنْ عُقِدَ عَلَيْهَا بِظَاهِرِ الْحُكْم وَهِيَ فِي الْبَاطِن بِخِلَافِهِ فَقَالَ الْجُمْهُور : الْفُرُوج كَالْأَمْوَالِ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف وَبَعْض الْمَالِكِيَّة : إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَمْوَال دُونَ الْفُرُوج , وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ اللِّعَان اِنْتَهَى. وَقَدْ طَرَدَ ذَلِكَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّة فِي بَعْض الْمَسَائِل فِي الْأَمْوَال , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ التَّشْدِيد عَلَى مَنْ حَلَفَ بَاطِلًا لِيَأْخُذَ حَقَّ مُسْلِمٍ , وَهُوَ عِنْد الْجَمِيع مَحْمُول عَلَى مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْر تَوْبَةٍ صَحِيحَةٍ , وَعِنْد أَهْل السُّنَّة مَحْمُول عَلَى مَنْ شَاءَ اللَّه أَنْ يُعَذِّبَهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره مِرَارًا وَآخِرُهَا فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي ذَرٍّ فِي كِتَاب الرِّقَاق , وَقَوْله \" وَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ \" قَالَ فِي الْكَشَّاف : هُوَ كِنَايَة عَنْ عَدَمِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ عِنْد مَنْ يُجَوِّز عَلَيْهِ النَّظَرَ , مَجَاز عِنْد مَنْ لَا يُجَوِّزهُ , وَالْمُرَاد بِتَرْكِ التَّزْكِيَة تَرْك الثَّنَاء عَلَيْهِ وَبِالْغَضَبِ إِيصَال الشَّرّ إِلَيْهِ , وَقَالَ الْمَازِرِيّ : ذَكَرَ بَعْض أَصْحَابنَا أَنَّ فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ أَوْلَى بِالْمُدَّعَى فِيهِ. وَفِيهِ التَّنْبِيه عَلَى صُورَة الْحُكْم فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء ; لِأَنَّهُ بَدَأَ بِالطَّالِبِ فَقَالَ : لَيْسَ لَك إِلَّا يَمِينُ الْآخَرِ , وَلَمْ يَحْكُم بِهَا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا حَلَفَ بَلْ إِنَّمَا جَعَلَ الْيَمِين تَصْرِفُ دَعْوَى الْمُدَّعِي لَا غَيْرُ , وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ إِذَا حَلَّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ لَا يَحْكُم لَهُ بِمِلْكِ الْمُدَّعَى فِيهِ وَلَا بِحِيَازَتِهِ بَلْ يُقِرُّهُ عَلَى حُكْم يَمِينِهِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط فِي الْمُتَدَاعِيَيْنِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا اِخْتِلَاط أَوْ يَكُونَا مِمَّنْ يُتَّهَم بِذَلِكَ وَيَلِيق بِهِ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُنَا بِالْحَلِفِ بَعْد أَنْ سَمِعَ الدَّعْوَى , وَلَمْ يَسْأَل عَنْ حَالِهِمَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِخِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ قَالَ بِهِ مِنْ الْمَالِكِيَّة لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ مِنْ حَالِهِ مَا أَغْنَاهُ عَنْ السُّؤَال فِيهِ , وَقَدْ قَالَ خَصْمه عَنْهُ : إِنَّهُ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي وَلَا يَتَوَرَّع عَنْ شَيْء وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ بَرِيئًا مِمَّا قَالَ لَبَادَرَ لِلْإِنْكَارِ عَلَيْهِ , بَلْ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْغَصْب الْمُدَّعَى بِهِ وَقَعَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَمِثْل ذَلِكَ تُسْمَع الدَّعْوَى بِيَمِينِهِ فِيهِ عِنْدهمْ. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا أَنَّ يَمِينَ الْفَاجِرِ تُسْقِط عَنْهُ الدَّعْوَى , وَأَنَّ فُجُورَهُ فِي دِينه لَا يُوجِب الْحَجْر عَلَيْهِ , وَلَا إِبْطَال إِقْرَاره وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْيَمِينِ مَعْنَى , وَأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنْ أَقَرَّ أَنَّ أَصْلَ الْمُدَّعِي لِغَيْرِهِ لَا يُكَلَّف لِبَيَانِ وَجْه مَصِيره إِلَيْهِ مَا لَمْ يُعْلَمْ إِنْكَارُهُ لِذَلِكَ يَعْنِي تَسْلِيم الْمَطْلُوب لَهُ مَا قَالَ , قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ مَنْ جَاءَ بِالْبَيِّنَةِ قُضِيَ لَهُ بِحَقِّهِ مِنْ غَيْر يَمِينٍ لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ الْبَيِّنَة دُونَ مَا يَجِبُ لَهُ الْحُكْم بِهِ , وَلَوْ كَانَتْ الْيَمِين مِنْ تَمَام الْحُكْم لَهُ لَقَالَ لَهُ بَيِّنَتُك وَيَمِينك عَلَى صِدْقهَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه لَا يَحْلِف مَعَ بَيِّنَتِهِ عَلَى صِدْقهَا فِيمَا شَهِدَتْ أَنَّ الْحُكْم لَهُ لَا يَتَوَقَّف بَعْد الْبَيِّنَة عَلَى حَلِفِهِ بِأَنَّهُ مَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ وَلَا وَهَبَهُ مَثَلًا وَأَنَّهُ يَسْتَحِقّ قَبْضَهُ , فَهَذَا , وَإِنْ كَانَ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيث فَلَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَنْفِيهِ , بَلْ فِيهِ مَا يُشْعِر بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ ذِكْر ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّ الْخَصْم اِعْتَرَفَ وَسَلَّمَ الْمُدَّعَى بِهِ لِلْمُدَّعِي فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ طَلَبِهِ يَمِينَهُ , وَالْغَرَض أَنَّ الْمُدَّعِي ذَكَرَ أَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ لَهُ فَلَمْ تَكُنْ الْيَمِين إِلَّا فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَطْ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا الْبُدَاءَة بِالسَّمَاعِ مِنْ الطَّالِب ثُمَّ مِنْ الْمَطْلُوب هَلْ يُقِرّ أَوْ يُنْكِر , ثُمَّ طَلَب الْبَيِّنَة مِنْ الطَّالِب إِنْ أَنْكَرَ الْمَطْلُوب , ثُمَّ تَوْجِيه الْيَمِين عَلَى الْمَطْلُوب إِذَا لَمْ يَجِد الطَّالِب الْبَيِّنَة , وَأَنَّ الطَّالِب إِذَا اِدَّعَى أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ فِي يَد الْمَطْلُوب فَاعْتَرَفَ اِسْتَغْنَى عَنْ إِقَامَة الْبَيِّنَة بِأَنَّ يَد الْمَطْلُوب عَلَيْهِ , قَالَ : وَذَهَبَ بَعْض الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ كُلّ مَا يَجْرِي بَيْن الْمُتَدَاعِيَيْنِ مِنْ تَسَابٍّ بِخِيَانَةٍ وَفُجُورٍ هَدَرٌ لِهَذَا الْحَدِيث , وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَسَبَهُ إِلَى الْغَصْب فِي الْجَاهِلِيَّة وَإِلَى الْفُجُور وَعَدَم التَّوَقِّي فِي الْأَيْمَان فِي حَالِ الْيَهُودِيَّة فَلَا يَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ كُلّ أَحَد. وَفِيهِ مَوْعِظَةُ الْحَاكِم الْمَطْلُوب إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَحْلِف بَاطِلًا فَيَرْجِع إِلَى الْحَقّ بِالْمَوْعِظَةِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الطَّيِّب فِي سُؤَال أَحَدِ الْمُتَنَاظِرَيْن صَاحِبَهُ عَنْ مَذْهَبه فَيَقُول لَهُ : أَلَك دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ ؟ فَإِنْ قَالَ : نَعَمْ سَأَلَهُ عَنْهُ وَلَا يَقُول لَهُ اِبْتِدَاءً : مَا دَلِيلُك عَلَى ذَلِكَ ؟ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلطَّالِبِ : أَلَك بَيِّنَةٌ. وَلَمْ يَقُلْ لَهُ قَرِّبْ بَيِّنَتَك. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ لِلْيَمِينِ مَكَانًا يَخْتَصُّ بِهِ لِقَوْلِهِ فِي بَعْض طُرُقِهِ \" فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ \" وَقَدْ عَهِدَ فِي عَهْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَلِف عِنْد مِنْبَرِهِ , وَبِذَلِكَ اِحْتَجَّ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ : كَانَتْ الْمُحَاكَمَة وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِد فَانْطَلَقَ الْمَطْلُوب لِيَحْلِف فَلَمْ يَكُنْ اِنْطِلَاقه إِلَّا إِلَى الْمِنْبَر ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِد فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ اِنْطِلَاقه إِلَى مَوْضِعٍ أَخَصَّ مِنْهُ. وَفِيهِ أَنَّ الْحَالِف يَحْلِف قَائِمًا لِقَوْلِهِ \" فَلَمَّا قَامَ لِيَحْلِفَ \" وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ قَامَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْله اِنْطَلَقَ لِيَحْلِفَ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيّ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَبِيَدِهِ مَالٌ لِغَيْرِهِ أَنَّهُ يَرْجِع إِلَى مَالِكه إِذَا أَثْبَتَهُ , وَعَنْ الْمَالِكِيَّة اِخْتِصَاصه بِمَا إِذَا كَانَ الْمَال لِكَافِرٍ , وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ وَأَسْلَمَ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ فَإِنَّهُ يُقَرُّ بِيَدِهِ وَالْحَدِيث حُجَّة عَلَيْهِمْ. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة : يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْآيَة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْحَدِيث نَزَلَتْ فِي نَقْضِ الْعَهْد , وَأَنَّ الْيَمِين الْغَمُوس لَا كَفَّارَة فِيهَا ; لِأَنَّ نَقْضَ الْعَهْد لَا كَفَّارَة فِيهِ , كَذَا قَالَ , وَغَايَتُهُ أَنَّهَا دَلَالَةُ اِقْتِرَانٍ. وَقَالَ النَّوَوِيّ يَدْخُل فِي قَوْله \" مَنْ اِقْتَطَعَ حَقَّ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ \" مَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْر مَال كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَالسِّرْجِينِ وَغَيْرهمَا مِمَّا يُنْتَفَع بِهِ , وَكَذَا سَائِر الْحُقُوق كَنَصِيبِ الزَّوْجَة بِالْقَسْمِ , وَأَمَّا التَّقْيِيد بِالْمُسْلِمِ فَلَا يَدُلّ عَلَى عَدَم تَحْرِيم حَقِّ الذِّمِّيّ بَلْ هُوَ حَرَام أَيْضًا , لَكِنْ لَا يَلْزَم أَنْ يَكُونَ فِيهِ هَذِهِ الْعُقُوبَة الْعَظِيمَة , وَهُوَ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ لَكِنْ لَيْسَ فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيم حَقِّ الذِّمِّيّ بَلْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ آخَرَ. وَالْحَاصِل أَنَّ الْمُسْلِم وَالذِّمِّيّ لَا يَفْتَرِقُ الْحُكْم فِي الْأَمْر فِيهِمَا فِي الْيَمِين الْغَمُوس وَالْوَعِيد عَلَيْهَا , وَفِي أَخْذِ حَقِّهِمَا بَاطِلًا , وَإِنَّمَا يَفْتَرِق قَدْرُ الْعُقُوبَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا , قَالَ : وَفِيهِ غِلَظ تَحْرِيم حُقُوق الْمُسْلِمِينَ , وَأَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن قَلِيل الْحَقّ وَكَثِيره فِي ذَلِكَ , وَكَأَنَّ مُرَاده عَدَم الْفَرْق فِي غِلَظ التَّحْرِيم لَا فِي مَرَاتِب الْغِلَظ , وَقَدْ صَرَّحَ اِبْنِ عَبْد السَّلَام فِي \" الْقَوَاعِد \" بِالْفَرْقِ بَيْن الْقَلِيل وَالْكَثِير وَكَذَا بَيْن مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ كَثِير الْمَفْسَدَة وَحَقِيرهَا , وَقَدْ وَرَدَ الْوَعِيد فِي الْحَالِف الْكَاذِب فِي حَقِّ الْغَيْر مُطْلَقًا فِي حَدِيث أَبِي ذَرٍّ \" ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" وَالْمُنْفِق سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْد أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" وَرَجُل حَلَفَ عَلَى سِلْعَته بَعْد الْعَصْر كَاذِبًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "6184",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَسْأَلُهُ الْحُمْلَانَ فَقَالَ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ انْطَلِقْ إِلَى أَصْحَابِكَ فَقُلْ إِنَّ اللَّهَ ‏ ‏أَوْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَحْمِلُكُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي قِصَّة طَلَبِهِمْ الْحُمْلَان فِي غَزْوَة تَبُوك , اِقْتَصَرَ مِنْهُ عَلَى بَعْضه , وَفِيهِ \" فَقَالَ لَا أَحْمِلُكُمْ \" وَقَدْ سَاقَهُ تَامًّا فِي غَزْوَة تَبُوك بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور هُنَا وَفِيهِ \" فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ \" وَهُوَ الْمُوَافِق لِلتَّرْجَمَةِ , وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ \" فِيمَا لَا يَمْلِك \" إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب الْكَفَّارَة قَبْل الْحِنْث \" فَقَالَ \" وَاَللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ \" وَقَدْ أَحَلْت بِشَرْحِ الْحَدِيث عَلَى الْبَاب الْمَذْكُور , قَالَ اِبْن الْمُنِير : فَهِمَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ نَحَا بِهَذِهِ التَّرْجَمَة لِجِهَةِ تَعْلِيق الطَّلَاق قَبْل مِلْك الْعِصْمَة أَوْ الْحُرِّيَّة قَبْل مِلْك الرَّقَبَة , فَنَقَلَ الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ وَبَسَطَ الْقَوْل فِيهِ وَالْحُجَج , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْبُخَارِيّ قَصَدَ غَيْر هَذَا وَهُوَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَهُمْ فَلَمَّا حَمَلَهُمْ رَاجَعُوهُ فِي يَمِينِهِ فَقَالَ مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ , فَبَيَّنَ أَنَّ يَمِينَهُ إِنَّمَا اِنْعَقَدَتْ فِيمَا يَمْلِك فَلَوْ حَمَلَهُمْ عَلَى مَا يَمْلِكُ لَحَنِثَ وَكَفَّرَ , وَلَكِنَّهُ حَمَلَهُمْ عَلَى مَا لَا يَمْلِكهُ مِلْكًا خَاصًّا وَهُوَ مَال اللَّه وَبِهَذَا لَا يَكُون قَدْ حَنِثَ فِي يَمِينه. وَأَمَّا قَوْله عَقِبَ ذَلِكَ \" لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا \" فَهُوَ تَأْسِيسُ قَاعِدَةٍ مُبْتَدَأَةٍ كَأَنَّهُ يَقُول وَلَوْ كُنْت حَلَفْت ثُمَّ رَأَيْت تَرْك مَا حَلَفْت عَلَيْهِ خَيْرًا مِنْهُ لَأَحْنَثْت نَفْسِي وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي , قَالَ وَهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوهُ أَنْ يَحْمِلَهُمْ ظَنًّا أَنَّهُ يَمْلِك حُمْلَانًا فَحَلَفَ لَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى شَيْءٍ يَمْلِكُهُ لِكَوْنِهِ كَانَ حِينَئِذٍ لَا يَمْلِك شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ , قَالَ : وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْء وَلَيْسَ فِي مِلْكِهِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ فِعْلًا مُعَلَّقًا بِذَلِكَ الشَّيْء مِثْل قَوْله وَاَللَّهِ لَإِنْ رَكِبْت مَثَلًا هَذَا الْبَعِير لَأَفْعَلَن كَذَا لِبَعِيرٍ لَا يَمْلِكُهُ أَنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ وَرَكِبَهُ حَنِثَ , وَلَيْسَ هَذَا مِنْ تَعْلِيق الْيَمِين عَلَى الْمِلْك , قُلْت : وَمَا قَالَهُ مُحْتَمَل , وَلَيْسَ مَا قَالَهُ اِبْن بَطَّال أَيْضًا بِبَعِيد بَلْ هُوَ أَظْهَر , وَذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَة الَّذِينَ سَأَلُوا الْحُمْلَان فَهِمُوا أَنَّهُ حَلَفَ وَأَنَّهُ فَعَلَ خِلَافَ مَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلهُ , فَلِذَلِكَ لَمَّا أَمَرَ لَهُمْ بِالْحُمْلَانِ بَعْد قَالُوا \" تَغَفَّلْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينه \" وَظَنُّوا أَنَّهُ نَسِيَ حَلِفَهُ الْمَاضِيَ , فَأَجَابَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَنْسَ وَلَكِنَّ الَّذِي فَعَلَهُ خَيْر مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ , وَأَنَّهُ إِذَا حَلَفَ فَرَأَى خَيْرًا مِنْ يَمِينه فَعَلَ الَّذِي حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلهُ وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينه , وَسَيَأْتِي وَاضِحًا فِي \" بَاب الْكَفَّارَة قَبْل الْحِنْث \" وَيَأْتِي مَزِيدٌ لِمَسْأَلَةِ الْيَمِين فِيمَا لَا يَمْلِك فِي \" بَاب النَّذْر فِيمَا لَا يَمْلِك \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6185",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَجَّاجُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ ‏ ‏وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا كُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ الْحَدِيثِ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ ‏} ‏الْعَشْرَ الْآيَاتِ كُلَّهَا فِي بَرَاءَتِي فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ‏ ‏وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى ‏ ‏مِسْطَحٍ ‏ ‏لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى ‏ ‏مِسْطَحٍ ‏ ‏شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَلَا ‏ ‏يَأْتَلِ ‏ ‏أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي ‏ ‏الْقُرْبَى ‏} ‏الْآيَةَ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي فَرَجَعَ إِلَى ‏ ‏مِسْطَحٍ ‏ ‏النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا عَنْهُ أَبَدًا ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيث الْإِفْك , ‏ ‏وَعَبْد الْعَزِيز ‏ ‏شَيْخه هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْأُوَيْسِيّ , ‏ ‏وَإِبْرَاهِيم ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعْد , ‏ ‏وَصَالِح ‏ ‏هُوَ اِبْن كَيْسَانَ , ‏ ‏وَحَجَّاج ‏ ‏شَيْخه فِي السَّنَد الثَّانِي هُوَ اِبْن الْمِنْهَال , وَقَدْ أَوْرَدَهُ عَنْ عَبْد الْعَزِيز بِطُولِهِ فِي الْمَغَازِي , وَأَوْرَدَ عَنْ حَجَّاج بِهَذَا السَّنَد أَيْضًا مِنْهُ قِطْعَة فِي الشَّهَادَات تَتَعَلَّق بِقَوْلِ بَرِيرَة \" مَا عَلِمْت إِلَّا خَيْرًا \" وَقِطْعَة فِي الْجِهَاد فِيمَنْ أَرَادَ سَفَرًا فَأَقْرَعَ بَيْن نِسَائِهِ , وَقِطْعَة فِي تَفْسِير سُورَة يُوسُف مَقْرُونًا أَيْضًا بِرِوَايَةِ عَبْد الْعَزِيز فِي قَوْل يَعْقُوب ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) وَقِطْعَة فِي غَزْوَة بَدْر فِي قِصَّة أُمّ مِسْطَح وَقَوْل عَائِشَة لَهَا \" تَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا \" وَقِطْعَة فِي التَّوْحِيد فِي قَوْل عَائِشَة \" مَا كُنْت أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى \" وَمَجْمُوع مَا أَوْرَدَهُ عَنْهُ لَا يَجِيء قَدْرَ عُشْر الْحَدِيث , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" قَالَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق وَكَانَ يُنْفِق عَلَى مِسْطَح وَاَللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَح \" وَهُوَ مُوَافِق لِتَرْكِ الْيَمِين فِي الْمَعْصِيَة لِأَنَّهُ حَلَفَ أَنْ لَا يَنْفَعَ مِسْطَحًا لِكَلَامِهِ فِي عَائِشَة فَكَانَ حَالِفًا عَلَى تَرْك طَاعَة فَهِيَ عَلَى الِاسْتِمْرَار عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَيَكُون النَّهْي عَنْ الْحَلِف عَلَى فِعْل الْمَعْصِيَة بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَالظَّاهِر مِنْ حَاله عِنْد الْحَلِف أَنْ يَكُون قَدْ غَضِبَ عَلَى مِسْطَح مِنْ أَجْل قَوْله الَّذِي قَالَهُ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَا مُنَاسَبَة لِهَذَا الْحَدِيث بِالْجُزْأَيْنِ الْأَوَّلِينَ إِلَّا أَنْ يَكُون قَاسَهُمَا عَلَى الْغَضَب , أَوْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : وَفِي الْمَعْصِيَة وَفِي شَأْن الْمَعْصِيَة ; لِأَنَّ الصِّدِّيق حَلَفَ بِسَبَبِ إِفْك مِسْطَح وَالْإِفْك مِنْ الْمَعْصِيَة ; وَكَذَا كُلّ مَا لَا يَمْلِك الشَّخْص فَالْحَلِف عَلَيْهِ مُوجِب لِلتَّصَرُّفِ فِيمَا لَا يَمْلِكهُ قَبْل ذَلِكَ أَيْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلهُ شَرْعًا اِنْتَهَى , وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ , وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَم أَنْ يَكُون كُلّ خَبَر فِي الْبَاب يُطَابِق جَمِيع مَا فِي التَّرْجَمَة. ثُمَّ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفَات النَّقَلَة مِنْ أَصْل الْبُخَارِيّ فَإِنَّهُ مَاتَ , وَفِيهِ مَوَاضِعُ مُبَيَّضَةٌ مِنْ تَرَاجِمَ بِلَا حَدِيثٍ , وَأَحَادِيثُ بِلَا تَرْجَمَةٍ فَأَضَافُوا بَعْضًا إِلَى بَعْض. قُلْت : وَهَذَا إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ إِذَا لَمْ تَتَّجِهُ الْمُنَاسَبَةُ , وَقَدْ بَيَّنَّا تَوْجِيهَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6186",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَهْدَمٍ ‏ ‏قَالَ كُنَّا عِنْدَ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي نَفَرٍ مِنْ ‏ ‏الْأَشْعَرِيِّينَ ‏ ‏فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا ثُمَّ قَالَ وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ‏ ‏لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ‏ ‏وَتَحَلَّلْتُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَر ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , ‏ ‏وَعَبْد الْوَارِث ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد , ‏ ‏وَأَيُّوب ‏ ‏وَهُوَ السَّخْتِيَانِيّ , ‏ ‏وَالْقَاسِم ‏ ‏هُوَ اِبْن عَاصِم , ‏ ‏وَزَهْدَم ‏ ‏هُوَ اِبْن مِضْرَب الْجَرْمِيّ وَالْجَمِيع بَصْرِيُّونَ , ‏ ‏وَقَوْله \" فَوَافَقْته وَهُوَ غَضْبَان \" ‏ ‏مُطَابِق لِبَعْضِ التَّرْجَمَة , وَفِي الْقِصَّة نَحْو مَا فِي قِصَّة أَبِي بَكْر مِنْ الْحَلِف عَلَى تَرْك طَاعَة , لَكِنْ بَيْنَهُمَا فَرْق , وَهُوَ أَنَّ حَلِفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَافَقَ أَنْ لَا شَيْء عِنْده مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ , بِخِلَافِ حَلِف أَبِي بَكْر فَإِنَّهُ حَلَفَ وَهُوَ قَادِر عَلَى فِعْل مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكه. قَالَ اِبْن الْمُنِير : لَمْ يَذْكُر الْبُخَارِيّ فِي الْبَاب مَا يُنَاسِب تَرْجَمَة الْيَمِين عَلَى الْمَعْصِيَة إِلَّا أَنْ يُرِيد بِيَمِينِ أَبِي بَكْر عَلَى قَطِيعَة مِسْطَح , وَلَيْسَتْ بِقَطِيعَةٍ بَلْ هِيَ عُقُوبَة لَهُ عَلَى مَا اِرْتَكَبَ مِنْ الْمَعْصِيَة بِالْقَذْفِ , وَلَكِنْ يُمْكِن أَنْ يَكُون أَبُو بَكْر حَلَفَ عَلَى خِلَاف الْأَوْلَى , فَإِذَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى أَحْنَثَ نَفْسه فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكه , فَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْل الْمَعْصِيَة يَكُون أَوْلَى. قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْله \" فَأَرَى خَيْرًا مِنْهَا \" يَقْتَضِي أَنَّ الْحِنْث لِفِعْلِ مَا هُوَ الْأَوْلَى يَقْتَضِي الْحِنْثَ لِتَرْكِ مَا هُوَ مَعْصِيَة بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , قَالَ : وَلِهَذَا يُقْضَى بِحِنْثِ مَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَة مِنْ قَبْل أَنْ يَفْعَلهَا اِنْتَهَى. وَالْقَضَاء الْمَذْكُور عِنْد الْمَالِكِيَّة كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي \" بَاب النَّذْر فِي الْمَعْصِيَة \" قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى الرَّدّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ يَمِينَ الْغَضْبَانِ لَغْوٌ ‏"
    },
    {
        "id": "6187",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا حَضَرَتْ ‏ ‏أَبَا طَالِبٍ ‏ ‏الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِيهِ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِب الْوَفَاةُ الْحَدِيث مُخْتَصَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ وَشَرْحه فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ \" بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيد آخِرِهِ وَأَصْله أُحَاجِج , وَالْمُرَاد أُظْهِرُ لَك بِهَا الْحُجَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "6188",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ ‏",
        "sharh": "وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَان \" الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَات وَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي آخِرِ الْكِتَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6189",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى ‏ ‏مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا أُدْخِلَ النَّارَ ‏ ‏وَقُلْتُ أُخْرَى ‏ ‏مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا أُدْخِلَ الْجَنَّةَ ‏",
        "sharh": "وَحَدِيث عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَة وَقُلْت أُخْرَى \" الْحَدِيث وَقَدْ مَضَى الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَائِل كِتَاب الْجَنَائِز , وَذَكَرْت مَا وَقَعَ لِلنَّوَوِيِّ فِيهِ , وَوَقَعَ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة بَيَان الْكَلِمَة الْمَرْفُوعَة مِنْ الْكَلِمَة الْمَوْقُوفَة ; قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْمُتَّجِه أَنْ يَقُول مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَل لِلَّهِ نِدًّا لَا يَدْخُل النَّار , لَكِنْ لَمَّا كَانَ دُخُول الْجَنَّة مُحَقَّقًا لِلْمُوَحِّدِ جَزَمَ بِهِ , وَلَوْ كَانَ آخِرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6190",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آلَى ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ نِسَائِهِ وَكَانَتْ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نَزَلَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتَ شَهْرًا فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6191",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا أُسَيْدٍ ‏ ‏صَاحِبَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْرَسَ فَدَعَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِعُرْسِهِ فَكَانَتْ الْعَرُوسُ خَادِمَهُمْ فَقَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏لِلْقَوْمِ هَلْ تَدْرُونَ مَا سَقَتْهُ قَالَ ‏ ‏أَنْقَعَتْ لَهُ تَمْرًا فِي تَوْرٍ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَيْهِ فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي الْوَلِيمَةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ , وَعَلِيٌّ شَيْخُهُ هُوَ اِبْنُ الْمَدِينِيِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6192",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا ‏ ‏مَسْكَهَا ‏ ‏ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ ‏ ‏شَنًّا ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَوْدَة فَهِيَ بِنْت زَمْعَةَ بْن قَيْس بْن عَبْد شَمْس الْعَامِرِيَّة مِنْ بَنِي عَامِر بْن لُؤَيٍّ الْقُرَشِيَّة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد مَوْت خَدِيجَة , وَهُوَ بِمَكَّة وَدَخَلَ بِهَا قَبْل الْهِجْرَةِ. ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَكِ. ‏ ‏قَوْله ( فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالْمُهْمَلَةِ أَيْ جِلْدَهَا. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى صَارَ شَنًّا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد النُّون أَيْ بَالِيًا , وَالشَّنَّة الْقِرْبَة الْعَتِيقَة , وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق مُغِيرَة بْن مِقْسَمٍ عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا فِي دِبَاغ جِلْد الشَّاة الْمَيْتَة غَيْر هَذَا , وَأَشَارَ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" إِلَى أَنَّ ذَلِكَ عِلَّة لِرِوَايَةِ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ الشَّعْبِيّ الَّتِي فِي الْبَاب , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا حَدِيثَانِ مُتَغَايِرَانِ فِي السِّيَاق , وَإِنْ كَانَ كُلّ مِنْهُمَا مِنْ رِوَايَة الشَّعْبِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَرِوَايَة مُغِيرَة هَذِهِ تُوَافِق لَفْظ رِوَايَة عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ مَيْمُونَة , وَهِيَ عِنْد مُسْلِم , وَأَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس بِغَيْرِ ذِكْر مَيْمُونَة وَلَا ذَكَرَ الدِّبَاغ فِيهِ , وَمَضَى الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر كِتَاب الْأَطْعِمَة , قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : فِي حَدِيث سَوْدَة الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الزُّهْد لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْخُرُوجِ عَنْ جَمِيع مَا يُتَمَلَّك ; لِأَنَّ مَوْت الشَّاة يَتَضَمَّن سَبْق مِلْكهَا وَاقْتِنَائِهَا , وَفِيهِ جَوَاز تَنْمِيَة الْمَال ; لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا جِلْد الْمَيْتَة فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ بَعْد أَنْ كَانَ مَطْرُوحًا , وَفِيهِ جَوَاز تَنَاوُل مَا يَهْضِمُ الطَّعَام لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الِانْتِبَاذُ , وَفِيهِ إِضَافَة الْفِعْل إِلَى الْمَالِك وَإِنْ بَاشَرَهُ غَيْره كَالْخَادِمِ ا ه مُلَخَّصًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6193",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا شَبِعَ آلُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ \" وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مَضَى فِي الْأَطْعِمَة بِتَمَامِهِ , وَكَذَا التَّعْلِيق الْمَذْكُور بَعْدَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ مَضَى ذِكْر مَنْ وَصَلَهُ عَنْهُ. وَعَابِسٌ بِمُهْمَلَةٍ وَبَعْد الْأَلِف مُوَحَّدَة ثُمَّ مُهْمَلَة , ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِره \" قَالَ لِعَائِشَة بِهَذَا \" ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ أَيْ رَوَى عَنْهَا أَوْ قَالَ لَهَا مُسْتَفْهِمًا مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّد ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ. قُلْت : وَالْوَاقِع خِلَاف هَذَا التَّقْدِير ; وَهُوَ بَيِّنٌ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ وَهُوَ أَنَّ عَابِسًا قَالَ لِعَائِشَة : أَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْل لُحُوم الْأَضَاحِيّ ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي آخِرِهِ \" مَا شَبِعَ إِلَخْ \" وَالنُّكْتَة فِي إِيرَاده طَرِيق مُحَمَّد بْن كَثِير الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ عَابِسًا لَقِيَ عَائِشَة وَسَأَلَهَا لِرَفْعِ مَا يُتَوَهَّم فِي الْعَنْعَنَة فِي الطَّرِيق الَّتِي قَبْلهَا مِنْ الِانْقِطَاع , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث فِي كِتَاب الرِّقَاق. ‏"
    },
    {
        "id": "6194",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏لِأُمِّ سُلَيْمٍ ‏ ‏لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَتْ نَعَمْ فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتْ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَهَبْتُ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْسَلَكَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِمَنْ مَعَهُ قُومُوا فَانْطَلَقُوا وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ ‏ ‏أَبَا طَلْحَةَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أُمَّ سُلَيْمٍ ‏ ‏قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنَّاسُ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ فَقَالَتْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَانْطَلَقَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏حَتَّى دَخَلَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلُمِّي يَا ‏ ‏أُمَّ سُلَيْمٍ ‏ ‏مَا عِنْدَكِ فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ قَالَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏عُكَّةً ‏ ‏لَهَا فَأَدَمَتْهُ ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة أَقْرَاص الشَّعِير وَأَكْل الْقَوْم وَهُمْ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا حَتَّى شَبِعُوا , وَقَدْ مَضَى شَرْحه فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , وَالْقَصْد مِنْهُ قَوْله \" فَأَمَرَ بِالْخُبْزِ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ أُمّ سُلَيْمٍ عَكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ \" أَيْ خَلَطَتْ مَا حَصَلَ مِنْ السَّمْن بِالْخُبْزِ الْمَفْتُوت : قَالَ اِبْن الْمُنِير وَغَيْره : مَقْصُود الْبُخَارِيّ الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُقَال اِئْتَدَمَ إِلَّا إِذَا أَكَلَ بِمَا اِصْطَبَغَ بِهِ , قَالَ : وَمُنَاسَبَتُهُ لِحَدِيثِ عَائِشَة أَنَّ الْمَعْلُوم أَنَّهَا أَرَادَتْ نَفْيَ الْإِدَامِ مُطْلَقًا بِقَرِينَةِ مَا هُوَ مَعْرُوف مِنْ شَظَفِ عَيْشِهِمْ فَدَخَلَ فِيهِ التَّمْرُ وَغَيْرُهُ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَجْه الْمُنَاسَبَة أَنَّ التَّمْر لَمَّا كَانَ مَوْجُودًا عِنْدهمْ وَهُوَ غَالِب أَقْوَاتهمْ وَكَانُوا شَبَاعَى مِنْهُ عُلِمَ أَنَّ أَكْل الْخُبْز بِهِ لَيْسَ اِئْتِدَامًا , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَهُوَ لَفْظ الْمَأْدُوم لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِد شَيْئًا عَلَى شَرْطه , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِيرَاد هَذَا الْحَدِيث فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة مِنْ تَصَرُّف النَّقَلَة. قُلْت : وَالْأَوَّل مُبَايِنٌ لِمُرَادِ الْبُخَارِيّ , وَالثَّانِي هُوَ الْمُرَاد , لَكِنْ بِأَنْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ اِبْن الْمُنِير , وَالثَّالِث بَعِيد جِدًّا. قَالَ اِبْن الْمُنِير , وَأَمَّا قِصَّة أُمّ سُلَيْمٍ فَظَاهِرَةُ الْمُنَاسَبَة ; لِأَنَّ السَّمْن الْيَسِير الَّذِي فَضَلَ فِي قَعْر الْعَكَّة لَا يُصْطَبَغ بِهِ الْأَقْرَاص الَّتِي فَتَّتْهَا , وَإِنَّمَا غَايَته أَنْ يَصِير فِي الْخُبْز مِنْ طَعْم السَّمْن فَأَشْبَهَ مَا إِذَا خَالَطَ التَّمْر عِنْد الْأَكْل , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ كُلّ شَيْء يُسَمَّى عِنْد الْإِطْلَاق إِدَامًا , فَإِنَّ الْحَالِف أَنْ لَا يَأْتَدِم يَحْنَث إِذَا أَكَلَهُ مَعَ الْخُبْز , وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور سَوَاء كَانَ يُصْطَبَغ بِهِ أَمْ لَا. وَقَالَ , أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف : لَا يَحْنَث إِذَا اِئْتَدَمَ بِالْجُبْنِ , وَالْبَيْض , وَخَالَفَهُمَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن فَقَالَ : كُلّ شَيْء يُؤْكَل مَعَ الْخُبْز مِمَّا الْغَالِب عَلَيْهِ ذَلِكَ كَاللَّحْمِ الْمَشْوِيّ وَالْجُبْن أَدْم , وَعَنْ الْمَالِكِيَّة يَحْنَث بِكُلِّ مَا هُوَ عِنْد الْحَالِف أَدْم وَلِكُلِّ قَوْم عَادَة , وَمِنْهُمْ مَنْ اِسْتَثْنَى الْمِلْحَ جَرِيشًا كَانَ أَوْ مُطَيَّبًا. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏مِنْ حُجَّة الْجُمْهُور حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة بُرَيْدَةَ \" فَدَعَا بِالْغَدَاءِ فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَإِدَام مِنْ أَدْم الْبَيْت \" الْحَدِيث , وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي مَكَانه , وَتَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّف فِي الْأَطْعِمَة \" بَاب الْأَدْم \" قَالَ اِبْن بَطَّال : دَلَّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ كُلّ شَيْء فِي الْبَيْت مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالِائْتِدَامِ بِهِ يُسَمَّى أَدْمًا مَائِعًا كَانَ أَوْ جَامِدًا. وَكَذَا حَدِيث \" تَكُون الْأَرْض يَوْم الْقِيَامَة خُبْزَة وَاحِدَة وَإِدَامهمْ زَائِدَة كَبِد الْحُوت \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الرِّقَاق , وَفِي خُصُوص الْيَمِين الْمَذْكُورَة فِي التَّرْجَمَة حَدِيث يُوسُف بْن عَبْد اللَّه بْن سَلَام \" رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ كِسْرَةً مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ فَوَضَعَ عَلَيْهَا تَمْرَة , وَقَالَ : هَذِهِ إِدَامُ هَذِهِ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ , قَالَ اِبْن الْقَصَّار : لَا خِلَاف بَيْن أَهْل اللِّسَان أَنَّ مَنْ أَكَلَ خُبْزًا بِلَحْمٍ مَشْوِيٍّ أَنَّهُ اِئْتَدَمَ بِهِ , فَلَوْ قَالَ : أَكَلْت خُبْزًا بِلَا إِدَامٍ كَذَبَ , وَإِنْ قَالَ : أَكَلْت خُبْزًا بِإِدَامٍ صَدَقَ , وَأَمَّا قَوْل الْكُوفِيِّينَ : الْإِدَام اِسْمٌ لِلْجَمْعِ بَيْن الشَّيْئَيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد أَنْ يُسْتَهْلَك الْخُبْز فِيهِ بِحَيْثُ يَكُون تَابِعًا لَهُ بِأَنْ تَتَدَاخَل أَجْزَاؤُهُ فِي أَجْزَائِهِ , وَهَذَا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِمَا يُصْطَبَغُ بِهِ , فَقَدْ أَجَابَ مَنْ خَالَفَهُمْ بِأَنَّ الْكَلَام الْأَوَّل مُسَلَّمٌ لَكِنَّ دَعْوَى التَّدَاخُل لَا دَلِيل عَلَيْهِ قَبْل التَّنَاوُلِ , وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْجَمْع ثُمَّ الِاسْتِهْلَاك بِالْأَكْلِ فَيَتَدَاخَلَانِ حِينَئِذٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "6195",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ‏ ‏يَقُولُ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6196",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏وَكَانَ قَائِدَ ‏ ‏كَعْبٍ ‏ ‏مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏فِي حَدِيثِهِ ‏ { ‏وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ‏} ‏فَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَعْب ) ‏ ‏هُوَ وَالِد عَبْد الرَّحْمَن الرَّاوِي عَنْهُ , وَقَدْ مَضَى تَفْسِير سُورَة بَرَاءَة عَنْ أَحْمَد بْن صَالِح \" حَدَّثَنِي اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي يُونُس \" قَالَ أَحْمَد \" وَحَدَّثَنَا عَنْبَسَة حَدَّثَنَا يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب , أَخْبَرَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَعْب \" ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن رَاشِد عَنْ اِبْن شِهَاب \" أَخْبَرَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن كَعْب بْن مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ \". ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت كَعْب بْن مَالِك يَقُول فِي حَدِيثه : وَعَلَى الثَّلَاثَة الَّذِينَ خُلِّفُوا ) ‏ ‏أَيْ الْحَدِيث الطَّوِيل فِي قِصَّة تَخَلُّفِهِ فِي غَزْوَة تَبُوك وَنَهْي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَلَامه وَكَلَام رَفِيقَيْهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ مَعَ شَرْحه فِي الْمَغَازِي لَكِنْ بِوَجْهٍ آخَرَ عَنْ اِبْن شِهَابٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ فِي آخِر حَدِيثه إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ ) ‏ ‏بِنُونٍ وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ أَعْرَى مِنْ مَالِي كَمَا يَعْرَى الْإِنْسَان إِذَا خَلَعَ ثَوْبَهُ. ‏ ‏قَوْله ( أَمْسِكْ عَلَيْك بَعْض مَالِك فَهُوَ خَيْر لَك ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَد بْن صَالِح بِهَذَا السَّنَد \" فَقُلْت إِنِّي أُمْسِك سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَر \" وَهُوَ عِنْد الْمُصَنِّف مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن شِهَاب , وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَد عِنْد أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ \" إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَخْرُجَ مِنْ مَالِي كُلّه لِلَّهِ وَرَسُوله صَدَقَةً , قَالَ لَا , قُلْت فَنِصْفه , قَالَ لَا , قُلْت فَثُلُثه. قَالَ نَعَمْ , قُلْت فَإِنِّي أُمْسِك سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَر \" وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ اِبْن كَعْب بْن مَالِك عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَإِنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي كُلّه صَدَقَة , قَالَ يُجْزِي عَنْك الثُّلُث \" وَفِي حَدِيث أَبِي لُبَابَة عِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ نَحْوه. وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّق بِجَمِيعِ مَالِهِ عَلَى عَشَرَة مَذَاهِب فَقَالَ مَالِك : يَلْزَمهُ الثُّلُث بِهَذَا الْحَدِيث , وَنُوزِعَ فِي أَنَّ كَعْب بْن مَالِك لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِ النَّذْر وَلَا بِمَعْنَاهُ , بَلْ يَحْتَمِل أَنَّهُ نَجَّزَ النَّذْر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَهُ فَاسْتَأْذَنَ , وَالِانْخِلَاع الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي صُدُور النَّذْر مِنْهُ , وَإِنَّمَا الظَّاهِر أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُؤَكِّدَ أَمْرَ تَوْبَتِهِ بِالتَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ مَاله شُكْرًا لِلَّهِ - تَعَالَى - عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ , وَقَالَ الْفَاكِهَانِيّ فِي شَرْح الْعُمْدَة : كَانَ الْأَوْلَى بِكَعْبٍ أَنْ يَسْتَشِيرَ وَلَا يَسْتَبِدَّ بِرَأْيِهِ , لَكِنْ كَأَنَّهُ قَامَتْ عِنْده حَالٌ لِفَرَحِهِ بِتَوْبَتِهِ ظَهَرَ لَهُ فِيهَا أَنَّ التَّصَدُّق بِجَمِيعِ مَالِهِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فِي الشُّكْر فَأَوْرَدَ الِاسْتِشَارَة بِصِيغَةِ الْجَزْم اِنْتَهَى وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ اِسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ فِي كَوْنه جَزَمَ بِأَنَّ مِنْ تَوْبَته أَنْ يَنْخَلِعَ مِنْ جَمِيع مَاله إِلَّا أَنَّهُ نَجَّزَ ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : لَمْ يَبُتَّ كَعْب الِانْخِلَاع بَلْ اِسْتَشَارَ هَلْ يَفْعَل أَوْ لَا ؟ قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِسْتَفْهَمَ وَحُذِفَتْ أَدَاة الِاسْتِفْهَام , وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الرَّاجِح عِنْد الْكَثِير مِنْ الْعُلَمَاء وُجُوب الْوَفَاء لِمَنْ اِلْتَزَمَ أَنْ يَتَصَدَّق بِجَمِيعِ مَالِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيل الْقُرْبَة , وَقِيلَ : إِنْ كَانَ مَلِيًّا لَزِمَهُ , وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين , وَهَذَا قَوْل اللَّيْث وَوَافَقَهُ اِبْن وَهْب وَزَادَ. وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا يُخْرِج قَدْر زَكَاة مَاله , وَالْأَخِير عَنْ أَبِي حَنِيفَة بِغَيْرِ تَفْصِيل وَهُوَ قَوْل رَبِيعَة , وَعَنْ الشَّعْبِيّ وَابْن أَبِي لُبَابَة لَا يَلْزَم شَيْء أَصْلًا , وَعَنْ قَتَادَةَ يَلْزَم الْغَنِيَّ الْعُشْرُ وَالْمُتَوَسِّط السُّبُع وَالْمُمْلَق الْخُمُس , وَقِيلَ : يَلْزَم الْكُلّ إِلَّا فِي نَذْر اللَّجَاج فَكَفَّارَته يَمِين , وَعَنْ سَحْنُونٍ يَلْزَمهُ أَنْ يُخْرِج مَا لَا يَضُرّ بِهِ , وَعَنْ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَجَمَاعَة يَلْزَمهُ كَفَّارَة يَمِين بِغَيْرِ تَفْصِيل , وَعَنْ النَّخَعِيِّ يَلْزَمهُ الْكُلّ بِغَيْرِ تَفْصِيل. وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمُنَاسَبَة حَدِيث كَعْب لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ مَعْنَى التَّرْجَمَة أَنَّ مَنْ أَهْدَى أَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَاله إِذَا تَابَ مِنْ ذَنْب أَوْ إِذَا نَذَرَ هَلْ يَنْفُذُ ذَلِكَ إِذَا نَجَّزَهُ أَوْ عَلَّقَهُ ؟ وَقِصَّة كَعْب مُنْطَبِقَة عَلَى الْأَوَّل , وَهُوَ التَّنْجِيز , لَكِنْ لَمْ يَصْدُر مِنْهُ تَنْجِيزٌ كَمَا تَقَرَّرَ , وَإِنَّمَا اِسْتَشَارَ فَأُشِيرَ عَلَيْهِ بِإِمْسَاكِ الْبَعْض فَيَكُون الْأَوْلَى لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَجِّزَ التَّصَدُّق بِجَمِيعِ مَاله أَوْ يُعَلِّقهُ أَنْ يُمْسِك بَعْضه , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ نَجَّزَهُ لَمْ يَنْفُذ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة فِي كِتَاب الزَّكَاة إِلَى أَنَّ التَّصَدُّق بِجَمِيعِ الْمَال يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال , فَمَنْ كَانَ قَوِيًّا عَلَى ذَلِكَ يَعْلَم مِنْ نَفْسه الصَّبْر لَمْ يُمْنَع وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ فِعْل أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَإِيثَار الْأَنْصَار عَلَى أَنْفُسهمْ الْمُهَاجِرِينَ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ , وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّل \" لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْر غِنًى \" وَفِي لَفْظ \" أَفْضَل الصَّدَقَة مَا كَانَ عَنْ ظَهْر غِنًى \" قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِي حَدِيث كَعْب أَنَّ لِلصَّدَقَةِ أَثَرًا فِي مَحْو الذُّنُوب وَمِنْ ثَمَّ شُرِعَتْ الْكَفَّارَة الْمَالِيَّة , وَنَازَعَهُ الْفَاكِهَانِيّ فَقَالَ : التَّوْبَة تَجُبُّ مَا قَبْلهَا , وَظَاهِر حَال كَعْب أَنَّهُ أَرَادَ فِعْل ذَلِكَ عَلَى جِهَة الشُّكْر. قُلْت : مُرَاد الشَّيْخ أَنَّهُ يُؤْخَذ مِنْ قَوْل كَعْب \" إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي إِلَخْ \" أَنَّ لِلصَّدَقَةِ أَثَرًا فِي قَبُول التَّوْبَة الَّتِي يَتَحَقَّق بِحُصُولِهَا مَحْو الذُّنُوب , وَالْحُجَّة فِيهِ تَقْرِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ عَلَى الْقَوْل الْمَذْكُور. ‏"
    },
    {
        "id": "6197",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَجَّاجُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ زَعَمَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏تَزْعُمُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا فَتَوَاصَيْتُ أَنَا ‏ ‏وَحَفْصَةُ ‏ ‏أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلْتَقُلْ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ ‏ ‏مَغَافِيرَ ‏ ‏أَكَلْتَ ‏ ‏مَغَافِيرَ ‏ ‏فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ ‏ ‏لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏وَلَنْ أَعُودَ لَهُ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ‏} { ‏إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ ‏} ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏وَحَفْصَةَ ‏ { ‏وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ‏} ‏لِقَوْلِهِ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا ‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏وَلَنْ أَعُودَ لَهُ وَقَدْ حَلَفْتُ فَلَا تُخْبِرِي بِذَلِكِ أَحَدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الزَّعْفَرَانِيُّ , ‏ ‏وَالْحَجَّاج ‏ ‏بْن مُحَمَّد هُوَ الْمِصِّيصِيّ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( زَعَمَ عَطَاء ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حَجَّاج قَالَ قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء , وَكَذَا فِي رِوَايَة هِشَام بْن يُوسُف الْمَذْكُورَة فِي آخِر الْبَاب. ‏ ‏قَوْله فِي آخِر الْبَاب ( فَنَزَلَتْ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك ) , ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ ) لِعَائِشَة وَحَفْصَة. ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ) لِقَوْلِهِ بَلْ شَرِبْت عَسَلًا ) ‏ ‏قُلْت : أَشْكَلَ هَذَا السِّيَاق عَلَى بَعْض مَنْ لَمْ يُمَارِس طَرِيقَة الْبُخَارِيّ فِي الِاخْتِصَار , وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيث فِي الْأَصْل عِنْده بِتَمَامِهِ كَمَا تَقَدَّمَ [ فِي التَّفْسِير وَالنِّكَاح وَالطَّلَاق ] فَلَمَّا أَرَادَ اِخْتِصَاره هُنَا اِقْتَصَرَ مِنْهُ عَلَى الْكَلِمَات الَّتِي تَتَعَلَّق بِالْيَمِينِ مِنْ الْآيَات مُضِيفًا لَهَا تَسْمِيَة مَنْ أُبْهِمَ فِيهَا مِنْ آدَمِيّ وَغَيْره , فَلَمَّا ذَكَرَ ( إِنْ تَتُوبَا ) فَسَّرَهُمَا بِعَائِشَة وَحَفْصَة , وَلَمَّا ذَكَرَ ( أَسَرَّ حَدِيثًا ) فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ \" لَا بَلْ شَرِبْت عَسَلًا \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَلِغَيْرِهِ \" قَالَ لِي إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير بِلَفْظِ \" حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف وَصَرَّحَ بِهِ فِي التَّفْسِير , وَقَدْ اِخْتَصَرَ هُنَا بَعْض السَّنَدِ , وَمُرَاده أَنَّ هِشَامًا رَوَاهُ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور وَالْمَتْن إِلَى قَوْله \" وَلَنْ أَعُود \" فَزَادَ لَهُ \" وَقَدْ حَلَفْت فَلَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "6198",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنْ النَّذْرِ إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنْ الْبَخِيلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن صَالِح ) ‏ ‏هُوَ الْوُحَاظِيّ بِضَمِّ الْوَاو وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْمَلَة وَبَعْد الْأَلِف ظَاء مُعْجَمَة. ‏ ‏قَوْله ( سَعِيد بْن الْحَارِث ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت اِبْن عُمَر يَقُول : أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنْ النَّذْر ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَكَأَنَّهُ اِخْتَصَرَ السُّؤَال فَاقْتَصَرَ عَلَى الْجَوَاب , وَقَدْ بَيَّنَهُ الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" مِنْ طَرِيق الْمُعَافَى بْن سُلَيْمَان , وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي عَامِر الْعَقَدِيِّ وَمِنْ طَرِيق أَبِي دَاوُدَ وَاللَّفْظ لَهُ قَالَا \" حَدَّثَنَا فُلَيْح عَنْ سَعِيد بْن الْحَارِث قَالَ : كُنْت عِنْد اِبْن عُمَر فَأَتَاهُ مَسْعُود بْن عَمْرو أَحَد بَنِي عَمْرو بْن كَعْب فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن إِنَّ اِبْنِي كَانَ مَعَ عُمَر بْن عُبَيْد اللَّه بْن مَعْمَر بِأَرْضِ فَارِس فَوَقَعَ فِيهَا وَبَاءٌ وَطَاعُونٌ شَدِيدٌ فَجَعَلْت عَلَى نَفْسِي لَئِنْ سَلَّمَ اللَّهُ اِبْنِي لَيَمْشِيَن إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى , فَقَدِمَ عَلَيْنَا , وَهُوَ مَرِيض ثُمَّ مَاتَ فَمَا تَقُول ؟ فَقَالَ اِبْن عُمَر : أَوَلَمْ تُنْهَوْا عَنْ النَّذْر ؟ إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث الْمَرْفُوع وَزَادَ \" أَوْفِ بِنَذْرِك \" وَقَالَ أَبُو عَامِر \" فَقُلْت يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن إِنَّمَا نَذَرْت أَنْ يَمْشِي اِبْنِي. فَقَالَ : أَوْفِ بِنَذْرِك قَالَ سَعِيد بْن الْحَارِث فَقُلْت لَهُ : أَتَعْرِفُ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ؟ قَالَ : نَعَمْ. قُلْت لَهُ : اِذْهَبْ إِلَيْهِ ثُمَّ أَخْبِرْنِي مَا قَالَ لَك , قَالَ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَالَ لَهُ \" اِمْشِ عَنْ اِبْنك \" قُلْت يَا أَبَا مُحَمَّد وَتَرَى ذَلِكَ مَقْبُولًا ؟ قَالَ : نَعَمْ , أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى اِبْنك دَيْن لَا قَضَاء لَهُ فَقَضَيْته أَكَانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ فَهَذَا مِثْل هَذَا اِنْتَهَى. وَأَبُو عَبْد الرَّحْمَن كُنْيَة عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَأَبُو مُحَمَّد كُنْيَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي النَّوْع السَّادِس وَالسِّتِّينَ مِنْ الْقِسْم الثَّالِث مِنْ طَرِيق زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَةَ مُتَابِعًا لِفُلَيْح بْن سُلَيْمَان عَنْ سَعِيد بْن الْحَارِث فَذَكَرَ نَحْوَهُ بِتَمَامِهِ وَلَكِنْ لَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ , وَفِيهِ أَنَّ اِبْن عُمَر لَمَّا قَالَ لَهُ : أَوْفِ بِنَذْرِك قَالَ لَهُ الرَّجُل : إِنَّمَا نَذَرْت أَنْ يَمْشِيَ اِبْنِي وَإِنَّ اِبْنِي قَدْ مَاتَ. فَقَالَ لَهُ : أَوْفِ بِنَذْرِك , كَرَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا , فَغَضِبَ عَبْد اللَّه فَقَالَ : أَوَلَمْ تُنْهَوْا عَنْ النَّذْر ؟ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث الْمَرْفُوع , قَالَ سَعِيد : فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِكَ قُلْت لَهُ اِنْطَلِقْ إِلَى سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , وَسِيَاق الْحَاكِم نَحْوه وَأَخْصَرُ مِنْهُ , وَقَدْ وَهِمَ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك فَإِنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَهُ كَمَا تَرَى لَكِنْ اِخْتَصَرَ الْقِصَّة لِكَوْنِهَا مَوْقُوفَةً. وَهَذَا الْفَرْع غَرِيب وَهُوَ أَنْ يَنْذُر عَنْ غَيْره فَيَلْزَمُ الْغَيْرَ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ ثُمَّ إِذَا تَعَذَّرَ لَزِمَ النَّاذِرُ. وَقَدْ كُنْت أَسْتَشْكِلُ ذَلِكَ , ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الِابْن أَقَرَّ بِذَلِكَ وَالْتَزَمَ بِهِ , ثُمَّ لَمَّا مَاتَ أَمَرَهُ اِبْن عُمَر وَسَعِيد أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ عَنْ اِبْنه كَمَا يَفْعَل سَائِر الْقُرَب عَنْهُ كَالصَّوْمِ وَالْحَجّ وَالصَّدَقَة. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُخْتَصًّا عِنْدهمَا بِمَا يَقَع مِنْ الْوَالِد فِي حَقّ وَلَده فَيُعْقَد لِوُجُوبِ بِرّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْوَلَد بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيّ. وَفِي قَوْل اِبْن عُمَر فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" أَوَلَمْ تُنْهَوْا عَنْ النَّذْرِ \" نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمَرْفُوع الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِالنَّهْيِ , لَكِنْ جَاءَ عَنْ اِبْنِ عُمَر التَّصْرِيح , فَفِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن مُرَّة وَهُوَ الْهَمْدَانِيُّ بِسُكُونِ الْمِيم عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّذْر \" وَفِي لَفْظ لِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ النَّذْر \" وَجَاءَ بِصِيغَةِ النَّهْي الصَّرِيحَة فِي رِوَايَة الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ \" لَا تَنْذُرُوا \". ‏ ‏قَوْله ( لَا يُقَدِّم شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مُرَّة \" لَا يَرُدّ شَيْئًا \" وَهِيَ أَعَمُّ , وَنَحْوهَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَا يَأْتِي اِبْن آدَم النَّذْر بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ \" وَفِي رِوَايَة الْعَلَاء الْمُشَار إِلَيْهَا \" فَإِنَّ النَّذْر لَا يُغْنِي مِنْ الْقَدَر شَيْئًا \" وَفِي لَفْظ عَنْهُ \" لَا يَرُدُّ الْقَدَر \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْده \" لَا يُقَرِّبُ مِنْ اِبْن آدَم شَيْئًا لَمْ يَكُنْ اللَّه قَدَّرَهُ لَهُ \" وَمَعَانِي هَذِهِ الْأَلْفَاظ الْمُخْتَلِفَة مُتَقَارِبَة , وَفِيهَا إِشَارَة إِلَى تَعْلِيل النَّهْي عَنْ النَّذْر. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا النَّهْي : فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِره , وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ. قَالَ اِبْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة : تَكَرَّرَ النَّهْي عَنْ النَّذْر فِي الْحَدِيث , وَهُوَ تَأْكِيد لِأَمْرِهِ وَتَحْذِير عَنْ التَّهَاوُن بِهِ بَعْد إِيجَابه , وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ الزَّجْر عَنْهُ حَتَّى لَا يَفْعَل لَكَانَ فِي ذَلِكَ إِبْطَال حُكْمِهِ وَإِسْقَاط لُزُوم الْوَفَاء بِهِ إِذْ كَانَ بِالنَّهْيِ يَصِيرُ مَعْصِيَةً فَلَا يَلْزَم , وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيث أَنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ أَمْر لَا يَجُرّ لَهُمْ فِي الْعَاجِل نَفْعًا وَلَا يَصْرِف عَنْهُمْ ضُرًّا وَلَا يُغَيِّر قَضَاء فَقَالَ : لَا تَنْذُرُوا عَلَى أَنَّكُمْ تُدْرِكُونَ بِالنَّذْرِ شَيْئًا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّه لَكُمْ أَوْ تَصْرِفُوا بِهِ عَنْكُمْ مَا قَدَّرَهُ عَلَيْكُمْ , فَإِذَا نَذَرْتُمْ فَاخْرُجُوا بِالْوَفَاءِ فَإِنَّ الَّذِي نَذَرْتُمُوهُ لَازِمٌ لَكُمْ , اِنْتَهَى كَلَامه. وَنَسَبَهُ بَعْض شُرَّاح الْمَصَابِيح لِلْخَطَّابِيِّ وَأَصْله مِنْ كَلَام أَبِي عُبَيْد فِيمَا نَقَلَهُ اِبْن الْمُنْذِر فِي كِتَابه الْكَبِير فَقَالَ : كَانَ أَبُو عُبَيْد يَقُول : وَجْه النَّهْي عَنْ النَّذْر وَالتَّشْدِيد فِيهِ لَيْسَ هُوَ أَنْ يَكُون مَأْثَمًا , وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا أَمَرَ اللَّه أَنْ يُوَفَّى بِهِ وَلَا حَمِدَ فَاعِله , وَلَكِنَّ وَجْهَهُ عِنْدِي تَعْظِيم شَأْن النَّذْر وَتَغْلِيظ أَمْرِهِ لِئَلَّا يُتَهَاوَن بِهِ فَيُفَرَّط فِي الْوَفَاء بِهِ وَيُتْرَك الْقِيَام بِهِ. ثُمَّ اِسْتَدَلَّ بِمَا وَرَدَ مِنْ الْحَثّ عَلَى الْوَفَاء بِهِ فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمَازِرِيُّ بِقَوْلِهِ : ذَهَب بَعْض عُلَمَائِنَا إِلَى أَنَّ الْغَرَض بِهَذَا الْحَدِيث التَّحَفُّظ فِي النَّذْر وَالْحَضّ عَلَى الْوَفَاء بِهِ. قَالَ : وَهَذَا عِنْدِي بَعِيد مِنْ ظَاهِر الْحَدِيث. وَيَحْتَمِل عِنْدِي أَنْ يَكُون وَجْه الْحَدِيث أَنَّ النَّاذِر يَأْتِي بِالْقُرْبَةِ مُسْتَثْقِلًا لَهَا لَمَّا صَارَتْ عَلَيْهِ ضَرْبَةَ لَازِبٍ , وَكُلّ مَلْزُوم فَإِنَّهُ لَا يَنْشَطُ لِلْفِعْلِ نَشَاط مُطْلَق الِاخْتِيَار , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَبه أَنَّ النَّاذِر لَمَّا لَمْ يَنْذُر الْقُرْبَة إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَفْعَل لَهُ مَا يُرِيد صَارَ كَالْمُعَاوَضَةِ الَّتِي تَقْدَح فِي نِيَّة الْمُتَقَرِّب. قَالَ : وَيُشِير إِلَى هَذَا التَّأْوِيل قَوْله \" إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ \" وَقَوْله \" إِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ اِبْن آدَم شَيْئًا لَمْ يَكُنْ اللَّه قَدَّرَهُ لَهُ \" وَهَذَا كَالنَّصِّ عَلَى هَذَا التَّعْلِيل ا ه. وَالِاحْتِمَال الْأَوَّل يَعُمّ أَنْوَاع النَّذْر وَالثَّانِي يَخُصّ نَوْع الْمَجَازَات , وَزَادَ الْقَاضِي عِيَاض : وَيُقَال إِنَّ الْإِخْبَار بِذَلِكَ وَقَعَ عَلَى سَبِيل الْإِعْلَام مِنْ أَنَّهُ لَا يُغَالِبُ الْقَدَرَ وَلَا يَأْتِي الْخَيْر بِسَبَبِهِ , وَالنَّهْي عَنْ اِعْتِقَاد خِلَاف ذَلِكَ خَشْيَة أَنْ يَقَع ذَلِكَ فِي ظَنِّ بَعْضِ الْجَهَلَةِ. قَالَ : وَمُحَصَّل مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ مُبَاح إِلَّا إِذَا كَانَ مُؤَبَّدًا لِتَكَرُّرِهِ عَلَيْهِ فِي أَوْقَات فَقَدْ يَثْقُل عَلَيْهِ فِعْله فَيَفْعَلهُ بِالتَّكَلُّفِ مِنْ غَيْر طِيب نَفْس وَغَيْر خَالِصِ النِّيَّةِ فَحِينَئِذٍ يُكْرَه. قَالَ : وَهَذَا أَحَد مُحْتَمَلَات قَوْله \" لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ \" أَيْ إِنَّ عُقْبَاهُ لَا تُحْمَدُ وَقَدْ يَتَعَذَّرُ الْوَفَاءُ بِهِ , وَقَدْ يَكُون مَعْنَاهُ لَا يَكُون سَبَبًا لِخَيْرٍ لَمْ يُقَدَّر كَمَا فِي الْحَدِيث , وَبِهَذَا الِاحْتِمَال الْأَخِير صَدَّرَ اِبْن دَقِيق الْعِيد كَلَامَهُ فَقَالَ : يَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْبَاء لِلسَّبَبِيَّةِ كَأَنَّهُ قَالَ : لَا يَأْتِي بِسَبَبِ خَيْر فِي نَفْس النَّاذِر وَطَبْعِهِ فِي طَلَبِ الْقُرْبَة وَالطَّاعَة مِنْ غَيْر عِوَضٍ يَحْصُل لَهُ , وَإِنْ كَانَ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ خَيْرٌ , وَهُوَ فِعْلُ الطَّاعَةِ الَّتِي نَذَرَهَا , لَكِنَّ سَبَب ذَلِكَ الْخَيْرِ حُصُولُ غَرَضِهِ ,. وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى قَوْله \" لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ \" أَنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا مِنْ الْقَدَرِ كَمَا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَاتُ الْأُخْرَى. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَوْله \" لَا يَأْتِي \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ \" لَا يَأْتِ \" بِغَيْرِ يَاء وَلَيْسَ بِلَحْنٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ سُمِعَ نَظِيره مِنْ كَلَام الْعَرَب. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْأَعْلَام : هَذَا بَاب مِنْ الْعِلْم غَرِيبٌ , وَهُوَ أَنْ يُنْهَى عَنْ فِعْل شَيْء حَتَّى إِذَا فُعِلَ كَانَ وَاجِبًا , وَقَدْ ذَكَرَ أَكْثَر الشَّافِعِيَّة - وَنَقَلَهُ أَبُو عَلِيّ السِّنْجِيّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيّ - أَنَّ النَّذْر مَكْرُوه لِثُبُوتِ النَّهْي عَنْهُ وَكَذَا نُقِلَ عَنْ الْمَالِكِيَّة وَجَزَمَ بِهِ عَنْهُمْ اِبْن دَقِيق الْعِيد , وَأَشَارَ اِبْن الْعَرَبِيّ إِلَى الْخِلَاف عَنْهُمْ وَالْجَزْم عَنْ الشَّافِعِيَّة بِالْكَرَاهَةِ , قَالَ : وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَيْسَ طَاعَة مَحْضَة لِأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ خَالِص الْقُرْبَة وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنْ يَنْفَعَ نَفْسه أَوْ يَدْفَعَ عَنْهَا ضَرَرًا بِمَا اِلْتَزَمَهُ. وَجَزَمَ الْحَنَابِلَة بِالْكَرَاهَةِ , وَعِنْدهمْ رِوَايَة فِي أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَتَوَقَّفَ بَعْضهمْ فِي صِحَّتهَا , وَقَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْد أَنْ تَرْجَمَ كَرَاهَة النَّذْر , وَأَوْرَدَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ثُمَّ قَالَ : وَفِي الْبَاب عَنْ اِبْن عُمَر الْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد بَعْض أَهْل الْعِلْم مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرهمْ كَرِهُوا النَّذْر , وَقَالَ اِبْن الْمُبَارَك : مَعْنَى الْكَرَاهَة فِي النَّذْر فِي الطَّاعَة وَفِي الْمَعْصِيَة , فَإِنْ نَذَرَ الرَّجُل فِي الطَّاعَة فَوَفَّى بِهِ فَلَهُ فِيهِ أَجْرٌ , وَيُكْرَه لَهُ النَّذْر. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَفِيهِ إِشْكَال عَلَى الْقَوَاعِد فَإِنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّ الْوَسِيلَة إِلَى الطَّاعَة طَاعَةٌ كَمَا أَنَّ الْوَسِيلَة إِلَى الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ , وَالنَّذْر وَسِيلَة إِلَى اِلْتِزَام الْقُرْبَة فَيَلْزَم أَنْ يَكُون قُرْبَة إِلَّا أَنَّ الْحَدِيث دَلَّ عَلَى الْكَرَاهَة. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى التَّفْرِقَة بَيْن نَذْر الْمُجَازَاة فَحَمَلَ النَّهْي عَلَيْهِ وَبَيْن نَذْر الِابْتِدَاء فَهُوَ قُرْبَة مَحْضَةٌ. وَقَالَ اِبْن أَبِي الدَّم فِي شَرْح الْوَسِيط : الْقِيَاس اِسْتِحْبَابه , وَالْمُخْتَار أَنَّهُ خِلَاف الْأَوْلَى وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ , كَذَا قَالَ , وَنُوزِعَ بِأَنَّ خِلَاف الْأَوْلَى مَا اِنْدَرَجَ فِي عُمُوم نَهْيٍ وَالْمَكْرُوه مَا نُهِيَ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ , وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْي عَنْ النَّذْر بِخُصُوصِهِ فَيَكُون مَكْرُوهًا , وَإِنِّي لَأَتَعَجَّبُ مِمَّنْ اِنْطَلَقَ لِسَانُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ مَعَ ثُبُوتِ الصَّرِيح عَنْهُ فَأَقَلّ دَرَجَاته أَنْ يَكُون مَكْرُوهًا كَرَاهَة تَنْزِيه , وَمِمَّنْ بَنَى عَلَى اِسْتِحْبَابه النَّوَوِيّ فِي شَرْح الْمُهَذَّب فَقَالَ : إِنَّ الْأَصَحّ أَنَّ التَّلَفُّظ بِالنَّذْرِ فِي الصَّلَاة لَا يُبْطِلهَا لِأَنَّهَا مُنَاجَاة لِلَّهِ فَأَشْبَهَ الدُّعَاء ا ه. وَإِذَا ثَبَتَ النَّهْي عَنْ الشَّيْء مُطْلَقًا فَتَرْك فِعْله دَاخِل الصَّلَاة أَوْلَى فَكَيْف يَكُون مُسْتَحَبًّا , وَأَحْسَن مَا يُحْمَل عَلَيْهِ كَلَام هَؤُلَاءِ نَذْر التَّبَرُّر الْمَحْض بِأَنْ يَقُول لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَل كَذَا أَوْ لَأَفْعَلَنهُ عَلَى الْمُجَازَاة , وَقَدْ حَمَلَ بَعْضهمْ النَّهْي عَلَى مَنْ عُلِمَ مِنْ حَاله عَدَم الْقِيَام بِمَا اِلْتَزَمَهُ حَكَاهُ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ , وَلِمَا نَقَلَ اِبْن الرِّفْعَة عَنْ أَكْثَر الشَّافِعِيَّة كَرَاهَة النَّذْر وَعَنْ الْقَاضِي حُسَيْن الْمُتَوَلِّي بَعْده وَالْغَزَالِيّ أَنَّهُ مُسْتَحَبّ ; لِأَنَّ اللَّه أَثْنَى عَلَى مَنْ وَفَّى بِهِ وَلِأَنَّهُ وَسِيلَة إِلَى الْقُرْبَة فَيَكُون قُرْبَة قَالَ : يُمْكِن أَنْ يُتَوَسَّط فَيُقَال : الَّذِي دَلَّ الْخَبَر عَلَى كَرَاهَته نَذْر الْمُجَازَاة , وَأَمَّا نَذْر التَّبَرُّر فَهُوَ قُرْبَة مَحْضَة ; لِأَنَّ لِلنَّاذِرِ فِيهِ غَرَضًا صَحِيحًا , وَهُوَ أَنْ يُثَاب عَلَيْهِ ثَوَاب الْوَاجِب , وَهُوَ فَوْق ثَوَاب التَّطَوُّع ا ه. وَجَزَمَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" بِحَمْلِ مَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيث مِنْ النَّهْي عَلَى نَذْر الْمُجَازَاة فَقَالَ : هَذَا النَّهْي مَحَلّه أَنْ يَقُول مَثَلًا : إِنْ شَفَى اللَّه مَرِيضِي فَعَلَيَّ صَدَقَة كَذَا , وَوَجْه الْكَرَاهَة أَنَّهُ لَمَّا وَقَفَ فِعْلَ الْقُرْبَة الْمَذْكُور عَلَى حُصُول الْغَرَض الْمَذْكُور ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَمَحَّض لَهُ نِيَّة التَّقَرُّب إِلَى اللَّه تَعَالَى لِمَا صَدَرَ مِنْهُ بَلْ سَلَكَ فِيهَا مَسْلَك الْمُعَارَضَة , وَيُوَضِّحهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشْفِ مَرِيضه لَمْ يَتَصَدَّق بِمَا عَلَّقَهُ عَلَى شِفَائِهِ , وَهَذِهِ حَالَة الْبَخِيل فَإِنَّهُ لَا يُخْرِج مِنْ مَاله شَيْئًا إِلَّا بِعِوَضٍ عَاجِلٍ يَزِيد عَلَى مَا أَخْرَجَ غَالِبًا. وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُشَار إِلَيْهِ فِي الْحَدِيث لِقَوْلِهِ \" إِنَّمَا يُسْتَخْرَج بِهِ مِنْ الْبَخِيل مَا لَمْ يَكُنْ الْبَخِيلُ يُخْرِجهُ \" قَالَ : وَقَدْ يَنْضَمّ إِلَى هَذَا اِعْتِقَاد جَاهِل يَظُنّ أَنَّ النَّذْر يُوجِب حُصُول ذَلِكَ الْغَرَض , أَوْ أَنَّ اللَّه يَفْعَل مَعَهُ ذَلِكَ الْغَرَض لِأَجْلِ ذَلِكَ النَّذْر , وَإِلَيْهِمَا الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث أَيْضًا \" فَإِنَّ النَّذْر لَا يَرُدّ مِنْ قَدَر اللَّه شَيْئًا \" وَالْحَالَة الْأُولَى تُقَارِب الْكُفْر وَالثَّانِيَة خَطَأ صَرِيح. قُلْت : بَلْ تَقْرُب مِنْ الْكُفْر أَيْضًا. ثُمَّ نَقَلَ الْقُرْطُبِيّ عَنْ الْعُلَمَاء حَمْل النَّهْي الْوَارِد فِي الْخَبَر عَلَى الْكَرَاهَة وَقَالَ : الَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ عَلَى التَّحْرِيم فِي حَقّ مَنْ يُخَاف عَلَيْهِ ذَلِكَ الِاعْتِقَاد الْفَاسِد فَيَكُون إِقْدَامه عَلَى ذَلِكَ مُحَرَّمًا , وَالْكَرَاهَة فِي حَقّ مَنْ لَمْ يَعْتَقِد ذَلِكَ ا ه. وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ , وَيُؤَيِّدهُ قِصَّة اِبْن عُمَر رَاوِي الْحَدِيث فِي النَّهْي عَنْ النَّذْر فَإِنَّهَا فِي نَذْر الْمُجَازَاة. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله تَعَالَى ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) قَالَ كَانُوا يَنْذُرُونَ طَاعَةَ اللَّه مِنْ الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالزَّكَاة وَالْحَجّ وَالْعُمْرَة وَمَا اِفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فَسَمَّاهُمْ اللَّه أَبْرَارًا , وَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّ الثَّنَاء وَقَعَ فِي غَيْر نَذْر الْمُجَازَاة , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ رَمَزَ فِي التَّرْجَمَة إِلَى الْجَمْع بَيْن الْآيَة وَالْحَدِيث بِذَلِكَ وَقَدْ يُشْعِر التَّعْبِير بِالْبَخِيلِ أَنَّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ مِنْ النَّذْر مَا فِيهِ مَال فَيَكُون أَخَصَّ مِنْ الْمُجَازَاة , لَكِنْ قَدْ يُوصَف بِالْبُخْلِ مَنْ تَكَاسَلَ عَنْ الطَّاعَة كَمَا فِي الْحَدِيث الْمَشْهُور \" الْبَخِيل مَنْ ذُكِرْت عِنْده فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ. ثُمَّ نَقَلَ الْقُرْطُبِيّ الِاتِّفَاق عَلَى وُجُوب الْوَفَاء بِنَذْرِ الْمُجَازَاة لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيع اللَّه تَعَالَى فَلْيُطِعْهُ \" وَلَمْ يُفَرِّق بَيْن الْمُعَلَّق وَغَيْره اِنْتَهَى , وَالِاتِّفَاق الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِم , لَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور لِوُجُوبِ الْوَفَاء بِالنَّذْرِ الْمُعَلَّق نَظَرٌ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ بَابٍ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَج بِالنَّذْرِ مِنْ الْبَخِيل ) ‏ ‏يَأْتِي فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي بَعْد بَيَان الْمُرَادِ بِالِاسْتِخْرَاجِ الْمَذْكُورِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6199",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ ‏ ‏إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مِنْ الْبَخِيل ) ‏ ‏كَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم فِي حَدِيث اِبْن عُمَر , \" مِنْ الشَّحِيح \" وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ , وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ \" مِنْ اللَّئِيم \" وَمَدَار الْجَمِيع عَلَى مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُرَّة فَالِاخْتِلَاف فِي اللَّفْظ الْمَذْكُور مِنْ الرُّوَاة عَنْ مَنْصُور , وَالْمَعَانِي مُتَقَارِبَة ; لِأَنَّ الشُّحّ أَخَصُّ وَاللُّؤْم أَعَمُّ , قَالَ الرَّاغِب : الْبُخْل إِمْسَاك مَا يُقْتَضَى عَمَّنْ يَسْتَحِقّ , وَالشُّحّ بُخْلٌ مَعَ حِرْصٍ , وَاللُّؤْم فِعْل مَا يُلَام عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6200",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَأْتِي ابْنَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إِلَى الْقَدَرِ قَدْ قُدِّرَ لَهُ فَيَسْتَخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ فَيُؤْتِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتِي عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ‏",
        "sharh": "قَوْلُهُ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏( لَا يَأْتِي اِبْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ ) ‏ ‏اِبْن آدَم بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ وَالنَّذْرُ بِالرَّفْعِ هُوَ الْفَاعِلُ. ‏ ‏قَوْله ( لَمْ أَكُنْ قَدَّرْته ) ‏ ‏هَذَا مِنْ الْأَحَادِيث الْقُدْسِيَّة لَكِنْ سَقَطَ مِنْهُ التَّصْرِيح بِنِسْبَتِهِ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَة اِبْن الْعَبْد عَنْهُ مِنْ رِوَايَة مَالِك , وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَاد , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن أُبَيّ , وَعُمَر عَنْ الْأَعْرَج , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر كِتَاب الْقَدَر مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَفْظه \" لَمْ يَكُنْ قَدَّرْته \" وَفِي رِوَايَة لِلنَّسَائِيِّ \" لَمْ أُقَدِّرْهُ عَلَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ \" إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ , وَلَكِنْ يَغْلِبُهُ النَّذْرُ فَأُقَدِّر لَهُ \" وَفِي رِوَايَة مَالِك \" بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ , وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْر إِلَى الْقَدَر قَدَّرْته \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" لَمْ يَكُنْ اللَّه قَدَّرَهُ لَهُ \" وَكَذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي قَوْله \" فَيَسْتَخْرِج اللَّه بِهِ مِنْ الْبَخِيل \" فَفِي رِوَايَة مَالِك \" فَيُسْتَخْرَج بِهِ \" عَلَى الْبِنَاء لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ , وَكَذَا فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ وَالنَّسَائِيِّ وَعَبْدَة \" وَلَكِنَّهُ شَيْء يُسْتَخْرَج بِهِ مِنْ الْبَخِيل \" وَفِي رِوَايَة هَمَّام \" وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْر وَقَدْ قَدَّرْته لَهُ أَسْتَخْرِج بِهِ مِنْ الْبَخِيل \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَلَكِنَّ النَّذْر يُوَافِق الْقَدَر فَيُخْرَج بِذَلِكَ مِنْ الْبَخِيل مَا لَمْ يَكُنْ الْبَخِيل يُرِيد أَنْ يُخْرِج \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَكِنْ يُلْقِيه النَّذْر إِلَى الْقَدَر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي \" بَاب إِلْقَاء الْعَبْد النَّذْر إِلَى الْقَدَر \" وَأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَة مُطَابِقَة لِلتَّرْجَمَةِ الْمُشَار إِلَيْهَا , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَإِنْ قِيلَ الْقَدَر هُوَ الَّذِي يُلْقِيه إِلَى النَّذْر قُلْنَا تَقْدِير النَّذْر غَيْر تَقْدِير الْإِلْقَاء فَالْأَوَّل يُلْجِئُهُ إِلَى النَّذْر , وَالنَّذْر يُلْجِئُهُ إِلَى الْإِعْطَاء. ‏ ‏قَوْله ( فَيَسْتَخْرِج اللَّه ) ‏ ‏فِيهِ اِلْتِفَاتٌ وَنَسَق الْكَلَام أَنْ يُقَال فَأَسْتَخْرِج لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ أَوَّلًا \" قَدَّرْته \" وَثَانِيًا \" فَيُؤْتِينِي \". ‏ ‏قَوْله ( فَيُؤْتِينِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ أَيْ يُعْطِينِي , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يُؤْتِنِي \" بِالْجَزْمِ وَوُجِّهَتْ بِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ قَوْله \" يَكُنْ \" فَجُزِمَتْ بِلَمْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك \" يُؤْتِي \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ \" فَيُيَسّر عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُيَسّر عَلَيْهِ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَيُخْرَج بِذَلِكَ مِنْ الْبَخِيل مَا لَمْ يَكُنْ الْبَخِيل يُرِيد أَنْ يُخْرِج \" وَهَذِهِ أَوْضَحُ الرِّوَايَاتِ : قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : عَادَة النَّاس تَعْلِيق النَّذْر عَلَى تَحْصِيل مَنْفَعَة أَوْ دَفْع مَضَرَّةٍ , فَنُهِيَ عَنْهُ لِأَنَّهُ فِعْل الْبُخَلَاء ; إِذْ السَّخِيّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَرَّب بَادَرَ إِلَيْهِ وَالْبَخِيل لَا تُطَاوِعُهُ نَفْسه بِإِخْرَاجِ شَيْء مِنْ يَده إِلَّا فِي مُقَابَلَة عِوَض يَسْتَوْفِيهِ أَوَّلًا فَيَلْتَزِمُهُ فِي مُقَابَلَة مَا يَحْصُل لَهُ , وَذَلِكَ لَا يُغْنِي مِنْ الْقَدَر شَيْئًا فَلَا يَسُوق إِلَيْهِ خَيْرًا , لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ وَلَا يَرُدّ عَنْهُ شَرًّا قُضِيَ عَلَيْهِ , لَكِنَّ النَّذْر قَدْ يُوَافِق الْقَدَر فَيُخْرَج مِنْ الْبَخِيل مَا لَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْرِجَهُ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِيهِ حُجَّة عَلَى وُجُوب الْوَفَاء بِمَا اِلْتَزَمَهُ النَّاذِر , لِأَنَّ الْحَدِيث نَصَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ \" يُسْتَخْرَج بِهِ \" فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ إِخْرَاجه لَمَا تَمَّ الْمُرَاد مِنْ وَصْفِهِ بِالْبُخْلِ مِنْ صُدُور النَّذْر عَنْهُ ; إِذْ لَوْ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الْوَفَاء لَاسْتَمَرَّ لِبُخْلِهِ عَلَى عَدَم الْإِخْرَاج. وَفِي الْحَدِيث الرَّدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي الْبَاب الْمُشَار إِلَيْهِ , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس \" إِنَّ الصَّدَقَة تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ \" فَظَاهِرُهُ يُعَارِض قَوْله \" إِنَّ النَّذْر لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ \" وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ الصَّدَقَة تَكُون سَبَبًا لِدَفْعِ مِيتَة السُّوء , وَالْأَسْبَاب مُقَدَّرَة كَالْمُسَبَّبَاتِ , وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ الرُّقَى هَلْ تَرُدّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا ؟ قَالَ \" هِيَ مِنْ قَدَر اللَّه \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم , وَنَحْوه قَوْل عُمَر \" نَفِرّ مِنْ قَدَر اللَّه إِلَى قَدَر اللَّه \" كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي كِتَاب الطِّبّ , وَمِثْل ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ الطِّبّ وَالتَّدَاوِي. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : النَّذْر شَبِيه بِالدُّعَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَرُدّ الْقَدَر وَلَكِنَّهُ مِنْ الْقَدَر أَيْضًا , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نُهِيَ عَنْ النَّذْر وَنُدِبَ إِلَى الدُّعَاء , وَالسَّبَب فِيهِ أَنَّ الدُّعَاء عِبَادَةٌ عَاجِلَةٌ , وَيَظْهَر بِهِ التَّوَجُّه إِلَى اللَّه وَالتَّضَرُّع لَهُ وَالْخُضُوع , وَهَذَا بِخِلَافِ النَّذْر فَإِنَّ فِيهِ تَأْخِيرَ الْعِبَادَة إِلَى حِين الْحُصُول وَتَرْكَ الْعَمَلِ إِلَى حِين الضَّرُورَة وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ كُلّ شَيْء يَبْتَدِئُهُ الْمُكَلَّف مِنْ وُجُوه الْبِرّ أَفْضَل مِمَّا يَلْتَزِمُهُ بِالنَّذْرِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ , وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى الْإِخْلَاص فِي عَمَل الْخَيْر وَذَمّ الْبُخْل , وَأَنَّ مَنْ اِتَّبَعَ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتَنَبَ الْمَنْهِيَّاتِ لَا يُعَدُّ بَخِيلًا. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَالَ اِبْن الْمُنِير : مُنَاسَبَة أَحَادِيث الْبَاب لِتَرْجَمَةِ الْوَفَاء بِالنَّذْرِ قَوْله \" يُسْتَخْرَج بِهِ مِنْ الْبَخِيل \" وَإِنَّمَا يُخْرِج الْبَخِيل مَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إِذْ لَوْ أَخْرَجَ مَا يَتَبَرَّع بِهِ لَكَانَ جَوَادًا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يُؤْخَذ مَعْنَى التَّرْجَمَة مِنْ لَفْظ \" يُسْتَخْرَج \" قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْبُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى تَخْصِيص النَّذْر الْمَنْهِيّ عَنْهُ بِنَذْرِ الْمُعَاوَضَة وَاللَّجَاج بِدَلِيلِ الْآيَة , فَإِنَّ الثَّنَاء الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ مَحْمُول عَلَى نَذْر الْقُرْبَة كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ , فَيُجْمَع بَيْن الْآيَة وَالْحَدِيث بِتَخْصِيصِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِصُورَةٍ مِنْ صُوَر النَّذْر وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6201",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو جَمْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عِمْرَانُ ‏ ‏لَا أَدْرِي ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ ‏ ‏ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْن فِي \" خَيْر الْقُرُون \" وَفِي سَنَده أَبُو جَمْرَة وَهُوَ بِالْجِيمِ وَالرَّاء وَاسْمه نَصْر بْن عِمْرَان , وَزَهْدَم بِمُعْجَمَةٍ أَوَّلَهُ وَزْن جَعْفَر اِبْن مُضَرِّبٍ بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء الْمَكْسُورَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الشَّهَادَات وَفِي فَصَائِل الصَّحَابَة , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله \" يَنْذُرُونَ \" بِكَسْرِ الذَّال وَبِضَمِّهَا لُغَتَانِ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يَفُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَلَا يُوفُونَ \" وَهِيَ رِوَايَة مُسْلِم , وَفِي أُخْرَى لَهُ كَالْأُولَى وَهُمَا لُغَتَانِ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يُؤْتَمَنُونَ ) ‏ ‏أَيْ إِنَّهَا خِيَانَة ظَاهِرَة بِحَيْثُ لَا يَأْمَنُهُمْ أَحَد بَعْد ذَلِكَ. قَالَ اِبْن بَطَّال مَا مُلَخَّصُهُ : سَوَّى بَيْن مَنْ يَخُون أَمَانَته وَمَنْ لَا يَفِي بِنَذْرِهِ , وَالْخِيَانَة مَذْمُومَةٌ فَيَكُون تَرْك الْوَفَاء بِالنَّذْرِ مَذْمُومًا , وَبِهَذَا تَظْهَر الْمُنَاسَبَة لِلتَّرْجَمَةِ. وَقَالَ الْبَاجِيّ : سَاقَ مَا وَصَفَهُمْ بِهِ مَسَاقَ الْعَيْبِ , وَالْجَائِز لَا يُعَابُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ ‏"
    },
    {
        "id": "6202",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ طَلْحَة بْن عَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏هُوَ الْأَيْلِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْتُ نَزِيلُ الْمَدِينَة , ثِقَةٌ عِنْدهمْ مِنْ طَبَقَة اِبْن جُرَيْجٍ , ‏ ‏وَالْقَاسِم ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق. ذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ قَوْم مِنْ أَهْل الْحَدِيث أَنَّ طَلْحَة تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيث عَنْ الْقَاسِم , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَقَدْ تَابَعَهُ أَيُّوب وَيَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عِنْد اِبْن حِبَّان , وَأَشَارَ التِّرْمِذِيّ إِلَى رِوَايَة يَحْيَى وَمُحَمَّد بْن أَبَانَ عِنْد اِبْن عَبْد الْبَرّ وَعُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عِنْد الطَّحَاوِيِّ , وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ طَلْحَة عَنْ الْقَاسِم , وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ مُحَمَّد بْن أَبَانَ فَرَجَعَتْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه إِلَى طَلْحَة وَرِوَايَة يَحْيَى إِلَى مُحَمَّد بْن أَبَانَ وَسَلِمَتْ رِوَايَة أَيُّوب مِنْ الِاخْتِلَاف وَهِيَ كَافِيَة فِي رَدِّ دَعْوَى اِنْفِرَاد طَلْحَة بِهِ , وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَبْد الرَّحْمَن بْن الْمُجَبَّر بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْجِيم وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة عَنْ الْقَاسِم أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيع اللَّه فَلْيُطِعْهُ إِلَخْ ) ‏ ‏الطَّاعَة أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُون فِي وَاجِب أَوْ مُسْتَحَبّ , وَيُتَصَوَّر النَّذْر فِي فِعْل الْوَاجِب بِأَنْ يُؤَقِّتَهُ , كَمَنْ يَنْذُر أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّل وَقْتهَا فَيَجِب عَلَيْهِ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا أَقَّتَهُ , وَأَمَّا الْمُسْتَحَبّ مِنْ جَمِيع الْعِبَادَات الْمَالِيَّة وَالْبَدَنِيَّة فَيَنْقَلِب بِالنَّذْرِ وَاجِبًا وَيَتَقَيَّد بِمَا قَيَّدَهُ بِهِ النَّاذِر , وَالْخَبَر صَرِيح فِي الْأَمْر بِوَفَاءِ النَّذْر إِذَا كَانَ فِي طَاعَة , وَفِي النَّهْي عَنْ تَرْك الْوَفَاء بِهِ إِذَا كَانَ فِي مَعْصِيَة , وَهَلْ يَجِب فِي الثَّانِي كَفَّارَةُ يَمِين أَوْ لَا ؟ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ سَيَأْتِي بَيَانُهُمَا بَعْد بَابَيْنِ , وَيَأْتِي أَيْضًا بَيَان الْحُكْم فِيمَا سَكَتَ عَنْهُ الْحَدِيث , وَهُوَ نَذْر الْمُبَاح. وَقَدْ قَسَمَ بَعْض الشَّافِعِيَّة الطَّاعَة إِلَى قِسْمَيْنِ : وَاجِب عَيْنًا فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ النَّذْر كَصَلَاةِ الظُّهْر مَثَلًا وَصِفَة فِيهِ فَيَنْعَقِد كَإِيقَاعِهَا أَوَّل الْوَقْت , وَوَاجِب عَلَى الْكِفَايَة كَالْجِهَادِ فَيَنْعَقِد وَمَنْدُوب عِبَادَة عَيْنًا كَانَ أَوْ كِفَايَة فَيَنْعَقِد وَمَنْدُوب لَا يُسَمَّى عِبَادَة كَعِيَادَةِ الْمَرِيض وَزِيَارَة الْقَادِم فَفِي اِنْعِقَاده وَجْهَانِ وَالْأَرْجَح اِنْعِقَاده , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور وَالْحَدِيث يَتَنَاوَلُهُ فَلَا يُخَصُّ مِنْ عُمُوم الْخَبَر إِلَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ تَحْصِيل الْحَاصِل. ‏"
    },
    {
        "id": "6203",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي ‏ ‏الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَوْفِ بِنَذْرِكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي نَذْر عُمَر فِي الْجَاهِلِيَّة أَنَّهُ يَعْتَكِف فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَوْفِ بِنَذْرِك \" قَالَ اِبْن بَطَّال قَاسَ الْبُخَارِيّ الْيَمِين عَلَى النَّذْر وَتَرَكَ الْكَلَام عَلَى الِاعْتِكَاف فَمَنْ نَذَرَ أَوْ حَلَفَ قَبْل أَنْ يُسْلِم عَلَى شَيْء يَجِب الْوَفَاء بِهِ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ يَجِب عَلَيْهِ عَلَى ظَاهِر قِصَّة عُمَر , قَالَ : وَبِهِ يَقُول الشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر , كَذَا قَالَ وَكَذَا نَقَلَهُ اِبْن حَزْم عَنْ الْإِمَام الشَّافِعِيّ , وَالْمَشْهُور عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنَّهُ وَجْه لِبَعْضِهِمْ وَأَنَّ الشَّافِعِيّ وَجُلّ أَصْحَابه عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِب بَلْ يُسْتَحَبّ , وَكَذَا قَالَ الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة , وَعَنْ أَحْمَد فِي رِوَايَة يَجِب , وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَالْمُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن مِنْ الْمَالِكِيَّة وَالْبُخَارِيّ وَدَاوُد وَأَتْبَاعه. قُلْت : إِنْ وُجِدَ عَنْ الْبُخَارِيّ التَّصْرِيح بِالْوُجُوبِ قُبِلَ , وَإِلَّا فَمُجَرَّد تَرْجَمَته لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ يَقُول بِوُجُوبِهِ ; لِأَنَّهُ مُحْتَمَل لِأَنْ يَقُول بِالنَّدْبِ فَيَكُون تَقْدِير جَوَاب الِاسْتِفْهَام يَنْدُب لَهُ ذَلِكَ , قَالَ الْقَابِسِيّ : لَمْ يَأْمُر عُمَر عَلَى جِهَة الْإِيجَاب بَلْ عَلَى جِهَة الْمَشُورَة كَذَا قَالَ , وَقِيلَ : أَرَادَ أَنْ يُعْلِمَهُمْ أَنَّ الْوَفَاء بِالنَّذْرِ مِنْ آكَدِ الْأُمُور فَغَلَّظَ أَمْره بِأَنْ أَمَرَ عُمَر بِالْوَفَاءِ , وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ الَّذِي يَجِب الْوَفَاء بِهِ مَا يُتَقَرَّب بِهِ إِلَى اللَّه وَالْكَافِر لَا يَصِحّ مِنْهُ التَّقَرُّب بِالْعِبَادَةِ , وَأَجَابَ عَنْ قِصَّة عُمَر بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِمَ مِنْ عُمَر أَنَّهُ سَمَحَ بِأَنْ يَفْعَل مَا كَانَ نَذَرَهُ فَأَمَرَهُ بِهِ لِأَنَّ فِعْله حِينَئِذٍ طَاعَة لِلَّهِ تَعَالَى , فَكَانَ ذَلِكَ خِلَاف مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسه ; لِأَنَّ الْإِسْلَام يَهْدِم أَمْر الْجَاهِلِيَّة. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : ظَاهِر الْحَدِيث يُخَالِف هَذَا , فَإِنْ دَلَّ دَلِيل أَقْوَى مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحّ مِنْ الْكَافِر قَوَّى هَذَا التَّأْوِيل , وَإِلَّا فَلَا. ‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَكِ. ‏ ‏قَوْله ( عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر ) ‏ ‏هُوَ الْعُمَرِيُّ , وَلِعَبْدِ اللَّه بْن الْمُبَارَك فِيهِ شَيْخ آخَر تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ فَأَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن مُقَاتِل عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع وَأَوَّل حَدِيثه \" لَمَّا قَفَلْنَا مِنْ حُنَيْنٍ سَأَلَ عُمَر \" فَذَكَرَ الْحَدِيث فَأَفَادَ تَعْيِين زَمَان السُّؤَال الْمَذْكُور , وَقَدْ بَيَّنْت الِاخْتِلَاف عَلَى نَافِع ثُمَّ عَلَى أَيُّوب فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَاله هُنَاكَ وَكَذَا ذَكَرْت فِيهِ فَوَائِد زَوَائِد تَتَعَلَّق بِسِيَاقِهِ , وَكَذَلِكَ فِي فَرْض الْخُمُس , وَتَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب الِاعْتِكَاف مَا يَتَعَلَّق بِهِ , وَذَكَرْت هُنَاكَ مَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ عُمَر إِنَّمَا نَذَرَ بَعْد أَنْ أَسْلَمَ وَعَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ اِعْتِكَاف عُمَر كَانَ قَبْل النَّهْي عَنْ الصِّيَام فِي اللَّيْل , وَبَقِيَ هُنَا مَا يَتَعَلَّق بِالنَّذْرِ إِذَا صَدَرَ مِنْ شَخْص قَبْل أَنْ يُسْلِم ثُمَّ أَسْلَمَ هَلْ يَلْزَمهُ ؟ وَقَدْ ذَكَرْت مَا فِيهِ. وَقَوْله \" أَوْفِ بِنَذْرِك \" لَمْ يَذْكُر فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مَتَى اِعْتَكَفَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ التَّصْرِيح بِأَنَّ سُؤَاله كَانَ بَعْد قَسْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَائِم حُنَيْنٍ بِالطَّائِفِ , وَتَقَدَّمَ فِي فَرْض الْخُمُس أَنَّ فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوب مِنْ الزِّيَادَة \" قَالَ عُمَر فَلَمْ أَعْتَكِفْ حَتَّى كَانَ بَعْد حُنَيْنٍ , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي جَارِيَة مِنْ السَّبْي , فَبَيْنَا أَنَا مُعْتَكِف إِذْ سَمِعْت تَكْبِيرًا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي مَنِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَوَازِنَ بِإِطْلَاقِ سَبْيِهِمْ , وَفِي الْحَدِيث لُزُوم النَّذْر لِلْقُرْبَةِ مِنْ كُلّ أَحَد حَتَّى قَبْلَ الْإِسْلَامِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ , أَجَابَ اِبْن الْعَرَبِيّ بِأَنَّ عُمَر لَمَّا نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّة ثُمَّ أَسْلَمَ أَرَادَ أَنْ يُكَفِّر ذَلِكَ بِمِثْلِهِ فِي الْإِسْلَام فَلَمَّا أَرَادَهُ وَنَوَاهُ سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَزِمَهُ , قَالَ : وَكُلّ عِبَادَة يَنْفَرِد بِهَا الْعَبْد عَنْ غَيْره تَنْعَقِد بِمُجَرَّدِ النِّيَّة الْعَازِمَة الدَّائِمَة كَالنَّذْرِ فِي الْعِبَادَة وَالطَّلَاق فِي الْأَحْكَام , وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , كَذَا قَالَ , وَلَمْ يُوَافَق عَلَى ذَلِكَ بَلْ نَقَلَ بَعْض الْمَالِكِيَّة الِاتِّفَاق عَلَى أَنَّ الْعِبَادَة لَا تَلْزَم إِلَّا بِالنِّيَّةِ مَعَ الْقَوْل أَوْ الشُّرُوع , وَعَلَى التَّنَزُّل فَظَاهِر كَلَام عُمَر مُجَرَّد الْإِخْبَار بِمَا وَقَعَ مَعَ الِاسْتِخْبَار عَنْ حُكْمه هَلْ لَزِمَ أَوْ لَا ؟ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلّ عَلَى مَا اِدَّعَاهُ مِنْ تَجْدِيد نِيَّة مِنْهُ فِي الْإِسْلَام. وَقَالَ الْبَاجِيّ : قِصَّة عُمَر هِيَ كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّق بِكَذَا إِنْ قَدِمَ فُلَان بَعْد شَهْر فَمَاتَ فُلَان قَبْل قُدُومه فَإِنَّهُ لَا يَلْزَم النَّاذِرَ قَضَاؤُهُ فَإِنْ فَعَلَهُ فَحَسَنٌ , فَلَمَّا نَذَرَ عُمَر قَبْل أَنْ يُسْلِم وَسَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِوَفَائِهِ اِسْتِحْبَابًا وَإِنْ كَانَ لَا يَلْزَمهُ لِأَنَّهُ اِلْتَزَمَهُ فِي حَالَة لَا يَنْعَقِد فِيهَا. وَنَقَلَ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ أَنَّهُ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْكُفَّار مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَة وَإِنْ كَانَ لَا يَصِحّ مِنْهُمْ إِلَّا بَعْد أَنْ يُسْلِمُوا لِأَمْرِ عُمَر بِوَفَاءِ مَا اِلْتَزَمَهُ فِي الشِّرْك , وَنَقَلَ أَنَّهُ لَا يَصِحّ الِاسْتِدْلَال بِهِ لِأَنَّ الْوَاجِب بِأَصْلِ الشَّرْع كَالصَّلَاةِ لَا يَجِب عَلَيْهِمْ قَضَاؤُهَا فَكَيْف يُكَلَّفُونَ بِقَضَاءِ مَا لَيْسَ وَاجِبًا بِأَصْلِ الشَّرْع ؟ قَالَ : وَيُمْكِن أَنْ يُجَاب بِأَنَّ الْوَاجِب بِأَصْلِ الشَّرْع مُؤَقَّت بِوَقْتٍ وَقَدْ خَرَجَ قَبْل أَنْ يُسْلِم الْكَافِر فَفَاتَ وَقْت أَدَائِهِ فَلَمْ يُؤْمَر بِقَضَائِهِ ; لِأَنَّ الْإِسْلَام يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ , فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُؤَقِّتْ نَذْره فَلَمْ يَتَعَيَّن لَهُ وَقْت حَتَّى أَسْلَمَ فَإِيقَاعه لَهُ بَعْد الْإِسْلَام يَكُون أَدَاء لِاتِّسَاعِ ذَلِكَ بِاتِّسَاعِ الْعُمُرِ. قُلْت : وَهَذَا الْبَحْث يُقَوِّي مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو ثَوْر وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ , وَإِنْ ثَبَتَ النَّقْل عَنْ الشَّافِعِيّ بِذَلِكَ فَلَعَلَّهُ كَانَ يَقُولُهُ أَوَّلًا فَأَخَذَهُ عَنْهُ أَبُو ثَوْر , وَيُمْكِن أَنْ يُؤْخَذ مِنْ الْفَرْق الْمَذْكُور وُجُوب الْحَجّ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ لِاتِّسَاعِ وَقْته بِخِلَافِ مَا فَاتَ وَقْته , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏الْمُرَاد بِقَوْلِ عُمَر فِي الْجَاهِلِيَّة قَبْل إِسْلَامه لِأَنَّ جَاهِلِيَّة كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ , وَوَهِمَ مَنْ قَالَ : الْجَاهِلِيَّة فِي كَلَامِهِ زَمَنُ فَتْرَة النُّبُوَّة وَالْمُرَاد بِهَا هُنَا مَا قَبْل بَعْثَة نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ هَذَا يَتَوَقَّف عَلَى نَقْل , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ نَذَرَ قَبْل أَنْ يُسْلِم , وَبَيْن الْبَعْثَة وَإِسْلَامه مُدَّةٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "6204",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ ‏ ‏فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ سَعْد بْن عُبَادَةَ اِسْتَفْتَى فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَاب الْوَصَايَا وَذَكَرْت مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ سَعْد بْن عُبَادَةَ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِهِ. ‏ ‏قَوْله فِي آخِر الْحَدِيث فِي قِصَّة سَعْد بْن عُبَادَةَ ‏ ‏( فَكَانَتْ سُنَّة بَعْدُ ) ‏ ‏أَيْ صَارَ قَضَاء الْوَارِث مَا عَلَى الْمُورَث طَرِيقَة شَرْعِيَّة أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا , وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي غَيْر رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ , فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيث الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَة مَالِك وَاللَّيْث وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ وَيُونُس وَمَعْمَر وَبَكْر بْن وَائِل , وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ , وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة وَابْن أَبِي عَتِيق وَصَالِح بْن كَيْسَانَ كُلّهمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِدُونِهَا , وَأَظُنُّهَا مِنْ كَلَام الزُّهْرِيِّ , وَيَحْتَمِل مِنْ شَيْخه , وَفِيهَا تَعَقُّب عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ مَالِك لَا يَحُجّ أَحَد عَنْ أَحَد , وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ أَحَد مِنْ أَهْل دَار الْهِجْرَة مُنْذُ زَمَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَجَّ عَنْ أَحَد , وَلَا أَمَرَ بِهِ , وَلَا أَذِنَ فِيهِ , فَيُقَال لِمَنْ قَلَّدَ : قَدْ بَلَغَ ذَلِكَ غَيْره ; وَهَذَا الزُّهْرِيُّ مَعْدُود فِي فُقَهَاء أَهْل الْمَدِينَة , وَكَانَ شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الزِّيَادَة اِبْن حَزْم لِلظَّاهِرِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي أَنَّ الْوَارِث يَلْزَمهُ قَضَاء النَّذْر عَنْ مُورَثه فِي جَمِيع الْحَالَات , قَالَ : وَقَدْ وَقَعَ نَظِير ذَلِكَ فِي حَدِيث الزُّهْرِيِّ عَنْ سُهَيْل فِي اللِّعَان لَمَّا فَارَقَهَا الرَّجُل قَبْل أَنْ يَأْمُرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِرَاقِهَا قَالَ : فَكَانَتْ سُنَّة. وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِين نَذْر أُمّ سَعْد فَقِيلَ : كَانَ صَوْمًا لِمَا رَوَاهُ مُسْلِم الْبَطِين عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" جَاءَ رَجُل فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْم شَهْر أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ \" الْحَدِيث , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّن أَنَّ الرَّجُل الْمَذْكُور هُوَ سَعْد بْن عُبَادَةَ , وَقِيلَ كَانَ عِتْقًا قَالَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَاسْتَدَلَّ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن مُحَمَّد \" أَنَّ سَعْد بْن عُبَادَةَ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أُمِّي هَلَكَتْ فَهَلْ يَنْفَعهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَعَ إِرْسَاله لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّهَا كَانَتْ نَذَرَتْ ذَلِكَ , وَقِيلَ كَانَ نَذْرُهَا صَدَقَة , وَقَدْ ذَكَرْت دَلِيله مِنْ الْمُوَطَّأ وَغَيْره مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعْد بْن عُبَادَةَ \" أَنَّ سَعْدًا خَرَجَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لِأُمِّهِ : أُوصِ , قَالَتْ : الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ ; فَتُوُفِّيَتْ قَبْل أَنْ يَقْدَمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه هَلْ يَنْفَعهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ \" وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر نَحْوه وَزَادَ \" فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الْمَاء \" الْحَدِيث. وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ التَّصْرِيح بِأَنَّهَا نَذَرَتْ ذَلِكَ. قَالَ عِيَاض : وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ كَانَ نَذْرهَا فِي الْمَال أَوْ مُبْهَمًا. قُلْت : بَلْ ظَاهِر حَدِيث الْبَاب أَنَّهُ كَانَ مُعَيَّنًا عِنْد سَعْد , وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث قَضَاء الْحُقُوق الْوَاجِبَة عَنْ الْمَيِّت , وَقَدْ ذَهَب الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ , وَعَلَيْهِ نَذْر مَالِيّ أَنَّهُ يَجِب قَضَاؤُهُ مِنْ رَأْس مَاله وَإِنْ لَمْ يُوصِ إِلَّا إِنْ وَقَعَ النَّذْر فِي مَرَض الْمَوْت فَيَكُون مِنْ الثُّلُث , وَشَرَطَ الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة أَنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ مُطْلَقًا , وَاسْتُدِلَّ لِلْجُمْهُورِ بِقِصَّةِ أُمّ سَعْد هَذِهِ , وَقَوْل الزُّهْرِيِّ إِنَّهَا صَارَتْ سُنَّة بَعْدُ , وَلَكِنْ يُمْكِن أَنْ يَكُون سَعْد قَضَاهُ مِنْ تَرِكَتِهَا أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ. وَفِيهِ اِسْتِفْتَاء الْأَعْلَم , وَفِيهِ فَضْل بِرّ الْوَالِدَيْنِ بَعْد الْوَفَاة وَالتَّوَصُّل إِلَى بَرَاءَة مَا فِي ذِمَّتهمْ. وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْأُصُول فِي الْأَمْر بَعْد الِاسْتِئْذَان هَلْ يَكُون كَالْأَمْرِ بَعْد الْحَظْر أَوْ لَا ؟ فَرَجَّحَ صَاحِب \" الْمَحْصُول \" أَنَّهُ مِثْله , وَالرَّاجِح عِنْد غَيْره أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ كَمَا رَجَّحَ جَمَاعَة فِي الْأَمْر بَعْد الْحَظْر أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6205",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ إِنَّ أُخْتِي قَدْ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَإِنَّهَا مَاتَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَاقْضِ اللَّهَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَتَى رَجُل النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَإِنَّهَا مَاتَتْ \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَاقْضِ دَيْنَ اللَّه فَهُوَ أَحَقّ بِالْقَضَاءِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر كِتَاب الْحَجّ , وَذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِي السَّائِل أَهُوَ رَجُل كَمَا وَقَعَ هُنَا أَوْ اِمْرَأَة كَمَا وَقَعَ هُنَاكَ ؟ وَأَنَّهُ الرَّاجِح , وَذَكَرْت مَا قِيلَ فِي اِسْمهَا وَأَنَّهَا حَمْنَةُ , وَبَيَّنْت أَنَّهَا هِيَ السَّائِلَة عَنْ الصِّيَام أَيْضًا , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6206",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6207",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ وَرَآهُ يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الْفَزَارِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس وَهُوَ الثَّانِي مِنْ أَحَادِيث الْبَاب فَذَكَرَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْحَجّ قُبَيْل فَضَائِل الْمَدِينَة بِتَمَامِهِ وَأَوَّله \" رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْن اِبْنَيْهِ قَالَ : مَا بَال هَذَا ؟ قَالُوا : نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَب \" ‏ ‏وَقَوْله ( قَالَ الْفَزَارِيُّ ) ‏ ‏يَعْنِي مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة ‏ ‏( عَنْ حُمَيْدٍ حَدَّثَنِي ثَابِت عَنْ أَنَس ) ‏ ‏كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق تَصْرِيح حُمَيْدٍ بِالتَّحْدِيثِ , وَقَدْ وَصَلَهُ فِي الْبَاب الْمُشَار إِلَيْهِ فِي الْحَجّ عَنْ مُحَمَّد بْن سَلَام عَنْ الْفَزَارِيِّ , وَبَيَّنْت هُنَاكَ مَنْ رَوَاهُ عَنْ حُمَيْدٍ مُوَافِقًا لِلْفَزَارِيِّ وَمَنْ رَوَاهُ عَنْ حُمَيْدٍ بِدُونِ ذِكْر ثَابِت فِيهِ , وَذَكَرَ الْمُصَنِّف هُنَاكَ حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر قَالَ \" نَدَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْت اللَّه \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" لِتَمْشِي وَلْتَرْكَبْ \" وَتَقَدَّمَ بَعْض الْكَلَام عَلَيْهِ ثَمَّ. وَوَقَعَ لِلْمِزِّيِّ فِي \" الْأَطْرَاف \" فِيهِ وَهْمٌ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَهُ فِي الْحَجّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى , وَفِي النُّذُور عَنْ أَبِي عَاصِم , وَالْمَوْجُود فِي نُسَخ الْبُخَارِيّ أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَعًا فِي الْبَاب الْمَذْكُور مِنْ الْحَجّ , وَلَيْسَ لِحَدِيثِ عُقْبَة فِي النُّذُور ذِكْر أَصْلًا , وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّاذِر فِي حَدِيث أَنَس أَنْ يَرْكَب جَزْمًا وَأَمَرَ أُخْت عُقْبَة أَنْ تَمْشِي وَأَنْ تَرْكَب ; لِأَنَّ النَّاذِر فِي حَدِيث أَنَس كَانَ شَيْخًا ظَاهِر الْعَجْز وَأُخْت عُقْبَة لَمْ تُوصَف بِالْعَجْزِ فَكَأَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَمْشِي إِنْ قَدَرَتْ وَتَرْكَبَ إِنْ عَجَزَتْ , وَبِهَذَا تَرْجَمَ الْبَيْهَقِيُّ لِلْحَدِيثِ , وَأَوْرَدَ فِي بَعْض طُرُقه مِنْ رِوَايَة عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ أُخْت عُقْبَة نَذَرَتْ أَنْ تَحُجّ مَاشِيَة فَقَالَ : إِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنْ مَشْيِ أُخْتك فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً \" وَأَصْله عِنْد أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ \" وَلْتُهْدِ هَدْيًا \" وَوَهِمَ مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً , وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عِكْرِمَة بِغَيْرِ ذِكْر الْهَدْي , وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ \" جَاءَ رَجُل فَقَالَ إِنَّ أُخْتِي حَلَفَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى الْبَيْت , وَإِنَّهُ يَشُقّ عَلَيْهَا الْمَشْي , فَقَالَ : مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَمْشِي فَمَا أَغْنَى اللَّه أَنْ يَشُقّ عَلَى أُخْتك \" وَمِنْ طَرِيق كُرَيْب عَنْ اِبْن عَبَّاس \" جَاءَ رَجُل فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجّ مَاشِيَة , فَقَالَ : إِنَّ اللَّه لَا يَصْنَع بِشَقَاءِ أُخْتك شَيْئًا , لِتَحُجَّ رَاكِبَةً ثُمَّ لِتُكَفِّرْ يَمِينَهَا \" وَأَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن مَالِك عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر قَالَ \" نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَحُجّ مَاشِيَة غَيْر مُخْتَمِرَة فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مُرْ أُخْتك فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَصُمْ ثَلَاثَة أَيَّام \" وَنَقَلَ التِّرْمِذِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ لَا يَصِحّ فِيهِ الْهَدْي , وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي تَمِيم الْجَيْشَانِيّ عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَة حَافِيَةً حَاسِرَةً \" وَفِيهِ \" لِتَرْكَبْ وَلْتَلْبَسْ وَلْتَصُمْ \" وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْحُبُلِيّ عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر نَحْوه , وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيف عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" بَيْنَمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِير فِي جَوْف اللَّيْل إِذْ بَصُرَ بِخَيَّالٍ نَفَرَتْ مِنْهُ الْإِبِل , فَإِذَا اِمْرَأَة عُرْيَانَة نَافِضَةٌ شَعْرَهَا , فَقَالَتْ : نَذَرْت أَنْ أَحُجَّ مَاشِيَةً عُرْيَانَةَ نَافِضَةً شَعْرِي , فَقَالَ : مُرْهَا فَلْتَلْبَسْ ثِيَابَهَا وَلْتُهْرِقْ دَمًا \" وَأَوْرَدَ مِنْ طَرِيق الْحَسَن عَنْ عِمْرَان رَفَعَهُ \" إِذَا نَذَرَ أَحَدكُمْ أَنْ يَحُجّ مَاشِيًا فَلْيُهْدِ هَدْيًا وَلْيَرْكَبْ \" وَفِي سَنَده اِنْقِطَاع , وَفِي الْحَدِيث صِحَّة النَّذْر بِإِتْيَانِ الْبَيْت الْحَرَام , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة إِذَا لَمْ يَنْوِ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً لَا يَنْعَقِد , ثُمَّ إِنْ نَذَرَهُ رَاكِبًا لَزِمَهُ فَلَوْ مَشَى لَزِمَهُ دَم لِتَرَفُّهِهِ بِتَوَفُّرِ مُؤْنَة الرُّكُوب , وَإِنْ نَذَرَهُ مَاشِيًا لَزِمَهُ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ إِلَى أَنْ تَنْتَهِي الْعُمْرَة أَوْ الْحَجّ , وَهُوَ قَوْل صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَة , فَإِنْ رَكِبَ بِعُذْرٍ أَجْزَأَهُ وَلَزِمَهُ دَم فِي أَحَد الْقَوْلَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيّ , وَاخْتُلِفَ هَلْ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ ؟ وَإِنْ رَكِبَ بِلَا عُذْر لَزِمَهُ الدَّم , وَعَنْ الْمَالِكِيَّة فِي الْعَاجِز يَرْجِع مِنْ قَابِل فَيَمْشِي مَا رَكِبَ إِلَّا إِنْ عَجَزَ مُطْلَقًا فَيَلْزَمُهُ الْهَدْي , وَلَيْسَ فِي طُرُق حَدِيث عُقْبَة مَا يَقْتَضِي الرُّجُوع , فَهُوَ حُجَّة لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ , وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر لَا يَلْزَمهُ شَيْء مُطْلَقًا , قَالَ الْقُرْطُبِيّ زِيَادَة الْأَمْر بِالْهَدْيِ رُوَاتهَا ثِقَات وَلَا تُرَدّ , وَلَيْسَ سُكُوت مَنْ سَكَتَ عَنْهَا بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ حَفِظَهَا وَذَكَرَهَا , قَالَ : وَالتَّمَسُّك بِالْحَدِيثِ فِي عَدَم إِيجَاب الرُّجُوع ظَاهِر , وَلَكِنَّ عُمْدَة مَالِك عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏يُقَال : إِنَّ الرَّجُل الْمَذْكُور فِي حَدِيث أَنَس هُوَ أَبُو إِسْرَائِيل الْمَذْكُور فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الَّذِي بَعْد الْبَاب , كَذَا نَقَلَهُ مُغَلْطَاي عَنْ الْخَطِيب , وَهُوَ تَرْكِيبٌ مِنْهُ , وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْخَطِيب ذَلِكَ فِي الرَّجُل الْمَذْكُور فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس آخِر الْبَاب , وَتَغَايُر الْقِصَّتَيْنِ أَوْضَح مِنْ أَنْ يُتَكَلَّفَ لِبَيَانِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6208",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى رَجُلًا يَطُوفُ ‏ ‏بِالْكَعْبَةِ ‏ ‏بِزِمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَطَعَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الَّذِي طَافَ بِزِمَامٍ وَهُوَ الْحَدِيث الثَّالِث فَأَوْرَدَهُ بِعُلُوٍّ عَنْ أَبِي عَاصِم عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ وَلَفْظه \" رَأَى رَجُلًا يَطُوف بِالْكَعْبَةِ بِزِمَامٍ أَوْ غَيْره فَقَطَعَهُ \" ثُمَّ أَوْرَدَهُ بِنُزُولٍ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى عَنْ هِشَام بْن يُوسُف عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِلَفْظِ \" مَرَّ وَهُوَ يَطُوف بِالْكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ يَقُود إِنْسَانًا بِخِزَامَةٍ فِي أَنْفِهِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقُودَهُ بِيَدِهِ \" وَالْخِزَامَة بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الزَّاي حَلْقَة مِنْ شَعْر أَوْ وَبَرٍ تُجْعَل فِي الْحَاجِز الَّذِي بَيْن مَنْخِرَيْ الْبَعِير يُشَدُّ فِيهَا الزِّمَام لِيَسْهُل اِنْقِيَاده إِذَا كَانَ صَعْبًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْكَلَام فِي الطَّوَاف \" مِنْ كِتَاب الْحَجّ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ وَذَكَرْت مَا قِيلَ فِي اِسْم الْقَائِد وَالْمَقُود , وَوَجْه إِدْخَاله فِي أَبْوَاب النَّذْر , وَأَنَّهُ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ , وَفِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّهُ نَذَرَ ذَلِكَ , وَأَنَّ الدَّاوُدِيَّ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ مَا لَا طَاعَة لِلَّهِ فِيهِ لَا يَنْعَقِد نَذْره , وَتَعَقُّبُ اِبْنِ التِّينِ لَهُ وَالْجَوَابُ عَنْ الدَّاوُدِيِّ وَتَصْوِيبُهُ فِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6209",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏طَاوُسًا ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ ‏ ‏بِالْكَعْبَةِ ‏ ‏بِإِنْسَانٍ يَقُودُ إِنْسَانًا بِخِزَامَةٍ فِي أَنْفِهِ فَقَطَعَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِهِ ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقُودَهُ بِيَدِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6210",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا ‏ ‏أَبُو إِسْرَائِيلَ ‏ ‏نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وُهَيْب ‏ ‏فِي سَنَده هُوَ اِبْن خَالِد , ‏ ‏وَعَبْد الْوَهَّاب ‏ ‏الَّذِي عَلَّقَ عَنْهُ الْبُخَارِيّ آخِر الْبَاب هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيُّ , وَقَدْ يَتَمَسَّك بِهَذَا مَنْ يَرَى أَنَّ الثِّقَات إِذَا اِخْتَلَفُوا فِي الْوَصْل وَالْإِرْسَال يُرَجَّح قَوْل مَنْ وَصَلَ لِمَا مَعَهُ مِنْ زِيَادَة الْعِلْم ; لِأَنَّ وُهَيْبًا وَعَبْد الْوَهَّاب ثِقَتَانِ , وَقَدْ وَصَلَهُ وُهَيْب وَأَرْسَلَهُ عَبْد الْوَهَّاب وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيّ مَعَ ذَلِكَ , وَاَلَّذِي عَرَفْنَاهُ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيع الْبُخَارِيّ أَنَّهُ لَا يَعْمَل فِي هَذِهِ الصُّورَة بِقَاعِدَةٍ مُطَّرِدَةٍ بَلْ يَدُور مَعَ التَّرْجِيح إِلَّا إِنْ اِسْتَوَوْا فَيُقَدَّم الْوَصْل , وَالْوَاقِع هُنَا أَنَّ مَنْ وَصَلَهُ أَكْثَر مِمَّنْ أَرْسَلَهُ , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَصَلَهُ مَعَ وُهَيْب عَاصِم بْن هِلَال وَالْحَسَن بْن أَبِي جَعْفَر وَأَرْسَلَهُ مَعَ عَبْد الْوَهَّاب خَالِد الْوَاسِطِيّ. قُلْت : وَخَالِدٌ مُتْقِنٌ وَفِي عَاصِمٍ وَالْحَسَنِ مَقَالٌ فَيَسْتَوِي الطَّرَفَانِ فَيَتَرَجَّح الْوَصْل , وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيث الْمَذْكُور مِنْ وَجْه آخَر فَازْدَادَ قُوَّة أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْرَائِيلَ. ‏ ‏قَوْله ( بَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب ) ‏ ‏زَادَ الْخَطِيب فِي \" الْمُبْهَمَات \" مِنْ وَجْه آخَر \" يَوْمَ الْجُمُعَةِ \". ‏ ‏قَوْله ( إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي يَعْلَى عَنْ إِبْرَاهِيم بْن الْحَجَّاج عَنْ وُهَيْب \" إِذْ اِلْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ \". ‏ ‏قَوْله ( قَائِم ) ‏ ‏زَادَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" فِي الشَّمْس \" وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي يَعْلَى , وَفِي رِوَايَة طَاوُسٍ \" وَأَبُو إِسْرَائِيل يُصَلِّي \". ‏ ‏قَوْله ( فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا أَبُو إِسْرَائِيل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" فَقَالُوا : هُوَ أَبُو إِسْرَائِيل \" زَادَ الْخَطِيبُ \" رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ \". ‏ ‏قَوْله ( نَذَرَ أَنْ يَقُوم ) ‏ ‏قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : ظَاهِر اللَّفْظ السُّؤَال عَنْ اِسْمه فَلِذَلِكَ ذَكَرُوهُ وَزَادُوا فِعْله , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَأَلَ عَنْ حَاله فَذَكَرُوهُ وَزَادُوا التَّعْرِيف بِهِ ثُمَّ قَالَ : وَلَعَلَّهُ لَمَّا كَانَ السُّؤَال مُحْتَمَلًا ذَكَرُوا الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يَسْتَظِلّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْخَطِيب \" وَيَقُومَ فِي الشَّمْسِ \". ‏ ‏قَوْله ( مُرْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" مُرُوهُ \" بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَفِي رِوَايَة طَاوُسٍ \" لِيَقْعُدْ وَلْيَتَكَلَّمْ \" وَأَبُو إِسْرَائِيل الْمَذْكُور لَا يُشَارِكهُ أَحَد فِي كُنْيَته مِنْ الصَّحَابَة وَاخْتُلِفَ فِي اِسْمه فَقِيلَ قُشَيْرٌ بِقَافٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ مُصَغَّرٌ , وَقِيلَ يُسَيْر بِتَحْتَانِيَّةِ ثُمَّ مُهْمَلَة مُصَغَّر أَيْضًا , وَقِيلَ قَيْصَر بِاسْمِ مَلِك الرُّوم , وَقِيلَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة بَدَلَ الصَّاد , وَقِيلَ بِغَيْرِ رَاءٍ فِي آخِره , وَهُوَ قُرَشِيٌّ ثُمَّ عَامِرِيٌّ , وَتَرْجَمَ لَهُ اِبْن الْأَثِير فِي الصَّحَابَة تَبَعًا لِغَيْرِهِ فَقَالَ : أَبُو إِسْرَائِيل الْأَنْصَارِيّ. وَاغْتَرَّ بِذَلِكَ الْكَرْمَانِيُّ فَجَزَمَ بِأَنَّهُ مِنْ الْأَنْصَار , وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَفِي حَدِيثه أَنَّ السُّكُوت عَنْ الْمُبَاح لَيْسَ مِنْ طَاعَة اللَّه , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَلِيّ \" وَلَا صُمْت يَوْمًا إِلَى اللَّيْل \" وَتَقَدَّمَ فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة قَوْل أَبِي بَكْر الصِّدِّيق لِلْمَرْأَةِ إِنَّ هَذَا - يَعْنِي الصَّمْت - مِنْ فِعْل الْجَاهِلِيَّة \" وَفِيهِ أَنَّ كُلّ شَيْء يَتَأَذَّى بِهِ الْإِنْسَان , وَلَوْ مَآلًا مِمَّا لَمْ يَرِد بِمَشْرُوعِيَّتِهِ كِتَاب أَوْ سُنَّة كَالْمَشْيِ حَافِيًا وَالْجُلُوس فِي الشَّمْس لَيْسَ هُوَ مِنْ طَاعَة اللَّه فَلَا يَنْعَقِد بِهِ النَّذْر , فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا إِسْرَائِيل بِإِتْمَامِ الصَّوْم دُون غَيْره وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَشُقّ عَلَيْهِ , وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْعُد وَيَتَكَلَّمَ وَيَسْتَظِلَّ , قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِي قِصَّة أَبِي إِسْرَائِيل هَذِهِ أَوْضَحُ الْحُجَج لِلْجُمْهُورِ فِي عَدَم وُجُوب الْكَفَّارَة عَلَى مَنْ نَذَرَ مَعْصِيَة أَوْ مَا لَا طَاعَة فِيهِ فَقَدْ قَالَ مَالِك لَمَّا ذَكَرَهُ : وَلَمْ أَسْمَع أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6211",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَكِيمُ بْنُ أَبِي حُرَّةَ الْأَسْلَمِيُّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ لَا يَأْتِيَ عَلَيْهِ يَوْمٌ إِلَّا صَامَ فَوَافَقَ يَوْمَ أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ فَقَالَ ‏ { ‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ‏} ‏لَمْ يَكُنْ يَصُومُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ وَلَا يَرَى صِيَامَهُمَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6212",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ مَعَ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ نَذَرْتُ أَنْ أَصُومَ كُلَّ يَوْمِ ‏ ‏ثَلَاثَاءَ أَوْ أَرْبِعَاءَ مَا عِشْتُ فَوَافَقْتُ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ ‏ ‏أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ وَنُهِينَا أَنْ نَصُومَ يَوْمَ النَّحْرِ فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ مِثْلَهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُبَيْد وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْمِنْهَال عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْعٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَعَادَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن الْمِنْهَال فِي رِوَايَته \" فَخُيِّلَ إِلَى الرَّجُل أَنَّهُ لَمْ يَفْهَم فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلَام ثَانِيَة \" ‏"
    },
    {
        "id": "6213",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْغَيْثِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ مُطِيعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً إِلَّا الْأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ فَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي الضُّبَيْبِ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ ‏ ‏رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غُلَامًا يُقَالُ لَهُ ‏ ‏مِدْعَمٌ ‏ ‏فَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏وَادِي الْقُرَى ‏ ‏حَتَّى إِذَا كَانَ ‏ ‏بِوَادِي الْقُرَى ‏ ‏بَيْنَمَا ‏ ‏مِدْعَمٌ ‏ ‏يَحُطُّ رَحْلًا لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا ‏ ‏سَهْمٌ عَائِرٌ ‏ ‏فَقَتَلَهُ فَقَالَ النَّاسُ هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏الشَّمْلَةَ ‏ ‏الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ النَّاسُ جَاءَ رَجُلٌ ‏ ‏بِشِرَاكٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏شِرَاكَيْنِ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏شِرَاكٌ ‏ ‏مِنْ نَارٍ أَوْ ‏ ‏شِرَاكَانِ ‏ ‏مِنْ نَارٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة تَقَدَّمَ شَرْحه فِي غَزْوَة خَيْبَر مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي , وَقَوْله فِيهِ ‏ ‏\" فَلَمْ نَغْنَم ذَهَبًا وَلَا فِضَّة إِلَّا الْأَمْوَال وَالْمَتَاع وَالثِّيَاب \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِابْنِ الْقَاسِم وَالْقَعْنَبِيِّ وَالْمَتَاع بِالْعَطْفِ قَالَ بَعْضهمْ : وَفِي تَنْزِيل ذَلِكَ عَلَى لُغَة دَوْس نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ اِسْتَثْنَى الْأَمْوَال مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْهَا إِلَّا أَنْ يَكُون ذَلِكَ مُنْقَطِعًا فَتَكُون \" إِلَّا \" بِمَعْنَى لَكِنْ , كَذَا قَالَ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الِاسْتِثْنَاء مِنْ الْغَنِيمَة الَّتِي فِي قَوْله \" فَلَمْ نَغْنَم \" فَنَفَى أَنْ يَكُونُوا غَنِمُوا الْعَيْن وَأَثْبَتَ أَنَّهُمْ غَنِمُوا الْمَال فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَال عِنْدَهُ غَيْر الْعَيْن وَهُوَ الْمَطْلُوب. ‏ ‏وَقَوْله \" الضُّبَيْب \" ‏ ‏بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُكَرَّرَة بِصِيغَةِ التَّصْغِير , وَمِدْعَم بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الدَّالّ وَفَتْح الْعَيْن الْمُهْمَلَتَيْنِ , ‏ ‏وَقَوْله \" سَهْم عَائِر \" ‏ ‏بِعَيْنٍ مُهْمَلَة وَبَعْد الْأَلْف تَحْتَانِيَّةٌ لَا يُدْرَى مَنْ رَمَى بِهِ ‏ ‏وَ \" الشِّرَاك \" ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَآخِره كَافٌ مِنْ سُيُور النَّعْل , وَقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيع ذَلِكَ بِإِعَانَةِ اللَّه تَعَالَى , وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "6214",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْتُهُ ‏ ‏يَعْنِي النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏ادْنُ ‏ ‏فَدَنَوْتُ فَقَالَ أَيُؤْذِيكَ ‏ ‏هَوَامُّكَ ‏ ‏قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ‏ ‏وَالنُّسُكُ ‏ ‏شَاةٌ وَالْمَسَاكِينُ سِتَّةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَحْمَد بْن يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس نُسِبَ لِجَدِّهِ , ‏ ‏وَأَبُو شِهَاب ‏ ‏هُوَ الْأَصْغَر وَاسْمه عَبْد رَبِّهِ اِبْن نَافِع , ‏ ‏وَابْن عَوْن ‏ ‏هُوَ عَبْدُ اللَّهِ. ‏ ‏قَوْله ( أَتَيْته يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق بِشْر بْن الْمُفَضَّل عَنْ اِبْن عَوْن بِهَذَا السَّنَد عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة قَالَ \" فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , فَأَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَهُ , وَفِي رِوَايَة مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ اِبْن عَوْن عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" نَزَلَتْ فِيَّ هَذِهِ الْآيَة ( فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) قَالَ فَرَآنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اُدْنُ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ : وَأَخْبَرَنِي اِبْن عَوْن ) ‏ ‏هُوَ مَقُول أَبِي شِهَاب , وَهُوَ مَوْصُول بِالْأَوَّلِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَزْهَر بْن سَعْد عَنْ اِبْن عَوْن بِهِ , وَقَالَ فِي آخِره : فَسَّرَهُ لِي مُجَاهِد فَلَمْ أَحْفَظْهُ , فَسَأَلْت أَيُّوب فَقَالَ : الصِّيَام ثَلَاثَة أَيَّام وَالصَّدَقَة عَلَى سِتَّة مَسَاكِين وَالنُّسُك مَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجّ , وَفِي التَّفْسِير مِنْ طُرُق أُخْرَى عَنْ مُجَاهِد وَفِي الطِّبّ وَالْمَغَازِي مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ مُجَاهِد بِهِ وَسِيَاقهَا أَتَمُّ , وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6215",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُهُ مِنْ فِيهِ عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ هَلَكْتُ قَالَ ‏ ‏وَمَا شَأْنُكَ قَالَ ‏ ‏وَقَعْتُ ‏ ‏عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ قَالَ تَسْتَطِيعُ تُعْتِقُ رَقَبَةً قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لَا قَالَ اجْلِسْ فَجَلَسَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ وَالْعَرَقُ ‏ ‏الْمِكْتَلُ ‏ ‏الضَّخْمُ قَالَ خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ قَالَ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا فَضَحِكَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى بَدَتْ ‏ ‏نَوَاجِذُهُ ‏ ‏قَالَ أَطْعِمْهُ عِيَالَكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة الْمُجَامِع فِي نَهَار رَمَضَان , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الصِّيَام , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيِّ \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ \" عَنْ سُفْيَان حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ \" وَتَقَدَّمَ أَيْضًا بَيَان الِاخْتِلَاف فِيمَنْ لَا يَجِد مَا يُكَفِّر بِهِ وَلَا يَقْدِر عَلَى الصِّيَام هَلْ يَسْقُط عَنْهُ أَوْ يَبْقَى فِي ذِمَّته ؟ قَالَ اِبْن الْمُنِير : مَقْصُوده أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَة إِنَّمَا تَجِب بِالْحِنْثِ كَمَا أَنَّ كَفَّارَة الْمُوَاقِعِ إِنَّمَا تَجِبُ بِاقْتِحَامِ الذَّنْب , وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْفَقِير لَا يَسْقُط عَنْهُ إِيجَاب الْكَفَّارَة ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ فَقْرَهُ وَأَعْطَاهُ مَعَ ذَلِكَ مَا يُكَفِّرُ بِهِ كَمَا لَوْ أَعْطَى الْفَقِير مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ , قَالَ : وَلَعَلَّهُ كَمَا نَبَّهَ عَلَى اِحْتِجَاج الْكُوفِيِّينَ بِالْفِدْيَةِ نَبَّهَ هُنَا عَلَى مَا اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ إِلْحَاقهَا بِكَفَّارَةِ الْمُوَاقِع وَأَنَّهُ مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "6216",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ هَلَكْتُ فَقَالَ ‏ ‏وَمَا ذَاكَ قَالَ ‏ ‏وَقَعْتُ ‏ ‏بِأَهْلِي فِي رَمَضَانَ قَالَ تَجِدُ رَقَبَةً قَالَ لَا قَالَ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا قَالَ فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لَا قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏بِعَرَقٍ وَالْعَرَقُ ‏ ‏الْمِكْتَلُ ‏ ‏فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ اذْهَبْ بِهَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ قَالَ أَعَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ ‏ ‏لَابَتَيْهَا ‏ ‏أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا ثُمَّ قَالَ اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6217",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ هَلَكْتُ قَالَ ‏ ‏وَمَا شَأْنُكَ قَالَ ‏ ‏وَقَعْتُ ‏ ‏عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ قَالَ هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لَا أَجِدُ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِعَرَقٍ ‏ ‏فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا مَا بَيْنَ ‏ ‏لَابَتَيْهَا ‏ ‏أَفْقَرُ مِنَّا ثُمَّ قَالَ خُذْهُ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6218",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏الصَّاعُ ‏ ‏عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُدًّا ‏ ‏وَثُلُثًا بِمُدِّكُمْ الْيَوْمَ فَزِيدَ فِيهِ فِي زَمَنِ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( كَانَ الصَّاع عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمْ الْيَوْم , فَزِيدَ فِيهِ فِي زَمَن عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ مُدَّهُمْ حِينَ حَدَّثَ بِهِ السَّائِب كَانَ أَرْبَعَة أَرْطَال فَإِذَا زِيدَ عَلَيْهِ ثُلُثُهُ , وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ قَامَ مِنْهُ خَمْسَة أَرْطَال وَثُلُث وَهُوَ الصَّاع بِدَلِيلِ أَنَّ مُدَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِطْل وَثُلُث وَصَاعه أَرْبَعَة أَمْدَاد , ثُمَّ قَالَ : مِقْدَار مَا زِيدَ فِيهِ فِي زَمَن عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز لَا نَعْلَمُهُ , وَإِنَّمَا الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى أَنَّ مُدَّهُمْ ثَلَاثَة أَمْدَاد بِمُدِّهِ اِنْتَهَى , وَمِنْ لَازِم مَا قَالَ أَنْ يَكُون صَاعهمْ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا لَكِنْ لَعَلَّهُ لَمْ يَعْلَم مِقْدَار الرِّطْل عِنْدهمْ إِذْ ذَاكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْوُضُوء بِالْمُدِّ \" مِنْ كِتَاب الطَّهَارَة بَيَان الِاخْتِلَاف فِي مِقْدَار الْمُدِّ وَالصَّاع , وَمَنْ فَرَّقَ بَيْن الْمَاء وَغَيْره مِنْ الْمَكِيلَات فَخَصَّ صَاع الْمَاء بِكَوْنِهِ ثَمَانِيَة أَرْطَال وَمُدّه بِرِطْلَيْنِ فَقَصَرَ الْخِلَاف عَلَى غَيْر الْمَاء مِنْ الْمَكِيلَاتِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6219",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْجَارُودِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو قُتَيْبَةَ وَهْوَ سَلْمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏يُعْطِي زَكَاةَ رَمَضَانَ ‏ ‏بِمُدِّ ‏ ‏النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمُدِّ الْأَوَّلِ وَفِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِمُدِّ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو قُتَيْبَةَ ‏ ‏قَالَ لَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏مُدُّنَا أَعْظَمُ مِنْ مُدِّكُمْ وَلَا نَرَى الْفَضْلَ إِلَّا فِي ‏ ‏مُدِّ ‏ ‏النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ لِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏لَوْ جَاءَكُمْ أَمِيرٌ فَضَرَبَ مُدًّا أَصْغَرَ مِنْ مُدِّ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُعْطُونَ قُلْتُ كُنَّا نُعْطِي بِمُدِّ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ أَفَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ إِنَّمَا يَعُودُ إِلَى مُدِّ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ وَهُوَ سَلْم ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام , وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْمُنْذِر \" حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَة سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ \". قُلْت : وَهُوَ الشَّعِيرِيّ بِفَتْحِ الشِّين الْمُعْجَمَة وَكَسْر الْمُهْمَلَة بَصْرِيٌّ أَصْلُهُ مِنْ خُرَاسَان أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيّ بِالسِّنِّ وَمَاتَ قَبْل أَنْ يَلْقَاهُ , وَهُوَ غَيْر سَلْم بْن قُتَيْبَة الْبَاهِلِيّ وَلَد أَمِير خُرَاسَان قُتَيْبَة بْن مُسْلِم , وَقَدْ وُلِّيَ هُوَ إِمْرَةَ الْبَصْرَة وَهُوَ أَكْبَر مِنْ الشَّعِيرِيّ , وَمَاتَ قَبْله بِأَكْثَر مِنْ خَمْسِينَ سَنَة. ‏ ‏قَوْله ( الْمُدّ الْأَوَّل ) ‏ ‏هُوَ نَعْت مُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَهُ , وَأَرَادَ نَافِع بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُعْطِي بِالْمُدِّ الَّذِي أَحْدَثَهُ هِشَام , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَهُوَ أَكْبَر مِنْ مُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثُلُثَيْ رِطْلٍ وَهُوَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ الْمُدَّ الْهِشَامِيّ رِطْلَانِ وَالصَّاع مِنْهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لَنَا مَالِكٌ ) ‏ ‏هُوَ مَقُولُ أَبِي قُتَيْبَةَ وَهُوَ مَوْصُولٌ. ‏ ‏قَوْله ( مُدُّنَا أَعْظَم مِنْ مُدِّكُمْ ) ‏ ‏يَعْنِي فِي الْبَرَكَة أَيْ مُدّ الْمَدِينَة , وَإِنْ كَانَ دُون مُدِّ هِشَام فِي الْقَدْر لَكِنَّ مُدَّ الْمَدِينَة مَخْصُوص بِالْبَرَكَةِ الْحَاصِلَة بِدُعَاءِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا فَهُوَ أَعْظَم مِنْ مُدِّ هِشَام , ثُمَّ فَسَّرَ مَالِكٌ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ : وَلَا تَرَى الْفَضْلَ إِلَّا فِي مُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ لِي مَالِك : لَوْ جَاءَكُمْ أَمِير إِلَخْ ) ‏ ‏أَرَادَ مَالِك بِذَلِكَ إِلْزَام مُخَالِفِهِ ; إِذْ لَا فَرْقَ بَيْن الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي مُطْلَق الْمُخَالَفَة , فَلَوْ اِحْتَجَّ الَّذِي تَمَسَّكَ بِالْمُدِّ الْهِشَامِيّ فِي إِخْرَاج زَكَاة الْفِطْر وَغَيْرهَا مِمَّا شُرِعَ إِخْرَاجُهُ بِالْمُدِّ كَإِطْعَامِ الْمَسَاكِين فِي كَفَّارَة الْيَمِين بِأَنَّ الْأَخْذ بِالزَّائِدِ أَوْلَى , قِيلَ : كَفَى بِاتِّبَاعِ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِع بَرَكَةً , فَلَوْ جَازَتْ الْمُخَالَفَة بِالزِّيَادَةِ لَجَازَتْ مُخَالَفَتُهُ بِالنَّقْصِ , فَلَمَّا اِمْتَنَعَ الْمُخَالِف مِنْ الْأَخْذ بِالنَّاقِصِ قَالَ لَهُ : أَفَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْر إِنَّمَا يَرْجِع إِلَى مُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتْ الْأَمْدَادُ الثَّلَاثَةُ الْأَوَّل وَالْحَادِث وَهُوَ الْهِشَامِيّ وَهُوَ زَائِدٌ عَلَيْهِ وَالثَّالِث الْمَفْرُوض وُقُوعه , وَإِنْ لَمْ يَقَع وَهُوَ دُون الْأَوَّل كَانَ الرُّجُوع إِلَى الْأَوَّل أَوْلَى ; لِأَنَّهُ الَّذِي تَحَقَّقَتْ شَرْعِيَّتُهُ. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَالْحُجَّة فِيهِ نَقْل أَهْل الْمَدِينَة لَهُ قَرْنًا بَعْد قَرْن وَجِيلًا بَعْد جِيل , قَالَ : وَقَدْ رَجَعَ أَبُو يُوسُف بِمِثْلِ هَذَا فِي تَقْدِير الْمُدّ وَالصَّاع إِلَى مَالِك وَأَخَذَ بِقَوْلِهِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏هَذَا الْحَدِيث غَرِيب لَمْ يَرْوِهِ عَنْ مَالِك إِلَّا أَبُو قُتَيْبَة وَلَا عَنْهُ إِلَّا الْمُنْذِر , وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجه عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيّ وَعَلَى أَبِي نُعَيْم فَلَمْ يَسْتَخْرِجَاهُ بَلْ ذَكَرَاهُ مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيّ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ اِبْن عُقْدَةَ عَنْ الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الْبَجَلِيِّ عَنْ الْمُنْذِر بِهِ دُون كَلَام مَالِك وَقَالَ : صَحِيح أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ الْمُنْذِر بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6220",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ ‏ ‏وَصَاعِهِمْ ‏ ‏وَمُدِّهِمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي دُعَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ وَصَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع عَنْ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِك وَزَادَ فِي آخِره \" يَعْنِي أَهْل الْمَدِينَة \" وَكَذَا عِنْد رُوَاة الْمُوَطَّأ عَنْ - مَالِك قَالَ اِبْن الْمُنِير : يَحْتَمِل أَنْ تَخْتَصّ هَذِهِ الدَّعْوَة بِالْمُدِّ الَّذِي كَانَ حِينَئِذٍ حَتَّى لَا يَدْخُل الْمُدّ الْحَادِث بَعْده , وَيَحْتَمِل أَنْ تَعُمّ كُلّ مِكْيَال لِأَهْلِ الْمَدِينَة إِلَى الْأَبَد , قَالَ : وَالظَّاهِر الثَّانِي , كَذَا قَالَ , وَكَلَام مَالِك الْمَذْكُور فِي الَّذِي قَبْله يَجْنَح إِلَى الْأَوَّل , وَهُوَ الْمُعْتَمَد. وَقَدْ تَغَيَّرَتْ الْمَكَايِيل فِي الْمَدِينَة بَعْد عَصْر مَالِك , وَإِلَى هَذَا الزَّمَان , وَقَدْ وُجِدَ مِصْدَاق الدَّعْوَة بِأَنْ بُورِكَ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ بِحَيْثُ اِعْتَبَرَ قَدْرَهُمَا أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَمُقَلِّدُوهُمْ إِلَى الْيَوْم فِي غَالِب الْكَفَّارَات , وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُهَلَّب , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6221",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَوَائِل الْعِتْق مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد بْن مُرْجَانَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةً لِسَعِيدِ اِبْن مُرْجَانَةَ مَعَ عَلِيّ بْن حُسَيْن أَيْ اِبْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب الْمُلَقَّب زَيْن الْعَابِدِينَ وَهُوَ الْمَذْكُور هُنَا أَيْضًا , وَكَأَنَّهُ بَعْد أَنْ سَمِعَهُ مِنْ سَعِيد بْن مُرْجَانَةَ وَعَمِلَ بِهِ حَدَّثَ بِهِ عَنْ سَعِيد فَسَمِعَهُ مِنْهُ زَيْد بْن أَسْلَمَ , وَفِي رِوَايَة الْبَاب زِيَادَة فِي آخِره وَهِيَ قَوْله \" حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ \" وَحَتَّى هُنَا عَاطِفَة لِوُجُودِ شَرَائِط الْعَطْف فِيهَا فَيَكُون فَرْجه بِالنَّصْبِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث وَبَيَان مَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الزِّيَادَة هُنَاكَ. وَأَخْرَجَ مُسْلِم حَدِيث الْبَاب عَنْ دَاوُدَ بْن رَشِيد شَيْخ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد دَرَجَتَيْنِ فَإِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي غَسَّان مُحَمَّد بْن مُطَرِّف فِي عِدَّة أَحَادِيث فِي كِتَابه رَاوِيًا وَاحِدًا كَسَعِيدِ بْن أَبِي مَرْيَم فِي الصِّيَام وَالنِّكَاح وَالْأَشْرِبَة وَغَيْرهَا وَكَعَلِيِّ بْن عَيَّاش فِي الْبُيُوع وَالْأَدَب , وَمُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم شَيْخه فِيهِ هُوَ الْمَعْرُوف بِصَاعِقَةَ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانه , وَدَاوُد بْن رُشَيْد بِشِينٍ وَمُعْجَمَة مُصَغَّر مِنْ طَبَقَة شُيُوخه الْوُسْطَى , وَفِي السَّنَد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ زَيْدٌ وَعَلِيٌّ وَسَعِيدٌ وَالثَّلَاثَة مَدَنِيُّونَ وَزَيْدٌ وَعَلِيٌّ قَرِينَانِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6222",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏دَبَّرَ ‏ ‏مَمْلُوكًا لَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي فَاشْتَرَاهُ ‏ ‏نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ ‏ ‏بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَسَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ عَبْدًا ‏ ‏قِبْطِيًّا ‏ ‏مَاتَ عَامَ أَوَّلَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي عِتْق الْمُدَبَّر , ‏ ‏وَعَمْرو ‏ ‏فِي السَّنَد هُوَ اِبْن دِينَار , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِتْقِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6223",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهَا الْوَلَاءَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ اشْتَرِيهَا فَإِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏لِمَنْ أَعْتَقَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة بَرِيرَةَ مُخْتَصَرًا وَفِي آخِره \" فَإِنَّمَا الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ \" وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ كُلّ مَنْ أَعْتَقَ فَصَحَّ عِتْقُهُ كَانَ الْوَلَاء لَهُ , فَيَدْخُل فِي ذَلِكَ مَا لَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَكَ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا صَحَّ وَضَمِنَ لِشَرِيكِهِ حِصَّتَهُ , وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُعْتِقَهُ مَجَّانًا , أَوْ عَنْ الْكَفَّارَة , وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور , وَمِنْهُمْ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَة , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة لَا يُجْزِئهُ عِتْق الْعَبْد الْمُشْتَرَك عَنْ الْكَفَّارَة ; لِأَنَّهُ يَكُون أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدٍ لَا جَمِيعَهُ ; لِأَنَّ الشَّرِيك عِنْده يُخَيَّر بَيْن أَنْ يُقَوَّم عَلَيْهِ نَصِيبُهُ وَبَيْن أَنْ يُعْتِقَهُ هُوَ وَبَيْن أَنْ يُسْتَسْعَى الْعَبْد فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6224",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏رَهْطٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَشْعَرِيِّينَ ‏ ‏أَسْتَحْمِلُهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ فَأُتِيَ بِإِبِلٍ فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثَةِ ‏ ‏ذَوْدٍ ‏ ‏فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ لَا يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَسْتَحْمِلُهُ ‏ ‏فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا فَحَمَلَنَا فَقَالَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ بَلْ اللَّهُ حَمَلَكُمْ إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ‏ ‏أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَمَّاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْدٍ ; لِأَنَّ قُتَيْبَةَ لَمْ يُدْرِكْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , وَغَيْلَان بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله ( فَأُتِيَ بِإِبِلٍ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَكَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ \" بِشَائِلٍ \" بَعْد الْمُوَحَّدَة شِينٌ مُعْجَمَةٌ , وَبَعْد الْأَلِف تَحْتَانِيَّة مَهْمُوزَة ثُمَّ لَامٌ. قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنْ صَحَّتْ فَأَظُنُّهَا شَوَائِلَ , كَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَفْظ شَائِل خَاصّ بِالْمُفْرَدِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ اِسْم جِنْس. وَقَالَ اِبْن التِّين : جَاءَ هَكَذَا بِلَفْظِ الْوَاحِد وَالْمُرَاد بِهِ الْجَمْع كَالسَّامِرِ , وَقَالَ صَاحِب الْعَيْن : نَاقَةٌ شَائِلَةٌ وَنُوقٌ شَائِلٌ الَّتِي جَفَّ لَبَنُهَا , وَشَوَّلَتْ الْإِبِلُ بِالتَّشْدِيدِ لَصِقَتْ بُطُونهَا بِظُهُورِهَا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : نَاقَةٌ شَائِلٌ قَلَّ لَبَنُهَا وَأَصْله مِنْ شَال الشَّيْء إِذَا اِرْتَفَعَ كَالْمِيزَانِ , وَالْجَمْع شَوْلٌ كَصَاحِبٍ وَصَحْبٍ وَجَاءَ شَوَائِلُ جَمْع شَائِلٍ , وَفِيمَا نُقِلَ مِنْ خَطّ الدِّمْيَاطِيّ الْحَافِظ : الشَّائِل النَّاقَة الَّتِي تَشُول بِذَنَبِهَا اللِّقَاح , وَلَيْسَ لَهَا لَبَن , وَالْجَمْع شُوَّلٌ بِالتَّشْدِيدِ كَرَاكِعٍ وَرُكَّعٍ , وَحَكَى قَاسِم بْن ثَابِت فِي \" الدَّلَائِل \" عَنْ الْأَصْمَعِيّ : إِذَا أَتَى عَلَى النَّاقَة مِنْ يَوْم حَمْلهَا سَبْعَة أَشْهُر جَفَّ لَبَنهَا فَهِيَ شَائِلَة وَالْجَمْع شَوْل بِالتَّخْفِيفِ , وَإِذَا شَالَتْ بِذَنَبِهَا بَعْد اللِّقَاح فَهِيَ شَائِل وَالْجَمْع شُوَّل بِالتَّشْدِيدِ , وَهَذَا تَحْقِيق بَالِغ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي \" الْمَطَالِع \" أَنَّ شَائِل جَمْع شَائِلَة فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَمَرَ لَنَا ) ‏ ‏أَيْ أَمَرَ أَنَّا نُعْطَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( بِثَلَاثِ ذَوْدٍ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ بِثَلَاثَةِ ذَوْدٍ , وَقِيلَ : الصَّوَاب الْأَوَّل لِأَنَّ الذَّوْد مُؤَنَّثٌ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي السَّلِيل عَنْ زَهْدَم كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم بِسَنَدِهِ , وَتَوْجِيهُ الْأُخْرَى أَنَّهُ ذُكِرَ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الذَّوْدِ , أَوْ أَنَّهُ يُطْلَق عَلَى الذُّكُور وَالْإِنَاث , أَوْ الرِّوَايَة بِالتَّنْوِينِ وَذَوْد إِمَّا بَدَل فَيَكُون مَجْرُورًا أَوْ مُسْتَأْنَفٌ فَيَكُون مَرْفُوعًا وَالذَّوْد بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا مُهْمَلَة مِنْ الثَّلَاث إِلَى الْعَشْر , وَقِيلَ : إِلَى السَّبْع , وَقِيلَ : مِنْ الِاثْنَيْنِ إِلَى التِّسْع مِنْ النُّوق , قَالَ فِي الصِّحَاح : لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظه , وَالْكَثِير أَذْوَادٌ وَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْإِنَاثِ وَقَدْ يُطْلَق عَلَى الذُّكُور أَوْ عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله \" وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنْ الْإِبِل صَدَقَةٌ \" وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا أَنَّ الذَّوْد يُطْلَق عَلَى الْوَاحِد بِخِلَافِ مَا أَطْلَقَ الْجَوْهَرِيّ , وَتَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ \" خَمْس ذَوْد \" وَقَالَ اِبْن التِّين : اللَّه أَعْلَم أَيّهمَا يَصِحّ. قُلْت : لَعَلَّ الْجَمْع بَيْنهمَا يَحْصُل مِنْ الرِّوَايَة الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي غَزْوَة تَبُوك بِلَفْظِ \" خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ \" فَلَعَلَّ رِوَايَة الثَّلَاث بِاعْتِبَارِ ثَلَاثَة أَزْوَاج , وَرِوَايَة الْخَمْس بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَحَد الْأَزْوَاج كَانَ قَرِينَهُ تَبَعًا فَاعْتَدَّ بِهِ تَارَة وَلَمْ يَعْتَدّ بِهِ أُخْرَى , وَيُمْكِن أَنْ يُجْمَع بِأَنَّهُ أَمَرَ لَهُمْ بِثَلَاثِ ذَوْد أَوَّلًا , ثُمَّ زَادَهُمْ اِثْنَيْنِ فَإِنَّ لَفْظ زَهْدَم \" ثُمَّ أُتِيَ بِنَهْبِ ذَوْد غُرّ الذَّرِّيّ فَأَعْطَانِي خَمْس ذَوْد \" فَوَقَعَتْ فِي رِوَايَة زَهْدَم جُمْلَةُ مَا أَعْطَاهُمْ وَفِي رِوَايَة غَيْلَان عَنْ أَبِي بُرْدَة مَبْدَأُ مَا أَمَرَ لَهُمْ بِهِ وَلَمْ يَذْكُر الزِّيَادَة , وَأَمَّا رِوَايَة \" خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ ثَلَاث مِرَار \" وَقَدْ مَضَى فِي الْمَغَازِي بِلَفْظٍ أَصْرَحَ مِنْهَا , وَهُوَ قَوْله \" سِتَّة أَبْعِرَة \" فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنْ تَكُون السَّادِسَة كَانَتْ تَبَعًا , وَلَمْ تَكُنْ ذُرْوَتهَا مَوْصُوفَة بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي وَاَللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّه ) ‏ ‏قَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي كِتَابه \" الثَّمِين فِي اِسْتِثْنَاء الْيَمِين \" لَمْ يَقَع قَوْله \" إِنْ شَاءَ اللَّه \" فِي أَكْثَر الطُّرُق لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى , وَسَقَطَ لَفْظ \" وَاَللَّهِ \" مِنْ نُسْخَة اِبْن الْمُنِير فَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى يَمِينٌ , وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ بَلْ هِيَ ثَابِتَة فِي الْأُصُول , وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيّ بِإِيرَادِهِ بَيَان صِيغَة الِاسْتِثْنَاء بِالْمَشِيئَةِ , وَأَشَارَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي الْكِتَاب الْمَذْكُور إِلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهَا لِلتَّبَرُّكِ لَا لِلِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ خِلَاف الظَّاهِر. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا كَفَّرْت عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْت الَّذِي خَيْر وَكَفَّرْت ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ لَفْظ \" وَكَفَّرْت \" مُكَرَّرًا فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَان ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن الْفَضْل , وَحَمَّادٌ أَيْضًا هُوَ اِبْن زَيْدٍ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ : إِلَّا كَفَّرْت ) ‏ ‏يَعْنِي سَاقَ الْحَدِيث كُلّه بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَلَكِنَّهُ قَالَ \" كَفَّرْت عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْر , أَوْ أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْر وَكَفَّرْت \" فَزَادَ فِيهِ التَّرَدُّدَ فِي تَقْدِيم الْكَفَّارَة وَتَأْخِيرهَا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد بِالتَّرْدِيدِ فِيهِ أَيْضًا. ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة سُلَيْمَان وَفِيهِ \" فَقَالَ لَهُ صَاحِبه قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّه فَنَسِيَ \" وَفِيهِ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّه \" قَالَ \" وَقَالَ مَرَّةً لَوْ اِسْتَثْنَى \" وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ جَوَّزَ الِاسْتِثْنَاء بَعْد اِنْفِصَال الْيَمِين بِزَمَنٍ يَسِيرٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ , وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيّ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ يَمِين سُلَيْمَان طَالَتْ كَلِمَاتهَا فَيَجُوز أَنْ يَكُون قَوْل صَاحِبه لَهُ \" قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّه \" وَقَعَ فِي أَثْنَائِهِ فَلَا يَبْقَى فِيهِ حُجَّة , وَلَوْ عَقَّبَهُ بِالرِّوَايَةِ بِالْفَاءِ فَلَا يَبْقَى الِاحْتِمَال. وَقَالَ اِبْن التِّين : لَيْسَ الِاسْتِثْنَاء فِي قِصَّة سُلَيْمَان الَّذِي يَرْفَع حُكْم الْيَمِين وَيَحُلّ عَقْده , وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْإِقْرَار لِلَّهِ بِالْمَشِيئَةِ وَالتَّسْلِيم لِحُكْمِهِ فَهُوَ نَحْو قَوْله ( وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) وَقَالَ أَبُو مُوسَى فِي كِتَابه الْمَذْكُور نَحْو ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ بَعْد ذَلِكَ : وَإِنَّمَا أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" مَنْ حَلَفَ فَقَالَ إِنْ شَاءَ اللَّه لَمْ يَحْنَثْ \" كَذَا قَالَ : وَلَيْسَ هُوَ عِنْد مُسْلِم بِهَذَا اللَّفْظ , وَإِنَّمَا أَخْرَجَ قِصَّة سُلَيْمَان وَفِي آخِره \" لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّه لَمْ يَحْنَث \" نَعَمْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" مَنْ قَالَ إِلَخْ \" قَالَ التِّرْمِذِيّ : سَأَلْت مُحَمَّدًا عَنْهُ فَقَالَ : هَذَا خَطَأٌ , أَخْطَأَ فِيهِ عَبْد الرَّازِق فَاخْتَصَرَهُ مِنْ حَدِيث مَعْمَر بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي قِصَّة سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ. قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب النِّكَاح عَنْ مَحْمُود بْن غَيْلَان عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِتَمَامِهِ وَأَشَرْت إِلَى مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَقَدْ اِعْتَرَضَ اِبْن الْعَرَبِيّ بِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ عَبْد الرَّزَّاق فِي هَذِهِ الرِّوَايَة لَا يُنَاقِض غَيْرهَا ; لِأَنَّ أَلْفَاظ الْحَدِيث تَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ أَقْوَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّعْبِير عَنْهَا لِتَبَيُّنِ الْأَحْكَام بِأَلْفَاظٍ , أَيْ فَيُخَاطِب كُلّ قَوْم بِمَا يَكُون أَوْصَلَ لِأَفْهَامِهِمْ وَإِمَّا بِنَقْلِ الْحَدِيث عَلَى الْمَعْنَى عَلَى أَحَد الْقَوْلَيْنِ. وَأَجَابَ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ بِأَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ عَبْد الرَّزَّاق فِي هَذِهِ الرِّوَايَة لَيْسَ وَافِيًا بِالْمَعْنَى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الرِّوَايَة الَّتِي اِخْتَصَرَهُ مِنْهَا , فَإِنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَوْ قَالَ سُلَيْمَان إِنْ شَاءَ اللَّه لَمْ يَحْنَث \" أَنْ يَكُون الْحُكْم كَذَلِكَ فِي حَقّ كُلّ أَحَد غَيْر سُلَيْمَان , وَشَرْط الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى عَدَم التَّخَالُف , وَهُنَا تَخَالُف بِالْخُصُوصِ وَالْعُمُوم. قُلْت : وَإِذَا كَانَ مَخْرَج الْحَدِيث وَاحِدًا فَالْأَصْل عَدَم التَّعَدُّد , لَكِنْ قَدْ جَاءَ لِرِوَايَةِ عَبْد الرَّزَّاق الْمُخْتَصَرَة شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن الْأَرْبَعَة وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَارِث عَنْ أَيُّوب , وَهُوَ السَّخْتِيَانِيّ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا \" مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين فَقَالَ إِنْ شَاءَ اللَّه فَلَا حِنْث عَلَيْهِ \" قَالَ التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ غَيْر وَاحِد عَنْ نَافِع مَوْقُوفًا , وَكَذَا رَوَاهُ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ , وَلَا نَعْلَم أَحَدًا رَفَعَهُ غَيْر أَيُّوب. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم : كَانَ أَيُّوب أَحْيَانًا يَرْفَعُهُ وَأَحْيَانًا لَا يَرْفَعهُ وَذَكَرَ فِي \" الْعِلَل \" أَنَّهُ سَأَلَ مُحَمَّدًا عَنْهُ فَقَالَ : أَصْحَاب نَافِع رَوَوْهُ مَوْقُوفًا إِلَّا أَيُّوب , وَيَقُولُونَ : إِنَّ أَيُّوب فِي آخِر الْأَمْر وَقَفَهُ. وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد قَالَ : كَانَ أَيُّوب يَرْفَعهُ ثُمَّ تَرَكَهُ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ رِوَايَة أَيُّوب بْن مُوسَى وَكَثِير بْن فَرْقَد وَمُوسَى بْن عُقْبَة وَعَبْد اللَّه بْن الْعُمَرِيّ الْمُكَبَّر وَأَبِي عَمْرو بْن الْعَلَاء وَحَسَّان بْن عَطِيَّة كُلّهمْ عَنْ نَافِع مَرْفُوعًا اِنْتَهَى. وَرِوَايَة أَيُّوب بْن مُوسَى وَأَخْرَجَهَا اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه , وَرِوَايَة كَثِير أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه , وَرِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة أَخْرَجَهَا اِبْن عَدِيّ فِي تَرْجَمَة دَاوُدَ بْن عَطَاء أَحَد الضُّعَفَاء عَنْهُ , وَكَذَا أَخْرَجَ رِوَايَة أَبِي عَمْرو بْن الْعَلَاء , وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ رِوَايَة حَسَّان بْن عَطِيَّة وَرِوَايَة الْعُمَرِيّ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَسَعِيد بْن مَنْصُور وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق مَالِك وَغَيْره عَنْ نَافِع مَوْقُوفًا , وَكَذَا أَخْرَجَ سَعِيد وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقه رِوَايَة سَالِم وَاَللَّه أَعْلَم. وَتَعَقَّبَ بَعْض الشُّرَّاح كَلَام التِّرْمِذِيّ فِي قَوْله \" لَمْ يَرْفَعهُ غَيْر أَيُّوب \" وَكَذَا رَوَاهُ سَالِم عَنْ أَبِيهِ مَوْقُوفًا , قَالَ شَيْخنَا : قُلْت قَدْ رَوَاهُ هُوَ مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عُقْبَة مَرْفُوعًا وَلَفْظه \" مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين فَاسْتَثْنَى عَلَى أَثَره ثُمَّ لَمْ يَفْعَل مَا قَالَ : لَمْ يَحْنَث \" اِنْتَهَى. وَلَمْ أَرَ هَذَا فِي التِّرْمِذِيّ , وَلَا ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي تَرْجَمَة مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع فِي \" الْأَطْرَاف \" , وَقَدْ جَزَمَ جَمَاعَة أَنَّ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ قَدْ حَلَفَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ , وَالْحَقّ أَنَّ مُرَاد الْبُخَارِيّ مِنْ إِيرَاد قِصَّة سُلَيْمَان فِي هَذَا الْبَاب أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاء فِي الْيَمِين يَقَع بِصِيغَةِ \" إِنْ شَاءَ اللَّه \" فَذَكَرَ حَدِيث أَبِي مُوسَى الْمُصَرِّح بِذِكْرِهَا مَعَ الْيَمِين ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّة سُلَيْمَان لِمَجِيءِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا تَارَة بِلَفْظِ \" لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّه \" وَتَارَة بِلَفْظِ \" لَوْ اِسْتَثْنَى \" فَأَطْلَقَ عَلَى لَفْظ إِنْ شَاءَ اللَّه أَنَّهُ اِسْتِثْنَاء فَلَا يُعْتَرَض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قِصَّة سُلَيْمَان يَمِين , وَقَالَ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة : وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ يَقُول : إِذَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ الْأَخْبَار فَكَيْف لَا يُسْتَثْنَى مِنْ الْأَخْبَار الْمُؤَكَّد بِالْقَسَمِ وَهُوَ أَحْوَج فِي التَّفْوِيض إِلَى الْمَشِيئَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6225",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏لَأَطُوفَنَّ ‏ ‏اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً كُلٌّ تَلِدُ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏يَعْنِي الْمَلَكَ ‏ ‏قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَنَسِيَ ‏ ‏فَطَافَ ‏ ‏بِهِنَّ فَلَمْ تَأْتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ بِوَلَدٍ إِلَّا وَاحِدَةٌ بِشِقِّ غُلَامٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَرْوِيهِ قَالَ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ ‏ ‏يَحْنَثْ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏دَرَكًا ‏ ‏لَهُ فِي حَاجَتِهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مَرَّةً قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ اسْتَثْنَى ‏ ‏وَحَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏مِثْلَ حَدِيثِ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ هِشَام بْن حُجَيْر ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيم مُصَغَّر هُوَ الْمَكِّيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ \" حَدَّثَنَا هِشَام بْن حُجَيْر \". ‏ ‏قَوْله ( لَأَطُوفَنَّ ) ‏ ‏اللَّام جَوَاب الْقَسَم كَأَنَّهُ قَالَ مَثَلًا وَاَللَّهِ لَأَطُوفَنَّ , وَيُرْشِد إِلَيْهِ ذِكْر الْحِنْث فِي قَوْله \" لَمْ يَحْنَثْ \" لِأَنَّ ثُبُوته وَنَفْيَهُ يَدُلُّ عَلَى سَبْق الْيَمِين. وَقَالَ بَعْضهمْ : اللَّام اِبْتِدَائِيَّة وَالْمُرَاد بِعَدَمِ الْحِنْثِ وُقُوع مَا أَرَادَ , وَقَدْ مَشَى اِبْن الْمُنْذِر عَلَى هَذَا فِي كِتَابه الْكَبِير فَقَالَ \" بَاب اِسْتِحْبَاب الِاسْتِثْنَاء فِي غَيْر الْيَمِين لِمَنْ قَالَ سَأَفْعَلُ كَذَا \" وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيث , وَجَزَمَ النَّوَوِيّ بِأَنَّ الَّذِي جَرَى مِنْهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث تَصْرِيحٌ بِيَمِينٍ , كَذَا قَالَ , وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث , وَاخْتُلِفَ فِي الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ هَلْ هُوَ جَمِيع مَا ذُكِرَ أَوْ دَوَرَانُهُ عَلَى النِّسَاء فَقَطْ دُون مَا بَعْدَهُ مِنْ الْحَمْل وَالْوَضْع وَغَيْرهمَا , وَالثَّانِي أَوْجَهُ ; لِأَنَّهُ الَّذِي يَقْدِر عَلَيْهِ , بِخِلَافِ مَا بَعْده فَإِنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهِ , وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّد تَمَنِّي حُصُول مَا يَسْتَلْزِم جَلْب الْخَيْر لَهُ , وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ حَلَفَ عَلَى جَمِيع ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِوَحْيٍ , وَلَوْ كَانَ بِوَحْيٍ لَمْ يَتَخَلَّف , وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ وَحْيٍ لَزِمَ أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى غَيْر مَقْدُور لَهُ وَذَلِكَ لَا يَلِيق بِجَنَابِهِ. قُلْت : وَمَا الْمَانِع مِنْ جَوَاز ذَلِكَ وَيَكُون لِشِدَّةِ وُثُوقِهِ بِحُصُولِ مَقْصُوده وَجَزَمَ بِذَلِكَ وَأَكَّدَ بِالْحَلِفِ , فَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح \" إِنَّ مِنْ عِبَاد اللَّه مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ \" وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي غَزْوَة أُحُدٍ. ‏ ‏قَوْله ( تِسْعِينَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي الْعَدَد الْمَذْكُور فِي تَرْجَمَة سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي كِتَابه الْمَذْكُور أَنَّ فِي بَعْض نُسَخ مُسْلِم عَقِبَ قِصَّة سُلَيْمَان هَذَا الِاخْتِلَاف فِي هَذَا الْعَدَد وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ النَّاقِلِينَ , وَنَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيح أَكْثَر اِخْتِلَافًا فِي الْعَدَد مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة. قُلْت : وَغَابَ عَنْ هَذَا الْقَائِل حَدِيث جَابِر فِي قَدْر ثَمَن الْجَمَل وَقَدْ مَضَى بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ فِي الشُّرُوط , وَتَقَدَّمَ جَوَاب النَّوَوِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي الْجَوَاب عَنْ اِخْتِلَاف الْعَدَد فِي قِصَّة سُلَيْمَان بِأَنَّ مَفْهُوم الْعَدَد لَيْسَ بِحُجَّة عِنْد الْجُمْهُور فَذِكْر الْقَلِيل لَا يَنْفِي ذِكْر الْكَثِير , وَقَدْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ الشَّافِعِيّ نَصَّ عَلَى أَنَّ مَفْهُوم الْعَدَد حُجَّة , وَجَزَمَ بِنَقْلِهِ عَنْهُ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَالْمَاوَرْدِيّ وَغَيْرهمَا , وَلَكِنَّ شَرْطه أَنْ لَا يُخَالِفهُ الْمَنْطُوق. قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَر مَعَ كَوْن مَخْرَج الْحَدِيث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَاخْتِلَاف الرُّوَاة عَنْهُ أَنَّ الْحُكْم لِلزَّائِدِ لِأَنَّ الْجَمِيع ثِقَاتٌ , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ تَوْجِيهٌ آخَرُ. ‏ ‏قَوْله ( تَلِد ) ‏ ‏فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيره فَتَعْلَق فَتَحْمِل فَتَلِد , وَكَذَا فِي قَوْله \" يُقَاتِل \" تَقْدِيره فَيَنْشَأ فَيَتَعَلَّم الْفُرُوسِيَّة فَيُقَاتِل , وَسَاغَ الْحَذْف لِأَنَّ كُلّ فِعْل مِنْهَا مُسَبَّب عَنْ الَّذِي قَبْله , وَسَبَبُ السَّبَبِ سَبَبٌ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَهُ صَاحِبه قَالَ سُفْيَان يَعْنِي الْمَلَك ) ‏ ‏هَكَذَا فَسَّرَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ صَاحِب سُلَيْمَان الْمَلَك , وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاح مِنْ وَجْه آخَر الْجَزْم بِأَنَّهُ الْمَلَك. ‏ ‏قَوْله ( فَنَسِيَ ) ‏ ‏زَادَ فِي النِّكَاح \" فَلَمْ يَقُلْ \" قِيلَ الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّهُ صَرَفَ عَنْ الِاسْتِثْنَاء السَّابِق الْقَدْرُ , وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ فِي الْكَلَام تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَالتَّقْدِير فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّه فَقِيلَ لَهُ قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّه , وَهَذَا إِنْ كَانَ سَبَبه أَنَّ قَوْله فَنَسِيَ يُغْنِي عَنْ قَوْله فَلَمْ يَقُلْ فَكَذَا يُقَال إِنَّ قَوْله فَقَالَ لَهُ صَاحِبه قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّه فَيَسْتَلْزِم أَنَّهُ كَانَ لَمْ يَقُلْهَا , فَالْأَوْلَى عَدَم اِدِّعَاء التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير , وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّن أَنَّ تَجْوِيز مَنْ اِدَّعَى أَنَّهُ تَعَمَّدَ الْحِنْث مَعَ كَوْنه مَعْصِيَة لِكَوْنِهَا صَغِيرَة لَا يُؤَاخَذُ بِهَا لَمْ يُصِبْ دَعْوَى وَلَا دَلِيلًا , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَوْله \" فَلَمْ يَقُلْ \" أَيْ لَمْ يَنْطِق بِلَفْظِ إِنْ شَاءَ اللَّه بِلِسَانِهِ , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ غَفَلَ عَنْ التَّفْوِيض إِلَى اللَّه بِقَلْبِهِ , وَالتَّحْقِيق أَنَّ اِعْتِقَاد التَّفْوِيض مُسْتَمِرٌّ لَهُ لَكِنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" فَنَسِيَ \" أَنَّهُ نَسِيَ أَنْ يَقْصِد الِاسْتِثْنَاء الَّذِي يَرْفَع حُكْم الْيَمِين , فَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ لِاشْتِرَاطِ النُّطْق فِي الِاسْتِثْنَاء. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور أَوَّلًا. ‏ ‏قَوْله ( يَرْوِيهِ ) ‏ ‏هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ رَفْعِ الْحَدِيثِ , وَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ مَثَلًا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ التَّصْرِيح بِذَلِكَ وَلَفْظه \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان. ‏ ‏قَوْله ( لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّه لَمْ يَحْنَث ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْمُرَاد بِمَعْنَى الْحِنْث , وَقَدْ قِيلَ هُوَ خَاصّ بِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَام وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَة إِنْ شَاءَ اللَّه حَصَلَ مَقْصُودُهُ , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ كُلّ مَنْ قَالَهَا وَقَعَ مَا أَرَادَ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَهَا عِنْدَمَا وَعَدَ الْخَضِرَ أَنَّهُ يَصْبِر عَمَّا يَرَاهُ مِنْهُ وَلَا يَسْأَلهُ عَنْهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَصْبِر كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح \" رَحِمَ اللَّه مُوسَى , لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللَّه عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا \" وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي تَفْسِير سُورَة طَه , وَقَدْ قَالَهَا الذَّبِيح فَوَقَعَ مَا ذُكِرَ فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّه مِنْ الصَّابِرِينَ ) فَصَبَرَ حَتَّى فَدَاهُ اللَّه بِالذِّبْحِ , وَقَدْ سُئِلَ بَعْضهمْ عَنْ الْفَرْق بَيْن الْكَلِيم وَالذَّبِيح فِي ذَلِكَ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الذَّبِيح بَالَغَ فِي التَّوَاضُع فِي قَوْله ( مِنْ الصَّابِرِينَ ) حَيْثُ جَعَلَ نَفْسه وَاحِدًا مِنْ جَمَاعَة فَرَزَقَهُ اللَّه الصَّبْر. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَيْضًا نَظِير ذَلِكَ مَعَ شُعَيْب حَيْثُ قَالَ لَهُ ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّه مِنْ الصَّالِحِينَ ) فَرَزَقَهُ اللَّه ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ دَرَكًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالرَّاء أَيْ لَحَاقًا , يُقَال أَدْرَكَهُ إِدْرَاكًا وَدَرَكًا , وَهُوَ تَأْكِيد لِقَوْلِهِ \" لَمْ يَحْنَثْ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَاد ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ , وَقَدْ أَفْصَحَ بِهِ مُسْلِم فِي رِوَايَته , وَهُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْأَوَّل أَيْضًا , وَفَرَّقَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَان بِهِمَا. ‏ ‏قَوْله ( مِثْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي سَاقَهُ مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ عَنْهُ. وَالْحَاصِل أَنَّ لِسُفْيَانَ فِيهِ سَنَدَيْنِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَة : هِشَام عَنْ طَاوُسٍ , وَأَبُو الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم بَدَل قَوْله \" مِثْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" بِلَفْظِ \" عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْله أَوْ نَحْوه \" وَيُسْتَفَاد مِنْهُ نَفْي اِحْتِمَال الْإِرْسَال فِي سِيَاق الْبُخَارِيّ لِكَوْنِهِ اِقْتَصَرَ عَلَى قَوْله \" عَنْ الْأَعْرَج مِثْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَيْضًا اِحْتِمَال الْمُغَايَرَة بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ فِي السِّيَاق لِقَوْلِهِ \" مِثْله أَوْ نَحْوه \" وَهُوَ كَذَلِكَ فَبَيْن الرِّوَايَتَيْنِ مُغَايَرَة فِي مَوَاضِع تَقَدَّمَ بَيَانهَا عِنْد شَرْحه فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏"
    },
    {
        "id": "6226",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ الْتَّمِيمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ ‏ ‏قَالَ كُنَّا عِنْدَ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ ‏ ‏جَرْمٍ ‏ ‏إِخَاءٌ وَمَعْرُوفٌ قَالَ فَقُدِّمَ طَعَامٌ قَالَ وَقُدِّمَ فِي طَعَامِهِ لَحْمُ دَجَاجٍ قَالَ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي تَيْمِ اللَّهِ ‏ ‏أَحْمَرُ كَأَنَّهُ ‏ ‏مَوْلًى ‏ ‏قَالَ فَلَمْ ‏ ‏يَدْنُ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏ادْنُ ‏ ‏فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْكُلُ مِنْهُ قَالَ إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا قَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ أَنْ لَا أَطْعَمَهُ أَبَدًا فَقَالَ ‏ ‏ادْنُ ‏ ‏أُخْبِرْكَ عَنْ ذَلِكَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي رَهْطٍ مِنْ ‏ ‏الْأَشْعَرِيِّينَ ‏ ‏أَسْتَحْمِلُهُ ‏ ‏وَهُوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ قَالَ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏أَحْسِبُهُ قَالَ وَهُوَ غَضْبَانُ ‏ ‏قَالَ وَاللَّهِ لَا ‏ ‏أَحْمِلُكُمْ ‏ ‏وَمَا عِنْدِي مَا ‏ ‏أَحْمِلُكُمْ ‏ ‏عَلَيْهِ قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِنَهْبِ ‏ ‏إِبِلٍ فَقِيلَ أَيْنَ هَؤُلَاءِ ‏ ‏الْأَشْعَرِيُّونَ ‏ ‏فَأَتَيْنَا فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ‏ ‏ذَوْدٍ ‏ ‏غُرِّ ‏ ‏الذُّرَى ‏ ‏قَالَ فَانْدَفَعْنَا فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَسْتَحْمِلُهُ ‏ ‏فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْنَا فَحَمَلَنَا نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمِينَهُ وَاللَّهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا ارْجِعُوا بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلْنُذَكِّرْهُ يَمِينَهُ فَرَجَعْنَا فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَيْنَاكَ ‏ ‏نَسْتَحْمِلُكَ ‏ ‏فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا ثُمَّ حَمَلْتَنَا فَظَنَنَّا ‏ ‏أَوْ فَعَرَفْنَا ‏ ‏أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ قَالَ ‏ ‏انْطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُمْ اللَّهُ إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ‏ ‏وَتَحَلَّلْتُهَا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏وَالْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ الْكُلَيْبِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَهْدَمٍ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَهْدَمٍ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّةَ , ‏ ‏وَأَيُّوب ‏ ‏هُوَ السَّخْتِيَانِيّ , ‏ ‏وَالْقَاسِم التَّمِيمِيُّ ‏ ‏هُوَ اِبْن عَاصِم , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْيَمِين فِيمَا لَا يَمْلِك \" مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَارِث عَنْ أَيُّوب عَنْ الْقَاسِم وَحْده أَيْضًا , وَاقْتَصَرَ عَلَى بَعْضه , وَمَضَى فِي \" بَاب لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ \" مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَالْقَاسِم التَّمِيمِيّ جَمِيعًا عَنْ زَهْدَم , وَتَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق عَبْد السَّلَام بْن حَرْب عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَحْدَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَرْض الْخُمُس عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْوَهَّاب عَنْ حَمَّاد وَهُوَ اِبْن زَيْد , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي الرَّبِيع الْعَتَكِيّ عَنْ حَمَّاد قَالَ \" وَحَدَّثَنِي الْقَاسِم بْن عَاصِم الْكُلَيْبِيّ \" بِمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّر نِسْبَة إِلَى بَنِي كُلَيْبِ بْن يَرْبُوع بْن حَنْظَلَة بْن مَالِك بْن زَيْد مَنَاةَ بْن تَمِيم , وَهُوَ الْقَاسِم التَّمِيمِيّ الْمَذْكُور قَبْل , قَالَ : وَأَنَا لِحَدِيثِ الْقَاسِم أَحْفَظُ عَنْ زَهْدَم , وَفِي رِوَايَة الْعَتَكِيّ وَعَنْ الْقَاسِم بْن عَاصِم كِلَاهُمَا عَنْ زَهْدَم , قَالَ أَيُّوب : وَأَنَا لِحَدِيثِ الْقَاسِم أَحْفَظُ. ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا عِنْد أَبِي مُوسَى ) ‏ ‏أَيْ الْأَشْعَرِيّ , وَنُسِبَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيّ مِنْ جَرْمٍ إِخَاءٌ وَمَعْرُوفٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ هَذَا الْحَيّ إِلَخْ \" وَهُوَ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ زَادَ الضَّمِيرَ وَقَدَّمَهُ عَلَى مَا يَعُود عَلَيْهِ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : كَانَ حَقّ الْعِبَارَة أَنْ يَقُول : بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَيْ أَبِي مُوسَى يَعْنِي لِأَنَّ زَهْدَمًا مِنْ جَرْم فَلَوْ كَانَ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ لَاسْتَقَامَ الْكَلَام , قَالَ : وَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَى الصَّوَاب فِي \" بَاب لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ \" حَيْثُ قَالَ \" كَانَ بَيْن هَذَا الْحَيّ مِنْ جَرْم وَبَيْن الْأَشْعَرِيِّينَ \" ثُمَّ حَمَلَ مَا وَقَعَ هُنَا عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ نَفْسه مِنْ قَوْم أَبِي مُوسَى لِكَوْنِهِ مِنْ أَتْبَاعه فَصَارَ كَوَاحِدٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ فَأَرَادَ بِقَوْلِهِ : بَيْنَنَا أَبَا مُوسَى وَأَتْبَاعه وَأَنَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَرْمِيِّينَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْإِخَاء وَغَيْره , وَتَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ أَيْضًا فِي كِتَاب الذَّبَائِح. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَارِث فِي الذَّبَائِح بِلَفْظِ هَذَا الْبَاب إِلَى قَوْله \" إِخَاء \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَإِسْحَاق فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقه , وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْكَلَام بَلْ اِقْتَصَرَ عَلَى قَوْله \" كُنَّا عِنْد أَبِي مُوسَى فَقَدَّمَ طَعَامه \" نَعَمْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَلِيّ بْن حَجَرٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِقِصَّةِ الدَّجَاج وَقَوْل الرَّجُل , وَلَمْ يَسُقْ بَقِيَّتَهُ , وَقَوْله \" إِخَاء \" بِكَسْرِ أَوَّله وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْمَدّ أَيْ صَدَاقَة , وَقَوْله \" وَمَعْرُوف \" أَيْ إِحْسَانٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ الْمَاضِيَة قَرِيبًا \" وُدٌّ وَإِخَاءٌ \" وَقَدْ ذَكَرَ بَيَان سَبَب ذَلِكَ فِي \" بَاب قُدُوم الْأَشْعَرِيِّينَ \" مِنْ أَوَاخِر الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق عَبْد السَّلَام بْن حَرْب عَنْ أَيُّوب , وَأَوَّل الْحَدِيث عِنْده \" لَمَّا قَدِمَ أَبُو مُوسَى الْكُوفَة أَكْرَم هَذَا الْحَيّ مِنْ جَرْمٍ \" وَذَكَرْت هُنَاكَ نَسَبَ جَرْمٍ إِلَى قُضَاعَة. ‏ ‏قَوْله ( فَقُدِّمَ طَعَامُهُ ) ‏ ‏أَيْ وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ , فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" طَعَام \" بِغَيْرِ ضَمِيرٍ , وَمَضَى فِي \" بَاب قُدُوم الْأَشْعَرِيِّينَ \" بِلَفْظِ \" وَهُوَ يَتَغَذَّى لَحْم دَجَاج \" وَيُسْتَفَاد مِنْ الْحَدِيث جَوَاز أَكْل الطَّيِّبَات عَلَى الْمَوَائِد وَاسْتِخْدَام الْكَبِير مَنْ يُبَاشِر لَهُ نَقْلَ طَعَامِهِ وَوَضْعَهُ بَيْن يَدَيْهِ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَلَا يُنَاقِض ذَلِكَ الزُّهْد وَلَا يُنْقِصُهُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَقَشِّفَة. قُلْت : وَالْجَوَاز ظَاهِر , وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يُنْقِصُ الزُّهْدَ فَفِيهِ وَقْفَةٌ. ‏ ‏قَوْله ( وَقُدِّمَ فِي طَعَامه لَحْم دَجَاج ) ‏ ‏ذُكِرَ ضَبْطه فِي \" بَاب لَحْم الدَّجَاج \" مِنْ كِتَاب الذَّبَائِح وَأَنَّهُ اِسْم جِنْس , وَكَلَام الْحَرْبِيّ فِي ذَلِكَ , وَوَقَعَ فِي فَرْض الْخُمُس بِلَفْظِ \" دَجَاجَة \" وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ يُقَال لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَاسْتَغْرَبَهُ اِبْن التِّين. ‏ ‏قَوْله ( وَفِي الْقَوْم رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ ) ‏ ‏هُوَ اِسْم قَبِيلَةٍ يُقَالُ لَهُمْ أَيْضًا تَيْم الْلَاتِ وَهُمْ مِنْ قُضَاعَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَا قِيلَ فِي تَسْمِيَة هَذَا الرَّجُل مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الذَّبَائِح. ‏ ‏قَوْله ( أَحْمَر كَأَنَّهُ مَوْلًى ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي فَرْض الْخُمُس \" كَأَنَّهُ مِنْ الْمَوَالِي \" قَالَ الدَّاوُدِيُّ : يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ سَبْي الرُّوم , كَذَا قَالَ فَإِنْ كَانَ اِطَّلَعَ عَلَى نَقْلٍ فِي ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا اِخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِالرُّومِ دُون الْفُرْس أَوْ النَّبَط أَوْ الدَّيْلَم. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ يَدْنُ ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يَقْرَبْ مِنْ الطَّعَام فَيَأْكُل مِنْهُ , زَادَ عَبْد الْوَارِث فِي رِوَايَته فِي الذَّبَائِح \" فَلَمْ يَدْنُ مِنْ طَعَامِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( اُدْنُ ) ‏ ‏بِصِيغَةِ فِعْل الْأَمْر , وَفِي رِوَايَة عَبْد السَّلَام \" هَلُمَّ \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَهُوَ يَرْجِع إِلَى مَعْنَى اُدْنُ , كَذَا فِي رِوَايَة حَمَّاد عَنْ أَيُّوب , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَقَالَ لَهُ هَلُمَّ فَتَلَكَّأَ \" بِمُثَنَّاةٍ وَلَامٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَتَشْدِيدٍ أَيْ تَمَنَّعَ وَتَوَقَّفَ وَزْنه وَمَعْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله ( يَأْكُل شَيْئًا قَذِرْتُهُ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الذَّال الْمُعْجَمَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ , وَحُكْم أَكْل لَحْم الْجَلَّالَة وَالْخِلَاف فِيهِ فِي كِتَاب الذَّبَائِح مُسْتَوْفًى. ‏ ‏قَوْله ( أُخْبِرُك عَنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ عَنْ الطَّرِيق فِي حَلِّ الْيَمِين , فَقَصَّ قِصَّةَ طَلَبِهِمْ الْحُمْلَان وَالْمُرَاد مِنْهُ مَا فِي آخِره مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِين فَأَرَى غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْر وَتَحَلَّلْتهَا \" وَمَعْنَى تَحَلَّلْتهَا فَعَلْت مَا يَنْقُل الْمَنْع الَّذِي يَقْتَضِيهِ إِلَى الْإِذْن فَيَصِير حَلَالًا , وَإِنَّمَا يَحْصُل ذَلِكَ بِالْكَفَّارَةِ , وَأَمَّا مَا زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ الْيَمِين تَتَحَلَّل بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا الِاسْتِثْنَاء , وَإِمَّا الْكَفَّارَة فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُطْلَق الْيَمِين لَكِنَّ الِاسْتِثْنَاء إِنَّمَا يُعْتَبَر فِي أَثْنَاء الْيَمِين قَبْل كَمَالِهَا وَانْعِقَادهَا , وَالْكَفَّارَة تَحْصُل بَعْد ذَلِكَ , وَيُؤَيِّد أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَحَلَّلْتهَا كَفَّرْت عَنْ يَمِينِي وُقُوع التَّصْرِيح بِهِ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد وَعَبْد السَّلَام وَعَبْد الْوَارِث وَغَيْرهمْ. ‏ ‏قَوْله ( أَتَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ ) ‏ ‏وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد السَّلَام بْن حَرْب عَنْ أَيُّوب بِلَفْظِ \" إِنَّا أَتَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرٌ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ \" فَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن مَالِك لِصِحَّةِ قَوْل الْأَخْفَش يَجُوز أَنْ يُبْدَل مِنْ ضَمِير الْحَاضِر بَدَلَ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ وَحَمَلَ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ( لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا رَيْب فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) قَالَ اِبْن مَالِك : وَاحْتَرَزْت بِقَوْلِي : بَدَلَ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ عَنْ الْبَعْض وَالِاشْتِمَال فَذَلِكَ جَائِز اِتِّفَاقًا , وَلِمَا حَكَاهُ الطِّيبِيُّ أَقَرَّهُ وَقَالَ : هُوَ عِنْد عُلَمَاء الْبَدِيع يُسَمَّى التَّجْرِيد. قُلْت : وَهَذَا لَا يَحْسُنُ الِاسْتِشْهَادُ بِهِ إِلَّا لَوْ اِتَّفَقَتْ الرُّوَاةُ , وَالْوَاقِع أَنَّهُ بِهَذَا اللَّفْظ اِنْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ السَّلَامِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى بِإِثْبَاتِ \" فِي \" فَقَالَ فِي مُعْظَمِهَا \" فِي رَهْط \" كَمَا هِيَ رِوَايَة اِبْن عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوب هُنَا , وَفِي بَعْضهَا \" فِي نَفَر \" كَمَا هِيَ رِوَايَة حَمَّاد عَنْ أَيُّوب فِي فَرْض الْخُمُس. قَوْله \" يَسْتَحْمِلُهُ \" أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُ مَا يَرْكَبُهُ , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي السَّلِيل بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَلَامَيْنِ الْأُولَى مَكْسُورَةٌ عَنْ زَهْدَم عَنْ أَبِي مُوسَى \" كُنَّا مُشَاةً فَأَتَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْتَحْمِلُهُ \" وَكَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ تَبُوك كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله ( وَهُوَ يَقْسِم نَعَمًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَيُّوب أَحْسَبُهُ قَالَ وَهُوَ غَضْبَانُ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَارِث عَنْ أَيُّوب \" فَوَافَقْته وَهُوَ غَضْبَانُ وَهُوَ يَقْسِم نَعَمًا مِنْ نَعَمْ الصَّدَقَة \" وَفِي رِوَايَة وُهَيْب عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحه \" وَهُوَ يَقْسِم ذَوْدًا مِنْ إِبِل الصَّدَقَة \" وَفِي رِوَايَة بُرَيْد بْن أَبِي بُرْدَة الْمَاضِيَة قَرِيبًا فِي \" بَاب الْيَمِين فِيمَا لَا يَمْلِك \" عَنْ أَبِي مُوسَى \" أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْأَلُهُ الْحُمْلَان فَقَالَ : لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ فَوَافَقْته وَهُوَ غَضْبَان \" وَيُجْمَعُ بِأَنَّ أَبَا مُوسَى حَضَرَ هُوَ وَالرَّهْط فَبَاشَرَ الْكَلَام بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله ( وَاَللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِيهِ جَوَاز الْيَمِين عِنْد الْمَنْع وَرَدّ السَّائِل الْمُلْحِف عِنْد تَعَذُّر الْإِسْعَاف وَتَأْدِيبه بِنَوْعٍ مِنْ الْإِغْلَاظِ بِالْقَوْلِ. ‏ ‏قَوْله ( فَأُتِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْبِ إِبِل ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْهَاء بَعْدهَا مُوَحَّدَة أَيْ غَنِيمَة , وَأَصْله مَا يُؤْخَذ اِخْتِطَافًا بِحَسَبِ السَّبْق إِلَيْهِ عَلَى غَيْر تَسْوِيَةٍ بَيْن الْآخِذِينَ , وَتَقَدَّمَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله مِنْ طَرِيق غَيْلَان بْن جَرِير عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ مُوسَى بِلَفْظِ \" فَأُتِيَ بِإِبِلٍ \" وَفِي رِوَايَة \" شَائِل \" وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهَا , وَفِي رِوَايَة بُرَيْد عَنْ أَبِي بُرْدَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْتَاعَ الْإِبِل الَّتِي حَمَلَ عَلَيْهَا الْأَشْعَرِيِّينَ مِنْ سَعْد , وَفِي الْجَمْع بَيْنَهَا وَبَيْنَ رِوَايَة الْبَاب عُسْرٌ , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْغَنِيمَة لَمَّا حَصَلَتْ حَصَلَ لِسَعْدٍ مِنْهَا الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ فَابْتَاعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ نَصِيبَهُ فَحَمَلَهُمْ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَقِيلَ : أَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَشْعَرِيُّونَ ؟ فَأَتَيْنَا فَأَمَرَ لَنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد السَّلَام عَنْ أَيُّوبَ \" ثُمَّ لَمْ نَلْبَثْ أَنْ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَأَمَرَ لَنَا \" وَفِي رِوَايَة حَمَّاد \" وَأُتِيَ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ : أَيْنَ النَّفَر الْأَشْعَرِيُّونَ ؟ فَأَمَرَ لَنَا \" وَمِثْله فِي رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ , وَفِي رِوَايَة غَيْلَان بْن جَرِير عَنْ أَبِي بُرْدَة \" ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّه فَأَتَى \" وَفِي رِوَايَة يَزِيد \" فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْت بِلَالًا يُنَادِي : أَيْنَ عَبْد اللَّه بْن قَيْس ؟ فَأَجَبْته , فَقَالَ : أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوك , فَلَمَّا أَتَيْته قَالَ خُذْ \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ ) تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله وَطَرِيق الْجَمْع بَيْن مُخْتَلِف الرِّوَايَات فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( فَانْدَفَعْنَا ) ‏ ‏أَيْ سِرْنَا مُسْرِعِينَ وَالدَّفْع السَّيْر بِسُرْعَةٍ , وَفِي رِوَايَة عَبْد الْوَارِث \" فَلَبِثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب \" ثُمَّ اِنْطَلَقْنَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت لِأَصْحَابِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَمَّاد وَعَبْد الْوَهَّاب \" قُلْنَا مَا صَنَعْنَا \" وَفِي رِوَايَة غَيْلَان عَنْ أَبِي بُرْدَة \" فَلَمَّا اِنْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ \" وَقَدْ عُرِفَ مِنْ رِوَايَةِ الْبَابِ الْبَادِئُ بِالْمَقَالَةِ الْمَذْكُورَةِ. ‏ ‏قَوْله ( نَسِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينه , وَاَللَّهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد السَّلَام \" فَلَمَّا قَبَضْنَاهَا قُلْنَا تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب وَمَعْنَى \" تَغَفَّلْنَا \" أَخَذْنَا مِنْهُ مَا أَعْطَانَا فِي حَال غَفْلَتِهِ عَنْ يَمِينه مِنْ غَيْر أَنْ نُذَكِّرَهُ بِهَا وَلِذَلِكَ خَشَوْا , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد \" فَلَمَّا اِنْطَلَقْنَا قُلْنَا : مَا صَنَعْنَا ؟ لَا يُبَارَك لَنَا \" وَلَمْ يَذْكُر النِّسْيَانَ أَيْضًا. وَفِي رِوَايَة غَيْلَان \" لَا يُبَارِك اللَّه لَنَا \" وَخَلَتْ رِوَايَة يَزِيد عَنْ هَذِهِ الزِّيَادَة كَمَا خَلَتْ عَمَّا بَعْدهَا إِلَى آخِر الْحَدِيث , وَوَقَعَ فِي رِوَايَته مِنْ الزِّيَادَة قَوْل أَبِي مُوسَى لِأَصْحَابِهِ \" لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" يَعْنِي فِي مَنْعِهِمْ أَوَّلًا وَإِعْطَائِهِمْ ثَانِيًا إِلَى آخِر الْقِصَّة الْمَذْكُورَة وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ \" لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِين إِلَخْ \" , قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِيهِ اِسْتِدْرَاكُ جَبْرِ خَاطِرِ السَّائِلِ الَّذِي يُؤَدَّب عَلَى الْحَاجَة بِمَطْلُوبِهِ إِذَا تَيَسَّرَ , وَأَنَّ مَنْ أَخْذ شَيْئًا يَعْلَم أَنَّ الْمُعْطِيَ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِإِعْطَائِهِ لَا يُبَارَك لَهُ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَظَنَنَّا أَوْ فَعَرَفْنَا أَنَّك نَسِيت يَمِينَك , قَالَ : اِنْطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُمْ اللَّهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَمَّاد \" فَنَسِيت. قَالَ لَسْت أَنَا أَحْمِلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد السَّلَام \" فَأَتَيْته فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّك حَلَفْت أَنْ لَا تَحْمِلَنَا وَقَدْ حَمَلْتنَا , قَالَ : أَجَلْ \" وَلَمْ يَذْكُرْ \" مَا أَنَا حَمَلْتكُمْ \" إِلَخْ. وَفِي رِوَايَة غَيْلَان \" مَا أَنَا حَمَلْتكُمْ بَلْ اللَّه حَمَلَكُمْ \" وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ طَرِيق فِطْر عَنْ زَهْدَم \" فَكَرِهْنَا أَنْ نُمْسِكَهَا , فَقَالَ : إِنِّي وَاَللَّهِ مَا نَسِيتهَا \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ الشَّيْخ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَنْهُ أَبُو يَعْلَى وَلَمْ يَسُقْ مِنْهُ إِلَّا قَوْله \" قَالَ وَاَللَّهِ مَا نَسِيتهَا \". ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي وَاَللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّه إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. ‏ ‏قَوْله ( لَا أَحْلِف عَلَى يَمِين ) ‏ ‏أَيْ مَحْلُوف يَمِين , فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ يَمِينٍ لِلْمُلَابَسَةِ وَالْمُرَاد مَا شَأْنه أَنْ يَكُون مَحْلُوفًا عَلَيْهِ ; فَهُوَ مِنْ مَجَاز الِاسْتِعَارَة , وَيَجُوز أَنْ يَكُون فِيهِ تَضْمِين فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ \" عَلَى أَمْر \" , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون \" عَلَى \" بِمَعْنَى الْبَاء , فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" إِذَا حَلَفْت بِيَمِينٍ \" وَرُجِّحَ الْأَوَّل بِقَوْلِهِ \" فَرَأَيْت غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا \" ; لِأَنَّ الضَّمِير فِي غَيْرهَا لَا يَصِحّ عَوْدُهُ عَلَى الْيَمِين , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَعُود عَلَى مَعْنَاهَا الْمَجَازِيِّ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْضًا. وَقَالَ اِبْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة : الْحَلِف هُوَ الْيَمِين فَقَوْله : أَحْلِف أَيْ أَعْقِد شَيْئًا بِالْعَزْمِ وَالنِّيَّة , وَقَوْله \" عَلَى يَمِين \" تَأْكِيدٌ لِعَقْدِهِ وَإِعْلَام بِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَغْوًا. قَالَ الطِّيبِيُّ : وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ \" مَا عَلَى الْأَرْض يَمِين أَحْلِف عَلَيْهَا \" الْحَدِيث , قَالَ : فَقَوْله : أَحْلِف عَلَيْهَا صِفَة مُؤَكِّدَة لِلْيَمِينِ , قَالَ : وَالْمَعْنَى لَا أَحْلِف يَمِينًا جَزْمًا لَا لَغْوَ فِيهَا ثُمَّ يَظْهَر لِي أَمْرٌ آخَرُ يَكُون فِعْلُهُ أَفْضَلَ مِنْ الْمُضِيِّ فِي الْيَمِين الْمَذْكُورَة إِلَّا فَعَلْته وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي , قَالَ : فَعَلَى هَذَا يَكُون قَوْله \" عَلَى يَمِين \" مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِقَوْلِهِ أَحْلِف. ‏ ‏تَكْمِلَةٌ : ‏ ‏اُخْتُلِفَ هَلْ كَفَّرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ يَمِينه الْمَذْكُور كَمَا اُخْتُلِفَ هَلْ كَفَّرَ فِي قِصَّة حَلِفِهِ عَلَى شُرْب الْعَسَل أَوْ عَلَى غِشْيَان مَارِيَة , فَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يُكَفِّرْ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ , وَإِنَّمَا نَزَلَتْ كَفَّارَة الْيَمِين تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ , وَتُعُقِّبَ بِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عُمَر فِي قِصَّة حَلِفِهِ عَلَى الْعَسَل أَوْ مَارِيَة , فَعَاتَبَهُ اللَّه وَجَعَلَ لَهُ كَفَّارَة يَمِين , وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّهُ كَفَّرَ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ نَصًّا فِي رَدِّ مَا اِدَّعَاهُ الْحَسَنُ , وَظَاهِرٌ أَيْضًا فِي حَدِيثِ الْبَابِ \" وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي \" أَنَّهُ لَا يَتْرُك ذَلِكَ , وَدَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ كُلّه لِلتَّشْرِيعِ بَعِيدٌ. ‏ ‏قَوْله ( وَتَحَلَّلْتهَا ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة حَمَّاد وَعَبْد الْوَارِث وَعَبْد الْوَهَّاب كُلّهمْ عَنْ أَيُّوب , وَلَمْ يَذْكُرْ فِي رِوَايَة عَبْد السَّلَام \" وَتَحَلَّلْتهَا \" وَكَذَا لَمْ يَذْكُرهَا أَبُو السَّلِيل عَنْ زَهْدَم عِنْد مُسْلِم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة غَيْلَان عَنْ أَبِي بُرْدَة \" إِلَّا كَفَّرْت عَنْ يَمِينِي \" بَدَل \" وَتَحَلَّلْتهَا \" وَهُوَ يُرَجِّح أَحَد اِحْتِمَالَيْنِ أَبْدَاهُمَا اِبْن دَقِيق الْعِيد ثَانِيهمَا إِتْيَان مَا يَقْتَضِي الْحِنْث فَإِنَّ التَّحَلُّل يَقْتَضِي سَبْق الْعَقْد , وَالْعَقْد هُوَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِين مِنْ مُوَافَقَة مُقْتَضَاهَا , فَيَكُون التَّحَلُّل الْإِتْيَان بِخِلَافِ مُقْتَضَاهَا , لَكِنْ يَلْزَم عَلَى هَذَا أَنْ يَكُون فِيهِ تَكْرَارٌ لِوُجُودِ قَوْله \" أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ \" فَإِنَّ إِتْيَان الَّذِي هُوَ خَيْرٌ تَحْصُلُ بِهِ مُخَالَفَةُ الْيَمِين وَالتَّحَلُّل مِنْهَا , لَكِنْ يُمْكِن أَنْ تَكُون فَائِدَتُهُ التَّصْرِيح بِالتَّحَلُّلِ , وَذَكَرَهُ بِلَفْظٍ يُنَاسِبُ الْجَوَاز صَرِيحًا لِيَكُونَ أَبْلَغَ مِمَّا لَوْ ذَكَرَهُ بِالِاسْتِلْزَامِ , وَقَدْ يُقَال إِنَّ الثَّانِي أَقْوَى لِأَنَّ التَّأْسِيس أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيد , وَقِيلَ مَعْنَى \" تَحَلَّلْتهَا \" خَرَجْت مِنْ حُرْمَتِهَا إِلَى مَا يَحِلُّ مِنْهَا وَذَلِكَ يَكُون بِالْكَفَّارَةِ , وَقَدْ يَكُون بِالِاسْتِثْنَاءِ بِشَرْطِهِ السَّابِق , لَكِنْ لَا يَتَّجِه فِي هَذِهِ الْقِصَّة إِلَّا إِنْ كَانَ وَقَعَ مِنْهُ اِسْتِثْنَاء لَمْ يَشْعُرُوا بِهِ كَأَنْ يَكُون قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّه مَثَلًا أَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ إِلَّا إِنْ حَصَلَ شَيْء وَلِذَلِكَ قَالَ \" وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ \" قَالَ الْعُلَمَاء فِي قَوْله \" مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ \" الْمَعْنَى بِذَلِكَ إِزَالَة الْمِنَّة عَنْهُمْ وَإِضَافَة النِّعْمَة لِمَالِكِهَا الْأَصْلِيِّ , وَلَمْ يَرِد أَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ أَصْلًا فِي حَمْلهمْ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ مَا قَالَ بَعْد ذَلِكَ \" لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْر وَكَفَّرْت \" وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : مَعْنَى قَوْله \" إِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ \" إِنَّ اللَّه أَعْطَانِي مَا حَمَلْتُكُمْ عَلَيْهِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَا حَمَلْتُكُمْ عَلَيْهِ , وَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ نَسِيَ يَمِينَهُ وَالنَّاسِي لَا يُضَاف إِلَيْهِ الْفِعْل , وَيَرُدُّهُ التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ \" وَاَللَّهِ مَا نَسِيتهَا \" وَهِيَ عِنْد مُسْلِم كَمَا بَيَّنْته , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالنَّفْيِ عَنْهُ وَالْإِثْبَات لِلَّهِ الْإِشَارَة إِلَى مَا تَفَضَّلَ اللَّه بِهِ مِنْ الْغَنِيمَة الْمَذْكُورَة لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ بِتَسَبُّبٍ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا كَانَ مُتَطَلِّعًا إِلَيْهَا , وَلَا مُنْتَظِرًا لَهَا , فَكَانَ الْمَعْنَى مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ لِعَدَمِ ذَلِكَ أَوَّلًا وَلَكِنَّ اللَّه حَمَلَكُمْ بِمَا سَاقَهُ إِلَيْنَا مِنْ هَذِهِ الْغَنِيمَة. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَالْقَاسِم بْن عَاصِم الْكُلَيْبِيّ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : إِنَّمَا أَتَى بِلَفْظِ تَابَعَهُ أَوَّلًا وَبِـ حَدَّثَنَا ثَانِيًا وَثَالِثًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْأَخِيرَيْنِ حَدَّثَاهُ بِالِاسْتِقْلَالِ وَالْأَوَّل مَعَ غَيْره , قَالَ : وَالْأَوَّل يَحْتَمِل التَّعْلِيق بِخِلَافِهِمَا. قُلْت : لَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَى قَوْله \" مَعَ غَيْره \" وَقَوْله \" يَحْتَمِل التَّعْلِيق \" يَسْتَلْزِم أَنَّهُ يَحْتَمِل عَدَم التَّعْلِيق , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ فِي حُكْم التَّعْلِيق لِأَنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يُدْرِك حَمَّادًا , وَقَدْ وَصَلَ الْمُصَنِّف مُتَابَعَة حَمَّاد بْن زَيْد فِي فَرْض الْخُمُس , ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْمُتَابَعَة وَقَعَتْ فِي الرِّوَايَة عَنْ الْقَاسِم فَقَطْ وَلَكِنْ زَادَ حَمَّاد ذِكْر أَبِي قِلَابَةَ مَضْمُومًا إِلَى الْقَاسِم. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا قُتَيْبَة حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( بِهَذَا ) ‏ ‏أَيْ بِجَمِيعِ الْحَدِيث , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى أَنَّ رِوَايَة حَمَّاد وَعَبْد الْوَهَّاب مُتَّفِقَتَانِ فِي السِّيَاق , وَقَدْ سَاقَ رِوَايَة قُتَيْبَة هَذِهِ فِي \" بَاب لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ \" تَامَّةً , وَقَدْ سَاقَهَا أَيْضًا فِي أَوَاخِر كِتَاب التَّوْحِيد عَنْ عَبْد اللَّه اِبْن عَبْد الْوَهَّاب الْحَجْبِيّ عَنْ الثَّقَفِيّ وَلَيْسَ بَعْد الْبَاب الَّذِي سَاقَهَا فِيهِ مِنْ الْبُخَارِيّ سِوَى بَابَيْنِ فَقَطْ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ سِيَاق رِوَايَته فِي كِتَاب الذَّبَائِح , وَقَدْ بَيَّنْت مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَات مِنْ التَّخَالُف مُفَصَّلًا. وَفِي الْحَدِيث غَيْر مَا تَقَدَّمَ تَرْجِيح الْحِنْث فِي الْيَمِين إِذَا كَانَ خَيْرًا مِنْ التَّمَادِي , وَأَنَّ تَعَمُّد الْحِنْث فِي مِثْل ذَلِكَ يَكُون طَاعَة لَا مَعْصِيَة , وَجَوَاز الْحَلِف مِنْ غَيْر اِسْتِحْلَاف لِتَأْكِيدِ الْخَبَر وَلَوْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا وَهُوَ يَقْتَضِي الْمُبَالَغَة فِي تَرْجِيح الْحِنْث بِشَرْطِهِ الْمَذْكُور , وَفِيهِ تَطْيِيب قُلُوب الْأَتْبَاع , وَفِيهِ الِاسْتِثْنَاء بِـ إِنْ شَاءَ اللَّه تَبَرُّكًا , فَإِنْ قَصَدَ بِهَا حَلَّ الْيَمِين صَحَّ بِشَرْطِهِ الْمُتَقَدِّم. ‏"
    },
    {
        "id": "6227",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَسْأَلْ ‏ ‏الْإِمَارَةَ ‏ ‏فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ ‏ ‏وُكِلْتَ ‏ ‏إِلَيْهَا وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَسِمَاكُ بْنُ عَطِيَّةَ ‏ ‏وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏وَحُمَيْدٌ ‏ ‏وَقَتَادَةُ ‏ ‏وَمَنْصُورٌ ‏ ‏وَهِشَامٌ ‏ ‏وَالرَّبِيعُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن خَالِد بْن فَارِس بْن ذُؤَيْب الذُّهْلِيُّ الْحَافِظ الْمَشْهُور فِيمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ وَقَالَ : نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات. قُلْت : وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ فِي بَدْء الْخَلْق عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْمَخْرَمِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي الثَّلْج وَهُمَا مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَة , وَرَوَى أَيْضًا فِي عِدَّة مَوَاضِع عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن حَوْشَبٍ وَمُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر وَمُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الرَّقَاشِيِّ وَهُمْ أَعْلَى مِنْ طَبَقَة الْمَخْرَمِيّ وَمَنْ مَعَهُ , وَرُوِيَ أَيْضًا بِوَاسِطَةٍ تَارَة وَبِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أُخْرَى عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ , وَهُوَ أَعْلَى مِنْ طَبَقَة اِبْن نُمَيْر وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ , فَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ مِنْ رِوَايَته عَنْ اِبْن عَوْن شَيْخ عُثْمَان بْن عُمَر شَيْخ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب , فَعَلَى هَذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ مَنْ هُوَ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث , وَابْن عَوْن هُوَ عَبْد اللَّه الْبَصْرِيّ الْمَشْهُور , وَقَوْله فِي آخِر الْحَدِيث \" تَابَعَهُ أَشْهَل \" بِالْمُعْجَمَةِ وَزْن أَحْمَر \" عَنْ اِبْن عَوْن \" وَقَعَتْ رِوَايَته مَوْصُولَة عِنْد أَبِي عَوَانَة وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي قِلَابَةَ الرَّقَاشِيِّ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ وَأَشْهَل بْن حَاتِم قَالَا : أَنْبَأَنَا اِبْن عَوْن بِهِ \". ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَتَابَعَهُ يُونُس وَسِمَاك بْن عَطِيَّة وَسِمَاك بْن حَرْب وَحُمَيْدٌ وَقَتَادَةُ وَمَنْصُور وَهِشَام وَالرَّبِيع ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ الثَّمَانِيَة تَابَعُوا اِبْن عَوْن فَرَوَوْهُ عَنْ الْحَسَن , فَالضَّمِير فِي قَوْله أَوَّلًا \" تَابَعَهُ أَشْهَل \" لِعُثْمَان بْن عُمَر , وَالضَّمِير فِي قَوْله ثَانِيًا \" وَتَابَعَهُ يُونُس \" وَمَا بَعْده لِعَبْدِ اللَّه بْن عَوْن شَيْخ عُثْمَان بْن عُمَر , وَوَقَعَ فِي نُسْخَة مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" وَحُمَيْد عَنْ قَتَادَةَ \" وَهُوَ خَطَأ وَالصَّوَاب \" وَحُمَيْد وَقَتَادَةُ \" بِالْوَاوِ وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ عَنْ الْبُخَارِيّ , وَكَذَا فِي رِوَايَة مَنْ وَصَلَ هَذِهِ الْمُتَابَعَاتِ , فَأَمَّا رِوَايَة يُونُس وَهُوَ اِبْن عُبَيْد فَسَتَأْتِي مَوْصُولَة فِي كِتَاب الْأَحْكَام , وَأَمَّا مُتَابَعَةُ سِمَاكِ بْن عَطِيَّة فَوَصَلَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْهُ , وَعَنْ يُونُس جَمِيعًا عَنْ الْحَسَن , وَقَالَ الْبَزَّار : مَا رَوَاهُ عَنْ سِمَاك بْن عَطِيَّة إِلَّا حَمَّاد , وَلَا رَوَى سِمَاك هَذَا عَنْ الْحَسَن إِلَّا هَذَا. وَأَمَّا مُتَابَعَة سِمَاك بْن حَرْب فَوَصَلَهَا عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي زِيَادَاته وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِير مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْهُ عَنْ الْحَسَن , وَأَمَّا مُتَابَعَة حُمَيْدٍ وَهُوَ الطَّوِيل وَمَنْصُور هُوَ اِبْن زَاذَانَ فَوَصَلَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق هُشَيْمٍ عَنْهُمَا , قَالَ الْبَزَّار وَتَبِعَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ مَنْصُور بْن زَاذَانَ إِلَّا هُشَيْمٌ , وَلَا رَوَى مَنْصُور هَذَا عَنْ الْحَسَن إِلَّا هَذَا الْحَدِيث. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاد الْبُخَارِيّ بِمَنْصُورٍ مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقه مِنْ رِوَايَة جَرِير بْن عَبْد الْحَمِيد عَنْ مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر عَنْ الْحَسَن , قَالَ الْبَزَّار أَيْضًا : لَمْ يَرْوِ مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر عَنْ الْحَسَن إِلَّا هَذَا. وَأَمَّا مُتَابَعَة قَتَادَةَ فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْهُ. وَأَمَّا رِوَايَة هِشَام وَهُوَ اِبْن حَسَّان فَأَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج عَلَى مُسْلِم \" مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ هِشَام عَنْ الْحَسَن وَوَقَعَ لَنَا فِي \" الْغَيْلَانِيَّات \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ هِشَام وَمَطَر الْوَرَّاق جَمِيعًا عَنْ الْحَسَن , وَهُوَ عِنْد أَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ هَذَا الْوَجْه. وَأَمَّا حَدِيث الرَّبِيع فَقَدْ جَزَمَ الدِّمْيَاطِيّ فِي حَاشِيَته بِأَنَّهُ اِبْن مُسْلِم , وَاَلَّذِي يَغْلِب عَلَى ظَنِّي أَنَّهُ اِبْن صُبَيْح , فَقَدْ وَقَعَ لَنَا فِي \" الشَّرَّانِيَّات \" مِنْ رِوَايَة شَبَابَةَ عَنْ الرَّبِيع بْن صَبِيحٍ بِوَزْنِ عَظِيم عَنْ الْحَسَن , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد بْن عَامِر عَنْ الرَّبِيع بْن صَبِيح , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَة مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا قُرَّة بْن خَالِد وَالْمُبَارَك بْن فَضَالَة وَالرَّبِيع بْن صَبِيح قَالُوا : حَدَّثَنَا الْحَسَن بِهِ , وَوَقَعَ لَنَا مِنْ رِوَايَة الرَّبِيع غَيْر مَنْسُوب عَنْ الْحَسَن أَخْرَجَهُ الْحَافِظ يُوسُف بْن خَلِيل فِي الْجُزْء الَّذِي جَمَعَ فِيهِ طُرُق هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ الرَّبِيع عَنْ الْحَسَن. وَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ الرَّبِيع بْن صَبِيح الْمَذْكُور وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الرَّبِيع بْن مُسْلِم. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ الْحَسَن غَيْرَ مَنْ ذُكِرَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ وَتَقَدَّمَتْ رِوَايَته فِي أَوَّل كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْحَسَن. وَلَمَّا أَخْرَجَ طَرِيق سِمَاك بْن عَطِيَّة قَرَنَهَا بِيُونُسَ بْن عُبَيْد وَهِشَام بْن حَسَّان وَقَالَ : فِي آخَرِينَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان وَمِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم وَمِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد كُلّهمْ عَنْ الْحَسَن , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَم الْكَبِير عَنْ نَحْو الْأَرْبَعِينَ مِنْ أَصْحَاب الْحَسَن مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَتَقَدَّم ذِكْرُهُ يَزِيد بْن إِبْرَاهِيم وَأَبُو الْأَشْهَب وَاسْمه جَعْفَر بْن حَيَّان وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ وَحَبِيب بْن الشَّهِيد وَخُلَيْد بْن دَعْلَج وَأَبُو عَمْرو اِبْن الْعَلَاء وَمُحَمَّد بْن نُوحٍ وَعَبْد الرَّحْمَن السَّرَّاج وَعَرْفَطَة وَالْمُعَلَّى بْن زِيَاد وَصَفْوَان بْن سُلَيْمٍ وَمُعَاوِيَة بْن عَبْد الْكَرِيم وَزِيَاد مَوْلَى مُصْعَب وَسَهْل السَّرَّاج وَشُبَيْب بْن شَيْبَةَ وَعَمْرو بْن عُبَيْد وَوَاصِل بْن عَطَاء وَمُحَمَّد بْن عُقْبَة وَالْأَشْعَث بْن سِوَار وَالْأَشْعَث بْن عَبْد الْمَلِك وَالْحَسَن بْن دِينَار وَالْحَسَن بْن ذَكْوَان وَسُفْيَان بْن حُسَيْن وَالسُّرِّيّ بْن يَحْيَى وَأَبُو عُقَيْل الدَّوْرَقِيّ وَعَبَّاد بْن رَاشِد وَعَبَّاد بْن كَثِير , فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة وَأَرْبَعُونَ نَفْسًا. وَقَدْ خَرَّجَ طُرُقه الْحَافِظ عَبْد الْقَادِر الرَّهَاوِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ الْبُلْدَانِيَّة لَهُ عَنْ سَبْعَة وَعِشْرِينَ نَفْسًا مِنْ الرُّوَاة عَنْ الْحَسَن , فِيهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَتَقَدَّم ذِكْرُهُ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَجَرِير بْن حَازِم وَإِسْرَائِيل أَبُو مُوسَى وَوَائِل بْن دَاوُدَ وَعَبْد اللَّه بْن عَوْن وَقُرَّة بْن خَالِد وَأَبُو خَالِد الْجَزَّار وَأَبُو عُبَيْدَة الْبَاجِيّ وَخَالِد الْحَذَّاء وَعَوْف الْأَعْرَابِيّ وَحَمَّاد بْن نَجِيح وَيُونُس بْن يَزِيد وَمَطَر الْوَرَّاق وَعَلِيّ بْن رِفَاعَة وَمُسْلِم بْن أَبِي الذَّيَّال وَالْعَوَّام بْن جُوَيْرِيَةَ وَعُقَيْل بْن صَبِيح وَكَثِير بْن زِيَاد وَسَوْدَة بْن أَبِي الْعَالِيَة ثُمَّ قَالَ : رَوَاهُ عَنْ الْحَسَن الْعَدَد الْكَثِير مِنْ أَهْل مَكَّة وَالْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَالْكُوفَة وَالشَّام وَلَعَلَّهُمْ يَزِيدُونَ عَلَى الْخَمْسِينَ , ثُمَّ خَرَّجَ طُرُقَهُ الْحَافِظُ يُوسُف اِبْن خَلِيل عَنْ أَكْثَر مِنْ سِتِّينَ نَفْسًا عَنْ الْحَسَن عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة , وَسَرَدَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَافِظ أَبِي عَبْد اللَّه بْن مَنْدَهْ فِي تَذْكِرَتِهِ أَسْمَاء مَنْ رَوَاهُ عَنْ الْحَسَن فَبَلَغُوا مِائَةً وَثَمَانِينَ نَفْسًا وَزِيَادَة ثُمَّ قَالَ : رَوَاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَأَبُو مُوسَى وَأَبُو الدَّرْدَاء وَأَبُو هُرَيْرَة وَأَنَس وَعَدِيّ بْن حَاتِم وَعَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَعَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَأَبُو سَعِيد الْخُدْرِيُّ وَعِمْرَان بْن حُصَيْن اِنْتَهَى. وَلَمَّا أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة قَالَ : \" وَفِي الْبَاب \" فَذَكَرَ الثَّمَانِيَّة الْمَذْكُورِينَ أَوَّلًا وَأَهْمَلَ خَمْسَة , وَاسْتَدْرَكَهُمْ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ إِلَّا اِبْن مَسْعُود وَابْن عُمَر وَزَادَ مُعَاوِيَة بْن الْحَكَم وَعَوْف بْن مَالِك الْجُشَمِيّ وَالِد أَبِي الْأَحْوَص وَأُذَيْنَة وَالِد عَبْد الرَّحْمَن فَكَمَّلُوا سِتَّةَ عَشَرَ نَفْسًا. قُلْت : أَحَادِيث الْمَذْكُورِينَ كُلّهَا فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْيَمِينِ , وَلَيْسَ فِي حَدِيث أَحَد مِنْهُمْ \" لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ \" لَكِنْ سَأَذْكُرُ مَنْ رَوَى مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَلَمْ يَذْكُرْ اِبْن مَنْدَهْ أَنَّ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة غَيْر الْحُسَيْن , لَكِنْ ذَكَرَ عَبْد الْقَادِر أَنَّ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ رَوَاهُ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن , ثُمَّ أَسْنَدَ مِنْ طَرِيق أَبِي عَامِر الْخَرَّاز عَنْ الْحَسَن وَابْن سِيرِينَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن سَمُرَة : \" لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ \" الْحَدِيث , وَقَالَ : غَرِيبٌ مَا كَتَبْته إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَالْمَحْفُوظ رِوَايَة الْحَسَن عَنْ عَبْد الرَّحْمَن اِنْتَهَى. وَهَذَا مَعَ مَا فِي سَنَده مِنْ ضَعْف لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِرِوَايَةِ اِبْن سِيرِينَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن , وَأَخْرَجَهُ يُوسُف بْن خَلِيل الْحَافِظ مِنْ رِوَايَة عِكْرِمَة مَوْلَى اِبْن عَبَّاس عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة أَوْرَدَهُ مِنْ الْمُعْجَم الْأَوْسَط لِلطَّبَرَانِيِّ , وَهُوَ فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بْن عَلِيّ الْمَرْوَزِيِّ بِسَنَدِهِ إِلَى عِكْرِمَة قَالَ : كَانَ اِسْم عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة عَبْد كَلُّوب فَسَمَّاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد الرَّحْمَن فَمَرَّ بِهِ , وَهُوَ يَتَوَضَّأ فَقَالَ : \" تَعَالَ يَا عَبْد الرَّحْمَن لَا تَطْلُبْ الْإِمَارَةَ \" الْحَدِيث , وَهَذَا لَمْ يُصَرِّح فِيهِ عِكْرِمَة بِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن لَكِنَّهُ مُحْتَمَل , قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عِكْرِمَة إِلَّا عَبْد الرَّحْمَن بْن كَيْسَانَ , وَلَا عَنْهُ إِلَّا اِبْنه إِسْحَاق تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو الدَّرْدَاء عَبْد الْعَزِيز بْن مُنِيب. قُلْت : عَبْد اللَّه بْن كَيْسَانَ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيُّ , وَابْنه إِسْحَاق لَيَّنَهُ أَبُو أَحْمَد الْحَاكِمُ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن صَدَقَةَ عَنْ يُونُس بْن عُبَيْد عَنْ الْحَسَن عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة وَكَانَ غَزَا مَعَهُ كَإِبِلِ شَنُوءَة أَوْ شَنُوءَتَيْنِ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه , وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي حَمْزَة إِسْحَاق بْن الرَّبِيع عَنْ الْحَسَن لَكِنْ بِلَفْظِ \" غَزَوْنَا مَعَ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة \" وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ الْحَسَن \" حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة \" وَمِنْ طَرِيق الْمُبَارَك بْن فَضَالَة عَنْ الْحَسَن \" حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن \". ‏ ‏قَوْله ( لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( وَإِذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي مُوسَى قَرِيبًا فِي قَوْله \" لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِين \" وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة هَلْ لِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ تَعَلُّقٌ بِالْآخَرِ أَوْ لَا ؟ فَقِيلَ : لَهُ بِهِ تَعَلُّقٌ , وَذَلِكَ أَنَّ أَحَد الشِّقَّيْنِ أَنْ يُعْطَى الْإِمَارَة مِنْ غَيْر مَسْأَلَة فَقَدْ لَا يَكُون لَهُ فِيهَا أَرَبٌ فَيَمْتَنِع فَيَلْزَم فَيَحْلِف فَأُمِرَ أَنْ يَنْظُر ثُمَّ يَفْعَل الَّذِي هُوَ أَوْلَى فَإِنْ كَانَ فِي الْجَانِب الَّذِي حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ فَيَحْنَثُ وَيُكَفِّر , وَيَأْتِي مِثْلَهُ فِي الشِّقِّ الْآخَرِ. ‏ ‏قَوْله ( فَرَأَيْت غَيْرهَا ) ‏ ‏أَيْ غَيْرَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ , وَظَاهِر الْكَلَام عَوْدُ الضَّمِير عَلَى الْيَمِين , وَلَا يَصِحُّ عَوْدُهُ عَلَى الْيَمِين بِمَعْنَاهَا الْحَقِيقِيّ بَلْ بِمَعْنَاهَا الْمَجَازِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ , وَالْمُرَاد بِالرُّؤْيَةِ هُنَا الِاعْتِقَادِيَّة لَا الْبَصَرِيَّة , قَالَ عِيَاض : مَعْنَاهُ إِذَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْفِعْلَ أَوْ التَّرْكَ خَيْر لَهُ فِي دُنْيَاهُ أَوْ آخِرَتِهِ أَوْ أَوْفَقُ لِمُرَادِهِ وَشَهْوَته مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي حَدِيث عَدِيِّ بْن حَاتِم \" فَرَأَى غَيْرَهَا أَتْقَى لِلَّهِ فَلْيَأْتِ التَّقْوَى \" وَهُوَ يُشْعِر بِقَصْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا فِيهِ طَاعَةٌ. وَيَنْقَسِمُ الْمَأْمُورُ بِهِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ إِنْ كَانَ الْمَحْلُوف عَلَيْهِ فِعْلًا فَكَانَ التَّرْك أَوْلَى , أَوْ كَانَ الْمَحْلُوف عَلَيْهِ تَرْكًا فَكَانَ الْفِعْل أَوْلَى , أَوْ كَانَ كُلّ مِنْهُمَا فِعْلًا وَتَرْكًا لَكِنْ يَدْخُل الْقِسْمَانِ الْأَخِيرَانِ فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ; لِأَنَّ مِنْ لَازِم فِعْل أَحَد الشَّيْئَيْنِ أَوْ تَرْكه تَرْك الْآخَر أَوْ فِعْله. ‏ ‏قَوْله ( فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينك ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكَثِيرِ مِنْهُمْ \" فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينك وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْر \" وَقَدْ ذُكِرَ قَبْلُ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ \" ثُمَّ اِئْتِ الَّذِي هُوَ خَيْر \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" فَرَأَى غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَدَعْهَا وَلِيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْر فَإِنَّ كَفَّارَتَهَا تَرْكهَا \" فَأَشَارَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى ضَعْفه وَقَالَ : الْأَحَادِيث كُلّهَا \" فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينه \" إِلَّا شَيْئًا لَا يُعْبَأُ بِهِ كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى حَدِيث يَحْيَى بْن عُبَيْد اللَّه عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" مَنْ حَلَفَ فَرَأَى غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْر فَهُوَ كَفَّارَتُهُ \" وَيَحْيَى ضَعِيفٌ جِدًّا , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم عِنْد مُسْلِم مَا يُوهِم ذَلِكَ , وَأَنَّهُ أَخْرَجَهُ بِلَفْظِ \" مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيَتْرُكْ يَمِينَهُ \" هَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْكَفَّارَة , وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه آخَرَ بِلَفْظِ \" فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْهَا وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْر \" وَمَدَاره فِي الطُّرُق كُلّهَا عَلَى عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع عَنْ تَمِيم بْن طَرِيفَة عَنْ عَدِيّ , وَاَلَّذِي زَادَ ذَلِكَ حَافِظٌ فَهُوَ الْمُعْتَمَد , قَالَ الشَّافِعِيّ : فِي الْأَمْر بِالْكَفَّارَةِ مَعَ تَعَمُّد الْحِنْث دَلَالَة عَلَى مَشْرُوعِيَّة الْكَفَّارَة فِي الْيَمِين الْغَمُوس ; لِأَنَّهَا يَمِين حَانِثَة. وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَالِف يَجِب عَلَيْهِ فِعْل أَيّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ أَوْلَى مِنْ الْمُضِيّ فِي حَلِفِهِ أَوْ الْحِنْث وَالْكَفَّارَة , وَانْفَصَلَ عَنْهُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْأَمْر فِيهِ لِلنَّدَبِ بِمَا مَضَى فِي قِصَّة الْأَعْرَابِيّ الَّذِي قَالَ \" وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ \" فَقَالَ \" أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ \" فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْحِنْثِ وَالْكَفَّارَة مَعَ أَنَّ حَلِفَهُ عَلَى تَرْك الزِّيَادَة مَرْجُوح بِالنِّسْبَةِ إِلَى فِعْلِهَا. ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور وَالْكَفَّارَة وَالْمُلْحَقَة بِهِ مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى مِائَة وَسَبْعَة وَعِشْرِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى سِتَّة وَعِشْرُونَ وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , وَالْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَة وَخَمْسَةَ عَشَرَ وَالْخَالِص اِثْنَا عَشَرَ , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث عَائِشَة عَنْ أَبِي بَكْر , وَحَدِيثهَا \" مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيع اللَّه فَلْيُطِعْهُ \" , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة أَبِي إِسْرَائِيل , وَحَدِيثه \" أَعُوذ بِعِزَّتِك \" وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فِي الْيَمِين الْغَمُوس , وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي نَذْرٍ وَافَقَ يَوْم عِيد. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ عَشَرَة آثَار. وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6228",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَرِضْتُ ‏ ‏فَعَادَنِي ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَهُمَا مَاشِيَانِ فَأَتَانِي وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَبَّ عَلَيَّ وَضُوءَهُ فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ ‏ ‏آيَةُ الْمَوَارِيثِ ‏",
        "sharh": "قَدْ وَقَعَ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث جَابِر الْمَذْكُور فِي الصَّحِيحَيْنِ \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةً \" وَقَوْله \" فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ \" اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَجْتَهِدُ , وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ اِنْتِظَاره الْوَحْي فِي هَذِهِ الْقِصَّة الْخَاصَّة عُمُوم ذَلِكَ فِي كُلّ قِصَّة وَلَا سِيَّمَا وَهِيَ فِي مَسْأَلَة الْمَوَارِيث الَّتِي غَالِبهَا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ , سَلَّمْنَا أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْتَهِد فِيهَا لَكِنْ لَعَلَّهُ كَانَ يَنْتَظِر الْوَحْي أَوَّلًا فَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ اِجْتَهَدَ , فَلَا يَدُلّ عَلَى نَفْي الِاجْتِهَاد مُطْلَقًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6229",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا ‏ ‏تَحَسَّسُوا ‏ ‏وَلَا ‏ ‏تَجَسَّسُوا ‏ ‏وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا ‏ ‏تَدَابَرُوا ‏ ‏وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ \" ‏ ‏الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي \" بَاب مَا يُنْهَى عَنْ التَّحَاسُد \" فِي أَوَائِل كِتَاب الْأَدَب , وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى , وَفِيهِ بَيَان الْمُرَاد بِالظَّنِّ هُنَا وَأَنَّهُ الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ إِلَى أَصْلٍ , وَيَدْخُلُ فِيهِ ظَنُّ السُّوءِ بِالْمُسْلِمِ , وَابْن طَاوُسٍ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6230",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏وَالْعَبَّاسَ ‏ ‏عَلَيْهِمَا السَّلَام ‏ ‏أَتَيَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَيْهِمَا مِنْ ‏ ‏فَدَكَ ‏ ‏وَسَهْمَهُمَا مِنْ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُمَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏مِنْ هَذَا الْمَالِ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا أَدَعُ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَصْنَعُهُ فِيهِ إِلَّا صَنَعْتُهُ قَالَ فَهَجَرَتْهُ ‏ ‏فَاطِمَةُ ‏ ‏فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى مَاتَتْ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي بَكْر فِي ذَلِكَ وَقِصَّته مَعَ فَاطِمَة , قَدْ مَضَى فِي فَرْض الْخُمُس مَشْرُوحًا وَسِيَاقه أَتَمُّ مِمَّا هُنَا , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" إِنَّمَا يَأْكُل آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَال \" ‏ ‏كَذَا وَقَعَ وَظَاهِره الْحَصْر وَأَيُّهُمْ لَا يَأْكُلُونَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْمَال , وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْعَكْس وَتَوْجِيهه أَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَالتَّقْدِير إِنَّمَا يَأْكُل آلُ مُحَمَّدٍ بَعْضَ هَذَا الْمَال يَعْنِي بِقَدْرِ حَاجَتهمْ وَبَقِيَّتُهُ لِلْمَصَالِحِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6231",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏ذَكَرَ لِي ‏ ‏مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏انْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَأَتَاهُ ‏ ‏حَاجِبُهُ ‏ ‏يَرْفَأُ ‏ ‏فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَالزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعْدٍ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ فَأَذِنَ لَهُمْ ثُمَّ قَالَ هَلْ لَكَ فِي ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ قَالَ ‏ ‏عَبَّاسٌ ‏ ‏يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا قَالَ ‏ ‏أَنْشُدُكُمْ ‏ ‏بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَفْسَهُ فَقَالَ ‏ ‏الرَّهْطُ ‏ ‏قَدْ قَالَ ذَلِكَ فَأَقْبَلَ عَلَى ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ذَلِكَ قَالَا قَدْ قَالَ ذَلِكَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏مَا ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏قَدِيرٌ ‏} ‏فَكَانَتْ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا ‏ ‏احْتَازَهَا ‏ ‏دُونَكُمْ وَلَا ‏ ‏اسْتَأْثَرَ ‏ ‏بِهَا عَلَيْكُمْ لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا ‏ ‏وَبَثَّهَا ‏ ‏فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ فَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ هَذَا الْمَالِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِذَاكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَيَاتَهُ أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ قَالُوا نَعَمْ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لِعَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏أَنْشُدُكُمَا ‏ ‏بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ قَالَا نَعَمْ فَتَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَبَضَهَا فَعَمِلَ بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَقُلْتُ أَنَا وَلِيُّ وَلِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ أَعْمَلُ فِيهَا مَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ وَأَتَانِي هَذَا يَسْأَلُنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا فَقُلْتُ إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ فَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ فَوَاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِنْ عَجَزْتُمَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ فَأَنَا ‏ ‏أَكْفِيكُمَاهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُمَر فِي قِصَّة عَلِيّ وَالْعَبَّاس مَعَ عُمَر فِي مُنَازَعَتِهِمَا فِي صَدَقَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ قَوْل عُمَر لِعُثْمَان وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَسَعْد بِي أَبِي وَقَّاصٍ وَالزُّبَيْر بْن الْعَوَّام : هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" لَا نُورَث مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ \" يُرِيد نَفْسَهُ ؟ فَقَالُوا : قَدْ قَالَ ذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ مِثْلَهُ لِعَلِيٍّ وَلِلْعَبَّاسِ فَقَالَا كَذَلِكَ الْحَدِيث بِطُولِهِ , وَقَدْ مَضَى مُطَوَّلًا فِي فَرْض الْخُمُس وَذِكْرُ شَرْحِهِ هُنَاكَ. ‏ ‏( تَنْبِيهَاتٌ ) : ‏ ‏الرَّاءُ مِنْ قَوْله \" لَا نُورَثُ \" بِالْفَتْحِ فِي الرِّوَايَة , وَلَوْ رُوِيَ بِالْكَسْرِ لَصَحَّ الْمَعْنَى أَيْضًا , وَقَوْله \" فَكَانَتْ خَالِصَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِيّ والْكُشْمِيهَنِيِّ خَاصَّةً , وَقَوْله \" لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهُ \" أَيْ الْمَال فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَعْطَاكُمُوهَا \" أَيْ الْخَالِصَةَ لَهُ , وَقَوْله \" فَوَاَللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ الْجَلَالَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6232",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي ‏ ‏وَمَئُونَةِ ‏ ‏عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَإِسْمَاعِيل شَيْخه ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْسٍ الْمَدَنِيُّ اِبْن أُخْت مَالِك وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ \" , وَأَمَّا إِسْمَاعِيل بْن أَبَانَ شَيْخه فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله بِحَدِيثِ فَلَا رِوَايَةَ لَهُ عَنْ مَالِكٍ. ‏ ‏قَوْله ( لَا يُقْتَسَم ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ غَيْر الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلِلْبَاقِينَ \" لَا يُقْسَم \" بِحَذْفِ التَّاء الثَّانِيَة , قَالَ اِبْن التِّين : الرِّوَايَة فِي الْمُوَطَّأ وَكَذَا قَرَأْته فِي الْبُخَارِيّ بِرَفْعِ الْمِيم عَلَى أَنَّهُ خَبَر وَالْمَعْنَى لَيْسَ يُقْسَم , وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِالْجَزْمِ كَأَنَّهُ نَهَاهُمْ إِنْ خَلَّفَ شَيْئًا لَا يُقْسَم بَعْده , فَلَا تَعَارُضَ بَيْن هَذَا وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَصَايَا مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن الْحَارِث الْخُزَاعِيِّ \" مَا تَرَكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْخَبَر بِمَعْنَى النَّهْي فَيَتَّحِد مَعْنَى الرِّوَايَتَيْنِ , وَيُسْتَفَاد مِنْ رِوَايَة الرَّفْع أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُخَلِّفُ شَيْئًا مِمَّا جَرَتْ الْعَادَة بِقِسْمَتِهِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّة , وَأَنَّ الَّذِي يُخَلِّفُهُ مِنْ غَيْرهمَا لَا يُقْسَم أَيْضًا بِطَرِيقِ الْإِرْث بَلْ تُقْسَم مَنَافِعُهُ لِمَنْ ذُكِرَ. ‏ ‏قَوْله ( وَرَثَتِي ) ‏ ‏أَيْ بِالْقُوَّةِ لَوْ كُنْت مِمَّنْ يُورَث , أَوْ الْمُرَاد لَا يُقْسَم مَالٌ تَرَكَهُ لِجِهَةِ الْإِرْث فَأَتَى بِلَفْظِ \" وَرَثَتِي \" لِيَكُونَ الْحُكْم مُعَلَّلًا بِمَا بِهِ الِاشْتِقَاق , وَهُوَ الْإِرْث , فَالْمَنْفِيُّ اِقْتِسَامهمْ بِالْإِرْثِ عَنْهُ قَالَهُ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ. ‏ ‏قَوْله ( مَا تَرَكْت بَعْد نَفَقَة نِسَائِي وَمُؤْنَة عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" عَامِلِي \" فِي أَوَائِل فَرْض الْخُمُس مَعَ شَرْح الْحَدِيث وَحَكَيْت فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال , ثُمَّ وَجَدْت فِي \" الْخَصَائِص لِابْنِ دِحْيَةَ \" حِكَايَةَ قَوْلٍ رَابِعٍ أَنَّ الْمُرَاد خَادِمه وَعَبَّرَ عَنْ الْعَامِل عَلَى الصَّدَقَة بِالْعَامِلِ عَلَى النَّخْل وَزَادَ أَيْضًا وَقِيلَ الْأَجِير , وَيَتَحَصَّل مِنْ الْمَجْمُوع خَمْسَة أَقْوَال : الْخَلِيفَة وَالصَّانِع وَالنَّاظِر وَالْخَادِم وَحَافِر قَبْره عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام , وَهَذَا إِنْ كَانَ الْمُرَاد بِالْخَادِمِ الْجِنْس , وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الضَّمِير لِلنَّخْلِ فَيَتَّحِد مَعَ الصَّانِع أَوْ النَّاظِر , وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّف عَلَيْهِ فِي أَوَاخِر الْوَصَايَا \" بَاب نَفَقَة قَيِّم الْوَقْف \" وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى تَرْجِيح حَمْل الْعَامِل عَلَى النَّاظِر. وَمِمَّا يُسْأَل عَنْهُ تَخْصِيص النِّسَاء بِالنَّفَقَةِ وَالْمُؤْنَة بِالْعَامِلِ وَهَلْ بَيْنَهُمَا مُغَايَرَة ؟ وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ السُّبْكِيُّ الْكَبِير بِأَنَّ الْمُؤْنَة فِي اللُّغَة الْقِيَام بِالْكِفَايَةِ وَالْإِنْفَاق بَذْل الْقُوت , قَالَ : وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّفَقَة دُون الْمُؤْنَة , وَالسِّرّ فِي التَّخْصِيص الْمَذْكُور الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ أَزْوَاجه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اِخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ كَانَ لَا بُدّ لَهُنَّ مِنْ الْقُوت فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا يَدُلّ عَلَيْهِ , وَالْعَامِل لَمَّا كَانَ فِي صُورَة الْأَجِير فَيَحْتَاج إِلَى مَا يَكْفِيهِ اِقْتَصَرَ عَلَى مَا يَدُلّ عَلَيْهِ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا , وَيُؤَيِّدهُ قَوْل أَبِي بَكْر الصِّدِّيق \" إِنَّ حِرْفَتِي كَانَتْ تَكْفِي عَائِلَتِي فَاشْتَغَلْت عَنْ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ \" فَجَعَلُوا لَهُ قَدْر كِفَايَتِهِ. ثُمَّ قَالَ السُّبْكِيُّ : لَا يُعْتَرَض بِأَنَّ عُمَر كَانَ فَضَّلَ عَائِشَة فِي الْعَطَاء ; لِأَنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِمَزِيدِ حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا. قُلْت : وَهَذَا لَيْسَ مِمَّا بَدَأَ بِهِ لِأَنَّ قِسْمَة عُمَر كَانَتْ مِنْ الْفُتُوح. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِحَدِيثِ الْبَاب فَفِيمَا يَتَعَلَّق بِمَا خَلَّفَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ يَبْدَأ مِنْهُ بِمَا ذُكِرَ , وَأَفَادَ رَحِمَهُ اللَّه أَنَّهُ يَدْخُل فِي لَفْظ \" نَفَقَة نِسَائِي \" كِسْوَتُهُنَّ وَسَائِرُ اللَّوَازِم وَهُوَ كَمَا قَالَ , وَمِنْ ثَمَّ اِسْتَمَرَّتْ الْمَسَاكِن الَّتِي كُنَّ فِيهَا قَبْل وَفَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلّ وَاحِدَة بِاسْمِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ فِي أَوَّل فَرْض الْخُمُس , وَإِذَا اِنْضَمَّ قَوْله \" إِنَّ الَّذِي نُخَلِّفُهُ صَدَقَةٌ \" إِلَى أَنَّ آلَهُ تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَة تَحَقَّقَ قَوْله \" لَا نُورَث \" وَفِي قَوْل عُمَر \" يُرِيد نَفْسه \" إِشَارَة إِلَى أَنَّ النُّون فِي قَوْله \" نُورَث \" لِلْمُتَكَلِّمِ خَاصَّة لَا لِلْجَمْعِ , وَأَمَّا مَا اُشْتُهِرَ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْأُصُولِ وَغَيْرِهِمْ بِلَفْظِ \" نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَث \" فَقَدْ أَنْكَرَهُ جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة , وَهُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِخُصُوصِ لَفْظ \" نَحْنُ \" لَكِنْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد بِلَفْظِ \" إِنَّا مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَث \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّد اِبْن مَنْصُور عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْهُ , وَهُوَ كَذَلِكَ فِي مُسْنَد الْحُمَيْدِيِّ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ وَهُوَ مِنْ أَتْقَنَ أَصْحَاب اِبْن عُيَيْنَةَ فِيهِ. وَأَوْرَدَهُ الْهَيْثَم بْن كُلَيْب فِي مُسْنَده مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْر الصِّدِّيق بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" بِنَحْوِ اللَّفْظ الْمَذْكُور , وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" مِنْ رِوَايَة أُمّ هَانِئٍ عَنْ فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق بِلَفْظِ \" إِنَّ الْأَنْبِيَاء لَا يُورَثُونَ \" قَالَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره : وَوَجْه ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّه بَعَثَهُمْ مُبَلِّغِينَ رِسَالَتَهُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَأْخُذُوا عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا كَمَا قَالَ ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ) وَقَالَ نُوحٌ وَهُودٌ وَغَيْرُهُمَا نَحْوَ ذَلِكَ , فَكَانَتْ الْحِكْمَة فِي أَنْ لَا يُورَثُوا لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهُمْ جَمَعُوا الْمَالَ لِوَارِثِهِمْ , قَالَ : وَقَوْله تَعَالَى ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ) حَمَلَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ عَلَى الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ , وَكَذَا قَوْل زَكَرِيَّا ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك وَلِيًّا يَرِثُنِي ) وَقَدْ حَكَى اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ , وَأَنَّ الْأَكْثَر عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاء لَا يُورَثُونَ , وَذَكَرَ أَنَّ مِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ مِنْ الْفُقَهَاء إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّةَ , وَنَقَلَهُ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيِّ عِيَاضٌ فِي \" شَرْحِ مُسْلِمٍ \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ أَبِي صَالِح فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَنْ زَكَرِيَّا ( وَإِنِّي خِفْت الْمَوَالِيَ ) قَالَ : الْعَصَبَة. وَمِنْ قَوْله ( وَهْب لِي مِنْ لَدُنْك وَلِيًّا يَرِثُنِي ) قَالَ : يَرِث مَالِي وَيَرِث مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ , وَمِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَن نَحْوه لَكِنْ لَمْ يَذْكُر الْمَال , وَمِنْ طَرِيق مُبَارَك بْن فَضَالَةَ عَنْ الْحَسَن رَفَعَهُ مُرْسَلًا \" رَحِمَ اللَّه أَخِي زَكَرِيَّا مَا كَانَ عَلَيْهِ مَنْ يَرِثُ مَالَهُ \". قُلْت : وَعَلَى تَقْدِير تَسْلِيم الْقَوْل الْمَذْكُورِ فَلَا مُعَارِضَ مِنْ الْقُرْآن لِقَوْلِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام \" لَا نُورَث مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ \" فَيَكُون ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصه الَّتِي أُكْرِمَ بِهَا , بَلْ قَوْل عُمَر \" يُرِيد نَفْسَهُ \" يُؤَيِّد اِخْتِصَاصَهُ بِذَلِكَ , وَأَمَّا عُمُوم قَوْله تَعَالَى ( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ) إِلَخْ فَأُجِيبَ عَنْهَا بِأَنَّهَا عَامَّةٌ فِيمَنْ تَرَكَ شَيْئًا كَانَ يَمْلِكُهُ , وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ وَقَفَهُ قَبْل مَوْتِهِ فَلَمْ يُخَلِّف مَا يُورَث عَنْهُ فَلَمْ يُورَث , وَعَلَى تَقْدِير أَنَّهُ خَلَّفَ شَيْئًا مِمَّا كَانَ يَمْلِكُهُ فَدُخُولُهُ فِي الْخِطَاب قَابِلٌ لِلتَّخْصِيصِ لِمَا عُرِفَ مِنْ كَثْرَةِ خَصَائِصِهِ , وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُورَث فَظَهَرَ تَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ دُون النَّاس. وَقِيلَ الْحِكْمَة فِي كَوْنه لَا يُورَثُ حَسْمُ الْمَادَّةِ فِي تَمَنِّي الْوَارِث مَوْتَ الْمُورَثِ مِنْ أَجْلِ الْمَال , وَقِيلَ لِكَوْنِ النَّبِيّ كَالْأَبِ لِأُمَّتِهِ فَيَكُون مِيرَاثه لِلْجَمِيعِ , وَهَذَا مَعْنَى الصَّدَقَة الْعَامَّة. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة : يُسْتَفَاد مِنْ الْحَدِيث أَنَّ مَنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ لَا تُورَثُ أَنَّهَا تَكُون حَبْسًا وَلَا يَحْتَاج إِلَى التَّصْرِيح بِالْوَقْفِ أَوْ الْحَبْس , وَهُوَ حَسَنٌ لَكِنْ هَلْ يَكُون ذَلِكَ صَرِيحًا أَوْ كِنَايَة ؟ يَحْتَاج إِلَى نِيَّة , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة دَلَالَة عَلَى صِحَّة وَقْف الْمَنْقُولَات , وَأَنَّ الْوَقْف لَا يَخْتَصّ بِالْعَقَارِ لِعُمُومِ قَوْله \" مَا تَرَكْت بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي \" إِلَخْ. ‏"
    },
    {
        "id": "6233",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏ذَكَرَ حَدِيث عَائِشَة أَنَّ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين تُوُفِّيَ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَان إِلَى أَبِي بَكْر يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ , فَقَالَتْ عَائِشَة : أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا نُورَث مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ \" ‏ ‏أَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَة مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَةَ , وَهَذَا الْحَدِيث فِي الْمُوَطَّأ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك حَدَّثَنِي اِبْن شِهَاب , وَفِي الْمُوَطَّأ لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيق الْقَعْنَبِيِّ \" يَسْأَلْنَهُ ثَمَنَهُنَّ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق جُوَيْرِيَةَ بْن أَسْمَاء عَنْ مَالِك. وَفِي الْمُوَطَّأ أَيْضًا أَرْسَلْنَ عُثْمَان بْن عَفَّان إِلَى أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَفِيهِ فَقَالَتْ لَهُنَّ عَائِشَة وَفِيهِ \" مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ \" وَظَاهِر سِيَاقه أَنَّهُ مِنْ مُسْنَد عَائِشَة , وَقَدْ رَوَاهُ إِسْحَق بْن مُحَمَّد الْفَرْوِيّ عَنْ مَالِك بِهَذَا السَّنَد عَنْ عَائِشَة عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق أَوْرَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِب وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِزِيَادَةِ أَبِي بَكْر فِي مُسْنَدِهِ , وَهَذَا يُوَافِق رِوَايَة مَعْمَر عَنْ اِبْن شِهَاب الْمَذْكُورَة فِي أَوَّل هَذَا الْبَاب فَإِنَّ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" فَذَكَرَهُ , فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون عَائِشَة سَمِعَتْهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَمِعَهُ أَبُوهَا وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون إِنَّمَا سَمِعَتْهُ مِنْ أَبِيهَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَتْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا طَالَبَ الْأَزْوَاج ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6234",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَعَلَيْنَا قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي السَّنَد ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك وَيُونُس هُوَ اِبْن يَزِيد , وَقَدْ بَيَّنْت فِي الْكَفَالَة الِاخْتِلَاف عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي صَحَابِيِّهِ وَأَنَّ مَعْمَرًا اِنْفَرَدَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ \" عَنْ جَابِرٍ \" بَدَلَ \" أَبِي هُرَيْرَةَ \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ , مُخْتَصَرًا , وَتَقَدَّمَ فِي الْكَفَالَة مِنْ طَرِيق عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب بِذِكْرِ سَبَبِهِ فِي أَوَّله وَلَفْظه \" إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْن فَيَقُول : هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ قَضَاء ؟ فَإِنْ قِيلَ : نَعَمْ صَلَّى عَلَيْهِ , وَإِلَّا قَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبكُمْ. فَلَمَّا فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ الْفُتُوح قَالَ : أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ \" الْحَدِيث , وَتَقَدَّمَ فِي الْفَرْض وَفِي تَفْسِير الْأَحْزَاب مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَا مِنْ مُؤْمِن إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ \" الْحَدِيث وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد أَبِي دَاوُدَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول \" أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ \" وَقَوْله هُنَا \" فَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْن , وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَعَلَيْنَا قَضَاؤُهُ \" يُخَصّ مَا أُطْلِقَ فِي رِوَايَة عُقَيْل بِلَفْظِ \" فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ \" وَكَذَا قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى فِي تَفْسِير الْأَحْزَاب \" فَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ أَوْ وَلِيُّهُ \" فَعُرِفَ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً , وَقَوْله \" فَلْيَأْتِنِي \" أَيْ مَنْ يَقُوم مَقَامَهُ فِي السَّعْيِ فِي وَفَاء دَيْنه , أَوْ الْمُرَاد صَاحِب الدَّيْن , وَأَمَّا الضَّمِير فِي قَوْله \" مَوْلَاهُ \" فَهُوَ لِلْمَيِّتِ الْمَذْكُور , وَسَيَأْتِي بَعْد قَلِيل مِنْ رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" فَأَنَا وَلِيّه فَلَا دُعِيَ لَهُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح مَا يَتَعَلَّق بِهَذَا الشِّقّ فِي الْكَفَالَة وَبَيَان الْحِكْمَة فِي تَرْك الصَّلَاة عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْن بِلَا وَفَاء وَأَنَّهُ كَانَ إِذَا وَجَدَ مَنْ يَتَكَفَّل بِوَفَائِهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل أَنْ يُفْتَحَ الْفُتُوح كَمَا فِي رِوَايَة عُقَيْل , وَهَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصه أَوْ يَجِب عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ بَعْده ؟ وَالرَّاجِح الِاسْتِمْرَار , لَكِنَّ وُجُوب الْوَفَاء إِنَّمَا هُوَ مِنْ مَال الْمَصَالِح. وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَرَّع بِذَلِكَ , وَعَلَى هَذَا لَا يَجِب عَلَى مَنْ بَعْدَهُ , وَعَلَى الْأَوَّل قَالَ اِبْن بَطَّال : فَإِنْ لَمْ يُعْطِ الْإِمَام عَنْهُ مِنْ بَيْت الْمَال لَمْ يُحْبَس عَنْ دُخُول الْجَنَّة ; لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْقَدْرَ الَّذِي عَلَيْهِ فِي بَيْت الْمَال مَا لَمْ يَكُنْ دَيْنه أَكْثَر مِنْ الْقَدْرِ الَّذِي لَهُ فِي بَيْت الْمَال مَثَلًا. قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ يَدْخُل فِي الْمُقَاصَّة , وَهُوَ كَمَنْ لَهُ حَقّ وَعَلَيْهِ حَقّ , وَقَدْ مَضَى أَنَّهُمْ إِذَا خَلَصُوا مِنْ الصِّرَاط حُبِسُوا عِنْد قَنْطَرَة بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار يَتَقَاصُّونَ الْمَظَالِمَ حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أَذِنَ لَهُمْ فِي دُخُول الْجَنَّة , فَيُحْمَل قَوْله لَا يُحْبَس أَيْ مُعَذَّبًا مَثَلًا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ ) ‏ ‏أَيْ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ وَثَبَتَتْ كَذَلِكَ هُنَا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ , وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَمْرَةَ \" فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَإِلَى الْعَصَبَةِ مَنْ كَانَ \" وَسَيَأْتِي بَعْد قَلِيل مِنْ رِوَايَة عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" فَمَا لَهُ لِمَوَالِي الْعَصَبَة \" أَيْ أَوْلِيَاء الْعَصَبَة , قَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمُرَاد بِالْعَصَبَةِ هُنَا الْوَرَثَة لَا مَنْ يَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ ; لِأَنَّ الْعَاصِبَ فِي الِاصْطِلَاح مَنْ لَهُ سَهْم مُقَدَّر مِنْ الْمُجْمَع عَلَى تَوْرِيثهمْ وَيَرِث كُلّ الْمَال إِذَا اِنْفَرَدَ وَيَرِث مَا فَضَلَ بَعْد الْفُرُوض بِالتَّعْصِيبِ , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْعَصَبَة هُنَا قَرَابَة الرَّجُل , وَهُمْ مَنْ يَلْتَقِي مَعَ الْمَيِّت فِي أَبٍ وَلَوْ عَلَا , سُمُّوا بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ يُحِيطُونَ بِهِ يُقَال : عَصَّبَ الرَّجُلُ بِفُلَانٍ أَحَاطَ بِهِ , وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ : تَعَصَّبَ لِفُلَانٍ أَيْ أَحَاطَ بِهِ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْمُرَاد الْعَصَبَةُ بَعْد أَصْحَاب الْفُرُوض , قَالَ : وَيُؤْخَذ حُكْم أَصْحَاب الْفُرُوض مِنْ ذِكْر الْعَصَبَة بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَيُشِير إِلَى ذَلِكَ قَوْله \" مَنْ كَانُوا \" فَإِنَّهُ يَتَنَاوَل أَنْوَاع الْمُنْتَسِبِينَ إِلَيْهِ بِالنَّفْسِ أَوْ بِالْغَيْرِ , قَالَ وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مَنْ شَرْطِيَّةً. ‏"
    },
    {
        "id": "6235",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَلْحِقُوا ‏ ‏الْفَرَائِضَ ‏ ‏بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( اِبْن طَاوُسٍ ) ‏ ‏هُوَ عَبْدُ اللَّهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏قِيلَ : تَفَرَّدَ وُهَيْب بِوَصْلِهِ , وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ اِبْن طَاوُسٍ لَمْ يَذْكُر اِبْن عَبَّاس بَلْ أَرْسَلَهُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ , وَأَشَارَ النَّسَائِيُّ إِلَى تَرْجِيح الْإِرْسَال وَرُجِّحَ عِنْد صَاحِبَيْ \" صَحِيح الْمَوْصُول \" لِمُتَابَعَةِ رَوْح بْن الْقَاسِم وُهَيْبًا عِنْدَهُمَا وَيَحْيَى بْن أَيُّوب عِنْد مُسْلِم وَزِيَاد بْن سَعْد وَصَالِح عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ , وَاخْتُلِفَ عَلَى مَعْمَر فَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ مَوْصُولًا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ وَرَوَاهُ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ مَعْمَر وَالثَّوْرِيِّ جَمِيعًا مُرْسَلًا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون حَمَلَ رِوَايَة مَعْمَر عَلَى رِوَايَة الثَّوْرِيِّ وَإِنَّمَا صَحَّحَاهُ ; لِأَنَّ الثَّوْرِيَّ وَإِنْ كَانَ أَحْفَظَ مِنْهُمْ لَكِنَّ الْعَدَد الْكَثِيرَ يُقَاوِمُهُ , وَإِذَا تَعَارَضَ الْوَصْل وَالْإِرْسَال وَلَمْ يُرَجَّح أَحَد الطَّرِيقَيْنِ قُدِّمَ الْوَصْلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله ( أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْفَرَائِضِ هُنَا الْأَنْصِبَاء الْمُقَدَّرَة فِي كِتَاب اللَّه - تَعَالَى - وَهِيَ النِّصْف وَنِصْفه وَنِصْف نِصْفه وَالثُّلُثَانِ وَنِصْفهمَا وَنِصْف نِصْفهمَا , وَالْمُرَاد بِأَهْلِهَا مَنْ يَسْتَحِقُّهَا بِنَصِّ الْقُرْآن , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة رَوْح اِبْن الْقَاسِم عَنْ اِبْن طَاوُسٍ \" اِقْسِمُوا الْمَال بَيْن أَهْل الْفَرَائِض عَلَى كِتَاب اللَّه \" أَيْ عَلَى وَفْق مَا أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَمَا بَقِيَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة رَوْح بْن الْقَاسِم فَمَا تَرَكَتْ أَيْ أَبْقَتْ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَهُوَ لِأَوْلَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَلِأَوْلَى \" بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَاللَّام بَيْنهمَا وَاوٌ سَاكِنَة أَفْعَل تَفْضِيل مِنْ الْوَلْيِ بِسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ الْقُرْب , أَيْ لِمَنْ يَكُون أَقْرَبَ فِي النَّسَبِ إِلَى الْمُورَث , وَلَيْسَ الْمُرَاد هُنَا الْأَحَقَّ , وَقَدْ حَكَى عِيَاض أَنَّ فِي رِوَايَة اِبْن الْحَذَّاء عَنْ اِبْن مَاهَان فِي مُسْلِم \" فَهُوَ لِأَدْنَى \" بِدَالٍ وَنُونٍ وَهِيَ بِمَعْنَى الْأَقْرَب , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمَعْنَى أَقْرَب رَجُل مِنْ الْعَصَبَة. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : الْمُرَاد بِأَوْلَى رَجُل أَنَّ الرِّجَال مِنْ الْعَصَبَة بَعْد أَهْل الْفُرُوض إِذَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَقْرَب إِلَى الْمَيِّت اِسْتَحَقَّ دُون مَنْ هُوَ أَبْعَد فَإِنْ اِسْتَوَوْا اِشْتَرَكُوا , قَالَ : وَلَمْ يَقْصِد فِي هَذَا الْحَدِيث مَنْ يُدْلِي بِالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَات مَثَلًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْره إِذَا اِسْتَوَوْا فِي الْمَنْزِلَة , كَذَا قَالَ اِبْن الْمُنِير. وَقَالَ اِبْن التِّين : إِنَّمَا الْمُرَاد بِهِ الْعَمَّة مَعَ الْعَمّ وَبِنْت الْأَخ مَعَ اِبْن الْأَخ وَبِنْت الْعَمّ مَعَ اِبْن الْعَمّ , وَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْأَخ وَالْأُخْت لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ فَإِنَّهُمْ يَرِثُونَ بِنَصِّ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ يُحْجَب كَالْأَخِ لِلْأَبِ مَعَ الْبِنْت وَالْأُخْت الشَّقِيقَة , وَكَذَا يَخْرُج الْأَخ وَالْأُخْت لِأُمٍّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ) وَقَدْ نُقِلَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهَا الْأُخُوَّة مِنْ الْأُمّ , وَسَيَأْتِي مَزِيد فِي هَذَا فِي. \" بَاب اِبْنَيْ عَمّ أَحَدهمَا أَخٌ لِأُمٍّ وَالْآخَر زَوْجٌ \". ‏ ‏قَوْلُهُ ( رَجُلٍ ذَكَرٍ ) ‏ ‏هَكَذَا فِي جَمِيع الرِّوَايَات , وَوَقَعَ فِي كُتُب الْفُقَهَاء كَصَاحِبِ النِّهَايَة وَتِلْمِيذه الْغَزَالِيّ \" فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ \" قَالَ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ وَالْمُنْذِرِيُّ : هَذِهِ اللَّفْظَة لَيْسَتْ مَحْفُوظَة , وَقَالَ اِبْنُ الصَّلَاح : فِيهَا بُعْدٌ عَنْ الصِّحَّة مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ فَضْلًا عَنْ الرِّوَايَة فَإِنَّ الْعَصَبَة فِي اللُّغَة اِسْمٌ لِلْجَمْعِ لَا لِلْوَاحِدِ , كَذَا قَالَ وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ اِسْمُ جِنْسٍ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي فِي الْبَاب قَبْله \" فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا \" قَالَ اِبْنُ دَقِيق الْعِيد : قَدْ اسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الْأَخَوَات عَصَبَاتُ الْبَنَات , وَالْحَدِيث يَقْتَضِي اِشْتِرَاط الذُّكُورَة فِي الْعَصَبَة الْمُسْتَحِقّ لِلْبَاقِي بَعْد الْفُرُوض , وَالْجَوَاب أَنَّهُ مِنْ طَرِيق الْمَفْهُوم , وَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ لَهُ عُمُوم ؟ وَعَلَى التَّنَزُّل فَيُخَصُّ بِالْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ الْأَخَوَات عَصَبَات الْبَنَات , وَقَدْ اسْتَشْكَلَ التَّعْبِير بِذَكَرٍ بَعْد التَّعْبِير بِرَجُلٍ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا كُرِّرَ لِلْبَيَانِ فِي نَعْتِهِ بِالذُّكُورَةِ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْعَصَبَة إِذَا كَانَ عَمًّا أَوْ اِبْن عَمٍّ مَثَلًا وَكَانَ مَعَهُ أُخْت لَهُ أَنَّ الْأُخْت لَا تَرِثُ وَلَا يَكُونُ الْمَال بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا ظَاهِرِ مِنْ التَّعْبِير بِقَوْلِهِ \" رَجُل \" وَالْإِشْكَال بَاقٍ إِلَّا أَنَّ كَلَامَهُ يَنْحَلُّ إِلَى أَنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ , وَبِهِ جَزَمَ غَيْره كَابْنِ التِّين قَالَ : وَمِثْله اِبْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ , وَزَيَّفَهُ الْقُرْطُبِيّ فَقَالَ : قِيلَ إِنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ اللَّفْظِيّ , وَرُدَّ بِأَنَّ الْعَرَب إِنَّمَا تُؤَكِّد حَيْثُ يُفِيد فَائِدَة إِمَّا تَعَيُّن الْمَعْنَى فِي النَّفْس , وَإِمَّا رَفْع تَوَهُّم الْمَجَاز وَلَيْسَ ذَلِكَ هُنَا. وَقَالَ غَيْره : هَذَا التَّوْكِيد لِمُتَعَلَّقِ الْحُكْم وَهُوَ الذُّكُورَة ; لِأَنَّ الرَّجُل قَدْ يُرَاد بِهِ مَعْنَى النَّجْدَة وَالْقُوَّة فِي الْأَمْر , فَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ مَرَرْت بِرَجُلٍ رَجُلٌ أَبُوهُ فَلِهَذَا اِحْتَاجَ الْكَلَام إِلَى زِيَادَة التَّوْكِيد بِذَكَرٍ حَتَّى لَا يُظَنَّ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ خُصُوص الْبَالِغ , وَقِيلَ : خَشْيَة أَنْ يُظَنّ بِلَفْظِ رَجُل الشَّخْص وَهُوَ أَعَمّ مِنْ الذَّكَر وَالْأُنْثَى. وَقَالَ اِبْنِ الْعَرَبِيّ : فِي قَوْله ذَكَرٍ الْإِحَاطَةُ بِالْمِيرَاثِ إِنَّمَا تَكُونُ لِلذَّكَرِ دُونَ الْأُنْثَى , وَلَا يَرِد قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ الْبِنْت تَأْخُذ جَمِيع الْمَال ; لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَأْخُذُهُ بِسَبَبَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ وَالْإِحَاطَة مُخْتَصَّة بِالسَّبَبِ الْوَاحِد , وَلَيْسَ إِلَّا الذَّكَر فَلِهَذَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الذُّكُورِيَّة , قَالَ : وَهَذَا لَا يَتَفَطَّنُ لَهُ كُلُّ مُدَّعٍ. وَقِيلَ : إِنَّهُ اِحْتِرَازٌ عَنْ الْخُنْثَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَلَا تُؤْخَذ الْخُنْثَى فِي الزَّكَاة , وَلَا يُحْرِزُ الْخُنْثَى الْمَالَ إِذَا اِنْفَرَدَ , وَقِيلَ لِلِاعْتِنَاءِ بِالْجِنْسِ , وَقِيلَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الْكَمَال فِي ذَلِكَ كَمَا يُقَال : اِمْرَأَة أُنْثَى , وَقِيلَ لِنَفْيِ تَوَهُّم اِشْتَرَاك الْأُنْثَى مَعَهُ لِئَلَّا يُحْمَل عَلَى التَّغْلِيب , وَقِيلَ ذُكِرَ تَنْبِيهًا عَلَى سَبَب الِاسْتِحْقَاق بِالْعُصُوبَةِ وَسَبَب التَّرْجِيح فِي الْإِرْث وَلِهَذَا جُعِلَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ , وَحِكْمَتُهُ أَنَّ الرِّجَال تَلْحَقُهُمْ الْمُؤَنُ كَالْقِيَامِ بِالْعِيَالِ وَالضِّيفَان وَإِرْفَاد الْقَاصِدِينَ وَمُوَاسَاة السَّائِلِينَ وَتَحَمُّل الْغَرَامَات وَغَيْر ذَلِكَ , هَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ , وَسَبَقَهُ الْقَاضِي عِيَاض فَقَالَ : قِيلَ هُوَ عَلَى مَعْنَى اِخْتِصَاص الرِّجَال بِالتَّعْصِيبِ بِالذُّكُورِيَّةِ الَّتِي بِهَا الْقِيَام عَلَى الْإِنَاث , وَأَصْلُهُ لِلْمَازِرِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْد أَنْ ذَكَرَ اِسْتِشْكَال مَا وَرَدَ فِي هَذَا وَهُوَ رَجُل ذَكَرٌ وَفِي الزَّكَاة اِبْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ , قَالَ : وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ قَاعِدَة الشَّرْع فِي الزَّكَاة الِانْتِقَال مِنْ سِنٍّ إِلَى أَعْلَى مِنْهَا وَمِنْ عَدَدٍ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهُ وَقَدْ جُعِلَ فِي خَمْسَة وَعِشْرِينَ بِنْت مَخَاض وَسِنًّا أَعْلَى مِنْهَا وَهُوَ اِبْن لَبُون فَقَدْ يُتَخَيَّل أَنَّهُ عَلَى خِلَاف الْقَاعِدَة وَأَنَّ السِّنِينَ كَالسِّنِّ الْوَاحِد ; لِأَنَّ اِبْنِ اللَّبُون أَعْلَى سِنًّا لَكِنَّهُ أَدْنَى قَدْرًا فَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ ذَكَر عَلَى أَنَّ الذُّكُورِيَّة تَبْخَسُهُ حَتَّى يَصِير مُسَاوِيًا لِبِنْتِ مَخَاضٍ مَعَ كَوْنهَا أَصْغَرَ سِنًّا مِنْهُ , وَأَمَّا فِي الْفَرَائِض فَلَمَّا عُلِمَ أَنَّ الرِّجَال هُمْ الْقَائِمُونَ بِالْأُمُورِ , وَفِيهِمْ مَعْنَى التَّعْصِيب وَتَرَى لَهُمْ الْعَرَب مَا لَا تَرَى لِلنِّسَاءِ فَعَبَّرَ بِلَفْظِ ذَكَرٍ إِشَارَة إِلَى الْعِلَّة الَّتِي لِأَجْلِهَا اُخْتُصَّ بِذَلِكَ , فَهُمَا وَإِنْ اِشْتَرَكَا فِي أَنَّ السَّبَب فِي وَصْف كُلٍّ مِنْهُمَا بِذَكَرٍ التَّنْبِيه عَلَى ذَلِكَ لَكِنَّ مُتَعَلَّقَ التَّنْبِيه فِيهِمَا مُخْتَلِفٌ , فَإِنَّهُ فِي اِبْنِ اللَّبُون إِشَارَة إِلَى النَّقْص وَفِي الرَّجُل إِشَارَة إِلَى الْفَضْل , وَهَذَا قَدْ لَخَصَّهُ الْقُرْطُبِيّ وَارْتَضَاهُ. وَقِيلَ إِنَّهُ وَصْفٌ لِأَوْلَى لَا لِرَجُلٍ قَالَهُ السُّهَيْلِيّ وَأَطَالَ فِي تَقْرِيره وَتَبَجَّحَ بِهِ فَقَالَ : هَذَا الْحَدِيث أَصْلٌ فِي الْفَرَائِض وَفِيهِ إِشْكَالٌ وَقَدْ تَلَقَّاهُ النَّاس أَوْ أَكْثَرُهُمْ عَلَى وَجْهٍ لَا تَصِحُّ إِضَافَتُهُ إِلَى مَنْ أُوتِيَ جَوَامِع الْكَلِم وَاخْتُصِرَ لَهُ الْكَلَام اِخْتِصَارًا فَقَالُوا : هُوَ نَعْتٌ لِرَجُلٍ , وَهَذَا لَا يَصِحّ لِعَدَمِ الْفَائِدَة ; لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّر أَنْ يَكُونَ الرَّجُل إِلَّا ذَكَرًا وَكَلَامُهُ أَجَلّ مِنْ أَنْ يَشْتَمِل عَلَى حَشْو لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَا يَتَعَلَّق بِهِ حُكْم , وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمُوا لَنَقَصَ فِقْه الْحَدِيث ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ فِيهِ بَيَان حُكْم الطِّفْل الَّذِي لَمْ يَبْلُغ سِنّ الرُّجُولِيَّة , وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمِيرَاث يَجِبُ لَهُ , وَلَوْ كَانَ اِبْنَ سَاعَةٍ فَلَا فَائِدَة فِي تَخْصِيصه بِالْبَالِغِ دُونَ الصَّغِيرِ , قَالَ : وَالْحَدِيث إِنَّمَا سَبَقَ لِبَيَانِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ مِنْ الْقَرَابَة بَعْد أَصْحَاب السِّهَام , وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمُوا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَفْرِقَةٌ بَيْن قَرَابَة الْأَب وَقَرَابَة الْأُمّ , قَالَ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَوْله \" أَوْلَى رَجُل ذَكَرٍ \" يُرِيد الْقَرِيب فِي النَّسَبِ الَّذِي قَرَابَتُهُ مِنْ قِبَلِ رَجُلٍ وَصُلْبٍ لَا مِنْ قِبَلِ بَطْنٍ وَرَحِمٍ , فَالْأَوْلَى هُنَا هُوَ وَلِيّ الْمَيِّت فَهُوَ مُضَاف إِلَيْهِ فِي الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظ وَهُوَ فِي اللَّفْظ مُضَاف إِلَى النَّسَب , وَهُوَ الصُّلْب فَعَبَّرَ عَنْ الصُّلْب بِقَوْلِهِ \" أَوْلَى رَجُل \" لِأَنَّ الصُّلْب لَا يَكُونُ إِلَّا رَجُلًا فَأَفَادَ بِقَوْلِهِ \" لِأَوْلَى رَجُل \" نَفْي الْمِيرَاث عَنْ الْأَوْلَى الَّذِي هُوَ مِنْ قِبَل الْأُمّ كَالْخَالِ , وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ \" ذَكَرٍ \" نَفْيَ الْمِيرَاث عَنْ النِّسَاء وَإِنْ كُنَّ مِنْ الْمُدْلِينَ إِلَى الْمَيِّت مِنْ قِبَل صُلْب لِأَنَّهُنَّ إِنَاث , قَالَ : وَسَبَب الْإِشْكَال مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَخْفُوضًا ظُنَّ نَعْتًا لِرَجُلٍ , وَلَوْ كَانَ مَرْفُوعًا لَمْ يُشْكِل كَأَنْ يُقَال فَوَارِثُهُ أَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ , وَالثَّانِي أَنَّهُ جَاءَ بِلَفْظِ أَفْعَلَ وَهَذَا الْوَزْن إِذَا أُرِيدَ بِهِ التَّفْضِيل كَانَ بَعْض مَا يُضَاف إِلَيْهِ كَفُلَان أَعْلَم إِنْسَانٍ فَمَعْنَاهُ أَعْلَمُ النَّاس فَتُوُهِّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ \" أَوْلَى رَجُل \" أَوْلَى الرِّجَال وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ أَوْلَى الْمَيِّت بِإِضَافَتِهِ النَّسَب وَأَوْلَى صُلْب بِإِضَافَتِهِ كَمَا تَقُول هُوَ أَخُوك أَخُو الرَّخَاء لَا أَخُو الْبَلَاء , قَالَ : فَالْأَوْلَى فِي الْحَدِيث كَالْوَلِيِّ. فَإِنْ قِيلَ كَيْف يُضَاف لِلْوَاحِدِ وَلَيْسَ بِجُزْءٍ مِنْهُ ؟ فَالْجَوَاب إِذَا كَانَ مَعْنَاهُ الْأَقْرَب فِي النَّسَب جَازَتْ إِضَافَته وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُزْءًا مِنْهُ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبِرّ \" بِرَّ أُمَّك ثُمَّ أَبَاك ثُمَّ أَدْنَاك \" قَالَ : وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ فِي هَذَا الْكَلَام الْمُوجَز مِنْ الْمَتَانَة وَكَثْرَة الْمَعَانِي مَا لَيْسَ فِي غَيْره , فَالْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ وَأَعَانَ اِنْتَهَى كَلَامُهُ. وَلَا يَخْلُو مِنْ اِسْتِغْلَاق. وَقَدْ لَخَصَّهُ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : ذَكَرٌ صِفَةٌ لِأَوْلَى لَا لِرَجُلٍ , وَالْأَوْلَى بِمَعْنَى الْقَرِيب الْأَقْرَب فَكَأَنَّهُ قَالَ : فَهُوَ لِقَرِيبِ الْمَيِّت ذَكَر مِنْ جِهَة رَجُل وَصُلْب لَا مِنْ جِهَة بَطْن وَرَحِمٍ , فَالْأَوْلَى مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مُضَاف إِلَى الْمَيِّت , وَأُشِيرَ بِذِكْرِ الرَّجُل إِلَى الْأَوْلَوِيَّة فَأَفَادَ بِذَلِكَ نَفْيَ الْمِيرَاث عَنْ الْأَوْلَى الَّذِي مِنْ جِهَة الْأُمّ كَالْخَالِ , وَبِقَوْلِهِ ذَكَر نَفْيه عَنْ النِّسَاء بِالْعُصُوبَةِ وَإِنْ كُنَّ مِنْ الْمُدْلِينَ لِلْمَيِّتِ مِنْ جِهَة الصُّلْب اِنْتَهَى. وَقَدْ أَوْرَدْته كَمَا وَجَدْته وَلَمْ أَحْذِفْ مِنْهُ إِلَّا أَمْثِلَةً أَطَالَ بِهَا وَكَلِمَاتٍ طَوِيلَةً تَبَجَّحَ بِهَا بِسَبَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. قَالَ النَّوَوِيّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الَّذِي يَبْقَى بَعْد الْفُرُوض لِلْعَصَبَةِ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَب فَلَا يَرِثُ عَاصِبٌ بَعِيدٌ مَعَ عَاصِبٍ قَرِيبٍ , وَالْعَصَبَة كُلّ ذَكَرٍ يُدْلِي بِنَفْسِهِ بِالْقَرَابَةِ لَيْسَ بَيْنه وَبَيْن الْمَيِّت أُنْثَى , فَمَتَى اِنْفَرَدَ أَخَذَ جَمِيع الْمَال , وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَوِي فُرُوض غَيْر مُسْتَغْرِقِينَ أَخَذَ مَا بَقِيَ وَإِنْ كَانَ مَعَ مُسْتَغْرِقِينَ فَلَا شَيْءَ لَهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَأَمَّا تَسْمِيَة الْفُقَهَاء الْأُخْتَ مَعَ الْبِنْت عَصَبَة فَعَلَى سَبِيل التَّجَوُّز ; لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة تَأْخُذ مَا فَضَلَ عَنْ الْبِنْت أَشْبَهَتْ الْعَاصِب , قُلْت : وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. قَالَ الطَّحَاوِيُّ : اِسْتَدَلَّ قَوْم - يَعْنِي اِبْنَ عَبَّاس وَمَنْ تَبِعَهُ - بِحَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاس عَلَى أَنَّ مَنْ خَلَّفَ بِنْتًا وَأَخًا شَقِيقًا وَأُخْتًا شَقِيقَة كَانَ لِابْنَتِهِ النِّصْف وَمَا بَقِيَ لِأَخِيهِ وَلَا شَيْء لِأُخْتِهِ وَلَوْ كَانَتْ شَقِيقَة , وَطَرَدُوا ذَلِكَ فِيمَا لَوْ كَانَ مَعَ الْأُخْت الشَّقِيقَة عَصَبَة فَقَالُوا لَا شَيْء لَهَا مَعَ الْبِنْت بَلْ الَّذِي يَبْقَى بَعْد الْبِنْت لِلْعَصَبَةِ وَلَوْ بَعُدُوا , وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنْ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ) قَالُوا : فَمَنْ أَعْطَى الْأُخْتَ مَعَ الْبِنْتِ خَالَفَ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ. قَالَ : وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِمْ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ بِنْتًا وَابْنَ اِبْنٍ وَبِنْتَ اِبْنٍ مُتَسَاوِيَيْنِ أَنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ وَمَا بَقِيَ بَيْنَ اِبْنِ الِابْن وَبِنْتِ الِابْن وَلَمْ يَخُصُّوا اِبْنَ الِابْنِ بِمَا بَقِيَ لِكَوْنِهِ ذَكَرًا بَلْ وَرَّثُوا مَعَهُ شَقِيقَتَهُ وَهِيَ أُنْثَى , قَالَ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس لَيْسَ عَلَى عُمُومه بَلْ هُوَ فِي شَيْءٍ خَاصٍّ وَهُوَ مَا إِذَا تَرَكَ بِنْتًا وَعَمًّا وَعَمَّةً فَإِنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ وَمَا بَقِيَ لِلْعَمِّ دُونَ الْعَمَّةِ إِجْمَاعًا قَالَ : فَاقْتَضَى النَّظَر تَرْجِيح إِلْحَاق الْأُخْت مَعَ الْأَخ بِالِابْنِ وَالْبِنْت لَا بِالْعَمِّ وَالْعَمَّة ; لِأَنَّ الْمَيِّت لَوْ لَمْ يَتْرُك إِلَّا أَخًا وَأُخْتًا شَقِيقَتَيْنِ فَالْمَال بَيْنهمَا , فَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ اِبْنَ اِبْنٍ وَبِنْتَ اِبْنٍ , بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَ عَمًّا وَعَمَّة فَإِنَّ الْمَال كُلّه لِلْعَمِّ دُونَ الْعَمَّة بِاتِّفَاقِهِمْ , قَالَ : وَأَمَّا الْجَوَاب عَمَّا اِحْتَجُّوا بِهِ مِنْ الْآيَة فَهُوَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَيِّت لَوْ تَرَكَ بِنْتًا وَأَخًا لِأَبٍ كَانَ لِلْبِنْتِ النِّصْف وَمَا بَقِيَ لِلْأَخِ , وَأَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ( لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ) إِنَّمَا هُوَ وَلَدٌ يَحُوز الْمَال كُلّه لَا الْوَلَد الَّذِي لَا يَحُوز , وَأَقْرَب الْعَصَبَات الْبَنُونَ ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ثُمَّ الْأَب ثُمَّ الْجَدّ وَالْأَخ إِذَا اِنْفَرَدَ وَاحِد مِنْهُمَا , فَإِنْ اِجْتَمَعَا فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ , ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَة ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا , ثُمَّ الْأَعْمَام ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا وَمَنْ أَدْلَى بِأَبَوَيْنِ يُقَدَّمُ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِأَبٍ لَكِنْ يُقَدَّم الْأَخ مِنْ الْأَب عَلَى اِبْنِ الْأَخ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَيُقَدَّم اِبْنِ أَخٍ لِأَبٍ عَلَى عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ وَيُقَدَّم عَمٌّ لِأَبٍ عَلَى اِبْنِ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيّ عَلَى أَنَّ اِبْن الِابْن يَحُوزُ الْمَالَ إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُ اِبْنٌ , وَعَلَى أَنَّ الْجَدّ يَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ. إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُ أَبٌ , وَعَلَى أَنَّ الْأَخ مِنْ الْأُمّ إِذَا كَانَ اِبْنَ عَمٍّ يَرِثُ بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ , وَسَيَأْتِي جَمِيع ذَلِكَ وَالْبَحْث فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6236",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَرِضْتُ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏مَرَضًا ‏ ‏فَأَشْفَيْتُ ‏ ‏مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ فَأَتَانِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعُودُنِي ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَتِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ ‏ ‏لَا قَالَ قُلْتُ ‏ ‏فَالشَّطْرُ ‏ ‏قَالَ لَا قُلْتُ الثُّلُثُ قَالَ الثُّلُثُ كَبِيرٌ إِنَّكَ إِنْ تَرَكْتَ وَلَدَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ ‏ ‏عَالَةً ‏ ‏يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى ‏ ‏فِي امْرَأَتِكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏آأُخَلَّفُ ‏ ‏عَنْ هِجْرَتِي فَقَالَ لَنْ ‏ ‏تُخَلَّفَ ‏ ‏بَعْدِي فَتَعْمَلَ عَمَلًا تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ رِفْعَةً وَدَرَجَةً وَلَعَلَّ أَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ لَكِنْ الْبَائِسُ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ‏ ‏يَرْثِي ‏ ‏لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ مَاتَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْوَصِيَّة بِالثُّلُثِ , وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْوَصَايَا , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا اِبْنَتِي \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي نَفَاهُ سَعْدٌ أَوْلَادُهُ , وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ لَهُ مِنْ الْعَصَبَات مَنْ يَرِثُهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6237",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النَّضْرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَشْعَثَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ أَتَانَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ‏ ‏بِالْيَمَنِ ‏ ‏مُعَلِّمًا وَأَمِيرًا ‏ ‏فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ ابْنَتَهُ وَأُخْتَهُ فَأَعْطَى ‏ ‏الِابْنَةَ النِّصْفَ وَالْأُخْتَ النِّصْفَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مُعَاذ فِي تَوْرِيث الْبِنْت وَالْأُخْت سَيَأْتِي شَرْحه قَرِيبًا فِي \" بَاب مِيرَاث الْأَخَوَات مَعَ الْبَنَات \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَسْوَد , وَأَبُو النَّضْر الْمَذْكُور فِي سَنَده هُوَ هِشَام بْن هَارُون فِي الْقَاسِم وَشَيْبَان هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن وَالْأَشْعَث هُوَ اِبْن أَبِي الشَّعْثَاء سُلَيْم الْمُحَارِبِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ يَزِيد بْن هَارُون فِي \" كِتَاب الْفَرَائِض \" لَهُ عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيِّ عَنْ أَشْعَث بْن أَبِي الشَّعْثَاء عَنْ الْأَسْوَد بْن يَزِيد قَالَ قَضَى اِبْن الزُّبَيْر فِي اِبْنَةٍ وَأُخْتٍ فَأَعْطَى الِابْنَة النِّصْف وَأَعْطَى الْعَصَبَةَ بَقِيَّةَ الْمَالِ , فَقُلْت لَهُ إِنَّ مُعَاذًا قَضَى فِيهَا بِالْيَمَنِ فَذَكَرَهُ قَالَ فَقَالَ لَهُ أَنْتَ رَسُولِي إِلَى عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ وَكَانَ قَاضِي الْكُوفَة فَحَدَّثَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ , وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ , وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيِّ نَحْوه. ‏"
    },
    {
        "id": "6238",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلْحِقُوا ‏ ‏الْفَرَائِضَ ‏ ‏بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا \" ‏ ‏قَدْ مَضَى شَرْحه قَرِيبًا , قَالَ اِبْن بَطَّال قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ خَلَّفَتْ زَوْجًا وَأَبًا وَبِنْتًا وَابْن اِبْن وَبِنْت اِبْن : تُقَدّم الْفُرُوض فَلِلزَّوْجِ الرُّبُع , وَلِلْأَبِ السُّدُس , وَلِلْبِنْتِ النِّصْف , وَمَا بَقِيَ بَيْن وَلَدَيْ الِابْن لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ , فَإِنْ كَانَتْ الْبِنْت أَسْفَلَ مِنْ الِابْنِ فَالْبَاقِي لَهُ دُونَهَا , وَقِيلَ : الْبَاقِي لَهُ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ , وَتَمَسَّكَ زَيْد بْن ثَابِت وَالْجُمْهُور بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ بَنِي الْبَنِينَ ذُكُورًا وَإِنَاثًا كَالْبَنِينَ عِنْد فَقْد الْبَنِينَ إِذَا اِسْتَوَوْا فِي التَّعَدُّد , فَعَلَى هَذَا تُخَصّ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ عُمُوم \" فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6239",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو قَيْسٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏هُزَيْلَ بْنَ شُرَحْبِيلَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُئِلَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏عَنْ بِنْتٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ فَقَالَ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ وَأْتِ ‏ ‏ابْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏فَسَيُتَابِعُنِي فَسُئِلَ ‏ ‏ابْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِلْابْنَةِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ فَأَتَيْنَا ‏ ‏أَبَا مُوسَى ‏ ‏فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏فَقَالَ لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا ‏ ‏الْحَبْرُ ‏ ‏فِيكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو قَيْس ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن ثَرْوَانَ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الرَّاء , وَهُزَيْل بِالزَّايِ مُصَغَّر وَوَقَعَ فِي كُتُب كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء هُذَيْل بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة , وَهُوَ تَحْرِيف هُوَ اِبْن شُرَحْبِيل , وَهُوَ وَالرَّاوِي عَنْهُ كُوفِيَّانِ أَوْدِيَّانِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ سُفْيَان \" عَنْ أَبِي قَيْس وَاسْمه عَبْد الرَّحْمَن \". ‏ ‏قَوْله ( سُئِلَ أَبُو مُوسَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة عِنْد النَّسَائِيِّ \" جَاءَ رَجُل إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ , وَهُوَ الْأَمِير , وَإِلَى سَلْمَان بْن رَبِيعَة الْبَاهِلِيّ فَسَأَلَهُمَا \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي قَيْس لَكِنْ لَمْ يَقُلْ وَهُوَ الْأَمِير , وَكَذَا لِلتِّرْمِذِيِّ وَابْن مَاجَهْ وَالطَّحَاوِيّ وَالدَّارِمِيّ مِنْ طُرُق عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ بِزِيَادَةِ سَلْمَان بْن رَبِيعَة مَعَ أَبِي مُوسَى , وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ سَلْمَان الْمَذْكُور كَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ. ‏ ‏قَوْله ( وَائْتِ اِبْن مَسْعُود فَسَيُتَابِعُنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْمَش وَالثَّوْرِيِّ الْمُشَار إِلَيْهِمَا \" فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى وَسَلْمَان اِبْن رَبِيعَة \" وَفِيهَا أَيْضًا \" فَسَيُتَابِعُنَا \" وَهَذَا قَالَهُ أَبُو مُوسَى عَلَى سَبِيل الظَّنّ ; لِأَنَّهُ اِجْتَهَدَ فِي الْمَسْأَلَة وَوَافَقَهُ سَلْمَان فَظَنَّ أَنَّ اِبْن مَسْعُود يُوَافِقُهُمَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَب قَوْله \" اِئْتِ اِبْن مَسْعُود \" الِاسْتِثْبَاتَ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَقَدْ ضَلَلْت إِذًا ) ‏ ‏قَالَهُ جَوَابًا عَنْ قَوْل أَبِي مُوسَى إِنَّهُ سَيُتَابِعُهُ , وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَوْ تَابَعَهُ لَخَالَفَ صَرِيحَ السُّنَّةِ عِنْدَهُ , وَأَنَّهُ لَوْ خَالَفَهَا عَامِدًا لَضَلَّ. ‏ ‏قَوْله ( أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن أَرْطَاة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَرْوَان \" فَقَالَ اِبْن مَسْعُود : كَيْف أَقُول \" يَعْنِي مِثْل قَوْل أَبِي مُوسَى , وَقَدْ سَمِعْت رَسُول اللَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فَذَكَرَهُ. ‏ ‏( فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ اِبْن مَسْعُود ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ هُزَيْلًا الرَّاوِيَ تَوَجَّهَ مَعَ السَّائِل إِلَى اِبْن مَسْعُود فَسَمِعَ جَوَابَهُ فَعَادَ إِلَى أَبِي مُوسَى مَعَهُمْ فَأَخْبَرُوهُ. ‏ ‏قَوْله ( لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَبِكَسْرِهَا أَيْضًا وَسُكُون الْمُوَحَّدَة حَكَاهُ الْجَوْهَرِيّ وَرَجَّحَ الْكَسْر وَجَزَمَ الْفَرَّاء بِأَنَّهُ بِالْكَسْرِ وَقَالَ سُمِّيَ بِاسْمِ الْحِبْر الَّذِي يُكْتَب بِهِ , وَقَالَ أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيُّ هُوَ الْعَالِم بِتَحْبِيرِ الْكَلَام وَتَحْسِينِهِ وَهُوَ بِالْفَتْحِ فِي رِوَايَة جَمِيع الْمُحَدِّثِينَ وَأَنْكَرَ أَبُو الْهَيْثَم الْكَسْر , وَقَالَ الرَّاغِب سُمِّيَ الْعَالِم حَبْرًا لِمَا يَبْقَى مِنْ أَثَرِ عُلُومِهِ , وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّة فِي زَمَن عُثْمَان هُوَ الَّذِي أَمَّرَ أَبَا مُوسَى عَلَى الْكُوفَة , وَكَانَ اِبْن مَسْعُود قَبْل ذَلِكَ , أَمِيرَهَا ثُمَّ عُزِلَ قَبْل وِلَايَة أَبِي مُوسَى عَلَيْهَا بِمُدَّةٍ , قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ أَنَّ الْعَالِم يَجْتَهِد إِذَا ظَنَّ أَنْ لَا نَصَّ فِي الْمَسْأَلَة وَلَا يَتَوَلَّى الْجَوَاب إِلَى أَنْ يَبْحَث عَنْ ذَلِكَ , وَفِيهِ أَنَّ الْحُجَّة عِنْد التَّنَازُع سُنَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَجِب الرُّجُوع إِلَيْهَا وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْإِنْصَاف وَالِاعْتِرَاف بِالْحَقِّ وَالرُّجُوع إِلَيْهِ , وَشَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِالْعِلْمِ وَالْفَضْل , وَكَثْرَةُ اِطِّلَاعِ اِبْن مَسْعُود عَلَى السُّنَّة , وَتَثَبُّت أَبِي مُوسَى فِي الْفُتْيَا حَيْثُ دَلَّ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ , قَالَ : وَلَا خِلَاف بَيْن الْفُقَهَاء فِيمَا رَوَاهُ اِبْن مَسْعُود , وَفِي جَوَاب أَبِي مُوسَى إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ رَجَعَ عَمَّا قَالَهُ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَمْ يُخَالِف فِي ذَلِكَ إِلَّا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَسَلْمَان بْن رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ وَقَدْ رَجَعَ أَبُو مُوسَى عَنْ ذَلِكَ , وَلَعَلَّ سَلْمَان أَيْضًا رَجَعَ كَأَبِي مُوسَى , وَسَلْمَان الْمَذْكُور مُخْتَلَف فِي صُحْبَتِهِ وَلَهُ أَثَر فِي فَتُوحِ الْعِرَاق أَيَّام عُمَر وَعُثْمَان وَاسْتُشْهِدَ فِي زَمَن عُثْمَان وَكَانَ يُقَال لَهُ سَلْمَان الْخَيْل لِمَعْرِفَتِهِ بِهَا , وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس \" فَمَا أَبْقَتْ الْفَرَائِض فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ \" مَنْ يَكُون أَقْرَب الْعَصَبَات إِلَى الْمَيِّت , فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ عَصَبَة أَقْرَب إِلَى الْمَيِّت , وَلَوْ كَانَتْ أُنْثَى كَانَ الْمَال الْبَاقِي لَهَا , وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الْأَخَوَات مِنْ قِبَلِ الْأَبِ مَعَ الْبِنْت عَصَبَة فَصِرْنَ مَعَ الْبَنَات فِي حُكْم الذُّكُور مِنْ قِبَل الْإِرْث , وَقَالَ غَيْره : وَجْه كَوْن الْوَلَد الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى ( إِنْ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ) ذَكَرًا أَنَّهُ الَّذِي يَسْبِق إِلَى الْوَهْم مِنْ قَوْل الْقَائِل قَالَ وَلَد فُلَانٍ كَذَا , فَأَوَّل مَا يَقَع فِي نَفْس السَّامِع أَنَّ الْمُرَاد الذَّكَر وَإِنْ كَانَ الْإِنَاث أَيْضًا أَوْلَادًا بِالْحَقِيقَةِ وَلَكِنْ هُوَ أَمْرٌ شَائِعٌ , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ) وَقَالَ ( لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ) وَقَالَ حِكَايَة عَنْ الْكَافِر الَّذِي قَالَ ( لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ) وَالْمُرَاد بِالْأَوْلَادِ وَالْوَلَد فِي هَذِهِ الْآي الذُّكُور دُون الْإِنَاث ; لِأَنَّ الْعَرَب مَا كَانَتْ تَتَكَاثَر بِالْبَنَاتِ فَإِذَا حُمِلَ قَوْله تَعَالَى ( إِنْ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ) عَلَى الْوَلَد الذَّكَرِ لَمْ يَمْنَع الْأُخْتَ الْمِيرَاثَ مَعَ الْبِنْتِ , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون الْوَلَدُ فِي الْآيَةِ أَعَمَّ فَإِنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يُرَادَ بِهِ الْعُمُوم عَلَى ظَاهِره , وَأَنْ يُرَاد بِهِ خُصُوص الذَّكَر فَبَيَّنَتْ السُّنَّة الصَّحِيحَة أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الذُّكُور دُون الْإِنَاث , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : يُؤْخَذ مِنْ قِصَّة أَبِي مُوسَى وَابْن مَسْعُود جَوَاز الْعَمَل بِالْقِيَاسِ قَبْل مَعْرِفَة الْخَبَر , وَالرُّجُوع إِلَى الْخَبَر بَعْد مَعْرِفَته , وَنَقْضُ الْحُكْمِ إِذَا خَالَفَ النَّصَّ. قُلْت : وَيُؤْخَذ مِنْ صَنِيع أَبِي مُوسَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْعَمَل بِالِاجْتِهَادِ قَبْل الْبَحْث عَنْ النَّصّ , وَهُوَ لَائِقٌ بِمَنْ يَعْمَل بِالْعَامِّ قَبْل الْبَحْث عَنْ الْمُخَصِّص , وَقَدْ نَقَلَ اِبْن الْحَاجِب الْإِجْمَاع عَلَى مَنْع الْعَمَل بِالْعُمُومِ قَبْل الْبَحْث عَنْ الْمُخَصِّص , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ أَبَوَيْ إِسْحَاق الْإِسْفَرَايِينِي وَالشِّيرَازِيّ حَكَيَا الْخِلَاف , وَقَالَ أَبُو بَكْر الصَّيْرَفِيُّ وَطَائِفَةٌ : وَهُوَ الْمَشْهُور ; وَعَنْ الْحَنَفِيَّة يَجِب الِانْقِيَاد لِلْعُمُومِ فِي الْحَال , وَقَالَ اِبْن شُرَيْحٍ وَابْن خَيْرَانَ وَالْقَفَّال : يَجِب الْبَحْث , قَالَ أَبُو حَامِد : وَكَذَا الْخِلَاف فِي الْأَمْر وَالنَّهْي الْمُطْلَقِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6240",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَلْحِقُوا ‏ ‏الْفَرَائِضَ ‏ ‏بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ , وَوَجْه تَعَلُّقه بِالْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَبْقَى بَعْد الْفَرْض يُصْرَفُ لِأَقْرَب النَّاس لِلْمَيِّتِ فَكَانَ الْجَدّ أَقْرَب فَيُقَدَّم , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَقَدْ اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ شَرِكَ بَيْن الْجَدّ وَالْأَخ فَإِنَّهُ أَقْرَب إِلَى الْمَيِّت بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَنْفَرِد بِالْوَلَاءِ , وَلِأَنَّهُ يَقُوم مَقَام الْوَلَد فِي حَجْب الْأُمّ مِنْ الثُّلُث إِلَى السُّدُس , وَلِأَنَّ الْجَدّ إِنَّمَا يُدْلِي بِالْمَيِّتِ وَهُوَ وَلَد اِبْنه وَالْأَخ يُدْلِي بِالْمَيِّتِ وَهُوَ وَلَد أَبِيهِ وَالِابْن أَقْوَى مِنْ الْأَب ; لِأَنَّ الِابْن يَنْفَرِد بِالْمَالِ وَيَرُدّ الْأَب إِلَى السُّدُس وَلَا كَذَلِكَ الْأَب فَتَعْصِيب الْأَخ تَعْصِيبُ بُنُوَّةٍ وَتَعْصِيب الْجَدّ تَعْصِيب أُبُوَّة , وَالْبُنُوَّة أَقْوَى مِنْ الْأُبُوَّة فِي الْإِرْث , وَلِأَنَّ الْأُخْت فَرْضهَا النِّصْف إِذَا اِنْفَرَدَتْ فَلَمْ يُسْقِطْهَا الْجَدّ كَالْبِنْتِ , وَلِأَنَّ الْأَخ يُعَصِّبُ أُخْتَه بِخِلَافِ الْجَدّ فَامْتَنَعَ مِنْ قُوَّة تَعْصِيبه عَلَيْهِ أَنْ يَسْقُط بِهِ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : الْجَدّ أَصْل وَلَكِنَّ الْأَخ فِي الْمِيرَاث أَقْوَى سَبَبًا مِنْهُ ; لِأَنَّهُ يُدْلِي بِوِلَايَةِ الْأَب فَالْوِلَادَة أَقْوَى الْأَسْبَاب فِي الْمِيرَاث , فَإِنْ قَالَ الْجَدّ وَأَنَا أَيْضًا وَلَدْت الْمَيِّت قِيلَ لَهُ إِنَّمَا وَلَدْت وَالِده , وَأَبُوهُ وَلَدَ الْإِخْوَة فَصَارَ سَبَبهمْ قَوِيًّا وَوَلَد الْوَلَد لَيْسَ وَلَدًا إِلَّا بِوَاسِطَةٍ وَإِنْ شَارَكَهُ فِي مُطْلَق الْوَلَدِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "6241",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَمَّا الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ‏ ‏خَلِيلًا ‏ ‏لَاتَّخَذْتُهُ وَلَكِنْ ‏ ‏خُلَّةُ ‏ ‏الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ ‏ ‏أَوْ قَالَ خَيْرٌ ‏ ‏فَإِنَّهُ أَنْزَلَهُ أَبًا ‏ ‏أَوْ قَالَ قَضَاهُ أَبًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَيْضًا فِي فَضْل أَبِي بَكْر وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْمَنَاقِب , ‏ ‏وَقَوْله \" أَفْضَل أَوْ قَالَ خَيْر \" ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وَكَذَا قَوْله \" أَنْزَلَهُ أَبًا أَوْ قَالَ قَضَاهُ أَبًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "6242",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَرْقَاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ ‏ ‏حَظِّ ‏ ‏الْأُنْثَيَيْنِ وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ وَلِلزَّوْجِ ‏ ‏الشَّطْرَ ‏ ‏وَالرُّبُعَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَانَ الْمَال - أَيْ الْمُخَلَّفُ عَنْ الْمَيِّت - لِلْوَلَدِ وَالْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ \" ‏ ‏الْحَدِيث , قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْوَصَايَا وَذَكَرْت شَرْحَهُ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى سَنَدًا وَمَتْنًا وَلِلَّهِ الْحَمْد. قَالَ اِبْن الْمُنِير : اِسْتِشْهَاد الْبُخَارِيّ بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس هَذَا مَعَ أَنَّ الدَّلِيل مِنْ الْآيَة وَاضِح إِشَارَة مِنْهُ إِلَى تَقْرِير سَبَب نُزُول الْآيَة , وَأَنَّهَا عَلَى ظَاهِرهَا غَيْر مُؤَوَّلَة وَلَا مَنْسُوخَة , وَأَفَادَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ فِي الْآيَة الَّتِي نَسَخَتْهَا وَهِيَ ( يُوصِيكُمْ اللَّهُ ) إِشَارَةً إِلَى اِسْتِمْرَارِهَا ; فَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِالْفِعْلِ الدَّالّ عَلَى الدَّوَام بِخِلَافِ غَيْرهَا مِنْ الْآيَات حَيْثُ قَالَ فِي الْآيَة الْمَنْسُوخَة الْحُكْم ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ) الْآيَةَ. ‏ ‏قَوْله ( وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ ) ‏ ‏أَفَادَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ الْحِكْمَة فِي إِعْطَاء الْوَالِدَيْنِ ذَلِكَ وَالتَّسْوِيَة بَيْنهمَا لِيَسْتَمِرَّا فِيهِ فَلَا يُجْحِف بِهِمَا إِنْ كَثُرَتْ الْأَوْلَاد مَثَلًا , وَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ مَعَ وُجُود الْوَلَد أَوْ الْإِخْوَة لِمَا يَسْتَحِقّهُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الْمَيِّت مِنْ التَّرْبِيَة وَنَحْوهَا , وَفَضْل الْأَب عَلَى الْأُمّ عِنْد عَدَم الْوَلَد وَالْإِخْوَة لِمَا لِلْأَبِ مِنْ الِامْتِيَاز بِالْإِنْفَاقِ وَالنُّصْرَة وَنَحْو ذَلِكَ , وَعُوِّضَتْ الْأُمّ عَنْ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْوَلَد بِتَفْضِيلِهَا عَلَى الْأَب فِي الْبِرّ فِي حَال حَيَاة الْوَلَد. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّ الْأَب حَجَبَ الْإِخْوَة وَأَخَذَ سِهَامَهُمْ ; لِأَنَّهُ يَتَوَلَّى إِنْكَاحَهُمْ وَالْإِنْفَاقَ عَلَيْهِمْ دُونَ الْأُمِّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6243",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي لَحْيَانَ ‏ ‏سَقَطَ ‏ ‏مَيِّتًا ‏ ‏بِغُرَّةٍ ‏ ‏عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى لَهَا ‏ ‏بِالْغُرَّةِ ‏ ‏تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا وَأَنَّ ‏ ‏الْعَقْلَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عَصَبَتِهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة الْمَرْأَة الَّتِي ضَرَبَتْ الْأُخْرَى فَأَسْقَطَتْ جَنِينًا ثُمَّ مَاتَتْ الضَّارِبَة فَقَضَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنِين بِغُرَّةٍ وَأَنَّ الْعَقْل عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ وَأَنَّ مِيرَاث الضَّارِبَة لِبَنِيهَا وَزَوْجهَا , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الدِّيَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ عَلَى التَّرْجَمَة ظَاهِرَة , لِأَنَّ مِيرَاث الضَّارِبَة لِبَنِيهَا وَزَوْجهَا لَا لِعَصَبَتِهَا الَّذِينَ عَقَلُوا عَنْهَا فَوَرِثَ الزَّوْج مَعَ وَلَدِهِ , وَكَذَا لَوْ كَانَ الْأَب هُوَ الْمَيِّتَ لَوَرِثَتْ الْأُمّ مَعَ الْأَوْلَاد , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن التِّين. وَكَذَا لَوْ كَانَ هُنَاكَ عَصَبَةٌ بِغَيْرِ وَلَدٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "6244",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ قَضَى فِينَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ‏ ‏عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏النِّصْفُ لِلْابْنَةِ وَالنِّصْفُ لِلْأُخْتِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏قَضَى فِينَا وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَشُ ‏ ‏وَإِبْرَاهِيمُ ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ ‏ ‏وَالْأَسْوَد ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد , وَهُوَ خَال إِبْرَاهِيم الرَّاوِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَان : قَضَى فِينَا وَلَمْ يَذْكُر عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏الْقَائِل ذَلِكَ هُوَ شُعْبَة , وَسُلَيْمَان هُوَ الْأَعْمَش وَهُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. وَحَاصِله أَنَّ الْأَعْمَش رَوَى الْحَدِيث أَوَّلًا بِإِثْبَاتِ قَوْله \" عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فَيَكُون مَرْفُوعًا عَلَى الرَّاجِح فِي الْمَسْأَلَة وَمَرَّةً بِدُونِهَا فَيَكُون مَوْقُوفًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْقَاسِم بْن زَكَرِيَّا عَنْ بِشْر بْن خَالِد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ مِثْله لَكِنْ قَالَ : قَالَ سُلَيْمَان بَعْد قَالَ الْقَاسِم وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى حَدَّثَنَا خَالِد بِسَنَدِهِ بِلَفْظِ \" قَضَى بِذَلِكَ مُعَاذ فِينَا \". قُلْت وَقَدْ مَضَى فِي \" بَاب مِيرَاث الْبَنَات \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَسْوَد بْن يَزِيد قَالَ \" أَتَانَا مُعَاذ بْن جَبَل بِالْيَمَنِ مُعَلِّمًا وَأَمِيرًا , فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَجُل فَذَكَرَهُ \" وَسِيَاقه مُشْعِر بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي أَمَّرَهُ عَلَى الْيَمَن كَمَا مَضَى صَرِيحًا فِي كِتَاب الزَّكَاة وَغَيْره , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ وَجْه ثَالِث عَنْ الْأَسْوَد \" أَنَّ مُعَاذًا وَرِثَ فَذَكَرَهُ \". وَزَادَ \" هُوَ بِالْيَمَنِ وَنَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ حَيّ \" ولِلدّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَسْوَد \" قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاذ حِين بَعَثَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَهُ بِاخْتِصَارٍ. وَهَذَا أَصْرَحُ مَا وَجَدْت فِي ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6245",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هُزَيْلٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏لَأَقْضِيَنَّ فِيهَا بِقَضَاءِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوْ قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏للْابْنَةِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ ‏ ‏الِابْنِ السُّدُسُ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَهْدِيٍّ وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو قَيْس هُوَ عَبْد الرَّحْمَن , وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُ وَشَرْحُ حَدِيثِهِ قَبْلَ هَذَا بِأَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ أَبِي قَيْس , وَفِيهِ قِصَّة أَبِي مُوسَى , وَجَزَمَ فِيهِ بِقَوْلِهِ \" لَأَقْضِيَنَّ فِيهَا بِقَضَاءِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَمَّا قَوْلُهُ هُنَا \" أَوْ قَالَ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَهُوَ شَكٌّ مِنْ بَعْض رُوَاتِهِ , وَأَكْثَر الرُّوَاة أَثْبَتُوا الزِّيَادَة , فَفِي رِوَايَة وَكِيع وَغَيْره عَنْ سُفْيَان عِنْد النَّسَائِيِّ وَغَيْره \" سَأَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَمُرَاده بِالْقَضَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ الْفُتْيَا فَإِنَّ اِبْن مَسْعُود يَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُنْ قَاضِيًا وَلَا أَمِيرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6246",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَا مَرِيضٌ فَدَعَا ‏ ‏بِوَضُوءٍ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ ثُمَّ ‏ ‏نَضَحَ ‏ ‏عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا لِي أَخَوَاتٌ فَنَزَلَتْ ‏ ‏آيَةُ الْفَرَائِضِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6247",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ خَاتِمَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ ‏ { ‏يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ‏ ‏الْكَلَالَةِ ‏ }",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق عَنْهُ \" آخِر آيَة نَزَلَتْ خَاتِمَة سُورَة النِّسَاء : يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ \" وَأَرَادَ بِذَلِكَ مَا فِيهَا مِنْ التَّنْصِيصِ عَلَى مِيرَاث الْإِخْوَة , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي \" الْمَرَاسِيل \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن \" جَاءَ رَجُل , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَا الْكَلَالَة ؟ قَالَ : مَنْ لَمْ يَتْرُك وَلَدًا وَلَا وَالِدًا فَوَرَثَتُهُ كَلَالَةٌ \". وَوَقَعَ فِي صَحِيح مُسْلِمٍ عَنْ عُمَر أَنَّهُ خَطَبَ ثُمَّ قَالَ \" إِنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنْ الْكَلَالَة , وَمَا رَاجَعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَاجَعْته فِي الْكَلَالَة حَتَّى طَعَنَ بِأُصْبُعِهِ فِي صَدْرِي فَقَالَ : أَلَا يَكْفِيك آيَةُ النِّصْفِ الَّتِي فِي آخِر سُورَةِ النِّسَاءِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6248",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَمَالُهُ لِمَوَالِي ‏ ‏الْعَصَبَةِ ‏ ‏وَمَنْ تَرَكَ ‏ ‏كَلًّا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏ضَيَاعًا ‏ ‏فَأَنَا وَلِيُّهُ فَلِأُدْعَى لَهُ الْكَلُّ الْعِيَالُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مَحْمُود ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غَيْلَان ‏ ‏وَعُبَيْد اللَّه ‏ ‏شَيْخه هُوَ اِبْن مُوسَى وَقَدْ حَدَّثَ الْبُخَارِيّ عَنْهُ كَثِيرًا بِغَيْرِ وَاسِطَة ‏ ‏وَإِسْرَائِيل ‏ ‏هُوَ اِبْن يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق ‏ ‏وَأَبُو حَصِين ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله هُوَ عُثْمَان بْن عَاصِم ‏ ‏وَأَبُو صَالِح ‏ ‏هُوَ ذَكْوَانُ السَّمَّان. ‏ ‏قَوْله ( أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ هُنَا \" أَزْوَاجه أُمَّهَاتهمْ \" قَالَ عِيَاض : وَهِيَ زِيَادَة فِي الْحَدِيث لَا مَعْنَى لَهَا هُنَا. ‏ ‏قَوْل ( فَلْأُدْعَى لَهُ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : هِيَ لَام الْأَمْر أَصْلهَا الْكَسْر وَقَدْ تُسَكَّنُ مَعَ الْفَاء وَالْوَاو غَالِبًا فِيهِمَا وَإِثْبَات الْأَلْف بَعْد الْعَيْن جَائِز كَقَوْلِهِ \" أَلَمْ يَأْتِيك وَالْأَخْبَارُ تَنْمِي \" وَالْأَصْل عَدَم الْإِشْبَاع لِلْجَزْمِ , وَالْمَعْنَى فَادْعُونِي لَهُ أَقُوم بِكَلِّهِ وَضِيَاعِهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَالْكَلُّ الْعِيَالُ ) ‏ ‏ثَبَتَ هَذَا التَّفْسِير فِي آخِر الْحَدِيث فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ والْكُشْمِيهَنِيِّ , وَأَصْل الْكَلِّ الثِّقَلُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ أَمْرٍ يَصْعُبُ , وَالْعِيَالُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ , وَقَالَ صَاحِبُ الْأَسَاسِ : كَلَّ بَصَرُهُ فَهُوَ كَلِيلٌ , وَكَلَّ عَنْ الْأَمْرِ لَمْ تَنْبَعِثْ نَفْسُهُ لَهُ , وَكَلَّ كَلَالَةً أَيْ قَصُرَ عَنْ بُلُوغِ الْقَرَابَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6249",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَوْحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَلْحِقُوا ‏ ‏الْفَرَائِضَ ‏ ‏بِأَهْلِهَا فَمَا تَرَكَتْ ‏ ‏الْفَرَائِضُ ‏ ‏فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ ‏",
        "sharh": "قَدْ مَضَى شَرْح حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي أَوَائِل الْفَرَائِض , ‏ ‏وَرَوْح شَيْخ يَزِيد بْن زُرَيْعٍ فِيهِ ‏ ‏هُوَ اِبْن الْقَاسِم الْمِنْبَرِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6250",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَكُمْ ‏ ‏إِدْرِيسُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏طَلْحَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ { ‏وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا ‏ ‏مَوَالِيَ ‏ } { ‏وَالَّذِينَ ‏ ‏عَاقَدَتْ ‏ ‏أَيْمَانُكُمْ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏حِينَ قَدِمُوا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏يَرِثُ الْأَنْصَارِيُّ الْمُهَاجِرِيَّ دُونَ ‏ ‏ذَوِي ‏ ‏رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا ‏ ‏مَوَالِيَ ‏ } ‏قَالَ ‏ ‏نَسَخَتْهَا ‏ { ‏وَالَّذِينَ ‏ ‏عَاقَدَتْ ‏ ‏أَيْمَانُكُمْ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهْوَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت لِأَبِي أُسَامَة حَدَّثَكُمْ إِدْرِيس ) ‏ ‏أَيْ اِبْن يَزِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَوْدِيُّ وَالِد عَبْد اللَّه , وَطَلْحَة شَيْخُهُ هُوَ اِبْن مُصَرِّف , وَقَدْ نَسَبَهُ الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِير مِنْ رِوَايَة الصَّلْت بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِي أُسَامَة , وَقَالَ فِي آخِره \" سَمِعَ إِدْرِيس مِنْ طَلْحَة وَأَبُو أُسَامَة مِنْ إِدْرِيس \" وَقَدْ صَرَّحَ هُنَا بِالثَّانِي. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ عَنْ هَارُون اِبْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِي أُسَامَة \" حَدَّثَنِي إِدْرِيس بْن يَزِيد حَدَّثَنَا طَلْحَة بْن مُصَرِّفٍ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْهَنْجَانِيّ عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ أَبِي أُسَامَة , وَكَذَا عِنْد الطَّبَرِيّ عَنْ أَبِي كُرَيْب. ‏ ‏قَوْله ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ). قَالَ : كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِين قَدِمُوا الْمَدِينَة يَرِث الْأَنْصَارِيّ الْمُهَاجِرِيّ دُون ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنهمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) قَالَ : نَسَخَتْهَا ( وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ نَسَخَتْهَا ( وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) وَالصَّوَاب أَنَّ الْمَنْسُوخَة ( وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) وَالنَّاسِخَة ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) قَالَ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ بَيَان ذَلِكَ وَلَفْظُهُ \" فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) نُسِخَتْ \". قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكَفَالَة التَّفْسِير مِنْ رِوَايَة الصَّلْت بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِي أُسَامَة مِثْل مَا عَزَاهُ لِلطَّبَرِيِّ فَكَانَ عَزْوُهُ إِلَى مَا فِي الْبُخَارِيّ أَوْلَى , مَعَ أَنَّ فِي سِيَاقِهِ فَائِدَةً أُخْرَى وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) وَرَثَةً , فَأَفَادَ تَفْسِير الْمَوَالِي بِالْوَرَثَةِ , وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ قَوْله : ( وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) اِبْتِدَاءُ شَيْءٍ يُرِيد أَنْ يُفَسِّرَهُ أَيْضًا , وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة الصَّلْت \" ثُمَّ قَالَ : ( وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ ) وَبَقِيَ قَوْله نَسَخَتْهَا مُشْكِلًا كَمَا قَالَ اِبْن بَطَّال \" وَقَدْ أَجَابَ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة فَقَالَ : الضَّمِير فِي نَسَخَتْهَا عَائِدٌ عَلَى الْمُؤَاخَاة لَا عَلَى الْآيَة , وَالضَّمِير فِي نَسَخَتْهَا وَهُوَ الْفَاعِل الْمُسْتَتِر يَعُود عَلَى قَوْله : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) وَقَوْله : ( وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) بَدَلٌ مِنْ الضَّمِيرِ , وَأَصْل الْكَلَام لَمَّا نَزَلَتْ ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) نَسَخَتْ ( وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَاعِلُ نَسَخَتْهَا آيَةُ جَعَلْنَا وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ مَنْصُوب بِإِضْمَارِ أَعْنِي. قُلْت : وَوَقَعَ فِي سِيَاقه هُنَا أَيْضًا مَوْضِع آخَر وَهُوَ أَنَّهُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ : \" يَرِث الْأَنْصَارِيّ الْمُهَاجِرِيّ \" وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَة الصَّلْت بِالْعَكْسِ , وَأَجَابَ عَنْهُ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمَقْصُود إِثْبَات الْوِرَاثَة بَيْنَهُمَا فِي الْجُمْلَة. قُلْت : وَالْأَوْلَى أَنْ يُقْرَأَ الْأَنْصَارِيَّ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ فَتَتَّحِد الرِّوَايَتَانِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الصَّلْت مَوْضِع ثَالِث مُشْكِل , وَهُوَ قَوْله : ( وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) مِنْ النَّصْر إِلَخْ , وَظَاهِر الْكَلَام أَنَّ قَوْله مِنْ النَّصْر يَتَعَلَّق بِـ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ : ( فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو كُرَيْب فِي رِوَايَته , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ هَارُون بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِي أُسَامَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير النِّسَاء عِدَّة طُرُق لِذَلِكَ مَعَ إِعْرَاب الْآيَة , وَالْكَلَام عَلَى حُكْم الْمُعَاقَدَة الْمَذْكُورَة وَنَسْخهَا بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته , وَالْمُرَاد بِإِيرَادِ الْحَدِيث هُنَا أَنَّ قَوْله تَعَالَى : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) نَسَخَ حُكْم الْمِيرَاث الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ( وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) قَالَ اِبْن بَطَّال : أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ النَّاسِخ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) قَوْله تَعَالَى فِي الْأَنْفَال : ( وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ) وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عُبَيْد فِي \" النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ \". قُلْت : كَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : كَانَ جَمَاعَة مِنْ الْمُحَدِّثِينَ يَرْوُونَ الْحَدِيث مِنْ حِفْظِهِمْ فَتَقْصُر عِبَارَاتُهُمْ خُصُوصًا الْعَجَم فَلَا يَبِينُ لِلْكَلَامِ رَوْنَقُ مِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي هَذَا الْحَدِيث , وَبَيَان ذَلِكَ أَنَّ مُرَاد الْحَدِيث الْمَذْكُور أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ آخَى بَيْن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِتِلْكَ الْأُخُوَّة وَيَرَوْنَهَا دَاخِلَة فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) فَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى : ( وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) نُسِخَ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَبَقِيَ النَّصْرُ وَالرِّفَادَةُ وَجَوَاز الْوَصِيَّة لَهُمْ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْعَوْفِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس بَيَان السَّبَب فِي إِرْثِهِمْ قَالَ : كَانَ الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّة يَلْحَق بِهِ الرَّجُل فَيَكُون تَابِعَهُ , فَإِذَا مَاتَ الرَّجُل صَارَ لِأَقَارِبِهِ الْمِيرَاث وَبَقِيَ تَابِعُهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ , فَنَزَلَتْ ( وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) فَكَانُوا يُعْطُونَهُ مِنْ مِيرَاثِهِ , ثُمَّ نَزَلَتْ ( وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) فَنُسِخَ ذَلِكَ. قُلْت : وَالْعَوْفِيّ ضَعِيف , وَاَلَّذِي فِي الْبُخَارِيّ هُوَ الصَّحِيح الْمُعْتَمَد , وَتَصْحِيح السِّيَاق قَدْ ظَهَرَ مِنْ نَفْس الرِّوَايَة , وَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة قَدَّمَ بَعْض الْأَلْفَاظ عَلَى بَعْض , وَحَذَفَ مِنْهَا شَيْئًا , وَأَنَّ بَعْضَهُمْ سَاقَهَا عَلَى الِاسْتِقَامَة , وَذَلِكَ هُوَ الْمُعْتَمَد. قَالَ اِبْن بَطَّال : اِخْتَلَفَ الْفُقَهَاء فِي تَوْرِيث ذَوِي الْأَرْحَام وَهُمْ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ , وَلَيْسَ بِعَصَبَةٍ , فَذَهَبَ أَهْل الْحِجَاز وَالشَّام إِلَى مَنْعِهِمْ الْمِيرَاثَ , وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق إِلَى تَوْرِيثهمْ , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ) وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِهَا مَنْ لَهُ سَهْم فِي كِتَاب اللَّه ; لِأَنَّ آيَة الْأَنْفَال مُجْمَلَةٌ وَآيَة الْمَوَارِيث مُفَسِّرَةٌ , وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِعَصَبَتِهِ \" وَأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْك الْقَوْل بِظَاهِرِهَا فَجَعَلُوا مَا يَخْلُفُهُ الْمَعْتُوقُ إِرْثًا لِعَصَبَتِهِ دُون مَوَالِيهِ فَإِنْ فُقِدُوا فَلِمَوَالِيهِ دُون ذَوِي رَحِمِهِ , وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْرِيثِهِمْ فَقَالَ أَبُو عُبَيْد : رَأَى أَهْل الْعِرَاق رَدَّ مَا بَقِيَ مِنْ ذَوِي الْفُرُوض إِذَا لَمْ تَكُنْ عَصَبَة عَلَى ذَوِي الْفُرُوض , وَإِلَّا فَعَلَيْهِمْ وَعَلَى الْعَصَبَة , فَإِنْ فُقِدُوا أَعْطَوْا ذَوِي الْأَرْحَام , وَكَانَ اِبْن مَسْعُود يُنَزِّل كُلَّ ذِي رَحِمٍ مَنْزِلَة مَنْ يَجُرّ إِلَيْهِ , وَأَخْرَجَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ جَعَلَ الْعَمَّة كَالْأَبِ وَالْخَالَة كَالْأُمِّ فَقَسَمَ الْمَال بَيْنهمَا أَثْلَاثًا , وَعَنْ عَلِيّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرُدّ عَلَى الْبِنْت دُون الْأُمّ , وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ حَدِيث \" الْخَال وَارِث مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ \" وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره , وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يُرَادَ بِهِ إِذَا كَانَ عَصَبَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور السَّلْب كَقَوْلِهِمْ \" الصَّبْر حِيلَة مَنْ لَا حِيلَة لَهُ \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ السُّلْطَان ; لِأَنَّهُ خَال الْمُسْلِمِينَ , حَكَى هَذِهِ الِاحْتِمَالَات اِبْن الْعَرَبِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6251",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏لَاعَنَ ‏ ‏امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَانْتَفَى ‏ ‏مِنْ وَلَدِهَا ‏ ‏فَفَرَّقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر الْمُخْتَصَر فِي الْمُلَاعَنَة قَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي كِتَاب اللِّعَان وَمِنْ وَجْه آخَر مُطَوَّل عَنْ اِبْن عُمَر وَمِنْ حَدِيث سَهْل بْن سَعْد , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله : \" وَأَلْحَقَ الْوَلَد بِالْمَرْأَةِ \" وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي مَعْنَى إِلْحَاقه بِأُمِّهِ مَعَ اِتِّفَاقهمْ عَلَى أَنَّهُ لَا مِيرَاث بَيْنه وَبَيْن الَّذِي نَفَاهُ , فَجَاءَ عَنْ عَلِيّ وَابْن مَسْعُود أَنَّهُمَا قَالَا فِي اِبْن الْمُلَاعَنَة : \" عَصَبَتُهُ عَصَبَة أُمّه يَرِثهُمْ وَيَرِثُونَهُ \" أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيّ , وَجَاءَ عَنْ عَلِيّ وَابْن مَسْعُود أَنَّهُمَا كَانَا يَجْعَلَانِ أُمّه عَصَبَة وَحْدهَا فَتُعْطَى الْمَال كُلّه , فَإِنَّ مَاتَتْ أُمّه قَبْله فَمَاله لِعَصَبَتِهَا , وَبِهِ قَالَ جَمَاعَة مِنْهُمْ الْحَسَن وَابْن سِيرِينَ وَمَكْحُولٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَد فِي رِوَايَة , وَجَاءَ عَنْ عَلِيّ أَنَّ اِبْن الْمُلَاعَنَة تَرِثهُ أُمّه وَإِخْوَته مِنْهَا فَإِنْ فَضَلَ شَيْء فَهُوَ لِبَيْتِ الْمَال , وَهَذَا قَوْل زَيْد بْن ثَابِت وَجُمْهُور الْعُلَمَاء وَأَكْثَر فُقَهَاء الْأَمْصَار , قَالَ مَالِك : وَعَلَى هَذَا أَدْرَكْت أَهْل الْعِلْم , وَأَخْرَجَ عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : بَعَثَ أَهْل الْكُوفَة إِلَى الْحِجَاز فِي زَمَن عُثْمَان يَسْأَلُون عَنْ مِيرَاث اِبْن الْمُلَاعَنَة فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُ لِأُمّه وَعَصَبَتِهَا , وَجَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ عَلِيُّ أَنَّهُ أَعْطَى الْمُلَاعَنَة الْمِيرَاثَ وَجَعَلَهَا عَصَبَةً , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : الرِّوَايَة الْأُولَى أَشْهَرُ عِنْد أَهْل الْفَرَائِض , قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا الْخِلَاف إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ حَدِيث الْبَاب حَيْثُ جَاءَ فِيهِ : \" وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ \" لِأَنَّهُ لَمَّا أُلْحِقَ بِهَا قَطَعَ نَسَبَ أَبِيهِ فَصَارَ كَمَنْ لَا أَب لَهُ مِنْ أَوْلَاد الْبَغِيّ , وَتَمَسَّكَ الْآخَرُونَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ إِقَامَتهَا مَقَام أَبِيهِ فَجَعَلُوا عَصَبَة أُمّه عَصَبَة أَبِيهِ. قُلْت : وَقَدْ جَاءَ فِي الْمَرْفُوع مَا يُقَوِّي الْقَوْل الْأَوَّل , فَأَخْرُج أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة مَكْحُول مُرْسَلًا وَمِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ : \" جَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيرَاث اِبْن الْمُلَاعَنَة لِأُمّه وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدهَا \" وَلِأَصْحَابِ السُّنَن الْأَرْبَعَة عَنْ وَاثِلَة رَفَعَهُ \" تَحُوز الْمَرْأَة ثَلَاثَة مَوَارِيث : عَتِيقهَا وَلَقِيطهَا وَوَلَدهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لَيْسَ بِثَابِتٍ. قُلْت : وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَلَيْسَ فِيهِ سِوَى عُمَر بْن رُؤْبَة بِضَمِّ الرَّاء وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا مُوَحَّدَة مُخْتَلَف فِيهِ , قَالَ الْبُخَارِيّ : فِيهِ نَظَرٌ , وَوَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ , وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد اِبْن الْمُنْذِر وَمِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر عَنْ رَجُل مِنْ أَهْل الشَّام \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِهِ لِأُمَّةِ هِيَ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ وَأُمّه \" وَفِي رِوَايَة أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد كَتَبَ إِلَى صَدِيق لَهُ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة يَسْأَلهُ عَنْ وَلَد الْمُلَاعَنَة فَكَتَبَ إِلَيْهِ \" إِنِّي سَأَلْت فَأُخْبِرْت أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِهِ لِأُمَّةِ \" وَهَذِهِ طُرُق يَقْوَى بَعْضهَا بِبَعْضٍ , قَالَ اِبْن بَطَّال : تَمَسَّكَ بَعْضهمْ بِالْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ أَنَّ الْمُلَاعَنَة بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ وَأُمّه , وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّة لِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ وَأُمّه فِي تَرْبِيَته وَتَأْدِيبه وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَتَوَلَّاهُ أَبُوهُ , فَأَمَّا الْمِيرَاث فَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ اِبْن الْمُلَاعَنَة لَوْ لَمْ تُلَاعَنْ أُمُّهُ وَتَرَكَ أُمّه وَأَبَاهُ كَانَ لِأُمِّهِ السُّدُس , فَلَوْ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ وَأُمّه لَوَرِثَتْ سُدُسَيْنِ فَقَطْ سُدُس بِالْأُمُومَةِ وَسُدُس بِالْأُبُوَّةِ , كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَر تَصْوِيرًا وَاسْتِدْلَالًا وَحُجَّة الْجُمْهُور مَا تَقَدَّمَ فِي اللِّعَان أَنَّ فِي رِوَايَة فُلَيْح عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْل فِي آخِره \" فَكَانَتْ السُّنَّة فِي الْمِيرَاث أَنْ يَرِثَهَا وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فُرِضَ لَهَا \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ \" فَإِنَّهُ جَعَلَ مَا فَضَلَ عَنْ أَهْل الْفَرَائِض لِعَصَبَةِ الْمَيِّت دُون عَصَبَة أُمّه , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِ الْمُلَاعَنَة عَصَبَة مِنْ قِبَل أَبِيهِ فَالْمُسْلِمُونَ عَصَبَتُهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا \". ‏"
    },
    {
        "id": "6252",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عُتْبَةُ ‏ ‏عَهِدَ ‏ ‏إِلَى أَخِيهِ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ ‏ ‏زَمْعَةَ ‏ ‏مِنِّي فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ أَخَذَهُ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏فَقَالَ ابْنُ أَخِي عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ فَقَامَ ‏ ‏عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏فَقَالَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ‏ ‏فَتَسَاوَقَا ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ لَكَ يَا ‏ ‏عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ‏ ‏الْوَلَدُ ‏ ‏لِلْفِرَاشِ ‏ ‏وَلِلْعَاهِرِ ‏ ‏الْحَجَرُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ‏ ‏احْتَجِبِي مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ ‏ ‏بِعُتْبَةَ ‏ ‏فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عُرْوَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي الْعِتْق \" حَدَّثَنِي عُرْوَة \" وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه اِبْن مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِك فِي الْمَغَازِي لَكِنْ أَخْرَجَهُ فِي الْوَصَايَا بِلَفْظِ عَنْ عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ عُتْبَةُ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن قَزَعَة عَنْ مَالِك فِي أَوَائِل الْبُيُوع اِبْن أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَكَذَا فِي رِوَايَة شُعَيْب وَاللَّيْث وَغَيْرهمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ الْمَاضِيَة فِي الْأَشْخَاص : أَوْصَانِي أَخِي إِذَا قَدِمْت يَعْنِي مَكَّةَ أَنْ أَقْبِضَ إِلَيْك اِبْنَ أَمَةِ زَمْعَةَ فَإِنَّهُ اِبْنِي. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ اِبْن وَلِيدَة زَمْعَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن شِهَاب الْمَاضِيَة فِي الْمَظَالِم اِبْن أَمَة زَمْعَةَ , وَالْوَلِيدَة فِي الْأَصْل الْمَوْلُودَة , وَتُطْلَق عَلَى الْأَمَة , وَهَذِهِ الْوَلِيدَة لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا لَكِنْ ذَكَرَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَابْن أَخِيهِ الزُّبَيْر فِي \" نَسَبِ قُرَيْشٍ \" أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً يَمَانِيَّةً , وَالْوَلِيدَة فَعِيلَةٌ مِنْ الْوِلَادَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة , قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : هِيَ الصِّبْيَةُ وَالْأَمَة وَالْجَمْع وَلَائِدُ , وَقِيلَ إِنَّهَا اِسْم لِغَيْرِ أُمّ الْوَلَد. وَزَمْعَة بِفَتْحِ الزَّاي وَسُكُون الْمِيم وَقَدْ تُحَرَّك , قَالَ النَّوَوِيّ : التَّسْكِين أَشْهَرُ , وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد الْوَقْشِيّ : التَّحْرِيك هُوَ الصَّوَابُ. قُلْت : وَالْجَارِي عَلَى أَلْسِنَة الْمُحَدِّثِينَ التَّسْكِين فِي الِاسْم وَالتَّحْرِيك فِي النِّسْبَة , وَهُوَ اِبْن قَيْس بْن عَبْد شَمْس الْقُرَشِيّ الْعَامِرِيّ وَالِد سَوْدَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَبْد بْن زَمْعَةَ بِغَيْرِ إِضَافَة , وَوَقَعَ فِي \" مُخْتَصَر اِبْن الْحَاجِب \" عَبْد اللَّه وَهُوَ غَلَط , نَعَمْ عَبْد اللَّه بْن زَمْعَةَ آخَر , وَفِي بَعْض الطُّرُق مِنْ غَيْر رِوَايَة عَائِشَة عِنْد الطَّحَاوِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَمْعَةَ وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ غَلَط وَأَنَّ عَبْد اللَّه بْن زَمْعَةَ هُوَ اِبْن الْأَسْوَد اِبْن الْمُطَّلِب بْن أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى آخَر. قُلْت : وَهُوَ الَّذِي مَضَى حَدِيثه فِي تَفْسِير ( وَالشَّمْس وَضُحَاهَا ) وَقَدْ وَقَعَ لِابْنِ مَنْدَهْ خَبْطٌ فِي تَرْجَمَة عَبْد الرَّحْمَن بْن زَمْعَةَ فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن وَعَبْد اللَّه وَعَبْدًا إِخْوَة ثَلَاثَة أَوْلَاد زَمْعَةَ بْن الْأَسْوَد , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَة وَعَبْد الرَّحْمَن أَخَوَانِ عَامِرِيَّانِ مِنْ قُرَيْش , وَعَبْد اللَّه بْن زَمْعَةَ قُرَشِيٌّ أَسَدِيّ مِنْ قُرَيْش أَيْضًا , وَقَدْ أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي \" الْإِصَابَة فِي تَمْيِيز الصَّحَابَة \" وَالِابْن الْمَذْكُور اِسْمه عَبْد الرَّحْمَن وَذَكَره اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي الصَّحَابَة وَغَيْره , وَقَدْ أَعْقَبَ بِالْمَدِينَةِ. وَعُتْبَة بْن أَبِي وَقَّاصٍ أَخُو سَعْد مُخْتَلَف فِي صُحْبَتِهِ فَذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَة الْعَسْكَرِيُّ وَذَكَرَ مَا نَقَلَهُ الزُّبَيْر بْن بَكَّار فِي النَّسَب أَنَّهُ كَانَ أَصَابَ دَمًا بِمَكَّة فِي قُرَيْش فَانْتَقَلَ إِلَى الْمَدِينَة , وَلَمَّا مَاتَ أَوْصَى إِلَى سَعْد , وَذَكَرَهُ اِبْن مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَة وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدًا إِلَّا قَوْل سَعْد \" عَهِدَ إِلَىَّ أَخِي أَنَّهُ وَلَده \" وَاسْتَنْكَرَ أَبُو نُعَيْم ذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّهُ الَّذِي شَجَّ وَجْه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُحُدٍ , قَالَ وَمَا عَلِمْت لَهُ إِسْلَامًا , بَلْ قَدْ رَوَى عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق عُثْمَان الْجَزَرِيِّ عَنْ مِقْسَمٍ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا بِأَنْ لَا يَحُول عَلَى عُتْبَةَ الْحَوْل حَتَّى يَمُوت كَافِرًا فَمَاتَ قَبْل الْحَوْل \" وَهَذَا مُرْسَل , وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب بِنَحْوِهِ , وَأَخْرَجَ الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" مِنْ طَرِيق صَفْوَان بْن سُلَيْمٍ عَنْ أَنَس أَنَّهُ سَمِعَ حَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ يَقُول \" إِنَّ عُتْبَةَ لَمَّا فَعَلَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فَعَلَ تَبِعْته فَقَتَلْته \" , كَذَا قَالَ وَجَزَمَ اِبْن التِّين وَالدِّمْيَاطِيّ بِأَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا. قُلْت : وَأُمّ عُتْبَةَ هِنْد بِنْت وَهْب بْن الْحَارِث بْن زُهْرَة , وَأُمّ أَخِيهِ سَعْد حَمْنَةُ بِنْتُ سُفْيَانَ بْن أُمِّيَّةَ. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا كَانَ عَام الْفَتْح أَخَذَهُ سَعْد فَقَالَ اِبْن أَخِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي الْمَغَازِي \" فَلَمَّا قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة فِي الْفَتْح , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد أَحْمَد , وَهِيَ لِمُسْلِمٍ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظهَا \" فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْح رَأَى سَعْد الْغُلَام فَعَرَفَهُ بِالشَّبَهِ فَاحْتَضَنَهُ وَقَالَ اِبْن أَخِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ \" وَفِي رِوَايَة اللَّيْث \" فَقَالَ سَعْد يَا رَسُول اللَّه هَذَا اِبْن أَخِي عُتْبَةَ بْن أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَنَّهُ اِبْنُهُ \" وَعُتْبَة بِالْجَرِّ بَدَل مِنْ لَفْظ أَخِي أَوْ عَطْف بَيَان , وَالضَّمِير فِي أَخِي لِسَعْدٍ لَا لِعُتْبَةَ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَامَ عَبْد بْن زَمْعَة فَقَالَ أَخِي وَابْن وَلِيدَة أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" فَجَاءَ عَبْد بْن زَمْعَة فَقَالَ بَلْ هُوَ أَخِي وُلِدَ عَلَى فِرَاش أَبِي مِنْ جَارِيَته \" وَفِي رِوَايَة يُونُس \" يَا رَسُول اللَّه هَذَا أَخِي هَذَا اِبْن زَمْعَة وُلِدَ عَلَى فِرَاشِه \" زَادَ فِي رِوَايَة اللَّيْث \" اُنْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ يَا رَسُول اللَّه \" وَفِي رِوَايَة يُونُس \" فَنَظَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ أَشْبَه النَّاس بِعُتْبَة بْن أَبِي وَقَاصّ \" وَفِي رِوَايَة اللَّيْث \" فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَة \" وَكَذَا لِابْنِ عُيَيْنَة عِنْد أَبِي دَاوُد وَغَيْره , قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَتَبِعَهُ عِيَاض وَالْقُرْطُبِيّ وَغَيْرهمَا : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَقْتَنُونَ الْوَلَائِد وَيُقَرِّرُونَ عَلَيْهِنَّ الضَّرَائِب فَيَكْتَسِبْنَ بِالْفُجُورِ , وَكَانُوا يُلْحِقُونَ النَّسَب بِالزُّنَاةِ إِذَا ادَّعَوا الْوَلَد كَمَا فِي النِّكَاح , وَكَانَتْ لِزَمْعَةَ أَمَة وَكَانَ يُلِمُّ بِهَا فَظَهَرَ بِهَا حَمْل زَعَمَ عُتْبَة بْن أَبِي وَقَاصّ أَنَّهُ مِنْهُ وَعَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْد أَنْ يَسْتَلْحِقَهُ , فَخَاصَمَ فِيهِ عَبْد بْن زَمْعَة , فَقَالَ لِي سَعْد : هُوَ اِبْن أَخِي عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْر فِي الْجَاهِلِيَّة , وَقَالَ عَبْد : هُوَ أَخِي عَلَى مَا اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْر فِي الْإِسْلَام , فَأَبْطَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْم الْجَاهِلِيَّة وَأَلْحَقَهُ بِزَمْعَة , وَأَبْدَلَ عِيَاض قَوْله إِذَا ادَّعَوا الْوَلَد بِقَوْلِهِ إِذَا اِعْتَرَفَتْ بِهِ الْأُمّ , وَبَنَى عَلَيْهِمَا الْقُرْطُبِيّ فَقَالَ : وَلَمْ يَكُنْ حَصَلَ إِلْحَاقه بِعُتْبَة فِي الْجَاهِلِيَّة إِمَّا لِعَدَمِ الدَّعْوَى وَإِمَّا لِكَوْنِ الْأُمّ لَمْ تَعْتَرِف بِهِ لِعُتْبَة. قُلْت : وَقَدْ مَضَى فِي النِّكَاح مِنْ حَدِيث عَائِشَة مَا يُؤَيِّد أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَبِرُونَ اِسْتِلْحَاق الْأُمّ فِي صُورَة وَإِلْحَاق الْقَائِف فِي صُورَة وَلَفْظهَا \" إِنَّ النِّكَاح فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَ عَلَى أَرْبَعَة أَنْحَاء \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" يَجْتَمِع الرَّهْط مَا دُون الْعَشْر فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَة كُلّهمْ يُصِيبهَا , فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمَضَتْ لَيَالٍ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ فَاجْتَمَعُوا عِنْدهَا فَقَالَتْ : قَدْ وَلَدَتْ فَهُوَ اِبْنك يَا فُلَان , فَيُلْحَق بِهِ وَلَدهَا وَلَا يَسْتَطِيع أَنْ يَمْتَنِع \" إِلَى أَنْ قَالَتْ \" وَنِكَاح الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابهنَّ رَايَات , فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ , فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ فَوَضَعَتْ جَمَعُوا لَهَا الْقَافَة ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدهَا بِاَلَّذِي يَرَى الْقَائِف لَا يَمْتَنِع مِنْ ذَلِكَ \" اِنْتَهِي. وَاللَّائِق بِقِصَّةِ أَمَة زَمْعَة الْأَخِير , فَلَعَلَّ جَمْع الْقَافَة لِهَذَا الْوَلَد تَعَذَّرَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوه , أَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ بِصِفَةِ الْبَغَايَا بَلْ أَصَابَهَا عُتْبَة سِرًّا مِنْ زِنًا وَهُمَا كَافِرَانِ فَحَمَلَتْ وَوَلَدَتْ وَلَدًا يُشْبِههُ فَغَلَبَ عَلَى ظَنَّهُ أَنَّهُ مِنْهُ فَبَغَتَهُ الْمَوْت قَبْل اِسْتِلْحَاقه فَأَوْصَى أَخَاهُ أَنْ يَسْتَلْحِقهُ , فَعَمِلَ سَعْد بَعْد ذَلِكَ تَمَسُّكًا بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّة قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَكَانَ عَبْد بْن زَمْعَة سَمِعَ أَنَّ الشَّرْع وَرَدَ بِأَنَّ الْوَلَد لِلْفِرَاشِ , وَإِلَّا فَلَمْ يَكُنْ عَادَتْهُمْ الْإِلْحَاق بِهِ , كَذَا قَالَهُ , وَمَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ هَذَا الْجَزْم بِالنَّفْيِ , وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى مَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَمَة زَمْعَة كَانَتْ مِنْ الْبَغَايَا اللَّاتِي عَلَيْهِنَّ مِنْ الضَّرَائِب , فَكَانَ الْإِلْحَاق مُخْتَصًّا بِاسْتِلْحَاقِهَا عَلَى مَا ذُكِرَ , أَوْ بِإِلْحَاقِ الْقَائِف عَلَى مَا فِي حَدِيث عَائِشَة , لَكِنْ لَمْ يَذْكُر الْخَطَّابِيُّ مُسْتَنَدًا لِذَلِكَ , وَاَلَّذِي يَظْهَر مِنْ سِيَاق الْقِصَّة مَا قَدَّمْتهُ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَة مُسْتَفْرَشَة لِزَمْعَة فَاتَّفَقَ أَنَّ عُتْبَة زَنَى بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ , وَكَانَتْ طَرِيقَة الْجَاهِلِيَّة فِي مِثْل ذَلِكَ أَنَّ السَّيِّد إِنَّ اِسْتَلْحَقَهُ لَحِقَهُ وَإِنْ نَفَاهُ اِنْتَفَى عَنْهُ وَإِذَا اِدَّعَاهُ غَيْره كَانَ مَرَدّ ذَلِكَ إِلَى السَّيِّد أَوْ الْقَافَة , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن الزُّبَيْر الَّذِي أَسُوقهُ بَعْد هَذَا مَا يُؤَيِّد مَا قُلْته , وَأَمَّا قَوْله : إِنَّ عَبْد بْن زَمْعَة سَمِعَ أَنَّ الشَّرْع إِلَخْ فَفِيهِ نَظَر ; لِأَنَّهُ يَبْعُد أَنْ يَسْمَع ذَلِكَ عَبْد بْن زَمْعَة وَهُوَ بِمَكَّة لَمْ يُسْلِمْ بَعْد وَلَا يَسْمَعُهُ سَعْد بْن أَبِي وَقَاصّ , وَهُوَ مِنْ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ الْمُلَازِمِينَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حِين إِسْلَامه إِلَى حِين فَتْح مَكَّة نَحْو الْعِشْرِينَ سُنَّة , حَتَّى وَلَوْ قُلْنَا : إِنَّ الشَّرْع لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا فِي زَمَن الْفَتْح فَبُلُوغه لِعَبْد قَبْل سَعْد بَعِيدٌ أَيْضًا , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ شَرْعِيَّة ذَلِكَ إِنَّمَا عُرِفَتْ مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" الْوَلَد لِلْفِرَاشِ \" وَإِلَّا فَمَا كَانَ سَعْد لَوْ سَبَقَ عِلْمه بِذَلِكَ لِيَدَّعِيَهُ , بَلْ الَّذِي يَظْهَر أَنَّ كُلًّا مِنْ سَعْد وَعُتْبَة بَنِي عَلَى الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة , وَأَنَّ مِثْل هَذَا الْوَلَد يَقْبَل النِّزَاع , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد تِلْو حَدِيث الْبَاب بِسَنَدٍ حَسَن إِلَى عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ \" قَامَ رَجُل فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ فُلَانًا اِبْنِي عَاهَرْتُ بِأُمِّهِ فِي الْجَاهِلِيَّة , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا دَعْوَة فِي الْإِسْلَام , ذَهَب أَمْر الْجَاهِلِيَّة , الْوَلَد لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَر \" وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي زَمَن الْفَتْح , وَهُوَ يُؤَيِّد مَا قُلْته , وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّة عَلَى أَنَّ الِاسْتِلْحَاق لَا يَخْتَصّ بِالْأَبِ بَلْ لِلْأَخِ أَنْ يَسْتَلْحِقَ وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّة وَجَمَاعَة بِشَرْطِ أَنْ يَكُون الْأَخ حَائِزًا أَوْ يُوَافِقهُ بَاقِي الْوَرَثَة وَإِمْكَان كَوْنه مِنْ الْمَذْكُور وَأَنْ يُوَافِق عَلَى ذَلِكَ إِنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا , وَأَنْ لَا يَكُون مَعْرُوف الْأَب , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ زَمْعَة كَانَ لَهُ وَرَثَة غَيْر عَبْد , وَأُجِيب بِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُف وَارِثًا غَيْره إِلَّا سَوْدَة , فَإِنْ كَانَ زَمْعَة مَاتَ كَافِرًا فَلَمْ يَرِثْهُ إِلَّا عَبْد وَحْدَهُ , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون أَسْلَمَ وَوَرِثَتْهُ سَوْدَة فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون وَكَّلَتْ أَخَاهَا فِي ذَلِكَ أَوْ اِدَّعَتْ أَيْضًا , وَخَصَّ مَالِك وَطَائِفَة الِاسْتِلْحَاق بِالْأَبِ , وَأَجَابُوا بِأَنَّ الْإِلْحَاق لَمْ يَنْحَصِرْ فِي اِسْتِلْحَاق عَبْد لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوه كَاعْتِرَافِ زَمْعَة بِالْوَطْءِ , وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا حَكَمَ بِالْفِرَاشِ ; لِأَنَّهُ قَالَ بَعْد قَوْله : هُوَ لَك \" الْوَلَد لِلْفِرَاشِ \" لِأَنَّهُ لَمَّا أَبْطَلَ الشَّرْع إِلْحَاق هَذَا الْوَلَد بِالزَّانِي لَمْ يَبْقَ صَاحِب الْفِرَاش. وَجَرَى الْمُزَنِيّ عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْإِلْحَاق يَخْتَصّ بِالْأَبِ فَقَالَ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْبَل إِقْرَار أَحَد عَلَى غَيْره , وَاَلَّذِي عِنْدِي فِي قِصَّة عَبْد بْن زَمْعَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَابَ عَنْ الْمَسْأَلَة فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْحُكْم كَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَدَّعِيَ صَاحِب الْفِرَاش لَا أَنَّهُ قَبِلَ دَعْوَى سَعْد عَنْ أَخِيهِ عُتْبَة وَلَا دَعْوَى عَبْد بْن زَمْعَة عَنْ زَمْعَة بَلْ عَرَّفَهُمْ أَنَّ الْحَكَم فِي مِثْلهَا يَكُون كَذَلِكَ. قَالَ : وَلِذَلِكَ قَالَ \" اِحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَة \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِعَبْدِ بْن زَمْعَة \" هُوَ أَخُوك \" يَدْفَع هَذَا التَّأْوِيل , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْوَصِيّ يَجُوز لَهُ أَنْ يُسْتَلْحَق وَلَد مُوصِيه إِذَا أَوْصَى إِلَيْهِ بِأَنْ يَسْتَلْحِقَهُ وَيَكُون كَالْوَكِيلِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ , وَقَدْ مَضَى التَّبْوِيب بِذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَشْخَاص , وَعَلَى أَنَّ الْأَمَة تَصِير فِرَاشًا بِالْوَطْءِ , فَإِذَا اِعْتَرَفَ السَّيِّد بِوَطْءِ أَمَتِهِ أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِأَيِّ طَرِيق كَانَ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِمُدَّةِ الْإِمْكَان بَعْد الْوَطْء لَحِقَهُ مِنْ غَيْر اِسْتِلْحَاق كَمَا فِي الزَّوْجَة , لَكِنْ الزَّوْجَة تَصِير فِرَاشًا بِمُجَرَّدِ الْعَقْد فَلَا يُشْتَرَط فِي الِاسْتِلْحَاق إِلَّا الْإِمْكَان ; لِأَنَّهَا تُرَاد لِلْوَطْء فَجُعِلَ الْعَقْد عَلَيْهَا كَالْوَطْءِ. بِخِلَافِ الْأَمَة فَإِنَّهَا تُرَاد لِمَنَافِع أُخْرَى فَاشْتُرِطَ فِي حَقّهَا الْوَطْء وَمِنْ ثَمَّ يَجُوز الْجَمْع بَيْن الْأُخْتَيْنِ بِالْمِلْكِ دُون الْوَطْء وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور , وَعَنْ الْحَنَفِيَّة لَا تَصِير الْأَمَة فِرَاشًا إِلَّا إِذَا وَلَدَتْ مِنْ السَّيِّد وَلَدًا وَلَحِقَ بِهِ فَمَهْمَا وَلَدَتْ بَعْد ذَلِكَ لَحِقَهُ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ , وَعَنْ الْحَنَابِلَة مَنْ اِعْتَرَفَ بِالْوَطْءِ فَأَتَتْ مِنْهُ لِمُدَّةِ الْإِمْكَان لَحِقَهُ وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ أَوَّلًا فَاسْتَلْحَقَهُ لَمْ يَلْحَقهُ مَا بَعْده إِلَّا بِإِقْرَار مُسْتَأْنَف عَلَى الرَّاجِح عِنْدهمْ , وَتَرْجِيح الْمَذْهَب الْأَوَّل ظَاهِر ; لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ كَانَ لِزَمْعَة مِنْ هَذِهِ الْأَمَة وَلَد آخَر , وَالْكُلّ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِير فِرَاشًا إِلَّا بِالْوَطْءِ , قَالَ النَّوَوِيّ : وَطْء زَمْعَة أَمَتَهُ الْمَذْكُورَة عُلِمَ إِمَّا بِبَيِّنَةٍ وَإِمَّا بِاطِّلَاعِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ. قُلْت : وَفِي حَدِيث اِبْن الزُّبَيْر مَا يُشْعِر بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَمْرًا مَشْهُورًا وَسَأَذْكُرُ لَفْظه قَرِيبًا , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ السَّبَب لَا يَخْرُج وَلَوْ قُلْنَا إِنَّ الْعِبْرَة بِعُمُومِ اللَّفْظ. وَنَقَلَ الْغَزَالِيّ تَبَعًا لِشَيْخِهِ وَالْآمِدِي وَمَنْ تَبِعَهُ عَنْ الشَّافِعِيّ قَوْلًا بِخُصُوصِ السَّبَب تَمَسُّكًا بِمَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ نَاظَرَ بَعْض الْحَنَفِيَّة لَمَّا قَالَ : إِنَّ أَبَا حَنِيفَة خَصَّ الْفِرَاش بِالزَّوْجَةِ وَأَخْرَجَ الْأَمَة مِنْ عُمُوم \" الْوَلَد لِلْفِرَاشِ \" فَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ بِأَنَّ هَذَا وَرَدَ عَلَى سَبَب خَاصّ , وَرَدَّ ذَلِكَ الْفَخْر الرَّازِّي عَلَى مَنْ قَالَهُ بِأَنَّ مُرَاد الشَّافِعِيّ أَنَّ خُصُوص السَّبَب لَا يُخْرِج , وَالْخَبَر إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَقّ الْأَمَة فَلَا يَجُوز إِخْرَاجه , ثُمَّ رَفَعَ الِاتِّفَاق عَلَى تَعْمِيمه فِي الزَّوْجَات لَكِنْ شَرَطَ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور الْإِمْكَان زَمَانًا وَمَكَانًا , وَعَنْ الْحَنَفِيَّة يَكْفِي مُجَرَّد الْعَقْد فَتَصِير فِرَاشًا وَيَلْحَق الزَّوْج الْوَلَد , وَحَجَّتهمْ عُمُوم قَوْله \" الْوَلَد لِلْفِرَاشِ \" لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاج إِلَى تَقْدِير , وَهُوَ الْوَلَد لِصَاحِبِ الْفِرَاش ; لِأَنَّ الْمُرَاد بِالْفِرَاشِ الْمَوْطُوءَة , وَرَدَّهُ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّ الْفِرَاش كِنَايَة عَنْ الْمَوْطُوءَة لِكَوْنِ الْوَاطِئ يَسْتَفْرِشُهَا أَيْ يُصَيِّرُهَا بِوَطْئِهِ لَهَا فِرَاشًا لَهُ يَعْنِي فَلَا بُدّ مِنْ اِعْتِبَار الْوَطْء حَتَّى تُسَمَّى فِرَاشًا وَأَلْحَقَ بِهِ إِمْكَان الْوَطْء فَمَعَ عَدَم إِمْكَان الْوَطْء لَا تُسَمَّى فِرَاشًا. وَفَهِمَ بَعْض الشُّرَّاح عَنْ الْقُرْطُبِيّ خِلَاف مُرَاده فَقَالَ : كَلَامه يَقْتَضِي حُصُول مَقْصُود الْجُمْهُور بِمُجَرَّدِ كَوْن الْفِرَاش هُوَ الْمَوْطُوءَة , وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَاد فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ تَقْدِير مَحْذُوف ; لِأَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْفِرَاش هُوَ الْمَوْطُوءَة وَالْمُرَاد بِهِ أَنَّ الْوَلَد لَا يَلْحَق بِالْوَاطِئِ , قَالَ الْمُعْتَرِض : وَهَذَا لَا يَسْتَقِيم إِلَّا مَعَ تَقْدِير الْحَذْف. قُلْت : وَقَدْ بَيَّنَتْ وَجْه اِسْتِقَامَته بِحَمْدِ اللَّه , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ اِبْن الْأَعْرَابِيّ اللُّغَوِيّ نَقَلَ أَنَّ الْفِرَاش عِنْد الْعَرَب يُعَبَّر بِهِ عَنْ الزَّوْج , وَعَنْ الْمَرْأَة وَالْأَكْثَر إِطْلَاقه عَلَى الْمَرْأَة , وَمِمَّا وَرَدَ فِي التَّعْبِير بِهِ عَنْ الرَّجُل قَوْل جَرِير فِيمَنْ تَزَوَّجَتْ بَعْد قَتْل زَوْجهَا أَوْ سَيِّدهَا : بَاتَتْ تُعَانِقُهُ وَبَاتَ فِرَاشُهَا خَلِقَ الْعَبَاءَةِ بِالْبَلَاءِ ثَقِيلًا ‏ ‏وَقَدْ يُعَبَّر بِهِ عَنْ حَالَة الِافْتِرَاش وَيُمْكِن حَمْل الْخَبَر عَلَيْهَا فَلَا يَتَعَيَّن الْحَذْف , نَعَمْ لَا يُمْكِن حَمْل الْخَبَر عَلَى كُلّ وَاطِئٍ بَلْ الْمُرَاد مَنْ لَهُ الِاخْتِصَاصُ بِالْوَطْءِ كَالزَّوْجِ وَالسَّيِّد , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : مَعْنَى \" الْوَلَد لِلْفِرَاشِ \" تَابِع لِلْفِرَاشِ أَوْ مَحْكُوم بِهِ لِلْفِرَاشِ أَوْ مَا يُقَارِب هَذَا , وَقَدْ شَنَّعَ بَعْضهمْ عَلَى الْحَنَفِيَّة بِأَنَّ مِنْ لَازِم مَذْهَبِهِمْ إِخْرَاج السَّبَب مَعَ الْمُبَالَغَة فِي الْعَمَل بِالْعُمُومِ فِي الْأَحْوَال , وَأَجَابَ بَعْضهمْ بِأَنَّهُ خَصَّصَ الظَّاهِر الْقَوِيّ بِالْقِيَاسِ , وَقَدْ عُرِفَ مِنْ قَاعِدَته تَقْدِيم الْقِيَاس فِي مَوَاضِع عَلَى خَبَر الْوَاحِد وَهَذَا مِنْهَا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْقَائِف إِنَّمَا يُعْتَمَد فِي الشَّبَه إِذَا لَمْ يُعَارِضْهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ ; لِأَنَّ الشَّارِع لَمْ يَلْتَفِتْ هُنَا إِلَى الشَّبَه وَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فِي قِصَّة زَيْد بْن حَارِثَة , وَكَذَا لَمْ يَحْكُم بِالشَّبَهِ فِي قِصَّة الْمُلَاعَنَة ; لِأَنَّهُ عَارَضَهُ حُكْمٌ أَقْوَى مِنْهُ , وَهُوَ مَشْرُوعِيَّةُ اللِّعَانِ , وَفِيهِ تَخْصِيصُ عُمُوم \" الْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ \" وَقَدْ تَمَسَّكَ بِالْعُمُومِ الشَّعْبِيُّ وَبَعْض الْمَالِكِيَّة وَهُوَ شَاذٌّ , وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ قَالَ : لِقَوْلِهِ \" الْوَلَد لِلْفِرَاشِ \" مَعْنَيَانِ أَحَدهمَا هُوَ لَهُ مَا لَمْ يَنْفِهِ فَإِذَا نَفَاهُ بِمَا شُرِعَ لَهُ كَاللِّعَانِ اِنْتَفَى عَنْهُ , وَالثَّانِي إِذَا تَنَازَعَ رَبّ الْفِرَاش وَالْعَاهِر فَالْوَلَد لِرَبِّ الْفِرَاش. قُلْت : وَالثَّانِي مُنْطَبِق عَلَى خُصُوص الْوَاقِعَة وَالْأَوَّل أَعَمُّ. ‏ ‏قَوْله ( فَتَسَاوَقَا ) ‏ ‏أَيْ تَلَازَمَا فِي الذَّهَاب بِحَيْثُ إِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ كَاَلَّذِي يَسُوق الْآخَر. ‏ ‏قَوْله ( هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ عَبْدٍ وَأَنَّهُ يَجُوز فِيهِ الضَّمّ وَالْفَتْح , وَأَمَّا اِبْن فَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالَيْنِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ \" هُوَ لَك عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ \" بِحَذْفِ حَرْف النِّدَاء , وَقَرَأَهُ بَعْض الْمُخَالِفِينَ بِالتَّنْوِينِ وَهُوَ مَرْدُود فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة يُونُس الْمُعَلَّقَة فِي الْمَغَازِي \" هُوَ لَك , هُوَ أَخُوك يَا عَبْد \" وَوَقَعَ لِمُسَدَّدٍ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" هُوَ أَخُوك يَا عَبْدُ \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : تَثْبُت الْأَمَةُ فِرَاشًا عِنْد أَهْل الْحِجَاز إِنْ أَقَرَّ سَيِّدُهَا أَنَّهُ كَانَ يُلِمُّ بِهَا , وَعِنْد أَهْل الْعِرَاقِ إِنْ أَقَرَّ سَيِّدُهَا بِالْوَلَدِ , وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : يَتَعَلَّق بِهَذَا الْحَدِيث اِسْتِلْحَاق الْأَخ لِأَخِيهِ , وَهُوَ صَحِيح عِنْد الشَّافِعِيّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِث سِوَاهُ , وَقَدْ تَعَلَّقَ أَصْحَابه بِهَذَا الْحَدِيث لِأَنَّهُ لَمْ يَرِد أَنَّ زَمْعَةَ اِدَّعَاهُ وَلَدًا وَلَا اِعْتَرَفَ بِوَطْءِ أُمِّهِ فَكَانَ الْمُعَوَّل فِي هَذِهِ الْقِصَّة عَلَى اِسْتِلْحَاق عَبْد بْن زَمْعَةَ , قَالَ : وَعِنْدَنَا لَا يَصِحُّ اِسْتِلْحَاقُ الْأَخ , وَلَا حُجَّة فِي هَذَا الْحَدِيث ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُون ثَبَتَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ زَمْعَةَ كَانَ يَطَأُ أَمَتَهُ فَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِهِ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَ وَطْؤُهُ لَا يَحْتَاج إِلَى الِاعْتِرَاف بِالْوَطْءِ , وَإِنَّمَا يَصْعُب هَذَا عَلَى الْعِرَاقِيِّينَ وَيَعْسُر عَلَيْهِمْ الِانْفِصَال عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيّ لِمَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِزَمْعَةَ وَلَدٌ مِنْ الْأَمَةِ الْمَذْكُورَةِ سَابِقٌ , وَمُجَرَّد الْوَطْء لَا عِبْرَة بِهِ عِنْدَهُمْ فَيَلْزَمُهُمْ تَسْلِيمُ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ , قَالَ : وَلَمَّا ضَاقَ عَلَيْهِمْ الْأَمْر قَالُوا الرِّوَايَة فِي هَذَا الْحَدِيث \" هُوَ لَك عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ \" وَحَذَفَ حَرْف النِّدَاء بَيْن عَبْد وَابْن زَمْعَةَ وَالْأَصْل يَا اِبْنَ زَمْعَةَ , قَالُوا : وَالْمُرَاد أَنَّ الْوَلَد لَا يُلْحَق بِزَمْعَةَ بَلْ هُوَ عَبْدٌ لِوَلَدِهِ ; لِأَنَّهُ وَارِثه وَلِذَلِكَ أَمَرَ سَوْدَة بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ لِأَنَّهَا لَمْ تَرِثْ زَمْعَةَ ; لِأَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا وَهِيَ مُسْلِمَةٌ , قَالَ : وَهَذِهِ الرِّوَايَة الَّتِي ذَكَرُوهَا غَيْر صَحِيحَة , وَلَوْ وَرَدَتْ لَرَدَدْنَاهَا إِلَى الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة , وَقُلْنَا : بَلْ الْمَحْذُوف حَرْف النِّدَاء بَيْن لَك وَعَبْد كَقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ صَاحِب يُوسُف حَيْثُ قَالَ ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ) اِنْتَهَى. وَقَدْ سَلَكَ الطَّحَاوِيُّ فِيهِ مَسْلَكًا آخَر فَقَالَ : مَعْنَى قَوْله \" هُوَ لَك \" أَيْ يَدُك عَلَيْهِ لَا أَنَّك تَمْلِكُهُ , وَلَكِنْ تَمْنَعُ غَيْرك مِنْهُ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّن أَمْرُهُ كَمَا قَالَ لِصَاحِبِ اللُّقَطَةِ \" هِيَ لَك \" وَقَالَ لَهُ \" إِذَا جَاءَ صَاحِبهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ \" قَالَ وَلَمَّا كَانَتْ سَوْدَة شَرِيكَة لِعَبْد فِي ذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْهَا تَصْدِيق ذَلِكَ وَلَا الدَّعْوَى بِهِ أَلْزَمَ عَبْدًا بِمَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى نَفْسه , وَلَمْ يَجْعَل ذَلِكَ حُجَّة عَلَيْهَا فَأَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ , وَكَلَامه كُلّه مُتَعَقَّبٌ بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَة الْمُصَرَّح فِيهَا بِقَوْلِهِ \" هُوَ أَخُوك \" فَإِنَّهَا رَفَعَتْ الْإِشْكَال , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا , وَلَا عَلَى حَدِيث اِبْن الزُّبَيْر وَسَوْدَة الدَّالّ عَلَى أَنَّ سَوْدَة وَافَقَتْ أَخَاهَا عَبْدًا فِي الدَّعْوَى بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( الْوَلَد لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة الْفَتْح تَعْلِيقًا مِنْ رِوَايَة يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب \" قَالَتْ عَائِشَة قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَد إِلَخْ \" وَهَذَا مُنْقَطِع , وَقَدْ وَصَلَهُ غَيْره عَنْ اِبْن شِهَاب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يُونُس أَيْضًا , قَالَ اِبْن شِهَاب : وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَصِيحُ بِذَلِكَ , وَقَدْ قَدَّمْت هُنَاكَ أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ مَوْصُولًا مِنْ رِوَايَة اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَأَبِي سَلَمَة وَأَبِي هُرَيْرَة , وَقَوْله \" وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَر \" أَيْ لِلزَّانِي الْخَيْبَةُ وَالْحِرْمَانُ , وَالْعَهَر بِفَتْحَتَيْنِ الزِّنَا , وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِاللَّيْلِ , وَمَعْنَى الْخَيْبَة هُنَا حِرْمَان الْوَلَد الَّذِي يَدَّعِيهِ , وَجَرَتْ عَادَة الْعَرَب أَنْ تَقُول لِمَنْ خَابَ \" لَهُ الْحَجَر وَبِفِيهِ الْحَجَر وَالتُّرَاب \" وَنَحْو ذَلِكَ , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْحَجَرِ هُنَا أَنَّهُ يُرْجَمُ , قَالَ النَّوَوِيّ : وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الرَّجْم مُخْتَصٌّ بِالْمُحْصَنِ , وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ رَجْمِهِ نَفْيُ الْوَلَدِ , وَالْخَبَر إِنَّمَا سِيقَ لِنَفْيِ الْوَلَد. وَقَالَ السُّبْكِيُّ : وَالْأَوَّل أَشْبَهُ بِمَسَاقِ الْحَدِيث لِتَعُمَّ الْخَيْبَةُ كُلَّ زَانٍ , وَدَلِيل الرَّجْم , مَأْخُوذ مِنْ مَوْضِع آخَرَ فَلَا حَاجَة لِلتَّخْصِيصِ مِنْ غَيْر دَلِيل. قُلْت : وَيُؤَيِّد الْأَوَّل أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو أَحْمَد الْحَاكِم مِنْ حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم رَفَعَهُ \" الْوَلَد لِلْفِرَاشِ وَفِي فَم الْعَاهِر الْحَجَر \" وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد اِبْن حِبَّان \" الْوَلَد لِلْفِرَاشِ وَبِفِي الْعَاهِر الْأَثْلَب \" بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة بَيْنَهُمَا لَامٌ وَبِفَتْحِ أَوَّله وَثَالِثه وَيُكْسَرَانِ قِيلَ هُوَ الْحَجَر وَقِيلَ دِقَاقُهُ وَقِيلَ التُّرَاب. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ اِحْتَجِبِي مِنْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اللَّيْث \" وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" قَالَتْ عَائِشَة فَوَاَللَّهِ مَا رَآهَا حَتَّى مَاتَتْ \" وَفِي رِوَايَة اللَّيْث \" فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ \" يَعْنِي فِي الْمُدَّة الَّتِي بَيْن هَذَا الْقَوْل وَبَيْن مَوْت أَحَدهمَا , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقه , وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ فِي صَحِيح أَبِي عَوَانَة مِثْله , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ الْآتِيَة فِي حَدِيث اللَّيْث أَيْضًا \" فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ بَعْدُ \" وَهَذِهِ إِذَا ضُمَّتْ إِلَى رِوَايَة مَالِك وَمَعْمَر اُسْتُفِيدَ مِنْهَا أَنَّهَا اِمْتَثَلَتْ الْأَمْرَ وَبَالَغَتْ فِي الِاحْتِجَاب مِنْهُ حَتَّى إِنَّهَا لَمْ تَرَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَرَاهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَمْر الْمَذْكُور دَلَالَةٌ عَلَى مَنْعِهَا مِنْ رُؤْيَتِهِ. وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ الْحَنَفِيَّة عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُلْحِقْهُ بِزَمْعَةَ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَلْحَقهُ بِهِ لَكَانَ أَخَا سَوْدَةَ وَالْأَخ لَا يُؤْمَر بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ , وَأَجَابَ الْجُمْهُور بِأَنَّ الْأَمْر بِذَلِكَ كَانَ لِلِاحْتِيَاطِ لِأَنَّهُ وَإِنْ حَكَمَ بِأَنَّهُ أَخُوهَا لِقَوْلِهِ فِي الطُّرُق الصَّحِيحَة \" هُوَ أَخُوك يَا عَبْدُ \" وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ أَخُو عَبْد لِأَبِيهِ فَهُوَ أَخُو سَوْدَة لِأَبِيهَا , لَكِنْ لَمَّا رَأَى الشَّبَه بَيِّنًا بِعُتْبَةَ أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ اِحْتِيَاطًا , وَأَشَارَ الْخَطَّابِيُّ إِلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ مَزِيَّةً لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِنَّ , قَالَ : وَالشَّبَه يُعْتَبَر فِي بَعْض الْمَوَاطِن لَكِنْ لَا يُقْضَى بِهِ إِذَا وُجِدَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ , وَهُوَ كَمَا يُحْكَمُ فِي الْحَادِثَة بِالْقِيَاسِ ثُمَّ يُوجَد فِيهَا نَصٌّ فَيُتْرَكُ الْقِيَاسُ , قَالَ : وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث وَلَيْسَ بِالثَّابِتِ \" اِحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَة فَإِنَّهُ لَيْسَ لَك بِأَخٍ \" وَتَبِعَهُ النَّوَوِيّ فَقَالَ : هَذِهِ الزِّيَادَة بَاطِلَة مَرْدُودَة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عِنْد النَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَلَفْظه : كَانَتْ لِزَمْعَةَ جَارِيَة يَطَؤُهَا وَكَانَ يُظَنُّ بِآخَر أَنَّهُ يَقَع عَلَيْهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ يُشْبِهُ الَّذِي كَانَ يُظَنُّ بِهِ فَمَاتَ زَمْعَة , فَذَكَرَتْ ذَلِكَ سَوْدَةُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ \" الْوَلَد لِلْفِرَاشِ وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَة فَلَيْسَ لَك بِأَخٍ \" وَرِجَال سَنَده رِجَال الصَّحِيح إِلَّا شَيْخ مُجَاهِد وَهُوَ يُوسُف مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ. وَقَدْ طَعَنَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سَنَده فَقَالَ : فِيهِ جَرِير وَقَدْ نُسِبَ فِي آخِر عُمُرِهِ إِلَى سُوءِ الْحِفْظِ , وَفِيهِ يُوسُف وَهُوَ غَيْر مَعْرُوفٍ , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوته فَلَا يُعَارِضُ حَدِيثَ عَائِشَةَ الْمُتَّفَق عَلَى صِحَّتِهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ جَرِيرًا هَذَا لَمْ يُنْسَب إِلَى سُوءِ حِفْظٍ , وَكَأَنَّهُ اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِجَرِيرِ بْن حَازِم , وَبِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ فَلَا تَرْجِيحَ. وَبِأَنَّ يُوسُف مَعْرُوفٌ فِي مَوَالِي آلِ الزُّبَيْرِ , وَعَلَى هَذَا فَيَتَعَيَّن تَأْوِيلُهُ , وَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ نَفْيِ الْأُخُوَّةِ عَنْ سَوْدَةَ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِهَا بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ , وَنَقَلَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي \" الْقَوَانِين \" عَنْ الشَّافِعِيّ نَحْو مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ , وَلَوْ كَانَ أَخَاهَا بِنَسَبٍ مُحَقَّقٍ لَمَا مَنَعَهَا كَمَا أَمَرَ عَائِشَة أَنْ لَا تَحْتَجِبَ مِنْ عَمِّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ , وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : مَعْنَى قَوْله \" لَيْسَ لَكِ بِأَخٍ \" إِنْ ثَبَتَ لَيْسَ لَك بِأَخٍ شَبَهًا فَلَا يُخَالِف قَوْله لِعَبْدٍ \" هُوَ أَخُوك \". قُلْت : أَوْ مَعْنَى قَوْله \" لَيْسَ لَكِ بِأَخٍ \" بِالنِّسْبَةِ لِلْمِيرَاثِ مِنْ زَمْعَةَ لِأَنَّ زَمْعَةَ مَاتَ كَافِرًا وَخَلَّفَ عَبْد بْن زَمْعَةَ وَالْوَلَدَ الْمَذْكُورَ وَسَوْدَةَ فَلَا حَقّ لِسَوْدَةَ فِي إِرْثه بَلْ حَازَهُ عَبْد قَبْل الِاسْتِلْحَاق فَإِذَا اُسْتُلْحِقَ الِابْن الْمَذْكُور شَارَكَهُ فِي الْإِرْث دُون سَوْدَة فَلِهَذَا قَالَ لِعَبْدٍ \" هُوَ أَخُوك \" وَقَالَ لِسَوْدَةَ \" لَيْسَ لَكِ بِأَخٍ \" وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ بَعْد أَنْ قَرَّرَ أَنَّ أَمْرَ سَوْدَةَ بِالِاحْتِجَابِ لِلِاحْتِيَاطِ وَتَوَقِّي الشُّبُهَات : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ لِتَغْلِيظِ أَمْر الْحِجَاب فِي حَقّ أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ \" أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا \" فَنَهَاهُمَا عَنْ رُؤْيَة الْأَعْمَى مَعَ قَوْله لِفَاطِمَةَ بِنْت قَيْس \" اِعْتَدِّي عِنْد اِبْن أُمّ مَكْتُوم فَإِنَّهُ أَعْمَى \" فَغَلَّظَ الْحِجَاب فِي حَقّهنَّ دُون غَيْرهنَّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْحِجَاب قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّهُ كَانَ يُحَرِّم عَلَيْهِنَّ بَعْد الْحِجَاب إِبْرَاز أَشْخَاصِهِنَّ وَلَوْ كُنَّ مُسْتَتِرَاتٍ إِلَّا لِضَرُورَةٍ بِخِلَافِ غَيْرهنَّ فَلَا يُشْتَرَط , وَأَيْضًا فَإِنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَع زَوْجَتَهُ مِنْ الِاجْتِمَاع بِمَحَارِمِهَا فَلَعَلَّ الْمُرَاد بِالِاحْتِجَابِ عَدَم الِاجْتِمَاع بِهِ فِي الْخَلْوَة , وَقَالَ اِبْن حَزْم : لَا يَجِب عَلَى الْمَرْأَة أَنْ يَرَاهَا أَخُوهَا بَلْ الْوَاجِب عَلَيْهَا صِلَةُ رَحِمِهَا , وَرُدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله \" هُوَ لَك \" أَيْ عَبْدٌ , بِأَنَّهُ لَوْ قَضَى بِأَنَّهُ عَبْدٌ لَمَا أَمَرَ سَوْدَة بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ إِمَّا ; لِأَنَّ لَهَا فِيهِ حِصَّةً , وَإِمَّا لِأَنَّ مَنْ فِي الرِّقّ لَا يُحْتَجَبُ مِنْهُ عَلَى الْقَوْل بِذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَاب الْمُزَنِيِّ عَنْ ذَلِكَ قَرِيبًا , وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الْمَالِكِيَّة عَلَى مَشْرُوعِيَّة الْحُكْم بَيْن حُكْمَيْن وَهُوَ أَنْ يَأْخُذ الْفَرْع شَبَهًا مِنْ أَكْثَرَ مِنْ أَصْلٍ فَيُعْطَى أَحْكَامًا بِعَدَدِ ذَلِكَ , وَذَلِكَ أَنَّ الْفِرَاش يَقْتَضِي إِلْحَاقَهُ بِزَمْعَةَ فِي النَّسَب وَالشَّبَه يَقْتَضِي إِلْحَاقَهُ بِعُتْبَةَ فَأَعْطَى الْفَرْع حُكْمًا بَيْن حُكْمَيْنِ فَرُوعِيَ الْفِرَاش فِي النَّسَب وَالشَّبَه الْبَيِّن فِي الِاحْتِجَاب , قَالَ : وَإِلْحَاقه بِهِمَا , وَلَوْ كَانَ مِنْ وَجْه أَوْلَى مِنْ إِلْغَاء أَحَدهمَا مِنْ كُلّ وَجْه. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَيُعْتَرَض عَلَى هَذَا بِأَنَّ صُورَة الْمَسْأَلَة مَا إِذَا دَارَ الْفَرْع بَيْن أَصْلَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ وَهُنَا الْإِلْحَاقُ شَرْعِيٌّ لِلتَّصْرِيحِ بِقَوْلِهِ \" الْوَلَد لِلْفِرَاشِ \" فَبَقِيَ الْأَمْر بِالِاحْتِجَابِ مُشْكِلًا ; لِأَنَّهُ يُنَاقِض الْإِلْحَاق فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ لِلِاحْتِيَاطِ لَا لِوُجُوبِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ , وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا تَرْكُ مُبَاحٍ مَعَ ثُبُوت الْمَحْرَمِيَّة. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ حُكْم الْحَاكِم لَا يُحِلُّ الْأَمْرَ فِي الْبَاطِن كَمَا لَوْ حُكِمَ بِشَهَادَةٍ فَظَهَرَ أَنَّهَا زُورٌ ; لِأَنَّهُ حَكَمَ بِأَنَّهُ أَخُو عَبْدٍ وَأَمَرَ سَوْدَة بِالِاحْتِجَابِ بِسَبَبِ الشَّبَه بِعُتْبَةَ , فَلَوْ كَانَ الْحُكْم يُحِلَّ الْأَمْر فِي الْبَاطِن لَمَا أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِوَطْءِ الزِّنَا حُكْم وَطْء الْحَلَال فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَوَجْه الدَّلَالَة أَمْر سَوْدَةَ بِالِاحْتِجَابِ بَعْد الْحُكْم بِأَنَّهُ أَخُوهَا لِأَجْلِ الشَّبَه بِالزَّانِي. وَقَالَ مَالِك فِي الْمَشْهُور عَنْهُ وَالشَّافِعِيّ : لَا أَثَر لِوَطْءِ الزِّنَا بَلْ لِلزَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ الَّتِي زَنَى بِهَا وَبِنْتَهَا , وَزَادَ الشَّافِعِيّ وَوَافَقَهُ اِبْن الْمَاجِشُونِ : وَالْبِنْت الَّتِي تَلِدُهَا الْمَزْنِيُّ بِهَا , وَلَوْ عَرَفَتْ أَنَّهَا مِنْهُ , قَالَ النَّوَوِيّ : وَهَذَا اِحْتِجَاجٌ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون مِنْ الزِّنَا فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ مِنْ سَوْدَةَ لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَظْهَر لَهُ سَوَاءٌ أُلْحِقَ بِالزَّانِي أَمْ لَا فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَسْأَلَةِ الْبِنْت الْمَخْلُوقَة مِنْ الزِّنَا , كَذَا قَالَ وَهُوَ رَدٌّ لِلْفَرْعِ بِرَدِّ الْأَصْل , وَإِلَّا فَالْبِنَاء الَّذِي بَنَوْهُ صَحِيحٌ , وَقَدْ أَجَابَ الشَّافِعِيَّة عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَمْر بِالِاحْتِجَابِ لِلِاحْتِيَاطِ , وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إِمَّا عَلَى النَّدْب , وَإِمَّا عَلَى تَخْصِيص أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ , فَعَلَى تَقْدِير النَّدْب فَالشَّافِعِيّ قَائِل بِهِ فِي الْمَخْلُوقَة مِنْ الزِّنَا , وَعَلَى التَّخْصِيص فَلَا إِشْكَال وَاَللَّه أَعْلَم. وَيَلْزَم مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ أَنْ يَقُول بِهِ فِي تَزْوِيج الْبِنْت الْمَخْلُوقَة مِنْ مَاء الزِّنَا فَيُجِيز عِنْد فَقْدِ الشَّبَهِ وَيَمْنَع عِنْد وُجُودِهِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّة مِلْكِ الْكَافِرِ الْوَثَنِيِّ الْأَمَةَ الْكَافِرَةَ , وَأَنَّ حُكْمَهَا بَعْد أَنْ تَلِد مِنْ سَيِّدهَا حُكْم الْقِنِّ ; لِأَنَّ عَبْدًا وَسَعْدًا أَطْلَقَا عَلَيْهَا أَمَة وَوَلِيدَة , وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْعِتْق عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ أَنْ تَرْجَمَ لَهُ \" أُمّ الْوَلَد \" وَلَكِنَّهُ لَيْسَ فِي أَكْثَر النُّسَخ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ عِتْق أُمّ الْوَلَد بِمَوْتِ السَّيِّد ثَبَتَ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى , وَقِيلَ : إِنَّ غَرَضَ الْبُخَارِيِّ بِإِيرَادِهِ أَنَّ بَعْض الْحَنَفِيَّة لَمَّا أَلْزَمَ أَنَّ أُمّ الْوَلَد الْمُتَنَازَع فِيهِ كَانَتْ حُرَّة رَدّ ذَلِكَ , وَقَالَ : بَلْ كَانَتْ عَتَقَتْ , وَكَأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّهَا أَمَةٌ فَمَنْ اِدَّعَى أَنَّهَا عَتَقَتْ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6253",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْوَلَدُ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ هُوَ الْجُمَحِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( الْوَلَد لِصَاحِبِ الْفِرَاش ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَزَادَ آدَم عَنْ شُعْبَة \" وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَر \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُعَاذ عَنْ شُعْبَة , وَلِهَذَا الْحَدِيث سَبَب غَيْر قِصَّة اِبْن زَمْعَةَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره مِنْ رِوَايَة حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ : \" قَامَ رَجُل فَقَالَ لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ : إِنَّ فُلَانًا اِبْنِي , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا دَعْوَة فِي الْإِسْلَام ذَهَب أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ , الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْأَثْلَب. قِيلَ : مَا الْأَثْلَب ؟ قَالَ : الْحَجَرُ \". ‏ ‏( تَكْمِلَةٌ ) ‏ ‏حَدِيث \" الْوَلَد لِلْفِرَاشِ \" قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ هُوَ مِنْ أَصَحِّ مَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ عَنْ بِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ نَفْسًا مِنْ الصَّحَابَة فَذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَعَائِشَة , وَقَالَ التِّرْمِذِيّ عَقِبَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَر وَعُثْمَان وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَعَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَأَبِي أُمَامَةَ وَعَمْرو بْن خَارِجَةَ وَالْبَرَاء وَزَيْد بْن أَرْقَم , وَزَادَ شَيْخنَا عَلَيْهِ مُعَاوِيَة وَابْن عُمَر , وَزَادَ أَبُو الْقَاسِم بْن مَنْدَهْ فِي تَذْكِرَتِهِ مُعَاذ بْن جَبَل وَعُبَادَةَ بْن الصَّامِت وَأَنْسَ بْن مَالِك وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَالْحُسَيْن بْن عَلِيّ وَعَبْد اللَّه بْن حُذَافَةَ وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ وَسَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ , وَوَقَعَ لِي مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَأَبِي مَسْعُود الْبَدْرِيّ وَوَاثِلَة بْن الْأَسْقَع وَزَيْنَب بِنْت جَحْش , وَقَدْ رَقَمْت عَلَيْهَا عَلَامَات مَنْ أَخْرَجَهَا مِنْ الْأَئِمَّة فَـ طب عَلَامَةُ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِير , وَطس عَلَامَته فِي الْأَوْسَط , وَبز عَلَامَة الْبَزَّار , وَص عَلَامَة أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيّ , وَتم عَلَامَة تَمَّام فِي فَوَائِده وَجَمِيع هَؤُلَاءِ وَقَعَ عِنْدهمْ \" الْوَلَد لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَر \" وَمِنْهُمْ مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى الْجُمْلَة الْأُولَى , وَفِي حَدِيث عُثْمَان قِصَّة , وَكَذَا عَلِيّ وَفِي حَدِيث مُعَاوِيَة قِصَّة أُخْرَى لَهُ مَعَ نَصْر بْن حَجَّاج وَعَبْد الرَّحْمَن اِبْن خَالِد بْن الْوَلِيد فَقَالَ لَهُ نَصْر : فَأَيْنَ قَضَاؤُك فِي زِيَاد ؟ فَقَالَ : قَضَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْر مِنْ قَضَاء مُعَاوِيَة. وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ وَابْن مَسْعُود وَعُبَادَةَ أَحْكَامٌ أُخْرَى , وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن حُذَافَةَ قِصَّةٌ لَهُ فِي سُؤَالِهِ عَنْ اِسْم أَبِيهِ , وَفِي حَدِيث اِبْن الزُّبَيْر قِصَّة نَحْو قِصَّة عَائِشَة بِاخْتِصَارٍ وَقَدْ أَشَرْت إِلَيْهِ , وَفِي حَدِيث سَوْدَةَ نَحْوه وَلَمْ تُسَمَّ فِي رِوَايَة أَحْمَد بَلْ قَالَ \" عَنْ بِنْتِ زَمْعَةَ \" وَفِي حَدِيث زَيْنَب قِصَّة وَلَمْ يُسَمَّ أَبُوهَا بَلْ فِيهِ \" عَنْ زَيْنَب الْأَسَدِيَّة \" وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. وَجَاءَ مِنْ مُرْسَل عُبَيْد بْن عُمَيْر وَهُوَ أَحَد كِبَار التَّابِعِينَ أَخْرَجَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6254",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اشْتَرَيْتُ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اشْتَرِيهَا فَإِنَّ ‏ ‏الْوَلَاءَ ‏ ‏لِمَنْ أَعْتَقَ وَأُهْدِيَ لَهَا شَاةٌ فَقَالَ هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْحَكَمُ ‏ ‏وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا ‏ ‏وَقَوْلُ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏مُرْسَلٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَأَيْتُهُ عَبْدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( الْحَكَم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُتَيْبَة بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة مُصَغَّر , ‏ ‏وَإِبْرَاهِيم ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ , ‏ ‏وَالْأَسْوَد ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد وَالثَّلَاثَة تَابِعِيُّونَ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ الْحَكَم : وَكَانَ زَوْجهَا حُرًّا ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول إِلَى الْحَكَم بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي الْوَلِيد عَنْ شُعْبَة مُدْرَجًا فِي الْحَدِيث , وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ الْحَكَم مِنْ قِبَل نَفْسه فَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه مِنْ طَرِيق مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم أَنَّ الْأَسْوَد قَالَهُ أَيْضًا فَهُوَ سَلَف الْحَكَم فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَوْلُ الْحَكَمِ مُرْسَلٌ ) ‏ ‏أَيْ لَيْسَ بِمُسْنَدٍ إِلَى عَائِشَةَ رَاوِيَةِ الْخَبَرِ فَيَكُون فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ الْمَرْفُوعِ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اِبْن عَبَّاس رَأَيْته عَبْدًا ) ‏ ‏زَادَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" وَقَوْل الْأَسْوَد مُنْقَطِعٌ \" أَيْ لَمْ يَصِلْهُ بِذِكْرِ عَائِشَة فِيهِ وَقَوْل اِبْن عَبَّاس أَصَحّ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ رَآهُ , وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ حَضَرَ الْقِصَّة وَشَاهَدَهَا فَيَتَرَجَّح قَوْله عَلَى قَوْل مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا , فَإِنَّ الْأَسْوَد لَمْ يَدْخُلْ الْمَدِينَةَ فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمَّا الْحَكَم فَوُلِدَ بَعْد ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ , وَيُسْتَفَاد مِنْ تَعْبِير الْبُخَارِيّ قَوْل الْأَسْوَد مُنْقَطِع جَوَاز إِطْلَاق الْمُنْقَطِع فِي مَوْضِع الْمُرْسَل خِلَافًا لِمَا اُشْتُهِرَ فِي الِاسْتِعْمَال مِنْ تَخْصِيص الْمُنْقَطِع بِمَا يَسْقُط مِنْهُ مِنْ أَثْنَاء السَّنَد وَاحِد إِلَّا فِي صُورَة سُقُوط الصَّحَابِيِّ بَيْن التَّابِعِيِّ وَالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى عِنْدَهُمْ الْمُرْسَلَ , وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِالتَّابِعِيِّ الْكَبِير فَيُسْتَفَاد مِنْ قَوْل الْبُخَارِيّ أَيْضًا \" وَقَوْل الْحَكَم مُرْسَل \" أَنَّهُ يُسْتَعْمَل فِي التَّابِعِيّ الصَّغِير أَيْضًا ; لِأَنَّ الْحَكَم مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ لِإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَنْ غَيْره فَالْوَلَاء لِلْمُعْتِقِ وَالْأَجْر لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي \" بَاب مَا يَرِث النِّسَاء مِنْ الْوَلَاء \". ‏"
    },
    {
        "id": "6255",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏لِمَنْ أَعْتَقَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6256",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هُزَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ لَا ‏ ‏يُسَيِّبُونَ ‏ ‏وَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا ‏ ‏يُسَيِّبُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ هُزَيْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَزِيد بْن أَبِي حَكِيم الْعَدَنِيِّ عَنْ سُفْيَان عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَدَّثَنِي هُزَيْل بْن شُرَحْبِيلَ \" وَهُوَ بِالزَّايِ مُصَغَّرٌ , وَوَهِمَ مَنْ قَالَهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ قَرِيبًا , ‏ ‏وَأَنَّ سُفْيَان فِي السَّنَد ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ ‏ ‏وَأَنَّ أَبَا قَيْس ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُودٍ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ أَهْل الْإِسْلَام لَا يُسَيِّبُونَ , وَإِنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يُسَيِّبُونَ ) ‏ ‏هَذَا طَرَف مِنْ حَدِيث أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِتَمَامِهِ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيِّ عَنْ سُفْيَان بِسَنَدِهِ هَذَا إِلَى هُزَيْل قَالَ : \" جَاءَ رَجُل إِلَى عَبْد اللَّه فَقَالَ إِنِّي أَعْتَقَتْ عَبْدًا لِي سَائِبَة فَمَاتَ فَتَرَكَ مَالًا وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا , فَقَالَ عَبْد اللَّه \" فَذَكَرَ حَدِيث الْبَاب وَزَادَ \" وَأَنْتَ وَلِيُّ نِعْمَتِهِ فَلَك مِيرَاثُهُ , فَإِنْ تَأَثَّمْت أَوْ تَحَرَّجْت فِي شَيْءٍ فَنَحْنُ نَقْبَلُهُ وَنَجْعَلُهُ فِي بَيْت الْمَال \" وَفِي رِوَايَة الْعَدَنِيِّ \" فَإِنَّ تَحَرَّجْت \" وَلَمْ يَشُكَّ وَقَالَ : \" فَأَرِنَا نَجْعَلُهُ فِي بَيْت الْمَال \" وَمَعْنَى \" تَأَثَّمْت \" بِالْمُثَلَّثَةِ قَبْل الْمِيم خَشِيت أَنْ تَقَع فِي الْإِثْم , وَتَحَرَّجْت بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة ثُمَّ الْجِيم بِمَعْنَاهُ , وَبِهَذَا الْحُكْم فِي السَّائِبَة قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَابْن سِيرِينَ وَالشَّافِعِيّ وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ اِبْن سِيرِينَ \" أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور أَعْتَقَتْهُ اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار سَائِبَة وَقَالَتْ لَهُ وَالِ مَنْ شِئْت , فَوَالَى أَبَا حُذَيْفَة , فَلَمَّا اُسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ دُفِعَ مِيرَاثُهُ لِلْأَنْصَارِيَّةِ أَوْ لِابْنِهَا \" وَأَخْرَجَ اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق بَكْر بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيِّ \" أَنَّ اِبْن عُمَر أَتَى بِمَالِ مَوْلًى لَهُ مَاتَ فَقَالَ إِنَّا كُنَّا أَعْتَقْنَاهُ سَائِبَة فَأَمَرَ أَنْ يُشْتَرَى بِثَمَنِهِ رِقَابًا فَتُعْتَق \" وَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِعْله عَلَى سَبِيل الْوُجُوب أَوْ عَلَى سَبِيل النَّدْب , وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهِ عَطَاء فَقَالَ : إِذَا لَمْ يُخَلِّفْ السَّائِبَةُ وَارِثًا دُعِيَ الَّذِي أَعْتَقَهُ فَإِنْ قَبِلَ مَالَهُ وَإِلَّا اُبْتِيعَتْ بِهِ رِقَابٌ فَأُعْتِقَتْ , وَفِيهِ مَذْهَبٌ آخَرُ أَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ , قَالَهُ عُمَر اِبْن عَبْد الْعَزِيز وَالزُّهْرِيُّ , وَهُوَ قَوْل مَالِك , وَعَنْ الشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْكُوفِيِّينَ : لَا بَأْس بِبَيْعِ وَلَاء السَّائِبَة وَهِبَتِهِ , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَاتِّبَاع ظَاهِر قَوْله \" الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ \" أَوْلَى. قُلْت : وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيّ بِإِيرَادِ حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة بَرِيرَة وَفِيهِ \" فَإِنَّمَا الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ , وَفِيهِ قَوْل الْأَسْوَد : إِنَّ زَوْج بَرِيرَة كَانَ حُرًّا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏"
    },
    {
        "id": "6257",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏اشْتَرَتْ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏لِتُعْتِقَهَا وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا ‏ ‏وَلَاءَهَا ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي اشْتَرَيْتُ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏لِأُعْتِقَهَا وَإِنَّ أَهْلَهَا يَشْتَرِطُونَ ‏ ‏وَلَاءَهَا ‏ ‏فَقَالَ أَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏لِمَنْ أَعْتَقَ أَوْ قَالَ أَعْطَى الثَّمَنَ قَالَ فَاشْتَرَتْهَا فَأَعْتَقَتْهَا قَالَ وَخُيِّرَتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَقَالَتْ لَوْ أُعْطِيتُ كَذَا وَكَذَا مَا كُنْتُ مَعَهُ قَالَ ‏ ‏الْأَسْوَدُ ‏ ‏وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا ‏ ‏قَوْلُ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏مُنْقَطِعٌ وَقَوْلُ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَأَيْتُهُ عَبْدًا أَصَحُّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة بَرِيرَة وَفِيهِ \" فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ , وَفِيهِ قَوْل الْأَسْوَد : إِنَّ زَوْج بَرِيرَة كَانَ حُرًّا , قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6258",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ غَيْرَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ فَأَخْرَجَهَا فَإِذَا فِيهَا أَشْيَاءُ مِنْ الْجِرَاحَاتِ وَأَسْنَانِ الْإِبِلِ قَالَ ‏ ‏وَفِيهَا ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏حَرَمٌ مَا بَيْنَ ‏ ‏عَيْرٍ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏ثَوْرٍ ‏ ‏فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏ ‏صَرْفٌ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏عَدْلٌ ‏ ‏وَمَنْ ‏ ‏وَالَى ‏ ‏قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ ‏ ‏مَوَالِيهِ ‏ ‏فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏ ‏صَرْفٌ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏عَدْلٌ ‏ ‏وَذِمَّةُ ‏ ‏الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا ‏ ‏أَدْنَاهُمْ ‏ ‏فَمَنْ ‏ ‏أَخْفَرَ ‏ ‏مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏ ‏صَرْفٌ ‏ ‏وَلَا ‏ ‏عَدْلٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَاب لَفْظه \" مَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْن مَوَالِيه فَعَلَيْهِ لَعْنَة اللَّه وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ \" وَمِثْله لِأَحْمَد وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَنَس \" فَعَلَيْهِ لَعْنَة اللَّه الْمُتَتَابِعَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" وَقَدْ مَضَى شَرْح حَدِيث الْبَاب فِي فَضْل الْمَدِينَة وَفِي الْجِزْيَة وَيَأْتِي فِي الدِّيَات , وَفِي مَعْنَى حَدِيث عَلِيّ فِي هَذَا حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعًا \" مَنْ تَوَلَّى إِلَى غَيْر مَوَالِيه فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّار \" صَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان , وَوَالِد إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ الرَّاوِي لَهُ عَنْ عَلِيّ اِسْمه يَزِيد بْن شَرِيك , وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عَلِيّ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْب بْن عَبْد اللَّه السَّوَائِيُّ وَمَضَى فِي كِتَاب الْعِلْم , وَذَكَرْت هُنَاكَ وَفِي فَضَائِل الْمَدِينَة اِخْتِلَاف الرُّوَاة عَنْ عَلِيّ فِيمَا فِي الصَّحِيفَة وَأَنَّ جَمِيع مَا رَوَوْهُ مِنْ ذَلِكَ كَانَ فِيهَا , وَكَانَ فِيهَا أَيْضًا مَا مَضَى فِي الْخَمْس مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن الْحَنَفِيَّة أَنَّ أَبَاهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَرْسَلَهُ إِلَى عُثْمَان بِصَحِيفَةٍ فِيهَا فَرَائِض الصَّدَقَة , فَإِنَّ رِوَايَة طَارِق بْن شِهَاب عَنْ عَلِيّ فِي نَحْو حَدِيث الْبَاب عِنْد أَحْمَد أَنَّهُ كَانَ فِي صَحِيفَته فَرَائِض الصَّدَقَة , وَذَكَرْت فِي الْعِلْم سَبَب تَحْدِيث عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب بِهَذَا الْحَدِيث وَإِعْرَاب قَوْله : \" إِلَّا كِتَاب اللَّه \" وَتَفْسِير الصَّحِيفَة وَتَفْسِير الْعَقْل , وَمِمَّا وَقَعَ فِيهِ فِي الْعِلْم \" لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ \" وَأَحَلْت بِشَرْحِهِ عَلَى كِتَاب الدِّيَات , وَاَلَّذِي تَضَمَّنَهُ حَدِيث الْبَاب مِمَّا فِي الصَّحِيفَة الْمَذْكُورَة أَرْبَعَة أَشْيَاء : أَحَدهَا الْجِرَاحَات وَأَسْنَان الْإِبِل , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي الدِّيَات , وَهَلْ الْمُرَاد بِأَسْنَانِ الْإِبِل الْمُتَعَلِّقَة بِالْخَرَاجِ أَوْ الْمُتَعَلِّقَة بِالزَّكَاةِ أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. ثَانِيهَا \" الْمَدِينَة حَرَمٌ \" وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي مَكَانه فِي فَضْل الْمَدِينَة فِي أَوَاخِر الْحَجّ , وَذَكَرْت فِيهِ مَا يَتَعَلَّق بِالسَّنَدِ , وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِي تَفْسِير الصَّرْف وَالْعَدْل. ثَالِثهَا \" وَمَنْ وَالَى قَوْمًا \" هُوَ الْمَقْصُود هُنَا وَقَوْله فِيهِ \" بِغَيْرِ إِذْن مَوَالِيه \" قَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّ الْخَطَّابِيّ زَعَمَ أَنَّ لَهُ مَفْهُومًا وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا اِسْتَأْذَنَ مَوَالِيَهُ مَنَعُوهُ , ثُمَّ رَاجَعْت كَلَام الْخَطَّابِيّ وَهُوَ لَيْسَ إِذْن الْمَوَالِي شَرْطًا فِي اِدِّعَاء نَسَبٍ وَوَلَاءٍ لَيْسَ هُوَ مِنْهُ وَإِلَيْهِ , وَإِنَّمَا ذُكِرَ تَأْكِيدًا لِلتَّحْرِيمِ وَلِأَنَّهُ إِذَا اِسْتَأْذَنَهُمْ مَنَعُوهُ وَحَالُوا بَيْنه وَبَيْن مَا يَفْعَل مِنْ ذَلِكَ اِنْتَهَى , وَهَذَا لَا يَطَّرِدُ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ يَتَوَاطَئُونَ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ لِغَرَضٍ مَا , وَالْأَوْلَى مَا قَالَ غَيْره إِنَّ التَّعْبِير بِالْإِذْنِ لَيْسَ لِتَقْيِيدِ الْحُكْم بِعَدَمِ الْإِذْن وَقَصْره عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا وَرَدَ الْكَلَام بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ الْغَالِب اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْل \" مَنْ تَوَلَّى \" شَامِلًا لِلْمَعْنَى الْأَعَمّ مِنْ الْمُوَالَاة , وَأَنَّ مِنْهَا مُطْلَق النُّصْرَة وَالْإِعَانَة وَالْإِرْث , وَيَكُون قَوْله \" بِغَيْرِ إِذْن مَوَالِيه \" يَتَعَلَّق بِمَفْهُومِهِ بِمَا عَدَا الْمِيرَاث , وَدَلِيل إِخْرَاجه حَدِيث \" إِنَّمَا الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ \" وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ لَحَظَ هَذَا فَعَقَّبَ الْحَدِيث بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر فِي النَّهْي عَنْ بَيْع الْوَلَاء وَعَنْ هِبَتِهِ , فَإِنَّهُ يُؤْخَذ مِنْهُ عَدَم اِعْتِبَار الْإِذْن فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , لِأَنَّهُ إِذَا مُنِعَ السَّيِّد مِنْ بَيْع الْوَلَاء مَعَ مَا تَحَصَّلَ لَهُ مِنْ الْعِوَض وَمَنْ هِبَتِهِ مَعَ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْمَانَّة بِذَلِكَ فَمَنْعُهُ مِنْ الْإِذْن بِغَيْرِ عِوَضٍ وَلَا مَانَّة أَوْلَى , وَهُوَ مُنْدَرِجٌ فِي الْهِبَة. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ اِنْتِمَاءَ الْمَوْلَى مِنْ أَسْفَل إِلَى غَيْر مَوْلَاهُ مِنْ فَوْق حَرَام لِمَا فِيهِ مِنْ كُفْر النِّعْمَة وَتَضْيِيع حَقّ الْإِرْث بِالْوَلَاءِ وَالْعَقْل وَغَيْر ذَلِكَ , وَبِهِ اِسْتَدَلَّ مَالِكٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ اِبْن وَهْب فِي مُوَطَّئِهِ قَالَ : سُئِلَ عَنْ عَبْد يَبْتَاع نَفْسه مِنْ سَيِّده عَلَى أَنَّهُ يُوَالِي مَنْ شَاءَ فَقَالَ : لَا يَجُوز ذَلِكَ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر ثُمَّ قَالَ : فَتِلْكَ الْهِبَة الْمَنْهِيُّ عَنْهَا , وَقَدْ شَذَّ عَطَاء اِبْن أَبِي رَبَاح بِالْأَخْذِ بِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْهُ : إِنْ أَذِنَ الرَّجُل لِمَوْلَاهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ جَازَ , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ , قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى خِلَاف مَا قَالَ عَطَاء , قَالَ : وَيُحْمَل حَدِيث عَلِيّ عَلَى أَنَّهُ جَرَى عَلَى الْغَالِب مِثْل قَوْله تَعَالَى ( وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ) وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَتْل الْوَلَدِ حَرَامٌ سَوَاء خَشِيَ الْإِمْلَاق أَمْ لَا , وَهُوَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْع الْوَلَاء وَعَنْ هِبَته. قُلْت : قَدْ سَبَقَ عَطَاءً إِلَى الْقَوْل بِذَلِكَ عُثْمَانُ , فَرَوَى اِبْن الْمُنْذِر أَنَّ عُثْمَانَ اِخْتَصَمُوا إِلَيْهِ فِي نَحْو ذَلِكَ فَقَالَ لِلْعَتِيقِ : وَالِ مَنْ شِئْت , وَأَنَّ مَيْمُونَةَ وَهَبَتْ وَلَاءَ مَوَالِيهَا لِلْعَبَّاسِ وَوَلَدِهِ , وَالْحَدِيث الصَّحِيح مُقَدَّمٌ عَلَى جَمِيع ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْ هَؤُلَاءِ أَوْ بَلَغَهُمْ وَتَأَوَّلُوهُ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاع عَلَى خِلَاف قَوْلهمْ. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَفِي الْحَدِيث أَنَّهُ لَا يَجُوز لِلْعَتِيقِ أَنْ يَكْتُب فُلَان اِبْن فُلَان وَيُسَمِّي نَفْسه وَمَوْلَاهُ الَّذِي أَعْتَقَهُ , بَلْ يَقُول فُلَان مَوْلَى فُلَان , وَلَكِنْ يَجُوز لَهُ أَنْ يَنْتَسِب إِلَى نَسَبِهِ كَالْقُرَشِيِّ وَغَيْره , قَالَ : وَالْأَوْلَى أَنْ يُفْصِحَ بِذَلِكَ أَيْضًا كَأَنْ يَقُول : الْقُرَشِيّ بِالْوَلَاءِ أَوْ مَوْلَاهُمْ. قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ وَفَعَلَهُ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ لِمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ الْوَعِيد وَيَجِب عَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ. وَفِيهِ جَوَاز لَعْن أَهْل الْفِسْقِ عُمُومًا , وَلَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ. رَابِعُهَا \" وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْجِزْيَة , وَأَمَّا حَدِيث الْبَاب الثَّانِي فَقَدْ مَضَى فِي كِتَاب الْعِتْق وَأَحَلْت بِشَرْحِهِ عَلَى مَا هُنَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6259",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ بَيْعِ ‏ ‏الْوَلَاءِ ‏ ‏وَعَنْ هِبَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار ) ‏ ‏هَكَذَا قَالَ الْحُفَّاظ مِنْ أَصْحَاب سُفْيَان الثَّوْرِيِّ عَنْهُ , مِنْهُمْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيٍّ , وَوَكِيعٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَغَيْرُهُمْ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( عَنْ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن سِنَان عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَة وَسُفْيَان عَنْ اِبْن دِينَار \" سَمِعْت اِبْن عُمَر \" وَقَدْ اُشْتُهِرَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار حَتَّى قَالَ مُسْلِم لَمَّا أَخْرَجَهُ فِي صَحِيحه : النَّاس فِي هَذَا الْحَدِيث عِيَالٌ عَلَيْهِ , وَقَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْد تَخْرِيجه : حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن دِينَار رَوَاهُ عَنْهُ سَعِيدٌ وَسُفْيَانُ وَمَالِكٌ , وَيُرْوَى عَنْ شُعْبَة أَنَّهُ قَالَ : وَدِدْت أَنَّ عَبْد اللَّه اِبْن دِينَار لَمَّا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيث أَذِنَ لِي حَتَّى كُنْت أَقُوم إِلَيْهِ فَأُقَبِّل رَأْسَهُ. قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَرَوَى يَحْيَى بْن سُلَيْمٍ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار. قُلْت : وَصَلَ رِوَايَةَ يَحْيَى بْن سَلِيم اِبْنُ مَاجَهْ , وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ يَحْيَى بْن سُلَيْمٍ فَقَدْ تَابَعَهُ أَبُو ضَمْرَة أَنَس بْن عِيَاض وَيَحْيَى بْن سَعِيد الْأُمَوِيّ كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيقِهِمَا لَكِنْ قَرَنَ كُلٌّ مِنْهُمَا نَافِعًا بِعَبْدِ اللَّه بْن دِينَار , وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات فِي تَرْجَمَة أَحْمَد بْن أَبِي أَوْفَى وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقه عَنْ شُعْبَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار وَعَمْرو بْن دِينَار جَمِيعًا عَنْ اِبْن عُمَر وَقَالَ عَمْرو بْن دِينَار غَرِيب , وَقَدْ اِعْتَنَى أَبُو نُعَيْم الْأَصْبَهَانِيّ بِجَمْعِ طُرُقه عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار فَأَوْرَدَهُ عَنْ خَمْسَة وَثَلَاثِينَ نَفْسًا مِمَّنْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ عَبْد اللَّه اِبْن دِينَار مِنْهُمْ مِنْ الْأَكَابِر يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيُّ وَمُوسَى بْن عُقْبَة وَيَزِيد بْن الْهَاد وَعُبَيْد اللَّه الْعُمَرِيّ وَهَؤُلَاءِ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ وَمِمَّنْ دُونهمْ مِسْعَر وَالْحَسَن بْن صَالِح بْن حَيّ وَوَرْقَاء وَأَيُّوب بْن مُوسَى وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن دِينَار. وَعَبْد الْعَزِيز بْن مُسْلِم وَأَبُو أُوَيْس , وَمِمَّنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ اِبْن جُرَيْجٍ وَهُوَ عِنْد أَبِي عَوَانَة وَسُلَيْمَان اِبْن بِلَال , وَهُوَ عِنْد مُسْلِم وَأَحْمَد بْن حَازِم الْمُغَافِرِيّ فِي جُزْء الْهَرَوِيِّ مِنْ طَرِيق الطَّبَرَانِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عُمَر ) فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الْحَفْرِيّ عَنْ سُفْيَان عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" سَمِعْت اِبْن عُمَر \" وَكَذَا مَضَى فِي الْعِتْق مِنْ رِوَايَة شُعْبَة وَفِي مُسْنَد الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَة \" قُلْت لِعَبْدِ اللَّه بْن دِينَار أَنْتَ سَمِعْت هَذَا مِنْ اِبْن عُمَر ؟ قَالَ : نَعَمْ , سَأَلَهُ اِبْنه عَنْهُ , وَذَكَره أَبُو عَوَانَة عَنْ بَهْز بْن أَسَد عَنْ شُعْبَة \" قُلْت لِابْنِ دِينَار أَنْتَ سَمِعْته مِنْ اِبْن عُمَر ؟ قَالَ : نَعَمْ وَسَأَلَهُ اِبْنه حَمْزَة عَنْهُ , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة عَفَّان عَنْ شُعْبَة عِنْد أَبِي نُعَيْم , وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه آخَر أَنَّ شُعْبَة قَالَ \" قُلْت لِابْنِ دِينَار : وَاَللَّهِ لَقَدْ سَمِعْت اِبْن عُمَر يَقُول هَذَا ؟ فَيَحْلِف لَهُ \" وَقِيلَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ إِنَّ شُعْبَة يَسْتَحْلِف عَبْد اللَّه بْن دِينَار , قَالَ لَكِنَّا لَمْ نَسْتَحْلِفْهُ سَمِعْته مِنْهُ مِرَارًا رُوِّينَاهُ فِي مُسْنَد الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَان , وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن زِيَادٍ اللُّؤْلُئِيّ عَنْ مَالِك عَنْ اِبْن دِينَار عَنْ حَمْزَة بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّهُ سَأَلَ أَبَاهُ عَنْ شِرَاء الْوَلَاء فَذَكَرَ الْحَدِيث , فَهَذَا ظَاهِره أَنَّ اِبْن دِينَار لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ اِبْن عُمَر وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" : تَفَرَّدَ بِهَذَا الْحَدِيث عَبْد اللَّه بْن دِينَار وَهُوَ مِنْ الدَّرَجَة الثَّانِيَة مِنْ الْخَبَر لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُر لَفْظ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَأَنَّهُ نَقَلَ مَعْنَى قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنَّمَا الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ \" قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ اِبْن عُمَر رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَائِشَة فِي قِصَّة بَرِيرَة كَمَا مَضَى فِي الْعِتْق , لَكِنْ جَاءَتْ عَنْهُ صِيغَة الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ يَحْيَى بْن أَيُّوب عَنْ مَالِك وَلَفْظه \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ بَيْع الْوَلَاء وَعَنْ هِبَتِهِ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن أَبِي سُلَيْمَان الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا بِلَفْظِ \" الْوَلَاء لَا يُبَاع وَلَا يُوهَبُ \" وَفِي رِوَايَة عِتْبَانِ بْن عُبَيْد عَنْ شُعْبَة مِثْله ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْم , وَزَادَ مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان الْخَرَّاز فِي السَّنَد عَنْ اِبْن عُمَر \" عَنْ عُمَر \" فَوَهِمَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا وَضَعَّفَهُ , وَاتَّفَقَ جَمِيع مَنْ ذَكَرْنَا عَلَى هَذَا اللَّفْظ وَخَالَفَهُمْ أَبُو يُوسُف الْقَاضِي فَرَوَاهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" الْوَلَاء لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَب \" أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ وَمِنْ طَرِيقه الْحَاكِم ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ , وَأَدْخَلَ بِشْرَ بْنَ الْوَلِيد بَيْن أَبِي يُوسُف وَبَيْن اِبْن دِينَار عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَده عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه عَنْ أَبِي يَعْلَى , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن أَعْيَنَ عَنْ بِشْر فَزَادَ فِي الْمَتْن \" لَا يُبَاع وَلَا يُوهَب \" وَمِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن نَافِع عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار \" إِنَّمَا الْوَلَاء نَسَبٌ لَا يَصِحّ بَيْعه وَلَا هِبَته \" وَالْمَحْفُوظ فِي هَذَا مَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ سَعِيد اِبْن الْمُسَيِّب مَوْقُوفًا عَلَيْهِ \" الْوَلَاء لُحْمَةٌ كَلُحْمَة النَّسَبِ \" وَكَذَا مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان اِبْن عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ \" الْوَلَاء لَيْسَ بِمُنْتَقِلٍ وَلَا مُتَحَوِّلٍ \" وَفِي سَنَده الْمُغِيرَة بْن جَمِيل وَهُوَ مَجْهُول , نَعَمْ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ قَوْله الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ لَا يَجُوز بَيْعه وَلَا هِبَته. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز تَحْوِيل النَّسَب فَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَلَاء حُكْمَ النَّسَب فَكَمَا لَا يَنْتَقِل النَّسَب لَا يَنْتَقِل الْوَلَاء , وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يَنْقُلُونَ الْوَلَاء بِالْبَيْعِ وَغَيْره فَنَهَى الشَّرْع عَنْ ذَلِكَ , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : اِتَّفَقَ الْجَمَاعَة عَلَى الْعَمَل بِهَذَا الْحَدِيث إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَيْمُونَة أَنَّهَا وَهَبَتْ وَلَاء سُلَيْمَان بْن يَسَار لِابْنِ عَبَّاس , وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء يَجُوز لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْذَن لِعَبْدِهِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. وَقَالَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره : جَاءَ عَنْ عُثْمَان جَوَاز بَيْع الْوَلَاء وَكَذَا عَنْ عُرْوَة , وَجَاءَ عَنْ مَيْمُونَة جَوَاز هِبَة الْوَلَاء وَكَذَا عَنْ اِبْن عَبَّاس وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَبْلُغهُمْ الْحَدِيث , قُلْت : قَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ اِبْن مَسْعُود فِي زَمَن عُثْمَان فَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : أَيَبِيعُ أَحَدُكُمْ نَسَبَهُ ؟ وَمِنْ طَرِيق عَلِيّ : الْوَلَاء شُعْبَةٌ مِنْ النَّسَب , وَمِنْ طَرِيق جَابِر أَنَّهُ أَنْكَرَ بَيْع الْوَلَاء وَهِبَتَهُ , وَمِنْ طَرِيق عَطَاء أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يُنْكِرُهُ , وَمِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس لَا يَجُوز وَسَنَده صَحِيح وَمِنْ ثَمَّ فَصَّلُوا فِي النَّقْل عَنْ اِبْن عَبَّاس بَيْن الْبَيْع وَالْهِبَة , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : مَعْنَى \" الْوَلَاء لُحْمَة كَلُحْمَة النَّسَب \" أَنَّ اللَّه أَخْرَجَهُ بِالْحُرْمَةِ إِلَى النَّسَب حُكْمًا كَمَا أَنَّ الْأَب أَخْرَجَهُ بِالنُّطْفَةِ إِلَى الْوُجُود حِسًّا لِأَنَّ الْعَبْد كَانَ كَالْمَعْدُومِ فِي حَقّ الْأَحْكَام لَا يَقْضِي وَلَا يَلِي وَلَا يَشْهَد , فَأَخْرَجَهُ سَيِّده بِالْحُرِّيَّةِ إِلَى وُجُود هَذِهِ الْأَحْكَام مِنْ عَدَمِهَا , فَلَمَّا شَابَهَ حُكْم النَّسَب أُنِيطَ بِالْمُعْتَقِ فَلِذَلِكَ جَاءَ \" إِنَّمَا الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ \" وَأُلْحِقَ بِرُتْبَةِ النَّسَب فَنُهِيَ عَنْ بَيْعه وَهِبَته , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ اُسْتُدِلَّ لِلْجُمْهُورِ بِحَدِيثِ الْبَاب , وَوَجْه الدَّلَالَة أَنَّهُ أَمْرٌ وَجُودِيٌّ لَا يَتَأَتَّى الِانْفِكَاك عَنْهُ كَالنَّسَبِ , فَكَمَا لَا تَنْتَقِل الْأُبُوَّة وَالْجُدُودَة فَكَذَلِكَ لَا يَنْتَقِل الْوَلَاء , إِلَّا أَنَّهُ يَصِحّ فِي الْوَلَاء جُرْمًا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ الْمِيرَاث كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ مُعْتَقَةَ آخَرَ فَوُلِدَ لَهُ مِنْهَا وَلَد فَإِنَّهُ يَنْعَقِد حُرًّا لِحُرِّيَّةِ أُمّه فَيَكُون وَلَاؤُهُ لِمَوَالِيهَا لَوْ مَاتَ فِي تِلْكَ الْحَالَة , وَلَوْ أَعْتَقَ السَّيِّد أَبَاهُ قَبْل مَوْت الْوَلَد فَإِنَّ وَلَاءَهُ يَنْتَقِل إِذَا مَاتَ لِمُعْتِقِ أَبِيهِ اِتِّفَاقًا اِنْتَهَى. وَهَذَا لَا يَقْدَح فِي الْأَصْل الْمَذْكُور أَنَّ \" الْوَلَاء لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَب \" لِأَنَّ التَّشْبِيه لَا يَسْتَلْزِمُ التَّسْوِيَةَ مِنْ كُلّ وَجْهٍ , وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ اِشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ كَالْمُكَاتَبِ فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ وَلَاءَهُ لِسَيِّدِهِ وَقِيلَ لَا وَلَاء عَلَيْهِ , وَفِي وَلَاء مَنْ أَعْتَقَ سَائِبَة وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6260",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ ‏ ‏جَارِيَةً ‏ ‏تُعْتِقُهَا فَقَالَ أَهْلُهَا نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ ‏ ‏وَلَاءَهَا ‏ ‏لَنَا فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ فَإِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏لِمَنْ أَعْتَقَ ‏",
        "sharh": "\" 10065 \" ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصَّة بَرِيرَة مِنْ أَجْل قَوْله فِيهِ \" فَإِنَّ الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ , لِأَنَّ اللَّام فِيهِ لِلِاخْتِصَاصِ أَيْ الْوَلَاء مُخْتَصٌّ بِمَنْ أَعْتَقَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ. وَقَوْله فِيهِ \" لَا يَمْنَعك \" وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَا يَمْنَعَنَّكَ \" بِالتَّأْكِيدِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6261",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اشْتَرَيْتُ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا ‏ ‏وَلَاءَهَا ‏ ‏فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَعْتِقِيهَا فَإِنَّ ‏ ‏الْوَلَاءَ ‏ ‏لِمَنْ أَعْطَى ‏ ‏الْوَرِقَ ‏ ‏قَالَتْ فَأَعْتَقْتُهَا قَالَتْ فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا فَقَالَتْ لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا بِتُّ عِنْدَهُ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث عَائِشَة فِي ذَلِكَ مُخْتَصَرًا وَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْل بَاب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مَنْصُور أَنَّ قَائِل ذَلِكَ هُوَ الْأَسْوَد رَاوِيه عَنْ عَائِشَة , وَفِي الْبَاب الَّذِي قَبْله مِنْ طَرِيق الْحَكَم عَنْ إِبْرَاهِيم أَنَّهُ الْحَكَم , وَمَضَى الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى , وَمُحَمَّد الْمَذْكُور فِي أَوَّل السَّنَد الثَّانِي قَالَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ هُوَ اِبْن سَلَام إِنْ شَاءَ اللَّه , وَجَرِير هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ فِي الِاسْتِقْرَاض \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد حَدَّثَنَا جَرِير \" كَذَا عِنْد الْأَكْثَر غَيْر مَنْسُوب وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن شَبُّويَةَ عَنْ الْفَرَبْرِيّ \" مُحَمَّد بْن سَلَام \" وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مُحَمَّد بْن يُوسُف \" يَعْنِي الْبِيكَنْدِيّ , وَلَيْسَ فِي الْكِتَاب مُحَمَّد عَنْ جَرِير سِوَى هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ وَالْمُرَجَّح أَنَّهُ اِبْن سَلَام , وَقَدْ أَغْرَبَ أَبُو نُعَيْم فَأَخْرَجَ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق عُثْمَان اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ جَرِير ثُمَّ قَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عُثْمَان , كَذَا وَجَدْته وَمَا أَظُنّهُ إِلَّا ذُهُولًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6262",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَرَادَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَنْ تَشْتَرِيَ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏ ‏فَقَالَتْ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ ‏ ‏الْوَلَاءَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اشْتَرِيهَا فَإِنَّمَا ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏لِمَنْ أَعْتَقَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6263",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَلَاءُ ‏ ‏لِمَنْ أَعْطَى ‏ ‏الْوَرِقَ ‏ ‏وَوَلِيَ النِّعْمَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6264",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ ‏ ‏وَقَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَوْ كَمَا قَالَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا شُعْبَة حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة بْن قُرَّة وَقَتَادَة عَنْ أَنَس ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة آدَم عَنْ شُعْبَة مَقْرُونًا , وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ قَالُوا \" عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَة وَحْده عَنْ أَنَس \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي مَنَاقِب قُرَيْش وَأَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَمِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَة مُطَوَّلًا فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ وَتَقَدَّمَتْ فَوَائِده هُنَاكَ وَفِي كِتَاب الْجِزْيَة , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طُرُق عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَة وَقَالَ : الْمَعْرُوف عَنْ شُعْبَة فِي \" مَوْلَى الْقَوْم مِنْهُمْ أَوْ مِنْ أَنْفُسهمْ \" رِوَايَته عَنْ قَتَادَة وَعَنْ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة , وَالْمَعْرُوف عَنْهُ فِي \" اِبْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُمْ أَوْ مِنْ أَنْفُسهمْ \" رِوَايَته عَنْ قَتَادَة وَحْده , وَانْفَرَدَ عَلِيّ بْن الْجَعْد عَنْ شُعْبَة بِهِ عَنْ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة أَيْضًا. قُلْت : وَلَيْسَ كَمَا قَالَ , بَلْ تَابَعَهُ أَبُو النَّصْر عَنْ شُعْبَة عَنْ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة أَيْضًا أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْهُ وَأَفَادَ فِيهِ أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِذَلِكَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ وَكَانَتْ أُمّه أَنْصَارِيَّة وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ \" اِبْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُمْ \" مَنْ قَالَ بِأَنَّ ذَوِي الْأَرْحَام يَرِثُونَ كَمَا وَرِثَ الْعَصَبَاتُ , وَحَمَلَهُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ رَمَزَ إِلَى الْجَوَاب بِإِيرَادِ هَذَا الْحَدِيث , لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ \" اِبْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُمْ \" عَلَى إِرَادَة الْمِيرَاث لَصَحَّ الِاسْتِدْلَال لَهُ عَلَى أَنَّ الْعَتِيق يَرِث مِمَّنْ أَعْتَقَهُ لِوُرُودِ مِثْله فِي حَقِّهِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" مِنْ أَنْفُسهمْ \" وَكَذَا \" مِنْهُمْ \" فِي الْمُعَاوَنَة وَالِانْتِصَار وَالْبِرّ وَالشَّفَقَة وَنَحْو ذَلِكَ لَا فِي الْمِيرَاث. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : الْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ ذَلِكَ إِبْطَالُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة مِنْ عَدَم الِالْتِفَات إِلَى أَوْلَاد الْبَنَات فَضْلًا عَنْ أَوْلَاد الْأَخَوَات حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ : بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا , وَبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِد فَأَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام التَّحْرِيض عَلَى الْأُلْفَة بَيْن الْأَقَارِب. قُلْت : وَأَمَّا الْقَوْل فِي الْمَوَالِي فَالْحِكْمَة فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ جَوَاز نِسْبَة الْعَبْد إِلَى مَوْلَاهُ لَا بِلَفْظِ الْبُنُوَّة لِمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ الْوَعِيد الثَّابِت لِمَنْ اِنْتَسَبَ إِلَى غَيْر أَبِيهِ وَجَوَاز نِسْبَته إِلَى نَسَب مَوْلَاهُ بِلَفْظِ النِّسْبَة , وَفِي ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْن الْأَدِلَّة , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏"
    },
    {
        "id": "6265",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6266",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ ‏ ‏كَلًّا ‏ ‏فَإِلَيْنَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6267",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ الزُّهْرِيّ , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي عَاصِم. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَلِيّ بْن حُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ وَعَمْرو بْن عُثْمَان أَيْ اِبْن عَفَّان , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ مِنْ هَذَا الشَّرْح بَيَانُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيّ مُصَرِّحًا بِالْإِخْبَارِ بَيْنه وَبَيْن عَلِيّ وَكَذَا بَيْن عَلِيّ وَعَمْرو , وَاتَّفَقَ الرُّوَاة عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّ عَمْرو بْن عُثْمَان بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْمِيم إِلَّا أَنَّ مَالِكًا وَحْده قَالَ \" عُمَر \" بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمِيم , وَشَذَّتْ رِوَايَات عَنْ غَيْر مَالِك عَلَى وَفْقِهِ وَرِوَايَات عَنْ مَالِك عَلَى وَفْق الْجُمْهُور وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره , وَلَمْ يُخَرِّجْ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ مَالِك وَقَدْ عَدَّ ذَلِكَ اِبْن الصَّلَاح فِي \" عُلُوم الْحَدِيث \" لَهُ فِي أَمْثِلَة الْمُنْكَر وَفِيهِ نَظَرٌ أَوْضَحَهُ شَيْخُنَا فِي \" النُّكَت \" وَزِدْت عَلَيْهِ فِي \" الْإِفْصَاح \". ‏ ‏قَوْله ( لَا يَرِث الْمُسْلِم الْكَافِر إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ \" الْمُؤْمِن \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ كُلّ مِنْ رِوَايَة هُشَيْم عَنْ الزُّهْرِيّ بِلَفْظِ \" لَا يَتَوَارَث أَهْل مِلَّتَيْنِ \" وَجَاءَتْ رِوَايَة شَاذَّة عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيّ مِثْلهَا , وَلَهُ شَاهِد عِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث جَابِر وَآخَر مِنْ حَدِيث عَائِشَة عِنْد أَبِي يَعْلَى وَثَالِث مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه فِي السُّنَن الْأَرْبَعَة وَسَنَد أَبِي دَاوُدَ فِيهِ إِلَى عَمْرو صَحِيحٌ , وَتَمَسَّكَ بِهَا مَنْ قَالَ لَا يَرِث أَهْل مِلَّة كَافِرَة مِنْ أَهْل مِلَّة أُخْرَى كَافِرَة , وَحَمَلَهَا الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِإِحْدَى الْمِلَّتَيْنِ الْإِسْلَام وَبِالْأُخْرَى الْكُفْر فَيَكُون مُسَاوِيًا لِلرِّوَايَةِ الَّتِي بِلَفْظِ حَدِيث الْبَاب , وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى ظَاهِر عُمُومهَا حَتَّى يَمْتَنِع عَلَى الْيَهُودِيّ مَثَلًا أَنْ يَرِث مِنْ النَّصْرَانِيّ , وَالْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنَّ الْكَافِر يَرِث الْكَافِر وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّة وَالْأَكْثَر وَمُقَابِلُهُ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ , وَعَنْهُ التَّفْرِقَة بَيْن الذِّمِّيّ وَالْحَرْبِيّ وَكَذَا عِنْد الشَّافِعِيَّة وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة لَا يَتَوَارَث حَرْبِيّ مِنْ ذِمِّيّ فَإِنْ كَانَا حَرْبِيَّيْنِ شُرِطَ أَنْ يَكُونَا مِنْ دَار وَاحِدَة , وَعِنْد الشَّافِعِيَّة لَا فَرْقَ , وَعِنْدهمْ وَجْه كَالْحَنَفِيَّةِ , وَعَنْ الثَّوْرِيّ وَرَبِيعَة وَطَائِفَة الْكُفْر ثَلَاث مِلَل يَهُودِيَّة وَنَصْرَانِيَّة وَغَيْرهمْ فَلَا تَرِث مِلَّة مِنْ هَذِهِ مِنْ مِلَّة مِنْ الْمِلَّتَيْنِ , وَعَنْ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة كُلّ فَرِيق مِنْ الْكُفَّار مِلَّة فَلَمْ يُوَرِّثُوا مَجُوسِيًّا مِنْ وَثَنِيٍّ وَلَا يَهُودِيًّا مِنْ نَصْرَانِيّ وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيِّ , وَبَالَغَ فَقَالَ وَلَا يَرِث أَهْلُ نِحْلَةٍ مِنْ دِينٍ وَاحِدٍ أَهْلَ نِحْلَةٍ أُخْرَى مِنْهُ كَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالْمَلَكِيَّة مِنْ النَّصَارَى , وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرْتَدّ فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد يَصِير مَاله إِذَا مَاتَ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ , وَقَالَ مَالِك يَكُون فَيْئًا إِلَّا إِنْ قَصَدَ بِرِدَّتِهِ أَنْ يَحْرِمَ وَرَثَتَهُ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُون لَهُمْ , وَكَذَا قَالَ فِي الزِّنْدِيق , وَعَنْ أَبِي يُوسُف وَمُحَمَّد لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة مَا كَسَبَهُ قَبْل الرِّدَّة لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ وَبَعْد الرِّدَّة لِبَيْتِ الْمَال , وَعَنْ بَعْض التَّابِعِينَ كَعَلْقَمَةَ يَسْتَحِقُّهُ أَهْلُ الدِّين الَّذِي اِنْتَقَلَ إِلَيْهِ , وَعَنْ دَاوُدَ يَخْتَصّ بِوَرَثَتِهِ مِنْ أَهْل الدِّين الَّذِي اِنْتَقَلَ إِلَيْهِ وَلَمْ يُفَصِّل , فَالْحَاصِل مِنْ ذَلِكَ سِتَّة مَذَاهِبَ حَرَّرَهَا الْمَاوَرْدِيّ , وَاحْتَجَّ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" لِمَذْهَبِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا شِرْعَة وَمِنْهَاجًا ) فَهِيَ مِلَل مُتَعَدِّدَة وَشَرَائِع مُخْتَلِفَة , قَالَ : وَأَمَّا مَا اِحْتَجُّوا بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْك الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِع مِلَّتهمْ ) فَوَحَّدَ الْمِلَّة فَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّ الْوَحْدَة فِي اللَّفْظ وَفِي الْمَعْنَى الْكَثْرَة لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى مُفِيد الْكَثْرَة كَقَوْلِ الْقَائِل : أَخَذَ عَنْ عُلَمَاء الدِّين عِلْمَهُمْ يُرِيد عِلْمَ كُلٍّ مِنْهُمْ , قَالَ : وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) إِلَى آخِرهَا , وَالْجَوَاب أَنَّ الْخِطَاب بِذَلِكَ وَقَعَ لِكُفَّارِ قُرَيْش وَهُمْ أَهْل وَثَنٍ , وَأَمَّا مَا أَجَابُوا بِهِ عَنْ حَدِيث \" لَا يَتَوَارَث أَهْل مِلَّتَيْنِ \" بِأَنَّ الْمُرَاد مِلَّة الْكُفْر وَمِلَّة الْإِسْلَام فَالْجَوَاب عَنْهُ بِأَنَّهُ إِذَا صَحَّ فِي حَدِيث أُسَامَة فَمَرْدُود فِي حَدِيث غَيْره , وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" لَا يَرِث الْكَافِر الْمُسْلِم \" عَلَى جَوَاز تَخْصِيص عُمُوم الْكِتَاب بِالْآحَادِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ( يُوصِيكُمْ اللَّه فِي أَوْلَادكُمْ ) عَامّ فِي الْأَوْلَاد فَخُصَّ مِنْهُ الْوَلَد الْكَافِر فَلَا يَرِث مِنْ الْمُسْلِم بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَنْع حَصَلَ بِالْإِجْمَاعِ , وَخَبَر الْوَاحِد إِذَا حَصَلَ الْإِجْمَاع عَلَى وَفْقه كَانَ التَّخْصِيص بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالْخَبَرِ فَقَطْ. قُلْت : لَكِنْ يَحْتَاج مَنْ اِحْتَجَّ فِي الشِّقّ الثَّانِي بِهِ إِلَى جَوَاب , وَقَدْ قَالَ بَعْض الْحُذَّاق : طَرِيق الْعَامّ هُنَا قَطْعِيّ وَدَلَالَته عَلَى كُلّ فَرْدٍ ظَنِّيَّةٌ وَطَرِيقُ الْخَاصِّ هُنَا ظَنِّيَّةٌ وَدَلَالَتُهُ عَلَيْهِ قَطْعِيَّةٌ فَيَتَعَادَلَانِ , ثُمَّ يَتَرَجَّح الْخَاصُّ بِأَنَّ الْعَمَل بِهِ يَسْتَلْزِم الْجَمْعَ بَيْن الدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بِخِلَافِ عَكْسه. ‏"
    },
    {
        "id": "6268",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏اخْتَصَمَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏فِي غُلَامٍ فَقَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي ‏ ‏عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا ‏ ‏بِعُتْبَةَ ‏ ‏فَقَالَ هُوَ لَكَ يَا ‏ ‏عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ‏ ‏الْوَلَدُ ‏ ‏لِلْفِرَاشِ ‏ ‏وَلِلْعَاهِرِ ‏ ‏الْحَجَرُ وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا ‏ ‏سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ ‏ ‏قَالَتْ فَلَمْ يَرَ ‏ ‏سَوْدَةَ ‏ ‏قَطُّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة مُخَاصَمَة سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَعَبْد بْنِ زَمْعَةَ , قَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب الْوَلَد لِلْفِرَاشِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6269",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ ‏ ‏ادَّعَى ‏ ‏إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ ‏ ‏فَذَكَرْتُهُ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏وَأَنَا سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( خَالِد هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏يَعْنِي الْوَاسِطِيّ الطَّحَّان , وَخَالِد شَيْخه هُوَ اِبْنُ مِهْرَانَ الْحَذَّاءُ , وَأَبُو عُثْمَان هُوَ النَّهْدِيّ , وَسَعْد هُوَ اِبْن أَبِي وَقَّاص , وَالسَّنَد إِلَى سَعْد كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَالْقَائِل \" فَذَكَرْته لِأَبِي بَكْرَة \" هُوَ أَبُو عُثْمَان , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة هُشَيْم عَنْ خَالِد الْحَذَّاء عِنْد مُسْلِم فِي أَوَّله قِصَّة , وَلَفْظه عَنْ أَبِي عُثْمَان قَالَ : \" لَمَّا اُدُّعِيَ زِيَادٌ لَقِيت أَبَا بَكْرَةَ فَقُلْت : مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ ؟ إِنِّي سَمِعْت سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص يَقُول \" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مَرْفُوعًا \" فَقَالَ أَبُو بَكْرَة : وَأَنَا سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَالْمُرَاد بِزِيَادٍ الَّذِي اُدُّعِيَ زِيَاد بْن سُمَيَّة وَهِيَ أُمُّهُ كَانَتْ أَمَةً لِلْحَارِثِ بْن كَلَدَة زَوَّجَهَا لِمَوْلَى عُبَيْدٍ فَأَتَتْ بِزِيَادٍ عَلَى فِرَاشِهِ وَهُمْ بِالطَّائِفِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ أَهْلُ الطَّائِفِ , فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ سَمِعَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ كَلَامَ زِيَادٍ عِنْد عُمَر وَكَانَ بَلِيغًا فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ : إِنِّي لَأَعْرِفُ مَنْ وَضَعَهُ فِي أُمِّهِ وَلَوْ شِئْت لَسَمَّيْته وَلَكِنْ أَخَافُ مِنْ عُمَرَ , فَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ الْخِلَافَةَ كَانَ زِيَادٌ عَلَى فَارِس مِنْ قِبَل عَلِيٍّ فَأَرَادَ مُدَارَاته فَأَطْمَعَهُ فِي أَنَّهُ يُلْحِقُهُ بِأَبِي سُفْيَان فَأَصْغَى زِيَادٌ إِلَى ذَلِكَ فَجَرَتْ فِي ذَلِكَ خُطُوبٌ إِلَى أَنْ اِدَّعَاهُ مُعَاوِيَةُ وَأَمَّرَهُ عَلَى الْبَصْرَةِ ثُمَّ عَلَى الْكُوفَة وَأَكْرَمَهُ , وَسَارَ زِيَادٌ سِيرَتَهُ الْمَشْهُورَةَ وَسِيَاسَتَهُ الْمَذْكُورَةَ , فَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ عَلَى مُعَاوِيَةَ مُحْتَجِّينَ بِحَدِيثِ \" الْوَلَد لِلْفِرَاشِ \" وَقَدْ مَضَى قَرِيبًا شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا خَصَّ أَبُو عُثْمَانَ أَبَا بَكْرَةَ بِالْإِنْكَارِ لِأَنَّ زِيَادًا كَانَ أَخَاهُ مِنْ أُمِّهِ , وَلِأَبِي بَكْرَةَ مَعَ زِيَادٍ قِصَّةٌ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهَا فِي كِتَاب الشَّهَادَات , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ مِنْ رِوَايَة عَاصِم الْأَحْوَل عَنْ أَبِي عُثْمَان قَالَ : \" سَمِعْت سَعْدًا وَأَبَا بَكْرَةَ \" وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَبِي بَكْرَةَ. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ اُدُّعِيَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة عَاصِم الْمُشَار إِلَيْهَا عِنْد مُسْلِم \" مَنْ اِدَّعَى أَبًا فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ أَبِيهِ \" وَالثَّانِي مِثْله وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْش فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبَى ذَرّ وَفِيهِ \" وَمَنْ اُدُّعِيَ لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ \" وَوَقَعَ هُنَاكَ \" إِلَّا كَفَرَ بِاَللَّهِ \" وَتَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ , وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيث أَبِي بَكْر الصِّدِّيق \" كُفْرٌ بِاَللَّهِ اِنْتَفَى مِنْ نَسَبٍ وَإِنْ دَقَّ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6270",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِرَاكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا ‏ ‏تَرْغَبُوا ‏ ‏عَنْ آبَائِكُمْ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث وَعِرَاكٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِره كَافٌ هُوَ اِبْن مَالِك. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ هَارُون بْن سَعِيد عَنْ اِبْن وَهْب بِسَنَدِهِ إِلَى عِرَاك أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله ( لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْر ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ , وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَقَدْ كَفَرَ \" وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب رَجْم الْحُبْلَى مِنْ الزِّنَا \" فِي حَدِيث عُمَر الطَّوِيل \" لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَهُوَ كُفْرٌ بِرَبِّكُمْ \" قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : لَيْسَ مَعْنَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ مَنْ اِشْتَهَرَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْوَعِيدِ كَالْمِقْدَادِ بْن الْأَسْوَد , وَإِنَّمَا الْمُرَاد بِهِ مَنْ تَحَوَّلَ عَنْ نِسْبَتِهِ لِأَبِيهِ إِلَى غَيْر أَبِيهِ عَالِمًا عَامِدًا مُخْتَارًا , وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة لَا يَسْتَنْكِرُونَ أَنْ يَتَبَنَّى الرَّجُلُ وَلَدَ غَيْرِهِ وَيَصِير الْوَلَد يُنْسَب إِلَى الَّذِي تَبَنَّاهُ حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى : ( ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْد اللَّه ) وَقَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى : ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ) فَنُسِبَ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى أَبِيهِ الْحَقِيقِيِّ وَتَرَكَ الِانْتِسَابَ إِلَى مَنْ تَبَنَّاهُ لَكِنْ بَقِيَ بَعْضُهُمْ مَشْهُورًا بِمَنْ تَبَنَّاهُ فَيُذْكَرُ بِهِ لِقَصْدِ التَّعْرِيفِ لَا لِقَصْدِ النَّسَبِ الْحَقِيقِيِّ كَالْمِقْدَادِ بْن الْأَسْوَد , وَلَيْسَ الْأَسْوَدُ أَبَاهُ , وَإِنَّمَا كَانَ تَبَنَّاهُ وَاسْم أَبِيهِ الْحَقِيقِيّ عَمْرو بْن ثَعْلَبَة بْن مَالِك بْن رَبِيعَة الْبَهْرَانِيّ , وَكَانَ أَبُوهُ حَلِيف كِنْدَة فَقِيلَ لَهُ الْكِنْدِيّ , ثُمَّ حَالَفَ هُوَ الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث الزُّهْرِيّ فَتَبَنَّى الْمِقْدَادَ فَقِيلَ لَهُ اِبْن الْأَسْوَد. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا. قَالَ : وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالْكُفْرِ حَقِيقَة الْكُفْر الَّتِي يَخْلُدُ صَاحِبُهَا فِي النَّارِ , وَبَسَطَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْش وَفِي كِتَاب الْإِيمَان فِي أَوَائِل الْكِتَاب. وَقَالَ بَعْض الشُّرَّاح : سَبَب إِطْلَاق الْكُفْر هُنَا أَنَّهُ كَذَبَ عَلَى اللَّه كَأَنَّهُ يَقُول خَلَقَنِي اللَّه مِنْ مَاء فُلَان , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِهِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيث الْمَاضِي قَرِيبًا \" اِبْن أُخْت الْقَوْم مِنْ أَنْفُسهمْ \" و \" مَوْلَى الْقَوْم مِنْ أَنْفُسهمْ \" لَيْسَ عَلَى عُمُومه إِذْ لَوْ كَانَ عَلَى عُمُومِهِ لَجَازَ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى خَالِهِ مَثَلًا وَكَانَ مُعَارِضًا لِحَدِيثِ الْبَاب الْمُصَرِّح بِالْوَعِيدِ الشَّدِيد لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ , فَعُرِفَ أَنَّهُ خَاصٌّ , وَالْمُرَاد بِهِ أَنَّهُ مِنْهُمْ فِي الشَّفَقَةِ وَالْبِرِّ وَالْمُعَاوَنَةِ وَنَحْو ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6271",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ وَقَالَتْ الْأُخْرَى إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ فَتَحَاكَمَتَا إِلَى ‏ ‏دَاوُدَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى فَخَرَجَتَا عَلَى ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ‏ ‏عَلَيْهِمَا السَّلَام ‏ ‏فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا فَقَالَتْ الصُّغْرَى لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَوْمَئِذٍ وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا ‏ ‏الْمُدْيَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏10083 سَبَقَ شَرْحُهُ بِالْبَابِ ‏"
    },
    {
        "id": "6272",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا ‏ ‏تَبْرُقُ ‏ ‏أَسَارِيرُ ‏ ‏وَجْهِهِ فَقَالَ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ ‏ ‏مُجَزِّزًا ‏ ‏نَظَرَ ‏ ‏آنِفًا ‏ ‏إِلَى ‏ ‏زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ‏ ‏وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّز ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا \" أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا \" وَالْمُرَاد مِنْ الرُّؤْيَة هُنَا الْإِخْبَارُ أَوْ الْعِلْمُ , وَمَضَى فِي مَنَاقِب زَيْد مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيّ \" أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ الْمُدْلِجِيّ \" وَمَضَى فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد عَنْ الزُّهْرِيّ بِلَفْظِ \" دَخَلَ عَلَيَّ قَائِفٌ \" الْحَدِيث وَفِيهِ فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْجَبَهُ وَأَخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق مَعْمَر وَابْن جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيّ \" وَكَانَ مُجَزِّز قَائِفًا \" وَمُجَزِّز بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْرِ الزَّايِ الثَّقِيلَةِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَبَعْدهَا زَاي أُخْرَى هَذَا هُوَ الْمَشْهُور , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِسُكُونِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ زَاي وَهُوَ اِبْن الْأَعْوَر بْن جَعْدَة الْمُدْلِجِيّ نِسْبَة إِلَى مُدْلِج بْن مُرَّة بْن عَبْد مَنَاف بْن كِنَانَة , وَكَانَتْ الْقِيَافَة فِيهِمْ وَفِي بَنِي أَسَد , وَالْعَرَب تَعْتَرِف لَهُمْ بِذَلِكَ , وَلَيْسَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِمْ عَلَى الصَّحِيح , وَقَدْ أَخْرَجَ يَزِيد بْن هَارُون فِي الْفَرَائِض بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّ عُمَر كَانَ قَائِفًا أَوْرَدَهُ فِي قِصَّتِهِ , وَعُمَر قُرَشِيّ لَيْسَ مُدْلِجِيًّا وَلَا أَسَدِيًّا لَا أَسَد قُرَيْش وَلَا أَسَد خُزَيْمَةَ , وَمُجَزِّز الْمَذْكُور هُوَ وَالِد عَلْقَمَة بْن مُجَزِّز الْمَاضِي ذِكْرُهُ فِي \" بَاب سَرِيَّة عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة \" مِنْ الْمَغَازِي , وَذَكَرَ مُصْعَب الزُّبَيْرِيّ وَالْوَاقِدِيّ أَنَّهُ سُمِّيَ مُجَزِّزًا لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا أَخَذَ أَسِيرًا فِي الْجَاهِلِيَّة جَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَطْلَقَهُ , وَهَذَا يَدْفَعُ فَتْح الزَّاي الْأُولَى مِنْ اِسْمِهِ , وَعَلَى هَذَا فَكَانَ لَهُ اِسْم غَيْر مُجَزِّز. لَكِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ. وَكَانَ مُجَزِّز عَارِفًا بِالْقِيَافَةِ , وَذَكَرَهُ اِبْن يُونُس فِيمَنْ شَهِدَ فَتْحَ مِصْر وَقَالَ : لَا أَعْلَمُ لَهُ رِوَايَةً. ‏ ‏قَوْله ( نَظَرَ آنِفًا ) ‏ ‏بِالْمَدِّ وَيَجُوز الْقَصْر أَيْ قَرِيبًا أَوْ أَقْرَبَ وَقْتٍ. ‏ ‏قَوْله ( إِلَى زَيْد بْن حَارِثَة وَأُسَامَة بْن زَيْد ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا \" دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَة بْن زَيْد وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا \" وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد \" وَأُسَامَة وَزَيْد مُضْطَجِعَانِ \" وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ دَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَقُول : لَعَلَّهُ حَابَاهُمَا بِذَلِكَ لِمَا عُرِفَ مِنْ كَوْنِهِمْ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي أُسَامَةَ. ‏ ‏قَوْله ( بَعْضهَا مِنْ بَعْض ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَمِنْ بَعْضٍ \" قَالَ أَبُو دَاوُدَ : نَقَلَ أَحْمَد بْن صَالِح عَنْ أَهْل النَّسَب أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يَقْدَحُونَ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوَادِ وَكَانَ أَبُوهُ زَيْدٌ أَبْيَضَ مِنْ الْقُطْنِ , فَلَمَّا قَالَ الْقَائِفُ مَا قَالَ مَعَ اِخْتِلَاف اللَّوْن سُرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَافًّا لَهُمْ عَنْ الطَّعْنِ فِيهِ لِاعْتِقَادِهِمْ ذَلِكَ , وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق اِبْن سِيرِينَ , أَنَّ أُمّ أُسَامَة - وَهِيَ أُمّ أَيْمَنَ مَوْلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ سَوْدَاءَ فَلِهَذَا جَاءَ أُسَامَةُ أَسْوَدَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ اِبْن شِهَابٍ أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ كَانَتْ حَبَشِيَّةً وَصِيفَةً لِعَبْدِ اللَّه وَالِد النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُقَال كَانَتْ مِنْ سَبْيِ الْحَبَشَةِ الَّذِينَ قَدِمُوا زَمَنَ الْفِيلِ , فَصَارَتْ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَوَهَبَهَا. لِعَبْدِ اللَّه , وَتَزَوَّجَتْ قَبْلَ زَيْدٍ عُبَيْدًا الْحَبَشِيّ فَوَلَدَتْ لَهُ أَيْمَنَ فَكُنِيَتْ بِهِ وَاشْتَهَرَتْ بِذَلِكَ , وَكَانَ يُقَالُ لَهَا أُمّ الظِّبَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهَا ذِكْرٌ فِي أَوَاخِرِ الْهِبَةِ. قَالَ عِيَاض : لَوْ صَحَّ أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ كَانَتْ سَوْدَاءَ لَمْ يُنْكِرُوا سَوَاد اِبْنِهَا أُسَامَةَ لِأَنَّ السَّوْدَاء قَدْ تَلِد مِنْ الْأَبْيَض أَسْوَد. قُلْت : يَحْتَمِل أَنَّهَا كَانَتْ صَافِيَةً فَجَاءَ أُسَامَةُ شَدِيدَ السَّوَادِ فَوَقَعَ الْإِنْكَار لِذَلِكَ , وَفِي الْحَدِيث جَوَاز الشَّهَادَة عَلَى الْمُنْتَقِبَة وَالِاكْتِفَاء بِمَعْرِفَتِهَا مِنْ غَيْر رُؤْيَة الْوَجْه , وَجَوَاز اِضْطِجَاع الرَّجُل مَعَ وَلَده فِي شِعَار وَاحِد , وَقَبُول شَهَادَة مَنْ يَشْهَد قَبْل أَنْ يُسْتَشْهَدَ عِنْد عَدَم التُّهْمَة , وَسُرُور الْحَاكِم لِظُهُورِ الْحَقّ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عِنْد السَّلَامَة مِنْ الْهَوَى , وَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب إِذَا عَرَّضَ بِنَفْيِ الْوَلَدِ \" مِنْ كِتَاب اللِّعَان حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة الَّذِي قَالَ \" إِنَّ اِمْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ , وَفِيهِ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ \" وَمَضَى شَرْحُهُ هُنَاكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَجْه إِدْخَال هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْفَرَائِض الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَائِف لَا يُعْتَبَر قَوْله , فَإِنَّ مَنْ اِعْتَبَرَ قَوْله فَعَمِلَ بِهِ لَزِمَ مِنْهُ حُصُول التَّوَارُث بَيْن الْمُلْحَقِ وَالْمُلْحَقِ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6273",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مَسْرُورٌ فَقَالَ يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ ‏ ‏مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏وَزَيْدًا ‏ ‏وَعَلَيْهِمَا ‏ ‏قَطِيفَةٌ ‏ ‏قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ الزُّهْرِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْفَرَائِض مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى ثَلَاثَة وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا حَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , وَالْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا وَالْبَقِيَّة خَالِصَة لَمْ يُخَرِّجْ مُسْلِمٌ مِنْهَا سِوَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فِي الْجَنِين غُرَّة \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا \" وَأَمَّا حَدِيث مَعَاذ فِي تَوْرِيث الْأُخْت وَالْبِنْت وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي تَوْرِيث بِنْت الِابْن وَحَدِيثه فِي السَّائِبَة وَحَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ الْمُعَلَّق فَانْفَرَدَ الْبُخَارِيّ بِتَخْرِيجِهَا. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ أَثَرًا , وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6274",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا ‏ ‏يَنْتَهِبُ ‏ ‏نُهْبَةً ‏ ‏يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمِثْلِهِ إِلَّا النُّهْبَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْحَارِث بْن هِشَام الْمَخْزُومِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق شُعَيْب بْن اللَّيْث عَنْ أَبِيهِ \" حَدَّثَنِي عُقَيْل بْن خَالِد قَالَ قَالَ اِبْن شِهَاب أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام \". ‏ ‏قَوْله ( لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن ) ‏ ‏قَيَّدَ نَفْيَ الْإِيمَانِ بِحَالَةِ اِرْتِكَابِهِ لَهَا , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ بَعْد فَرَاغه , وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ زَوَالَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ إِذَا أَقْلَعَ الْإِقْلَاعَ الْكُلِّيَّ , وَأَمَّا لَوْ فَرَغَ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ فَهُوَ كَالْمُرْتَكِبِ فَيُتَّجَه أَنَّ نَفْيَ الْإِيمَانِ عَنْهُ يَسْتَمِرّ , وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُحَارِبِينَ مِنْ قَوْل اِبْن عَبَّاسٍ \" فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ \" وَلَكِنْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق نَافِع بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَا يَزْنِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ , فَإِذَا زَالَ رَجَعَ إِلَيْهِ الْإِيمَان. لَيْسَ إِذَا تَابَ مِنْهُ وَلَكِنْ إِذَا تَأَخَّرَ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الْمُصِرَّ وَإِنْ كَانَ إِثْمُهُ مُسْتَمِرًّا لَكِنْ لَيْسَ إِثْمُهُ كَمَنْ بَاشَرَ الْفِعْلَ كَالسَّرِقَةِ مَثَلًا. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يَشْرَب الْخَمْر حِين يَشْرَب وَهُوَ مُؤْمِن ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة فِي الْأَشْرِبَة \" وَلَا يَشْرَبهَا \" وَلَمْ يَذْكُر اِسْم الْفَاعِل مِنْ الشُّرْب كَمَا ذَكَرَهُ فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة. قَالَ اِبْن مَالِك : فِيهِ جَوَازُ حَذْف الْفَاعِل لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ وَالتَّقْدِير : وَلَا يَشْرَب الشَّارِب الْخَمْر إِلَخْ , وَلَا يَرْجِع الضَّمِير إِلَى الزَّانِي لِئَلَّا يَخْتَصّ بِهِ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ شَرِبَ , وَكَذَا الْقَوْل فِي لَا يَسْرِق وَلَا يَقْتُل وَفِي لَا يَغُلّ , وَنَظِير حَذْف الْفَاعِل بَعْد النَّفْي قِرَاءَة هِشَام ( وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه ) بِفَتْحِ الْيَاء التَّحْتَانِيَّة أَوَّلَهُ أَيْ لَا يَحْسَبَنَّ حَاسِبٌ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يَنْتَهِب نُهْبَة ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون هُوَ الْمَال الْمَنْهُوب وَالْمُرَاد بِهِ الْمَأْخُوذ جَهْرًا قَهْرًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام عِنْد أَحْمَد \" وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَنْتَهِبَنَّ أَحَدُكُمْ نُهْبَة \" الْحَدِيث , وَأَشَارَ بِرَفْعِ الْبَصَر إِلَى حَالَة الْمَنْهُوبِينَ فَإِنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ يَنْهَبُهُمْ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى دَفْعِهِ وَلَوْ تَضَرَّعُوا إِلَيْهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كِنَايَة عَنْ عَدَمِ التَّسَتُّرِ بِذَلِكَ فَيَكُون صِفَةً لَازِمَةً لِلنَّهْبِ , بِخِلَافِ السَّرِقَةِ وَالِاخْتِلَاسِ فَإِنَّهُ يَكُون فِي خُفْيَةٍ , وَالِانْتِهَابُ أَشَدُّ لِمَا فِيهِ مِنْ مَزِيدِ الْجَرَاءَةِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ , وَزَادَ فِي رِوَايَة يُونُس بْن يَزِيد عَنْ اِبْن شِهَاب الَّتِي يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا عَقِبَهَا ذَات شَرَف أَيْ ذَات قَدْر حَيْثُ يُشْرِفُ النَّاسُ لَهَا نَاظِرِينَ إِلَيْهَا وَلِهَذَا وَصَفَهَا بِقَوْلِهِ \" يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ \" وَلَفْظ يُشْرِفُ وَقَعَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ , وَقَيَّدَهَا بَعْضُ رُوَاةِ مُسْلِمٍ بِالْمُهْمَلَةِ , وَكَذَا نُقِلَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ , وَهِيَ تَرْجِع إِلَى التَّفْسِير الْأَوَّل قَالَهُ اِبْن الصَّلَاح. ‏ ‏قَوْله ( يَرْفَع النَّاس إِلَخْ ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ فِي النُّهْبَةِ دُونَ السَّرِقَة. ‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ إِلَّا النُّهْبَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْث بِلَفْظِ \" قَالَ اِبْن شِهَاب وَحَدَّثَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَأَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ حَدِيث أَبِي بَكْر هَذَا إِلَّا النُّهْبَة ) وَتَقَدَّمَ فِي الْأَشْرِبَة مِنْ طَرِيق يُونُس بْن يَزِيد عَنْ اِبْن شِهَاب \" سَمِعْت أَبَا سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن وَابْن الْمُسَيِّب يَقُولَانِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة \" فَذَكَرَهُ مَرْفُوعًا , وَقَالَ بَعْده \" قَالَ اِبْن شِهَاب وَأَخْبَرَنِي عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام أَنَّ أَبَا بَكْر يَعْنِي أَبَاهُ كَانَ يُحَدِّثهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ثُمَّ يَقُول : كَانَ أَبُو بَكْر يُلْحِق مَعَهُنَّ \" وَلَا يَنْتَهِب نُهْبَة ذَات شَرَف \" وَالْبَاقِي نَحْو الَّذِي هُنَا , وَتَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب وَأَبِي سَلَمَة وَأَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن ثَلَاثَتهمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَسَاقَهُ مَسَاقًا وَاحِدًا مِنْ غَيْر تَفْصِيل , قَالَ اِبْن الصَّلَاح فِي كَلَامه عَلَى مُسْلِم قَوْله \" وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِق مَعَهُنَّ , وَلَا يَنْتَهِب \" يُوهِم أَنَّهُ مَوْقُوف عَلَى أَبِي هُرَيْرَة , وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى مُسْلِم مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَا يَنْتَهِب أَحَدكُمْ نُهْبَة \" الْحَدِيث فَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ بَلْ قَالَ \" مِثْل حَدِيث الزُّهْرِيّ \" لَكِنْ قَالَ \" يَرْفَع إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ أَعْيُنهمْ فِيهَا \" الْحَدِيث , قَالَ : وَزَادَ \" وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِين يَغُلُّ وَهُوَ مُؤْمِن فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ \" وَسَيَأْتِي فِي الْمُحَارِبِينَ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس هَذَا فِيهِ مِنْ الزِّيَادَة \" وَلَا يَقْتُل \" وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى بَعْض مَا قِيلَ فِي تَأْوِيله فِي أَوَّل كِتَاب الْأَشْرِبَة وَاسْتَوْعَبَهُ هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , قَالَ الطَّبَرِيُّ : اِخْتَلَفَ الرُّوَاة فِي أَدَاء لَفْظ هَذَا الْحَدِيث , وَأَنْكَرَ بَعْضهمْ أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ , ثُمَّ ذَكَرَ الِاخْتِلَاف فِي تَأْوِيله. وَمِنْ أَقْوَى مَا يَحْمِل عَلَى صَرْفه عَنْ ظَاهِره إِيجَابُ الْحَدّ فِي الزِّنَا عَلَى أَنْحَاء مُخْتَلِفَة فِي حَقّ الْحُرّ الْمُحْصَن وَالْحُرّ الْبِكْر وَفِي حَقّ الْعَبْد , فَلَوْ كَانَ الْمُرَاد بِنَفْيِ الْإِيمَان ثُبُوت الْكُفْر لَاسْتَوَوْا فِي الْعُقُوبَة لِأَنَّ الْمُكَلَّفِينَ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْإِيمَانِ وَالْكُفْر سَوَاء , فَلَمَّا كَانَ الْوَاجِب فِيهِ مِنْ الْعُقُوبَة مُخْتَلِفًا دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرْتَكِب ذَلِكَ لَيْسَ بِكَافِرٍ حَقِيقَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث , وَالصَّحِيح الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ : لَا يَفْعَل هَذِهِ الْمَعَاصِيَ وَهُوَ كَامِل الْإِيمَان , هَذَا مِنْ الْأَلْفَاظ الَّتِي تُطْلَقُ عَلَى نَفْي الشَّيْء وَالْمُرَاد نَفْيُ كَمَالِهِ كَمَا يُقَال لَا عِلْمَ إِلَّا مَا نَفَعَ وَلَا مَال إِلَّا مَا يُغَلُّ وَلَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ , وَإِنَّمَا تَأَوَّلْنَاهُ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ \" مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ \" وَحَدِيثِ عُبَادَةَ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ \" أَنَّهُمْ بَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ لَا يَسْرِقُوا وَلَا يَزْنُوا \" الْحَدِيث , وَفِي آخِره \" وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَة , وَمَنْ لَمْ يُعَاقَب فَهُوَ إِلَى اللَّه إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ \" فَهَذَا مَعَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ( إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء ) مَعَ إِجْمَاع أَهْل السُّنَّة عَلَى أَنَّ مُرْتَكِب الْكَبَائِر لَا يَكْفُر إِلَّا بِالشِّرْكِ يَضْطَرُّنَا إِلَى تَأْوِيل الْحَدِيث وَنَظَائِره , وَهُوَ تَأْوِيل ظَاهِر سَائِغ فِي اللُّغَة مُسْتَعْمَل فِيهَا كَثِيرًا , قَالَ : وَتَأَوَّلَهُ بَعْض الْعُلَمَاء عَلَى مَنْ فَعَلَهُ مُسْتَحِلًّا مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِهِ. وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَمُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيُّ : مَعْنَاهُ يُنْزَع عَنْهُ اِسْم الْمَدْح الَّذِي سَمَّى اللَّهُ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا يُقَال فِي حَقِّهِ مُؤْمِن وَيَسْتَحِقّ اِسْم الذَّمّ فَيُقَال سَارِق وَزَانٍ وَفَاجِر وَفَاسِق , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : يُنْزَع مِنْهُ نُور الْإِيمَان , وَفِيهِ حَدِيث مَرْفُوع , وَعَنْ الْمُهَلَّب تُنْزَعُ مِنْهُ بَصِيرَته فِي طَاعَة اللَّه , وَعَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّهُ مِنْ الْمُشْكِل الَّذِي نُؤْمِن بِهِ وَنُمِرُّهُ كُلَّمَا جَاءَ وَلَا نَتَعَرَّض لِتَأْوِيلِهِ , قَالَ : وَهَذِهِ الْأَقْوَال مُحْتَمَلَة وَالصَّحِيح مَا قَدَّمْته , قَالَ وَقِيلَ فِي مَعْنَاهُ عَنْ مَا ذَكَرْته مِمَّا لَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ بَعْضهَا غَلَطٌ فَتَرَكْتهَا. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَدْ وَرَدَ فِي تَأْوِيله بِالْمُسْتَحِلِّ حَدِيث مَرْفُوع عَنْ عَلِيّ عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير لَكِنْ فِي سَنَدِهِ رَاوٍ كَذَّبُوهُ , فَمِنْ الْأَقْوَال الَّتِي لَمْ يَذْكُرهَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن زَيْد بْن وَاقِد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْي وَالْمَعْنَى : لَا يَزْنِيَنَّ مُؤْمِن وَلَا يَسْرِقَنَّ مُؤْمِن , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانَ بَعْضهمْ يَرْوِيه وَلَا يَشْرَبِ بِكَسْرِ الْبَاءِ عَلَى مَعْنَى النَّهْيِ , وَالْمَعْنَى الْمُؤْمِن لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ , وَرَدَّ بَعْضهمْ هَذَا الْقَوْل بِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لِلتَّقْيِيدِ بِالظَّرْفِ فَائِدَةٌ فَإِنَّ الزِّنَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي جَمِيع الْمِلَل وَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْمُؤْمِنِينَ. قُلْت : وَفِي هَذَا الرَّدّ نَظَرٌ وَاضِحٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ. ثَانِيهَا أَنْ يَكُون بِذَلِكَ مُنَافِقًا نِفَاق مَعْصِيَة لَا نِفَاق كُفْرٍ حَكَاهُ اِبْن بَطَّال عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَقَدْ مَضَى تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَان أَوَّل الْكِتَاب. ثَالِثهَا أَنَّ مَعْنَى نَفْيِ كَوْنه مُؤْمِنًا أَنَّهُ شَابَهَ الْكَافِرَ فِي عَمَلِهِ , وَمَوْقِع التَّشْبِيه أَنَّهُ مِثْله فِي جَوَاز قِتَاله فِي تِلْكَ الْحَالَة لِيَكُفَّ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ أَدَّى إِلَى قَتْلِهِ , فَإِنَّهُ لَوْ قُتِلَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَانَ دَمُهُ هَدَرًا فَانْتَفَتْ فَائِدَةُ الْإِيمَانِ فِي حَقِّهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى زَوَال عِصْمَتِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ , وَهَذَا يُقَوِّي مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّقْيِيد بِحَالَةِ التَّلَبُّس بِالْمَعْصِيَةِ. رَابِعُهَا مَعْنَى قَوْله لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ أَيْ لَيْسَ بِمُسْتَحْضِرٍ فِي حَالَةِ تَلَبُّسِهِ بِالْكَبِيرَةِ جَلَالَ مَنْ آمَنَ بِهِ , فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْغَفْلَةِ الَّتِي جَلَبَتْهَا لَهُ غَلَبَةُ الشَّهْوَةِ , وَعَبَّرَ عَنْ هَذَا اِبْن الْجَوْزِيّ بِقَوْلِهِ : فَإِنَّ الْمَعْصِيَة تُذْهِلُهُ عَنْ مُرَاعَاةِ الْإِيمَانِ وَهُوَ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ , فَكَأَنَّهُ نَسِيَ مَنْ صَدَّقَ بِهِ , قَالَ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ نَزْعِ نُورِ الْإِيمَانِ , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ مُرَاد الْمُهَلَّب , خَامِسهَا مَعْنَى نَفْيِ الْإِيمَان نَفْيُ الْأَمَانِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْأَمْنِ. سَادِسُهَا أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الزَّجْر وَالتَّنْفِير وَلَا يُرَاد ظَاهِرُهُ , وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الطِّيبِيُّ فَقَالَ : يَجُوز أَنْ يَكُونَ مِنْ بَاب التَّغْلِيظ وَالتَّهْدِيد كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ ) يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْخِصَال لَيْسَتْ مِنْ صِفَات الْمُؤْمِن لِأَنَّهَا مُنَافِيَة لِحَالِهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَّصِف بِهَا. سَابِعهَا أَنَّهُ يَسْلُب الْإِيمَان حَالَة تَلَبُّسه بِالْكَبِيرَةِ فَإِذَا فَارَقَهَا عَادَ إِلَيْهِ , وَهُوَ ظَاهِر مَا أَسْنَدَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس كَمَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب إِثْم الزِّنَا \" مِنْ كِتَاب الْمُحَارِبِينَ عَنْ عِكْرِمَة عَنْهُ بِنَحْوِ حَدِيث الْبَاب , قَالَ عِكْرِمَة : قُلْت لِابْنِ عَبَّاس كَيْف يُنْزَعُ مِنْهُ الْإِيمَانُ ؟ قَالَ : هَكَذَا , وَشَبَّكَ بَيْن أَصَابِعه ثُمَّ أَخْرَجَهَا , فَإِذَا تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا , وَشَبَّكَ بَيْن أَصَابِعه. وَجَاءَ مِثْلُ هَذَا مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم بِسَنَدٍ صَحِيح مِنْ طَرِيق سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" إِذَا زَنَى الرَّجُل خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَان فَكَانَ عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ , فَإِذَا أَقْلَعَ رَجَعَ إِلَيْهِ الْإِيمَان \" وَأَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق اِبْن حُجَيْرَة أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة يَقُول \" مَنْ زَنَى أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ نَزَعَ اللَّه مِنْهُ الْإِيمَان كَمَا يَخْلَعُ الْإِنْسَانُ الْقَمِيصَ مِنْ رَأْسِهِ \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّد مِنْ رِوَايَة رَجُل مِنْ الصَّحَابَة لَمْ يُسَمَّ رَفَعَهُ \" مَنْ زَنَى خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَان فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّه عَلَيْهِ \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة \" مَثَل الْإِيمَان مَثَل قَمِيص بَيْنَمَا أَنْتَ مُدْبِرٌ عَنْهُ إِذْ لَبِسْته , وَبَيْنَمَا , أَنْتَ قَدْ لَبِسْته إِذْ نَزَعْته \" قَالَ اِبْن بَطَّال : وَبَيَان ذَلِكَ أَنَّ الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق , غَيْر أَنَّ لِلتَّصْدِيقِ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا قَوْلٌ وَالْآخَرُ عَمَلٌ , فَإِذَا رَكِبَ الْمُصَدِّق كَبِيرَة فَارَقَهُ اِسْم الْإِيمَان فَإِذَا كَفَّ عَنْهَا عَادَ لَهُ الِاسْم , لِأَنَّهُ فِي حَال كَفِّهِ عَنْ الْكَبِيرَة مُجْتَنِب بِلِسَانِهِ وَلِسَانُهُ مُصَدِّقٌ عَقْدَ قَلْبِهِ وَذَلِكَ مَعْنَى الْإِيمَان. قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل قَدْ يُلَاقِي مَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس : يُنْزَع مِنْهُ نُور الْإِيمَان , لِأَنَّهُ يُحْمَل مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث نُور الْإِيمَان وَهُوَ عِبَارَة عَنْ فَائِدَة التَّصْدِيق وَثَمَرَته وَهُوَ الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ , وَيُمْكِنُ رَدُّ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى الْقَوْل الَّذِي رَجَّحَهُ النَّوَوِيّ , فَقَدْ قَالَ اِبْن بَطَّال فِي آخِرِ كَلَامه تَبَعًا لِلطَّبَرِيِّ : الصَّوَابُ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ يَزُول عَنْهُ اِسْم الْإِيمَان الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْمَدْحِ إِلَى الِاسْم الَّذِي بِمَعْنَى الذَّمِّ فَيُقَال لَهُ فَاسِق مَثَلًا , وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُسَمَّى بِذَلِكَ مَا لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ التَّوْبَةُ , فَالزَّائِل عَنْهُ حِينَئِذٍ اِسْمُ الْإِيمَانِ بِالْإِطْلَاقِ وَالثَّابِت لَهُ اِسْم الْإِيمَان بِالتَّقْيِيدِ فَيُقَال هُوَ مُصَدِّقٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ لَفْظًا وَاعْتِقَادًا لَا عَمَلًا , وَمِنْ ذَلِكَ الْكَفّ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ. وَأَظُنّ أَنَّ اِبْن بَطَّال تَلَقَّى ذَلِكَ مِنْ اِبْن حَزْم فَإِنَّهُ قَالَ : الْمُعْتَمَد عَلَيْهِ عِنْد أَهْل السُّنَّة أَنَّ الْإِيمَان اِعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ وَنُطْقٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ , وَهُوَ يَشْمَل عَمَل الطَّاعَة وَالْكَفّ عَنْ الْمَعْصِيَة , فَالْمُرْتَكِب لِبَعْضِ مَا ذُكِرَ لَمْ يَخْتَلَّ اِعْتِقَادُهُ وَلَا نُطْقُهُ بَلْ اِخْتَلَّتْ طَاعَتُهُ فَقَطْ , فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُطِيعٍ , فَمَعْنَى نَفْيِ الْإِيمَانِ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِنْذَارِ بِزَوَالِهِ مِمَّنْ اِعْتَادَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يُفْضِيَ بِهِ إِلَى الْكُفْرِ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ \" وَمَنْ يَرْتَع حَوْلَ الْحِمَى \" الْحَدِيث أَشَارَ إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ , وَقَدْ أَشَارَ الْمَازِرِيّ إِلَى أَنَّ الْقَوْل الْمُصَحَّح هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْل مَنْ يَرَى أَنَّ الطَّاعَاتِ تُسَمَّى إِيمَانًا , وَالْعَجَب مِنْ النَّوَوِيّ كَيْفَ جَزَمَ بِأَنَّ فِي التَّأْوِيل الْمَنْقُول عَنْ اِبْن عَبَّاس حَدِيثًا مَرْفُوعًا ثُمَّ صَحَّحَ غَيْره فَلَعَلَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى صِحَّتِهِ , وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّهُ يُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى الْقَوْلِ الَّذِي صَحَّحَهُ , قَالَ الطِّيبِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الَّذِي نَقَصَ مِنْ إِيمَان الْمَذْكُور الْحَيَاءُ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الْحَدِيث الْآخَر بِالنُّورِ , وَقَدْ مَضَى أَنَّ الْحَيَاء مِنْ الْإِيمَان فَيَكُون التَّقْدِير : لَا يَزْنِي حِين يَزْنِي وَهُوَ يَسْتَحِي مِنْ اللَّه لِأَنَّهُ لَوْ اِسْتَحَى مِنْهُ وَهُوَ يَعْرِف أَنَّهُ مُشَاهِدٌ حَالَهُ لَمْ يَرْتَكِبْ ذَلِكَ , وَإِلَى ذَلِكَ تَصِحّ إِشَارَة اِبْن عَبَّاس تَشْبِيك أَصَابِعه ثُمَّ إِخْرَاجهَا مِنْهَا ثُمَّ إِعَادَتهَا إِلَيْهَا , وَيُعَضِّدهُ حَدِيث \" مَنْ اِسْتَحَى مِنْ اللَّه حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظْ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى \" اِنْتَهَى. وَحَاصِلُ مَا اِجْتَمَعَ لَنَا مِنْ الْأَقْوَال فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَوْلًا خَارِجًا عَنْ قَوْل الْخَوَارِج وَعَنْ قَوْل الْمُعْتَزِلَة , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى أَنَّ بَعْض الْأَقْوَال الْمَنْسُوبَة لِأَهْلِ السُّنَّة يُمْكِنُ رَدُّ بَعْضهَا إِلَى بَعْض , قَالَ الْمَازِرِيّ : هَذِهِ التَّأْوِيلَات تَدْفَع قَوْل الْخَوَارِج وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الرَّافِضَة إِنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ كَافِر مُخَلَّد فِي النَّار إِذَا مَاتَ مِنْ غَيْر تَوْبَة , وَكَذَا قَوْل الْمُعْتَزِلَة إِنَّهُ فَاسِق مُخَلَّد فِي النَّار , فَإِنَّ الطَّوَائِف الْمَذْكُورِينَ تَعَلَّقُوا بِهَذَا الْحَدِيث وَشِبْهه , وَإِذَا اِحْتَمَلَ مَا قُلْنَاهُ اِنْدَفَعَتْ حُجَّتُهُمْ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : أَشَارَ بَعْض الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيث تَنْبِيهًا عَلَى جَمِيع أَنْوَاع الْمَعَاصِي وَالتَّحْذِير مِنْهَا , فَنَبَّهَ بِالزِّنَا عَلَى جَمِيعِ الشَّهَوَات وَبِالسَّرِقَةِ عَلَى الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْحِرْصِ عَلَى الْحَرَامِ وَبِالْخَمْرِ عَلَى جَمِيعِ مَا يَصُدُّ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَيُوجِب الْغَفْلَةَ عَنْ حُقُوقِهِ وَبِالِانْتِهَابِ الْمَوْصُوفِ عَلَى الِاسْتِخْفَاف بِعِبَادِ اللَّه وَتَرْك تَوْقِيرهمْ وَالْحَيَاء مِنْهُمْ وَعَلَى جَمِيع الدُّنْيَا مِنْ غَيْر وَجْههَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ بَعْد أَنْ ذَكَرَهُ مُلَخَّصًا : وَهَذَا لَا يَتَمَشَّى إِلَّا مَعَ الْمُسَامَحَة , وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَال : إِنَّ الْحَدِيث يَتَضَمَّن التَّحَرُّز مِنْ ثَلَاثَة أُمُور هِيَ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الْمَفَاسِدِ , وَأَضْدَادُهَا مِنْ أُصُول الْمَصَالِح وَهِيَ اِسْتِبَاحَة الْفُرُوج الْمُحَرَّمَة وَمَا يُؤَدِّي إِلَى اِخْتِلَال الْعَقْل , وَخُصَّ الْخَمْرُ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهَا أَغْلَبَ الْوُجُوه فِي ذَلِكَ وَالسَّرِقَة بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهَا أَغْلَبَ الْوُجُوهِ الَّتِي يُؤْخَذ بِهَا مَال الْغَيْر بِغَيْرِ حَقٍّ. قُلْت : وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ عُمُوم مَا ذَكَرَهُ الْأَوَّلُ يَشْمَلُ الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ , وَلَيْسَتْ الصَّغَائِرُ مُرَادَةً هُنَا لِأَنَّهَا تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ فَلَا يَقَعُ الْوَعِيدُ عَلَيْهَا بِمِثْلِ التَّشْدِيد الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيث. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَنَّ مَنْ زَنَى دَخَلَ فِي هَذَا الْوَعِيد سَوَاء كَانَ بِكْرًا أَوْ مُحْصَنًا وَسَوَاء كَانَ الْمَزْنِيُّ بِهَا أَجْنَبِيَّةً أَوْ مَحْرَمًا , وَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي حَقِّ الْمَحْرَمِ أَفْحَشُ وَمِنْ الْمُتَزَوِّج أَعْظَمُ , وَلَا يَدْخُل فِيهِ مَا يُطْلَق عَلَيْهِ اِسْمُ الزِّنَا مِنْ اللَّمْسِ الْمُحَرَّمِ وَكَذَا التَّقْبِيل وَالنَّظَر لِأَنَّهَا وَإِنْ سُمِّيَتْ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ زِنًا فَلَا تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهَا مِنْ الصَّغَائِرِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي تَفْسِيرِ اللَّمَمِ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ سَرَقَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَكَذَا مَنْ اِنْتَهَبَ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْوَعِيدِ , وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ شَرَطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا فِي كَوْنِ الْغَصْبِ كَبِيرَةً أَنْ يَكُونَ الْمَغْصُوب نِصَابًا وَكَذَا فِي السَّرِقَة وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَطْلَقَ فِيهَا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا اِشْتَهَرَ أَنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ فِيهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى وُجُودِ النِّصَابِ وَإِنْ كَانَ سَرِقَة مَا دُون النِّصَاب حَرَامًا. وَفِي الْحَدِيث تَعْظِيمُ شَأْنِ أَخْذِ حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْسَمَ عَلَيْهِ وَلَا يُقْسِمُ إِلَّا عَلَى إِرَادَةِ تَأْكِيدِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ دَخَلَ فِي الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ سَوَاء كَانَ الْمَشْرُوبُ كَثِيرًا أَمْ قَلِيلًا لِأَنَّ شُرْبَ الْقَلِيلِ مِنْ الْخَمْرِ مَعْدُودٌ مِنْ الْكَبَائِرِ وَإِنْ كَانَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الشُّرْبِ مِنْ الْمَحْذُور مِنْ اِخْتِلَال الْعَقْل أَفْحَشُ مِنْ شُرْبِ مَا لَا يَتَغَيَّر مَعَهُ الْعَقْلُ , وَعَلَى الْقَوْل الَّذِي رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ لَا إِشْكَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ لِنَقْصِ الْكَمَالِ مَرَاتِبَ بَعْضهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ الِانْتِهَاب كُلَّهُ حَرَامٌ حَتَّى فِيمَا أَذِنَ مَالِكُهُ كَالنِّثَارِ فِي الْعُرْسِ , وَلَكِنْ صَرَّحَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيّ وَقَتَادَة فِيمَا أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْهُمْ بِأَنَّ شَرْطَ التَّحْرِيمِ أَنْ يَكُون بِغَيْرِ إِذْن الْمَالِك وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هُوَ كَمَا قَالُوا , وَأَمَّا النُّهْبَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَهُوَ مَا أَذِنَ فِيهِ صَاحِبُهُ وَأَبَاحَهُ وَغَرَضه تُسَاوِيهِمْ أَوْ مُقَارَبَةُ التَّسَاوِي , فَإِذَا كَانَ الْقَوِيّ مِنْهُمْ يَغْلِب الضَّعِيفَ وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُ صَاحِبِهِ بِذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَقَدْ يَنْتَهِي إِلَى التَّحْرِيمِ , وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وَالْجُمْهُور بِكَرَاهَتِهِ , وَمِمَّنْ كَرِهَهُ مِنْ الصَّحَابَة أَبُو مَسْعُود الْبَدْرِيّ وَمِنْ التَّابِعِينَ النَّخَعِيُّ وَعِكْرِمَة , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر وَلَمْ يَكْرَهُوهُ مِنْ الْجِهَة الْمَذْكُورَة بَلْ لِكَوْنِ الْأَخْذِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُل لِمَنْ فِيهِ فَضْلُ قُوَّةٍ أَوْ قِلَّة حَيَاء , وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّة وَمَنْ وَافَقَهُمْ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن قَرَظ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْبُدْن الَّتِي نَحَرَهَا \" مَنْ شَاءَ اِقْتَطَعَ \" وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ مَعَاذ رَفَعَهُ \" إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَى الْعَسَاكِرِ فَأَمَّا الْعِرْسَان فَلَا \" الْحَدِيث وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف فِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاع , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : هِيَ حُجَّة قَوِيَّة فِي جَوَاز أَخْذِ مَا يُنْثَر فِي الْعُرْس وَنَحْوه لِأَنَّ الْمُبِيحَ لَهُمْ قَدْ عَلِمَ اِخْتِلَاف حَالهمْ فِي الْأَخْذ كَمَا عَلِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَأَذِنَ فِيهِ فِي أَخْذِ الْبُدْن الَّتِي نَحَرَهَا وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنًى إِلَّا وَهُوَ مَوْجُود فِي النِّثَار. قُلْت : بَلْ فِيهَا مَعْنًى لَيْسَ فِي غَيْرِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَأْذُون لَهُمْ , فَإِنَّهُمْ كَانُوا الْغَايَة فِي الْوَرَع وَالْإِنْصَاف , وَلَيْسَ غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلَهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "6275",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ ‏ ‏بِالْجَرِيدِ ‏ ‏وَالنِّعَالِ ‏ ‏وَجَلَدَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَرْبَعِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَسٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ \" سَمِعْت أَنَسًا \" أَخْرَجَاهَا مِنْ طَرِيق خَالِد بْن الْحَارِث عَنْ شُعْبَة , وَهُوَ يَدُلّ عَلَى أَنَّ رِوَايَة شَبَابَة عَنْ شُعْبَة بِزِيَادَةِ الْحَسَن بَيْن قَتَادَة وَأَنَس الَّتِي أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا ذَكَرَ طَرِيق شُعْبَة عَنْ قَتَادَة وَلَمْ يَسُقْ الْمَتْن وَتَحَوَّلَ إِلَى طَرِيق هِشَام عَنْ قَتَادَة فَسَاقَ الْمَتْن عَلَى لَفْظِهِ , وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْبَاب الْآتِي بَعْد بَاب عَنْ شَيْخ آخَر عَنْ هِشَام بِهَذَا اللَّفْظ , وَأَمَّا لَفْظ شُعْبَة فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّات مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن مُحَمَّد الْقَلَانِسِيّ عَنْ آدَم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ شَرِبَ الْخَمْرَ فَضَرَبَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ , ثُمَّ صَنَعَ أَبُو بَكْرٍ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اِسْتَشَارَ النَّاسَ فَقَالَ لَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ فَفَعَلَهُ عُمَر \" وَلَفْظ رِوَايَة خَالِد الَّتِي ذَكَرْتهَا إِلَى قَوْلِهِ \" نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة مِثْل رِوَايَة آدَم إِلَّا أَنَّهُ قَالَ \" وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْر فَلَمَّا كَانَ عُمَر - أَيْ فِي خِلَافَته - اِسْتَشَارَ النَّاس فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن - يَعْنِي اِبْن عَوْف - أَخَفُّ الْحُدُود ثَمَانُونَ فَأَمَرَ بِهِ عُمَر \" وَوَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاة مُسْلِم \" أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ \" قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِيهِ حَذْف عَامِل النَّصْب وَالتَّقْدِيرُ جَعَلَهُ , وَتَعَقَّبَهُ الْفَاكِهِيّ فَقَالَ : هَذَا بَعِيد أَوْ بَاطِل وَكَأَنَّهُ صَدَرَ عَنْ غَيْر تَأَمُّل لِقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَا لِمُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ إِذْ لَا يَجُوز أَجْوَدُ النَّاسِ الزَّيْدَيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ اِجْعَلْهُمْ , لِأَنَّ مُرَادَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْإِخْبَارُ بِأَخَفِّ الْحُدُودِ لَا الْأَمْر بِذَلِكَ , فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ رَاوِيَ النَّصْب وَهِمَ وَاحْتِمَال تَوْهِيمِهِ أَوْلَى مِنْ اِرْتِكَاب مَا لَا يَجُوزُ لَفْظًا وَلَا مَعْنًى , وَرَدَّ عَلَيْهِ تِلْمِيذُهُ اِبْن مَرْزُوق بِأَنَّ عَبْد الرَّحْمَن مُسْتَشَار وَالْمُسْتَشَار مَسْئُول وَالْمُسْتَشِير سَائِل وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَشَارُ آمِرًا , قَالَ : وَالْمِثَال الَّذِي مَثَّلَ بِهِ غَيْرُ مُطَابِقٍ. قُلْت بَلْ هُوَ مُطَابِقٌ لِمَا اِدَّعَاهُ أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن قَصَدَ الْإِخْبَارَ فَقَطْ , وَالْحَقُّ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِرَأْيِهِ مُسْتَنِدًا إِلَى الْقِيَاسِ , وَأَقْرَبُ التَّقَادِيرِ أَخَفُّ الْحُدُودِ أَجِدُهُ ثَمَانِينَ أَوْ أَجِدُ أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ فَنَصَبَهَا , وَأَغْرَبَ اِبْنُ الْعَطَّارِ صَاحِبُ النَّوَوِيِّ فِي \" شَرْحِ الْعُمْدَة \" فَنَقَلَ عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّهُ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ بِالرَّفْعِ وَأَعْرَبَهُ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا , قَالَ وَلَا أَعْلَمُهُ مَنْقُولًا رِوَايَةً , كَذَا قَالَ وَالرِّوَايَةُ بِذَلِكَ ثَابِتَةٌ , وَالْأَوْلَى فِي تَوْجِيهِهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيق مَعَاذ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ \" ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ فَلَمَّا كَانَ عُمَر وَدَنَا النَّاسُ مِنْ الرِّيفِ وَالْقُرَى قَالَ : مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ الْخَمْرِ ؟ فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف : أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا كَأَخَفِّ الْحُدُودِ قَالَ فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ \" فَيَكُون الْمَحْذُوفُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُخْتَصَرَةِ أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا وَأَدَاة التَّشْبِيهِ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن هَارُون عَنْ شُعْبَة \" فَضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ , ثُمَّ أُتِيَ بِهِ أَبُو بَكْر فَصَنَعَ بِهِ مِثْل ذَلِكَ \" وَرَوَاهُ هَمَّام عَنْ قَتَادَة بِلَفْظِ \" فَأَمَرَ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ رَجُلًا فَجَلَدَهُ كُلُّ رَجُلٍ جَلْدَتَيْنِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَال \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْبَيْهَقِيُّ , وَهَذَا يَجْمَعُ بَيْنَ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى شُعْبَة وَأَنَّ جُمْلَةَ الضَّرَبَات كَانَتْ نَحْو أَرْبَعِينَ لَا أَنَّهُ جَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ أَرْبَعِينَ فَتَكُون الْجُمْلَة ثَمَانِينَ كَمَا أَجَابَ بِهِ بَعْض النَّاس. وَرَوَاهُ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَة بِلَفْظِ \" جَلَدَ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَال أَرْبَعِينَ \" عَلَّقَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيح وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ هِشَام بِلَفْظِ \" كَانَ يَضْرِب فِي الْخَمْرِ مِثْلَهُ \" وَقَدْ نَسَبَ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ قِصَّةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذِهِ إِلَى تَخْرِيج الصَّحِيحَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجْ الْبُخَارِيُّ مِنْهَا شَيْئًا وَبِذَلِكَ جَزَمَ عَبْد الْحَقّ فِي الْجَمْع ثُمَّ الْمُنْذِرِيُّ , نَعَمْ ذَكَرَ مَعْنَى صَنِيع عُمَر فَقَطْ فِي حَدِيث السَّائِب فِي الْبَاب الثَّالِث , وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِيهِ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏الرَّجُل الْمَذْكُور لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمِهِ صَرِيحًا لَكِنْ سَأَذْكُرُ فِي \" بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ لَعْنِ الشَّارِبِ \" مَا يُؤْخَذ مِنْهُ , أَنَّهُ النُّعَيْمَانُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6276",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جِيءَ ‏ ‏بِالنُّعَيْمَانِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏بِابْنِ النُّعَيْمَانِ ‏ ‏شَارِبًا ‏ ‏فَأَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ كَانَ بِالْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوهُ قَالَ فَضَرَبُوهُ فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ , ‏ ‏وَأَيُّوب ‏ ‏هُوَ السِّخْتِيَانِيّ , ‏ ‏وَابْن أَبِي مُلَيْكَة ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْنُ عُبَيْد اللَّه وَقَدْ سُمِّيَ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده مِنْ رِوَايَة وُهَيْب بْن خَالِد عَنْ أَيُّوب. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عُقْبَة بْن الْحَارِث ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَامِر بْن نَوْفَل بْن عَبْد مَنَاف , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَارِث عَنْ أَيُّوب عِنْد أَحْمَد \" حَدَّثَنِي عُقْبَة بْن الْحَارِث \" وَقَدْ اِتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى وَصْلِهِ , وَخَالَفَهُمْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّةَ فَقَالَ \" عَنْ أَيُّوب عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة مُرْسَلًا \" أَخْرَجَهُ مُسَدَّدٌ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( جِيءَ ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَقَدْ ذَكَرْت فِي الْوَكَالَةِ تَسْمِيَةَ الَّذِي أُتِيَ بِهِ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الْمُبْهَمَات. ‏ ‏قَوْله ( بِالنُّعَيْمَانِ أَوْ بِابْنِ النُّعَيْمَانِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" نُعَيْمَانُ \" بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَاب الْوَكَالَة وَأَنَّهُ وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" النُّعَيْمَانُ \" بِغَيْرِ شَكٍّ , فَإِنَّ الزُّبَيْر بْن بَكَّار وَابْن مَنْدَهْ أَخْرَجَا الْحَدِيث مِنْ وَجْهَيْنِ فِيهِمَا \" النُّعَيْمَانُ \" بِغَيْرِ شَكٍّ وَذَكَرْت نَسَبَهُ هُنَاكَ , وَفِي رِوَايَة الزُّبَيْر \" كَانَ النُّعَيْمَانُ يُصِيب الشَّرَابَ \" وَهَذَا يُعَكِّرُ عَلَى قَوْلِ اِبْنِ عَبْدِ الْبَرِّ إِنَّ الَّذِي كَانَ أُتِيَ بِهِ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ هُوَ اِبْنُ النُّعَيْمَانِ فَإِنَّهُ قِيلَ فِي تَرْجَمَة النُّعَيْمَانِ : كَانَ رَجُلًا صَالِحًا وَكَانَ لَهُ اِبْنٌ اِنْهَمَكَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ فَجَلَدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَظُنُّ اِبْنَ النُّعَيْمَانِ جُلِدَ فِي الْخَمْرِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ مَرَّةً , وَذَكَرَ الزُّبَيْر فِي بَكَّار أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ مَزَّاحًا وَلَهُ فِي ذَلِكَ قِصَّةٌ مَعَ سُوَيْبِط بْن حَرْمَلَة وَمَعَ مَخْرَمَةَ بْن نَوْفَل وَالِد الْمِسْوَر مَعَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ ذَكَرَهَا الزُّبَيْر مَعَ نَظَائِرَ لَهَا فِي \" كِتَاب الْفُكَاهَة وَالْمِزَاح \" وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ عَاشَ إِلَى خِلَافَة مُعَاوِيَةَ. ‏ ‏قَوْله ( شَارِبًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة وُهَيْب \" وَهُوَ سَكْرَان \" وَزَادَ \" فَشَقَّ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُعَلَّى بْن أَسَد عَنْ وُهَيْب عِنْد النَّسَائِيِّ \" فَشَقَّ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشَقَّةً شَدِيدَةً \" وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّق بِقِصَّةِ النُّعَيْمَانِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى السَّكْرَان فِي حَالِ سُكْره , وَبِهِ قَالَ بَعْض الظَّاهِرِيَّة وَالْجُمْهُور عَلَى خِلَافِهِ وَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ بِأَنَّ الْمُرَادَ ذِكْرُ سَبَبِ الضَّرْبِ وَأَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ اِسْتَمَرَّ فِي حَالِ ضَرْبِهِ وَأَيَّدُوا ذَلِكَ بِالْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُود بِالضَّرْبِ فِي الْحَدِّ الْإِيلَامُ لِيَحْصُلَ بِهِ الرَّدْعُ , وَفِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَوُجُوب الْحَدّ عَلَى شَارِبهَا سَوَاء كَانَ شَرِبَ كَثِيرًا أَمْ قَلِيلًا وَسَوَاء أَسَكِرَ أَمْ لَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6277",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُتِيَ ‏ ‏بِنُعَيْمَانَ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏بِابْنِ نُعَيْمَانَ ‏ ‏وَهُوَ سَكْرَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِ ‏ ‏وَأَمَرَ مَنْ فِي الْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوهُ فَضَرَبُوهُ ‏ ‏بِالْجَرِيدِ ‏ ‏وَالنِّعَالِ وَكُنْتُ فِيمَنْ ضَرَبَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُقْبَة بْن الْحَارِث قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تُرْجَم لَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6278",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَلَدَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْخَمْرِ ‏ ‏بِالْجَرِيدِ ‏ ‏وَالنِّعَالِ ‏ ‏وَجَلَدَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَرْبَعِينَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي الْبَاب الْأَوَّل , وَقَوْله فِيهِ \" جَلَدَ \" تَقَدَّمَ فِي الْبَاب الْأَوَّل بِلَفْظِ \" ضَرَبَ \" وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ مَعْنَى جَلَدَ هُنَا ضَرَبَهُ فَأَصَابَ جِلْدَهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ضَرْبَهُ بِالْجِلْدِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6279",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِرَجُلٍ ‏ ‏قَدْ شَرِبَ قَالَ اضْرِبُوهُ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ أَخْزَاكَ اللَّهُ قَالَ ‏ ‏لَا تَقُولُوا هَكَذَا لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله ( أَبُو ضَمْرَة أَنَس ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عِيَاض. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ يَزِيد بْن الْهَاد ) ‏ ‏هُوَ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن أُسَامَة بْن عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد بْن الْهَاد فَنُسِبَ إِلَى جَدِّهِ الْأَعْلَى , وَهُوَ وَشَيْخه وَشَيْخ شَيْخه مَدَنِيُّونَ تَابِعِيُّونَ , وَوَقَعَ فِي آخِرِ الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ \" أَنَس بْن عِيَاض حَدَّثَنَا اِبْن الْهَاد \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْحَارِث بْن خَالِد التَّيْمِيّ , زَادَ فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيق نَافِع بْنِ يَزِيد عَنْ اِبْن الْهَاد عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ. ‏ ‏قَوْله ( أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" بِسَكْرَان \" وَهَذَا الرَّجُل يَحْتَمِل أَنْ يُفَسَّرَ بِعَبْدِ اللَّه الَّذِي كَانَ يُلَقَّب حِمَارًا الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده مِنْ حَدِيث عُمَر , وَيَحْتَمِل أَنْ يُفَسَّرَ بِابْنِ النُّعَيْمَانِ , وَالْأَوَّل أَقْرَبُ لِأَنَّ فِي قِصَّتِهِ \" فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم اللَّهُمَّ اِلْعَنْهُ \" وَنَحْوه فِي قِصَّة الْمَذْكُور فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة لَكِنَّ لَفْظَهُ \" قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ أَخْزَاك اللَّهُ \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ ثَالِثًا فَإِنَّ الْجَوَابَ فِي حَدِيثَيْ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ مُخْتَلِفٌ , وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ \" أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَشْوَان فَأُمِرَ بِهِ فَنُهِزَ بِالْأَيْدِي وَخُفِقَ بِالنِّعَالِ \" الْحَدِيث , وَلِعَبْدِ الرَّزَّاق بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر أَحَد كِبَار التَّابِعِينَ \" كَانَ الَّذِي يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَبَعْض إِمَارَة عُمَر يَضْرِبُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ وَنِعَالِهِمْ وَيَصُكُّونَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اِضْرِبُوهُ ) ‏ ‏هَذَا يُفَسِّرُ الرِّوَايَةَ الْآتِيَةَ بِلَفْظِ \" فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ \" وَلَكِنْ لَمْ يَذْكُر فِيهِمَا عَدَدًا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ بَعْض الْقَوْم ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة \" فَقَالَ رَجُلٌ \" وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ عُمَر بْن الْخَطَّاب إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مُتَّحِدَةً مَعَ حَدِيث عُمَرَ فِي قِصَّةِ حِمَارٍ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. ‏ ‏قَوْله ( لَا تَقُولُوا هَكَذَا , لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ , وَوَجْهُ عَوْنِهِمْ الشَّيْطَانَ بِذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَان يُرِيدُ بِتَزْيِينِهِ لَهُ الْمَعْصِيَةَ أَنْ يَحْصُل لَهُ الْخِزْيُ فَإِذَا دَعَوْا عَلَيْهِ بِالْخِزْيِ فَكَأَنَّهُمْ قَدْ حَصَّلُوا مَقْصُودَ الشَّيْطَانِ. وَوَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْبٍ عَنْ حَيْوَةَ بْن شُرَيْح وَيَحْيَى بْن أَيُّوب وَابْن لَهِيعَةَ ثَلَاثَتهمْ عَنْ يَزِيد بْن الْهَاد نَحْوه وَزَادَ فِي آخِره \" وَلَكِنْ قُولُوا اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ اِرْحَمْهُ \" زَادَ فِيهِ أَيْضًا بَعْد الضَّرْب \" ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ بَكِّتُوهُ \" وَهُوَ أَمْرٌ بِالتَّبْكِيتِ وَهُوَ مُوَاجَهَتُهُ بِقَبِيحِ فِعْلِهِ , وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْخَبَر بِقَوْلِهِ \" فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ يَقُولُونَ لَهُ مَا اِتَّقَيْت اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ , مَا خَشِيت اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , مَا اِسْتَحْيَيْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ \" وَفِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن أَزْهَر عِنْد الشَّافِعِيّ بَعْد ذِكْر الضَّرْب \" ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : بَكِّتُوهُ فَبَكَّتُوهُ , ثُمَّ أَرْسَلَهُ \" وَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ مَنْعُ الدُّعَاءِ عَلَى الْعَاصِي بِالْإِبْعَادِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّه كَاللَّعْنِ , وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6280",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَصِينٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَيْرَ بْنَ سَعِيدٍ النَّخَعِيَّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا كُنْتُ لِأُقِيمَ حَدًّا عَلَى أَحَدٍ فَيَمُوتَ فَأَجِدَ فِي نَفْسِي إِلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَمْ ‏ ‏يَسُنَّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ وَأَبُو حُصَيْنٍ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوح أَوَّله , ‏ ‏وَعُمَيْر بْن سَعِيد ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ وَأَبُوهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيه تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ ثِقَةٌ , قَالَ النَّوَوِيّ : هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ هَكَذَا , وَوَقَعَ فِي الْجَمْع لِلْحُمَيْدِيّ \" سَعْد \" بِسُكُونِ الْعَيْن وَهُوَ غَلَطٌ , وَوَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ \" عُمَر بْن سَعْد \" بِحَذْفِ الْيَاء فِيهِمَا وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِش. قُلْت : وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ مِنْ الْبُخَارِيِّ كَمَا ذَكَرَ الْحُمَيْدِيّ , ثُمَّ رَأَيْته فِي تَقْيِيد أَبِي عَلِيّ الْجَيَّانِيّ مَنْسُوبًا لِأَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ قَالَ : وَالصَّوَابُ سَعِيدٌ , وَجَزَمَ بِذَلِكَ اِبْن حَزْم وَأَنَّهُ فِي الْبُخَارِيِّ سَعْدٌ بِسُكُونِ الْعَيْن فَلَعَلَّهُ سَلَف الْحُمَيْدِيّ. وَوَقَعَ لِلنَّسَائِيِّ وَالطَّحَاوِيّ \" عُمَر \" بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْمِيمِ كَمَا فِي الْمُهَذَّبِ لَكِنَّ الَّذِي عِنْدَهُمَا فِي أَبِيهِ \" سَعِيد \" وَوَقَعَ عِنْد اِبْن حَزْم فِي النَّسَائِيِّ \" عَمْرو \" بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَالْمَحْفُوظُ [ عُمَيْرٌ ] كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ , وَقَدْ أَعَلَّ اِبْنُ حَزْمٍ الْخَبَرَ بِالِاخْتِلَافِ فِي اِسْم عُمَيْر وَاسْم أَبِيهِ , وَلَيْسَتْ بِعِلَّةٍ تَقْدَحُ فِي رِوَايَتِهِ وَقَدْ عَرَفَهُ وَوَثَّقَهُ مَنْ صَحَّحَ حَدِيثَهُ , وَقَدْ عَمَّرَ عُمَيْرٌ الْمَذْكُورُ وَعَاشَ إِلَى سَنَة خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَة. ‏ ‏قَوْله ( مَا كُنْت لِأُقِيمَ ) ‏ ‏اللَّام لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ( وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ). ‏ ‏قَوْله ( فَيَمُوتَ فَأَجِدَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ فِيهِمَا , وَمَعْنَى أَجِدَ مِنْ الْوَجْدِ , وَلَهُ مَعَانٍ اللَّائِقُ مِنْهَا هُنَا الْحُزْنُ , وَقَوْله \" فَيَمُوت \" مُسَبَّبٌ عَنْ \" أُقِيم \" وَقَوْله \" فَأَجِد \" مُسَبَّب عَنْ السَّبَب وَالْمُسَبَّب مَعًا. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا صَاحِب الْخَمْر ) ‏ ‏أَيْ شَارِبهَا وَهُوَ بِالنَّصْبِ , وَيَجُوزُ الرَّفْعُ , وَالِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِعٌ أَيْ لَكِنْ أَجِد مِنْ حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ إِذَا مَاتَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّقْدِير مَا أَجِد مِنْ مَوْت أَحَد يُقَام عَلَيْهِ الْحَدُّ شَيْئًا إِلَّا مِنْ مَوْتِ شَارِبِ الْخَمْرِ فَيَكُون الِاسْتِثْنَاء عَلَى هَذَا مُتَّصِلًا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْته ) ‏ ‏أَيْ أَعْطَيْت دِيَتَهُ لِمَنْ يَسْتَحِقّ قَبْضَهَا , وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا مِنْ طَرِيق أُخْرَى أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة الشَّعْبِيّ عَنْ عُمَيْر بْن سَعِيد قَالَ \" سَمِعْت عَلِيًّا يَقُول مَنْ أَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدًّا فَمَاتَ فَلَا دِيَةَ لَهُ إِلَّا مَنْ ضَرَبْنَاهُ فِي الْخَمْرِ \". ‏ ‏قَوْله ( لَمْ يَسُنَّهُ ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يَسُنَّ فِيهِ عَدَدًا مُعَيَّنًا , فِي رِوَايَة شَرِيك \" فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَنَّ فِيهِ شَيْئًا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الشَّعْبِيِّ \" فَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ صَنَعْنَاهُ \". ‏ ‏( تَكْمِلَة ) : ‏ ‏اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْحَدِّ لَا ضَمَانَ عَلَى قَاتِلِهِ إِلَّا فِي حَدِّ الْخَمْرِ , فَعَنْ عَلِيٍّ مَا تَقَدَّمَ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِنْ ضُرِبَ بِغَيْرِ السَّوْطِ فَلَا ضَمَانَ وَإِنْ جُلِدَ بِالسَّوْطِ ضُمِنَ قِيلَ الدِّيَةُ وَقِيلَ قَدْرُ تَفَاوُتِ مَا بَيْن الْجَلْد بِالسَّوْطِ وَبِغَيْرِهِ , وَالدِّيَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ , وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6281",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجُعَيْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَإِمْرَةِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَنَقُومُ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا حَتَّى كَانَ آخِرُ إِمْرَةِ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْجُعَيْدِ ) ‏ ‏بِالْجِيمِ وَالتَّصْغِيرِ , وَيُقَال الْجَعْد بِفَتْحِ أَوَّله ثُمَّ سُكُونٍ , وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير تَقَدَّمَتْ رِوَايَته عَنْ السَّائِب بْن يَزِيد فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَرُوِيَ عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ , وَهَذَا السَّنَد لِلْبُخَارِيِّ فِي غَايَة الْعُلُوّ لِأَنَّ بَيْنه وَبَيْن التَّابِعِيّ فِيهِ وَاحِدًا فَكَانَ فِي حُكْم الثُّلَاثِيَّات , وَإِنْ كَانَ التَّابِعِيّ رَوَاهُ عَنْ تَابِعِيٍّ آخَرَ وَلَهُ عِنْدَهُ نَظَائِرُ , وَمِثْله مَا أَخْرَجَهُ فِي الْعِلْم عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى عَنْ مَعْرُوف عَنْ أَبِي الطُّفَيْل عَنْ عَلِيٍّ فَإِنَّ أَبَا الطُّفَيْل صَحَابِيٌّ فَيَكُون فِي حُكْمِ الثُّلَاثِيَّات لِأَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحَابِيِّ فِيهِ اِثْنَيْنِ وَإِنْ كَانَ صَحَابِيُّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل عَنْ الْجُعَيْدِ سَمِعْت السَّائِب , فَعَلَى هَذَا فَإِدْخَال يَزِيد بْن خُصَيْفَة بَيْنهمَا إِمَّا مِنْ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد وَإِمَّا أَنْ يَكُون الْجُعَيْد سَمِعَهُ مِنْ السَّائِب , وَثَبَّتَهُ فِيهِ يَزِيدُ , ثُمَّ ظَهَرَ لِي السَّبَبُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ رِوَايَة الْجُعَيْدِ الْمَذْكُورَةَ عَنْ السَّائِبِ مُخْتَصَرَةٌ فَكَأَنَّهُ سَمِعَ الْحَدِيثَ تَامًّا مِنْ يَزِيدَ عَنْ السَّائِبِ فَحَدَّثَ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ السَّائِب عَنْهُ مِنْ غَيْر ذِكْر يَزِيد , وَحَدَّثَ أَيْضًا بِالتَّامِّ فَذَكَرَ الْوَاسِطَة , وَيَزِيد بْن خُصَيْفَة الْمَذْكُورُ هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن خُصَيْفَة نُسِبَ لِجَدِّهِ وَقِيلَ هُوَ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن يَزِيد بْن خُصَيْفَة فَيَكُون نُسِبَ إِلَى جَدِّ أَبِيهِ , وَخُصَيْفَة هُوَ اِبْن يَزِيدَ بْن ثُمَامَة أَخُو السَّائِب بْن يَزِيد صَحَابِيُّ هَذَا الْحَدِيثِ فَتَكُون رِوَايَة يَزِيد بْن خُصَيْفَة لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ عَمِّ أَبِيهِ أَوْ عَمِّ جَدِّهِ. ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ ) ‏ ‏فِيهِ إِسْنَاد الْقَائِل الْفِعْلَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ الَّتِي يَدْخُل هُوَ فِيهَا مَجَازًا لِكَوْنِهِ مُسْتَوِيًا مَعَهُمْ فِي أَمْرٍ مَا وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ هُوَ ذَلِكَ الْفِعْلَ الْخَاصَّ لِأَنَّ السَّائِبَ كَانَ صَغِيرًا جِدًّا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي التَّرْجَمَة النَّبَوِيَّة أَنَّهُ كَانَ اِبْنَ سِتِّ سِنِينَ فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ شَارَكَ مَنْ كَانَ يُجَالِسُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ ضَرْب الشَّارِبِ , فَكَأَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ \" كُنَّا \" أَيْ الصَّحَابَة , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَحْضُر مَعَ أَبِيهِ أَوْ عَمِّهِ فَيُشَارِكهُمْ فِي ذَلِكَ فَيَكُون الْإِسْنَاد عَلَى حَقِيقَتِهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِمْرَة أَبِي بَكْرٍ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمِيم أَيْ خِلَافَته , وَفِي رِوَايَة حَاتِم \" مِنْ زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَبَعْض زَمَان عُمَر \". ‏ ‏قَوْله ( وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَة عُمَر ) ‏ ‏أَيْ جَانِبًا أَوَّلِيًّا. ‏ ‏قَوْله ( فَنَقُوم إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا ) ‏ ‏أَيْ فَنَضْرِبهُ بِهَا. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى كَانَ آخِر إِمْرَة عُمَر فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ التَّحْدِيد بِأَرْبَعِينَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي آخِر خِلَافَة عُمَر , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا فِي قِصَّة خَالِد بْن الْوَلِيد وَكِتَابَته إِلَى عُمَر فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّ أَمْر عُمَر بِجَلْدِ ثَمَانِينَ كَانَ فِي وَسَط إِمَارَته لِأَنَّ خَالِدًا مَاتَ فِي وَسَط خِلَافَة عُمَر , وَإِنَّمَا الْمُرَاد بِالْغَايَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا اِسْتِمْرَارُ الْأَرْبَعِينَ فَلَيْسَتْ الْفَاءُ مُعَقِّبَةً لِآخِرِ الْإِمْرَةِ بَلْ لِزَمَانِ أَبِي بَكْرٍ وَبَيَان مَا وَقَعَ فِي زَمَن عُمَر , فَالتَّقْدِير فَاسْتَمَرَّ جَلْد أَرْبَعِينَ , وَالْمُرَاد بِالْغَايَةِ الْأُخْرَى فِي قَوْله \" حَتَّى إِذَا عَتَوْا \" تَأْكِيدًا لِغَايَةِ الْأُولَى وَبَيَان مَا صَنَعَ عُمَر بَعْد الْغَايَة الْأُولَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة الْمُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ الْجُعَيْد بِلَفْظِ \" حَتَّى كَانَ وَسَط إِمَارَة عُمَر فَجَلَدَ فِيهَا أَرْبَعِينَ حَتَّى إِذَا عَتَوْا \" وَهَذِهِ لَا إِشْكَالَ فِيهَا , ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى إِذَا عَتَوْا ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاة مِنْ الْعُتُوّ وَهُوَ التَّجَبُّرُ , وَالْمُرَاد هُنَا اِنْهِمَاكهمْ فِي الطُّغْيَان وَالْمُبَالَغَة فِي الْفَسَاد فِي شُرْب الْخَمْر لِأَنَّهُ يَنْشَأ عَنْهُ الْفَسَاد. ‏ ‏قَوْله ( وَفَسَقُوا ) ‏ ‏أَيْ خَرَجُوا عَنْ الطَّاعَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِلنَّسَائِيِّ \" فَلَمْ يَنْكُلُوا \" أَيْ يَدَعُوا. ‏ ‏قَوْله ( جَلَدَ ثَمَانِينَ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي مُرْسَل عُبَيْد بْن عُمَيْر أَحَد كِبَار التَّابِعِينَ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْهُ نَحْو حَدِيث السَّائِب وَفِيهِ \" أَنَّ عُمَر جَعَلَهُ أَرْبَعِينَ سَوْطًا , فَلَمَّا رَآهُمْ لَا يَتَنَاهَوْنَ جَعَلَهُ سِتِّينَ سَوْطًا , فَلَمَّا رَآهُمْ لَا يَتَنَاهَوْنَ جَعَلَهُ ثَمَانِينَ سَوْطًا وَقَالَ : هَذَا أَدْنَى الْحُدُود \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ وَافَقَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فِي أَنَّ الثَّمَانِينَ أَدْنَى الْحُدُود , وَأَرَادَ بِذَلِكَ الْحُدُودَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْقُرْآن وَهِيَ حَدُّ الزِّنَا وَحَدُّ السَّرِقَةِ لِلْقَطْعِ وَحَدُّ الْقَذْف وَهُوَ أَخَفُّهَا عُقُوبَةً وَأَدْنَاهَا عَدَدًا , وَقَدْ مَضَى مِنْ حَدِيث أَنَس فِي رِوَايَة شُعْبَة وَغَيْره سَبَب ذَلِكَ وَكَلَام عَبْد الرَّحْمَن فِيهِ حَيْثُ قَالَ \" أَخَفُّ الْحُدُود ثَمَانُونَ فَأَمَرَ بِهِ عُمَر \" وَأَخْرَجَ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ ثَوْر بْن يَزِيد \" أَنَّ عُمَر اِسْتَشَارَ فِي الْخَمْر فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : نَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ ثَمَانِينَ , فَإِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَاذَا هَذَى اِفْتَرَى \" فَجَلَدَ عُمَر فِي الْخَمْر ثَمَانِينَ , وَهَذَا مُعْضِلٌ وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ وَالطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن فُلَيْح عَنْ ثَوْر عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس مُطَوَّلًا وَلَفْظه \" أَنَّ الشُّرَّابَ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَيْدِي وَالنِّعَال وَالْعَصَا حَتَّى تُوُفِّيَ فَكَانُوا فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر أَكْثَرَ مِنْهُمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَوْ فَرَضْنَا لَهُمْ حَدًّا فَتَوَخَّى نَحْو مَا كَانُوا يُضْرَبُونَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَدَهُمْ أَرْبَعِينَ حَتَّى تُوُفِّيَ , ثُمَّ كَانَ عُمَرُ فَجَلَدَهُمْ كَذَلِكَ حَتَّى أُتِيَ بِرَجُلٍ \" فَذَكَرَ قِصَّةً وَأَنَّهُ تَأَوَّلَ قَوْله تَعَالَى : ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا ) وَأَنَّ اِبْن عَبَّاس نَاظَرَهُ فِي ذَلِكَ وَاحْتَجَّ بِبَقِيَّةِ الْآيَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ( إِذَا مَا اِتَّقَوْا ) وَاَلَّذِي يَرْتَكِبُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ لَيْسَ بِمُتَّقٍ , فَقَالَ عُمَر : مَا تَرَوْنَ ؟ فَقَالَ عَلِيّ فَذَكَرَهُ وَزَادَ بَعْد قَوْله وَإِذَا هَذَى اِفْتَرَى \" وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ جَلْدَةً فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ فَجَلَدَهُ ثَمَانِينَ \" وَلِهَذَا الْأَثَر عَنْ عَلِيّ طُرُقٌ أُخْرَى مِنْهَا مَا أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيّ وَالطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق أُسَامَة بْن زَيْد عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي كَلْب يُقَال لَهُ اِبْن دَبْرَة أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ يَجْلِد فِي الْخَمْر أَرْبَعِينَ وَكَانَ عُمَر يَجْلِد فِيهَا أَرْبَعِينَ , قَالَ فَبَعَثَنِي خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى عُمَر فَقُلْت : إِنَّ النَّاس قَدْ اِنْهَمَكُوا فِي الْخَمْر وَاسْتَخَفُّوا الْعُقُوبَةَ , فَقَالَ عُمَرُ لِمَنْ حَوْلَهُ : مَا تَرَوْنَ ؟ قَالَ وَوَجَدْت عِنْده عَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فِي الْمَسْجِدِ , فَقَالَ عَلِيّ \" فَذَكَرَ مِثْل رِوَايَة ثَوْر الْمَوْصُولَة , وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة \" أَنَّ عُمَر شَاوَرَ النَّاس فِي الْخَمْر فَقَالَ لَهُ عَلِيّ : إِنَّ السَّكْرَان إِذَا سَكِرَ هَذَى \" الْحَدِيث , وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ رِوَايَة أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ عَنْ عَلِيّ قَالَ \" شَرِبَ نَفَرٌ مِنْ أَهْل الشَّام الْخَمْر وَتَأَوَّلُوا الْآيَة الْمَذْكُورَة فَاسْتَشَارَ عُمَرُ فِيهِمْ فَقُلْت : أَرَى أَنْ تَسْتَتِيبَهُمْ فَإِنْ تَابُوا ضَرَبْتهمْ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ وَإِلَّا ضَرَبْت أَعْنَاقَهُمْ لِأَنَّهُمْ اِسْتَحَلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ , فَاسْتَتَابَهُمْ فَتَابُوا , فَضَرَبَهُمْ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ \" وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن أَزْهَر فِي قِصَّة الشَّارِب الَّذِي ضَرَبَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحُنَيْنٍ وَفِيهِ \" فَلَمَّا كَانَ عُمَر كَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيد : أَنَّ النَّاس قَدْ اِنْهَمَكُوا فِي الشُّرْب وَتَحَاقَرُوا الْعُقُوبَة , قَالَ وَعِنْده الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار , فَسَأَلَهُمْ وَاجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضْرِبهُ ثَمَانِينَ , وَقَالَ عَلِيٌّ \" فَذَكَرَ مِثْله وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ وَمَعْمَر عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ \" فَرَضَ أَبُو بَكْر فِي الْخَمْر أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَفَرَضَ فِيهَا عُمَر ثَمَانِينَ \" قَالَ الطَّحَاوِيُّ : جَاءَتْ الْأَخْبَار مُتَوَاتِرَة عَنْ عَلِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسُنَّ فِي الْخَمْرِ شَيْئًا , وَيُؤَيِّدهُ ذِكْرُ الْأَحَادِيث الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَقْيِيدٌ بِعَدَدٍ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَحَدِيث عُقْبَة بْن الْحَارِث الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَحَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن أَزْهَر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْر فَقَالَ لِلنَّاسِ اِضْرِبُوهُ , فَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْعَصَا وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْجَرِيدِ , ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُرَابًا فَرَمَى بِهِ فِي وَجْهِهِ \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه مَا يُخَالِف قَوْله وَهُوَ مَا عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" ثُمَّ أُتِيَ أَبُو بَكْرٍ بِسَكْرَانَ فَتَوَخَّى الَّذِي كَانَ مِنْ ضَرْبِهِمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبَهُ أَرْبَعِينَ , ثُمَّ أُتِيَ عُمَرُ بِسَكْرَانَ فَضَرَبَهُ أَرْبَعِينَ \" فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْخَبَر تَنْصِيصٌ عَلَى عَدَدٍ مُعَيَّنٍ فَفِيمَا اِعْتَمَدَهُ أَبُو بَكْرٍ حُجَّةٌ عَلَى ذَلِكَ. وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق حُضَيْر بِمُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ مُصَغَّر اِبْن الْمُنْذِر \" أَنَّ عُثْمَان أَمْر عَلِيًّا بِجَلْدِ الْوَلِيد بْن عُقْبَة فِي الْخَمْر , فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّه بْن جَعْفَر اِجْلِدْهُ فَجَلَدَهُ , فَلَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ قَالَ : أَمْسِكْ , جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ , وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ \" فَإِنَّ فِيهِ الْجَزْمَ بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَدَ أَرْبَعِينَ , وَسَائِر الْأَخْبَار لَيْسَ فِيهَا عَدَد إِلَّا بَعْض الرِّوَايَات الْمَاضِيَة عَنْ أَنَسٍ فَفِيهَا \" نَحْو الْأَرْبَعِينَ \" وَالْجَمْع بَيْنهَا أَنَّ عَلِيًّا أَطْلَقَ الْأَرْبَعِينَ فَهُوَ حُجَّة عَلَى مَنْ ذَكَرَهَا بِلَفْظِ التَّقْرِيب , وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ رِوَايَة أَبِي سَاسَان هَذِهِ ضَعِيفَة لِمُخَالَفَتِهَا الْآثَارَ الْمَذْكُورَةَ , وَلِأَنَّ رَاوِيَهَا عَبْد اللَّه بْن فَيْرُوز الْمَعْرُوف بِالدَّانَاج بِنُونٍ وَجِيمٍ ضَعِيفٌ , وَتَعَقَّبَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّهُ حَدِيث صَحِيح مُخَرَّج فِي الْمَسَانِيد وَالسُّنَن , وَأَنَّ التِّرْمِذِيّ سَأَلَ الْبُخَارِيّ عَنْهُ فَقَوَّاهُ , وَقَدْ صَحَّحَهُ مُسْلِمٌ وَتَلَقَّاهُ النَّاسُ بِالْقَبُولِ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : إِنَّهُ أَثْبَتُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَصِحَّة الْحَدِيث إِنَّمَا تُعْرَفُ بِثِقَةِ رِجَالِهِ , وَقَدْ عَرَفَهُمْ حُفَّاظُ الْحَدِيثِ وَقَبِلُوهُمْ , وَتَضْعِيفُهُ الدَّانَاجَ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ الْجَرْحَ بَعْد ثُبُوت التَّعْدِيل لَا يُقْبَلُ إِلَّا مُفَسَّرًا , وَمُخَالَفَةُ الرَّاوِي غَيْرَهُ فِي بَعْض أَلْفَاظ الْحَدِيث لَا تَقْتَضِي تَضْعِيفه وَلَا سِيَّمَا مَعَ ظُهُور الْجَمْع , قُلْت : وَثَّقَ الدَّانَاجَ الْمَذْكُورَ أَبُو زُرْعَةَ وَالنَّسَائِيُّ , وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ جَلَدَ الْوَلِيد أَرْبَعِينَ , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن يُوسُف عَنْ مَعْمَرٍ وَقَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ , وَهُوَ كَمَا قَالَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب عُثْمَان وَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة قَالَ فِيهِ إِنَّهُ جَلَدَ ثَمَانِينَ , وَذَكَرْت مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ هُنَاكَ. وَطَعَنَ الطَّحَاوِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي رِوَايَة أَبِي سَاسَان أَيْضًا بِأَنَّ عَلِيًّا قَالَ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ أَيْ جَلْدُ أَرْبَعِينَ مَعَ أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ النَّجَاشِيّ الشَّاعِرَ فِي خِلَافَتِهِ ثَمَانِينَ , وَبِأَنَّ اِبْن أَبِي شَيْبَة أَخْرَجَ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ حَدَّ النَّبِيذِ ثَمَانُونَ , وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ , أَحَدهمَا أَنَّهُ لَا تَصِحّ أَسَانِيد شَيْء مِنْ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ , الثَّانِي عَلَى تَقْدِير ثُبُوته فَإِنَّهُ يَجُوز أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِف بِحَالِ الشَّارِب , وَأَنَّ حَدَّ الْخَمْرِ لَا يُنْقَصُ عَنْ الْأَرْبَعِينَ وَلَا يُزَادُ عَلَى الثَّمَانِينَ , وَالْحُجَّةُ إِنَّمَا هِيَ فِي جَزْمه بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَدَ أَرْبَعِينَ , وَقَدْ جَمَعَ الطَّحَاوِيُّ بَيْنهمَا بِمَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَالطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ الْوَلِيد بِسَوْطٍ لَهُ طَرَفَانِ , وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عُرْوَة مِثْله لَكِنْ قَالَ \" لَهُ ذَنَبَانِ أَرْبَعِينَ جَلْدَة فِي الْخَمْر فِي زَمَن عُثْمَان \" قَالَ الطَّحَاوِيُّ : فَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَهُ ثَمَانِينَ لِأَنَّ كُلّ سَوْط سَوْطَانِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ السَّنَد الْأَوَّل مُنْقَطِعٌ فَإِنَّ أَبَا جَعْفَر وُلِدَ بَعْد مَوْت عَلِيّ بِأَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً , وَبِأَنَّ الثَّانِيَ فِي سَنَدِهِ اِبْنُ لَهِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَعُرْوَة لَمْ يَكُنْ فِي الْوَقْت الْمَذْكُور مُمَيِّزًا وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوته فَلَيْسَ فِي الطَّرِيقَيْنِ أَنَّ الطَّرَفَيْنِ أَصَابَاهُ فِي كُلِّ ضَرْبَةٍ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ ضَرَبَهُ بِالطَّرَفَيْنِ عِشْرِينَ فَأَرَادَ بِالْأَرْبَعِينَ مَا اِجْتَمَعَ مِنْ عِشْرِينَ وَعِشْرِينَ , وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّة الْخَبَر \" وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ \" لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّغَايُرَ , وَالتَّأْوِيل الْمَذْكُور يَقْتَضِي أَنْ يَكُون كُلٌّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ جَلَدَ ثَمَانِينَ فَلَا يَبْقَى هُنَاكَ عَدَد يَقَع التَّفَاضُل فِيهِ. وَأَمَّا دَعْوَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ هَذَا الْإِشَارَةُ إِلَى الثَّمَانِينَ فَيَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون عَلِيٌّ رَجَّحَ مَا فَعَلَ عُمَر عَلَى مَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر وَهَذَا لَا يُظَنُّ بِهِ قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ , وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ لِضَعْفِ حَدِيث أَبِي سَاسَان بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ قَوْل عَلِيّ \" إِنَّهُ إِذَا سَكِرَ هَذَى إِلَخْ \" قَالَ فَلَمَّا اِعْتَمَدَ عَلِيّ فِي ذَلِكَ عَلَى ضَرْب الْمَثَلِ وَاسْتَخْرَجَ الْحَدّ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاط دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَوْقِيفَ عِنْده مِنْ الشَّارِع فِي ذَلِكَ , فَيَكُون جَزْمُهُ بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَدَ أَرْبَعِينَ غَلَطًا مِنْ الرَّاوِي , إِذْ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ لَمْ يَعْدِلْ عَنْهُ إِلَى الْقِيَاسِ , وَلَوْ كَانَ عِنْد مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنْ الصَّحَابَة كَعُمَرَ وَسَائِرِ مَنْ ذُكِرَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مَرْفُوعٌ لَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُتَّجَه الْإِنْكَارُ لَوْ كَانَ الْمَنْزَعُ وَاحِدًا فَأَمَّا مَعَ الِاخْتِلَاف فَلَا يُتَّجَه الْإِنْكَار , وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ فِي سِيَاق الْقِصَّة مَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ الْحَدّ أَرْبَعُونَ وَإِنَّمَا تَشَاوَرُوا فِي أَمْر يَحْصُل بِهِ الِارْتِدَاع يَزِيد عَلَى مَا كَانَ مُقَرَّرًا , وَيُشِير إِلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ مِنْ التَّصْرِيح فِي بَعْض طُرُقه أَنَّهُمْ اِحْتَقَرُوا الْعُقُوبَة وَانْهَمَكُوا فَاقْتَضَى رَأْيهمْ أَنْ يُضِيفُوا إِلَى الْحَدِّ الْمَذْكُورِ قَدْرُهُ إِمَّا اِجْتِهَادًا بِنَاءً عَلَى جَوَاز دُخُول الْقِيَاس فِي الْحُدُود فَيَكُون الْكُلُّ حَدًّا , أَوْ اِسْتَنْبَطُوا مِنْ النَّصّ مَعْنًى يَقْتَضِي الزِّيَادَة فِي الْحَدّ لَا النُّقْصَان مِنْهُ , أَوْ الْقَدْر الَّذِي زَادُوهُ كَانَ عَلَى سَبِيل التَّعْزِير تَحْذِيرًا وَتَخْوِيفًا , لِأَنَّ مَنْ اِحْتَقَرَ الْعُقُوبَةَ إِذَا عَرَفَ أَنَّهَا غُلِّظَتْ فِي حَقِّهِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى اِرْتِدَاعِهِ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا اِرْتَدَعُوا بِذَلِكَ وَرَجَعَ الْأَمْر إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْل ذَلِكَ فَرَأَى عَلِيّ الرُّجُوع إِلَى الْحَدّ الْمَنْصُوص وَأَعْرَضَ عَنْ الزِّيَادَة لِانْتِفَاءِ سَبَبِهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْقَدْر الزَّائِد كَانَ عِنْدهمْ خَاصًّا بِمَنْ تَمَرَّدَ وَظَهَرَتْ مِنْهُ أَمَارَاتُ الِاشْتِهَارِ بِالْفُجُورِ , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث الزُّهْرِيّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْره \" فَكَانَ عُمَر إِذَا أُتِيَ بِالرَّجُلِ الضَّعِيف تَكُون مِنْهُ الزَّلَّة جَلَدَهُ أَرْبَعِينَ \" قَالَ وَكَذَلِكَ عُثْمَان جَلَدَ أَرْبَعِينَ وَثَمَانِينَ , وَقَالَ الْمَازِرِيّ : لَوْ فَهِمَ الصَّحَابَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّ فِي الْخَمْر حَدًّا مُعَيَّنًا لَمَا قَالُوا فِيهِ بِالرَّأْيِ كَمَا لَمْ يَقُولُوا بِالرَّأْيِ فِي غَيْرِهِ , فَلَعَلَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّهُ ضَرَبَ فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ فِي حَقِّ مَنْ ضَرَبَهُ اِنْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِالْحَدِّ الْمَعْلُوم فَوَجَبَ الْمَصِير إِلَيْهِ وَرُجِّحَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الَّذِي اِجْتَهَدُوا فِيهِ زِيَادَةً عَلَى الْحَدِّ إِنَّمَا هُوَ التَّعْزِيرُ عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُمْ اِجْتَهَدُوا فِي الْحَدّ الْمُعَيَّنِ لِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِنْ الْمُخَالَفَة الَّتِي ذَكَرَهَا كَمَا سَبَقَ فِي تَقْرِيره. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ أَنْبَأَنَا عَطَاء أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْد بْن عُمَيْر يَقُول : كَانَ الَّذِي يَشْرَب الْخَمْر يَضْرِبُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ وَنِعَالِهِمْ , فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ فَعَلَ ذَلِكَ حَتَّى خَشِيَ فَجَعَلَهُ أَرْبَعِينَ سَوْطًا , فَلَمَّا رَآهُمْ لَا يَتَنَاهَوْنَ جَعَلَهُ ثَمَانِينَ سَوْطًا وَقَالَ : هَذَا أَخَفُّ الْحُدُود. وَالْجَمْع بَيْن حَدِيث عَلِيّ الْمُصَرِّح بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَدَ أَرْبَعِينَ وَأَنَّهُ سُنَّةٌ وَبَيْن حَدِيثه الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسُنَّهُ بِأَنْ يُحْمَلَ النَّفْيُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحُدَّ الثَّمَانِينَ أَيْ لَمْ يَسُنَّ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ , يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ \" وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ صَنَعْنَاهُ نَحْنُ \" يُشِير إِلَى مَا أَشَارَ بِهِ عَلَى عُمَر , وَعَلَى هَذَا فَقَوْله \" لَوْ مَاتَ لَوَدَيْته \" أَيْ فِي الْأَرْبَعِينَ الزَّائِدَةِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ وَابْن حَزْم , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله \" لَمْ يَسُنَّهُ \" أَيْ الثَّمَانِينَ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء صَنَعْنَاهُ \" فَكَأَنَّهُ خَافَ مِنْ الَّذِي صَنَعُوهُ بِاجْتِهَادِهِمْ أَنْ لَا يَكُون مُطَابِقًا , وَاخْتُصَّ هُوَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ الَّذِي كَانَ أَشَارَ بِذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ لَهُ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْوُقُوفَ عِنْد مَا كَانَ الْأَمْر عَلَيْهِ أَوَّلًا أَوْلَى فَرَجَعَ إِلَى تَرْجِيحه وَأَخْبَرَ بِأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ الْحَدَّ ثَمَانِينَ فَمَاتَ الْمَضْرُوبُ وَدَاهُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الضَّمِير فِي قَوْله \" لَمْ يَسُنَّهُ \" لِصِفَةِ الضَّرْب وَكَوْنِهَا بِسَوْطِ الْجَلْدِ أَيْ لَمْ يَسُنَّ الْجَلْد بِالسَّوْطِ وَإِنَّمَا كَانَ يَضْرِب فِيهِ بِالنِّعَالِ وَغَيْرهَا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ , وَقَالَ اِبْن حَزْم أَيْضًا : لَوْ جَاءَ عَنْ غَيْر عَلِيّ مِنْ الصَّحَابَة فِي حُكْم وَاحِد أَنَّهُ مَسْنُونٌ وَأَنَّهُ غَيْر مَسْنُونٍ لَوَجَبَ حَمْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى غَيْرِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الْآخَرُ فَضْلًا عَنْ عَلِيٍّ مَعَ سَعَةِ عِلْمِهِ وَقُوَّةِ فَهْمِهِ , وَإِذَا تَعَارَضَ خَبَرُ عُمَر بْن سَعِيد وَخَبَرُ أَبِي سَاسَان فَخَبَر أَبِي سَاسَان أَوْلَى بِالْقَبُولِ لِأَنَّهُ مُصَرِّحٌ فِيهِ بِرَفْعِ الْحَدِيث عَنْ عَلِيٍّ وَخَبَر عُمَيْر مَوْقُوف عَلَى عَلِيّ , وَإِذَا تَعَارَضَ الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف قُدِّمَ الْمَرْفُوعُ. وَأَمَّا دَعْوَى ضَعْف سَنَد أَبِي سَاسَان فَمَرْدُودَة وَالْجَمْع أَوْلَى مَهْمَا أَمْكَنَ مِنْ تَوْهِينِ الْأَخْبَار الصَّحِيحَة , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ تَكُون إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهْمًا فَرِوَايَة الْإِثْبَات مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَة النَّفْي , وَقَدْ سَاعَدَتْهَا رِوَايَة أَنَس عَلَى اِخْتِلَاف أَلْفَاظ النَّقَلَة عَنْ قَتَادَة , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون بَيْنهمَا تَمَام التَّعَارُض فَحَدِيث أَنَس سَالِمٌ مِنْ ذَلِكَ , وَاسْتَدَلَّ بِصَنِيعِ عُمَر فِي جَلْد شَارِب الْخَمْر ثَمَانِينَ عَلَى أَنَّ حَدّ الْخَمْر ثَمَانُونَ و هُوَ قَوْل الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَأَحَد الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر , وَالْقَوْل الْآخَر لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ الصَّحِيح أَنَّهُ أَرْبَعُونَ. قُلْت : جَاءَ عَنْ أَحْمَد كَالْمَذْهَبَيْنِ , قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوب الْحَدّ فِي الْخَمْر وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيره , فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى الثَّمَانِينَ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْمَشْهُور عَنْهُ وَأَحْمَد فِي رِوَايَة وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد أَرْبَعِينَ , وَتَبِعَهُ عَلَى نَقْلِ الْإِجْمَاع اِبْن دَقِيق الْعِيد وَالنَّوَوِيّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الطَّبَرِيّ وَابْن الْمُنْذِر وَغَيْرهمَا حَكَوْا عَنْ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّ الْخَمْر لَا حَدَّ فِيهَا وَإِنَّمَا فِيهَا التَّعْزِير وَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيث الْبَاب فَإِنَّهَا سَاكِتَة عَنْ تَعْيِين عَدَد الضَّرْب وَأَصْرَحُهَا حَدِيث أَنَسٍ وَلَمْ يَجْزِم فِيهِ بِالْأَرْبَعِينَ فِي أَرْجَحِ الطُّرُقِ عَنْهُ , وَقَدْ قَالَ عَبْد الرَّزَّاق \" أَنْبَأَنَا اِبْن جُرَيْجٍ وَمَعْمَر سُئِلَ اِبْن شِهَاب : كَمْ جَلَدَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمْر ؟ فَقَالَ : لَمْ يَكُنْ فَرَضَ فِيهَا حَدًّا , كَانَ يَأْمُر مَنْ حَضَرَهُ أَنْ يَضْرِبُوهُ بِأَيْدِيهِمْ وَنِعَالِهِمْ حَتَّى يَقُول لَهُمْ اِرْفَعُوا , وَوَرَدَ أَنَّهُ لَمْ يَضْرِبْهُ أَصْلًا وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الْخَمْرِ حَدًّا , قَالَ اِبْن عَبَّاس : وَشَرِبَ رَجُل فَسَكِرَ فَانْطُلِقَ بِهِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا حَاذَى دَار الْعَبَّاس اِنْفَلَتَ فَدَخَلَ عَلَى الْعَبَّاس فَالْتَزَمَهُ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِشَيْءٍ \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيّ مِنْ وَجْه آخَر \" عَنْ اِبْن عَبَّاس مَا ضَرَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمْرِ إِلَّا أَخِيرًا , وَلَقَدْ غَزَا تَبُوك فَغَشِيَ حُجْرَتَهُ مِنْ اللَّيْل سَكْرَانُ فَقَالَ لِيَقُمْ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَيَأْخُذ بِيَدِهِ حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى رَحْله \" وَالْجَوَاب أَنَّ الْإِجْمَاع اِنْعَقَدَ بَعْد ذَلِكَ عَلَى وُجُوب الْحَدّ لِأَنَّ أَبَا بَكْر تَحَرَّى مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ السَّكْرَانَ فَصَيَّرَهُ حَدًّا وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ , وَكَذَا اِسْتَمَرَّ مَنْ بَعْدَهُ وَإِنْ اِخْتَلَفُوا فِي الْعَدَد , وَجَمَعَ الْقُرْطُبِيّ بَيْن الْأَخْبَار بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَوَّلًا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ حَدٌّ وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ حَدِيثُ اِبْن عَبَّاس فِي الَّذِي اِسْتَجَارَ بِالْعَبَّاسِ , ثُمَّ شُرِعَ فِيهِ التَّعْزِيزُ عَلَى مَا فِي سَائِر الْأَحَادِيث الَّتِي لَا تَقْدِيرَ فِيهَا , ثُمَّ شُرِعَ الْحَدُّ وَلَمْ يَطَّلِعْ أَكْثَرُهُمْ عَلَى تَعْيِينِهِ صَرِيحًا مَعَ اِعْتِقَادهمْ أَنَّ فِيهِ الْحَدَّ الْمُعَيَّنَ , وَمِنْ ثَمَّ تَوَخَّى أَبُو بَكْرٍ مَا فُعِلَ بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْر , ثُمَّ رَأَى عُمَرُ وَمَنْ وَافَقَهُ الزِّيَادَة عَلَى الْأَرْبَعِينَ إِمَّا حَدًّا بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاط وَإِمَّا تَعْزِيرًا. قُلْت : وَبَقِيَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيث أَنَّهُ إِنْ شَرِبَ فَحُدَّ ثَلَاث مَرَّات ثُمَّ شَرِبَ قُتِلَ فِي الرَّابِعَةِ وَفِي رِوَايَة فِي الْخَامِسَة وَهُوَ حَدِيثٌ مُخَرَّجٌ فِي السُّنَن مِنْ عِدَّة طُرُق أَسَانِيدُهَا قَوِيَّةٌ , وَنَقَلَ التِّرْمِذِيّ الْإِجْمَاع عَلَى تَرْكِ الْقَتْلِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ بَعُدَ مِنْ نَقْلِ غَيْرِهِ عَنْهُ الْقَوْلُ بِهِ كَعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ , وَبَالَغَ النَّوَوِيّ فَقَالَ : كُلُّ قَوْلٍ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَالْحَدِيث الْوَارِد فِيهِ مَنْسُوخٌ إِمَّا بِحَدِيثِ \" لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث \" وَإِمَّا لِأَنَّ الْإِجْمَاع دَلَّ عَلَى نَسْخِهِ. قُلْت : بَلْ دَلِيل النَّسْخ مَنْصُوص وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ عَنْ قَبِيصَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة قَالَ \" فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ , ثُمَّ أُتِيَ بِهِ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ , ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ فَرَفَعَ الْقَتْلَ وَكَانَتْ رُخْصَةً \" وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ إِنَّ حَدَّهُ ثَمَانُونَ بِالْإِجْمَاعِ فِي عَهْد عُمَر حَيْثُ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ كِبَارُ الصَّحَابَةِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عَلِيًّا أَشَارَ عَلَى عُمَر بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ عَلِيّ عَنْ ذَلِكَ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ لِأَنَّهَا الْقَدْرُ الَّذِي اِتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَفِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ مُسْتَنِدِينَ إِلَى تَقْدِير مَا فُعِلَ بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمَّا الَّذِي أَشَارَ بِهِ فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ سِيَاق قِصَّته أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ رَدْعًا لِلَّذِينَ اِنْهَمَكُوا لِأَنَّ فِي بَعْض طُرُق الْقِصَّة كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ \" اِحْتَقَرُوا الْعُقُوبَةَ \" وَبِهَذَا تَمَسَّكَ الشَّافِعِيَّة فَقَالُوا : أَقَلُّ مَا فِي حَدِّ الْخَمْرِ أَرْبَعُونَ وَتَجُوز الزِّيَادَةُ فِيهِ إِلَى الثَّمَانِينَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْزِيرِ وَلَا يُجَاوِز الثَّمَانِينَ , وَاسْتَنَدُوا إِلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ إِلَى رَأْي الْإِمَام فَرَأَى عُمَرُ فِعْلَهُ بِمُوَافَقَةِ عَلِيٍّ ثُمَّ رَجَعَ عَلِيّ وَوَقَفَ عِنْد مَا فَعَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر وَوَافَقَهُ عُثْمَان عَلَى ذَلِكَ , وَأَمَّا قَوْل عَلِيّ \" وَكُلٌّ سُنَّةٌ \" فَمَعْنَاهُ أَنَّ الِاقْتِصَار عَلَى الْأَرْبَعِينَ سُنَّةُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَارَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْر , وَالْوُصُول إِلَى الثَّمَانِينَ سُنَّةُ عُمَرَ رَدْعًا لِلشَّارِبِينَ الَّذِينَ اِحْتَقَرُوا الْعُقُوبَةَ الْأُولَى وَوَافَقَهُ مَنْ ذُكِرَ فِي زَمَانِهِ لِلْمَعْنَى الَّذِي تَقَدَّمَ وَسَوَّغَ لَهُمْ ذَلِكَ إِمَّا اِعْتِقَادُهُمْ جَوَازَ الْقِيَاسِ فِي الْحُدُود عَلَى رَأْي مَنْ يَجْعَل الْجَمِيع حَدًّا وَإِمَّا أَنَّهُمْ جَعَلُوا الزِّيَادَةَ تَعْزِيرًا بِنَاء عَلَى جَوَاز أَنْ يَبْلُغ بِالتَّعْزِيرِ قَدْر الْحَدّ وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ الْخَبَرُ الْآتِي فِي بَاب التَّعْزِير , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِذَلِكَ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الْقِيَاس فِي الْحُدُود وَادَّعَى إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ , وَهِيَ دَعْوَى ضَعِيفَةٌ لِقِيَامِ الِاحْتِمَال , وَقَدْ شَنَّعَ اِبْن حَزْم عَلَى الْحَنَفِيَّة فِي قَوْلهمْ إِنَّ الْقِيَاس لَا يَدْخُل فِي الْحُدُود وَالْكَفَّارَات مَعَ جَزْمِ الطَّحَاوِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْهُمْ بِأَنَّ حَدّ الْخَمْر وَقَعَ بِالْقِيَاسِ عَلَى حَدِّ الْقَذْف , وَبِهِ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ مِنْ الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة , وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْحُدُود وَالْكَفَّارَات شُرِعَتْ بِحَسَب الْمَصَالِح , وَقَدْ تَشْتَرِك أَشْيَاء مُخْتَلِفَة وَتَخْتَلِف أَشْيَاء مُتَسَاوِيَة فَلَا سَبِيل إِلَى عِلْم ذَلِكَ إِلَّا بِالنَّصِّ , وَأَجَابُوا عَمَّا وَقَعَ فِي زَمَن عُمَر بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنِهِ جَلَدَ قَدْر حَدِّ الْقَذْفِ أَنْ يَكُون جَعَلَ الْجَمِيعَ حَدًّا بَلْ الَّذِي فَعَلُوهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّ فِيهِ أَرْبَعِينَ إِذْ لَوْ بَلَغَهُمْ لَمَا جَاوَزُوهُ كَمَا لَمْ يُجَاوِزُوا غَيْره مِنْ الْحُدُود الْمَنْصُوصَة , وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يُسْتَنْبَط مِنْ النَّصّ مَعْنًى يَعُود عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ فَرُجِّحَ أَنَّ الزِّيَادَة كَانَتْ تَعْزِيرًا , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْد فِي \" غَرِيب الْحَدِيث \" بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي رَافِع بْن عُمَر أَنَّهُ أُتِيَ بِشَارِبٍ فَقَالَ لِمُطِيعِ بْن الْأَسْوَد : إِذَا أَصْبَحْت غَدًا فَاضْرِبْهُ , فَجَاءَ عُمَرُ فَوَجَدَهُ يَضْرِبهُ ضَرْبًا شَدِيدًا فَقَالَ : كَمْ ضَرَبْته ؟ قَالَ سِتِّينَ قَالَ اِقْتَصَّ عَنْهُ بِعِشْرِينَ , قَالَ أَبُو عُبَيْد : يَعْنِي اِجْعَلْ شِدَّةَ ضَرْبِك لَهُ قِصَاصًا بِالْعِشْرِينَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ الثَّمَانِينَ , قَالَ أَبُو عُبَيْد : فَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ ضَرْبَ الشَّارِب لَا يَكُون شَدِيدًا وَأَنْ لَا يُضْرَبَ فِي حَال السُّكْر لِقَوْلِهِ \" إِذَا أَصْبَحْت فَاضْرِبْهُ \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الزِّيَادَة عَلَى الْأَرْبَعِينَ لَيْسَتْ بِحَدٍّ إِذْ لَوْ كَانَتْ حَدًّا لَمَا جَازَ النَّقْصُ مِنْهُ بِشِدَّةِ الضَّرْب إِذْ لَا قَائِل بِهِ. وَقَالَ صَاحِب \" الْمُفْهِم \" مَا مُلَخَّصُهُ بَعْد أَنْ سَاقَ الْأَحَادِيثَ الْمَاضِيَةَ : هَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَدَبًا وَتَعْزِيرًا , وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ : فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسُنَّهُ , فَلِذَلِكَ سَاغَ لِلصَّحَابَةِ الِاجْتِهَادُ فِيهِ فَأَلْحَقُوهُ بِأَخَفِّ الْحُدُودِ , وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلُ عَلِيٍّ \" جَلَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ \" وَكَذَا وُقُوع الْأَرْبَعِينَ فِي عَهْد أَبِي بَكْر وَفِي خِلَافَة عُمَر أَوَّلًا أَيْضًا ثُمَّ فِي خِلَافَة عُثْمَان , فَلَوْلَا أَنَّهُ حَدٌّ لَاخْتَلَفَ التَّقْدِيرُ , وَيُؤَيِّدُهُ قِيَامُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ فِي الْخَمْر الْحَدّ وَإِنْ وَقَعَ الِاخْتِلَاف فِي الْأَرْبَعِينَ وَالثَّمَانِينَ , قَالَ : وَالْجَوَاب أَنَّ النَّقْل عَنْ الصَّحَابَة اِخْتَلَفَ فِي التَّحْدِيد وَالتَّقْدِير , وَلَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْن مُخْتَلَف أَقْوَالِهِمْ , وَطَرِيقُهُ أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَدَبًا مِنْ أَصْلِ مَا شَاهَدُوهُ مِنْ اِخْتِلَاف الْحَال , فَلَمَّا كَثُرَ الْإِقْدَام عَلَى الشُّرْبِ أَلْحَقُوهُ بِأَخَفِّ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآن , وَقَوَّى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ وُجُودُ الِافْتِرَاءِ مِنْ السُّكْرِ فَأَثْبَتُوهَا حَدًّا , وَلِهَذَا أَطْلَقَ عَلِيٌّ أَنَّ عُمَرَ جَلَدَ ثَمَانِينَ وَهِيَ سُنَّةٌ ثُمَّ ظَهَرَ لِعَلِيٍّ أَنَّ الِاقْتِصَار عَلَى الْأَرْبَعِينَ أَوْلَى مَخَافَة أَنْ يَمُوت فَتَجِب فِيهِ الدِّيَة وَمُرَاده بِذَلِكَ الثَّمَانُونَ وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْن قَوْله \" لَمْ يَسُنَّهُ \" وَبَيْن تَصْرِيحِهِ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَدَ أَرْبَعِينَ قَالَ : وَغَايَة هَذَا الْبَحْث أَنَّ الضَّرْب فِي الْخَمْر تَعْزِيرٌ يُمْنَعُ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى غَايَتِهِ وَهِيَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا , قَالَ : وَحَاصِل مَا وَقَعَ مِنْ اِسْتِنْبَاط الصَّحَابَة أَنَّهُمْ أَقَامُوا السُّكْرَ مَقَامَ الْقَذْفِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْهُ غَالِبًا فَأَعْطَوْهُ حُكْمَهُ , وَهُوَ مِنْ أَقْوَى حُجَج الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ , فَقَدْ اِشْتَهَرَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ وَلَمْ يُنْكِرْهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مُنْكِرٌ. قَالَ : وَقَدْ اِعْتَرَضَ بَعْض أَهْل النَّظَر بِأَنَّهُ إِنْ سَاغَ إِلْحَاق حَدّ السُّكْر بِحَدِّ الْقَذْف فَلْيُحْكَمْ لَهُ بِحُكْمِ الزِّنَا وَالْقَتْل لِأَنَّهُمَا مَظِنَّتُهُ وَلْيَقْتَصِرُوا فِي الثَّمَانِينَ عَلَى مَنْ سَكِرَ لَا عَلَى مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى الشُّرْبِ وَلَمْ يَسْكَرْ , قَالَ : وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَظِنَّةَ مَوْجُودَةٌ غَالِبًا فِي الْقَذْفِ نَادِرَةٌ فِي الزِّنَا وَالْقَتْل , وَالْوُجُود يُحَقِّقُ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا أَقَامُوا الْحَدَّ عَلَى الشَّارِب وَإِنْ لَمْ يَسْكَرْ مُبَالَغَةً فِي الرَّدْع لِأَنَّ الْقَلِيل يَدْعُو إِلَى الْكَثِير وَالْكَثِير يُسْكِر غَالِبًا وَهُوَ الْمَظِنَّة , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى إِقَامَة الْحَدّ فِي الزِّنَا بِمُجَرَّدِ الْإِيلَاج وَإِنْ لَمْ يَتَلَذَّذْ وَلَا أَنْزَلَ وَلَا أَكْمَلَ. قُلْت : وَاَلَّذِي تَحَصَّلَ لَنَا مِنْ الْآرَاءِ فِي حَدِّ الْخَمْرِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّل أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْعَل فِيهَا حَدًّا مَعْلُومًا بَلْ كَانَ يَقْتَصِر فِي ضَرْبِ الشَّارِب عَلَى مَا يَلِيق بِهِ , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر قَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم : أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَكْرَانَ فَأَمَرَهُمْ بِضَرْبِهِ وَتَبْكِيتِهِ , فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا حَدَّ فِي السُّكْرِ بَلْ فِيهِ التَّنْكِيلُ وَالتَّبْكِيتُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْحَدّ لَبَيَّنَهُ بَيَانًا وَاضِحًا. قَالَ : فَلَمَّا كَثُرَ الشُّرَّابُ فِي عَهْد عُمَر اِسْتَشَارَ الصَّحَابَة , وَلَوْ كَانَ عِنْدهمْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ مَحْدُودٌ لَمَا تَجَاوَزُوهُ كَمَا لَمْ يَتَجَاوَزُوا حَدَّ الْقَذْفِ وَلَوْ كَثُرَ الْقَاذِفُونَ وَبَالَغُوا فِي الْفُحْشِ , فَلَمَّا اِقْتَضَى رَأْيُهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ كَحَدِّ الْقَذْف , وَاسْتَدَلَّ عَلِيٌّ بِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ فِي تَعَاطِيه مَا يُؤَدِّي إِلَى وُجُود الْقَذْف غَالِبًا أَوْ إِلَى مَا يُشْبِه الْقَذْف , ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْوُقُوف عِنْد تَقْدِير مَا وَقَعَ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , دَلَّ عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَاهُ , لِأَنَّ الرِّوَايَات فِي التَّحْدِيد بِأَرْبَعِينَ اِخْتَلَفَتْ عَنْ أَنَس وَكَذَا عَنْ عَلِيّ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَتَجَاوَزُوا أَقَلَّ مَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَهُ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ سَوَاء كَانَ ذَلِكَ حَدًّا أَوْ تَعْزِيرًا. الثَّانِي أَنَّ الْحَدّ فِيهِ أَرْبَعُونَ وَلَا تَجُوز الزِّيَادَة عَلَيْهَا. الثَّالِث مِثْله لَكِنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبْلُغ بِهِ ثَمَانِينَ , وَهَلْ تَكُون الزِّيَادَة مِنْ تَمَام الْحَدّ أَوْ تَعْزِيرًا ؟ قَوْلَانِ. الرَّابِع أَنَّهُ ثَمَانُونَ وَلَا تَجُوز الزِّيَادَة عَلَيْهَا. الْخَامِس كَذَلِكَ وَتَجُوز الزِّيَادَة تَعْزِيرًا. وَعَلَى الْأَقْوَال كُلّهَا هَلْ يَتَعَيَّن الْجَلْدُ بِالسَّوْطِ أَوْ يَتَعَيَّن بِمَا عَدَاهُ أَوْ يَجُوز بِكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ ؟ أَقْوَالٌ. السَّادِسُ إِنْ شَرِبَ فَجُلِدَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَعَادَ الرَّابِعَةَ وَجَبَ قَتْلُهُ , وَقِيلَ إِنْ شَرِبَ أَرْبَعًا فَعَادَ الْخَامِسَةَ وَجَبَ قَتْلُهُ , وَهَذَا السَّادِس فِي الطَّرَف الْأَبْعَد مِنْ الْقَوْل الْأَوَّل وَكِلَاهُمَا شَاذٌّ وَأَظُنُّ الْأَوَّل رَأْي الْبُخَارِيّ فَإِنَّهُ لَمْ يُتَرْجِم بِالْعَدَدِ أَصْلًا وَلَا أَخْرَجَ هُنَا فِي الْعَدَد الصَّرِيح شَيْئًا مَرْفُوعًا , وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ لَا يُزَاد عَلَى الْأَرْبَعِينَ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَحَرَّى مَا كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَهُ أَرْبَعِينَ فَعَمِلَ بِهِ. وَلَا يُعْلَمُ لَهُ فِي زَمَنِهِ مُخَالِفٌ , فَإِنْ كَانَ السُّكُوت إِجْمَاعًا فَهَذَا الْإِجْمَاع سَابِقٌ عَلَى مَا وَقَعَ فِي عَهْدِ عُمَرَ وَالتَّمَسُّكُ بِهِ أَوْلَى لِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ فِعْلُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ ثَمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ فَفَعَلَهُ فِي زَمَن عُثْمَانَ بِحَضْرَتِهِ وَبِحَضْرَةِ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الصَّحَابَة مِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر الَّذِي بَاشَرَ ذَلِكَ وَالْحَسَن بْن عَلِيّ , فَإِنْ كَانَ السُّكُوت إِجْمَاعًا فَهَذَا هُوَ الْأَخِير فَيَنْبَغِي تَرْجِيحه , وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الزِّيَادَة بِمَا صُنِعَ فِي عَهْد عُمَر مِنْ الزِّيَادَة , وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ عَنْ الْأَرْبَعِينَ بِأَنَّ الْمَضْرُوب كَانَ عَبْدًا وَهُوَ بَعِيدٌ فَاحْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ : أَنْ يَكُون حَدًّا أَوْ تَعْزِيرًا , وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الزِّيَادَة عَلَى الثَّمَانِينَ تَعْزِيرًا بِمَا تَقَدَّمَ فِي الصِّيَام أَنَّ عُمَر حَدَّ الشَّارِب فِي رَمَضَان ثُمَّ نَفَاهُ إِلَى الشَّام , وَبِمَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ النَّجَاشِيّ الشَّاعِر ثَمَانِينَ ثُمَّ أَصْبَحَ فَجَلَدَهُ عِشْرِينَ بِجَرَاءَتِهِ بِالشُّرْبِ فِي رَمَضَانَ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي جَوَازِ الْجَمْع بَيْن الْحَدّ وَالتَّعْزِير فِي الْكَلَام عَلَى تَغْرِيب الزَّانِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ يُقْتَلُ فِي الرَّابِعَة أَوْ الْخَامِسَة بِمَا سَأَذْكُرُهُ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ اِسْتَقَرَّ الْإِجْمَاع عَلَى ثُبُوت حَدِّ الْخَمْر وَأَنْ لَا قَتْلَ فِيهِ وَاسْتَمَرَّ الِاخْتِلَافُ فِي الْأَرْبَعِينَ وَالثَّمَانِينَ , وَذَلِكَ خَاصٌّ بِالْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَلَا يُحَدُّ فِيهِ , وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَة أَنَّهُ يُحَدُّ , وَعَنْهُ إِنْ سَكِرَ وَالصَّحِيح عِنْدهمْ كَالْجُمْهُورِ , وَأَمَّا مَنْ هُوَ فِي الرِّقّ فَهُوَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا عِنْد أَبِي ثَوْر وَأَكْثَرِ أَهْلِ الظَّاهِرِ فَقَالُو"
    },
    {
        "id": "6282",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ اسْمُهُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِنَّ رَجُلًا كَانَ عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اِسْمه عَبْد اللَّه وَكَانَ يُلَقَّب حِمَارًا ) ‏ ‏ذَكَرَ الْوَاقِدِيّ فِي غَزْوَة خَيْبَر مِنْ مَغَازِيه عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ قَالَ وَوُجِدَ فِي حِصْنِ الصَّعْبِ بْنِ مَعَاذٍ فَذَكَرَ مَا وُجِدَ مِنْ الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا إِلَى أَنْ قَالَ \" وَزِقَاق خَمْر فَأُرِيقَتْ , وَشَرِبَ يَوْمئِذٍ مِنْ تِلْكَ الْخَمْرِ رَجُلٌ يُقَال لَهُ عَبْد اللَّه الْحِمَار \" وَهُوَ بِاسْمِ الْحَيَوَان الْمَشْهُور , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَاب أَنَّ الْأَوَّل اِسْمه وَالثَّانِي لَقَبه , وَجَوَّزَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرّ أَنَّهُ اِبْنُ النُّعَيْمَانِ الْمُبْهَم فِي حَدِيث عُقْبَة بْن الْحَارِث فَقَالَ فِي تَرْجَمَة النُّعَيْمَانِ \" كَانَ رَجُلًا صَالِحًا وَكَانَ لَهُ اِبْنٌ اِنْهَمَكَ فِي الشَّرَابِ فَجَلَدَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَعَلَى هَذَا يَكُون كُلٌّ مِنْ النُّعَيْمَانِ وَوَلَده عَبْد اللَّه جُلِدَ فِي الشُّرْب , وَقَوِيَ هَذَا عِنْده بِمَا أَخْرَجَهُ الزُّبَيْر بْن بَكَّار فِي الْفَاكِهَة مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم قَالَ : كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُل يُصِيب الشَّرَاب فَكَانَ يُؤْتَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَضْرِبهُ بِنَعْلِهِ وَيَأْمُر أَصْحَابه فَيَضْرِبُونَهُ بِنِعَالِهِمْ وَيَحْثُونَ عَلَيْهِ التُّرَابَ , فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ لَعَنَك اللَّهُ , فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" لَا تَفْعَلْ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ \" وَحَدِيث عُقْبَة اِخْتَلَفَ أَلْفَاظُ نَاقِلِيهِ هَلْ الشَّارِب النُّعَيْمَانُ أَوْ اِبْنُ النُّعَيْمَانِ وَالرَّاجِح النُّعَيْمَانُ فَهُوَ غَيْر الْمَذْكُور هُنَا لِأَنَّ قِصَّة عَبْد اللَّه كَانَتْ فِي خَيْبَر فَهِيَ سَابِقَةٌ عَلَى قِصَّة النُّعَيْمَانِ فَإِنَّ عُقْبَة بْن الْحَارِث مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ وَالْفَتْحُ كَانَ بَعْد خَيْبَر بِنَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ شَهْرًا , وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ الْمَذْكُور فِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن أَزْهَر لِأَنَّ عُقْبَة بْن الْحَارِث مِمَّنْ شَهِدَهَا مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ لَكِنْ فِي حَدِيثه أَنَّ النُّعَيْمَانَ ضُرِبَ فِي الْبَيْت وَفِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن أَزْهَر أَنَّهُ أُتِيَ بِهِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد رَحْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ , وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى رَحْلِ خَالِدٍ بَيْتًا فَكَأَنَّهُ كَانَ بَيْتًا مِنْ شَعْر فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ الَّذِي فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة لِأَنَّ فِي كُلّ مِنْهُمَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ \" بَكِّتُوهُ \" كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ يَقُولُ بِحَضْرَتِهِ أَوْ يَفْعَلُ مَا يَضْحَكُ مِنْهُ , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيق هِشَام بْن سَعْد عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ بِسَنَدِ الْبَاب \" أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُلَقَّب حِمَارًا وَكَانَ يُهْدِي لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعُكَّةَ مِنْ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَإِذَا جَاءَ صَاحِبه يَتَقَاضَاهُ جَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَعْطِ هَذَا مَتَاعَهُ , فَمَا يَزِيدُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبْتَسِمَ وَيَأْمُر بِهِ فَيُعْطَى \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم بَعْد قَوْله \" يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ \" قَالَ \" وَكَانَ لَا يَدْخُلُ إِلَى الْمَدِينَةِ طَرْفَة إِلَّا اِشْتَرَى مِنْهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَهْدَيْت لَك , فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهُ طَلَبَ ثَمَنَهُ جَاءَ بِهِ فَقَالَ : أَعْطِ هَذَا الثَّمَنَ , فَيَقُول أَلَمْ تُهْدِهِ إِلَيَّ ؟ فَيَقُول : لَيْسَ عِنْدِي , فَيَضْحَك وَيَأْمُر لِصَاحِبِهِ بِثَمَنِهِ \" وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي أَنَّ صَاحِب التَّرْجَمَة وَالنُّعَيْمَانَ وَاحِد وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله ( قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَاب ) ‏ ‏أَيْ بِسَبَبِ شُرْبِهِ الشَّرَابَ الْمُسْكِر وَ \" كَانَ \" فِيهِ مُضْمَرَةٌ أَيْ : كَانَ قَدْ جَلَدَهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ بِسَنَدِهِ هَذَا عِنْد عَبْد الرَّزَّاق \" أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْر فَحُدَّ , ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَحُدَّ , ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَحُدَّ , ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَحُدَّ أَرْبَع مَرَّات \". ‏ ‏قَوْله ( فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا ) ‏ ‏فَذَكَرَ سُفْيَان الْيَوْم الَّذِي أُتِيَ بِهِ فِيهِ وَالشَّرَاب الَّذِي شَرِبَهُ مِنْ عِنْد الْوَاقِدِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَته \" وَكَانَ قَدْ أُتِيَ بِهِ فِي الْخَمْر مِرَارًا \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ \" فَأَمَرَ بِهِ فَخُفِقَ بِالنِّعَالِ , وَعَلَى هَذَا فَقَوْله \" فَجُلِدَ \" أَيْ ضُرِبَ ضَرْبًا أَصَابَ جِلْدَهُ , وَقَدْ يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ الْمَذْكُور فِي حَدِيث أَنَس فِي الْبَاب الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم ) ‏ ‏لَمْ أَرَ هَذَا الرَّجُل مُسَمًّى , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر الْمَذْكُورَة \" فَقَالَ رَجُل عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ثُمَّ رَأَيْته مُسَمًّى فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ فَعِنْده \" فَقَالَ عُمَر \". ‏ ‏قَوْله ( مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ \" مَا يُضْرَبُ \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" مَا أَكْثَرَ مَا يَشْرَب وَمَا أَكْثَرَ مَا يُجْلَد \". ‏ ‏قَوْله ( لَا تَلْعَنُوهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ \" لَا تَفْعَل يَا عُمَر \" وَهَذَا قَدْ يَتَمَسَّك بِهِ مَنْ يَدَّعِي اِتِّحَادَ الْقِصَّتَيْنِ , وَهُوَ بَعِيدٌ لِمَا بَيَّنْته مِنْ اِخْتِلَاف الْوَقْتَيْنِ , وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لِلنُّعَيْمَانِ وَلِابْنِ النُّعَيْمَانِ وَأَنَّهُ اِسْمه عَبْد اللَّه وَلَقَبه حِمَار , وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله ( فَوَاَللَّهِ مَا عَلِمْت إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَيَجُوز عَلَى رِوَايَة اِبْن السَّكَن الْفَتْح وَالْكَسْر , وَقَالَ بَعْضهمْ الرِّوَايَة بِفَتْحِ الْهَمْزَة , عَلَى أَنَّ \" مَا \" نَافِيَةٌ يُحِيل الْمَعْنَى إِلَى ضِدِّهِ , وَأَغْرَبَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيح فَقَالَ مَا مَوْصُولَةٌ وَإِنَّ مَعَ اِسْمِهَا وَخَبَرِهَا سَدَّتْ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ عَلِمْت لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلَى الْمَنْسُوبِ وَالْمَنْسُوب إِلَيْهِ وَالضَّمِير فِي أَنَّهُ يَعُود إِلَى الْمَوْصُول وَالْمَوْصُول مَعَ صِلَتِهِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هُوَ الَّذِي عَلِمْت وَالْجُمْلَة فِي جَوَابِ الْقَسَمِ , قَالَ الطِّيبِيُّ : وَفِيهِ تَعَسُّفٌ. وَقَالَ صَاحِب \" الْمَطَالِع \" : مَا مَوْصُولَةٌ وَإِنَّهُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مُبْتَدَأٌ , وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَهُوَ مَفْعُولُ عَلِمْت. قَالَ الطِّيبِيُّ : فَعَلَى هَذَا عَلِمْت بِمَعْنَى عَرَفْت وَإِنَّهُ خَبَر الْمَوْصُول : وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء فِي إِعْرَاب الْجَمْع : مَا زَائِدَةٌ أَيْ فَوَاَللَّهِ عَلِمْت أَنَّهُ وَالْهَمْزَةُ عَلَى هَذَا مَفْتُوحَةٌ. قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَفْعُول مَحْذُوفًا أَيْ مَا عَلِمْت عَلَيْهِ أَوْ فِيهِ سُوءًا , ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ فَقَالَ : إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُوله. وَنُقِلَ عَنْ رِوَايَة اِبْن السَّكَن أَنَّ التَّاء بِالْفَتْحِ لِلْخِطَابِ تَقْرِيرًا , وَيَصِحُّ عَلَى هَذَا كَسْرُ الْهَمْزَةِ وَفَتْحُهَا , وَالْكَسْرُ عَلَى جَوَابِ الْقَسَمِ وَالْفَتْحُ مَعْمُولُ عَلِمْت , وَقِيلَ مَا زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّقْدِير لَقَدْ عَلِمْت. قُلْت : وَقَدْ حَكَى فِي \" الْمَطَالِع \" أَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" فَوَاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمْت \" وَعَلَى هَذَا فَالْهَمْزَةُ مَفْتُوحَةٌ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مَا مَصْدَرِيَّةً وَكُسِرَتْ إِنَّ لِأَنَّهَا جَوَابُ الْقَسَمِ. قَالَ الطِّيبِيُّ : وَجَعْلُ مَا نَافِيَةً أَظْهَرُ لِاقْتِضَاءِ الْقَسَمِ أَنْ يَلْتَقِي بِحَرْفِ النَّفْي وَبِإِنَّ وَبِاللَّامِ خِلَاف الْمَوْصُولَة , وَلِأَنَّ الْجُمْلَة الْقَسَمِيَّة جِيءَ بِهَا مُؤَكِّدَةً لِمَعْنَى النَّفْي مُقَرِّرَة لِلْإِنْكَارِ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي شَرْح السُّنَّة \" فَوَاَللَّهِ مَا عَلِمْت إِلَّا أَنَّهُ قَالَ \" فَمَعْنَى الْحَصْر فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِمَنْزِلَةِ تَاء الْخِطَاب فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى لِإِرَادَةِ مَزِيدِ الْإِنْكَارِ عَلَى الْمُخَاطَب. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ : عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ مِثْل مَا عَزَاهُ لِشَرْحِ السُّنَّة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي زُرْعَة الرَّازِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" فَوَاَللَّهِ مَا عَلِمْت إِنَّهُ لَيُحِبّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ \" وَيَصِحّ مَعَهُ أَنْ تَكُون مَا زَائِدَة وَأَنْ تَكُون ظَرْفِيَّة أَيْ مُدَّة عِلْمِي , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر وَالْوَاقِدِيّ \" فَإِنَّهُ يُحِبّ اللَّه وَرَسُوله \" وَكَذَا فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم , وَلَا إِشْكَال فِيهَا لِأَنَّهَا جَاءَتْ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ \" لَا تَفْعَل يَا عُمَر \" وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد جَوَاز التَّلْقِيب وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ فِي كِتَاب الْأَدَب , وَهُوَ مَحْمُولٌ هُنَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَكْرَههُ , أَوْ أَنَّهُ ذُكِرَ بِهِ عَلَى سَبِيل التَّعْرِيف لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ يُسَمَّى بِعَبْدِ اللَّه , أَوْ أَنَّهُ لَمَّا تَكَرَّرَ مِنْهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْفِعْل الْمَذْكُور نُسِبَ إِلَى الْبَلَادَة فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اِسْمُ مَنْ يَتَّصِفُ بِهَا لِيَرْتَدِعَ بِذَلِكَ. وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ كَافِرٌ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْ لَعْنِهِ وَالْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ لَهُ. وَفِيهِ أَنْ لَا تَنَافِيَ بَيْن اِرْتِكَاب النَّهْي وَثُبُوت مَحَبَّة اللَّه وَرَسُوله فِي قَلْب الْمُرْتَكِب لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُوله مَعَ وُجُود مَا صَدَرَ مِنْهُ. وَأَنَّ مَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْمَعْصِيَةُ لَا تُنْزَعُ مِنْهُ مَحَبَّةُ اللَّهِ وَرَسُوله , وَيُؤْخَذ مِنْهُ تَأْكِيدُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ نَفْي الْإِيمَان عَنْ شَارِب الْخَمْر لَا يُرَاد بِهِ زَوَاله بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ نَفْيُ كَمَالِهِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِسْتِمْرَار ثُبُوت مَحَبَّة اللَّه وَرَسُوله فِي قَلْب الْعَاصِي مُقَيَّدًا بِمَا إِذَا نَدِمَ عَلَى وُقُوع الْمَعْصِيَة وَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدّ فَكَفَّرَ عَنْهُ الذَّنْبَ الْمَذْكُورَ , بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَقَع مِنْهُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ بِتَكْرَارِ الذَّنْبِ أَنْ يُطْبَع عَلَى قَلْبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يُسْلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ. وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ الْأَمْرِ الْوَارِدِ بِقَتْلِ شَارِب الْخَمْر إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ إِلَى الرَّابِعَة أَوْ الْخَامِسَة , فَقَدْ ذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّهُ أُتِيَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ مَرَّة , وَالْأَمْر الْمَنْسُوخ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ فِي رِوَايَة حَرْمَلَة عَنْهُ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَابْن الْمُنْذِر وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" إِذَا سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ , ثُمَّ إِذَا سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ , ثُمَّ إِذَا سَكِرَ فَاجْلِدْهُ , ثُمَّ إِذَا سَكِرَ فَاقْتُلُوهُ \" وَلِبَعْضِهِمْ \" فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهَا عَبْد الرَّزَّاق وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيّ تَعْلِيقًا وَالنَّسَائِيُّ كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَة سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ بِلَفْظِ \" إِذَا شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ ثَلَاثًا , فَإِذَا شَرِبُوا الرَّابِعَة فَاقْتُلُوهُمْ \" وَرُوِيَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ أَبِي صَالِح فَقَالَ أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش عَنْهُ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي سَعِيد كَذَا أَخْرَجَهُ اِبْنُ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَة عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي بَكْر , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْهُ فَقَالَ \" عَنْ مُعَاوِيَة \" بَدَل \" أَبِي سَعِيد \" وَهُوَ الْمَحْفُوظ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة أَبَان الْعَطَّار عَنْهُ , وَتَابَعَهُ الثَّوْرِيّ وَشَيْبَان بْن عَبْد الرَّحْمَن وَغَيْرهمَا عَنْ عَاصِم , وَلَفْظ الثَّوْرِيّ عَنْ عَاصِم \" ثُمَّ إِنْ شَرِبَ الرَّابِعَة فَاضْرِبُوا عُنُقه \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبَان عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" ثُمَّ إِنْ شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ \" ثَلَاث مَرَّات بَعْد الْأُولَى ثُمَّ قَالَ \" إِنْ شَرِبُوا فَاقْتُلُوهُمْ \" ثُمَّ سَاقَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق حُمَيْدِ بْن يَزِيد عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" وَأَحْسَبُهُ قَالَ فِي الْخَامِسَة ثُمَّ إِنْ شَرِبَهَا فَاقْتُلُوهُ \" قَالَ وَكَذَا فِي حَدِيث غُطَيْف فِي الْخَامِسَة , قَالَ أَبُو دَاوُدَ \" وَفِي رِوَايَة عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِيهِ وَسُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي الرَّابِعَة \" وَكَذَا فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي نُعَيْم عَنْ اِبْن عُمَر , وَكَذَا فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ وَالشَّرِيد , وَفِي رِوَايَة مُعَاوِيَة : \" فَإِنْ عَادَ فِي الثَّالِثَة أَوْ الرَّابِعَة فَاقْتُلُوهُ \" وَقَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْد تَخْرِيجه : وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَالشَّرِيد وَشُرَحْبِيل بْن أَوْس وَأَبِي الرَّمْدَاء وَجَرِير وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو. قُلْت : وَقَدْ ذَكَرْت حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَأَمَّا حَدِيث الشَّرِيد وَهُوَ اِبْن أَوْس الثَّقَفِيّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالدَّارِمِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم بِلَفْظِ \" إِذَا شَرِبَ فَاضْرِبُوهُ \" وَقَالَ فِي آخِره \" ثُمَّ إِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ \" وَأَمَّا حَدِيث شُرَحْبِيل وَهُوَ الْكِنْدِيّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْن مَنْدَهْ فِي \" الْمَعْرِفَة \" وَرُوَاته ثِقَات نَحْو رِوَايَة الَّذِي قَبْله , وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَر. وَأَمَّا حَدِيث أَبِي الرَّمْدَاء وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ وَبِالْمَدِّ وَقِيلَ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ ذَال مُعْجَمَة وَهُوَ بَدْرِيٌّ نَزَلَ مِصْر فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْن مَنْدَهْ وَفِي سَنَده اِبْن لَهِيعَة وَفِي سِيَاق حَدِيثه \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِاَلَّذِي شَرِبَ الْخَمْر فِي الرَّابِعَة أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُهُ فَضُرِبَتْ \" فَأَفَادَ أَنَّ ذَلِكَ عُمِلَ بِهِ قَبْل النَّسْخ , فَإِنْ ثَبَتَ كَانَ فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ. وَأَمَّا حَدِيث جَرِير فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِم وَلَفْظُهُ \" مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ \" وَقَالَ فِيهِ \" فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَة فَاقْتُلُوهُ \" وَأَمَّا حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْهُ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَقَالٌ , فَفِي رِوَايَة شَهْر بْن حَوْشَبٍ عَنْهُ \" فَإِنْ شَرِبَهَا الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ \". قُلْت : وَرَوَيْنَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيد أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ وَعَنْ اِبْن عُمَر , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي نُعَيْم عَنْ اِبْن عُمَر وَنَفَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ بِنَحْوِهِ , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيق عِيَاض بْن غُطَيْف عَنْ أَبِيهِ وَفِيهِ \" فِي الْخَامِسَة \" كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ تَعْلِيقًا وَالْبَزَّار وَالشَّافِعِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم مَوْصُولًا مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر , وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْخَطِيب فِي \" الْمُبْهَمَات \" مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر , وَفِي رِوَايَة الْخَطِيب \" جَلَدَ \". وَلِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن أَبِي كَبْشَة سَمِعْت رَجُلًا مِنْ الصَّحَابَة يُحَدِّثُ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان رَفَعَهُ بِنَحْوِهِ \" ثُمَّ إِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَة فَاقْتُلُوهُ \" وَأَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر مُرْسَلًا وَفِيهِ \" أُتِيَ بِابْنِ النُّعَيْمَانِ بَعْد الرَّابِعَة فَجَلَدَهُ \" وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر أَنَّهُ بَلَغَهُ , وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ وَعَبْد الرَّزَّاق وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ قَبِيصَةَ بْن ذُؤَيْب قَالَ : \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ شَرِبَ الْخَمْر فَاجْلِدُوهُ - إِلَى أَنْ قَالَ - ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فِي الرَّابِعَة فَاقْتُلُوهُ , قَالَ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ وَقَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ , ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فِي الرَّابِعَة قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ فَرَفَعَ الْقَتْلَ عَنْ النَّاسِ وَكَانَتْ رُخْصَة \" وَعَلَّقَهُ التِّرْمِذِيّ فَقَالَ رَوَى الزُّهْرِيّ وَأَخْرَجَهُ الْخَطِيب فِي \" الْمُبْهَمَات \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيّ وَقَالَ فِيهِ \" فَأُتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ نُعَيْمَانُ فَضَرَبَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ , فَرَأَى الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْقَتْلَ قَدْ أُخِّرَ وَأَنَّ الضَّرْبَ قَدْ وَجَبَ \" وَقَبِيصَة بْن ذُؤَيْب مِنْ أَوْلَاد الصَّحَابَة وَوُلِدَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَسْمَع مِنْهُ , وَرِجَال هَذَا الْحَدِيث ثِقَات مَعَ إِرْسَاله , لَكِنَّهُ أُعِلَّ بِمَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : \" بَلَغَنِي عَنْ قَبِيصَةَ \" وَيُعَارِض ذَلِكَ رِوَايَةَ اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّ قَبِيصَة حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا أَصَحُّ لِأَنَّ يُونُس أَحْفَظُ لِرِوَايَةِ الزُّهْرِيّ مِنْ الْأَوْزَاعِيِّ , وَالظَّاهِر أَنَّ الَّذِي بَلَّغَ قَبِيصَةَ ذَلِكَ صَحَابِيٌّ فَيَكُون الْحَدِيث عَلَى شَرْط الصَّحِيح لِأَنَّ إِبْهَام الصَّحَابِيّ لَا يَضُرُّ , وَلَهُ شَاهِدٌ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر قَالَ حَدَّثْت بِهِ اِبْن الْمُنْكَدِر فَقَالَ : تُرِكَ ذَلِكَ , قَدْ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنِ نُعَيْمَانَ فَجَلَدَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فِي الرَّابِعَة فَجَلَدَهُ وَلَمْ يَزِدْهُ وَوَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر \" عَنْ جَابِر فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ مِنَّا قَدْ شَرِبَ فِي الرَّابِعَة فَلَمْ يَقْتُلْهُ \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بِلَفْظِ \" فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ فَضَرَبَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَع مَرَّات , فَرَأَى الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْحَدَّ قَدْ وَقَعَ وَأَنَّ الْقَتْلَ قَدْ رُفِعَ \" قَالَ الشَّافِعِيّ بَعْد تَخْرِيجه : هَذَا مَا لَا اِخْتِلَاف فِيهِ بَيْن أَهْل الْعِلْم عَلِمْته. وَذَكَرَهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي الزُّبَيْر مُرْسَلًا. وَقَالَ : أَحَادِيث الْقَتْل مَنْسُوخَةٌ , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب حَدَّثَنِي اِبْن شِهَاب \" أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَارِبٍ فَجَلَدَهُ وَلَمْ يَضْرِبْ عُنُقَهُ , وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : لَا نَعْلَم بَيْن أَهْل الْعِلْم فِي هَذَا اِخْتِلَافًا فِي الْقَدِيم وَالْحَدِيث. قَالَ وَسَمِعْت مُحَمَّدًا يَقُول : حَدِيث مُعَاوِيَة فِي هَذَا أَصَحُّ , وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي أَوَّل الْأَمْر ثُمَّ نُسِخَ بَعْد , وَقَالَ فِي \" الْعِلَل \" آخِرَ الْكِتَاب : جَمِيع مَا فِي هَذَا الْكِتَاب قَدْ عَمِلَ بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيث الْجَمْع بَيْن الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَر , وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ فَسَلَّمَ قَوْلَهُ فِي حَدِيث الْبَاب دُون الْآخَر , وَمَالَ الْخَطَّابِيُّ إِلَى تَأْوِيل الْحَدِيث فِي الْأَمْر بِالْقَتْلِ فَقَالَ : قَدْ يَرِدُ الْأَمْر بِالْوَعِيدِ وَلَا يُرَاد بِهِ وُقُوع الْفِعْل وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهِ الرَّدْعُ وَالتَّحْذِير , ثُمَّ قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْقَتْل فِي الْخَامِسَة كَانَ وَاجِبًا ثُمَّ نُسِخَ بِحُصُولِ الْإِجْمَاع مِنْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَل , وَأَمَّا اِبْن الْمُنْذِر فَقَالَ : كَانَ الْعَمَل فِيمَنْ شَرِبَ الْخَمْر أَنْ يُضْرَب وَيُنَكَّل بِهِ , ثُمَّ نُسِخَ بِالْأَمْرِ بِجَلْدِهِ فَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ أَرْبَعًا قُتِلَ , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالْأَخْبَارِ الثَّابِتَة وَبِإِجْمَاعِ أَهْل الْعِلْم إِلَّا مَنْ شَذَّ مِمَّنْ لَا يُعَدُّ [ خِلَافُهُ ] خِلَافًا. قُلْت : وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى بَعْض أَهْل الظَّاهِر , فَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضهمْ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ اِبْن حَزْم مِنْهُمْ وَاحْتَجَّ لَهُ وَادَّعَى أَنْ لَا إِجْمَاعَ وَأَوْرَدَ مِنْ مُسْنَدِ الْحَارِثِ بْن أَبِي أُسَامَة مَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَالْإِمَام أَحْمَدُ مِنْ طَرِيق الْحَسَن الْبَصْرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّهُ قَالَ : اِئْتُونِي بِرَجُلٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَعْنِي ثَلَاثًا ثُمَّ سَكِرَ فَإِنْ لَمْ أَقْتُلْهُ فَأَنَا كَذَّابٌ , وَهَذَا مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ الْحَسَن لَمْ يَسْمَع مِنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو كَمَا جَزَمَ بِهِ بْن الْمَدِينِيّ وَغَيْره فَلَا حُجَّة فِيهِ , وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ هَذَا عَنْ عَبْد اللَّه فِي عَمْرو لَمْ يَبْقَ لِمَنْ رَدَّ الْإِجْمَاع عَلَى تَرْك الْقَتْل مُتَمَسَّكٌ حَتَّى وَلَوْ ثَبَتَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو لَكَانَ عُذْرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ وَعُدَّ ذَلِكَ مِنْ نُزْرَةِ الْمُخَالِفِ , وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَشَدُّ مِنْ الْأَوَّل فَأَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْهُ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ قَالَ : لَوْ رَأَيْت أَحَدًا يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَاسْتَطَعْت أَنْ أَقْتُلَهُ لَقَتَلْته. وَأَمَّا قَوْل بَعْض مَنْ اِنْتَصَرَ لِابْنِ حَزْم فَطَعَنَ فِي النَّسْخِ بِأَنَّ مُعَاوِيَة إِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْد الْفَتْح وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحَادِيثِ غَيْرِهِ الدَّالَّةِ عَلَى نَسْخِهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ , وَجَوَابه أَنَّ مُعَاوِيَة أَسْلَمَ قَبْل الْفَتْح وَقِيلَ فِي الْفَتْح , وَقِصَّة اِبْن النُّعَيْمَانِ كَانَتْ بَعْد ذَلِكَ لِأَنَّ عُقْبَة بْن الْحَارِث حَضَرَهَا إِمَّا بِحُنَيْنٍ وَإِمَّا بِالْمَدِينَةِ , وَهُوَ إِنَّمَا أَسْلَمَ فِي الْفَتْح وَحُنَيْن , وَحُضُور عُقْبَة إِلَى الْمَدِينَة كَانَ بَعْد الْفَتْح جَزْمًا فَثَبَتَ مَا نَفَاهُ هَذَا الْقَائِلُ , وَقَدْ عَمِلَ بِالنَّاسِخِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ فَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفِهِ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب أَنَّهُ جَلَدَ أَبَا مِحْجَن الثَّقَفِيّ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِي مِرَارٍ , وَأَوْرَدَ نَحْو ذَلِكَ عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , وَأَخْرَجَ حَمَّاد بْن سَلَمَة فِي مُصَنَّفِهِ مِنْ طَرِيق أُخْرَى رِجَالهَا ثِقَات أَنَّ عُمَر جَلَدَ أَبَا مِحْجَن فِي الْخَمْرِ أَرْبَعَ مِرَارٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَنْتَ خَلِيعٌ , فَقَالَ : أَمَّا إِذْ خَلَّعْتَنِي فَلَا أَشْرَبُهَا أَبَدًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6283",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ الْهَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِسَكْرَانَ فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ مَا لَهُ أَخْزَاهُ اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ الْمَدِينِيّ. ‏ ‏قَوْله ( أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَكْرَانَ فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" فَقَامَ لِيَضْرِبَهُ \" وَهُوَ تَصْحِيفٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي ضَمْرَة عَلَى الصَّوَاب بِلَفْظِ \" فَقَالَ اِضْرِبُوهُ \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ ظَاهِره يَقْتَضِي أَنَّ السُّكْرَ بِمُجَرَّدِهِ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ لِأَنَّ الْفَاء لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ سَهَا فَسَجَدَ , وَلَمْ يُفَصِّلْ هَلْ سَكِرَ مِنْ مَاء عِنَبٍ أَوْ غَيْره وَلَا هَلْ شَرِبَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا , فَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ عَلَى الْكُوفِيِّينَ فِي التَّفْرِقَة , وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْأَشْرِبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6284",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6285",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يَسْوَى دَرَاهِمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن عَنْ أَبِي الْحُنَيْنِ عَنْ عُمَر بْن حَفْص شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة \" وَكَذَا فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح \" سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة \" وَسَيَأْتِي بَعْد سَبْعَة أَبْوَاب فِي \" بَاب تَوْبَة السَّارِق \" وَقَالَ اِبْن حَزْم : وَقَدْ سَلِمَ مِنْ تَدْلِيسِ الْأَعْمَشِ قُلْت : وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ الْأَعْمَشُ , أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي صَالِح. ‏ ‏قَوْله ( لَعَنَ اللَّه السَّارِق يَسْرِق الْبَيْضَة فَتُقْطَع يَدُهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عِيسَى بْن يُونُس عَنْ الْأَعْمَش عِنْد مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ \" إِنْ سَرَقَ بَيْضَة قُطِعَتْ يَدُهُ وَإِنْ سَرَقَ حَبْلًا قُطِعَتْ يَدُهُ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ الْأَعْمَش ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( كَانُوا يَرَوْنَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله مِنْ الرَّأْي وَبِضَمِّهِ مِنْ الظَّنِّ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ بَيْض الْحَدِيد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بَيْضَة الْحَدِيد \". ‏ ‏قَوْله ( وَالْحَبْل كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يُسَاوِي دَرَاهِمَ ) ‏ ‏وَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ \" يَسْوَى \" وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ صِحَّتَهَا وَالْحَقُّ أَنَّهَا جَائِزَةٌ لَكِنْ بِقِلَّةٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَأْوِيل الْأَعْمَشِ هَذَا غَيْرُ مُطَابِقٍ لِمَذْهَبِ الْحَدِيثِ وَمَخْرَج الْكَلَام فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالشَّائِعِ فِي الْكَلَام أَنْ يُقَال فِي مِثْل مَا وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيث مِنْ اللَّوْم وَالتَّثْرِيب : أَخْزَى اللَّهُ فُلَانًا عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتَّلَفِ فِي مَالٍ لَهُ قَدْرٌ وَمَزِيَّةٌ وَفِي عَرَضٍ لَهُ قِيمَةٌ إِنَّمَا يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي مِثْله بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا وَزْنَ لَهُ وَلَا قِيمَةَ , هَذَا حُكْمُ الْعُرْفِ الْجَارِي فِي مِثْله , وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ وَتَأْوِيلُهُ ذَمُّ السَّرِقَةِ وَتَهْجِينُ أَمْرِهَا وَتَحْذِير سُوء مَغَبَّتِهَا فِيمَا قَلَّ وَكَثُرَ مِنْ الْمَال كَأَنَّهُ يَقُول إِنَّ سَرِقَةَ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا قِيمَة لَهُ كَالْبَيْضَةِ الْمَذِرَةِ وَالْحَبْلِ الْخَلَقِ الَّذِي لَا قِيمَةَ لَهُ إِذَا تَعَاطَاهُ فَاسْتَمَرَّتْ بِهِ الْعَادَةُ لَمْ يَيْأَسْ أَنْ يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إِلَى سَرِقَة مَا فَوْقهَا حَتَّى يَبْلُغ قَدْرَ مَا تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ , كَأَنَّهُ يَقُول فَلْيَحْذَرْ هَذَا الْفِعْلَ وَلْيَتَوَقَّهُ قَبْل أَنْ تَمْلِكهُ الْعَادَةُ وَيَمْرُنَ عَلَيْهَا لِيَسْلَمَ مِنْ سُوءِ مَغَبَّتِهِ وَوَخِيمِ عَاقِبَتِهِ. قُلْت : وَسَبَقَ الْخَطَّابِيَّ إِلَى ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّد بْن قُتَيْبَة فِيمَا حَكَاهُ اِبْن بَطَّال فَقَالَ : اِحْتَجَّ الْخَوَارِج بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْقَطْع يَجِب فِي قَلِيل الْأَشْيَاء وَكَثِيرهَا , وَلَا حُجَّة لَهُمْ فِيهِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَة لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ مَا نَزَلَ , ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّه أَنَّ الْقَطْع لَا يَكُون إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَكَانَ بَيَانًا لِمَا أُجْمِلَ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ. قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْمَشِ إِنَّ الْبَيْضَةَ فِي هَذَا الْحَدِيث بَيْضَة الْحَدِيدِ الَّتِي تُجْعَلُ فِي الرَّأْسِ فِي الْحَرْبِ وَأَنَّ الْحَبْلَ مِنْ حِبَالِ السُّفُنِ فَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لَا يَجُوزُ عِنْد مَنْ يَعْرِفُ صَحِيحَ كَلَامِ الْعَرَبِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ يَبْلُغُ دَنَانِيرَ كَثِيرَةً وَهَذَا لَيْسَ مَوْضِعَ تَكْثِيرٍ لِمَا سَرَقَهُ السَّارِقُ وَلِأَنَّ مِنْ عَادَة الْعَرَب وَالْعَجَمِ أَنْ يَقُولُوا قَبَّحَ اللَّهُ فُلَانًا عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلضَّرْبِ فِي عِقْدِ جَوْهَرٍ وَتَعَرَّضَ لِلْعُقُوبَةِ بِالْغُلُولِ فِي جِرَابِ مِسْكٍ , وَإِنَّمَا الْعَادَة فِي مِثْل هَذَا أَنْ يُقَالَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَرَّضَ لِقَطْعِ الْيَدِ فِي حَبْلٍ رَثٍّ أَوْ فِي كُبَّة شَعْر أَوْ رِدَاء خَلَق ; وَكُلُّ مَا كَانَ نَحْو ذَلِكَ كَانَ أَبْلَغَ اِنْتَهَى وَرَأَيْته فِي \" غَرِيب الْحَدِيث \" لِابْنِ قُتَيْبَة وَفِيهِ : حَضَرْت يَحْيَى بْن أَكْثَمَ بِمَكَّة قَالَ فَرَأَيْته يَذْهَب إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَيُعْجَبُ بِهِ وَيُبْدِئ وَيُعِيدُ , قَالَ وَهَذَا لَا يَجُوزُ فَذَكَرَهُ , وَقَدْ تَعَقَّبَهُ أَبُو بَكْر بْن الْأَنْبَارِيّ فَقَالَ : لَيْسَ الَّذِي طَعَنَ بِهِ اِبْن قُتَيْبَة عَلَى تَأْوِيل الْخَبَر بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْبَيْضَةَ مِنْ السِّلَاح لَيْسَتْ عَلَمًا فِي كَثْرَة الثَّمَن وَنِهَايَةً فِي غُلُوّ الْقِيمَة فَتَجْرِي مَجْرَى الْعِقْدِ مِنْ الْجَوْهَرِ وَالْجِرَابِ مِنْ الْمِسْكِ اللَّذَيْنِ رُبَّمَا يُسَاوِيَانِ الْأُلُوفَ مِنْ الدَّنَانِيرِ , بَلْ الْبَيْضَةُ مِنْ الْحَدِيد رُبَّمَا اُشْتُرِيَتْ بِأَقَلَّ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ , وَإِنَّمَا مُرَاد الْحَدِيث أَنَّ السَّارِق يُعَرِّضُ قَطْعَ يَدِهِ بِمَا لَا غِنَى لَهُ بِهِ لِأَنَّ الْبَيْضَة مِنْ السِّلَاح لَا يَسْتَغْنِي بِهَا أَحَدٌ , وَحَاصِله أَنَّ الْمُرَاد بِالْخَبَرِ أَنَّ السَّارِق يَسْرِق الْجَلِيلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِق الْحَقِيرَ فَتُقْطَع يَده , فَكَأَنَّهُ تَعْجِيزٌ لَهُ وَتَضْعِيفٌ لِاخْتِيَارِهِ لِكَوْنِهِ بَاعَ يَدَهُ بِقَلِيلِ الثَّمَن وَكَثِيره وَقَالَ الْمَازِرِيّ : تَأَوَّلَ بَعْضُ النَّاسِ الْبَيْضَةَ فِي الْحَدِيث بَيْضَة الْحَدِيد لِأَنَّهُ يُسَاوِي نِصَاب الْقَطْع , وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُبَالَغَة فِي التَّنْبِيه عَلَى عِظَمِ مَا خَسِرَ وَحِقَرِ مَا حَصَلَ , وَأَرَادَ مِنْ جِنْس الْبَيْضَة وَالْحَبْل مَا يَبْلُغ النِّصَاب. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَنَظِير حَمْلِهِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ \" فَإِنَّ أَحَدَ مَا قِيلَ فِيهِ إِنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي ذَلِكَ , وَإِلَّا فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَفْحَصَ الْقَطَاةِ وَهُوَ قَدْرُ مَا تَحْضُنُ فِيهِ بَيْضَهَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَسْجِدًا , قَالَ : وَمِنْهُ \" تَصَدَّقْنَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ ) وَهُوَ مِمَّا لَا يُتَصَدَّقُ بِهِ , وَمِثْله كَثِير فِي كَلَامهمْ. وَقَالَ عِيَاض : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَفَت لِمَا وَرَدَ أَنَّ الْبَيْضَة بَيْضَة الْحَدِيد وَالْحَبْل حَبْل السُّفُن لِأَنَّ مِثْل ذَلِكَ لَهُ قِيمَة وَقَدْر , فَإِنَّ سِيَاق الْكَلَام يَقْتَضِي ذَمَّ مَنْ أَخَذَ الْقَلِيل لَا الْكَثِير , وَالْخَبَرُ إِنَّمَا وَرَدَ لِتَعْظِيمِ مَا جَنَى عَلَى نَفْسه بِمَا تَقِلُّ بِهِ قِيمَته لَا بِأَكْثَرَ , وَالصَّوَاب تَأْوِيله عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْلِيل أَمْرِهِ وَتَهْجِين فِعْله وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُقْطَع فِي هَذَا الْقَدْرِ جَرَّتْهُ عَادَتُهُ إِلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ. وَأَجَابَ بَعْضُ مَنْ اِنْتَصَرَ لِتَأْوِيلِ الْأَعْمَشِ : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ عِنْد نُزُول الْآيَة مُجْمَلَةً قَبْل بَيَان نِصَاب الْقَطْع اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ قَطَعَ يَد سَارِق فِي بَيْضَة حَدِيد ثَمَنُهَا رُبْعُ دِينَارٍ وَرِجَاله ثِقَات مَعَ اِنْقِطَاعه , وَلَعَلَّ هَذَا مُسْتَنَدُ التَّأْوِيلِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْأَعْمَشُ. وَقَالَ بَعْضهمْ : الْبَيْضَةُ فِي اللُّغَةِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْمُبَالَغَة فِي الْمَدْح وَفِي الْمُبَالَغَةِ فِي الذَّمِّ , فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْلُهُمْ فُلَان بَيْضَةُ الْبَلَدِ إِذَا كَانَ فَرْدًا فِي الْعَظَمَةِ وَكَذَا فِي الِاحْتِقَار , وَمِنْهُ قَوْلُ أُخْتِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ لَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ أَخَاهَا يَوْم الْخَنْدَق فِي مَرْثِيَّتِهَا لَهُ : ‏ ‏لَكِنَّ قَاتِلَهُ مَنْ لَا يُعَابُ بِهِ ‏ ‏مَنْ كَانَ يُدْعَى قَدِيمًا بَيْضَةَ الْبَلَدِ ‏ ‏وَمِنْ الثَّانِي قَوْلُ الْآخَرِ يَهْجُو قَوْمًا : ‏ ‏تَأْبَى قُضَاعَةُ أَنْ تُبْدِي لَكُمْ نَسَبًا ‏ ‏وَابْنَا نِزَارٍ فَأَنْتُمْ بَيْضَةُ الْبَلَدِ ‏ ‏وَيُقَال فِي الْمَدْح أَيْضًا بَيْضَة الْقَوْم أَيْ وَسَطهمْ وَبَيْضَة السَّنَام أَيْ شَحْمَته , فَكُلَّمَا كَانَتْ الْبَيْضَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي كُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ حَسُنَ التَّمْثِيل بِهَا كَأَنَّهُ قَالَ يَسْرِق الْجَلِيلَ وَالْحَقِيرَ فَيُقْطَعُ فَرُبَّ أَنَّهُ عُذِرَ بِالْجَلِيلِ فَلَا عُذْرَ لَهُ بِالْحَقِيرِ , وَأَمَّا الْحَبْل فَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَل فِي التَّحْقِير كَقَوْلِهِمْ : مَا تَرَكَ فُلَانٌ عِقَالًا وَلَا ذَهَبَ مِنْ فُلَانٍ عِقَالٌ \" فَكَأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ إِذَا اِعْتَادَ السَّرِقَة لَمْ يَتَمَالَكْ مَعَ غَلَبَةِ الْعَادَةِ التَّمْيِيزَ بَيْن الْجَلِيل وَالْحَقِير \" وَأَيْضًا فَالْعَار الَّذِي يَلْزَمهُ بِالْقَطْعِ لَا يُسَاوِي مَا حَصَلَ لَهُ وَلَوْ كَانَ جَلِيلًا , وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب بِقَوْلِهِ : ‏ ‏صِيَانَةُ الْعُضْوِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصُهَا ‏ ‏صِيَانَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي ‏ ‏وَرَدَّ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْمَعَرِّيّ : ‏ ‏يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ‏ ‏مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ ‏ ‏وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي \" بَاب السَّرِقَة \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6286",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ ‏ ‏بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ كُلَّهَا فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف ) ‏ ‏لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ الْبِيكَنْدِيّ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْفِرْيَابِيّ وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج , وَابْن عُيَيْنَةَ هُوَ سُفْيَان. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الزُّهْرِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ \" سَمِعْت الزُّهْرِيّ \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم. وَذَكَرَ حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت وَفِيهِ \" وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ \" وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا \" وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيث خُزَيْمَةَ بْن ثَابِت رَفَعَهُ \" مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ \" وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. وَفِي الْبَاب عَنْ جَرِير بْن عَبْد اللَّه نَحْوه عِنْد أَبِي الشَّيْخ , وَفِي حَدِيث عَمْرو فِي شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْده بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ نَحْو حَدِيث عُبَادَةَ وَفِيهِ \" فَمَنْ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ \" وَعَنْ ثَابِت بْن الضَّحَّاك نَحْوه عِنْد أَبِي الشَّيْخ , وَقَدْ ذَكَرْت شَرْحَ حَدِيث الْبَاب مُسْتَوْفًى فِي الْبَاب الْعَاشِر مِنْ كِتَاب الْإِيمَان فِي أَوَّل الصَّحِيح. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ اِبْن بَطَّال قَوْله \" الْحُدُود كَفَّارَة \" مَعَ قَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر \" مَا أَدْرِي الْحُدُود كَفَّارَة لِأَهْلِهَا أَوْ لَا \" وَأَجَابَ بِأَنَّ سَنَدَ حَدِيثِ عُبَادَةَ أَصَحُّ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الثَّانِيَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَم بِأَنَّ الْحُدُود كَفَّارَةٌ ثُمَّ أُعْلِمَ فَقَالَ الْحَدِيث الثَّانِي , وَبِهَذَا جَزَمَ اِبْن التِّين وَهُوَ الْمُعْتَمَد. وَقَدْ أُجِيبَ مَنْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنَّ الْأَوَّل مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَهُوَ مُتَأَخِّر الْإِسْلَام عَنْ بَيْعَة الْعَقَبَة , وَالثَّانِي وَهُوَ التَّرَدُّد مِنْ حَدِيث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْخَبَر أَنَّهُ مِمَّنْ بَايَعَ لَيْلَةَ الْعَقَبَة وَبَيْعَةُ الْعَقَبَةِ كَانَتْ قَبْل إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة بِسِتِّ سِنِينَ. وَحَاصِل الْجَوَاب أَنَّ الْبَيْعَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث الْبَاب كَانَتْ مُتَأَخِّرَة عَنْ إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة بِدَلِيلِ أَنَّ الْآيَة الْمُشَار إِلَيْهَا فِي قَوْله \" وَقَرَأَ الْآيَة كُلَّهَا \" هِيَ قَوْله تَعَالَى ( يَا أَيّهَا النَّبِيّ إِذَا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يُبَايِعْنَك عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا ) إِلَى آخِرهَا وَكَانَ نُزُولهَا فِي فَتْح مَكَّة وَذَلِكَ بَعْد إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة بِنَحْوِ سَنَتَيْنِ , وَقَرَّرْت ذَلِكَ تَقْرِيرًا بَيِّنًا. وَإِنَّمَا وَقَعَ الْإِشْكَال مِنْ قَوْله هُنَاكَ إِنَّ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت وَكَانَ أَحَد النُّقَبَاء لَيْلَة الْعَقَبَة قَالَ \" إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا \" فَإِنَّهُ يُوهِم أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَة الْعَقَبَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْبَيْعَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي لَيْلَة الْعَقَبَة كَانَتْ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة فِي الْعُسْر وَالْيُسْر وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ إِلَخْ وَهُوَ مِنْ حَدِيث عُبَادَةَ أَيْضًا كَمَا أَوْضَحْته هُنَاكَ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : دَخَلَ فِي عُمُوم قَوْله الْمُشْرِك , أَوْ هُوَ مُسْتَثْنًى فَإِنَّ الْمُشْرِك إِذَا عُوقِبَ عَلَى شِرْكه لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَفَّارَة لَهُ بَلْ زِيَادَة فِي نَكَاله , قُلْت : وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ : وَأَمَّا الْقَتْل فَهُوَ كَفَّارَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَلِيّ الْمُسْتَوْفِي لِلْقِصَاصِ فِي حَقِّ الْمَقْتُول , لِأَنَّ الْقِصَاص لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ بَلْ يَبْقَى حَقُّ الْمَقْتُولِ فَيُطَالِبُهُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. قُلْت : وَاَلَّذِي قَالَهُ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ , وَقَدْ نَقَلْت فِي الْكَلَام عَلَى قَوْله تَعَالَى ( وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ) قَوْلَ مَنْ قَالَ : يَبْقَى لِلْمَقْتُولِ حَقُّ التَّشَفِّي , وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ إِطْلَاق اِبْن الْعَرَبِيّ هُنَا. قَالَ : وَأَمَّا السَّرِقَة فَتَتَوَقَّف بَرَاءَةُ السَّارِقِ فِيهَا عَلَى رَدِّ الْمَسْرُوقِ لِمُسْتَحِقِّهِ وَأَمَّا الزِّنَا فَأَطْلَقَ الْجُمْهُور أَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ , وَهِيَ غَفْلَةٌ لِأَنَّ لِآلِ الْمُزَنِيِّ بِهَا فِي ذَلِكَ حَقًّا لِمَا يَلْزَم مِنْهُ مِنْ دُخُول الْعَار عَلَى أَبِيهَا وَزَوْجهَا وَغَيْرهمَا. وَمُحَصَّلُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَفَّارَة تَخْتَصّ بِحَقِّ اللَّه تَعَالَى دُون حَقِّ الْآدَمِيِّ فِي جَمِيع ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6287",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ‏ ‏أَلَا أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً قَالُوا أَلَا شَهْرُنَا هَذَا قَالَ أَلَا أَيُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً قَالُوا أَلَا بَلَدُنَا هَذَا قَالَ أَلَا أَيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً قَالُوا أَلَا يَوْمُنَا هَذَا قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يُجِيبُونَهُ أَلَا نَعَمْ قَالَ وَيْحَكُمْ أَوْ وَيْلَكُمْ لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرٍّ \" حَدَّثَنِي \" قَالَ الْحَاكِم : مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه هَذَا هُوَ الذُّهْلِيُّ , وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات. قُلْت : وَعَلَى قَوْل الْحَاكِم فَيَكُون نُسِبَ لِجَدِّهِ لِأَنَّهُ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن خَالِد بْن فَارِس , وَقَدْ حَدَّثَ الْبُخَارِيّ فِي الصَّحِيح عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك الْمَخْزُومِيّ وَعَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي الثَّلْج بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْجِيم وَعَنْ غَيْرهمَا , وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ مُوَضَّحًا فِي آخِر حَدِيثٍ فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَقَدْ سَقَطَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه مِنْ رِوَايَة أَبِي أَحْمَد الْجُرْجَانِيّ عَنْ الْفَرَبْرِيّ , وَاعْتَمَدَ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ : رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عَاصِم بْن عَلِيّ وَعَاصِمُ الْمَذْكُورُ هُوَ اِبْنُ عَاصِمٍ الْوَاسِطِيّ , وَشَيْخه عَاصِم بْن مُحَمَّد أَيْ اِبْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَشَيْخه وَاقِد هُوَ أَخُوهُ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر جَدُّ الرَّاوِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( أَلَا أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ ؟ ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَتَخْفِيف اللَّام حَرْف اِفْتِتَاح لِلتَّنْبِيهِ لِمَا يُقَال , وَقَدْ كُرِّرَتْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ سُؤَالًا وَجَوَابًا , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" أَيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً ؟ قَالُوا : يَوْمُنَا هَذَا \" يُعَارِضُهُ أَنَّ يَوْم عَرَفَةَ أَعْظَمُ الْأَيَّام , وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْيَوْمِ الْوَقْت الَّذِي تُؤَدَّى فِيهِ الْمَنَاسِك , وَيَحْتَمِل أَنْ يَخْتَصّ يَوْم النَّحْر بِمَزِيدِ الْحُرْمَة , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ حُصُول الْمَزِيَّة الَّتِي اُخْتُصَّ بِهَا يَوْم عَرَفَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْعِلْم , وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِالسُّؤَالِ وَالْجَوَاب مَبْسُوطًا فِي \" بَاب الْخُطْبَة أَيَّام مِنًى \" مِنْ كِتَاب الْحَجّ , وَمَضَى مَا يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ : \" وَيْلكُمْ أَوْ وَيْحكُمْ \" فِي كِتَاب الْأَدَب , وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ \" لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي \" مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6288",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ فَإِذَا كَانَ الْإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6289",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏كَلَّمَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏امْرَأَةٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ الْحَدَّ عَلَى ‏ ‏الْوَضِيعِ ‏ ‏وَيَتْرُكُونَ الشَّرِيفَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ ‏ ‏فَعَلَتْ ذَلِكَ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد ) ‏ ‏هُوَ الطَّيَالِسِيّ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا اللَّيْث عَنْ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي النَّضْر هَاشِم بْن الْقَاسِم عَنْ اللَّيْث عِنْد أَحْمَد \" حَدَّثَنَا اِبْن شِهَاب \" وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ رِوَايَةَ أَبِي صَالِح عَنْ اللَّيْث عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ لِأَنَّ لَفْظَ السِّيَاقَيْنِ مُخْتَلِفٌ فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ عِنْد اللَّيْث بِلَا وَاسِطَةٍ بِاللَّفْظِ الْأَوَّل وَعِنْده بِاللَّفْظِ الثَّانِي بِوَاسِطَةٍ وَسَأُوَضِّحُ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عُرْوَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب \" أَخْبَرَنِي عُرْوَة بْن الزُّبَيْر \" وَقَدْ مَضَى سِيَاقه فِي غَزْوَة الْفَتْح. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ أُسَامَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد بْن حَارِثَة. ‏ ‏قَوْله ( كَلَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اِمْرَأَة ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الْوَلِيد مُخْتَصَرًا , وَرَوَاهُ غَيْره عَنْ اللَّيْث مُطَوَّلًا كَمَا فِي الْبَاب بَعْده. ‏ ‏قَوْله ( وَيَتْرُكُونَ عَلَى الشَّرِيف ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ وَيَتْرُكُونَ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى الشَّرِيفِ فَلَا يُقِيمُونَ عَلَيْهِ الْحَدَّ. ‏ ‏قَوْله ( لَوْ فَاطِمَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , قَالَ اِبْن التِّين : التَّقْدِيرُ لَوْ فَعَلَتْ فَاطِمَةُ ذَلِكَ لِأَنَّ \" لَوْ \" يَلِيهَا الْفِعْلُ دُونَ الِاسْمِ. قُلْت : الْأَوْلَى التَّقْدِيرُ بِمَا جَاءَ فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى \" لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ \" كَذَا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ هُنَا وَهِيَ ثَابِتَة فِي سَائِر طُرُق هَذَا الْحَدِيث فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , وَلَوْ هُنَا شَرْطِيَّةٌ وَحَذْفُ أَنَّ وَرَدَ مَعَهَا كَثِيرًا كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيث الَّذِي عِنْد مُسْلِم لَوْ أَهْل عُمَان أَتَاهُمْ رَسُولِي فَالتَّقْدِير لَوْ أَنَّ أَهْل عُمَان , وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْض الشُّرَّاح مِنْ شُيُوخنَا عَلَى اِبْن التِّين إِيرَادَهُ هُنَا بِحَذْفِ أَنَّ , وَلَا إِنْكَارَ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ هُنَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ غَيْر الْكُشْمِيهَنِيّ , وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاشِد عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْد النَّسَائِيِّ \" لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَة \" وَهُوَ يُسَاعِدُ تَقْدِيرَ اِبْنِ التِّين. ‏"
    },
    {
        "id": "6290",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏قُرَيْشًا ‏ ‏أَهَمَّتْهُمْ ‏ ‏الْمَرْأَةُ ‏ ‏الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا ‏ ‏أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ ‏ ‏فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَرَقَتْ لَقَطَعَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏يَدَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏كَذَا قَالَ الْحُفَّاظ مِنْ أَصْحَاب اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة , وَشَذَّ عُمَر بْن قَيْس الْمَاصِر بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة فَقَالَ : \" اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة عَنْ أُمّ سَلَمَة \" فَذَكَرَ حَدِيث الْبَاب سَوَاء أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخ فِي كِتَاب السَّرِقَة وَالطَّبَرَانِيُّ وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ عُمَر بْن قَيْس , يَعْنِي مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" : الصَّوَاب رِوَايَة الْجَمَاعَة. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ قُرَيْشًا ) ‏ ‏أَيْ الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْمُرَاد بِقُرَيْشٍ الَّذِي اِنْتَسَبُوا إِلَيْهِ فِي الْمَنَاقِب وَأَنَّ الْأَكْثَرَ أَنَّهُ فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ , وَالْمُرَاد بِهِمْ هُنَا مَنْ أَدْرَكَ الْقِصَّةَ الَّتِي تُذْكَرُ بِمَكَّةَ. ‏ ‏قَوْله ( أَهَمَّتْهُمْ الْمَرْأَةُ ) ‏ ‏أَيْ أَجَلَبَتْ إِلَيْهِمْ هَمًّا أَوْ صَيَّرَتْهُمْ ذَوِي هَمٍّ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ مِنْهَا , يُقَالُ أَهَمَّنِي الْأَمْرُ أَيْ أَقْلَقَنِي , وَمَضَى فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ رِوَايَة قُتَيْبَة عَنْ اللَّيْث بِهَذَا السَّنَد \" أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ \" أَيْ أَمْرُهَا الْمُتَعَلِّقُ بِالسَّرِقَةِ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مَسْعُود بْن الْأَسْوَد الْآتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا \" لَمَّا سَرَقَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ أَعْظَمْنَا ذَلِكَ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَمَسْعُود الْمَذْكُور مِنْ بَطْن آخَر مِنْ قُرَيْش , وَهُوَ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْن كَعْب رَهْط عُمَرَ. وَسَبَبُ إِعْظَامِهِمْ ذَلِكَ خَشْيَةُ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهَا لِعِلْمِهِمْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُرَخِّص فِي الْحُدُود , وَكَانَ قَطْع السَّارِق مَعْلُومًا عِنْدهمْ قَبْل الْإِسْلَام , وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِقَطْعِ السَّارِق فَاسْتَمَرَّ الْحَال فِيهِ , وَقَدْ عَقَدَ اِبْنُ الْكَلْبِيِّ بَابًا لِمَنْ قُطِعَ فِي الْجَاهِلِيَّة بِسَبَبِ السَّرِقَة فَذَكَرَ قِصَّةَ الَّذِينَ سَرَقُوا غَزَال الْكَعْبَةِ فَقُطِعُوا فِي عَهْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَكَرَ مَنْ قُطِعَ فِي السَّرِقَة عَوْف بْن عَبْد بْن عَمْرو بْن مَخْزُوم وَمِقْيَس بْن قَيْس بْن عَدِيّ بْن سَعْد بْن سَهْم وَغَيْرهمَا وَأَنَّ عَوْفًا السَّابِقُ لِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( الْمَخْزُومِيَّة ) ‏ ‏نِسْبَة إِلَى مَخْزُوم بْن يَقَظَة بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْقَاف بَعْدهَا ظَاءٌ مُعْجَمَةٌ مُشَالَةٌ اِبْن مُرَّة بْن كَعْب بْن لُؤَيّ بْن غَالِب , وَمَخْزُوم أَخُو كُلَاب بْن مُرَّة الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ بَنُو عَبْد مَنَاف. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة عَنْ مُحَمَّد بْن مُسْلِم وَهُوَ الَّذِي عِنْد النَّسَائِيِّ \" سَرَقَتْ اِمْرَأَة مِنْ قُرَيْش مِنْ بَنِي مَخْزُوم \" وَاسْم الْمَرْأَة عَلَى الصَّحِيح فَاطِمَة بِنْت الْأَسْوَد بْن عَبْد الْأَسَد بْن عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن مَخْزُوم وَهِيَ بِنْت أَخِي أَبِي سَلَمَة اِبْن عَبْد الْأَسَد الصَّحَابِيّ الْجَلِيل الَّذِي كَانَ زَوْجَ أُمِّ سَلَمَةَ قَبْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قُتِلَ أَبُوهَا كَافِرًا يَوْم بَدْر قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً. وَقِيلَ هِيَ أُمّ عَمْرو بِنْت سُفْيَان بْن عَبْد الْأَسَد وَهِيَ بِنْتُ عُمَر الْمَذْكُورَة أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ : \" أَخْبَرَنِي بِشْر بْن تَيْم أَنَّهَا أُمّ عَمْرو بْن سُفْيَان بْن عَبْد الْأَسَد , وَهَذَا مُعْضِلٌ , وَوَقَعَ مَعَ ذَلِكَ فِي سِيَاقه أَنَّهُ قَالَهُ \" عَنْ ظَنٍّ وَحُسْبَانٍ \" وَهُوَ غَلَطٌ مِمَّنْ قَالَهُ لِأَنَّ قِصَّتَهَا مُغَايِرَةٌ لِلْقِصَّةِ الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْحَدِيث كَمَا سَأُوَضِّحُهُ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي \" الِاسْتِيعَاب \" : فَاطِمَة بِنْت الْأَسْوَد بْن عَبْد الْأَسَد هِيَ الَّتِي قَطَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهَا لِأَنَّهَا سَرَقَتْ حُلِيًّا فَكَلَّمَتْ قُرَيْشٌ أُسَامَةَ فَشَفَعَ فِيهَا وَهُوَ غُلَامٌ. الْحَدِيث. قُلْت : وَقَدْ سَاقَ ذَلِكَ اِبْن سَعْد فِي تَرْجَمَتِهَا فِي الطَّبَقَات مِنْ طَرِيق الْأَجْلَح بْن عَبْد اللَّه الْكِنْدِيّ عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت رَفَعَهُ \" أَنَّ فَاطِمَة بِنْت الْأَسْوَد بْن عَبْد الْأَسَد سَرَقَتْ حُلِيًّا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَشْفَعُوا \" الْحَدِيث. وَأَوْرَدَ عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد الْمِصْرِيّ فِي \" الْمُبْهَمَات \" مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَلَمَة بْن كُهَيْل عَنْ عَمَّار الدُّهْنِيّ عَنْ شَقِيق قَالَ : \" سَرَقَتْ فَاطِمَة بِنْت أَبِي أَسَد بِنْت أَخِي أَبِي سَلَمَة , فَأَشْفَقَتْ قُرَيْش أَنْ يَقْطَعَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْحَدِيث. وَالطَّرِيق الْأُولَى أَقْوَى , وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : لَا مُنَافَاةَ بَيْن قَوْله بِنْت الْأَسْوَد وَبِنْت أَبِي الْأَسْوَد لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ كُنْيَةُ الْأَسْوَدِ أَبَا الْأَسْوَدِ , وَأَمَّا قِصَّةُ أُمِّ عَمْرٍو فَذَكَرَهَا اِبْن سَعْد أَيْضًا وَابْن الْكَلْبِيّ فِي الْمَثَالِب وَتَبِعَهُ الْهَيْثَمُ بْن عَدِيّ فَذَكَرُوا أَنَّهَا خَرَجَتْ لَيْلًا فَوَقَعَتْ بِرَكْبٍ نُزُولٍ فَأَخَذَتْ عَيْبَةً لَهُمْ فَأَخَذَهَا الْقَوْم فَأَوْثَقُوهَا , فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَتَوْا بِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَاذَتْ بِحَقْوَيْ أُمِّ سَلَمَة , فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُطِعَتْ , وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ شِعْرًا قَالَهُ خُنَيْس بْن يَعْلَى بْن أُمَيَّة , وَفِي رِوَايَة اِبْن سَعْد أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاع , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَات وَفِي غَزْوَة الْفَتْح أَنَّ قِصَّة فَاطِمَة بِنْت الْأَسْوَد كَانَتْ عَام الْفَتْح , فَظَهَرَ تَغَايُر الْقِصَّتَيْنِ وَأَنَّ بَيْنهمَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ , وَيَظْهَرُ فِي ذَلِكَ خَطَأُ مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى أَنَّهَا أُمُّ عَمْرٍو كَابْنِ الْجَوْزِيّ , وَمَنْ رَدَّدَهَا بَيْنَ فَاطِمَة وَأُمّ عَمْرو كَابْنِ طَاهِر وَابْن بَشْكُوَال وَمَنْ تَبِعَهُمَا فَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَدْ تَقَلَّدَ اِبْنُ حَزْمٍ مَا قَالَهُ بِشْر بْن تَيْم لَكِنَّهُ جَعَلَ قِصَّةَ أُمِّ عَمْرو بِنْت سُفْيَان فِي جَحْد الْعَارِيَة وَقِصَّة فَاطِمَة فِي السَّرِقَة , وَهُوَ غَلَطٌ أَيْضًا لِوُقُوعِ التَّصْرِيح فِي قِصَّة أُمّ عَمْرو بِأَنَّهَا سَرَقَتْ. ‏ ‏قَوْله ( الَّتِي سَرَقَتْ ) ‏ ‏زَادَ يُونُس فِي رِوَايَته \" فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة الْفَتْح \" وَوَقَعَ بَيَان الْمَسْرُوق فِي حَدِيث مَسْعُود بْن أَبِي الْأَسْوَد الْمَعْرُوف بِابْنِ الْعَجْمَاء. فَأَخْرَجَ اِبْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ مُحَمَّد بْن طَلْحَة بْن رُكَانَة عَنْ أُمّه عَائِشَة بِنْت مَسْعُود بْن الْأَسْوَد عَنْ أَبِيهَا قَالَ : \" لَمَّا سَرَقَتْ الْمَرْأَةُ تِلْكَ الْقَطِيفَةَ مِنْ بَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمْنَا ذَلِكَ , فَجِئْنَا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُكَلِّمُهُ \" وَسَنَدُهُ حَسَنٌ , وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ اِبْن إِسْحَاق بِالتَّحْدِيثِ فِي رِوَايَة الْحَاكِم , وَكَذَا عَلَّقَهُ أَبُو دَاوُدَ فَقَالَ : \" رَوَى مَسْعُود بْن الْأَسْوَد \" وَقَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْد حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور هُنَا \" وَفِي الْبَاب عَنْ مَسْعُود بْن الْعَجْمَاء \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخ فِي \" كِتَاب السَّرِقَة \" مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ مُحَمَّد بْن طَلْحَة فَقَالَ : \" عَنْ خَالَته بِنْت مَسْعُود بْن الْعَجْمَاء عَنْ أَبِيهَا \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُحَمَّد بْن طَلْحَة سَمِعَهُ مِنْ أُمّه وَمِنْ خَالَتِهِ , وَوَقَعَ فِي مُرْسَل حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ أَنَّهَا سَرَقَتْ حُلِيًّا , وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْحُلِيَّ كَانَ فِي الْقَطِيفَة فَاَلَّذِي ذَكَرَ الْقَطِيفَةَ أَرَادَ بِمَا فِيهَا , وَاَلَّذِي ذَكَرَ الْحُلِيّ ذَكَرَ الْمَظْرُوف دُون الظَّرْف. ثُمَّ رُجِّحَ عِنْدِي أَنَّ ذِكْرَ الْحُلِيّ فِي قِصَّة هَذِهِ الْمَرْأَة وَهْمٌ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ , وَوَقَعَ فِي مُرْسَل الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن دِينَار أَنَّ الْحَسَن أَخْبَرَهُ قَالَ : سَرَقَتْ اِمْرَأَة , قَالَ عَمْرو : وَحَسِبْت أَنَّهُ قَالَ : \" مِنْ ثِيَاب الْكَعْبَة \" الْحَدِيث , وَسَنَدُهُ إِلَى الْحَسَنِ صَحِيحٌ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْع وَإِلَّا فَالْأَوَّل أَقْوَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" أَنَّ الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة عَنْ الزُّهْرِيّ بِلَفْظِ \" اِسْتَعَارَتْ اِمْرَأَةٌ عَلَى أَلْسِنَةِ نَاسٍ يُعْرَفُونَ وَهِيَ لَا تُعْرَفُ حُلِيًّا فَبَاعَتْهُ وَأَخَذَتْ ثَمَنَهُ \" الْحَدِيث وَقَدْ بَيَّنَهُ أَبُو بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ \" أَنَّ اِمْرَأَةً جَاءَتْ اِمْرَأَةً فَقَالَتْ : إِنَّ فُلَانَةَ تَسْتَعِيرُك حُلِيًّا فَأَعَارَتْهَا إِيَّاهُ , فَمَكَثَتْ لَا تَرَاهُ , فَجَاءَتْ إِلَى الَّتِي اِسْتَعَارَتْ لَهَا فَسَأَلَتْهَا فَقَالَتْ : مَا اِسْتَعَرْتُك شَيْئًا , فَرَجَعَتْ إِلَى الْأُخْرَى فَأَنْكَرَتْ فَجَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَاهَا فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا اِسْتَعَرْت مِنْهَا شَيْئًا فَقَالَ : اِذْهَبُوا إِلَى بَيْتِهَا تَجِدُوهُ تَحْت فِرَاشِهَا. فَأَتَوْهُ فَأَخَذُوهُ , وَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ \" الْحَدِيث فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُونَ سَرَقَتْ الْقَطِيفَةَ وَجَحَدَتْ الْحُلِيَّ , وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا فِي جَحْدِ الْحُلِيِّ فِي رِوَايَةِ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت سَرَقَتْ مَجَازًا. قَالَ شَيْخُنَا فِي \" شَرْحِ التِّرْمِذِيّ \" اُخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيّ : فَقَالَ اللَّيْث وَيُونُس وَإِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة وَإِسْحَاق بْن رَاشِد سَرَقَتْ , وَقَالَ مَعْمَر وَشُعَيْب إِنَّهَا اِسْتَعَارَتْ وَجَحَدَتْ , قَالَ وَرَوَاهُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوب بْن مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيّ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ سَنَدًا وَمَتْنًا : فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ - يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَات - عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ : ذَهَبْت أَسْأَلُ الزُّهْرِيَّ عَنْ حَدِيث الْمَخْزُومِيَّة فَصَاحَ عَلَيَّ , فَقُلْت لِسُفْيَان : فَلَمْ يَحْفَظْهُ عَنْ أَحَدٍ قَالَ : وَجَدْت فِي كِتَابٍ كَتَبَهُ أَيُّوب بْن مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيّ وَقَالَ فِيهِ إِنَّهَا سَرَقَتْ , وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ إِنَّهَا سَرَقَتْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُ , وَعَنْ رِزْق اللَّه بْن مُوسَى عَنْ سُفْيَان كَذَلِكَ لَكِنْ قَالَ : \" أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَارِقٍ فَقَطَعَهُ \" فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا , وَمِثْله لِأَبِي يَعْلَى عَنْ مُحَمَّد بْن عَبَّاد عَنْ سُفْيَان , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ سُفْيَان كَذَلِكَ لَكِنْ فِي آخِرِهِ \" قَالَ سُفْيَان لَا أَدْرِي مَا هُوَ ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ بِلَفْظِ \" كَانَتْ مَخْزُومِيَّة تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ \" الْحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره \" قِيلَ لِسُفْيَان مَنْ ذَكَرَهُ ؟ قَالَ أَيُّوب بْن مُوسَى \" فَذَكَرَهُ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ , وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي زَائِدَة عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيّ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَقَالَ فِيهِ \" سَرَقَتْ \" قَالَ شَيْخُنَا : وَابْنُ عُيَيْنَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ وَلَا مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ إِنَّمَا وَجَدَهُ فِي كِتَاب أَيُّوب بْن مُوسَى وَلَمْ يُصَرِّحْ بِسَمَاعِهِ مِنْ أَيُّوب بْن مُوسَى وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَة أَحْمَد \" لَا أَدْرِي كَيْف هُوَ \" كَمَا تَقَدَّمَ , وَجَزَمَ جَمَاعَة بِأَنَّ مُعْتَمِرًا تَفَرَّدَ عَنْ الزُّهْرِيّ بِقَوْلِهِ : \" اِسْتَعَارَتْ وَجَحَدَتْ \" وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَابَعَهُ شُعَيْب كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا عِنْد النَّسَائِيِّ , وَيُونُس كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة أَبِي صَالِح كَاتِب اللَّيْث عَنْ اللَّيْث عَنْهُ , وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيّ لِلَّيْثِ عَنْ يُونُس لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ كَمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ وَكَذَا ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ شَبِيب بْن سَعِيد رَوَاهُ عَنْ يُونُس , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ أَخْرَجَهُ اِبْن أَيْمَنَ فِي مُصَنَّفه عَنْ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ , وَأَخْرَجَ أَصْلَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحِهِ , وَاَلَّذِي اِتَّضَحَ لِي أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ مَحْفُوظَانِ عَنْ الزُّهْرِيّ وَأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ تَارَةً بِهَذَا وَتَارَةً بِهَذَا , فَحَدَّثَ يُونُس عَنْهُ بِالْحَدِيثَيْنِ , وَاقْتَصَرَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيّ غَيْر يُونُس عَلَى أَحَد الْحَدِيثَيْنِ , فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيق أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر \" أَنَّ اِمْرَأَةً مَخْزُومِيَّةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدهُ , فَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَطْعِ يَدهَا \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عَوَانَة أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ \" اِسْتَعَارَتْ حُلِيًّا \" وَقَدْ اِخْتَلَفَ نَظَرُ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ أَحْمَدُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَإِسْحَاقُ وَانْتَصَرَ لَهُ اِبْن حَزْم مِنْ الظَّاهِرِيَّة , وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي جَحْدِ الْعَارِيَةِ وَهِيَ رِوَايَة عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا , وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيث بِأَنَّ رِوَايَة مَنْ رَوَى \" سَرَقَتْ \" أَرْجَحُ , وَبِالْجَمْعِ بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيل فَأَمَّا التَّرْجِيح فَنَقَلَ النَّوَوِيّ أَنَّ رِوَايَة مَعْمَر شَاذَّة مُخَالِفَة لِجَمَاهِير الرُّوَاة , قَالَ : وَالشَّاذَّة لَا يُعْمَل بِهَا. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر فِي الْحَاشِيَة وَتَبِعَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : قِيلَ إِنَّ مَعْمَرًا اِنْفَرَدَ بِهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : رِوَايَة أَنَّهَا سَرَقَتْ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ مِنْ رِوَايَة الْجَحْد , فَقَدْ اِنْفَرَدَ بِهَا مَعْمَر وَحْدَهُ مِنْ بَيْن الْأَئِمَّة الْحُفَّاظ , وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ لَا يُقْتَدَى بِحِفْظِهِ كَابْنِ أَخِي الزُّهْرِيّ وَنَمَطِهِ. هَذَا قَوْل الْمُحَدِّثِينَ. قُلْت سَبَقَهُ لِبَعْضِهِ الْقَاضِي عِيَاض , وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى رِوَايَتِهِ شُعَيْب وَيُونُس بِمُوَافَقَةِ مَعْمَر إِذْ لَوْ وَقَفَ عَلَيْهَا لَمْ يَجْزِم بِتَفَرُّدِ مَعْمَر وَأَنَّ مَنْ وَافَقَهُ كَابْنِ أَخِي الزُّهْرِيّ وَنَمَطِهِ وَلَا زَادَ الْقُرْطُبِيّ نِسْبَة ذَلِكَ لِلْمُحَدِّثِينَ إِذْ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ قَرَنَ شُعَيْبَ بْنَ أَبِي حَمْزَة وَيُونُس بْن يَزِيد وَأَيُّوب بْن مُوسَى بِابْنِ أَخِي الزُّهْرِيّ بَلْ هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ شُعَيْبًا وَيُونُسَ أَرْفَعُ دَرَجَةً فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ مِنْ اِبْن أَخِيهِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي هَذَا الِاخْتِلَاف عَنْ الزُّهْرِيّ تَرْجِيحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اِخْتِلَاف الرُّوَاة عَنْهُ إِلَّا لِكَوْنِ رِوَايَة \" سَرَقَتْ \" مُتَّفَقًا عَلَيْهَا وَرِوَايَة \" جَحَدَتْ \" اِنْفَرَدَ بِهَا مُسْلِم , وَهَذَا لَا يَدْفَع تَقْدِيم الْجَمْع إِذَا أَمْكَنَ بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ , وَقَدْ جَاءَ عَنْ بَعْض الْمُحَدِّثِينَ عَكْسُ كَلَام الْقُرْطُبِيّ فَقَالَ : لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَعْمَر وَلَا عَلَى شُعَيْب وَهُمَا فِي غَايَة الْجَلَالَة فِي الزُّهْرِيّ , وَقَدْ وَافَقَهُمَا اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ , وَأَمَّا اللَّيْث وَيُونُس وَإِنْ كَانَا فِي الزُّهْرِيّ كَذَلِكَ فَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِمَا فِيهِ , وَأَمَّا إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة وَإِسْحَاق بْن رَاشِد فَدُون مَعْمَر وَشُعَيْب فِي الْحِفْظ قُلْت : وَكَذَا اُخْتُلِفَ عَلَى أَيُّوب بْن مُوسَى كَمَا تَقَدَّمَ , وَعَلَى هَذَا فَيَتَعَادَلُ الطَّرِيقَانِ وَيَتَعَيَّنُ الْجَمْعُ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ إِطْرَاح أَحَد الطَّرِيقَيْنِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن حَزْم وَغَيْره : هُمَا قِصَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ لِامْرَأَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ أَنَّهُمْ اِسْتَشْفَعُوا بِأُسَامَة وَأَنَّهُ شَفَعَ وَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : \" لَا تَشْفَع فِي حَدٍّ مِنْ حُدُود اللَّه \" فَيَبْعُدُ أَنَّ أُسَامَةَ يَسْمَعُ النَّهْيَ الْمُؤَكَّدَ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ يَعُود إِلَى ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى وَلَا سِيَّمَا إِنْ اِتَّحَدَ زَمَنُ الْقِصَّتَيْنِ , وَأَجَابَ اِبْن حَزْم بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْسَى وَيَجُوز أَنْ يَكُون الزَّجْر عَنْ الشَّفَاعَة فِي حَدّ السَّرِقَة تَقَدَّمَ فَظَنَّ أَنَّ الشَّفَاعَة فِي جَحْد الْعَارِيَة جَائِزٌ وَأَنْ لَا حَدَّ فِيهِ فَشَفَعَ فَأُجِيبَ بِأَنَّ فِيهِ الْحَدَّ أَيْضًا , وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ الِاحْتِمَالَيْنِ. وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِر عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّ الْقِصَّة لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ اِسْتَعَارَتْ وَجَحَدَتْ وَسَرَقَتْ فَقُطِعَتْ لِلسَّرِقَةِ لَا لِلْعَارِيَةِ , قَالَ : وَبِذَلِكَ نَقُول وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي \" مَعَالِمِ السُّنَنِ \" بَعْد أَنْ حَكَى الْخِلَاف وَأَشَارَ إِلَى مَا حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر : وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ الْعَارِيَةُ وَالْجَحْدُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ تَعْرِيفًا لَهَا بِخَاصِّ صِفَتِهَا إِذْ كَانَتْ تُكْثِرُ ذَلِكَ كَمَا عُرِفَتْ بِأَنَّهَا مَخْزُومِيَّة , وَكَأَنَّهَا لَمَّا كَثُرَ مِنْهَا ذَلِكَ تَرَقَّتْ إِلَى السَّرِقَة وَتَجَرَّأَتْ عَلَيْهَا. وَتَلَقَّفَ هَذَا الْجَوَابَ مِنْ الْخَطَّابِيِّ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْبَيْهَقِيُّ فَقَالَ : تُحْمَل رِوَايَة مَنْ ذَكَرَ جَحْدَ الْعَارِيَةِ عَلَى تَعْرِيفِهَا بِذَلِكَ , وَالْقَطْعَ عَلَى السَّرِقَةِ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ نَحْوه , وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيّ ثُمَّ النَّوَوِيّ عَنْ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يَتَرَجَّح أَنَّ يَدَهَا قُطِعَتْ عَلَى السَّرِقَةِ لَا لِأَجْلِ جَحْدِ الْعَارِيَةِ مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الَّذِي ذُكِرَتْ فِيهِ الْعَارِيَةُ \" لَوْ أَنَّ فَاطِمَة سَرَقَتْ \" فَإِنَّ فِيهِ دَلَالَةً قَاطِعَةً عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ قُطِعَتْ فِي السَّرِقَةِ , إِذْ لَوْ كَانَ قَطْعُهَا لِأَجْلِ الْجَحْدِ لَكَانَ ذِكْرُ السَّرِقَةِ لَاغِيًا , وَلَقَالَ : لَوْ أَنَّ فَاطِمَة جَحَدَتْ الْعَارِيَة. قُلْت : وَهَذَا قَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا. ثَانِيهَا لَوْ كَانَتْ قُطِعَتْ فِي جَحْدِ الْعَارِيَةِ لَوَجَبَ قَطْعُ كُلِّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا إِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الْعَارِيَةِ. ثَالِثهَا أَنَّهُ عَارَضَ ذَلِكَ حَدِيثُ \" لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ قَطْعٌ \" وَهُوَ حَدِيثٌ قَوِيٌّ. قُلْت : أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَة وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَة وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقِ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر رَفَعَهُ , وَصَرَّحَ اِبْن جُرَيْجٍ فِي رِوَايَة لِلنَّسَائِيِّ بِقَوْلِهِ \" أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر \" وَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ , فَقَدْ صَرَّحَ أَبُو دَاوُدَ بِأَنَّ اِبْن جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْر , قَالَ : وَبَلَغَنِي عَنْ أَحْمَدَ أَنَّمَا سَمِعَهُ اِبْن جُرَيْجٍ مِنْ يَاسِين الزَّيَّات , وَنَقَلَ اِبْن عَدِيّ فِي \" الْكَامِل \" عَنْ أَهْل الْمَدِينَة أَنَّهُمْ قَالُوا : لَمْ يَسْمَع اِبْنُ جُرَيْجٍ مِنْ أَبِي الزُّبَيْر , وَقَالَ النَّسَائِيُّ : رَوَاهُ الْحُفَّاظ مِنْ أَصْحَاب اِبْن جُرَيْجٍ عَنْهُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَخْبَرَنِي وَلَا أَحْسَبُهُ سَمِعَهُ. قُلْت : لَكِنْ وُجِدَ لَهُ مُتَابِعٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْمُغِيرَة بْن مُسْلِم عَنْ أَبِي الزُّبَيْر , لَكِنْ أَبُو الزُّبَيْر مُدَلِّسٌ أَيْضًا وَقَدْ عَنْعَنَهُ عَنْ جَابِرٍ , لَكِنْ أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ بِمُتَابَعَةِ أَبِي الزُّبَيْر فَقَوِيَ الْحَدِيثُ , وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَل بِهِ إِلَّا مَنْ شَذَّ , فَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ إِيَاس بْن مُعَاوِيَة أَنَّهُ قَالَ : الْمُخْتَلِسُ يُقْطَعُ , كَأَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِالسَّارِقِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْأَخْذِ خُفْيَةً , وَلَكِنَّهُ خِلَاف مَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْخَبَرِ , وَإِلَّا مَا ذَكَرَ مَنْ قَطَعَ جَاحِدَ الْعَارِيَة , وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا قَطْعَ عَلَى الْخَائِن فِي غَيْر ذَلِكَ وَلَا عَلَى الْمُنْتَهِب إِلَّا إِنْ كَانَ قَاطِعَ طَرِيقٍ وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَعَارَضَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ خَالَفَ فَقَالَ اِبْن الْقَيِّم الْحَنْبَلِيّ : لَا تَنَافِيَ بَيْن جَحْد الْعَارِيَة وَبَيْن السَّرِقَة , فَإِنَّ الْجَحْد دَاخِل فِي اِسْم السَّرِقَة فَيُجْمَع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا سُرِقَتْ أَطْلَقُوا عَلَى الْجَحْد سَرِقَة , كَذَا قَالَ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ. قَالَ : وَاَلَّذِي أَجَابَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ مَرْدُودٌ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُرَتِّبَ عَلَى الْوَصْف مَعْمُول بِهِ , وَيُقَوِّيه أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ وَتَرْتِيبَهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الْقَطْعَ عَلَى السَّرِقَةِ وَفِي الْأُخْرَى عَلَى الْجَحْد عَلَى حَدٍّ سَوَاء , وَتَرْتِيب الْحُكْم عَلَى الْوَصْف يُشْعِرُ بِالْعِلْمِيَّةِ , فَكُلٌّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ دَلَّ عَلَى أَنَّ عِلَّة الْقَطْع كُلٌّ مِنْ السَّرِقَة وَجَحْدِ الْعَارِيَةِ عَلَى اِنْفِرَادِهِ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ سِيَاق حَدِيث اِبْن عُمَر لَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ لِلسَّرِقَةِ وَلَا لِلشَّفَاعَةِ مِنْ أُسَامَة , وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا قُطِعَتْ فِي ذَلِكَ , وَأَبْسَطُ مَا وَجَدْت مِنْ طُرُقِهِ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَة لَهُ \" أَنَّ اِمْرَأَة كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْحُلِيَّ فِي زَمَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَعَارَتْ مِنْ ذَلِكَ حُلِيًّا فَجَمَعَتْهُ ثُمَّ أَمْسَكَتْهُ , فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لِتَتُبْ اِمْرَأَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتُؤَدِّ مَا عِنْدَهَا , مِرَارًا. فَلَمْ تَفْعَلْ , فَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ \" وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب \" أَنَّ اِمْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُوم اِسْتَعَارَتْ حُلِيًّا عَلَى لِسَان أُنَاس فَجَحَدَتْ , فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُطِعَتْ \" وَأَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَيْضًا إِلَى سَعِيد قَالَ : \" أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ فِي بَيْت عَظِيم مِنْ بُيُوت قُرَيْش قَدْ أَتَتْ أُنَاسًا فَقَالَتْ إِنَّ آلَ فُلَانٍ يَسْتَعِيرُونَكُمْ كَذَا فَأَعَارُوهَا ثُمَّ أَتَوْا أُولَئِكَ فَأَنْكَرُوا , ثُمَّ أَنْكَرَتْ هِيَ , فَقَطَعَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" , وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : صَنِيع صَاحِب \" الْعُمْدَة \" حَيْثُ أَوْرَدَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ اللَّيْث ثُمَّ قَالَ وَفِي لَفْظٍ فَذَكَرَ لَفْظ مَعْمَر يَقْتَضِي أَنَّهَا قِصَّة وَاحِدَة وَاخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ كَانَتْ سَارِقَةً أَوْ جَاحِدَةً , يَعْنِي لِأَنَّهُ أَوْرَدَ حَدِيث عَائِشَة بِاللَّفْظِ الَّذِي أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيق اللَّيْث ثُمَّ قَالَ : وَفِي لَفْظ كَانَتْ اِمْرَأَةٌ تَسْتَعِير الْمَتَاعَ وَتَجْحَدهُ فَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَطْعِ يَدهَا , وَهَذِهِ رِوَايَة مَعْمَر فِي مُسْلِم فَقَطْ قَالَ : وَعَلَى هَذَا فَالْحُجَّة فِي هَذَا الْخَبَرِ فِي قَطْعِ الْمُسْتَعِير ضَعِيفَة لِأَنَّهُ اِخْتِلَاف فِي وَاقِعَة وَاحِدَة فَلَا يُبَتُّ الْحُكْمُ فِيهِ بِتَرْجِيحِ مَنْ رَوَى أَنَّهَا جَاحِدَة عَلَى الرِّوَايَة الْأُخْرَى , يَعْنِي وَكَذَا عَكْسُهُ فَيَصِحُّ أَنَّهَا قُطِعَتْ بِسَبَبِ الْأَمْرَيْنِ , وَالْقَطْع فِي السَّرِقَة مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَيَتَرَجَّح عَلَى الْقَطْع فِي الْجَحْد الْمُخْتَلَف فِيهِ. قُلْت : وَهَذِهِ أَقْوَى الطُّرُق فِي نَظَرِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِامْرَأَتَيْنِ فَقُطِعَتَا فِي أَوَائِلِ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ , وَالْإِلْزَامُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيّ - فِي أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْقَطْعُ فِي جَحْدِ الْعَارِيَةِ لَلَزِمَ الْقَطْعُ فِي جَحْدِ غَيْرِ الْعَارِيَةِ - قَوِيٌّ أَيْضًا , فَإِنَّ مَنْ يَقُولُ بِالْقَطْعِ فِي جَحْدِ الْعَارِيَةِ لَا يَقُولُ بِهِ فِي جَحْدِ غَيْرِ الْعَارِيَةِ فَيُقَاس الْمُخْتَلَفُ فِيهِ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالْقَطْعِ فِي الْجَحْدِ عَلَى الْإِطْلَاقِ , وَأَجَابَ اِبْن الْقَيِّم بِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ جَحْدِ الْعَارِيَةِ وَجَحْدِ غَيْرِهَا أَنَّ السَّارِقَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَكَذَلِكَ جَاحِدُ الْعَارِيَةِ بِخِلَافِ الْمُخْتَلِس مِنْ غَيْر حِرْزٍ وَالْمُنْتَهِب , قَالَ : وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَاجَة مَاسَّةٌ بَيْن النَّاس إِلَى الْعَارِيَة , فَلَوْ عَلِمَ الْمُعِيرُ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إِذَا جَحَدَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَجَرَّ ذَلِكَ إِلَى سَدِّ بَابِ الْعَارِيَةِ وَهُوَ خِلَاف مَا تَدُلّ عَلَيْهِ حِكْمَة الشَّرِيعَة , بِخِلَافِ مَا إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُقْطَعُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُون أَدْعَى إِلَى اِسْتِمْرَار الْعَارِيَة. وَهِيَ مُنَاسَبَةٌ لَا تَقُوم بِمُجَرَّدِهَا حُجَّةٌ إِذَا ثَبَتَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي أَنْ لَا قَطْعَ عَلَى خَائِن , وَقَدْ فَرَّ مِنْ هَذَا بَعْضُ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ فَخَصَّ الْقَطْعَ بِمَنْ اِسْتَعَارَ عَلَى لِسَان غَيْره مُخَادِعًا لِلْمُسْتَعَارِ مِنْهُ ثُمَّ تَصَرَّفَ فِي الْعَارِيَة وَأَنْكَرَهَا لَمَّا طُولِبَ بِهَا , فَإِنَّ هَذَا لَا يُقْطَعُ بِمُجَرَّدِ الْخِيَانَةِ بَلْ لِمُشَارَكَتِهِ السَّارِقَ فِي أَخْذِ الْمَالِ خُفْيَةً. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏قَوْل سُفْيَان الْمُتَقَدِّم : ذَهَبْت أَسْأَل الزُّهْرِيّ عَنْ حَدِيث الْمَخْزُومِيَّة الَّتِي سَرَقَتْ فَصَاحَ عَلَيَّ مِمَّا يَكْثُرُ السُّؤَالُ عَنْهُ وَعَنْ سَبَبِهِ , وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ سُفْيَان , فَرَأَيْنَا فِي كِتَاب الْمُحَدِّث الْفَاضِل لِأَبِي مُحَمَّد الرَّامَهُرْمُزِيّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن عَبْد الْعَزِيز أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن إِدْرِيس قَالَ : قُلْت لِسُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ كَمْ سَمِعْت مِنْ الزُّهْرِيّ ؟ قَالَ : أَمَّا مَعَ النَّاس فَمَا أُحْصِي , وَأَمَّا وَحْدِي فَحَدِيث وَاحِد , دَخَلْت يَوْمًا مِنْ بَاب بَنِي شَيْبَة فَإِذَا أَنَا بِهِ جَالِس إِلَى عَمُود فَقُلْت : يَا أَبَا بَكْرٍ حَدِّثْنِي حَدِيث الْمَخْزُومِيَّة الَّتِي قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهَا , قَالَ فَضَرَبَ وَجْهِي بِالْحَصَى ثُمَّ قَالَ : قُمْ ; فَمَا يَزَال عَبْدٌ يَقْدَمُ عَلَيْنَا بِمَا نَكْرَهُ , قَالَ : فَقُمْت مُنْكَسِرًا , فَمَرَّ رَجُلٌ فَدَعَاهُ فَلَمْ يَسْمَعْ فَرَمَاهُ بِالْحَصَى فَلَمْ يَبْلُغْهُ فَاضْطُرَّ إِلَيَّ فَقَالَ : اُدْعُهُ لِي , فَدَعَوْته لَهُ فَأَتَاهُ فَقَضَى حَاجَتَهُ , فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ : تَعَالَ , فَجِئْت فَقَالَ : \" أَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَأَبُو سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ \" الْحَدِيث , ثُمَّ قَالَ لِي : هَذَا خَيْرٌ لَك مِنْ الَّذِي أَرَدْت. قُلْت : وَهَذَا الْحَدِيث الْأَخِير أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ مِنْ طَرِيق سُفْيَان بِدُونِ الْقِصَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّم فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ يَشْفَع عِنْده فِيهَا أَنْ لَا تُقْطَعَ إِمَّا عَفْوًا وَإِمَّا بِفِدَاءٍ , وَقَدْ وَقَعَ مَا يَدُلُّ عَلَى الثَّانِي فِي حَدِيث مَسْعُود بْن الْأَسْوَد وَلَفْظُهُ بَعْد قَوْله أَعْظَمْنَا ذَلِكَ \" فَجِئْنَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا : نَحْنُ نَفْدِيهَا بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّة , فَقَالَ : تُطَهَّرُ خَيْرٌ لَهَا \" وَكَأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالْفِدْيَةِ كَمَا ظَنَّ ذَلِكَ مَنْ أَفْتَى وَالِدَ الْعَسِيف الَّذِي زَنَى بِأَنَّهُ يَفْتَدِي مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ. وَوَجَدْت لِحَدِيثِ مَسْعُود هَذَا شَاهِدًا عِنْد أَحْمَدَ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" أَنَّ اِمْرَأَة سَرَقَتْ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ قَوْمُهَا : نَحْنُ نَفْدِيهَا \". ‏ ‏قَوْله ( مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْجِيم وَكَسْرِ الرَّاء يَفْتَعِلُ مِنْ الْجُرْأَةِ بِضَمِّ الْجِيم وَسُكُون الرَّاء وَفَتْحِ الْهَمْزَة , وَيَجُوز فَتْحُ الْجِيم وَالرَّاء مَعَ الْمَدِّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة قُتَيْبَة \" فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئ عَلَيْهِ \" وَهُوَ أَوْضَحُ لِأَنَّ الَّذِي اِسْتَفْهَمَ بِقَوْلِهِ : \" مَنْ يُكَلِّم \" غَيْرُ الَّذِي أَجَابَ بِقَوْلِهِ \" وَمَنْ يَجْتَرِئُ \" وَالْجُرْأَة هِيَ الْإِقْدَامُ بِإِدْلَالٍ , وَالْمَعْنَى مَا يَجْتَرِئ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْوَاو عَاطِفَة عَلَى مَحْذُوف تَقْدِيره لَا يَجْتَرِئ عَلَيْهِ أَحَدٌ لِمَهَابَتِهِ , لَكِنَّ أُسَامَةَ لَهُ عَلَيْهِ إِدْلَالٌ فَهُوَ يَجْسُرُ عَلَى ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث مَسْعُود بْن الْأَسْوَد بَعْد قَوْله تُطَهَّرُ خَيْرٌ لَهَا \" فَلَمَّا سَمِعْنَا لِين قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَيْنَا أُسَامَة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يُونُس الْمَاضِيَة فِي الْفَتْح \" فَفَزِعَ قَوْمهَا إِلَى أُسَامَة \" أَيْ لَجَئُوا وَفِي رِوَايَة أَيُّوب بْن مُوسَى فِي الشَّهَادَات \" فَلَمْ يَجْتَرِئ أَحَد أَنْ يُكَلِّمهُ إِلَّا أُسَامَة \" وَكَانَ السَّبَب فِي اِخْتِصَاص أُسَامَة بِذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأُسَامَة : لَا تَشْفَع فِي حَدٍّ , وَكَانَ إِذَا شَفَعَ شَفَّعَهُ \" بِتَشْدِيدِ الْفَاء أَيْ قَبِلَ شَفَاعَته , وَكَذَا وَقَعَ فِي مُرْسَل حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت \" وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشَفِّعهُ \". ‏ ‏قَوْله ( حِبّ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة بِمَعْنَى مَحْبُوب مِثْل قِسْم بِمَعْنَى مَقْسُومٍ , وَفِي ذَلِكَ تَلْمِيح بِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبّهُ فَأَحِبَّهُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب. ‏ ‏قَوْله ( فَكَلَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ , وَفِي رِوَايَة قُتَيْبَة \" فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ \" وَفِي الْكَلَام شَيْء مَطْوِيّ تَقْدِيره فَجَاءُوا إِلَى أُسَامَة فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ فَجَاءَ أُسَامَة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يُونُس \" فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ فِيهَا ) فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ الشَّافِع يَشْفَع بِحَضْرَةِ الْمَشْفُوع لَهُ لِيَكُونَ أَعْذَرَ لَهُ عِنْده إِذَا لَمْ تُقْبَل شَفَاعَته. وَعِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة \" فَكَلَّمَهُ فَزَبَرَهُ \" بِفَتْحِ الزَّاي وَالْمُوَحَّدَة أَيْ أَغْلَظَ لَهُ فِي النَّهْي حَتَّى نَسَبَهُ إِلَى الْجَهْل , لِأَنَّ الزَّبْرَ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ هُوَ الْعَقْل , وَفِي رِوَايَة يُونُس \" فَكَلَّمَهُ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" زَادَ شُعَيْب عِنْد النَّسَائِيِّ \" وَهُوَ يُكَلِّمهُ \" وَفِي مُرْسَل حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت \" فَلَمَّا أَقْبَلَ أُسَامَةُ وَرَآهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُكَلِّمْنِي يَا أُسَامَة \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ : أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُود اللَّه ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَام الْإِنْكَارِيّ لِأَنَّهُ كَانَ سَبَقَ لَهُ مَنْعُ الشَّفَاعَةِ فِي الْحَدّ قَبْل ذَلِكَ , زَادَ يُونُس وَشُعَيْب \" فَقَالَ أُسَامَة : اِسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُول اللَّه \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم وَالنَّسَائِيِّ \" أَنَّ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي مَخْزُوم سَرَقَتْ , فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَة \" بِذَالٍ مُعْجَمَة أَيْ اِسْتَجَارَتْ أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيق مَعْقِل بْن يَسَار عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر , وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ تَعْلِيقًا , وَالْحَاكِم مَوْصُولًا مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر \" فَعَاذَتْ بِزَيْنَب بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : يَجُوز أَنْ تَكُون عَاذَتْ بِكُلٍّ مِنْهُمَا , وَتَعَقَّبَهُ شَيْخنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيّ بِأَنَّ زَيْنَب بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ مَاتَتْ قَبْل هَذِهِ الْقِصَّةِ لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ كَانَتْ فِي غَزْوَة الْفَتْح وَهِيَ فِي رَمَضَان سَنَة ثَمَانٍ وَكَانَ مَوْت زَيْنَب قَبْل ذَلِكَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ السَّنَةِ فَلَعَلَّ الْمُرَاد أَنَّهَا عَاذَتْ بِزَيْنَب رَبِيبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ بِنْت أُمّ سَلَمَة فَتَصَحَّفَتْ عَلَى بَعْض الرُّوَاة. قُلْت : أَوْ نُسِبَتْ زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجَازًا لِكَوْنِهَا رَبِيبَتَهُ فَلَا يَكُون فِيهِ تَصْحِيف. ثُمَّ قَالَ شَيْخنَا : وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة وَقَالَ فِيهِ : \" فَعَاذَتْ بِرَبِيبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" بِرَاءٍ وَمُوَحَّدَة مَكْسُورَة وَحَذْفِ لَفْظ بِنْت , وَقَالَ فِي آخِرِهِ : قَالَ اِبْن أَبِي الزِّنَاد وَكَانَ رَبِيب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَمَة بْن أَبِي سَلَمَة وَعُمَر بْن أَبِي سَلَمَة فَعَاذَتْ بِأَحَدِهِمَا. قُلْت : وَقَدْ ظَفِرْت بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَة , فَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ مُرْسَل الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ \" قَالَ سَرَقَتْ اِمْرَأَة - فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ - فَجَاءَ عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة فَقَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْ أَبَهْ , إِنَّهَا عَمَّتِي , فَقَالَ : لَوْ كَانَتْ فَاطِمَة بِنْت مُحَمَّد لَقَطَعْت يَدهَا \" قَالَ عَمْرو بْن دِينَار الرَّاوِي عَنْ الْحَسَن : فَلَمْ أَشُكَّ أَنَّهَا بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ. قُلْت : وَلَا مُنَافَاةَ بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ جَابِر , فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا اِسْتَجَارَتْ بِأُمِّ سَلَمَة بِأَوْلَادِهَا وَاخْتَصَّهَا بِذَلِكَ لِأَنَّهَا قَرِيبَتُهَا وَزَوْجهَا عَمّهَا , وَإِنَّمَا قَالَ عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة \" عَمَّتِي \" مِنْ جِهَة السِّنِّ , وَإِلَّا فَهِيَ بِنْت عَمِّهِ أَخِي أَبِيهِ , وَهُوَ كَمَا قَالَتْ خَدِيجَة لِوَرَقَةَ فِي قِصَّةِ الْمَبْعَثِ \" أَيْ عَمِّ اِسْمَعْ مِنْ اِبْنِ أَخِيك \" وَهُوَ اِبْن عَمِّهَا أَخِي أَبِيهَا أَيْضًا. وَوَقَعَ عِنْد أَبِي الشَّيْخ مِنْ طَرِيق أَشْعَثَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر \" أَنَّ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي مَخْزُوم سَرَقَتْ , فَعَاذَتْ بِأُسَامَة \" وَكَأَنَّهَا جَاءَتْ مَعَ قَوْمهَا فَكَلَّمُوا أُسَامَة بَعْد أَنْ اِسْتَجَارَتْ بِأُمِّ سَلَمَة , وَوَقَعَ فِي مُرْسَل حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت \" فَاسْتَشْفَعُوا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ وَاحِد فَكَلَّمُوا أُسَامَة \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة قُتَيْبَة \" فَاخْتَطَبَ \" وَفِي رِوَايَة يُونُس \" فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ يَا أَيّهَا النَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة قُتَيْبَة بِحَذْفِ يَا مِنْ أَوَّله , وَفِي رِوَايَة يُونُس فَقَامَ خَطِيبًا فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ : \" أَمَّا بَعْدُ \". ‏ ‏قَوْله ( إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْوَلِيد \" هَلَكَ \" وَكَذَا لِمُحَمَّدِ بْن رُمْح عِنْد مُسْلِم , وَفِي رِوَايَة. سُفْيَان عِنْد النَّسَائِيِّ \" إِنَّمَا هَلَكَ بَنُو إِسْرَائِيل \" وَفِي رِوَايَة قُتَيْبَة \" أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ \" قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الظَّاهِر أَنَّ هَذَا الْحَصْر لَيْسَ عَامًّا , فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل كَانَ فِيهِمْ أُمُور كَثِيرَة تَقْتَضِي الْإِهْلَاكَ , فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى حَصْرٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الْإِهْلَاكُ بِسَبَبِ الْمُحَابَاة فِي الْحُدُود فَلَا يَنْحَصِرُ ذَلِكَ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ. قُلْت : يُؤَيِّد هَذَا الِاحْتِمَالَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي \" كِتَاب السَّرِقَة \" مِنْ طَرِيق زَاذَان عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا \" أَنَّهُمْ عَطَّلُوا الْحُدُودَ عَنْ الْأَغْنِيَاء وَأَقَامُوهَا عَلَى الضُّعَفَاء \" وَالْأُمُور الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الشَّيْخ سَبَقَ مِنْهَا فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل حَدِيث اِبْن عُمَر فِي قِصَّةِ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ هَذَا , وَفِي التَّفْسِيرِ حَدِيثُ اِبْن عَبَّاس فِي أَخْذ الدِّيَة مِنْ الشَّرِيف إِذَا قَتَلَ عَمْدًا وَالْقِصَاص مِنْ الضَّعِيف وَغَيْر ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيف تَرَكُوهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة قُتَيْبَة \" إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيف \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان عِنْد النَّسَائِيِّ \" حِين كَانُوا إِذَا أَصَابَ فِيهِمْ الشَّرِيف الْحَدّ تَرَكُوهُ وَلَمْ يُقِيمُوهُ عَلَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة \" وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الْوَضِيع قَطَعُوهُ \". ‏ ‏قَوْله ( وَايْمُ اللَّه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَوَقَعَ مِثْله فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاشِد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْوَلِيد \" وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ \" وَفِي رِوَايَة يُونُس \" وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( لَوْ أَنَّ فَاطِمَة بِنْت مُحَمَّد سَرَقَتْ ) ‏ ‏هَذَا مِنْ الْأَمْثِلَة الَّتِي صَحَّ فِيهَا أَنَّ \" لَوْ \" حَرْف اِمْتِنَاع لِامْتِنَاعٍ , وَقَدْ أَتْقَنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَاب التَّمَنِّي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن مَاجِد عَنْ مُحَمَّد بْن رُمْح شَيْخِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث \" سَمِعْت اللَّيْث يَقُول عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ : قَدْ أَعَاذَهَا اللَّه مِنْ أَنْ تَسْرِق \" وَكُلّ مُسْلِم يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُول هَذَا , وَوَقَعَ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث قَالَ : فَذَكَرَ عُضْوًا شَرِيفًا مِنْ اِمْرَأَة شَرِيفَة وَاسْتَحْسَنُوا ذَلِكَ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَدَب الْبَالِغ , وَإِنَّمَا خَصَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ اِبْنَتَهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَعَزُّ أَهْلِهِ عِنْده , وَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ بَنَاته حِينَئِذٍ غَيْرُهَا , فَأَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي إِثْبَاتِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَتَرْكِ الْمُحَابَاةِ فِي ذَلِكَ , وَلِأَنَّ اِسْمَ السَّارِقَة"
    },
    {
        "id": "6291",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَمَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة مِنْ طَرِيقَيْنِ الْأُولَى : ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَمْرَةَ ) ‏ ‏قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" اِقْتَصَرَ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد وَسَائِر مَنْ رَوَاهُ عَنْ اِبْن شِهَاب عَلَى عَمْرَة , وَرَوَاهُ يُونُس عَنْهُ فَزَادَ مَعَ عَمْرَة عُرْوَةَ. قُلْت : وَحَكَى اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ بَعْض الضُّعَفَاء وَهُوَ إِسْحَاق الْحُنَيْنِيُّ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونَيْنِ مُصَغَّر رَوَاهُ عَنْ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَةَ , وَكَذَا رَوَى عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَهَذَانِ الْإِسْنَادَانِ لَيْسَا صَحِيحَيْنِ وَقَوْل إِبْرَاهِيم وَمَنْ تَابَعَهُ هُوَ الْمُعْتَمَد , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى وَحَمَوَيْهِ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد وَرِوَايَة يُونُس بِجَمْعِهِمَا صَحِيحَة. قُلْت : وَقَدْ صَرَّحَ اِبْن أَخِي اِبْنِ شِهَاب عَنْ عَمِّهِ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ عَمْرَة وَبِسَمَاعِ عَمْرَة لَهُ مِنْ عَائِشَة أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة , وَكَذَا عِنْد مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَمْرَة أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ. ‏ ‏قَوْله ( تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْع دِينَار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس \" تُقْطَع يَد السَّارِق \" وَفِي رِوَايَة حَرْمَلَة عَنْ اِبْن وَهْب عِنْد مُسْلِم \" لَا تُقْطَعُ يَد السَّارِق إِلَّا فِي رُبْع دِينَار \" وَكَذَا عِنْده مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ عَمْرَة. ‏ ‏قَوْله ( فَصَاعِدًا ) ‏ ‏قَالَ صَاحِب الْمُحْكَم : يَخْتَصُّ هَذَا بِالْفَاءِ وَيَجُوزُ ثَمَّ بَدَلُهَا وَلَا تَجُوز الْوَاو , وَقَالَ اِبْن جِنِّيٍّ : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ الْمُؤَكِّدَة أَيْ وَلَوْ زَادَ وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّهُ إِذَا زَادَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا صَاعِدًا. قُلْت : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ عَمْرَة عِنْد مُسْلِم \" فَمَا فَوْقه \" بَدَلَ \" فَصَاعِدًا \" وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَتَابَعَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد وَابْن أَخِي الزُّهْرِيّ وَمَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ ) ‏ ‏أَيْ فِي الِاقْتِصَار عَلَى عَمْرَة \" ثُمَّ سَاقَ رِوَايَة يُونُس وَلَيْسَ فِي آخِره \" فَصَاعِدًا \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ حَرْمَلَة وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق هَمَّام كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن وَهْب بِإِثْبَاتِهَا , وَأَمَّا مُتَابَعَة عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد وَهُوَ اِبْن مُسَافِر فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" عَنْ عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ اللَّيْث عَنْهُ نَحْو رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد , وَقَرَأْت بِخَطِّ مُغَلْطَاي وَقَلَّدَهُ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن أَنَّ الذُّهْلِيَّ أَخْرَجَهُ فِي \" عِلَل حَدِيث الزُّهْرِيّ \" عَنْ مُحَمَّد بْن بَكْر وَرَوْح بْن عُبَادَةَ جَمِيعًا عَنْ عَبْد الرَّحْمَن , وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَا وُجُود لَهُ بَلْ لَيْسَ لِرَوْحٍ وَلَا لِمُحَمَّدِ بْن بَكْر عَنْ عَبْد الرَّحْمَن هَذَا رِوَايَة أَصْلًا , وَأَمَّا مُتَابَعَة اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم فَوَصَلَهَا أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ اِبْن أَخِي اِبْن شِهَاب عَنْ عَمّه , وَقَرَأْت بِخَطِّ مُغَلْطَاي وَقَلَّدَهُ شَيْخنَا أَيْضًا أَنَّ الذُّهْلِيَّ أَخْرَجَهُ عَنْ رَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْهُ. قُلْت : وَلَا وُجُود لَهُ أَيْضًا , وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ عَنْ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد. وَأَمَّا مُتَابَعَة مَعْمَر فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ , وَسَاقَهُ النَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ \" تُقْطَع يَد السَّارِق فِي رُبْع دِينَار فَصَاعِدًا \" وَوَصَلَهَا أَيْضًا هُوَ وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ مَعْمَر , وَقَالَ أَبُو عَوَانَة فِي آخِرِهِ : قَالَ سَعِيدٌ نَبَّلْنَا مَعْمَرًا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ وَهُوَ شَابٌّ , وَهُوَ بِنُونٍ وَمُوَحَّدَة ثَقِيلَة أَيْ صَيَّرْنَاهُ نَبِيلًا. قُلْت : وَسَعِيد أَكْبَرُ مِنْ مَعْمَر وَقَدْ شَارَكَهُ فِي كَثِير مِنْ شُيُوخه , وَرَوَاهُ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ مَعْمَر لَكِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيّ أَيْضًا سُلَيْمَان بْن كَثِير أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن هَارُون عَنْهُ مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد. ‏"
    },
    {
        "id": "6292",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَعَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ يُونُس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ حَرْمَلَة وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَحْمَد بْن صَالِح كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن وَهْب. ‏"
    },
    {
        "id": "6293",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُسَيْنُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَتْهُ أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏حَدَّثَتْهُمْ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا الْحُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن ذَكْوَانَ الْمُعَلِّم وَهُوَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ وَفِي طَبَقَة حُسَيْن بْن وَاقِد قَاضِي مَرْو وَهُوَ دُونه فِي الْإِتْقَان. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَنْصَارِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث سَمِعْت أَبِي يَقُول حَدَّثَنَا الْحُسَيْن الْمُعَلِّم عَنْ يَحْيَى حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَنْصَارِيّ , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ رَوَاهُ حَرْب بْن شَدَّاد عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير كَذَلِكَ , وَقَالَ هَمَّام بْن يَحْيَى عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن زُرَارَة , قُلْت : نُسِبَ عَبْد الرَّحْمَن إِلَى جَدِّهِ وَهُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعْد بْن زُرَارَة , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم الْقَنَّاد عَنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن ثَوْبَان كَذَا حَدَّثَنَاهُ اِبْن صَاعِد عَنْ لُوَيْن عَنْ الْقَنَّاد , وَاَلَّذِي قَبْله أَصَحُّ وَبِهِ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ وَأَنَّ مَنْ قَالَ فِيهِ اِبْن ثَوْبَان فَقَدْ غَلِطَ , قُلْت : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الرِّجَال عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ \" تُقْطَعُ يَد السَّارِق فِي ثَمَن الْمِجَنّ وَثَمَن الْمِجَنّ رُبْع دِينَار \" , وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ عَمْرَةَ بِلَفْظِ \" لَا تُقْطَعُ يَد السَّارِق فِيمَا دُون ثَمَن الْمِجَنّ , قِيلَ لِعَائِشَة : مَا ثَمَن الْمِجَنّ ؟ قَالَتْ رُبْع دِينَار \" وَقَدْ تُوبِعَ حُسَيْن الْمُعَلِّم عَنْ يَحْيَى أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ طَرِيق هِقْل بْن زِيَاد عَنْهُ بِلَفْظِهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَمْرَة بِنْت عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَتْهُ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ , وَكَذَا فِي قَوْله عَنْ عَائِشَة حَدَّثَتْهُمْ , وَقَدْ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِحَذْفِهَا فِي مِثْل هَذَا كَمَا أَكْثَرُوا مِنْ حَذْفِ قَالَ فِي مِثْل حَدَّثَنَا عُثْمَان حَدَّثَنَا عَبْدَة وَفِي مِثْل سَمِعْت أَبِي حَدَّثَنَا فُلَان , وَذَكَرَ اِبْن الصَّلَاح أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ النُّطْق بِقَالَ وَفِيهِ بَحْثٌ , وَلَمْ يُنَبِّه عَلَى حَذْفِ أَنَّ الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا. وَفِي رِوَايَة عَبْد الصَّمَد الْمَذْكُورَة أَنَّ عَمْرَة حَدَّثَتْهُ أَنَّ عَائِشَة أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَتْهَا. ‏ ‏قَوْله ( تُقْطَع الْيَد فِي رُبْع دِينَار ) ‏ ‏هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مُخْتَصَرًا وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسْلِم وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَد بْن صَالِح عَنْ اِبْن وَهْب بِلَفْظِ \" الْقَطْع فِي رُبْع دِينَار فَصَاعِدًا \" وَعَنْ وَهْب بْن بَيَان عَنْ اِبْن وَهْب بِلَفْظِ \" تُقْطَع يَد السَّارِق فِي رُبْع دِينَار فَصَاعِدًا \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ يُونُس بِلَفْظِ \" تُقْطَع يَد السَّارِق فِي رُبْع دِينَار فَصَاعِدًا ) وَرَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة \" مَا طَالَ عَلَيَّ وَلَا نَسِيت , الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا \" وَهُوَ إِنْ لَمْ يَكُنْ رَفْعُهُ صَرِيحًا لَكِنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَرْفُوع , وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى كَذَلِكَ , وَمِنْ رِوَايَة جَمَاعَة عَنْ عَمْرَة مَوْقُوفًا عَلَى عَائِشَة , قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ : وَرِوَايَة يَحْيَى مُشْعِرَةٌ بِالرَّفْعِ وَرِوَايَة الزُّهْرِيّ صَرِيحَةٌ فِيهِ وَهُوَ أَحْفَظُهُمْ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم عَنْ عَمْرَة مِثْل رِوَايَة سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْهَا الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا آنِفًا. وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْهَاد بِلَفْظِ \" لَا تُقْطَعُ يَد السَّارِق إِلَّا فِي رُبْع دِينَار فَصَاعِدًا \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة مَوْقُوفًا , وَحَاوَلَ الطَّحَاوِيُّ تَعْلِيل رِوَايَة أَبِي بَكْر الْمَرْفُوعَة بِرِوَايَةِ وَلَده الْمَوْقُوفَة وَأَبُو بَكْر أَتْقَنُ وَأَعْلَمُ مِنْ وَلَده , عَلَى أَنَّ الْمَوْقُوف فِي مِثْل هَذَا لَا يُخَالِف الْمَرْفُوع لِأَنَّ الْمَوْقُوف مَحْمُول عَلَى طَرِيق الْفَتْوَى , وَالْعَجَب أَنَّ الطَّحَاوِيّ ضَعَّفَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر فِي مَوْضِع آخَر وَرَامَ هُنَا تَضْعِيف الطَّرِيق الْقَوِيمَة بِرِوَايَتِهِ , وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ أَرَادَ الِاسْتِظْهَار لِرِوَايَةِ الزُّهْرِيّ عَنْ عَمْرَة بِمُوَافَقَةِ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَنْصَارِيّ عَنْهَا لِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيّ مِنْ الِاخْتِلَاف فِي لَفْظ الْمَتْن هَلْ هُوَ مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ فِعْله , وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ غَيْر الزُّهْرِيّ فِيمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَة عَنْهُ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد وَعَبْد رَبِّهِ بْن سَعِيد وَزُرَيْق صَاحِب أَيْلَةَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا عَمْرَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ \" الْقَطْع فِي رُبْع دِينَار فَصَاعِدًا , ثُمَّ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بِهِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا وَقَالَ : الصَّوَاب مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة مَا طَالَ عَلَيَّ الْعَهْدُ وَلَا نَسِيت الْقَطْعُ فِي رُبْع دِينَار فَصَاعِدًا وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى الرَّفْع وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَقَدْ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ بَعْض مَنْ لَمْ يَأْخُذ بِهَذَا الْحَدِيث فَذَكَرَهُ يَحْيَى بْن يَحْيَى وَجَمَاعَة عَنْ اِبْن عُيَيْنَة بِلَفْظِ \" كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْطَع السَّارِقَ فِي رُبْع دِينَار فَصَاعِدًا \" أَوْرَدَهُ الشَّافِعِيّ وَالْحُمَيْدِيّ وَجَمَاعَة عَنْ اِبْن عُيَيْنَة بِلَفْظِ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُقْطَع الْيَد \" الْحَدِيث , وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيل عَوَّلَ الطَّحَاوِيّ فَأَخْرَجَ الْحَدِيث عَنْ يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى عَنْ اِبْن عُيَيْنَة بِلَفْظِ \" كَانَ يَقْطَع \" وَقَالَ : هَذَا الْحَدِيث لَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّ عَائِشَة إِنَّمَا أَخْبَرَتْ عَمَّا قُطِعَ فِيهِ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ لِكَوْنِهَا قَوَّمَتْ مَا وَقَعَ الْقَطْعُ فِيهِ إِذْ ذَاكَ فَكَانَ عِنْدهَا رُبْع دِينَار فَقَالَتْ \" كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْطَع فِي رُبْع دِينَار \" مَعَ اِحْتِمَال أَنْ تَكُون الْقِيمَة يَوْمئِذٍ أَكْثَرَ. وَتُعُقِّبَ بِاسْتِبْعَادِ أَنْ تَجْزِمَ عَائِشَةُ بِذَلِكَ مُسْتَنِدَة إِلَى ظَنِّهَا الْمُجَرَّد , وَأَيْضًا فَاخْتِلَاف التَّقْوِيم وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا لَكِنْ مُحَال فِي الْعَادَة أَنْ يَتَفَاوَت هَذَا التَّفَاوُت الْفَاحِش بِحَيْثُ يَكُون عِنْد قَوْم أَرْبَعَة أَضْعَاف قِيمَته عِنْد آخَرِينَ , وَإِنَّمَا يَتَفَاوَت بِزِيَادَةٍ قَلِيلَة أَوْ نَقْصٍ قَلِيلٍ وَلَا يَبْلُغ الْمِثْلَ غَالِبًا , وَادَّعَى الطَّحَاوِيّ اِضْطِرَاب الزُّهْرِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث لِاخْتِلَافِ الرُّوَاة عَنْهُ فِي لَفْظه , وَرُدَّ بِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الِاضْطِرَابِ أَنْ تَتَسَاوَى وُجُوهه فَأَمَّا إِذَا رُجِّحَ بَعْضُهَا فَلَا , وَيَتَعَيَّن الْأَخْذ بِالرَّاجِحِ , وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ لِأَنَّ جُلَّ الرُّوَاةِ عَنْ الزُّهْرِيّ ذَكَرُوهُ عَنْ لَفْظ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَقْرِير قَاعِدَة شَرْعِيَّة فِي النِّصَاب وَخَالَفَهُمْ اِبْن عُيَيْنَة تَارَة وَوَافَقَهُمْ تَارَة فَالْأَخْذ بِرِوَايَتِهِ الْمُوَافِقَة لِلْجَمَاعَةِ أَوْلَى , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون اِبْن عُيَيْنَة اِضْطَرَبَ فِيهِ فَلَا يَقْدَح ذَلِكَ فِي رِوَايَة مَنْ ضَبَطَهُ , وَأَمَّا نَقْل الطَّحَاوِيّ عَنْ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ اِبْن عُيَيْنَة فِي الزُّهْرِيّ عَلَى يُونُس فَلَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ عِنْدهمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ عَلَى الْعَكْس , وَمِمَّنْ جَزَمَ بِتَقْدِيمِ يُونُس عَلَى سُفْيَان فِي الزُّهْرِيّ يَحْيَى بْن مَعِين وَأَحْمَد بْن صَالِح الْمِصْرِيّ وَذَكَرَ أَنَّ يُونُس صَحِبَ الزُّهْرِيّ أَرْبَع عَشْرَة سَنَة وَكَانَ يُزَامِلهُ فِي السَّفَر وَيَنْزِل عَلَيْهِ الزُّهْرِيّ إِذَا قَدِمَ أَيْلَةَ وَكَانَ يَذْكُر أَنَّهُ كَانَ يَسْمَع الْحَدِيث الْوَاحِد مِنْ الزُّهْرِيّ مِرَارًا , وَأَمَّا اِبْن عُيَيْنَة فَإِنَّمَا سَمِعَ مِنْهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَة وَرَجَعَ الزُّهْرِيّ فَمَاتَ فِي الَّتِي بَعْدهَا , وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ اِبْن عُيَيْنَةَ أَرْجَحُ فِي الزُّهْرِيّ مِنْ يُونُس فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْن رِوَايَتَيْهِمَا فَتَكُون عَائِشَة أَخْبَرَتْ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْل مَعًا وَقَدْ وَافَقَ الزُّهْرِيّ فِي الرِّوَايَة عَنْ عَمْرَة جَمَاعَة كَمَا سَبَقَ , وَقَدْ وَقَعَ الطَّحَاوِيّ فِيمَا عَابَهُ عَلَى مَنْ اِحْتَجَّ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيّ مَعَ اِضْطِرَابه عَلَى رَأْيه فَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ أَيُّوب بْن مُوسَى عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" قَطَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فِي مِجَنّ قِيمَته دِينَار أَوْ عَشَرَة دَرَاهِم \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظ لَهُ وَأَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم , وَلَفْظ الطَّحَاوِيّ \" كَانَ قِيمَة الْمِجَنّ الَّذِي قَطَعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَة دَرَاهِم \" وَهُوَ أَشَدُّ فِي الِاضْطِرَاب مِنْ حَدِيث الزُّهْرِيّ فَقِيلَ عَنْهُ هَكَذَا وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَلَفْظه \" كَانَتْ قِيمَة الْمِجَنّ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَة دَرَاهِم \" وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ عَمْرو عَنْ عَطَاء مُرْسَلًا وَقِيلَ عَنْ عَطَاء عَنْ أَيْمَنَ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَته دِينَار \" كَذَا قَالَ مَنْصُور وَالْحَكَم بْن عُتَيْبَة عَنْ عَطَاء وَقِيلَ عَنْ مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد وَعَطَاء جَمِيعًا عَنْ أَيْمَنَ وَقِيلَ عَنْ مُجَاهِد عَنْ أَيْمَنَ بْنِ أُمِّ أَيْمَنَ عَنْ أُمِّ أَيْمَنَ قَالَتْ \" لَمْ يُقْطَع فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا فِي ثَمَن الْمِجَنّ وَثَمَنه يَوْمئِذٍ دِينَار \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَلَفْظ الطَّحَاوِيّ \" لَا تُقْطَعُ يَد السَّارِق إِلَّا فِي حَجَفَة وَقُوِّمَتْ يَوْمئِذٍ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا أَوْ عَشَرَة دَرَاهِم \" وَفِي لَفْظ لَهُ \" أَدْنَى مَا يُقْطَع فِيهِ السَّارِق ثَمَن الْمِجَنّ , وَكَانَ يُقَوَّم يَوْمئِذٍ بِدِينَارٍ \" وَاخْتُلِفَ فِي لَفْظه أَيْضًا عَلَى عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه فَقَالَ حَجَّاج بْن أَرْطَاة عَنْهُ بِلَفْظِ \" لَا قَطْع فِيمَا دُون عَشَرَة دَرَاهِم \" وَهَذِهِ الرِّوَايَة لَوْ ثَبَتَتْ لَكَانَتْ نَصًّا فِي تَحْدِيد النِّصَاب إِلَّا أَنَّ حَجَّاج بْن أَرْطَاة ضَعِيف وَمُدَلِّس حَتَّى وَلَوْ ثَبَتَتْ رِوَايَته لَمْ تَكُنْ مُخَالِفَة لِرِوَايَةِ الزُّهْرِيّ بَلْ يُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا لَا قَطْع فِيمَا دُون الْعَشَرَة ثُمَّ شُرِعَ الْقَطْع فِي الثَّلَاثَة فَمَا فَوْقهَا فَزِيدَ فِي تَغْلِيظ الْحَدّ كَمَا زِيدَ فِي تَغْلِيظ حَدِّ الْخَمْر كَمَا تَقَدَّمَ , وَأَمَّا سَائِر الرِّوَايَات فَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا إِخْبَار عَنْ فِعْلٍ وَقَعَ فِي عَهْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ فِيهِ تَحْدِيد النِّصَاب فَلَا يُنَافِي رِوَايَة اِبْن عُمَر الْآتِيَة أَنَّهُ \" قَطَعَ فِي مِجَنّ قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم \" وَهُوَ مَعَ كَوْنه حِكَايَةَ فِعْلٍ فَلَا يُخَالِف حَدِيث عَائِشَة مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ فَإِنَّ رُبْع دِينَار صَرْفُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِم , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ عَمْرَة قَالَتْ \" قِيلَ لِعَائِشَة مَا ثَمَن الْمِجَنّ ؟ قَالَتْ رُبْع دِينَار \" وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاق عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم قَالَ \" أُتِيت بِنَبَطِيٍّ قَدْ سَرَقَ فَبَعَثْتُ إِلَى عَمْرَة فَقَالَتْ : أَيْ بُنَيَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ بَلَغَ مَا سَرَقَ رُبْعَ دِينَار فَلَا تَقْطَعهُ فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْنِي عَائِشَة أَنَّهُ قَالَ : \" لَا قَطْع إِلَّا فِي رُبْع دِينَار فَصَاعِدًا \" فَهَذَا يُعَارِض حَدِيث اِبْن إِسْحَاق الَّذِي اِعْتَمَدَهُ الطَّحَاوِيّ وَهُوَ مِنْ رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق أَيْضًا , وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بَيْن مَا اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَائِشَة بِأَنَّهَا كَانَتْ تُحَدِّث بِهِ تَارَة وَتَارَة تُسْتَفْتَى فَتُفْتِي , وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم عَنْ عَمْرَة \" أَنَّ جَارِيَة سَرَقَتْ , فَسُئِلَتْ عَائِشَة فَقَالَتْ : الْقَطْع فِي رُبْع دِينَار فَصَاعِدًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "6294",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَتْنِي ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَنَّ يَدَ السَّارِقِ لَمْ تُقْطَعْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا فِي ثَمَنِ ‏ ‏مِجَنٍّ ‏ ‏حَجَفَةٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏تُرْسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا عَبْدَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ( حَدَّثَنَا عُثْمَان حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ عُثْمَان هَذَا قَالَ \" حَدَّثَنَا عَبْدَة بْن سُلَيْمَان وَحُمَيْدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن \" جَمَعَهُمَا وَضَمَّهُمَا إِلَى غَيْرهمَا فَقَالَ \" كُلّهمْ عَنْ هِشَام \" وَحُمَيْدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن هَذَا هُوَ الرُّؤَاسِيّ بِضَمِّ الرَّاء ثُمَّ هَمْزَة خَفِيفَة ثُمَّ سِين مُهْمَلَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْهُ وَنَسَبَهُ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِيهِ أَخْبَرَتْنِي عَائِشَة أَنَّ يَد السَّارِق لَمْ تُقْطَع إِلَخْ ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق هَارُون بْن إِسْحَاق عَنْ عَبْدَة بْن سُلَيْمَان فِيهِ زِيَادَة قِصَّة فِي السَّنَد وَلَفْظه عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة \" أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ قَدَحًا فَأُتِيَ بِهِ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز فَقَالَ هِشَام بْن عُرْوَة قَالَ : أَبِي إِنَّ الْيَد لَا تُقْطَع فِي الشَّيْء التَّافِه \" ثُمَّ قَالَ \" حَدَّثَتْنِي عَائِشَة \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْ عَبْدَة بْن سُلَيْمَان , وَهَكَذَا رَوَاهُ وَكِيع وَغَيْره عَنْ هِشَام لَكِنْ أَرْسَلَهُ كُلّه. ‏ ‏قَوْله ( لَمْ يُقْطَع عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا فِي ثَمَن مِجَنّ حَجَفَة أَوْ تُرْس ) ‏ ‏الْمِجَنّ بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْجِيم مِفْعَل مِنْ الِاجْتِنَان وَهُوَ الِاسْتِتَار مِمَّا يُحَاذِرهُ الْمُسْتَتِر وَكُسِرَتْ مِيمه لِأَنَّهُ آلَة فِي ذَلِكَ , وَالْحَجَفَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْجِيمِ ثُمَّ فَاء هِيَ الدَّرَقَة وَقَدْ تَكُون مِنْ خَشَب أَوْ عَظْم وَتُغَلَّف بِالْجِلْدِ أَوْ غَيْره , وَالتُّرْس مِثْله لَكِنْ يُطَارَق فِيهِ بَيْن جِلْدَيْنِ وَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِد , وَعَلَى الْأَوَّل \" أَوْ \" فِي الْخَبَر لِلشَّكِّ وَهُوَ الْمُعْتَمَد وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ هِشَام الَّتِي تَلِي رِوَايَة حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن بِلَفْظِ \" فِي أَدْنَى ثَمَن حَجَفَة أَوْ تُرْس كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا ذُو ثَمَن \" وَالتَّنْوِين فِي قَوْله \" ثَمَن \" لِلتَّكْثِيرِ وَالْمُرَاد أَنَّهُ ثَمَن يُرْغَب فِيهِ , فَأُخْرِجَ الشَّيْء التَّافِه كَمَا فَهِمَهُ عُرْوَة رَاوِي الْخَبَر وَلَيْسَ الْمُرَاد تُرْسًا بِعَيْنِهِ وَلَا حَجَفَة بِعَيْنِهَا وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْجِنْس وَأَنَّ الْقَطْع كَانَ يَقَع فِي كُلّ شَيْء يَبْلُغ قَدْر ثَمَن الْمِجَنّ سَوَاء كَانَ ثَمَن الْمِجَنّ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا , وَالِاعْتِمَاد إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَقَلّ فَيَكُون نِصَابًا وَلَا يُقْطَع فِيمَا دُونه , وَرِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام جَامِعَة بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ أَوَّلًا , وَقَوْله فِيهَا \" كَانَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا ذَا ثَمَن \" كَذَا ثَبَتَ فِي الْأُصُول , وَأَفَادَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ \" وَكَانَ كُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا ذُو ثَمَن \" بِالرَّفْعِ وَخَرَّجَهُ عَلَى تَقْدِير ضَمِير الشَّأْن فِي كَانَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6295",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمْ تَكُنْ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي أَدْنَى مِنْ ‏ ‏حَجَفَةٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏تُرْسٍ ‏ ‏كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذُو ثَمَنٍ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏وَابْنُ إِدْرِيسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏مُرْسَلًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( رَوَاهُ وَكِيع وَابْن إِدْرِيس عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة وَكِيع فَأَخْرَجَهَا اِبْن أَبِي شَيْبَة فِي مُصَنَّفه عَنْهُ وَلَفْظه عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" كَانَ السَّارِق فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْطَع فِي ثَمَن الْمِجَنّ وَكَانَ الْمِجَنّ يَوْمئِذٍ لَهُ ثَمَن وَلَمْ يَكُنْ يُقْطَع فِي الشَّيْء التَّافِه \" وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن إِدْرِيس وَهُوَ عَبْد اللَّه الْأَوْدِيّ الْكُوفِيّ فَأَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق يُوسُف بْن مُوسَى عَنْ جَرِير وَعَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس وَوَكِيع ثَلَاثَتهمْ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ يَد السَّارِق لَمْ تُقْطَع \" فَذَكَرَ مِثْل سِيَاق أَبِي أُسَامَة سَوَاء وَزَادَ \" وَلَمْ يَكُنْ يُقْطَع فِي الشَّيْء التَّافِه \" وَقَرَأْت بِخَطِّ مُغَلْطَاي وَتَبِعَهُ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن أَنَّ رِوَايَة اِبْن إِدْرِيس عِنْد عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" كَذَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَوَصَلَهُ أَيْضًا عَنْ هِشَامٍ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيّ وَعُثْمَان الْغَطَفَانِيّ وَعَبْد اللَّه بْن قَبِيصَة الْفَزَارِيُّ , وَأَرْسَلَهُ أَيْضًا عَبْد الرَّحِيم بْن سُلَيْمَان وَحَاتِم بْن إِسْمَاعِيل وَجَرِير. قُلْت : وَقَدْ ذَكَرْت رِوَايَة جَرِير , وَأَمَّا عَبْد الرَّحِيم فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فَقِيلَ عَنْهُ مُرْسَلًا وَوَصَلَهُ عَنْهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏لَمْ تَخْتَلِف الرُّوَاة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْمَتْن , وَأَمَّا الزُّهْرِيّ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي سَنَده وَلَمْ يُخْتَلَف عَلَيْهِ فِي الْمَتْن أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ حَافِظ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عُرْوَة حَدَّثَهُ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَفْظ عُرْوَة هُوَ الَّذِي حَفِظَهُ هِشَام عَنْهُ , وَحَمَلَ يُونُس حَدِيث عُرْوَة عَلَى حَدِيث عَمْرَة فَسَاقَهُ عَلَى لَفْظ عَمْرَة وَهَذَا يَقَع لَهُمْ كَثِيرًا , وَيَشْهَد لِلْأَوَّلِ أَنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق حَفْص بْن حَسَّان عَنْ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة وَحْده عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ , وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة الْقَاسِم بْن مَبْرُور عَنْ يُونُس بِهَذَا السَّنَد لَكِنَّ لَفْظ الْمَتْن \" أَوْ نِصْف دِينَار فَصَاعِدًا \" وَهِيَ رِوَايَة شَاذَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "6296",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمْ تُقْطَعْ يَدُ سَارِقٍ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي أَدْنَى مِنْ ثَمَنِ ‏ ‏الْمِجَنِّ ‏ ‏تُرْسٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏حَجَفَةٍ ‏ ‏وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَا ثَمَنٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6297",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَطَعَ فِي ‏ ‏مِجَنٍّ ‏ ‏ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏قِيمَتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عُمَر \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَنّ قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم \" ‏ ‏أَوْرَدَهُ مِنْ حَدِيث مَالِك , قَالَ اِبْن حَزْم لَمْ يَرْوِهِ عَنْ اِبْن عُمَر إِلَّا نَافِع , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ هُوَ أَصَحُّ حَدِيث رُوِيَ فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ نَافِع أَيْ فِي قَوْله \" ثَمَنه \" وَرِوَايَته مَوْصُولَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ مَالِك وَمُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَعُبَيْد اللَّه بْن عُمَر ثَلَاثَتهمْ عَنْ نَافِع \" عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَطَعَ فِي مِجَنّ ثَمَنه ثَلَاثَة دَرَاهِم \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّف رَحِمَهُ اللَّه مِنْ رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ وَهُوَ اِبْن أَسْمَاء مِثْل هَذَا السِّيَاق سَوَاء , وَمِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه وَهُوَ اِبْن عُمَر أَيْ الْعُمَرِيّ مِثْله , وَمِنْ رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع بِلَفْظِ \" قَطَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَد سَارِق \" مِثْله. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي نَافِع قِيمَته ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ اللَّيْث رَوَاهُ عَنْ نَافِع كَالْجَمَاعَةِ لَكِنْ قَالَ \" قِيمَته \" بَدَل قَوْلهمْ \" ثَمَنه \" وَرِوَايَة اللَّيْث وَصَلَهَا مُسْلِم عَنْ قُتَيْبَة وَمُحَمَّد بْن رُمْح عَنْ اللَّيْث عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنّ قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي أَيُّوب السِّخْتِيَانِيّ وَأَيُّوب بْن مُوسَى وَإِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة , وَمِنْ رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ حَنْظَلَة بْن أَبِي سُفْيَان وَمَالِك وَأُسَامَة بْن زَيْد كُلّهمْ عَنْ نَافِع , قَالَ بَعْضهمْ ثَمَنه وَقَالَ بَعْضهمْ قِيمَته , هَذَا لَفْظ مُسْلِم وَلَمْ يُمَيِّز , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة عَنْ نَافِع وَلَفْظه \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ يَد رَجُل سَرَقَ تُرْسًا مِنْ صُفَّة النِّسَاءِ ثَمَنه ثَلَاثَة دَرَاهِم \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ حَنْظَلَة وَحْده بِلَفْظِ \" ثَمَنه \" وَمِنْ طَرِيق مَخْلَد بْن يَزِيد عَنْ حَنْظَلَة بِلَفْظِ \" قِيمَته \" فَوَافَقَ اللَّيْث فِي قَوْله \" قِيمَته \" لَكِنْ خَالَفَ الْجَمِيع فَقَالَ \" خَمْسَة دَرَاهِم \" وَقَوْل الْجَمَاعَة \" ثَلَاثَة دَرَاهِم \" هُوَ الْمَحْفُوظ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر بِلَفْظِ \" قَطَعَ فِي مِجَنّ قِيمَته \" وَمِنْ رِوَايَة أَيُّوب وَمِنْ رِوَايَة مَالِك قَالَ مِثْله , وَمِنْ رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق بِلَفْظِ \" أُتِيَ بِرَجُلٍ سَرَقَ حَجَفَة قِيمَتهَا ثَلَاثَة دَرَاهِم فَقَطَعَهُ \". ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏قَوْله \" قَطَعَ \" مَعْنَاهُ أَمَرَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُبَاشِر الْقَطْعَ بِنَفْسِهِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَاب قَبْله أَنَّ بِلَالًا هُوَ الَّذِي بَاشَرَ قَطْع يَد الْمَخْزُومِيَّة , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ الَّذِي كَانَ مُوكَلًا بِذَلِكَ وَيَحْتَمِل غَيْره وَقَوْله \" قِيمَته \" قِيمَة الشَّيْء مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ الرَّغْبَة فِيهِ , وَأَصْله قِوْمَةٌ فَأُبْدِلَتْ الْوَاوُ يَاءً لِوُقُوعِهَا بَعْدَ كَسْرَةٍ , وَالثَّمَن مَا يُقَابَل بِهِ الْمَبِيع عِنْد الْبَيْع , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد هُنَا , الْقِيمَة وَأَنَّ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ الثَّمَن إِمَّا تَجَوُّزًا وَإِمَّا أَنَّ الْقِيمَة وَالثَّمَن كَانَا حِينَئِذٍ مُسْتَوِيَيْنِ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الْقِيمَة وَالثَّمَن قَدْ يَخْتَلِفَانِ وَالْمُعْتَبَر إِنَّمَا هُوَ الْقِيمَة , وَلَعَلَّ التَّعْبِير بِالثَّمَنِ لِكَوْنِهِ صَادَفَ الْقِيمَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت فِي ظَنِّ الرَّاوِي أَوْ بِاعْتِبَارِ الْغَلَبَة. وَقَدْ تَمَسَّكَ مَالِك بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر فِي اِعْتِبَار النِّصَاب بِالْفِضَّةِ , وَأَجَابَ الشَّافِعِيَّة وَسَائِر مَنْ خَالَفَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي طُرُقه أَنَّهُ لَا يُقْطَع فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ , وَأَوْرَدَ الطَّحَاوِيّ حَدِيث سَعْد الَّذِي أَخْرَجَهُ اِبْن مَالِك أَيْضًا وَسَنَده ضَعِيف وَلَفْظه \" لَا يُقْطَع السَّارِق إِلَّا فِي الْمِجَنّ \" قَالَ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يُقْطَع فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَن الْمِجَنّ , وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي ثَمَن الْمِجَنّ , ثُمَّ سَاقَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ \" كَانَ قِيمَة الْمِجَنّ الَّذِي قَطَعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَة دَرَاهِم \" قَالَ فَالِاحْتِيَاط أَنْ لَا يُقْطَع إِلَّا فِيمَا اِجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآثَار وَهُوَ عَشَرَة , وَلَا يُقْطَع فِيمَا دُونهَا لِوُجُودِ الِاخْتِلَاف فِيهِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ فِي الدَّرَاهِم لَمْ يُسَلَّم فِي النَّصّ الصَّرِيح فِي رُبْع دِينَار كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحه , وَدُفِعَ مَا أَعَلَّهُ بِهِ. وَالْجَمْعُ بَيْن مَا اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَات فِي ثَمَن الْمِجَنّ مُمْكِن بِالْحَمْلِ عَلَى اِخْتِلَاف الثَّمَن وَالْقِيمَة أَوْ عَلَى تَعَدُّد الْمَجَانّ الَّتِي قَطَعَ فِيهَا وَهُوَ أَوْلَى. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ \" قَطَعَ فِي مِجَنّ \" عَلَى اِعْتِبَار النِّصَاب ضَعِيف لِأَنَّهُ حِكَايَة فِعْل وَلَا يَلْزَم مِنْ الْقَطْع فِي هَذَا الْمِقْدَار عَدَم الْقَطْع فِيمَا دُونه بِخِلَافِ قَوْله \" يُقْطَع فِي رُبْع دِينَار فَصَاعِدًا \" فَإِنَّهُ بِمَنْطُوقِهِ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ يُقْطَع فِيمَا إِذَا بَلَغَهُ وَكَذَا فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ , وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا قَطْع فِيمَا دُون ذَلِكَ , قَالَ : وَاعْتِمَاد الشَّافِعِيّ عَلَى حَدِيث عَائِشَة وَهُوَ قَوْل أَقْوَى فِي الِاسْتِدْلَال مِنْ الْفِعْل الْمُجَرَّد , وَهُوَ قَوِيّ فِي الدَّلَالَة عَلَى الْحَنَفِيَّة لِأَنَّهُ صَرِيح فِي الْقَطْع فِي دُون الْقَدْر الَّذِي يَقُولُونَ بِجَوَازِ الْقَطْع فِيهِ , وَيَدُلّ عَلَى الْقَطْع فِيمَا يَقُولُونَ بِهِ بِطَرِيقِ الْفَحْوَى , وَأَمَّا دَلَالَته عَلَى عَدَم الْقَطْع فِي دُون رُبْع دِينَار فَلَيْسَ هُوَ مِنْ حَيْثُ مَنْطُوقه بَلْ مِنْ حَيْثُ مَفْهُومه فَلَا يَكُون حُجَّة عَلَى مَنْ لَا يَقُول بِالْمَفْهُومِ. قُلْت : وَقَرَّرَ الْبَاجِيّ طَرِيق الْأَخْذ بِالْمَفْهُومِ هُنَا فَقَالَ : دَلَّ التَّقْوِيم عَلَى أَنَّ الْقَطْع يَتَعَلَّق بِقَدْرٍ مَعْلُوم وَإِلَّا فَلَا يَكُون لِذِكْرِهِ فَائِدَة , وَحِينَئِذٍ فَالْمُعْتَمَد مَا وَرَدَ بِهِ النَّصّ صَرِيحًا مَرْفُوعًا فِي اِعْتِبَار رُبْع دِينَار , وَقَدْ خَالَفَ مِنْ الْمَالِكِيَّة فِي ذَلِكَ مِنْ الْقُدَمَاء اِبْن عَبْد الْحَكَم وَمِمَّنْ بَعْدهمْ اِبْن الْعَرَبِيّ فَقَالَ : ذَهَبَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ مَعَ جَلَالَته فِي الْحَدِيث إِلَى أَنَّ الْقَطْع لَا يَكُون إِلَّا فِي عَشَرَة دَرَاهِم , وَحُجَّته أَنَّ الْيَد مُحْتَرَمَة بِالْإِجْمَاعِ فَلَا تُسْتَبَاح إِلَّا بِمَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ وَالْعَشَرَة مُتَّفَق عَلَى الْقَطْع فِيهَا عِنْد الْجَمِيع فَيُتَمَسَّك بِهِ مَا لَمْ يَقَع الِاتِّفَاق عَلَى مَا دُون ذَلِكَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْآيَة دَلَّتْ عَلَى الْقَطْع فِي كُلّ قَلِيل وَكَثِير , وَإِذَا اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَات فِي النِّصَاب أُخِذَ بِأَصَحِّ مَا وَرَدَ فِي الْأَقَلّ , وَلَمْ يَصِحّ أَقَلُّ مِنْ رُبْع دِينَار أَوْ ثَلَاثَة دَرَاهِم , فَكَانَ اِعْتِبَار رُبْع دِينَار أَقْوَى مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ صَرِيح فِي الْحَصْر حَيْثُ وَرَدَ بِلَفْظِ \" لَا تُقْطَع الْيَد إِلَّا فِي رُبْع دِينَار فَصَاعِدًا \" وَسَائِر الْأَخْبَار الصَّحِيحَة الْوَارِدَة حِكَايَة فِعْل لَا عُمُوم فِيهَا , وَالثَّانِي أَنَّ الْمُعَوَّل عَلَيْهِ فِي الْقِيمَة الذَّهَب لِأَنَّهُ الْأَصْل فِي جَوَاهِر الْأَرْض كُلّهَا , وَيُؤَيِّدهُ مَا نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ اِسْتِدْلَالًا عَلَى أَنَّ أَصْل النَّقْد فِي ذَلِكَ الزَّمَان الدَّنَانِير بِأَنَّ الصِّكَاكَ الْقَدِيمَة كَانَ يُكْتَب فِيهَا عَشَرَة دَرَاهِم وَزْن سَبْعَة مَثَاقِيل فَعُرِفَتْ الدَّرَاهِم بِالدَّنَانِيرِ وَحُصِرَتْ بِهَا وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَحَاصِل الْمَذَاهِب فِي الْقَدْر الَّذِي يُقْطَع السَّارِق فِيهِ يَقْرُب مِنْ عِشْرِينَ مَذْهَبًا : الْأَوَّل يُقْطَع فِي كُلّ قَلِيل وَكَثِير تَافِهًا كَانَ أَوْ غَيْر تَافِه نُقِلَ عَنْ أَهْل الظَّاهِر وَالْخَوَارِج وَنُقِلَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن بْن بِنْت الشَّافِعِيّ. وَمُقَابِل هَذَا الْقَوْل فِي الشُّذُوذ مَا نَقَلَهُ عِيَاض وَمَنْ تَبِعَهُ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ أَنَّ الْقَطْع لَا يَجِب إِلَّا فِي أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَة دَنَانِير وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الثَّانِي. الثَّالِث مِثْل الْأَوَّل إِلَّا إِنْ كَانَ الْمَسْرُوق شَيْئًا تَافِهًا لِحَدِيثِ عُرْوَة الْمَاضِي \" لَمْ يَكُنْ الْقَطْع فِي شَيْء مِنْ التَّافِه \" وَلِأَنَّ عُثْمَان قَطَعَ فِي فُخَّارَة خَسِيسَة وَقَالَ لِمَنْ يَسْرِق السِّيَاط لَئِنْ عُدْتُمْ لَأَقْطَعَنَّ فِيهِ , وَقَطَعَ اِبْن الزُّبَيْر فِي نَعْلَيْنِ أَخْرَجَهُمَا اِبْن أَبِي شَيْبَة وَعَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز أَنَّهُ قَطَعَ فِي مُدٍّ أَوْ مُدَّيْنِ. الرَّابِع تُقْطَع فِي دِرْهَم فَصَاعِدًا وَهُوَ قَوْل عُثْمَان الْبَتِّيّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الْمُثَنَّاة مِنْ فُقَهَاء الْبَصْرَة وَرَبِيعَة مِنْ فُقَهَاء الْمَدِينَة وَنَسَبَهُ الْقُرْطُبِيُّ إِلَى عُثْمَان فَأَطْلَقَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ الْخَلِيفَة وَلَيْسَ كَذَلِكَ. الْخَامِس فِي دِرْهَمَيْنِ وَهُوَ قَوْل الْحَسَن الْبَصْرِيّ جَزَمَ بِهِ اِبْن الْمُنْذِر عَنْهُ. السَّادِس فِيمَا زَادَ عَلَى دِرْهَمَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَبْلُغ الثَّلَاثَة أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ قَوِيّ عَنْ أَنَس \" أَنَّ أَبَا بَكْر قَطَعَ فِي شَيْء مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ \" وَفِي لَفْظ \" لَا يُسَاوِي ثَلَاثَة دَرَاهِم \". السَّابِع فِي ثَلَاثَة دَرَاهِم وَيُقَوَّم مَا عَدَاهَا بِهَا وَلَوْ كَانَ ذَهَبًا , وَهِيَ رِوَايَة عَنْ أَحْمَدَ , وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ مَالِك. الثَّامِن مِثْله لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمَسْرُوق ذَهَبًا فَنِصَابه رُبْع دِينَار وَإِنْ كَانَ غَيْرهمَا فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم قُطِعَ بِهِ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغ لَمْ يُقْطَع وَلَوْ كَانَ نِصْف دِينَار , وَهَذَا قَوْل مَالِك الْمَعْرُوف عِنْد أَتْبَاعه , وَهِيَ رِوَايَة عَنْ أَحْمَدَ , وَاحْتُجَّ لَهُ بِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن رَاشِد عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى الْغَسَّانِيّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا \" اِقْطَعُوا فِي رُبْع دِينَار وَلَا تَقْطَعُوا فِي أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ \" قَالَتْ : وَكَانَ رُبْع الدِّينَار قِيمَته يَوْمئِذٍ ثَلَاثَة دَرَاهِم , وَالْمَرْفُوع مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة نَصٌّ فِي أَنَّ الْمُعْتَمَد وَالْمُعْتَبَر فِي ذَلِكَ الذَّهَب , وَالْمَوْقُوف مِنْهُ يَقْتَضِي أَنَّ الذَّهَب يُقَوَّم بِالْفِضَّةِ , وَهَذَا يُمْكِنُ تَأْوِيله فَلَا يَرْتَفِع بِهِ النَّصّ الصَّرِيح. التَّاسِع مِثْله إِلَّا إِنْ كَانَ الْمَسْرُوق غَيْرهمَا قُطِعَ بِهِ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ أَحَدَهُمَا , وَهُوَ الْمَشْهُور عَنْ أَحْمَدَ وَرِوَايَة عَنْ إِسْحَاق. الْعَاشِر مِثْله لَكِنْ لَا يُكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا إِلَّا إِذَا كَانَا غَالِبَيْنِ فَإِنْ كَانَ أَحَدهمَا غَالِبًا فَهُوَ الْمُعَوَّل عَلَيْهِ , وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة مِنْ الْمَالِكِيَّة وَهُوَ الْحَادِيَ عَشَرَ. الثَّانِيَ عَشَرَ رُبْع دِينَار أَوْ مَا يَبْلُغ قِيمَته مِنْ فِضَّة أَوْ عَرَض , وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيره , وَهُوَ قَوْل عَائِشَة وَعَمْرَة وَأَبِي بَكْر بْن حَزْم وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْث وَرِوَايَة عَنْ إِسْحَاق وَعَنْ دَاوُدَ , وَنَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره عَنْ عُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ عُمَر بِسَنَدٍ مُنْقَطِع أَنَّهُ قَالَ \" إِذَا أَخَذَ السَّارِق رُبْع دِينَار قُطِعَ \" وَمِنْ طَرِيق عَمْرَة \" أُتِيَ عُثْمَان بِسَارِقٍ سَرَقَ أُتْرُجَّة قُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِم مِنْ حِسَاب الدِّينَار بِاثْنَيْ عَشَرَ فَقُطِعَ \" وَمِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا قَطَعَ فِي رُبْع دِينَار كَانَتْ قِيمَته دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا. الثَّالِثَ عَشَرَ أَرْبَعَة دَرَاهِم نَقَلَهُ عِيَاض عَنْ بَعْض الصَّحَابَة وَنَقَلَهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعِيد. الرَّابِعَ عَشَرَ ثُلُث دِينَار حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ أَبِي جَعْفَر الْبَاقِر , الْخَامِسَ عَشَرَ خَمْسَة دَرَاهِم وَهُوَ قَوْل اِبْن شُبْرُمَةَ وَابْن أَبِي لَيْلَى مِنْ فُقَهَاء الْكُوفَة وَنُقِلَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَعَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ جَاءَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب لَا تُقْطَع الْخَمْس إِلَّا فِي خَمْس أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْهُ وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعِيد مِثْله وَنَقَلَهُ أَبُو زَيْد الدَّبُوسِيّ عَنْ مَالِك وَشَذَّ بِذَلِكَ. السَّادِس عَشَر عَشَرَة دَرَاهِم أَوْ مَا بَلَغَ قِيمَتهَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ عَرَض , وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابهمَا. السَّابِع عَشَر دِينَار أَوْ مَا بَلَغَ قِيمَته مِنْ فِضَّة أَوْ عَرَض. حَكَاهُ اِبْن حَزْم عَنْ طَائِفَة , وَجَزَمَ اِبْن الْمُنْذِر بِأَنَّهُ قَوْل النَّخَعِيِّ. الثَّامِن عَشَر دِينَار أَوْ عَشَرَة دَرَاهِم أَوْ مَا يُسَاوِي أَحَدهمَا حَكَاهُ اِبْن حَزْم أَيْضًا , وَأَخْرَجَهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ عَلِيّ بِسَنَدٍ ضَعِيف وَعَنْ اِبْن مَسْعُود بِسَنَدٍ مُنْقَطِع قَالَ وَبِهِ قَالَ عَطَاء. التَّاسِع عَشَر رُبْع دِينَار فَصَاعِدًا مِنْ الذَّهَب عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث عَائِشَة وَيُقْطَع فِي الْقَلِيل وَالْكَثِير مِنْ الْفِضَّة وَالْعُرُوض , وَهُوَ قَوْل اِبْن حَزْم , وَنَقَلَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ نَحْوَهُ عَنْ دَاوُدَ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ التَّحْدِيد فِي الذَّهَب ثَبَتَ صَرِيحًا فِي حَدِيث عَائِشَة وَلَمْ يَثْبُت التَّحْدِيد صَرِيحًا فِي غَيْره فَبَقِيَ عُمُوم الْآيَة عَلَى حَاله فَيُقْطَع فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ إِلَّا إِذَا كَانَ الشَّيْء تَافِهًا , وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلشَّافِعِيِّ إِلَّا فِي قِيَاس أَحَد النَّقْدَيْنِ عَلَى الْآخَر وَقَدْ أَيَّدَهُ الشَّافِعِيّ بِأَنَّ الصَّرْف يَوْمئِذٍ كَانَ مُوَافِقًا لِذَلِكَ , وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الدِّيَة عَلَى أَهْل الذَّهَب أَلْف دِينَار وَعَلَى أَهْل الْفِضَّة اِثْنَا عَشَر أَلْف دِرْهَم , وَتَقَدَّمَ فِي قِصَّة الْأُتْرُجَّة قَرِيبًا مَا يُؤَيِّدهُ , وَيُخَرَّج مِنْ تَفْصِيل جَمَاعَة مِنْ الْمَالِكِيَّة أَنَّ التَّقْوِيم يَكُون بِغَالِبِ نَقْد الْبَلَد إِنْ ذَهَبًا فَبِالذَّهَبِ وَإِنْ فِضَّة فَبِالْفِضَّةِ تَمَام الْعِشْرِينَ مَذْهَبًا , وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَنّ قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم. وَثَبَتَ لَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَن الْمِجَنّ وَأَقَلُّ مَا وَرَدَ فِي ثَمَن الْمِجَنّ ثَلَاثَة دَرَاهِم وَهِيَ مُوَافِقَة لِلنَّصِّ الصَّرِيح فِي الْقَطْع فِي رُبْع دِينَار وَإِنَّمَا تُرِكَ الْقَوْل بِأَنَّ الثَّلَاثَة دَرَاهِم نِصَاب يُقْطَع فِيهِ مُطْلَقًا لِأَنَّ قِيمَة الْفِضَّة بِالذَّهَبِ تَخْتَلِف فَبَقِيَ الِاعْتِبَار بِالذَّهَبِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَمُ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوب قَطْع السَّارِق وَلَوْ لَمْ يَسْرِق مِنْ حِرْز , وَهُوَ قَوْل الظَّاهِرِيَّة , وَأَبِي عُبَيْد اللَّه الْبَصْرِيّ مِنْ الْمُعْتَزِلَة , وَخَالَفَهُمْ الْجُمْهُور فَقَالُوا : الْعَامُّ إِذَا خُصَّ مِنْهُ شَيْء بِدَلِيلٍ بَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى عُمُومه , وَحُجَّته سَوَاء كَانَ لَفْظه يُنْبِئ عَمَّا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ الْحُكْم بَعْد التَّخْصِيص أَمْ لَا لِأَنَّ آيَة السَّرِقَة عَامَّةٌ فِي كُلّ مَنْ سَرَقَ فَخَصَّ الْجُمْهُور مِنْهَا مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْر حِرْز فَقَالُوا لَا يُقْطَع , وَلَيْسَ فِي الْآيَة مَا يُنْبِئ عَنْ اِشْتِرَاط الْحِرْز وَطَرَدَ الْبَصْرِيّ أَصْله فِي الِاشْتِرَاط الْمَذْكُور فَلَمْ يَشْتَرِط الْحِرْز لِيَسْتَمِرّ الِاحْتِجَاج بِالْآيَةِ , نَعَمْ وَزَعَمَ اِبْن بَطَّال أَنَّ شَرْط الْحِرْز مَأْخُوذ مِنْ مَعْنَى السَّرِقَة فَإِنْ صَحَّ مَا قَالَ سَقَطَتْ حُجَّة الْبَصْرِيّ أَصْلًا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَة بِعُمُومِ اللَّفْظ لَا بِخُصُوصِ السَّبَب لِأَنَّ آيَة السَّرِقَة نَزَلَتْ فِي سَارِق رِدَاء صَفْوَان أَوْ سَارِق الْمِجَنّ وَعَمِلَ بِهَا الصَّحَابَة فِي غَيْرهمَا مِنْ السَّارِقِينَ , وَاسْتُدِلَّ بِإِطْلَاقِ رُبْع دِينَار عَلَى أَنَّ الْقَطْع يَجِب بِمَا صَدَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ الذَّهَب سَوَاء كَانَ مَضْرُوبًا أَوْ غَيْر مَضْرُوب جَيِّدًا كَانَ أَوْ رَدِيئًا , وَقَدْ اِخْتَلَفَ فِيهِ التَّرْجِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الزَّكَاة عَلَى ذَلِكَ وَأَطْلَقَ فِي السَّرِقَة فَجَزَمَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَأَتْبَاعه بِالتَّعْمِيمِ هُنَا , وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيّ لَا يَقَع إِلَّا فِي الْمَضْرُوب وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيّ. وَقَيَّدَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد النَّقْلَ عَنْ الْإِصْطَخْرِيّ بِالْقَدْرِ الَّذِي يَنْقُص بِالطَّبْعِ , وَاسْتَدَلَّ بِالْقَطْعِ فِي الْمِجَنّ عَلَى مَشْرُوعِيَّة الْقَطْع فِي كُلّ مَا يُتَمَوَّل قِيَاسًا وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّة مَا يُسْرِع إِلَيْهِ الْفَسَاد وَمَا أَصْله الْإِبَاحَة كَالْحِجَارَةِ وَاللَّبَن وَالْخَشَب وَالْمِلْح وَالتُّرَاب وَالْكَلَأ وَالطَّيْر , وَفِيهِ رِوَايَة عَنْ الْحَنَابِلَة , وَالرَّاجِح عِنْدهمْ فِي مِثْل السِّرْجِين الْقَطْع تَفْرِيعًا عَلَى جَوَاز بَيْعه , وَفِي هَذَا تَفَارِيعُ أُخْرَى مَحَلُّ بَسْطهَا كُتُبُ الْفِقْه وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏"
    },
    {
        "id": "6298",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَطَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏مِجَنٍّ ‏ ‏ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏10126 سَبَقَ شَرْحُه بِالْحَدِيثِ السَّابِق ‏"
    },
    {
        "id": "6299",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَطَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏مِجَنٍّ ‏ ‏ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏10126 سَبَقَ شَرْحُه بِالْحَدِيثِ السَّابِق ‏"
    },
    {
        "id": "6300",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَطَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَ سَارِقٍ فِي ‏ ‏مِجَنٍّ ‏ ‏ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏قِيمَتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏10126 سَبَقَ شَرْحُه بِالْحَدِيثِ السَّابِق ‏"
    },
    {
        "id": "6301",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا صَالِحٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي لَعْن السَّارِق يَسْرِق الْبَيْضَة فَيُقْطَع ‏ ‏خَتَمَ بِهِ الْبَاب إِشَارَة إِلَى أَنَّ طَرِيق الْجَمْع بَيْن الْأَخْبَار أَنْ يُجْعَل حَدِيث عَمْرَة عَنْ عَائِشَة أَصْلًا فَيُقْطَع فِي رُبْع دِينَار فَصَاعِدًا وَكَذَا فِيمَا بَلَغَتْ قِيمَته ذَلِكَ , فَكَأَنَّهُ قَالَ الْمُرَاد بِالْبَيْضَةِ مَا يَبْلُغ قِيمَتهَا رُبْع دِينَار فَصَاعِدًا وَكَذَا الْحَبْل , فَفِيهِ إِيمَاء إِلَى تَرْجِيح مَا سَبَقَ مِنْ التَّأْوِيل الَّذِي نَقَلَهُ الْأَعْمَش , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6302",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَطَعَ يَدَ امْرَأَةٍ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَابَتْ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا ‏",
        "sharh": "\" 10132 وَذَكَرَ فِي الْبَاب \" حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الَّتِي سَرَقَتْ مُخْتَصَرًا , وَوَقَعَ فِي آخِره \" وَتَابَتْ وَحَسُنَتْ تَوْبَتهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى قُبَيْلَ هَذَا , وَوَجْه مُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ وَصْف التَّوْبَة بِالْحُسْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الْوَصْف يَثْبُت لِلتَّائِبِ الْمَذْكُور فَيَعُود لِحَالَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6303",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِدْرِيسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي رَهْطٍ فَقَالَ ‏ ‏أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَطَهُورٌ وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَذَلِكَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏إِذَا تَابَ السَّارِقُ بَعْدَ مَا قُطِعَ يَدُهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَكُلُّ مَحْدُودٍ كَذَلِكَ إِذَا تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ‏",
        "sharh": "وَحَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت فِي الْبَيْعَة وَفِيهِ ذِكْر السَّرِقَة وَفِي آخِره \" فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ وَطَهُور \" وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهُ أَنَّ الَّذِي أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدّ وُصِفَ بِالتَّطَهُّرِ فَإِذَا اِنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ تَابَ فَإِنَّهُ يَعُود إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْل ذَلِكَ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ قَبُولَ شَهَادَته أَيْضًا. ‏ ‏وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6304",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَفَرٌ مِنْ ‏ ‏عُكْلٍ ‏ ‏فَأَسْلَمُوا ‏ ‏فَاجْتَوَوْا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَفَعَلُوا فَصَحُّوا فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَأُتِيَ بِهِمْ ‏ ‏فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ‏ ‏وَسَمَلَ ‏ ‏أَعْيُنَهُمْ ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الْعُرَنِيِّينَ , أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مُصَرِّحًا فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيعه فَأُمِنَ فِيهِ مِنْ التَّدْلِيس وَالتَّسْوِيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب أَبْوَال الْإِبِل \" مِنْ كِتَاب الطَّهَارَة. وَوَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِع \" فَفَعَلُوا فَصَحُّوا فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا رُعَاتهَا وَاسْتَاقُوا الْإِبِل \". ‏"
    },
    {
        "id": "6305",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ أَبُو يَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَطَعَ ‏ ‏الْعُرَنِيِّينَ ‏ ‏وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏10136 سَبَقَ شَرْحُه بِالْحَدِيثِ السَّابِق ‏"
    },
    {
        "id": "6306",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وُهَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ ‏ ‏عُكْلٍ ‏ ‏عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانُوا فِي ‏ ‏الصُّفَّةِ ‏ ‏فَاجْتَوَوْا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْغِنَا رِسْلًا فَقَالَ ‏ ‏مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلَّا أَنْ تَلْحَقُوا بِإِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ فَأَتَوْهَا فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا ‏ ‏الذَّوْدَ ‏ ‏فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الصَّرِيخُ فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ فَمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ فَأَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ وَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَمَا حَسَمَهُمْ ثُمَّ أُلْقُوا فِي ‏ ‏الْحَرَّةِ ‏ ‏يَسْتَسْقُونَ فَمَا سُقُوا حَتَّى مَاتُوا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو قِلَابَةَ ‏ ‏سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ \" بِالْفَاءِ وَهِيَ أَوْجَهُ , وَحَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب أَنَّ الْحِكْمَة فِي تَرْك سَقْيهمْ كُفْرهمْ نِعْمَةَ السَّقْي الَّتِي أَنْعَشَتْهُمْ مِنْ الْمَرَض الَّذِي كَانَ بِهِمْ , قَالَ : وَفِيهِ وَجْه آخَر يُؤْخَذ مِمَّا أَخْرَجَهُ اِبْن وَهْب مِنْ مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَمَّا بَلَغَهُ مَا صَنَعُوا : عَطَّشَ اللَّهُ مَنْ عَطَّشَ آلَ مُحَمَّدٍ اللَّيْلَةَ \" قَالَ فَكَانَ تَرْك سَقْيهمْ إِجَابَة لِدَعْوَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْت : وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ عَاقَبَهُمْ بِذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ سَمَلَهُمْ لِكَوْنِهِمْ سَمَلُوا أَعْيُن الرُّعَاة , وَإِنَّمَا تَرَكَهُمْ حَتَّى مَاتُوا لِأَنَّهُ أَرَادَ إِهْلَاكهمْ كَمَا مَضَى فِي الْحَسْم. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ إِنَّ تَرْكهمْ بِلَا سَقْي لَمْ يَكُنْ بِعِلْمِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيق \" قَالُوا أَبْغِنَا \" بِهَمْزَةِ قَطْعٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة ثُمَّ مُعْجَمَة أَيْ اُطْلُبْ لَنَا يُقَال أَبْغَاهُ كَذَا طَلَبَهُ لَهُ , وَقَوْله \" رِسْلًا \" بِكَسْرِ الرَّاء وَسُكُون الْمُهْمَلَة أَيْ لَبَنًا , وَقَوْله \" مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلَّا أَنْ تَلْحَقُوا بِإِبِلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِيهِ تَجْرِيد وَسِيَاق الْكَلَام يَقْتَضِي أَنْ يَقُول بِإِبِلِي وَلَكِنَّهُ كَقَوْلِ كَبِير الْقَوْم يَقُول لَكُمْ الْأَمِيرُ مَثَلًا , وَمِنْهُ قَوْل الْخَلِيفَة يَقُول لَكُمْ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , وَتَقَدَّمَ فِي غَيْر هَذِهِ الطَّرِيق وَهُوَ فِي الْبَاب الْأَوَّل أَيْضًا بِلَفْظِ \" فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبِل الصَّدَقَة \" فَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ لَهُ إِبِل تَرْعَى وَإِبِل الصَّدَقَة فِي جِهَة وَاحِدَة فَدَلَّ كُلٌّ مِنْ الصِّنْفَيْنِ عَلَى الصِّنْف الْآخَر , وَقِيلَ بَلْ الْكُلّ إِبِل الصَّدَقَة وَإِضَافَتهَا إِلَيْهِ إِضَافَة التَّبَعِيَّة لِكَوْنِهِ تَحْت حُكْمه , وَيُؤَيِّد الْأَوَّلَ مَا ذُكِرَ قَرِيبًا مِنْ تَعْطِيش آلِ مُحَمَّد لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَتَنَاوَلُونَ الصَّدَقَةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6307",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَهْطًا مِنْ ‏ ‏عُكْلٍ ‏ ‏أَوْ قَالَ ‏ ‏عُرَيْنَةَ ‏ ‏وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ مِنْ ‏ ‏عُكْلٍ ‏ ‏قَدِمُوا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَأَمَرَ لَهُمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِلِقَاحٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَشَرِبُوا حَتَّى إِذَا بَرِئُوا قَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غُدْوَةً فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي إِثْرِهِمْ فَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ حَتَّى جِيءَ بِهِمْ فَأَمَرَ بِهِمْ ‏ ‏فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ فَأُلْقُوا ‏ ‏بِالْحَرَّةِ ‏ ‏يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو قِلَابَةَ ‏ ‏هَؤُلَاءِ قَوْمٌ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6308",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَادِلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فِي خَلَاءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسْجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا قَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي السَّبْعَة الَّذِينَ يُظِلّهُمْ اللَّه تَعَالَى فِي ظِلِّهِ , وَالْمَقْصُود مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" وَرَجُل دَعَتْهُ اِمْرَأَة ذَات مَنْصِب وَجَمَال إِلَى نَفْسهَا فَقَالَ إِنِّي أَخَاف اللَّه تَعَالَى \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الزَّكَاة , وَيَلْتَحِق بِهَذِهِ الْخَصْلَة مَنْ وَقَعَ لَهُ نَحْوهَا كَاَلَّذِي دَعَا شَابًّا جَمِيلًا لِأَنْ يُزَوِّجَهُ اِبْنَةً لَهُ جَمِيلَة كَثِيرَة الْجِهَاز جِدًّا لِيَنَالَ مِنْهُ الْفَاحِشَة فَعَفَا الشَّابُّ عَنْ ذَلِكَ وَتَرَكَ الْمَال وَالْجَمَال , وَقَدْ شَاهَدْت ذَلِكَ. ‏ ‏وَقَوْله فِي أَوَّل السَّنَد \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد \" ‏ ‏غَيْر مَنْسُوب فَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ مُحَمَّد بْن مُقَاتِل , وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ مُحَمَّد بْن سَلَّام , وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب لِأَنَّ عَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك وَابْن مُقَاتِل مَعْرُوف بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ. قُلْت : وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُون هَذَا الْحَدِيث الْخَاصّ عِنْد اِبْن سَلَّام , وَاَلَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْغَسَّانِيّ قَاعِدَة فِي تَفْسِير مَنْ أُبْهِمَ وَاسْتَمَرَّ إِبْهَامُهُ فَيَكُون كَثْرَةُ أَخْذِهِ وَمُلَازَمَته قَرِينَةً فِي تَعْيِينِهِ , أَمَّا إِذَا أَوْرَدَ التَّنْصِيص عَلَيْهِ فَلَا. وَقَدْ صَرَّحَ أَيْضًا بِأَنَّهُ مُحَمَّد بْن سَلَّام أَبُو ذَرّ فِي رِوَايَته عَنْ شُيُوخه الثَّلَاثَة وَكَذَا هُوَ فِي بَعْض النُّسَخ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَأَبِي الْوَقْت. ‏"
    },
    {
        "id": "6309",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ تَوَكَّلَ لِي مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ تَوَكَّلْتُ لَهُ بِالْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عُمَر بْن عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ الْمُقَدَّمِيّ نِسْبَة إِلَى جَدِّهِ مُقَدَّم بِوَزْنِ مُحَمَّد وَهُوَ عَمّ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الرَّاوِي عَنْهُ , وَهُوَ مَوْصُوف بِالتَّدْلِيسِ لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الرِّقَاق عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر وَحْده وَقَرَنَهُ هُنَا بِخَلِيفَةَ وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظ خَلِيفَة. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ تَوَكَّلَ لِي ) ‏ ‏أَيْ تَكَفَّلَ , وَقَدْ ذَكَرْت فِي الرِّقَاق مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ تَكَفَّلَ وَبِلَفْظِ حَفِظَ وَهُوَ هُنَاكَ بِلَفْظِ تَضَمَّنَ , وَأَصْل التَّوَكُّل الِاعْتِمَاد عَلَى الشَّيْء وَالْوُثُوق بِهِ , وَقَوْله \" تَوَكَّلْت لَهُ \" مِنْ بَاب الْمُقَابَلَة , ‏ ‏وَقَوْله \" مَا بَيْن رِجْلَيْهِ \" ‏ ‏أَيْ فَرْجه \" وَلَحْيَيْهِ \" بِفَتْحِ اللَّام وَهُوَ مَنْبَت اللِّحْيَة وَالْأَسْنَان وَيَجُوز كَسْر اللَّام , وَثُنِّيَ لِأَنَّ لَهُ أَعْلَى وَأَسْفَلُ وَالْمُرَاد بِهِ اللِّسَان وَقِيلَ النُّطْق , وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي الرِّقَاق \" حِفْظ اللِّسَان \" وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى هُنَاكَ. ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِرِهِ \" لَهُ بِالْجَنَّةِ \" ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ بِحَذْفِ الْبَاء , وَيُقْرَأ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْع الْخَافِض , أَوْ كَأَنَّهُ ضَمَّنَ تَوَكَّلْت مَعْنَى ضَمِنْت. ‏"
    },
    {
        "id": "6310",
        "content": "‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏دَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِي سَمِعْتُهُ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ وَإِمَّا قَالَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ‏ ‏أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِلْخَمْسِينَ امْرَأَةً ‏ ‏الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ وَالنَّسَفِيّ \" أَخْبَرَنَا \". ‏ ‏قَوْله ( دَاوُدَ بْن شَبِيب ) ‏ ‏بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَة وَزْن عَظِيم هُوَ الْبَاهِلِيّ يُكَنَّى أَبَا سُلَيْمَان بَصْرِيّ صَدُوق قَالَهُ أَبُو حَاتِم , وَقَالَ الْبُخَارِيّ : مَاتَ سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ قُلْت : وَلَمْ يُخَرِّج عَنْهُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث هُنَا فَقَطْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ قَتَادَة بِزِيَادَةٍ فِي أَوَّله , وَتَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْعِلْم , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" وَيَظْهَر الزِّنَا \" أَيْ يَشِيع وَيَشْتَهِر بِحَيْثُ لَا يُتَكَاتَم بِهِ لِكَثْرَةِ مَنْ يَتَعَاطَاهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَب قَوْل أَنَس \" لَا يُحَدِّثكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِي \". ‏"
    },
    {
        "id": "6311",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏الْفُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَزْنِي الْعَبْدُ حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏كَيْفَ يُنْزَعُ الْإِيمَانُ مِنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" لَا يَزْنِي الزَّانِي \" ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي شَرْح حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي أَوَّل الْحُدُود وَقَوْل اِبْن جَرِير إِنَّ بَعْضهمْ رَوَاهُ بِصِيغَةِ النَّهْي \" لَا يَزْنِيَنَّ مُؤْمِن \" وَإِنَّ بَعْضهمْ حَمَلَهُ عَلَى الْمُسْتَحِلّ , وَسَاقَهُ بِسَنَدِهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَإِسْحَاق بْن يُوسُف الْمَذْكُور فِي السَّنَد هُوَ الْوَاسِطِيُّ الْمَعْرُوف بِالْأَزْرَقِ , وَالْفُضَيْلُ بِفَاءٍ وَمُعْجَمَةٍ مُصَغَّر وَأَبُو غَزْوَانَ بِغَيْنٍ مُعْجَمَة ثُمَّ زَاي سَاكِنَة بِوَزْنِ شَعْبَان. وَقَوْله فِيهِ \" قَالَ عِكْرِمَة إِلَخْ \" هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , ‏ ‏وَقَوْله \" وَشَبَّكَ بَيْن أَصَابِعه \" ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن هُود الْوَاسِطِيّ عَنْ خَالِد الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقه وَقَالَ \" هَكَذَا فَوَصَفَ صِفَة لَا أَحْفَظهَا \" وَقَدْ قَدَّمْت الْكَلَام عَلَى الصِّفَة الْمَذْكُورَة هُنَاكَ. قَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْد تَخْرِيج حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : وَحِكَايَة تَأْوِيل \" لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِن \" لَا نَعْلَم أَحَدًا كَفَّرَ أَحَدًا بِالزِّنَا وَالسَّرِقَة وَالشُّرْب يَعْنِي مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ , قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَر يَعْنِي الْبَاقِر أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا : خَرَجَ مِنْ الْإِيمَان إِلَى الْإِسْلَام يَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَ الْإِيمَان أَخَصَّ مِنْ الْإِسْلَام فَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْإِيمَان بَقِيَ فِي الْإِسْلَام وَهَذَا يُوَافِق قَوْل الْجُمْهُور إِنَّ الْمُرَاد بِالْإِيمَانِ هُنَا كَمَالُهُ لَا أَصْلُهُ وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6312",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ذَكْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي ذَلِكَ قَدْ مَضَى الْكَلَام عَلَيْهِ , وَعَلَى قَوْله فِي آخِره \" وَالتَّوْبَة مَعْرُوضَة بَعْد \". ‏"
    },
    {
        "id": "6313",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏وَسُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ قَالَ ‏ ‏أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَحَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏وَاصِلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏فَذَكَرْتُهُ ‏ ‏لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَكَانَ حَدَّثَنَا عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏وَمَنْصُورٍ ‏ ‏وَوَاصِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَيْسَرَةَ ‏ ‏قَالَ دَعْهُ دَعْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث عَبْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله ( عَمْرو بْن عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ الفَلَّاس , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان , وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ , وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , وَسُلَيْمَان هُوَ الْأَعْمَش , وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق , وَأَبُو مَيْسَرَة هُوَ عَمْرو بْن شُرَحْبِيل , وَوَاصِل الْمَذْكُور فِي السَّنَد الثَّانِي هُوَ اِبْن حَيَّان بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة هُوَ الْمَعْرُوف بِالْأَحْدَبِ , وَرِجَال السَّنَد مِنْ سُفْيَان فَصَاعِدًا كُوفِيُّونَ , وَقَوْله \" قَالَ عَمْرو \" هُوَ اِبْن عَلِيّ الْمَذْكُور ( فَذَكَرْته لِعَبْدِ الرَّحْمَن ) يَعْنِي اِبْن مَهْدِيّ ( وَكَانَ حَدَّثَنَا ) هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عَمْرو بْن عَلِيّ قَدَّمَ رِوَايَة يَحْيَى عَلَى رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن وَعَقَّبَهَا بِالْفَاءِ وَقَالَ الْهَيْثَم بْن خَلَف فِيمَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْهُ عَنْ عَمْرو بْن عَلِيّ حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ فَسَاقَ رِوَايَته وَحَذَفَ ذِكْرَ وَاصِل مِنْ السَّنَد ثُمَّ قَالَ \" وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن مَرَّة عَنْ سُفْيَان عَنْ مَنْصُور وَالْأَعْمَش وَوَاصِل فَقُلْت لِعَبْدِ الرَّحْمَن حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد فَذَكَرَهُ مُفَصَّلًا فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن دَعْهُ وَالْحَاصِل أَنَّ الثَّوْرِيّ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيث عَنْ ثَلَاثَة أَنْفُس حَدَّثُوهُ بِهِ عَنْ أَبِي وَائِل فَأَمَّا الْأَعْمَش وَمَنْصُور فَأَدْخَلَا بَيْن أَبِي وَائِل وَبَيْن اِبْن مَسْعُود أَبَا مَيْسَرَة , وَأَمَّا وَاصِل فَحَذَفَهُ فَضَبَطَهُ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ سُفْيَان هَكَذَا مُفَصَّلًا , وَأَمَّا عَبْد الرَّحْمَن فَحَدَّثَ بِهِ أَوَّلًا بِغَيْرِ تَفْصِيل فَحَمَلَ رِوَايَة وَاصِل عَلَى رِوَايَة مَنْصُور وَالْأَعْمَش فَجَمَعَ الثَّلَاثَة وَأَدْخَلَ أَبَا مَيْسَرَة فِي السَّنَد , فَلَمَّا ذَكَرَ لَهُ عَمْرو بْن عَلِيّ أَنَّ يَحْيَى فَصَّلَهُ كَأَنَّهُ تَرَدَّدَ فِيهِ فَاقْتَصَرَ عَلَى التَّحْدِيث بِهِ عَنْ سُفْيَان عَنْ مَنْصُور وَالْأَعْمَش حَسْبُ , وَتَرَكَ طَرِيق وَاصِل , وَهَذَا مَعْنَى قَوْله \" فَقَالَ دَعْهُ دَعْهُ \" أَيْ اُتْرُكْهُ وَالضَّمِير لِلطَّرِيقِ الَّتِي اُخْتُلِفَ فِيهَا وَهِيَ رِوَايَة وَاصِل , وَقَدْ زَادَ الْهَيْثَم بْن خَلَف فِي رِوَايَته بَعْد قَوْله دَعْهُ \" فَلَمْ يَذْكُر فِيهِ وَاصِلًا بَعْد ذَلِكَ \" فَعُرِفَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله دَعْهُ أَيْ اُتْرُكْ السَّنَد الَّذِي لَيْسَ فِيهِ ذِكْر أَبِي مَيْسَرَة , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : حَاصِله أَنَّ أَبَا وَائِل وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَى كَثِيرًا عَنْ عَبْد اللَّه فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيث لَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ , قَالَ : وَلَيْسَ الْمُرَاد بِذَلِكَ الطَّعْن عَلَيْهِ لَكِنْ ظَهَرَ لَهُ تَرْجِيح الرِّوَايَة بِإِسْقَاطِ الْوَاسِطَة لِمُوَافَقَةِ الْأَكْثَرِينَ كَذَا قَالَ , وَاَلَّذِي يَظْهَر مَا قَدَّمْته أَنَّهُ تَرَكَهُ مِنْ أَجْل التَّرَدُّد فِيهِ لِأَنَّ ذِكْر أَبِي مَيْسَرَة إِنْ كَانَ فِي أَصْل رِوَايَة وَاصِل فَتَحْدِيثه بِهِ بِدُونِهِ يَسْتَلْزِم أَنَّهُ طَعْنٌ فِيهِ بِالتَّدْلِيسِ أَوْ بِقِلَّةِ الضَّبْط , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي رِوَايَته فِي الْأَصْل فَيَكُون زَادَ فِي السَّنَد مَا لَمْ يَسْمَعهُ فَاكْتَفَى بِرِوَايَةِ الْحَدِيث عَمَّنْ لَا تَرَدُّدَ عِنْده فِيهِ وَسَكَتَ عَنْ غَيْره , وَقَدْ كَانَ عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَ بِهِ مَرَّة عَنْ سُفْيَان عَنْ وَاصِل وَحْده بِزِيَادَةِ أَبِي مَيْسَرَة , كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ لَكِنَّ التِّرْمِذِيّ بَعْد أَنْ سَاقَهُ بِلَفْظِ وَاصِل عَطَفَ عَلَيْهِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور طَرِيق سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش وَمَنْصُور قَالَ بِمِثْلِهِ وَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّل الْأَمْر , وَذَكَرَ الْخَطِيب هَذَا السَّنَد مِثَالًا لِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاع مُدْرَج الْإِسْنَاد وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ مُحَمَّد بْن كَثِير وَافَقَ عَبْد الرَّحْمَن عَلَى رِوَايَته الْأُولَى عَنْ سُفْيَان فَيَصِير الْحَدِيث عَنْ الثَّلَاثَة بِغَيْرِ تَفْصِيل. قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير لَكِنْ اِقْتَصَرَ فِي السَّنَد عَلَى مَنْصُور , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير فَضَمَّ الْأَعْمَش إِلَى مَنْصُور , وَأَخْرَجَهُ الْخَطِيب مِنْ طَرِيق الطَّبَرَانِيّ عَنْ أَبِي مُسْلِم اللَّيْثِيّ عَنْ مَعَاذ بْن الْمُثَنَّى وَيُوسُف الْقَاضِي وَمِنْ طَرِيق أَبِي الْعَبَّاس الْبَرْقِيّ ثَلَاثَتهمْ عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير عَنْ سُفْيَان عَنْ الثَّلَاثَة , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" عَنْ الطَّبَرَانِيّ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ , وَذَكَرَ الْخَطِيب الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى مَنْصُور وَعَلَى الْأَعْمَش فِي ذِكْر أَبِي مَيْسَرَة وَحَذْفه وَلَمْ يُخْتَلَف فِيهِ عَلَى وَاصِل فِي إِسْقَاطه فِي غَيْر رِوَايَة سُفْيَان. قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ وَاصِل بِحَذْفِ أَبِي مَيْسَرَة لَكِنْ قَالَ التِّرْمِذِيّ رِوَايَة مَنْصُور أَصَحُّ يَعْنِي بِإِثْبَاتِ أَبِي مَيْسَرَة , وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَاف فِيهِ وَقَالَ : رَوَاهُ الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه كَقَوْلِ وَاصِل , وَنُقِلَ عَنْ الْحَافِظ أَبِي بَكْر النَّيْسَابُورِيّ أَنَّهُ قَالَ : يُشْبِه أَنْ يَكُون الثَّوْرِيّ جَمَعَ بَيْن الثَّلَاثَة لَمَّا حَدَّثَ بِهِ اِبْنَ مَهْدِيّ وَمُحَمَّدَ بْنَ كَثِيرٍ وَفَصَّلَهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ غَيْرَهُمَا يَعْنِي فَيَكُون الْإِدْرَاج مِنْ سُفْيَان لَا مِنْ عَبْد الرَّحْمَن , وَالْعِلْمُ عِنْد اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى شَيْء مِنْ هَذَا فِي تَفْسِير سُورَة الْفُرْقَان. ‏ ‏قَوْله ( أَيّ الذَّنْب أَعْظَمُ ) ‏ ‏؟ هَذِهِ رِوَايَة الْأَكْثَر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَاصِم عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه \" أَعْظَمُ الذُّنُوب عِنْد اللَّه , أَخْرَجَهَا الْحَارِث , وَفِي رِوَايَة مُسَدَّد الْمَاضِيَة فِي كِتَاب الْأَدَب , أَيّ الذَّنْب عِنْد اللَّه أَكْبَرُ وَفِي رِوَايَة أَبِي عُبَيْدَة بْن مَعْن عَنْ الْأَعْمَش \" أَيّ الذُّنُوب أَكْبَرُ عِنْد اللَّه \" وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش عِنْد أَحْمَدَ وَغَيْره \" أَيّ الذَّنْب أَكْبَرُ \" ؟ وَفِي رِوَايَة الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه عَنْ أَبِي وَائِل \" أَكْبَرُ الْكَبَائِر \" قَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّبِ : يَجُوز أَنْ يَكُون بَعْض الذُّنُوب أَعْظَمَ مِنْ بَعْض مِنْ الذَّنْبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيث بَعْد الشِّرْك , لِأَنَّهُ لَا خِلَاف بَيْن الْأُمَّة أَنَّ اللِّوَاطَ أَعْظَمُ إِثْمًا مِنْ الزِّنَا فَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَصَدَ بِالْأَعْظَمِ هُنَا مَا تَكْثُرُ مُوَاقَعَته وَيَظْهَر الِاحْتِيَاج إِلَى بَيَانه فِي الْوَقْت كَمَا وَقَعَ فِي حَقِّ وَفْدِ عَبْد الْقَيْس حَيْثُ اِقْتَصَرَ فِي مَنْهِيَّاتهمْ عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِالْأَشْرِبَةِ لِفَشْوِهَا فِي بِلَادهمْ. قُلْت : وَفِيمَا قَالَهُ نَظَر مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا مَا نَقَلَهُ مِنْ الْإِجْمَاع , وَلَعَلَّهُ لَا يَقْدِر أَنْ يَأْتِي بِنَقْلٍ صَحِيح صَرِيح بِمَا اِدَّعَاهُ عَنْ إِمَام وَاحِد بَلْ الْمَنْقُول عَنْ جَمَاعَة عَكْسُهُ فَإِنَّ الْحَدّ عِنْد الْجُمْهُور , وَالرَّاجِح مِنْ الْأَقْوَال إِنَّمَا ثَبَتَ فِيهِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الزِّنَا وَالْمَقِيسُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ مِنْ الْمَقِيس أَوْ مُسَاوِيه , وَالْخَبَر الْوَارِد فِي قَتْل الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ أَوْ رَجْمِهِمَا ضَعِيفٌ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَمَا مِنْ مَفْسَدَة فِيهِ إِلَّا وَيُوجَد مِثْلهَا فِي الزِّنَا وَأَشَدُّ , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَا قُيِّدَ بِهِ فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور فَإِنَّ الْمَفْسَدَة فِيهِ شَدِيدَة جِدًّا , وَلَا يَتَأَتَّى مِثْلهَا فِي الذَّنْب الْآخَر , وَعَلَى التَّنَزُّل فَلَا يَزِيد. وَأَمَّا ثَالِثًا فَفِيهِ مُصَادَمَة لِلنَّصِّ الصَّرِيح عَلَى الْأَعْظَمِيَّةِ مِنْ غَيْر ضَرُورَة إِلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا رَابِعًا فَاَلَّذِي مَثَّلَ بِهِ مِنْ قِصَّة الْأَشْرِبَة لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَنَّهُ اِقْتَصَرَ لَهُمْ عَلَى بَعْض الْمَنَاهِي , وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح وَلَا إِشَارَة بِالْحَصْرِ فِي الَّذِي اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ كُلًّا مِنْ الثَّلَاثَة عَلَى تَرْتِيبهَا فِي الْعِظَم , وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُون فِيمَا لَمْ يَذْكُرهُ شَيْء يَتَّصِف بِكَوْنِهِ أَعْظَمَ مِنْهَا لَمَا طَابَقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ , نَعَمْ يَجُوز أَنْ يَكُون فِيمَا لَمْ يُذْكَر شَيْء يُسَاوِي مَا ذُكِرَ فَيَكُون التَّقْدِير فِي الْمَرْتَبَة الثَّانِيَة مَثَلًا بَعْد الْقَتْل الْمَوْصُوف وَمَا يَكُون فِي الْفُحْش مِثْله أَوْ نَحْوه , لَكِنْ يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون فِيمَا لَمْ يُذْكَر فِي الْمَرْتَبَة الثَّانِيَة شَيْء هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْمَرْتَبَة الثَّالِثَة وَلَا مَحْذُور فِي ذَلِكَ , وَأَمَّا مَا مَضَى فِي كِتَاب الْأَدَب مِنْ عَدِّ عُقُوق الْوَالِدَيْنِ فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِر لَكِنَّهَا ذُكِرَتْ بِالْوَاوِ فَيَجُوز أَنْ تَكُون رُتْبَة رَابِعَة وَهِيَ أَكْبَرُ مِمَّا دُونهَا. ‏ ‏قَوْل ( حَلِيلَة جَارك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَزْن عَظِيمَة أَيْ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا , وَقِيلَ الَّتِي تَحُلُّ مَعَهُ فِي فِرَاش وَاحِد , وَقَوْله \" أَجْل أَنْ يَطْعَم مَعَك \" بِفَتْحِ اللَّام أَيْ مِنْ أَجْل فَحُذِفَ الْجَارُّ فَانْتَصَبَ , وَذُكِرَ الْأَكْلُ لِأَنَّهُ كَانَ الْأَغْلَب مِنْ حَال الْعَرَب , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6314",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الشَّعْبِيَّ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حِينَ رَجَمَ الْمَرْأَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ قَدْ ‏ ‏رَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن كُهَيْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْجَعْد عَنْ شُعْبَة : عَنْ سَلَمَة وَمُجَالِد أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ قَعْنَب بْن مُحْرِز رَوَاهُ عَنْ وَهْب بْن جَرِير عَنْ شُعْبَة عَنْ سَلَمَة عَنْ مُجَالِد , وَهُوَ غَلَط وَالصَّوَاب سَلَمَة وَمُجَالِد. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت الشَّعْبِيّ عَنْ عَلِيّ ) ‏ ‏أَيْ يُحَدِّث عَنْ عَلِيّ , قَدْ طَعَنَ بَعْضهمْ كَالْحَازِمِيّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد بِأَنَّ الشَّعْبِيّ لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ عَلِيّ , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : رَوَاهُ عِصَام بْن يُوسُف عَنْ شُعْبَة فَقَالَ \" عَنْ سَلَمَة عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيّ \" وَكَذَا ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ حُسَيْن بْن مُحَمَّد عَنْ شُعْبَة وَوَقَعَ فِي رِوَايَة قَعْنَب الْمَذْكُورَة عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ وَجَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَنَّ الزِّيَادَة فِي الْإِسْنَادَيْنِ وَهْم وَبِأَنَّ الشَّعْبِيّ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ عَلِيّ قَالَ وَلَمْ يَسْمَع عَنْهُ غَيْره. ‏ ‏قَوْله ( حِين رَجَمَ الْمَرْأَة يَوْم الْجُمُعَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْجَعْد \" أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِامْرَأَةٍ زَنَتْ فَضَرَبَهَا يَوْم الْخَمِيس وَرَجَمَهَا يَوْم الْجُمُعَة \" وَكَذَا عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق بَهْز بْن أَسَد عَنْ شُعْبَة وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي حَصِينٍ بِفَتْحِ أَوَّله عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ \" أُتِيَ عَلِيٌّ بِشُرَاحَةَ - وَهِيَ بِضَمِّ الشِّين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء ثُمَّ حَاء مُهْمَلَة الْهَمْدَانِيَّة بِسُكُونِ الْمِيم - وَقَدْ فَجَرَتْ , فَرَدَّهَا حَتَّى وَلَدَتْ وَقَالَ : اِئْتُونِي بِأَقْرَبِ النِّسَاء مِنْهَا فَأَعْطَاهَا الْوَلَدَ ثُمَّ رَجَمَهَا \" وَمِنْ طَرِيق حُصَيْنٍ بِالتَّصْغِيرِ عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ \" أُتِيَ عَلِيٌّ بِمَوْلَاةٍ لِسَعِيدِ بْن قَيْس فَجَرَتْ وَفِي لَفْظ وَهِيَ حُبْلَى فَضَرَبَهَا مِائَة ثُمَّ رَجَمَهَا \" وَذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ فِي تَفْسِير سَنَدِ بْن دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أُخْرَى إِلَى الشَّعْبِيّ قَالَ \" أُتِيَ عَلِيّ بِشُرَاحَةَ فَقَالَ لَهَا : لَعَلَّ رَجُلًا اسْتَكْرَهَكِ , قَالَتْ : لَا , قَالَ فَلَعَلَّهُ أَتَاك وَأَنْتِ نَائِمَة ؟ قَالَتْ : لَا. قَالَ : لَعَلَّ زَوْجَكِ مِنْ عَدُوِّنَا ؟ قَالَتْ : لَا. فَأَمَرَ بِهَا فَحُبِسَتْ , فَلَمَّا وَضَعَتْ أَخْرَجَهَا يَوْم الْخَمِيس فَجَلَدَهَا مِائَة ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى الْحَبْس , فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة حَفَرَ لَهَا وَرَجَمَهَا \" وَلِعَبْدِ الرَّزَّاق مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الشَّعْبِيّ \" أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا وَضَعَتْ أَمَرَ لَهَا بِحُفْرَةٍ فِي السُّوق ثُمَّ قَالَ : إِنَّ أَوْلَى النَّاس أَنْ يَرْجُم الْإِمَام إِذَا كَانَ بِالِاعْتِرَافِ , فَإِنْ كَانَ الشُّهُود فَالشُّهُود ثُمَّ رَمَاهَا \". ‏ ‏قَوْله ( رَجَمْتهَا بِسُنَّةِ رَسُول اللَّه ) ‏ ‏زَادَ عَلِيّ بْن الْجَعْد \" وَجَلَدْتهَا بِكِتَابِ اللَّه \" زَادَ إِسْمَاعِيل بْن سَالِم فِي أَوَّله عَنْ الشَّعْبِيّ \" قِيلَ لِعَلِيٍّ جَمَعْتَ حَدَّيْنِ \" فَذَكَرَهُ. وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق \" أَجْلِدُهَا بِالْقُرْآنِ وَأَرْجُمُهَا بِالسُّنَّةِ \" قَالَ الشَّعْبِيّ : وَقَالَ أُبَيّ بْن كَعْب مِثْل ذَلِكَ , قَالَ الْحَازِمِيّ : ذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاق وَدَاوُدُ وَابْن الْمُنْذِر إِلَى أَنَّ الزَّانِي الْمُحْصَن يُجْلَد ثُمَّ يُرْجَم , وَقَالَ الْجُمْهُور - وَهِيَ رِوَايَة عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا - لَا يُجْمَع بَيْنهمَا , وَذَكَرُوا أَنَّ حَدِيث عُبَادَةَ مَنْسُوخ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِلَفْظِ \" الثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جَلْد مِائَة وَالرَّجْم \" وَالْبِكْر بِالْبِكْرِ جَلْد مِائَة وَالنَّفْي وَالنَّاسِخ لَهُ مَا ثَبَتَ فِي قِصَّة مَاعِز أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَهُ وَلَمْ يُذْكَر الْجَلْد , قَالَ الشَّافِعِيّ : فَدَلَّتْ السُّنَّة عَلَى أَنَّ الْجَلْد ثَابِت عَلَى الْبِكْر وَسَاقِط عَنْ الثَّيِّب. وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ قِصَّة مَاعِز مُتَرَاخِيَة عَنْ حَدِيث عُبَادَةَ أَنَّ حَدِيث عُبَادَةَ نَاسِخ لِمَا شُرِعَ أَوَّلًا مِنْ حَبْس الزَّانِي فِي الْبُيُوت فَنُسِخَ الْحَبْس بِالْجَلْدِ وَزِيدَ الثَّيِّبَ الرَّجْمُ , وَذَلِكَ صَرِيح فِي حَدِيث عُبَادَةَ , ثُمَّ نُسِخَ الْجَلْد فِي حَقّ الثَّيِّب , وَذَلِكَ مَأْخُوذ مِنْ الِاقْتِصَار فِي قِصَّة مَاعِز عَلَى الرَّجْم وَذَلِكَ فِي قِصَّة الْغَامِدِيَّة وَالْجُهَنِيَّة وَالْيَهُودِيَّيْنِ لَمْ يُذْكَر الْجَلْد مَعَ الرَّجْم وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : عَارَضَ بَعْضهمْ الشَّافِعِيّ فَقَالَ الْجَلْد ثَابِت فِي كِتَاب اللَّه وَالرَّجْم ثَابِت بِسُنَّةِ رَسُول اللَّه كَمَا قَالَ عَلِيّ , وَقَدْ ثَبَتَ الْجَمْع بَيْنهمَا فِي حَدِيث عُبَادَةَ وَعَمِلَ بِهِ عَلِيٌّ وَوَافَقَهُ أُبَيّ , وَلَيْسَ فِي قِصَّة مَاعِز وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ تَصْرِيح بِسُقُوطِ الْجَلْد عَنْ الْمَرْجُوم لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون تُرِكَ ذِكْره لِوُضُوحِهِ وَلِكَوْنِهِ الْأَصْل فَلَا يُرَدُّ مَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ بِالِاحْتِمَالِ , وَقَدْ اِحْتَجَّ الشَّافِعِيّ بِنَظِيرِ هَذَا حِين عُورِضَ إِيجَابُهُ الْعُمْرَةَ بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مَنْ سَأَلَهُ أَنْ يَحُجّ عَلَى أَبِيهِ وَلَمْ يَذْكُر الْعُمْرَة , فَأَجَابَ الشَّافِعِيّ بِأَنَّ السُّكُوت عَنْ ذَلِكَ لَا يَدُلّ عَلَى سُقُوطه , قَالَ فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَاب هُنَا. قُلْت : وَبِهَذَا أَلْزَمَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا الشَّافِعِيَّةَ , وَلَهُمْ أَنْ يَنْفَصِلُوا لَكِنْ فِي بَعْض طُرُقه \" حُجَّ عَنْ أَبِيك وَاعْتَمِرْ \" كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الْحَجّ , فَالتَّقْصِير فِي تَرْك ذِكْر الْعُمْرَة مِنْ بَعْض الرُّوَاة , وَأَمَّا قِصَّة مَاعِز فَجَاءَتْ مِنْ طُرُق مُتَنَوِّعَة بِأَسَانِيد مُخْتَلِفَة لَمْ يُذْكَر فِي شَيْء مِنْهَا أَنَّهُ جَلَدَ , وَكَذَلِكَ الْغَامِدِيَّة وَالْجُهَنِيَّة وَغَيْرهمَا , وَقَالَ فِي مَاعِز \" اِذْهَبُوا فَارْجُمُوهُ \" وَكَذَا فِي حَقِّ غَيْره وَلَمْ يَذْكُر الْجَلْد , فَدَلَّ تَرْكُ ذِكْره عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ وَدَلَّ عَدَمُ وُقُوعِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ. وَمِنْ الْمَذَاهِب الْمُسْتَغْرَبَة مَا حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر وَابْن حَزْم عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , زَادَ اِبْنُ حَزْم : وَأَبِي ذَرّ وَابْن عَبْد الْبَرّ عَنْ مَسْرُوق أَنَّ الْجَمْع بَيْن الْجَلْد وَالرَّجْم خَاصّ بِالشَّيْخِ وَالشَّيْخَة , وَأَمَّا الشَّابّ فَيُجْلَد إِنْ لَمْ يُحْصَنْ وَيُرْجَم إِنْ أُحْصِنَ فَقَطْ , وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيث الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث عُمَر فِي \" بَاب رَجْم الْحُبْلَى مِنْ الزِّنَا \" وَقَالَ عِيَاض : شَذَّتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْل الْحَدِيث فَقَالَتْ الْجَمْع عَلَى الشَّيْخ الثَّيِّب دُون الشَّابّ وَلَا أَصْلَ لَهُ , وَقَالَ النَّوَوِيّ : هُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ , كَذَا قَالَهُ وَنَفَى أَصْلَهُ , وَوَصْفَهُ , بِالْبُطْلَانِ إِنْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ طَرِيقه فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُ ثَابِت كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي \" بَاب الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ \" وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ دَلِيلَهُ فَفِيهِ نَظَر أَيْضًا لِأَنَّ الْآيَة وَرَدَتْ بِلَفْظِ الشَّيْخ فَفَهِمَ هَؤُلَاءِ مِنْ تَخْصِيص الشَّيْخ بِذَلِكَ أَنَّ الشَّابّ أَعْذَرُ مِنْهُ فِي الْجُمْلَة , فَهُوَ مَعْنًى مُنَاسِب وَفِيهِ جَمْع بَيْن الْأَدِلَّة فَكَيْف يُوصَف بِالْبُطْلَانِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز نَسْخ التِّلَاوَة دُون الْحُكْم. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْض الْمُعْتَزِلَة وَاعْتَلَّ بِأَنَّ التِّلَاوَة مَعَ حُكْمهَا كَالْعِلْمِ مَعَ الْعَالَمِيَّة فَلَا يَنْفَكَّانِ , وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ فَإِنَّ الْعَالَمِيَّة لَا تُنَافِي قِيَام الْعِلْم بِالذَّاتِ , سَلَّمْنَا لَكِنَّ التِّلَاوَة أَمَارَة الْحُكْم فَيَدُلّ وُجُودهَا عَلَى ثُبُوته وَلَا دَلَالَة مِنْ مُجَرَّدهَا عَلَى وُجُوب الدَّوَام فَلَا يَلْزَم مِنْ اِنْتِفَاء الْأَمَارَة فِي طَرَفِ الدَّوَامِ اِنْتِفَاءُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ , فَإِذَا نُسِخَتْ التِّلَاوَة وَلَمْ يَنْتَفِ الْمَدْلُول , وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6315",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏هَلْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ قُلْتُ قَبْلَ سُورَةِ النُّورِ أَمْ بَعْدُ قَالَ لَا أَدْرِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنَا إِسْحَاق \" وَهُوَ اِبْن شَاهِين الْوَاسِطِيّ , ‏ ‏وَخَالِد ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الطَّحَّان , وَالشَّيْبَانِيّ هُوَ أَبُو إِسْحَاق سُلَيْمَان مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ. ‏ ‏قَوْله ( قَبْل سُورَة النُّور أَمْ بَعْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَمْ بَعْدهَا \" وَفَائِدَة هَذَا السُّؤَال أَنَّ الرَّجْم إِنْ كَانَ وَقَعَ قَبْلهَا فَيُمْكِن أَنْ يُدَّعَى نَسْخه بِالتَّنْصِيصِ فِيهَا عَلَى أَنَّ حَدَّ الزَّانِي الْجَلْد , وَإِنْ كَانَ وَقَعَ بَعْدهَا فَيُمْكِن أَنْ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى نَسْخ الْجَلْد فِي حَقّ الْمُحْصَن , لَكِنْ يَرِد عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ نَسْخ الْكِتَاب بِالسُّنَّةِ وَفِيهِ خِلَاف , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَمْنُوع نَسْخ الْكِتَاب بِالسُّنَّةِ إِذَا جَاءَتْ مِنْ طَرِيق الْآحَاد , وَأَمَّا السُّنَّة الْمَشْهُورَة فَلَا وَأَيْضًا فَلَا نَسْخ وَإِنَّمَا هُوَ مُخَصَّص بِغَيْرِ الْمُحْصَن. ‏ ‏قَوْله ( لَا أَدْرِي ) ‏ ‏يَأْتِي بَيَانه بَعْد أَبْوَاب , وَقَدْ قَامَ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ الرَّجْم وَقَعَ بَعْد سُورَة النُّور لِأَنَّ نُزُولهَا كَانَ فِي قِصَّة الْإِفْك , وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ سَنَةَ أَرْبَع أَوْ خَمْس أَوْ سِتّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه , وَالرَّجْم كَانَ بَعْد ذَلِكَ فَقَدْ حَضَرَهُ أَبُو هُرَيْرَة وَإِنَّمَا أَسْلَمَ سَنَة سَبْع وَابْن عَبَّاس إِنَّمَا جَاءَ مَعَ أُمّه إِلَى الْمَدِينَة سَنَة تِسْع. ‏"
    },
    {
        "id": "6316",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَسْلَمْ ‏ ‏أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ ‏ ‏فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرُجِمَ وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" أَخْبَرَنَا \" ‏ ‏وَعَبْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , ‏ ‏وَيُونُس ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" أَخْبَرَنِي \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ بَنِي أَسْلَمَ الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة , وَاسْم هَذَا الرَّجُل مَاعِز بْن مَالِك كَمَا سَيَأْتِي مُسَمًّى عَنْ اِبْن عَبَّاس بَعْد سَبْعَة أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "6317",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَبِكَ جُنُونٌ قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ أَحْصَنْتَ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏مَنْ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى فَلَمَّا ‏ ‏أَذْلَقَتْهُ ‏ ‏الْحِجَارَةُ هَرَبَ فَأَدْرَكْنَاهُ ‏ ‏بِالْحَرَّةِ ‏ ‏فَرَجَمْنَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عُقَيْل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن خَالِد. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي سَلَمَة وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب ) ‏ ‏هَذِهِ رِوَايَة يَحْيَى بْن بُكَيْر عَنْ اللَّيْث , وَوَافَقَهُ شُعَيْب بْن اللَّيْث عَنْ أَبِيهِ عِنْد مُسْلِم , وَسَيَأْتِي بَعْد سِتَّة أَبْوَاب مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن عُفَيْر عَنْ اللَّيْث عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد عَنْ اِبْن شِهَاب , وَجَمَعَهَا مُسْلِم فَوَصَلَ رِوَايَة عُقَيْل وَعَلَّقَ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن فَقَالَ بَعْد رِوَايَة اللَّيْث عَنْ عُقَيْل : وَرَوَاهُ اللَّيْث أَيْضًا عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد. قُلْت : وَرَوَاهُ مَعْمَر وَيُونُس وَابْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَبِي سَلَمَة وَحْده عَنْ جَابِر , وَجَمَعَ مُسْلِم هَذِهِ الطُّرُق وَأَحَالَ بِلَفْظِهَا عَلَى رِوَايَة عُقَيْل , وَسَيَأْتِي لِلْبُخَارِيِّ بَعْد بَابَيْنِ مِنْ رِوَايَة مَعْمَر , وَعَلَّقَ طَرَفًا مِنْهُ لِيُونُس وَابْن جُرَيْجٍ وَوَصَلَ رِوَايَة يُونُس قَبْل هَذَا , وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ فَوَصَلَهَا مُسْلِم عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر وَابْن جُرَيْجٍ مَعًا , وَوَقَعَتْ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي \" مُسْتَخْرَج أَبِي نُعَيْم \" مِنْ رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ عَنْ الْفَرَبْرِيّ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ وَحْده. ‏ ‏قَوْله ( أَتَى رَجُلٌ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن مُسَافِر فِي رِوَايَته \" مِنْ النَّاس \" وَفِي رِوَايَة شُعَيْب بْن اللَّيْث \" مِنْ الْمُسْلِمِينَ \" وَفِي رِوَايَة يُونُس وَمَعْمَر \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ \" وَفِي حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة عِنْد مُسْلِم رَأَيْت مَاعِز بْن مَالِك الْأَسْلَمِيّ حِين جِيءَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" رَجُل قَصِير أَعْضَل لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاء \" وَفِي لَفْظ \" ذُو عَضَلَات \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة ثُمَّ الْمُعْجَمَة , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْعَضَلَة مَا اِجْتَمَعَ مِنْ اللَّحْم فِي أَعْلَى بَاطِن السَّاق. وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : كُلّ عَصَبَة مَعَ لَحْم فَهِيَ عَضَلَة. وَقَالَ اِبْن الْقَطَّاع : الْعَضَلَة لَحْم السَّاق وَالذِّرَاع وَكُلّ لَحْمَة مُسْتَدِيرَة فِي الْبَدَن وَالْأَعْضَل الشَّدِيد الْخَلْق وَمِنْهُ أَعْضَلَ الْأَمْرُ إِذَا اِشْتَدَّ , لَكِنْ دَلَّتْ الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ هُنَا كَثِير الْعَضَلَات. ‏ ‏قَوْله ( فَأَعْرَضَ عَنْهُ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن مُسَافِر \" فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ \" بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَة , وَفِي رِوَايَة شُعَيْب \" فَتَنَحَّى تِلْقَاء وَجْهِهِ \" أَيْ اِنْتَقَلَ مِنْ النَّاحِيَة الَّتِي كَانَ فِيهَا إِلَى النَّاحِيَة الَّتِي يَسْتَقْبِل بِهَا وَجْهَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتِلْقَاء مَنْصُوب عَلَى الظَّرْفِيَّة وَأَصْله مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقَامَ الظَّرْف أَيْ مَكَان تِلْقَاء فَحُذِفَ مَكَان قَبْلُ , وَلَيْسَ مِنْ الْمَصَادِر تِفْعَال بِكَسْرِ أَوَّله إِلَّا هَذَا وَتِبْيَان وَسَائِرهَا بِفَتْحِ أَوَّله , وَأَمَّا الْأَسْمَاء بِهَذَا الْوَزْن فَكَثِيرَة. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى رَدَّدَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" حَتَّى رَدَّ \" بِدَالٍ وَاحِدَة , وَفِي رِوَايَة شُعَيْب بْن اللَّيْث \" حَتَّى ثَنَى ذَلِكَ عَلَيْهِ \" وَهُوَ بِمُثَلَّثَةٍ بَعْدهَا نُون خَفِيفَة أَيْ كَرَّرَ , وَفِي حَدِيث بُرَيْدَةَ عِنْد مُسْلِم \" قَالَ وَيْحك , اِرْجِعْ فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ \" فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيد ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ \" يَا رَسُول اللَّه طَهِّرْنِي \" وَفِي لَفْظ \" فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَد أَتَاهُ \" وَوَقَعَ فِي مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عِنْد مَالِك وَالنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ عَنْ سَعِيد \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ لِأَبِي بَكْر الصِّدِّيق : إِنَّ الْآخِرَ زَنَى , قَالَ : فَتُبْ إِلَى اللَّه وَاسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّه. ثُمَّ أَتَى عُمَر كَذَلِكَ فَأَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثَلَاث مَرَّات , حَتَّى إِذَا أَكْثَرَ عَلَيْهِ بَعَثَ إِلَى أَهْله \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسه أَرْبَع شَهَادَات ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" أَرْبَع مَرَّات \" وَفِي رِوَايَة بُرَيْدَةَ الْمَذْكُورَة \" حَتَّى إِذَا كَانَتْ الرَّابِعَة قَالَ فَبِمَ أُطَهِّرُك \" وَفِي حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة مِنْ طَرِيق أَبِي عَوَانَة عَنْ سِمَاك \" فَشَهِدَ عَلَى نَفْسه أَرْبَع شَهَادَات \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ سِمَاك قَالَ \" فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ \" وَفِي أُخْرَى \" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا \" قَالَ شُعْبَة قَالَ سِمَاك : فَذَكَرْته لِسَعِيدِ بْن جُبَيْر فَقَالَ إِنَّهُ رَدَّهُ أَرْبَع مَرَّات. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد مُسْلِم أَيْضًا \" فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا ثَلَاث مَرَّات \" وَالْجَمْع بَيْنهمَا ; أَمَّا رِوَايَة مَرَّتَيْنِ فَتُحْمَل عَلَى أَنَّهُ اِعْتَرَفَ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْم وَمَرَّتَيْنِ فِي يَوْم آخَر لِمَا يُشْعِر بِهِ قَوْلُ بُرَيْدَةَ \" فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَد \" فَاقْتَصَرَ الرَّاوِي عَلَى أَحَدهمَا , أَوْ مُرَاده اِعْتَرَفَ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ فَيَكُون مِنْ ضَرْب اِثْنَيْنِ فِي اِثْنَيْنِ , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل عَنْ سِمَاك عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" جَاءَ مَاعِز بْن مَالِك إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا مَرَّتَيْنِ فَطَرَدَهُ , ثُمَّ جَاءَ فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا مَرَّتَيْنِ \" وَأَمَّا رِوَايَة الثَّلَاث فَكَأَنَّ الْمُرَاد الِاقْتِصَار عَلَى الْمَرَّات الَّتِي رَدَّهُ فِيهَا , وَأَمَّا الرَّابِعَة فَإِنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُ بَلْ اِسْتَثْبَتَ فِيهِ وَسَأَلَ عَنْ عَقْله , لَكِنْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن الصَّامِت مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْبَات فِيهِ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْد الرَّابِعَة وَلَفْظه \" جَاءَ الْأَسْلَمِيّ فَشَهِدَ عَلَى نَفْسه أَنَّهُ أَصَابَ اِمْرَأَة حَرَامًا أَرْبَع مَرَّات كُلّ ذَلِكَ يُعْرِض عَنْهُ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَقْبَلَ فِي الْخَامِسَة فَقَالَ : تَدْرِي مَا الزَّانِي \" إِلَى آخِره , وَالْمُرَاد بِالْخَامِسَةِ الصِّفَة الَّتِي وَقَعَتْ مِنْهُ عِنْد السُّؤَال وَالِاسْتِثْبَات , لِأَنَّ صِفَة الْإِعْرَاض وَقَعَتْ أَرْبَع مَرَّات وَصِفَة الْإِقْبَال عَلَيْهِ لِلسُّؤَالِ وَقَعَتْ بَعْدهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَبِكَ جُنُون ؟ قَالَ لَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب فِي الطَّلَاق \" وَهَلْ بِك جُنُون \" وَفِي حَدِيث بُرَيْدَةَ \" فَسَأَلَ أَبِهِ جُنُون ؟ فَأُخْبِرَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ \" وَفِي لَفْظ \" فَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمه فَقَالُوا : مَا نَعْلَمُهُ إِلَّا وَفِيَّ الْعَقْلِ مِنْ صَالِحِينَا \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" ثُمَّ سَأَلَ قَوْمه فَقَالُوا : مَا نَعْلَم بِهِ بَأْسًا إِلَّا أَنَّهُ أَصَابَ شَيْئًا يَرَى أَنَّهُ لَا يَخْرُج مِنْهُ إِلَّا أَنْ يُقَام فِيهِ الْحَدّ لِلَّهِ \" وَفِي مُرْسَل أَبِي سَعِيد \" بَعَثَ إِلَى أَهْله فَقَالَ : أَشْتَكَى بِهِ جِنَّة ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه إِنَّهُ لَصَحِيح \" وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ سَأَلَهُ ثُمَّ سَأَلَ عَنْهُ اِحْتِيَاطًا , فَإِنَّ فَائِدَة سُؤَاله أَنَّهُ لَوْ اِدَّعَى الْجُنُون لَكَانَ فِي ذَلِكَ دَفْع لِإِقَامَةِ الْحَدّ عَلَيْهِ حَتَّى يَظْهَر خِلَاف دَعْوَاهُ , فَلَمَّا أَجَابَ بِأَنَّهُ لَا جُنُون بِهِ سَأَلَ عَنْهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون كَذَلِكَ وَلَا يُعْتَدّ بِقَوْلِهِ , وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق نُعَيْم بْن هَزَّال قَالَ \" كَانَ مَاعِز بْن مَالِك يَتِيمًا فِي حِجْر أَبِي فَأَصَابَ جَارِيَة مِنْ الْحَيّ , فَقَالَ لَهُ أَبِي : اِئْتِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعْت لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِر لَك وَرَجَاء أَنْ يَكُون لَهُ مَخْرَج \" فَذَكَرَ الْحَدِيث فَقَالَ عِيَاض : فَائِدَة سُؤَاله أَبِكَ جُنُون سَتْرًا لِحَالِهِ وَاسْتِبْعَادَ أَنْ يُلِحّ عَاقِلٌ بِالِاعْتِرَافِ بِمَا يَقْتَضِي إِهْلَاكه , وَلَعَلَّهُ يَرْجِع عَنْ قَوْله , أَوْ لِأَنَّهُ سَمِعَهُ وَحْده , أَوْ لِيُتِمّ إِقْرَاره أَرْبَعًا عِنْد مَنْ يَشْتَرِطهُ. وَأَمَّا سُؤَالُهُ قَوْمَهُ عَنْهُ بَعْد ذَلِكَ فَمُبَالَغَة فِي الِاسْتِثْبَات وَتَعَقَّبَ بَعْضُ الشُّرَّاح قَوْلَهُ \" أَوْ لِأَنَّهُ سَمِعَهُ وَحْده \" بِأَنَّهُ كَلَام سَاقِط لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي نَفْس الْخَبَر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَة فِي الْمَسْجِد. قُلْت : وَيُرَدّ بِوَجْهٍ آخَر وَهُوَ أَنَّ اِنْفِرَاده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَمَاعِ إِقْرَار الْمُقِرّ كَافٍ فِي الْحُكْم عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ اِتِّفَاقًا إِذْ لَا يَنْطِق عَنْ الْهَوَى , بِخِلَافِ غَيْره فَفِيهِ اِحْتِمَال. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ فَهَلْ أُحْصِنْت ) ‏ ‏أَيْ تَزَوَّجْت , هَذَا مَعْنَاهُ جَزْمًا هُنَا , لِافْتِرَاقِ الْحُكْم فِي حَدِّ مَنْ تَزَوَّجَ وَمَنْ لَمْ يَتَزَوَّج. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ : نَعَمْ ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيث بُرَيْدَةَ قَبْل هَذَا \" أَشَرِبْت خَمْرًا ؟ قَالَ لَا \" وَفِيهِ \" فَقَامَ رَجُل فَاسْتَنْكَهَهُ فَلَمْ يَجِد مِنْهُ رِيحًا \" وَزَادَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْآتِي قَرِيبًا \" لَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ غَمَزْت - بِمُعْجَمَةٍ وَزَاي - أَوْ نَظَرْت ) أَيْ فَأَطْلَقْت عَلَى كُلّ ذَلِكَ زِنًا وَلَكِنَّهُ لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ \" قَالَ : لَا \" وَفِي حَدِيث نُعَيْم \" فَقَالَ هَلْ ضَاجَعْتهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : فَهَلْ بَاشَرْتهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : هَلْ جَامَعْتهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور \" فَقَالَ أَنِكْتَهَا \" لَا يَكْنِي بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَسُكُون الْكَاف مِنْ الْكِنَايَة أَيْ أَنَّهُ ذَكَرَ هَذَا اللَّفْظ صَرِيحًا وَلَمْ يَكْنِ عَنْهُ بِلَفْظٍ آخَر كَالْجِمَاعِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُجْمَع بِأَنَّهُ ذَكَرَ بَعْد ذِكْر الْجِمَاع بِأَنَّ الْجِمَاع قَدْ يُحْمَل عَلَى مُجَرَّد الِاجْتِمَاع , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور \" أَنِكْتَهَا ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ حَتَّى دَخَلَ ذَلِكَ مِنْك فِي ذَلِكَ مِنْهَا ؟ قَالَ نَعَمْ , قَالَ كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ : تَدْرِي مَا الزِّنَا قَالَ : نَعَمْ ؟ أَتَيْت مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ اِمْرَأَته حَلَالًا , قَالَ : فَمَا تُرِيد بِهَذَا الْقَوْل ؟ قَالَ : تُطَهِّرنِي , فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ \" وَقَبْله عِنْد النَّسَائِيِّ هُنَا \" هَلْ أَدْخَلْته وَأَخْرَجْته ؟ قَالَ نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ) ‏ ‏صَرَّحَ يُونُس وَمَعْمَر فِي رِوَايَتهمَا بِأَنَّهُ أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن , فَكَأَنَّ الْحَدِيث كَانَ عِنْد أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة كَمَا عِنْد سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَعِنْده زِيَادَة عَلَيْهِ عَنْ جَابِر. ‏ ‏قَوْله ( فَكُنْت فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بِالْمُصَلَّى \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فَمَا أَوْثَقْنَاهُ وَلَا حَفَرْنَا لَهُ \" قَالَ \" فَرَمَيْنَاهُ بِالْعِظَامِ وَالْمَدَرِ وَالْخَزَفِ \" بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي وَبِالْفَاءِ وَهِيَ الْآنِيَة الَّتِي تُتَّخَذ مِنْ الطِّين الْمَشْوِيّ وَكَأَنَّ الْمُرَادَ مَا تَكَسَّرَ مِنْهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ ) ‏ ‏بِذَالٍ مُعْجَمَة وَفَتْح اللَّام بَعْدهَا قَاف أَيْ أَقْلَقَتْهُ وَزْنه وَمَعْنَاهُ قَالَ أَهْل اللُّغَة : الذَّلَق بِالتَّحْرِيكِ الْقَلَق وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ , وَقَالَ فِي النِّهَايَة : أَذْلَقَتْهُ بَلَغَتْ مِنْهُ الْجَهْد حَتَّى قَلِقَ , يُقَال أَذْلَقَهُ الشَّيْءُ أَجْهَدَهُ , وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَة أَصَابَتْهُ بِحَدِّهَا , وَمِنْهُ اِنْذَلَقَ صَارَ لَهُ حَدٌّ يَقْطَع. ‏ ‏قَوْله ( هَرَبَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن مُسَافِر \" جَمَزَ \" بِجِيمٍ وَمِيم مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ زَاي أَيْ وَثَبَ مُسْرِعًا وَلَيْسَ بِالشَّدِيدِ الْعَدْو بَلْ كَالْقَفْزِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فَاشْتَدَّ وَأَسْنَدَ لَنَا خَلْفَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ ) ‏ ‏زَادَ مَعْمَر فِي رِوَايَته \" حَتَّى مَاتَ \" وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" حَتَّى أَتَى عُرْض - بِضَمِّ أَوَّله أَيْ جَانِب - الْحَرَّة , فَرَمَيْنَاهُ بِجَلَامِيد الْحَرَّة حَتَّى سَكَتَ \" وَعِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة مَاعِز \" فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَة فَرَّ يَشْتَدّ حَتَّى مَرَّ بِرَجُلٍ مَعَهُ لَحْي جَمَل فَضَرَبَهُ وَضَرَبَهُ النَّاس حَتَّى مَاتَ \" وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن نُعَيْم بْن هَزَّال عَنْ أَبِيهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَوَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَة فَخَرَجَ يَشْتَدّ , فَلَقِيَهُ عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس وَقَدْ عَجَزَ أَصْحَابه فَنَزَعَ لَهُ بِوَظِيفِ بَعِير فَرَمَاهُ فَقَتَلَهُ \" وَهَذَا ظَاهِره يُخَالِف ظَاهِر رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُمْ ضَرَبُوهُ مَعَهُ , لَكِنْ يُجْمَع بِأَنَّ قَوْله فِي هَذَا \" فَقَتَلَهُ \" أَيْ كَانَ سَبَبًا فِي قَتْله , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة لِلطَّبَرَانِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" فَضَرَبَ سَاقَهُ فَصَرَعَهُ , وَرَجَمُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ ) وَالْوَظِيف بِمُعْجَمَةٍ وَزْن عَظِيم : خُفّ الْبَعِير وَقِيلَ مُسْتَدَقّ الذِّرَاع وَالسَّاق مِنْ الْإِبِل وَغَيْرهَا , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد النَّسَائِيِّ \" فَانْتَهَى إِلَى أَصْل شَجَرَة فَتَوَسَّدَ يَمِينَهُ حَتَّى قُتِلَ \" وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي مَالِك عَنْ رَجُل مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى حَائِط يَبْلُغ صَدْرَهُ فَذَهَبَ يَثِب فَرَمَاهُ رَجُل فَأَصَابَ أَصْل أُذُنه فَصُرِعَ فَقَتَلَهُ \" وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد مَنْقَبَة عَظِيمَة لِمَاعِزِ بْن مَالِك لِأَنَّهُ اِسْتَمَرَّ عَلَى طَلَب إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهِ مَعَ تَوْبَته لِيَتِمّ تَطْهِيره وَلَمْ يَرْجِع عَنْ إِقْرَاره مَعَ أَنَّ الطَّبْع الْبَشَرِيّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَسْتَمِرّ عَلَى الْإِقْرَار بِمَا يَقْتَضِي إِزْهَاق نَفْسه فَجَاهَدَ نَفْسه عَلَى ذَلِكَ وَقَوِيَ عَلَيْهَا وَأَقَرَّ مِنْ غَيْر اِضْطِرَار إِلَى إِقَامَة ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالشَّهَادَةِ مَعَ وُضُوح الطَّرِيق إِلَى سَلَامَته مِنْ الْقَتْل بِالتَّوْبَةِ , وَلَا يُقَال لَعَلَّهُ لَمْ يَعْلَم أَنَّ الْحَدّ بَعْد أَنْ يُرْفَع لِلْإِمَامِ يَرْتَفِع بِالرُّجُوعِ لِأَنَّا نَقُول كَانَ لَهُ طَرِيق أَنْ يُبْرِز أَمْره فِي صُورَة الِاسْتِفْتَاء فَيَعْلَم مَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَام الْمَسْأَلَة وَيَبْنِي عَلَى مَا يُجَاب بِهِ وَيَعْدِل عَنْ الْإِقْرَار إِلَى ذَلِكَ , وَيُؤْخَذ مِنْ قَضِيَّته أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِمَنْ وَقَعَ فِي مِثْل قَضِيَّته أَنْ يَتُوب إِلَى اللَّه تَعَالَى وَيَسْتُر نَفْسَهُ وَلَا يَذْكُر ذَلِكَ لِأَحَدٍ كَمَا أَشَارَ بِهِ أَبُو بَكْر وَعُمَر عَلَى مَاعِز , وَأَنَّ مَنْ اِطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ يَسْتُر عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرْنَا وَلَا يَفْضَحهُ وَلَا يَرْفَعهُ إِلَى الْإِمَام كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" لَوْ سَتَرْته بِثَوْبِك لَكَانَ خَيْرًا لَك \" وَبِهَذَا جَزَمَ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَالَ : أُحِبُّ لِمَنْ أَصَابَ ذَنْبًا فَسَتَرَهُ اللَّه عَلَيْهِ أَنْ يَسْتُرهُ عَلَى نَفْسه وَيَتُوب , وَاحْتَجَّ بِقِصَّةِ مَاعِز مَعَ أَبِي بَكْر وَعُمَر. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هَذَا كُلّه فِي غَيْر الْمُجَاهِر , فَأَمَّا إِذَا كَانَ مُتَظَاهِرًا بِالْفَاحِشَةِ مُجَاهِرًا فَإِنِّي أُحِبّ مُكَاشَفَته وَالتَّبْرِيح بِهِ لِيَنْزَجِر هُوَ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ اِسْتِحْبَابُ السَّتْر مَعَ مَا وَقَعَ مِنْ الثَّنَاء عَلَى مَاعِز وَالْغَامِدِيَّة , وَأَجَابَ شَيْخنَا \" فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ \" بِأَنَّ الْغَامِدِيَّة كَانَ ظَهَرَ بِهَا الْحَبَلُ مَعَ كَوْنهَا غَيْر ذَات زَوْج فَتَعَذَّرَ الِاسْتِتَار لِلِاطِّلَاعِ عَلَى مَا يُشْعِر بِالْفَاحِشَةِ , وَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَ بَعْضُهُمْ تَرْجِيحَ الِاسْتِتَار حَيْثُ لَا يَكُون هُنَاكَ مَا يُشْعِر بِضِدِّهِ , وَإِنْ وُجِدَ فَالرَّفْع إِلَى الْإِمَام لِيُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ أَفْضَلُ اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ السَّتْر مُسْتَحَبّ وَالرَّفْعَ لِقَصْدِ الْمُبَالَغَة فِي التَّطْهِير أَحَبّ وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. وَفِيهِ التَّثَبُّت فِي إِزْهَاق نَفْس الْمُسْلِم وَالْمُبَالَغَة فِي صِيَانَته لِمَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ تَرْدِيده وَالْإِيمَاء إِلَيْهِ بِالرُّجُوعِ وَالْإِشَارَة إِلَى قَبُول دَعْوَاهُ إِنْ اِدَّعَى إِكْرَاهًا أَوْ خَطَأً فِي مَعْنَى الزِّنَا أَوْ مُبَاشَرَة دُون الْفَرْج مَثَلًا أَوْ غَيْر ذَلِكَ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْإِقْرَار بِفِعْلِ الْفَاحِشَة عِنْد الْإِمَام وَفِي الْمَسْجِد وَالتَّصْرِيح فِيهِ بِمَا يُسْتَحْيَى مِنْ التَّلَفُّظ بِهِ مِنْ أَنْوَاع الرَّفَث فِي الْقَوْل مِنْ أَجْل الْحَاجَة الْمُلْجِئَة لِذَلِكَ. وَفِيهِ نِدَاء الْكَبِير بِالصَّوْتِ الْعَالِي وَإِعْرَاض الْإِمَام عَنْ مَنْ أَقَرَّ بِأَمْرٍ مُحْتَمَل لِإِقَامَةِ الْحَدّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُفَسِّرهُ بِمَا لَا يُوجِب حَدًّا أَوْ يَرْجِع , وَاسْتِفْسَاره عَنْ شُرُوط ذَلِكَ لِيُرَتِّب عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ وَأَنَّ إِقْرَار الْمَجْنُون لَاغٍ , وَالتَّعْرِيض لِلْمُقِرِّ بِأَنْ يَرْجِع وَأَنَّهُ إِذَا رَجَعَ قُبِلَ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَجَاءَ عَنْ مَالِك رِوَايَة أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِرُجُوعِهِ , وَحَدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَع. وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِمَنْ وَقَعَ فِي مَعْصِيَة وَنَدِمَ أَنْ يُبَادِر إِلَى التَّوْبَة مِنْهَا وَلَا يُخْبِر بِهَا أَحَدًا وَيَسْتَتِر بِسِتْرِ اللَّه , وَإِنْ اِتَّفَقَ أَنَّهُ يُخْبِر أَحَدًا فَيُسْتَحَبّ أَنْ يَأْمُرهُ بِالتَّوْبَةِ وَسَتْرِ ذَلِكَ عَنْ النَّاس كَمَا جَرَى لِمَاعِزٍ مَعَ أَبِي بَكْر ثُمَّ عُمَر , وَقَدْ أَخْرَجَ قِصَّته مَعَهُمَا فِي الْمُوَطَّأ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب مُرْسَلَة , وَوَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن نُعَيْم بْن هَزَّال عَنْ أَبِيهِ. وَفِي الْقِصَّة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِهَزَّالٍ \" لَوْ سَتَرْته بِثَوْبِك لَكَانَ خَيْرًا لَك \" وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ذَكَرْت هَذَا الْحَدِيثَ فِي مَجْلِس فِيهِ يَزِيد بْن نُعَيْم فَقَالَ هَزَّال جَدِّي جَدِّي وَهَذَا الْحَدِيث حَقٌّ. قَالَ الْبَاجِيّ : الْمَعْنَى خَيْرًا لَك مِمَّا أَمَرْته بِهِ مِنْ إِظْهَار أَمْره , وَكَانَ سَتْره بِأَنْ يَأْمُرهُ بِالتَّوْبَةِ وَالْكِتْمَان كَمَا أَمَرَهُ أَبُو بَكْر وَعُمَر , وَذَكَرَ الثَّوْب مُبَالَغَة أَيْ لَوْ لَمْ تَجِد السَّبِيل إِلَى سَتْره إِلَّا بِرِدَائِك مِمَّنْ عَلِمَ أَمْرَهُ كَانَ أَفْضَلَ مِمَّا أَشَرْت بِهِ عَلَيْهِ مِنْ الْإِظْهَار. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِشْتِرَاط تَكْرِير الْإِقْرَار بِالزِّنَا أَرْبَعًا لِظَاهِرِ قَوْله \" فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسه أَرْبَع شَهَادَات \" فَإِنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِأَنَّ الْعَدَد هُوَ الْعِلَّة فِي تَأْخِير إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَأَمَرَ بِرَجْمِهِ فِي أَوَّل مَرَّة , وَلِأَنَّ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" قَالَ لِمَاعِزٍ قَدْ شَهِدْت عَلَى نَفْسك أَرْبَع شَهَادَات , اِذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُؤَيِّدهُ وَيُؤَيِّد الْقِيَاسَ عَلَى عَدَد شُهُود الزِّنَا دُون غَيْره مِنْ الْحُدُود , وَهُوَ قَوْل الْكُوفِيِّينَ وَالرَّاجِح عِنْد الْحَنَابِلَة , وَزَادَ اِبْن أَبِي لَيْلَى فَاشْتُرِطَ أَنْ تَتَعَدَّد مَجَالِسُ الْإِقْرَار , وَهِيَ رِوَايَة عَنْ الْحَنَفِيَّة وَتَمَسَّكُوا بِصُورَةِ الْوَاقِعَة , لَكِنَّ الرِّوَايَات فِيهَا اِخْتَلَفَتْ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمَجَالِس تَعَدَّدَتْ لَكِنْ لَا بِعَدَدِ الْإِقْرَار , فَأَكْثَرُ مَا نُقِلَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَقَرَّ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ عَادَ مِنْ الْغَد فَأَقَرَّ مَرَّتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه مِنْ عِنْد مُسْلِم وَتَأَوَّلَ الْجُمْهُور بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي قِصَّة مَاعِز وَهِيَ وَاقِعَةُ حَالٍ فَجَازَ أَنْ يَكُون لِزِيَادَةِ الِاسْتِثْبَات , وَيُؤَيِّد هَذَا الْجَوَابَ مَا تَقَدَّمَ فِي سِيَاق حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَمَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي قِصَّة الْغَامِدِيَّة حَيْثُ قَالَتْ لَمَّا جَاءَتْ \" طَهِّرْنِي , فَقَالَ وَيْحك اِرْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي , قَالَتْ : أَرَاك تُرِيد أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْت مَاعِزًا إِنَّهَا حُبْلَى مِنْ الزِّنَا \" فَلَمْ يُؤَخِّر إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهَا إِلَّا لِكَوْنِهَا حُبْلَى. فَلَمَّا وَضَعَتْ أَمَرَ بِرَجْمِهَا وَلَمْ يَسْتَفْسِرهَا مَرَّة أُخْرَى وَلَا اِعْتَبَرَ تَكْرِير إِقْرَارهَا وَلَا تَعَدُّد الْمَجَالِس , وَكَذَا وَقَعَ فِي قِصَّة الْعَسِيفِ حَيْثُ قَالَ \" وَاغْدُ يَا أُنَيْس إِلَى اِمْرَأَة هَذَا فَإِنْ اِعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا \" وَفِيهِ \" فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا \" وَلَمْ يَذْكُر تَعَدُّد الِاعْتِرَاف وَلَا الْمَجَالِس , وَسَيَأْتِي قَرِيبًا مَعَ شَرْحه مُسْتَوْفًى. وَأَجَابُوا عَنْ الْقِيَاس الْمَذْكُور بِأَنَّ الْقَتْل لَا يُقْبَل فِيهِ إِلَّا شَاهِدَانِ بِخِلَافِ سَائِر الْأَمْوَال فَيُقْبَل فِيهَا شَاهِد وَامْرَأَتَانِ , فَكَانَ قِيَاس ذَلِكَ أَنْ يُشْتَرَط الْإِقْرَار بِالْقَتْلِ مَرَّتَيْنِ , وَقَدْ اِتَّفَقُوا أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ مَرَّة. فَإِنْ قُلْت : وَالِاسْتِدْلَال بِمُجَرَّدِ عَدَم الذِّكْر فِي قِصَّة الْعَسِيف وَغَيْره فِيهِ نَظَرٌ , فَإِنَّ عَدَمَ الذِّكْر لَا يَدُلّ عَلَى عَدَمِ الْوُقُوع , فَإِذَا ثَبَتَ كَوْن الْعَدَد شَرْطًا فَالسُّكُوت عَنْ ذِكْره يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِعِلْمِ الْمَأْمُور بِهِ. وَأَمَّا قَوْل الْغَامِدِيَّة \" تُرِيد أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْت مَاعِزًا \" فَيُمْكِن التَّمَسُّك بِهِ , لَكِنْ أَجَابَ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ قَوْلهَا إِنَّهَا حُبْلَى مِنْ الزِّنَا فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ حَالَهَا مُغَايِرَة لِحَالِ مَاعِز , لِأَنَّهُمَا وَإِنْ اِشْتَرَكَا فِي الزِّنَا لَكِنَّ الْعِلَّة غَيْر جَامِعَة لِأَنَّ مَاعِزًا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الرُّجُوع عَنْ إِقْرَاره بِخِلَافِهَا , فَكَأَنَّهَا قَالَتْ أَنَا غَيْرُ مُتَمَكِّنَة مِنْ الْإِنْكَار بَعْد الْإِقْرَار لِظُهُورِ الْحَمْل بِهَا بِخِلَافِهِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنهَا أَنْ تَدَّعِيَ إِكْرَاهًا أَوْ خَطَأ أَوْ شُبْهَة. وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَام لَا يُشْتَرَط أَنْ يَبْدَأ بِالرَّجْمِ فِيمَنْ أَقَرَّ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا لِأَنَّ الْإِمَام إِذَا بَدَأَ مَعَ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِالتَّثَبُّتِ وَالِاحْتِيَاط فِيهِ كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى الزَّجْر عَنْ التَّسَاهُل فِي الْحُكْم وَإِلَى الْحَضّ عَلَى التَّثَبُّت فِي الْحُكْم , وَلِهَذَا يَبْدَأ الشُّهُود إِذَا ثَبَتَ الرَّجْم بِالْبَيِّنَةِ. وَفِيهِ جَوَاز تَفْوِيض الْإِمَام إِقَامَةَ الْحَدّ لِغَيْرِهِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط الْحَفْر لِلْمَرْجُومِ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَر فِي حَدِيث الْبَاب بَلْ وَقَعَ التَّصْرِيح فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد مُسْلِم فَقَالَ : \" فَمَا حَفَرْنَا لَهُ وَلَا أَوْثَقْنَاهُ \" وَلَكِنْ وَقَعَ فِي حَدِيث بُرَيْدَةَ عِنْده \" فَحُفِرَ لَهُ حَفِيرَة \" وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الْمَنْفِيّ حَفِيرَة لَا يُمْكِنهُ الْوُثُوب مِنْهَا وَالْمُثْبَتُ عَكْسُهُ , أَوْ أَنَّهُمْ فِي أَوَّل الْأَمْر لَمْ يَحْفِرُوا لَهُ ثُمَّ لَمَّا فَرَّ فَأَدْرَكُوهُ حَفَرُوا لَهُ حَفِيرَة فَانْتَصَبَ لَهُمْ فِيهَا حَتَّى فَرَغُوا مِنْهُ. وَعِنْد الشَّافِعِيَّة لَا يُحْفَر لِلرَّجُلِ وَفِي وَجْه يَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ وَهُوَ أَرْجَحُ لِثُبُوتِهِ فِي قِصَّة مَاعِز فَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي , وَقَدْ جُمِعَ بَيْنهمَا بِمَا دَلَّ عَلَى وُجُود حَفْر فِي الْجُمْلَة , وَفِي الْمَرْأَة أَوْجُه ثَالِثهَا الْأَصَحّ إِنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ اُسْتُحِبَّ لَا بِالْإِقْرَارِ وَعَنْ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة فِي الْمَشْهُور عَنْهُمْ لَا يُحْفَر , وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَأَبُو ثَوْر يُحْفَر لِلرَّجُلِ وَلِلْمَرْأَةِ. وَفِيهِ جَوَاز تَلْقِين الْمُقِرّ بِمَا يُوجِب الْحَدّ مَا يَدْفَع بِهِ عَنْهُ الْحَدّ وَأَنَّ الْحَدّ لَا يَجِب إِلَّا بِالْإِقْرَارِ الصَّرِيح , وَمِنْ ثَمَّ شُرِطَ عَلَى مَنْ شَهِدَ بِالزِّنَا أَنْ يَقُول رَأَيْته وَلَجَ ذَكَرُهُ فِي فَرْجِهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَلَا يَكْفِي أَنْ يَقُول أَشْهَد أَنَّهُ زَنَى , وَثَبَتَ عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة تَلْقِينُ الْمُقِرّ بِالْحَدِّ كَمَا أَخْرَجَهُ مَالِك عَنْ عَمْرو بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء وَعَنْ عَلِيّ فِي قِصَّة شُرَاحَةَ , وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ التَّلْقِين بِمَنْ يُظَنّ بِهِ أَنَّهُ يَجْهَل حُكْم الزِّنَا وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْر , وَعِنْد الْمَالِكِيَّة يُسْتَثْنَى تَلْقِين الْمُشْتَهِر بِانْتِهَاكِ الْحُرُمَات , وَيَجُوز تَلْقِين مَنْ عَدَاهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ. وَفِيهِ تَرْك سَجْن مَنْ اِعْتَرَفَ بِالزِّنَا فِي مُدَّة الِاسْتِثْبَات وَفِي الْحَامِل حَتَّى تَضَع , وَقِيلَ إِنَّ الْمَدِينَة لَمْ يَكُنْ بِهَا حِينَئِذٍ سِجْنٌ , وَإِنَّمَا كَانَ يُسَلَّمُ كُلُّ جَانٍ لِوَلِيِّهِ , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّمَا لَمْ يَأْمُر بِسَجْنِهِ وَلَا التَّوْكِيل بِهِ لِأَنَّ رُجُوعه مَقْبُول فَلَا فَائِدَة فِي ذَلِكَ مَعَ جَوَاز الْإِعْرَاض عَنْهُ إِذَا رَجَعَ , وَيُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" هَلْ أَحْصَنْت \" وُجُوب الِاسْتِفْسَار عَنْ الْحَال الَّتِي تَخْتَلِف الْأَحْكَام بِاخْتِلَافِهَا. وَفِيهِ أَنَّ إِقْرَار السَّكْرَان لَا أَثَرَ لَهُ يُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" اسْتَنْكَهُوهُ \" وَاَلَّذِينَ اِعْتَبَرُوهُ وَقَالُوا إِنَّ عَقْله زَالَ بِمَعْصِيَتِهِ , وَلَا دَلَالَة فِي قِصَّة مَاعِز لِاحْتِمَالِ تَقَدُّمهَا عَلَى تَحْرِيم الْخَمْر أَوْ أَنَّ سُكْره وَقَعَ عَنْ غَيْر مَعْصِيَة. وَفِيهِ أَنَّ الْمُقِرّ بِالزِّنَا إِذَا أَقَرَّ يُتْرَك , فَإِنْ صَرَّحَ بِالرُّجُوعِ فَذَاكَ وَإِلَّا اُتُّبِعَ وَرُجِمَ وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَحْمَدَ وَدَلَالَته مِنْ قِصَّة مَاعِز ظَاهِرَة , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث نُعَيْم بْن هَزَّال \" هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوب فَيَتُوب اللَّه عَلَيْهِ \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَحَسَّنَهُ , وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوه مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم أَيْضًا , وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ قَالَ \" كُنَّا أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَحَدَّث أَنَّ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ لَوْ رَجَعَا لَمْ يَطْلُبْهُمَا \" وَعِنْد الْمَالِكِيَّة فِي الْمَشْهُور لَا يُتْرَكُ إِذَا هَرَبَ , وَقِيلَ يُشْتَرَط أَنْ يُؤْخَذ عَلَى الْفَوْر فَإِنْ لَمْ يُؤْخَذ تُرِكَ , وَعَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ إِنْ أُخِذَ فِي الْحَال كُمِّلَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ أُخِذَ بَعْد أَيَّام تُرِكَ , وَعَنْ أَشْهَبَ إِنْ ذَكَرَ عُذْرًا يُقْبَل تُرِكَ وَإِلَّا فَلَا , وَنَقَلَهُ الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِك , وَحَكَى الْكَجِّيّ عَنْهُ قَوْلَيْنِ فِيمَنْ رَجَعَ إِلَى شُبْهَة , وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِمَا بَعْد إِقْرَاره عِنْد الْحَاكِم , وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الَّذِينَ رَجَمُوهُ حَتَّى مَاتَ بَعْد أَنْ هَرَبَ لَمْ يُلْزَمُوا بِدِيَتِهِ فَلَوْ شُرِعَ تَرْكه لَوَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الدِّيَة , وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح بِالرُّجُوعِ , وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّ حَدَّ الرَّجْم يَسْقُط بِمُجَرَّدِ الْهَرَب , وَقَدْ عَبَّرَ فِي حَدِيث بُرَيْدَةَ بِقَوْلِهِ \" لَعَلَّهُ يَتُوب \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الِاكْتِفَاء بِالرَّجْمِ فِي حَدِّ مَنْ أُحْصِرَ مِنْ غَيْر جَلْد وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ , وَأَنَّ الْمُصَلَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ وَقْفًا لَا يَثْبُت لَهُ حُكْم الْمَسْجِد وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْد بَابَيْنِ , وَأَنَّ الْمَرْجُوم فِي الْحَدّ لَا تُشْرَع الصَّلَاة عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ بِالْحَدِّ وَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ أَيْضًا قَرِيبًا , وَأَنَّ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رِيحُ الْخَمْر وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدّ مِنْ جِهَة اِسْتِنْكَاه مَاعِز بَعْد أَنْ قَالَ لَهُ أَشَرِبْت خَمْرًا ؟ قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ كَذَا قَالَ , وَقَالَ الْمَازِرِيّ اِسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّ طَلَاق السَّكْرَان لَا يَقَع وَتَعَقَّبَهُ عِيَاض بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ دَرْء الْحَدّ بِهِ أَنَّهُ لَا يَقَع طَلَاقه لِوُجُودِ تُهْمَته عَلَى مَا يُظْهِرهُ مِنْ عَدَمِ الْعَقْلِ , قَالَ وَلَمْ يُخْتَلَف فِي غَيْر الطَّافِح أَنَّ طَلَاقه لَازِم , قَالَ وَمَذْهَبنَا اِلْتِزَامه بِجَمِيعِ أَحْكَام الصَّحِيح لِأَنَّهُ أَدْخَلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسه وَهُوَ حَقِيقَة مَذْهَب الشَّافِعِيّ , وَاسْتَثْنَى مَنْ أُكْرِهَ وَمَنْ شَرِبَ مَا ظَنَّ أَنَّهُ غَيْر مُسْكِر وَوَافَقَهُ بَعْض مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّة , وَقَالَ النَّوَوِيّ : الصَّحِيح عِنْدنَا صِحَّة إِقْرَار السَّكْرَان وَنُفُوذ أَقْوَاله فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ , قَالَ : وَالسُّؤَال عَنْ شُرْبِهِ الْخَمْرَ مَحْمُول عِنْدنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ سَكْرَانًا لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَذَا أَطْلَقَ فَأَلْزَمَ التَّنَاقُضَ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ مُرَاده لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدّ لِوُجُودِ الشُّبْهَة كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَام عِيَاض. قُلْت : وَقَدْ مَضَى مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ فِي كِتَاب , الطَّلَاق , وَمِنْ الْمَذَاهِب الظَّرِيفَة فِيهِ قَوْل اللَّيْث : يُعْمَل بِأَفْعَالِهِ وَلَا يُعْمَل بِأَقْوَالِهِ لِأَنَّهُ يَلْتَذّ بِفِعْلِهِ وَيَشْفِي غَيْظه وَلَا يَفْقَه أَكْثَرَ مَا يَقُول وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ( لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاة وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ). ‏"
    },
    {
        "id": "6318",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اخْتَصَمَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏وَابْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ لَكَ يَا ‏ ‏عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ‏ ‏الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا ‏ ‏سَوْدَةُ ‏ ‏زَادَ لَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اللَّيْثِ ‏ ‏وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6319",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ هُنَا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِالْجُمْلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ , وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي كِتَاب الْقَدَر مِنْ وَجْه آخَر مُقْتَصِرًا عَلَى الْجُمْلَة الْأُولَى , وَفِي تَرْجَمَته هُنَا إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ يُرَجِّح قَوْلَ مَنْ أَوَّلَ الْحَجَر هُنَا بِأَنَّهُ الْحَجَر الَّذِي يُرْجَم بِهِ الزَّانِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَالْمُرَاد مِنْهُ أَنَّ الرَّجْم مَشْرُوع لِلزَّانِي بِشَرْطِهِ لَا أَنَّ عَلَى كُلِّ مَنْ زَنَى الرَّجْمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6320",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ كَرَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ أَحْدَثَا جَمِيعًا فَقَالَ لَهُمْ ‏ ‏مَا تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمْ قَالُوا إِنَّ أَحْبَارَنَا أَحْدَثُوا ‏ ‏تَحْمِيمَ ‏ ‏الْوَجْهِ ‏ ‏وَالتَّجْبِيهَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏ادْعُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالتَّوْرَاةِ فَأُتِيَ بِهَا فَوَضَعَ ‏ ‏أَحَدُهُمْ ‏ ‏يَدَهُ عَلَى ‏ ‏آيَةِ الرَّجْمِ ‏ ‏وَجَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ ‏ ‏ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏ارْفَعْ يَدَكَ فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرُجِمَا قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏فَرُجِمَا عِنْدَ الْبَلَاطِ فَرَأَيْتُ الْيَهُودِيَّ ‏ ‏أَجْنَأَ ‏ ‏عَلَيْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُثْمَان ) ‏ ‏زَادَ أَبُو ذَرّ اِبْن كَرَامَةَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏. هُوَ اِبْن بِلَال , وَهُوَ غَرِيب ضَاقَ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيّ مَخْرَجُهُ فَأَخْرَجَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر الْمَدِينِيّ أَحَد الضُّعَفَاء , وَلَوْ وَقَعَ عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال لَمْ يَعْدِل عَنْهُ , وَكَذَا ضَاقَ عَلَى أَبِي نُعَيْم فَلَمْ يَسْتَخْرِجهُ بَلْ أَوْرَدَهُ بِسَنَدِهِ عَنْ الْبُخَارِيّ , وَخَالِد بْن مَخْلَد أَكْثَرَ الْبُخَارِيّ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ وَبِغَيْرِ وَاسِطَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ فِي الرِّقَاق عَنْ مُحَمَّد بْن عُثْمَان بْن كَرَامَة عَنْ خَالِد بْن مَخْلَد حَدِيث , وَتَقَدَّمَ فِي الْعِلْم وَالْهِبَة وَالْمَنَاقِب وَغَيْرهَا عِدَّة أَحَادِيث , وَكَذَا يَأْتِي فِي التَّعْبِير وَالِاعْتِصَام عَنْ خَالِد بْن مَخْلَد بِغَيْرِ وَاسِطَة. وَقَوْله فِي الْمَتْن \" قَدْ أَحْدَثَا \" أَيْ فَعَلَا أَمْرًا فَاحِشًا , وَقَوْله \" أَحْدَثُوا \" أَيْ اِبْتَكَرُوا , وَقَوْله \" تَحْمِيم الْوَجْه \" أَيْ يُصَبّ عَلَيْهِ مَاء حَارّ مَخْلُوط بِالرَّمَادِ وَالْمُرَاد تَسْخِيم الْوَجْه بِالْحَمِيمِ وَهُوَ الْفَحْم وَقَوْله \" وَالتَّجْبِيه \" بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْجِيم وَكَسْر الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا يَاء آخِر الْحُرُوف سَاكِنَة ثُمَّ هَاء أَصْلِيَّة مِنْ جَبَهْت الرَّجُلَ إِذَا قَابَلْته بِمَا يَكْرَه مِنْ الْإِغْلَاظ فِي الْقَوْل أَوْ الْفِعْل قَالَهُ ثَابِت فِي \" الدَّلَائِل \" وَسَبَقَهُ الْحَرْبِيّ , وَقَالَ غَيْره هُوَ بِوَزْنِ تَذْكِرَة وَمَعْنَاهُ الْإِرْكَاب مَنْكُوسًا , وَقَالَ عِيَاض : فُسِّرَ التَّجْبِيهُ فِي الْحَدِيث بِأَنَّهُمَا يُجْلَدَانِ وَيُحَمَّم وَجْهُهُمَا وَيُحْمَلَانِ عَلَى دَابَّة مُخَالَفًا بَيْن وُجُوههمَا , قَالَ الْحَرْبِيّ : كَذَا فَسَّرَهُ الزُّهْرِيّ , قُلْت : غَلِطَ مَنْ ضَبَطَهُ هُنَا بِالنُّونِ بَدَل الْمُوَحَّدَة ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنْ يُحْمَل الزَّانِيَانِ عَلَى بَعِير أَوْ حِمَار وَيُخَالَف بَيْن وُجُوههمَا وَالْمُعْتَمَد مَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة , وَالتَّجْبِيه أَنْ يَضَع الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِم فَيَصِير كَالرَّاكِعِ وَكَذَا أَنْ يَنْكَبّ عَلَى وَجْهه بَارِكًا كَالسَّاجِدِ , وَقَالَ الْفَارَابِيّ : جَبَّ بِفَتْحِ الْجِيم وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة قَامَ قِيَام الرَّاكِع وَهُوَ عُرْيَان , وَاَلَّذِي بِالنُّونِ بَعْد الْجِيم إِنَّمَا جَاءَ فِي قَوْله \" فَرَأَيْت الْيَهُودِيَّ أَجْنَأَ عَلَيْهَا \" وَقَدْ ضُبِطَتْ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُون بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي أَيْ أَكَبَّ عَلَيْهَا يُقَالُ أَحْنَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى وَلَدِهَا حَنْوًا وَحَنَتْ بِمَعْنًى , وَضُبِطَتْ بِالْجِيمِ وَالنُّون فَعِنْد الْأَصِيلِيّ بِالْهَمْزِ وَعِنْد أَبِي ذَرّ بِلَا هَمْز وَهُوَ بِمَعْنَى الَّذِي بِالْمُهْمَلَةِ. قَالَ اِبْن الْقَطَّاع : جَنَأَ عَلَى الشَّيْء حَنَا ظَهْرَهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : أَجْنَأَ التُّرْسَ جَعَلَهُ مُجْنَأً أَيْ مَحْدُوبًا , وَقَالَ عِيَاض : الصَّحِيح فِي هَذَا مَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة يَعْنِي بِالْجِيمِ وَالْهَمْز وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي شَرْح حَدِيث الْيَهُودِيَّيْنِ فِي \" بَاب أَحْكَام الذِّمَّة \". ‏"
    },
    {
        "id": "6321",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏أَسْلَمَ ‏ ‏جَاءَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبِكَ جُنُونٌ قَالَ لَا قَالَ ‏ ‏آحْصَنْتَ قَالَ نَعَمْ ‏ ‏فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بِالْمُصَلَّى فَلَمَّا ‏ ‏أَذْلَقَتْهُ ‏ ‏الْحِجَارَةُ فَرَّ فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْرًا وَصَلَّى عَلَيْهِ ‏ ‏لَمْ يَقُلْ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏فَصَلَّى عَلَيْهِ ‏ ‏سُئِلَ ‏ ‏أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَصَلَّى عَلَيْهِ يَصِحُّ قَالَ رَوَاهُ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏قِيلَ لَهُ رَوَاهُ غَيْرُ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏قَالَ لَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مَحْمُود ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنِي \" وَلِلنَّسَفِيِّ \" مَحْمُود بْن غَيْلَان \" وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيّ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنَا مَعْمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْ عَبْد الرَّزَّاق \" أَنْبَأَنَا مَعْمَر وَابْن جُرَيْجٍ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ إِسْحَاق. ‏ ‏قَوْله ( فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق \" فَأَعْرَضَ عَنْهُ \" أَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بِالْمُصَلَّى ) ‏ ‏لَيْسَ فِي رِوَايَة يُونُس \" بِالْمُصَلَّى \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي \" بَاب رَجْم الْمُحْصَن \" وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بِلَفْظِ كُنْت فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ \" بِالْمُصَلَّى \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرًا ) ‏ ‏أَيْ ذَكَرَهُ بِجَمِيلٍ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد مُسْلِم \" فَمَا اِسْتَغْفَرَ لَهُ وَلَا سَبَّهُ \" وَفِي حَدِيث بُرَيْدَةَ عِنْده \" فَكَانَ النَّاس فِيهِ فِرْقَتَيْنِ : قَائِل يَقُول لَقَدْ هَلَكَ لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ , وَقَائِل يَقُول مَا تَوْبَة أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَة مَاعِز , فَلَبِثُوا ثَلَاثًا ثُمَّ جَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اِسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْن مَالِك \" وَفِي حَدِيث بُرَيْدَةَ أَيْضًا \" لَقَدْ تَابَ تَوْبَة لَوْ قُسِمَتْ عَلَى أُمَّة لَوَسِعَتْهُمْ \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد النَّسَائِيِّ \" لَقَدْ رَأَيْته بَيْن أَنْهَار الْجَنَّة يَنْغَمِس \" قَالَ يَعْنِي يَتَنَعَّم كَذَا فِي الْأَصْل , وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد أَبِي عَوَانَة \" فَقَدْ رَأَيْته يَتَخَضْخَض فِي أَنْهَار الْجَنَّة \" وَفِي حَدِيث اللَّجْلَاج عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ \" وَلَا تَقُلْ لَهُ خَبِيث لَهُوَ عِنْد اللَّه أَطْيَبُ مِنْ رِيح الْمِسْك \" وَفِي حَدِيث أَبِي الْفَيْضِ عِنْد التِّرْمِذِيّ \" لَا تَشْتُمهُ \" وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ عِنْد أَحْمَدَ \" قَدْ غُفِرَ لَهُ وَأُدْخِلَ الْجَنَّة \". ‏ ‏قَوْله ( وَصَلَّى عَلَيْهِ ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ هُنَا عَنْ مَحْمُود بْن غَيْلَان عَنْ عَبْد الرَّزَّاق , وَخَالَفَهُ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيُّ وَجَمَاعَة عَنْ عَبْد الرَّزَّاق فَقَالُوا فِي آخِره \" وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ \" قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي حَاشِيَة السُّنَن : رَوَاهُ ثَمَانِيَة أَنْفُس عَنْ عَبْد الرَّزَّاق فَلَمْ يَذْكُرُوا قَوْله \" وَصَلَّى عَلَيْهِ \" قُلْت : قَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَده عَنْ عَبْد الرَّزَّاق وَمُسْلِم عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُتَوَكِّل الْعَسْقَلَانِيّ وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيقه زَادَ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَسَن بْن عَلِيّ الْخَلَّال وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ الْحَسَن بْن عَلِيّ الْمَذْكُور , وَالنَّسَائِيُّ وَابْن الْجَارُود عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ , زَادَ النَّسَائِيُّ وَمُحَمَّد بْن رَافِع وَنُوح بْن حَبِيب وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن مَنْصُور الرَّمَادِيّ. زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَمُحَمَّد بْن عَبْد الْمُلْك بْن زَنْجَوَيْهِ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ الدِّبْرِيّ وَمُحَمَّد بْن سَهْل الصَّغَانِيّ فَهَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَة أَنْفُس خَالَفُوا مَحْمُودًا مِنْهُمْ مَنْ سَكَتَ عَنْ الزِّيَادَة وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِنَفْيِهَا. ‏ ‏قَوْله ( وَلَمْ يَقُلْ يُونُس وَابْن جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيّ : وَصَلَّى عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَمَّا رِوَايَة يُونُس فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف رَحِمَهُ اللَّه كَمَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب رَجْم الْمُحْصَن \" وَلَفْظه \" فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ \" وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ فَوَصَلَهَا مُسْلِم مَقْرُونَةً بِرِوَايَةِ مَعْمَر وَلَمْ يَسُقْ الْمَتْن وَسَاقَهُ إِسْحَاق شَيْخ مُسْلِم فِي مُسْنَده وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيقه فَلَمْ يَذْكُر فِيهِ \" وَصَلَّى عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله ( سُئِلَ أَبُو عَبْد اللَّه هَلْ قَوْله \" فَصَلَّى عَلَيْهِ \" يَصِحّ أَمْ لَا ؟ قَالَ : رَوَاهُ مَعْمَر , قِيلَ لَهُ : هَلْ رَوَاهُ غَيْرُ مَعْمَر ؟ قَالَ : لَا ) ‏ ‏وَقَعَ هَذَا الْكَلَام فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحْده عَنْ الْفَرَبْرِيّ , وَأَبُو عَبْد اللَّه هُوَ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ فِي جَزْمِهِ بِأَنَّ مَعْمَرًا رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَة مَعَ أَنَّ الْمُنْفَرِد بِهَا إِنَّمَا هُوَ مَحْمُود بْن غَيْلَان عَنْ عَبْد الرَّزَّاق , وَقَدْ خَالَفَهُ الْعَدَد الْكَثِير مِنْ الْحُفَّاظ فَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ , لَكِنْ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْبُخَارِيّ قَوِيَتْ عِنْده رِوَايَة مَحْمُود بِالشَّوَاهِدِ , فَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق أَيْضًا وَهُوَ فِي السُّنَن لِأَبِي قُرَّة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْن سَهْل بْن حُنَيْف فِي قِصَّة مَاعِز قَالَ \" فَقِيلَ يَا رَسُول اللَّه أَتُصَلِّي عَلَيْهِ ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَد قَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبكُمْ , فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاس \" فَهَذَا الْخَبَر يَجْمَع الِاخْتِلَاف فَتُحْمَل رِوَايَة النَّفْي عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ حِين رُجِمَ , وَرِوَايَة الْإِثْبَات عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ فِي الْيَوْم الثَّانِي , وَكَذَا طَرِيق الْجَمْع لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ بُرَيْدَةَ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُر بِالصَّلَاةِ عَلَى مَاعِز وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الصَّلَاة عَلَيْهِ \" وَيَتَأَيَّد بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ فِي قِصَّة الْجُهَنِيَّة الَّتِي زَنَتْ وَرُجِمَتْ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهَا , فَقَالَ لَهُ عُمَر : أَتُصَلِّي عَلَيْهَا وَقَدْ زَنَتْ ؟ فَقَالَ : لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَة لَوْ قُسِمَتْ بَيْن سَبْعِينَ لَوَسِعَتْهُمْ \" وَحَكَى الْمُنْذِرِيُّ قَوْل مَنْ حَمَلَ الصَّلَاة فِي الْخَبَر عَلَى الدُّعَاء , ثُمَّ قَالَ : فِي قِصَّة الْجُهَنِيَّة دَلَالَةٌ عَلَى تَوْهِين هَذَا الِاحْتِمَال , قَالَ : وَكَذَا أَجَابَ النَّوَوِيّ فَقَالَ : إِنَّهُ فَاسِد لِأَنَّ التَّأْوِيل لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد الِاضْطِرَار إِلَيْهِ وَلَا اِضْطِرَار هُنَا. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لَمْ يَثْبُت أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى مَاعِز , قَالَ وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَ عَنْ صَلَاته عَلَى الْغَامِدِيَّة لِكَوْنِهَا عَرَفَتْ حُكْم الْحَدّ وَمَاعِز إِنَّمَا جَاءَ مُسْتَفْهِمًا , قَالَ : وَهُوَ جَوَابٌ وَاهٍ , وَقِيلَ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ غَضَبًا لِلَّهِ وَصَلَاته رَحْمَة فَتَنَافَيَا , قَالَ : وَهَذَا فَاسِد لِأَنَّ الْغَضَب اِنْتَهَى , قَالَ : وَمَحَلّ الرَّحْمَة بَاقٍ , وَالْجَوَابُ الْمَرْضِيُّ أَنَّ الْإِمَام حَيْثُ تَرَكَ الصَّلَاة عَلَى الْمَحْدُود كَانَ رَدْعًا لِغَيْرِهِ. قُلْت : وَتَمَامه أَنْ يُقَال : وَحَيْثُ صَلَّى عَلَيْهِ يَكُون هُنَاكَ قَرِينَة لَا يُحْتَاج مَعَهَا إِلَى الرَّدْع فَيَخْتَلِف حِينَئِذٍ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاص , وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فَقَالَ مَالِك : يَأْمُر الْإِمَام بِالرَّجْمِ وَلَا يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ وَلَا يُرْفَع عَنْهُ حَتَّى يَمُوت , وَيُخَلَّى بَيْنه وَبَيْن أَهْله يُغَسِّلُونَهُ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَام رَدْعًا لِأَهْلِ الْمَعَاصِي إِذَا عَلِمُوا أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ , وَلِئَلَّا يَجْتَرِئ النَّاس عَلَى مِثْل فِعْله. وَعَنْ بَعْض الْمَالِكِيَّة : يَجُوز لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور , وَالْمَعْرُوف عَنْ مَالِك أَنَّهُ يَكْرَه لِلْإِمَامِ وَأَهْل الْفَضْل الصَّلَاةَ عَلَى الْمَرْجُوم , وَهُوَ قَوْل أَحْمَدَ , وَعَنْ الشَّافِعِيّ لَا يُكْرَه وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَعَنْ الزُّهْرِيّ لَا يُصَلَّى عَلَى الْمَرْجُوم وَلَا عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ , وَعَنْ قَتَادَة لَا يُصَلَّى عَلَى الْمَوْلُود مِنْ الزِّنَا وَأَطْلَقَ عِيَاض فَقَالَ لَمْ يَخْتَلِف الْعُلَمَاء فِي الصَّلَاة عَلَى أَهْل الْفِسْق وَالْمَعَاصِي وَالْمَقْتُولِينَ فِي الْحُدُود وَإِنْ كَرِهَ بَعْضهمْ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْفَضْل إِلَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَة فِي الْمُحَارِبِينَ وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَسَن فِي الْمَيِّتَة مِنْ نِفَاس الزِّنَا وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة , قَالَ : وَحَدِيث الْبَاب فِي قِصَّة الْغَامِدِيَّة حُجَّة لِلْجُمْهُورِ وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6322",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ فَاسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً قَالَ لَا قَالَ هَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ قَالَ لَا قَالَ فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَتَى ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْمَسْجِدِ قَالَ ‏ ‏احْتَرَقْتُ قَالَ مِمَّ ذَاكَ قَالَ وَقَعْتُ بِامْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ قَالَ لَهُ تَصَدَّقْ قَالَ مَا عِنْدِي شَيْءٌ فَجَلَسَ وَأَتَاهُ إِنْسَانٌ يَسُوقُ حِمَارًا وَمَعَهُ طَعَامٌ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏مَا أَدْرِي مَا هُوَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ فَقَالَ هَا أَنَا ذَا قَالَ خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ قَالَ عَلَى أَحْوَجَ مِنِّي مَا لِأَهْلِي طَعَامٌ قَالَ فَكُلُوهُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَبْيَنُ قَوْلُهُ أَطْعِمْ أَهْلَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَوْف الزُّهْرِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيثه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الصِّيَام. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اللَّيْث إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْمُصَنِّف فِي التَّارِيخ الصَّغِير قَالَ \" حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن صَالِح حَدَّثَنِي اللَّيْث بِهِ \" وَرَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا أَيْضًا فِي الْأَوْسَط لِلطَّبَرَانِيِّ وَالْمُسْتَخْرَج لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث ) ‏ ‏لِلَّيْثِ فِيهِ سَنَدٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ قُتَيْبَة وَمُحَمَّد بْن رُمْح كِلَاهُمَا عَنْ اللَّيْث عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر , وَقَدْ مَضَى فِي الصِّيَام مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد مَوْصُولًا وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن وَهْب عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق ‏ ‏( عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْعَوَّام ‏ ‏( عَنْ عَبَّاد ) ‏ ‏وَهُوَ اِبْن عَمِّهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم حَدَّثَهُ أَنَّ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر حَدَّثَهُ أَنَّ عَبَّاد بْن عَبْد اللَّه حَدَّثَهُ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَائِشَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب \" أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَة \". ‏ ‏قَوْله ( أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِد ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب \" فِي رَمَضَان \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ اِحْتَرَقْت ) ‏ ‏كَرَّرَهَا اِبْن وَهْب. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ مِمَّ ذَاكَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب \" فَسَأَلَهُ عَنْ شَأْنه \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ مَا عِنْدِي شَيْء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب \" فَقَالَ يَا نَبِيّ اللَّه مَا لِي شَيْء وَمَا أَقْدِر عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله ( فَجَلَسَ فَأَتَاهُ إِنْسَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب \" قَالَ اِجْلِسْ فَجَلَسَ فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ رَجُل \". ‏ ‏قَوْله ( وَمَعَهُ طَعَام فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْقَاسِم رَاوِي الْحَدِيث ‏ ‏( مَا أَدْرِي مَا هُوَ ) ‏ ‏مَقُولُ عَبْد الرَّحْمَن , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" قَالَ \" بِغَيْرِ فَاء وَلَمْ يَقَع هَذَا فِي رِوَايَة اللَّيْث , وَوَقَعَ فِيهَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" عِرْقَانِ فِيهِمَا طَعَام \" وَقَالَ \" قَالَ أَبُو صَالِح عَنْ اللَّيْث عِرْق \" وَكَذَا قَالَ عَبْد الْوَهَّاب يَعْنِي الثَّقَفِيّ وَيَزِيد بْن هَارُون عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَعِرْقَانِ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ. ‏ ‏قَوْله ( أَيْنَ الْمُحْتَرِق ) ‏ ‏زَادَ اِبْن وَهْب \" آنِفًا \". ‏ ‏قَوْله ( عَلَى أَحْوَجَ مِنِّي ) ‏ ‏؟ هُوَ اِسْتِفْهَام حُذِفَتْ أَدَاته , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب \" أَغْيَرنَا \" أَيْ أَعَلَى غَيْرنَا. ‏ ‏قَوْله ( مَا لِأَهْلِي طَعَام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب \" إِنَّا الْجِيَاع مَا لَنَا شَيْء \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ فَكُلُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب \" قَالَ فَكُلُوهُ \" وَقَدْ مَضَى شَرْحه فِي الصِّيَام. ‏"
    },
    {
        "id": "6323",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ قَالَ وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ قَالَ وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الصَّلَاةَ قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ أَوْ قَالَ حَدَّكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد الْقُدُّوس بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الْكَبِير بْن شُعَيْب بْن الْحَبْحَاب بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنهمَا مُوَحَّدَة سَاكِنَة وَآخِره مُوَحَّدَة , هُوَ بَصْرِيّ صَدُوق وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَعَمْرو بْن عَاصِم هُوَ الْكُلَابِيّ وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَة فِي الْأَدَب وَغَيْره , وَقَدْ طَعَنَ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَرْزَنْجِيّ فِي صِحَّة هَذَا الْخَبَر مَعَ كَوْن الشَّيْخَيْنِ اِتَّفَقَا عَلَيْهِ فَقَالَ هُوَ مُنْكَر وَهْم وَفِيهِ عَمْرو بْن عَاصِم مَعَ أَنَّ هَمَّامًا كَانَ يَحْيَى بْن سَعِيد لَا يَرْضَاهُ وَيَقُول : أَبَان الْعَطَّار أَمْثَلُ مِنْهُ , قُلْت : لَمْ يُبَيِّن وَجْه الْوَهْم , وَأَمَّا إِطْلَاقه كَوْنَهُ مُنْكَرًا فَعَلَى طَرِيقَته فِي تَسْمِيَته مَا يَنْفَرِد بِهِ الرَّاوِي مُنْكَرًا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُتَابِع , لَكِنْ يُجَاب بِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُوجَد لِهَمَّامٍ وَلَا لِعَمْرِو بْن عَاصِم فِيهِ مُتَابِع فَشَاهِده حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ , وَمِنْ ثَمَّ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَقِبَهُ وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله ( فَجَاءَ رَجُل فَقَالَ : إِنِّي أَصَبْت حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَلَكِنَّ مَنْ وَحَّدَ هَذِهِ الْقِصَّة وَالَّتِي فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود فَسَّرَهُ بِهِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِاخْتِلَافِ الْقِصَّتَيْنِ , وَعَلَى التَّعَدُّد جَرَى الْبُخَارِيّ فِي هَاتَيْنِ التَّرْجَمَتَيْنِ فَحَمَلَ الْأُولَى عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِذَنْبٍ دُون الْحَدّ لِلتَّصْرِيحِ بِقَوْلِهِ \" غَيْر أَنِّي لَمْ أُجَامِعهَا \" وَحَمَلَ الثَّانِيَة عَلَى مَا يُوجِب الْحَدَّ ظَاهِر قَوْل الرَّجُل , وَأَمَّا مَنْ وَحَّدَ بَيْن الْقِصَّتَيْنِ فَقَالَ لَعَلَّهُ ظَنَّ مَا لَيْسَ بِحَدٍّ حَدًّا , أَوْ اِسْتَعْظَمَ الَّذِي فَعَلَهُ فَظَنَّ أَنَّهُ يَجِب فِيهِ الْحَدّ , وَلِحَدِيثِ أَنَس شَاهِد أَيْضًا مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ شَدَّاد أَبِي عَمَّار عَنْ وَائِلَة. ‏ ‏قَوْله ( وَلَمْ يَسْأَل عَنْهُ ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يَسْتَفْسِرهُ , وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْد مُسْلِم \" فَسَكَتَ عَنْهُ ثُمَّ عَادَ \" ‏ ‏قَوْله ( وَحَضَرَتْ الصَّلَاة ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ \" وَأُقِيمَتْ \" ‏ ‏قَوْله ( أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْت مَعَنَا ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ \" أَلَيْسَ حَيْثُ خَرَجْت مِنْ بَيْتك تَوَضَّأْت فَأَحْسَنْت الْوُضُوء ؟ قَالَ : بَلَى. قَالَ : ثُمَّ شَهِدْت مَعَنَا الصَّلَاة ؟ قَالَ : نَعَمْ \" ‏ ‏قَوْله ( ذَنْبك أَوْ قَالَ حَدّك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ الْحَسَن بْن عَلِيّ الْحُلْوَانِيّ عَنْ عَمْرو بْن عَاصِم بِسَنَدِهِ فِيهِ \" قَدْ غَفَرَ لَك \" وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ بِالشَّكِّ وَلَفْظه \" فَإِنَّ اللَّه قَدْ غَفَرَ لَك ذَنْبك أَوْ قَالَ حَدّك \". وَقَدْ اِخْتَلَفَ نَظَر الْعُلَمَاء فِي هَذَا الْحُكْم , فَظَاهِر تَرْجَمَة الْبُخَارِيّ حَمْله عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ وَلَمْ يُفَسِّرهُ فَإِنَّهُ لَا يَجِب عَلَى الْإِمَام أَنْ يُقِيمهُ عَلَيْهِ إِذَا تَابَ , وَحَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِطَّلَعَ بِالْوَحْيِ عَلَى أَنَّ اللَّه قَدْ غَفَرَ لَهُ لِكَوْنِهَا وَاقِعَة عَيْن , وَإِلَّا لَكَانَ يَسْتَفْسِرهُ عَنْ الْحَدّ وَيُقِيمهُ عَلَيْهِ , وَقَالَ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيث إِنَّهُ لَا يَكْشِف عَنْ الْحُدُود بَلْ يَدْفَع مَهْمَا أَمْكَنَ , وَهَذَا الرَّجُل لَمْ يُفْصِح بِأَمْرٍ يَلْزَمُهُ بِهِ إِقَامَةُ الْحَدّ عَلَيْهِ فَلَعَلَّهُ أَصَابَ صَغِيرَة ظَنَّهَا كَبِيرَة تُوجِب الْحَدّ فَلَمْ يَكْشِفهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مُوجِب الْحَدّ لَا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ , وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَفْسِرهُ إِمَّا لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَدْخُل فِي التَّجْسِيس الْمَنْهِيّ عَنْهُ وَإِمَّا إِيثَارًا لِلسَّتْرِ وَرَأَى أَنَّ فِي تَعَرُّضه لِإِقَامَةِ الْحَدّ عَلَيْهِ نَدَمًا وَرُجُوعًا , وَقَدْ اِسْتَحَبَّ الْعُلَمَاء تَلْقِينَ مَنْ أَقَرَّ بِمُوجِبِ الْحَدّ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ إِمَّا بِالتَّعْرِيضِ وَإِمَّا بِأَوْضَحَ مِنْهُ لِيَدْرَأ عَنْهُ الْحَدّ , وَجَزَمَ النَّوَوِيّ وَجَمَاعَة أَنَّ الذَّنْب الَّذِي فَعَلَهُ كَانَ مِنْ الصَّغَائِر بِدَلِيلِ أَنَّ فِي بَقِيَّة الْخَبَر أَنَّهُ كَفَّرَتْهُ الصَّلَاة بِنَاء عَلَى أَنَّ الَّذِي تُكَفِّرُهُ الصَّلَاةُ مِنْ الذُّنُوبِ الصَّغَائِرُ لَا الْكَبَائِرُ , وَهَذَا هُوَ الْأَكْثَرُ الْأَغْلَبُ , وَقَدْ تُكَفِّرُ الصَّلَاةُ بَعْضَ الْكَبَائِرِ كَمَنْ كَثُرَ تَطَوُّعُهُ مَثَلًا بِحَيْثُ صَلَحَ لِأَنْ يُكَفِّر عَدَدًا كَثِيرًا مِنْ الصَّغَائِر وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ الصَّغَائِر شَيْء أَصْلًا أَوْ شَيْء يَسِير وَعَلَيْهِ كَبِيرَة وَاحِدَة مَثَلًا فَإِنَّهَا تُكَفِّر عَنْهُ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّه لَا يُضِيع أَجْر مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر الْبَرْزَنْجِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الْمَلِك الْوَاسِطِيّ عَنْ عَمْرو بْن عَاصِم بِسَنَدٍ حَدِيثُ الْبَاب بِلَفْظِ \" أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه إِنِّي زَنَيْت فَأَقِمْ عَلَيَّ الْحَدّ \" الْحَدِيث فَحَمَلَهُ بَعْض الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ ظَنَّ مَا لَيْسَ زِنًا زِنًا فَلِذَلِكَ كَفَّرَتْ ذَنْبَهُ الصَّلَاةُ , وَقَدْ يَتَمَسَّك بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ إِذَا جَاءَ تَائِبًا سَقَطَ عَنْهُ الْحَدّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الرَّاوِي عَبَّرَ بِالزِّنَا مِنْ قَوْله أَصَبْت حَدًّا فَرَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي ظَنَّهُ وَالْأَصْل مَا فِي الصَّحِيح فَهُوَ الَّذِي اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الْحُفَّاظ عَنْ عَمْرو بْن عَاصِم بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور , وَيَحْتَمِل أَنْ يُخْتَصّ ذَلِكَ بِالْمَذْكُورِ لِإِخْبَارِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّه قَدْ كَفَّرَ عَنْهُ حَدَّهُ بِصَلَاتِهِ , فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَف إِلَّا بِطَرِيقِ الْوَحْي فَلَا يَسْتَمِرّ الْحُكْم فِي غَيْره إِلَّا فِي مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِثْله فِي ذَلِكَ وَقَدْ اِنْقَطَعَ عِلْمُ ذَلِكَ بِانْقِطَاعِ الْوَحْي بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِهِ صَاحِب الْهُدَى فَقَالَ لِلنَّاسِ فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ - يَعْنِي الْمَذْكُور قَبْل - ثَلَاثُ مَسَالِكَ : أَحَدهَا أَنَّ الْحَدّ لَا يَجِب إِلَّا بَعْد تَعْيِينه وَالْإِصْرَار عَلَيْهِ مِنْ الْمُقِرّ بِهِ , وَالثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصّ بِالرَّجُلِ الْمَذْكُور فِي الْقِصَّة , وَالثَّالِث أَنَّ الْحَدّ يَسْقُط بِالتَّوْبَةِ , قَالَ : وَهَذَا أَصَحُّ الْمَسَالِك , وَقَوَّاهُ بِأَنَّ الْحَسَنَة الَّتِي جَاءَ بِهَا مِنْ اِعْتِرَافه طَوْعًا بِخَشْيَةِ اللَّه وَحْده تُقَاوِم السَّيِّئَة الَّتِي عَمِلَهَا , لِأَنَّ حِكْمَة الْحُدُود الرَّدْع عَنْ الْعَوْد , وَصَنِيعه ذَلِكَ دَالّ عَلَى اِرْتِدَاعه فَنَاسَبَ رَفْع الْحَدّ عَنْهُ لِذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6324",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا أَتَى ‏ ‏مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَهُ لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ قَالَ لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنِكْتَهَا ‏ ‏لَا يَكْنِي ‏ ‏قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ ‏ ‏أَمَرَ بِرَجْمِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت يَعْلَى بْن حَكِيم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عِنْد أَبِي دَاوُدَ عَنْ جَرِير بْن حَازِم \" حَدَّثَنَا يَعْلَى \" وَلَمْ يُسَمِّ أَبَاهُ فِي رِوَايَته فَظَنَّ بَعْضهمْ أَنَّهُ اِبْن مُسْلِم وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِلتَّصْرِيحِ فِي إِسْنَاد هَذَا الْبَاب بِأَنَّهُ اِبْن حَكِيم. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُرهُ مُوسَى فِي رِوَايَته بَلْ أَرْسَلَهُ وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ , وَكَانَ الْبُخَارِيّ لَمْ يَعْتَبِر هَذِهِ الْعِلَّة لِأَنَّ وَهْب بْن جَرِير وَصَلَهُ وَهُوَ أَخْبَرُ بِحَدِيثِ أَبِيهِ مِنْ غَيْره , وَلِأَنَّهُ لَيْسَ دُون مُوسَى فِي الْحِفْظ , وَلِأَنَّ أَصْل الْحَدِيث مَعْرُوف عَنْ اِبْن عَبَّاس فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة خَالِد الْحَذَّاء عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله ( لَمَّا أَتَى مَاعِز بْن مَالِك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة خَالِد الْحَذَّاء \" أَنَّ مَاعِز بْن مَالِك أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّهُ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ , فَأَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا , فَسَأَلَ قَوْمَهُ : أَمَجْنُون هُوَ ؟ قَالُوا لَيْسَ بِهِ بَأْس \" وَسَنَدُهُ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ , وَذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" أَنَّ يَزِيد بْن زُرَيْع تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ خَالِد الْحَذَّاء. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لَهُ لَعَلَّك قَبَّلْت ) ‏ ‏حَذَفَ الْمَفْعُول لِلْعِلْمِ بِهِ أَيْ الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة وَلَمْ يُعَيِّن مَحَلّ التَّقْبِيل ‏ ‏وَقَوْله \" أَوْ غَمَزْت \" ‏ ‏بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي أَيْ بِعَيْنِك أَوْ يَدك أَيْ أَشَرْت \" أَوْ الْمُرَاد بِغَمَزْتَ بِيَدِك الْجَسّ أَوْ وَضْعهَا عَلَى عُضْو الْغَيْر , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ \" لَمَسْت \" بَدَل \" غَمَزْت \" وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة يَزِيد بْن هَارُون عَنْ جَرِير بْن حَازِم عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ \" لَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ لَمَسْت \". ‏ ‏قَوْله ( أَوْ نَظَرْت ) ‏ ‏أَيْ فَأَطْلَقْت عَلَى أَيّ وَاحِدَة فَعَلْت مِنْ الثَّلَاث زِنًا فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى الْحَدِيث الْآخَر الْمُخَرَّج فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" الْعَيْن تَزْنِي وَزِنَاهَا النَّظَر \" وَفِي بَعْض طُرُقه عِنْدهمَا أَوْ عِنْد أَحَدهمَا ذَكَرَ اللِّسَان وَالْيَد وَالرِّجْل وَالْأُذُن , زَادَ أَبُو دَاوُدَ وَالْفَم , وَعِنْدهمْ \" وَالْفَرْج يَصْدُق ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبهُ \" وَفِي التِّرْمِذِيّ وَغَيْره عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَفَعَه \" كُلّ عَيْن زَانِيَة \". ‏ ‏قَوْله ( أَنِكْتَهَا ) ‏ ‏بِالنُّونِ وَالْكَاف ‏ ‏( لَا يَكْنِي ) ‏ ‏أَيْ تَلَفَّظَ بِالْكَلِمَةِ الْمَذْكُورَة وَلَمْ يَكْنِ عَنْهَا بِلَفْظٍ آخَر , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة خَالِد بِلَفْظِ \" أَفَعَلْت بِهَا \" وَكَأَنَّ هَذِهِ الْكِنَايَة صَدَرْت مِنْهُ أَوْ مِنْ شَيْخه لِلتَّصْرِيحِ فِي رِوَايَة الْبَاب بِأَنَّهُ لَمْ يَكْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ أَبَا دَاوُدَ أَخْرَجَهُ فِي \" بَاب لَا يُرْجَم الْمَجْنُون \" زِيَادَات فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظ. ‏ ‏قَوْله ( فَعِنْد ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ ) ‏ ‏زَادَ خَالِد الْحَذَّاء فِي رِوَايَته \" فَانْطُلِقَ بِهِ فَرُجِمَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6325",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ النَّاسِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ يُرِيدُ نَفْسَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَجَاءَ لِشِقِّ وَجْهِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الَّذِي أَعْرَضَ عَنْهُ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَبِكَ جُنُونٌ قَالَ لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَحْصَنْتَ قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَنْ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى فَلَمَّا ‏ ‏أَذْلَقَتْهُ ‏ ‏الْحِجَارَةُ ‏ ‏جَمَزَ ‏ ‏حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ ‏ ‏بِالْحَرَّةِ ‏ ‏فَرَجَمْنَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( رَجُل مِنْ النَّاس ) ‏ ‏أَيْ لَيْسَ مِنْ أَكَابِر النَّاس وَلَا بِالْمَشْهُورِ فِيهِمْ. ‏ ‏قَوْله ( زَنَيْت يُرِيد نَفْسه ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَجِئْ مُسْتَفْتِيًا لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا جَاءَ مُقِرًّا بِالزِّنَا لِيَفْعَل مَعَهُ مَا يَجِب عَلَيْهِ شَرْعًا , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِد الْحَدِيث الْمَذْكُور فِيهِ فِي \" بَاب لَا يُرْجَم الْمَجْنُون \" قَالَ اِبْن التِّين : مَحَلّ مَشْرُوعِيَّة سُؤَال الْمُقِرّ بِالزِّنَا عَنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ لَمْ يَعْلَم أَنَّهُ تَزَوَّجَ تَزْوِيجًا صَحِيحًا وَدَخَلَ بِهَا , فَأَمَّا إِذَا عَلِمَ إِحْصَانه فَلَا يَسْأَل عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ حَكَى عَنْ الْمَالِكِيَّة تَفْصِيلًا فِيمَا إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ وَلَمْ يَسْمَع مِنْهُ إِقْرَارًا بِالدُّخُولِ فَقِيلَ : مَنْ أَقَامَ مَعَ الزَّوْجَة لَيْلَة وَاحِدَة لَمْ يُقْبَل إِنْكَاره , وَقِيلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَهَلْ يُحَدّ حَدَّ الثَّيِّب أَوْ الْبِكْر ؟ الثَّانِي أَرْجَحُ , وَكَذَا إِذَا اِعْتَرَفَ الزَّوْج بِالْإِصَابَةِ. ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا اِعْتَرَفْت بِذَلِكَ لِأَمْلِك الرَّجْعَة أَوْ اِعْتَرَفَتْ الْمَرْأَة ثُمَّ قَالَتْ : إِنَّمَا فَعَلْت ذَلِكَ لِأَسْتَكْمِل الصَّدَاق , فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُحَدّ حَدَّ الْبِكْر اِنْتَهَى. وَعِنْد غَيْرهمْ يُرْفَع الْحَدُّ أَصْلًا. وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَصْحَابهمْ أَنَّ مَنْ قَالَ لِآخَرَ يَا زَانِي فَصَدَّقَهُ أَنَّهُ يُجْلَدُ الْقَائِلُ وَلَا يُحَدُّ الْمُصَدِّقُ , وَقَالَ زُفَرُ : بَلْ يُحَدُّ , قُلْت : وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَرَجَّحَ الطَّحَاوِيُّ قَوْل زُفَرَ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الْبَاب وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمَاعِزٍ \" أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْك أَنَّك زَنَيْت ؟ قَالَ : نَعَمْ , فَحَدَّهُ \" قَالَ وَبِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِآخَرَ لِي عَلَيْك أَلْف فَقَالَ صَدَقْت أَنَّهُ يَلْزَمهُ الْمَال. ‏"
    },
    {
        "id": "6326",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنْ ‏ ‏فِي ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَامَ خَصْمُهُ وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ فَقَالَ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي قَالَ قُلْ قَالَ إِنَّ ابْنِي كَانَ ‏ ‏عَسِيفًا ‏ ‏عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ ثُمَّ سَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ وَعَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْمَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ الْمِائَةُ شَاةٍ وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَاغْدُ يَا ‏ ‏أُنَيْسُ ‏ ‏عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏لَمْ يَقُلْ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ ‏ ‏فَقَالَ الشَّكُّ فِيهَا مِنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏فَرُبَّمَا قُلْتُهَا وَرُبَّمَا سَكَتُّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله ( حَفِظْنَاهُ مِنْ فِي الزُّهْرِيِّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الْجَبَّار بْن الْعَلَاء عَنْ سُفْيَان عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" سَمِعْت الزُّهْرِيّ \". ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏زَادَ الْحُمَيْدِيّ \" اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة وَزَيْد بْن خَالِد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ \" عَنْ زَيْد بْن خَالِد الْجُهَنِيّ وَأَبِي هُرَيْرَة وَشِبْل \" وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَقُتَيْبَة عِنْد النَّسَائِيِّ وَهِشَام بْن عَمَّار وَأَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَمُحَمَّد بْن الصَّبَّاح عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَعَمْرو بْن عَلِيّ وَعَبْد الْجَبَّار بْن الْعَلَاء وَالْوَلِيد بْن شُجَاع وَأَبُو خَيْثَمَةَ وَيَعْقُوب الدَّوْرَقِيّ وَإِبْرَاهِيم بْن سَعِيد الْجَوْهَرِيّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَآخَرُونَ عَنْ سُفْيَان. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ نَصْر بْن عَلِيّ وَغَيْر وَاحِد عَنْ سُفْيَان وَلَفْظه \" سَمِعْت مِنْ أَبِي هُرَيْرَة وَزَيْد بْن خَالِد وَشِبْل لِأَنَّهُمْ كَانُوا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا وَهْمٌ مِنْ سُفْيَان , وَإِنَّمَا رَوَى عَنْ الزُّهْرِيّ بِهَذَا السَّنَدِ حَدِيثَ \" إِذَا زَنَتْ الْأَمَة \" فَذَكَرَ فِيهِ شِبْلًا , وَرَوَى حَدِيث الْبَاب بِهَذَا السَّنَد لَيْسَ فِيهِ شِبْل فَوَهِمَ سُفْيَان فِي تَسْوِيَته بَيْن الْحَدِيثَيْنِ. قُلْت : وَسَقَطَ ذِكْر شِبْل مِنْ رِوَايَة الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقه لِهَذَا الْحَدِيث , وَكَذَا أَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُق عَنْ الزُّهْرِيّ : مِنْهَا عَنْ مَالِك وَاللَّيْث وَصَالِح بْن كَيْسَانَ , وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب وَشُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة يُونُس بْن يَزِيد وَمَعْمَر كُلّهمْ عَنْ الزُّهْرِيّ لَيْسَ فِيهِ شِبْل , قَالَ التِّرْمِذِيّ وَشِبْل لَا صُحْبَة لَهُ , وَالصَّحِيح مَا رَوَى الزُّبَيْدِيّ وَيُونُس وَابْن أَخِي الزُّهْرِيّ فَقَالُوا عَنْ الزُّهْرِيّ \" عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ شِبْل بْن خَالِد عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَالِك الْأَوْسِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَمَة إِذَا زَنَتْ \". قُلْت : وَرِوَايَة الزُّبَيْدِيّ عِنْد النَّسَائِيِّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ , وَلَيْسَ هُوَ فِي الْكُتُب السِّتَّة مِنْ هَذَا الْوَجْه إِلَّا عِنْد النَّسَائِيِّ , وَلَيْسَ فِيهِ \" كُنْت عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب \" وَهُوَ جَالِس فِي الْمَسْجِد \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَامَ رَجُل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب الْآتِيَة قَرِيبًا وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ الْآتِيَة فِي الْأَحْكَام وَاللَّيْث الْمَاضِيَة فِي الشُّرُوط \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَاب جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِس \" وَفِي رِوَايَة شُعَيْب فِي الْأَحْكَام \" إِذْ قَامَ رَجُل مِنْ الْأَعْرَاب \" وَفِي رِوَايَة مَالِك الْآتِيَة قَرِيبًا \" أَنَّ رَجُلَيْنِ اِخْتَصَمَا \". ‏ ‏قَوْله ( أَنْشُدُك اللَّهَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اللَّيْث \" فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه أَنْشُدُك اللَّهَ \" بِفَتْحِ أَوَّله وَنُونٍ سَاكِنَة وَضَمِّ الشِّين الْمُعْجَمَة أَيْ أَسْأَلك بِاَللَّهِ , وَضَمَّنَ أَنْشُدك مَعْنَى أُذَكِّرك فَحَذَفَ الْبَاء أَيْ أُذَكِّرك رَافِعًا نِشْدَتِي أَيْ صَوْتِي , هَذَا أَصْله ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي كُلّ مَطْلُوب مُؤَكَّد وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ رَفْع صَوْت , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَنْدَفِع إِيرَاد مَنْ اِسْتَشْكَلَ رَفْع الرَّجُل صَوْته عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ النَّهْي عَنْهُ ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ النَّهْيُ لِكَوْنِهِ أَعْرَابِيًّا , أَوْ النَّهْي لِمَنْ يَرْفَعهُ حَيْثُ يَتَكَلَّم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ظَاهِر الْآيَة. وَذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْفَارِسِيّ أَنَّ بَعْضهمْ رَوَاهُ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الْمُعْجَمَة وَغَلَّطَهُ. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا قَضَيْت بَيْننَا بِكِتَابِ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اللَّيْث \" إِلَّا قَضَيْت لِي بِكِتَابِ اللَّه \" قِيلَ فِيهِ اِسْتِعْمَال الْفِعْل بَعْد الِاسْتِثْنَاء بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَر وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَرْف مَصْدَرِيّ لِضَرُورَةِ اِفْتِقَار الْمَعْنَى إِلَيْهِ , وَهُوَ مِنْ الْمَوَاضِع الَّتِي يَقَع فِيهَا الْفِعْلُ مَوْقِعَ الِاسْم وَيُرَاد بِهِ النَّفْي الْمَحْصُور فِيهِ الْمَفْعُولُ , وَالْمَعْنَى هُنَا لَا أَسْأَلك إِلَّا الْقَضَاء بِكِتَابِ اللَّه , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون إِلَّا جَوَابَ الْقَسَمِ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْحَصْر وَتَقْدِيره أَسْأَلك بِاَللَّهِ لَا تَفْعَلْ شَيْئًا إِلَّا الْقَضَاء , فَالتَّأْكِيد إِنَّمَا وَقَعَ لِعَدَمِ التَّشَاغُل بِغَيْرِهِ لَا لِأَنَّ لِقَوْلِهِ \" بِكِتَابِ اللَّه \" مَفْهُومًا , وَبِهَذَا يَنْدَفِع إِيرَاد مَنْ اِسْتَشْكَلَ فَقَالَ : لَمْ يَكُنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكُم إِلَّا بِكِتَابِ اللَّه فَمَا فَائِدَة السُّؤَال وَالتَّأْكِيد فِي ذَلِكَ ؟ ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُفَاة الْأَعْرَاب وَالْمُرَاد بِكِتَابِ اللَّه مَا حَكَمَ بِهِ وَكَتَبَ عَلَى عِبَاده , وَقِيلَ الْمُرَاد الْقُرْآن وَهُوَ الْمُتَبَادَر. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الْأَوَّل أَوْلَى لِأَنَّ الرَّجْم وَالتَّغْرِيب لَيْسَا مَذْكُورَيْنِ فِي الْقُرْآن إِلَّا بِوَاسِطَةِ أَمْر اللَّه بِاتِّبَاعِ رَسُوله , قِيلَ وَفِيمَا قَالَ نَظَر لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَا تَضَمَّنَهُ قَوْله تَعَالَى ( أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا ) فَبَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ السَّبِيل جَلْد الْبِكْر وَنَفْيه وَرَجْم الثَّيِّب. قُلْت : وَهَذَا أَيْضًا بِوَاسِطَةِ التَّبْيِين , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِكِتَابِ اللَّه الْآيَة الَّتِي نُسِخَتْ تِلَاوَتهَا وَهِيَ \" الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا \" وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِيه , وَبِهَذَا أَجَابَ الْبَيْضَاوِيّ وَيَبْقَى عَلَيْهِ التَّغْرِيب , وَقِيلَ الْمُرَاد بِكِتَابِ اللَّه مَا فِيهِ مِنْ النَّهْي عَنْ أَكْل الْمَال بِالْبَاطِلِ لِأَنَّ خَصْمه كَانَ أَخَذَ مِنْهُ الْغَنَم وَالْوَلِيدَة بِغَيْرِ حَقّ فَلِذَلِكَ قَالَ \" الْغَنَم وَالْوَلِيدَة رَدٌّ عَلَيْك \". وَاَلَّذِي يَتَرَجَّح أَنَّ الْمُرَاد بِكِتَابِ اللَّه مَا يَتَعَلَّق بِجَمِيعِ أَفْرَاد الْقِصَّة مِمَّا وَقَعَ بِهِ الْجَوَاب الْآتِي ذِكْرُهُ , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( فَقَامَ خَصْمه وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" فَقَالَ الْآخَر وَهُوَ أَفْقَهُهُمَا \" قَالَ شَيْخنَا فِي \" شَرْح التِّرْمِذِيّ \" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الرَّاوِي كَانَ عَارِفًا بِهِمَا قَبْل أَنْ يَتَحَاكَمَا فَوَصَفَ الثَّانِيَ بِأَنَّهُ أَفْقَهُ مِنْ الْأَوَّل إِمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا فِي هَذِهِ الْقِصَّة الْخَاصَّة , أَوْ اِسْتَدَلَّ بِحُسْنِ أَدَبه فِي اِسْتِئْذَانه وَتَرْك رَفْع صَوْته إِنْ كَانَ الْأَوَّل رَفَعَهُ وَتَأْكِيده السُّؤَال عَلَى فِقْهِهِ , وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ حُسْن السُّؤَال نِصْف الْعِلْم , وَأَوْرَدَهُ اِبْن السُّنِّيّ فِي \" كِتَاب رِيَاضَة الْمُتَعَلِّمِينَ \" حَدِيثًا مَرْفُوعًا بِسَنَدٍ ضَعِيف. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ اِقْضِ بَيْننَا بِكِتَابِ اللَّه وَأْذَنْ لِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" فَقَالَ أَجَلْ \" وَفِي رِوَايَة اللَّيْث \" فَقَالَ نَعَمْ فَاقْضِ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب وَشُعَيْب \" فَقَالَ صَدَقَ اِقْضِ لَهُ يَا رَسُول اللَّه بِكِتَابِ اللَّه \". ‏ ‏قَوْله ( وَأْذَنْ لِي ) زَادَ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ سُفْيَان \" حَتَّى أَقُول \" وَفِي رِوَايَة مَالِك \" أَنْ أَتَكَلَّم \". ‏ ‏قَوْله ( قُلْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن يُوسُف ( فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْ \" وَفِي رِوَايَة مَالِك \" قَالَ تَكَلَّمْ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ ) ‏ ‏ظَاهِر السِّيَاق أَنَّ الْقَائِل هُوَ الثَّانِي , وَجَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْقَائِل هُوَ الْأَوَّل وَاسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ لِمَا وَقَعَ فِي كِتَاب الصُّلْح عَنْ آدَم عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب هُنَا \" فَقَالَ الْأَعْرَابِيّ إِنَّ اِبْنِي \" بَعْد قَوْله فِي أَوَّل الْحَدِيث \" جَاءَ أَعْرَابِيّ , وَفِيهِ \" فَقَالَ خَصْمُهُ \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة شَاذَّة وَالْمَحْفُوظ مَا فِي سَائِر الطُّرُق كَمَا فِي رِوَايَة سُفْيَان فِي هَذَا الْبَاب , وَكَذَا وَقَعَ فِي الشُّرُوط عَنْ عَاصِم بْن عَلِيّ عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب مُوَافِقًا لِلْجَمَاعَةِ وَلَفْظه \" فَقَالَ صَدَقَ , اِقْضِ لَهُ يَا رَسُول اللَّه بِكِتَابِ اللَّه , إِنَّ اِبْنِي إِلَخْ \" فَالِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى بْن أَبِي ذِئْب , وَقَدْ وَافَقَ آدَمَ أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" وَوَافَقَ عَاصِمًا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اِبْنِي هَذَا ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ الِابْن كَانَ حَاضِرًا فَأَشَارَ إِلَيْهِ , وَخَلَا مُعْظَمُ الرِّوَايَات عَنْ هَذِهِ الْإِشَارَة. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا ) ‏ ‏هَذِهِ الْإِشَارَة الثَّانِيَة لِخَصْمِ الْمُتَكَلِّم وَهُوَ زَوْج الْمَرْأَة , زَادَ شُعَيْب فِي رِوَايَته \" وَالْعَسِيف الْأَجِير \" وَهَذَا التَّفْسِير مُدْرَج فِي الْخَبَر , وَكَأَنَّهُ مِنْ قَوْل الزُّهْرِيّ لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَته أَنَّهُ كَانَ يُدْخِل كَثِيرًا مِنْ التَّفْسِير فِي أَثْنَاء الْحَدِيث كَمَا بَيَّنْته فِي مُقَدِّمَة كِتَابِي فِي الْمُدْرَج , وَقَدْ فَصَّلَهُ مَالِك فَوَقَعَ فِي سِيَاقه , \" كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا. قَالَ مَالِك : وَالْعَسِيف الْأَجِير \" وَحَذَفَهَا سَائِرُ الرُّوَاة , وَالْعَسِيف بِمُهْمَلَتَيْنِ الْأَجِير وَزْنه وَمَعْنَاهُ وَالْجَمْع عُسَفَاءُ كَأُجَرَاءَ , وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى الْخَادِم وَعَلَى الْعَبْد وَعَلَى السَّائِل , وَقِيلَ يُطْلَق عَلَى مَنْ يُسْتَهَان بِهِ , وَفَسَّرَهُ عَبْد الْمَلِك بْن حَبِيب بِالْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِم , وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِطْلَاقه عَلَى صَاحِب هَذِهِ الْقِصَّة بِاعْتِبَارِ حَاله فِي اِبْتِدَاء الِاسْتِئْجَار. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِلنَّسَائِيِّ تَعْيِين كَوْنه أَجِيرًا , وَلَفْظه مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ اِبْن شِهَاب \" كَانَ اِبْنِي أَجِيرًا لِامْرَأَتِهِ \" وَسُمِّيَ الْأَجِير عَسِيفًا لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِر يَعْسِفهُ فِي الْعَمَل وَالْعَسْف الْجَوْر , أَوْ هُوَ بِمَعْنَى الْفَاعِل لِكَوْنِهِ يَعْسِف الْأَرْض بِالتَّرَدُّدِ فِيهَا , يُقَال عَسَفَ اللَّيْلَ عَسْفًا إِذَا أَكْثَرَ السَّيْر فِيهِ , وَيُطْلَق الْعَسْف أَيْضًا عَلَى الْكِفَايَة , وَالْأَجِير يَكْفِي الْمُسْتَأْجِر الْأَمْرَ الَّذِي أَقَامَهُ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى هَذَا ) ضَمَّنَ عَلَى مَعْنَى عِنْد بِدَلِيلِ رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن يُوسُف \" عَسِيفًا فِي أَهْل هَذَا \" وَكَأَنَّ الرَّجُلَ اِسْتَخْدَمَهُ فِيمَا تَحْتَاج إِلَيْهِ اِمْرَأَتُهُ مِنْ الْأُمُور فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَا وَقَعَ لَهُ مَعَهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَافْتَدَيْت ) ‏ ‏زَادَ الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْم فَافْتَدَيْت \" وَقَدْ ذَكَرَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ رِوَايَة فِي آخِره هُنَا أَنَّ سُفْيَان كَانَ يَشُكّ فِي هَذِهِ الزِّيَادَة فَرُبَّمَا تَرَكَهَا , وَغَالِب الرُّوَاة عَنْهُ كَأَحْمَدَ وَمُحَمَّد بْن يُوسُف وَابْن أَبِي شَيْبَة لَمْ يَذْكُرُوهَا وَثَبَتَتْ عِنْد مَالِك وَاللَّيْث وَابْن أَبِي ذِئْب وَشُعَيْب وَعَمْرو بْن شُعَيْب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة آدَم \" فَقَالُوا لِي عَلَى اِبْنك الرَّجْم \" وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ فَأُخْبِرْت , بِضَمِّ الْهَمْزَة عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْر الْحَنَفِيّ \" فَقَالَ لِي \" بِالْإِفْرَادِ , وَكَذَا عِنْد أَبِي عَوَانَة مِنْ رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب , فَإِنْ ثَبَتَتْ فَالضَّمِير فِي قَوْله فَافْتَدَيْت مِنْهُ لِخَصْمِهِ , وَكَأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُ يَسْتَحِقّ أَنْ يَعْفُو عَنْهُ عَلَى مَال يَأْخُذهُ , وَهَذَا ظَنٌّ بَاطِل , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب \" فَسَأَلْت مَنْ لَا يَعْلَم فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى اِبْنِي الرَّجْم فَافْتَدَيْت مِنْهُ \". ‏ ‏قَوْله ( بِمِائَةِ شَاة وَخَادِم ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْخَادِمِ الْجَارِيَة الْمُعَدَّة لِلْخِدْمَةِ بِدَلِيلِ رِوَايَة مَالِك بِلَفْظِ \" وَجَارِيَة لِي \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب وَشُعَيْب \" بِمِائَةٍ مِنْ الْغَنَم وَوَلِيدَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِير الْوَلِيدَة فِي أَوَاخِر الْفَرَائِض. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ سَأَلْت رِجَالًا مِنْ أَهْل الْعِلْم فَأَخْبَرُونِي ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى أَسْمَائِهِمْ وَلَا عَلَى عَدَدهمْ وَلَا عَلَى اِسْم الْخَصْمَيْنِ وَلَا الِابْن وَلَا الْمَرْأَة , وَفِي رِوَايَة مَالِك وَصَالِح بْن كَيْسَانَ وَشُعَيْب \" ثُمَّ إِنِّي سَأَلْت أَهْل الْعِلْم فَأَخْبَرُونِي \" وَمِثْله لِابْنِ أَبِي ذِئْب لَكِنْ قَالَ \" فَزَعَمُوا \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَهْل الْعِلْم \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب \" ثُمَّ سَأَلْت مَنْ يَعْلَم \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ عَلَى اِبْنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" إِنَّمَا عَلَى اِبْنِي \". ‏ ‏قَوْله ( جَلْد مِائَة ) ‏ ‏بِالْإِضَافَةِ لِلْأَكْثَرِ , وَقَرَأَهُ بَعْضهمْ بِتَنْوِينِ جَلْد مَرْفُوع وَتَنْوِين مِائَة مَنْصُوب عَلَى التَّمْيِيز وَلَمْ يَثْبُت رِوَايَةً. ‏ ‏قَوْله ( وَعَلَى اِمْرَأَة هَذَا الرَّجْمُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك وَالْأَكْثَر \" وَإِنَّمَا الرَّجْم عَلَى اِمْرَأَته \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب \" فَأَخْبَرُونِي أَنْ لَيْسَ عَلَى اِبْنِي الرَّجْم \". ‏ ‏قَوْله ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" أَمَا وَاَلَّذِي \". ‏ ‏قَوْله ( لَأَقْضِيَنَّ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ النُّون لِلتَّأْكِيدِ. ‏ ‏قَوْله ( بِكِتَابِ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب \" بِالْحَقِّ \" وَهِيَ تُرَجِّح أَوَّلَ الِاحْتِمَالَاتِ الْمَاضِي ذِكْرُهَا. ‏ ‏قَوْله ( الْمِائَة شَاة وَالْخَادِم رَدٌّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَلَيْك \" وَكَذَا فِي رِوَايَة مَالِك وَلَفْظه \" أَمَّا غَنَمك وَجَارِيَتك فَرَدٌّ عَلَيْك \" أَيْ مَرْدُود مِنْ إِطْلَاق لَفْظ الْمَصْدَر عَلَى اِسْم الْمَفْعُول كَقَوْلِهِمْ ثَوْبٌ نَسْجٌ أَيْ مَنْسُوجٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ \" أَمَّا الْوَلِيدَة وَالْغَنَم فَرُدَّهَا \" وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب \" أَمَّا مَا أَعْطَيْته فَرَدٌّ عَلَيْك \" فَإِنْ كَانَ الضَّمِير فِي أَعْطَيْته لِخَصْمِهِ تَأَيَّدَتْ الرِّوَايَة الْمَاضِيَة وَإِنْ كَانَ لِلْعَطَاءِ فَلَا. ‏ ‏قَوْله ( وَعَلَى اِبْنك جَلْد مِائَة وَتَغْرِيب عَام ) قَالَ النَّوَوِيّ : هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّ الِابْن كَانَ بِكْرًا وَأَنَّهُ اِعْتَرَفَ بِالزِّنَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَضْمَرَ اِعْتِرَافه وَالتَّقْدِير وَعَلَى اِبْنك إِنْ اِعْتَرَفَ , وَالْأَوَّل أَلْيَقُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي مَقَام الْحُكْم , فَلَوْ كَانَ فِي مَقَام الْإِفْتَاء لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِشْكَال لِأَنَّ التَّقْدِير إِنْ كَانَ زَنَى وَهُوَ بِكْرٌ , وَقَرِينَة اِعْتِرَافه حُضُوره مَعَ أَبِيهِ وَسُكُوته عَمَّا نَسَبَهُ إِلَيْهِ , وَأَمَّا الْعِلْم بِكَوْنِهِ بِكْرًا فَوَقَعَ صَرِيحًا مِنْ كَلَام أَبِيهِ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب وَلَفْظه \" كَانَ اِبْنِي أَجِيرًا لِامْرَأَةِ هَذَا وَابْنِي لَمْ يُحْصَنْ \". ‏ ‏قَوْله ( وَعَلَى اِبْنك جَلْد مِائَة وَتَغْرِيب عَام ) ‏ ‏وَافَقَهُ الْأَكْثَر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب \" وَأَمَّا اِبْنك فَنَجْلِدهُ مِائَة وَنُغَرِّبهُ سَنَة \" وَفِي رِوَايَة مَالِك وَصَالِح بْن كَيْسَانَ \" وَجَلَدَ اِبْنه مِائَة وَغَرَّبَهُ عَامًا \" وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّ الَّذِي صَدَرَ حِينَئِذٍ كَانَ حُكْمًا لَا فَتْوَى , بِخِلَافِ رِوَايَة سُفْيَان وَمَنْ وَافَقَهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَاغْدُ يَا أُنَيْس ) ‏ ‏بِنُونٍ وَمُهْمَلَة مُصَغَّر ‏ ‏( عَلَى اِمْرَأَة هَذَا ) ‏ ‏زَادَ مُحَمَّد بْن يُوسُف : فَاسْأَلْهَا , قَالَ اِبْن السَّكَن فِي كِتَاب الصَّحَابَة : لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ وَلَا وَجَدْت لَهُ رِوَايَة وَلَا ذِكْرًا إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هُوَ اِبْن الضَّحَّاك الْأَسْلَمِيّ وَقِيلَ اِبْن مَرْثَد وَقِيلَ اِبْن أَبِي مَرْثَد , وَزَيَّفُوا الْأَخِير بِأَنَّ أُنَيْس بْن أَبِي مَرْثَد صَحَابِيّ مَشْهُور وَهُوَ غَنَوِيّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَالنُّون لَا أَسْلَمِيّ وَهُوَ بِفَتْحَتَيْنِ لَا التَّصْغِير , وَغَلِطَ مَنْ زَعَمَ أَيْضًا أَنَّهُ أَنَس بْن مَالِك وَصُغِّرَ كَمَا صُغِّرَ فِي رِوَايَة أُخْرَى عِنْد مُسْلِم لِأَنَّهُ أَنْصَارِيّ لَا أَسْلَمِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب وَابْن أَبِي ذِئْب \" وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْس - لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ - فَاغْدُ \" وَفِي رِوَايَة مَالِك وَيُونُس وَصَالِح اِبْن كَيْسَانَ \" وَأَمَرَ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيّ أَنْ يَأْتِيَ اِمْرَأَة الْآخَر \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" ثُمَّ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ يُقَال لَهُ أُنَيْس قُمْ يَا أُنَيْس فَسَلْ اِمْرَأَة هَذَا \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْغُدُوِّ الذَّهَاب وَالتَّوَجُّه كَمَا يُطْلَق الرَّوَاح عَلَى ذَلِكَ , وَلَيْسَ الْمُرَاد حَقِيقَة الْغُدُوّ وَهُوَ التَّأْخِير إِلَى أَوَّل النَّهَار كَمَا لَا يُرَاد بِالرَّوَاحِ التَّوَجُّه نِصْف النَّهَار , وَقَدْ حَكَى عِيَاض أَنَّ بَعْضهمْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَأَخُّر إِقَامَة الْحَدّ عِنْد ضِيق الْوَقْت وَاسْتَضْعَفَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي آخِر النَّهَار. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنْ اِعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس \" وَأَمَرَ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيّ أَنْ يَرْجُمَ اِمْرَأَةَ الْآخَر إِذْ اِعْتَرَفَتْ \". ‏ ‏قَوْله ( فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اللَّيْث \" فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَتْ \" وَاخْتَصَرَهُ اِبْن أَبِي ذِئْب فَقَالَ \" فَغَدَا عَلَيْهَا فَرَجَمَهَا \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة صَالِح اِبْن كَيْسَانَ , وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب \" وَأَمَّا اِمْرَأَة هَذَا فَتُرْجَم \" وَرِوَايَة اللَّيْث أَتَمُّهَا لِأَنَّهَا تُشْعِر بِأَنَّ أُنَيْسًا أَعَادَ جَوَابهَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ حِينَئِذٍ بِرَجْمِهَا وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَمْره الْأَوَّل الْمُعَلَّق عَلَى اِعْتِرَافهَا فَيَتَّحِد مَعَ رِوَايَة الْأَكْثَر وَهُوَ أَوْلَى. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ الرُّجُوعُ إِلَى كِتَاب اللَّه نَصًّا أَوْ اِسْتِنْبَاطًا , وَجَوَاز الْقَسَم عَلَى الْأَمْر لِتَأْكِيدِهِ , وَالْحَلِف بِغَيْرِ اِسْتِحْلَاف , وَحُسْن خُلُق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِلْمه عَلَى مَنْ يُخَاطِبهُ بِمَا الْأَوْلَى خِلَافُهُ , وَأَنَّ مَنْ تَأَسَّى بِهِ مِنْ الْحُكَّام فِي ذَلِكَ يُحْمَد كَمَنْ لَا يَنْزَعِج لِقَوْلِ الْخَصْم مَثَلًا اُحْكُمْ بَيْننَا بِالْحَقِّ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : إِنَّمَا تَوَارَدَا عَلَى سُؤَال الْحُكْم بِكِتَابِ اللَّه مَعَ أَنَّهُمَا يَعْلَمَانِ أَنَّهُ لَا يَحْكُم إِلَّا بِحُكْمِ اللَّه لِيَحْكُم بَيْنهمَا بِالْحَقِّ الصِّرْف لَا بِالْمُصَالَحَةِ وَلَا الْأَخْذ بِالْأَرْفَقِ , لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ بِرِضَا الْخَصْمَيْنِ. وَفِيهِ أَنَّ حُسْن الْأَدَب فِي مُخَاطَبَة الْكَبِير يَقْتَضِي التَّقْدِيم فِي الْخُصُومَة وَلَوْ كَانَ الْمَذْكُور مَسْبُوقًا , وَأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَن لِمَنْ شَاءَ مِنْ الْخَصْمَيْنِ فِي الدَّعْوَى إِذَا جَاءَا مَعًا وَأَمْكَنَ أَنْ كُلًّا مِنْهُمَا يَدَّعِي , وَاسْتِحْبَاب اِسْتِئْذَان الْمُدَّعِي وَالْمُسْتَفْتِي الْحَاكِمَ وَالْعَالِمَ فِي الْكَلَام , وَيَتَأَكَّد ذَلِكَ إِذَا ظَنَّ أَنَّ لَهُ عُذْرًا. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالْحَدِّ وَجَبَ عَلَى الْإِمَام إِقَامَته عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَعْتَرِف مُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ , وَأَنَّ مَنْ قَذَفَ غَيْره لَا يُقَام عَلَيْهِ الْحَدّ إِلَّا إِنْ طَلَبَهُ الْمَقْذُوف , خِلَافًا لِابْنِ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّهُ قَالَ يَجِب وَلَوْ لَمْ يَطْلُب الْمَقْذُوف. قُلْت : وَفِي الِاسْتِدْلَال بِهِ نَظَر , لِأَنَّ مَحَلّ الْخِلَاف إِذَا كَانَ الْمَقْذُوف حَاضِرًا , وَأَمَّا إِذَا كَانَ غَائِبًا كَهَذَا فَالظَّاهِر أَنَّ التَّأْخِير لِاسْتِكْشَافِ الْحَال. فَإِنْ ثَبَتَ فِي حَقّ الْمَقْذُوف فَلَا حَدَّ عَلَى الْقَاذِف كَمَا فِي هَذِهِ الْقِصَّة , وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ : إِنَّ سَبَبَ بَعْث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَيْسًا لِلْمَرْأَةِ لِيُعْلِمَهَا بِالْقَذْفِ الْمَذْكُور لِتُطَالِب بِحَدِّ قَاذِفهَا إِنْ أَنْكَرَتْ , قَالَ : هَكَذَا أَوَّلَهُ الْعُلَمَاء مِنْ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ وَلَا بُدّ مِنْهُ لِأَنَّ ظَاهِره أَنَّهُ بُعِثَ يَطْلُب إِقَامَة حَدّ الزِّنَا وَهُوَ غَيْر مُرَاد لِأَنَّ حَدّ الزِّنَا لَا يُحْتَاط لَهُ بِالتَّجَسُّسِ وَالتَّنْقِيب عَنْهُ بَلْ يُسْتَحَبّ تَلْقِين الْمُقِرّ بِهِ لِيَرْجِع كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّة مَاعِز وَكَأَنَّ لِقَوْلِهِ \" فَإِنْ اِعْتَرَفَتْ \" مُقَابِلًا أَيْ وَإِنْ أَنْكَرَتْ فَأَعْلِمْهَا أَنَّ لَهَا طَلَبَ حَدِّ الْقَذْف فَحُذِفَ لِوُجُودِ الِاحْتِمَال. فَلَوْ أَنْكَرَتْ وَطَلَبَتْ لَأُجِيبَتْ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ بِأَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَجَلَدَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَة \" ثُمَّ سَأَلَ الْمَرْأَة فَقَالَتْ كَذَبَ فَجَلَدَهُ حَدَّ الْفِرْيَة ثَمَانِينَ وَقَدْ سَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَاسْتَنْكَرَهُ النَّسَائِيُّ. وَفِيهِ أَنَّ الْمُخَدَّرَة الَّتِي لَا تَعْتَاد الْبُرُوز لَا تُكَلَّف الْحُضُورَ لِمَجْلِسِ الْحُكْم بَلْ يَجُوز أَنْ يُرْسَلَ إِلَيْهَا مَنْ يَحْكُم لَهَا وَعَلَيْهَا , وَقَدْ تَرْجَمَ النَّسَائِيُّ لِذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّ السَّائِل يَذْكُر كُلَّ مَا وَقَعَ فِي الْقِصَّة لِاحْتِمَالِ أَنْ يَفْهَم الْمُفْتِي أَوْ الْحَاكِم مِنْ ذَلِكَ مَا يَسْتَدِلّ بِهِ عَلَى خُصُوص الْحُكْم فِي الْمَسْأَلَة لِقَوْلِ السَّائِل إِنَّ اِبْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا , وَهُوَ إِنَّمَا جَاءَ يَسْأَل عَنْ حُكْم الزِّنَا , وَالسِّرّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقِيم لِابْنِهِ مَعْذِرَةً مَا وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِالْعِهْرِ وَلَمْ يَهْجُم عَلَى الْمَرْأَة مَثَلًا وَلَا اِسْتَكْرَهَهَا , وَإِنَّمَا وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ لِطُولِ الْمُلَازَمَة الْمُقْتَضِيَة لِمَزِيدِ التَّأْنِيس وَالْإِدْلَال , فَيُسْتَفَاد مِنْهُ الْحَثّ عَلَى إِبْعَاد الْأَجْنَبِيّ مِنْ الْأَجْنَبِيَّة مَهْمَا أَمْكَنَ , لِأَنَّ الْعِشْرَة قَدْ تُفْضِي إِلَى الْفَسَاد وَيَتَسَوَّر بِهَا الشَّيْطَانُ إِلَى الْإِفْسَاد. وَفِيهِ جَوَاز اِسْتِفْتَاء الْمَفْضُول مَعَ وُجُود الْفَاضِل , وَالرَّدّ عَلَى مَنْ مَنَعَ التَّابِعِيَّ أَنْ يُفْتِي مَعَ وُجُود الصَّحَابِيّ مَثَلًا. وَفِيهِ جَوَاز الِاكْتِفَاء فِي الْحُكْم بِالْأَمْرِ النَّاشِئ عَنْ الظَّنّ مَعَ الْقُدْرَة عَلَى الْيَقِين , لَكِنْ إِذَا اِخْتَلَفُوا عَلَى الْمُسْتَفْتِي يَرْجِع إِلَى مَا يُفِيد الْقَطْع وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْعَصْر الشَّرِيف مَنْ يُفْتِي بِالظَّنِّ الَّذِي لَمْ يَنْشَأ عَنْ أَصْل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ أَوْ مَنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابَة كَانُوا يُفْتُونَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي بَلَده , وَقَدْ عَقَدَ مُحَمَّد بْن سَعْد فِي الطَّبَقَات بَابًا لِذَلِكَ وَأَخْرَجَ بِأَسَانِيد فِيهَا الْوَاقِدِيّ أَنَّ مِنْهُمْ أَبَا بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيًّا وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَأَبِي بْن كَعْب وَمَعَاذ بْن جَبَل وَزَيْد بْن ثَابِت. وَفِيهِ أَنَّ الْحُكْم الْمَبْنِيّ عَلَى الظَّنّ يُنْقَض بِمَا يُفِيد الْقَطْع. وَفِيهِ أَنَّ الْحَدّ لَا يَقْبَل الْفِدَاء , وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَالْحِرَابَة وَشُرْب الْمُسْكِر , وَاخْتُلِفَ فِي الْقَذْف وَالصَّحِيح أَنَّهُ كَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا يَجْرِي الْفِدَاء فِي الْبَدَن كَالْقِصَاصِ فِي النَّفْس وَالْأَطْرَاف. وَأَنَّ الصُّلْح الْمَبْنِيّ عَلَى غَيْر الشَّرْع يُرَدّ وَيُعَاد الْمَالُ الْمَأْخُوذ فِيهِ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّن ضَعْف عُذْر مَنْ اِعْتَذَرَ مِنْ الْفُقَهَاء عَنْ بَعْض الْعُقُود الْفَاسِدَة بِأَنَّ الْمُتَعَاوِضَيْنِ تَرَاضَيَا وَأَذِنَ كُلّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ فِي التَّصَرُّف , وَالْحَقّ أَنَّ الْإِذْن فِي التَّصَرُّف مُقَيَّد بِالْعُقُودِ الصَّحِيحَة. وَفِيهِ جَوَاز الِاسْتِنَابَة فِي إِقَامَة الْحَدّ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوب الْإِعْذَار وَالِاكْتِفَاء فِيهِ بِوَاحِدٍ , وَأَجَابَ عِيَاض بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ ثَبَتَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَهَادَةِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ , كَذَا قَالَ وَاَلَّذِي تُقْبَل شَهَادَته مِنْ الثَّلَاثَة وَالِد الْعَسِيف فَقَطْ وَأَمَّا الْعَسِيف وَالزَّوْج فَلَا , وَغَفَلَ بَعْض مَنْ تَبِعَ الْقَاضِي فَقَالَ : لَا بُدّ مِنْ هَذَا الْحَمْل وَإِلَّا لَزِمَ الِاكْتِفَاء بِشَهَادَةِ وَاحِد فِي الْإِقْرَار بِالزِّنَا وَلَا قَائِل بِهِ , وَيُمْكِن الِانْفِصَال عَنْ هَذَا بِأَنَّ أُنَيْسًا بُعِثَ حَاكِمًا فَاسْتَوْفَى شُرُوط الْحَكَم ثُمَّ اِسْتَأْذَنَ فِي رَجْمِهَا فَأَذِنَ لَهُ فِي رَجْمهَا , وَكَيْف يُتَصَوَّر مِنْ الصُّورَة الْمَذْكُورَة إِقَامَة الشَّهَادَة عَلَيْهَا مِنْ غَيْر تَقَدُّم دَعْوَى عَلَيْهَا وَلَا عَلَى وَكِيلهَا مَعَ حُضُورهَا فِي الْبَلَد غَيْر مُتَوَارِيَة , إِلَّا أَنْ يُقَال إِنَّهَا شَهَادَة حِسْبَة , وَيُجَاب بِأَنَّهُ لَمْ يَقَع هُنَاكَ صِيغَة الشَّهَادَة الْمَشْرُوطَة فِي ذَلِكَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز الْحُكْم بِإِقْرَارِ الْجَانِي مِنْ غَيْر ضَبْط بِشَهَادَةٍ عَلَيْهِ , وَلَكِنَّهَا وَاقِعَة عَيْنٍ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أُنَيْس أَشْهَدَ قَبْل رَجْمهَا. قَالَ عِيَاض : اِحْتَجَّ قَوْم بِجَوَازِ حُكْم الْحَاكِم فِي الْحُدُود وَغَيْرهَا بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْخَصْم عِنْده وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْر , وَأَبَى ذَلِكَ الْجُمْهُور , وَالْخِلَاف فِي غَيْر الْحُدُود أَقْوَى , قَالَ وَقِصَّة أُنَيْس يَطْرُقهَا اِحْتِمَال مَعْنَى الْإِعْذَار كَمَا مَضَى , وَأَنَّ قَوْله \" فَارْجُمْهَا \" أَيْ بَعْد إِعْلَامِي , أَوْ أَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْر إِلَيْهِ , فَإِذَا اِعْتَرَفَتْ بِحَضْرَةِ مَنْ يَثْبُت ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ تَحْكُمُ , وَقَدْ دَلَّ قَوْله \" فَأَمَرَ بِهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَتْ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي حَكَمَ فِيهَا بَعْد أَنْ أَعْلَمَهُ أُنَيْس بِاعْتِرَافِهَا , كَذَا قَالَ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ أُنَيْسًا لَمَّا اِعْتَرَفَتْ أَعْلَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَالَغَة فِي الِاسْتِثْبَات , مَعَ كَوْنه كَانَ عَلَّقَ لَهُ رَجْمَهَا عَلَى اِعْتِرَافهَا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ حُضُور الْإِمَام الرَّجْم لَيْسَ شَرْطًا , وَفِيهِ نَظَر لِاحْتِمَالِ أَنَّ أُنَيْسًا كَانَ حَاكِمًا وَقَدْ حَضَرَ - بَلْ بَاشَرَ - الرَّجْم لِظَاهِرِ قَوْله \" فَرَجَمَهَا \". وَفِيهِ تَرْك الْجَمْع بَيْن الْجَلْد وَالتَّغْرِيب , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ \" وَفِيهِ الِاكْتِفَاء بِالِاعْتِرَافِ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَة لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل أَنَّ الْمَرْأَة تَكَرَّرَ اِعْتِرَافهَا , وَالِاكْتِفَاء بِالرَّجْمِ مِنْ غَيْر جَلْد لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل فِي قِصَّتهَا أَيْضًا , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ الْفِعْل لَا عُمُوم لَهُ فَالتَّرْك أَوْلَى. وَفِيهِ جَوَاز اِسْتِئْجَار الْحُرّ. وَجَوَاز إِجَارَة الْأَب وَلَده الصَّغِير لِمَنْ يَسْتَخْدِمهُ إِذَا اِحْتَاجَ لِذَلِكَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّة دَعْوَى الْأَب لِمَحْجُورِهِ وَلَوْ كَانَ بَالِغًا لِكَوْنِ الْوَلَد كَانَ حَاضِرًا وَلَمْ يَتَكَلَّم إِلَّا أَبُوهُ , وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون وَكِيله أَوْ لِأَنَّ التَّدَاعِي لَمْ يَقَع إِلَّا بِسَبَبِ الْمَال الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْفِدَاء فَكَأَنَّ وَالِد الْعَسِيف اِدَّعَى عَلَى زَوْج الْمَرْأَة بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُ إِمَّا لِنَفْسِهِ وَإِمَّا لِامْرَأَتِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ حِين أَعْلَمَهُ أَهْل الْعِلْم بِأَنَّ ذَلِكَ الصُّلْح فَاسِد لِيَسْتَعِيدَهُ مِنْهُ سَوَاء كَانَ مِنْ مَاله أَوْ مِنْ مَال وَلَده , فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَدِّ ذَلِكَ إِلَيْهِ , وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الْقِصَّة مِنْ الْحَدّ فَبِاعْتِرَافِ الْعَسِيف ثُمَّ الْمَرْأَة. وَفِيهِ أَنَّ حَال الزَّانِيَيْنِ إِذَا اِخْتَلَفَا أُقِيمَ عَلَى كُلّ وَاحِد حَدّه لِأَنَّ الْعَسِيف جُلِدَ وَالْمَرْأَة رُجِمَتْ , فَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدهمَا حُرًّا وَالْآخَر رَقِيقًا , وَكَذَا لَوْ زَنَى بَالِغ بِصَبِيَّةٍ أَوْ عَاقِل بِمَجْنُونَةٍ حُدَّ الْبَالِغ وَالْعَاقِل دُونهمَا , وَكَذَا عَكْسه. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ قَذَفَ وَلَده لَا يُحَدّ لَهُ لِأَنَّ الرَّجُل قَالَ إِنَّ اِبْنِي زَنَى وَلَمْ يَثْبُت عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْف. ‏"
    },
    {
        "id": "6327",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ لَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ ‏ ‏أَلَا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ ‏ ‏الِاعْتِرَافُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏كَذَا حَفِظْتُ ‏ ‏أَلَا وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ الزُّهْرِيّ ) ‏ ‏صَرَّحَ الْحُمَيْدِيّ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ عَنْ سُفْيَان قَالَ \" أَتَيْنَا - يَعْنِي الزُّهْرِيّ - فَقَالَ إِنْ شِئْتُمْ حَدَّثْتُكُمْ بِعِشْرِينَ حَدِيثًا أَوْ حَدَّثْتُكُمْ بِحَدِيثِ السَّقِيفَة , فَقَالُوا : حَدِّثْنَا بِحَدِيثِ السَّقِيفَة \" فَحَدَّثَهُمْ بِهِ بِطُولِهِ , فَحَفِظْت مِنْهُ شَيْئًا ثُمَّ حَدَّثَنِي بِبَقِيَّتِهِ بَعْد ذَلِكَ مَعْمَر. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ هُوَ الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث قَبْله : وَوَقَعَ عِنْد أَبِي عَوَانَة فِي رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ \" أَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ عُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَان عِنْد النَّسَائِيِّ \" سَمِعْت عُمَر \". ‏ ‏قَوْله ( لَقَدْ خَشِيت إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ طَرَف مِنْ الْحَدِيث وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله \" أَلَا وَإِنَّ الرَّجْم حَقّ \" إِلَخْ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( كَذَا حَفِظْت ) ‏ ‏هَذِهِ جُمْلَة مُعْتَرِضَة بَيْن قَوْله \" أَوْ الِاعْتِرَاف \" وَبَيْن قَوْله \" وَقَدْ رَجَمَ \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ بَعْد قَوْله أَوْ الِاعْتِرَاف \" وَقَدْ قَرَأْنَاهَا : الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ , وَقَدْ رَجَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْده \" فَسَقَطَ مِنْ رِوَايَة الْبُخَارِيّ مِنْ قَوْله \" وَقَرَأَ \" إِلَى قَوْله \" الْبَتَّةَ \" وَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ وَهُوَ الَّذِي حَذَفَ ذَلِكَ عَمْدًا , فَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّد بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَان كَرِوَايَةِ جَعْفَر ثُمَّ قَالَ \" لَا أَعْلَم أَحَدًا ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيث الشَّيْخ وَالشَّيْخَة غَيْر سُفْيَان \" وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون وَهِمَ فِي ذَلِكَ - قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَ الْأَئِمَّة هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة مَالِك وَيُونُس وَمَعْمَر وَصَالِح بْن كَيْسَانَ وَعُقَيْل وَغَيْرهمْ مِنْ الْحُفَّاظ عَنْ الزُّهْرِيّ فَلَا يَذْكُرُوهَا , وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة الْمُوَطَّأ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ \" لَمَّا صَدَرَ عُمَر مِنْ الْحَجّ وَقَدِمَ الْمَدِينَة خَطَبَ النَّاس فَقَالَ : أَيّهَا النَّاس قَدْ سُنَّتْ لَكُمْ السُّنَن وَفُرِضَتْ لَكُمْ الْفَرَائِض وَتُرِكْتُمْ عَلَى الْوَاضِحَة - ثُمَّ قَالَ إِيَّاكُمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَة الرَّجْم أَنْ يَقُول قَائِل لَا نَجِد حَدَّيْنِ فِي كِتَاب اللَّه , فَقَدْ رَجَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا , وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ يَقُول النَّاس زَادَ عُمَر فِي كِتَاب اللَّه لَكَتَبْتهَا بِيَدِي : الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ \". قَالَ مَالِك : الشَّيْخ وَالشَّيْخَة الثَّيِّب وَالثَّيِّبَة. وَوَقَعَ فِي \" الْحِلْيَة \" فِي تَرْجَمَة دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ عُمَر \" لَكَتَبْتهَا فِي آخِر الْقُرْآن \" وَوَقَعَتْ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيث فِي رِوَايَة أَبِي مَعْشَر الْآتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , فَقَالَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ قَدْ رَجَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْده \" وَلَوْلَا أَنْ يَقُولُوا كَتَبَ عُمَر مَا لَيْسَ فِي كِتَاب اللَّه لَكَتَبْته , قَدْ قَرَأْنَاهَا الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللَّه وَاَللَّه عَزِيز حَكِيم \" وَأَخْرَجَ هَذِهِ الْجُمْلَة النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ \" وَلَقَدْ كَانَ فِيهَا - أَيْ سُورَة الْأَحْزَاب - آيَة الرَّجْم : الشَّيْخ \" فَذَكَرَ مِثْله. وَمِنْ حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : الشَّيْخ وَالشَّيْخَة \" مِثْله إِلَى قَوْله \" الْبَتَّةَ \" وَمِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة بْن سَهْل أَنَّ خَالَته أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ \" لَقَدْ أَقْرَأَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَة الرَّجْم \" فَذَكَرَهُ إِلَى قَوْله \" الْبَتَّةَ \" وَزَادَ \" بِمَا قَضَيَا مِنْ اللَّذَّة \" وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا أَنَّ مَرْوَان بْن الْحَكَم قَالَ لِزَيْدِ بْن ثَابِت \" أَلَا تَكْتُبهَا , فِي الْمُصْحَف ؟ قَالَ : لَا , أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّابَّيْنِ الثَّيِّبَيْنِ يُرْجَمَانِ ؟ وَلَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ , فَقَالَ عُمَر : أَنَا أَكْفِيكُمْ , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَكْتِبْنِي آيَة الرَّجْم , قَالَ لَا أَسْتَطِيع \" وَرَوَيْنَا فِي فَضَائِل الْقُرْآن لِابْنِ الضريس مِنْ طَرِيق يَعْلَى وَهُوَ اِبْن حَكِيم عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ \" أَنَّ عُمَر خَطَبَ النَّاس فَقَالَ : لَا تَشُكُّوا فِي الرَّجْم فَإِنَّهُ حَقّ , وَلَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَكْتُبهُ فِي الْمُصْحَف فَسَأَلْت أُبَيّ بْن كَعْب فَقَالَ : أَلَيْسَ إِنَّنِي وَأَنَا أَسْتَقْرِئُهَا رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدُفِعْت فِي صَدْرِي وَقُلْت أَسْتَقْرِئُهُ آيَة الرَّجْم وَهُمْ يَتَسَافَدُونَ تَسَافُدَ الْحُمُرِ \" وَرِجَاله ثِقَات. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى بَيَان السَّبَب فِي رَفْع تِلَاوَتهَا وَهُوَ الِاخْتِلَاف , وَأَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق كَثِير بْن الصَّلْت قَالَ : كَانَ زَيْد بْن ثَابِت وَسَعِيد بْن الْعَاصِ يَكْتُبَانِ فِي الْمُصْحَف فَمَرَّا عَلَى هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ زَيْد \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : الشَّيْخ وَالشَّيْخَة فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ , فَقَالَ عُمَر : لَمَّا نَزَلَتْ أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت أَكْتُبهَا ؟ فَكَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ , فَقَالَ عُمَر : أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّيْخ إِذَا زَنَى وَلَمْ يُحْصَن جُلِدَ , وَأَنَّ الشَّابَّ إِذَا زَنَى وَقَدْ أُحْصِنَ رُجِمَ \" فَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا الْحَدِيث السَّبَب فِي نَسْخ تِلَاوَتهَا لِكَوْنِ الْعَمَل عَلَى غَيْر الظَّاهِر مِنْ عُمُومهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6328",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالًا مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏مِنْهُمْ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏فَبَيْنَمَا أَنَا فِي مَنْزِلِهِ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏وَهُوَ عِنْدَ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا إِذْ رَجَعَ إِلَيَّ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَقَالَ لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ لَكَ فِي فُلَانٍ يَقُولُ لَوْ قَدْ مَاتَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لَقَدْ بَايَعْتُ ‏ ‏فُلَانًا ‏ ‏فَوَاللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏إِلَّا فَلْتَةً فَتَمَّتْ فَغَضِبَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ إِنِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ ‏ ‏رَعَاعَ ‏ ‏النَّاسِ ‏ ‏وَغَوْغَاءَهُمْ ‏ ‏فَإِنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِكَ حِينَ تَقُومُ فِي النَّاسِ وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا عَنْكَ كُلُّ ‏ ‏مُطَيِّرٍ ‏ ‏وَأَنْ لَا يَعُوهَا وَأَنْ لَا يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ فَتَخْلُصَ بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ فَتَقُولَ مَا قُلْتَ مُتَمَكِّنًا فَيَعِي أَهْلُ الْعِلْمِ مَقَالَتَكَ وَيَضَعُونَهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَمَا وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَأَقُومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَدِمْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فِي عُقْبِ ذِي الْحَجَّةِ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ عَجَّلْتُ الرَّوَاحَ حِينَ ‏ ‏زَاغَتْ ‏ ‏الشَّمْسُ حَتَّى أَجِدَ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ‏ ‏جَالِسًا إِلَى رُكْنِ الْمِنْبَرِ فَجَلَسْتُ حَوْلَهُ تَمَسُّ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ خَرَجَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَلَمَّا رَأَيْتُهُ مُقْبِلًا قُلْتُ ‏ ‏لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ‏ ‏لَيَقُولَنَّ الْعَشِيَّةَ مَقَالَةً لَمْ يَقُلْهَا مُنْذُ اسْتُخْلِفَ فَأَنْكَرَ عَلَيَّ وَقَالَ مَا عَسَيْتَ أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ فَجَلَسَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَائِلٌ لَكُمْ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِي أَنْ أَقُولَهَا لَا أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي فَمَنْ عَقَلَهَا وَوَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ ‏ ‏رَاحِلَتُهُ ‏ ‏وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لَا يَعْقِلَهَا فَلَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ ‏ ‏الِاعْتِرَافُ ثُمَّ إِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ فِيمَا نَقْرَأُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنْ لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ أَوْ إِنَّ كُفْرًا بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ أَلَا ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا ‏ ‏تُطْرُونِي ‏ ‏كَمَا ‏ ‏أُطْرِيَ ‏ ‏عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏وَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا مِنْكُمْ يَقُولُ وَاللَّهِ لَوْ قَدْ مَاتَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏بَايَعْتُ ‏ ‏فُلَانًا ‏ ‏فَلَا ‏ ‏يَغْتَرَّنَّ ‏ ‏امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَلْتَةً وَتَمَّتْ أَلَا وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الْأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏مَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُبَايَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ ‏ ‏تَغِرَّةً ‏ ‏أَنْ يُقْتَلَا وَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ خَبَرِنَا حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْأَنْصَارَ ‏ ‏خَالَفُونَا وَاجْتَمَعُوا بِأَسْرِهِمْ فِي ‏ ‏سَقِيفَةِ ‏ ‏بَنِي سَاعِدَةَ ‏ ‏وَخَالَفَ عَنَّا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏وَالزُّبَيْرُ ‏ ‏وَمَنْ مَعَهُمَا وَاجْتَمَعَ ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا هَؤُلَاءِ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُهُمْ فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْهُمْ لَقِيَنَا مِنْهُمْ ‏ ‏رَجُلَانِ ‏ ‏صَالِحَانِ فَذَكَرَا مَا ‏ ‏تَمَالَأَ ‏ ‏عَلَيْهِ الْقَوْمُ فَقَالَا أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏فَقُلْنَا نُرِيدُ إِخْوَانَنَا هَؤُلَاءِ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَا لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَقْرَبُوهُمْ اقْضُوا أَمْرَكُمْ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَاهُمْ فِي ‏ ‏سَقِيفَةِ ‏ ‏بَنِي سَاعِدَةَ ‏ ‏فَإِذَا رَجُلٌ ‏ ‏مُزَمَّلٌ ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏ظَهْرَانَيْهِمْ ‏ ‏فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالُوا هَذَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ مَا لَهُ قَالُوا ‏ ‏يُوعَكُ ‏ ‏فَلَمَّا جَلَسْنَا قَلِيلًا تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وَكَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏رَهْطٌ وَقَدْ دَفَّتْ ‏ ‏دَافَّةٌ ‏ ‏مِنْ قَوْمِكُمْ فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ ‏ ‏يَخْتَزِلُونَا ‏ ‏مِنْ أَصْلِنَا وَأَنْ يَحْضُنُونَا مِنْ الْأَمْرِ فَلَمَّا سَكَتَ أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَكُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِي أُرِيدُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَكُنْتُ أُدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏رِسْلِكَ ‏ ‏فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ فَتَكَلَّمَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَكَانَ هُوَ أَحْلَمَ مِنِّي وَأَوْقَرَ وَاللَّهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِي فِي تَزْوِيرِي إِلَّا قَالَ فِي بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا حَتَّى سَكَتَ فَقَالَ مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ وَلَنْ يُعْرَفَ هَذَا الْأَمْرُ إِلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏هُمْ أَوْسَطُ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏نَسَبًا وَدَارًا وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ فَأَخَذَ بِيَدِي وَبِيَدِ ‏ ‏أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ‏ ‏وَهُوَ جَالِسٌ بَيْنَنَا فَلَمْ أَكْرَهْ مِمَّا قَالَ غَيْرَهَا كَانَ وَاللَّهِ أَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي لَا يُقَرِّبُنِي ذَلِكَ مِنْ إِثْمٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُسَوِّلَ إِلَيَّ نَفْسِي عِنْدَ الْمَوْتِ شَيْئًا لَا أَجِدُهُ الْآنَ فَقَالَ قَائِلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏جُذَيْلُهَا ‏ ‏الْمُحَكَّكُ ‏ ‏وَعُذَيْقُهَا ‏ ‏الْمُرَجَّبُ ‏ ‏مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ يَا مَعْشَرَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَكَثُرَ ‏ ‏اللَّغَطُ ‏ ‏وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ حَتَّى فَرِقْتُ مِنْ ‏ ‏الِاخْتِلَافِ فَقُلْتُ ابْسُطْ يَدَكَ يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏ثُمَّ بَايَعَتْهُ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏وَنَزَوْنَا ‏ ‏عَلَى ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ‏ ‏فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ قَتَلْتُمْ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ‏ ‏فَقُلْتُ قَتَلَ اللَّهُ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا مِنْ أَمْرٍ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلًا مِنْهُمْ بَعْدَنَا فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى وَإِمَّا نُخَالِفُهُمْ فَيَكُونُ فَسَادٌ فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُتَابَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ ‏ ‏تَغِرَّةً ‏ ‏أَنْ يُقْتَلَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ صَالِح ) ‏ ‏وَهُوَ اِبْن كَيْسَانَ , وَوَقَعَ كَذَلِكَ عِنْد يَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي تَارِيخه عَنْ عَبْد الْعَزِيز شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِسَنَدِهِ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه ) فِي رِوَايَة مَالِك \" عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة أَخْبَرَهُ \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي \" الْغَرَائِب \" وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس أَخْبَرَهُ كُنْت أُقْرِئ رِجَالًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم أَحَد مِنْهُمْ غَيْره , زَادَ مَالِك فِي رِوَايَته \" فِي خِلَافَة عُمَر فَلَمْ أَرَ رَجُلًا يَجِد مِنْ الْأُقَشْعَرِيرَة مَا يَجِد عَبْد الرَّحْمَن عِنْد الْقِرَاءَة \" قَالَ الدَّاوُدِيّ فِيمَا نَقَلَهُ اِبْن التِّين مَعْنَى قَوْله \" كُنْت أُقْرِئ رِجَالًا \" أَيْ أَتَعَلَّم مِنْهُمْ الْقُرْآن , لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ عِنْد وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا حَفِظَ الْمُفَصَّل مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار , قَالَ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ خُرُوج عَنْ الظَّاهِر بَلْ عَنْ النَّصّ , لِأَنَّ قَوْله أُقْرِئ بِمَعْنَى أُعَلِّم. قُلْت : وَيُؤَيِّد التَّعَقُّبَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر عَنْ الزُّهْرِيّ \" كُنْت أَخْتَلِف إِلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَنَحْنُ بِمِنًى مَعَ عُمَر بْن الْخَطَّاب أُعَلِّم عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف الْقُرْآن \" أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَكَانَ اِبْن عَبَّاس ذَكِيًّا سَرِيع الْحِفْظ , وَكَانَ كَثِير مِنْ الصَّحَابَة لِاشْتِغَالِهِمْ بِالْجِهَادِ لَمْ يَسْتَوْعِبُوا الْقُرْآن حِفْظًا , وَكَانَ مَنْ اِتَّفَقَ لَهُ ذَلِكَ يَسْتَدْرِكهُ بَعْد الْوَفَاة النَّبَوِيَّة وَإِقَامَتهمْ بِالْمَدِينَةِ , فَكَانُوا يَعْتَمِدُونَ عَلَى نُجَبَاء الْأَبْنَاء فَيُقْرِئُونَهُمْ تَلْقِينًا لِلْحِفْظِ. ‏ ‏قَوْله ( فَبَيْنَمَا أَنَا بِمَنْزِلِهِ بِمِنًى وَهُوَ عِنْد عُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" فَأَتَيْته فِي الْمَنْزِل فَلَمْ أَجِدهُ فَانْتَظَرْته حَتَّى جَاءَ \". ‏ ‏قَوْله ( فِي آخِر حَجَّة حَجَّهَا ) ‏ ‏يَعْنِي عُمَر , كَانَ ذَلِكَ سَنَة ثَلَاث وَعِشْرِينَ. ‏ ‏قَوْله ( لَوْ رَأَيْت رَجُلًا أَتَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْم ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله ( هَلْ لَك فِي فُلَان ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه أَيْضًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِد وَلَفْظه \" أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَنْصَار ذَكَرَا بَيْعَة أَبِي بَكْر \". ‏ ‏قَوْله ( لَقَدْ بَايَعْت فُلَانًا ) ‏ ‏هُوَ طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ طَرِيق أَبِي مَعْشَر عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ عُمَيْر مَوْلَى غُفْرَة بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْفَاء قَالَا \" قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْر مَالٌ - فَذَكَرَ قِصَّة طَوِيلَة فِي قَسْم الْفَيْء ثُمَّ قَالَ - حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِر السَّنَة الَّتِي حَجَّ فِيهَا عُمَر قَالَ بَعْض النَّاس : لَوْ قَدْ مَاتَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَقَمْنَا فُلَانًا , يَعْنُونَ طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه \" وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب أَنَّ الَّذِينَ عَنَوْا أَنَّهُمْ يُبَايِعُونَهُ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار وَلَمْ يَذْكُر مُسْتَنَده فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( فَوَاَللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَة أَبِي بَكْر إِلَّا فَلْتَة ) ‏ ‏, بِفَتْحِ الْفَاء وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا مُثَنَّاة ثُمَّ تَاء تَأْنِيث أَيْ فَجْأَة وَزْنه وَمَعْنَاهُ , وَجَاءَ عَنْ سَحْنُون عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولهَا بِضَمِّ الْفَاء وَيُفَسِّرهَا بِانْفِلَاتِ الشَّيْء مِنْ الشَّيْء وَيَقُول : إِنَّ الْفَتْح غَلَط وَإِنَّهُ إِنَّمَا يُقَال فِيمَا يُنْدَم عَلَيْهِ , وَبَيْعَة أَبِي بَكْر مِمَّا لَا يَنْدَم عَلَيْهِ أَحَد , وَتُعُقِّبَ بِثُبُوتِ الرِّوَايَة بِفَتْحِ الْفَاء وَلَا يَلْزَم مِنْ وُقُوع الشَّيْء بَغْتَة أَنْ يَنْدَم عَلَيْهِ كُلّ أَحَد بَلْ يُمْكِن النَّدَم عَلَيْهِ مِنْ بَعْض دُون بَعْض , وَإِنَّمَا أَطْلَقُوا عَلَى بَيْعَة أَبِي بَكْر ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرهَا فِي الْحَال الْأَوَّل , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق بَعْد قَوْله فَلْتَة \" فَمَا يَمْنَع اِمْرَأً إِنْ هَلَكَ هَذَا أَنْ يَقُوم إِلَى مَنْ يُرِيد فَيَضْرِب عَلَى يَده فَتَكُون أَيْ الْبَيْعَة كَمَا كَانَتْ أَيْ فِي قِصَّة أَبِي بَكْر \" وَسَيَأْتِي مَزِيد فِي مَعْنَى الْفَلْتَة بَعْد. ‏ ‏قَوْله ( فَغَضِبَ عُمَر ) ‏ ‏زَادَ اِبْن إِسْحَاق \" غَضَبًا مَا رَأَيْته غَضِبَ مِثْله مُنْذُ كَانَ \". ‏ ‏قَوْله ( أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورهمْ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة الْجَمِيع بِغَيْنٍ مُعْجَمَة وَصَاد مُهْمَلَة , وَفِي رِوَايَة مَالِك \" يَغْتَصِبُوهُمْ \" بِزِيَادَةِ مُثَنَّاة بَعْد الْغَيْن الْمُعْجَمَة , وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ رُوِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَضَمِّ أَوَّله مِنْ أَعْضَبَ أَيْ صَارَ لَا نَاصِر لَهُ , وَالْمَعْضُوب الضَّعِيف , وَهُوَ مِنْ عَضِبَتْ الشَّاة إِذَا اِنْكَسَرَ أَحَد قَرْنَيْهَا أَوْ قَرْنهَا الدَّاخِل وَهُوَ الْمُشَاش , وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَغْلِبُونَ عَلَى الْأَمْر فَيَضْعُف لِضَعْفِهِمْ , وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَالْمُرَاد أَنَّهُمْ يَثْبُتُونَ عَلَى الْأَمْر بِغَيْرِ عَهْد وَلَا مُشَاوَرَة , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ بَعْد عَلِيّ وَفْق مَا حَذَّرَهُ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( يَجْمَع رَعَاع النَّاس وَغَوْغَاءَهُمْ ) ‏ ‏الرَّعَاع بِفَتْحِ الرَّاء وَبِمُهْمَلَتَيْنِ الْجَهَلَة الرُّذَلَاء , وَقِيلَ الشَّبَاب مِنْهُمْ وَالْغَوْغَاء بِمُعْجَمَتَيْنِ بَيْنهمَا وَاو سَاكِنَة , أَصْله صِغَار الْجَرَاد حِين يَبْدَأ فِي الطَّيَرَان , وَيُطْلَق عَلَى السِّفْلَة الْمُسْرِعِينَ إِلَى الشَّرّ. ‏ ‏قَوْله ( يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبك ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَاف وَسُكُون الرَّاء ثُمَّ مُوَحَّدَة أَيْ الْمَكَان الَّذِي يَقْرُب مِنْك , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ وَأَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ بِكَسْرِ الْقَاف وَبِالنُّونِ وَهُوَ خَطَأ , وَفِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك \" عَلَى مَجْلِسك إِذَا قُمْت فِي النَّاس \". ‏ ‏قَوْله ( يُطِيرُهَا ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله مِنْ أَطَارَ الشَّيْء إِذَا أَطْلَقَهُ , وَلِلسَّرَخْسِيِّ \" يَطِيرُهَا \" بِفَتْحِ أَوَّله أَيْ يَحْمِلُونَهَا عَلَى غَيْر وَجْههَا , وَمِثْله لِابْنِ وَهْب وَقَالَ يَطِيرَنَّهَا أُولَئِكَ وَلَا يَعُونَهَا , أَيْ لَا يَعْرِفُونَ الْمُرَاد بِهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَتَخْلُص ) ‏ ‏بِضَمِّ اللَّام بَعْدهَا مُهْمَلَة أَيْ تَصِل. ‏ ‏قَوْله ( لَأَقُومَنَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" فَقَالَ لَئِنْ قَدِمْت الْمَدِينَة صَالِحًا لَأُكَلِّمَنَّ النَّاس بِهَا \". ‏ ‏قَوْله ( أَقُومهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ وَالسَّرَخْسِيّ \" أَقُوم \" بِحَذْفِ الضَّمِير. ‏ ‏قَوْله ( فِي عَقِبِ ذِي الْحِجَّة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْقَاف وَبِفَتْحِهَا وَكَسْر الْقَاف وَهُوَ أَوْلَى , فَإِنَّ الْأَوَّل يُقَال لِمَا بَعْد التَّكْمِلَة وَالثَّانِي لِمَا قَرُبَ مِنْهَا , يُقَال جَاءَ عَقِبَ الشَّهْر بِالْوَجْهَيْنِ , وَالْوَاقِع الثَّانِي لِأَنَّ قُدُوم عُمَر كَانَ قَبْل أَنْ يَنْسَلِخ ذُو الْحِجَّة فِي يَوْم الْأَرْبِعَاء. ‏ ‏قَوْله ( عَجَّلْت الرَّوَاح ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِالرَّوَاحِ \" زَادَ سُفْيَان عِنْد الْبَزَّار \" وَجَاءَتْ الْجُمُعَة وَذَكَرْت مَا حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَهَجَّرْت إِلَى الْمَسْجِد \" وَفِي رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ عَنْ مَالِك عِنْد اِبْن حِبَّان وَالدَّارَقُطْنِيّ \" لِمَا أَخْبَرَنِي \". ‏ ‏قَوْله ( حِين زَاغَتْ الشَّمْس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" حِين كَانَتْ صَكَّة عُمَيّ ) بِفَتْحِ الصَّاد وَتَشْدِيد الْكَاف وَعُمَيّ بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمِيم وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة وَقِيلَ بِتَشْدِيدِ الْمِيم وَزْن حُبْلَى , زَادَ أَحْمَدُ عَنْ إِسْحَاق بْن عِيسَى \" قُلْت لِمَالِك مَا صَكَّة عُمَيّ ؟ قَالَ : الْأَعْمَى قَالَ لَا يُبَالِي أَيّ سَاعَة خَرَجَ لَا يَعْرِف الْحَرّ مِنْ الْبَرْد أَوْ نَحْو هَذَا \" قُلْت : وَهُوَ تَفْسِير مَعْنًى , وَقَالَ أَبُو هِلَال الْعَسْكَرِيّ : الْمُرَاد بِهِ اِشْتِدَاد الْهَاجِرَة , وَالْأَصْل فِيهِ أَنَّهُ اِسْم رَجُل مِنْ الْعَمَالِقَة يُقَال لَهُ عُمَيّ غَزَا قَوْمًا فِي قَائِم الظَّهِيرَة فَأَوْقَعَ بِهِمْ فَصَارَ مَثَلًا لِكُلِّ مَنْ جَاءَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت , وَقِيلَ هُوَ رَجُل مِنْ عَدْوَان كَانَ يُفِيض بِالْحَاجِّ عِنْد الْهَاجِرَة فَضُرِبَ بِهِ الْمَثَل , وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنَّ الشَّخْص فِي هَذَا الْوَقْت يَكُون كَالْأَعْمَى لَا يَقْدِر عَلَى مُبَاشَرَة الشَّمْس بِعَيْنِهِ , وَقِيلَ أَصْلُهُ أَنَّ الظَّبْي يَدُور أَيْ يَدُوخ مِنْ شِدَّة الْحَرّ فَيَصُكّ بِرَأْسِهِ مَا وَاجَهَهُ , وَ لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن دَاوُدَ عَنْ مَالِك \" صَكَّة عُمَيّ سَاعَة مِنْ النَّهَار تُسَمِّيهَا الْعَرَب \" وَهُوَ نِصْف النَّهَار أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَجَلَسْت حَوْله ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَذْوه \" وَكَذَا لِمَالِكٍ , وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق الْغَرَوِيّ عَنْ مَالِك \" حِذَاءَهُ \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر ( فَجَلَسْت إِلَى جَنْبه تَمَسُّ رُكْبَتِي رُكْبَته \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ أَنْشَبْ ) ‏ ‏بِنُونٍ وَمُعْجَمَة وَمُوَحَّدَة أَيْ لَمْ أَتَعَلَّق بِشَيْءٍ غَيْر مَا كُنْت فِيهِ وَالْمُرَاد سُرْعَة خُرُوج عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( أَنْ خَرَجَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ مَكَانه إِلَى جِهَة الْمِنْبَر , وَفِي رِوَايَة مَالِك \" أَنْ طَلَعَ عُمَر - أَيْ ظَهَرَ - يَؤُمّ الْمِنْبَر \" أَيْ يَقْصِدهُ. ‏ ‏قَوْله ( لَيَقُولَنَّ الْعَشِيَّة مَقَالَة ) ‏ ‏أَيْ عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( لَمْ يَقُلْهَا مُنْذُ اُسْتُخْلِفَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" لَمْ يَقُلْهَا أَحَد قَطُّ قَبْله \". ‏ ‏قَوْله ( مَا عَسَيْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" مَا عَسَى \". ‏ ‏قَوْله ( أَنْ يَقُول مَا لَمْ يَقُلْ قَبْله ) ‏ ‏زَادَ سُفْيَان \" فَغَضِبَ سَعِيد وَقَالَ مَا عَسَيْت \" قِيلَ أَرَادَ اِبْن عَبَّاس أَنْ يُنَبِّه سَعِيدًا مُعْتَمِدًا عَلَى مَا أَخْبَرَهُ بِهِ عَبْد الرَّحْمَن لِيَكُونَ عَلَى يَقَظَة فَيُلْقِيَ بَاله لِمَا يَقُولهُ عُمَر فَلَمْ يَقَع ذَلِكَ مِنْ سَعِيد مَوْقِعًا بَلْ أَنْكَرَهُ , لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَم بِمَا سَبَقَ لِعُمَر وَعَلَى بِنَاء أَنَّ الْأُمُور اِسْتَقَرَّتْ. ‏ ‏قَوْله ( لَا أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْن يَدَيْ أَجَلِي ) ‏ ‏أَيْ بِقُرْبِ مَوْتِي , وَهُوَ مِنْ الْأُمُور الَّتِي جَرَتْ عَلَى لِسَان عُمَر فَوَقَعَتْ كَمَا قَالَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مَعْشَر الْمُشَار إِلَيْهَا قَبْل مَا يُؤْخَذ مِنْهُ سَبَب ذَلِكَ وَأَنَّ عُمَر قَالَ فِي خُطْبَته هَذِهِ \" رَأَيْت رُؤْيَايَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا عِنْد قُرْب أَجَلِي , رَأَيْت كَأَنَّ دِيكًا نَقَرَنِي \" وَفِي مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فِي الْمُوَطَّأ \" أَنَّ عُمَر لَمَّا صَدَرَ مِنْ الْحَجّ دَعَا اللَّه أَنْ يَقْبِضهُ إِلَيْهِ غَيْر مُضَيِّع وَلَا مُفَرِّط \" وَقَالَ فِي آخِر الْقِصَّة \" فَمَا اِنْسَلَخَ ذُو الْحِجَّة حَتَّى قُتِلَ عُمَرُ \". ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اللَّه بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : قَدَّمَ عُمَر هَذَا الْكَلَام قَبْل مَا أَرَادَ أَنْ يَقُولهُ تَوْطِئَة لَهُ لِيَتَيَقَّظ السَّامِع لِمَا يَقُول. ‏ ‏قَوْله ( فَكَانَ مِمَّا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فِيمَا \". ‏ ‏قَوْله ( آيَة الرَّجْم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهَا فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , قَالَ الطِّيبِيُّ : آيَة الرَّجْم بِالرَّفْعِ اِسْم كَانَ وَخَبَرهَا \" مِنْ \" التَّبْعِيضِيَّة فِي قَوْله \" مِمَّا أَنْزَلَ اللَّه ) فَفِيهِ تَقْدِيم الْخَبَر عَلَى الِاسْم وَهُوَ كَثِير. ‏ ‏قَوْله ( وَوَعَيْنَاهَا رَجَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَرَجَمَ \" بِزِيَادَةِ وَاو وَكَذَا لِمَالِكٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَخْشَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" وَإِنِّي خَائِف \". ‏ ‏قَوْله ( فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَة أَنْزَلَهَا اللَّه ) ‏ ‏أَيْ فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة الَّتِي نُسِخَتْ تِلَاوَتهَا وَبَقِيَ حُكْمُهَا , وَقَدْ وَقَعَ مَا خَشِيَهُ عُمَر أَيْضًا فَأَنْكَرَ الرَّجْم طَائِفَة مِنْ الْخَوَارِج أَوْ مُعْظَمهمْ وَبَعْض الْمُعْتَزِلَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى تَوْقِيف , وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق وَالطَّبَرِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ عُمَر قَالَ \" سَيَجِيءُ قَوْم يُكَذِّبُونَ بِالرَّجْمِ \" الْحَدِيث. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة فِي حَدِيث عُمَر عِنْد النَّسَائِيِّ \" وَإِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ مَا بَال الرَّجْم وَإِنَّمَا فِي كِتَاب اللَّه الْجَلْد , أَلَا قَدْ رَجَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ عُمَر اِسْتَحْضَرَ أَنَّ نَاسًا قَالُوا ذَلِكَ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ , وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ عُمَر \" إِيَّاكُمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَة الرَّجْم أَنْ يَقُول قَائِل لَا أَجِد حَدَّيْنِ فِي كِتَاب اللَّه , فَقَدْ رَجَمَ \". ‏ ‏قَوْله ( وَالرَّجْم فِي كِتَاب اللَّه حَقّ ) ‏ ‏أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى ( أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا ) فَبَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ رَجْم الثَّيِّب وَجَلْد الْبِكْر كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي قِصَّة الْعَسِيف قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَة ) ‏ ‏أَيْ بِشَرْطِهَا. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا أَحْصَنَ ) ‏ ‏أَيْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا قَدْ تَزَوَّجَ حُرَّة تَزْوِيجًا صَحِيحًا وَجَامَعَهَا. ‏ ‏قَوْله ( أَوْ كَانَ الْحَبَل ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة , فِي رِوَايَة مَعْمَر ( الْحَمْل ) أَيْ وُجِدَتْ الْمَرْأَة الْخَلِيَّة مِنْ زَوْج أَوْ سَيِّد حُبْلَى وَلَمْ تَذْكُر شُبْهَة وَلَا إِكْرَاه. ‏ ‏قَوْله ( أَوْ الِاعْتِرَاف ) ‏ ‏أَيْ الْإِقْرَار بِالزِّنَا وَالِاسْتِمْرَار عَلَيْهِ , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" أَوْ كَانَ حَمْلًا أَوْ اِعْتِرَافًا \" وَنُصِبَ عَلَى نَزْع الْخَافِض أَيْ كَانَ الزِّنَا عَنْ حَمْل أَوْ عَنْ اِعْتِرَاف. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ إِنَّا كُنَّا نَقْرَأ فِيمَا نَقْرَأ مِنْ كِتَاب اللَّه ) ‏ ‏أَيْ مِمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَته. ‏ ‏قَوْله ( لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ ) ‏ ‏أَيْ لَا تَنْتَسِبُوا إِلَى غَيْرهمْ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُ كُفْر بِكَمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ , أَوْ إِنَّ كُفْرًا بِكَمْ ) ‏ ‏كَذَا هُوَ بِالشَّكِّ , وَكَذَا فِي رِوَايَة مَعْمَر بِالشَّكِّ لَكِنْ قَالَ \" لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْر بِكَمْ , أَوْ إِنَّ كُفْرًا بِكَمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ عَنْ مَالِك \" فَإِنَّ كُفْرًا بِكَمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ \". ‏ ‏قَوْله ( أَلَا ثُمَّ إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" أَلَا وَإِنَّ \" بِالْوَاوِ بَدَل ثُمَّ , وَأَلَا بِالتَّخْفِيفِ حَرْف اِفْتِتَاح كَلَام غَيْر الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله ( لَا تُطْرُونِي ) ‏ ‏هَذَا الْقَدْر مِمَّا سَمِعَهُ سُفْيَان مِنْ الزُّهْرِيّ أَفْرَدَهُ الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ سَمِعْت الزُّهْرِيّ بِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مُفْرَدًا فِي تَرْجَمَة عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَنْ الْحُمَيْدِيّ بِسَنَدِهِ هَذَا وَتَقَدَّمَ شَرْح الْإِطْرَاء. ‏ ‏قَوْله ( كَمَا أُطْرِيَ عِيسَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى \". ‏ ‏قَوْله ( وَقُولُوا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" فَإِنَّمَا أَنَا عَبْد اللَّه فَقُولُوا ) قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : لَا يَلْزَم مِنْ النَّهْي عَنْ الشَّيْء وُقُوعه لِأَنَّا لَا نَعْلَم أَحَدًا اِدَّعَى فِي نَبِيِّنَا مَا اِدَّعَتْهُ النَّصَارَى فِي عِيسَى , وَإِنَّمَا سَبَب النَّهْي فِيمَا يَظْهَر مَا وَقَعَ فِي حَدِيث مَعَاذ بْن جَبَل لَمَّا اِسْتَأْذَنَ فِي السُّجُود لَهُ فَامْتَنَعَ وَنَهَاهُ , فَكَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُبَالِغ غَيْره بِمَا هُوَ فَوْق ذَلِكَ فَبَادَرَ إِلَى النَّهْي تَأْكِيدًا لِلْأَمْرِ. وَقَالَ اِبْن التِّين : مَعْنَى قَوْله \" لَا تُطْرُونِي \" لَا تَمْدَحُونِي كَمَدْحِ النَّصَارَى , حَتَّى غَلَا بَعْضهمْ فِي عِيسَى فَجَعَلَهُ إِلَهًا مَعَ اللَّه , وَبَعْضهمْ اِدَّعَى أَنَّهُ هُوَ اللَّه , وَبَعْضهمْ اِبْن اللَّه. ثُمَّ أَرْدَفَ النَّهْي بِقَوْلِهِ \" أَنَا عَبْد اللَّه \" قَالَ وَالنُّكْتَة فِي إِيرَاد عُمَر هَذِهِ الْقِصَّةَ هُنَا أَنَّهُ خَشِيَ عَلَيْهِمْ الْغُلُوّ , يَعْنِي خَشِيَ عَلَى مَنْ لَا قُوَّة لَهُ فِي الْفَهْم أَنْ يَظُنّ بِشَخْصٍ اِسْتِحْقَاقَهُ الْخِلَافَةَ فَيَقُوم فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْمَذْكُور لَا يَسْتَحِقّ فَيُطْرِيهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَيَدْخُل فِي النَّهْي , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْمُنَاسَبَة أَنَّ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ فِي مَدْح أَبِي بَكْر لَيْسَ مِنْ الْإِطْرَاء الْمَنْهِيّ عَنْهُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ : وَلَيْسَ فِيكُمْ مِثْل أَبِي بَكْر , وَمُنَاسَبَة إِيرَاد عُمَر قِصَّة الرَّجْم وَالزَّجْر عَنْ الرَّغْبَة عَنْ الْآبَاء لِلْقِصَّةِ الَّتِي خَطَبَ بِسَبَبِهَا وَهِيَ قَوْل الْقَائِل : \" لَوْ مَاتَ عُمَر لَبَايَعْت فُلَانًا \" أَنَّهُ أَشَارَ بِقِصَّةِ الرَّجْم إِلَى زَجْر مَنْ يَقُول لَا أَعْمَل فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إِلَّا بِمَا وَجَدْته فِي الْقُرْآن وَلَيْسَ فِي الْقُرْآن تَصْرِيح بِاشْتِرَاطِ التَّشَاوُر إِذَا مَاتَ الْخَلِيفَة , بَلْ إِنَّمَا يُؤْخَذ ذَلِكَ مِنْ جِهَة السُّنَّة كَمَا أَنَّ الرَّجْم لَيْسَ فِيمَا يُتْلَى مِنْ الْقُرْآن وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ طَرِيق السُّنَّة , وَأَمَّا الزَّجْر عَنْ الرَّغْبَة عَنْ الْآبَاء فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْخَلِيفَة يَتَنَزَّل لِلرَّعِيَّةِ مَنْزِلَة الْأَب فَلَا يَجُوز لَهُمْ أَنْ يَرْغَبُوا إِلَى غَيْره بَلْ يَجِب عَلَيْهِمْ طَاعَته بِشَرْطِهَا كَمَا تَجِب طَاعَة الْأَب , هَذَا الَّذِي ظَهَرَ لِي مِنْ الْمُنَاسَبَة وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( أَلَا وَإِنَّهَا ) ‏ ‏أَيْ بَيْعَة أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله ( قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ فَلْتَة , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن عِيسَى عَنْ مَالِك , حَكَى ثَعْلَب عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ وَأَخْرَجَهُ سَيْف فِي الْفُتُوح بِسَنَدِهِ عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر نَحْوه قَالَ : الْفَلْتَة اللَّيْلَة الَّتِي يُشَكّ فِيهَا هَلْ هِيَ مِنْ رَجَب أَوْ شَعْبَان وَهَلْ مِنْ الْمُحَرَّم أَوْ صَفَر , كَانَ الْعَرَب لَا يُشْهِرُونَ السِّلَاح فِي الْأَشْهُر الْحُرُم فَكَانَ مَنْ لَهُ ثَأْر تَرَبَّصَ فَإِذَا جَاءَتْ تِلْكَ اللَّيْلَة اِنْتَهَزَ الْفُرْصَة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَحَقَّق اِنْسِلَاخ الشَّهْر فَيَتَمَكَّن مِمَّنْ يُرِيد إِيقَاع الشَّرّ بِهِ وَهُوَ آمِنٌ فَيَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ الشَّرّ الْكَثِير , فَشَبَّهَ عُمَر الْحَيَاة النَّبَوِيَّة بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْفَلْتَة بِمَا وَقَعَ مِنْ أَهْل الرِّدَّة وَوَقَى اللَّه شَرَّ ذَلِكَ بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْر لِمَا وَقَعَ مِنْهُ مِنْ النُّهُوض فِي قِتَالهمْ وَإِخْمَاد شَوْكَتهمْ , كَذَا قَالَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَال : الْجَامِع بَيْنهمَا اِنْتِهَاز الْفُرْصَة , لَكِنْ كَانَ يَنْشَأ عَنْ أَخْذ الثَّأْر الشَّرّ الْكَثِير فَوَقَى اللَّه الْمُسْلِمِينَ شَرَّ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْشَأ عَنْ بَيْعَة أَبِي بَكْر شَرٌّ بَلْ أَطَاعَهُ النَّاس كُلّهمْ مَنْ حَضَرَ الْبَيْعَة وَمَنْ غَابَ عَنْهَا. وَفِي قَوْله \" وَقَى اللَّه شَرَّهَا \" إِيمَاء إِلَى التَّحْذِير مِنْ الْوُقُوع فِي مِثْل ذَلِكَ حَيْثُ لَا يُؤْمَن مِنْ وُقُوع الشَّرّ وَالِاخْتِلَاف. ‏ ‏قَوْله ( وَلَكِنَّ اللَّه وَقَى شَرّهَا ) ‏ ‏أَيْ وَقَاهُمْ مَا فِي الْعَجَلَة غَالِبًا مِنْ الشَّرّ , لِأَنَّ مِنْ الْعَادَة أَنَّ مَنْ لَمْ يَطَّلِع عَلَى الْحِكْمَة فِي الشَّيْء الَّذِي يَفْعَل بَغْتَة لَا يَرْضَاهُ , وَقَدْ بَيَّنَ عُمَر سَبَب إِسْرَاعهمْ بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْر لِمَا خَشَوْا أَنْ يُبَايِع , الْأَنْصَارُ سَعْد بْن عُبَادَةَ , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : عَاجَلُوا بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْر خِيفَة اِنْتِشَار الْأَمْر وَأَنْ يَتَعَلَّق بِهِ مَنْ لَا يَسْتَحِقّهُ فَيَقَع الشَّرّ. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : مَعْنَى قَوْله \" كَانَتْ فَلْتَة \" أَنَّهَا وَقَعَتْ مِنْ غَيْر مَشُورَة مَعَ جَمِيع مَنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشَاوَر , وَأَنْكَرَ هَذِهِ الْكَرَابِيسِيّ صَاحِبُ الشَّافِعِيّ وَقَالَ : بَلْ الْمُرَاد أَنَّ أَبَا بَكْر وَمَنْ مَعَهُ تَفَلَّتُوا فِي ذَهَابهمْ إِلَى الْأَنْصَار فَبَايَعُوا أَبَا بَكْر بِحَضْرَتِهِمْ , وَفِيهِمْ مَنْ لَا يَعْرِف مَا يَجِب عَلَيْهِ مِنْ بَيْعَته فَقَالَ : مِنَّا أَمِير وَمِنْكُمْ أَمِير , فَالْمُرَاد بِالْفَلْتَةِ مَا وَقَعَ مِنْ مُخَالَفَة الْأَنْصَار وَمَا أَرَادُوهُ مِنْ مُبَايَعَة سَعْد بْن عُبَادَةَ وَقَالَ اِبْن حِبَّان : مَعْنَى قَوْله \" كَانَتْ فَلْتَة \" أَنَّ اِبْتِدَاءَهَا كَانَ عَنْ غَيْر مَلَأ كَثِير , وَالشَّيْء إِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُقَال لَهُ الْفَلْتَة فَيُتَوَقَّع فِيهِ مَا لَعَلَّهُ يَحْدُث مِنْ الشَّرّ بِمُخَالَفَةِ مَنْ يُخَالِف فِي ذَلِكَ عَادَة , فَكَفَى اللَّه الْمُسْلِمِينَ الشَّرّ الْمُتَوَقَّع فِي ذَلِكَ عَادَة , لَا أَنَّ بَيْعَة أَبِي بَكْر كَانَ فِيهَا شَرٌّ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تُقْطَع الْأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْل أَبِي بَكْر ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيد أَنَّ السَّابِق مِنْكُمْ الَّذِي لَا يُلْحَق فِي الْفَضْل لَا يَصِل إِلَى مَنْزِلَة أَبِي بَكْر , فَلَا يَطْمَع أَحَد أَنْ يَقَع لَهُ مِثْل مَا وَقَعَ لِأَبِي بَكْر مِنْ الْمُبَايَعَة لَهُ أَوَّلًا فِي الْمَلَأ الْيَسِير ثُمَّ اِجْتِمَاع النَّاس عَلَيْهِ وَعَدَم اِخْتِلَافهمْ عَلَيْهِ لِمَا تَحَقَّقُوا مِنْ اِسْتِحْقَاقه فَلَمْ يَحْتَاجُوا فِي أَمْره إِلَى نَظَر وَلَا إِلَى مُشَاوَرَة أُخْرَى , وَلَيْسَ غَيْره فِي ذَلِكَ مِثْله. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى التَّحْذِير مِنْ الْمُسَارَعَة إِلَى مِثْل ذَلِكَ حَيْثُ لَا يَكُون هُنَاكَ مِثْل أَبِي بَكْر لِمَا اِجْتَمَعَ فِيهِ مِنْ الصِّفَات الْمَحْمُودَة مِنْ قِيَامه فِي أَمْر اللَّه , وَلِين جَانِبه لِلْمُسْلِمِينَ , وَحُسْن خُلُقه , وَمَعْرِفَته بِالسِّيَاسَةِ , وَوَرَعه التَّامّ مِمَّنْ لَا يُوجَد فِيهِ مِثْل صِفَاته لَا يُؤْمَن مِنْ مُبَايَعَته عَنْ غَيْر مَشُورَة الِاخْتِلَافُ الَّذِي يَنْشَأ عَنْهُ الشَّرّ , وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ \" تُقْطَع الْأَعْنَاق \" لِكَوْنِ النَّاظِر إِلَى السَّابِق تَمْتَدّ عُنُقُهُ لِيَنْظُر , فَإِذَا لَمْ يَحْصُل مَقْصُوده مِنْ سَبْق مَنْ يُرِيد سَبْقه قِيلَ اِنْقَطَعَتْ عُنُقه , أَوْ لِأَنَّ الْمُتَسَابِقَيْنِ تَمْتَدّ إِلَى رُؤْيَتهمَا الْأَعْنَاق حَتَّى يَغِيب السَّابِق عَنْ النَّظَر , فَعَبَّرَ عَنْ اِمْتِنَاع نَظَره بِانْقِطَاعِ عُنُقه. وَقَالَ اِبْن التِّين : هُوَ مَثَل , يُقَال لِلْفَرَسِ الْجَوَاد تَقَطَّعَتْ أَعْنَاق الْخَيْل دُون لَحَاقه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مَعْشَر الْمَذْكُورَة \" وَمِنْ أَيْنَ لَنَا مِثْل أَبِي بَكْر تُمَدّ أَعْنَاقُنَا إِلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله ( مِنْ غَيْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ غَيْر مَشُورَة \" بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وَبِسُكُونِ الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْوَاو \" فَلَا يُبَايَع ) بِالْمُوَحَّدَةِ , وَجَاءَ بِالْمُثَنَّاةِ وَهُوَ أَوْلَى \" لِقَوْلِهِ هُوَ وَاَلَّذِي \" تَابَعَهُ. ‏ ‏قَوْله ( تَغِرَّة أَنْ يُقْتَلَا ) ‏ ‏بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَة وَغَيْن مُعْجَمَة مَكْسُورَة وَرَاء ثَقِيلَة بَعْدهَا هَاء تَأْنِيث أَيْ حَذَرًا مِنْ الْقَتْل , وَهُوَ مَصْدَر مِنْ أَغَرَرْته تَغْرِيرًا أَوْ تَغِرَّةً , وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ غَرَّرَ بِنَفْسِهِ وَبِصَاحِبِهِ وَعَرَّضَهُمَا لِلْقَتْلِ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ خَبَرِنَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ الْخَبَر بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة , وَوَقَعَ لِلْمُسْتَمْلِي بِسُكُونِ التَّحْتَانِيَّة وَالضَّمِير لِأَبِي بَكْر , وَعَلَى هَذَا فَيُقْرَأ \" إِنَّ الْأَنْصَار \" بِالْكَسْرِ عَلَى أَنَّهُ اِبْتِدَاء كَلَام آخَر , وَعَلَى رِوَايَة الْأَكْثَر بِفَتْحِ هَمْزَة \" أَنَّ \" عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ. ‏ ‏قَوْله ( خَالَفُونَا ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يَجْتَمِعُوا مَعَنَا فِي مَنْزِل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( وَخَالَفَ عَنَّا عَلِيّ وَالزُّبَيْر وَمَنْ مَعَهُمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك وَمَعْمَر \" وَأَنَّ عَلِيًّا وَالزُّبَيْر وَمَنْ كَانَ مَعَهُمَا تَخَلَّفُوا فِي بَيْت فَاطِمَة بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَا فِي رِوَايَة سُفْيَان لَكِنْ قَالَ \" الْعَبَّاس \" بَدَل \" الزُّبَيْر \". ‏ ‏قَوْله ( يَا أَبَا بَكْر اِنْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَاننَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ عَنْ مَالِك \" فَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي مَنْزِل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بِرَجُلٍ يُنَادِي مِنْ وَرَاء الْجِدَار : اُخْرُجْ إِلَيَّ يَا اِبْن الْخَطَّاب , فَقُلْت إِلَيْك عَنِّي فَإِنِّي مَشْغُول , قَالَ : اُخْرُجْ إِلَيَّ فَإِنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ , إِنَّ الْأَنْصَار اِجْتَمَعُوا فَأَدْرِكُوهُمْ قَبْل أَنْ يُحْدِثُوا أَمْرًا يَكُون بَيْنكُمْ فِيهِ حَرْبٌ , فَقُلْت لِأَبِي بَكْر : اِنْطَلِقْ \". ‏ ‏قَوْله ( فَانْطَلَقْنَا نُرِيدهُمْ ) ‏ ‏زَادَ جُوَيْرِيَةُ \" فَلَقِيَنَا أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح فَأَخَذَ أَبُو بَكْر بِيَدِهِ يَمْشِي بَيْنِي وَبَيْنه \". ‏ ‏قَوْله ( لَقِيَنَا رَجُلَانِ صَالِحَانِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ اِبْن شِهَاب \" شَهِدَا بَدْرًا \" كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة بَدْر , وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" رَجُلَا صَدْق عُوَيْم بْن سَاعِدَة وَمَعْن بْن عَدِيّ \" كَذَا أَدْرَجَ تَسْمِيَتَهُمَا , وَبَيَّنَ مَالِك أَنَّهُ قَوْل عُرْوَة وَلَفْظه \" قَالَ اِبْن شِهَاب أَخْبَرَنِي عُرْوَة أَنَّهُمَا مَعْن بْن عَدِيّ وَعُوَيْم بْن سَاعِدَة \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" قَالَ الزُّهْرِيّ : هُمَا \" وَلَمْ يَذْكُر عُرْوَة , ثُمَّ وَجَدْته مِنْ رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ رِوَايَة فِي هَذَا الْبَاب بِزِيَادَةٍ , فَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه وَقَالَ فِيهِ \" قَالَ اِبْن شِهَاب وَأَخْبَرَنِي عُرْوَة الرَّجُلَيْنِ فَسَمَّاهُمَا وَزَادَ : فَأَمَّا عُوَيْم فَهُوَ الَّذِي بَلَغَنَا أَنَّهُ قِيلَ يَا رَسُول اللَّه مَنْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه فِيهِمْ ( رِجَال يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ) قَالَ : نِعْمَ الْمَرْءُ مِنْهُمْ عُوَيْم بْن سَاعِدَة \" وَأَمَّا مَعْن فَبَلَغَنَا أَنَّ النَّاس بَكَوْا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين تَوَفَّاهُ اللَّه وَقَالُوا وَدِدْنَا أَنَّا مُتْنَا قَبْله لِئَلَّا نُفْتَتَن بَعْده , فَقَالَ مَعْن بْن عَدِيّ : وَاَللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ لَوْ مُتّ قَبْله حَتَّى أُصَدِّقهُ مَيِّتًا كَمَا صَدَّقْته حَيًّا , وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ. ‏ ‏قَوْله ( مَا تَمَالَأَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَالْهَمْز أَيْ اِتَّفَقَ , وَفِي رِوَايَة مَالِك \" الَّذِي صَنَعَ الْقَوْم أَيْ مِنْ اِتِّفَاقهمْ عَلَى أَنْ يُبَايِعُوا لِسَعْدِ بْن عُبَادَةَ. ‏ ‏قَوْله ( لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَقْرَبُوهُمْ ) ‏ ‏لَا بَعْد أَنْ زَائِدَةٌ. ‏ ‏قَوْله ( اِقْضُوا أَمْركُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" امْهَلُوا حَتَّى تَقْضُوا أَمْركُمْ ) وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا أَنَّ الْأَنْصَار كُلّهَا لَمْ تَجْتَمِع عَلَى سَعْد بْن عُبَادَةَ. ‏ ‏قَوْله ( مُزَمَّل ) ‏ ‏بِزَايٍ وَتَشْدِيد الْمِيم الْمَفْتُوحَة أَيْ مُلَفَّف. ‏ ‏قَوْله ( بَيْن ظَهْرَانَيْهِمْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالنُّون أَيْ فِي وَسَطهمْ. ‏ ‏قَوْله ( يُوعَك ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُهْمَلَة أَيْ يَحْصُل لَهُ الْوَعْك - وَهُوَ الْحُمَّى بِنَافِضٍ - وَلِذَلِكَ زُمِّلَ , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان , وُعِكَ بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمَاضِي , وَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لِسَعْدٍ مِنْ هَوْل ذَلِكَ الْمَقَام , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ سَعْدًا كَانَ مِنْ الشُّجْعَان وَاَلَّذِينَ كَانُوا عِنْده أَعْوَانُهُ وَأَنْصَارُهُ وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى تَأْمِيره , وَسِيَاق عُمَر يَقْتَضِي أَنَّهُ جَاءَ فَوَجَدَهُ مَوْعُوكًا , فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَصَلَ لَهُ بَعْد كَلَام أَبِي بَكْر وَعُمَر لَكَانَ لَهُ بَعْضُ اِتِّجَاهٍ لِأَنَّ مِثْله قَدْ يَكُون مِنْ الْغَيْظ , وَأَمَّا قَبْل ذَلِكَ فَلَا , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالُوا سَعْدٌ وُجِعَ يُوعَك \" وَكَأَنَّ سَعْدًا كَانَ مَوْعُوكًا فَلَمَّا اِجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فِي سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَة - وَهُوَ مَنْسُوبَة إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ كَبِير بَنِي سَاعِدَة خَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَنْزِله وَهُوَ بِتِلْكَ الْحَالَة فَطَرَقَهُمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر فِي تِلْكَ الْحَالَة. ‏ ‏قَوْله ( تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَكَانَ ثَابِت بْن قَيْس بْن شِمَاس يُدْعَى خَطِيب الْأَنْصَار فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ هُوَ. ‏ ‏قَوْله ( وَكَتِيبَة الْإِسْلَام ) ‏ ‏الْكَتِيبَة بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة وَزْن عَظِيمَة وَجَمْعُهَا كَتَائِبُ هِيَ الْجَيْش الْمُجْتَمِع الَّذِي لَا يَتَقَشَّر , وَأَطْلَقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مُبَالَغَة كَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ أَنْتُمْ مُجْتَمَع الْإِسْلَام. ‏ ‏قَوْله ( وَأَنْتُمْ مَعْشَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مَعَاشِر \". ‏ ‏قَوْله ( رَهْط ) ‏ ‏أَيْ قَلِيل , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقَال لِلْعَشَرَةِ فَمَا دُونهَا , زَادَ اِبْن وَهْب فِي رِوَايَته \" مِنَّا \" وَكَذَا لِمَعْمَرٍ , وَهُوَ يَرْفَع الْإِشْكَال فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَة الرَّهْط وَإِنَّمَا أَطْلَقَهُ عَلَيْهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ أَيْ أَنْتُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا قَلِيل , لِأَنَّ عَدَد الْأَنْصَار فِي الْمَوَاطِن النَّبَوِيَّة الَّتِي ضُبِطَتْ كَانُوا دَائِمًا أَكْثَرَ مِنْ عَدَد الْمُهَاجِرِينَ , وَهُوَ بِنَاء عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُهَاجِرِينَ مَنْ كَانَ مُسْلِمًا قَبْل فَتْح مَكَّة وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَإِلَّا فَلَوْ أُرِيدَ عُمُوم مَنْ كَانَ مِنْ غَيْر الْأَنْصَار لَكَانُوا أَضْعَاف أَضْعَاف الْأَنْصَار. ‏ ‏قَوْله ( وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّة مِنْ قَوْمكُمْ ) ‏ ‏بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة وَالْفَاء أَيْ عَدَد قَلِيل , وَأَصْله مِنْ الدَّفِّ وَهُوَ السَّيْر الْبَطِيء فِي جَمَاعَة. ‏ ‏قَوْله ( يَخْتَزِلُونَا ) ‏ ‏بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَزَاي أَيْ يَقْتَطِعُونَا عَنْ الْأَمْر وَيَنْفَرِدُوا بِهِ دُوننَا , وَقَالَ أَبُو زَيْد : خَزَلْته عَنْ حَاجَته عَوَّقْته عَنْهَا , وَالْمُرَاد هُنَا بِالْأَصْلِ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ الْأَمْر. ‏ ‏قَوْله ( وَأَنْ يَحْضُنُونَا ) ‏ ‏بِحَاءٍ مُهْمَلَة وَضَاد مُعْجَمَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" أَيْ يُخْرِجُونَا \" قَالَهُ أَبُو عُبَيْد , وَهُوَ كَمَا يُقَال حَضَنَهُ وَاحْتَضَنَهُ عَنْ الْأَمْر أَخْرَجَهُ فِي نَاحِيَة عَنْهُ وَاسْتَبَدَّ بِهِ أَوْ حَبَسَهُ عَنْهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن \" يَخْتَصُّونَا \" بِمُثَنَّاةٍ قَبْل الصَّاد الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيدهَا , وَمِثْله لِلْكُشْمِيهَنِيّ لَكِنْ بِضَمِّ الْخَاء بِغَيْرِ تَاء وَهِيَ بِمَعْنَى الِاقْتِطَاع وَالِاسْتِئْصَال , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان عِنْد الْبَزَّار \" وَيَخْتَصُّونَ بِالْأَمْرِ أَوْ يَسْتَأْثِرُونَ بِالْأَمْرِ دُوننَا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْر الْحَنَفِيّ عَنْ مَالِك عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ \" وَيَخْطَفُونَ \" بِخَاءٍ مُعْجَمَة ثُمَّ طَاء مُهْمَلَة ثُمَّ فَاء , وَالرِّوَايَات كُلّهَا مُتَّفِقَة عَلَى أَنَّ قَوْله \" فَإِذَا هُمْ إِلَخْ \" بَقِيَّة كَلَام خَطِيب الْأَنْصَار , لَكِنْ وَقَعَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ بَعْد قَوْله \" وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّة مِنْ قَوْمكُمْ \" : \" قَالَ عُمَر فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ إِلَخْ \" وَزِيَادَة قَوْله هُنَا \" قَالَ عُمَر \" خَطَأ وَالصَّوَاب أَنَّهُ كُلّه كَلَام الْأَنْصَار , وَيَدُلّ لَهُ قَوْل عُمَر \" فَلَمَّا سَكَتَ \" وَعَلَى ذَلِكَ شَرَحَهُ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ : قَوْله \" رَهْط \" أَيْ أَنَّ عَدَدكُمْ قَلِيل بِالْإِضَافَةِ لِلْأَنْصَارِ , وَقَوْله \" دَفَّتْ دَافَّة مِنْ قَوْمكُمْ \" يُرِيد أَنَّكُمْ قَوْم طُرَأَة غُرَبَاء أَقْبَلْتُمْ مِنْ مَكَّة إِلَيْنَا ثُمَّ أَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْتَأْثِرُوا عَلَيْنَا. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا سَكَتَ ) ‏ ‏أَيْ خَطِيب الْأَنْصَار , وَحَاصِل مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامه أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ طَائِفَة مِنْ الْمُهَاجِرِينَ أَرَادُوا أَنْ يَمْنَعُوا الْأَنْصَار مِنْ أَمْر تَعْتَقِد الْأَنْصَار أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَهُ وَإِنَّمَا عَرَّضَ بِذَلِكَ بِأَبِي بَكْر وَعُمَر وَمَنْ حَضَرَ مَعَهُمَا. ‏ ‏قَوْله ( أَرَدْت أَنْ أَتَكَلَّم وَكُنْت قَدْ زَوَّرْت ) ‏ ‏بِزَايٍ ثُمَّ رَاءٍ أَيْ هَيَّأْت وَحَسَّنْت , وَفِي رِوَايَة مَالِك \" رَوَّيْت \" بِرَاءٍ وَوَاوٍ ثَقِيلَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة مِنْ الرِّوَايَة ضِدّ الْبَدِيهَة , وَيُؤَيِّدهُ قَوْل عُمَر بَعْد \" فَمَا تَرَكَ كَلِمَة \" وَفِي رِوَايَة مَالِك \" مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَة أَعْجَبَتْنِي فِي رَوِيَّتِي إِلَّا قَالَهَا فِي بَدِيهَته , وَفِي حَدِيث عَائِشَة \" وَكَانَ عُمَر يَقُول : وَاَللَّه مَا أَرَدْت لِذَلِكَ إِلَّا أَنِّي قَدْ هَيَّأْت كَلَامًا قَدْ أَعْجَبَنِي خَشِيت أَنْ لَا يَبْلُغَهُ أَبُو بَكْر \". ‏ ‏قَوْله ( عَلَى رِسْلك ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَيَجُوز الْفَتْح أَيْ عَلَى مَهَلِك بِفَتْحَتَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الِاعْتِكَاف , وَفِي حَدِيث عَائِشَة الْمَاضِي فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر \" فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْر \". ‏ ‏قَوْله ( أَنْ أُغْضِبهُ ) ‏ ‏بِغَيْنٍ ثُمَّ ضَاد مُعْجَمَتَيْنِ ثُمَّ مُوَحَّدَة , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ يَاء آخِر الْحُرُوف. ‏ ‏قَوْله ( فَكَانَ هُوَ أَحْلَمَ مِنِّي وَأَوْقَرَ ) ‏ ‏فِي حَدِيث عَائِشَة \" فَتَكَلَّمَ أَبْلَغُ النَّاس \". ‏ ‏قَوْله ( مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْر فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْل ) ‏ ‏زَادَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته عَنْ الزُّهْرِيّ \" إِنَّا وَاَللَّهِ يَا مَعْشَر الْأَنْصَار مَا نُنْكِر فَضْلكُمْ وَلَا بَلَاءَكُمْ فِي الْإِسْلَام وَلَا حَقَّكُمْ الْوَاجِب عَلَيْنَا \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَنْ يُعْرَف ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. وَفِي رِوَايَة مَالِك \" وَلَمْ تَعْرِف الْعَرَبُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِهَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْش , وَكَذَا فِي رِوَايَة سُفْيَان وَفِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" قَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ هَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْش بِمَنْزِلَةٍ مِنْ الْعَرَب لَيْسَ بِهَا غَيْرهمْ وَأَنَّ الْعَرَب لَا تَجْتَمِع إِلَّا عَلَى رَجُل مِنْهُمْ , فَاتَّقُوا اللَّهَ لَا تُصَدِّعُوا الْإِسْلَامَ وَلَا تَكُونُوا أَوَّل مَنْ أَحْدَثَ فِي الْإِسْلَام \". ‏ ‏قَوْله ( هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" هُوَ \" بَدَل \" هُمْ \" وَالْأَوَّل أَوْجَهُ , وَقَدْ بَيَّنْت فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر أَنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق أَنَّهُ قَالَ يَوْمَئِذٍ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَئِمَّة مِنْ قُرَيْش \" وَسُقْت الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ هُنَاكَ , وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِي حُكْمه فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( وَقَدْ رَضِيت لَكُمْ أَحَد هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ ) ‏ ‏زَادَ عَمْرو بْن مَرْزُوق عَنْ مَالِك عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ هُنَا \" فَأَخَذَ بِيَدِي وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح \" وَقَدْ ذَكَرْت فِي هَذَا الْحَدِيث مَفَاخِرَهُ. وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ قَائِل الْأَنْصَار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ الْأَنْصَار \" وَكَذَا فِي رِوَايَة مَالِك وَقَدْ سَمَّاهُ سُفْيَان فِي رِوَايَته عِنْد الْبَزَّار فَقَالَ \" حُبَاب بْن الْمُنْذِر \" لَكِنَّهُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيق مُدْرَج فَقَدْ بَيَّنَ مَالِك فِي رِوَايَته عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّ الَّذِي سَمَّاهُ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فَقَالَ \" قَالَ اِبْن شِهَاب فَأَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّ الْحُبَاب بْن الْمُنْذِر هُوَ الَّذِي قَالَ : أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّك \" وَتَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي حَدِيث عَائِشَة \" فَقَالَ أَبُو بَكْر : نَحْنُ الْأُمَرَاء وَأَنْتُمْ الْوُزَرَاء. فَقَالَ الْحُبَاب بْن الْمُنْذِر : لَا وَاَللَّهِ لَا نَفْعَل , مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ \" وَتَقَدَّمَ تَفْسِير الْمُرَجَّب وَالْمُحَكَّك هُنَاكَ , وَهَكَذَا سَائِر مَا يَتَعَلَّق بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْر الْمَذْكُورَة مَشْرُوحًا , وَزَادَ إِسْحَاق بْن الطَّبَّاع هُنَاكَ : فَقُلْت لِمَالِكٍ مَا مَعْنَاهُ ؟ قَالَ : كَأَنَّهُ يَقُول أَنَا دَاهِيَتهَا , وَهُوَ تَفْسِير مَعْنًى , زَادَ سُفْيَان فِي رِوَايَته هُنَا ( وَإِلَّا أَعَدْنَا الْحَرْب بَيْننَا وَبَيْنكُمْ خَدْعَة , فَقُلْت : إِنَّهُ لَا يَصْلُح سَيْفَانِ فِي غِمْد وَاحِد ) وَوَقَعَ عِنْد مَعْمَر أَنَّ رَاوِي ذَلِكَ قَتَادَةُ , فَقَالَ \" قَالَ قَتَادَةُ قَالَ عُمَر : لَا يَصْلُح سَيْفَانِ فِي غِمْد وَاحِد , وَلَكِنْ مِنَّا الْأُمَرَاء وَمِنْكُمْ الْوُزَرَاء \" وَوَقَعَ عِنْد اِبْن سَعْد بِسَنَدٍ صَحِيح مِنْ مُرْسَل الْقَاسِم بْن مُحَمَّد قَالَ \" اِجْتَمَعَتْ الْأَنْصَار إِلَى سَعْد بْن عُبَادَةَ , فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَأَبُو عُبَيْدَة , فَقَامَ الْحُبَاب بْن الْمُنْذِر وَكَانَ بَدْرِيًّا فَقَالَ : مِنَّا أَمِير وَمِنْكُمْ أَمِير , فَإِنَّا وَاَللَّه مَا نَنْفَس عَلَيْكُمْ هَذَا الْأَمْرَ وَلَكِنَّا نَخَاف أَنْ يَلِيَهَا أَقْوَامٌ قَتَلْنَا آبَاءَهُمْ وَإِخْوَتَهُمْ. فَقَالَ عُمَر : إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَمُتْ إِنْ اِسْتَطَعْت \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْحَامِل لِلْقَائِلِ \" مِنَّا أَمِير وَمِنْكُمْ أَمِير \" أَنَّ الْعَرَب لَمْ تَكُنْ تَعْرِف السِّيَادَة عَلَى قَوْم إِلَّا لِمَنْ يَكُون مِنْهُمْ , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَبْلُغهُ حُكْم الْإِمَارَة فِي الْإِسْلَام وَاخْتِصَاص ذَلِكَ بِقُرَيْشٍ فَلَمَّا بَلَغَهُ أَمْسَكَ عَنْ قَوْله وَبَايَعَ هُوَ وَقَوْمه أَبَا بَكْرٍ. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى فَرِقْت ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء وَكَسْر الرَّاء ثُمَّ قَاف مِنْ الْفَرَق بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْخَوْف , وَفِي رِوَايَة مَالِك \" حَتَّى خِفْت \" وَفِي رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ \" حَتَّى أَشْفَقْنَا الِاخْتِلَاف \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق الْمَذْكُورَة فِيمَا أَخْرَجَهُ الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْهُ حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر قَالَ \" قُلْت يَا مَعْشَر الْأَنْصَار إِنَّ أَوْلَى النَّاس بِنَبِيِّ اللَّه ثَانِي اِثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَار , ثُمَّ أَخَذْت بِيَدِهِ \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَاصِم عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْش عَنْهُ أَنَّ عُمَر قَالَ : يَا مَعْشَر الْأَنْصَار , أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا بَكْر أَنْ يَؤُمّ بِالنَّاسِ , فَأَيّكُمْ تَطِيب نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّم أَبَا بَكْر ؟ فَقَالُوا نَعُوذ بِاَللَّهِ أَنْ نَتَقَدَّم أَبَا بَكْر وَسَنَده حَسَنٌ , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث سَالِم بْن عُبَيْد اللَّه عَنْ عُمَر أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا , وَآخَر مِنْ طَرِيق رَافِع بْن عَمْرو الطَّائِيّ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي مُسْنَد عُمَر بِلَفْظِ \" فَأَيُّكُمْ يَجْتَرِئ أَنْ يَتَقَدَّم أَبَا بَكْر ؟ فَقَالُوا لَا أَيُّنَا \" وَأَصْله عِنْد أَحْمَدَ وَسَنَده جَيِّد , وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ "
    },
    {
        "id": "6329",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏وَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏غَرَّبَ ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تِلْكَ السُّنَّةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي سَلَمَة الْمَاجِشُون. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ زَيْد بْن خَالِد ) ‏ ‏هَكَذَا اِخْتَصَرَ عَبْد الْعَزِيز مِنْ السَّنَد ذِكْرَ أَبِي هُرَيْرَة وَمِنْ الْمَتْنِ سِيَاق قِصَّة الْعَسِيف كُلّهَا وَاقْتَصَرَ مِنْهَا عَلَى قَوْله \" يَأْمُر فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ جَلْد مِائَة وَتَغْرِيب عَام \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن شِهَاب اِخْتَصَرَهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ عَبْد الْعَزِيز , وَقَوْله , \" جَلْد مِائَة \" بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْع الْخَافِض. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ عَبْد الْعَزِيز بِلَفْظِ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُر فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِجَلْدِ مِائَة وَتَغْرِيب عَام \" وَقَوْله \" قَالَ اِبْن شِهَاب \" هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب ) ‏ ‏هُوَ مُنْقَطِع لِأَنَّ عُرْوَة لَمْ يَسْمَع مِنْ عُمَر , لَكِنَّهُ ثَبَتَ عَنْ عُمَر مِنْ وَجْه آخَر أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِم مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ , وَأَنَّ أَبَا بَكْر ضَرَبَ وَغَرَّبَ , وَأَنَّ عُمَر ضَرَبَ وَغَرَّبَ \" أَخْرَجُوهُ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس عَنْهُ , وَذَكَرَ التِّرْمِذِيّ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَاب عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر رَوَوْهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي بَكْر وَعُمَر. ‏ ‏قَوْله ( غَرَّبَ ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تِلْكَ السُّنَّة ) ‏ ‏زَادَ عَبْد الرَّزَّاق فِي رِوَايَته عَنْ مَالِك \" حَتَّى غَرَّبَ مَرْوَان \" ثُمَّ تَرَكَ النَّاسُ ذَلِكَ يَعْنِي أَهْل الْمَدِينَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6330",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِنَفْيِ عَامٍ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِي رِوَايَة اللَّيْث ( عَنْ عُقَيْل ) ‏ ‏وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اللَّيْث \" حَدَّثَنِي عُقَيْل \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ) ‏ ‏هَكَذَا خَالَفَ عُقَيْل عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة فِي شَيْخ الزُّهْرِيّ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَتْن مُخْتَصَرًا مِنْ قِصَّة الْعَسِيف فَقَدْ وَافَقَ عَبْد الْعَزِيز جَمِيع أَصْحَاب الزُّهْرِيّ فَإِنَّ شَيْخه عِنْدهمْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ لَا سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , وَإِنْ كَانَ حَدِيثًا آخَر فَالرَّاجِح قَوْل عُقَيْل لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لِحَدِيثِ الزُّهْرِيّ مِنْ عَبْد الْعَزِيز لَكِنْ قَدْ رَوَى عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ الْحَدِيث الْآخَر مُوَافِقًا لِعَبْدِ الْعَزِيز أَخْرَجَهُمَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق حُجَيْن بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيم مُصَغَّر اِبْن الْمُثَنَّى عَنْ اللَّيْث عَنْ عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب فَذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْوِلَاء حَدِيث زَيْد بْن خَالِد مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه عَنْهُ وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْهُ , وَابْن شِهَاب صَاحِب حَدِيث لَا يُسْتَنْكَرُ مِنْهُ حَمْلُهُ الْحَدِيثَ عَنْ جَمَاعَة بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَة. ‏ ‏قَوْله ( بِنَفْيِ عَام وَبِإِقَامَةِ الْحَدّ عَلَيْهِ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" أَنْ يُنْفَى عَامًا مَعَ إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهِ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اللَّيْث , وَعُرِفَ أَنَّ الْبَاء فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن بُكَيْر بِمَعْنَى مَعَ وَالْمُرَاد بِإِقَامَةِ الْحَدّ مَا ذُكِرَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز جَلْد الْمِائَة وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا الْجَلْد لِكَوْنِهَا بِنَصِّ الْقُرْآن , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الرِّوَايَة مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّفْي تَعْزِير وَأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ الْحَدّ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدِيث يُفَسِّر بَعْضُهُ بَعْضًا , وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح فِي قِصَّة الْعَسِيف مِنْ لَفْظ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَلَيْهِ جَلْد مِائَة وَتَغْرِيب عَام , وَهُوَ ظَاهِر فِي كَوْن الْكُلّ حَدَّهُ , وَلَمْ يُخْتَلَف عَلَى رَاوِيه فِي لَفْظه فَهُوَ أَرْجَحُ مِنْ حِكَايَة الصَّحَابِيّ مَعَ الِاخْتِلَاف. وَمِمَّا يُؤَيِّد كَوْنَ حَدِيثَيْ الْبَاب وَاحِدًا مَعَ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ عَلَى اِبْن شِهَاب فِي تَابِعِيِّهِ وَصَحَابِيِّهِ أَنَّ الزِّيَادَة الَّتِي عَنْ عُمَر عِنْد عَبْد الْعَزِيز فِي حَدِيث زَيْد بْن خَالِد وَقَعَتْ عِنْد عُقَيْل فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , فَفِي آخِر رِوَايَة حَجَّاج بْن مُحَمَّد الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالَ اِبْن شِهَاب وَكَانَ عُمَر يَنْفِي مِنْ الْمَدِينَة إِلَى الْبَصْرَة وَإِلَى خَيْبَر \" وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى بُعْد الْمَسَافَة وَقُرْبهَا فِي النَّفْي بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْإِمَام وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَقَيَّد. وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ لِي مِنْ هَذَا الِاخْتِلَاف أَنَّ فِي حَدِيثَيْ الْبَاب اِخْتِصَارًا مِنْ قِصَّة الْعَسِيف وَأَنَّ أَصْل الْحَدِيث كَانَ عِنْد عُبَيْد اللَّه بْن عُتْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَزَيْد بْن خَالِد جَمِيعًا فَكَانَ يُحَدِّث بِهِ عَنْهُمَا بِتَمَامِهِ وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ عَنْ زَيْد بْن خَالِد بِاخْتِصَارٍ , وَكَانَ عِنْد سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَحْده بِاخْتِصَارٍ وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز الْجَمْع بَيْن الْحَدّ وَالتَّعْزِير خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ إِنْ أُخِذَ بِظَاهِرِ قَوْله \" مَعَ إِقَامَة الْحَدّ \" وَجَوَاز الْجَمْع بَيْن الْجَلْد وَالنَّفْي فِي حَقّ الزَّانِي الَّذِي لَمْ يُحْصَنْ خِلَافًا لَهُمْ أَيْضًا إِنْ قُلْنَا إِنَّ الْجَمِيع حَدٌّ. وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ بِأَنَّ حَدِيث عُبَادَةَ الَّذِي فِيهِ النَّفْي مَنْسُوخ بِآيَةِ النُّور لِأَنَّ فِيهَا الْجَلْد بِغَيْرِ نَفْي , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُحْتَاج إِلَى ثُبُوت التَّارِيخ , وَبِأَنَّ الْعَكْس أَقْرَبُ فَإِنَّ آيَة الْجَلْد مُطْلَقَة فِي حَقّ كُلّ زَانٍ فَخُصَّ مِنْهَا فِي حَدِيث عُبَادَةَ الثَّيِّب , وَلَا يَلْزَم مِنْ خُلُوّ آيَة النُّور عَنْ النَّفْي عَدَمُ مَشْرُوعِيَّته كَمَا لَمْ يَلْزَم مِنْ خُلُوِّهَا مِنْ الرَّجْم ذَلِكَ , وَمِنْ الْحُجَج الْقَوِيَّة أَنَّ قِصَّة الْعَسِيف كَانَتْ بَعْد آيَة النُّور لِأَنَّهُ كَانَتْ فِي قِصَّة الْإِفْك وَهِيَ مُتَقَدِّمَة عَلَى قِصَّة الْعَسِيف لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة حَضَرَهَا وَإِنَّمَا هَاجَرَ بَعْد قِصَّة الْإِفْك بِزَمَانٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "6331",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَعَنَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَقَالَ ‏ ‏أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ وَأَخْرَجَ فُلَانًا ‏ ‏وَأَخْرَجَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فُلَانًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف عَلَى هِشَام فِي سَنَده فِي كِتَاب اللِّبَاس فِي \" بَاب إِخْرَاج الْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنْ الْبُيُوت \" مَعَ بَقِيَّة شَرْحه. ‏ ‏قَوْله ( وَأَخْرَجَ عُمَر فُلَانًا ) ‏ ‏سَقَطَ لَفْظ عُمَر مِنْ رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ الْحَدِيث عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بَعْد قَوْله \" وَقَالَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتكُمْ وَأَخْرِجُوا فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْنِي الْمُخَنَّثِينَ \" وَتَقَدَّمَ فِي اللِّبَاس عَنْ مَعَاذ بْن فَضَالَة عَنْ هِشَام كَرِوَايَةِ أَبِي ذَرّ هُنَا , وَكَذَا عِنْد أَحْمَدَ عَنْ يَزِيد بْن هَارُون وَغَيْره عَنْ هِشَام , وَذَكَرْت هُنَاكَ اِسْم مَنْ نَفَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَة وَلَمْ أَذْكُر اِسْم الَّذِي نَفَاهُ عُمَر , ثُمَّ وَقَفْت فِي \" كِتَاب الْمُغْرِبِينَ لِأَبِي الْحَسَن الْمَدَايِنِيّ \" مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن سَعِيد قَالَ \" سَمِعَ عُمَر قَوْمًا يَقُولُونَ أَبُو ذُؤَيْب أَحْسَنُ أَهْل الْمَدِينَة , فَدَعَا بِهِ فَقَالَ : أَنْتَ لَعَمْرِي , فَاخْرُجْ عَنْ الْمَدِينَة فَقَالَ : إِنْ كُنْت تُخْرِجُنِي فَإِلَى الْبَصْرَة حَيْثُ أَخْرَجْت يَا عُمَرُ نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ \" , وَذَكَرَ قِصَّة نَصْر بْن حَجَّاج وَهِيَ مَشْهُورَة , وَسَاقَ قِصَّة جَعْدَة السُّلَمِيّ وَأَنَّهُ كَانَ يَخْرُج مَعَ النِّسَاء إِلَى الْبَقِيع وَيَتَحَدَّث إِلَيْهِنَّ حَتَّى كَتَبَ بَعْض الْغُزَاة إِلَى عُمَر يَشْكُو ذَلِكَ فَأَخْرَجَهُ , وَعَنْ مَسْلَمَةَ بْن مُحَارِب عَنْ إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم أَنَّ أُمَيَّة بْن يَزِيد الْأَسَدِيَّ وَمَوْلَى مُزَيْنَة كَانَا يَحْتَكِرَانِ الطَّعَام بِالْمَدِينَةِ فَأَخْرَجَهُمَا عُمَر , ثُمَّ ذَكَرَ عِدَّة قِصَص لِمُبْهَمٍ وَمُعَيَّن , فَيُمْكِن التَّفْسِير فِي هَذِهِ الْقِصَّة بِبَعْضِ هَؤُلَاءِ. قَالَ اِبْن بَطَّال : أَشَارَ الْبُخَارِيّ بِإِيرَادِ هَذِهِ التَّرْجَمَة عَقِب تَرْجَمَة الزَّانِي إِلَى أَنَّ النَّفْي إِذَا شُرِعَ فِي حَقِّ مَنْ أَتَى مَعْصِيَة لَا حَدَّ فِيهَا فَلَأَنْ يُشْرَع فِي حَقِّ مَنْ أَتَى مَا فِيهِ حَدٌّ أَوْلَى , فَتَتَأَكَّد السُّنَّة الثَّابِتَة بِالْقِيَاسِ لِيُرَدَّ بِهِ عَلَى مَنْ عَارَضَ السُّنَّة بِالْقِيَاسِ , فَإِذَا تَعَارَضَ الْقِيَاسَانِ بَقِيَتْ السُّنَّة بِلَا مُعَارِضٍ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُخَنَّثِينَ الْمُتَشَبِّهُونَ بِالنِّسَاءِ لَا مَنْ يُؤْتَى , فَإِنَّ ذَلِكَ حَدُّهُ الرَّجْمُ , وَمَنْ وَجَبَ رَجْمُهُ لَا يُنْفَى , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَدَّهُ مُخْتَلَف فِيهِ , وَالْأَكْثَر أَنَّ حُكْمه حُكْم الزَّانِي , فَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ جُلِدَ وَنُفِيَ , لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّر فِيهِ الْإِحْصَان , وَإِنْ كَانَ يَتَشَبَّه فَقَطْ نُفِيَ فَقَطْ , وَقِيلَ إِنَّ فِي التَّرْجَمَة إِشَارَة إِلَى ضَعْف الْقَوْل الصَّائِر إِلَى رَجْم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ وَأَنَّ هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح لَمْ يَأْتِ فِيهِ إِلَّا النَّفْي , وَفِي هَذَا نَظَر لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت عَنْ أَحَد مِمَّنْ أَخْرَجَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُؤْتَى , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أَبِي هَاشِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَّبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَقَالُوا : مَا بَال هَذَا ؟ قِيلَ يَتَشَبَّه بِالنِّسَاءِ , فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِيَ إِلَى النَّقِيع \" يَعْنِي بِالنُّونِ وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6332",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏الْأَعْرَابِ ‏ ‏جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ جَالِسٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ صَدَقَ اقْضِ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِكِتَابِ اللَّهِ إِنَّ ابْنِي كَانَ ‏ ‏عَسِيفًا ‏ ‏عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ بِمِائَةٍ مِنْ الْغَنَمِ ‏ ‏وَوَلِيدَةٍ ‏ ‏ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَزَعَمُوا أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ أَمَّا الْغَنَمُ وَالْوَلِيدَةُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَمَّا أَنْتَ يَا ‏ ‏أُنَيْسُ ‏ ‏فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا فَغَدَا ‏ ‏أُنَيْسٌ ‏ ‏فَرَجَمَهَا ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَزَيْد بْن خَالِد فِي قِصَّة الْعَسِيف , وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى قَرِيبًا. وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَقَامَ خَصْمه فَقَالَ : صَدَقَ , اِقْضِ لَهُ يَا رَسُول اللَّه بِكِتَابِ اللَّه , إِنَّ اِبْنِي \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْقَائِل هُوَ الْأَعْرَابِيّ لَا خَصْمه , لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي كِتَاب الصُّلْح \" جَاءَ أَعْرَابِيّ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه. اِقْضِ بَيْننَا بِكِتَابِ اللَّه فَقَامَ خَصْمه وَقَالَ : صَدَقَ اِقْضِ بَيْننَا بِكِتَابِ اللَّه , فَقَالَ الْأَعْرَابِيّ : إِنَّ اِبْنِي كَانَ عَسِيفًا \". قُلْت : بَلْ الَّذِي قَالَ اِقْضِ بَيْننَا هُوَ وَالِد الْعَسِيف , فَفِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة قَرِيبًا فِي بَاب الِاعْتِرَاف بِالزِّنَا \" فَقَامَ خَصْمه وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ فَقَالَ : اِقْضِ بَيْننَا بِكِتَابِ اللَّه وَأْذَنْ لِي إِلَخْ \" هَذِهِ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَوَافَقَهُ الْجُمْهُور , فَتَقَدَّمَتْ رِوَايَة مَالِك فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور وَرِوَايَة اللَّيْث فِي الشُّرُوط وَتَأْتِي رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ وَشُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة فِي خَبَر الْوَاحِد وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اللَّيْث وَصَالِح بْن كَيْسَانَ وَمَعْمَر وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظ اللَّيْث , وَمَعَ ذَلِكَ فَالِاخْتِلَاف فِي هَذَا عَلَى اِبْن أَبِي ذِئْب , فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيّ هُنَا وَفِي الصُّلْح , فَالرَّاوِي لَهُ فِي الصُّلْح عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب آدَم بْن أَبِي إِيَاس وَهُنَا عَاصِم بْن عَلِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن هَارُون عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب فَوَافَقَ عَاصِم بْن عَلِيّ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد , وَإِنَّ قَوْله فِي رِوَايَة آدَم \" فَقَالَ الْأَعْرَابِيّ \" زِيَادَة إِلَّا إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ مُتَّصِفًا بِهَذَا الْوَصْف , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ , وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6333",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُئِلَ عَنْ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ قَالَ ‏ ‏إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ ‏ ‏بِضَفِيرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَزَيْد بْن خَالِد ) ‏ ‏سَبَقَ التَّنْبِيه فِي شَرْح قِصَّة الْعَسِيف عَلَى أَنَّ الزُّبَيْدِيّ وَيُونُس زَادَا فِي رِوَايَتهمَا لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ الزُّهْرِيّ شِبْل بْن خَلِيل أَوْ ابْن حَامِد , وَتَقَدَّمَ بَيَانه مُفَصَّلًا. ‏ ‏قَوْله ( سُئِلَ عَنْ الْأَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَيْ هُرَيْرَة \" أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ جَارِيَتِي زَنَتْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا , قَالَ : اِجْلِدْهَا \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذَا الرَّجُل. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَن ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي الْمُرَاد بِهَذَا الْإِحْصَان , قَالَ اِبْن بَطَّال : زَعَمَ مَنْ قَالَ لَا جَلْد عَلَيْهَا قَبْل التَّزْوِيج بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَلَمْ تُحْصَن \" غَيْرَ مَالِكٍ , وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا فَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ عَنْ اِبْن شِهَاب كَمَا قَالَ مَالِك , وَكَذَا رَوَاهُ طَائِفَة عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْهُ. قُلْت : رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ وَرِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ تَقَدَّمَتْ فِي الْبُيُوع لَيْسَ فِيهَا \" وَلَمْ تُحْصَن \" وَزَادَهَا النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَته عَنْ الْحَارِث بْن مِسْكِين عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ \" سُئِلَ عَنْ الْأَمَة تَزْنِي قَبْل أَنْ تُحْصَن \" وَكَذَا عِنْد اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَمُحَمَّد بْن الصَّبَّاح كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ اِبْن شِهَاب أَيْضًا صَالِح بْن كَيْسَانَ كَمَا قَالَ مَالِك وَتَقَدَّمَتْ رِوَايَته فِي كِتَاب الْبُيُوع فِي \" بَاب بَيْع الْمُدَبَّر \" وَكَذَا أَخْرَجَهُمَا مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة هُنَاكَ بِدُونِهَا وَسَيَأْتِي قَرِيبًا أَيْضًا , وَعَلَى تَقْدِير أَنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِهَا فَهُوَ مِنْ الْحُفَّاظ وَزِيَادَته مَقْبُولَة , وَقَدْ سَبَقَ الْجَوَاب عَنْ مَفْهُومهَا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ) ‏ ‏قِيلَ أَعَادَ الزِّنَا فِي الْجَوَاب غَيْر مُقَيَّد بِالْإِحْصَانِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ وَأَنَّ مُوجِبَ الْحَدّ فِي الْأَمَة مُطْلَق الزِّنَا , وَمَعْنَى \" اِجْلِدُوهَا \" الْحَدّ اللَّائِق بِهَا الْمُبَيَّن فِي الْآيَة وَهُوَ نِصْف مَا عَلَى الْحُرَّة , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدّ وَالْخِطَاب فِي اِجْلِدُوهَا لِمَنْ يَمْلِك الْأَمَة , فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ السَّيِّد يُقِيم الْحَدّ عَلَى مَنْ يَمْلِكُهُ مِنْ جَارِيَة وَعَبْد , أَمَّا الْجَارِيَة فَبِالنَّصِّ وَأَمَّا الْعَبْد فَبِالْإِلْحَاقِ , وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِيمَنْ يُقِيم الْحُدُود عَلَى الْأَرِقَّاء : فَقَالَتْ طَائِفَة لَا يُقِيمهَا إِلَّا الْإِمَام أَوْ مَنْ يَأْذَن لَهُ وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّة , وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ لَا يُقِيم السَّيِّد إِلَّا حَدّ الزِّنَا , وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِمَا أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق مُسْلِم بْن يَسَار قَالَ \" كَانَ أَبُو عَبْد اللَّه رَجُل مِنْ الصَّحَابَة يَقُول : الزَّكَاة وَالْحُدُود وَالْفَيْء وَالْجُمُعَة إِلَى السُّلْطَان \" قَالَ الطَّحَاوِيُّ لَا نَعْلَم لَهُ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَة , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن حَزْم فَقَالَ : بَلْ خَالَفَهُ اِثْنَا عَشَرَ نَفْسًا مِنْ الصَّحَابَة , وَقَالَ آخَرُونَ يُقِيمهَا السَّيِّد وَلَوْ لَمْ يَأْذَن لَهُ الْإِمَام وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ , وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عُمَر \" فِي الْأَمَة إِذَا زَنَتْ وَلَا زَوْجَ لَهَا يَحُدُّهَا سَيِّدُهَا , فَإِنْ كَانَتْ ذَات زَوْج فَأَمْرُهَا إِلَى الْإِمَام \" وَبِهِ قَالَ مَالِك إِلَّا إِنْ كَانَ زَوْجهَا عَبْدًا لِسَيِّدِهَا فَأَمْرُهَا إِلَى السَّيِّد , وَاسْتَثْنَى مَالِك الْقَطْع فِي السَّرِقَة , وَهُوَ وَجْه لِلشَّافِعِيَّةِ وَفِي آخَر يُسْتَثْنَى حَدُّ الشُّرْب , وَاحْتُجَّ لِلْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ فِي الْقَطْع مُثْلَة فَلَا يُؤْمَنُ السَّيِّد أَنْ يُرِيد أَنْ يُمَثِّل بِعَبْدِهِ فَيُخْشَى أَنْ يَتَّصِل الْأَمْر بِمَنْ يَعْتَقِد أَنَّهُ يَعْتِق بِذَلِكَ فَيَدَّعِي عَلَيْهِ السَّرِقَة لِئَلَّا يَعْتِق فَيُمْنَع مِنْ مُبَاشَرَته الْقَطْعَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ , وَأَخَذَ بَعْض الْمَالِكِيَّة مِنْ هَذَا التَّعْلِيل اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ مُسْتَنَدُ السَّرِقَة عِلْمَ السَّيِّد أَوْ الْإِقْرَار , بِخِلَافِ مَا لَوْ ثَبَتَتْ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يَجُوز لِلسَّيِّدِ لِفَقْدِ الْعِلَّة الْمَذْكُورَة , وَحُجَّة الْجُمْهُور حَدِيث عَلِيّ الْمُشَار إِلَيْهِ قَبْل وَهُوَ عِنْد مُسْلِم وَالثَّلَاثَة , وَعِنْد الشَّافِعِيَّة خِلَاف فِي اِشْتِرَاط أَهْلِيَّة السَّيِّد لِذَلِكَ , وَتَمَسَّكَ مَنْ لَمْ يَشْتَرِط بِأَنَّ سَبِيله سَبِيل الِاسْتِصْلَاح فَلَا يَفْتَقِر لِلْأَهْلِيَّةِ. وَقَالَ اِبْن حَزْم : يُقِيمهُ السَّيِّد إِلَّا إِنْ كَانَ كَافِرًا , وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ إِلَّا بِالصَّغَارِ وَفِي تَسْلِيطه عَلَى إِقَامَة الْحَدّ مُنَافَاةٌ لِذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِي قَوْل مَالِك إِنْ كَانَتْ الْأَمَة ذَات زَوْج لَمْ يَحُدّهَا الْإِمَام مِنْ أَجْل أَنَّ لِلزَّوْجِ تَعَلُّقًا بِالْفَرْجِ فِي حِفْظه عَنْ النَّسَب الْبَاطِل وَالْمَاء الْفَاسِد , لَكِنَّ حَدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى أَنْ يُتَّبَع , يَعْنِي حَدِيث عَلِيّ الْمَذْكُور الدَّالّ عَلَى التَّعْمِيم فِي ذَات الزَّوْج وَغَيْرهَا. وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه \" مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَن \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الضَّاد الْمُعْجَمَة غَيْر الْمُشَالَة ثُمَّ فَاء أَيْ الْمَضْفُور فَعِيل بِمَعْنَى مَفْعُول , زَادَ يُونُس وَابْن أَخِي الزُّهْرِيّ وَالزُّبَيْدِيّ وَيَحْيَى بْن سَعِيد كُلّهمْ عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْد النَّسَائِيِّ \" وَالضَّفِير الْحَبْل \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ عَنْ قُتَيْبَة عَنْ مَالِك وَزَادَهَا عَمَّار بْن أَبِي فَرْوَة عَنْ مُحَمَّد بْن مُسْلِم وَهُوَ اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيّ عِنْد النَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَهْ , لَكِنْ خَالَفَ فِي الْإِسْنَاد فَقَالَ : \" إِنَّ مُحَمَّد بْن مُسْلِم حَدَّثَهُ أَنَّ عُرْوَة وَعَمْرَة حَدَّثَاهُ أَنَّ عَائِشَة حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا زَنَتْ الْأَمَة فَاجْلِدُوهَا \" وَقَالَ فِي آخِره \" وَلَوْ بِضَفِيرٍ وَالضَّفِير الْحَبْل \" وَقَوْله وَالضَّفِير الْحَبْل مُدْرَج فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ قَوْل الزُّهْرِيّ عَلَى مَا بَيَّنَ فِي رِوَايَة الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِك عِنْد مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ فَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ اِبْن شِهَاب وَالضَّفِير الْحَبْل \" وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآت مَنْسُوبًا لِجَمِيعِ مَنْ رَوَى الْمُوَطَّأ إِلَّا اِبْن مَهْدِيّ فَإِنَّ ظَاهِر سِيَاقه أَنَّهُ أَدْرَجَهُ أَيْضًا , وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُر قَوْله وَالضَّفِير الْحَبْل كَمَا فِي رِوَايَة الْبَاب. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( لَا أَدْرِي بَعْد الثَّالِثَة أَوْ الرَّابِعَة ) ‏ ‏لَمْ يُخْتَلَف فِي رِوَايَة مَالِك فِي هَذَا , وَكَذَا فِي رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ وَابْن عُيَيْنَةَ , وَكَذَا فِي رِوَايَة يُونُس وَالزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ عِنْد النَّسَائِيِّ , وَكَذَا فِي رِوَايَة مَعْمَر عِنْد مُسْلِم وَأَدْرَجَهُ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد عِنْد النَّسَائِيِّ وَلَفْظه \" ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ بَعْد الثَّالِثَة أَوْ الرَّابِعَة \" وَلَمْ يَقُلْ قَالَ اِبْن شِهَاب وَعَنْ قُتَيْبَة عَنْ مَالِك كَذَلِكَ , وَأَدْرَجَ أَيْضًا فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن أَبِي فَرْوَة عَنْ الزُّهْرِيّ فِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد النَّسَائِيِّ , وَالصَّوَاب التَّفْصِيل , وَأَمَّا الشَّكّ فِي الثَّالِثَة أَوْ فِي الرَّابِعَة فَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد التِّرْمِذِيّ \" فَلْيَجْلِدْهَا ثَلَاثًا فَإِنْ عَادَتْ فَلْيَبِعْهَا \" وَنَحْوه فِي مُرْسَل عِكْرِمَة عِنْد أَبِي قُرَّة بِلَفْظِ \" وَإِذَا زَنَتْ الرَّابِعَة فَبِيعُوهَا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" ثُمَّ إِنْ زَنَتْ الثَّالِثَة فَلْيَبِعْهَا \" وَمُحَصَّل الِاخْتِلَاف هَلْ يَجْلِدهَا فِي الرَّابِعَة قَبْل الْبَيْع أَوْ يَبِيعهَا بِلَا جَلْدٍ ؟ وَالرَّاجِح الْأَوَّل وَيَكُون سُكُوت مَنْ سَكَتَ عَنْهُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْجَلْد لَا يُتْرَك وَلَا يَقُوم الْبَيْع مَقَامه , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الْبَيْع يَقَع بَعْد الْمَرَّة الثَّالِثَة فِي الْجَلْد لِأَنَّهُ الْمُحَقَّق فَيُلْغَى الشَّكّ , وَالِاعْتِمَاد عَلَى الثَّلَاث فِي كَثِير مِنْ الْأُمُور الْمَشْرُوعَة. وَقَوْله \" وَلَوْ بِضَفِيرٍ \" أَيْ حَبْل مَضْفُور , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمَقْبُرِيِّ \" وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْر \" وَأَصْل الضَّفْر نَسْج الشَّعْر وَإِدْخَال بَعْضه فِي بَعْض وَمِنْهُ ضَفَائِر شَعْر الرَّأْس لِلْمَرْأَةِ وَلِلرَّجُلِ , قِيلَ لَا يَكُون مَضْفُورًا إِلَّا إِنْ كَانَ مِنْ ثَلَاث , وَقِيلَ شَرْطه أَنْ يَكُون عَرِيضًا وَفِيهِ نَظَر. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الزِّنَا عَيْب يُرَدُّ بِهِ الرَّقِيقُ لِلْأَمْرِ بِالْحَطِّ مِنْ قِيمَة الْمَرْقُوق إِذَا وُجِدَ مِنْهُ الزِّنَا , كَذَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ , وَتَوَقَّفَ فِيهِ اِبْن دَقِيق الْعِيد لِجَوَازِ أَنْ يَكُون الْمَقْصُود الْأَمْر بِالْبَيْعِ وَلَوْ اِنْحَطَّتْ الْقِيمَة فَيَكُون ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِأَمْرٍ وُجُودِيّ لَا إِخْبَارًا عَنْ حُكْم شَرْعِيّ إِذْ لَيْسَ فِي الْخَبَر تَصْرِيح بِالْأَمْرِ مِنْ حَطّ الْقِيمَة. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ زَنَى فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدّ ثُمَّ عَادَ أُعِيدَ عَلَيْهِ , بِخِلَافِ مَنْ زَنَى مِرَارًا فَإِنَّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بِإِقَامَةِ الْحَدّ عَلَيْهِ مَرَّة وَاحِدَة عَلَى الرَّاجِح. وَفِيهِ الزَّجْر عَنْ مُخَالَطَة الْفُسَّاق وَمُعَاشَرَتهمْ وَلَوْ كَانُوا مِنْ الْأَلْزَامِ إِذَا تَكَرَّرَ زَجْرهمْ وَلَمْ يَرْتَدِعُوا وَيَقَع الزَّجْر بِإِقَامَةِ الْحَدّ فِيمَا شُرِعَ فِيهِ الْحَدّ وَبِالتَّعْزِيرِ فِيمَا لَا حَدّ فِيهِ. وَفِيهِ جَوَاز عَطْف الْأَمْر الْمُقْتَضِي لِلنَّدْبِ عَلَى الْأَمْر الْمُقْتَضِي لِلْوُجُوبِ لِأَنَّ الْأَمْر بِالْجَلْدِ وَاجِب وَالْأَمْر بِالْبَيْعِ مَنْدُوب عِنْد الْجُمْهُور خِلَافًا لِأَبِي ثَوْر وَأَهْل الظَّاهِر , وَادَّعَى بَعْض الشَّافِعِيَّة أَنَّ سَبَب صَرْف الْأَمْر عَنْ الْوُجُوب أَنَّهُ مَنْسُوخ , وَمِمَّنْ حَكَاهُ اِبْن الرِّفْعَة فِي الْمَطْلَب وَيَحْتَاج إِلَى ثُبُوت , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : حَمَلَ الْفُقَهَاء الْأَمْر بِالْبَيْعِ عَلَى الْحَضّ عَلَى مُسَاعَدَة مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الزِّنَا لِئَلَّا يُظَنّ بِالسَّيِّدِ الرِّضَا بِذَلِكَ وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْوَسِيلَة إِلَى تَكْثِير أَوْلَاد الزِّنَا , قَالَ : وَحَمَلَهُ بَعْضهمْ عَلَى الْوُجُوب وَلَا سَلَفَ لَهُ مِنْ الْأُمَّةِ فَلَا يُسْتَقَلُّ بِهِ , وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْي عَنْ إِضَاعَة الْمَال فَكَيْف يَجِب بَيْع الْأَمَة ذَات الْقِيمَة بِحَبْلٍ مِنْ شَعْر لَا قِيمَة لَهُ : فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد الزَّجْر عَنْ مُعَاشَرَة مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَة فِيهِ عَلَى بَيْع الثَّمِين بِالْحَقِيرِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز بَيْع الْمُطْلَقِ التَّصَرُّفِ مَالَهُ بِدُونِ قِيمَتِهِ وَلَوْ كَانَ بِمَا يُتَغَابَن بِمِثْلِهِ إِلَّا أَنَّ قَوْله \" وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْر \" لَا يُرَاد بِهِ ظَاهِره وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِلْمُبَالَغَةِ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيث \" مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاة \" عَلَى أَحَد الْأَجْوِبَة , لِأَنَّ قَدْر الْمَفْحَص لَا يَسَع أَنْ يَكُون مَسْجِدًا حَقِيقَة , فَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي عَيْن مَمْلُوكَة لِمَحْجُورٍ فَلَا يَبِيعهَا وَلِيُّهُ إِلَّا بِالْقِيمَةِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَطَّرِد لِأَنَّ عَيْب الزِّنَا تَنْقُص بِهِ الْقِيمَة عِنْد كُلّ أَحَد فَيَكُون بَيْعهَا بِالنُّقْصَانِ بَيْعًا بِثَمَنِ الْمِثْل نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاض وَمَنْ تَبِعَهُ , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الْمُرَاد مِنْ الْحَدِيث الْإِسْرَاع بِالْبَيْعِ وَإِمْضَاؤُهُ وَلَا يُتَرَبَّصُ بِهِ طَلَبُ الرَّاغِب فِي الزِّيَادَة , وَلَيْسَ الْمُرَاد بَيْعه بِقِيمَةِ الْحَبْل حَقِيقَة , وَفِيهِ أَنَّهُ يَجِب عَلَى الْبَائِع أَنْ يُعْلِم الْمُشْتَرِيَ بِعَيْبِ السِّلْعَة لِأَنَّ قِيمَتهَا إِنَّمَا تَنْقُص مَعَ الْعِلْم بِالْعَيْبِ حَكَاهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الْعَيْب لَوْ لَمْ يُعْلَم لَهُ تَنْقُص الْقِيمَة فَلَا يَتَوَقَّف عَلَى الْإِعْلَام , وَاسْتُشْكِلَ الْأَمْر بِبَيْعِ الرَّقِيق إِذَا زَنَى مَعَ أَنَّ كُلّ مُؤْمِن مَأْمُور أَنْ يَرَى لِأَخِيهِ مَا يَرَى لِنَفْسِهِ , وَمِنْ لَازِم الْبَيْع أَنْ يُوَافِق أَخَاهُ الْمُؤْمِن عَلَى أَنْ يَقْتَنِي مَا لَا يَرْضَى اِقْتِنَاءَهُ لِنَفْسِهِ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ السَّبَب الَّذِي بَاعَهُ لِأَجْلِهِ لَيْسَ مُحَقَّق الْوُقُوع عِنْد الْمُشْتَرِي لِجَوَازِ أَنْ يَرْتَدِع الرَّقِيق إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَتَى عَادَ أُخْرِجَ فَإِنَّ الْإِخْرَاج مِنْ الْوَطَن الْمَأْلُوف شَاقّ , وَلِجَوَازِ أَنْ يَقَعَ الْإِعْفَاف عِنْد الْمُشْتَرِي بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : يُرْجَى عِنْد تَبْدِيل الْمَحَلّ تَبْدِيل الْحَال , وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ لِلْمُجَاوَرَةِ تَأْثِيرًا فِي الطَّاعَة وَفِي الْمَعْصِيَة , قَالَ النَّوَوِيّ : وَفِيهِ أَنَّ الزَّانِي إِذَا حُدَّ ثُمَّ زَنَى لَزِمَهُ حَدٌّ آخَر ثُمَّ كَذَلِكَ أَبَدًا , فَإِذَا زَنَى مَرَّات وَلَمْ يُحَدّ فَلَا يَلْزَمهُ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ. قُلْت : مِنْ قَوْله فَإِذَا زَنَى اِبْتِدَاء كَلَام قَالَهُ لِتَكْمِيلِ الْفَائِدَة وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَيْهِ إِثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا بِخِلَافِ الشِّقّ الْأَوَّل فَإِنَّهُ ظَاهِر , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْعُقُوبَة فِي التَّعْزِيرَات إِذَا لَمْ يُفِدْ مَقْصُودُهَا مِنْ الزَّجْر لَا يُفْعَل لِأَنَّ إِقَامَة الْحَدّ وَاجِبَة , فَلَمَّا تَكَرَّرَ ذَلِكَ وَلَمْ يُفِدْ عَدَلَ إِلَى تَرْك شَرْط إِقَامَته عَلَى السَّيِّد وَهُوَ الْمِلْك , وَلِذَلِكَ قَالَ \" بِيعُوهَا \" وَلَمْ يَقُلْ : اِجْلِدُوهَا كُلَّمَا زَنَتْ , ذَكَرَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد وَقَالَ قَدْ تَعَرَّضَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِذَا عَلِمَ الْمُعَزِّر فِي أَنَّ التَّأْدِيب لَا يَحْصُل إِلَّا بِالضَّرْبِ الْمُبَرِّح فَلْيَتْرُكْهُ لِأَنَّ الْمُبَرِّح يُهْلِك وَلَيْسَ لَهُ الْإِهْلَاكُ , وَغَيْر الْمُبَرِّح لَا يُفِيد , قَالَ الرَّافِعِيّ : وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْإِمَام لَا يَجِب عَلَيْهِ تَعْزِير مَنْ يَسْتَحِقّ التَّعْزِير , فَإِنْ قُلْنَا يَجِب اِلْتَحَقَ بِالْحَدِّ فَلْيُعَزِّرْهُ بِغَيْرِ الْمُبَرِّح وَإِنْ لَمْ يَنْزَجِر. وَفِيهِ أَنَّ السَّيِّد يُقِيم الْحَدّ عَلَى عَبْده وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِن السُّلْطَانَ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "6334",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا زَنَتْ الْأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا ‏ ‏يُثَرِّبْ ‏ ‏ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا ‏ ‏يُثَرِّبْ ‏ ‏ثُمَّ إِنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِذَا زَنَتْ الْأَمَة فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا ) ‏ ‏أَيْ ظَهَرَ , وَشَرَطَ بَعْضهمْ أَنْ يَظْهَر بِالْبَيِّنَةِ مُرَاعَاة لِلَفْظِ تَبَيَّنَ , وَقِيلَ يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِعِلْمِ السَّيِّد. ‏ ‏قَوْله ( فَلْيَجْلِدْهَا ) ‏ ‏أَيْ الْحَدّ الْوَاجِب عَلَيْهَا الْمَعْرُوف مِنْ صَرِيح الْآيَة ( فَعَلَيْهِنَّ نِصْف مَا عَلَى الْمُحْصَنَات مِنْ الْعَذَاب ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَلْيَجْلِدْهَا بِكِتَابِ اللَّه \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يُثَرِّب ) ‏ ‏أَيْ لَا يَجْمَع عَلَيْهَا الْعُقُوبَة بِالْجَلْدِ وَبِالتَّعْيِيرِ , وَقِيلَ الْمُرَاد لَا يَقْتَنِع بِالتَّوْبِيخِ دُون الْجَلْد , وَفِي رِوَايَة سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد عَبْد الرَّزَّاق \" وَلَا يُعَيِّرهَا وَلَا يُفَنِّدهَا \" قَالَ اِبْن بَطَّال : يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ كُلّ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدّ لَا يُعَزَّر بِالتَّعْنِيفِ وَاللَّوْم وَإِنَّمَا يَلِيق ذَلِكَ بِمَنْ صَدَرَ مِنْهُ قَبْل أَنْ يُرْفَع إِلَى الْإِمَام لِلتَّحْذِيرِ وَالتَّخْوِيف , فَإِذَا رُفِعَ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدّ كَفَاهُ. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا نَهْيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَبِّ الَّذِي أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدّ الْخَمْر وَقَالَ \" لَا تَكُونُوا أَعْوَانًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ \". ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏يُرِيد فِي الْمَتْن لَا فِي السَّنَد , لِأَنَّهُ نَقَصَ مِنْهُ قَوْله \" عَنْ أَبِيهِ \" وَرِوَايَة إِسْمَاعِيل وَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق بِشْر بْن الْمُفَضَّل عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة وَلَفْظه مِثْل اللَّيْث , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ \" فَإِنْ عَادَتْ فَزَنَتْ فَلْيَبِعْهَا \" وَالْبَاقِي سَوَاء , وَوَافَقَ اللَّيْث عَلَى زِيَادَة قَوْله \" عَنْ أَبِيهِ \" مُحَمَّد بْن إِسْحَاق أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ , وَوَافَقَ إِسْمَاعِيل عَلَى حَذْفه عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر الْعُمَرِيَّ عِنْدهمْ وَأَيُّوب بْن مُوسَى عِنْد مُسْلِم وَالنَّسَائِيِّ وَمُحَمَّد بْن عَجْلَان وَعَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَق عِنْد النَّسَائِيِّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن الْمَذْكُور عَنْ سَعِيد سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة وَلِإِسْمَاعِيل فِيهِ شَيْخ آخَر رَوَاهُ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْهُ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ حُمَيْد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ : إِنَّهُ خَطَأ وَالصَّوَاب الْأَوَّل , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حُمَيْد هَذِهِ بِلَفْظٍ آخَر قَالَ \" أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ : جَارِيَتِي زَنَتْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا , قَالَ : اِجْلِدْهَا خَمْسِينَ \" الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "6335",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏عَنْ الرَّجْمِ فَقَالَ ‏ ‏رَجَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ أَقَبْلَ ‏ ‏النُّورِ ‏ ‏أَمْ بَعْدَهُ قَالَ لَا أَدْرِي ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَالْمُحَارِبِيُّ ‏ ‏وَعَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُهُمْ ‏ ‏الْمَائِدَةِ ‏ ‏وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد , وَالشَّيْبَانِيّ هُوَ أَبُو إِسْحَاق سُلَيْمَان. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الرَّجْم ) ‏ ‏أَيْ رَجْم مَنْ ثَبَتَ أَنَّهُ زَنَى وَهُوَ مُحْصَن. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ رَجَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا أَطْلَقَ , فَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مُطَابَقَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ حَيْثُ الْإِطْلَاق قُلْت : وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَته فِي الْإِشَارَة إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث , وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق هُشَيْم عَنْ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ \" قُلْت هَلْ رَجَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ رَجَمَ يَهُودِيًّا وَيَهُودِيَّة \" وَسِيَاق أَحْمَدَ مُخْتَصَر. ‏ ‏قَوْله ( أَقَبْلَ النُّور ؟ ) ‏ ‏أَيْ سُورَة النُّور , وَالْمُرَاد بِالْقَبْلِيَّةِ النُّزُول ‏ ‏( قَوْله أَمْ بَعْد ) ‏ ‏؟ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَمْ بَعْده \". ‏ ‏قَوْله ( لَا أَدْرِي ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ الصَّحَابِيّ الْجَلِيل قَدْ تَخْفَى عَلَيْهِ بَعْض الْأُمُور الْوَاضِحَة , وَأَنَّ الْجَوَاب مِنْ الْفَاضِل بِلَا أَدْرِي لَا عَيْب عَلَيْهِ فِيهِ بَلْ يَدُلّ عَلَى تَحَرِّيه وَتَثَبُّته فَيُمْدَح بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ) ‏ ‏قُلْت وَصَلَهَا اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ \" قُلْت لِعَبْدِ اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى \" فَذَكَرَ مِثْله بِلَفْظِ \" قُلْت بَعْد سُورَة النُّور \". ‏ ‏قَوْله ( وَخَالِد بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَيْ الطَّحَّان وَهِيَ عِنْد الْمُؤَلِّف فِي \" بَاب رَجْم الْمُحْصَن \" وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظه. ‏ ‏قَوْله ( وَالْمُحَارِبِيّ ) ‏ ‏يَعْنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الْكُوفِيّ. ‏ ‏قَوْله ( وَعُبَيْدَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله , وَأَبُوهُ حُمَيْد بِالتَّصْغِيرِ , وَمُتَابَعَته وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي ثَوْر وَأَحْمَد بْن مَنِيع قَالَا حَدَّثَنَا عُبَيْدَة بْن حُمَيْد وَجَرِير هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه عَنْ الشَّيْبَانِيِّ وَلَفْظه \" قُلْت قَبْل النُّور أَوْ بَعْدهَا \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَعْضهمْ ) ‏ ‏أَيْ بَعْض الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ عُبَيْدَة فَإِنَّ لَفْظه فِي مُسْنَد أَحْمَدَ بْن مَنِيع وَمِنْ طَرِيقه الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَقُلْت بَعْد سُورَة الْمَائِدَة أَوْ قَبْلهَا \" ؟ كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة هُشَيْم الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا قَبْل. ‏ ‏قَوْله ( وَالْأَوَّل أَصَحُّ ) ‏ ‏أَيْ فِي ذِكْر النُّور. قُلْت : وَلَعَلَّ مَنْ ذَكَرَهُ تَوَهَّمَ مِنْ ذِكْر الْيَهُودِيّ وَالْيَهُودِيَّة أَنَّ الْمُرَاد سُورَة الْمَائِدَة لِأَنَّ فِيهَا الْآيَة الَّتِي نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤَال الْيَهُود عَنْ حُكْم اللَّذَيْنِ زَنَيَا مِنْهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "6336",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ ‏ ‏وَامْرَأَةً ‏ ‏زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ فَقَالُوا نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ ‏ ‏أَحَدُهُمْ ‏ ‏يَدَهُ عَلَى ‏ ‏آيَةِ الرَّجْمِ ‏ ‏فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا ‏ ‏آيَةُ الرَّجْمِ ‏ ‏قَالُوا صَدَقَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏فِيهَا ‏ ‏آيَةُ الرَّجْمِ ‏ ‏فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرُجِمَا فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ نَافِع ) ‏ ‏فِي مُوَطَّأ مُحَمَّد بْن الْحَسَن وَحْده \" حَدَّثَنَا نَافِع \" قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآت. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ الْيَهُود جَاءُوا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَة زَنَيَا ) ‏ ‏ذَكَرَ السُّهَيْلِيّ عَنْ اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّ اِسْم الْمَرْأَة بُسْرَة بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَلَمْ يُسَمِّ الرَّجُل , وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ السَّبَب فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ \" سَمِعْت رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَة مِمَّنْ تَبِعَ الْعِلْم وَكَانَ عِنْد سَعِيد بْن الْمُسَيِّب يُحَدِّث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : زَنَى رَجُل مِنْ الْيَهُود بِامْرَأَةٍ , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ اِذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيّ فَإِنَّهُ بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ فَإِنْ أَفْتَانَا بِفُتْيَا دُون الرَّجْم قَبِلْنَاهَا وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْد اللَّه وَقُلْنَا فُتْيَا نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِك. قَالَ فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِس فِي الْمَسْجِد فِي أَصْحَابه فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِم مَا تَرَى فِي رَجُل وَامْرَأَة زَنَيَا مِنْهُمْ \" وَنَقَلَ اِبْن الْعَرَبِيّ عَنْ الطَّبَرِيّ وَالثَّعْلَبِيّ عَنْ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا \" اِنْطَلَقَ قَوْم مِنْ قُرَيْظَة وَالنَّضِير مِنْهُمْ كَعْب بْن الْأَشْرَف وَكَعْب بْن أَسَد وَسَعِيد بْن عَمْرو وَمَالِك بْن الصَّيْف وَكِنَانَة بْن أَبِي الْحُقَيْق وَشَاس بْن قَيْس وَيُوسُف اِبْن عَازُورَاء فَسَأَلُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ رَجُل وَامْرَأَة مِنْ أَشْرَاف أَهْل خَيْبَر زَنَيَا وَاسْم الْمَرْأَة بُسْرَة , وَكَانَتْ خَيْبَر حِينَئِذٍ حَرْبًا فَقَالَ لَهُمْ اِسْأَلُوهُ , فَنَزَلَ جِبْرِيل عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اِجْعَلْ بَيْنك وَبَيْنهمْ اِبْن صُورِيَّا \" فَذَكَرَ الْقِصَّة مُطَوَّلَة , وَلَفْظ الطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ الْمَذْكُورَة \" إِنَّ أَحْبَار الْيَهُود اِجْتَمَعُوا فِي بَيْت الْمِدْرَاس , وَقَدْ زَنَى رَجُل مِنْهُمْ بَعْد إِحْصَانه بِامْرَأَةٍ مِنْهُمْ قَدْ أُحْصِنَتْ \" فَذَكَرَ الْقِصَّة وَفِيهَا \" فَقَالَ اخْرُجُوا إِلَى عَبْد اللَّه بْن صُورِيَّا الْأَعْوَر \" قَالَ ابْنُ إِسْحَاق \" وَيُقَال إِنَّهُمْ أَخْرَجُوا مَعَهُ أَبَا يَاسِر بْن أَحْطَبَ وَوَهْب بْن يَهُودَا , فَخَلَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِابْنِ صُورِيَّا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث الْبَرَاء \" مُرَّ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا. فَدَعَاهُمْ فَقَالَ : هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابكُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ \" وَهَذَا يُخَالِف الْأَوَّل مِنْ حَيْثُ إِنَّ فِيهِ أَنَّهُمْ اِبْتَدَءُوا السُّؤَال قَبْل إِقَامَة الْحَدّ , وَفِي هَذَا أَنَّهُمْ أَقَامُوا الْحَدّ قَبْل السُّؤَال , وَيُمْكِن الْجَمْع بِالتَّعَدُّدِ بِأَنْ يَكُون الَّذِينَ سَأَلُوا عَنْهُمَا غَيْرَ الَّذِي جَلَدُوهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون : بَادَرُوا فَجَلَدُوهُ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ فَسَأَلُوا فَاتَّفَقَ الْمُرُور بِالْمَجْلُودِ فِي حَال سُؤَالهمْ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهُمْ بِإِحْضَارِهِمَا فَوَقَعَ مَا وَقَعَ وَالْعِلْم عِنْد اللَّه , وَيُؤَيِّد الْجَمْعَ مَا وَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ رَهْطًا مِنْ الْيَهُود أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمْ اِمْرَأَة فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد مَا أُنْزِلَ عَلَيْك فِي الزِّنَا \" فَيُتَّجَه أَنَّهُمْ جَلَدُوا الرَّجُل ثُمَّ بَدَا لَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ الْحُكْم فَأَحْضَرُوا الْمَرْأَة وَذَكَرُوا الْقِصَّة وَالسُّؤَال , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّة زَنَيَا \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر الْمَاضِيَة قَرِيبًا وَلَفْظه \" أَحْدَثَا \" وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث عِنْد الْبَزَّار \" أَنَّ الْيَهُود أَتَوْا بِيَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا وَقَدْ أُحْصِنَا \". ‏ ‏قَوْله ( مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة فِي شَأْن الرَّجْم ) ‏ ‏قَالَ الْبَاجِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلِمَ بِالْوَحْيِ أَنَّ حُكْم الرَّجْم فِيهَا ثَابِت عَلَى مَا شُرِعَ لَمْ يَلْحَقهُ تَبَدُّل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلِمَ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ عَبْد اللَّه بْن سَلَام وَغَيْره مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْه حَصَلَ لَهُ بِهِ الْعِلْم بِصِحَّةِ نَقْلهمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِنَّمَا سَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ لِيَعْلَم مَا عِنْدهمْ فِيهِ ثُمَّ يَتَعَلَّم صِحَّة ذَلِكَ مِنْ قِبَل اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالُوا نَفْضَحهُمْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَثَالِثه مِنْ الْفَضِيحَة. ‏ ‏قَوْله ( وَيُجْلَدُونَ ) ‏ ‏وَقَعَ بَيَان الْفَضِيحَة فِي رِوَايَة أَيُّوب عَنْ نَافِع الْآتِيَة فِي التَّوْحِيد بِلَفْظِ \" قَالُوا نُسَخِّم وُجُوههمَا , وَنُخْزِيهِمَا \" وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عُمَر \" قَالُوا نُسَوِّد وُجُوههمَا وَنُحَمِّمهُمَا وَنُخَالِف بَيْن وُجُوههمَا. وَيُطَاف بِهِمَا \" وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن دِينَار \" أَنَّ أَحْبَارَنَا أَحْدَثُوا تَحْمِيم الْوَجْه وَالتَّجْبِيهَ \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" يُحَمَّم وَيُجَبَّه وَيُجْلَد \" وَالتَّجْبِيهُ أَنْ يُحْمَل الزَّانِيَانِ عَلَى حِمَار وَتُقَابَل أَقْفِيَتُهُمَا وَيُطَاف بِهِمَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الرَّجْم بِالْبَلَاطِ \" النَّقْل عَنْ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ أَنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّ تَفْسِير التَّجْبِيهِ مِنْ قَوْل الزُّهْرِيّ فَكَأَنَّهُ أُدْرِجَ فِي الْخَبَر لِأَنَّ أَصْل الْحَدِيث مِنْ رِوَايَته. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : يُشْبِه أَنْ يَكُون أَصْله الْهَمْزَة وَأَنَّهُ التَّجْبِئَة وَهِيَ الرَّدْع وَالزَّجْر يُقَال جَبَّأْته تَجْبِيئًا أَيْ رَدَعْته , وَالتَّجْبِيَة أَنْ يُنَكِّس رَأْسه فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَنْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ يُنَكِّس رَأْسه اِسْتِحْيَاء فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْفِعْل تَجْبِيَة. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ الْجَبْه وَهُوَ الِاسْتِقْبَال بِالْمَكْرُوهِ وَأَصْله مِنْ إِصَابَة الْجَبْهَة تَقُول جَبْهَته إِذَا أَصَبْت جَبْهَته كَرَأَسْتُهُ إِذَا أَصَبْت رَأْسه , وَقَالَ الْبَاجِيّ : ظَاهِر الْأَمْر أَنَّهُمْ قَصَدُوا فِي جَوَابهمْ تَحْرِيف حُكْم التَّوْرَاة وَالْكَذِب عَلَى النَّبِيّ إِمَّا رَجَاء أَنْ يَحْكُم بَيْنهمْ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّه وَإِمَّا لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِتَحْكِيمِهِ التَّخْفِيفَ عَنْ الزَّانِيَيْنِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُهُمْ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ , أَوْ قَصَدُوا اِخْتِبَار أَمْره , لِأَنَّهُ مِنْ الْمُقَرَّر أَنَّ مَنْ كَانَ نَبِيًّا لَا يُقِرّ عَلَى بَاطِل , فَظَهَرَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ نَبِيَّهُ كَذِبُهُمْ وَصِدْقُهُ وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عَبْد اللَّه بْن سَلَام : كَذَبْتُمْ , إِنَّ فِيهَا الرَّجْم ) ‏ ‏رِوَايَة أَيُّوب وَعُبَيْد اللَّه بْن عُمَر \" قَالَ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ , قَالَ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَتَوْا ) ‏ ‏بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمَاضِي , وَفِي رِوَايَة أَيُّوب فَجَاءُوا وَزَادَ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر \" بِهَا فَقَرَءُوهَا \" وَفِي رِوَايَة زَيْد بْن أَسْلَمَ ( فَأَتَى بِهَا فَنَزَعَ الْوِسَادَة مِنْ تَحْته فَوَضَعَ التَّوْرَاة عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ آمَنْت بِك وَبِمَنْ أَنْزَلَك \" وَفِي حَدِيث الْبَرَاء عِنْد مُسْلِم \" فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ أَنْشُدُك بِاَللَّهِ وَبِمَنْ أَنْزَلَهُ \" وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" فَقَالَ اِئْتُونِي بِأَعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ , فَأُتِيَ بِابْنِ صُورِيَّا \" زَادَ الطَّبَرِيُّ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" اِئْتُونِي بِرَجُلَيْنِ مِنْ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيل , فَأَتَوْهُ بِرَجُلَيْنِ أَحَدهمَا شَابّ وَالْآخَر شَيْخ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنْ الْكِبَر \" وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق مُجَاهِد \" أَنَّ الْيَهُود اِسْتَفْتَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الزَّانِيَيْنِ فَأَفْتَاهُمْ بِالرَّجْمِ , فَأَنْكَرُوهُ , فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِأَحْبَارِهِمْ فَنَاشَدَهُمْ فَكَتَمُوهُ إِلَّا رَجُلًا مِنْ أَصَاغِرهمْ أَعْوَرَ فَقَالَ : كَذَبُوك يَا رَسُول اللَّه فِي التَّوْرَاة \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَده عَلَى آيَة الرَّجْم فَقَرَأَ مَا قَبْلهَا وَمَا بَعْدهَا ) ‏ ‏وَنَحْوه فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن دِينَار وَفِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر \" فَوَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأ يَده عَلَى آيَة الرَّجْم فَقَرَأَ مَا بَيْن يَدَيْهَا وَمَا وَرَاءَهَا \" وَفِي رِوَايَة أَيُّوب \" فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ : يَا أَعْوَرُ اِقْرَأْ. فَقَرَأَ , حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى مَوْضِع مِنْهَا فَوَضَعَ يَده عَلَيْهِ \" وَاسْم هَذَا الرَّجُل عَبْد اللَّه بْن صُورِيَّا كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد النَّقَّاش فِي تَفْسِيره أَنَّهُ أَسْلَمَ , لَكِنْ ذَكَرَ مَكِّيّ فِي تَفْسِيره أَنَّهُ اِرْتَدَّ بَعْد أَنْ أَسْلَمَ , كَذَا ذَكَرَ الْقُرْطُبِيّ , ثُمَّ وَجَدْته عِنْد الطَّبَرِيّ بِالسَّنَدِ الْمُتَقَدِّم فِي الْحَدِيث الْمَاضِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَاشَدَهُ قَالَ \" يَا رَسُول اللَّه إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ أَنَّك نَبِيّ مُرْسَل وَلَكِنَّهُمْ يَحْسُدُونَك \" وَقَالَ فِي آخِر الْحَدِيث \" ثُمَّ كَفَرَ بَعْد ذَلِكَ اِبْن صُورِيَّا وَنَزَلَتْ فِيهِ ( يَا أَيّهَا الرَّسُول لَا يَحْزُنك الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر \" الْآيَة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه بْن سَلَام : اِرْفَعْ يَدك فَرَفَعَ يَده , فَإِذَا فِيهَا آيَة الرَّجْم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن دِينَار \" فَإِذَا آيَة الرَّجْم تَحْت يَده \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث الْبَرَاء \" فَحَدُّهُ الرَّجْم , وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافنَا فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيف تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أَخَذْنَا الْوَضِيع أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدّ , فَقُلْنَا تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْء نُقِيمهُ عَلَى الشَّرِيف وَالْوَضِيع فَجَعَلْنَا التَّحْمِيم وَالْجَلْد مَكَان الرَّجْم \" وَوَقَعَ بَيَان مَا فِي التَّوْرَاة مِنْ آيَة الرَّجْم فِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة \" الْمُحْصَن وَالْمُحْصَنَة إِذَا زَنَيَا فَقَامَتْ عَلَيْهِمَا الْبَيِّنَة رُجِمَا , وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَة حُبْلَى تُرُبِّصَ بِهَا حَتَّى تَضَع مَا فِي بَطْنهَا \" وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" قَالَا نَجِد فِي التَّوْرَاة إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَة أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجهَا مِثْل الْمِيل فِي الْمُكْحُلَة رُجِمَا \" زَادَ الْبَزَّار مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَإِنْ وَجَدُوا الرَّجُل مَعَ الْمَرْأَة فِي بَيْت أَوْ فِي ثَوْبهَا أَوْ عَلَى بَطْنهَا فَهِيَ رِيبَة وَفِيهَا عُقُوبَة , قَالَ فَمَا مَنَعَكُمَا أَنْ تَرْجُمُوهُمَا قَالَا : ذَهَبَ سُلْطَاننَا فَكَرِهْنَا الْقَتْل \" وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَمَا أَوَّل مَا ارْتَخَصْتُمْ أَمْرَ اللَّه ؟ قَالَ : زَنَى ذُو قَرَابَة مِنْ الْمَلِك فَأَخَّرَ عَنْهُ الرَّجْم , ثُمَّ زَنَى رَجُل شَرِيف فَأَرَادُوا رَجْمه فَحَالَ قَوْمه دُونه وَقَالُوا اِبْدَأْ بِصَاحِبِك , فَاصْطَلَحُوا عَلَى هَذِهِ الْعُقُوبَة , وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرَانِيّ \" إِنَّا كُنَّا شَبَبَة وَكَانَ فِي نِسَائِنَا حُسْنُ وَجْه فَكَثُرَ فِينَا فَلَمْ يُقَمْ لَهُ فَصِرْنَا نَجْلِد \" وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا ) ‏ ‏زَادَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي أَحْكُم بِمَا فِي التَّوْرَاة \" وَفِي حَدِيث الْبَرَاء \" اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّل مَنْ أُحْيِي أَمْرَك إِذْ أَمَاتُوهُ \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر مِنْ الزِّيَادَة أَيْضًا \" فَدَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّهُودِ , فَجَاءَ أَرْبَعَة فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجهَا مِثْل الْمِيل فِي الْمُكْحُلَة , فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَرَأَيْت الرَّجُل يَحْنِي ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة بَعْدهَا نُون مَكْسُورَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة , وَعَنْ الْمُسْتَمْلِي وَالْكُشْمِيهَنِيّ بِجِيمٍ وَنُون مَفْتُوحَة ثُمَّ هَمْزَة , وَهُوَ الَّذِي قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد إِنَّهُ الرَّاجِح فِي الرِّوَايَة , وَفِي رِوَايَة أَيُّوب \" يُجَانِئ \" بِضَمِّ أَوَّله وَجِيم مَهْمُوز , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن يَحْيَى كَالسَّرَخْسِيِّ وَالصَّوَاب \" يَحْنِي \" أَيْ يَمِيل. وَجُمْلَة مَا حَصَلَ لَنَا مِنْ الِاخْتِلَاف فِي ضَبْط هَذِهِ اللَّفْظَة عَشَرَة أَوْجُه : الْأَوَّلَانِ وَالثَّالِث بِضَمِّ أَوَّله وَالْجِيم وَكَسْر النُّون وَبِالْهَمْزَةِ , الرَّابِع كَالْأَوَّلِ إِلَّا أَنَّهُ بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَل النُّون , الْخَامِس كَالثَّانِي إِلَّا أَنَّهُ بِوَاوٍ بَدَل التَّحْتَانِيَّة , السَّادِس كَالْأَوَّلِ إِلَّا أَنَّهُ بِالْجِيمِ , السَّابِع بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد النُّون , الثَّامِن \" يُجَانِي \" بِالنُّونِ التَّاسِع مِثْله لَكِنْ بِالْحَاءِ , الْعَاشِر مِثْله لَكِنَّهُ بِالْفَاءِ بَدَل النُّون وَبِالْجِيمِ أَيْضًا. وَرَأَيْت فِي \" الزُّهْرِيَّات لِلذُّهْلِيِّ \" بِخَطِّ الضِّيَاء فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ \" يُجَافِي \" بِجِيمٍ وَفَاء بِغَيْرِ هَمْز وَعَلَى الْفَاء صُحٌّ صُحٌّ. ‏ ‏قَوْله ( يَقِيهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله ثُمَّ قَاف تَفْسِير لِقَوْلِهِ \" يَحْنِي \" وَفِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر \" فَلَقَدْ رَأَيْته يَقِيهَا مِنْ الْحِجَارَة بِنَفْسِهِ \" وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" يَسْتُرهَا \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرَانِيّ \" فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَة قَامَ عَلَى صَاحِبَته يَحْنِي عَلَيْهَا يَقِيهَا الْحِجَارَة حَتَّى قُتِلَا جَمِيعًا فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا صَنَعَ اللَّه لِرَسُولِهِ فِي تَحْقِيق الزِّنَا مِنْهُمَا \" وَفِي هَذَا الْحَدَث مِنْ الْفَوَائِد وُجُوب الْحَدّ عَلَى الْكَافِر الذِّمِّيّ إِذَا زَنَى وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَفِيهِ خِلَاف عِنْد الشَّافِعِيَّة , وَقَدْ ذَهِلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فَنَقَلَ الِاتِّفَاق عَلَى أَنَّ شَرْط الْإِحْصَان الْمُوجِب لِلرَّجْمِ الْإِسْلَام , وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّة وَأَحْمَدَ لَا يَشْتَرِطَانِ ذَلِكَ , وَيُؤَيِّد مَذْهَبَهُمَا وُقُوعُ التَّصْرِيح بِأَنَّ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ رُجِمَا كَانَا قَدْ أُحْصِنَا كَمَا تَقَدَّمَ نَقْله , وَقَالَ الْمَالِكِيَّة وَمُعْظَم الْحَنَفِيَّة وَرَبِيعَة شَيْخ مَالِك شَرْط الْإِحْصَان الْإِسْلَام , وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيث الْبَاب بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ التَّوْرَاة وَلَيْسَ هُوَ مِنْ حُكْم الْإِسْلَام فِي شَيْء , وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَاب تَنْفِيذ الْحُكْم عَلَيْهِمْ بِمَا فِي كِتَابهمْ , فَإِنَّ فِي التَّوْرَاة الرَّجْم عَلَى الْمُحْصَن وَغَيْر الْمُحْصَن قَالُوا وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّل دُخُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة , وَكَانَ مَأْمُورًا بِاتِّبَاعِ حُكْم التَّوْرَاة وَالْعَمَل بِهَا حَتَّى يُنْسَخ ذَلِكَ فِي شَرْعه , فَرَجَمَ الْيَهُودِيَّيْنِ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْم , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ ) إِلَى قَوْله ( أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا ) ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْن مَنْ أُحْصِنَ وَمَنْ لَمْ يُحْصَن كَمَا تَقَدَّمَ اِنْتَهَى. وَفِي دَعْوَى الرَّجْم عَلَى مَنْ لَمْ يُحْصَن نَظَر , لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة الطَّبَرِيّ وَغَيْره , وَقَالَ مَالِك : إِنَّمَا رَجَمَ الْيَهُودِيَّيْنِ لِأَنَّ الْيَهُود يَوْمئِذٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذِمَّة فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ , وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيّ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا مَا فَعَلَهُ , قَالَ : وَإِذَا أَقَامَ الْحَدّ عَلَى مَنْ لَا ذِمَّة لَهُ فَلَأَنْ يُقِيمهُ عَلَى مَنْ لَهُ ذِمَّة أَوْلَى. وَقَالَ الْمَازِرِيّ , يُعْتَرَض عَلَى جَوَاب مَالِك بِكَوْنِهِ رَجَمَ الْمَرْأَة وَهُوَ يَقُول لَا تُقْتَل الْمَرْأَة إِلَّا إِنْ أَجَابَ ذَلِكَ كَانَ قَبْل النَّهْي عَنْ قَتْل النِّسَاء , وَأَيَّدَ الْقُرْطُبِيّ أَنَّهُمَا كَانَا حَرْبِيَّيْنِ بِمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ مُنْقَطِع , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَيُعَكِّر عَلَيْهِ أَنْ مَجِيئَهُمْ سَائِلِينَ يُوجِب لَهُمْ عَهْدًا كَمَا لَوْ دَخَلُوا لِغَرَضٍ كَتِجَارَةٍ أَوْ رِسَالَة أَوْ نَحْو ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ فِي أَمَان إِلَى أَنْ يُرَدُّوا إِلَى مَأْمَنهمْ. قُلْت : وَلَمْ يَنْفَصِل عَنْ هَذَا إِلَّا أَنْ يَقُول : إِنَّ السَّائِل عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ صَاحِب الْوَاقِعَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ : دَعْوَى أَنَّهُمَا كَانَ حَرْبِيَّيْنِ بَاطِلَةٌ بَلْ كَانَا مِنْ أَهْل الْعَهْد , كَذَا قَالَ : وَسَلَّمَ بَعْض الْمَالِكِيَّة أَنَّهُمَا كَانَا مِنْ أَهْل الْعَهْد وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْحَاكِم مُخَيَّر إِذَا تَحَاكَمَ إِلَيْهِ أَهْل الذِّمَّة بَيْن أَنْ يَحْكُم فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّه وَبَيْن أَنْ يُعْرِض عَنْهُمْ عَلَى ظَاهِر الْآيَة , فَاخْتَارَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَة أَنْ يَحْكُم بَيْنهمْ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَقِيم عَلَى مَذْهَب مَالِك لِأَنَّ شَرْط الْإِحْصَان عِنْده الْإِسْلَام وَهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ , وَانْفَصَلَ اِبْن الْعَرَبِيّ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمَا كَانَا مُحَكِّمَيْنِ لَهُ فِي الظَّاهِر وَمُخْتَبِرَيْنِ مَا عِنْده فِي الْبَاطِن هَلْ هُوَ نَبِيّ حَقّ أَوْ مُسَامِح فِي الْحَقّ , وَهَذَا لَا يَرْفَع الْإِشْكَالَ وَلَا يَخْلُص عَنْ الْإِيرَاد. ثُمَّ قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِي الْحَدِيث أَنَّ الْإِسْلَام لَيْسَ شَرْطًا فِي الْإِحْصَان , وَالْجَوَاب بِأَنَّهُ إِنَّمَا رَجَمَهُمَا لِإِقَامَةِ الْحُجَّة عَلَى الْيَهُود فِيمَا حَكَّمُوهُ فِيهِ مِنْ حُكْم التَّوْرَاة فِيهِ نَظَر , لِأَنَّهُ كَيْف يُقِيم الْحُجَّة عَلَيْهِمْ بِمَا لَا يَرَاهُ فِي شَرْعه مَعَ قَوْله ( وَأَنْ احْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه ) قَالَ : وَأُجِيبَ بِأَنَّ سِيَاق الْقِصَّة يَقْتَضِي مَا قُلْنَاهُ , وَمِنْ ثَمَّ اِسْتَدْعَى شُهُودَهُمْ لِيُقِيمَ الْحُجَّة عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ , إِلَى أَنْ قَالَ : وَالْحَقّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَع وَلَوْ جَاءُونِي لَحَكَمْت عَلَيْهِمْ بِالرَّجْمِ وَلَمْ أَعْتَبِر الْإِسْلَام فِي الْإِحْصَان. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : حَدّ الزَّانِي حَقّ مِنْ حُقُوق اللَّه. وَعَلَى الْحَاكِم إِقَامَته , وَقَدْ كَانَ لِلْيَهُودِ حَاكِم وَهُوَ الَّذِي حَكَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمَا. وَقَوْل بَعْضهمْ إِنَّ الزَّانِيَيْنِ حَكَّمَاهُ دَعْوَى مَرْدُودَةٌ , وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ التَّحْكِيم لَا يَكُون إِلَّا لِغَيْرِ الْحَاكِم , وَأَمَّا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحُكْمه بِطَرِيقِ الْوِلَايَة لَا بِطَرِيقِ التَّحْكِيم : وَأَجَابَ الْحَنَفِيَّة عَنْ رَجْم الْيَهُودِيَّيْنِ بِأَنَّهُ وَقَعَ بِحُكْمِ التَّوْرَاة , وَرَدَّهُ الْخَطَّابِيُّ لِأَنَّ اللَّه قَالَ ( وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه ) وَإِنَّمَا جَاءَهُ الْقَوْم سَائِلِينَ عَنْ الْحُكْم عِنْده كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِمَا كَتَمُوهُ مِنْ حُكْم التَّوْرَاة , وَلَا جَائِز أَنْ يَكُون حُكْم الْإِسْلَام عِنْده مُخَالِفًا لِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوز الْحُكْم بِالْمَنْسُوخِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا حَكَمَ بِالنَّاسِخِ. وَأَمَّا قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَإِنِّي أَحْكُم بِمَا فِي التَّوْرَاة \" فَفِي سَنَده رَجُل مُبْهَم , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ مَعْنَاهُ لِإِقَامَةِ الْحُجَّة عَلَيْهِمْ , وَهُوَ مُوَافِق لِشَرِيعَتِهِ , قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الرَّجْم جَاءَ نَاسِخًا لِلْجَلْدِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره , وَلَمْ يَقُلْ أَحَد : إِنَّ الرَّجْم شُرِعَ ثُمَّ نُسِخَ بِالْجَلْدِ ثُمَّ نُسِخَ الْجَلْد بِالرَّجْمِ , وَإِذَا كَانَ حُكْم الرَّجْم بَاقِيًا مُنْذُ شُرِعَ فَمَا حَكَمَ عَلَيْهِمَا بِالرَّجْمِ بِمُجَرَّدِ حُكْم التَّوْرَاة بَلْ بِشَرْعِهِ الَّذِي اِسْتَمَرَّ حُكْم التَّوْرَاة عَلَيْهِ وَلَمْ يُقَدَّر أَنَّهُمْ بَدَّلُوهُ فِيمَا بَدَّلُوا وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَهُمَا أَوَّل مَا قَدِمَ الْمَدِينَة لِقَوْلِهِ فِي بَعْض طُرُق الْقِصَّة \" لَمَّا قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة أَتَاهُ الْيَهُود \" فَالْجَوَاب أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ الْفَوْرُ , فَفِي بَعْض طُرُقه الصَّحِيحَة كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِد بَيْن أَصْحَابه , وَالْمَسْجِد لَمْ يَكْمُل بِنَاؤُهُ إِلَّا بَعْد مُدَّة مِنْ دُخُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة فَبَطَلَ الْفَوْر , وَأَيْضًا فَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث بْن جُزْء أَنَّهُ حَضَرَ ذَلِكَ وَعَبْد اللَّه إِنَّمَا قَدِمَ مَعَ أَبِيهِ مُسْلِمًا بَعْد فَتْح مَكَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَفِيهِ مَا يُشْعِر بِأَنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَة إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدّ تَكُون قَاعِدَةً هَكَذَا اِسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي الْحَفْر لِلْمَرْجُومَةِ , فَمَنْ يَرَى أَنَّهُ يُحْفَر لَهَا تَكُون فِي الْغَالِب قَاعِدَةً فِي الْحُفْرَة وَاخْتِلَافهمْ فِي إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهَا قَاعِدَةً أَوْ قَائِمَةً إِنَّمَا هُوَ فِي الْجَلْد , فَفِي الِاسْتِدْلَال بِصُورَةِ الْجَلْد عَلَى صُورَة الرَّجْم نَظَر لَا يَخْفَى. وَفِيهِ قَبُول شَهَادَة أَهْل الذِّمَّة بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , وَزَعَمَ اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّ مَعْنَى قَوْله فِي حَدِيث جَابِر \" فَدَعَا بِالشُّهُودِ \" أَيْ شُهُود الْإِسْلَام عَلَى اِعْتِرَافهمَا , وَقَوْله \" فَرَجَمَهُمَا بِشَهَادَةِ الشُّهُود \" أَيْ الْبَيِّنَة عَلَى اِعْتِرَافهمَا , وَرُدَّ هَذَا التَّأْوِيل بِقَوْلِهِ فِي نَفْس الْحَدِيث \" إِنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجهَا كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَة \" وَهُوَ صَرِيح فِي أَنَّ الشَّهَادَة بِالْمُشَاهَدَةِ لَا بِالِاعْتِرَافِ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْكَافِر لَا تُقْبَل شَهَادَته عَلَى مُسْلِم وَلَا عَلَى كَافِر لَا فِي حَدّ وَلَا فِي غَيْره وَلَا فَرْق بَيْن السَّفَر وَالْحَضَر فِي ذَلِكَ , وَقَبِلَ شَهَادَتَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَبَعْض الْفُقَهَاء إِذَا لَمْ يُوجَد مُسْلِم , وَاسْتَثْنَى أَحْمَدُ حَالَة السَّفَر إِذَا لَمْ يُوجَد مُسْلِم , وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيّ عَنْ الْجُمْهُور عَنْ وَاقِعَة الْيَهُود بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَّذَ عَلَيْهِمْ مَا عَلِمَ أَنَّهُ حُكْم التَّوْرَاة وَأَلْزَمَهُمْ الْعَمَلَ بِهِ إِظْهَارًا لِتَحْرِيفِهِمْ كِتَابَهُمْ وَتَغْيِيرهمْ حُكْمَهُ , أَوْ كَانَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهَذِهِ الْوَاقِعَة كَذَا قَالَ , وَالثَّانِي مَرْدُود , وَقَالَ النَّوَوِيّ : الظَّاهِر أَنَّهُ رَجَمَهُمَا بِالِاعْتِرَافِ , فَإِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ جَابِر فَلَعَلَّ الشُّهُود كَانُوا مُسْلِمِينَ وَإِلَّا فَلَا عِبْرَة بِشَهَادَتِهِمْ , وَيَتَعَيَّن أَنَّهُمَا أَقَرَّا بِالزِّنَا. قُلْت : لَمْ يَثْبُت أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الشُّهُود أَخْبَرُوا بِذَلِكَ لِسُؤَالِ بَقِيَّة الْيَهُود لَهُمْ فَسَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَامهمْ وَلَمْ يَحْكُم فِيهِمْ إِلَّا مُسْتَنِدًا لِمَا أَطْلَعَهُ اللَّه تَعَالَى فَحَكَمَ فِي ذَلِكَ بِالْوَحْيِ وَأَلْزَمَهُمْ الْحُجَّة بَيْنهمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى ( وَشَهِدَ شَاهِد مِنْ أَهْلِهَا ) وَأَنَّ شُهُودهمْ شَهِدُوا عَلَيْهِمْ عِنْد أَحْبَارهمْ بِمَا ذُكِرَ فَلَمَّا رَفَعُوا الْأَمْر إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَعْلَمَ الْقِصَّة عَلَى وَجْههَا فَذَكَرَ كُلُّ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الرُّوَاة مَا حَفِظَهُ فِي ذَلِكَ , وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنَد حُكْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَا أَطْلَعَهُ اللَّه عَلَيْهِ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الْمَالِكِيَّة عَلَى أَنَّ الْمَجْلُود يُجْلَد قَائِمًا إِنْ كَانَ رَجُلًا وَالْمَرْأَة قَاعِدَةً لِقَوْلِ اِبْن عُمَر \" رَأَيْت الرَّجُل يَقِيهَا الْحِجَارَة \" , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا وَهِيَ قَاعِدَة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ وَاقِعَة عَيْن فَلَا دَلَالَة فِيهِ عَلَى أَنَّ قِيَام الرَّجُل كَانَ بِطَرِيقِ الْحُكْم عَلَيْهِ بِذَلِكَ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى رَجْم الْمُحْصَن وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ مُسْتَوْفًى , وَعَلَى الِاقْتِصَار عَلَى الرَّجْم وَلَا يُضَمّ إِلَيْهِ الْجَلْد وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَاف فِيهِ فِي بَاب مُفْرَد , وَكَذَا اِحْتَجَّ بِهِ بَعْضهمْ , وَلَوْ اُحْتُجَّ بِهِ لِعَكْسِهِ لَكَانَ أَقْرَبَ لِأَنَّهُ فِي حَدِيث الْبَرَاء عِنْد مُسْلِم أَنَّ الزَّانِي جُلِدَ أَوَّلًا ثُمَّ رُجِمَ كَمَا تَقَدَّمَ , لَكِنْ يُمْكِن الِانْفِصَال بِأَنَّ الْجَلْد الَّذِي وَقَعَ لَهُ لَمْ يَكُنْ بِحُكْمِ حَاكِم. وَفِيهِ أَنَّ أَنْكِحَة الْكُفَّار صَحِيحَة لِأَنَّ ثُبُوت الْإِحْصَان فَرْع ثُبُوت صِحَّة النِّكَاح. وَفِيهِ أَنَّ الْكُفَّار مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَة , وَفِي أَخْذه مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة بُعْدٌ. وَفِيهِ أَنَّ الْيَهُود كَانُوا يَنْسُبُونَ إِلَى التَّوْرَاة مَا لَيْسَ فِيهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا أَقْدَمُوا عَلَى تَبْدِيله وَإِلَّا لَكَانَ فِي الْجَوَاب حَيْدَة عَنْ السُّؤَال لِأَنَّهُ سَأَلَ عَمَّا يَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة فَعَدَلُوا عَنْ ذَلِكَ لِمَا يَفْعَلُونَهُ وَأَوْهَمُوا أَنَّ فِعْلهمْ مُوَافِق لِمَا فِي التَّوْرَاة فَأَكْذَبَهُمْ عَبْد اللَّه بْن سَلَام. وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُسْقِطُوا شَيْئًا مِنْ أَلْفَاظهَا كَمَا يَأْتِي تَقْرِيره فِي كِتَاب التَّوْحِيد , وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ لِذَلِكَ غَيْرُ وَاضِحٍ لِاحْتِمَالِ خُصُوص ذَلِكَ بِهَذِهِ الْوَاقِعَة فَلَا يَدُلّ عَلَى التَّعْمِيم , وَكَذَا مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّوْرَاة الَّتِي أُحْضِرَتْ حِينَئِذٍ كَانَتْ كُلّهَا صَحِيحَة سَالِمَة مِنْ التَّبْدِيل لِأَنَّهُ يَطْرُقهُ هَذَا الِاحْتِمَال بِعَيْنِهِ وَلَا يَرُدّهُ قَوْلُهُ \" آمَنْت بِك وَبِمَنْ أَنْزَلَك \" لِأَنَّ الْمُرَاد أَصْل التَّوْرَاة. وَفِيهِ اِكْتِفَاء الْحَاكِم بِتُرْجُمَانٍ وَاحِد مَوْثُوق بِهِ وَسَيَأْتِي بَسْطه فِي كِتَاب الْأَحْكَام. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ شَرْع مَنْ قَبْلنَا شَرْع لَنَا إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لَنَا بِدَلِيلِ قُرْآن أَوْ حَدِيث صَحِيح مَا لَمْ يَثْبُت نَسْخه بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا أَوْ نَبِيّهمْ أَوْ شَرِيعَتهمْ , وَعَلَى هَذَا فَيُحْمَل مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْم لَمْ يُنْسَخ مِنْ التَّوْرَاة أَصْلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6337",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَحَدُهُمَا اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَقَالَ الْآخَرُ وَهُوَ أَفْقَهُهُمَا أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ تَكَلَّمْ قَالَ إِنَّ ابْنِي كَانَ ‏ ‏عَسِيفًا ‏ ‏عَلَى هَذَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏وَالْعَسِيفُ الْأَجِيرُ ‏ ‏فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا وَأَمَرَ ‏ ‏أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ ‏ ‏أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6338",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي فَقَالَ ‏ ‏حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ فَعَاتَبَنِي وَجَعَلَ يَطْعُنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي وَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث عَائِشَة فِي سَبَب نُزُول آيَة التَّيَمُّم مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ طَرِيق مَالِك فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة وَطَرِيق عَمْرو بْن الْحَارِث عَقِبهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6339",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏أَقْبَلَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَلَكَزَنِي ‏ ‏لَكْزَةً ‏ ‏شَدِيدَةً وَقَالَ ‏ ‏حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ فَبِي الْمَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ أَوْجَعَنِي نَحْوَهُ ‏ ‏لَكَزَ وَوَكَزَ وَاحِدٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( لَكَزَ وَوَكَزَ وَاحِدٌ ) ‏ ‏أَيْ بِمَعْنًى وَاحِد , ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي , وَهُوَ مِنْ كَلَام أَبِي عُبَيْدَة قَالَ : الْوَكْز فِي الصَّدْر بِجُمْعِ الْكَفّ وَلَهَزَهُ مِثْلُهُ وَهُوَ اللَّكْزُ. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ دَلَالَة عَلَى جَوَاز تَأْدِيب الرَّجُل أَهْلَهُ وَغَيْر أَهْله بِحَضْرَةِ السُّلْطَان وَلَوْ لَمْ يَأْذَن لَهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي حَقّ. وَفِي مَعْنَى تَأْدِيب الْأَهْل تَأْدِيب الرَّقِيق , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي \" بَاب لَا تَثْرِيب عَلَى الْأَمَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "6340",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَرَّادٍ ‏ ‏كَاتِبِ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي ‏",
        "sharh": "\" 10197 \" ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل وَعَبْد الْمَلِك هُوَ اِبْن عُمَيْر وَوَرَّاد هُوَ كَاتِب الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة , وَثَبَتَ كَذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ سَعْد بْن عُبَادَةَ ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ سَيِّد الْخَزْرَج. ‏ ‏قَوْله ( لَوْ رَأَيْت رَجُلًا مَعَ اِمْرَأَتِي لَضَرَبْته بِالسَّيْفِ ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِالْجَزْمِ , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم \" أَنَّ سَعْد بْن عُبَادَةَ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت إِنْ وَجَدْت مَعَ اِمْرَأَتِي رَجُلًا أُمْهِلُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء \" الْحَدِيث , وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر \" فَقَالَ سَعْد : كَلَّا وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ , إِنْ كُنْت لِأُعَاجِلهُ بِالسَّيْفِ قَبْل ذَلِكَ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَنَّ سَعْد بْن عُبَادَةَ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه الرَّجُل يَجِد مَعَ أَهْله رَجُلًا فَيَقْتُلهُ ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : بَلَى وَاَلَّذِي أَكْرَمَك بِالْحَقِّ \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت \" لَمَّا نَزَلَتْ آيَة الرَّجْم قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّه قَدْ جَعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَقَالَ أُنَاس لِسَعْدِ بْن عُبَادَةَ : يَا أَبَا ثَابِت قَدْ نَزَلَتْ الْحُدُود , أَرَأَيْت لَوْ وَجَدْت مَعَ اِمْرَأَتك رَجُلًا كَيْف كُنْت صَانِعًا ؟ قَالَ : كُنْت ضَارِبَهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَسْكُنَا , فَأَنَا أَذْهَب وَأَجْمَع أَرْبَعَة ؟ فَإِلَى ذَلِكَ قَدْ قَضَى الْخَائِبُ حَاجَتَهُ فَأَنْطَلِقُ , وَأَقُولُ : رَأَيْت فُلَانًا فَيَجْلِدُونِي وَلَا يَقْبَلُونَ لِي شَهَادَة أَبَدًا , فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كَفَى بِالسَّيْفِ شَاهِدًا ثُمَّ قَالَ : لَوْلَا أَنِّي أَخَاف أَنْ يَتَتَابَعَ فِيهَا السَّكْرَانُ. وَالْغَيْرَانُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب الْغَيْرَة \" فِي أَوَاخِر كِتَاب النِّكَاح وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى قَوْله \" وَاَللَّه أَغْيَرُ مِنِّي \" فِي كِتَاب التَّوْحِيد. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة لَا تُعَارَض بِالرَّأْيِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6341",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ فَقَالَ ‏ ‏هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ مَا أَلْوَانُهَا قَالَ حُمْرٌ قَالَ هَلْ فِيهَا مِنْ ‏ ‏أَوْرَقَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَنَّى كَانَ ذَلِكَ قَالَ أُرَاهُ عِرْقٌ نَزَعَهُ قَالَ فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6342",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ بُكَيْر بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن الْأَشَجّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث الْآتِيَة فِي الْبَاب , أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا جَالِس عِنْد سُلَيْمَان بْن يَسَار إِذْ جَاءَ عَبْد الرَّحْمَن بْن جَابِر فَحَدَّثَ سُلَيْمَان بْن يَسَار , ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا سُلَيْمَان فَقَالَ : حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن جَابِر بْن عَبْد اللَّه ) فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيّ \" عَنْ عَبْد الرَّحْمَن عَنْ جَابِر \" ثُمَّ خَطَّ عَلَى قَوْلِهِ عَنْ جَابِرٍ فَصَارَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي بُرْدَة وَهُوَ صَوَاب , وَأَصْوَبُ مِنْهُ رِوَايَة الْجُمْهُور بِلَفْظِ \" اِبْن \" بَدَل \" عَنْ \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي بُرْدَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن إِسْمَاعِيل بْن حَمَّاد عَنْ عَمْرو بْن عَلِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِسَنَدِهِ إِلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن جَابِر قَالَ \" حَدَّثَنِي رَجُل مِنْ الْأَنْصَار , قَالَ أَبُو حَفْص يَعْنِي عَمْرو بْن عَلِيّ الْمَذْكُور : هُوَ أَبُو بُرْدَة بْن نِيَار أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم , وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن جَابِر أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بُرْدَة الْأَنْصَارِيّ , وَوَقَعَ فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة مِنْ رِوَايَة فُضَيْلِ بْن سُلَيْمَان عَنْ مُسْلِم بْن أَبِي مَرْيَم \" حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن جَابِر عَمَّنْ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ سَمَّاهُ حَفْص بْن مَيْسَرَة وَهُوَ أَوْثَقُ مِنْ فُضَيْلِ بْن سُلَيْمَان فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ مُسْلِم بْن أَبِي مَرْيَم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن جَابِر عَنْ أَبِيهِ \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ. قُلْت : قَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْن أَيُّوب عَنْ مُسْلِم بْن أَبِي مَرْيَم مِثْل رِوَايَة فُضَيْلٍ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَرَوَاهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ مُسْلِم بْن أَبِي مَرْيَم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن جَابِر عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار. قُلْت : وَهَذَا لَا يُعَيِّن أَحَدَ التَّفْسِيرَيْنِ , فَإِنَّ كُلًّا مِنْ جَابِر وَأَبِي بُرْدَة أَنْصَارِيّ , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَمْ يُدْخِل اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بَيْن عَبْد الرَّحْمَن وَأَبِي بُرْدَة أَحَدًا وَقَدْ وَافَقَهُ سَعِيد بْن أَيُّوب عَنْ يَزِيد ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَته كَذَلِكَ. وَحَاصِل الِاخْتِلَاف هَلْ هُوَ عَنْ صَحَابِيّ مُبْهَم أَوْ مُسَمًّى ؟ الرَّاجِح الثَّانِي , ثُمَّ الرَّاجِح أَنَّهُ أَبُو بُرْدَة بْن نِيَار. وَهَلْ بَيْن عَبْد الرَّحْمَن وَأَبِي بُرْدَة وَاسِطَة وَهُوَ جَابِر أَوْ لَا ؟ الرَّاجِح الثَّانِي أَيْضًا , وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" الْعِلَل \" الِاخْتِلَاف ثُمَّ قَالَ : الْقَوْل قَوْل اللَّيْث وَمَنْ تَابَعَهُ , وَخَالَفَ ذَلِكَ فِي جَمِيع التَّتَبُّع فَقَالَ : الْقَوْل قَوْل عَمْرو بْن الْحَارِث وَقَدْ تَابَعَه أُسَامَة بْن زَيْد. قُلْت : وَلَمْ يَقْدَح هَذَا الِاخْتِلَاف عَنْ الشَّيْخَيْنِ فِي صِحَّة الْحَدِيث فَإِنَّهُ كَيْفَمَا دَار يَدُور عَلَى ثِقَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَبْد الرَّحْمَن وَقَعَ لَهُ فِيهِ مَا وَقَعَ لِبُكَيْرِ بْن الْأَشَجّ فِي تَحْدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن جَابِر لِسُلَيْمَان بِحَضْرَةِ بُكَيْر ثُمَّ تَحْدِيث سُلَيْمَان بُكَيْرًا بِهِ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن , أَوْ أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن سَمِعَ أَبَا بُرْدَة لَمَّا حَدَّثَ بِهِ أَبَاهُ وَثَبَّتَهُ فِيهِ أَبُوهُ فَحَدَّثَ بِهِ تَارَة بِوَاسِطَةِ أَبِيهِ وَتَارَة بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَادَّعَى الْأَصِيلِيّ أَنَّ الْحَدِيث مُضْطَرِبٌ فَلَا يُحْتَجّ بِهِ لِاضْطِرَابِهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عَبْد الرَّحْمَن ثِقَة فَقَدْ صُرِّحَ بِسَمَاعِهِ , وَإِبْهَام الصَّحَابِيّ لَا يَضُرّ , وَقَدْ اِتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَصْحِيحه وَهُمَا الْعُمْدَة فِي التَّصْحِيح , وَقَدْ وَجَدْت لَهُ شَاهِدًا بِسَنَدٍ قَوِيّ لَكِنَّهُ مُرْسَل أَخْرَجَهُ الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن الْحَارِث بْن هِشَام رَفَعَهُ \" لَا يَحِلّ أَنْ يُجْلَد فَوْق عَشَرَة أَسْوَاط إِلَّا فِي حَدّ \" وَلَهُ شَاهِد آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد اِبْن مَاجَهْ سَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( لَا يُجْلَد ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله بِصِيغَةِ النَّفْي , وَلِبَعْضِهِمْ بِالْجَزْمِ , وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا بِصِيغَةِ النَّهْي \" لَا تَجْلِدُوا \". ‏ ‏قَوْله ( فَوْق عَشَرَة أَسْوَاط ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن أَيُّوب وَحَفْص بْن مَيْسَرَة \" فَوْق عَشْر جَلَدَات \" وَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن إِسْمَاعِيل بْن حَمَّاد الْمُشَار إِلَيْهَا \" لَا عُقُوبَة فَوْق عَشْر ضَرَبَات \". ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا فِي حَدّ مِنْ حُدُود اللَّه ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَدِّ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الشَّارِع عَدَد مِنْ الْجَلْد أَوْ الضَّرْب مَخْصُوص أَوْ عُقُوبَة مَخْصُوصَة , وَالْمُتَّفَق عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشُرْب الْمُسْكِر وَالْحِرَابَة وَالْقَذْف بِالزِّنَا وَالْقَتْل وَالْقِصَاص فِي النَّفْس وَالْأَطْرَاف وَالْقَتْل فِي الِارْتِدَاد , وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَة الْأَخِيرَيْنِ حَدًّا , وَاخْتُلِفَ فِي أَشْيَاء كَثِيرَة يَسْتَحِقّ مُرْتَكِبهَا الْعُقُوبَة هَلْ تُسَمَّى عُقُوبَتُهُ حَدًّا أَوْ لَا , وَهِيَ جَحْد الْعَارِيَة وَاللِّوَاط وَإِتْيَان الْبَهِيمَة وَتَحْمِيل الْمَرْأَة الْفَحْل مِنْ الْبَهَائِم عَلَيْهَا وَالسِّحَاق وَأَكْل الدَّم وَالْمَيْتَة فِي حَال الِاخْتِيَار وَلَحْم الْخِنْزِير , وَكَذَا السِّحْر وَالْقَذْف بِشُرْبِ الْخَمْر وَتَرْك الصَّلَاة تَكَاسُلًا وَالْفِطْر فِي رَمَضَان وَالتَّعْرِيض بِالزِّنَا. وَذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَدِّ فِي حَدِيث الْبَاب حَقّ اللَّه , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد بَلَغَنِي أَنَّ بَعْض الْعَصْرِيِّينَ قَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى بِأَنَّ تَخْصِيص الْحَدّ بِالْمُقَدَّرَاتِ الْمُقَدَّم ذِكْرُهَا أَمْرٌ اِصْطِلَاحِيّ مِنْ الْفُقَهَاء , وَأَنَّ عُرْف الشَّرْع أَوَّل الْأَمْر كَانَ يُطْلِق الْحَدَّ عَلَى كُلّ مَعْصِيَة كَبُرَتْ أَوْ صَغُرَتْ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد أَنَّهُ خُرُوج عَنْ الظَّاهِر وَيَحْتَاج إِلَى نَقْل , وَالْأَصْل عَدَمه , قَالَ وَيَرُدّ عَلَيْهِ أَنَّا إِذَا أَجَزْنَا فِي كُلّ حَقّ مِنْ حُقُوق اللَّه أَنْ يُزَاد عَلَى الْعَشْر لَمْ يَبْقَ لَنَا شَيْء يَخْتَصّ الْمَنْعُ بِهِ , لِأَنَّ مَا عَدَا الْحُرُمَات الَّتِي لَا يَجُوز فِيهَا الزِّيَادَة هُوَ مَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ , وَأَصْل التَّعْزِير أَنَّهُ لَا يُشْرَع فِيمَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ فَلَا يَبْقَى لِخُصُوصِ الزِّيَادَة مَعْنًى. قُلْت : وَالْعَصْرِيُّ الْمُشَار إِلَيْهِ أَظُنّهُ اِبْن تَيْمِيَّةَ , وَقَدْ تَقَلَّدَ صَاحِبه اِبْن الْقَيِّم الْمَقَالَة الْمَذْكُورَة فَقَالَ : الصَّوَاب فِي الْجَوَاب أَنَّ الْمُرَاد بِالْحُدُودِ هُنَا الْحُقُوق الَّتِي هِيَ أَوَامِر اللَّه وَنَوَاهِيه , وَهِيَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُود اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ) وَفِي أُخْرَى ( فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه ) وَقَالَ ( تِلْكَ حُدُود اللَّه فَلَا تَقْرَبُوهَا ) وَقَالَ ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُوله وَيَتَعَدَّ حُدُوده يُدْخِلهُ نَارًا ) قَالَ : فَلَا يُزَاد عَلَى الْعَشْر فِي التَّأْدِيبَات الَّتِي لَا تَتَعَلَّق بِمَعْصِيَةٍ كَتَأْدِيبِ الْأَب وَلَدَهُ الصَّغِير. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يُفَرَّق بَيْن مَرَاتِب الْمَعَاصِي , فَمَا وَرَدَ فِيهِ تَقْدِير لَا يُزَاد عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُسْتَثْنَى فِي الْأَصْل , وَمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَقْدِير فَإِنْ كَانَ كَبِيرَة جَازَتْ الزِّيَادَة فِيهِ وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اِسْم الْحَدّ كَمَا فِي الْآيَات الْمُشَار إِلَيْهَا وَالْتَحَقَ بِالْمُسْتَثْنَى , وَإِنْ كَانَ صَغِيرَة فَهُوَ الْمَقْصُود بِمَنْعِ الزِّيَادَة , فَهَذَا يَدْفَع إِيرَاد الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين عَلَى الْعَصْرِيّ الْمَذْكُور إِنْ كَانَ ذَلِكَ مُرَاده , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِالتَّعْزِيرِ بِلَفْظِ \" لَا تُعَزِّرُوا فَوْق عَشَرَة أَسْوَاط \" وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي مَدْلُول هَذَا الْحَدِيث فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ اللَّيْث وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُور عَنْهُ وَإِسْحَاق وَبَعْض الشَّافِعِيَّة , وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَة : تَجُوز الزِّيَادَة عَلَى الْعَشْر , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا يَبْلُغ أَدْنَى الْحُدُود , وَهَلْ الِاعْتِبَار بِحَدِّ الْحُرّ أَوْ الْعَبْد ؟ قَوْلَانِ , وَفِي قَوْل أَوْ وَجْه يُسْتَنْبَط كُلُّ تَعْزِير مِنْ جِنْس حَدِّهِ وَلَا يُجَاوِزهُ , وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْل الْأَوْزَاعِيِّ \" لَا يَبْلُغ بِهِ الْحَدّ \" وَلَمْ يُفَصِّل , وَقَالَ الْبَاقُونَ : هُوَ إِلَى رَأْي الْإِمَام بَالِغًا مَا بَلَغَ وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي ثَوْر , وَعَنْ عُمَر أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى \" لَا تَجْلِدْ فِي التَّعْزِير أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ \" وَعَنْ عُثْمَان ثَلَاثِينَ وَعَنْ عُمَر أَنَّهُ بَلَغَ بِالسَّوْطِ مِائَة وَكَذَا عَنْ اِبْن مَسْعُود وَعَنْ مَالِك وَأَبِي ثَوْر وَعَطَاء : لَا يُعَزَّر إِلَّا مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ , وَمَنْ وَقَعَ مِنْهُ مَرَّة وَاحِدَة مَعْصِيَةٌ لَا حَدَّ فِيهَا فَلَا يُعَزَّر , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة لَا يَبْلُغ أَرْبَعِينَ , وَعَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُف لَا يُزَاد عَلَى خَمْس وَتِسْعِينَ جَلْدَة , وَفِي رِوَايَة عَنْ مَالِك وَأَبِي يُوسُف لَا يَبْلُغ ثَمَانِينَ , وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيث بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ , وَمِنْهَا قَصْره عَلَى الْجَلْد وَأَمَّا الضَّرْب بِالْعَصَا مَثَلًا وَبِالْيَدِ فَتَجُوز الزِّيَادَة لَكِنْ لَا يُجَاوِز أَدْنَى الْحُدُود , وَهَذَا رَأْي الْإِصْطَخْرِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّة وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَى الرِّوَايَة الْوَارِدَة بِلَفْظِ الضَّرْب , وَمِنْهَا أَنَّهُ مَنْسُوخ دَلَّ عَلَى نَسْخه إِجْمَاع الصَّحَابَة , وَرُدَّ بِأَنَّهُ قَالَ بِهِ بَعْض التَّابِعِينَ وَهُوَ قَوْل اللَّيْث بْن سَعْد أَحَد فُقَهَاء الْأَمْصَار , وَمِنْهَا مُعَارَضَة الْحَدِيث بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ التَّعْزِير يُخَالِف الْحُدُود وَحَدِيث الْبَاب يَقْتَضِي تَحْدِيدَهُ بِالْعَشْرِ فَمَا دُونهَا فَيَصِير مِثْلَ الْحَدّ , وَبِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ التَّعْزِير مَوْكُولٌ إِلَى رَأْي الْإِمَام فِيمَا يَرْجِع إِلَى التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف لَا مِنْ حَيْثُ الْعَدَد لِأَنَّ التَّعْزِير شُرِعَ لِلرَّدْعِ فَفِي النَّاس مَنْ يَرْدَعُهُ الْكَلَامُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرْدَعُهُ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ , فَلِذَلِكَ كَانَ تَعْزِير كُلّ أَحَد بِحَسَبِهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَدّ لَا يُزَاد فِيهِ , وَلَا يُنْقَص فَاخْتَلَفَا , وَبِأَنَّ التَّخْفِيف وَالتَّشْدِيد مُسَلَّمٌ لَكِنْ مَعَ مُرَاعَاة الْعَدَد الْمَذْكُور وَبِأَنَّ الرَّدْع لَا يُرَاعَى فِي الْأَفْرَاد بِدَلِيلِ أَنَّ مِنْ النَّاس مَنْ لَا يَرْدَعُهُ الْحَدّ , وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُجْمَع عِنْدهمْ بَيْن الْحَدّ وَالتَّعْزِير , فَلَوْ نُظِرَ إِلَى كُلِّ فَرْدٍ لَقِيلَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْحَدّ أَوْ الْجَمْع بَيْن الْحَدّ وَالتَّعْزِير , وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيّ أَنَّ الْجُمْهُور قَالُوا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب , وَعَكَسَهُ النَّوَوِيّ وَهُوَ الْمُعْتَمَد فَإِنَّهُ لَا يُعْرَف الْقَوْل بِهِ عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة , وَاعْتَذَرَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : لَمْ يَبْلُغْ مَالِكًا هَذَا الْحَدِيثُ فَكَانَ يَرَى الْعُقُوبَة بِقَدْرِ الذَّنْب , وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ بَلَغَهُ مَا عَدَلَ عَنْهُ فَيَجِب عَلَى مَنْ بَلَغَهُ أَنْ يَأْخُذ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6343",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ ‏ ‏عَمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا عُقُوبَةَ فَوْقَ عَشْرِ ضَرَبَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6344",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏بُكَيْرًا ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏إِذْ جَاءَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ ‏ ‏فَحَدَّثَ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ‏ ‏ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ‏ ‏فَقَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا بُرْدَةَ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا تَجْلِدُوا فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6345",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْوِصَالِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوَاصِلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّكُمْ مِثْلِي ‏ ‏إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ فَقَالَ لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ كَالْمُنَكِّلِ بِهِمْ حِينَ أَبَوْا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏وَيُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث النَّهْي عَنْ الْوِصَال , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" فَوَاصَلَ بِهِمْ كَالْمُنَكِّلِ بِهِمْ \" قَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب : فِيهِ أَنَّ التَّعْزِير مَوْكُولٌ إِلَى رَأْي الْإِمَام لِقَوْلِهِ \" لَوْ اِمْتَدَّ الشَّهْرُ لَزِدْت \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيد فِي التَّعْزِير مَا يَرَاهُ , وَهُوَ كَمَا قَالَ , لَكِنْ لَا يُعَارِض الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي عَدَد مِنْ الضَّرْب أَوْ الْجَلْد فَيَتَعَلَّق بِشَيْءٍ مَحْسُوس , وَهَذَا يَتَعَلَّق بِشَيْءٍ مَتْرُوك وَهُوَ الْإِمْسَاك عَنْ الْمُفْطِرَات , وَالْأَلَمُ فِيهِ يَرْجِع إِلَى التَّجْوِيع وَالتَّعْطِيش , وَتَأْثِيرهمَا فِي الْأَشْخَاص مُتَفَاوِتٌ جِدًّا , وَالظَّاهِر أَنَّ الَّذِينَ وَاصَلَ بِهِمْ كَانَ لَهُمْ اِقْتِدَار عَلَى ذَلِكَ فِي الْجُمْلَة فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَوْ تَمَادَى حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى عَجْزهمْ عَنْهُ لَكَانَ هُوَ الْمُؤَثِّر فِي زَجْرهمْ , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْمُرَاد مِنْ التَّعْزِير مَا يَحْصُل بِهِ الرَّدْع. وَذَلِكَ مُمْكِن فِي الْعَشْر بِأَنْ يَخْتَلِف الْحَال فِي صِفَة الْجَلْد أَوْ الضَّرْب تَخْفِيفًا وَتَشْدِيدًا وَاَللَّه أَعْلَمُ. نَعَمْ يُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز التَّعْزِير بِالتَّجْوِيعِ وَنَحْوه مِنْ الْأُمُور الْمَعْنَوِيَّة. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ شُعَيْب وَيَحْيَى بْن سَعِيد وَيُونُس فِي الزُّهْرِيّ , وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن مُسَافِر عَنْ اِبْن شِهَاب : عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ) ‏ ‏أَيْ تَابَعُوا عُقَيْلًا فِي قَوْله عَنْ أَبِي سَلَمَة وَخَالَفَهُمْ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد فَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب. قُلْت : فَأَمَّا مُتَابَعَة شُعَيْب فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي كِتَاب الصِّيَام , وَأَمَّا مُتَابَعَة يَحْيَى بْن سَعِيد وَهُوَ الْأَنْصَارِيّ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" وَأَمَّا مُتَابَعَة يُونُس وَهُوَ اِبْن يَزِيد فَوَصَلَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْهُ , وَأَمَّا رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن فِي خَالِد فَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِي كِتَاب الْأَحْكَام , وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ أَبَا صَالِح رَوَاهُ عَنْ اللَّيْث عَنْ عَبْد الرَّحْمَن الْمَذْكُور فَجَمَعَ فِيهِ بَيْن سَعِيد وَأَبِي سَلَمَة , قَالَ : وَكَذَا رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن نَمِر عَنْ الزُّهْرِيّ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ كَذَلِكَ اِنْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْج هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الصِّيَام. ‏"
    },
    {
        "id": "6346",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُمْ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا ‏ ‏جِزَافًا ‏ ‏أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي عَيَّاش ) ‏ ‏بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُعْجَمَة وَعَبْد الْأَعْلَى هُوَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى الْبَصْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَالِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّهُمْ كَانُوا يَضْرِبُونَ عَلَى عَهْد رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اِشْتَرَوْا طَعَامًا جِزَافًا أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانهمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيّ عَنْ الْفَرَبْرِيّ \" سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّهُمْ كَانُوا إِلَخْ \" فَصَارَتْ صُورَة الْإِسْنَاد الْإِرْسَال وَالصَّوَاب \" عَنْ سَالِم عَنْ عَبْد اللَّه \" فَتَصَحَّفَتْ \" عَنْ \" فَصَارَتْ \" اِبْن \" وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عَبْد الْأَعْلَى بِهَذَا الْإِسْنَاد \" عَنْ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر بِهِ \" وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ \" أَخْبَرَنِي سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ فَذَكَرَ نَحْوه \" وَتَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدَث فِي كِتَاب الْبُيُوع مُسْتَوْفًى , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز تَأْدِيب مَنْ خَالَفَ الْأَمْر الشَّرْعِيّ فَتَعَاطَى الْعُقُود الْفَاسِدَة بِالضَّرْبِ , وَمَشْرُوعِيَّة إِقَامَة الْمُحْتَسِب فِي الْأَسْوَاق , وَالضَّرْب الْمَذْكُور مَحْمُول عَلَى مَنْ خَالَفَ الْأَمْر بَعْد أَنْ عَلِمَ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6347",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ حَتَّى يُنْتَهَكَ مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْدَان ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك وَيُونُس هُوَ اِبْن يَزِيد. ‏ ‏قَوْله ( مَا اِنْتَقَمَ ) ‏ ‏هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيث أَوَّله \" مَا خُيِّرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَمْرَيْنِ إِلَّا اِخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِتَمَامِهِ مِنْ رِوَايَة يُونُس , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ الزُّهْرِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي أَوَائِل الْحُدُود مِنْ طَرِيق عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "6348",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهِدْتُ ‏ ‏الْمُتَلَاعِنَيْنِ ‏ ‏وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ زَوْجُهَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا إِنْ أَمْسَكْتُهَا ‏ ‏قَالَ فَحَفِظْتُ ذَاكَ مِنَ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَهُوَ ‏ ‏وَسَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏جَاءَتْ بِهِ لِلَّذِي يُكْرَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي قِصَّة الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَفِي آخِره تَصْرِيح سُفْيَان حَيْثُ قَالَ \" حَفِظْت مِنْ الزُّهْرِيّ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب اللِّعَان مُسْتَوْفًى , وَقَوْله \" إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ , وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ \" كَذَا وَقَعَ بِالْكِنَايَةِ وَبِالِاكْتِفَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَتَقَدَّمَ فِي اللِّعَان بَيَانه مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْج عَنْ اِبْن شِهَاب وَلَفْظه \" إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ قَصِيرًا كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أَرَاهَا إِلَّا قَدْ صَدَقَتْ وَكَذَبَ عَلَيْهَا , وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ أَعْيَنَ ذَا أَلْيَتَيْنِ فَلَا أَرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا وَكَذَبَتْ عَلَيْهِ \" اِنْتَهَى , وَعَلَى هَذَا فَتَقْدِير الْكَلَام فَهُوَ كَاذِب فِي الْأُولَى فَهُوَ صَادِق فِي الثَّانِيَة , وَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّ الضَّمِير لِلزَّوْجِ كَأَنَّهُ قَالَ إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ فَزَوْجُهَا كَاذِب فِيمَا رَمَاهَا بِهِ , وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ فَزَوْجُهَا صَادِق. ‏"
    },
    {
        "id": "6349",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ ذَكَرَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏الْمُتَلَاعِنَيْنِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ ‏ ‏هِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ كُنْتُ ‏ ‏رَاجِمًا ‏ ‏امْرَأَةً عَنْ غَيْرِ ‏ ‏بَيِّنَةٍ ‏ ‏قَالَ لَا تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلَنَتْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي اللِّعَان أَيْضًا. أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ مُخْتَصَرَة ثُمَّ مُطَوَّلَة كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْهُ , وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ بِإِسْقَاطِ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد مِنْ السَّنَد وَهُوَ غَلَط , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى أَيْضًا فِي كِتَاب اللِّعَان وَقَوْله \" مِنْ غَيْر بَيِّنَة \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَنْ \" بَدَلَ \" مِنْ \" وَقَوْله فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى \" ذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" ذَكَرَ التَّلَاعُن \". ‏"
    },
    {
        "id": "6350",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏ذُكِرَ ‏ ‏التَّلَاعُنُ ‏ ‏عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ ‏ ‏فِي ذَلِكَ قَوْلًا ثُمَّ انْصَرَفَ وَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا فَقَالَ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا إِلَّا لِقَوْلِي فَذَهَبَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ ‏ ‏سَبِطَ ‏ ‏الشَّعَرِ وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏خَدِلًا ‏ ‏كَثِيرَ اللَّحْمِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ بَيِّنْ فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا ‏ ‏فَلَاعَنَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَهُمَا فَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فِي الْمَجْلِسِ هِيَ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ ‏ ‏رَجَمْتُ ‏ ‏أَحَدًا بِغَيْرِ ‏ ‏بَيِّنَةٍ ‏ ‏رَجَمْتُ ‏ ‏هَذِهِ فَقَالَ لَا تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ السُّوءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ رَجُل لِابْنِ عَبَّاس فِي الْمَجْلِس ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد بْن الْهَاد كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا. ‏ ‏قَوْله ( تِلْكَ اِمْرَأَة كَانَتْ تُظْهِر فِي الْإِسْلَام السُّوء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُرْوَة عَنْ اِبْن عَبَّاس بِسَنَدٍ صَحِيح عِنْد اِبْن مَاجَهْ \" لَوْ كُنْت رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَة لَرَجَمْت فُلَانَة , فَقَدْ ظَهَرَ فِيهَا الرِّيبَة فِي مَنْطِقهَا وَهَيْئَتهَا وَمَنْ يَدْخُل عَلَيْهَا \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فَكَأَنَّهُمْ تَعَمَّدُوا إِبْهَامهَا سَتْرًا عَلَيْهَا , قَالَ الْمُهَلَّب : فِيهِ أَنَّ الْحَدّ لَا يَجِب عَلَى أَحَد بِغَيْرِ بَيِّنَة أَوْ إِقْرَار وَلَوْ كَانَ مُتَّهَمًا بِالْفَاحِشَةِ , وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى تُظْهِر السُّوء أَنَّهُ اِشْتَهَرَ عَنْهَا وَشَاعَ وَلَكِنْ لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَة عَلَيْهَا بِذَلِكَ وَلَا اِعْتَرَفَتْ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَدّ لَا يَجِب بِالِاسْتِفَاضَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ أَقْعَدَ جَارِيَتَهُ - وَقَدْ اِتَّهَمَهَا بِالْفَاحِشَةِ - عَلَى النَّار حَتَّى اِحْتَرَقَ فَرْجُهَا \" هَلْ رَأَيْت ذَلِكَ عَلَيْهَا ؟ قَالَ : لَا , قَالَ : فَاعْتَرَفَتْ لَك ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : فَضَرَبَهُ وَقَالَ : لَوْلَا أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لَا يُقَادُ مَمْلُوكٌ مِنْ مَالِكه لَأَقَدْتهَا مِنْك , \" قَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد , وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيّ بِأَنَّ فِي إِسْنَاده عَمْرو بْن عِيسَى شَيْخ اللَّيْث وَفِيهِ مُنْكَر الْحَدِيث , كَذَا قَالَ فَأَوْهَمَ أَنَّ لِغَيْرِهِ كَلَامًا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْمِيزَان فَقَالَ : لَا يُعْرَف , لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ الْقَدْحُ فِيمَا رَوَاهُ بَلْ يُتَوَقَّف فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6351",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْغَيْثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اجْتَنِبُوا السَّبْعَ ‏ ‏الْمُوبِقَاتِ ‏ ‏قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنَا \" وَأَبُو الْغَيْث هُوَ سَالِم. ‏ ‏قَوْل ( اِجْتَنِبُوا السَّبْع الْمُوبِقَات ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ وَقَاف أَيْ الْمُهْلِكَات , قَالَ الْمُهَلَّب : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا سَبَب لِإِهْلَاكِ مُرْتَكِبهَا. قُلْت : وَالْمُرَاد بِالْمُوبِقَةِ هُنَا الْكَبِيرَة كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ وَجْه آخَر أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَابْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" الْكَبَائِر الشِّرْك بِاَللَّهِ وَقَتْل النَّفْس \" الْحَدِيث مِثْل رِوَايَة أَبِي الْغَيْث , إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ بَدَل السِّحْر الِانْتِقَال إِلَى الْأَعْرَابِيَّة بَعْد الْهِجْرَة , وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق صُهَيْب مَوْلَى الْعَتْوَارِيِّينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعِيد قَالَا : \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْ عَبْد يُصَلِّي الْخَمْس وَيَجْتَنِب الْكَبَائِر السَّبْع إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَاب الْجَنَّة \" الْحَدِيث , وَلَكِنْ لَمْ يُفَسِّرهَا , وَالْمُعْتَمَد فِي تَفْسِيرهَا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة سَالِم , وَقَدْ وَافَقَهُ كِتَاب عَمْرو بْن حَزْم الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحه وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ : \" كَتَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَاب الْفَرَائِض وَالدِّيَات وَالسُّنَن وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرو بْن حَزْم إِلَى الْيَمَن \" الْحَدِيث بِطُولِهِ , وَفِيهِ \" وَكَانَ فِي الْكِتَاب : وَإِنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِر الشِّرْك \" فَذَكَرَ مِثْل حَدِيث سَالِم سَوَاء , وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث سَهْل بْن أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ عَلِيّ رَفَعَهُ \" اِجْتَنَبَ الْكَبَائِر السَّبْع \" فَذَكَرَهَا لَكِنْ ذَكَرَ التَّعَرُّب بَعْد الْهِجْرَة بَدَل السِّحْر , وَلَهُ فِي الْأَوْسَط مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد مِثْله وَقَالَ : \" الرُّجُوع إِلَى الْأَعْرَاب بَعْد الْهِجْرَة \" وَلِإِسْمَاعِيل الْقَاضِي مِنْ طَرِيق الْمُطَّلِب بْن عَبْد اللَّه بْن حَنْطَب عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ : \" صَعِدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَر ثُمَّ قَالَ أَبْشِرُوا مَنْ صَلَّى الْخَمْس وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِر السَّبْع نُودِيَ مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة \" فَقِيلَ لَهُ : أَسَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرهُنَّ ؟ قَالَ : نَعَمْ , فَذَكَرَ مِثْل حَدِيث عَلِيّ سَوَاء وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق \" أَنْبَأَنَا مَعْمَر عَنْ الْحَسَن قَالَ الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ \" فَذَكَرَ حَدِيث الْأُصُول سَوَاء إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : \" الْيَمِين الْفَاجِرَة \" بَدَل السِّحْر , وَلِابْنِ عَمْرو فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَالطَّبَرِيّ فِي التَّفْسِير وَعَبْد الرَّزَّاق وَالْخَرَائِطِيّ فِي \" مَسَاوِئ الْأَخْلَاق \" وَإِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي \" أَحْكَام الْقُرْآن \" مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا قَالَ : \" الْكَبَائِر تِسْع \" فَذَكَرَ السَّبْعَة الْمَذْكُورَة وَزَادَ \" الْإِلْحَاد فِي الْحَرَم وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ \" وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَة عُبَيْد بْن عُمَيْر بْن قَتَادَة اللَّيْثِيّ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ \" إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّه الْمُصَلُّونَ وَمَنْ يَجْتَنِب الْكَبَائِر قَالُوا : مَا الْكَبَائِر ؟ قَالَ : هُنَّ تِسْع , أَعْظَمُهُنَّ الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ \" فَذَكَرَ مِثْل حَدِيث اِبْن عُمَر سَوَاء إِلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ الْإِلْحَاد فِي الْحَرَم بِاسْتِحْلَالِ الْبَيْت الْحَرَام. وَأَخْرَجَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي بِسَنَدٍ صَحِيح إِلَى سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : \" هُنَّ عَشْر \" فَذَكَرَ السَّبْعَة الَّتِي فِي الْأَصْل وَزَادَ \" وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ وَالْيَمِين الْغَمُوس وَشُرْب الْخَمْر \" وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق مَالِك بْن حُرَيْث عَنْ عَلِيّ قَالَ : \" الْكَبَائِر \" فَذَكَرَ التِّسْعَة إِلَّا مَال الْيَتِيم وَزَادَ الْعُقُوق وَالتَّغَرُّب بَعْد الْهِجْرَة وَفِرَاق الْجَمَاعَة وَنَكْث الصَّفْقَة , وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا الْكَبَائِر فَقَالُوا : الشِّرْك وَمَال الْيَتِيم وَالْفِرَار مِنْ الزَّحْف وَالسِّحْر وَالْعُقُوق وَقَوْل الزُّور وَالْغُلُول وَالزِّنَا. فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" فَأَيْنَ تَجْعَلُونَ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّه ثَمَنًا قَلِيلًا \". قُلْت وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْأَدَب عَدُّ الْيَمِين الْغَمُوس وَكَذَا شَهَادَة الزُّور وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ وَعِنْد عَبْد الرَّزَّاق وَالطَّبَرَانِيِّ عَنْ اِبْن مَسْعُود \" أَكْبَرُ الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ وَالْأَمْن مِنْ مَكْر اللَّه وَالْقُنُوط مِنْ رَحْمَة اللَّه وَالْيَأْس مِنْ رَوْح اللَّه \" وَهُوَ مَوْقُوف , وَرَوَى إِسْمَاعِيل بِسَنَدٍ صَحِيح مِنْ طَرِيق اِبْن سِيرِينَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مِثْل حَدِيث الْأَصْل لَكِنْ قَالَ : \" الْبُهْتَان \" بَدَل السِّحْر وَالْقَذْف , فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : الْبُهْتَان يَجْمَعُ , وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ النُّعْمَان بْن مُرَّة مُرْسَلًا \" الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشُرْب الْخَمْر فَوَاحِش \" وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ عِنْد الْبُخَارِيّ فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَالطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيّ وَسَنَده حَسَن , وَتَقَدَّمَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي النَّمِيمَة وَمَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ الْغِيبَة وَتَرْكِ التَّنَزُّه مِنْ الْبَوْل كُلّ ذَلِكَ فِي الطَّهَارَة , وَلِإِسْمَاعِيل الْقَاضِي مِنْ مُرْسَل الْحَسَن ذَكَرَ \" الزِّنَا وَالسَّرِقَة \" وَلَهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق السَّبِيعِيّ \" شَتْم أَبِي بَكْر وَعُمَر \" وَهُوَ لِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ قَوْل مُغِيرَة بْن مِقْسَم , وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيح \" الْإِضْرَار فِي الْوَصِيَّة مِنْ الْكَبَائِر \" وَعَنْهُ \" الْجَمْع بَيْن الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْر عُذْر \" رَفَعَهُ وَلَهُ شَاهِد أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ عُمَر قَوْله , وَعِنْد إِسْمَاعِيل مِنْ قَوْل اِبْن عُمَر ذَكَرَ النُّهْبَة , وَمِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ عِنْد الْبَزَّار مَنْعُ فَضْلِ الْمَاءِ وَمَنْعُ طُرُوقِ الْفَحْلِ , وَمِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد الْحَاكِم \" الصَّلَوَات كَفَّارَات إِلَّا مِنْ ثَلَاث : الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ وَنَكْث الصَّفْقَة وَتَرْك السُّنَّة \" ثُمَّ فَسَّرَ نَكْثَ الصَّفْقَةِ بِالْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَام وَتَرْك السُّنَّة بِالْخُرُوجِ عَنْ الْجَمَاعَة أَخْرَجَهُ الْحَاكِم , وَمِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد اِبْن مَرْدُوَيْهِ \" أَكْبَرُ الْكَبَائِر سُوء الظَّنّ بِاَللَّهِ \" وَمِنْ الضَّعِيف فِي ذَلِكَ نِسْيَان الْقُرْآن أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ أَنَس رَفَعَهُ \" نَظَرْت فِي الذُّنُوب فَلَمْ أَرَ أَعْظَمَ مِنْ سُورَة مِنْ الْقُرْآن أُوتِيَهَا رَجُل فَنَسِيَهَا \" وَحَدِيث \" مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ , فَهَذَا جَمِيع مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِمَّا وَرَدَ التَّصْرِيح بِأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِر أَوْ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِر صَحِيحًا وَضَعِيفًا مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا , وَقَدْ تَتَبَّعْته غَايَة التَّتَبُّع , وَفِي بَعْضه مَا وَرَدَ خَاصًّا وَيَدْخُل فِي عُمُوم غَيْره كَالتَّسَبُّبِ فِي لَعْن الْوَالِدَيْنِ وَهُوَ دَاخِل فِي الْعُقُوق وَقَتْل الْوَلَد وَهُوَ دَاخِل فِي قَتْل النَّفْس وَالزِّنَا بِحَلِيلَةِ الْجَار وَهُوَ دَاخِل فِي الزِّنَا وَالنُّهْبَة وَالْغُلُول وَاسْم الْخِيَانَة يَشْمَلهُ وَيَدْخُل الْجَمِيع فِي السَّرِقَة وَتَعَلُّم السِّحْر وَهُوَ دَاخِل فِي السِّحْر وَشَهَادَة الزُّور وَهِيَ دَاخِلَة فِي قَوْل الزُّور وَيَمِين الْغَمُوس وَهِيَ دَاخِلَة فِي الْيَمِين الْفَاجِرَة وَالْقُنُوط مِنْ رَحْمَة اللَّه كَالْيَأْسِ مِنْ رَوْح اللَّه , وَالْمُعْتَمَد مِنْ كُلّ ذَلِكَ مَا وَرَدَ مَرْفُوعًا بِغَيْرِ تَدَاخُل مِنْ وَجْه صَحِيح وَهِيَ السَّبْعَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث الْبَاب وَالِانْتِقَال عَنْ الْهِجْرَة وَالزِّنَا وَالسَّرِقَة وَالْعُقُوق وَالْيَمِين الْغَمُوس وَالْإِلْحَاد فِي الْحَرَم وَشُرْب الْخَمْر وَشَهَادَة الزُّور وَالنَّمِيمَة وَتَرْك التَّنَزُّه مِنْ الْبَوْل وَالْغُلُول وَنَكْث الصَّفْقَة وَفِرَاق الْجَمَاعَة , فَتِلْكَ عِشْرُونَ خَصْلَة وَتَتَفَاوَت مَرَاتِبُهَا , وَالْمُجْمَع عَلَى عَدِّهِ مِنْ ذَلِكَ أَقْوَى مِنْ الْمُخْتَلَف فِيهِ إِلَّا مَا عَضَّدَهُ الْقُرْآن أَوْ الْإِجْمَاع فَيَلْتَحِق بِمَا فَوْقه وَيَجْتَمِع مِنْ الْمَرْفُوع وَمِنْ الْمَوْقُوف مَا يُقَارِبهَا , وَيُحْتَاج عِنْد هَذَا إِلَى الْجَوَاب عَنْ الْحِكْمَة فِي الِاقْتِصَار عَلَى سَبْع , وَيُجَاب بِأَنَّ مَفْهُوم الْعَدَد لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَهُوَ جَوَاب ضَعِيف , وَبِأَنَّهُ أَعْلَمَ أَوَّلًا بِالْمَذْكُورَاتِ ثُمَّ أَعْلَمَ بِمَا زَادَ فَيَجِب الْأَخْذ بِالزَّائِدِ , أَوْ أَنَّ الِاقْتِصَار وَقَعَ بِحَسَبِ الْمَقَام بِالنِّسْبَةِ لِلسَّائِلِ أَوْ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَة وَنَحْو ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ وَإِسْمَاعِيل الْقَاضِي عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قِيلَ لَهُ الْكَبَائِر سَبْع فَقَالَ : هُنَّ أَكْثَرُ مِنْ سَبْع وَسَبْع , وَفِي رِوَايَة عَنْهُ هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ , وَفِي رِوَايَة إِلَى السَّبْعمِائَةِ , وَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى الْمُبَالَغَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى سَبْع , وَكَأَنَّ الْمُقْتَصِر عَلَيْهَا اِعْتَمَدَ عَلَى حَدِيث الْبَاب الْمَذْكُور. وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُرِفَ فَسَاد مَنْ عَرَّفَ الْكَبِيرَةَ بِأَنَّهَا مَا وَجَبَ فِيهَا الْحَدُّ , لِأَنَّ أَكْثَرَ الْمَذْكُورَات لَا يَجِب فِيهَا الْحَدّ , قَالَ الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الْكَبِير : الْكَبِيرَة هِيَ الْمُوجِبَة لِلْحَدِّ , وَقِيلَ مَا يَلْحَقُ الْوَعِيدُ بِصَاحِبِهِ بِنَصِّ كِتَاب أَوْ سُنَّة , هَذَا أَكْثَرُ مَا يُوجَد لِلْأَصْحَابِ وَهُمْ إِلَى تَرْجِيح الْأَوَّل أَمْيَلُ , لَكِنَّ الثَّانِي أَوْفَقُ لِمَا ذَكَرُوهُ عِنْد تَفْصِيل الْكَبَائِر , وَقَدْ أَقَرَّهُ فِي الرَّوْضَة , وَهُوَ يُشْعِر بِأَنَّهُ لَا يُوجَد عَنْ أَحَد مِنْ الشَّافِعِيَّة الْجَمْع بَيْن التَّعْرِيفَيْنِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَقَدْ قَالَ الْمَاوَرْدِيّ فِي \" الْحَاوِي \" : هِيَ مَا يُوجِب الْحَدّ أَوْ تَوَجَّهَ إِلَيْهَا الْوَعِيد , وَأَوْ فِي كَلَامه لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ , وَكَيْف يَقُول عَالِم إِنَّ الْكَبِيرَة مَا وَرَدَ فِيهِ الْحَدّ مَعَ التَّصْرِيح فِي الصَّحِيحَيْنِ بِالْعُقُوقِ وَالْيَمِين الْغَمُوس وَشَهَادَة الزُّور وَغَيْر ذَلِكَ , وَالْأَصْل فِيمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيّ قَوْل الْبَغَوِيِّ فِي \" التَّهْذِيب \" مَنْ اِرْتَكَبَ كَبِيرَة مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاط أَوْ شُرْب خَمْر أَوْ غَصْب أَوْ سَرِقَة أَوْ قَتْل بِغَيْرِ حَقّ تُرَدُّ شَهَادَته وَإِنْ فَعَلَهُ مَرَّة وَاحِدَة , ثُمَّ قَالَ : فَكُلّ مَا يُوجِب الْحَدّ مِنْ الْمَعَاصِي فَهُوَ كَبِيرَة , وَقِيلَ مَا يَلْحَق الْوَعِيد بِصَاحِبِهِ بِنَصِّ كِتَاب أَوْ سُنَّة اِنْتَهَى. وَالْكَلَام الْأَوَّل لَا يَقْتَضِي الْحَصْر , وَالثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَد. وَقَالَ اِبْن عَبْد السَّلَام : لَمْ أَقِف عَلَى ضَابِط الْكَبِيرَة يَعْنِي يَسْلَم مِنْ الِاعْتِرَاض , قَالَ : وَالْأَوْلَى ضَبْطُهَا بِمَا يُشْعِرُ بِتَهَاوُنِ مُرْتَكِبِهَا إِشْعَارَ أَصْغَرِ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا , قَالَ وَضَبَطَهَا بَعْضهمْ بِكُلِّ ذَنْب قُرِنَ بِهِ وَعِيد أَوْ لَعْن. قُلْت : وَهَذَا أَشْمَلُ مِنْ غَيْره , وَلَا يَرِد عَلَيْهِ إِخْلَاله بِمَا فِيهِ حَدّ , لِأَنَّ كُلّ مَا ثَبَتَ فِيهِ الْحَدّ لَا يَخْلُو مِنْ وُرُود الْوَعِيد عَلَى فِعْله , وَيَدْخُل فِيهِ تَرْك الْوَاجِبَات الْفَوْرِيَّة مِنْهَا مُطْلَقًا وَالْمُتَرَاخِيَة إِذَا تَضَيَّقَتْ. وَقَالَ اِبْن الصَّلَاح : لَهَا أَمَارَات مِنْهَا إِيجَاب الْحَدّ , وَمِنْهَا الْإِيعَاد عَلَيْهَا بِالْعَذَابِ بِالنَّارِ وَنَحْوهَا فِي الْكِتَاب أَوْ السُّنَّة , وَمِنْهَا وَصْف صَاحِبهَا بِالْفِسْقِ , وَمِنْهَا اللَّعْن , قُلْت : وَهَذَا أَوْسَعُ مِمَّا قَبْله. وَقَدْ أَخْرَجَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي بِسَنَدٍ فِيهِ اِبْن لَهِيعَة عَنْ أَبِي سَعِيد مَرْفُوعًا \" الْكَبَائِر كُلّ ذَنْب أَدْخَلَ صَاحِبه النَّار \" وَبِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ قَالَ \" كُلّ ذَنْب نَسَبَهُ اللَّه تَعَالَى إِلَى النَّار فَهُوَ كَبِيرَة \" وَمِنْ أَحْسَنِ التَّعَارِيفِ قَوْلُ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهِم \" كُلّ ذَنْب أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِنَصِّ كِتَاب أَوْ سُنَّة أَوْ إِجْمَاع أَنَّهُ كَبِيرَة أَوْ عَظِيم أَوْ أُخْبِرَ فِيهِ بِشِدَّةِ الْعِقَاب أَوْ عُلِّقَ عَلَيْهِ الْحَدّ أَوْ شُدِّدَ النَّكِير عَلَيْهِ فَهُوَ كَبِيرَة \" وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي تَتَبُّع مَا وَرَدَ فِيهِ الْوَعِيد أَوْ اللَّعْن أَوْ الْفِسْق مِنْ الْقُرْآن أَوْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَالْحَسَنَة وَيُضَمّ إِلَى مَا وَرَدَ فِيهِ التَّنْصِيص فِي الْقُرْآن وَالْأَحَادِيث الصِّحَاح وَالْحِسَان عَلَى أَنَّهُ كَبِيرَة , فَمَهْمَا بَلَغَ مَجْمُوع ذَلِكَ عُرِفَ مِنْهُ تَحَيُّر عَدِّهَا , وَقَدْ شَرَعْت فِي جَمْع ذَلِكَ , وَأَسْأَل اللَّهُ الْإِعَانَةَ عَلَى تَحْرِيره بِمَنِّهِ وَكَرْمِهِ. وَقَالَ الْحَلِيمِيّ فِي \" الْمِنْهَاج \" مَا مِنْ ذَنْب إِلَّا وَفِيهِ صَغِيرَة وَكَبِيرَة , وَقَدْ تَنْقَلِب الصَّغِيرَةُ كَبِيرَةً بِقَرِينَةٍ تُضَمّ إِلَيْهَا , وَتَنْقَلِب الْكَبِيرَةُ فَاحِشَةً كَذَلِكَ , إِلَّا الْكُفْر بِاَللَّهِ فَإِنَّهُ أَفْحَشُ الْكَبَائِر وَلَيْسَ مِنْ نَوْعه صَغِيرَة , قُلْت : وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى فَاحِش وَأَفْحَشَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْحَلِيمِيّ أَمْثِلَة لِمَا قَالَ فَالثَّانِي كَقَتْلِ النَّفْس بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّهُ كَبِيرَة , فَإِنْ قَتَلَ أَصْلًا أَوْ فَرْعًا أَوْ ذَا رَحِمٍ أَوْ بِالْحَرَمِ أَوْ بِالشَّهْرِ الْحَرَام فَهُوَ فَاحِشَة. وَالزِّنَا كَبِيرَةٌ , فَإِنْ كَانَ بِحَلِيلَةِ الْجَار أَوْ بِذَاتِ رَحِم أَوْ فِي شَهْر رَمَضَان أَوْ فِي الْحَرَم فَهُوَ فَاحِشَة. وَشُرْب الْخَمْر كَبِيرَة , فَإِنْ كَانَ فِي شَهْر رَمَضَان نَهَارًا أَوْ فِي الْحَرَم أَوْ جَاهَرَ بِهِ فَهُوَ فَاحِشَة. وَالْأَوَّل كَالْمُفَاخَذَةِ مَعَ الْأَجْنَبِيَّة صَغِيرَةٌ , فَإِنْ كَانَ مَعَ اِمْرَأَة الْأَب أَوْ حَلِيلَة الِابْن أَوْ ذَات رَحِم فَكَبِيرَة. وَسَرِقَة مَا دُون النِّصَاب صَغِيرَة , فَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوق مِنْهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَأَفْضَى بِهِ عَدَمُهُ إِلَى الضَّعْف فَهُوَ كَبِيرَة. وَأَطَالَ فِي أَمْثِلَة ذَلِكَ. وَفِي الْكَثِير مِنْهُ مَا يُتَعَقَّب , لَكِنَّ هَذَا عِنْوَانه , وَهُوَ مَنْهَج حَسَن لَا بَأْس بِاعْتِبَارِهِ , وَمَدَاره عَلَى شِدَّة الْمَفْسَدَة وَخِفَّتهَا وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏يَأْتِي الْقَوْل فِي تَعْظِيم قَتْل النَّفْس فِي الْكِتَاب الَّذِي بَعْد هَذَا , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى السِّحْر فِي آخِر كِتَاب الطِّبّ , وَعَلَى أَكْل مَال الْيَتِيم فِي كِتَاب الْوَصَايَا , وَعَلَى أَكْل الرِّبَا فِي كِتَاب الْبُيُوع , وَعَلَى التَّوَلِّي يَوْم الزَّحْف فِي كِتَاب الْجِهَاد , وَذَكَرَ هُنَا قَذْف الْمُحْصَنَات. وَقَدْ شَرَطَ الْقَاضِي أَبُو سَعِيد الْهَرَوِيُّ فِي \" أَدَب الْقَضَاء \" أَنَّ شَرْطَ كَوْنِ غَصْبِ الْمَالِ كَبِيرَةً أَنْ يَبْلُغ نِصَابًا , وَيَطَّرِد فِي السَّرِقَة وَغَيْرهَا , وَأَطْلَقَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ , وَيَطَّرِد فِي أَكْل مَال الْيَتِيم وَجَمِيع أَنْوَاع الْجِنَايَة. وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6352",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نُعْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن أَبِي نُعْمٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن خَلَّاد وَعَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد وَهُوَ الْقَطَّان بِهَذَا السَّنَد \" حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَة \". ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت أَبَا الْقَاسِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِم نَبِيّ التَّوْبَة \". ‏ ‏قَوْله ( مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" مَنْ قَذَفَ عَبْده بِشَيْءٍ \". ‏ ‏قَوْله ( وَهُوَ بَرِيء مِمَّا قَالَ ) ‏ ‏جُمْلَة حَالِيَّة , وَقَوْله \" إِلَّا أَنْ يَكُون كَمَا قَالَ \" أَيْ فَلَا يُجْلَد , وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدّ يَوْم الْقِيَامَة \" وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكه كَانَ لِلَّهِ فِي ظَهْره حَدٌّ يَوْم الْقِيَامَة إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ \" قَالَ الْمُهَلَّب : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحُرّ إِذَا قَذَفَ عَبْدًا لَمْ يَجِب عَلَيْهِ الْحَدّ. وَدَلَّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَى السَّيِّد أَنْ يُجْلَد فِي قَذْف عَبْده فِي الدُّنْيَا لَذَكَرَهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْآخِرَة , وَإِنَّمَا خُصَّ ذَلِكَ بِالْآخِرَةِ تَمْيِيزًا لِلْأَحْرَارِ مِنْ الْمَمْلُوكِينَ , فَأَمَّا فِي الْآخِرَة فَإِنَّ مُلْكهمْ يَزُول عَنْهُمْ وَيَتَكَافَئُونَ فِي الْحُدُود , وَيُقْتَصّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُو , وَلَا مُفَاضَلَة حِينَئِذٍ إِلَّا بِالتَّقْوَى. قُلْت : فِي نَقْلِهِ الْإِجْمَاعَ نَظَرٌ , فَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع \" سُئِلَ اِبْن عُمَر عَمَّنْ قَذَفَ أُمَّ وَلَدٍ لِآخَر فَقَالَ : يُضْرَب الْحَدَّ صَاغِرًا \" وَهَذَا بِسَنَدٍ صَحِيح وَبِهِ قَالَ الْحَسَن وَأَهْل الظَّاهِر. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : اِخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَذَفَ أُمّ وَلَد فَقَالَ مَالِك وَجَمَاعَة : يَجِب فِيهِ الْحَدّ , وَهُوَ قِيَاس قَوْل الشَّافِعِيّ بَعْد مَوْت السَّيِّد , وَكَذَا كُلّ مَنْ يَقُول إِنَّهَا عَتَقَتْ بِمَوْتِ السَّيِّد. وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْحَدّ مِنْ قَاذِف أُمِّ الْوَلَد , وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ : مَنْ قَذَفَ حُرًّا يَظُنُّهُ عَبْدًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6353",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَامَ خَصْمُهُ وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ فَقَالَ صَدَقَ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْ فَقَالَ إِنَّ ابْنِي كَانَ ‏ ‏عَسِيفًا ‏ ‏فِي أَهْلِ هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ وَإِنِّي سَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ الْمِائَةُ وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَيَا ‏ ‏أُنَيْسُ ‏ ‏اغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَسَلْهَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" حَدَّثَنَا اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه \" ‏ ‏وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد النَّرْسِيّ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ \" قَالَ الزُّهْرِيّ كُنْت أَحْسَب أَنِّي قَدْ أَصَبْت مِنْ الْعِلْم , فَلَمَّا لَقِيت عُبَيْد اللَّه كَأَنَّمَا كُنْت أَفْجُرُ بِهِ بَحْرًا \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَفِيهِ إِيمَاء إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْمِل هَذَا الْحَدِيث تَامًّا إِلَّا عَنْ عُبَيْد اللَّه الْمَذْكُور وَهُوَ أَحَد الْفُقَهَاء السَّبْعَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة. ‏ ‏( خَاتِمَة ) ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْحُدُود وَالْمُحَارِبِينَ مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى مِائَة حَدِيث وَثَلَاثَة أَحَادِيث , الْمَوْصُول مِنْهَا تِسْعَة وَسَبْعُونَ وَالْبَقِيَّة مُتَابَعَات وَتَعَالِيق , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اِثْنَانِ وَسِتُّونَ حَدِيثًا وَالْخَالِص سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى ثَمَانِيَة أَحَادِيث وَهِيَ : حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْر \" وَفِيهِ \" لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ \" وَحَدِيث السَّائِب بْن يَزِيد فِي ضَرْب الشَّارِب , وَحَدِيث عُمَر فِي قِصَّة الشَّارِب الْمُلَقَّب حِمَارًا , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن \" وَحَدِيث عَلِيٍّ فِي رَجْم الْمَرْأَة وَجَلْدهَا , وَحَدِيث عَلِيٍّ فِي \" رَفْع الْقَلَم \" وَحَدِيث أَنَس فِي الرَّجُل الَّذِي قَالَ : \" يَا رَسُول اللَّه أَصَبْت حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة مَاعِز , وَحَدِيث عُمَر فِي قِصَّة السَّقِيفَة الْمُطَوَّل بِمَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ , وَقَدْ اِتَّفَقَا مِنْهُ عَلَى أَوَّله فِي قِصَّة الرَّجْم , وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ عِشْرُونَ أَثَرًا بَعْضهَا مَوْصُول فِي ضِمْن الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة مِثْل قَوْل اِبْن عَبَّاس \" يُنْزَع نُور الْإِيمَان مِنْ الزَّانِي \" وَمِثْل إِخْرَاج عُمَر الْمُخَنَّثِينَ , وَمِثْل كَلَام الْحُبَاب بْن الْمُنْذِر. ‏"
    },
    {
        "id": "6354",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَصْدِيقَهَا ‏ { ‏وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" أَيّ الذَّنْب أَكْبَرُ \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب ا إِثْم الزُّنَاة \" وَقَوْله \" أَنْ تَقْتُل وَلَدَك \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ لَا مَفْهُوم لَهُ لِأَنَّ الْقَتْل مُطْلَقًا أَعْظَمُ. قُلْت : لَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُونَ الذَّنْبُ أَعْظَمَ مِنْ غَيْرِهِ وَبَعْضُ أَفْرَادِهِ أَعْظَمَ مِنْ بَعْضٍ , ثُمَّ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَجْه كَوْنه أَعْظَمَ أَنَّهُ جَمَعَ مَعَ الْقَتْل ضَعْف الِاعْتِقَاد فِي أَنَّ اللَّه هُوَ الرَّزَّاق. ‏"
    },
    {
        "id": "6355",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ غَيْر مَنْسُوب وَلَمْ يَذْكُرهُ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ فِي تَقْيِيده وَلَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْكَلَابَاذِيّ , وَقَدْ ذَكَرْت فِي الْمُقَدِّمَة أَنَّهُ عَلِيّ بْن الْجَعْد لِأَنَّ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ لَمْ يُدْرِك إِسْحَاق بْن سَعِيد. ‏ ‏قَوْله ( لَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَنْ \". ‏ ‏قَوْله ( فِي فُسْحَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْفَاء وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَبِحَاءٍ مُهْمَلَة أَيْ سَعَة. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ دِينه ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة مِنْ الدِّين وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ ذَنْبه \" فَمَفْهُوم الْأَوَّل أَنْ يَضِيق عَلَيْهِ دِينه فَفِيهِ إِشْعَار بِالْوَعِيدِ عَلَى قَتْل الْمُؤْمِن مُتَعَمِّدًا بِمَا يُتَوَعَّد بِهِ الْكَافِر , وَمَفْهُوم الثَّانِي أَنَّهُ يَصِير فِي ضِيق بِسَبَبِ ذَنْبه فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى اِسْتِبْعَاد الْعَفْو عَنْهُ لِاسْتِمْرَارِهِ فِي الضِّيق الْمَذْكُور. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الْفُسْحَة فِي الدِّين سَعَة الْأَعْمَال الصَّالِحَة حَتَّى إِذَا جَاءَ الْقَتْل ضَاقَتْ لِأَنَّهَا لَا تَفِي بِوِزْرِهِ , وَالْفُسْحَة فِي الذَّنْب قَبُوله الْغُفْرَانَ بِالتَّوْبَةِ حَتَّى إِذَا جَاءَ الْقَتْل اِرْتَفَعَ الْقَبُول , وَحَاصِله أَنَّهُ فَسَّرَهُ عَلَى رَأْي اِبْن عُمَر فِي عَدَم قَبُول تَوْبَة الْقَاتِل. ‏ ‏قَوْله ( مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل الْقَاضِي مِنْ هَذَا الْوَجْه \" مَا لَمْ يَتَنَدَّ بِدَمٍ حَرَام \" وَهُوَ بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ نُون ثُمَّ دَال ثَقِيلَة وَمَعْنَاهُ الْإِصَابَة وَهُوَ كِنَايَة عَنْ شِدَّة الْمُخَالَطَة وَلَوْ قَلَّتْ , وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْمُعْجَم الْكَبِير \" عَنْ اِبْن مَسْعُود بِسَنَدٍ رِجَاله ثِقَات إِلَّا أَنَّ فِيهِ اِنْقِطَاعًا مِثْل حَدِيث اِبْن عُمَر مَوْقُوفًا أَيْضًا وَزَادَ فِي آخِره \" فَإِذَا أَصَابَ دَمًا حَرَامًا نُزِعَ مِنْهُ الْحَيَاءُ \" ‏"
    },
    {
        "id": "6356",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ ‏ ‏وَرَطَاتِ ‏ ‏الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏ثُمَّ أَوْرَدَهُ عَنْ أَحْمَدَ بْن يَعْقُوب ‏ ‏وَهُوَ الْمَسْعُودِيّ الْكُوفِيّ ‏ ‏عَنْ إِسْحَاق بْن سَعِيد ‏ ‏وَهُوَ الْمَذْكُور فِي السَّنَد الَّذِي قَبْله بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور إِلَى اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ مِنْ وَرَطَات ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاو وَالرَّاء , وَحَكَى اِبْن مَالِك أَنَّهُ قُيِّدَ فِي الرِّوَايَة بِسُكُونِ الرَّاء وَالصَّوَابُ التَّحْرِيكُ وَهِيَ جَمْع وَرْطَة بِسُكُونِ الرَّاء وَهِيَ الْهَلَاك يُقَال وَقَعَ فُلَان فِي وَرْطَة أَيْ فِي شَيْء لَا يَنْجُو مِنْهُ , وَقَدْ فَسَّرَهَا فِي الْخَبَر بِقَوْلِهِ الَّتِي لَا مَخْرَج لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسه فِيهَا. ‏ ‏قَوْله ( سَفْك الدَّم ) ‏ ‏أَيْ إِرَاقَته وَالْمُرَاد بِهِ الْقَتْل بِأَيِّ صِفَة كَانَ , لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْأَصْل إِرَاقَة الدَّم عَبَّرَ بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( بِغَيْرِ حِلِّهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم \" بِغَيْرِ حَقِّهِ \" وَهُوَ مُوَافِق لِلَفْظِ الْآيَة , وَهَلْ الْمَوْقُوف عَلَى اِبْن عُمَر مُنْتَزَع مِنْ الْمَرْفُوع فَكَأَنَّ اِبْن عُمَر فَهِمَ مِنْ كَوْن الْقَاتِل لَا يَكُون فِي فُسْحَة أَنَّهُ وَرَّطَ نَفْسه فَأَهْلَكَهَا , لَكِنَّ التَّعْبِير بِقَوْلِهِ \" مِنْ وَرَطَات الْأُمُور \" يَقْتَضِي الْمُشَارَكَة بِخِلَافِ اللَّفْظ الْأَوَّل فَهُوَ أَشَدُّ فِي الْوَعِيد , وَزَعَمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَة الثَّانِيَة غَلَط وَلَمْ يُبَيِّن وَجْه الْغَلَط , وَأَظُنُّهُ مِنْ جِهَة اِنْفِرَاد أَحْمَدَ بْن يَعْقُوب بِهَا فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ أَبُو النَّضْر هَاشِم بْن الْقَاسِم وَمُحَمَّد بْن كُنَاسَة وَغَيْرهمَا بِاللَّفْظِ الْأَوَّل , وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ قَتَلَ عَامِدًا بِغَيْرِ حَقٍّ \" تَزَوَّدْ مِنْ الْمَاء الْبَارِد فَإِنَّك لَا تَدْخُل الْجَنَّة \" وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر \" زَوَال الدُّنْيَا كُلّهَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّه مِنْ قَتْل رَجُل مُسْلِم \" قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حَسَن. قُلْت : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ \" لَقَتْلُ الْمُؤْمِن أَعْظَمُ عِنْد اللَّه مِنْ زَوَال الدُّنْيَا \" قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : ثَبَتَ النَّهْي عَنْ قَتْلِ الْبَهِيمَة بِغَيْرِ حَقّ وَالْوَعِيد فِي ذَلِكَ , فَكَيْف بِقَتْلِ الْآدَمِيّ , فَكَيْف بِالتَّقِيِّ الصَّالِح. ‏"
    },
    {
        "id": "6357",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى عَنْ الْأَعْمَش ) ‏ ‏هَذَا السَّنَد يَلْتَحِق بِالثُّلَاثِيَّاتِ وَهِيَ أَعْلَى مَا عِنْد الْبُخَارِيّ مِنْ حَيْثُ الْعَدَد , وَهَذَا فِي حُكْمه مِنْ جِهَة أَنَّ الْأَعْمَش تَابِعِيّ وَإِنْ كَانَ رَوَى هَذَا عَنْ تَابِعِيّ آخَر فَإِنَّ ذَلِكَ التَّابِعِيّ أَدْرَكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ لَمْ تَحْصُل لَهُ صُحْبَة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْقِصَاص يَوْم الْقِيَامَة \" فِي أَوَاخِر الرِّقَاق مِنْ رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش حَدَّثَنِي شَقِيق وَهُوَ أَبُو وَائِل الْمَذْكُور قَالَ : \" سَمِعْت عَبْد اللَّه \" وَهُوَ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله ( أَوَّل مَا يُقْضَى بَيْن النَّاس فِي الدِّمَاء ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق آخَر عَنْ الْأَعْمَش \" يَوْم الْقِيَامَة \" وَقَدْ ذَكَرْت شَرْحه فِي الْبَاب الْمَذْكُور وَطَرِيق الْجَمْع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَوَّل مَا يُحَاسَب بِهِ الْمَرْء صَلَاته \" وَنُنَبِّه هُنَا عَلَى أَنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَهُمَا فِي حَدِيث وَاحِد مِنْ طَرِيق أَبِي وَائِل عَنْ اِبْن مَسْعُود رَفَعَهُ \" أَوَّل مَا يُحَاسَب بِهِ الْعَبْد الصَّلَاة , وَأَوَّل مَا يُقْضَى بَيْن النَّاس فِي الدِّمَاء \" \" وَمَا \" فِي هَذَا الْحَدِيث مَوْصُولَة وَهُوَ مَوْصُول حَرْفِيّ وَيَتَعَلَّق الْجَارُّ بِمَحْذُوفٍ أَيْ أَوَّل الْقَضَاء يَوْم الْقِيَامَة الْقَضَاء فِي الدِّمَاء أَيْ فِي الْأَمْر الْمُتَعَلِّق بِالدِّمَاءِ , وَفِيهِ عِظَم أَمْر الْقَتْل لِأَنَّ الِابْتِدَاء إِنَّمَا يَقَع بِالْأَهَمِّ , وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْقَضَاء يَخْتَصّ بِالنَّاسِ وَلَا مَدْخَل فِيهِ لِلْبَهَائِمِ , وَهُوَ غَلَط لِأَنَّ مَفَاده حَصْر الْأَوَّلِيَّة فِي الْقَضَاء بَيْن النَّاس وَلَيْسَ فِيهِ نَفْي الْقَضَاء بَيْن الْبَهَائِم بَعْد الْقَضَاء بَيْن النَّاس. ‏"
    },
    {
        "id": "6358",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّ ‏ ‏الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ ‏ ‏حَلِيفَ ‏ ‏بَنِي زُهْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَهُ وَكَانَ شَهِدَ ‏ ‏بَدْرًا ‏ ‏مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَقِيتُ كَافِرًا فَاقْتَتَلْنَا فَضَرَبَ يَدِي بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ وَقَالَ أَسْلَمْتُ لِلَّهِ ‏ ‏آقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَقْتُلْهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ طَرَحَ إِحْدَى يَدَيَّ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا ‏ ‏آقْتُلُهُ قَالَ ‏ ‏لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِلْمِقْدَادِ ‏ ‏إِذَا كَانَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يُخْفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ فَقَتَلْتَهُ فَكَذَلِكَ كُنْتَ أَنْتَ تُخْفِي إِيمَانَكَ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏مِنْ قَبْلُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْدَان ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان ‏ ‏وَعَبْد اللَّه ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , ‏ ‏وَيُونُس ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد , ‏ ‏وَعَطَاء بْن يَزِيد ‏ ‏هُوَ اللَّيْثِيّ , وَعُبَيْد اللَّه بِالتَّصْغِيرِ هُوَ اِبْن عَدِيّ أَيْ اِبْن الْخِيَار بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف التَّحْتَانِيَّة النَّوْفَلِيّ لَهُ إِدْرَاك , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي مَنَاقِب عُثْمَان , ‏ ‏وَالْمِقْدَاد بْن عَمْرو ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ الْأَسْوَد. ‏ ‏قَوْل ( إِنْ لَقِيت ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الشَّرْط , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" إِنِّي لَقِيت كَافِرًا فَاقْتَتَلْنَا فَضَرَبَ يَدِي فَقَطَعَهَا \" وَظَاهِر سِيَاقه أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ , وَاَلَّذِي فِي نَفْس الْأَمْر بِخِلَافِهِ , وَإِنَّمَا سَأَلَ الْمِقْدَاد عَنْ الْحُكْم فِي ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة بَدْر بِلَفْظِ \" أَرَأَيْت إِنْ لَقِيت رَجُلًا مِنْ الْكُفَّار \" الْحَدِيث وَهُوَ يُؤَيِّد رِوَايَة الْأَكْثَر. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ لَاذَ بِشَجَرَةٍ ) ‏ ‏أَيْ اِلْتَجَأَ إِلَيْهَا , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ وَالشَّجَرَة مِثَال. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ أَسْلَمْت لِلَّهِ ) ‏ ‏أَيْ دَخَلْت فِي الْإِسْلَام. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنْ قَتَلْته فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِك قَبْل أَنْ تَقْتُلهُ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْقَتْل لَيْسَ سَبَبًا لِكَوْنِ كُلّ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْآخَر لَكِنْ عِنْد النُّحَاة مُؤَوَّل بِالْإِخْبَارِ أَيْ هُوَ سَبَب لِإِخْبَارِي لَك بِذَلِكَ , وَعِنْد الْبَيَانِيِّينَ الْمُرَاد لَازِمه كَقَوْلِهِ يُبَاح دَمك إِنْ عَصَيْت. ‏ ‏قَوْله ( وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْل أَنْ يَقُول ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْكَافِر مُبَاح الدَّم بِحُكْمِ الدِّين قَبْل أَنْ يُسْلِم , فَإِذَا أَسْلَمَ صَارَ مُصَانَ الدَّم كَالْمُسْلِمِ , فَإِنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِم بَعْد ذَلِكَ صَارَ دَمه مُبَاحًا بِحَقِّ الْقِصَاص كَالْكَافِرِ بِحَقِّ الدِّين , وَلَيْسَ الْمُرَاد إِلْحَاقه فِي الْكُفْر كَمَا تَقَوَّلَهُ الْخَوَارِج مِنْ تَكْفِير الْمُسْلِم بِالْكَبِيرَةِ , وَحَاصِله اِتِّحَاد الْمَنْزِلَتَيْنِ مَعَ اِخْتِلَاف الْمَأْخَذ , فَالْأَوَّل أَنَّهُ مِثْلُك فِي صَوْن الدَّم , وَالثَّانِي أَنَّك مِثْله فِي الْهَدَر. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ قَالَ : مَعْنَاهُ إِنَّك صِرْت قَاتِلًا كَمَا كَانَ هُوَ قَاتِلًا , قَالَ : وَهَذَا مِنْ الْمَعَارِيض , لِأَنَّهُ أَرَادَ الْإِغْلَاظ بِظَاهِرِ اللَّفْظ دُون بَاطِنه , وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَاتِل , وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ صَارَ كَافِرًا بِقَتْلِهِ إِيَّاهُ. وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب مَعْنَاهُ فَقَالَ : أَيْ أَنَّك بِقَصْدِك لِقَتْلِهِ عَمْدًا آثِم كَمَا كَانَ هُوَ بِقَصْدِهِ لِقَتْلِك آثِمًا , فَأَنْتُمَا فِي حَالَة وَاحِدَة مِنْ الْعِصْيَان. وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنْتَ عِنْده حَلَال الدَّم قَبْل أَنْ تُسْلِم وَكُنْت مِثْله فِي الْكُفْر كَمَا كَانَ عِنْدك حَلَال الدَّم قَبْل ذَلِكَ , وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَغْفُور لَهُ بِشَهَادَةِ التَّوْحِيد كَمَا أَنَّك مَغْفُور لَك بِشُهُودِ بَدْر. وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ اِبْن الْقَصَّار أَنَّ مَعْنَى قَوْله \" وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ \" أَيْ فِي إِبَاحَة الدَّم , وَإِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ رَدْعه وَزَجْره عَنْ قَتْله لَا أَنَّ الْكَافِر إِذَا قَالَ : أَسْلَمْت حَرُمَ قَتْله , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْكَافِر مُبَاح الدَّم وَالْمُسْلِم الَّذِي قَتَلَهُ إِنْ لَمْ يَتَعَمَّد قَتْله وَلَمْ يَكُنْ عَرَفَ أَنَّهُ مُسْلِم وَإِنَّمَا قَتَلَهُ مُتَأَوِّلًا فَلَا يَكُون بِمَنْزِلَتِهِ فِي إِبَاحَته. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : مَعْنَاهُ أَنَّهُ مِثْله فِي مُخَالَفَة الْحَقّ وَارْتِكَاب الْإِثْم وَإِنْ اِخْتَلَفَ النَّوْع فِي كَوْن أَحَدهمَا كُفْرًا وَالْآخَر مَعْصِيَة. وَقِيلَ الْمُرَاد إِنْ قَتَلْته مُسْتَحِلًّا لِقَتْلِهِ فَأَنْتَ مِثْله فِي الْكُفْر , وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْمِثْلِيَّةِ أَنَّهُ مَغْفُور لَهُ بِشَهَادَةِ التَّوْحِيد وَأَنْتَ مَغْفُور لَك بِشُهُودِ بَدْر , وَنَقَلَ اِبْن التِّين أَيْضًا عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ أَوَّلَهُ عَلَى وَجْه آخَر فَقَالَ : يُفَسِّرهُ حَدِيث اِبْن عَبَّاس الَّذِي فِي آخِر الْبَاب وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُون اللَّائِذ بِالشَّجَرَةِ الْقَاطِع لِلْيَدِ مُؤْمِنًا يَكْتُم إِيمَانه مَعَ قَوْم كُفَّار غَلَبُوهُ عَلَى نَفْسه , فَإِنْ قَتَلْته فَأَنْتَ شَاكّ فِي قَتْلِك إِيَّاهُ أَنَّى يُنْزِلهُ اللَّه مِنْ الْعَمْد وَالْخَطَأ كَمَا كَانَ هُوَ مَشْكُوكًا فِي إِيمَانه لِجَوَازِ أَنْ يَكُون يَكْتُم إِيمَانه , ثُمَّ قَالَ : فَإِنْ قِيلَ كَيْف قَطَعَ يَد الْمُؤْمِن وَهُوَ مِمَّنْ يَكْتُم إِيمَانه ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهُ دَفَعَ عَنْ نَفْسه مَنْ يُرِيد قَتْله فَجَازَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا جَازَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَدْفَع عَنْ نَفْسه مَنْ يُرِيد قَتْله وَلَوْ أَفْضَى إِلَى قَتْل مَنْ يُرِيد قَتْله فَإِنَّ دَمه يَكُون هَدَرًا , فَلِذَلِكَ لَمْ يُقِدْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَد الْمِقْدَاد لِأَنَّهُ قَطَعَهَا مُتَأَوِّلًا. قُلْت : وَعَلَيْهِ مُؤَاخَذَات : مِنْهَا الْجَمْع بَيْن الْقِصَّتَيْنِ بِهَذَا التَّكَلُّف مَعَ ظُهُور اِخْتِلَافهمَا , وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْطَبِق عَلَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس قِصَّة أُسَامَة الْآتِيَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه حَيْثُ حَمَلَ عَلَى رَجُلٍ أَرَادَ قَتْله فَقَالَ إِنِّي مُسْلِم فَقَتَلَهُ ظَنًّا أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ مُتَعَوِّذًا مِنْ الْقَتْل , وَكَانَ الرَّجُل فِي الْأَصْل مُسْلِمًا , فَاَلَّذِي وَقَعَ لِلْمِقْدَادِ نَحْو ذَلِكَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ وَأَمَّا قِصَّة قَطْع الْيَد فَإِنَّمَا قَالَهَا مُسْتَفْتِيًا عَلَى تَقْدِير أَنْ لَوْ وَقَعَتْ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره , وَإِنَّمَا تَضَمَّنَ الْجَوَابُ النَّهْيَ عَنْ قَتْله لِكَوْنِهِ أَظْهَرَ الْإِسْلَام فَحُقِنَ دَمُهُ وَصَارَ مَا وَقَعَ مِنْهُ قَبْل الْإِسْلَام عَفْوًا. وَمِنْهَا أَنَّ فِي جَوَابه عَنْ الِاسْتِشْكَال نَظَرًا لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنهُ أَنْ يَدْفَع بِالْقَوْلِ بِأَنْ يَقُول لَهُ عِنْد إِرَادَة الْمُسْلِم قَتْله إِنِّي مُسْلِم فَيَكُفّ عَنْهُ , وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبَادِر لِقَطْعِ يَده مَعَ الْقُدْرَة عَلَى الْقَوْل الْمَذْكُور وَنَحْوه , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّة إِسْلَام مَنْ قَالَ أَسْلَمْت لِلَّهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ ذَلِكَ كَافٍ فِي الْكَفّ , عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّهُ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَهُوَ رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عِنْد مُسْلِم فِي هَذَا الْحَدِيث , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز السُّؤَال عَنْ النَّوَازِل قَبْل وُقُوعهَا بِنَاء عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَرْجِيحُهُ , وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ بَعْض السَّلَف مِنْ كَرَاهَة ذَلِكَ فَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا يَنْدُر وُقُوعه , وَأَمَّا مَا يُمْكِن وُقُوعه عَادَة فَيُشْرَع السُّؤَال عَنْهُ لِيُعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ حَبِيب بْن أَبِي عَمْرَة ) ‏ ‏هُوَ الْقَصَّاب الْكُوفِيّ لَا يُعْرَف اِسْمُ أَبِيهِ , وَهَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ الْبَزَّار وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي \" الْأَفْرَاد \" وَالطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْكَبِير \" مِنْ رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن عَلِيّ بْن عَطَاء بْن مُقَدَّم وَالِد مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْمُقَدَّمِيّ عَنْ حَبِيب وَفِي أَوَّله \" بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّة فِيهَا الْمِقْدَاد , فَلَمَّا أَتَوْهُمْ وَجَدُوهُمْ تَفَرَّقُوا وَفِيهِمْ رَجُل لَهُ مَال كَثِير لَمْ يَبْرَح فَقَالَ : أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , فَأَهْوَى إِلَيْهِ الْمِقْدَاد فَقَتَلَهُ \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مِقْدَاد قَتَلْت رَجُلًا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , فَكَيْف لَك بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه , فَأَنْزَلَ اللَّه ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه فَتَبَيَّنُوا ) الْآيَة فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمِقْدَادِ : كَانَ رَجُلًا مُؤْمِنًا يُخْفِي إِيمَانه \" إِلَخْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ حَبِيب وَتَفَرَّدَ بِهِ أَبُو بَكْر عَنْهُ. قُلْت : قَدْ تَابَعَ أَبَا بَكْر سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لَكِنَّهُ أَرْسَلَهُ , أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ وَكِيع عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَق الْفَزَارِيِّ عَنْ الثَّوْرِيّ كَذَلِكَ , وَلَفْظ وَكِيع بِسَنَدِهِ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر \" خَرَجَ الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد فِي سَرِيَّة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث مُخْتَصَرًا إِلَى قَوْله \" فَنَزَلَتْ \" وَلَمْ يَذْكُر الْخَبَر الْمُعَلَّق , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى هَذِهِ الْقِصَّة فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء , وَبَيَّنْت الِاخْتِلَاف فِي سَبَب نُزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة , وَطَرِيق الْجَمْع , وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏"
    },
    {
        "id": "6359",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن عُيَيْنَةَ فَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام مِنْ رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْهُ حَدَّثَنَا الْأَعْمَش. ‏ ‏قَوْله ( الْأَعْمَش ) ‏ ‏هُوَ سُلَيْمَان بْن مِهْرَانَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُرَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش \" حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن مُرَّة \" وَهُوَ الخارتي بِمُعْجَمَةٍ وَرَاء مَكْسُورَة وَفَاء كُوفِيّ , وَفِي السَّنَد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( لَا تُقْتَل نَفْسٌ ) ‏ ‏زَادَ حَفْص فِي رِوَايَته \" ظُلْمًا \" وَفِي الِاعْتِصَام \" لَيْسَ مِنْ نَفْس تُقْتَل ظُلْمًا \". ‏ ‏قَوْله ( عَلَى اِبْن آدَم الْأَوَّل ) ‏ ‏هُوَ قَابِيل عِنْد الْأَكْثَر , وَعَكَسَ الْقَاضِي جَمَال الدِّين بْن وَاصِل فِي تَارِيخه فَقَالَ : اِسْم الْمَقْتُول قَابِيل اُشْتُقَّ مِنْ قَبُول قُرْبَانه , وَقِيلَ اِسْمه قَابِن بِنُونٍ بَدَل اللَّام بِغَيْرِ يَاء , وَقِيلَ قَبِن مِثْله بِغَيْرِ أَلِف , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي \" بَاب خَلْق آدَم مِنْ بَدْء الْخَلْق \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : كَانَ مِنْ شَأْنهمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِسْكِين يَتَصَدَّق عَلَيْهِ , إِنَّمَا كَانَ الْقُرْبَان يُقَرِّبهُ الرَّجُل فَمَا قُبِلَ تَنْزِل النَّار فَتَأْكُلهُ وَإِلَّا فَلَا , وَعَنْ الْحَسَن : لَمْ يَكُونَا وَلَدَيْ آدَم لِصُلْبِهِ وَإِنَّمَا كَانَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ , وَمِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ : كَانَا وَلَدَيْ آدَم لِصُلْبِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث الْبَاب لِوَصْفِهِ \" اِبْنِ \" بِأَنَّهُ الْأَوَّل أَيْ أَوَّل مَا وُلِدَ لِآدَمَ , وَيُقَال إِنَّهُ لَمْ يُولَد فِي الْجَنَّة لِآدَم غَيْره وَغَيْر تَوْأَمَته , وَمِنْ ثَمَّ فَخَرَ عَلَى أَخِيهِ هَابِيل فَقَالَ : نَحْنُ مِنْ أَوْلَاد الْجَنَّة وَأَنْتُمَا مِنْ أَوْلَاد الْأَرْض , ذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن إِسْحَاق فِي \" الْمُبْتَدَأ \" وَعَنْ الْحَسَن : ذَكَرَ لِي أَنَّ هَابِيل قُتِلَ وَلَهُ عِشْرُونَ سَنَة وَلِأَخِيهِ الْقَاتِل خَمْس وَعِشْرُونَ سَنَة , وَتَفْسِير هَابِيل هِبَة اللَّه , وَلَمَّا قُتِلَ هَابِيل وَحَزِنَ عَلَيْهِ آدَم وُلِدَ لَهُ بَعْد ذَلِكَ شِيث وَمَعْنَاهُ عَطِيَّة اللَّه وَمِنْهُ اِنْتَشَرَتْ ذُرِّيَّة آدَم. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ : ذَكَرَ أَهْل الْعِلْم بِالْقُرْآنِ أَنَّ حَوَّاء وَلَدَتْ لِآدَم أَرْبَعِينَ نَفْسًا فِي عِشْرِينَ بَطْنًا أَوَّلهمْ قَابِيل وَأُخْته إقليما وَآخِرهمْ عَبْد الْمُغِيث وَأَمَة الْمُغِيث ثُمَّ لَمْ يَمُتْ حَتَّى بَلَغَ وَلَده وَوَلَد وَلَده أَرْبَعِينَ أَلْفًا وَهَلَكُوا كُلّهمْ فَلَمْ يَبْقَ بَعْد الطُّوفَان إِلَّا ذُرِّيَّة نُوح وَهُوَ مِنْ نَسْل شِيث , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّته هُمْ الْبَاقِينَ ) وَكَانَ مَعَهُ فِي السَّفِينَة ثَمَانُونَ نَفْسًا وَهُوَ الْمُشَار إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيل ) وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا بَقِيَ إِلَّا نَسْل نُوح فَتَوَالَدُوا حَتَّى مَلَئُوا الْأَرْض , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَة نُوح مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. ‏ ‏قَوْله ( كِفْل مِنْهَا ) ‏ ‏زَادَ فِي الِاعْتِصَام : وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَان مِنْ دَمهَا , وَزَادَ فِي آخِره : لِأَنَّهُ مَنْ سَنَّ الْقَتْل , وَهَذَا مِثْل لَفْظ حَفْص بْن غِيَاث الْمَاضِي فِي خَلْق آدَم , وَالْكِفْل بِكَسْرِ أَوَّله وَسُكُون الْفَاء النَّصِيب , وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَق عَلَى الْأَجْر وَالضِّعْف عَلَى الْإِثْم , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَته ) وَوَقَعَ عَلَى الْإِثْم فِي قَوْله تَعَالَى ( وَمَنْ يَشْفَع شَفَاعَة سَيِّئَة يَكُنْ لَهُ كِفْل مِنْهَا ) وَقَوْله \" لِأَنَّهُ أَوَّل مَنْ سَنَّ الْقَتْل \" فِيهِ أَنَّ مَنْ سَنَّ شَيْئًا كُتِبَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ , وَهُوَ أَصْل فِي أَنَّ الْمَعُونَة عَلَى مَا لَا يَحِلّ حَرَام , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَرِير \" مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَام سُنَّة حَسَنَة كَانَ لَهُ أَجْرهَا وَأَجْر مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَام سُنَّة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وِزْرهَا وَوِزْر مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَنْ لَمْ يَتُبْ مِنْ ذَلِكَ الذَّنْب. وَعَنْ السُّدِّيّ : شَدَخَ قَابِيلُ رَأْس أَخِيهِ بِحَجَرٍ فَمَاتَ. وَعَنْ اِبْن جُرَيْج : تَمَثَّلَ لَهُ إِبْلِيس فَأَخَذَ بِحَجَرٍ فَشَدَخَ بِهِ رَأْس طَيْر فَفَعَلَ ذَلِكَ قَابِيلُ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى جَبَل ثَوْر , وَقِيلَ عَلَى عَقَبَة حِرَاء , وَقِيلَ بِالْهِنْدِ , وَقِيلَ بِمَوْضِعِ الْمَسْجِد الْأَعْظَم بِالْبَصْرَةِ , وَكَانَ مِنْ شَأْنه فِي دَفْنه مَا قَصَّهُ اللَّه فِي كِتَابه. ‏"
    },
    {
        "id": "6360",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَاقِد بْن عَبْد اللَّه أَخْبَرَنِي ) ‏ ‏هُوَ مِنْ تَقْدِيم الِاسْم عَلَى الصِّيغَة , وَوَاقِد هَذَا قَالَ أَبُو ذَرّ فِي رِوَايَته كَذَا وَقَعَ هُنَا وَاقِد بْن عَبْد اللَّه وَالصَّوَاب وَاقِد بْن مُحَمَّد. قُلْت : وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ لِقَوْلِهِ وَاقِد بْن عَبْد اللَّه تَوْجِيهٌ وَهُوَ أَنْ يَكُون الرَّاوِي نَسَبَهُ لِجَدِّهِ الْأَعْلَى عَبْد اللَّه بْن عُمَر فَإِنَّهُ وَاقِد بْن مُحَمَّد بْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَاَلَّذِي نَسَبَهُ كَذَلِكَ أَبُو الْوَلِيد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَن عَنْ أَبِي الْوَلِيد كَذَلِكَ , وَتَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَب مِنْ رِوَايَة خَالِد بْن الْحَارِث عَنْ شُعْبَة عَلَى الْحَقِيقَة فَقَالَ \" عَنْ وَاقِد بْن مُحَمَّد \" وَيَأْتِي فِي الْفِتَن عَنْ حَجَّاج بْن مِنْهَال عَنْ شُعْبَة كَذَلِكَ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة , ثُمَّ وَجَدْته فِي الْأَوَّل مِنْ فَوَائِد أَبِي عَمْرو بْن السِّمَاك كُلّ مِنْ طَرِيق عَفَّان عَنْ شُعْبَة كَمَا قَالَ أَبُو الْوَلِيد , فَلَعَلَّ نِسْبَته كَذَلِكَ مِنْ شُعْبَة , لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ كُلّ عَنْ عَفَّان وَغَيْره عَنْ شُعْبَة كَالْجَادَّةِ , وَفِي الْجُمْلَة فَقَوْله \" عَنْ أَبِيهِ \" لَا يَنْصَرِف لِعَبْدِ اللَّه بَلْ لِمُحَمَّدِ بْن زَيْد جَزْمًا ,. فَمَنْ تَرْجَمَ لِعَبْدِ اللَّه وَالِد وَاقِد فِي رِجَال الْبُخَارِيّ أَخْطَأَ , نَعَمْ فِي هَذَا النَّسَب وَاقِد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر تَابِعِيّ مَعْرُوف , وَهُوَ أَقْدَمُ مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ عَمّ وَالِد وَاقِد الْمَذْكُور هُنَا , وَلَهُ وَالِد اِسْمه عَبْد اللَّه بْن وَاقِد وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله ( لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا ) ‏ ‏جُمْلَة مَا فِيهِ مِنْ الْأَقْوَال ثَمَانِيَة : أَحَدهَا قَوْل الْخَوَارِج إِنَّهُ عَلَى ظَاهِره , ثَانِيهَا هُوَ فِي الْمُسْتَحِلِّينَ , ثَالِثهَا الْمَعْنَى كُفَّارًا بِحُرْمَةِ الدِّمَاء وَحُرْمَة الْمُسْلِمِينَ وَحُقُوق الدِّين , رَابِعهَا تَفْعَلُونَ فِعْل الْكُفَّار فِي قَتْل بَعْضهمْ بَعْضًا , خَامِسهَا لَابِسِينَ السِّلَاح يُقَال كَفَرَ دِرْعَهُ إِذَا لَبِسَ فَوْقهَا ثَوْبًا , سَادِسهَا كُفَّارًا بِنِعْمَةِ اللَّه , سَابِعهَا الْمُرَاد الزَّجْر عَنْ الْفِعْل وَلَيْسَ ظَاهِره مُرَادًا , ثَامِنهَا لَا يُكَفِّر بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَأَنْ يَقُول أَحَد الْفَرِيقَيْنِ لِلْآخَرِ يَا كَافِر فَيَكْفُر أَحَدهمَا , ثُمَّ وَجَدْت تَاسِعًا وَعَاشِرًا ذَكَرْتهمَا فِي كِتَاب الْفِتَن , وَسَيَأْتِي شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6361",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ اسْتَنْصِتْ النَّاسَ ‏ ‏لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏أَبُو بَكْرَةَ ‏ ‏وَابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث جَرِير ‏ ‏وَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( اِسْتَنْصِتْ النَّاس ) ‏ ‏أَيْ اُطْلُبْ مِنْهُمْ الْإِنْصَاتَ لِيَسْمَعُوا الْخُطْبَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَتَمَّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا فِي كِتَاب الْحَجّ , وَيَأْتِي شَرْحه فِي الْفِتَن أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( رَوَاهُ أَبُو بَكْرَة وَابْن عَبَّاس ) ‏ ‏يُرِيد قَوْله لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا , وَحَدِيث أَبِي بَكْرَة وَصَلَهُ الْمُؤَلِّف مُطَوَّلًا فِي الْحَجّ وَشُرِحَ هُنَاكَ , وَيَأْتِي فِي الْفِتَن أَيْضًا , وَكَذَلِكَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس. ‏"
    },
    {
        "id": "6362",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فِرَاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ‏ ‏أَوْ قَالَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ ‏ ‏شَكَّ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ‏ ‏أَوْ قَالَ وَقَتْلُ النَّفْسِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فِي الْكَبَائِر تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْأَدَب. ‏ ‏قَوْله ( وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ أَوْ قَالَ الْيَمِين الْغَمُوس شَكَّ شُعْبَةُ ) ‏ ‏قُلْت تَقَدَّمَ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور مِنْ طَرِيق النَّضْر بْن شُمَيْلٍ عَنْ شُعْبَة بِالْوَاوِ بِغَيْرِ شَكٍّ وَزَادَ مَعَ الثَّلَاثَة \" وَقَتْل النَّفْس \" وَهُوَ الْمُرَاد فِي هَذَا الْبَاب. ‏ ‏قَوْله ( مَعَاذ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَعَاذ الْعَنْبَرِيّ , وَهُوَ مِنْ تَعَالِيق الْبُخَارِيّ , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ يَكُون مَقُول مُحَمَّد بْن بَشَّار فَيَكُون مَوْصُولًا , وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن مَعَاذ عَنْ أَبِيهِ وَلَفْظه \" وَالْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ أَوْ قَالَ قَتْل النَّفْس وَالْيَمِين الْغَمُوس \" وَهَذَا مُطَابِق لِتَعْلِيقِ الْبُخَارِيّ إِلَّا أَنَّ فِيهِ تَأْخِير الْيَمِين الْغَمُوس , وَالْغَرَض مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ إِثْبَات قَتْل النَّفْس , وَحَاصِل الِاخْتِلَاف عَلَى شُعْبَة أَنَّهُ تَارَة ذَكَرَهَا وَتَارَة لَمْ يَذْكُرهَا وَأُخْرَى ذَكَرَهَا مَعَ الشَّكّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6363",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْكَبَائِرُ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو وَهُوَ ابْنُ مَرْزُوقٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَوْلُ الزُّورِ أَوْ قَالَ وَشَهَادَةُ الزُّورِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي الْكَبَائِر أَيْضًا تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْأَدَب. ‏"
    },
    {
        "id": "6364",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُصَيْنٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو ظَبْيَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يُحَدِّثُ قَالَ ‏ ‏بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْحُرَقَةِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏جُهَيْنَةَ ‏ ‏قَالَ فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ قَالَ وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏مِنْهُمْ قَالَ فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ قَالَ فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فَقَالَ لِي ‏ ‏يَا ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا قَالَ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُسَامَة , ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَمْرو بْن زُرَارَة حَدَّثَنَا هُشَيْم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي عَنْ عَمْرو بْن مُحَمَّد عَنْ هُشَيْم وَكِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا هُشَيْم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَنْبَأَنَا \". ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا حُصَيْن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَالْأَصِيلِيّ \" أَنْبَأَنَا حُصَيْن \" وَهُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الْوَاسِطِيّ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , وَأَبُو ظَبْيَانَ بِظَاءٍ مُعْجَمَة مَفْتُوحَة ثُمَّ مُوَحَّدَة سَاكِنَة ثُمَّ يَاء آخِر الْحُرُوف وَاسْمه أَيْضًا حُصَيْن وَهُوَ اِبْن جُنْدَبٍ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ. ‏ ‏قَوْله ( بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحُرَقَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَبِالرَّاءِ ثُمَّ قَاف وَهُمْ بَطْن مِنْ جُهَيْنَة تَقَدَّمَ نِسْبَتهمْ إِلَيْهِمْ فِي غَزْوَة الْفَتْح , قَالَ اِبْن الْكَلْبِيّ : سُمُّوا بِذَلِكَ لِوَقْعَةٍ كَانَتْ بَيْنهمْ وَبَيْن بَنِي مُرَّة بْن عَوْف بْن سَعْد بْن ذُبْيَان فَأَحْرَقُوهُمْ بِالسِّهَامِ لِكَثْرَةِ مَنْ قَتَلُوا مِنْهُمْ , وَهَذِهِ السَّرِيَّة يُقَال لَهَا سَرِيَّة غَالِب بْن عُبَيْد اللَّه اللَّيْثِيّ وَكَانَتْ فِي رَمَضَان سَنَة سَبْع فِيمَا ذَكَرَهُ اِبْن سَعْد عَنْ شَيْخه , وَكَذَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَق فِي الْمَغَازِي \" حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَسْلَمَ عَنْ رِجَال مِنْ قَوْمه قَالُوا : بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَالِب بْن عُبَيْد اللَّه الْكَلْبِيّ ثُمَّ اللَّيْثِيّ إِلَى أَرْض بَنِي مُرَّة وَبِهَا مِرْدَاس بْن نَهِيك حَلِيف لَهُمْ مِنْ بَنِي الْحُرَقَة فَقَتَلَهُ أُسَامَة \" فَهَذَا يُبَيِّن السَّبَب فِي قَوْل أُسَامَة \" بَعَثْنَا إِلَى الْحُرَقَات مِنْ جُهَيْنَة \" وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ قِصَّة الَّذِي قَتَلَ ثُمَّ مَاتَ فَدُفِنَ وَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ غَيْر قِصَّة أُسَامَة , لِأَنَّ أُسَامَة عَاشَ بَعْد ذَلِكَ دَهْرًا طَوِيلًا , وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي \" بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَة بْن زَيْد إِلَى الْحُرَقَات مِنْ جُهَيْنَة \" فَجَرَى الدَّاوُدِيّ فِي شَرْحه عَلَى ظَاهِره فَقَالَ فِيهِ \" تَأْمِير مَنْ لَمْ يَبْلُغ \" وَتُعُقِّبَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّ أُسَامَة كَانَ الْأَمِير إِذْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون جَعَلَ التَّرْجَمَة بِاسْمِهِ لِكَوْنِهِ وَقَعَتْ لَهُ تِلْكَ الْوَاقِعَة لَا لِكَوْنِهِ كَانَ الْأَمِير , وَالثَّانِي أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ سَنَة سَبْع أَوْ ثَمَانٍ فَمَا كَانَ أُسَامَة يَوْمئِذٍ إِلَّا بَالِغًا لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ لَهُ لَمَّا مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَة عَشَرَ عَامًا. ‏ ‏قَوْله ( فَصَبَّحْنَا الْقَوْم ) ‏ ‏أَيْ هَجَمُوا عَلَيْهِمْ صَبَاحًا قَبْل أَنْ يَشْعُرُوا بِهِمْ , يُقَال صَبَّحْته أَتَيْته صَبَاحًا بَغْتَة , وَمِنْهُ قَوْله ( وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَة عَذَاب مُسْتَقِرّ ). ‏ ‏قَوْله ( وَلَحِقْت أَنَا وَرَجُل مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْم الْأَنْصَارِيّ الْمَذْكُور فِي هَذِهِ الْقِصَّة ‏ ‏قَوْله ( رَجُلًا مِنْهُمْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ اِسْمه مِرْدَاس بْن عَمْرو الْفَدْكِيّ وَيُقَال : مِرْدَاس بْن نَهِيك الْفَزَارِيُّ وَهُوَ قَوْل اِبْن الْكَلْبِيّ قَتَلَهُ أُسَامَة وَسَاقَ الْقِصَّة , وَذَكَرَ اِبْن مَنْدَهْ أَنَّ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيَّ قَالَ \" بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّة فِيهَا أُسَامَة إِلَى بَنِي ضَمْرَة \" فَذَكَرَ قَتْل أُسَامَة الرَّجُلَ , وَقَالَ اِبْن أَبِي عَاصِم فِي الدِّيَات \" حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن حُمَيْد حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَلِيم عَنْ هِشَام بْن حَسَّان عَنْ الْحَسَن أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ خَيْلًا إِلَى فَدْك فَأَغَارُوا عَلَيْهِمْ , وَكَانَ مِرْدَاس الْفَدْكِيّ قَدْ خَرَجَ مِنْ اللَّيْل وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ أَنِّي لَاحِق بِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ فَبَصُرَ بِهِ رَجُلٌ فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي مُؤْمِن فَقَتَلَهُ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلَّا شَقَقْت عَنْ قَلْبه : قَالَ فَقَالَ أَنَس : إِنَّ قَاتِل مِرْدَاس مَاتَ فَدَفَنُوهُ فَأَصْبَحَ فَوْق الْقَبْر فَأَعَادُوهُ فَأَصْبَحَ فَوْق الْقَبْر مِرَارًا فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ أَنْ يُطْرَح فِي وَادٍ بَيْن جَبَلَيْنِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الْأَرْض لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ وَلَكِنَّ اللَّه وَعَظَكُمْ \". قُلْت : إِنْ ثَبَتَ هَذَا فَهُوَ مِرْدَاس آخَر , وَقَتِيل أُسَامَة لَا يُسَمَّى مِرْدَاسًا , وَقَدْ وَقَعَ مِثْل هَذَا عِنْد الطَّبَرِيّ فِي قَتْل مِحْلَم بْن جَثَّامَة عَامِر بْن الْأَضْبَط وَأَنَّ مَحَلَّهُمَا لَمَّا مَاتَ وَدُفِنَ لَفَظَتْهُ الْأَرْض فَذَكَرَ نَحْوه. ‏ ‏قَوْله ( غَشِينَاهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه مُعْجَمَتَيْنِ أَيْ لَحِقْنَا بِهِ حَتَّى تَغَطَّى بِنَا , وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عِنْد مُسْلِم \" فَأَدْرَكْت رَجُلًا فَطَعَنْته بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْته \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث جُنْدَبٍ عِنْد مُسْلِم \" فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْف قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَقَتَلَهُ \" وَيُجْمَع بِأَنَّهُ رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْف أَوَّلًا فَلَمَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ضَرْبه بِالسَّيْفِ طَعَنَهُ بِالرُّمْحِ. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا قَدِمْنَا ) ‏ ‏أَيْ الْمَدِينَة ( بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْء فَذَكَرْته لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا لِأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أُسَامَة لَا مِنْ غَيْره , فَتَقْدِيره الْأَوَّل بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي. ‏ ‏قَوْله ( أَقَتَلْته بَعْد مَا قَالَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بَعْد أَنْ قَالَ \" قَالَ اِبْن التِّين : فِي هَذَا اللَّوْم تَعْلِيم وَإِبْلَاغ فِي الْمَوْعِظَة حَتَّى لَا يُقْدِم أَحَدٌ عَلَى قَتْل مَنْ تَلَفَّظَ بِالتَّوْحِيدِ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِي تَكْرِيره ذَلِكَ وَالْإِعْرَاض عَنْ قَبُول الْعُذْر زَجْر شَدِيد عَنْ الْإِقْدَام عَلَى مِثْل ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" قَالَهَا خَوْفًا مِنْ السِّلَاح \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عَاصِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أُسَامَة \" إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيُحْرِز دَمَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ قُلْت يَا رَسُول اللَّه وَاَللَّه إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا ) كَذَا أَعَادَ الِاعْتِذَار وَأُعِيدَ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ , وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" أَفَلَا شَقَقْت عَنْ قَلْبه حَتَّى تَعْلَم أَقَالَهَا أَمْ لَا \" قَالَ النَّوَوِيّ الْفَاعِل فِي قَوْله \" أَقَالَهَا \" هُوَ الْقَلْب , وَمَعْنَاهُ أَنَّك إِنَّمَا كُلِّفْت بِالْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ وَمَا يَنْطِق بِهِ اللِّسَان وَأَمَّا الْقَلْب فَلَيْسَ لَك طَرِيق إِلَى مَا فِيهِ , فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ تَرْك الْعَمَل بِمَا ظَهَرَ مِنْ اللِّسَان فَقَالَ \" أَفَلَا شَقَقْت عَنْ قَلْبه \" لِتَنْظُر هَلْ كَانَتْ فِيهِ حِين قَالَهَا وَاعْتَقَدَهَا أَوْ لَا , وَالْمَعْنَى أَنَّك إِذَا كُنْت لَسْت قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ فَاكْتَفِ مِنْهُ بِاللِّسَانِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِيهِ حُجَّة لِمَنْ أَثْبَتَ الْكَلَام النَّفْسِيّ , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى تَرَتُّب الْأَحْكَام عَلَى الْأَسْبَاب الظَّاهِرَة دُون الْبَاطِنَة. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى تَمَنَّيْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْت قَبْل ذَلِكَ الْيَوْم ) ‏ ‏أَيْ أَنَّ إِسْلَامِي كَانَ ذَلِكَ الْيَوْم لِأَنَّ الْإِسْلَام يَجُبُّ مَا قَبْله , فَتَمَنَّى أَنْ يَكُون ذَلِكَ الْوَقْتُ أَوَّلَ دُخُولِهِ فِي الْإِسْلَام لِيَأْمَن مِنْ جَرِيرَة تِلْكَ الْفَعْلَة , وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ تَمَنَّى أَنْ لَا يَكُون مُسْلِمًا قَبْل ذَلِكَ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ كَانَ اِسْتَصْغَرَ مَا سَبَقَ لَهُ قَبْل ذَلِكَ مِنْ عَمَل صَالِح فِي مُقَابَلَة هَذِهِ الْفَعْلَة لِمَا سَمِعَ مِنْ الْإِنْكَار الشَّدِيد , وَإِنَّمَا أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْمُبَالَغَة , وَيُبَيِّن ذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْض طُرُقه فِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" حَتَّى تَمَنَّيْت أَنِّي أَسْلَمْت يَوْمئِذٍ \" وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث جُنْدَب بْن عَبْد اللَّه فِي هَذِهِ الْقِصَّة زِيَادَات وَلَفْظه \" بَعَثَ بَعْثًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَوْم مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَالْتَقَوْا فَأَوْجَعَ رَجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِيهِمْ فَأَبْلَغَ , فَقَصَدَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غِيلَتَهُ - كُنَّا نَتَحَدَّث أَنَّهُ أُسَامَة بْن زَيْد - فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْف قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَقَتَلَهُ \" الْحَدِيث. وَفِيهِ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : فَكَيْف تَصْنَع بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه إِذَا أَتَتْك يَوْم الْقِيَامَة ؟ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه اِسْتَغْفِرْ لِي , قَالَ : كَيْف تَصْنَع بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه ؟ فَجَعَلَ لَا يَزِيدهُ عَلَى ذَلِكَ \" وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَعَلَّ أُسَامَة تَأَوَّلَ قَوْله تَعَالَى ( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعهُمْ إِيمَانهمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسنَا ) وَلِذَلِكَ عَذَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُلْزِمْهُ دِيَةً وَلَا غَيْرَهَا. قُلْت : كَأَنَّهُ حَمَلَ نَفْي النَّفْع عَلَى عُمُومه دُنْيَا وَأُخْرَى , وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَاد , وَالْفَرْق بَيْن الْمَقَامَيْنِ أَنَّهُ فِي مِثْل تِلْكَ الْحَالَة يَنْفَعهُ نَفْعًا مُقَيَّدًا بِأَنْ يَجِبَ الْكَفُّ عَنْهُ حَتَّى يُخْتَبَر أَمْره هَلْ قَالَ ذَلِكَ خَالِصًا مِنْ قَلْبه أَوْ خَشْيَة مِنْ الْقَتْل , وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ هَجَمَ عَلَيْهِ الْمَوْت وَوَصَلَ خُرُوج الرُّوح إِلَى الْغَرْغَرَة وَانْكَشَفَ الْغِطَاء فَإِنَّهُ إِذَا قَالَهَا لَمْ تَنْفَعهُ بِالنِّسْبَةِ لِحُكْمِ الْآخِرَة وَهُوَ الْمُرَاد مِنْ الْآيَة , وَأَمَّا كَوْنُهُ لَمْ يُلْزِمْهُ دِيَةً وَلَا كَفَّارَة فَتَوَقَّفَ فِيهِ الدَّاوُدِيّ وَقَالَ : لَعَلَّهُ سَكَتَ عَنْهُ لِعِلْمِ السَّامِع أَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل نُزُول آيَة الدِّيَة وَالْكَفَّارَة , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَا يَلْزَم مِنْ السُّكُوت عَنْهُ عَدَمُ الْوُقُوع , لَكِنْ فِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّ الْعَادَة جَرَتْ بِعَدَمِ السُّكُوت عَنْ مِثْل ذَلِكَ إِنْ وَقَعَ , قَالَ : فَيَحْتَمِل أَنَّهُ لَمْ يَجِب عَلَيْهِ شَيْء لِأَنَّهُ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي أَصْل الْقَتْل فَلَا يَضْمَن مَا أَتْلَفَ مِنْ نَفْس وَلَا مَال كَالْخَاتِنِ وَالطَّبِيب , أَوْ لِأَنَّ الْمَقْتُول كَانَ مِنْ الْعَدُوّ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَحِقّ دِيَته , قَالَ : وَهَذَا يَتَمَشَّى عَلَى بَعْض الْآرَاء , أَوْ لِأَنَّ أُسَامَة أَقَرَّ بِذَلِكَ وَلَمْ تَقُمْ بِذَلِكَ بَيِّنَة فَلَمْ تَلْزَم الْعَاقِلَةَ الدِّيَةُ وَفِيهِ نَظَرٌ. قَالَ اِبْن بَطَّال : كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّة سَبَبَ حَلِفِ أُسَامَةَ أَنْ لَا يُقَاتِل مُسْلِمًا بَعْد ذَلِكَ , وَمِنْ ثَمَّ تَخَلَّفَ عَنْ عَلِيّ فِي الْجَمَل وَصِفِّينَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي كِتَاب الْفِتَن. قُلْت : وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش الْمَذْكُورَة \" أَنَّ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص كَانَ يَقُول لَا أُقَاتِل مُسْلِمًا حَتَّى يُقَاتِلهُ أُسَامَة \" وَاسْتَدَلَّ بِهِ النَّوَوِيّ عَلَى رَدِّ الْفَرْع الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّافِعِيّ فِيمَنْ رَأَى كَافِرًا أَسْلَمَ فَأُكْرِمَ إِكْرَامًا كَثِيرًا فَقَالَ لَيْتَنِي كُنْت كَافِرًا فَأَسْلَمْت لِأُكْرَمَ , فَقَالَ الرَّافِعِيّ : يَكْفُر بِذَلِكَ , وَرَدَّهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّهُ لَا يَكْفُر لِأَنَّهُ جَازِم الْإِسْلَام فِي الْحَال وَالِاسْتِقْبَال , وَإِنَّمَا تَمَنَّى ذَلِكَ فِي الْحَال الْمَاضِي مُقَيَّدًا لَهُ بِالْإِيمَانِ لِيَتِمَّ لَهُ الْإِكْرَامُ , وَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ أُسَامَة ثُمَّ قَالَ : وَيُمْكِنُ الْفَرْق. ‏"
    },
    {
        "id": "6365",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الصُّنَابِحِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنِّي مِنْ ‏ ‏النُّقَبَاءِ ‏ ‏الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا نَسْرِقَ وَلَا نَزْنِيَ وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَلَا ‏ ‏نَنْتَهِبَ ‏ ‏وَلَا نَعْصِيَ بِالْجَنَّةِ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُبَادَةَ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَبِيب الْمِصْرِيّ. ‏ ‏وَأَبُو الْخَيْر ‏ ‏هُوَ مَرْثَد بْن عَبْد اللَّه , وَالصَّنَابِحِيّ عَبْد الرَّحْمَن بْن عُسَيْلَة بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّر. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي مِنْ النُّقَبَاء الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏يَعْنِي لَيْلَة الْعَقَبَة. ‏ ‏قَوْله ( بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِك ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ هَذِهِ الْبَيْعَة عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّة كَانَتْ لَيْلَة الْعَقَبَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا بَيَّنْته فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي أَوَائِل الصَّحِيح , وَإِنَّمَا كَانَتْ الْبَيْعَة لَيْلَة الْعَقَبَة \" عَلَى الْمَنْشَط وَالْمَكْرَه فِي الْعُسْر وَالْيُسْر إِلَى آخِره \" وَأَمَّا الْبَيْعَة الْمَذْكُورَة هُنَا وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى بَيْعَة النِّسَاء. فَكَانَتْ بَعْد ذَلِكَ بِمُدَّةٍ , فَإِنَّ آيَة النِّسَاء الَّتِي فِيهَا الْبَيْعَة الْمَذْكُورَة نَزَلَتْ بَعْد عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة فِي زَمَن الْهُدْنَة وَقَبْل فَتْح مَكَّة , وَكَانَتْ الْبَيْعَة الَّتِي وَقَعَتْ لِلرِّجَالِ عَلَى وَفْقِهَا كَانَتْ عَام الْفَتْح , وَقَدْ أَوْضَحْت ذَلِكَ وَالسَّبَب فِي الْحَمْل عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْإِيمَان , وَمَضَى شَرْح الْحَدِيث هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6366",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( جُوَيْرِيَة ) ‏ ‏بِالْجِيمِ تَصْغِير جَارِيَة وَهُوَ اِبْن أَسْمَاء سَمِعَ مِنْ نَافِع مَوْلَى اِبْن عُمَر وَحَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ مَالِك أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاح فَلَيْسَ مِنَّا ) ‏ ‏الْمُرَاد مَنْ حَمَلَ عَلَيْهِمْ السِّلَاح لِقِتَالِهِمْ لِمَا فِيهِ مِنْ إِدْخَال الرُّعْب عَلَيْهِمْ , لَا مَنْ حَمَلَهُ لِحِرَاسَتِهِمْ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَحْمِلهُ لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ , وَقَوْله فَلَيْسَ مِنَّا أَيْ عَلَى طَرِيقَتنَا , وَأُطْلِقَ اللَّفْظُ مَعَ اِحْتِمَال إِرَادَة أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمِلَّة لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْر وَالتَّخْوِيف , وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( رَوَاهُ أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏قُلْت : سَيَأْتِي مَوْصُولًا مَعَ شَرْحه فِي كِتَاب الْفِتَن وَمَعَهُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِمَعْنَاهُ , وَهُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث سَلَمَة بِلَفْظِ \" مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السَّيْف \". ‏"
    },
    {
        "id": "6367",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏وَيُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرَةَ ‏ ‏فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قُلْتُ أَنْصُرُ هَذَا ‏ ‏الرَّجُلَ ‏ ‏قَالَ ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَيُّوب ) ‏ ‏هُوَ السِّخْتِيَانِيّ , ‏ ‏وَيُونُس ‏ ‏هُوَ اِبْن عُبَيْد الْبَصْرِيّ , ‏ ‏وَالْحَسَن ‏ ‏الْبَصْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْأَحْنَف ) ‏ ‏هُوَ اِبْن قَيْس. ‏ ‏قَوْله ( لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ ) ‏ ‏هُوَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَكَانَ الْأَحْنَف تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي وَقْعَة الْجَمَل. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا اِلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا ) ‏ ‏بِالتَّثْنِيَةِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِالْإِفْرَادِ. ‏ ‏قَوْله ( فِي النَّار ) ‏ ‏أَيْ إِنْ أَنْفَذَ اللَّه عَلَيْهِمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُمَا فَعَلَا فِعْلًا يَسْتَحِقَّانِ أَنْ يُعَذَّبَا مِنْ أَجْلِهِ , وَقَوْله \" إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْل صَاحِبه \" اِحْتَجَّ بِهِ الْبَاقِلَّانِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْمَعْصِيَة يَأْثَم وَلَوْ لَمْ يَفْعَلهَا , وَأَجَابَ مَنْ خَالَفَهُ بِأَنَّ هَذَا شُرِعَ فِي الْفِعْل وَالِاخْتِلَاف فِيمَنْ هَمَّ مُجَرَّدًا ثُمَّ صَمَّمَ وَلَمْ يَفْعَل شَيْئًا هَلْ يَأْثَم , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي شَرْح حَدِيث \" مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ \" فِي كِتَاب الرِّقَاق. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا الْوَعِيد لِمَنْ قَاتَلَ عَلَى عَدَاوَة دُنْيَوِيَّة أَوْ طَلَبِ مُلْكٍ مَثَلًا , فَأَمَّا مَنْ قَاتَلَ أَهْل الْبَغْي أَوْ دَفَعَ الصَّائِل فَقُتِلَ فَلَا يَدْخُل فِي هَذَا الْوَعِيد لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي الْقِتَال شَرْعًا , وَسَيَأْتِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْفِتَن أَيْضًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6368",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ يَهُودِيًّا ‏ ‏رَضَّ ‏ ‏رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقِيلَ لَهَا مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا أَفُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا هَمَّام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَحْيَى. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حِبَّان بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة عَنْ هَمَّام الْآتِيَة بَعْد سَبْعَة أَبْوَاب \" حَدَّثَنَا أَنَس \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ يَهُودِيًّا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله ( رَضَّ رَأْس جَارِيَة ) ‏ ‏الرَّضُّ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة وَالرَّضْخُ بِمَعْنًى , وَالْجَارِيَة يَحْتَمِل أَنْ تَكُون أَمَةً وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون حُرَّة لَكِنْ دُون الْبُلُوغ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام بْن زَيْد عَنْ أَنَس فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ \" خَرَجَتْ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ بِالْمَدِينَةِ فَرَمَاهَا يَهُودِيٌّ بِحَجَرٍ \" وَتَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْوَجْه فِي الطَّلَاق بِلَفْظِ \" عَدَا يَهُودِيّ عَلَى جَارِيَة فَأَخَذَ أَوْضَاحًا كَانَتْ عَلَيْهَا وَرَضَخَ رَأْسَهَا \" وَفِيهِ \" فَأَتَى أَهْلُهَا رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ فِي آخِر رَمَق \" وَهَذَا لَا يُعَيِّنُ كَوْنَهَا حُرَّةً لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرَاد بِأَهْلِهَا مَوَالِيهَا رَقِيقَة كَانَتْ أَوْ عَتِيقَة , وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا لَكِنْ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّهَا مِنْ الْأَنْصَار , وَلَا تَنَافِيَ بَيْن قَوْله \" رَضَّ رَأْسهَا بَيْن حَجَرَيْنِ \" وَبَيْن قَوْله \" رَمَاهَا بِحَجَرٍ \" وَبَيْن قَوْله \" رَضَخَ رَأْسهَا \" لِأَنَّهُ يُجْمَع بَيْنهَا بِأَنَّهُ رَمَاهَا بِحَجَرٍ فَأَصَابَ رَأْسهَا فَسَقَطَتْ عَلَى حَجَر آخَر , وَأَمَّا قَوْله \" عَلَى أَوْضَاحٍ \" فَمَعْنَاهُ بِسَبَبِ أَوْضَاح , وَهِيَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة وَالْحَاء الْمُهْمَلَة جَمْع وَضَحٍ , قَالَ أَبُو عُبَيْد هِيَ حُلِيّ الْفِضَّة , وَنَقَلَ عِيَاض أَنَّهَا حُلِيّ مِنْ حِجَارَة , وَلَعَلَّهُ أَرَادَ حِجَارَة الْفِضَّة اِحْتِرَازًا مِنْ الْفِضَّة الْمَضْرُوبَة أَوْ الْمَنْقُوشَة. ‏ ‏قَوْله ( فَقِيلَ لَهَا : مَنْ فَعَلَ بِك هَذَا أَفُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ ) ‏ ‏؟ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فُلَان أَوْ فُلَان \" بِحَذْفِ الْهَمْزَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَشْخَاص مِنْ وَجْه آخَر عَنْ هَمَّام \" أَفُلَان أَفُلَان \" بِالتَّكْرَارِ بِغَيْرِ وَاو عَطْف , وَجَاءَ بَيَان الَّذِي خَاطَبَهَا بِذَلِكَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِي هَذِهِ بِلَفْظِ \" فَقَالَ لَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُلَانٌ قَتَلَك \" وَبَيْن فِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَس عِنْد مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ \" فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا مَنْ قَتَلَك \". ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى سَمَّى الْيَهُودِيّ ) ‏ ‏زَادَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فِي الْأَشْخَاص وَالْوَصَايَا \" فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام بْن زَيْد فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِي هَذَا بَيَانُ الْإِيمَاء الْمَذْكُور وَأَنَّهُ كَانَ تَارَة دَالًّا عَلَى النَّفْي وَتَارَة دَالًّا عَلَى الْإِثْبَات بِلَفْظِ \" فُلَان قَتَلَك ؟ فَرَفَعَتْ رَأْسهَا , فَأَعَادَ فَقَالَ : فُلَان قَتَلَك ؟ فَرَفَعَتْ رَأْسهَا , فَقَالَ لَهَا فِي الثَّالِثَة : فُلَان قَتَلَك ؟ فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا \" وَهُوَ مُشْعِر بِأَنَّ فُلَانًا الثَّانِيَ غَيْرُ الْأَوَّل , وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الطَّلَاق وَكَذَا الْآتِيَة بَعْد بَابَيْنِ \" فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا , قَالَ : فَفُلَان ؟ لِرَجُلٍ آخَر يَعْنِي عَنْ - رَجُل آخَر - فَأَشَارَتْ أَنْ لَا. قَالَ : فَفُلَان قَاتِلهَا فَأَشَارَتْ أَنْ نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَقَرَّ ) ‏ ‏فِي الْوَصَايَا \" فَجِيءَ بِهِ يَعْتَرِف فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى اِعْتَرَفَ \" قَالَ أَبُو مَسْعُود : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيث : فَاعْتَرَفَ وَلَا فَأَقَرَّ إِلَّا هَمَّام بْن يَحْيَى , قَالَ الْمُهَلَّب : فِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَدِلّ عَلَى أَهْل الْجِنَايَات ثُمَّ يَتَلَطَّف بِهِمْ حَتَّى يُقِرُّوا لِيُؤْخَذُوا بِإِقْرَارِهِمْ , وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا جَاءُوا تَائِبِينَ فَإِنَّهُ يُعْرِض عَمَّنْ لَمْ يُصَرِّح بِالْجِنَايَةِ فَإِنَّهُ يَجِب إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهِ إِذَا أَقَرَّ , وَسِيَاق الْقِصَّة يَقْتَضِي أَنَّ الْيَهُودِيّ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَة وَإِنَّمَا أُخِذَ بِإِقْرَارِهِ , وَفِيهِ أَنَّهُ تَجِب الْمُطَالَبَة بِالدَّمِ بِمُجَرَّدِ الشَّكْوَى وَبِالْإِشَارَةِ , قَالَ : وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز وَصِيَّة غَيْر الْبَالِغ وَدَعْوَاهُ بِالدَّيْنِ وَالدَّم. قُلْت : فِي هَذَا نَظَر لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّن كَوْن الْجَارِيَة دُون الْبُلُوغ , وَقَالَ الْمَازِرِيّ : فِيهِ الرَّدّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْقِصَاص بِغَيْرِ السَّيْف , وَقَتْلَ الرَّجُل بِالْمَرْأَةِ. قُلْت : وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِمَا فِي بَابَيْنِ مُفْرَدَيْنِ قَالَ : وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى التَّدْمِيَة لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تُعْتَبَر لَمْ يَكُنْ لِسُؤَالِ الْجَارِيَة فَائِدَة , قَالَ : وَلَا يَصِحّ اِعْتِبَاره مُجَرَّدًا لِأَنَّهُ خِلَاف الْإِجْمَاع فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّهُ يُفِيد الْقَسَامَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ : ذَهَبَ مَالِك إِلَى ثُبُوت قَتْل الْمُتَّهَم بِمُجَرَّدِ قَوْل الْمَجْرُوح , وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث , وَلَا دَلَالَة فِيهِ بَلْ هُوَ قَوْل بَاطِل لِأَنَّ الْيَهُودِيّ اِعْتَرَفَ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ فِي بَعْض طُرُقه , وَنَازَعَهُ بَعْض الْمَالِكِيَّة فَقَالَ : لَمْ يَقُلْ مَالِك وَلَا أَحَد مِنْ أَهْل مَذْهَبه بِثُبُوتِ الْقَتْل عَلَى الْمُتَّهَم بِمُجَرَّدِ قَوْل الْمَجْرُوح , وَإِنَّمَا قَالُوا : إِنَّ قَوْل الْمُحْتَضَر عِنْد مَوْته فُلَانٌ قَتَلَنِي لَوْثٌ يُوجِب الْقَسَامَة فَيُقْسِم اِثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنْ عَصَبَتِهِ بِشَرْطِ الذُّكُورِيَّة , وَقَدْ وَافَقَ بَعْض الْمَالِكِيَّة الْجُمْهُور , وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالتَّدْمِيَةِ أَنَّ دَعْوَى مَنْ وَصَلَ إِلَى تِلْكَ الْحَالَة وَهِيَ وَقْت إِخْلَاصه وَتَوْبَته عِنْد مُعَايَنَة مُفَارَقَة الدُّنْيَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقُول إِلَّا حَقًّا , قَالُوا وَهِيَ أَقْوَى مِنْ قَوْل الشَّافِعِيَّة إِنَّ الْوَلِيّ يُقْسِمُ إِذَا وَجَدَ قُرْب وَلِيِّهِ الْمَقْتُولِ رَجُلًا مَعَهُ سِكِّينٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُون الْقَاتِل غَيْر مَنْ مَعَهُ السِّكِّين. ‏ ‏قَوْله ( فَرَضَّ رَأْسه بِالْحِجَارَةِ ) ‏ ‏أَيْ دَقَّ , وَفِي رِوَايَة الْأَشْخَاص \" فَرَضَخَ رَأْسه بَيْن حَجَرَيْنِ \" وَيَأْتِي فِي رِوَايَة حِبَّان أَنَّ هَمَّامًا قَالَ كُلًّا مِنْ اللَّفْظَيْنِ , وَفِي رِوَايَة هِشَام الَّتِي تَلِيهَا \" فَقَتَلَهُ بَيْن حَجَرَيْنِ \" وَمَضَى فِي الطَّلَاق بِلَفْظِ الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْأَشْخَاص , وَفِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ عِنْد مُسْلِم \" فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ \" لَكِنْ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَقُتِلَ بَيْن حَجَرَيْنِ \" قَالَ عِيَاض : رَضْخُهُ بَيْن حَجَرَيْنِ وَرَمْيُهُ بِالْحِجَارَةِ وَرَجْمُهُ بِهَا بِمَعْنًى , وَالْجَامِعُ أَنَّهُ رُمِيَ بِحَجَرٍ أَوْ أَكْثَرَ وَرَأْسُهُ عَلَى آخَرَ. وَقَالَ اِبْن التِّين : أَجَابَ بَعْض الْحَنَفِيَّة بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث لَا دَلَالَة فِيهِ عَلَى الْمُمَاثَلَة فِي الْقِصَاص , لِأَنَّ الْمَرْأَة كَانَتْ حَيَّة وَالْقَوَد لَا يَكُون فِي حَيّ , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ بَعْد مَوْتهَا لِأَنَّ فِي الْحَدِيث \" أَفُلَان قَتَلَك \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مَاتَتْ حِينَئِذٍ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَجُود بِنَفْسِهَا , فَلَمَّا مَاتَتْ اِقْتَصَّ مِنْهُ وَادَّعَى اِبْن الْمُرَابِط مِنْ الْمَالِكِيَّة أَنَّ هَذَا الْحُكْم كَانَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام وَهُوَ قَبُول قَوْل الْقَتِيل , وَأَمَّا مَا جَاءَ أَنَّهُ اِعْتَرَفَ فَهُوَ فِي رِوَايَة قَتَادَة وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْره وَهَذَا مِمَّا عُدَّ عَلَيْهِ اِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى فَسَاد هَذِهِ الدَّعْوَى فَقَتَادَةُ حَافِظٌ زِيَادَتُهُ مَقْبُولَة لِأَنَّ غَيْره لَمْ يَتَعَرَّض لِنَفْيِهَا فَلَمْ يَتَعَارَضَا , وَالنَّسْخ لَا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوب الْقِصَاص عَلَى الذِّمِّيّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِكَوْنِهِ ذِمِّيًّا فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُعَاهَدًا أَوْ مُسْتَأْمَنًا , وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6369",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَتْ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا ‏ ‏أَوْضَاحٌ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ فَرَمَاهَا يَهُودِيٌّ بِحَجَرٍ قَالَ فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبِهَا ‏ ‏رَمَقٌ ‏ ‏فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فُلَانٌ قَتَلَكِ فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا فَأَعَادَ عَلَيْهَا قَالَ فُلَانٌ قَتَلَكِ فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا فَقَالَ لَهَا فِي الثَّالِثَةِ فُلَانٌ قَتَلَكِ فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَتَلَهُ بَيْنَ الْحَجَرَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6370",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمَارِقُ مِنْ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحِلّ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش عِنْد مُسْلِم وَالنَّسَائِيِّ زِيَادَة فِي أَوَّله وَهِيَ \" قَامَ فِينَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : وَاَلَّذِي لَا إِلَه غَيْره لَا يَحِلّ \" وَظَاهِر قَوْله \" لَا يَحِلّ \" إِثْبَات إِبَاحَة قَتْل مَنْ اُسْتُثْنِيَ , وَهُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِتَحْرِيمِ قَتْل غَيْرهمْ وَإِنْ كَانَ قَتْل مَنْ أُبِيحَ قَتْلُهُ مِنْهُمْ وَاجِبًا فِي الْحُكْم. ‏ ‏قَوْله ( دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ \" دَم رَجُل \" وَالْمُرَاد لَا يَحِلّ إِرَاقَة دَمه أَيْ كُلّه وَهُوَ كِنَايَة عَنْ قَتْله وَلَوْ لَمْ يُرِقْ دَمه. ‏ ‏قَوْله ( يَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) ‏ ‏هِيَ صِفَة ثَانِيَة ذُكِرَتْ لِبَيَانِ أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُسْلِمِ هُوَ الْآتِي بِالشَّهَادَتَيْنِ , أَوْ هِيَ حَال مُقَيِّدَةٌ لِلْمَوْصُوفِ إِشْعَارًا بِأَنَّ الشَّهَادَة هِيَ الْعُمْدَة فِي حَقْن الدَّم , وَهَذَا رَجَّحَهُ الطِّيبِيُّ وَاسْتَشْهَدَ بِحَدِيثِ أُسَامَة \" كَيْف تَصْنَع بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه \". ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث ) ‏ ‏أَيْ خِصَال ثَلَاث , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ \" إِلَّا ثَلَاثَة نَفَر \". ‏ ‏قَوْله ( النَّفْس بِالنَّفْسِ ) ‏ ‏أَيْ مَنْ قَتَلَ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقّ قُتِلَ بِشَرْطِهِ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث عُثْمَان الْمَذْكُور \" قَتَلَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ \" وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد الْبَزَّار \" وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا ظُلْمًا \". ‏ ‏قَوْله ( وَالثَّيِّب الزَّانِي ) ‏ ‏أَيْ فَيَحِلّ قَتْلُهُ بِالرَّجْمِ , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عُثْمَان عِنْد النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ \" رَجُل زَنَى بَعْد إِحْصَانه فَعَلَيْهِ الرَّجْم \" قَالَ النَّوَوِيّ : الزَّانِي يَجُوز فِيهِ إِثْبَات الْيَاء وَحَذْفهَا وَإِثْبَاتهَا أَشْهَرُ. ‏ ‏قَوْله ( وَالْمُفَارِق لِدِينِهِ التَّارِك لِلْجَمَاعَةِ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ , وَلِلْبَاقِينَ \" وَالْمَارِق مِنْ الدِّين \" لَكِنْ عِنْد النَّسَفِيّ وَالسَّرَخْسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي \" وَالْمَارِق لِدِينِهِ \" قَالَ الطِّيبِيُّ الْمَارِق لِدِينِهِ هُوَ التَّارِك لَهُ , مِنْ الْمُرُوق وَهُوَ الْخُرُوج وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَالتَّارِك لِدِينِهِ الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ \" وَلَهُ فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ \" الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ \" وَزَادَ : قَالَ الْأَعْمَش فَحَدَّثْت بِهِمَا إِبْرَاهِيم يَعْنِي النَّخَعِيَّ فَحَدَّثَنِي عَنْ الْأَسْوَد يَعْنِي اِبْن يَزِيد عَنْ عَائِشَة بِمِثْلِهِ. قُلْت : وَهَذِهِ الطَّرِيق أَغْفَلَ الْمِزِّيّ فِي الْأَطْرَاف ذِكْرهَا فِي مُسْنَد عَائِشَة وَأَغْفَلَ التَّنْبِيه عَلَيْهَا فِي تَرْجَمَة عَبْد اللَّه بْن مُرَّة عَنْ مَسْرُوق عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا بَعْده مِنْ طَرِيق شَيْبَانَ بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ الْأَعْمَش وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه لَكِنْ قَالَ \" بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا \" وَلَمْ يَقُلْ \" وَاَلَّذِي لَا إِلَه غَيْره \" وَأَفْرَدَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق شَيْبَانَ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور سَوَاء , وَالْمُرَاد بِالْجَمَاعَةِ جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ أَيْ فَارَقَهُمْ أَوْ تَرَكَهُمْ بِالِارْتِدَادِ , فَهِيَ صِفَة لِلتَّارِكِ أَوْ الْمُفَارِق لَا صِفَة مُسْتَقِلَّة وَإِلَّا لَكَانَتْ الْخِصَال أَرْبَعًا , وَهُوَ كَقَوْلِهِ قَبْل ذَلِكَ \" مُسْلِم يَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" فَإِنَّهَا صِفَة مُفَسِّرَة لِقَوْلِهِ \" مُسْلِم \" وَلَيْسَتْ قَيْدًا فِيهِ إِذْ لَا يَكُون مُسْلِمًا إِلَّا بِذَلِكَ. وَيُؤَيِّد مَا قُلْته أَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيث عُثْمَان \" أَوْ يَكْفُر بَعْد إِسْلَامه \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح , وَفِي لَفْظ لَهُ صَحِيح أَيْضًا \" اِرْتَدَّ بَعْد إِسْلَامه \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن غَالِب عَنْ عَائِشَة \" أَوْ كَفَرَ بَعْد مَا أَسْلَمَ \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد النَّسَائِيِّ \" مُرْتَدّ بَعْد إِيمَان \" قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الرِّدَّة سَبَب لِإِبَاحَةِ دَم الْمُسْلِم بِالْإِجْمَاعِ فِي الرَّجُل , وَأَمَّا الْمَرْأَة فَفِيهَا خِلَاف. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث لِلْجُمْهُورِ فِي أَنَّ حُكْمهَا حُكْم الرَّجُل لِاسْتِوَاءِ حُكْمهمَا فِي الزِّنَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا دَلَالَة اِقْتِرَان وَهِيَ ضَعِيفَة , وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : التَّارِك لِدِينِهِ صِفَة مُؤَكِّدَة لِلْمَارِقِ أَيْ الَّذِي تَرَكَ جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ وَخَرَجَ مِنْ جُمْلَتهمْ , قَالَ : وَفِي الْحَدِيث دَلِيل لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ أَحَدٌ دَخَلَ فِي الْإِسْلَام بِشَيْءٍ غَيْر الَّذِي عُدِّدَ كَتَرْكِ الصَّلَاة وَلَمْ يَنْفَصِل عَنْ ذَلِكَ , وَتَبِعَهُ الطِّيبِيُّ , وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : قَدْ يُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ \" أَنَّ الْمُرَاد الْمُخَالِفُ لِأَهْلِ الْإِجْمَاعِ فَيَكُون مُتَمَسَّكًا لِمَنْ يَقُول : مُخَالِفُ الْإِجْمَاعِ كَافِرٌ , وَقَدْ نُسِبَ ذَلِكَ إِلَى بَعْض النَّاس , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْهَيِّنِ فَإِنَّ الْمَسَائِل الْإِجْمَاعِيَّة تَارَة يَصْحَبهَا التَّوَاتُر بِالنَّقْلِ عَنْ صَاحِب الشَّرْع كَوُجُوبِ الصَّلَاة مَثَلًا وَتَارَة لَا يَصْحَبهَا التَّوَاتُر , فَالْأَوَّل يُكَفَّر جَاحِدُهُ لِمُخَالَفَةِ التَّوَاتُر لَا لِمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاع , وَالثَّانِي لَا يُكَفَّر بِهِ. قَالَ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ : الصَّحِيح فِي تَكْفِير مُنْكِر الْإِجْمَاع تَقْيِيدُهُ بِإِنْكَارِ مَا يُعْلَم وُجُوبُهُ مِنْ الدِّين بِالضَّرُورَةِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْس , وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ بِإِنْكَارِ مَا عُلِمَ وُجُوبه بِالتَّوَاتُرِ وَمِنْهُ الْقَوْل بِحُدُوثِ الْعَالَمِ , وَقَدْ حَكَى عِيَاض وَغَيْره الْإِجْمَاع عَلَى تَكْفِير مَنْ يَقُول بِقِدَمِ الْعَالَم , وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَقَعَ هُنَا مَنْ يَدَّعِي الْحِذْق فِي الْمَعْقُولَات وَيَمِيل إِلَى الْفَلْسَفَة فَظَنَّ أَنَّ الْمُخَالِف فِي حُدُوث الْعَالَم لَا يُكَفَّر لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيل مُخَالَفَة الْإِجْمَاع , وَتَمَسَّكَ بِقَوْلِنَا إِنَّ مُنْكِر الْإِجْمَاع لَا يُكَفَّر عَلَى الْإِطْلَاق حَتَّى يَثْبُتَ النَّقْلُ بِذَلِكَ مُتَوَاتِرًا عَنْ صَاحِب الشَّرْع , قَالَ وَهُوَ تَمَسُّكٌ سَاقِط إِمَّا عَنْ عَمًى فِي الْبَصِيرَة أَوْ تَعَامٍ لِأَنَّ حُدُوث الْعَالَم مِنْ قَبِيل مَا اِجْتَمَعَ فِيهِ الْإِجْمَاع وَالتَّوَاتُر بِالنَّقْلِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : قَوْله \" التَّارِك لِدِينِهِ \" عَامٌّ فِي كُلّ مَنْ اِرْتَدَّ بِأَيِّ رِدَّة كَانَتْ فَيَجِبُ قَتْله إِنْ لَمْ يَرْجِع إِلَى الْإِسْلَام , وَقَوْله \" الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ \" يَتَنَاوَل كُلّ خَارِج عَنْ الْجَمَاعَة بِبِدْعَةٍ أَوْ نَفْي إِجْمَاع كَالرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِج وَغَيْرهمْ , كَذَا قَالَ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" ظَاهِر قَوْله \" الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ \" أَنَّهُ نَعْت لِلتَّارِكِ لِدِينِهِ , لِأَنَّهُ إِذَا اِرْتَدَّ فَارَقَ جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ , غَيْر أَنَّهُ يَلْتَحِق بِهِ كُلُّ مَنْ خَرَجَ عَنْ جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَرْتَدَّ كَمَنْ يَمْتَنِع مِنْ إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهِ إِذَا وَجَبَ وَيُقَاتِل عَلَى ذَلِكَ كَأَهْلِ الْبَغْي وَقُطَّاع الطَّرِيق وَالْمُحَارِبِينَ مِنْ الْخَوَارِج وَغَيْرهمْ , قَالَ : فَيَتَنَاوَلهُمْ لَفْظ الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ بِطَرِيقِ الْعُمُوم , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحّ الْحَصْر لِأَنَّهُ يَلْزَم أَنْ يَنْفِيَ مَنْ ذُكِرَ وَدَمه حَلَال فَلَا يَصِحّ الْحَصْر , وَكَلَام الشَّارِع مُنَزَّه عَنْ ذَلِكَ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ وَصْف الْمُفَارَقَة لِلْجَمَاعَةِ يَعُمّ جَمِيع هَؤُلَاءِ. قَالَ : وَتَحْقِيقه أَنَّ كُلَّ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَة تَرَكَ دِينه , غَيْر أَنَّ الْمُرْتَدّ تَرَكَ كُلّه وَالْمُفَارِق بِغَيْرِ رِدَّة تَرَكَ بَعْضه اِنْتَهَى. وَفِيهِ مُنَاقَشَة لِأَنَّ أَصْل الْخَصْلَة الثَّالِثَة الِارْتِدَاد فَلَا بُدّ مِنْ وُجُوده , وَالْمُفَارِق بِغَيْرِ رِدَّة لَا يُسَمَّى مُرْتَدًّا فَيَلْزَم الْخُلْف فِي الْحَصْر , وَالتَّحْقِيق فِي جَوَاب ذَلِكَ أَنَّ الْحَصْر فِيمَنْ يَجِب قَتْله عَيْنًا , وَأَمَّا مَنْ ذَكَرَهُمْ فَإِنَّ قَتْل الْوَاحِد مِنْهُمْ إِنَّمَا يُبَاح إِذَا وَقَعَ حَالَ الْمُحَارَبَة وَالْمُقَاتَلَة , بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أُسِرَ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ صَبْرًا اِتِّفَاقًا فِي غَيْر الْمُحَارِبِينَ , وَعَلَى الرَّاجِح فِي الْمُحَارِبِينَ أَيْضًا , لَكِنْ يَرِد عَلَى ذَلِكَ قَتْل تَارِك الصَّلَاة , وَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد فَقَالَ : اُسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث أَنَّ تَارِك الصَّلَاة لَا يُقْتَل بِتَرْكِهَا لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ الْأُمُور الثَّلَاثَة , وَبِذَلِكَ اِسْتَدَلَّ شَيْخ وَالِدِي الْحَافِظ أَبُو الْحَسَن بْن الْمُفَضَّل الْمَقْدِسِيُّ فِي أَبْيَاته الْمَشْهُورَة , ثُمَّ سَاقَهَا وَمِنْهَا وَهُوَ كَافٍ فِي تَحْصِيل الْمَقْصُود هُنَا : ‏ ‏وَالرَّأْي عِنْدِي أَنْ يُعَزِّرَهُ الْإِمَا ‏ ‏مُ بِكُلِّ تَعْزِيرٍ يَرَاهُ صَوَابَا ‏ ‏فَالْأَصْلُ عِصْمَتُهُ إِلَى أَنْ يَمْتَطِي ‏ ‏إِحْدَى الثَّلَاث إِلَى الْهَلَاك رِكَابَا ‏ ‏قَالَ : فَهَذَا مِنْ الْمَالِكِيَّة اِخْتَارَ خِلَاف مَذْهَبه , وَكَذَا اِسْتَشْكَلَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ مِنْ الشَّافِعِيَّة. قُلْت : تَارِك الصَّلَاة اُخْتُلِفَ فِيهِ , فَذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاق وَبَعْض الْمَالِكِيَّة وَمِنْ الشَّافِعِيَّة اِبْن خُزَيْمَةَ وَأَبُو الطَّيِّب بْن سَلَمَة وَأَبُو عُبَيْد بْن جُوَيْرِيَةَ وَمَنْصُور الْفَقِيه وَأَبُو جَعْفَر التِّرْمِذِيّ إِلَى أَنَّهُ يُكَفَّر بِذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَجْحَد وُجُوبَهَا , وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ يُقْتَل حَدًّا , وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّة وَوَافَقَهُمْ الْمُزَنِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّر وَلَا يُقْتَل. وَمِنْ أَقْوَى مَا يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى عَدَم كُفْره حَدِيث عُبَادَةَ رَفَعَهُ \" خَمْس صَلَوَات كَتَبَهُنَّ اللَّه عَلَى الْعِبَاد \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْد اللَّه عَهْد , إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّة \" أَخْرَجَهُ مَالِك وَأَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَابْن السَّكَن وَغَيْرهمَا , وَتَمَسَّكَ أَحْمَدُ وَمَنْ وَافَقَهُ بِظَوَاهِر أَحَادِيثَ وَرَدَتْ بِتَكْفِيرِهِ وَحَمَلَهَا مَنْ خَالَفَهُمْ عَلَى الْمُسْتَحِلّ جَمْعًا بَيْن الْأَخْبَار وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَأَرَادَ بَعْض مَنْ أَدْرَكْنَا زَمَانه أَنْ يُزِيل الْإِشْكَال فَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ \" أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَيُقِيمُوا الصَّلَاة وَيُؤْتُوا الزَّكَاة \" وَوَجْه الدَّلِيل مِنْهُ أَنَّهُ وَقَفَ الْعِصْمَة عَلَى الْمَجْمُوع , وَالْمُرَتَّبُ عَلَى أَشْيَاء لَا يَحْصُل إِلَّا بِحُصُولِ مَجْمُوعهَا وَيَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضهَا , قَالَ : وَهَذَا إِنْ قَصَدَ الِاسْتِدْلَال بِمَنْطُوقِهِ وَهُوَ \" أُقَاتِل النَّاس إِلَخْ \" فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْأَمْر بِالْقِتَالِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَة , فَقَدْ ذَهِلَ لِلْفَرْقِ بَيْن الْمُقَاتَلَة عَلَى الشَّيْء وَالْقَتْل عَلَيْهِ , فَإِنَّ الْمُقَاتَلَة مُفَاعَلَةٌ تَقْتَضِي الْحُصُول مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَلَا يَلْزَم مِنْ إِبَاحَة الْمُقَاتَلَة عَلَى الصَّلَاة إِبَاحَة قَتْل الْمُمْتَنِع مِنْ فِعْلهَا إِذَا لَمْ يُقَاتِل , وَلَيْسَ النِّزَاع فِي أَنَّ قَوْمًا لَوْ تَرَكُوا الصَّلَاة وَنَصَبُوا الْقِتَال أَنَّهُ يَجِب قِتَالهمْ , وَإِنَّمَا النَّظَر فِيمَا إِذَا تَرَكَهَا إِنْسَان مِنْ غَيْر نَصْب قِتَال هَلْ يُقْتَل أَوْ لَا , وَالْفَرْق بَيْن الْمُقَاتَلَة عَلَى الشَّيْء وَالْقَتْل عَلَيْهِ ظَاهِرٌ , وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ آخِر الْحَدِيث وَهُوَ تَرَتُّبُ الْعِصْمَةِ عَلَى فِعْل ذَلِكَ فَإِنَّ مَفْهُومه يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَتَرَتَّب عَلَى فِعْل بَعْضه هَانَ الْأَمْر لِأَنَّهَا دَلَالَة مَفْهُوم , وَمُخَالِفُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة لَا يَقُول بِالْمَفْهُومِ , وَأَمَّا مَنْ يَقُول بِهِ فَلَهُ أَنْ يَدْفَع حُجَّته بِأَنَّهُ عَارَضَتْهُ دَلَالَة الْمَنْطُوق فِي حَدِيث الْبَاب وَهِيَ أَرْجَحُ مِنْ دَلَالَة الْمَفْهُوم فَيُقَدَّم عَلَيْهَا , وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الشَّافِعِيَّة لِقَتْلِ تَارِك الصَّلَاة لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلدِّينِ الَّذِي هُوَ الْعَمَل , وَإِنَّمَا لَمْ يَقُولُوا بِقَتْلِ تَارِك الزَّكَاة لِإِمْكَانِ اِنْتِزَاعهَا مِنْهُ قَهْرًا , وَلَا يُقْتَلُ تَارِكُ الصِّيَام لِإِمْكَانِ مَنْعِهِ الْمُفْطِرَاتِ فَيَحْتَاج هُوَ أَنْ يَنْوِي الصِّيَام لِأَنَّهُ يَعْتَقِد وُجُوبه , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحُرّ لَا يُقْتَل بِالْعَبْدِ لِأَنَّ الْعَبْد لَا يُرْجَم إِذَا زَنَى وَلَوْ كَانَ ثَيِّبًا حَكَاهُ اِبْن التِّين قَالَ : وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَرِّق مَا جَمَعَهُ اللَّه إِلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ كِتَاب أَوْ سُنَّة , قَالَ : وَهَذَا بِخِلَافِ الْخَصْلَة الثَّالِثَة فَإِنَّ الْإِجْمَاع اِنْعَقَدَ عَلَى أَنَّ الْعَبْد وَالْحُرّ فِي الرِّدَّة سَوَاء , فَكَأَنَّهُ جَعَلَ أَنَّ الْأَصْل الْعَمَل بِدَلَالَةِ الِاقْتِرَان مَا لَمْ يَأْتِ دَلِيل يُخَالِفهُ. وَقَالَ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ : اِسْتَثْنَى بَعْضهمْ مِنْ الثَّلَاثَة قَتْل الصَّائِل فَإِنَّهُ يَجُوز قَتْله لِلدَّفْعِ , وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَوْل النَّوَوِيّ يُخَصّ مِنْ عُمُوم الثَّلَاثَة الصَّائِل وَنَحْوه فَيُبَاح قَتْله فِي الدَّفْع , وَقَدْ يُجَاب بِأَنَّهُ دَاخِل فِي الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ أَوْ يَكُون الْمُرَاد لَا يَحِلّ تَعَمُّد قَتْله بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحِلّ قَتْله إِلَّا مُدَافَعَة بِخِلَافِ الثَّلَاثَة , وَاسْتَحْسَنَهُ الطِّيبِيُّ وَقَالَ : هُوَ أَوْلَى مِنْ تَقْرِير الْبَيْضَاوِيّ لِأَنَّهُ فَسَّرَ قَوْله ( النَّفْس بِالنَّفْسِ ) يَحِلّ قَتْل النَّفْس قِصَاصًا لِلنَّفْسِ الَّتِي قَتَلَهَا عُدْوَانًا فَاقْتَضَى خُرُوج الصَّائِل وَلَوْ لَمْ يَقْصِد الدَّافِع قَتْلَهُ. قُلْت : وَالْجَوَاب الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَد , وَأَمَّا الْأَوَّل فَتَقَدَّمَ الْجَوَاب عَنْهُ , وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مَنْسُوخ بِآيَةِ الْمُحَارَبَة ( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الْأَرْض ) قَالَ : فَأَبَاحَ الْقَتْل بِمُجَرَّدِ الْفَسَاد فِي الْأَرْض قَالَ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْقَتْل بِغَيْرِ الثَّلَاث أَشْيَاء : مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ) وَحَدِيث \" مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْم لُوط فَاقْتُلُوهُ \" وَحَدِيث \" مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ \" وَحَدِيث \" مَنْ خَرَجَ وَأَمْرُ النَّاسِ جَمْعٌ يُرِيدُ تَفَرُّقَهُمْ فَاقْتُلُوهُ \" وَقَوْل عُمَر \" تَغِرَّة أَنْ يُقْتَلَا \" وَقَوْل جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة : إِنْ تَابَ أَهْلُ الْقَدَر وَإِلَّا قُتِلُوا , وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة : يُضْرَب الْمُبْتَدِع حَتَّى يَرْجِع أَوْ يَمُوت , وَقَوْل جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة يُقْتَل تَارِك الصَّلَاة قَالَ : وَهَذَا كُلّه زَائِد عَلَى الثَّلَاث. قُلْت : وَزَادَ غَيْره قَتْل مَنْ طَلَبَ أَخْذَ مَال إِنْسَان أَوْ حَرِيمه بِغَيْرِ حَقّ , وَمَانِع الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة , وَمَنْ اِرْتَدَّ وَلَمْ يُفَارِق الْجَمَاعَة , وَمَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاع وَأَظْهَرَ الشِّقَاق وَالْخِلَاف , وَالزِّنْدِيق إِذَا تَابَ عَلَى رَأْي , وَالسَّاحِر. وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ كُلّه أَنَّ الْأَكْثَر فِي الْمُحَارِبَة أَنَّهُ إِنْ قَتَلَ قُتِلَ , وَبِأَنَّ حُكْم الْآيَة فِي الْبَاغِي أَنْ يُقَاتَل لَا أَنْ يُقْصَدَ إِلَى قَتْلِهِ , وَبِأَنَّ الْخَبَرَيْنِ فِي اللِّوَاط وَإِتْيَان الْبَهِيمَة لَمْ يَصِحَّا وَعَلَى تَقْدِير الصِّحَّة فَهُمَا دَاخِلَانِ فِي الزِّنَا , وَحَدِيث الْخَارِج عَنْ الْمُسْلِمِينَ تَقَدَّمَ تَأْوِيله بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَتْلِهِ حَبْسه وَمَنْعه مِنْ الْخُرُوج , وَأَثَرُ عُمَرَ مِنْ هَذَا الْقَبِيل , وَالْقَوْل فِي الْقَدَرِيَّة وَسَائِر الْمُبْتَدِعَة مُفَرَّع عَلَى الْقَوْل بِتَكْفِيرِهِمْ , وَبِأَنَّ قَتْل تَارِك الصَّلَاة عِنْد مَنْ لَا يُكَفِّرهُ مُخْتَلَف فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحه , وَأَمَّا مَنْ طَلَبَ الْمَال أَوْ الْحَرِيم فَمِنْ حُكْم دَفْع الصَّائِل , وَمَانِع الزَّكَاة تَقَدَّمَ جَوَابه , وَمُخَالِف الْإِجْمَاع دَاخِل فِي مُفَارِق الْجَمَاعَة , وَقَتْل الزِّنْدِيق لِاسْتِصْحَابِ حُكْم كُفْره , وَكَذَا السَّاحِر , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ حَكَى اِبْن الْعَرَبِيّ عَنْ بَعْض أَشْيَاخه أَنَّ أَسْبَاب الْقَتْل عَشَرَة , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَلَا تَخْرُج عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَة بِحَالٍ , فَإِنَّ مَنْ سَحَرَ أَوْ سَبَّ نَبِيّ اللَّه كُفِّرَ فَهُوَ دَاخِل فِي التَّارِك لِدِينِهِ وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ ( النَّفْس بِالنَّفْسِ ) عَلَى تَسَاوِي النُّفُوس فِي الْقَتْل الْعَمْد فَيُقَاد لِكُلِّ مَقْتُول مِنْ قَاتِله سَوَاء كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا , وَتَمَسَّكَ بِهِ الْحَنَفِيَّة وَادَّعَوْا أَنَّ آيَة الْمَائِدَة الْمَذْكُورَة فِي التَّرْجَمَة نَاسِخَة لِآيَةِ الْبَقَرَة ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ ) وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْن عَبْد الْجَانِي وَعَبْد غَيْره فَأَقَادَ مِنْ عَبْد غَيْره دُون عَبْد نَفْسه , وَقَالَ الْجُمْهُور : آيَة الْبَقَرَة مُفَسِّرَة لِآيَةِ الْمَائِدَة فَيُقْتَل الْعَبْد بِالْحُرِّ وَلَا يُقْتَل الْحُرّ بِالْعَبْدِ لِنَقْصِهِ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَيْسَ بَيْن الْعَبْد وَالْحُرّ قِصَاص إِلَّا أَنْ يَشَاء الْحُرّ , وَاحْتَجَّ لِلْجُمْهُورِ بِأَنَّ الْعَبْد سِلْعَة فَلَا يَجِب فِيهِ إِلَّا الْقِيمَة لَوْ قُتِلَ خَطَأ , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ بَعْد بَاب. وَاسْتَدَلَّ بِعُمُومِهِ عَلَى جَوَاز قَتْل الْمُسْلِم بِالْكَافِرِ الْمُسْتَأْمَن وَالْمُعَاهَد , وَقَدْ مَضَى فِي الْبَاب قَبْله شَرْح حَدِيث عَلِيّ \" لَا يُقْتَل مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ \" وَفِي الْحَدِيث جَوَاز وَصْف الشَّخْص بِمَا كَانَ عَلَيْهِ وَلَوْ اِنْتَقَلَ عَنْهُ لِاسْتِثْنَائِهِ الْمُرْتَدَّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَهُوَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6371",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى ‏ ‏أَوْضَاحٍ ‏ ‏لَهَا فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبِهَا ‏ ‏رَمَقٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَقَتَلَكِ فُلَانٌ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ نَعَمْ فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِحَجَرَيْنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6372",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏خُزَاعَةَ ‏ ‏قَتَلُوا ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَرْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّهُ عَامَ فَتْحِ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏قَتَلَتْ ‏ ‏خُزَاعَةُ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏بَنِي لَيْثٍ ‏ ‏بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي أَلَا وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلَّا مُنْشِدٌ وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا يُودَى وَإِمَّا يُقَادُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ ‏ ‏أَبُو شَاهٍ ‏ ‏فَقَالَ اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اكْتُبُوا ‏ ‏لِأَبِي شَاهٍ ‏ ‏ثُمَّ قَامَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏فَإِنَّمَا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَّا ‏ ‏الْإِذْخِرَ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَيْبَانَ ‏ ‏فِي الْفِيلِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعْضُهُمْ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي نُعَيْمٍ ‏ ‏الْقَتْلَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏إِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مُرْسَلًا , وَهُوَ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن حُمَيْد عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَهِيَ شَاذَّة. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ خُزَاعَة قَتَلُوا رَجُلًا , وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن رَجَاء ) ‏ ‏كَذَا تَحَوَّلَ إِلَى طَرِيق حَرْب بْن شَدَّاد عَنْ يَحْيَى وَهُوَ اِبْن أَبِي كَثِير فِي الطَّرِيقَيْنِ , وَسَاقَ الْحَدِيث هُنَا عَلَى لَفْظ حَرْب , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظ شَيْبَانَ وَهُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن فِي كِتَاب الْعِلْم , وَطَرِيق عَبْد اللَّه بْن رَجَاء هَذِهِ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عَلِيّ السِّيرَافِيّ عَنْهُ , وَتَقَدَّمَ فِي اللُّقَطَة مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَة مُصَرِّحًا بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيع السَّنَد. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ عَام فَتْح مَكَّة ) ‏ ‏الْهَاء فِي أَنَّهُ ضَمِير الشَّأْن. ‏ ‏قَوْله ( قَتَلَتْ خُزَاعَة رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْث بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْح أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" إِنَّ اللَّه حَرَّمَ مَكَّة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَر خُزَاعَة قَتَلْتُمْ هَذَا الرَّجُل مِنْ هُذَيْل , وَإِنِّي عَاقِله \" وَقَعَ نَحْو ذَلِكَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق عَنْ الْمَقْبُرِيِّ كَمَا أَوْرَدْته فِي \" بَاب لَا يُعْضَد شَجَر الْحَرَم \" مِنْ أَبْوَاب جَزَاء الصَّيْد مِنْ كِتَاب الْحَجّ , فَأَمَّا خُزَاعَة فَتَقَدَّمَ نَسَبهمْ فِي أَوَّل مَنَاقِب قُرَيْش وَأَمَّا بَنُو لَيْث فَقَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى لَيْث بْن بَكْر بْن كِنَانَة بْن خُزَيْمَةَ بْن مُدْرِكَة بْن إِلْيَاس بْن مُضَر , وَأَمَّا هُذَيْل فَقَبِيلَة كَبِيرَة يُنْسَبُونَ إِلَى هُذَيْل وَهُمْ بَنُو مُدْرِكَة بْن إِلْيَاس بْن مُضَر , وَكَانَتْ هُذَيْل وَبَكْر مِنْ سُكَّان مَكَّة وَكَانُوا فِي ظَوَاهِرهَا خَارِجِينَ مِنْ الْحَرَم , وَأَمَّا خُزَاعَة فَكَانُوا غَلَبُوا عَلَى مَكَّة وَحَكَمُوا فِيهَا ثُمَّ أُخْرِجُوا مِنْهَا فَصَارُوا فِي ظَاهِرهَا , وَكَانَتْ بَيْنهمْ وَبَيْن بَنِي بَكْر عَدَاوَة ظَاهِرَة فِي الْجَاهِلِيَّة , وَكَانَتْ خُزَاعَة حُلَفَاء بَنِي هَاشِم بْن عَبْد مَنَاف إِلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ بَنُو بَكْر حُلَفَاء قُرَيْش كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي أَوَّل فَتْح مَكَّة مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي , وَقَدْ ذَكَرْت فِي كِتَاب الْعِلْم أَنَّ اِسْم الْقَاتِل مِنْ خُزَاعَة خِرَاش بِمُعْجَمَتَيْنِ اِبْن أُمَيَّة الْخُزَاعِيّ , وَأَنَّ الْمَقْتُول مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَ اِسْمه أَحْمَرَ وَأَنَّ الْمَقْتُول مِنْ بَنِي لَيْث لَمْ يُسَمَّ وَكَذَا الْقَاتِل , ثُمَّ رَأَيْت فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة لِابْنِ إِسْحَاق أَنَّ الْخُزَاعِيّ الْمَقْتُول اِسْمه مُنَبِّه , قَالَ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي \" حَدَّثَنِي سَعِيد بْن أَبِي سَنْدَر الْأَسْلَمِيّ عَنْ رَجُل مِنْ قَوْمه قَالَ : كَانَ مَعَنَا رَجُل يُقَال لَهُ أَحْمَرُ كَانَ شُجَاعًا وَكَانَ إِذَا نَامَ غَطَّ فَإِذَا طَرَقَهُمْ شَيْء صَاحُوا بِهِ فَيَثُور مِثْل الْأَسَد , فَغَزَاهُمْ قَوْم مِنْ هُذَيْل فِي الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ لَهُمْ اِبْن الأثوع وَهُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة وَالْعَيْن الْمُهْمَلَة : لَا تَعْجَلُوا حَتَّى أَنْظُر فَإِنْ كَانَ أَحْمَرُ فِيهِمْ فَلَا سَبِيل إِلَيْهِمْ , فَاسْتَمَعَ فَإِذَا غَطِيط أَحْمَرَ فَمَشَى إِلَيْهِ حَتَّى وَضَعَ السَّيْف فِي صَدْره فَقَتَلَهُ وَأَغَارُوا عَلَى الْحَيّ , فَلَمَّا كَانَ عَام الْفَتْح وَكَانَ الْغَد مِنْ يَوْم الْفَتْح أَتَى اِبْن الأثوع الْهُذَلِيّ حَتَّى دَخَلَ مَكَّة وَهُوَ عَلَى شِرْكه , فَرَأَتْهُ خُزَاعَة فَعَرَفُوهُ فَأَقْبَلَ خِرَاش بْن أُمَيَّة فَقَالَ أَفْرِجُوا عَنْ الرَّجُل فَطَعَنَهُ بِالسَّيْفِ فِي بَطْنه فَوَقَعَ قَتِيلًا , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" يَا مَعْشَر خُزَاعَة اِرْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنْ الْقَتْل , وَلَقَدْ قَتَلْتُمْ قَتِيلًا لَأَدِيَنَّهُ \" قَالَ اِبْن إِسْحَاق \" وَحَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن حَرْمَلَة الْأَسْلَمِيّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا صَنَعَ خِرَاش بْن أُمَيَّة قَالَ : إِنَّ خِرَاشًا لَقَتَّالٌ \" يَعِيبهُ بِذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث أَبِي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ كَمَا تَقَدَّمَ , فَهَذَا قِصَّة الْهُذَلِيّ , وَأَمَّا قِصَّة الْمَقْتُول مِنْ بَنِي لَيْث فَكَأَنَّهَا أُخْرَى , وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن هِشَام أَنَّ الْمَقْتُول مِنْ بَنِي لَيْث اِسْمه جُنْدَب بْن الْأَدْلَع , وَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّ أَوَّل قَتِيل وَدَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْفَتْح جُنْدَب بْن الْأَدْلَع قَتَلَهُ بَنُو كَعْب فَوَدَاهُ بِمِائَةِ نَاقَة , لَكِنْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيّ أَنَّ اِسْمه جُنْدَب بْن الْأَدْلَع , فَرَآهُ جُنْدَب بْن الْأَعْجَب الْأَسْلَمِيّ فَخَرَجَ يَسْتَجِيش عَلَيْهِ فَجَاءَ خِرَاش فَقَتَلَهُ , فَظَهَرَ أَنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة فَلَعَلَّهُ كَانَ هُذَلِيًّا حَالَفَ بَنِي لَيْث أَوْ بِالْعَكْسِ , وَرَأَيْت فِي آخِر الْجُزْء الثَّالِث مِنْ \" فَوَائِد أَبِي عَلِيّ بْن خُزَيْمَةَ \" أَنَّ اِسْم الْخُزَاعِيّ الْقَاتِل هِلَال بْن أُمَيَّة , فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّ هِلَالًا لَقَبُ خِرَاش وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان الْمُشَار إِلَيْهَا فِي الْعِلْم \" فَأُخْبِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَرَكِبَ رَاحِلَته فَخَطَبَ \". ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اللَّه حَبَسَ عَنْ مَكَّة الْفِيل ) ‏ ‏بِالْفَاءِ اِسْم الْحَيَوَان الْمَشْهُور , وَأَشَارَ بِحَبْسِهِ عَنْ مَكَّة إِلَى قِصَّة الْحَبَشَة وَهِيَ مَشْهُورَة سَاقَهَا اِبْن إِسْحَاق مَبْسُوطَة , وَحَاصِل مَا سَاقَهُ أَنَّ أَبْرَهَةَ الْحَبَشِيّ لَمَّا غَلَبَ عَلَى الْيَمَن وَكَانَ نَصْرَانِيًّا بَنَى كَنِيسَة وَأَلْزَمَ النَّاس بِالْحَجِّ إِلَيْهَا , فَعَمَدَ بَعْض الْعَرَب فَاسْتَغْفَلَ الْحَجَبَة وَتَغَوَّطَ فَهَرَبَ , فَغَضِبَ أَبْرَهَة وَعَزَمَ عَلَى تَخْرِيب الْكَعْبَة , فَتَجَهَّزَ فِي جَيْش كَثِيف وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ فِيلًا عَظِيمًا , فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ مَكَّة خَرَجَ إِلَيْهِ عَبْد الْمُطَّلِب فَأَعْظَمَهُ وَكَانَ جَمِيل الْهَيْئَة , فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ إِبِلًا لَهُ نُهِبَتْ فَاسْتَقْصَرَ هِمَّتَهُ وَقَالَ : لَقَدْ ظَنَنْت أَنَّك لَا تَسْأَلنِي إِلَّا فِي الْأَمْر الَّذِي جِئْت فِيهِ , فَقَالَ إِنَّ لِهَذَا الْبَيْت رَبًّا سَيَحْمِيهِ , فَأَعَادَ إِلَيْهِ إِبِله , وَتَقَدَّمَ أَبْرَهَة بِجُيُوشِهِ فَقَدَّمُوا الْفِيل فَبَرَكَ وَعَجَزُوا فِيهِ , وَأَرْسَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ طَيْرًا مَعَ كُلّ وَاحِد ثَلَاثَة أَحْجَار حَجَرَيْنِ فِي رِجْلَيْهِ وَحَجَرًا فِي مِنْقَاره فَأَلْقَوْهَا عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَد إِلَّا أُصِيبَ , وَأَخْرَجَ اِبْن مِرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" جَاءَ أَصْحَاب الْفِيل حَتَّى نَزَلُوا الصِّفَاح \" وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة ثُمَّ فَاء ثُمَّ مُهْمَلَة مَوْضِع خَارِج مَكَّة مِنْ جِهَة طَرِيق الْيَمَن , فَأَتَاهُمْ عَبْد الْمُطَّلِب فَقَالَ : إِنَّ هَذَا بَيْت اللَّه لَمْ يُسَلِّط عَلَيْهِ أَحَدًا , قَالُوا لَا نَرْجِع حَتَّى نَهْدِمهُ , فَكَانُوا لَا يُقَدِّمُونَ فِيلهمْ إِلَّا تَأَخَّرَ , فَدَعَا اللَّه الطَّيْر الْأَبَابِيل فَأَعْطَاهَا حِجَارَة سَوْدَاء فَلَمَّا حَاذَتْهُمْ رَمَتْهُمْ , فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَد إِلَّا أَخَذَتْهُ الْحَكَّة , فَكَانَ لَا يَحُكُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ جِلْده إِلَّا تَسَاقَطَ لَحْمه قَالَ اِبْن إِسْحَاق \" حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن عُتْبَةَ قَالَ : حُدِّثْت أَنَّ أَوَّل مَا وَقَعَتْ الْحَصْبَاء وَالْجُدَرِيّ بِأَرْضِ الْعَرَب مِنْ يَوْمئِذٍ \" وَعِنْد الطَّبَرِيّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عِكْرِمَة أَنَّهَا كَانَتْ طَيْرًا خُضْرًا خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْر لَهَا رُءُوس كَرُءُوسِ السِّبَاع. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن عُمَيْر بِسَنَدٍ قَوِيّ : بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَنْشَأَهَا مِنْ الْبَحْر كَأَمْثَالِ الْخَطَاطِيف. فَذَكَرَ نَحْو مَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلّ لِأَحَدٍ قَبْلِي إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه مُفَصَّلًا فِي \" بَاب تَحْرِيم الْقِتَال بِمَكَّة \" مِنْ أَبْوَاب جَزَاء الصَّيْد وَفِيمَا قَبْله فِي \" بَاب لَا يُعْضَد شَجَر الْحَرَم \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يُلْتَقَط ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ وَفِي آخِره ( إِلَّا لِمُنْشِدٍ ) وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيّ هُنَا بِفَتْحِ أَوَّله وَفِي آخِره \" إِلَّا مُنْشِد \" وَهُوَ وَاضِح. ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيل ) ‏ ‏أَيْ مَنْ قُتِلَ لَهُ قَرِيب كَانَ حَيًّا فَصَارَ قَتِيلًا بِذَلِكَ الْقَتْل. ‏ ‏قَوْله ( فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم بِلَفْظِ \" وَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ : وَهُوَ مُخْتَصَر وَلَا يُمْكِن حَمْله عَلَى ظَاهِره لِأَنَّ الْمَقْتُول لَا اِخْتِيَار لَهُ وَإِنَّمَا الِاخْتِيَار لِوَلِيِّهِ وَقَدْ أَشَارَ إِلَى نَحْو ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ \" فَإِمَّا أَنْ يَعْفُو وَإِمَّا أَنْ يَقْتُل \" وَالْمُرَاد الْعَفْو عَلَى الدِّيَة جَمْعًا بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ عِنْده فِي حَدِيث أَبِي شُرَيْح \" فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيل بَعْد الْيَوْم فَأَهْله بَيْن خِيرَتَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الدِّيَة \" وَلِأَبِي دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ وَعَلَّقَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي شُرَيْح بِلَفْظِ \" فَإِنَّهُ يَخْتَار إِحْدَى ثَلَاث إِمَّا أَنْ يَقْتَصّ , وَإِمَّا أَنْ يَعْفُو , وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذ الدِّيَة فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَة فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ \" أَيْ إِنْ أَرَادَ زِيَادَة عَلَى الْقِصَاص أَوْ الدِّيَة , وَسَأَذْكُرُ الِاخْتِلَاف فِيمَنْ يَسْتَحِقّ الْخِيَار هَلْ هُوَ الْقَاتِل أَوْ وَلِيّ الْمَقْتُول فِي شَرْح الْحَدِيث الَّذِي بَعْده وَفِي الْحَدِيث , أَنَّ وَلِيّ الدَّم يُخَيَّر بَيْن الْقِصَاص وَالدِّيَة , وَاخْتُلِفَ إِذَا اِخْتَارَ الدِّيَة هَلْ يَجِب عَلَى الْقَاتِل إِجَابَته ؟ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى ذَلِكَ , وَعَنْ مَالِك لَا يَجِب إِلَّا بِرِضَا الْقَاتِل , وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ \" وَمَنْ قُتِلَ لَهُ \" بِأَنَّ الْحَقّ يَتَعَلَّق بِوَرَثَةِ الْمَقْتُول , فَلَوْ كَانَ بَعْضهمْ غَائِبًا أَوْ طِفْلًا لَمْ يَكُنْ لِلْبَاقِينَ الْقِصَاص حَتَّى يَبْلُغ الطِّفْل وَيَقْدَم الْغَائِب. ‏ ‏قَوْله ( إِمَّا أَنْ يُودِيَ ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْوَاو أَيْ يُعْطِي الْقَاتِلُ أَوْ أَوْلِيَاؤُهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُول الدِّيَةَ ‏ ‏( وَإِمَّا أَنْ يُقَاد ) ‏ ‏أَيْ يُقْتَل بِهِ , وَوَقَعَ فِي الْعِلْم بِلَفْظِ \" إِمَّا أَنْ يَعْقِل \" بَدَل \" إِمَّا أَنْ يُودِي \" وَهُوَ بِمَعْنَاهُ , وَالْعَقْل الدِّيَة. وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ فِي اللُّقَطَة \" أَمَّا أَنْ يَفْدِي \" بِالْفَاءِ بَدَل الْوَاو , وَفِي نُسْخَة \" وَإِمَّا أَنْ يُعْطِي \" أَيْ الدِّيَة. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّ فِي رِوَايَة أُخْرَى \" إِمَّا أَنْ يُودِي أَوْ يُفَادِي \" وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ غَيْر صَحِيح لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِالْفَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَة لِتَقَدُّمِ ذِكْر الدِّيَة. وَلَوْ كَانَ بِالْقَافِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون لِلْمَقْتُولِ وَلِيَّانِ لَذُكِرَا بِالتَّثْنِيَةِ أَيْ يُقَادَا بِقَتِيلِهِمَا وَالْأَصْل عَدَم التَّعَدُّد , قَالَ وَصَحِيح الرِّوَايَة \" إِمَّا أَنْ يُودِي أَوْ يُقَاد \" وَإِنَّمَا يَصِحّ يُفَادَى إِنْ تَقَدَّمَهُ أَنْ يُقْتَصّ. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز إِيقَاع الْقِصَاص بِالْحَرَمِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ بِذَلِكَ بِمَكَّة وَلَمْ يُقَيِّدهُ بِغَيْرِ الْحَرَم , وَتَمَسَّكَ بِعُمُومِهِ مَنْ قَالَ يُقْتَل الْمُسْلِم بِالذِّمِّيِّ وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَامَ رَجُل مِنْ أَهْل الْيَمَن يُقَال لَهُ أَبُو شَاه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطه مَعَ شَرْحه فِي الْعِلْم , وَحَكَى السَّلَفِيّ أَنَّ بَعْضهمْ نَطَقَ بِهَا بِتَاءٍ فِي آخِره وَغَلَّطَهُ وَقَالَ هُوَ فَارِسِيّ مِنْ فُرْسَان الْفُرْس الَّذِينَ بَعَثَهُمْ كِسْرَى إِلَى الْيَمَن. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَامَ رَجُل مِنْ قُرَيْش فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِلَّا الْإِذْخِر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان اِسْمه وَأَنَّهُ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَشُرِحَ بَقِيَّة الْحَدِيث الْمُتَعَلِّق بِتَحْرِيمِ مَكَّة وَبِالْإِذْخِرِ فِي الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة مِنْ كِتَاب الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله ( وَتَابَعَهُ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن مُوسَى. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ شَيْبَانَ فِي الْفِيل ) ‏ ‏أَيْ تَابِع حَرْب بْن شَدَّاد عَنْ يَحْيَى فِي الْفِيل بِالْفَاءِ , وَرِوَايَة عُبَيْد اللَّه الْمَذْكُورَة مَوْصُولَة فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَعْضهمْ عَنْ أَبِي نُعَيْم : الْقَتْلَ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيُّ جَزَمَ عَنْ أَبِي نُعَيْم فِي رِوَايَته عَنْهُ بِهَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ \" الْقَتْل \" وَأَمَّا الْبُخَارِيّ فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالشَّكِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عُبَيْد اللَّه إِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيل ) ‏ ‏أَيْ يُؤْخَذ لَهُمْ بِثَأْرِهِمْ , وَعُبَيْد اللَّه هُوَ اِبْن مُوسَى الْمَذْكُور , وَرِوَايَته إِيَّاهُ عَنْ شَيْبَانَ بْن عَبْد الرَّحْمَن بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَرِوَايَته عَنْهُ مَوْصُولَة فِي صَحِيح مُسْلِم كَمَا بَيَّنْته وَلَفْظه \" إِمَّا أَنْ يُعْطِي الدِّيَة وَإِمَّا أَنْ يُقَاد أَهْل الْقَتِيل \" وَهُوَ بَيَان لِقَوْلِهِ \" إِمَّا أَنْ يُقَاد \". ‏"
    },
    {
        "id": "6373",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَتْ فِي ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏قِصَاصٌ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمْ ‏ ‏الدِّيَةُ ‏ ‏فَقَالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ‏ { ‏كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ‏} ‏إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ ‏ { ‏فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ ‏ ‏الدِّيَةَ ‏ ‏فِي الْعَمْدِ قَالَ ‏ { ‏فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ‏} ‏أَنْ يَطْلُبَ بِمَعْرُوفٍ وَيُؤَدِّيَ بِإِحْسَانٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُجَاهِد ) ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة عَنْ الْحُمَيْدِيّ \" عَنْ سُفْيَان حَدَّثَنَا عَمْرو سَمِعْت مُجَاهِدًا \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ \" سَمِعْت اِبْن عَبَّاس \" هَكَذَا وَصَلَهُ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار وَهُوَ مِنْ أَثْبَتِ النَّاس فِي عَمْرو , وَرَوَاهُ وَرْقَاء بْن عُمَر عَنْ عَمْرو فَلَمْ يَذْكُر فِيهِ اِبْن عَبَّاس أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيل الْقِصَاص ) ‏ ‏كَذَا هُنَا مِنْ رِوَايَة قُتَيْبَة عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ , وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان \" كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل الْقِصَاص \" كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير وَهُوَ أَوْجَهُ , وَكَأَنَّهُ أَنَّثَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْقِصَاص وَهُوَ الْمُمَاثَلَة وَالْمُسَاوَاة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ اللَّه لِهَذِهِ الْأُمَّة كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى إِلَى هَذِهِ الْآيَة فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء ) ‏ ‏قُلْت : كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة قُتَيْبَة , وَوَقَعَ هُنَا عِنْد أَبِي ذَرّ وَالْأَكْثَر. وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَالْقَابِسِيّ \" إِلَى قَوْله فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر فِي مُسْنَده وَمِنْ طَرِيقه أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" إِلَى قَوْله فِي هَذِهِ الْآيَة \" وَبِهَذَا يَظْهَر الْمُرَاد , وَإِلَّا فَالْأَوَّل يُوهِم أَنَّ قَوْله ( فَمَنْ عُفِيَ ) فِي آيَة تَلِي الْآيَة الْمُبْدَأ بِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي كُرَيْب وَغَيْره عَنْ سُفْيَان فَقَالَ بَعْد قَوْله فِي الْقَتْلَى \" فَقَرَأَ إِلَى وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ الْمَذْكُورَة مَا حُذِفَ هُنَا مِنْ الْآيَة وَزَادَ فِي آخِره تَفْسِير قَوْله ( ذَلِكَ تَخْفِيف مِنْ رَبّكُمْ ) وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا تَفْسِير قَوْله ( فَمَنْ اِعْتَدَى ) أَيْ قَتَلَ بَعْد قَبُول الدِّيَة. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِير الْعَذَاب فِي هَذِهِ الْآيَة فَقِيلَ : يَتَعَلَّق بِالْآخِرَةِ وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لِمَنْ قَتَلَ اِبْتِدَاء وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور , وَعَنْ عِكْرِمَة وَقَتَادَة وَالسُّدِّيِّ يَتَحَتَّم الْقَتْل وَلَا يَتَمَكَّن الْوَلِيّ مِنْ أَخْذ الدِّيَة. وَفِيهِ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ \" لَا أَعْفُو عَمَّنْ قَتَلَ بَعْد أَخْذِ الدِّيَة \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي سَنَده اِنْقِطَاع , قَالَ أَبُو عُبَيْد : ذَهَبَ اِبْن عَبَّاس إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَة لَيْسَتْ مَنْسُوخَة بِآيَةِ الْمَائِدَة ( أَنَّ النَّفْس بِالنَّفْسِ ) بَلْ هُمَا مُحَكَّمَتَانِ , وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ آيَة الْمَائِدَة مُفَسِّرَة لِآيَةِ الْبَقَرَة وَأَنَّ الْمُرَاد بِالنَّفْسِ نَفْس الْأَحْرَار ذُكُورهمْ وَإِنَاثهمْ دُون الْأَرِقَّاء فَإِنَّ أَنْفُسهمْ مُتَسَاوِيَة دُون الْأَحْرَار. وَقَالَ إِسْمَاعِيل الْمُرَاد فِي النَّفْس بِالنَّفْسِ الْمُكَافِئَةُ لِلْأُخْرَى فِي الْحُدُود ; لِأَنَّ الْحُرّ لَوْ قَذَفَ عَبْدًا لَمْ يُجْلَد اِتِّفَاقًا , وَالْقَتْل قِصَاصًا مِنْ جُمْلَة الْحُدُود , قَالَ وَبَيَّنَهُ قَوْله فِي الْآيَة ( وَالْجُرُوح قِصَاص فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ ) فَمِنْ هُنَا يَخْرُج الْعَبْد وَالْكَافِر لِأَنَّ الْعَبْد لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّق بِدَمِهِ وَلَا بِجُرْحِهِ , وَلِأَنَّ الْكَافِر لَا يُسَمَّى مُتَصَدِّقًا وَلَا مُكَفَّرًا عَنْهُ. قُلْت : مُحَصَّل كَلَام اِبْن عَبَّاس يَدُلّ عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا ) أَيْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل فِي التَّوْرَاة ( أَنَّ النَّفْس بِالنَّفْسِ ) مُطْلَقًا فَخَفَّفَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّة بِمَشْرُوعِيَّةِ الدِّيَة بَدَلًا عَنْ الْقَتْل لِمَنْ عَفَا مِنْ الْأَوْلِيَاء عَنْ الْقِصَاص وَبِتَخْصِيصِهِ بِالْحُرِّ فِي الْحُرّ , فَحِينَئِذٍ لَا حُجَّة فِي آيَة الْمَائِدَة لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا فِي قَتْل الْحُرّ بِالْعَبْدِ وَالْمُسْلِم بِالْكَافِرِ , لِأَنَّ شَرْع مَنْ قَبْلنَا إِنَّمَا يُتَمَسَّك مِنْهُ بِمَا لَمْ يَرِد فِي شَرْعنَا مَا يُخَالِفهُ , وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ شَرِيعَة عِيسَى لَمْ يَكُنْ فِيهَا قِصَاص وَإِنَّهُ كَانَ فِيهَا الدِّيَة فَقَطْ , فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ اِمْتَازَتْ شَرِيعَة الْإِسْلَام بِأَنَّهَا جَمَعَتْ الْأَمْرَيْنِ فَكَانَتْ وُسْطَى لَا إِفْرَاط وَلَا تَفْرِيط , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُخَيَّر فِي الْقَوَد أَوْ أَخْذ الدِّيَة هُوَ الْوَلِيّ وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَقَرَّرَهُ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ الْعَفْو فِي الْآيَة يَحْتَاج إِلَى بَيَان , لِأَنَّ ظَاهِر الْقِصَاص أَنْ لَا تَبِعَة لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَر , لَكِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ عُفِيَ عَنْهُ مِنْ الْقِصَاص إِلَى الدِّيَة فَعَلَى مُسْتَحِقّ الدِّيَة الِاتِّبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ الْمُطَالَبَة وَعَلَى الْقَاتِل الْأَدَاء وَهُوَ دَفْع الدِّيَة بِإِحْسَانٍ. وَذَهَبَ مَالِك وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَة إِلَى أَنَّ الْخِيَار فِي الْقِصَاص أَوْ الدِّيَة لِلْقَاتِلِ , قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَالْحُجَّة لَهُمْ حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الرُّبَيِّع عَمَّته فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كِتَاب اللَّه الْقِصَاص \" فَإِنَّهُ حَكَمَ بِالْقِصَاصِ وَلَمْ يُخَيِّر , وَلَوْ كَانَ الْخِيَار لِلْوَلِيِّ لَأَعْلَمَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ لَا يَجُوز لِلْحَاكِمِ أَنْ يَتَحَكَّم لِمَنْ ثَبَتَ لَهُ أَحَد شَيْئَيْنِ بِأَحَدِهِمَا مِنْ قَبْل أَنْ يُعْلِمهُ بِأَنَّ الْحَقّ لَهُ فِي أَحَدهمَا , فَلَمَّا حَكَمَ بِالْقِصَاصِ وَجَبَ أَنْ يُحْمَل عَلَيْهِ قَوْله \" فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ \" أَيْ وَلِيّ الْمَقْتُول مُخَيَّرٌ بِشَرْطِ أَنْ يَرْضَى الْجَانِي أَنْ يَغْرَم الدِّيَة. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كِتَاب اللَّه الْقِصَاص \" إِنَّمَا وَقَعَ عِنْد طَلَب أَوْلِيَاء الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ فِي الْعَمْد الْقَوَدَ فَأَعْلَمَ أَنَّ كِتَاب اللَّه نَزَلَ عَلَى أَنَّ الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ إِذَا طَلَبَ الْقَوَد أُجِيبَ إِلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا اِدَّعَاهُ مِنْ تَأْخِير الْبَيَان , وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَلِيّ لَوْ قَالَ لِلْقَاتِلِ رَضِيت أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا عَلَى أَنْ لَا أَقْتُلك أَنَّ الْقَاتِل لَا يُجْبَر عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُؤْخَذ مِنْهُ كُرْهًا وَإِنْ كَانَ يَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَحْقِن دَمَ نَفْسه. وَقَالَ الْمُهَلَّب وَغَيْره : يُسْتَفَاد مِنْ قَوْله \" فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ \" أَنَّ الْوَلِيّ إِذَا سُئِلَ فِي الْعَفْو عَلَى مَال إِنْ شَاءَ قَبِلَ ذَلِكَ وَإِنْ شَاءَ اِقْتَصَّ وَعَلَى الْوَلِيّ اِتِّبَاع الْأَوْلَى فِي ذَلِكَ , وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلّ عَلَى إِكْرَاه الْقَاتِل عَلَى بَذْل الدِّيَة , وَاسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِب فِي قَتْل الْعَمْد الْقَوَد وَالدِّيَةُ بَدَلٌ مِنْهُ , وَقِيلَ الْوَاجِب الْخِيَار , وَهُمَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ , وَكَذَا فِي مَذْهَب الشَّافِعِيّ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ , وَاخْتُلِفَ فِي سَبَب نُزُول الْآيَة فَقِيلَ نَزَلَتْ فِي حَيَّيْنِ مِنْ الْعَرَب كَانَ لِأَحَدِهِمَا طَوْلٌ عَلَى الْآخَر فِي الشَّرَف فَكَانُوا يَتَزَوَّجُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ بِغَيْرِ مَهْر وَإِذَا قُتِلَ مِنْهُمْ عَبْدٌ قَتَلُوا بِهِ حُرًّا أَوْ اِمْرَأَةٌ قَتَلُوا بِهَا رَجُلًا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ الشَّعْبِيّ , وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن صَالِح بْن حَيّ عَنْ سِمَاك بْن حَرْب عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ قُرَيْظَة وَالنَّضِير وَكَانَ النَّضِير أَشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَة , فَكَانَ إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَة رَجُلًا مِنْ النَّضِير قُتِلَ بِهِ وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ النَّضِير رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَة يُودَى بِمِائَةِ وَسْق مِنْ التَّمْر , فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ رَجُل مِنْ النَّضِير رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَة فَقَالُوا اِدْفَعُوهُ لَنَا نَقْتُلهُ , فَقَالُوا بَيْننَا وَبَيْنكُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَتَوْهُ فَنَزَلَتْ ( وَإِنْ حَكَمْت فَاحْكُمْ بَيْنهمْ بِالْقِسْطِ ) وَالْقِسْط : النَّفْس بِالنَّفْسِ , ثُمَّ نَزَلَتْ ( أَفَحُكْم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ ) وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُور عَلَى جَوَاز أَخْذ الدِّيَة فِي قَتْل الْعَمْد وَلَوْ كَانَ غِيلَة وَهُوَ أَنْ يَخْدَع شَخْصًا حَتَّى يَصِير بِهِ إِلَى مَوْضِع خَفِيّ فَيَقْتُلهُ , خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ , وَأَلْحَقَهُ مَالِك بِالْمُحَارِبِ فَإِنَّ الْأَمْر فِيهِ إِلَى السُّلْطَان وَلَيْسَ لِلْأَوْلِيَاءِ الْعَفْو عَنْهُ , وَهَذَا عَلَى أَصْله فِي أَنَّ حَدّ الْمُحَارِب الْقَتْل إِذَا رَآهُ الْإِمَام وَأَنَّ \" أَوْ \" فِي الْآيَة لِلتَّخْيِيرِ لَا لِلتَّنْوِيعِ , وَفِيهِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ مُتَأَوِّلًا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ قَتَلَ خَطَأ فِي وُجُوب الدِّيَة لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَإِنِّي عَاقِله \" وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الْمَالِكِيَّة عَلَى قَتْل مَنْ اِلْتَجَأَ إِلَى الْحَرَم بَعْد أَنْ يَقْتُل عَمْدًا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا يُقْتَل فِي الْحَرَم بَلْ يُلْجَأ إِلَى الْخُرُوج مِنْهُ , وَوَجْه الدَّلَالَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ فِي قِصَّة قَتِيل خُزَاعَة الْمَقْتُول فِي الْحَرَم , وَأَنَّ الْقَوَد مَشْرُوع فِيمَنْ قَتَلَ عَمْدًا , وَلَا يُعَارِضهُ مَا ذُكِرَ مِنْ حُرْمَة الْحَرَم فَإِنَّ الْمُرَاد بِهِ تَعْظِيمه بِتَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ اللَّه , وَإِقَامَة الْحَدّ عَلَى الْجَانِي بِهِ مِنْ جُمْلَة تَعْظِيم حُرُمَات اللَّه , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ هَذَا فِي الْمَوْضِع الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ آنِفًا مِنْ كِتَاب الْحَجّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6374",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ ‏ ‏مُلْحِدٌ ‏ ‏فِي ‏ ‏الْحَرَمِ ‏ ‏وَمُبْتَغٍ ‏ ‏فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ‏ ‏لِيُهَرِيقَ دَمَهُ ‏",
        "sharh": "\" 10248 \" ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي حُسَيْن ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ , وَثَبَتَ ذِكْر أَبِيهِ فِي هَذَا السَّنَد عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي نُسْخَة شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة وَكَذَا فِي مُسْتَخْرَج أَبِي نُعَيْم , وَنَافِع بْن جُبَيْر أَيْ اِبْن مُطْعِم. ‏ ‏قَوْله ( أَبْغَضُ ) ‏ ‏هُوَ أَفْعَلُ مِنْ الْبُغْض , قَالَ وَهُوَ شَاذٌّ وَمِثْلُهُ أَعْدَمُ مِنْ الْعَدَم إِذَا افْتَقَرَ , قَالَ وَإِنَّمَا يُقَال أَفْعَلُ مِنْ كَذَا لِلْمُفَاضَلَةِ فِي الْفِعْل الثُّلَاثِيّ , قَالَ الْمُهَلَّب وَغَيْره : الْمُرَاد بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة أَنَّهُمْ أَبْغَضُ أَهْل الْمَعَاصِي إِلَى اللَّه , فَهُوَ كَقَوْلِهِ \" أَكْبَرُ الْكَبَائِر \" وَإِلَّا فَالشِّرْك أَبْغَضُ إِلَى اللَّه مِنْ جَمِيع الْمَعَاصِي. ‏ ‏قَوْله ( مُلْحِد فِي الْحَرَم ) ‏ ‏أَصْل الْمُلْحِد هُوَ الْمَائِل عَنْ الْحَقّ , وَالْإِلْحَاد الْعُدُول عَنْ الْقَصْد , وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ مُرْتَكِب الصَّغِيرَة مَائِل عَنْ الْحَقّ , وَالْجَوَاب أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَة فِي الْعُرْف مُسْتَعْمَلَة لِلْخَارِجِ عَنْ الدِّين فَإِذَا وُصِفَ بِهِ مَنْ اِرْتَكَبَ مَعْصِيَة كَانَ فِي ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى عِظَمِهَا , وَقِيلَ إِيرَاده بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّة مُشْعِر بِثُبُوتِ الصِّفَة , ثُمَّ التَّنْكِير لِلتَّعْظِيمِ فَيَكُون ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى عِظَم الذَّنْب , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي عَدِّ الْكَبَائِر مُسْتَحِلّ الْبَيْت الْحَرَام , وَأَخْرَجَ الثَّوْرِيّ فِي تَفْسِيره عَنْ السُّدِّيّ عَنْ مُرَّة عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" مَا مِنْ رَجُل يَهُمّ بِسَيِّئَةٍ فَتُكْتَب عَلَيْهِ , إِلَّا أَنَّ رَجُلًا لَوْ هَمَّ بِعَدَنِ أَبْيَنَ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا بِالْبَيْتِ الْحَرَام إِلَّا أَذَاقَهُ اللَّهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ \" وَهَذَا سَنَد صَحِيح , وَقَدْ ذَكَرَ شُعْبَة أَنَّ السُّدِّيّ رَفَعَهُ لَهُمْ , وَكَانَ شُعْبَة يَرْوِيه عَنْهُ مَوْقُوفًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ شُعْبَة , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أَسْبَاط بْن نَصْر عَنْ السُّدِّيّ مَوْقُوفًا , وَظَاهِر سِيَاق الْحَدِيث أَنَّ فِعْل الصَّغِيرَة فِي الْحَرَم أَشَدُّ مِنْ فِعْل الْكَبِيرَة فِي غَيْره , وَهُوَ مُشْكِل فَيَتَعَيَّن أَنَّ الْمُرَاد بِالْإِلْحَادِ فِعْل الْكَبِيرَة , وَقَدْ يُؤْخَذ ذَلِكَ مِنْ سِيَاق الْآيَة فَإِنَّ الْإِتْيَان بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّة فِي قَوْله ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) الْآيَة يُفِيد ثُبُوت الْإِلْحَاد وَدَوَامه , وَالتَّنْوِين لِلتَّعْظِيمِ أَيْ مَنْ يَكُون إِلْحَاده عَظِيمًا وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله ( وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَام سُنَّة الْجَاهِلِيَّة ) ‏ ‏أَيْ يَكُون لَهُ الْحَقّ عِنْد شَخْص فَيَطْلُبهُ مِنْ غَيْره مِمَّنْ لَا يَكُون لَهُ فِيهِ مُشَارَكَة كَوَالِدِهِ أَوْ وَلَده أَوْ قَرِيبه , وَقِيلَ الْمُرَاد مَنْ يُرِيد بَقَاء سِيرَة الْجَاهِلِيَّة أَوْ إِشَاعَتهَا أَوْ تَنْفِيذهَا. وَسُنَّة الْجَاهِلِيَّة اِسْم جِنْس يَعُمّ جَمِيع مَا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَعْتَمِدُونَهُ مِنْ أَخْذ الْجَار بِجَارِهِ وَالْحَلِيف بِحَلِيفِهِ وَنَحْو ذَلِكَ , وَيَلْتَحِق بِذَلِكَ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ , وَالْمُرَاد مِنْهُ مَا جَاءَ الْإِسْلَام بِتَرْكِهِ كَالطِّيَرَةِ وَالْكَهَانَة وَغَيْر ذَلِكَ , وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي شُرَيْح رَفَعَه \" إِنَّ أَعْتَى النَّاس عَلَى اللَّه مَنْ قَتَلَ غَيْر قَاتِله , أَوْ طَلَبَ بِدَمِ الْجَاهِلِيَّة فِي الْإِسْلَام \" فَيُمْكِن أَنْ يُفَسَّر بِهِ سُنَّة الْجَاهِلِيَّة فِي هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( وَمُطَّلِب ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ مُفْتَعِل مِنْ الطَّلَب فَأُبْدِلَتْ التَّاءُ طَاءً وَأُدْغِمَتْ وَالْمُرَاد مَنْ يُبَالِغ فِي الطَّلَب. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْمَعْنَى الْمُتَكَلِّف لِلطَّلَبِ , وَالْمُرَاد الطَّلَب الْمُتَرَتِّب عَلَيْهِ الْمَطْلُوب لَا مُجَرَّد الطَّلَب , أَوْ ذَكَرَ الطَّلَب لِيَلْزَم الزَّجْرُ فِي الْفِعْل بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَقَوْله \" بِغَيْرِ حَقّ \" اِحْتِرَاز عَمَّنْ يَقَع لَهُ مِثْل ذَلِكَ لَكِنْ بِحَقٍّ كَطَلَبِ الْقِصَاص مَثَلًا. وَقَوْله \" لِيُهَرِيقَ \" بِفَتْحِ الْهَاء وَيَجُوز إِسْكَانهَا , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْعَزْم الْمُصَمَّم يُؤَاخَذ بِهِ , وَتَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث \" مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ \" فِي كِتَاب الرِّقَاق. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏: وَقَفْت لِهَذَا الْحَدِيث عَلَى سَبَب فَقَرَأْت فِي \" كِتَاب مَكَّة لِعُمَر بْن شَبَّة \" مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن دِينَار عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عَطَاء بْن يَزِيد قَالَ : قُتِلَ رَجُلٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ يَعْنِي فِي غَزْوَة الْفَتْح , فَذَكَرَ الْقِصَّة وَفِيهَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْتَى عَلَى اللَّه مِنْ ثَلَاثَة : رَجُل قَتَلَ فِي الْحَرَم أَوْ قَتَلَ غَيْر قَاتِله أَوْ قَتَلَ بِذَحْلٍ فِي الْجَاهِلِيَّة \" وَمِنْ طَرِيق مِسْعَر عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ الزُّهْرِيّ وَلَفْظه \" إِنَّ أَجْرَأ النَّاس عَلَى اللَّه \" فَذَكَرَ نَحْوه وَقَالَ فِيهِ \" وَطَلَبَ بِذُحُولِ الْجَاهِلِيَّة \". ‏"
    },
    {
        "id": "6375",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ يَعْنِي الْوَاسِطِيَّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏صَرَخَ إِبْلِيسُ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏فِي النَّاسِ يَا عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ حَتَّى قَتَلُوا ‏ ‏الْيَمَانِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏أَبِي أَبِي فَقَتَلُوهُ فَقَالَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ قَالَ وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا ‏ ‏بِالطَّائِفِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا فَرْوَة ) ‏ ‏بِفَاءٍ هُوَ اِبْن أَبِي الْمَغْرَاء. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْم أُحُد ) ‏ ‏سَقَطَ هَذَا الْقَدْر لِأَبِي ذَرّ وَتَحَوَّلَ إِلَى السَّنَد الْآخَر فَصَارَ ظَاهِره أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ سَوَاء وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَيَحْيَى بْن أَبِي زَكَرِيَّا فِي السَّنَد الثَّانِي هُوَ يَحْيَى بْن يَحْيَى الْغَسَّانِيّ , وَسَاقَ الْمَتْن هُنَا عَلَى لَفْظه , وَأَمَّا لَفْظ عَلِيّ بْن مُسْهِر فَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَنْ حَنِثَ نَاسِيًا \" مِنْ كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي غَزْوَة أُحُد. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ حُذَيْفَة غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ ) ‏ ‏اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ دِيَته وَجَبَتْ عَلَى مَنْ حَضَرَ , لِأَنَّ مَعْنَى قَوْله \" غَفَرَ اللَّه لَكُمْ \" عَفَوْت عَنْكُمْ , وَهُوَ لَا يَعْفُو إِلَّا عَنْ شَيْء اُسْتُحِقَّ لَهُ أَنْ يُطَالِب بِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو إِسْحَاق الْفَزَارِيُّ فِي السُّنَن عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ \" أَخْطَأَ الْمُسْلِمُونَ بِأَبِي حُذَيْفَة يَوْم أُحُد حَتَّى قَتَلُوهُ , فَقَالَ حُذَيْفَة يَغْفِر اللَّه لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ , فَبَلَغَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزَادَهُ عِنْده خَيْرًا وَوَدَاهُ مِنْ عِنْده \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة تَرُدُّ قَوْلَ مَنْ حَمَلَ قَوْله \" فَلَمْ يَزَلْ فِي حُذَيْفَة مِنْهَا بَقِيَّة خَيْر \" عَلَى الْحُزْن عَلَى أَبِيهِ , وَقَدْ أَوْضَحْت الرَّدّ عَلَيْهِ فِي \" بَاب مَنْ حَنِثَ نَاسِيًا \" وَيُؤْخَذ مِنْهَا أَيْضًا التَّعَقُّب عَلَى الْمُحِبّ الطَّبَرِيّ حَيْثُ قَالَ : حَمَلَ الْبُخَارِيّ قَوْل حُذَيْفَة \" غَفَرَ اللَّه لَكُمْ \" عَلَى الْعَفْو عَنْ الضَّمَان وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ , فَيُجَاب بِأَنَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ بِهَذَا الَّذِي هُوَ غَيْر صَرِيح إِلَى مَا وَرَدَ صَرِيحًا وَإِنْ كَانَ لَيْسَ عَلَى شَرْطه فَإِنَّهُ يُؤَيِّد مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6376",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حَبَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ يَهُودِيًّا ‏ ‏رَضَّ ‏ ‏رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقِيلَ لَهَا مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا أَفُلَانٌ أَفُلَانٌ حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا فَجِيءَ بِالْيَهُودِيِّ فَاعْتَرَفَ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ وَقَدْ قَالَ ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏بِحَجَرَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( فَجِيءَ بِالْيَهُودِيِّ فَاعْتَرَفَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هُدْبَة عَنْ هَمَّام \" فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَقَرَّ \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَفِي حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الْيَهُودِيّ حُجَّة لِلْجُمْهُورِ فِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِقْرَار بِالْقَتْلِ أَنْ يَتَكَرَّر , وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ إِطْلَاق قَوْله \" فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ \" فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِيهِ عَدَدًا وَالْأَصْل عَدَمه , وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى اِشْتِرَاط تَكْرَار الْإِقْرَار بِالْقَتْلِ مَرَّتَيْنِ قِيَاسًا عَلَى اِشْتِرَاط تَكْرَار الْإِقْرَار بِالزِّنَا أَرْبَعًا تَبَعًا لِعَدَدِ الشُّهُود فِي الْمَوْضِعَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6377",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَتَلَ يَهُودِيًّا بِجَارِيَةٍ قَتَلَهَا عَلَى ‏ ‏أَوْضَاحٍ ‏ ‏لَهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6378",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَدَدْنَا ‏ ‏النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَرَضِهِ فَقَالَ ‏ ‏لَا ‏ ‏تُلِدُّونِي ‏ ‏فَقُلْنَا كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا ‏ ‏لُدَّ ‏ ‏غَيْرَ ‏ ‏الْعَبَّاسِ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان ‏ ‏وَسُفْيَان ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( لَدَدْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضه فَقَالَ لَا تَلُدُّونِي ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة , وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا \" لَا يَبْقَى أَحَد مِنْكُمْ إِلَّا لُدَّ \" فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى مَشْرُوعِيَّة الِاقْتِصَاص مِنْ الْمَرْأَة بِمَا جَنَتْهُ عَلَى الرَّجُل , لِأَنَّ الَّذِينَ لَدُّوهُ كَانُوا رِجَالًا وَنِسَاء , وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيح فِي بَعْض طُرُقه بِأَنَّهُمْ لَدُّوا مَيْمُونَةَ وَهِيَ صَائِمَةٌ مِنْ أَجْل عُمُوم الْأَمْر كَمَا مَضَى فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة مِنْ وَجْهَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( غَيْرَ الْعَبَّاس فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدكُمْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه أَيْضًا فِي الْوَفَاة النَّبَوِيَّة قَبْل. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ صَاحِب الْحَقّ يَسْتَثْنِي مِنْ غُرَمَائِهِ مَنْ شَاءَ فَيَعْفُو عَنْهُ وَيَقْتَصّ مِنْ الْبَاقِينَ , وَفِيهِ نَظَر لِقَوْلِهِ \" لَمْ يَشْهَدكُمْ \" وَفِيهِ أَخْذُ الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ رَأَى الْقِصَاص فِي اللَّطْمَة وَنَحْوهَا , وَاعْتَلَّ مَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّطْم يَتَعَذَّر ضَبْطُهُ وَتَقْدِيره بِحَيْثُ لَا يَزِيد وَلَا يَنْقُص وَأَمَّا اللُّدُود فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون قِصَاصًا وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون مُعَاقَبَة عَلَى مُخَالَفَة أَمْره فَعُوقِبُوا مِنْ جِنْس جِنَايَتهمْ. وَفِيهِ أَنَّ الشُّرَكَاء فِي الْجِنَايَة يُقْتَصّ مِنْ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ إِذَا كَانَتْ أَفْعَالهمْ لَا تَتَمَيَّز , بِخِلَافِ الْجِنَايَة فِي الْمَال لِأَنَّهَا تَتَبَعَّض , إِذْ لَوْ اِشْتَرَكَ جَمَاعَة فِي سَرِقَة رُبْع دِينَار لَمْ يُقْطَعُوا اِتِّفَاقًا , وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ بَعْد سِتَّة أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "6379",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْأَعْرَجَ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ إِنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة يَقُول إِنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم الْقِيَامَة ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَسَقَطَ \" يَوْم الْقِيَامَة \" لِلْبَاقِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6380",
        "content": "‏ ‏وَبِإِسْنَادِهِ ‏ ‏لَوْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِكَ أَحَدٌ وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ خَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَبِإِسْنَادِهِ لَوْ اِطَّلَعَ إِلَخْ ) ‏ ‏هُوَ الْمُرَاد فِي هَذَّة التَّرْجَمَة , وَالْأَوَّل ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ أَوَّل حَدِيث فِي نُسْخَة شُعَيْب عَنْ أَبِي الزِّنَاد , وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَسُقْ الْحَدِيث بِتَمَامِهِ هُنَا بَلْ اِقْتَصَرَ عَلَى أَوَّله إِشَارَة إِلَى ذَلِكَ , وَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ فِي كِتَاب الْجُمُعَة , وَلَمْ يَطَّرِدْ لِلْبُخَارِيِّ صَنِيعٌ فِي ذَلِكَ وَاطَّرَدَ صَنِيعُ مُسْلِم فِي \" نُسْخَة هَمَّام \" بِأَنْ يَسُوق السَّنَد ثُمَّ يَقُول فَذَكَرَ أَحَادِيث مِنْهَا ثُمَّ يَذْكُر الْحَدِيث الَّذِي يُرِيدهُ وَقَدْ أَشَرْت إِلَى ذَلِكَ فِي كِتَاب الرِّقَاق , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ الرَّاوِي سَمِعَ الْحَدِيثَيْنِ فِي نَسَقٍ وَاحِد فَجَمَعَهُمَا فَاسْتَمَرَّ مَنْ بَعْده عَلَى ذَلِكَ. قُلْت : وَهَذَا يَحْتَاج إِلَى تَكْمِلَة , وَهُوَ أَنَّ الْبُخَارِيّ اِخْتَصَرَ الْأَوَّل لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاج إِلَيْهِ هُنَا. ‏ ‏قَوْله ( لَوْ اِطَّلَعَ ) الْفَاعِل مُؤَخَّر وَهُوَ \" أَحَد \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ ) ‏ ‏اِحْتِرَاز مِمَّنْ اِطَّلَعَ بِإِذْنٍ. ‏ ‏قَوْله ( حَذَفْته بِحَصَاةٍ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِغَيْرِ فَاء , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْن عَبْد الْوَهَّاب بْن نَجْدَة عَنْ أَبِي الْيَمَان شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" فَحَذَفْته \" وَهُوَ الْأَوْلَى وَالْأَوَّل جَائِز , وَسَيَأْتِي بَعْد سَبْعَة أَبْوَاب مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد بِلَفْظِ \" لَوْ أَنَّ اِمْرَأً اِطَّلَعَ عَلَيْك بِغَيْرِ إِذْن فَحَذَفْته \" وَقَوْله حَذَفْته بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة عِنْد أَبِي ذَرّ وَالْقَابِسِيّ وَعِنْد غَيْرهمَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ أَوْجَهُ لِأَنَّ الرَّمْي بِحَصَاةٍ أَوْ نَوَاة وَنَحْوهمَا إِمَّا بَيْن الْإِبْهَام وَالسَّبَّابَة وَإِمَّا بَيْن السَّبَّابَتَيْنِ وَجَزَمَ النَّوَوِيّ بِأَنَّهُ فِي مُسْلِم بِالْمُعْجَمَةِ , وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة سُفْيَان الْمُشَار إِلَيْهَا بِالْمُهْمَلَةِ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الرِّوَايَة بِالْمُهْمَلَةِ خَطَأ لِأَنَّ فِي نَفْس الْخَبَر أَنَّهُ الرَّمْي بِالْحَصَى وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ جَزْمًا. قُلْت : وَلَا مَانِع مِنْ اِسْتِعْمَال الْمُهْمَلَة فِي ذَلِكَ مَجَازًا. ‏ ‏قَوْله ( فَفَقَأْت عَيْنه ) ‏ ‏بِقَافٍ ثُمَّ هَمْزَة سَاكِنَة أَيْ شَقَقْت عَيْنَهُ , قَالَ اِبْن الْقَطَّاع : فَقَأَ عَيْنه أَطْفَأَ ضَوْأَهَا. ‏ ‏قَوْله ( جُنَاح ) ‏ ‏أَيْ إِثْم أَوْ مُؤَاخَذَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6381",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏اطَّلَعَ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَدَّدَ إِلَيْهِ مِشْقَصًا فَقُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ قَالَ ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان ‏ ‏وَحُمَيْدٌ ‏ ‏هُوَ الطَّوِيل. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِره الْإِرْسَال لِأَنَّ حُمَيْدًا لَمْ يُدْرِكْ الْقِصَّة , لَكِنْ بَيَّنَ فِي آخِر الْحَدِيث أَنَّهُ مَوْصُول. وَسَيَأْتِي بَعْد سَبْعَة أَبْوَاب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس وَيَذْكُر فِيهِ مَا قِيلَ فِي تَسْمِيَة الرَّجُل الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( فَسَدَّدَ إِلَيْهِ ) ‏ ‏بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَة قَبْلهَا سِين مُهْمَلَة أَيْ صَوَّبَ وَزْنه وَمَعْنَاهُ , وَالتَّصْوِيب تَوْجِيه السَّهْم إِلَى مَرْمَاهُ وَكَذَلِكَ التَّسْدِيد وَمِنْهُ الْبَيْت الْمَشْهُور : ‏ ‏أُعَلِّمُهُ الرِّمَايَةَ كُلَّ يَوْمٍ ‏ ‏فَلَمَّا اشْتَدَّ سَاعِدُهُ رَمَانِي ‏ ‏وَقَدْ حُكِيَ فِيهِ الْإِعْجَام وَيَتَرَجَّح كَوْنُهُ بِالْمُهْمَلَةِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى التَّعْلِيم لِأَنَّهُ الَّذِي فِي قُدْرَة الْمُعَلِّم بِخِلَافِ الشِّدَّةِ بِمَعْنَى الْقُوَّةِ فَإِنَّهُ لَا قُدْرَةَ لِلْمُعَلِّمِ عَلَى اِجْتِلَابِهَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيّ وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَالْأَوَّل أَوْلَى فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي عَدِيّ عَنْ حُمَيْد بِلَفْظِ \" فَأَهْوَى إِلَيْهِ \" أَيْ أَمَالَ إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( مِشْقَصًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَتَفْسِيره فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان فِي الْكَلَام عَلَى رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن أَنَس عَنْ أَنَس وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ , وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة حُمَيْد مُخْتَصَرًا أَيْضًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان شَيْخ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَزَادَ فِي آخِره حَتَّى أَخَّرَ رَأْسه بِتَشْدِيدِ الْخَاء الْمُعْجَمَة أَيْ أَخْرَجَهَا مِنْ الْمَكَان الَّذِي اِطَّلَعَ فِيهِ وَفَاعِل أَخَّرَ هُوَ الرَّجُل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمِشْقَصَ وَأَسْنَدَ الْفِعْل إِلَيْهِ مَجَازًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِهِ السَّبَب فِي ذَلِكَ وَالْأَوَّل أَظْهَرُ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ سَهْل بْن يُوسُف عَنْ حُمَيْد بِلَفْظِ \" فَأَخْرَجَ الرَّجُل رَأْسه \" وَعِنْده فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عَدِيّ الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا : فَتَأَخَّرَ الرَّجُل. ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت مَنْ حَدَّثَك ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ يَحْيَى الْقَطَّان وَالْمَقُول لَهُ هُوَ حُمَيْد وَجَوَابه بِقَوْلِهِ أَنَس بْن مَالِك يَقْتَضِي أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَهَذَا مِنْ الْمُتُون الَّتِي سَمِعَهَا حُمَيْد مِنْ أَنَس وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْهُ سِوَى خَمْسَة أَحَادِيث وَالْبَقِيَّة سَمِعَهَا مِنْ أَصْحَابه عَنْهُ كَثَابِتٍ وَقَتَادَة فَكَانَ يُدَلِّسهَا فَيَرْوِيهَا عَنْ أَنَس بِلَا وَاسِطَة , وَالْحَقّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ أَضْعَاف ذَلِكَ , وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيّ مِنْ تَخْرِيج حَدِيث حُمَيْد عَنْ أَنَس , بِخِلَافِ مُسْلِم فَلَمْ يُخَرِّج مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل. لِهَذِهِ الْعِلَّة , لَكِنَّ الْبُخَارِيّ لَا يُخَرِّج مِنْ حَدِيثه إِلَّا مَا صَرَّحَ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ أَوْ مَا قَامَ مَقَام التَّصْرِيح وَلَوْ بِاللُّزُومِ كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْهُ فَإِنَّ شُعْبَة لَا يَحْمِل عَنْ شُيُوخه إِلَّا مَا عَرَفَ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ مِنْ شُيُوخهمْ , وَقَدْ أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي تَرْجَمَة حُمَيْد فِي مُقَدِّمَة هَذَا الشَّرْح وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏"
    },
    {
        "id": "6382",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لَمَّا كَانَ يَوْمُ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ فَصَاحَ إِبْلِيسُ أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ فَنَظَرَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ ‏ ‏الْيَمَانِ ‏ ‏فَقَالَ أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أَبِي أَبِي قَالَتْ فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ قَالَ ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏فَمَا زَالَتْ فِي ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏مِنْهُ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( قَالَ هِشَام أَخْبَرَنَا ) ‏ ‏مِنْ تَقْدِيم اِسْم الرَّاوِي عَلَى الصِّيغَة وَهُوَ جَائِز , وَهِشَام الْمَذْكُور هُوَ اِبْن عُرْوَة بْن الزُّبَيْر. ‏ ‏قَوْله ( فَنَظَرَ حُذَيْفَة فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَان ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْح قِصَّته فِي غَزْوَة أُحُد , وَقَوْله \" قَالَ عُرْوَة \" هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَقَوْله \" فَمَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَة مِنْهُ \" أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْل وَهُوَ الْعَفْو , و \" مِنْ \" سَبَبِيَّةٌ وَتَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6383",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَسْمِعْنَا يَا ‏ ‏عَامِرُ ‏ ‏مِنْ هُنَيْهَاتِكَ ‏ ‏فَحَدَا ‏ ‏بِهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ السَّائِقُ قَالُوا ‏ ‏عَامِرٌ ‏ ‏فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَّا أَمْتَعْتَنَا بِهِ فَأُصِيبَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ فَقَالَ الْقَوْمُ حَبِطَ عَمَلُهُ قَتَلَ نَفْسَهُ فَلَمَّا رَجَعْتُ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ ‏ ‏عَامِرًا ‏ ‏حَبِطَ عَمَلُهُ فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي زَعَمُوا أَنَّ ‏ ‏عَامِرًا ‏ ‏حَبِطَ عَمَلُهُ فَقَالَ ‏ ‏كَذَبَ مَنْ قَالَهَا إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ وَأَيُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَلَمَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْأَكْوَع. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ هُنَيَّاتِكَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة بَعْد النُّون , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بِحَذْفِ التَّحْتَانِيَّة وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطه فِي كِتَاب الْمَغَازِي , وَعَامِر هُوَ اِبْن الْأَكْوَع فَهُوَ أَخُو سَلَمَة وَقِيلَ عَمّه , قَالَ اِبْن بَطَّال : لَمْ يُذْكَر فِي هَذِهِ الطَّرِيق صِفَة قَتْل عَامِر نَفْسه , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الْأَدَب فَفِيهِ \" وَكَانَ سَيْف عَامِر قَصِيرًا فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُودِيًّا لِيَضْرِبَهُ فَرَجَعَ ذُبَابُهُ فَأَصَابَ رُكْبَتَهُ \" قُلْت : وَنَقَلَ بَعْض الشُّرَّاح عَنْ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ فِي رِوَايَة مَكِّيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ اِرْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ , وَالْبَاب مُتَرْجَم بِمَنْ قَتَلَ نَفْسه , وَظَنَّ أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ تَعَقَّبَ ذَلِكَ عَلَى الْبُخَارِيّ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ وَإِنَّمَا سَاقَ الْحَدِيث بِلَفْظِ \" فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفه \" ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة لَمْ تَقَع فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ هُنَا فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ عَدَلَ هُنَا عَنْ رِوَايَة مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم لِهَذِهِ النُّكْتَة فَيَكُون أَوْلَى لِوُضُوحِهِ , وَيُجَاب بِأَنَّ الْبُخَارِيّ يَعْتَمِد هَذِهِ الطَّرِيق كَثِيرًا فَيُتَرْجِم بِالْحُكْمِ وَيَكُون قَدْ أَوْرَدَ مَا يَدُلّ عَلَيْهِ صَرِيحًا فِي مَكَان آخَر فَلَا يَجِب أَنْ يُعِيدهُ فَيُورِدهُ مِنْ طَرِيق أُخْرَى لَيْسَ فِيهَا دَلَالَة أَصْلًا أَوْ فِيهَا دَلَالَة خَفِيَّة كُلّ ذَلِكَ لِلْفِرَارِ مِنْ التَّكْرَار لِغَيْرِ فَائِدَة وَلِيَبْعَث النَّاظِرَ فِيهِ عَلَى تَتَبُّع الطُّرُق وَالِاسْتِكْثَار مِنْهَا لِيَتَمَكَّن مِنْ الِاسْتِنْبَاط وَمِنْ الْجَزْم بِأَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ مَثَلًا , وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيع الْبُخَارِيّ فَلَا مَعْنَى لِلِاعْتِرَاضِ بِهِ عَلَيْهِ , وَقَدْ ذَكَرْت ذَلِكَ مِرَارًا , وَإِنَّمَا أُنَبِّه عَلَى ذَلِكَ إِذَا بَعُدَ الْعَهْدُ بِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَات مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يَزِيد بْن أَبِي عُبَيْد شَيْخ مَكِّيّ بِلَفْظٍ فِيهِ \" فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ أُصِيبَ عَامِر بِقَائِمَةِ سَيْفِهِ فَمَاتَ \" وَقَدْ اِعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : قَوْله فِي التَّرْجَمَة \" فَلَا دِيَة لَهُ \" لَا وَجْه لَهُ هُنَا , وَإِنَّمَا مَوْضِعه اللَّائِق بِهِ التَّرْجَمَة السَّابِقَة إِذَا مَاتَ فِي الزِّحَام فَلَا دِيَة لَهُ عَلَى الْمُزَاحِمِينَ لِظُهُورِ أَنَّ قَاتِل نَفْسه لَا دِيَة لَهُ , قَالَ : وَلَعَلَّهُ مِنْ تَصَرُّف النَّقَلَة بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِير عَنْ نُسْخَة الْأَصْل. ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ الظَّاهِرِيَّة : دِيَة مَنْ قَتَلَ نَفْسه عَلَى عَاقِلَته , فَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ أَرَادَ رَدَّ هَذَا الْقَوْل. قُلْت : نَعَمْ أَرَادَ الْبُخَارِيّ رَدَّ هَذَا الْقَوْلِ لَكِنْ عَلَى قَائِله قَبْلَ الظَّاهِرِيَّة وَهُوَ الْأَوْزَاعِيُّ كَمَا قَدَّمْته , وَمَا أَظُنّ مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة اِشْتَهَرَ عِنْد تَصْنِيف الْبُخَارِيّ كِتَابَهُ فَإِنَّهُ صَنَّفَ كِتَابه فِي حُدُود الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ دَاوُدُ بْن عَلِيّ الْأَصْبَهَانِيّ رَأْسَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت طَالِبًا وَكَانَ سِنُّهُ يَوْمئِذٍ دُون الْعِشْرِينَ وَأَمَّا قَوْل الْكَرْمَانِيّ بِأَنَّ قَوْل الْبُخَارِيّ \" فَلَا دِيَة لَهُ \" يَلِيق بِتَرْجَمَةِ مَنْ مَاتَ فِي الزِّحَام فَهُوَ صَحِيح لَكِنَّهُ فِي تَرْجَمَة مَنْ قَتَلَ نَفْسه أَلْيَقُ لِأَنَّ الْخِلَاف فِيمَنْ مَاتَ فِي الزِّحَام قَوِيّ فَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجْزِم فِي التَّرْجَمَة بِنَفْيِ الدِّيَة , بِخِلَافِ مَنْ قَتَلَ نَفْسه فَإِنَّ الْخِلَاف فِيهِ ضَعِيف فَجَزَمَ فِيهِ بِالنَّفْيِ , وَهُوَ مِنْ مَحَاسِن تَصَرُّف الْبُخَارِيّ , فَظَهَرَ أَنَّ النَّقَلَة لَمْ يُخَالِفُوا تَصَرُّفه وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏ ‏قَوْله ( وَأَيُّ قَتْل يَزِيدُهُ عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ \" وَأَيّ قَتِيل \" وَصَوَّبَهَا اِبْن بَطَّال وَكَذَا عِيَاض , وَلَيْسَتْ الرِّوَايَة الْأُخْرَى خَطَأ مَحْضًا بَلْ يُمْكِن رَدُّهَا إِلَى مَعْنَى الْأُخْرَى وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6384",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ لَا دِيَةَ لَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ زُرَارَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الزَّاي الْمُعْجَمَة ثُمَّ مُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَة بَيْنهمَا أَلِف بِغَيْرِ هَمْز وَهُوَ الْعَامِرِيّ , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن الْجَعْد عَنْ شُعْبَة \" أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ أَنَّهُ سَمِعَ زُرَارَة \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَد رَجُل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة عِنْد مُسْلِم بِهَذَا السَّنَد عَنْ عِمْرَان قَالَ \" قَاتَلَ يَعْلَى بْن أُمَيَّة رَجُلًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبه \" الْحَدِيث قَالَ شُعْبَة وَعَنْ قَتَادَة عَنْ عَطَاء هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاح عَنْ أَبِي يَعْلَى - يَعْنِي صَفْوَان - عَنْ يَعْلَى بْن أُمَيَّة قَالَ مِثْله , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ شُعْبَة بِهَذَا السَّنَد فَقَالَ فِي رِوَايَته بِمِثْلِ الَّذِي قَبْله يَعْنِي حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْن. قُلْت : وَلِشُعْبَةَ فِيهِ سَنَد آخَر إِلَى يَعْلَى أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي عَدِيّ وَعُبَيْد بْن عُقَيْل كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَة عَنْ الْحَكَم عَنْ مُجَاهِد عَنْ يَعْلَى , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن عُقَيْل \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيم قَاتَلَ رَجُلًا فَعَضَّ يَده \" وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة تَعْيِين أَحَد الرَّجُلَيْنِ الْمُبْهَمَيْنِ وَأَنَّهُ يَعْلَى بْن أُمَيَّة , وَقَدْ رَوَى يَعْلَى هَذِهِ الْقِصَّة وَهِيَ الْحَدِيث الثَّانِي فِي الْبَاب فَبَيَّنَ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّ أَحَدهمَا كَانَ أَجِيرًا لَهُ , وَلَفْظه فِي الْجِهَاد \" غَزَوْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَاسْتَأْجَرْت أَجِيرًا فَقَاتَلَ رَجُلًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَعُرِفَ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ الْمُبْهَمَيْنِ يَعْلَى وَأَجِيرُهُ وَأَنَّ يَعْلَى أَبْهَمَ نَفْسه لَكِنْ عَيَّنَهُ عِمْرَان بْن حُصَيْن , وَلَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة أَجِيره. وَأَمَّا تَمْيِيز الْعَاضِّ مِنْ الْمَعْضُوض فَوَقَعَ بَيَانه فِي غَزْوَة تَبُوك مِنْ الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن بَكْر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ فِي حَدِيث يَعْلَى قَالَ عَطَاء : فَلَقَدْ أَخْبَرَنِي صَفْوَان بْن يَعْلَى أَيّهمَا عَضَّ الْآخَر فَنَسِيته فَظَنَّ أَنَّهُ مُسْتَمِرّ عَلَى الْإِبْهَام , وَلَكِنْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق بُدَيْل بْن مَيْسَرَة عَنْ عَطَاء بِلَفْظِ \" أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ \" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم عَنْ سُفْيَان بِلَفْظِ \" فَقَاتَلَ أَجِيرِي رَجُلًا فَعَضَّهُ الْآخَر \" وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عَبْد اللَّه عَنْ عَمَّيْهِ سَلَمَة بْن أُمَيَّة وَيَعْلَى بْن أُمَيَّة قَالَا \" خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة تَبُوك وَمَعَنَا صَاحِب لَنَا فَقَاتَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَعَضَّ الرَّجُل ذِرَاعه \" وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا رِوَايَة عُبَيْد بْن عُقَيْل الَّتِي ذَكَرْتهَا مِنْ عِنْد النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيم عَضَّ \" فَإِنَّ يَعْلَى تَمِيمِيّ وَأَمَّا أَجِيره فَإِنَّهُ لَمْ يَقَع التَّصْرِيح بِأَنَّهُ تَمِيمِيّ , وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن مُسْلِم الزُّهْرِيّ عَنْ صَفْوَان بْن يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ نَحْو رِوَايَة سَلَمَة وَلَفْظه \" فَقَاتَلَ رَجُلًا فَعَضَّ الرَّجُلُ ذِرَاعَهُ فَأَوْجَعَهُ \" وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْعَاضَّ هُوَ يَعْلَى بْن أُمَيَّة , وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِبْهَامه نَفْسَهُ. وَقَدْ أَنْكَرَ الْقُرْطُبِيّ أَنْ يَكُون يَعْلَى هُوَ الْعَاضّ فَقَالَ : يَظْهَر مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ يَعْلَى هُوَ الَّذِي قَاتَلَ الْأَجِير , وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى عَضَّ يَد رَجُل \" وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَلْيَق إِذْ لَا يَلِيق ذَلِكَ الْفِعْل بِيَعْلَى مَعَ جَلَالَته وَفَضْله. قُلْت : لَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق أَنَّ الْأَجِير هُوَ الْعَاضّ وَإِنَّمَا اِلْتَبَسَ عَلَيْهِ أَنَّ فِي بَعْض طُرُقه عِنْد مُسْلِم كَمَا بَيَّنْته \" أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ \" فَجُوِّزَ أَنْ يَكُون الْعَاضّ غَيْر يَعْلَى , وَأَمَّا اِسْتِبْعَاده أَنْ يَقَع ذَلِكَ مِنْ يَعْلَى مَعَ جَلَالَته فَلَا مَعْنَى لَهُ مَعَ ثُبُوت التَّصْرِيح بِهِ فِي الْخَبَر الصَّحِيح , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ صَدَرَ مِنْهُ فِي أَوَائِل إِسْلَامه فَلَا اِسْتِبْعَاد. وَقَالَ النَّوَوِيّ : وَأَمَّا قَوْله يَعْنِي فِي الرِّوَايَة الْأُولَى \" أَنَّ يَعْلَى هُوَ الْمَعْضُوض \" وَفِي. الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة الْمَعْضُوض هُوَ أَجِير يَعْلَى لَا يَعْلَى فَقَالَ الْحُفَّاظ : الصَّحِيح الْمَعْرُوف أَنَّ الْمَعْضُوض أَجِير يَعْلَى لَا يَعْلَى. قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ جَرَتَا لِيَعْلَى وَلِأَجِيرِهِ فِي وَقْت أَوْ وَقْتَيْنِ , وَتَعَقَّبَهُ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَة مُسْلِم وَلَا رِوَايَة غَيْره فِي الْكُتُب السِّتَّة وَلَا غَيْرهَا أَنَّ يَعْلَى هُوَ الْمَعْضُوض لَا صَرِيحًا وَلَا إِشَارَة , وَقَالَ شَيْخنَا : فَيَتَعَيَّن عَلَى هَذَا أَنَّ يَعْلَى هُوَ الْعَاضّ وَاَللَّه أَعْلَمُ. قُلْت وَإِنَّمَا تَرَدَّدَ عِيَاض وَغَيْره فِي الْعَاضّ هَلْ هُوَ يَعْلَى أَوْ آخَر أَجْنَبِيّ كَمَا قَدَّمْته مِنْ كَلَام الْقُرْطُبِيّ وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله ( فَنَزَعَ يَده مِنْ فِيهِ ) ‏ ‏وَكَذَا فِي حَدِيث يَعْلَى الْمَاضِي فِي الْجِهَاد فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ فَمه \" وَفِي رِوَايَة هِشَام عَنْ عُرْوَة عِنْد مُسْلِم \" عَضَّ ذِرَاع رَجُل فَجَذَبَهُ \" وَفِي حَدِيث يَعْلَى الْمَاضِي فِي الْإِجَارَة \" فَعَضَّ إِصْبَع صَاحِبه فَانْتَزَعَ إِصْبَعه \" وَفِي الْجَمْع بَيْن الذِّرَاع وَالْإِصْبَع عُسْر , وَيَبْعُد الْحَمْل عَلَى تَعَدُّد الْقِصَّة لِاتِّحَادِ الْمَخْرَج لِأَنَّ مَدَارهَا عَلَى عَطَاء عَنْ صَفْوَان بْن يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ , فَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْهُ \" إِصْبَعه \" وَهَذِهِ فِي الْبُخَارِيّ وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِم لَفْظهَا , وَفِي رِوَايَة بْن مَيْسَرَة عَنْ عَطَاء عِنْد مُسْلِم وَكَذَا فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ صَفْوَان عِنْد النَّسَائِيِّ \" ذِرَاعه \" وَوَافَقَهُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْهُ , فَاَلَّذِي يَتَرَجَّح الذِّرَاع , وَقَدْ وَقَعَ أَيْضًا فِي حَدِيث سَلَمَة بْن أُمَيَّة عِنْد النَّسَائِيِّ مِثْل ذَلِكَ , وَانْفِرَاد اِبْن عُلَيَّة عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِلَفْظِ الْإِصْبَع لَا يُقَاوِم هَذِهِ الرِّوَايَات الْمُتَعَاضِدَةَ عَلَى الذِّرَاع وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله ( فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّثْنِيَةِ وَ لِلْكُشْمِيهَنِيّ \" ثَنَايَاهُ \" بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَفِي رِوَايَة هِشَام الْمَذْكُورَة \" فَسَقَطَتْ ثَنِيَّته \" بِالْإِفْرَادِ وَكَذَا لَهُ فِي رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ عَنْ عِمْرَان , وَكَذَا فِي رِوَايَة سَلَمَة بْن أُمَيَّة بِلَفْظِ \" فَجَذَبَ صَاحِبه يَده فَطَرَحَ ثَنِيَّته \" وَقَدْ تَتَرَجَّح رِوَايَة التَّثْنِيَة لِأَنَّهُ يُمْكِن حَمْلُ الرِّوَايَة الَّتِي بِصِيغَةِ الْجَمْع عَلَيْهَا عَلَى رَأْي مَنْ يُجِيز فِي الِاثْنَيْنِ صِيغَة الْجَمْع , وَرَدُّ الرِّوَايَة الَّتِي بِالْإِفْرَادِ إِلَيْهَا عَلَى إِرَادَة الْجِنْس , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن بَكْر \" فَانْتَزَعَ إِحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ \" فَهَذِهِ أَصْرَحُ فِي الْوَحْدَة , وَقَوْل مَنْ يَقُول فِي هَذَا بِالْحَمْلِ عَلَى التَّعَدُّد بَعِيدٌ أَيْضًا لِاتِّحَادِ الْمَخْرَج , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَنَدَرَتْ ثَنِيَّتُهُ \". ‏ ‏قَوْله ( فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذَا الْمَوْضِع وَالْمُرَاد يَعْلَى وَأَجِيره وَمَنْ اِنْضَمَّ إِلَيْهِمَا مِمَّنْ يَلُوذ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا , وَفِي رِوَايَة هِشَام فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ \" فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ \" وَفِي حَدِيث يَعْلَى \" فَانْطَلَقَ \" هَذِهِ رِوَايَة اِبْن عُلَيَّة وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" فَأَتَى \" وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن بَكْر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ فِي. الْمَغَازِي \" فَأَتَيَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ يَعَضُّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَالْعَيْن الْمُهْمَلَة بَعْدهَا ضَاد مُعْجَمَة ثَقِيلَة وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" يَعْمِدُ أَحَدكُمْ إِلَى أَخِيهِ فَيَعَضُّهُ \" وَأَصْل عَضَّ عَضِضَ بِكَسْرِ الْأُولَى يَعْضَضُ بِفَتْحِهَا فَأُدْغِمَتْ. ‏ ‏قَوْله ( كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ ) ‏ ‏وَفِي حَدِيث سَلَمَة \" كَعَضَاضِ الْفَحْل \" أَيْ الذَّكَر مِنْ الْإِبِل وَيُطْلَق عَلَى غَيْره مِنْ ذُكُور الدَّوَابّ وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْجِهَاد وَكَذَا فِي حَدِيث هِشَام \" وَيَقْضَمُهَا \" بِسُكُونِ الْقَاف وَفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة عَلَى الْأَفْصَح \" كَمَا يَقْضَم الْفَحْل \" مِنْ الْقَضْم وَهُوَ الْأَكْل بِأَطْرَافِ الْأَسْنَان وَالْخَضْم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة بَدَل الْقَاف الْأَكْل بِأَقْصَاهَا وَبِأَدْنَى الْأَضْرَاس وَيُطْلَق عَلَى الدَّقّ وَالْكَسْر وَلَا يَكُون إِلَّا فِي الشَّيْء الصُّلْب حَكَاهُ صَاحِب الرَّاعِي فِي اللُّغَة. ‏ ‏قَوْله ( لَا دِيَة لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَا دِيَة لَك \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام \" فَأَبْطَلَهُ وَقَالَ أَرَدْت أَنْ تَأْكُل لَحْمَهُ \" وَفِي حَدِيث سَلَمَة \" ثُمَّ تَأْتِي تَلْتَمِس الْعَقْل لَا عَقْل لَهَا فَأَبْطَلَهَا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ \" فَقَالَ مَا تَأْمُرنِي ؟ أَتَأْمُرُنِي أَنْ آمُرهُ أَنْ يَدَع يَده فِي فِيك تَقْضَمُهَا قَضْم الْفَحْل اِدْفَعْ يَدك حَتَّى يَقْضَمَهَا ثُمَّ انْزِعْهَا \" كَذَا لِمُسْلِمٍ وَعِنْد أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم \" إِنْ شِئْت أَمَرْنَاهُ فَعَضَّ يَدك ثُمَّ اِنْتَزِعْهَا أَنْتَ \" وَفِي حَدِيث يَعْلَى بْن أُمَيَّة \" فَأَهْدَرَهَا \" وَفِي هَذَا الْبَاب \" فَأَبْطَلَهَا \" وَهِيَ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6385",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْتُ فِي غَزْوَةٍ فَعَضَّ رَجُلٌ فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ فَأَبْطَلَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا بِعُلُوِّ دَرَجَة , وَتَقَدَّمَ لَهُ فِي الْإِجَارَة وَالْجِهَاد وَالْمَغَازِي مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ بِنُزُولٍ لَكِنَّ سِيَاقه فِيهَا أَتَمُّ مِمَّا هُنَا. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَطَاء ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاح ‏ ‏( عَنْ صَفْوَان بْن يَعْلَى ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة اِبْن عُلَيَّة فِي الْإِجَارَة \" أَخْبَرَنِي عَطَاء \" وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر فِي الْمَغَازِي \" سَمِعْت عَطَاء أَخْبَرَنِي صَفْوَان بْن يَعْلَى بْن أُمَيَّة \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عُلَيَّة \" عَنْ يَعْلَى بْن أُمَيَّة \" وَفِي رِوَايَة حَجَّاج بْن مُحَمَّد عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" أَخْبَرَنِي صَفْوَان بْن يَعْلَى بْن أُمَيَّة أَنَّهُ سَمِعَ يَعْلَى \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ , وَمِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ عَطَاء كَذَلِكَ وَهِيَ عِنْد الْبُخَارِيّ فِي الْحَجّ مُخْتَصَرَة مَضْمُومَة إِلَى حَدِيث الَّذِي سَأَلَ عَنْ الْعُمْرَة , وَمِنْ طَرِيق هِشَام الدَّسْتُوَائِيّ عَنْ قَتَادَة وَفِيهَا مُخَالَفَة لِرِوَايَةِ شُعْبَة مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّهُ أَدْخَلَ بَيْنَ قَتَادَة وَعَطَاءٍ بُدَيْل بْن مَيْسَرَة وَالْآخَر أَنَّهُ أَرْسَلَهُ , وَلَفْظه عَنْ صَفْوَان بْن يَعْلَى \" أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى بْن أُمَيَّة عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ \" وَقَدْ اِعْتَرَضَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِم فِي تَخْرِيجه هَذِهِ الطَّرِيقَ وَتَخْرِيجه طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ عِمْرَان وَهُوَ لَمْ يَسْمَع مِنْهُ , وَأَجَابَ النَّوَوِيّ بِمَا حَاصِلُهُ : أَنَّ الْمُتَابَعَات يُغْتَفَر فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَر فِي الْأُصُول , وَهُوَ كَمَا قَالَ , وَمُنْيَة الَّتِي نُسِبَ إِلَيْهَا يَعْلَى هُنَا هِيَ أُمُّهُ وَقِيلَ جَدَّتُهُ وَالْأَوَّل الْمُعْتَمَد , وَأَبُوهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَات أُمَيَّة بْن أَبِي عُبَيْد بْن هَمَّام بْن الْحَارِث التَّمِيمِيّ الْحَنْظَلِيّ , أَسْلَمَ يَوْم الْفَتْح وَشَهِدَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَعْدهَا كَحُنَيْنٍ وَالطَّائِف وَتَبُوك وَ \" مُنْيَةُ \" أُمُّهُ بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون النُّون بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة هِيَ بِنْت جَابِر عَمَّة عُتْبَةَ بْن غَزْوَانَ وَقِيلَ أُخْته , وَذَكَرَ عِيَاض أَنَّ بَعْض رُوَاة مُسْلِم صَحَّفَهَا وَقَالَ : مُنَبِّه بِفَتَخِ النُّون وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة , وَهُوَ تَصْحِيف , وَأَغْرَبَ اِبْن وَضَّاح فَقَالَ : مُنْيَة بِسُكُونِ النُّون أُمُّهُ , وَبِفَتْحِهَا ثُمَّ مُوَحَّدَة أَبُوهُ وَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( خَرَجْت فِي غَزْوَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فِي غَزَاة \" وَثَبَتَ فِي رِوَايَة سُفْيَان أَنَّهَا غَزْوَة تَبُوك , وَمِثْله فِي رِوَايَة اِبْن عُلَيَّة بِلَفْظِ \" جَيْش الْعُسْرَة \" وَبِهِ جَزَمَ غَيْر وَاحِد مِنْ الشُّرَّاح , وَتَعَقَّبَهُ بَعْض مَنْ لَقِينَاهُ بِأَنَّ فِي \" بَاب مَنْ أَحْرَمَ جَاهِلًا وَعَلَيْهِ قَمِيص \" مِنْ كِتَاب الْحَجّ فِي الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث يَعْلَى \" كُنْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ رَجُل عَلَيْهِ جُبَّة بِهَا أَثَر صُفْرَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَقَالَ اِصْنَعْ فِي عُمْرَتك مَا تَصْنَع فِي حَجَّتك. وَعَضَّ رَجُل يَد رَجُل فَانْتَزَعَ ثَنِيَّته فَأَبْطَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي سَفَر كَانَ فِيهِ الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ. قُلْت : وَلَيْسَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي هَذَا الْحَدِيث , بَلْ هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ الرَّاوِي سَمِعَ الْحَدِيثَيْنِ فَأَوْرَدَهُمَا مَعًا عَاطِفًا لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَر بِالْوَاوِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ , وَعَجِيب مِمَّنْ يَتَكَلَّم عَنْ الْحَدِيث فَيَرُدُّ مَا فِيهِ صَرِيحًا بِالْأَمْرِ الْمُحْتَمَل , وَمَا سَبَب ذَلِكَ إِلَّا إِيثَار الرَّاحَة بِتَرْكِ تَتَبُّعِ طُرُق الْحَدِيث فَإِنَّهَا طَرِيق تُوصِل إِلَى الْوُقُوف عَلَى الْمُرَاد غَالِبًا. ‏ ‏قَوْله ( فَعَضَّ رَجُل فَانْتَزَعَ ثَنِيَّته ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ عِنْده هُنَا بِهَذَا الِاخْتِصَار الْمُجْحِف , وَقَدْ بَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ وَلَفْظه \" قَاتَلَ رَجُل آخَرَ فَعَضَّ يَدَهُ فَانْتَزَعَ يَده فَانْتَدَرَتْ ثَنِيَّتُهُ \" وَقَدْ بَيَّنْت اِخْتِلَاف طُرُقه فِي الَّذِي قَبْله , وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْقِصَّة الْجُمْهُورُ فَقَالُوا لَا يَلْزَمُ الْمَعْضُوضَ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ لِأَنَّهُ فِي حُكْم الصَّائِل , وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ بِأَنَّ مَنْ شَهَرَ عَلَى آخَر سِلَاحًا لِيَقْتُلهُ فَدَفَعَ عَنْ نَفْسه فَقَتَلَ الشَّاهِرَ أَنَّهُ لَا شَيْء عَلَيْهِ , فَكَذَا لَا يَضْمَن سِنَّهُ بِدَفْعِهِ إِيَّاهُ عَنْهَا , قَالُوا وَلَوْ جَرَحَهُ الْمَعْضُوض فِي مَوْضِع آخَر لَمْ يَلْزَمهُ شَيْء , وَشَرْط الْإِهْدَار أَنْ يَتَأَلَّم الْمَعْضُوض وَأَنْ لَا يُمْكِنهُ تَخْلِيص يَده بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ضَرْب فِي شِدْقَيْهِ أَوْ فَكّ لِحْيَتِهِ لِيُرْسِلهَا , وَمَهْمَا أَمْكَنَ التَّخْلِيص بِدُونِ ذَلِكَ فَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى الْأَثْقَل لَمْ يُهْدَر وَعِنْد الشَّافِعِيَّة وَجْه أَنَّهُ يُهْدَر عَلَى الْإِطْلَاق , وَوُجِّهَ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَهُ فِي ذَلِكَ ضَمِنَ , وَعَنْ مَالِك رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا يَجِب الضَّمَان , وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيث بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون سَبَب الْإِنْذَار شِدَّة الْعَضّ لَا النَّزْع فَيَكُون سُقُوط ثَنِيَّة الْعَاضّ بِفِعْلِهِ لَا بِفِعْلِ الْمَعْضُوض , إِذْ لَوْ كَانَ مِنْ فِعْل صَاحِب الْيَد لَأَمْكَنَهُ أَنْ يُخَلِّص يَده مِنْ غَيْر قَلْع , وَلَا يَجُوز الدَّفْع بِالْأَثْقَلِ مَعَ إِمْكَان الْأَخَفّ. وَقَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة : الْعَاضّ قَصَدَ الْعُضْو نَفْسه وَاَلَّذِي اُسْتُحِقَّ فِي إِتْلَاف ذَلِكَ الْعُضْو غَيْر مَا فَعَلَ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُون كُلّ مِنْهُمَا ضَامِنًا مَا جَنَاهُ عَلَى الْآخَر , كَمَنْ قَلَعَ عَيْن رَجُل فَقَطَعَ الْآخَر يَده. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قِيَاس فِي مُقَابِل النَّصّ فَهُوَ فَاسِد. وَقَالَ بَعْضهمْ : لَعَلَّ أَسْنَانه كَانَتْ تَتَحَرَّك فَسَقَطَتْ عَقِب النَّزْع , وَسِيَاق هَذَا الْحَدِيث يَدْفَع هَذَا الِاحْتِمَال , وَتَمَسَّكَ بَعْضهمْ بِأَنَّهَا وَاقِعَة عَيْن وَلَا عُمُوم لَهَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ فِي الْإِجَارَة عَقِب حَدِيث يَعْلَى هَذَا مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْده مِثْل مَا وَقَعَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَضَى فِيهِ بِمِثْلِهِ , وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّقْيِيد لَيْسَ فِي الْحَدِيث وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنْ الْقَوَاعِد الْكُلِّيَّة , وَكَذَا إِلْحَاق عُضْو آخَرَ غَيْرِ الْفَم بِهِ فَإِنَّ النَّصّ إِنَّمَا وَرَدَ فِي صُورَة مَخْصُوصَة , نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ اِبْن دَقِيق الْعِيد. وَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْن عُمَر : لَوْ بَلَغَ مَالِكًا هَذَا الْحَدِيثُ لَمَا خَالَفَهُ , وَكَذَا قَالَ اِبْن بَطَّال : لَمْ يَقَع هَذَا الْحَدِيث لِمَالِكٍ وَإِلَّا لَمَا خَالَفَهُ , وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : لَمْ يَرْوِهِ مَالِك لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَة أَهْل الْعِرَاق. وَقَالَ أَبُو عَبْد الْمَلِك كَأَنَّهُ لَمْ يَصِحّ الْحَدِيث عِنْده لِأَنَّهُ أَتَى مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِق. قُلْت : وَهُوَ مُسْلِم فِي حَدِيث عِمْرَان , وَأَمَّا طَرِيق يَعْلَى بْن أُمَيَّة فَرَوَاهَا أَهْل الْحِجَاز وَحَمَلَهَا عَنْهُمْ أَهْل الْعِرَاق , وَاعْتَذَرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّة بِفَسَادِ الزَّمَان , وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيّ عَنْ بَعْض أَصْحَابهمْ إِسْقَاطَ الضَّمَان قَالَ وَضَمَّنَهُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالِك , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْرُوف عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ لَا ضَمَان , وَكَأَنَّهُ اِنْعَكَسَ عَلَى الْقُرْطُبِيّ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏: لَمْ يَتَكَلَّم النَّوَوِيّ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن سِيرِينَ عَنْ عِمْرَان , فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا إِجْرَاء الْقِصَاص فِي الْعَضَّة , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ مَعَ الْقِصَاص فِي اللَّطْمَة بَعْد بَابَيْنِ. وَقَدْ يُقَال : إِنَّ الْعَضّ هُنَا إِنَّمَا أُذِنَ فِيهِ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى الْقِصَاص فِي قَلْع السِّنّ , لَكِنَّ الْجَوَاب السَّدِيد فِي هَذَا أَنَّهُ اِسْتَفْهَمَهُ اِسْتِفْهَام إِنْكَار لَا تَقْرِير شَرْع , هَذَا الَّذِي يَظْهَر لِي وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ الْفَوَائِد التَّحْذِير مِنْ الْغَضَب , وَأَنَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْظِمَهُ مَا اِسْتَطَاعَ لِأَنَّهُ أَدَّى إِلَى سُقُوط ثَنِيَّة الْغَضْبَان , لِأَنَّ يَعْلَى غَضِبَ مِنْ أَجِيره فَضَرَبَهُ فَدَفَعَ الْأَجِيرُ عَنْ نَفْسه فَعَضَّهُ يَعْلَى فَنَزَعَ يَدَهُ فَسَقَطَتْ ثَنِيَّة الْعَاضّ , وَلَوْلَا الِاسْتِرْسَال مَعَ الْغَضَب لَسَلِمَ مِنْ ذَلِكَ. وَفِيهِ اِسْتِئْجَار الْحُرّ لِلْخِدْمَةِ وَكِفَايَة مُؤْنَة الْعَمَل فِي الْغَزْو لَا لِيُقَاتِل عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي الْجِهَاد. وَفِيهِ رَفْعُ الْجِنَايَة إِلَى الْحَاكِم مِنْ أَجْل الْفَصْل , وَأَنَّ الْمَرْء لَا يَقْتَصّ لِنَفْسِهِ , وَأَنَّ الْمُتَعَدِّي بِالْجِنَايَةِ يَسْقُط مَا ثَبَتَ لَهُ قَبْلهَا مِنْ جِنَايَة إِذَا تَرَتَّبَتْ الثَّانِيَة عَلَى الْأُولَى. وَفِيهِ جَوَاز تَشْبِيه فِعْل الْآدَمِيّ بِفِعْلِ الْبَهِيمَة إِذَا وَقَعَ فِي مَقَام التَّنْفِير عَنْ مِثْل ذَلِكَ الْفِعْل , وَقَدْ حَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ رَأَى مَنْ صَحَّفَ قَوْله \" كَمَا يَقْضَم الْفُجْل \" بِالْجِيمِ بَدَل الْحَاء الْمُهْمَلَة وَحَمَلَهُ عَلَى الْبَقْل الْمَعْرُوف , وَهُوَ تَصْحِيف قَبِيح. وَفِيهِ دَفْع الصَّائِل وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِن الْخَلَاص مِنْهُ إِلَّا بِجِنَايَةٍ عَلَى نَفْسه أَوْ عَلَى بَعْض أَعْضَائِهِ فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ كَانَ هَدَرًا , وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ اِخْتِلَاف وَتَفْصِيل مَعْرُوف. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ أَمْرٌ يَأْنَفهُ أَوْ يَحْتَشِم مِنْ نِسْبَته إِلَيْهِ إِذَا حَكَاهُ كَنَى عَنْ نَفْسه بِأَنْ يَقُول فَعَلَ رَجُل أَوْ إِنْسَان أَوْ نَحْو ذَلِكَ كَذَا وَكَذَا كَمَا وَقَعَ لِيَعْلَى فِي هَذِهِ الْقِصَّة , وَكَمَا وَقَعَ لِعَائِشَة حَيْثُ قَالَتْ : \" قَبَّلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِمْرَأَة مِنْ نِسَائِهِ , فَقَالَ لَهَا عُرْوَة : هَلْ هِيَ إِلَّا أَنْتِ ؟ فَتَبَسَّمَتْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6386",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ابْنَةَ ‏ ‏النَّضْرِ ‏ ‏لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا فَأَتَوْا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيّ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه وَسَمَّاهُ الْبُخَارِيّ فِي رِوَايَته عَنْهُ هَذَا الْحَدِيث فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ حُمَيْد عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة التَّفْسِير \" حَدَّثَنَا حُمَيْد أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ اِبْنَة النَّضْر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير بِهَذَا السَّنَد عَنْ أَنَس أَنَّ الرُّبَيِّع بِضَمِّ أَوَّله وَالتَّشْدِيد عَمَّته , وَفِي تَفْسِير الْمَائِدَة مِنْ رِوَايَة الْفَزَارِيِّ عَنْ حُمَيْد عَنْ أَنَس \" كَسَرَتْ الرُّبَيِّع عَمَّة أَنَس \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق مُعْتَمِر عَنْ حُمَيْد عَنْ أَنَس \" كَسَرَتْ الرُّبَيِّع أُخْت أَنَس بْن النَّضْر \". ‏ ‏قَوْله ( لَطَمَتْ جَارِيَة فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتهَا ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْفَزَارِيّ \" جَارِيَة مِنْ الْأَنْصَار \" وَفِي رِوَايَة مُعْتَمِر \" اِمْرَأَة \" بَدَل جَارِيَة , وَهُوَ يُوَضِّح أَنَّ الْمُرَاد بِالْجَارِيَةِ الْمَرْأَة الشَّابَّة لَا الْأَمَة الرَّقِيقَة. ‏ ‏قَوْله ( فَأَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ فِي الصُّلْح وَمِثْله لِابْنِ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس \" فَطَلَبُوا إِلَيْهِمْ الْعَفْو فَأَبَوْا , فَعَرَضُوا عَلَيْهِمْ الْأَرْش فَأَبَوْا \" أَيْ طَالَبَ أَهْل الرُّبَيِّع إِلَى أَهْل الَّتِي كُسِرَتْ ثَنِيَّتُهَا أَنْ يَعْفُوا عَنْ الْكَسْر الْمَذْكُور مَجَّانًا أَوْ عَلَى مَال فَامْتَنَعُوا , زَادَ فِي الصُّلْح \" فَأَبَوْا إِلَّا الْقِصَاص \" وَفِي رِوَايَة الْفَزَارِيِّ \" فَطَلَبَ الْقَوْم الْقِصَاص فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ ) ‏ ‏زَادَ فِي الصُّلْح \" فَقَالَ أَنَس بْن النَّضْر \" إِلَى آخِر مَا حَكَيْته قَرِيبًا فِي \" بَاب الْقِصَاص بَيْن الرِّجَال وَالنِّسَاء \" وَقَوْله فِيهِ \" فَرَضِيَ الْقَوْم وَعَفَوْا \" وَقَعَ فِي رِوَايَة الْفَزَارِيِّ \" فَرَضِيَ الْقَوْم فَقَبِلُوا الْأَرْش \" وَفِي رِوَايَة مُعْتَمِر \" فَرَضَوْا بِأَرْشٍ أَخَذُوهُ \" وَفِي رِوَايَة مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة عَنْ حُمَيْد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَرَضِيَ أَهْل الْمَرْأَة بِأَرْشٍ أَخَذُوهُ فَعَفَوْا \" فَعُرِفَ أَنَّ قَوْله \" فَعَفَوْا \" أَيْ عَلَى الدِّيَة , زَادَ مُعْتَمِر \" فَعَجِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : إِنَّ مِنْ عِبَاد اللَّه مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ \" أَيْ لَأَبَرَّ قَسَمَهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة خَالِد الطَّحَّان عَنْ حُمَيْد عَنْ أَنَس فِي هَذَا الْحَدِيث عِنْد اِبْن أَبِي عَاصِم \" كَمْ مِنْ رَجُل لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ \" وَوَجْه تَعَجُّبِهِ أَنَّ أَنَس بْن النَّضْر أَقْسَمَ عَلَى نَفْي فِعْل غَيْره مَعَ إِصْرَار ذَلِكَ الْغَيْر عَلَى إِيقَاع ذَلِكَ الْفِعْل فَكَانَ قَضِيَّة ذَلِكَ فِي الْعَادَة أَنْ يَحْنَث فِي يَمِينه , فَأَلْهَمَ اللَّه الْغَيْر الْعَفْو فَبَرَّ قَسَمُ أَنَسٍ , وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ \" إِنَّ مِنْ عِبَاد اللَّه \" إِلَى أَنَّ هَذَا الِاتِّفَاق إِنَّمَا وَقَعَ إِكْرَامًا مِنْ اللَّه لِأَنَسٍ لِيُبِرَّ يَمِينَهُ , وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَة عِبَاد اللَّه الَّذِينَ يُجِيب دُعَاءَهُمْ وَيُعْطِيهِمْ أَرَبَهُمْ. وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْط قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كِتَاب اللَّه الْقِصَاص \" فَالْمَشْهُور أَنَّهُمَا مَرْفُوعَانِ عَلَى أَنَّهُمَا مُبْتَدَأ وَخَبَر , وَقِيلَ مَنْصُوبَانِ عَلَى أَنَّهُ مِمَّا وُضِعَ فِيهِ الْمَصْدَر مَوْضِع الْفِعْل أَيْ كَتَبَ اللَّه الْقِصَاص , أَوْ عَلَى الْإِغْرَاء , وَالْقِصَاص بَدَل مِنْهُ فَيُنْصَب , أَوْ يُنْصَب بِفِعْلٍ مَحْذُوف , وَيَجُوز رَفْعه بِأَنْ يَكُون خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف. وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي الْمَعْنَى فَقِيلَ : الْمُرَاد حُكْم كِتَاب اللَّه الْقِصَاص فَهُوَ عَلَى تَقْدِير حَذْف مُضَاف , وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْكِتَابِ الْحُكْم أَيْ حُكْم اللَّه الْقِصَاص , وَقِيلَ أَشَارَ إِلَى قَوْله ( وَالْجُرُوح قِصَاص , فَعَاقِبُوا ) وَقِيلَ إِلَى قَوْله ( فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ) وَقِيلَ إِلَى قَوْله ( وَالسِّنّ بِالسِّنِّ ) فِي قَوْله ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا ) بِنَاء عَلَى أَنَّ شَرْع مَنْ قَبْلنَا شَرْع لَنَا مَا لَمْ يَرِد فِي شَرْعِنَا مَا يَرْفَعهُ. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ إِنْكَارُ أَنَس بْن النَّضْر كَسْرَ سِنّ الرُّبَيِّع مَعَ سَمَاعه مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمْرَ بِالْقِصَاصِ ثُمَّ قَالَ \" أَتُكْسَرُ سِنّ الرُّبَيِّع \" ؟ ثُمَّ أَقْسَمَ أَنَّهَا لَا تُكْسَر , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى التَّأْكِيد عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلَب الشَّفَاعَة إِلَيْهِمْ أَنْ يَعْفُوا عَنْهَا , وَقِيلَ كَانَ حَلِفه قَبْل أَنْ يَعْلَم أَنَّ الْقِصَاص حَتْمٌ فَظَنَّ أَنَّهُ عَلَى التَّخْيِير بَيْنه وَبَيْن الدِّيَة أَوْ الْعَفْو , وَقِيلَ لَمْ يُرِدْ الْإِنْكَار الْمَحْض وَالرَّدّ بَلْ قَالَهُ تَوَقُّعًا وَرَجَاء مِنْ فَضْل اللَّه أَنْ يُلْهِم الْخُصُوم الرِّضَا حَتَّى يَعْفُوا أَوْ يَقْبَلُوا الْأَرْش , وَبِهَذَا جَزَمَ الطِّيبِيُّ فَقَالَ : لَمْ يَقُلْهُ رَدًّا لِلْحُكْمِ بَلْ نَفَى وُقُوعَهُ لِمَا كَانَ لَهُ عِنْد اللَّه مِنْ اللُّطْف بِهِ فِي أُمُوره وَالثِّقَة بِفَضْلِهِ أَنْ لَا يُخَيِّبهُ فِيمَا حَلَفَ بِهِ وَلَا يُخَيِّب ظَنَّهُ فِيمَا أَرَادَهُ بِأَنْ يُلْهِمهُمْ الْعَفْو , وَقَدْ وَقَعَ الْأَمْر عَلَى مَا أَرَادَ. وَفِيهِ جَوَاز الْحَلِف فِيمَا يَظُنّ وُقُوعَهُ وَالثَّنَاء عَلَى مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ عِنْد أَمْنِ الْفِتْنَة بِذَلِكَ عَلَيْهِ , وَاسْتِحْبَاب الْعَفْو عَنْ الْقِصَاص , وَالشَّفَاعَة فِي الْعَفْو , وَأَنَّ الْخِيرَة فِي الْقِصَاص أَوْ الدِّيَة لِلْمُسْتَحِقِّ عَلَى الْمُسْتَحَقّ عَلَيْهِ , وَإِثْبَات الْقِصَاص بَيْن النِّسَاء فِي الْجِرَاحَات وَفِي الْأَسْنَان. وَفِيهِ الصُّلْح عَلَى الدِّيَة , وَجَرَيَان الْقِصَاص فِي كَسْر السِّنّ , وَمَحَلّه فِيمَا إِذَا أَمْكَنَ التَّمَاثُل بِأَنْ يَكُون الْمَكْسُور مَضْبُوطًا فَيَبْرُد مِنْ سِنّ الْجَانِي مَا يُقَابِلهُ بِالْمِبْرَدِ مَثَلًا , قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَن : قُلْت لِأَحْمَدَ كَيْف ؟ فَقَالَ : يَبْرُد. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْكَسْر فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى الْقَلْع وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ هَذَا السِّيَاق. ‏"
    },
    {
        "id": "6387",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ ‏ ‏يَعْنِي الْخِنْصَرَ وَالْإِبْهَامَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاء يَعْنِي الْخِنْصَر وَالْإِبْهَام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْ شُعْبَة \" الْإِبْهَام وَالْخِنْصَر \" وَحَذَفَ لَفْظَة \" يَعْنِي \" وَزَادَ فِي رِوَايَة عَنْهُ \" عَشْرٌ عَشْرٌ \" وَلِعَلِيِّ بْن الْجَعْد عَنْ شُعْبَة عَنْ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصَر وَالْإِبْهَام \" وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق عَاصِم بْن عَلِيّ عَنْ شُعْبَة \" دِيَتهمَا سَوَاء \" وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث عَنْ شُعْبَة \" الْأَصَابِع وَالْأَسْنَان سَوَاء , الثَّنِيَّة وَالضِّرْس سَوَاء \" وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق يَزِيد النَّحْوِيّ عَنْ عِكْرِمَة بِلَفْظِ \" الْأَسْنَان وَالْأَصَابِع سَوَاء \" وَفِي لَفْظ \" أَصَابِع الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاء \" وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي عَاصِم مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ بَعَثَهُ مَرْوَان إِلَى اِبْن عَبَّاس يَسْأَلهُ عَنْ الْأَصَابِع فَقَالَ \" قَضَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَد خَمْسِينَ وَكُلّ أُصْبُع عَشْر \" وَكَذَا فِي كِتَاب عَمْرو بْن حَزْم عِنْد مَالِك \" فِي الْأَصَابِع عَشْر عَشْر \" وَسَأَذْكُرُ سَنَده , وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه رَفَعَهُ \" الْأَصَابِع سَوَاء كُلّهنَّ فِيهِ عَشْر عَشْر مِنْ الْإِبِل , وَفَرَّقَهُ أَبُو دَاوُدَ حَدِيثَيْنِ وَسَنَده جَيِّد. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوه ) ‏ ‏نَزَلَ الْمُصَنِّف فِي هَذَا السَّنَد دَرَجَة مِنْ أَجْل وُقُوع التَّصْرِيح فِيهِ بِالسَّمَاعِ. , وَأَمَّا قَوْله \" نَحْوه \" فَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي عَدِيّ الْمَذْكُورَة بِلَفْظِ \" الْأَصَابِع سَوَاء \" وَأَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي عَدِيّ أَيْضًا لَكِنْ مَقْرُونًا بِهِ غُنْدَر وَالْقَطَّان بِلَفْظِ الرِّوَايَة الْأُولَى وَلَكِنْ بِتَقْدِيمِ الْإِبْهَام عَلَى الْخِنْصَر , قَالَ التِّرْمِذِيّ : الْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أَهْل الْعِلْم , وَبِهِ يَقُول الثَّوْرِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاق. قُلْت : وَبِهِ قَالَ جَمِيع فُقَهَاء الْأَمْصَار , وَكَانَ فِيهِ خِلَاف قَدِيم فَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ عُمَر \" فِي الْإِبْهَام خَمْسَةَ عَشَرَ وَفِي السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى عَشْر عَشْر وَفِي الْبِنْصِر تِسْع وَفِي الْخِنْصَر سِتّ \" وَمِثْله عَنْ مُجَاهِد , وَفِي \" جَامِع الثَّوْرِيّ \" عَنْ عُمَر نَحْوه وَزَادَ \" قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : حَتَّى وَجَدَ عُمَر فِي كِتَاب الدِّيَات لِعَمْرِو بْن حَزْم فِي كُلّ إِصْبَع عَشْر فَرَجَعَ إِلَيْهِ \". قُلْت : وَكِتَاب عَمْرو بْن حَزْم أَخْرَجَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ فِي الْكِتَاب الَّذِي كَتَبَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْن حَزْم فِي الْعُقُول أَنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنْ الْإِبِل \" وَفِيهِ \" وَفِي الْيَد خَمْسُونَ , وَفِي الرِّجْل خَمْسُونَ وَفِي كُلّ إِصْبَع مِمَّا هُنَالِكَ عَشْر مِنْ الْإِبِل \" وَوَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي \" الْمَرَاسِيل \" وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مُطَوَّلًا , وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان , وَأَعَلَّهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ , وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ \" فِي الْإِبْهَام وَاَلَّتِي تَلِيهَا نِصْف دِيَة الْيَد , وَفِي كُلّ وَاحِدَة عَشْر \" وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ مُجَاهِد نَحْو أَثَر عُمَر إِلَّا أَنَّهُ قَالَ \" فِي الْبِنْصِر ثَمَانٍ وَفِي الْخِنْصَر سَبْع \" وَمِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ \" كُنْت عِنْد شُرَيْح فَجَاءَهُ رَجُل فَسَأَلَهُ فَقَالَ : فِي كُلّ إِصْبَع عَشْر , فَقَالَ : سُبْحَان اللَّه هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاء الْإِبْهَام وَالْخِنْصَر , قَالَ : وَيْحك إِنَّ السُّنَّة مَنَعَتْ الْقِيَاس اِتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِع \" وَأَخْرَجَهُ اِبْن الْمُنْذِر وَسَنَده صَحِيح , وَأَخْرَجَ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ \" أَنَّ مَرْوَان بَعَثَ أَبَا غَطَفَان الْمُزَنِيَّ إِلَى اِبْن عَبَّاس : مَاذَا فِي الضِّرْس ؟ فَقَالَ : خَمْس مِنْ الْإِبِل , قَالَ : فَرَدَّنِي إِلَيْهِ : أَتَجْعَلُ مُقَدَّم الْفَم مِثْل الْأَضْرَاس ؟ فَقَالَ : لَوْ لَمْ تَعْتَبِر ذَلِكَ إِلَّا فِي الْأَصَابِع عَقْلُهَا سَوَاءٌ ) وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا خِلَاف عِنْد اِبْن عَبَّاس وَمَرْوَان فِي الْأَصَابِع وَإِلَّا لَكَانَ فِي الْقِيَاس الْمَذْكُور نَظَر. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا أَصْل فِي كُلّ جِنَايَة لَا تُضْبَط كَمِّيَّتهَا , فَإِذَا فَاقَ ضَبْطهَا مِنْ جِهَة الْمَعْنَى اُعْتُبِرَتْ مِنْ حَيْثُ الِاسْم فَتَتَسَاوَى دِيَتهَا وَإِنْ اِخْتَلَفَ حَالهَا وَمَنْفَعَتهَا وَمَبْلَغ فِعْلهَا , فَإِنَّ لِلْإِبْهَامِ مِنْ الْقُوَّة مَا لَيْسَ لِلْخِنْصَرِ وَمَعَ ذَلِكَ فَدِيَتهمَا سَوَاء , وَمِثْله فِي الْجَنِين غُرَّة سَوَاء كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى , وَهَكَذَا الْقَوْل فِي الْوَاضِح دِيَتهَا سَوَاء وَلَوْ اِخْتَلَفَ فِي الْمِسَاحَة , وَكَذَلِكَ الْأَسْنَان نَفْع بَعْضهَا أَقْوَى مِنْ بَعْض وَدِيَتهَا سَوَاء نَظَرًا لِلِاسْمِ فَقَطْ. وَمَا أَخْرَجَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ رَبِيعَة \" سَأَلْت سَعِيد بْن الْمُسَيِّب كَمْ فِي إِصْبَع الْمَرْأَة ؟ قَالَ : عَشْر , قُلْت : فَفِي إِصْبَعَيْنِ ؟ قَالَ : عِشْرُونَ , قُلْت : فَفِي ثَلَاث ؟ قَالَ : ثَلَاثُونَ , قُلْت : فَفِي أَرْبَع ؟ قَالَ : عِشْرُونَ. قُلْت : حِين عَظُمَ جُرْحهَا وَاشْتَدَّتْ مُصِيبَتهَا نَقَصَ عَقْلُهَا. ‏ ‏قَالَ : يَا اِبْن أَخِي هِيَ السُّنَّة , فَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ دِيَة الْمَرْأَة نِصْف دِيَة الرَّجُل لَكِنَّهَا عِنْده تُسَاوِيه فِيمَا كَانَ قَدْر ثُلُث الدِّيَة فَمَا دُونه فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ رَجَعَتْ إِلَى حُكْم النِّصْف. ‏"
    },
    {
        "id": "6388",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏لَدَدْنَا ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَرَضِهِ وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا ‏ ‏لَا ‏ ‏تَلُدُّونِي ‏ ‏قَالَ فَقُلْنَا كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ بِالدَّوَاءِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ ‏ ‏تَلُدُّونِي ‏ ‏قَالَ قُلْنَا كَرَاهِيَةٌ لِلدَّوَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ‏ ‏لُدَّ ‏ ‏وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا ‏ ‏الْعَبَّاسَ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث عَائِشَة فِي اللُّدُود , وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ فِي \" بَاب الْقِصَاص بَيْن الرِّجَال وَالنِّسَاء \" وَأَنَّهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي الْقِصَاص , لَكِنَّ قَوْله فِي آخِره إِلَّا الْعَبَّاس فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدكُمْ فَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ فَعَلَهُ قِصَاصًا لَا تَأْدِيبًا. قَالَ اِبْن بَطَّال : هُوَ حُجَّة لِمَنْ قَالَ يُقَاد مِنْ اللَّطْمَة وَالسَّوْط , يَعْنِي وَمُنَاسَبَة ذِكْر ذَلِكَ فِي تَرْجَمَة الْقِصَاص مِنْ الْجَمَاعَة لِلْوَاحِدِ لَيْسَتْ ظَاهِرَةً. وَأَجَابَ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَفَاد مِنْ إِجْرَاء الْقِصَاص فِي الْأُمُور الْحَقِيرَة وَلَا يُعْدَل فِيهَا عَنْ الْقِصَاص إِلَى التَّأْدِيب , فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِي الْقِصَاص عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ فِي الْجِنَايَة سَوَاء قَلُّوا أَمْ كَثُرُوا فَإِنَّ نَصِيب كُلّ مِنْهُمْ عَظِيم مَعْدُود مِنْ الْكَبَائِر فَكَيْف لَا يَجْرِي فِيهِ الْقِصَاص. وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6389",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏زَعَمَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏يُقَالُ ‏ ‏لَهُ ‏ ‏سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَتَفَرَّقُوا فِيهَا وَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ ‏ ‏قَتِيلًا ‏ ‏وَقَالُوا لِلَّذِي وُجِدَ فِيهِمْ قَدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا قَالُوا مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ انْطَلَقْنَا إِلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلًا فَقَالَ ‏ ‏الْكُبْرَ الْكُبْرَ فَقَالَ لَهُمْ تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ قَالُوا مَا لَنَا بَيِّنَةٌ قَالَ فَيَحْلِفُونَ قَالُوا لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سَعِيد بْن عُبَيْد ) ‏ ‏هُوَ الطَّائِيّ الْكُوفِيّ يُكْنَى أَبَا هُذَيْل رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيّ وَغَيْره مِنْ الْأَكَابِر , وَأَبُو نُعَيْم الرَّاوِي عَنْهُ هُنَا هُوَ آخِر مَنْ رَوَى عَنْهُ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَابْن مَعِين وَآخَرُونَ , وَقَالَ الْآجُرِّيّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ كَانَ شُعْبَة يَتَمَنَّى لِقَاءَهُ , وَفِي طَبَقَتِهِ سَعِيد بْن عُبَيْد الْهُنَائِيّ بِضَمِّ الْهَاء وَتَخْفِيف النُّون وَهَمْز وَمَدّ بَصْرِيّ صَدُوق أَخْرَجَ لَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ بُشَيْر ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَة مُصَغَّر اِبْن يَسَار بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة خَفِيفَة لَا أَعْرِف اِسْم جَدِّهِ , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن نُمَيْر عَنْ سَعِيد بْن عُبَيْد \" حَدَّثَنَا بُشَيْر بْن يَسَار الْأَنْصَارِيّ \". قُلْت : وَهُوَ مِنْ مَوَالِي بَنِي حَارِثَة مِنْ الْأَنْصَار , قَالَ اِبْن إِسْحَاق : كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا فَقِيهًا أَدْرَكَ عَامَّة الصَّحَابَة وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بْن مَعِين وَالنَّسَائِيُّ وَكَنَّاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَته أَبَا كَيْسَانَ. ‏ ‏قَوْله ( زَعَمَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُثَلَّثَة , وَلَمْ يَقَع فِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر زَعَمَ بَلْ عِنْده عَنْ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة الْأَنْصَارِيّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ , وَكَذَا لِأَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي نُعَيْم شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَاسْم أَبِي حَثْمَة عَامِر بْن سَاعِدَة بْن عَامِر وَيُقَال اِسْم أَبِيهِ عَبْد اللَّه فَاشْتَهَرَ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَدّه وَهُوَ مِنْ بَنِي حَارِثَة بَطْن مِنْ الْأَوْس. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمه ) ‏ ‏سَمَّى يَحْيَى بْنُ سَعِيد الْأَنْصَارِيُّ فِي رِوَايَته عَنْ بُشَيْر بْن يَسَار مِنْهُمْ اِثْنَيْنِ , فَتَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَة مِنْ طَرِيق بِشْر بْن الْمُفَضَّل عَنْ يَحْيَى بِهَذَا السَّنَد \" اِنْطَلَقَ عَبْد اللَّه بْن سَهْل وَمُحَيِّصَة بْن مَسْعُود بْن زَيْد \" وَفِي الْأَدَب مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ يَحْيَى عَنْ بُشَيْر \" عَنْ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة وَرَافِع بْن خَدِيج أَنَّهُمَا حَدَّثَا أَنَّ عَبْد اللَّه بْن سَهْل وَمُحَيِّصَة بْن مَسْعُود اِنْطَلَقَا \" وَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ يَحْيَى عَنْ بُشَيْر عَنْ سَهْل \" قَالَ يَحْيَى وَحَسِبْت أَنَّهُ قَالَ وَرَافِع بْن خَدِيج أَنَّهُمَا قَالَا خَرَجَ عَبْد اللَّه بْن سَهْل بْن زَيْد وَمُحَيِّصَة بْن مَسْعُود بْن زَيْد \" وَنَحْوه عِنْده مِنْ رِوَايَة هُشَيْم عَنْ يَحْيَى لَكِنْ لَمْ يَذْكُر رَافِعًا وَلَفْظه عَنْ بُشَيْر بْن يَسَار \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار مِنْ بَنِي حَارِثَة يُقَال لَهُ عَبْد اللَّه بْن سَهْل بْن زَيْد اِنْطَلَقَ هُوَ وَابْن عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ مُحَيِّصَة بْن مَسْعُود بْن زَيْد \" وَأَسْنَدَهُ فِي آخِره عَنْ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة بِهِ , وَثَبَتَ ذِكْر رَافِع بْن خَدِيج فِي هَذَا الْحَدِيث غَيْر مُسَمًّى عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق أَبِي لَيْلَى بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن سَهْل \" عَنْ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة أَنَّهُ أَخْبَرَهُ هُوَ وَرَجُل مِنْ كُبَرَاء قَوْمه \" وَعِنْد اِبْن أَبِي عَاصِم مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش عَنْ يَحْيَى عَنْ بُشَيْر \" عَنْ سَهْل وَرَافِع وَسُوَيْد بْن النُّعْمَان أَنَّ الْقَسَامَة كَانَتْ فِيهِمْ فِي بَنِي حَارِثَة فَذَكَرَ بُشَيْر عَنْهُمْ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن سَهْل خَرَجَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَمُحَيِّصَة بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة مَكْسُورَة بَعْدهَا صَاد مُهْمَلَة وَكَذَا ضَبْط أَخِيهِ حُوَيِّصَة وَحُكِيَ التَّخْفِيف فِي الِاسْمَيْنِ مَعًا وَرَجَّحَهُ طَائِفَة. ‏ ‏قَوْله ( اِنْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَر فَتَفَرَّقُوا فِيهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد \" اِنْطَلَقَا إِلَى خَيْبَر فَتَفَرَّقَا \" وَتُحْمَل رِوَايَة الْبَاب عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمَا تَابِعٌ لَهُمَا , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد بْن إِسْحَاق عَنْ بُشَيْر بْن يَسَار عَنْ اِبْن أَبِي عَاصِم \" خَرَجَ عَبْد اللَّه بْن سَهْل فِي أَصْحَاب لَهُ يَمْتَارُونَ تَمْرًا \" زَادَ سُلَيْمَان بْن بِلَال عِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَته عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد \" فِي زَمَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ يَوْمئِذٍ صُلْح وَأَهْلهَا يَهُود , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي , وَالْمُرَاد أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْد فَتْحهَا , فَإِنَّهَا لَمَّا فُتِحَتْ أَقَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلهَا فِيهَا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِي الْمَزَارِع بِالشَّطْرِ مِمَّا يَخْرُج مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه. وَفِي رِوَايَة أَبِي لَيْلَى بْن عَبْد اللَّه \" خَرَجَ إِلَى خَيْبَر \". ‏ ‏قَوْله ( فَوَجَدُوا أَحَدهمْ قَتِيلًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة بِشْر بْن الْمُفَضَّل \" فَأَتَى مُحَيِّصَة إِلَى عَبْد اللَّه بْن سَهْل وَهُوَ يَتَشَحَّط فِي دَمه قَتِيلًا \" أَيْ يَضْطَرِب فَيَتَمَرَّغ فِي دَمه فَدَفَنَهُ , وَفِي رِوَايَة اللَّيْث \" فَإِذَا مُحَيِّصَة يَجِد عَبْد اللَّه بْن سَهْل قَتِيلًا فَدَفَنَهُ \" وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال \" فَوَجَدَ عَبْد اللَّه بْن سَهْل مَقْتُولًا فِي سِرْبه فَدَفَنَهُ صَاحِبه \" وَفِي رِوَايَة أَبِي لَيْلَى \" فَأَخْبَرَ مُحَيِّصَة أَنَّ عَبْد اللَّه قُتِلَ وَطُرِحَ فِي فَقِير \" بِفَاءٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ قَاف مَكْسُورَة أَيْ حَفِيرَة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالُوا لِلَّذِينَ وُجِدَ فِيهِمْ قَدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا , قَالُوا مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي لَيْلَى \" فَأَتَى مُحَيِّصَة يَهُودَ فَقَالَ : أَنْتُمْ وَاَللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ , قَالُوا وَاَللَّه مَا قَتَلْنَاهُ \". ‏ ‏قَوْله ( فَانْطَلَقُوا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد \" فَجَاءَ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَهْل وَحُوَيِّصَة وَمُحَيِّصَة اِبْنَا مَسْعُود إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْر صَاحِبهمْ \" وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال \" فَأَتَى أَخُو الْمَقْتُول عَبْد الرَّحْمَن وَمُحَيِّصَة وَحُوَيِّصَة فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَأْن عَبْد اللَّه حَيْثُ قُتِلَ \" وَفِي رِوَايَة اللَّيْث \" ثُمَّ أَقْبَلَ مُحَيِّصَة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَحُوَيِّصَة وَعَبْد الرَّحْمَن بْن سَهْل \" زَادَ أَبُو لَيْلَى فِي رِوَايَته \" وَهُوَ - أَيْ حُوَيِّصَة - أَكْبَرُ مِنْهُ , أَيْ مِنْ مُحَيِّصَة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ : الْكُبْرَ الْكُبْرَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْكَاف وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَبِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الْإِغْرَاء , زَادَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد \" فَبَدَأَ عَبْد الرَّحْمَن يَتَكَلَّم وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْم \" زَادَ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ يَحْيَى عِنْد مُسْلِم \" فِي أَمْر أَخِيهِ \" وَفِي رِوَايَة بِشْر \" وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْم \" وَفِي رِوَايَة اللَّيْث \" فَذَهَبَ عَبْد الرَّحْمَن يَتَكَلَّم فَقَالَ كَبِّرْ الْكُبْرَ \" الْأُولَى أَمْرٌ وَالْأُخْرَى كَالْأَوَّلِ , وَمِثْله فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد وَزَادَ \" أَوْ قَالَ يَبْدَأ الْأَكْبَر \" وَفِي رِوَايَة بِشْر بْن الْمُفَضَّل \" كَبِّرْ كَبِّرْ \" بِتَكْرَارِ الْأَمْر , وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي لَيْلَى وَزَادَ \" يُرِيد السِّنَّ \" وَفِي رِوَايَة اللَّيْث \" فَسَكَتَ وَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ \" وَفِي رِوَايَة بِشْر \" وَتَكَلَّمَا \". ‏ ‏قَوْله ( تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ , قَالُوا : مَا لَنَا بَيِّنَة ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة سَعِيد بْن عُبَيْد , وَلَمْ يَقَع فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ وَلَا فِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ الْآتِيَة فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده لِلْبَيِّنَةِ ذِكْرٌ وَإِنَّمَا قَالَ يَحْيَى فِي رِوَايَة \" أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلكُمْ أَوْ صَاحِبكُمْ \" هَذِهِ رِوَايَة بِشْر بْن الْمُفَضَّل عَنْهُ وَفِي رِوَايَة حَمَّاد عَنْهُ \" أَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلكُمْ أَوْ صَاحِبكُمْ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ \" وَفِي رِوَايَة عِنْد مُسْلِم \" يُقْسِم خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُل مِنْهُمْ فَيُدْفَع بِرُمَّتِهِ \" وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال \" تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" تُبَرِّئكُمْ يَهُود بِخَمْسِينَ يَمِينًا تَحْلِفُونَ , فَبَدَأَ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ لَكِنْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ إِنَّهُ وَهْم , كَذَا جَزَمَ بِذَلِكَ , وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيّ : كَانَ اِبْن عُيَيْنَةَ لَا يُثْبِتُ أَقَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَنْصَارَ فِي الْأَيْمَانِ أَوْ الْيَهُودَ , فَيُقَال لَهُ إِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ قَدَّمَ الْأَنْصَار فَيَقُول هُوَ ذَاكَ وَرُبَّمَا حَدَّثَ بِهِ كَذَلِكَ وَلَمْ يَشُكّ , وَفِي رِوَايَة أَبِي لَيْلَى \" فَقَالَ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَة وَعَبْد الرَّحْمَن أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَم صَاحِبكُمْ ؟ فَقَالُوا لَا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ \" فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُود فَدَعَاهُمْ فَقَالَ أَنْتُمْ قَتَلْتُمْ هَذَا ؟ فَقَالُوا : لَا. فَقَالَ أَتَرْضَوْنَ نَفْلَ خَمْسِينَ مِنْ الْيَهُود مَا قَتَلُوهُ \" وَنَفْل بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْفَاء يَأْتِي شَرْحه , وَزَادَ يَحْيَى بْن سَعِيد \" كَيْف نَحْلِف وَلَمْ نَشْهَد وَلَمْ نَرَ \" وَفِي رِوَايَة حَمَّاد عَنْهُ \" أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ \" وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان \" مَا شَهِدْنَا وَلَا حَضَرْنَا \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ فَيَحْلِفُونَ , قَالُوا لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُود ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة أَبِي لَيْلَى \" فَقَالُوا لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ \" وَفِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد \" فَتُبَرِّئكُمْ يَهُود بِخَمْسِينَ يَمِينًا \" أَيْ يُخَلِّصُونَكُمْ مِنْ الْأَيْمَان بِأَنْ يَحْلِفُوهُمْ فَإِذَا حَلَفُوا اِنْتَهَتْ الْخُصُومَة فَلَمْ يَجِب عَلَيْهِمْ شَيْء وَخُلِّصْتُمْ أَنْتُمْ مِنْ الْأَيْمَان , \" قَالُوا كَيْف نَأْخُذ بِأَيْمَانِ قَوْم كُفَّار \" وَفِي رِوَايَة اللَّيْث \" نَقْبَل \" بَدَل \" نَأْخُذ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ \" مَا يُبَالُونَ أَنْ يَقْتُلُونَا أَجْمَعِينَ ثُمَّ يَحْلِفُونَ \" كَذَا فِي رِوَايَة سَعِيد بْن عُبَيْد لَمْ يَذْكُر عَرْض الْأَيْمَان عَلَى الْمُدَّعِينَ كَمَا لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد طَلَب الْبَيِّنَة أَوَّلًا , وَطَرِيق الْجَمْع أَنْ يُقَال حَفِظَ أَحَدُهُمْ مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَر , فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ طَلَبَ الْبَيِّنَة أَوَّلًا فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَة , فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ الْأَيْمَان فَامْتَنَعُوا , فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ تَحْلِيف الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا. وَأَمَّا قَوْل بَعْضهمْ إِنَّ ذِكْر الْبَيِّنَة وَهْم لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ خَيْبَر حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ بِهَا أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَدَعْوَى نَفْي الْعِلْم مَرْدُودَة فَإِنَّهُ وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْكُن مَعَ الْيَهُود فِيهَا أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَكِنْ فِي نَفْس الْقِصَّة أَنَّ جَمَاعَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَرَجُوا يَمْتَارُونَ تَمْرًا فَيَجُوز أَنْ تَكُون طَائِفَة أُخْرَى خَرَجُوا لِمِثْلِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْس الْأَمْر كَذَلِكَ , وَقَدْ وَجَدْنَا لِطَلَبِ الْبَيِّنَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة شَاهِدًا مِنْ وَجْه آخَر أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْأَخْنَس عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه \" أَنَّ اِبْن مُحَيِّصَة الْأَصْغَر أَصْبَحَ قَتِيلًا عَلَى أَبْوَاب خَيْبَر فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقِمْ شَاهِدَيْنِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ أَدْفَعْهُ إِلَيْك بِرُمَّتِهِ , قَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَنَّى أُصِيبُ شَاهِدَيْنِ وَإِنَّمَا أَصْبَحَ قَتِيلًا عَلَى أَبْوَابهمْ ؟ قَالَ فَتَحْلِف خَمْسِينَ قَسَامَة , قَالَ فَكَيْف أَحْلِف عَلَى مَا لَا أَعْلَم , قَالَ تَسْتَحْلِفُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ , قَالَ كَيْف وَهُمْ يَهُود \" وَهَذَا السَّنَد صَحِيح حَسَن وَهُوَ نَصٌّ فِي الْحَمْل الَّذِي ذَكَرْته فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبَايَة بْن رِفَاعَة عَنْ جَدّه رَافِع بْن خَدِيج قَالَ \" أَصْبَحَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار بِخَيْبَر مَقْتُولًا , فَانْطَلَقَ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى قَتْل صَاحِبكُمْ , قَالَ : لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا هُمْ الْيَهُود وَقَدْ يَجْتَرِئُونَ عَلَى أَعْظَمَ مِنْ هَذَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَكَرِهَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُطَلَّ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الطَّاء وَتَشْدِيد اللَّام أَيْ يُهْدَر. ‏ ‏قَوْله ( فَوَدَاهُ مِائَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِمِائَةٍ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي لَيْلَى \" فَوَدَاهُ مِنْ عِنْده \" وَفِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد \" فَعَقَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْده \" أَيْ أَعْطَى دِيَته , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد \" مِنْ قِبَله \" بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْمُوَحَّدَة أَيْ مِنْ جِهَته وَفِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْهُ \" فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى عَقْلَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( مِنْ إِبِل الصَّدَقَة ) ‏ ‏زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ غَلَطٌ مِنْ سَعِيد بْن عُبَيْد لِتَصْرِيحِ يَحْيَى بْن سَعِيد بِقَوْلِهِ \" مِنْ عِنْده \" وَجَمَعَ بَعْضهمْ بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون اِشْتَرَاهَا مِنْ إِبِل الصَّدَقَة بِمَالٍ دَفَعَهُ مِنْ عِنْده , أَوْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" مِنْ عِنْده \" أَيْ بَيْت الْمَال الْمُرْصَد لِلْمَصَالِحِ , وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ صَدَقَة بِاعْتِبَارِ الِانْتِفَاع بِهِ مَجَّانًا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قَطْع الْمُنَازَعَة وَإِصْلَاح ذَات الْبَيْن , وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضهمْ عَلَى ظَاهِره فَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء جَوَاز صَرْف الزَّكَاة فِي الْمَصَالِح الْعَامَّة وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث وَغَيْره. قُلْت : وَتَقَدَّمَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَاب الزَّكَاة فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي لَاس قَالَ \" حَمَلَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِبِل مِنْ إِبِل الصَّدَقَة فِي الْحَجّ \" وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِالْعِنْدِيَّةِ كَوْنهَا تَحْت أَمْره وَحُكْمه , وَلِلِاحْتِرَازِ مِنْ جَعْل دِيَته عَلَى الْيَهُود أَوْ غَيْرهمْ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" فَعَلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى كَرَمه وَحُسْن سِيَاسَته وَجَلْبًا لِلْمَصْلَحَةِ وَدَرْءًا لِلْمَفْسَدَةِ عَلَى سَبِيل التَّأْلِيف , وَلَا سِيَّمَا عِنْد تَعَذُّر الْوُصُول إِلَى اِسْتِيفَاء الْحَقّ , وَرِوَايَة مَنْ قَالَ \" مِنْ عِنْده \" أَصَحُّ مِنْ رِوَايَة مَنْ قَالَ \" مِنْ إِبِل الصَّدَقَة \" وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا غَلَط وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَغْلَط الرَّاوِي مَا أَمْكَنَ , فَيَحْتَمِل أَوْجُهًا مِنْهَا فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ : أَنْ يَكُون تَسَلَّفَ ذَلِكَ مِنْ إِبِل الصَّدَقَة لِيَدْفَعهُ مِنْ مَال الْفَيْء , أَوْ أَنَّ أَوْلِيَاء الْقَتِيل كَانُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلصَّدَقَةِ فَأَعْطَاهُمْ , أَوْ أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ مِنْ سَهْم الْمُؤَلَّفَة اِسْتِئْلَافًا لَهُمْ وَاسْتِجْلَابًا لِلْيَهُودِ اِنْتَهَى. وَزَادَ أَبُو لَيْلَى فِي رِوَايَته \" قَالَ سَهْل فَرَكَضَتْنِي نَاقَة \" وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ يَحْيَى \" أَدْرَكَتْهُ نَاقَة مِنْ تِلْكَ الْإِبِل فَدَخَلَتْ مِرْبَدًا لَهُمْ فَرَكَضَتْنِي بِرِجْلِهَا \" وَفِي رِوَايَة شَيْبَانَ بْن بِلَال \" لَقَدْ رَكَضَتْنِي نَاقَة مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِض بِالْمِرْبَدِ \" وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِسْحَاق \" فَوَاَللَّهِ مَا أَنْسَى نَاقَة بَكْرَة مِنْهَا حَمْرَاء ضَرَبَتْنِي وَأَنَا أَحُوزهَا \" وَفِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد مَشْرُوعِيَّة الْقَسَامَة. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هَذَا الْحَدِيث أَصْل مِنْ أُصُول الشَّرْع وَقَاعِدَة مِنْ قَوَاعِد الْأَحْكَام وَرُكْن مِنْ أَرْكَان مَصَالِح الْعِبَاد , وَبِهِ أَخَذَ كَافَّة الْأَئِمَّة وَالسَّلَف مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَعُلَمَاء الْأُمَّة وَفُقَهَاء الْأَنْصَار مِنْ الْحِجَازِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَإِنْ اِخْتَلَفُوا فِي صُورَة الْأَخْذ بِهِ , وَرُوِيَ التَّوَقُّف عَنْ الْأَخْذ بِهِ عَنْ طَائِفَة فَلَمْ يَرَوْا الْقَسَامَة وَلَا أَثْبَتُوا بِهَا فِي الشَّرْع حُكْمًا , وَهَذَا مَذْهَب الْحَكَم بْن عُتَيْبَة وَأَبِي قِلَابَةَ وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه وَسُلَيْمَان بْن يَسَار وَقَتَادَة وَمُسْلِم بْن خَالِد وَإِبْرَاهِيم بْن عُلَيَّة وَإِلَيْهِ يَنْحُو الْبُخَارِيّ , وَرُوِيَ عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ. قُلْت : وَهَذَا يُنَافِي مَا صَدَرَ بِهِ كَلَامه أَنَّ كَافَّة الْأَئِمَّة أَخَذُوا بِهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْل عَمَّنْ لَمْ يَقُلْ بِمَشْرُوعِيَّتِهَا فِي أَوَّل الْبَاب , وَفِيهِمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرهُ الْقَاضِي , قَالَ : وَاخْتَلَفَ قَوْل مَالِك فِي مَشْرُوعِيَّة الْقَسَامَة فِي قَتْل الْخَطَأ , وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَا فِي الْعَمْد هَلْ يَجِب بِهَا الْقَوَد أَوْ الدِّيَة ؟ فَمَذْهَب مُعْظَم الْحِجَازِيِّينَ إِيجَاب الْقَوَد إِذَا كَمَلَتْ شُرُوطهَا , وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة وَأَبِي الزِّنَاد وَمَالِك وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيّ فِي أَحَد قَوْلَيْهِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاق وَأَبِي ثَوْر وَدَاوُدَ , وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْض الصَّحَابَة كَابْنِ الزُّبَيْر , وَاخْتُلِفَ عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز. وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد : قَتَلْنَا بِالْقَسَامَةِ وَالصَّحَابَة مُتَوَافِرُونَ , إِنِّي لَأَرَى أَنَّهُمْ أَلْف رَجُل فَمَا اِخْتَلَفَ مِنْهُمْ اِثْنَانِ. قُلْت : إِنَّمَا نَقَلَ ذَلِكَ أَبُو الزِّنَاد عَنْ خَارِجَة بْن زَيْد بْن ثَابِت كَمَا أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ أَبِيهِ , وَإِلَّا فَأَبُو الزِّنَاد لَا يَثْبُت أَنَّهُ رَأَى عِشْرِينَ مِنْ الصَّحَابَة فَضْلًا عَنْ أَلْف. ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي : وَحُجَّتهمْ حَدِيث الْبَاب : يَعْنِي مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا , قَالَ : فَإِنَّ مَجِيئَهُ مِنْ طُرُق صِحَاح لَا يُدْفَع , وَفِيهِ تَبْرِئَة الْمُدَّعِينَ ثُمَّ رَدّهَا حِين أَبَوْا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة \" الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِين عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَّا الْقَسَامَة \" , وَيَقُول مَالِك : أَجْمَعَتْ الْأَئِمَّة فِي الْقَدِيم وَالْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْمُدَّعِينَ يَبْدَءُونَ فِي الْقَسَامَة , وَلِأَنَّ جَنَبَة الْمُدَّعِي إِذَا قَوِيَتْ بِشَهَادَةٍ أَوْ شُبْهَة صَارَتْ الْيَمِين لَهُ. وَهَاهُنَا الشُّبْهَة قَوِيَّة , وَقَالُوا هَذِهِ سُنَّة بِحِيَالِهَا وَأَصْل قَائِم بِرَأْسِهِ لِحَيَاةِ النَّاس وَرَدْع الْمُعْتَدِينَ , وَخَالَفَتْ الدَّعَاوَى فِي الْأَمْوَال فَهِيَ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهَا , وَكُلّ أَصْل يُتَّبَع وَيُسْتَعْمَل وَلَا تُطْرَح سُنَّةٌ لِسُنَّةٍ , وَأَجَابُوا عَنْ رِوَايَة سَعِيد بْن عُبَيْد يَعْنِي الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث هَذَا الْبَاب بِقَوْلِ أَهْل الْحَدِيث إِنَّهُ وَهْم مِنْ رِوَايَة أَسْقَطَ مِنْ السِّيَاق تَبْرِئَة الْمُدَّعِينَ بِالْيَمِينِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ رَدَّ الْيَمِين , وَاشْتَمَلَتْ رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد عَلَى زِيَادَة مِنْ ثِقَة حَافِظ فَوَجَبَ قَبُولهَا وَهِيَ تَقْضِي عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفهَا. قُلْت : وَسَيَأْتِي مَزِيد بَيَان لِذَلِكَ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْأَصْل فِي الدَّعَاوَى أَنَّ الْيَمِين عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ , وَحُكْم الْقَسَامَة أَصْل بِنَفْسِهِ لِتَعَذُّرِ إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَى الْقَتْل فِيهَا غَالِبًا , فَإِنَّ الْقَاصِد لِلْقَتْلِ يَقْصِد الْخَلْوَة وَيَتَرَصَّد الْغَفْلَة , وَتَأَيَّدَتْ بِذَلِكَ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة الْمُتَّفَق عَلَيْهَا وَبَقِيَ مَا عَدَا الْقَسَامَة عَلَى الْأَصْل , ثُمَّ لَيْسَ ذَلِكَ خُرُوجًا عَنْ الْأَصْل بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنَّمَا كَانَ الْقَوْل قَوْله لِقُوَّةِ جَانِبه بِشَهَادَةِ الْأَصْل لَهُ بِالْبَرَاءَةِ مِمَّا ادُّعِيَ عَلَيْهِ , وَهُوَ مَوْجُود فِي الْقَسَامَة فِي جَانِب الْمُدَّعِي لِقُوَّةِ جَانِبه بِاللَّوْثِ الَّذِي يُقَوِّي دَعْوَاهُ , قَالَ عِيَاض : وَذَهَبَ مَنْ قَالَ بِالدِّيَةِ إِلَى تَقْدِيم الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فِي الْيَمِين , إِلَّا الشَّافِعِيّ وَأَحْمَدَ فَقَالَا بِقَوْلِ الْجُمْهُور : يُبْدَأ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ وَرَدُّهَا إِنْ أَبَوْا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ , وَقَالَ بِعَكْسِهِ أَهْل الْكُوفَة وَكَثِير مِنْ أَهْل الْبَصْرَة وَبَعْض أَهْل الْمَدِينَة وَالْأَوْزَاعِيُّ فَقَالَ يَسْتَحْلِف مِنْ أَهْل الْقَرْيَة خَمْسِينَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا مَنْ قَتَلَهُ. فَإِنْ حَلَفُوا بَرِئُوا وَإِنْ نَقَصَتْ قَسَامَتهمْ عَنْ عَدَد أَوْ نَكَلُوا حَلَفَ الْمُدَّعُونَ عَلَى رَجُل وَاحِد وَاسْتَحَقُّوا , فَإِنْ نَقَصَتْ قَسَامَتهمْ قَادَهُ دِيَة , وَقَالَ عُثْمَان الْبَتِّيّ مِنْ فُقَهَاء الْبَصْرَة : ثُمَّ يُبْدَأ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْأَيْمَانِ فَإِنْ حَلَفُوا فَلَا شَيْء عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : إِذَا حَلَفُوا وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الدِّيَة , وَجَاءَ ذَلِكَ عَنْ عُمَر , قَالَ وَاتَّفَقُوا كُلّهمْ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِب بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْأَوْلِيَاء حَتَّى يَقْتَرِن بِهَا شُبْهَة يَغْلِب عَلَى الظَّنّ الْحُكْم بِهَا , وَاخْتَلَفُوا فِي تَصْوِير الشُّبْهَة عَلَى سَبْعَة أَوْجُه فَذَكَرَهَا , وَمُلَخَّصهَا : الْأَوَّل أَنْ يَقُول الْمَرِيض دَمِي عِنْد فُلَان أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَر أَوْ جُرْح فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِب الْقَسَامَة عِنْد مَالِك وَاللَّيْث لَمْ يَقُلْ بِهِ غَيْرهمَا , وَاشْتَرَطَ بَعْض الْمَالِكِيَّة الْأَثَر أَوْ الْجُرْح , وَاحْتُجَّ لِمَالِكٍ بِقِصَّةِ بَقَرَة بَنِي إِسْرَائِيل , قَالَ : وَوَجْه الدَّلَالَة مِنْهَا أَنَّ الرَّجُل حَيّ فَأَخْبَرَ بِقَاتِلِهِ , وَتُعُقِّبَ بِخَفَاءِ الدَّلَالَة مِنْهَا , وَقَدْ بَالَغَ اِبْن حَزْم فِي رَدِّ ذَلِكَ , وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْقَاتِل يَتَطَلَّب حَالَةَ غَفْلَة النَّاس فَتَتَعَذَّر الْبَيِّنَة , فَلَوْ لَمْ يُعْمَل بِقَوْلِ الْمَضْرُوب لَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى إِهْدَار دَمه لِأَنَّهَا حَالَة يَتَحَرَّى فِيهَا اِجْتِنَاب الْكَذِب وَيَتَزَوَّد فِيهَا مِنْ الْبِرّ وَالتَّقْوَى , وَهَذَا إِنَّمَا يَأْتِي فِي حَالَة الْمُحْتَضَر. الثَّانِيَة أَنْ يَشْهَد مَنْ لَا يَكْمُل النِّصَابُ بِشَهَادَتِهِ كَالْوَاحِدِ أَوْ جَمَاعَة غَيْر عُدُول قَالَ بِهَا الْمَذْكُورَانِ وَوَافَقَهُمَا الشَّافِعِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ. الثَّالِثَة أَنْ يَشْهَد عَدْلَانِ بِالضَّرْبِ ثُمَّ يَعِيش بَعْده أَيَّامًا ثُمَّ يَمُوت مِنْهُ مِنْ غَيْر تَخَلُّل إِفَاقَة , فَقَالَ الْمَذْكُورَانِ : تَجِب فِيهِ الْقَسَامَة. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : بَلْ يَجِب الْقِصَاص بِتِلْكَ الشَّهَادَة. الرَّابِعَة أَنْ يُوجَد مَقْتُول وَعِنْده أَوْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ مَنْ بِيَدِهِ آلَة الْقَتْل وَعَلَيْهِ أَثَر الدَّم مَثَلًا وَلَا يُوجَد غَيْره فَتُشْرَع فِيهِ الْقَسَامَة عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ , وَيَلْتَحِق بِهِ أَنْ تَفْتَرِق جَمَاعَة عَنْ قَتِيل : الْخَامِسَة أَنْ يَقْتَتِل طَائِفَتَانِ فَيُوجَد بَيْنهمَا قَتِيل فَفِيهِ الْقَسَامَة عِنْد الْجُمْهُور , وَفِي رِوَايَة عَنْ مَالِك تَخْتَصّ الْقَسَامَة بِالطَّائِفَةِ الَّتِي لَيْسَ هُوَ مِنْهَا إِلَّا إِنْ كَانَ مِنْ غَيْرهمَا فَعَلَى الطَّائِفَتَيْنِ. السَّادِسَة الْمَقْتُول فِي الزَّحْمَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ فِي بَاب مُفْرَد. السَّابِعَة أَنْ يُوجَد قَتِيل فِي مَحَلَّة أَوْ قَبِيلَة , فَهَذَا يُوجِب الْقَسَامَة عِنْد الثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَتْبَاعهمْ , وَلَا يُوجِب الْقَسَامَة عِنْدهمْ سِوَى هَذِهِ الصُّورَة , وَشَرْطهَا عِنْدهمْ إِلَّا الْحَنَفِيَّة أَنْ يُوجَد بِالْقَتِيلِ أَثَر , وَقَالَ دَاوُدُ لَا تُجْرَى الْقَسَامَة إِلَّا فِي الْعَمْد عَلَى أَهْل مَدِينَة أَوْ قَرْيَة كَبِيرَة وَهُمْ أَعْدَاء لِلْمَقْتُولِ , وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ لَا قَسَامَة فِيهِ بَلْ هُوَ هَدَر لِأَنَّهُ قَدْ يُقْتَل وَيُلْقَى فِي الْمَحَلَّة لِيُتَّهَمُوا , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ , وَهُوَ رِوَايَة عَنْ أَحْمَدَ , إِلَّا أَنْ يَكُون فِي مِثْل الْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث الْبَاب فَيُتَّجَه فِيهَا الْقَسَامَة لِوُجُودِ الْعَدَاوَة. وَلَمْ تَرَ الْحَنَفِيَّة وَمَنْ وَافَقَهُمْ لَوْثًا يُوجِب الْقَسَامَة إِلَّا هَذِهِ الصُّورَة , وَحُجَّة الْجُمْهُور الْقِيَاس عَلَى هَذِهِ الْوَاقِعَة , وَالْجَامِع أَنْ يَقْتَرِن بِالدَّعْوَى شَيْء يَدُلّ عَلَى صِدْق الْمُدَّعَى فَيُقْسِم مَعَهُ وَيَسْتَحِقّ , وَقَالَ اِبْن قُدَامَةَ : ذَهَبَ الْحَنَفِيَّة إِلَى أَنَّ الْقَتِيل إِذَا وُجِدَ فِي مَحَلّ فَادَّعَى وَلِيّه عَلَى خَمْسِينَ نَفْسًا مِنْ مَوْضِع قَتْله فَحَلَفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا فَإِنْ لَمْ يَجِد خَمْسِينَ كَرَّرَ الْأَيْمَان عَلَى مَنْ وَجَدَ وَتَجِب الدِّيَة عَلَى بَقِيَّة أَهْل الْخُطَّة , وَمَنْ لَمْ يَحْلِف مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِف أَوْ يُقِرَّ , وَاسْتَدَلُّوا بِأَثَرِ عُمَر أَنَّهُ أَحْلَفَ خَمْسِينَ نَفْسًا خَمْسِينَ يَمِينًا وَقَضَى بِالدِّيَةِ عَلَيْهِمْ , وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا أَقَرُّوا بِالْخَطَأِ وَأَنْكَرُوا الْعَمْد وَبِأَنَّ الْحَنَفِيَّة لَا يَعْمَلُونَ بِخَبَرِ الْوَاحِد إِذَا خَالَفَ الْأُصُول وَلَوْ كَانَ مَرْفُوعًا فَكَيْف اِحْتَجُّوا بِمَا خَالَفَ الْأُصُول بِخَبَرِ وَاحِد مَوْقُوف وَأَوْجَبُوا الْيَمِين عَلَى غَيْر الْمُدَّعَى عَلَيْهِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْقَوَد فِي الْقَسَامَة لِقَوْلِهِ \" فَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلكُمْ \" وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" دَم صَاحِبكُمْ \" قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الِاسْتِدْلَال بِالرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا \" فَيُدْفَع بِرُمَّتِهِ \" أَقْوَى مِنْ الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ \" دَم صَاحِبكُمْ \" لِأَنَّ قَوْله \" يُدْفَع بِرُمَّتِهِ \" لَفْظ مُسْتَعْمَل فِي دَفْع الْقَاتِل لِلْأَوْلِيَاءِ لِلْقَتْلِ , وَلَوْ أَنَّ الْوَاجِب الدِّيَة لَبَعُدَ اِسْتِعْمَال هَذَا اللَّفْظ وَهُوَ فِي اِسْتِعْمَاله فِي تَسْلِيم الْقَاتِل أَظْهَرُ , وَالِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ \" دَم صَاحِبكُمْ \" أَظْهَرُ مِنْ الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ \" قَاتِلكُمْ \" أَوْ \" صَاحِبكُمْ \" لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظ لَا بُدّ فِيهِ مِنْ إِضْمَار , فَيَحْتَمِل أَنْ يُضْمَر دِيَة صَاحِبكُمْ اِحْتِمَالًا ظَاهِرًا , وَأَمَّا بَعْد التَّصْرِيح بِالدِّيَةِ فَيَحْتَاج إِلَى تَأْوِيل اللَّفْظ بِإِضْمَارِ بَدَل دَم صَاحِبكُمْ وَالْإِضْمَار عَلَى خِلَاف الْأَصْل وَلَوْ اُحْتِيجَ إِلَى إِضْمَار لَكَانَ حَمْله عَلَى مَا يَقْتَضِي إِرَاقَة الدَّم أَقْرَبُ , وَأَمَّا مَنْ قَالَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله \" دَم صَاحِبكُمْ \" هُوَ الْقَتِيل لَا الْقَاتِل فَيَرُدّهُ قَوْله \" دَم صَاحِبكُمْ أَوْ قَاتِلكُمْ \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظ الرُّوَاة فِيهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فَلَا يَسْتَقِيم الِاسْتِدْلَال بِلَفْظٍ مِنْهَا لِعَدَمِ تَحَقُّق أَنَّهُ اللَّفْظ الصَّادِر مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالْقَوَدِ أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار وَأَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أُنَاس مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْقَسَامَة كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّة وَأَقَرَّهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْجَاهِلِيَّة وَقَضَى بِهَا بَيْن نَاس مِنْ الْأَنْصَار فِي قَتِيل اِدَّعَوْهُ عَلَى يَهُود خَيْبَر , وَهَذَا يَتَوَقَّف عَلَى ثُبُوت أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يَقْتُلُونَ فِي الْقَسَامَة , وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن بُجَيْدٍ بِمُوَحَّدَةٍ وَجِيم مُصَغَّر قَالَ : إِنَّ سَهْلًا يَعْنِي اِبْن أَبِي حَثْمَة وَهِمَ فِي الْحَدِيث أَنَّ رَسُول اللَّه كَتَبَ إِلَى يَهُود \" إِنَّهُ قَدْ وُجِدَ بَيْن أَظْهُرِكُمْ قَتِيل فَدُوهُ \" فَكَتَبُوا يَحْلِفُونَ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا , قَالَ فَوَدَاهُ مِنْ عِنْده , وَهَذَا رَدَّهُ الشَّافِعِيّ بِأَنَّهُ مُرْسَل , وَيُعَارِض ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَهْ فِي \" الصَّحَابَة \" مِنْ طَرِيق مَكْحُول حَدَّثَنِي عَمْرو بْن أَبِي خُزَاعَة أَنَّهُ قُتِلَ فِيهِمْ قَتِيل عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ الْقَسَامَة عَلَى خُزَاعَة بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا فَحَلَفَ كُلّ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسه وَغَرِمَ الدِّيَة , وَعَمْرو مُخْتَلَف فِي صُحْبَته , وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ جَيِّد إِلَى إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ قَالَ : كَانَتْ الْقَسَامَة فِي الْجَاهِلِيَّة إِذَا وُجِدَ الْقَتِيل بَيْن ظَهْرَيْ قَوْم أَقْسَمَ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا , مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا , فَإِنْ عَجَزَتْ الْأَيْمَان رُدَّتْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَقَلُوا , وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ لَا يَجِب فِيهَا إِلَّا الدِّيَة بِمَا أَخْرَجَهُ الثَّوْرِيّ فِي جَامِعه وَابْن أَبِي شَيْبَة وَسَعِيد بْن مَنْصُور بِسَنَدٍ صَحِيح إِلَى الشَّعْبِيّ قَالَ : وُجِدَ قَتِيل بَيْن حَيَّيْنِ مِنْ الْعَرَب فَقَالَ عُمَر : قِيسُوا مَا بَيْنهمَا فَأَيّهمَا وَجَدْتُمُوهُ إِلَيْهِ أَقْرَبَ فَأَحْلِفُوهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَغْرِمُوهُمْ الدِّيَة , وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُور عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّ عُمَر كَتَبَ فِي قَتِيل وُجِدَ بَيْن خَيْرَانَ وَوَادِعَةَ أَنْ يُقَاسَ مَا بَيْن الْقَرْيَتَيْنِ فَإِلَى أَيّهمَا كَانَ أَقْرَبَ أُخْرِجَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا حَتَّى يُوَافُوهُ مَكَّة فَأَدْخَلَهُمْ الْحِجْرَ فَأَحْلَفَهُمْ ثُمَّ قَضَى عَلَيْهِمْ الدِّيَة فَقَالَ : حَقَنَتْ أَيْمَانُكُمْ دِمَاءَكُمْ وَلَا يُطَلُّ دَم رَجُل مُسْلِم , قَالَ الشَّافِعِيّ : إِنَّمَا أَخَذَهُ الشَّعْبِيّ عَنْ الْحَارِث الْأَعْوَر وَالْحَارِث غَيْر مَقْبُول اِنْتَهَى. وَلَهُ شَاهِد مَرْفُوع مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد أَحْمَد أَنَّ قَتِيلًا وُجِدَ بَيْن حَيَّيْنِ فَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقَاسَ إِلَى أَيّهمَا أَقْرَبَ , فَأَلْقَى دِيَته عَلَى الْأَقْرَب , وَلَكِنَّ سَنَده ضَعِيف , وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفه : قُلْت لِعُبَيْدِ اللَّه بْن عُمَر الْعُمَرِيِّ أَعَلِمْت أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَادَ بِالْقَسَامَةِ ؟ قَالَ : لَا , قُلْت : فَأَبُو بَكْر ؟ قَالَ : لَا , قُلْت فَعُمَر ؟ قَالَ : لَا , قُلْت فَلِمَ تَجْتَرِئُونَ عَلَيْهَا ؟ فَسَكَتَ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق الْقَاسِم بْن عَبْد الرَّحْمَن أَنَّ عُمَر قَالَ : الْقَسَامَة تُوجِب الْعَقْل وَلَا تُسْقِط الدَّم , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْحَنَفِيَّة عَلَى جَوَاز سَمَاع الدَّعْوَى فِي الْقَتْل عَلَى غَيْر مُعَيَّن لِأَنَّ الْأَنْصَار اِدَّعَوْا عَلَى الْيَهُود أَنَّهُمْ قَتَلُوا صَاحِبهمْ وَسَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْوَاهُمْ , وَرُدَّ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَنْصَار أَوَّلًا لَيْسَ عَلَى صُورَة الدَّعْوَى بَيْن الْخَصْمَيْنِ لِأَنَّ مِنْ شَرْطهَا إِذَا لَمْ يَحْضُر الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَذَّرَ حُضُورُهُ , سَلَّمْنَا وَلَكِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الدَّعْوَى إِنَّمَا تَكُون عَلَى وَاحِد لِقَوْلِهِ \" تُقْسِمُونَ عَلَى رَجُل مِنْهُمْ فَيُدْفَع إِلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ \" وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" عَلَى رَجُل مِنْهُمْ \" عَلَى أَنَّ الْقَسَامَة إِنَّمَا تَكُون عَلَى رَجُل وَاحِد وَهُوَ قَوْل أَحْمَدَ وَمَشْهُور قَوْل مَالِك , وَقَالَ الْجُمْهُور : يُشْتَرَط أَنْ تَكُون عَلَى مُعَيَّن سَوَاء كَانَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَخْتَصّ الْقَتْل بِوَاحِدٍ أَوْ يُقْتَل الْكُلّ ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ , وَقَالَ أَشْهَبُ : لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى جَمَاعَة وَيَخْتَارُوا وَاحِدًا لِلْقَتْلِ وَيُسْجَن الْبَاقُونَ عَامًا وَيُضْرَبُونَ مِائَة مِائَة , وَهُوَ قَوْل لَمْ يُسْبَق إِلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْحَلِف فِي الْقَسَامَة لَا يَكُون إِلَّا مَعَ الْجَزْم بِالْقَاتِلِ , وَالطَّرِيق إِلَى ذَلِكَ الْمُشَاهَدَة وَإِخْبَار مَنْ يُوثَق بِهِ مَعَ الْقَرِينَة الدَّالَّة عَلَى ذَلِكَ , وَفِيهِ أَنَّ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِين فَنَكَلَ عَنْهَا لَا يُقْضَى عَلَيْهِ حَتَّى يُرَدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْآخَر وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْجُمْهُور , وَعِنْد أَحْمَدَ وَالْحَنَفِيَّة يُقْضَى عَلَيْهِ دُون رَدِّ الْيَمِين. وَفِيهِ أَنَّ أَيْمَان الْقَسَامَة خَمْسُونَ يَمِينًا وَاخْتُلِفَ فِي عَدَد الْحَالِفِينَ فَقَالَ الشَّافِعِيّ لَا يَجِب الْحَقّ حَتَّى يَحْلِف الْوَرَثَة خَمْسِينَ يَمِينًا سَوَاء قَلُّوا أَمْ كَثُرُوا فَلَوْ كَانَ بِعَدَدِ الْأَيْمَان حَلَفَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ يَمِينًا وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ أَوْ نَكَلَ بَعْضهمْ رُدَّتْ الْأَيْمَان عَلَى الْبَاقِينَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِن إِلَّا وَاحِد حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَاسْتَحَقَّ حَتَّى لَوْ كَانَ مَنْ يَرِث بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيب أَوْ بِالنَّسَبِ وَالْوَلَاء حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ , وَقَالَ مَالِك : إِنْ كَانَ وَلِيّ الدَّم وَاحِدًا ضُمَّ إِلَيْهِ آخَرُ مِنْ الْعَصَبَة وَلَا يُسْتَعَان بِغَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلِيَاء أَكْثَرَ حَلَفَ مِنْهُمْ خَمْسُونَ وَقَالَ اللَّيْث : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُول إِنَّهَا تَنْزِل عَنْ ثَلَاثَة أَنْفُس , وَقَالَ الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : أَوَّل مَنْ نَقَصَ الْقَسَامَة عَنْ خَمْسِينَ مُعَاوِيَة. قَالَ الزُّهْرِيّ : وَقَضَى بِهِ عَبْد الْمَلِك ثُمَّ رَدَّهُ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز إِلَى الْأَمْر الْأَوَّل. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَقْدِيم الْأَسَنّ فِي الْأَمْر الْمُهِمّ إِذَا كَانَتْ فِيهِ أَهْلِيَّة ذَلِكَ لَا مَا إِذَا كَانَ عَرِيًّا عَنْ ذَلِكَ , وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَل الْأَمْر بِتَقْدِيمِ الْأَكْبَر فِي حَدِيث الْبَاب إِمَّا لِأَنَّ وَلِيّ الدَّم لَمْ يَكُنْ مُتَأَهِّلًا فَأَقَامَ الْحَاكِم قَرِيبه مَقَامه فِي الدَّعْوَى وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ. وَفِيهِ التَّأْنِيس وَالتَّسْلِيَة لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُول لَا أَنَّهُ حَكَمَ عَلَى الْغَائِبِينَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّم صُورَة دَعْوَى عَلَى غَائِب وَإِنَّمَا وَقَعَ الْإِخْبَار بِمَا وَقَعَ فَذَكَرَ لَهُمْ قِصَّة الْحُكْم عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَمِنْ ثَمَّ كَتَبَ إِلَى الْيَهُود بَعْد أَنْ دَارَ بَيْنهمْ الْكَلَام الْمَذْكُور , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مُجَرَّد الدَّعْوَى لَا تُوجِب إِحْضَار الْمُدَّعَى عَلَيْهِ , لِأَنَّ فِي إِحْضَاره مَشْغَلَة عَنْ أَشْغَالِهِ وَتَضْيِيعًا لِمَالِهِ مِنْ غَيْر مُوجِب ثَابِت لِذَلِكَ , أَمَّا لَوْ ظَهَرَ مَا يُقَوِّي الدَّعْوَى مِنْ شُبْهَة ظَاهِرَة فَهَلْ يَسُوغ اِسْتِحْضَارُ الْخَصْم أَوْ لَا ؟ مَحَلّ نَظَر , وَالرَّاجِح أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِف بِالْقُرْبِ وَالْبُعْد وَشِدَّة الضَّرَر وَخِفَّته. وَفِيهِ الِاكْتِفَاء بِالْمُكَاتَبَةِ وَبِخَبَرِ الْوَاحِد مَعَ إِمْكَان الْمُشَافَهَة. وَفِيهِ أَنَّ الْيَمِين قَبْل تَوْجِيههَا مِنْ الْحَاكِم لَا أَثَر لَهَا لِقَوْلِ الْيَهُود فِي جَوَابهمْ وَاَللَّه مَا قَتَلْنَا وَفِي قَوْلهمْ لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُود اِسْتِبْعَاد لِصِدْقِهِمْ لِمَا عَرَفُوهُ مِنْ إِقْدَامهمْ عَلَى الْكَذِب وَجَرَاءَتهمْ عَلَى الْأَيْمَان الْفَاجِرَة , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الدَّعْوَى فِي الْقَسَامَة لَا بُدّ فِيهَا مِنْ عَدَاوَة أَوْ لَوْث , وَاخْتُلِفَ فِي سَمَاع هَذِهِ الدَّعْوَى وَلَوْ لَمْ تُوجِب الْقَسَامَة : فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ , وَبِسَمَاعِهَا قَالَ الشَّافِعِيّ لِعُمُومِ حَدِيث \" الْيَمِين عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ \" بَعْد قَوْله \" لَوْ يُعْطَى النَّاس بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْم دِمَاء رِجَال وَأَمْوَالهمْ \" وَلِأَنَّهَا دَعْوَى فِي حَقّ آدَمِيّ فَتُسْمَع وَيُسْتَحْلَف وَقَدْ يُقِرّ فَيَثْبُت الْحَقّ فِي قَتْله وَلَا يُقْبَل رُجُوعه عَنْهُ , فَلَوْ نَكَلَ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي وَاسْتَحَقَّ الْقَوَد فِي الْعَمْد وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَأ , وَعَنْ الْحَنَفِيَّة لَا تُرَدّ الْيَمِين , وَهِيَ رِوَايَة عَنْ أَحْمَدَ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُدَّعِينَ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إِذَا نَكَلُوا عَنْ الْيَمِين وَجَبَتْ الدِّيَة فِي بَيْت الْمَال وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ قَرِيبًا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ يَحْلِف فِي الْقَسَامَة لَا يُشْتَرَط أَنْ يَكُون رَجُلًا وَلَا بَالِغًا لِإِطْلَاقِ قَوْله \" خَمْسِينَ مِنْكُمْ , وَبِهِ قَالَ رَبِيعَة وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ , وَقَالَ مَالِك لَا مَدْخَل لِلنِّسَاءِ فِي الْقَسَامَة لِأَنَّ الْمَطْلُوب فِي الْقَسَامَة الْقَتْل وَلَا يُسْمَع مِنْ النِّسَاء. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا يَحْلِف فِي الْقَسَامَة إِلَّا الْوَارِث الْبَالِغ لِأَنَّهَا يَمِين فِي دَعْوَى حُكْمِيَّة فَكَانَتْ كَسَائِرِ الْأَيْمَان وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْن الرَّجُل وَالْمَرْأَة , وَاخْتُلِفَ فِي الْقَسَامَة هَلْ هِيَ مَعْقُولَة الْمَعْنَى فَيُقَاسَ عَلَيْهَا أَوْ لَا وَالتَّحْقِيق أَنَّهَا مَعْقُولَة الْمَعْنَى لَكِنَّهُ خَفِيّ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُقَاس عَلَيْهَا لِأَنَّهَا لَا نَظِير لَهَا فِي الْأَحْكَام , وَإِذَا قُلْنَا إِنَّ الْمَبْدَأ فِيهَا يَمِين الْمُدَّعِي فَقَدْ خَرَجَتْ عَنْ سُنَن الْقِيَاس , وَشَرْط الْقِيَاس أَنْ لَا يَكُون مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَن الْقِيَاس كَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏نَبَّهَ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة عَلَى النُّكْتَة فِي كَوْن الْبُخَارِيّ لَمْ يُورِد فِي هَذَا الْبَاب الطَّرِيق الدَّالَّة عَلَى تَحْلِيف الْمُدَّعِي , وَهِيَ مِمَّا خَالَفَتْ فِيهِ الْقَسَامَة بَقِيَّة الْحُقُوق فَقَالَ : مَذْهَب الْبُخَارِيّ تَضْعِيف الْقَسَامَة , فَلِهَذَا صَدَّرَ الْبَاب بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّة عَلَى أَنَّ الْيَمِين فِي جَانِب الْمُدَّعَى عَلَيْهِ , وَأَوْرَدَ طَرِيق سَعِيد بْن عُبَيْد وَهُوَ جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِد , وَإِلْزَام الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ لَيْسَ مِنْ خُصُوصِيَّة الْقَسَامَة فِي شَيْء. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث الْقَسَامَة الدَّالّ عَلَى خُرُوجهَا عَنْ الْقَوَاعِد بِطَرِيقِ الْعَرْض فِي كِتَاب الْمُوَادَعَة وَالْجِزْيَة فِرَارًا مِنْ أَنْ يَذْكُرهَا هُنَا فَيَغْلَط الْمُسْتَدِلّ بِهَا عَلَى اِعْتِقَاد الْبُخَارِيّ , قَالَ وَهَذَا الْإِخْفَاء مَعَ صِحَّة الْقَصْد لَيْسَ مِنْ قَبِيل كِتْمَان الْعِلْم. قُلْت : الَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الْبُخَارِيّ لَا يُضَعِّف الْقَسَامَة مِنْ حَيْثُ هِيَ , بَلْ يُوَافِق الشَّافِعِيّ فِي أَنَّهُ لَا قَوَد فِيهَا , وَيُخَالِفهُ فِي أَنَّ الَّذِي يَحْلِف فِيهَا هُوَ الْمُدَّعِي , بَلْ يَرَى أَنَّ الرِّوَايَات اِخْتَلَفَتْ فِي ذَلِكَ فِي قِصَّة الْأَنْصَار وَيَهُود خَيْبَر فَيُرَدّ الْمُخْتَلَف إِلَى الْمُتَّفَق عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْيَمِين عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَمِنْ ثَمَّ أَوْرَدَ رِوَايَة سَعِيد بْن عُبَيْد فِي \" بَاب الْقَسَامَة \" وَطَرِيق "
    },
    {
        "id": "6390",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَسَدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏مِنْ آلِ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو قِلَابَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏أَبْرَزَ سَرِيرَهُ يَوْمًا لِلنَّاسِ ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي ‏ ‏الْقَسَامَةِ ‏ ‏قَالَ نَقُولُ ‏ ‏الْقَسَامَةُ ‏ ‏الْقَوَدُ بِهَا حَقٌّ وَقَدْ أَقَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ قَالَ لِي مَا تَقُولُ يَا ‏ ‏أَبَا قِلَابَةَ ‏ ‏وَنَصَبَنِي لِلنَّاسِ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَكَ رُءُوسُ الْأَجْنَادِ وَأَشْرَافُ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ مُحْصَنٍ ‏ ‏بِدِمَشْقَ ‏ ‏أَنَّهُ قَدْ زَنَى لَمْ يَرَوْهُ أَكُنْتَ تَرْجُمُهُ قَالَ لَا قُلْتُ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ ‏ ‏بِحِمْصَ ‏ ‏أَنَّهُ سَرَقَ أَكُنْتَ تَقْطَعُهُ وَلَمْ يَرَوْهُ قَالَ لَا قُلْتُ فَوَاللَّهِ مَا قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحَدًا قَطُّ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ رَجُلٌ قَتَلَ بِجَرِيرَةِ نَفْسِهِ فَقُتِلَ أَوْ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ أَوْ رَجُلٌ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ الْقَوْمُ أَوَلَيْسَ قَدْ حَدَّثَ ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَطَعَ فِي السَّرَقِ ‏ ‏وَسَمَرَ ‏ ‏الْأَعْيُنَ ثُمَّ ‏ ‏نَبَذَهُمْ ‏ ‏فِي الشَّمْسِ فَقُلْتُ أَنَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثَ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏نَفَرًا ‏ ‏مِنْ ‏ ‏عُكْلٍ ‏ ‏ثَمَانِيَةً قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ‏ ‏فَاسْتَوْخَمُوا ‏ ‏الْأَرْضَ ‏ ‏فَسَقِمَتْ ‏ ‏أَجْسَامُهُمْ فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَفَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا قَالُوا بَلَى فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَصَحُّوا فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَطْرَدُوا النَّعَمَ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمْ فَأُدْرِكُوا فَجِيءَ بِهِمْ فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ‏ ‏وَسَمَرَ ‏ ‏أَعْيُنَهُمْ ثُمَّ ‏ ‏نَبَذَهُمْ ‏ ‏فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا قُلْتُ وَأَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ وَقَتَلُوا وَسَرَقُوا فَقَالَ ‏ ‏عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ فَقُلْتُ أَتَرُدُّ عَلَيَّ حَدِيثِي يَا ‏ ‏عَنْبَسَةُ ‏ ‏قَالَ لَا وَلَكِنْ جِئْتَ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ وَاللَّهِ لَا يَزَالُ هَذَا الْجُنْدُ بِخَيْرٍ مَا عَاشَ هَذَا الشَّيْخُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ قُلْتُ وَقَدْ كَانَ فِي هَذَا سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَتَحَدَّثُوا عِنْدَهُ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَقُتِلَ فَخَرَجُوا بَعْدَهُ فَإِذَا هُمْ بِصَاحِبِهِمْ ‏ ‏يَتَشَحَّطُ ‏ ‏فِي الدَّمِ فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَاحِبُنَا كَانَ تَحَدَّثَ مَعَنَا فَخَرَجَ بَيْنَ أَيْدِينَا فَإِذَا نَحْنُ بِهِ ‏ ‏يَتَشَحَّطُ ‏ ‏فِي الدَّمِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ بِمَنْ تَظُنُّونَ أَوْ مَنْ تَرَوْنَ قَتَلَهُ قَالُوا نَرَى أَنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏قَتَلَتْهُ فَأَرْسَلَ إِلَى ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏فَدَعَاهُمْ فَقَالَ ‏ ‏آنْتُمْ قَتَلْتُمْ هَذَا قَالُوا لَا قَالَ أَتَرْضَوْنَ نَفَلَ خَمْسِينَ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏مَا قَتَلُوهُ فَقَالُوا مَا يُبَالُونَ أَنْ يَقْتُلُونَا أَجْمَعِينَ ثُمَّ يَنْتَفِلُونَ قَالَ أَفَتَسْتَحِقُّونَ ‏ ‏الدِّيَةَ ‏ ‏بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ قَالُوا مَا كُنَّا لِنَحْلِفَ فَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ قُلْتُ وَقَدْ كَانَتْ ‏ ‏هُذَيْلٌ ‏ ‏خَلَعُوا خَلِيعًا لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَطَرَقَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏بِالْبَطْحَاءِ ‏ ‏فَانْتَبَهَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَحَذَفَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ فَجَاءَتْ ‏ ‏هُذَيْلٌ ‏ ‏فَأَخَذُوا الْيَمَانِيَّ فَرَفَعُوهُ إِلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏بِالْمَوْسِمِ وَقَالُوا قَتَلَ صَاحِبَنَا فَقَالَ إِنَّهُمْ قَدْ ‏ ‏خَلَعُوهُ ‏ ‏فَقَالَ يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْ ‏ ‏هُذَيْلٍ ‏ ‏مَا ‏ ‏خَلَعُوهُ ‏ ‏قَالَ فَأَقْسَمَ مِنْهُمْ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا وَقَدِمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِنْ ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏فَسَأَلُوهُ أَنْ يُقْسِمَ فَافْتَدَى يَمِينَهُ مِنْهُمْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَدْخَلُوا مَكَانَهُ رَجُلًا آخَرَ فَدَفَعَهُ إِلَى أَخِي الْمَقْتُولِ فَقُرِنَتْ يَدُهُ بِيَدِهِ قَالُوا فَانْطَلَقَا وَالْخَمْسُونَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا ‏ ‏بِنَخْلَةَ ‏ ‏أَخَذَتْهُمْ السَّمَاءُ فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي الْجَبَلِ فَانْهَجَمَ الْغَارُ عَلَى الْخَمْسِينَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا فَمَاتُوا جَمِيعًا وَأَفْلَتَ الْقَرِينَانِ وَاتَّبَعَهُمَا حَجَرٌ فَكَسَرَ رِجْلَ أَخِي الْمَقْتُولِ فَعَاشَ حَوْلًا ثُمَّ مَاتَ قُلْتُ وَقَدْ كَانَ ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ‏ ‏أَقَادَ رَجُلًا بِالْقَسَامَةِ ثُمَّ نَدِمَ بَعْدَ مَا صَنَعَ فَأَمَرَ بِالْخَمْسِينَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا فَمُحُوا مِنْ الدِّيوَانِ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَبُو بِشْر إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم الْأَسَدِيُّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّة وَاسْم جَدّه مِقْسَم وَهُوَ الثِّقَة الْمَشْهُور , وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى بَنِي أَسَد بْن خُزَيْمَةَ لِأَنَّ أَصْله مِنْ مَوَالِيهمْ , وَالْحَجَّاج بْن أَبِي عُثْمَان هُوَ الْمَعْرُوف بِالصَّوَافِّ , وَاسْم أَبِي عُثْمَان مَيْسَرَة وَقِيلَ سَالِم , وَكُنْيَة الْحَجَّاج أَبُو الصَّلْت وَيُقَال غَيْر ذَلِكَ وَهُوَ بَصْرِيّ أَيْضًا وَهُوَ مَوْلَى بَنِي كِنْدَة , وَأَبُو رَجَاء اِسْمه سُلَيْمَان وَهُوَ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد الْجَرْمِيّ , وَوَقَعَ هُنَا \" مِنْ آل أَبِي قِلَابَةَ \" وَفِيهِ تَجَوُّز فَإِنَّهُ مِنْهُمْ بِاعْتِبَارِ الْوَلَاء لَا بِالْأَصَالَةِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فَقَالَ \" حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا حَجَّاج عَنْ أَبِي رَجَاء مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ \" وَكَذَا عِنْد مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَمُحَمَّد بْن الصَّبَّاح , وَكَذَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي بَكْر وَعُثْمَان اِبْنَيْ أَبِي شَيْبَة كُلّهمْ عَنْ إِسْمَاعِيل. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏يَعْنِي الْخَلِيفَة الْمَشْهُور ‏ ‏( أَبْرَزَ سَرِيره ) ‏ ‏أَيْ أَظْهَرَهُ. وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَن خِلَافَته وَهُوَ بِالشَّامِّ , وَالْمُرَاد بِالسَّرِيرِ مَا جَرَتْ عَادَة الْخُلَفَاء الِاخْتِصَاص بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ , وَالْمُرَاد أَنَّهُ أَخْرَجَهُ إِلَى ظَاهِر الدَّار لَا إِلَى الشَّارِع , وَلِذَلِكَ قَالَ \" أَذِنَ لِلنَّاسِ \" وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عَوْن عَنْ أَبِي رَجَاء عَنْ أَبِي قِلَابَةَ \" كُنْت خَلْف عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز \". ‏ ‏قَوْله ( مَا تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَة ) ‏ ‏زَادَ أَحْمَدُ بْن حَرْب عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج فَأَضَبَّ النَّاس أَيْ سَكَتُوا مُطْرِقِينَ يُقَال أَضَبُّوا إِذَا سَكَتُوا وَأَضَبُّوا إِذَا تَكَلَّمُوا , وَأَصْل أَضَبَّ أَضْمَرَ مَا فِي قَلْبه وَيُقَال أَضَبَّ عَلَى الشَّيْء لَزِمَهُ وَالِاسْم الضَّبّ كَالْحَيَوَانِ الْمَشْهُور , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُمْ عَلِمُوا رَأْي عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز فِي إِنْكَار الْقَسَامَة فَلَمَّا سَأَلَهُمْ سَكَتُوا مُضْمِرِينَ مُخَالَفَتَهُ , ثُمَّ تَكَلَّمَ بَعْضهمْ بِمَا عِنْده فِي ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" قَالُوا نَقُول الْقَسَامَة الْقَوَد بِهَا حَقّ وَقَدْ أَقَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاء \" وَأَرَادُوا بِذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ مُعَاوِيَة وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَكَذَا جَاءَ عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان , لَكِنَّ عَبْد الْمَلِك أَقَادَ بِهَا ثُمَّ نَدِمَ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو قِلَابَةَ بَعْد ذَلِكَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب وَحَجَّاج الصَّوَّاف عَنْ أَبِي رَجَاء \" أَنَّ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز اِسْتَشَارَ النَّاس فِي الْقَسَامَة فَقَالَ قَوْم : هِيَ حَقّ , قَضَى بِهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَضَى بِهَا الْخُلَفَاء , أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه وَأَصْله عِنْد الشَّيْخَيْنِ مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لِي مَا تَقُول ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَدَ بْن حَرْب \" فَقَالَ لِي يَا أَبَا قِلَابَةَ مَا تَقُول \". ‏ ‏قَوْله ( وَنَصَبَنِي لِلنَّاسِ ) ‏ ‏أَيْ أَبْرَزَنِي لِمُنَاظَرَتِهِمْ , أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ خَلْف السَّرِير فَأَمَرَهُ أَنْ يَظْهَر , وَفِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة \" وَأَبُو قِلَابَةَ خَلْف السَّرِير قَاعِدًا فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ : مَا تَقُول يَا أَبَا قِلَابَةَ \". ‏ ‏قَوْله ( عِنْدك رُءُوس الْأَجْنَاد ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْجِيم بَعْدهَا نُون جَمْع جُنْد وَهِيَ فِي الْأَصْل الْأَنْصَار وَالْأَعْوَان ثُمَّ اِشْتَهَرَ فِي الْمُقَاتَلَة , وَكَانَ عُمَر قَسَّمَ الشَّام بَعْد مَوْت أَبِي عُبَيْدَة وَمَعَاذ عَلَى أَرْبَعَة أُمَرَاء مَعَ كُلّ أَمِير جُنْدٌ , فَكَانَ كُلٌّ مِنْ فِلَسْطِينَ وَدِمَشْق وَحِمْص وَقِنَّسْرِينَ يُسَمَّى جُنْدًا بِاسْمِ الْجُنْد الَّذِي نَزَلُوهَا \" وَقِيلَ كَانَ الرَّابِع الْأُرْدُنّ وَإِنَّمَا أُفْرِدَتْ قِنَّسْرِينُ بَعْد ذَلِكَ \" , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ هَذَا فِي الطِّبّ فِي شَرْح حَدِيث الطَّاعُون \" لَمَّا خَرَجَ عُمَر إِلَى الشَّام فَلَقِيَهُ أُمَرَاء الْأَجْنَاد \" وَلِابْنِ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح الْأَشْعَرِيّ عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه الْأَشْعَرِيّ فِي غَسْل الْأَعْقَاب \" قَالَ أَبُو صَالِح فَقُلْت لِأَبِي عَبْد اللَّه مَنْ حَدَّثَك ؟ قَالَ : أُمَرَاء الْأَجْنَاد خَالِد بْن الْوَلِيد وَيَزِيد بْن أَبِي سُفْيَان وَشُرَحْبِيل بْن حَسَنَة وَعَمْرو بْن الْعَاصِ \". ‏ ‏قَوْله ( وَأَشْرَاف الْعَرَب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَدَ بْن حَرْب \" وَأَشْرَاف النَّاس \". ‏ ‏قَوْله ( أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ إِلَخْ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد \" شَهِدَ عِنْدك أَرْبَعَة مِنْ أَهْل حِمْص عَلَى رَجُل مِنْ أَهْل دِمَشْق \". وَزَادَ بَعْد قَوْله أَكُنْت تَقْطَعهُ \" قَالَ لَا. قَالَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَوَاَللَّهِ مَا قَتَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا قَطُّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَمَّاد \" لَا وَاَللَّه لَا أَعْلَمُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ أَحَدًا مِنْ أَهْل الصَّلَاة \" وَهُوَ مُوَافِق لِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود الْمَاضِي مَرْفُوعًا فِي أَوَّل الدِّيَات \" لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم \". ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا فِي إِحْدَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد بْن حَرْب \" إِلَّا بِإِحْدَى \". ‏ ‏قَوْله ( بِجَرِيرَةِ نَفْسه ) ‏ ‏أَيْ بِجِنَايَتِهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ الْقَوْم أَوَلَيْسَ قَدْ حَدَّثَ أَنَسٌ ) ‏ ‏عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن عَوْن \" فَقَالَ عَنْبَسَة قَدْ حَدَّثَنَا أَنَس بِكَذَا \" وَفِي رِوَايَة حَمَّاد الْمَذْكُورَة \" فَقَالَ عَنْبَسَة بْن سَعِيد : فَأَيْنَ حَدِيث أَنَس بْن مَالِك فِي الْعُكْلِيِّينَ \" كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَة وَغَيْرهَا بِلَفْظِ \" الْعُرَنِيِّينَ \" وَأَوْضَحْت أَنَّ بَعْضهمْ كَانَ مِنْ عُكْل وَبَعْضهمْ كَانَ مِنْ عُرَيْنَةَ , وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي كَثِير مِنْ الطُّرُق. وَعَنْبَسَة الْمَذْكُور بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون النُّون وَفَتْح الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا سِين مُهْمَلَة هُوَ الْأُمَوِيّ أَخُو عَمْرو بْن سَعِيد الْمَعْرُوف بِالْأَشْدَقِ , وَاسْم جَدّه الْعَاص بْن سَعِيد بْن الْعَاص بْن أُمَيَّة , وَكَانَ عَنْبَسَة مِنْ خِيَار أَهْل بَيْته , وَكَانَ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان بَعْد أَنْ قَتَلَ أَخَاهُ عَمْرو بْن سَعِيد يُكْرِمهُ , وَلَهُ رِوَايَة وَأَخْبَار مَعَ الْحَجَّاج بْن يُوسُف , وَوَثَّقَهُ اِبْن مَعِين وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله ( أَنَا أُحَدِّثكُمْ حَدِيث أَنَس حَدَّثَنِي أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَدَ بْن حَرْب \" فَإِيَّايَ حَدِيث أَنَسٍ \". ‏ ‏قَوْله ( فَبَايَعُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد بْن حَرْب \" فَبَايَعُوهُ \". ‏ ‏قَوْله ( أَجْسَامهمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَدَ بْن حَرْب \" أَجْسَادهمْ \". ‏ ‏قَوْله ( مِنْ أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَدَ بْن حَرْب \" مِنْ رِسْلهَا \" وَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاء وَسُكُون الْمُهْمَلَة اللَّبَن وَبِفَتْحَتَيْنِ الْمَال مِنْ الْإِبِل وَالْغَنَم , وَقِيلَ بَلْ الْإِبِل خَاصَّة إِذَا أُرْسِلَتْ إِلَى الْمَاء تُسَمَّى رَسَلًا. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ نَبَذَهُمْ ) ‏ ‏بِنُونٍ وَمُوَحَّدَة مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ ذَال مُعْجَمَة أَيْ طَرَحَهُمْ. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت وَأَيّ شَيْء أَشَدُّ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ ؟ اِرْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام وَقَتَلُوا وَسَرَقُوا ) فِي رِوَايَة حَمَّاد \" قَالَ أَبُو قِلَابَةَ فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ وَحَارَبُوا اللَّه وَرَسُوله \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عَنْبَسَة ) ‏ ‏هُوَ الْمَذْكُور قَبْل. ‏ ‏قَوْله ( إِنْ سَمِعْت كَالْيَوْمِ قَطُّ ) ‏ ‏إِنْ بِالتَّخْفِيفِ وَكَسْر الْهَمْزَة بِمَعْنَى مَا النَّافِيَة وَحُذِفَ مَفْعُول سَمِعْت وَالتَّقْدِير مَا سَمِعْت قَبْل الْيَوْم مِثْلَ مَا سَمِعْت مِنْك الْيَوْم , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد \" فَقَالَ عَنْبَسَة يَا قَوْم مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قَطُّ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عَوْن \" قَالَ أَبُو قِلَابَةَ فَلَمَّا فَرَغْت قَالَ عَنْبَسَة سُبْحَان اللَّه \". ‏ ‏قَوْله ( أَتَرُدُّ عَلَيَّ حَدِيثِي يَا عَنْبَسَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عَوْن \" فَقُلْت أَتَتَّهِمُنِي يَا عَنْبَسَة \" وَكَذَا فِي رِوَايَة حَمَّاد كَأَنَّ أَبَا قِلَابَةَ فَهِمَ مِنْ كَلَام عَنْبَسَةَ إِنْكَارَ مَا حَدَّثَ بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( لَا وَلَكِنْ جِئْت بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عَوْن \" قَالَ لَا هَكَذَا حَدَّثَنَا أَنَس \" وَهَذَا دَالّ عَلَى أَنَّ عَنْبَسَةَ كَانَ سَمِعَ حَدِيث الْعُكْلِيِّينَ مِنْ أَنَس. وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ كَانَ غَيْر ضَابِط لَهُ عَلَى مَا حَدَّثَ بِهِ أَنَس فَكَانَ يَظُنّ أَنَّ فِيهِ دَلَالَة عَلَى جَوَاز الْقَتْل فِي الْمَعْصِيَة وَلَوْ لَمْ يَقَع الْكُفْر , فَلَمَّا سَاقَ أَبُو قِلَابَةَ الْحَدِيثَ تَذَكَّرَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَدَّثَهُمْ بِهِ أَنَس فَاعْتَرَفَ لِأَبِي قِلَابَةَ بِضَبْطِهِ ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَاَللَّه لَا يَزَال هَذَا الْجُنْدُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ هَذَا الشَّيْخ بَيْن أَظْهُرِهِمْ ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْجُنْدِ أَهْل الشَّام , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عَوْن \" يَا أَهْل الشَّام لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ هَذَا أَوْ مِثْلُ هَذَا \" وَفِي رِوَايَة حَمَّاد \" وَاَللَّهِ لَا يَزَال هَذَا الْجُنْد بِخَيْرِ مَا أَبْقَاك اللَّه بَيْن أَظْهُرِهِمْ \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَدْ كَانَ فِي هَذَا سُنَّة - إِلَى قَوْله - دَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَ أَبُو قِلَابَةَ هَذِهِ الْقِصَّة مُرْسَلَة , وَيَغْلِب عَلَى الظَّنّ أَنَّهَا قِصَّة عَبْد اللَّه بْن سَهْل وَمُحَيِّصَة , فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَعَلَّ عَبْد اللَّه بْن سَهْل وَرُفْقَته تَحَدَّثُوا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يَتَوَجَّهُوا إِلَى خَيْبَر ثُمَّ تَوَجَّهُوا فَقُتِلَ عَبْد اللَّه بْن سَهْل كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ هُنَا \" فَخَرَجَ رَجُل مِنْهُمْ بَيْن أَيْدِيهمْ فَقُتِلَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَخَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏لَعَلَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا جَاءُوهُ كَانَ دَاخِل بَيْته أَوْ الْمَسْجِد فَكَلَّمُوهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَأَجَابَهُمْ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ بِمَنْ تَظُنُّونَ أَوْ تَرَوْنَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَهُمَا بِمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا : نَرَى أَنَّ الْيَهُود قَتَلَهُ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي بِالْإِفْرَادِ وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" قَتَلَتْهُ \" بِصِيغَةِ الْمُسْنَد إِلَى الْجَمْع الْمُسْتَفَاد مِنْ لَفْظ الْيَهُود لِأَنَّ الْمُرَاد قَتَلُوهُ , وَقَدْ قَدَّمْت بَيَان مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ أَلْفَاظ هَذِهِ الْقِصَّة فِي شَرْح الْحَدِيث الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت وَقَدْ كَانَتْ هُذَيْل ) ‏ ‏أَيْ الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة , وَهُمْ يَنْتَسِبُونَ إِلَى هُذَيْل بْن مُدْرِكَة بْن إِلْيَاس بْن مُضَر , وَهَذَا مِنْ قَوْل أَبِي قِلَابَةَ , وَهِيَ قِصَّة مَوْصُولَة بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور إِلَى أَبِي قِلَابَةَ , لَكِنَّهَا مُرْسَلَة لِأَنَّ أَبَا قِلَابَةَ لَمْ يُدْرِك عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( خَلَعُوا خَلِيعًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ حَلِيفًا بِحَاءٍ مُهْمَلَة وَفَاء بَدَل الْعَيْن , وَالْخَلِيع فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُول يُقَال تَخَالَعَ الْقَوْم إِذَا نَقَضُوا الْحِلْف , فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ لَمْ يُطَالَبُوا بِجِنَايَتِهِ فَكَأَنَّهُمْ خَلَعُوا الْيَمِين الَّتِي كَانُوا لَبِسُوهَا مَعَهُ , وَمِنْهُ سُمِّيَ الْأَمِير إِذَا عُزِلَ خَلِيعًا وَمَخْلُوعًا , وَقَالَ أَبُو مُوسَى فِي الْمُعِين خَلَعَهُ قَوْمه أَيْ حَكَمُوا بِأَنَّهُ مُفْسِد فَتَبَرَّءُوا مِنْهُ : وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي بَاب الْجَاهِلِيَّة يَخْتَصّ بِالْحَلِيفِ بَلْ كَانُوا رُبَّمَا خَلَعُوا الْوَاحِد مِنْ الْقَبِيلَة وَلَوْ كَانَ مِنْ صَمِيمهَا إِذَا صَدَرَتْ مِنْهُ جِنَايَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ , وَهَذَا مِمَّا أَبْطَلَهُ الْإِسْلَام مِنْ حُكْم الْجَاهِلِيَّة , وَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَهُ فِي الْخَبَر بِقَوْلِهِ \" فِي الْجَاهِلِيَّة \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الْخَلِيع الْمَذْكُور وَلَا عَلَى اِسْم أَحَد مِمَّنْ ذُكِرَ فِي الْقِصَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَطَرَقَ أَهْلَ بَيْت ) ‏ ‏بِضَمِّ الطَّاء الْمُهْمَلَة أَيْ هَجَمَ عَلَيْهِمْ لَيْلًا فِي خُفْيَة لِيَسْرِق مِنْهُمْ , وَحَاصِل الْقِصَّة أَنَّ الْقَاتِل اِدَّعَى أَنَّ الْمَقْتُول لِصٌّ وَأَنَّ قَوْمه خَلَعُوهُ فَأَنْكَرُوا هُمْ ذَلِكَ وَحَلَفُوا كَاذِبِينَ فَأَهْلَكَهُمْ اللَّهُ بِحِنْثِ الْقَسَامَة وَخَلَّصَ الْمَظْلُوم وَحْده. ‏ ‏قَوْله ( مَا خَلَعُوا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَدَ بْن حَرْب \" مَا خَلَعُوهُ \". ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى إِذَا كَانُوا بِنَخْلَةَ ) ‏ ‏بِلَفْظِ وَاحِدَة النَّخِيل , وَهُوَ مَوْضِع عَلَى لَيْلَة مِنْ مَكَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَانْهَجَمَ عَلَيْهِمْ الْغَار ) ‏ ‏أَيْ سَقَطَ عَلَيْهِمْ بَغْتَة. ‏ ‏قَوْله ( وَأُفْلِتَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الْفَاء أَيْ تَخَلَّصَ , وَالْقَرِينَانِ هُمَا أَخُو الْمَقْتُول وَاَلَّذِي أَكْمَلَ الْخَمْسِينَ. ‏ ‏قَوْله ( وَاتَّبَعَهُمَا حَجَرٌ ) ‏ ‏أَيْ بِتَشْدِيدِ التَّاء وَقَعَ عَلَيْهِمَا بَعْد أَنْ خَرَجَا مِنْ الْغَار. ‏ ‏قَوْله ( وَقَدْ كَانَ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان ) ‏ ‏هُوَ مَقُول أَبِي قِلَابَةَ بِالسَّنَدِ أَيْضًا وَهِيَ مَوْصُولَة لِأَنَّ أَبَا قِلَابَةَ أَدْرَكَهَا. ‏ ‏قَوْله ( أَقَادَ رَجُلًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ نَدِمَ بَعْدُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الدَّال. ‏ ‏قَوْله ( مَا صَنَعَ ) ‏ ‏كَأَنَّهُ ضَمَّنَ نَدِمَ مَعْنَى كَرِهَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَدَ بْن حَرْب \" عَلَى الَّذِي صَنَعَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَمَرَ بِالْخَمْسِينَ ) ‏ ‏أَيْ الَّذِينَ حَلَفُوا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَدَ بْن حَرْب الَّذِينَ أَقْسَمُوا. ‏ ‏قَوْله ( وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الشَّام ) ‏ ‏أَيْ نَفَاهُمْ , وَفِي رِوَايَة أَحْمَدَ بْن حَرْب \" مِنْ الشَّام \" وَهَذِهِ أَوْلَى لِأَنَّ إِقَامَة عَبْد الْمَلِك كَانَتْ بِالشَّامِ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ لَمَّا كَانَ عَبْد الْمَلِك بِالْعِرَاقِ عِنْد مُحَارَبَته مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْر وَيَكُونُوا مِنْ أَهْل الْعِرَاق فَنَفَاهُمْ إِلَى الشَّام , قَالَ الْمُهَلَّب فِيمَا حَكَاهُ اِبْن بَطَّال : الَّذِي اِعْتَرَضَ بِهِ أَبُو قِلَابَةَ مِنْ قِصَّة الْعُرَنِيِّينَ لَا يُفِيد مُرَاده مِنْ تَرْك الْقَسَامَة لِجَوَازِ قِيَام الْبَيِّنَة وَالدَّلَائِل الَّتِي لَا تُدْفَع عَلَى تَحْقِيق الْجِنَايَة فِي حَقّ الْعُرَنِيِّينَ , فَلَيْسَ قِصَّتهمْ مِنْ طَرِيق الْقَسَامَة فِي شَيْء لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَكُون فِي الِاخْتِفَاء بِالْقَتْلِ حَيْثُ لَا بَيِّنَة وَلَا دَلِيل , وَأَمَّا الْعُرَنِيُّونَ فَإِنَّهُمْ كَشَفُوا وُجُوهَهُمْ لِقَطْعِ السَّبِيل وَالْخُرُوج عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ أَمْرهمْ غَيْر أَمْر مَنْ اِدَّعَى الْقَتْل حَيْثُ لَا بَيِّنَة هُنَاكَ , قَالَ : وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ اِنْهِدَام الْغَار عَلَيْهِمْ يُعَارِضهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّنَّة , قَالَ : وَلَيْسَ رَأْي أَبِي قِلَابَةَ حُجَّة وَلَا تُرَدّ بِهِ السُّنَن , وَكَذَا مَحْوُ عَبْد الْمَلِكِ أَسْمَاءَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا مِنْ الدِّيوَان قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ مُرَاد أَبِي قِلَابَة بِقِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ خِلَاف مَا فَهِمَهُ عَنْهُ الْمُهَلَّب أَنَّ قِصَّتهمْ كَانَ يُمْكِن فِيهَا الْقَسَامَة فَلَمْ يَفْعَلهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا أَرَادَ الِاسْتِدْلَال بِهَا لِمَا اِدَّعَاهُ مِنْ الْحَصْر الَّذِي ذَكَرَهُ فِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْتُل أَحَدًا إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاث فَعُورِضَ بِقِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ وَحَاوَلَ الْمُعْتَرِض إِثْبَات قِسْم رَابِع فَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو قِلَابَةَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا اِسْتَوْجَبُوا الْقَتْل بِقَتْلِهِمْ الرَّاعِيَ وَبِارْتِدَادِهِمْ عَنْ الدِّين وَهَذَا بَيِّنٌ لَا خَفَاء فِيهِ , وَإِنَّمَا اُسْتُدِلَّ عَلَى تَرْك الْقَوَد بِالْقَسَامَةِ بِقِصَّةِ الْقَتِيل عِنْد الْيَهُود فَلَيْسَ فِيهَا لِلْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ ذِكْر , بَلْ وَلَا فِي أَصْل الْقِصَّة - الَّتِي هِيَ عُمْدَة الْبَاب - تَصْرِيحٌ بِالْقَوَدِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ , ثُمَّ رَأَيْت فِي آخِر الْحَاشِيَة لِابْنِ الْمُنِير نَحْو مَا أَجَبْت بِهِ , وَحَاصِله تَوَهَّمَ الْمُهَلَّب أَنَّ أَبَا قِلَابَةَ عَارَضَ حَدِيث الْقَسَامَة بِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ فَوَهِمَ. وَإِنَّمَا اِعْتَرَضَ أَبُو قِلَابَةَ عَلَى الْقَسَامَة بِالْحَدِيثِ الدَّالّ عَلَى حَصْر الْقَتْل فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء , فَإِنَّ الَّذِي عَارَضَهُ ظَنَّ أَنَّ فِي قِصَّة الْعُرَنِيِّينَ حُجَّة فِي جَوَاز قَتْل مَنْ لَمْ يُذْكَر فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور كَأَنْ يَتَمَسَّك الْحَجَّاج فِي قَتْل مَنْ لَمْ يَثْبُت عَلَيْهِ وَاحِدَة مِنْ الثَّلَاثَة , وَكَأَنَّ عَنْبَسَةَ تَلَقَّفَ ذَلِكَ عَنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ صَدِيقه , فَبَيَّنَ أَبُو قِلَابَةَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَلَيْهِمْ قَتْل الرَّاعِي بِغَيْرِ حَقّ وَالِارْتِدَاد عَنْ الْإِسْلَام. وَهُوَ جَوَاب ظَاهِر فَلَمْ يُورِدْ أَبُو قِلَابَةَ قِصَّة الْعُرَنِيِّينَ مُسْتَدِلًّا بِهَا عَلَى تَرْك الْقَسَامَة بَلْ رَدَّ عَلَى مَنْ تَمَسَّكَ بِهَا لِلْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ , وَأَمَّا قِصَّة الْغَار فَأَشَارَ بِهَا إِلَى أَنَّ الْعَادَة جَرَتْ بِهَلَاكِ مَنْ حَلَفَ فِي الْقَسَامَة مِنْ غَيْر عِلْم كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة الْقَتِيل الَّذِي وَقَعَتْ الْقَسَامَة بِسَبَبِهِ قَبْل الْبَعْثَة وَقَدْ مَضَى فِي كِتَاب الْمَبْعَث وَفِيهِ \" فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْ الثَّمَانِيَة وَالْأَرْبَعِينَ الَّذِينَ حَلَفُوا عَيْنٌ تَطْرِف \" وَجَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس حَدِيث آخَر فِي ذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن أَبِي الْجَهْم عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْهُ قَالَ \" كَانَتْ الْقَسَامَة فِي الْجَاهِلِيَّة حِجَازًا بَيْن النَّاس , فَكَانَ مَنْ حَلَفَ عَلَى إِثْم أُرِيَ عُقُوبَةً مِنْ اللَّه يُنَكَّل بِهَا عَنْ الْجَرَاءَة عَلَى الْحَرَام , فَكَانُوا يَتَوَرَّعُونَ عَنْ أَيْمَان الصَّبْر وَيَهَابُونَهَا , فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَهَا أَهْيَبَ \" ثُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ فِي سِيَاق قِصَّة الْهُذَلِيِّينَ تَصْرِيح بِمَا صَنَعَ عُمَر هَلْ أَقَادَ بِالْقَسَامَةِ أَوْ حَكَمَ بِالدِّيَةِ , فَقَوْل الْمُهَلَّب مَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّنَّة إِنْ كَانَ أَشَارَ بِهِ إِلَى صَنِيع عُمَر فَلَيْسَ بِوَاضِحٍ , وَأَمَّا قَوْله إِنَّ رَأْيَ أَبِي قِلَابَةَ وَمَحْو عَبْد الْمَلِك مِنْ الدِّيوَان لَا تُرَدُّ بِهِ السُّنَن فَمَقْبُول , لَكِنْ مَا هِيَ السُّنَّة الَّتِي وَرَدَتْ بِذَلِكَ ؟ نَعَمْ لَمْ يَظْهَر لِي وَجْه اِسْتِدْلَال أَبِي قِلَابَةَ بِأَنَّ الْقَتْل لَا يُشْرَع إِلَّا فِي الثَّلَاثَة لِرَدِّ الْقَوَد بِالْقَسَامَةِ مَعَ أَنَّ الْقَوَد قَتْل نَفْس بِنَفْسٍ وَهُوَ أَحَد الثَّلَاثَة , وَإِنَّمَا وَقَعَ النِّزَاع فِي الطَّرِيق إِلَى ثُبُوت ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6391",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏اطَّلَعَ مِنْ ‏ ‏حُجْرٍ فِي بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَامَ إِلَيْهِ بِمِشْقَصٍ أَوْ بِمَشَاقِصَ وَجَعَلَ يَخْتِلُهُ لِيَطْعُنَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رَجُلًا اِطَّلَعَ ) ‏ ‏أَيْ نَظَرَ مِنْ عُلُوّ , وَهَذَا الرَّجُل لَمْ أَعْرِفْ اِسْمه صَرِيحًا لَكِنْ نَقَلَ اِبْن بَشْكُوَال عَنْ أَبِي الْحَسَن بْن الْغَيْث أَنَّهُ الْحَكَم بْن أَبِي الْعَاصِ بْن أُمَيَّة وَالِد مَرْوَان وَلَمْ يَذْكُر مُسْتَنَدًا لِذَلِكَ , وَوَجَدْت فِي \" كِتَاب مَكَّة لِلْفَاكِهِيِّ \" مِنْ طَرِيق أَبِي سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ وَعَطَاء الْخُرَاسَانِيّ أَنَّ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يَلْعَن الْحَكَم بْن أَبِي الْعَاصِ وَهُوَ يَقُول اِطَّلَعَ عَلَيَّ وَأَنَا مَعَ زَوْجَتِي فُلَانَة فَكَلَحَ فِي وَجْهِي , وَهَذَا لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمَقْصُود هُنَا , وَوَقَعَ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق هُذَيْل بْن شُرَحْبِيل قَالَ : \" جَاءَ سَعْد فَوَقَفَ عَلَى بَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ يَسْتَأْذِن عَلَى الْبَاب فَقَالَ : هَكَذَا عَنْك فَإِنَّمَا الِاسْتِئْذَان مِنْ أَجْل الْبَصَر \" وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى أَنْ يُفَسَّر بِهِ الْمُبْهَم الَّذِي فِي ثَانِي أَحَادِيث الْبَاب , وَلَمْ يَنْسِب سَعْد هَذَا فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ أَنَّهُ سَعْد بْن عُبَادَةَ وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ حُجْر فِي بَعْض حُجَر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْط اللَّفْظ فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان. ‏ ‏قَوْله ( بِمِشْقَصٍ أَوْ مَشَاقِصَ ) ‏ ‏هُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وَتَقَدَّمَ بَيَانه وَأَنَّهُ النَّصْل الْعَرِيض , وَقَوْله فِي الْخَبَر الَّذِي بَعْده \" مِدْرًى \" قَدْ يُخَالِفهُ فَيُحْمَل عَلَى تَعَدُّد الْقِصَّة , وَيَحْتَمِل أَنَّ رَأْس الْمِدْرَى كَانَ مُحَدَّدًا فَأَشْبَهَ النَّصْل , وَتَقَدَّمَ ضَبْط الْمِدْرَى فِي \" بَاب الِامْتِشَاط \" مِنْ كِتَاب اللِّبَاس وَأَنَّ مِمَّا قِيلَ فِي تَفْسِيره حَدِيدَة كَالْخِلَالِ لَهَا رَأْس مُحَدَّد وَقِيلَ لَهَا سِنَّانِ مِنْ حَدِيد. ‏ ‏قَوْله ( وَجَعَلَ يَخْتِلهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة بَعْدهَا مُثَنَّاة مَكْسُورَة ثُمَّ لَام مِنْ الْخَتْل بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه وَهُوَ الْإِصَابَة عَلَى غَفْلَة. ‏ ‏قَوْله ( لِيَطْعُنَهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة بِنَاء عَلَى الْمَشْهُور أَنَّ الطَّعْن بِالْفِعْلِ بِضَمِّ الْعَيْن وَبِالْقَوْلِ بِفَتْحِهَا وَقَدْ قِيلَ هُمَا سَوَاء , زَادَ أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيّ عَنْ حَمَّاد عِنْد مُسْلِم \" فَذَهَبَ أَوْ لَحِقَهُ فَأَخْطَأَ \" وَفِي رِوَايَة عَاصِم بْن عَلِيّ عَنْ حَمَّاد عِنْد أَبِي نُعَيْم \" فَمَا أَدْرِي أَذَهَبَ أَوْ كَيْف صَنَعَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6392",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْتَظِرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنَيْكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا جُعِلَ الْإِذْنُ مِنْ قِبَلِ الْبَصَرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا لَيْث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعْد. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رَجُلًا اِطَّلَعَ فِي حُجْر فِي بَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّك ) ‏ ‏رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ أَنْ خَفِيفَة. ‏ ‏قَوْله ( فِي عَيْنَيْك ) ‏ ‏كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ وَلِلْبَاقِينَ \" فِي عَيْنك \" بِالْإِفْرَادِ , وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي تَعَدُّد الْقِصَّة لِأَنَّهُ فِي حَدِيث أَنَس جَزَمَ بِأَنَّهُ اِطَّلَعَ وَأَرَادَ أَنْ يَطْعُنَهُ , وَفِي حَدِيث سَهْل عَلَّقَ طَعْنه عَلَى نَظَره. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّمَا جُعِلَ الْإِذْن مِنْ قِبَل ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْمُوَحَّدَة أَيْ مِنْ جِهَة. ‏ ‏قَوْله ( الْبَصَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" النَّظَر \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِئْذَان مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيّ بِلَفْظٍ آخَر. ‏"
    },
    {
        "id": "6393",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو الْقَاسِمِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِعَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو الْقَاسِم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" أَخْرَجَهُ عَنْ اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان. ‏ ‏قَوْله ( لَوْ أَنَّ اِمْرَأً ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطه قَبْل سِتَّة أَبْوَاب. ‏ ‏قَوْله ( لَمْ يَكُنْ عَلَيْك جُنَاح ) ‏ ‏عِنْد مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" مَا كَانَ عَلَيْك مِنْ جُنَاح \" وَالْمُرَاد بِالْجُنَاحِ هُنَا الْحَرَج , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي عَاصِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ \" مَا كَانَ عَلَيْك مِنْ حَرَج \" وَمِنْ طَرِيق اِبْن عَجْلَان عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" مَا كَانَ عَلَيْك مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْء \" وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَنْ اِطَّلَعَ فِي بَيْت قَوْم بِغَيْرِ إِذْنهمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنه \" أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْهُ , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ حَمَلَ الْجُنَاح هُنَا عَلَى الْإِثْم , وَرُتِّبَ عَلَى ذَلِكَ وُجُوب الدِّيَة إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ رَفْع الْإِثْم رَفْعهَا لِأَنَّ وُجُوب الدِّيَة مِنْ خِطَاب الْوَضْع , وَوَجْه الدَّلَالَة أَنَّ إِثْبَات الْحِلّ يَمْنَع ثُبُوت الْقِصَاص وَالدِّيَة , وَوَرَدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَصْرَحُ مِنْ هَذَا عِنْد أَحْمَدَ وَابْن أَبِي عَاصِم وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْبَيْهَقِيُّ كُلّهمْ مِنْ رِوَايَة بَشِير بْن نَهِيك عَنْهُ بِلَفْظِ \" مَنْ اِطَّلَعَ فِي بَيْت قَوْم بِغَيْرِ إِذْنهمْ فَفَقَئُوا عَيْنه فَلَا دِيَة وَلَا قِصَاص \" وَفِي رِوَايَة مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَهُوَ هَدَر \" وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث مِنْ الْفَوَائِد إِبْقَاء شَعْر الرَّأْس وَتَرْبِيَته وَاِتِّخَاذ آلَة يُزِيل بِهَا عَنْهُ الْهَوَامّ وَيَحُكّ بِهَا لِدَفْعِ الْوَسَخ أَوْ الْقَمْل. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة الِاسْتِئْذَان عَلَى مَنْ يَكُون فِي بَيْت مُغْلَق الْبَاب وَمَنْع التَّطَلُّع عَلَيْهِ مِنْ خَلَل الْبَاب , وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة الِامْتِشَاط. وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِير مِنْ هَذَا كُلّه فِي \" بَاب الِاسْتِئْذَان \" وَأَنَّ الِاسْتِئْذَان لَا يَخْتَصّ بِغَيْرِ الْمَحَارِم بَلْ يُشْرَع عَلَى مَنْ كَانَ مُنْكَشِفًا وَلَوْ كَانَ أُمًّا أَوْ أُخْتًا وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز رَمْي مَنْ يَتَجَسَّس وَلَوْ لَمْ يَنْدَفِع بِالشَّيْءِ الْخَفِيف جَازَ بِالثَّقِيلِ , وَأَنَّهُ إِنْ أُصِيبَتْ نَفْسه أَوْ بَعْضه فَهُوَ هَدَر , وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّة إِلَى الْقِصَاص وَأَنَّهُ لَا يَجُوز قَصْد الْعَيْن وَلَا غَيْرهَا , وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ الْمَعْصِيَة لَا تُدْفَع بِالْمَعْصِيَةِ , وَأَجَابَ الْجُمْهُور بِأَنَّ الْمَأْذُون فِيهِ إِذَا ثَبَتَ الْإِذْن لَا يُسَمَّى مَعْصِيَة وَإِنْ كَانَ الْفِعْل لَوْ تَجَرَّدَ عَنْ هَذَا السَّبَب يُعَدّ مَعْصِيَةً , وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى جَوَاز دَفْع الصَّائِل وَلَوْ أَتَى عَلَى نَفْس الْمَدْفُوع , وَهُوَ بِغَيْرِ السَّبَب الْمَذْكُور مَعْصِيَة فَهَذَا مُلْحَق بِهِ مَعَ ثُبُوت النَّصّ فِيهِ , وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيث بِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبِيل التَّغْلِيظ وَالْإِرْهَاب , وَوَافَقَ الْجُمْهُور مِنْهُمْ اِبْن نَافِع , وَقَالَ يَحْيَى بْن عُمَر مِنْهُمْ لَعَلَّ مَالِكًا لَمْ يَبْلُغْهُ الْخَبَرُ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِاَلَّذِي يَهُمّ أَنْ يَفْعَل مَا لَا يَجُوز أَوْ يُؤَدِّي إِلَى مَا لَا يَجُوز , وَالْحَمْل عَلَى رَفْع الْإِثْم لَا يَتِمّ مَعَ وُجُود النَّصّ بِرَفْعِ الْحَرَج وَلَيْسَ مَعَ النَّصّ قِيَاس , وَاعْتَلَّ بَعْض الْمَالِكِيَّة أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَصَدَ النَّظَر إِلَى عَوْرَة الْآخَر ظَاهِر أَنَّ ذَلِكَ لَا يُبِيح فَقْءَ عَيْنه وَلَا سُقُوط ضَمَانهَا عَمَّنْ فَقَأَهَا فَكَذَا إِذَا كَانَ الْمَنْظُور فِي بَيْته وَتَجَسَّسَ النَّاظِر إِلَى ذَلِكَ , وَنَازَعَ الْقُرْطُبِيّ فِي ثُبُوت هَذَا الْإِجْمَاع وَقَالَ : إِنَّ الْخَبَر يَتَنَاوَل كُلّ مُطَّلِع , قَالَ : وَإِذَا تَنَاوَلَ الْمُطَّلِع فِي الْبَيْت مَعَ الْمَظِنَّة فَتَنَاوُلُهُ الْمُحَقَّقَ أَوْلَى. قُلْت : وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ التَّطَلُّع إِلَى مَا فِي دَاخِل الْبَيْت لَمْ يَنْحَصِر فِي النَّظَر إِلَى شَيْء مُعَيَّن كَعَوْرَةِ الرَّجُل مَثَلًا بَلْ يَشْمَل اِسْتِكْشَاف الْحَرِيم وَمَا يَقْصِد صَاحِب الْبَيْت سَتْره مِنْ الْأُمُور الَّتِي لَا يَجِب اِطِّلَاع كُلّ أَحَد عَلَيْهَا , وَمِنْ ثَمَّ ثَبَتَ النَّهْي عَنْ التَّجْسِيس وَالْوَعِيدُ عَلَيْهِ حَسْمًا لِمَوَادّ ذَلِكَ , فَلَوْ ثَبَتَ الْإِجْمَاع الْمُدَّعَى لَمْ يَسْتَلْزِم رَدَّ هَذَا الْحُكْم الْخَاصّ , وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ الْعَاقِل يَشْتَدّ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَجْنَبِيّ يَرَى وَجْه زَوْجَته وَابْنَته وَنَحْو ذَلِكَ وَكَذَا فِي حَال مُلَاعَبَته أَهْله أَشَدَّ مِمَّا رَأَى الْأَجْنَبِيّ ذَكَرَهُ مُنْكَشِفًا , وَاَلَّذِي أَلْزَمَهُ الْقُرْطُبِيُّ صَحِيحٌ فِي حَقّ مَنْ يَرُوم النَّظَر فَيَدْفَعهُ الْمَنْظُور إِلَيْهِ , وَفِي وَجْه لِلشَّافِعِيَّةِ لَا يُشْرَع فِي هَذِهِ الصُّورَة , وَهَلْ يُشْتَرَط الْإِنْذَار قَبْل الرَّمْي ؟ وَجْهَانِ , قِيلَ يُشْتَرَط كَدَفْعِ الصَّائِل , وَأَصَحُّهُمَا لَا لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث \" يَخْتِلهُ بِذَلِكَ \" وَفِي حُكْم الْمُتَطَلِّع مِنْ خَلَل الْبَاب النَّاظِرُ مِنْ كَوَّة مِنْ الدَّار وَكَذَا مَنْ وَقَفَ فِي الشَّارِع فَنَظَرَ إِلَى حَرِيم غَيْره أَوْ إِلَى شَيْء فِي دَار غَيْره , وَقِيلَ الْمَنْع مُخْتَصّ بِمَنْ كَانَ فِي مِلْك الْمَنْظُور إِلَيْهِ , وَهَلْ يُلْحَقُ الِاسْتِمَاعُ بِالنَّظَرِ ؟ وَجْهَانِ , الْأَصَحّ لَا , لِأَنَّ النَّظَر إِلَى الْعَوْرَة أَشَدُّ مِنْ اِسْتِمَاع ذِكْرهَا , وَشَرْط الْقِيَاس الْمُسَاوَاة أَوْ أَوْلَوِيَّة الْمَقِيس وَهُنَا بِالْعَكْسِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِعْتِبَار قَدْر مَا يُرْمَى بِهِ بِحَصَى الْخَذْف الْمُقَدَّم بَيَانهَا فِي كِتَاب الْحَجّ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيث الْبَاب \" فَخَذَفْته \" فَلَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ يَقْتُل أَوْ سَهْم تَعَلَّقَ بِهِ الْقِصَاص , وَفِي وَجْه لَا ضَمَان مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَنْدَفِع إِلَّا بِذَلِكَ جَازَ , وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ لَهُ فِي تِلْكَ الدَّار زَوْج أَوْ مَحْرَم أَوْ مَتَاع فَأَرَادَ الِاطِّلَاع عَلَيْهِ فَيَمْتَنِع رَمْيه لِلشُّبْهَةِ , وَقِيلَ لَا فَرْق , وَقِيلَ : يَجُوز إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الدَّار غَيْر حَرِيمه فَإِنْ كَانَ فِيهَا غَيْرهمْ أُنْذِرَ فَإِنْ اِنْتَهَى وَإِلَّا جَازَ , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الدَّار إِلَّا رَجُل وَاحِد هُوَ مَالِكهَا أَوْ سَاكِنهَا لَمْ يَجُزْ الرَّمْي قَبْل الْإِنْذَار إِلَّا إِنْ كَانَ مَكْشُوف الْعَوْرَة , وَقِيلَ يَجُوز مُطْلَقًا لِأَنَّ مِنْ الْأَحْوَال مَا يُكْرَه الِاطِّلَاع عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَوْ قَصَّرَ صَاحِب الدَّار بِأَنْ تَرَكَ الْبَاب مَفْتُوحًا وَكَانَ النَّاظِر مُجْتَازًا فَنَظَرَ غَيْر قَاصِد لَمْ يَجُزْ , فَإِنْ تَعَمَّدَ النَّظَر فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا , وَيَلْتَحِق بِهَذَا مَنْ نَظَرَ مِنْ سَطْح بَيْته فَفِيهِ الْخِلَاف. وَقَدْ تَوَسَّعَ أَصْحَاب الْفُرُوع فِي نَظَائِر ذَلِكَ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَبَعْض تَصَرُّفَاتهمْ مَأْخُوذَة مِنْ إِطْلَاق الْخَبَر الْوَارِد فِي ذَلِكَ , وَبَعْضهَا مِنْ مُقْتَضَى فَهْم الْمَقْصُود , وَبَعْضهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى ذَلِكَ , وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6394",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُطَرِّفٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الشَّعْبِيَّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا جُحَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَقَالَ مَرَّةً مَا لَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ فَقَالَ ‏ ‏وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ‏ ‏وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ‏ ‏مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ قُلْتُ وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ قَالَ ‏ ‏الْعَقْلُ ‏ ‏وَفِكَاكُ ‏ ‏الْأَسِيرِ وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( قَالَ مُطَرِّف ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَلِلْبَاقِينَ \" حَدَّثَنَا مُطَرِّف \" وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ سَيَأْتِي بَعْد سِتَّة أَبْوَاب بِهَذَا السَّنَد بِعَيْنِهِ وَلَفْظه \" حَدَّثَنَا مُطَرِّف \" وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَمُطَرِّف هُوَ اِبْن طَرِيف بِطَاءٍ مُهْمَلَة ثُمَّ فَاء فِي اِسْمه وَاسْم أَبِيهِ , وَهُوَ كُوفِيّ ثِقَة مَعْرُوف , وَوَقَعَ مَذْكُورًا بِاسْمِ أَبِيهِ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ عَنْ مُحَمَّد بْن مَنْصُور عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله ( هَلْ عِنْدكُمْ شَيْء مَا لَيْسَ فِي الْقُرْآن ) ‏ ‏أَيْ مِمَّا كَتَبْتُمُوهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوَاء حَفِظْتُمُوهُ أَمْ لَا , وَلَيْسَ الْمُرَاد تَعْمِيم كُلّ مَكْتُوب وَمَحْفُوظ لِكَثْرَةِ الثَّابِت عَنْ عَلِيّ مِنْ مَرْوِيِّهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا لَيْسَ فِي الصَّحِيفَة الْمَذْكُورَة وَالْمُرَاد مَا يُفْهَم مِنْ فَحْوَى لَفْظ الْقُرْآن وَيُسْتَدَلّ بِهِ مِنْ بَاطِن مَعَانِيه , وَمُرَاد عَلِيّ أَنَّ الَّذِي عِنْده زَائِدًا عَلَى الْقُرْآن مِمَّا كَتَبَ عَنْهُ الصَّحِيفَةُ الْمَذْكُورَةُ وَمَا اِسْتَنْبَطَ مِنْ الْقُرْآن كَأَنَّهُ كَانَ يَكْتُب مَا يَقَع لَهُ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَنْسَاهُ , بِخِلَافِ مَا حَفِظَهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَحْكَام فَإِنَّهُ يَتَعَاهَدهَا بِالْفِعْلِ وَالْإِفْتَاء بِهَا فَلَمْ يَخْشَ عَلَيْهَا مِنْ النِّسْيَان , وَقَوْله \" إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُل فِي كِتَابه \" فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ الْمَذْكُورَة \" إِلَّا أَنْ يُعْطِي اللَّه عَبْدًا فَهْمًا فِي كِتَابه \" وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْجِهَاد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُطَرِّف بِلَفْظِ \" إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيه اللَّه رَجُلًا فِي الْقُرْآن \". ‏"
    },
    {
        "id": "6395",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏وَحَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏امْرَأَتَيْنِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏هُذَيْلٍ ‏ ‏رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا ‏ ‏فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيهَا ‏ ‏بِغُرَّةٍ ‏ ‏عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يُوسُف أَخْبَرَنَا مَالِك وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن أَبِي أُوَيْس ‏ ‏( حَدَّثَنَا مَالِك ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَسَقَطَ رِوَايَة إِسْمَاعِيل هُنَا لِأَبِي ذَرّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏كَذَا قَالَ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف عَنْ مَالِك وَقَالَ كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه عَنْ اللَّيْث \" عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب \" وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ صَوَاب إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَرْوِيه عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد مُرْسَلًا وَعَنْ أَبِي سَلَمَة مَوْصُولًا , وَقَدْ مَضَى فِي الطِّبّ عَنْ قُتَيْبَة عَنْ مَالِك بِالْوَجْهَيْنِ وَهُوَ عِنْد اللَّيْث مِنْ رِوَايَة أَبِي سَلَمَة أَيْضًا لَكِنْ بِوَاسِطَةٍ , كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطِّبّ أَيْضًا عَنْ سَعِيد بْن عُفَيْر عَنْ اللَّيْث عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد عَنْ اِبْن شِهَاب , وَرَوَاهُ يُونُس بْن يَزِيد عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْهُمَا جَمِيعًا كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه أَيْضًا , وَرَوَاهُ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة وَحْده أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة. وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ : ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ اِمْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْل رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة يُونُس \" اِقْتَتَلَتْ اِمْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْل فَرَمَتْ \" وَفِي رِوَايَة حَمَلٍ الَّتِي سَأُنَبِّهُ عَلَيْهَا إِحْدَاهُمَا لِحْيَانِيَّة قُلْت : وَلِحْيَان بَطْن مِنْ هُذَيْل , وَهَاتَانِ الْمَرْأَتَانِ كَانَتَا ضَرَّتَيْنِ وَكَانَتَا تَحْت حَمَل بْن النَّابِغَة الْهُذَلِيّ فَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" عَنْ عُمَر أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ قَضِيَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ حَمَل بْن مَالِك بْن النَّابِغَة فَقَالَ : كُنْت بَيْن اِمْرَأَتَيْنِ فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى \" هَكَذَا رَوَاهُ مَوْصُولًا , وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَر فَلَمْ يَذْكُر اِبْن عَبَّاس فِي السَّنَد وَلَفْظه \" أَنَّ عُمَر قَالَ : أَذْكَرَ اللَّهُ اِمْرَأً سَمِعَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنِين شَيْئًا \" وَكَذَا قَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ اِبْن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَر اِسْتَشَارَ , وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي الْمُلَيْح بْن أُسَامَة بْن عُمَيْر الْهُذَلِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" كَانَ فِينَا رَجُل يُقَال لَهُ حَمَل بْن مَالِك لَهُ اِمْرَأَتَانِ إِحْدَاهُمَا هُذَلِيَّة وَالْأُخْرَى عَامِرِيَّة فَضَرَبَتْ الْهُذَلِيَّة بَطْن الْعَامِرِيَّة \" وَأَخْرَجَهُ الْحَارِث مِنْ طَرِيق أَبِي الْمُلَيْح فَأَرْسَلَهُ لَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ وَلَفْظه \" أَنَّ حَمَل بْن النَّابِغَة كَانَتْ لَهُ اِمْرَأَتَانِ مُلَيْكَة وَأُمّ غُطَيْف \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَوْن بْن عُوَيْم قَالَ \" كَانَتْ أُخْتِي مُلَيْكَة وَامْرَأَة مِنَّا يُقَال لَهَا أُمّ غُطَيْف بِنْت مَسْرُوح تَحْت حَمَل بْن النَّابِغَة فَضَرَبَتْ أُمُّ غُطَيْف مُلَيْكَةَ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي آخِر هَذِهِ الْقِصَّة \" قَالَ اِبْن عَبَّاس : إِحْدَاهُمَا مُلَيْكَة وَالْأُخْرَى أُمّ غُطَيْف \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَهَذَا الَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ مَنْقُولًا , وَبِالْآخَرِ جَزَمَ الْخَطِيب فِي \" الْمُبْهَمَات \" وَزَادَ بَعْض شُرَّاح الْعُمْدَة \" وَقِيلَ أُمّ مكلف وَقِيلَ أُمّ مُلَيْكَة \" وَأَمَّا قَوْله \" رَمَتْ \" فَوَقَعَ فِي رِوَايَة يُونُس وَعَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد \" فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ \" زَادَ عَبْد الرَّحْمَن \" فَأَصَابَ بَطْنهَا وَهِيَ حَامِل \" وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي الْمُلَيْح عِنْد الْحَارِث لَكِنْ قَالَ \" فَخُذِفَتْ \" وَقَالَ \" فَأَصَابَ قُبُلَهَا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الْمَذْكُورَة مِنْ طَرِيق حَمَل بْن مَالِك \" فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمِسْطَحٍ \" وَعِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن نُضَيْلَة - بِنُونٍ وَضَاد مُعْجَمَة مُصَغَّر - عَنْ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة قَالَ \" ضَرَبَتْ اِمْرَأَة ضَرَّتهَا بِعَمُودِ فُسْطَاط وَهِيَ حُبْلَى فَقَتَلَتْهَا \" وَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي الْمُلَيْح بْن أُسَامَة عَنْ أَبِيهِ \" فَضَرَبَتْ الْهُذَلِيَّة بَطْن الْعَامِرِيَّة بِعَمُودِ فُسْطَاط أَوْ خِبَاء \" وَفِي حَدِيث عُوَيْم \" ضَرَبَتْهَا بِمِسْطَحِ بَيْتهَا وَهِيَ حَامِل \" وَكَذَا عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث حَمَل بْن مَالِك \" بِمِسْطَح \" وَمِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ أَنَّ اِمْرَأَة خَذَفَتْ اِمْرَأَة أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله ( فَطَرَحَتْ جَنِينهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد \" فَقَتَلَتْ وَلَدهَا فِي بَطْنهَا \" وَفِي رِوَايَة يُونُس \" فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنهَا \" وَفِي حَدِيث حَمَل بْن مَالِك مِثْله بِلَفْظِ \" فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينهَا \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة عُوَيْم وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي الْمُلَيْح عَنْ أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَضَى فِيهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغُرَّةٍ عَبْد أَوْ أَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد وَيُونُس \" فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَضَى أَنَّ دِيَة مَا فِي بَطْنهَا غُرَّة عَبْد أَوْ أَمَة \" وَنَحْوه فِي رِوَايَة يُونُس لَكِنْ قَالَ \" أَوْ وَلِيدَة \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة فَقَالَ قَائِل \" كَيْف يُعْقَل \" وَفِي رِوَايَة يُونُس عِنْد مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ \" وَوَرِثَهَا وَلَدهَا وَمَنْ مَعَهُمْ فَقَالَ حَمَل بْن النَّابِغَة \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد الْمَاضِيَة فِي الطِّبّ \" فَقَالَ وَلِيّ الْمَرْأَة الَّتِي غَرِمَتْ ثُمَّ اِتَّفَقَا : كَيْف أَغْرَم يَا رَسُول اللَّه مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اِسْتَهَلَّ فَمِثْل ذَلِكَ يُطَلّ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَان الْكُهَّان \" وَفِي مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عِنْد مَالِك \" قَضَى فِي الْجَنِين يُقْتَل فِي بَطْن أُمّه بِغُرَّةٍ عَبْد أَوْ وَلِيدَة \" وَفِي رِوَايَة اللَّيْث مِنْ طَرِيق سَعِيد الْمَوْصُولَة نَحْوه عِنْد التِّرْمِذِيّ وَلَكِنْ قَالَ \" إِنَّ هَذَا لَيَقُول بِقَوْلِ شَاعِر بَلْ فِيهِ غُرَّة \" وَفِيهِ \" ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَة الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ مِيرَاثهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجهَا وَأَنَّ الْعَقْل عَلَى عَصَبَتِهَا \" وَفِي رِوَايَة عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس \" فَقَالَ عَمّهَا : إِنَّهَا قَدْ أَسْقَطَتْ غُلَامًا قَدْ نَبَتَ شَعْره , فَقَالَ أَبُو الْقَاتِلَة إِنَّهُ كَاذِب , إِنَّهُ وَاَللَّه مَا اِسْتَهَلَّ وَلَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ , فَمِثْله يُطَلّ. فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَسَجْع كَسَجْعِ الْجَاهِلِيَّة وَكِهَانَتهَا \" وَفِي رِوَايَة عُبَيْد بْن نُضَيْلَة عَنْ الْمُغِيرَة \" فَجَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَة الْمَقْتُولَة عَلَى عَصَبَة الْقَاتِلَة وَغُرَّة لِمَا فِي بَطْنهَا , فَقَالَ رَجُل مِنْ عَصَبَة الْقَاتِلَة : أَنَغْرَمُ مَنْ لَا أَكَلَ - وَفِي آخِره - أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَاب ؟ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ الدِّيَة \" وَفِي حَدِيث عُوَيْم عِنْد الطَّبَرَانِيّ \" فَقَالَ أَخُوهَا الْعَلَاء بْن مَسْرُوح : يَا رَسُول اللَّه أَنَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اِسْتَهَلَّ , فَمِثْل هَذَا يُطَلّ. فَقَالَ : أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْجَاهِلِيَّة \" وَنَحْوه عِنْد أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث جَابِر لَكِنْ قَالَ \" فَقَالَتْ عَاقِلَة الْقَاتِلَة \" وَعِنْد الْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيث أُسَامَة بْن عُمَيْرَةَ \" فَقَالَ أَبُوهَا إِنَّمَا يَعْقِلهَا بَنُوهَا فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : الدِّيَة عَلَى الْعَصَبَة وَفِي الْجَنِين غُرَّة , فَقَالَ : مَا وُضِعَ فَحَلَّ وَلَا صَاحَ فَاسْتَهَلَّ , فَأَبْطِلْهُ فَمِثْله يُطَلّ \" وَبِهَذَا يُجْمَع الِاخْتِلَاف فَيَكُون كُلّ مِنْ أَبِيهَا وَأَخِيهَا وَزَوْجهَا قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كُلّهمْ مِنْ عَصَبَتِهَا بِخِلَافِ الْمَقْتُولَة فَإِنَّ فِي حَدِيث أُسَامَة بْن عُمَيْر أَنَّ الْمَقْتُولَة عَامِرِيَّة وَالْقَاتِلَة هُذَلِيَّة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أُسَامَة \" فَقَالَ دَعْنِي مِنْ أَرَاجِيز الْأَعْرَاب \" وَفِي لَفْظ \" أَسَجَاعَة بِك \" وَفِي آخَر \" أَسَجْع كَسَجْعِ الْجَاهِلِيَّة ؟ قِيلَ يَا رَسُول اللَّه إِنَّهُ شَاعِر \" وَفِي لَفْظ \" لَسْنَا مِنْ أَسَاجِيع الْجَاهِلِيَّة فِي شَيْء \" وَفِيهِ \" فَقَالَ إِنَّ لَهَا وَلَدًا هُمْ سَادَة الْحَيّ وَهُمْ أَحَقُّ أَنْ يَعْقِلُوا عَنْ أُمّهمْ , قَالَ بَلْ أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ تَعْقِل عَنْ أُخْتك مِنْ وَلَدهَا , فَقَالَ مَا لِي شَيْء , قَالَ حَمَل وَهُوَ يَوْمئِذٍ عَلَى صَدَقَات هُذَيْل وَهُوَ زَوْج الْمَرْأَة وَأَبُو الْجَنِين اِقْبِضْ مِنْ صَدَقَات هُذَيْل \" أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عَاصِم \" مَا لَهُ عَبْد وَلَا أَمَة قَالَ عَشْر مِنْ الْإِبِل , قَالُوا مَا لَهُ مِنْ شَيْء إِلَّا أَنْ تُعِينهُ مِنْ صَدَقَة بَنِي لِحْيَان فَأَعَانَهُ بِهَا , فَسَعَى حَمَلٌ عَلَيْهَا حَتَّى اِسْتَوْفَاهَا \" وَفِي حَدِيثه عِنْد الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة \" فَقَضَى أَنَّ الدِّيَة عَلَى عَاقِلَة الْقَاتِلَة وَفِي الْجَنِين غُرَّة عَبْد أَوْ أَمَة وَعَشْر مِنْ الْإِبِل أَوْ مِائَة شَاة \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْهُ \" قَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنِين بِغُرَّةٍ عَبْد أَوْ أَمَة أَوْ فَرَس أَوْ بَغْل \" وَكَذَا وَقَعَ عِنْد عَبْد الرَّزَّاق فِي رِوَايَة اِبْن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَر مُرْسَلًا \" فَقَالَ حَمَل بْن النَّابِغَة قَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدِّيَةِ فِي الْمَرْأَة وَفِي الْجَنِين غُرَّة عَبْد أَوْ أَمَة أَوْ فَرَس \" وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيّ إِلَى أَنَّ ذِكْر الْفَرَس فِي الْمَرْفُوع وَهْم وَأَنَّ ذَلِكَ أُدْرِجَ مِنْ بَعْض رُوَاته عَلَى سَبِيل التَّفْسِير لِلْغُرَّةِ , وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ طَاوُسٍ بِلَفْظِ \" فَقَضَى أَنَّ فِي الْجَنِين غُرَّة قَالَ طَاوُسٌ الْفَرَس غُرَّة \". قُلْت : وَكَذَا أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" الْفَرَس غُرَّة \" وَكَأَنَّهُمَا رَأَيَا أَنَّ الْفَرَس أَحَقُّ بِإِطْلَاقِ لَفْظ الْغُرَّة مِنْ الْآدَمِيّ , وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر وَالْخَطَّابِيّ عَنْ طَاوُسٍ وَمُجَاهِد وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر \" الْغُرَّة عَبْد أَوْ أَمَة أَوْ فَرَس \" وَتَوَسَّعَ دَاوُدُ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْل الظَّاهِر فَقَالُوا : يُجْزِئ كُلّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اِسْم غُرَّة , وَالْغُرَّة فِي الْأَصْل الْبَيَاض يَكُون فِي جَبْهَة الْفَرَس , وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ لِلْآدَمِيِّ فِي الْحَدِيث الْمُتَقَدِّم فِي الْوُضُوء \" إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْم الْقِيَامَة غُرًّا \" وَتُطْلَق الْغُرَّة عَلَى الشَّيْء النَّفِيس آدَمِيًّا كَانَ أَوْ غَيْره ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى , وَقِيلَ أُطْلِقَ عَلَى الْآدَمِيّ غُرَّة لِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْحَيَوَان , فَإِنَّ مَحَلّ الْغُرَّة الْوَجْه وَالْوَجْه أَشْرَفُ الْأَعْضَاء , وَقَوْله فِي الْحَدِيث \" غُرَّة عَبْد أَوْ أَمَة \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ قَرَأَهُ الْعَامَّة بِالْإِضَافَةِ وَغَيْرُهُمْ بِالتَّنْوِينِ , وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض الْخِلَاف , وَقَالَ : التَّنْوِين أَوْجَهُ لِأَنَّهُ بَيَان لِلْغُرَّةِ مَا هِيَ , وَتَوْجِيه الْآخَرِ أَنَّ الشَّيْء قَدْ يُضَاف إِلَى نَفْسه لَكِنَّهُ نَادِر , وَقَالَ الْبَاجِيّ : يَحْتَمِل أَنْ تَكُون \" أَوْ \" شَكًّا مِنْ الرَّاوِي فِي تِلْكَ الْوَاقِعَة الْمَخْصُوصَة , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون لِلتَّنْوِيعِ وَهُوَ الْأَظْهَر , وَقِيلَ الْمَرْفُوع مِنْ الْحَدِيث قَوْله \" بِغُرَّةِ \" وَأَمَّا قَوْله عَبْد أَوْ أَمَة فَشَكّ مِنْ الرَّاوِي فِي الْمُرَاد بِهَا , قَالَ وَقَالَ مَالِك : الْحَمَرَانُ أَوْلَى مِنْ السَّوَدَان فِي هَذَا , وَعَنْ أَبِي عَمْرو بْن الْعَلَاء قَالَ : الْغُرَّة عَبْد أَبْيَض أَوْ أَمَة بَيْضَاء , قَالَ فَلَا يُجْزِئ فِي دِيَة الْجَنِين سَوْدَاء إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْغُرَّة مَعْنًى زَائِد لَمَا ذَكَرَهَا وَلَقَالَ عَبْد أَوْ أَمَة , وَيُقَال إِنَّهُ اِنْفَرَدَ بِذَلِكَ وَسَائِر الْفُقَهَاء عَلَى الْإِجْزَاء فِيمَا لَوْ أَخْرَجَ سَوْدَاء , وَأَجَابُوا بِأَنَّ الْمَعْنَى الزَّائِد كَوْنه نَفِيسًا فَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِعَبْدٍ أَوْ أَمَة لِأَنَّ الْآدَمِيّ أَشْرَفُ الْحَيَوَان , وَعَلَى هَذَا فَاَلَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ زِيَادَة ذِكْر الْفَرَس فِي هَذَا الْحَدِيث وَهْم وَلَفْظه \" غُرَّة عَبْد أَوْ أَمَة أَوْ فَرَس أَوْ بَغْل \" وَيُمْكِن إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا أَنَّ الْفَرَس هِيَ الْأَصْل فِي الْغُرَّة كَمَا تَقَدَّمَ , وَعَلَى قَوْل الْجُمْهُور فَأَقَلُّ مَا يُجْزِئ مِنْ الْعَبْد وَالْأَمَة مَا سَلِمَ مِنْ الْعُيُوب الَّتِي يَثْبُت بِهَا الرَّدّ فِي الْبَيْع لِأَنَّ الْمَعِيب لَيْسَ مِنْ الْخِيَار , وَاسْتَنْبَطَ الشَّافِعِيّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون مُنْتَفِعًا بِهِ فَشُرِطَ أَنْ لَا يَنْقُص عَنْ سَبْع سِنِينَ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغهَا لَا يَسْتَقِلّ غَالِبًا بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاج إِلَى التَّعَهُّد بِالتَّرْبِيَةِ فَلَا يُجْبَر الْمُسْتَحِقّ عَلَى أَخْذه , وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ لَفْظ الْغُلَام أَنْ لَا يَزِيد عَلَى خَمْس عَشْرَة وَلَا تَزِيد الْجَارِيَة عَلَى عِشْرِينَ , وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْحَدّ مَا بَيْن السَّبْع وَالْعِشْرِينَ , وَالرَّاجِح كَمَا قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد أَنَّهُ يُجْزِئ وَلَوْ بَلَغَ السِّتِّينَ وَأَكْثَرَ مِنْهَا مَا لَمْ يَصِل إِلَى عَدَم الِاسْتِقْلَال بِالْهَرَمِ وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَم وُجُوب الْقِصَاص فِي الْقَتْل بِالْمُثَقَّلِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُر فِيهِ بِالْقَوَدِ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالدِّيَةِ , وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِهِ بِأَنَّ عَمُود الْفُسْطَاط يَخْتَلِف بِالْكِبَرِ وَالصِّغَر بِحَيْثُ يَقْتُل بَعْضُهُ غَالِبًا وَلَا يَقْتُل بَعْضه غَالِبًا , وَطَرْد الْمُمَاثَلَة فِي الْقِصَاص إِنَّمَا يُشْرَع فِيمَا إِذَا وَقَعَتْ الْجِنَايَة بِمَا يَقْتُل غَالِبًا , وَفِي هَذَا الْجَوَاب نَظَر , فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُوجِب فِيهِ الْقَوَد لِأَنَّهَا لَمْ يُقْصَد مِثْلُهَا , وَشَرْط الْقَوَد الْعَمْد وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ شِبْه الْعَمْد فَلَا حُجَّة فِيهِ لِلْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ وَلَا عَكْسه. ‏"
    },
    {
        "id": "6396",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ فِي ‏ ‏إِمْلَاصِ ‏ ‏الْمَرْأَةِ فَقَالَ ‏ ‏الْمُغِيرَةُ ‏ ‏قَضَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْغُرَّةِ ‏ ‏عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ‏ ‏فَشَهِدَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَضَى بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا وُهَيْب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن خَالِد وَصَرَّحَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَته عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل شَيْخ الْبُخَارِيّ بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة , وَصَرَّحَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَفَّان عَنْ وُهَيْب بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمُغِيرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ \" حَدَّثَنِي هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة أَنَّهُ حَدَّثَهُ \" قَالَ أَبُو دَاوُدَ عَقِب رِوَايَة وُهَيْب : رَوَاهُ حَمَّاد بْن زَيْد وَحَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَر , يَعْنِي لَمْ يَذْكُر الْمُغِيرَة فِي السَّنَد. قُلْت : وَهِيَ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى الَّتِي تَلِي حَدِيث الْبَاب , وَسَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد وَعَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك وَعُبَيْدَة كُلّهمْ عَنْ هِشَام نَحْوه , وَخَالَفَ الْجَمِيعَ وَكِيعٌ فَقَالَ \" عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ أَنَّ عُمَر اِسْتَشَارَ النَّاس فِي إِمْلَاص الْمَرْأَة فَقَالَ الْمُغِيرَة \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ اِسْتَشَارَهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ \" عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمُغِيرَة أَنَّ عُمَر \". ‏ ‏قَوْله ( فِي إِمْلَاص الْمَرْأَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُصَنِّف فِي الِاعْتِصَام مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ \" عَنْ الْمُغِيرَة سَأَلَ عُمَر بْن الْخَطَّاب فِي إِمْلَاص الْمَرْأَة وَهِيَ الَّتِي تُضْرَب بَطْنهَا فَتُلْقِي جَنِينهَا فَقَالَ : أَيّكُمْ سَمِعَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ شَيْئًا \" وَهَذَا التَّفْسِير أَخَصُّ مِنْ قَوْل أَهْل اللُّغَة إِنَّ الْإِمْلَاص أَنْ تَزْلِقهُ الْمَرْأَة قَبْل الْوِلَادَة أَيْ قَبْلَ حِينِ الْوِلَادَة , هَكَذَا نَقَلَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَن عَنْ أَبِي عُبَيْد , وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْغَرِيب لَهُ , وَقَالَ الْخَلِيل أَمْلَصَتْ الْمَرْأَة وَالنَّاقَة إِذَا رَمَتْ وَلَدهَا , وَقَالَ اِبْن الْقَطَّاع أَمْلَصَتْ الْحَامِل أَلْقَتْ وَلَدهَا , وَوَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات مِلَاص بِغَيْرِ أَلِف كَأَنَّهُ اِسْم فِعْل الْوَلَد فَحُذِفَ الْمُضَاف وَأُقِيمَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مَقَامه أَوْ اِسْم لِتِلْكَ الْوِلَادَة كَالْخِدَاجِ , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ هِشَام الْمُشَار إِلَيْهَا قَالَ هِشَام الْمِلَاص لِلْجَنِينِ , وَهَذَا يَتَخَرَّج أَيْضًا عَلَى الْحَذْف. وَقَالَ صَاحِب الْبَارِع : الْإِمْلَاص الْإِسْقَاط , وَإِذَا قَبَضْت عَلَى شَيْء فَسَقَطَ مِنْ يَدك تَقُول أَمْلَصَ مِنْ يَدِي إِمْلَاصًا وَمَلِصَ مَلَصًا وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى الَّتِي تَلِي حَدِيث الْبَاب \" أَنَّ عُمَر نَشَدَ النَّاس مَنْ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي السَّقْط \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ الْمُغِيرَة ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" فَقَامَ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة فَقَالَ : بَلَى أَنَا يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ \" وَفِيهِ تَجْرِيد , وَكَانَ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ يَقُول فَقُلْت , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة الْمَذْكُورَة \" فَقُلْت أَنَا \". ‏ ‏قَوْله ( قَضَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغُرَّةِ عَبْد أَوْ أَمَة ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة عَفَّان عَنْ وُهَيْب بِاللَّامِ , وَهُوَ يُؤَيِّد رِوَايَة التَّنْوِين وَسَائِر الرِّوَايَات بِغُرَّةٍ وَمِنْهَا رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة بِلَفْظِ \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِيهَا غُرَّة عَبْد أَوْ أَمَة \". ‏ ‏قَوْله ( فَشَهِدَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِهِ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة وُهَيْب مُخْتَصَرًا وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" فَقَالَ عُمَر مَنْ يَشْهَد مَعَك ؟ فَقَامَ مُحَمَّد فَشَهِدَ بِذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة وَكِيع \" فَقَالَ اِئْتِنِي بِمَنْ يَشْهَد مَعَك فَجَاءَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ فَشَهِدَ لَهُ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة فَقَالَ لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَجِيء بِالْمُخَرِّجِ مِمَّا قُلْت \" قَالَ فَخَرَجْت فَوَجَدْت مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ فَجِئْت بِهِ فَشَهِدَ مَعِي أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6397",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏نَشَدَ النَّاسَ مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَضَى فِي السِّقْطِ فَقَالَ ‏ ‏الْمُغِيرَةُ ‏ ‏أَنَا سَمِعْتُهُ ‏ ‏قَضَى فِيهِ ‏ ‏بِغُرَّةٍ ‏ ‏عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ‏ ‏قَالَ ائْتِ مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ عَلَى هَذَا فَقَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏أَنَا أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمِثْلِ هَذَا ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ فِي ‏ ‏إِمْلَاصِ ‏ ‏الْمَرْأَةِ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة , وَهَذَا فِي حُكْم الثُّلَاثِيَّات لِأَنَّ هِشَامًا تَابِعِيّ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيره فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى أَيْضًا عَنْ الْأَعْمَش فِي أَوَّل الدِّيَات. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَر ) ‏ ‏هَذَا صُورَته الْإِرْسَال لَكِنْ تَبَيَّنَ مِنْ الرِّوَايَة السَّابِقَة وَاللَّاحِقَة أَنَّ عُرْوَة حَمَلَهُ عَنْ الْمُغِيرَة وَإِنْ لَمْ يُصَرِّح بِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَفِي عُدُول الْبُخَارِيّ عَنْ رِوَايَة وَكِيع إِشَارَة إِلَى تَرْجِيح رِوَايَة مَنْ قَالَ فِيهِ \" عَنْ عُرْوَة عَنْ الْمُغِيرَة \" وَهُمْ الْأَكْثَر. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ الْمُغِيرَة ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَهُوَ الْأَوْجَه , وَلِغَيْرِهِ \" وَقَالَ الْمُغِيرَة \" بِالْوَاوِ. ‏ ‏قَوْله ( اِئْتِ بِمَنْ يَشْهَد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ فِعْل الْأَمْر مِنْ الْإِتْيَان , وَحُذِفَتْ عِنْد بَعْضهمْ الْبَاء مِنْ قَوْله \" بِمَنْ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ غَيْر الْكُشْمِيهَنِيّ بِأَلِفٍ مَمْدُودَة ثُمَّ نُون ثُمَّ مُثَنَّاة بِصِيغَةِ اِسْتِفْهَام الْمُخَاطَب عَلَى إِرَادَة الِاسْتِثْبَات أَيْ أَنْتَ تَشْهَد , ثُمَّ اِسْتَفْهَمَهُ ثَانِيًا : مَنْ يَشْهَد مَعَك ؟ ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه الذُّهْلِيُّ نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى عَنْ مُحَمَّد بْن سَابِق , وَكَلَام الْإِسْمَاعِيلِيّ يُشْعِر بِأَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن سَابِق نَفْسه بِلَا وَاسِطَة. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ اِسْتَشَارَهُمْ فِي إِمْلَاص الْمَرْأَة مِثْله ) ‏ ‏يَعْنِي مِثْل رِوَايَة وُهَيْب قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : الْحَدِيث أَصْل فِي إِثْبَات دِيَة الْجَنِين وَأَنَّ الْوَاجِب فِيهِ غُرَّة إِمَّا عَبْد وَإِمَّا أَمَة , وَذَلِكَ إِذَا أَلْقَتْهُ مَيِّتًا بِسَبَبِ الْجِنَايَة , وَتَصَرَّفَ الْفُقَهَاء بِالتَّقْيِيدِ فِي سِنّ الْغُرَّة وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَى الْحَدِيث كَمَا تَقَدَّمَ , وَاسْتِشَارَةُ عُمَرَ فِي ذَلِكَ أَصْلٌ فِي سُؤَال الْإِمَام عَنْ الْحُكْم إِذَا كَانَ لَا يَعْلَمهُ أَوْ كَانَ عِنْده شَكٌّ أَوْ أَرَادَ الِاسْتِثْبَاتَ. وَفِيهِ أَنَّ الْوَقَائِع الْخَاصَّة قَدْ تَخْفَى عَلَى الْأَكَابِر وَيَعْلَمهَا مَنْ دُونهمْ , وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى الْمُقَلِّد إِذَا اِسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِخَبَرٍ يُخَالِفهُ فَيُجِيب لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَعَلِمَهُ فُلَان مَثَلًا فَإِنَّ ذَلِكَ إِذَا جَازَ خَفَاؤُهُ عَنْ مِثْل عُمَر فَخَفَاؤُهُ عَمَّنْ بَعْده أَجْوَزُ , وَقَدْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِ عُمَر لَتَأْتِيَنَّ بِمَنْ يَشْهَد مَعَك مَنْ يَرَى اِعْتِبَار الْعَدَد فِي الرِّوَايَة وَيَشْتَرِط أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ اِثْنَيْنِ كَمَا فِي غَالِب الشَّهَادَات , وَهُوَ ضَعِيف كَمَا قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد , فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ قَبُول الْفَرْد فِي عِدَّة مَوَاطِن , وَطَلَبُ الْعَدَد فِي صُورَة جُزْئِيَّة لَا يَدُلّ عَلَى اِعْتِبَاره فِي كُلّ وَاقِعَة لِجَوَازِ الْمَانِع الْخَاصّ بِتِلْكَ الصُّورَة أَوْ وُجُود سَبَب يَقْتَضِي التَّثَبُّت وَزِيَادَة الِاسْتِظْهَار وَلَا سِيَّمَا إِذَا قَامَتْ قَرِينَة وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا قِصَّةُ عُمَر مَعَ أَبِي مُوسَى فِي الِاسْتِئْذَان. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحهَا مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان , وَبَسْطُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا هُنَاكَ , وَيَأْتِي أَيْضًا فِي بَاب إِجَازَة خَبَر الْوَاحِد مِنْ كِتَاب الْأَحْكَام , وَقَدْ صَرَّحَ عُمَر فِي قِصَّة أَبِي مُوسَى بِأَنَّهُ أَرَادَ الِاسْتِثْبَات. وَقَوْله \" فِي إِمْلَاص الْمَرْأَة \" أَصْرَحُ فِي وُجُوب الِانْفِصَال مَيِّتًا مِنْ قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" قَضَى فِي الْجَنِين \" وَقَدْ شَرَطَ الْفُقَهَاء فِي وُجُوب الْغُرَّة اِنْفِصَال الْجَنِين مَيِّتًا بِسَبَبِ الْجِنَايَة , فَلَوْ اِنْفَصَلَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ وَجَبَ فِيهِ الْقَوَد أَوْ الدِّيَة كَامِلَة , وَلَوْ مَاتَتْ الْأُمّ وَلَمْ يَنْفَصِل الْجَنِين لَمْ يَجِب شَيْء عِنْد الشَّافِعِيَّة لِعَدَمِ تَيَقُّنِ وُجُود الْجَنِين , وَعَلَى هَذَا هَلْ الْمُعْتَبَر نَفْس الِانْفِصَال أَوْ تَحَقُّق حُصُول الْجَنِين ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا الثَّانِي , وَيَظْهَر أَثَرُهُ فِيمَا لَوْ قُدَّتْ نِصْفَيْنِ أَوْ شُقَّ بَطْنُهَا فَشُوهِدَ الْجَنِين , وَأَمَّا إِذَا خَرَجَ رَأْس الْجَنِين مَثَلًا بَعْدَمَا ضُرِبَ وَمَاتَتْ الْأُمّ وَلَمْ يَنْفَصِل قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : وَيَحْتَاج مَنْ قَالَ ذَلِكَ إِلَى تَأْوِيل الرِّوَايَة وَحَمْلِهَا عَلَى أَنَّهُ اِنْفَصَلَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظ مَا يَدُلّ عَلَيْهِ. قُلْت : وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" فَأَسْقَطَتْ غُلَامًا قَدْ نَبَتَ شَعْره مَيِّتًا \" فَهَذَا صَرِيح فِي الِانْفِصَال , وَوَقَعَ مَجْمُوع ذَلِكَ فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ , فَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن مُسَافِر الْمَاضِيَة فِي الطِّبّ \" فَأَصَابَ بَطْنهَا وَهِيَ حَامِل فَقُتِلَ وَلَدُهَا فِي بَطْنهَا \" وَفِي رِوَايَة مَالِك فِي هَذَا الْبَاب \" فَطَرَحَتْ جَنِينهَا \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحُكْم الْمَذْكُور خَاصّ بِوَلَدِ الْحُرَّة لِأَنَّ الْقِصَّة وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ , وَقَوْله \" فِي إِمْلَاص الْمَرْأَة \" وَإِنْ كَانَ فِيهِ عُمُوم لَكِنَّ الرَّاوِيَ ذَكَرَ أَنَّهُ شَهِدَ وَاقِعَة مَخْصُوصَة , وَقَدْ تَصَرَّفَ الْفُقَهَاء فِي ذَلِكَ فَقَالَ الشَّافِعِيَّة : الْوَاجِب فِي جَنِين الْأَمَة عُشْر قِيمَة أُمّه كَمَا أَنَّ الْوَاجِب فِي جَنِين الْحُرَّة عُشْر دِيَتهَا , وَعَلَى أَنَّ الْحُكْم الْمَذْكُور خَاصّ بِمَنْ يُحْكَم بِإِسْلَامِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّض لِجَنِينٍ مَحْكُوم بِتَهَوُّدِهِ أَوْ تَنَصُّره , وَمِنْ الْفُقَهَاء مَنْ قَاسَهُ عَلَى الْجَنِين الْمَحْكُوم بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْحَدِيث , وَفِيهِ أَنَّ الْقَتْل الْمَذْكُور لَا يَجْرِي مَجْرَى الْعَمْد وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى ذَمِّ السَّجْع فِي الْكَلَام , وَمَحَلّ الْكَرَاهَة إِذَا كَانَ ظَاهِر التَّكَلُّف , وَكَذَا لَوْ كَانَ مُنْسَجِمًا لَكِنَّهُ فِي إِبْطَال حَقّ أَوْ تَحْقِيق بَاطِل , فَأَمَّا لَوْ كَانَ مُنْسَجِمًا وَهُوَ فِي حَقّ أَوْ مُبَاح فَلَا كَرَاهَة , بَلْ رُبَّمَا كَانَ فِي بَعْضه مَا يُسْتَحَبّ مِثْل أَنْ يَكُون فِيهِ إِذْعَان مُخَالِف لِلطَّاعَةِ كَمَا وَقَعَ لِمِثْلِ الْقَاضِي الْفَاضِل فِي بَعْض رَسَائِله \" أَوْ إِقْلَاع عَنْ مَعْصِيَة كَمَا وَقَعَ لِمِثْلِ أَبِي الْفَرَج بْن الْجَوْزِيّ فِي بَعْض مَوَاعِظه \" وَعَلَى هَذَا يُحْمَل مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَا عَنْ غَيْره مِنْ السَّلَف الصَّالِح , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الَّذِي جَاءَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ عَنْ قَصْد إِلَى التَّسْجِيع وَإِنَّمَا جَاءَ اِتِّفَاقًا لِعِظَمِ بَلَاغَته , وَأَمَّا مَنْ بَعْده فَقَدْ يَكُون كَذَلِكَ وَقَدْ يَكُون عَنْ قَصْد وَهُوَ الْغَالِب , وَمَرَاتِبهمْ فِي ذَلِكَ مُتَفَاوِتَة جِدًّا. وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6398",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَضَى فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي لَحْيَانَ ‏ ‏بِغُرَّةٍ ‏ ‏عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا ‏ ‏بِالْغُرَّةِ ‏ ‏تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا وَأَنَّ ‏ ‏الْعَقْلَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عَصَبَتِهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6399",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ ‏ ‏هُذَيْلٍ ‏ ‏فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَضَى أَنَّ ‏ ‏دِيَةَ ‏ ‏جَنِينِهَا ‏ ‏غُرَّةٌ ‏ ‏عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى ‏ ‏عَاقِلَتِهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6400",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏أَخَذَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ قَالَ فَخَدَمْتُهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ‏ ‏فَوَاللَّهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏هُوَ اِبْن صُهَيْب , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَنْسُوبًا فِي هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ فِي كِتَاب الْوَصَايَا , وَمُنَاسَبَة أَثَر أُمّ سَلَمَة لِقِصَّةِ أَنَس أَنَّ فِي كُلّ مِنْهُمَا اِسْتِخْدَام الصَّغِير بِإِذْنِ وَلِيّه , وَهُوَ جَارٍ عَلَى الْعُرْف السَّائِغ فِي ذَلِكَ , وَإِنَّمَا خَصَّتْ أُمُّ سَلَمَة الْعَبِيدَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعُرْف جَرَى بِرِضَا السَّادَة بِاسْتِخْدَامِ عَبِيدهمْ فِي الْأَمْر الْيَسِير الَّذِي لَا مَشَقَّة فِيهِ , بِخِلَافِ الْأَحْرَار فَلَمْ تَجْرِ الْعَادَة بِالتَّصَرُّفِ فِيهِمْ بِالْخِدْمَةِ كَمَا يُتَصَرَّف فِي الْعَبِيد , وَأَمَّا قِصَّة أَنَس فَإِنَّهُ كَانَ فِي كَفَالَة أُمّه فَرَأَتْ لَهُ مِنْ الْمَصْلَحَة أَنْ يَخْدُم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيل النَّفْع الْعَاجِل وَالْآجِل , فَأَحْضَرَتْهُ وَكَانَ زَوْجُهَا مَعَهَا فَنَسَبَ الْإِحْضَار إِلَيْهَا تَارَة وَإِلَيْهِ أُخْرَى , وَهَذَا صَدَرَ مِنْ أُمّ سُلَيْمٍ أَوَّل مَا قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة كَمَا سَبَقَ فِي \" بَاب حُسْن الْخُلُق \" مِنْ كِتَاب الْأَدَب وَاضِحًا , وَكَانَتْ لِأَبِي طَلْحَة فِي إِحْضَار أَنَس قِصَّة أُخْرَى وَذَلِكَ عِنْد إِرَادَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَر كَمَا أَوْضَحْت ذَلِكَ هُنَاكَ أَيْضًا , وَتَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْمَغَازِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي طَلْحَة لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى خَيْبَر \" اِلْتَمِسْ لِي غُلَامًا يَخْرُج مَعِي فَأَحْضَرَ لَهُ أَنَسًا \" وَقَدْ بَيَّنْت وَجْه الْجَمْع الْمَذْكُور فِي كِتَاب الْأَدَب أَيْضًا , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْخِدْمَة مُسْتَلْزِمَة لِلْإِعَانَةِ , وَقَوْله فِي آخِر الْحَدِيث \" فَمَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْته لِمَ صَنَعْت هَذَا هَكَذَا , وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَع هَذَا هَكَذَا \" كَذَا وَقَعَ بِصِيغَةٍ وَاحِدَة فِي الْإِثْبَات وَالنَّفْي , وَهُوَ فِي الْإِثْبَات وَاضِح وَأَمَّا النَّفْي فَقَالَ اِبْن التِّين مُرَاده أَنَّهُ لَمْ يَلُمْهُ فِي الشِّقّ الْأَوَّل عَلَى شَيْء فَعَلَهُ نَاقِصًا عَنْ إِرَادَته تَجَوُّزًا عَنْهُ وَحِلْمًا وَلَا لَامَهُ فِي الشِّقّ الثَّانِي عَلَى تَرْك شَيْء لَمْ يَفْعَلهُ خَشْيَة مِنْ أَنَس أَنْ يُخْطِئ فِيهِ لَوْ فَعَلَهُ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ \" هَذَا هَكَذَا \" لِأَنَّهُ كَمَا صَفَحَ عَنْهُ فِيمَا فَعَلَهُ نَاقِصًا عَنْ إِرَادَته صَفَحَ عَنْهُ فِيمَا لَمْ يَفْعَلهُ خَشْيَة وُقُوع الْخَطَأ مِنْهُ , وَلَوْ فَعَلَهُ نَاقِصًا عَنْ إِرَادَته لَصَفَحَ عَنْهُ. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا , وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيل وَهُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّة رَاوِيه فِي هَذَا الْبَاب بِلَفْظِ \" وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلهُ لِمَ لَمْ تَفْعَلهُ \" وَهَذَا مِنْ رِوَايَة الْأَكَابِر عَنْ الْأَصَاغِر فَإِنَّ اِبْن عُلَيَّة مَشْهُور بِالرِّوَايَةِ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ فَرَوَى اِبْن جُرَيْجٍ هُنَا عَنْ تِلْمِيذه. ‏"
    },
    {
        "id": "6401",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْعَجْمَاءُ ‏ ‏جَرْحُهَا ‏ ‏جُبَارٌ ‏ ‏وَالْبِئْرُ ‏ ‏جُبَارٌ ‏ ‏وَالْمَعْدِنُ ‏ ‏جُبَارٌ ‏ ‏وَفِي ‏ ‏الرِّكَازِ ‏ ‏الْخُمُسُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَأَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏كَذَا جَمَعَهُمَا اللَّيْث وَوَافَقَهُ الْأَكْثَر , وَاقْتَصَرَ بَعْضهمْ عَلَى أَبِي سَلَمَة , وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة مِنْ رِوَايَة مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب فَقَالَ \" عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَعَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن \" وَهَذَا قَدْ يُظَنّ أَنَّهُ عَنْ سَعِيد مُرْسَلٌ وَعَنْ أَبِي سَلَمَة مَوْصُولٌ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة يُونُس بْن يَزِيد عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَعُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : الْمَحْفُوظ عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد وَأَبِي سَلَمَة , وَلَيْسَ قَوْل يُونُس بِمَدْفُوعٍ. قُلْت : قَدْ تَابَعَهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ الزُّهْرِيّ فِي قَوْله \" عَنْ عُبَيْد اللَّه \" لَكِنْ قَالَ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس \" بَدَل أَبِي هُرَيْرَة , وَهُوَ وَهْم مِنْ الرَّاوِي عَنْهُ يُوسُف بْن خَالِد كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ اِبْن عَدِيّ , وَقَدْ رَوَى سُفْيَان بْن حُسَيْن عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد وَحْده عَنْ أَبِي هُرَيْرَة شَيْئًا مِنْهُ , وَرَوَى بَعْض الضُّعَفَاء عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس بَعْضه ذَكَرَهُ اِبْن عَدِيّ وَهُوَ غَلَط , وَأَخْرَجَ مُسْلِم الْحَدِيث بِتَمَامِهِ مِنْ رِوَايَة الْأَسْوَد بْن الْعَلَاء عَنْ أَبِي سَلَمَة , وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة جَمَاعَة غَيْر مَنْ ذُكِرَ مِنْهُمْ مُحَمَّد بْن زِيَاد كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْد وَهَمَّام بْن مُنَبِّه أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( الْعَجْمَاء ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْجِيم وَبِالْمَدِّ تَأْنِيث أَعْجَمَ وَهِيَ الْبَهِيمَة , وَيُقَال أَيْضًا لِكُلِّ حَيَوَان غَيْر الْإِنْسَان , وَيُقَال لِمَنْ لَا يُفْصِح وَالْمُرَاد هُنَا الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله ( جُبَار ) ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيم وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة هُوَ الْهَدَر الَّذِي لَا شَيْء فِيهِ , كَذَا أَسْنَدَهُ اِبْن وَهْب عَنْ اِبْن شِهَاب , وَعَنْ مَالِك مَا لَا دِيَة فِيهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ , وَأَصْله أَنَّ الْعَرَب تُسَمِّي السَّيْل جُبَارًا أَيْ لَا شَيْء فِيهِ , وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فَسَّرَ بَعْض أَهْل الْعِلْم قَالُوا : الْعَجْمَاء الدَّابَّة الْمُنْفَلِتَة مِنْ صَاحِبهَا فَمَا أَصَابَتْ مِنْ اِنْفِلَاتهَا فَلَا غُرْم عَلَى صَاحِبهَا , وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ بَعْد تَخْرِيجه : الْعَجْمَاء الَّتِي تَكُون مُنْفَلِتَة لَا يَكُون مَعَهَا أَحَد , وَقَدْ تَكُون بِالنَّهَارِ وَلَا تَكُون بِاللَّيْلِ وَوَقَعَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ فِي آخِر حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت \" وَالْعَجْمَاء الْبَهِيمَة مِنْ الْأَنْعَام وَغَيْرهَا , وَالْجُبَار هُوَ الْهَدَر الَّذِي لَا يُغْرَم \" كَذَا وَقَعَ التَّفْسِير مُدْرَجًا وَكَأَنَّهُ مِنْ رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة. وَذَكَرَ اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّ بِنَاءَ جَ بَ رَ لِلرَّفْعِ وَالْإِهْدَار مِنْ بَاب السَّلْب وَهُوَ كَثِير , يَأْتِي اِسْم الْفِعْل وَالْفَاعِل لِسَلْبِ مَعْنَاهُ كَمَا يَأْتِي لِإِثْبَاتِ مَعْنَاهُ , وَتَعَقَّبَهُ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ بِأَنَّهُ لِلرَّفْعِ عَلَى بَابه لِأَنَّ إِتْلَافَات الْآدَمِيّ مَضْمُونَة مَقْهُورٌ مُتْلِفُهَا عَلَى ضَمَانِهَا , وَهَذَا إِتْلَاف قَدْ اِرْتَفَعَ عَنْ أَنْ يُؤْخَذ بِهِ أَحَد , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة مَا يَتَعَلَّق بِالْعَجْمَاءِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه. ‏ ‏قَوْله ( وَالْبِئْر جُبَار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَسْوَد بْن الْعَلَاء عِنْد مُسْلِم \" وَالْبِئْر جَرْحهَا جُبَار \" أَمَّا الْبِئْر فَهِيَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة ثُمَّ يَاء سَاكِنَة مَهْمُوزَة وَيَجُوز تَسْهِيلهَا وَهِيَ مُؤَنَّثَة وَقَدْ تُذَكَّر عَلَى مَعْنَى الْقَلِيب وَالطَّوَى وَالْجَمْعُ أَبْؤُرٌ وَآبَارٌ بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيف وَبِهَمْزَتَيْنِ بَيْنهمَا مُوَحَّدَة سَاكِنَة , قَالَ أَبُو عُبَيْد : الْمُرَاد بِالْبِئْرِ هُنَا الْعَادِيَةُ الْقَدِيمَة الَّتِي لَا يُعْلَم لَهَا مَالِكٌ تَكُون فِي الْبَادِيَة فَيَقَع فِيهَا إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ فَلَا شَيْء فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَد , وَكَذَلِكَ لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكه أَوْ فِي مَوَات فَوَقَعَ فِيهَا إِنْسَان أَوْ غَيْره فَتَلِفَ فَلَا ضَمَان إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَسَبُّب إِلَى ذَلِكَ وَلَا تَغْرِير , وَكَذَا لَوْ اِسْتَأْجَرَ إِنْسَانًا لِيَحْفِر لَهُ الْبِئْر فَانْهَارَتْ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَان , وَأَمَّا مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي طَرِيق الْمُسْلِمِينَ وَكَذَا فِي مِلْك غَيْره بِغَيْرِ إِذْن فَتَلِفَ بِهَا إِنْسَان فَإِنَّهُ يَجِب ضَمَانه عَلَى عَاقِلَة الْحَافِر وَالْكَفَّارَة فِي مَاله , وَإِنْ تَلِفَ بِهَا غَيْر آدَمِيّ وَجَبَ ضَمَانه فِي مَال الْحَافِر , وَيَلْتَحِق بِالْبِئْرِ كُلّ حُفْرَة عَلَى التَّفْصِيل الْمَذْكُور , وَالْمُرَاد بِجَرْحِهَا وَهِيَ بِفَتْحِ الْجِيم لَا غَيْر كَمَا نَقَلَهُ فِي النِّهَايَة عَنْ الْأَزْهَرِيّ مَا يَحْصُل بِالْوَاقِعِ فِيهَا مِنْ الْجِرَاحَة وَلَيْسَتْ الْجِرَاحَة مَخْصُوصَة بِذَلِكَ بَلْ كُلّ الْإِتْلَافَات مُلْحَقَة بِهَا قَالَ عِيَاض وَجَمَاعَة إِنَّمَا عَبَّرَ بِالْجَرْحِ لِأَنَّهُ الْأَغْلَب أَوْ هُوَ مِثَال نَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا عَدَاهُ وَالْحُكْم فِي جَمِيع الْإِتْلَافَات بِهَا سَوَاء كَانَ عَلَى نَفْس أَوْ مَال , وَرِوَايَة الْأَكْثَر تَتَنَاوَل ذَلِكَ عَلَى بَعْض الْآرَاء , وَلَكِنَّ الرَّاجِح الَّذِي يَحْتَاج لِتَقْدِيرٍ لَا عُمُوم فِيهِ , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّة فِي ذَلِكَ فَضَمَّنُوا حَافِر الْبِئْر مُطْلَقًا قِيَاسًا عَلَى رَاكِب الدَّابَّة , وَلَا قِيَاس مَعَ النَّصّ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ اِتَّفَقَتْ الرِّوَايَات الْمَشْهُورَة عَلَى التَّلَفُّظ بِالْبِئْرِ , وَجَاءَتْ رِوَايَة شَاذَّة بِلَفْظِ \" النَّار جُبَار \" بِنُونٍ وَأَلِف سَاكِنَة قَبْل الرَّاء وَمَعْنَاهُ عِنْدهمْ أَنَّ مَنْ اِسْتَوْقَدَ نَارًا مِمَّا يَجُوز لَهُ فَتَعَدَّتْ حَتَّى أَتْلَفَتْ شَيْئًا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ , قَالَ وَقَالَ بَعْضهمْ : صَحَّفَهَا بَعْضُهُمْ لِأَنَّ أَهْل الْيَمَن يَكْتُبُونَ النَّارَ بِالْيَاءِ لَا بِالْأَلِفِ فَظَنَّ بَعْضهمْ الْبِئْر الْمُوَحَّدَة النَّار بِالنُّونِ فَرَوَاهَا كَذَلِكَ , قُلْت هَذَا التَّأْوِيل نَقَلَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره عَنْ يَحْيَى بْن مَعِين وَجَزَمَ بِأَنَّ مَعْمَرًا صَحَّفَهُ حَيْثُ رَوَاهُ عَنْ هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَلَمْ يَأْتِ اِبْن مَعِين عَلَى قَوْله بِدَلِيلٍ , وَلَيْسَ بِهَذَا تُرَدّ أَحَادِيث الثِّقَات. قُلْت : وَلَا يُعْتَرَض عَلَى الْحُفَّاظ الثِّقَات بِالِاحْتِمَالَاتِ. وَيُؤَيِّدهُ مَا قَالَ اِبْن مَعِين اِتِّفَاق الْحُفَّاظ مِنْ أَصْحَاب أَبِي هُرَيْرَة عَلَى ذِكْر الْبِئْر دُون النَّار , وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم أَنَّ عَلَامَة الْمُنْكَر فِي حَدِيث الْمُحَدِّث أَنْ يَعْمِد إِلَى مَشْهُور بِكَثْرَةِ الْحَدِيث وَالْأَصْحَاب فَيَأْتِي عَنْهُ بِمَا لَيْسَ عِنْدهمْ وَهَذَا مِنْ ذَاكَ , وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا أَنَّهُ وَقَعَ عِنْد أَحْمَدَ مِنْ حَدِيث جَابِر بِلَفْظِ \" وَالْجُبُّ جُبَارٌ \" بِجِيمٍ مَضْمُومَة وَمُوَحَّدَة ثَقِيلَة وَهِيَ الْبِئْر , وَقَدْ اِتَّفَقَ الْحُفَّاظ عَلَى تَغْلِيط سُفْيَان بْن حُسَيْن حَيْثُ رَوَى عَنْ الزُّهْرِيّ فِي حَدِيث الْبَاب \" الرِّجْل جُبَار \" بِكَسْرِ الرَّاء وَسُكُون الْجِيم , وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّ الزُّهْرِيّ مُكْثِر مِنْ الْحَدِيث وَالْأَصْحَاب فَتَفَرَّدَ سُفْيَان عَنْهُ بِهَذَا اللَّفْظ فَعُدَّ مُنْكَرًا , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا يَصِحّ هَذَا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَأَبُو سَلَمَة وَعُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه وَالْأَعْرَج وَأَبُو صَالِح وَمُحَمَّد بْن زِيَاد وَمُحَمَّد اِبْن سِيرِينَ فَلَمْ يَذْكُرُوهَا , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَاب الزُّهْرِيّ وَهُوَ الْمَعْرُوف : نَعَمْ الْحُكْم الَّذِي نَقَلَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ صَحِيح وَيُمْكِن أَنْ يُتَلَقَّى مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مِنْ الْإِلْحَاق بِالْعَجْمَاءِ وَيَلْتَحِق بِهِ كُلّ جَمَاد , فَلَوْ أَنَّ شَخْصًا عَثَرَ فَوَقَعَ رَأْسُهُ فِي جِدَار فَمَاتَ أَوْ اِنْكَسَرَ لَمْ يَجِب عَلَى صَاحِب الْجِدَار شَيْء. ‏ ‏قَوْله ( وَالْمَعْدِن جُبَار ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَسْوَد بْن الْعَلَاء عِنْد مُسْلِم \" وَالْمَعْدِن جَرْحهَا جُبَار \" وَالْحُكْم فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبِئْر لَكِنَّ الْبِئْر مُؤَنَّثَة وَالْمَعْدِن مُذَكَّر فَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِالتَّأْنِيثِ لِلْمُؤَاخَاةِ أَوْ لِمُلَاحَظَةِ أَرْض الْمَعْدِن , فَلَوْ حَفَرَ مَعْدِنًا فِي مِلْكه أَوْ فِي مَوَات فَوَقَعَ فِيهِ شَخْص فَمَاتَ فَدَمه هَدَر , وَكَذَا لَوْ اِسْتَأْجَرَ أَجِيرًا يَعْمَل لَهُ فَانْهَارَ عَلَيْهِ فَمَاتَ , وَيَلْتَحِق بِالْبِئْرِ وَالْمَعْدِن فِي ذَلِكَ كُلّ أَجِير عَلَى عَمَل كَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى صُعُود نَخْلَة فَسَقَطَ مِنْهَا فَمَاتَ. ‏ ‏قَوْله ( وَفِي الرِّكَاز الْخُمُس ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الزَّكَاة ‏"
    },
    {
        "id": "6402",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْعَجْمَاءُ ‏ ‏عَقْلُهَا ‏ ‏جُبَارٌ ‏ ‏وَالْبِئْرُ ‏ ‏جُبَارٌ ‏ ‏وَالْمَعْدِنُ ‏ ‏جُبَارٌ ‏ ‏وَفِي ‏ ‏الرِّكَازِ ‏ ‏الْخُمُسُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم وَمُحَمَّد بْن زِيَادَة هُوَ الْجُمَحِيُّ وَالسَّنَد بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْجَعْد عَنْ شُعْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَادَة ( سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة \". ‏ ‏قَوْله ( الْعَجْمَاء عَقْلهَا جُبَار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَامِد الْبَلْخِيّ عَنْ أَبِي زَيْد عَنْ شُعْبَة \" جَرْح الْعَجْمَاء جُبَار \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَسْوَد بْن الْعَلَاء عِنْد مُسْلِم \" الْعَجْمَاء جَرْحهَا جُبَار \" وَكَذَا فِي حَدِيث كَثِير بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيِّ عِنْد اِبْن مَاجَهْ , وَفِي حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت عِنْده , وَقَالَ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ : وَلَيْسَ ذِكْر الْجَرْح قَيْدًا وَإِنَّمَا الْمُرَاد بِهِ إِتْلَافهَا بِأَيِّ وَجْه كَانَ سَوَاء كَانَ بِجَرْحٍ أَوْ غَيْره , وَالْمُرَاد بِالْعَقْلِ الدِّيَة أَيْ لَا دِيَة فِيمَا تُتْلِفُهُ. وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهَذَا الْإِطْلَاق مَنْ قَالَ : لَا ضَمَان فِيمَا أَتْلَفَتْ الْبَهِيمَة سَوَاء كَانَتْ مُنْفَرِدَة أَوْ مَعَهَا أَحَد سَوَاء كَانَ رَاكِبهَا أَوْ سَائِقهَا أَوْ قَائِدهَا , وَهُوَ قَوْل الظَّاهِرِيَّة , وَاسْتَثْنَوْا مَا إِذَا كَانَ الْفِعْل مَنْسُوبًا إِلَيْهِ بِأَنْ حَمَلَهَا عَلَى ذَلِكَ الْفِعْل إِذَا كَانَ رَاكِبًا كَأَنْ يَلْوِي عِنَانهَا فَتُتْلِف شَيْئًا بِرِجْلِهَا مَثَلًا أَوْ يَطْعَنهَا أَوْ يَزْجُرهَا حِين يَسُوقهَا أَوْ يَقُودهَا حَتَّى تُتْلِف مَا مَرَّتْ عَلَيْهِ , وَأَمَّا مَا لَا يُنْسَب إِلَيْهِ فَلَا ضَمَان فِيهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّة إِذَا كَانَ مَعَ الْبَهِيمَة إِنْسَان فَإِنَّهُ يَضْمَن مَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ نَفْس أَوْ عُضْو أَوْ مَال سَوَاء كَانَ سَائِقًا أَوْ رَاكِبًا أَوْ قَائِدًا سَوَاء كَانَ مَالِكًا أَوْ أَجِيرًا أَوْ مُسْتَأْجِرًا أَوْ مُسْتَعِيرًا أَوْ غَاصِبًا , وَسَوَاء أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلهَا أَوْ ذَنَبهَا أَوْ رَأْسهَا , وَسَوَاء كَانَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا , وَالْحُجَّة فِي ذَلِكَ أَنَّ الْإِتْلَاف لَا فَرْق فِيهِ بَيْن الْعَمْد وَغَيْره , وَمَنْ هُوَ مَعَ الْبَهِيمَة حَاكِم عَلَيْهَا فَهِيَ كَالْآلَةِ بِيَدِهِ فَفِعْلهَا مَنْسُوب إِلَيْهِ سَوَاء حَمَلَهَا عَلَيْهِ أَمْ لَا , سَوَاء عَلِمَ بِهِ أَمْ لَا وَعَنْ مَالِك كَذَلِكَ إِلَّا إِنْ رَمَحَتْ بِغَيْرِ أَنْ يَفْعَل بِهَا أَحَدٌ شَيْئًا تَرْمَح بِسَبَبِهِ , وَحَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ الْجُمْهُور. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة جَابِر عِنْد أَحْمَدَ وَالْبَزَّار بِلَفْظِ \" السَّائِمَة جُبَار \" وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْعَجْمَاءِ الْبَهِيمَة الَّتِي تَرْعَى لَا كُلّ بَهِيمَة , لَكِنَّ الْمُرَاد بِالسَّائِمَةِ هُنَا الَّتِي لَيْسَ مَعَهَا أَحَد لِأَنَّهُ الْغَالِب عَلَى السَّائِمَة , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِهَا الَّتِي لَا تُعْلَف كَمَا فِي الزَّكَاة فَإِنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا هُنَا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْق فِي إِتْلَاف الْبَهِيمَة لِلزُّرُوعِ وَغَيْرهَا فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّة وَالظَّاهِرِيَّة , وَقَالَ الْجُمْهُور : إِنَّمَا يَسْقُط الضَّمَان إِذَا كَانَ ذَلِكَ نَهَارًا , وَأَمَّا بِاللَّيْلِ فَإِنَّ عَلَيْهِ حِفْظَهَا , فَإِذَا أَتْلَفَتْ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَان مَا أَتْلَفَتْ , وَدَلِيل هَذَا التَّخْصِيص مَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ كُلّهمْ مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ , وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عِيسَى , وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن مَيْسَرَة وَإِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة كُلّهمْ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ حَرَام بْن مُحَيِّصَة الْأَنْصَارِيّ عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب قَالَ كَانَتْ لَهُ نَاقَة ضَارِيَة فَدَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ فَقَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَنَّ حِفْظ الْحَوَائِط بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلهَا وَأَنَّ حِفْظ الْمَاشِيَة بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلهَا وَأَنَّ عَلَى أَهْل الْمَوَاشِي مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتهمْ بِاللَّيْلِ \" وَأَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ اِبْن مُحَيِّصَة أَنَّ نَاقَة لِلْبَرَاءِ وَلَمْ يُسَمِّ حَرَامًا , وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ فَزَادَ فِيهِ رَجُلًا قَالَ \" عَنْ حَرَام بْن مُحَيِّصَة عَنْ أَبِيهِ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مَالِك وَالشَّافِعِيّ عَنْهُ عَنْ الزُّهْرِيّ ( عَنْ حَرَام بْن سَعِيد بْن مُحَيِّصَة أَنَّ نَاقَة \" وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ فِي رِوَايَة الْمُزَنِيِّ فِي الْمُخْتَصَر عَنْهُ عَنْ سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ فَزَادَ مَعَ حَرَام سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَا \" إِنَّ نَاقَة لِلْبَرَاءِ \" وَفِيهِ اِخْتِلَاف آخَر أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْن سَهْل فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيّ عَلَى أَلْوَان وَالْمُسْنَد مِنْهَا طَرِيق حَرَام عَنْ الْبَرَاء. وَحَرَام بِمُهْمَلَتَيْنِ اُخْتُلِفَ هَلْ هُوَ اِبْن مُحَيِّصَة نَفْسه أَوْ اِبْن سَعْد بْن مُحَيِّصَة , قَالَ اِبْن حَزْم : وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَجْهُول لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا الزُّهْرِيّ وَلَمْ يُوَثِّقْهُ. قُلْت : وَقَدْ وَثَّقَهُ اِبْن سَعْد وَابْن حِبَّان لَكِنْ قَالَ إِنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْ الْبَرَاء اِنْتَهَى وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْل مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ الْبَرَاء أَيْ عَنْ قِصَّة نَاقَة الْبَرَاء فَتَجْتَمِع الرِّوَايَات , وَلَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُون لِلزَّهْرِيِّ فِيهِ ثَلَاثَة أَشْيَاخ , وَقَدْ قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هَذَا الْحَدِيث وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَهُوَ مَشْهُور حَدَّثَ بِهِ الثِّقَات وَتَلَقَّاهُ فُقَهَاء الْحِجَاز بِالْقَبُولِ , وَأَمَّا إِشَارَة الطَّحَاوِيّ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخ بِحَدِيثِ الْبَاب فَقَدْ تَعَقَّبُوهُ بِأَنَّ النَّسْخ لَا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ مَعَ الْجَهْل بِالتَّارِيخِ , وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ قَوْل الشَّافِعِيّ : أَخَذْنَا بِحَدِيثِ الْبَرَاء لِثُبُوتِهِ وَمَعْرِفَة رِجَاله وَلَا يُخَالِفهُ حَدِيث \" الْعَجْمَاء جُبَار \" لِأَنَّهُ مِنْ الْعَامّ الْمُرَاد بِهِ الْخَاصّ , فَلَمَّا قَالَ \" الْعَجْمَاء جُبَار \" وَقَضَى فِيمَا أَفْسَدَتْ الْعَجْمَاء بِشَيْءٍ فِي حَال دُون حَال دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا أَصَابَتْ الْعَجْمَاء مِنْ جَرْح وَغَيْره فِي حَالٍ جُبَارٌ وَفِي حَالٍ غَيْرُ جُبَار ثُمَّ نَقَضَ عَلَى الْحَنَفِيَّة أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْأَخْذ بِعُمُومِهِ فِي تَضْمِين الرَّاكِب مُتَمَسِّكِينَ بِحَدِيثِ \" الرِّجْل جُبَار \" مَعَ ضَعْف رَاوِيه كَمَا تَقَدَّمَ , وَتَعَقَّبَ بَعْضهمْ عَلَى الشَّافِعِيَّة قَوْلَهُمْ إِنَّهُ لَوْ جَرَتْ عَادَةُ قَوْمٍ إِرْسَالَ الْمَوَاشِي لَيْلًا وَحَبْسهَا نَهَارًا اِنْعَكَسَ الْحُكْم عَلَى الْأَصَحّ , وَأَجَابُوا بِأَنَّهُمْ اِتَّبَعُوا الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ , وَنَظِيره الْقَسْم الْوَاجِب لِلْمَرْأَةِ لَوْ كَانَ يَكْتَسِب لَيْلًا وَيَأْوِي إِلَى أَهْله نَهَارًا لَانْعَكَسَ الْحُكْم فِي حَقّه مَعَ أَنَّ عِمَادَ الْقَسْمِ اللَّيْلُ , نَعَمْ لَوْ اِضْطَرَبَتْ الْعَادَة فِي بَعْض الْبِلَاد فَكَانَ بَعْضهمْ يُرْسِلهَا لَيْلًا وَبَعْضهمْ يُرْسِلهَا نَهَارًا فَالظَّاهِر أَنَّهُ يُقْضَى بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "6403",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا الْحَسَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَمْرو الْفُقَيْمِيّ بِفَاءٍ ثُمَّ قَاف مُصَغَّر وَقَدْ بَيَّنْت حَاله فِي كِتَاب الْجِزْيَة. ‏ ‏قَوْله ( مُجَاهِد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو ) ‏ ‏هَكَذَا فِي جَمِيع الطُّرُق بِالْعَنْعَنَةِ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة عَنْ الْحَسَن بْن عَمْرو عَنْ مُجَاهِد عَنْ جُنَادَةَ بْن أَبِي أُمَيَّة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فَزَادَ فِيهِ رَجُلًا بَيْن مُجَاهِد وَعَبْد اللَّه أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن أَبِي عَاصِم مِنْ طَرِيقه , وَجَزَمَ أَبُو بَكْر البردنجي فِي كِتَابه فِي بَيَان الْمُرْسَل أَنَّ مُجَاهِدًا لَمْ يَسْمَع مِنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا ) ‏ ‏كَذَا تَرْجَمَ بِالذِّمِّيِّ , وَأَوْرَدَ الْخَبَر فِي الْمُعَاهَد وَتَرْجَمَ فِي الْجِزْيَة بِلَفْظِ \" مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا \" كَمَا هُوَ ظَاهِر الْخَبَر , وَالْمُرَاد بِهِ مَنْ لَهُ عَهْد مَعَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاء كَانَ بِعَقْدِ جِزْيَة أَوْ هُدْنَة مِنْ سُلْطَان أَوْ أَمَان مِنْ مُسْلِم , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ هُنَا إِلَى رِوَايَة مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة الْمَذْكُورَة فَإِنَّ لَفْظه \" مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا مِنْ أَهْل الذِّمَّة \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَهُ ذِمَّة اللَّه وَذِمَّة رَسُوله \" الْحَدِيث وَقَدْ ذَكَرْت فِي الْجِزْيَة مَنْ تَابَعَ عَبْد الْوَاحِد عَلَى إِسْقَاط جُنَادَةَ وَنَقَلْت تَرْجِيح الدَّارَقُطْنِيِّ لِرِوَايَةِ مَرْوَان لِأَجْلِ الزِّيَادَة وَبَيَّنْت أَنَّ مُجَاهِدًا لَيْسَ مُدَلِّسًا وَسَمَاعه مِنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو ثَابِت فَتَرَجَّحَ رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد لِأَنَّهُ تُوبِعَ وَانْفَرَدَ مَرْوَان بِالزِّيَادَةِ , وَقَوْله \" لَمْ يَرِحْ \" تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْجِزْيَة , وَالْمُرَاد بِهَذَا النَّفْي وَإِنْ كَانَ عَامًّا التَّخْصِيصُ بِزَمَانٍ مَا لِمَا تَعَاضَدَتْ الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة وَالنَّقْلِيَّة أَنَّ مَنْ مَاتَ مُسْلِمًا وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْل الْكَبَائِر فَهُوَ مَحْكُوم بِإِسْلَامِهِ غَيْر مُخَلَّد فِي النَّار وَمَآله إِلَى الْجَنَّة وَلَوْ عُذِّبَ قَبْل ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( لَيُوجَد ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ هُنَا وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِحَذْفِ اللَّام. ‏ ‏قَوْله ( أَرْبَعِينَ عَامًا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ لِلْجَمِيعِ وَخَالَفَهُمْ عَمْرو بْن عَبْد الْغَفَّار عَنْ الْحَسَن بْن عَمْرو عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ \" سَبْعِينَ عَامًا \" وَمِثْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ وَلَفْظه \" وَإِنَّ رِيحهَا لَيُوجَد مِنْ مَسِيرَة سَبْعِينَ خَرِيفًا \" وَمِثْله فِي رِوَايَة صَفْوَان بْن سُلَيْمٍ الْمُشَار إِلَيْهَا , وَنَحْوه لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيق هِلَال بْن يَسَاف عَنْ رَجُل عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" سَيَكُونُ قَوْم لَهُمْ عَهْد فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَة الْجَنَّة وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَد مِنْ مَسِيرَة سَبْعِينَ عَامًا \" وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مِنْ مَسِيرَة مِائَة عَام \" وَفِي الطَّبَرَانِيّ عَنْ أَبِي بَكْرَة \" خَمْسمِائَةِ عَام \" وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأ فِي حَدِيث آخَر \" إِنَّ رِيحهَا يُوجَد مِنْ مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَم الصَّغِير مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَفِي حَدِيث لِجَابِرٍ ذَكَرَهُ صَاحِب الْفِرْدَوْس \" إِنَّ رِيح الْجَنَّة يُدْرَك مِنْ مَسِيرَة أَلْف عَام \" وَهَذَا اِخْتِلَاف شَدِيد , وَقَدْ تَكَلَّمَ اِبْن بَطَّال عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ : الْأَرْبَعُونَ هِيَ الْأَشَدُّ فَمَنْ بَلَغَهَا زَادَ عَمَله وَيَقِينه وَنَدَمه , فَكَأَنَّهُ وَجَدَ رِيح الْجَنَّة الَّتِي تَبْعَثهُ عَلَى الطَّاعَة , قَالَ : وَالسَّبْعُونَ آخِر الْمُعْتَرَك وَيَعْرِض عِنْدهَا النَّدَم وَخَشْيَة هُجُوم الْأَجَل فَتَزْدَاد الطَّاعَة بِتَوْفِيقِ اللَّه فَيَجِد رِيحهَا مِنْ الْمُدَّة الْمَذْكُورَة , وَذَكَرَ فِي الْخَمْسمِائَةِ كَلَامًا مُتَكَلَّفًا حَاصِله أَنَّهَا مُدَّة الْفَتْرَة الَّتِي بَيْن كُلّ نَبِيّ وَنَبِيّ فَمَنْ جَاءَ فِي آخِرهَا وَآمَنَ بِالنَّبِيِّينَ يَكُون أَفْضَلَ فِي غَيْره فَيَجِد رِيح الْجَنَّة , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ لَا يَكُون الْعَدَد بِخُصُوصِهِ مَقْصُودًا بَلْ الْمَقْصُود الْمُبَالَغَة فِي التَّكْثِير , وَلِهَذَا خَصَّ الْأَرْبَعِينَ وَالسَّبْعِينَ لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ يَشْتَمِل عَلَى جَمِيع أَنْوَاع الْعَدَد لِأَنَّ فِيهِ الْآحَاد وَآحَاده عَشَرَة وَالْمِائَة عَشَرَات وَالْأَلْف مِئَات وَالسَّبْع عَدَد فَوْق الْعَدَد الْكَامِل وَهُوَ سِتَّة إِذْ أَجْزَاؤُهُ بِقَدْرِهِ وَهِيَ النِّصْف وَالثُّلُث وَالسُّدُس بِغَيْرِ زِيَادَة وَلَا نُقْصَان , وَأَمَّا الْخَمْسمِائَةِ فَهِيَ مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض. قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي فِي الْجَمْع أَنْ يُقَال إِنَّ الْأَرْبَعِينَ أَقَلُّ زَمَن يُدْرِكُ بِهِ رِيح الْجَنَّة مَنْ فِي الْمَوْقِف وَالسَّبْعِينَ فَوْق ذَلِكَ أَوْ ذُكِرَتْ لِلْمُبَالَغَةِ , وَالْخَمْسمِائَةِ ثُمَّ الْأَلْف أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ , وَيَخْتَلِف ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاص وَالْأَعْمَال , فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْ الْمَسَافَة الْبُعْدَى أَفْضَلُ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ مِنْ الْمَسَافَة الْقُرْبَى وَبَيْنَ ذَلِكَ , وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ فَقَالَ : الْجَمْع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاص بِتَفَاوُتِ مَنَازِلهمْ وَدَرَجَاتهمْ. ثُمَّ رَأَيْت نَحْوه فِي كَلَام اِبْن الْعَرَبِيّ فَقَالَ : رِيح الْجَنَّة لَا يُدْرَك بِطَبِيعَةٍ وَلَا عَادَة وَإِنَّمَا يُدْرَك بِمَا يَخْلُق اللَّه مِنْ إِدْرَاكه فَتَارَة يُدْرِكهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ مَسِيرَة سَبْعِينَ وَتَارَة مِنْ مَسِيرَة خَمْسمِائَةٍ. وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال أَنَّ الْمُهَلَّب اِحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْمُسْلِم إِذَا قَتَلَ الذِّمِّيّ أَوْ الْمُعَاهَد لَا يُقْتَل بِهِ لِلِاقْتِصَارِ فِي أَمْره عَلَى الْوَعِيد الْأُخْرَوِيّ دُون الدُّنْيَوِيّ , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي هَذَا الْحُكْم فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏"
    },
    {
        "id": "6404",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُطَرِّفٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَامِرًا ‏ ‏حَدَّثَهُمْ عَنْ ‏ ‏أَبِي جُحَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِعَلِيٍّ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُطَرِّفٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الشَّعْبِيَّ ‏ ‏يُحَدِّثُ قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا جُحَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏مَرَّةً مَا لَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ فَقَالَ ‏ ‏وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ‏ ‏وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ‏ ‏مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ قُلْتُ وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ قَالَ ‏ ‏الْعَقْلُ ‏ ‏وَفِكَاكُ ‏ ‏الْأَسِيرِ وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا صَدَقَة بْن الْفَضْل ) ‏ ‏ثَبَتَ فِي بَعْض النُّسَخ هُنَا \" حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْن يُونُس حَدَّثَنَا زُهَيْر حَدَّثَنَا مُطَرِّف أَنَّ عَامِرًا حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ح وَحَدَّثَنَا صَدَقَة بْن الْفَضْل إِلَخْ \" وَالصَّوَاب مَا عِنْد الْأَكْثَر , وَطَرِيق أَحْمَدَ بْن يُونُس تَقَدَّمَتْ فِي الْجِزْيَة. ‏ ‏قَوْله ( مُطَرِّف ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيد الرَّاء هُوَ اِبْن طَرِيفٍ بِوَزْنِ عَظِيم كُوفِيّ مَشْهُور. ‏ ‏قَوْله ( سَأَلْت عَلِيًّا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم بَيَان سَبَب هَذَا السُّؤَال , وَهَذَا السِّيَاق أَخْصَرُ مِنْ سِيَاقه فِي كِتَاب الْعِلْم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُطَرِّف , قَالَ أَحْمَدُ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ بِهَذَا السَّنَد \" هَلْ عِنْدكُمْ شَيْء عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْر الْقُرْآن ؟ وَلَمْ يَتَرَدَّد فَقَالَ : لَا وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّة وَبَرَأَ النَّسَمَةَ , إِلَّا فَهْم يُؤْتِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآن وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَة \" فَذَكَرَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُطَرِّف فِي الْعِلْم وَغَيْره مَعَ شَرْح الْحَدِيث وَبَيَان اِخْتِلَاف أَلْفَاظ نَقَلْته عَنْ عَلِيّ وَبَيَان الْمُرَاد بِالْعَقْلِ وَفِكَاك الْأَسِير , وَأَمَّا تَرْك قَتْل الْمُسْلِم بِالْكَافِرِ فَأَخَذَ بِهِ الْجُمْهُور , إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَم مِنْ قَوْل مَالِك فِي قَاطِع الطَّرِيق وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ إِذَا قَتَلَ غِيلَة أَنْ يُقْتَل وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُول ذِمِّيًّا اِسْتِثْنَاء هَذِهِ الصُّورَة مِنْ مَنْع قَتْل الْمُسْلِم بِالْكَافِرِ , وَهِيَ لَا تُسْتَثْنَى فِي الْحَقِيقَة لِأَنَّ فِيهِ مَعْنًى آخَر وَهُوَ الْفَسَاد فِي الْأَرْض , وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّة فَقَالُوا : يُقْتَل الْمُسْلِم بِالذِّمِّيِّ إِذَا قَتَلَهُ بِغَيْرِ اِسْتِحْقَاق وَلَا يُقْتَل بِالْمُسْتَأْمَنِ , وَعَنْ الشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ يُقْتَل بِالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيّ دُون الْمَجُوسِيّ , وَاحْتَجُّوا بِمَا وَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق الْحَسَن عَنْ قَيْس بْن عَبَّاد عَنْ عَلِيّ بِلَفْظِ \" لَا يُقْتَل مُؤْمِن بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْد فِي عَهْده \" وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَالْبَيْهَقِيّ عَنْ عَائِشَة وَمَعْقِل بْن يَسَار , وَطُرُقه كُلّهَا ضَعِيفَة إِلَّا الطَّرِيق الْأُولَى وَالثَّانِيَة فَإِنَّ سَنَد كُلّ مِنْهُمَا حَسَن , وَعَلَى تَقْدِير قَبُوله فَقَالُوا : وَجْه الِاسْتِدْلَال مِنْهُ أَنَّ تَقْدِيره وَلَا يُقْتَل ذُو عَهْد فِي عَهْده بِكَافِرٍ , قَالُوا : وَهُوَ مِنْ عَطْف الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ فَيَقْتَضِي تَخْصِيصه , لِأَنَّ الْكَافِر الَّذِي يُقْتَل بِهِ ذُو الْعَهْد هُوَ الْحَرْبِيّ دُون الْمُسَاوِي لَهُ وَالْأَعْلَى , فَلَا يَبْقَى مَنْ يُقْتَل بِالْمُعَاهَدِ إِلَّا الْحَرْبِيّ فَيَجِبُ أَنْ يَكُون الْكَافِر الَّذِي لَا يُقْتَل بِهِ الْمُسْلِم هُوَ الْحَرْبِيّ تَسْوِيَة بَيْن الْمَعْطُوف وَالْمَعْطُوف عَلَيْهِ , قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ دَلَالَة عَلَى نَفْي قَتْل الْمُسْلِم بِالذِّمِّيِّ لَكَانَ وَجْه الْكَلَام أَنْ يَقُول وَلَا ذِي عَهْد فِي عَهْده وَإِلَّا لَكَانَ لَحْنًا وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَلْحَنُ , فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ ذَا الْعَهْد هُوَ الْمَعْنِيّ بِالْقِصَاصِ فَصَارَ التَّقْدِير لَا يُقْتَل مُؤْمِن وَلَا ذُو عَهْد فِي عَهْده بِكَافِرٍ , قَالَ : وَمِثْله فِي الْقُرْآن ( وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيض مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَة أَشْهُر , وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ) فَإِنَّ التَّقْدِير وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيض وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَصْل عَدَم التَّقْدِير , وَالْكَلَام مُسْتَقِيم بِغَيْرِهِ إِذَا جَعَلْنَا الْجُمْلَة مُسْتَأْنَفَة , وَيُؤَيِّدهُ اِقْتِصَار الْحَدِيث الصَّحِيح عَلَى الْجُمْلَة الْأُولَى. وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهَا لِلْعَطْفِ فَالْمُشَارَكَة فِي أَصْل النَّفْي لَا مِنْ كُلّ وَجْه , وَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِل مَرَرْت بِزَيْدٍ مُنْطَلِقًا وَعَمْرو فَإِنَّهُ لَا يُوجِب أَنْ يَكُون مَرَّ بِعَمْرٍو مُنْطَلِقًا أَيْضًا بَلْ الْمُشَارَكَة فِي أَصْل الْمُرُور , وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا : لَا يَصِحّ حَمْله عَلَى الْجُمْلَة الْمُسْتَأْنَفَة لِأَنَّ سِيَاق الْحَدِيث فِيمَا يَتَعَلَّق بِالدِّمَاءِ الَّتِي يَسْقُط بَعْضهَا بِبَعْضٍ , لِأَنَّ فِي بَعْض طُرُقه \" الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ \" وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا الْحَصْر مَرْدُود , فَإِنَّ فِي الْحَدِيث أَحْكَامًا كَثِيرَة غَيْر هَذِهِ , وَقَدْ أَبْدَى الشَّافِعِيّ لَهُ مُنَاسَبَة فَقَالَ : يُشْبِه أَنْ يَكُون لَمَّا أَعْلَمَهُمْ أَنْ لَا قَوَد بَيْنهمْ وَبَيْن الْكُفَّار أَعْلَمَهُمْ أَنَّ دِمَاء أَهْل الذِّمَّة وَالْعَهْد مُحَرَّمَة عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقّ فَقَالَ \" لَا يُقْتَل مُسْلِم بِكَافِرٍ وَلَا يُقْتَل ذُو عَهْد فِي عَهْده \" وَمَعْنَى الْحَدِيث لَا يُقْتَل مُسْلِم بِكَافِرٍ قِصَاصًا وَلَا يُقْتَل مَنْ لَهُ عَهْد مَا دَامَ عَهْده بَاقِيًا , وَقَالَ اِبْن السَّمْعَانِيّ : وَأَمَّا حَمْلهمْ الْحَدِيث عَلَى الْمُسْتَأْمَن فَلَا يَصِحّ لِأَنَّ الْعِبْرَة بِعُمُومِ اللَّفْظ حَتَّى يَقُوم دَلِيل عَلَى التَّخْصِيص , وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ الْحُكْم الَّذِي يُبْنَى فِي الشَّرْع عَلَى الْإِسْلَام وَالْكُفْر إِنَّمَا هُوَ لِشَرَفِ الْإِسْلَام أَوْ لِنَقْصِ الْكُفْر أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا فَإِنَّ الْإِسْلَام يَنْبُوع الْكَرَامَة وَالْكُفْر يَنْبُوع الْهَوَان , وَأَيْضًا إِبَاحَة دَم الذِّمِّيّ شُبْهَة قَائِمَة لِوُجُودِ الْكُفْر الْمُبِيح لِلدَّمِ وَالذِّمَّةُ إِنَّمَا هِيَ عَهْدٌ عَارِضٌ مَنَعَ الْقَتْل مَعَ بَقَاء الْعِلَّة فَمِنْ الْوَفَاء بِالْعَهْدِ أَنْ لَا يَقْتُل الْمُسْلِمُ ذِمِّيًّا فَإِنْ اِتَّفَقَ الْقَتْل لَمْ يُتَّجَه الْقَوْل بِالْقَوَدِ لِأَنَّ الشُّبْهَة الْمُبِيحَة لِقَتْلِهِ مَوْجُودَة وَمَعَ قِيَام الشُّبْهَة لَا يُتَّجَه الْقَوَد. قُلْت : وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْد بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ زُفَرَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْل أَصْحَابه فَأَسْنَدَ عَنْ عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد قَالَ : قُلْت لِزُفَرَ إِنَّكُمْ تَقُولُونَ تُدْرَأُ الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ فَجِئْتُمْ إِلَى أَعْظَمِ الشُّبُهَات فَأَقْدَمْتُمْ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُ يُقْتَل بِالْكَافِرِ , قَالَ : فَاشْهَدْ عَلَى أَنِّي رَجَعْت عَنْ هَذَا وَذَكَرَ اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّ بَعْض الْحَنَفِيَّة سَأَلَ الشَّاشِيّ عَنْ دَلِيل تَرْك قَتْل الْمُسْلِم بِالْكَافِرِ قَالَ وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلّ بِالْعُمُومِ فَيَقُول أَخُصّهُ بِالْحَرْبِيِّ , فَعَدَلَ الشَّاشِيّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : وَجْه دَلِيلِي السُّنَّة وَالتَّعْلِيل , لِأَنَّ ذِكْر الصِّفَة فِي الْحُكْم يَقْتَضِي التَّعْلِيل فَمَعْنَى لَا يُقْتَل الْمُسْلِم بِالْكَافِرِ تَفْضِيل الْمُسْلِم بِالْإِسْلَامِ. فَأَسْكَتَهُ. وَمِمَّا اِحْتَجَّ بِهِ الْحَنَفِيَّة مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيق عَمَّار بْن مَطَر عَنْ إِبْرَاهِيم بْن أَبِي يَحْيَى عَنْ رَبِيعَة عَنْ اِبْن الْبَيْلَمَانِيّ عَنْ ابْن عُمَر قَالَ \" قَتَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْلِمًا بِكَافِرٍ وَقَالَ : أَنَا أَوْلَى مَنْ وَفَى بِذِمَّتِهِ \" قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : إِبْرَاهِيم ضَعِيف وَلَمْ يَرْوِهِ مَوْصُولًا غَيْره , وَالْمَشْهُور عَنْ اِبْن الْبَيْلَمَانِيّ مُرْسَلًا , وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْطَأَ رَاوِيه عَمَّار بْن مَطَر عَلَى إِبْرَاهِيم فِي سَنَده , وَإِنَّمَا يَرْوِيه إِبْرَاهِيم عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْبَيْلَمَانِيّ , هَذَا هُوَ الْأَصْل فِي هَذَا الْبَاب , وَهُوَ مُنْقَطِع وَرَاوِيه غَيْر ثِقَة , كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ وَأَبُو عُبَيْد جَمِيعًا عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن أَبِي يَحْيَى. قُلْت : لَمْ يَنْفَرِد بِهِ إِبْرَاهِيم كَمَا يُوهِمهُ كَلَامه , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيل وَالطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ رَبِيعَة عَنْ اِبْن الْبَيْلَمَانِيّ , وَابْن الْبَيْلَمَانِيّ ضَعَّفَهُ جَمَاعَة وَوُثِّقَ فَلَا يُحْتَجّ بِمَا يَنْفَرِد بِهِ إِذَا وَصَلَ , فَكَيْف إِذَا أَرْسَلَ , فَكَيْف إِذَا خَالَفَ ؟ قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْد بَعْد أَنْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ إِبْرَاهِيم , بَلَغَنِي أَنَّ إِبْرَاهِيم قَالَ : أَنَا حَدَّثْت بِهِ رَبِيعَة عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر عَنْ اِبْن الْبَيْلَمَانِيّ , فَرَجَعَ الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا إِلَى إِبْرَاهِيم , وَإِبْرَاهِيم ضَعِيف أَيْضًا , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : وَبِمِثْلِ هَذَا السَّنَد لَا تُسْفَك دِمَاء الْمُسْلِمِينَ. قُلْت : وَتَبَيَّنَ أَنَّ عَمَّار بْن مَطَر خَبَطَ فِي سَنَده , وَذَكَرَ الشَّافِعِيّ فِي \" الْأُمّ \" كَلَامًا حَاصِله أَنَّ فِي حَدِيث اِبْن الْبَيْلَمَانِيّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي قِصَّة الْمُسْتَأْمَن الَّذِي قَتَلَهُ عَمْرو بْن أُمَيَّة , قَالَ فَعَلَى هَذَا لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ مَنْسُوخًا لِأَنَّ حَدِيث \" لَا يُقْتَل مُسْلِم بِكَافِرٍ \" خَطَبَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْفَتْح كَمَا فِي رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب , وَقِصَّة عَمْرو بْن أُمَيَّة مُتَقَدِّمَة عَلَى ذَلِكَ بِزَمَانٍ. قُلْت : وَمِنْ هُنَا يُتَّجَه صِحَّة التَّأْوِيل الَّذِي تَقَدَّمَ عَنْ الشَّافِعِيّ , فَإِنَّ خُطْبَة يَوْم الْفَتْح كَانَتْ بِسَبَبِ الْقَتِيل الَّذِي قَتَلَتْ خُزَاعَة وَكَانَ لَهُ عَهْد , فَخَطَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ \" لَوْ قَتَلْت مُؤْمِنًا بِكَافِرٍ لَقَتَلْته بِهِ \" وَقَالَ \" لَا يُقْتَل مُؤْمِن بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْد فِي عَهْد \" فَأَشَارَ بِحُكْمِ الْأَوَّل إِلَى تَرْك اِقْتِصَاصه مِنْ الْخُزَاعِيّ بِالْمُعَاهَدِ الَّذِي قَتَلَهُ. وَبِالْحُكْمِ الثَّانِي إِلَى النَّهْي عَنْ الْإِقْدَام عَلَى مَا فَعَلَهُ الْقَاتِل الْمَذْكُور , وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَمِنْ حُجَجِهِمْ قَطْع الْمُسْلِم بِسَرِقَةِ مَال الذِّمِّيّ , قَالُوا وَالنَّفْس أَعْظَمُ حُرْمَة , وَأَجَابَ اِبْن بَطَّال بِأَنَّهُ قِيَاس حَسَن لَوْلَا النَّصُّ , وَأَجَابَ غَيْره بِأَنَّ الْقَطْع حَقٌّ لِلَّهِ , وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أُعِيدَتْ السَّرِقَة بِعَيْنِهَا لَمْ يَسْقُط الْحَدّ وَلَوْ عَفَا , وَالْقَتْل بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَأَيْضًا الْقِصَاص يُشْعِر بِالْمُسَاوَاةِ وَلَا مُسَاوَاة لِلْكَافِرِ وَالْمُسْلِم , وَالْقَطْع لَا تُشْتَرَط فِيهِ الْمُسَاوَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "6405",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6406",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ فَقَالَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏مِنْ أَصْحَابِكَ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏قَدْ لَطَمَ فِي وَجْهِي قَالَ ‏ ‏ادْعُوهُ فَدَعَوْهُ قَالَ لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي مَرَرْتُ ‏ ‏بِالْيَهُودِ ‏ ‏فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَلَى الْبَشَرِ قَالَ قُلْتُ وَعَلَى ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ فَلَطَمْتُهُ قَالَ لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا أَنَا ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ ‏ ‏الطُّورِ ‏",
        "sharh": "قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تُخَيِّرُوا بَيْن الْأَنْبِيَاء وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى الْمَازِنِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ قَالَ : جَاءَ رَجُل مِنْ الْيَهُود إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ الْحَدِيث ) كَذَا اِقْتَصَرَ فِي السَّنَد الْأَوَّل عَلَى بَعْض الْمَتْن وَسَاقَهُ تَامًّا بِالسَّنَدِ الثَّانِي , وَكَانَ سُفْيَان - وَهُوَ الثَّوْرِيّ - يُحَدِّث بِهِ تَامًّا وَمُخْتَصَرًا , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ سُفْيَان بِلَفْظِ \" لَا تُخَيِّرُوا بَيْن الْأَنْبِيَاء \" وَزَادَ \" فَإِنَّ اللَّه بَعَثَهُمْ كَمَا بَعَثَنِي \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ , وَرَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ سُفْيَان تَامًّا. قُلْت : وَلَيْسَ فِيهِ \" فَإِنَّ اللَّه بَعَثَهُمْ كَمَا بَعَثَنِي \". ‏ ‏قَوْله ( جَاءَ رَجُل ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي اِسْمه وَفِي اِسْم الَّذِي لَطَمَهُ فِي قِصَّة مُوسَى. ‏ ‏قَوْله ( لَطَمَ وَجْهِي ) فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" قَدْ لَطَمَ وَجْهِي \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَلَطَمْت وَجْهَهُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَام وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لِمَ لَطَمْت \". ‏ ‏قَوْله ( أَمْ جُوزِيَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" جُزِيَ \" بِغَيْرِ وَاو وَالْأَوَّلُ أَوْلَى , وَفِي الْحَدِيث اِسْتِعْدَاء الذِّمِّيّ عَلَى الْمُسْلِم , وَرَفْعه إِلَى الْحَاكِم , وَسَمَاع الْحَاكِم دَعْوَاهُ , وَتَعَلُّم مَنْ لَمْ يَعْرِف الْحُكْم مَا خَفِيَ عَلَيْهِ مِنْهُ وَالِاكْتِفَاء بِذَلِكَ فِي حَقّ الْمُسْلِم , وَأَنَّ الذِّمِّيّ إِذَا أَقْدَمَ مِنْ الْقَوْل عَلَى مَا لَا عِلْم لَهُ بِهِ جَازَ لِلْمُسْلِمِ الْمَعْرُوف بِالْعِلْمِ تَعْزِيره عَلَى ذَلِكَ , وَتَقَدَّمَتْ سَائِر فَوَائِده فِي قِصَّة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الدِّيَات وَالْقِصَاص مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى أَرْبَعَة وَخَمْسِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْمُتَابَعَات سَبْعَة أَحَادِيث وَالْبَاقِي مَوْصُول , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى أَرْبَعُونَ وَالْخَالِص مِنْهَا أَرْبَعَة عَشَرَ حَدِيثًا , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث اِبْن عُمَر \" إِنَّ مِنْ وَرَطَات الْأُمُور \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" أَبْغَضُ النَّاس إِلَى اللَّه ثَلَاث : مُلْحِد فِي الْحَرَم \" الْحَدِيث , وَحَدِيث أَنَس \" لَوْ اِطَّلَعَ عَلَيْك \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس \" هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاء \" وَحَدِيث أَبِي قِلَابَةَ الْمُرْسَل \" مَا قَتَلَ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاث \" وَحَدِيثه الْمُرْسَل \" دَخَلَ عَلَى نَفَر مِنْ الْأَنْصَار \" الْحَدِيث فِي الْقَسَامَة. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ أَثَرًا بَعْضهَا مَوْصُول وَسَائِرهَا مُعَلَّق , وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6407",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ‏} ‏شَقَّ ذَلِكَ عَلَى ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالُوا أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ أَلَا تَسْمَعُونَ إِلَى قَوْلِ ‏ ‏لُقْمَانَ ‏ { ‏إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانهمْ بِظُلْمٍ ) وَقَدْ مَضَى شَرْحه فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي أَوَائِل الْكِتَاب , وَأَشَرْت هُنَاكَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي قِصَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ طَرِيق حَفْص بْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش بِهَذَا الْإِسْنَاد وَالْمَتْن وَفِي آخِره \" لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ ( لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانهمْ بِظُلْمٍ ) بِشِرْكٍ \" الْحَدِيث , وَقَدْ أَرْسَلَ التَّفْسِير الْمَذْكُور بَعْض رُوَاته , فَعِنْد اِبْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ طَرِيق عِيسَى بْن يُونُس عَنْ الْأَعْمَش مُخْتَصَرًا وَلَفْظه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ‏ ‏قَوْله ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانهمْ بِظُلْمٍ ) ‏ ‏قَالَ : بِشِرْكٍ , وَمِنْ طَرِيق أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيّ عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش مِثْله سَوَاء , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم فِي قَوْله ( وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانهمْ بِظُلْمٍ ) قَالَ : لَمْ يَخْلِطُوهُ بِشِرْكٍ , هَكَذَا أَوْرَدَهُ مَوْقُوفًا عَلَى إِبْرَاهِيم , وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَلْقَمَة مِثْله , وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد بْن هِلَال عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق مِثْله مَوْقُوفًا عَلَيْهِ , وَعَنْ عُمَر أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة فَفَزِعَ فَسَأَلَ أُبَيّ بْن كَعْب فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانهمْ بِشِرْكٍ , وَمِنْ طَرِيق زَيْد بْن صُوحَان أَنَّهُ قَالَ لِسَلْمَان : آيَةٌ قَدْ بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مَبْلَغٍ , فَذَكَرَهَا فَقَالَ سَلْمَان : هُوَ الشِّرْك , فَسُرَّ زَيْد بِذَلِكَ وَأَوْرَدَ مِنْ طُرُق جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَمِنْ التَّابِعِينَ مِثْل ذَلِكَ , ثُمَّ أَوْرَدَ عَنْ عِكْرِمَة قَوْلًا آخَر أَنَّهَا خَاصَّة بِمَنْ لَمْ يُهَاجِر وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ قَالَ : هَذِهِ الْآيَة لِإِبْرَاهِيم خَاصَّة , لَيْسَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّة. وَسَنَدهمَا ضَعِيف , وَصَوَّبَ الطَّبَرِيُّ الْقَوْل الْأَوَّل وَأَنَّهَا عَلَى الْعُمُوم لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ الطِّيبِيُّ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظ اللَّبْس يَأْبَى تَفْسِير الظُّلْم هُنَا بِالشِّرْكِ مُعْتَلًّا بِأَنَّ اللَّبْس الْخَلْط وَلَا يَصِحّ هُنَا لِأَنَّ الْكُفْر وَالْإِيمَان لَا يَجْتَمِعَانِ , فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِاَلَّذِينَ آمَنُوا أَعَمُّ مِنْ الْمُؤْمِن الْخَالِص وَغَيْره وَاحْتُجَّ بِأَنَّ اِسْم الْإِشَارَة الْوَاقِع خَبَرًا لِلْمَوْصُولِ مَعَ صِلَته يَقْتَضِي أَنَّ مَا بَعْده ثَابِت لِمَنْ قَبْله لِاكْتِسَابِهِ مَا ذُكِرَ مِنْ الصِّفَة , وَلَا رَيْب أَنَّ الْأَمْن الْمَذْكُور ثَانِيًا هُوَ الْمَذْكُور أَوَّلًا فَيَجِب أَنْ يَكُون الظُّلْم عَيْن الشِّرْك لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْله ( وَكَيْف أَخَاف مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ - إِلَى قَوْله - أَحَقّ بِالْأَمْنِ ) قَالَ وَأَمَّا مَعْنَى اللَّبْس فَلَبْس الْإِيمَان بِالظُّلْمِ أَنْ يُصَدِّقَ بِوُجُودِ اللَّه وَيَخْلِط بِهِ عِبَادَة غَيْره , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى ( وَمَا يُؤْمِن أَكْثَرُهُمْ بِاَللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) وَعُرِفَ بِذَلِكَ مُنَاسَبَة ذِكْرهَا فِي أَبْوَاب الْمُرْتَدّ , وَكَذَلِكَ الْآيَة الَّتِي صَدَّرَ بِهَا , وَأَمَّا الْآيَة الْأُخْرَى فَقَالُوا هِيَ قَضِيَّة شَرْطِيَّة وَلَا تَسْتَلْزِم الْوُقُوع , وَقِيلَ الْخِطَاب لَهُ وَالْمُرَاد الْأُمَّة , وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6408",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْجُرَيْرِيُّ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ ثَلَاثًا أَوْ قَوْلُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي بَكْرَة فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِر , وَقَدْ مَضَى شَرْحه فِي الشَّهَادَات وَفِي عُقُوق الْوَالِدَيْنِ مِنْ كِتَاب الْأَدَب. ‏"
    },
    {
        "id": "6409",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فِرَاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ قَالَ ‏ ‏الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ قَالَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ ثُمَّ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ قَالَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ قُلْتُ وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ قَالَ الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فِي ذِكْر الْكَبَائِر أَيْضًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" بَاب الْيَمِين الْغَمُوس \" مِنْ كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور. ‏ ‏قَوْله ( جَاءَ أَعْرَابِيّ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت وَمَا الْيَمِين الْغَمُوس ) ‏ ‏السَّائِل عَنْ ذَلِكَ قَدْ بَيَّنْته عِنْد شَرْح الْحَدِيث الْمَذْكُور , وَمُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن إِبْرَاهِيم فِي أَوَّل السَّنَد هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ إِشْكَاب أَخُو عَلِيّ وَهُوَ مِنْ أَقْرَان الْبُخَارِيّ وَلَكِنَّهُ سَمِعَ قَبْله قَلِيلًا وَمَاتَ بَعْده. وَعُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى شَيْخه هُوَ مِنْ كِبَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ الْمَشْهُورِينَ وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَة , وَأَقْرَبُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الدِّيَات فِي \" بَاب جَنِين الْمَرْأَة \" وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَهَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6410",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏وَالْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ ‏ ‏مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه. ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَام أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِر ) ‏ ‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : ظَاهِره خِلَاف مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّة أَنَّ الْإِسْلَام يَجُبُّ مَا قَبْله , وَقَالَ تَعَالَى ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَر لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ) قَالَ : وَوَجْه هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْكَافِر إِذَا أَسْلَمَ لَمْ يُؤَاخَذ بِمَا مَضَى , فَإِنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَام غَايَة الْإِسَاءَة وَرَكِبَ أَشَدَّ الْمَعَاصِي وَهُوَ مُسْتَمِرّ الْإِسْلَام فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُؤَاخَذ بِمَا جَنَاهُ مِنْ الْمَعْصِيَة فِي الْإِسْلَام وَيُبَكَّت بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْكُفْر كَأَنْ يُقَال لَهُ : أَلَسْت فَعَلْت كَذَا وَأَنْتَ كَافِر فَهَلَّا مَنَعَك إِسْلَامُك عَنْ مُعَاوَدَة مِثْله ؟ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا , وَحَاصِله أَنَّهُ أَوَّلَ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْأَوَّل بِالتَّبْكِيتِ وَفِي الْآخِر بِالْعُقُوبَةِ , وَالْأَوْلَى قَوْل غَيْره : إِنَّ الْمُرَاد بِالْإِسَاءَةِ الْكُفْر لِأَنَّهُ غَايَة الْإِسَاءَة وَأَشَدُّ الْمَعَاصِي فَإِذَا اِرْتَدَّ وَمَاتَ عَلَى كُفْره كَانَ كَمَنْ لَمْ يُسْلِم فَيُعَاقَب عَلَى جَمِيع مَا قَدَّمَهُ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيّ بِإِيرَادِ هَذَا الْحَدِيث بَعْد حَدِيث \" أَكْبَرُ الْكَبَائِر الشِّرْك \" وَأَوْرَدَ كُلًّا فِي أَبْوَاب الْمُرْتَدِّينَ , وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب قَالَ : مَعْنَى حَدِيث الْبَاب مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَام بِالتَّمَادِي عَلَى مُحَافَظَته وَالْقِيَام بِشَرَائِطِهِ لَمْ يُؤَاخَذ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّة , وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَام أَيْ فِي عَقْده بِتَرْكِ التَّوْحِيد أُخِذَ بِكُلِّ مَا أَسْلَفَهُ , قَالَ اِبْن بَطَّال : فَعَرَضْته عَلَى جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء فَقَالُوا لَا مَعْنَى لِهَذَا الْحَدِيث غَيْر هَذَا , وَلَا تَكُون الْإِسَاءَة هُنَا إِلَّا الْكُفْر لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِم لَا يُؤَاخَذ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّة. قُلْت : وَبِهِ جَزَمَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ مَعْنَى مَنْ أَحْسَنَ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَام , وَمَنْ أَسَاءَ مَاتَ عَلَى غَيْر الْإِسْلَام. وَعَنْ أَبِي عَبْد الْمَلِك الْبَوْنِيّ : مَعْنَى مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَام أَيْ أَسْلَمَ إِسْلَامًا صَحِيحًا لَا نِفَاق فِيهِ وَلَا شَكَّ , وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَام أَيْ أَسْلَمَ رِيَاء وَسُمْعَة وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيّ , وَلِغَيْرِهِ مَعْنَى الْإِحْسَان الْإِخْلَاص حِين دَخَلَ فِيهِ وَدَوَامه عَلَيْهِ إِلَى مَوْته , وَالْإِسَاءَة بِضِدِّ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُخْلِص إِسْلَامه كَانَ مُنَافِقًا فَلَا يَنْهَدِم عَنْهُ مَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّة فَيُضَاف نِفَاقه الْمُتَأَخِّر إِلَى كُفْره الْمَاضِي فَيُعَاقَب عَلَى جَمِيع ذَلِكَ. قُلْت : وَحَاصِله أَنَّ الْخَطَّابِيّ حَمَلَ قَوْله \" فِي الْإِسْلَام \" عَلَى صِفَة خَارِجَة عَنْ مَاهِيَّة الْإِسْلَام , وَحَمَلَهُ غَيْره عَلَى صِفَة فِي نَفْس الْإِسْلَام وَهُوَ أَوْجَهُ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏حَدِيث اِبْن مَسْعُود هَذَا يُقَابِل حَدِيث أَبِي سَعِيد الْمَاضِي فِي كِتَاب الْإِيمَان مُعَلَّقًا عَنْ مَالِك , فَإِنَّ ظَاهِر هَذَا أَنَّ مَنْ اِرْتَكَبَ الْمَعَاصِيَ بَعْد أَنْ أَسْلَمَ يُكْتَب عَلَيْهِ مَا عَمِلَهُ مِنْ الْمَعَاصِي قَبْل أَنْ يُسْلِم , وَظَاهِر ذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَمِلَ الْحَسَنَات بَعْد أَنْ أَسْلَمَ يُكْتَب لَهُ مَا عَمِلَهُ مِنْ الْخَيْرَات قَبْل أَنْ يُسْلِم , وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي تَوْجِيه الثَّانِي عِنْد شَرْحه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَجِيء هُنَا بَعْض مَا ذَكَرَ هُنَاكَ كَقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ مَعْنَى كِتَابَة مَا عَمِلَهُ مِنْ الْخَيْر فِي الْكُفْر أَنَّهُ كَانَ سَبَبًا لِعَمَلِهِ الْخَيْرَ فِي الْإِسْلَام. ثُمَّ وَجَدْت فِي \" كِتَاب السُّنَّة \" لِعَبْدِ الْعَزِيز بْن جَعْفَر وَهُوَ مِنْ رُءُوس الْحَنَابِلَة مَا يَدْفَع دَعْوَة الْخَطَّابِيّ وَابْن بَطَّال الْإِجْمَاعَ الَّذِي نَقَلَاهُ , وَهُوَ مَا نُقِلَ عَنْ الْمَيْمُونِيّ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَة يَقُول إِنَّ مَنْ أَسْلَمَ لَا يُؤَاخَذ بِمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة , ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود فَفِيهِ أَنَّ الذُّنُوب الَّتِي كَانَ الْكَافِر يَفْعَلهَا فِي جَاهِلِيَّته إِذَا أَصَرَّ عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَام فَإِنَّهُ يُؤَاخَذ بِهَا لِأَنَّهُ بِإِصْرَارِهِ لَا يَكُون تَابَ مِنْهَا وَإِنَّمَا تَابَ مِنْ الْكُفْر فَلَا يَسْقُط عَنْهُ ذَنْب تِلْكَ الْمَعْصِيَة لِإِصْرَارِهِ عَلَيْهَا , وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَلِيمِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّة , وَتَأَوَّلَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ قَوْلَهُ ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَر لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ) عَلَى أَنَّ الْمُرَاد مَا سَلَفَ مِمَّا اِنْتَهَوْا عَنْهُ , قَالَ : وَالِاخْتِلَاف فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ التَّوْبَة هِيَ النَّدَم عَلَى الذَّنْب مَعَ الْإِقْلَاع عَنْهُ وَالْعَزْم عَلَى عَدَم الْعَوْد إِلَيْهِ وَالْكَافِر إِذَا تَابَ مِنْ الْكُفْر وَلَا يَعْزِم عَلَى عَدَم الْعَوْد إِلَى الْفَاحِشَة لَا يَكُون تَائِبًا مِنْهَا فَلَا تَسْقُط عَنْهُ الْمُطَالَبَة بِهَا وَالْجَوَاب عَنْ الْجُمْهُور أَنَّ هَذَا خَاصّ بِالْمُسْلِمِ وَأَمَّا الْكَافِر فَإِنَّهُ يَكُون بِإِسْلَامِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمّه وَالْأَخْبَار دَالَّة عَلَى ذَلِكَ كَحَدِيثِ أُسَامَة لَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْل الَّذِي قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه حَتَّى قَالَ فِي آخِره \" حَتَّى تَمَنَّيْت أَنَّنِي كُنْت أَسْلَمْت يَوْمئِذٍ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6411",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُتِيَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَيُّوب ) ‏ ‏هُوَ السِّخْتِيَانِيّ وَعِكْرِمَة هُوَ مَوْلَى اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله ( أُتِيَ عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي طَالِب , تَقَدَّمَ فِي \" بَاب لَا يُعَذَّب بِعَذَابِ اللَّه \" مِنْ كِتَاب الْجِهَاد مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوب بِهَذَا السَّنَد أَنَّ عَلِيًّا حَرَقَ قَوْمًا , وَذَكَرْت هُنَاكَ أَنَّ الْحُمَيْدِيّ رَوَاهُ عَنْ سُفْيَان بِلَفْظِ \" حَرَقَ الْمُرْتَدِّينَ \" وَمِنْ وَجْه آخَر عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة \" كَانَ أُنَاس يَعْبُدُونَ الْأَصْنَام فِي السِّرّ \" وَعِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط مِنْ طَرِيق سُوَيْد بْن غَفَلَة \" أَنَّ عَلِيًّا بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا اِرْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ فَأَطْعَمَهُمْ ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَام فَأَبَوْا , فَحَفَرَ حَفِيرَة ثُمَّ أَتَى بِهِمْ فَضَرَبَ أَعْنَاقهمْ وَرَمَاهُمْ فِيهَا ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ الْحَطَب فَأَحْرَقَهُمْ ثُمَّ قَالَ : صَدَقَ اللَّه وَرَسُوله \" وَزَعَمَ أَبُو الْمُظَفَّر الْإِسْفَرَايِنِيّ فِي \" الْمِلَل وَالنِّحَل \" أَنَّ الَّذِينَ أَحْرَقَهُمْ عَلِيّ طَائِفَة مِنْ الرَّوَافِض اِدَّعَوْا فِيهِ الْإِلَهِيَّة وَهُمْ السَّبَائِيَّة وَكَانَ كَبِيرهمْ عَبْد اللَّه بْن سَبَأ يَهُودِيًّا ثُمَّ أَظْهَرَ الْإِسْلَام وَابْتَدَعَ هَذِهِ الْمَقَالَة , وَهَذَا يُمْكِن أَنْ يَكُون أَصْله مَا رَوَيْنَاهُ فِي الْجُزْء الثَّالِث مِنْ حَدِيث أَبِي طَاهِر الْمُخَلِّص مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَرِيك الْعَامِرِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قِيلَ لِعَلِيٍّ إِنَّ هُنَا قَوْمًا عَلَى بَاب الْمَسْجِد يَدَّعُونَ أَنَّك رَبّهمْ , فَدَعَاهُمْ فَقَالَ لَهُمْ وَيْلكُمْ مَا تَقُولُونَ ؟ قَالُوا : أَنْتَ رَبُّنَا وَخَالِقنَا وَرَازِقنَا. فَقَالَ : وَيْلكُمْ إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مِثْلُكُمْ آكُلُ الطَّعَام كَمَا تَأْكُلُونَ وَأَشْرَبُ كَمَا تَشْرَبُونَ , إِنْ أَطَعْت اللَّهَ أَثَابَنِي إِنْ شَاءَ وَإِنْ عَصَيْته خَشِيت أَنْ يُعَذِّبنِي , فَاتَّقُوا اللَّه وَارْجِعُوا , فَأَبَوْا , فَلَمَّا كَانَ الْغَد غَدَوْا عَلَيْهِ فَجَاءَ قَنْبَر فَقَالَ : قَدْ وَاَللَّهِ رَجَعُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ الْكَلَام , فَقَالَ أَدْخِلْهُمْ فَقَالُوا كَذَلِكَ , فَلَمَّا كَانَ الثَّالِث قَالَ لَئِنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ لَأَقْتُلَنَّكُمْ بِأَخْبَثِ قَتْلَة , فَأَبَوْا إِلَّا ذَلِكَ , فَقَالَ يَا قَنْبَر اِئْتِنِي بِفَعْلَةٍ مَعَهُمْ مَرِّرُوهُمْ فَخُذَّ لَهُمْ أُخْدُودًا بَيْن بَاب الْمَسْجِد وَالْقَصْر وَقَالَ : احْفِرُوا فَأَبْعِدُوا فِي الْأَرْض , وَجَاءَ بِالْحَطَبِ فَطَرَحَهُ بِالنَّارِ فِي الْأُخْدُود وَقَالَ : إِنِّي طَارِحكُمْ فِيهَا أَوْ تَرْجِعُوا , فَأَبَوْا أَنْ يَرْجِعُوا فَقَذَفَ بِهِمْ فِيهَا حَتَّى إِذَا اِحْتَرَقُوا قَالَ : ‏ ‏إِنِّي إِذَا رَأَيْت أَمْرًا مُنْكَرًا ‏ ‏أَوْقَدْت نَارِي وَدَعَوْت قَنْبَرَا ‏ ‏وَهَذَا سَنَد حَسَن , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق قَتَادَة \" أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِنَاسٍ مِنْ الزُّطّ يَعْبُدُونَ وَثَنًا فَأَحْرَقَهُمْ \" فَسَنَدُهُ مُنْقَطِع , فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى قِصَّة أُخْرَى , فَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَيُّوب بْن النُّعْمَان \" شَهِدْت عَلِيًّا فِي الرَّحْبَة , فَجَاءَهُ رَجُل فَقَالَ إِنَّ هُنَا أَهْل بَيْت لَهُمْ وَثَن فِي دَار يَعْبُدُونَهُ فَقَامَ يَمْشِي إِلَى الدَّار فَأَخْرَجُوا إِلَيْهِ بِمِثَالِ رَجُل قَالَ فَأَلْهَبَ عَلَيْهِمْ عَلِيٌّ الدَّارَ \". ‏ ‏قَوْله ( بِزَنَادِقَة ) ‏ ‏بِزَايٍ وَنُون وَقَاف جَمْع زِنْدِيق بِكَسْرِ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه , قَالَ أَبُو حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ وَغَيْره : الزِّنْدِيق فَارِسِيّ مُعَرَّب أَصْله \" زنده كرداي \" يَقُول بِدَوَامِ الدَّهْر لِأَنَّ \" زنده \" الْحَيَاةُ وَ \" كرد \" الْعَمَلُ , وَيُطْلَق عَلَى مَنْ يَكُون دَقِيق النَّظَر فِي الْأُمُور. وَقَالَ ثَعْلَب : لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب زِنْدِيق وَإِنَّمَا قَالُوا زَنْدَقِيّ لِمَنْ يَكُون شَدِيد التَّحَيُّل , وَإِذَا أَرَادُوا مَا تُرِيد الْعَامَّة قَالُوا مُلْحِد وَدَهْرِيّ بِفَتْحِ الدَّال أَيْ يَقُول بِدَوَامِ الدَّهْر , وَإِذَا قَالُوهَا بِالضَّمِّ أَرَادُوا كِبَر السِّنّ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : الزِّنْدِيق مِنْ الثَّنَوِيَّةِ , كَذَا قَالَ وَفَسَّرَهُ بَعْض الشُّرَّاح بِأَنَّهُ الَّذِي يَدَّعِي أَنَّ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يُطْلَق عَلَى كُلّ مُشْرِك , وَالتَّحْقِيق مَا ذَكَرَهُ مِنْ صِنْف فِي الْمِلَل أَنَّ أَصْل الزَّنَادِقَة اتِّبَاع دَيْصَان ثُمَّ مَانِّي ثُمَّ مَزْدَك الْأَوَّل بِفَتْحِ الدَّال وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا صَاد مُهْمَلَة , وَالثَّانِي بِتَشْدِيدِ النُّون وَقَدْ تُخَفَّف وَالْيَاء خَفِيفَة , وَالثَّالِث بِزَايٍ سَاكِنَة وَدَال مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ كَاف , وَحَاصِل مَقَالَتهمْ أَنَّ النُّور وَالظُّلْمَة قَدِيمَانِ وَأَنَّهُمَا اِمْتَزَجَا فَحَدَثَ الْعَالَم كُلُّهُ مِنْهُمَا , فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الشَّرّ فَهُوَ مِنْ الظُّلْمَة وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْخَيْر فَهُوَ مِنْ النُّور. وَأَنَّهُ يَجِب السَّعْي فِي تَخْلِيص النُّور مِنْ الظُّلْمَة فَيَلْزَم إِزْهَاق كُلّ نَفْس. وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمُتَنَبِّي حَيْثُ قَالَ فِي قَصِيدَته الْمَشْهُورَة : ‏ ‏وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْل عِنْدك مِنْ يَد ‏ ‏تُخَبِّر أَنَّ الْمَانَوِيَّة تَكْذِب ‏ ‏وَكَانَ بَهْرَام جَدُّ كِسْرَى تَحَيَّلَ عَلَى مَانِّي حَتَّى حَضَرَ عِنْده وَأَظْهَرَ لَهُ أَنَّهُ قَبِلَ مَقَالَته ثُمَّ قَتَلَهُ وَقَتَلَ أَصْحَابه وَبَقِيَتْ مِنْهُمْ بَقَايَا اِتَّبَعُوا مَزْدَك الْمَذْكُور , وَقَامَ الْإِسْلَام وَالزِّنْدِيق يُطْلَق عَلَى مَنْ يَعْتَقِد ذَلِكَ , وَأَظْهَرَ جَمَاعَة مِنْهُمْ الْإِسْلَام خَشْيَة الْقَتْل , وَمِنْ ثَمَّ أُطْلِقَ الِاسْم عَلَى كُلّ مَنْ أَسَرَّ الْكُفْر وَأَظْهَرَ الْإِسْلَام حَتَّى قَالَ مَالِك الزَّنْدَقَة مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُنَافِقُونَ وَكَذَا أَطْلَقَ جَمَاعَة مِنْ الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة وَغَيْرهمْ أَنَّ الزِّنْدِيق هُوَ الَّذِي يُظْهِر الْإِسْلَام وَيُخْفِي الْكُفْر , فَإِنْ أَرَادُوا اِشْتِرَاكهمْ فِي الْحُكْم فَهُوَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَأَصْلهمْ مَا ذَكَرْت , وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيّ فِي لُغَات الرَّوْضَة : الزِّنْدِيق الَّذِي لَا يَنْتَحِل دِينًا , وَقَالَ مُحَمَّد بْن مَعْن فِي \" التَّنْقِيب عَلَى الْمُهَذَّب \" : الزَّنَادِقَة مِنْ الثَّنَوِيَّةِ يَقُولُونَ بِبَقَاءِ الدَّهْر وَبِالتَّنَاسُخِ , قَالَ وَمِنْ الزَّنَادِقَة الْبَاطِنِيَّة وَهُمْ قَوْم زَعَمُوا أَنَّ اللَّه خَلَقَ شَيْئًا ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ شَيْئًا آخَر فَدَبَّرَ الْعَالَم بِأَسْرِهِ وَيُسَمُّونَهُمَا الْعَقْل وَالنَّفْس وَتَارَة الْعَقْل الْأَوَّل وَالْعَقْل الثَّانِي , وَهُوَ مِنْ قَوْل الثَّنَوِيَّةِ فِي النُّور وَالظُّلْمَة إِلَّا أَنَّهُمْ غَيَّرُوا الِاسْمَيْنِ , قَالَ وَلَهُمْ مَقَالَات سَخِيفَة فِي النُّبُوَّات وَتَحْرِيف الْآيَات وَفَرَائِض الْعِبَادَات , وَقَدْ قِيلَ إِنَّ سَبَب تَفْسِير الْفُقَهَاء الزِّنْدِيقَ بِمَا يُفَسَّر بِهِ الْمُنَافِقُ قَوْلُ الشَّافِعِيّ فِي الْمُخْتَصَر : وَأَيّ كُفْر اِرْتَدَّ إِلَيْهِ مِمَّا يُظْهِر أَوْ يُسِرّ مِنْ الزَّنْدَقَةِ وَغَيْرهَا ثُمَّ تَابَ سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْل , وَهَذَا لَا يَلْزَم مِنْهُ اِتِّحَاد الزِّنْدِيق وَالْمُنَافِق بَلْ كُلّ زِنْدِيق مُنَافِق مِنْ غَيْر عَكْس وَكَانَ مَنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة الْمُنَافِق يُظْهِر الْإِسْلَام وَيُبْطِن عِبَادَة الْوَثَن أَوْ الْيَهُودِيَّة , وَأَمَّا الثَّنَوِيَّة فَلَا يُحْفَظ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَظْهَرَ الْإِسْلَام فِي الْعَهْد النَّبَوِيّ وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّقَلَة فِي الَّذِينَ وَقَعَ لَهُمْ مَعَ عَلِيّ مَا وَقَعَ عَلَى مَا سَأُبَيِّنُهُ , وَاشْتَهَرَ فِي صَدْر الْإِسْلَام الْجَعْد بْن دِرْهَم فَذَبَحَهُ خَالِد الْقَسْرِيّ فِي يَوْم عِيد الْأَضْحَى , ثُمَّ كَثُرُوا فِي دَوْلَة الْمَنْصُور وَأَظْهَرَ لَهُ بَعْضهمْ مُعْتَقَده فَأَبَادَهُمْ بِالْقَتْلِ ثُمَّ اِبْنه الْمَهْدِيّ فَأَكْثَرَ فِي تَتَبُّعهمْ وَقَتْلهمْ , ثُمَّ خَرَجَ فِي أَيَّام الْمَأْمُون بَابَك بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ كَاف مُخَفَّفَة الْخُرَّمِيّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء فَغَلَبَ عَلَى بِلَاد الْجَبَل وَقَتَلَ فِي الْمُسْلِمِينَ وَهَزَمَ الْجُيُوش إِلَى أَنْ ظَفِرَ بِهِ الْمُعْتَصِم فَصَلَبَهُ , وَلَهُ أَتْبَاع يُقَال لَهُمْ الْخُرَّمِيَّة وَقِصَصهمْ فِي التَّوَارِيخ مَعْرُوفَة. ‏ ‏قَوْله ( فَبَلَغَ ذَلِكَ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم مَنْ بَلَّغَهُ , وَابْن عَبَّاس كَانَ حِينَئِذٍ أَمِيرًا عَلَى الْبَصْرَة مِنْ قِبَل عَلِيّ. ‏ ‏قَوْله ( لِنَهْيِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّه ) ‏ ‏أَيْ لِنَهْيِهِ عَنْ الْقَتْل بِالنَّارِ لِقَوْلِهِ لَا تُعَذِّبُوا وَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِمَّا سَمِعَهُ اِبْن عَبَّاس مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَمِعَهُ مِنْ بَعْض الصَّحَابَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب لَا يُعَذَّب بِعَذَابِ اللَّه \" مِنْ كِتَاب الْجِهَاد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَأَحْرِقُوهُمَا الْحَدِيث وَفِيهِ أَنَّ النَّار لَا يُعَذِّب بِهَا إِلَّا اللَّهُ \" وَبَيَّنْت هُنَاكَ اِسْمهمَا وَمَا يَتَعَلَّق بِشَرْحِ الْحَدِيث , وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ عَنْ اِبْن مَسْعُود فِي قِصَّة أُخْرَى \" أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّب بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّار \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَقَتَلْتهمْ لِقَوْلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عِنْد أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ \" فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \". ‏ ‏قَوْله ( مَنْ بَدَّلَ دِينه فَاقْتُلُوهُ ) ‏ ‏زَادَ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة فِي رِوَايَته \" فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ : وَيْحَ أُمِّ اِبْنِ عَبَّاس \" كَذَا عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَعِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ بِحَذْفِ \" أُمّ \" وَهُوَ مُحْتَمَل أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِمَا اِعْتَرَضَ بِهِ وَرَأَى أَنَّ النَّهْي لِلتَّنْزِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ , وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِيه مَذْهَب مَعَاذ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ الْإِمَام إِذَا رَأَى التَّغْلِيظ بِذَلِكَ فَعَلَهُ , وَهَذَا بِنَاء عَلَى تَفْسِير \" وَيْح \" بِأَنَّهَا كَلِمَة رَحْمَة فَتَوَجَّعَ لَهُ لِكَوْنِهِ حَمَلَ النَّهْي عَلَى ظَاهِره فَاعْتَقَدَ التَّحْرِيم مُطْلَقًا فَأَنْكَرَ ; وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَالَهَا رِضًا بِمَا قَالَ , وَأَنَّهُ حَفِظَ مَا نَسِيَهُ بِنَاء عَلَى أَحَدِ مَا قِيلَ فِي تَفْسِير وَيْح أَنَّهَا تُقَال بِمَعْنَى الْمَدْح وَالتَّعَجُّب كَمَا حَكَاهُ فِي النِّهَايَة , وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْل الْخَلِيل : هِيَ فِي مَوْضِع رَأْفَة وَاسْتِمْلَاح كَقَوْلِك لِلصَّبِيِّ وَيْحه مَا أَحْسَنَهُ حَكَاهُ الْأَزْهَرِيّ , وَقَوْله مَنْ هُوَ عَامٌّ تُخَصّ مِنْهُ مَنْ بَدَّلَهُ فِي الْبَاطِن وَلَمْ يَثْبُت عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي الظَّاهِر فَإِنَّهُ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَام الظَّاهِر وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَنْ بَدَّلَ دِينه فِي الظَّاهِر لَكِنْ مَعَ الْإِكْرَاه كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَاب الْإِكْرَاه بَعْد هَذَا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَتْل الْمُرْتَدَّة كَالْمُرْتَدِّ , وَخَصَّهُ الْحَنَفِيَّة بِالذِّكْرِ وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ النَّهْي عَنْ قَتْل النِّسَاء وَحَمَلَ الْجُمْهُور النَّهْي عَلَى الْكَافِرَة الْأَصْلِيَّة إِذَا لَمْ تُبَاشِر الْقِتَال وَلَا الْقَتْل لِقَوْلِهِ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث النَّهْي عَنْ قَتْل النِّسَاء لَمَّا رَأَى الْمَرْأَة مَقْتُولَة \" مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ \" ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْل النِّسَاء , وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ \" مَنْ \" الشَّرْطِيَّةَ لَا تَعُمّ الْمُؤَنَّث , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اِبْن عَبَّاس رَاوِي الْخَبَر قَدْ قَالَ تُقْتَل الْمُرْتَدَّة , وَقَتَلَ أَبُو بَكْر فِي خِلَافَته اِمْرَأَة اِرْتَدَّتْ وَالصَّحَابَة مُتَوَافِرُونَ فَلَمْ يُنْكِر ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَد , وَقَدْ أَخْرَجَ ذَلِكَ كُلّه اِبْن الْمُنْذِر , وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَثَر أَبِي بَكْر مِنْ وَجْه حَسَن , وَأَخْرَجَ مِثْله مَرْفُوعًا فِي قَتْل الْمُرْتَدَّة لَكِنَّ سَنَده ضَعِيف , وَاحْتَجُّوا مِنْ حَيْثُ النَّظَر بِأَنَّ الْأَصْلِيَّة تُسْتَرَقّ فَتَكُون غَنِيمَة لِلْمُجَاهِدِينَ وَالْمُرْتَدَّة لَا تُسْتَرَقّ عِنْدهمْ فَلَا غُنْم فِيهَا فَلَا يُتْرَك قَتْلهَا. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث مَعَاذ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَن قَالَ لَهُ \" أَيّمَا رَجُل اِرْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَام فَادْعُهُ فَإِنْ عَادَ وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقه , وَأَيّمَا اِمْرَأَة اِرْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَام فَادْعُهَا فَإِنْ عَادَتْ وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقهَا \" وَسَنَده حَسَن , وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِع النِّزَاع فَيَجِب الْمَصِير إِلَيْهِ , وَيُؤَيِّدهُ اِشْتِرَاك الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي الْحُدُود كُلّهَا الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشُرْب الْخَمْر وَالْقَذْف , وَمِنْ صُوَر الزِّنَا رَجْم الْمُحْصَن حَتَّى يَمُوت فَاسْتُثْنِيَ ذَلِكَ مِنْ النَّهْي عَنْ قَتْل النِّسَاء , فَكَذَلِكَ يُسْتَثْنَى قَتْل الْمُرْتَدَّة , وَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْض الشَّافِعِيَّة فِي قَتْل مَنْ اِنْتَقَلَ مِنْ دِين كُفْر إِلَى دِين كُفْر سَوَاء كَانَ مِمَّنْ يُقَرّ أَهْله عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ أَوْ لَا وَأَجَابَ بَعْض الْحَنَفِيَّة بِأَنَّ الْعُمُوم فِي الْحَدِيث فِي الْمُبْدِل لَا فِي التَّبْدِيل , فَأَمَّا التَّبْدِيل فَهُوَ مُطْلَق لَا عُمُوم فِيهِ , وَعَلَى تَقْدِير التَّسْلِيم فَهُوَ مَتْرُوك الظَّاهِر اِتِّفَاقًا فِي الْكَافِر وَلَوْ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يَدْخُل فِي عُمُوم الْخَبَر وَلَيْسَ مُرَادًا , وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الْكُفْر مِلَّة وَاحِدَة فَلَوْ تَنَصَّرَ الْيَهُودِيّ لَمْ يَخْرُج عَنْ دِين الْكُفْر , وَكَذَا لَوْ تَهَوَّدَ الْوَثَنِيّ , فَوَضَحَ أَنَّ الْمُرَاد مَنْ بَدَّلَ دِين الْإِسْلَام بِدِينٍ غَيْره لِأَنَّ الدِّين فِي الْحَقِيقَة هُوَ الْإِسْلَام قَالَ اللَّه تَعَالَى ( إِنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام ) وَمَا عَدَاهُ فَهُوَ بِزَعْمِ الْمُدَّعِي , وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْر الْإِسْلَام دِينًا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ ) فَقَدْ اِحْتَجَّ بِهِ بَعْض الشَّافِعِيَّة فَقَالَ : يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُقَرّ عَلَى ذَلِكَ , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ظَاهِر فِي أَنَّ مَنْ اِرْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَام لَا يُقَرّ عَلَى ذَلِكَ , سَلَّمْنَا لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه لَا يُقْبَل مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُقَرّ بِالْجِزْيَةِ بَلْ عَدَم الْقَبُول وَالْخُسْرَان إِنَّمَا هُوَ فِي الْآخِرَة , سَلَّمْنَا أَنَّ عَدَم الْقَبُول يُسْتَفَاد مِنْهُ عَدَم التَّقْرِير فِي الدُّنْيَا لَكِنَّ الْمُسْتَفَاد أَنَّهُ لَا يُقَرّ عَلَيْهِ , فَلَوْ رَجَعَ إِلَى الدِّين الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَكَانَ مَقَرًّا عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ فَإِنَّهُ يُقْتَل إِنْ لَمْ يُسْلِم مَعَ إِمْكَان الْإِمْسَاك بِأَنَّا لَا نَقْبَل مِنْهُ وَلَا نَقْتُلهُ , وَيُؤَيِّدُ تَخْصِيصَهُ بِالْإِسْلَامِ مَا جَاءَ فِي بَعْض طُرُقه : فَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَفَعَه \" مَنْ خَالَفَ دِينَهُ دِينَ الْإِسْلَام فَاضْرِبُوا عُنُقه \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَتْل الزِّنْدِيق مِنْ غَيْر اِسْتِتَابَة وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي بَعْض طُرُقه كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عَلِيًّا اِسْتَتَابَهُمْ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيّ كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى الْقَبُول مُطْلَقًا وَقَالَ يُسْتَتَاب الزِّنْدِيق كَمَا يُسْتَتَاب الْمُرْتَدّ , وَعَنْ أَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَة رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا لَا يُسْتَتَاب وَالْأُخْرَى إِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ لَمْ تُقْبَل تَوْبَته , وَهُوَ قَوْل اللَّيْث وَإِسْحَاق , وَحُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْمَرْوَزِيِّ مِنْ أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة وَلَا يَثْبُت عَنْهُ بَلْ قِيلَ إِنَّهُ تَحْرِيف مِنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْمَالِكِيَّة , وَحَكَى عَنْ مَالِك إِنْ جَاءَ تَائِبًا يُقْبَل مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا , وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُف , وَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذَانِ أَبُو إِسْحَاق الْإِسْفَرَايِنِيّ وَأَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ. وَعَنْ بَقِيَّة الشَّافِعِيَّة أَوْجُه كَالْمَذَاهِبِ الْمَذْكُورَة , وَخَامِس يُفْصَلُ بَيْن الدَّاعِيَة فَلَا يُقْبَل مِنْهُ وَتُقْبَل تَوْبَة غَيْر الدَّاعِيَة , وَأَفْتَى اِبْن الصَّلَاح بِأَنَّ الزِّنْدِيق إِذَا تَابَ تُقْبَل تَوْبَته وَيُعَزَّر فَإِنْ عَادَ بَادَرْنَاهُ بِضَرْبِ عُنُقه وَلَمْ يُمْهَل , وَاسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا ) فَقَالَ : الزِّنْدِيق لَا يُطَّلَع عَلَى صَلَاحه لِأَنَّ الْفَسَاد إِنَّمَا أَتَى مِمَّا أَسَرَّهُ فَإِذَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ وَأَظْهَرَ الْإِقْلَاع عَنْهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ , وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّه لِيَغْفِر لَهُمْ ) الْآيَة , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فَسَّرَهُ اِبْن عَبَّاس فِيمَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَغَيْره , وَاسْتَدَلَّ لِمَالِك بِأَنَّ تَوْبَة الزِّنْدِيق لَا تُعْرَف , قَالَ وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُنَافِقِينَ لِلتَّأَلُّفِ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُمْ لَقَتَلَهُمْ بِعِلْمِهِ فَلَا يُؤْمَن أَنْ يَقُول قَائِل إِنَّمَا قَتَلَهُمْ لِمَعْنًى آخَر , وَمِنْ حُجَّة مَنْ اِسْتَتَابَهُمْ قَوْله تَعَالَى ( اِتَّخَذُوا أَيْمَانهمْ جُنَّة ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِظْهَار الْإِيمَان يُحْصِن مِنْ الْقَتْل , وَكُلّهمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَحْكَام الدُّنْيَا عَلَى الظَّاهِر وَاَللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِر وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُسَامَة \" هَلَّا شَقَقْت عَنْ قَلْبه \" وَقَالَ لِلَّذِي سَارَّهُ فِي قَتْل رَجُل \" أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نُهِيت عَنْ قَتْلهمْ \" وَسَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث أَبِي سَعِيد أَنَّ خَالِد بْن الْوَلِيد لَمَّا اِسْتَأْذَنَ فِي قَتْل الَّذِي أَنْكَرَ الْقِسْمَة وَقَالَ كَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُول بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبه فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوب النَّاس \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِكَ كَثِيرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6412",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَعِي رَجُلَانِ مِنْ ‏ ‏الْأَشْعَرِيِّينَ ‏ ‏أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِي وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْتَاكُ فَكِلَاهُمَا سَأَلَ فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا مُوسَى ‏ ‏أَوْ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ قَلَصَتْ فَقَالَ لَنْ أَوْ ‏ ‏لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ يَا ‏ ‏أَبَا مُوسَى ‏ ‏أَوْ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏ثُمَّ اتَّبَعَهُ ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ‏ ‏فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً قَالَ انْزِلْ وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ قَالَ مَا هَذَا قَالَ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ قَالَ اجْلِسْ قَالَ لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيْلِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ , وَهُوَ مُشْتَمِل عَلَى أَرْبَعَة أَحْكَام : الْأَوَّل السِّوَاك وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَة أَتَمَّ مِمَّا هُنَا , الثَّانِي ذَمّ طَلَب الْإِمَارَة وَمَنْع مَنْ حَرَصَ عَلَيْهَا وَسَيَأْتِي بَسْطه فِي كِتَاب الْأَحْكَام , الثَّالِث بَعْث أَبِي مُوسَى عَلَى الْيَمَن وَإِرْسَال مَعَاذ أَيْضًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الْمَغَازِي بَعْد غَزْوَة الطَّائِف بِثَلَاثَةِ أَبْوَاب , الرَّابِع قِصَّة الْيَهُودِيّ الَّذِي أَسْلَمَ ثُمَّ اِرْتَدَّ وَهُوَ الْمَقْصُود هُنَا. ‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان وَالسَّنَد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي مُوسَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَدَ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان بِهَذَا السَّنَد \" قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ \". ‏ ‏قَوْله ( وَمَعِي رَجُلَانِ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ ) ‏ ‏هُمَا مِنْ قَوْمه وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهمَا , وَقَدْ وَقَعَ فِي \" الْأَوْسَط لِلطَّبَرَانِيِّ \" مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَلِك عَنْ عُمَيْر عَنْ أَبِي بُرْدَة فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ أَحَدهمَا اِبْن عَمّ أَبِي مُوسَى , وَعِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِي بُرْدَة رَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي. ‏ ‏قَوْله ( فَكِلَاهُمَا سَأَلَ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ الْمَسْئُول , وَبَيَّنَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة فَقَالَ فِيهَا \" سَأَلَ الْعَمَل \" وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ فِي الْأَحْكَام مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن عَبْد اللَّه وَلَفْظه \" فَقَالَ أَحَدهمَا أَمِّرْنَا يَا رَسُول اللَّه , فَقَالَ الْآخَر مِثْلَهُ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَمِّرْنَا عَلَى بَعْض مَا وَلَّاك اللَّه \" وَلِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي بُرْدَة \" فَتَشَهَّدَ أَحَدهمَا فَقَالَ : جِئْنَاك لِتَسْتَعِينَ بِنَا عَلَى عَمَلك فَقَالَ الْآخَر مِثْله \" وَعِنْدهمَا مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِيهِ \" أَتَانِي نَاس مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ فَقَالُوا اِنْطَلِقْ مَعَنَا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ لَنَا حَاجَة , فَقُمْت مَعَهُمْ , فَقَالُوا أَتَسْتَعِينُ بِنَا فِي عَمَلك \" وَيُجْمَع بِأَنَّهُ كَانَ مَعَهُمَا مَنْ يَتْبَعهُمَا وَأَطْلَقَ صِيغَة الْجَمْع عَلَى الِاثْنَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ يَا أَبَا مُوسَى أَوْ يَا عَبْد اللَّه بْن قَيْس ) ‏ ‏شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي بِأَيِّهِمَا خَاطَبَهُ , وَلَمْ يَذْكُر الْقَوْل فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ بْن حَنْبَل وَمُسَدَّد كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان بِسَنَدِهِ فِيهِ فَقَالَ \" مَا تَقُول يَا أَبَا مُوسَى \" وَمِثْله لِمُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّد بْن حَاتِم عَنْ يَحْيَى. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسهمَا ) ‏ ‏يُفَسَّر بِهِ رِوَايَة أَبِي الْعُمَيْس \" فَاعْتَذَرْت إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا قَالُوا وَقُلْت لَمْ أَدْرِ مَا حَاجَتهمْ , فَصَدَّقَنِي وَعَذَرَنِي \" وَفِي لَفْظ \" فَقَالَ لَمْ أَعْلَمْ لِمَاذَا جَاءَا. ‏ ‏قَوْله ( لَنْ أَوْ لَا ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَفِي رِوَايَة يَزِيد عِنْد مُسْلِم \" إِنَّا وَاَللَّه \". ‏ ‏قَوْله ( لَا نَسْتَعْمِل عَلَى عَمَلنَا مَنْ أَرَادَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْعُمَيْس \" مَنْ سَأَلَنَا \" بِفَتْحِ اللَّام وَفِي رِوَايَة يَزِيد \" أَحَدًا سَأَلَهُ وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ \" وَفِي أُخْرَى \" فَقَالَ إِنَّ أَخْوَنَكُمْ عِنْدنَا مَنْ يَطْلُبهُ فَلَمْ يَسْتَعِنْ بِهِمَا فِي شَيْء حَتَّى مَاتَ ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ أَخِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَة , وَأَدْخَلَ أَبُو دَاوُدَ بَيْنه وَبَيْن أَبِي بُرْدَة رَجُلًا. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أَتْبَعَهُ ) ‏ ‏بِهَمْزَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاة سَاكِنَة. ‏ ‏قَوْله ( مَعَاذ بْن جَبَل ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ أَيْ بَعَثَهُ بَعْده. وَظَاهِره أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِهِ بَعْد أَنْ تَوَجَّهَ , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ وَاتَّبَعَهُ بِهَمْزَةِ وَصْل وَتَشْدِيد , وَمَعَاذ بِالرَّفْعِ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ \" بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا مُوسَى وَمَعَاذًا إِلَى الْيَمَن فَقَالَ يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا \" الْحَدِيث وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ أَضَافَ مَعَاذًا إِلَى أَبِي مُوسَى بَعْد سَبْق وِلَايَته لَكِنْ قَبْل تَوَجُّهه فَوَصَاهُمَا عِنْد التَّوَجُّه بِذَلِكَ , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ وَصَّى كُلًّا مِنْهُمَا وَاحِدًا بَعْد آخَر. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ عَلَى عَمَل مُسْتَقِلّ , وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ إِذَا سَارَ فِي أَرْضه فَقَرُبَ مِنْ صَاحِبه أَحْدَثَ بِهِ عَهْدًا , وَفِي أُخْرَى هُنَاكَ \" فَجَعَلَا يَتَزَاوَرَانِ فَزَارَ مَعَاذ أَبَا مُوسَى \" وَفِي أُخْرَى \" فَضَرَبَ فُسْطَاطًا \" وَمَعْنَى \" أَلْقَى لَهُ وِسَادَة \" فَرَشَهَا لَهُ لِيَجْلِس عَلَيْهَا , وَقَدْ ذَكَرَ الْبَاجِيّ وَالْأَصِيلِيّ فِيمَا نَقَلَهُ عِيَاض عَنْهُمَا أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِ اِبْن عَبَّاس \" فَاضْطَجَعْت فِي عَرْض الْوِسَادَة \" الْفِرَاش , وَرَدَّهُ النَّوَوِيّ فَقَالَ : هَذَا ضَعِيف أَوْ بَاطِل , وَإِنَّمَا الْمُرَاد بِالْوِسَادَةِ مَا يُجْعَل تَحْت رَأْس النَّائِم , وَهُوَ كَمَا قَالَ , قَالَ وَكَانَتْ عَادَتهمْ أَنَّ مَنْ أَرَادُوا إِكْرَامه وَضَعُوا الْوِسَادَة تَحْته مُبَالَغَة فِي إِكْرَامه. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهِ فَأَلْقَى لَهُ وِسَادَة \" كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصِّيَام , وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَبْد اللَّه بْن مُطِيع فَطَرَحَ لَهُ وِسَادَة , فَقَالَ لَهُ مَا جِئْت لِأَجْلِس \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ كُتُبِ اللُّغَة أَنَّ الْفِرَاش يُسَمَّى وِسَادَة. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اِنْزِلْ ) ‏ ‏أَيْ فَاجْلِسْ عَلَى الْوِسَادَة. ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا رَجُل إِلَخْ ) ‏ ‏هِيَ جُمْلَة حَالِيَّة بَيْن الْأَمْر وَالْجَوَاب , وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الرَّجُل الْمَذْكُور , وَقَوْله \" كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ \" فِي رِوَايَة مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ دِينَ السُّوء. وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ حُمَيْد بْن هِلَال عَنْ أَبِي بُرْدَة قَالَ \" قَدِمَ مَعَاذ بْن جَبَل عَلَى أَبِي مُوسَى فَإِذَا رَجُل عِنْده فَقَالَ : مَا هَذَا - فَذَكَرَ مِثْله وَزَادَ - وَنَحْنُ نُرِيدهُ عَلَى الْإِسْلَام مُنْذُ أَحْسَبهُ شَهْرَيْنِ وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مَعَاذ وَأَبِي مُوسَى \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمَا أَنْ يُعَلِّمَا النَّاس , فَزَارَ مَعَاذ أَبَا مُوسَى فَإِذَا عِنْده رَجُل مُوثَق بِالْحَدِيدِ فَقَالَ : يَا أَخِي أَوَبُعِثْت تُعَذِّب النَّاس إِنَّمَا بُعِثْنَا نُعَلِّمهُمْ دِينهمْ وَنَأْمُرهُمْ بِمَا يَنْفَعهُمْ فَقَالَ إِنَّهُ أَسْلَمَ ثُمَّ كَفَرَ , فَقَالَ : وَاَلَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَا أَبْرَح حَتَّى أُحْرِقَهُ بِالنَّارِ \". ‏ ‏قَوْله ( لَا أَجْلِس حَتَّى يُقْتَل قَضَاء اللَّه وَرَسُوله ) ‏ ‏بِالرَّفْعِ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف وَيَجُوز النَّصْب. ‏ ‏قَوْله ( ثَلَاث مَرَّات ) ‏ ‏أَيْ كَرَّرَ هَذَا الْكَلَام ثَلَاث مَرَّات وَبَيَّنَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَته أَنَّهُمَا كَرَّرَا الْقَوْل أَبُو مُوسَى يَقُولُ : اِجْلِسْ , وَمَعَاذ يَقُول : لَا أَجْلِس , فَعَلَى هَذَا فَقَوْله ثَلَاث مَرَّات مِنْ كَلَام الرَّاوِي لَا تَتِمَّة كَلَام مَعَاذ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَيُّوب بَعْد قَوْله قَضَاء اللَّه وَرَسُوله \" إِنَّ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينه - أَوْ قَالَ بَدَّلَ دِينه - فَاقْتُلُوهُ ). ‏ ‏قَوْله ( فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَيُّوب \" فَقَالَ وَاَللَّه لَا أَقْعُد حَتَّى تَضْرِبُوا عُنُقه فَضَرَبَ عُنُقه \" وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا \" فَأُتِيَ بِحَطَبٍ فَأَلْهَبَ فِيهِ النَّار فَكَتَّفَهُ وَطَرَحَهُ فِيهَا \" وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُ ضَرَبَ عُنُقه ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي النَّار. وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَعَاذًا وَأَبَا مُوسَى كَانَا يَرَيَانِ جَوَاز التَّعْذِيب بِالنَّارِ وَإِحْرَاق الْمَيِّت بِالنَّارِ مُبَالَغَة فِي إِهَانَته وَتَرْهِيبًا عَنْ الِاقْتِدَاء بِهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق طَلْحَة بْن يَحْيَى وَيَزِيد بْن عَبْد اللَّه كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ \" قَدِمَ عَلَى مَعَاذ \" فَذَكَرَ قِصَّة الْيَهُودِيّ وَفِيهِ \" فَقَالَ لَا أَنْزِل عَنْ دَابَّتِي حَتَّى يُقْتَل فَقُتِلَ \" قَالَ أَحَدهمَا : وَكَانَ قَدْ اُسْتُتِيبَ قَبْل ذَلِكَ. وَلَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَة \" أُتِيَ أَبُو مُوسَى بِرَجُلٍ قَدْ اِرْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَام فَدَعَاهُ فَأَبَى عِشْرِينَ لَيْلَة أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا , وَجَاءَ مَعَاذ فَدَعَاهُ فَأَبَى فَضَرَبَ عُنُقَهُ \" قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْ أَبِي بُرْدَة فَلَمْ يَذْكُر الِاسْتِتَابَة , وَكَذَا اِبْن فُضَيْلٍ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ , وَقَالَ الْمَسْعُودِيّ عَنْ الْقَاسِم يَعْنِي اِبْن عَبْد الرَّحْمَن فِي هَذِهِ الْقِصَّة : فَلَمْ يَنْزِل حَتَّى ضَرَبَ عُنُقه وَمَا اِسْتَتَابَهُ. وَهَذَا يُعَارِضهُ الرِّوَايَة الْمُثْبِتَة لِأَنَّ مَعَاذًا اِسْتَتَابَهُ , وَهِيَ أَقْوَى مِنْ هَذِهِ وَالرِّوَايَات السَّاكِتَة عَنْهَا لَا تُعَارِضهَا , وَعَلَى تَقْدِير تَرْجِيح رِوَايَة الْمَسْعُودِيّ فَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَنْ قَالَ يُقْتَل الْمُرْتَدّ بِلَا اِسْتِتَابَة , لِأَنَّ مَعَاذًا يَكُون اِكْتَفَى بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اِسْتِتَابَة أَبِي مُوسَى , وَقَدْ ذَكَرْت قَرِيبًا أَنَّ مَعَاذًا رَوَى الْأَمْر بِاسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدّ وَالْمُرْتَدَّة. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَام اللَّيْل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة \" فَقَالَ كَيْف تَقْرَأ الْقُرْآن \" أَيْ فِي صَلَاة اللَّيْل. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَحَدهمَا ) ‏ ‏هُوَ مَعَاذ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة \" فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَقْرَؤُهُ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى رَاحِلَتِي وَأَتَفَوَّقهُ \" بِفَاءٍ وَقَاف بَيْنهمَا وَاو ثَقِيلَة أَيْ أُلَازِم قِرَاءَته فِي جَمِيع الْأَحْوَال , وَفِي أُخْرَى \" فَقَالَ أَبُو مُوسَى كَيْف تَقْرَأ أَنْتَ يَا مَعَاذ ؟ قَالَ : أَنَام أَوَّل اللَّيْل فَأَقُوم وَقَدْ قَضَيْت حَاجَتِي فَأَقْرَأ مَا كَتَبَ اللَّه لِي \". ‏ ‏قَوْله ( وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي ) ‏ ‏\" فِي رِوَايَة سَعِيد \" وَأَحْتَسِب \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْمَغَازِي , وَحَاصِله أَنَّهُ يَرْجُو الْأَجْر فِي تَرْوِيح نَفْسه بِالنَّوْمِ لِيَكُونَ أَنْشَطَ عِنْد الْقِيَام. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ : تَوْلِيَة أَمِيرَيْنِ عَلَى الْبَلَد الْوَاحِد , وَقِسْمَة الْبَلَد بَيْن أَمِيرَيْنِ , وَفِيهِ كَرَاهَة سُؤَال الْإِمَارَة وَالْحِرْص عَلَيْهَا وَمَنْع الْحَرِيص مِنْهَا كَمَا سَيَأْتِي بَسْطه فِي كِتَاب الْأَحْكَام , وَفِيهِ تَزَاوُر الْإِخْوَان وَالْأُمَرَاء وَالْعُلَمَاء , وَإِكْرَام الضَّيْف , وَالْمُبَادَرَة إِلَى إِنْكَار الْمُنْكَر , وَإِقَامَة الْحَدّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ , وَأَنَّ الْمُبَاحَات يُؤْجَر عَلَيْهَا بِالنِّيَّةِ إِذَا صَارَتْ وَسَائِلَ لِلْمَقَاصِدِ الْوَاجِبَة أَوْ الْمَنْدُوبَة أَوْ تَكْمِيلًا لِشَيْءٍ مِنْهُمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6413",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاسْتُخْلِفَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَهَكَذَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُ عَنْ الزُّهْرِيّ بِهَذَا السَّنَد عَلَى أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة عَنْ عُمَر وَعَنْ أَبِي بَكْر , وَقَالَ يُونُس بْن يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس \" الْحَدِيث فَسَاقَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ مُسْنَد أَبِي هُرَيْرَة وَلَمْ يَذْكُر أَبَا بَكْر وَلَا عُمَر أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة سَمِعَ أَصْل الْحَدِيث مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَضَرَ مُنَاظَرَة أَبِي بَكْر وَعُمَر فَقَصَّهَا كَمَا هِيَ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا وَاسِطَة مِنْ طُرُق فَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يَعْقُوب عَنْ أَبِيهِ , وَمِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح ذَكْوَانَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَأَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق أَبِي الْعَنْبَس سَعِيد بْن كَثِير بْن عُبَيْد عَنْ أَبِيهِ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيق هَمَّام بْن مُنَبِّه , وَرَوَاهُ مَالِك خَارِج الْمُوَطَّأ عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج , وَذَكَرَهُ اِبْن مَنْدَهْ فِي كِتَاب الْإِيمَان مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَمْرَة كُلّهمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا اِبْن عُمَر كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْكِتَاب فِي كِتَاب الْإِيمَان وَجَابِر وَطَارِق الْأَشْجَعِيّ عِنْد مُسْلِم , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس وَأَصْله عِنْد الْبُخَارِيّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الصَّلَاة وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس , وَهُوَ عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ لَكِنْ قَالَ \" عَنْ أَنَس عَنْ أَبِي بَكْر \" وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث سَهْل بْن سَعْد وَابْن عَبَّاس وَجَرِير الْبَجَلِيِّ وَفِي الْأَوْسَط مِنْ حَدِيث سَمُرَة , وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتهمْ مِنْ فَائِدَة زَائِدَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَب ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَنَس عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ \" لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِرْتَدَّ عَامَّة الْعَرَب \". ‏ ‏قَوْله ( يَا أَبَا بَكْر كَيْف تُقَاتِل النَّاس ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَنَس \" أَتُرِيدُ أَنْ تُقَاتِل الْعَرَب \". ‏ ‏قَوْله ( أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) ‏ ‏كَذَا سَاقَهُ الْأَكْثَر , وَفِي رِوَايَة طَارِق عِنْد مُسْلِم \" مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَد مِنْ دُونه حَرُمَ دَمه وَمَاله \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثه كَرِوَايَةِ الْجُمْهُور , وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه , وَيُقِيمُوا الصَّلَاة , وَيُؤْتُوا الزَّكَاة \" وَنَحْوه فِي حَدِيث أَبِي الْعَنْبَس وَفِي حَدِيث أَنَس , عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله , وَأَنْ يَسْتَقْبِلُوا قِبْلَتنَا , وَيَأْكُلُوا ذَبِيحَتنَا , وَيُصَلُّوا صَلَاتنَا \" وَفِي رِوَايَة الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن \" حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله , وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ \" قَالَ الْخَطَّابِيّ : زَعَمَ الرَّوَافِض أَنَّ حَدِيث الْبَاب مُتَنَاقِض لِأَنَّ فِي أَوَّله أَنَّهُمْ كَفَرُوا وَفِي آخِره أَنَّهُمْ ثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَام إِلَّا أَنَّهُمْ مَنَعُوا الزَّكَاة , فَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فَكَيْف اِسْتَحَلَّ قِتَالهمْ وَسَبْيَ ذَرَارِيّهمْ , وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا فَكَيْف اِحْتَجَّ عَلَى عُمَر بِالتَّفْرِقَةِ بَيْن الصَّلَاة وَالزَّكَاة , فَإِنَّ فِي جَوَابه إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالصَّلَاةِ. قَالَ : وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّة كَانُوا صِنْفَيْنِ , صِنْف رَجَعُوا إِلَى عِبَادَة الْأَوْثَان , وَصِنْف مَنَعُوا الزَّكَاة وَتَأَوَّلُوا قَوْله تَعَالَى ( خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة تُطَهِّرهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتك سَكَن لَهُمْ ) فَزَعَمُوا أَنَّ دَفْع الزَّكَاة خَاصّ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ غَيْره لَا يُطَهِّرهُمْ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِمْ فَكَيْف تَكُون صَلَاته سَكَنًا لَهُمْ , وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَر بِقَوْلِهِ \" تُقَاتِل النَّاس \" الصِّنْف الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا يَتَرَدَّد فِي جَوَاز قَتْل الصِّنْف الْأَوَّل , كَمَا أَنَّهُ لَا يَتَرَدَّد فِي قِتَال غَيْرهمْ مِنْ عُبَّاد الْأَوْثَان وَالنِّيرَان وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى , قَالَ : وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِر مِنْ الْحَدِيث إِلَّا الْقَدْر الَّذِي ذَكَرَهُ , وَقَدْ حَفِظَ غَيْره فِي الصَّلَاة وَالزَّكَاة مَعًا , وَقَدْ رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَعْقُوب بِلَفْظٍ يَعُمّ جَمِيع الشَّرِيعَة حَيْثُ قَالَ فِيهَا \" وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ \" فَإِنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدُعِيَ إِلَيْهِ فَامْتَنَعَ وَنَصَبَ الْقِتَال أَنَّهُ يَجِب قِتَاله وَقَتْله إِذَا أَصَرَّ , قَالَ : وَإِنَّمَا عَرَضَتْ الشُّبْهَة لِمَا دَخَلَهُ مِنْ الِاخْتِصَار , وَكَأَنَّ رَاوِيه لَمْ يَقْصِد سِيَاق الْحَدِيث عَلَى وَجْهه وَإِنَّمَا أَرَادَ سِيَاق مُنَاظَرَة أَبِي بَكْر وَعُمَر وَاعْتَمَدَ عَلَى مَعْرِفَة السَّامِعِينَ بِأَصْلِ الْحَدِيث , اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. قُلْت وَفِي هَذَا الْجَوَاب نَظَر , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْد عُمَر فِي الْحَدِيث \" حَتَّى يُقِيمُوا الصَّلَاة وَيُؤْتُوا الزَّكَاة \" مَا اِسْتَشْكَلَ قِتَالهمْ لِلتَّسْوِيَةِ فِي كَوْن غَايَة الْقِتَال تَرْكَ كُلّ مِنْ التَّلَفُّظ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَإِقَام الصَّلَاة وَإِيتَاء الزَّكَاة , قَالَ عِيَاض : حَدِيث اِبْن عُمَر نَصٌّ فِي قِتَال مَنْ لَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يُزَكِّ كَمَنْ لَمْ يُقِرّ بِالشَّهَادَتَيْنِ , وَاحْتِجَاج عُمَر عَلَى أَبِي بَكْر وَجَوَاب أَبِي بَكْر دَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَا فِي الْحَدِيث الصَّلَاة وَالزَّكَاة إِذْ لَوْ سَمِعَهُ عُمَر لَمْ يَحْتَجّ عَلَى أَبِي بَكْر وَلَوْ سَمِعَهُ أَبُو بَكْر لَرَدَّ بِهِ عَلَى عُمَر وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الِاحْتِجَاج بِعُمُومِ قَوْله \" إِلَّا بِحَقِّهِ \". قُلْت : إِنْ كَانَ الضَّمِير فِي قَوْله \" بِحَقِّهِ \" لِلْإِسْلَامِ فَمَهْمَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ حَقّ الْإِسْلَام تَنَاوَلَهُ , وَلِذَلِكَ اِتَّفَقَ الصَّحَابَة عَلَى قِتَال مَنْ جَحَدَ الزَّكَاة. ‏ ‏قَوْله ( لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْن الصَّلَاة وَالزَّكَاة ) ‏ ‏يَجُوز تَشْدِيد فَرَّقَ وَتَخْفِيفه , وَالْمُرَاد بِالْفَرْقِ مَنْ أَقَرَّ بِالصَّلَاةِ وَأَنْكَرَ الزَّكَاة جَاحِدًا أَوْ مَانِعًا مَعَ الِاعْتِرَاف , وَإِنَّمَا أُطْلِقَ فِي أَوَّل الْقِصَّة الْكُفْر لِيَشْمَل الصِّنْفَيْنِ , فَهُوَ فِي حَقّ مَنْ جَحَدَ حَقِيقَة وَفِي حَقّ الْآخَرِينَ مَجَاز تَغْلِيبًا , وَإِنَّمَا قَاتَلَهُمْ الصِّدِّيق وَلَمْ يَعْذِرْهُمْ بِالْجَهْلِ لِأَنَّهُمْ نَصَبُوا الْقِتَال فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى الرُّجُوع , فَلَمَّا أَصَرُّوا قَاتَلَهُمْ. قَالَ الْمَازِرِيّ : ظَاهِر السِّيَاق أَنَّ عُمَر كَانَ مُوَافِقًا عَلَى قِتَال مَنْ جَحَدَ الصَّلَاة فَأَلْزَمَهُ الصِّدِّيق بِمِثْلِهِ فِي الزَّكَاة لِوُرُودِهِمَا فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة مَوْرِدًا وَاحِدًا. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّ الزَّكَاة حَقّ الْمَال ) ‏ ‏يُشِير إِلَى دَلِيل مَنْع التَّفْرِقَة الَّتِي ذَكَرَهَا أَنَّ حَقّ النَّفْس الصَّلَاة وَحَقّ الْمَال الزَّكَاة , فَمَنْ صَلَّى عَصَمَ نَفْسه , وَمَنْ زَكَّى عَصَمَ مَاله , فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ قُوتِلَ عَلَى تَرْك الصَّلَاة , وَمَنْ لَمْ يُزَكِّ أُخِذَتْ الزَّكَاة مِنْ مَاله قَهْرًا , وَإِنْ نَصَبَ الْحَرْب لِذَلِكَ قُوتِلَ. وَهَذَا يُوَضِّح أَنَّهُ لَوْ كَانَ سَمِعَ فِي الْحَدِيث \" وَيُقِيمُوا الصَّلَاة وَيُؤْتُوا الزَّكَاة ) لَمَا اِحْتَاجَ إِلَى هَذَا الِاسْتِنْبَاط , لَكِنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَمِعَهُ وَاسْتَظْهَرَ بِهَذَا الدَّلِيل النَّظَرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( وَاَللَّه لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطهَا فِي \" بَاب أَخْذ الْعَنَاق \" وَفِي \" الصَّدَقَة \" مِنْ كِتَاب الزَّكَاة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة قُتَيْبَة عَنْ اللَّيْث عِنْد مُسْلِم \" عِقَالًا \" وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الِاعْتِصَام عَنْ قُتَيْبَة فَكَنَّى بِهَذِهِ اللَّفْظَة فَقَالَ \" لَوْ مَنَعُونِي كَذَا \" وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة فَقَالَ قَوْم هِيَ وَهْم , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ فِي \" الِاعْتِصَام \" عَقِب إِيرَاده \" قَالَ لِي اِبْن بُكَيْر \" يَعْنِي شَيْخه فِيهِ هُنَا , وَعَبْد اللَّه يَعْنِي اِبْن صَالِح عَنْ اللَّيْث \" عَنَاقًا \" وَهُوَ أَصَحّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة ذَكَرَهَا أَبُو عُبَيْدَة \" لَوْ مَنَعُونِي جَدْيًا أَذْوَطَ , وَهُوَ يُؤَيِّد أَنَّ الرِّوَايَة \" عَنَاقًا \" وَالْأَذْوَط الصَّغِير الْفَكّ وَالذَّقَن , قَالَ عِيَاض وَاحْتَجَّ بِذَلِكَ مَنْ يُجِيز أَخْذ الْعَنَاق فِي زَكَاة الْغَنَم إِذَا كَانَتْ كُلّهَا سِخَالًا وَهُوَ أَحَد الْأَقْوَال , وَقِيلَ : إِنَّمَا ذَكَرَ الْعَنَاق مُبَالَغَة فِي التَّقْلِيل لَا الْعَنَاق نَفْسهَا , قُلْت : وَالْعَنَاق بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون الْأُنْثَى مِنْ وَلَد الْمَعْز , قَالَ النَّوَوِيّ : الْمُرَاد أَنَّهَا كَانَتْ صِغَارًا فَمَاتَتْ أُمَّهَاتهَا فِي بَعْض الْحَوْل فَيُزَكَّيْنَ بِحَوْلِ الْأُمَّهَات وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْأُمَّهَات شَيْء عَلَى الصَّحِيح , وَيُتَصَوَّر فِيمَا إِذَا مَاتَتْ مُعْظَم الْكِبَار وَحَدَثَتْ الصِّغَار فَحَالَ الْحَوْل عَلَى الْكِبَار عَلَى بَقِيَّتهَا وَعَلَى الصِّغَار. وَقَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة الْعَنَاق وَالْجَذَعَة تُجْزِئ فِي زَكَاة الْإِبِل الْقَلِيلَة الَّتِي تُزَكَّى بِالْغَنَمِ , وَفِي الْغَنَم أَيْضًا إِذَا كَانَتْ جَذَعَة , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي حَدِيث أَبِي بُرْدَة فِي الْأُضْحِيَّة \" فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقًا جَذَعَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الزَّكَاة. وَقَالَ قَوْم : الرِّوَايَة مَحْفُوظَة وَلَهَا مَعْنًى مُتَّجَه. وَجَرَى النَّوَوِيّ عَلَى طَرِيقَته فَقَالَ : هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ مَرَّة عَنَاقًا وَمَرَّة عِقَالًا. قُلْت : وَهُوَ بَعِيد مَعَ اِتِّحَاد الْمَخْرَج وَالْقِصَّة , وَقِيلَ الْعِقَال يُطْلَق عَلَى صَدَقَة عَام يُقَال أُخِذَ مِنْهُ عِقَال هَذَا الْعَام يَعْنِي صَدَقَته حَكَاهُ الْمَازِرِيّ عَنْ الْكِسَائِيّ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : ‏ ‏سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُك لَنَا سَنَدًا ‏ ‏فَكَيْف لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرو عِقَالَيْنِ ‏ ‏وَعَمْرو الْمُشَار إِلَيْهِ هُوَ اِبْن عُتْبَةَ بْن أَبِي سُفْيَان , وَكَانَ عَمّه مُعَاوِيَة يَبْعَثهُ سَاعِيًا عَلَى الصَّدَقَات فَقِيلَ فِيهِ ذَلِكَ. وَنَقَلَ عِيَاض عَنْ اِبْن وَهْب أَنَّهُ الْفَرِيضَة مِنْ الْإِبِل , وَنَحْوه عَنْ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ , وَعَنْ أَبِي سَعِيد الضَّرِير : الْعِقَال مَا يُؤْخَذ فِي الزَّكَاة مِنْ أَنْعَام وَثِمَار لِأَنَّهُ عَقْل عَنْ مَالِكهَا. وَقَالَ الْمُبَرِّد : الْعِقَال مَا أَخَذَهُ الْعَامِل مِنْ صَدَقَة بِعَيْنِهَا فَإِنْ تَعَوَّضَ عَنْ شَيْء مِنْهَا قِيلَ أَخَذَ نَقْدًا , وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَال فِيهِ. وَذَهَبَ الْأَكْثَر إِلَى حَمْل الْعِقَال عَلَى حَقِيقَته وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْحَبْل الَّذِي يُعْقَل بِهِ الْبَعِير , نَقَلَهُ عِيَاض عَنْ الْوَاقِدِيّ عَنْ مَالِك بْن أَبِي ذِئْب قَالَا الْعِقَال عِقَال النَّاقَة. قَالَ أَبُو عُبَيْد الْعِقَال اِسْم لِمَا يُعْقَل بِهِ الْبَعِير , وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ عَلَى الصَّدَقَة فَكَانَ يَأْخُذ مَعَ كُلّ فَرِيضَة عِقَالًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ : ذَهَبَ إِلَى هَذَا كَثِير مِنْ الْمُحَقِّقِينَ , وَقَالَ اِبْن التَّيْمِيّ فِي \" التَّحْرِير \" : قَوْل مَنْ فَسَّرَ الْعِقَال بِفَرِيضَةِ الْعَام تَعَسُّف , وَهُوَ نَحْو تَأْوِيل مَنْ حَمَلَ الْبَيْضَة وَالْحَبْل فِي حَدِيث لَعْن السَّارِق عَلَى بَيْضَة الْحَدِيد وَحَبْل السَّفِينَة. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي \" بَاب حَدّ السَّرِقَة \" إِلَى أَنْ قَالَ : وَكُلّ مَا كَانَ فِي هَذَا السِّيَاق أَحْقَرَ كَانَ أَبْلَغَ قَالَ : وَالصَّحِيح أَنَّ الْمُرَاد بِالْعِقَالِ مَا يُعْقَل بِهِ الْبَعِير , قَالَ : وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمُبَالَغَة قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" عَنَاقًا \" وَفِي الْأُخْرَى \" جَدْيًا \" قَالَ : فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِالْعِقَالِ قَدْر قِيمَته , قَالَ الثَّوْرِيّ : وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي لَا يَنْبَغِي غَيْره. وَقَالَ عِيَاض : اِحْتَجَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى جَوَاز أَخْذ الزَّكَاة فِي عُرُوض التِّجَارَة , وَفِيهِ بُعْد , وَالرَّاجِح أَنَّ الْعِقَال لَا يُؤْخَذ فِي الزَّكَاة لِوُجُوبِهِ بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا يُؤْخَذ تَبَعًا لِلْفَرِيضَةِ الَّتِي تُعْقَل بِهِ , أَوْ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ مُبَالَغَة عَلَى تَقْدِير أَنْ لَوْ كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالَ النَّوَوِيّ : يَصِحّ قَدْر قِيمَة الْعِقَال فِي زَكَاة النَّقْد وَفِي الْمَعْدِن وَالرِّكَاز وَالْمُعَشَّرَات وَزَكَاة الْفِطْر , وَفِيمَا لَوْ وَجَبَتْ سِنّ فَأَخَذَ السَّاعِي دُونه , وَفِيمَا إِذَا كَانَتْ الْغَنَم سِخَالًا فَمَنَعَ وَاحِدَة وَقِيمَتهَا عِقَال. قَالَ : وَقَدْ رَأَيْت كَثِيرًا مِمَّنْ يَتَعَانَى الْفِقْه يَظُنّ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّر وَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُبَالَغَةِ. , وَهُوَ غَلَط مِنْهُ. وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيّ : حَمَلَهُ بَعْضهمْ عَلَى زَكَاة الْعِقَال إِذَا كَانَ مِنْ عُرُوض التِّجَارَة , وَعَلَى الْحَبْل نَفْسه عِنْد مَنْ يُجِيز أَخْذ الْقِيَم , وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْل إِنَّهُ يَتَخَيَّر بَيْن الْعَرَض وَالنَّقْد , قَالَ : وَأَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ كُلّه قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ يَجِب أَخْذ الْعِقَال مَعَ الْفَرِيضَة كَمَا جَاءَ عَنْ عَائِشَة \" كَانَ مِنْ عَادَة الْمُتَصَدِّق أَنْ يَعْمِد إِلَى قَرَن - بِفَتْحِ الْقَاف وَالرَّاء وَهُوَ الْحَبْل - فَيَقْرُن بِهِ بَيْن بَعِيرَيْنِ لِئَلَّا تَشْرُد الْإِبِل , وَهَكَذَا جَاءَ عَنْ الزُّهْرِيّ. وَقَالَ غَيْره فِي قَوْل أَبِي بَكْر \" لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" غَنِيَّة عَنْ حَمْله عَلَى الْمُبَالَغَة. وَحَاصِله أَنَّهُمْ مَتَى مَنَعُوا شَيْئًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ قَلَّ فَقَدْ مَنَعُوا شَيْئًا وَاجِبًا إِذْ لَا فَرْق فِي مَنْع الْوَاجِب وَجَحْده بَيْن الْقَلِيل الْكَثِير , قَالَ : وَهَذَا يَعْنِي عَنْ جَمِيع التَّقَادِيرِ وَالتَّأْوِيلَات الَّتِي لَا يَسْبِق الْفَهْم إِلَيْهَا , وَلَا يُظَنّ بِالصِّدِّيقِ أَنَّهُ يَقْصِد إِلَى مِثْلهَا. قُلْت : الْحَامِل لِمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمُبَالَغَة أَنَّ الَّذِي تَمَثَّلَ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَام لَا بُدّ وَأَنْ يَكُون مِنْ جِنْس مَا يَدْخُل فِي الْحُكْم الْمَذْكُور , فَلِذَلِكَ حَمَلُوهُ عَلَى الْمُبَالَغَة وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله ( فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْت أَنَّ اللَّه قَدْ شَرَحَ صَدْر أَبِي بَكْر لِلْقِتَالِ فَعَرَفْت أَنَّهُ الْحَقّ ) ‏ ‏أَيْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ صِحَّة اِحْتِجَاجه لَا أَنَّهُ قَلَّدَهُ فِي ذَلِكَ : وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْإِيمَان : الِاجْتِهَاد فِي النَّوَازِل , وَرَدّهَا إِلَى الْأُصُول , وَالْمُنَاظَرَة عَلَى ذَلِكَ وَالرُّجُوع إِلَى الرَّاجِح , وَالْأَدَب فِي الْمُنَاظَرَة بِتَرْكِ التَّصْرِيح بِالتَّخْطِئَةِ وَالْعُدُول إِلَى التَّلَطُّف , وَالْأَخْذ فِي إِقَامَة الْحُجَّة إِلَى أَنْ يَظْهَر لِلْمَنَاظِرِ , فَلَوْ عَانَدَ بَعْد ظُهُورهَا فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقّ الْإِغْلَاظ بِحَسَبِ حَاله. وَفِيهِ الْحَلِف عَلَى الشَّيْء لِتَأْكِيدِهِ. وَفِيهِ مَنْع قَتْل مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَلَوْ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا , وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ هَلْ يَصِير بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ مُسْلِمًا ؟ الرَّاجِح لَا , بَلْ يَجِب الْكَفّ عَنْ قَتْله حَتَّى يُخْتَبَر , فَإِنْ شَهِدَ بِالرِّسَالَةِ وَالْتَزَمَ أَحْكَام الْإِسْلَام حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِالِاسْتِثْنَاءِ بِهِ بِقَوْلِهِ \" إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَام \" قَالَ الْبَغَوِيُّ : الْكَافِر إِذَا كَانَ وَثَنِيًّا أَوْ ثَنَوِيًّا لَا يُقَرّ بِالْوَحْدَانِيَّةِ , فَإِذَا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ثُمَّ يُجْبَر عَلَى قَبُول جَمِيع أَحْكَام الْإِسْلَام وَيَبْرَأ مِنْ كُلّ دِين خَالَفَ دِين الْإِسْلَام , وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُقِرًّا بِالْوَحْدَانِيَّةِ مُنْكِرًا لِلنُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَم بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يَقُول مُحَمَّد رَسُول اللَّه , فَإِنْ كَانَ يَعْتَقِد أَنَّ الرِّسَالَة الْمُحَمَّدِيَّة إِلَى الْعَرَب خَاصَّة فَلَا بُدّ أَنْ يَقُول إِلَى جَمِيع الْخَلْق , فَإِنْ كَانَ كَفَرَ بِجُحُودِ وَاجِب أَوْ اِسْتِبَاحَة مُحَرَّم فَيَحْتَاج أَنْ يَرْجِع عَمَّا اِعْتَقَدَهُ , وَمُقْتَضَى قَوْله \" يُجْبَر \" أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَلْتَزِم تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَام الْمُرْتَدّ , وَبِهِ صَرَّحَ الْقَفَّال وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الْبَاب فَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَرِد فِي خَبَر مِنْ الْأَخْبَار \" أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه أَوْ أَنِّي رَسُول اللَّه \" كَذَا قَالَ وَهِيَ غَفْلَة عَظِيمَة , فَالْحَدِيث فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم فِي كِتَاب الْإِيمَان مِنْ كُلّ مِنْهُمَا مِنْ رِوَايَة اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه هُنَا التَّلَفُّظ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِكَوْنِهَا سَارَتْ عَلَمًا عَلَى ذَلِكَ , وَيُؤَيِّدهُ وُرُودهمَا صَرِيحًا فِي الطُّرُق الْأُخْرَى , وَاسْتُدِلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ الزَّكَاة لَا تَسْقُط عَنْ الْمُرْتَدّ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرْتَدّ كَافِر وَالْكَافِرَ لَا يُطَالَب بِالزَّكَاةِ وَإِنَّمَا يُطَالَب بِالْإِيمَانِ , وَلَيْسَ فِي فِعْل الصِّدِّيق حُجَّة لِمَا ذُكِرَ وَإِنَّمَا فِيهِ قِتَال مَنْ مَنَعَ الزَّكَاة , وَاَلَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِأَصْلِ الْإِسْلَام وَمَنَعُوا الزَّكَاة بِالشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا لَمْ يُحْكَم عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ قَبْل إِقَامَة الْحُجَّة. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الصَّحَابَة فِيهِمْ بَعْد الْغَلَبَة عَلَيْهِمْ هَلْ تُغْنَم أَمْوَالهمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيّهمْ كَالْكُفَّارِ أَوْ لَا كَالْبُغَاةِ ؟ فَرَأَى أَبُو بَكْر الْأَوَّل وَعَمِلَ بِهِ وَنَاظَرَهُ عُمَر فِي ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَذَهَبَ إِلَى الثَّانِي وَوَافَقَهُ غَيْره فِي خِلَافَته عَلَى ذَلِكَ , وَاسْتَقَرَّ الْإِجْمَاع عَلَيْهِ فِي حَقّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِنْ الْفَرَائِض بِشُبْهَةٍ فَيُطَالَب بِالرُّجُوعِ فَإِنْ نَصَبَ الْقِتَال قُوتِلَ وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّة , فَإِنْ رَجَعَ وَإِلَّا عُومِلَ مُعَامَلَة الْكَافِر حِينَئِذٍ , وَيُقَال إِنَّ أَصْبَغَ مِنْ الْمَالِكِيَّة اِسْتَقَرَّ عَلَى الْقَوْل الْأَوَّل فَعُدَّ مِنْ نُدْرَة الْمُخَالِف. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : يُسْتَفَاد مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّ الْحَاكِم إِذَا أَدَّاهُ اِجْتِهَاده فِي أَمْر لَا نَصَّ فِيهِ إِلَى شَيْء تَجِب طَاعَته فِيهِ وَلَوْ اِعْتَقَدَ بَعْض الْمُجْتَهِدِينَ خِلَافه , فَإِنْ صَارَ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ الْمُعْتَقِدُ خِلَافَهُ حَاكِمًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَل بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اِجْتِهَاده وَتَسُوغ لَهُ مُخَالَفَة الَّذِي قَبْله فِي ذَلِكَ , لِأَنَّ عُمَر أَطَاعَ أَبَا بَكْر فِيمَا رَأَى مِنْ حَقّ مَانِعِي الزَّكَاة مَعَ اِعْتِقَاده خِلَافه ثُمَّ عَمِلَ فِي خِلَافَته بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اِجْتِهَاده وَوَافَقَهُ أَهْل عَصْره مِنْ الصَّحَابَة وَغَيْرهمْ , وَهَذَا مِمَّا يُنَبَّه عَلَيْهِ فِي الِاحْتِجَاج بِالْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيّ , فَيُشْتَرَط فِي الِاحْتِجَاج بِهِ اِنْتِفَاء مَوَانِع الْإِنْكَار وَهَذَا مِنْهَا. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : فِي الْحَدِيث إِنَّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَام أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامه الظَّاهِرَة وَلَوْ أَسَرَّ الْكُفْر فِي نَفْس الْأَمْر. وَمَحَلّ الْخِلَاف إِنَّمَا هُوَ فِيمَنْ اُطُّلِعَ عَلَى مُعْتَقَدِهِ الْفَاسِد فَأَظْهَرَ الرُّجُوع هَلْ يُقْبَل مِنْهُ أَوْ لَا ؟ وَأَمَّا مَنْ جُهِلَ أَمْره فَلَا خِلَاف فِي إِجْرَاء الْأَحْكَام الظَّاهِرَة عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6414",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏السَّامُ ‏ ‏عَلَيْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَعَلَيْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ قَالَ ‏ ‏السَّامُ ‏ ‏عَلَيْكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَقْتُلُهُ قَالَ ‏ ‏لَا إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ ‏ ‏أَهْلُ الْكِتَابِ ‏ ‏فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6415",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اسْتَأْذَنَ ‏ ‏رَهْطٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا ‏ ‏السَّامُ ‏ ‏عَلَيْكَ فَقُلْتُ بَلْ عَلَيْكُمْ ‏ ‏السَّامُ ‏ ‏وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ قُلْتُ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6416",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏إِذَا سَلَّمُوا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ ‏ ‏سَامٌ ‏ ‏عَلَيْكَ فَقُلْ عَلَيْكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6417",
        "content": "‏ ‏بَاب ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ فَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ ‏ ‏رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( بَاب ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِغَيْرِ تَرْجَمَة , وَحَذَفَهُ اِبْن بَطَّال فَصَارَ حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْمَذْكُور فِيهِ مِنْ جُمْلَة الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي قَوْم كُفَّار أَهْل حَرْب وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَأْمُور بِالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى مِنْهُمْ فَلِذَلِكَ اِمْتَثَلَ أَمْر رَبّه. قُلْت : فَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيح صَنِيع الْأَكْثَر مِنْ جَعْله فِي تَرْجَمَة مُسْتَقِلَّة , لَكِنْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَى أَنَّ مِثْل ذَلِكَ وَقَعَ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَاب الَّذِي قَبْله فَلَا بُدّ لَهُ مِنْ تَعَلُّق بِهِ فِي الْجُمْلَة , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ أَشَارَ بِإِيرَادِهِ إِلَى تَرْجِيح الْقَوْل بِأَنَّ تَرْك قَتْل الْيَهُود لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيف , لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُؤَاخِذ الَّذِي ضَرَبَهُ حَتَّى جَرَحَهُ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِ لِيَهْلِك بَلْ صَبَرَ عَلَى أَذَاهُ وَزَادَ فَدَعَا لَهُ فَلَأَنْ يَصْبِر عَلَى الْأَذَى بِالْقَوْلِ أَوْلَى , وَيُؤْخَذ مِنْهُ تَرْك الْقَتْل بِالتَّعْرِيضِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْمَذْكُور فِي غَزْوَة أُحُد مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي , وَحَفْص الْمَذْكُور فِي السَّنَد هُوَ اِبْن غِيَاث , وَشَقِيق هُوَ اِبْن سَلَمَة أَبُو وَائِل , وَالسَّنَد كُلّه كُوفِيُّونَ. وَقَوْله \" قَالَ عَبْد اللَّه \" يَعْنِي اِبْن مَسْعُود , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه \". ‏ ‏قَوْله ( يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاء ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا السَّنَد وَذَكَرْت فِيهِ - مِنْ طَرِيق مُرْسَلَة وَفِي سَنَدِهَا مَنْ لَمْ يُسَمَّ - مَنْ سَمَّى النَّبِيّ الْمَذْكُور نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَام , ثُمَّ وَقَعَ لِي مِنْ رِوَايَة الْأَعْمَش بِسَنَدٍ لَهُ مَضْمُومًا إِلَى رِوَايَته بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب أَخْرَجَهُ اِبْن عَسَاكِر فِي تَرْجَمَة نُوح عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ \" تَارِيخ دِمَشْق \" مِنْ رِوَايَة يَعْقُوب بْن عَبْد اللَّه الْأَشْعَرِيّ عَنْ الْأَعْمَش عَنْ مُجَاهِد عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر قَالَ \" إِنْ كَانَ نُوح لَيَضْرِبهُ قَوْمُهُ حَتَّى يُغْمَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُفِيق فَيَقُول : اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ \" وَبِهِ عَنْ الْأَعْمَش عَنْ شَقِيق عَنْ عَبْد اللَّه فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث الْبَاب , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَيْضًا قَوْل الْقُرْطُبِيّ : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْحَاكِي وَالْمَحْكِيّ عَنْهُ , وَوَجْه الرَّدّ عَلَيْهِ , وَتَقَدَّمَ فِي غَزْوَة أُحُد بَيَان مَا وَقَعَ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجِرَاحَة فِي وَجْهه يَوْم أُحُد وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَوَّلًا \" كَيْف يُفْلِح قَوْم أَدْمَوْا وَجْه نَبِيّهمْ \" فَإِنَّهُ قَالَ أَيْضًا \" اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ \" وَأَنَّ عِنْد أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَة عَاصِم عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نَحْو ذَلِكَ يَوْم حُنَيْنٍ لَمَّا اِزْدَحَمُوا عَلَيْهِ عِنْد قِسْمَة الْغَنَائِم \". ‏ ‏قَوْله ( فَهُوَ يَمْسَح الدَّم عَنْ وَجْهه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ الْأَعْمَش عِنْد مُسْلِم فِي هَذَا الْحَدِيث \" عَنْ جَبِينه \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة أُحُد بَيَانُ أَنَّهُ شُجَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشَرْحُ مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ مَبْسُوطًا وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏"
    },
    {
        "id": "6418",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَيْثَمَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدِيثًا فَوَاللَّهِ لَأَنْ أَخِرَّ مِنْ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خِدْعَةٌ وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا خَيْثَمَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْمُثَلَّثَة بَيْنهمَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي سَبْرَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة الْجُعْفِيُّ , لِأَبِيهِ وَلِجَدِّهِ صُحْبَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَهْل بْن بجر عَنْ عُمَر بْن حَفْص بِهَذَا السَّنَد حَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم وَلَمْ يُصَرِّح بِالتَّحْدِيثِ فِيهِ إِلَّا حَفْص بْن غِيَاث , فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة وَكِيع وَعِيسَى بْن يُونُس وَالثَّوْرِيِّ وَجَرِيرٍ وَأَبِي مُعَاوِيَة , وَتَقَدَّمَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة وَفَضَائِل الْقُرْآن مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ , وَهُوَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة الثَّوْرِيّ أَيْضًا , وَعِنْد أَبِي عَوَانَة مِنْ رِوَايَة يَعْلَى بْن عُبَيْد , وَعِنْد الطَّبَرِيّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن عِيسَى الرَّمْلِيّ وَعَلِيّ بْن هِشَام كُلّهمْ عَنْ الْأَعْمَش بِالْعَنْعَنَةِ , وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ عِيسَى بْن يُونُس زَادَ فِيهِ رَجُلًا فَقَالَ عَنْ الْأَعْمَش حَدَّثَنِي عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ خَيْثَمَةَ. قُلْت : لَمْ أَرَ فِي رِوَايَة عِيسَى عِنْد مُسْلِم ذِكْر عَمْرو بْن مُرَّة وَهُوَ مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد , لِأَنَّ أَبَا مُعَاوِيَة هُوَ الْمِيزَان فِي حَدِيث الْأَعْمَش. ‏ ‏قَوْله ( سُوَيْد بْن غَفَلَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء مُخَضْرَم مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ , وَقَدْ قِيلَ إِنَّ لَهُ صُحْبَة , وَتَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي أَوَاخِر فَضَائِل الْقُرْآن. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ عَلَى حَذْف \" قَالَ \" وَهُوَ كَثِير فِي الْخَطّ وَالْأَوْلَى أَنْ يُنْطَق بِهِ , وَقَدْ مَضَى فِي آخِر فَضَائِل الْقُرْآن مِنْ رِوَايَة الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش بِهَذَا السَّنَد قَالَ : \" قَالَ عَلِيّ \" وَعِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه عَنْ عَلِيّ , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَمْ يَصِحّ لِسُوَيْد بْن غَفَلَة عَنْ عَلِيّ مَرْفُوع إِلَّا هَذَا. قُلْت : وَمَا لَهُ فِي الْكُتُب السِّتَّة وَلَا عِنْد أَحْمَدَ غَيْره , وَلَهُ فِي الْمُسْتَدْرَك مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْهُ قَالَ : \" خَطَبَ عَلِيّ بِنْت أَبِي جَهْل \" أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَحْمَدَ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة عَنْ زَكَرِيَّا عَنْ الشَّعْبِيّ , وَسَنَده جَيِّد , لَكِنَّهُ مُرْسَل لَمْ يَقُلْ فِيهِ \" عَنْ عَلِيّ \". ‏ ‏قَوْله ( إِذَا حَدَّثْتُكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن عِيسَى سَبَب لِهَذَا الْكَلَام , فَأَوَّل الْحَدِيث عِنْده عَنْ سُوَيْد بْن غَفَلَة قَالَ \" كَانَ عَلِيّ يَمُرّ بِالنَّهَرِ وَبِالسَّاقِيَةِ فَيَقُول : صَدَقَ اللَّه وَرَسُوله \" فَقُلْنَا يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مَا تَزَال تَقُول هَذَا قَالَ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ إِلَخْ , وَكَانَ عَلِيّ فِي حَال الْمُحَارَبَة يَقُول ذَلِكَ , وَإِذَا وَقَعَ لَهُ أَمْر يُوهِم أَنَّ عِنْده فِي ذَلِكَ أَثَرًا , فَخَشِيَ فِي هَذِهِ الْكَائِنَة أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ قِصَّة ذِي الثُّدَيَّة مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيل فَأَوْضَحَ أَنَّ عِنْده فِي أَمْره نَصًّا صَرِيحًا , وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَكْنِي وَلَا يُعَرِّض وَلَا يُوَرِّي , وَإِذَا لَمْ يُحَدِّث عَنْهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَخْدَع بِذَلِكَ مَنْ يُحَارِبهُ , وَلِذَلِكَ اِسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ \" الْحَرْب خَدْعَة \". ‏ ‏قَوْله ( فَوَاللَّهِ لَأَنْ أَخِرَّ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة أَيْ أَسْقُط. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ السَّمَاء ) ‏ ‏زَادَ أَبُو مُعَاوِيَة وَالثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَتهمَا \" إِلَى الْأَرْض \" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُمَا , وَسَقَطَتْ لِلْمُصَنِّفِ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِم لَفْظهمَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن عِيسَى \" أَخِرّ مِنْ السَّمَاء فَتَخْطَفنِي الطَّيْر أَوْ تَهْوِي بِي الرِّيح فِي مَكَان سَحِيق \". ‏ ‏قَوْله ( فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن عِيسَى \" عَنْ نَفْسِي \" وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ زَيْد بْن وَهْب عَنْ عَلِيّ \" قَامَ فِينَا عَلِيّ عِنْد أَصْحَاب النَّهَر فَقَالَ : مَا سَمِعْتُمُونِي أُحَدِّثكُمْ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدِّثُوا بِهِ , وَمَا سَمِعْتُمُونِي أُحَدِّث فِي غَيْر ذَلِكَ \" وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة مَعْرِفَة الْوَقْت الَّذِي حَدَّثَ فِيهِ عَلِيّ بِذَلِكَ وَالسَّبَب أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّ الْحَرْب خَدْعَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن عِيسَى \" فَإِنَّمَا الْحَرْب خَدْعَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْجِهَاد أَنَّ هَذَا أَعَنَى \" الْحَرْب خَدْعَة \" حَدِيث مَرْفُوع , وَتَقَدَّمَ ضَبْط خَدْعَة هُنَاكَ وَمَعْنَاهَا , ‏ ‏قَوْله ( سَيَخْرُجُ قَوْم فِي آخِر الزَّمَان ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَفِي حَدِيث أَبِي بَرْزَة عِنْد النَّسَائِيِّ \" يَخْرُج فِي آخِر الزَّمَان قَوْم \" وَهَذَا قَدْ يُخَالِف حَدِيث أَبِي سَعِيد الْمَذْكُور فِي الْبَاب بَعْده , فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فِي خِلَافَة عَلِيّ , وَكَذَا أَكْثَرُ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي أَمْرهمْ , وَأَجَابَ اِبْن التِّين بِأَنَّ الْمُرَاد زَمَان الصَّحَابَة وَفِيهِ نَظَر , لِأَنَّ آخِر زَمَان الصَّحَابَة كَانَ عَلَى رَأْس الْمِائَة وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا قَبْل ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ سَنَة , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الْمُرَاد بِآخِرِ الزَّمَان زَمَان خِلَافَة النُّبُوَّة , فَإِنَّ فِي حَدِيث سَفِينَة الْمُخَرَّج فِي السُّنَن وَصَحِيح اِبْن حِبَّان وَغَيْره مَرْفُوعًا \" الْخِلَافَة بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَة ثُمَّ تَصِير مُلْكًا \" وَكَانَتْ قِصَّة الْخَوَارِج وَقَتْلهمْ بِالنَّهْرَوَانِ فِي أَوَاخِر خِلَافَة عَلِيّ سَنَة ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدُونِ الثَّلَاثِينَ بِنَحْوِ سَنَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( أَحْدَاث ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَة جَمْع حَدَث بِفَتْحَتَيْنِ وَالْحَدَث هُوَ الصَّغِير السِّنّ هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَات , وَوَقَعَ هُنَا لِلْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ حُدَّاث بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيد الدَّال , قَالَ فِي \" الْمَطَالِع \" مَعْنَاهُ شَبَاب جَمْع حَدِيث السِّنّ أَوْ جَمْع حَدَث , قَالَ اِبْن التِّين حِدَاث جَمْع حَدِيث مِثْل كِرَام جَمْع كَرِيم وَكِبَار جَمْع كَبِير , وَالْحَدِيث الْجَدِيد مِنْ كُلّ شَيْء وَيُطْلَق عَلَى الصَّغِير بِهَذَا الِاعْتِبَار , وَتَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير حِدَاث مِثْل هَذَا اللَّفْظ لَكِنَّهُ هُنَاكَ جُمِعَ عَلَى غَيْر قِيَاس , وَالْمُرَاد سُمَّار يَتَحَدَّثُونَ قَالَهُ فِي النِّهَايَة , وَتَقَدَّمَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة بِلَفْظِ حُدَثَاء بِوَزْنِ سُفَهَاء وَهُوَ جَمْع حَدِيث كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره , وَالْأَسْنَان جَمْع سِنّ وَالْمُرَاد بِهِ الْعُمْر , وَالْمُرَاد أَنَّهُمْ شَبَاب. ‏ ‏قَوْله ( سُفَهَاء الْأَحْلَام ) ‏ ‏جَمْع حِلْم بِكَسْرِ أَوَّله وَالْمُرَاد بِهِ الْعَقْل , وَالْمَعْنَى أَنَّ عُقُولهمْ رَدِيئَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ : يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ التَّثَبُّت وَقُوَّة الْبَصِيرَة تَكُون عِنْد كَمَال السِّنّ وَكَثْرَة التَّجَارِب وَقُوَّة الْعَقْل. قُلْت : وَلَمْ يَظْهَر لِي وَجْه الْأَخْذ مِنْهُ فَإِنَّ هَذَا مَعْلُوم بِالْعَادَةِ لَا مِنْ خُصُوص كَوْن هَؤُلَاءِ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَة. ‏ ‏قَوْله ( يَقُولُونَ مِنْ خَيْر قَوْل الْبَرِيَّة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة وَفِي آخِر فَضَائِل الْقُرْآن قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ مَقْلُوب وَأَنَّ الْمُرَاد مِنْ قَوْل خَيْر الْبَرِيَّة وَهُوَ الْقُرْآن. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره وَالْمُرَاد الْقَوْل الْحَسَن فِي الظَّاهِر وَبَاطِنه عَلَى خِلَاف ذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ \" لَا حُكْم إِلَّا لِلَّهِ \" فِي جَوَاب عَلِيّ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة طَارِق بْن زِيَاد عِنْد الطَّبَرِيّ قَالَ \" خَرَجْنَا مَعَ عَلِيّ - فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ يَخْرُج قَوْم يَتَكَلَّمُونَ كَلِمَة الْحَقّ لَا تُجَاوِز حُلُوقهمْ \" وَفِي حَدِيث أَنَس عَنْ أَبِي سَعِيد عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيِّ \" يُحْسِنُونَ الْقَوْل وَيُسِيئُونَ الْفِعْل \" وَنَحْوه فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَعِنْد أَحْمَدَ وَفِي حَدِيث مُسْلِم عَنْ عَلِيّ يَقُولُونَ الْحَقّ لَا يُجَاوِز هَذَا وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ. ‏ ‏قَوْله ( لَا يُجَاوِز إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَا يَجُوز \" وَالْحَنَاجِر بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون ثُمَّ الْجِيم جَمْع حَنْجَرَة بِوَزْنِ قَسْوَرَة وَهِيَ الْحُلْقُوم وَالْبُلْعُوم وَكُلّه يُطْلَق عَلَى مَجْرَى النَّفَس وَهُوَ طَرَف الْمَرِيء مِمَّا يَلِي الْفَم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب عَنْ عَلِيّ \" لَا تُجَاوِز صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ \" فَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ الْإِيمَان عَلَى الصَّلَاة وَلَهُ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ \" لَا يُجَاوِز إِيمَانهمْ حَلَاقِيمهمْ \" وَالْمُرَاد أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالنُّطْقِ لَا بِالْقَلْبِ , وَفِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع عَنْ عَلِيّ عِنْد مُسْلِم \" يَقُولُونَ الْحَقّ بِأَلْسِنَتِهِمْ لَا يُجَاوِز هَذَا مِنْهُمْ وَأَشَارَ إِلَى حَلْقه \" وَهَذِهِ الْمُجَاوَزَة غَيْر الْمُجَاوَزَة الْآتِيَة فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد. ‏ ‏قَوْله ( يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّين ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق عَنْ سُوَيْد بْن غَفَلَة عِنْد النَّسَائِيِّ وَالطَّبَرِيّ \" يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَام \" وَكَذَا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْبَاب , وَفِي رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب الْمُشَار إِلَيْهَا , وَحَدِيث أَبِي بَكْرَة فِي الطَّبَرِيّ وَعِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة طَارِق بْن زِيَاد عَنْ عَلِيّ \" يَمْرُقُونَ مِنْ الْحَقّ \" وَفِيهِ تَعَقَّبَ عَلَى مَنْ فَسَّرَ الدِّين هُنَا بِالطَّاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة. ‏ ‏قَوْله ( كَمَا يَمْرُق السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْمِيم وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة أَيْ الشَّيْء الَّذِي يُرْمَى بِهِ وَيُطْلَق عَلَى الطَّرِيدَة مِنْ الْوَحْش إِذَا رَمَاهَا الرَّامِي , وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله ( فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلهمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب \" لَوْ يَعْلَم الْجَيْش الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَان نَبِيّهمْ لَنَكَلُوا عَنْ الْعَمَل \" وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَة عُبَيْدَة بْن عَمْرو عَنْ عَلِيّ \" لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَان مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قَالَ عُبَيْدَة قُلْت لِعَلِيٍّ : أَنْتَ سَمِعْته ؟ قَالَ : إِي وَرَبّ الْكَعْبَة ثَلَاثًا. وَلَهُ فِي رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب فِي قِصَّة قَتْل الْخَوَارِج \" أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا قَتَلَهُمْ قَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ , فَقَامَ إِلَيْهِ عُبَيْدَة فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ آللَّهُ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَقَدْ سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : إِي وَاَللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ حَتَّى اِسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثًا \" قَالَ النَّوَوِيّ : إِنَّمَا اِسْتَحْلَفَهُ لِيُؤَكِّد الْأَمْر عِنْد السَّامِعِينَ وَلِتَظْهَر مُعْجِزَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ عَلِيًّا وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْحَقّ. قُلْت : وَلِيَطْمَئِنَّ قَلْبُ الْمُسْتَحْلِف لِإِزَالَةِ تَوَهُّم مَا أَشَارَ إِلَيْهِ عَلِيّ أَنَّ الْحَرْب خَدْعَة فَخَشِيَ أَنْ يَكُون لَمْ يَسْمَع فِي ذَلِكَ شَيْئًا مَنْصُوصًا , وَإِلَى ذَلِكَ يُشِير قَوْل عَائِشَة لِعَبْدِ اللَّه بْن شَدَّاد فِي رِوَايَته الْمُشَار إِلَيْهَا حَيْثُ قَالَتْ لَهُ \" مَا قَالَ عَلِيّ حِينَئِذٍ ؟ قَالَ سَمِعْته يَقُول : صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ , قَالَتْ : رَحِمَ اللَّهُ عَلِيًّا إِنَّهُ كَانَ لَا يَرَى شَيْئًا يُعْجِبهُ إِلَّا قَالَ صَدَقَ اللَّه وَرَسُوله , فَيَذْهَب أَهْل الْعِرَاق فَيَكْذِبُونَ عَلَيْهِ وَيَزِيدُونَهُ \" , فَمِنْ هَذَا أَرَادَ عُبَيْدَة بْن عَمْرو التَّثَبُّت فِي هَذِهِ الْقِصَّة بِخُصُوصِهَا وَأَنَّ فِيهَا نَقْلًا مَنْصُوصًا مَرْفُوعًا. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ نَحْو هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَلِيّ وَزَادَ فِي آخِره \" قِتَالهمْ حَقّ عَلَى كُلّ مُسْلِم \" وَوَقَعَ سَبَب تَحْدِيث عَلِيّ بِهَذَا الْحَدِيث فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة بِشْر بْن سَعِيد عَنْهُ قَالَ \" إِنَّ الْحَرُورِيَّة لَمَّا خَرَجَتْ وَهُوَ مَعَ عَلِيّ قَالُوا : لَا حُكْم إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى , فَقَالَ عَلِيّ : كَلِمَة حَقّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِل , إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ نَاسًا إِنِّي لَأَعْرِفُ صِفَتهمْ فِي هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ الْحَقّ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَا يُجَاوِز هَذَا مِنْهُمْ - وَأَشَارَ بِحَلْقِهِ - مِنْ أَبْغَضِ خَلْق اللَّه إِلَيْهِ \" الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "6419",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏أَنَّهُمَا أَتَيَا ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏فَسَأَلَاهُ عَنْ ‏ ‏الْحَرُورِيَّةِ ‏ ‏أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَا أَدْرِي مَا ‏ ‏الْحَرُورِيَّةُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَمْ يَقُلْ مِنْهَا قَوْمٌ ‏ ‏تَحْقِرُونَ ‏ ‏صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ أَوْ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ إِلَى نَصْلِهِ إِلَى رِصَافِهِ فَيَتَمَارَى فِي ‏ ‏الْفُوقَةِ ‏ ‏هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنْ الدَّمِ شَيْءٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ , وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيّ , وَمُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم هُوَ التَّيْمِيُّ , وَأَبُو سَلَمَة هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَفِي السَّنَد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق. وَهَذَا السِّيَاق كَأَنَّهُ لَفْظ عَطَاء بْن يَسَار وَأَمَّا لَفْظ أَبِي سَلَمَة فَتَقَدَّمَ مُنْفَرِدًا فِي أَوَاخِر فَضَائِل الْقُرْآن , وَرَوَاهُ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده بِسِيَاقٍ آخَر , فَلَعَلَّ اللَّفْظ الْمَذْكُور هُنَا عَلَى سِيَاق عَطَاء بْن يَسَار الْمَقْرُون بِهِ , وَقَدْ قَرَنَ الزُّهْرِيّ مَعَ أَبِي سَلَمَة فِي رِوَايَته الْمَاضِيَة فِي الْأَدَب الضَّحَّاك الْمِشْرَقِيّ لَكِنَّهُ أَفْرَدَهُ هُنَا عَنْ أَبِي سَلَمَة فَامْتَازَ لَفْظه عَنْ لَفْظ الضَّحَّاك. ‏ ‏قَوْله ( فَسَأَلَاهُ عَنْ الْحَرُورِيَّة أَسَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِحَذْفِ الْمَسْمُوع , وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ يَذْكُرهَا , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة \" قُلْت لِأَبِي سَعِيد هَلْ سَمِعْت رَسُول رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُر الْحَرُورِيَّة \" أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَالطَّبَرِيّ , وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد بْن الْعَلَاء عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ \" جِئْنَا أَبَا سَعِيد فَقُلْنَا \" فَذَكَرَ مِثْله وَمِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق مَوْلَى بَنِي هَاشِم \" أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا سَعِيد عَنْ الْحَرُورِيَّة \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لَا أَدْرِي مَا الْحَرُورِيَّة ) ‏ ‏هَذَا يُغَايِر قَوْله فِي أَوَّل حَدِيث الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ \" فَإِنَّ مُقْتَضَى الْأَوَّل أَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ وَرَدَ الْحَدِيث الَّذِي سَاقَهُ فِي الْحَرُورِيَّة أَوْ لَا , وَمُقْتَضَى الثَّانِي أَنَّهُ وَرَدَ فِيهِمْ , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ مُرَاده بِالنَّفْيِ هُنَا أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظ فِيهِمْ نَصًّا بِلَفْظِ الْحَرُورِيَّة وَإِنَّمَا سَمِعَ قِصَّتهمْ الَّتِي دَلَّ وُجُود عَلَامَتهمْ فِي الْحَرُورِيَّة بِأَنَّهُمْ هُمْ. ‏ ‏قَوْله ( يَخْرُج فِي هَذِهِ الْأُمَّة وَلَمْ يَقُلْ مِنْهَا ) ‏ ‏لَمْ تَخْتَلِف الطُّرُق الصَّحِيحَة عَلَى أَبِي سَعِيد فِي ذَلِكَ فَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَبِي نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ قَوْمًا يَكُونُونَ فِي أُمَّته \" وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر \" تَمْرُق عِنْد فِرْقَة مَارِقَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة الضَّحَّاك الْمِشْرَقِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد نَحْوه , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي سَعِيد بِلَفْظِ \" مِنْ أُمَّتِي \" فَسَنَده ضَعِيف , لَكِنْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ بِلَفْظِ \" سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْم \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق زَيْد بْن وَهْب عَنْ عَلِيّ \" يَخْرُج قَوْم مِنْ أُمَّتِي \" وَيُجْمَع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث أَبِي سَعِيد بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْأُمَّةِ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد أُمَّة الْإِجَابَة وَفِي رِوَايَة غَيْره أُمَّة الدَّعْوَة , قَالَ النَّوَوِيّ : وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى فِقْه الصَّحَابَة وَتَحْرِيرهمْ الْأَلْفَاظ , وَفِيهِ إِشَارَة مِنْ أَبِي سَعِيد إِلَى تَكْفِير الْخَوَارِج وَأَنَّهُمْ مِنْ غَيْر هَذِهِ الْأُمَّة. ‏ ‏قَوْله ( تَحْقِرُونَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله أَيْ تَسْتَقِلُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( صَلَاتكُمْ مَعَ صَلَاتهمْ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة كَمَا فِي الْبَاب بَعْده \" وَصِيَامكُمْ مَعَ صِيَامهمْ \" وَفِي رِوَايَة عَاصِم بْن شُمَيْخ عَنْ أَبِي سَعِيد \" تَحْقِرُونَ أَعْمَالكُمْ مَعَ أَعْمَالهمْ \" وَوَصَفَ عَاصِم أَصْحَاب نَجْدَة الْحَرُورِيّ بِأَنَّهُمْ \" يَصُومُونَ النَّهَار وَيَقُومُونَ اللَّيْل وَيَأْخُذُونَ الصَّدَقَات عَلَى السُّنَّة \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ , وَمِثْله عِنْده مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة. وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عِنْده \" يَتَعَبَّدُونَ يَحْقِر أَحَدكُمْ صَلَاته وَصِيَامه مَعَ صَلَاتهمْ وَصِيَامهمْ \" وَمِثْله مِنْ رِوَايَة أَنَس عَنْ أَبِي سَعِيد , وَزَادَ فِي رِوَايَة الْأَسْوَد بْن الْعَلَاء عَنْ أَبِي سَلَمَة \" وَأَعْمَالكُمْ مَعَ أَعْمَالهمْ \" وَفِي رِوَايَة سَلَمَة بْن كُهَيْل عَنْ زَيْد بْن وَهْب عَنْ عَلِيّ \" لَيْسَتْ قِرَاءَتكُمْ إِلَى قِرَاءَتهمْ شَيْئًا وَلَا صَلَاتكُمْ إِلَى صَلَاتهمْ شَيْئًا \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالطَّبَرِيّ , وَعِنْده مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَنْ أَنَس \" ذَكَرَ لِي عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ فِيكُمْ قَوْمًا يَدْأَبُونَ وَيَعْمَلُونَ حَتَّى يُعْجِبُوا النَّاس وَتُعْجِبهُمْ أَنْفُسهمْ \" وَمِنْ طَرِيق حَفْص بْن أَخِي أَنَس عَنْ عَمّه بِلَفْظِ \" يَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّين \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي قِصَّة مُنَاظَرَته لِلْخَوَارِجِ قَالَ \" فَأَتَيْتهمْ فَدَخَلْت عَلَى قَوْم لَمْ أَرَ أَشَدَّ اِجْتِهَادًا مِنْهُمْ , أَيْدِيهمْ كَأَنَّهَا ثِفَن الْإِبِل , وَوُجُوههمْ مُعَلَّمَة مِنْ آثَار السُّجُود \" وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ \" ذُكِرَ عِنْده الْخَوَارِج وَاجْتِهَادهمْ فِي الْعِبَادَة فَقَالَ : لَيْسُوا أَشَدَّ اِجْتِهَادًا مِنْ الرُّهْبَان \". ‏ ‏قَوْله ( يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّين مُرُوق السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة فَعِيلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة فَأُدْخِلَتْ فِيهَا الْهَاء وَإِنْ كَانَ فَعِيل بِمَعْنَى مَفْعُول يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث لِلْإِشَارَةِ لِنَقْلِهَا مِنْ الْوَصْفِيَّة إِلَى الِاسْمِيَّة , وَقِيلَ إِنَّ شَرْط اِسْتِوَاء الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث أَنْ يَكُون الْمَوْصُوف مَذْكُورًا مَعَهُ , وَقِيلَ شَرْطه سُقُوط الْهَاء مِنْ مُؤَنَّث قَبْل وُقُوع الْوَصْف , تَقُول خُذْ ذَبِيحَتك أَيْ الشَّاة الَّتِي تُرِيد ذَبْحهَا فَإِذَا ذَبَحْتهَا قِيلَ لَهَا حِينَئِذٍ ذَبِيح. ‏ ‏قَوْله ( فَلْيَنْظُرْ الرَّامِي إِلَى سَهْمه ) ‏ ‏يَأْتِي بَيَانه فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , وَقَوْله \" إِلَى نَصْله \" هُوَ بَدَل مِنْ قَوْله سَهْمه أَيْ يَنْظُر إِلَيْهِ جُمْلَة ثُمَّ تَفْصِيلًا , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عِنْد الطَّبَرِيّ \" يَنْظُر إِلَى سَهْمه فَلَا يَرَى شَيْئًا ثُمَّ يَنْظُر إِلَى نَصْله ثُمَّ إِلَى رِصَافه \" وَسَيَأْتِي بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَقَوْله \" فَيَتَمَارَى \" أَيْ يَتَشَكَّك هَلْ بَقِيَ فِيهَا شَيْء مِنْ الدَّم , وَالْفُوقَة مَوْضِع الْوَتَر مِنْ السَّهْم , قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ الْفُوق يُذَكَّر وَيُؤَنَّث وَقَدْ يُقَال فُوقَة بِالْهَاءِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6420",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏وَذَكَرَ ‏ ‏الْحَرُورِيَّةَ ‏ ‏فَقَالَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنِي \" بِالْإِفْرَادِ كَذَا لِلْجَمِيعِ عُمَر غَيْر مَنْسُوب , لَكِنْ ذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ عَنْ الْأَصِيلِيّ قَالَ قَرَأَهُ عَلَيْنَا أَبُو زَيْد فِي عَرْضِهِ بِبَغْدَاد \" عُمَر بْن مُحَمَّد \" وَنَسَبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق أَحْمَدَ بْن عِيسَى عَنْ اِبْن وَهْب \" أَخْبَرَنِي عُمَر بْن مُحَمَّد بْن زَيْد الْعُمَرِيُّ \". قُلْت : وَزَيْد هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير بِهَذَا السَّنَد حَدِيث فِي تَفْسِير لُقْمَان عَنْ يَحْيَى بْن سُلَيْمَان عَنْ اِبْن وَهْب \" حَدَّثَنِي عُمَر بْن مُحَمَّد بْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث الْبَاب مَنْسُوبًا هَكَذَا إِلَى عُمَر بْن الْخَطَّاب فِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ عَنْ يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى عَنْ اِبْن وَهْب. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَذَكَرَ الْحَرُورِيَّة ) ‏ ‏هِيَ جُمْلَة حَالِيَّة , وَالْمُرَاد أَنَّهُ حَدَّثَ بِالْحَدِيثِ عِنْد ذِكْر الْحَرُورِيَّة , وَفِي إِيرَاد الْبُخَارِيّ لَهُ عَقِبَ حَدِيث أَبِي سَعِيد إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تَوَقُّفَ أَبِي سَعِيد الْمَذْكُور مَحْمُول عَلَى مَا أَشَرْت إِلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَنُصّ فِي الْحَدِيث الْمَرْفُوع عَلَى تَسْمِيَتهمْ بِخُصُوصِ هَذَا الِاسْم لَا أَنَّ الْحَدِيث لَمْ يَرِد فِيهِمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "6421",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْسِمُ جَاءَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ ‏ ‏فَقَالَ اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ دَعْهُ ‏ ‏فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ يُنْظَرُ فِي ‏ ‏قُذَذِهِ ‏ ‏فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي ‏ ‏نَصْلِهِ ‏ ‏فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي ‏ ‏رِصَافِهِ ‏ ‏فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي ‏ ‏نَضِيِّهِ ‏ ‏فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ آيَتُهُمْ رَجُلٌ إِحْدَى يَدَيْهِ ‏ ‏أَوْ قَالَ ثَدْيَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ ‏ ‏أَوْ قَالَ مِثْلُ الْبَضْعَةِ ‏ ‏تَدَرْدَرُ ‏ ‏يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ قَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏أَشْهَدُ سَمِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَشْهَدُ أَنَّ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏قَتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ جِيءَ بِالرَّجُلِ عَلَى ‏ ‏النَّعْتِ ‏ ‏الَّذِي ‏ ‏نَعَتَهُ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فَنَزَلَتْ فِيهِ ‏ { ‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ الْمَسْنَدِيّ بِفَتْحِ النُّون , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَيْضًا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد لَكِنَّهُ لَا رِوَايَة لَهُ عَنْ هِشَام الْمَذْكُور هُنَا وَهُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب الْمَاضِيَة فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَنْ الزُّهْرِيّ \" أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن \" وَتَقَدَّمَ فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة وَالضَّحَّاك وَهُوَ اِبْن شراحبيل أَوْ اِبْن شَرَاحِيل الْمِشْرَقِيّ بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَفَتْح الرَّاء بَعْدهَا قَاف مَنْسُوب إِلَى مِشْرَق بَطْن مِنْ هَمْدَانَ , وَتَقَدَّمَ بَيَان حَاله فِي فَضْل سُورَة الْإِخْلَاص. وَأَنَّ الْبَزَّار حَكَى أَنَّهُ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم وَأَنَّ ذَلِكَ غَلَط , ثُمَّ وَقَفْت عَلَى الرِّوَايَة الَّتِي نُسِبَ فِيهَا كَذَلِكَ أَخْرَجَهَا الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْن مَرْثَد عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ \" حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن وَالضَّحَّاك بْن مُزَاحِم عَنْ أَبِي سَعِيد \" قَالَ الطَّبَرِيُّ وَهَذَا خَطَأ وَإِنَّمَا هُوَ الضَّحَّاك الْمِشْرَقِيّ. قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ مُحَمَّد بْن مُصْعَب وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق بِشْر بْن بُكَيْر كِلَاهُمَا عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ أَبِي سَلَمَة وَالضَّحَّاك الْمِشْرَقِيّ \" وَفِي رِوَايَة بِشْر الْهَمْدَانِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيد , وَاللَّفْظ الَّذِي سَاقَهُ الْبُخَارِيّ هُوَ لَفْظ أَبِي سَلَمَة , وَقَدْ أَفْرَدَ مُسْلِم لَفْظ الضَّحَّاك الْمِشْرَقِيّ مِنْ طَرِيق حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت عَنْهُ وَزَادَ فِيهِ شَيْئًا سَأَذْكُرُهُ بَعْد , وَقَدْ شَذَّ أَفْلَحُ بْن عَبْد اللَّه بْن الْمُغِيرَة عَنْ الزُّهْرِيّ فَرَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْهُ فَقَالَ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة عَنْ أَبِي سَعِيد أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى. ‏ ‏قَوْله ( بَيْنَمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِم ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله مِنْ الْقِسْمَة كَذَا هُنَا بِحَذْفِ الْمَفْعُول , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ يَقْسِم ذَات يَوْم قَسْمًا وَفِي رِوَايَة شُعَيْب \" بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِم قَسْمًا \" زَادَ أَفْلَحُ بْن عَبْد اللَّه فِي رِوَايَته \" يَوْم حُنَيْنٍ \" وَتَقَدَّمَ فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي نُعْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيد أَنَّ الْمَقْسُوم كَانَ تِبْرًا بَعَثَهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب مِنْ الْيَمَن فَقَسَمَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَرْبَعَة أَنْفُس , وَذَكَرْت أَسْمَاءَهُمْ هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله ( جَاءَ عَبْد اللَّه بْن ذِي الْخُوَيْصِرَة التَّمِيمِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر بِلَفْظِ \" بَيْنَمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِم قَسْمًا إِذْ جَاءَهُ اِبْن ذِي الْخُوَيْصِرَة التَّمِيمِيّ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق وَمُحَمَّد بْن ثَوْر وَأَبُو سُفْيَان الْحِمْيَرِيّ وَعَبْد اللَّه بْن مَعَاذ أَرْبَعَتهمْ عَنْ مَعْمَر وَأَخْرَجَهُ الثَّعْلَبِيّ ثُمَّ الْوَاحِدِيّ فِي أَسْبَاب النُّزُول مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق فَقَالَ اِبْن ذِي الْخُوَيْصِرَة التَّمِيمِيّ وَهُوَ حُرْقُوص بْن زُهَيْر أَصْل الْخَوَارِج وَمَا أَدْرِي مَنْ الَّذِي قَالَ وَهُوَ حُرْقُوص إِلَخْ وَقَدْ اِعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ اِبْن الْأَثِير فِي الصَّحَابَة فَتَرْجَمَ لِذِي الْخُوَيْصِرَة التَّمِيمِيّ فِي الصَّحَابَة وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق الثَّعْلَبِيّ وَقَالَ بَعْد فَرَاغه : فَقَدْ جَعَلَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة اِسْم ذِي الْخُوَيْصِرَة حُرْقُوصًا وَاَللَّه أَعْلَمُ , وَقَدْ جَاءَ أَنَّ حُرْقُوصًا اِسْمُ ذِي الثُّدَيَّة كَمَا سَيَأْتِي. قُلْت : وَقَدْ ذَكَرَ حُرْقُوصَ بْنَ زُهَيْر فِي الصَّحَابَة أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي فُتُوح الْعِرَاق أَثَر وَأَنَّهُ الَّذِي اِفْتَتَحَ سُوق الْأَهْوَاز ثُمَّ كَانَ مَعَ عَلِيّ فِي حُرُوبه ثُمَّ صَارَ مَعَ الْخَوَارِج فَقُتِلَ مَعَهُمْ , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ ذُو الثُّدَيَّة الْآتِي ذِكْره , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ ذِكْر هَذَا الْقَائِل فِي الْأَحَادِيث مُبْهَمًا وَوُصِفَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي نُعْمٍ الْمُشَار إِلَيْهَا بِأَنَّهُ مُشْرِف الْوَجْنَتَيْنِ غَائِر الْعَيْنَيْنِ نَاشِز الْجَبْهَة كَثّ اللِّحْيَة مَحْلُوق الرَّأْس مُشَمَّر الْإِزَار , وَتَقَدَّمَ تَفْسِير ذَلِكَ فِي \" بَاب بَعْث عَلِيّ \" مِنْ الْمَغَازِي وَفِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة عِنْد أَحْمَدَ وَالطَّبَرِيّ \" فَأَتَاهُ رَجُلٌ أَسْوَدُ طَوِيل مُشَمَّر مَحْلُوق الرَّأْس بَيْن عَيْنَيْهِ أَثَر السُّجُود \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الْوَضِيّ عَنْ أَبِي بَرْزَة عِنْد أَحْمَدَ وَالطَّبَرِيّ وَالْحَاكِم \" أُتِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَنَانِير فَكَانَ يَقْسِمهَا وَرَجُل أَسْوَد مَطْمُوم الشَّعْر بَيْن عَيْنَيْهِ أَثَر السُّجُود \" وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عِنْد الْبَزَّار وَالطَّبَرِيّ \" رَجُل مِنْ أَهْل الْبَادِيَة حَدِيث عَهْد بِأَمْرِ اللَّه \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ : اعْدِلْ يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي نُعْمٍ \" فَقَالَ اِتَّقِ اللَّه يَا مُحَمَّد \" وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فَقَالَ \" اِعْدِلْ يَا مُحَمَّد \" وَفِي لَفْظ لَهُ عِنْد الْبَزَّار وَالْحَاكِم \" فَقَالَ : يَا مُحَمَّد وَاَللَّه لَئِنْ كَانَ اللَّه أَمَرَك أَنْ تَعْدِل مَا أَرَاك تَعْدِل \" وَفِي رِوَايَة مِقْسَم الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا \" فَقَالَ يَا مُحَمَّد قَدْ رَأَيْت الَّذِي صَنَعْت , قَالَ وَكَيْف رَأَيْت ؟ قَالَ لَمْ أَرَاك عَدَلْت \" وَفِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة \" فَقَالَ يَا مُحَمَّد وَاَللَّه مَا تَعْدِل \" وَفِي لَفْظ \" مَا أَرَاك عَدَلْت فِي الْقِسْمَة \" وَنَحْوه فِي حَدِيث أَبِي بَرْزَة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ وَيْحك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" وَيْلك \" وَهِيَ رِوَايَة شُعَيْب وَالْأَوْزَاعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهَا فِي كِتَاب الْأَدَب. ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ يَعْدِل إِذَا لَمْ أَعْدِل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي نُعْمٍ. وَمَنْ يُطِعْ اللَّه إِذَا لَمْ أُطِعْهُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقه \" أَوَلَسْت أَحَقّ أَهْل الْأَرْض أَنْ أُطِيع اللَّه \" وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" عِنْدَ مَنْ يُلْتَمَس الْعَدْل بَعْدِي \" وَفِي رِوَايَة مِقْسَم عَنْهُ \" فَغَضِبَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : الْعَدْل إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدِي فَعِنْد مَنْ يَكُون \" وَفِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة \" فَغَضِبَ حَتَّى اِحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ \" وَمِنْ حَدِيث أَبِي بَرْزَة \" قَالَ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ : وَاَللَّه لَا تَجِدُونَ بَعْدِي رَجُلًا هُوَ أَعْدَل عَلَيْكُمْ مِنِّي \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب : يَا رَسُول اللَّه اِئْذَنْ لِي فَأَضْرِب عُنُقه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب وَيُونُس \" فَقَالَ \" بِزِيَادَةِ فَاء وَقَالَ \" اِئْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِب عُنُقه \" وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" فَلَأَضْرِب \" بِزِيَادَةِ لَام , وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مِنْ طَرِيق مِقْسَم عَنْهُ \" فَقَالَ عُمَر : يَا رَسُول اللَّه أَلَا أَقُوم عَلَيْهِ فَأَضْرِب عُنُقه \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي نُعْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيد فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَسَأَلَهُ رَجُل أَظُنّهُ خَالِد بْن الْوَلِيد قَتْله \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقَالَ خَالِد بْن الْوَلِيد \" بِالْجَزْمِ , وَقَدْ ذَكَرْت وَجْه الْجَمْع بَيْنهمَا فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَأَلَ , ثُمَّ رَأَيْت عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ عِمَارَة بْن الْقَعْقَاع بِسَنَدِهِ فِيهِ \" فَقَامَ عُمَر بْن الْخَطَّاب فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَلَا أَضْرِب عُنُقه ؟ قَالَ : لَا. ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَامَ إِلَيْهِ خَالِد بْن الْوَلِيد سَيْف اللَّه فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَضْرِب عُنُقه ؟ قَالَ : لَا \" فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَأَلَ. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ سُؤَال خَالِد فِي ذَلِكَ لِأَنَّ بَعْث عَلِيّ إِلَى الْيَمَن كَانَ عَقِب بَعْث خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَيْهَا , وَالذَّهَب الْمَقْسُوم أَرْسَلَهُ عَلِيّ مِنْ الْيَمَن كَمَا فِي صَدْر حَدِيث اِبْن أَبِي نُعْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيد , وَيُجَاب بِأَنَّ عَلِيًّا لَمَّا وَصَلَ إِلَى الْيَمَن رَجَعَ خَالِد مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَة فَأَرْسَلَ عَلِيّ الذَّهَب فَحَضَرَ خَالِد قِسْمَته , وَأَمَّا حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فَإِنَّهُ فِي قِصَّة قَسْم وَقَعَ بِالْجِعِرَّانَةِ مِنْ غَنَائِم حُنَيْنٍ , وَالسَّائِل فِي قَتْله عُمَر بْن الْخَطَّاب جَزْمًا , وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْمُعْتَرِض فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِد كَمَا مَضَى قَرِيبًا \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ دَعْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" فَقَالَ لَهُ دَعْهُ \" كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" فَقَالَ لَا \" وَزَادَ أَفْلَحُ بْن عَبْد اللَّه فِي رِوَايَته \" فَقَالَ مَا أَنَا بِالَّذِي أَقْتُل أَصْحَابِي \". ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا ) ‏ ‏هَذَا ظَاهِره أَنَّ تَرْك الْأَمْر بِقَتْلِهِ بِسَبَبِ أَنَّ لَهُ أَصْحَابًا بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَة , وَهَذَا لَا يَقْتَضِي تَرْك قَتْله مَعَ مَا أَظْهَرَهُ مِنْ مُوَاجَهَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا وَاجَهَهُ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيف كَمَا فَهِمَهُ الْبُخَارِيّ لِأَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الْعِبَادَة مَعَ إِظْهَار الْإِسْلَام , فَلَوْ أَذِنَ فِي قَتْلهمْ لَكَانَ ذَلِكَ تَنْفِيرًا عَنْ دُخُول غَيْرهمْ فِي الْإِسْلَام , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة أَفْلَحَ وَلَهَا شَوَاهِد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَفْلَحَ \" سَيَخْرُجُ أُنَاس يَقُولُونَ مِثْل قَوْله \". ‏ ‏قَوْله ( يَحْقِر أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِالْإِفْرَادِ , وَفِي رِوَايَة شُعَيْب وَغَيْره \" مَعَ صَلَاتهمْ \" بِصِيغَةِ الْجَمْع فِيهِ وَفِي قَوْله \" مَعَ صِيَامهمْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ثَانِي أَحَادِيث الْبَاب الَّذِي قَبْله وَزَادَ فِي رِوَايَة شُعَيْب وَيُونُس \" يَقْرَءُونَ الْقُرْآن وَلَا يُجَاوِز تَرَاقِيهمْ \" بِمُثَنَّاةٍ وَقَاف جَمْع تَرْقُوَة بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الرَّاء وَضَمِّ الْقَاف وَفَتْح الْوَاو وَهِيَ الْعَظْم الَّذِي بَيْن نُقْرَة النَّحْر وَالْعَاتِق , وَالْمَعْنَى أَنَّ قِرَاءَتهمْ لَا يَرْفَعهَا اللَّه وَلَا يَقْبَلهَا , وَقِيلَ لَا يَعْمَلُونَ بِالْقُرْآنِ فَلَا يُثَابُونَ عَلَى قِرَاءَته فَلَا يَحْصُل لَهُمْ إِلَّا سَرْده. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْمُرَاد أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ حَظّ إِلَّا مُرُوره عَلَى لِسَانهمْ لَا يَصِل إِلَى حُلُوقهمْ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَصِل إِلَى قُلُوبهمْ , لِأَنَّ الْمَطْلُوب تَعَقُّله وَتَدَبُّره بِوُقُوعِهِ فِي الْقَلْب. قُلْت : وَهُوَ مِثْل قَوْله فِيهِمْ أَيْضًا \" لَا يُجَاوِز إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ \" أَيْ يَنْطِقُونَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَا يَعْرِفُونَهَا بِقُلُوبِهِمْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" يَقْرَءُونَ الْقُرْآن رَطْبًا \" قِيلَ الْمُرَاد الْحِذْق فِي التِّلَاوَة أَيْ يَأْتُونَ بِهِ عَلَى أَحْسَنِ أَحْوَاله , وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّهُمْ يُوَاظِبُونَ عَلَى تِلَاوَته فَلَا تَزَال أَلْسِنَتهمْ رَطْبَةً بِهِ , وَقِيلَ هُوَ كِنَايَة عَنْ حُسْن الصَّوْت بِهِ حَكَاهَا الْقُرْطُبِيّ , وَيُرَجِّح الْأَوَّلَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْوَدَّاك عَنْ أَبِي سَعِيد عِنْد مُسَدَّد \" يَقْرَءُونَ الْقُرْآن كَأَحْسَنِ مَا يَقْرَؤُهُ النَّاس \" وَيُؤَيِّد الْآخَر قَوْلُهُ فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْرَة عَنْ أَبِيهِ \" قَوْم أَشِدَّاء أَحِدَّاء ذَلِقَة أَلْسِنَتهمْ بِالْقُرْآن \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَزَادَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي نُعْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيد \" يَقْتُلُونَ أَهْل الْإِسْلَام وَيَدَعُونَ أَهْل الْأَوْثَان , يَمْرُقُونَ \" وَأَرْجَحُهَا الثَّالِث. ‏ ‏قَوْله ( يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّين كَمَا يَمْرُق السَّهْم ) ‏ ‏يَأْتِي تَفْسِيره فِي الْحَدِيث الثَّانِي , وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ كَمُرُوقِ السَّهْم. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ الرَّمِيَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْبَد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي سَعِيد الْآتِيَة فِي آخِر كِتَاب التَّوْحِيد \" لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُود السَّهْم إِلَى فُوقه \" وَالرَّمِيَّة فَعِيلَة مِنْ الرَّمْي وَالْمُرَاد الْغَزَالَة الْمَرْمِيَّة مَثَلًا. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مِنْ رِوَايَة مِقْسَم عَنْهُ \" فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِهَذَا شِيعَة يَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّين يَمْرُقُونَ مِنْهُ \" الْحَدِيث , أَيْ يَخْرُجُونَ مِنْ الْإِسْلَام بَغْتَة كَخُرُوجِ السَّهْم إِذَا رَمَاهُ رَامٍ قَوِيّ السَّاعِد فَأَصَابَ مَا رَمَاهُ فَنَفَذَ مِنْهُ بِسُرْعَةٍ بِحَيْثُ لَا يَعْلَق بِالسَّهْمِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ مِنْ الْمَرْمِيّ شَيْءٌ , فَإِذَا اِلْتَمَسَ الرَّامِي سَهْمَهُ وَجَدَهُ وَلَمْ يَجِد الَّذِي رَمَاهُ فَيَنْظُر فِي السَّهْم لِيَعْرِف هَلْ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ فَإِذَا لَمْ يَرَهُ عَلِقَ فِيهِ شَيْء مِنْ الدَّم وَلَا غَيْره ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ وَالْفَرْض أَنَّهُ أَصَابَهُ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ \" سَبَقَ الْفَرْث وَالدَّم \" أَيْ جَاوَزَهُمَا وَلَمْ يَتَعَلَّق فِيهِ مِنْهُمَا شَيْءٌ بَلْ خَرَجَا بَعْده , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْقُذَذ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد عِنْد مُسْلِم فَضَرَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ مَثَلًا الرَّجُل يَرْمِي الرَّمِيَّة الْحَدِيث , وَفِي رِوَايَة أَبِي الْمُتَوَكِّل النَّاجِي عَنْ أَبِي سَعِيد عِنْد الطَّبَرِيّ \" مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُل رَمَى رَمِيَّة فَتَوَخَّى السَّهْمَ حَيْثُ وَقَعَ فَأَخَذَهُ فَنَظَرَ إِلَى فُوقه فَلَمْ يَرَ بِهِ دَسَمًا وَلَا دَمًا \" لَمْ يَتَعَلَّق بِهِ شَيْء مِنْ الدَّسَم وَالدَّم , كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ لَمْ يَتَعَلَّقُوا بِشَيْءٍ مِنْ الْإِسْلَام , وَعِنْده فِي رِوَايَة عَاصِم بْن شَمْخ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم بَعْدهَا مُعْجَمَة بَعْد قَوْله مِنْ الرَّمِيَّة \" يَذْهَب السَّهْم فَيَنْظُر فِي النَّصْل فَلَا يَرَى شَيْئًا مِنْ الْفَرْث وَالدَّم \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" يَتْرُكُونَ الْإِسْلَام وَرَاء ظُهُورهمْ \" وَجَعَلَ يَدَيْهِ وَرَاء ظَهْره , وَفِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق مَوْلَى بَنِي هَاشِم عَنْ أَبِي سَعِيد فِي آخِر الْحَدِيث \" لَا يَتَعَلَّقُونَ مِنْ الدِّين بِشَيْءٍ كَمَا لَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ السَّهْم \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ , وَفِي حَدِيث أَنَس عَنْ أَبِي سَعِيد عِنْد أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَالطَّبَرِيّ \" لَا يَرْجِعُونَ إِلَى الْإِسْلَام حَتَّى يَرْتَدّ السَّهْم إِلَى فُوقه \" وَجَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرِيّ وَأَوَّلُهُ فِي اِبْن مَاجَهْ بِسِيَاقٍ أَوْضَحَ مِنْ هَذَا وَلَفْظه \" سَيَخْرُجُ قَوْم مِنْ الْإِسْلَام خُرُوج السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة عَرَضَتْ لِلرِّجَالِ فَرَمَوْهَا فَانْمَرَقَ سَهْم أَحَدهمْ مِنْهَا فَخَرَجَ فَأَتَاهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ لَمْ يَتَعَلَّق بِنَصْلِهِ مِنْ الدَّم شَيْء , ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْقُذَذ فَلَمْ يَرَهُ تَعَلَّقَ مِنْ الدَّم بِشَيْءٍ , فَقَالَ : إِنْ كُنْت أَصَبْت فَإِنَّ بِالرِّيشِ وَالْفُوق شَيْئًا مِنْ الدَّم , فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا تَعَلَّقَ بِالرِّيشِ وَالْفُوق. قَالَ : كَذَلِكَ يَخْرُجُونَ مِنْ الْإِسْلَام \" وَفِي رِوَايَة بِلَال بْن يَقْطُر عَنْ أَبِي بَكْرَة \" يَأْتِيهِمْ الشَّيْطَان مِنْ قِبَل دِينهمْ \" وَلِلْحُمَيْدِيّ وَابْن أَبِي عُمَر فِي مُسْنَدَيْهِمَا مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر مَوْلَى الْأَنْصَار عَنْ عَلِيّ \" أَنَّ نَاسًا يَخْرُجُونَ مِنْ الدِّين كَمَا يَخْرُج السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا \". ‏ ‏قَوْله ( آيَتهمْ ) ‏ ‏أَيْ عَلَامَتهمْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مَرْيَم عَنْ عَلِيّ عِنْد الطَّبَرِيّ \" عَلَامَتهمْ \". ‏ ‏قَوْله ( رَجُل إِحْدَى يَدَيْهِ أَوْ قَالَ ثَدْيَيْهِ ) ‏ ‏هَكَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّثْنِيَةِ فِيهِمَا مَعَ الشَّكّ هَلْ هِيَ تَثْنِيَة يَد أَوْ ثَدْي بِالْمُثَلَّثَةِ , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي هُنَا بِالْمُثَلَّثَةِ فِيهِمَا فَالشَّكّ عِنْده هَلْ هُوَ الثَّدْي بِالْإِفْرَادِ أَوْ بِالتَّثْنِيَةِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" إِحْدَى يَدَيْهِ \" تَثْنِيَة يَد وَلَمْ يَشُكّ , وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد , فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب وَيُونُس \" إِحْدَى عَضُدَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله ( مِثْل ثَدْي الْمَرْأَة أَوْ قَالَ مِثْل الْبَضْعَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة أَيْ الْقِطْعَة مِنْ اللَّحْم. ‏ ‏قَوْله ( تَدَرْدَرُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنهمَا رَاء سَاكِنَة وَآخِره رَاء وَهُوَ عَلَى حَذْف إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَأَصْله تَتَدَرْدَر وَمَعْنَاهُ تَتَحَرَّك وَتَذْهَب وَتَجِيء , وَأَصْله حِكَايَة صَوْت الْمَاء فِي بَطْن الْوَادِي إِذَا تَدَافَعَ , وَفِي رِوَايَة عُبَيْدَة بْن عَمْرو عَنْ عَلِيّ عِنْد مُسْلِم \" فِيهِمْ رَجُل مُخْدَج الْيَد أَوْ مُودَن الْيَد أَوْ مَثْدُونُ الْيَد \" وَالْمُخْدَج بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَجِيم وَالْمُودَن بِوَزْنِهِ وَالْمَثْدُونُ بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْمُثَلَّثَة , وَكُلّهَا بِمَعْنًى وَهُوَ النَّاقِص , وَلَهُ مِنْ رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب عَنْ عَلِيّ \" وَغَايَة ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُد لَيْسَ لَهُ ذِرَاع عَلَى رَأْس عَضُده مِثْل حَلَمَة الثَّدْي عَلَيْهِ شَعَرَات بِيض \" وَعِنْد الطَّبَرِيّ مِنْ وَجْه آخَر \" فِيهِمْ رَجُل مُجْدَع الْيَد كَأَنَّهَا ثَدْي حَبَشِيَّة \" وَفِي رِوَايَة أَفْلَحَ بْن عَبْد اللَّه \" فِيهَا شَعَرَات كَأَنَّهَا سَخْلَة سَبُع , وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْر مَوْلَى الْأَنْصَار \" كَثَدْيِ الْمَرْأَة لَهَا حَلَمَة كَحَلَمَةِ الْمَرْأَة حَوْلهَا سَبْع هُلْبَات \" وَفِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع عَنْ عَلِيّ عِنْد مُسْلِم \" مِنْهُمْ أَسْوَدُ إِحْدَى يَدَيْهِ طُبْيُ شَاةٍ أَوْ حَلَمَة ثَدْي \" فَأَمَّا الطُّبْيُ فَهُوَ بِضَمِّ الطَّاء الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَهِيَ الثَّدْي , وَعِنْد الطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق طَارِق بْن زِيَاد عَنْ عَلِيّ \" فِي يَده شَعَرَات سُود \" وَالْأَوَّل أَقْوَى , وَقَدْ ذَكَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْخَوَارِجِ عَلَامَة أُخْرَى فَفِي رِوَايَة مَعْبَد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي سَعِيد \" قِيلَ مَا سِيمَاهُمْ , قَالَ : سِيمَاهُمْ التَّحْلِيق \" وَفِي رِوَايَة عَاصِم اِبْن شَمْخ عَنْ أَبِي سَعِيد \" فَقَامَ رَجُل فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه هَلْ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْم عَلَامَة ؟ قَالَ : يَحْلِقُونَ رُءُوسهمْ فِيهِمْ ذُو ثُدَيَّة \" وَفِي حَدِيث أَنَس عَنْ أَبِي سَعِيد \" هُمْ مِنْ جِلْدَتنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا , قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه مَا سِيمَاهُمْ ؟ قَالَ التَّحْلِيق \" هَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيّ , وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ بَعْضه. ‏ ‏قَوْله ( يَخْرُجُونَ عَلَى خَيْر فِرْقَة مِنْ النَّاس ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ هُنَا , وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة وَفِي الْأَدَب \" حِين \" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَآخِره نُون و \" فِرْقَة \" بِضَمِّ الْفَاء. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عِنْد أَحْمَدَ وَغَيْره \" حِين فَتْرَة مِنْ النَّاس \" بِفَتْحِ الْفَاء وَسُكُون الْمُثَنَّاة , وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِع \" عَلَى خَيْر \" بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَآخِره رَاء و \" فِرْقَة \" بِكَسْرِ الْفَاء وَالْأَوَّل الْمُعْتَمَد وَهُوَ الَّذِي عِنْد مُسْلِم وَغَيْره وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ صَحِيحًا وَيُؤَيِّد الْأَوَّل أَنَّ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد \" تَمْرُق مَارِقَة عِنْد فِرْقَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ \" وَفِي لَفْظ لَهُ \" يَكُون فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ فَيَخْرُج مِنْ بَيْنهمَا طَائِفَة مَارِقَة يَلِي قَتْلهمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ \" وَفِي لَفْظ لَهُ \" يَخْرُجُونَ فِي فِرْقَة مِنْ النَّاس يَقْتُلهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقّ \" وَفِيهِ \" فَقَالَ أَبُو سَعِيد : وَأَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ يَا أَهْل الْعِرَاق \" وَفِي رِوَايَة الضَّحَّاك الْمِشْرَقِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد \" يَخْرُجُونَ عَلَى فِرْقَة مُخْتَلِفَة يَقْتُلهُمْ أَقْرَبُ الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقّ \" وَفِي رِوَايَة أَنَس عَنْ أَبِي سَعِيد عِنْد أَبِي دَاوُدَ \" مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاَللَّهِ مِنْهُمْ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ مُتَّصِل بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( أَشْهَدُ سَمِعْت مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِاخْتِصَارٍ , وَفِي رِوَايَة شُعَيْب وَيُونُس \" قَالَ أَبُو سَعِيد فَأَشْهَد أَنِّي سَمِعْت هَذَا الْحَدِيث مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ مَضَى فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي سَعِيد \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول يَخْرُج فِي هَذِهِ الْأُمَّة \" وَفِي رِوَايَة أَفْلَحَ بْن عَبْد اللَّه \" حَضَرْت هَذَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب ( أَنَّ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب قَاتَلَهُمْ \" وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ وَيُونُس \" قَاتَلَهُمْ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَفْلَحَ بْن عَبْد اللَّه \" وَحَضَرْت مَعَ عَلِيّ يَوْم قَتَلَهُمْ بِالنَّهْرَوَانِ \" وَنِسْبَة قَتْلهمْ لِعَلِيٍّ لِكَوْنِهِ كَانَ الْقَائِمَ فِي ذَلِكَ , وَقَدْ مَضَى فِي الْبَاب قَبْله مِنْ رِوَايَة سُوَيْد بْن غَفَلَة عَنْ عَلِيّ \" أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهِمْ \" وَلَفْظه \" فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ \" وَقَدْ ذَكَرْت شَوَاهِده , وَمِنْهَا حَدِيث نَصْر بْن عَاصِم عَنْ أَبِي بَكْرَة رَفَعَه \" إِنَّ فِي أُمَّتِي أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآن لَا يُجَاوِز تَرَاقِيهمْ , فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَأَنِيمُوهُمْ \" أَيْ فَاقْتُلُوهُمْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ , وَتَقَدَّمَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَغَيْرهَا \" لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَة مَسْرُوق قَالَ \" قَالَتْ لِي عَائِشَةُ : مَنْ قَتَلَ الْمُخْدَج ؟ قُلْت : عَلِيٌّ قَالَتْ فَأَيْنَ قَتَلَهُ ؟ قُلْت عَلَى نَهْر يُقَال لِأَسْفَلِهِ النَّهْرَوَان. قَالَتْ : اِئْتِنِي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ , فَأَتَيْتهَا بِخَمْسِينَ نَفْسًا شَهِدُوا أَنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُ بِالنَّهْرَوَانِ \" أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرِيّ , وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق عَامِر بْن سَعْد قَالَ \" قَالَ عَمَّار لِسَعْدٍ : أَمَّا سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : يَخْرُج أَقْوَام مِنْ أُمَّتِي يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّين مُرُوق السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة يَقْتُلهُمْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ؟ قَالَ : إِي وَاَللَّه \" وَأَمَّا صِفَة قِتَالهمْ وَقَتْلهمْ فَوَقَعَتْ عِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب الْجُهَنِيّ أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْش الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيّ حِين سَارُوا إِلَى الْخَوَارِج فَقَالَ عَلِيّ بَعْد أَنْ حَدَّثَ بِصِفَتِهِمْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَللَّه إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْم , فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّم الْحَرَام وَأَغَارُوا فِي سَرْح النَّاس , قَالَ فَلَمَّا اِلْتَقَيْنَا وَعَلَى الْخَوَارِج يَوْمئِذٍ عَبْد اللَّه بْن وَهْب الرَّاسِبِيّ فَقَالَ لَهُمْ : أَلْقُوا الرِّمَاح وَسُلُّوا سُيُوفكُمْ مِنْ جُفُونهَا فَإِنِّي أَخَاف أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْم حَرُورَاء , قَالَ فَشَجَرَهُمْ النَّاس بِرِمَاحِهِمْ , قَالَ فَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض , وَمَا أُصِيبَ مِنْ النَّاس يَوْمئِذٍ إِلَّا رَجُلَانِ. وَأَخْرَجَ يَعْقُوب بْن سُفْيَان مِنْ طَرِيق عِمْرَان بْن جَرِير عَنْ أَبِي مِجْلَز قَالَ : كَانَ أَهْل النَّهْر أَرْبَعَة آلَاف فَقَتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَلَمْ يُقْتَل مِنْ الْمُسْلِمِينَ سِوَى تِسْعَة , فَإِنْ شِئْت فَاذْهَبْ إِلَى أَبِي بَرْزَة فَاسْأَلْهُ فَإِنَّهُ شَهِدَ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت قَالَ : أَتَيْت أَبَا وَائِل فَقُلْت : أَخْبِرْنِي عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيّ فِيمَ فَارَقُوهُ وَفِيمَ اِسْتَحَلَّ قِتَالهمْ ؟ قَالَ : لَمَّا كُنَّا بِصِفِّينَ اِسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي أَهْل الشَّام فَرَفَعُوا الْمَصَاحِف فَذَكَرَ قِصَّة التَّحْكِيم , فَقَالَ الْخَوَارِج مَا قَالُوا وَنَزَلُوا حَرُورَاء , فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَلِيّ فَرَجَعُوا ثُمَّ قَالُوا نَكُون فِي نَاحِيَته فَإِنْ قَبِلَ الْقَضِيَّة قَاتَلْنَاهُ وَإِنْ نَقَضَهَا قَاتَلْنَا مَعَهُ , ثُمَّ اِفْتَرَقَتْ مِنْهُمْ فِرْقَة يَقْتُلُونَ النَّاس فَحَدَّثَ عَلِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِهِمْ. وَعِنْد أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَة مَرْجِعَهُ مِنْ الْعِرَاق لَيَالِي قُتِلَ عَلِيٌّ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَة تُحَدِّثنِي بِأَمْرِ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيّ , قَالَ : إِنَّ عَلِيًّا لَمَّا كَاتَبَ مُعَاوِيَة وَحَكَّمَا الْحَكَمَيْنِ خَرَجَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَة آلَاف مِنْ قُرَّاء النَّاس فَنَزَلُوا بِأَرْضٍ يُقَال لَهَا حَرُورَاء مِنْ جَانِب الْكُوفَة وَعَتَبُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا : اِنْسَلَخْت مِنْ قَمِيص أَلْبَسَكَهُ اللَّهُ وَمِنْ اِسْم سَمَّاك اللَّه بِهِ , ثُمَّ حَكَّمْت الرِّجَال فِي دِين اللَّه وَلَا حُكْم إِلَّا لِلَّهِ , فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَجَمَعَ النَّاس فَدَعَا بِمُصْحَفٍ عَظِيم فَجَعَلَ يَضْرِبهُ بِيَدِهِ وَيَقُول : أَيُّهَا الْمُصْحَف حَدِّثْ النَّاس , فَقَالُوا مَاذَا إِنْسَانٌ ؟ إِنَّمَا هُوَ مِدَاد وَوَرَق , وَنَحْنُ نَتَكَلَّم بِمَا رَوَيْنَا مِنْهُ , فَقَالَ : كِتَاب اللَّه بَيْنِي وَبَيْن هَؤُلَاءِ , يَقُول اللَّه فِي اِمْرَأَة رَجُل ( فَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاق بَيْنهمَا ) الْآيَة , وَأُمَّة مُحَمَّد أَعْظَمُ مِنْ اِمْرَأَة رَجُل , وَنَقَمُوا عَلَيَّ أَنْ كَاتَبْت مُعَاوِيَة , وَقَدْ كَاتَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُهَيْل بْن عَمْرو وَلَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه أُسْوَة حَسَنَة. ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ اِبْن عَبَّاس فَنَاظَرَهُمْ فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَة آلَاف فِيهِمْ عَبْد اللَّه بْن الْكَوَّاء , فَبَعَثَ عَلِيّ إِلَى الْآخَرِينَ أَنْ يَرْجِعُوا فَأَبَوْا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ : كُونُوا حَيْثُ شِئْتُمْ وَبَيْنَنَا وَبَيْنكُمْ أَنْ لَا تَسْفِكُوا دَمًا حَرَامًا وَلَا تَقْطَعُوا سَبِيلًا وَلَا تَظْلِمُوا أَحَدًا , فَإِنْ فَعَلْتُمْ نَبَذْت إِلَيْكُمْ الْحَرْب. قَالَ عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد : فَوَاَللَّهِ مَا قَتَلَهُمْ حَتَّى قَطَعُوا السَّبِيل وَسَفَكُوا الدَّم الْحَرَام الْحَدِيث. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي الْخَصَائِص صِفَة مُنَاظَرَة اِبْن عَبَّاس لَهُمْ بِطُولِهَا. وَفِي الْأَوْسَط لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي السَّائِغَة عَنْ جُنْدَب بْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيِّ قَالَ : لَمَّا فَارَقَتْ الْخَوَارِج عَلِيًّا خَرَجَ فِي طَلَبهمْ فَانْتَهَيْنَا إِلَى عَسْكَرهمْ فَإِذَا لَهُمْ دَوِيّ كَدَوِيِّ النَّحْل مِنْ قِرَاءَة الْقُرْآن , وَإِذَا فِيهِمْ أَصْحَاب الْبَرَانِس أَيْ الَّذِينَ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِالزُّهْدِ وَالْعِبَادَة , قَالَ فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ شِدَّةٌ , فَنَزَلْت عَنْ فَرَسِي وَقُمْت أُصَلِّي فَقُلْت : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فِي قِتَال هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَك طَاعَة فَائْذَنْ لِي فِيهِ. فَمَرَّ بِي عَلِيّ فَقَالَ لَمَّا حَاذَانِي تَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّكّ يَا جُنْدَب , فَلَمَّا جِئْته أَقْبَلَ رَجُل عَلَى بِرْذَوْن يَقُول إِنْ كَانَ لَك بِالْقَوْمِ حَاجَة فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا النَّهْر , قَالَ مَا قَطَعُوهُ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ كَذَلِكَ , ثُمَّ جَاءَ آخَر كَذَلِكَ قَالَ : لَا مَا قَطَعُوهُ وَلَا يَقْطَعُونَهُ وَلَيُقْتَلَنَّ مَنْ دُونَهُ عَهْدٌ مِنْ اللَّه وَرَسُوله , قُلْت اللَّه أَكْبَرُ , ثُمَّ رَكِبْنَا فَسَايَرْته فَقَالَ لِي : سَأَبْعَثُ إِلَيْهِمْ رَجُلًا يَقْرَأُ الْمُصْحَف يَدْعُوهُمْ إِلَى كِتَاب اللَّه وَسُنَّة نَبِيّهمْ فَلَا يُقْبِل عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ حَتَّى يَرْشُقُوهُ بِالنَّبْلِ وَلَا يُقْتَل مِنَّا عَشَرَة وَلَا يَنْجُو مِنْهُمْ عَشَرَة , قَالَ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْم فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَجُلًا فَرَمَاهُ إِنْسَان فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَعَدَ وَقَالَ عَلِيّ : دُونكُمْ الْقَوْم فَمَا قُتِلَ مِنَّا عَشَرَة وَلَا نَجَا مِنْهُمْ عَشَرَة. وَأَخْرَجَ يَعْقُوب بْن سُفْيَان بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ حُمَيْد بْن هِلَال قَالَ حَدَّثَنَا رَجُل مِنْ عَبْد الْقَيْس قَالَ : لَحِقْت بِأَهْلِ النَّهْر فَإِنِّي مَعَ طَائِفَة مِنْهُمْ أَسِير إِذْ أَتَيْنَا عَلَى قَرْيَة بَيْننَا نَهْر , فَخَرَجَ رَجُل مِنْ الْقَرْيَة مُرَوَّعًا فَقَالُوا لَهُ لَا رَوْع عَلَيْك , وَقَطَعُوا إِلَيْهِ النَّهْر فَقَالُوا لَهُ أَنْتَ اِبْن خَبَّاب صَاحِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالُوا : فَحَدِّثْنَا عَنْ أَبِيك فَحَدَّثَهُمْ بِحَدِيثِ يَكُون فِتْنَةٌ فَإِنْ اِسْتَطَعْت أَنْ تَكُون عَبْد اللَّه الْمَقْتُول فَكُنْ , قَالَ فَقَدَّمُوهُ فَضَرَبُوا عُنُقه , ثُمَّ دَعَوْا سُرِّيَّتَهُ وَهِيَ حُبْلَى فَبَقَرُوا عَمَّا فِي بَطْنهَا. وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق أَبِي مِجْلَز لَاحِق بْن حُمَيْد قَالَ قَالَ عَلِيّ لِأَصْحَابِهِ : لَا تَبْدَءُوهُمْ بِقِتَالٍ حَتَّى يُحْدِثُوا حَدَثًا , قَالَ فَمَرَّ بِهِمْ عَبْد اللَّه بْن خَبَّاب فَذَكَرَ قِصَّة قَتْلهمْ لَهُ وَبِجَارِيَتِهِ وَأَنَّهُمْ بَقَرُوا بَطْنهَا وَكَانُوا مَرُّوا عَلَى سَاقَتِهِ فَأَخَذَ وَاحِد مِنْهُمْ تَمْرَة فَوَضَعَهَا فِي فِيهِ فَقَالُوا لَهُ تَمْرَة مُعَاهَد فِيمَ اِسْتَحْلَلْتهَا ؟ فَقَالَ لَهُمْ عَبْد اللَّه بْن خَبَّاب : أَنَا أَعْظَمُ حُرْمَة مِنْ هَذِهِ التَّمْرَة. فَأَخَذُوهُ فَذَبَحُوهُ , فَبَلَغَ عَلِيًّا فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ : أَقِيدُونَا بِقَاتِلِ عَبْد اللَّه بْن خَبَّاب , فَقَالُوا : كُلُّنَا قَتَلَهُ , فَأَذِنَ حِينَئِذٍ فِي قِتَالهمْ. وَعِنْد الطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي مَرْيَم قَالَ أَخْبَرَنِي أَخِي أَبُو عَبْد اللَّه أَنَّ عَلِيًّا سَارَ إِلَيْهِمْ حَتَّى إِذَا كَانَ حِذَاءَهُمْ عَلَى شَطّ النَّهْرَوَان أَرْسَلَ يُنَاشِدهُمْ فَلَمْ تَزَلْ رُسُله تَخْتَلِف إِلَيْهِمْ حَتَّى قَتَلُوا رَسُوله , فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَهَضَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُمْ كُلّهمْ. ‏ ‏قَوْله ( جِيءَ بِالرَّجُلِ عَلَى النَّعْت الَّذِي نَعَتَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" عَلَى نَعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي نَعَتَهُ \" وَفِي رِوَايَة أَفْلَحَ \" فَالْتَمَسَهُ عَلِيّ فَلَمْ يَجِدهُ ثُمَّ وَجَدَهُ بَعْد ذَلِكَ تَحْت جِدَار عَلَى هَذَا النَّعْت \" وَفِي رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب فَقَالَ عَلِيّ اِلْتَمِسُوا فِيهِمْ الْمُخْدَج فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَقَامَ عَلِيّ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض قَالَ أَخِّرُوهُمْ فَوَجَدَهُ مِمَّا يَلِي الْأَرْض فَكَبَّرَ ثُمَّ قَالَ : صَدَقَ اللَّه وَبَلَّغَ رَسُوله. وَفِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع \" فَلَمَّا قَتَلَهُمْ عَلِيّ قَالَ اُنْظُرُوا , فَنَظَرُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا , فَقَالَ اِرْجِعُوا فَوَاللَّهِ مَا كَذَبْت وَلَا كَذَبْت مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ وَجَدُوهُ فِي خَرِبَة فَأَتَوْا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْن يَدَيْهِ \" أَخْرَجَهَا مُسْلِم , وَفِي رِوَايَة لِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق زَيْد بْن وَهْب \" فَقَالَ عَلِيّ اُطْلُبُوا ذَا الثُّدَيَّة , فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَقَالَ. مَا كَذَبْت وَلَا كَذَبْت اُطْلُبُوهُ فَطَلَبُوهُ , فَوَجَدُوهُ فِي وَهْدَة مِنْ الْأَرْض عَلَيْهِ نَاس مِنْ الْقَتْلَى , فَإِذَا رَجُل عَلَى يَده مِثْل سَبَلَات السِّنَّوْر , فَكَبَّرَ عَلِيّ وَالنَّاس وَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ \" وَمِنْ طَرِيق عَاصِم بْن كُلَيْب حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ \" بَيْنَا نَحْنُ قُعُود عِنْد عَلِيّ فَقَامَ رَجُل عَلَيْهِ أَثَر السَّفَر فَقَالَ : إِنِّي كُنْت فِي الْعُمْرَة فَدَخَلْت عَلَى عَائِشَة فَقَالَتْ : مَا هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ خَرَجُوا فِيكُمْ ؟ قُلْت : قَوْم خَرَجُوا إِلَى أَرْض قَرِيبَة مِنَّا يُقَال لَهَا حَرُورَاء , فَقَالَتْ أَمَا إِنَّ اِبْن أَبِي طَالِب لَوْ شَاءَ لَحَدَّثَكُمْ بِأَمْرِهِمْ , قَالَ فَأَهَلَّ عَلِيٌّ وَكَبَّرَ فَقَالَ : دَخَلْت عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ عِنْده غَيْر عَائِشَة فَقَالَ : كَيْف أَنْتَ وَقَوْم يَخْرُجُونَ مِنْ قِبَل الْمَشْرِق وَفِيهِمْ رَجُل كَأَنَّ يَدَهُ ثَدْيُ حَبَشِيَّةٍ , نَشَدْتُكُمْ اللَّه هَلْ أَخْبَرْتُكُمْ بِأَنَّهُ فِيهِمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ , فَجِئْتُمُونِي فَقُلْتُمْ لَيْسَ فِيهِمْ فَحَلَفْت لَكُمْ أَنَّهُ فِيهِمْ ثُمَّ أَتَيْتُمُونِي بِهِ تَسْحَبُونَهُ كَمَا نُعِتَ لِي. فَقَالُوا : اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ فَأَهَلَّ عَلِيّ وَكَبَّرَ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الْوَضِيّ بِفَتْحِ الْوَاو وَكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة الْخَفِيفَة وَالتَّشْدِيد عَنْ عَلِيّ \" اُطْلُبُوا الْمُخْدَج \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَاسْتَخْرَجُوهُ مِنْ تَحْت الْقَتْلَى فِي طِين \" قَالَ أَبُو الْوَضِيّ : كَأَنِّي أَنْظُر إِلَيْهِ حَبَشِيّ عَلَيْهِ طريطق لَهُ إِحْدَى يَدَيْهِ مِثْل ثَدْي الْمَرْأَة عَلَيْهَا شُعَيْرَات مِثْل شُعَيْرَات تَكُون عَلَى ذَنَب الْيَرْبُوع \" وَمِنْ طَرِيق أَبِي مَرْيَم قَالَ \" إِنْ كَانَ وَذَلِكَ الْمُخْدَج لَمَعَنَا فِي الْمَسْجِد وَكَانَ فَقِيرًا قَدْ كَسَوْته بُرْنُسًا لِي وَرَأَيْته يَشْهَد طَعَام عَلِيّ وَكَانَ يُسَمَّى نَافِعًا ذَا الثُّدَيَّة وَكَانَ فِي يَده مِثْل ثَدْي الْمَرْأَة عَلَى رَأْسه حَلَمَة مِثْل حَلَمَة الثَّدْي عَلَيْهِ شُعَيْرَات مِثْل سَبَلَات السِّنَّوْر \" أَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُدَ , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي مَرْيَم مُطَوَّلًا وَفِيهِ \" وَكَانَ عَلِيّ يُحَدِّثنَا قَبْل ذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ وَعَلَامَتهمْ رَجُل مُخْدَج الْيَد فَسَمِعْت ذَلِكَ مِنْهُ مِرَارًا كَثِيرَة وَسَمِعْت الْمُخْدَج حَتَّى رَأَيْته يَتَكَرَّه طَعَامَهُ مِنْ كَثْرَة مَا يَسْمَع ذَلِكَ مِنْهُ \" وَفِيهِ \" ثُمَّ أَمَرَ أَصْحَابه أَنْ يَلْتَمِسُوا الْمُخْدَج فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ حَتَّى جَاءَ رَجُل فَبَشَّرَهُ فَقَالَ وَجَدْنَاهُ تَحْت قَتِيلَيْنِ فِي سَاقِيَة , فَقَالَ وَاَللَّه مَا كَذَبْت وَلَا كَذَبْت \" وَفِي رِوَايَة أَفْلَحَ \" فَقَالَ عَلِيّ أَيّكُمْ يَعْرِف هَذَا ؟ فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم : نَحْنُ نَعْرِفهُ , هَذَا حُرْقُوص وَأُمّه هَاهُنَا , قَالَ فَأَرْسَلَ عَلِيّ إِلَى أُمّه فَقَالَتْ : كُنْت أَرْعَى غَنَمًا فِي الْجَاهِلِيَّة فَغَشِيَنِي كَهَيْئَةِ الظُّلَّة فَحَمَلْت مِنْهُ فَوَلَدْت هَذَا \" وَفِي رِوَايَة عَاصِم بْن شَمْخ عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ حَدَّثَنِي عَشَرَة مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ \" اِلْتَمِسُوا لِي الْعَلَامَة الَّتِي قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي لَمْ أَكْذِب وَلَا أَكْذِب , فَجِيءَ بِهِ فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ حِين عَرَفَ الْعَلَامَة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر مَوْلَى الْأَنْصَار عَنْ عَلِيّ حَوْلهَا سَبْع هُلْبَات وَهُوَ بِضَمِّ الْهَاء وَمُوَحَّدَة جَمْع هُلْبَة , وَفِيهِ أَنَّ النَّاس وَجَدُوا فِي أَنْفُسهمْ بَعْد قَتْل أَهْل النَّهْر فَقَالَ عَلِيّ : إِنِّي لَا أَرَاهُ إِلَّا مِنْهُمْ , فَوَجَدُوهُ عَلَى شَفِير النَّهْر تَحْت الْقَتْلَى فَقَالَ عَلِيّ : صَدَقَ اللَّه وَرَسُوله , وَفَرِحَ النَّاس حِين رَأَوْهُ وَاسْتَبْشَرُوا وَذَهَبَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَجِدُونَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ فَنَزَلَتْ فِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" فِيهِمْ \". ‏ ‏قَوْله ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزك فِي الصَّدَقَات ) ‏ ‏اللَّمْز الْعَيْب وَقِيلَ الْوُقُوع فِي النَّاس وَقِيلَ بِقَيْدِ أَنْ يَكُون مُوَاجَهَة , وَالْهَمْز فِي الْغِيبَة أَيْ يَعِيبك فِي قَسْم الصَّدَقَات , وَيُؤَيِّد الْقِيل الْمَذْكُور مَا وَقَعَ فِي قِصَّة الْمَذْكُور حَيْثُ وَاجَهَ بِقَوْلِهِ \" هَذِهِ قِسْمَة مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْه اللَّه ) وَلَمْ أَقِف عَلَى الزِّيَادَة إِلَّا فِي رِوَايَة مَعْمَر , وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر لَكِنْ وَقَعَتْ مُقَدِّمَة عَلَى قَوْله \" حِين فُرْقَة مِنْ النَّاس , قَالَ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ \" وَذَكَرَ كَلَام أَبِي سَعِيد بَعْد ذَلِكَ , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود قَالَ \" لَمَّا قَسَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَائِم حُنَيْنٍ سَمِعْت رَجُلًا يَقُول : إِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَة مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْه اللَّه \" قَالَ فَنَزَلَتْ ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزك فِي الصَّدَقَات ) أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدُوَيْهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُتْبَة بْن وَسَّاج عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر مَا يُؤَيِّد هَذِهِ الزِّيَادَة \" فَجَعَلَ يَقْسِم بَيْن أَصْحَابه وَرَجُل جَالِس فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا فَقَالَ : يَا مُحَمَّد مَا أَرَاك تَعْدِل \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الْوَضِيّ عَنْ أَبِي بَرْزَة نَحْوه , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَامِل لِلْقَائِلِ عَلَى مَا قَالَ مِنْ الْكَلَام الْجَافِي وَأَقْدَمَ عَلَيْهِ مِنْ الْخِطَاب السَّيِّئ كَوْنه لَمْ يُعْطَ مِنْ تِلْكَ الْعَطِيَّة وَأَنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ نَحْو حَدِيث أَبِي سَعِيد وَزَادَ فِي آخِره \" فَغَفَلَ عَنْ الرَّجُل فَذَهَبَ , فَسَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ فَطُلِبَ فَلَمْ يُدْرَك \" وَسَنَده جَيِّد. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏جَاءَ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ قِصَّة أُخْرَى تَتَعَلَّق بِالْخَوَارِجِ فِيهَا مَا يُخَالِف هَذِهِ الرِّوَايَة , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ \" جَاءَ أَبُو بَكْر إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي مَرَرْت بِوَادِي كَذَا فَإِذَا رَجُل حَسَن الْهَيْئَة مُتَخَشِّع يُصَلِّي فِيهِ , فَقَالَ : اِذْهَبْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ. قَالَ فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْر فَلَمَّا رَآهُ يُصَلِّي كَرِهَ أَنْ يَقْتُلهُ فَرَجَعَ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَر : اِذْهَبْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ فَذَهَبَ فَرَآهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَة فَرَجَعَ , فَقَالَ : يَا عَلِيّ اِذْهَبْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ فَذَهَبَ عَلِيّ فَلَمْ يَرَهُ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابه يَقْرَءُونَ الْقُرْآن لَا يُجَاوِز تَرَاقِيهمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّين كَمَا يَمْرُق السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ فَاقْتُلُوهُمْ هُمْ شَرّ الْبَرِيَّة \" وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث جَابِر أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَرِجَاله ثِقَات , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يَكُون هَذَا الرَّجُل هُوَ الْأَوَّل وَكَانَتْ قِصَّته هَذِهِ الثَّانِيَة مُتَرَاخِيَة عَنْ الْأُولَى , وَأَذِنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ و"
    },
    {
        "id": "6422",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُسَيْرُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ‏ ‏هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ فِي ‏ ‏الْخَوَارِجِ ‏ ‏شَيْئًا قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَأَهْوَى بِيَدِهِ قِبَلَ ‏ ‏الْعِرَاقِ ‏ ‏يَخْرُجُ مِنْهُ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ ‏ ‏تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد الْوَاحِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زِيَاد , وَالشَّيْبَانِيّ هُوَ أَبُو إِسْحَاق , وَيُسَيْر بْن عَمْرو بِتَحْتَانِيَّةٍ أَوَّله بَعْدهَا مُهْمَلَة مُصَغَّر وَيُقَال لَهُ أَيْضًا أُسَيْر , وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة مُسْلِم كَحَدِيثِ الْبَاب , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَهُوَ مِنْ بَنِي مُحَارِب بْن ثَعْلَبَة نَزَلَ الْكُوفَة وَيُقَال إِنَّ لَهُ صُحْبَة , وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْم فِي تَارِيخه \" حَدَّثَنَا قَيْس بْن عَمْرو بْن يُسَيْر بْن عُمَر وَأَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ يُسَيْر بْن عَمْرو قَالَ تُوُفِّيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا اِبْن عَشْر سِنِينَ \" وَيُقَال لَهُ أُسَيْر بْن جَابِر كَذَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَة أَبِي نَضْرَة عَنْ أُسَيْر بْن جَابِر عَنْ عُمَيْر فِي فَضِيلَة أُوَيْس الْقَرْنِيّ , وَقِيلَ هُوَ أُسَيْر بْن عَمْرو بْن جَابِر نُسِبَ لِجَدِّهِ. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْته يَقُول وَأَهْوَى بِيَدِهِ قِبَل الْعِرَاق ) ‏ ‏أَيْ مِنْ جِهَته , وَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عِنْد مُسْلِم \" نَحْو الْمَشْرِق \". ‏ ‏قَوْله ( يَمْرُقُونَ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : الْمُرُوق الْخُرُوج عِنْد أَهْل اللُّغَة يُقَال مَرَقَ السَّهْم مِنْ الْغَرَض إِذَا أَصَابَهُ ثُمَّ نَفَذَ مِنْهُ فَهُوَ يَمْرُق مِنْهُ مَرْقًا وَمُرُوقًا وَانْمَرَقَ مِنْهُ وَأَمْرَقَهُ الرَّامِي إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمُمَرِّقِ مُمَرِّق لِأَنَّهُ يَخْرُج مِنْهُ وَمِنْهُ قِيلَ مَرَقَ الْبَرْقُ لِخُرُوجِهِ بِسُرْعَةٍ. ‏ ‏قَوْله ( مُرُوق السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة ) ‏ ‏زَادَ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ \" قَالَ أُسَيْر قُلْت مَا لَهُمْ عَلَامَة ؟ قَالَ سَمِعْت مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَزِيدك عَلَيْهِ \" وَفِي هَذَا أَنَّ سَهْل بْن حُنَيْف صَرَّحَ بِأَنَّ الْحَرُورِيَّة هُمْ الْمُرَاد بِالْقَوْمِ الْمَذْكُورِينَ فِي أَحَادِيث هَذَيْنِ الْبَابَيْنِ فَيَقْوَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ أَبَا سَعِيد تَوَقَّفَ فِي الِاسْم وَالنِّسْبَة لَا فِي كَوْنهمْ الْمُرَاد : قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَرَوَى هَذَا الْحَدِيث فِي الْخَوَارِج عَنْ عَلِيّ تَامًّا وَمُخْتَصَرًا عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع وَسُوَيْد بْن غَفَلَة وَعُبَيْدَة بْن عَمْرو وَزَيْد بْن وَهْب وَكُلَيْب الْجَرْمِيّ وَطَارِق بْن زِيَاد وَأَبُو مَرْيَم. قُلْت : وَأَبُو وَضِيّ وَأَبُو كَثِير وَأَبُو مُوسَى وَأَبُو وَائِل فِي مُسْنَد إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو جُحَيْفَةَ عِنْد الْبَزَّار وَأَبُو جَعْفَر الْفَرَّاء مَوْلَى عَلِيّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط وَكَثِير بْن نُمَيْر وَعَاصِم بْن ضَمْرَة , قَالَ الطَّبَرِيُّ وَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَوْ بَعْضه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو ذَرّ وَابْن عَبَّاس وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ وَابْن عُمَر وَأَبُو سَعِيد الْخُدْرِيُّ وَأَنَس بْن مَالِك وَحُذَيْفَة وَأَبُو بَكْرَة وَعَائِشَة وَجَابِر وَأَبُو بَرْزَة وَأَبُو أُمَامَةَ وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى وَسَهْل بْن حُنَيْف وَسَلْمَان الْفَارِسِيّ قُلْت : وَرَافِع بْن عَمْرو وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَعَمَّار بْن يَاسِر وَجُنْدَب بْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيُّ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَرِيس وَعُقْبَة بْن عَامِر وَطَلْق بْن عَلِيّ وَأَبُو هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط بِسَنَدٍ جَيِّد مِنْ طَرِيق الْفَرَزْدَق الشَّاعِر أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة وَأَبَا سَعِيد وَسَأَلَهُمَا فَقَالَ إِنِّي رَجُل مِنْ أَهْل الْمَشْرِق وَإِنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ عَلَيْنَا يَقْتُلُونَ مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَيُؤَمِّنُونَ مَنْ سِوَاهُمْ فَقَالَا لِي \" سَمِعْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَنْ قَتَلَهُمْ فَلَهُ أَجْر شَهِيد وَمَنْ قَتَلُوهُ فَلَهُ أَجْر شَهِيد \" فَهَؤُلَاءِ خَمْسَة وَعِشْرُونَ نَفْسًا مِنْ الصَّحَابَة وَالطُّرُق إِلَى كَثْرَتهمْ مُتَعَدِّدَة كَعَلِيٍّ وَأَبِي سَعِيد وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَأَبِي بَكْرَة وَأَبِي بَرْزَة وَأَبِي ذَرّ , فَيُفِيد مَجْمُوع خَبَرهمَا الْقَطْعَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6423",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث سَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِي الْمَتْن مِنْ الزِّيَادَة \" يَكُون بَيْنهمَا مَقْتَلَة عَظِيمَة \" وَالْمُرَاد بِالْفِئَتَيْنِ جَمَاعَة عَلِيّ وَجَمَاعَة مُعَاوِيَة , وَالْمُرَاد بِالدَّعْوَةِ الْإِسْلَام عَلَى الرَّاجِح , وَقِيلَ الْمُرَاد اِعْتِقَاد كُلّ مِنْهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْحَقّ , وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِلْإِشَارَةِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه كَمَا عِنْد الطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد نَحْو حَدِيث الْبَاب وَزَادَ فِي آخِره \" فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ مَرَقَتْ مَارِقَة يَقْتُلهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ \" فَبِذَلِكَ تَظْهَرُ مُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْله , وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6424",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ‏} ‏شَقَّ ذَلِكَ عَلَى ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالُوا أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ ‏ ‏لُقْمَانُ ‏ ‏لِابْنِهِ ‏ { ‏يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي نُزُول قَوْله تَعَالَى ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانهمْ بِظُلْمٍ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَّل حَدِيث مِنْ كِتَاب اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ , وَسَنَده هُنَا كُلّهمْ كُوفِيُّونَ , وَوَجْه دُخُوله فِي التَّرْجَمَة مِنْ جِهَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُؤَاخِذ الصَّحَابَة بِحَمْلِهِمْ الظُّلْمَ فِي الْآيَة عَلَى عُمُومه حَتَّى يَتَنَاوَل كُلّ مَعْصِيَة بَلْ عَذَرَهُمْ لِأَنَّهُ ظَاهِر فِي التَّأْوِيل ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ الْمُرَاد بِمَا رَفَعَ الْإِشْكَال. ‏"
    },
    {
        "id": "6425",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ رَجُلٌ أَيْنَ ‏ ‏مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ ‏ ‏فَقَالَ رَجُلٌ مِنَّا ذَلِكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا تَقُولُوهُ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ قَالَ بَلَى قَالَ فَإِنَّهُ لَا ‏ ‏يُوَافَى عَبْدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عِتْبَان بْن مَالِك فِي قِصَّة مَالِك بْن الدُّخْشُم , وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة ثُمَّ شِين مُعْجَمَة مَضْمُومَة ثُمَّ مِيم أَوْ نُون وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ هُنَا وَقَدْ يُصَغَّر , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد فِي الْبُيُوت مِنْ كِتَاب الصَّلَاة , وَمُنَاسَبَته مِنْ جِهَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُؤَاخِذ الْقَائِلِينَ فِي حَقّ مَالِك بْن الدُّخْشُم بِمَا قَالُوا , بَلْ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ إِجْرَاء أَحْكَام الْإِسْلَام عَلَى الظَّاهِر دُون مَا فِي الْبَاطِن. وَقَوْله هُنَا \" أَلَا تَقُولُونَهُ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" كَذَا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيّ \" لَا تَقُولُوهُ \" بِصِيغَةِ النَّهْي. وَقَالَ اِبْن التِّين \" أَلَا تَقُولُوهُ \" جَاءَتْ الرِّوَايَة وَالصَّوَاب \" تَقُولُونَهُ \" أَيْ تَظُنُّونَهُ. قُلْت : الَّذِي رَأَيْته \" لَا تَقُولُوهُ \" بِغَيْرِ أَلِف فِي أَوَّله وَهُوَ مُوَجَّه , وَتَفْسِير الْقَوْل بِالظَّنِّ فِيهِ نَظَر , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ بِمَعْنَى الرُّؤْيَة أَوْ السَّمَاع , وَجَوَّزَ اِبْن التِّين أَنَّهُ خِطَاب لِلْمُفْرَدِ وَأَصْله أَلَا تَقُولُهُ فَأَشْبَعَ ضَمَّةَ اللَّام حَتَّى صَارَتْ وَاوًا وَأَنْشَدَ لِذَلِكَ شَاهِدًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6426",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فُلَانٍ ‏ ‏قَالَ تَنَازَعَ ‏ ‏أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَحِبَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏لِحِبَّانَ ‏ ‏لَقَدْ عَلِمْتُ مَا الَّذِي جَرَّأَ صَاحِبَكَ عَلَى الدِّمَاءِ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا هُوَ لَا أَبَا لَكَ قَالَ شَيْءٌ سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ قَالَ مَا هُوَ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالزُّبَيْرَ ‏ ‏وَأَبَا مَرْثَدٍ ‏ ‏وَكُلُّنَا فَارِسٌ قَالَ ‏ ‏انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ ‏ ‏حَاجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏هَكَذَا قَالَ ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَاجٍ ‏ ‏فَإِنَّ فِيهَا امْرَأَةً مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ ‏ ‏حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ ‏ ‏إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَأْتُونِي بِهَا فَانْطَلَقْنَا عَلَى أَفْرَاسِنَا حَتَّى أَدْرَكْنَاهَا حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا وَقَدْ كَانَ كَتَبَ إِلَى ‏ ‏أَهْلِ مَكَّةَ ‏ ‏بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَيْهِمْ فَقُلْنَا أَيْنَ الْكِتَابُ الَّذِي مَعَكِ قَالَتْ مَا مَعِي كِتَابٌ فَأَنَخْنَا بِهَا بَعِيرَهَا فَابْتَغَيْنَا فِي رَحْلِهَا فَمَا وَجَدْنَا شَيْئًا فَقَالَ صَاحِبَايَ مَا نَرَى مَعَهَا كِتَابًا قَالَ فَقُلْتُ لَقَدْ عَلِمْنَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ حَلَفَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ ‏ ‏لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَأُجَرِّدَنَّكِ فَأَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتْ الصَّحِيفَةَ فَأَتَوْا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ دَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏حَاطِبُ ‏ ‏مَا حَمَلكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي أَنْ لَا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يُدْفَعُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا لَهُ هُنَالِكَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ قَالَ صَدَقَ لَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا قَالَ فَعَادَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ دَعْنِي فَلِأَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ أَوَلَيْسَ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ بَدْرٍ ‏ ‏وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ أَوْجَبْتُ لَكُمْ الْجَنَّةَ فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏خَاخٍ ‏ ‏أَصَحُّ وَلَكِنْ كَذَا قَالَ ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَاجٍ ‏ ‏وَحَاجٍ ‏ ‏تَصْحِيفٌ وَهُوَ مَوْضِعٌ ‏ ‏وَهُشَيْمٌ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏خَاخٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ فِي قِصَّة حَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ فِي مُكَاتَبَته قُرَيْشًا وَنُزُول قَوْله تَعَالَى ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوّكُمْ أَوْلِيَاء ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْجَاسُوس \" مِنْ كِتَاب الْجِهَاد وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ , وَفِي بَاب النَّظَر فِي شُعُور أَهْل الذِّمَّة مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ , وَالْجَمْع بَيْن قَوْله حُجْزَتهَا وَعَقِيصَتهَا وَضَبْط ذَلِكَ , وَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب فَضْل مَنْ شَهِدَ بَدْرًا \" مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي الْكَلَام عَلَى قَوْله \" لَعَلَّ اللَّه اِطَّلَعَ عَلَى أَهْل بَدْر وَفِي تَفْسِير الْمُمْتَحَنَة بِأَبْسَطَ مِنْهُ , وَفِيهَا الْجَوَاب عَنْ اِعْتِرَاض عُمَر عَلَى حَاطِب بَعْد أَنْ قَبِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُذْرَهُ , وَفِي غَزْوَة الْفَتْح الْجَمْع بَيْن قَوْله \" بَعَثَنِي أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ \" وَقَوْله \" بَعَثَنِي أَنَا وَأَبَا مَرْثَد \" وَفِيهِ قِصَّة الْمَرْأَة وَبَيَان مَا قِيلَ فِي اِسْمِهَا وَمَا فِي الْكِتَاب الَّذِي حَمَلَتْهُ وَأَذْكُرُ هُنَا بَقِيَّةَ شَرْحِهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ حُصَيْن ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الْوَاسِطِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ فُلَان ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ مُبْهَمًا وَسُمِّيَ فِي رِوَايَة هُشَيْم فِي الْجِهَاد , وَعَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس فِي الِاسْتِئْذَان \" سَعْد بْن عُبَيْدَة \" وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة خَالِد بْن عَبْد اللَّه وَمُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عِنْد مُسْلِم. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ عَفَّان عَنْ أَبِي عَوَانَة فَسَمَّاهُ وَنَحْوه لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عَفَّان قَالَا \" حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَة عَنْ حُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنِي سَعْد بْن عُبَيْدَة هُوَ السُّلَمِيّ الْكُوفِيّ يُكْنَى أَبَا حَمْزَة وَكَانَ زَوْج بِنْت أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَقَدْ وَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ هُنَا بَعْد قَوْله \" عَنْ فُلَان \" مَا نَصُّهُ هُوَ أَبُو حَمْزَة سَعْد بْن عُبَيْدَة السُّلَمِيّ خَتْن أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ اِنْتَهَى , وَلَعَلَّ الْقَائِل \" هُوَ إِلَخْ \" مِنْ دُون الْبُخَارِيّ , وَسَعْد تَابِعِيّ رَوَى عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة مِنْهُمْ اِبْن عُمَر وَالْبَرَاء. ‏ ‏قَوْله ( تَنَازَعَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ السُّلَمِيّ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة عَفَّان. ‏ ‏قَوْله ( وَحِبَّان بْن عَطِيَّة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة , وَحَكَى أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ وَتَبِعَهُ صَاحِب الْمَشَارِق وَالْمَطَالِع أَنَّ بَعْض رُوَاة أَبِي ذَرّ ضَبْطه بِفَتْحِ أَوَّله , وَهُوَ وَهْم. قُلْت : وَحَكَى الْمِزِّيّ أَنَّ اِبْن مَاكُولَا ذَكَرَهُ بِالْكَسْرِ وَأَنَّ اِبْن الْفَرْضِيّ ضَبَطَهُ بِالْفَتْحِ قَالَ : وَتَبِعَهُ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ , كَذَا قَالَ , وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ تَوْهِيم مَنْ ضَبَطَهُ بِالْفَتْحِ كَمَا نَقَلْته وَذَلِكَ فِي تَقْيِيد الْمُهْمَل , وَصَوَّبَ أَنَّهُ بِالْكَسْرِ حَيْثُ ذَكَرَهُ مَعَ حِبَّان بْن مُوسَى وَهُوَ بِالْكَسْرِ إِجْمَاعًا , وَكَانَ حِبَّان بْن عَطِيَّة سُلَمِيًّا أَيْضًا وَمُؤَاخِيًا لِأَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ فِي تَفْضِيل عُثْمَان وَعَلِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْجِهَاد مِنْ طَرِيق هُشَيْم عَنْ حُصَيْنٍ فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَكَانَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن عُثْمَانِيًّا أَيْ يُفَضِّل عُثْمَانَ عَلَى عَلِيّ وَحِبَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ عَلَوِيًّا أَيْ يُفَضِّل عَلِيًّا عَلَى عُثْمَان. ‏ ‏قَوْله ( لَقَدْ عَلِمْت مَا الَّذِي ) ‏ ‏كَذَا الْكُشْمِيهَنِيّ وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الطُّرُق , وَلِلْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي هُنَا \" مَنْ الَّذِي \" وَعَلَى الرِّوَايَة الْأُولَى فَفَاعِل التَّجْرِيء هُوَ الْقَوْل الْمُعَبَّر عَنْهُ هُنَا بِقَوْلِهِ \" شَيْء يَقُولهُ \" وَعَلَى الثَّانِيَة الْفَاعِل هُوَ الْقَائِل. ‏ ‏قَوْله ( جَرَّأَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْجِيم وَتَشْدِيد الرَّاء مَعَ الْهَمْز. ‏ ‏قَوْله ( صَاحِبك ) ‏ ‏زَادَ عَفَّان \" يَعْنِي عَلِيًّا \". ‏ ‏قَوْله ( عَلَى الدِّمَاء ) ‏ ‏أَيْ إِرَاقَة دِمَاء الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ دِمَاء الْمُشْرِكِينَ مَنْدُوب إِلَى إِرَاقَتهَا اِتِّفَاقًا. ‏ ‏قَوْله ( لَا أَبَا لَك ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَهِيَ كَلِمَة تُقَال عِنْد الْحَثّ عَلَى الشَّيْء , وَالْأَصْل فِيهِ أَنَّ الْإِنْسَان إِذَا وَقَعَ فِي شِدَّة عَاوَنَهُ أَبُوهُ فَإِذَا قِيلَ لَا أَبَا لَك فَمَعْنَاهُ لَيْسَ لَك أَبٌ , جِدَّ فِي الْأَمْر جِدَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مُعَاوِنٌ , ثُمَّ أُطْلِقَ فِي الِاسْتِعْمَال فِي مَوْضِع اِسْتِبْعَاد مَا يَصْدُر مِنْ الْمُخَاطَب مِنْ قَوْل أَوْ فِعْل. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْته يَقُولهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَالْكُشْمِيهَنِيّ هُنَا \" سَمِعْته يَقُول \" بِحَذْفِ الضَّمِير وَالْأَوَّل أَوْجَهُ لِقَوْلِهِ قَالَ مَا هُوَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ بَعَثَنِي ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ وَكَأَنَّ \" قَالَ \" الثَّانِيَةَ سَقَطَتْ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي إِسْقَاطهَا خَطَأ وَالْأَصْل قَالَ أَيْ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن قَالَ أَيْ عَلِيّ. ‏ ‏قَوْله ( وَالزُّبَيْر وَأَبَا مَرْثَد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة الْفَتْح مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع عَنْ عَلِيّ ذِكْر الْمِقْدَاد بَدَل أَبِي مَرْثَد , وَجُمِعَ بِأَنَّ الثَّلَاثَة كَانُوا مَعَ عَلِيّ , وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرِيّ فِي \" تَهْذِيب الْآثَار \" مِنْ طَرِيق أَعْشَى ثَقِيف عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَمَعِي الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام وَرَجُل مِنْ الْأَنْصَار \" وَلَيْسَ الْمِقْدَاد وَلَا أَبُو مَرْثَد مِنْ الْأَنْصَار إِلَّا إِنْ كَانَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ , وَوَقَعَ فِي \" الْأَسْبَاب \" لِلْوَاحِدِيِّ أَنَّ عُمَر وَعَمَّارًا وَطَلْحَة كَانُوا مَعَهُمْ وَلَمْ يَذْكُر لَهُ مُسْتَنَدًا وَكَأَنَّهُ مِنْ تَفْسِير اِبْن الْكَلْبِيّ فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ فِي سِيَر الْوَاقِدِيّ وَوَجَدْت ذَكَرَ فِيهِ عُمَر مِنْ وَجْه آخَر أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدُوَيْهِ فِي تَفْسِيره مِنْ طَرِيق الْحَكَم بْن عَبْد الْمَلِك عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس فِي قِصَّة الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فَأَخْبَرَ جِبْرِيل النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَبَرِهَا فَبَعَثَ فِي أَثَرهَا عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب. ‏ ‏قَوْله ( رَوْضَة حَاجٍ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيم. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو سَلَمَة ) ‏ ‏هُوَ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( هَكَذَا قَالَ أَبُو عَوَانَة حَاج ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ مُوسَى كَانَ يَعْرِف أَنَّ الصَّوَاب \" خَاخ \" بِمُعْجَمَتَيْنِ وَلَكِنَّ شَيْخه قَالَهَا بِالْمُهْمَلَةِ وَالْجِيم وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الصَّائِغ عَنْ عَفَّان فَذَكَرَهَا بِلَفْظِ \" حَاج \" بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيم قَالَ عَفَّان وَالنَّاس يَقُولُونَ \" خَاخ \" أَيْ بِمُعْجَمَتَيْنِ , قَالَ النَّوَوِيّ قَالَ الْعُلَمَاء هُوَ غَلَط مِنْ أَبِي عَوَانَة وَكَأَنَّهُ اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِمَكَانٍ آخَر يُقَال لَهُ ( ذَات حَاج ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيم وَهُوَ مَوْضِع بَيْن الْمَدِينَة وَالشَّام يَسْلُكهُ الْحَاجُّ , وَأَمَّا \" رَوْضَة خَاخ \" فَإِنَّهَا بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة بِقُرْبِ الْمَدِينَة. قُلْت : وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ أَنَّهَا بِالْقُرْبِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَة عَلَى بَرِيد مِنْ الْمَدِينَة , وَأَخْرَجَ سَمُّويَة فِي فَوَائِده مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن حَاطِب قَالَ : وَكَانَ حَاطِب مِنْ أَهْل الْيَمَن حَلِيفًا لِلزُّبَيْرِ فَذَكَرَ الْقِصَّة وَفِيهَا أَنَّ الْمَكَان عَلَى قَرِيب مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا مِنْ الْمَدِينَة , وَزَعَمَ السُّهَيْلِيّ أَنَّ هُشَيْمًا كَانَ يَقُولهَا أَيْضًا \" حَاج \" بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيم وَهُوَ وَهْم أَيْضًا , وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي آخِر الْبَاب , وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَاخِر الْجِهَاد مِنْ طَرِيق هُشَيْم بِلَفْظِ \" حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَة كَذَا \" فَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ كَنَى عَنْهَا أَوْ شَيْخه إِشَارَة إِلَى أَنَّ هُشَيْمًا كَانَ يُصَحِّفهَا , وَعَلَى هَذَا فَلَمْ يَنْفَرِد أَبُو عَوَانَة بِتَصْحِيفِهَا لَكِنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاة عَنْ حُصَيْنٍ قَالُوهَا عَلَى الصَّوَاب بِمُعْجَمَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّ فِيهَا اِمْرَأَة مَعَهَا صَحِيفَة مِنْ حَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَأْتُونِي بِهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع \" فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَة مَعَهَا كِتَاب \" وَالظَّعِينَة بِظَاءٍ مُعْجَمَة وَزْن عَظِيمَة فَعِيلَة بِمَعْنَى فَاعِلَة مِنْ الظَّعْن وَهُوَ الرَّحِيل , وَقِيلَ سُمِّيَتْ ظَعِينَةً لِأَنَّهَا تَرْكَب الظَّعِين الَّتِي تَظْعَن بِرَاكِبِهَا , وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : سُمِّيَتْ ظَعِينَة لِأَنَّهَا تَظْعَن مَعَ زَوْجهَا وَلَا يُقَال لَهَا ظَعِينَة إِلَّا إِذَا كَانَتْ فِي الْهَوْدَج وَقِيلَ إِنَّهُ اِسْم الْهَوْدَج سُمِّيَتْ الْمَرْأَة لِرُكُوبِهَا فِيهِ , ثُمَّ تَوَسَّعُوا فَأَطْلَقُوهُ عَلَى الْمَرْأَة وَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي هَوْدَج , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة الْفَتْح بَيَان الِاخْتِلَاف فِي اِسْمهَا , وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ أَنَّهَا مِنْ مُزَيْنَة وَأَنَّهَا مِنْ أَهْل الْعَرَج بِفَتْحِ الرَّاء بَعْدهَا جِيم يَعْنِي قَرْيَة بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة , وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّهَا كَانَتْ مَوْلَاة أَبِي صَيْفِيّ بْن عَمْرو بْن هَاشِم بْن عَبْد مَنَاف , وَقِيلَ عِمْرَان بَدَل عَمْرو , وَقِيلَ مَوْلَاة بَنِي أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى , وَقِيلَ كَانَتْ مِنْ مَوَالِي الْعَبَّاس , وَفِي حَدِيث أَنَس الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ عِنْد اِبْن مَرْدُوَيْهِ أَنَّهَا مَوْلَاة لِقُرَيْشٍ \" وَفِي تَفْسِير مُقَاتِل بْن حِبَّان أَنَّ حَاطِبًا أَعْطَاهَا عَشَرَة دَنَانِير وَكَسَاهَا بُرْدًا , وَعِنْد الْوَاحِدِيّ أَنَّهَا قَدِمَتْ الْمَدِينَة فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : جِئْت مُسْلِمَة ؟ قَالَتْ : لَا وَلَكِنْ اِحْتَجْت , قَالَ : فَأَيْنَ أَنْتِ عَنْ شَبَاب قُرَيْش ؟ وَكَانَتْ مُغَنِّيَة , قَالَتْ : مَا طُلِبَ مِنِّي بَعْد وَقْعَة بَدْر شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ , فَكَسَاهَا وَحَمَلَهَا فَأَتَاهَا حَاطِبٌ فَكَتَبَ مَعَهَا كِتَابًا إِلَى أَهْل مَكَّة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيد أَنْ يَغْزُو فَخُذُوا حِذْرَكُمْ ؟ , وَفِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن حَاطِب : فَكَتَبَ حَاطِب إِلَى كُفَّار قُرَيْش بِكِتَابٍ يَنْتَصِح لَهُمْ , وَعِنْد أَبِي يَعْلَى وَالطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق الْحَارِث بْن عَلِيّ لَمَّا أَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَغْزُو مَكَّة أَسَرَّ إِلَى نَاسٍ مِنْ أَصْحَابه ذَلِكَ وَأَفْشَى فِي النَّاس أَنَّهُ يُرِيد غَيْر مَكَّة , فَسَمِعَهُ حَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ فَكَتَبَ حَاطِب إِلَى أَهْل مَكَّة بِذَلِكَ , وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ أَنَّهُ كَانَ فِي كِتَابه أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذَّنَ فِي النَّاس بِالْغَزْوِ وَلَا أَرَاهُ إِلَّا يُرِيدكُمْ , وَقَدْ أَحْبَبْت أَنْ يَكُون إِنْذَارِي لَكُمْ بِكِتَابِي إِلَيْكُمْ , وَتَقَدَّمَ بَقِيَّة مَا نُقِلَ مِمَّا وَقَعَ فِي الْكِتَاب فِي غَزْوَة الْفَتْح. ‏ ‏قَوْله ( تَسِير عَلَى بَعِير لَهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنٍ \" تَشْتَدّ \" بِشِينٍ مُعْجَمَة وَمُثَنَّاة فَوْقَانِيَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَابْتَغَيْنَا فِي رَحْلهَا ) ‏ ‏أَيْ طَلَبْنَا كَأَنَّهُمَا فَتَّشَا مَا مَعَهَا ظَاهِرًا وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ \" فَأَنَخْنَا بَعِيرهَا فَابْتَغَيْنَا \" وَفِي رِوَايَة الْحَارِث فَوَضَعْنَا مَتَاعهَا وَفَتَّشْنَا فَلَمْ نَجِد \".. ‏ ‏قَوْله ( لَقَدْ عَلِمْنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَقَدْ عَلِمْتُمَا \" وَهِيَ رِوَايَة عَفَّان أَيْضًا ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ حَلَفَ عَلِيٌّ : وَاَلَّذِي يُحْلَف بِهِ ) ‏ ‏أَيْ قَالَ وَاَللَّهِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيث أَنَس , وَفِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن حَاطِب. ‏ ‏قَوْله ( لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَاب أَوْ لَأُجَرِّدَنَّكِ ) ‏ ‏أَيْ أَنْزِع ثِيَابَك حَتَّى تَصِيرِي عُرْيَانَة , وَفِي رِوَايَة اِبْن فُضَيْلٍ \" أَوْ لَأَقْتُلَنَّكِ \" وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ فِي رِوَايَة خَالِد بْن عَبْد اللَّه مِثْله , وَعِنْده مِنْ رِوَايَة أَبِي فُضَيْلٍ لَأَجْزِرَنَّكِ بِجِيمٍ ثُمَّ زَاي أَيْ أُصَيِّرُكِ مِثْل الْجَزُور إِذَا ذُبِحَتْ. ثُمَّ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ النَّظَر فِي شُعُور أَهْل الذِّمَّة يَعْنِي التَّرْجَمَة الْمَاضِيَة فِي كِتَاب الْجِهَاد , وَهَذِهِ الرِّوَايَة تُخَالِفهُ أَيْ رِوَايَة \" أَوْ لَأَقْتُلَنَّكِ \". قُلْت : رِوَايَة \" لَأُجَرِّدَنَّكِ \" أَشْهَرُ وَرِوَايَة , \" لَأَجْزِرَنَّكِ \" كَأَنَّهَا مُفَسَّرَة مِنْهَا وَرِوَايَة \" لَأَقْتُلَنَّكِ \" كَأَنَّهَا بِالْمَعْنَى مِنْ لَأُجَرِّدَنَّكِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا تُنَافِي التَّرْجَمَة لِأَنَّهَا إِذَا قُتِلَتْ سُلِبَتْ ثِيَابهَا فِي الْعَادَة فَيُسْتَلْزَم التَّجَرُّدُ الَّذِي تَرْجَمَ بِهِ. وَيُؤَيِّد الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع بِلَفْظِ \" لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَاب أَوْ لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَاب \" قَالَ اِبْن التِّين : كَذَا وَقَعَ بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْيَاء التَّحْتَانِيَّة وَتَشْدِيد النُّون قَالَ : وَالْيَاء زَائِدَة , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هُوَ بِكَسْرِ الْيَاء وَبِفَتْحِهَا كَذَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة بِإِثْبَاتِ الْيَاء , وَالْقَوَاعِدُ التَّصْرِيفِيَّة تَقْتَضِي حَذْفهَا. لَكِنْ إِذَا صَحَّتْ الرِّوَايَة فَتُحْمَل عَلَى أَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى طَرِيق الْمُشَاكَلَة لِتُخْرِجِنَّ , وَهَذَا تَوْجِيه الْكَسْرَة وَأَمَّا الْفَتْحَة فَتُحْمَل عَلَى خِطَاب الْمُؤَنَّث الْغَائِب عَلَى طَرِيق الِالْتِفَات مِنْ الْخِطَاب إِلَى الْغَيْبَة , قَالَ : وَيَجُوز فَتْح الْقَاف عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ وَعَلَى هَذَا فَتُرْفَع الثِّيَاب , قُلْت : وَيَظْهَر لِي أَنَّ صَوَاب الرِّوَايَة \" لَنُلْقِيَنَّ \" بِالنُّونِ بِلَفْظِ الْجَمْع وَهُوَ ظَاهِر جِدًّا لَا إِشْكَال فِيهِ الْبَتَّةَ وَلَا يَفْتَقِر إِلَى تَكَلُّف تَخْرِيج , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس \" فَقَالَتْ لَيْسَ مَعِي كِتَاب فَقَالَ كَذَبْتِ فَقَالَ قَدْ حَدَّثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَعَك كِتَابًا وَاَللَّهِ لَتُعْطِيَنِّي الْكِتَاب الَّذِي مَعَك أَوْ لَا أَتْرُك عَلَيْك ثَوْبًا إِلَّا اِلْتَمَسْنَا فِيهِ , قَالَتْ أَوَلَسْتُمْ بِنَاسٍ مِنْ مُسْلِمِينَ ! حَتَّى إِذَا ظَنَّتْ أَنَّهُمَا يَلْتَمِسَانِ فِي كُلّ ثَوْب مَعَهَا حَلَّتْ عِقَاصهَا , وَفِيهِ \" فَرَجَعَا إِلَيْهَا فَسَلَّا سَيْفَيْهِمَا فَقَالَا : وَاَللَّهِ لَنُذِيقَنَّكِ الْمَوْتَ أَوْ لَتَدْفَعِنَّ إِلَيْنَا الْكِتَاب , فَأَنْكَرَتْ \" وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُمَا هَدَّدَاهَا بِالْقَتْلِ أَوَّلًا فَلَمَّا أَصَرَّتْ عَلَى الْإِنْكَار وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا إِذْن بِقَتْلِهَا هَدَّدَاهَا بِتَجْرِيدِ ثِيَابهَا فَلَمَّا تَحَقَّقَتْ ذَلِكَ خَشِيَتْ أَنْ يَقْتُلَاهَا حَقِيقَة , وَزَادَ فِي حَدِيث أَنَس أَيْضًا \" فَقَالَتْ : أَدْفَعهُ إِلَيْكُمَا عَلَى أَنْ تَرُدَّانِي إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة أَعْشَى ثَقِيف عَنْ عَبْد الرَّحْمَن عِنْد الطَّبَرِيّ \" فَلَمْ يَزَلْ عَلِيّ بِهَا حَتَّى خَافَتْهُ \" وَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ كَانَتْ مُسْلِمَة أَوْ عَلَى دِين قَوْمهَا فَالْأَكْثَر عَلَى الثَّانِي فَقَدْ عُدَّتْ فِيمَنْ أَهْدَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَمهمْ يَوْم الْفَتْح لِأَنَّهَا كَانَتْ تُغَنِّي بِهِجَائِهِ وَهِجَاء أَصْحَابه , وَقَدْ وَقَعَ فِي أَوَّل حَدِيث أَنَس \" أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْفَتْح بِقَتْلِ أَرْبَعَة \" فَذَكَرَهَا فِيهِمْ ثُمَّ قَالَ \" وَأَمَّا أَمْر سَارَّة فَذَكَرَ قِصَّتهَا مَعَ حَاطِب \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَتَوْا بِهَا ) ‏ ‏أَيْ الصَّحِيفَة وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع \" فَأَتَيْنَا بِهِ \" أَيْ الْكِتَاب , وَنَحْوه فِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس وَزَادَ \" فَقُرِئَ عَلَيْهِ فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِب إِلَى نَاس مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْل مَكَّة \" سَمَّاهُمْ الْوَاقِدِيّ فِي رِوَايَته سُهَيْل بْن عَمْرو الْعَامِرِيّ وَعِكْرِمَة بْن أَبِي جَهْل الْمَخْزُومِيّ وَصَفْوَان بْن أُمَيَّة الْجُمَحِيَّ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا حَاطِب مَا حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن حَاطِب \" فَدَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاطِبًا فَقَالَ : أَنْتَ كَتَبْت هَذَا الْكِتَاب ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ : فَمَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ \" وَكَأَنَّ حَاطِبًا لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا لَمَّا جَاءَ الْكِتَاب فَاسْتُدْعِيَ بِهِ لِذَلِكَ , وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَلَفْظه \" فَأَرْسَلَ إِلَى حَاطِب \" فَذَكَرَ نَحْو رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَا لِي أَنْ لَا أَكُون مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ وَرَسُوله ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" مَا بِي \" بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَل اللَّام وَهُوَ أَوْضَحُ , وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن حَاطِب \" أَمَا وَاَللَّه مَا اِرْتَبْت مُنْذُ أَسْلَمْت فِي اللَّه \" وَفِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس \" قَالَ وَاَللَّه إِنِّي لَنَاصِحٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَكِنِّي أَرَدْت أَنْ يَكُون لِي عِنْد الْقَوْم يَد ) ‏ ‏أَيْ مِنَّة أَدْفَع بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي , زَادَ فِي رِوَايَة أَعْشَى ثَقِيف \" وَاَللَّه وَرَسُوله أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي ) وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْمُمْتَحَنَة قَوْله \" كُنْت مُلْصَقًا \" وَتَفْسِيره وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن حَاطِب \" وَلَكِنِّي كُنْت اِمْرَأً غَرِيبًا فِيكُمْ وَكَانَ لِي بَنُونَ وَإِخْوَة بِمَكَّة فَكَتَبْت لَعَلِّي أَدْفَعُ عَنْهُمْ \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابك أَحَد إِلَّا لَهُ هُنَالِكَ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي هُنَاكَ \" مِنْ قَوْمه مَنْ يَدْفَع اللَّه بِهِ عَنْ أَهْله وَمَاله \" وَفِي حَدِيث أَنَس وَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُل إِلَّا لَهُ بِمَكَّة مَنْ يَحْفَظهُ فِي عِيَاله غَيْرِي. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ : صَدَقَ , وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا ) ‏ ‏وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ صِدْقه مِمَّا ذُكِرَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِوَحْيٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَعَادَ عُمَر ) ‏ ‏أَيْ عَادَ إِلَى الْكَلَام الْأَوَّل فِي حَاطِب وَفِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ فَأَمَّا الْمَرَّة الْأُولَى فَكَانَ فِيهَا مَعْذُورًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّضِح لَهُ عُذْره فِي ذَلِكَ , وَأَمَّا الثَّانِيَة فَكَانَ اِتَّضَحَ عُذْره وَصَدَّقَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ وَنَهَى أَنْ يَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا , فَفِي إِعَادَةِ عُمَرَ الْكَلَامَ إِشْكَالٌ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ صِدْقه فِي عُذْره لَا يَدْفَع مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْقَتْل , وَتَقَدَّمَ إِيضَاحه فِي تَفْسِير الْمُمْتَحَنَة. ‏ ‏قَوْله ( فَلِأَضْرِبَ عُنُقه ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ هُوَ بِكَسْرِ اللَّام وَنَصْب الْبَاء وَهُوَ فِي تَأْوِيل مَصْدَر مَحْذُوف وَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ اُتْرُكْنِي لِأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَتَرْكُك لِي مِنْ أَجْل الضَّرْب , وَيَجُوز سُكُون الْبَاء وَالْفَاء زَائِدَة عَلَى رَأْي الْأَخْفَش وَاللَّام لِلْأَمْرِ , وَيَجُوز فَتْحهَا عَلَى لُغَة وَأَمْرُ الْمُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ بِاللَّامِ فَصِيحٌ قَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ , وَفِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع \" دَعْنِي أَضْرِب عُنُق هَذَا الْمُنَافِق \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" قَالَ عُمَر فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي وَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَمْكِنِّي مِنْهُ فَإِنَّهُ قَدْ كَفَرَ \" وَقَدْ أَنْكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْبَاقِلَّانِيّ هَذِهِ الرِّوَايَة وَقَالَ لَيْسَتْ بِمَعْرُوفَةٍ قَالَهُ فِي الرَّدّ عَلَى الْجَاحِظ لِأَنَّهُ اِحْتَجَّ بِهَا عَلَى تَكْفِير الْعَاصِي , وَلَيْسَ لِإِنْكَارِ الْقَاضِي مَعْنًى لِأَنَّهَا وَرَدَتْ بِسَنَدٍ صَحِيح وَذَكَرَ الْبَرْقَانِيّ فِي مُسْتَخْرَجه أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهَا , وَرَدَّهُ الْحُمَيْدِيّ , وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ مُسْلِمًا خَرَّجَ سَنَدهَا وَلَمْ يَسُقْ لَفْظهَا , وَإِذَا ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ أَطْلَقَ الْكُفْر وَأَرَادَ بِهِ كُفْر النِّعْمَة كَمَا أَطْلَقَ النِّفَاق وَأَرَادَ بِهِ نِفَاق الْمَعْصِيَة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ اِسْتَأْذَنَ فِي ضَرْب عُنُقه فَأَشْعَرَ بِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ نَافَقَ نِفَاق كُفْر وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ أَنَّهُ كَفَرَ , وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُون عُمَر يَرَى تَكْفِير مَنْ اِرْتَكَبَ مَعْصِيَة وَلَوْ كَبُرَتْ كَمَا يَقُولهُ الْمُبْتَدِعَة وَلَكِنَّهُ غَلَبَ عَلَى ظَنّه ذَلِكَ فِي حَقّ حَاطِب , فَلَمَّا بَيَّنَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُذْرَ حَاطِبٍ رَجَعَ. ‏ ‏قَوْله ( أَوَلَيْسَ مِنْ أَهْل بَدْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحَارِث \" أَوَلَيْسَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا \" وَهُوَ اِسْتِفْهَام تَقْرِير , وَجَزَمَ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع أَنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَزَادَ الْحَارِث \" فَقَالَ عُمَر بَلَى وَلَكِنَّهُ نَكَثَ وَظَاهَرَ أَعْدَاءَك عَلَيْك \". ‏ ‏قَوْله ( وَمَا يُدْرِيك لَعَلَّ اللَّه اِطَّلَعَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي فَضْل مَنْ شَهِدَ بَدْرًا رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ بِالْجَزْمِ وَالْبَحْث فِي ذَلِكَ وَفِي مَعْنَى قَوْله \" اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ \" وَمِمَّا يُؤَيِّد أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ ذُنُوبهمْ تَقَع مَغْفُورَة حَتَّى لَوْ تَرَكُوا فَرْضًا مَثَلًا لَمْ يُؤَاخَذُوا بِذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيث سَهْل بْن الْحَنْظَلِيَّةِ فِي قِصَّة الَّذِي حَرَسَ لَيْلَة حُنَيْنٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ نَزَلْت ؟ قَالَ : لَا , إِلَّا لِقَضَاءِ حَاجَة قَالَ لَا عَلَيْك أَنْ لَا تَعْمَل بَعْدهَا. وَهَذَا يُوَافِق مَا فَهِمَهُ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْل عَلِيّ فِيمَنْ قَتَلَ الْحَرُورِيَّة \" لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ بِمَا قَضَى اللَّه تَعَالَى عَلَى لِسَان نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ قَتَلَهُمْ لَنَكَلْتُمْ عَنْ الْعَمَل \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه , فَهَذَا فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ مَنْ بَاشَرَ بَعْض الْأَعْمَال الصَّالِحَة يُثَاب مِنْ جَزِيل الثَّوَاب بِمَا يُقَاوِم الْآثَام الْحَاصِلَة مِنْ تَرْك الْفَرَائِض الْكَثِيرَة , وَقَدْ تَعَقَّبَ اِبْن بَطَّال عَلَى أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ فَقَالَ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ ظَنًّا مِنْهُ لِأَنَّ عَلِيًّا عَلَى مَكَانَته مِنْ الْعِلْم وَالْفَضْل وَالدِّين لَا يَقْتُل إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْل , وَوَجَّهَ اِبْن الْجَوْزِيّ وَالْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" قَوْل السُّلَمِيّ كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاده أَنَّ عَلِيًّا اِسْتَفَادَ مِنْ هَذَا الْحَدِيث الْجَزْم بِأَنَّهُ مِنْ أَهْل الْجَنَّة فَعَرَفَ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ مِنْهُ خَطَأ فِي اِجْتِهَاده لَمْ يُؤَاخَذ بِهِ قَطْعًا , كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَر , لِأَنَّ الْمُجْتَهِد مَعْفُوّ عَنْهُ فِيمَا أَخْطَأَ فِيهِ إِذَا بَذَلَ فِيهِ وُسْعه , وَلَهُ مَعَ ذَلِكَ أَجْر فَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ , وَالْحَقّ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ مُصِيبًا فِي حُرُوبه فَلَهُ فِي كُلّ مَا اِجْتَهَدَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ أَجْرَانِ , فَظَهَرَ أَنَّ الَّذِي فَهِمَهُ السُّلَمِيّ اِسْتَنَدَ فِيهِ إِلَى ظَنّه كَمَا قَالَ اِبْن بَطَّال وَاَللَّه أَعْلَمُ , وَلَوْ كَانَ الَّذِي فَهِمَهُ السُّلَمِيّ صَحِيحًا لَكَانَ عَلِيّ يَتَجَرَّأ عَلَى غَيْر الدِّمَاء كَالْأَمْوَالِ , وَالْوَاقِع أَنَّهُ كَانَ فِي غَايَة الْوَرَع وَهُوَ الْقَائِل \" يَا صَفْرَاء وَيَا بَيْضَاء غُرِّي غَيْرِي \" وَلَمْ يُنْقَل عَنْهُ قَطُّ فِي أَمْر الْمَال إِلَّا التَّحَرِّي بِالْمُهْمَلَةِ لَا التَّجَرِّي بِالْجِيمِ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَدْ أَوْجَبْت لَكُمْ الْجَنَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع \" فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ \" وَكَذَا فِي حَدِيث عُمَر , وَمِثْله فِي مَغَازِي أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة وَكَذَا عِنْد أَبِي عَائِد. ‏ ‏قَوْله ( فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ ) ‏ ‏بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة السَّاكِنَة وَالرَّاء الْمُكَرَّرَة بَيْنهمَا وَاو سَاكِنَة ثُمَّ قَاف أَيْ اِمْتَلَأَتْ مِنْ الدُّمُوع حَتَّى كَأَنَّهَا غَرِقَتْ فَهُوَ افْعَوْعَلَتْ مِنْ الْغَرَق , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَارِث عَنْ عَلِيّ \" فَفَاضَتْ عَيْنَا عُمَر \" وَيُجْمَع عَلَى أَنَّهَا اِمْتَلَأَتْ ثُمَّ فَاضَتْ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّف. ‏ ‏قَوْله ( خَاخ أَصَحُّ ) ‏ ‏يَعْنِي بِمُعْجَمَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَكِنْ كَذَا قَالَ أَبُو عَوَانَة حَاج ) ‏ ‏أَيْ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيم. ‏ ‏قَوْله ( وَحَاج تَصْحِيف وَهُوَ مَوْضِع ) ‏ ‏. قُلْت : تَقَدَّمَ بَيَانه. ‏ ‏قَوْله ( وَهُشَيْم يَقُول خَاخ ) ‏ ‏وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ , وَقِيلَ بَلْ هُوَ كَقَوْلِ أَبِي عَوَانَة وَبِهِ جَزَمَ السُّهَيْلِيّ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الْبُخَارِيّ لَمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقه فِي الْجِهَاد عَبَّرَ بِقَوْلِهِ \" رَوْضَة كَذَا \" كَمَا تَقَدَّمَ فَلَوْ كَانَ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ لَمَا كَنَى عَنْهُ , وَوَقَعَ فِي السِّيرَة لِلْقُطْبِ الْحَلَبِيّ \" رَوْضَة خَاخ \" بِمُعْجَمَتَيْنِ وَكَانَ هُشَيْم يَرْوِي الْأَخِيرَة مِنْهَا بِالْجِيمِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي عَوَانَة اِنْتَهَى , وَهُوَ يُوهِم أَنَّ الْمُغَايَرَة بَيْنهَا وَبَيْن الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة إِنَّمَا هُوَ فِي الْخَاء الْآخِرَة فَقَطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي الْأُولَى فَعِنْد أَبِي عَوَانَة أَنَّهَا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة جَزْمًا وَأَمَّا هُشَيْم فَالرِّوَايَة عَنْهُ مُحْتَمَلَة. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُؤْمِن وَلَوْ بَلَغَ بِالصَّلَاحِ أَنْ يُقْطَع لَهُ بِالْجَنَّةِ لَا يُعْصَم مِنْ الْوُقُوع فِي الذَّنْب لِأَنَّ حَاطِبًا دَخَلَ فِيمَنْ أَوْجَبَ اللَّه لَهُمْ الْجَنَّة وَوَقَعَ مِنْهُ مَا وَقَعَ , وَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى مَنْ تَأَوَّلَ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ \" أَنَّهُمْ حُفِظُوا مِنْ الْوُقُوع فِي شَيْء مِنْ الذُّنُوب. وَفِيهِ الرَّدّ عَلَى مَنْ كَفَّرَ الْمُسْلِم بِارْتِكَابِ الذَّنْب , وَعَلَى مَنْ جَزَمَ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّار , وَعَلَى مَنْ قَطَعَ بِأَنَّهُ لَا بُدّ وَأَنْ يُعَذَّب. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ الْخَطَأ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْحَدهُ بَلْ يَعْتَرِف وَيَعْتَذِر لِئَلَّا يَجْمَع بَيْن ذَنْبَيْنِ. وَفِيهِ جَوَاز التَّشْدِيد فِي اِسْتِخْلَاص الْحَقّ وَالتَّهْدِيد بِمَا لَا يَفْعَلهُ الْمُهَدِّد تَخْوِيفًا لِمَنْ يُسْتَخْرَج مِنْهُ الْحَقّ. وَفِيهِ هَتْك سِتْر الْجَاسُوس , وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَرَى قَتْله مِنْ الْمَالِكِيَّة لِاسْتِئْذَانِ عُمَر فِي قَتْله وَلَمْ يَرُدَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْل بَدْر , وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِأَنْ يَتَكَرَّر ذَلِكَ مِنْهُ , وَالْمَعْرُوف عَنْ مَالِك يَجْتَهِد فِيهِ الْإِمَامُ , وَقَدْ نَقَلَ الطَّحَاوِيُّ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْجَاسُوس الْمُسْلِم لَا يُبَاح دَمه وَقَالَ الشَّافِعِيَّة وَالْأَكْثَرُ يُعَزَّر , وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْهَيْئَات يُعْفَى عَنْهُ. وَكَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَة يُوجَعُ عُقُوبَةً وَيُطَال حَبْسه. وَفِيهِ الْعَفْو عَنْ زَلَّة ذَوِي الْهَيْئَة. وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ عَنْ قِصَّة حَاطِب وَاحْتِجَاج مَنْ اِحْتَجَّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا صَفَحَ عَنْهُ لِمَا أَطْلَعَهُ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ صِدْقه فِي اِعْتِذَاره فَلَا يَكُون غَيْره كَذَلِكَ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَهُوَ ظَنّ خَطَأ لِأَنَّ أَحْكَام اللَّه فِي عِبَاده إِنَّمَا تَجْرِي عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْهُمْ , وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى نَبِيّه عَنْ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِحَضْرَتِهِ وَلَمْ يُبِحْ لَهُ قَتْلهمْ مَعَ ذَلِكَ لِإِظْهَارِهِمْ الْإِسْلَام , وَكَذَلِكَ الْحُكْم فِي كُلّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَام تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَام الْإِسْلَام. وَفِيهِ مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة إِطْلَاعُ اللَّهِ نَبِيَّهُ عَلَى قِصَّة حَاطِب مَعَ الْمَرْأَة كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه مِنْ الرِّوَايَات فِي ذَلِكَ , وَفِيهِ إِشَارَة الْكَبِير عَلَى الْإِمَام بِمَا يَظْهَر لَهُ مِنْ الرَّأْي الْعَائِد نَفْعُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَتَخَيَّر الْإِمَام فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَاز الْعَفْو عَنْ الْعَاصِي. وَفِيهِ أَنَّ الْعَاصِي لَا حُرْمَة لَهُ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَجْنَبِيَّة يَحْرُم النَّظَر إِلَيْهَا مُؤْمِنَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَة وَلَوْلَا أَنَّهَا لِعِصْيَانِهَا سَقَطَتْ حُرْمَتُهَا مَا هَدَّدَهَا عَلِيٌّ بِتَجْرِيدِهَا قَالَهُ اِبْن بَطَّال. وَفِيهِ جَوَاز غُفْرَان جَمِيع الذُّنُوب الْجَائِزَة الْوُقُوع عَمَّنْ شَاءَ اللَّه خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ مِنْ أَهْل الْبِدَع , وَقَدْ اُسْتُشْكِلَتْ إِقَامَة الْحَدّ عَلَى مِسْطَح بِقَذْفِ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَهْل بَدْر فَلَمْ يُسَامَح بِمَا اِرْتَكَبَهُ مِنْ الْكَبِيرَة وَسُومِحَ حَاطِب , وَعُلِّلَ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْل بَدْر , وَالْجَوَاب مَا تَقَدَّمَ فِي \" بَاب فَضْل مَنْ شَهِدَ بَدْرًا \" أَنَّ مَحَلّ الْعَفْو عَنْ الْبَدْرِيّ فِي الْأُمُور الَّتِي لَا حَدّ فِيهَا. وَفِيهِ جَوَاز غُفْرَان مَا تَأَخَّرَ مِنْ الذُّنُوب وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ الدُّعَاء بِهِ فِي عِدَّة أَخْبَار , وَقَدْ جَمَعْت جُزْءًا فِي الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي بَيَان الْأَعْمَال الْمَوْعُود لِعَامِلِهَا بِغُفْرَانِ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ سَمَّيْته \" الْخِصَال الْمُكَفِّرَة لِلذُّنُوبِ الْمُقَدَّمَة وَالْمُؤَخَّرَة \" وَفِيهَا عِدَّة أَحَادِيث بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ , وَفِيهِ تَأَدُّب عُمَر , وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إِقَامَة الْحَدّ وَالتَّأْدِيب بِحَضْرَةِ الْإِمَام إِلَّا بَعْد اِسْتِئْذَانه. وَفِيهِ مَنْقَبَة لِعُمَر وَلِأَهْلِ بَدْر كُلّهمْ , وَفِيهِ الْبُكَاء عِنْد السُّرُور وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عُمَر بَكَى حِينَئِذٍ لِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْخُشُوع وَالنَّدَم عَلَى مَا قَالَهُ فِي حَقّ حَاطِب. ‏ ‏( خَاتِمَة ) ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى أَحَد وَعِشْرِينَ حَدِيثًا فِيهَا وَاحِد مُعَلَّق وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة الْمُكَرَّر مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى سَبْعَة عَشَرَ حَدِيثًا وَالْأَرْبَعَة خَالِصَة وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا جَمِيعهَا , وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ سَبْعَة آثَار بَعْضهَا مَوْصُول , وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6427",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ ‏ ‏عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ‏ ‏وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ ‏ ‏وَالْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏وَابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي ‏ ‏يُوسُفَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6428",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ الطَّائِفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث الْأَوَّل حَدِيث \" ثَلَاث مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَة الْإِيمَان \" الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي أَوَائِل الصَّحِيح , وَوَجْه أَخْذ التَّرْجَمَة مِنْهُ أَنَّهُ سَوَّى بَيْن كَرَاهِيَة الْكُفْر وَكَرَاهِيَة دُخُول النَّار , وَالْقَتْلُ وَالضَّرْبُ وَالْهَوَانُ أَسْهَلُ عِنْد الْمُؤْمِن مِنْ دُخُول النَّار فَيَكُون أَسْهَلَ مِنْ الْكُفْر إِنْ اِخْتَارَ الْأَخْذ بِالشِّدَّةِ , ذَكَرَهُ اِبْن بَطَّال وَقَالَ أَيْضًا : فِيهِ حُجَّة لِأَصْحَابِ مَالِك , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ الْعُلَمَاء مُتَّفِقُونَ عَلَى اِخْتِيَار الْقَتْل عَلَى الْكُفْر , وَإِنَّمَا يَكُون حُجَّة عَلَى مَنْ يَقُول إِنَّ التَّلَفُّظ بِالْكُفْرِ أَوْلَى مِنْ الصَّبْر عَلَى الْقَتْل , وَنَقَلَ عَنْ الْمُهَلَّب أَنَّ قَوْمًا مَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ ) الْآيَة , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ قَالَ تِلْو الْآيَة الْمَذْكُورَة ( وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا ) فَقَيَّدَهُ بِذَلِكَ , وَلَيْسَ مَنْ أَهْلَكَ نَفْسه فِي طَاعَة اللَّه ظَالِمًا وَلَا مُعْتَدِيًا. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز تَقَحُّم الْمَهَالِك فِي الْجِهَاد اِنْتَهَى , وَهَذَا يَقْدَح فِي نَقْل اِبْن التِّين الِاتِّفَاقَ الْمَذْكُورَ وَأَنَّ ثَمَّ مَنْ قَالَ بِأَوْلَوِيَّةِ التَّلَفُّظ عَلَى بَذْل النَّفْس لِلْقَتْلِ , وَإِنْ كَانَ قَائِل ذَلِكَ يُعَمِّمُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ , وَإِنْ قَيَّدَهُ بِمَا لَوْ عَرَضَ مَا يُرَجِّح الْمَفْضُولَ كَمَا لَوْ عَرَضَ عَلَى مَنْ إِذَا تَلَفَّظَ بِهِ نَفْعُ مُتَعَدٍّ ظَاهِرًا فَيُتَّجَه. ‏"
    },
    {
        "id": "6429",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏قَيْسًا ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَقَدْ رَأَيْتُنِي ‏ ‏وَإِنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏مُوثِقِي عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَوْ انْقَضَّ ‏ ‏أُحُدٌ ‏ ‏مِمَّا فَعَلْتُمْ ‏ ‏بِعُثْمَانَ ‏ ‏كَانَ مَحْقُوقًا أَنْ يَنْقَضَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبَّاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي الْعَوَّام فِيمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو مَسْعُود , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَسَعِيد بْن زَيْد أَيْ اِبْن عَمْرو بْن نُفَيْل وَهُوَ اِبْن اِبْن عَمّ عُمَر بْن الْخَطَّاب بْن نُفَيْل وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثه فِي \" بَاب إِسْلَام سَعِيد بْن زَيْد \" مِنْ السِّيرَة النَّبَوِيَّة , وَهُوَ ظَاهِر فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ لِأَنَّ سَعِيدًا وَزَوْجَته أُخْت عُمَر اِخْتَارَا الْهَوَان عَلَى الْكُفْر , وَبِهَذَا تَظْهَر مُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هِيَ مَأْخُوذَة مِنْ كَوْن عُثْمَان اِخْتَارَ الْقَتْل عَلَى مَا يُرْضِي قَاتِلِيهِ فَيَكُون اِخْتِيَاره الْقَتْلَ عَلَى الْكُفْرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَاسْم زَوْجَته فَاطِمَة بِنْت الْخَطَّاب وَهِيَ أَوَّل اِمْرَأَة أَسْلَمَتْ بَعْد خَدِيجَة فِيمَا يُقَال , وَقِيلَ سَبَقَتْهَا أُمّ الْفَضْل زَوْج الْعَبَّاس. ‏"
    },
    {
        "id": "6430",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏مُتَوَسِّدٌ ‏ ‏بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فَقُلْنَا أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو لَنَا فَقَالَ قَدْ ‏ ‏كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ ‏ ‏صَنْعَاءَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏حَضْرَمَوْتَ ‏ ‏لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم أَيْضًا , وَخَبَّاب بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مُشَدَّدَة بَيْنهمَا أَلِف وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب مَا لَقِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّة \" مِنْ السِّيرَة النَّبَوِيَّة , وَدُخُوله فِي التَّرْجَمَة مِنْ جِهَة أَنَّ طَلَبَ خَبَّاب الدُّعَاءَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْكُفَّار دَالّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ اِعْتَدَوْا عَلَيْهِمْ بِالْأَذَى ظُلْمًا وَعُدْوَانًا , قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا لَمْ يُجِبْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُؤَالَ خَبَّاب وَمَنْ مَعَهُ بِالدُّعَاءِ عَلَى الْكُفَّار مَعَ قَوْله تَعَالَى ( اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) وَقَوْله ( فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسنَا تَضَرَّعُوا ) لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ الْقَدَرُ بِمَا جَرَى عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَلْوَى لِيُؤْجَرُوا عَلَيْهَا كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَة اللَّه تَعَالَى فِي مَنْ اِتَّبَعَ الْأَنْبِيَاء فَصَبَرُوا عَلَى الشِّدَّة فِي ذَات اللَّه , ثُمَّ كَانَتْ لَهُمْ الْعَاقِبَة بِالنَّصْرِ وَجَزِيل الْأَجْر , قَالَ : فَأَمَّا غَيْر الْأَنْبِيَاء فَوَاجِب عَلَيْهِمْ الدُّعَاء عِنْد كُلّ نَازِلَة لِأَنَّهُمْ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَى مَا اِطَّلَعَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث تَصْرِيح بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَدْعُ لَهُمْ بَلْ يَحْتَمِل أَنَّهُ دَعَا , وَإِنَّمَا قَالَ \" قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلكُمْ يُؤْخَذ إِلَخْ \" تَسْلِيَةً لَهُمْ وَإِشَارَةً إِلَى الصَّبْر حَتَّى تَتَقَضَّى الْمُدَّة الْمَقْدُورَة , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِي آخِر الْحَدِيث \" وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ \". وَقَوْله فِي الْحَدِيث \" بِالْمِنْشَارِ \" بِنُونٍ سَاكِنَة ثُمَّ شِين مُعْجَمَة مَعْرُوف , وَفِي نُسْخَة بِيَاءٍ مُثَنَّاة مِنْ تَحْت بِغَيْرِ هَمْزَة بَدَل النُّون وَهِيَ لُغَة فِيهِ , وَقَوْله \" مِنْ دُون لَحْمه وَعَظْمه \" وَلِلْأَكْثَرِ \" مَا \" بَدَل \" مِنْ \" وَقَوْله \" هُوَ الْأَمْر \" أَيْ الْإِسْلَام , وَتَقَدَّمَ الْمُرَاد بِصَنْعَاء فِي شَرْح الْحَدِيث , قَالَ اِبْن بَطَّال : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْر وَاخْتَارَ الْقَتْل أَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْد اللَّه مِمَّنْ اِخْتَارَ الرُّخْصَة , وَأَمَّا غَيْر الْكُفْر فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْل الْخِنْزِير وَشُرْب الْخَمْر مَثَلًا فَالْفِعْل أَوْلَى , وَقَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة : بَلْ يَأْثَم إِنْ مُنِعَ مِنْ أَكْل غَيْرهَا فَإِنَّهُ يَصِير كَالْمُضْطَرِّ عَلَى أَكْل الْمَيْتَة إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسه الْمَوْت فَلَمْ يَأْكُل. ‏"
    },
    {
        "id": "6431",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏انْطَلِقُوا إِلَى ‏ ‏يَهُودَ ‏ ‏فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا ‏ ‏بَيْتَ الْمِدْرَاسِ ‏ ‏فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَادَاهُمْ يَا مَعْشَرَ ‏ ‏يَهُودَ ‏ ‏أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا فَقَالُوا قَدْ بَلَّغْتَ يَا ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏فَقَالَ ذَلِكَ أُرِيدُ ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ فَقَالُوا قَدْ بَلَّغْتَ يَا ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ اعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي إِخْرَاج الْيَهُود مِنْ الْمَدِينَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَة فِي \" بَاب إِخْرَاج الْيَهُود مِنْ جَزِيرَة الْعَرَب \" وَبَيَّنْت فِيهِ أَنَّ الْيَهُود الْمَذْكُورِينَ لَمْ يُسَمَّوْا وَلَمْ يُنْسَبُوا , وَقَدْ أَوْرَدَ مُسْلِم حَدِيث اِبْن عُمَر فِي إِجْلَاء بَنِي النَّضِير ثُمَّ عَقَّبَهُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة فَأَوْهَمَ أَنَّ الْيَهُود الْمَذْكُورِينَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هُمْ بَنُو النَّضِير , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة إِنَّمَا جَاءَ بَعْد فَتْح خَيْبَر وَكَانَ فَتْحهَا بَعْد إِجْلَاء بَنِي النَّضِير وَبَنِي قَيْنُقَاع وَقِيلَ بَنِي قُرَيْظَة , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّة بَنِي النَّضِير فِي الْمَغَازِي قَبْل قِصَّة بَدْر وَتَقَدَّمَ قَوْل اِبْن إِسْحَاق إِنَّهَا كَانَتْ بَعْد بِئْر مَعُونَة , وَعَلَى الْحَالَيْنِ فَهِيَ قَبْل مَجِيء أَبِي هُرَيْرَة , وَسِيَاق إِخْرَاجهمْ مُخَالِف لِسِيَاقِ هَذِهِ الْقِصَّة فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا دَاخِل الْمَدِينَة وَلَا جَاءَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ فِي دِيَة رَجُلَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرو بْن أُمَيَّة مِنْ حُلَفَائِهِمْ فَأَرَادُوا الْغَدْر بِهِ فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يُخَيِّرهُمْ بَيْن الْإِسْلَام وَبَيْن الْخُرُوج فَأَبَوْا فَحَاصَرَهُمْ فَرَضُوا بِالْجَلَاءِ , وَفِيهِمْ نَزَلَ أَوَّل سُورَة الْحَشْر , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَنْ ذُكِرَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بَقِيَّة مِنْهُمْ أَوْ مِنْ بَنِي قُرَيْظَة كَانُوا سُكَّانًا دَاخِل الْمَدِينَة فَاسْتَمَرُّوا فِيهَا عَلَى حُكْم أَهْل الذِّمَّة حَتَّى أَجَلَاهُمْ بَعْد فَتْح خَيْبَر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْل خَيْبَر لِأَنَّهَا لَمَّا فُتِحَتْ أَقَرَّ أَهْلَهَا عَلَى أَنْ يَزْرَعُوا فِيهَا وَيَعْمَلُوا فِيهَا بِبَعْضِ مَا يَخْرُج مِنْهَا فَاسْتَمَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجَلَاهُمْ عُمَر مِنْ خَيْبَر كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْمَغَازِي , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَؤُلَاءِ طَائِفَة مِنْهُمْ كَانُوا يَسْكُنُونَ بِالْمَدِينَةِ فَأَخْرَجَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْصَى عِنْد مَوْته أَنْ يُخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَة الْعَرَب فَفَعَلَ ذَلِكَ عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( بَيْت الْمِدْرَاس ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَآخِره مُهْمَلَة مِفْعَال مِنْ الدَّرْس وَالْمُرَاد بِهِ كَبِير الْيَهُود وَنُسِبَ الْبَيْت إِلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ صَاحِب دِرَاسَة كُتُبهمْ أَيْ قِرَاءَتهَا , وَوَقَعَ فِي بَعْض الطُّرُق \" حَتَّى إِذَا أَتَى الْمَدِينَة الْمِدْرَاس \" فَفَسَّرَهُ فِي الْمَطَالِع بِالْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأ فِيهِ التَّوْرَاة وَوَجَّهَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ إِضَافَة الْبَيْت إِلَيْهِ مِنْ إِضَافَة الْعَامّ إِلَى الْخَاصّ مِثْل شَجَرُ أَرَاكٍ , وَقَالَ فِي النِّهَايَة : مِفْعَال غَرِيب فِي الْمَكَان وَالْمَعْرُوف أَنَّهُ مِنْ صِيَغ الْمُبَالَغَة لِلرَّجُلِ. قُلْت : وَالصَّوَاب أَنَّهُ عَلَى حَذْف الْمَوْصُوف وَالْمُرَاد الرَّجُل , وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة فِي الْجِزْيَة \" حَتَّى جِئْنَا بَيْت الْمُدَارِس \" بِتَأْخِيرِ الرَّاء عَنْ الْأَلِف بِصِيغَةِ الْمُفَاعِل وَهُوَ مَنْ يَدْرُس الْكِتَاب وَيُعَلِّمهُ غَيْرَهُ , وَفِي حَدِيث الرَّجْم \" فَوَضَعَ مُدَارِسهَا الَّذِي يَدْرُسهَا يَده عَلَى آيَة الرَّجْم \" وَفُسِّرَ هُنَاكَ بِأَنَّهُ اِبْن صُورِيَّا , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ الْمُرَاد هُنَا. ‏ ‏قَوْله ( فَقَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَاهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَنَادَى \". ‏ ‏قَوْله ( ذَلِكَ أُرِيدَ ) ‏ ‏أَيْ بِقَوْلِي أَسْلِمُوا أَيْ إِنْ اِعْتَرَفْتُمْ أَنَّنِي بَلَّغْتُكُمْ سَقَطَ عَنِّي الْحَرَجُ. ‏ ‏قَوْله ( اِعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْض ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" إِنَّمَا الْأَرْض \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَقَوْله لِلَّهِ وَرَسُوله قَالَ الدَّاوُدِيّ لِلَّهِ اِفْتِتَاحُ كَلَامٍ وَلِرَسُولِهِ حَقِيقَةٌ لِأَنَّهَا مِمَّا لَمْ يُوجِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَاب , كَذَا قَالَ وَالظَّاهِر مَا قَالَ غَيْره أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الْحُكْم لِلَّهِ فِي ذَلِكَ وَلِرَسُولِهِ لِكَوْنِهِ الْمُبَلِّغَ عَنْهُ الْقَائِمَ بِتَنْفِيذِ أَوَامِرِهِ. ‏ ‏قَوْله ( أُجْلِيكُمْ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الْجِيم أَيْ أُخْرِجكُمْ وَزْنه وَمَعْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَمَنْ وَجَدَ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي بِمَالِهِ شَيْئًا الْبَاء مُتَعَلِّقَة بِشَيْءٍ مَحْذُوف أَوْ ضَمَّنَ وَجَدَ مَعْنَى نَحَلَ فَعَدَّاهُ بِالْبَاءِ , أَوْ وَجَدَ مِنْ الْوِجْدَان وَالْبَاء سَبَبِيَّة أَيْ فَمَنْ وَجَدَ بِمَا لَهُ شَيْئًا مِنْ الْمَحَبَّة , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْبَاء هُنَا لِلْمُقَابَلَةِ فَجَعَلَ وَجَدَ مِنْ الْوِجْدَان. ‏"
    },
    {
        "id": "6432",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَمُجَمِّعٍ ابْنَيْ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الْأَنْصَارِيَّةِ ‏ ‏أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ فَأَتَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرَدَّ نِكَاحَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث خَنْسَاء بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون بَعْدهَا مُهْمَلَة وَمَدّ بِنْت خِدَام بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمُهْمَلَة وَجَارِيَة جَدّ الرَّاوِيَيْنِ عَنْهَا بِجِيمٍ وَيَاء مُثَنَّاة مِنْ تَحْت , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب النِّكَاح وَأَنَّهَا كَانَتْ غَيْر بِكْر وَذَكَرَ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَاف. ‏"
    },
    {
        "id": "6433",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَمْرٍو هُوَ ذَكْوَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ قَالَ ‏ ‏نَعَمْ قُلْتُ فَإِنَّ الْبِكْرَ تُسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحْيِي فَتَسْكُتُ قَالَ سُكَاتُهَا إِذْنُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏الظَّاهِر أَنَّهُ الْفِرْيَابِيّ وَشَيْخه الثَّوْرِيّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْبِيكَنْدِيّ وَشَيْخه اِبْن عُيَيْنَةَ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ السُّفْيَانَيْنِ مَعْرُوف بِالرِّوَايَةِ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ , لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ عَنْ الْفِرْيَابِيّ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم , وَالْفِرْيَابِيّ إِذَا أَطْلَقَ سُفْيَان أَرَادَ الثَّوْرِيّ وَإِذَا أَرَادَ اِبْن عُيَيْنَةَ نَسَبَهُ. ‏ ‏قَوْله ( ذَكْوَان ) ‏ ‏يَعْنِي مَوْلَى عَائِشَةَ. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت : يَا رَسُول اللَّه يُسْتَأْمَر النِّسَاء فِي أَبْضَاعهنَّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَجَّاج بْن مُحَمَّد وَأَبُو عَاصِم عَنْ اِبْن جَرِير \" سَمِعْت اِبْن أَبِي مُلَيْكَة يَقُول قَالَ ذَكْوَانُ : سَمِعْت عَائِشَة سَأَلَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجَارِيَة يَنْكِحهَا أَهْلهَا هَلْ تُسْتَأْمَر أَمْ لَا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ تُسْتَأْمَر \" وَفِيهِ تَقْوِيَة لِمَضْمُونِ الْحَدِيث الَّذِي قَبْله وَإِرْشَاد إِلَى السَّلَامَة مِنْ إِبْطَال الْعَقْد , وَقَوْله \" سُكَاتهَا \" وَهُوَ لُغَة فِي السُّكُوت , وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة الذُّهْلِيِّ وَأَحْمَدَ عَنْ يُوسُف عَنْ الْفِرْيَابِيّ بِلَفْظِ , \" سُكُوتهَا \" وَفِي رِوَايَة حَجَّاج وَأَبِي عَاصِم \" ذَلِكَ إِذْنهَا إِذَا سَكَتَتْ \" وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاح مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة بِلَفْظِ \" صَمْتُهَا \" وَتَقَدَّمَ شَرْحه أَيْضًا هُنَاكَ وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِي صِحَّة إِنْكَاح الْوَلِيّ الْمُجْبِر الْبِكْر الْكَبِيرَة , وَأَنَّ الصَّغِيرَة لَا خِلَاف فِي صِحَّة إِجْبَاره لَهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6434",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏دَبَّرَ مَمْلُوكًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي فَاشْتَرَاهُ ‏ ‏نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ ‏ ‏بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ فَسَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏يَقُولُ عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي بَيْع الْمُدَبَّر قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْعِتْق. ‏"
    },
    {
        "id": "6435",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الشَّيْبَانِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ فَيْرُوزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الشَّيْبَانِيُّ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ أَبُو الحَسَنِ السُّوَائِيُّ ‏ ‏وَلَا أَظُنُّهُ إِلَّا ذَكَرَهُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ‏} ‏الْآيَةَ قَالَ ‏ ‏كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجَهَا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجْهَا فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "وَهُنَا عَنْ حُسَيْن بْن مَنْصُور عَنْ أَسْبَاط , وَحُسَيْن نَيْسَابُورِيّ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع كَذَا جَزَمَ بِهِ الْكَلَابَاذِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مَنْصُور أَبُو عَلِيّ حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن مُحَمَّد \" فَذَكَرَ حَدِيثًا , وَذَكَرَ الْخَطِيب أَنَّ مُحَمَّد بْن مَخْلَد رَوَى عَنْ أَبِي عَلِيّ هَذَا فَسَمَّاهُ حُسَيْنًا بِالتَّصْغِيرِ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ , وَذَكَرَ الْمِزِّيّ مَعَ حُسَيْن بْن مَنْصُور النَّيْسَابُورِيّ ثَلَاثَة كُلّ مِنْهُمْ حُسَيْن بْن مَنْصُور وَكُلّهمْ مِنْ طَبَقَة وَاحِدَة , وَقَوْله فِي التَّرْجَمَة \" كَرْهًا وَكُرْهًا وَاحِد \" أَيْ بِفَتْحِ أَوَّله وَبِضَمِّهِ بِمَعْنًى وَاحِد وَهَذَا قَوْل الْأَكْثَر , وَقِيلَ بِالضَّمِّ مَا أَكْرَهْت نَفْسَك عَلَيْهِ وَبِالْفَتْحِ مَا أَكْرَهَك عَلَيْهِ غَيْرُك , وَوَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ \" كُرْه وَكُرْه \" بِالرَّفْعِ فِيهِمَا , وَسَقَطَ لِلنَّسَفِيِّ أَصْلًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء. وَقَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب : يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ كُلّ مَنْ أَمْسَكَ اِمْرَأَته طَمَعًا أَنْ تَمُوت فَيَرِثَهَا لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ بِنَصِّ الْقُرْآن , كَذَا قَالَ وَلَا يَلْزَم مِنْ النَّصّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلّ أَنْ لَا يَصِحّ مِيرَاثه مِنْهَا فِي الْحُكْم الظَّاهِر. ‏"
    },
    {
        "id": "6436",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَاجَرَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏بِسَارَةَ ‏ ‏دَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنْ الْمُلُوكِ أَوْ جَبَّارٌ مِنْ الْجَبَابِرَةِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا فَأَرْسَلَ بِهَا فَقَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي فَقَالَتْ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ ‏",
        "sharh": "قَوْله هُنَا \" الظَّالِم \" تَقَدَّمَ هُنَاكَ بِلَفْظِ \" الْكَافِر \" وَقَوْله \" غُطَّ \" بِضَمِّ الْغَيْن الْمُعْجَمَة أَيْ غُمَّ وَزْنه وَمَعْنَاهُ وَقِيلَ خُنِقَ , وَنَقَلَ اِبْن التِّين أَنَّهُ رُوِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَأُخِذَ مِنْ الْعَطْعَطَة وَهِيَ حِكَايَة صَوْت , وَتَقَدَّمَ الْخِلَاف فِي تَسْمِيَة الْجَبَّار , وَالْمُرَاد بِالْقَرْيَةِ حَرَّان وَقِيلَ الْأُرْدُنّ وَقِيلَ مِصْر , وَقَوْلهَا \" إِنْ كُنْت \" لَيْسَ لِلشَّكِّ فَتَقْدِيره إِنْ كُنْت مَقْبُولَة الْإِيمَان عِنْدك , وَقَوْله رَكَضَ أَيْ حَرَّكَ , قَالَ اِبْن الْمُنِير : مَا كَانَ يَنْبَغِي إِدْخَال هَذَا الْحَدِيث فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة أَصْلًا , وَلَيْسَ لَهَا مُنَاسَبَة لِلتَّرْجَمَةِ إِلَّا سُقُوط الْمَلَامَة عَنْهَا فِي الْخَلْوَة لِكَوْنِهَا كَانَتْ مُكْرَهَة عَلَى ذَلِكَ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّال , وَجْه إِدْخَال هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب مَعَ أَنَّ سَارَةَ عَلَيْهَا السَّلَام كَانَتْ مَعْصُومَة مِنْ كُلّ سُوء أَنَّهَا لَا مَلَامَة عَلَيْهَا فِي الْخَلْوَة مُكْرَهَة فَكَذَا غَيْرهَا لَوْ زُنِيَ بِهَا مُكْرَهَة لَا حَدّ عَلَيْهَا. ( تَكْمِيل ) : ‏ ‏لَمْ يَذْكُرُوا حُكْم إِكْرَاه الرَّجُل عَلَى الزِّنَا , وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُور أَنَّهُ لَا حَدّ عَلَيْهِ , وَقَالَ مَالِك وَطَائِفَة : عَلَيْهِ الْحَدّ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَشِر إِلَّا بِلَذَّةٍ , وَسَوَاء أَكْرَهَهُ سُلْطَان أَمْ غَيْره , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة يُحَدّ إِنْ أَكْرَهَهُ غَيْر السُّلْطَان , وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ , وَاحْتَجَّ الْمَالِكِيَّة بِأَنَّ الِانْتِشَار لَا يَحْصُل إِلَّا بِالطُّمَأْنِينَةِ وَسُكُون النَّفْس , وَالْمُكْرَه بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ خَائِف , وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ وَبِأَنَّ الْوَطْء يُتَصَوَّر بِغَيْرِ اِنْتِشَار. وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6437",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَالِمًا ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْبُخَارِيّ حَدِيث اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا \" الْمُسْلِم أَخُو الْمُسْلِم \" قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاق فِي كِتَاب الْمَظَالِم مَشْرُوحًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6438",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ قَالَ تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم ) ‏ ‏هُوَ الْبَزَّاز بِمُعْجَمَتَيْنِ الْبَغْدَادِيّ الْمُلَقَّب صَاعِقَة وَهُوَ مِنْ طَبَقَة الْبُخَارِيّ فِي أَكْثَرِ شُيُوخه , وَسَعِيد بْن سُلَيْمَان مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ فَقَدْ رَوَى عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَة فِي مَوَاضِع أَقْرَبُهَا فِي \" بَاب مَنْ اِخْتَارَ الضَّرْب \" وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ حَدِيث الْبَاب فِي كِتَاب الْمَظَالِم عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ هُشَيْم فَنَزَلَ فِيهِ هُنَا دَرَجَتَيْنِ لِأَنَّ سِيَاقه هُنَا أَتَمُّ وَلِمُغَايَرَةِ الْإِسْنَاد. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ رَجُل ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُثْمَان \" قَالُوا \". ‏ ‏قَوْله ( آنْصُرُهُ مَظْلُومًا ) ‏ ‏بِالْمَدِّ عَلَى الِاسْتِفْهَام وَهُوَ اِسْتِفْهَام تَقْرِير وَيَجُوز تَرْك الْمَدّ. ‏ ‏قَوْله ( أَفَرَأَيْت ) ‏ ‏أَيْ أَخْبِرْنِي قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فِي هَذِهِ الصِّيغَة مَجَازَانِ : إِطْلَاق الرُّؤْيَة وَإِرَادَة الْإِخْبَار , وَالْخَبَر وَإِرَادَة الْأَمْر. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا كَانَ ظَالِمًا ) ‏ ‏أَيْ كَيْف أَنْصُرهُ عَلَى ظُلْمه. ‏ ‏قَوْله ( تَحْجِزهُ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيم ثُمَّ زَاي لِلْأَكْثَرِ , وَلِبَعْضِهِمْ بِالْبَاءِ بَدَل الزَّاي وَكِلَاهُمَا بِمَعْنَى الْمَنْع , وَفِي رِوَايَة عُثْمَان تَأْخُذ فَوْق يَده \" وَهُوَ كِنَايَة عَنْ الْمَنْع , وَتَقَدَّمَ بَيَان اِخْتِلَاف أَلْفَاظه هُنَاكَ , وَمِنْهَا أَنَّ فِي رِوَايَة عَائِشَة \" قَالَ إِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَخُذْ لَهُ بِحَقِّهِ , وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَخُذْ لَهُ مِنْ نَفْسه ) أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي عَاصِم فِي كِتَاب أَدَب الْحُكَمَاء. ‏ ‏( خَاتِمَة ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب الْإِكْرَاه مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى خَمْسَة عَشَرَ حَدِيثًا. الْمُعَلَّق مِنْهَا ثَلَاثَة وَسَائِرهَا مَوْصُول , وَهِيَ مُكَرَّرَة كُلّهَا فِيمَا مَضَى , وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ تِسْعَة آثَار. وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6439",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَخْطُبُ قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ‏ ‏إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ التَّيْمِيُّ , وَقَدْ صَرَّحَ بِتَحْدِيثِ عَلْقَمَة شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث لَهُ فِي أَوَّل بَدْء الْوَحْي \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : يَا أَيّهَا النَّاس \" وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ خَطَبَ بِهِ , وَقَوْله \" يَخْطُب \" تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي أَنَّ عُمَر قَالَهُ عَلَى الْمِنْبَر. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي بِلَفْظِ \" بِالنِّيَّاتِ \" وَفِي كِتَاب الْإِيمَان بِلَفْظِ \" الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ \" كَمَا هُنَا مَعَ حَذْف \" إِنَّمَا \" مِنْ أَوَّله. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي بِلَفْظِ \" وَإِنَّمَا لِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوَى \" وَهُوَ الَّذِي عَلَّقَهُ فِي أَوَّل الْبَاب وَتَقَدَّمَ الْبَحْث فِي أَنَّ مَفْهُومه أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَمْ يَحْصُل لَهُ وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ مَنْ نَوَى الْحَجّ عَنْ غَيْره وَكَانَ لَمْ يَحُجّ فَإِنَّهُ لَمْ يَصِحّ عَنْهُ , وَيَسْقُط عَنْهُ الْفَرْض بِذَلِكَ عِنْد الشَّافِعِيّ وَأَحْمَدَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاق , وَقَالَ الْبَاقُونَ : يَصِحّ عَنْ غَيْره وَلَا يَنْقَلِب عَنْ نَفْسه لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ , وَاحْتُجَّ لِلْأَوَّلِ بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة شُبْرُمَةَ , فَعِنْد أَبِي دَاوُدَ \" حُجَّ عَنْ نَفْسك ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ \" وَعِنْد اِبْن مَاجَهْ \" فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسك ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ \" وَسَنَده صَحِيح وَأَجَابُوا أَنَّ الْحَجّ خَرَجَ عَنْ بَقِيَّة الْعِبَادَات وَلِذَلِكَ يَمْضِي فَاسِده دُون غَيْره , وَقَدْ وَافَقَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيَّ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ حَمَلَهُ عَلَى الْجَاهِل بِالْحُكْمِ وَأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ بِأَثْنَاءِ الْحَال وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيه عَنْ نَفْسه فَحِينَئِذٍ يَنْقَلِب وَإِلَّا فَلَا يَصِحّ عَنْهُ , وَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُوم الْخَبَر مَا يَحْصُل مِنْ جِهَة الْفَضْل الْإِلَهِيّ بِالْقَصْدِ مِنْ غَيْر عَمَل كَالْأَجْرِ الْحَاصِل لِلْمَرِيضِ بِسَبَبِ مَرَضه عَلَى الصَّبْر لِثُبُوتِ الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : إِنَّمَا يَقَع الْأَجْر عَلَى الصَّبْر وَحُصُول الْأَجْر بِالْوَعْدِ الصَّادِق لِمَنْ قَصَدَ الْعِبَادَة فَعَاقَهُ عَنْهَا عَائِق بِغَيْرِ إِرَادَته , وَكَمَنْ لَهُ أَوْرَادٌ فَعَجَرَ عَنْ فِعْلهَا لِمَرَضٍ مَثَلًا فَإِنَّهُ يُكْتَب لَهُ أَجْرهَا كَمَنْ عَمِلَهَا. وَمِمَّا يُسْتَثْنَى عَلَى خُلْف مَا إِذَا نَوَى صَلَاة فَرْض ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مَا يَقْتَضِي بُطْلَانَهَا فَرْضًا هَلْ تَنْقَلِب نَفْلًا ؟ وَهَذَا عِنْد الْعُذْر , فَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ مَثَلًا قَبْل الزَّوَال فَلَا يَصِحّ فَرْضًا وَلَا يَنْقَلِب نَفْلًا إِذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ. وَمِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يُثَاب الْمَسْبُوق ثَوَاب الْجَمَاعَة عَلَى مَا إِذَا أَدْرَكَ رَكْعَة أَوْ يَعُمّ , وَهَلْ يُثَاب مَنْ نَوَى صِيَام نَفْل فِي أَثْنَاء النَّهَار عَلَى جَمِيعه أَوْ مِنْ حِين نَوَى ؟ وَهَلْ تُكْمَل الْجُمُعَة إِذَا خَرَجَ وَقْتهَا فِي أَوَّل الرَّكْعَة الثَّانِيَة مَثَلًا جُمُعَة أَوْ ظُهْرًا وَهَلْ تَنْقَلِب بِنَفْسِهَا أَوْ تَحْتَاج إِلَى تَجْدِيد نِيَّة ؟ وَالْمَسْبُوق إِذَا أَدْرَكَ الِاعْتِدَال الثَّانِي مَثَلًا هَلْ يَنْوِي الْجُمُعَة أَوْ الظُّهْر ؟ وَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْر أَشْهُره هَلْ يَنْقَلِب عُمْرَة أَوْ لَا ؟ وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِإِبْطَالِ الْحِيَل وَمَنْ قَالَ بِإِعْمَالِهَا , لِأَنَّ مَرْجِع كُلّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ إِلَى نِيَّة الْعَامِل , وَسَيَأْتِي فِي أَثْنَاء الْأَبْوَاب الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّف إِشَارَة إِلَى بَيَان ذَلِكَ , وَالضَّابِط مَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ إِنْ كَانَ فِيهِ خَلَاص مَظْلُوم مَثَلًا فَهُوَ مَطْلُوب , وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَوَات حَقّ فَهُوَ مَذْمُوم وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى كَرَاهَة تَعَاطِي الْحِيَل فِي تَفْوِيت الْحُقُوق فَقَالَ بَعْض أَصْحَابه : هِيَ كَرَاهَة تَنْزِيه , وَقَالَ كَثِير مِنْ مُحَقِّقِيهِمْ كَالْغَزَالِيِّ : هِيَ كَرَاهَة تَحْرِيم وَيَأْثَم بِقَصْدِهِ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله \" وَإِنَّمَا لِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوَى \" فَمَنْ نَوَى بِعَقْدِ الْبَيْع الرِّبَا وَقَعَ فِي الرِّبَا وَلَا يُخَلِّصهُ مِنْ الْإِثْم صُورَةُ الْبَيْع , وَمَنْ نَوَى بِعَقْدِ النِّكَاح التَّحْلِيلَ كَانَ مُحَلِّلًا وَدَخَلَ فِي الْوَعِيد عَلَى ذَلِكَ بِاللَّعْنِ وَلَا يُخَلِّصهُ مِنْ ذَلِكَ صُورَةُ النِّكَاح , وَكُلّ شَيْء قَصَدَ بِهِ تَحْرِيم مَا أَحَلَّ اللَّه أَوْ تَحْلِيل مَا حَرَّمَ اللَّه كَانَ إِثْمًا. وَلَا فَرْق فِي حُصُول الْإِثْم فِي التَّحَيُّل عَلَى الْفِعْل الْمُحَرَّم بَيْن الْفِعْل الْمَوْضُوع لَهُ وَالْفِعْل الْمَوْضُوع لِغَيْرِهِ إِذَا جُعِلَ ذَرِيعَة لَهُ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحّ الْعِبَادَة مِنْ الْكَافِر وَلَا الْمَجْنُون لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْل الْعِبَادَة وَعَلَى سُقُوط الْقَوَد فِي شِبْه الْعَمْد لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِد الْقَتْل , وَعَلَى عَدَم مُؤَاخَذَة الْمُخْطِئ وَالنَّاسِي وَالْمُكْرَه فِي الطَّلَاق وَالْعَتَاق وَنَحْوهمَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَبْوَابه , وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ كَالْمَالِكِيَّةِ : الْيَمِين عَلَى نِيَّة الْمَحْلُوف لَهُ وَلَا تَنْفَعهُ التَّوْرِيَة , وَعَكَسَهُ غَيْرُهُمْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْأَيْمَان , وَاسْتَدَلُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" الْيَمِين عَلَى نِيَّة الْمُسْتَحْلِف \" وَفِي لَفْظ لَهُ \" يَمِينك عَلَى مَا يُصَدِّقُك بِهِ صَاحِبُك \" وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيَّة عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ الْحَاكِمَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَالِكٍ عَلَى الْقَوْل بِسَدِّ الذَّرَائِع وَاعْتِبَار الْمَقَاصِد بِالْقَرَائِنِ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ , وَضَبَطَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَلْفَاظ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَقَاصِد الْمُتَكَلِّم ثَلَاثَة أَقْسَام أَحَدهَا أَنْ تَظْهَر الْمُطَابَقَة إِمَّا يَقِينًا وَإِمَّا ظَنًّا غَالِبًا , وَالثَّانِي أَنْ يَظْهَر أَنَّ الْمُتَكَلِّم لَمْ يُرِدْ مَعْنَاهُ إِمَّا يَقِينًا وَإِمَّا ظَنًّا , وَالثَّالِث أَنْ يَظْهَر فِي مَعْنَاهُ وَيَقَع التَّرَدُّد فِي إِرَادَة غَيْره وَعَدَمهَا عَلَى حَدٍّ سَوَاء , فَإِذَا ظَهَرَ قَصْد الْمُتَكَلِّم لِمَعْنَى مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَظْهَر قَصْد يُخَالِف كَلَامه وَجَبَ حَمْل كَلَامه عَلَى ظَاهِره , وَإِذَا ظَهَرَتْ إِرَادَته بِخِلَافِ ذَلِكَ فَهَلْ يَسْتَمِرّ الْحُكْم عَلَى الظَّاهِر وَلَا عِبْرَة بِخِلَافِ ذَلِكَ أَوْ يُعْمَل بِمَا ظَهَرَ مِنْ إِرَادَته ؟ فَاسْتُدِلَّ لِلْأَوَّلِ بِأَنَّ الْبَيْع لَوْ كَانَ يَفْسُد بِأَنْ يُقَال هَذِهِ الصِّيغَة فِيهَا ذَرِيعَة إِلَى الرِّبَا وَنِيَّة الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِيهَا فَاسِدَة لَكَانَ إِفْسَاد الْبَيْع بِمَا يَتَحَقَّق تَحْرِيمه أَوْلَى أَنْ يَفْسُد بِهِ الْبَيْع مِنْ هَذَا الظَّنّ , كَمَا لَوْ نَوَى رَجُل بِشِرَاءِ سَيْف أَنْ يَقْتُل بِهِ رَجُلًا مُسْلِمًا بِغَيْرِ حَقّ فَإِنَّ الْعَقْد صَحِيح وَإِنْ كَانَتْ نِيَّته فَاسِدَة جَزْمًا , فَلَمْ يَسْتَلْزِم تَحْرِيمُ الْقَتْلِ بُطْلَانَ الْبَيْعِ , وَإِنْ كَانَ الْعَقْد لَا يَفْسُد بِمِثْلِ هَذَا فَلَا يَفْسُد بِالظَّنِّ وَالتَّوَهُّم بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَاسْتُدِلَّ لِلثَّانِي بِأَنَّ النِّيَّة تُؤَثِّر فِي الْفِعْل فَيَصِير بِهَا تَارَة حَرَامًا وَتَارَة حَلَالًا كَمَا يَصِير الْعَقْد بِهَا تَارَة صَحِيحًا وَتَارَة فَاسِدًا , كَالذَّبْحِ مَثَلًا فَإِنَّ الْحَيَوَان يَحِلّ إِذَا ذُبِحَ. لِأَجْلِ الْأَكْل وَيَحْرُم إِذَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّه وَالصُّورَة وَاحِدَة , وَالرَّجُل يَشْتَرِي الْجَارِيَة لِوَكِيلِهِ فَتَحْرُم عَلَيْهِ , وَلِنَفْسِهِ فَتَحِلّ لَهُ وَصُورَة الْعَقْد وَاحِدَة , وَكَذَلِكَ صُورَة الْقَرْض فِي الذِّمَّة وَبَيْع النَّقْد بِمِثْلِهِ إِلَى أَجَلٍ صُورَتُهُمَا وَاحِدَةٌ الْأَوَّل قُرْبَة صَحِيحَة وَالثَّانِي مَعْصِيَة بَاطِلَة , وَفِي الْجُمْلَة فَلَا يَلْزَم مِنْ صِحَّة الْعَقْد فِي الظَّاهِر رَفْع الْحَرَج عَمَّنْ يَتَعَاطَى الْحِيلَة الْبَاطِلَة فِي الْبَاطِن وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَقَدْ نَقَلَ النَّسَفِيّ الْحَنَفِيّ فِي \" الْكَافِي \" عَنْ مُحَمَّد بْن الْحَسَن قَالَ : لَيْسَ مِنْ أَخْلَاق الْمُؤْمِنِينَ الْفِرَار مِنْ أَحْكَام اللَّه بِالْحِيَلِ الْمُوصِلَة إِلَى إِبْطَال الْحَقّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6440",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6441",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6442",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سُهَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَائِرَ الرَّأْسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ فَقَالَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا فَقَالَ أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصِّيَامِ قَالَ شَهْرَ رَمَضَانَ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا قَالَ أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الزَّكَاةِ قَالَ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَالَ وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ بَعِيرٍ حِقَّتَانِ فَإِنْ أَهْلَكَهَا مُتَعَمِّدًا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ احْتَالَ فِيهَا فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه \" أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَائِر الرَّأْس \" الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْإِيمَان أَوَّل الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَعْض النَّاس فِي عِشْرِينَ وَمِائَة بَعِير حِقَّتَانِ فَإِنْ أَهْلَكَهَا مُتَعَمِّدًا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ اِحْتَالَ فِيهَا فِرَارًا مِنْ الزَّكَاة فَلَا شَيْء عَلَيْهِ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ لِلْمَرْءِ قَبْل الْحَوْل التَّصَرُّفَ فِي مَاله بِالْبَيْعِ وَالْهِبَة وَالذَّبْح وَإِذَا لَمْ يَنْوِ الْفِرَار مِنْ الصَّدَقَة وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا حَالَ الْحَوْل أَنَّهُ لَا يَحِلّ التَّحَيُّل بِأَنْ يُفَرِّق بَيْن مُجْتَمِع أَوْ يَجْمَع بَيْن مُتَفَرِّق , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فَقَالَ مَالِك : مَنْ فَوَّتَ مِنْ مَاله شَيْئًا يَنْوِي بِهِ الْفِرَار مِنْ الزَّكَاة قَبْل الْحَوْل بِشَهْرٍ أَوْ نَحْوه لَزِمَتْهُ الزَّكَاة عِنْد الْحَوْل لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" خَشْيَة الصَّدَقَة \" وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة إِنْ نَوَى بِتَفْوِيتِهِ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاة قَبْل الْحَوْل بِيَوْمٍ لَا تَضُرّهُ النِّيَّة لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بِتَمَامِ الْحَوْل وَلَا يُتَوَجَّه إِلَيْهِ مَعْنَى قَوْله \" خَشْيَة الصَّدَقَة \" إِلَّا حِينَئِذٍ , قَالَ : وَقَالَ الْمُهَلَّب قَصَدَ الْبُخَارِيّ أَنَّ كُلّ حِيلَة يَتَحَيَّل بِهَا أَحَدٌ فِي إِسْقَاط الزَّكَاة فَإِنَّ إِثْم ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَنَعَ مِنْ جَمْع الْغَنَم أَوْ تَفْرِقَتهَا خَشْيَة الصَّدَقَة فُهِمَ مِنْهُ هَذَا الْمَعْنَى , وَفُهِمَ مِنْ حَدِيث طَلْحَة فِي قَوْله \" أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ \" أَنَّ مَنْ رَامَ أَنْ يَنْقُص شَيْئًا مِنْ فَرَائِض اللَّه بِحِيلَةٍ يَحْتَالهَا أَنَّهُ لَا يُفْلِح , قَالَ : وَمَا أَجَابَ بِهِ الْفُقَهَاء مِنْ تَصَرُّف ذِي الْمَال فِي مَاله قُرْب حُلُول الْحَوْل ثُمَّ يُرِيد بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاة وَمَنْ نَوَى ذَلِكَ فَالْإِثْم عَنْهُ غَيْر سَاقِط وَهُوَ كَمَنْ فَرَّ عَنْ صِيَام رَمَضَان قَبْل رُؤْيَة الْهِلَال بِيَوْمٍ وَاسْتَعْمَلَ سَفَرًا لَا يَحْتَاج إِلَيْهِ لِيُفْطِر فَالْوَعِيد إِلَيْهِ يُتَوَجَّه , وَقَالَ بَعْض الْحَنَفِيَّة : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ يُنْسَب لِأَبِي يُوسُف وَقَالَ مُحَمَّد : يُكْرَه لِمَا فِيهِ مِنْ الْقَصْد إِلَى إِبْطَال حَقّ الْفُقَرَاء بَعْد وُجُود سَبَبه وَهُوَ النِّصَاب , وَاحْتَجَّ أَبُو يُوسُف بِأَنَّهُ اِمْتِنَاع مِنْ الْوُجُوب لَا إِسْقَاط لِلْوَاجِبِ , وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مِائَتَا دِرْهَم فَلَمَّا كَانَ قَبْل الْحَوْل بِيَوْمٍ تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ مِنْهَا لَمْ يُكْرَه , وَلَوْ نَوَى بِتَصَدُّقِهِ بِالدِّرْهَمِ أَنْ يَتِمّ الْحَوْل وَلَيْسَ فِي مِلْكه نِصَاب فَلَا يَلْزَمهُ الزَّكَاة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مِنْ أَصْل أَبِي يُوسُف أَنَّ الْحُرْمَة تُجَامِع الْفَرْض كَطَوَافِ الْمُحْدِث أَوْ الْعَارِي , فَكَيْف لَا يَكُون الْقَصْد مَكْرُوهًا فِي هَذِهِ الْحَالَة ؟ وَقَوْله اِمْتِنَاع مِنْ الْوُجُوب مُعْتَرَض , فَإِنَّ الْوُجُوب قَدْ تَقَرَّرَ مِنْ أَوَّل الْحَوْل وَلِذَلِكَ جَازَ التَّعْجِيل قَبْل الْحَوْل , وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الِاحْتِيَال لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَة بَعْد وُجُوبهَا مَكْرُوه وَإِنَّمَا الْخِلَاف فِيمَا قَبْل الْوُجُوب , فَقِيَاسه أَنْ يَكُون فِي الزَّكَاة مَكْرُوهًا أَيْضًا وَالْأَشْبَه أَنْ يَكُون أَبُو يُوسُف رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي \" كِتَاب الْخَرَاج \" بَعْد إِيرَاد حَدِيث \" لَا يُفَرَّق بَيْن مُجْتَمِع \" وَلَا يَحِلّ لِرَجُلٍ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر مَنْع الصَّدَقَة وَلَا إِخْرَاجهَا عَنْ مِلْكه لِمِلْكِ غَيْره لِيُفَرِّقهَا بِذَلِكَ فَتَبْطُل الصَّدَقَة عَنْهَا بِأَنْ يَصِير لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا مَا لَا تَجِب فِيهِ الزَّكَاة , وَلَا يُحْتَال فِي إِبْطَال الصَّدَقَة بِوَجْهٍ اِنْتَهَى. وَنَقَلَ أَبُو حَفْص الْكَبِير رَاوِي \" كِتَاب الْحِيَل \" عَنْ مُحَمَّد بْن الْحَسَن أَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ : مَا اِحْتَالَ بِهِ الْمُسْلِم حَتَّى يَتَخَلَّص بِهِ مِنْ الْحَرَام أَوْ يَتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْحَلَال فَلَا بَأْس بِهِ , وَمَا اِحْتَالَ بِهِ حَتَّى يُبْطِل حَقًّا أَوْ يُحِقّ بَاطِلًا أَوْ لِيُدْخِل بِهِ شُبْهَة فِي حَقّ فَهُوَ مَكْرُوه وَالْمَكْرُوه عِنْده إِلَى الْحَرَام أَقْرَبُ. وَذَكَرَ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ نَاظَرَ مُحَمَّدًا فِي اِمْرَأَة كَرِهَتْ زَوْجَهَا وَامْتَنَعَ مِنْ فِرَاقهَا فَمَكَّنَتْ اِبْنَ زَوْجهَا مِنْ نَفْسهَا فَإِنَّهَا تَحْرُم عِنْدهمْ عَلَى زَوْجهَا بِنَاء عَلَى قَوْلهمْ إِنَّ حُرْمَة الْمُصَاهَرَة تَثْبُت بِالزِّنَا , قَالَ فَقُلْت لِمُحَمَّدٍ : الزِّنَا لَا يُحَرِّمُ الْحَلَال لِأَنَّهُ ضِدّه وَلَا يُقَاس شَيْء عَلَى ضِدّه فَقَالَ : يَجْمَعهُمَا الْجِمَاع , فَقُلْت : الْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ الْأَوَّل حُمِدَتْ بِهِ وَحَصَّنَتْ فَرْجهَا وَالْآخَر ذُمَّتْ بِهِ وَوَجَبَ عَلَيْهَا الرَّجْم , وَيَلْزَم أَنَّ الْمُطَلَّقَة ثَلَاثًا إِذَا زَنَتْ حَلَّتْ لِزَوْجِهَا , وَمَنْ كَانَ عِنْده أَرْبَع نِسْوَة فَزَنَى بِخَامِسَةٍ أَنْ تَحْرُم عَلَيْهِ إِحْدَى الْأَرْبَع إِلَى آخِر الْمُنَاظَرَة. وَقَدْ أَشْكَلَ قَوْل الْبُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة \" فَإِنْ أَهْلَكَهَا \" بِأَنَّ الْإِهْلَاك لَيْسَ مِنْ الْحِيَل بَلْ هُوَ مِنْ إِضَاعَة الْمَال , فَإِنَّ الْحِيلَة إِنَّمَا هِيَ لِدَفْعِ ضَرَر أَوْ جَلْب مَنْفَعَة وَلَيْسَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ , وَيَظْهَر لِي أَنَّهُ يُتَصَوَّر بِأَنْ يَذْبَح الْحِقَّتَيْنِ مَثَلًا وَيَنْتَفِع بِلَحْمِهِمَا فَتَسْقُط الزَّكَاة بِالْحِقَّتَيْنِ وَيَنْتَقِل إِلَى مَا دُونهمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6443",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ فَيَطْلُبُهُ وَيَقُولُ أَنَا كَنْزُكَ قَالَ وَاللَّهِ لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا تُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَخْبِطُ وَجْهَهُ بِأَخْفَافِهَا ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي رَجُلٍ لَهُ إِبِلٌ فَخَافَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ فَبَاعَهَا بِإِبِلٍ مِثْلِهَا أَوْ بِغَنَمٍ أَوْ بِبَقَرٍ أَوْ بِدَرَاهِمَ فِرَارًا مِنْ الصَّدَقَةِ بِيَوْمٍ احْتِيَالًا فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ إِنْ زَكَّى إِبِلَهُ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ بِيَوْمٍ أَوْ بِسِتَّةٍ جَازَتْ عَنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج. ‏ ‏قَوْله ( يَكُون كَنْز أَحَدكُمْ يَوْم الْقِيَامَة شُجَاعًا أَقْرَعَ ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالْكَنْزِ الْمَال الَّذِي يُخَبَّأ مِنْ غَيْر أَنْ يُؤَدِّي زَكَاته كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي كِتَاب الزَّكَاة , وَوَقَعَ هُنَاكَ فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاته مُثِّلَ لَهُ يَوْم الْقِيَامَة شُجَاعًا أَقْرَعَ \" فَذَكَرَ نَحْوه , وَبِهِ تَظْهَر مُنَاسَبَة ذِكْره فِي هَذَا الْبَاب. ‏ ‏قَوْله ( أَنَا كَنْز ) ‏ ‏هَذَا زَائِد فِي هَذِهِ الطَّرِيق. ‏ ‏قَوْله ( وَاَللَّه لَنْ يَزَال ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَا \" بَدَل \" لَنْ \". ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى يَبْسُط يَده ) ‏ ‏أَيْ صَاحِب الْمَال. ‏ ‏قَوْله ( فَيُلْقِمهَا فَاهُ ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فَاعِل يُلْقِمهَا الْكَانِز أَوْ الشُّجَاع , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح \" فَيَأْخُذ بِلِهْزِمَتَيْهِ \" أَيْ يَأْخُذ الشُّجَاع يَد الْكَانِز بِشِدْقَيْهِ وَهُمَا اللِّهْزِمَتَانِ كَمَا أَوْضَحْته هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَهُوَ مِنْ نُسْخَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق تَقَدَّمَ هَذَا عَلَى الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا مَا رَبّ النَّعَم ) ‏ ‏مَا زَائِدَةٌ وَالرَّبّ الْمَالِك وَالنَّعَم بِفَتْحَتَيْنِ الْإِبِل وَالْغَنَم وَالْبَقَر , وَقِيلَ الْإِبِل وَالْغَنَم فَقَطْ حَكَاهُ فِي الْمُحْكَم , وَقِيلَ الْإِبِل فَقَطْ , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل قَوْله تَعَالَى ( وَمِنْ الْأَنْعَام حَمُولَة وَفُرُشًا ) , ثُمَّ فَسَّرَهُ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَر وَالْغَنَم , وَيُؤَيِّد الثَّالِثَ اِقْتِصَارُهُ هُنَا عَلَى الْأَخْفَاف فَإِنَّهَا لِلْإِبِلِ خَاصَّة , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" حَقّهَا \" زَكَاتهَا وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة أَتَمَّ مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَعْض النَّاس فِي رَجُل لَهُ إِبِل فَخَافَ أَنْ تَجِب عَلَيْهِ الصَّدَقَة فَبَاعَهَا بِإِبِلٍ مِثْلهَا أَوْ بِغَنَمٍ أَوْ بَقَر أَوْ بِدَرَاهِم فِرَارًا مِنْ الصَّدَقَة بِيَوْمٍ اِحْتِيَالًا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ , وَهُوَ يَقُول إِنْ زَكَّى إِبِله قَبْل أَنْ يَحُول الْحَوْل بِيَوْمٍ أَوْ سَنَة جَازَتْ عَنْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" أَجْزَأَتْ عَنْهُ \" وَيُعْرَف , تَقْرِيرُ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة مِمَّا مَضَى , وَقَدْ تَأَكَّدَ الْمَنْع بِمَسْأَلَةِ التَّعْجِيل قَبْل تَوْجِيه إِلْزَامهمْ التَّنَاقُض أَنَّ مَنْ أَجَازَ التَّقْدِيم لَمْ يُرَاعِ دُخُول الْحَوْل مِنْ كُلّ جِهَة , فَإِذَا كَانَ التَّقْدِيم عَلَى الْحَوْل مُجْزِئًا فَلْيَكُنْ التَّصَرُّف فِيهَا قَبْل الْحَوْل غَيْر مُسْقِط وَأَجَابَ عَنْهُمْ اِبْن بَطَّال بِأَنَّ أَبَا حَنِيفَة لَمْ يَتَنَاقَض فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُوجِب الزَّكَاة إِلَّا بِتَمَامِ الْحَوْل وَيَجْعَل مَنْ قَدَّمَهَا كَمَنْ قَدَّمَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا قَبْل أَنْ يَحُلّ اِنْتَهَى , وَالتَّنَاقُض لَازِم لِأَبِي يُوسُف لِأَنَّهُ يَقُول إِنَّ الْحُرْمَة تُجَامِع الْفَرْض كَطَوَافِ الْعَارِي , وَلَوْ لَمْ يَتَقَرَّر الْوُجُوب لَمْ يَجُزْ التَّعْجِيل قَبْل الْحَوْل. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ بَاعَ إِبِلًا بِمِثْلِهَا فِي أَثْنَاء الْحَوْل : فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ الْبِنَاء عَلَى حَوْلٍ الْأَوْلَى لِاتِّحَادِ الْجِنْس وَالنِّصَاب , وَالْمَأْخُوذ عَنْ الشَّافِعِيّ قَوْلَانِ وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعهَا بِغَيْرِ جِنْسهَا فَقَالَ الْجُمْهُور : يَسْتَأْنِف لِاخْتِلَافِ النِّصَاب , وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاة أَثِمَ , وَلَوْ قُلْنَا يَسْتَأْنِف. وَعَنْ أَحْمَدَ إِذَا مَلَكَهَا سِتَّة أَشْهُرٍ ثُمَّ بَاعَهَا بِنَقْدٍ زَكَّى الدَّرَاهِم عَنْ سِتَّة أَشْهُر مِنْ يَوْم الْبَيْع. وَنَقَلَ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن عَنْ اِبْن التِّين أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْبُخَارِيّ إِنَّمَا أَتَى بِقَوْلِهِ \" مَانِع الزَّكَاة \" لِيَدُلّ عَلَى أَنَّ الْفِرَار مِنْ الزَّكَاة لَا يَحِلّ فَهُوَ مُطَالَب بِذَلِكَ فِي الْآخِرَة , قَالَ شَيْخنَا : وَهَذَا لَمْ نَرَهُ فِي الْبُخَارِيّ. قُلْت : بَلْ هُوَ فِيهِ بِالْمَعْنَى فِي قَوْله \" إِذَا مَا رَبّ النَّعَم لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا \" فَهَذَا هُوَ مَانِع الزَّكَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "6444",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏قَالَ اسْتَفْتَى ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْضِهِ عَنْهَا ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِذَا بَلَغَتْ الْإِبِلُ عِشْرِينَ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ فَإِنْ وَهَبَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ بَاعَهَا فِرَارًا وَاحْتِيَالًا لِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إِنْ أَتْلَفَهَا فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ فِي مَالِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ \" اِسْتَفْتَى سَعْدُ بْن عُبَادَةَ إِلَخْ \" تَقَدَّمَ شَرْحه قَرِيبًا فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَقَالَ الْمُهَلَّب : فِيهِ حُجَّة عَلَى أَنَّ الزَّكَاة لَا تَسْقُط بِالْحِيلَةِ وَلَا بِالْمَوْتِ , لِأَنَّ النَّذْر لَمَّا لَمْ يَسْقُط بِالْمَوْتِ - وَالزَّكَاة أَوْكَدُ مِنْهُ - كَانَتْ لَازِمَة لَا تَسْقُط بِالْمَوْتِ أَوْلَى , لِأَنَّهُ لَمَّا أَلْزَمَ الْوَلِيّ بِقَضَاءِ النَّذْر عَنْ أُمّه كَانَ قَضَاء الزَّكَاة الَّتِي فَرَضَهَا اللَّه أَشَدَّ لُزُومًا. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَعْض النَّاس : إِذَا بَلَغَتْ الْإِبِل عِشْرِينَ فَفِيهَا أَرْبَع شِيَاه , فَإِنْ وَهَبَهَا قَبْل الْحَوْل أَوْ بَاعَهَا فِرَارًا أَوْ اِحْتِيَالًا لِإِسْقَاطِ الزَّكَاة فَلَا شَيْء عَلَيْهِ , وَكَذَلِكَ إِنْ أَتْلَفَهَا فَمَاتَ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ فِي مَاله ) ‏ ‏تَقَدَّمَتْ الْمُنَازَعَة فِي صُورَة الْإِتْلَاف قَرِيبًا , وَأَجَابَ بَعْض الْحَنَفِيَّة بِأَنَّ الْمَال إِنَّمَا تَجِب فِيهِ الزَّكَاة مَا دَامَ وَاجِبًا فِي الذِّمَّة أَوْ مَا يَتَعَلَّق بِهِ مِنْ الْحُقُوق , وَهَذَا الَّذِي مَاتَ لَمْ يَبْقَ فِي ذِمَّته شَيْء يَجِب عَلَى وَرَثَته وَفَاؤُهُ , وَالْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي حِلّ الْحِيلَة لَا فِي لُزُوم الزَّكَاة إِذَا فَرَّ. قُلْت : وَحَرْف الْمَسْأَلَة أَنَّهُ إِذَا قَصَدَ بِبَيْعِهَا الْفِرَار مِنْ الزَّكَاة أَوْ بِهِبَتِهَا الْحِيلَة عَلَى إِسْقَاط الزَّكَاة وَمَنْ قَصْده أَنْ يَسْتَرْجِعهَا بَعْدُ كَمَا تَقَدَّمَ فَهُوَ آثِم بِهَذَا الْقَصْد لَكِنْ هَلْ يُؤَثِّر هَذَا الْقَصْد فِي إِبْقَاء الزَّكَاة فِي ذِمَّته أَوْ يُعْمَل بِهِ مَعَ الْإِثْم ؟ هَذَا مَحَزّ الْخِلَاف , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : ذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب ثَلَاثَة فُرُوع يَجْمَعهَا حُكْم وَاحِد وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا زَالَ مِلْكه عَمَّا تَجِب فِيهِ الزَّكَاة قَبْل الْحَوْل سَقَطَتْ الزَّكَاة سَوَاء كَانَ لِقَصْدِ الْفِرَار مِنْ الزَّكَاة أَمْ لَا , ثُمَّ أَرَادَ بِتَفْرِيعِهَا عَقِب كُلّ حَدِيث التَّشْنِيع بِأَنَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ خَالَفَ ثَلَاثَة أَحَادِيث صَحِيحَة اِنْتَهَى , وَمِنْ الْحِيَل فِي إِسْقَاط الزَّكَاة أَنْ يَنْوِي بِعُرُوضِ التِّجَارَة الْقُنْيَةَ قَبْل الْحَوْل فَإِذَا دَخَلَ الْحَوْل الْآخَر اِسْتَأْنَفَ التِّجَارَة حَتَّى إِذَا قَرُبَ الْحَوْل أَبْطَلَ التِّجَارَة وَنَوَى الْقُنْيَةَ وَهَذَا يَأْثَم جَزْمًا , وَاَلَّذِي يَقْوَى أَنَّهُ لَا تَسْقُط الزَّكَاة عَنْهُ , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6445",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ الشِّغَارِ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِنَافِعٍ ‏ ‏مَا الشِّغَارُ قَالَ ‏ ‏يَنْكِحُ ابْنَةَ الرَّجُلِ وَيُنْكِحُهُ ابْنَتَهُ بِغَيْرِ ‏ ‏صَدَاقٍ ‏ ‏وَيَنْكِحُ أُخْتَ الرَّجُلِ وَيُنْكِحُهُ أُخْتَهُ بِغَيْرِ ‏ ‏صَدَاقٍ ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنْ احْتَالَ حَتَّى تَزَوَّجَ عَلَى الشِّغَارِ فَهُوَ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَقَالَ فِي الْمُتْعَةِ النِّكَاحُ فَاسِدٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمُتْعَةُ وَالشِّغَارُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَعْض النَّاس : إِنْ اِحْتَالَ حَتَّى تَزَوَّجَ عَلَى الشِّغَار فَهُوَ جَائِز وَالشَّرْط بَاطِل ) ‏ ‏وَقَالَ فِي الْمُتْعَة : النِّكَاح فَاسِد وَالشَّرْط بَاطِل. قُلْت : وَهَذَا بِنَاء عَلَى قَاعِدَة الْحَنَفِيَّة أَنَّ مَا لَمْ يُشْرَع بِأَصْلِهِ بَاطِلٌ , وَمَا شُرِعَ بِأَصْلِهِ دُون وَصْفِهِ فَاسِد , فَالنِّكَاح مَشْرُوع بِأَصْلِهِ وَجَعْلُ الْبُضْعِ صَدَاقًا وَصْفٌ فِيهِ فَيَفْسُد الصَّدَاق وَيَصِحّ النِّكَاح , بِخِلَافِ الْمُتْعَة فَإِنَّهَا لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهَا مَنْسُوخَة صَارَتْ غَيْر مَشْرُوعَة بِأَصْلِهَا. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَعْضهمْ : الْمُتْعَة وَالشِّغَار جَائِزَانِ وَالشَّرْط بَاطِل ) ‏ ‏أَيْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى مَا نُقِلَ عَنْ زُفَرَ أَنَّهُ أَجَازَ النِّكَاح الْمُؤَقَّت وَأَلْغَى الْوَقْت لِأَنَّهُ فَاسِد وَالنِّكَاح لَا يَبْطُل بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَة , وَرَدُّوا عَلَيْهِ بِالْفَرْقِ الْمَذْكُور , قَالَ اِبْن بَطَّال لَا يَكُون الْبُضْعُ صَدَاقًا عِنْد أَحَد مِنْ الْعُلَمَاء وَإِنَّمَا قَالُوا يَنْعَقِد النِّكَاح بِمَهْرِ الْمِثْل إِذَا اِجْتَمَعَتْ شُرُوطه وَالصَّدَاق لَيْسَ بِرُكْنٍ فِيهِ , فَهُوَ كَمَا لَوْ عُقِدَ بِغَيْرِ صَدَاق ثُمَّ ذُكِرَ الصَّدَاق فَصَارَ ذِكْر الْبُضْعِ كَلَا ذِكْرٍ اِنْتَهَى. وَهَذَا مُحَصَّل مَا قَالَهُ أَبُو زَيْد وَغَيْره مِنْ أَئِمَّة الْحَنَفِيَّة , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن السَّمْعَانِيّ فَقَالَ : لَيْسَ الشِّغَار إِلَّا النِّكَاح الَّذِي اِخْتَلَفْنَا فِيهِ وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْي عَنْهُ وَالنَّهْي يَقْتَضِي فَسَاد الْمَنْهِيّ عَنْهُ لِأَنَّ الْعَقْد الشَّرْعِيّ إِنَّمَا يَجُوز بِالشَّرْعِ وَإِذَا كَانَ مَنْهِيًّا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا , وَمِنْ جِهَة الْمَعْنَى أَنَّهُ يَمْنَع تَمَامَ الْإِيجَابِ فِي الْبُضْع لِلزَّوْجِ وَالنِّكَاح لَا يَنْعَقِد إِلَّا بِإِيجَابٍ كَامِل , وَوَجْه قَوْلنَا يَمْنَع أَنَّ الَّذِي أَوْجَبَهُ لِلزَّوْجِ نِكَاحًا هُوَ الَّذِي أَوْجَبَهُ لِلْمَرْأَةِ صَدَاقًا , وَإِذَا لَمْ يَحْصُل كَمَالُ الْإِيجَاب لَا يَصِحُّ فَإِنَّهُ جَعَلَ عَيْن مَا أَوْجَبَهُ لِلزَّوْجِ صَدَاقًا لِلْمَرْأَةِ فَهُوَ كَمَنْ جَعَلَ الشَّيْء لِشَخْصٍ فِي عَقْد ثُمَّ جَعَلَ عَيْنه لِشَخْصٍ آخَر فَإِنَّهُ لَا يَكْمُل الْجَعْل الْأَوَّل , قَالَ : وَلَا يُعَارِض هَذَا مَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ آخَرَ فَإِنَّ الزَّوْج يَمْلِك التَّمَتُّع بِالْفَرْجِ وَالسَّيِّدَ يَمْلِكُ رَقَبَةَ الْفَرْجِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ وُطِئَتْ بَعْدُ بِشُبْهَةٍ يَكُون الْمَهْر لِلسَّيِّدِ , وَالْفَرْق أَنَّ الَّذِي جَعَلَهُ السَّيِّدُ لِلزَّوْجِ لَمْ يُبْقِهِ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ مَلَّكَ التَّمَتُّع بِالْأَمَةِ لِلزَّوْجِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ بَاقٍ لَهُ , وَفِي مَسْأَلَة الشِّغَار جَعَلَ مِلْك التَّمَتُّع الَّذِي جَعَلَهُ لِلزَّوْجِ بِعَيْنِهِ صَدَاقًا لِلْمَرْأَةِ الْأُخْرَى وَرَقَبَةُ الْبُضْعِ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ مِلْك الْيَمِين حَتَّى يَصِحّ جَعْلُهُ صَدَاقًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6446",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِمَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قِيلَ لَهُ إِنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏لَا يَرَى بِمُتْعَةِ النِّسَاءِ بَأْسًا فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْهَا يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنْ احْتَالَ حَتَّى تَمَتَّعَ فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُهُمْ النِّكَاحُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان , وَعُبَيْد اللَّه بْن عُمَر هُوَ الْعُمَرِيُّ , وَمُحَمَّد بْن عَلِيّ هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ الْحَنَفِيَّة , وَعَلِيّ هُوَ اِبْن أَبِي طَالِب. ‏ ‏قَوْله ( قِيلَ لَهُ إِنَّ اِبْن عَبَّاس لَا يَرَى بِمُتْعَةِ النِّسَاء بَأْسًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الْقَائِل , وَزَادَ عَمْرو بْن عَلِيّ الْفَلَّاس فِي رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان \" فَقَالَ لَهُ إِنَّك تَايِهٌ \" بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّة وَيَاء آخِر الْحُرُوف بِوَزْنِ فَاعِل مِنْ التِّيه وَهُوَ الْحِيرَة , وَإِنَّمَا وَصَفَهُ بِذَلِكَ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ تَمَسَّكَ بِالْمَنْسُوخِ وَغَفَلَ عَنْ النَّاسِخ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان مَذْهَب اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب النِّكَاح مُسْتَوْفًى. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَعْض النَّاس : إِنْ اِحْتَالَ حَتَّى تَمَتَّعَ فَالنِّكَاح فَاسِد ) ‏ ‏أَيْ إِنْ عَقَدَ عَقْد نِكَاح مُتْعَة , وَالْفَسَاد لَا يَسْتَلْزِم الْبُطْلَان لِإِمْكَانِ إِصْلَاحه بِإِلْغَاءِ الشَّرْط فَيُتَحَيَّل فِي تَصْحِيحه بِذَلِكَ , كَمَا قَالَ فِي رِبَا الْفَضْل إِنْ حُذِفَتْ مِنْهُ الزِّيَادَة صَحَّ الْبَيْع. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَعْضهمْ إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَوْل زُفَرَ , وَقِيلَ إِنَّهُ لَمْ يُجِزْ إِلَّا النِّكَاح الْمُؤَقَّت وَأَلْغَى الشَّرْط. وَأُجِيبَ بِأَنَّ نَسْخ الْمُتْعَة ثَابِت وَالنِّكَاح الْمُؤَقَّت فِي مَعْنَى الْمُتْعَة , وَالِاعْتِبَار عِنْدهمْ فِي الْعُقُود بِالْمَعَانِي. ‏"
    },
    {
        "id": "6447",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ فَضْلُ الْكَلَإِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَا يُمْنَع إِلَخْ \" وَإِسْمَاعِيل شَيْخه فِيهِ هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الشُّرْب. ‏"
    },
    {
        "id": "6448",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ النَّجْشِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6449",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ ‏ ‏إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر \" إِذَا بَايَعْت فَقُلْ لَا خِلَابَة \" بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف اللَّام ثُمَّ مُوَحَّدَة , تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْبُيُوع. قَالَ الْمُلَهَّب : مَعْنَى قَوْله لَا خِلَابَة لَا تَخْلِبُونِي أَيْ لَا تَخْدَعُونِي فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلّ. قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ وَارِد مَوْرِد الشَّرْط أَيْ إِنْ ظَهَرَ فِي الْعَقْد خِدَاع فَهُوَ غَيْر صَحِيح , كَأَنَّهُ قَالَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُون فِيهِ خَدِيعَة أَوْ قَالَ لَا تَلْزَمنِي خَدِيعَتك : قَالَ الْمُلَهَّب : وَلَا يَدْخُل فِي الْخِدَاع الْمُحَرَّمِ الثَّنَاء عَلَى السِّلْعَة وَالْإِطْنَاب فِي مَدْحهَا فَإِنَّهُ مُتَجَاوَز عَنْهُ وَلَا يَنْتَقِض بِهِ الْبَيْع. وَقَالَ اِبْن الْقَيِّم فِي الْإِعْلَام : أَحْدَثَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ حِيَلًا لَمْ يَصِحّ الْقَوْل بِهَا عَنْ أَحَد مِنْ الْأَئِمَّة , وَمَنْ عَرَفَ سِيرَة الشَّافِعِيّ وَفَضْله عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَأْمُر بِفِعْلِ الْحِيَل الَّتِي تُبْنَى عَلَيْهَا لِخِدَاعٍ وَإِنْ كَانَ يَجْرِي الْعُقُود عَلَى ظَاهِرهَا , وَلَا يَنْظُر إِلَى قَصْد الْعَاقِد إِذَا خَالَفَ لَفْظه , فَحَاشَاهُ أَنْ يُبِيح لِلنَّاسِ الْمَكْر وَالْخَدِيعَة , فَإِنَّ الْفَرْق بَيْن إِجْرَاء الْعَقْد عَلَى ظَاهِره فَلَا يُعْتَبَر الْقَصْد فِي الْعَقْد وَبَيْن تَجْوِيز عَقْد قَدْ عُلِمَ بِنَاؤُهُ عَلَى الْمَكْر مَعَ الْعِلْم بِأَنَّ بَاطِنه بِخِلَافِ ظَاهِره , وَمَنْ نَسَبَ حِلَّ الثَّانِي إِلَى الشَّافِعِيّ فَهُوَ خَصْمه عِنْد اللَّه فَإِنَّ الَّذِي جَوَّزَهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَاكِم يُجْرِي الْحُكْم عَلَى ظَاهِره فِي عَدَالَة الشُّهُود فَيَحْكُم بِظَاهِرِ عَدَالَتهمْ وَإِنْ كَانُوا فِي الْبَاطِن شُهُود زُور , وَكَذَا فِي مَسْأَلَة الْعِينَة إِنَّمَا جَوَّزَ أَنْ يَبِيع السِّلْعَة مِمَّنْ يَشْتَرِيهَا جَرْيًا مِنْهُ عَلَى أَنَّ ظَاهِر عُقُود الْمُسْلِمِينَ سَلَامَتهَا مِنْ الْمَكْر وَالْخَدِيعَة , وَلَمْ يُجَوِّز قَطُّ أَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَتَوَاطَآنِ عَلَى أَلْف بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ ثُمَّ يُحْضِرَانِ سِلْعَة تُحَلِّل الرِّبَا وَلَا سِيَّمَا إِنْ لَمْ يَقْصِد الْبَائِع بَيْعهَا وَلَا الْمُشْتَرِي شِرَاءَهَا , وَيَتَأَكَّد ذَلِكَ إِذَا كَانَتْ لَيْسَتْ مِلْكًا لِلْبَائِعِ كَأَنْ يَكُون عِنْده سِلْعَة لِغَيْرِهِ فَيُوقِع الْعَقْد وَيَدَّعِي أَنَّهَا مِلْكه وَيُصَدِّقهُ الْمُشْتَرِي فَيُوقِعَانِ الْعَقْد عَلَى الْأَكْثَر ثُمَّ يَسْتَعِيدهَا الْبَائِع بِالْأَقَلِّ وَيَتَرَتَّب الْأَكْثَر فِي ذِمَّة الْمُشْتَرِي فِي الظَّاهِر , وَلَوْ عَلِمَ الَّذِي جَوَّزَ ذَلِكَ بِذَلِكَ لَبَادَرَ إِلَى إِنْكَاره لِأَنَّ لَازِم الْمَذْهَب لَيْسَ بِمَذْهَبٍ , فَقَدْ يَذْكُر الْعَالِم الشَّيْء وَلَا يَسْتَحْضِر لَازِمَهُ حَتَّى إِذَا عَرَفَهُ أَنْكَرَهُ , وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ جِدًّا وَهَذَا مُلَخَّصه وَالتَّحْقِيق أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ الْإِثْم فِي الْعَقْد بُطْلَانه فِي ظَاهِر الْحُكْم , فَالشَّافِعِيَّة يُجَوِّزُونَ الْعُقُود عَلَى ظَاهِرهَا يَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ إِنَّ مَنْ عَمِلَ الْحِيَل بِالْمَكْرِ وَالْخَدِيعَة يَأْثَم فِي الْبَاطِن , وَبِهَذَا يَحْصُل الِانْفِصَال عَنْ إِشْكَاله وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6450",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَأَلَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ { ‏وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ ‏} ‏قَالَتْ ‏ ‏هِيَ الْيَتِيمَةُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا فَيَرْغَبُ فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا فَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَدْنَى مِنْ سُنَّةِ نِسَائِهَا فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ ثُمَّ اسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ‏} ‏فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6451",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَلِكُلِّ غَادِر لِوَاء ) ‏ ‏أَيْ وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لِكُلِّ غَادِر لِوَاء إِلَخْ \" وَقَدْ وَصَلَهُ فِي الْبَاب عَنْ اِبْن عُمَر , وَسُفْيَان فِي سَنَده هُوَ الثَّوْرِيّ , وَمَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْجِهَاد , وَالِاحْتِجَاج بِهِ ظَاهِر لِأَنَّ دَعْوَى الْغَاصِب أَنَّهَا مَاتَتْ خِيَانَة وَغَدْر فِي حَقّ أَخِيهِ الْمُسْلِم , قَالَ اِبْن بَطَّال : خَالَفَ أَبَا حَنِيفَة الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ فَاحْتَجَّ هُوَ بِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِع الشَّيْء وَبَدَلُهُ فِي مِلْك شَخْص وَاحِد , وَاحْتُجَّ لِلْجُمْهُورِ بِأَنَّهُ لَا يَحِلّ مَال الْمُسْلِم إِلَّا عَنْ طِيب نَفْسه , وَلِأَنَّ الْقِيمَة إِنَّمَا وَجَبَتْ بِنَاء عَلَى صِدْق دَعْوَى الْغَاصِب أَنَّ الْجَارِيَة مَاتَتْ فَلَمَّا تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَمُتْ فَهِيَ بَاقِيَة عَلَى مِلْك الْمَغْصُوبَة مِنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ بَيْنهمَا عَقْد صَحِيح فَوَجَبَ أَنْ تُرَدّ إِلَى صَاحِبهَا , قَالَ : وَفَرَّقُوا بَيْن الثَّمَن وَالْقِيمَة بِأَنَّ الثَّمَن فِي مُقَابَلَة الشَّيْء الْقَائِم وَالْقِيمَة فِي الشَّيْء الْمُسْتَهْلَك وَكَذَا فِي الْبَيْع الْفَاسِد , وَالْفَرْق بَيْن الْغَصْب وَالْبَيْع الْفَاسِد أَنَّ الْبَائِع رَضِيَ بِأَخْذِ الثَّمَن عِوَضًا عَنْ سِلْعَته وَأَذِنَ لِلْمُشْتَرِي بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا , فَإِصْلَاح هَذَا الْبَيْع أَنْ يَأْخُذ قِيمَة السِّلْعَة إِنْ فَاتَتْ , وَالْغَاصِب لَمْ يَأْذَن لَهُ الْمَالِك فَلَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكهُ الْغَاصِب إِلَّا إِنْ رَضِيَ الْمَغْصُوب مِنْهُ بِقِيمَتِهِ. قُلْت وَمَحَلّ الصُّورَة الْمَذْكُورَة أَوَّلًا عِنْد الْحَنَفِيَّة أَنْ يَدَّعِي الْمُسْتَحِقّ عَلَى الْغَاصِب بِالْجَارِيَةِ فَيُجِيب بِأَنَّهَا مَاتَتْ فَيُصَدِّقهُ أَوْ يُكَذِّبهُ فَيُقِيم الْغَاصِب الْبَيِّنَة أَوْ يَسْتَحْلِفهُ فَيَنْكُل عَنْ الْيَمِين فَيَكُون الْمُسْتَحَقُّ حِينَئِذٍ عَلَى الْغَاصِب الْقِيمَة لِرِضَا الْمُدَّعِي بِالْمُبَادَلَةِ بِهَذَا الْقَدْر حَيْثُ اِدَّعَاهُ , أَمَّا لَوْ أَخَذَ الْقِيمَة بِقَوْلِ الْغَاصِب مَعَ حَلِفِهِ أَنَّهَا مَاتَتْ فَالْمُدَّعِي حِينَئِذٍ بِالْخِيَارِ إِذَا ظَهَرَ كَذِب الْغَاصِب إِنْ شَاءَ أَمْضَى الضَّمَان وَإِنْ شَاءَ اِسْتَعَادَ الْجَارِيَة وَرَدَّ الْعِوَض , وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْمَالِك مَلَكَ بَدَل الْمَغْصُوب رَقَبَة وَبَدَنًا فَزَالَ مِلْكه عَنْ الْمُبْدَل لِكَوْنِهِ قَابِلًا لِلنَّقْلِ فَلَمْ يَقَع الْحُكْم لِلتَّعَدِّي مَحْضًا بَلْ لِلضَّمَانِ الْمَشْرُوط وَلَوْ نَشَأَ مِنْهُ فَوَات الْجَارِيَة عَلَى صَاحِبهَا بِالْحِيلَةِ وَلَوْ تَرَتَّبَ الْإِثْم عَلَى الْغَاصِب بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي صِحَّة الْعَقْد وَاَللَّه أَعْلَمُ وَقَالَ اِبْن الْمُنِير مَا مُلَخَّصه : أَلْزَمَ بَعْض الْحَنَفِيَّة مَالِكًا بِأَنَّهُ يَقُول فِي الْآبِق إِذَا أَخَذَ الْمَالِكُ قِيمَتَهُ مِمَّنْ وَجَدَهُ فَغَصَبَهُ أَنَّ الْغَاصِب يَمْلِكهُ , فَلَوْ مَوَّهَ الْغَاصِب بِأَنَّهُ مُسْتَمِرّ الْإِبَاق أَوْ أَوْهَمَ مَوْته ثُمَّ ظَهَرَ خِلَاف ذَلِكَ فَلِلْمَالِكِ أَخْذه , وَالْحَدِيث يَتَنَاوَل التَّمْوِيه وَغَيْره يَقْتَضِي أَنْ يَعُود الْعَبْد لِلْمَالِكِ , وَالْقِيمَة إِنْ كَانَتْ ثَمَنًا لَمْ يَعُدْ الْعَبْد مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ثَمَنًا عَادَ الْعَبْد مُطْلَقًا , وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْله \" أَمْوَالكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَام \" إِذَا لَمْ يَقَع التَّرَاضِي وَمَعَ وُجُود التَّمْوِيه لَمْ يَحْصُل الرِّضَا بِالْعِوَضِ بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَمْوِيه فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى الرِّضَا بِالْعِوَضِ وَتُقَدَّر الْقِيمَة ثَمَنًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6452",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": "قَوْله ( بَاب ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِغَيْرِ تَرْجَمَة \" وَحَذَفَهُ اِبْن بَطَّال وَالنَّسَفِيّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ , وَأَضَافَ اِبْن بَطَّال حَدِيث أُمّ سَلَمَة لِلْبَابِ الَّذِي قَبْله , وَتَعَلُّقُهُ بِهِ ظَاهِرٌ جِدًّا لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ حُكْم الْحَاكِم لَا يُحِلُّ مَا حَرَّمَهُ اللَّه وَرَسُوله وَلِنَهْيِهِ عَنْ أَخْذه إِذَا كَانَ يَعْلَم أَنَّهُ فِي نَفْس الْأَمْر لِغَرِيمِهِ , وَعَلَى الْأَوَّل هُوَ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَاب الَّذِي قَبْله وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ لِأَنَّهُ يَشْمَل الْحُكْم الْمَذْكُور وَغَيْره , وَسَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏وَقَوْله \" سُفْيَان \" ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ , ‏ ‏وَقَوْله \" عَنْ هِشَام \" ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" حَدَّثَنَا سُفْيَان حَدَّثَنَا هِشَام \" وَقَوْله عَنْ عُرْوَة وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ \" عَنْ أَبِيهِ \" وَقَوْله عَنْ زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة عَنْ أُمّ سَلَمَة هِيَ أُمّهَا , وَوَقَعَ فِي شَرْح اِبْن بَطَّال حَدِيث زَيْنَب فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدهَا عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ مِنْ الِاقْتِصَار عَلَى صَحَابِيّ الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْل ( إِنَّمَا أَنَا بَشَر ) ‏ ‏أَيْ كَوَاحِدٍ مِنْ الْبَشَر فِي عَدَم عِلْم الْغَيْب , وَقَوْله \" وَلَعَلَّ \" هِيَ هُنَا بِمَعْنَى عَسَى , وَقَوْله \" أَلْحَنَ \" تَقَدَّمَ فِي الْمَظَالِم بِلَفْظِ \" أَبْلَغَ \" وَهُوَ بِمَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مِنْ لَحِنَ بِمَعْنَى فَطِنَ وَزْنه وَمَعْنَاهُ , وَالْمُرَاد أَنَّهُ إِذَا كَانَ أَفْطَنَ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَكُون أَبْلَغَ فِي حُجَّته مِنْ الْآخَر. وَقَوْله \" عَلَى نَحْو مَا أَسْمَعُ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مَا أَسْمَعُ \" وَهِيَ مَوْصُولَة. وَقَوْله \" مِنْ أَخِيهِ \" أَيْ مِنْ حَقّ أَخِيهِ , وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي الطَّرِيق الْآتِي فِي الْأَحْكَام , وَقَوْله \" فَلَا يَأْخُذ \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمَفْعُول وَ لِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَلَا يَأْخُذهُ \" وَقَوْله \" فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَة مِنْ النَّار \" أَيْ إِنْ أَخَذَهَا مَعَ عِلْمه بِأَنَّهَا حَرَام عَلَيْهِ دَخَلَ النَّار. ‏"
    },
    {
        "id": "6453",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ وَلَا الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ إِذْنُهَا قَالَ إِذَا سَكَتَتْ ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنْ لَمْ تُسْتَأْذَنْ الْبِكْرُ وَلَمْ تَزَوَّجْ فَاحْتَالَ رَجُلٌ فَأَقَامَ شَاهِدَيْ زُورٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا فَأَثْبَتَ الْقَاضِي نِكَاحَهَا وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّهَادَةَ بَاطِلَةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطَأَهَا وَهُوَ تَزْوِيجٌ صَحِيحٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ. ‏ ‏قَوْله ( لَا تُنْكَح الْبِكْر ) ‏ ‏أَيْ لَا تَزَوَّجُ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَعْض النَّاس : إِذَا لَمْ تُسْتَأْذَن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ إِنْ بَدَل إِذَا. ‏ ‏قَوْله ( فَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ زُورًا ) ‏ ‏أَيْ شَهِدَا زُورًا أَوْ زُورًا مُتَعَلِّق بِأَقَامَ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَثْبَتَ الْقَاضِي نِكَاحهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" نِكَاحه أَيْ بِشَهَادَتِهِمَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَا بَأْس أَنْ يَطَأَهَا ) ‏ ‏أَيْ لَا يَأْثَم بِذَلِكَ مَعَ عِلْمه بِأَنَّ شَاهِدَيْهِ كَذَبَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6454",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً مِنْ وَلَدِ ‏ ‏جَعْفَرٍ ‏ ‏تَخَوَّفَتْ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَلِيُّهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَأَرْسَلَتْ إِلَى شَيْخَيْنِ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَمُجَمِّعٍ ‏ ‏ابْنَيْ جَارِيَةَ ‏ ‏قَالَا فَلَا تَخْشَيْنَ فَإِنَّ ‏ ‏خَنْسَاءَ بِنْتَ خِذَامٍ ‏ ‏أَنْكَحَهَا أَبُوهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَرَدَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَلِكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَأَمَّا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏خَنْسَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ , وَسُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَيَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْقَاسِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن فُضَيْلِ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد \" حَدَّثَنَا الْقَاسِم \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" وَالْقَاسِم هُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ اِمْرَأَة مِنْ وَلَد جَعْفَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان ( أَنَّ اِمْرَأَة مِنْ آل جَعْفَر ) أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا وَلَا عَلَى الْمُرَاد بِجَعْفَرٍ وَيَغْلِب عَلَى الظَّنّ أَنَّهُ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب , وَتَجَاسَرَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : الْمُرَاد بِهِ جَعْفَر الصَّادِق بْن مُحَمَّد الْبَاقِر وَكَانَ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد جَدّ جَعْفَر الصَّادِق لِأُمِّهِ اِنْتَهَى , وَخَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ الْقِصَّة الْمَذْكُورَة وَقَعَتْ وَجَعْفَر الصَّادِق صَغِير لِأَنَّ مَوْلِده سَنَة ثَمَانِينَ وَكَانَتْ وَفَاة عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن جَارِيَة فِي سَنَة ثَلَاث وَتِسْعِينَ مِنْ الْهِجْرَة , وَقَدْ وَقَعَ فِي تَفْسِير الْحَدِيث أَنَّهُ أَخْبَرَ الْمَرْأَة بِحَدِيثِ خَنْسَاء بِنْت خِدَام فَكَيْف تَكُون الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فِي مِثْل تِلْكَ الْحَالَة وَأَبُوهَا اِبْن ثَلَاث عَشْرَةَ سَنَة أَوْ دُونهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَأَرْسَلَتْ إِلَى شَيْخَيْنِ مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏زَادَ اِبْن أَبِي عُمَر \" تُخْبِرهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَمْرِي شَيْء \". ‏ ‏قَوْله ( اِبْنَيْ جَارِيَة ) ‏ ‏كَذَا نَسَبَهُمَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِلَى جَدِّهِمَا , وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاح عَنْ عَبْد الرَّحْمَن وَمُجَمِّع اِبْنَيْ يَزِيد بْن جَارِيَة وَهُوَ بِجِيمٍ وَرَاء , وَوَقَعَ هُنَا لِبَعْضِهِمْ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَمُثَلَّثَة وَهُوَ تَصْحِيف. ‏ ‏قَوْله ( قَالَا فَلَا تَخْشَيْنَ ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ عَلَى أَنَّهُ خِطَاب لِلْمَرْأَةِ وَمَنْ مَعَهَا , وَظَنَّ ابْن التِّين أَنَّهُ خِطَاب لِلْمَرْأَةِ وَحْدهَا فَقَالَ : الصَّوَاب فَلَا تَخْشِيِنَّ بِكَسْرِ الْيَاء وَتَشْدِيد النُّون , قَالَ وَلَوْ كَانَ بِلَا تَأْكِيد لَحُذِفَتْ النُّون. قُلْت : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر \" فَأَرْسَلَا إِلَيْهَا أَنْ لَا تَخَافِي \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا خَاطَبَا مَنْ كَانَتْ أَرْسَلَتْهُ إِلَيْهِمَا أَوْ مَنْ أُرْسِلَا وَعَلَى الْحَالَيْنِ فَكَانَ مَنْ أُرْسِلَا فِي ذَلِكَ جَمَاعَة نِسْوَة. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّ خَنْسَاء بِنْت خِدَام ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَدَال مُهْمَلَة خَفِيفَة تَقَدَّمَ فِي كِتَاب النِّكَاح بَيَان نَسَبهَا وَحَالهَا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ سُفْيَان فَأَمَّا عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن الْقَاسِم مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله ( فَسَمِعْته يَقُول عَنْ أَبِيهِ إِنَّ خَنْسَاء ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُ أَرْسَلَهُ فَلَمْ يَذْكُر فِيهِ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد وَلَا أَخَاهُ. قُلْت : وَأَخْرَجَهُ ابْن أَبِي عُمَر فِي مُسْنَدِهِ وَمِنْ طَرِيقه الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ \" عَنْ سُفْيَان عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد وَعَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم أَنَّ خَنْسَاء \" فَذَكَرَهُ وَقَصَّرَ فِي سَنَده , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي النِّكَاح مِنْ رِوَايَة مَالِك عَنْ يَحْيَى مَوْصُولًا وَبَيَان مَنْ أَرْسَلَهُ وَالِاخْتِلَاف فِيهِ وَشَرْحُ الْحَدِيث مُسْتَوْفًى وَرِوَايَة مَنْ قَالَ فِيهِ إِنَّهَا كَانَتْ بِكْرًا وَبَيَان الصَّوَاب مِنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6455",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا كَيْفَ إِذْنُهَا قَالَ أَنْ تَسْكُتَ ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنْ احْتَالَ إِنْسَانٌ بِشَاهِدَيْ زُورٍ عَلَى تَزْوِيجِ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ بِأَمْرِهَا فَأَثْبَتَ الْقَاضِي نِكَاحَهَا إِيَّاهُ وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا قَطُّ فَإِنَّهُ يَسَعُهُ هَذَا النِّكَاحُ وَلَا بَأْسَ بِالْمُقَامِ لَهُ مَعَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَعْض النَّاس : إِنْ اِحْتَالَ إِنْسَان بِشَاهِدَيْ زُور عَلَى تَزْوِيج اِمْرَأَة ثَيِّب بِأَمْرِهَا إِلَخْ ) ‏ ‏قَالَ الْمُهَلَّب : اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى وُجُوب اِسْتِئْذَان الثَّيِّب وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى ( فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجهنَّ إِذَا تَرَاضَوْا ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النِّكَاح يَتَوَقَّف عَلَى الرِّضَا مِنْ الزَّوْجَيْنِ , وَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاسْتِئْذَانِ الثَّيِّب وَرَدَّ نِكَاحَ مَنْ زُوِّجَتْ وَهِيَ كَارِهَة , فَقَوْل الْحَنَفِيَّة خَارِج عَنْ هَذَا كُلّه اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6456",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ذَكْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ قُلْتُ إِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحْيِي قَالَ إِذْنُهَا صُمَاتُهَا ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنْ هَوِيَ رَجُلٌ جَارِيَةً يَتِيمَةً أَوْ بِكْرًا فَأَبَتْ فَاحْتَالَ فَجَاءَ بِشَاهِدَيْ زُورٍ عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فَأَدْرَكَتْ فَرَضِيَتْ الْيَتِيمَةُ فَقَبِلَ الْقَاضِي شَهَادَةَ الزُّورِ وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ بِبُطْلَانِ ذَلِكَ حَلَّ لَهُ الْوَطْءُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( الْبِكْر تُسْتَأْذَن ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْإِكْرَاه مِنْ طَرِيق سُفْيَان عَنْ اِبْن جُرَيْج بِهَذَا الْإِسْنَاد \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه الْبِكْر تُسْتَأْمَر ؟ قَالَ : نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَعْض النَّاس إِنْ هَوِيَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْوَاو أَيْ أَحَبَّ ‏ ‏( إِنْسَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" رَجُل \". ‏ ‏قَوْله ( جَارِيَة يَتِيمَة أَوْ بِكْرًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" ثَيِّبًا \" وَوَقَعَ عِنْد اِبْن بَطَّال كَذَلِكَ , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل قَوْلُهُ فِي بَقِيَّة الْكَلَام \" فَأَدْرَكَتْ الْيَتِيمَة \" فَظَاهِره أَنَّهَا كَانَتْ غَيْر بَالِغ , وَيَحْتَمِل أَنَّ قَوْله \" جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ \" أَيْ يَشْهَدَانِ عَلَى أَنَّهَا مُدْرِكَة وَرَضِيَتْ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَبِلَ الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الزُّور ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ بِمُوَحَّدَةٍ و لِلْكُشْمِيهَنِيّ شَهَادَة بِحَذْفِ الْمُوَحَّدَة مِنْ أَوَّله. ‏ ‏قَوْله ( حَلَّ لَهُ الْوَطْء ) ‏ ‏أَيْ مَعَ عِلْمه بِكَذِبِ الشَّهَادَة الْمَذْكُورَة : وَقَالَ اِبْن بَطَّال : لَا يَحِلّ هَذَا النِّكَاح عِنْد أَحَد مِنْ الْعُلَمَاء , وَحُكْمُ الْقَاضِي بِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ عَدَالَة الشَّاهِدَيْنِ فِي الظَّاهِر لَا يُحِلّ لِلزَّوْجِ مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ. وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلّ لَهُ أَكْل مَال غَيْره بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّهَادَة , وَلَا فَرْق بَيْن أَكْل مَال الْحَرَام وَوَطْء الْفَرْج الْحَرَام , وَقَالَ الْمُهَلَّب : قَاسَ أَبُو حَنِيفَة هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَاَلَّتِي قَبْلهَا عَلَى مَسْأَلَة اِتِّفَاقِيَّة وَهِيَ مَا لَوْ حَكَمَ الْقَاضِي بِشَهَادَةِ مَنْ ظَنَّ عَدَالَتهمَا أَنَّ الزَّوْج طَلَّقَ اِمْرَأَته وَكَانَا شَهِدَا فِي ذَلِكَ بِالزُّورِ أَنَّهُ يَحِلّ تَزْوِيجهَا لِمَنْ لَا يَعْلَم بَاطِن تِلْكَ الشَّهَادَة قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي يُقْدِمُ عَلَى الشَّيْء جَاهِلًا بِبُطْلَانِهِ لَا يُقَاسُ بِمَنْ يُقْدِم عَلَيْهِ مَعَ عِلْمه بِبُطْلَانِهِ , وَلَا خِلَاف بَيْن الْأَئِمَّة أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْ زُور عَلَى اِبْنَته أَنَّهَا أَمَتُهُ وَحَكَمَ الْحَاكِم بِذَلِكَ ظَانًّا عَدَالَتَهُمَا أَنَّهُ لَا يَحِلّ لَهُ وَطْؤُهَا , وَكَذَا لَوْ شَهِدَا فِي اِبْنَة غَيْره مِنْ حُرَّة أَنَّهَا أَمَة الْمَشْهُود لَهُ وَهُوَ يَعْلَم بُطْلَان شَهَادَتهمَا أَنَّهُ لَا يَحِلّ لَهُ وَطْؤُهَا. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَلَيْسَ الَّذِي نَسَبَهُ إِلَى أَبِي حَنِيفَة مِنْ هَذَا الْقِيَاس مُسْتَقِيمًا , وَإِنَّمَا حُجَّتهمْ أَنَّ الِاسْتِئْذَان لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّة النِّكَاح وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْقَاضِي أَنْشَأَ لِهَذَا الزَّوْج عَقْدًا مُسْتَأْنَفًا فَيَصِحّ , وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَحْده وَاحْتَجَّ بِأَثَرٍ عَنْ عَلِيّ فِي نَحْو هَذَا قَالَ فِيهِ \" شَاهِدَاك زَوَّجَاك \" وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : اِعْتَمَدَ الْحَنَفِيَّة أَمْرَيْنِ أَحَدهمَا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ \" أَحَدكُمَا كَاذِب \" فَفَرَّقَ بَيْنهمَا عَلَى قَوْل تَحَقُّق أَنَّهُ بَاطِل , فَكَذَلِكَ الْبِنَاء عَلَى شَهَادَة الزُّور. وَالثَّانِي أَنَّ الْفَرْج يَقْبَل إِنْشَاء الْحِلّ فِيهِ كَتَزْوِيجِ الرَّجُل اِبْنَتَهُ بِمَالٍ لِظَانِّ مَنْ لَا وَلِيّ لَهَا , وَالْمَال إِنَّمَا يُنْشِئ الْحِلّ فِيهَا بِالْقَبُولِ مِنْ الْمَالِك. قَالَ : وَحَاصِل الْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُجْتَهِد إِنَّمَا يَحْمِل الْحُكْم الَّذِي لَا أَثَر فِيهِ عَلَى النَّظِير لَا عَلَى الضِّدّ , فَلَا يَصِحّ حَمْل شَهَادَة الزُّور عَلَى اللِّعَان , وَالْفَرْجُ إِنَّمَا يَنْشَأُ الْحِلُّ فِيهِ بِوَجْهٍ يَسْتَوِي ظَاهِره وَبَاطِنه , وَأَمَّا بِأَمْرٍ يَظْهَر بَاطِنه فَلَا. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا , وَقَالَ اِبْن التِّين : قَالَ أَبُو حَنِيفَة إِذَا شَهِدَا بِزُورٍ عَلَى الطَّلَاق فَحَكَمَ الْقَاضِي بِهَا تَصِير الْمَرْأَة مُطَلَّقَة بِحُكْمِ الْحَاكِم وَيَجُوز لَهَا أَنْ تَتَزَوَّج حَتَّى بِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ , وَقَالَ فِيمَا لَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْ زُور عَلَى مَحْرَم أَنَّهَا زَوْجَته : أَنَّ الْحُكْم لَا يَنْفُذ فِي الْبَاطِن وَلَا يَحِلّ لَهُ وَطْؤُهَا وَهُوَ يَعْلَم , وَكَذَا لَوْ شَهِدَا لَهُ بِمَالٍ. قَالَ : وَفُرِّقَ بَيْن الْمَوْضِعَيْنِ فَإِنَّ كُلّ شَيْء جَازَ أَنْ يَكُون لِلْحَاكِمِ فِيهِ وِلَايَة اِبْتِدَاء أَنَّهُ يَنْفُذ حُكْمه فِيهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَمَا لَا فَإِنَّهُ يَنْفُذ فِي الظَّاهِر دُون الْبَاطِن , فَلَمَّا أَنْ كَانَ لِلْحَاكِمِ فِيهِ وِلَايَة فِي عَقْد النِّكَاح وَوِلَايَة فِي أَنَّهُ يُطَلِّق عَلَى غَيْره نَفَذَ حُكْمه ظَاهِرًا وَبَاطِنًا , وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَة فِي تَزْوِيج ذَوَات الْمَحَارِم وَلَا فِي نَقْل الْأَمْوَال نَفَذَ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا , قَالَ : وَالْحُجَّة لِلْجُمْهُورِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَمَنْ قَضَيْت لَهُ مِنْ حَقّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذهُ \" وَهَذَا عَامّ فِي الْأَمْوَال وَالْأَبْضَاع فَلَوْ كَانَ حُكْم الْحَاكِم يُحِيل الْأُمُور عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ لَكَانَ حُكْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى. قُلْت : وَبِهَذَا اِحْتَجَّ الشَّافِعِيّ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه عِنْد شَرْحه فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ اُحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَة أَيْضًا بِأَنَّ الْفُرْقَة فِي اللِّعَان تَقَع بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَلَوْ كَانَ الْمَلَاعِن فِي الْبَاطِن كَاذِبًا , وَبِأَنَّ الْبَيِّعَيْنِ إِذَا اِخْتَلَفَا تَحَالَفَا وَتَرَادَّا السِّلْعَة , وَلَا يَحْرُم انْتِفَاع بَائِع السِّلْعَة بِهَا بَعْد ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ فِي نَفْس الْأَمْر كَاذِبًا , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَثَر الْمُتَقَدِّم عَنْ عَلِيّ لَا يَثْبُت وَبِأَنَّهُ مَوْقُوف , وَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَة لَمْ يَكُنْ قَوْل بَعْضهمْ حُجَّةً بِغَيْرِ مُرَجِّح , وَبِأَنَّ الْفُرْقَة فِي اللِّعَان ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ وَاَلَّذِي حَكَمَ بِالْمُلَاعَنَةِ لَا يَعْلَم أَنَّ الْمَلَاعِن حَلَفَ كَاذِبًا , وَأَمَّا مَسْأَلَة الْبَيِّعَيْنِ فَإِنَّمَا كَانَ الْحُكْم فِيهَا كَذَلِكَ لِلتَّعَارُضِ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏ذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب ثَلَاثَة فُرُوع مَبْنِيَّة عَلَى اِشْتِرَاط الِاسْتِئْذَان وَيَنْظِمهَا صِحَّة النِّكَاح بِشَهَادَةِ الزُّور وَحُجَّة الْحَنَفِيَّة فِيهَا مَا تَقَدَّمَ , وَعَبَّرَ فِي الْأُولَى بِقَوْلِهِ \" فَلَا بَأْس أَنْ يَطَأَهَا \" وَهُوَ تَزْوِيج صَحِيح , وَفِي الثَّانِيَة بِقَوْلِهِ \" فَإِنَّهُ يَسَعهُ هَذَا النِّكَاح وَلَا بَأْس بِالْمُقَامِ مَعَهَا \" وَفِي الثَّالِثَة بِقَوْلِهِ \" حَلَّ لَهُ الْوَطْء \" وَهُوَ تَفَنُّن فِي الْعِبَارَة وَالْمَفَاد وَاحِد. ثُمَّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ فِي كَلَام مَنْ نَقَلَ عَنْهُ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ تَصَرُّفه وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : صُوَر الْأَوَّل فِي الْبِكْر , وَالثَّانِي فِي الثَّيِّب , وَالثَّالِث فِي الصَّغِيرَة إِذْ لَا يَتِمّ بَعْد اِحْتِلَام , وَفِي الْأَوَّلَيْنِ ثَبَتَ الرِّضَا بِالشَّهَادَةِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْل الْعَقْد , وَفِي الثَّالِث ثَبَتَ بِالِاعْتِرَافِ أَوْ أَنَّهُ بَعْد الْعَقْد وَقَعَ ذَلِكَ , فَحَاصِل الْفُرُوع الثَّلَاثَة وَاحِد وَهُوَ أَنَّ حُكْم الْحَاكِم يَنْفُذ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَيُحَلِّل وَيُحَرِّم , وَفَائِدَة إِيرَادهَا الْمُبَالَغَةَ فِي التَّشْنِيع لِمَا فِيهِ مِنْ حَمْل الزَّوْج فِي الثَّلَاثَة عَلَى الْإِقْدَام عَلَى الْإِثْم الْعَظِيم مَعَ الْعِلْم بِالتَّحْرِيمِ وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6457",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَيُحِبُّ الْعَسَلَ وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ أَجَازَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْهُنَّ فَدَخَلَ عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِي أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةَ عَسَلٍ فَسَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْهُ شَرْبَةً فَقُلْتُ أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ ‏ ‏لِسَوْدَةَ ‏ ‏قُلْتُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ فَإِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ فَقُولِي لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَا فَقُولِي لَهُ مَا هَذِهِ الرِّيحُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ سَقَتْنِي ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏شَرْبَةَ عَسَلٍ فَقُولِي لَهُ جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ وَسَأَقُولُ ذَلِكِ وَقُولِيهِ أَنْتِ يَا ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى ‏ ‏سَوْدَةَ ‏ ‏قُلْتُ تَقُولُ ‏ ‏سَوْدَةُ ‏ ‏وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ كِدْتُ أَنْ أُبَادِرَهُ بِالَّذِي قُلْتِ لِي وَإِنَّهُ لَعَلَى الْبَابِ فَرَقًا مِنْكِ فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ قَالَ لَا قُلْتُ فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ قَالَ ‏ ‏سَقَتْنِي ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏شَرْبَةَ عَسَلٍ قُلْتُ جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَدَخَلَ عَلَى ‏ ‏صَفِيَّةَ ‏ ‏فَقَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏قَالَتْ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَسْقِيكَ مِنْهُ قَالَ لَا حَاجَةَ لِي بِهِ قَالَتْ تَقُولُ ‏ ‏سَوْدَةُ ‏ ‏سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ قَالَتْ قُلْتُ لَهَا اسْكُتِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة \" كَانَ يُحِبُّ الْحَلْوَاء وَالْعَسَل وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْر دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْهُنَّ \" الْحَدِيث بِطُولِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الطَّلَاق مَشْرُوحًا وَذَكَرَ مَعَهُ حَدِيث عَائِشَة مَعَهُ طَرِيق عُبَيْد بْن عُمَيْر عَنْهَا وَفِيهِ أَنَّ الَّتِي سَقَتْهُ الْعَسَل زَيْنَبُ بِنْت جَحْش , وَاسْتُشْكِلَتْ قِصَّة حَفْصَة بِأَنَّ فِي الْآيَة مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ نُزُول ذَلِكَ كَانَ فِي حَقّ عَائِشَة وَحَفْصَة فَقَطْ لِتَكْرَارِ التَّثْنِيَةِ فِي قَوْله : ( إِنْ تَتُوبَا , وَإِنْ تَظَاهَرَا ) وَهُنَا جَاءَ فِيهِ ذِكْر ثَلَاثَة , وَجَمَعَ الْكَرْمَانِيُّ بَيْنهمَا بِأَنَّ قِصَّة حَفْصَة سَابِقَة وَلَيْسَ فِيهَا سَبَب نُزُول وَلَا تَثْنِيَة بِخِلَافِ قِصَّة زَيْنَب فَفِيهَا \" تَوَاطَأْت أَنَا وَحَفْصَة \" وَفِيهَا. التَّصْرِيح بِأَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ. وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّ قَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث إِنَّ الَّتِي سَقَتْهُ الْعَسَل حَفْصَة غَلَط لِأَنَّ صَفِيَّة هِيَ الَّتِي تَظَاهَرَتْ مَعَ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة وَإِنَّمَا شَرِبَهُ عِنْد صَفِيَّة وَقِيلَ عِنْد زَيْنَب , كَذَا قَالَ , وَجَزْمُهُ بِأَنَّ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا حَفْصَة غَلَط مَرْدُود فَإِنَّهَا لَيْسَتْ غَلَطًا بَلْ هِيَ قِصَّة أُخْرَى , وَالْحَدِيث الصَّحِيح لَا يُرَدُّ بِمِثْلِ هَذَا , وَيَكْفِي فِي الرَّدّ عَلَيْهِ أَنَّهُ جَعَلَ قِصَّة زَيْنَب لِصَفِيَّةَ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ نِسْبَة ذَلِكَ لِزَيْنَبَ ضَعِيفٌ , وَالْوَاقِع أَنَّهُ صَحِيح وَكِلَاهُمَا مُتَّفَق عَلَى صِحَّته , وَلِلدَّاوُدِيّ عَجَائِب فِي شَرْحه ذَكَرْت مِنْهَا شَيْئًا كَثِيرًا وَمِنْهَا فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله \" جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ \" جَرَسَتْ مَعْنَاهُ تَغَيَّرَ طَعْم الْعَسَل لِشَيْءٍ يَأْكُلهُ النَّحْل وَالْعُرْفُط مَوْضِع وَتَفْسِير الْجَرْس بِالتَّغَيُّرِ وَالْعُرْفُط بِالْمَوْضِعِ مُخَالِف لِلْجَمِيعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه مَعَ شَرْح الْحَدِيث , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" أَجَازَ \" ثَبَتَ هَكَذَا لَهُمْ , وَهُوَ صَحِيح يُقَال أَجَزْت الْوَادِيَ إِذَا قَطَعْته وَالْمُرَاد أَنَّهُ يَقْطَع الْمَسَافَة الَّتِي بَيْن كُلّ وَاحِدَة وَاَلَّتِي تَلِيهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ هُنَا \" جَازَ \" وَحَكَى اِبْن التِّين جَازَ عَلَى نِسَائِهِ أَيْ مَرَّ أَوْ سَلَكَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر الْمَاضِيَة فِي الطَّلَاق \" إِذَا صَلَّى الْعَصْر دَخَلَ \" وَقَوْله فِيهَا \" أُبَادِئهُ \" بِهَمْزَةٍ وَمُوَحَّدَة وَفِيهِ اِخْتِلَاف ذَكَرْته فِيمَا مَضَى , وَقَوْله \" فَرَقًا \" بِفَتْحِ الرَّاء أَيْ خَوْفًا , وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : إِنَّمَا سَاغَ لَهُنَّ أَنْ يَقُلْنَ \" أَكَلْتَ مَغَافِيرَ \" لِأَنَّهُنَّ أَوْرَدْنَهُ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِفْهَامِ بِدَلِيلِ جَوَابه بِقَوْلِهِ \" لَا \" وَأَرَدْنَ بِذَلِكَ التَّعْرِيضَ لَا صَرِيحَ الْكَذِبِ , فَهَذَا وَجْه الِاحْتِيَال الَّتِي قَالَتْ عَائِشَة \" لَنَحْتَالَنَّ لَهُ \" وَلَوْ كَانَ كَذِبًا مَحْضًا لَمْ يُسَمَّ حِيلَة إِذْ لَا شُبْهَة لِصَاحِبِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6458",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏خَرَجَ إِلَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏فَلَمَّا جَاءَ ‏ ‏بِسَرْغَ ‏ ‏بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ وَقَعَ ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ فَرَجَعَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏سَرْغَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏إِنَّمَا انْصَرَفَ مِنْ حَدِيثِ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6459",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَكَرَ الْوَجَعَ فَقَالَ ‏ ‏رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الْأُمَمِ ثُمَّ بَقِيَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ فَيَذْهَبُ الْمَرَّةَ وَيَأْتِي الْأُخْرَى فَمَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا يُقْدِمَنَّ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَ بِأَرْضٍ وَقَعَ بِهَا فَلَا يَخْرُجْ فِرَارًا مِنْهُ ‏",
        "sharh": "وَوَقَعَ فِي حَدِيث أُسَامَة هُنَا الْوَجَع بَدَل الطَّاعُون , وَقَوْله \" فَيَذْهَب الْمَرَّة وَيَأْتِي الْأُخْرَى \" قَالَ الْمُهَلَّب : يُتَصَوَّر التَّحَيُّل فِي الْفِرَار مِنْ الطَّاعُون بِأَنْ يَخْرُج فِي تِجَارَة أَوْ لِزِيَارَةٍ مَثَلًا وَهُوَ يَنْوِي بِذَلِكَ الْفِرَار مِنْ الطَّاعُون , وَاسْتَدَلَّ اِبْن الْبَاقِلَّانِيّ بِقِصَّةِ عُمَر عَلَى أَنَّ الصَّحَابَة كَانُوا يُقَدِّمُونَ خَبَر الْوَاحِد عَلَى الْقِيَاس لِأَنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى الرُّجُوع اِعْتِمَادًا عَلَى خَبَر عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَحْده بَعْد أَنْ رَكِبُوا الْمَشَقَّة فِي الْمَسِير مِنْ الْمَدِينَة إِلَى الشَّام ثُمَّ رَجَعُوا وَلَمْ يَدْخُلُوا الشَّام. ‏"
    },
    {
        "id": "6460",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي كِتَاب الْهِبَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6461",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ الشُّفْعَةُ لِلْجِوَارِ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى مَا شَدَّدَهُ فَأَبْطَلَهُ وَقَالَ إِنْ اشْتَرَى دَارًا فَخَافَ أَنْ يَأْخُذَ الْجَارُ بِالشُّفْعَةِ فَاشْتَرَى سَهْمًا مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ ثُمَّ اشْتَرَى الْبَاقِيَ وَكَانَ لِلْجَارِ الشُّفْعَةُ فِي السَّهْمِ الْأَوَّلِ وَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِي بَاقِي الدَّارِ وَلَهُ أَنْ يَحْتَالَ فِي ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي الشُّفْعَة وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الشُّفْعَة , وَظَاهِره أَنَّهُ لَا شُفْعَة لِلْجَارِ لِأَنَّهُ نَفَى الشُّفْعَة فِي كُلّ مَقْسُوم كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَعْض النَّاس : الشُّفْعَة لِلْجِوَارِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْجِيم مِنْ الْمُجَاوَرَة أَيْ تُشْرَع الشُّفْعَة لِلْجَارِ كَمَا تُشْرَع لِلشَّرِيكِ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ عَمَدَ إِلَى مَا شَدَّدَهُ ) ‏ ‏بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَلِبَعْضِهِمْ بِالْمُهْمَلَةِ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَبْطَلَهُ ) ‏ ‏أَيْ حَيْثُ قَالَ لَا شُفْعَة لِلْجَارِ فِي هَذِهِ الصُّورَة , وَقَالَ : إِنْ اِشْتَرَى دَارًا أَيْ أَرَادَ شِرَاءَهَا كَامِلَة فَخَافَ أَنْ يَأْخُذ الْجَار بِالشُّفْعَةِ فَاشْتَرَى سَهْمًا مِنْ مِائَة سَهْم ثُمَّ اِشْتَرَى الْبَاقِي كَانَ لِلْجَارِ الشُّفْعَة فِي السَّهْم الْأَوَّل وَلَا شُفْعَة لَهُ فِي بَاقِي الدَّار قَالَ ابْن بَطَّال : أَصْل هَذِهِ الْمَسْأَلَة أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ شِرَاء دَار فَخَافَ أَنْ يَأْخُذَهَا جَاره بِالشُّفْعَةِ , فَسَأَلَ أَبَا حَنِيفَة كَيْف الْحِيلَة فِي إِسْقَاط الشُّفْعَة ؟ فَقَالَ لَهُ : اِشْتَرِ مِنْهَا سَهْمًا وَاحِدًا مِنْ مِائَة سَهْم فَتَصِير شَرِيكًا لِمَالِكِهَا , ثُمَّ اِشْتَرِ مِنْهُ الْبَاقِي فَتَصِير أَنْتَ أَحَقَّ بِالشُّفْعَةِ مِنْ الْجَار لِأَنَّ الشَّرِيك فِي الْمُشَاع أَحَقُّ مِنْ الْجَار , وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ سَهْمًا مِنْ مِائَة سَهْم لِعَدَمِ رَغْبَة الْجَار شِرَاء السَّهْم الْوَاحِد لِحَقَارَتِهِ وَقِلَّة اِنْتِفَاعه بِهِ , قَالَ : وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ شَيْء مِنْ خِلَاف السُّنَّة , وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيّ إِلْزَامَهُمْ التَّنَاقُضَ لِأَنَّهُمْ اِحْتَجُّوا فِي شُفْعَة الْجَار بِحَدِيثِ \" الْجَار أَحَقُّ بِسَقَبِهِ \" ثُمَّ تَحَيَّلُوا فِي إِسْقَاطهَا بِمَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُون غَيْرُ الْجَار أَحَقَّ بِالشُّفْعَةِ مِنْ الْجَار اِنْتَهَى. وَالْمَعْرُوف عِنْد الْحَنَفِيَّة أَنَّ الْحِيلَة الْمَذْكُورَة لِأَبِي يُوسُف , وَأَمَّا مُحَمَّد بْن الْحَسَن فَقَالَ : يُكْرَه ذَلِكَ أَشَدَّ الْكَرَاهِيَة لِأَنَّ الشُّفْعَة شُرِعَتْ لِدَفْعِ الضَّرَر عَنْ الشَّفِيع فَاَلَّذِي يَحْتَال لِإِسْقَاطِهَا بِمَنْزِلَةِ الْقَاصِد إِلَى الْإِضْرَار بِالْغَيْرِ وَذَلِكَ مَكْرُوه , وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ بَيْن الْمُشْتَرِي وَبَيْن الشَّفِيع عَدَاوَة وَيَتَضَرَّر مِنْ مُشَارَكَته , ثُمَّ إِنَّ مَحَلّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَنْ اِحْتَالَ قَبْل وُجُوب الشُّفْعَة أَمَّا بَعْده كَمَنْ قَالَ لِلشَّفِيعِ خُذْ هَذَا الْمَال وَلَا تُطَالِبنِي بِالشُّفْعَةِ فَرَضِيَ وَأَخَذَ فَإِنَّ شُفْعَته تَبْطُل اِتِّفَاقًا اِنْتَهَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6462",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَمْرَو بْنَ الشَّرِيدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ‏ ‏فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِي فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ إِلَى ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو رَافِعٍ ‏ ‏لِلْمِسْوَرِ ‏ ‏أَلَا تَأْمُرُ هَذَا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنِّي بَيْتِي الَّذِي فِي دَارِي فَقَالَ لَا أَزِيدُهُ عَلَى أَرْبَعِ مِائَةٍ إِمَّا مُقَطَّعَةٍ وَإِمَّا مُنَجَّمَةٍ قَالَ أُعْطِيتُ خَمْسَ مِائَةٍ نَقْدًا فَمَنَعْتُهُ وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ مَا بِعْتُكَهُ ‏ ‏أَوْ قَالَ مَا أَعْطَيْتُكَهُ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏مَعْمَرًا ‏ ‏لَمْ يَقُلْ هَكَذَا قَالَ لَكِنَّهُ قَالَ لِي هَكَذَا ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الشُّفْعَةَ فَلَهُ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ فَيَهَبَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي الدَّارَ وَيَحُدُّهَا وَيَدْفَعُهَا إِلَيْهِ وَيُعَوِّضُهُ الْمُشْتَرِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا يَكُونُ لِلشَّفِيعِ فِيهَا شُفْعَةٌ ‏",
        "sharh": "ذَكَرَ الْبُخَارِيّ حَدِيث أَبِي رَافِع مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيق سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مَيْسَرَة وَسَاقَهُ فِي آخِر كِتَاب الْحِيَل أَتَمَّ مِنْهُ , وَفِيهِ تَصْرِيح سُفْيَان بِتَحْدِيثِ إِبْرَاهِيم لَهُ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6463",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَعْدًا ‏ ‏سَاوَمَهُ بَيْتًا بِأَرْبَعِ مِائَةِ مِثْقَالٍ فَقَالَ لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الْجَارُ أَحَقُّ ‏ ‏بِصَقَبِهِ ‏ ‏لَمَا أَعْطَيْتُكَ ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنْ اشْتَرَى نَصِيبَ دَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ وَهَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَعْض النَّاس : إِنْ اِشْتَرَى نَصِيب دَار فَأَرَادَ أَنْ يُبْطِل الشُّفْعَة وَهَبَ ) ‏ ‏أَيْ مَا اِشْتَرَاهُ ‏ ‏( لِابْنِهِ الصَّغِير وَلَا يَكُون عَلَيْهِ يَمِين ) ‏ ‏أَيْ لِأَنَّ الْهِبَة لَوْ كَانَتْ لِلْكَبِيرِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْيَمِين فَتَحَيَّلَ فِي إِسْقَاطهَا بِجَعْلِهَا لِلصَّغِيرِ , قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ وَهَبَ لِابْنِهِ شَيْئًا فَعَلَ مَا يُبَاح لَهُ فِعْله , وَالْهِبَة لِلِابْنِ الصَّغِير يَقْبَلُهَا الْأَبُ لِوَلَدِهِ مِنْ نَفْسه , وَأَشَارَ بِالْيَمِينِ إِلَى مَا لَوْ وَهَبَ لِأَجْنَبِيٍّ فَإِنَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يُحَلِّف الْأَجْنَبِيَّ أَنَّ الْهِبَة حَقِيقِيَّة وَأَنَّهَا جَرَتْ بِشُرُوطِهَا , وَالصَّغِير لَا يُحَلَّف لَكِنْ عِنْد الْمَالِكِيَّة أَنَّ أَبَاهُ الَّذِي يَقْبَل لَهُ يُحَلَّف بِخِلَافِ مَا إِذَا وَهَبَ لِلْغَرِيبِ , وَعَنْ مَالِك لَا تَدْخُل الشُّفْعَة فِي الْمَوْهُوب مُطْلَقًا وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6464",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ ‏ ‏بَنِي سُلَيْمٍ ‏ ‏يُدْعَى ‏ ‏ابْنَ الْلَّتَبِيَّةِ ‏ ‏فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ فَيَأْتِي فَيَقُولُ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ يَقُولُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ بَصْرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُنِي ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6465",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْجَارُ أَحَقُّ ‏ ‏بِصَقَبِهِ ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنْ اشْتَرَى دَارًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَيَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْعِشْرِينَ الْأَلْفَ فَإِنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ فَإِنْ اسْتُحِقَّتْ الدَّارُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ وَهُوَ تِسْعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعُ مِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَدِينَارٌ لِأَنَّ الْبَيْعَ حِينَ اسْتُحِقَّ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي الدِّينَارِ فَإِنْ وَجَدَ بِهَذِهِ الدَّارِ عَيْبًا وَلَمْ تُسْتَحَقَّ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَالَ فَأَجَازَ هَذَا الْخِدَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ‏ ‏وَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْعُ الْمُسْلِمِ لَا دَاءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غَائِلَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا سُفْيَان إِلَخْ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ هَذَا الْحَدِيث وَمَا بَعْده مُتَّصِلًا بِبَابِ اِحْتِيَال الْعَامِل , وَأَظُنّهُ وَقَعَ هُنَا تَقْدِيم وَتَأْخِير فَإِنَّ الْحَدِيث وَمَا بَعْده يَتَعَلَّق بِبَابِ الْهِبَة وَالشُّفْعَة , فَلَمَّا جَعَلَ التَّرْجَمَة مُشْتَرَكَة جَمَعَ مَسَائِلهَا , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ إِنَّهُ مِنْ تَصَرُّف النَّقَلَة , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد ابْن بَطَّال هُنَا \" بَاب \" بِلَا تَرْجَمَة ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيث وَمَا بَعْده ثُمَّ ذَكَرَ \" بَاب اِحْتِيَال الْعَامِل \" وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَال لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَاب , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي الْأَصْل بَعْد قِصَّة اِبْن اللُّتَبِيَّة \" بَاب \" بِلَا تَرْجَمَة فَسَقَطَتْ التَّرْجَمَة فَقَطْ أَوْ بَيَّضَ لَهَا فِي الْأَصْل. ‏ ‏قَوْله : ( وَقَالَ بَعْض النَّاس إِنْ اِشْتَرَى دَارًا ) ‏ ‏أَيْ أَرَادَ شِرَاء دَار ‏ ‏( بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا بَأْس أَنْ يَحْتَال ) ‏ ‏أَيْ عَلَى إِسْقَاط الشُّفْعَة , ‏ ‏( حَتَّى يَشْتَرِي الدَّار بِعِشْرِينَ أَلْف دِرْهَم وَيَنْقُدهُ ) ‏ ‏أَيْ يَنْقُد الْبَائِعَ ‏ ‏( تِسْعَة آلَاف دِرْهَم وَتِسْعمِائَةٍ وَتِسْعَة وَتِسْعِينَ وَيَنْقُدهُ دِينَارًا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْعِشْرِينَ أَلْفًا ) ‏ ‏أَيْ مُصَارَفَةً عَنْهَا. ‏ ‏( فَإِنْ طَالَبَهُ الشَّفِيع أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْف دِرْهَم ) ‏ ‏أَيْ إِنْ رَضِيَ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْد ‏ ‏( وَإِلَّا فَلَا سَبِيل لَهُ عَلَى الدَّار ) ‏ ‏أَيْ لِسُقُوطِ الشُّفْعَة لِكَوْنِهِ اِمْتَنَعَ مِنْ بَدَل الثَّمَن الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْعَقْد. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ الدَّار ) ‏ ‏بِلَفْظِ الْمَجْهُول أَيْ ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّة لِغَيْرِ الْبَائِع ‏ ‏( رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِع بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ وَهُوَ تِسْعَة آلَاف إِلَخْ ) ‏ ‏أَيْ لِكَوْنِ الْقَدْر الَّذِي تَسَلَّمَهُ مِنْهُ وَلَا يَرْجِع عَلَيْهِ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْد ‏ ‏( لِأَنَّ الْمَبِيع حِين اُسْتُحِقَّ ) ‏ ‏أَيْ لِلْغَيْرِ ‏ ‏( اِنْتَقَضَ الصَّرْف ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي وَقَعَ بَيْن الْبَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي الدَّار الْمَذْكُورَة ( بِالدِّينَارِ ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ , \" فِي الدِّينَار \" وَهُوَ أَوْجَهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنْ وَجَدَ بِهَذِهِ الدَّار عَيْبًا وَلَمْ تُسْتَحَقّ ) ‏ ‏أَيْ لَمْ تَخْرُج مُسْتَحَقَّة ‏ ‏( فَإِنَّهُ يَرُدّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفًا ) ‏ ‏أَيْ وَهَذَا تَنَاقُضٌ بَيِّنٌ وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ ب ‏ ‏قَوْله ( فَأَجَازَ هَذَا الْخِدَاعَ بَيْن الْمُسْلِمِينَ ) ‏ ‏وَالْفَرْق عِنْدهمْ أَنَّ الْبَيْع فِي الْأَوَّل كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى شِرَاء الدَّار وَهُوَ مُنْفَسِخ. وَيَلْزَم عَدَم التَّقَابُض فِي الْمَجْلِس فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ وَهُوَ الدَّرَاهِم وَالدِّينَار بِخِلَافِ الرَّدّ بِالْعَيْبِ فَإِنَّ الْبَيْع صَحِيح وَإِنَّمَا يَنْفَسِخ بِاخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي. وَأَمَّا بَيْع الصَّرْف فَكَانَ وَقَعَ صَحِيحًا فَلَا يَلْزَم مِنْ فَسْخ هَذَا بُطْلَانُ هَذَا. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا خُصَّ الْقَدْر مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْمِثَالِ لِأَنَّ بَيْع الْفِضَّة بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ فَبَنَى الْقَائِلُ أَصْلَهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَجَازَ صَرْف عَشَرَة دَرَاهِم وَدِينَار بِأَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا جَعَلَ الْعَشَرَة دَرَاهِم بِعَشَرَةِ دَرَاهِم وَجَعَلَ الدِّينَار بِدِرْهَمٍ , وَمَنْ جَعَلَ فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة الدِّينَار بِعَشَرَةِ آلَاف لِيَسْتَعْظِم الشَّفِيعُ الثَّمَن الَّذِي اِنْعَقَدَتْ عَلَيْهِ الصِّيغَة فَيَتْرُك الْأَخْذ بِالشُّفْعَةِ فَتَسْقُط شُفْعَته وَلَا اِلْتِفَاتَ إِلَى مَا أَنْقَدَهُ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي تَجَاوَزَ لِلْبَائِعِ عِنْد النَّقْد , وَخَالَفَ مَالِك فِي ذَلِكَ فَقَالَ : الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ النَّقْدُ الَّذِي حَصَلَ فِي يَد الْبَائِع فَبِهِ يَأْخُذ الشَّفِيع بِدَلِيلِ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهُ فِي الِاسْتِحْقَاق وَالرَّدّ بِالْعَيْبِ لَا يَرْجِع إِلَّا بِمَا نَقَدَهُ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيّ إِلَى تَنَاقُض الَّذِي اِحْتَالَ فِي إِسْقَاط الشُّفْعَة حَيْثُ قَالَ \" فَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ الدَّار \" أَيْ إِنْ ظَهَرَ أَنَّهَا مُسْتَحَقَّة لِغَيْرِ الْبَائِع إِلَخْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُوَافِق لِلْجَمَاعَةِ فِي أَنَّ الْمُشْتَرِي عِنْد الِاسْتِحْقَاق لَا يَرُدّ إِلَّا مَا قَبَضَهُ , وَكَذَلِكَ الْحُكْم فِي الرَّدّ بِالْعَيْبِ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا : وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : النُّكْتَة فِي جَعْله الدِّينَار فِي مُقَابَلَة عَشَرَةِ آلَافٍ وَدِرْهَمٍ وَلَمْ يَجْعَلْهُ فِي مُقَابَلَة الْعَشَرَة آلَاف فَقَطْ لِأَنَّ الثَّمَن فِي الْحَقِيقَة عَشَرَة آلَاف بِقَرِينَةِ نَقْدِهِ هَذَا الْمِقْدَارَ , فَلَوْ جَعَلَ الْعَشَرَة وَالدِّينَار فِي مُقَابَلَة الثَّمَن الْحَقِيقِيّ لَلَزِمَ الرِّبَا , بِخِلَافِ مَا إِذَا نَقَصَ دِرْهَمًا فَإِنَّ الدِّينَار فِي مُقَابَلَة ذَلِكَ الْوَاحِد وَالْأَلْف إِلَّا وَاحِدًا فِي مُقَابَلَة الْأَلْف إِلَّا وَاحِدًا بِغَيْرِ تَفَاضُل. وَقَالَ الْمُهَلَّب : مُنَاسَبَة هَذَا الْحَدِيث لِهَذِهِ الْمَسْأَلَة أَنَّ الْخَبَر لَمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَار أَحَقّ بِالْمَبِيعِ مِنْ غَيْره مُرَاعَاة لِحَقِّهِ لَزِمَ أَنْ يَكُون أَحَقَّ أَنْ يُرْفَق بِهِ فِي الثَّمَن وَلَا يُقَام عَلَيْهِ عُرُوض بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتهَا , وَقَدْ فَهِمَ الصَّحَابِيّ رَاوِي الْخَبَرِ هَذَا الْقَدْرَ فَقَدَّمَ الْجَار فِي الْعَقْد بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَهُ إِلَيْهِ عَلَى مَنْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْهُ بِقَدْرِ رُبْعِهِ مُرَاعَاة لِحَقِّ الْجَار الَّذِي أَمَرَ الشَّارِع بِمُرَاعَاتِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَجَازَ هَذَا الْخِدَاع ) أَيْ الْحِيلَة فِي إِيقَاع الشَّرِيك فِي الْغَبْن الشَّدِيد إِنْ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ أَوْ إِبْطَال حَقّه إِنْ تَرَكَ خَشْيَة مِنْ الْغَبْن فِي الثَّمَن بِالزِّيَادَةِ الْفَاحِشَة , وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ مَسْأَلَة الِاسْتِحْقَاق الَّتِي مَضَتْ لِيَسْتَدِلّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَاصِدًا لِلْحِيلَةِ فِي إِبْطَال الشُّفْعَة , وَعَقَّبَ بِذِكْرِ مَسْأَلَة الرَّدّ بِالْعَيْبِ لِيُبَيِّن أَنَّهُ تَحَكُّمٌ , وَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ إِلَّا مَا قَبَضَهُ لَا زَائِدًا عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْع الْمُسْلِم لَا دَاءَ لَا خِبْثَةَ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : ضَبَطْنَاهُ بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُثَلَّثَة , وَقِيلَ هُوَ بِضَمِّ أَوَّله لُغَتَانِ , قَالَ أَبُو عُبَيْد : هُوَ أَنْ يَكُون الْبَيْع غَيْر طَيِّب كَأَنْ يَكُون مِنْ قَوْم لَمْ يَحِلَّ سَبْيُهُمْ لِعَهْدٍ تَقَدَّمَ لَهُمْ , قَالَ اِبْن التِّين : وَهَذَا فِي عُهْدَة الرَّقِيق. قُلْت : إِنَّمَا خَصَّهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْخَبَر إِنَّمَا وَرَدَ فِيهِ. قَالَ : وَالْغَائِلَة أَنْ يَأْتِي أَمْرًا سِرًّا كَالتَّدْلِيسِ وَنَحْوه. قُلْت : وَالْحَدِيث الْمَذْكُور طَرَف تَقَدَّمَ بِكَمَالِهِ فِي أَوَائِل كِتَاب الْبُيُوع مِنْ حَدِيث الْعَدَّاء بِفَتْحِ الْعَيْن وَتَشْدِيد الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ مَهْمُوزًا ابْن خَالِد أَنَّهُ اِشْتَرَى مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا أَوْ أَمَة وَكَتَبَ لَهُ الْعُهْدَة \" هَذَا مَا اِشْتَرَى الْعَدَّاء مِنْ مُحَمَّد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا أَوْ أَمَة لَا دَاء وَلَا غَائِلَة وَلَا خِبْثَة بَيْع الْمُسْلِم لِلْمُسْلِمِ \". وَسَنَده حَسَن , وَلَهُ طُرُق إِلَى الْعَدَّاء وَذُكِرَ هُنَاكَ تَفْسِير الْغَائِلَة بِالسَّرِقَةِ وَالْإِبَاق وَنَحْوهمَا مِنْ قَوْل قَتَادَة , قَالَ اِبْن بَطَّال : فَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا الْخَبَر أَنَّهُ لَا يَجُوز الِاحْتِيَال فِي شَيْء مِنْ بُيُوع الْمُسْلِمِينَ بِالصَّرْفِ الْمَذْكُور وَلَا غَيْره. قُلْت : وَوَجْهه أَنَّ الْحَدِيث وَإِنْ كَانَ لَفْظه لَفْظ الْخَبَر لَكِنَّ مَعْنَاهُ النَّهْي , وَيُؤْخَذ مِنْ عُمُومه أَنَّ الِاحْتِيَال فِي كُلّ بَيْع مِنْ بُيُوع الْمُسْلِمِينَ لَا يَحِلّ , فَيَدْخُل فِيهِ صَرْف دِينَار بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَته وَنَحْو ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6466",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا رَافِعٍ ‏ ‏سَاوَمَ ‏ ‏سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏بَيْتًا بِأَرْبَعِ مِائَةِ مِثْقَالٍ وَقَالَ لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ مَا أَعْطَيْتُكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُسَدَّد حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ , وَقَوْله \" أَنَّ أَبَا رَافِع سَاوَمَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ \" هُوَ اِبْن أَبِي وَقَّاص , وَعِنْد أَحْمَدَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ بِالشَّكِّ أَنَّ سَعْدًا سَاوَمَ أَبَا رَافِع أَوْ أَبُو رَافِع سَاوَمَ سَعْدًا , وَلَا أَثَرَ لِهَذَا الشَّكّ , وَقَوْله \" بَيْتًا بِأَرْبَعِمِائَةِ مِثْقَال \" فِيهِ بَيَان الثَّمَن الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ : وَقَالَ لَوْلَا أَنِّي سَمِعْت إِلَخْ ) ‏ ‏الْقَائِل الْأَوَّل عَمْرو بْن الشَّرِيد وَالثَّانِي أَبُو رَافِع , وَقَدْ بَيَّنَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ فِي رِوَايَته وَلَفْظه \" فَقَالَ أَبُو رَافِع لَوْلَا أَنِّي سَمِعْت إِلَخْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏ ‏( خَاتِمَة ) ‏ ‏: اِشْتَمَلَ كِتَاب الْحِيَل مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى أَحَد وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا وَاحِد وَسَائِرهَا مَوْصُول وَكُلّهَا مُكَرَّرَة فِيهِ وَفِيمَا تَقَدَّمَ , وَفِيهِ أَثَر وَاحِد عَنْ أَيُّوب. وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6467",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ فَكَانَ يَأْتِي ‏ ‏حِرَاءً ‏ ‏فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ ‏ ‏وَهُوَ التَّعَبُّدُ ‏ ‏اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ ‏ ‏وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏فَتُزَوِّدُهُ لِمِثْلِهَا حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي ‏ ‏غَارِ حِرَاءٍ ‏ ‏فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فِيهِ فَقَالَ اقْرَأْ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي ‏ ‏فَغَطَّنِي ‏ ‏حَتَّى بَلَغَ مِنِّي ‏ ‏الْجَهْدُ ‏ ‏ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي ‏ ‏الْجَهْدُ ‏ ‏ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي ‏ ‏الْجَهْدُ ‏ ‏ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ ‏ { ‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ‏} ‏حَتَّى بَلَغَ ‏ { ‏عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ‏} ‏فَرَجَعَ بِهَا تَرْجُفُ ‏ ‏بَوَادِرُهُ ‏ ‏حَتَّى دَخَلَ عَلَى ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏زَمِّلُونِي ‏ ‏زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ يَا ‏ ‏خَدِيجَةُ ‏ ‏مَا لِي وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ وَقَالَ قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَقَالَتْ لَهُ كَلَّا أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ ‏ ‏الْكَلَّ ‏ ‏وَتَقْرِي ‏ ‏الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ ‏ ‏خَدِيجَةُ ‏ ‏حَتَّى أَتَتْ بِهِ ‏ ‏وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ ‏ ‏وَهُوَ ابْنُ عَمِّ ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏أَخُو أَبِيهَا وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ فَيَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ الْإِنْجِيلِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ لَهُ ‏ ‏خَدِيجَةُ ‏ ‏أَيْ ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ فَقَالَ ‏ ‏وَرَقَةُ ‏ ‏ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا رَأَى فَقَالَ ‏ ‏وَرَقَةُ ‏ ‏هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ فَقَالَ ‏ ‏وَرَقَةُ ‏ ‏نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ثُمَّ لَمْ ‏ ‏يَنْشَبْ ‏ ‏وَرَقَةُ ‏ ‏أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ ‏ ‏جَأْشُهُ ‏ ‏وَتَقِرُّ نَفْسُهُ فَيَرْجِعُ فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ { ‏فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ‏} ‏ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ وَضَوْءُ الْقَمَرِ بِاللَّيْلِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِلَّا جَاءَتْهُ مِثْل فَلَق الصُّبْح ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" جَاءَتْ \" كَرِوَايَةِ عُقَيْل , قَالَ اِبْن أَبِي حَمْزَة : إِنَّمَا شَبَّهَهَا بِفَلَقِ الصُّبْح دُون غَيْره لِأَنَّ شَمْس النُّبُوَّة كَانَتْ الرُّؤْيَا مَبَادِي أَنْوَارهَا فَمَا زَالَ ذَلِكَ النُّور يَتَّسِع حَتَّى أَشْرَقَتْ الشَّمْس فَمَنْ كَانَ بَاطِنه نُورِيًّا كَانَ فِي التَّصْدِيق بَكْرِيًّا كَأَبِي بَكْر وَمَنْ كَانَ بَاطِنه مُظْلِمًا كَانَ فِي التَّكْذِيب خُفَّاشًا كَأَبِي جَهْل , وَبَقِيَّة النَّاس بَيْن هَاتَيْنِ الْمَنْزِلَتَيْنِ كُلّ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا أُعْطِيَ مِنْ النُّور. ‏ ‏قَوْله ( يَأْتِي حِرَاء ) ‏ ‏قَالَ اِبْن أَبِي حَمْزَة : الْحِكْمَة فِي تَخْصِيصه بِالتَّخَلِّي فِيهِ أَنَّ الْمُقِيم فِيهِ كَانَ يُمْكِنهُ رُؤْيَة الْكَعْبَة فَيَجْتَمِع لِمَنْ يَخْلُو فِيهِ ثَلَاث عِبَادَات : الْخَلْوَة , وَالتَّعَبُّد , وَالنَّظَر إِلَى الْبَيْت. قُلْت : وَكَأَنَّهُ مِمَّا بَقِيَ عِنْدهمْ مِنْ أُمُور الشَّرْع عَلَى سُنَن الِاعْتِكَاف , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الزَّمَن الَّذِي كَانَ يَخْلُو فِيهِ كَانَ شَهْر رَمَضَان وَأَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَفْعَلهُ كَمَا كَانَتْ تَصُوم عَاشُورَاء , وَيُزَاد هُنَا أَنَّهُمْ إِنَّمَا لَمْ يُنَازِعُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَار حِرَاء مَعَ مَزِيد الْفَضْل فِيهِ عَلَى غَيْره لِأَنَّ جَدّه عَبْد الْمُطَّلِب أَوَّل مَنْ كَانَ يَخْلُو فِيهِ مِنْ قُرَيْش وَكَانُوا يُعَظِّمُونَهُ لِجَلَالَتِهِ وَكِبَر سِنّه فَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ كَانَ يَتَأَلَّه , فَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْلُو بِمَكَانِ جَدّه وَسَلَّمَ لَهُ ذَلِكَ أَعْمَامُهُ لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِمْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْط حِرَاء وَإِنْ كَانَ الْأَفْصَح فِيهِ كَسْر أَوَّله وَبِالْمَدِّ وَحُكِيَ تَثْلِيث أَوَّله مَعَ الْمَدّ وَالْقَصْر وَكَسْر الرَّاء وَالصَّرْف وَعَدَمه فَيَجْتَمِع فِيهِ عِدَّة لُغَات مَعَ قِلَّة أَحْرُفه , وَنَظِيره قَبَاء لَكِنَّ الْخَطَّابِيَّ جَزَمَ بِأَنَّ فَتْح أَوَّله لَحْن وَكَذَا ضَمُّهُ وَكَذَا قَصْر وَكَسْر الرَّاء , وَزَادَ التَّمِيمِيّ تَرْك الصَّرْف , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ إِنْ كَانَ الَّذِي كَسَرَ الرَّاء أَرَادَ الْإِمَالَة فَهُوَ سَائِغ. ‏ ‏قَوْله ( اللَّيَالِي ذَوَات الْعَدَد ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِل الْكَثْرَة إِذْ الْكَثِير يَحْتَاج إِلَى الْعَدَد وَهُوَ الْمُنَاسِب لِلْمَقَامِ. قُلْت : أَمَّا كَوْنه الْمُنَاسِب فَمُسَلَّم , وَأَمَّا الْأَوَّل فَلَا لِأَنَّ عَادَتَهُمْ جَرَتْ فِي الْكَثِير أَنْ يُوزَن وَفِي الْقَلِيل أَنْ يُعَدّ , وَقَدْ جَزَمَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة بِأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْكَثْرَة لِأَنَّ الْعَدَد عَلَى قِسْمَيْنِ فَإِذَا أُطْلِقَ أُرِيدَ بِهِ مَجْمُوع الْقِلَّة وَالْكَثْرَة فَكَأَنَّهَا قَالَتْ لَيَالِي كَثِيرَة أَيْ مَجْمُوع قِسْمَيْ الْعَدَد. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ اُخْتُلِفَ فِي تَعَبُّده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَاذَا كَانَ يَتَعَبَّد بِنَاء عَلَى أَنَّهُ هَلْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعٍ سَابِق أَوْ لَا ؟ وَالثَّانِي قَوْل الْجُمْهُور وَمُسْتَنَدُهُمْ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ لَنُقِلَ , وَلِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لَكَانَ فِيهِ تَنْفِير عَنْهُ. وَبِمَاذَا كَانَ يَتَعَبَّد ؟ قِيلَ بِمَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ أَنْوَار الْمَعْرِفَة , وَقِيلَ بِمَا يَحْصُل لَهُ مِنْ الرُّؤْيَا , وَقِيلَ بِالتَّفَكُّرِ , وَقِيلَ بِاجْتِنَابِ رُؤْيَة مَا كَانَ يَقَع مِنْ قَوْمه وَرَجَّحَ الْآمِدِيّ وَجَمَاعَة الْأَوَّلَ ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينه عَلَى ثَمَانِيَة أَقْوَال آدَم أَوْ نُوح أَوْ إِبْرَاهِيم أَوْ مُوسَى أَوْ عِيسَى أَوْ أَيِّ شَرِيعَة أَوْ كُلّ شَرِيعَة أَوْ الْوَقْف. ‏ ‏قَوْله ( فَتُزَوِّدهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِحَذْفِ الضَّمِير وَقَوْله \" لِمِثْلِهَا \" تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي أَنَّ الضَّمِير لِلَّيَالِي , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِلْمَرَّةِ أَوْ الْفَعْلَة أَوْ الْخَلْوَة أَوْ الْعِبَادَة , وَرَجَّحَ شَيْخنَا الْبُلْقِينِيّ أَنَّ الضَّمِير لِلسَّنَةِ فَذَكَرَ مِنْ رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق كَانَ يَخْرُج إِلَى حِرَاء فِي كُلّ عَام شَهْرًا مِنْ السَّنَة يَتَنَسَّك فِيهِ يُطْعِم مَنْ جَاءَهُ مِنْ الْمَسَاكِين قَالَ وَظَاهِره أَنَّ التَّزَوُّد لِمِثْلِهَا كَانَ فِي السَّنَة الَّتِي تَلِيهَا لَا لِمُدَّةٍ أُخْرَى مِنْ تِلْكَ السَّنَة , وَقَدْ كُنْت قَوَّيْت هَذَا فِي التَّفْسِير ثُمَّ ظَهَرَ لِي بَعْد ذَلِكَ أَنَّ مُدَّة الْخَلْوَة كَانَتْ شَهْرًا كَانَ يَتَزَوَّد لِبَعْضِ لَيَالِي الشَّهْر فَإِذَا نَفَذَ ذَلِكَ الزَّاد رَجَعَ إِلَى أَهْله فَتَزَوَّدَ قَدْر ذَلِكَ مِنْ جِهَة أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِي سَعَة بَالِغَة مِنْ الْعَيْش , وَكَانَ غَالِبُ زَادِهِمْ اللَّبَن وَاللَّحْم وَذَلِكَ لَا يُدَّخَر مِنْهُ كِفَايَة الشُّهُور لِئَلَّا يُسْرِع إِلَيْهِ الْفَسَاد وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وُصِفَ بِأَنَّهُ كَانَ يُطْعِم مَنْ يَرِد عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقّ ) ‏ ‏حَتَّى هُنَا عَلَى بَابهَا مِنْ اِنْتِهَاء الْغَايَة , أَيْ اِنْتَهَى تَوَجُّهه لِغَارِ حِرَاء بِمَجِيءِ الْمَلَكِ فَتَرَكَ ذَلِكَ , وَقَوْله \" فَجِئَهُ \" بِفَتْحِ الْفَاء وَكَسْر الْجِيم ثُمَّ هَمْز أَيْ جَاءَهُ الْوَحْي بَغْتَة قَالَهُ النَّوَوِيّ , قَالَ : فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مُتَوَقِّعًا لِلْوَحْيِ , وَفِي إِطْلَاق هَذَا النَّفْي نَظَر فَإِنَّ الْوَحْي كَانَ جَاءَهُ فِي النَّوْم مِرَارًا قَالَهُ شَيْخنَا الْبُلْقِينِيّ وَأَسْنَدَهُ إِلَى مَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ فِي الْمَنَام نَظِير مَا وَقَعَ لَهُ فِي الْيَقَظَة مِنْ الْغَطّ وَالْأَمْر بِالْقِرَاءَةِ وَغَيْر ذَلِكَ اِنْتَهَى , وَفِي كَوْن ذَلِكَ يَسْتَلْزِم وُقُوعه فِي الْيَقَظَة حَتَّى يَتَوَقَّعهُ نَظَر فَالْأَوْلَى تَرْك الْجَزْم بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ , وَقَوْله \" الْحَقّ \" قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ أَمْر الْحَقّ , وَهُوَ الْوَحْي , أَوْ رَسُول الْحَقّ وَهُوَ جِبْرِيل. وَقَالَ شَيْخنَا : أَيْ الْأَمْر الْبَيِّن الظَّاهِر , أَوْ الْمُرَاد الْمَلَك بِالْحَقِّ أَيْ الْأَمْر الَّذِي بُعِثَ بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَجَاءَهُ الْمَلَك ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي الْكَلَام عَلَى الْفَاء الَّتِي فِي قَوْله \" فَجَاءَهُ الْمَلَك \" وَأَنَّهَا التَّفْسِيرِيَّة , وَقَالَ شَيْخنَا الْبُلْقِينِيّ : يَحْتَمِل أَنْ تَكُون لِلتَّعْقِيبِ وَالْمَعْنَى بِمَجِيءِ الْحَقّ اِنْكِشَاف الْحَال عَنْ أَمْر وَقَعَ فِي الْقَلْب فَجَاءَهُ الْمَلَك عَقِبه , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون سَبَبِيَّة أَيْ حَتَّى قُضِيَ بِمَجِيءِ الْوَحْي فَبِسَبَبِ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمَلَك. قُلْت : وَهَذَا أَقْرَبُ مِنْ الَّذِي قَبْله , وَقَوْله \" فِيهِ \" يُؤْخَذ مِنْهُ رَفْعُ تَوَهُّم مَنْ يَظُنّ أَنَّ الْمَلَك لَمْ يَدْخُل إِلَيْهِ الْغَار بَلْ كَلَّمَهُ وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِل الْغَار وَالْمَلَك عَلَى الْبَاب وَقَدْ عَزَوْت هَذِهِ الزِّيَادَة فِي التَّفْسِير لِدَلَائِل الْبَيْهَقِيِّ تَبَعًا لِشَيْخِنَا الْبُلْقِينِيّ ثُمَّ وَجَدْتهَا هُنَا فَكَانَ الْعَزْو إِلَيْهِ أَوْلَى فَأَلْحَقْت ذَلِكَ هُنَاكَ , قَالَ شَيْخنَا الْبُلْقِينِيّ : الْمَلَك الْمَذْكُور هُوَ جِبْرِيل كَمَا وَقَعَ شَاهِده فِي كَلَام وَرَقَة , وَكَمَا مَضَى فِي حَدِيث جَابِر أَنَّهُ الَّذِي جَاءَهُ بِحِرَاءٍ , وَوَقَعَ فِي شَرْح الْقُطْب الْحَلَبِيّ : الْمَلَك هُنَا هُوَ جِبْرِيل قَالَهُ السُّهَيْلِيّ , فَتَعَجَّبَ مِنْهُ شَيْخنَا وَقَالَ : هَذَا لَا خِلَاف فِيهِ فَلَا يَحْسُن عَزْوُهُ لِلسُّهَيْلِيّ وَحْده , قَالَ : وَاللَّام فِي الْمَلَك لِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّة لَا لِلْعَهْدِ إِلَّا أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ مَا عَهِدَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل ذَلِكَ لَمَّا كَلَّمَهُ فِي صِبَاهُ , أَوْ اللَّفْظ لِعَائِشَة وَقَصَدَتْ بِهِ مَا تَعَهَّدَهُ مَنْ تُخَاطِبهُ بِهِ اِنْتَهَى. وَقَدْ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هِيَ عِبَارَة عَمَّا عُرِفَ بَعْد أَنَّهُ مَلَك وَإِنَّمَا الَّذِي فِي الْأَصْل \" فَجَاءَهُ جَاءَ \" وَكَانَ ذَلِكَ الْجَائِي مَلَكًا فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ يَوْم أَخْبَرَ بِحَقِيقَةِ جِنْسه , وَكَأَنَّ الْحَامِل عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّم لَهُ مَعْرِفَة بِهِ اِنْتَهَى. وَقَدْ جَاءَ التَّصْرِيح بِأَنَّهُ جِبْرِيل فَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق أَبِي عِمْرَان الْجَوْنِيّ عَنْ رَجُل عَنْ عَائِشَة \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِعْتَكَفَ هُوَ وَخَدِيجَة فَوَافَقَ ذَلِكَ رَمَضَان , فَخَرَجَ يَوْمًا فَسَمِعَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ , قَالَ فَظَنَنْت أَنَّهُ مِنْ الْجِنّ فَقَالَ أَبْشِرُوا فَإِنَّ السَّلَام خَيْر , ثُمَّ رَأَى يَوْمًا آخَرَ جِبْرِيل عَلَى الشَّمْس لَهُ جَنَاح بِالْمَشْرِقِ وَجَنَاح بِالْمَغْرِبِ قَالَ : فَهِبْت مِنْهُ , الْحَدِيث , وَفِيهِ أَنَّهُ \" جَاءَهُ فَكَلَّمَهُ حَتَّى أَنِسَ بِهِ \" وَظَاهِره أَنَّ جَمِيع مَا وَقَعَ لَهُ كَانَ وَهُوَ فِي الْغَار , لَكِنْ وَقَعَ فِي مُرْسَل عُبَيْد بْن عُمَيْر \" فَأَجْلَسَنِي عَلَى دُرْنُوك فِيهِ الْيَاقُوت وَاللُّؤْلُؤ \" وَهُوَ بِضَمِّ الدَّال وَالنُّون بَيْنهمَا رَاء سَاكِنَة نَوْع مِنْ الْبُسُط لَهُ خَمْلٌ , وَفِي مُرْسَل الزُّهْرِيّ \" فَأَجْلَسَنِي عَلَى مَجْلِس كَرِيم مُعْجِب \" وَأَفَادَ شَيْخنَا أَنَّ سِنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين جَاءَهُ جِبْرِيل فِي حِرَاء كَانَ أَرْبَعِينَ سَنَة عَلَى الْمَشْهُور , ثُمَّ حَكَى أَقْوَالًا أُخْرَى قِيلَ أَرْبَعِينَ وَيَوْمًا وَقِيلَ عَشَرَة أَيَّام وَقِيلَ وَشَهْرَيْنِ وَقِيلَ وَسَنَتَيْنِ وَقِيلَ وَثَلَاثًا وَقِيلَ وَخَمْسًا , قَالَ : وَكَانَ ذَلِكَ يَوْم الِاثْنَيْنِ نَهَارًا , قَالَ : وَاخْتُلِفَ فِي الشَّهْر فَقِيلَ شَهْر رَمَضَان فِي سَابِع عَشَره وَقِيلَ سَابِعه وَقِيلَ رَابِع عَشَرِيّه. قُلْت : وَرَمَضَان هُوَ الرَّاجِح لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ الشَّهْر الَّذِي جَاءَ فِيهِ فِي حِرَاء فَجَاءَهُ الْمَلَك , وَعَلَى هَذَا يَكُون سِنّه حِينَئِذٍ أَرْبَعِينَ سَنَة وَسِتَّة أَشْهُر , وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْأَقْوَال الَّتِي حَكَاهَا شَيْخنَا. ثُمَّ قَالَ : وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيِّد ذَلِكَ مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّ وَحْي الْمَنَام كَانَ سِتَّة أَشْهُر , قَالَ شَيْخنَا : وَقِيلَ فِي سَابِع عَشَرِيّ مِنْ شَهْر رَجَب , وَقِيلَ فِي أَوَّل شَهْر رَبِيع الْأَوَّل وَقِيلَ فِي ثَامِنه اِنْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا أَنَّ مَجِيء جِبْرِيل كَانَ لَمَّا أَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْجِع إِلَى أَهْله , فَإِذَا هُوَ بِجِبْرِيل وَمِيكَائِيل , فَهَبَطَ جِبْرِيل إِلَى الْأَرْض وَبَقِيَ مِيكَائِيل بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض الْحَدِيث. فَيُسْتَفَاد مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون فِي آخِر شَهْر رَمَضَان , وَهُوَ قَوْل آخَر يُضَاف لِمَا تَقَدَّمَ وَلَعَلَّهُ أَرْجَحُهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ اقْرَأْ ) ‏ ‏قَالَ شَيْخنَا ظَاهِره أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّم مِنْ جِبْرِيل شَيْء قَبْل هَذِهِ الْكَلِمَة وَلَا السَّلَام , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَلَّمَ وَحُذِفَ ذِكْره لِأَنَّهُ مُعْتَاد , وَقَدْ سَلَّمَ الْمَلَائِكَة عَلَى إِبْرَاهِيم حِين دَخَلُوا عَلَيْهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَمْ يُسَلِّم لِأَنَّ الْمَقْصُود حِينَئِذٍ تَفْخِيم الْأَمْر وَتَهْوِيله , وَقَدْ تَكُون مَشْرُوعِيَّة اِبْتِدَاء السَّلَام تَتَعَلَّق بِالْبَشَرِ لَا مِنْ الْمَلَائِكَة وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي بَعْض الْأَحْيَان. قُلْت : وَالْحَالَة الَّتِي سَلَّمُوا فِيهَا عَلَى إِبْرَاهِيم كَانُوا فِي صُورَة الْبَشَر فَلَا تَرِد هُنَا , وَلَا يَرِد سَلَامهمْ عَلَى أَهْل الْجَنَّة لِأَنَّ أُمُور الْآخِرَة مُغَايِرَة لِأُمُورِ الدُّنْيَا غَالِبًا , وَقَدْ ذَكَرْت عَنْ رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ أَنَّ جِبْرِيل سَلَّمَ أَوَّلًا وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ سَلَّمَ عِنْد الْأَمْر بِالْقِرَاءَةِ وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذَا مُنَاسِب لِسِيَاقِ الْحَدِيث مِنْ أَوَّله إِلَى هُنَا بِلَفْظِ الْإِخْبَار بِطَرِيقِ الْإِرْسَال , وَوَقَعَ مِثْله فِي التَّفْسِير فِي رِوَايَة بَدْء الْوَحْي اِخْتِلَافٌ هَلْ فِيهِ قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ , أَوْ قُلْت مَا أَنَا بِقَارِئٍ وَجَمَعَ بَيْن اللَّفْظَيْنِ يُونُسُ عِنْد مُسْلِمٍ قَالَ \" قُلْت مَا أَنَا بِقَارِئٍ \" قَالَ شَيْخنَا الْبُلْقِينِيّ : وَظَاهِره أَنَّ عَائِشَة سَمِعْت ذَلِكَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَكُون مِنْ مُرْسَلَات الصَّحَابَة. ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَفْعَلَ تَرِد لِلْتَنْبِيهِ وَلَمْ يَذْكُرُوهُ قَالَهُ شَيْخنَا الْبُلْقِينِيّ , ثُمَّ قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون عَلَى بَابهَا لِطَلَبِ الْقِرَاءَة عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْإِمْكَان حَاصِل. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ اِقْرَأْ ) ‏ ‏قَالَ شَيْخنَا الْبُلْقِينِيّ رَحِمَهُ اللَّه : دَلَّتْ الْقِصَّة عَلَى أَنَّ مُرَاد جِبْرِيل بِهَذَا أَنْ يَقُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ مَا قَالَهُ وَهُوَ قَوْله \" اِقْرَأْ \" وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ اِقْرَأْ إِلَى آخِره لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ لَفْظه \" قُلْ \" أَيْضًا مِنْ الْقُرْآن. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون السِّرّ فِيهِ الِابْتِلَاء فِي أَوَّل الْأَمْر حَتَّى يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَا وَقَعَ , ثُمَّ قَالَ شَيْخنَا : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون جِبْرِيل أَشَارَ بِقَوْلِهِ اِقْرَأْ إِلَى مَا هُوَ مَكْتُوب فِي النَّمَط الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ \" مَا أَنَا بِقَارِئٍ \" أَيْ أُمِّيّ لَا أُحْسِنُ قِرَاءَة الْكُتُب , قَالَ : وَالْأَوَّل أَظْهَرُ وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ اِقْرَأْ التَّلَفُّظ بِهَا. ‏ ‏قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ رِوَايَة عُبَيْد بْن عُمَيْر إِنَّمَا ذَكَرَهَا عَنْ مَنَام تَقَدَّمَ , بِخِلَافِ حَدِيث عَائِشَة فَإِنَّهُ كَانَ فِي الْيَقَظَة , ثُمَّ تَكَلَّمَ شَيْخنَا عَلَى مَا كَانَ مَكْتُوبًا فِي ذَلِكَ النَّمَط فَقَالَ اِقْرَأْ أَيْ الْقَدْر الَّذِي أَقْرَأَهُ إِيَّاهُ وَهِيَ الْآيَات الْأُولَى مِنْ ( اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك ) وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون جُمْلَة الْقُرْآن , عَلَى هَذَا يَكُون الْقُرْآن نَزَلَ جُمْلَة وَاحِدَة بِاعْتِبَارٍ وَنَزَلَ مُنَجَّمًا بِاعْتِبَارٍ آخَر , قَالَ : وَفِي إِحْضَاره لَهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ آخِره يَكْمُل بِاعْتِبَارِ الْجُمْلَة ثُمَّ تَكْمُل بِاعْتِبَارِ التَّفْصِيل. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي أَنَّهُ رُوِيَ بِنَصْبِ الدَّال وَرَفْعِهَا وَتَوْجِيههمَا , وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : لَا أَرَى الَّذِي قَالَهُ بِالنَّصْبِ إِلَّا وَهْم فَإِنَّهُ يَصِير الْمَعْنَى أَنَّهُ غَطَّهُ حَتَّى اِسْتَفْرَغَ الْمَلَك قُوَّته فِي ضَغْطه بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَزِيد , وَهُوَ قَوْل غَيْر سَدِيد , فَإِنَّ الْبِنْيَة الْبَشَرِيَّة لَا تُطِيق اِسْتِيفَاء الْقُوَّة الْمَلَكِيَّة لَا سِيَّمَا فِي مُبْتَدَأ الْأَمْر , وَقَدْ صَرَّحَ الْحَدِيث بِأَنَّهُ دَاخَلَهُ الرُّعْب مِنْ ذَلِكَ. قُلْت : وَمَا الْمَانِع أَنْ يَكُون قَوَّاهُ اللَّه عَلَى ذَلِكَ وَيَكُون مِنْ جُمْلَة مُعْجِزَاته , وَقَدْ أَجَابَ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ جِبْرِيل لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ عَلَى صُورَته الْمَلَكِيَّة فَيَكُون اِسْتِفْرَاغ جَهْده بِحَسَبِ صُورَته الَّتِي جَاءَهُ بِهَا حِين غَطَّهُ قَالَ : وَإِذَا صَحَّتْ الرِّوَايَة اِضْمَحَلَّ الِاسْتِبْعَاد. قُلْت : التَّرْجِيح هُنَا مُتَعَيَّن لِاتِّحَادِ الْقِصَّة وَرِوَايَة الرَّفْع لَا إِشْكَال فِيهَا وَهِيَ الَّتِي ثَبَتَتْ عَنْ الْأَكْثَر فَتَرَجَّحَتْ وَإِنْ كَانَ لِلْأُخْرَى تَوْجِيه , وَقَدْ رَجَّحَ شَيْخنَا الْبُلْقِينِيّ بِأَنَّ فَاعِل بَلَغَ هُوَ الْغَطّ وَالتَّقْدِير بَلَغَ مِنِّي الْغَطُّ جَهْدَهُ أَيْ غَايَته فَيَرْجِع الرَّفْع وَالنَّصْب إِلَى مَعْنًى وَاحِد وَهُوَ أَوْلَى , قَالَ شَيْخنَا : وَكَانَ الَّذِي حَصَلَ لَهُ عِنْد تَلَقِّي الْوَحْي مِنْ الْجَهْد مُقَدِّمَة لِمَا صَارَ يَحْصُل لَهُ مِنْ الْكَرْب عِنْد نُزُول الْقُرْآن كَمَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" كَانَ يُعَالِج مِنْ التَّنْزِيل شِدَّة \" وَكَذَا فِي حَدِيث عَائِشَة وَعُمَر وَيَعْلَى بْن أُمَيَّة وَغَيْرهمْ , وَهِيَ حَالَة يُؤْخَذ فِيهَا عَنْ حَال الدُّنْيَا مِنْ غَيْر مَوْت , فَهُوَ مَقَام بَرْزَخِيّ يَحْصُل لَهُ عِنْد تَلَقِّي الْوَحْي , وَلَمَّا كَانَ الْبَرْزَخ الْعَامّ يَنْكَشِف فِيهِ لِلْمَيِّتِ كَثِير مِنْ الْأَحْوَال خَصَّ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِبَرْزَخٍ فِي الْحَيَاة يُلْقِي إِلَيْهِ فِيهِ وَحْيَهُ الْمُشْتَمِل عَلَى كَثِير مِنْ الْأَسْرَار , وَقَدْ يَقَع لِكَثِيرٍ مِنْ الصُّلَحَاء عِنْد الْغَيْبَة بِالنَّوْمِ أَوْ غَيْره اِطِّلَاع عَلَى كَثِير مِنْ الْأَسْرَار , وَذَلِكَ مُسْتَمَدّ مِنْ الْمَقَام النَّبَوِيّ , وَيَشْهَد لَهُ حَدِيث \" رُؤْيَا الْمُؤْمِن جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة \" كَمَا سَيَأْتِي الْإِلْمَام بِهِ قَرِيبًا. قَالَ السُّهَيْلِيّ : تَأْوِيل الْغَطَّاتِ الثَّلَاث عَلَى مَا فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق أَنَّهَا كَانَتْ فِي النَّوْم أَنَّهُ سَيَقَعُ لَهُ ثَلَاث شَدَائِد يُبْتَلَى بِهَا ثُمَّ يَأْتِي الْفَرَج , وَكَذَلِكَ كَانَ , فَإِنَّهُ لَقِيَ وَمَنْ تَبِعَهُ شِدَّة أُولَى بِالشِّعْبِ لَمَّا حَصَرَتْهُمْ قُرَيْش , وَثَانِيَة لَمَّا خَرَجُوا وَتَوَعَّدُوهُمْ بِالْقَتْلِ حَتَّى فَرُّوا إِلَى الْحَبَشَة , وَثَالِثَة لَمَّا هَمُّوا بِمَا هَمُّوا بِهِ مِنْ الْمَكْر بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ( وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك ) الْآيَة فَكَانَتْ لَهُ الْعَاقِبَة فِي الشَّدَائِد الثَّلَاث. وَقَالَ شَيْخنَا الْبُلْقِينِيّ مَا مُلَخَّصه : وَهَذِهِ الْمُنَاسَبَة حَسَنَة وَلَا يَتَعَيَّن لِلنَّوْمِ بَلْ تَكُون بِطَرِيقِ الْإِشَارَة فِي الْيَقَظَة , قَالَ : وَيُمْكِن أَنْ تَكُون الْمُنَاسَبَة أَنَّ الْأَمْر الَّذِي جَاءَهُ بِهِ ثَقِيل مِنْ حَيْثُ الْقَوْل وَالْعَمَل وَالنِّيَّة , أَوْ مِنْ جِهَة التَّوْحِيد وَالْأَحْكَام وَالْإِخْبَار بِالْغَيْبِ الْمَاضِي وَالْآتِي , وَأَشَارَ بِالْإِرْسَالَاتِ الثَّلَاث إِلَى حُصُول التَّيْسِير وَالتَّسْهِيل وَالتَّخْفِيف فِي الدُّنْيَا وَالْبَرْزَخ وَالْآخِرَة عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّته. ‏ ‏قَوْله ( فَرَجَعَ بِهَا ) ‏ ‏أَيْ رَجَعَ مُصَاحِبًا لِلْآيَاتِ الْخَمْس الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله ( تَرْجُف بَوَادِرُهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي بِلَفْظِ فُؤَاده قَالَ شَيْخنَا : الْحِكْمَة فِي الْعُدُول عَنْ الْقَلْب إِلَى الْفُؤَاد أَنَّ الْفُؤَاد وِعَاء الْقَلْب عَلَى مَا قَالَهُ بَعْض أَهْل اللُّغَة , فَإِذَا حَصَلَ لِلْوِعَاءِ الرَّجَفَان حَصَلَ لِمَا فِيهِ فَيَكُون فِي ذِكْره مِنْ تَعْظِيم الْأَمْر مَا لَيْسَ فِي ذِكْر الْقَلْب ؟ وَأَمَّا بَوَادِره فَالْمُرَاد بِهَا اللَّحْمَة الَّتِي بَيْن الْمَنْكِب وَالْعُنُق , جَرَتْ الْعَادَة بِأَنَّهَا تَضْطَرِب عِنْد الْفَزَع , وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى الْجَوْهَرِيّ أَنَّ اللَّحْمَة الْمَذْكُورَة سُمِّيَتْ بِلَفْظِ الْجَمْع , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن بَرِّيّ فَقَالَ : الْبَوَادِر جَمْع بَادِرَة وَهِيَ مَا بَيْن الْمَنْكِب وَالْعُنُق , يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَخْتَصّ بِعُضْوٍ وَاحِد , وَهُوَ جَيِّد فَيَكُون إِسْنَاد الرَّجَفَان إِلَى الْقَلْب لِكَوْنِهِ مَحَلّه وَإِلَى الْبَوَادِر لِأَنَّهَا مَظْهَره , وَأَمَّا قَوْل الدَّاوُدِيّ الْبَوَادِر وَالْفُؤَاد وَاحِد فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مَفَادهمَا وَاحِد عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ وَإِلَّا فَهُوَ مَرْدُود. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ قَدْ خَشِيت عَلَيَّ ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" عَلَى نَفْسِي \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَتْ لَهُ كَلَّا أَبْشِرْ ) ‏ ‏قَالَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ كَلَّا كَلِمَة نَفْي وَإِبْعَاد وَقَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى حَقًّا وَبِمَعْنَى الِاسْتِفْتَاح , وَقَالَ الْقَزَّاز : هِيَ هُنَا بِمَعْنَى الرَّدّ لِمَا خَشِيَ عَلَى نَفْسه أَيْ لَا خَشْيَة عَلَيْك , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة أَبِي مَيْسَرَة \" فَقَالَتْ مَعَاذ اللَّه \" وَمِنْ اللَّطَائِف أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَة الَّتِي اِبْتَدَأَتْ خَدِيجَة النُّطْق بِهَا عَقِب مَا ذَكَرَ لَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقِصَّة الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ هِيَ الَّتِي وَقَعَتْ عَقِب الْآيَات الْخَمْس مِنْ سُورَة اِقْرَأْ فِي نَسَق التِّلَاوَة فَجَرَتْ عَلَى لِسَانهَا اِتِّفَاقًا لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْد وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِي قِصَّة أَبِي جَهْل وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْمُفَسِّرِينَ , وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّهَا تَتَعَلَّق بِالْإِنْسَانِ الْمَذْكُور قِيلَ لِأَنَّ الْمَعْرِفَة إِذَا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً فَهِيَ عَيْن الْأُولَى , وَقَدْ أُعِيدَ الْإِنْسَان هُنَا كَذَلِكَ فَكَانَ التَّقْدِير كَلَّا لَا يَعْلَم الْإِنْسَان أَنَّ اللَّه هُوَ خَلَقَهُ وَعَلَّمَهُ إِنَّ الْإِنْسَان لَيَطْغَى , وَأَمَّا قَوْلهَا هُنَا \" أَبْشِرْ \" فَلَمْ يَقَع فِي حَدِيث عَائِشَة تَعْيِين الْمُبَشَّر بِهِ , وَوَقَعَ فِي دَلَائِل الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي مَيْسَرَة مُرْسَلًا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَّ عَلَى خَدِيجَة مَا رَأَى فِي الْمَنَام فَقَالَتْ لَهُ أَبْشِرْ فَإِنَّ اللَّه لَنْ يَصْنَع بِك إِلَّا خَيْرًا , ثُمَّ أَخْبَرَهَا بِمَا وَقَعَ لَهُ مِنْ شَقِّ الْبَطْن وَإِعَادَته فَقَالَتْ لَهُ أَبْشِرْ إِنَّ هَذَا وَاَللَّه خَيْر ثُمَّ اِسْتَعْلَنَ لَهُ جِبْرِيل فَذَكَرَ الْقِصَّة فَقَالَ لَهَا أَرَأَيْتُك الَّذِي كُنْت رَأَيْت فِي الْمَنَام فَإِنَّهُ جِبْرِيل اِسْتَعْلَنَ لِي بِأَنَّ رَبِّي أَرْسَلَهُ إِلَيَّ , وَأَخْبَرَهَا بِمَا جَاءَ بِهِ , فَقَالَتْ : أَبْشِرْ , فَوَاللَّهِ لَا يَفْعَل اللَّه بِك إِلَّا خَيْرًا , فَاقْبَلْ الَّذِي جَاءَك مِنْ اللَّه فَإِنَّهُ حَقّ , وَأَبْشِرْ فَإِنَّك رَسُول اللَّه حَقًّا. ‏ ‏قُلْت : هَذَا أَصْرَحُ مَا وَرَدَ فِي أَنَّهَا أَوَّل الْآدَمِيِّينَ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( لَا يُخْزِيك اللَّه أَبَدًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" لَا يُحْزِنك \" بِمُهْمَلَةٍ وَنُون. ‏ ‏قَوْله ( وَهُوَ اِبْن عَمّ خَدِيجَة أَخُو أَبِيهَا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا وَأَخُو صِفَةٌ لِلْعَمِّ فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُذْكَرَ مَجْرُورًا وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عَسَاكِر \" أَخِي أَبِيهَا \" وَتَوْجِيه رِوَايَة الرَّفْع أَنَّهُ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف. ‏ ‏قَوْله ( تَنَصَّرَ ) ‏ ‏أَيْ دَخَلَ فِي دِين النَّصْرَانِيَّة. ‏ ‏قَوْله : ( فِي الْجَاهِلِيَّة ) ‏ ‏أَيْ قَبْل الْبَعْثَة الْمُحَمَّدِيَّة , وَقَدْ تُطْلَق الْجَاهِلِيَّة وَيُرَاد بِهَا مَا قَبْل دُخُول الْمَحْكِيّ عَنْهُ فِي الْإِسْلَام وَلَهُ أَمْثِلَة كَثِيرَة. ‏ ‏قَوْله ( أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ ) ‏ ‏؟ تَقَدَّمَ ضَبْطه فِي أَوَّل الْكِتَاب وَتَمَامه فِي التَّفْسِير , قَالَ السُّهَيْلِيّ : يُؤْخَذ مِنْهُ شِدَّة مُفَارَقَة الْوَطَن عَلَى النَّفْس فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ قَوْل وَرَقَة أَنَّهُمْ يُؤْذُونَهُ وَيُكَذِّبُونَهُ فَلَمْ يَظْهَر مِنْهُ اِنْزِعَاج لِذَلِكَ فَلَمَّا ذَكَرَ لَهُ الْإِخْرَاج تَحَرَّكَتْ نَفْسه لِذَلِكَ لِحُبِّ الْوَطَن وَإِلْفه فَقَالَ \" أَوْ مُخْرِجِيَّ هُمْ \" ؟ قَالَ وَيُؤَيِّد ذَلِكَ إِدْخَال الْوَاو بَعْد أَلِف الِاسْتِفْهَام مَعَ اِخْتِصَاص الْإِخْرَاج بِالسُّؤَالِ عَنْهُ فَأَشْعَرَ بِأَنَّ الِاسْتِفْهَام عَلَى سَبِيل الْإِنْكَار أَوْ التَّفَجُّع , وَيُؤَكِّد ذَلِكَ أَنَّ الْوَطَن الْمُشَار إِلَيْهِ حَرَمُ اللَّه وَجِوَار بَيْته وَبَلْدَة الْآبَاء مِنْ عَهْد إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِنْزِعَاجه كَانَ مِنْ جِهَة خَشْيَة فَوَات مَا أَمَلَهُ مِنْ إِيمَان قَوْمه بِاَللَّهِ وَإِنْقَاذهمْ بِهِ مِنْ وَضَر الشِّرْك وَأَدْنَاس الْجَاهِلِيَّة وَمِنْ عَذَاب الْآخِرَة وَلِيَتِمّ لَهُ الْمُرَاد مِنْ إِرْسَاله إِلَيْهِمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِنْزَعَجَ مِنْ الْأَمْرَيْنِ مَعًا. ‏ ‏قَوْله ( لَمْ يَأْتِ رَجُل قَطُّ بِمَا جِئْت بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بِمِثْلِ مَا جِئْت بِهِ \" وَكَذَا لِلْبَاقِينَ. ‏ ‏قَوْله ( نَصْرًا مُؤَزَّرًا ) ‏ ‏بِالْهَمْزِ لِلْأَكْثَرِ وَتَشْدِيد الزَّاي بَعْدهَا رَاء مِنْ التَّأْزِير أَيْ التَّقْوِيَة وَأَصْله مِنْ الْأَزْر وَهُوَ الْقُوَّة , وَقَالَ الْقَزَّاز : الصَّوَاب مُوزَرًا بِغَيْرِ هَمْز مِنْ وَازَرْتُهُ مُوَازَرَةً إِذَا عَاوَنْته , وَمِنْهُ أُخِذَ وُزَرَاء الْمَلِك , وَيَجُوز حَذْف الْأَلِف فَتَقُول نَصْرًا مُوزَرًا , وَيَرُدّ عَلَيْهِ قَوْل الْجَوْهَرِيّ آزَرْت فُلَانًا عَاوَنْته وَالْعَامَّة تَقُول وَازَرْتُهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَفَتَرَ الْوَحْي ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي مُدَّة هَذِهِ الْفَتْرَة فِي أَوَّل الْكِتَاب , وَقَوْله هُنَا \" فَتْرَة حَتَّى حَزِنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنَا \" هَذَا وَمَا بَعْده مِنْ زِيَادَة مَعْمَر عَلَى رِوَايَة عُقَيْل و يُونُس. وَصَنِيع الْمُؤَلِّف يُوهِم أَنَّهُ دَاخِل فِي رِوَايَة عُقَيْل , وَقَدْ جَرَى عَلَى ذَلِكَ الْحُمَيْدِيّ فِي جَمْعه فَسَاقَ الْحَدِيث إِلَى قَوْله \" وَفَتَرَ الْوَحْي \" ثُمَّ قَالَ : اِنْتَهَى حَدِيث عُقَيْل الْمُفْرَد عَنْ اِبْن شِهَاب إِلَى حَيْثُ ذَكَرْنَا , وَزَادَ عَنْهُ الْبُخَارِيّ فِي حَدِيثه الْمُقْتَرِن بِمَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيّ فَقَالَ \" وَفَتَرَ الْوَحْي فَتْرَة حَتَّى حَزِنَ \" فَسَاقَهُ إِلَى آخِره , وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة خَاصَّة بِرِوَايَةِ مَعْمَر , فَقَدْ أَخْرَجَ طَرِيقَ عُقَيْلٍ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيق أَبِي زُرْعَة الرَّازِيّ عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فِي أَوَّل الْكِتَاب بِدُونِهَا , وَأَخْرَجَهُ مَقْرُونًا هُنَا بِرِوَايَةِ مَعْمَر وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّفْظ لِمَعْمَرٍ وَكَذَلِكَ صَرَّحَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة مَعْمَر , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْرهمْ وَأَبُو نُعَيْم أَيْضًا مِنْ طَرِيق جَمْع مِنْ أَصْحَاب اللَّيْث عَنْ اللَّيْث بِدُونِهَا , ثُمَّ إِنَّ الْقَائِل فِيمَا بَلَغَنَا هُوَ الزُّهْرِيّ , وَمَعْنَى الْكَلَام أَنَّ فِي جُمْلَة مَا وَصَلَ إِلَيْنَا مِنْ خَبَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة وَهُوَ مِنْ بَلَاغَات الزُّهْرِيّ وَلَيْسَ مَوْصُولًا , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا هُوَ الظَّاهِر وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بَلَغَهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن مَرْدُوَيْهِ فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن كَثِير عَنْ مَعْمَر بِإِسْقَاطِ قَوْله \" فِيمَا بَلَغَنَا \" وَلَفْظه \" فَتْرَة حَزِنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ \" إِلَى آخِره , فَصَارَ كُلّه مُدْرَجًا عَلَى رِوَايَة الزُّهْرِيّ وَعَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة , وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد , قَوْله فِيهَا \" فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَة الْوَحْي \" قَدْ يَتَمَسَّك بِهِ مَنْ يُصَحِّح مُرْسَل الشَّعْبِيّ فِي أَنَّ مُدَّة الْفَتْرَة كَانَتْ سَنَتَيْنِ وَنِصْفًا كَمَا نَقَلْته فِي أَوَّل بَدْء الْوَحْي , وَلَكِنْ يُعَارِضهُ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِنَحْوِ هَذَا الْبَلَاغ الَّذِي ذَكَرَهُ الزُّهْرِيّ , وَقَوْله \" مَكَثَ أَيَّامًا بَعْد مَجِيء الْوَحْي لَا يَرَى جِبْرِيل فَحَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا حَتَّى كَادَ يَغْدُو إِلَى ثَبِير مَرَّة وَإِلَى حِرَاء أُخْرَى يُرِيد أَنْ يُلْقِي نَفْسه فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ عَامِدًا لِبَعْضِ تِلْكَ الْجِبَال إِذْ سَمِعَ صَوْتًا فَوَقَفَ فَزِعًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه فَإِذَا جِبْرِيل عَلَى كُرْسِيّ بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض مُتَرَبِّعًا يَقُول يَا مُحَمَّد أَنْتَ رَسُول اللَّه حَقًّا وَأَنَا جِبْرِيل , فَانْصَرَفَ وَقَدْ أَقَرَّ اللَّه عَيْنه وَانْبَسَطَ جَأْشُهُ ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْي \" فَيُسْتَفَاد مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة تَسْمِيَة بَعْض الْجِبَال الَّتِي أُبْهِمَتْ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ وَتَقْلِيل مُدَّة الْفَتْرَة وَاَللَّه أَعْلَمُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة وَالضُّحَى شَيْء يَتَعَلَّق بِفَتْرَةِ الْوَحْي. ‏ ‏قَوْله ( فَيَسْكُن لِذَلِكَ جَأْشه ) ‏ ‏بِجِيمٍ وَهَمْزَة سَاكِنَة وَقَدْ تُسَهَّل وَبَعْدهَا شِين مُعْجَمَة قَالَ الْخَلِيل الْجَأْش النَّفْس فَعَلَى هَذَا فَقَوْله \" وَتَقَرّ نَفْسه \" تَأْكِيد لَفْظِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَدَا ) ‏ ‏بِعَيْنٍ مُهْمَلَة مِنْ الْعَدْو وَهُوَ الذَّهَاب بِسُرْعَةٍ , وَمِنْهُمْ مَنْ أَعْجَمَهَا مِنْ الذَّهَاب غُدْوَة. ‏ ‏قَوْله ( بِذِرْوَةِ جَبَل ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين رَوَيْنَاهُ بِكَسْرِ أَوَّله وَضَمّه , وَهُوَ فِي كُتُب اللُّغَة بِالْكَسْرِ لَا غَيْر قُلْت : بَلْ حُكِيَ تَثْلِيثه , وَهُوَ أَعْلَى الْجَبَل وَكَذَا الْجَمَل. ‏ ‏قَوْله ( تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" بَدَا لَهُ \" وَهُوَ بِمَعْنَى الظُّهُور. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَهُ مِثْل ذَلِكَ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَثِير \" حَتَّى كَثُرَ الْوَحْي وَتَتَابَعَ \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : مَوَّهَ بَعْض الطَّاعِنِينَ عَلَى الْمُحَدِّثِينَ فَقَالَ كَيْف يَجُوز لِلنَّبِيِّ أَنْ يَرْتَاب فِي نُبُوَّته حَتَّى يَرْجِع إِلَى وَرَقَة وَيَشْكُو لِخَدِيجَةَ مَا يَخْشَاهُ , وَحَتَّى يُوفِيَ بِذِرْوَةِ جَبَل لِيُلْقِيَ مِنْهَا نَفْسه عَلَى مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مَعْمَر ؟ قَالَ : وَلَئِنْ جَازَ أَنْ يَرْتَاب مَعَ مُعَايَنَة النَّازِل عَلَيْهِ مِنْ رَبّه فَكَيْف يُنْكَر عَلَى مَنْ اِرْتَابَ فِيمَا جَاءَهُ بِهِ مَعَ عَدَم الْمُعَايَنَة ؟ قَالَ : وَالْجَوَاب أَنَّ عَادَة اللَّه جَرَتْ بِأَنَّ الْأَمْر الْجَلِيل إِذَا قُضِيَ بِإِيصَالِهِ إِلَى الْخَلْق أَنْ يَقْدَمهُ تَرْشِيح وَتَأْسِيس , فَكَانَ مَا يَرَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الرُّؤْيَا الصَّادِقَة وَمَحَبَّة الْخَلْوَة وَالتَّعَبُّد مِنْ ذَلِكَ , فَلَمَّا فَجِئَهُ الْمَلَك فَجِئَهُ بَغْتَة أَمْرٌ خَالَفَ الْعَادَة وَالْمَأْلُوف فَنَفَرَ طَبْعُهُ الْبَشَرِيُّ مِنْهُ وَهَالَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَتَمَكَّن مِنْ التَّأَمُّل فِي تِلْكَ الْحَال , لِأَنَّ النُّبُوَّة لَا تُزِيل طِبَاع الْبَشَرِيَّة كُلّهَا , فَلَا يُتَعَجَّب أَنْ يَجْزَع مِمَّا لَمْ يَأْلَفهُ وَيَنْفِر طَبْعه مِنْهُ حَتَّى إِذَا تَدَرَّجَ عَلَيْهِ وَأَلِفَهُ اِسْتَمَرَّ عَلَيْهِ , فَلِذَلِكَ رَجَعَ إِلَى أَهْله الَّتِي أَلِفَ تَأْنِيسهَا لَهُ فَأَعْلَمَهَا بِمَا وَقَعَ لَهُ فَهَوَّنَتْ عَلَيْهِ خَشْيَته بِمَا عَرَفَتْهُ مِنْ أَخْلَاقه الْكَرِيمَة وَطَرِيقَته الْحَسَنَة , فَأَرَادَتْ الِاسْتِظْهَار بِمَسِيرِهَا بِهِ إِلَى وَرَقَة لِمَعْرِفَتِهَا بِصِدْقِهِ وَمَعْرِفَته وَقِرَاءَته الْكُتُبَ الْقَدِيمَةَ , فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَهُ أَيْقَنَ بِالْحَقِّ وَاعْتَرَفَ بِهِ , ثُمَّ كَانَ مِنْ مُقَدِّمَات تَأْسِيس النُّبُوَّة فَتْرَة الْوَحْي لِيَتَدَرَّج فِيهِ وَيَمْرُن عَلَيْهِ , فَشَقَّ عَلَيْهِ فُتُورُهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ خُوطِبَ عَنْ اللَّه بَعْد أَنَّك رَسُول مِنْ اللَّه وَمَبْعُوث إِلَى عِبَاده , فَأَشْفَقَ أَنْ يَكُون ذَلِكَ أَمْر بُدِئَ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَرِد اِسْتِفْهَامه فَحَزِنَ لِذَلِكَ , حَتَّى تَدَرَّجَ عَلَى اِحْتِمَال أَعْبَاء النُّبُوَّة وَالصَّبْر عَلَى ثِقَلِ مَا يَرِد عَلَيْهِ فَتَحَ اللَّه لَهُ مِنْ أَمْره بِمَا فَتَحَ قَالَ : وَمِثَال مَا وَقَعَ لَهُ فِي أَوَّل مَا خُوطِبَ وَلَمْ يَتَحَقَّق الْحَال عَلَى جَلِيَّتهَا مَثَل رَجُل سَمِعَ آخَر يَقُول \" الْحَمْد لِلَّهِ \" فَلَمْ يَتَحَقَّق أَنَّهُ يَقْرَأ حَتَّى إِذَا وَصَلَهَا بِمَا بَعْدهَا مِنْ الْآيَات تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَقْرَأ , وَكَذَا لَوْ سَمِعَ قَائِلًا يَقُول \" خَلَتْ الدِّيَار \" لَمْ يَتَحَقَّق أَنَّهُ يُنْشِد شِعْرًا حَتَّى يَقُول \" مَحَلّهَا وَمَقَامهَا \" اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْحِكْمَة فِي ذِكْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا اِتَّفَقَ لَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّة أَنْ يَكُون سَبَبًا فِي اِنْتِشَار خَبَره فِي بِطَانَته وَمَنْ يَسْتَمِع لِقَوْلِهِ وَيُصْغِي إِلَيْهِ , وَطَرِيقًا فِي مَعْرِفَتهمْ مُبَايَنَة مَنْ سِوَاهُ فِي أَحْوَاله لِيُنَبِّهُوا عَلَى مَحَلّه , قَالَ : وَأَمَّا إِرَادَته إِلْقَاء نَفْسه مِنْ رُءُوس الْجِبَال بَعْدَمَا نُبِّئَ فَلِضَعْفِ قُوَّته عَنْ تَحَمُّل مَا حَمَلَهُ مِنْ أَعْبَاء النُّبُوَّة , وَخَوْفًا مِمَّا يَحْصُل لَهُ مِنْ الْقِيَام بِهَا مِنْ مُبَايَنَة الْخَلْق جَمِيعًا , كَمَا يَطْلُب الرَّجُل الرَّاحَة مِنْ غَمٍّ يَنَالهُ فِي الْعَاجِل بِمَا يَكُون فِيهِ زَوَاله عَنْهُ وَلَوْ أَفْضَى إِلَى إِهْلَاك نَفْسه عَاجِلًا , حَتَّى إِذَا تَفَكَّرَ فِيمَا فِيهِ صَبْرُهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْعُقْبَى الْمَحْمُودَةِ صَبَرَ وَاسْتَقَرَّتْ نَفْسه. قُلْت : أَمَّا الْإِرَادَة الْمَذْكُورَة فِي الزِّيَادَة الْأُولَى فَفِي صَرِيح الْخَبَر أَنَّهَا كَانَتْ حُزْنًا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ الْأَمْر الَّذِي بَشَّرَهُ بِهِ وَرَقَة وَأَمَّا الْإِرَادَة الثَّانِيَة , بَعْد أَنْ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيل وَقَالَ لَهُ إِنَّك رَسُول اللَّه حَقًّا فَيَحْتَمِل مَا قَالَهُ , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ بِمَعْنَى الَّذِي قَبْله , وَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَوَقَعَ قَبْل ذَلِكَ فِي اِبْتِدَاء مَجِيء جِبْرِيل , وَيُمْكِن أَنْ يُؤْخَذ مِمَّا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق النُّعْمَان بْن رَاشِد عَنْ اِبْن شِهَاب فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث الْبَاب وَفِيهِ \" فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّد أَنْتَ رَسُول اللَّه حَقًّا قَالَ فَلَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَطْرَحَ نَفْسِي مِنْ حَالِق جَبَل \" أَيْ مِنْ عُلُوِّهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فَالِق الْإِصْبَاح ضَوْء الشَّمْس بِالنَّهَارِ وَضَوْء الْقَمَر بِاللَّيْلِ ) ‏ ‏ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِي وَالْكُشْمِيهَنِيّ وَكَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَلِأَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ عَنْ الْفَرَبْرِيّ , وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ‏ ‏قَوْله ( فَالِق الْإِصْبَاح ) ‏ ‏يَعْنِي بِالْإِصْبَاحِ ضَوْء الشَّمْس بِالنَّهَارِ وَضَوْء الْقَمَر بِاللَّيْلِ , وَتَعَقَّبَ بَعْضُهُمْ هَذَا عَلَى الْبُخَارِيّ فَقَالَ : إِنَّمَا فَسَّرَ اِبْن عَبَّاس الْإِصْبَاح وَلَفْظ \" فَالِق \" هُوَ الْمُرَاد هُنَا لِأَنَّ الْبُخَارِيّ إِنَّمَا ذَكَرَهُ عَقِب هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَجْل مَا وَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة \" فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْل فَلَق الصُّبْح \" فَلِإِيرَادِ الْبُخَارِيّ وَجْه , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِر التَّفْسِير قَوْل مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله ( قُلْ أَعُوذ بِرَبِّ الْفَلَق ) إِنَّ الْفَلَق الصُّبْح وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ هُنَا عَنْهُ فِي قَوْله ( فَالِق الْإِصْبَاح ) قَالَ إِضَاءَة الصُّبْح , وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِفَلَقِ الصُّبْح إِضَاءَته , وَالْفَالِق اِسْم فَاعِل ذَلِكَ , وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الضَّحَّاك : الْإِصْبَاح خَالِق النُّور نُور النَّهَار , وَقَالَ بَعْض أَهْل اللُّغَة : الْفَلْق شَقُّ الشَّيْء , وَقَيَّدَهُ الرَّاغِب بِإِبَانَةِ بَعْضه مِنْ بَعْض , وَمِنْهُ فَلَقَ مُوسَى الْبَحْر فَانْفَلَقَ , وَنَقَلَ الْفَرَّاء أَنَّ فَطَرَ وَخَلَقَ وَفَلَقَ بِمَعْنًى وَاحِد , وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى ( فَالِق الْحَبّ وَالنَّوَى ) أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الشَّقّ الَّذِي فِي الْحَبَّة مِنْ الْحِنْطَة وَفِي النَّوَاة , وَهَذَا يَرُدّ عَلَى تَقْيِيد الرَّاغِب , وَالْإِصْبَاح فِي الْأَصْل مَصْدَر أَصْبَحَ إِذَا دَخَلَ فِي الصُّبْح سُمِّيَ بِهِ الصُّبْح , قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : ‏ ‏أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي ‏ ‏بِصُبْحٍ وَمَا الْإِصْبَاحُ فِيك بِأَمْثَلِ ‏"
    },
    {
        "id": "6468",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ) ‏ ‏سَيَأْتِي بَعْد بَاب مِنْ وَجْه آخَر \" عَنْ أَنَس عَنْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت \" وَيَأْتِي بَيَانه هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله ( الرُّؤْيَا الْحَسَنَة مِنْ الرَّجُل الصَّالِح ) ‏ ‏هَذَا يُقَيِّد مَا أُطْلِقَ فِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة كَقَوْلِهِ \" رُؤْيَا الْمُؤْمِن جُزْء \" وَلَمْ يُقَيِّدهَا بِكَوْنِهَا حَسَنَة وَلَا بِأَنَّ رَائِيهَا صَالِح , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" الرُّؤْيَا الصَّالِحَة \" وَهُوَ تَفْسِير الْمُرَاد بِالْحَسَنَةِ هُنَا , قَالَ الْمُهَلَّب : الْمُرَاد غَالِب رُؤْيَا الصَّالِحِينَ , وَإِلَّا فَالصَّالِح قَدْ يَرَى الْأَضْغَاث وَلَكِنَّهُ نَادِر لِقِلَّةِ تَمَكُّن الشَّيْطَان مِنْهُمْ , بِخِلَافِ عَكْسهمْ فَإِنَّ الصِّدْق فِيهَا نَادِر لِغَلَبَةِ تَسَلُّط الشَّيْطَان عَلَيْهِمْ , قَالَ : فَالنَّاس عَلَى هَذَا ثَلَاث دَرَجَات : الْأَنْبِيَاء وَرُؤْيَاهُمْ كُلّهَا صِدْق وَقَدْ يَقَع فِيهَا مَا يَحْتَاج إِلَى تَعْبِير , وَالصَّالِحُونَ وَالْأَغْلَب عَلَى رُؤْيَاهُمْ الصِّدْق وَقَدْ يَقَع فِيهَا مَا لَا يَحْتَاج إِلَى تَعْبِير , وَمَنْ عَدَاهُمْ يَقَع فِي رُؤْيَاهُمْ الصِّدْق وَالْأَضْغَاث وَهِيَ ثَلَاثَة أَقْسَام : مَسْتُورُونَ فَالْغَالِب اِسْتِوَاء الْحَال فِي حَقّهمْ , وَفَسَقَةٌ وَالْغَالِب عَلَى رُؤْيَاهُمْ الْأَضْغَاث وَيَقِلُّ فِيهَا الصِّدْق , وَكُفَّار وَيَنْدُر فِي رُؤْيَاهُمْ الصِّدْق جِدًّا وَيُشِير إِلَى ذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي \" بَاب الْقَيْد فِي الْمَنَام \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ وَقَعَتْ الرُّؤْيَا الصَّادِقَة مِنْ بَعْض الْكُفَّار كَمَا فِي رُؤْيَا صَاحِبَيْ السِّجْن مَعَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام وَرُؤْيَا مَلِكهمَا وَغَيْر ذَلِكَ , وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : رُؤْيَا الْمُؤْمِن الصَّالِح هِيَ الَّتِي تُنْسَب إِلَى أَجْزَاء النُّبُوَّة , وَمَعْنَى صَلَاحهَا اِسْتِقَامَتهَا وَانْتِظَامهَا , قَالَ : وَعِنْدِي أَنَّ رُؤْيَا الْفَاسِق لَا تُعَدّ فِي أَجْزَاء النُّبُوَّة , وَقِيلَ تُعَدّ مِنْ أَقْصَى الْأَجْزَاء , وَأَمَّا رُؤْيَا الْكَافِر فَلَا تُعَدّ أَصْلًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْمُسْلِم الصَّادِق الصَّالِح هُوَ الَّذِي يُنَاسِب حَالُهُ حَالَ الْأَنْبِيَاء فَأُكْرِمَ بِنَوْعٍ مِمَّا أُكْرِمَ بِهِ الْأَنْبِيَاء وَهُوَ الِاطِّلَاع عَلَى الْغَيْب , وَأَمَّا الْكَافِر وَالْفَاسِق وَالْمُخَلِّط فَلَا , وَلَوْ صَدَقَتْ رُؤْيَاهُمْ أَحْيَانًا فَذَاكَ كَمَا قَدْ يَصْدُق الْكَذُوب وَلَيْسَ كُلّ مَنْ حَدَّثَ عَنْ غَيْب يَكُون خَبَره مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة كَالْكَاهِنِ وَالْمُنَجِّم. وَقَوْله \" مِنْ الرَّجُل \" ذُكِرَ لِلْغَالِبِ فَلَا مَفْهُوم لَهُ فَإِنَّ الْمَرْأَة الصَّالِحَة كَذَلِكَ قَالَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ. ‏ ‏قَوْله ( جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيث , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" جُزْء مِنْ خَمْسَة وَأَرْبَعِينَ \" أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْهُ , وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيق عَوْف عَنْ مُحَمَّد بِلَفْظِ \" سِتَّة \" كَالْجَادَّةِ , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" جُزْء مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن مَسْعُود مَوْقُوفًا , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ مَرْفُوعًا , وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ \" جُزْء مِنْ سِتَّة وَسَبْعِينَ \" وَسَنَدهَا ضَعِيف , وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة أَيْضًا مِنْ رِوَايَة حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَوْقُوفًا كَذَلِكَ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا , لَكِنْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح كَالْجَادَّةِ , وَلِابْنِ مَاجَهْ مِثْل حَدِيث اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا وَسَنَده لَيِّن , وَعِنْد أَحْمَدَ وَالْبَزَّار عَنْ اِبْن عَبَّاس بِمِثْلِهِ وَسَنَده جَيِّد , وَأَخْرَجَ اِبْن عَبْد الْبَرّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُخْتَار عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا \" جُزْء مِنْ سِتَّة وَعِشْرِينَ \" وَالْمَحْفُوظ مِنْ هَذَا الْوَجْه كَالْجَادَّةِ , وَسَيَأْتِي لِلْبُخَارِيِّ قَرِيبًا , وَمِثْله لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ ثَابِت , وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرِيّ فِي \" تَهْذِيب الْآثَار \" مِنْ طَرِيق الْأَعْرَج عَنْ سُلَيْمَان بْن عَرِيب بِمُهْمَلَةٍ وَزْن عَظِيم مِنْ أَبِي هُرَيْرَة كَالْجَادَّةِ , قَالَ سُلَيْمَان : فَذَكَرْته لِابْنِ عَبَّاس فَقَالَ \" جُزْء مِنْ خَمْسِينَ \" فَقُلْت لَهُ إِنِّي سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فَإِنِّي سَمِعْت الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب يَقُول \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول الرُّؤْيَا الصَّالِحَة مِنْ الْمُؤْمِن جُزْء مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة \" وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالطَّبَرِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي رَزِين الْعُقَيْلِيّ \" جُزْء مِنْ أَرْبَعِينَ \" وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَرَ كَالْجَادَّةِ , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَرْبَعِينَ \" وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيث عُبَادَةَ \" جُزْء مِنْ أَرْبَعَة وَأَرْبَعِينَ \" وَالْمَحْفُوظ عَنْ عُبَادَةَ كَالْجَادَّةِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد بَاب وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ \" جُزْء مِنْ تِسْعَة وَأَرْبَعِينَ \" وَذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" بِلَفْظِ \" سَبْعَة \" بِتَقْدِيمِ السِّين , فَحَصَلْنَا مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَات عَلَى عَشَرَة أَوْجُهٍ أَقَلُّهَا جُزْء مِنْ سِتَّة وَعِشْرِينَ وَأَكْثَرُهَا مِنْ سِتَّة وَسَبْعِينَ وَبَيْن ذَلِكَ أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعَة وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسَة وَأَرْبَعِينَ وَسِتَّة وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعَة وَأَرْبَعِينَ وَتِسْعَة وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِينَ , أَصَحُّهَا مُطْلَقًا الْأَوَّل وَيَلِيهِ السَّبْعِينَ , وَوَقَعَ فِي شَرْح النَّوَوِيّ وَفِي رِوَايَة عُبَادَةَ أَرْبَعَة وَعِشْرِينَ , وَفِي رِوَايَة اِبْن عُمَر سِتَّة وَعِشْرِينَ وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ لَا أَعْرِف مَنْ أَخْرَجَهُمَا إِلَّا أَنَّ بَعْضهمْ نَسَبَ رِوَايَة اِبْن عُمَر هَذِهِ لِتَخْرِيجِ الطَّبَرِيّ , وَوَقَعَ فِي كَلَام اِبْن أَبِي جَمْرَة أَنَّهُ وَرَدَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَة فَذَكَرَ بَعْض مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ فِي رِوَايَة اِثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ , وَفِي أُخْرَى اِثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَفِي أُخْرَى سَبْعَة وَعِشْرِينَ وَفِي أُخْرَى خَمْسَة وَعِشْرِينَ فَبَلَغَتْ عَلَى هَذَا خَمْسَة عَشَرَ لَفْظًا. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ كَوْن الرُّؤْيَا جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة مَعَ أَنَّ النُّبُوَّة اِنْقَطَعَتْ بِمَوْتِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقِيلَ فِي الْجَوَاب إِنْ وَقَعَتْ الرُّؤْيَا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ جُزْء مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة حَقِيقَة وَإِنْ وَقَعَتْ مِنْ غَيْر النَّبِيّ فَهِيَ جُزْء مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة عَلَى سَبِيل الْمَجَاز. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الرُّؤْيَا تَجِيء عَلَى مُوَافَقَة النُّبُوَّة لَا أَنَّهَا جُزْء بَاقٍ مِنْ النُّبُوَّة , وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنَّهَا جُزْء مِنْ عِلْم النُّبُوَّة لِأَنَّ النُّبُوَّة وَإِنْ اِنْقَطَعَتْ فَعِلْمهَا بَاقٍ , وَتُعُقِّبَ بِقَوْلِ مَالِك فِيمَا حَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّهُ سُئِلَ : أَيَعْبُرُ الرُّؤْيَا كُلُّ أَحَد ؟ فَقَالَ أَبِالنُّبُوَّةِ يُلْعَب ؟ ثُمَّ قَالَ : الرُّؤْيَا جُزْء مِنْ النُّبُوَّة فَلَا يُلْعَب بِالنُّبُوَّةِ. وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهَا نُبُوَّة بَاقِيَة وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا لَمَّا أَشْبَهَتْ النُّبُوَّة مِنْ جِهَة الِاطِّلَاع عَلَى بَعْض الْغَيْب لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَكَلَّم فِيهَا بِغَيْرِ عِلْم. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : كَوْن الرُّؤْيَا جُزْءًا مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة مِمَّا يُسْتَعْظَم وَلَوْ كَانَتْ جُزْءًا مِنْ أَلْف جُزْء , فَيُمْكِن أَنْ يُقَال إِنَّ لَفْظ النُّبُوَّة مَأْخُوذ مِنْ الْإِنْبَاء وَهُوَ الْإِعْلَام لُغَة , فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى أَنَّ الرُّؤْيَا خَبَر صَادِق مِنْ اللَّه لَا كَذِب فِيهِ كَمَا أَنَّ مَعْنَى النُّبُوَّة نَبَأ صَادِق مِنْ اللَّه لَا يَجُوز عَلَيْهِ الْكَذِب فَشَابَهَتْ الرُّؤْيَا النُّبُوَّةَ فِي صِدْق الْخَبَر. وَقَالَ الْمَازِرِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالنُّبُوَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيث الْخَبَر بِالْغَيْبِ لَا غَيْر وَإِنْ كَانَ يَتْبَع ذَاكَ إِنْذَار أَوْ تَبْشِير فَالْخَبَر بِالْغَيْبِ أَحَد ثَمَرَات النُّبُوَّة , وَهُوَ غَيْر مَقْصُود لِذَاتِهِ لِأَنَّهُ يَصِحّ أَنْ يُبْعَث نَبِيّ يُقَرِّر الشَّرْع وَيُبَيِّن الْأَحْكَام وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْ فِي طُول عُمْره بِغَيْبٍ وَلَا يَكُون ذَلِكَ قَادِحًا فِي نُبُوَّته وَلَا مُبْطِلًا لِلْمَقْصُودِ مِنْهَا , وَالْخَبَر بِالْغَيْبِ مِنْ النَّبِيّ لَا يَكُون إِلَّا صِدْقًا وَلَا يَقَع إِلَّا حَقًّا , وَأَمَّا خُصُوص الْعَدَد فَهُوَ مِمَّا أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ لِأَنَّهُ يَعْلَم مِنْ حَقَائِق النُّبُوَّة مَا لَا يَعْلَمهُ غَيْره , قَالَ : وَقَدْ سَبَقَ بِهَذَا الْجَوَاب جَمَاعَة لَكِنَّهُمْ لَمْ يَكْشِفُوهُ وَلَمْ يُحَقِّقُوهُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : أَجْزَاء النُّبُوَّة لَا يَعْلَم حَقِيقَتهَا إِلَّا مَلَك أَوْ نَبِيٌّ , وَإِنَّمَا الْقَدْر الَّذِي أَرَادَهُ النَّبِيّ أَنْ يُبَيِّن أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْء مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة فِي الْجُمْلَة لِأَنَّ فِيهَا اِطِّلَاعًا عَلَى الْغَيْب مِنْ وَجْه مَا , وَأَمَّا تَفْصِيل النِّسْبَة فَيَخْتَصّ بِمَعْرِفَتِهِ دَرَجَة النُّبُوَّة. وَقَالَ الْمَازِرِيّ : لَا يَلْزَم الْعَالِم أَنْ يَعْرِف كُلّ شَيْء جُمْلَة وَتَفْصِيلًا , فَقَدْ جَعَلَ اللَّه لِلْعَالِمِ حَدًّا يَقِف عِنْده , فَمِنْهُ مَا يَعْلَم الْمُرَادَ بِهِ جُمْلَة وَتَفْصِيلًا , وَمِنْهُ مَا يَعْلَمهُ جُمْلَة لَا تَفْصِيلًا , وَهَذَا مِنْ هَذَا الْقَبِيل. وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضهمْ عَلَى الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة وَأَبْدَى لَهَا مُنَاسَبَة فَنَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ أَبِي سَعِيد السَّفَاقِسِيّ أَنَّ بَعْض أَهْل الْعِلْم ذَكَرَ أَنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَى نَبِيّه فِي الْمَنَام سِتَّة أَشْهُر , ثُمَّ أَوْحَى إِلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ فِي الْيَقَظَة بَقِيَّة مُدَّة حَيَاته , وَنِسْبَتهَا مِنْ الْوَحْي فِي الْمَنَام جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا لِأَنَّهُ عَاشَ بَعْد النُّبُوَّة ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَة عَلَى الصَّحِيح , قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا التَّأْوِيل يَفْسُد مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي قَدْر الْمُدَّة الَّتِي بَعْد بَعْثَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَوْته , وَالثَّانِي أَنَّهُ يَبْقَى حَدِيث السَّبْعِينَ جُزْءًا بِغَيْرِ مَعْنًى. قُلْت : وَيُضَاف إِلَيْهِ بَقِيَّة الْأَعْدَاد الْوَاقِعَة. وَقَدْ سَبَقَهُ الْخَطَّابِيُّ إِلَى إِنْكَار هَذِهِ الْمُنَاسَبَة فَقَالَ : كَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم يَقُول فِي تَأْوِيل هَذَا الْعَدَد قَوْلًا لَا يَكَاد يَتَحَقَّق , وَذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ بَعْد الْوَحْي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَة وَكَانَ يُوحَى إِلَيْهِ فِي مَنَامه سِتَّة أَشْهُر وَهِيَ نِصْف سَنَة فَهِيَ جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا تَحْتَمِلهُ قِسْمَة الْحِسَاب وَالْعَدَد فَأَوَّل مَا يَجِب عَلَى مَنْ قَالَهُ أَنْ يُثْبِت بِمَا اِدَّعَاهُ خَبَرًا , وَلَمْ يُسْمَع فِيهِ أَثَرٌ وَلَا ذَكَرَ مُدَّعِيهِ فِي ذَلِكَ خَبَرًا , فَكَأَنَّهُ قَالَهُ عَلَى سَبِيل الظَّنّ وَالظَّنّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقّ شَيْئًا , وَلَئِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُدَّة مَحْسُوبَة مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فَلْيُلْحَقْ بِهَا سَائِر الْأَوْقَات الَّتِي كَانَ يُوحَى إِلَيْهِ فِيهَا فِي مَنَامه فِي طُول الْمُدَّة كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي أَحَادِيث كَثِيرَة جَلِيلَة الْقَدْر , وَالرُّؤْيَا فِي أُحُد وَفِي دُخُول مَكَّة فَإِنَّهُ يَتَلَفَّق مِنْ ذَلِكَ مُدَّة أُخْرَى وَتُزَاد فِي الْحِسَاب فَتَبْطُل الْقِسْمَة الَّتِي ذَكَرَهَا , قَالَ : فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى ضَعْف مَا تَأَوَّلَهُ الْمَذْكُور , وَلَيْسَ كُلّ مَا خَفِيَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ لَا يَلْزَمُنَا حُجَّتُهُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَات وَأَيَّام الصِّيَام وَرَمْي الْجِمَار فَإِنَّا لَا نَصِل مِنْ عِلْمهَا إِلَى أَمْر يُوجِب حَصْرهَا تَحْت أَعْدَادهَا , وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي مُوجَب اِعْتِقَادنَا لِلُزُومِهَا , وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي حَدِيث آخَر \" الْهَدْي الصَّالِح وَالسَّمْت الصَّالِح جُزْء مِنْ خَمْسَة وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة \" فَإِنَّ تَفْصِيل هَذَا الْعَدَد وَحَصْر النُّبُوَّة مُتَعَذِّر وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ مِنْ جُمْلَة هَدْيِ الْأَنْبِيَاء وَسَمْتهمْ , فَكَذَلِكَ مَعْنَى حَدِيث الْبَاب الْمُرَاد بِهِ تَحْقِيق أَمْر الرُّؤْيَا وَأَنَّهَا مِمَّا كَانَ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِ وَأَنَّهَا جُزْء مِنْ أَجْزَاء الْعِلْم الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِمْ وَالْأَنْبَاء الَّتِي كَانَ يَنْزِل بِهَا الْوَحْي عَلَيْهِمْ , وَقَدْ قَبِلَ جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة الْمُنَاسَبَة الْمَذْكُورَة وَأَجَابُوا عَمَّا أَوْرَدَهُ الْخَطَّابِيُّ , أَمَّا الدَّلِيل عَلَى كَوْن الرُّؤْيَا كَانَتْ سِتَّة أَشْهُر فَهُوَ أَنَّ اِبْتِدَاء الْوَحْي كَانَ عَلَى رَأْس الْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا جَزَمَ بِهِ اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره وَذَلِكَ فِي رَبِيع الْأَوَّل وَنُزُول جِبْرِيل إِلَيْهِ وَهُوَ بِغَارِ حِرَاء كَانَ فِي رَمَضَان وَبَيْنهمَا سِتَّة أَشْهُر , وَفِي هَذَا الْجَوَاب نَظَر لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِير تَسْلِيمه لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِالرُّؤْيَا , وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيّ : لَمْ يَثْبُت أَنَّ زَمَن الرُّؤْيَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ سِتَّة أَشْهُر وَأَمَّا مَا أَلْزَمَهُ بِهِ مِنْ تَلْفِيق أَوْقَات الْمَرَائِي وَضَمّهَا إِلَى الْمُدَّة فَإِنَّ الْمُرَاد وَحْي الْمَنَام الْمُتَتَابِع , وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي غُضُون وَحْي الْيَقَظَة فَهُوَ يَسِير بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَحْي الْيَقَظَة فَهُوَ مَغْمُور فِي جَانِب وَحْي الْيَقَظَة فَلَمْ يُعْتَبَر بِمُدَّتِهِ , وَهُوَ نَظِير مَا اِعْتَمَدُوهُ فِي نُزُول الْوَحْي , وَقَدْ أَطْبَقُوا عَلَى تَقْسِيم النُّزُول إِلَى مَكِّيّ وَمَدَنِيّ قَطْعًا فَالْمَكِّيّ مَا نَزَلَ قَبْل الْهِجْرَة وَلَوْ وَقَعَ بِغَيْرِهَا مَثَلًا كَالطَّائِفِ وَنَخْلَةَ وَالْمَدَنِيّ مَا نَزَلَ بَعْد الْهِجْرَة وَلَوْ وَقَعَ وَهُوَ بِغَيْرِهَا كَمَا فِي الْغَزَوَات وَسَفَر الْحَجّ وَالْعُمْرَة حَتَّى مَكَّة. قُلْت : وَهُوَ اِعْتِذَار مَقْبُول , وَيُمْكِن الْجَوَاب عَنْ اِخْتِلَاف الْأَعْدَاد أَنَّهُ وَقَعَ بِحَسَبِ الْوَقْت الَّذِي حَدَّثَ فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ كَأَنْ يَكُون لَمَّا أَكْمَلَ ثَلَاث عَشْرَة سَنَة بَعْد مَجِيء الْوَحْي إِلَيْهِ حَدَّثَ بِأَنَّ الرُّؤْيَا جُزْء مِنْ سِتَّة وَعِشْرِينَ إِنْ ثَبَتَ الْخَبَر بِذَلِكَ وَذَلِكَ وَقْت الْهِجْرَة , وَلَمَّا أَكْمَلَ اِثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ حَدَّثَ بِأَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ ثُمَّ بَعْدهَا بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ ثُمَّ حَدَّثَ بِسِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ فِي آخِر حَيَاته , وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الرُّؤْيَات بَعْد الْأَرْبَعِينَ فَضَعِيف وَرِوَايَة الْخَمْسِينَ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون لِجَبْرِ الْكَسْر وَرِوَايَة السَّبْعِينَ لِلْمُبَالَغَةِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ لَمْ يَثْبُت , وَهَذِهِ مُنَاسَبَة لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا , وَوَقَعَ فِي بَعْض الشُّرُوح مُنَاسَبَة لِلسَّبْعِينَ ظَاهِرَة التَّكَلُّف وَهِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْره \" أَنَا بِشَارَة عِيسَى وَدَعْوَة إِبْرَاهِيم وَرَأَتْ أُمِّي نُورًا , فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَشْيَاء تُضْرَبُ فِي مُدَّة نُبُوَّته وَهِيَ ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ سَنَة تُضَاف إِلَى أَصْل الرُّؤْيَا فَتَبْلُغ سَبْعِينَ. قُلْت : وَيَبْقَى فِي أَصْل الْمُنَاسَبَة إِشْكَال آخَر وَهُوَ الْمُتَبَادَر مِنْ الْحَدِيث إِرَادَة تَعْظِيم رُؤْيَا الْمُؤْمِن الصَّالِح , وَالْمُنَاسَبَة الْمَذْكُورَة تَقْتَضِي قَصْر الْخَبَر عَلَى صُورَة مَا اِتَّفَقَ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهُ قِيلَ كَانَتْ الْمُدَّة الَّتِي أَوْحَى اللَّه إِلَى نَبِيّنَا فِيهَا فِي الْمَنَام جُزْءًا مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ الْمُدَّة الَّتِي أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ فِيهَا فِي الْيَقَظَة , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلّ رُؤْيَا لِكُلِّ صَالِح تَكُون كَذَلِكَ , وَيُؤَيِّد إِرَادَة التَّعْمِيم الْحَدِيث الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْهَدْي وَالسَّمْت فَإِنَّهُ لَيْسَ خَاصًّا بِنُبُوَّةِ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْلًا , وَقَدْ أَنْكَرَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ فَقَالَ لَيْسَ فِيهِ كَبِير فَائِدَة وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل كَلَام الْمُؤَيِّد بِالْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَة عَلَى هَذَا الْمَعْنَى , وَلَعَلَّ قَائِله أَرَادَ أَنْ يَجْعَل بَيْن النُّبُوَّة وَالرُّؤْيَا نَوْعَ مُنَاسَبَةٍ فَقَطْ , وَيُعَكِّر عَلَيْهِ الِاخْتِلَافُ فِي عَدَد الْأَجْزَاء. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏: حَدِيث الْهَدْي الصَّالِح الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن سَرَخْس لَكِنْ بِلَفْظِ أَرْبَعَة وَعِشْرِينَ جُزْءًا وَقَدْ ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" بِلَفْظِ مِنْ سِتَّة وَعِشْرِينَ اِنْتَهَى. وَقَدْ أَبْدَى غَيْر الْخَطَّابِيّ الْمُنَاسَبَة بِاخْتِلَافِ الرِّوَايَات فِي الْعَدَد الْمَذْكُور , وَقَدْ جَمَعَ بَيْنهَا جَمَاعَة أَوَّلهمْ الطَّبَرِيُّ فَقَالَ : رِوَايَة السَّبْعِينَ عَامَّة فِي كُلّ رُؤْيَا صَادِقَة مِنْ كُلّ مُسْلِم , وَرِوَايَة الْأَرْبَعِينَ خَاصَّة بِالْمُؤْمِنِ الصَّادِق الصَّالِح , وَأَمَّا مَا بَيْن ذَلِكَ فَبِالنِّسْبَةِ لِأَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : أَمَّا الِاخْتِلَاف فِي الْعَدَد قِلَّةً وَكَثْرَةً فَأَصَحُّ مَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ وَمِنْ سَبْعِينَ وَمَا بَيْن ذَلِكَ مِنْ أَحَادِيث الشُّيُوخ , وَقَدْ وَجَدْنَا الرُّؤْيَا تَنْقَسِم قِسْمَيْنِ : جَلِيَّة ظَاهِرَة كَمَنْ رَأَى فِي الْمَنَام أَنَّهُ يُعْطَى تَمْرًا فَأُعْطِيَ تَمْرًا مِثْله فِي الْيَقَظَة فَهَذَا الْقِسْم لَا إِغْرَاب فِي تَأْوِيلهَا وَلَا رَمْز فِي تَفْسِيرهَا , وَمَرْمُوزَةٌ بَعِيدَةُ الْمَرَامِ فَهَذَا الْقِسْم لَا يَقُوم بِهِ حَتَّى يَعْبُرهُ إِلَّا حَاذِق لِبُعْدِ ضَرْب الْمَثَل فِيهِ , فَيُمْكِن أَنَّ هَذَا مِنْ السَّبْعِينَ وَالْأَوَّل مِنْ السِّتَّة وَالْأَرْبَعِينَ لِأَنَّهُ إِذَا قَلَّتْ الْأَجْزَاء كَانَتْ الرُّؤْيَا أَقْرَبَ إِلَى الصِّدْق وَأَسْلَمَ مِنْ وُقُوع الْغَلَط فِي تَأْوِيلهَا , بِخِلَافِ مَا إِذَا كَثُرَتْ. قَالَ : وَقَدْ عَرَضْت هَذَا الْجَوَاب عَلَى جَمَاعَة فَحَسَّنُوهُ وَزَادَنِي بَعْضهمْ فِيهِ أَنَّ النُّبُوَّة عَلَى مِثْل هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ تَلَقَّاهَا الشَّارِع عَنْ جِبْرِيل , فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ الْوَحْي مَرَّة فَيُكَلِّمهُ بِكَلَامٍ فَيَعِيه بِغَيْرِ كُلْفَة وَمَرَّة يُلْقِي إِلَيْهِ جُمَلًا وَجَوَامِع يَشْتَدّ عَلَيْهِ حَمْلُهَا حَتَّى تَأْخُذهُ الرَّمْضَاء وَيَتَحَدَّر مِنْهُ الْعَرَق ثُمَّ يُطْلِعهُ اللَّه عَلَى بَيَان مَا أَلْقَى عَلَيْهِ مِنْهَا. وَلَخَّصَهُ الْمَازِرِيّ فَقَالَ : قِيلَ إِنَّ الْمَنَامَات دَلَالَات , وَالدَّلَالَات مِنْهَا مَا هُوَ جَلِيّ وَمِنْهَا مَا هُوَ خَفِيّ , فَالْأَقَلّ فِي الْعَدَد هُوَ الْجَلِيّ وَالْأَكْثَر فِي الْعَدَد هُوَ الْخَفِيّ وَمَا بَيْن ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة مَا حَاصِله : إِنَّ النُّبُوَّة جَاءَتْ بِالْأُمُورِ الْوَاضِحَة , وَفِي بَعْضهَا مَا يَكُون فِيهِ إِجْمَال مَعَ كَوْنه مُبَيَّنًا فِي مَوْضِع آخَر , وَكَذَلِكَ الْمَرَائِي مِنْهَا مَا هُوَ صَرِيح لَا يَحْتَاج إِلَى تَأْوِيل وَمِنْهَا مَا يَحْتَاج فَاَلَّذِي يَفْهَمُهُ الْعَارِف مِنْ الْحَقّ الَّذِي يَعْرُج عَلَيْهِ مِنْهَا جُزْء مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة , وَذَلِكَ الْجُزْء يَكْثُر مَرَّة وَيَقِلّ أُخْرَى بِحَسَبِ فَهْمه , فَأَعْلَاهُمْ مَنْ يَكُون بَيْنه وَبَيْن دَرَجَة النُّبُوَّة أَقَلُّ مَا وَرَدَ مِنْ الْعَدَد , وَأَدْنَاهُمْ الْأَكْثَرُ مِنْ الْعَدَد , وَمَنْ عَدَاهُمَا مَا بَيْن ذَلِكَ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون هَذِهِ التَّجْزِئَة فِي طُرُق الْوَحْي , إِذْ مِنْهُ مَا سُمِعَ مِنْ اللَّه بِلَا وَاسِطَة , وَمِنْهُ مَا جَاءَ بِوَاسِطَةِ الْمَلَك , وَمِنْهُ مَا أُلْقِيَ فِي الْقَلْب مِنْ الْإِلْهَام , وَمِنْهُ مَا جَاءَ بِهِ الْمَلَك وَهُوَ عَلَى صُورَته أَوْ عَلَى صُورَة آدَمِيّ مَعْرُوف أَوْ غَيْر مَعْرُوف , وَمِنْهُ مَا أَتَاهُ بِهِ فِي النَّوْم , وَمِنْهُ مَا أَتَاهُ بِهِ فِي صَلْصَلَة الْجَرَس , وَمِنْهُ مَا يُلْقِيه رُوح الْقُدُس فِي رَوْعه , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا وَقَفْنَا عَلَيْهِ وَمِمَّا لَمْ نَقِف عَلَيْهِ , فَتَكُون تِلْكَ الْحَالَات إِذَا عُدِّدَتْ اِنْتَهَتْ إِلَى الْعَدَد الْمَذْكُور. قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّف وَالتَّسَاهُل , فَإِنَّ تِلْكَ الْأَعْدَاد إِنَّمَا هِيَ أَجْزَاء النُّبُوَّة , وَأَكْثَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ إِنَّمَا هِيَ أَحْوَالٌ لِغَيْرِ النُّبُوَّة لِكَوْنِهِ يَعْرِف الْمَلَك أَوْ لَا يَعْرِفهُ أَوْ يَأْتِيه عَلَى صُورَته أَوْ عَلَى صُورَة آدَمِيّ ثُمَّ مَعَ هَذَا التَّكَلُّف لَمْ يَبْلُغ عَدَد مَا ذَكَرَ عِشْرِينَ فَضْلًا عَنْ سَبْعِينَ. قُلْت : وَاَلَّذِي نَحَاهُ الْقَاضِي سَبَقَهُ إِلَيْهِ الْحَلِيمِيّ \" فَقَرَأْت فِي مُخْتَصَره لِلشَّيْخِ عَلَاء الدِّين الْقُونَوِيِّ بِخَطِّهِ مَا نَصُّهُ : ثُمَّ إِنَّ الْأَنْبِيَاء يَخْتَصُّونَ بِآيَاتٍ يُؤَيَّدُونَ بِهَا لِيَتَمَيَّزُوا بِهَا عَمَّنْ لَيْسَ مِثْلهمْ , كَمَا تَمَيَّزُوا بِالْعِلْمِ الَّذِي أُوتُوهُ \" فَيَكُون لَهُمْ الْخُصُوص مِنْ وَجْهَيْنِ : فَمَا هُوَ فِي حَيِّز التَّعْلِيم هُوَ النُّبُوَّة , وَمَا هُوَ فِي حَيِّز التَّأْبِيد هُوَ حُجَّة النُّبُوَّة , قَالَ : وَقَدْ قَصَدَ الْحَلِيمِيّ فِي هَذَا الْمَوْضِع بَيَان كَوْن الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْءًا مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة فَذَكَرَ وُجُوهًا مِنْ الْخَصَائِص الْعِلْمِيَّة لِلْأَنْبِيَاءِ تَكَلَّفَ فِي بَعْضهَا حَتَّى أَنْهَاهَا إِلَى الْعَدَد الْمَذْكُور , فَتَكُون الرُّؤْيَا وَاحِدًا مِنْ تِلْكَ الْوُجُوه , فَأَعْلَاهَا تَكْلِيمُ اللَّه بِغَيْرِ وَاسِطَة , ‏ ‏ثَانِيهَا الْإِلْهَام بِلَا كَلَام بَلْ يَجِد عِلْم شَيْء فِي نَفْسه مِنْ غَيْر تَقَدُّم مَا يُوصِل إِلَيْهِ بِحِسٍّ أَوْ اِسْتِدْلَال , ‏ ‏ثَالِثهَا الْوَحْي عَلَى لِسَان مَلَك يَرَاهُ فَيُكَلِّمهُ , ‏ ‏رَابِعهَا نَفْث الْمَلَك فِي رَوْعه وَهُوَ الْوَحْي الَّذِي يَخُصّ بِهِ الْقَلْب دُون السَّمْع , قَالَ : وَقَدْ يَنْفُث الْمَلَك فِي رَوْع بَعْض أَهْل الصَّلَاح لَكِنْ بِنَحْوِ الْإِطْمَاع فِي الظَّفَر بِالْعَدُوِّ وَالتَّرْغِيب فِي الشَّيْء وَالتَّرْهِيب مِنْ الشَّيْء فَيَزُول عَنْهُ بِذَلِكَ وَسْوَسَة الشَّيْطَان بِحُضُورِ الْمَلَك لَا بِنَحْوِ نَفْي عِلْم الْأَحْكَام وَالْوَعْد وَالْوَعِيد فَإِنَّهُ مِنْ خَصَائِص النُّبُوَّة , ‏ ‏خَامِسهَا إِكْمَال عَقْله فَلَا يَعْرِض لَهُ فِيهِ عَارِض أَصْلًا , ‏ ‏سَادِسهَا قُوَّة حِفْظه حَتَّى يَسْمَع السُّورَة الطَّوِيلَة فَيَحْفَظهَا مِنْ مَرَّة وَلَا يَنْسَى مِنْهَا حَرْفًا , ‏ ‏سَابِعهَا عِصْمَته مِنْ الْخَطَأ فِي اِجْتِهَاده , ‏ ‏ثَامِنهَا ذَكَاء فَهْمه حَتَّى يَتَّسِع لِضُرُوبٍ مِنْ الِاسْتِنْبَاط , ‏ ‏تَاسِعهَا ذَكَاء بَصَره حَتَّى يَكَاد يُبْصِر الشَّيْء مِنْ أَقْصَى الْأَرْض , ‏ ‏عَاشِرهَا ذَكَاء سَمْعه حَتَّى يَسْمَع مِنْ أَقْصَى الْأَرْض مَا لَا يَسْمَعُهُ غَيْره , ‏ ‏حَادِي عَشَرَهَا ذَكَاء شَمّه كَمَا وَقَعَ لِيَعْقُوب فِي قَمِيص يُوسُف , ‏ ‏ثَانِي عَشَرَهَا تَقْوِيَة جَسَده حَتَّى سَارَ فِي لَيْلَةٍ مَسِيرَةَ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً , ثَالِث عَشَرَهَا عُرُوجُهُ إِلَى السَّمَاوَات , رَابِع عَشَرَهَا مَجِيء الْوَحْي لَهُ فِي مِثْل صَلْصَلَة الْجَرَس , ‏ ‏خَامِس عَشَرَهَا تَكْلِيم الشَّاة , ‏ ‏سَادِس عَشَرَهَا إِنْطَاق النَّبَات , ‏ ‏سَابِع عَشَرَهَا إِنْطَاق الْجِذْع , ‏ ‏ثَامِن عَشَرَهَا إِنْطَاق الْحَجَر , ‏ ‏تَاسِع عَشَرَهَا إِفْهَامه عُوَاء الذِّئْب أَنْ يَفْرِض لَهُ رِزْقًا , ‏ ‏الْعِشْرُونَ إِفْهَامه رُغَاء الْبَعِير , ‏ ‏الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ أَنْ يَسْمَع الصَّوْت وَلَا يَرَى الْمُتَكَلِّم , الثَّانِيَة وَالْعِشْرُونَ تَمْكِينه مِنْ مُشَاهَدَة الْجِنّ , ‏ ‏الثَّالِثَة وَالْعِشْرُونَ تَمْثِيل الْأَشْيَاء الْمُغَيَّبَة لَهُ كَمَا مُثِّلَ لَهُ بَيْت الْمَقْدِس صَبِيحَة الْإِسْرَاء , ‏ ‏الرَّابِعَة وَالْعِشْرُونَ حُدُوث أَمْر يَعْلَم بِهِ الْعَاقِبَة كَمَا قَالَ فِي النَّاقَة لَمَّا بَرَكَتْ فِي الْحُدَيْبِيَة \" حَبَسَهَا حَابِس الْفِيل \" ‏ ‏الْخَامِسَة وَالْعِشْرُونَ اِسْتِدْلَاله بِاسْمٍ عَلَى أَمْر كَمَا قَالَ لَمَّا جَاءَهُمْ سُهَيْل بْن عَمْرو \" قَدْ سَهُلَ لَكُمْ الْأَمْر \" , ‏ ‏السَّادِسَة وَالْعِشْرُونَ أَنْ يَنْظُر شَيْئًا عُلْوِيًّا فَيَسْتَدِلّ بِهِ عَلَى أَمْر يَقَع فِي الْأَرْض كَمَا قَالَ \" إِنَّ هَذِهِ السَّحَابَة لَتَسْتَهِلّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْب \" , ‏ ‏السَّابِعَة وَالْعِشْرُونَ رُؤْيَته مِنْ وَرَائِهِ , ‏ ‏الثَّامِنَة وَالْعِشْرُونَ اِطِّلَاعه عَلَى أَمْر وَقَعَ لِمَنْ مَاتَ قَبْل أَنْ يَمُوت كَمَا قَالَ فِي حَنْظَلَة \" رَأَيْت الْمَلَائِكَة تُغَسِّلهُ \" وَكَانَ قُتِلَ وَهُوَ جُنُب , ‏ ‏التَّاسِعَة وَالْعِشْرُونَ أَنْ يَظْهَر لَهُ مَا يَسْتَدِلّ بِهِ عَلَى فُتُوح مُسْتَقْبَل كَمَا جَاءَ ذَلِكَ يَوْم الْخَنْدَق , ‏ ‏الثَّلَاثُونَ اِطِّلَاعه عَلَى الْجَنَّة وَالنَّار فِي الدُّنْيَا , ‏ ‏الْحَادِيَة وَالثَّلَاثُونَ الْفِرَاسَة , ‏ ‏الثَّانِيَة وَالثَّلَاثُونَ طَوَاعِيَة الشَّجَرَة حَتَّى اِنْتَقَلَتْ بِعُرُوقِهَا وَغُصُونهَا مِنْ مَكَان إِلَى مَكَان ثُمَّ رَجَعَتْ , ‏ ‏الثَّالِثَة وَالثَّلَاثُونَ قِصَّة الظَّبْيَة وَشَكْوَاهَا لَهُ ضَرُورَة خِشْفِهَا الصَّغِيرِ , ‏ ‏الرَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ تَأْوِيل الرُّؤْيَا بِحَيْثُ لَا تُخْطِئ , ‏ ‏الْخَامِسَة وَالثَّلَاثُونَ الْحَزْر فِي الرُّطَب وَهُوَ عَلَى النَّخْل أَنَّهُ يَجِيء كَذَا وَكَذَا وَسْقًا مِنْ التَّمْر فَجَاءَ كَمَا قَالَ , ‏ ‏السَّادِسَة وَالثَّلَاثُونَ الْهِدَايَة إِلَى الْأَحْكَام , ‏ ‏السَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ الْهِدَايَة إِلَى سِيَاسَة الدِّين وَالدُّنْيَا , ‏ ‏الثَّامِنَة وَالثَّلَاثُونَ الْهِدَايَة إِلَى هَيْئَة الْعَالَم وَتَرْكِيبه , ‏ ‏التَّاسِعَة وَالثَّلَاثُونَ الْهِدَايَة إِلَى مَصَالِح الْبَدَن بِأَنْوَاعِ الطِّبّ , الْأَرْبَعُونَ الْهِدَايَة إِلَى وُجُوه الْقُرُبَات , ‏ ‏الْحَادِيَة وَالْأَرْبَعُونَ الْهِدَايَة إِلَى الصِّنَاعَات النَّافِعَة , ‏ ‏الثَّانِيَة وَالْأَرْبَعُونَ الِاطِّلَاع عَلَى مَا سَيَكُونُ , ‏ ‏الثَّالِثَة وَالْأَرْبَعُونَ الِاطِّلَاع عَلَى مَا كَانَ مِمَّا لَمْ يَنْقُلهُ أَحَد قَبْله , ‏ ‏الرَّابِعَة وَالْأَرْبَعُونَ التَّوْقِيف عَلَى أَسْرَار النَّاس وَمُخَبَّآتهمْ , ‏ ‏الْخَامِسَة وَالْأَرْبَعُونَ تَعْلِيم طُرُق الِاسْتِدْلَال , ‏ ‏السَّادِسَة وَالْأَرْبَعُونَ الِاطِّلَاع عَلَى طَرِيق التَّلَطُّف فِي الْمُعَاشَرَة , قَالَ : فَقَدْ بَلَغَتْ خَصَائِص النُّبُوَّة فِيمَا مَرْجِعه الْعِلْم سِتَّة وَأَرْبَعِينَ وَجْهًا لَيْسَ مِنْهَا وَجْه إِلَّا وَهُوَ يَصْلُح أَنْ يَكُون مُقَارِبًا لِلرُّؤْيَا الصَّالِحَة الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّهَا جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة , وَالْكَثِير مِنْهَا وَإِنْ كَانَ قَدْ يَقَع لِغَيْرِ النَّبِيّ لَكِنَّهُ لِلنَّبِيِّ لَا يُخْطِئ أَصْلًا وَلِغَيْرِهِ قَدْ يَقَع فِيهِ الْخَطَأ وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَقَالَ الْغَزَالِيّ فِي كِتَاب الْفَقْر وَالزُّهْد مِنْ \" الْإِحْيَاء \" , لَمَّا ذَكَرَ حَدِيث يَدْخُل الْفُقَرَاء الْجَنَّة قَبْل الْأَغْنِيَاء بِخَمْسِمِائَةِ عَام \" وَفِي رِوَايَة بِأَرْبَعِينَ سَنَة قَالَ : وَهَذَا يَدُلّ عَلَى تَفَاوُت دَرَجَات الْفُقَرَاء فَكَانَ الْفَقِير الْحَرِيص عَلَى جُزْء مِنْ خَمْسَة وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ الْفَقِير الزَّاهِد لِأَنَّ هَذِهِ نِسْبَة الْأَرْبَعِينَ إِلَى الْخَمْسمِائَةِ , وَلَا يُظَنّ أَنَّ تَقْدِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَجَزَّأ عَلَى لِسَانه كَيْف مَا اِتَّفَقَ بَلْ لَا يَنْطِق إِلَّا بِحَقِيقَةِ الْحَقّ وَهَذَا كَقَوْلِهِ \" الرُّؤْيَا الصَّالِحَة مِنْ الرَّجُل الصَّالِح جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة \" فَإِنَّهُ تَقْدِير تَحْقِيق , لَكِنْ لَيْسَ فِي قُوَّة غَيْره أَنْ يَعْرِف عِلَّة تِلْكَ النِّسْبَة إِلَّا بِتَخْمِينٍ , لِأَنَّ النُّبُوَّة عِبَارَة عَمَّا يَخْتَصّ بِهِ النَّبِيّ وَيُفَارِق بِهِ غَيْره , وَهُوَ يَخْتَصّ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْخَوَاصّ مِنْهَا أَنَّهُ يَعْرِف حِقَاق الْأُمُور الْمُتَعَلِّقَة بِاَللَّهِ وَصِفَاته وَمَلَائِكَته وَالدَّار الْآخِرَة لَا كَمَا يَعْلَمهُ غَيْره بَلْ عِنْده مِنْ كَثْرَة الْمَعْلُومَات وَزِيَادَة الْيَقِين وَالتَّحْقِيق مَا لَيْسَ عِنْد غَيْره , وَلَهُ صِفَة تَتِمّ لَهُ بِهَا الْأَفْعَال الْخَارِقَة لِلْعَادَاتِ كَالصِّفَةِ الَّتِي بِهَا تَتِمّ لِغَيْرِهِ الْحَرَكَاتُ الِاخْتِيَارِيَّةُ , وَلَهُ صِفَة يُبْصِر بِهَا الْمَلَائِكَة وَيُشَاهِد بِهَا الْمَلَكُوتَ كَالصِّفَةِ الَّتِي يُفَارِق بِهَا الْبَصِيرُ الْأَعْمَى , وَلَهُ صِفَة بِهَا يُدْرِك مَا سَيَكُونُ فِي الْغَيْب وَيُطَالِع بِهَا مَا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ كَالصِّفَةِ الَّتِي يُفَارِق بِهَا الذَّكِيّ الْبَلِيد , فَهَذِهِ صِفَات كَمَالَات ثَابِتَة لِلنَّبِيِّ يُمْكِن اِنْقِسَام كُلّ وَاحِد مِنْهَا إِلَى أَقْسَام بِحَيْثُ يُمْكِننَا أَنْ نَقْسِمهَا إِلَى أَرْبَعِينَ وَإِلَى خَمْسِينَ وَإِلَى أَكْثَرَ , وَكَذَا يُمْكِننَا أَنْ نَقْسِمهَا إِلَى سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا بِحَيْثُ تَقَع الرُّؤْيَا الصَّحِيحَة جُزْءًا مِنْ جُمْلَتهَا لَكِنْ لَا يَرْجِع إِلَّا إِلَى ظَنّ وَتَخْمِين لَا أَنَّهُ الَّذِي أَرَادَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقِيقَة , اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَأَظُنّهُ أَشَارَ إِلَى كَلَام الْحَلِيمِيّ فَإِنَّهُ مَعَ تَكَلُّفه لَيْسَ عَلَى يَقِين أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الْمُرَاد وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : لَمَّا كَانَتْ النُّبُوَّة تَتَضَمَّن اِطِّلَاعًا عَلَى أُمُور يَظْهَر تَحْقِيقُهَا فِيمَا بَعْدُ وَقَعَ تَشْبِيهُ رُؤْيَا الْمُؤْمِن بِهَا , وَقِيلَ إِنَّ جَمَاعَة مِنْ الْأَنْبِيَاء كَانَتْ نُبُوَّتهمْ وَحْيًا فِي الْمَنَام فَقَطْ , وَأَكْثَرُهُمْ اُبْتُدِئَ بِالْوَحْيِ فِي الْمَنَام ثُمَّ رَقُوا إِلَى الْوَحْي فِي الْيَقَظَة ! فَهَذَا بَيَان مُنَاسَبَة تَشْبِيه الْمَنَام الصَّادِق بِالنُّبُوَّةِ , وَأَمَّا خُصُوص الْعَدَد الْمَذْكُور فَتَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَة فَذَكَرَ الْمُنَاسَبَة الْأُولَى وَهِيَ أَنَّ مُدَّة وَحْي الْمَنَام إِلَى نَبِيّنَا كَانَتْ سِتَّة أَشْهُر وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ , ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْأَحَادِيث اِخْتَلَفَتْ فِي الْعَدَد الْمَذْكُور قَالَ : فَعَلَى هَذَا تَكُون رُؤْيَا الْمُؤْمِن مُخْتَلِفَة بِأَعْلَاهَا سِتَّة وَأَرْبَعُونَ وَأَدْنَاهَا سَبْعُونَ , ثُمَّ ذَكَرَ الْمُنَاسَبَة الَّتِي ذَكَرَهَا الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْمَنَام الصَّادِق خَصْلَة مِنْ خِصَال النُّبُوَّة كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر \" التُّؤَدَة وَالِاقْتِصَاد وَحُسْن السَّمْت جُزْء مِنْ سِتَّة وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة \" أَيْ النُّبُوَّة مَجْمُوع خِصَال مَبْلَغ أَجْزَائِهَا ذَلِكَ وَهَذِهِ الثَّلَاثَة جُزْء مِنْهَا , وَعَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ يَكُون كُلّ جُزْء مِنْ السِّتَّة وَالْعِشْرِينَ ثَلَاثَة أَشْيَاء فَإِذَا ضَرَبْنَا ثَلَاثَة فِي سِتَّة وَعِشْرِينَ اِنْتَهَتْ إِلَى ثَمَانِيَة وَسَبْعِينَ فَيَصِحّ لَنَا أَنَّ عَدَد خِصَال النُّبُوَّة مِنْ حَيْثُ آحَادهَا ثَمَانِيَة وَسَبْعُونَ قَالَ : وَيَصِحّ أَنْ يُسَمَّى كُلّ اِثْنَيْنِ مِنْهَا جُزْءًا فَيَكُون الْعَدَد بِهَذَا الِاعْتِبَار تِسْعَة وَثَلَاثِينَ , وَيَصِحّ أَنْ يُسَمَّى كُلّ أَرْبَعَة مِنْهَا جُزْءًا فَتَكُون تِسْعَة عَشَرَ جُزْءًا وَنِصْف جُزْء فَيَكُون اِخْتِلَاف الرِّوَايَات فِي الْعَدَد بِحَسَب اِخْتِلَاف اِعْتِبَار الْأَجْزَاء , وَلَا يَلْزَم مِنْهُ اِضْطِرَاب. قَالَ وَهَذَا أَشْبَهُ مَا وَقَعَ لِي فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَنْشَرِح بِهِ الصَّدْر وَلَا اِطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْس. قُلْت : وَتَمَامه أَنْ يَقُول فِي الثَّمَانِيَة وَالسَّبْعِينَ بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ السَّبْعِينَ أُلْغِيَ فِيهَا الْكَسْر وَفِي التِّسْعَة وَالثَّلَاثِينَ بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ الْأَرْبَعِينَ جَبْر الْكَسْر , وَلَا تَحْتَاج إِلَى الْعَدَد الْأَخِير لِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْر النِّصْف , وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْأَعْدَاد قَدْ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يُعْتَبَر بِحَسَبِ مَا يُقَدَّرُ مِنْ الْخِصَال , ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ ظَهَرَ لِي وَجْه آخَر وَهُوَ أَنَّ النُّبُوَّة مَعْنَاهَا أَنَّ اللَّه يُطْلِع مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه عَلَى مَا يَشَاء مِنْ أَحْكَامه وَوَحْيه إِمَّا بِالْمُكَالَمَةِ وَإِمَّا بِوَاسِطَةِ الْمَلَك وَإِمَّا بِإِلْقَاءٍ فِي الْقَلْب بِغَيْرِ وَاسِطَة , لَكِنَّ هَذَا الْمَعْنَى الْمُسَمَّى بِالنُّبُوَّةِ لَا يَخُصُّ اللَّهُ بِهِ إِلَّا مَنْ خَصَّهُ بِصِفَاتِ كَمَال نَوْعه مِنْ الْمَعَارِف وَالْعُلُوم وَالْفَضَائِل وَالْآدَاب مَعَ تَنَزُّهه عَنْ النَّقَائِص أُطْلِقَ عَلَى تِلْكَ الْخِصَال نُبُوَّة كَمَا فِي حَدِيث \" التُّؤَدَة وَالِاقْتِصَاد \" أَيْ تِلْكَ الْخِصَال مِنْ خِصَال الْأَنْبِيَاء , وَالْأَنْبِيَاء مَعَ ذَلِكَ مُتَفَاضِلُونَ فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ( وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْض النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْض ) وَمَعَ ذَلِكَ فَالصِّدْق أَعْظَمُ أَوْصَافهمْ يَقَظَة وَمَنَامًا , فَمَنْ تَأَسَّى بِهِمْ فِي الصِّدْق حَصَلَ مِنْ رُؤْيَاهُ عَلَى الصِّدْق ثُمَّ لَمَّا كَانُوا فِي مَقَامَاتهمْ مُتَفَاوِتِينَ كَانَ أَتْبَاعهمْ مِنْ الصَّالِحِينَ كَذَلِكَ , وَكَانَ أَقَلُّ خِصَالِ الْأَنْبِيَاء مَا إِذَا اُعْتُبِرَ كَانَ سِتَّة وَعِشْرِينَ جُزْءًا وَأَكْثَرُهَا مَا يَبْلُغ سَبْعِينَ , وَبَيْن الْعَدَدَيْنِ مَرَاتِبُ مُخْتَلِفَة بِحَسَبِ مَا اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظ الرِّوَايَات , وَعَلَى هَذَا فَمَنْ كَانَ مِنْ غَيْر الْأَنْبِيَاء فِي صَلَاحه وَصِدْقه عَلَى رُتْبَة تُنَاسِب حَال نَبِيّ مِنْ الْأَنْبِيَاء كَانَتْ رُؤْيَاهُ جُزْءًا مِنْ نُبُوَّة ذَلِكَ النَّبِيّ , وَلَمَّا كَانَتْ كَمَالَاتُهُمْ مُتَفَاوِتَة كَانَتْ نِسْبَة أَجْزَاء مَنَامَات الصَّادِقِينَ مُتَفَاوِتَة عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ , قَالَ : وَبِهَذَا يَنْدَفِع الِاضْطِرَاب إِنْ شَاءَ اللَّه. وَذَكَرَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة وَجْهًا آخَر مُلَخَّصه أَنَّ النُّبُوَّة لَهَا وُجُوه مِنْ الْفَوَائِد الدُّنْيَوِيَّة وَالْأُخْرَوِيَّة خُصُوصًا وَعُمُومًا , مِنْهَا مَا يُعْلَم وَمِنْهَا مَا لَا يُعْلَم , لَيْسَ بَيْن النُّبُوَّة وَالرُّؤْيَا نِسْبَة إِلَّا فِي كَوْنهَا حَقًّا فَيَكُون مَقَام النُّبُوَّة بِالنِّسْبَةِ لِمَقَامِ الرُّؤْيَا بِحَسَب تِلْكَ الْأَعْدَاد رَاجِعَة إِلَى دَرَجَات الْأَنْبِيَاء , فَنِسْبَتهَا مِنْ أَعْلَاهُمْ وَهُوَ مَنْ ضُمَّ لَهُ إِلَى النُّبُوَّة الرِّسَالَةُ أَكْثَرُ مَا وَرَدَ مِنْ الْعَدَد , وَنِسْبَتهَا إِلَى الْأَنْبِيَاء غَيْر الْمُرْسَلِينَ أَقَلُّ مَا وَرَدَ مِنْ الْعَدَد وَمَا بَيْن ذَلِكَ , وَمِنْ ثَمَّ أَطْلَقَ فِي الْخَبَر النُّبُوَّة وَلَمْ يُقَيِّدهَا بِنُبُوَّةِ نَبِيّ بِعَيْنِهِ. وَرَأَيْت فِي بَعْض الشُّرُوح أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ لِلْمَنَامِ شَبَهًا بِمَا حَصَلَ لِلنَّبِيِّ وَتَمَيَّزَ بِهِ عَنْ غَيْره بِجُزْءٍ مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا , فَهَذِهِ عِدَّة مُنَاسَبَات لَمْ أَرَ مَنْ جَمَعَهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِد , فَلِلَّهِ الْحَمْد عَلَى مَا أَلْهَمَ وَعَلَّمَ \" وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الْأَخْبَار عَلَى كَوْن الْإِلْهَام جُزْءًا مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَنْوَاع الْوَحْي إِلَّا أَنَّ اِبْن أَبِي جَمْرَة تَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْهُ كَمَا سَأَذْكُرُهُ فِي \" بَاب مَنْ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6469",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي قَتَادَة , وَزُهَيْر فِي السَّنَد هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَة الْجُعْفِيُّ , وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيّ , وَأَبُو سَلَمَة هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله ( الرُّؤْيَا الصَّادِقَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" الصَّالِحَة \" وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي مُعْظَم الرِّوَايَات , وَسَقَطَ الْوَصْف مِنْ رِوَايَة أَحْمَد بْن يَحْيَى الْحُلْوَانِيّ عَنْ أَحْمَد بْن يُونُس شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج بِلَفْظِ \" الرُّؤْيَا مِنْ اللَّه \" كَالتَّرْجَمَةِ , وَكَذَا فِي الطِّبّ مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة الثَّوْرِيّ وَبِشْر بْن الْمُفَضَّل وَيَحْيَى الْقَطَّان كُلّهمْ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا مِثْله , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد رَبّه بْن سَعِيد عَنْ أَبِي سَلَمَة كَمَا سَيَأْتِي فِي بَاب إِذَا رَأَى مَا يَكْرَه \" الرُّؤْيَا الْحَسَنَة مِنْ اللَّه \" وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" الصَّالِحَة \" زَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَإِذَا رَأَى أَحَدكُمْ مَا يُحِبّ فَلَا يُخْبِر بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبّ \" وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَة مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَة فَلْيَبْشُرْ وَلَا يُخْبِر إِلَّا مَنْ يُحِبّ \" وَقَوْله فَلْيَبْشُرْ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَضَمّ الْمُعْجَمَة مِنْ الْبُشْرَى , وَقِيلَ بِنُونٍ بَدَل الْمُوَحَّدَة أَيْ لِيُحَدِّث بِهَا , وَزَعَمَ عِيَاض أَنَّهَا تَصْحِيف , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ مِنْ مُسْلِم \" فَلْيَسْتُرْ \" بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاة مِنْ السَّتْر , وَفِي حَدِيث أَبِي رَزِين عِنْد التِّرْمِذِيّ \" وَلَا يَقُصّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ \" بِتَشْدِيدِ الدَّال اِسْم فَاعِل مِنْ الْوُدّ \" أَوْ ذِي رَأْي \" وَفِي أُخْرَى \" وَلَا يُحَدِّث بِهَا إِلَّا لَبِيبًا أَوْ حَبِيبًا \" وَفِي أُخْرَى \" وَلَا يَقُصّ الرُّؤْيَا إِلَّا عَلَى عَالِم أَوْ نَاصِح \" قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : أَمَّا الْعَالِم فَإِنَّهُ يُؤَوِّلهَا لَهُ عَلَى الْخَيْر مَهْمَا أَمْكَنَهُ , وَأَمَّا النَّاصِح فَإِنَّهُ يُرْشِد إِلَى مَا يَنْفَعهُ وَيُعِينهُ عَلَيْهِ , وَأَمَّا اللَّبِيب وَهُوَ الْعَارِف بِتَأْوِيلِهَا فَإِنَّهُ يُعْلِمهُ بِمَا يُعَوَّل عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَوْ يَسْكُت , وَأَمَّا الْحَبِيب فَإِنْ عَرَفَ خَيْرًا قَالَهُ وَإِنْ جَهِلَ أَوْ شَكَّ سَكَتَ. قُلْت : وَالْأَوْلَى الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنَّ اللَّبِيب عَبَّرَ بِهِ عَنْ الْعَالِم وَالْحَبِيب عَبَّرَ بِهِ مِنْ النَّاصِح , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي حَدِيثَيْ الْبَاب \" فَلْيَحْمَدْ اللَّه عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا \". ‏ ‏قَوْله \" وَالْحُلُم مِنْ الشَّيْطَان \" ‏ ‏كَذَا اِخْتَصَرَهُ , وَسَيَأْتِي ضَبْط الْحُلُم وَمَعْنَاهُ فِي \" بَاب الْحُلُم مِنْ الشَّيْطَان \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ الطَّرِيق الْمُشَار إِلَيْهَا فَزَادَ \" فَإِذَا رَأَى أَحَدكُمْ شَيْئًا يَكْرَههُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ شِمَاله ثَلَاث مَرَّات وَيَتَعَوَّذ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَأَذَاهَا فَإِنَّهَا لَا تَضُرّ \" وَكَذَا مَضَى فِي الطِّبّ مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد , وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي \" بَاب الْحُلُم مِنْ الشَّيْطَان \" مِنْ طَرِيق اِبْن شِهَاب عَنْ أَبِي سَلَمَة بِلَفْظِ \" فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ الْحُلُم يَكْرَههُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَاره وَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْهُ فَلَنْ يَضُرَّهُ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" عَنْ يَسَاره حِين يَهُبُّ مِنْ نَوْمه ثَلَاث مَرَّات , وَسَيَأْتِي فِي \" بَاب مَنْ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن أَبِي جَعْفَر عَنْ أَبِي سَلَمَة بِلَفْظِ \" فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَههُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ شِمَاله ثَلَاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ الشَّيْطَان فَإِنَّهَا لَا تَضُرّهُ \" , وَمِنْ رِوَايَة عَبْد رَبّه بْن سَعِيد عَنْ أَبِي سَلَمَة الْآتِيَة فِي \" بَاب إِذَا رَأَى مَا يَكْرَه , بِلَفْظِ \" وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَه فَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرّ الشَّيْطَان وَلْيَتْفُلْ ثَلَاثًا وَلَا يُحَدِّث بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرّهُ \" وَهَذِهِ أَتَمُّ الرِّوَايَات عَنْ أَبِي سَلَمَة لَفْظًا. قَالَ الْمُهَلَّب : سَمَّى الشَّارِع الرُّؤْيَا الْخَالِصَة مِنْ الْأَضْغَاث صَالِحَة وَصَادِقَة وَأَضَافَهَا إِلَى اللَّه , وَسَمَّى الْأَضْغَاث. حُلُمًا وَأَضَافَهَا إِلَى الشَّيْطَان إِذْ كَانَتْ مَخْلُوقَة عَلَى شَاكِلَتِهِ فَأَعْلَمَ النَّاس بِكَيْدِهِ وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى دَفْعه لِئَلَّا يُبَلِّغُوهُ أَرَبَهُ فِي تَحْزِينهمْ وَالتَّهْوِيل عَلَيْهِمْ , وَقَالَ أَبُو عَبْد الْمَلِك : أُضِيفَتْ إِلَى الشَّيْطَان لِكَوْنِهَا عَلَى هَوَاهُ وَمُرَاده , وَقَالَ اِبْن الْبَاقِلَّانِيّ يَخْلُق اللَّه الرُّؤْيَا الصَّالِحَة بِحَضْرَةِ الْمَلَك وَيَخْلُق الرُّؤْيَا الَّتِي تُقَابِلهَا بِحَضْرَةِ الشَّيْطَان , فَمِنْ ثَمَّ أُضِيفَ إِلَيْهِ , وَقِيلَ أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ الَّذِي يُخَيِّل بِهَا وَلَا حَقِيقَة لَهَا فِي نَفْس الْأَمْر. ‏"
    },
    {
        "id": "6470",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ الْهَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ اللَّهِ فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الشَّيْطَانِ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا وَلَا يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ ‏",
        "sharh": "عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ , ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي اِبْن الْهَاد ) ‏ ‏هُوَ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن أُسَامَة بْن عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد بْن الْهَاد اللَّيْثِيّ , وَسَيَأْتِي مَنْسُوبًا فِي \" بَاب إِذَا رَأَى مَا يَكْرَه \". ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ اللَّه ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة. \" فَإِنَّهَا مِنْ اللَّه , فَلْيَحْمَدْ اللَّه عَلَيْهَا وَلْيَتَحَدَّثْ بِهَا , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَلْيَتَحَدَّثْ \" وَمِثْله فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله ( وَإِذَا رَأَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا يُكْرَه فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الشَّيْطَان فَلْيَسْتَعِذْ ) ‏ ‏زَادَ فِي نُسْخَة \" بِاَللَّهِ \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يَذْكُرهَا لِأَحَدٍ فَإِنَّهَا لَا تَضُرّهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ فِي بَاب إِذَا رَأَى مَا يَكْرَه \" فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرّهُ \" , فَحَاصِل مَا ذُكِرَ مِنْ أَبْوَاب الرُّؤْيَا الصَّالِحَة ثَلَاث أَشْيَاء : أَنْ يَحْمَد اللَّه عَلَيْهَا , وَأَنْ يَسْتَبْشِر بِهَا , وَأَنْ يَتَحَدَّث بِهَا لَكِنْ لِمَنْ يُحِبّ دُون مَنْ يَكْرَه وَحَاصِل مَا ذُكِرَ مِنْ أَدَب الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَة أَرْبَعَة أَشْيَاء : أَنْ يَتَعَوَّذ بِاَللَّهِ مِنْ شَرّهَا , وَمِنْ شَرّ الشَّيْطَان , وَأَنْ يَتْفُل حِين يَهُبّ مِنْ نَوْمه عَنْ يَسَاره ثَلَاثًا , وَلَا يَذْكُرهَا لِأَحَدٍ أَصْلًا. وَوَقَعَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي \" بَاب الْقَيْد فِي الْمَنَام \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة خَامِسَة وَهِيَ الصَّلَاة وَلَفْظه \" فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصّهُ عَلَى أَحَد وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ \" لَكِنْ لَمْ يُصَرِّح الْبُخَارِيّ بِوَصْلِهِ وَصَرَّحَ بِهِ مُسْلِم كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي بَابه , وَغَفَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ فَقَالَ : زَادَ التِّرْمِذِيّ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ بِالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ اِنْتَهَى , وَزَادَ مُسْلِم سَادِسَة وَهِيَ التَّحَوُّل عَنْ جَنْبه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فَقَالَ \" حَدَّثَنَا قُتَيْبَة حَدَّثَنَا لَيْث وَحَدَّثَنَا اِبْن رُمْح أَنْبَأَنَا اللَّيْث عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر رَفَعَه إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يَكْرَههَا فَلْيَبْصُقْ عَلَى يَسَاره ثَلَاثًا وَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان ثَلَاثًا وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ \" وَقَالَ قَبْل ذَلِكَ \" حَدَّثَنَا قُتَيْبَة وَمُحَمَّد بْن رُمْح عَنْ اللَّيْث بْن سَعْد وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر كُلّهمْ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد بِهَذَا الْإِسْنَاد \" يَعْنِي عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي قَتَادَة مِثْل حَدِيث سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد وَزَادَ اِبْن رُمْح فِي هَذَا الْحَدِيث \" وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ \" وَذَكَرَ بَعْض الْحُفَّاظ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة إِنَّمَا هِيَ فِي حَدِيث اللَّيْث عَنْ أَبِي الزُّبَيْر كَمَا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ قُتَيْبَة وَابْن رُمْح , وَأَمَّا طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد فِي حَدِيث أَبِي قَتَادَة فَلَيْسَتْ فِيهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرهَا قُتَيْبَة , وَفِي الْجُمْلَة فَتَكْمُل الْآدَابُ سِتَّةً الْأَرْبَعَة الْمَاضِيَة وَالصَّلَاة وَالتَّحَوُّل , وَرَأَيْت فِي بَعْض الشُّرُوح. ذِكْر سَابِعَة وَهِيَ قِرَاءَة آيَة الْكُرْسِيّ وَلَمْ يَذْكُر لِذَلِكَ مُسْتَنَدًا فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ عُمُوم قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَلَا يَقْرَبَنَّك شَيْطَان فَيُتَّجَه , وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَهَا فِي صَلَاته الْمَذْكُورَة , وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّق بِآدَابِ الْعَابِر , وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاء حِكْمَة هَذِهِ الْأُمُور : فَأَمَّا الِاسْتِعَاذَة بِاَللَّهِ مِنْ شَرّهَا فَوَاضِح وَهِيَ مَشْرُوعَة عِنْد كُلّ أَمْر يُكْرَه , وَأَمَّا الِاسْتِعَاذَة مِنْ الشَّيْطَان فَلِمَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث أَنَّهَا مِنْهُ وَأَنَّهُ يُخَيِّل بِهَا لِقَصْدِ تَحْزِين الْآدَمِيّ وَالتَّهْوِيل عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَأَمَّا التَّفْل فَقَالَ عِيَاض : أَمَرَ بِهِ طَرْدًا لِلشَّيْطَانِ الَّذِي حَضَرَ الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَة تَحْقِيرًا لَهُ وَاسْتِقْذَارًا , وَخُصَّتْ بِهِ الْيَسَار لِأَنَّهَا مَحَلّ الْأَقْذَار وَنَحْوهَا. قُلْت : وَالتَّثْلِيث لِلتَّأْكِيدِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ فِي مَقَام الرُّقْيَة لِيَتَقَرَّر عِنْد النَّفْس دَفْعُهُ عَنْهَا وَعَبَّرَ فِي بَعْض الرِّوَايَات بِالْبُصَاقِ إِشَارَة إِلَى اِسْتِقْذَاره , وَقَدْ وَرَدَ بِثَلَاثَةِ أَلْفَاظ النَّفْث وَالتَّفْل وَالْبَصْق , قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْكَلَام عَلَى النَّفْث فِي الرُّقْيَة تَبَعًا لِعِيَاضٍ : اُخْتُلِفَ فِي النَّفْث وَالتَّفْلِ فَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَلَا يَكُونَانِ إِلَّا بِرِيقٍ , وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : يُشْتَرَط فِي التَّفْل رِيق يَسِير وَلَا يَكُون فِي النَّفْث , وَقِيلَ عَكْسه , وَسُئِلَتْ عَائِشَة عَنْ النَّفْث فِي الرُّقْيَة فَقَالَتْ : كَمَا يَنْفُث آكِلُ الزَّبِيب لَا رِيق مَعَهُ. قَالَ : وَلَا اِعْتِبَار بِمَا يَخْرُج مَعَهُ مِنْ بَلَّة بِغَيْرِ قَصْد , قَالَ : وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي الرُّقْيَة بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب \" فَجَعَلَ يَجْمَع بُزَاقه \" قَالَ عِيَاض : وَفَائِدَة التَّفْل التَّبَرُّك بِتِلْكَ الرُّطُوبَة وَالْهَوَاء وَالنَّفْثِ لِلْمُبَاشِرِ لِلرُّقْيَةِ الْمُقَارِن لِلذِّكْرِ الْحَسَن كَمَا يُتَبَرَّك بِغُسَالَةِ مَا يُكْتَب مِنْ الذِّكْر وَالْأَسْمَاء , وَقَالَ النَّوَوِيّ أَيْضًا : أَكْثَرُ الرِّوَايَات فِي الرُّؤْيَا \" فَلْيَنْفُثْ \" وَهُوَ نَفْخ لَطِيف بِلَا رِيق فَيَكُون التَّفْل وَالْبَصْق مَحْمُولَيْنِ عَلَيْهِ مَجَازًا. قُلْت : لَكِنَّ الْمَطْلُوب فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِف , لِأَنَّ الْمَطْلُوب فِي الرُّقْيَة التَّبَرُّك بِرُطُوبَةِ الذِّكْر كَمَا تَقَدَّمَ , وَالْمَطْلُوب هُنَا طَرْد الشَّيْطَان وَإِظْهَار اِحْتِقَاره وَاسْتِقْذَاره كَمَا نَقَلَهُ هُوَ عَنْ عِيَاض كَمَا تَقَدَّمَ , فَاَلَّذِي يَجْمَع الثَّلَاثَةَ الْحَمْلُ عَلَى التَّفْل فَإِنَّهُ نَفْخ مَعَهُ رِيق لَطِيف , فَبِالنَّظَرِ إِلَى النَّفْخ قِيلَ لَهُ نَفْث وَبِالنَّظَرِ إِلَى الرِّيق قِيلَ لَهُ بُصَاق. قَالَ النَّوَوِيّ وَأَمَّا قَوْله \" فَإِنَّهَا لَا تَضُرّهُ \" فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّه جَعَلَ مَا ذُكِرَ سَبَبًا لِلسَّلَامَةِ مِنْ الْمَكْرُوه الْمُتَرَتِّب عَلَى الرُّؤْيَا كَمَا جَعَلَ الصَّدَقَة وِقَايَة لِلْمَالِ اِنْتَهَى. وَأَمَّا الصَّلَاة فَلِمَا فِيهَا مِنْ التَّوَجُّه إِلَى اللَّه وَاللَّجَأ إِلَيْهِ , وَلِأَنَّ فِي التَّحْرِيم بِهَا عِصْمَة مِنْ الْأَسْوَاء وَبِهَا تَكْمُل الرَّغْبَة وَتَصِحّ الطَّلَبَة لِقُرْبِ الْمُصَلِّي مِنْ رَبّه عِنْد سُجُوده , وَأَمَّا التَّحَوُّل فَلِلتَّفَاؤُلِ بِتَحَوُّلِ تِلْكَ الْحَال الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا. قَالَ النَّوَوِيّ : وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْمَع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات كُلِّهَا وَيَعْمَل بِجَمِيع مَا تَضَمَّنَتْهُ , فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا أَجْزَاهُ فِي دَفْعِ ضَرَرِهَا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ. قُلْت : لَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الْأَحَادِيث الِاقْتِصَار عَلَى وَاحِدَة , نَعَمْ أَشَارَ الْمُهَلَّب إِلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَة كَافِيَة فِي دَفْع شَرّهَا وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى : ( فَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآن فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم , إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَان عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ ) فَيَحْتَاج مَعَ الِاسْتِعَاذَة إِلَى صِحَّة التَّوَجُّه وَلَا يَكْفِي إِمْرَار الِاسْتِعَاذَة بِاللِّسَانِ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : الصَّلَاة تَجْمَع ذَلِكَ كُلّه , لِأَنَّهُ إِذَا قَامَ فَصَلَّى تَحَوَّلَ عَنْ جَنْبه وَبَصَقَ وَنَفَثَ عِنْد الْمَضْمَضَة فِي الْوُضُوء وَاسْتَعَاذَ قَبْل الْقِرَاءَة ثُمَّ دَعَا اللَّه فِي أَقْرَبِ الْأَحْوَال إِلَيْهِ فَيَكْفِيه اللَّه شَرّهَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. وَوَرَدَ فِي صِفَة التَّعَوُّذ مِنْ شَرّ الرُّؤْيَا أَثَرٌ صَحِيح أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور وَابْن أَبِي شَيْبَة وَعَبْد الرَّزَّاق بِأَسَانِيد صَحِيحَة عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ قَالَ : \" إِذَا رَأَى أَحَدكُمْ فِي مَنَامه مَا يَكْرَه فَلْيَقُلْ إِذَا اِسْتَيْقَظَ : أَعُوذ بِمَا عَاذَتْ بِهِ مَلَائِكَة اللَّه وَرُسُلُهُ مِنْ شَرّ رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنْ يُصِيبنِي فِيهَا مَا أَكْرَه فِي دِينِي وَدُنْيَايَ \" , وَوَرَدَ فِي الِاسْتِعَاذَة مِنْ التَّهْوِيل فِي الْمَنَام مَا أَخْرَجَهُ مَالِك قَالَ : \" بَلَغَنِي أَنَّ خَالِد بْن الْوَلِيد قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أُرَوَّع فِي الْمَنَام فَقَالَ : قُلْ أَعُوذ بِكَلِمَاتِ اللَّه التَّامَّات مِنْ شَرِّ غَضَبِهِ وَعَذَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَات الشَّيَاطِين وَأَنْ يَحْضُرُونِ \" وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ : \" كَانَ خَالِد بْن الْوَلِيد يُفَزَّع فِي مَنَامه \" فَذَكَرَ نَحْوه وَزَادَ فِي أَوَّله \" إِذَا اِضْطَجَعْت فَقُلْ : بِاسْمِ اللَّه \" فَذَكَرَهُ , وَأَصْله عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِم وَصَحَّحَهُ , وَاسْتَثْنَى الدَّاوُدِيّ مِنْ عُمُوم قَوْله \" إِذَا رَأَى مَا يَكْرَه \" مَا يَكُون فِي الرُّؤْيَا الصَّادِقَة لِكَوْنِهَا قَدْ تَقَع إِنْذَارًا كَمَا تَقَع تَبْشِيرًا وَفِي الْإِنْذَار نَوْعُ مَا يَكْرَهُهُ الرَّائِي فَلَا يُشْرَع إِذَا عَرَفَ أَنَّهَا صَادِقَة مَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاسْتِعَاذَة وَنَحْوهَا , وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا وَرَدَ مِنْ مَرَائِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالْبَقَرِ الَّتِي تُنْحَر وَنَحْو ذَلِكَ , وَيُمْكِن أَنْ يُقَال : لَا يَلْزَم مِنْ تَرْك الِاسْتِعَاذَة فِي الصَّادِقَة أَنْ لَا يَتَحَوَّل عَنْ جَنْبه وَلَا أَنْ لَا يُصَلِّي , فَقَدْ يَكُون ذَلِكَ سَبَبًا لِدَفْعِ مَكْرُوه الْإِنْذَار مَعَ حُصُول مَقْصُود الْإِنْذَار , وَأَيْضًا فَالْمَنْذُورَة قَدْ تَرْجِع إِلَى مَعْنَى الْمُبَشِّرَة لِأَنَّ مَنْ أُنْذِرَ بِمَا سَيَقَعُ لَهُ وَلَوْ كَانَ لَا يَسُرّهُ أَحْسَنُ حَالًا مِمَّنْ هَجَمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْزَعِج مَا لَا يَنْزَعِج مَنْ كَانَ يَعْلَم بِوُقُوعِهِ فَيَكُون ذَلِكَ تَخْفِيفًا عَنْهُ وَرِفْقًا بِهِ , قَالَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ : الرُّؤْيَا الصَّادِقَة أَصْلهَا حَقّ تُخْبِر عَنْ الْحَقّ وَهُوَ بُشْرَى وَإِنْذَار وَمُعَاتَبَة لِتَكُونَ عَوْنًا لِمَا نُدِبَ إِلَيْهِ , قَالَ : وَقَدْ كَانَ غَالِب أُمُور الْأَوَّلِينَ الرُّؤْيَا إِلَّا أَنَّهَا قَلَّتْ فِي هَذِهِ الْأُمَّة لِعِظَمِ مَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهَا مِنْ الْوَحْي وَلِكَثْرَةِ مَنْ فِي أُمَّته مِنْ الصِّدِّيقِينَ مِنْ الْمُحَدَّثِينَ بِفَتْحِ الدَّال وَأَهْل الْيَقِين. فَاكْتَفَوْا بِكَثْرَةِ الْإِلْهَام وَالْمُلْهَمِينَ عَنْ كَثْرَة الرُّؤْيَا الَّتِي كَانَتْ فِي الْمُتَقَدِّمِينَ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : يَحْتَمِل قَوْله الرُّؤْيَا الْحَسَنَة وَالصَّالِحَة أَنْ يَرْجِع إِلَى حُسْن ظَاهِرهَا أَوْ صِدْقهَا , كَمَا أَنَّ قَوْله الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَة أَوْ السُّوء يَحْتَمِل سُوء الظَّاهِر أَوْ سُوء التَّأْوِيل , وَأَمَّا كَتْمهَا مَعَ أَنَّهَا قَدْ تَكُون صَادِقَة فَخَفِيَتْ حِكْمَته , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِمَخَافَةِ تَعْجِيل اِشْتِغَال سِرّ الرَّائِي بِمَكْرُوهِ تَفْسِيرهَا , لِأَنَّهَا قَدْ تُبْطِئ فَإِذَا لَمْ يُخْبِر بِهَا زَالَ تَعْجِيل رَوْعهَا وَتَخْوِيفهَا وَيَبْقَى إِذَا لَمْ يَعْبُرهَا لَهُ أَحَدٌ بَيْن الطَّمَع فِي أَنَّ لَهَا تَفْسِيرًا حَسَنًا , أَوْ الرَّجَاء فِي أَنَّهَا مِنْ الْأَضْغَاث فَيَكُون ذَلِكَ أَسْكَنَ لِنَفْسِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : \" وَلَا يَذْكُرهَا عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَا تَقَع عَلَى مَا يَعْبُر بِهِ \" وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي \" بَاب إِذَا رَأَى مَا يَكْرَه \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْوَهْمِ تَأْثِيرًا فِي النُّفُوس لِأَنَّ التَّفْل وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ يَدْفَع الْوَهْم الَّذِي يَقَع فِي النَّفْس مِنْ الرُّؤْيَا , فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَهْمِ تَأْثِير لَمَا أَرْشَدَ إِلَى مَا يَدْفَعهُ , وَكَذَا فِي النَّهْي عَنْ التَّحْدِيث بِمَا يَكْرَه لِمَنْ يَكْرَه وَالْأَمْر بِالتَّحْدِيثِ بِمَا يُحِبّ لِمَنْ يُحِبّ. ‏ ‏قَوْله فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد ( وَإِذَا رَأَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَه فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الشَّيْطَان ) ظَاهِر الْحَصْر أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة لَا تَشْتَمِل عَلَى شَيْء مِمَّا يَكْرَههُ الرَّائِي , وَيُؤَيِّدهُ مُقَابَلَة رُؤْيَا الْبُشْرَى بِالْحُلُمِ وَإِضَافَة الْحُلُم إِلَى الشَّيْطَان , وَعَلَى هَذَا فَفِي قَوْل أَهْل التَّعْبِير وَمَنْ تَبِعَهُمْ إِنَّ الرُّؤْيَا الصَّادِقَة قَدْ تَكُون بُشْرَى وَقَدْ تَكُون إِنْذَارًا نَظَرٌ , لِأَنَّ الْإِنْذَار غَالِبًا يَكُون فِيمَا يَكْرَه الرَّائِي , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الْإِنْذَار لَا يَسْتَلْزِم وُقُوع الْمَكْرُوه كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره , وَبِأَنَّ الْمُرَاد بِمَا يَكْرَه مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ظَاهِر الرُّؤْيَا وَمِمَّا تُعَبَّر بِهِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : ظَاهِر الْخَبَر أَنَّ هَذَا النَّوْع مِنْ الرُّؤْيَا يَعْنِي مَا كَانَ فِيهِ تَهْوِيل أَوْ تَخْوِيف أَوْ تَحْزِين هُوَ الْمَأْمُور بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ تَخَيُّلَات الشَّيْطَان , فَإِذَا اِسْتَعَاذَ الرَّائِي مِنْهُ صَادِقًا فِي اِلْتِجَائِهِ إِلَى اللَّه وَفَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ التَّفْل وَالتَّحَوُّل وَالصَّلَاة أَذْهَبَ اللَّه عَنْهُ مَا بِهِ وَمَا يَخَافهُ مِنْ مَكْرُوه ذَلِكَ وَلَمْ يُصِبْهُ مِنْهُ شَيْء , وَقِيلَ بَلْ الْخَبَر عَلَى عُمُومه فِيمَا يَكْرَههُ الرَّائِي بِتَنَاوُلِ مَا يَتَسَبَّب بِهِ الشَّيْطَان وَمَا لَا تَسَبُّبَ لَهُ فِيهِ , وَفِعْلُ الْأُمُور الْمَذْكُورَة مَانِع مِنْ وُقُوع الْمَكْرُوه كَمَا جَاءَ أَنَّ الدُّعَاء يَدْفَع الْبَلَاء وَالصَّدَقَة تَدْفَع مَيْتَة السُّوء وَكُلّ ذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّه وَقَدْره , وَلَكِنَّ الْأَسْبَاب عَادَات لَا مَوْجُودَات , وَأَمَّا مَا يُرَى أَحْيَانًا مِمَّا يُعْجِب الرَّائِيَ وَلَكِنَّهُ لَا يَجِدهُ فِي الْيَقَظَة وَلَا مَا يَدُلّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَدْخُل فِي قِسْم آخَر وَهُوَ مَا كَانَ الْخَاطِر بِهِ مَشْغُولًا قَبْل النَّوْم ثُمَّ يَحْصُل النَّوْمُ فَيَرَاهُ فَهَذَا قِسْم لَا يَضُرّ وَلَا يَنْفَع. ‏"
    },
    {
        "id": "6471",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا لَقِيتُهُ ‏ ‏بِالْيَمَامَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْهُ وَلْيَبْصُقْ عَنْ شِمَالِهِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُسَدَّد قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا لَقِيته بِالْيَمَامَةِ ) ‏ ‏هَكَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ بَعْد قَوْله خَيْرًا \" قَالَ لَقِيته بِالْيَمَامَةِ \" وَفَاعِل أَثْنَى هُوَ مُسَدَّد وَهِيَ جُمْلَة حَالِيَّة كَأَنَّهُ قَالَ أَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا حَال تَحْدِيثه عَنْهُ , وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ أَيْضًا إِسْحَاق بْن أَبِي إِسْرَائِيل فِيمَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه قَالَ \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَكَانَ مِنْ خِيَار النَّاس وَأَهْل الْوَرَع وَالدِّين \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ عَطْف عَلَى السَّنَد الَّذِي قَبْله , فَفِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن أَبِي إِسْرَائِيل الْمَذْكُورَة بَعْد أَنْ سَاقَ طَرِيق أَبِي سَلَمَة قَالَ : \" وَحَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَة عَنْ أَبِيهِ مِثْل حَدِيث أَبِي سَلَمَة وَتَقَدَّمَ فِي صِفَة إِبْلِيس مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة وَحْده عَنْ أَبِي قَتَادَة \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق أَبِي خَلِيفَة عَنْ مُسَدَّد كَرِوَايَةِ الْبُخَارِيّ عَنْ مُسَدَّد , وَمِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ عَنْ مُسَدَّد بِهَذَا السَّنَد فَقَالَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بَدَل أَبِي قَتَادَة , وَلَعَلَّهُ كَانَ عِنْد أَبِي سَلَمَة عَنْهُمَا , وَكَانَ عِنْد مُسَدَّد عَلَى الْوَجْهَيْنِ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ مِنْ رِوَايَة إِسْحَاق بْن أَبِي إِسْرَائِيل بِهَذَا السَّنَد إِلَى أَبِي سَلَمَة فَقَالَ عَنْ أَبِي قَتَادَة تَارَة وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة أُخْرَى , وَعَنْ عُبَيْد اللَّه بْن يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة حَدِيث \" رُؤْيَا الرَّجُل الصَّالِح جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله ( الرُّؤْيَا الصَّالِحَة مِنْ اللَّه وَالْحُلُم مِنْ الشَّيْطَان فَإِذَا حَلَمَ أَحَدكُمْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله مُسْتَوْفًى , وَقَدْ اِعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : لَيْسَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ هَذَا الْبَاب فِي شَيْء , وَأَخَذَهُ الزَّرْكَشِيّ فَقَالَ : إِدْخَاله فِي هَذَا الْبَاب لَا وَجْه لَهُ بَلْ هُوَ مُلْحَق بِاَلَّذِي قَبْله , قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ كَمَا أَشَرْت إِلَيْهِ , وَيُجَاب عَنْ صَنِيع الْأَكْثَر بِأَنَّ وَجْه دُخُوله فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة إِنَّمَا كَانَتْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة لِكَوْنِهَا مِنْ اللَّه تَعَالَى بِخِلَافِ الَّتِي مِنْ الشَّيْطَان فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة , وَأَشَارَ الْبُخَارِيّ مَعَ ذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْض الطُّرُق عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي قَتَادَة , فَقَدْ ذَكَرْت فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي قَتَادَة فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الزِّيَادَة \" وَرُؤْيَا الْمُؤْمِن جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة \". ‏"
    },
    {
        "id": "6472",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا غُنْدَر ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر الْمَذْكُور بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور \" سَمِعْت أَنَس بْن مَالِك يُحَدِّث عَنْ عُبَادَةَ , وَقَدْ خَالَفَ قَتَادَةَ غَيْرُهُ فَلَمْ يَذْكُرُوا عُبَادَةَ فِي السَّنَد وَهُوَ الْحَدِيث الثَّالِث حَدِيث أَنَس. ‏"
    },
    {
        "id": "6473",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏ثَابِتٌ ‏ ‏وَحُمَيْدٌ ‏ ‏وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَشُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَرَوَاهُ ثَابِت وَحُمَيْدٌ وَإِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه وَشُعَيْب عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ بِغَيْرِ وَاسِطَة , فَأَمَّا رِوَايَة ثَابِت فَتَأْتِي مَوْصُولَة بَعْد خَمْسَة أَبْوَاب مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُخْتَار عَنْهُ تِلْو حَدِيث أَوَّله \" مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَام فَقَدْ رَآنِي \" وَقَالَ فِيهِ \" وَرُؤْيَا الْمُؤْمِن \" وَوَصَلَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ ثَابِت كَذَلِكَ , وَأَخْرَجَهَا الْبَزَّار وَقَالَ لَا نَعْلَم رُوَاة عَنْ ثَابِت إِلَّا شُعْبَة , وَرِوَايَة عَبْد الْعَزِيز تَرُدّ عَلَيْهِ , وَوَقَعَ فِي أَطْرَاف الْمِزِّيّ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَهُ فِي التَّعْبِير مُعَلَّقًا فَقَالَ : رَوَاهُ شُعْبَة عَنْ ثَابِت , وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي الْبُخَارِيّ , وَأَمَّا رِوَايَة حُمَيْد فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي عَدِيّ عَنْهُ وَلَفْظ الْمَتْن مِثْل رِوَايَة قَتَادَة وَأَمَّا رِوَايَة إِسْحَاق وَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة فَتَقَدَّمَتْ قَرِيبًا وَأَمَّا رِوَايَة شُعَيْب وَهُوَ اِبْن الْحَبْحَاب بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى سَاكِنَة فَرَوَيْنَاهَا مَوْصُولَة فِي \" كِتَاب الرُّوح لِأَبِي عَبْد اللَّه بْن مَنْدَهْ \" مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد وَفِي الْجُزْء الرَّابِع مِنْ فَوَائِد أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن عَمْرو الرَّزَّاز مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن زَيْد كِلَاهُمَا عَنْ شُعَيْب وَلَفْظه مِثْل حُمَيْد وَأَشَارَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِلَى أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ صَحِيحَانِ. ‏ ‏الْحَدِيث الرَّابِع : حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْهُ وَلَفْظه مِثْل قَتَادَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه فَزَادَ فِي أَوَّله \" أَنَّ \" الَّتِي لِلتَّأْكِيدِ , وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ أَبِي سَعِيد آخِر أَحَادِيث الْبَاب , وَمِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة وَمِنْ طَرِيق هَمَّام كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" رُؤْيَا الرَّجُل الصَّالِح \" بَدَل لَفْظ الْمُؤْمِن. ‏"
    },
    {
        "id": "6474",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي حَازِم وَالدَّرَاوَرْدِيّ وَاسْم كُلّ مِنْهُمَا عَبْد الْعَزِيز وَاسْم أَبِي حَازِم سَلَمَة بْن دِينَار وَاسْم وَالِد الدَّرَاوَرْدِيّ مُحَمَّد بْن عُبَيْد وَيَزِيد شَيْخهمَا هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ الْهَاد وَالسَّنَد كُلّه مَدَنِيُّونَ وَلَفْظ الْمَتْن مِثْل التَّرْجَمَة كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ النُّبُوَّة ) ‏ ‏قَالَ بَعْض الشُّرَّاح كَذَا هُوَ فِي جَمِيع الطُّرُق وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا بِلَفْظِ \" مِنْ الرِّسَالَة \" بَدَل \" مِنْ النُّبُوَّة \" قَالَ وَكَأَنَّ السِّرّ فِيهِ أَنَّ الرِّسَالَة تَزِيد عَلَى النُّبُوَّة بِتَبْلِيغِ الْأَحْكَام لِلْمُكَلَّفِينَ بِخِلَافِ النُّبُوَّة الْمُجَرَّدَة فَإِنَّهَا اِطِّلَاع عَلَى بَعْض الْمُغَيَّبَات وَقَدْ يُقَرِّر بَعْض الْأَنْبِيَاء شَرِيعَة مَنْ قَبْله وَلَكِنْ لَا يَأْتِي بِحُكْمٍ جَدِيد مُخَالِف لِمَنْ قَبْله , فَيُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ تَرْجِيح الْقَوْل بِأَنَّ مَنْ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَام فَأَمَرَهُ بِحُكْمٍ يُخَالِف حُكْم الشَّرْع الْمُسْتَقَرّ فِي الظَّاهِر أَنَّهُ لَا يَكُون مَشْرُوعًا فِي حَقّه وَلَا فِي حَقّ غَيْره حَتَّى يَجِب عَلَيْهِ تَبْلِيغه وَسَيَأْتِي بَسْط هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث \" مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَام فَقَدْ رَآنِي \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6475",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَمْ يَبْقَ مِنْ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ قَالُوا وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ قَالَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( لَمْ يَبْقَ مِنْ النُّبُوَّة إِلَّا الْمُبَشِّرَات ) ‏ ‏كَذَا ذَكَرَهُ بِاللَّفْظِ الدَّالّ عَلَى الْمُضِيّ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِهِ وَالْمُرَاد الِاسْتِقْبَال أَيْ لَا يَبْقَى , وَقِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِره لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي زَمَانه وَاللَّام فِي النُّبُوَّة لِلْعَهْدِ وَالْمُرَاد نُبُوَّته , وَالْمَعْنَى لَمْ يَبْقَ بَعْد النُّبُوَّة الْمُخْتَصَّة بِي إِلَّا الْمُبَشِّرَات , ثُمَّ فَسَّرَهَا بِالرُّؤْيَا , وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد أَحْمَدَ بِلَفْظِ \" لَمْ يَبْقَ بَعْدِي \" وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ فِي مَرَض مَوْته أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن مَعْبَد عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَشَفَ السِّتَارَة وَرَأْسه مَعْصُوب فِي مَرَضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَالنَّاس صُفُوف خَلْف أَبِي بَكْر فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَات النُّبُوَّة إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَة يَرَاهَا الْمُسْلِم أَوْ تُرَى لَهُ \" الْحَدِيث , وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة زُفَرَ بْن صَعْصَعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ أَنَّهُ \" لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّة إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَة \" وَهَذَا يُؤَيِّد التَّأْوِيل الْأَوَّل , وَظَاهِر الِاسْتِثْنَاء مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْء مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة أَنَّ الرُّؤْيَا نُبُوَّة وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَاد تَشْبِيه أَمْر الرُّؤْيَا بِالنُّبُوَّةِ , أَوْ لِأَنَّ جُزْء الشَّيْء لَا يَسْتَلْزِم ثُبُوت وَصْفه لَهُ كَمَنْ قَالَ : أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , رَافِعًا صَوْته لَا يُسَمَّى مُؤَذِّنًا وَلَا يُقَال إِنَّهُ أَذَّنَ وَإِنْ كَانَتْ جُزْءًا مِنْ الْأَذَان , وَكَذَا لَوْ قَرَأَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآن وَهُوَ قَائِم لَا يُسَمَّى مُصَلِّيًا وَإِنْ كَانَتْ الْقِرَاءَة جُزْءًا مِنْ الصَّلَاة , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أُمّ كُرْز بِضَمِّ الْكَاف وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا زَاي الْكَعْبِيَّة قَالَتْ : \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ذَهَبَتْ النُّبُوَّة وَبَقِيَتْ الْمُبَشِّرَات \" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان , وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا \" لَمْ يَبْقَ بَعْدِي مِنْ الْمُبَشِّرَات إِلَّا الرُّؤْيَا \" وَلَهُ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة بْن أُسَيْد مَرْفُوعًا \" ذَهَبَتْ النُّبُوَّة وَبَقِيَتْ الْمُبَشِّرَات \" وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَنَس رَفَعَهُ \" إِنَّ الرِّسَالَة وَالنُّبُوَّة قَدْ اِنْقَطَعَتْ وَلَا نَبِيّ وَلَا رَسُول بَعْدِي وَلَكِنْ بَقِيَتْ الْمُبَشِّرَات , قَالُوا : وَمَا الْمُبَشِّرَات ؟ قَالَ : رُؤْيَا الْمُسْلِمِينَ جُزْء مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة \" قَالَ الْمُهَلَّب مَا حَاصِله : التَّعْبِير بِالْمُبَشِّرَاتِ خَرَجَ لِلْأَغْلَبِ , فَإِنَّ مِنْ الرُّؤْيَا مَا تَكُون مُنْذِرَة وَهِيَ صَادِقَة يُرِيهَا اللَّه لِلْمُؤْمِنِ رِفْقًا بِهِ لِيَسْتَعِدّ لِمَا يَقَع قَبْل وُقُوعه. وَقَالَ اِبْن التِّين : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْوَحْي يَنْقَطِع بِمَوْتِي وَلَا يَبْقَى مَا يُعْلَم مِنْهُ مَا سَيَكُونُ إِلَّا الرُّؤْيَا , وَيَرِد عَلَيْهِ الْإِلْهَام فَإِنَّ فِيهِ إِخْبَارًا بِمَا سَيَكُونُ , وَهُوَ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَحْيِ كَالرُّؤْيَا , وَيَقَع لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاء كَمَا فِي الْحَدِيث الْمَاضِي فِي مَنَاقِب عُمَر \" قَدْ كَانَ فِيمَنْ مَضَى مِنْ الْأُمَم مُحَدَّثُونَ \" وَفُسِّرَ الْمُحَدَّث بِفَتْحِ الدَّال بِالْمُلْهَمِ بِالْفَتْحِ أَيْضًا , وَقَدْ أَخْبَرَ كَثِير مِنْ الْأَوْلِيَاء عَنْ أُمُور مُغَيَّبَة فَكَانَتْ كَمَا أَخْبَرُوا , وَالْجَوَاب أَنَّ الْحَصْر فِي الْمَنَام لِكَوْنِهِ يَشْمَل آحَاد الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ الْإِلْهَام فَإِنَّهُ مُخْتَصّ بِالْبَعْضِ , وَمَعَ كَوْنه مُخْتَصًّا فَإِنَّهُ نَادِر , فَإِنَّمَا ذُكِرَ الْمَنَام لِشُمُولِهِ وَكَثْرَة وُقُوعه , وَيُشِير إِلَى ذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" فَإِنْ يَكُنْ \" وَكَانَ السِّرّ فِي نَدُور الْإِلْهَام فِي زَمَنه وَكَثْرَته مِنْ بَعْده غَلَبَة الْوَحْي إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَقَظَة وَإِرَادَة إِظْهَار الْمُعْجِزَات مِنْهُ , فَكَانَ الْمُنَاسِب أَنْ لَا يَقَع لِغَيْرِهِ مِنْهُ فِي زَمَانه شَيْء , فَلَمَّا اِنْقَطَعَ الْوَحْي بِمَوْتِهِ وَقَعَ الْإِلْهَام لِمَنْ اِخْتَصَّهُ اللَّه بِهِ لِلْأَمْنِ مِنْ اللَّبْس فِي ذَلِكَ , وَفِي إِنْكَار وُقُوع ذَلِكَ مَعَ كَثْرَته وَاشْتِهَاره مُكَابَرَة مِمَّنْ أَنْكَرَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6476",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ أُنَاسًا أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ وَأَنَّ أُنَاسًا أُرُوا أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّ أُنَاسًا أُرُوا لَيْلَة الْقَدْر فِي السَّبْع الْأَوَاخِر وَأَنَّ أُنَاسًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" نَاسًا \". ‏ ‏قَوْله ( أُرُوهَا فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ اِلْتَمِسُوهَا فِي السَّبْع الْأَوَاخِر ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ طَرِيق سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الصِّيَام مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ نَافِع مِثْله لَكِنَّ لَفْظه \" أَرَى رُؤْيَاكُمْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْع الْأَوَاخِر , فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا \" الْحَدِيث , وَلَمْ يَذْكُر الْجُمْلَة الْوُسْطَى , وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : اللَّفْظ الَّذِي سَاقَهُ خِلَاف التَّوَاطُؤ , وَحَدِيث التَّوَاطُؤ \" أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى الْعَشْر الْأَوَاخِر \". قُلْت : لَمْ يَلْتَزِم الْبُخَارِيّ إِيرَاد الْحَدِيث بِلَفْظِ التَّوَاطُؤ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالتَّوَاطُؤِ التَّوَافُق وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُون الْحَدِيث بِلَفْظِهِ أَوْ بِمَعْنَاهُ , وَذَلِكَ أَنَّ أَفْرَاد السَّبْع دَاخِلَة فِي أَفْرَاد الْعَشْر , فَلَمَّا رَأَى قَوْم أَنَّهَا فِي الْعَشْر وَقَوْم أَنَّهَا فِي السَّبْع كَانُوا كَأَنَّهُمْ تَوَافَقُوا عَلَى السَّبْع فَأَمَرَهُمْ بِالْتِمَاسِهَا فِي السَّبْع لِتَوَافُقِ الطَّائِفَتَيْنِ عَلَيْهَا , وَلِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَيْهِمْ فَجَرَى الْبُخَارِيّ عَلَى عَادَته فِي إِيثَار الْأَخْفَى عَلَى الْأَجْلَى , وَالْحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب قِيَام اللَّيْل مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ \" رَأَيْت كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَة إِسْتَبْرَق الْحَدِيث \" وَفِيهِ \" وَكَانُوا لَا يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّؤْيَا \" وَفِيهِ \" أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر \" الْحَدِيث , وَيُسْتَفَاد مِنْ الْحَدِيث أَنَّ تَوَافُق جَمَاعَة عَلَى رُؤْيَا وَاحِدَة دَالّ عَلَى صِدْقهَا وَصِحَّتهَا كَمَا تُسْتَفَاد قُوَّة الْخَبَر مِنْ التَّوَارُد عَلَى الْإِخْبَارِ مِنْ جَمَاعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6477",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَأَبَا عُبَيْدٍ ‏ ‏أَخْبَرَاهُ عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ ‏ ‏يُوسُفُ ‏ ‏ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي لَأَجَبْتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( جُوَيْرِيَة ) ‏ ‏بِالضَّمِّ مُصَغَّر وَهُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل الضُّبَعِيُّ وَرِوَايَته عَنْ مَالِك مِنْ الْأَقْرَان. ‏ ‏0 ‏ ‏قَوْله ( لَوْ لَبِثْت فِي السِّجْن مَا لَبِثَ يُوسُفُ ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي لَأَجَبْته ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَرْجَمَة يُوسُف مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مِنْ هَذَا الْوَجْه وَزَادَ فِيهِ قِصَّة لُوط , وَتَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِير مِنْ هَذَا الْوَجْه وَزَادَ فِي أَوَّله \" نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم \" الْحَدِيث , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه لَكِنْ قَالَ : مِثْل حَدِيث يُونُس بْن يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد وَأَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِطُولِهِ , وَمِنْ طَرِيق أَبِي أُوَيْس عَنْ الزُّهْرِيّ مِثْل مَالِك وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" مِنْ طَرِيق جُوَيْرِيَة بِطُولِهِ أَخْرَجُوهُ كُلّهمْ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَسْمَاء عَنْ عَمّه جُوَيْرِيَة بْن أَسْمَاء , وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ بْن سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم رَوَاهُ عَنْهُ فَقَالَ \" عَنْ أَبِي سَلَمَة \" بَدَل أَبِي عُبَيْد وَوَهِمَ فِيهِ فَإِنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ مَالِكٍ أَبُو عُبَيْد لَا أَبُو سَلَمَة , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن دَاوُدَ عَنْ مَالِك أَنَّ اِبْن شِهَاب حَدَّثَهُ أَنَّ سَعِيدًا وَأَبَا عُبَيْد أَخْبَرَاهُ بِهِ , وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه بِأَبْسَطَ مِنْ سِيَاقه , فَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ عِكْرِمَة رَفَعَه \" لَقَدْ عَجِبْت مِنْ يُوسُف وَكَرَمِهِ وَصَبْره حَتَّى سُئِلَ عَنْ الْبَقَرَات الْعِجَاف وَالسِّمَان , وَلَوْ كُنْت مَكَانه مَا أَجَبْت حَتَّى أَشْتَرِط أَنْ يُخْرِجُونِي , وَلَقَدْ عَجِبْت مِنْهُ حِين أَتَاهُ الرَّسُول - يَعْنِي لِيَخْرُج إِلَى الْمَلِك - فَقَالَ اِرْجِعْ إِلَى رَبّك , وَلَوْ كُنْت مَكَانه وَلَبِثْت فِي السِّجْن مَا لَبِثَ لَأَسْرَعْت الْإِجَابَة وَلَبَادَرْت الْبَاب وَلَمَا اِبْتَغَيْت الْعُذْر , وَهَذَا مُرْسَل وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد الْخُوزِيّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي عَنْ عَمْرو بْن دِينَار بِذِكْرِ اِبْن عَبَّاس فِيهِ فَذَكَرَهُ وَزَادَ \" وَلَوْلَا الْكَلِمَة الَّتِي قَالَهَا لَمَا لَبِثَ فِي السِّجْن مَا لَبِثَ \" وَقَدْ مَضَى شَرْح مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ فِي قِصَّة يُوسُف مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "6478",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ سِيرِينَ ‏ ‏إِذَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك وَيُونُس هُوَ اِبْن يَزِيد. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ \" أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة \". ‏ ‏قَوْله ( مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَام فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَة ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَوْ فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَة , هَكَذَا بِالشَّكِّ وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي الطَّرِيق الْمَذْكُورَة \" فَقَدْ رَآنِي فِي الْيَقَظَة \" بَدَل قَوْله \" فَسَيَرَانِي \" وَمِثْله فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد اِبْن مَاجَهْ. وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو عَوَانَة وَوَقَعَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ \" فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَة \" فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَلْفَاظ : فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَة , فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَة , فَقَدْ رَآنِي فِي الْيَقَظَة وَجُلُّ أَحَادِيث الْبَاب كَالثَّالِثَةِ إِلَّا قَوْله \" فِي الْيَقَظَة \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه قَالَ اِبْن سِيرِينَ إِذَا رَآهُ فِي صُورَته ) ‏ ‏سَقَطَ هَذَا التَّعْلِيق لِلنَّسَفِيِّ وَلِأَبِي ذَرّ وَثَبَتَ عِنْد غَيْرهمَا , وَقَدْ رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق الْقَاضِي عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب قَالَ \" كَانَ مُحَمَّد - يَعْنِي اِبْن سِيرِينَ - إِذَا قَصَّ عَلَيْهِ رَجُل أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : صِفْ لِي الَّذِي رَأَيْته , فَإِنْ وَصَفَ لَهُ صِفَة لَا يَعْرِفهَا قَالَ : لَمْ تَرَهُ وَسَنَده صَحِيح. وَوَجَدْت لَهُ مَا يُؤَيِّدهُ : فَأَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَاصِم بْن كُلَيْب \" حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : قُلْت لِابْنِ عَبَّاس رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَام قَالَ : صِفْهُ لِي , قَالَ : ذَكَرْت الْحَسَن بْن عَلِيّ فَشَبَّهْته بِهِ , قَالَ : قَدْ رَأَيْته \" وَسَنَده جَيِّد , وَيُعَارِضهُ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي عَاصِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَام فَقَدْ رَآنِي , فَإِنِّي أُرَى فِي كُلّ صُورَة \" وَفِي سَنَده صَالِح مَوْلَى التَّوْأَمَة وَهُوَ ضَعِيف لِاخْتِلَاطِهِ , وَهُوَ مِنْ رِوَايَة مَنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْد الِاخْتِلَاط , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْنهمَا بِمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : رُؤْيَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِفَتِهِ الْمَعْلُومَة إِدْرَاك عَلَى الْحَقِيقَة , وَرُؤْيَته عَلَى غَيْر صِفَته إِدْرَاك لِلْمِثَالِ , فَإِنَّ الصَّوَاب أَنَّ الْأَنْبِيَاء لَا تُغَيِّرهُمْ الْأَرْض , وَيَكُون إِدْرَاك الذَّات الْكَرِيمَة حَقِيقَة وَإِدْرَاك الصِّفَات إِدْرَاك الْمَثَل , قَالَ وَشَذَّ بَعْض الْقَدَرِيَّة فَقَالَ : الرُّؤْيَا لَا حَقِيقَة لَهَا أَصْلًا وَشَذَّ بَعْض الصَّالِحِينَ فَزَعَمَ أَنَّهَا تَقَع بِعَيْنَيْ الرَّأْس حَقِيقَة , وَقَالَ بَعْض الْمُتَكَلِّمِينَ : هِيَ مُدْرَكَة بِعَيْنَيْنِ فِي الْقَلْب قَالَ وَقَوْله \" فَسَيَرَانِي \" مَعْنَاهُ فَسَيَرَى تَفْسِير مَا رَأَى لِأَنَّهُ حَقّ وَغَيْب أُلْقِيَ فِيهِ , وَقِيلَ مَعْنَاهُ فَسَيَرَانِي فِي الْقِيَامَة , وَلَا فَائِدَة فِي هَذَا التَّخْصِيص , وَأَمَّا قَوْله \" فَكَأَنَّمَا رَآنِي \" فَهُوَ تَشْبِيه وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ رَآهُ فِي الْيَقَظَة لَطَابَقَ مَا رَآهُ فِي الْمَنَام فَيَكُون الْأَوَّل حَقًّا وَحَقِيقَة وَالثَّانِي حَقًّا وَتَمْثِيلًا , قَالَ : وَهَذَا كُلّه إِذَا رَآهُ عَلَى صُورَته الْمَعْرُوفَة : فَإِنْ رَآهُ عَلَى خِلَاف صِفَته فَهِيَ أَمْثَال , فَإِنْ رَآهُ مُقْبِلًا عَلَيْهِ مَثَلًا فَهُوَ خَيْر لِلرَّائِي وَفِيهِ وَعَلَى الْعَكْس فَبِالْعَكْسِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ قَالَ عِيَاض : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فَقَدْ رَآنِي أَوْ فَقَدْ رَأَى الْحَقّ أَنَّ مَنْ رَآهُ عَلَى صُورَته فِي حَيَاته كَانَتْ رُؤْيَاهُ حَقًّا , وَمَنْ رَآهُ عَلَى غَيْر صُورَته كَانَتْ رُؤْيَا تَأْوِيل. وَتَعَقَّبَهُ فَقَالَ : هَذَا ضَعِيف بَلْ الصَّحِيح أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَة سَوَاء كَانَتْ عَلَى صِفَته الْمَعْرُوفَة أَوْ غَيْرهَا اِنْتَهَى , وَلَمْ يَظْهَر لِي مِنْ كَلَام الْقَاضِي مَا يُنَافِي ذَلِكَ , بَلْ ظَاهِر قَوْله أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَة فِي الْحَالَيْنِ. لَكِنْ فِي الْأُولَى تَكُون الرُّؤْيَا مِمَّا لَا يَحْتَاج إِلَى تَعْبِير وَالثَّانِيَة مِمَّا يَحْتَاج إِلَى التَّعْبِير. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْحَدِيث فَقَالَ قَوْم هُوَ عَلَى ظَاهِره فَمَنْ رَآهُ فِي النَّوْم رَأَى حَقِيقَته كَمَنْ رَآهُ فِي الْيَقَظَة سَوَاء , قَالَ وَهَذَا قَوْل يُدْرَك فَسَادُهُ بِأَوَائِل الْعُقُول , وَيَلْزَم عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرَاهُ أَحَد إِلَّا عَلَى صُورَته الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا وَأَنْ لَا يَرَاهُ رَائِيَانِ فِي آنٍ وَاحِد فِي مَكَانَيْنِ وَأَنْ يَحْيَا الْآن وَيَخْرُج مِنْ قَبْره وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاق وَيُخَاطِب النَّاس وَيُخَاطِبُوهُ وَيَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَخْلُو قَبْرُهُ مِنْ جَسَده فَلَا يَبْقَى مِنْ قَبْره فِيهِ شَيْء فَيُزَار مُجَرَّد الْقَبْر وَيُسَلَّم عَلَى غَائِب لِأَنَّهُ جَائِز أَنْ يُرَى فِي اللَّيْل وَالنَّهَار مَعَ اِتِّصَال الْأَوْقَات عَلَى حَقِيقَته فِي غَيْر قَبْره , وَهَذِهِ جَهَالَات لَا يَلْتَزِم بِهَا مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَة مِنْ عَقْل وَقَالَتْ طَائِفَة : مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ رَآهُ رَآهُ عَلَى صُورَته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا , وَيَلْزَم مِنْهُ أَنَّ مَنْ رَآهُ عَلَى غَيْر صِفَته أَنْ تَكُون رُؤْيَاهُ مِنْ الْأَضْغَاث , وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّهُ يُرَى فِي النَّوْم عَلَى حَالَة تُخَالِف حَالَته فِي الدُّنْيَا مِنْ الْأَحْوَال اللَّائِقَة بِهِ وَتَقَع تِلْكَ الرُّؤْيَا حَقًّا كَمَا لَوْ رُئِيَ مَلَأَ دَارًا بِجِسْمِهِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى اِمْتِلَاء تِلْكَ الدَّار بِالْخَيْرِ , وَلَوْ تَمَكَّنَ الشَّيْطَان مِنْ التَّمْثِيل بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَوْ يُنْسَب إِلَيْهِ لَعَارَضَ عُمُومَ قَوْلِهِ \" فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَتَمَثَّل بِي \" فَالْأَوْلَى أَنْ تُنَزَّه رُؤْيَاهُ وَكَذَا رُؤْيَا شَيْء مِنْهُ أَوْ مِمَّا يُنْسَب إِلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ , فَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْحُرْمَة وَأَلْيَقُ بِالْعِصْمَةِ كَمَا عُصِمَ مِنْ الشَّيْطَان فِي يَقَظَته , قَالَ : وَالصَّحِيح فِي تَأْوِيل هَذَا الْحَدِيث أَنَّ مَقْصُوده أَنَّ رُؤْيَته فِي كُلّ حَالَة لَيْسَتْ بَاطِلَة وَلَا أَضْغَاثًا بَلْ هِيَ حَقّ فِي نَفْسهَا وَلَوْ رُئِيَ عَلَى غَيْر صُورَته فَتَصَوُّر تِلْكَ الصُّورَة لَيْسَ مِنْ الشَّيْطَان بَلْ هُوَ مِنْ قِبَل اللَّه وَقَالَ وَهَذَا قَوْل الْقَاضِي أَبِي بَكْر بْن الطَّيِّب وَغَيْره , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله \" فَقَدْ رَأَى الْحَقّ \" أَيْ رَأَى الْحَقّ الَّذِي قَصَدَ إِعْلَام الرَّائِي بِهِ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى ظَاهِرهَا وَإِلَّا سَعَى فِي تَأْوِيلهَا وَلَا يُهْمِل أَمْرهَا لِأَنَّهَا إِمَّا بُشْرَى بِخَيْرٍ أَوْ إِنْذَار مِنْ شَرّ إِمَّا لِيُخِيفَ الرَّائِي وَإِمَّا لِيَنْزَجِر عَنْهُ وَإِمَّا لِيُنَبِّه عَلَى حُكْم يَقَع لَهُ فِي دِينه أَوْ دُنْيَاهُ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال قَوْله \" فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَة \" يُرِيد تَصْدِيق تِلْكَ الرُّؤْيَا فِي الْيَقَظَة وَصِحَّتهَا وَخُرُوجهَا عَلَى الْحَقّ , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ يَرَاهُ فِي الْآخِرَة لِأَنَّهُ سَيَرَاهُ يَوْم الْقِيَامَة فِي الْيَقَظَة فَتَرَاهُ جَمِيع أُمَّته مَنْ رَآهُ فِي النَّوْم وَمَنْ لَمْ يَرَهُ مِنْهُمْ. وَقَالَ اِبْن التِّين : الْمُرَاد مَنْ آمَنَ بِهِ فِي حَيَاته وَلَمْ يَرَهُ لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ غَائِبًا عَنْهُ فَيَكُون بِهَذَا مُبَشِّرًا لِكُلِّ مَنْ آمَنَ بِهِ وَلَمْ يَرَهُ أَنَّهُ لَا بُدّ أَنْ يَرَاهُ فِي الْيَقَظَة قَبْل مَوْته قَالَهُ الْقَزَّاز , وَقَالَ الْمَازِرِيّ : إِنْ كَانَ الْمَحْفُوظ \" فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَة \" فَمَعْنَاهُ ظَاهِر وَإِنْ كَانَ الْمَحْفُوظ \" فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَة \" اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون أَرَادَ أَهْل عَصْره مِمَّنْ يُهَاجِر إِلَيْهِ فَإِنَّهُ إِذَا رَآهُ فِي الْمَنَام جُعِلَ عَلَامَة عَلَى أَنَّهُ يَرَاهُ بَعْد ذَلِكَ فِي الْيَقَظَة وَأَوْحَى اللَّه بِذَلِكَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ مَعْنَاهُ سَيَرَى تَأْوِيل تِلْكَ الرُّؤْيَا فِي الْيَقَظَة وَصِحَّتهَا , وَقِيلَ مَعْنَى الرُّؤْيَا فِي الْيَقَظَة أَنَّهُ سَيَرَاهُ فِي الْآخِرَة وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ فِي الْآخِرَة يَرَاهُ جَمِيع أُمَّته مَنْ رَآهُ فِي الْمَنَام وَمَنْ لَمْ يَرَهُ يَعْنِي فَلَا يَبْقَى لِخُصُوصِ رُؤْيَته فِي الْمَنَام مَزِيَّة , وَأَجَابَ الْقَاضِي عِيَاض بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون رُؤْيَاهُ لَهُ فِي النَّوْم عَلَى الصِّفَة الَّتِي عُرِفَ بِهَا وَوُصِفَ عَلَيْهَا مُوجِبَة لِتَكْرِمَتِهِ فِي الْآخِرَة وَأَنْ يَرَاهُ رُؤْيَة خَاصَّة مِنْ الْقُرْب مِنْهُ وَالشَّفَاعَة لَهُ بِعُلُوِّ الدَّرَجَة وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْخُصُوصِيَّات , قَالَ : وَلَا يَبْعُد أَنْ يُعَاقِب اللَّه بَعْض الْمُذْنِبِينَ فِي الْقِيَامَة بِمَنْعِ رُؤْيَة نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَّة. وَحَمَلَهُ اِبْن أَبِي جَمْرَة عَلَى مَحْمَل آخَر فَذَكَرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَوْ غَيْره أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْم فَبَقِيَ بَعْد أَنْ اِسْتَيْقَظَ مُتَفَكِّرًا فِي هَذَا الْحَدِيث فَدَخَلَ عَلَى بَعْض أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ وَلَعَلَّهَا خَالَته مَيْمُونَة فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمِرْآة الَّتِي كَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ فِيهَا فَرَأَى صُورَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَرَ صُورَة نَفْسه , وَنُقِلَ عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّالِحِينَ أَنَّهُمْ رَأَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَام ثُمَّ رَأَوْهُ بَعْد ذَلِكَ فِي الْيَقَظَة وَسَأَلُوهُ عَنْ أَشْيَاء كَانُوا مِنْهَا مُتَخَوِّفِينَ فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى طَرِيق تَفْرِيجهَا فَجَاءَ الْأَمْر كَذَلِكَ. قُلْت : وَهَذَا مُشْكِل جِدًّا وَلَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِره لَكَانَ هَؤُلَاءِ صَحَابَةً وَلَأَمْكَنَ بَقَاء الصُّحْبَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَيُعَكِّر عَلَيْهِ أَنَّ جَمْعًا جَمًّا رَأَوْهُ فِي الْمَنَام ثُمَّ لَمْ يَذْكُر وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْيَقَظَة وَخَبَر الصَّادِق لَا يَتَخَلَّف , وَقَدْ اِشْتَدَّ إِنْكَار الْقُرْطُبِيّ عَلَى مَنْ قَالَ مَنْ رَآهُ فِي الْمَنَام فَقَدْ رَأَى حَقِيقَته ثُمَّ يَرَاهَا كَذَلِكَ فِي الْيَقَظَة كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا , وَقَدْ تَفَطَّنَ اِبْن أَبِي جَمْرَة لِهَذَا فَأَحَالَ بِمَا قَالَ عَلَى كَرَامَات الْأَوْلِيَاء فَإِنْ يَكُنْ كَذَلِكَ تَعَيَّنَ الْعُدُول عَنْ الْعُمُوم فِي كُلّ رَاءٍ , ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ عَامّ فِي أَهْل التَّوْفِيق وَأَمَّا غَيْرهمْ فَعَلَى الِاحْتِمَال , فَإِنَّ خَرْقَ الْعَادَةِ قَدْ يَقَع لِلزِّنْدِيقِ بِطَرِيقِ الْإِمْلَاء وَالْإِغْوَاء كَمَا يَقَع لِلصِّدِّيقِ بِطَرِيقِ الْكَرَامَة وَالْإِكْرَام , وَإِنَّمَا تَحْصُل التَّفْرِقَة بَيْنهمَا بِاتِّبَاعِ الْكِتَاب وَالسُّنَّة اِنْتَهَى. وَالْحَاصِل مِنْ الْأَجْوِبَة سِتَّة : ‏ ‏أَحَدهَا أَنَّهُ عَلَى التَّشْبِيه وَالتَّمْثِيل , وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَة \". ‏ ‏ثَانِيهَا أَنَّ مَعْنَاهَا سَيَرَى فِي الْيَقَظَة تَأْوِيلهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَة أَوْ التَّعْبِير , ‏ ‏ثَالِثهَا أَنَّهُ خَاصّ بِأَهْلِ عَصْره مِمَّنْ آمَنَ بِهِ قَبْل أَنْ يَرَاهُ ‏ ‏رَابِعهَا أَنَّهُ يَرَاهُ فِي الْمِرْآة الَّتِي كَانَتْ لَهُ إِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ , وَهَذَا مِنْ أَبْعَدِ الْمَحَامِل. ‏ ‏خَامِسهَا أَنَّهُ يَرَاهُ يَوْم الْقِيَامَة بِمَزِيدِ خُصُوصِيَّة لَا مُطْلَق مَنْ يَرَاهُ حِينَئِذٍ مِمَّنْ لَمْ يَرَهُ فِي الْمَنَام. ‏ ‏سَادِسهَا أَنَّهُ يَرَاهُ فِي الدُّنْيَا حَقِيقَة وَيُخَاطِبهُ , وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْإِشْكَال. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الَّذِي يُرَى فِي الْمَنَام أَمْثِلَةٌ لِلْمَرْئِيَّاتِ لَا أَنْفُسُهَا , غَيْر أَنَّ تِلْكَ الْأَمْثِلَة تَارَة تَقَع مُطَابِقَة وَتَارَة يَقَع مَعْنَاهَا , فَمِنْ الْأَوَّل رُؤْيَاهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَة وَفِيهِ \" فَإِذَا هِيَ أَنْتِ \" فَأَخْبَرَ أَنَّهُ رَأَى فِي الْيَقَظَة مَا رَآهُ فِي نَوْمه بِعَيْنِهِ وَمِنْ الثَّانِي رُؤْيَا الْبَقَر الَّتِي تُنْحَر وَالْمَقْصُود بِالثَّانِي التَّنْبِيه عَلَى مَعَانِي تِلْكَ الْأُمُور , وَمِنْ فَوَائِد رُؤْيَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْكِين شَوْق الرَّائِي لِكَوْنِهِ صَادِقًا فِي مَحَبَّته لِيَعْمَل عَلَى مُشَاهَدَته , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ \" فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَة \" أَيْ مَنْ رَآنِي رُؤْيَة مُعَظِّم لِحُرْمَتِي وَمُشْتَاق إِلَى مُشَاهَدَتِي وَصَلَ إِلَى رُؤْيَة مَحْبُوبه وَظَفِرَ بِكُلِّ مَطْلُوبه , قَالَ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَقْصُود تِلْكَ الرُّؤْيَا مَعْنَى صُورَته وَهُوَ دِينه وَشَرِيعَته , فَيُعَبِّر بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الرَّائِي مِنْ زِيَادَة وَنُقْصَان أَوْ إِسَاءَة وَإِحْسَان. قُلْت : وَهَذَا جَوَاب سَابِع وَاَلَّذِي قَبْله لَمْ يَظْهَر لِي فَإِنْ ظَهَرَ فَهُوَ ثَامِن. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يَتَمَثَّل الشَّيْطَانُ بِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَنَس فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده \" فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَتَمَثَّل بِي \" وَمَضَى فِي كِتَاب الْعِلْم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِثْله لَكِنْ قَالَ \" لَا يَتَمَثَّل فِي صُورَتِي \" وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم وَابْن مَاجَهْ \" إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّل بِي \" وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ \" إِنَّ الشَّيْطَان لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَتَمَثَّل بِي \" وَفِي حَدِيث أَبِي قَتَادَة الَّذِي يَلِيه \" وَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَتَرَاءَى \" بِالرَّاءِ بِوَزْنِ يَتَعَاطَى , وَمَعْنَاهُ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَصِير مَرْئِيًّا بِصُورَتِي , وَفِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" يَتَزَايَا \" بِزَايٍ وَبَعْد الْأَلِف تَحْتَانِيَّة , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي آخِر الْبَاب \" فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَتَكَوَّنُنِي \" أَمَّا قَوْله \" لَا يَتَمَثَّل بِي \" فَمَعْنَاهُ \" لَا يَتَشَبَّه بِي \" وَأَمَّا قَوْله \" فِي صُورَتِي \" فَمَعْنَاهُ لَا يَصِير كَائِنًا فِي مِثْل صُورَتِي , وَأَمَّا قَوْله \" لَا يَتَرَاءَى بِي \" فَرَجَّحَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ رِوَايَةَ الزَّاي عَلَيْهَا أَيْ لَا يَظْهَر فِي زِيِّي , وَلَيْسَتْ الرِّوَايَة الْأُخْرَى بِبَعِيدَةٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى , وَأَمَّا قَوْله \" لَا يَتَكَوَّنُنِي \" أَيْ لَا يَتَكَوَّن كَوْنِي فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَوَصَلَ الْمُضَاف إِلَيْهِ بِالْفِعْلِ , وَالْمَعْنَى لَا يَتَكَوَّن فِي صُورَتِي , فَالْجَمِيع رَاجِع إِلَى مَعْنًى وَاحِد , وَقَوْله \" لَا يَسْتَطِيع \" يُشِير إِلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى وَإِنْ أَمْكَنَهُ مِنْ التَّصَوُّر فِي أَيْ صُورَة أَرَادَ فَإِنَّهُ لَمْ يُمَكِّنْهُ مِنْ التَّصَوُّر فِي صُورَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمَاعَة فَقَالُوا فِي الْحَدِيث : إِنَّ مَحَلّ ذَلِكَ إِذَا رَآهُ الرَّائِي عَلَى صُورَته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا , وَمِنْهُمْ مَنْ ضَيَّقَ الْغَرَض فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ : لَا بُدّ أَنْ يَرَاهُ عَلَى صُورَته الَّتِي قُبِضَ عَلَيْهَا حَتَّى يُعْتَبَر عَدَد الشَّعَرَات الْبِيض الَّتِي لَمْ تَبْلُغ عِشْرِينَ شَعْرَة , وَالصَّوَاب التَّعْمِيم فِي جَمِيع حَالَاته بِشَرْطِ أَنْ تَكُون صُورَته الْحَقِيقِيَّة فِي وَقْت مَا سَوَاء كَانَ فِي شَبَابه أَوْ رُجُولِيَّته أَوْ كُهُولِيَّتِهِ أَوْ آخِر عُمْره , وَقَدْ يَكُون لَمَّا خَالَفَ ذَلِكَ تَعْبِير يَتَعَلَّق بِالرَّائِي قَالَ الْمَازِرِيّ : اِخْتَلَفَ الْمُحَقِّقُونَ فِي تَأْوِيل هَذَا الْحَدِيث فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الطَّيِّب إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَام فَقَدْ رَآنِي \" أَنَّ رُؤْيَاهُ صَحِيحَة لَا تَكُون أَضْغَاثًا وَلَا مِنْ تَشْبِيهَات الشَّيْطَان , قَالَ : وَيُعَضِّدهُ قَوْلُهُ فِي بَعْض طُرُقه \" فَقَدْ رَأَى الْحَقّ \" قَالَ وَفِي قَوْله \" فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَتَمَثَّل بِي \" إِشَارَة إِلَى أَنَّ رُؤْيَاهُ لَا تَكُون أَضْغَاثًا. ثُمَّ قَالَ الْمَازِرِيّ : وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ الْحَدِيث مَحْمُول عَلَى ظَاهِره وَالْمُرَاد أَنَّ مَنْ رَآهُ فَقَدْ أَدْرَكَهُ وَلَا مَانِع يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ وَلَا عَقْل يُحِيلهُ حَتَّى يَحْتَاج إِلَى صَرْف الْكَلَام عَنْ ظَاهِره , وَأَمَّا كَوْنه قَدْ يُرَى عَلَى غَيْر صِفَته أَوْ يُرَى فِي مَكَانَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مَعًا فَإِنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ فِي صِفَته وَتَخَيُّل لَهَا عَلَى غَيْر مَا هِيَ عَلَيْهِ , وَقَدْ يُظَنُّ بَعْضُ الْخَيَالَات مَرْئِيَّاتٍ لِكَوْنِ مَا يُتَخَيَّل مُرْتَبِطًا بِمَا يُرَى فِي الْعَادَة فَتَكُون ذَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْئِيَّة وَصِفَاته مُتَخَيَّلَة غَيْر مَرْئِيَّة , وَالْإِدْرَاك لَا يُشْتَرَط فِيهِ تَحْدِيق الْبَصَر وَلَا قُرْب الْمَسَافَة وَلَا كَوْن الْمَرْئِيّ ظَاهِرًا عَلَى الْأَرْض أَوْ مَدْفُونًا , وَإِنَّمَا يُشْتَرَط كَوْنه مَوْجُودًا , وَلَمْ يَقُمْ دَلِيل عَلَى فَنَاء جِسْمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بَلْ جَاءَ فِي الْخَبَر الصَّحِيح مَا يَدُلّ عَلَى بَقَائِهِ وَتَكُون ثَمَرَة اِخْتِلَاف الصِّفَات اِخْتِلَاف الدَّلَالَات كَمَا قَالَ بَعْض عُلَمَاء التَّعْبِير إِنَّ مَنْ رَآهُ شَيْخًا فَهُوَ عَام سِلْم أَوْ شَابًّا فَهُوَ عَام حَرْب , وَيُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ مَا يَتَعَلَّق بِأَقْوَالِهِ كَمَا لَوْ رَآهُ أَحَد يَأْمُرهُ بِقَتْلِ مَنْ لَا يَحِلّ قَتْله فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْمَل عَلَى الصِّفَة الْمُتَخَيَّلَة لَا الْمَرْئِيَّة. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَى الْحَدِيث إِذَا رَآهُ عَلَى الصِّفَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي حَيَاته لَا عَلَى صِفَة مُضَادَّة لِحَالِهِ , فَإِنْ رُئِيَ عَلَى غَيْرهَا كَانَتْ رُؤْيَا تَأْوِيل لَا رُؤْيَا حَقِيقَة , فَإِنَّ مِنْ الرُّؤْيَا مَا يُخَرَّج عَلَى وَجْهه وَمِنْهَا مَا يَحْتَاج إِلَى تَأْوِيل. وَقَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي ضَعِيف , بَلْ الصَّحِيح أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَة سَوَاء كَانَتْ عَلَى صِفَته الْمَعْرُوفَة أَوْ غَيْرهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيّ , وَهَذَا الَّذِي رَدَّهُ الشَّيْخ تَقَدَّمَ عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ إِمَام الْمُعَبِّرِينَ اِعْتِبَارُهُ , وَالَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي تَوَسُّط حَسَن , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْنه وَبَيْن مَا قَالَهُ الْمَازِرِيّ بِأَنْ تَكُون رُؤْيَاهُ عَلَى الْحَالَيْنِ حَقِيقَة لَكِنْ إِذَا كَانَ عَلَى صُورَته كَأَنْ يُرَى فِي الْمَنَام عَلَى ظَاهِره لَا يَحْتَاج إِلَى تَعْبِير وَإِذَا كَانَ عَلَى غَيْر صُورَته كَانَ النَّقْص مِنْ جِهَة الرَّائِي لِتَخَيُّلِهِ الصِّفَة عَلَى غَيْر مَا هِيَ عَلَيْهِ وَيَحْتَاج مَا يَرَاهُ فِي ذَلِكَ الْمَنَام إِلَى التَّعْبِير , وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى عُلَمَاء التَّعْبِير فَقَالُوا : إِذَا قَالَ الْجَاهِل رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ يُسْأَل عَنْ صِفَته فَإِنْ وَافَقَ الصِّفَة الْمَرْوِيَّة وَإِلَّا فَلَا يُقْبَل مِنْهُ , وَأَشَارُوا إِلَى مَا إِذَا رَآهُ عَلَى هَيْئَة تُخَالِف هَيْئَته مَعَ أَنَّ الصُّورَة كَمَا هِيَ , فَقَالَ أَبُو سَعْد أَحْمَدُ بْن مُحَمَّد بْن نَصْر : مَنْ رَأَى نَبِيًّا عَلَى حَاله وَهَيْئَته فَذَلِكَ دَلِيل عَلَى صَلَاح الرَّائِي وَكَمَال جَاهه وَظَفَره بِمَنْ عَادَاهُ , وَمَنْ رَآهُ مُتَغَيِّر الْحَال عَابِسًا مَثَلًا فَذَاكَ دَالّ عَلَى سُوء حَال الرَّائِي , وَنَحَا الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة إِلَى مَا اِخْتَارَهُ النَّوَوِيّ فَقَالَ بَعْد أَنْ حَكَى الْخِلَاف : وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّ الشَّيْطَان لَا يُتَصَوَّر عَلَى صُورَته أَصْلًا فَمَنْ رَآهُ فِي صُورَة حَسَنَة فَذَاكَ حُسْن فِي دِين الرَّائِي وَإِنْ كَانَ فِي جَارِحَة مِنْ جَوَارِحه شَيْن أَوْ نَقْص فَذَاكَ خَلَل فِي الرَّائِي مِنْ جِهَة الدِّين , قَالَ : وَهَذَا هُوَ الْحَقّ , وَقَدْ جُرِّبَ ذَلِكَ فَوُجِدَ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوب , وَبِهِ تَحْصُل الْفَائِدَة الْكُبْرَى فِي رُؤْيَاهُ حَتَّى يَتَبَيَّن لِلرَّائِي هَلْ عِنْده خَلَل أَوْ لَا , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُورَانِيّ مِثْل الْمِرْآة الصَّقِيلَة مَا كَانَ فِي النَّاظِر إِلَيْهَا مِنْ حُسْن أَوْ غَيْره تُصُوِّرَ فِيهَا وَهِيَ فِي ذَاتهَا عَلَى أَحْسَنِ حَال لَا نَقْص فِيهَا وَلَا شَيْنَ , وَكَذَلِكَ قَالَ فِي كَلَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْم إِنَّهُ يُعْرَض عَلَى سُنَّته فَمَا وَافَقَهَا فَهُوَ حَقّ وَمَا خَالَفَهَا فَالْخَلَل فِي سَمْع الرَّائِي , فَرُؤْيَا الذَّات الْكَرِيمَة حَقّ وَالْخَلَل إِنَّمَا هُوَ فِي سَمْع الرَّائِي أَوْ بَصَره , قَالَ : وَهَذَا خَيْر مَا سَمِعْته فِي ذَلِكَ. ثُمَّ حَكَى الْقَاضِي عِيَاض عَنْ بَعْضهمْ قَالَ : خَصَّ اللَّه نَبِيّه بِعُمُومِ رُؤْيَاهُ كُلّهَا وَمَنَعَ الشَّيْطَان أَنْ يَتَصَوَّر فِي صُورَته لِئَلَّا يَتَذَرَّع بِالْكَذِبِ عَلَى لِسَانه فِي النَّوْم , وَلَمَّا خَرَقَ اللَّه الْعَادَة لِلْأَنْبِيَاءِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّة حَالهمْ فِي الْيَقَظَة وَاسْتَحَالَ تَصَوُّر الشَّيْطَان عَلَى صُورَته فِي الْيَقَظَة وَلَا عَلَى صِفَة مُضَادَّة لِحَالِهِ , إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَدَخَلَ اللَّبْس بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل وَلَمْ يُوثَق بِمَا جَاءَ مِنْ جِهَة النُّبُوَّة , حَمَى اللَّه حِمَاهَا لِذَلِكَ مِنْ الشَّيْطَان وَتَصَوُّره وَإِلْقَائِهِ وَكَيْده , وَكَذَلِكَ حَمَى رُؤْيَاهُمْ أَنْفُسهمْ وَرُؤْيَا غَيْر النَّبِيّ لِلنَّبِيِّ عَنْ تَمْثِيل بِذَلِكَ لِتَصِحّ رُؤْيَاهُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَيَكُون طَرِيقًا إِلَى عِلْم صَحِيح لَا رَيْب فِيهِ , وَلَمْ يَخْتَلِف الْعُلَمَاء فِي جَوَاز رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فِي الْمَنَام وَسَاقَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ. قُلْت : وَيَظْهَر لِي فِي التَّوْفِيق بَيْن جَمِيع مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ مَنْ رَآهُ عَلَى صِفَة أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا يَخْتَصّ بِهِ فَقَدْ رَآهُ وَلَوْ كَانَتْ سَائِر الصِّفَات مُخَالِفَة , وَعَلَى ذَلِكَ فَتَتَفَاوَت رُؤْيَا مَنْ رَآهُ فَمَنْ رَآهُ عَلَى هَيْئَته الْكَامِلَة فَرُؤْيَاهُ الْحَقّ الَّذِي لَا يَحْتَاج إِلَى تَعْبِير وَعَلَيْهَا يَتَنَزَّل قَوْله \" فَقَدْ رَأَى الْحَقّ وَمَهْمَا نَقَصَ مِنْ صِفَاته فَيَدْخُل التَّأْوِيل بِحَسَبِ ذَلِكَ , وَيَصِحُّ إِطْلَاق أَنَّ كُلّ مَنْ رَآهُ فِي أَيِّ حَالَة كَانَتْ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ رَآهُ حَقِيقَة. ‏ ‏( تَنْبِيه ) ‏ ‏: جَوَّزَ أَهْل التَّعْبِير رُؤْيَة الْبَارِي عَزَّ وَجَلَّ فِي الْمَنَام مُطْلَقًا وَلَمْ يُجْرُوا فِيهَا الْخِلَاف فِي رُؤْيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَجَابَ بَعْضهمْ عَنْ ذَلِكَ بِأُمُورٍ قَابِلَة لِلتَّأْوِيلِ فِي جَمِيع وُجُوههَا فَتَارَة يُعَبَّر بِالسُّلْطَانِ وَتَارَة بِالْوَالِدِ وَتَارَة بِالسَّيِّدِ وَتَارَة بِالرَّئِيسِ فِي أَيّ فَنّ كَانَ , فَلَمَّا كَانَ الْوُقُوف عَلَى حَقِيقَة ذَاته مُمْتَنِعًا وَجَمِيع مَنْ يُعَبَّر بِهِ يَجُوز عَلَيْهِمْ الصِّدْق وَالْكَذِب كَانَتْ رُؤْيَاهُ تَحْتَاج إِلَى تَعْبِير دَائِمًا , بِخِلَافِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا رُئِيَ عَلَى صِفَته الْمُتَّفَق عَلَيْهَا وَهُوَ لَا يَجُوز عَلَيْهِ الْكَذِب كَانَتْ فِي هَذِهِ الْحَالَة حَقًّا مَحْضًا لَا يَحْتَاج إِلَى تَعْبِير. وَقَالَ الْغَزَالِيّ : لَيْسَ مَعْنَى قَوْله \" رَآنِي \" أَنَّهُ رَأَى جِسْمِي وَبَدَنِي وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنَّهُ رَأَى مِثَالًا صَارَ ذَلِكَ الْمِثَال آلَة يَتَأَدَّى بِهَا الْمَعْنَى الَّذِي فِي نَفْسِي إِلَيْهِ , وَكَذَلِكَ قَوْله \" فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَة \" لَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ يَرَى جِسْمِي وَبَدَنِي , قَالَ : وَالْآلَة تَارَة تَكُون حَقِيقَة وَتَارَة تَكُون خَيَالِيَّة , وَالنَّفْس غَيْر الْمِثَال الْمُتَخَيَّل , فَمَا رَآهُ مِنْ الشَّكْل لَيْسَ هُوَ رُوح الْمُصْطَفَى وَلَا شَخْصه بَلْ هُوَ مِثَال لَهُ عَلَى التَّحْقِيق , قَالَ وَمِثْل ذَلِكَ مَنْ يَرَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي الْمَنَام فَإِنَّ ذَاته مُنَزَّهَة عَنْ الشَّكْل وَالصُّورَة وَلَكِنْ تَنْتَهِي تَعْرِيفَاته إِلَى الْعَبْد بِوَاسِطَةِ مِثَال مَحْسُوس مِنْ نُور أَوْ غَيْره , وَيَكُون ذَلِكَ الْمِثَال حَقًّا فِي كَوْنه وَاسِطَة فِي التَّعْرِيف فَيَقُول الرَّائِي رَأَيْت اللَّه تَعَالَى فِي الْمَنَام لَا يَعْنِي أَنِّي رَأَيْت ذَات اللَّه تَعَالَى كَمَا يَقُول فِي حَقّ غَيْره. وَقَالَ أَبُو قَاسِم الْقُشَيْرِيُّ مَا حَاصِله : إِنَّ رُؤْيَاهُ عَلَى غَيْر صِفَته لَا تَسْتَلْزِم إِلَّا أَنْ يَكُون هُوَ , فَإِنَّهُ لَوْ رَأَى اللَّه عَلَى وَصْفٍ يَتَعَالَى عَنْهُ وَهُوَ يَعْتَقِد أَنَّهُ مُنَزَّه عَنْ ذَلِكَ لَا يَقْدَح فِي رُؤْيَته بَلْ يَكُون لِتِلْكَ الرُّؤْيَا ضَرْب مِنْ التَّأْوِيل كَمَا قَالَ الْوَاسِطِيُّ : مَنْ رَأَى رَبَّهُ عَلَى صُورَة شَيْخ كَانَ إِشَارَة إِلَى وَقَار الرَّائِي وَغَيْر ذَلِكَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْمَعْنَى مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَام بِأَيِّ صِفَة كَانَتْ فَلْيَسْتَبْشِرْ وَيَعْلَم أَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّؤْيَا الْحَقّ الَّتِي هِيَ مِنْ اللَّه وَهِيَ مُبَشِّرَة لَا الْبَاطِل الَّذِي هُوَ الْحُلُم الْمَنْسُوب لِلشَّيْطَانِ فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَتَمَثَّل بِي , وَكَذَا قَوْله \" فَقَدْ رَأَى الْحَقّ \" أَيْ رُؤْيَة الْحَقّ لَا الْبَاطِل , وَكَذَا قَوْله \" فَقَدْ رَآنِي \" فَإِنَّ الشَّرْط وَالْجَزَاء إِذَا اِتَّحَدَا دَلَّ عَلَى الْغَايَة فِي الْكَمَال , أَيْ فَقَدْ رَآنِي رُؤْيَا لَيْسَ بَعْدهَا شَيْء. وَذَكَرَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة مَا مُلَخَّصه : أَنَّهُ يُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَتَمَثَّل بِي \" أَنَّ مَنْ تَمَثَّلَتْ صُورَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَاطِرِهِ مِنْ أَرْبَاب الْقُلُوب وَتَصَوَّرَتْ لَهُ فِي عَالَم سِرّه أَنَّهُ يُكَلِّمهُ أَنَّ ذَلِكَ يَكُون حَقًّا , بَلْ ذَلِكَ أَصْدَقُ مِنْ مَرْأَى غَيْرهمْ لِمَا مَنَّ اللَّه بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ تَنْوِير قُلُوبهمْ اِنْتَهَى. وَهَذَا الْمَقَام الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ هُوَ الْإِلْهَام , وَهُوَ مِنْ جُمْلَة أَصْنَاف الْوَحْي إِلَى الْأَنْبِيَاء , وَلَكِنْ لَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الْأَحَادِيث وَصْفه بِمَا وُصِفَتْ بِهِ الرُّؤْيَا أَنَّهُ جُزْء مِنْ النُّبُوَّة , وَقَدْ قِيلَ فِي الْفَرْق بَيْنهمَا : إِنَّ الْمَنَام يَرْجِع إِلَى قَوَاعِد مُقَرَّرَة وَلَهُ تَأْوِيلَات مُخْتَلِفَة وَيَقَع لِكُلِّ أَحَد , بِخِلَافِ الْإِلْهَام فَإِنَّهُ لَا يَقَع إِلَّا لِلْخَوَاصِّ وَلَا يَرْجِع إِلَى قَاعِدَة يُمَيِّز بِهَا بَيْنه وَبَيْن لَمَّة الشَّيْطَان , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ أَهْل الْمَعْرِفَة بِذَلِكَ ذَكَرُوا أَنَّ الْخَاطِر الَّذِي يَكُون مِنْ الْحَقّ يَسْتَقِرّ وَلَا يَضْطَرِب وَالَّذِي يَكُون مِنْ الشَّيْطَان يَضْطَرِب وَلَا يَسْتَقِرّ , فَهَذَا إِنْ ثَبَتَ كَانَ فَارِقًا وَاضِحًا , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّة بِأَنَّ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة لَا تَثْبُت بِذَلِكَ , قَالَ أَبُو الْمُظَفَّر بْن السَّمْعَانِيّ فِي \" الْقَوَاطِع \" بَعْد أَنْ حَكَى عَنْ أَبِي زَيْد الدَّبُوسِيّ مِنْ أَئِمَّة الْحَنَفِيَّة أَنَّ الْإِلْهَام مَا حَرَّكَ الْقَلْب لِعِلْمٍ يَدْعُو إِلَى الْعَمَل بِهِ مِنْ غَيْر اِسْتِدْلَال : وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّهُ لَا يَجُوز الْعَمَل بِهِ إِلَّا عِنْد فَقْد الْحُجَج كُلّهَا فِي بَاب الْمُبَاح , وَعَنْ بَعْض الْمُبْتَدِعَة أَنَّهُ حُجَّة وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَأَلْهَمَهَا فُجُورهَا وَتَقْوَاهَا ) وَبِقَوْلِهِ ( وَأَوْحَى رَبّك إِلَى النَّحْل ) أَيْ أَلْهَمَهَا حَتَّى عَرَفَتْ مَصَالِحهَا , فَيُؤْخَذ مِنْهُ مِثْل ذَلِكَ لِلْآدَمِيِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَذَكَرَ فِيهِ ظَوَاهِر أُخْرَى وَمِنْهُ الْحَدِيث قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" اِتَّقُوا فِرَاسَة الْمُؤْمِن \" وَقَوْله لِوَابِصَةَ \" مَا حَاكَ فِي صَدْرك فَدَعْهُ وَإِنْ أَفْتَوْك ) فَجَعَلَ شَهَادَة قَلْبه حُجَّة مُقَدَّمَة عَلَى الْفَتْوَى , وَقَوْله \" قَدْ كَانَ فِي الْأُمَم مُحَدَّثُونَ \" فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الْإِلْهَام حَقّ وَأَنَّهُ وَحْي بَاطِن , وَإِنَّمَا حُرِمَهُ الْعَاصِي لِاسْتِيلَاءِ وَحْي الشَّيْطَان عَلَيْهِ , قَالَ وَحُجَّة أَهْل السُّنَّة الْآيَات الدَّالَّة عَلَى اِعْتِبَار الْحُجَّة وَالْحَثّ عَلَى التَّفَكُّر فِي الْآيَات وَالِاعْتِبَار وَالنَّظَر فِي الْأَدِلَّة وَذَمّ الْأَمَانِيّ وَالْهَوَاجِس وَالظُّنُون وَهِيَ كَثِيرَة مَشْهُورَة , وَبِأَنَّ الْخَاطِر قَدْ يَكُون مِنْ اللَّه وَقَدْ يَكُون مِنْ الشَّيْطَان وَقَدْ يَكُون مِنْ النَّفْس , وَكُلّ شَيْء اِحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُون حَقًّا لَمْ يُوصَف بِأَنَّهُ حَقّ , قَالَ : وَالْجَوَاب عَنْ قَوْله ( فَأَلْهَمَهَا فُجُورهَا وَتَقْوَاهَا ) أَنَّ مَعْنَاهُ عَرَّفَهَا طَرِيق الْعِلْم وَهُوَ الْحُجَج , وَأَمَّا الْوَحْي إِلَى النَّحْل فَنَظِيره فِي الْآدَمِيّ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالصَّنَائِعِ وَمَا فِيهِ صَلَاح الْمَعَاش , وَأَمَّا الْفِرَاسَة فَنُسَلِّمهَا لَكِنْ لَا نَجْعَل شَهَادَة الْقَلْب حُجَّة لِأَنَّا لَا نَتَحَقَّق كَوْنَهَا مِنْ اللَّه أَوْ مِنْ غَيْره اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. قَالَ اِبْن السَّمْعَانِيّ : وَإِنْكَار الْإِلْهَام مَرْدُود , وَيَجُوز أَنْ يَفْعَل اللَّه بِعَبْدِهِ مَا يُكَرِّمهُ بِهِ , وَلَكِنَّ التَّمْيِيز بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلّ مَا اِسْتَقَامَ عَلَى الشَّرِيعَة الْمُحَمَّدِيَّة وَلَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة مَا يَرُدّهُ فَهُوَ مَقْبُول , وَإِلَّا فَمَرْدُود يَقَع مِنْ حَدِيث النَّفْس وَوَسْوَسَة الشَّيْطَان , ثُمَّ قَالَ : وَنَحْنُ لَا نُنْكِر أَنَّ اللَّه يُكَرِّم عَبْده بِزِيَادَةِ نُور مِنْهُ يَزْدَاد بِهِ نَظَرُهُ وَيَقْوَى بِهِ رَأْيُهُ , وَإِنَّمَا نُنْكِر أَنْ يَرْجِع إِلَى قَلْبه بِقَوْلٍ لَا يَعْرِف أَصْله , وَلَا نَزْعُم أَنَّهُ حُجَّة شَرْعِيَّة وَإِنَّمَا هُوَ نُور يَخْتَصّ اللَّه بِهِ مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده فَإِنْ وَافَقَ الشَّرْع كَانَ الشَّرْع هُوَ الْحُجَّة اِنْتَهَى. وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا مَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ أَنَّ النَّائِم لَوْ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرهُ بِشَيْءٍ هَلْ يَجِب عَلَيْهِ اِمْتِثَاله وَلَا بُدّ , أَوْ لَا بُدّ أَنْ يَعْرِضهُ عَلَى الشَّرْع الظَّاهِر , فَالثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَد كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي الْمُعْجَم الْأَوْسَط لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد مِثْل أَوَّل حَدِيث فِي الْبَاب بِلَفْظِهِ لَكِنْ زَادَ فِيهِ \" وَلَا بِالْكَعْبَةِ \" وَقَالَ : لَا تُحْفَظُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "6479",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَخَيَّلُ بِي وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَام فَقَدْ رَآنِي ) ‏ ‏هَذَا اللَّفْظ وَقَعَ مِثْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة كَمَا مَضَى فِي كِتَاب الْعِلْم وَفِي كِتَاب الْأَدَب , قَالَ الطِّيبِيُّ : اِتَّحَدَ فِي هَذَا الْخَبَر الشَّرْط وَالْجَزَاء فَدَلَّ عَلَى التَّنَاهِي فِي الْمُبَالَغَة , أَيْ مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى حَقِيقَتِي عَلَى كَمَالِهَا بِغَيْرِ شُبْهَة وَلَا اِرْتِيَاب فِيمَا رَأَى بَلْ هِيَ رُؤْيَا كَامِلَة , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي حَدِيثَيْ أَبِي قَتَادَة وَأَبِي سَعِيد \" فَقَدْ رَأَى الْحَقّ \" أَيْ رُؤْيَة الْحَقّ لَا الْبَاطِل وَهُوَ يَرُدّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَام مَنْ تَكَلَّفَ فِي تَأْوِيل قَوْله \" مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَام فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَة , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الْمُرَاد مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَام عَلَى أَيّ صِفَة كَانَتْ فَلْيَسْتَبْشِرْ وَيَعْلَم أَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّؤْيَا الْحَقّ الَّتِي هِيَ مِنْ اللَّه لَا الْبَاطِل الَّذِي هُوَ الْحُلُم فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَتَمَثَّل بِي. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَتَمَثَّل بِي ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه , وَفِيهِ \" وَرُؤْيَا الْمُؤْمِن جُزْء \" الْحَدِيث , وَقَدْ سَبَقَ قَبْل خَمْسَة أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "6480",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفِثْ عَنْ شِمَالِهِ ثَلَاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَرَاءَى بِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي قَتَادَة \" الرُّؤْيَا الصَّالِحَة مِنْ اللَّه \" وَسَيَأْتِي شَيْء مِنْ شَرْحه فِي \" بَاب الْحُلُم مِنْ الشَّيْطَان \" وَفِيهِ \" فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَتَرَاءَى بِي \" وَقَدْ ذَكَرْت مَا فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6481",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو قَتَادَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي قَتَادَة ‏ ‏( مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقّ ) ‏ ‏أَيْ الْمَنَام الْحَقّ أَيْ الصِّدْق , وَمِثْله فِي الْحَدِيث الْخَامِس , قَالَ الطِّيبِيُّ : الْحَقّ هُنَا مَصْدَر مُؤَكِّد أَيْ فَقَدْ رَأَى رُؤْيَة الْحَقّ , وَقَوْله \" فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَتَمَثَّل بِي , لِتَتْمِيمِ الْمَعْنَى وَالتَّعْلِيل لِلْحُكْمِ. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ يُونُس ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن يَزِيد ‏ ‏( وَابْن أَخِي الزُّهْرِيّ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم , يُرِيد أَنَّهُمَا رَوَيَاهُ عَنْ الزُّهْرِيّ كَمَا رَوَاهُ الزُّبَيْدِيّ , وَقَدْ ذَكَرْت فِي الْحَدِيث الْأَوَّل أَنَّ مُسْلِمًا وَصَلَهُمَا مِنْ طَرِيقهمَا وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظ يُونُس وَأَحَالَ بِرِوَايَةِ اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ عَلَيْهِ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَده عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ شَيْخ مُسْلِم فِيهِ وَلَفْظه \" مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَام فَقَدْ رَأَى الْحَقّ ) وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَتَابَعَهُمَا شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة عَنْ الزُّهْرِيّ. قُلْت : وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \". ‏"
    },
    {
        "id": "6482",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ الْهَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا ‏ ‏يَتَكَوَّنُنِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي سَعِيد \" مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقّ فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَتَكَوَّنُنِي \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ , وَابْن الْهَاد فِي السَّنَد هُوَ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن أُسَامَة , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَرَوَاهُ يَحْيَى بْن أَيُّوب عَنْ اِبْن الْهَاد قَالَ : وَلَمْ أَرَهُ يَعْنِي الْبُخَارِيّ ذَكَرَ عَنْهُ أَيْ عَنْ يَحْيَى بْن أَيُّوب حَدِيثًا بِرَأْسِهِ إِلَّا اِسْتِدْلَالًا - أَيْ مُتَابَعَة - إِلَّا فِي حَدِيث وَاحِد ذَكَرَهُ فِي النُّذُور مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْن أَيُّوب عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ أَبِي الْخَيْر عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر فِي قِصَّة أُخْته. قُلْت : وَالْحَدِيث الْمَذْكُور أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي عَاصِم عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِهَذَا السَّنَد , وَسَقَطَ فِي بَعْض النُّسَخ مِنْ الصَّحِيح لَكِنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي كِتَاب الْحَجّ عَنْ أَبِي عَاصِم , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ إِنَّهُ أَخْرَجَهُ لِيَحْيَى بْن أَيُّوب اِسْتِقْلَالًا فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة هِشَام بْن يُوسُف عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ سَعِيد بْن أَبِي أَيُّوب فَكَأَنَّ لِابْنِ جُرَيْجٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ وَكُلّ مِنْهُمَا رَوَاهُ لَهُ عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب فَأَشَارَ الْبُخَارِيّ إِلَى أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَاف لَيْسَ بِقَادِحٍ فِي صِحَّة الْحَدِيث , وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّهُ لَمْ يُخَرِّجهُ لِيَحْيَى بْن أَيُّوب اِسْتِقْلَالًا بَلْ بِمُتَابَعَةِ سَعِيد بْن أَبِي أَيُّوب. ‏"
    },
    {
        "id": "6483",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ الْبَارِحَةَ إِذْ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ حَتَّى وُضِعَتْ فِي يَدِي قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنْتُمْ تَنْتَقِلُونَهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سِيرِينَ , وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة أَسْلَمَ بْن سَهْل عَنْ أَحْمَدَ بْن الْمِقْدَام شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ عِنْد أَبِي نُعَيْم , وَالسَّنَد كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( أُعْطِيت مَفَاتِيح الْكَلِم , وَنُصِرَتْ بِالرُّعْبِ ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان وَعَبْد اللَّه بْن يس كِلَاهُمَا عَنْ أَحْمَدَ بْن الْمِقْدَام شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" أُعْطِيت جَوَامِع الْكَلِم \" وَأَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي الْقَاسِم الْبَغَوِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْن الْمِقْدَام بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَسْلَمَ بْن سَهْل بِلَفْظِ \" فَوَاتِح الْكَلِم \" وَسَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" بُعِثْت بِجَوَامِع الْكَلِم \" قَالَ الْبَغَوِيُّ فِيمَا ذَكَرَهُ عَنْهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَا أَعْلَمُ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَيُّوب غَيْرَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله ( وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِم الْبَارِحَة إِذْ أُتِيت بِمَفَاتِيح خَزَائِن الْأَرْض ) ‏ ‏سَيَأْتِي شَرْحه مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي كِتَاب الِاعْتِصَام. ‏"
    },
    {
        "id": "6484",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فَرَأَيْتُ رَجُلًا ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ لَهُ ‏ ‏لِمَّةٌ ‏ ‏كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ اللِّمَمِ قَدْ ‏ ‏رَجَّلَهَا ‏ ‏تَقْطُرُ مَاءً مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ ‏ ‏أَوْ عَلَى ‏ ‏عَوَاتِقِ ‏ ‏رَجُلَيْنِ ‏ ‏يَطُوفُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا فَقِيلَ ‏ ‏الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ ‏ ‏جَعْدٍ ‏ ‏قَطَطٍ ‏ ‏أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا فَقِيلَ ‏ ‏الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي رُؤْيَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَالْمَسِيح الدَّجَّال. ‏ ‏قَوْله ( أُرَانِي اللَّيْلَة عِنْد الْكَعْبَة ) ‏ ‏سَيَأْتِي فِي \" بَاب الطَّوَاف بِالْكَعْبَةِ \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ \" بَيْنَا أَنَا نَائِم رَأَيْتنِي أَطُوف بِالْكَعْبَةِ \" الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6485",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏كَانَ يُحَدِّثُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ إِنِّي أُرِيتُ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ ‏ ‏وَتَابَعَهُ ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏لَا يُسْنِدُهُ حَتَّى كَانَ بَعْدُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن بُكَيْر. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي أُرِيت اللَّيْلَة فِي الْمَنَام ) ‏ ‏وَسَاقَ الْحَدِيث. كَذَا اِقْتَصَرَ مِنْ الْحَدِيث عَلَى هَذَا الْقَدْر وَسَاقَهُ بَعْد خَمْسَة وَثَلَاثِينَ بَابًا عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر بِهَذَا السَّنَد بِتَمَامِهِ , وَسَيَأْتِي شَرْحه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( وَتَابَعَهُ سُلَيْمَان بْن كَثِير وَابْن أَخِي الزُّهْرِيّ وَسُفْيَان بْن حُسَيْن إِلَخْ ) ‏ ‏أَمَّا مُتَابَعَة سُلَيْمَان بْن كَثِير فَوَصَلَهَا مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَثِير عَنْ أَخِيهِ , وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي مُسْنَد الدَّارِمِيِّ , وَأَمَّا مُتَابَعَة اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \". وَأَمَّا مُتَابَعَة سُفْيَان بْن حُسَيْن فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ بْن يَزِيد بْن هَارُون عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ ) ‏ ‏فَذَكَرَهُ بِالشَّكِّ فِي اِبْن عَبَّاس أَوْ أَبِي هُرَيْرَة قُلْت : وَصَلَهَا مُسْلِم أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ شُعَيْب وَإِسْحَاق بْن يَحْيَى عَنْ الزُّهْرِيّ كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُحَدِّث ) ‏ ‏قُلْت : وَصَلَهُمَا الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \". ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ مَعْمَر لَا يُسْنِدهُ حَتَّى كَانَ بَعْدُ ) ‏ ‏وَصَلَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ كَرِوَايَةِ يُونُس وَلَكِنْ قَالَ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُحَدِّث \" قَالَ إِسْحَاق \" قَالَ عَبْد الرَّزَّاق كَانَ مَعْمَر يُحَدِّث بِهِ فَيَقُول كَانَ اِبْن عَبَّاس \" يَعْنِي وَلَا يَذْكُر عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه فِي السَّنَد حَتَّى جَاءَهُ زَمْعَةُ بِكِتَابٍ فِيهِ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس فَكَانَ لَا يَشُكّ فِيهِ بَعْدُ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن رَافِع , وَأَفَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِيهِ اِخْتِلَافًا آخَر عَنْ الزُّهْرِيّ فَسَاقَهُ مِنْ رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْهُ فَقَالَ \" عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ اِبْن عَبَّاس \" وَالْمَحْفُوظ قَوْل مَنْ قَالَ \" عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6486",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْخُلُ عَلَى ‏ ‏أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ ‏ ‏وَكَانَتْ تَحْتَ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ‏ ‏فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ قَالَتْ فَقُلْتُ مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ‏ ‏ثَبَجَ ‏ ‏هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ ‏ ‏أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ شَكَّ ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا قَالَ فِي الْأُولَى قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة نَوْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد أُمّ حَرَام وَفِيهِ \" فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسه فَنَامَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان فِي \" بَاب مَنْ رَأَى قَوْمًا فَقَالَ عِنْدهمْ \" أَيْ مِنْ الْقَائِلَة , وَذَكَرَ اِبْن التِّين أَنَّ بَعْضهمْ زَعَمَ أَنَّ فِي الْحَدِيث دَلِيلًا عَلَى صِحَّة خِلَافَة مُعَاوِيَة لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث فَرَكِبَتْ الْبَحْر زَمَن مُعَاوِيَة , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ الْمُرَاد بِزَمَنِهِ زَمَن إِمَارَته عَلَى الشَّام فِي خِلَافَة عُثْمَان , مَعَ أَنَّهُ لَا تَعَرُّضَ فِي الْحَدِيث إِلَى إِثْبَات الْخِلَافَة وَلَا نَفْيهَا بَلْ فِيهِ إِخْبَار بِمَا سَيَكُونُ فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ مُعَاوِيَة خَلِيفَة لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُعَارَضَة لِحَدِيثِ الْخِلَافَة بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَة لِأَنَّ الْمُرَاد بِهِ خِلَافَة النُّبُوَّة وَأَمَّا مُعَاوِيَة وَمَنْ بَعْده فَكَانَ أَكْثَرُهُمْ عَلَى طَرِيقَة الْمُلُوك وَلَوْ سُمُّوا خُلَفَاء , وَاَللَّه أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6487",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ الْعَلَاءِ ‏ ‏امْرَأَةً مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ اقْتَسَمُوا ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏قُرْعَةً قَالَتْ فَطَارَ لَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ‏ ‏وَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ غُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ ‏ ‏أَبَا السَّائِبِ ‏ ‏فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمَّا هُوَ فَوَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَاذَا يُفْعَلُ بِي فَقَالَتْ وَاللَّهِ لَا أُزَكِّي بَعْدَهُ أَحَدًا أَبَدًا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏بِهَذَا وَقَالَ مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِهِ قَالَتْ وَأَحْزَنَنِي فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ ‏ ‏لِعُثْمَانَ ‏ ‏عَيْنًا تَجْرِي فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ذَلِكَ عَمَلُهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُمّ الْعَلَاء فِي قِصَّة عُثْمَان بْن مَظْعُون وَرُؤْيَاهَا لَهُ الْعَيْن الْجَارِيَة , وَقَدْ مَضَى شَرْحه فِي أَوَائِل الْجَنَائِز , وَذَكَرَ فِي الشَّهَادَات وَفِي الْهِجْرَة , وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْعَيْن الْجَارِيَة بَعْد ثَلَاثَة عَشَرَ بَابًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله هُنَا \" فَوَجِعَ \" أَيْ مَرِضَ وَزْنه وَمَعْنَاهُ , وَيَجُوز ضَمُّ الْوَاو. ‏"
    },
    {
        "id": "6488",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَفُرْسَانِهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ الْحُلُمَ يَكْرَهُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْهُ فَلَنْ يَضُرَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي قَتَادَة وَسَيَأْتِي الْإِلْمَام بِشَيْءٍ مِنْهُ فِي شَرْح حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي \" بَاب الْقَيْد فِي الْمَنَام \" وَإِضَافَة الْحُلُم إِلَى الشَّيْطَان بِمَعْنَى أَنَّهَا تُنَاسِب صِفَته مِنْ الْكَذِب وَالتَّهْوِيل وَغَيْر ذَلِكَ , بِخِلَافِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَة فَأُضِيفَتْ إِلَى اللَّه إِضَافَة تَشْرِيف وَإِنْ كَانَ الْكُلّ بِخَلْقِ اللَّه وَتَقْدِيره , كَمَا أَنَّ الْجَمِيع عِبَاد اللَّه وَلَوْ كَانُوا عُصَاة كَمَا قَالَ ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسهمْ ) وَقَوْله تَعَالَى ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان \". ‏"
    },
    {
        "id": "6489",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِي ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْعِلْمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْدَان ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , وَوَقَعَ فِي أَطْرَاف الْمِزِّيّ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث فِي التَّعْبِير عَنْ أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن الصَّلْت وَفِي فَضْل عُمَر عَنْ عَبْدَان , وَالْمَوْجُود فِي الصَّحِيح بِالْعَكْسِ , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَيُونُس هُوَ اِبْن يَزِيد , وَحَمْزَة الرَّاوِي عَنْ اِبْن عُمَر هُوَ وَلَده. وَوَقَعَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ حَمْزَة أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لَمْ يُخَرِّج الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث مِنْ غَيْر هَذِهِ الطَّرِيق , وَكَانَ يَنْبَغِي - عَلَى طَرِيقَته - أَنْ يُخَرِّجهُ عَنْ غَيْره لَوْ وَجَدَهُ. قُلْت : بَلْ وَجَدَهُ وَأَخْرَجَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَضْل عُمَر مِنْ طَرِيق سَالِم أَخِي حَمْزَة عَنْ أَبِيهِمَا , وَإِشَارَته إِلَى أَنَّ طَرِيقَة الْبُخَارِيّ أَنْ يُخَرِّج الْحَدِيث مِنْ طَرِيقَيْنِ فَصَاعِدًا - إِلَّا أَنْ لَا يَجِد - فِي مَقَام الْمَنْع. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُج فِي أَظَافِيرِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ \" مِنْ أَظَافِيرِي \" وَفِي رِوَايَة صَالِح اِبْن كَيْسَانَ \" مِنْ أَطْرَافِي \" وَهَذِهِ الرُّؤْيَا يَحْتَمِل أَنْ تَكُون بَصَرِيَّة وَهُوَ الظَّاهِر , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون عِلْمِيَّة , وَيُؤَيِّد الْأَوَّلَ مَا عِنْد الْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَشَرِبْت حَتَّى رَأَيْته يَجْرِي فِي عُرُوقِي بَيْن الْجِلْد وَاللَّحْم \" عَلَى أَنَّهُ مُحْتَمَل أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أَعْطَيْت فَضْلِي يَعْنِي عُمَر ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل كَأَنَّ بَعْض رُوَاته شَكَّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ بِالْجَزْمِ وَلَفْظه \" فَأَعْطَيْت فَضْلِي عُمَر بْن الْخَطَّاب \" وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن سَالِم \" فَفَضَلَتْ فَضْلَة فَأَعْطَيْتهَا عُمَر \". ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا فَمَا أَوَّلْته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة صَالِح \" فَقَالَ مَنْ حَوْلَهُ \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيّ عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور \" ثُمَّ نَاوَلَ فَضْله عُمَر , قَالَ مَا أَوَّلْته \" ؟ وَظَاهِره أَنَّ السَّائِل عُمَر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن سَالِم أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قَالَ لَهُمْ أَوِّلُوهَا , قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه هَذَا عِلْم أَعْطَاكَهُ اللَّه فَمَلَأَك مِنْهُ , فَفَضَلَتْ فَضْلَة فَأَعْطَيْتهَا عُمَر , قَالَ : أَصَبْتُمْ \" وَيُجْمَع بِأَنَّ هَذَا وَقَعَ أَوَّلًا ثُمَّ اِحْتَمَلَ عِنْدهمْ أَنْ يَكُون عِنْده فِي تَأْوِيلهَا زِيَادَة عَلَى ذَلِكَ فَقَالُوا مَا أَوَّلْته إِلَخْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْعِلْم وَبَعْضه فِي مَنَاقِب عُمَر , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : اللَّبَن رِزْق يَخْلُقهُ اللَّه طَيِّبًا بَيْن أَخْبَاث مِنْ دَم وَفَرْث كَالْعِلْمِ نُور يُظْهِرهُ اللَّه فِي ظُلْمَة الْجَهْل , فَضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْمَنَام. قَالَ بَعْض الْعَارِفِينَ : الَّذِي خَلَّصَ اللَّبَن مِنْ بَيْن فَرْث وَدَم قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُق الْمَعْرِفَة مِنْ بَيْن شَكٍّ وَجَهْل وَيَحْفَظ الْعَمَل عَنْ غَفْلَة وَزَلَل , وَهُوَ كَمَا قَالَ : لَكِنْ اِطَّرَدَتْ الْعَادَة بِأَنَّ الْعِلْم بِالتَّعَلُّمِ , وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ قَدْ يَقَع خَارِقًا لِلْعَادَةِ فَيَكُون مِنْ بَاب الْكَرَامَة. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : تَأَوَّلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّبَن بِالْعِلْمِ اِعْتِبَارًا بِمَا بُيِّنَ لَهُ أَوَّل الْأَمْر حِين أُتِيَ بِقَدَحِ خَمْر وَقَدَح لَبَن فَأَخَذَ اللَّبَن , فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل : أَخَذْت الْفِطْرَة الْحَدِيث , قَالَ : وَفِي الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة قَصّ الْكَبِير رُؤْيَاهُ عَلَى مَنْ دُونه , وَإِلْقَاء الْعَالِم الْمَسَائِلَ وَاخْتِبَار أَصْحَابه فِي تَأْوِيلهَا , وَأَنَّ مِنْ الْأَدَب أَنْ يَرُدّ الطَّالِب عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى مُعَلِّمه. قَالَ : وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِنْهُمْ أَنْ يُعَبِّرُوهَا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْ تَعْبِيرهَا , فَفَهِمُوا مُرَاده فَسَأَلُوهُ فَأَفَادَهُمْ , وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُسْلَك هَذَا الْأَدَبُ فِي جَمِيع الْحَالَات. قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ عِلْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّهِ لَا يَبْلُغ أَحَدٌ دَرَجَتَهُ فِيهِ , لِأَنَّهُ شَرِبَ حَتَّى رَأَى الرِّيّ يَخْرُج مِنْ أَطْرَافه , وَأَمَّا إِعْطَاؤُهُ فَضْلَهُ عُمَرَ فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى مَا حَصَلَ لِعُمَر مِنْ الْعِلْم بِاَللَّهِ بِحَيْثُ كَانَ لَا يَأْخُذهُ فِي اللَّه لَوْمَة لَائِم. قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ مِنْ الرُّؤْيَا مَا يَدُلّ عَلَى الْمَاضِي وَالْحَال وَالْمُسْتَقْبَل , قَالَ : وَهَذِهِ أُوِّلَتْ عَلَى الْمَاضِي , فَإِنَّ رُؤْيَاهُ هَذِهِ تَمْثِيل بِأَمْرٍ قَدْ وَقَعَ , لِأَنَّ الَّذِي أُعْطِيَهُ مِنْ الْعِلْم كَانَ قَدْ حَصَلَ لَهُ وَكَذَلِكَ أُعْطِيَهُ عُمَر , فَكَانَتْ فَائِدَة هَذِهِ الرُّؤْيَا تَعْرِيفَ قَدْر النِّسْبَة بَيْن مَا أُعْطِيَهُ مِنْ الْعِلْم وَمَا أُعْطِيَهُ عُمَر. ‏"
    },
    {
        "id": "6490",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَطْرَافِي فَأَعْطَيْتُ فَضْلِي ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَقَالَ مَنْ حَوْلَهُ فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْعِلْمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه. ‏"
    },
    {
        "id": "6491",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ وَمَرَّ عَلَيَّ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ قَالُوا مَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الدِّينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن سَعْد بْن إِبْرَاهِيم , وَقَدْ مَضَى فِي كِتَاب الْإِيمَان مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد أَعْلَى مِنْ هَذَا , وَصَالِح هُوَ اِبْن كَيْسَانَ. ‏ ‏قَوْله ( رَأَيْت النَّاس ) ‏ ‏هُوَ مِنْ الرُّؤْيَة الْبَصَرِيَّة , وَقَوْله \" يُعْرَضُونَ , حَال وَيَجُوز أَنْ يَكُون مِنْ الرُّؤْيَا الْعِلْمِيَّة , وَيُعْرَضُونَ مَفْعُول ثَانٍ وَالنَّاس بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة وَيَجُوز فِيهِ الرَّفْع \". ‏ ‏قَوْله ( يُعْرَضُونَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَان بِلَفْظِ \" يُعْرَضُونَ عَلَيَّ \" وَفِي رِوَايَة عَقِيل الْآتِيَة بَعْدُ \" عُرِضُوا \". ‏ ‏قَوْله ( مِنْهَا مَا يَبْلُغ الثُّدِيّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة وَكَسْر الدَّال وَتَشْدِيد الْيَاء جَمْع ثَدْي بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُون وَالْمَعْنَى أَنَّ الْقَمِيص قَصِير جِدًّا بِحَيْثُ لَا يَصِلُ مِنْ الْحَلْق إِلَى نَحْو السُّرَّة بَلْ فَوْقَهَا , وَقَوْله \" وَمِنْهَا مَا يَبْلُغ دُونَ ذَلِكَ \" يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد دُونَهُ مِنْ جِهَة السُّفْل وَهُوَ الظَّاهِر فَيَكُون أَطْوَل , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد دُونَهُ مِنْ جِهَة الْعُلْو فَيَكُون أَقْصَر , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل مَا فِي رِوَايَة الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ قَمِيصه إِلَى سُرَّته , وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ قَمِيصه إِلَى رُكْبَته , وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ قَمِيصه إِلَى أَنْصَاف سَاقَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله ( وَمَرَّ عَلَيَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُقَيْل \" وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب \". ‏ ‏قَوْله ( قَمِيص يَجُرُّهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُقَيْل \" يَجْتَرُّهُ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا مَا أَوَّلْته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَوَّلْت \" بِغَيْرِ ضَمِير , وَتَقَدَّمَ فِي الْإِيمَان أَوَّل الْكِتَاب بِلَفْظِ \" فَمَا أَوَّلْت ذَلِكَ \" وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة \" فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْر عَلَى مَا تَأَوَّلْت هَذَا يَا رَسُول اللَّه \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ الدِّينَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ وَالتَّقْدِير أَوَّلْت , وَيَجُوز الرَّفْع. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَكِيم الْمَذْكُورَة \" قَالَ عَلَى الْإِيمَان \". ‏"
    },
    {
        "id": "6492",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ وَعُرِضَ عَلَيَّ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجْتَرُّهُ قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الدِّينَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد الْمَذْكُور قَبْلَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن شِهَاب , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى الِاخْتِلَاف فِي اِسْم صَحَابِيّ هَذَا الْحَدِيث فِي مَنَاقِب عُمَر , قَالُوا وَجْه تَعْبِير الْقَمِيص بِالدِّينِ أَنَّ الْقَمِيص يَسْتُر الْعَوْرَة فِي الدُّنْيَا وَالدِّين يَسْتُرهَا فِي الْآخِرَة وَيَحْجُبهَا عَنْ كُلّ مَكْرُوه , وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى ( وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ) الْآيَة. وَالْعَرَب تَكُنِّي عَنْ الْفَضْل وَالْعَفَاف بِالْقَمِيصِ , وَمِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُثْمَانَ \" إِنَّ اللَّه سَيُلْبِسُك قَمِيصًا فَلَا تَخْلَعهُ \" وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ , وَاتَّفَقَ أَهْل التَّعْبِير عَلَى أَنَّ الْقَمِيص يُعْبَر بِالدِّينِ وَأَنَّ طُوله يَدُلّ عَلَى بَقَاء آثَار صَاحِبه مِنْ بَعْدِهِ. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ أَهْل الدِّين يَتَفَاضَلُونَ فِي الدِّين بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَة وَبِالْقُوَّةِ وَالضَّعْف , وَتَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ فِي كِتَاب الْإِيمَان , وَهَذَا مِنْ أَمْثِلَة مَا يُحْمَد فِي الْمَنَام وَيُذَمّ فِي الْيَقَظَة شَرْعًا أَعْنِي جَرّ الْقَمِيص , لِمَا ثَبَتَ مِنْ الْوَعِيد فِي تَطْوِيل , وَمِثْله مَا سَيَأْتِي فِي \" بَاب الْقَيْد \" وَعَكْس هَذَا مَا يُذَمّ فِي الْمَنَام وَيُحْمَد فِي الْيَقَظَة. وَفِي الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة تَعْبِير الرُّؤْيَا وَسُؤَال الْعَالِم بِهَا عَنْ تَعْبِيرهَا وَلَوْ كَانَ هُوَ الرَّائِي , وَفِيهِ الثَّنَاء عَلَى الْفَاضِل بِمَا فِيهِ لِإِظْهَارِ مَنْزِلَته عِنْدَ السَّامِعِينَ , وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ إِذَا أُمِنَ عَلَيْهِ مِنْ الْفِتْنَة بِالْمَدْحِ كَالْإِعْجَابِ , وَفِيهِ فَضِيلَة لِعُمَرَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَاب عَمَّا يُسْتَشْكَل مِنْ ظَاهِره وَإِيضَاح أَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون أَفْضَل مِنْ أَبِي بَكْر وَمُلَخَّصه أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَفْضَلِ مَنْ يَكُون أَكْثَر ثَوَابًا وَالْأَعْمَال عَلَامَات الثَّوَاب فَمَنْ كَانَ عَمَله أَكْثَر فَدِينه أَقْوَى وَمَنْ كَانَ دِينه أَقْوَى فَثَوَابه أَكْثَر وَمَنْ كَانَ ثَوَابه أَكْثَر فَهُوَ أَفْضَل فَيَكُون عُمَر أَفْضَل مِنْ أَبِي بَكْر , وَمُلَخَّص الْجَوَاب أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث تَصْرِيح بِالْمَطْلُوبِ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبُو بَكْر لَمْ يُعْرَض فِي أُولَئِكَ النَّاس إِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ عُرِضَ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَا يُعْرَض أَصْلًا , وَأَنَّهُ لَمَّا عُرِضَ كَانَ عَلَيْهِ قَمِيص أَطْوَل مِنْ قَمِيص عُمَر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سِرّ السُّكُوت عَنْ ذِكْره الِاكْتِفَاء بِمَا عُلِمَ مِنْ أَفْضَلِيَّته , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَقَعَ ذِكْره فَذَهِلَ عَنْهُ الرَّاوِي , وَعَلَى التَّنَزُّل بِأَنَّ الْأَصْل عَدَم جَمِيع هَذِهِ الِاحْتِمَالَات فَهُوَ مُعَارَض بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّة عَلَى أَفْضَلِيَّة الصِّدِّيق وَقَدْ تَوَاتَرَتْ تَوَاتُرًا مَعْنَوِيًّا فَهِيَ الْمُعْتَمَدَة وَأَقْوَى هَذِهِ الِاحْتِمَالَات أَنْ لَا يَكُون أَبُو بَكْر عُرِضَ مَعَ الْمَذْكُورِينَ , وَالْمُرَاد مِنْ الْخَبَر التَّنْبِيه عَلَى أَنَّ عُمَر مِمَّنْ حَصَلَ لَهُمْ الْفَضْل الْبَالِغ فِي الدِّين وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُصَرِّح بِانْحِصَارِ ذَلِكَ فِيهِ , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّمَا أَوَّلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدِّينِ لِأَنَّ الدِّين يَسْتُر عَوْرَة الْجَهْل كَمَا يَسْتُر الثَّوْب عَوْرَة الْبَدَن , قَالَ : وَأَمَّا غَيْر عُمَر فَاَلَّذِي كَانَ يَبْلُغ الثُّدِيّ هُوَ الَّذِي يَسْتُر قَلْبَهُ عَنْ الْكُفْر وَإِنْ كَانَ يَتَعَاطَى الْمَعَاصِيَ , وَالَّذِي كَانَ يَبْلُغ أَسْفَل مِنْ ذَلِكَ وَفَرْجه بَادٍ هُوَ الَّذِي لَمْ يَسْتُر رِجْلَيْهِ عَنْ الْمَشْي إِلَى الْمَعْصِيَة , وَالَّذِي يَسْتُر رِجْلَيْهِ هُوَ الَّذِي اِحْتَجَبَ بِالتَّقْوَى مِنْ جَمِيع الْوُجُوه , وَالَّذِي يَجُرّ قَمِيصه زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ بِالْعَمَلِ الصَّالِح الْخَالِص. قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة مَا مُلَخَّصه : الْمُرَاد بِالنَّاسِ فِي هَذَا الْحَدِيث الْمُؤْمِنُونَ لِتَأْوِيلِهِ الْقَمِيص بِالدِّينِ , قَالَ : وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد خُصُوص هَذِهِ الْأُمَّة الْمُحَمَّدِيَّة بَلْ بَعْضهَا , وَالْمُرَاد بِالدِّينِ الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ كَالْحِرْصِ عَلَى اِمْتِثَال الْأَوَامِر وَاجْتِنَاب الْمَنَاهِي , وَكَانَ لِعُمَر فِي ذَلِكَ الْمَقَام الْعَالِي. قَالَ : وَيُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث أَنَّ كُلّ مَا يُرَى فِي الْقَمِيص مِنْ حُسْن أَوْ غَيْره فَإِنَّهُ يُعْبَر بِدِينِ لَابِسه , قَالَ : وَالنُّكْتَة فِي الْقَمِيص أَنَّ لَابِسه إِذَا اِخْتَارَ نَزْعه وَإِذَا اِخْتَارَ بَقَاءَهُ , فَلَمَّا أَلْبَسَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ لِبَاس الْإِيمَان وَاتَّصَفُوا بِهِ كَانَ الْكَامِل فِي ذَلِكَ سَابِغ الثَّوْب وَمَنْ لَا فَلَا , وَقَدْ يَكُون نَقْص الثَّوْب بِسَبَبِ نَقْص الْإِيمَان , وَقَدْ يَكُون بِسَبَبِ نَقْص الْعَمَل وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ غَيْره : الْقَمِيص فِي الدُّنْيَا سَتْر عَوْرَة فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ مَذْمُومًا , وَفِي الْآخِرَة زِينَة مَحْضَة فَنَاسَبَ أَنْ يَكُون تَعْبِيره بِحَسَبِ هَيْئَته مِنْ زِيَادَة أَوْ نَقْص وَمِنْ حُسْن وَضِدّه , فَمَهْمَا زَادَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مِنْ فَضْل لَابِسه , وَيُنْسَب لِكُلٍّ مَا يَلِيق بِهِ مِنْ دِين أَوْ عِلْم أَوْ جَمَال أَوْ حِلْم أَوْ تَقَدُّم فِي فِئَة وَضِدُّهُ لِضِدِّهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6493",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ ‏ ‏كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏وَابْنُ عُمَرَ ‏ ‏فَمَرَّ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏فَقَالُوا هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُمْ قَالُوا كَذَا وَكَذَا قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ إِنَّمَا رَأَيْتُ كَأَنَّمَا عَمُودٌ وُضِعَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ فَنُصِبَ فِيهَا وَفِي رَأْسِهَا عُرْوَةٌ وَفِي أَسْفَلِهَا مِنْصَفٌ وَالْمِنْصَفُ الْوَصِيفُ فَقِيلَ ‏ ‏ارْقَهْ فَرَقِيتُهُ حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمُوتُ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَهُوَ آخِذٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا الْحَرَمِيّ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ هُوَ اِسْم بِلَفْظِ النَّسَب تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ قَيْس بْن عُبَاد ) ‏ ‏حَذْف قَالَ الثَّانِيَة عَلَى الْعَادَة فِي حَذْفهَا خَطَأ وَالتَّقْدِير عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ قَيْس , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عَوْن كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ عَنْ مُحَمَّد وَهُوَ اِبْن سِيرِينَ \" حَدَّثَنِي قَيْس بْن عُبَاد \" وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّله وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة وَآخِره دَال تَقَدَّمَ ذِكْره فِي مَنَاقِب عَبْد اللَّه بْن سَلَام بِهَذَا الْحَدِيث , وَتَقَدَّمَ لَهُ حَدِيث آخَر فِي تَفْسِير سُورَة الْحَجّ وَفِي غَزْوَة بَدْر أَيْضًا , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ , وَهُوَ بَصْرِيّ تَابِعِيّ ثِقَة كَبِير لَهُ إِدْرَاك , قَدِمَ الْمَدِينَة فِي خِلَافَة عُمَر , وَوَهِمَ مَنْ عَدَّهُ فِي الصَّحَابَة. ‏ ‏قَوْله ( كُنْت فِي حَلْقَةٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون اللَّام. ‏ ‏قَوْله ( فِيهَا سَعْد بْن مَالِك ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن أَبِي وَقَّاص , وَابْن عُمَر هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب. ‏ ‏قَوْله ( فَمَرَّ عَبْد اللَّه بْن سَلَام ) ‏ ‏هُوَ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُور الْإِسْرَائِيلِيّ وَأَبُوهُ بِتَخْفِيفِ اللَّام اِتِّفَاقًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان نَسَبه فِي مَنَاقِبه مِنْ كِتَاب مَنَاقِب الصَّحَابَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عَوْن الْمَاضِيَة فِي الْمَنَاقِب بِلَفْظِ ( كُنْت جَالِسًا فِي مَسْجِد الْمَدِينَة فَدَخَلَ رَجُل عَلَى وَجْهه أَثَر الْخُشُوع , فَقَالُوا هَذَا رَجُل مِنْ أَهْل الْجَنَّة \" زَادَ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" كُنْت بِالْمَدِينَةِ فِي نَاس فِيهِمْ بَعْض أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَاءَ رَجُل فِي وَجْهه أَثَر مِنْ خُشُوع \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالُوا هَذَا رَجُل مِنْ أَهْل الْجَنَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عَوْن الْمُشَار إِلَيْهَا عِنْدَ مُسْلِم \" فَقَالَ بَعْض الْقَوْم : هَذَا رَجُل مِنْ أَهْل الْجَنَّة وَكَرَّرَهَا ثَلَاثًا \" وَفِي رِوَايَة خَرَشَة بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وَالشِّين الْمُعْجَمَة اِبْن الْحُرّ بِضَمِّ الْحَاء وَتَشْدِيد الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ الْفَزَّارِيِّ عِنْدَ مُسْلِم أَيْضًا \" كُنْت جَالِسًا فِي حَلْقَة فِي مَسْجِد الْمَدِينَة وَفِيهَا شَيْخ حَسَن الْهَيْئَة وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن سَلَام , فَجَعَلَ يُحَدِّثهُمْ حَدِيثًا حَسَنًا , فَلَمَّا قَامَ قَالَ الْقَوْم : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُر إِلَى رَجُل مِنْ أَهْل الْجَنَّة فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا \" وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَجَاءَ شَيْخ يَتَوَكَّأ عَلَى عَصًا لَهُ \" فَذَكَرَ نَحْوه , وَيُجْمَع بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمَا قِصَّتَانِ اِتَّفَقَتَا لِرَجُلَيْنِ , فَكَأَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِس يَتَحَدَّث كَمَا فِي رِوَايَة خَرَشَة فَلَمَّا قَامَ ذَاهِبًا مَرَّ عَلَى الْحَلْقَة الَّتِي فِيهَا سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَابْن عُمَر فَحَضَرَ ذَلِكَ قَيْس بْن عُبَاد كَمَا فِي رِوَايَته , وَكُلّ مِنْ خَرَشَة وَقَيْس اِتَّبَعَ عَبْد اللَّه بْن سَلَام وَدَخَلَ عَلَيْهِ مَنْزِله وَسَأَلَهُ فَأَجَابَهُ , وَمِنْ ثَمَّ اِخْتَلَفَ الْجَوَاب بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْص كَمَا سَأُبَيِّنُهُ سَوَاء كَانَ زَمَن اِجْتِمَاعهمَا بِعَبْدِ اللَّه بْن سَلَام اِتَّحَدَ أَمْ تَعَدَّدَ. ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت لَهُ إِنَّهُمْ قَالُوا كَذَا وَكَذَا ) ‏ ‏بَيَّنَ فِي رِوَايَة اِبْن عَوْن عِنْدَ مُسْلِم أَنَّ قَائِل ذَلِكَ رَجُل وَاحِد , وَفِيهِ عِنْدَهُ زِيَادَة وَلَفْظه ثُمَّ خَرَجَ فَاتَّبَعْته فَدَخَلَ مَنْزِله وَدَخَلْت فَتَحَدَّثْنَا , فَلَمَّا اِسْتَأْنَسَ قُلْت لَهُ : إِنَّك لَمَّا دَخَلْت قَبْل قَالَ رَجُل كَذَا وَكَذَا , وَكَأَنَّهُ نَسَبَ الْقَوْل لِلْجَمَاعَةِ وَالنَّاطِق بِهِ وَاحِد لِرِضَاهُمْ بِهِ وَسُكُوتهمْ عَلَيْهِ , وَفِي رِوَايَة خَرَشَة \" فَقُلْت وَاللَّهِ لَأَتَّبِعَنَّهُ فَلَأَعْلَمَنَّ مَكَان بَيْته , فَانْطَلَقَ حَتَّى كَادَ يَخْرُج مِنْ الْمَدِينَة ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِله , فَاسْتَأْذَنْت عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي فَقَالَ : مَا حَاجَتك يَا اِبْن أَخِي ؟ فَقُلْت : سَمِعْت الْقَوْم يَقُولُونَ \" فَذَكَرَ اللَّفْظ الْمَاضِي وَفِيهِ \" فَأَعْجَبَنِي أَنْ أَكُون مَعَك \" وَسَقَطَتْ هَذِهِ الْقِصَّة فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ وَعِنْدَهُ \" فَلَمَّا قَضَى صَلَاته قُلْت : زَعَمَ هَؤُلَاءِ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ سُبْحَان اللَّه , مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان الْمُرَاد مِنْ هَذَا فِي الْمَنَاقِب مُفَصَّلًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة خَرَشَة \" فَقَالَ : اللَّه أَعْلَم بِأَهْلِ الْجَنَّة , وَسَأُحَدِّثُك مِمَّا قَالُوا ذَلِكَ \" فَذَكَرَ الْمَنَام , وَهَذَا يُقَوِّي اِحْتِمَال أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ الْجَزْم وَلَمْ يُنْكِر أَصْل الْإِخْبَار بِأَنَّهُ مِنْ أَهْل الْجَنَّة , وَهَذَا شَأْن الْمُرَاقِب الْخَائِف الْمُتَوَاضِع. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" الْجَنَّة لِلَّهِ يُدْخِلهَا مَنْ يَشَاء \" زَادَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" الْحَمْد لِلَّهِ \". ‏ ‏قَوْله ( إِنَّمَا رَأَيْت كَأَنَّمَا عَمُود وُضِعَ فِي رَوْضَة خَضْرَاء ) ‏ ‏بَيَّنَ فِي رِوَايَة اِبْن عَوْن أَنَّ الْعَمُود كَانَ فِي وَسَط الرَّوْضَة , وَلَمْ يَصِف الرَّوْضَة فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَتَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب مِنْ رِوَايَة اِبْن عَوْن \" رَأَيْت كَأَنِّي فِي رَوْضَة \" ذَكَرَ مِنْ سَعَتهَا وَخُضْرَتهَا , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالرَّوْضَةِ جَمِيع مَا يَتَعَلَّق بِالدِّينِ , وَبِالْعَمُودِ الْأَرْكَان الْخَمْسَة , وَبِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الْإِيمَان. ‏ ‏قَوْله ( فَنُصِبَ فِيهَا ) ‏ ‏بِضَمِّ النُّون وَكَسْر الْمُهْمَلَة بَعْدَهَا مُوَحَّدَة , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ \" قَبَضْت \" بِفَتْحِ الْقَاف وَالْمُوَحَّدَة بَعْدَهَا ضَاد مُعْجَمَة سَاكِنَة ثُمَّ تَاء الْمُتَكَلِّم. ‏ ‏قَوْله ( وَفِي رَأْسهَا عُرْوَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عَوْن : \" وَفِي أَعْلَى الْعَمُود عُرْوَة \" وَفِي رِوَايَته فِي الْمَنَاقِب \" وَوَسَطهَا عَمُود مِنْ حَدِيد أَسْفَله فِي الْأَرْض وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاء فِي أَعْلَاهُ عُرْوَة \" وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله وَفِي رَأْسهَا لِلْعَمُودِ وَالْعَمُود مُذَكَّر وَكَأَنَّهُ أَنَّثَ بِاعْتِبَارِ الدِّعَامَة. ‏ ‏قَوْله ( وَفِي أَسْفَلهَا مِنْصَف ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْمَنَاقِب. ‏ ‏قَوْله ( وَالْمِنْصَف الْوَصِيف ) ‏ ‏هَذَا مُدْرَج فِي الْخَبَر , وَهُوَ تَفْسِير مِنْ اِبْن سِيرِينَ بِدَلِيلِ قَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَجَاءَنِي مِنْصَف \" قَالَ اِبْن عَوْن : وَالْمِنْصَف الْخَادِم \" فَقَالَ بِثِيَابِي مِنْ خَلْف \" وَوَصَفَ أَنَّهُ رَفَعَهُ مِنْ خَلْفه بِيَدِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَرَقِيت ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْقَاف عَلَى الْأَفْصَح ( فَاسْتَمْسَكْت بِالْعُرْوَةِ ) زَادَ فِي رِوَايَة الْمَنَاقِب \" فَرَقِيت حَتَّى كُنْت فِي أَعْلَاهَا أَخَذْت بِالْعُرْوَةِ فَاسْتَمْسَكْت فَاسْتَيْقَظْت وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة خَرَشَة حَتَّى أَتَى بِي عَمُودًا رَأْسه فِي السَّمَاء وَأَسْفَله فِي الْأَرْض فِي أَعْلَاهُ حَلْقَة فَقَالَ لِي : اِصْعَدْ فَوْقَ هَذَا , قَالَ قُلْت : كَيْف أَصْعَد ؟ فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي \" وَهُوَ بِزَايٍ وَجِيم أَيْ رَفَعَنِي ( فَإِذَا أَنَا مُتَعَلِّق بِالْحَلْقَةِ , ثُمَّ ضُرِبَ الْعَمُود فَخَرَّ وَبَقِيت مُتَعَلِّقًا بِالْحَلْقَةِ حَتَّى أَصْبَحْت \" وَفِي رِوَايَة خَرَشَة أَيْضًا زِيَادَة فِي أَوَّل الْمَنَام وَلَفْظه \" إِنِّي بَيْنَمَا أَنَا نَائِم إِذْ أَتَانِي رَجُل فَقَالَ لِي : قُمْ , فَأَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْت مَعَهُ , فَإِذَا أَنَا بِجَوَادّ \" بِجِيمٍ وَدَال مُشَدَّدَة جَمْع جَادَّة وَهِيَ الطَّرِيق الْمَسْلُوكَة \" عَنْ شِمَالِي. قَالَ فَأَخَذْت لَآخُذ فِيهَا أَيْ أَسِير فَقَالَ : لَا تَأْخُذ فِيهَا فَإِنَّهَا طُرُق أَصْحَاب الشِّمَال \" وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقه \" فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ عَرَضَ لِي طَرِيق عَنْ شِمَالِي فَأَرَدْت أَنْ أَسْلُكهَا فَقَالَ إِنَّك لَسْت مِنْ أَهْلهَا \". رَجَعَ إِلَى رِوَايَة مُسْلِم قَالَ \" وَإِذَا مَنْهَج عَلَى يَمِينِي فَقَالَ لِي : خُذْ هَاهُنَا , فَأَتَى بِي جَبَلًا فَقَالَ لِي : اِصْعَدْ , قَالَ فَجَعَلْت إِذَا أَرَدْت أَنْ أَصْعَد خَرَرْت حَتَّى فَعَلْت ذَلِكَ مِرَارًا \" وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَهْ \" جَبَلًا زَلَقًا فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي فَإِذَا أَنَا فِي ذِرْوَته , فَلَمْ أَتَقَارّ وَلَمْ أَتَمَاسَكْ , وَإِذَا عَمُود حَدِيد فِي ذِرْوَته حَلْقَة مِنْ ذَهَب , فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي حَتَّى أَخَذْت بِالْعُرْوَةِ فَقَالَ : اِسْتَمْسِكْ , فَاسْتَمْسَكْت , قَالَ فَضَرَبَ الْعَمُود بِرِجْلِهِ فَاسْتَمْسَكْت بِالْعُرْوَةِ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَصَصْتهَا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَمُوت عَبْد اللَّه وَهُوَ آخُذ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة اِبْن عَوْن فَقَالَ \" تِلْكَ الرَّوْضَة رَوْضَة الْإِسْلَام , وَذَلِكَ الْعَمُود عَمُود الْإِسْلَام , وَتِلْكَ الْعُرْوَة عُرْوَة الْوُثْقَى لَا تَزَال مُسْتَمْسِكًا بِالْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوت \" وَزَادَ فِي رِوَايَة خَرَشَة عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَهْ \" فَقَالَ رَأَيْت خَيْرًا , أَمَّا الْمَنْهَج فَالْمَحْشَر , وَأَمَّا الطَّرِيق \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَقَالَ أَمَّا الطُّرُق الَّتِي عَنْ يَسَارك فَهِيَ طُرُق أَصْحَاب الشِّمَال , وَالطُّرُق الَّتِي عَنْ يَمِينك طُرُق أَصْحَاب الْيَمِين \" وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ \" طُرُق أَهْل النَّار وَطُرُق أَهْل الْجَنَّة \" ثُمَّ اِتَّفَقَا \" وَأَمَّا الْجَبَل فَهُوَ مَنْزِل الشُّهَدَاء \" زَادَ مُسْلِم \" وَلَنْ تَنَالهُ وَأَمَّا الْعَمُود \" إِلَى آخِره , وَزَادَ النَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ فِي آخِره \" فَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَكُون مِنْ أَهْلهَا , وَفِي الْحَدِيث مَنْقَبَة لِعَبْدِ اللَّه بْن سَلَام وَفِيهِ مِنْ تَعْبِير الرُّؤْيَا مَعْرِفَة اِخْتِلَاف الطُّرُق وَتَأْوِيل لِلْعَمُودِ وَالْجَبَل وَالرَّوْضَة الْخَضْرَاء وَالْعُرْوَة وَفِيهِ مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة أَنَّ عَبْد اللَّه بْن سَلَام لَا يَمُوت شَهِيدًا فَوَقَعَ كَذَلِكَ مَاتَ عَلَى فِرَاشه فِي أَوَّل خِلَافَة مُعَاوِيَة بِالْمَدِينَةِ. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْقَوْم إِنَّمَا قَالُوا فِي عَبْد اللَّه بْن سَلَام إِنَّهُ مِنْ أَهْل الْجَنَّة لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْل بَدْر , كَذَا قَالَ وَاَلَّذِي أَوْرَدْته مِنْ طُرُق الْقِصَّة يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْله لَمَّا ذَكَرَ طَرِيق الشِّمَال \" إِنَّك لَسْت مِنْ أَهْلهَا \" وَإِنَّمَا قَالَ \" مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْم , عَلَى سَبِيل التَّوَاضُع كَمَا تَقَدَّمَ , وَكَرَاهَة أَنْ يُشَار إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ خَشْيَة أَنْ يَدْخُلهُ الْعُجْب , ثُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل بَدْر أَصْلًا. وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6494",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ فِي ‏ ‏سَرَقَةٍ ‏ ‏مِنْ حَرِيرٍ فَيَقُولُ هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَأَكْشِفُهَا فَإِذَا هِيَ أَنْتِ فَأَقُولُ إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6495",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُرِيتُكِ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ مَرَّتَيْنِ رَأَيْتُ الْمَلَكَ يَحْمِلُكِ فِي ‏ ‏سَرَقَةٍ ‏ ‏مِنْ حَرِيرٍ فَقُلْتُ لَهُ اكْشِفْ فَكَشَفَ فَإِذَا هِيَ أَنْتِ فَقُلْتُ إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ ثُمَّ أُرِيتُكِ يَحْمِلُكِ فِي ‏ ‏سَرَقَةٍ ‏ ‏مِنْ حَرِيرٍ فَقُلْتُ اكْشِفْ فَكَشَفَ فَإِذَا هِيَ أَنْتِ فَقُلْتُ إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6496",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بُعِثْتُ ‏ ‏بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ ‏ ‏وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَبَلَغَنِي أَنَّ جَوَامِعَ الْكَلِمِ أَنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ الْأُمُورَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُكْتَبُ فِي الْكُتُبِ قَبْلَهُ فِي الْأَمْرِ الْوَاحِدِ وَالْأَمْرَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَاضِي فِي \" بَاب رُؤْيَا اللَّيْل \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ بِلَفْظِ \" بُعِثْت بِجَوَامِع الْكَلِم \" وَفِيهِ \" وَبَيْنَا أَنَا نَائِم أُتِيت بِمَفَاتِيحِ خَزَائِن الْأَرْض فَوُضِعَتْ فِي يَدِي \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَاب الْمَذْكُور بِلَفْظِ \" وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِم الْبَارِحَةَ \". ‏ ‏قَوْله فِي آخِره ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَةَ \" قَالَ مُحَمَّد \" فَقَالَ بَعْض الشُّرَّاح : لَا مُنَافَاةَ لِأَنَّهُ اِسْمُهُ , وَالْقَائِل هُوَ الْبُخَارِيّ , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الصَّوَاب مَا عِنْدَ كَرِيمَة فَإِنَّ هَذَا الْكَلَام ثَبَتَ عَنْ الزُّهْرِيّ وَاسْمه مُحَمَّد بْن مُسْلِم , وَقَدْ سَاقَهُ الْبُخَارِيّ هُنَا مِنْ طَرِيقه فَيَبْعُد أَنْ يَأْخُذ كَلَامه فَيَنْسُبهُ لِنَفْسِهِ. وَكَأَنَّ بَعْضهمْ لَمَّا رَأَى \" وَقَالَ مُحَمَّد \" ظَنَّ أَنَّهُ الْبُخَارِيّ فَأَرَادَ تَعْظِيمه فَكَنَّاهُ فَأَخْطَأَ , لِأَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الزُّهْرِيّ وَلَيْسَتْ كُنْيَته أَبَا عَبْد اللَّه بَلْ هُوَ أَبُو بَكْر , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى جَوَامِع الْكَلِم , وَسَيَأْتِي الْحَدِيث فِي الِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6497",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَزْهَرُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ وَوَسَطَ الرَّوْضَةِ عَمُودٌ فِي أَعْلَى الْعَمُودِ ‏ ‏عُرْوَةٌ ‏ ‏فَقِيلَ لِي ‏ ‏ارْقَهْ ‏ ‏قُلْتُ لَا أَسْتَطِيعُ فَأَتَانِي وَصِيفٌ فَرَفَعَ ثِيَابِي فَرَقِيتُ فَاسْتَمْسَكْتُ بِالْعُرْوَةِ فَانْتَبَهْتُ وَأَنَا مُسْتَمْسِكٌ بِهَا فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏تِلْكَ الرَّوْضَةُ رَوْضَةُ الْإِسْلَامِ وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ وَتِلْكَ ‏ ‏الْعُرْوَةُ ‏ ‏عُرْوَةُ الْوُثْقَى ‏ ‏لَا تَزَالُ مُسْتَمْسِكًا بِالْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن سَلَام \" رَأَيْت كَأَنِّي فِي رَوْضَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا بِأَرْبَعَةِ أَبْوَاب أَتَمّ مِنْ هَذَا , وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ. قَالَ أَهْل التَّعْبِير : الْحَلْقَة وَالْعُرْوَة الْمَجْهُولَة تَدُلّ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا عَلَى قُوَّته فِي دِينه وَإِخْلَاصه فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6498",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي ‏ ‏سَرَقَةً ‏ ‏مِنْ حَرِيرٍ لَا أَهْوِي بِهَا إِلَى مَكَانٍ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ بِي إِلَيْهِ فَقَصَصْتُهَا عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَقَصَّتْهَا ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ أَخَاكِ رَجُلٌ صَالِحٌ ‏ ‏أَوْ قَالَ إِنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏رَجُلٌ صَالِحٌ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي رِوَايَة وُهَيْب ‏ ‏( فَقَصَصْتهَا عَلَى حَفْصَة فَقَصَّتْهَا حَفْصَة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏الْحَدِيث وَقَعَ مِثْله فِي رِوَايَة حَمَّاد عِنْدَ مُسْلِم , وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُؤَلِّف فِي رِوَايَته بَعْدَ قَوْله \" طَارَتْ بِي إِلَيْهِ \" مِنْ الزِّيَادَة \" وَرَأَيْت كَأَنَّ اِثْنَيْنِ أَتَيَانِي أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّار \" الْحَدِيث بِهَذِهِ الْقِصَّة مُخْتَصَرًا وَقَالَ فِيهِ \" فَقَصَّتْ حَفْصَة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى رُؤْيَايَ \" وَظَاهِر رِوَايَة وُهَيْب وَمَنْ تَابَعَهُ أَنَّ الرُّؤْيَا الَّتِي أُبْهِمَتْ فِي رِوَايَة حَمَّاد هِيَ رُؤْيَة السَّرَقَة مِنْ الْحَرِير , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة حَمَّاد عِنْدَ مُسْلِم , لَكِنْ يُعَارِضهُ مَا مَضَى فِي \" بَاب فَضْل قِيَام اللَّيْل \" وَيَأْتِي فِي \" بَاب الْأَخْذ عَنْ الْيَمِين \" مِنْ كِتَاب التَّعْبِير مِنْ طَرِيق سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي رُؤْيَته النَّار وَفِيهِ \" فَقَصَصْتهَا عَلَى حَفْصَة فَقَصَّتْهَا حَفْصَة \" , فَهُوَ صَرِيح فِي أَنَّ حَفْصَة قَصَّتْ رُؤْيَاهُ النَّار. كَمَا أَنَّ رِوَايَة حَمَّاد صَرِيحَة فِي أَنَّ حَفْصَة قَصَّتْ رُؤْيَاهُ السَّرَقَة وَلَمْ يَتَعَرَّض فِي رِوَايَة سَالِم إِلَى رُؤْيَا السَّرَقَة فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله \" إِحْدَى رُؤْيَايَ \" مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهَا قَصَّتْ رُؤْيَا السَّرَقَة أَوَّلًا ثُمَّ قَصَّتْ رُؤْيَا النَّارِ بَعْدَ ذَلِكَ , وَأَنَّ التَّقْدِير قَصَّتْ إِحْدَى رُؤْيَايَ أَوَّلًا فَلَا يَكُون لِقَوْلِهِ \" إِحْدَى \" مَفْهُوم , وَهَذَا الْمَوْضِع لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ مِنْ الشُّرَّاح وَلَا أَزَالَ إِشْكَاله فَلِلَّهِ الْحَمْد عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ إِنَّ أَخَاك رَجُل صَالِح أَوْ إِنَّ عَبْد اللَّه رَجُل صَالِح ) ‏ ‏هُوَ شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد الْمَذْكُورَة \" إِنَّ عَبْد اللَّه رَجُل صَالِح \" بِالْجَزْمِ , وَكَذَا فِي رِوَايَة صَخْر بْن جُوَيْرِيَة عَنْ نَافِع , زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَته عَنْ الْفَرَبْرِيِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ \" لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْل \" وَسَقَطَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة لِغَيْرِهِ وَهِيَ ثَابِتَة فِي رِوَايَة سَالِم كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِيَام اللَّيْل وَتَأْتِي , وَيُؤَيِّد ثُبُوتهَا قَوْله فِي رِوَايَة حَمَّاد عِنْدَ الْجَمِيع \" فَقَالَ نَافِع فَلَمْ يَزَلْ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِر الصَّلَاة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِيَام اللَّيْل وَفِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر عِنْدَ مُسْلِم \" وَقَالَ نِعْمَ الْفَتَى - أَوْ قَالَ نِعْمَ الرَّجُل - اِبْن عُمَر لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْل قَالَ اِبْن عُمَر وَكُنْت إِذَا نِمْت لَمْ أَقُمْ حَتَّى أُصْبِحَ , قَالَ نَافِع فَكَانَ اِبْن عُمَر بَعْدُ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْل , أَخْرَجَ مُسْلِم إِسْنَاده وَأَصْله وَأَحَالَ بِالْمَتْنِ عَلَى رِوَايَة سَالِم , وَهُوَ غَيْر جَيِّد لِتَغَايُرِهِمَا , وَأَخْرَجَهُ بِلَفْظِهِ أَبُو عَوَانَة وَالْجَوْزَقِيُّ بِهَذَا , وَيَأْتِي فِي \" بَاب الْأَمْن وَذَهَاب الرَّوْع \" أَيْضًا مِنْ طَرِيق صَخْر بْن جُوَيْرِيَة عَنْ نَافِع وَكَذَا بَعْدَهُ فِي بَاب \" الْأَخْذ عَنْ الْيَمِين \" فِي رِوَايَة سَالِم , قَالَ الزُّهْرِيّ : وَكَانَ عَبْد اللَّه بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِر الصَّلَاة مِنْ اللَّيْل , وَلَعَلَّ الزُّهْرِيّ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ نَافِع أَوْ مِنْ سَالِم , وَمَضَى شَرْحه هُنَاكَ. وَوَقَعَ فِي مُسْنَد أَبِي بَكْر بْن هَارُون الرُّويَانِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن نَافِع عَنْ أَبِيهِ فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ الزِّيَادَة \" وَكَانَ عَبْد اللَّه كَثِير الرُّقَاد \" وَفِيهِ أَيْضًا \" إِنَّ الْمَلَك الَّذِي قَالَ لَهُ لَمْ تُرَعْ قَالَ لَهُ لَا تَدَع الصَّلَاة , نِعْمَ الرَّجُل أَنْتَ لَوْلَا قِلَّة الصَّلَاة \". ‏"
    },
    {
        "id": "6499",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَوْفًا ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ تَكْذِبُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَمَا كَانَ مِنْ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَكْذِبُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَأَنَا أَقُولُ هَذِهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَكَانَ يُقَالُ ‏ ‏الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ حَدِيثُ النَّفْسِ وَتَخْوِيفُ الشَّيْطَانِ وَبُشْرَى مِنْ اللَّهِ فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَكَانَ يُكْرَهُ ‏ ‏الْغُلُّ ‏ ‏فِي النَّوْمِ وَكَانَ يُعْجِبُهُمْ الْقَيْدُ وَيُقَالُ الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ ‏ ‏وَرَوَى ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏وَيُونُسُ ‏ ‏وَهِشَامٌ ‏ ‏وَأَبُو هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَدْرَجَهُ بَعْضُهُمْ كُلَّهُ فِي الْحَدِيثِ وَحَدِيثُ ‏ ‏عَوْفٍ ‏ ‏أَبْيَنُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏لَا أَحْسِبُهُ إِلَّا عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْقَيْدِ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏لَا تَكُونُ الْأَغْلَالُ إِلَّا فِي الْأَعْنَاقِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَبَّاح ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة هُوَ الْعَطَّار الْبَصْرِيّ , وَتَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة فِي \" بَاب السَّمَر بَعْدَ الْعِشَاء \" حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الصَّبَّاحِ , وَلِبَعْضِهِمْ عَبْد اللَّه بْن صَبَّاح كَمَا هُنَا , وَلِأَبِي نُعَيْم هُنَا مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن مَنْدَهْ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الصَّبَّاحِ , وَفِي شُيُوخ الْبُخَارِيّ اِبْن الصَّبَّاحِ ثَلَاثَة : عَبْد اللَّه هَذَا وَمُحَمَّد وَالْحَسَن , وَلَيْسَ وَاحِد مِنْهُمْ أَخَا الْآخَر. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُعْتَمِر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ , وَعَوْف هُوَ الْأَعْرَابِيّ. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا اِقْتَرَبَ الزَّمَان لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِن تَكْذِب ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ غَيْر الْكُشْمِيهَنِيِّ بِتَقْدِيمِ تَكْذِب عَلَى رُؤْيَا الْمُؤْمِن , وَكَذَا فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن يَحْيَى , وَكَذَا فِي رِوَايَة عِيسَى بْن يُونُس عَنْ عَوْف عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي \" الْمَعَالِم \" فِي قَوْله \" إِذَا اِقْتَرَبَ الزَّمَان \" قَوْلَانِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ تَقَارُب زَمَان اللَّيْل وَزَمَان النَّهَار وَهُوَ وَقْت اِسْتِوَائِهِمَا أَيَّام الرَّبِيع وَذَلِكَ وَقْت اِعْتِدَال الطَّبَائِع الْأَرْبَع غَالِبًا , وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْحَدِيث , وَالْمُعَبِّرُونَ يَقُولُونَ : أَصْدَق الرُّؤْيَا مَا كَانَ وَقْت اِعْتِدَال اللَّيْل وَالنَّهَار وَإِدْرَاك الثِّمَار , وَنَقَلَهُ فِي \" غَرِيب الْحَدِيث \" عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيّ ثُمَّ قَالَ : وَالْمُعَبِّرُونَ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَصْدَق الْأَزْمَان لِوُقُوعِ التَّعْبِير وَقْت اِنْفِتَاق الْأَزْهَار وَإِدْرَاك الثِّمَار وَهُمَا الْوَقْتَانِ اللَّذَانِ يَعْتَدِل فِيهِمَا اللَّيْل وَالنَّهَار , وَالْقَوْل الْآخَر إِنَّ اِقْتِرَاب الزَّمَان اِنْتِهَاء مُدَّته إِذَا دَنَا قِيَام السَّاعَة. قُلْت : يُبْعِد الْأَوَّل التَّقْيِيد بِالْمُؤْمِنِ , فَإِنَّ الْوَقْت الَّذِي تَعْتَدِل فِيهِ الطَّبَائِع لَا يَخْتَصّ بِهِ , وَقَدْ جَزَمَ اِبْن بَطَّال بِأَنَّ الْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب , وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ أَيُّوب فِي هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ \" فِي آخِر الزَّمَان لَا تَكْذِب رُؤْيَا الْمُؤْمِن وَأَصْدَقهمْ رُؤْيَا أَصْدَقهمْ حَدِيثًا \" قَالَ فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى إِذَا اِقْتَرَبَتْ السَّاعَة وَقُبِضَ أَكْثَر الْعِلْم وَدَرَسَتْ مَعَالِم الدِّيَانَة بِالْهَرْجِ وَالْفِتْنَة فَكَانَ النَّاس عَلَى مِثْل الْفَتْرَة مُحْتَاجِينَ إِلَى مُذَكِّر وَمُجَدِّد لِمَا دَرَسَ مِنْ الدِّين كَمَا كَانَتْ الْأُمَم تُذَكَّر بِالْأَنْبِيَاءِ , لَكِنْ لَمَّا كَانَ نَبِيّنَا خَاتَم الْأَنْبِيَاء وَصَارَ الزَّمَان الْمَذْكُور يُشْبِه زَمَان الْفَتْرَة عُوِّضُوا بِمَا مُنِعُوا مِنْ النُّبُوَّة بَعْدَهُ بِالرُّؤْيَا الصَّادِقَة الَّتِي هِيَ جُزْء مِنْ النُّبُوَّة الْآتِيَة بِالتَّبْشِيرِ وَالْإِنْذَار اِنْتَهَى. وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ بِلَفْظِ \" إِذَا قَرُبَ الزَّمَان \" وَأَخْرَجَ الْبَزَّار مِنْ طَرِيق يُونُس بْن عُبَيْد عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ بِلَفْظِ \" إِذَا تَقَارَبَ الزَّمَان \" وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْفِتَن مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" يَتَقَارَب الزَّمَان وَيَرْفَع الْعِلْم \" الْحَدِيث , وَالْمُرَاد بِهِ اِقْتِرَاب السَّاعَة قَطْعًا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمُرَاد بِتَقَارُبِ الزَّمَان نَقْص السَّاعَات وَالْأَيَّام وَاللَّيَالِي اِنْتَهَى. وَمُرَاده بِالنَّقْصِ سُرْعَة مُرُورهَا , وَذَلِكَ قُرْب قِيَام السَّاعَة كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيث الْآخَر عِنْدَ مُسْلِم وَغَيْره \" يَتَقَارَب الزَّمَان , حَتَّى تَكُون السَّنَة كَالشَّهْرِ وَالشَّهْر كَالْجُمْعَةِ وَالْجُمْعَة كَالْيَوْمِ وَالْيَوْم كَالسَّاعَةِ وَالسَّاعَة كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَة \" وَقِيلَ إِنَّ الْمُرَاد بِالزَّمَانِ الْمَذْكُور زَمَان الْمَهْدِيّ عِنْدَ بَسْط الْعَدْل وَكَثْرَة الْأَمْن وَبَسْط الْخَيْر وَالرِّزْق , فَإِنَّ ذَلِكَ الزَّمَان يُسْتَقْصَر لِاسْتِلْذَاذِهِ فَتَتَقَارَب أَطْرَافه , وَأَمَّا قَوْله \" لَمْ تَكَدْ إِلَخْ \" فِيهِ إِشَارَة إِلَى غَلَبَة الصِّدْق عَلَى الرُّؤْيَا وَإِنْ أَمْكَنَ أَنَّ شَيْئًا مِنْهَا لَا يَصْدُق , وَالرَّاجِح أَنَّ الْمُرَاد نَفْي الْكَذِب عَنْهَا أَصْلًا لِأَنَّ حَرْف النَّفْي الدَّاخِل عَلَى \" كَادَ \" يَنْفِي قُرْب حُصُوله وَالنَّافِي لِقُرْبِ حُصُول الشَّيْء أَدَلّ عَلَى نَفْيه نَفْسه ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : وَالْمُرَاد وَاَللَّه أَعْلَم بِآخِرِ الزَّمَان الْمَذْكُور فِي هَذَا الْحَدِيث زَمَان الطَّائِفَة الْبَاقِيَة مَعَ عِيسَى بْن مَرْيَم بَعْدَ قَتْله الدَّجَّالَ , فَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر مَا نَصّه \" فَيَبْعَث اللَّه عِيسَى بْن مَرْيَم فَيَمْكُث فِي النَّاس سَبْع سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اِثْنَيْنِ عَدَاوَة , ثُمَّ يُرْسِل اللَّه رِيحًا بَارِدَة مِنْ قِبَلِ الشَّام فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْه الْأَرْض أَحَد فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ خَيْر أَوْ إِيمَان إِلَّا قَبَضَهُ \" الْحَدِيث , قَالَ : فَكَانَ أَهْل هَذَا الزَّمَان أَحْسَن هَذِهِ الْأُمَّة حَالًا بَعْدَ الصَّدْر الْأَوَّل وَأَصْدَقهمْ أَقْوَالًا , فَكَانَتْ رُؤْيَاهُمْ لَا تَكْذِب , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ عَقِبَ هَذَا \" وَأَصْدَقهمْ رُؤْيَا أَصْدَقهمْ حَدِيثًا \" وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ كَثُرَ صِدْقه تَنَوَّرَ قَلْبه وَقَوِيَ إِدْرَاكه فَانْتَقَشَتْ فِيهِ الْمَعَانِي عَلَى وَجْه الصِّحَّة , وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ غَالِب حَاله الصِّدْق فِي يَقَظَته اِسْتَصْحَبَ ذَلِكَ فِي نَوْمه فَلَا يَرَى إِلَّا صِدْقًا وَهَذَا بِخِلَافِ الْكَاذِب وَالْمُخَلِّط فَإِنَّهُ يَفْسُد قَلْبه وَيُظْلِم فَلَا يَرَى إِلَّا تَخْلِيطًا وَأَضْغَاثًا , وَقَدْ يَنْدُر الْمَنَام أَحْيَانًا فَيَرَى الصَّادِق مَا لَا يَصِحّ وَيَرَى الْكَاذِب مَا يَصِحّ , وَلَكِنَّ الْأَغْلَب الْأَكْثَر مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَم. وَهَذَا يُؤَيِّد مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الرُّؤْيَا لَا تَكُون إِلَّا مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة إِنْ صَدَرَتْ مِنْ مُسْلِم صَادِق صَالِح ثُمَّ وَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَ بِذَلِكَ فِي حَدِيث \" رُؤْيَا الْمُسْلِم جُزْء \" فَإِنَّهُ جَاءَ مُطْلَقًا مُقْتَصِرًا عَلَى الْمُسْلِم فَأَخْرَجَ الْكَافِر , وَجَاءَ مُقَيَّدًا بِالصَّالِحِ تَارَةً وَبِالصَّالِحَةِ وَبِالْحَسَنَةِ وَبِالصَّادِقَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه , فَيُحْمَل الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد , وَهُوَ الَّذِي يُنَاسِب حَاله حَال النَّبِيّ فَيُكَرَّم بِمَا أُكْرِمَ بِهِ النَّبِيّ وَهُوَ الِاطِّلَاع عَلَى شَيْء مِنْ الْغَيْب , فَأَمَّا الْكَافِر وَالْمُنَافِق وَالْكَاذِب وَالْمُخَلِّط وَإِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاهُمْ فِي بَعْض الْأَوْقَات فَإِنَّهَا لَا تَكُون مِنْ الْوَحْي وَلَا مِنْ النُّبُوَّة , إِذْ لَيْسَ كُلّ مَنْ صَدَقَ مَا يَكُون خَبَره ذَلِكَ نُبُوَّة , فَقَدْ يَقُول الْكَاهِن كَلِمَة حَقّ وَقَدْ يُحَدِّث الْمُنَجِّم فَيُصِيب لَكِنْ كُلّ ذَلِكَ عَلَى النُّدُور وَالْقِلَّة وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : مَعْنَى كَوْن رُؤْيَا الْمُؤْمِن فِي آخِر الزَّمَان لَا تَكَاد تَكْذِب أَنَّهَا تَقَع غَالِبًا عَلَى الْوَجْه الَّذِي لَا يَحْتَاج إِلَى تَعْبِير فَلَا يَدْخُلهَا الْكَذِب , بِخِلَافِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا قَدْ يَخْفَى تَأْوِيلهَا فَيَعْبُرهَا الْعَابِر فَلَا تَقَع كَمَا قَالَ فَيَصْدُق دُخُول الْكَذِب فِيهَا بِهَذَا الِاعْتِبَار , قَالَ : وَالْحِكْمَة فِي اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِآخِرِ الزَّمَان أَنَّ الْمُؤْمِن فِي ذَلِكَ الْوَقْت يَكُون غَرِيبًا كَمَا فِي الْحَدِيث \" بَدَأَ الْإِسْلَام غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , فَيَقِلّ أَنِيس الْمُؤْمِن وَمُعِينه فِي ذَلِكَ الْوَقْت فَيُكَرَّم بِالرُّؤْيَا الصَّادِقَة. قَالَ : وَيُمْكِن أَنْ يُؤْخَذ مِنْ هَذَا سَبَب اِخْتِلَاف الْأَحَادِيث فِي عَدَد أَجْزَاء النُّبُوَّة بِالنِّسْبَةِ لِرُؤْيَا الْمُؤْمِن فَيُقَال : كُلَّمَا قَرُبَ الْأَمْر وَكَانَتْ الرُّؤْيَا أَصْدَق حُمِلَ عَلَى أَقَلّ عَدَد وَرَدَ , وَعَكْسه وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ. قُلْت : وَتَنْبَغِي الْإِشَارَة إِلَى هَذِهِ الْمُنَاسَبَة فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُنَاسَبَات وَحَاصِل مَا اِجْتَمَعَ مِنْ كَلَامهمْ فِي مَعْنَى قَوْله \" إِذَا اِقْتَرَبَ الزَّمَان لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِن تَكْذِب \" إِذَا كَانَ الْمُرَاد آخِر الزَّمَان ثَلَاثَة أَقْوَال : أَحَدهَا أَنَّ الْعِلْم بِأُمُورِ الدِّيَانَة لَمَّا يَذْهَب غَالِبه بِذَهَابِ غَالِب أَهْله وَتَعَذَّرَتْ النُّبُوَّة فِي هَذِهِ الْأُمَّة عُوِّضُوا بِالْمَرْأَى الصَّادِقَة لِيُجَدَّدَ لَهُمْ مَا قَدْ دَرَسَ مِنْ الْعِلْم , وَالثَّانِي أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا يَقِلّ عَدَدهمْ وَيَغْلِب الْكُفْر وَالْجَهْل وَالْفِسْق عَلَى الْمَوْجُودِينَ يُؤْنَس الْمُؤْمِن وَيُعَان بِالرُّؤْيَا الصَّادِقَة إِكْرَامًا لَهُ وَتَسْلِيَة وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ لَا يَخْتَصّ ذَلِكَ بِزَمَانٍ مُعَيَّن بَلْ كُلَّمَا قَرُبَ فَرَاغ الدُّنْيَا وَأَخَذَ أَمْر الدِّين فِي الِاضْمِحْلَال تَكُون رُؤْيَا الْمُؤْمِن الصَّادِق أَصْدَق , وَالثَّالِث أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِزَمَانِ عِيسَى بْن مَرْيَم , وَأَوَّلهَا أَوْلَاهَا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَرُؤْيَا الْمُؤْمِن جُزْء ) ‏ ‏الْحَدِيث هُوَ مَعْطُوف عَلَى جُمْلَة الْحَدِيث الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ \" إِذَا اِقْتَرَبَ الزَّمَان \" الْحَدِيث فَهُوَ مَرْفُوع أَيْضًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى قَرِيبًا وَقَوْله \" وَمَا كَانَ مِنْ النُّبُوَّة فَإِنَّهُ لَا يَكْذِب \" هَذَا الْقَدْر لَمْ يَتَقَدَّم فِي شَيْء مِنْ طَرِيق الْحَدِيث الْمَذْكُور , وَظَاهِر إِيرَاده هُنَا أَنَّهُ مَرْفُوع , وَلَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ أَوْلَى مَا فُسِّرَ بِهِ الْمُرَاد مِنْ النُّبُوَّة فِي الْحَدِيث وَهُوَ صِفَة الصِّدْق , ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ قَوْله بَعْدَ هَذَا \" قَالَ مُحَمَّد : وَأَنَا أَقُول هَذِهِ \" الْإِشَارَة فِي قَوْله \" هَذِهِ \" لِلْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَة , وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِعَادَة قَوْله \" قَالَ \" بَعْدَ قَوْله \" هَذَا \" ثُمَّ رَأَيْت فِي \" بُغْيَة النُّقَّاد لِابْنِ الْمَوَّاق \" أَنَّ عَبْد الْحَقّ أَغْفَلَ التَّنْبِيه عَلَى أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة مُدْرَجَة وَأَنَّهُ لَا شَكّ فِي إِدْرَاجهَا , فَعَلَى هَذَا فَهِيَ مِنْ قَوْل اِبْن سِيرِينَ وَلَيْسَتْ مَرْفُوعَة. ‏ ‏قَوْله ( وَأَنَا أَقُول هَذِهِ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَفِي جَمِيع الطُّرُق وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا , وَوَقَعَ فِي شَرْح اِبْن بَطَّال \" وَأَنَا أَقُول هَذِهِ الْأُمَّة وَكَانَ يُقَال إِلَخْ \". قُلْت : وَلَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة فِي شَيْء مِنْ نُسَخ صَحِيح الْبُخَارِيّ وَلَا ذَكَرَهَا عَبْد الْحَقّ فِي جَمْعه وَلَا الْحُمَيْدِيُّ وَلَا مَنْ أَخْرَجَ حَدِيث عَوْف مِنْ أَصْحَاب الْكُتُب وَالْمَسَانِيد , وَقَدْ تَقَلَّدَهُ عِيَاض فَذَكَرَهُ كَمَا ذَكَرَهُ اِبْن بَطَّال وَتَبِعَهُ فِي شَرْحه فَقَالَ : خَشِيَ اِبْن سِيرِينَ أَنْ يَتَأَوَّل أَحَد مَعْنَى قَوْله \" وَأَصْدَقهمْ رُؤْيَا أَصْدَقهمْ حَدِيثًا \" أَنَّهُ إِذَا تَقَارَبَ الزَّمَان لَمْ يَصْدُق إِلَّا رُؤْيَا الرَّجُل الصَّالِح فَقَالَ : وَأَنَا أَقُول هَذِهِ الْأُمَّة \" يَعْنِي رُؤْيَا هَذِهِ الْأُمَّة صَادِقَة كُلّهَا صَالِحهَا وَفَاجِرهَا لِيَكُونَ صِدْق رُؤْيَاهُمْ زَاجِرًا لَهُمْ وَحُجَّة عَلَيْهِمْ لِدُرُوسِ أَعْلَام الدِّين وَطُمُوس آثَاره بِمَوْتِ الْعُلَمَاء وَظُهُور الْمُنْكَر اِنْتَهَى. وَهَذَا مُرَتَّب عَلَى ثُبُوت هَذِهِ الزِّيَادَة وَهِيَ لَفْظَة \" الْأُمَّة \" وَلَمْ أَجِدهَا فِي شَيْء مِنْ الْأُصُول , وَقَدْ قَالَ أَبُو عَوَانَة الْإِسْفِرَايِنِيّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مَوْصُولًا مَرْفُوعًا مِنْ طَرِيق هِشَام عَنْ اِبْن سِيرِينَ : هَذَا لَا يَصِحّ مَرْفُوعًا عَنْ اِبْن سِيرِينَ. قُلْت : وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيّ فِي آخِره بِقَوْلِهِ وَحَدِيث عَوْف أَبْيَن أَيْ حَيْثُ فَصَلَ الْمَرْفُوع مِنْ الْمَوْقُوف. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ وَكَانَ يُقَال الرُّؤْيَا ثَلَاث إِلَخْ ) ‏ ‏قَائِل \" قَالَ \" هُوَ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ , وَأَبْهَمَ الْقَائِل فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَهُوَ أَبُو هُرَيْرَة , وَقَدْ رَفَعَهُ بَعْض الرُّوَاة وَوَقَفَهُ بَعْضهمْ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ هَوْذَة بْن خَلِيفَة عَنْ عَوْف بِسَنَدِهِ مَرْفُوعًا \" الرُّؤْيَا ثَلَاث \" الْحَدِيث مِثْله , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَةَ عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ , فَرُؤْيَا حَقّ وَرُؤْيَا يُحَدِّث بِهَا الرَّجُل نَفْسه , وَرُؤْيَا تَحْزِين مِنْ الشَّيْطَان \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ مَرْفُوعًا أَيْضًا بِلَفْظِ \" الرُّؤْيَا ثَلَاث , فَالرُّؤْيَا الصَّالِحَة بُشْرَى مِنْ اللَّه \" وَالْبَاقِي نَحْوه. ‏ ‏قَوْله ( حَدِيث النَّفْس وَتَخْوِيف الشَّيْطَان وَبُشْرَى مِنْ اللَّه ) ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيث عَوْف بْن مَالِك عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَن رَفَعَهُ \" الرُّؤْيَا ثَلَاث مِنْهَا أَهَاوِيل مِنْ الشَّيْطَان لِيَحْزُن اِبْن آدَم , وَمِنْهَا مَا يُهِمّ بِهِ الرَّجُل فِي يَقَظَته فَيَرَاهُ فِي مَنَامه , وَمِنْهَا جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة \". قُلْت : وَلَيْسَ الْحَصْر مُرَادًا مِنْ قَوْله \" ثَلَاث \" لِثُبُوتِ نَوْع رَابِع فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْبَاب وَهُوَ حَدِيث النَّفْس , وَلَيْسَ فِي حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي سَعِيد الْمَاضِيَيْنِ سِوَى ذِكْر وَصْف الرُّؤْيَا بِأَنَّهَا مَكْرُوهَة وَمَحْبُوبَة أَوْ حَسَنَة وَسَيِّئَة , وَبَقِيَ نَوْع خَامِس وَهُوَ تَلَاعُب الشَّيْطَان , وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر قَالَ \" جَاءَ أَعْرَابِيّ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ فَأَنَا أَتْبَعُهُ \" وَفِي لَفْظ \" فَقَدْ خَرَجَ فَاشْتَدَدْت فِي أَثَرِهِ , فَقَالَ : لَا تُخْبِر بِتَلَاعُبِ الشَّيْطَان بِك فِي الْمَنَام \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" إِذَا تَلَاعَبَ الشَّيْطَان بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامه فَلَا يُخْبِر بِهِ النَّاس \". وَنَوْع سَادِس وَهُوَ رُؤْيَا مَا يَعْتَادهُ الرَّائِي فِي الْيَقَظَة , كَمَنْ كَانَتْ عَادَته أَنْ يَأْكُل فِي وَقْت فَنَامَ فِيهِ فَرَأَى أَنَّهُ يَأْكُل أَوْ بَاتَ طَافِحًا مِنْ أَكْل أَوْ شُرْب فَرَأَى أَنَّهُ يَتَقَيَّأ , وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيث النَّفْس عُمُوم وَخُصُوص. وَسَابِع وَهُوَ الْأَضْغَاث. ‏ ‏قَوْله ( فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَههُ فَلَا يَقُصّهُ عَلَى أَحَد , وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة هَوْذَة \" فَإِذَا رَأَى أَحَدكُمْ رُؤْيَا تُعْجِبهُ فَلْيَقُصَّهَا لِمَنْ يَشَاء , وَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَههُ \" فَذَكَرَ مِثْله. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ \" فَيُصَلِّ وَلَا يُحَدِّث بِهَا النَّاس \" وَزَادَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ اِبْن سِيرِينَ عِنْدَ التِّرْمِذِيّ \" وَكَانَ يَقُول لَا تَقُصّ الرُّؤْيَا إِلَّا عَلَى عَالِم أَوْ نَاصِح \" وَهَذَا وَرَدَ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا فِي حَدِيث أَبِي رَزِين عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ \" وَلَا يَقُصّهَا إِلَّا عَلَى وَادّ أَوْ ذِي رَأْي \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذِهِ الزِّيَادَة فِي \" بَاب الرُّؤْيَا مِنْ اللَّه تَعَالَى \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ وَكَانَ يُكْرَه الْغُلُّ فِي النَّوْم , وَيُعْجِبهُمْ الْقَيْد وَقَالَ : الْقَيْد ثَبَات فِي الدِّين ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ هُنَا بِلَفْظِ الْجَمْع فِي \" يُعْجِبهُمْ \" وَالْإِفْرَاد فِي \" يُكْرَه وَيَقُول \" قَالَ الطِّيبِيُّ : ضَمِير الْجَمْع لِأَهْلِ التَّعْبِير , وَكَذَا قَوْله \" وَكَانَ يُقَال \" قَالَ الْمُهَلَّب : الْغُلّ يُعْبَر بِالْمَكْرُوهِ لِأَنَّ اللَّه أَخْبَرَ فِي كِتَابه أَنَّهُ مِنْ صِفَات أَهْل النَّار بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِذْ الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقهمْ ) الْآيَة , وَقَدْ يَدُلّ عَلَى الْكُفْر , وَقَدْ يُعْبَر بِامْرَأَةٍ تُؤْذِي. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّمَا أَحَبُّوا الْقَيْد لِذِكْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ فِي قِسْم الْمَحْمُود فَقَالَ \" قَيْد الْإِيمَان الْفَتْك \". وَأَمَّا الْغُلّ فَقَدْ كُرِهَ شَرْعًا فِي الْمَفْهُوم كَقَوْلِهِ ( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ - وَإِذْ الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقهمْ - وَلَا تَجْعَل يَدَك مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقك - وَغُلَّتْ أَيْدِيهمْ ) وَإِذَا جُعِلَ الْقَيْد ثَبَاتًا فِي الدِّين لِأَنَّ الْمُقَيَّد لَا يَسْتَطِيع الْمَشْي فَضُرِبَ مَثَلًا لِلْإِيمَانِ الَّذِي يَمْنَع عَنْ الْمَشْي إِلَى الْبَاطِل. وَقَالَ النَّوَوِيّ : قَالَ الْعُلَمَاء إِنَّمَا أَحَبَّ الْقَيْد لِأَنَّ مَحَلّه الرِّجْل وَهُوَ كَفّ عَنْ الْمَعَاصِي وَالشَّرّ وَالْبَاطِل , وَأَبْغَضَ الْغُلّ لِأَنَّ مَحَلّه الْعُنُق وَهُوَ صِفَة أَهْل النَّار. وَأَمَّا أَهْل التَّعْبِير فَقَالُوا إِنَّ الْقَيْد ثَبَات فِي الْأَمْر الَّذِي يَرَاهُ الرَّائِي بِحَسَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ لَهُ , وَقَالُوا إِنْ اِنْضَمَّ الْغُلّ إِلَى الْقَيْد دَلَّ عَلَى زِيَادَة الْمَكْرُوه , وَإِذَا جُعِلَ الْغُلّ فِي الْيَدَيْنِ حَمِدَ لِأَنَّهُ كَفّ لَهُمَا عَنْ الشَّرّ , وَقَدْ يَدُلّ عَلَى الْبُخْل بِحَسَبِ الْحَال. وَقَالُوا أَيْضًا : إِنْ رَأَى أَنَّ يَدَيْهِ مَغْلُولَتَانِ فَهُوَ بَخِيل , وَإِنْ رَأَى أَنَّهُ قَيْد وَغُلّ فَإِنَّهُ يَقَع فِي سِجْن أَوْ شِدَّة. قُلْت : وَقَدْ يَكُون الْغُلّ فِي بَعْض الْمُرَائِي مَحْمُودًا كَمَا وَقَعَ لِأَبِي بَكْر الصِّدِّيق فَأَخْرَجَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ مَسْرُوق قَالَ \" مَرَّ صُهَيْب بِأَبِي بَكْر فَأَعْرَضَ عَنْهُ , فَسَأَلَهُ فَقَالَ : رَأَيْت يَدك مَغْلُولَة عَلَى بَاب أَبِي الْحَشْر رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَار , فَقَالَ أَبُو بَكْر : جَمَعَ لِي دَيْنِي إِلَى يَوْم الْحَشْر. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : اُخْتُلِفَ فِي قَوْله وَكَانَ يُقَال هَلْ هُوَ مَرْفُوع أَوْ لَا فَقَالَ بَعْضهمْ مِنْ قَوْله \" وَكَانَ يُقَال \" إِلَى قَوْله \" فِي الدِّين \" مَرْفُوع كُلّه , وَقَالَ بَعْضهمْ هُوَ كُلّه كَلَام اِبْن سِيرِينَ وَفَاعِل \" كَانَ يُكْرَه \" أَبُو هُرَيْرَة. قُلْت : أَخَذَهُ مِنْ كَلَام الطِّيبِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَقُولًا لِلرَّاوِي عَنْ اِبْن سِيرِينَ فَيَكُون اِسْم كَانَ ضَمِيرًا لِابْنِ سِيرِينَ وَأَنْ يَكُون مَقُولًا لِابْنِ سِيرِينَ وَاسْم كَانَ ضَمِير أَبِي هُرَيْرَة أَوْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن سِيرِينَ وَقَال فِي آخِره : لَا أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيث أَوْ قَالَهُ اِبْن سِيرِينَ. ‏ ‏قَوْله ( وَرَوَاهُ قَتَادَةَ وَيُونُس وَهِشَام وَأَبُو هِلَال عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏يَعْنِي أَصْل الْحَدِيث وَأَمَّا مِنْ قَوْله \" وَكَانَ يُقَال \" فَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِتَمَامِهِ مَرْفُوعًا وَمِنْهُمْ مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى بَعْضه كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَأَدْرَجَهُ بَعْضهمْ كُلّه فِي الْحَدِيث ) ‏ ‏يَعْنِي جَعَلَهُ كُلّه مَرْفُوعًا , وَالْمُرَاد بِهِ رِوَايَة هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَحَدِيث عَوْف أَبْيَن ) ‏ ‏أَيْ حَيْثُ فَصَلَ الْمَرْفُوع مِنْ الْمَوْقُوف وَلَا سِيَّمَا تَصْرِيحه بِقَوْلِ اِبْن سِيرِينَ \" وَأَنَا أَقُول هَذِهِ \" فَإِنَّهُ دَالّ عَلَى الِاخْتِصَاص بِخِلَافِ مَا قَالَ فِيهِ \" وَكَانَ يُقَال \" فَإِنَّ فِيهَا الِاحْتِمَال بِخِلَافِ أَوَّل الْحَدِيث فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ , وَقَدْ اِقْتَصَرَ بَعْض الرُّوَاة عَنْ عَوْف عَلَى بَعْض مَا ذَكَرَهُ مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْهُ كَمَا بَيَّنْته مِنْ رِوَايَة هَوْذَة وَعِيسَى بْن يُونُس , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَاهِر السِّيَاق أَنَّ الْجَمِيع مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , غَيْر أَنَّ أَيُّوب هُوَ الَّذِي رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسه أَنَّهُ شَكَّ أَهُوَ مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة فَلَا يُعَوَّل عَلَى ذَلِكَ الظَّاهِر. قُلْت : وَهُوَ حَصْر مَرْدُود , وَكَأَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ مُسْلِم خَاصَّة فَإِنَّ مُسْلِمًا مَا أَخْرَجَ طَرِيق عَوْف هَذِهِ وَلَكِنَّهُ أَخْرَجَ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ , فَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن أَيُّوب شَكَّ أَنْ لَا يُعَوَّل عَلَى رِوَايَة مَنْ لَمْ يَشُكّ وَهُوَ قَتَادَةُ مَثَلًا , لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي الرِّوَايَة الْمُفَصَّلَة زِيَادَة فَرُجِّحَتْ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ يُونُس لَا أَحْسِبهُ إِلَّا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَيْد ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُ شَكّ فِي رَفْعِهِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّفُ. ‏ ‏قَوْله ( لَا تَكُون الْأَغْلَال إِلَّا فِي الْأَعْنَاق ) ‏ ‏كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى الرَّدّ عَلَى مَنْ قَالَ : قَدْ يَكُون الْغُلّ فِي غَيْر الْعُنُق كَالْيَدِ وَالرِّجْل , وَالْغُلّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد اللَّام وَاحِد الْأَغْلَال , قَالَ : وَقَدْ أَطْلَقَ بَعْضهمْ الْغُلّ عَلَى مَا تُرْبَط بِهِ الْيَد , وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيّ الْقَالِي وَصَاحِب الْمُحْكَم وَغَيْرهمَا قَالُوا : الْغُلّ جَامِعَة تُجْعَل فِي الْعُنُق أَوْ الْيَد وَالْجَمْع أَغْلَال , وَيَد مَغْلُولَة جُعِلَتْ فِي الْغُلّ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى ( غُلَّتْ أَيْدِيهمْ ) كَذَا اِسْتَشْهَدَ بِهِ الْكَرْمَانِيُّ , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ الْيَد تُغَلّ فِي الْعُنُق وَهُوَ عِنْدَ أَهْل التَّعْبِير عِبَارَة عَنْ كَفّهمَا عَنْ الشَّرّ , وَيُؤَيِّدهُ مَنَام صُهَيْبٍ فِي حَقّ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا , فَأَمَّا رِوَايَة قَتَادَةَ الْمُعَلَّقَة فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة مُعَاذ بْن هِشَام بْن أَبِي عَبْد اللَّه الدَّسْتُوَائِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ وَلَفْظ النَّسَائِيِّ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور \" عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُول الرُّؤْيَا الصَّالِحَة بِشَارَة مِنْ اللَّه وَالتَّحْزِين مِنْ الشَّيْطَان , وَمِنْ الرُّؤْيَا مَا يُحَدِّث بِهِ الرَّجُل نَفْسه , فَإِذَا رَأَى أَحَدكُمْ رُؤْيَا يَكْرَههَا فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ , وَأَكْرَه الْغُلّ فِي النَّوْم , وَيُعْجِبنِي الْقَيْد فَإِنَّ الْقَيْد ثَبَات فِي الدِّين \" وَأَمَّا مُسْلِم فَإِنَّهُ سَاقَهُ بِسَنَدِهِ عَقِبَ رِوَايَة مَعْمَر عَنْ أَيُّوب الَّتِي فِيهَا \" قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَيُعْجِبُنِي الْقَيْد وَأَكْرَه الْغُلّ , الْقَيْد ثَبَات فِي الدِّين \" قَالَ مُسْلِم فَأَدْرَجَ يَعْنِي هِشَامًا عَنْ قَتَادَةَ فِي الْحَدِيث قَوْله \" وَأَكْرَه الْغُلّ إِلَخْ \" وَلَمْ يَذْكُر \" الرُّؤْيَا جُزْء \" الْحَدِيث وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ \" قَالَ أَبُو هُرَيْرَة أُحِبّ الْقَيْد فِي النَّوْم وَأَكْرَه الْغُلّ , الْقَيْد فِي النَّوْم ثَبَات فِي الدِّين \" أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ أَيُّوب فَذَكَرَ حَدِيث \" إِذَا اِقْتَرَبَ الزَّمَان \" الْحَدِيث ثُمَّ قَالَ \" وَرُؤْيَا الْمُسْلِم جُزْء مِنْ \" الْحَدِيث ثُمَّ قَالَ \" وَالرُّؤْيَا ثَلَاث \" الْحَدِيث ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ \" قَالَ وَأُحِبّ الْقَيْد وَأَكْرَه الْغُلّ , الْقَيْد ثَبَات فِي الدِّين \" فَلَا أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيث أَوْ قَالَهُ اِبْن سِيرِينَ , هَذَا لَفْظ مُسْلِم , وَلَمْ يَذْكُر أَبُو دَاوُدَ وَلَا التِّرْمِذِيّ قَوْله \" فَلَا أَدْرِي إِلَخْ \". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَأَحْمَد وَالْحَاكِم مِنْ رِوَايَة مَعْمَر عَنْ أَيُّوب فَذَكَرَ الْحَدِيث الْأَوَّل وَنَحْو الثَّانِي ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُمَا : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة يُعْجِبنِي الْقَيْد إِلَخْ , قَالَ \" وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُؤْيَا الْمُؤْمِن جُزْء إِلَخْ \" وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَةَ حَدِيث \" الرُّؤْيَا ثَلَاثَة \" مَرْفُوعًا كَمَا أَشَرْت إِلَيْهِ قَبْلَ هَذَا ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ \" وَكَانَ يَقُول يُعْجِبنِي الْقَيْد \" الْحَدِيث , وَبَعْدَهُ وَكَانَ يَقُول : \" مَنْ رَآنِي فَإِنِّي أَنَا هُوَ \" الْحَدِيث وَبَعْدَهُ \" وَكَانَ يَقُول : لَا تَقُصّ الرُّؤْيَا إِلَّا عَلَى عَالِم أَوْ نَاصِح \" وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّ الْأَحَادِيث كُلّهَا مَرْفُوعَة , وَأَمَّا رِوَايَة يُونُس وَهُوَ اِبْن عُبَيْد فَأَخْرَجَهَا الْبَزَّار فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق أَبِي خَلَف وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن عِيسَى الْخَزَّاز بِمُعْجَمَاتٍ الْبَصْرِيّ عَنْ يُونُس بْن عُبَيْد عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" إِذَا تَقَارَبَ الزَّمَان لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِن تَكْذِب , وَأُحِبّ الْقَيْد وَأَكْرَه الْغُلّ \" قَالَ : وَلَا أَعْلَمهُ إِلَّا وَقَدْ رَفَعَهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ الْبَزَّار رُوِيَ عَنْ مُحَمَّد مِنْ عِدَّة أَوْجُه , وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ رِوَايَة يُونُس لِعِزَّةِ مَا أَسْنَدَ يُونُس عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ. قُلْت : وَقَدْ أَخَرَجَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر الْهُذَلِيِّ عَنْ اِبْن سِيرِينَ حَدِيث الْقَيْد مَوْصُولًا مَرْفُوعًا وَلَكِنَّ الْهُذَلِيَّ ضَعِيف وَأَمَّا رِوَايَة هِشَام فَقَالَ أَحْمَد \" حَدَّثَنَا يَزِيد بْن هَارُون أَنْبَأَنَا هِشَام هُوَ اِبْن حَسَّان عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا اِقْتَرَبَ الزَّمَان الْحَدِيث , وَرُؤْيَا الْمُؤْمِن الْحَدِيث , وَأُحِبّ الْقَيْد فِي النَّوْم الْحَدِيث , وَالرُّؤْيَا ثَلَاث الْحَدِيث , فَسَاقَ الْجَمِيع مَرْفُوعًا , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ رِوَايَة مَخْلَد بْن الْحُسَيْن عَنْ هِشَام , وَأَخْرَجَهُ الْخَطِيب فِي الْمُدْرَج مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن عَاصِم عَنْ خَالِد وَهِشَام عَنْ اِبْن سِيرِينَ مَرْفُوعًا , قَالَ الْخَطِيب : وَالْمَتْن كُلّه مَرْفُوع إِلَّا ذِكْر الْقَيْد وَالْغُلّ فَإِنَّهُ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة أُدْرِجَ فِي الْخَبَر , وَبَيَّنَهُ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب , وَأَخْرَجَ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن بَكْر عَنْ هِشَام قِصَّة الْقَيْد وَقَالَ : الْأَصَحّ أَنَّ هَذَا مِنْ قَوْل اِبْن سِيرِينَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ هِشَام بْن حَسَّان وَأَيُّوب جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" إِذَا اِقْتَرَبَ الزَّمَان \" قَالَ وَسَاقَ الْحَدِيث وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام مَوْقُوفًا وَزَادَ فِي آخِره \" قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : اللَّبَن فِي الْمَنَام الْفِطْرَة \" وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي هِلَال وَاسْمه مُحَمَّد بْن سَلِيم الرَّاسِبِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ فَلَمْ أَقِف عَلَيْهَا مَوْصُولَة إِلَى الْآنَ , وَأَخْرَجَ أَحْمَد فِي الزُّهْد عَنْ عُثْمَان عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب قَالَ \" رَأَيْت اِبْن سِيرِينَ مُقَيَّدًا فِي الْمَنَام \" وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ اِبْن سِيرِينَ كَانَ يَعْتَمِد فِي تَعْبِير الْقَيْد عَلَى مَا فِي الْخَبَر فَأُعْطِيَ هُوَ ذَلِكَ وَكَانَ كَذَلِكَ قَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذَا الْحَدِيث وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي رَفْعه وَوَقْفه فَإِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيح , لِأَنَّ الْقَيْد فِي الرِّجْلَيْنِ تَثْبِيت لِلْمُقَيَّدِ فِي مَكَانه فَإِذَا رَآهُ مَنْ هُوَ عَلَى حَالَة كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى ثُبُوته عَلَى تِلْكَ الْحَالَة , وَأَمَّا كَرَاهَة الْغُلّ فَلِأَنَّ مَحَلّه الْأَعْنَاق نَكَالًا وَعُقُوبَة وَقَهْرًا وَإِذْلَالًا , وَقَدْ يُسْحَب عَلَى وَجْهه وَيُخَرّ عَلَى قَفَاهُ فَهُوَ مَذْمُوم شَرْعًا وَعَادَة , فَرُؤْيَته فِي الْعُنُق دَلِيل عَلَى وُقُوع حَال سَيِّئَة لِلرَّائِي تُلَازِمهُ وَلَا يَنْفَكّ عَنْهَا , وَقَدْ يَكُون ذَلِكَ فِي دِينه كَوَاجِبَاتٍ فَرَّطَ فِيهَا أَوْ مَعَاصٍ اِرْتَكَبَهَا أَوْ حُقُوق لَازِمَة لَهُ لَمْ يُوَفِّهَا أَهْلهَا مَعَ قُدْرَتِهِ , وَقَدْ تَكُون فِي دُنْيَاهُ كَشِدَّةٍ تَعْتَرِيه أَوْ تُلَازِمهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6500",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ الْعَلَاءِ ‏ ‏وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِمْ بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ طَارَ لَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ‏ ‏فِي السُّكْنَى حِينَ اقْتَرَعَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏عَلَى سُكْنَى ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏فَاشْتَكَى فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى تُوُفِّيَ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ فِي أَثْوَابِهِ فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ ‏ ‏أَبَا السَّائِبِ ‏ ‏فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ قَالَ وَمَا يُدْرِيكِ قُلْتُ لَا أَدْرِي وَاللَّهِ قَالَ ‏ ‏أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ قَالَتْ ‏ ‏أُمُّ الْعَلَاءِ ‏ ‏فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ قَالَتْ وَرَأَيْتُ ‏ ‏لِعُثْمَانَ ‏ ‏فِي النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ ذَاكِ عَمَلُهُ يَجْرِي لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أُمّ الْعَلَاء وَهِيَ اِمْرَأَة مِنْ نِسَائِهِمْ ) ‏ ‏وَتَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْهِجْرَة أَنَّهَا وَالِدَة خَارِجَة بْن زَيْد الرَّاوِي عَنْهَا هُنَا وَأَنَّ هَذَا الْحَدِيث وَرَدَ مِنْ طَرِيق أَبِي النَّضْر عَنْ خَارِجَة بْن زَيْد عَنْ أُمّه , وَذَكَرْت نَسَبهَا هُنَاكَ وَأَنَّ اِسْمهَا كُنْيَتهَا , وَمِنْهُ يُؤْخَذ أَنَّ الْقَائِل هُنَا \" وَهِيَ اِمْرَأَة مِنْ نِسَائِهِمْ \" هُوَ الزُّهْرِيّ رَاوِيه عَنْ خَارِجَة بْن زَيْد , وَوَقَعَ فِي \" بَاب رُؤْيَا النِّسَاء \" فِيمَا مَضَى قَرِيبًا مِنْ طَرِيق عَقِيل عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ خَارِجَة \" أَنَّ أُمّ الْعَلَاء اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار بَايَعَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ \" وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَابْن سَعْد بِسَنَدٍ فِيهِ عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَانَ وَفِيهِ ضَعْف مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ \" لَمَّا مَاتَ عُثْمَان بْن مَظْعُون قَالَتْ اِمْرَأَته هَنِيئًا لَك الْجَنَّة \" فَذَكَرَ نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة , وَقَوْله \" اِمْرَأَته \" فِيهِ نَظَر , فَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ \" قَالَتْ اِمْرَأَة \" بِغَيْرِ ضَمِير وَهِيَ أُمّ الْعَلَاء , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَيْدِ بْن ثَابِت , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْقَوْل تَعَدَّدَ مِنْهُمَا. وَعِنْدَ اِبْن سَعْد أَيْضًا مِنْ مُرْسَل زَيْد بْن أَسْلَم بِسَنَدٍ حَسَن \" قَالَ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَجُوزًا تَقُول فِي جِنَازَة عُثْمَان بْن مَظْعُون وَرَاء جِنَازَته : هَنِيئًا لَك الْجَنَّة يَا أَبَا السَّائِب \" فَذَكَرَ نَحْوه وَفِيهِ \" بِحَسْبِك أَنْ تَقُولِي كَانَ يُحِبّ اللَّه وَرَسُوله \". ‏ ‏قَوْله ( طَارَ لَنَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه فِي \" بَاب الْقُرْعَة فِي الْمُشْكِلَات \" وَوَقَعَ عِنْدَ اِبْن سَعْد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مَعْمَر \" فَتَشَاحَّتْ الْأَنْصَار فِيهِمْ أَنْ يُنْزِلُوهُمْ مَنَازِلهمْ حَتَّى اِقْتَرَعُوا عَلَيْهِمْ فَطَارَ لَنَا عُثْمَان بْن مَظْعُون \" يَعْنِي وَقَعَ فِي سَهْمِنَا , كَذَا وَقَعَ التَّفْسِير فِي الْأَصْل وَأَظُنّهُ مِنْ كَلَام الزُّهْرِيّ أَوْ مَنْ دُونَهُ. ‏ ‏قَوْله ( حِينَ اِقْتَرَعَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ غَيْر الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَقْرَعَتْ \" بِحَذْفِ التَّاء وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَقِيل الْمَذْكُورَة أَنَّهُمْ \" اِقْتَسَمُوا الْمُهَاجِرِينَ قُرْعَة \". ‏ ‏قَوْله ( فَاشْتَكَى فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى تُوُفِّيَ ) ‏ ‏فِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره فَأَقَامَ عِنْدَنَا مُدَّة فَاشْتَكَى أَيْ مَرَض فَمَرَّضْنَاهُ أَيْ قُمْنَا بِأَمْرِهِ فِي مَرَضه , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَقِيل \" فَطَارَ لَنَا عُثْمَان بْن مَظْعُون فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتنَا , فَرَجَعَ وَجَعه الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ \" قُلْت : وَكَانَتْ وَفَاته فِي شَعْبَان سَنَة ثَلَاث مِنْ الْهِجْرَة أَرَّخَهُ اِبْن سَعْد وَغَيْره , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ سَائِر فَوَائِده فِي أَوَّل الْجَنَائِز وَالْكَلَام عَلَى قَوْله مَا يُفْعَل بِهِ وَالِاخْتِلَاف فِيهَا , وَقَوْله فِي آخِره \" ذَاكَ عَمَله يَجْرِي لَهُ \" قِيلَ يَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ لِعُثْمَانَ شَيْء عَمِلَهُ بَقِيَ لَهُ ثَوَابه جَارِيًا كَالصَّدَقَةِ , وَأَنْكَرَهُ مُغَلْطَايْ وَقَالَ : لَمْ يَكُنْ لِعُثْمَانَ بْن مَظْعُون شَيْء مِنْ الْأُمُور الثَّلَاث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" إِذَا مَاتَ اِبْن آدَم اِنْقَطَعَ عَمَله إِلَّا مِنْ ثَلَاث \". قُلْت : وَهُوَ نَفْي مَرْدُود فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ وَلَد صَالِح شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا وَهُوَ السَّائِب مَاتَ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر فَهُوَ أَحَد الثَّلَاث , وَقَدْ كَانَ عُثْمَان مِنْ الْأَغْنِيَاء فَلَا يَبْعُد أَنْ تَكُون لَهُ صَدَقَة اِسْتَمَرَّتْ بَعْدَ مَوْته , فَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن سَعْد مِنْ مُرْسَل أَبِي بُرْدَة بْن أَبِي مُوسَى قَالَ \" دَخَلَتْ اِمْرَأَة عُثْمَان بْن مَظْعُون عَلَى نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْنَ هَيْئَتهَا فَقُلْنَ : مَا لَك ؟ فَمَا فِي قُرَيْش أَغْنَى مِنْ بَعْلك , فَقَالَتْ : أَمَّا لَيْلَهُ فَقَائِمٌ \" الْحَدِيثَ وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِعَمَلِ عُثْمَان بْن مَظْعُون مُرَابَطَته فِي جِهَاد أَعْدَاء اللَّه فَإِنَّهُ مِمَّنْ يَجْرِي لَهُ عَمَله كَمَا ثَبَتَ فِي السُّنَن وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث فُضَالَة بْن عُبَيْد رَفَعَهُ \" كُلّ مَيِّت يُخْتَم عَلَى عَمَله إِلَّا الْمُرَابِط فِي سَبِيل اللَّه فَإِنَّهُ يُنَمَّى لَهُ عَمَله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَيَأْمَن مِنْ فِتْنَة الْقَبْر \" وَلَهُ شَاهِد عِنْدَ مُسْلِم وَالنَّسَائِيِّ وَالْبَزَّار مِنْ حَدِيث سَلْمَان رَفَعَهُ \" رِبَاط يَوْم وَلَيْلَة فِي سَبِيل اللَّه خَيْر مِنْ صِيَام شَهْر وَقِيَامه , وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَله الَّذِي كَانَ يَعْمَل وَأَمِنَ الْفَتَّان \" وَلَهُ شَوَاهِد أُخْرَى , فَلْيُحْمَلْ حَال عُثْمَان بْن مَظْعُون عَلَى ذَلِكَ وَيَزُول الْإِشْكَال مِنْ أَصْله. ‏"
    },
    {
        "id": "6501",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا عَلَى بِئْرٍ أَنْزِعُ مِنْهَا إِذْ جَاءَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏فَأَخَذَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏الدَّلْوَ فَنَزَعَ ‏ ‏ذَنُوبًا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏ذَنُوبَيْنِ ‏ ‏وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ثُمَّ أَخَذَهَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏مِنْ يَدِ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ ‏ ‏غَرْبًا ‏ ‏فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنْ النَّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ حَتَّى ‏ ‏ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن كَثِير ) ‏ ‏هُوَ الدَّوْرَقِيُّ وَشُعَيْب بْن حَرْب هُوَ الْمَدَائِنِيّ يُكَنَّى أَبَا صَالِح كَانَ أَصْله مِنْ بَغْدَاد فَسَكَنَ الْمَدَائِن حَتَّى نُسِبَ إِلَيْهَا ثُمَّ اِنْتَقَلَ إِلَى مَكَّةَ فَنَزَلَهَا إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا , وَكَانَ صَدُوقًا شَدِيد الْوَرَع وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْن مَعِين وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَآخَرُونَ وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الضُّعَفَاء شُعَيْب بْن حَرْب فَقَالَ مُنْكَر الْحَدِيث مَجْهُول , وَأَظُنّهُ آخَر وَافَقَ اِسْمه وَاسْم أَبِيهِ وَالْعِلْم عِنْدَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( بَيْنَا أَنَا عَلَى بِئْر أَنْزِع مِنْهَا ) ‏ ‏أَيْ أَسْتَخْرِج مِنْهَا الْمَاء بِآلَةٍ كَالدَّلْوِ. وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" رَأَيْتنِي عَلَى قَلِيب وَعَلَيْهَا دَلْو فَنَزَعْت مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّه \" وَفِي رِوَايَة هَمَّام \" رَأَيْت أَنِّي عَلَى حَوْض أَسْقِي النَّاس ) وَالْجَمْع بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَلِيب هُوَ الْبِئْر الْمَقْلُوب تُرَابهَا قَبْل الطَّي , وَالْحَوْض هُوَ الَّذِي يُجْعَل بِجَانِبِ الْبِئْر لِشُرْبِ الْإِبِل فَلَا مُنَافَاةَ. ‏ ‏قَوْله ( إِذْ جَاءَنِي أَبُو بَكْر وَعُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي يُونُس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَجَاءَنِي أَبُو بَكْر فَأَخَذَ أَبُو بَكْر الدَّلْو \" أَيْ الَّتِي كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلَأ بِهَا الْمَاء , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام الْآتِيَة بَعْدَ هَذَا \" فَأَخَذَ أَبُو بَكْر مِنِّي الدَّلْو لِيُرِيحَنِي \" وَفِي رِوَايَة أَبِي يُونُس \" لِيُرَوِّحنِي \" وَأَوَّل حَدِيث سَالِم عَنْ أَبِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه \" رَأَيْت النَّاس اِجْتَمَعُوا \" وَلَمْ يَذْكُر قِصَّة النَّزْع وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن سَالِم عَنْ أَبِيهِ \" أَرَيْت فِي النَّوْم أَنِّي أَنْزِع عَلَى قَلِيب بِدَلْوِ بَكْرَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث نَحْوه أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ. ‏ ‏قَوْله ( فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَمِثْله لِأَكْثَر الرُّوَاة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام الْمَذْكُورَة \" ذَنُوبَيْنِ \" وَلَمْ يَشُكَّ , وَمِثْله فِي رِوَايَة أَبِي يُونُس , وَالذَّنُوب بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة الدَّلْو الْمُمْتَلِئ. ‏ ‏قَوْله ( وَفِي نَزْعه ضَعْف ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِي تَأْوِيله فِي آخِرِ عَلَامَات النُّبُوَّة فِي مَنَاقِب عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( فَغَفَرَ اللَّه لَهُ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي الرِّوَايَات الْمَذْكُورَة \" وَاَللَّهُ يَغْفِر لَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أَخَذَهَا اِبْن الْخَطَّاب مِنْ يَد أَبِي بَكْر ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَلَمْ يَذْكُر مِثْله فِي أَخْذ أَبِي بَكْر الدَّلْو مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ عُمَر وَلِيَ الْخِلَافَة بِعَهْدٍ مِنْ أَبِي بَكْر إِلَيْهِ بِخِلَافِ أَبِي بَكْر فَلَمْ تَكُنْ خِلَافَته بِعَهْدٍ صَرِيح مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ وَقَعَتْ عِدَّة إِشَارَات إِلَى ذَلِكَ فِيهَا مَا يَقْرُب مِنْ الصَّرِيح. ‏ ‏قَوْله ( فَاسْتَحَالَتْ فِي يَده غَرْبًا ) ‏ ‏أَيْ تَحَوَّلَتْ الدَّلْو غَرْبًا , وَهِيَ بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدَهَا مُوَحَّدَة بِلَفْظِ مُقَابِل الشَّرْق , قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْغَرْب الدَّلْو الْعَظِيمَة الْمُتَّخَذَة مِنْ جُلُود الْبَقَر , فَإِذَا فُتِحَتْ الرَّاء فَهُوَ الْمَاء الَّذِي يَسِيل بَيْنَ الْبِئْر وَالْحَوْض. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ أَبِي عَبْد الْمَلِك الْبَوْنِيّ أَنَّ الْغَرْب كُلّ شَيْء رَفِيع , وَعَنْ الدَّاوُدِيِّ قَالَ : الْمُرَاد أَنَّ الدَّلْو أَحَالَتْ بَاطِن كَفَّيْهِ حَتَّى صَارَ أَحْمَر مِنْ كَثْرَة الِاسْتِسْقَاء , قَالَ اِبْن التِّين : وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَهْل الْعِلْم وَرَدُّوهُ عَلَى قَائِلِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطه وَبَيَانه فِي مَنَاقِب عُمَر , وَكَذَلِكَ قَوْله \" يَفْرِي فَرْيَهُ \" وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَةَ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ : قَالَ حَجَّاج قُلْت لِابْنِ جُرَيْجٍ : مَا اِسْتَحَالَ ؟ قَالَ : رَجَعَ. قُلْت : مَا الْعَبْقَرِيّ ؟ قَالَ : الْأَجِير. وَتَفْسِير الْعَبْقَرِيّ بِالْأَجِيرِ غَرِيب قَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ : عَبْقَرِيّ الْقَوْم سَيِّدهمْ وَقَوِيّهمْ وَكَبِيرهمْ. وَقَالَ الْفَارَابِيّ : الْعَبْقَرِيّ مِنْ الرِّجَال الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْء. وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيّ أَنَّ عَبْقَر مَوْضِع بِالْبَادِيَةِ , وَقِيلَ بَلَد كَانَ يُنْسَج فِيهِ الْبُسُط الْمَوْشِيَّة فَاسْتُعْمِلَ فِي كُلّ شَيْء جَيِّد وَفِي كُلّ شَيْء فَائِق. وَنَقَلَ أَبُو عُبَيْد أَنَّهَا مِنْ أَرْض الْجِنّ , وَصَارَ مَثَلًا لِكُلِّ مَا يُنْسَب إِلَى شَيْء نَفِيس. وَقَالَ الْفَرَّاء : الْعَبْقَرِيّ السَّيِّد وَكُلّ فَاخِر مِنْ حَيَوَان وَجَوْهَر , وَبِسَاط وُضِعَتْ عَلَيْهِ وَأَطْلَقُوهُ فِي كُلّ شَيْء عَظِيم فِي نَفْسه. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَقِيل الْمُشَار إِلَيْهِ \" يَنْزِع نَزْع اِبْن الْخَطَّاب \" وَفِي رِوَايَة أَبِي يُونُس \" فَلَمْ أَرَ نَزْع رَجُل قَطُّ أَقْوَى مِنْهُ \". ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى ضَرَبَ النَّاس بِعَطَنِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَآخِره نُون هُوَ مَا يُعَدّ لِلشُّرْبِ حَوْلَ الْبِئْر مِنْ مَبَارِك الْإِبِل , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" ضَرَبَ \" أَيْ ضَرَبَتْ الْإِبِل بِعَطَنِ بَرَكَتْ , وَالْعَطَن لِلْإِبِلِ كَالْوَطَنِ لِلنَّاسِ لَكِنْ غَلَبَ عَلَى مَبْرَكهَا حَوْلَ الْحَوْض. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن سَالِم عَنْ أَبِيهِ عِنْد أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة ( حَتَّى رَوَّى النَّاس وَضَرَبُوا بِعَطَنٍ ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام \" فَلَمْ يَزَلْ يَنْزَع حَتَّى تَوَلَّى النَّاس وَالْحَوْض يَتَفَجَّر \" وَفِي رِوَايَة أَبِي يُونُس \" مَلْآن يَنْفَجِر \" قَالَ الْقَاضِي عِيَاض ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْمُرَاد خِلَافَة عُمَر , وَقِيلَ هُوَ لِخِلَافَتِهِمَا مَعًا لِأَنَّ أَبَا بَكْر جَمَعَ شَمْل الْمُسْلِمِينَ أَوَّلًا بِدَفْعِ أَهْل الرِّدَّة وَابْتَدَأَتْ الْفُتُوح فِي زَمَانه , ثُمَّ عَهِدَ إِلَى عُمَر فَكَثُرَتْ فِي خِلَافَته الْفُتُوح وَاتَّسَعَ أَمْر الْإِسْلَام وَاسْتَقَرَّتْ قَوَاعِده. وَقَالَ غَيْره : مَعْنَى عِظَم الدَّلْو فِي يَد عُمَر كَوْن الْفُتُوح كَثُرَتْ فِي زَمَانه وَمَعْنَى \" اِسْتَحَالَتْ \" اِنْقَلَبَتْ عَنْ الصِّغَر إِلَى الْكِبَر. وَقَالَ النَّوَوِيّ قَالُوا هَذَا الْمَنَام مِثَال لِمَا جَرَى لِلْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ ظُهُور آثَارهمَا الصَّالِحَة وَانْتِفَاع النَّاس بِهِمَا , وَكُلّ ذَلِكَ مَأْخُوذ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ صَاحِب الْأَمْر فَقَامَ بِهِ أَكْمَل قِيَام وَقَرَّرَ قَوَاعِد الدِّين , ثُمَّ خَلَفَهُ أَبُو بَكْر فَقَاتَلَ أَهْل الرِّدَّة وَقَطَعَ دَابِرهمْ , ثُمَّ خَلَفَهُ عُمَر فَاتَّسَعَ الْإِسْلَام فِي زَمَنه , فَشَبَّهَ أَمْر الْمُسْلِمِينَ بِقَلِيبِ فِيهِ الْمَاء الَّذِي فِيهِ حَيَاتهمْ وَصَلَاحهمْ وَشَبَّهَ بِالْمُسْتَقِي لَهُمْ مِنْهَا وَسَقْيه هُوَ قِيَامه بِمَصَالِحِهِمْ , وَفِي قَوْله \" لِيُرِيحَنِي \" إِشَارَة إِلَى خِلَافَة أَبِي بَكْر بَعْدَ مَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِأَنَّ فِي الْمَوْت رَاحَة مِنْ كَدَر الدُّنْيَا وَتَعَبهَا , فَقَامَ أَبُو بَكْر بِتَدْبِيرِ أَمْر الْأُمَّة وَمُعَانَاة أَحْوَالهمْ , وَأَمَّا قَوْله وَفِي نَزْعه ضَعْف فَلَيْسَ فِيهِ حَطّ مِنْ فَضِيلَته وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَار عَنْ حَاله فِي قِصَر مُدَّة وِلَايَته , وَأَمَّا وِلَايَة عُمَر فَإِنَّهَا لَمَّا طَالَتْ كَثُرَ اِنْتِفَاع النَّاس بِهَا وَاتَّسَعَتْ دَائِرَة الْإِسْلَام بِكَثْرَةِ الْفُتُوح وَتَمْصِير الْأَمْصَار وَتَدْوِين الدَّوَاوِين , وَأَمَّا قَوْله \" وَاَللَّه يَغْفِر لَهُ \" فَلَيْسَ فِيهِ نَقْص لَهُ وَلَا إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ ذَنْب , وَإِنَّمَا هِيَ كَلِمَة كَانُوا يَقُولُونَهَا يُدَعِّمُونَ بِهَا الْكَلَام. وَفِي الْحَدِيث إِعْلَام بِخِلَافَتِهِمَا وَصِحَّة وِلَايَتهمَا وَكَثْرَة الِانْتِفَاع بِهِمَا , فَكَانَ كَمَا قَالَ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لَيْسَ الْمُرَاد بِالدَّلْوِ التَّقْدِير الدَّالّ عَلَى قِصَر الْحَظّ , بَلْ الْمُرَاد التَّمَكُّن مِنْ الْبِئْر , وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة : بِدَلْوِ بَكْرَة فِيهِ إِشَارَة إِلَى صِغَر الدَّلْو قَبْلَ أَنْ يَصِير غَرْبًا. وَأَخْرَجَ أَبُو ذَرّ الْهَرَوِيُّ فِي كِتَاب الرُّؤْيَا مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود نَحْو حَدِيث الْبَاب , لَكِنْ قَالَ فِي آخِره \" فَعَبِّرْهَا يَا أَبَا بَكْر , قَالَ : أَلِيَ الْأَمْرُ بَعْدَك وَيَلِيه بَعْدِي عُمَر. قَالَ : كَذَلِكَ عَبَرَهَا الْمُلْك \" وَفِي سَنَده أَيُّوب بْن جَابِر وَهُوَ ضَعِيف وَهَذِهِ الزِّيَادَة مُنْكَرَة , وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر بِزِيَادَةٍ فِيهِ , فَأَخْرَجَ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَاخْتَارَ الضِّيَاء مِنْ طَرِيق أَشْعَث بْن عَبْد الرَّحْمَن الْجَرْمِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَمُرَة بْن جُنْدُب \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه رَأَيْت كَأَنَّ دَلْوًا دُلِّيَ مِنْ السَّمَاء فَجَاءَ أَبُو بَكْر فَأَخَذَ بِعِرَاقَيْهَا فَشَرِبَ شُرْبًا ضَعِيفًا , ثُمَّ جَاءَ عُمَر فَأَخَذَ بِعِرَاقَيْهَا فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ , ثُمَّ جَاءَ عُثْمَان فَأَخَذَ بِعِرَاقَيْهَا فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ , ثُمَّ جَاءَ عَلِيّ فَأَخَذَ بِعِرَاقَيْهَا فَانْتُشِطَتْ وَانْتَضَحَ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْء \" وَهَذَا يُبَيِّن أَنَّ الْمُرَاد بِالنَّزْعِ الضَّعِيف وَالنَّزْع الْقَوِيّ الْفُتُوح وَالْغَنَائِم , وَقَوْله \" دُلِّيَ \" بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد اللَّام أَيْ أُرْسِلَ إِلَى أَسْفَلَ , وَقَوْله \" بِعِرَاقَيْهَا \" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْقَاف , وَالْعِرَاقَانِ خَشَبَتَانِ تُجْعَلَانِ عَلَى فَم الدَّلْو مُتَخَالِفَتَانِ لِرَبْطِ الدَّلْو. وَقَوْله \" تَضَلَّعَ \" بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة أَيْ مَلَأَ أَضْلَاعه كِنَايَة عَنْ الشِّبَع , وَقَوْله \" اُنْتُشِطَتْ \" بِضَمِّ الْمُثَنَّاة وَكَسْر الْمُعْجَمَة بَعْدَهَا طَاء مُهْمَلَة أَيْ نُزِعَتْ مِنْهُ فَاضْطَرَبَتْ وَسَقَطَ بَعْض مَا فِيهَا أَوْ كُلّه. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : حَدِيث سَمُرَة يُعَارِض حَدِيث اِبْن عُمَر وَهُمَا خَبَرَانِ. قُلْت : الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَد , فَحَدِيث اِبْن عُمَر مُصَرِّح بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الرَّائِي , وَحَدِيث سَمُرَة فِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَأَى , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي الطُّفَيْل شَاهِدًا لِحَدِيثِ اِبْن عُمَر وَزَادَ فِيهِ \" فَوَرَدَتْ عَلَيَّ غَنَم سُود وَغَنَم عُفْر \" وَقَالَ فِيهِ \" فَأَوَّلْت السُّود الْعَرَب وَالْعُفْر الْعَجَم \" وَفِي قِصَّة عُمَر \" فَمَلَأَ الْحَوْض وَأَرْوَى الْوَارِدَة \" وَمِنْ الْمُغَايَرَة بَيْنَهُمَا أَيْضًا أَنَّ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر \" نَزْع الْمَاء مِنْ الْبِئْر \" وَحَدِيث سَمُرَة فِيهِ نُزُول الْمَاء مِنْ السَّمَاء , فَهُمَا قِصَّتَانِ تَشُدّ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى , وَكَأَنَّ قِصَّة حَدِيث سَمُرَة سَابِقَة فَنَزَلَ الْمَاء مِنْ السَّمَاء وَهِيَ خِزَانَته فَأُسْكِنَ فِي الْأَرْض كَمَا يَقْتَضِيه حَدِيث سَمُرَة ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهَا بِالدَّلْوِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث اِبْن عُمَر , وَفِي حَدِيث سَمُرَة إِشَارَة إِلَى نُزُول النَّصْر مِنْ السَّمَاء عَلَى الْخُلَفَاء , وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر إِشَارَة إِلَى اِسْتِيلَائِهِمْ عَلَى كُنُوز الْأَرْض بِأَيْدِيهِمْ , وَكِلَاهُمَا ظَاهِر مِنْ الْفُتُوح الَّتِي فَتَحُوهَا. وَفِي حَدِيث سَمُرَة زِيَادَة إِشَارَة إِلَى مَا وَقَعَ لِعَلِيٍّ مِنْ الْفِتَن وَالِاخْتِلَاف عَلَيْهِ , فَإِنَّ النَّاس أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافَته ثُمَّ لَمْ يَلْبَث أَهْل الْجَمَل أَنْ خَرَجُوا عَلَيْهِ وَامْتَنَعَ مُعَاوِيَة فِي أَهْل الشَّام ثُمَّ حَارَبَهُ بِصِفِّينَ ثُمَّ غَلَبَ بَعْدَ قَلِيل عَلَى مِصْرَ , وَخَرَجَتْ الْحَرُورِيَّةُ عَلَى عَلِيّ فَلَمْ يَحْصُل لَهُ فِي أَيَّام خِلَافَته رَاحَة , فَضُرِبَ الْمَنَام الْمَذْكُور مَثَلًا لِأَحْوَالِهِمْ رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6502",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ رُؤْيَا النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ النَّاسَ اجْتَمَعُوا فَقَامَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَنَزَعَ ‏ ‏ذَنُوبًا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏ذَنُوبَيْنِ ‏ ‏وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ قَامَ ‏ ‏ابْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا ‏ ‏فَمَا رَأَيْتُ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَفْرِي فَرْيَهُ حَتَّى ‏ ‏ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر الَّذِي قَبْلَهُ وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِمَعْنَاهُ , وَزُهَيْر فِي الْحَدِيث الْأَوَّل هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة , وَقَوْله \" عَنْ رُؤْيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كَأَنَّهُ تَقَدَّمَ لِلتَّابِعِيِّ سُؤَال عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِهِ الصَّحَابِيّ , وَقَوْله \" فِي أَبِي بَكْر وَعُمَر \" أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّق بِمُدَّةِ خِلَافَتهمَا , وَقَوْله \" قَالَ رَأَيْت \" الْقَائِل هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَاكِي ذَلِكَ عَنْهُ هُوَ اِبْن عُمَر , وَقَوْله \" رَأَيْت النَّاس اِجْتَمَعُوا فَقَامَ أَبُو بَكْر \" فِيهِ اِخْتِصَار يُوَضِّحهُ مَا قَبْلَهُ , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ أَوَّلًا فَنَزَعَ مِنْ الْبِئْر ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْر , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّة فَوَائِد حَدِيثِي الْبَاب فِي الْبَاب قَبْلَهُ , وَسَعِيد فِي الْحَدِيث الثَّانِي هُوَ اِبْن الْمُسَيِّب , وَفِي الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ يَسْتَخْرِج مِنْ بِئْر مَاء أَنَّهُ يَلِي وِلَايَة جَلِيلَة وَتَكُون مُدَّته بِحَسَبِ مَا اِسْتَخْرَجَ قِلَّةً وَكَثْرَةً , وَقَدْ تُعْبَر الْبِئْر بِالْمَرْأَةِ وَمَا يَخْرُج مِنْهَا بِالْأَوْلَادِ , وَهَذَا الَّذِي اِعْتَمَدَهُ أَهْل التَّعْبِير وَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ فَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّل عَلَيْهِ , لَكِنَّهُ بِحَسَبِ حَال الَّذِي يَنْزِع الْمَاء , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6503",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ وَعَلَيْهَا دَلْوٌ فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَخَذَهَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ‏ ‏فَنَزَعَ مِنْهَا ‏ ‏ذَنُوبًا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏ذَنُوبَيْنِ ‏ ‏وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ ‏ ‏اسْتَحَالَتْ غَرْبًا ‏ ‏فَأَخَذَهَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنْ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ ‏ ‏بِعَطَنٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر الَّذِي قَبْلَهُ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة بِمَعْنَاهُ , وَزُهَيْر فِي الْحَدِيث الْأَوَّل هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة , وَقَوْله \" عَنْ رُؤْيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كَأَنَّهُ تَقَدَّمَ لِلتَّابِعِيِّ سُؤَال عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُ بِهِ الصَّحَابِيّ , وَقَوْله \" فِي أَبِي بَكْر وَعُمَر \" أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّق بِمُدَّةِ خِلَافَتهمَا , وَقَوْله \" قَالَ رَأَيْت \" الْقَائِل هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَاكِي ذَلِكَ عَنْهُ هُوَ اِبْن عُمَر , وَقَوْله \" رَأَيْت النَّاس اِجْتَمَعُوا فَقَامَ أَبُو بَكْر \" فِيهِ اِخْتِصَار يُوَضِّحهُ مَا قَبْله , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ أَوَّلًا فَنَزَعَ مِنْ الْبِئْر ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْر , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّة فَوَائِد حَدِيثَيْ الْبَاب فِي الْبَاب قَبْله , وَسَعِيد فِي الْحَدِيث الثَّانِي هُوَ اِبْن الْمُسَيِّب , وَفِي الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ يُسْتَخْرَج مِنْ بِئْر مَاء أَنَّهُ يَلِي وِلَايَة جَلِيلَة وَتَكُون مُدَّتْهُ بِحَسْب مَا اِسْتَخْرَجَ قِلَّة وَكَثْرَة , وَقَدْ تُعْبَر الْبِئْر بِالْمَرْأَةِ وَمَا يَخْرُج مِنْهَا بِالْأَوْلَادِ , وَهَذَا الَّذِي اِعْتَمَدَهُ أَهْل التَّعْبِير وَلَمْ يَعْرُجُوا عَلَى الَّذِي قَبْله فَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّل عَلَيْهِ , لَكِنَّهُ بِحَسْب حَال الَّذِي يَنْزِع الْمَاء , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6504",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ أَنِّي عَلَى حَوْضٍ أَسْقِي النَّاسَ فَأَتَانِي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَأَخَذَ الدَّلْوَ مِنْ يَدِي لِيُرِيحَنِي فَنَزَعَ ‏ ‏ذَنُوبَيْنِ ‏ ‏وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ فَأَتَى ‏ ‏ابْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَأَخَذَ مِنْهُ فَلَمْ يَزَلْ يَنْزِعُ حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ وَالْحَوْضُ يَتَفَجَّرُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي رُؤْيَاهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّلْو , وَفِيهِ \" فَأَخَذَ أَبُو بَكْر الدَّلْو لِيُرِيحَنِي , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِده فِي الَّذِي قَبْلَهُ , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ ( رَأَيْت أَنِّي عَلَى حَوْض أَسْقِي النَّاس ) ‏ ‏, كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ \" عَلَى حَوْضِي \" وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَكَأَنَّهُ كَانَ يَمْلَأ مِنْ الْبِئْر فَيَسْكُب فِي الْحَوْض وَالنَّاس يَتَنَاوَلُونَ الْمَاء لِبَهَائِمِهِمْ وَأَنْفُسهمْ , وَإِنْ كَانَتْ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ مَحْفُوظَة اِحْتَمَلَ أَنْ يُرِيد حَوْضًا لَهُ فِي الدُّنْيَا لَا حَوْضه الَّذِي فِي الْقِيَامَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6505",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ قُلْتُ لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ قَالُوا ‏ ‏لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَبَكَى ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ أَعَلَيْكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغَارُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" بَيْنَا نَحْنُ جُلُوس عِنْدَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَيْنَا أَنَا نَائِم رَأَيْتنِي فِي الْجَنَّة \" أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة عَقِيل عَنْ اِبْن شِهَاب , وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة يُونُس بْن يَزِيد عَنْ اِبْن شِهَاب بِلَفْظِ \" بَيْنَمَا أَنَا نَائِم إِذْ رَأَيْتنِي \" وَهُوَ بِضَمِّ التَّاء لِضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا اِمْرَأَة تَتَوَضَّأ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب عُمَر مَا نُقِلَ عَنْ اِبْن قُتَيْبَة وَالْخَطَّابِيّ أَنَّ قَوْله \" تَتَوَضَّأ \" تَصْحِيف وَأَنَّ الْأَصْل \" شَوْهَاء \" بِشِينٍ مُعْجَمَة مَفْتُوحَة وَوَاو سَاكِنَة ثُمَّ هَاء عِوَض الضَّاد الْمُعْجَمَة , وَاعْتَلَّ اِبْن قُتَيْبَة بِأَنَّ الْجَنَّة لَيْسَتْ دَار تَكْلِيف , ثُمَّ وَجَدْت بَعْضهمْ اِعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : وَلَيْسَ فِي الْجَنَّة شَوْهَاء , وَهَذَا الِاعْتِرَاض لَا يَرُدّ عَلَى اِبْن قُتَيْبَة لِأَنَّهُ اِدَّعَى أَنَّ الْمُرَاد بِالشَّوْهَاءِ الْحَسْنَاء كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه وَاضِحًا , قَالَ : وَالْوُضُوء لُغَوِيّ وَلَا مَانِع مِنْهُ \" وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّمَا تَوَضَّأَتْ لِتَزْدَادَ حُسْنًا وَنُورًا لَا أَنَّهَا تُزِيل وَسَخًا وَلَا قَذَرًا إِذْ الْجَنَّة مُنَزَّهَة عَنْ ذَلِكَ \". وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : تَتَوَضَّأ مِنْ الْوَضَاءَة وَهِيَ النَّظَافَة وَالْحُسْن , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ الْوُضُوء , وَلَا يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ كَوْن الْجَنَّة لَيْسَتْ دَار تَكْلِيف لِجَوَازِ أَنْ يَكُون عَلَى غَيْر وَجْه التَّكْلِيف. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ لَا يُرَاد وُقُوع الْوُضُوء مِنْهَا حَقِيقَة لِكَوْنِهِ مَنَامًا فَيَكُون مِثَالًا لِحَالَةِ الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب أَنَّهَا أُمّ سُلَيْم وَكَانَتْ فِي قَيْد الْحَيَاة حِينَئِذٍ فَرَآهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنَّة إِلَى جَانِب قَصْر عُمَر , فَيَكُون تَعْبِيره بِأَنَّهَا مِنْ أَهْل الْجَنَّة لِقَوْلِ الْجُمْهُور مِنْ أَهْل التَّعْبِير أَنَّ مَنْ رَأَى أَنَّهُ دَخَلَ الْجَنَّة أَنَّهُ يَدْخُلهَا فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الرَّائِي لِذَلِكَ أَصْدَق الْخَلْق , وَأَمَّا وُضُوءُهَا فَيُعْبَر بِنَظَافَتِهَا حِسًّا وَمَعْنًى وَطَهَارَتهَا جِسْمًا وَحُكْمًا وَأَمَّا كَوْنهَا إِلَى جَانِب قَصْر عُمَر فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا تُدْرِك خِلَافَته وَكَانَ كَذَلِكَ , وَلَا يُعَارِض هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي صِفَة الْجَنَّة مِنْ بَدْء الْخَلْق مِنْ أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء حَقّ وَالِاسْتِدْلَال عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرَةِ عُمَر لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الْمَنَام عَلَى ظَاهِره أَنْ لَا يَكُون بَعْضه يَفْتَقِر إِلَى تَعْبِير , فَإِنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء حَقّ يَعْنِي لَيْسَتْ مِنْ الْأَضْغَاث سَوَاء كَانَتْ عَلَى حَقِيقَتهَا أَوْ مِثَالًا , وَاَللَّه أَعْلَم , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث فِي الْمَنَاقِب. وَقَوْله \" أَعَلَيْك بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُول اللَّه أَغَارُ \" تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ الْمَقْلُوب لِأَنَّ الْقِيَاس أَنْ يَقُول أَعْلَيْهَا أَغَار مِنْك , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَفْظ \" عَلَيْك \" لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِأَغَارُ بَلْ التَّقْدِير مُسْتَعْلِيًا عَلَيْك أَغَار عَلَيْهَا , قَالَ : وَدَعْوَى الْقِيَاس الْمَذْكُور مَمْنُوعَة إِذْ لَا مُحْوِج إِلَى اِرْتِكَاب الْقَلْب مَعَ وُضُوح الْمَعْنَى بِدُونِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَطْلَقَ \" عَلَى \" وَأَرَادَ \" مِنْ \" كَمَا قِيلَ إِنَّ حُرُوف الْجَرّ تَتَنَاوَب , وَفِي الْحَدِيث جَوَاز ذِكْر الرَّجُل بِمَا عُلِمَ مِنْ خُلُقه كَغَيْرَةِ عُمَر , وَقَوْله \" رَجُل مِنْ قُرَيْش \" عُرِفَ مِنْ الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَنَّهُ عُمَر , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : عَلِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ عُمَر إِمَّا بِالْقَرَائِنِ وَإِمَّا بِالْوَحْيِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6506",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِقَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أَدْخُلَهُ يَا ‏ ‏ابْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏إِلَّا مَا أَعْلَمُ مِنْ غَيْرَتِكَ قَالَ وَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مُعْتَمِر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ الْبَصْرِيّ , وَعُبَيْد اللَّه بْن عُمَر هُوَ الْعُمَرِيّ الْمَدَنِيّ , وَتَقَدَّمَ حَدِيث جَابِر أَتَمّ مِنْ هَذَا وَشَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْمَنَاقِب. ‏"
    },
    {
        "id": "6507",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ فَقَالُوا ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا فَبَكَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَقَالَ عَلَيْكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغَارُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ , وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6508",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أَطُوفُ ‏ ‏بِالْكَعْبَةِ ‏ ‏فَإِذَا رَجُلٌ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏سَبْطُ ‏ ‏الشَّعَرِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ‏ ‏يَنْطُفُ ‏ ‏رَأْسُهُ مَاءً فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا ‏ ‏ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ ‏ ‏جَعْدُ ‏ ‏الرَّأْسِ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا هَذَا ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ‏ ‏ابْنُ قَطَنٍ ‏ ‏وَابْنُ قَطَنٍ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي الْمُصْطَلِقِ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏خُزَاعَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( بَيْنَا أَنَا نَائِم رَأَيْتنِي أَطُوف بِالْكَعْبَةِ... الْحَدِيث ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي ذِكْر عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَيَأْتِي شَيْء مِمَّا يَتَعَلَّق بِالرِّجَالِ فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6509",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَجْرِي ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلَهُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْعِلْمُ ‏",
        "sharh": "سَبَقَ شَرْحُهُ فِي \" بَاب اللَّبَن \" ‏"
    },
    {
        "id": "6510",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ رِجَالًا مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانُوا يَرَوْنَ الرُّؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَقُصُّونَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَقُولُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا شَاءَ اللَّهُ وَأَنَا غُلَامٌ حَدِيثُ السِّنِّ وَبَيْتِي الْمَسْجِدُ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي لَوْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ لَرَأَيْتَ مِثْلَ مَا يَرَى هَؤُلَاءِ فَلَمَّا اضْطَجَعْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ فِيَّ خَيْرًا فَأَرِنِي رُؤْيَا فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ جَاءَنِي مَلَكَانِ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِقْمَعَةٌ مِنْ حَدِيدٍ يُقْبِلَانِ بِي إِلَى جَهَنَّمَ وَأَنَا بَيْنَهُمَا أَدْعُو اللَّهَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ جَهَنَّمَ ثُمَّ ‏ ‏أُرَانِي لَقِيَنِي مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِقْمَعَةٌ مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ لَنْ ‏ ‏تُرَاعَ ‏ ‏نِعْمَ الرَّجُلُ أَنْتَ لَوْ كُنْتَ تُكْثِرُ الصَّلَاةَ فَانْطَلَقُوا بِي حَتَّى وَقَفُوا بِي عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ لَهُ قُرُونٌ كَقَرْنِ الْبِئْرِ بَيْنَ كُلِّ قَرْنَيْنِ مَلَكٌ بِيَدِهِ مِقْمَعَةٌ مِنْ حَدِيدٍ وَأَرَى فِيهَا رِجَالًا مُعَلَّقِينَ بِالسَّلَاسِلِ رُءُوسُهُمْ أَسْفَلَهُمْ عَرَفْتُ فِيهَا رِجَالًا مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَانْصَرَفُوا بِي عَنْ ذَاتِ الْيَمِينِ فَقَصَصْتُهَا عَلَى ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏فَقَصَّتْهَا ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏فَلَمْ يَزَلْ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي رُؤْيَاهُ مِنْ طَرِيقِ نَافِع عَنْهُ , وَقَدْ مَضَى شَرْحه قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ رِجَالًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى أَسْمَائِهِمْ. ‏ ‏قَوْله ( فَيَقُول فِيهَا ) ‏ ‏أَيْ يَعْبُرُهَا. ‏ ‏قَوْله ( حَدِيث السِّنّ ) ‏ ‏أَيْ صَغِيره , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" حَدَث السِّنِّ \" بِفَتْحِ الدَّال. ‏ ‏قَوْله ( وَبَيْتِي الْمَسْجِد ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يَأْوِي إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّج. ‏ ‏قَوْله ( فَاضْطَجَعْت لَيْلَةً ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" ذَاتَ لَيْلَةٍ \". ‏ ‏قَوْله ( إِذْ جَاءَنِي مَلَكَانِ ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَتهمَا. قَالَ اِبْن بَطَّال : يُؤْخَذ مِنْهُ الْجَزْم بِالشَّيْءِ وَإِنْ كَانَ أَصْله الِاسْتِدْلَال , لِأَنَّ اِبْن عُمَر اِسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا مَلَكَانِ بِأَنَّهُمَا وَقَفَاهُ عَلَى جَهَنَّم وَوَعَظَاهُ بِهَا , وَالشَّيْطَان لَا يَعِظ وَلَا يُذَكِّر الْخَيْر. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَا أَخْبَرَاهُ بِأَنَّهُمَا مَلَكَانِ , أَوْ اِعْتَمَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَصَّتْهُ عَلَيْهِ حَفْصَة فَاعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( مِقْمَعَة ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَالْجَمْع مَقَامِع وَهِيَ كَالسِّيَاطِ مِنْ حَدِيد رُءُوسهَا مُعْوَجَّة , قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْمِقْمَعَةُ كَالْمِحْجَنِ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : الْمِقْمَعَة وَالْمِقْرَعَة وَاحِدٌ. ‏ ‏قَوْله ( لَمْ تُرَعْ ) ‏ ‏أَيْ لَمْ تُفْزَع , فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَنْ تُرَاعَ \" فَعَلَى الْأَوَّل لَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ لَمْ يَقَع لَهُ فَزَع بَلْ لَمَّا كَانَ الَّذِي فَزِعَ مِنْهُ لَمْ يَسْتَمِرّ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَفْزَع , وَعَلَى الثَّانِيَة فَالْمُرَاد أَنَّك لَا رَوْع عَلَيْك بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ اِبْن بَطَّال إِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِمَا رَأَى مِنْهُ مِنْ الْفَزَع , وَوَثِقَ بِذَلِكَ مِنْهُ لِأَنَّ الْمَلَك لَا يَقُول إِلَّا حَقًّا اِنْتَهَى. وَوَقَعَ عِنْدَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم عَنْ نَافِع فَلَقِيَهُ مَلَك وَهُوَ يَرْعُد فَقَالَ لَمْ تَرُعْ وَوَقَعَ عِنْدَ كَثِير مِنْ الرُّوَاة \" لَنْ تَرُعْ \" بِحَرْفِ لَنْ مَعَ الْجَزْم , وَوَجَّهَهُ اِبْن مَالِك بِأَنَّهُ سَكَّنَ الْعَيْن لِلْوَقْفِ ثُمَّ شَبَّهَهُ بِسُكُونِ الْجَزْم فَحَذَفَ الْأَلِف قَبْلَهُ ثُمَّ أَجْرَى الْوَصْل مَجْرَى الْوَقْف , وَيَجُوز أَنْ يَكُون جَزَمَهُ بِلَنْ وَهِيَ لُغَة قَلِيلَة حَكَاهَا الْكِسَائِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب التَّهَجُّد. ‏ ‏قَوْله ( كَطَيِّ الْبِئْر لَهُ قُرُون ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَهَا \" وَقُرُون الْبِئْر جَوَانِبهَا الَّتِي تُبْنَى مِنْ حِجَارَة تُوضَع عَلَيْهَا الْخَشَبَة الَّتِي تَعَلَّقَ فِيهَا الْبَكْرَة , وَالْعَادَة أَنَّ لِكُلِّ بِئْر قَرْنَيْنِ. وَقَوْله \" وَأَرَى فِيهَا رِجَالًا مُعَلَّقِينَ \" فِي رِوَايَة سَالِم الَّتِي بَعْدَ هَذَا \" فَإِذَا فِيهَا نَاس عَرَفْت بَعْضهمْ \" قُلْت : وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق عَلَى تَسْمِيَة أَحَد مِنْهُمْ. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذَا الْحَدِيد أَنَّ بَعْض الرُّؤْيَا لَا يَحْتَاج إِلَى تَعْبِير , وَعَلَى أَنَّ مَا فُسِّرَ فِي النَّوْم فَهُوَ تَفْسِيره فِي الْيَقَظَة لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزِدْ فِي تَفْسِيرهَا عَلَى مَا فَسَّرَهَا الْمَلَك. قُلْت : يُشِير إِلَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِر الْحَدِيث \" إِنَّ عَبْد اللَّه رَجُل صَالِح \" وَقَوْل الْمَلَك قَبْلَ ذَلِكَ \" نِعْمَ الرَّجُل أَنْتَ لَوْ كُنْت تُكْثِر الصَّلَاة \" وَوَقَعَ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ أَنَّ الْمَلَك قَالَهُ لَهُ \" لَمْ تَرُعْ إِنَّك رَجُل صَالِح \" وَفِي آخِره أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" إِنَّ عَبْد اللَّه رَجُل صَالِح لَوْ كَانَ يُكْثِر الصَّلَاة مِنْ اللَّيْل \" قَالَ وَفِيهِ وُقُوع الْوَعِيد عَلَى تَرْك السُّنَن وَجَوَاز وُقُوع الْعَذَاب عَلَى ذَلِكَ قُلْت : هُوَ مَشْرُوط بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى التَّرْك رَغْبَة عَنْهَا , فَالْوَعِيد وَالتَّعْذِيب إِنَّمَا يَقَع عَلَى الْمُحَرَّم وَهُوَ التَّرْك بَقِيَ الْإِعْرَاض , قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ أَصْل التَّعْبِير مِنْ قِبَل الْأَنْبِيَاء وَلِذَلِكَ تَمَنَّى اِبْن عُمَر أَنَّهُ يَرَى رُؤْيَا فَيَعْبُرهَا لَهُ الشَّارِع لِيَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَصْلًا. قَالَ : وَقَدْ صَرَّحَ الْأَشْعَرِيّ بِأَنَّ أَصْل التَّعْبِير بِالتَّوْقِيفِ مِنْ قِبَل الْأَنْبِيَاء وَعَلَى أَلْسِنَتهمْ. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَهُوَ كَمَا قَالَ , لَكِنَّ الْوَارِد عَنْ الْأَنْبِيَاء فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَصْلًا فَلَا يَعُمّ جَمِيع الْمَرَائِي , فَلَا بُدَّ لِلْحَاذِقِ فِي هَذَا الْفَنّ أَنْ يُسْتَدَلّ بِحُسْنِ نَظَرِهِ فَيَرُدّ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ إِلَى حُكْم التَّمْثِيل وَيُحْكَم لَهُ بِحُكْمِ النِّسْبَة الصَّحِيحَة فَيُجْعَل أَصْلًا يَلْحَق بِهِ غَيْره كَمَا يَفْعَل الْفَقِيه فِي فُرُوع الْفِقْه. وَفِيهِ جَوَاز الْمَبِيت فِي الْمَسْجِد , وَمَشْرُوعِيَّة النِّيَابَة فِي قَصّ الرُّؤْيَا , وَتَأَدُّب اِبْن عُمَر مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَهَابَته لَهُ حَيْثُ لَمْ يَقُصّ رُؤْيَاهُ بِنَفْسِهِ , وَكَأَنَّهُ لَمَّا هَالَتْهُ لَمْ يُؤْثِر أَنْ يَقُصَّهَا بِنَفْسِهِ فَقَصَّهَا عَلَى أُخْته لِإِدْلَالِهِ عَلَيْهَا , وَفَضْل قِيَام اللَّيْل , وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْره وَبَسْطه فِي كِتَاب التَّهَجُّد وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6511",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ غُلَامًا شَابًّا عَزَبًا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ مَنْ رَأَى مَنَامًا قَصَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ لِي عِنْدكَ خَيْرٌ فَأَرِنِي مَنَامًا يُعَبِّرُهُ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ مَلَكَيْنِ أَتَيَانِي فَانْطَلَقَا بِي فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي لَنْ ‏ ‏تُرَاعَ ‏ ‏إِنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ فَانْطَلَقَا بِي إِلَى النَّارِ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُ بَعْضَهُمْ فَأَخَذَا بِي ذَاتَ الْيَمِينِ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ ‏ ‏لِحَفْصَةَ ‏ ‏فَزَعَمَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏أَنَّهَا قَصَّتْهَا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ مِنْ اللَّيْلِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏بَعْدَ ذَلِكَ ‏ ‏يُكْثِرُ الصَّلَاةَ مِنْ اللَّيْلِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَذْكُور قَبْلُ مِنْ طَرِيق سَالِم وَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَلِلَّهِ الْحَمْد , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَنْ أَخَذَ فِي مَنَامه إِذَا سَارَ عَلَى يَمِينه يُعْبَر لَهُ بِأَنَّهُ أَهْل الْيَمِين. وَالْعَزَب بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالزَّاي ثُمَّ مُوَحَّدَة مَنْ لَا زَوْجَة لَهُ وَيُقَال لَهُ الْأَعْزَب بِقِلَّةٍ فِي الِاسْتِعْمَال , وَقَوْله \" أَخَذَانِي \" بِالنُّونِ وَفِي رِوَايَة بِالْمُوَحَّدَةِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6512",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْعِلْمَ ‏",
        "sharh": "مَضَى شَرْحُهُ فِي \" بَاب اللَّبَن \". ‏"
    },
    {
        "id": "6513",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَرْمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُبَيْدَةَ بْنِ نَشِيطٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏سَأَلْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الَّتِي ذَكَرَ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏ذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ أَنَّهُ وُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ ‏ ‏فَفُظِعْتُهُمَا ‏ ‏وَكَرِهْتُهُمَا فَأُذِنَ لِي فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَحَدُهُمَا ‏ ‏الْعَنْسِيُّ ‏ ‏الَّذِي قَتَلَهُ ‏ ‏فَيْرُوزٌ ‏ ‏بِالْيَمَنِ ‏ ‏وَالْآخَرُ ‏ ‏مُسَيْلِمَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عُبَيْدَة ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ اِبْن نَشِيط بِنُونٍ وَمُعْجَمَة ثُمَّ مُهْمَلَة وَزْن عَظِيم وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" عَنْ أَبِي عُبَيْدَة \" جَعَلَهَا كُنْيَة وَالصَّوَاب \" اِبْن \" فَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا السَّنَد فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي فِي قِصَّة الْعَنْسِيِّ وَقَالَ فِيهِ \" عَنْ اِبْن عُبَيْدَة \" بِغَيْرِ اِخْتِلَاف , وَزَادَ فِي مَوْضِع آخَر \" اِسْمه عَبْد اللَّه \" قُلْت : وَهُوَ الرَّبَذِيُّ بِفَتْحِ الرَّاء وَالْمُوَحَّدَة بَعْدَهَا مُعْجَمَة أَخُو مُوسَى بْن عُبَيْدَة الرَّبَذِيُّ الْمُحَدِّث الْمَشْهُور بِالضَّعْفِ , وَلَيْسَ لِعَبْدِ اللَّه هَذَا فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد فِي سَنَده فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْحَرَّانِيِّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِح قَالَ \" قَالَ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ \" أُسْقِطَ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْدَة مِنْ السَّنَد هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْحَرَّانِيِّ , وَمِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن سَعْد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ عَمّه يَعْقُوب , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هَذَانِ ثِقَتَانِ رَوَيَاهُ هَكَذَا. قُلْت : لَكِنْ سَعِيد ثِقَة , وَقَدْ تَابَعَهُ عَبَّاس بْن مُحَمَّد الدُّورِيُّ عَنْ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيقه , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث فِي الْمَغَازِي وَيَأْتِي شَيْء مِنْهُ بَعْدَ أَبْوَاب. وَإِنَّ قَوْل اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" ذُكِرَ لِي \" عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ يُبَيَّن مِنْ رِوَايَة نَافِع بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُورَة هُنَاكَ أَنَّ الْمُبْهَم الْمَذْكُور أَبُو هُرَيْرَة , قَالَ الْمُهَلَّب : هَذِهِ الرُّؤْيَا لَيْسَتْ عَلَى وَجْههَا , وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ ضَرْب الْمِثْل , وَإِنَّمَا أَوَّلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّوَارَيْنِ بِالْكَذَّابَيْنِ لِأَنَّ الْكَذِب وَضْع الشَّيْء فِي غَيْر مَوْضِعه , فَلَمَّا رَأَى فِي ذِرَاعَيْهِ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَب وَلَيْسَا مِنْ لُبْسه لِأَنَّهُمَا مِنْ حِلْيَة النِّسَاء عَرَفَ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ مَنْ يَدَّعِي مَا لَيْسَ لَهُ , وَأَيْضًا فَفِي كَوْنهمَا مِنْ ذَهَب وَالذَّهَب مَنْهِيّ عَنْ لُبْسه دَلِيل عَلَى الْكَذِب , وَأَيْضًا فَالذَّهَب مُشْتَقّ مِنْ الذَّهَاب فَعُلِمَ أَنَّهُ شَيْء يَذْهَب عَنْهُ , وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالْإِذْنِ لَهُ فِي نَفْخهمَا فَطَارَا فَعُرِفَ أَنَّهُ لَا يَثْبُت لَهُمَا أَمْر وَأَنَّ كَلَامه بِالْوَحْيِ الَّذِي جَاءَ بِهِ يُزِيلهُمَا عَنْ مَوْضِعهمَا وَالنَّفْخ يَدُلّ عَلَى الْكَلَام. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَوْله فِي آخِر الْحَدِيث فَقَالَ عُبَيْد اللَّه هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ رَاوِي الْحَدِيث , وَهُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ , وَهَذَا التَّفْسِير يُوهِم أَنَّهُ مِنْ قِبَله , وَسَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عُبَيْد اللَّه لَمْ يَسْمَع ذَلِكَ مِنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَدْ ذَكَرْت خَبَر الْأَسْوَد الْعَنْسِيّ هُنَاكَ , وَذَكَرْت خَبَر مُسَيْلِمَة وَقَتْله فِي غَزْوَة أُحُد , وَشَيْئًا مِنْ خَبَره فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي أَيْضًا. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : كَانَ يُقَال لِلْأَسْوَدِ الْعَنْسِيّ ذُو الْحِمَار لِأَنَّهُ عَلَّمَ حِمَارًا إِذَا قَالَ لَهُ اُسْجُدْ يَخْفِض رَأْسه. قُلْت : فَعَلَى هَذَا هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة , وَالْمَعْرُوف أَنَّهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة بِلَفْظِ الثَّوْب الَّذِي يُخْتَمَر بِهِ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَقَّع بُطْلَان أَمْر مُسَيْلِمَة وَالْعَنْسِيّ فَأَوَّلَ الرُّؤْيَا عَلَيْهِمَا لِيَكُونَ ذَلِكَ إِخْرَاجًا لِلْمَنَامِ عَلَيْهِمَا وَدَفْعًا لِحَالِهِمَا , فَإِنَّ الرُّؤْيَا إِذَا عُبِرَتْ خَرَجَتْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِوَحْيٍ , وَالْأَوَّل أَقْوَى , كَذَا قَالَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6514",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏أُرَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا ‏ ‏الْيَمَامَةُ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏هَجَرٌ ‏ ‏فَإِذَا هِيَ ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏يَثْرِبُ ‏ ‏وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهِ خَيْرٌ فَإِذَا هُمْ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ مِنْ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بِهِ بَعْدَ يَوْمِ ‏ ‏بَدْرٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى الْمَذْكُور فِي الْبَاب أَوْرَدَهُ بِهَذَا السَّنَد بِتَمَامِهِ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , وَفَرَّقَ مِنْهُ فِي الْمَغَازِي بِهَذَا السَّنَد أَيْضًا , وَعَلَّقَ فِيهَا مِنْهُ قِطْعَة فِي الْهِجْرَة فَقَالَ \" وَقَالَ أَبُو مُوسَى \" وَذَكَرَ بَعْضه هُنَا وَبَعْضه بَعْدَ أَرْبَعَة أَبْوَاب وَلَمْ يَذْكُر بَعْضه , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة أُحُد شَرْح مَا أَوْرَدَهُ مِنْهُ فِيهَا. ‏ ‏قَوْله ( أُرَاهُ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله أَيْ أَظُنُّهُ وَقَدْ بَيَّنْت هُنَاكَ أَنَّ الْقَائِل \" أُرَاهُ \" هُوَ الْبُخَارِيّ وَأَنَّ مُسْلِمًا وَغَيْره رَوَوْهُ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ مُحَمَّد بْن الْعَلَاء شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور بِدُونِ هَذِهِ اللَّفْظَة بَلْ جَزَمُوا بِرَفْعِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَذَهَبَ وَهْلِي ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : رُوِّينَا \" وَهَلِي \" بِفَتْحِ الْهَاء وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَهْل اللُّغَة بِسُكُونِهَا تَقُول وَهَلْت بِالْفَتْحِ أَهَلُ إِذَا ذَهَبَ وَهْمك إِلَيْهِ وَأَنْتَ تُرِيد غَيْره مِثْل وَهِمْت , وَوَهِلَ يَوْهَل وَهَلًا بِالتَّحْرِيكِ إِذَا فَزِعَ , قَالَ وَلَعَلَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَة عَلَى مِثْل مَا قَالُوهُ فِي الْبَحْر بَحَر بِالتَّحْرِيكِ وَكَذَا النَّهْر وَالنَّهَر وَالشَّعْر وَالشَّعَر اِنْتَهَى. وَبِهَذَا جَزَمَ أَهْل اللُّغَة اِبْن فَارِس وَالْفَارَابِيّ وَالْجَوْهَرِيّ وَالْقَالِيّ وَابْن الْقَطَّاع , إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا \" وَأَنْتَ تُرِيد غَيْره \" وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث الْمِائَة سَنَة \" فَوَهِلَ النَّاس فِي مَقَالَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَلًا \" بِالتَّحْرِيكِ , وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَاهُ غَلِطُوا , يُقَال وَهَلَ بِفَتْحِ الْهَاء يَهِل بِكَسْرِهَا وَهْلًا بِسُكُونِهَا مِثْل ضَرَبَ يَضْرِب ضَرْبًا أَيْ غَلِطَ وَذَهَبَ وَهْمه إِلَى خِلَاف الصَّوَاب , وَأَمَّا وَهِلْت بِكَسْرِهَا أَوْهَل بِالْفَتْحِ وَهَلًا بِالتَّحْرِيكِ أَيْضًا كَحَذِرْتُ أَحْذَر حَذَرًا فَمَعْنَاهُ فَزِعْت , وَالْوَهَل بِالْفَتْحِ الْفَزَع وَضَبَطَهُ النَّوَوِيّ بِالتَّحْرِيكِ وَقَالَ الْوَهَل بِالتَّحْرِيكِ مَعْنَاهُ الْوَهْم وَالِاعْتِقَاد وَأَمَّا صَاحِب النِّهَايَة فَجَزَمَ أَنَّهُ بِالسُّكُونِ. ‏ ‏قَوْله ( أَوْ الْهَجَر ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ هُنَا بِالْأَلِفِ وَاللَّام وَوَافَقَهُ الْأَصِيلِيُّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَةَ \" أَوْ هَجَر \" بِغَيْرِ أَلِف وَلَام , وَهِيَ بَلَد قَدَّمْت بَيَانهَا فِي بَاب الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله ( وَرَأَيْت فِيهَا بَقَرًا وَاَللَّه خَيْر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر عِنْدَ أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ وَالدَّارِمِيّ مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَدَ \" حَدَّثَنَا جَابِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : رَأَيْت كَأَنِّي فِي دِرْع حَصِينَة , وَرَأَيْت بَقَرًا تُنْحَر , فَأَوَّلْت الدِّرْع الْحَصِينَة الْمَدِينَة وَأَنَّ الْبَقَر بَقَر وَاَللَّه خَيْر \" وَهَذِهِ اللَّفْظَة الْأَخِيرَة وَهِيَ بَقْر بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْقَاف مَصْدَر بَقَرَهُ يَبْقُرهُ بَقْرًا , وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهَا بِفَتْحِ النُّون وَالْفَاء وَلِهَذَا الْحَدِيث سَبَب جَاءَ بَيَانه فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا وَالنَّسَائِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَبِي الزِّنَاد عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة أُحُد وَإِشَارَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَبْرَحُوا مِنْ الْمَدِينَة , وَإِيثَارهمْ الْخُرُوج لِطَلَبِ الشَّهَادَة. وَلُبْسه اللَّأْمَة وَنَدَامَتهمْ عَلَى ذَلِكَ وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَته أَنْ يَضَعهَا حَتَّى يُقَاتِل \" وَفِيهِ \" إِنِّي رَأَيْت أَنِّي فِي دِرْع حَصِينَة \" الْحَدِيث بِنَحْوِ حَدِيث جَابِر وَأَتَمّ مِنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ وَإِلَى مَا لَهُ مِنْ شَاهِد فِي غَزْوَة أُحُد , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ قَوْل السُّهَيْلِيّ إِنَّ الْبَقَر تَعْبُر بِرِجَالٍ مُتَسَلِّحِينَ يَتَنَاطَحُونَ فِي الْقِتَال وَالْبَحْث مَعَهُ فِيهِ وَهُوَ إِنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق \" إِنِّي رَأَيْت وَاَللَّه خَيْرًا رَأَيْت بَقَرًا \" وَلَكِنَّ تَقْيِيده فِي الْحَدِيث الَّذِي ذَكَرْته الْبَقَر بِكَوْنِهَا تُنْحَر هُوَ عَلَى مَا فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيث بِأَنَّهُمْ مَنْ أُصِيبَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنْ كَانَتْ الرِّوَايَة بِسُكُونِ الْقَاف أَوْ بِالنُّونِ وَالْفَاء وَلَيْسَ مِنْ رُؤْيَة الْبَقَر الْمُتَنَاطِحَة فِي شَيْء , وَقَدْ ذَكَرَ أَهْل التَّعْبِير لِلْبَقَرِ فِي النَّوْم وُجُوهًا أُخْرَى : مِنْهَا أَنَّ الْبَقَرَة الْوَاحِدَة تُفَسَّر بِالزَّوْجَةِ وَالْمَرْأَة وَالْخَادِم وَالْأَرْض , وَالثَّوْر يُفَسَّر بِالثَّائِرِ لِكَوْنِهِ يُثِير الْأَرْض فَيَتَحَرَّك عَالِيهَا وَسَافِلهَا فَكَذَلِكَ مَنْ يَثُور فِي نَاحِيَة لِطَلَبِ مُلْك أَوْ غَيْره , وَمِنْهَا أَنَّ الْبَقَر إِذَا وَصَلَتْ إِلَى بَلَد فَإِنْ كَانَتْ بَحْرِيَّة فُسِّرَتْ بِالسُّفُنِ وَإِلَّا فَبِعَسْكَرٍ أَوْ بِأَهْلِ بَادِيَة أَوْ يُبْس يَقَع فِي تِلْكَ الْبَلَد. ‏ ‏قَوْله ( وَإِذَا الْخَيْر مَا جَاءَ اللَّه بِهِ مِنْ الْخَيْر وَثَوَاب الصِّدْق الَّذِي آتَانَا اللَّه بَعْدَ يَوْم بَدْر ) ‏ ‏الْمُرَاد بِمَا بَعْدَ بَدْر فَتْح خَيْبَر ثُمَّ مَكَّةَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة \" بَعْدُ \" بِالضَّمِّ أَيْ بَعْدَ أُحُد وَنَصْب \" يَوْم \" أَيْ مَا جَاءَ اللَّه بِهِ بَعْدَ بَدْر الثَّانِيَة مِنْ تَثْبِيت قُلُوب الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالْخَيْرِ الْغَنِيمَة , وَبَعْدُ أَيْ بَعْدَ الْخَيْر , وَالثَّوَاب وَالْخَيْر حَصَلَا فِي يَوْم بَدْر. قُلْت : وَفِي هَذَا السِّيَاق إِشْعَار بِأَنَّ قَوْله فِي الْخَبَر \" وَاَللَّه خَيْر \" مِنْ جُمْلَة الرُّؤْيَا , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ لَفْظه لَمْ يَتَحَرَّر إِيرَاده وَأَنَّ رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق هِيَ الْمُحَرَّرَة , وَأَنَّهُ رَأَى بَقَرًا وَرَأَى خَيْرًا فَأَوَّلَ الْبَقَر عَلَى مَنْ قُتِلَ مِنْ الصَّحَابَة يَوْمَ أُحُد , وَأَوَّلَ الْخَيْر عَلَى مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ ثَوَاب الصِّدْق فِي الْقِتَال وَالصَّبْر عَلَى الْجِهَاد يَوْمَ بَدْر وَمَا بَعْدَهُ إِلَى فَتْح مَكَّة , وَالْمُرَاد بِالْبَعْدِيَّةِ عَلَى هَذَا لَا يَخْتَصّ بِمَا بَيْنَ بَدْر وَأُحُد نَبَّهَ عَلَيْهِ اِبْن بَطَّال , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِبَدْرٍ بَدْر الْمَوْعِد لَا الْوَقْعَة الْمَشْهُورَة السَّابِقَة عَلَى أُحُد , فَإِنَّ بَدْر الْمَوْعِد كَانَتْ بَعْدَ أُحُد وَلَمْ يَقَع فِيهَا قِتَال وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ لَمَّا رَجَعُوا مِنْ أُحُد قَالُوا : مَوْعِدكُمْ الْعَام الْمُقْبِل بَدْر , فَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ اُنْتُدِبَ مَعَهُ إِلَى بَدْر فَلَمْ يَحْضُر الْمُشْرِكُونَ فَسُمِّيَتْ بَدْر الْمَوْعِد , فَأَشَارَ بِالصِّدْقِ إِلَى أَنَّهُمْ صَدَقُوا الْوَعْد وَلَمْ يُخْلِفُوهُ فَأَثَابَهُمْ اللَّه تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ بِمَا فَتَحَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قُرَيْظَةَ وَخَيْبَرَ وَمَا بَعْدَهَا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6515",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُوتِيتُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا صَاحِبَ ‏ ‏صَنْعَاءَ ‏ ‏وَصَاحِبَ ‏ ‏الْيَمَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( حَدَّثَنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنَا \". ‏ ‏قَوْله ( إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِيُّ ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهْوَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : نَحْنُ الْآخَرُونَ السَّابِقُونَ. وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَا أَنَا نَائِم ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَى هَذَا الصَّنِيع فِي أَوَائِل كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور , وَأَنَّ نُسْخَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة كَانَتْ عِنْدَ إِسْحَاق بِهَذَا السَّنَد وَأَوَّل حَدِيث فِيهَا حَدِيث ( نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ ) الْحَدِيث فِي الْجُمُعَة وَبَقِيَّة أَحَادِيث النُّسْخَة مَعْطُوفَة عَلَيْهِ بِلَفْظِ \" وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَكَانَ إِسْحَاق إِذَا أَرَادَ التَّحْدِيث بِشَيْءٍ مِنْهَا بَدَأَ بِطَرَفٍ مِنْ الْحَدِيث الْأَوَّل وَعَطَفَ عَلَيْهِ مَا يُرِيد , وَلَمْ يَطَّرِد هَذَا الصَّنِيع لِلْبُخَارِيِّ فِي هَذِهِ النُّسْخَة , وَأَمَّا مُسْلِم فَاطَّرَدَ صَنِيعه فِي ذَلِكَ كَمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ هُنَاكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث فِي \" بَاب وَفْد بَنِي حَنِيفَة \" فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي عَنْ إِسْحَاق بْن نَصْر عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِهَذَا الْإِسْنَاد , لَكِنْ قَالَ فِي رِوَايَته عَنْ هَمَّام \" أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة \" وَلَمْ يَبْدَأ فِيهِ إِسْحَاق بْن نَصْر بِقَوْلِهِ \" نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ \" وَذَلِكَ مِمَّا يُؤَيِّد مَا قَرَّرْته , وَيُعَكِّر عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَة أَوَّل حَدِيث الْبَاب وَتَكَلُّف ‏ ‏قَوْله ( إِذْ أُتِيت خَزَائِن الْأَرْض ) ‏ ‏كَذَا وَجَدْته فِي نُسْخَة مُعْتَمَدَة مِنْ طَرِيق أَبِي ذَرّ مِنْ الْإِتْيَان بِمَعْنَى الْمَجِيء وَبِحَذْفِ الْبَاء مِنْ خَزَائِن وَهِيَ مُقَدَّرَة , وَعِنْدَ غَيْره \" أُوتِيَتْ \" بِزِيَادَةِ وَاو مِنْ الْإِيتَاء بِمَعْنَى الْإِعْطَاء , وَلَا إِشْكَال فِي حَذْف الْبَاء عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة , وَلِبَعْضِهِمْ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِإِثْبَاتِ الْبَاء وَهِيَ رِوَايَة أَحْمَد وَإِسْحَاق بْن نَصْر عَنْ عَبْد الرَّزَّاق. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُرَاد بِخَزَائِن الْأَرْض مَا فُتِحَ عَلَى الْأُمَّة مِنْ الْغَنَائِم مِنْ ذَخَائِر كِسْرَى وَقَيْصَر وَغَيْرهمَا , وَيَحْتَمِل مَعَادِن الْأَرْض الَّتِي فِيهَا الذَّهَب وَالْفِضَّة , قَالَ غَيْره : بَلْ يُحْمَل عَلَى أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( فَوَضَعَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَثَانِيه , وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن نَصْر بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيه. ‏ ‏قَوْله ( فِي يَدَيَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن نَصْر \" فِي كَفِّي \". ‏ ‏قَوْله ( سِوَارَيْنِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن نَصْر \" سِوَارَانِ \" وَلَا إِشْكَال فِيهَا وَشَرَحَ اِبْن التِّين هُنَا عَلَى لَفْظ \" وُضِعَ \" بِالضَّمِّ \" وَسِوَارَيْنِ \" بِالنَّصْبِ وَتَكَلَّفَ لِتَخْرِيجِ ذَلِكَ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" رَأَيْت فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَب \" وَأَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ رِوَايَة سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْله وَزَادَ \" فِي الْمَنَام \" وَالسِّوَار بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَيَجُوز ضَمّهَا وَفِيهِ لُغَة ثَالِثَة أُسْوَارٌ بِضَمِّ الْهَمْزَة أَوَّله. ‏ ‏قَوْله ( فَكَبُرَ عَلِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن نَصْر \" فَكَبُرَا \" بِالتَّثْنِيَةِ وَالْبَاء الْمُوَحَّدَة مَضْمُومَة بِمَعْنَى الْعِظَم , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَإِنَّمَا عَظُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِ الذَّهَب مِنْ حِلْيَة النِّسَاء وَمِمَّا حَرُمَ عَلَى الرِّجَالِ. ‏ ‏قَوْله ( فَأُوحِيَ إِلَيَّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي حَدِيث إِسْحَاق بْن نَصْر \" فَأَوْحَى اللَّه إِلَيَّ \" وَهَذَا الْوَحْي يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ وَحْي الْإِلْهَام أَوْ عَلَى لِسَان الْمَلَك قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ. ‏ ‏قَوْله ( فَنَفَخْتهمَا ) ‏ ‏زَادَ إِسْحَاق بْن نَصْر \" فَذَهَبَا \" وَفِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس الْمَاضِيَة قَرِيبًا \" فَطَارَا \" وَكَذَا فِي رِوَايَة الْمَقْبُرِيِّ وَزَادَ \" فَوَقَعَ وَاحِد بِالْيَمَامَةِ وَالْآخَر بِالْيَمَنِ \" وَفِي ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى حَقَارَة أَمْرهمَا لِأَنَّ شَأْن الَّذِي يُنْفَخ فَيَذْهَب بِالنَّفْخِ أَنْ يَكُون فِي غَايَة الْحَقَارَة , وَرَدَّهُ اِبْن الْعَرَبِيّ بِأَنَّ أَمْرهمَا كَانَ فِي غَايَة الشِّدَّة وَلَمْ يَنْزِل بِالْمُسْلِمِينَ قَبْلَهُ مِثْله. قُلْت : وَهُوَ كَذَلِكَ , لَكِنَّ الْإِشَارَة إِنَّمَا هِيَ لِلْحَقَارَةِ الْمَعْنَوِيَّة لَا الْحِسِّيَّة , وَفِي طَيَرَانهمَا إِشَارَة إِلَى اِضْمِحْلَال أَمْرهمَا كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَوَّلْتهُمَا الْكَذَّابَيْنِ ) ‏ ‏قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : لَمَّا كَانَ رُؤْيَا السِّوَارَيْنِ فِي الْيَدَيْنِ جَمِيعًا مِنْ الْجِهَتَيْنِ وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُمَا فَتَأَوَّلَ السِّوَارَيْنِ عَلَيْهِمَا لَوَضَعَهُمَا فِي غَيْر مَوْضِعهمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حِلْيَة الرِّجَال وَكَذَلِكَ الْكَذَّاب يَضَع الْخَبَر فِي غَيْر مَوْضِعه , وَفِي كَوْنهمَا مِنْ ذَهَب إِشْعَار بِذَهَابِ أَمْرهمَا. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : السِّوَار مِنْ حُلِيّ الْمُلُوك الْكُفَّار كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ( فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ ) وَالْيَد لَهَا مَعَانٍ مِنْهَا الْقُوَّة وَالسُّلْطَان وَالْقَهْر , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ضَرَبَ الْمَثَل بِالسِّوَارِ كِنَايَة عَنْ الْأَسْوَار وَهُوَ مِنْ أَسَامِي مُلُوك الْفُرْس , قَالَ : وَكَثِيرًا مَا يُضْرَب الْمِثْل بِحَذْفِ بَعْض الْحُرُوف. قُلْت : وَقَدْ ثَبَتَ بِزِيَادَةِ الْأَلِف فِي بَعْض طُرُقه كَمَا بَيَّنْته. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" مَا مُلَخَّصه : مُنَاسَبَة هَذَا التَّأْوِيل لِهَذِهِ الرُّؤْيَا أَنَّ أَهْل صَنْعَاء وَأَهْل الْيَمَامَة كَانُوا أَسْلَمُوا فَكَانُوا كَالسَّاعِدَيْنِ لِلْإِسْلَامِ فَلَمَّا ظَهَرَ فِيهِمَا الْكَذَّابَانِ وَبَهْرَجَا عَلَى أَهْلهمَا بِزُخْرُفِ أَقْوَالهمَا وَدَعْوَاهُمَا الْبَاطِلَة اِنْخَدَعَ أَكْثَرهمْ بِذَلِكَ فَكَانَ الْيَدَانِ بِمَنْزِلَةِ الْبَلَدَيْنِ وَالسِّوَارَانِ بِمَنْزِلَةِ الْكَذَّابَيْنِ , وَكَوْنهمَا مِنْ ذَهَب إِشَارَة إِلَى مَا زُخْرُفَاهُ وَالزُّخْرُف مِنْ أَسْمَاء الذَّهَب. ‏ ‏قَوْله ( اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا ) ‏ ‏ظَاهِر فِي أَنَّهُمَا كَانَا حِينَ قَصَّ الرُّؤْيَا مَوْجُودَيْنِ , وَهُوَ كَذَلِكَ , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس \" يَخْرُجَانِ بَعْدِي \" وَالْجَمْع بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرَاد بِخُرُوجِهِمَا بَعْدَهُ ظُهُور شَوْكَتهمَا وَمُحَارَبَتهمَا وَدَعْوَاهُمَا النُّبُوَّة نَقَلَهُ النَّوَوِيّ عَنْ الْعُلَمَاء وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ ذَلِكَ كُلّه ظَهَرَ لِلْأَسْوَدِ بِصَنْعَاءَ فِي حَيَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَادَّعَى النُّبُوَّة وَعَظُمَتْ شَوْكَته وَحَارَبَ الْمُسْلِمِينَ وَفَتَكَ فِيهِمْ وَغَلَبَ عَلَى الْبَلَد وَآلَ أَمْره إِلَى أَنْ قُتِلَ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَدَّمْت ذَلِكَ وَاضِحًا فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي , وَأَمَّا مُسَيْلِمَة فَكَانَ اِدَّعَى النُّبُوَّة فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنْ لَمْ تَعْظُم شَوْكَته وَلَمْ تَقَع مُحَارَبَته إِلَّا فِي عَهْد أَبِي بَكْر , فَإِمَّا أَنْ يُحْمَل ذَلِكَ عَلَى التَّغْلِيب وَإِمَّا أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" بَعْدِي \" أَيْ بَعْدَ نُبُوَّتِي. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَا تَأَوَّلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السِّوَارَيْنِ بِوَحْيٍ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَفَاءَلَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمَا دَفْعًا لِحَالِهِمَا فَأَخْرَجَ الْمَنَام الْمَذْكُور عَلَيْهِمَا , لِأَنَّ الرُّؤْيَا إِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ مُرْسَل الْحَسَن رَفَعَهُ \" رَأَيْت كَأَنَّ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَب فَكَرِهْتهمَا فَذَهَبَا كَسْرَى وَقَيْصَر \" وَهَذَا إِنْ كَانَ الْحَسَن أَخَذَهُ عَنْ ثَبْت فَظَاهِره يُعَارِض التَّفْسِير بِمُسَيْلِمَةَ وَالْأَسْوَد , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَعَدَّدَا وَالتَّفْسِير مِنْ قِبَلِهِ بِحَسَبِ مَا ظَنَّهُ أَدْرَجَ فِي الْخَبَر فَالْمُعْتَمَد مَا ثَبَتَ مَرْفُوعًا أَنَّهُمَا مُسَيْلِمَة وَالْأَسْوَد. ‏"
    },
    {
        "id": "6516",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَبْدُ الْحَمِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ كَأَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏حَتَّى قَامَتْ ‏ ‏بِمَهْيَعَةَ ‏ ‏وَهِيَ ‏ ‏الْجُحْفَةُ ‏ ‏فَأَوَّلْتُ أَنَّ وَبَاءَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏نُقِلَ إِلَيْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي أَخِي عَبْد الْحَمِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس وَاسْم أَبِي أُوَيْس عَبْد اللَّه ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي أُوَيْس وَهُوَ عَبْد الْحَمِيد الْمَذْكُور حَدَّثَنَا سُلَيْمَان وَهُوَ اِبْن بِلَال الْمَذْكُور وَهُوَ مَذْكُور بَعْدَ بَاب. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة فُضَيْل بْن سُلَيْمَان فِي الْبَاب بَعْدَهُ \" حَدَّثَنِي سَالِم بْن عَبْد اللَّه عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : رَأَيْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة فُضَيْل فِي رُؤْيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فِي الْمَدِينَة \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ وَيَعْقُوب بْن عَبْد الرَّحْمَن كِلَاهُمَا عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَةَ مِثْله قَالَ \" فِي وَبَاء الْمَدِينَة \". ‏ ‏قَوْله ( رَأَيْت ) فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُخْتَارِ عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَةَ \" لَقَدْ رَأَيْت \". ‏ ‏قَوْله ( كَأَنَّ اِمْرَأَة سَوْدَاء ثَائِرَة الرَّأْس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَةَ عِنْدَ أَحْمَد وَأَبِي نُعَيْم \" ثَائِرَة الشَّعْر \" وَالْمُرَاد شَعْر الرَّأْس وَزَادَ \" تَفِلَة \" بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَكَسْر الْفَاء بَعْدَهَا لَام أَيْ كَرِيهَة الرَّائِحَة. ‏ ‏قَوْله ( خَرَجَتْ ) ‏ ‏كَذَا فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي الزِّنَاد \" أُخْرِجَتْ \" بِزِيَادَةِ هَمْزَة مَضْمُومَة أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ وَلَفْظه \" أُخْرِجَتْ مِنْ الْمَدِينَة فَأُسْكِنَتْ بِالْجُحْفَةِ \" وَهُوَ الْمُوَافِق لِلتَّرْجَمَةِ , وَظَاهِر التَّرْجَمَة أَنَّ فَاعِل الْإِخْرَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَأَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ دَعَا بِهِ , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِر فَضْل الْمَدِينَة فِي آخِر كِتَاب الْحَجّ مِنْ حَدِيث عَائِشَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَة \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَة \" قَالَتْ عَائِشَة \" وَقَدِمْنَا الْمَدِينَة وَهِيَ أَوَبَأ أَرْض اللَّه \". ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةٍ وَهِيَ الْجُحْفَة ) ‏ ‏أَمَّا مَهْيَعَة فَبِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْهَاء بَعْدهَا يَاء آخِر الْحُرُوف مَفْتُوحَة ثُمَّ عَيْن مُهْمَلَة وَقِيلَ بِوَزْنِ عَظِيمَة , وَأَظُنّ قَوْله وَهِيَ الْجُحْفَة مُدْرَجًا مِنْ قَوْل مُوسَى بْن عُقْبَةَ فَإِنَّ أَكْثَر الرِّوَايَات خَلَا عَنْ هَذِهِ الزِّيَادَة وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان وَابْن جُرَيْجٍ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ \" حَتَّى قَامَتْ بِالْمَهْيَعَةِ \" قَالَ اِبْن التِّين : ظَاهِر كَلَام الْجَوْهَرِيّ أَنَّ مَهْيَعَة تُصْرَف لِأَنَّهُ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْأَلِف وَاللَّام , ثُمَّ قَالَ : إِلَّا أَنْ يَكُون أَدْخَلَهُمَا لِلتَّعْظِيمِ وَفِيهِ بُعْدٌ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَوَّلْت أَنَّهُ وَبَاء الْمَدِينَة نُقِلَ إِلَيْهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ \" فَأَوَّلْتهَا وَبَاء الْمَدِينَة يُنْقَل إِلَى الْجُحْفَة \" قَالَ الْمُهَلَّب : هَذِهِ الرُّؤْيَا مِنْ قِسْم الرُّؤْيَا الْمُعْبَرَة وَهِيَ مِمَّا ضُرِبَ بِهِ الْمَثَل , وَوَجْه التَّمْثِيل أَنَّهُ شُقَّ مِنْ اِسْم السَّوْدَاء السُّوء وَالدَّاء فَتَأَوَّلَ خُرُوجهَا بِمَا جَمَعَ اِسْمهَا , وَتَأَوَّلَ مِنْ ثَوَرَان شَعْر رَأْسهَا أَنَّ الَّذِي يَسُوء وَيُثِير الشَّرّ يَخْرُج مِنْ الْمَدِينَة , وَقِيلَ لِأَنَّ ثَوَرَان الشَّعْر مِنْ اِقْشِعْرَار الْجَسَد وَمَعْنَى الِاقْشِعْرَار الِاسْتِيحَاش فَلِذَلِكَ يَخْرُج مَا تَسْتَوْحِش النُّفُوس مِنْهُ كَالْحُمَّى. قُلْت : وَكَأَنَّ مُرَاده بِالِاسْتِيحَاشِ أَنَّ رُؤْيَته مُوحِشَة , وَإِلَّا فَالِاقْشِعْرَار فِي اللُّغَة تَجَمُّع الشَّعْر وَتَقَبُّضه , وَكُلّ شَيْء تَغَيَّرَ عَنْ هَيْئَته يُقَال اِقْشَعَرَّ كَاقْشَعَرَّتْ الْأَرْض بِالْجَدْبِ وَالنَّبَات مِنْ الْعَطَش , وَقَدْ قَالَ الْقَيْرَاوَنِيّ الْمُعَبَّر : كُلّ شَيْء غَلَبَتْ عَلَيْهِ السَّوْدَاء فِي أَكْثَر وُجُوههَا فَهُوَ مَكْرُوه , وَقَالَ غَيْره : ثَوَرَان الرَّأْس يُؤَوَّل بِالْحُمَّى لِأَنَّهَا تُثِير الْبَدَن بِالِاقْشِعْرَارِ وَارْتِفَاع الرَّأْس لَا سِيَّمَا مِنْ السَّوْدَاء فَإِنَّهَا أَكْثَر اِسْتِيحَاشًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6517",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏رَأَيْتُ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏حَتَّى نَزَلَتْ ‏ ‏بِمَهْيَعَةَ ‏ ‏فَتَأَوَّلْتُهَا أَنَّ وَبَاءَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏نُقِلَ إِلَى ‏ ‏مَهْيَعَةَ ‏ ‏وَهِيَ ‏ ‏الْجُحْفَةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله فِيهِ \" فَتَأَوَّلْتهَا \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَأَوَّلْتهَا \". ‏ ‏قَوْله ( رَأَيْت ) ‏ ‏حُذِفَ مِنْهُ قَالَ خَطَأ وَالتَّقْدِير قَالَ رَأَيْت وَثَبَتَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ الْمُقَدَّمِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ وَلَفْظه عَنْ رُؤْيَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَة \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَيْت إِلَخْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6518",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏حَتَّى قَامَتْ ‏ ‏بِمَهْيَعَةَ ‏ ‏فَأَوَّلْتُ أَنَّ وَبَاءَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏نُقِلَ إِلَى ‏ ‏مَهْيَعَةَ ‏ ‏وَهِيَ ‏ ‏الْجُحْفَةُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6519",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏أُرَاهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث أَبِي مُوسَى أَرَاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" ‏ ‏رَأَيْت فِي رُؤْيَايَ أَنِّي هَزَزْت سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْره \" الْحَدِيث بِهَذِهِ الْقِصَّة , وَهُوَ طَرَف مِنْ حَدِيثه الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة بِكَمَالِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْقَدْر الْمَذْكُور مِنْهُ هُنَا فِي غَزْوَة أُحُد وَذَكَرْت بَعْض شَرْحه هُنَاكَ , وَقَوْله فِيهِ \" ثُمَّ هَزَزْته أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَن مَا كَانَ فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّه بِهِ مِنْ الْفَتْح وَاجْتِمَاع الْمُؤْمِنِينَ \" قَالَ الْمُهَلَّب : هَذِهِ الرُّؤْيَا مِنْ ضَرْب الْمَثَل , وَلَمَّا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُول بِالصَّحَابَةِ عَبَّرَ عَنْ السَّيْف بِهِمْ وَبِهَزِّهِ عَنْ أَمْره لَهُمْ بِالْحَرْبِ وَعَنْ الْقَطْع فِيهِ بِالْقَتْلِ فِيهِمْ وَفِي الْهَزَّة الْأُخْرَى لَمَّا عَادَ إِلَى حَالَته مِنْ الِاسْتِوَاء عَبَّرَ بِهِ عَنْ اِجْتِمَاعهمْ وَالْفَتْح عَلَيْهِمْ , وَلِأَهْلِ التَّعْبِير فِي السَّيْف تَصَرُّف عَلَى أَوْجُه مِنْهَا أَنَّ مَنْ نَالَ سَيْفًا فَإِنَّهُ يَنَال سُلْطَانًا إِمَّا وِلَايَة وَإِمَّا وَدِيعَة وَإِمَّا زَوْجَة وَإِمَّا وَلَدًا فَإِنْ سَلَّهُ مِنْ غِمْده فَانْثَلَمَ سَلِمَتْ زَوْجَته وَأُصِيبَ وَلَده , فَإِنْ اِنْكَسَرَ الْغِمْد وَسَلِمَ السَّيْف فَبِالْعَكْسِ , وَإِنْ سَلِمَا أَوْ عَطِبَا فَكَذَلِكَ , وَقَائِم السَّيْف يَتَعَلَّق بِالْأَبِ وَالْعَصَبَات وَنَصْله بِالْأُمِّ وَذَوِي الرَّحِم , وَإِنْ جَرَّدَ السَّيْف وَأَرَادَ قَتْل شَخْص فَهُوَ لِسَانه يُجَرِّدهُ فِي خُصُومه , وَرُبَّمَا عُبِّرَ السَّيْف بِسُلْطَانٍ جَائِر اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ بَعْضهمْ : مَنْ رَأَى أَنَّهُ أَغْمَدَ السَّيْف فَإِنَّهُ يَتَزَوَّج , أَوْ ضَرَبَ شَخْصًا بِسَيْفٍ فَإِنَّهُ يَبْسُط لِسَانه فِيهِ , وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُقَاتِل آخَر وَسَيْفه أَطْوَل مِنْ سَيْفه فَإِنَّهُ يَغْلِبهُ , وَمَنْ رَأَى سَيْفًا عَظِيمًا فَهِيَ فِتْنَة , وَمَنْ قُلِّدَ سَيْفًا قُلِّدَ أَمْرًا , فَإِنْ كَانَ قَصِيرًا لَمْ يَدُمْ أَمْره. وَإِنْ رَأَى أَنَّهُ يَجُرّ حَمَائِله فَإِنَّهُ يَعْجِز عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6520",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ وَمَنْ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنِهِ ‏ ‏الْآنُكُ ‏ ‏يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا وَلَيْسَ بِنَافِخٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَصَلَهُ لَنا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَوْلَهُ ‏ ‏مَنْ كَذَبَ فِي رُؤْيَاهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَوْلَهُ ‏ ‏مَنْ صَوَّرَ صُورَةً وَمَنْ تَحَلَّمَ وَمَنْ اسْتَمَعَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ اسْتَمَعَ وَمَنْ تَحَلَّمَ وَمَنْ صَوَّرَ نَحْوَهُ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَوْلَهُ ‏",
        "sharh": "الْحَدِيث ذَكَرَ لَهُ طُرُقًا مَرْفُوعَةً وَمَوْقُوفَة عَنْ اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَيُّوب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا أَيُّوب \" وَقَدْ وَقَعَ فِي الْأَصْل مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَوْله فِي آخِرِهِ \" قَالَ سُفْيَان وَصَلَهُ لَنَا أَيُّوبُ \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عَبَّاس ) ‏ ‏ذَكَرَ الْمُصَنِّف الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى عِكْرِمَة هَلْ هُوَ عَنْ اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا أَوْ مَوْقُوفًا أَوْ هُوَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ تَحَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ مَنْ تَكَلَّفَ الْحُلْم. ‏ ‏قَوْله ( بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِد بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبَّاد بْن عَبَّاد عَنْ أَيُّوب عِنْدَ أَحْمَد \" عُذِّبَ حَتَّى يَعْقِد بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَيْسَ عَاقِدًا \" وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ \" مَنْ تَحَلَّمَ كَاذِبًا دُفِعَ إِلَيْهِ شَعِيرَة وَعُذِّبَ حَتَّى يَعْقِد بَيْنَ طَرَفَيْهَا وَلَيْسَ بِعَاقِدٍ \" وَهَذَا مِمَّا يَدُلّ أَنَّ الْحَدِيث عِنْدَ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَعًا لِاخْتِلَافِ لَفْظ الرِّوَايَة عَنْهُ عَنْهُمَا , وَالْمُرَاد بِالتَّكَلُّفِ نَوْع مِنْ التَّعْذِيب. ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ اِسْتَمَعَ إِلَى حَدِيث قَوْم وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبَّاد بْن عَبَّاد \" وَهُمْ يَفِرُّونَ مِنْهُ \" وَلَمْ يَشُكّ. ‏ ‏قَوْله ( صُبَّ فِي أُذُنه الْآنُك يَوْمَ الْقِيَامَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبَّاد \" صُبَّ فِي أُذُنه يَوْمَ الْقِيَامَة عَذَاب \" وَفِي رِوَايَة هَمَّام \" وَمَنْ اِسْتَمَعَ إِلَى حَدِيث قَوْم وَلَا يُعْجِبهُمْ أَنْ يَسْتَمِع حَدِيثهمْ أُذِيبَ فِي أُذُنه الْآنُك \". ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ صَوَّرَ صُورَة عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخ فِيهَا وَلَيْسَ بِنَافِخٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبَّاد وَكَذَا فِي رِوَايَة هَمَّام \" وَمَنْ صَوَّرَ صُورَة عُذِّبَ يَوْمَ الْقِيَامَة حَتَّى يَنْفُخ فِيهَا الرُّوح وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا ) وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ اِشْتَمَلَ عَلَى ثَلَاثَة أَحْكَام : أَوَّلهَا الْكَذِب عَلَى الْمَنَام , ثَانِيهَا الِاسْتِمَاع لِحَدِيثِ مَنْ لَا يُرِيد اِسْتِمَاعه , ثَالِثهَا التَّصْوِير , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر اللِّبَاس مِنْ طَرِيق النَّضْر بْن أَنَس عَنْ اِبْن عَبَّاس حَدِيث \" مَنْ صَوَّرَ صُورَة \" وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ. وَأَمَّا الْكَذِب عَلَى الْمَنَام فَقَالَ الطَّبَرِيُّ : إِنَّمَا اِشْتَدَّ فِيهِ الْوَعِيد مِنْ أَنَّ الْكَذِب فِي الْيَقَظَة قَدْ يَكُون أَشَدّ مَفْسَدَةً مِنْهُ إِذْ قَدْ تَكُون شَهَادَة فِي قَتْل أَوْ حَدّ أَوْ أَخْذ مَال , لِأَنَّ الْكَذِب فِي الْمَنَام كَذِب عَلَى اللَّه أَنَّهُ أَرَاهُ مَا لَمْ يَرَهُ , وَالْكَذِب عَلَى اللَّه أَشَدّ مِنْ الْكَذِب عَلَى الْمَخْلُوقِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَيَقُول الْأَشْهَاد هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبّهمْ ) الْآيَة , وَإِنَّمَا كَانَ الْكَذِب فِي الْمَنَام كَذِبًا عَلَى اللَّه لِحَدِيثِ \" الرُّؤْيَا جُزْء مِنْ النُّبُوَّة \" وَمَا كَانَ مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة فَهُوَ مِنْ قِبَل اللَّه تَعَالَى اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَاب قَبْل \" بَاب ذِكْر أَسْلَم وَغِفَار , شَيْء مِنْ هَذَا فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث وَاثِلَة الْآتِي التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب , وَقَالَ الْمُلَهَّب فِي قَوْله ( كُلِّفَ أَنْ يَعْقِد بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ ) حُجَّة لِلْأَشْعَرِيَّةِ فِي تَجْوِيزهمْ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق , وَمِثْله فِي قَوْله تَعَالَى ( يَوْمَ يُكْشَف عَنْ سَاق وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا ) أَوْ حَمَلُوهُ عَلَى أُمُور الدُّنْيَا وَحَمَلُوا الْآيَة وَالْحَدِيث الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى أُمُور الْآخِرَة اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَالْمَسْأَلَة مَشْهُورَة فَلَا نُطِيل بِهَا. وَالْحَقّ أَنَّ التَّكْلِيف الْمَذْكُور فِي قَوْله \" كُلِّفَ أَنْ يَعْقِد \" لَيْسَ هُوَ التَّكْلِيف الْمُصْطَلَح وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَة عَنْ التَّعْذِيب كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا التَّكْلِيف الْمُسْتَفَاد مِنْ الْأَمْر بِالسُّجُودِ فَالْأَمْر فِيهِ عَلَى سَبِيل التَّعْجِيز وَالتَّوْبِيخ لِكَوْنِهِمْ أُمِرُوا بِالسُّجُودِ فِي الدُّنْيَا وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى ذَلِكَ فَامْتَنَعُوا فَأُمِرُوا بِهِ حَيْثُ لَا قُدْرَة لَهُمْ عَلَيْهِ تَعْجِيزًا وَتَوْبِيخًا وَتَعْذِيبًا. وَأَمَّا الِاسْتِمَاع فَتَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي الِاسْتِئْذَان فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث \" لَا يَتَنَاجَى اِثْنَانِ دُونَ ثَالِث \" وَقَدْ قُيِّدَ ذَلِكَ فِي حَدِيث الْبَاب لِمَنْ يَكُون كَارِهًا لِاسْتِمَاعِهِ فَأَخْرَجَ مَنْ يَكُون رَاضِيًا , وَأَمَّا مَنْ جَهِلَ ذَلِكَ فَيَمْتَنِع حَسْمًا لِلْمَادَّةِ. وَأَمَّا الْوَعِيد عَلَى ذَلِكَ بِصَبِّ الْآنُك فِي أُذُنه فَمِنْ الْجَزَاء مِنْ جِنْس الْعَمَل. وَالْآنُك بِالْمَدِّ وَضَمّ النُّون بَعْدَهَا كَاف الرَّصَاص الْمُذَاب , وَقِيلَ هُوَ الْخَالِص الرَّصَاص. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : هُوَ الْقَصْدِير. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة إِنَّمَا سَمَّاهُ حُلْمًا وَلَمْ يُسَمِّهِ رُؤْيَا لِأَنَّهُ اِدَّعَى أَنَّهُ رَأَى وَلَمْ يَرَ شَيْئًا فَكَانَ كَاذِبًا وَالْكَذِب إِنَّمَا هُوَ مِنْ الشَّيْطَان , وَقَدْ قَالَ : إِنَّ الْحُلْم مِنْ الشَّيْطَان كَمَا مَضَى فِي حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ , وَمَا كَانَ مِنْ الشَّيْطَان فَهُوَ غَيْر حَقّ فَصَدَّقَ بَعْض الْحَدِيث بَعْضًا. قَالَ : وَمَعْنَى الْعَقْد بَيْنَ الشَّعِيرَتَيْنِ أَنْ يَفْتِل إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى , وَهُوَ مِمَّا لَا يُمْكِن عَادَةً , قَالَ : وَمُنَاسَبَة الْوَعِيد الْمَذْكُور لِلْكَاذِبِ فِي مَنَامه الْمُصَوِّر أَنَّ الرُّؤْيَا خَلْق مِنْ خَلْق اللَّه وَهِيَ صُورَة مَعْنَوِيَّة فَأَدْخَلَ بِكَذِبِهِ صُورَة لَمْ تَقَع كَمَا أَدْخَلَ الْمُصَوِّر فِي الْوُجُود صُورَة لَيْسَتْ بِحَقِيقِيَّةٍ , لِأَنَّ الصُّورَة الْحَقِيقِيَّة هِيَ الَّتِي فِيهَا الرُّوح , فَكُلِّفَ صَاحِب الصُّورَة اللَّطِيفَة أَمْرًا لَطِيفًا وَهُوَ الِاتِّصَال الْمُعَبَّر عَنْهُ بِالْعَقْدِ بَيْنَ الشَّعِيرَتَيْنِ وَكُلِّفَ صَاحِب الصُّورَة الْكَثِيفَة أَمْرًا شَدِيدًا وَهُوَ أَنْ يَتِمَّ مَا خَلَقَهُ بِزَعْمِهِ بِنَفْخ الرُّوح , وَوَقَعَ وَعِيد كُلّ مِنْهُمَا بِأَنَّهُ يُعَذَّب حَتَّى يَفْعَل مَا كُلِّفَ بِهِ وَهُوَ لَيْسَ بِفَاعِلٍ , فَهُوَ كِنَايَة عَنْ تَعْذِيب كُلّ مِنْهُمَا عَلَى الدَّوَام. قَالَ : وَالْحِكْمَة فِي هَذَا الْوَعِيد الشَّدِيد أَنَّ الْأَوَّل كَذِب عَلَى جِنْس النُّبُوَّة , وَأَنَّ الثَّانِيَ نَازَعَ الْخَالِق فِي قُدْرَته , وَقَالَ فِي مُسْتَمِع حَدِيث مَنْ يَكْرَه اِسْتِمَاعه : يَدْخُل فِيهِ مَنْ دَخَلَ مَنْزِله وَأَغْلَقَ بَابه وَتَحَدَّثَ مَعَ غَيْره فَإِنَّ قَرِينَة حَاله تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرِيد لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَسْتَمِع حَدِيثه فَمَنْ يَسْتَمِع إِلَيْهِ يَدْخُل فِي هَذَا الْوَعِيد , وَهُوَ كَمَنْ يَنْظُر إِلَيْهِ مِنْ خَلَل الْبَاب فَقَدْ وَرَدَ الْوَعِيد فِيهِ وَلِأَنَّهُمْ لَوْ فَقَئُوا عَيْنَهُ لَكَانَتْ هَدَرًا قَالَ : وَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُوم مَنْ يَكْرَه اِسْتِمَاع حَدِيثه مَنْ تَحَدَّثَ مَعَ غَيْره جَهْرًا وَهُنَاكَ مَنْ يَكْرَه أَنْ يَسْمَعهُ فَلَا يَدْخُل الْمُسْتَمِع فِي هَذَا الْوَعِيد لِأَنَّ قَرِينَة الْحَال وَهِيَ الْجَهْر تَقْتَضِي عَدَم الْكَرَاهَة فَيَسُوغ الِاسْتِمَاع. قَالَ : وَفِي الْحَدِيث أَنَّ مَنْ خَرَجَ عَنْ وَصْف الْعُبُودِيَّة اِسْتَحَقَّ الْعُقُوبَة بِقَدْرِ خُرُوجه , وَفِيهِ تَنْبِيه عَلَى أَنَّ الْجَاهِل فِي ذَلِكَ لَا يُعْذَر بِجَهْلِهِ وَكَذَا مَنْ تَأَوَّلَ فِيهِ تَأْوِيلًا بَاطِلًا , إِذْ لَمْ يُفَرِّقْ فِي الْخَبَر بَيْنَ مَنْ يَعْلَم تَحْرِيم ذَلِكَ وَبَيْنَ مَنْ لَا يَعْلَمهُ كَذَا قَالَ. وَمِنْ اللَّطَائِف مَا قَالَ غَيْره : إِنَّ اِخْتِصَاص الشَّعِير , بِذَلِكَ لِمَا فِي الْمَنَام مِنْ الشُّعُور بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ فَحَصَلَتْ الْمُنَاسَبَة بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَة الِاشْتِقَاق. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ قُتَيْبَة إِلَخْ ) ‏ ‏وَقَعَ لَنَا فِي نُسْخَة قُتَيْبَة عَنْ أَبِي عَوَانَة رِوَايَة النَّسَائِيّ عَنْهُ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن مُحَمَّد الْفَارِسِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زَكَرِيَّا بْن حَيَّوَيْهِ عَنْ النَّسَائِيِّ وَلَفْظه \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : مَنْ كَذَبَ فِي رُؤْيَاهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِد بَيْنَ طَرَفَيْ شَعِيرَة , وَمَنْ اِسْتَمَعَ الْحَدِيث , وَمَنْ صَوَّرَ \" الْحَدِيثَ وَوَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق خَلَف بْن هِشَام عَنْ أَبِي عَوَانَة بِهَذَا السَّنَد كَذَلِكَ مَوْقُوفًا , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ الْحَدِيث بِتَمَامِهِ مَرْفُوعًا وَلَكِنْ اِقْتَصَرَ مِنْهُ النَّسَائِيُّ عَلَى قَوْله \" مَنْ صَوَّرَ ). ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ شُعَبه عَنْ أَبِي هَاشِم الرُّمَّانِيّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الرَّاء وَتَشْدِيد الْمِيم اِسْمه يَحْيَى بْن دِينَار , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالسَّرَخْسِيّ عَنْ أَبِي هِشَام وَهُوَ غَلَط. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو هُرَيْرَة قَوْله مَنْ صَوَّرَ صُورَة , وَمَنْ تَحَلَّمَ , وَمَنْ اِسْتَمَعَ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأَصْل مُخْتَصَرًا اِقْتَصَرَ عَلَى أَطْرَاف الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة , وَقَدْ وَقَعَ لَنَا مَوْصُولًا فِي مُسْتَخْرَج الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ الْعَنْبَرِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ شُعْبَة عَنْ أَبِي هَاشِم بِهَذَا السَّنَد فَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْله عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" مَنْ تَحَلَّمَ \" وَمِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن جَعْفَر غُنْدَر عَنْ شُعْبَة فَذَكَرَهُ كَذَلِكَ وَلَفْظه \" مَنْ تَحَلَّمَ كَاذِبًا كُلِّفَ أَنْ يَعْقِد شَعِيرَة \". ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شَاهِين , وَخَالِد شَيْخه هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الطَّحَّان , وَخَالِد شَيْخه هُوَ الْحَذَّاء. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ اِسْتَمَعَ , وَمَنْ تَحَلَّمَ , وَمَنْ صَوَّرَ نَحْوه ) ‏ ‏قُلْت كَذَا اِخْتَصَرَهُ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق وَهْب بْن بَقِيَّة عَنْ خَالِد بْن عَبْد اللَّه فَذَكَرَهُ بِهَذَا السَّنَد إِلَى اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَفَعَهُ وَلَفْظه \" مَنْ اِسْتَمَعَ إِلَى حَدِيث قَوْم وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ صُبَّ فِي أُذُنه الْآنُك , وَمَنْ تَحَلَّمَ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِد شَعِيرَة يُعَذَّب بِهَا وَلَيْسَ بِفَاعِلٍ , وَمَنْ صَوَّرَ صُورَة عُذِّبَ حَتَّى يَنْفُخ فِيهَا وَلَيْسَ بِفَاعِلٍ ) ثُمَّ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق وُهَيْب بْن خَالِد وَمِنْ طَرِيق عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ كِلَاهُمَا عَنْ خَالِد الْحَذَّاء بِهَذَا السَّنَد مَرْفُوعًا. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ هِشَام ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن حَسَّان ‏ ‏( عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله ) ‏ ‏يَعْنِي مَوْقُوفًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6521",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِنَّ ‏ ‏مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ الطُّوسِيُّ نَزِيل بَغْدَاد مَاتَ قَبْلَ الْبُخَارِيّ بِثَلَاثِ سِنِينَ , وَعَبْد الصَّمَد هُوَ اِبْن عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد وَقَدْ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيّ بِالسِّنِّ وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَرْحَل الْبُخَارِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَارِث بْن عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث عَنْ أَبِيهِ , وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن دِينَار مُخْتَلَف فِيهِ : قَالَ اِبْن الْمَدِينِيّ صَدُوق , وَقَالَ يَحْيَى بْن مَعِين فِي حَدِيثه عِنْدِي ضَعْف , وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ خَالَفَ فِيهِ الْبُخَارِيّ النَّاس وَلَيْسَ بِمَتْرُوكٍ , قُلْت : عُمْدَة الْبُخَارِيّ فِيهِ كَلَام شَيْخه عَلِيٍّ , وَأَمَّا قَوْل اِبْن مَعِين فَلَمْ يُفَسِّرهُ وَلَعَلَّهُ عَنَى حَدِيثًا مُعَيَّنًا , وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيّ شَيْئًا إِلَّا وَلَهُ فِيهِ مُتَابِع أَوْ شَاهِد , فَأَمَّا الْمُتَابِع فَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق حَيْوَةَ عَنْ أَبِي عُثْمَان الْوَلِيد بْن أَبِي الْوَلِيد الْمَدَنِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار بِهِ وَأَتَمّ مِنْهُ وَلَفْظه \" أَفْرَى الْفِرَى مَنْ اِدُّعِيَ إِلَى غَيْر أَبِيهِ , وَأَفْرَى الْفِرَى مَنْ أَرَى عَيْنه مَا لَمْ يَرَ \" وَذَكَرَ ثَالِثَة وَسَنَده صَحِيح , وَأَمَّا شَاهِده فَمَضَى فِي مَنَاقِب قُرَيْش مِنْ حَدِيث وَاثِلَة بْن الْأَسْقَع بِلَفْظِ \" إِنَّ مِنْ أَعْظَم الْفِرَى أَنْ يُدْعَى الرَّجُل إِلَى غَيْر أَبِيهِ أَوْ يُرِي عَيْنه مَا لَمْ يَرَ \" وَذَكَرَ فِيهِ ثَالِثَة غَيْر الثَّالِثَة الَّتِي فِي حَدِيث اِبْن مَعْمَر عِنْدَ أَحْمَد , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ مِنْ أَفْرَى الْفِرَى ) ‏ ‏أَفْرَى أَفْعَل تَفْضِيل أَيْ أَعْظَم الْكِذْبَات وَالْفِرَى بِكَسْرِ الْفَاء وَالْقَصْر جَمْع فِرْيَة , قَالَ اِبْن بَطَّال : الْفِرْيَة الْكِذْبَة الْعَظِيمَة الَّتِي يُتَعَجَّب مِنْهَا , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : فَأَرَى الرَّجُل عَيْنَيْهِ وَصَفَهُمَا بِمَا لَيْسَ فِيهِمَا \" قَالَ : وَنِسْبَة الْكِذْبَات إِلَى الْكَذِب لِلْمُبَالَغَةِ نَحْو قَوْلهمْ لَيْل أَلْيَل \". ‏ ‏قَوْله ( أَنْ يُرِيَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الرَّاء. ‏ ‏قَوْله ( عَيْنه مَا لَمْ تَرَ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ الْفَاعِل وَإِفْرَاد الْعَيْن , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ \" مَا لَمْ يَرَيَا \" بِالتَّثْنِيَةِ , وَمَعْنَى نِسْبَة الرُّؤْيَا إِلَى عَيْنَيْهِ مَعَ أَنَّهُمَا لَمْ يَرَيَا شَيْئًا أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْهُمَا بِالرُّؤْيَةِ وَهُوَ كَاذِب , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان كَوْن هَذَا الْكَذِب أَعْظَم الْأَكَاذِيب فِي شَرْح. الْحَدِيث الَّذِي قَبْلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6522",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَقَدْ كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي حَتَّى ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا قَتَادَةَ ‏ ‏يَقُولُ وَأَنَا كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِي حَتَّى سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ اللَّهِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَلْيَتْفِلْ ثَلَاثًا وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد رَبّه بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ أَخُو يَحْيَى , وَأَبُو سَلَمَة هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْفٍ. ‏ ‏قَوْله ( لَقَدْ كُنْت أَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي ) ‏ ‏عِنْدَ مُسْلِم فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة \" كُنْت أَرَى الرُّؤْيَا أُعْرَى مِنْهَا غَيْرَ أَنِّي لَا أُزَمَّل \" قَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى أُعْرَى وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَفَتْح الرَّاء أُحَمّ لِخَوْفِي مِنْ ظَاهِرهَا فِي ظَنّ , يُقَال عُرِيَ بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه مُخَفَّفًا يَعْرَى بِفَتْحَتَيْنِ إِذَا أَصَابَهُ عُرَاء بِضَمِّ ثُمَّ فَتْح وَمَدّ وَهُوَ نَفْض الْحُمَّى , وَمَعْنَى لَا أُزَمَّل وَهُوَ بِزَايٍ وَمِيم ثَقِيلَة أَتَلَفَّف مِنْ بَرْد الْحُمَّى , وَوَقَعَ مِثْله عِنْدَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة وَلَكِنْ قَالَ \" أَلْقَى مِنْهَا شِدَّة \" بَدَلَ \" أُعْرَى مِنْهَا \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ \" غَيْرَ أَنِّي لَا أُعَار \" وَعِنْدَ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة \" إِنْ كُنْت لَأُرَى الرُّؤْيَا أَثْقَل عَلَيَّ مِنْ جَبَل \". ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى سَمِعْت أَبَا قَتَادَةَ يَقُول : وَأَنَا كُنْت أَرَى الرُّؤْيَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" لَأُرَى \" بِزِيَادَةِ اللَّام , وَالْأُولَى أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله ( فَلَا يُحَدِّث بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبّ ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحِكْمَة فِيهِ أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِالرُّؤْيَا الْحَسَنَة مَنْ لَا يُحِبّ قَدْ يُفَسِّرهَا لَهُ بِمَا لَا يُحِبّ إِمَّا بُغْضًا وَإِمَّا حَسَدًا فَقَدْ تَقَع عَنْ تِلْكَ الصِّفَة , أَوْ يَتَعَجَّل لِنَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ حُزْنًا وَنَكَدًا , فَأُمِرَ بِتَرْكِ تَحْدِيث مَنْ لَا يُحِبّ بِسَبَبِ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6523",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّهَا مِنْ اللَّهِ فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الشَّيْطَانِ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا وَلَا يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي حَازِم وَالدَّرَاوَرْدِيّ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي ( بَاب الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ ) أَنَّ اِسْم كُلّ مِنْهُمَا عَبْد الْعَزِيز. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يَزِيد بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" اِبْن أُسَامَة بْن الْهَادِ اللَّيْثِيِّ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث فِي الْبَاب الْمُشَارِ إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6524",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏كَانَ يُحَدِّثُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطُفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ وَإِذَا سَبَبٌ وَاصِلٌ مِنْ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ ثُمَّ وُصِلَ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَأَعْبُرَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اعْبُرْهَا قَالَ أَمَّا الظُّلَّةُ فَالْإِسْلَامُ وَأَمَّا الَّذِي يَنْطُفُ مِنْ الْعَسَلِ وَالسَّمْنِ فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ تَنْطُفُ فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُهُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوَصَّلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا قَالَ فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ قَالَ لَا تُقْسِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد الْأَيْلِيُّ , وَلَمْ يَقَع لِي مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْهُ إِلَّا فِي الْبُخَارِيّ. وَقَدْ عَسُرَ عَلَى أَصْحَاب الْمُسْتَخْرَجَات كَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَبِي نُعَيْم وَأَبِي عَوَانَة وَالْبَرْقَانِيّ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ رِوَايَة اِبْن وَهْب , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك وَسَعِيد بْن يَحْيَى ثَلَاثَتهمْ عَنْ يُونُس. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب \" أَنَّ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ أَخْبَرَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ يُحَدِّث ) ‏ ‏كَذَا لِأَكْثَر أَصْحَاب الزُّهْرِيّ , وَتَرَدَّدَ الزُّبَيْدِيّ هَلْ هُوَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَوْ أَبِي هُرَيْرَة. وَاخْتُلِفَ عَلَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَمَعْمَر فَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن رَافِع عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس أَوْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ عَبْد الرَّزَّاق : كَانَ مَعْمَر يَقُول أَحْيَانًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَحْيَانًا يَقُول عَنْ اِبْن عَبَّاس وَهَكَذَا ثَبَتَ فِي \" مُصَنَّف عَبْد الرَّزَّاق \" رِوَايَة إِسْحَاق الدِّيرِيّ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُحَدِّث \" هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّار عَنْ سَلَمَة بْن شَبِيب عَنْ عَبْد الرَّزَّاق وَقَالَ لَا نَعْلَم أَحَدًا قَالَ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة إِلَّا عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر وَرَوَاهُ غَيْر وَاحِد فَلَمْ يَذْكُرُوا أَبَا هُرَيْرَة اِنْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ الذُّهْلِيُّ فِي \" الْعِلَل \" عَنْ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق فَاقْتَصَرَ عَلَى اِبْن عَبَّاس وَلَمْ يَذْكُر أَبَا هُرَيْرَة وَكَذَا قَالَ أَحْمَد فِي مُسْنَده \" قَالَ إِسْحَاق عَنْ عَبْد الرَّزَّاق كَانَ مَعْمَر يَتَرَدَّد فِيهِ حَتَّى جَاءَهُ زَمْعَة بِكِتَابٍ فِيهِ عَنْ الزُّهْرِيّ \" كَمَا ذَكَرْنَاهُ , وَكَانَ لَا يَشُكّ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق الزُّبَيْدِيّ \" أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه أَنَّ اِبْن عَبَّاس أَوْ أَبَا هُرَيْرَة \" هَكَذَا بِالشَّكِّ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ مِثْل رِوَايَة يُونُس , وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيُّ أَنَّ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ كَانَ لَا يَذْكُر فِيهِ اِبْن عَبَّاس , قَالَ فَلَمَّا كَانَ صَحِيحه آخِر زَمَانه أَثْبَتَ فِيهِ اِبْن عَبَّاس أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق الْحُمَيْدِيِّ هَكَذَا , وَقَدْ مَضَى ذِكْر الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيّ مُسْتَوْعَبًا حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي \" بَاب رُؤْيَا بِاللَّيْلِ \" وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. قَالَ الذُّهْلِيُّ : الْمَحْفُوظ رِوَايَة الزُّبَيْدِيّ , وَصَنِيع الْبُخَارِيّ يَقْتَضِي تَرْجِيح رِوَايَة يُونُس وَمَنْ تَابَعَهُ , وَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور حَيْثُ قَالَ \" وَقَالَ اِبْن عَبَّاس قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْر. لَا تُقْسِم فَجَزَمَ بِأَنَّهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رَجُلًا ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَوَقَعَ عِنْدُ مُسْلِم زِيَادَة فِي أَوَّله مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن كَثِير عَنْ الزُّهْرِيّ وَلَفْظه \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِمَّا يَقُول لِأَصْحَابِهِ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا فَلْيَقُصَّهَا أَعْبُرهَا لَهُ , فَجَاءَ رَجُل فَقَالَ \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ مَعْنَى قَوْله \" فَلْيَقُصَّهَا \" لِيَذْكُرْ قِصَّتهَا وَيَتَّبِع جُزْئِيَّاتهَا حَتَّى لَا يَتْرُك مِنْهَا شَيْئًا , مِنْ قَصَصْت الْأَثَر إِذَا اِتَّبَعْته , وَأَعْبُرهَا أَيْ أُفَسِّرهَا. وَوَقَعَ بَيَان الْوَقْت الَّذِي وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عِنْدُ مُسْلِم أَيْضًا وَلَفْظه \" جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْصَرَفه مِنْ أُحُد \" وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة سَوَاء كَانَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَوْ مِنْ رِوَايَة اِبْن عَبَّاس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الزَّمَان بِالْمَدِينَةِ , أَمَّا اِبْن عَبَّاس فَكَانَ صَغِيرًا مَعَ أَبَوَيْهِ بِمَكَّةَ فَإِنَّ مَوْلِده قَبْلَ الْهِجْرَة بِثَلَاثِ سِنِينَ عَلَى الصَّحِيح وَأُحُد كَانَتْ فِي شَوَّال فِي السَّنَة الثَّالِثَة , وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَة فَإِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَة زَمَن خَيْبَرَ فِي أَوَائِل سَنَة سَبْع. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي رَأَيْت ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة اِبْن وَهْب \" إِنَى أَرَى \" كَأَنَّهُ لِقُوَّةِ تَحَقُّقه الرُّؤْيَا كَانَتْ مُمَثَّلَة بَيْنَ عَيْنَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهَا حِينَئِذٍ. ‏ ‏قَوْله ( ظُلَّة ) ‏ ‏بِضَمِّ الظَّاء الْمُعْجَمَة أَيْ سَحَابَة لَهَا ظِلّ وَكُلّ مَا أَظَلَّ مِنْ ثَقِيفَة وَنَحْوهَا يُسَمَّى ظُلَّة قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ اِبْن فَارِس : الظُّلَّة أَوَّل شَيْء يُظِلّ زَادَ سُلَيْمَان بْن كَثِير فِي رِوَايَته عِنْدَ الدَّارِمِيّ وَأَبِي عَوَانَة وَكَذَا فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ \" بَيْنَ السَّمَاء وَالْأَرْض \". ‏ ‏قَوْله ( تَنْطِف السَّمْن وَالْعَسَل ) ‏ ‏بِنُونٍ وَطَاء مَكْسُورَة وَيَجُوز ضَمّهَا وَمَعْنَاهُ تَقْطُر بِقَافٍ وَطَاء مَضْمُومَة وَيَجُوز كَسْرهَا يُقَال نَطَفَ الْمَاء إِذَا سَالَ. وَقَالَ اِبْن فَارِس : لَيْلَة نَطُوف أُمْطِرَتْ إِلَى الصُّبْح. ‏ ‏قَوْله ( فَأَرَى النَّاس يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا ) ‏ ‏أَيْ يَأْخُذُونَ بِأَكُفِّهِمْ , فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب \" بِأَيْدِيهِمْ \" قَالَ الْخَلِيل : تَكَفَّفَ بَسَطَ كَفّه لِيَأْخُذَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق مَعْمَر \" يَسْتَقُونَ \" بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاة وَقَاف أَيْ يَأْخُذُونَ فِي الْأَسْقِيَة , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَى \" يَتَكَفَّفُونَ \" يَأْخُذُونَ كِفَايَتهمْ وَهُوَ أَلْيَق بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ \" فَالْمُسْتَكْثِر وَالْمُسْتَقِلّ \". قُلْت : وَمَا أَدْرِي كَيْفَ جَوَّزَ أَخْذ كَفَى مِنْ كَفَّفَهُ , وَلَا حُجَّة فِيمَا اِحْتَجَّ بِهِ لِمَا سَيَأْتِي. ‏ ‏قَوْله ( فَالْمُسْتَكْثِر وَالْمُسْتَقِلّ ) ‏ ‏أَيْ الْآخِذ كَثِيرًا وَالْآخِذ قَلِيلًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن كَثِير بِغَيْرِ أَلِف وَلَام فِيهِمَا , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان بْن حُسَيْن عِنْدَ أَحْمَد \" فَمَنْ بَيْنَ مُسْتَكْثِر وَمُسْتَقِلّ وَبَيْنَ ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله ( وَإِذَا سَبَب ) ‏ ‏أَيْ حَبْلٌ. ‏ ‏قَوْله ( وَاصِل مِنْ الْأَرْض إِلَى السَّمَاء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مِنْ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن كَثِير \" وَرَأَيْت لَهَا سَبَبًا وَاصِلًا \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان بْن حُسَيْن \" وَكَأَنَّ سَبَبًا دُلِّيَ مِنْ السَّمَاء \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَرَاك أَخَذْت بِهِ فَعَلَوْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُلَيْمَانَ بْن كَثِير فَأَعْلَاك اللَّه. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أَخَذَ بِهِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِبَعْضِهِمْ \" ثُمَّ أَخَذَهُ \" زَادَ اِبْن وَهْب فِي رِوَايَته \" مِنْ بَعْدُ \" وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ وَابْن حُسَيْن \" مِنْ بَعْدِك \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( فَعَلَا بِهِ ) ‏ ‏زَادَ سُلَيْمَان بْن كَثِير \" فَأَعْلَاهُ اللَّه \" وَهَكَذَا فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن حُسَيْن فِي الْمَوْضِعَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُل آخَر فَانْقَطَعَ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن وَهْب هُنَا \" بِهِ \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان بْن حُسَيْن \" ثُمَّ جَاءَ رَجُل مِنْ بَعْدِكُمْ فَأَخَذَ بِهِ فَقُطِعَ بِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ وُصِلَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب \" فَوُصِلَ لَهُ \" وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان \" فَقُطِعَ بِهِ ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَاتَّصَلَ \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان بْن حُسَيْن \" ثُمَّ وُصِلَ لَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( بِأَبِي أَنْتَ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مَعْمَرٍ \" وَأُمِّي \". ‏ ‏قَوْله ( وَاَللَّه لَتَدَعَنِّي ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ النُّونِ , وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان \" اِئْذَنْ لِي \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَعْبُرهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْبٍ \" فَلَأَعْبُرَنَّهَا \" بِزِيَادَةِ التَّأْكِيد بِاللَّامِ وَالنُّون , وَنَحْوه فِي رِوَايَة مَعْمَر , وَمِثْله فِي رِوَايَة الزُّبَيْدِيّ. ‏ ‏قَوْله ( أَعْبُرهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ \" عَبَّرَهَا \" بِالتَّشْدِيدِ , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان بْن حُسَيْن \" فَأَذِنَ لَهُ \" زَادَ سُلَيْمَان \" وَكَانَ مِنْ أَعْبَر النَّاس لِلرُّؤْيَا بَعْدَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( وَأَمَّا الظُّلَّة فَالْإِسْلَام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب وَكَذَا لِمَعْمَرٍ وَالزُّبَيْدِيّ \" فَظُلَّة الْإِسْلَام \" وَرِوَايَة سُفْيَان كَرِوَايَةِ اللَّيْث وَكَذَا سُلَيْمَان بْن كَثِير وَهِيَ الَّتِي يَظْهَر تَرْجِيحهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَالْقُرْآن حَلَاوَته تَنْطِف ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب \" حَلَاوَته وَلِينه \" وَكَذَا فِي رِوَايَة سُفْيَان وَمَعْمَر , وَبَيَّنَهُ سُلَيْمَان بْن كَثِير فِي رِوَايَته فَقَالَ \" وَأَمَّا الْعَسَل وَالسَّمْن فَالْقُرْآن فِي حَلَاوَة الْعَسَل وَلِين السَّمْن \". ‏ ‏قَوْله ( فَالْمُسْتَكْثِر مِنْ الْقُرْآن وَالْمُسْتَقِلّ ) ‏ ‏زَادَ اِبْن وَهْب فِي رِوَايَته قَبْلَ هَذَا \" وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّف النَّاس مِنْ ذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" فَالْآخِذ مِنْ الْقُرْآن كَثِيرًا وَقَلِيلًا \" وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن كَثِير \" فَهُمْ حَمَلَة الْقُرْآن \". ‏ ‏قَوْله ( وَأَمَّا السَّبَب إِلَخْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَانَ بْن حُسَيْن \" وَأَمَّا السَّبَب فَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ تَعْلُو فَيُعْلِيك اللَّه \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يَأْخُذ بِهِ رَجُل ) ‏ ‏زَادَ سُفْيَان بْن حُسَيْن وَابْن وَهْب \" مِنْ بَعْدِك \" زَادَ سُفْيَان بْن حُسَيْن \" عَلَى مَنَاهِجِك \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يَأْخُذ بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَانَ بْن حُسَيْن \" ثُمَّ يَكُون مِنْ بَعْدُ كَمَا رَجُل يَأْخُذ مَأْخَذكُمَا \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يَأْخُذ بِهِ رَجُل ) ‏ ‏زَادَ اِبْن وَهْبٍ \" آخَر \". ‏ ‏قَوْله ( فَيُقْطَع بِهِ ثُمَّ يُوصَل لَهُ فَيَعْلُو بِهِ ) ‏ ‏زَادَ سُفْيَانُ بْن حُسَيْن \" فَيُعْلِيه اللَّه \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُول اللَّه بِأَبِي أَنْتَ أَصَبْت أَمْ أَخْطَأْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" هَلْ أَصَبْت يَا رَسُول اللَّهِ أَوْ أَخْطَأْت \". ‏ ‏قَوْله ( أَصَبْت بَعْضًا وَأَخْطَأْت بَعْضًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن كَثِير وَسُفْيَان بْن حُسَيْن \" أَصَبْت وَأَخْطَأْت \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ فُو اللَّه ) ‏ ‏زَادَ اِبْن وَهْب \" يَا رَسُول اللَّه \" ثُمَّ اِتَّفَقَا \" لَتُحَدِّثنِي بِاَلَّذِي أَخْطَأْت \" فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب \" مَا الَّذِي أَخْطَأْت \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ , فَقَالَ أَبُو بَكْر أَقْسَمْت عَلَيْك يَا رَسُول اللَّه لَتُخْبِرَنِّي بِاَلَّذِي أَصَبْت مِنْ الَّذِي أَخْطَأْت وَفِي رِوَايَة مَعْمَر مِثْله لَكِنْ قَالَ \" مَا الَّذِي أَخْطَأْت \" وَلَمْ يَذْكُر الْبَاقِي. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لَا تُقْسِم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ \" فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُقْسِم يَا أَبَا بَكْر \" وَمِثْله لِمَعْمَرٍ لَكِنْ دُونَ قَوْله \" يَا أَبَا بَكْر \" وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن كَثِير \" مَا الَّذِي أَصَبْت وَمَا الَّذِي أَخْطَأْت , فَأَبَى أَنْ يُخْبِرَهُ \" قَالَ الدَّاوُدِيُّ : قَوْله \" لَا تُقْسِم \" أَيْ لَا تُكَرِّر يَمِينَك فَإِنِّي لَا أُخْبِرُك وَقَالَ الْمُهَلَّب : تَوْجِيه تَعْبِير أَبِي بَكْر أَنَّ الظُّلَّة نِعْمَة مِنْ نِعَم اللَّه عَلَى أَهْل الْجَنَّة وَكَذَلِكَ كَانَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل , وَكَذَلِكَ الْإِسْلَام يَقِي الْأَذَى وَيَنْعَم بِهِ الْمُؤْمِن فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَأَمَّا الْعَسَل فَإِنَّ اللَّه جَعَلَهُ شِفَاء لِلنَّاسِ وَقَالَ تَعَالَى إِنَّ الْقُرْآن ( شِفَاء لِمَا فِي الصُّدُور ) وَقَالَ إِنَّهُ ( شِفَاء وَرَحْمَة لِلْمُؤْمِنِينَ ) وَهُوَ حُلْو عَلَى الْأَسْمَاع كَحَلَاوَةِ الْعَسَل فِي الْمَذَاق , وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيث \" أَنَّ فِي السَّمْن شِفَاء \" قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَقَدْ يَكُون عَبَرَ الظُّلَّة بِذَلِكَ لَمَّا نَطَفْت الْعَسَل وَالسَّمْن اللَّذَيْنِ عَبَرَهُمَا بِالْقُرْآنِ , وَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ عَنْ الْإِسْلَام وَالشَّرِيعَة , وَالسَّبَب فِي اللُّغَة الْحَبْل وَالْعَهْد وَالْمِيثَاق , وَاَلَّذِينَ أَخَذُوا بِهِ بَعْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِد هُمْ الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة وَعُثْمَان هُوَ الَّذِي اِنْقَطَعَ بِهِ ثُمَّ اِتَّصَلَ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. قَالَ الْمُهَلَّب : وَمَوْضِع الْخَطَأ فِي قَوْله \" ثُمَّ وَصَلَ لَهُ \" لِأَنَّ فِي الْحَدِيث ثُمَّ وَصَلَ وَلَمْ يَذْكُر \" لَهُ \". قُلْت : بَلْ هَذِهِ اللَّفْظَة وَهِيَ قَوْله \" لَهُ \" وَإِنْ سَقَطَتْ مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَة فَهِيَ ثَابِتَة فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ شُيُوخه الثَّلَاثَة وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ , وَهِيَ ثَابِته فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب وَغَيْره كُلّهمْ عَنْ يُونُس عِنْدَ مُسْلِم وَغَيْره , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عِنْدَ التِّرْمِذِيّ , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَهْ , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان بْن حُسَيْن عِنْدَ أَحْمَد , وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن كَثِير عِنْدَ الدَّارِمِيّ وَأَبِي عَوَانَة كُلّهمْ عَنْ الزُّهْرِيّ , وَزَادَ سُلَيْمَان بْن كَثِير فِي رِوَايَته \" فَوَصَلَ لَهُ فَاتَّصَلَ \" ثُمَّ اِبْن الْمُهَلَّب عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ فَقَالَ : كَانَ يَنْبَغِي لِأَبِي بَكْر أَنْ يَقِف حَيْثُ وَقَفَتْ الرُّؤْيَا وَلَا يَذْكُر الْمَوْصُول لَهُ فَإِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ عُثْمَان اِنْقَطَعَ بِهِ الْحَبْل ثُمَّ وُصِلَ لِغَيْرِهِ أَيْ وُصِلَتْ الْخِلَافَة لِغَيْرِهِ اِنْتَهَى. وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ لَفْظَة \" لَهُ \" ثَابِتَة فِي نَفْس الْخَبَر , فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّ عُثْمَان كَانَ يَنْقَطِع عَنْ اللَّحَاق بِصَاحِبَيْهِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْقَضَايَا الَّتِي أَنْكَرُوهَا فَعَبَّرَ عَنْهَا بِانْقِطَاعِ الْحَبْل , ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ الشَّهَادَة فَاتَّصَلَ بِهِمْ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِأَنَّ الْحَبْل وُصِلَ لَهُ فَاتَّصَلَ فَالْتَحَقَ بِهِمْ , فَلَمْ يَتِمّ فِي تَبْيِين الْخَطَأ فِي التَّعْبِير الْمَذْكُور مَا تَوَهَّمَهُ الْمُهَلَّب. وَالْعَجَب مِنْ الْقَاضِي عِيَاض فَإِنَّهُ قَالَ فِي \" الْإِكْمَال \" قِيلَ خَطَؤُهُ فِي قَوْله \" فَيُوصَل لَهُ \" وَلَيْسَ فِي الرُّؤْيَا إِلَّا أَنَّهُ يُوصَل وَلَيْسَ فِيهَا \" لَهُ \" وَلِذَلِكَ لَمْ يُوصَل لِعُثْمَانَ وَإِنَّمَا وُصِلَتْ الْخِلَافَة لِعَلِيٍّ , وَمَوْضِع التَّعَجُّب سُكُوته عَنْ تَعَقُّب هَذَا الْكَلَام مَعَ كَوْن هَذِهِ اللَّفْظَة وَهِيَ \" لَهُ \" ثَابِتَة فِي صَحِيح مُسْلِم الَّذِي يَتَكَلَّم عَلَيْهِ , ثُمَّ قَالَ : وَقِيلَ الْخَطَأ هُنَا بِمَعْنَى التَّرْك أَيْ تَرَكْت بَعْضًا لَمْ تُفَسِّرهُ , وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : قِيلَ السَّبَب فِي قَوْله \" وَأَخْطَأْت بَعْضًا \" أَنَّ الرَّجُل لَمَّا قَصَّ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُؤْيَاهُ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقّ بِتَعْبِيرِهَا مِنْ غَيْره , فَلَمَّا طَلَبَ تَعْبِيرهَا ؟ كَانَ ذَلِكَ خَطَأ فَقَالَ \" أَخْطَأْت بَعْضًا \" لِهَذَا الْمَعْنَى وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" قِيلَ \" اِبْن قُتَيْبَة فَإِنَّهُ الْقَائِل لِذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّمَا أَخْطَأَ فِي مُبَادَرَته بِتَفْسِيرِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرهُ بِهِ , وَوَافَقَهُ جَمَاعَة عَلَى ذَلِكَ , وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فَقَالَ : هَذَا فَاسِد , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ اُعْبُرْهَا \" قُلْت : مُرَاد اِبْن قُتَيْبَة أَنَّهُ لَمْ يَأْذَن لَهُ اِبْتِدَاء بَلْ بَادَرَ هُوَ فَسَأَلَ أَنْ يَأْذَن لَهُ فِي تَعْبِيرهَا فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ أَخْطَأْت فِي مُبَادَرَتك لِلسُّؤَالِ أَنْ تَتَوَلَّى تَعْبِيرهَا , لَا أَنَّهُ أَرَادَ أَخْطَأْت فِي تَعْبِيرك , لَكِنْ فِي إِطْلَاق الْخَطَأ عَلَى ذَلِكَ نَظَر لِأَنَّهُ خِلَاف مَا يَتَبَادَر لِلسَّمْعِ مِنْ جَوَاب قَوْله \" هَلْ أَصَبْت \" فَإِنَّ الظَّاهِر أَنَّهُ أَرَادَ الْإِصَابَة وَالْخَطَأ فِي تَعْبِيره لَا لِكَوْنِهِ اِلْتَمَسَ التَّعْبِير , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ اِبْن التِّين وَمَنْ بَعْدَهُ الْأَشْبَه. بِظَاهِرِ الْحَدِيث أَنَّ الْخَطَأ فِي تَأْوِيل الرُّؤْيَا , أَيْ أَخْطَأْت فِي بَعْض تَأْوِيلك , قُلْت وَيُؤَيِّدهُ تَبْوِيب الْبُخَارِيّ حَيْثُ قَالَ \" مَنْ لَمْ يَرَ الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِر إِذَا لَمْ يُصِبْ \" وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ أَبِي مُحَمَّد بْن أَبِي زَيْد وَأَبِي مُحَمَّد الْأَصِيلِيِّ وَالدَّاوُدِيّ نَحْو مَا نَقَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَفْظهمْ : أَخْطَأَ فِي سُؤَاله أَنْ يَعْبُرَهَا , وَفِي تَعْبِيره لَهَا بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ اِبْن هُبَيْرَة : إِنَّمَا كَانَ الْخَطَأ لِكَوْنِهِ أَقْسَمَ لَيَعْبُرَنَّهَا بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَوْ كَانَ الْخَطَأ فِي التَّعْبِير لَمْ يُقِرّهُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْله \" لَا تُقْسِم \" فَمَعْنَاهُ أَنَّك إِذَا تَفَكَّرْت فِيمَا أَخْطَأْت بِهِ عَلِمْته. قَالَ : وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ أَبَا بَكْر أَرَادَ أَنْ يَعْبُرهَا فَيُسْمِع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَقُولهُ فَيَعْرِف أَبُو بَكْر بِذَلِكَ عِلْم نَفْسه لِتَقْرِيرِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ اِبْن التِّين وَقِيلَ أَخْطَأَ لِكَوْنِ الْمَذْكُور فِي الرُّؤْيَا شَيْئَيْنِ الْعَسَل وَالسَّمْن فَفَسَّرَهُمَا بِشَيْءٍ وَاحِد , وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُفَسِّرَهُمَا بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّة , ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ الطَّحَاوِيِّ. قُلْت : وَحَكَاهُ الْخَطِيب عَنْ أَهْل الْعِلْم بِالتَّعْبِيرِ , وَجَزَمَ بِهِ اِبْن الْعَرَبِيّ. فَقَالَ : قَالُوا هُنَا وَهِمَ أَبُو بَكْر فَإِنَّهُ جَعَلَ السَّمْن وَالْعَسَل مَعْنًى وَاحِدًا وَهُمَا مَعْنَيَانِ الْقُرْآن وَالسُّنَّة. قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون السَّمْن وَالْعَسَل الْعِلْم وَالْعَمَل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَا الْفَهْم وَالْحِفْظ , وَأَيَّدَ اِبْن الْجَوْزِيّ مَا نُسِبَ لِلطَّحَاوِيِّ بِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ قَالَ \" رَأَيْت فِيمَا يَرَى النَّائِم كَأَنَّ فِي إِحْدَى إِصْبَعَيَّ سَمْنًا وَفِي الْأُخْرَى عَسَلًا فَأَلْعَقُهُمَا , فَلَمَّا أَصْبَحْت ذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : تَقْرَأ الْكِتَابَيْنِ التَّوْرَاة وَالْفُرْقَان فَكَانَ يَقْرَؤُهُمَا \". قُلْت : فَفَسَّرَ الْعَسَل بِشَيْءٍ وَالسَّمْن بِشَيْءٍ , قَالَ النَّوَوِيّ : قِيلَ إِنَّمَا لَمْ يَبَرّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَم أَبِي بَكْر لِأَنَّ إِبْرَار الْقَسَم مَخْصُوص بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَفْسَدَة وَلَا مَشَقَّة ظَاهِرَة فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ فَلَا إِبْرَار , وَلَعَلَّ الْمَفْسَدَة فِي ذَلِكَ مَا عَلِمَهُ مِنْ سَبَب اِنْقِطَاع السَّبَب بِعُثْمَانَ وَهُوَ قَتْله وَتِلْكَ الْحُرُوب وَالْفِتَن الْمُتَرَتِّبَة عَلَيْهِ فَكَرِهَ ذِكْرَهَا خَوْفَ شُيُوعهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَب ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ لَهُ السَّبَب لَلَزِمَ مِنْهُ أَنْ يُوَبِّخَهُ بَيْنَ النَّاس لِمُبَادَرَتِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون خَطَؤُهُ فِي تَرْك تَعْيِين الرِّجَال الْمَذْكُورِينَ , فَلَوْ أَبَرّ قَسَمه لَلَزِمَ أَنْ يُعَيِّنَهُمْ وَلَمْ يُؤْمَر بِذَلِكَ إِذْ لَوْ عَيَّنَهُمْ لَكَانَ نَصًّا عَلَى خِلَافَتهمْ , وَقَدْ سَبَقَتْ مَشِيئَة اللَّه أَنَّ الْخِلَافَة تَكُون عَلَى هَذَا الْوَجْه فَتَرَكَ تَعْيِينَهُمْ خَشْيَةَ أَنْ يَقَع فِي ذَلِكَ مَفْسَدَة. وَقِيلَ هُوَ عِلْم غَيْب فَجَازَ أَنْ يَخْتَصّ بِهِ وَيُخْفِيه عَنْ غَيْره , وَقِيلَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ أَخْطَأْت وَأَصَبْت أَنَّ تَعْبِير الرُّؤْيَا مَرْجِعه الظَّنّ , وَالظَّنّ يُخْطِئ وَيُصِيب , وَقِيلَ لَمَّا أَرَادَ الِاسْتِبْدَاد وَلَمْ يَصْبِر حَتَّى يُفَاد جَازَ مَنْعه مَا يُسْتَفَاد فَكَانَ الْمَنْع كَالتَّأْدِيبِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ. قُلْت : وَجَمِيع مَا تَقَدَّمَ مِنْ لَفْظ الْخَطَأ وَالتَّوَهُّم وَالتَّأْدِيب وَغَيْرهمَا إِنَّمَا أَحْكِيه عَنْ قَائِله وَلَسْت رَاضِيًا بِإِطْلَاقِهِ فِي حَقّ الصِّدِّيق , وَقِيلَ الْخَطَأ فِي خَلْع عُثْمَان لِأَنَّهُ فِي الْمَنَام رَأَى أَنَّهُ آخِذ بِالسَّبَبِ فَانْقَطَعَ بِهِ وَذَلِكَ يَدُلّ عَلَى اِنْخِلَاعه بِنَفْسِهِ , وَتَفْسِير أَبِي بَكْر بِأَنَّهُ يَأْخُذ بِهِ رَجُل فَيَنْقَطِع بِهِ ثُمَّ يُوصَل لَهُ , وَعُثْمَان قَدْ قُتِلَ قَهْرًا وَلَمْ يَخْلَع نَفْسَهُ فَالصَّوَاب أَنْ يُحْمَل وَصْله عَلَى وِلَايَة غَيْره , وَقِيلَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَرَكَ إِبْرَار الْقَسَم لِمَا يَدْخُل فِي النُّفُوس لَا سِيَّمَا مِنْ الَّذِي اِنْقَطَعَ فِي يَده السَّبَب وَإِنْ كَانَ وَصَلَ , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِير قَوْله \" فَقُطِعَ \" فَقِيلَ مَعْنَاهُ قُتِلَ , وَأَنْكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ. ‏ ‏فَقَالَ : لَيْسَ مَعْنَى قُطِعَ قُتِلَ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَشَارَكَهُ عُمَر , لَكِنَّ قَتْل عُمَر لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ الْعُلُوّ بَلْ بِجِهَةِ عَدَاوَة مَخْصُوصَة وَقَتْل عُثْمَان كَانَ مِنْ الْجِهَة الَّتِي عَلَا بِهَا وَهِيَ الْوِلَايَة فَلِذَلِكَ جَعَلَ قَتْله قَطْعًا قَالَ : وَقَوْله \" ثُمَّ وُصِلَ \" يَعْنِي بِوِلَايَةِ عَلِيّ فَكَانَ الْحَبْل مَوْصُولًا وَلَكِنْ لَمْ يَرَ فِيهِ عُلُوًّا , كَذَا قَالَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ وَوَقَعَ فِي \" تَنْقِيح الزَّرْكَشِيّ \" مَا نَصُّهُ : وَاَلَّذِي اِنْقَطَعَ بِهِ وَوُصِلَ لَهُ هُوَ عُمَر , لِأَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ وُصِلَ لَهُ بِأَهْلِ الشُّورَى وَبِعُثْمَانَ , كَذَا قَالَ : وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُور فِي الْخَبَر مِنْ الرِّجَال بَعْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِثْنَانِ فَقَطْ , وَهُوَ اِخْتِصَار مِنْ بَعْض الرُّوَاة. وَإِلَّا فَعِنْدَ الْجُمْهُور ثَلَاثَة , وَعَلَى ذَلِكَ شَرَحَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْره وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَقَوْله \" أَخْطَأْت بَعْضًا \" اُخْتُلِفَ فِي تُعِين الْخَطَأ فَقِيلَ : وَجْه الْخَطَأ تَسَوُّره عَلَى التَّعْبِير مِنْ غَيْر اِسْتِئْذَان وَاحْتَمَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَانِهِ مِنْهُ , قُلْت : تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ قَالَ : وَقِيلَ أَخْطَأَ لِقَسَمِهِ عَلَيْهِ , وَقِيلَ لِجَعْلِهِ السَّمْن وَالْعَسَل مَعْنًى وَاحِدًا وَهُمَا مَعْنَيَانِ وَأَيَّدُوهُ بِأَنَّهُ قَالَ أَخْطَأْت بَعْضًا وَأَصَبْت بَعْضًا وَلَوْ كَانَ الْخَطَأ فِي التَّقْدِيم فِي الْيَسَار أَوْ فِي الْيَمِين لَمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الرُّؤْيَا. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : الْإِشَارَة فِي قَوْله \" أَصَبْت وَأَخْطَأْت \" لِتَعْبِيرِهِ الرُّؤْيَا , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : بَلْ هَذَا لَا يَلْزَم لِأَنَّهُ يَصِحّ أَنْ يُرِيد بِهِ أَخْطَأْت فِي بَعْض مَا جَرَى وَأَصَبْت فِي الْبَعْض , ثُمَّ قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَأَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ قِيلَ وَجْه الْخَطَأ أَنَّ الصَّوَاب فِي التَّعْبِير أَنَّ الرَّسُول هُوَ الظُّلَّة وَالسَّمْن وَالْعَسَل الْقُرْآن وَالسُّنَّة , وَقِيلَ : وَجْه الْخَطَأ أَنَّهُ جَعَلَ السَّبَب الْحَقّ عُثْمَان لَمْ يَنْقَطِع بِهِ الْحَقّ , وَإِنَّمَا الْحَقّ أَنَّ الْوِلَايَة كَانَتْ بِالنُّبُوَّةِ ثُمَّ صَارَتْ بِالْخِلَافَةِ فَاتَّصَلَتْ لِأَبِي بَكْر وَلِعُمَرَ ثُمَّ اِنْقَطَعَتْ بِعُثْمَانَ لِمَا كَانَ ظَنَّ بِهِ ثُمَّ صَحَّتْ بَرَاءَته فَأَعْلَاهُ اللَّه وَلَحِقَ بِأَصْحَابِهِ. قَالَ : وَسَأَلْت بَعْض الشُّيُوخ الْعَارِفِينَ عَنْ تَعْيِين الْوَجْه الَّذِي أَخْطَأَ فِيهِ أَبُو بَكْر فَقَالَ : مَنْ الَّذِي يَعْرِفُهُ \" وَلَئِنْ كَانَ تَقَدُّم أَبِي بَكْر بَيْن يَدَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلتَّعْبِيرِ خَطَأ فَالتَّقَدُّم بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْر لِتَعْيِينِ خَطَئِهِ أَعْظَم وَأَعْظَم , فَاَلَّذِي يَقْتَضِيه الدِّين وَالْحَزْم الْكَفّ عَنْ ذَلِكَ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : إِنَّمَا أَقْدَمُوا عَلَى تَبَيُّن ذَلِكَ مَعَ كَوْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُبَيِّنهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَم مِنْ تَبْيِينِهِ مَفْسَدَة إِذْ ذَاكَ فَزَالَتْ بَعْدَهُ , مَعَ أَنَّ جَمِيع مَا ذَكَرُوهُ إِنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الِاحْتِمَال وَلَا جَزْم فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَنَّ الرُّؤْيَا لَيْسَتْ لِأَوَّلِ عَابِر كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره , لَكِنْ قَالَ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه الْكَرْمَانِيُّ : الْمُعَبِّر لَا يُغَيِّر الرُّؤْيَا عَنْ وَجْههَا عِبَارَة عَابِر وَلَا غَيْره , وَكَيْف يَسْتَطِيع مَخْلُوق أَنْ يُغَيِّر مَا كَانَتْ نُسْخَته مِنْ أُمّ الْكِتَاب , غَيْر أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِمَنْ لَمْ يَتَدَرَّب فِي عِلْم التَّأْوِيل أَنْ لَا يَتَعَرَّض لِمَا سَبَقَ إِلَيْهِ مَنْ لَا يُشَكُّ فِي أَمَانَته وَدِينه. قُلْت : وَهَذَا مَبْنِيّ عَلَى تَسْلِيم أَنَّ الْمَرَائِي تُنْسَخ مِنْ أُمّ الْكِتَاب عَلَى وَفْق مَا يَعْبُرهَا الْعَارِف , وَمَا الْمَانِع أَنَّهَا تُنْسَخ عَلَى وَفْق مَا يَعْبُرهَا أَوَّل عَابِر , وَأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبّ إِبْرَار الْقَسَم إِذَا كَانَ فِيهِ مَفْسَدَة. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ قَالَ أُقْسِم لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ , لِأَنَّ أَبَا بَكْر لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْله \" أَقْسَمْت \" كَذَا قَالَهُ عِيَاض , وَرَدَّهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّ الَّذِي فِي جَمِيع نُسَخ صَحِيح مُسْلِم أَنَّهُ قَالَ \" فَوَاَللَّهِ يَا رَسُول اللَّه لَتُحَدِّثَنِي \" وَهَذَا صَرِيح يَمِين. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور. قَالَ اِبْن التِّين : فِيهِ أَنَّ الْأَمْر بِإِبْرَارِ الْقَسَم خَاصّ بِمَا يَجُوز الِاطِّلَاع عَلَيْهِ , وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَبَرّ قَسَم أَبِي بَكْر لِكَوْنِهِ سَأَلَ مَا لَا يَجُوز الِاطِّلَاع عَلَيْهِ لِكُلِّ أَحَد. قُلْت : فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَنَعَهُ ذَلِكَ لَمَّا سَأَلَهُ جِهَارًا وَأَنْ يَكُون أَعْلَمَهُ بِذَلِكَ سِرًّا. وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى تَعْلِيم عِلْم الرُّؤْيَا وَعَلَى تَعْبِيرهَا وَتَرْك إِغْفَال السُّؤَال عَنْهُ , وَفَضِيلَتهَا لِمَا تَشْتَمِل عَلَيْهِ مِنْ الِاطِّلَاع عَلَى بَعْض الْغَيْب وَأَسْرَار الْكَائِنَات قَالَ اِبْن هُبَيْرَة : وَفِي السُّؤَال مِنْ أَبِي بَكْر أَوَّلًا وَآخِرًا وَجَوَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلَالَة عَلَى اِنْبِسَاط أَبِي بَكْر مَعَهُ وَإِدْلَاله عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَعْبُر الرُّؤْيَا إِلَّا عَالِم نَاصِح أَمِين حَبِيب وَفِيهِ أَنَّ الْعَابِر قَدْ يُخْطِئ وَقَدْ يُصِيب , وَأَنَّ لِلْعَالَمِ بِالتَّعْبِيرِ أَنْ يَسْكُت عَنْ تَعْبِير الرُّؤْيَا أَوْ بَعْضهَا عِنْدَ رُجْحَان الْكِتْمَان عَلَى الذِّكْر. قَالَ الْمُهَلَّب : وَمَحَلّه إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ عُمُوم , فَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مَخْصُوصَة بِوَاحِدٍ مَثَلًا فَلَا بَأْس أَنْ يُخْبِرَهُ لِيُعِدَّ الصَّبْر وَيَكُون عَلَى أُهْبَة مِنْ نُزُول الْحَادِثَة. وَفِيهِ جَوَاز إِظْهَار الْعَالِم مَا يَحْسُن مِنْ الْعِلْم إِذَا خَلَصَتْ نِيَّته وَأَمِنَ الْعُجْب , وَكَلَام الْعَالِم بِالْعِلْمِ بِحَضْرَةِ مَنْ هُوَ أَعْلَم مِنْهُ إِذَا أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ صَرِيحًا أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز مِثْله فِي الْإِفْتَاء وَالْحُكْم , وَأَنَّ لِلتِّلْمِيذِ أَنْ يُقْسِم عَلَى مُعَلِّمه أَنْ يُفِيدَهُ الْحِكَمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6525",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ أَبُو هِشَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ ‏ ‏هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا قَالَ فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ ‏ ‏غَدَاةٍ ‏ ‏إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ ‏ ‏آتِيَانِ ‏ ‏وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي انْطَلِقْ وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ ‏ ‏فَيَثْلَغُ ‏ ‏رَأْسَهُ ‏ ‏فَيَتَهَدْهَدُ ‏ ‏الْحَجَرُ هَا هُنَا فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى قَالَ قُلْتُ لَهُمَا سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ ‏ ‏بِكَلُّوبٍ ‏ ‏مِنْ حَدِيدٍ وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ ‏ ‏فَيُشَرْشِرُ ‏ ‏شِدْقَهُ ‏ ‏إِلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَرُبَّمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ ‏ ‏فَيَشُقُّ ‏ ‏قَالَ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى قَالَ قُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ ‏ ‏التَّنُّورِ ‏ ‏قَالَ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فَإِذَا فِيهِ ‏ ‏لَغَطٌ ‏ ‏وَأَصْوَاتٌ قَالَ فَاطَّلَعْنَا فِيهِ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ‏ ‏ضَوْضَوْا ‏ ‏قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَؤُلَاءِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ ‏ ‏فَيَفْغَرُ ‏ ‏لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ ‏ ‏فَغَرَ ‏ ‏لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَانِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ الْمَرْآةِ كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْآةً وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ ‏ ‏يَحُشُّهَا ‏ ‏وَيَسْعَى حَوْلَهَا قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَا قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيعِ وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيْ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَا مَا هَؤُلَاءِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلَا أَحْسَنَ قَالَ قَالَا لِي ‏ ‏ارْقَ ‏ ‏فِيهَا قَالَ ‏ ‏فَارْتَقَيْنَا ‏ ‏فِيهَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا فَفُتِحَ لَنَا فَدَخَلْنَاهَا فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ ‏ ‏شَطْرٌ ‏ ‏مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ ‏ ‏وَشَطْرٌ ‏ ‏كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ قَالَ قَالَا لَهُمْ اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ قَالَ وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَأَنَّ مَاءَهُ ‏ ‏الْمَحْضُ ‏ ‏فِي الْبَيَاضِ فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ قَالَ قَالَا لِي هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ قَالَ فَسَمَا بَصَرِي صُعُدًا فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ ‏ ‏الرَّبَابَةِ ‏ ‏الْبَيْضَاءِ قَالَ قَالَا لِي هَذَاكَ مَنْزِلُكَ قَالَ قُلْتُ لَهُمَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا ذَرَانِي فَأَدْخُلَهُ قَالَا أَمَّا الْآنَ فَلَا وَأَنْتَ دَاخِلَهُ قَالَ قُلْتُ لَهُمَا فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ قَالَ قَالَا لِي أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ أَمَّا الرَّجُلُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ ‏ ‏يُثْلَغُ ‏ ‏رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنْ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ ‏ ‏يُشَرْشَرُ ‏ ‏شِدْقُهُ ‏ ‏إِلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ ‏ ‏يَغْدُو ‏ ‏مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ ‏ ‏الْآفَاقَ ‏ ‏وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ ‏ ‏التَّنُّورِ ‏ ‏فَإِنَّهُمْ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ ‏ ‏وَيُلْقَمُ ‏ ‏الْحَجَرَ فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرْآةِ الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا فَإِنَّهُ ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏خَازِنُ جَهَنَّمَ وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى ‏ ‏الْفِطْرَةِ ‏ ‏قَالَ فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا ‏ ‏شَطْرٌ ‏ ‏مِنْهُمْ حَسَنًا ‏ ‏وَشَطْرٌ ‏ ‏قَبِيحًا فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ غَيْر أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنِي \". ‏ ‏قَوْله ( مُؤَمَّل ) ‏ ‏بِوَزْنِ مُحَمَّد مَهْمُوز ‏ ‏( اِبْن هِشَام أَبُو هَاشِم ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ بَعْض مَشَايِخه وَقَالَ : الصَّوَاب أَبُو هِشَام وَكَذَا هُوَ عِنْدَ غَيْر أَبِي ذَرّ , وَهُوَ مِمَّنْ وَافَقَتْ كُنْيَته اِسْم أَبِيهِ , وَكَانَ صِهْر إِسْمَاعِيل شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى اِبْنَته , وَلَمْ يُخَرِّج عَنْهُ الْبُخَارِيّ عَنْ غَيْر إِسْمَاعِيل , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيث هُنَا تَامًّا , وَأَخْرَجَ فِي الصَّلَاة قَبْلَ الْجُمُعَة وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَفِي التَّفْسِير عَنْهُ بِهَذَا السَّنَد أَطْرَافًا , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا تَامًّا فِي أَوَاخِر كِتَاب الْجَنَائِز عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ جَرِير بْن حَازِم عَنْ أَبِي رَجَاء , وَأَخْرَجَ فِي الصَّلَاة وَفِي التَّهَجُّد وَفِي الْبُيُوع وَفِي بَدْء الْخَلْق وَفِي الْجِهَاد وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَفِي الْأَدَب عَنْهُ مِنْهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور أَطْرَافًا , وَأَخْرَجَ مُسْلِم قِطْعَة مِنْ أَوَّله مِنْ طَرِيق جَرِير بْن حَازِم , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ جَرِير بِتَمَامِهِ , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر غُنْدَر عَنْهُ عَنْ عَوْف بِتَمَامِهِ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ اِبْن عُلَيَّةَ , وَشَيْخه عَوْف هُوَ الْأَعْرَابِيّ وَأَبُو رَجَاء هُوَ الْعُطَارِدِيُّ وَاسْمه عِمْرَان , وَالسَّنَدُ كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي مِمَّا يَكْثُر أَنْ يَقُول لِأَصْحَابِهِ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ , وَلَهُ عَنْ غَيْره بِإِسْقَاطِ \" يَعْنِي \" وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْبَاقِينَ , وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ وَكَذَا فِي رِوَايَة مُحَمَّد اِبْن جَعْفَر \" مِمَّا يَقُول لِأَصْحَابِهِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي مَا نَقَلَ اِبْن مَالِك أَنَّهَا بِمَعْنَى \" مِمَّا يَكْثُر \" قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْله مِمَّا يَكْثُر خَبَر كَانَ وَمَا مَوْصُولَة وَيَكْثُر صِلَته وَالضَّمِير الرَّاجِع إِلَى مَا فَاعِل يَقُول وَأَنْ يَقُول فَاعِل يَكْثُر وَهَلْ رَأَى أَحَد مِنْكُمْ هُوَ الْمَقُول أَيْ رَسُول اللَّه كَائِنًا مِنْ النَّفَر الَّذِينَ كَثُرَ مِنْهُمْ هَذَا الْقَوْل , فَوَضَعَ مَا مَوْضِع مِنْهُ تَفْخِيمًا وَتَعْظِيمًا لِجَانِبِهِ , وَتَحْرِيره كَانَ رَسُول اللَّه يُجِيد تَعْبِير الرُّؤْيَا , وَكَانَ لَهُ مُشَارِك فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ , لِأَنَّ الْإِكْثَار مِنْ هَذَا الْقَوْل لَا يَصْدُر إِلَّا مِمَّنْ تَدَرَّبَ فِيهِ وَوَثِقَ بِإِصَابَتِهِ كَقَوْلِك كَانَ زَيْد مِنْ الْعُلَمَاء بِالنَّحْوِ وَمِنْهُ قَوْل صَاحِبَيْ السِّجْن لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَام ( نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاك مِنْ الْمُحْسِنِينَ ) أَيْ مِنْ الْمُجِيدِينَ فِي عِبَارَة الرُّؤْيَا , وَعُلَمَاء ذَلِكَ مِمَّا رَأَيَاهُ مِنْهُ , هَذَا مِنْ حَيْثُ الْبَيَان , وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ النَّحْو فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله \" هَلْ رَأَى أَحَد مِنْكُمْ رُؤْيَا \" مُبْتَدَأ وَالْخَبَر مُقَدَّم عَلَيْهِ عَلَى تَأْوِيل هَذَا الْقَوْل مِمَّا يُكْثِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولهُ , ثُمَّ أَشَارَ إِلَى تَرْجِيح الْوَجْه السَّابِق وَالْمُتَبَادِر هُوَ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي اِتَّفَقَ عَلَيْهِ أَكْثَر الشَّارِحِينَ. ‏ ‏قَوْله ( فَيُقَصّ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْح الْقَاف. ‏ ‏قَوْله ( مَا شَاءَ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَزِيد \" فَيَقُصّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّه \" وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّ الْقَاف وَهِيَ رِوَايَة النَّسَفِيِّ , وَ \" مَا \" فِي الرِّوَايَة الْأُولَى لِلْمَقْصُوصِ وَ \" مَنْ \" فِي الثَّانِيَة لِلْقَاصِّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم \" فَسَأَلَ يَوْمًا فَقَالَ : هَلْ رَأَى أَحَد رُؤْيَا ؟ قُلْنَا : لَا قَالَ : لَكِنْ رَأَيْت اللَّيْلَة \" قَالَ الطِّيبِيُّ : وَجْه الِاسْتِدْرَاك أَنَّهُ يُحِبّ أَنْ يَعْبُر لَهُمْ الرُّؤْيَا , فَلَمَّا قَالُوا مَا رَأَيْنَا شَيْئًا كَأَنَّهُ قَالَ : أَنْتُمْ مَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا لَكِنِّي رَأَيْت , وَفِي رِوَايَة أَبِي خَلْدَة بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام وَاسْمه خَالِد بْن دِينَار عَنْ أَبِي رَجَاء عَنْ سَمُرَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِد يَوْمًا فَقَالَ : هَلْ رَأَى أَحَد مِنْكُمْ رُؤْيَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا , فَلَمْ يُحَدِّث أَحَد بِشَيْءٍ فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْت رُؤْيَا فَاسْمَعُوا مِنِّي \" أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَات غَدَاة ) ‏ ‏لَفْظ \" ذَات \" زَائِد أَوْ هُوَ مِنْ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى اِسْمه , وَفِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم عَنْهُ \" كَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاة أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ \" وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن هَارُون عَنْهُ \" إِذَا صَلَّى صَلَاة الْغَدَاة \" وَفِي رِوَايَة وَهْب بْن جَرِير عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِم \" إِذَا صَلَّى الصُّبْح \" وَبِهِ تَظْهَر مُنَاسَبَة التَّرْجَمَة وَذَكَرَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق زَيْد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَنْ عَلِيّ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا صَلَاة الْفَجْر فَجَلَسَ \" الْحَدِيث بِطُولِهِ نَحْو حَدِيث سَمُرَة , وَالرَّاوِي لَهُ عَنْ زَيْد ضَعِيف. ‏ ‏وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اِنْصَرَفَ مِنْ صَلَاة الْغَدَاة يَقُول : هَلْ رَأَى أَحَد اللَّيْلَة رُؤْيَا \" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ \" خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ صَلَاة الصُّبْح فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْت اللَّيْلَة رُؤْيَا هِيَ حَقّ فَاعْقِلُوهَا \" فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ أَشْيَاء يُشْبِه بَعْضهَا مَا فِي حَدِيث سَمُرَة , لَكِنْ يَظْهَر مِنْ سِيَاقه أَنَّهُ حَدِيث آخَر , فَإِنَّ فِي أَوَّله \" أَتَانِي رَجُل فَأَخَذَ بِيَدِي فَاسْتَتْبَعَنِي حَتَّى أَتَى جَبَلًا طَوِيلًا وَعِرًا فَقَالَ لِي : اِرْقَهُ , فَقُلْت : لَا أَسْتَطِيع , فَقَالَ. إِنِّي سَأُسَهِّلُهُ لَك فَجَعَلْت كُلَّمَا وَضَعْت قَدَمِي وَضَعْتهَا عَلَى دَرَجه حَتَّى اِسْتَوَيْت عَلَى سَوَاء الْجَبَل , ثُمَّ اِنْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِرِجَالٍ وَنِسَاء مُشَقَّقَة أَشْدَاقهمْ , فَقُلْت : مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَعْلَمُونَ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ. ‏ ‏قَوْله ( آتِيَانِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هَوْذَة عَنْ عَوْف عِنْدَ اِبْن أَبِي شَيْبَة \" اِثْنَانِ أَوْ آتِيَانِ \" بِالشَّكِّ وَفِي رِوَايَة جَرِير \" رَأَيْت رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي \" وَفِي حَدِيث عَلِيّ \" رَأَيْت مَلَكَيْنِ \" وَسَيَأْتِي فِي آخِر الْحَدِيث أَنَّهُمَا \" جِبْرِيل وَمِيكَائِيل \". ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّهُمَا اِبْتَعَثَانِي ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاة وَبَعْدَ الْعَيْن الْمُهْمَلَة مُثَلَّثَة كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة وَمَعْنَى اِبْتَعَثَانِي أَرْسَلَانِي , كَذَا قَالَ فِي الصِّحَاح بَعَثَهُ وَابْتَعَثَهُ أَرْسَلْته , يُقَال اِبْتَعَثَهُ إِذَا أَثَارَهُ وَأَذْهَبَهُ , وَقَالَ اِبْن هُبَيْرَة. مَعْنَى اِبْتَعَثَانِي أَيْقَظَانِي , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَأَى فِي الْمَنَام أَنَّهُمَا أَيْقَظَاهُ فَرَأَى مَا رَأَى فِي الْمَنَام وَوَصَفَهُ بَعْدَ أَنْ أَفَاقَ عَلَى أَنَّ مَنَامه كَالْيَقَظَةِ , لَكِنْ لَمَّا رَأَى مِثَالًا كَشَفَهُ التَّعْبِير دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَنَامًا. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنِّي اِنْطَلَقْت مَعَهُمَا ) ‏ ‏زَادَ جَرِير بْن حَازِم فِي رِوَايَته \" إِلَى الْأَرْض الْمُقَدَّسَة \" وَعِنْدَ أَحْمَد إِلَى أَرْض فَضَاء أَوْ أَرْض مُسْتَوِيَة , وَفِي حَدِيث عَلِيّ \" فَانْطَلَقَا بِي إِلَى السَّمَاء \". ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُل مُضْطَجِع ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ جَرِير \" مُسْتَلْقٍ عَلَى قَفَاهُ \". ‏ ‏قَوْله ( وَإِذَا آخَر قَائِم عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" بِفِهْرٍ أَوْ صَخْرَة \" , وَفِي حَدِيث عَلِيٍّ \" فَمَرَرْت عَلَى مَلَك وَأَمَامه آدَمِيّ وَبِيَدِ الْمَلَك صَخْرَة يَضْرِب بِهَا هَامَة الْآدَمِيّ \". ‏ ‏قَوْله ( يَهْوِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الْوَاو أَيْ يَسْقُط , يُقَال هَوَى بِالْفَتْحِ يَهْوِي هُوِيًّا سَقَطَ إِلَى أَسْفَل , وَضَبَطَهُ اِبْن التِّين بِضَمِّ أَوَّله مِنْ الرُّبَاعِيّ , وَيُقَال أَهْوَى مِنْ بُعْد وَهَوَى بِفَتْحِ الْوَاو مِنْ قُرْب. ‏ ‏قَوْله ( بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْمُثَلَّثَة وَفَتْح اللَّام بَعْدَهَا غَيْن مُعْجَمَة أَيْ يَشْدَخهُ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة جَرِير \" فَيَشْدَخ \" وَالشَّدْخُ كَسْر الشَّيْء الْأَجْوَف. ‏ ‏قَوْله ( فَيَتَدَهْدَه الْحَجَر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا هَاء سَاكِنَة. وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ فَيَتَدَأْدَأ بِهَمْزَتَيْنِ بَدَلَ الْهَاءَيْنِ , وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم \" فَيَتَدَهْدَأ \" بِهَاءٍ ثُمَّ هَمْزَة وَكُلّ بِمَعْنًى. وَالْمُرَاد أَنَّهُ دَفَعَهُ مِنْ عُلْو إِلَى أَسْفَل , وَتَدَهْدَهَ إِذَا اِنْحَطَّ , وَالْهَمْزَة تُبْدَل مِنْ الْهَاء كَثِيرًا وَتَدَأْدَأَ تَدَحْرَجَ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله ( هَاهُنَا ) ‏ ‏أَيْ إِلَى جِهَةِ الضَّارِب. ‏ ‏قَوْله ( فَيَتْبَع الْحَجَر ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي رَمَى بِهِ ‏ ‏( فَيَأْخُذهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِيرٍ \" فَإِذَا ذَهَبَ لِيَأْخُذَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَا يَرْجِع إِلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى الَّذِي شَدَخَ رَأْسَهُ. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى يَصِحّ رَأْسه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير حَتَّى \" يَلْتَئِم \" وَعِنْدَ أَحْمَد \" عَادَ رَأْسه كَمَا كَانَ \" وَفِي حَدِيث عَلِيّ فَيَقَع دِمَاغه جَانِبًا وَتَقَعُ الصَّخْرَة جَانِبًا. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِيرٍ \" فَيَعُود إِلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله ( مِثْل مَا فَعَلَ بِهِ مَرَّة الْأُولَى ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَالنَّسَفِيِّ وَلِغَيْرِهِمَا وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّضْر بْن شُمَيْلٍ عَنْ عَوْف عِنْدَ أَبِي عَوَانَة \" الْمَرَّة الْأُولَى \" وَهُوَ الْمُرَاد بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَفِي رِوَايَة جَرِير \" فَيَصْنَع مِثْل ذَلِكَ \" قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : جُعِلَتْ الْعُقُوبَة فِي رَأْس هَذِهِ النَّوْمَة عَنْ الصَّلَاة وَالنَّوْم مَوْضِعه الرَّأْس. ‏ ‏قَوْله ( اِنْطَلِقْ اِنْطَلِقْ ) ‏ ‏كَذَا فِي الْمَوَاضِع كُلّهَا بِالتَّكْرِيرِ , وَسَقَطَ فِي بَعْضهَا التَّكْرَار لِبَعْضِهِمْ , وَأَمَّا فِي رِوَايَة جَرِير فَلَيْسَ فِيهَا سُبْحَان اللَّه وَفِيهَا \" اِنْطَلِقْ \" مَرَّةً وَاحِدَةً. ‏ ‏قَوْله ( فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُل مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ , وَإِذَا آخَر قَائِم عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِز ضَبْط الْكَلُّوب وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَلِيّ \" فَإِذَا أَنَا بِمَلَكٍ وَأَمَامه آدَمِيّ. وَبِيَدِ الْمَلَك كَلُّوب مِنْ حَدِيد فَيَضَعهُ فِي شِدْقه الْأَيْمَن فَيَشُقّهُ \" الْحَدِيثَ. ‏ ‏قَوْله ( فَيُشَرْشِر شِدْقه إِلَى قَفَاهُ ) ‏ ‏أَيْ يَقْطَعهُ شَقًّا , وَالشِّدْق جَانِب الْفَم , وَفِي رِوَايَة جَرِير \" فَيُدْخِلَهُ فِي شَقّه فَيَشُقّهُ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ \". ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْخِره ) ‏ ‏كَذَا بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ , وَفِي رِوَايَة جَرِير \" وَمَنْخِرَيْهِ \" بِالتَّثْنِيَةِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاء فَيَشُقّ ) ‏ ‏أَيْ بَدَلَ فَيُشَرْشِر , وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ عِنْدَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يَتَحَوَّل إِلَى الْجَانِب الْآخَر إِلَخْ ) ‏ ‏اِخْتَصَرَهُ فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم وَلَفْظه \" ثُمَّ يُخْرِجهُ , فَيُدْخِلهُ فِي شِقّه الْآخَر وَيَلْتَئِم هَذَا الشِّقّ فَهُوَ يَفْعَل ذَلِكَ بِهِ \" قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : شَرْشَرَة شِدْق الْكَاذِب إِنْزَال الْعُقُوبَة بِمَحَلِّ الْمَعْصِيَة , وَعَلَى هَذَا تَجْرِي الْعُقُوبَة فِي الْآخِرَة بِخِلَافِ الدُّنْيَا. وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْقِصَّة مُقَدَّمَة فِي رِوَايَة جَرِير عَلَى قِصَّة الَّذِي يُشْدَخ رَأْسه. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْوَاو لَا تُرَتِّبُ , وَالِاخْتِلَاف فِي كَوْنه مُسْتَلْقِيًا وَفِي الْأُخْرَى مُضْطَجِعًا وَالْآخَر كَانَ جَالِسًا وَفِي الْأُخْرَى قَائِمًا يُحْمَل عَلَى اِخْتِلَاف حَال كُلّ مِنْهُمَا. ‏ ‏قَوْله ( فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْل التَّنُّور ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر \" مِثْل بِنَاء التَّنُّور \" زَادَ جَرِير \" أَعْلَاهُ ضَيِّق وَأَسْفَله وَاسِع يُوقَد تَحْتَهُ نَارًا \" كَذَا فِيهِ بِالنَّصْبِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد \" تَتَوَقَّد تَحْتَهُ نَار \" بِالرَّفْعِ وَهِيَ رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَعَلَيْهَا اِقْتَصَرَ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعه وَهُوَ وَاضِح. وَقَالَ اِبْن مَالِك فِي كَلَامه عَلَى مَوَاضِع مِنْ الْبُخَارِيّ \" يُوقَد تَحْتَهُ نَارًا \" بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيز وَأَسْنَدَ يُوقَد إِلَى ضَمِير عَائِد عَلَى النَّقْب كَقَوْلِك مَرَرْت بِامْرَأَةٍ يَتَضَوَّع مِنْ أَرْدَانهَا طِيبًا وَالتَّقْدِير يَتَضَوَّع طِيب مِنْ أَرْدَانهَا , فَكَأَنَّهُ قَالَ : تُوقَد نَاره تَحْتَهُ فَيَصِحّ نَصْب نَارًا عَلَى التَّمْيِيز \" قَالَ وَيَجُوز أَنْ يَكُون فَاعِل تُوقَد مَوْصُولًا بِتَحْتِهِ فَحُذِفَ وَبَقِيَتْ صِلَته دَالَّة عَلَيْهِ لِوُضُوحِ الْمَعْنَى , وَالتَّقْدِير يَتَوَقَّد الَّذِي تَحْتَهُ نَارًا وَهُوَ عَلَى التَّمْيِيز أَيْضًا , وَذُكِرَ لِحَذْفِ الْمَوْصُول فِي مِثْل هَذَا عِدَّة شَوَاهِد. ‏ ‏قَوْله ( وَأَحْسِب أَنَّهُ كَانَ يَقُول فَإِذَا فِيهِ لَغَط وَأَصْوَات ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ جَرِير \" ثُقْب قَدْ بُنِيَ بِنَاء التَّنُّور وَفِيهِ رِجَال وَنِسَاءٌ \". ‏ ‏قَوْله ( وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَب مِنْ أَسْفَل مِنْهُمْ , فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَب ضَوْضَوْا ) ‏ ‏بِغَيْرِ هَمْزَة لِلْأَكْثَرِ وَحَكَى الْهَمْز أَيْ رَفَعُوا أَصْوَاتهمْ مُخْتَلِطَة وَمِنْهُمْ مَنْ سَهَّلَ الْهَمْزَة , قَالَ فِي النِّهَايَة : الضَّوْضَاة أَصْوَات النَّاس وَلَغَطهمْ وَكَذَا الضَّوْضَى بِلَا هَاء مَقْصُور , وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ : الْمَصْدَر بِغَيْرِ هَمْز , وَفِي رِوَايَة جَرِير \" فَإِذَا اِقْتَرَبَتْ اِرْتَفَعُوا حَتَّى كَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا , فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا \" وَعِنْدَ أَحْمَد \" فَإِذَا أُوقِدَتْ \" بَدَلَ \" اِقْتَرَبَتْ ). ‏ ‏قَوْله ( فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَر حَسِبْت أَنَّهُ كَانَ يَقُول أَحْمَر مِثْل الدَّم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير بْنِ حَازِم \" عَلَى نَهَر مِنْ دَمٍ \" وَلَمْ يَقُلْ حَسِبْت. ‏ ‏قَوْله ( سَابِح يَسْبَح ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدَهَا مُوَحَّدَة مَفْتُوحَة ثُمَّ حَاء مُهْمَلَة أَيْ يَعُومُ. ‏ ‏قَوْله ( سَبَحَ مَا سَبَحَ ) ‏ ‏بِفَتْحَتَيْنِ وَالْمُوَحَّدَة خَفِيفَةٌ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي ) ‏ ‏فَاعِل \" يَأْتِي \" هُوَ السَّابِح. وَذَلِكَ فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ. ‏ ‏قَوْله ( فَيَفْغَر ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْفَاء وَفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة بَعْدَهَا رَاء أَيْ يَفْتَحهُ وَزْنه وَمَعْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله ( كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَفَغَرَ لَهُ فَاهُ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم \" فَأَقْبَلَ الرَّجُل الَّذِي فِي النَّهَر فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُج رَمَى الرَّجُل بِحَجَرٍ فِي فِيهِ وَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ \" وَيُجْمَع بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُج فَغَرَ فَاهُ وَأَنَّهُ يُلْقِمُهُ الْحَجَر يُرْمِيه إِيَّاهُ. ‏ ‏قَوْله ( كَرِيه الْمَرْآةِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَهَمْزَة مَمْدُودَة بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيث , قَالَ اِبْن التِّين : أَصْله الْمَرْأَيَة تَحَرَّكَتْ الْيَاء وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَقُلِبَتْ أَلِفًا وَزْنه مَفْعَلَة. ‏ ‏قَوْله ( كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْآة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم أَيْ قَبِيح الْمَنْظَر. ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا عِنْدَهُ نَار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان عَنْ عَوْف عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" عِنْدَ نَار \". ‏ ‏قَوْله ( يَحُشّهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَبِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الشِّين الْمُعْجَمَة مِنْ , الثُّلَاثِيّ , وَحَكَى فِي الْمَطَالِع ضَمّ أَوَّله مِنْ الرُّبَاعِيّ , وَفِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم \" يَحْشُشهَا \" بِسُكُونِ الْحَاء وَضَمّ الشِّين الْمُعْجَمَة الْمُكَرَّرَة. ‏ ‏قَوْله ( وَيَسْعَى حَوْلَهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" وَيُوقِدهَا \" وَهُوَ تَفْسِير يَحُشّهَا قَالَ الْجَوْهَرِيّ : حَشَشْت النَّار أَحُشُّهَا حَشًّا أَوْقَدْتهَا , وَقَالَ فِي التَّهْذِيب : حَشَشْت النَّار بِالْحَطَبِ ضَمَمْت مَا تَفَرَّقَ مِنْ الْحَطَب إِلَى النَّار , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : حَشَّ نَارَهُ حَرَّكَهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَة مُعْتِمَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمُثَنَّاة وَتَخْفِيف الْمِيم بَعْدَهَا هَاء تَأْنِيث , ‏ ‏وَلِبَعْضِهِمْ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَتَشْدِيد الْمِيم يُقَال أَعْتَمَ الْبَيْت إِذَا اِكْتَهَلَ وَنَخْلَة عَتِيمَة طَوِيلَة , وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ أَعْتَمَتْ الرَّوْضَة غَطَّاهَا الْخِصْب , وَهَذَا كُلّه عَلَى الرِّوَايَة بِتَشْدِيدِ الْمِيم , قَالَ اِبْن التِّين : وَلَا يَظْهَرُ : لِلتَّخْفِيفِ وَجْهٌ قُلْت : الَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ مِنْ الْعَتَمَة وَهُوَ شِدَّة الظَّلَّام فَوَصَفَهَا بِشِدَّةِ الْخُضْرَة كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( مُدْهَامَّتَانِ ) وَضَبَطَ اِبْن بَطَّال رَوْضَة مِغِنِّمَة بِكَسْرِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد النُّون , ثُمَّ نُقِلَ عَنْ اِبْن دُرَيْدٍ : وَادٍ أَغَنّ وَمُغْنٍ إِذَا كَثُرَ شَجَره , وَقَالَ الْخَلِيل : رَوْضَة غَنَّاء كَثِيرَة الْعُشْب , وَفِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم \" رَوْضَة خَضْرَاء وَإِذَا فِيهَا شَجَرَة عَظِيمَة \". ‏ ‏قَوْله ( مِنْ كُلّ لَوْن الرَّبِيع ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" نَوْر \" بِفَتْحِ النُّون وَبِرَاءٍ بَدَلَ \" لَوْن \" وَهِيَ رِوَايَة النَّضْر بْن شُمَيْلٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَة , وَالنَّوْر بِالْفَتْحِ الزَّهْرُ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيْ الرَّوْضَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْيَاء التَّحْتَانِيَّة تَثْنِيَة ظَهْر , وَفِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد \" بَيْنَ ظَهَرَانَيْ \" وَهُمَا بِمَعْنًى وَالْمُرَاد وَسَطهَا. ‏ ‏قَوْله ( رَجُل طَوِيل ) ‏ ‏زَادَ النَّضْر \" قَائِمٌ \". ‏ ‏قَوْله ( لَا أَكَاد أَرَى رَأْسه طُولًا ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيز , ‏ ‏قَوْله ( وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُل مِنْ أَكْثَر وِلْدَان رَأَيْتهمْ قَطّ ) ‏ ‏قَالَ الطِّيبِيُّ : أَصْل هَذَا الْكَلَام وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُل وِلْدَان مَا رَأَيْت وِلْدَانًا قَطّ أَكْثَر مِنْهُمْ , وَنَظِيره. قَوْله بَعْدَ ذَلِكَ \" لَمْ أَرَ رَوْضَة قَطُّ أَعْظَم مِنْهَا \" وَلَمَّا أَنْ كَانَ هَذَا التَّرْكِيب يَتَضَمَّنُ مَعْنَى النَّفْي جَازَتْ زِيَادَة \" مِنْ وَقَطّ \" الَّتِي تَخْتَصّ بِالْمَاضِي الْمَنْفِي وَقَالَ اِبْن مَالِك جَازَ اِسْتِعْمَال قَطّ فِي الْمُثْبَت فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَهُوَ جَائِز وَغَفَلَ أَكْثَرهمْ عَنْ ذَلِكَ فَخَصُّوهُ بِالْمَاضِي الْمَنْفِيّ. قُلْت : وَاَلَّذِي وَجَّهَهُ بِهِ الطِّيبِيُّ حَسَن جِدًّا , وَوَجَّهَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُون اِكْتَفَى بِالنَّفْيِ الَّذِي يَلْزَم مِنْ التَّرْكِيب إِذْ الْمَعْنَى : مَا رَأَيْتهمْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , أَوْ النَّفْي مُقَدَّر. وَسَبَقَ نَظِيره فِي قَوْله فِي صَلَاة الْكُسُوف \" فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَام رَأَيْته قَطّ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت لَهُمَا مَا هَؤُلَاءِ ) ‏ ‏فِي بَعْض الطُّرُقِ \" مَا هَذَا \" وَعَلَيْهَا شَرْح الطِّيبِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَة عَظِيمَة لَمْ أَرَ رَوْضَة قَطّ أَعْظَم مِنْهَا وَلَا أَحْسَن , قَالَ قَالَا لِي : اِرْقَ فَارْتَقَيْت فِيهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ وَأَبِي عَوَانَة وَالْإِسْمَاعِيلِيّ \" إِلَى دَوْحَة \" بَدَلَ \" رَوْضَة \" وَالدَّوْحَة الشَّجَرَة الْكَبِيرَة , وَفِيهِ \" فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَة \" وَهِيَ الَّتِي تُنَاسِب الرُّقِيّ وَالصُّعُود. ‏ ‏قَوْله ( فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَة مَبْنِيَّة بِلَبِنِ ذَهَب وَلَبِن فِضَّة ) ‏ ‏اللَّبَن بِفَتْحِ , اللَّام وَكَسْر الْمُوَحَّدَة جَمْع لَبِنَة وَأَصْلهَا مَا يُبْنَى بِهِ مِنْ طِين وَفِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم \" فَأَدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطّ أَحْسَنَ مِنْهَا , فِيهَا رِجَال شُيُوخ وَشَبَاب وَنِسَاء وَفِتْيَان. ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فَأَدْخَلَانِي دَارًا. هِيَ أَحْسَن مِنْهَا \". ‏ ‏قَوْله ( فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَال شَطْر مِنْ خَلْقهمْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْخَاء وَسُكُون اللَّام بَعْدَهَا قَاف أَيْ هَيْئَتهمْ , وَقَوْله شَطْر مُبْتَدَأ وَكَأَحْسَنِ الْخَبَر وَالْكَاف زَائِدَة وَالْجُمْلَة صِفَة رِجَال , وَهَذَا الْإِطْلَاق يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ نِصْفهمْ حَسَن كُلّه وَنِصْفهمْ قَبِيح كُلّه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ نِصْفه حَسَن وَنِصْفه قَبِيح , وَالثَّانِي هُوَ الْمُرَاد , وَيُؤَيِّدهُ قَوْلهمْ فِي صِفَته \" هَؤُلَاءِ قَوْم خَلَطُوا \" أَيْ عَمِلَ كُلّ مِنْهُمْ عَمَلًا صَالِحًا وَخَلَطَهُ. بِعَمَلٍ سَيِّئ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَر ) ‏ ‏بِصِيغَةِ فِعْل الْأَمْرِ بِالْوُقُوعِ , وَالْمُرَاد أَنَّهُمْ يَنْغَمِسُونَ فِيهِ لِيَغْسِلَ تِلْكَ الصِّفَة بِهَذَا الْمَاء الْخَاصّ. ‏ ‏قَوْله ( نَهَر مُعْتَرِض ) ‏ ‏أَيْ يَجْرِي عَرْضًا. ‏ ‏قَوْله ( كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْض ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدَهَا ضَاد مُعْجَمَة هُوَ اللَّبَن الْخَالِص عَنْ الْمَاء حُلْوًا كَانَ أَوْ حَامِضًا , وَقَدْ بَيَّنَ جِهَة التَّشْبِيه بِقَوْلِهِ \" مِنْ الْبَيَاض \" وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ \" فِي الْبَيَاض \" قَالَ الطِّيبِيُّ. كَأَنَّهُمْ سَمَّوْا اللَّبَن بِالصِّفَةِ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي كُلّ صَافٍ قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالْمَاءِ الْمَذْكُور عَفْو اللَّه عَنْهُمْ أَوْ التَّوْبَة مِنْهُمْ كَمَا فِي الْحَدِيث \" اِغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْج وَالْبَرَد \". ‏ ‏قَوْله ( ذَهَب ذَلِكَ السُّوء عَنْهُمْ ) ‏ ‏أَيْ صَارَ الْقَبِيحُ كَالشَّطْرِ الْحَسَن , فَذَلِكَ قَالَ : وَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَة. ‏ ‏قَوْله ( قَالَا لِي هَذِهِ جَنَّة عَدْن ) ‏ ‏يَعْنِي الْمَدِينَةَ. ‏ ‏قَوْله ( فَسَمَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمِيم أَيْ نَظَرَ إِلَى فَوْقُ , و ‏ ‏قَوْله ( صُعُدًا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ اِرْتَفَعَ كَثِيرًا \" وَضَبَطَهُ اِبْن التِّين بِفَتْحِ الْعَيْن وَاسْتَبْعَدَ ضَمّهَا \". ‏ ‏قَوْله ( مِثْل الرَّبَابَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَتَيْنِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ وَهِيَ السَّحَابَة الْبَيْضَاء , وَيُقَال لِكُلِّ سَحَابَة مُنْفَرِدَة دُونَ السَّحَاب وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَيْضَاء , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الرَّبَابَة السَّحَابَة الَّتِي رُكِّبَ بَعْضهَا عَلَى بَعْض , وَفِي رِوَايَة جَرِير. \" فَرَفَعْت رَأْسِي فَإِذَا هُوَ فِي السَّحَاب \". ‏ ‏قَوْله ( ذَرَانِي فَأَدْخُلهُ , قَالَا : أَمَّا الْآنَ فَلَا وَأَنْتَ دَاخِله ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم \" فَقُلْت دَعَانِي أَدْخُل مَنْزِلِي , قَالَا : أَنَّهُ بَقِيَ لَك عُمْر لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ , وَلَوْ اِسْتَكْمَلْته أَتَيْت مَنْزِلَك \". ‏ ‏قَوْله ( فَإِنِّي قَدْ رَأَيْت مُنْذُ اللَّيْلَة عَجَبًا فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْت , قَالَ قَالَا أَمَا ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ الْمِيم ‏ ‏( إِنَّا سَنُخْبِرُك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير , فَقُلْت طَوَّفْتُمَا بِي اللَّيْلَة \" وَهِيَ بِمُوَحَّدَةٍ وَلِبَعْضِهِمْ بِنُونٍ \" فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْت , قَالَ نَعَمْ \". ‏ ‏قَوْله ( فَيَرْفِضهُ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء وَيُقَال بِضَمِّهَا قَالَ اِبْن هُبَيْرَة : رَفْض الْقُرْآن بَعْدَ حِفْظه جِنَايَة. عَظِيمَة لِأَنَّهُ يُوهِم أَنَّهُ رَأَى فِيهِ مَا يُوجِب رَفْضه فَلَمَّا رَفَضَ أَشْرَفَ الْأَشْيَاء وَهُوَ الْقُرْآن عُوقِبَ فِي أَشْرَفِ أَعْضَائِهِ وَهُوَ الرَّأْس. ‏ ‏قَوْله ( وَيَنَام عَنْ الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة ) ‏ ‏هَذَا أَوْضَح مِنْ رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم بِلَفْظِ \" عَلَّمَهُ اللَّه الْقُرْآن فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَل فِيهِ بِالنَّهَارِ \" فَإِنَّ ظَاهِره أَنَّهُ يُعَذَّب عَلَى تَرْك قِرَاءَة الْقُرْآن بِاللَّيْلِ , بِخِلَافِ رِوَايَة عَوْف فَإِنَّهُ عَلَى تَرْكه الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّعْذِيب عَلَى مَجْمُوع الْأَمْرَيْنِ تَرْك الْقِرَاءَة وَتَرْك الْعَمَل. ‏ ‏قَوْله ( يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ ) ‏ ‏أَيْ يَخْرُجُ مِنْهُ مُبَكِّرًا. ‏ ‏قَوْله ( فَيَكْذِب الْكِذْبَة تَبْلُغ الْآفَاقَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير بْن حَازِم \" فَكَذُوب يُحَدِّث بِالْكِذْبَةِ تُحْمَل عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغ الْآفَاق فَيَصْنَع بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة \" وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز \" وَالرَّجُل الَّذِي رَأَيْته يُشَقّ شِدْقه فَكَذَّاب \" قَالَ اِبْن مَالِك : لَا بُدَّ مِنْ جَعْل الْمَوْصُوف الَّذِي هُنَا لِلْمُعَيَّنِ كَالْعَامِّ حَتَّى جَازَ دُخُول الْفَاء فِي خَبَره , أَيْ الْمُرَاد هُوَ وَأَمْثَاله , كَذَا نَقَلَهُ الْكَرْمَانِيُّ , وَلَفْظ اِبْن مَالِك فِي هَذَا شَاهِد عَلَى أَنَّ الْحُكْم قَدْ يُسْتَحَقّ بِجُزْءِ الْعِلَّة , وَذَلِكَ أَنَّ الْمُبْتَدَأ لَا يَجُوز دُخُول الْفَاء عَلَى خَبَره إِلَّا إِذَا كَانَ شَبِيهًا بِمَنْ الشَّرْطِيَّة فِي الْعُمُوم وَاسْتِقْبَال مَا يَتِمّ بِهِ الْمَعْنَى , نَحْو الَّذِي يَأْتِينِي فَمُكْرَم , لَوْ كَانَ الْمَقْصُود بِالَّذِي مُعَيَّنًا زَالَتْ مُشَابَهَته بِمَنْ وَامْتَنَعَ دُخُول الْفَاء عَلَى الْخَبَر كَمَا يَمْتَنِع دُخُولهَا عَلَى أَخْبَار الْمُبْتَدَآت الْمَقْصُود بِهَا التَّعْيِين نَحْو زَيْد فَمُكْرَم لَمْ يَجُزْ , فَكَذَا الَّذِي لَا يَجُوز الَّذِي يَأْتِينِي إِذَا قَصَدْت بِهِ مُعَيَّنًا , لَكِنَّ الَّذِي يَبْنِي عِنْدَ قَصْد التَّعْيِين شَبِيه فِي اللَّفْظ بِاَلَّذِي يَأْتِينِي عِنْدَ قَصْد الْعُمُوم فَجَازَ دُخُول الْفَاء حَمْلًا لِلشَّبِيهِ عَلَى الشَّبِيه , وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى ( وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّه ) فَإِنَّ مَدْلُول \" مَا \" مُعَيَّن وَمَدْلُول \" أَصَابَكُمْ \" مَاضٍ , إِلَّا أَنَّهُ رُوعِيَ فِيهِ التَّشْبِيه اللَّفْظِيّ لِشَبَهِ هَذِهِ الْآيَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) فَأُجْرِيَ \" مَا فِي \" مُصَاحَبَة الْفَاء مَجْرًى وَاحِدًا اِنْتَهَى. قَالَ الطِّيبِيُّ : هَذَا كَلَام مَتِين , لَكِنْ جَوَاب الْمَلَكَيْنِ تَفْصِيل لِتِلْكَ الرُّؤْيَا الْمُتَعَدِّدَة الْمُبْهَمَة لَا بُدَّ مِنْ ذِكْر كَلِمَة التَّفْصِيل أَوْ تَقْدِيرهَا فَالْفَاء جَوَاب أَمَا ثُمَّ قَالَ : وَالْفَاء فِي قَوْله \" فَأَوْلَاد النَّاس \" جَازَ دُخُولهَا عَلَى الْخَبَر لِأَنَّ الْجُمْلَة مَعْطُوفَة عَلَى مَدْخُول \" أَمَّا \" فِي قَوْله \" أَمَّا الرَّجُل \" وَقَدْ تُحْذَف الْفَاء فِي بَعْض الْمَحْذُوفَات نَظَرًا إِلَى أَنَّ أَمَّا لَمَّا حُذِفَتْ حُذِفَ مُقْتَضَاهَا وَكِلَاهُمَا جَائِز وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. وَقَوْله تُحْمَل بِالتَّخْفِيفِ لِلْأَكْثَرِ وَلِبَعْضِهِمْ بِالتَّشْدِيدِ , وَإِنَّمَا اِسْتَحَقَّ التَّعْذِيب لِمَا يَنْشَأ عَنْ تِلْكَ الْكِذْبَة مِنْ الْمَفَاسِد وَهُوَ فِيهَا مُخْتَار غَيْر مُكْرَه وَلَا مُلْجَأ. قَالَ اِبْن هُبَيْرَة : لَمَّا كَانَ الْكَاذِب يُسَاعِد أَنْفه وَعَيْنه لِسَانه عَلَى الْكَذِب بِتَرْوِيجِ بَاطِله وَقَعَتْ الْمُشَارَكَة بَيْنَهُمْ فِي الْعُقُوبَة. ‏ ‏قَوْله ( فِي مِثْل بِنَاءِ التَّنُّورِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِيرٍ \" وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي النَّقْب \". ‏ ‏قَوْله ( فَهُمْ الزُّنَاة ) ‏ ‏مُنَاسَبَة الْعُرْي لَهُمْ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ أَنْ يُفْضَحُوا لِأَنَّ عَادَتهمْ أَنْ يَسْتَتِرُوا فِي الْخَلْوَة فَعُوقِبُوا بِالْهَتْكِ , وَالْحِكْمَة فِي إِتْيَان الْعَذَاب مِنْ تَحْتِهِمْ كَوْنُ جِنَايَتهمْ مِنْ أَعْضَائِهِمْ السُّفْلَى. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُ آكِل الرِّبَا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن هُبَيْرَة إِنَّمَا عُوقِبَ آكِل الرِّبَا بِسِبَاحَتِهِ فِي النَّهَر الْأَحْمَر وَإِلْقَامه الْحِجَارَة لِأَنَّ أَصْل الرِّبَا يَجْرِي فِي الذَّهَب وَالذَّهَب أَحْمَر , وَأَمَّا إِلْقَام الْمَلَك لَهُ الْحَجَر فَإِنَّهُ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا وَكَذَلِكَ الرِّبَا فَإِنَّ صَاحِبه يَتَخَيَّل أَنَّ مَاله يَزْدَاد وَاَللَّه مِنْ وَرَائِهِ مَحَقَهُ. ‏ ‏قَوْله ( الَّذِي عِنْدَ النَّار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" عِنْدَهُ النَّار \". ‏ ‏قَوْله ( خَازِن جَهَنَّم ) ‏ ‏إِنَّمَا كَانَ كَرِيه الرُّؤْيَة لِأَنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَة فِي عَذَاب أَهْلِ النَّارِ. ‏ ‏قَوْله ( وَأَمَّا الرَّجُل الطَّوِيل الَّذِي فِي الرَّوْضَة فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير \" وَالشَّيْخ فِي أَصْل الشَّجَرَة إِبْرَاهِيم \" وَإِنَّمَا اُخْتُصَّ إِبْرَاهِيم لِأَنَّهُ أَبُو الْمُسْلِمِينَ , قَالَ تَعَالَى ( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم ) وَقَالَ تَعَالَى ( إِنَّ أَوْلَى النَّاس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ ) الْآيَة ( وَأَمَّا الْوِلْدَان الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلّ مَوْلُود مَاتَ عَلَى الْفِطْرَة ) فِي رِوَايَة النَّضْر بْن شُمَيْلٍ \" وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَة \" وَهِيَ أَشْبَهَ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" وَأَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ \" وَفِي رِوَايَة جَرِير \" فَأَوْلَاد النَّاس \" لَمْ أَرَ ذَلِكَ إِلَّا فِي هَذِهِ الطَّرِيق , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ الَّذِي نَبَّهْت عَلَيْهِ فِي أَوَّل شَرْح هَذَا الْحَدِيث \" ثُمَّ اِنْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِجِوَارٍ وَغِلْمَان يَلْعَبُونَ بَيْنَ نَهَرَيْنِ , فَقُلْت مَا هَؤُلَاءِ قَالَ : ذُرِّيَّة الْمُؤْمِنِينَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَأَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز وَظَاهِره أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْحَقَهُمْ بِأَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ فِي حُكْم الْآخِرَة وَلَا يُعَارِض قَوْله : هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْم الدُّنْيَا. ‏ ‏قَوْله ( وَأَمَّا الْقَوْم الَّذِينَ كَانُوا شَطْرًا مِنْهُمْ حَسَن وَشَطْرًا مِنْهُمْ قَبِيح ) ‏ ‏كَذَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِنَصْبِ شَطْرًا وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرّ \" شَطْر \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالرَّفْعِ وَحَسَنًا وَقَبِيحًا بِالنَّصْبِ وَلِكُلٍّ وَجْه , وَلِلنَّسَفِيِّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ بِالرَّفْعِ فِي الْجَمِيع , وَعَلَيْهِ اِقْتَصَرَ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعه وَ \" كَانَ \" فِي هَذِهِ الرِّوَايَة تَامَّة وَالْجُمْلَة حَالِيَّة , وَزَادَ جَرِير بْن حَازِم فِي رِوَايَته \" وَالدَّار الْأُولَى الَّتِي دَخَلْت دَار عَامَّة الْمُؤْمِنِينَ وَهَذِهِ الدَّار دَار الشُّهَدَاء وَأَنَا جِبْرِيل وَهَذَا مِيكَائِيل \" وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ \" ثُمَّ اِنْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِرِجَالٍ وَنِسَاء أَقْبَح شَيْء مَنْظَرًا وَأَنْتَنُهُ رِيحًا كَأَنَّمَا رِيحُهُمْ الْمَرَاحِيض , قُلْت مَا هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الزَّوَانِي وَالزُّنَاة. ثُمَّ اِنْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِمَوْتَى أَشَدّ شَيْء اِنْتِفَاخًا وَأَنْتَنَهُ رِيحًا , قُلْت : مَا هَؤُلَاءِ قَالَ : هَؤُلَاءِ مَوْتَى الْكُفَّار. ثُمَّ اِنْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِرِجَالٍ نِيَام تَحْتَ ظِلَال الشَّجَر , قُلْت : مَا هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ اِنْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِرِجَالٍ أَحْسَن شَيْء وَجْهًا وَأَطْيَبه رِيحًا , قُلْت : مَا هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ , هَؤُلَاءِ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحُونَ \" الْحَدِيث. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَنَّ الْإِسْرَاء وَقَعَ مِرَارًا يَقَظَة وَمَنَامًا عَلَى أَنْحَاء شَتَّى. وَفِيهِ أَنَّ بَعْض الْعُصَاة يُعَذَّبُونَ فِي الْبَرْزَخ. وَفِيهِ نَوْع مِنْ تَلْخِيص الْعِلْم وَهُوَ أَنْ يَجْمَع الْقَضَايَا جُمْلَة ثُمَّ يُفَسِّرهَا عَلَى الْوَلَاء لِيَجْتَمِعَ تَصَوُّرهَا فِي الذِّهْن , وَالتَّحْذِير مِنْ النَّوْم عَنْ الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة , وَعَنْ رَفْض الْقُرْآن لِمَنْ يَحْفَظهُ , وَعَنْ الزِّنَا وَأَكْل الرِّبَا وَتَعَمُّد الْكَذِب , وَأَنَّ الَّذِي لَهُ قَصْر فِي الْجَنَّة لَا يُقِيم فِيهِ وَهُوَ فِي الدُّنْيَا بَلْ إِذَا مَاتَ , حَتَّى النَّبِيّ وَالشَّهِيد. وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى طَلَب الْعِلْم وَاتِّبَاع مَنْ يُلْتَمَس مِنْهُ ذَلِكَ. وَفِيهِ فَضْل الشُّهَدَاء وَأَنَّ مَنَازِلهمْ فِي الْجَنَّة أَرْفَع الْمَنَازِل , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونُوا أَرْفَع دَرَجَة مِنْ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام لِاحْتِمَالِ أَنَّ إِقَامَته. هُنَاكَ بِسَبَبِ كَفَالَته الْوِلْدَان , وَمَنْزِله هُوَ فِي الْمَنْزِلَة الَّتِي هِيَ أَعْلَى مِنْ مَنَازِل الشُّهَدَاء كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِسْرَاء أَنَّهُ رَأَى آدَم فِي السَّمَاء الدُّنْيَا , وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِكَوْنِهِ يَرَى نَسَم بَنِيهِ مِنْ أَهْل الْخَيْر وَمِنْ أَهْل الشَّرّ فَيَضْحَك وَيَبْكِي مَعَ أَنَّ مَنْزِلَته هُوَ فِي عِلِّيِّينَ , فَإِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة اِسْتَقَرَّ كُلّ مِنْهُمْ فِي مَنْزِلَته. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ اِسْتَوَتْ حَسَنَاته وَسَيِّئَاته يَتَجَاوَز اللَّه عَنْهُمْ , اللَّهُمَّ تَجَاوَزْ عَنَّا بِرَحْمَتِك يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ. وَفِيهِ أَنَّ الِاهْتِمَام بِأَمْرِ الرُّؤْيَا بِالسُّؤَالِ عَنْهَا وَفَضْل تَعْبِيرهَا وَاسْتِحْبَاب ذَلِكَ بَعْدَ صَلَاة الصُّبْح لِأَنَّهُ الْوَقْت الَّذِي يَكُون فِيهِ الْبَال مُجْتَمِعًا. وَفِيهِ اِسْتِقْبَال الْإِمَام أَصْحَابه بَعْدَ الصَّلَاة إِذَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَهَا رَاتِبَة وَأَرَادَ أَنْ يَعِظهُمْ أَوْ يُفْتِيهِمْ أَوْ يَحْكُم بَيْنَهُمْ. وَفِيهِ أَنَّ تَرْك اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة لِلْإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ لَا يُكْرَه بَلْ يُشْرَع كَالْخَطِيبِ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مُنَاسَبَة الْعُقُوبَات الْمَذْكُورَة فِيهِ لِلْجِنَايَاتِ ظَاهِرَة إِلَّا الزُّنَاة فَفِيهَا خَفَاء , وَبَيَانه أَنَّ الْعُرْي فَضِيحَة كَالزِّنَا , وَالزَّانِي مِنْ شَأْنه طَلَب الْخَلْوَة فَنَاسَبَ التَّنُّور , ثُمَّ هُوَ خَائِف حَذِر حَال الْفِعْل كَأَنَّ تَحْتَهُ النَّار , وَقَالَ أَيْضًا : الْحِكْمَة فِي الِاقْتِصَار عَلَى مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْعُصَاة دُونَ غَيْرهمْ أَنَّ الْعُقُوبَة تَتَعَلَّق بِالْقَوْلِ أَوْ الْفِعْل , فَالْأَوَّل عَلَى وُجُود مَا لَا يَنْبَغِي مِنْهُ أَنْ يُقَال , وَالثَّانِي إِمَّا بَدَنِيٌّ وَإِمَّا مَالِيّ فَذَكَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مِثَال يُنَبِّه بِهِ عَلَى مَنْ عَدَاهُ , كَمَا نَبَّهَ بِمَنْ ذُكِرَ مِنْ أَهْل الثَّوَاب وَأَنَّهُمْ أَرْبَع دَرَجَات. دَرَجَات النَّبِيّ , وَدَرَجَات الْأُمَّة أَعْلَاهَا الشُّهَدَاء , وَثَانِيهَا مَنْ بَلَغَ , وَثَالِثهَا مَنْ كَانَ دُونَ الْبُلُوغ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ كِتَاب التَّعْبِير مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى تِسْعَة وَتِسْعِينَ حَدِيثًا , الْمَوْصُول مِنْهُ اِثْنَانِ وَثَمَانُونَ وَالْبَقِيَّة مَا بَيْنَ مُعَلَّق وَمُتَابَعَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى خَمْسَة وَسَبْعُونَ طَرِيقًا وَالْبَقِيَّة خَالِصَة , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا إِلَّا حَدِيث أَبِي سَعِيد \" إِذَا رَأَى أَحَدكُمْ الرُّؤْيَا يُحِبّهَا \" وَحَدِيث \" الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ \" وَحَدِيث عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس وَهُوَ يَشْتَمِل عَلَى ثَلَاثَة أَحَادِيث \" مَنْ تَحَلَّمَ , وَمَنْ اِسْتَمَعَ , وَمَنْ صَوَّرَ \" وَحَدِيث اِبْن عُمَر \" مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ يَرَ \" وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ عَشَرَة. وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِع وَالْمَآب. ‏"
    },
    {
        "id": "6526",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَنَا عَلَى حَوْضِي أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ فَيُؤْخَذُ بِنَاسٍ مِنْ دُونِي فَأَقُولُ أُمَّتِي فَيُقَالُ لَا تَدْرِي مَشَوْا عَلَى ‏ ‏الْقَهْقَرَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا أَوْ نُفْتَنَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6527",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُغِيرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏فَرَطُكُمْ ‏ ‏عَلَى الْحَوْضِ لَيُرْفَعَنَّ إِلَيَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ حَتَّى إِذَا أَهْوَيْتُ لِأُنَاوِلَهُمْ ‏ ‏اخْتُلِجُوا ‏ ‏دُونِي فَأَقُولُ أَيْ رَبِّ أَصْحَابِي يَقُولُ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6528",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏أَنَا ‏ ‏فَرَطُكُمْ ‏ ‏عَلَى الْحَوْضِ فَمَنْ وَرَدَهُ شَرِبَ مِنْهُ وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا لَيَرِدُ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏فَسَمِعَنِي ‏ ‏النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ ‏ ‏وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ هَذَا فَقَالَ هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلًا فَقُلْتُ نَعَمْ ‏ ‏قَالَ وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏لَسَمِعْتُهُ ‏ ‏يَزِيدُ فِيهِ قَالَ إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي ‏",
        "sharh": "وَقَوْله فِي حَدِيث سَهْل ‏ ‏\" مَنْ وَرَدَهُ شَرِبَ \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يَشْرَب \" وَقَوْله \" لَمْ يَظْمَأ \" قِيلَ هُوَ كِنَايَة عَنْ أَنَّهُ يَدْخُل الْجَنَّة لِأَنَّهُ صِفَة مَنْ يَدْخُلهَا , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد ‏ ‏\" إِنَّك لَا تَدْرِي مَا بَدَّلُوا \" ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَا أَحْدَثُوا \" وَحَاصِل مَا حُمِلَ عَلَيْهِ حَال الْمَذْكُورِينَ أَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا مِمَّنْ اِرْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَام فَلَا إِشْكَال فِي تَبَرِّي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ وَإِبْعَادهمْ , وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ لَمْ يَرْتَدّ لَكِنْ أَحْدَثَ مَعْصِيَةً كَبِيرَةً مِنْ أَعْمَال الْبَدَن أَوْ بِدْعَة مِنْ اِعْتِقَاد الْقَلْب فَقَدْ أَجَابَ بَعْضهمْ بِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَعْرَضَ عَنْهُمْ وَلَمْ يَشْفَع لَهُمْ اِتِّبَاعًا لِأَمْرِ اللَّه فِيهِمْ حَتَّى يُعَاقِبَهُمْ عَلَى جِنَايَتهمْ , وَلَا مَانِعَ مِنْ دُخُولهمْ فِي عُمُوم شَفَاعَته لِأَهْلِ الْكَبَائِر مِنْ أُمَّته فَيَخْرُجُونَ عِنْدَ إِخْرَاج الْمُوَحِّدِينَ مِنْ النَّار وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6529",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي ‏ ‏أَثَرَةً ‏ ‏وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا زَيْد بْن وَهْب ) ‏ ‏لِلْأَعْمَشِ فِيهِ شَيْخ آخَر أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن عِيسَى الرَّمْلِيّ عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْل رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب. ‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش فِي عَلَامَات النُّبُوَّةِ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ \" أَثَرَة \" وَتَقَدَّمَ ضَبْط الْأَثَرَة وَشَرْحهَا فِي شَرْح الْحَدِيث الَّذِي قَبْلَهُ , وَحَاصِلهَا الِاخْتِصَاص بِحَظٍّ دُنْيَوِيّ. ‏ ‏قَوْله ( وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا ) ‏ ‏يَعْنِي مِنْ أُمُور الدِّين , وَسَقَطَتْ الْوَاو مِنْ بَعْض الرِّوَايَات فَهَذَا بَدَلٌ مِنْ أَثَرَة , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَاضِي فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل عَنْ مَنْصُور هُنَا زِيَادَة فِي أَوَّله قَالَ \" كَانَ بَنُو إِسْرَائِيل تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاء , كُلَّمَا مَاتَ نَبِيّ قَامَ بَعْدَهُ نَبِيّ , وَإِنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي , وَسَتَكُونُ خُلَفَاء فَيَكْثُرُونَ \" الْحَدِيث وَفِيهِ مَعْنَى مَا فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا ) ‏ ‏أَيْ أَنْ نَفْعَل إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( أَدُّوا إِلَيْهِمْ ) ‏ ‏أَيْ إِلَى الْأُمَرَاء ‏ ‏( حَقَّهُمْ ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي وَجَبَ لَهُمْ الْمُطَالَبَة بِهِ وَقَبْضه سَوَاء كَانَ يَخْتَصّ بِهِمْ أَوْ يَعُمّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ \" تُؤَدُّونَ الْحَقّ الَّذِي عَلَيْكُمْ \" أَيْ بَذْل الْمَال الْوَاجِب فِي الزَّكَاة وَالنَّفْس فِي الْخُرُوج إِلَى الْجِهَاد عِنْدَ التَّعْيِين وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( وَسَلُوا اللَّه حَقَّكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ \" وَتَسْأَلُونَ اللَّه الَّذِي لَكُمْ \" أَيْ بِأَنْ يُلْهِمَهُمْ إِنْصَافَكُمْ أَوْ يُبْدِلكُمْ خَيْرًا مِنْهُمْ , وَهَذَا ظَاهِره الْعُمُوم فِي الْمُخَاطَبِينَ , وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ خَاصّ بِالْأَنْصَارِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد الَّذِي قَبْلَهُ , وَلَا يَلْزَم مِنْ مُخَاطَبَة الْأَنْصَار بِذَلِكَ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِمْ فَإِنَّهُ يَخْتَصّ بِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُهَاجِرِينَ وَيَخْتَصّ بِبَعْضِ الْمُهَاجِرِينَ دُونَ بَعْض , فَالْمُسْتَأْثِر مَنْ يَلِي الْأَمْر وَمَنْ عَدَاهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَأْثِر عَلَيْهِ , وَلَمَّا كَانَ الْأَمْر يَخْتَصّ بِقُرَيْشٍ وَلَا حَظَّ لِلْأَنْصَارِ فِيهِ خُوطِبَ الْأَنْصَار بِأَنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ أَثَرَة , وَخُوطِبَ الْجَمِيع بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَلِي الْأَمْر , فَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلّ عَلَى التَّعْمِيم , فَفِي حَدِيث يَزِيد بْن سَلَمَة الْجُعْفِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ \" يَا رَسُول اللَّه إِنْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاء يَأْخُذُونَ بِالْحَقِّ الَّذِي عَلَيْنَا وَيَمْنَعُونَا الْحَقّ الَّذِي لَنَا أَنُقَاتِلُهُمْ ؟ قَالَ : لَا , عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ \" وَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة مَرْفُوعًا \" سَيَكُونُ أُمَرَاء فَيَعْرِفُونَ وَيُنْكِرُونَ , فَمَنْ كَرِهَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ , وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ. قَالُوا : أَفَلَا نُقَاتِلهُمْ ؟ قَالَ : لَا , مَا صَلَّوْا \" وَمِنْ حَدِيث عَوْف بْن مَالِك رَفَعَهُ فِي حَدِيث فِي هَذَا الْمَعْنَى \" قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : لَا , مَا أَقَامُوا الصَّلَاة \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" بِالسَّيْفِ \" وَزَادَ \" وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَله وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَة \" وَفِي حَدِيث عُمَر فِي مُسْنَده لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي مُسْلِم الْخَوْلَانِيّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح عَنْ عُمَر رَفَعَهُ قَالَ \" أَتَانِي جِبْرِيل فَقَالَ : إِنَّ أُمَّتَك مُفْتَتَنَة مِنْ بَعْدِك , فَقُلْت : مِنْ أَيْنَ ؟ قَالَ : مِنْ قِبَل أُمَرَائِهِمْ وَقُرَّائِهِمْ , بِمَنْعِ الْأُمَرَاء النَّاس الْحُقُوق فَيَطْلُبُونَ حُقُوقهمْ فَيُفْتَنُونَ , وَيَتَّبِع الْقُرَّاء هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاء فَيُفْتَنُونَ. قُلْت : فَكَيْفَ يَسْلَم مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ ؟ قَالَ بِالْكَفِّ وَالصَّبْر إِنْ أَعْطَوْا الَّذِي لَهُمْ أَخَذُوهُ وَإِنْ مَنَعُوهُ تَرَكُوهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6530",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس مِنْ وَجْهَيْنِ فِي الثَّانِي التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ وَالسَّمَاع فِي مَوْضِعَيْ الْعَنْعَنَة فِي الْأَوَّلِ. ‏ ‏قَوْله ( عَبْد الْوَارِث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد , وَالْجَعْد هُوَ أَبُو عُثْمَان الْمَذْكُور فِي السَّنَد الثَّانِي , وَأَبُو رَجَاء هُوَ الْعُطَارِدِيُّ وَاسْمُهُ عِمْرَان. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيره شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ ) ‏ ‏زَادَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَان ) ‏ ‏أَيْ مِنْ طَاعَة السُّلْطَان , وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم \" فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَد مِنْ النَّاس يَخْرُج مِنْ السُّلْطَان \" وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة \" مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَة \" وَقَوْله \" شِبْرًا \" بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَهِيَ كِنَايَة عَنْ مَعْصِيَة السُّلْطَان وَمُحَارَبَته , قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : الْمُرَاد بِالْمُفَارَقَةِ السَّعْي فِي حَلّ عَقْد الْبَيْعَة الَّتِي حَصَلَتْ لِذَلِكَ الْأَمِير وَلَوْ بِأَدْنَى شَيْء , فَكُنِّيَ عَنْهَا بِمِقْدَارِ الشِّبْر , لِأَنَّ الْأَخْذ فِي ذَلِكَ يَئُولُ إِلَى سَفْك الدِّمَاء بِغَيْرِ حَقٍّ. ‏ ‏قَوْله ( مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّة \" وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" فَمِيتَته مِيتَة \" جَاهِلِيَّة \" وَعِنْدَهُ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَة لَقِيَ اللَّه وَلَا حُجَّة لَهُ , وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقه بَيْعَة مَاتَ مِيتَة جَاهِلِيَّة \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الِاسْتِثْنَاء هُنَا بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَام الْإِنْكَارِيّ أَيْ مَا فَارَقَ الْجَمَاعَة أَحَد إِلَّا جَرَى لَهُ كَذَا , أَوْ حُذِفَتْ \" مَا \" فَهِيَ مُقَدَّرَة , أَوْ \" إِلَّا \" زَائِدَة أَوْ عَاطِفَة عَلَى رَأْي الْكُوفِيِّينَ , وَالْمُرَاد بِالْمِيتَةِ الْجَاهِلِيَّة وَهِيَ بِكَسْرِ الْمِيم حَالَة الْمَوْت كَمَوْتِ أَهْل الْجَاهِلِيَّة عَلَى ضَلَال وَلَيْسَ لَهُ إِمَام مُطَاع , لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ يَمُوت كَافِرًا بَلْ يَمُوت عَاصِيًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّشْبِيه عَلَى ظَاهِره وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَمُوت مِثْل مَوْت الْجَاهِلِيّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ جَاهِلِيًّا , أَوْ أَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ مَوْرِد الزَّجْر وَالتَّنْفِير وَظَاهِره غَيْر مُرَاد , وَيُؤَيِّد أَنَّ الْمُرَاد بِالْجَاهِلِيَّةِ التَّشْبِيه قَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر \" مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَة شِبْرًا فَكَأَنَّمَا خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَام مِنْ عُنُقِهِ \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان وَمُصَحَّحًا مِنْ حَدِيث الْحَارِث بْن الْحَارِث الْأَشْعَرِيّ فِي أَثْنَاء حَدِيث طَوِيل , وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَفِي سَنَده خُلَيْد بْن دَعْلَج وَفِيهِ مَقَال , وَقَالَ \" مِنْ رَأْسِهِ \" بَدَلَ \" عُنُقِهِ \" قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي الْحَدِيث حُجَّة فِي تَرْك الْخُرُوج عَلَى السُّلْطَان وَلَوْ جَارَ , وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاء عَلَى وُجُوب طَاعَة السُّلْطَان الْمُتَغَلِّب وَالْجِهَاد مَعَهُ وَأَنَّ طَاعَته خَيْر مِنْ الْخُرُوج عَلَيْهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَقْن الدِّمَاء وَتَسْكِين الدَّهْمَاء , وَحُجَّتهمْ هَذَا الْخَبَر وَغَيْره مِمَّا يُسَاعِدهُ , وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا وَقَعَ مِنْ السُّلْطَان الْكُفْر الصَّرِيح فَلَا تَجُوز طَاعَته فِي ذَلِكَ بَلْ تَجِب مُجَاهَدَته لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا كَمَا فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6531",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6532",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُكَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ‏ ‏قَالَ دَخَلْنَا عَلَى ‏ ‏عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ‏ ‏وَهُوَ مَرِيضٌ قُلْنَا أَصْلَحَكَ اللَّهُ حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ دَعَانَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا ‏ ‏أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْسٍ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث وَعِنْدَ مُسْلِمٍ \" حَدَّثَنَا عَمْرو بْن الْحَارِثِ \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ بُكَيْرٍ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن الْأَشَجّ , وَعِنْدَ مُسْلِم \" حَدَّثَنِي بُكَيْرٌ \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ بُسْر ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة , وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ بِكَسْرِ أَوَّله وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَهُوَ تَصْحِيف , وَجُنَادَة بِضَمِّ الْجِيم وَتَخْفِيف النُّون , وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن صَالِح \" حَدَّثَنَا اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي عَمْرو أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ أَنَّ بُسْر بْن سَعِيد حَدَّثَهُ أَنَّ جُنَادَةَ حَدَّثَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْن الصَّامِت وَهُوَ مَرِيض فَقُلْنَا : أَصْلَحَك اللَّه حَدِّثْ بِحَدِيثٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" حَدِّثْنَا \" وَقَوْلهمْ \" أَصْلَحَك اللَّه \" يَحْتَمِل أَنَّهُ أَرَادَ الدُّعَاء لَهُ بِالصَّلَاحِ فِي جِسْمه لِيُعَافَى مِنْ مَرَضه أَوْ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ , وَهِيَ كَلِمَة اِعْتَادُوهَا عِنْدَ اِفْتِتَاح الطَّلَب. ‏ ‏قَوْله ( دَعَانَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ ) ‏ ‏لَيْلَةَ الْعَقَبَة كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحه فِي أَوَائِل كِتَاب الْإِيمَان أَوَّلَ الصَّحِيحِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا ) ‏ ‏أَيْ اِشْتَرَطَ عَلَيْنَا. ‏ ‏قَوْله ( أَنْ بَايَعَنَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن ‏ ‏( عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة ) ‏ ‏أَيْ لَهُ ‏ ‏( فِي مَنْشَطِنَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَالْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون بَيْنَهُمَا ( وَمَكْرَهِنَا ) أَيْ فِي حَالَة نَشَاطنَا وَفِي الْحَالَة الَّتِي نَكُون فِيهَا عَاجِزِينَ عَنْ الْعَمَل بِمَا نُؤْمَر بِهِ. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْمُرَاد الْأَشْيَاء الَّتِي يَكْرَهُونَهَا , قَالَ اِبْن التِّين : وَالظَّاهِر أَنَّهُ أَرَادَ فِي وَقْت الْكَسَل وَالْمَشَقَّة فِي الْخُرُوج لِيُطَابِقَ قَوْله مَنْشَطنَا. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عُبَيْد بْن رِفَاعَة عَنْ عُبَادَةَ عِنْدَ أَحْمَد \" فِي النَّشَاط وَالْكَسَل \". ‏ ‏قَوْله ( وَعُسْرنَا وَيُسْرنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيلَ بْن عُبَيْد \" وَعَلَى النَّفَقَة فِي الْعُسْر وَالْيُسْرِ \" وَزَادَ \" وَعَلَى الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَرِ \". ‏ ‏قَوْله ( وَأَثَرَة عَلَيْنَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْمُثَلَّثَة وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْضِعُ ضَبْطهَا فِي أَوَّلِ الْبَاب , وَالْمُرَاد أَنَّ طَوَاعِيَتهمْ لِمَنْ يَتَوَلَّى عَلَيْهِمْ لَا تَتَوَقَّف عَلَى إِيصَالهمْ حُقُوقهمْ بَلْ عَلَيْهِمْ الطَّاعَة وَلَوْ مَنَعَهُمْ حَقَّهُمْ. ‏ ‏قَوْله ( وَأَنْ لَا نُنَازِع الْأَمْر أَهْله ) ‏ ‏أَيْ الْمُلْك وَالْإِمَارَة , زَادَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق عُمَيْر بْن هَانِئ عَنْ جُنَادَةَ \" وَإِنْ رَأَيْت أَنَّ لَك - أَيْ وَإِنْ اِعْتَقَدْت أَنَّ لَك - فِي الْأَمْر حَقًّا فَلَا تَعْمَل بِذَلِكَ الظَّنّ بَلْ اِسْمَعْ وَأَطِعْ إِلَى أَنْ يَصِل إِلَيْك بِغَيْرِ خُرُوج عَنْ الطَّاعَة , زَادَ فِي رِوَايَة حِبَّان أَبِي النَّضْر عَنْ جُنَادَةَ عِنْدَ اِبْن حِبَّانَ وَأَحْمَد \" وَإِنْ أَكَلُوا مَالَك وَضَرَبُوا ظَهْرَك \" وَزَادَ فِي رِوَايَة الْوَلِيد بْن عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ \" وَأَنْ نَقُوم بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَاف فِي اللَّه لَوْمَة لَائِم \" وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَحْكَام. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَة \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى قَوْله بَوَاحًا يُرِيد ظَاهِرًا بَادِيًا مِنْ قَوْلهمْ بَاحَ بِالشَّيْءِ يَبُوح بِهِ بَوْحًا وَبَوَاحًا إِذَا أَذَاعَهُ وَأَظْهَرَهُ \" وَأَنْكَرَ ثَابِت فِي الدَّلَائِل بَوَاحًا وَقَالَ : إِنَّمَا يَجُوز بَوْحًا بِسُكُونِ الْوَاو وَبُؤَاحًا بِضَمِّ أَوَّله ثُمَّ هَمْزَة مَمْدُودَة , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَنْ رَوَاهُ بِالرَّاءِ فَهُوَ قَرِيب مِنْ هَذَا الْمَعْنَى , وَأَصْل الْبَرَاح الْأَرْض الْقَفْرَاء الَّتِي لَا أَنِيس فِيهَا وَلَا بِنَاء , وَقِيلَ الْبَرَاح الْبَيَان يُقَال بَرَحَ الْخَفَاء إِذَا ظَهَرَ , وَقَالَ النَّوَوِيّ : هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ مِنْ مُسْلِم بِالْوَاوِ وَفِي بَعْضهَا بِالرَّاءِ. قُلْت : وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَة أَحْمَد بْن صَالِح عَنْ اِبْن وَهْب فِي هَذَا الْحَدِيث كُفْرًا صُرَاحًا , بِصَادٍ مُهْمَلَة مَضْمُومَة ثُمَّ رَاء , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حِبَّان أَبِي النَّضْر الْمَذْكُورَة \" إِلَّا أَنْ يَكُون مَعْصِيَة لِلَّهِ بَوَاحًا \" وَعِنْدَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق عُمَيْر بْن هَانِئ عَنْ جُنَادَةَ \" مَا لَمْ يَأْمُرُوك بِإِثْمٍ بَوَاحًا \" وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عُبَيْد عِنْدَ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ وَالْحَاكِم مِنْ رِوَايَته عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَادَةَ \" سَيَلِي أُمُوركُمْ مِنْ بَعْدِي رِجَال يُعَرِّفُونَكُمْ مَا تُنْكِرُونَ وَيُنْكِرُونَ عَلَيْكُمْ مَا تَعْرِفُونَ , فَلَا طَاعَة لِمَنْ عَصَى اللَّه \" وَعِنْدَ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق أَزْهَر بْن عَبْد اللَّه عَنْ عُبَادَةَ رَفَعَهُ \" سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاء يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا لَا تَعْرِفُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا تُنْكِرُونَ فَلَيْسَ لِأُولَئِكَ عَلَيْكُمْ طَاعَة \". ‏ ‏قَوْله ( عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّه فِيهِ بُرْهَان ) ‏ ‏أَيْ نَصّ آيَة أَوْ خَبَر صَحِيح لَا يَحْتَمِل التَّأْوِيل , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوز الْخُرُوج عَلَيْهِمْ مَا دَامَ فِعْلهمْ يَحْتَمِل التَّأْوِيل , قَالَ النَّوَوِيّ : الْمُرَاد بِالْكُفْرِ هُنَا الْمَعْصِيَة , وَمَعْنَى الْحَدِيث لَا تُنَازِعُوا وُلَاة الْأُمُور فِي وِلَايَتهمْ وَلَا تَعْتَرِضُوا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ تَرَوْا مِنْهُمْ مُنْكَرًا مُحَقَّقًا تَعْلَمُونَهُ مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام ; فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَنْكِرُوا عَلَيْهِمْ وَقُولُوا بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ اِنْتَهَى. وَقَالَ غَيْره : الْمُرَاد بِالْإِثْمِ هُنَا الْمَعْصِيَة وَالْكُفْر , فَلَا يُعْتَرَض عَلَى السُّلْطَان إِلَّا إِذَا وَقَعَ فِي الْكُفْر الظَّاهِر , وَاَلَّذِي يَظْهَر حَمْل رِوَايَة الْكُفْر عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ الْمُنَازَعَة فِي الْوِلَايَة فَلَا يُنَازِعهُ بِمَا يَقْدَح فِي الْوِلَايَة إِلَّا إِذَا اِرْتَكَبَ الْكُفْر , وَحَمْل رِوَايَة الْمَعْصِيَة عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ الْمُنَازَعَة فِيمَا عَدَا الْوِلَايَة , فَإِذَا لَمْ يَقْدَح فِي الْوِلَايَة نَازَعَهُ فِي الْمَعْصِيَة بِأَنْ يُنْكِر عَلَيْهِ بِرِفْقٍ وَيَتَوَصَّل إِلَى تَثْبِيت الْحَقّ لَهُ بِغَيْرِ عُنْف , وَمَحَلّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ قَادِرًا وَاَللَّه أَعْلَم. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ قَالَ : الَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاء فِي أُمَرَاء الْجَوْر أَنَّهُ إِنْ قَدَرَ عَلَى خَلْعه بِغَيْرِ فِتْنَة وَلَا ظُلْم وَجَبَ , وَإِلَّا فَالْوَاجِب الصَّبْر. وَعَنْ بَعْضهمْ لَا يَجُوز عَقْد الْوِلَايَة لِفَاسِقٍ اِبْتِدَاء , فَإِنْ أَحْدَثَ جَوْرًا بَعْدَ أَنْ كَانَ عَدْلًا فَاخْتَلَفُوا فِي جَوَاز الْخُرُوج عَلَيْهِ , وَالصَّحِيح الْمَنْع إِلَّا أَنْ يُكَفِّر فَيُجِبْ الْخُرُوج عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6533",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏اسْتَعْمَلْتَ ‏ ‏فُلَانًا وَلَمْ تَسْتَعْمِلْنِي قَالَ ‏ ‏إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس عَنْ أُسَيْدِ بْن حُضَيْرٍ ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ مَشْرُوحًا فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار , وَالسِّرّ فِي جَوَابه عَنْ طَلَب الْوِلَايَة بِقَوْلِهِ ‏ ‏\" سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَة \" ‏ ‏إِرَادَة نَفْي ظَنّه أَنَّهُ آثَرَ الَّذِي وَلَّاهُ عَلَيْهِ ; فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَع فِي زَمَانه , وَأَنَّهُ لَمْ يَخُصّهُ بِذَلِكَ لِذَاتِهِ بَلْ لِعُمُومِ مَصْلَحَة الْمُسْلِمِينَ , وَأَنَّ الِاسْتِئْثَار لِلْحَظِّ الدُّنْيَوِيّ إِنَّمَا يَقَع بَعْدَهُ , وَأَمَرَهُمْ عِنْدَ وُقُوع ذَلِكَ بِالصَّبْرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6534",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَدِّي ‏ ‏قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏فِي ‏ ‏مَسْجِدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏وَمَعَنَا ‏ ‏مَرْوَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ يَقُولُ ‏ ‏هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَرْوَانُ ‏ ‏لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ غِلْمَةً فَقَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ بَنِي فُلَانٍ وَبَنِي فُلَانٍ لَفَعَلْتُ فَكُنْتُ أَخْرُجُ مَعَ جَدِّي إِلَى ‏ ‏بَنِي مَرْوَانَ ‏ ‏حِينَ مُلِّكُوا ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏ ‏فَإِذَا رَآهُمْ غِلْمَانًا أَحْدَاثًا قَالَ لَنَا عَسَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْهُمْ قُلْنَا أَنْتَ أَعْلَمُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا عَمْرو بْن يَحْيَى بْن سَعِيد بْن عَمْرو ) ‏ ‏زَادَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَنْ أَحْمَد بْن مُحَمَّد الْمَكِّيّ \" حَدَّثَنَا عَمْرو بْن يَحْيَى الْأُمَوِيّ \". ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي جَدِّي ) ‏ ‏هُوَ سَعِيد بْن عَمْرو بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ بْن أُمَيَّة , وَقَدْ نُسِبَ يَحْيَى فِي رِوَايَة عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى إِلَى جَدّ جَدّه الْأَعْلَى فَوَقَعَ فِي رِوَايَته \" حَدَّثَنَا عَمْرو بْن يَحْيَى بْن الْعَاصِ سَمِعْت جَدِّي سَعِيد بْن الْعَاصِ \" فَنَسَبَ سَعِيدًا أَيْضًا إِلَى وَالِد جَدّ جَدّه , وَأَبُوهُ عَمْرو بْن سَعِيد هُوَ الْمَعْرُوف بِالْأَشْدَقِ قَتَلَهُ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان لَمَّا خَرَجَ عَلَيْهِ بِدِمَشْقَ بَعْدَ السَّبْعِينَ. ‏ ‏قَوْله ( كُنْت جَالِسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏كَانَ ذَلِكَ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ. ‏ ‏قَوْله ( وَمَعَنَا مَرْوَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَكَم بْن أَبِي الْعَاصِ بْن أُمَيَّة الَّذِي وَلِيَ الْخِلَافَة بَعْدَ ذَلِكَ , وَكَانَ يَلِي لِمُعَاوِيَةَ إِمْرَة الْمَدِينَة تَارَةً وَسَعِيد بْن الْعَاصِ - وَالِد عَمْرو - يَلِيهَا لِمُعَاوِيَةَ تَارَةً. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت الصَّادِق الْمَصْدُوق ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه فِي كِتَاب الْقَدَر وَالْمُرَاد بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الصَّمَد الْمَذْكُور أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة لَهُ أُخْرَى \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( هَلَكَة أُمَّتِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمَكِّيّ \" هَلَاك أُمَّتِي \" وَهُوَ الْمُطَابِق لِمَا فِي \" التَّرْجَمَة \". وَفِي رِوَايَة عَبْد الصَّمَد \" هَلَاك هَذِهِ الْأُمَّةِ \" وَالْمُرَاد بِالْأُمَّةِ هُنَا أَهْل ذَلِكَ الْعَصْر وَمَنْ قَارَبَهُمْ لَا جَمِيع الْأُمَّة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى يَدَيْ غِلْمَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّثْنِيَةِ , وَلِلسَّرَخْسِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ \" أَيْدِي \" بِصِيغَةِ الْجَمْع , قَالَ اِبْن بَطَّال : جَاءَ الْمُرَاد بِالْهَلَاكِ مُبَيَّنًا فِي حَدِيث آخَر لِأَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ عَلِيّ بْن مَعْبَد وَابْن أَبِي شَيْبَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ إِمَارَة الصِّبْيَان , قَالُوا وَمَا إِمَارَة الصِّبْيَان ؟ قَالَ : إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ هَلَكْتُمْ - أَيْ فِي دِينكُمْ - وَإِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ أَهْلَكُوكُمْ \" أَيْ فِي دُنْيَاكُمْ بِإِزْهَاقِ النَّفْس أَوْ بِإِذْهَابِ الْمَال أَوْ بِهِمَا , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة \" أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَمْشِي فِي السُّوق وَيَقُول : اللَّهُمَّ لَا تُدْرِكنِي سَنَة سِتِّينَ وَلَا إِمَارَة الصِّبْيَان \" وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنَّ أَوَّل الْأُغَيْلِمَة كَانَ فِي سَنَة سِتِّينَ وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّ يَزِيد بْن مُعَاوِيَة اُسْتُخْلِفَ فِيهَا وَبَقِيَ إِلَى سَنَة أَرْبَع وَسِتِّينَ فَمَاتَ ثُمَّ وَلِيَ وَلَده مُعَاوِيَة وَمَاتَ بَعْدَ أَشْهُر , وَهَذِهِ الرِّوَايَة تُخَصِّص رِوَايَة أَبِي زُرْعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة الْمَاضِيَة فِي عَلَامَات النُّبُوَّة بِلَفْظِ \" يُهْلِك النَّاس هَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْش \" وَإِنَّ الْمُرَاد بَعْض قُرَيْش وَهُمْ الْأَحْدَاث مِنْهُمْ لَا كُلّهمْ , وَالْمُرَاد أَنَّهُمْ يُهْلِكُونَ نَاس بِسَبَبِ طَلَبهمْ الْمُلْك وَالْقِتَال لِأَجْلِهِ فَتَفْسُد أَحْوَال النَّاس وَيَكْثُر الْخَبْط بِتَوَالِي الْفِتَن , وَقَدْ وَقَعَ الْأَمْر كَمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمَّا قَوْله \" لَوْ أَنَّ النَّاس اِعْتَزَلُوهُمْ \" مَحْذُوف الْجَوَاب وَتَقْدِيره : لَكَانَ أَوْلَى بِهِمْ , وَالْمُرَاد بِاعْتِزَالِهِمْ أَنْ لَا يُدَاخِلُوهُمْ وَلَا يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ وَيَفِرُّوا بِدِينِهِمْ مِنْ الْفِتَن , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون \" لَوْ \" لِلتَّمَنِّي فَلَا يَحْتَاج إِلَى تَقْدِير جَوَاب. وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب هِجْرَان الْبَلْدَة الَّتِي يَقَع فِيهَا إِظْهَار الْمَعْصِيَة فَإِنَّهَا سَبَب وُقُوع الْفِتَن الَّتِي يَنْشَأ عَنْهَا عُمُوم الْهَلَاك قَالَ اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك : تُهْجَر الْأَرْض الَّتِي يُصْنَع فِيهَا الْمُنْكَر جِهَارًا , وَقَدْ صَنَعَ ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ مَرْوَان : لَعْنَة اللَّه عَلَيْهِمْ غِلْمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الصَّمَد \" لَعْنَة اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ أُغَيْلِمَة \" وَهَذِهِ الرِّوَايَة تُفَسِّر الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة الْمَكِّيّ \" فَقَالَ مَرْوَان غِلْمَة \" كَذَا اِقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَة فَدَلَّتْ رِوَايَة الْبَاب أَنَّهَا مُخْتَصَرَة مِنْ قَوْله لَعْنَة اللَّه عَلَيْهِمْ غِلْمَة فَكَانَ التَّقْدِير غِلْمَة عَلَيْهِمْ لَعْنَة اللَّه أَوْ مَلْعُونُونَ أَوْ نَحْو ذَلِكَ , وَلَمْ يُرِدْ التَّعَجُّبَ وَلَا الِاسْتِثْبَات. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : لَوْ شِئْت أَنْ أَقُول بَنِي فُلَان وَبَنِي فُلَان لَفَعَلْت ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" مِنْ بَنِي فُلَان وَبَنِي فُلَان لَقُلْت \" وَكَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَعْرِف أَسْمَاءَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ الْجَوَاب الَّذِي لَمْ يُحَدِّث بِهِ , وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي كِتَاب الْعِلْم , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ قَوْله \" لَوْ حَدَّثْت بِهِ لَقَطَعْتُمْ هَذَا الْبُلْعُومَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَكُنْت أَخْرُج مَعَ جَدِّي ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ عَمْرو بْن يَحْيَى بْن سَعِيد بْن عَمْرو وَجَدّه سَعِيد بْن عَمْرو \" وَكَانَ مَعَ أَبِيهِ لَمَّا غَلَبَ عَلَى الشَّام , ثُمَّ لَمَّا قُتِلَ تَحَوَّلَ سَعِيد بْن عَمْرو إِلَى الْكُوفَة فَسَكَنَهَا إِلَى أَنْ مَاتَ. ‏ ‏قَوْله ( حِينَ مَلَكُوا الشَّام ) ‏ ‏أَيْ وَغَيْرهَا لَمَّا وُلُّوا الْخِلَافَة , وَإِنَّمَا خُصَّتْ الشَّام بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَسَاكِنهمْ مِنْ عَهْد مُعَاوِيَةَ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا رَآهُمْ غِلْمَانًا أَحْدَاثًا ) ‏ ‏هَذَا يُقَوِّي الِاحْتِمَال الْمَاضِي وَأَنَّ الْمُرَاد أَوْلَاد مَنْ اُسْتُخْلِفَ مِنْهُمْ , وَأَمَّا تَرَدُّده فِي أَيّهمْ الْمُرَاد بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة فَمِنْ جِهَة كَوْن أَبِي هُرَيْرَة لَمْ يُفْصِح بِأَسْمَائِهِمْ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمَذْكُورِينَ مِنْ جُمْلَتهمْ , وَأَنَّ أَوَّلهمْ يَزِيد كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة رَأْس السِّتِّينَ وَإِمَارَة الصِّبْيَان فَإِنَّ يَزِيد كَانَ غَالِبًا يَنْتَزِع الشُّيُوخ مِنْ إِمَارَة الْبُلْدَان الْكِبَار وَيُوَلِّيهَا الْأَصَاغِر مِنْ أَقَارِبه , وَقَوْله \" قُلْنَا أَنْتَ أَعْلَم \" الْقَائِل لَهُ ذَلِكَ أَوْلَاده وَأَتْبَاعه مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ ذَلِكَ , وَهَذَا مُشْعِر بِأَنَّ هَذَا الْقَوْل صَدَرَ مِنْهُ فِي أَوَاخِر دَوْلَة بَنِي مَرْوَان بِحَيْثُ يُمْكِن عَمْرو بْن يَحْيَى أَنْ يَسْمَع مِنْهُ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن عَسَاكِر أَنَّ سَعِيد بْن عَمْرو هَذَا بَقِيَ إِلَى أَنْ وَفَدَ عَلَى الْوَلِيد بْن يَزِيد بْن عَبْد الْمَلِك وَذَلِكَ قُبَيْل الثَّلَاثِينَ وَمِائَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ بَيْنَ تَحْدِيث عَمْرو بْن يَحْيَى بِذَلِكَ وَسَمَاعه لَهُ مِنْ جَدّه سَبْعِينَ سَنَة , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا حُجَّة لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرْك الْقِيَام عَلَى السُّلْطَان وَلَوْ جَارَ , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَ أَبَا هُرَيْرَة بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ وَأَسْمَاء آبَائِهِمْ وَلَمْ يَأْمُرهُمْ بِالْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ مَعَ إِخْبَاره أَنَّ هَلَاك الْأُمَّة عَلَى أَيْدِيهمْ لِكَوْنِ الْخُرُوج أَشَدّ فِي الْهَلَاك وَأَقْرَب إِلَى الِاسْتِئْصَال مِنْ طَاعَتهمْ , فَاخْتَارَ أَخَفّ الْمَفْسَدَتَيْنِ وَأَيْسَر الْأَمْرَيْنِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏يَتَعَجَّب مِنْ لَعْن مَرْوَان الْغِلْمَة الْمَذْكُورِينَ مَعَ أَنَّ الظَّاهِر أَنَّهُمْ مِنْ وَلَده فَكَأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَجْرَى ذَلِكَ عَلَى لِسَانه لِيَكُونَ أَشَدّ فِي الْحُجَّة عَلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَتَّعِظُونَ , وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيث فِي لَعْن الْحَكَم وَالِد مَرْوَان وَمَا وَلَدَ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْره غَالِبهَا فِيهِ مَقَال وَبَعْضهَا جَيِّد , وَلَعَلَّ الْمُرَاد تَخْصِيص الْغِلْمَة الْمَذْكُورِينَ بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6535",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ حَبِيبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ النَّوْمِ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ يَقُولُ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيْلٌ ‏ ‏لِلْعَرَبِ ‏ ‏مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ ‏ ‏رَدْمِ ‏ ‏يَأْجُوجَ ‏ ‏وَمَأْجُوجَ ‏ ‏مِثْلُ هَذِهِ ‏ ‏وَعَقَدَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏تِسْعِينَ أَوْ مِائَةً ‏ ‏قِيلَ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ إِذَا كَثُرَ ‏ ‏الْخَبَثُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث زَيْنَب بِنْت جَحْش وَهُوَ مُطَابِق لِلتَّرْجَمَةِ , وَمَالك بْن إِسْمَاعِيل شَيْخه فِيهِ وَهُوَ أَبُو غَسَّان النَّهْدِيُّ , وَكَأَنَّهُ اِخْتَارَ تَخْرِيج هَذَا الْحَدِيث عَنْهُ لِتَصْرِيحِهِ فِي رِوَايَته بِسَمَاعِ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ لَهُ مِنْ الزُّهْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عُرْوَةَ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الزُّبَيْر. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ \" حَدَّثَنِي عُرْوَة أَنَّ زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة حَدَّثَتْهُ \". ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أُمّ حَبِيبَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" أَنَّ أُمّ حَبِيبَة بِنْت أَبِي سُفْيَان حَدَّثَتْهَا \" هَكَذَا قَالَ بَعْض أَصْحَاب سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ مِنْهُمْ مَالِك بْن إِسْمَاعِيل هَذَا وَمِنْهُمْ عَمْرو بْن مُحَمَّد النَّاقِد عِنْدَ مُسْلِم وَمِنْهُمْ سَعِيد بْن مَنْصُور فِي السُّنَن لَهُ وَمِنْهُمْ قُتَيْبَة وَهَارُون بْن عَبْد اللَّه عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْقَعْنَبِيّ عِنْدَ أَبِي نُعَيْم , وَكَذَا قَالَ مُسَدَّد فِي مُسْنَده , قُلْت وَهَكَذَا تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مِنْ رِوَايَة عَقِيل وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة مِنْ رِوَايَة شُعَيْب وَيَأْتِي فِي أَوَاخِر كِتَاب الْفِتَن مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن أَبِي عَتِيق كُلّهمْ عَنْ الزُّهْرِيّ لَيْسَ فِي السَّنَد حَبِيبَة زَادَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْهُ ذِكْر حَبِيبَة فَقَالُوا عَنْ زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة عَنْ حَبِيبَة بِنْت أُمّ حَبِيبَة عَنْ أُمّهَا أُمّ حَبِيبَة , هَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَسَعِيد بْن عَمْرو الْأَشْعَثِيّ وَزُهَيْر بْن حَرْب وَمُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن أَبِي عُمَر أَرْبَعَتهمْ عَنْ سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ , قَالَ مُسْلِم : زَادُوا فِيهِ حَبِيبَة , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَخْزُومِيّ وَغَيْر وَاحِد كُلّهمْ عَنْ سُفْيَان , قَالَ التِّرْمِذِيّ : جَوَّدَ سُفْيَان هَذَا الْحَدِيث هَكَذَا رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ وَعَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ وَغَيْر وَاحِد مِنْ الْحُفَّاظ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ , قَالَ الْحُمَيْدِيُّ قَالَ سُفْيَان : حَفِظْت عَنْ الزُّهْرِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث أَرْبَع نِسْوَة زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة عَنْ حَبِيبَة وَهُمَا رَبِيبَتَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُمّ حَبِيبَة عَنْ زَيْنَب بِنْت جَحْش وَهُمَا زَوْجَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق الْحُمَيْدِيِّ فَقَالَ فِي رِوَايَته عَنْ حَبِيبَة بِنْت أُمّ حَبِيبَة عَنْ أُمّهَا أُمّ حَبِيبَة , وَقَالَ فِي آخِره : قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : قَالَ سُفْيَان \" أَحْفَظ فِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ الزُّهْرِيّ أَرْبَع نِسْوَة قَدْ رَأَيْنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِنْتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجه أُمّ حَبِيبَة وَزَيْنَب بِنْت جَحْش وَثِنْتَيْنِ رَبِيبَتَاهُ زَيْنَب بِنْت أُمّ سَلَمَة وَحَبِيبَة بِنْت أُمّ حَبِيبَة أَبُوهَا عُبَيْد اللَّه بْن جَحْش مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَة \". اِنْتَهَى كَلَامه. وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم أَيْضًا مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن بَشَّار الرَّمَادِيّ وَنَصْر بْن عَلِيّ الْجَهْضَمِيّ , وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد وَابْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة الْأَسْوَد بْن عَامِر كُلّهمْ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ بِزِيَادَةِ حَبِيبَة فِي السَّنَد , وَسَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ هَارُون بْن عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ لِي الْأَسْوَد بْن عَامِر : كَيْف يَحْفَظ هَذَا عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ ؟ فَذَكَرَهُ لَهُ بِنَقْصِ حَبِيبَة فَقَالَ \" لَكِنَّهُ حَدَّثَنَا عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ أَرْبَع نِسْوَة كُلّهنَّ قَدْ أَدْرَكْنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضهنَّ عَنْ بَعْض \" قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَظُنّ سُفْيَان كَانَ تَارَةً يَذْكُرهَا وَتَارَةً يُسْقِطهَا. قُلْت وَرَوَاهُ شُرَيْح بْن يُونُس عَنْ سُفْيَان فَأَسْقَطَ حَبِيبَة وَزَيْنَب بِنْت جَحْش أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان , وَمِثْله لِأَبِي عَوَانَة عَنْ اللَّيْث عَنْ الزُّهْرِيّ وَمِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن كَثِير عَنْ الزُّهْرِيّ وَصَرَّحَ فِيهِ بِالْإِخْبَارِ , وَسَأَذْكُرُ شَرْح الْمَتْن فِي آخِر كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَحَبِيبَة بِنْت عُبَيْد اللَّه بِالتَّصْغِيرِ اِبْن جَحْش هَذِهِ ذَكَرهَا مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَة فَتَنَصَّرَ عُبَيْد اللَّه بْن جَحْش وَمَاتَ هُنَاكَ وَثَبَتَتْ أُمّ حَبِيبَة عَلَى الْإِسْلَام فَتَزَوَّجَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَهَّزَهَا إِلَيْهِ النَّجَاشِيّ , وَحَكَى اِبْن سَعْد أَنَّ حَبِيبَة إِنَّمَا وُلِدَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَة فَعَلَى هَذَا تَكُون فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَغِيرَة فَهِيَ نَظِير الَّتِي رَوَتْ عَنْهَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا رَبِيبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ صِغَار الصَّحَابَة , وَزَيْنَب بِنْت جَحْش هِيَ عَمَّة حَبِيبَة الْمَذْكُورَة فَرَوَتْ حَبِيبَة عَنْ أُمّهَا عَنْ عَمَّتهَا وَكَانَتْ وَفَاة زَيْنَب قَبْلَ وَفَاةِ أُمّ حَبِيبَة , وَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّ رِوَايَة مُسْلِم بِذِكْرِ حَبِيبَة تُؤْذِن بِانْقِطَاعِ طَرِيق الْبُخَارِيّ , قُلْت وَهُوَ كَلَام مَنْ لَمْ يَطَّلِع عَلَى طَرِيق شُعَيْب الَّتِي نَبَّهْت عَلَيْهَا , وَقَدْ جَمَعَ الْحَافِظ عَبْد الْغَنِيّ اِبْن سَعِيد الْأَزْدِيُّ جُزْءًا فِي الْأَحَادِيث الْمُسَلْسَلَة بِأَرْبَعَةٍ مِنْ الصَّحَابَة وَجُمْلَة مَا فِيهِ أَرْبَعَة أَحَادِيث , وَجَمَعَ ذَلِكَ بَعْدَهُ الْحَافِظ عَبْد الْقَادِر الرَّهَاوِيّ ثُمَّ الْحَافِظ يُوسُف بْن خَلِيل فَزَادَ عَلَيْهِ قَدْرهَا وَزَادَ وَاحِدًا خُمَاسِيًّا فَصَارَتْ تِسْعَة أَحَادِيث وَأَصَحّهَا حَدِيث الْبَاب , ثُمَّ حَدِيث عُمَر فِي الْعِمَالَة وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الْأَحْكَام. ‏"
    },
    {
        "id": "6536",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَشْرَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏أُطُمٍ ‏ ‏مِنْ آطَامِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَقَالَ هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى قَالُوا لَا قَالَ ‏ ‏فَإِنِّي لَأَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَوَقْعِ الْقَطْرِ ‏",
        "sharh": "\" 10525 \" حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد , ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الزُّهْرِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ \" حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه عَلَى مُسْلِم مِنْ طَرِيقِهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عُرْوَة عَنْ أُسَامَة بْن زَيْد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ وَابْن أَبِي عُمَر فِي مُسْنَده عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيّ \" أَخْبَرَنِي عُرْوَة أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَة بْن زَيْد \" وَقَوْله \" حَدَّثَنَا مَحْمُود \" هُوَ اِبْن غَيْلَان. ‏ ‏قَوْله ( أَشْرَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة مَعْمَر \" أَوْفَى \" وَهُوَ بِمَعْنَى أَشْرَفَ أَيْ اِطَّلَعَ مِنْ عُلْو. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى أُطُمٍ ) ‏ ‏بِضَمَّتَيْنِ هُوَ الْحِصْن وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي آخِر الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ آطَام الْمَدِينَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَنْ أَبِي نُعَيْم بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظِ \" عَلَى أُطُم مِنْ الْآطَام \" فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي سَاقَهُ هُنَا لَفْظ مَعْمَر. ‏ ‏قَوْله ( هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى ؟ قَالُوا : لَا ) ‏ ‏وَهَذِهِ الزِّيَادَة أَيْضًا لِمَعْمَرِ , وَلَمْ أَرَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الطُّرُق عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنِّي لَأَرَى الْفِتَن تَقَع خِلَالَ بُيُوتكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ سُفْيَان \" إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِع الْفِتَن \" وَالْمُرَاد بِالْمَوَاقِعِ مَوَاضِع السُّقُوط , وَالْخِلَال النَّوَاحِي , قَالَ الطَّيِّبِي : تَقَع مَفْعُول ثَانٍ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون حَالًا وَهُوَ أَقْرَب , وَالرُّؤْيَة بِمَعْنَى النَّظَر أَيْ كُشِفَ لِي فَأَبْصَرْت ذَلِكَ عِيَانًا. ‏ ‏قَوْله ( كَوَقْعِ الْقَطْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ \" الْمَطَر \" وَفِي رِوَايَة عَلَامَات النُّبُوَّة \" كَمَوَاقِعِ الْقَطْر \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة فِي آخِر الْحَجّ , وَإِنَّمَا اِخْتَصَّتْ الْمَدِينَة بِذَلِكَ لِأَنَّ قَتْل عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ بِهَا , ثُمَّ اِنْتَشَرَتْ الْفِتَن فِي الْبِلَاد بَعْدَ ذَلِكَ , فَالْقِتَال بِالْجَمَلِ وَبِصِفِّينَ كَانَ بِسَبَبِ قَتْل عُثْمَان , وَالْقِتَال بِالنَّهْرَوَانِ كَانَ بِسَبَبِ التَّحْكِيم بِصِفِّينَ وَكُلّ قِتَال وَقَعَ فِي ذَلِكَ الْعَصْر إِنَّمَا تَوَلَّدَ عَنْ شَيْء مِنْ ذَلِكَ أَوْ عَنْ شَيْء تَوَلَّدَ عَنْهُ. ثُمَّ أَنَّ قَتْل عُثْمَان كَانَ أَشَدّ أَسْبَابه الطَّعْن عَلَى أُمَرَائِهِ ثُمَّ عَلَيْهِ بِتَوْلِيَتِهِ لَهُمْ , وَأَوَّل مَا نَشَأَ ذَلِكَ مِنْ الْعِرَاق وَهِيَ مِنْ جِهَة الْمَشْرِق فَلَا مُنَافَاة بَيْنَ حَدِيث الْبَاب وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْآتِي أَنَّ الْفِتْنَة مِنْ قِبَل الْمَشْرِق , وَحَسُنَ التَّشْبِيه بِالْمَطَرِ لِإِرَادَةِ التَّعْمِيم لِأَنَّهُ إِذَا وَقَعَ فِي أَرْض مُعَيَّنَة عَمَّهَا وَلَوْ فِي بَعْض جِهَاتهَا , قَالَ اِبْن بَطَّال : أَنْذَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث زَيْنَب بِقُرْبِ قِيَام السَّاعَة كَيْ يَتُوبُوا قَبْلَ أَنْ تَهْجُم عَلَيْهِمْ , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ خُرُوج يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قُرْب قِيَام السَّاعَة فَإِذَا فُتِحَ مِنْ رَدْمهمْ ذَاكَ الْقَدْر فِي زَمَنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ الْفَتْح يَتَّسِع عَلَى مَرّ الْأَوْقَات , وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرّ قَدْ اِقْتَرَبَ , مُوتُوا إِنْ اِسْتَطَعْتُمْ \" قَالَ : وَهَذَا غَايَة فِي التَّحْذِير مِنْ الْفِتَن وَالْخَوْض فِيهَا حَيْثُ جَعَلَ الْمَوْت خَيْرًا مِنْ مُبَاشَرَتهَا , وَأَخْبَرَ فِي حَدِيث أُسَامَة بِوُقُوعِ الْفِتَن خِلَالَ الْبُيُوت لِيَتَأَهَّبُوا لَهَا فَلَا يَخُوضُوا فِيهَا وَيَسْأَلُوا اللَّه الصَّبْر وَالنَّجَاة مِنْ شَرّهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6537",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ وَيُلْقَى ‏ ‏الشُّحُّ ‏ ‏وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏أَيُّمَ هُوَ قَالَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏وَيُونُسُ ‏ ‏وَاللَّيْثُ ‏ ‏وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6538",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏قَالَ كُنْتُ مَعَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَأَبِي مُوسَى ‏ ‏فَقَالَا ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ لَأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُسَدَّد حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرّ عَنْ شُيُوخه فِي نُسْخَة مُعْتَمَدَة وَسَقَطَ فِي غَيْرهَا , وَقَالَ عِيَاض : ثَبَتَ لِلْقَابِسِيِّ عَنْ أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ وَسَقَطَ مُسَدَّد لِلْبَاقِينَ وَهُوَ الصَّوَاب. قُلْت : وَعَلَيْهِ اِقْتَصَرَ أَصْحَاب الْأَطْرَافِ. ‏ ‏قَوْله ( كُنْت مَعَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود , وَأَبُو مُوسَى هُوَ الْأَشْعَرِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَا ) ‏ ‏يَظْهَر مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَهَا أَنَّ الَّذِي تَلَفَّظَ بِذَلِكَ هُوَ أَبُو مُوسَى لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَته \" فَقَالَ أَبُو مُوسَى \" فَذَكَرَهُ , وَلَا يُعَارِض ذَلِكَ الرِّوَايَة الثَّالِثَة مِنْ طَرِيق وَاصِل عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه وَأَحْسِبهُ رَفَعَهُ قَالَ \" بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَة \" فَذَكَرَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون أَبُو وَائِل سَمِعَهُ مِنْ عَبْد اللَّه أَيْضًا لِدُخُولِهِ فِي قَوْله فِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" قَالَا \" وَقَدْ اِتَّفَقَ أَكْثَر الرُّوَاة عَنْ الْأَعْمَش عَلَى أَنَّهُ عَنْ عَبْد اللَّه وَأَبِي مُوسَى مَعًا , وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش فَقَالَ \" عَنْ أَبِي مُوسَى \" وَلَمْ يَذْكُر عَبْد اللَّه أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَأَشَارَ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ إِلَى تَرْجِيح قَوْل الْجَمَاعَة وَأَمَّا رِوَايَة عَاصِم الْمُعَلَّقَة الَّتِي خُتِمَ بِهَا الْبَاب فَلَوْلَا أَنَّهُ دُونَ الْأَعْمَش وَوَاصِل فِي الْحِفْظ لَكَانَتْ رِوَايَته هِيَ الْمُعْتَمَدَة لِأَنَّهُ جَعَلَ لِكُلٍّ مِنْ أَبِي مُوسَى وَعَبْد اللَّه لَفْظ مَتْن غَيْر الْآخَر , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَتْن الْآخَر كَانَ عِنْدَ عَبْد اللَّه اِبْن مَسْعُود مَعَ الْمَتْن الْأَوَّل. ‏ ‏قَوْله ( يَنْزِل فِيهَا الْجَهْل وَيُرْفَع فِيهَا الْعِلْم ) ‏ ‏مَعْنَاهُ أَنَّ الْعِلْم يَرْتَفِع بِمَوْتِ الْعُلَمَاء فَكُلَّمَا مَاتَ عَالِم يَنْقُص الْعِلْم بِالنِّسْبَةِ إِلَى فَقْد حَامِله , وَيَنْشَأ عَنْ ذَلِكَ الْجَهْل بِمَا كَانَ ذَلِكَ الْعَالِم يَنْفَرِد بِهِ عَنْ بَقِيَّة الْعُلَمَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "6539",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَلَسَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَأَبُو مُوسَى ‏ ‏فَتَحَدَّثَا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ أَيَّامًا يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنِّي لَجَالِسٌ مَعَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَأَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏وَالْهَرْجُ بِلِسَانِ ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏الْقَتْلُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَة لَأَيَّامًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ اللَّامِ. ‏ ‏قَوْله ( وَيَكْثُر فِيهَا الْهَرْج , وَالْهَرْج الْقَتْل ) ‏ ‏كَذَا فِي هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ , وَزَادَ فِي الرِّوَايَة الثَّالِثَة وَهِيَ رِوَايَة جَرِير بْن عَبْد الْحَمِيد عَنْ الْأَعْمَش \" وَالْهَرْج بِلِسَانِ الْحَبَشَة الْقَتْل \" وَنُسِبَ التَّفْسِير فِي رِوَايَة وَاصِل لِأَبِي مُوسَى , وَأَصْل الْهَرْج فِي اللُّغَة الْعَرَبِيَّة الِاخْتِلَاط يُقَال هَرَجَ النَّاس اِخْتَلَطُوا وَاخْتَلَفُوا وَهَرَجَ الْقَوْم فِي الْحَدِيث إِذَا كَثُرُوا وَخَلَطُوا , وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ نِسْبَة تَفْسِير الْهَرْج بِالْقَتْلِ لِلِّسَانِ الْحَبَشَة وَهْم مِنْ بَعْض الرُّوَاة وَإِلَّا فَهِيَ عَرَبِيَّة صَحِيحَة , وَوَجْه الْخَطَأ أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَل فِي اللُّغَة الْعَرَبِيَّة بِمَعْنَى الْقَتْل إِلَّا عَلَى طَرِيق الْمَجَاز لِكَوْنِ الِاخْتِلَاط مَعَ الِاخْتِلَاف يُفْضِي كَثِيرًا إِلَى الْقَتْل وَكَثِيرًا مَا يُسَمَّى الشَّيْء بِاسْمِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ , وَاسْتِعْمَالهَا فِي الْقَتْل بِطَرِيقِ الْحَقِيقَة هُوَ بِلِسَانِ الْحَبَش , وَكَيْف يُدَّعَى عَلَى مِثْل أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ الْوَهْم فِي تَفْسِير لَفْظَة لُغَوِيَّة بَلْ الصَّوَاب مَعَهُ , وَاسْتِعْمَال الْعَرَب الْهَرْج بِمَعْنَى الْقَتْل لَا يَمْنَع كَوْنهَا لُغَة الْحَبَشَة وَإِنْ وَرَدَ اِسْتِعْمَالهَا فِي الِاخْتِلَاط وَالِاخْتِلَاف كَحَدِيثِ مَعْقِل بْن يَسَار رَفَعَهُ \" الْعِبَادَة فِي الْهَرْج كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَذَكَرَ صَاحِب الْمُحْكَم لِلْهَرْجِ مَعَانِيَ أُخْرَى وَمَجْمُوعهَا تِسْعَة : شِدَّة الْقَتْل وَكَثْرَة الْقَتْل وَالِاخْتِلَاط وَالْفِتْنَة فِي آخِر الزَّمَان وَكَثْرَة النِّكَاح وَكَثْرَة الْكَذِب وَكَثْرَة النَّوْم وَمَا يُرَى فِي النَّوْم غَيْر مُنْضَبِط وَعَدَم الْإِتْقَان لِلشَّيْءِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : أَصْل الْهَرْج الْكَثْرَة فِي الشَّيْء يَعْنِي حَتَّى لَا يَتَمَيَّز. ‏"
    },
    {
        "id": "6540",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَاصِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَأَحْسِبُهُ رَفَعَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ أَيَّامُ الْهَرْجِ يَزُولُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ فِيهَا الْجَهْلُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ بِلِسَانِ ‏ ‏الْحَبَشَةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏تَعْلَمُ الْأَيَّامَ الَّتِي ذَكَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيَّامَ ‏ ‏الْهَرْجِ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكْهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي رِوَايَة وَاصِل ‏ ‏( وَأَحْسِبهُ رَفَعَهُ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْقَوَارِيرِيِّ عَنْ غُنْدَر \" إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ غُنْدَر , وَمُحَمَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ لَمْ يُنْسَب عِنْدَ الْأَكْثَر , وَنَسَبَهُ أَبُو ذَرّ فِي رِوَايَته مُحَمَّد بْن بَشَّار. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ أَبُو عَوَانَة عَنْ عَاصِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي النُّجُود الْقَارِئ الْمَشْهُور , وَوَجَدْت لِأَبِي عَوَانَة عَنْ عَاصِم فِي الْمَعْنَى سَنَدًا آخَر أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ عَفَّانَ وَأَبِي الْوَلِيد جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَة عَنْ عَاصِم عَنْ شَقِيق عَنْ عُرْوَة بْن قَيْس عَنْ خَالِد بْن الْوَلِيد فَذَكَرَ قِصَّة فِيهَا \" فَأُولَئِكَ الْأَيَّام الَّتِي ذَكَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَة أَيَّام الْهَرْج \" وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ \" الْفِتْنَة تُدْهِش حَتَّى يَنْظُر الشَّخْص هَلْ يَجِد مَكَانًا لَمْ يَنْزِل بِهِ فَلَا يَجِد \" وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْأَخِير زَائِدَة أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقه عَنْ عَاصِم عَنْ شَقِيق عَنْ عَبْد اللَّه \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : إِنَّ مِنْ شِرَار النَّاس مَنْ تُدْرِكهُمْ السَّاعَة وَهُمْ أَحْيَاء \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّه ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن مَسْعُود ‏ ‏( تَعْلَم الْأَيَّام الَّتِي ذَكَرَ - إِلَى قَوْله - نَحْوه ) ‏ ‏يُرِيد نَحْو الْحَدِيث الْمَذْكُور \" بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَة أَيَّام الْهَرْج \" وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق زَائِدَة عَنْ عَاصِم مُقْتَصَرًا عَلَى حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْمَرْفُوع دُونَ الْقِصَّة , وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة الْحَسَن الْبَصْرِيّ عَنْ أُسَيْدِ بْن الْمُتَشَمِّس عَنْ أَبِي مُوسَى فِي الْمَرْفُوع زِيَادَة \" قَالَ رَجُل يَا رَسُول اللَّه إِنَّا نَقْتُل فِي الْعَام الْوَاحِد مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ : لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ الْمُشْرِكِينَ , وَلَكِنْ بِقَتْلِ بَعْضكُمْ بَعْضًا \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اِبْن مَسْعُود ) ‏ ‏هُوَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ شِرَار النَّاس مَنْ تُدْرِكهُمْ السَّاعَة وَهُمْ أَحْيَاء ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا وَإِنْ كَانَ لَفْظه لَفْظ الْعُمُوم فَالْمُرَاد بِهِ الْخُصُوص , وَمَعْنَاهُ أَنَّ السَّاعَة تَقُوم فِي الْأَكْثَر وَالْأَغْلَب عَلَى شِرَار النَّاس بِدَلِيلِ قَوْله \" لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقّ حَتَّى تَقُوم السَّاعَة \" فَدَلَّ هَذَا الْخَبَر أَنَّ السَّاعَة تَقُوم أَيْضًا عَلَى قَوْم فُضَلَاء. قُلْت : وَلَا يَتَعَيَّن مَا قَالَ , فَقَدْ جَاءَ مَا يُؤَيِّد الْعُمُوم الْمَذْكُور كَقَوْلِهِ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَيْضًا رَفَعَهُ \" لَا تَقُوم السَّاعَة إِلَّا عَلَى شِرَار النَّاس \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" إِنَّ اللَّه يَبْعَث رِيحًا مِنْ الْيَمَن أَلْيَن مِنْ الْحَرِير فَلَا تَدَع أَحَدًا فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ إِيمَان إِلَّا قَبَضَتْهُ \" وَلَهُ فِي آخِر حَدِيث النَّوَّاس بْن سَمْعَان الطَّوِيل فِي قِصَّة الدَّجَّال وَعِيسَى وَيَأْجُوج وَمَأْجُوج \" إِذْ بَعَثَ اللَّه رِيحًا طَيِّبَة فَتَقْبِض رُوح كُلّ مُؤْمِن وَمُسْلِم وَيَبْقَى شِرَار النَّاس يَتَهَارَجُونَ تَهَارُجَ الْحُمُر فَعَلَيْهِمْ تَقُوم السَّاعَة \" وَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" يَتَهَارَجُونَ \" فَقِيلَ يَتَسَافَدُونَ وَقِيلَ يَتَثَاوَرُونَ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ هُنَا بِمَعْنَى يَتَقَاتَلُونَ أَوْ لِأَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ ; وَيُؤَيِّد حَمْله عَلَى التَّقَاتُل حَدِيث الْبَاب , وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا \" لَا تَقُوم السَّاعَة عَلَى أَحَد يَقُول اللَّه اللَّه \" وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَد بِلَفْظِ \" عَلَى أَحَد يَقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" وَالْجَمْع بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيث \" لَا تَزَال طَائِفَة \" حَمْل الْغَايَة فِي حَدِيث \" لَا تَزَال طَائِفَة \" عَلَى وَقْت هُبُوب الرِّيح الطَّيِّبَة الَّتِي تَقْبِض رُوح كُلّ مُؤْمِن وَمُسْلِم فَلَا يَبْقَى إِلَّا الشِّرَار فَتَهْجُم السَّاعَة عَلَيْهِمْ بَغْتَة كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه بَعْدَ قَلِيل. ‏"
    },
    {
        "id": "6541",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ ‏ ‏قَالَ أَتَيْنَا ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنْ ‏ ‏الْحَجَّاجِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ و ‏ ‏( الزُّبَيْر بْن عَدِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن بَعْدَهَا دَال وَهُوَ كُوفِيّ هَمْدَانِيّ بِسُكُونِ الْمِيم وَلِيَ قَضَاء الرَّيّ وَيُكَنَّى أَبَا عَدِيّ , وَهُوَ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ يَلْتَبِس بِهِ رَاوٍ قَرِيب مِنْ طَبَقَته وَهُوَ الزُّبَيْر بْن عَرَبِيّ بِفَتْحِ الْعَيْن وَالرَّاء بَعْدَهَا مُوَحَّدَة مَكْسُورَة وَهُوَ اِسْم بِلَفْظِ النَّسَب بَصْرِيّ يُكَنَّى أَبَا سَلَمَة : وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى حَدِيث وَاحِد تَقَدَّمَ فِي الْحَجّ مِنْ رِوَايَته عَنْ اِبْن عُمَر وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ هُنَاكَ مِنْ كَلَام التِّرْمِذِيّ. ‏ ‏قَوْله ( أَتَيْنَا أَنَس بْن مَالِك فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا يَلْقَوْنَ ) ‏ ‏فِيهِ اِلْتِفَات وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَشَكَوْا \" وَهُوَ عَلَى الْجَادَّة وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مَرْيَم عَنْ الْفِرْيَابِيِّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ عِنْدَ أَبِي نُعَيْم \" نَشْكُو \" بِنُونٍ بَدَلَ الْفَاء , وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ سُفْيَان عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" شَكَوْنَا إِلَى أَنَس مَا نَلْقَى مِنْ الْحَجَّاج \". ‏ ‏قَوْله ( مِنْ الْحَجَّاج ) ‏ ‏أَيْ اِبْن يُوسُف الثَّقَفِيّ الْأَمِير الْمَشْهُور , وَالْمُرَاد شَكْوَاهُمْ مَا يَلْقَوْنَ مِنْ ظُلْمه لَهُمْ وَتَعَدِّيهِ , وَقَدْ ذَكَرَ الزُّبَيْر فِي \" الْمُوَفَّقِيَّاتِ \" مِنْ طَرِيق مُجَالِد عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ \" كَانَ عُمَر فَمَنْ بَعْدَهُ إِذَا أَخَذُوا الْعَاصِي أَقَامُوهُ لِلنَّاسِ وَنَزَعُوا عِمَامَتَهُ , فَلَمَّا كَانَ زِيَاد ضَرَبَ فِي الْجِنَايَات بِالسِّيَاطِ , ثُمَّ زَادَ مُصْعَب بْن الزُّبَيْر حَلْق اللِّحْيَة , فَلَمَّا كَانَ بِشْر بْن مَرْوَان سَمَّرَ كَفّ الْجَانِي بِمِسْمَارٍ , فَلَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاج قَالَ : هَذَا كُلّه لَعِب , فَقَتَلَ بِالسَّيْفِ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ اِصْبِرُوا ) ‏ ‏زَادَ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ فِي رِوَايَتِهِ \" اِصْبِرُوا عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْدَ الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ \" لَا يَأْتِيكُمْ عَام \" وَبِهَذَا اللَّفْظ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ اِبْن مَسْعُود نَحْو هَذَا الْحَدِيث مَوْقُوفًا عَلَيْهِ قَالَ \" لَيْسَ عَام إِلَّا وَاَلَّذِي بَعْدَهُ شَرّ مِنْهُ \" وَلَهُ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيح قَالَ \" أَمْس خَيْر مِنْ الْيَوْم , وَالْيَوْم خَيْر مِنْ غَد , وَكَذَلِكَ حَتَّى تَقُوم السَّاعَة \". ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا وَاَلَّذِي بَعْدَهُ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَسَقَطَتْ الْوَاو لِلْبَاقِينَ وَثَبَتَتْ لِابْنِ مَهْدِيٍّ. ‏ ‏قَوْله ( أَشَرّ مِنْهُ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَالنَّسَفِيِّ , وَلِلْبَاقِينَ بِحَذْفِ الْأَلِف , وَعَلَى الْأَوَّل شَرْح اِبْن التِّين فَقَالَ : كَذَا وَقَعَ \" أَشَرّ \" بِوَزْنِ أَفْعَل , وَقَدْ قَالَ فِي الصِّحَاح فُلَان شَرّ مِنْ فُلَان وَلَا يُقَال أَشَرّ إِلَّا فِي لُغَة رَدِيئَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الْأَسَدِيِّ عَنْ الثَّوْرِيّ وَمَالِك بْن مِغْوَل وَمِسْعَر وَأَبِي سِنَان الشَّيْبَانِيّ أَرْبَعَتهمْ عَنْ الزُّبَيْر بْن عَدِيّ بِلَفْظِ \" لَا يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان إِلَّا شَرّ مِنْ الزَّمَان الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ , سَمِعْت ذَلِكَ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيق مَالِك بْن مِغْوَل بِلَفْظِ \" إِلَّا وَهُوَ شَرّ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَم الصَّغِير : مِنْ رِوَايَة مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم عَنْ شُعْبَة عَنْ الزُّبَيْر بْن عَدِيّ وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِم عَنْ شُعْبَة. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى تَلْقَوْا رَبّكُمْ ) ‏ ‏أَيْ حَتَّى تَمُوتُوا , وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم فِي حَدِيث آخَر \" وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا \". ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْته مِنْ نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم \" سَمِعْت ذَلِكَ \" قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا الْخَبَر مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة لِإِخْبَارِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَسَادِ الْأَحْوَال , وَذَلِكَ مِنْ الْغَيْب الَّذِي لَا يُعْلَم بِالرَّأْيِ وَإِنَّمَا يُعْلَم بِالْوَحْيِ اِنْتَهَى. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ هَذَا الْإِطْلَاق مَعَ أَنَّ بَعْض الْأَزْمِنَة تَكُون فِي الشَّرّ دُونَ الَّتِي قَبْلَهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلَّا زَمَن عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَهُوَ بَعْدَ زَمَن الْحَجَّاج بِيَسِيرٍ , وَقَدْ اِشْتَهَرَ الْخَبَر الَّذِي كَانَ فِي زَمَن عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز , بَلْ لَوْ قِيلَ أَنَّ الشَّرّ اِضْمَحَلَّ فِي زَمَانه لَمَّا كَانَ بَعِيدًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُون شَرًّا مِنْ الزَّمَن الَّذِي قَبْلَهُ وَقَدْ حَمَلَهُ الْحَسَن الْبَصْرِيّ عَلَى الْأَكْثَر الْأَغْلَب , فَسُئِلَ عَنْ وُجُود عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز بَعْدَ الْحَجَّاج فَقَالَ : لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ تَنْفِيس. وَأَجَابَ بَعْضهمْ أَنَّ الْمُرَاد بِالتَّفْضِيلِ تَفْضِيل مَجْمُوع الْعَصْر عَلَى مَجْمُوع الْعَصْر فَإِنَّ عَصْر الْحَجَّاج كَانَ فِيهِ كَثِير مِنْ الصَّحَابَة فِي الْأَحْيَاء وَفِي عَصْر عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز اِنْقَرَضُوا , وَالزَّمَان الَّذِي فِيهِ الصَّحَابَة خَيْر مِنْ الزَّمَان الَّذِي بَعْدَهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" خَيْر الْقُرُون قَرْنِي \" وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَقَوْله \" أَصْحَابِي أَمَنَة لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ثُمَّ وَجَدْت عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود التَّصْرِيح بِالْمُرَادِ وَهُوَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ , فَأَخْرَجَ يَعْقُوب بْن شَيْبَة مِنْ طَرِيق الْحَارِث بْن حَصِيرَة عَنْ زَيْد بْن وَهْب قَالَ \" سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَقُول : لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ يَوْم إِلَّا وَهُوَ شَرّ مِنْ الْيَوْم الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ حَتَّى تَقُوم السَّاعَة , لَسْت أَعْنِي رَخَاء مِنْ الْعَيْش يُصِيبهُ وَلَا مَالًا يُفِيدُهُ وَلَكِنْ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ يَوْم وَإِلَّا وَهُوَ أَقَلّ عِلْمًا مِنْ الْيَوْم الَّذِي مَضَى قَبْلَهُ , فَإِذَا ذَهَبَ الْعُلَمَاء اِسْتَوَى النَّاس فَلَا يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَر فَعِنْدَ ذَلِكَ يَهْلَكُونَ \" وَمِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي الْأَحْوَص عَنْ اِبْن مَسْعُود إِلَى قَوْله \" شَرّ مِنْهُ \" قَالَ \" فَأَصَابَتْنَا سَنَة خِصْب فَقَالَ لَيْسَ ذَلِكَ أَعْنِي إِنَّمَا أَعْنِي ذَهَاب الْعُلَمَاء \" وَمِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ مَسْرُوق عَنْهُ قَالَ \" لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَان إِلَّا وَهُوَ أَشَرّ مِمَّا كَانَ قَبْلَهُ أَمَا إِنِّي لَا أَعْنِي أَمِيرًا خَيْرًا مِنْ أَمِير وَلَا عَامًا خَيْرًا مِنْ عَام وَلَكِنْ عُلَمَاؤُكُمْ وَفُقَهَاؤُكُمْ يَذْهَبُونَ ثُمَّ لَا تَجِدُونَ مِنْهُمْ خَلَفًا , وَيَجِيء قَوْم يُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ \" وَفِي لَفْظ عَنْهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه \" وَمَا ذَاكَ بِكَثْرَةِ الْأَمْطَار وَقِلَّتهَا وَلَكِنْ بِذَهَابِ الْعُلَمَاء , ثُمَّ يَحْدُث قَوْم يُفْتُونَ فِي الْأُمُور بِرَأْيِهِمْ فَيَثْلِمُونَ الْإِسْلَام وَيَهْدِمُونَهُ \" وَأَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ الْأَوَّل مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ بِلَفْظِ \" لَسْت أَعْنِي عَامًا أَخْصَب مِنْ عَام \" وَالْبَاقِي مِثْله وَزَادَ \" وَخِيَاركُمْ \" قَبْلَ قَوْله \" وَفُقَهَاؤُكُمْ \" وَاسْتَشْكَلُوا أَيْضًا زَمَان عِيسَى بْن مَرْيَم بَعْدَ زَمَان الدَّجَّال , وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَاد الزَّمَان الَّذِي يَكُون بَعْدَ عِيسَى ؟ أَوْ الْمُرَاد جِنْس الزَّمَان الَّذِي فِيهِ الْأُمَرَاء , وَإِلَّا فَمَعْلُوم مِنْ الدِّين بِالضَّرُورَةِ أَنَّ زَمَان النَّبِيّ الْمَعْصُوم لَا شَرّ فِيهِ. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْأَزْمِنَةِ مَا قَبْلَ وُجُود الْعَلَامَات الْعِظَام كَالدَّجَّالِ وَمَا بَعْدَهُ وَيَكُون الْمُرَاد بِالْأَزْمِنَةِ الْمُتَفَاضِلَة فِي الشَّرّ مِنْ زَمَن الْحَجَّاج فَمَا بَعْدَهُ إِلَى زَمَن الدَّجَّال , وَأَمَّا زَمَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَلَهُ حُكْم مُسْتَأْنَف وَاَللَّه أَعْلَم. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْأَزْمِنَةِ الْمَذْكُورَة أَزْمِنَة الصَّحَابَة بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ هُمْ الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ فَيَخْتَصّ بِهِمْ , فَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَلَمْ يُقْصَد فِي الْخَبَر الْمَذْكُور , لَكِنَّ الصَّحَابِيّ فَهِمَ التَّعْمِيم فَلِذَلِكَ أَجَابَ مَنْ شَكَا إِلَيْهِ الْحَجَّاج بِذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ , وَهُمْ أَوْ جُلّهمْ مِنْ التَّابِعِينَ. وَاسْتَدَلَّ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه بِأَنَّ حَدِيث أَنَس لَيْسَ عَلَى عُمُومه بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَة فِي الْمَهْدِيّ وَأَنَّهُ يَمْلَأ الْأَرْض عَدْلًا بَعْدَ أَنْ مُلِئَتْ جَوْرًا , ثُمَّ وَجَدْت عَنْ اِبْن مَسْعُود مَا يَصْلُح أَنْ يُفَسَّر بِهِ الْحَدِيث وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ \" لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ عَام إِلَّا وَهُوَ شَرّ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ , أَمَا إِنِّي لَسْت أَعْنِي عَامًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "6542",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ الْفِرَاسِيَّةِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةً فَزِعًا يَقُولُ ‏ ‏سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْخَزَائِنِ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْفِتَنِ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ لِكَيْ يُصَلِّينَ رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس وَأَخُوهُ هُوَ أَبُو بَكْر عَبْد الْحَمِيد , وَمُحَمَّد بْن أَبِي عَتِيق هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي عَتِيق مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر نُسِبَ لِجَدِّهِ , هَكَذَا عُطِفَ هَذَا الْإِسْنَاد النَّازِل عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ أَعْلَى مِنْهُ بِدَرَجَتَيْنِ لِأَنَّهُ أَوْرَدَ الْأَوَّل مُجَرَّدًا فِي آخِر كِتَاب الْأَدَب بِتَمَامِهِ , فَلَمَّا أَوْرَدَهُ هُنَا عَنْهُ أَرْدَفَهُ بِالسَّنَدِ الْآخَر وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظ السَّنَد الثَّانِي , وَابْن شِهَاب شَيْخ اِبْن أَبِي عَتِيق هُوَ الزُّهْرِيّ شَيْخ شُعَيْب. ‏ ‏قَوْله ( هِنْد بِنْت الْحَارِث الْفِرَاسِيَّةِ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء بَعْدَهَا رَاء وَسِين مُهْمَلَة نِسْبَة إِلَى بَنِي فِرَاس بَطْن مِنْ كِنَانَة وَهُمْ إِخْوَة قُرَيْش , وَكَانَتْ هِنْد زَوْج مَعْبَد بْن الْمِقْدَاد وَقَدْ قِيلَ إِنَّ لَهَا صُحْبَة , وَتَقَدَّمَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله ( اِسْتَيْقَظَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة فَزِعًا ) ‏ ‏بِنَصْبِ لَيْلَة , وَفَزِعًا بِكَسْرِ الزَّاي عَلَى الْحَال , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَر كَمَا مَضَى فِي الْعِلْم \" اِسْتَيْقَظَ ذَاتَ لَيْلَة \" وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ الْكَلَام عَلَى لَفْظ ذَات وَرِوَايَة هَذَا الْبَاب تُؤَيِّد أَنَّهَا زَائِدَة , وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن يُوسُف عَنْ مَعْمَر فِي قِيَام اللَّيْل مِثْل الْبَاب لَكِنْ بِحَذْفِ فَزِعًا وَفِي رِوَايَة شُعَيْب بِحَذْفِهِمَا. ‏ ‏قَوْله ( يَقُول سُبْحَان اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" فَقَالَ سُبْحَان اللَّه \" وَفِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك عَنْ مَعْمَر فِي اللِّبَاس \" اِسْتَيْقَظَ مِنْ اللَّيْل وَهُوَ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ \". ‏ ‏قَوْله ( مَاذَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْخَزَائِن , وَمَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَة مِنْ الْفِتَن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَمَاذَا أُنْزِلَ \" بِضَمِّ الْهَمْزَة وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَة مِنْ الْفِتَن , وَمَاذَا فُتِحَ مِنْ الْخَزَائِن \" وَفِي رِوَايَة شُعَيْب \" مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِن وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْفِتَن \" وَفِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك مِثْله لَكِنْ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ وَقَالَ \" مِنْ الْفِتْنَة \" بِالْإِفْرَادِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الْمُرَاد بِالْخَزَائِنِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا فِي كِتَاب الْعِلْم : وَ \" مَا \" اِسْتِفْهَامِيَّة فِيهَا مَعْنَى التَّعَجُّب. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ يُوقِظ صَوَاحِب الْحُجُرَات ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" أَيْقِظُوا \" بِصِيغَةِ الْأَمْر مَفْتُوح الْأَوَّل مَكْسُور الثَّالِث , وَصَوَاحِب بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ إِيقَظُوا بِكَسْرِ أَوَّله وَفَتْح ثَالِثه وَصَوَاحِب مُنَادَى وَدَلَّتْ رِوَايَة أَيْقِظُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ مَنْ يُوقِظ التَّحْرِيض عَلَى إِيقَاظِهِنَّ. ‏ ‏قَوْله ( يُرِيد أَزْوَاجه لِكَيْ يُصَلِّينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" حَتَّى يُصَلِّينَ \" وَخَلَتْ سَائِر الرِّوَايَات مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ. ‏ ‏قَوْله ( رُبَّ كَاسِيَة فِي الدُّنْيَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان فَرُبَّ بِزِيَادَةِ فَاء فِي أَوَّله , وَفِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك \" يَا رُبَّ كَاسِيَة \" بِزِيَادَةِ حَرْف النِّدَاء فِي أَوَّله , وَفِي رِوَايَة هِشَام \" كَمْ مِنْ كَاسِيَة الدُّنْيَا عَارِيَة يَوْمَ الْقِيَامَة \" وَهُوَ يُؤَيِّد مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ اِبْن مَالِك مِنْ أَنَّ رُبَّ أَكْثَر مَا تَرِد لِلتَّكْثِيرِ فَإِنَّهُ قَالَ أَكْثَر النَّحْوِيِّينَ إِنَّهَا لِلتَّقْلِيلِ وَأَنَّ مَعْنَى مِمَّا يَصْدُر بِهَا الْمُضِيّ , وَالصَّحِيح أَنَّ مَعْنَاهَا فِي الْغَالِب التَّكْثِير وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَام سِيبَوَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي \" بَاب كَمْ \" وَاعْلَمْ أَنَّ كَمْ فِي الْخَبَر لَا تَعْمَل إِلَّا فِيمَا تَعْمَل فِيهِ رُبَّ , لِأَنَّ الْمَعْنَى وَاحِد إِلَّا أَنَّ كَمْ اِسْم وَرُبَّ غَيْر اِسْم اِنْتَهَى , وَلَا خِلَاف أَنَّ مَعْنَى كَمْ الْخَبَرِيَّة التَّكْثِير وَلَمْ يَقَع فِي كِتَابه مَا يُعَارِض ذَلِكَ فَصَحَّ أَنَّ مَذْهَبه مَا ذَكَرْت وَحَدِيث الْبَاب شَاهِد لِذَلِكَ , فَلَيْسَ مُرَاده أَنَّ ذَلِكَ قَلِيل بَلْ الْمُتَّصِف بِذَلِكَ مِنْ النِّسَاء كَثِير \" وَلِذَلِكَ لَوْ جُعِلَتْ كَمْ مَوْضِع رُبَّ لَحَسُنَ اِنْتَهَى , وَقَدْ وَقَعَتْ كَذَلِكَ فِي نَفْس هَذَا الْحَدِيث كَمَا بَيَّنْته , وَمِمَّا وَرَدَتْ فِيهِ لِلتَّكْثِيرِ قَوْل حَسَّان : ‏ ‏رُبَّ حُلْم أَضَاعَهُ عَدَم الْمَا ‏ ‏لِ وَجَهْل غَطَّى عَلَيْهِ النَّعِيم ‏ ‏وَقَوْل عَدِيّ : ‏ ‏رُبَّ مَأْمُول وَرَاجٍ أَمَلًا ‏ ‏قَدْ ثَنَاهُ الدَّهْر عَنْ ذَاكَ الْأَمَل ‏ ‏قَالَ : وَالصَّحِيح أَيْضًا أَنَّ الَّذِي يُصَدَّر بِرُبَّ لَا يَلْزَم كَوْنه مَاضِي الْمَعْنَى بَلْ يَجُوز مُضِيّه وَحُضُوره وَاسْتِقْبَاله , وَقَدْ اِجْتَمَعَ فِي الْحَدِيث الْحُضُور وَالِاسْتِقْبَال , وَشَوَاهِد الْمَاضِي كَثِيرَة اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَأَمَّا تَصْدِير رُبَّ بِحَرْفِ النِّدَاء فِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك فَقِيلَ الْمُنَادَى فِيهِ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير يَا سَامِعِينَ. ‏ ‏قَوْله ( عَارِيَة فِي الْآخِرَة ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض الْأَكْثَر بِالْخَفْضِ عَلَى الْوَصْف لِلْمَجْرُورِ بِرُبَّ , وَقَالَ غَيْره : الْأَوْلَى الرَّفْع عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ وَالْجُمْلَة فِي مَوْضِع النَّعْت أَيْ هِيَ عَارِيَة وَالْفِعْل الَّذِي يَتَعَلَّق بِهِ رُبَّ مَحْذُوف , وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : الْأَحْسَن الْخَفْض عَلَى النَّعْت لِأَنَّ رُبَّ حَرْف جَرّ يَلْزَم صَدْر الْكَلَام وَهَذَا رَأْي سِيبَوَيْهِ ; وَعِنْدَ الْكِسَائِيّ هُوَ اِسْم مُبْتَدَأ وَالْمَرْفُوع خَبَره , وَإِلَيْهِ كَانَ يَذْهَب بَعْض شُيُوخنَا اِنْتَهَى. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" كَاسِيَة وَعَارِيَة \" عَلَى أَوْجُه أَحَدهَا كَاسِيَة فِي الدُّنْيَا بِالثِّيَابِ لِوُجُودِ الْغِنَى عَارِيَة فِي الْآخِرَة مِنْ الثَّوَاب لِعَدَمِ الْعَمَل فِي الدُّنْيَا , ثَانِيهَا كَاسِيَة بِالثِّيَابِ لَكِنَّهَا شَفَّافَة لَا تَسْتُر عَوْرَتهَا فَتُعَاقَب فِي الْآخِرَة بِالْعُرْيِ جَزَاء عَلَى ذَلِكَ , ثَالِثهَا كَاسِيَة مِنْ نِعَم اللَّه عَارِيَة مِنْ الشُّكْر الَّذِي تَظْهَر ثَمَرَته فِي الْآخِرَة بِالثَّوَابِ , رَابِعهَا كَاسِيَة جَسَدهَا لَكِنَّهَا تَشُدّ خِمَارهَا مِنْ وَرَائِهَا فَيَبْدُو صَدْرهَا فَتَصِير عَارِيَة فَتُعَاقَب فِي الْآخِرَة , خَامِسهَا كَاسِيَة مِنْ خِلْعَة التَّزَوُّج بِالرَّجُلِ الصَّالِح عَارِيَة فِي الْآخِرَة مِنْ الْعَمَل فَلَا يَنْفَعهَا صَلَاح زَوْجهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ( فَلَا أَنْسَاب بَيْنَهُمْ ) ذَكَرَ هَذَا الْأَخِير الطِّيبِيُّ وَرَجَّحَهُ لِمُنَاسَبَةِ الْمَقَام , وَاللَّفْظَة وَإِنْ وَرَدَتْ فِي أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنَّ الْعِبْرَة بِعُمُومِ اللَّفْظ , وَقَدْ سَبَقَ لِنَحْوِهِ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ \" كَاسِيَة لِلشَّرَفِ فِي الدُّنْيَا لِكَوْنِهَا أَهْل التَّشْرِيف وَعَارِيَة يَوْمَ الْقِيَامَة قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد عَارِيَة فِي النَّار. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْفُتُوح فِي الْخَزَائِن تَنْشَأ عَنْهُ فِتْنَة الْمَال بِأَنْ يَتَنَافَس فِيهِ فَيَقَع الْقِتَال بِسَبَبِهِ وَأَنْ يَبْخَل بِهِ فَيَمْنَع الْحَقّ أَوْ يَبْطَر صَاحِبه فَيُسْرِف , فَأَرَادَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْذِير أَزْوَاجه مِنْ ذَلِكَ كُلّه وَكَذَا غَيْرهنَّ مِمَّنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ \" مَنْ يُوقِظ \" بَعْض خَدَمه كَمَا قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَق \" مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْم \" وَأَرَادَ أَصْحَابه , لَكِنْ هُنَاكَ عُرِفَ الَّذِي اِنْتَدَبَ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُنَا لَمْ يَذْكُر , وَفِي الْحَدِيث النَّدْب إِلَى الدُّعَاء , وَالتَّضَرُّع عِنْدَ نُزُول الْفِتْنَة وَلَا سِيَّمَا فِي اللَّيْل لِرَجَاءِ وَقْت الْإِجَابَة لِتُكْشَف أَوْ يَسْلَم الدَّاعِي وَمَنْ دَعَا لَهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏"
    },
    {
        "id": "6543",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاح ) ‏ ‏فِي حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع عِنْدَ مُسْلِم \" مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْف \" وَمَعْنَى الْحَدِيث حَمَلَ السِّلَاح عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِقِتَالِهِمْ بِهِ بِغَيْرِ حَقّ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَخْوِيفهمْ وَإِدْخَال الرُّعْب عَلَيْهِمْ , وَكَأَنَّهُ كَنَّى بِالْحَمْلِ عَنْ الْمُقَاتَلَة أَوْ الْقَتْل لِلْمُلَازَمَةِ الْغَالِبَة. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالْحَمْلِ مَا يُضَادّ الْوَضْع وَيَكُون كِنَايَة عَنْ الْقِتَال بِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالْحَمْلِ حَمْله لِإِرَادَةِ الْقِتَال بِهِ لِقَرِينَةِ قَوْله \" عَلَيْنَا \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد حَمْله لِلضَّرْبِ بِهِ , وَعَلَى كُلّ حَال فَفِيهِ دَلَالَة عَلَى تَحْرِيم قِتَال الْمُسْلِمِينَ وَالتَّشْدِيد فِيهِ. قُلْت : جَاءَ الْحَدِيث بِلَفْظِ \" مَنْ شَهَرَ عَلَيْنَا السِّلَاح \" أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرَة , وَمِنْ حَدِيث سَمُرَة , وَمِنْ حَدِيث عَمْرو بْن عَوْف , وَفِي سَنَد كُلّ مِنْهَا لِين لَكِنَّهَا يُعَضِّد بَعْضهَا بَعْضًا وَعِنْدَ أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مَنْ رَمَانَا بِالنَّبْلِ فَلَيْسَ مِنَّا \" وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي \" الْأَوْسَط \" بِلَفْظِ \" اللَّيْل \" بَدَلَ النَّبْل وَعِنْدَ الْبَزَّار مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ مِثْله. ‏ ‏قَوْله ( فَلَيْسَ مِنَّا ) ‏ ‏أَيْ لَيْسَ عَلَى طَرِيقَتنَا , أَوْ لَيْسَ مُتَّبِعًا لِطَرِيقَتِنَا , لِأَنَّ مِنْ حَقّ الْمُسْلِم عَلَى الْمُسْلِم أَنْ يَنْصُرهُ وَيُقَاتِل دُونَهُ لَا أَنْ يُرْعِبَهُ بِحَمْلِ السِّلَاح عَلَيْهِ لِإِرَادَةِ قِتَاله أَوْ قَتْله وَنَظِيره \" مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُود وَشَقَّ الْجُيُوب \" وَهَذَا فِي حَقّ مَنْ لَا يَسْتَحِلّ ذَلِكَ , فَأَمَّا مَنْ يَسْتَحِلُّهُ فَإِنَّهُ يَكْفُر بِاسْتِحْلَالِ الْمُحَرَّم بِشَرْطِهِ لَا مُجَرَّد حَمْل السِّلَاح , وَالْأَوْلَى عِنْدَ كَثِير مِنْ السَّلَف إِطْلَاق لَفْظ الْخَبَر مِنْ غَيْر تَعَرُّض لِتَأْوِيلِهِ لِيَكُونَ أَبْلَغ فِي الزَّجْر , وَكَانَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ يُنْكِر عَلَى مَنْ يَصْرِفهُ عَنْ ظَاهِره فَيَقُول : مَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَى طَرِيقَتنَا , وَيَرَى أَنَّ الْإِمْسَاك عَنْ تَأْوِيله أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَاهُ , وَالْوَعِيد الْمَذْكُور لَا يَتَنَاوَل مَنْ قَاتَلَ الْبُغَاة مِنْ أَهْل الْحَقّ فَيُحْمَل عَلَى الْبُغَاة وَعَلَى مَنْ بَدَأَ بِالْقِتَالِ ظَالِمًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6544",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6545",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق ) ‏ ‏كَذَا فِي الْأُصُول الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا وَكَذَا ذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا. وَفِي الْعِتْق \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد - غَيْر مَنْسُوب - عَنْ عَبْد الرَّزَّاق \" وَأَنَّ الْحَاكِم جَزَمَ بِأَنَّهُ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيُّ إِلَى آخِر كَلَامه وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُحَمَّد هُنَا هُوَ اِبْن رَافِع فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ مُحَمَّد بْن رَافِع عَنْ عَبْد الرَّزَّاق , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ مُسْنَد إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ إِسْحَاق , وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي نُعَيْم , وَيَدُلّ عَلَى وَهْمِهِ أَنَّ فِي رِوَايَة إِسْحَاق عَنْ عَبْد الرَّزَّاق \" حَدَّثَنَا مَعْمَر \" وَاَلَّذِي فِي الْبُخَارِيّ \" عَنْ مَعْمَر \". ‏ ‏قَوْله ( لَا يُشِير أَحَدكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِإِثْبَاتِ الْيَاء وَهُوَ نَفْي بِمَعْنَى النَّهْي , وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ \" لَا يُشِرْ \" بِغَيْرِ يَاء وَهُوَ بِلَفْظِ النَّهْي وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَان يَنْزِغ فِي يَده ) ‏ ‏بِالْغَيْن الْمُعْجَمَة قَالَ الْخَلِيل فِي الْعَيْن نَزَغَ الشَّيْطَان بَيْنَ الْقَوْم نَزْغًا حَمَلَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض بِالْفَسَادِ وَمِنْهُ ( مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَان بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ) وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَمَعْنَاهُ قَلَعَ , وَنَزَعَ بِالسَّهْمِ رَمَى بِهِ , وَالْمُرَاد أَنَّهُ يُغْرِي بَيْنَهُمْ حَتَّى يَضْرِب أَحَدهمَا الْآخَر بِسِلَاحِهِ فَيُحَقِّق الشَّيْطَان ضَرْبَته لَهُ وَقَالَ اِبْن التِّين : مَعْنَى يَنْزِعهُ يَقْلَعهُ مِنْ يَده فَيُصِيب بِهِ الْآخَر أَوْ يَشُدّ يَده فَيُصِيبهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : ضَبَطْنَاهُ وَنَقَلَهُ عِيَاض عَنْ جَمِيع رِوَايَات مُسْلِم بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَمَعْنَاهُ يَرْمِي بِهِ فِي يَده وَيُحَقِّق ضَرْبَته , وَمَنْ رَوَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ فَهُوَ مِنْ الْإِغْرَاء أَيْ لَهُ تَحْقِيق الضَّرْبَة. ‏ ‏قَوْله ( فَيَقَع فِي حُفْرَة مِنْ النَّار ) ‏ ‏هُوَ كِنَايَة عَنْ وُقُوعه فِي الْمَعْصِيَة الَّتِي تُفْضِي بِهِ إِلَى دُخُول النَّار , قَالَ اِبْن بَطَّال : مَعْنَاهُ أَنَّ أَنْفَذَ عَلَيْهِ الْوَعِيد , وَفِي الْحَدِيث النَّهْي عَمَّا يُفْضِي إِلَى الْمَحْذُور وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَحْذُور مُحَقَّقًا سَوَاء كَانَ ذَلِكَ فِي جَدّ أَوْ هَزْل , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره مَرْفُوعًا , مِنْ رِوَايَة ضَمْرَة بْن رَبِيعَة عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْهُ \" الْمَلَائِكَة تَلْعَن أَحَدكُمْ إِذَا أَشَارَ إِلَى الْآخَر بِحَدِيدَةٍ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمّه \" وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَوْقُوفًا مِنْ رِوَايَة أَيُّوب عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْهُ , وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ أَصْله مَوْقُوفًا مِنْ رِوَايَة خَالِد الْحَذَّاء عَنْ اِبْن سِيرِينَ بِلَفْظِ \" مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ لَعَنَتْهُ الْمَلَائِكَة \" وَقَالَ حَسَن صَحِيح غَرِيب , وَكَذَا صَحَّحَهُ أَبُو حَاتِم مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَالَ فِي طَرِيق ضَمْرَة : مُنَمَّر , وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ جَابِر \" نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُتَعَاطَى السَّيْف مَسْلُولًا \" وَلِأَحْمَدَ وَالْبَزَّار مِنْ وَجْه آخَر عَنْ جَابِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مَرَّ بِقَوْمٍ فِي مَجْلِس يَسُلُّونَ سَيْفًا يَتَعَاطَوْنَهُ بَيْنَهُمْ غَيْر مَغْمُود فَقَالَ : أَلَمْ أَزْجُرْ عَنْ هَذَا ؟ إِذَا سَلَّ أَحَدكُمْ السَّيْف فَلْيُغْمِدْهُ ثُمَّ لِيُعْطِهِ أَخَاهُ \" وَلِأَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ أَبِي بَكْرَةَ نَحْوه وَزَادَ \" لَعَنَ اللَّه مَنْ فَعَلَ هَذَا , إِذَا سَلَّ أَحَدكُمْ سَيْفه فَأَرَادَ أَنْ يُنَاوِلَهُ أَخَاهُ فَلْيُغْمِدْهُ ثُمَّ يُنَاوِلهُ إِيَّاهُ \" قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِذَا اِسْتَحَقَّ الَّذِي يُشِير بِالْحَدِيدَةِ اللَّعْن فَكَيْفَ الَّذِي يُصِيب بِهَا ؟ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقّ اللَّعْن إِذَا كَانَتْ إِشَارَته تَهْدِيدًا سَوَاء كَانَ جَادًّا أَمْ لَاعِبًا كَمَا تَقَدَّمَ , وَإِنَّمَا أُوخِذَ اللَّاعِب لِمَا أَدْخَلَهُ عَلَى أَخِيهِ مِنْ الرَّوْع , وَلَا يَخْفَى أَنَّ إِثْم الْهَازِل دُونَ إِثْم الْجَادّ وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ تَعَاطِي السَّيْف مَسْلُولًا لِمَا يُخَاف مِنْ الْغَفْلَة عِنْدَ التَّنَاوُل فَيَسْقُط فَيُؤْذِي. ‏"
    },
    {
        "id": "6546",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِعَمْرٍو ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا مُحَمَّدٍ ‏ ‏سَمِعْتَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَرَّ رَجُلٌ بِسِهَامٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَمْسِكْ ‏ ‏بِنِصَالِهَا ‏ ‏قَالَ نَعَمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( قُلْت لِعَمْرٍو ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن دِينَار , وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة مُسْلِم , وَعَمْرو بْن دِينَار هُوَ الْقَائِل \" نَعَمْ \" جَوَابًا لِقَوْلِ سُفْيَان لَهُ \" أَسَمِعْت جَابِرًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِل الْمَسَاجِد مِنْ كِتَاب الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "6547",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ بِأَسْهُمٍ قَدْ أَبْدَى ‏ ‏نُصُولَهَا ‏ ‏فَأُمِرَ ‏ ‏أَنْ يَأْخُذَ بِنُصُولِهَا لَا يَخْدِشُ مُسْلِمًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( بِأَسْهُمٍ ) ‏ ‏هُوَ جَمْع قِلَّة يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي الطَّرِيق الْأُولَى \" بِسِهَامٍ \" أَنَّهَا سِهَام قَلِيلَة , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ أَنَّ الْمَارّ الْمَذْكُور كَانَ يَتَصَدَّق بِهَا. ‏ ‏قَوْله ( قَدْ بَدَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أُبْدِي \" وَالنُّصُول بِضَمَّتَيْنِ جَمْع نَصْل بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَيُجْمَع عَلَى نِصَال بِكَسْرِ أَوَّله كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُولَى , وَالنَّصْل حَدِيدَة السَّهْم. ‏ ‏قَوْله ( فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذ بِنُصُولِهَا ) ‏ ‏يُفَسِّر قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا \". ‏ ‏قَوْله ( لَا يَخْدِش مُسْلِمًا ) ‏ ‏بِمُعْجَمَتَيْنِ هُوَ تَعْلِيل لِلْأَمْرِ بِالْإِمْسَاكِ عَلَى النِّصَال , وَالْخَدْش أَوَّل الْجِرَاح. ‏"
    },
    {
        "id": "6548",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا أَوْ فِي سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ عَلَى ‏ ‏نِصَالِهَا ‏ ‏أَوْ قَالَ فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ ‏ ‏أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا شَيْءٌ ‏",
        "sharh": "\" 10540 \" حَدِيث أَبِي مُوسَى , وَهُوَ بِإِسْنَادِ \" مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ \". ‏ ‏قَوْله ( إِذَا مَرَّ أَحَدكُمْ إِلَخْ ) ‏ ‏فِيهِ أَنَّ الْحُكْم عَامّ فِي جَمِيع الْمُكَلَّفِينَ , بِخِلَافِ حَدِيث جَابِر فَإِنَّهُ وَاقِعَة حَال لَا تَسْتَلْزِم التَّعْمِيم. وَقَوْله \" فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ \" أَيْ عَلَى النِّصَال , وَلَيْسَ الْمُرَاد خُصُوص ذَلِكَ , بَلْ يَحْرِص عَلَى أَنْ لَا يُصِيب مُسْلِمًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوه كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْلِيل بِقَوْلِهِ \" أَنْ يُصِيب أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ \" وَقَوْله \" أَنْ يُصِيبَ بِهَا \" بِفَتْحِ أَنْ وَالتَّقْدِير كَرَاهِيَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" لِئَلَّا يُصِيب بِهَا \" وَهُوَ يُؤَيِّد مَذْهَب الْكُوفِيِّينَ فِي تَقْدِير الْمَحْذُوف فِي مِثْله , وَزَادَ مُسْلِم فِي آخِر الْحَدِيث \" سَدَّدْنَا بَعْضنَا إِلَى وُجُوه بَعْض \" وَهِيَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة أَيْ قَوَّمْنَاهَا إِلَى وُجُوههمْ , وَهِيَ كِنَايَة عَمَّا وَقَعَ مِنْ قِتَال بَعْضهمْ بَعْضًا فِي تِلْكَ الْحُرُوب الْوَاقِعَة فِي الْجَمَل وَصِفِّينَ , وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ تَحْرِيم قِتَال الْمُسْلِم وَقَتْله وَتَغْلِيظ الْأَمْر فِيهِ , وَتَحْرِيم تَعَاطِي الْأَسْبَاب الْمُفْضِيَة إِلَى أَذِيَّته بِكُلِّ وَجْه , وَفِيهِ حُجَّة لِلْقَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِع \". ‏"
    },
    {
        "id": "6549",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عُمَر بْن حَفْص ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غِيَاث , وَشَقِيق هُوَ أَبُو وَائِل , وَالسَّنَدُ كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( سِبَاب ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَمُوَحَّدَتَيْنِ وَتَخْفِيف مَصْدَر يُقَال سَبَّهُ يَسُبُّهُ سَبًّا وَسِبَابًا , وَهَذَا الْمَتْن قَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْإِيمَان أَوَّل الْكِتَاب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي وَائِل , وَفِيهِ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي رَفْعه وَوَقْفه , وَتَقَدَّمَ تَوْجِيه إِطْلَاق الْكُفْر عَلَى قِتَال الْمُؤْمِن وَأَنَّ أَقْوَى مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهِ مُبَالَغَة فِي التَّحْذِير مِنْ ذَلِكَ لِيَنْزَجِرَ السَّامِع عَنْ الْإِقْدَام عَلَيْهِ , أَوْ أَنَّهُ عَلَى سَبِيل التَّشْبِيه لِأَنَّ ذَلِكَ فِعْل الْكَافِر , كَمَا ذَكَرُوا نَظِيره فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْدَهُ. وَوَرَدَ لِهَذَا الْحَدِيث سَبَب أَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي خَالِد الْوَالِبِيّ عَنْ عَمْرو بْن النُّعْمَان بْن مُقْرِن الْمُزَنِيِّ قَالَ \" اِنْتَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَجْلِس مِنْ مَجَالِس الْأَنْصَار وَرَجُل مِنْ الْأَنْصَار كَانَ عُرِفَ بِالْبَذَاءِ وَمُشَاتَمَة النَّاس , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سِبَاب الْمُسْلِم فُسُوق وَقِتَاله كُفْر \" زَادَ الْبَغَوِيُّ فِي رِوَايَته \" فَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُل : وَاَللَّه لَا أُسَابّ رَجُلًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "6550",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَاقِد بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏أَيْ اِبْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَرَ. ‏ ‏قَوْله ( لَا تَرْجِعُونَ بَعْدِي ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ بِصِيغَةِ الْخَبَر وَلِلْبَاقِينَ \" لَا تَرْجِعُوا \" بِصِيغَةِ النَّهْيِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ. ‏ ‏قَوْله ( كُفَّارًا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان الْمُرَاد بِهِ فِي أَوَائِل كِتَاب الدِّيَات , وَجُمْلَة الْأَقْوَال فِيهِ ثَمَانِيَة , ثُمَّ وَقَفْت عَلَى تَاسِع وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاد سَتْر الْحَقّ وَالْكُفْر لُغَة السَّتْر , لِأَنَّ حَقّ الْمُسْلِم عَلَى الْمُسْلِم أَنْ يَنْصُرهُ وَيُعِينهُ , فَلَمَّا قَاتَلَهُ كَأَنَّهُ غَطَّى عَلَى حَقّه الثَّابِت لَهُ عَلَيْهِ. وَعَاشِر وَهُوَ أَنَّ الْفِعْل الْمَذْكُور يُفْضِي إِلَى الْكُفْر , لِأَنَّ مَنْ اِعْتَادَ الْهُجُوم عَلَى كِبَار الْمَعَاصِي جَرَّهُ شُؤْم ذَلِكَ إِلَى أَشَدّ مِنْهَا فَيُخْشَى أَنْ لَا يُخْتَم لَهُ بِخَاتِمَةِ الْإِسْلَام. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ لُبْس السِّلَاح يَقُول كَفَرَ فَوْقَ دِرْعه إِذَا لَبِسَ فَوْقَهَا ثَوْبًا , وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ لَا تَفْعَلُوا بِالْمُؤْمِنِينَ مَا تَفْعَلُونَ بِالْكُفَّارِ , وَلَا تَفْعَلُوا بِهِمْ مَا لَا يَحِلّ وَأَنْتُمْ تَرَوْنَهُ حَرَامًا. قُلْت : وَهُوَ دَاخِل فِي الْمَعَانِي الْمُتَقَدِّمَة. وَاسْتَشْكَلَ بَعْض الشُّرَّاح غَالِب هَذِهِ الْأَجْوِبَة بِأَنَّ رَاوِي الْخَبَر وَهُوَ أَبُو بَكْرَة فَهِمَ خِلَاف ذَلِكَ , وَالْجَوَاب أَنَّ فَهْمه ذَلِكَ إِنَّمَا يُعْرَف مِنْ تَوَقُّفه عَنْ الْقِتَال وَاحْتِجَاجه بِهَذَا الْحَدِيث , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَوَقُّفه بِطَرِيقِ الِاحْتِيَاط لِمَا يَحْتَمِلهُ ظَاهِر اللَّفْظ , وَلَا يَلْزَم أَنْ يَكُون يَعْتَقِد حَقِيقَة كُفْر مَنْ بَاشَرَ ذَلِكَ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ لَمْ يَمْتَنِع مِنْ الصَّلَاة خَلْفهمْ وَلَا اِمْتِثَال أَوَامِرهمْ وَلَا غَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ يَعْتَقِد فِيهِمْ حَقِيقَته. وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. ‏ ‏قَوْله ( يَضْرِب بَعْضكُمْ رِقَابَ بَعْض ) ‏ ‏بِجَزْمِ يَضْرِب عَلَى أَنَّهُ جَوَاب النَّهْي , وَبِرَفْعِهِ عَلَى الِاسْتِئْنَاف , أَوْ يُجْعَل حَالًا. فَعَلَى الْأَوَّل يَقْوَى الْحَمْل عَلَى الْكُفْر الْحَقِيقِيّ وَيَحْتَاج إِلَى التَّأْوِيل بِالْمُسْتَحِلِّ مَثَلًا , وَعَلَى الثَّانِي لَا يَكُون مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُتَعَلِّقًا وَجَوَابه مَا تَقَدَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6551",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏رَجُلٍ آخَرَ ‏ ‏هُوَ أَفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ أَلَا تَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ لِمَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ فَكَانَ كَذَلِكَ قَالَ لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ حُرِّقَ ‏ ‏ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ ‏ ‏حِينَ حَرَّقَهُ ‏ ‏جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ ‏ ‏قَالَ أَشْرِفُوا عَلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏فَقَالُوا هَذَا ‏ ‏أَبُو بَكْرَةَ ‏ ‏يَرَاكَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَحَدَّثَتْنِي ‏ ‏أُمِّي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ لَوْ دَخَلُوا عَلَيَّ مَا ‏ ‏بَهَشْتُ ‏ ‏بِقَصَبَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان وَالسَّنَدُ كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( اِبْن سِيرِينَ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد. ‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ رَجُل آخَر ) ‏ ‏هُوَ حُمَيْدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِيّ كَمَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي \" بَاب الْخُطْبَة أَيَّام مِنَى \" مِنْ كِتَاب الْحَجّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْخُطْبَة الْمَذْكُورَة فِي كِتَاب الْحَجّ , وَقَوْله \" أَبْشَاركُمْ \" بِمُوَحَّدَةٍ وَمُعْجَمَة جَمْع بَشَرَة وَهُوَ ظَاهِر جِلْد الْإِنْسَان , وَأَمَّا الْبَشَر الَّذِي هُوَ الْإِنْسَان فَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَع , وَأَجَازَهُ بَعْضهمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا ) وَقَوْله \" فَإِنَّهُ \" الْهَاء ضَمِير الشَّأْن , وَقَوْله \" رُبَّ مُبَلَّغ \" بِفَتْحِ اللَّام الثَّقِيلَة وَ \" يُبَلِّغهُ \" بِكَسْرِهَا , وَقَوْله \" مَنْ هُوَ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لِمَنْ هُوَ \". ‏ ‏قَوْله ( أَوْعَى لَهُ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَةِ الْحَجّ \" مِنْهُ \". ‏ ‏قَوْله ( فَكَانَ كَذَلِكَ ) ‏ ‏هَذِهِ جُمْلَة مَوْقُوفَة مِنْ كَلَام مُحَمَّد بْن سِيرِينَ تَخَلَّلَتْ بَيْنَ الْجُمَل الْمَرْفُوعَة كَمَا وَقَعَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَاضِحًا فِي , بَاب لِيُبَلِّغْ الْعِلْم الشَّاهِد الْغَائِب , مِنْ كِتَاب الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لَا تَرْجِعُوا ) ‏ ‏هُوَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْرَة عَنْ أَبِي بَكْرَة , وَقَدْ قَالَ الْبَزَّار بَعْدَ تَخْرِيجه بِطُولِهِ لَا نَعْلَم مَنْ رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ إِلَّا قُرَّة عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ حُرِّقَ اِبْن الْحَضْرَمِيّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْمُقَدَّمِيّ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالَ فَلَمَّا كَانَ \" وَفَاعِل قَالَ هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْرَة , وَحُرِّقَ بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَوَقَعَ فِي خَطّ الدِّمْيَاطِيّ : الصَّوَاب أُحْرِقَ , وَتَبِعَهُ بَعْض الشُّرَّاح , وَلَيْسَ الْآخَر بِخَطَأٍ بَلْ جَزَمَ أَهْل اللُّغَة بِاللُّغَتَيْنِ أَحْرَقَهُ وَحَرَّقَهُ وَالتَّشْدِيد لِلتَّكْثِيرِ , وَالتَّقْدِير هُنَا يَوْمَ حُرِّقَ اِبْن الْحَضْرَمِيّ وَمَنْ مَعَهُ , وَابْن الْحَضْرَمِيّ فِيمَا ذَكَرَهُ الْعَسْكَرِيّ اِسْمه عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْحَضْرَمِيّ وَأَبُوهُ عَمْرو هُوَ أَوَّل مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْر , وَعَلَى هَذَا فَلِعَبْدِ اللَّه رُؤْيَة , وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْضهمْ فِي الصَّحَابَة , فَفِي الِاسْتِيعَاب : قَالَ الْوَاقِدِيُّ وُلِدَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَرُوِيَ عَنْ عُمَر وَعِنْدَ الْمَدَائِنِيّ أَنَّهُ عَبْد اللَّه بْن عَامِر الْحَضْرَمِيّ وَهُوَ اِبْن عَمْرو الْمَذْكُور , وَالْعَلَاء اِبْن الْحَضْرَمِيّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور عَمّه , وَاسْم الْحَضْرَمِيّ عَبْد اللَّه بْن عِمَاد وَكَانَ حَالَفَ بَنِي أُمَيَّة فِي الْجَاهِلِيَّة , وَأُمّ اِبْن الْحَضْرَمِيّ الْمَذْكُور أَرْنَب بِنْت كَرِيز بْن رَبِيعَة وَهِيَ عَمَّة عَبْد اللَّه بْن عَامِر بْن كَرِيز الَّذِي كَانَ أَمِير الْبَصْرَة فِي زَمَن عُثْمَان. ‏ ‏قَوْله ( حِينَ حَرَّقَهُ جَارِيَة ) ‏ ‏بِجِيمٍ وَتَحْتَانِيَّة ‏ ‏( اِبْن قُدَامَةَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن مَالِك بْن زُهَيْر بْن الْحُصَيْن التَّمِيمِيّ السَّعْدِيّ , وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْعَسْكَرِيّ فِي الصَّحَابَة كَانَ جَارِيَة يُلَقَّب مُحَرِّقًا لِأَنَّهُ أَحْرَقَ اِبْن الْحَضْرَمِيّ بِالْبَصْرَةِ , وَكَانَ مُعَاوِيَة وَجَّهَ اِبْن الْحَضْرَمِيّ إِلَى الْبَصْرَة لِيَسْتَنْفِرَهُمْ عَلَى قِتَال عَلِيّ , فَوَجَّهَ عَلَى جَارِيَة بْن قُدَامَةَ فَحَصَرَهُ , فَتَحَصَّنَ مِنْهُ اِبْن الْحَضْرَمِيّ فِي دَار فَأَحْرَقَهَا جَارِيَة عَلَيْهِ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي حَوَادِث سَنَة ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ مِنْ طَرِيق أَبِي الْحَسَن الْمَدَائِنِيّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" أَخْبَار الْبَصْرَة \" أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس خَرَجَ مِنْ الْبَصْرَة وَكَانَ عَامِلهَا لِعَلِيٍّ وَاسْتَخْلَفَ زِيَاد بْن سُمَيَّة عَلَى الْبَصْرَة , فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَة عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْحَضْرَمِيّ لِيَأْخُذَ لَهُ الْبَصْرَة , فَنَزَلَ فِي بَنِي تَمِيم , وَانْضَمَّتْ إِلَيْهِ الْعُثْمَانِيَّة , فَكَتَبَ زِيَاد إِلَى عَلِيّ يَسْتَنْجِدهُ , فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَعْيَن اِبْن ضُبَيْعَةَ الْمُجَاشِعِيّ فَقُتِلَ غِيلَةً , فَبَعَثَ عَلِيّ بَعْدَهُ جَارِيَة بْن قُدَامَةَ فَحَصَرَ اِبْن الْحَضْرَمِيّ فِي الدَّار الَّتِي نَزَلَ فِيهَا ثُمَّ أَحْرَقَ الدَّار عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أَوْ أَرْبَعِينَ , وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ أَشْعَارًا , فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد , وَأَمَّا مَا حَكَاهُ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب أَنَّ اِبْن الْحَضْرَمِيّ رَجُل اِمْتَنَعَ مِنْ الطَّاعَة , فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ جَارِيَة بْن قُدَامَةَ فَصَلَبَهُ عَلَى جِذْع ثُمَّ أَلْقَى النَّار فِي الْجِذْع الَّذِي صُلِبَ عَلَيْهِ , فَمَا أَدْرِي مَا مُسْتَنَده فِيهِ , وَكَأَنَّهُ قَالَهُ بِالظَّنِّ , وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَهْل الْعِلْم بِالْأَخْبَارِ , وَكَانَ الْأَحْنَف يَدْعُو جَارِيَة عَمًّا إِعْظَامًا لَهُ , قَالَهُ الطَّبَرِيُّ وَمَاتَ جَارِيَة فِي خِلَافَة يَزِيد بْن مُعَاوِيَة قَالَهُ اِبْن حِبَّان , وَيُقَال إِنَّهُ جُوَيْرِيَة بْن قُدَامَةَ الَّذِي رَوَى قِصَّة قَتْل عُمَر كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَشْرِفُوا عَلَى أَبِي بَكْرَة ) ‏ ‏أَيْ اِطَّلِعُوا مِنْ مَكَان مُرْتَفِع فَرَأَوْهُ , زَادَ الْبَزَّار عَنْ يَحْيَى بْن حَكِيم عَنْ الْقَطَّان \" وَهُوَ فِي حَائِط لَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالُوا هَذَا أَبُو بَكْرَة يَرَاك ) ‏ ‏قَالَ الْمُهَلَّب : لَمَّا فَعَلَ جَارِيَة بِابْنِ الْحَضْرَمِيّ مَا فَعَلَ أَمَرَ جَارِيَة بَعْضهمْ أَنْ يُشْرِفُوا عَلَى أَبِي بَكْرَة لِيَخْتَبِر إِنْ كَانَ مُحَارِبًا أَوْ فِي الطَّاعَة , وَكَانَ قَدْ قَالَ لَهُ خَيْثَمَةُ : هَذَا أَبُو بَكْرَة يَرَاك وَمَا صَنَعْت بِابْنِ الْحَضْرَمِيّ فَرُبَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْك بِسِلَاحٍ أَوْ بِكَلَامٍ. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرَة ذَلِكَ وَهُوَ فِي عُلِّيَّة لَهُ قَالَ : لَوْ دَخَلُوا عَلَيَّ دَارِي مَا رَفَعْت عَلَيْهِمْ قَصَبَة , لِأَنِّي لَا أَرَى قِتَال الْمُسْلِمِينَ فَكَيْفَ أَنْ أُقَاتِلهُمْ بِسِلَاحٍ. قُلْت : وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ أَهْل الْعِلْم بِالْأَخْبَارِ كَالْمَدَائِنِيِّ أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ اِسْتَنْفَرَ أَهْل الْبَصْرَة بِأَمْرِ عَلِيّ لِيُعَاوِدُوا مُحَارَبَة مُعَاوِيَة بَعْدَ الْفَرَاغ مِنْ أَمْر التَّحْكِيم , ثُمَّ وَقَعَ أَمْر الْخَوَارِج فَسَارَ اِبْن عَبَّاس إِلَى عَلِيّ فَشَهِدَ مَعَهُ النَّهْرَوَان , فَأَرْسَلَ بَعْض عَبْد الْقَيْس فِي غَيْبَته إِلَى مُعَاوِيَة يُخْبِرهُ أَنَّ بِالْبَصْرَةِ جَمَاعَة مِنْ الْعُثْمَانِيَّة , وَيَسْأَلهُ تَوْجِيه رَجُل يَطْلُب بِدَمِ عُثْمَان , فَوَجَّهَ اِبْن الْحَضْرَمِيّ , فَكَانَ مِنْ أَمْره مَا كَانَ , فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ جَارِيَة بْن قُدَامَةَ بَعْدَ أَنْ غَلَبَ وَحَرَّقَ اِبْن الْحَضْرَمِيّ وَمَنْ مَعَهُ اِسْتَنْفَرَ النَّاس بِأَمْرِ عَلِيّ , فَكَانَ مِنْ رَأْي أَبِي بَكْرَة تَرْك الْقِتَال فِي الْفِتْنَة كَرَأْيِ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة , فَدَلَّ بَعْض النَّاس عَلَى أَبِي بَكْرَة لِيُلْزِمُوهُ الْخُرُوج إِلَى الْقِتَال فَأَجَابَهُمْ بِمَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي بَكْرَة الرَّاوِي , وَهُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله ( فَحَدَّثَتْنِي أُمِّي ) ‏ ‏هِيَ هَالَة بِنْت غُلَيْظ الْعِجْلِيَّة , ذَكَرَ ذَلِكَ خَلِيفَة بْن خَيَّاط فِي تَارِيخه , وَتَبِعَهُ أَبُو أَحْمَد الْحَاكِم وَجَمَاعَة ; وَسَمَّى اِبْن سَعْد أُمّه هَوْلَة وَاَللَّه أَعْلَم. وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَابْن سَعْد أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن كَانَ أَوَّل مَوْلُود وُلِدَ بِالْبَصْرَةِ بَعْدَ أَنْ بُنِيَتْ , وَأَرَّخَهَا اِبْن زَيْد سَنَة أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَذَلِكَ فِي أَوَائِل خِلَافَة عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( لَوْ دَخَلُوا عَلَيَّ ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ. ‏ ‏قَوْله ( مَا بَهِشْت ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَاء وَسُكُون الْمُعْجَمَة , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ بِفَتْحِ الْهَاء وَهُمَا لُغَتَانِ , وَالْمَعْنَى مَا دَافَعْتهمْ يُقَال بَهَشَ بَعْض الْقَوْم إِلَى بَعْض إِذَا تَرَامَوْا لِلْقِتَالِ , فَكَأَنَّهُ قَالَ مَا مَدَدْت يَدِي إِلَى قَصَبَة وَلَا تَنَاوَلْتهَا لِأُدَافِعَ بِهَا عَنِّي. وَقَالَ اِبْن التِّين \" مَا قُمْت إِلَيْهِمْ بِقَصَبَةٍ \" يُقَال بَهَشَ لَهُ إِذَا اِرْتَاحَ لَهُ وَخَفَّ إِلَيْهِ , وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَا رَمَيْت وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَا تَحَرَّكْت , وَقَالَ صَاحِب النِّهَايَة : الْمُرَاد مَا أَقْبَلْت إِلَيْهِمْ مُسْرِعًا أَدْفَعهُمْ عَنِّي وَلَا بِقَصَبَةٍ , وَيُقَال لِمَنْ نَظَرَ إِلَى شَيْء فَأَعْجَبَهُ وَاشْتَهَاهُ أَوْ أَسْرَعَ إِلَى تَنَاوُله : بَهَشَ إِلَى كَذَا , وَيُسْتَعْمَل أَيْضًا فِي الْخَيْر وَالشَّرّ , يُقَال بَهَشَ إِلَى مَعْرُوف فُلَان فِي الْخَيْر وَبَهَشَ إِلَى فُلَان تَعَرَّضَ لَهُ بِالشَّرِّ , وَيُقَال بَهَشَ الْقَوْم بَعْضهمْ إِلَى بَعْض إِذَا اِبْتَدَرُوا فِي الْقِتَال وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو بَكْرَة يُوَافِق مَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَد مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود ذَكَرَ الْفِتْنَة \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه فَمَا تَأْمُرنِي إِنْ أَدْرَكْت ذَلِكَ ؟ قَالَ : كُفَّ يَدَك وَلِسَانك وَادْخُلْ دَارك , قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت إِنْ دَخَلَ رَجُل عَلَيَّ دَارِي ؟ قَالَ : فَادْخُلْ بَيْتك. قَالَ قُلْت : أَفَرَأَيْت إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي قَالَ فَادْخُلْ مَسْجِدَك - وَقَبَضَ بِيَمِينِهِ عَلَى الْكُوع - وَقُلْ رَبِّي اللَّه حَتَّى تَمُوت عَلَى ذَلِكَ \" وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث جُنْدُب \" اُدْخُلُوا بُيُوتكُمْ وَأَخْمِلُوا ذِكْركُمْ قَالَ : أَرَأَيْت إِنْ دَخَلَ عَلَى أَحَدنَا بَيْتَهُ قَالَ : لِيُمْسِكْ بِيَدِهِ وَلْيَكُنْ عَبْدُ اللَّه الْمَقْتُول لَا الْقَاتِل \" وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث خَرْشَة اِبْن الْحُرّ \" فَمَنْ أَتَتْ عَلَيْهِ فَلْيَمْشِ بِسَيْفِهِ إِلَى صَفَاة فَلْيَضْرِبْهُ بِهَا حَتَّى يَنْكَسِرَ ثُمَّ لِيَضْطَجِعَ لَهَا حَتَّى تَنْجَلِيَ \" وَفِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة عِنْدَ مُسْلِم \" قَالَ رَجُل يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت إِنْ أُكْرِهْت حَتَّى يُنْطَلَق بِي إِلَى أَحَد الصَّفَّيْنِ فَجَاءَ سَهْم أَوْ ضَرَبَنِي رَجُل بِسَيْفٍ ؟ قَالَ : يَبُوء بِإِثْمِهِ وَإِثْمك \" الْحَدِيث , وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6552",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَرْتَدُّوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مُحَمَّد بْن فُضَيْل عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غَزْوَانَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الزَّايِ. ‏ ‏قَوْله ( لَا تَرْتَدُّوا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْحَجّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ فُضَيْل بِلَفْظِ \" لَا تَرْجِعُوا \" وَسَاقَهُ هُنَاكَ أَتَمَّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6553",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ اسْتَنْصِتْ النَّاسَ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَرِير وَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّهِ الْبَجَلِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( لَا تَرْجِعُوا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ لَا تَرْجِعُنَ بَعْدَ الْعَيْن الْمُهْمَلَة الْمَضْمُومَة نُون ثَقِيلَة وَأَصْله لَا تَرْجِعُونَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم وَفِي أَوَاخِر الْمَغَازِي وَفِي الدِّيَات بِلَفْظِ \" لَا تَرْجِعُوا \" وَلَيْسَ لِأَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو بْن جَرِير عَنْ جَدّه فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث , وَعَلِيّ بْن مُدْرِك الرَّاوِي عَنْهُ نَخَعِيّ كُوفِيّ مُتَّفَق عَلَى تَوْثِيقه , وَلَا أَعْرِف لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد فِي الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6554",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏ح ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي ‏ ‏صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي مَنْ ‏ ‏تَشَرَّفَ ‏ ‏لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ فَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سَتَكُونُ فِتَنٌ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" فِتْنَة \" بِالْإِفْرَادِ. ‏ ‏قَوْله ( الْقَاعِد فِيهَا خَيْر مِنْ الْقَائِم ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن إِسْمَاعِيل الْكَلْبِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بِسَنَدِهِ فِيهِ فِي أَوَّله \" النَّائِم فِيهَا خَيْر مِنْ الْيَقْظَان وَالْيَقْظَان فِيهَا خَيْر مِنْ الْقَاعِد \" , وَالْحَسَن بْن إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَهُوَ مِنْ شُيُوخه , ثُمَّ وَجَدْت هَذِهِ الزِّيَادَة عِنْدَ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد , وَكَانَ أَخْرَجَهُ أَوَّلًا مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ كَرِوَايَةِ مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , فَكَأَنَّ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد كَانَ يَذْكُرهُ تَامًّا وَنَاقِصًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة خَرْشَة بْن الْحُرّ عِنْدَ أَحْمَد وَأَبِي يَعْلَى مِثْل هَذِهِ الزِّيَادَة , وَقَدْ وَجَدْت لِهَذِهِ الزِّيَادَة شَاهِدًا مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ \" النَّائِم فِيهَا خَيْر مِنْ الْمُضْطَجِع \" وَهُوَ الْمُرَاد بِالْيَقْظَانِ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة لِأَنَّهُ قَابَلَهُ بِالْقَاعِدِ. ‏ ‏قَوْله ( وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْر مِنْ السَّاعِي ) ‏ ‏فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْر مِنْ الرَّاكِب وَالرَّاكِب فِيهَا خَيْر مِنْ الْمُجْرِي قَتْلَاهَا كُلّهَا فِي النَّار \". ‏ ‏قَوْله ( خَيْر مِنْ السَّاعِي ) فِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة عِنْدَ مُسْلِم \" مِنْ السَّاعِي إِلَيْهَا \" وَزَادَ \" أَلَا فَإِذَا نَزَلَتْ فَمَنْ كَانَتْ لَهُ إِبِل فَلْيَلْحَق بِإِبِلِهِ \" الْحَدِيث قَالَ بَعْض الشُّرَّاح فِي قَوْله \" وَالْقَاعِد فِيهَا خَيْر مِنْ الْقَائِم \" أَيْ الْقَاعِد فِي زَمَانهَا عَنْهَا قَالَ : وَالْمُرَاد بِالْقَائِمِ الَّذِي لَا يَسْتَشْرِفهَا وَبِالْمَاشِي مَنْ يَمْشِي فِي أَسْبَابه لِأَمْرٍ سِوَاهَا , فَرُبَّمَا يَقَع بِسَبَبِ مَشْيه فِي أَمْر يَكْرَههُ وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد مَنْ يَكُون مُبَاشِرًا لَهَا فِي الْأَحْوَال كُلّهَا , يَعْنِي أَنَّ بَعْضهمْ فِي ذَلِكَ أَشَدّ مِنْ بَعْض , فَأَعْلَاهُمْ فِي ذَلِكَ السَّاعِي فِيهَا بِحَيْثُ يَكُون سَبَبًا لِإِثَارَتِهَا , ثُمَّ مَنْ يَكُون قَائِمًا بِأَسْبَابِهَا وَهُوَ الْمَاشِي , ثُمَّ مَنْ يَكُون مُبَاشِرًا لَهَا وَهُوَ الْقَائِم , ثُمَّ مَنْ يَكُون مَعَ النَّظَّارَة وَلَا يُقَاتِل وَهُوَ الْقَاعِد , ثُمَّ مَنْ يَكُون مُجْتَنِبًا لَهَا وَلَا يُبَاشِر وَلَا يَنْظُر وَهُوَ الْمُضْطَجِع الْيَقْظَان , ثُمَّ مَنْ لَا يَقَع مِنْهُ شَيْء مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ رَاضٍ وَهُوَ النَّائِم , وَالْمُرَاد بِالْأَفْضَلِيَّةِ فِي هَذِهِ الْخَيْرِيَّة مَنْ يَكُون أَقَلّ شَرًّا مِمَّنْ فَوْقَهُ عَلَى التَّفْصِيل الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَالْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء أَيْ تَطَلَّعَ لَهَا بِأَنْ يَتَصَدَّى وَيَتَعَرَّض لَهَا وَلَا يُعْرِض عَنْهَا , وَضُبِطَ أَيْضًا مِنْ الشَّرَف وَمِنْ الْإِشْرَاف. ‏ ‏قَوْله ( تَسْتَشْرِفُهُ ) ‏ ‏أَيْ تُهْلِكهُ بِأَنْ يُشْرِف مِنْهَا عَلَى الْهَلَاك , يُقَال اِسْتَشْرَفْت الشَّيْء عَلَوْته وَأَشْرَفْت عَلَيْهِ , يُرِيد مَنْ اِنْتَصَبَ لَهَا اِنْتَصَبَتْ لَهُ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا أَعْرَضَتْ عَنْهُ , وَحَاصِله أَنَّ مَنْ طَلَعَ فِيهَا بِشَخْصِهِ قَابَلَتْهُ بِشَرِّهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَنْ خَاطَرَ فِيهَا بِنَفْسِهِ أَهْلَكَتْهُ , وَنَحْوه قَوْل الْقَائِل مَنْ غَالَبَهَا غَلَبَتْهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَمَنْ وَجَدَ فِيهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مِنْهَا \". ‏ ‏قَوْله ( مَلْجَأ ) ‏ ‏أَيْ يَلْتَجِئ إِلَيْهِ مِنْ شَرِّهَا. ‏ ‏قَوْله ( أَوْ مَعَاذًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَة هُوَ بِمَعْنَى الْمَلْجَأ , قَالَ اِبْن التِّين وَرَوَيْنَاهُ بِالضَّمِّ يَعْنِي مُعَاذًا , ‏ ‏قَوْله ( فَلْيَعُذْ بِهِ ) ‏ ‏أَيْ لِيَعْتَزِلْ فِيهِ لِيَسْلَمَ مِنْ شَرّ الْفِتْنَة وَفِي رِوَايَة سَعْد بْن إِبْرَاهِيم \" فَلْيَسْتَعِذْ \" وَوَقَعَ تَفْسِيره عِنْدَ مُسْلِم فِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة وَلَفْظه \" فَإِذَا نَزَلَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِل فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ - وَذَكَرَ الْغَنَم وَالْأَرْض - قَالَ رَجُل يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ؟ قَالَ : يَعْمِد إِلَى سَيْفه فَيَدُقّ عَلَى حَدّه بِحَجَرٍ ثُمَّ لِيَنْجُ إِنْ اِسْتَطَاعَ \". وَفِيهِ التَّحْذِير مِنْ الْفِتْنَة وَالْحَثّ عَلَى اِجْتِنَاب الدُّخُول فِيهَا وَأَنَّ شَرّهَا يَكُون بِحَسَبِ التَّعَلُّق بِهَا , وَالْمُرَاد بِالْفِتْنَةِ مَا يَنْشَأ عَنْ الِاخْتِلَاف فِي طَلَب الْمُلْك حَيْثُ لَا يُعْلَم الْمُحِقّ مِنْ الْمُبْطِل. قَالَ الطَّبَرِيُّ : اِخْتَلَفَ السَّلَف فَحَمَلَ ذَلِكَ بَعْضهمْ عَلَى الْعُمُوم وَهُمْ مَنْ قَعَدَ عَنْ الدُّخُول فِي الْقِتَال بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُطْلَقًا كَسَعْدٍ وَابْن عُمَر وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ وَأَبِي بَكْرَة فِي آخَرِينَ , وَتَمَسَّكُوا بِالظَّوَاهِرِ الْمَذْكُورَة وَغَيْرهَا , ثُمَّ اِخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَقَالَتْ طَائِفَة بِلُزُومِ الْبُيُوت , وَقَالَتْ طَائِفَة بَلْ بِالتَّحَوُّلِ عَنْ بَلَد الْفِتَن أَصْلًا. ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِذَا هَجَمَ عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ يَكُفّ يَده وَلَوْ قُتِلَ , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : بَلْ يُدَافِع عَنْ نَفْسه وَعَنْ مَاله وَعَنْ أَهْله وَهُوَ مَعْذُور إِنْ قَتَلَ أَوْ قُتِلَ. وَقَالَ آخَرُونَ : إِذَا بَغَتْ طَائِفَة عَلَى الْإِمَام فَامْتَنَعَتْ مِنْ الْوَاجِب عَلَيْهَا وَنَصَبَتْ الْحَرْب وَجَبَ قِتَالهَا , وَكَذَلِكَ لَوْ تَحَارَبَتْ طَائِفَتَانِ وَجَبَ عَلَى كُلّ قَادِر الْأَخْذ عَلَى يَد الْمُخْطِئ وَنَصْر الْمُصِيب , وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور , وَفَصَّلَ آخَرُونَ فَقَالُوا : كُلّ قِتَال وَقَعَ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ لَا إِمَام لِلْجَمَاعَةِ فَالْقِتَال حِينَئِذٍ مَمْنُوع , وَتَنْزِل الْأَحَادِيث الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب , وَغَيْره عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيِّ , قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَالصَّوَاب أَنْ يُقَال إِنَّ الْفِتْنَة أَصْلهَا الِابْتِلَاء , وَإِنْكَار الْمُنْكَر وَاجِب عَلَى كُلّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ , فَمَنْ أَعَانَ الْمُحِقّ أَصَابَ وَمَنْ أَعَانَ الْمُخْطِئ أَخْطَأَ , وَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْر فَهِيَ الْحَالَة الَّتِي وَرَدَ النَّهْي عَنْ الْقِتَال فِيهَا. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْأَحَادِيث وَرَدَتْ فِي حَقّ نَاس مَخْصُوصِينَ , وَأَنَّ النَّهْي مَخْصُوص بِمَنْ خُوطِبَ بِذَلِكَ. وَقِيلَ إِنَّ أَحَادِيث النَّهْي مَخْصُوصَة بِآخِرِ الزَّمَان حَيْثُ يَحْصُل التَّحَقُّق أَنَّ الْمُقَاتَلَة إِنَّمَا هِيَ فِي طَلَب الْمُلْك. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه وَمَتَى ذَلِكَ ؟ قَالَ أَيَّام الْهَرْج قُلْت وَمَتَى ؟ قَالَ حِينَ لَا يَأْمَن الرَّجُل جَلِيسه \". ‏"
    },
    {
        "id": "6555",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي مَنْ ‏ ‏تَشَرَّفَ ‏ ‏لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6556",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رَجُلٍ ‏ ‏لَمْ يُسَمِّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجْتُ بِسِلَاحِي ‏ ‏لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ فَاسْتَقْبَلَنِي ‏ ‏أَبُو بَكْرَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَيْنَ تُرِيدُ قُلْتُ أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ قِيلَ فَهَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ ‏ ‏لِأَيُّوبَ ‏ ‏وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ‏ ‏وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ يُحَدِّثَانِي بِهِ فَقَالَا إِنَّمَا ‏ ‏رَوَى هَذَا الحَدِيثَ ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُؤَمَّلٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏وَيُونُسُ ‏ ‏وَهِشَامٌ ‏ ‏وَمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَحْنَفِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَمْ يَرْفَعْهُ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏وَهُوَ الْحَجَبِيّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْجِيمِ. ‏ ‏قَوْله ( حَمَّاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد وَقَدْ نَسَبَهُ فِي أَثْنَاء الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ رَجُل لَمْ يُسَمِّهِ ) ‏ ‏هُوَ عَمْرو بْن عُبَيْد شَيْخ الْمُعْتَزِلَة وَكَانَ سَيِّئ الضَّبْط , هَكَذَا جَزَمَ الْمِزِّيّ فِي التَّهْذِيب بِأَنَّهُ الْمُبْهَم فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَجَوَّزَ غَيْره كَمُغَلْطَايْ أَنْ يَكُون هُوَ هِشَام بْن حَسَّان وَفِيهِ بُعْدٌ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْحَسَن ) ‏ ‏هُوَ الْبَصْرِيّ ‏ ‏( قَالَ خَرَجْت بِسِلَاحِي لَيَالِي الْفِتْنَة ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَسَقَطَ الْأَحْنَف بَيْن الْحَسَن وَأَبِي بَكْرَة كَمَا سَيَأْتِي , وَالْمُرَاد بِالْفِتْنَةِ الْحَرْب الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ عَلِيّ وَمَنْ مَعَهُ وَعَائِشَة وَمَنْ مَعَهَا , وَقَوْله \" خَرَجْت بِسِلَاحِي \" فِي رِوَايَة عُمَر بْن شَبَّة عَنْ خَالِد بْن خِدَاش عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب وَيُونُس عَنْ الْحَسَن \" عَنْ الْأَحْنَف قَالَ : اِلْتَحَفْت عَلَيَّ بِسَيْفِي لِآتِيَ عَلِيًّا فَأَنْصُرَهُ \" : وَقَوْله \" فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَة \" فِي رِوَايَة مُسْلِم الْآتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا \" فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَة \". ‏ ‏قَوْله ( أَيْنَ تُرِيد ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَته \" يَا أَحْنَفُ \". ‏ ‏قَوْله ( نُصْرَة اِبْن عَمّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أُرِيدَ نَصْر اِبْن عَمّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" يَعْنِي عَلِيًّا \" قَالَ فَقَالَ لِي : يَا أَحْنَف اِرْجِعْ \". ‏ ‏قَوْلُهُ ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْل النَّار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي النَّار \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم فَالْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار \". ‏ ‏قَوْله ( قِيلَ فَهَذَا الْقَاتِل ) ‏ ‏الْقَائِل هُوَ أَبُو بَكْرَة وَقَعَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَة مُسْلِم , لَكِنْ شَكَّ فَقَالَ \" فَقُلْت أَوْ قِيلَ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَيُّوب عِنْدَ عَبْد الرَّزَّاق \" قَالُوا يَا رَسُول اللَّه هَذَا الْقَاتِل فَمَا بَالُ الْمَقْتُول \" وَقَوْله \" هَذَا الْقَاتِل \" مُبْتَدَأ وَخَبَره مَحْذُوف , أَيْ هَذَا الْقَاتِل يَسْتَحِقّ النَّار , وَقَوْله \" فَمَا بَالُ الْمَقْتُول \" أَيْ فَمَا ذَنْبه. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّهُ أَرَادَ قَتْل صَاحِبه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَان بِلَفْظِ \" إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْل صَاحِبه \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ حَمَّاد بْن زَيْد ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَا إِنَّمَا رَوَى هَذَا الْحَدِيث الْحَسَن عَنْ الْأَحْنَف بْن قَيْس عَنْ أَبِي بَكْرَة ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ عَمْرو بْن عُبَيْد أَخْطَأَ فِي حَذْف الْأَحْنَف بَيْنَ الْحَسَن وَأَبِي بَكْرَة , لَكِنْ وَافَقَهُ قَتَادَةُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْهُ عَنْ الْحَسَن عَنْ أَبِي بَكْرَة , إِلَّا أَنَّهُ اِقْتَصَرَ عَلَى الْحَدِيث دُونَ الْقِصَّة , فَكَأَنَّ الْحَسَن كَانَ يُرْسِلهُ عَنْ أَبِي بَكْرَة فَإِذَا ذَكَرَ الْقِصَّة أَسْنَدَهُ , وَقَدْ رَوَاهُ سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ عَنْ الْحَسَن عَنْ أَبِي مُوسَى أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا , وَتَعَقَّبَ بَعْض الشُّرَّاح قَوْل الْبَزَّار لَا يُعْرَف الْحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ إِلَّا عَنْ أَبِي بَكْرَة وَهُوَ ظَاهِر , وَلَكِنْ لَعَلَّ الْبَزَّار يَرَى أَنَّ رِوَايَة التَّيْمِيِّ شَاذَّة لِأَنَّ الْمَحْفُوظ عَنْ الْحَسَن رِوَايَة مَنْ قَالَ عَنْهُ عَنْ الْأَحْنَف عَنْ أَبِي بَكْرَة. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَان حَدَّثَنَا حَمَّاد بِهَذَا ) ‏ ‏سُلَيْمَان هُوَ اِبْن حَرْب وَالظَّاهِر أَنَّ قَوْله \" بِهَذَا \" إِشَارَة إِلَى مُوَافَقَة الرِّوَايَة الَّتِي ذَكَرَهَا حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب وَيُونُس بْن عُبَيْد , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا عَنْ أَحْمَد بْن عَبْدَةَ الضَّبِّيِّ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب وَيُونُس بْن عُبَيْد وَالْمُعَلَّى بْن زِيَاد ثَلَاثَتهمْ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ عَنْ الْأَحْنَف بْن قَيْس فَسَاقَ الْحَدِيث دُونَ الْقِصَّة , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي كَامِل الْجَحْدَرِيّ \" حَدَّثَنَا حَمَّاد \" فَذَكَرَ الْقِصَّة بِاخْتِصَارٍ يَسِيرٍ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ مُؤَمَّل ) ‏ ‏بِوَاوٍ مَهْمُوزَة وَزْن مُحَمَّد وَهُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل أَبُو عَبْد الرَّحْمَن الْبَصْرِيّ نَزِيل مَكَّة , أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيّ وَلَمْ يَلْقَهُ لِأَنَّهُ مَاتَ سَنَة سِتّ وَمِائَتَيْنِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَرْحَل الْبُخَارِيّ , وَلَمْ يُخَرِّج عَنْهُ إِلَّا تَعْلِيقًا , وَهُوَ صَدُوق كَثِير الْخَطَأ قَالَهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِّي , وَقَدْ وَصَلَ هَذِهِ الطَّرِيق الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي مُوسَى مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى \" حَدَّثَنَا مُؤَمَّل بْن إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب يُونُس هُوَ اِبْن عُبَيْد وَهِشَام عَنْ الْحَسَن عَنْ الْأَحْنَف عَنْ أَبِي بَكْرَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث دُونَ الْقِصَّة , وَوَصَلَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن سِنَان \" حَدَّثَنَا مُؤَمَّل حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد حَدَّثَنَا أَيُّوب وَيُونُس وَالْمُعَلَّى بْن زِيَاد قَالُوا حَدَّثَنَا الْحَسَن \" فَذَكَرَهُ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ مُؤَمَّل عَنْ حَمَّاد عَنْ الْأَرْبَعَة , فَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الطَّرِيق. ‏ ‏قَوْله ( وَرَوَاهُ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب ) ‏ ‏. قُلْت : وَصَلَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ فَلَمْ يَسُقْ مُسْلِم لَفْظه وَلَا أَبُو دَاوُدَ , وَسَاقَهُ النَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ \" عَنْ أَيُّوب عَنْ الْحَسَن عَنْ الْأَحْنَف بْن قَيْس عَنْ أَبِي بَكْرَة سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث دُونَ الْقِصَّة , وَفِي هَذَا السَّنَد لَطِيفَة وَهُوَ أَنَّ رِجَاله كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ , وَفِيهِمْ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ أَوَّلهمْ أَيُّوب , قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الِاخْتِلَاف فِي سَنَده : وَالصَّحِيح حَدِيث أَيُّوب مِنْ حَدِيث حَمَّاد بْن زَيْد وَمَعْمَر عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَرَوَاهُ بَكَّارُ بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرَة ) ‏ ‏. قُلْت : عَبْد الْعَزِيز هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْرَة , وَقَدْ وَقَعَ مَنْسُوبًا عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ , وَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى جَدّه فَقَالَ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي بَكْرَة , وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِوَلَدِهِ بَكَّار فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث , وَهَذِهِ الطَّرِيق وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق خَالِد بْن خِدَاش بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَالدَّال الْمُهْمَلَة وَآخِرُهُ شِين مُعْجَمَة قَالَ \" حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْن عَبْد الْعَزِيز \" بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور وَلَفْظه \" سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : إِنَّ فِتْنَة كَائِنَة , الْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار , إِنَّ الْمَقْتُول قَدْ أَرَادَ قَتْل الْقَاتِل \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ غُنْدَر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ مَنْصُور ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر ‏ ‏( عَنْ رِبْعِيٍّ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَهُوَ اِسْم بِلَفْظِ النَّسَب وَاسْم أَبِيهِ حِرَاش بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَآخِره شِين مُعْجَمَة تَابِعِيّ مَشْهُور , وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِمَام أَحْمَد قَالَ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر \" وَهُوَ غُنْدَر بِهَذَا السَّنَد مَرْفُوعًا وَلَفْظه \" إِذَا اِلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ حَمَلَ أَحَدهمَا عَلَى صَاحِبه السِّلَاح فَهُمَا عَلَى جُرُف جَهَنَّم , فَإِذَا قَتَلَهُ وَقَعَا فِيهَا جَمِيعًا \" وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَده عَنْ شُعْبَة وَمِنْ طَرِيقه أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه. ‏ ‏قَوْله ( وَلَمْ يَرْفَعهُ سُفْيَان ) ‏ ‏يَعْنِي الثَّوْرِيّ ‏ ‏( عَنْ مَنْصُور ) ‏ ‏يَعْنِي بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة يَعْلَى بْن عُبَيْد عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور إِلَى أَبِي بَكْرَة قَالَ \" إِذَا حَمَلَ الرَّجُلَانِ الْمُسْلِمَانِ السِّلَاح أَحَدهمَا عَلَى الْآخَر فَهُمَا عَلَى جُرُف جَهَنَّم , فَإِذَا قَتَلَ أَحَدهمَا الْآخَر فَهُمَا فِي النَّار \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْإِيمَان أَوَائِل الصَّحِيح , قَالَ الْعُلَمَاء مَعْنَى كَوْنهمَا فِي النَّار أَنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَمْرهمَا إِلَى اللَّه تَعَالَى إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُمَا ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا مِنْ النَّار كَسَائِرِ الْمُوَحِّدِينَ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُمَا فَلَمْ يُعَاقِبهُمَا أَصْلًا , وَقِيلَ هُوَ مَحْمُول عَلَى مَنْ اِسْتَحَلَّ ذَلِكَ , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِلْخَوَارِجِ وَمَنْ قَالَ مِنْ الْمُعْتَزِلَة بِأَنَّ أَهْل الْمَعَاصِي مُخَلَّدُونَ فِي النَّار لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ قَوْله فَهُمَا فِي النَّار اِسْتِمْرَار بَقَائِهِمَا فِيهَا. وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَ الْقِتَال فِي الْفِتْنَة وَهُمْ كُلّ مَنْ تَرَكَ الْقِتَال مَعَ عَلِيّ فِي حُرُوبه كَسَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاص وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ وَأَبِي بَكْرَة وَغَيْرهمْ وَقَالُوا : يَجِب الْكَفّ حَتَّى لَوْ أَرَادَ أَحَد قَتْله لَمْ يَدْفَعهُ عَنْ نَفْسه. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَدْخُل فِي الْفِتْنَة فَإِنْ أَرَادَ أَحَد قَتْله دَفَعَ عَنْ نَفْسه , وَذَهَبَ جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِلَى وُجُوب نَصْر الْحَقّ وَقِتَال الْبَاغِينَ , وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ ضَعُفَ عَنْ الْقِتَال أَوْ قَصَرَ نَظَرُهُ عَنْ مَعْرِفَة صَاحِب الْحَقّ , وَاتَّفَقَ أَهْل السُّنَّة عَلَى وُجُوب مَنْع الطَّعْن عَلَى أَحَد مِنْ الصَّحَابَة بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ عَرَفَ الْمُحِقّ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا فِي تِلْكَ الْحُرُوب إِلَّا عَنْ اِجْتِهَاد وَقَدْ عَفَا اللَّه تَعَالَى عَنْ الْمُخْطِئ فِي الِاجْتِهَاد , بَلْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُؤْجَر أَجْرًا وَاحِدًا وَأَنَّ الْمُصِيب يُؤْجَر أَجْرَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي كِتَاب الْأَحْكَام , وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ الْوَعِيد الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث عَلَى مَنْ قَاتَلَ بِغَيْرِ تَأْوِيل سَائِغ بَلْ بِمُجَرَّدِ طَلَب الْمُلْك , وَلَا يَرِد عَلَى ذَلِكَ مَنْع أَبِي بَكْرَة الْأَحْنَف مِنْ الْقِتَال مَعَ عَلِيّ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَنْ اِجْتِهَاد مِنْ أَبِي بَكْرَة أَدَّاهُ إِلَى الِامْتِنَاع وَالْمَنْع اِحْتِيَاطًا لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ نَصَحَهُ وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ مَزِيد بَيَان لِذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ الطَّبَرِيُّ : لَوْ كَانَ الْوَاجِب فِي كُلّ اِخْتِلَاف يَقَع بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْهَرَب مِنْهُ بِلُزُومِ الْمَنَازِل وَكَسْر السُّيُوف لَمَا أُقِيمَ حَدّ وَلَا أُبْطِلَ بَاطِل , وَلَوَجَدَ أَهْل الْفُسُوق سَبِيلًا إِلَى اِرْتِكَاب الْمُحَرَّمَات مِنْ أَخْذ الْأَمْوَال وَسَفْك الدِّمَاء وَسَبْي الْحَرِيم بِأَنْ يُحَارِبُوهُمْ وَيَكُفّ الْمُسْلِمُونَ أَيْدِيهمْ عَنْهُمْ بِأَنْ يَقُولُوا هَذِهِ فِتْنَة وَقَدْ نُهِينَا عَنْ الْقِتَال فِيهَا وَهَذَا مُخَالِف لِلْأَمْرِ بِالْأَخْذِ عَلَى أَيْدِي السُّفَهَاء اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّار فِي حَدِيث \" الْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار \" زِيَادَةٌ تُبَيِّن الْمُرَاد وَهِيَ \" إِذَا اِقْتَتَلْتُمْ عَلَى الدُّنْيَا فَالْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار \" وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِلَفْظِ \" لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان لَا يَدْرِي الْقَاتِل فِيمَ قَتَلَ وَلَا الْمَقْتُول فِيمَ قُتِلَ , فَقِيلَ : كَيْفَ يَكُون ذَلِكَ ؟ قَالَ : الْهَرْج , الْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ فَبَيَّنَ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْقِتَال إِذَا كَانَ عَلَى جَهْل مِنْ طَلَب الدُّنْيَا أَوْ اِتِّبَاع هَوًى فَهُوَ الَّذِي أُرِيدَ بِقَوْلِهِ \" الْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار \". قُلْت : وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الَّذِينَ تَوَقَّفُوا عَنْ الْقِتَال فِي الْجَمَل وَصِفِّينَ أَقَلّ عَدَدًا مِنْ الَّذِينَ قَاتَلُوا , وَكُلّهمْ مُتَأَوِّل مَأْجُور إِنْ شَاءَ اللَّه , بِخِلَافِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ قَاتَلَ عَلَى طَلَب الدُّنْيَا كَمَا سَيَأْتِي عَنْ أَبِي بَرْزَة الْأَسْلَمِيِّ وَاَللَّه أَعْلَم. وَمِمَّا يُؤَيِّد مَا تَقَدَّمَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَة عِمِّيَّة يَغْضَب لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَة أَوْ يَنْصُر عَصَبَة فَقُتِلَ فَقِتْلَته جَاهِلِيَّة \" وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ \" إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْل صَاحِبه \" مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْمُؤَاخَذَة بِالْعَزْمِ وَإِنْ لَمْ يَقَع الْفِعْل , وَأَجَابَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَنَّ فِي هَذَا فِعْلًا وَهُوَ الْمُوَاجَهَة بِالسِّلَاحِ وَوُقُوع الْقِتَال , وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار أَنْ يَكُونَا فِي مَرْتَبَة وَاحِدَة , فَالْقَاتِل يُعَذَّب عَلَى الْقِتَال وَالْقَتْل , وَالْمَقْتُول يُعَذَّب عَلَى الْقِتَال فَقَطْ فَلَمْ يَقَع التَّعْذِيب عَلَى الْعَزْم الْمُجَرَّد , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الرِّقَاق عِنْدَ الْكَلَام عَلَى قَوْله \" مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ \" وَقَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى ( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اِكْتَسَبَتْ ) اِخْتِيَار بَاب الِافْتِعَال فِي الشَّرّ لِأَنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمُعَالَجَة , بِخِلَافِ الْخَيْر فَإِنَّهُ يُثَاب عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَة , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث \" إِنَّ اللَّه تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ أَوْ يَعْمَلُوا \" وَالْحَاصِل أَنَّ الْمَرَاتِب ثَلَاث : الْهَمّ الْمُجَرَّد وَهُوَ يُثَاب عَلَيْهِ وَلَا يُؤَاخَذ بِهِ , وَاقْتِرَان الْفِعْل بِالْهَمِّ أَوْ بِالْعَزْمِ وَلَا نِزَاع فِي الْمُؤَاخَذَة بِهِ , وَالْعَزْم وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْهَمّ وَفِيهِ النِّزَاع. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَرَدَ فِي اِعْتِزَال الْأَحْنَف الْقِتَال فِي وَقْعَة الْجَمَل سَبَب آخَر , فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ حُصَيْنِ بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَمْرو بْن جَاوَان قَالَ \" قُلْت لَهُ أَرَأَيْت اِعْتِزَال الْأَحْنَف مَا كَانَ ؟ قَالَ : سَمِعْت الْأَحْنَف قَالَ : حَجَجْنَا فَإِذَا النَّاس مُجْتَمِعُونَ فِي وَسَط الْمَسْجِد - يَعْنِي النَّبَوِيّ - وَفِيهِمْ عَلِيّ وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وَسَعْد إِذْ جَاءَ عُثْمَان \" فَذَكَرَ قِصَّة مُنَاشَدَته لَهُمْ فِي ذِكْر مَنَاقِبه , قَالَ الْأَحْنَف : فَلَقِيت طَلْحَة وَالزُّبَيْر فَقُلْت : إِنِّي لَا أَرَى هَذَا الرَّجُل - يَعْنِي عُثْمَان - إِلَّا مَقْتُولًا , فَمَنْ تَأْمُرَانِي بِهِ ؟ قَالَا : عَلِيّ , فَقَدِمْنَا مَكَّة فَلَقِيت عَائِشَة وَقَدْ بَلَغَنَا قَتْل عُثْمَان فَقُلْت لَهَا : مَنْ تَأْمُرِينِي بِهِ ؟ قَالَتْ : عَلِيّ , قَالَ فَرَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَة فَبَايَعْت عَلِيًّا وَرَجَعْت إِلَى الْبَصْرَة فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ : هَذِهِ عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر نَزَلُوا بِجَانِبِ الْخُرَيْبَة يَسْتَنْصِرُونَ بِك , فَأَتَيْت عَائِشَة فَذَكَّرْتهَا بِمَا قَالَتْ لِي , ثُمَّ أَتَيْت طَلْحَة وَالزُّبَيْر فَذَكَّرْتهمَا \" فَذَكَرَ الْقِصَّة وَفِيهَا \" قَالَ فَقُلْت وَاَللَّه لَا أُقَاتِلكُمْ وَمَعَكُمْ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ وَحَوَارِيّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا أُقَاتِل رَجُلًا أَمَرْتُمُونِي بِبَيْعَتِهِ , فَاعْتَزَلَ الْقِتَال مَعَ الْفَرِيقَيْنِ. وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُ هَمَّ بِالتَّرْكِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فِي الْقِتَال مَعَ عَلِيّ ثُمَّ ثَبَّطَهُ عَنْ ذَلِكَ أَبُو بَكْرَة , أَوْ هَمَّ بِالْقِتَالِ مَعَ عَلِيّ فَثَبَّطَهُ أَبُو بَكْرَة , وَصَادَفَ مُرَاسَلَة عَائِشَة لَهُ فَرَجَحَ عِنْدَهُ التَّرْك. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ قَالَ : نَزَلَ عَلِيّ بِالزَّاوِيَةِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْأَحْنَف : إِنْ شِئْت أَتَيْتُك وَإِنْ شِئْت كَفَفْت عَنْك أَرْبَعَة آلَاف سَيْف , فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ : كُفَّ مَنْ قَدَرْت عَلَى كَفّه. ‏"
    },
    {
        "id": "6557",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جَابِرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ نَعَمْ وَفِيهِ ‏ ‏دَخَنٌ ‏ ‏قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ ‏ ‏قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا قَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ قَالَ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا اِبْن جَابِر ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيدَ بْن جَابِر كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُسْلِم فِي رِوَايَته عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي بُسْر ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة ‏ ‏( اِبْن عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ تَابِعِيّ صَغِير , وَالسَّنَد كُلّه شَامِيُّونَ إِلَّا شَيْخ الْبُخَارِيّ وَالصَّحَابِيّ. ‏ ‏قَوْله ( مَخَافَة أَنْ يُدْرِكَنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة نَصْر بْن عَاصِم عَنْ حُذَيْفَة عِنْدَ اِبْنِ أَبِي شَيْبَة \" وَعَرَفْت أَنَّ الْخَيْر لَنْ يَسْبِقنِي \". ‏ ‏قَوْله ( فِي جَاهِلِيَّة وَشَرّ ) ‏ ‏يُشِير إِلَى مَا كَانَ مِنْ قَبْل الْإِسْلَام مِنْ الْكُفْر وَقَتْل بَعْضهمْ بَعْضًا وَنَهْب بَعْضهمْ بَعْضًا وَإِتْيَان الْفَوَاحِش. ‏ ‏قَوْله ( فَجَاءَنَا اللَّه بِهَذَا الْخَيْر ) ‏ ‏يَعْنِي الْإِيمَان وَالْأَمْن وَصَلَاح الْحَال وَاجْتِنَاب الْفَوَاحِش , زَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد عَنْ حُذَيْفَة \" فَنَحْنُ فِيهِ \" ‏ ‏قَوْله ( فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْر مِنْ شَرّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة نَصْر بْن عَاصِم \" فِتْنَة وَفِي رِوَايَة سُبَيْع بْن خَالِد عَنْ حُذَيْفَة عِنْدَ اِبْن أَبِي شَيْبَة \" فَمَا الْعِصْمَة مِنْهُ ؟ قَالَ السَّيْف قَالَ فَهَلْ بَعْدَ السَّيْف مِنْ تَقِيَّة ؟ قَالَ نَعَمْ هُدْنَة \" وَالْمُرَاد بِالشَّرِّ مَا يَقَع مِنْ الْفِتَن مِنْ بَعْدِ قَتْل عُثْمَان وَهَلُمَّ جَرًّا أَوْ مَا يَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مِنْ عُقُوبَات الْآخِرَة. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ : نَعَمْ , وَفِيهِ دَخَن ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَتَيْنِ بَعْدَهَا نُون وَهُوَ الْحِقْد , وَقِيلَ الدَّغَل , وَقِيلَ فَسَاد فِي الْقَلْب , وَمَعْنَى الثَّلَاثَة مُتَقَارِب. يُشِير إِلَى أَنَّ الْخَيْر الَّذِي يَجِيء بَعْدَ الشَّرّ لَا يَكُون خَيْرًا خَالِصًا بَلْ فِيهِ كَدَر. وَقِيلَ الْمُرَاد بِالدَّخَنِ الدُّخَان وَيُشِير بِذَلِكَ إِلَى كَدَر الْحَال , وَقِيلَ الدَّخَن كُلّ أَمْر مَكْرُوه. وَقَالَ أَبُو عُبَيْد يُفَسِّر الْمُرَاد بِهَذَا الْحَدِيث , الْحَدِيث الْآخَر \" لَا تَرْجِع قُلُوب قَوْم عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ \" وَأَصْله أَنْ يَكُون فِي لَوْن الدَّابَّة كُدُورَة فَكَأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ قُلُوبهمْ لَا يَصْفُو بَعْضهَا لِبَعْضٍ. ‏ ‏قَوْله ( قَوْم يَهْدُونَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله ‏ ‏( بِغَيْرِ هَدْيِي ) ‏ ‏بِيَاءِ الْإِضَافَة بَعْدَ الْيَاء لِلْأَكْثَرِ وَبِيَاءِ وَاحِدَة مَعَ التَّنْوِين لِلْكُشْمِيهَنِيِّ , وَفِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد \" يَكُون بَعْدِي أَئِمَّة يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي \". ‏ ‏قَوْله ( تَعْرِف مِنْهُمْ وَتُنْكِر ) ‏ ‏يَعْنِي مِنْ أَعْمَالهمْ , وَفِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة عِنْدَ مُسْلِم \" فَمَنْ أَنْكَرَ بَرِئَ وَمَنْ كَرِهَ سَلِمَ \". ‏ ‏قَوْله ( دُعَاة ) ‏ ‏بِضَمِّ الدَّال الْمُهْمَلَة جَمْع دَاعٍ أَيْ إِلَى غَيْر الْحَقّ. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى أَبْوَاب جَهَنَّم ) ‏ ‏أَطْلَقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ حَالُهُمْ , كَمَا يُقَال لِمَنْ أَمَرَ بِفِعْلٍ مُحَرَّم : وَقَفَ عَلَى شَفِير جَهَنَّم. ‏ ‏قَوْله ( هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ قَوْمِنَا وَمِنْ أَهْل لِسَاننَا وَمِلَّتنَا , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمْ مِنْ الْعَرَب. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : أَيْ مِنْ بَنِي آدَم. وَقَالَ الْقَابِسِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ فِي الظَّاهِر عَلَى مِلَّتنَا وَفِي الْبَاطِن مُحَالِفُونَ , وَجِلْدَة الشَّيْء ظَاهِره , وَهِيَ فِي الْأَصْل غِشَاء الْبَدَن , قِيلَ وَيُؤَيِّد إِرَادَة الْعَرَب أَنَّ السُّمْرَة غَالِبَة عَلَيْهِمْ وَاللَّوْن إِنَّمَا يَظْهَر فِي الْجِلْد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد \" فِيهِمْ رِجَال قُلُوبهمْ قُلُوب الشَّيَاطِين فِي جُثْمَان إِنْس \" وَقَوْله \" جُثْمَان \" بِضَمِّ الْجِيم وَسُكُون الْمُثَلَّثَة هُوَ الْجَسَد وَيُطْلَق عَلَى الشَّخْص , قَالَ عِيَاض : الْمُرَاد بِالشَّرِّ الْأَوَّل الْفِتَن الَّتِي وَقَعَتْ بَعْدَ عُثْمَان , وَالْمُرَاد بِالْخَيْرِ الَّذِي بَعْدَهُ مَا وَقَعَ فِي خِلَافَة عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز , وَالْمُرَاد بِالَّذِينَ تَعْرِف مِنْهُمْ وَتُنْكِر الْأُمَرَاء بَعْدَهُ , فَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يَتَمَسَّك بِالسُّنَّةِ وَالْعَدْل وَفِيهِمْ مَنْ يَدْعُو إِلَى الْبِدْعَة وَيَعْمَل بِالْجَوْرِ قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِالشَّرِّ الْأَوَّل مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ الْفِتَن الْأُولَى , وَبِالْخَيْرِ مَا وَقَعَ مِنْ الِاجْتِمَاع مَعَ عَلِيّ وَمُعَاوِيَة وَبِالدَّخَنِ مَا كَانَ فِي زَمَنهمَا مِنْ بَعْض الْأُمَرَاء كَزِيَادٍ بِالْعِرَاقِ وَخِلَاف مَنْ خَالَفَ عَلَيْهِ مِنْ الْخَوَارِج , وَبِالدُّعَاةِ عَلَى أَبْوَاب جَهَنَّم مَنْ قَامَ فِي طَلَب الْمُلْك مِنْ الْخَوَارِج وَغَيْرهمْ , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ \" اِلْزَمْ جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامهمْ \" يَعْنِي وَلَوْ جَارَ وَيُوَضِّح ذَلِكَ رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد \" وَلَوْ ضَرَبَ ظَهْرَك وَأَخَذَ مَالَك \" وَكَانَ مِثْل ذَلِكَ كَثِيرًا فِي إِمَارَة الْحَجَّاج وَنَحْوه. ‏ ‏قَوْله ( تَلْزَم جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامهمْ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة أَيْ أَمِيرهمْ زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد \" تَسْمَع وَتُطِيع وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَك وَأَخَذَ مَالَك \" وَكَذَا فِي رِوَايَة خَالِد بْن سُبَيْعٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ \" فَإِنْ رَأَيْت خَلِيفَة فَالْزَمْهُ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرك , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَة فَالْهَرَب \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَوْ أَنْ تَعَضّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الضَّاد الْمُعْجَمَة أَيْ وَلَوْ كَانَ الِاعْتِزَال بِالْعَضِّ فَلَا تَعْدِل عَنْهُ. وَتَعَضّ بِالنَّصْبِ لِلْجَمِيعِ , وَضَبَطَهُ الْأَشِيرِيّ بِالرَّفْعِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ جَوَازه مُتَوَقِّف عَلَى أَنْ يَكُون \" أَنْ \" الَّتِي تَقَدَّمَتْهُ مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة وَهُنَا لَا يَجُوز ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تَلِي \" لَوْ \" نَبَّهَ عَلَيْهِ صَاحِب الْمُغْنِي , وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن قُرْط عَنْ حُذَيْفَة عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ \" فَلَأَنْ تَمُوت وَأَنْتَ عَاضّ عَلَى جِذْل خَيْر لَك مِنْ أَنْ تَتَّبِع أَحَدًا مِنْهُمْ \" وَالْجِذْل بِكَسْرِ الْجِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة بَعْدَهَا لَام عُود يُنْصَب لِتَحْتَكَّ بِهِ الْإِبِل , وَقَوْله \" وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ أَيْ الْعَضّ \" , وَهُوَ كِنَايَة عَنْ لُزُوم جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ وَطَاعَة سَلَاطِينهمْ وَلَوْ عَصَوْا. قَالَ الْبَيْضَاوِيّ : الْمَعْنَى إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْض خَلِيفَة فَعَلَيْك بِالْعُزْلَةِ وَالصَّبْر عَلَى تَحَمُّل شِدَّة الزَّمَان , وَعَضّ أَصْل الشَّجَرَة كِنَايَة عَنْ مُكَابَدَة الْمَشَقَّة كَقَوْلِهِمْ فُلَان يَعَضّ الْحِجَارَة مِنْ شِدَّة الْأَلَم , أَوْ الْمُرَاد اللُّزُوم كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث الْآخَر \" عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ \" وَيُؤَيِّد الْأَوَّل قَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر \" فَإِنْ مُتّ وَأَنْتَ عَاضّ عَلَى جِذْل خَيْر لَك مِنْ أَنْ تَتَّبِع أَحَدًا مِنْهُمْ \" وَقَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ حُجَّة لِجَمَاعَةِ الْفُقَهَاء فِي وُجُوب لُزُوم جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ وَتَرْك الْخُرُوج عَلَى أَئِمَّة الْجَوْر , لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّائِفَة الْأَخِيرَة بِأَنَّهُمْ \" دُعَاة عَلَى أَبْوَاب جَهَنَّم \" وَلَمْ يَقُلْ فِيهِمْ \" تَعْرِف وَتُنْكِر \" كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِينَ , وَهُمْ لَا يَكُونُونَ كَذَلِكَ إِلَّا وَهُمْ عَلَى غَيْر حَقّ , وَأَمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِلُزُومِ الْجَمَاعَة. قَالَ الطَّبَرِيُّ : اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَمْر وَفِي الْجَمَاعَة , فَقَالَ قَوْم : هُوَ لِلْوُجُوبِ وَالْجَمَاعَة السَّوَاد الْأَعْظَم , ثُمَّ سَاقَ عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي مَسْعُود أَنَّهُ وَصَّى مَنْ سَأَلَهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَان \" عَلَيْك بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ اللَّه لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ أُمَّة مُحَمَّد عَلَى ضَلَالَة \". وَقَالَ قَوْم : الْمُرَاد بِالْجَمَاعَةِ الصَّحَابَة دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ , وَقَالَ قَوْم : الْمُرَاد بِهِمْ أَهْل الْعِلْم لِأَنَّ اللَّه جَعَلَهُمْ حُجَّة عَلَى الْخَلْق وَالنَّاس تَبَع لَهُمْ فِي أَمْر الدِّين. قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَالصَّوَاب أَنَّ الْمُرَاد مِنْ الْخَبَر لُزُوم الْجَمَاعَة الَّذِينَ فِي طَاعَة مَنْ اِجْتَمَعُوا عَلَى تَأْمِيره , فَمَنْ نَكَثَ بَيْعَتَهُ خَرَجَ عَنْ الْجَمَاعَة , قَالَ : وَفِي الْحَدِيث أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ إِمَام فَافْتَرَقَ النَّاس أَحْزَابًا فَلَا يَتَّبِع أَحَدًا فِي الْفُرْقَة وَيَعْتَزِل الْجَمِيع إِنْ اِسْتَطَاعَ ذَلِكَ خَشْيَةَ مِنْ الْوُقُوع فِي الشَّرّ , وَعَلَى ذَلِكَ يَتَنَزَّل مَا جَاءَ فِي سَائِر الْأَحَادِيث , وَبِهِ يُجْمَع بَيْنَ مَا ظَاهِره الِاخْتِلَاف مِنْهَا , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن قُرْط الْمُتَقَدِّم ذِكْرهَا , قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : فِي الْحَدِيث حِكْمَة اللَّه فِي عِبَاده كَيْفَ أَقَامَ كُلًّا مِنْهُمْ فِيمَا شَاءَ ; فَحُبِّبَ إِلَى أَكْثَر الصَّحَابَة السُّؤَال عَنْ وُجُوه الْخَيْر لِيَعْلَمُوا بِهَا وَيُبَلِّغُوهَا غَيْرهمْ , وَحُبِّبَ لِحُذَيْفَةَ السُّؤَال عَنْ الشَّرّ لِيَجْتَنِبَهُ وَيَكُون سَبَبًا فِي دَفْعه عَمَّنْ أَرَادَ اللَّه لَهُ النَّجَاة , وَفِيهِ سِعَة صَدْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْرِفَته بِوُجُوهِ الْحِكَم كُلّهَا حَتَّى كَانَ يُجِيب كُلّ مَنْ سَأَلَهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ كُلّ مَنْ حُبِّبَ إِلَيْهِ شَيْء فَإِنَّهُ يَفُوق فِيهِ غَيْره , وَمِنْ ثَمَّ كَانَ حُذَيْفَة صَاحِب السِّرّ الَّذِي لَا يَعْلَمهُ غَيْره حَتَّى خُصَّ بِمَعْرِفَةِ أَسْمَاء الْمُنَافِقِينَ وَبِكَثِيرٍ مِنْ الْأُمُور الْآتِيَة , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مِنْ أَدَب التَّعْلِيم أَنْ يَعْلَم التِّلْمِيذ مِنْ أَنْوَاع الْعُلُوم مَا يَرَاهُ مَائِلًا إِلَيْهِ مِنْ الْعُلُوم الْمُبَاحَة , فَإِنَّهُ أَجْدَر أَنْ يُسْرِع إِلَى تَفَهُّمه وَالْقِيَام بِهِ وَأَنَّ كُلّ شَيْء يَهْدِي إِلَى طَرِيق الْخَيْر يُسَمَّى خَيْرًا وَكَذَا بِالْعَكْسِ. وَيُؤْخَذ مِنْهُ ذَمّ مَنْ جَعَلَ لِلدِّينِ أَصْلًا خِلَاف الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَجَعْلهمَا فَرْعًا لِذَلِكَ الْأَصْل الَّذِي اِبْتَدَعُوهُ , وَفِيهِ وُجُوب رَدّ الْبَاطِل وَكُلّ مَا خَالَفَ الْهَدْي النَّبَوِيّ وَلَوْ قَالَهُ مَنْ قَالَهُ مِنْ رَفِيع أَوْ وَضِيع. ‏"
    },
    {
        "id": "6558",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَيْوَةُ ‏ ‏وَغَيْرُهُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَسْوَدِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُطِعَ عَلَى ‏ ‏أَهْلِ الْمَدِينَةِ ‏ ‏بَعْثٌ ‏ ‏فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهُ فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْيِ ثُمَّ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا حَيْوَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْوَاو بَيْنَهُمَا يَاء آخِر الْحُرُوف سَاكِنَة. ‏ ‏قَوْله ( وَغَيْره ) ‏ ‏كَأَنَّهُ يُرِيد اِبْن لَهِيعَةَ , فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي الْأَسْوَد مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن أَيْضًا , وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا اللَّيْث , لَكِنْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث فِي تَفْسِير سُوَره النِّسَاء عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد شَيْخه فِيهِ هُنَا بِسَنَدِهِ هَذَا وَقَالَ بَعْدَهُ \" رَوَاهُ اللَّيْث عَنْ أَبِي الْأَسْوَد \" وَقَدْ رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي \" مُعْجَم الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَط \" مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَبْد اللَّه بْن صَالِح كَاتِب اللَّيْث \" حَدَّثَنِي اللَّيْث عَنْ أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عِكْرِمَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث دُونَ الْقِصَّة , قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَد إِلَّا اللَّيْث وَابْن لَهِيعَةَ. قُلْت : وَوَهِمَ فِي هَذَا الْحَصْر لِوُجُودِ رِوَايَة حَيْوَةَ الْمَذْكُورَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ حَيْوَةَ وَحْده بِهِ , وَقَدْ ذَكَرْت مَنْ وَصَلَ رِوَايَة اِبْن لَهِيعَةَ فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء مَعَ شَرْح الْحَدِيث. وَقَوْله ( فَيَأْتِي السَّهْم فَيُرْمَى بِهِ ) قِيلَ هُوَ مِنْ الْقَلْب وَالتَّقْدِير فَيُرْمَى بِالسَّهْمِ فَيَأْتِي. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْفَاء الثَّانِيَة زَائِدَة , وَثَبَتَ كَذَلِكَ لِأَبِي ذَرّ فِي سُورَة النِّسَاء \" فَيَأْتِي السَّهْم يَرْمِي بِهِ \". و ‏ ‏قَوْله ( أَوْ يَضْرِبهُ ) ‏ ‏مَعْطُوف عَلَى \" فَيَأْتِي \" لَا عَلَى \" فَيُصِيب \" أَيْ يَقْتُلُ إِمَّا بِالسَّهْمِ. وَإِمَّا بِالسَّيْفِ , وَفِيهِ تَخْطِئَة مَنْ يُقِيم بَيْنَ أَهْل الْمَعْصِيَة بِاخْتِيَارِهِ لَا لِقَصْدٍ صَحِيح مِنْ إِنْكَار عَلَيْهِمْ مَثَلًا أَوْ رَجَاء إِنْقَاذ مُسْلِم مِنْ هَلَكَة , وَأَنَّ الْقَادِر عَلَى التَّحَوُّل عَنْهُمْ لَا يُعْذَر كَمَا وَقَعَ لِلَّذِينَ كَانُوا أَسْلَمُوا وَمَنَعَهُمْ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلهمْ مِنْ الْهِجْرَة ثُمَّ كَانُوا يَخْرُجُونَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ لَا لِقَصْدِ قِتَال الْمُسْلِمِينَ بَلْ لِإِيهَامِ كَثْرَتِهِمْ فِي عُيُون الْمُسْلِمِينَ فَحَصَلَتْ لَهُمْ الْمُؤَاخَذَة بِذَلِكَ , فَرَأَى عِكْرِمَة أَنَّ مَنْ خَرَجَ فِي جَيْش يُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ يَأْثَم وَإِنْ لَمْ يُقَاتِل وَلَا نَوَى ذَلِكَ ; وَيَتَأَيَّد ذَلِكَ فِي عَكْسه بِحَدِيثِ \" هُمْ الْقَوْم لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسهمْ \" كَمَا مَضَى ذِكْره فِي كِتَاب الرِّقَاق. ‏"
    },
    {
        "id": "6559",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدِيثَيْنِ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ السُّنَّةِ وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ ‏ ‏الْوَكْتِ ‏ ‏ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى فِيهَا أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ ‏ ‏الْمَجْلِ ‏ ‏كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ ‏ ‏فَنَفِطَ ‏ ‏فَتَرَاهُ ‏ ‏مُنْتَبِرًا ‏ ‏وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ فَيُقَالُ إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامُ وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كَثِير ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَد فِي كِتَاب الرِّقَاق فِي \" بَاب رَفَعَ الْأَمَانَة \" وَأَنَّ الْجِذْر الْأَصْل وَتُفْتَح جِيمه وَتُكْسَر. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ الْقُرْآن ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ السُّنَّة ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِإِعَادَةِ ثُمَّ , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآن قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمُوا السُّنَن , وَالْمُرَاد بِالسُّنَنِ مَا يَتَلَقَّوْنَهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا. ‏ ‏قَوْله ( وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعهَا ) ‏ ‏هَذَا هُوَ الْحَدِيث الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَ حُذَيْفَة أَنَّهُ يَنْتَظِرهُ وَهُوَ رَفْع الْأَمَانَة أَصْلًا حَتَّى لَا يَبْقَى مَنْ يُوصَف بِالْأَمَانَةِ إِلَّا النَّادِر , وَلَا يُعَكِّر عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي آخِر الْحَدِيث مِمَّا يَدُلّ عَلَى قِلَّة مَنْ يُنْسَب لِلْأَمَانَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَال الْأَوَّلِينَ , فَاَلَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ \" مَا كُنْت أُبَايِع إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا \" هُمْ مِنْ أَهْل الْعَصْر الْأَخِير الَّذِي أَدْرَكَهُ وَالْأَمَانَة فِيهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَصْر الْأَوَّل أَقَلّ , وَأَمَّا الَّذِي يَنْتَظِرهُ فَإِنَّهُ حَيْثُ تُفْقَد الْأَمَانَة مِنْ الْجَمِيع إِلَّا النَّادِر. ‏ ‏قَوْله ( فَيَظَلّ أَثَرهَا ) ‏ ‏أَيْ يَصِير وَأَصْل \" ظَلَّ \" مَا عُمِلَ بِالنَّهَارِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُلّ وَقْت , وَهِيَ هُنَا عَلَى بَابهَا لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحَالَة الَّتِي تَكُون بَعْدَ النَّوْم وَهِيَ غَالِبًا تَقَع عِنْدَ الصُّبْح , وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَمَانَة تَذْهَب حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا إِلَّا الْأَثَر الْمَوْصُوف فِي الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( مِثْلُ أَثَر الْوَكْت ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْوَاو وَسُكُون الْكَاف بَعْدَهَا مُثَنَّاة , تَقَدَّمَ تَفْسِيره فِي الرِّقَاق وَأَنَّهُ سَوَاد فِي اللَّوْن , وَكَذَا الْمَجْل وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْجِيم أَثَر الْعَمَل فِي الْيَدِ. ‏ ‏قَوْله ( فَنَفِطَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْفَاء بَعْدَ النُّونَ الْمَفْتُوحَة أَيْ صَارَ مُنْتَفِطًا وَهُوَ الْمُنْتَبِر بِنُونٍ ثُمَّ مُثَنَّاة ثُمَّ مُوَحَّدَة يُقَال اِنْتَبَرَ الْجَرْح وَانْتَفَطَ إِذَا وَرِمَ وَامْتَلَأَ مَاء وَحَاصِل الْخَبَر أَنَّهُ أَنْذَرَ بِرَفْعِ الْأَمَانَة وَأَنَّ الْمَوْصُوف بِالْأَمَانَةِ يُسْلَبهَا حَتَّى يَصِير خَائِنًا بَعْدَ أَنْ كَانَ أَمِينًا , وَهَذَا إِنَّمَا يَقَع عَلَى مَا هُوَ شَاهِد لِمَنْ خَالَطَ أَهْل الْخِيَانَة فَإِنَّهُ يَصِير خَائِنًا لِأَنَّ الْقَرِين يَقْتَدِي بِقَرِينِهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَان إِلَخْ ) ‏ ‏يُشِير إِلَى أَنَّ حَال الْأَمَانَة أُخِذَ فِي النَّقْص مِنْ ذَلِكَ الزَّمَان , وَكَانَتْ وَفَاة حُذَيْفَة فِي أَوَّل سَنَة سِتّ وَثَلَاثِينَ بَعْدَ قَتْل عُثْمَان بِقَلِيلٍ , فَأَدْرَكَ بَعْض الزَّمَن الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّغَيُّر فَأَشَارَ إِلَيْهِ , قَالَ اِبْن التِّين : الْأَمَانَة كُلّ مَا يَخْفَى وَلَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه مِنْ الْمُكَلَّف. وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : هِيَ الْفَرَائِض الَّتِي أُمِرُوا بِهَا وَنُهُوا عَنْهَا , وَقِيلَ هِيَ الطَّاعَة , وَقِيلَ التَّكَالِيف , وَقِيلَ الْعَهْد الَّذِي أَخَذَهُ اللَّه عَلَى الْعِبَاد. وَهَذَا الِاخْتِلَاف وَقَعَ فِي تَفْسِير الْأَمَانَة الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَة ) وَقَالَ صَاحِب التَّحْرِير : الْأَمَانَة الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث هِيَ الْأَمَانَة الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة وَهِيَ عَيْن الْإِيمَان , فَإِذَا اِسْتَمْكَنَتْ فِي الْقَلْب قَامَ بِأَدَاءِ مَا أُمِرَ بِهِ وَاجْتَنَبَ مَا نُهِيَ عَنْهُ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الْمُرَاد بِالْأَمَانَةِ فِي حَدِيث حُذَيْفَة الْإِيمَان , وَتَحْقِيق ذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ رَفْعهَا أَنَّ الْأَعْمَال السَّيِّئَة لَا تَزَال تُضْعِف الْإِيمَان , حَتَّى إِذَا تَنَاهَى الضَّعْف لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَثَر الْإِيمَان , وَهُوَ التَّلَفُّظ بِاللِّسَانِ وَالِاعْتِقَاد الضَّعِيف فِي ظَاهِر الْقَلْب , فَشَبَّهَهُ بِالْأَثَرِ فِي ظَاهِر الْبَدَن , وَكَنَّى عَنْ ضَعْف الْإِيمَان بِالنَّوْمِ , وَضَرَبَ مَثَلًا لِزَهُوقِ الْإِيمَان عَنْ الْقَلْب حَالًا بِزَهُوقِ الْحَجَر عَنْ الرِّجْل حَتَّى يَقَع بِالْأَرْضِ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا أُبَالِي أَيّكُمْ بَايَعْت ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الرِّقَاق أَنَّ مُرَاده الْمُبَايَعَة فِي السِّلَع وَنَحْوهَا , لَا الْمُبَايَعَة بِالْخِلَافَةِ وَلَا الْإِمَارَة. وَقَدْ اِشْتَدَّ إِنْكَار أَبِي عُبَيْد وَغَيْره عَلَى مَنْ حَمَلَ الْمُبَايَعَة هُنَا عَلَى الْخِلَافَة وَهُوَ وَاضِح , وَوَقَعَ فِي عِبَارَته أَنَّ حُذَيْفَة كَانَ لَا يَرْضَى بِأَحَدٍ بَعْدَ عُمَر يَعْنِي فِي الْخِلَافَة وَهِيَ مُبَالَغَة , وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ عُثْمَان وَلَّاهُ عَلَى الْمَدَائِن وَقَدْ قُتِلَ عُثْمَان وَهُوَ عَلَيْهَا , وَبَايَعَ لِعَلِيٍّ وَحَرَّضَ عَلَى الْمُبَايَعَة لَهُ وَالْقِيَام فِي نَصْره , وَمَاتَ فِي أَوَائِل خِلَافَته كَمَا مَضَى فِي \" بَاب إِذَا اِلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا \" وَالْمُرَاد أَنَّهُ لِوُثُوقِهِ بِوُجُودِ الْأَمَانَة فِي النَّاس أَوَّلًا كَانَ يُقْدِم عَلَى مُبَايَعَة مَنْ اِتَّفَقَ مِنْ غَيْر بَحْث عَنْ حَاله , فَلَمَّا بَدَا التَّغَيُّر فِي النَّاس وَظَهَرَتْ الْخِيَانَة صَارَ لَا يُبَايِع إِلَّا مَنْ يَعْرِف حَاله , ثُمَّ أَجَابَ عَنْ إِيرَاد مُقَدَّر كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ : لَمْ تَزَلْ الْخِيَانَة مَوْجُودَة لِأَنَّ الْوَقْت الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ كَانَ أَهْل الْكُفْر فِيهِ مَوْجُودِينَ وَهُمْ أَهْل الْخِيَانَة , فَأَجَابَ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ لَكِنَّهُ كَانَ يَثِق بِالْمُؤْمِنِ لِذَاتِهِ وَبِالْكَافِرِ لِوُجُودِ سَاعِيه وَهُوَ الْحَاكِم الَّذِي يَحْكُم عَلَيْهِ , وَكَانُوا لَا يَسْتَعْمِلُونَ فِي كُلّ عَمَل قَلَّ أَوْ جَلَّ إِلَّا الْمُسْلِم , فَكَانَ وَاثِقًا بِإِنْصَافِهِ وَتَخْلِيص حَقّه مِنْ الْكَافِر إِنْ خَانَهُ , بِخِلَافِ الْوَقْت الْأَخِير الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ صَارَ لَا يُبَايِع إِلَّا أَفْرَادًا مِنْ النَّاس يَثِق بِهِمْ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : قَالَ حُذَيْفَة هَذَا الْقَوْل لَمَّا تَغَيَّرَتْ الْأَحْوَال الَّتِي كَانَ يَعْرِفهَا عَلَى عَهْد النُّبُوَّة وَالْخَلِيفَتَيْنِ فَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِالْمُبَايَعَةِ , وَكَنَّى عَنْ الْإِيمَان بِالْأَمَانَةِ وَعَمَّا يُخَالِف أَحْكَامه بِالْخِيَانَةِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6560",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ‏ ‏أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ‏ ‏الْحَجَّاجِ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏ابْنَ الْأَكْوَعِ ‏ ‏ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ ‏ ‏تَعَرَّبْتَ ‏ ‏قَالَ لَا ‏ ‏وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قُتِلَ ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ‏ ‏خَرَجَ ‏ ‏سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الرَّبَذَةِ ‏ ‏وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً وَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ فَنَزَلَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا حَاتِم ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاة هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل الْكُوفِيّ نَزِيل الْمَدِينَة , وَيَزِيد بْن أَبِي عُبَيْد فِي رِوَايَة الْقَعْنَبِيِّ عَنْ حَاتِم \" أَنْبَأَنَا يَزِيد بْن أَبِي عُبَيْد \" أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْم. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَلَمَة بْن الْأَكْوَع أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاج ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف الثَّقَفِيّ الْأَمِير الْمَشْهُور , وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا وَلِيَ الْحَجَّاج إِمْرَة الْحِجَاز بَعْدَ قَتْل اِبْن الزُّبَيْر فَسَارَ مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة وَذَلِكَ فِي سَنَة أَرْبَع وَسَبْعِينَ. ‏ ‏قَوْله ( اِرْتَدَدْت عَلَى عَقِبَيْك ) ‏ ‏كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا جَاءَ مِنْ الْحَدِيث فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ عَدّ الْكَبَائِر فِي كِتَاب الْحُدُود , فَإِنَّ مِنْ جُمْلَة مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ \" مَنْ رَجَعَ بَعْدَ هِجْرَته أَعْرَابِيًّا \" وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود رَفَعَهُ \" لَعَنَ اللَّه آكِل الرِّبَا وَمُوكِلَهُ \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَالْمُرْتَدّ بَعْدَ هِجْرَته أَعْرَابِيًّا \" قَالَ اِبْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة : كَانَ مَنْ رَجَعَ بَعْدَ هِجْرَته إِلَى مَوْضِعه مِنْ غَيْر عُذْر يَعُدُّونَهُ كَالْمُرْتَدِّ , وَقَالَ غَيْره : كَانَ ذَلِكَ مِنْ جَفَاء الْحَجَّاج حَيْثُ خَاطَبَ هَذَا الصَّحَابِيّ الْجَلِيل بِهَذَا الْخِطَاب الْقَبِيح مِنْ قَبْل أَنْ يَسْتَكْشِفَ عَنْ عُذْره , وَيُقَال إِنَّهُ أَرَادَ قَتْله فَبَيَّنَ الْجِهَة الَّتِي يُرِيد أَنْ يَجْعَلهُ مُسْتَحِقًّا لِلْقَتْلِ بِهَا. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة رَفَعَهُ \" لَعَنَ اللَّه مَنْ بَدَا بَعْدَ هِجْرَته \" إِلَّا فِي الْفِتْنَة فَإِنَّ الْبَدْوَ خَيْر مِنْ الْمُقَام فِي الْفِتْنَة. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لَا ) ‏ ‏أَيْ لَمْ أَسْكُن الْبَادِيَة رُجُوعًا عَنْ هِجْرَتِي ‏ ‏( وَلَكِنَّ ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ. ‏ ‏قَوْله ( أَذِنَ لِي فِي الْبَدْو ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن مَسْعَدَة عَنْ يَزِيد بْن أَبِي عُبَيْد عَنْ سَلَمَة أَنَّهُ اِسْتَأْذَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَدَاوَة فَأَذِنَ لَهُ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَفِي لَفْظ لَهُ \" اِسْتَأْذَنْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَقَدْ وَقَعَ لِسَلَمَةَ فِي ذَلِكَ قِصَّة أُخْرَى مَعَ غَيْر الْحَجَّاج , فَأَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن إِيَاس بْن سَلَمَة أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ \" قَدِمَ سَلَمَة الْمَدِينَة فَلَقِيَهُ بُرَيْدَةُ بْن الْخَصِيب فَقَالَ : اِرْتَدَدْت عَنْ هِجْرَتك , فَقَالَ : مَعَاذ اللَّه , إِنِّي فِي إِذْن مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْته يَقُول : اُبْدُوَا يَا أَسْلَم - أَيْ الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة الَّتِي مِنْهَا سَلَمَة وَأَبُو بَرْزَة وَبُرَيْدَة الْمَذْكُور - قَالُوا : إِنَّا نَخَاف أَنْ يَقْدَح ذَلِكَ فِي هِجْرَتنَا , قَالَ : أَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ \" وَلَهُ شَاهِد مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن جَرْهَد قَالَ \" سَمِعْت رَجُلًا يَقُول لِجَابِرٍ : مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : أَنَس بْن مَالِك وَسَلَمَة بْن الْأَكْوَع , فَقَالَ رَجُل : أَمَّا سَلَمَة فَقَدْ اِرْتَدَّ عَنْ هِجْرَته , فَقَالَ : لَا تَقُلْ ذَلِكَ , فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لِأَسْلَمَ : اُبْدُوَا , قَالُوا إِنَّا نَخَاف أَنْ نَرْتَدّ بَعْدَ هِجْرَتنَا , قَالَ : أَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ \" وَسَنَد كُلّ مِنْهُمَا حَسَن. ‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ يَزِيدَ بْن أَبِي عُبَيْد ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( لَمَّا قُتِلَ عُثْمَان بْن عَفَّانَ خَرَجَ سَلَمَة إِلَى الرَّبَذَةِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الرَّاء وَالْمُوَحَّدَة بَعْدَهَا مُعْجَمَة مَوْضِع بِالْبَادِيَةِ بَيْنَ مَكَّة وَالْمَدِينَة. وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة مُدَّة سُكْنَى سَلَمَة الْبَادِيَة وَهِيَ نَحْو الْأَرْبَعِينَ سَنَة , لِأَنَّ قَتْل عُثْمَان كَانَ فِي ذِي الْحِجَّة سَنَة خَمْس وَثَلَاثِينَ وَمَوْت سَلَمَة سَنَة أَرْبَع وَسَبْعِينَ عَلَى الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ يَزَلْ بِهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" هُنَاكَ \" ‏ ‏( حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَمُوت بِلَيَالٍ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ \" كَانَ \" بَعْدَ قَوْله \" حَتَّى \" وَقَبْلَ قَوْله \" قَبْلَ \" وَهِيَ مُقَدَّرَة وَهُوَ اِسْتِعْمَال صَحِيح. ‏ ‏قَوْله ( نَزَلَ الْمَدِينَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالسَّرَخْسِيّ \" فَنَزَلَ \" بِزِيَادَةِ فَاء , وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ سَلَمَة لَمْ يَمُتْ بِالْبَادِيَةِ كَمَا جَزَمَ بِهِ يَحْيَى بْن عَبْد الْوَهَّاب بْن مَنْدَهْ فِي الْجُزْء الَّذِي جَمَعَهُ فِي آخِر مَنْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَة بَلْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ كَمَا تَقْتَضِيه رِوَايَة يَزِيد بْن أَبِي عُبَيْد هَذِهِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عَبْد اللَّه بْن مَنْدَهْ فِي \" مَعْرِفَة الصَّحَابَة \" وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا رَدّ عَلَى مَنْ أَرَّخَ وَفَاة سَلَمَة سَنَة أَرْبَع وَسِتِّينَ فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي آخِر خِلَافَة يَزِيد بْن مُعَاوِيَة وَلَمْ يَكُنْ الْحَجَّاج يَوْمَئِذٍ أَمِيرًا وَلَا ذَا أَمْر وَلَا نَهْي , وَكَذَا فِيهِ رَدّ عَلَى الْهَيْثَم بْن عَدِيّ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّهُ مَاتَ فِي آخِر خِلَافَة مُعَاوِيَة وَهُوَ أَشَدّ غَلَطًا مِنْ الْأَوَّل إِنْ أَرَادَ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان وَإِنْ أَرَادَ مُعَاوِيَة بْن يَزِيد بْن مُعَاوِيَة فَهُوَ عَيْن الْقَوْل الَّذِي قَبْلَهُ , وَقَدْ مَشَى الْكَرْمَانِيُّ عَلَى ظَاهِره فَقَالَ : مَاتَ سَنَة سِتِّينَ وَهِيَ السَّنَة الَّتِي مَاتَ فِيهَا مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان , كَذَا جَزَمَ بِهِ وَالصَّوَاب خِلَافه , وَقَدْ اِعْتَرَضَ الذَّهَبِيّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَاشَ ثَمَانِينَ سَنَة وَمَاتَ سَنَة أَرْبَع وَسَبْعِينَ لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُون لَهُ فِي الْحُدَيْبِيَة اِثْنَتَا عَشْرَة سَنَةً وَهُوَ بَاطِل لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ قَاتَلَ يَوْمَئِذٍ وَبَايَعَ. قُلْت : وَهُوَ اِعْتِرَاض مُتَّجِه لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى سَنَة وَفَاته لَا إِلَى مَبْلَغ عُمْره فَلَا يَلْزَم مِنْهُ رُجْحَان قَوْل مَنْ قَالَ مَاتَ سَنَة أَرْبَع وَسِتِّينَ فَإِنَّ حَدِيث جَابِر يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ تَأَخَّرَ عَنْهَا لِقَوْلِهِ لَمْ يَبْقَ مِنْ الصَّحَابَة إِلَّا أَنَس وَسَلَمَة , وَذَلِكَ لَائِق بِسَنَةِ أَرْبَع وَسَبْعِينَ فَقَدْ عَاشَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى سَنَة سَبْع وَسَبْعِينَ عَلَى الصَّحِيح وَقِيلَ مَاتَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" يُوشِك أَنْ يَكُون خَيْر مَال الْمُسْلِم غَنَم \" الْحَدِيث وَفِي آخِره \" يَفِرّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَن \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض شَرْحه فِي \" بَاب الْعُزْلَة \" مِنْ كِتَاب الرِّقَاق , وَأَشَارَ إِلَى حَمْل صَنِيع سَلَمَة عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَان وَوَقَعَتْ الْفِتَن اِعْتَزَلَ عَنْهَا وَسَكَنَ الرَّبَذَةَ وَتَأَهَّلَ بِهَا وَلَمْ يُلَابِس شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْحُرُوب , وَالْحَقّ حَمْل عَمَل كُلّ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة الْمَذْكُورِينَ عَلَى السَّدَاد فَمَنْ لَابَسَ الْقِتَال اِتَّضَحَ لَهُ الدَّلِيل لِثُبُوتِ الْأَمْر بِقِتَالِ الْفِئَة الْبَاغِيَة وَكَانَتْ لَهُ قُدْرَة عَلَى ذَلِكَ , وَمَنْ قَعَدَ لَمْ يَتَّضِح لَهُ أَيّ الْفِئَتَيْنِ هِيَ الْبَاغِيَة وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قُدْرَة عَلَى الْقِتَال. وَقَدْ وَقَعَ لِخُزَيْمَةَ بْن ثَابِت أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَلِيّ وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ لَا يُقَاتِل فَلَمَّا قُتِلَ عَمَّار قَاتَلَ حِينَئِذٍ وَحَدَّثَ بِحَدِيثِ \" يَقْتُل عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَغَيْره , وَقَوْله \" يُوشِك \" هُوَ بِكَسْرِ الشِّين الْمُعْجَمَة أَيْ يُسْرِع وَزْنه وَمَعْنَاهُ , وَيَجُوز يُوشَك بِفَتْحِ الشِّين , وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ هِيَ لُغَة رَدِيئَة , وَقَوْله \" أَنْ يَكُون خَيْر مَال الْمُسْلِم \" يَجُوز فِي خَيْر الرَّفْع وَالنَّصْب فَإِنْ كَانَ غَنَم بِالرَّفْعِ فَالنَّصْب وَإِلَّا فَالرَّفْع وَتَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي كِتَاب الْإِيمَان أَوَّل الْكِتَاب , وَالْأَشْهَر فِي الرِّوَايَة غَنَم بِالرَّفْعِ , وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضهمْ رَفْع خَيْر مَعَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُقَدَّر فِي يَكُون ضَمِير الشَّأْن وَغَنَم وَخَيْر مُبْتَدَأ وَخَبَر وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه , وَقَوْله \" شَعَف الْجِبَال \" بِفَتْحِ الشِّين الْمُعْجَمَة وَالْعَيْن الْمُهْمَلَة بَعْدَهَا فَاء جَمْع شَعَفَة كَأَكَمِ وَأَكَمَة رُءُوس الْجِبَال وَالْمَرْعَى فِيهَا وَالْمَاء وَلَا سِيَّمَا وَفِي بِلَاد الْحِجَاز أَيْسَر مِنْ غَيْرهَا , وَوَقَعَ عِنْدَ بَعْض رُوَاة الْمُوَطَّأ بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح ثَانِيه وَبِالْمُوَحَّدَةِ بَدَل الْفَاء جَمْع شُعْبَة وَهِيَ مَا اِنْفَرَجَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الشِّين مُعْجَمَة , وَوَقَعَ لِغَيْرِ مَالِك كَالْأَوَّلِ لَكِنَّ السِّين مُهْمَلَة وَسَبَقَ بَيَان ذَلِكَ فِي أَوَاخِر عَلَامَات النُّبُوَّة , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ مُسْلِمٍ نَحْو هَذَا الْحَدِيث وَلَفْظه \" وَرَجُل فِي رَأْس شُعْبَة مِنْ هَذِهِ الشِّعَاب \". ‏"
    },
    {
        "id": "6561",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا ‏ ‏شَعَفَ ‏ ‏الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ ‏ ‏الْقَطْرِ ‏ ‏يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَفِرّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَن ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ هَذِهِ الْجُمْلَة حَالِيَّة وَذُو الْحَال الضَّمِير الْمُسْتَتِر فِي يَتَّبِع أَوْ الْمُسْلِم إِذَا جَوَّزْنَا الْحَال مِنْ الْمُضَاف إِلَيْهِ فَقَدْ وُجِدَ شَرْطه وَهُوَ شِدَّة الْمُلَابَسَة وَكَأَنَّهُ جُزْء مِنْهُ , وَاتِّحَاد الْخَيْر بِالْمَالِ وَاضِح , وَيَجُوز أَنْ تَكُون اِسْتِئْنَافِيَّة وَهُوَ وَاضِح اِنْتَهَى. وَالْخَبَر دَالّ عَلَى فَضِيلَة الْعُزْلَة لِمَنْ خَافَ عَلَى دِينه , وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي أَصْل الْعُزْلَة فَقَالَ الْجُمْهُور الِاخْتِلَاط أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ اِكْتِسَاب الْفَوَائِد الدِّينِيَّة لِلْقِيَامِ بِشَعَائِر الْإِسْلَام وَتَكْثِير سَوَاد الْمُسْلِمِينَ وَإِيصَال أَنْوَاع الْخَيْر إِلَيْهِمْ مِنْ إِعَانَة وَإِغَاثَة وَعِيَادَة وَغَيْر ذَلِكَ. وَقَالَ قَوْم الْعُزْلَة أَوْلَى لِتَحَقُّقِ السَّلَامَة بِشَرْطِ مَعْرِفَة مَا يَتَعَيَّن , وَقَدْ مَضَى طَرَف مِنْ ذَلِكَ فِي \" بَاب الْعُزْلَة \" مِنْ كِتَاب الرِّقَاق وَقَالَ النَّوَوِيّ الْمُخْتَار تَفْضِيل الْمُخَالَطَة لِمَنْ لَا يَغْلِب عَلَى ظَنّه أَنَّهُ يَقَع فِي مَعْصِيَة , فَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْر فَالْعُزْلَة أَوْلَى. وَقَالَ غَيْره : يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاص , فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَحَتَّم عَلَيْهِ أَحَد الْأَمْرَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَرَجَّح لَيْسَ الْكَلَام فِيهِ بَلْ إِذَا تَسَاوَيَا فَيَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال فَإِنْ تَعَارَضَا اِخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَات , فَمَنْ يَتَحَتَّم عَلَيْهِ الْمُخَالَطَة مَنْ كَانَتْ لَهُ قُدْرَة عَلَى إِزَالَة الْمُنْكَر فَيَجِب عَلَيْهِ إِمَّا عَيْنًا وَإِمَّا كِفَايَة بِحَسَبِ الْحَال وَالْإِمْكَان , وَمِمَّنْ يَتَرَجَّح مَنْ يَغْلِب عَلَى ظَنّه أَنَّهُ يَسْلَم فِي نَفْسه إِذَا قَامَ فِي الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , وَمِمَّنْ يَسْتَوِي مَنْ يَأْمَن عَلَى نَفْسه وَلَكِنَّهُ يَتَحَقَّق أَنَّهُ لَا يُطَاع , وَهَذَا حَيْثُ لَا يَكُون هُنَاكَ فِتْنَة عَامَّة فَإِنْ وَقَعَتْ الْفِتْنَة تَرَجَّحَتْ الْعُزْلَة لِمَا يَنْشَأ فِيهَا غَالِبًا مِنْ الْوُقُوع فِي الْمَحْذُور , وَقَدْ تَقَع الْعُقُوبَة بِأَصْحَابِ الْفِتْنَة فَتَعُمّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلهَا كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَاتَّقُوا فِتْنَة لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) وَيُؤَيِّد التَّفْصِيل الْمَذْكُور حَدِيث أَبِي سَعِيد أَيْضًا \" خَيْر النَّاس رَجُل جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَاله , وَرَجُل فِي شِعْب مِنْ الشِّعَاب يَعْبُد رَبّه وَيَدَع النَّاس مِنْ شَرّه \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْعُزْلَة \" مِنْ كِتَاب الرِّقَاق حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ آنِفًا فَإِنَّ أَوَّله عِنْدَ مُسْلِم \" خَيْر مُعَاشِر النَّاس رَجُل مُمْسِك بِعِنَانِ فَرَسه فِي سَبِيل اللَّه \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَرَجُل فِي غَنِيمَة \" الْحَدِيث وَكَأَنَّهُ وَرَدَ فِي أَيّ الْكَسْب أَطْيَب , فَإِنْ أُخِذَ عَلَى عُمُومه دَلَّ عَلَى فَضِيلَة الْعُزْلَة لِمَنْ لَا يَتَأَتَّى لَهُ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه إِلَّا أَنْ يَكُون قُيِّدَ بِزَمَانِ وُقُوع الْفِتَن وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6562",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلُوا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى ‏ ‏أَحْفَوْهُ ‏ ‏بِالْمَسْأَلَةِ فَصَعِدَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاتَ يَوْمٍ الْمِنْبَرَ فَقَالَ ‏ ‏لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُ لَكُمْ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي ‏ ‏فَأَنْشَأَ ‏ ‏رَجُلٌ كَانَ إِذَا ‏ ‏لَاحَى ‏ ‏يُدْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ أَبِي فَقَالَ أَبُوكَ ‏ ‏حُذَافَةُ ‏ ‏ثُمَّ أَنْشَأَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ‏ ‏وَبِمُحَمَّدٍ ‏ ‏رَسُولًا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ فَكَانَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏يَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ‏} ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبَّاسٌ النَّرْسِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏حَدَّثَهُمْ ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَذَا وَقَالَ كُلُّ رَجُلٍ لَافًّا رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي وَقَالَ عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ ‏ ‏أَوْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ‏ ‏سَوْأَى الْفِتَنِ ‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏وَمُعْتَمِرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏حَدَّثَهُمْ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَذَا وَقَالَ عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ الدَّسّْتُوَائِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَنَس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ. ‏ ‏قَوْله ( أَحْفُوهُ ) ‏ ‏أَيْ أَلِحُّوا عَلَيْهِ فِي السُّؤَال , وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَلْحِفُوهُ أَوْ أَحْفُوهُ بِالْمَسْأَلَةِ \". ‏ ‏قَوْله ( ذَاتَ يَوْم الْمِنْبَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" ذَاتَ يَوْم عَلَى الْمِنْبَر \". ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا كُلّ رَجُل رَأْسه فِي ثَوْبه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَافٌّ رَأْسه فِي ثَوْبه \" وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْمَائِدَة مِنْ وَجْه آخَر \" لَهُمْ خَنِين \" وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ مِنْ الْبُكَاءِ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَنْشَأَ رَجُل ) ‏ ‏أَيْ بَدَأَ الْكَلَام , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَقَامَ رَجُل \" وَفِي لَفْظ لَهُ \" فَأَتَى رَجُلٌ \". ‏ ‏قَوْله ( كَانَ إِذَا لَاحَى ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة مِنْ الْمُلَاحَاة وَهِيَ الْمُمَارَاة وَالْمُجَادَلَةُ. ‏ ‏قَوْله ( أَبُوك حُذَافَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُعْتَمِر \" سَمِعْت أَبِي عَنْ قَتَادَةَ \" عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَاسْم الرَّجُل خَارِجَةُ. ‏ ‏قُلْت : وَالْمَعْرُوف أَنَّ السَّائِل عَبْد اللَّه أَخُو خَارِجَة , وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْمَائِدَة مَنْ قَالَ إِنَّهُ قَيْس بْن حُذَافَة , وَعِنْدَ أَحْمَد مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْء إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ \" فَقَالَ عَبْدُ اللَّه بْن حُذَافَة : مَنْ أَبِي يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : حُذَافَة بْن قَيْس , فَرَجَعَ إِلَى أُمّه فَقَالَتْ لَهُ : مَا حَمَلَك عَلَى الَّذِي صَنَعْت ؟ فَقَدْ كُنَّا فِي جَاهِلِيَّة , فَقَالَ : إِنِّي كُنْت لَأُحِبُّ أَنْ أَعْلَم مَنْ هُوَ أَبِي مَنْ كَانَ مِنْ النَّاس. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَر ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة مِنْ طَرِيق أُخْرَى أَتَمّ مِنْ هَذَا , وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُعْتَمِر الْمَذْكُور مِنْ الزِّيَادَة \" فَأَرَمَّ \" بِرَاءٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ مِيم ثَقِيلَة \" وَخَشَوْا أَنْ يَكُونُوا بَيْنَ يَدَيْ أَمْر عَظِيم , قَالَ أَنَس : فَجَعَلْت أَلْتَفِت يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَا أَرَى كُلّ رَجُل إِلَّا قَدْ دَسَّ رَأْسه فِي ثَوْبه يَبْكِي , وَجَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : سَلُونِي \" فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَعِنْدَ أَحْمَد عَنْ أَبِي عَامِر الْعَقَدِيّ عَنْ هِشَام بَعْدَ قَوْله أَبُوك حُذَافَة \" فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه فِي الْجَنَّة أَنَا أَوْ فِي النَّار ؟ قَالَ : فِي النَّار \" وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الِاعْتِصَام مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ سُوء الْفِتَن ) ‏ ‏بِضَمِّ السِّين الْمُهْمَلَة بَعْدَهَا وَاو ثُمَّ هَمْزَة , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ \" شَرّ \" بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاءِ. ‏ ‏قَوْله ( صُوِّرَتْ الْجَنَّة وَالنَّار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" صُوِّرَتْ لِي \". ‏ ‏قَوْله ( دُونَ الْحَائِط ) ‏ ‏أَيْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَائِط , وَزَادَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس \" فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْر وَالشَّرّ \" وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي كِتَاب الِاعْتِصَام. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ قَتَادَةُ : يُذْكَر هَذَا الْحَدِيث عِنْدَ هَذِهِ الْآيَة ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِنْ تَبْدُ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) ) ‏ ‏هُوَ بِضَمِّ أَوَّل يُذْكَر وَفَتْح الْكَاف , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُر \" بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّ الْكَاف وَهِيَ أَوْجَه , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عَبَّاس ) ‏ ‏هُوَ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَة وَهُوَ اِبْن الْوَلِيد و ‏ ‏( النَّرْسِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون ثُمَّ سِين مُهْمَلَة , وَمَضَى فِي عَلَامَات النُّبُوَّة لَهُ حَدِيث وَفِي أَوَاخِر الْمَغَازِي فِي \" بَاب بَعْث مُعَاذ وَأَبِي مُوسَى إِلَى الْيَمَن \" آخَر , وَمَنْ جَاءَ بِهَذِهِ الصُّورَة فِيمَا عَدَا هَذِهِ الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة فِي الْبُخَارِيّ فَهُوَ عَيَّاش بْن الْوَلِيد الرَّقَّامُ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتَانِيَّة وَآخِره مُعْجَمَة , وَيَزِيد شَيْخه هُوَ اِبْن زُرَيْعٍ , وَسَعِيد هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة , وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن رُسْتَهْ بِضَمِّ الرَّاء وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدَهَا مُثَنَّاة مَفْتُوحَة قَالَ \" حَدَّثَنَا عَبَّاس بْن الْوَلِيد بِهِ \" وَذَلِكَ يُؤَيِّد كَوْنَهُ بِالْمُهْمَلَةِ لِأَنَّ الَّذِي بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة لَيْسَ فِيهِ الْأَلِف وَاللَّام. ‏ ‏قَوْله ( بِهَذَا ) ‏ ‏أَيْ بِهَذَا الْحَدِيث الْمَاضِي , ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ فِيهِ زِيَادَة قَوْله \" لَافًّا \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ زِيَادَتهَا فِي الْأَوَّل وَهْمٌ مِنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عَائِذًا إِلَخْ ) ‏ ‏بَيَّنَ أَنَّ فِي رِوَايَة سَعِيد بِالشَّكِّ فِي سُوء وَسُوأَى. ‏ ‏قَوْله ( عَائِذًا بِاَللَّهِ ) ‏ ‏وَهَكَذَا وَقَعَ بِالنَّصْبِ وَهُوَ عَلَى الْحَال أَيْ أَقُول ذَلِكَ عَائِذًا أَوْ عَلَى الْمَصْدَر أَيْ عِيَاذًا , وَجَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى بِالرَّفْعِ أَيْ أَنَا عَائِذٌ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ لِي خَلِيفَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن خَيَّاط الْعُصْفُرِيُّ , وَأَكْثَر مَا يُخَرِّج عَنْهُ الْبُخَارِيّ يَقَع بِهَذِهِ الصِّيغَة لَا يَقُول حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا , وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي الْمُذَاكَرَة. وَقَوْله سَعِيد هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَةَ وَمُعْتَمِر هُوَ اِبْن سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ أَبِي مُعْتَمِر , وَذَكَرَ هَذِهِ الطَّرِيق الْأُخْرَى لِقَوْلِهِ فِي آخِره \" مِنْ شَرّ الْفِتَن \" بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَى الْمَوَاضِع الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا هَذَا الْحَدِيث فِي تَفْسِير الْمَائِدَة وَأَنَّ بَقِيَّة شَرْحه يَأْتِي فِي كِتَاب الِاعْتِصَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6563",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ فَقَالَ ‏ ‏الْفِتْنَةُ هَا هُنَا الْفِتْنَةُ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ ‏ ‏أَوْ قَالَ قَرْنُ الشَّمْسِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْب الْمِنْبَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عِنْدَ التِّرْمِذِيّ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَر \" وَفِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب قُرَيْش بِسَنَدِهِ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر \" وَفِي رِوَايَة يُونُس بْن يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيّ عِنْدَ مُسْلِم \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَهُوَ مُسْتَقْبِل الْمَشْرِق \". ‏ ‏قَوْله ( الْفِتْنَة هَاهُنَا , الْفِتْنَة هَاهُنَا ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ مَرَّتَيْنِ , وَفِي رِوَايَة يُونُسَ \" هَا إِنَّ الْفِتْنَة هَاهُنَا أَعَادَهَا ثَلَاث مَرَّات \". ‏ ‏قَوْله ( مِنْ حَيْثُ يَطْلُع قَرْنُ الشَّيْطَان , أَوْ قَالَ قَرْن الشَّمْس ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِالشَّكِّ , وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق \" هَاهُنَا أَرْض الْفِتَن وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِق يَعْنِي حَيْثُ يَطْلُع قَرْن الشَّيْطَان \" وَفِي رِوَايَة شُعَيْب \" أَلَا إِنَّ الْفِتْنَة هَاهُنَا يُشِير إِلَى الْمَشْرِق حَيْثُ يَطْلُع قَرْن الشَّيْطَان \" وَفِي رِوَايَة يُونُس مِثْل مَعْمَر لَكِنْ لَمْ يَقُلْ \" أَوْ قَالَ قَرْن الشَّمْس \" بَلْ قَالَ \" يَعْنِي الْمَشْرِق \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة عِكْرِمَة بْن عَمَّار عَنْ سَالِم \" سَمِعْت اِبْن عُمَر يَقُول : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِير بِيَدِهِ نَحْو الْمَشْرِق وَيَقُول : هَا إِنَّ الْفِتْنَة هَاهُنَا ثَلَاثًا حَيْثُ يَطْلُع قَرْن الشَّيْطَان \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق حَنْظَلَة عَنْ سَالِم مِثْله لَكِنْ قَالَ \" إِنَّ الْفِتْنَة هَاهُنَا ثَلَاثًا \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق فُضَيْل بْن غَزْوَانَ \" سَمِعْت سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر يَقُول : يَا أَهْل الْعِرَاق مَا أَسْأَلكُمْ عَنْ الصَّغِيرَة وَأَرْكَبكُمْ الْكَبِيرَة , سَمِعْت أَبِي يَقُول سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : إِنَّ الْفِتْنَة تَجِيء مِنْ هَاهُنَا , وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْو الْمَشْرِق مِنْ حَيْثُ يَطْلُع قَرْنَا الشَّيْطَان \" كَذَا فِيهِ بِالتَّثْنِيَةِ , وَلَهُ فِي صِفَة إِبْلِيس مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر مِثْل سِيَاق حَنْظَلَة سَوَاء , وَلَهُ نَحْوه مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار أَخْرَجَهُ فِي الطَّلَاق ثُمَّ سَاقَ هُنَا مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر مِثْل رِوَايَة يُونُس إِلَّا أَنَّهُ قَالَ \" أَلَا إِنَّ الْفِتْنَة هَاهُنَا \" وَلَمْ يُكَرِّر , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ , وَأَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَحْمَد بْن يُونُس عَنْ اللَّيْث فَكَرَّرَهَا مَرَّتَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6564",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْمَشْرِقَ يَقُولُ ‏ ‏أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6565",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذَكَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ‏ ‏شَأْمِنَا ‏ ‏اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ‏ ‏يَمَنِنَا ‏ ‏قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي ‏ ‏نَجْدِنَا ‏ ‏قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ‏ ‏شَأْمِنَا ‏ ‏اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ‏ ‏يَمَنِنَا ‏ ‏قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي ‏ ‏نَجْدِنَا ‏ ‏فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عَوْن ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه ‏ ‏( عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : ذَكَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا الْحَدِيثَ ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَزْهَر السَّمَّان وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ بِشْر بْن آدَم بْن بِنْت أَزْهَر حَدَّثَنِي جَدِّي أَزْهَر بِهَذَا السَّنَد \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" وَمِثْله لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَة أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِيِّ عَنْ أَزْهَر , وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عَوْن عَنْ أَبِيهِ كَذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَوْن فِي الِاسْتِسْقَاء مَوْقُوفًا وَذَكَرْت هُنَاكَ الِاخْتِلَاف فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا يَا رَسُول اللَّه : وَفِي نَجْدِنَا , فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَة : هُنَاكَ الزَّلَازِل وَالْفِتَن , وَبِهَا يَطْلُع قَرْن الشَّيْطَان ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَالدَّوْرَقِيّ بَعْدَ قَوْله وَفِي نَجْدنَا \" قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا قَالَ وَفِي نَجْدِنَا ؟ قَالَ : هُنَاكَ \" فَذَكَرَهُ لَكِنْ شَكَّ هَلْ قَالَ بِهَا أَوْ مِنْهَا , وَقَالَ يَخْرُج بَدَلَ يَطْلُع , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُسَيْن بْن الْحَسَن فِي الِاسْتِسْقَاء مِثْله فِي الْإِعَادَة مَرَّتَيْنِ , وَفِي رِوَايَة وَلَد اِبْن عَوْن \" فَلَمَّا كَانَ الثَّالِثَة أَوْ الرَّابِعَة قَالُوا يَا رَسُول اللَّه وَفِي نَجْدنَا ؟ قَالَ بِهَا الزَّلَازِل وَالْفِتَن وَمِنْهَا يَطْلُع قَرْن الشَّيْطَان \" قَالَ الْمُهَلَّب : إِنَّمَا تَرَكَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّعَاء لِأَهْلِ الْمَشْرِق لِيَضْعُفُوا عَنْ الشَّرّ الَّذِي هُوَ مَوْضُوع فِي جِهَتهمْ لِاسْتِيلَاءِ الشَّيْطَان بِالْفِتَنِ وَأَمَّا قَوْله \" قَرْن الشَّمْس \" فَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : لِلشَّمْسِ قَرْن حَقِيقَة وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالْقَرْنِ قُوَّة الشَّيْطَان وَمَا يَسْتَعِين بِهِ عَلَى الْإِضْلَال , وَهَذَا أَوْجَه , وَقِيلَ إِنَّ الشَّيْطَان يَقْرِن رَأْسه بِالشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعهَا لِيَقَع سُجُود عَبَدَتِهَا لَهُ قِيلَ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِلشَّمْسِ شَيْطَان تَطْلُع الشَّمْس بَيْنَ قَرْنَيْهِ , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْقَرْن الْأُمَّة مِنْ النَّاس يَحْدُثُونَ بَعْدَ فِنَاء آخَرِينَ , وَقَرْن الْحَيَّة أَنْ يُضْرَب الْمَثَل فِيمَا لَا يُحْمَد مِنْ الْأُمُور , وَقَالَ غَيْره كَانَ أَهْل الْمَشْرِق يَوْمَئِذٍ أَهْل كُفْر فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْفِتْنَة تَكُون مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَة فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ , وَأَوَّل الْفِتَن كَانَ مِنْ قِبَل الْمَشْرِق فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ مِمَّا يُحِبّهُ الشَّيْطَان وَيَفْرَح بِهِ , وَكَذَلِكَ الْبِدَع نَشَأَتْ مِنْ تِلْكَ الْجِهَة , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : نَجِد مِنْ جِهَة الْمَشْرِق وَمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ نَجْده بَادِيَة الْعِرَاق وَنَوَاحِيهَا وَهِيَ مَشْرِق أَهْل الْمَدِينَة , وَأَصْل النَّجْد مَا اِرْتَفَعَ مِنْ الْأَرْض , وَهُوَ خِلَاف الْغَوْر فَإِنَّهُ مَا اِنْخَفَضَ مِنْهَا وَتِهَامَة كُلُّهَا مِنْ الْغَوْر وَمَكَّة مِنْ تِهَامَة اِنْتَهَى وَعُرِفَ بِهَذَا وَهَاء مَا قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ إِنَّ نَجْدًا مِنْ نَاحِيَة الْعِرَاق فَإِنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ نَجْدًا مَوْضِع مَخْصُوص , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ كُلّ شَيْء اِرْتَفَعَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَلِيه يُسَمَّى الْمُرْتَفِع نَجْدًا وَالْمُنْخَفِض غَوْرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6566",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ الْوَاسِطِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بَيَانٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا قَالَ فَبَادَرَنَا إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدِّثْنَا عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَاللَّهُ يَقُولُ ‏ { ‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ‏} ‏فَقَالَ هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ‏ ‏إِنَّمَا كَانَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةً وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق الْوَاسِطِيُّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شَاهِين , وَخَالِد هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه , وَبَيَان بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّة خَفِيفَة هُوَ اِبْن عَمْرو , وَوَبَرَة بِفَتْحِ الْوَاو وَالْمُوَحَّدَة عِنْدَ الْجَمِيع وَبِهِ جَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ , وَقَالَ عِيَاض ضَبَطْنَاهُ فِي مُسْلِم بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَة. ‏ ‏قَوْله ( أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا ) ‏ ‏أَيْ حَسَن اللَّفْظ يَشْتَمِل عَلَى ذِكْر التَّرْجَمَة وَالرُّخْصَة , فَشَغَلَهُ الرَّجُل فَصَدَّهُ عَنْ إِعَادَته حَتَّى عَدَلَ إِلَى التَّحَدُّث عَنْ الْفِتْنَة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُل ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الْأَنْفَال أَنَّ اِسْمه حَكِيم , أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَة زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة عَنْ بَيَان \" أَنَّ وَبَرَة حَدَّثَهُ \" فَذَكَرَهُ , وَفِيهِ \" فَمَرَرْنَا بِرَجُلٍ يُقَال لَهُ حَكِيم \". ‏ ‏قَوْله ( يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَنِ ) ‏ ‏هِيَ كُنْيَة عَبْد اللَّه بْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( حَدِّثْنَا عَنْ الْقِتَال فِي الْفِتْنَة وَاَللَّه يَقُول ) ‏ ‏يُرِيد أَنْ يَحْتَجّ بِالْآيَةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّة الْقِتَال فِي الْفِتْنَة وَأَنَّ فِيهَا الرَّدّ عَلَى مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ كَابْنِ عُمَر , وَقَوْله \" ثَكِلَتْك أُمّك \" ظَاهِره الدُّعَاء وَقَدْ يَرِد مَوْرِدَ الزَّجْر كَمَا هُنَا , وَحَاصِل جَوَاب اِبْن عُمَر لَهُ أَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله تَعَالَى ( وَقَاتِلُوهُمْ ) لِلْكُفَّارِ , فَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِقِتَالِ الْكَافِرِينَ حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَد يُفْتَن عَنْ دِين الْإِسْلَام وَيَرْتَدّ إِلَى الْكُفْر , وَوَقَعَ نَحْو هَذَا السُّؤَال مِنْ نَافِع بْن الْأَزْرَق وَجَمَاعَة لِعِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ فَأَجَابَهُمْ بِنَحْوِ جَوَاب اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَة الْأَنْفَال مِنْ رِوَايَة زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة عَنْ بَيَان بِزِيَادَةِ \" فَقَالَ \" بَدَلَ قَوْله \" وَكَانَ الدُّخُول فِي دِينِهِمْ فِتْنَة , فَكَانَ الرَّجُل يُفْتَن عَنْ دِينه إِمَّا يَقْتُلُونَهُ وَإِمَّا يُوثِقُونَهُ حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَام فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَة \" أَيْ لَمْ يَبْقَ فِتْنَة أَيْ مِنْ أَحَد مِنْ الْكُفَّار لِأَحَدٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُؤَاله عَنْ عَلِيّ وَعُثْمَان وَجَوَاب اِبْن عُمَر. وَقَوْله هُنَا \" وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْك \" أَيْ فِي طَلَب الْمُلْك , يُشِير إِلَى مَا وَقَعَ بَيْنَ مَرْوَان ثُمَّ عَبْد الْمَلِك اِبْنه وَبَيْنَ اِبْن الزُّبَيْر وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَكَانَ رَأْي اِبْن عُمَر تَرْك الْقِتَال فِي الْفِتْنَة وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مُحِقَّة وَالْأُخْرَى مُبْطِلَة , وَقِيلَ الْفِتْنَة مُخْتَصَّة بِمَا إِذَا وَقَعَ الْقِتَال بِسَبَبِ التَّغَالُب فِي طَلَب الْمُلْك , وَأَمَّا إِذَا عُلِمَتْ الْبَاغِيَة فَلَا تُسَمَّى فِتْنَة وَتَجِب مُقَاتَلَتهَا حَتَّى تَرْجِع إِلَى الطَّاعَة ; وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور. ‏"
    },
    {
        "id": "6567",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَقِيقٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏إِذْ قَالَ أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْفِتْنَةِ قَالَ ‏ ‏فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ وَلَكِنْ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ قَالَ لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَيُكْسَرُ الْبَابُ أَمْ يُفْتَحُ قَالَ بَلْ يُكْسَرُ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِذًا لَا يُغْلَقَ أَبَدًا قُلْتُ أَجَلْ قُلْنَا ‏ ‏لِحُذَيْفَةَ ‏ ‏أَكَانَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يَعْلَمُ الْبَابَ قَالَ نَعَمْ كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ ‏ ‏فَهِبْنَا ‏ ‏أَنْ نَسْأَلَهُ مَنْ الْبَابُ فَأَمَرْنَا ‏ ‏مَسْرُوقًا ‏ ‏فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَنْ الْبَابُ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏",
        "sharh": "أَحَدُهَا حَدِيث حُذَيْفَة. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا شَقِيق ) ‏ ‏هُوَ أَبُو وَائِل بْن سَلَمَة الْأَسَدِيُّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت حُذَيْفَة يَقُول : بَيْنَا نَحْنُ جُلُوس عِنْدَ عُمَر ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , وَسِيَاقه هُنَاكَ أَتَمّ. وَخَالَفَ أَبُو حَمْزَة السُّكَّرِيّ أَصْحَاب الْأَعْمَش فَقَالَ \" عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ مَسْرُوق قَالَ : قَالَ عُمَر \" وَقَوْله هُنَا \" لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُك \" وَقَعَ فِي رِوَايَة رِبْعِيِّ بْن حِرَاش عَنْ حُذَيْفَة عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ \" لَمْ أَسْأَل عَنْ فِتْنَة الْخَاصَّة \" وَقَوْله \" وَلَكِنْ الَّتِي تَمُوج كَمَوْجِ الْبَحْر , فَقَالَ : لَيْسَ عَلَيْك مِنْهَا بَأْس \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" عَلَيْكُمْ \" بِصِيغَةِ الْجَمْع , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة رِبْعِيٍّ , فَقَالَ حُذَيْفَة \" سَمِعْته يَقُول : يَأْتِيكُمْ بَعْدِي فِتَن كَمَوْجِ الْبَحْر يَدْفَع بَعْضهَا بَعْضًا \" فَيُؤْخَذ مِنْهُ جِهَة التَّشْبِيه بِالْمَوْجِ وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ الْكَثْرَة فَقَطْ , وَزَادَ فِي رِوَايَة رِبْعِيٍّ \" فَرَفَعَ عُمَر يَده فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَا تُدْرِكنِي , فَقَالَ حُذَيْفَة : لَا تَخَفْ \" وَقَوْله \" إِذًا لَا يُغْلَق أَبَدًا ؟ قُلْت : أَجَل \" فِي رِوَايَة رِبْعِيٍّ \" قَالَ حُذَيْفَة كَسْرًا ثَمَّ لَا يُغْلَق إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \". ‏ ‏قَوْله ( كَمَا يَعْلَم أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَة ) ‏ ‏أَيْ عِلْمه عِلْمًا ضَرُورِيًّا مِثْل هَذَا \" قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا عَدَلَ حُذَيْفَة حِينَ سَأَلَهُ عُمَر عَنْ الْإِخْبَار بِالْفِتْنَةِ الْكُبْرَى إِلَى الْإِخْبَار بِالْفِتْنَةِ الْخَاصَّة لِئَلَّا يُغَمّ وَيَشْتَغِل بَاله , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ لَهُ \" إِنَّ بَيْنَك وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا \" وَلَمْ يَقُلْ لَهُ أَنْتَ الْبَاب وَهُوَ يَعْلَم أَنَّهُ الْبَاب فَعَرَّضَ لَهُ بِمَا فَهِمَهُ وَلَمْ يُصَرِّح وَذَلِكَ مِنْ حُسْن أَدَبه. وَقَوْل عُمَر \" إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَق \" أَخَذَهُ مِنْ جِهَة أَنَّ الْكَسْر لَا يَكُون إِلَّا غَلَبَة وَالْغَلَبَة لَا تَقَع إِلَّا فِي الْفِتْنَة , وَعُلِمَ مِنْ الْخَبَر النَّبَوِيّ أَنَّ بَأْس الْأُمَّة بَيْنَهُمْ وَاقِع , وَأَنَّ الْهَرْج لَا يَزَال إِلَى يَوْم الْقِيَامَة كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيث شَدَّاد رَفَعَهُ \" إِذَا وُضِعَ السَّيْف فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَع عَنْهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \". قُلْت : أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان , وَأَخْرَجَ الْخَطِيب فِي \" الرُّوَاة عَنْ مَالِك \" أَنَّ عُمَر دَخَلَ عَلَى أُمّ كُلْثُوم بِنْت عَلِيّ فَوَجَدَهَا تَبْكِي فَقَالَ : مَا يُبْكِيك ؟ قَالَتْ : هَذَا الْيَهُودِيّ - لِكَعْبِ الْأَحْبَار - يَقُول : إِنَّك بَاب مِنْ أَبْوَاب جَهَنَّم , فَقَالَ عُمَر : مَا شَاءَ اللَّه. ثُمَّ خَرَجَ فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْب فَجَاءَهُ فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَنْسَلِخ ذُو الْحِجَّة حَتَّى تَدْخُل الْجَنَّة. فَقَالَ : مَا هَذَا , مَرَّة فِي الْجَنَّة وَمَرَّة فِي النَّار ؟ فَقَالَ : إِنَّا لِنَجِدك فِي كِتَاب اللَّه عَلَى بَاب مِنْ أَبْوَاب جَهَنَّم تَمْنَع النَّاس أَنْ يَقْتَحِمُوا فِيهَا , فَإِذَا مُتّ اِقْتَحَمُوا. ‏ ‏قَوْله ( فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا ) ‏ ‏اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْأَمْر لَا يُشْتَرَط فِيهِ الْعُلُوّ وَلَا الِاسْتِعْلَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "6568",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمًا إِلَى ‏ ‏حَائِطٍ ‏ ‏مِنْ حَوَائِطِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏لِحَاجَتِهِ وَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ فَلَمَّا دَخَلَ ‏ ‏الْحَائِطَ ‏ ‏جَلَسْتُ عَلَى بَابِهِ وَقُلْتُ لَأَكُونَنَّ الْيَوْمَ بَوَّابَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَمْ يَأْمُرْنِي فَذَهَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَضَى حَاجَتَهُ وَجَلَسَ عَلَى ‏ ‏قُفِّ ‏ ‏الْبِئْرِ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَجَاءَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ لِيَدْخُلَ فَقُلْتُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ فَوَقَفَ فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ قَالَ ‏ ‏ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَدَخَلَ فَجَاءَ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَجَاءَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقُلْتُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَجَاءَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ فَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَامْتَلَأَ ‏ ‏الْقُفُّ ‏ ‏فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَجْلِسٌ ثُمَّ جَاءَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏فَقُلْتُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ مَعَهَا بَلَاءٌ يُصِيبُهُ فَدَخَلَ فَلَمْ يَجِدْ مَعَهُمْ مَجْلِسًا فَتَحَوَّلَ حَتَّى جَاءَ مُقَابِلَهُمْ عَلَى شَفَةِ الْبِئْرِ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ ثُمَّ دَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَجَعَلْتُ أَتَمَنَّى أَخًا لِي وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَأْتِيَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمْ اجْتَمَعَتْ هَا هُنَا وَانْفَرَدَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ شَرِيك بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ بْن أَبِي نِمْر. وَلَمْ يُخَرِّج الْبُخَارِيّ عَنْ شَرِيك بْن عَبْد اللَّه النَّخَعِيِّ الْقَاضِي شَيْئًا. ‏ ‏قَوْله ( خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حَائِط مِنْ حَوَائِط الْمَدِينَة لِحَاجَتِهِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ اِسْم الْحَائِط الْمَذْكُور مَعَ شَرْح الْحَدِيث فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر , وَقَوْله هُنَا \" لَأَكُونَنَّ الْيَوْم بَوَّاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَأْمُرنِي \" قَالَ الدَّاوُدِيُّ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" أَمَرَنِي بِحِفْظِ الْبَاب \" وَهُوَ اِخْتِلَاف لَيْسَ الْمَحْفُوظ إِلَّا أَحَدهمَا , وَتُعُقِّبَ بِإِمْكَانِ الْجَمْع بِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ اِبْتِدَاء مِنْ قِبَل نَفْسه فَلَمَّا اِسْتَأْذَنَ أَوَّلًا لِأَبِي بَكْر وَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْذَن لَهُ وَيُبَشِّرهُ بِالْجَنَّةِ وَافَقَ ذَلِكَ اِخْتِيَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحِفْظِ الْبَاب عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ كَانَ فِي حَال خَلْوَة وَقَدْ كَشَفَ عَنْ سَاقِهِ وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فَأَمَرَهُ بِحِفْظِ الْبَاب , فَصَادَفَ أَمْره مَا كَانَ أَبُو مُوسَى أَلْزَمَ نَفْسه بِهِ قَبْلَ الْأَمْر. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَطْلَقَ الْأَمْر عَلَى التَّقْرِير وَقَدْ مَضَى شَيْء مِنْ هَذَا فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر. وَقَوْله هُنَا \" وَجَلَسَ عَلَى قُفّ الْبِئْر \" فِي رِوَايَة غَيْر الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فِي \" بَدَل \" عَلَى \" وَالْقُفّ مَا اِرْتَفَعَ مِنْ مَتْن الْبِئْر , وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَا حَوْلَ الْبِئْر. قُلْت : وَالْمُرَاد هُنَا مَكَان يُبْنَى حَوْلَ الْبِئْر لِلْجُلُوسِ , وَالْقُفّ أَيْضًا الشَّيْء الْيَابِس , وَفِي أَوْدِيَة الْمَدِينَة وَادٍ يُقَال لَهُ الْقُفّ وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا. وَقَوْله \" فَدَخَلَ فَجَاءَ عَنْ يَمِين النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَجَلَسَ \" بَدَلَ \" فَجَاءَ \" وَقَوْله \" فَامْتَلَأَ الْقُفُّ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَامْتَلَأَ \" بِالْوَاوِ , وَالْمُرَاد مِنْ تَخْرِيجه هُنَا الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ قَوْله فِي حَقّ عُثْمَان \" بَلَاء يُصِيبهُ \" هُوَ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْقَتْل الَّذِي نَشَأَتْ عَنْهُ الْفِتَن الْوَاقِعَة بَيْنَ الصَّحَابَة فِي الْجَمَل ثُمَّ فِي صِفِّينَ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا خُصَّ عُثْمَان بِذِكْرِ الْبَلَاء مَعَ أَنَّ عُمَر قُتِلَ أَيْضًا لِكَوْنِ عُمَر لَمْ يُمْتَحَن بِمِثْلِ مَا اُمْتُحِنَ عُثْمَان مِنْ تَسَلُّط الْقَوْم الَّذِينَ أَرَادُوا مِنْهُ أَنْ يَنْخَلِع مِنْ الْإِمَامَة بِسَبَبِ مَا نَسَبُوهُ إِلَيْهِ مِنْ الْجَوْر وَالظُّلْم مَعَ تَنَصُّله مِنْ ذَلِكَ وَاعْتِذَاره عَنْ كُلّ مَا أَوْرَدُوهُ عَلَيْهِ ثُمَّ هُجُومهمْ عَلَيْهِ دَاره وَهَتْكهُمْ سِتْر أَهْله , وَكُلّ ذَلِكَ زِيَادَة عَلَى قَتْله. قُلْت : وَحَاصِله أَنَّ الْمُرَاد بِالْبَلَاءِ الَّذِي خُصَّ بِهِ الْأُمُور الزَّائِدَة عَلَى الْقَتْل وَهُوَ كَذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ فَتَأَوَّلْت ذَلِكَ قُبُورهمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَأَوَّلْت \" قَالَ الدَّاوُدِيُّ : كَانَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب لِجَوْدَتِهِ فِي عِبَارَة الرُّؤْيَا يَسْتَعْمِل التَّعْبِير فِيمَا يُشْبِههَا. قُلْت : وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ التَّمْثِيل لَا يَسْتَلْزِم التَّسْوِيَة , فَإِنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" اِجْتَمَعُوا \" مُطْلَق الِاجْتِمَاع لَا خُصُوص كَوْن أَحَدهمَا عَنْ يَمِينه وَالْآخَر عَنْ شِمَاله كَمَا كَانُوا عَلَى الْبِئْر , وَكَذَا عُثْمَان اِنْفَرَدَ قَبْره عَنْهُمْ وَلَمْ يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون مُقَابِلَهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "6569",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ قِيلَ ‏ ‏لِأُسَامَةَ ‏ ‏أَلَا تُكَلِّمُ هَذَا قَالَ قَدْ كَلَّمْتُهُ مَا دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفْتَحُهُ وَمَا أَنَا بِالَّذِي أَقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَنْتَ خَيْرٌ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يُجَاءُ بِرَجُلٍ فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ فَيَطْحَنُ فِيهَا كَطَحْنِ الْحِمَارِ بِرَحَاهُ فَيُطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلَانُ أَلَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ إِنِّي كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا أَفْعَلُهُ وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَفْعَلُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش , وَفِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر , عَنْ شُعْبَة عَنْ سُلَيْمَان وَمَنْصُور وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ الْقَاسِم بْن زَكَرِيَّا عَنْ بِشْر بْن خَالِد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ لَكِنَّهُ سَاقَهُ عَلَى لَفْظ سُلَيْمَان وَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ شُعْبَة وَحَدَّثَنِي مَنْصُور عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ أُسَامَة \" نَحْوًا مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِيهِ \" فَتَنْدَلِق أَقْتَاب بَطْنِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( قِيلَ لِأُسَامَةَ : أَلَّا تُكَلِّمُ هَذَا ؟ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِإِبْهَامِ الْقَائِل وَإِبْهَام الْمُشَار إِلَيْهِ , وَتَقَدَّمَ فِي صِفَة النَّار مِنْ بَدْء الْخَلْق مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ الْأَعْمَش بِلَفْظِ \" لَوْ أَتَيْت فُلَانًا فَكَلَّمْته \" وَجَزَاء الشَّرْط مَحْذُوف وَالتَّقْدِير لَكَانَ صَوَابًا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون \" لَوْ \" لِلتَّمَنِّي وَوَقَعَ اِسْم الْمُشَار إِلَيْهِ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ شَقِيق عَنْ أُسَامَة \" قِيلَ لَهُ أَلَا تَدْخُل عَلَى عُثْمَان فَتُكَلِّمهُ \" وَلِأَحْمَدَ عَنْ يَعْلَى بْن عُبَيْد عَنْ الْأَعْمَش \" أَلَّا تُكَلِّم عُثْمَان \". ‏ ‏قَوْله ( قَدْ كَلَّمْته مَا دُونَ أَنْ أَفْتَح بَابًا ) ‏ ‏أَيْ كَلَّمْته فِيمَا أَشَرْتُمْ إِلَيْهِ , لَكِنْ عَلَى سَبِيل الْمَصْلَحَة وَالْأَدَب فِي السِّرّ بِغَيْرِ أَنْ يَكُون فِي كَلَامِي مَا يُثِير فِتْنَة أَوْ نَحْوهَا. وَمَا مَوْصُوفَة وَيَجُوز أَنْ تَكُون مَوْصُولَة. ‏ ‏قَوْله ( أَكُون أَوَّل مَنْ يَفْتَحهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَتَحَهُ \" بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمَاضِي وَكَذَا فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ ; وَفِي رِوَايَة سُفْيَان \" قَالَ إِنَّكُمْ لَتَرَوْنَ - أَيْ تَظُنُّونَ - أَنِّي لَا أُكَلِّمهُ إِلَّا أَسْمَعْتُكُمْ \" أَيْ إِلَّا بِحُضُورِكُمْ , وَسَقَطَتْ الْأَلِف مِنْ بَعْض النُّسَخ فَصَارَ بِلَفْظِ الْمَصْدَر أَيْ إِلَّا وَقْت حُضُوركُمْ حَيْثُ تَسْمَعُونَ وَهِيَ رِوَايَة يَعْلَى بْن عُبَيْد الْمَذْكُورَة , وَقَوْله فِي رِوَايَة سُفْيَان \" إِنِّي أُكَلِّمهُ فِي السِّرّ دُونَ أَنْ أَفْتَح بَابًا لَا أَكُون أَوَّل مَنْ فَتَحَهُ \" عِنْدَ مُسْلِم مِثْله لَكِنْ قَالَ بَعْدَ قَوْله إِلَّا أَسْمَعْتُكُمْ \" وَاَللَّه لَقَدْ كَلَّمْته فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ دُونَ أَنْ أَفْتَح أَمْرًا لَا أُحِبّ أَنْ أَكُون أَوَّل مَنْ فَتَحَهُ \" يَعْنِي لَا أُكَلِّمهُ إِلَّا مَعَ مُرَاعَاة الْمَصْلَحَة بِكَلَامٍ لَا يَهِيج بِهِ فِتْنَة. ‏ ‏قَوْله ( وَمَا أَنَا بِاَلَّذِي أَقُول لِرَجُلٍ بَعْدَ أَنْ يَكُون أَمِيرًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَنْتَ خَيْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" إِيت خَيْرًا \" بِصِيغَةِ فِعْل الْأَمْر مِنْ الْإِيتَاء وَنَصْب خَيْرًا عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَالْأَوَّل أَوْلَى فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان \" وَلَا أَقُول لِأَمِيرٍ إِنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا \" هُوَ بِكَسْرِ هَمْزَة إِنْ وَيَجُوز فَتْحهَا وَقَوْله \" كَانَ عَلَيَّ - بِالتَّشْدِيدِ - أَمِيرًا أَنَّهُ خَيْر النَّاس \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عِنْدَ مُسْلِم \" يَكُون عَلَيَّ أَمِيرًا \" وَفِي رِوَايَة يَعْلَى \" وَإِنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا \". ‏ ‏قَوْله ( بَعْدَمَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : يُجَاء بِرَجُلٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" بَعْدَ شَيْء سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالُوا : وَمَا سَمِعْته يَقُول ؟ قَالَ سَمِعْته يَقُول : يُجَاء بِالرَّجُلِ \" وَفِي رِوَايَة عَاصِم بْن بَهْدَلَةَ عَنْ أَبِي وَائِل عِنْدَ أَحْمَد \" يُجَاء بِالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يُطَاع فِي مَعَاصِي اللَّه فَيُقْذَف فِي النَّار \". ‏ ‏قَوْله ( فَيَطْحَن فِيهَا كَطَحْنِ الْحِمَار ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" كَمَا يَطْحَن الْحِمَار \" كَذَا رَأَيْت فِي نُسْخَة مُعْتَمَدَة \" فَيُطْحَن \" بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَفِي أُخْرَى بِفَتْحِ أَوَّله وَهُوَ أَوْجَه , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة سُفْيَان وَأَبِي مُعَاوِيَة \" فَتَنْدَلِق أَقْتَابه فَيَدُور كَمَا يَدُور الْحِمَار \" وَفِي رِوَايَة عَاصِم \" يَسْتَدِير فِيهَا كَمَا يَسْتَدِير الْحِمَار \" وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة. وَالْأَقْتَاب جَمْع قِتْب بِكَسْرِ الْقَاف وَسُكُون الْمُثَنَّاة بَعْدَهَا مُوَحَّدَة هِيَ الْأَمْعَاء , وَانْدِلَاقهَا خُرُوجهَا بِسُرْعَةٍ يُقَال اِنْدَلَقَ السَّيْف مِنْ غِمْده إِذَا خَرَجَ مِنْ غَيْر أَنْ يَسُلَّهُ أَحَد , وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة كَانَتْ أَيْضًا عِنْدَ الْأَعْمَش فَلَمْ يَسْمَعهَا شُعْبَة مِنْهُ وَسَمِعَ مَعْنَاهَا مِنْ مَنْصُور كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( فَيُطِيف بِهِ أَهْل النَّار ) ‏ ‏أَيْ يَجْتَمِعُونَ حَوْلَهُ , يُقَال أَطَافَ بِهِ الْقَوْم إِذَا حَلَّقُوا حَوْلَهُ حَلْقَة وَإِنْ لَمْ يَدُورُوا , وَطَافُوا إِذَا دَارُوا حَوْلَهُ , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَظْهَر خَطَأ مَنْ قَالَ إِنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِد. وَفِي رِوَايَة سُفْيَان وَأَبِي مُعَاوِيَة \" فَيَجْتَمِع عَلَيْهِ أَهْل النَّار \" وَفِي رِوَايَة عَاصِم \" فَيَأْتِي عَلَيْهِ أَهْل طَاعَته مِنْ النَّاس \". ‏ ‏قَوْله ( فَيَقُولُونَ أَيْ فُلَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان وَأَبِي مُعَاوِيَة \" فَيَقُولُونَ يَا فُلَان \" وَزَادَ \" مَا شَأْنُك \" وَفِي رِوَايَة عَاصِم \" أَيْ قُلْ , أَيْنَ مَا كُنْت تَأْمُرُنَا بِهِ \" ؟. ‏ ‏قَوْله ( أَلَسْت كُنْت تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" أَلَيْسَ كُنْت تَأْمُرنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا \" ؟ ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي كُنْت آمُر بِالْمَعْرُوفِ وَلَا أَفْعَلهُ وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَر وَأَفْعَلهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" آمُرُكُمْ وَأَنْهَاكُمْ \" وَلَهُ وَلِأَبِي مُعَاوِيَة \" وَآتِيه وَلَا آتِيه \" وَفِي رِوَايَة يَعْلَى \" بَلْ كُنْت آمُر \" وَفِي رِوَايَة عَاصِم \" وَإِنِّي كُنْت آمُركُمْ بِأَمْرٍ وَأُخَالِفكُمْ إِلَى غَيْره \" قَالَ الْمُهَلَّب : أَرَادُوا مِنْ أُسَامَة أَنْ يُكَلِّمَ عُثْمَان وَكَانَ مِنْ خَاصَّته وَمِمَّنْ يَخِفّ عَلَيْهِ فِي شَأْن الْوَلِيد بْن عُقْبَةَ لِأَنَّهُ كَانَ ظَهَرَ عَلَيْهِ رِيح نَبِيذ وَشُهِرَ أَمْره وَكَانَ أَخَا عُثْمَان لِأُمِّهِ وَكَانَ يَسْتَعْمِلهُ , فَقَالَ أُسَامَة : قَدْ كَلَّمْته سِرًّا دُونَ أَنْ أُفْتَح بَابًا , أَيْ بَاب الْإِنْكَار عَلَى الْأَئِمَّة عَلَانِيَة خَشْيَة أَنْ تَفْتَرِق الْكَلِمَة. ثُمَّ عَرَّفَهُمْ أَنَّهُ لَا يُدَاهِن أَحَدًا وَلَوْ كَانَ أَمِيرًا بَلْ يَنْصَح لَهُ فِي السِّرّ جَهْدَهُ , وَذَكَرَ لَهُمْ قِصَّة الرَّجُل الَّذِي يُطْرَح فِي النَّار لِكَوْنِهِ كَانَ يَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَفْعَلهُ لِيَتَبَرَّأ مِمَّا ظَنُّوا بِهِ مِنْ سُكُوته عَنْ عُثْمَان فِي أَخِيهِ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَجَزْمه بِأَنَّ مُرَاد مَنْ سَأَلَ أُسَامَة الْكَلَام مَعَ عُثْمَان أَنْ يُكَلِّمهُ فِي شَأْن الْوَلِيد مَا عَرَفْت مُسْتَنَده فِيهِ , وَسِيَاق مُسْلِم مِنْ طَرِيق جَرِير عَنْ الْأَعْمَش يَدْفَعُهُ , وَلَفْظه عَنْ أَبِي وَائِل \" كُنَّا عِنْدَ أُسَامَة بْن زَيْد فَقَالَ لَهُ رَجُل : مَا يَمْنَعك أَنْ تَدْخُل عَلَى عُثْمَان فَتُكَلِّمهُ فِيمَا يَصْنَع \" قَالَ وَسَاقَ الْحَدِيث بِمِثْلِهِ , وَجَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَاد أَنْ يُكَلِّمَهُ فِيمَا أَنْكَرَهُ النَّاس عَلَى عُثْمَان مِنْ تَوْلِيَة أَقَارِبه وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا اُشْتُهِرَ , وَقَوْله إِنَّ السَّبَب فِي تَحْدِيث أُسَامَة بِذَلِكَ لِيَتَبَرَّأَ مِمَّا ظَنُّوهُ بِهِ لَيْسَ بِوَاضِحٍ , بَلْ الَّذِي يَظْهَر أَنَّ أُسَامَة كَانَ يَخْشَى عَلَى مَنْ وُلِّيَ وِلَايَة وَلَوْ صَغُرَتْ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْمُر الرَّعِيَّة بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَر ثُمَّ لَا يَأْمَن مِنْ أَنْ يَقَع مِنْهُ تَقْصِير , فَكَانَ أُسَامَة يَرَى أَنَّهُ لَا يَتَأَمَّر عَلَى أَحَد , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ \" لَا أَقُول لِلْأَمِيرِ إِنَّهُ خَيْر النَّاس \" أَيْ بَلْ غَايَته أَنْ يَنْجُوَ كَفَافًا. وَقَالَ عِيَاض : مُرَاد أُسَامَة أَنَّهُ لَا يَفْتَح بَاب الْمُجَاهَرَة بِالنَّكِيرِ عَلَى الْإِمَام لِمَا يَخْشَى مِنْ عَاقِبَة ذَلِكَ , بَلْ يَتَلَطَّف بِهِ وَيَنْصَحهُ سِرًّا فَذَلِكَ أَجْدَر بِالْقَبُولِ. وَقَوْله \" لَا أَقُول لِأَحَدٍ يَكُون عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْر النَّاس \" فِيهِ ذَمّ مُدَاهَنَة الْأُمَرَاء فِي الْحَقّ وَإِظْهَار مَا يُبْطِن خِلَافه كَالْمُتَمَلِّقِ بِالْبَاطِلِ , فَأَشَارَ أُسَامَة إِلَى الْمُدَارَاة الْمَحْمُودَة وَالْمُدَاهَنَة الْمَذْمُومَة , وَضَابِط الْمُدَارَاة أَنْ لَا يَكُون فِيهَا قَدْح فِي الدِّين , وَالْمُدَاهَنَة الْمَذْمُومَة أَنْ يَكُون فِيهَا تَزْيِين الْقَبِيح وَتَصْوِيب الْبَاطِل وَنَحْو ذَلِكَ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ , فَقَالَتْ طَائِفَة يَجِب مُطْلَقًا وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ طَارِق بْن شِهَاب رَفَعَهُ \" أَفْضَل الْجِهَاد كَلِمَة حَقّ عِنْدَ سُلْطَان جَائِر \" وَبِعُمُومِ قَوْله \" مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ \" الْحَدِيث. وَقَالَ بَعْضهمْ : يَجِب إِنْكَار الْمُنْكَر , لَكِنَّ شَرْطه أَنْ لَا يَلْحَق الْمُنْكِر بَلَاء لَا قِبَلَ لَهُ بِهِ مِنْ قَتْلٍ وَنَحْوه. وَقَالَ آخَرُونَ : يُنْكِر بِقَلْبِهِ لِحَدِيثِ أُمّ سَلَمَة مَرْفُوعًا \" يُسْتَعْمَل عَلَيْكُمْ أُمَرَاء بَعْدِي , فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ , وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ \" الْحَدِيث قَالَ : وَالصَّوَاب اِعْتِبَار الشَّرْط الْمَذْكُور وَيَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث \" لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسه \" ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنْ يَتَعَرَّض مِنْ الْبَلَاء لِمَا لَا يُطِيق اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ غَيْره : يَجِب الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسه مِنْهُ ضَرَرًا وَلَوْ كَانَ الْآمِر مُتَلَبِّسًا بِالْمَعْصِيَةِ , لِأَنَّهُ فِي الْجُمْلَة يُؤْجَر عَلَى الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مُطَاعًا , وَأَمَّا إِثْمه الْخَاصّ بِهِ فَقَدْ يَغْفِرهُ اللَّه لَهُ وَقَدْ يُؤَاخِذهُ بِهِ , وَأَمَّا مَنْ قَالَ : لَا يَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ إِلَّا مَنْ لَيْسَتْ فِيهِ وَصْمَة , فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ الْأَوْلَى فَجَيِّد وَإلَّا فَيَسْتَلْزِم سَدّ بَاب الْأَمْر إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْره. ثُمَّ قَالَ الطَّبَرِيُّ : فَإِنْ قِيلَ كَيْف صَارَ الْمَأْمُورُونَ بِالْمَعْرُوفِ فِي حَدِيث أُسَامَة الْمَذْكُور فِي النَّار ؟ وَالْجَوَاب أَنَّهُمْ لَمْ يَمْتَثِلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ فَعُذِّبُوا بِمَعْصِيَتِهِمْ وَعُذِّبَ أَمِيرهمْ بِكَوْنِهِ كَانَ يَفْعَل مَا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ , وَفِي الْحَدِيث تَعْظِيم الْأُمَرَاء وَالْأَدَب مَعَهُمْ وَتَبْلِيغهمْ مَا يَقُول النَّاس فِيهِمْ لِيَكُفُّوا وَيَأْخُذُوا حِذْرهمْ بِلُطْفٍ وَحُسْن تَأْدِيَة بِحَيْثُ يَبْلُغ الْمَقْصُود مِنْ غَيْر أَذِيَّة لِلْغَيْرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6570",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَوْفٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ أَيَّامَ الْجَمَلِ لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏فَارِسًا ‏ ‏مَلَّكُوا ابْنَةَ ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَوْف ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْرَابِيّ , وَالْحَسَن هُوَ الْبَصْرِيّ , وَالسَّنَد كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي سَمَاع الْحَسَن مِنْ أَبِي بَكْرَة فِي كِتَاب الصُّلْح , وَقَدْ تَابَعَ عَوْفًا حُمَيْدٌ الطَّوِيل عَنْ الْحَسَن أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَقَالَ : رَوَاهُ عَنْ الْحَسَن جَمَاعَة وَأَحْسَنهَا إِسْنَادًا رِوَايَة حُمَيْدٍ. ‏ ‏قَوْله ( لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّه بِكَلِمَةٍ أَيَّام الْجَمَل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ \" عَصَمَنِي اللَّه بِشَيْءٍ سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَقَدْ جَمَعَ عُمَر بْن شَبَّة فِي \" كِتَاب أَخْبَار الْبَصْرَة \" قِصَّة الْجَمَل مُطَوَّلَة , وَهَا أَنَا أُلَخِّصُهَا وَأَقْتَصِر عَلَى مَا أَوْرَدَهُ بِسَنَدٍ صَحِيح أَوْ حَسَن وَأُبَيِّن مَا عَدَاهُ , فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق عَطِيَّة بْن سُفْيَان الثَّقَفِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَمَّا كَانَ الْغَد مِنْ قَتْل عُثْمَان أَقْبَلْت مَعَ عَلِيّ فَدَخَلَ الْمَسْجِد فَإِذَا جَمَاعَة عَلِيّ وَطَلْحَة فَخَرَجَ أَبُو جَهْم بْن حُذَيْفَة فَقَالَ : يَا عَلِيّ أَلَا تَرَى ؟ فَلَمْ يَتَكَلَّم , وَدَخَلَ بَيْتَهُ فَأَتَى بِثَرِيدٍ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ : يُقْتَل اِبْن عَمِّي وَنَغْلِب عَلَى مُلْكه ؟ فَخَرَجَ إِلَى بَيْت الْمَال فَفَتَحَهُ , فَلَمَّا تَسَامَعَ النَّاس تَرَكُوا طَلْحَة. وَمِنْ طَرِيق مُغِيرَة عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة قَالَ : قَالَ الْأَشْتَر رَأَيْت طَلْحَة وَالزُّبَيْر بَايَعَا عَلِيًّا طَائِعَيْنِ غَيْر مُكْرَهَيْنِ. وَمِنْ طَرِيق أَبِي نَضْرَة قَالَ : كَانَ طَلْحَة يَقُول إِنَّهُ بَايَعَ وَهُوَ مُكْرَه. وَمِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : لَمَّا قُتِلَ عُثْمَان أَتَى النَّاس عَلِيًّا وَهُوَ فِي سُوق الْمَدِينَة فَقَالُوا لَهُ اُبْسُطْ يَدك نُبَايِعك , فَقَالَ : حَتَّى يَتَشَاوَر النَّاس. فَقَالَ بَعْضهمْ : لَئِنْ رَجَعَ النَّاس إِلَى أَمْصَارهمْ بِقَتْلِ عُثْمَان وَلَمْ يَقُمْ بَعْدَهُ قَائِم لَمْ يُؤْمَن الِاخْتِلَاف وَفَسَاد الْأُمَّة : فَأَخَذَ الْأَشْتَر بِيَدِهِ فَبَايَعُوهُ. وَمِنْ طَرِيق اِبْن شِهَاب قَالَ : لَمَّا قُتِلَ عُثْمَان وَكَانَ عَلِيٌّ خَلَا بَيْنَهُمْ , فَلَمَّا خَشِيَ أَنَّهُمْ يُبَايِعُونَ طَلْحَة دَعَا النَّاس إِلَى بَيْعَته فَلَمْ يَعْدِلُوا بِهِ طَلْحَة وَلَا غَيْره , ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى طَلْحَة وَالزُّبَيْر فَبَايَعَاهُ. وَمِنْ طَرِيق اِبْن شِهَاب أَنَّ طَلْحَة وَالزُّبَيْر اِسْتَأْذَنَا عَلِيًّا فِي الْعُمْرَة , ثُمَّ خَرَجَا إِلَى مَكَّة فَلَقِيَا عَائِشَة فَاتَّفَقُوا عَلَى الطَّلَب بِدَمِ عُثْمَان حَتَّى يَقْتُلُوا قَتَلَته. وَمِنْ طَرِيق عَوْف الْأَعْرَابِيّ قَالَ : اِسْتَعْمَلَ عُثْمَان يَعْلَى بْن أُمَيَّة عَلَى صَنْعَاء وَكَانَ عَظِيم الشَّأْن عِنْدَهُ , فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَان وَكَانَ يَعْلَى قَدِمَ حَاجًّا فَأَعَانَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْف , وَحَمَلَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْش , وَاشْتَرَى لِعَائِشَةَ جَمَلًا يُقَال لَهُ عَسْكَر بِثَمَانِينَ دِينَارًا. وَمِنْ طَرِيق عَاصِم بْن كُلَيْب عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عَلِيّ : أَتَدْرُونَ بِمَنْ بُلِيت ؟ أَطْوَع النَّاس فِي النَّاس عَائِشَة , وَأَشَدّ النَّاس الزُّبَيْر , وَأَدْهَى النَّاس طَلْحَة , وَأَيْسَر النَّاس يَعْلَى بْن أُمَيَّة. وَمِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي لَيْلَى قَالَ : خَرَجَ عَلِيّ فِي آخِر شَهْر رَبِيع الْآخِر سَنَة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب قَالَ : سَارَ عَلِيّ مِنْ الْمَدِينَة وَمَعَهُ تِسْعُمِائَةِ رَاكِب فَنَزَلَ بِذِي قَار. وَمِنْ طَرِيق قَيْس بْن أَبِي حَازِم قَالَ : لَمَّا أَقْبَلَتْ عَائِشَة فَنَزَلَتْ بَعْض مِيَاه بَنِي عَامِر نَبَحَتْ عَلَيْهَا الْكِلَاب فَقَالَتْ : أَيْ مَاء هَذَا ؟ قَالُوا : الْحَوْأَب - بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْوَاو بَعْدَهَا هَمْزَة ثُمَّ مُوَحَّدَة - قَالَتْ مَا أَظُنّنِي إِلَّا رَاجِعَة , فَقَالَ لَهَا بَعْض مَنْ كَانَ مَعَهَا : بَلْ تَقْدَمِينَ فَيَرَاك الْمُسْلِمُونَ فَيُصْلِح اللَّه ذَاتَ بَيْنِهِمْ , فَقَالَتْ : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْم : كَيْف بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَاب الْحَوْأَب. وَأَخْرَجَ هَذَا أَحْمَد وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّار وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم وَسَنَده عَلَى شَرْط الصَّحِيح. وَعِنْدَ أَحْمَد : فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْر تَقْدَمِينَ فَذَكَرَهُ. وَمِنْ طَرِيق عِصَام بْن قُدَامَةَ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِنِسَائِهِ : أَيَّتُكُنَّ صَاحِبَة الْجَمَل الْأَدْبَب - بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَة وَدَال سَاكِنَة ثُمَّ مُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَة - تَخْرُج حَتَّى تَنْبَحهَا كِلَاب الْحَوْأَب يُقْتَل عَنْ يَمِينهَا وَعَنْ شِمَالهَا قَتْلَى كَثِيرَة وَتَنْجُو مِنْ بَعْدِمَا كَادَتْ. وَهَذَا رَوَاهُ الْبَزَّار وَرِجَاله ثِقَات. وَأَخْرَجَ الْبَزَّار مِنْ طَرِيق زَيْد بْن وَهْب قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ حَوْلَ حُذَيْفَة إِذْ قَالَ : كَيْفَ أَنْتُمْ وَقَدْ خَرَجَ أَهْل بَيْت نَبِيّكُمْ فِرْقَتَيْنِ يَضْرِب بَعْضكُمْ وُجُوه بَعْض بِالسَّيْفِ ؟ قُلْنَا : يَا أَبَا عَبْد اللَّه فَكَيْفَ نَصْنَع إِذَا أَدْرَكْنَا ذَلِكَ ؟ قَالَ : اُنْظُرُوا إِلَى الْفِرْقَة الَّتِي تَدْعُو إِلَى أَمْر عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب فَإِنَّهَا عَلَى الْهُدَى. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ : بَلَغَ أَصْحَاب عَلِيّ حِينَ سَارُوا مَعَهُ أَنَّ أَهْل الْبَصْرَة اِجْتَمَعُوا بِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْر فَشَقَّ عَلَيْهِمْ وَوَقَعَ فِي قُلُوبهمْ , فَقَالَ عَلِيّ : وَاَلَّذِي لَا إِلَه غَيْره لَنَظْهَرَنَّ عَلَى أَهْل الْبَصْرَة وَلَنَقْتُلَنَّ طَلْحَة وَالزُّبَيْر الْحَدِيث , وَفِي سَنَده إِسْمَاعِيل بْن عَمْرو الْبَجَلِيُّ وَفِيهِ ضَعْف. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن قَيْس قَالَ : ذَكَرَ لِعَائِشَةَ يَوْمَ الْجَمَل قَالَتْ : وَالنَّاس يَقُولُونَ يَوْمَ الْجَمَل ؟ قَالُوا : نَعَمْ. قَالَتْ : وَدِدْت أَنِّي جَلَسْت كَمَا جَلَسَ غَيْرِي فَكَانَ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُون وَلَدْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةً كُلّهمْ مِثْل عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام. وَفِي سَنَده أَبُو مَعْشَر نَجِيح الْمَدَنِيّ وَفِيهِ ضَعْف. وَأَخْرَجَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ مِنْ طَرِيق سَالِم الْمُرَادِيِّ سَمِعْت الْحَسَن يَقُول : لَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ الْبَصْرَة فِي أَمْر طَلْحَة وَأَصْحَابه قَامَ قَيْس بْن عَبَّاد وَعَبْد اللَّه بْن الْكَوَّاء فَقَالَا لَهُ : أَخْبِرْنَا عَنْ مَسِيرك هَذَا فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِي مُبَايَعَته أَبَا بَكْر ثُمَّ عُمَر ثُمَّ عُثْمَان ثُمَّ ذَكَرَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر فَقَالَ : بَايَعَانِي بِالْمَدِينَةِ وَخَالَفَانِي بِالْبَصْرَةِ , وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِمَّنْ بَايَعَ أَبَا بَكْر خَالَفَهُ لَقَاتَلْنَاهُ. وَكَذَلِكَ عُمَر. وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَالْبَزَّار بِسَنَدٍ حَسَن مِنْ حَدِيث أَبِي رَافِع أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب : إِنَّهُ سَيَكُونُ بَيْنَك وَبَيْنَ عَائِشَة أَمْر , قَالَ : فَأَنَا أَشْقَاهُمْ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : لَا وَلَكِنْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَارْدُدْهَا إِلَى مَأْمَنهَا. وَأَخْرَجَ إِسْحَاق مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ عَبْد السَّلَام رَجُل مِنْ حَيّه قَالَ : خَلَا عَلِيّ بِالزُّبَيْرِ يَوْمَ الْجَمَل فَقَالَ : أَنْشُدك اللَّه هَلْ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول وَأَنْتَ لَاوِي يَدِي : لَتُقَاتِلَنَّهُ وَأَنْتَ ظَالِم لَهُ ثُمَّ لَيُنْصَرَنَّ عَلَيْك ؟ قَالَ : قَدْ سَمِعْت , لَا جَرَمَ لَا أُقَاتِلُك. وَأَخْرَجَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عُمَر بْن هَجَنَّع - بِفَتْحِ الْهَاء وَالْجِيم وَتَشْدِيد النُّون بَعْدَهَا مُهْمَلَة - عَنْ أَبِي بَكْرَة وَقِيلَ لَهُ : مَا مَنَعَك أَنْ تُقَاتِلَ مَعَ أَهْل الْبَصْرَة يَوْمَ الْجَمَل ؟ فَقَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : يَخْرُج قَوْم هَلْكَى لَا يُفْلِحُونَ قَائِدهمْ اِمْرَأَة فِي الْجَنَّة. فَكَأَنَّ أَبَا بَكْرَة أَشَارَ إِلَى هَذَا الْحَدِيث فَامْتَنَعَ مِنْ الْقِتَال مَعَهُمْ , ثُمَّ اِسْتَصْوَبَ رَأْيه فِي ذَلِكَ التَّرْك لَمَّا رَأَى غَلَبَة عَلِيّ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ الْحَدِيث الْمَذْكُور مِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ الطَّوِيل عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ عَنْ أَبِي بَكْرَة بِلَفْظِ \" عَصَمَنِي اللَّه بِشَيْءٍ سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث قَالَ \" فَلَمَّا قَدِمْت عَائِشَة ذَكَرْت ذَلِكَ فَعَصَمَنِي اللَّه \" وَأَخْرَجَ عُمَر بْن شَبَّة مِنْ طَرِيق مُبَارَك بْن فَضَالَة عَنْ الْحَسَن أَنَّ عَائِشَة أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرَة فَقَالَ : إِنَّك لِأْم , وَإِنَّ حَقّك لَعَظِيم , وَلَكِنْ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : لَنْ يُفْلِح قَوْم تَمْلِكهُمْ اِمْرَأَة. ‏ ‏قَوْله ( لَمَّا بَلَغَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ فَارِسًا ) ‏ ‏قَالَ اِبْن مَالِك : كَذَا وَقَعَ مَصْرُوفًا وَالصَّوَاب عَدَم صَرْفه , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ هُوَ يُطْلَق عَلَى الْفُرْس وَعَلَى بِلَادهمْ , فَعَلَى الْأَوَّل يُصْرَف إِلَّا أَنْ يُرَاد الْقَبِيلَة , وَعَلَى الثَّانِي يَجُوز الْأَمْرَانِ كَسَائِرِ الْبِلَاد اِنْتَهَى. وَقَدْ جَوَّزَ بَعْض أَهْل اللُّغَة صَرْف الْأَسْمَاء كُلّهَا. ‏ ‏قَوْله ( مَلَكُوا اِبْنَة كَسْرَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ \" لَمَّا هَلَكَ كِسْرَى قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ اِسْتَخْلَفُوا ؟ قَالُوا : اِبْنَته \". ‏ ‏قَوْله ( لَنْ يُفْلِح قَوْم وَلَّوْا أَمْرهمْ اِمْرَأَة ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة. وَفِي رِوَايَة حُمَيْدٍ \" وَلِيَ أَمْرَهُمْ اِمْرَأَةٌ \" بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا الْفَاعِل , وَكِسْرَى الْمَذْكُور هُوَ شيرويه بْن أبرويز بْن هُرْمُز , وَاسْم اِبْنَته الْمَذْكُورَة بُورَانُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِر الْمَغَازِي فِي \" بَاب كِتَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كِسْرَى \" شَرْح ذَلِكَ. وَقَوْله \" وَلَّوْا أَمْرهمْ اِمْرَأَة \" زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق النَّضْر بْن شُمَيْلٍ عَنْ عَوْف فِي آخِره \" قَالَ أَبُو بَكْرَة : فَعَرَفْت أَنَّ أَصْحَاب الْجَمَل لَنْ يُفْلِحُوا \" وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب أَنَّ ظَاهِر حَدِيث أَبِي بَكْرَة يُوهِم تَوْهِين رَأْي عَائِشَة فِيمَا فَعَلَتْ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْرُوف مِنْ مَذْهَب أَبِي بَكْرَة أَنَّهُ كَانَ عَلَى رَأْي عَائِشَة فِي طَلَب الْإِصْلَاح بَيْنَ النَّاس , وَلَمْ يَكُنْ قَصْدهمْ الْقِتَال , لَكِنْ لَمَّا اِنْتَشَبَتْ الْحَرْب لَمْ يَكُنْ لِمَنْ مَعَهَا بُدٌّ مِنْ الْمُقَاتَلَة , وَلَمْ يَرْجِع أَبُو بَكْرَة عَنْ رَأْي عَائِشَة وَإِنَّمَا تَفَرَّسَ بِأَنَّهُمْ يُغْلَبُونَ لَمَّا رَأَى الَّذِينَ مَعَ عَائِشَة تَحْتَ أَمْرهَا لِمَا سَمِعَ فِي أَمْر فَارِس , قَالَ : وَيَدُلّ لِذَلِكَ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَنْقُل أَنَّ عَائِشَة وَمَنْ مَعَهَا نَازَعُوا عَلِيًّا فِي الْخِلَافَة وَلَا دَعَوْا إِلَى أَحَد مِنْهُمْ لِيُوَلُّوهُ الْخِلَافَة , وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْ هِيَ وَمَنْ مَعَهَا عَلَى عَلِيٍّ مَنْعه مِنْ قَتْل قَتَلَة عُثْمَان وَتَرْك الِاقْتِصَاص مِنْهُمْ , وَكَانَ عَلِيٌّ يَنْتَظِر مِنْ أَوْلِيَاء عُثْمَان أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ , فَإِذَا ثَبَتَ عَلَى أَحَد بِعَيْنِهِ أَنَّهُ مِمَّنْ قَتَلَ عُثْمَان اِقْتَصَّ مِنْهُ , فَاخْتَلَفُوا بِحَسَبِ ذَلِكَ , وَخَشِيَ مَنْ نُسِبَ إِلَيْهِمْ الْقَتْل أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَى قَتْلهمْ فَأَنْشَبُوا الْحَرْب بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ كَانَ مَا كَانَ. فَلَمَّا اِنْتَصَرَ عَلِيّ عَلَيْهِمْ حَمِدَ أَبُو بَكْرَة رَأْيه فِي تَرْك الْقِتَال مَعَهُمْ وَإِنْ كَانَ رَأْيه كَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيِ عَائِشَة فِي الطَّلَب بِدَمِ عُثْمَان. اِنْتَهَى كَلَامه , وَفِي بَعْضه نَظَر يَظْهَر مِمَّا ذَكَرْته وَمِمَّا سَأَذْكُرُهُ. وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي \" بَاب إِذَا اِلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا \" مِنْ حَدِيث الْأَحْنَف أَنَّهُ كَانَ خَرَجَ لِيَنْصُرَ عَلِيًّا فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرَة فَنَهَاهُ عَنْ الْقِتَال , وَتَقَدَّمَ قَبْلَهُ بِبَابٍ مِنْ قَوْل أَبِي بَكْرَة لَمَّا حَرَّقَ اِبْن الْحَضْرَمِيّ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْقِتَال فِي مِثْل ذَلِكَ أَصْلًا فَلَيْسَ هُوَ عَلَى رَأْي عَائِشَة وَلَا عَلَى رَأْي عَلِيّ فِي جَوَاز الْقِتَال بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَصْلًا , وَإِنَّمَا كَانَ رَأْيه الْكَفّ وِفَاقًا لِسَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاص وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَغَيْرهمْ , وَلِهَذَا لَمْ يَشْهَد صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَة وَلَا عَلِيّ. قَالَ اِبْن التِّين : اِحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَة مَنْ قَالَ لَا يَجُوز أَنْ تُوَلَّى الْمَرْأَة الْقَضَاء وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَخَالَفَ اِبْن جَرِير الطَّبَرِيُّ فَقَالَ يَجُوز أَنْ تَقْضِي فِيمَا تُقْبَل شَهَادَتهَا فِيهِ , وَأَطْلَقَ بَعْض الْمَالِكِيَّة الْجَوَاز , وَقَالَ اِبْن التِّين أَيْضًا : كَلَام أَبِي بَكْرَة يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَوْلَا عَائِشَة لَكَانَ مَعَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر لِأَنَّهُ لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُمَا لَكَانَ مَعَ عَلِيّ. وَكَذَا قَالَ وَأَغْفَلَ قِسْمًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْكَفّ عَنْ الْقِتَال فِي الْفِتْنَة كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره , وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد , وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه تَرَكَ الْقِتَال مَعَ أَهْل بَلَده لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُور أَنْ لَا يَكُون مَانَعَهُ مِنْ الْقِتَال سَبَب آخَر وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَهْيه الْأَحْنَف عَنْ الْقِتَال وَاحْتِجَاجه بِحَدِيثِ \" إِذَا اِلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا \" كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6571",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ آدَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَصِينٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ الْأَسَدِيُّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا سَارَ ‏ ‏طَلْحَةُ ‏ ‏وَالزُّبَيْرُ ‏ ‏وَعَائِشَةُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْبَصْرَةِ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ ‏ ‏وَحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ‏ ‏فَقَدِمَا عَلَيْنَا ‏ ‏الْكُوفَةَ ‏ ‏فَصَعِدَا الْمِنْبَرَ فَكَانَ ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏فَوْقَ الْمِنْبَرِ فِي أَعْلَاهُ وَقَامَ ‏ ‏عَمَّارٌ ‏ ‏أَسْفَلَ مِنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ ‏ ‏فَسَمِعْتُ ‏ ‏عَمَّارًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَدْ سَارَتْ إِلَى ‏ ‏الْبَصْرَةِ ‏ ‏وَ وَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ابْتَلَاكُمْ لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَمَّار فِي حَقّ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ الْجُعْفِيُّ الْمُسْنِدِيّ , وَأَبُو حَصِين بِفَتْحِ أَوَّله هُوَ عُثْمَان بْن عَاصِم , وَأَبُو مَرْيَم الْمَذْكُور أَسَدِيّ كُوفِيّ هُوَ وَجَمِيع رُوَاة الْإِسْنَاد إِلَّا شَيْخه وَشَيْخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ وَثَّقَ أَبَا مَرْيَم الْمَذْكُور الْعِجْلِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ. ‏ ‏قَوْله ( لَمَّا سَارَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة إِلَى الْبَصْرَة ) ‏ ‏ذَكَرَ عُمَر بْن شَبَّة بِسَنَدٍ جَيِّد أَنَّهُمْ تَوَجَّهُوا مِنْ مَكَّة بَعْدَ أَنْ أَهَلَّتْ السَّنَة , وَذَكَرَ بِسَنَدٍ لَهُ آخَر أَنَّ الْوَقْعَة بَيْنَهُمْ كَانَتْ فِي النِّصْف مِنْ جُمَادَى الْآخِرَة سَنَة سِتّ وَثَلَاثِينَ , وَذَكَرَ مِنْ رِوَايَة الْمَدَائِنِيّ عَنْ الْعَلَاء أَبِي مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى عَلِيّ وَهُوَ بِالزَّاوِيَةِ فَقَالَ : عَلَامَ تُقَاتِل هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : عَلَى الْحَقّ , قَالَ : فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُمْ عَلَى الْحَقّ , قَالَ : أُقَاتِلهُمْ عَلَى الْخُرُوج مِنْ الْجَمَاعَة وَنَكْث الْبَيْعَة. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَاصِم بْن كُلَيْب الْجَرْمِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْت فِي زَمَن عُثْمَان أَنَّ رَجُلًا أَمِيرًا مَرِضَ وَعِنْدَ رَأْسه اِمْرَأَة وَالنَّاس يُرِيدُونَهُ فَلَوْ نَهَتْهُمْ الْمَرْأَة لَانْتَهَوْا وَلَكِنَّهَا لَمْ تَفْعَل فَقَتَلُوهُ. ثُمَّ غَزَوْت تِلْكَ السَّنَة فَبَلَغَنَا قَتْل عُثْمَان , فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزَاتنَا وَانْتَهَيْنَا إِلَى الْبَصْرَة قِيلَ لَنَا : هَذَا طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة فَتَعَجَّبَ النَّاس وَسَأَلُوهُمْ عَنْ سَبَب مَسِيرهمْ فَذَكَرُوا أَنَّهُمْ خَرَجُوا غَضَبًا لِعُثْمَانَ وَتَوْبَةً مِمَّا صَنَعُوا مِنْ خِذْلَانه. وَقَالَتْ عَائِشَة : غَضِبْنَا لَكُمْ عَلَى عُثْمَان فِي ثَلَاث إِمَارَة الْفَتَى وَضَرْب السَّوْط وَالْعَصَا فَمَا أَنْصَفْنَاهُ إِنْ لَمْ نَغْضَب لَهُ فِي ثَلَاث : حُرْمَة الدَّم وَالشَّهْر وَالْبَلَد. قَالَ فَسِرْت أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ قَوْمِي إِلَى عَلِيّ وَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ وَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ : عَدَا النَّاس عَلَى هَذَا الرَّجُل فَقَتَلُوهُ وَأَنَا مُعْتَزِل عَنْهُمْ ثُمَّ وَلَّوْنِي وَلَوْلَا الْخَشْيَة عَلَى الدِّين لَمْ أُجِبْهُمْ , ثُمَّ اِسْتَأْذَنَنِي الزُّبَيْر وَطَلْحَة فِي الْعُمْرَة فَأَخَذْت عَلَيْهِمَا الْعُهُود وَأَذِنْت لَهُمَا فَعَرَّضَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ لِمَا لَا يَصْلُح لَهَا فَبَلَغَنِي أَمْرهمْ فَخَشِيت أَنْ يَنْفَتِق فِي الْإِسْلَام فَتْق فَأَتْبَعْتهمْ , فَقَالَ أَصْحَابه : وَاَللَّه مَا نُرِيد قِتَالهمْ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا , وَمَا خَرَجْنَا إِلَّا لِلْإِصْلَاحِ. فَذَكَرَ الْقِصَّة وَفِيهَا أَنَّ أَوَّل مَا وَقَعَتْ الْحَرْب أَنَّ صِبْيَان الْعَسْكَرَيْنِ تَسَابُّوا ثُمَّ تَرَامَوْا ثُمَّ تَبِعَهُمْ الْعَبِيد ثُمَّ السُّفَهَاء فَنَشِبَتْ الْحَرْب , وَكَانُوا خَنْدَقُوا عَلَى الْبَصْرَة فَقُتِلَ قَوْم وَجُرِحَ آخَرُونَ , وَغَلَبَ أَصْحَاب عَلِيّ وَنَادَى مُنَادِيه : لَا تَتَّبِعُوا مُدْبِرًا وَلَا تُجْهِزُوا جَرِيحًا وَلَا تَدْخُلُوا دَار أَحَد , ثُمَّ جَمَعَ النَّاس وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَعْمَلَ اِبْن عَبَّاس عَلَى الْبَصْرَة وَرَجَعَ إِلَى الْكُوفَة. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى قَالَ : اِنْتَهَى عَبْد اللَّه بْن بُدَيْل بْن وَرْقَاء الْخُزَاعِيُّ إِلَى عَائِشَة يَوْمَ الْجَمَل وَهِيَ فِي الْهَوْدَج فَقَالَ : يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ أَتَعْلَمِينَ أَنِّي أَتَيْتُك عِنْدَمَا قُتِلَ عُثْمَان فَقُلْت مَا تَأْمُرِينِي , فَقُلْت اِلْزَمْ عَلِيًّا ؟ فَسَكَتَتْ. فَقَالَ : اِعْقِرُوا الْجَمَل فَعَقَرُوهُ , فَنَزَلْت أَنَا وَأَخُوهَا مُحَمَّد فَاحْتَمَلْنَا هَوْدَجهَا فَوَضَعْنَاهُ بَيْنَ يَدَيْ عَلِيّ , فَأَمَرَ بِهَا فَأُدْخِلَتْ بَيْتًا. وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ زَيْد بْن وَهْب قَالَ فَكَفَّ عَلَى يَده حَتَّى بَدَءُوهُ بِالْقِتَالِ فَقَاتَلَهُمْ بَعْدَ الظُّهْر فَمَا غَرَبَتْ الشَّمْس وَحَوْلَ الْجَمَل أَحَدٌ , فَقَالَ عَلِيّ : لَا تُتَمِّمُوا جَرِيحًا وَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِرًا وَمَنْ أَغْلَقَ بَابه وَأَلْقَى سِلَاحه فَهُوَ آمِن. وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيّ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب قَالَ : دَخَلْت عَلَى مَرْوَان بْن الْحَكَم فَقَالَ : مَا رَأَيْت أَحَدًا أَكْرَم غَلَبَة مِنْ أَبِيك - يَعْنِي عَلِيًّا - مَا هُوَ إِلَّا أَنْ وَلَّيْنَا يَوْمَ الْجَمَل فَنَادَى مُنَادِيه : لَا يُقْتَل مُدْبِر وَلَا يُذَفَّف عَلَى جَرِيح. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ وَابْن أَبِي شَيْبَة وَإِسْحَاق مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن جَاوَان عَنْ الْأَحْنَف قَالَ : حَجَجْت سَنَة قُتِلَ عُثْمَان فَدَخَلْت الْمَدِينَة فَذَكَرَ كَلَام عُثْمَان فِي تَذْكِيرهمْ بِمَنَاقِبِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب إِذَا اِلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا \" ثُمَّ ذَكَرَ اِعْتِزَاله الطَّائِفَتَيْنِ قَالَ : ثُمَّ اِلْتَقَوْا فَكَانَ أَوَّل قَتِيل طَلْحَة وَرَجَعَ الزُّبَيْر فَقُتِلَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عَلْقَمَة قَالَ قُلْت لِلْأَشْتَرِ : قَدْ كُنْت كَارِهًا لِقَتْلِ عُثْمَان فَكَيْفَ قَاتَلْت يَوْمَ الْجَمَل ؟ قَالَ : إِنَّ هَؤُلَاءِ بَايَعُوا عَلِيًّا ثُمَّ نَكَثُوا عَهْده , وَكَانَ الزُّبَيْر هُوَ الَّذِي حَرَّكَ عَائِشَة عَلَى الْخُرُوج فَدَعَوْت اللَّه أَنْ يَكْفِيَنِيهِ , فَلَقِيَنِي كَفّه بِكَفِّهِ فَمَا رَضِيت لِشِدَّةِ سَاعِدِي أَنْ قُمْت فِي الرِّكَاب فَضَرَبْته عَلَى رَأْسه ضَرْبَة فَصَرَعْته , فَذَكَرَ الْقِصَّة فِي أَنَّهُمَا سَلِمَا. ‏ ‏قَوْله ( بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّار بْن يَاسِر وَحَسَن بْن عَلِيّ فَقَدِمَا عَلَيْنَا الْكُوفَة ) ‏ ‏ذَكَرَ عُمَر بْن شَبَّة وَالطَّبَرِيُّ سَبَب ذَلِكَ بِسَنَدِهِمَا إِلَى اِبْن أَبِي لَيْلَى قَالَ : كَانَ عَلِيّ أَقَرَّ أَبَا مُوسَى عَلَى إِمْرَة الْكُوفَة , فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَة أَرْسَلَ هَاشِم بْن عُتْبَةَ بْن أَبِي وَقَّاص إِلَيْهِ أَنْ أَنْهِضْ مَنْ قِبَلَك مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكُنْ مِنْ أَعْوَانِي عَلَى الْحَقّ , فَاسْتَشَارَ أَبُو مُوسَى السَّائِب بْن مَالِك الْأَشْعَرِيّ فَقَالَ : اِتَّبِعْ مَا أَمَرَك بِهِ , قَالَ : إِنِّي لَا أَرَى ذَلِكَ , وَأَخَذَ فِي تَخْذِيل النَّاس عَنْ النُّهُوض , فَكَتَبَ هَاشِم إِلَى عَلِيّ بِذَلِكَ وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ مَعَ عَقْل بْن خَلِيفَة الطَّائِيّ , فَبَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِر وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيّ يَسْتَنْفِرَانِ النَّاس , وَأَمَّرَ قَرَظَة بْن كَعْب عَلَى الْكُوفَة , فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابه عَلَى أَبِي مُوسَى اِعْتَزَلَ وَدَخَلَ الْحَسَن وَعَمَّار الْمَسْجِد. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ زَيْد بْن وَهْب قَالَ : أَقْبَلَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر حَتَّى نَزَلَا الْبَصْرَة فَقَبَضَا عَلَى عَامِل عَلِيّ عَلَيْهَا اِبْن حَنِيف , وَأَقْبَلَ عَلِيّ حَتَّى نَزَلَ بِذِي قَار , فَأَرْسَلَ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس إِلَى الْكُوفَة فَأَبْطَأُوا عَلَيْهِ , فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَمَّارًا فَخَرَجُوا إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَصَعِدَ الْمِنْبَر , فَكَانَ الْحَسَن بْن عَلِيّ فَوْقَ الْمِنْبَر فِي أَعْلَاهُ وَقَامَ عَمَّار أَسْفَل مِنْ الْحَسَن , فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ فَسَمِعْت عَمَّارًا يَقُول ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش \" صَعِدَ عَمَّار الْمِنْبَر فَحَضَّ النَّاس فِي الْخُرُوج إِلَى قِتَال عَائِشَة \" وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ يَحْيَى بْن آدَم بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور \" فَقَالَ عَمَّار : إِنَّ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ بَعَثَنَا إِلَيْكُمْ لِنَسْتَنْفِركُمْ , فَإِنَّ أُمَّنَا قَدْ سَارَتْ إِلَى الْبَصْرَة \" وَعِنْدَ عُمَر بْن شَبَّة عَنْ حِبَّان بْن بِشْر عَنْ يَحْيَى بْن آدَم فِي حَدِيث الْبَاب \" فَكَانَ عَمَّار يَخْطُب وَالْحَسَن سَاكِت \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي لَيْلَى فِي الْقِصَّة الْمَذْكُورَة \" فَقَالَ الْحَسَن : إِنَّ عَلِيًّا يَقُول إِنِّي أُذَكِّر اللَّه رَجُلًا رَعَى لِلَّهِ حَقًّا إِلَّا نَفَرَ , فَإِنْ كُنْت مَظْلُومًا أَعَانَنِي وَإِنْ كُنْت ظَالِمًا أَخْذَلَنِي , وَاَللَّه إِنَّ طَلْحَة وَالزُّبَيْر لَأَوَّل مَنْ بَايَعَنِي ثُمَّ نَكَثَا , وَلَمْ أَسْتَأْثِر بِمَالٍ وَلَا بَدَّلْت حُكْمًا \" قَالَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ اِثْنَا عَشَرَ أَلْف رَجُل. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ عَائِشَة قَدْ سَارَتْ إِلَى الْبَصْرَة , وَوَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَة نَبِيّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ; وَلَكِنَّ اللَّه اِبْتَلَاكُمْ لِيَعْلَم إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْحَاق \" لِيَعْلَمَ أَنُطِيعُهُ أَمْ إِيَّاهَا \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن يُونُس عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش بَعْدَ قَوْله قَدْ سَارَتْ إِلَى الْبَصْرَة \" وَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَقُول لَكُمْ هَذَا وَوَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَة نَبِيّكُمْ \" زَادَ عُمَر بْن شَبَّة فِي رِوَايَته \" وَأَنَّ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ بَعَثَنَا إِلَيْكُمْ وَهُوَ بِذِي قَار \" وَوَقَعَ عِنْدَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق شَمِر بْن عَطِيَّة عَنْ عَبْد اللَّه بْن زِيَاد قَالَ \" قَالَ عَمَّار إِنَّ أُمّنَا سَارَتْ مَسِيرهَا هَذَا , وَإِنَّهَا وَاَللَّه زَوْج مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَلَكِنَّ اللَّه اِبْتَلَانَا بِهَا لِيَعْلَم إِيَّاهُ نُطِيع أَوْ إِيَّاهَا \" وَمُرَاد عَمَّار بِذَلِكَ أَنَّ الصَّوَاب فِي تِلْكَ الْقِصَّة كَانَ مَعَ عَلِيّ وَأَنَّ عَائِشَة مَعَ ذَلِكَ لَمْ تَخْرُج بِذَلِكَ عَنْ الْإِسْلَام وَلَا أَنْ تَكُون زَوْجَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنَّة. فَكَانَ ذَلِكَ يُعَدّ مِنْ إِنْصَاف عَمَّار وَشِدَّة وَرَعه وَتَحَرِّيه قَوْل الْحَقّ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَبِي يَزِيد الْمَدِينِيّ قَالَ \" قَالَ عَمَّار بْن يَاسِر لِعَائِشَةَ لَمَّا فَرَغُوا مِنْ الْجَمَل : مَا أَبْعَدَ هَذَا الْمَسِير مِنْ الْعَهْد الَّذِي عُهِدَ إِلَيْكُمْ \" يُشِير إِلَى قَوْله تَعَالَى ( وَقَرْن فِي بُيُوتكُنَّ ) فَقَالَتْ : أَبُو الْيَقْظَان ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَتْ : وَاَللَّه إِنَّك مَا عَلِمْت لَقَوَّال بِالْحَقِّ. قَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي قَضَى لِي عَلَى لِسَانك. وَقَوْله \" لِيَعْلَم إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ \" قَالَ بَعْض الشُّرَّاح : الضَّمِير فِي إِيَّاهُ لِعَلِيٍّ , وَالْمُنَاسِب أَنْ يُقَال أَمْ إِيَّاهَا لَا هِيَ , وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الضَّمَائِر يَقُوم بَعْضهَا مَقَام بَعْض اِنْتَهَى وَهُوَ عَلَى بَعْض الْآرَاء. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده عَنْ يَحْيَى بْن آدَم بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب \" وَلَكِنَّ اللَّه اِبْتَلَانَا بِهَا لِيَعْلَم أَنُطِيعُهُ أَمْ إِيَّاهَا \" فَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة وَأَمَّا قَوْله إِنَّ الضَّمِير فِي إِيَّاهُ لِعَلِيٍّ فَالظَّاهِر خِلَافه , وَأَنَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى , وَالْمُرَاد إِظْهَار الْمَعْلُوم كَمَا فِي نَظَائِره. ‏"
    },
    {
        "id": "6572",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَامَ ‏ ‏عَمَّارٌ ‏ ‏عَلَى مِنْبَرِ ‏ ‏الْكُوفَةِ ‏ ‏فَذَكَرَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَذَكَرَ مَسِيرَهَا وَقَالَ ‏ ‏إِنَّهَا زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَكِنَّهَا مِمَّا ابْتُلِيتُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن أَبِي غَنِيَّة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكَسْر النُّون وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة هُوَ عَبْد الْمَلِك بْن حُمَيْدٍ , مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو زُرْعَة الدِّمَشْقِيّ فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي نُعَيْم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم الْأَصْبَهَانِيُّ فِي مُسْتَخْرَجه , وَالْحَكَم هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَالسَّنَدُ كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( قَامَ عَمَّار عَلَى مِنْبَر الْكُوفَة ) ‏ ‏هَذَا طَرَف مِنْ الْحَدِيث الَّذِي قَبْلَهُ , وَأَرَادَ الْبُخَارِيّ بِإِيرَادِهِ تَقْوِيَة حَدِيث أَبِي مَرْيَم لِكَوْنِهِ مِمَّا اِنْفَرَدَ بِهِ عَنْهُ أَبُو حُصَيْنٍ , وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ الْحَكَم شُعْبَة أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَزَادَ فِي أَوَّله قَالَ \" لَمَّا بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارًا وَالْحَسَن إِلَى الْكُوفَة يَسْتَنْفِرهُمْ خَطَبَ عَمَّار \" فَذَكَرَهُ قَالَ اِبْن هُبَيْرَة : فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ عَمَّارًا كَانَ صَادِق اللَّهْجَة وَكَانَ لَا تَسْتَخْفِهِ الْخُصُومَة إِلَى أَنْ يَنْتَقِص خَصْمه , فَإِنَّهُ شَهِدَ لِعَائِشَةَ بِالْفَضْلِ التَّامّ مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْحَرْب اِنْتَهَى. وَفِيهِ جَوَاز اِرْتِفَاع ذِي الْأَمْر فَوْقَ مَنْ هُوَ أَسَنّ مِنْهُ وَأَعْظَم سَابِقَة فِي الْإِسْلَام وَفَضْلًا , لِأَنَّ الْحَسَن وَلَد أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَ حِينَئِذٍ هُوَ الْأَمِير عَلَى مَنْ أَرْسَلَهُمْ عَلِيّ وَعَمَّار مِنْ جُمْلَتهمْ , فَصَعِدَ الْحَسَن أَعْلَى الْمِنْبَر فَكَانَ فَوْقَ عَمَّار وَإِنْ كَانَ فِي عَمَّار مِنْ الْفَضْل مَا يَقْتَضِي رُجْحَانه فَضْلًا عَنْ مُسَاوَاته. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَمَّار فَعَلَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا مَعَ الْحَسَن وَإِكْرَامًا لَهُ مِنْ أَجْل جَدّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَعَلَهُ الْحَسَن مُطَاوَعَةً لَهُ لَا تَكَبُّرًا عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6573",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏دَخَلَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏وَأَبُو مَسْعُودٍ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عَمَّارٍ ‏ ‏حَيْثُ بَعَثَهُ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏إِلَى أَهْلِ ‏ ‏الْكُوفَةِ ‏ ‏يَسْتَنْفِرُهُمْ فَقَالَا مَا رَأَيْنَاكَ أَتَيْتَ أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدَنَا مِنْ إِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ مُنْذُ أَسْلَمْتَ فَقَالَ ‏ ‏عَمَّارٌ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ مِنْكُمَا مُنْذُ أَسْلَمْتُمَا أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدِي مِنْ إِبْطَائِكُمَا عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَكَسَاهُمَا حُلَّةً حُلَّةً ثُمَّ رَاحُوا إِلَى الْمَسْجِدِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى وَأَبِي مَسْعُود وَعَمَّار بْن يَاسِر فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْعَةِ الْجَمَل أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُرَّةَ , وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَة. ‏ ‏قَوْله ( حَيْثُ بَعَثَهُ عَلِيٌّ إِلَى أَهْل الْكُوفَة يَسْتَنْفِرُهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" حِينَ \" بَدَل \" حَيْثُ \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" يَسْتَنْفِر أَهْل الْكُوفَة إِلَى أَهْل الْبَصْرَة \". ‏ ‏قَوْله ( مَا رَأَيْنَاك أَتَيْت أَمْرًا أَكْرَه عِنْدَنَا مِنْ إِسْرَاعك فِي هَذَا الْأَمْر مُنْذُ أَسْلَمْت ) ‏ ‏زَادَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى خِطَابَ عَمَّار ذَلِكَ هُوَ أَبُو مَسْعُود وَهُوَ عُقْبَة بْن عَمْرو الْأَنْصَارِيّ , وَكَانَ يَوْمَئِذٍ يَلِي لِعَلِيٍّ بِالْكُوفَةِ كَمَا كَانَ أَبُو مُوسَى يَلِي لِعُثْمَانَ. ‏ ‏قَوْله ( وَكَسَاهُمَا حُلَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَكَسَاهُمَا حُلَّة حُلَّة \" وَبَيَّنَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَلِي هَذِهِ أَنَّ فَاعِل كَسَا هُوَ أَبُو مَسْعُود , وَهُوَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مُحْتَمَل فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ رَاحُوا إِلَى الْمَسْجِد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى الصَّلَاة يَوْمَ الْجُمُعَة \" وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر \" فَقَامَ أَبُو مَسْعُود فَبَعَثَ إِلَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا حُلَّة \" قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيمَا دَارَ بَيْنَهُمْ دَلَالَة عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ كَانَ مُجْتَهِدًا وَيَرَى أَنَّ الصَّوَاب مَعَهُ قَالَ : وَكَانَ أَبُو مَسْعُود مُوسِرًا جَوَادًا , وَكَانَ اِجْتِمَاعهمْ عِنْدَ أَبِي مَسْعُود فِي يَوْم الْجُمُعَة فَكَسَا عَمَّارًا حُلَّة لِيَشْهَدَ بِهَا الْجُمُعَة لِأَنَّهُ كَانَ فِي ثِيَاب السَّفَر وَهَيْئَة الْحَرْب , فَكَرِهَ أَنْ يَشْهَد الْجُمُعَة فِي تِلْكَ الثِّيَاب وَكَرِهَ أَنْ يَكْسُوَهُ بِحَضْرَةِ أَبِي مُوسَى وَلَا يَكْسُو أَبَا مُوسَى فَكَسَا أَبَا مُوسَى أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6574",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ ‏ ‏كُنْتُ جَالِسًا مَعَ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ ‏ ‏وَأَبِي مُوسَى ‏ ‏وَعَمَّارٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو مَسْعُودٍ ‏ ‏مَا مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ فِيهِ غَيْرَكَ وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْيَبَ عِنْدِي مِنْ اسْتِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ قَالَ ‏ ‏عَمَّارٌ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا مَسْعُودٍ ‏ ‏وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ وَلَا مِنْ صَاحِبِكَ هَذَا شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتُمَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعْيَبَ عِنْدِي مِنْ إِبْطَائِكُمَا فِي هَذَا الْأَمْرِ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو مَسْعُودٍ ‏ ‏وَكَانَ مُوسِرًا يَا غُلَامُ هَاتِ حُلَّتَيْنِ فَأَعْطَى إِحْدَاهُمَا ‏ ‏أَبَا مُوسَى ‏ ‏وَالْأُخْرَى ‏ ‏عَمَّارًا ‏ ‏وَقَالَ رُوحَا فِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَقَوْله \" أَعْيَب \" ‏ ‏بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة أَفْعَل تَفْضِيل مِنْ الْعَيْب , وَجَعَلَ كُلّ مِنْهُمْ الْإِبْطَاء وَالْإِسْرَاع عَيْبًا بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَعْتَقِدهُ , فَعَمَّار لِمَا فِي الْإِبْطَاء مِنْ مُخَالَفَة الْإِمَام وَتَرْك اِمْتِثَال ( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ) وَالْآخَرَانِ لِمَا ظَهَرَ لَهُمَا مِنْ تَرْك مُبَاشَرَة الْقِتَال فِي الْفِتْنَة , وَكَانَ أَبُو مَسْعُود عَلَى رَأْي أَبِي مُوسَى فِي الْكَفّ عَنْ الْقِتَال تَمَسُّكًا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ وَمَا فِي حَمْل السِّلَاح عَلَى الْمُسْلِم مِنْ الْوَعِيد , وَكَانَ عَمَّار عَلَى رَأْي عَلِيّ فِي قِتَال الْبَاغِينَ وَالنَّاكِثِينَ وَالتَّمَسُّك بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ) وَحَمَلَ الْوَعِيد الْوَارِد فِي الْقِتَال عَلَى مَنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا عَلَى صَاحِبه. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيّ قَبْلَ سِيَاق سَنَد اِبْن أَبِي غَنِيَّة \" بَاب \" بِغَيْرِ تَرْجَمَة , وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ وَهُوَ الصَّوَاب لِأَنَّ فِيهِ الْحَدِيث الَّذِي قَبْلَهُ , وَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَة فِي الْقِصَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "6575",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان ) ‏ ‏هُوَ عَبَدَان , وَعَبْد اللَّه شَيْخه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك , وَيُونُس هُوَ اِبْن يَزِيدَ. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا أَنْزَلَ اللَّه بِقَوْمٍ عَذَابًا ) ‏ ‏أَيْ عُقُوبَة لَهُمْ عَلَى سَيِّئ أَعْمَالِهِمْ. ‏ ‏قَوْله ( أَصَابَ الْعَذَاب مَنْ كَانَ فِيهِمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي النُّعْمَان عَنْ اِبْن الْمُبَارَك \" أَصَابَ بِهِ مَنْ بَيْنَ أَظْهُرهمْ \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَالْمُرَاد مَنْ كَانَ فِيهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ عَلَى رَأْيهمْ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالهمْ ) ‏ ‏أَيْ بُعِثَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ عَلَى حَسَب عَمَله إِنْ كَانَ صَالِحًا فَعُقْبَاهُ صَالِحَة وَإِلَّا فَسَيِّئَة , فَيَكُون ذَلِكَ الْعَذَاب طُهْرَة لِلصَّالِحَيْنِ وَنِقْمَة عَلَى الْفَاسِقِينَ. وَفِي صَحِيح اِبْن حِبَّان عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا \" إِنَّ اللَّه إِذَا أَنْزَلَ سَطْوَته بِأَهْلِ نِقْمَته وَفِيهِمْ الصَّالِحُونَ قُبِضُوا مَعَهُمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى نِيَّاتهمْ وَأَعْمَالهمْ \" وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الشُّعَب \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب عَنْهَا مَرْفُوعًا \" إِذَا ظَهَرَ السُّوء فِي الْأَرْض أَنْزَلَ اللَّه بَأْسه فِيهِمْ , قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه وَفِيهِمْ أَهْل طَاعَته ؟ قَالَ : نَعَمْ , ثُمَّ يُبْعَثُونَ إِلَى رَحْمَة اللَّه تَعَالَى \" قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا الْحَدِيث يُبَيِّن حَدِيث زَيْنَب بِنْت جَحْش حَيْثُ قَالَتْ \" أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَث \" فَيَكُون إِهْلَاك الْجَمِيع عِنْدَ ظُهُور الْمُنْكَر وَالْإِعْلَان بِالْمَعَاصِي. قُلْت : الَّذِي يُنَاسِب كَلَامه الْأَخِير حَدِيث أَبِي بَكْر الصِّدِّيق \" سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : إِنَّ النَّاس إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَر فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّه بِعِقَابٍ \" أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَة وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان , وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْبَاب وَحَدِيث زَيْنَب بِنْت جَحْش فَمُتَنَاسِبَانِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَقِبَهُ , وَيَجْمَعهُمَا أَنَّ الْهَلَاك يَعُمّ الطَّائِع مَعَ الْعَاصِي , وَزَادَ حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّ الطَّائِع عِنْدَ الْبَعْث يُجَازَى بِعَمَلِهِ , وَمِثْله حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعًا \" الْعَجَب أَنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ هَذَا الْبَيْت حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ , فَقُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ الطَّرِيق قَدْ تَجْمَع النَّاس , قَالَ : نَعَمْ فِيهِمْ الْمُسْتَبْصِر وَالْمَجْبُور وَابْن السَّبِيل يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِر شَتَّى , يَبْعَثهُمْ اللَّه عَلَى نِيَّاتهمْ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. وَلَهُ مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة نَحْوه وَلَفْظه \" فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه فَكَيْف بِمَنْ كَانَ كَارِهًا ؟ قَالَ : يُخْسَف بِهِ مَعَهُمْ وَلَكِنَّهُ يُبْعَث يَوْمَ الْقِيَامَة عَلَى نِيَّته \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ \" يُبْعَث كُلّ عَبْد عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ \" وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَى حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّ الْأُمَم الَّتِي تُعَذَّب عَلَى الْكُفْر يَكُون بَيْنَهُمْ أَهْل أَسْوَاقهمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَيُصَاب جَمِيعهمْ بِآجَالِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى أَعْمَالهمْ , وَيُقَال إِذَا أَرَادَ اللَّه عَذَاب أُمَّة أَعْقَمَ نِسَاءَهُمْ خَمْس عَشْرَةَ سَنَةً قَبْلَ أَنْ يُصَابُوا لِئَلَّا يُصَاب الْوِلْدَان الَّذِينَ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمْ الْقَلَم اِنْتَهَى. وَهَذَا لَيْسَ لَهُ أَصْل وَعُمُوم حَدِيث عَائِشَة يَرُدّهُ , وَقَدْ شُوهِدَتْ السَّفِينَة مَلْأَى مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالْأَطْفَال تَغْرَق فَيَهْلِكُونَ جَمِيعًا , وَمِثْله الدَّار الْكَبِيرَة تُحْرَق , وَالرُّفْقَة الْكَثِيرَة تَخْرُج عَلَيْهَا قُطَّاع الطَّرِيق فَيَهْلِكُونَ جَمِيعًا أَوْ أَكْثَرهمْ , وَالْبَلَد مِنْ بِلَاد الْمُسْلِمِينَ يَهْجُمهَا الْكُفَّار فَيَبْذُلُونَ السَّيْف فِي أَهْلهَا , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ الْخَوَارِج قَدِيمًا ثُمَّ مِنْ الْقَرَامِطَة ثُمَّ مِنْ الطَّطَر أَخِيرًا وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : أَوْرَدَ مُسْلِم حَدِيث جَابِر \" يُبْعَث كُلّ عَبْد عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ \" عَقِبَ حَدِيث جَابِر أَيْضًا رَفَعَهُ \" لَا يَمُوتَنَّ أَحَدكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِن الظَّنّ بِاَللَّهِ \" يُشِير إِلَى أَنَّهُ مُفَسِّر لَهُ , ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِحَدِيثِ \" ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالهمْ \" مُشِيرًا إِلَى أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُفَسِّرًا لِمَا قَبْلَهُ لَكِنَّهُ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ بَلْ هُوَ عَامّ فِيهِ وَفِي غَيْره , وَيُؤَيِّدهُ الْحَدِيث الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَهُ \" ثُمَّ يَبْعَثهُمْ اللَّه عَلَى نِيَّاتهمْ \" اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَالْحَاصِل أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ الِاشْتِرَاك فِي الْمَوْت الِاشْتِرَاك فِي الثَّوَاب أَوْ الْعِقَاب بَلْ يُجَازَى كُلّ أَحَد بِعَمَلِهِ عَلَى حَسَب نِيَّته. وَجَنَحَ اِبْن أَبِي جَمْرَة إِلَى أَنَّ الَّذِينَ يَقَع لَهُمْ ذَلِكَ إِنَّمَا يَقَع بِسَبَبِ سُكُوتهمْ عَنْ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , وَأَمَّا مَنْ أَمَرَ وَنَهَى فَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَا يُرْسِل اللَّه عَلَيْهِمْ الْعَذَاب بَلْ يَدْفَع بِهِمْ الْعَذَاب , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى ( وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلهَا ظَالِمُونَ ) وَقَوْله تَعَالَى ( وَمَا كَانَ اللَّه لِيُعَذِّبهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ , وَمَا كَانَ اللَّه مُعَذِّبهمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) وَيَدُلّ عَلَى تَعْمِيم الْعَذَاب لِمَنْ لَمْ يَنْهَ عَنْ الْمُنْكَر وَإِنْ لَمْ يَتَعَاطَاهُ قَوْله تَعَالَى ( فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْره إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلهمْ ) وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا مَشْرُوعِيَّة الْهَرَب مِنْ الْكُفَّار وَمِنْ الظَّلَمَة لِأَنَّ الْإِقَامَة مَعَهُمْ مِنْ إِلْقَاء النَّفْس إِلَى التَّهْلُكَة , هَذَا إِذَا لَمْ يُعِنْهُمْ وَلَمْ يَرْضَ بِأَفْعَالِهِمْ فَإِنْ أَعَانَ أَوْ رَضِيَ فَهُوَ مِنْهُمْ , وَيُؤَيِّدهُ أَمْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِسْرَاعِ فِي الْخُرُوج مِنْ دِيَار ثَمُود. وَأَمَّا بَعْثهمْ عَلَى أَعْمَالهمْ فَحُكْم عَدْل لِأَنَّ أَعْمَالهمْ الصَّالِحَة إِنَّمَا يُجَازَوْنَ بِهَا فِي الْآخِرَة , وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَمهمَا أَصَابَهُمْ مِنْ بَلَاء كَانَ تَكْفِيرًا لِمَا قَدَّمُوهُ مِنْ عَمَل سَيِّئ , فَكَانَ الْعَذَاب الْمُرْسَل فِي الدُّنْيَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا يَتَنَاوَل مَنْ كَانَ مَعَهُمْ وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِمْ فَكَانَ ذَلِكَ جَزَاء لَهُمْ عَلَى مُدَاهَنَتهمْ , ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَة يُبْعَث كُلّ مِنْهُمْ فَيُجَازَى بِعَمَلِهِ. وَفِي الْحَدِيث تَحْذِير وَتَخْوِيف عَظِيم لِمَنْ سَكَتَ عَنْ النَّهْي , فَكَيْفَ بِمَنْ دَاهَنَ , فَكَيْف بِمَنْ رَضِيَ , فَكَيْف بِمَنْ عَاوَنَ ؟ نَسْأَل اللَّه السَّلَامَة. قُلْت : وَمُقْتَضَى كَلَامه أَنَّ أَهْل الطَّاعَة لَا يُصِيبهُمْ الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا بِجَرِيرَةِ الْعُصَاة , وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" التَّذْكِرَة \" وَمَا قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا أَشْبَه بِظَاهِرِ الْحَدِيث. وَإِلَى نَحْوه مَالَ الْقَاضِي اِبْن الْعَرَبِيّ , وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث زَيْنَب بِنْت جَحْش \" أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَث \" فِي آخَر كِتَاب الْفِتَن. ‏"
    },
    {
        "id": "6576",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْرَائِيلُ أَبُو مُوسَى ‏ ‏وَلَقِيتُهُ ‏ ‏بِالْكُوفَةِ ‏ ‏وَجَاءَ إِلَى ‏ ‏ابْنِ شُبْرُمَةَ ‏ ‏فَقَالَ أَدْخِلْنِي عَلَى ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏فَأَعِظَهُ فَكَأَنَّ ‏ ‏ابْنَ شُبْرُمَةَ ‏ ‏خَافَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا سَارَ ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏إِلَى ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏بِالْكَتَائِبِ قَالَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ‏ ‏لِمُعَاوِيَةَ ‏ ‏أَرَى كَتِيبَةً لَا تُوَلِّي حَتَّى تُدْبِرَ أُخْرَاهَا قَالَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏مَنْ لِذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ أَنَا فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ ‏ ‏وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ ‏ ‏نَلْقَاهُ فَنَقُولُ لَهُ الصُّلْحَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏وَلَقَدْ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا بَكْرَةَ ‏ ‏قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ جَاءَ ‏ ‏الْحَسَنُ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْرَائِيل أَبُو مُوسَى ) ‏ ‏هِيَ كُنْيَة إِسْرَائِيل وَاسْم أَبِيهِ مُوسَى فَهُوَ مِمَّنْ وَافَقَتْ كُنْيَته اِسْم أَبِيهِ فَيُؤْمَن فِيهِ مِنْ التَّصْحِيفِ , وَهُوَ بَصْرِيّ كَانَ يُسَافِر فِي التِّجَارَة إِلَى الْهِنْد وَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً. ‏ ‏قَوْله ( وَلَقِيته بِالْكُوفَةِ ) ‏ ‏قَائِل ذَلِكَ هُوَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَالْجُمْلَة حَالِيَّةٌ. ‏ ‏قَوْله ( وَجَاءَ إِلَى اِبْن شُبْرُمَةَ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه قَاضِي الْكُوفَة فِي خِلَافَة أَبِي جَعْفَر الْمَنْصُور وَمَاتَ فِي خِلَافَتِهِ سَنَة أَرْبَع وَأَرْبَعِينَ وَمِائَة وَكَانَ صَارِمًا عَفِيفًا ثِقَة فَقِيهًا. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَدْخِلْنِي عَلَى عِيسَى فَأَعِظَهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَفَتْح الظَّاء الْمُشَالَة مِنْ الْوَعْظ , وَعِيسَى هُوَ اِبْن مُوسَى بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس اِبْن أَخِي الْمَنْصُور وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَةِ إِذْ ذَاكَ. ‏ ‏قَوْله ( فَكَأَنَّ ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ ‏ ‏( اِبْن شُبْرُمَةَ خَافَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى إِسْرَائِيل ‏ ‏( فَلَمْ يَفْعَل ) ‏ ‏أَيْ فَلَمْ يُدْخِلْهُ عَلَى عِيسَى بْن مُوسَى , وَلَعَلَّ سَبَب خَوْفه عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ صَادِعًا بِالْحَقِّ فَخَشِيَ أَنَّهُ لَا يَتَلَطَّف بِعِيسَى فَيَبْطِش بِهِ لِمَا عِنْدَهُ مِنْ غِرَّة الشَّبَاب وَغِرَّة الْمُلْك , قَالَ اِبْن بَطَّال : دَلَّ ذَلِكَ مِنْ صَنِيع اِبْن شُبْرُمَةَ عَلَى أَنَّ مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسه سَقَطَ عَنْهُ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , وَكَانَتْ وَفَاة عِيسَى الْمَذْكُور فِي خِلَافَة الْمَهْدِيّ سَنَة ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَة. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَن ) ‏ ‏يَعْنِي الْبَصْرِيّ وَالْقَائِل \" حَدَّثَنَا \" هُوَ إِسْرَائِيل الْمَذْكُور , قَالَ الْبَزَّار فِي مُسْنَده بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ خَلَف بْن خَلِيفَة عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ : لَا نَعْلَم رَوَاهُ عَنْ إِسْرَائِيل غَيْر سُفْيَان , وَتَعَقَّبَهُ مُغَلْطَايْ بِأَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَهُ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة مِنْ طَرِيق حُسَيْن بْن عَلِيّ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى وَهُوَ إِسْرَائِيل هَذَا , وَهُوَ تَعَقُّب جَيِّد وَلَكِنْ لَمْ أَرَ فِيهِ الْقِصَّة وَإِنَّمَا أَخْرَجَ فِيهِ الْحَدِيث الْمَرْفُوعَ فَقَطْ. ‏ ‏قَوْله ( لَمَّا سَارَ الْحَسَن بْن عَلِيّ إِلَى مُعَاوِيَة بِالْكَتَائِبِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد عَنْ سُفْيَان فِي كِتَاب الصُّلْح \" اِسْتَقْبَلَ وَاَللَّه الْحَسَن بْن عَلِيّ مُعَاوِيَة بِكَتَائِبَ أَمْثَال الْجِبَال \" وَالْكَتَائِب بِمُثَنَّاةٍ وَآخِره مُوَحَّدَة جَمْع كَتِيبَة بِوَزْنِ عَظِيمَة وَهِيَ طَائِفَة مِنْ الْجَيْش تَجْتَمِع وَهِيَ فَعِيلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة لِأَنَّ أَمِير الْجَيْش إِذَا رَتَّبَهُمْ وَجَعَلَ كُلّ طَائِفَة عَلَى حِدَة كَتَبَهُمْ فِي دِيوَانه كَذَلِكَ , ذَكَرَ ذَلِكَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ , وَمِنْهُ قِيلَ : مَكْتَب بَنِي فُلَان , قَالَ وَقَوْله \" أَمْثَال الْجِبَال \" أَيْ لَا يُرَى لَهَا طَرَف لِكَثْرَتِهَا كَمَا لَا يَرَى مَنْ قَابَلَ الْجَبَل طَرَفه , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد شِدَّة الْبَأْس. وَأَشَارَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ بِهَذِهِ الْقِصَّة إِلَى مَا اِتَّفَقَ بَعْدَ قَتْل عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَكَانَ عَلِيّ لَمَّا اِنْقَضَى أَمْر التَّحْكِيم وَرَجَعَ إِلَى الْكُوفَة تَجَهَّزَ لِقِتَالِ أَهْل الشَّام مَرَّة بَعْدَ أُخْرَى فَشَغَلَهُ أَمْر الْخَوَارِج بِالنَّهْرَوَانِ كَمَا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ فِي سَنَة ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ , ثُمَّ تَجَهَّزَ فِي سَنَة تِسْع وَثَلَاثِينَ فَلَمْ يَتَهَيَّأ ذَلِكَ لِافْتِرَاقِ آرَاء أَهْل الْعِرَاق عَلَيْهِ , ثُمَّ وَقَعَ الْجِدّ مِنْهُ فِي ذَلِكَ فِي سَنَة أَرْبَعِينَ فَأَخْرَجَ إِسْحَاق مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن سِيَاهٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخِر الْحُرُوف قَالَ : لَمَّا خَرَجَ الْخَوَارِج قَامَ عَلِيّ فَقَالَ : أَتَسِيرُونَ إِلَى الشَّام أَوْ تَرْجِعُونَ إِلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَلَّفُوكُمْ فِي دِيَاركُمْ ؟ قَالُوا : بَلْ نَرْجِع إِلَيْهِمْ , فَذَكَرَ قِصَّة الْخَوَارِج قَالَ فَرَجَعَ عَلِيّ إِلَى الْكُوفَة , فَلَمَّا قُتِلَ وَاسْتَخْلَفَ الْحَسَن وَصَالَحَ مُعَاوِيَة كَتَبَ إِلَى قَيْس بْن سَعْد بِذَلِكَ فَرَجَعَ عَنْ قِتَال مُعَاوِيَة. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ يُونُس بْن يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ : جَعَلَ عَلِيّ عَلَى مُقَدِّمَة أَهْل الْعِرَاق قَيْس بْن سَعْد بْن عُبَادَةَ وَكَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا بَايَعُوهُ عَلَى الْمَوْت , فَقُتِلَ عَلِيّ فَبَايَعُوا الْحَسَن بْن عَلِيّ بِالْخِلَافَةِ , وَكَانَ لَا يُحِبّ الْقِتَال وَلَكِنْ كَانَ يُرِيد أَنْ يَشْتَرِط عَلَى مُعَاوِيَة لِنَفْسِهِ , فَعَرَفَ أَنَّ قَيْس بْن سَعْد لَا يُطَاوِعهُ عَلَى الصُّلْح فَنَزَعَهُ وَأَمَّرَ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس فَاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ كَمَا اِشْتَرَطَ الْحَسَن. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن رَاشِد قَالَ : بَعَثَ الْحَسَن قَيْس بْن سَعْد عَلَى مُقَدِّمَته فِي اِثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا - يَعْنِي مِنْ الْأَرْبَعِينَ - فَسَارَ قَيْس إِلَى جِهَة الشَّام. وَكَانَ مُعَاوِيَة لَمَّا بَلَغَهُ قَتْل عَلِيّ خَرَجَ فِي عَسَاكِر مِنْ الشَّام , وَخَرَجَ الْحَسَن بْن عَلِيّ حَتَّى نَزَلَ الْمَدَائِن , فَوَصَلَ مُعَاوِيَة إِلَى مَسْكَن وَقَالَ اِبْن بَطَّال : ذَكَرَ أَهْل الْعِلْم بِالْأَخْبَارِ أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا قُتِلَ سَارَ مُعَاوِيَة يُرِيد الْعِرَاق وَسَارَ الْحَسَن يُرِيد الشَّام فَالْتَقَيَا بِمَنْزِلٍ مِنْ أَرْض الْكُوفَة , فَنَظَرَ الْحَسَن إِلَى كَثْرَة مَنْ مَعَهُ فَنَادَى : يَا مُعَاوِيَة إِنِّي اِخْتَرْت مَا عِنْدَ اللَّه , فَإِنْ يَكُنْ هَذَا الْأَمْر لَك فَلَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُنَازِعك فِيهِ وَإِنْ يَكُنْ لِي فَقَدْ تَرَكْته لَك فَكَبَّرَ أَصْحَاب مُعَاوِيَة. وَقَالَ الْمُغِيرَة عِنْدَ ذَلِكَ : أَشْهَد أَنِّي سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّد \" الْحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره : فَجَزَاك اللَّه عَنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا اِنْتَهَى وَفِي صِحَّة هَذَا نَظَر مِنْ أَوْجُه : الْأَوَّل أَنَّ الْمَحْفُوظ أَنَّ مُعَاوِيَة هُوَ الَّذِي بَدَأَ بِطَلَبِ الصُّلْح كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب الثَّانِي أَنَّ الْحَسَن وَمُعَاوِيَة لَمْ يَتَلَاقَيَا بِالْعَسْكَرَيْنِ حَتَّى يُمْكِن أَنْ يَتَخَاطَبَا وَإِنَّمَا تَرَاسَلَا , فَيُحْمَل قَوْله \" فَنَادَى يَا مُعَاوِيَة \" عَلَى الْمُرَاسَلَة , وَيُجْمَع بِأَنَّ الْحَسَن رَاسَلَ مُعَاوِيَة بِذَلِكَ سِرًّا فَرَاسَلَهُ مُعَاوِيَة جَهْرًا , وَالْمَحْفُوظ أَنَّ كَلَام الْحَسَن الْأَخِير إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الصُّلْح وَالِاجْتِمَاع كَمَا أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيقه وَمِنْ طَرِيق غَيْره بِسَنَدِهِمَا إِلَى الشَّعْبِيّ قَالَ : لَمَّا صَالَحَ الْحَسَن بْن عَلِيّ مُعَاوِيَة ; قَالَ لَهُ مُعَاوِيَة قُمْ فَتَكَلَّمْ , فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَكْيَس الْكَيْس التُّقَى وَإِنَّ أَعْجَز الْعَجْز الْفُجُور , أَلَا وَإِنَّ هَذَا الْأَمْر الَّذِي اِخْتَلَفْت فِيهِ أَنَا وَمُعَاوِيَة حَقّ لِامْرِئٍ كَانَ أَحَقّ بِهِ مِنِّي , أَوْ حَقّ لِي تَرَكْته لِإِرَادَةِ إِصْلَاح الْمُسْلِمِينَ وَحَقْن دِمَائِهِمْ , وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَة لَكُمْ وَمَتَاع إِلَى حِينٍ. ثُمَّ اِسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ. وَأَخْرَجَ يَعْقُوب بْن سُفْيَان وَمِنْ طَرِيقه أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ فَذَكَرَ الْقِصَّة وَفِيهَا : فَخَطَبَ مُعَاوِيَة ثُمَّ قَالَ : قُمْ يَا حَسَن فَكَلِّمْ النَّاس , فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ : أَيّهَا النَّاس إِنَّ اللَّه هَدَاكُمْ بِأَوَّلِنَا وَحَقَنَ دِمَاءَكُمْ بِآخِرِنَا , وَإِنَّ لِهَذَا الْأَمْر مُدَّة وَالدُّنْيَا دُوَل. وَذَكَرَ بَقِيَّة الْحَدِيث. وَالثَّالِث أَنَّ الْحَدِيث لِأَبِي بَكْرَة لَا لِلْمُغِيرَةِ , لَكِنَّ الْجَمْع مُمْكِن بِأَنْ يَكُون الْمُغِيرَة حَدَّثَ بِهِ عِنْدَمَا سَمِعَ مُرَاسَلَة الْحَسَن بِالصُّلْحِ وَحَدَّثَ بِهِ أَبُو بَكْرَة بَعْدَ ذَلِكَ , وَقَدْ رَوَى أَصْل الْحَدِيث جَابِر أَوْرَدَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ فَوَائِد يَحْيَى بْن مَعِين بِسَنَدٍ صَحِيح إِلَى جَابِر , وَأَوْرَدَهُ الضِّيَاء فِي \" الْأَحَادِيث الْمُخْتَارَة مِمَّا لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ \" وَعَجِبْت لِلْحَاكِمِ فِي عَدَم اِسْتِدْرَاكه مَعَ شِدَّة حِرْصه عَلَى مِثْله , قَالَ اِبْن بَطَّال : سَلَّمَ الْحَسَن لِمُعَاوِيَةَ الْأَمْر وَبَايَعَهُ عَلَى إِقَامَة كِتَاب اللَّه وَسُنَّة نَبِيّه , وَدَخَلَ مُعَاوِيَة الْكُوفَة وَبَايَعَهُ النَّاس فَسُمِّيَتْ سَنَة الْجَمَاعَة لِاجْتِمَاعِ النَّاس وَانْقِطَاع الْحَرْب. وَبَايَعَ مُعَاوِيَة كُلّ مَنْ كَانَ مُعْتَزِلًا لِلْقِتَالِ كَابْنِ عُمَر وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ , وَأَجَازَ مُعَاوِيَة الْحَسَن بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْف وَأَلْف ثَوْب وَثَلَاثِينَ عَبْدًا وَمِائَة جَمَل , وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَة , وَوَلَّى مُعَاوِيَة الْكُوفَة الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة وَالْبَصْرَة عَبْد اللَّه بْن عَامِر وَرَجَعَ إِلَى دِمَشْق. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عَمْرو بْن الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ : أَرَى كَتِيبَة لَا تُوَلِّي ) ‏ ‏بِالشَّدِيدِ أَيْ لَا تُدْبِرُ. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى تُدْبِر أُخْرَاهَا ) ‏ ‏أَيْ الَّتِي تُقَابِلهَا , وَنَسَبَهَا إِلَيْهَا لِتُشَارِكهُمَا فِي الْمُحَارَبَة , وَهَذَا عَلَى أَنْ يُدْبِر مَنْ أَدْبَرَ رُبَاعِيًّا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ دَبَرَ يَدْبُر بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّ الْمُوَحَّدَة أَيْ يَقُوم مَقَامهَا يُقَال دَبَرْته إِذَا بَقِيت بَعْدَهُ , وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد فِي الصُّلْح \" إِنِّي لَأَرَى كَتَائِب لَا تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُل أَقْرَانهَا \" وَهِيَ أَبْيَن , قَالَ عِيَاض : هِيَ الصَّوَاب , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْأُخْرَى خَطَأ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَوْجِيههَا مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ تُرَاد الْكَتِيبَة الْأَخِيرَة الَّتِي هِيَ مِنْ جُمْلَة تِلْكَ الْكَتَائِب , أَيْ لَا يَنْهَزِمُونَ بِأَنْ تَرْجِع الْأُخْرَى أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ مُعَاوِيَة مَنْ لِذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ ) ‏ ‏أَيْ مَنْ يَكْفُلهُمْ إِذَا قُتِلَ آبَاؤُهُمْ ؟ زَادَ فِي الصُّلْح \" فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة وَكَانَ وَاَللَّه خَيْر الرَّجُلَيْنِ - يَعْنِي مُعَاوِيَة - : أَيْ عَمْرو إِنْ قَتَلَ هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ مَنْ لِي بِأُمُورِ النَّاس , مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ , مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ \" يُشِير إِلَى أَنَّ رِجَال الْعَسْكَرَيْنِ مُعْظَم مَنْ فِي الْإِقْلِيمَيْنِ فَإِذَا قُتِلُوا ضَاعَ أَمْر النَّاس وَفَسَدَ حَال أَهْلهمْ بَعْدَهُمْ وَذَرَارِيهمْ , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" ضَيْعَتهمْ \" الْأَطْفَال وَالضُّعَفَاء سُمُّوا بِاسْمِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرهمْ لِأَنَّهُمْ إِذَا تُرِكُوا ضَاعُوا لِعَدَمِ اِسْتِقْلَالهمْ بِأَمْرِ الْمَعَاش , وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَان فِي هَذِهِ الْقِصَّة \" مَنْ لِي بِأُمُورِهِمْ , مَنْ لِي بِدِمَائِهِمْ , مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ \" وَأَمَّا قَوْله هُنَا فِي جَوَاب قَوْل مُعَاوِيَة \" مَنْ لِذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ ؟ فَقَالَ : أَنَا \" فَظَاهِره يُوهِم أَنَّ الْمُجِيب بِذَلِكَ هُوَ عَمْرو بْن الْعَاصِ , وَلَمْ أَرَ فِي طُرُق الْخَبَر مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ , فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَة فَلَعَلَّهَا كَانَتْ \" فَقَالَ أَنَّى \" بِتَشْدِيدِ النُّون الْمَفْتُوحَة قَالَهَا عَمْرو عَلَى سَبِيل الِاسْتِبْعَاد. وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفه عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ \" بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمْرو بْن الْعَاصِ فِي بَعْث ذَات السَّلَاسِل \" فَذَكَرَ أَخْبَارًا كَثِيرَة مِنْ التَّارِيخ إِلَى أَنْ قَالَ \" وَكَانَ قَيْس بْن سَعْد بْن عُبَادَةَ عَلَى مُقَدِّمَة الْحَسَن بْن عَلِيّ , فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَة سِجِلًّا قَدْ خُتِمَ فِي أَسْفَله فَقَالَ : اُكْتُبْ فِيهِ مَا تُرِيد فَهُوَ لَك , فَقَالَ لَهُ عَمْرو بْن الْعَاصِ : بَلْ نُقَاتِلهُ , فَقَالَ مُعَاوِيَة - وَكَانَ خَيْر الرَّجُلَيْنِ - : عَلَى رِسْلك يَا أَبَا عَبْد اللَّه , لَا تَخْلُص إِلَى قَتْل هَؤُلَاءِ حَتَّى يُقْتَل عَدَدهمْ مِنْ أَهْل الشَّام , فَمَا خَيْر الْحَيَاة بَعْدَ ذَلِكَ ؟ وَإِنِّي وَاَللَّه لَا أُقَاتِل حَتَّى لَا أَجِد مِنْ الْقِتَال بُدًّا. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عَامِر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة : نَلْقَاهُ فَنَقُول لَهُ الصُّلْح ) ‏ ‏أَيْ نُشِير عَلَيْهِ بِالصُّلْحِ , وَهَذَا ظَاهِره أَنَّهُمَا بَدَآ بِذَلِكَ , وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الصُّلْح أَنَّ مُعَاوِيَة هُوَ الَّذِي بَعَثَهُمَا , فَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُمَا عَرَضَا أَنْفُسهمَا فَوَافَقَهُمَا وَلَفْظه هُنَاكَ \" فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْش مِنْ بَنِي عَبْد شَمْس \" أَيْ اِبْن عَبْد مَنَافٍ بْن قُصَيّ \" عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة \" زَادَ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان بْن حَبِيب بْن عَبْد شَمْس \" قَالَ سُفْيَان وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَة \" قُلْت : وَهُوَ رَاوِي حَدِيث \" لَا تَسْأَل الْإِمَارَة \" وَسَيَأْتِي شَيْء مِنْ خَبَره فِي كِتَاب الْأَحْكَام. وَعَبْد اللَّه بْن عَامِر بْن كُرَيْز بِكَافٍ وَرَاء ثُمَّ زَاي مُصَغَّر زَادَ الْحُمَيْدِيُّ \" اِبْن حَبِيب بْن عَبْد شَمْس \" وَقَدْ مَضَى لَهُ ذِكْر فِي كِتَاب الْحَجّ وَغَيْره , وَهُوَ الَّذِي وَلَّاهُ مُعَاوِيَة الْبَصْرَة بَعْدَ الصُّلْح , وَبَنُو حَبِيب اِبْن عَبْد شَمْس بَنُو عَمّ بَنِي أُمَيَّة بْن عَبْد شَمْس , وَمُعَاوِيَة هُوَ اِبْن أَبِي سُفْيَان صَخْر بْن حَرْب بْن أُمَيَّة ( فَقَالَ مُعَاوِيَة : اِذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُل فَاعْرِضَا عَلَيْهِ ) أَيْ مَا شَاءَ مِنْ الْمَال ( وَقُولَا لَهُ ) أَيْ فِي حَقْن دِمَاء الْمُسْلِمِينَ بِالصُّلْحِ ( وَاطْلُبَا إِلَيْهِ ) أَيْ اُطْلُبَا مِنْهُ خَلْعه نَفْسه مِنْ الْخِلَافَة وَتَسْلِيم الْأَمْر لِمُعَاوِيَةَ وَابْذُلَا لَهُ فِي مُقَابَلَة ذَلِكَ مَا شَاءَ ( قَالَ فَقَالَ لَهُمَا الْحَسَن بْن عَلِيّ : إِنَّا بَنُو عَبْد الْمُطَّلِب قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَال , وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّة قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا , قَالَا فَإِنَّهُ يَعْرِض عَلَيْك كَذَا وَكَذَا وَيَطْلُب إِلَيْك وَيَسْأَلك , قَالَ فَمَنْ لِي بِهَذَا ؟ قَالَا : نَحْنُ لَك بِهِ فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلَّا قَالَا نَحْنُ لَك بِهِ , فَصَالَحَهُ ) قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَة كَانَ هُوَ الرَّاغِب فِي الصُّلْح وَأَنَّهُ عَرَضَ عَلَى الْحَسَن الْمَال وَرَغَّبَهُ فِيهِ وَحَثَّهُ عَلَى رَفْع السَّيْف وَذَكَّرَهُ مَا وَعَدَهُ بِهِ جَدّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سِيَادَته فِي الْإِصْلَاح بِهِ , فَقَالَ لَهُ الْحَسَن : إِنَّا بَنُو عَبْد الْمُطَّلِب أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَال , أَيْ إِنَّا جُبِلْنَا عَلَى الْكَرَم وَالتَّوْسِعَة عَلَى أَتْبَاعنَا مِنْ الْأَهْل وَالْمَوَالِي وَكُنَّا نَتَمَكَّن مِنْ ذَلِكَ بِالْخِلَافَةِ حَتَّى صَارَ ذَلِكَ لَنَا عَادَة وَقَوْله إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّة أَيْ الْعَسْكَرَيْنِ الشَّامِيّ وَالْعِرَاقِيّ \" قَدْ عَاثَتْ \" بِالْمُثَلَّثَةِ أَيْ قَتَلَ بَعْضهَا بَعْضًا فَلَا يَكُفُّونَ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِالصَّفْحِ عَمَّا مَضَى مِنْهُمْ وَالتَّأَلُّف بِالْمَالِ. وَأَرَادَ الْحَسَن بِذَلِكَ كُلّه تَسْكِين الْفِتْنَة وَتَفْرِقَة الْمَال عَلَى مَنْ لَا يُرْضِيه إِلَّا الْمَال , فَوَافَقَاهُ عَلَى مَا شَرَطَ مِنْ جَمِيع ذَلِكَ وَالْتَزَمَا لَهُ مِنْ الْمَال فِي كُلّ عَام وَالثِّيَاب وَالْأَقْوَات مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ لِكُلِّ مَنْ ذُكِرَ. وَقَوْله \" مَنْ لِي بِهَذَا \" أَيْ مَنْ يَضْمَن لِي الْوَفَاء مِنْ مُعَاوِيَة ؟ فَقَالَا : نَحْنُ نَضْمَن لِأَنَّ مُعَاوِيَة كَانَ فَوَّضَ لَهُمَا ذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله \" أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَال \" أَيْ فَرَّقْنَا مِنْهُ فِي حَيَاة عَلِيّ وَبَعْدَهُ مَا رَأَيْنَا فِي ذَلِكَ صَلَاحًا فَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ خَشْيَة أَنْ يَرْجِع عَلَيْهِ بِمَا تَصَرَّفَ فِيهِ. وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن رَاشِد عِنْدَ الطَّبَرِيِّ \" فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَة عَبْد اللَّه بْن عَامِر وَعَبْد اللَّه بْن سَمُرَة بْن حَبِيب \" كَذَا قَالَ عَبْد اللَّه وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ , وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيح أَصَحّ , وَلَعَلَّ عَبْد اللَّه كَانَ مَعَ أَخِيهِ عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ فَقَدِمَا عَلَى الْحَسَن بِالْمَدَائِنِ فَأَعْطَيَاهُ مَا أَرَادَ وَصَالَحَاهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذ مِنْ بَيْت مَال الْكُوفَة خَمْسَة آلَاف أَلْف فِي أَشْيَاء اِشْتَرَطَهَا. وَمِنْ طَرِيق عَوَانَة بْن الْحَكَم نَحْوه وَزَادَ وَكَانَ الْحَسَن صَالَحَ مُعَاوِيَة عَلَى أَنْ يَجْعَل لَهُ مَا فِي بَيْت مَال الْكُوفَة وَأَنْ يَكُون لَهُ خَرَاج دار أبجرد , وَذَكَرَ مُحَمَّد بْن قُدَامَةَ فِي \" كِتَاب الْخَوَارِج \" بِسَنَدٍ قَوِيّ إِلَى أَبِي بَصْرَة أَنَّهُ سَمِعَ الْحَسَن بْن عَلِيّ يَقُول فِي خُطْبَته عِنْدَ مُعَاوِيَة إِنِّي اِشْتَرَطْت عَلَى مُعَاوِيَة لِنَفْسِي الْخِلَافَة بَعْدَهُ. وَأَخْرَجَ يَعْقُوب بْن سُفْيَان بِسَنَدٍ صَحِيح إِلَى الزُّهْرِيّ قَالَ : كَاتَبَ الْحَسَن بْن عَلِيّ مُعَاوِيَة وَاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ فَوَصَلَتْ الصَّحِيفَة لِمُعَاوِيَةَ وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَى الْحَسَن يَسْأَلهُ الصُّلْح وَمَعَ الرَّسُول صَحِيفَة بَيْضَاء مَخْتُوم عَلَى أَسْفَلهَا وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ اِشْتَرِطْ مَا شِئْت فَهُوَ لَك , فَاشْتَرَطَ الْحَسَن أَضْعَاف مَا كَانَ سَأَلَ أَوَّلًا , فَلَمَّا اِلْتَقَيَا وَبَايَعَهُ الْحَسَن سَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا اِشْتَرَطَ فِي السِّجِلّ الَّذِي خَتَمَ مُعَاوِيَة فِي أَسْفَله فَتَمَسَّكَ مُعَاوِيَة إِلَّا مَا كَانَ الْحَسَن سَأَلَهُ أَوَّلًا , وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ أَجَابَ سُؤَاله أَوَّل مَا وَقَفَ عَلَيْهِ فَاخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَنْفُذ لِلْحَسَنِ مِنْ الشَّرْطَيْنِ شَيْء. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَوْذَبٍ قَالَ : لَمَّا قُتِلَ عَلِيّ سَارَ الْحَسَن بْن عَلِيّ فِي أَهْل الْعِرَاق وَمُعَاوِيَة فِي أَهْل الشَّام فَالْتَقَوْا , فَكَرِهَ الْحَسَن الْقِتَال وَبَايَعَ مُعَاوِيَة عَلَى أَنْ يَجْعَل الْعَهْد لِلْحَسَنِ مِنْ بَعْدِهِ فَكَانَ أَصْحَاب الْحَسَن يَقُولُونَ لَهُ يَا عَار الْمُؤْمِنِينَ فَيَقُول الْعَار خَيْر مِنْ النَّار. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ الْحَسَن ) ‏ ‏هُوَ الْبَصْرِيّ وَهُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمُتَقَدِّم وَوَقَعَ فِي رِجَال الْبُخَارِيّ لِأَبِي الْوَلِيد الْبَاجِيّ فِي تَرْجَمَة الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب مَا نَصّه \" أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ قَوْل الْحَسَن سَمِعْت أَبَا بَكْرَة \" فَتَأَوَّلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ الْحَسَن بْن عَلِيّ لِأَنَّ الْحَسَن الْبَصْرِيّ عِنْدَهُمْ لَمْ يَسْمَع مِنْ أَبِي بَكْرَة , وَحَمَلَهُ بْن الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ عَلَى أَنَّهُ الْحَسَن الْبَصْرِيّ , قَالَ الْبَاجِيُّ : وَعِنْدِي أَنَّ الْحَسَن الَّذِي قَالَ \" سَمِعْت هَذَا مِنْ أَبِي بَكْرَة \" إِنَّمَا هُوَ الْحَسَن بْن عَلِيّ اِنْتَهَى , وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ فَإِنَّ الْبُخَارِيّ قَدْ أَخْرَجَ مَتْن هَذَا الْحَدِيث فِي عَلَامَات النُّبُوَّة مُجَرَّدًا عَنْ الْقِصَّة مِنْ طَرِيق حُسَيْن بْن عَلِيّ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى - وَهُوَ إِسْرَائِيل بْن مُوسَى - عَنْ الْحَسَن عَنْ أَبِي بَكْرَة , وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مِنْ رِوَايَة مُبَارَك بْن فَضَالَة وَمِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد كِلَاهُمَا عَنْ الْحَسَن عَنْ أَبِي بَكْرَة وَزَادَ فِي آخِره \" قَالَ الْحَسَن : فَلَمَّا وَلَّى مَا أُهْرِيقَ فِي سَبَبه مِحْجَمَة دَم \" فَالْحَسَن الْقَائِل هُوَ الْبَصْرِيّ , وَاَلَّذِي وَلَّى هُوَ الْحَسَن بْن عَلِيّ , وَلَيْسَ لِلْحَسَنِ بْن عَلِيّ فِي هَذَا رِوَايَة , وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة - إِسْرَائِيل بْن مُوسَى وَمُبَارَك بْن فَضَالَة وَعَلِيّ بْن زَيْد - لَمْ يُدْرِك وَاحِد مِنْهُمْ الْحَسَن بْن عَلِيّ , وَقَدْ صَرَّحَ إِسْرَائِيل بِقَوْلِهِ \" سَمِعْت الْحَسَن \" وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ الصَّلْت بْن مَسْعُود عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَهُوَ إِسْرَائِيل \" سَمِعْت الْحَسَن سَمِعْت أَبَا بَكْرَة \" وَهَؤُلَاءِ كُلّهمْ مِنْ رِجَال الصَّحِيح , وَالصَّلْت مِنْ شُيُوخ مُسْلِم , وَقَدْ اِسْتَشْعَرَ اِبْن التِّين خَطَأ الْبَاجِيّ فَقَالَ : قَالَ الدَّاوُدِيُّ الْحَسَن مَعَ قُرْبه مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَيْثُ تُوُفِّيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ اِبْن سَبْع سِنِينَ لَا يُشَكّ فِي سَمَاعه مِنْهُ وَلَهُ مَعَ ذَلِكَ صُحْبَة. قَالَ اِبْن التِّين : الَّذِي فِي الْبُخَارِيّ إِنَّمَا أَرَادَ سَمَاع الْحَسَن بْن أَبِي الْحَسَن الْبَصْرِيّ مِنْ أَبِي بَكْرَة. قُلْت : وَلَعَلَّ الدَّاوُدِيّ إِنَّمَا أَرَادَ رَدّ تَوَهُّم مَنْ يَتَوَهَّم أَنَّهُ الْحَسَن بْن عَلِيّ فَدَفَعَهُ بِمَا ذُكِرَ وَهُوَ ظَاهِر وَإِنَّمَا قَالَ اِبْن الْمَدِينِيّ ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَسَن كَانَ يُرْسِل كَثِيرًا عَمَّنْ لَمْ يَلْقَهُمْ بِصِيغَةِ \" عَنْ \" فَخَشِيَ أَنْ تَكُون رِوَايَته عَنْ أَبِي بَكْرَة مُرْسَلَة فَلَمَّا جَاءَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة مُصَرِّحَة بِسَمَاعِهِ مِنْ أَبِي بَكْرَة ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ , وَلَمْ أَرَ مَا نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ أَنَّ الْحَسَن هُنَا هُوَ اِبْن عَلِيّ فِي شَيْء مِنْ تَصَانِيفه , وَإِنَّمَا قَالَ فِي \" التَّتَبُّع لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ \" : أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ أَحَادِيث عَنْ الْحَسَن عَنْ أَبِي بَكْرَة , وَالْحَسَن إِنَّمَا رَوَى عَنْ الْأَحْنَف عَنْ أَبِي بَكْرَة , وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْدَهُ لَمْ يَسْمَع مِنْ أَبِي بَكْرَة , لَكِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ مِمَّنْ تَكَلَّمَ فِي مَرَاسِيل الْحَسَن كَابْنِ الْمَدِينِيّ وَأَبِي حَاتِم وَأَحْمَد وَالْبَزَّار وَغَيْرهمْ , نَعَمْ كَلَام اِبْن الْمَدِينِيّ يُشْعِر بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَهُ عَلَى الْإِرْسَال حَتَّى وَقَعَ هَذَا التَّصْرِيح. ‏ ‏قَوْله ( بَيْنَمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب جَاءَ الْحَسَن فَقَالَ ) وَقَعَ فِي رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ الْحَسَن فِي \" الدَّلَائِل \" لِلْبَيْهَقِيِّ \" يَخْطُب أَصْحَابه يَوْمًا إِذْ جَاءَ الْحَسَن بْن عَلِيّ فَصَعِدَ إِلَيْهِ الْمِنْبَر \" وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الْمَذْكُورَة \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَر وَالْحَسَن بْن عَلِيّ إِلَى جَنْبه وَهُوَ يُقْبِل عَلَى النَّاس مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُول \" وَمِثْله فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان لَكِنْ قَالَ \" وَهُوَ يَلْتَفِت إِلَى النَّاس مَرَّةً وَإِلَيْهِ أُخْرَى \". ‏ ‏قَوْله ( اِبْنِي هَذَا سَيِّد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد \" إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّد \" وَفِي رِوَايَة مُبَارَك بْن فَضَالَة \" رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَمَّ الْحَسَن بْن عَلِيّ إِلَيْهِ وَقَالَ : إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّد \" وَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد \" فَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَقَالَ : أَلَا إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّد \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَعَلَّ اللَّه أَنْ يُصْلِحَ بِهِ ) ‏ ‏كَذَا اِسْتَعْمَلَ \" لَعَلَّ \" اِسْتِعْمَال عَسَى لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الرَّجَاء , وَالْأَشْهَر فِي خَبَر \" لَعَلَّ \" بِغَيْرِ \" أَنْ \" كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَعَلَّ اللَّه يُحْدِث ). ‏ ‏قَوْله ( بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ) ‏ ‏زَادَ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد فِي رِوَايَته \" عَظِيمَتَيْنِ \" وَكَذَا فِي رِوَايَة مُبَارَك بْن فَضَالَة وَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد كِلَاهُمَا عَنْ الْحَسَن عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ , وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق أَشْعَث بْن عَبْد الْمَلِك عَنْ الْحَسَن كَالْأَوَّلِ لَكِنَّهُ قَالَ \" وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُصْلِح اللَّه بِهِ \" وَجَزَمَ فِي حَدِيث جَابِر وَلَفْظه عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ \" قَالَ لِلْحَسَنِ : إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّد يُصْلِح اللَّه بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ \" قَالَ الْبَزَّار : رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي بَكْرَة وَعَنْ جَابِر , وَحَدِيث أَبِي بَكْرَة أَشْهَر وَأَحْسَن إِسْنَادًا , وَحَدِيث جَابِر غَرِيب. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : اُخْتُلِفَ عَلَى الْحَسَن فَقِيلَ عَنْهُ عَنْ أُمّ سَلَمَة , وَقِيلَ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوب عَنْ الْحَسَن , وَكُلّ مِنْهُمَا وَهْم. وَرَوَاهُ دَاوُدُ بْن أَبِي هِنْد وَعَوْف الْأَعْرَابِيّ عَنْ الْحَسَن مُرْسَلًا. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ الْفَوَائِد عَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة , وَمَنْقَبَة لِلْحَسَنِ بْن عَلِيّ فَإِنَّهُ تَرَكَ الْمُلْك لَا لِقِلَّةٍ وَلَا لِذِلَّةٍ وَلَا لِعِلَّةٍ بَلْ لِرَغْبَتِهِ فِيمَا عِنْدَ اللَّه لِمَا رَآهُ مِنْ حَقْن دِمَاء الْمُسْلِمِينَ , فَرَاعَى أَمْر الدِّين وَمَصْلَحَة الْأُمَّة. وَفِيهَا رَدّ عَلَى الْخَوَارِج الَّذِينَ كَانُوا يُكَفِّرُونَ عَلِيًّا وَمَنْ مَعَهُ وَمُعَاوِيَة وَمَنْ مَعَهُ بِشَهَادَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلطَّائِفَتَيْنِ بِأَنَّهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَمِنْ ثَمَّ كَانَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ يَقُول عَقِبَ هَذَا الْحَدِيث : قَوْله \" مِنْ الْمُسْلِمِينَ \" يُعْجِبنَا جِدًّا أَخْرَجَهُ يَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي تَارِيخه عَنْ الْحُمَيْدِيِّ وَسَعِيد بْن مَنْصُور عَنْهُ. وَفِيهِ فَضِيلَة الْإِصْلَاح بَيْنَ النَّاس وَلَا سِيَّمَا فِي حَقْن دِمَاء الْمُسْلِمِينَ , وَدَلَالَة عَلَى رَأْفَة مُعَاوِيَة بِالرَّعِيَّةِ , وَشَفَقَته عَلَى الْمُسْلِمِينَ , وَقُوَّة نَظَره فِي تَدْبِير الْمُلْك , وَنَظَره فِي الْعَوَاقِب. وَفِيهِ وِلَايَة الْمَفْضُول الْخِلَافَة مَعَ وُجُود الْأَفْضَل لِأَنَّ الْحَسَن وَمُعَاوِيَة وُلِّيَ كُلّ مِنْهُمَا الْخِلَافَة وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَسَعِيد بْن زَيْد فِي الْحَيَاة وَهُمَا بَدْرِيَّانِ قَالَهُ اِبْن التِّين. وَفِيهِ جَوَاز خَلْع الْخَلِيفَة نَفْسه إِذَا رَأَى فِي ذَلِكَ صَلَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ وَالنُّزُول عَنْ الْوَظَائِف الدِّينِيَّة وَالدُّنْيَوِيَّة بِالْمَالِ , وَجَوَاز أَخْذ الْمَال عَلَى ذَلِكَ وَإِعْطَائِهِ بَعْدَ اِسْتِيفَاء شَرَائِطه بِأَنْ يَكُون الْمَنْزُول لَهُ أَوْلَى مِنْ النَّازِل وَأَنْ يَكُون الْمَبْذُول مِنْ مَال الْبَاذِل. فَإِنْ كَانَ فِي وِلَايَة عَامَّة وَكَانَ الْمَبْذُول مِنْ بَيْت الْمَال اُشْتُرِطَ أَنْ تَكُون الْمَصْلَحَة فِي ذَلِكَ عَامَّة , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن بَطَّال قَالَ : يُشْتَرَط أَنْ يَكُون لِكُلٍّ مِنْ الْبَاذِل وَالْمَبْذُول لَهُ سَبَب فِي الْوِلَايَة يَسْتَنِد إِلَيْهِ , وَعَقْد مِنْ الْأُمُور يُعَوَّل عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ السِّيَادَة لَا تَخْتَصّ بِالْأَفْضَلِ بَلْ هُوَ الرَّئِيس عَلَى الْقَوْم وَالْجَمْع سَادَة , وَهُوَ مُشْتَقّ مِنْ السُّؤْدُد وَقِيلَ مِنْ السَّوَاد لِكَوْنِهِ يَرْأَس عَلَى السَّوَاد الْعَظِيم مِنْ النَّاس أَيْ الْأَشْخَاص الْكَثِيرَة وَقَالَ الْمُهَلَّب الْحَدِيث دَالّ عَلَى أَنَّ السِّيَادَة إِنَّمَا يَسْتَحِقّهَا مَنْ يَنْتَفِع بِهِ النَّاس , لِكَوْنِهِ عَلَّقَ السِّيَادَة بِالْإِصْلَاحِ. وَفِيهِ إِطْلَاق الِابْن عَلَى اِبْن الْبِنْت , وَقَدْ اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ اِمْرَأَة الْجَدّ وَالِد الْأُمّ مُحَرَّمَة عَلَى اِبْن بِنْته , وَأَنَّ اِمْرَأَة اِبْن الْبِنْت مُحَرَّمَة عَلَى جَدّه , وَإِنْ اِخْتَلَفُوا فِي التَّوَارُث. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَصْوِيب رَأْي مَنْ قَعَدَ عَنْ الْقِتَال مَعَ مُعَاوِيَة وَعَلِيّ وَإِنْ كَانَ عَلِيّ أَحَقّ بِالْخِلَافَةِ وَأَقْرَب إِلَى الْحَقّ , وَهُوَ قَوْل سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَابْن عُمَر وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ وَسَائِر مَنْ اِعْتَزَلَ تِلْكَ الْحُرُوب. وَذَهَبَ جُمْهُور أَهْل السُّنَّة إِلَى تَصْوِيب مَنْ قَاتَلَ مَعَ عَلِيّ لِامْتِثَالِ قَوْله تَعَالَى ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا ) الْآيَة فَفِيهَا الْأَمْر بِقِتَالِ الْفِئَة الْبَاغِيَة , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا كَانُوا بُغَاة , وَهَؤُلَاءِ مَعَ هَذَا التَّصْوِيب مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُذَمّ وَاحِد مِنْ هَؤُلَاءِ بَلْ يَقُولُونَ اِجْتَهَدُوا فَأَخْطَأُوا , وَذَهَبَ طَائِفَة قَلِيلَة مِنْ أَهْل السُّنَّة - وَهُوَ قَوْل كَثِير مِنْ الْمُعْتَزِلَة - إِلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُصِيب , وَطَائِفَة إِلَى أَنَّ الْمُصِيب طَائِفَة لَا بِعَيْنِهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6577",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حَرْمَلَةَ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏قَدْ رَأَيْتُ ‏ ‏حَرْمَلَةَ ‏ ‏قَالَ أَرْسَلَنِي ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَقَالَ إِنَّهُ سَيَسْأَلُكَ الْآنَ فَيَقُولُ مَا خَلَّفَ صَاحِبَكَ فَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ ‏ ‏لَوْ كُنْتَ فِي شِدْقِ الْأَسَدِ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِيهِ وَلَكِنَّ هَذَا أَمْرٌ لَمْ أَرَهُ فَلَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا فَذَهَبْتُ إِلَى ‏ ‏حَسَنٍ ‏ ‏وَحُسَيْنٍ ‏ ‏وَابْنِ جَعْفَرٍ ‏ ‏فَأَوْقَرُوا ‏ ‏لِي رَاحِلَتِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ قَالَ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن عَلِيّ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْحَسَن بْن عَلِيّ وَهُوَ أَبُو جَعْفَر الْبَاقِر , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَبَّاد عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ سُفْيَان \" عَنْ عَمْرو عَنْ أَبِي جَعْفَر \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ حَرْمَلَة قَالَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَبَّاد \" أَنَّ حَرْمَلَة مَوْلَى أُسَامَة أَخْبَرَهُ \" وَحَرْمَلَة هَذَا فِي الْأَصْل مَوْلَى أُسَامَة بْن زَيْد , وَكَانَ يُلَازِم زَيْد بْن ثَابِت حَتَّى صَارَ يُقَال لَهُ مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , وَقِيلَ هُمَا اِثْنَانِ. وَفِي هَذَا السَّنَد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق : عَمْرو وَأَبُو جَعْفَر وَحَرْمَلَة. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ عَمْرو ) ‏ ‏اِبْن دِينَار ‏ ‏( قَالَ قَدْ رَأَيْت حَرْمَلَة ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ عَمْرًا كَانَ يُمْكِنهُ الْأَخْذ عَنْ حَرْمَلَة لَكِنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْهُ هَذَا. ‏ ‏قَوْله ( أَرْسَلَنِي أُسَامَة ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْمَدِينَة ‏ ‏( إِلَى عَلِيّ ) ‏ ‏أَيْ بِالْكُوفَةِ , لَمْ يَذْكُر مَضْمُون الرِّسَالَة وَلَكِنْ دَلَّ مَضْمُون قَوْله \" فَلَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا \" عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَرْسَلَهُ يَسْأَل عَلِيًّا شَيْئًا مِنْ الْمَال. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ إِنَّهُ سَيَسْأَلُك الْآنَ فَيَقُول : مَا خَلَّفَ صَاحِبك إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا هَيَّأَهُ أُسَامَة اِعْتِذَارًا عَنْ تَخَلُّفه عَنْ عَلِيّ لِعِلْمِهِ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يُنْكِر عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ وَلَا سِيَّمَا مِثْل أُسَامَة الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْل الْبَيْت , فَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّف ضَنًّا مِنْهُ بِنَفْسِهِ عَنْ عَلِيّ وَلَا كَرَاهَة لَهُ , وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي أَشَدّ الْأَمَاكِن هَوْلًا لَأَحَبَّ أَنْ يَكُون مَعَهُ فِيهِ وَيُوَاسِيه بِنَفْسِهِ , وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا تَخَلَّفَ لِأَجْلِ كَرَاهِيَته فِي قَتْل الْمُسْلِمِينَ , وَهَذَا مَعْنَى قَوْله \" وَلَكِنَّ هَذَا أَمْر لَمْ أَرَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( لَوْ كُنْت فِي شِدْق الْأَسَد ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَيَجُوز فَتْحهَا وَسُكُون الدَّال الْمُهْمَلَة بَعْدَهَا قَاف أَيْ جَانِب فَمه مِنْ دَاخِل , وَلِكُلِّ فَم شِدْقَانِ إِلَيْهِمَا يَنْتَهِي شِقّ الْفَم وَعِنْدَ مُؤَخَّرهمَا يَنْتَهِي الْحَنَك الْأَعْلَى وَالْأَسْفَل , وَرَجُل أَشَدْق وَاسِع الشِّدْقَيْنِ , وَيَتَشَدَّق فِي كَلَامه إِذَا فَتَحَ فَمَه وَأَكْثَرَ الْقَوْل فِيهِ وَاتَّسَعَ فِيهِ , وَهُوَ كِنَايَة عَنْ الْمُوَافَقَة حَتَّى فِي حَالَة الْمَوْت , لِأَنَّ الَّذِي يَفْتَرِسهُ الْأَسَد بِحَيْثُ يَجْعَلهُ فِي شِدْقه فِي عِدَاد مَنْ هَلَكَ , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَالَ : لَوْ وَصَلْت إِلَى هَذَا الْمَقَام لَأَحْبَبْت أَنْ أَكُون مَعَك فِيهِ مُوَاسِيًا لَك بِنَفْسِي. وَمِنْ الْمُنَاسَبَات اللَّطِيفَة تَمْثِيل أُسَامَة بِشَيْءٍ يَتَعَلَّق بِالْأَسَدِ. وَوَقَعَ فِي \" تَنْقِيح الزَّرْكَشِيّ \" أَنَّ الْقَاضِيَ - يَعْنِي عِيَاضًا - ضَبَطَ الشِّدْق بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة قَالَ : وَكَلَام الْجَوْهَرِيّ يَقْتَضِي أَنَّهُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة , وَقَالَ لِي بَعْض مَنْ لَقِيته مِنْ الْأَئِمَّة : إِنَّهُ غَلَط عَلَى الْقَاضِي , قُلْت : وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي \" الْمَشَارِق \" فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث سَمُرَة الطَّوِيل فِي الَّذِي يُشَرْشَر شِدْقه فَإِنَّهُ ضَبَطَ الشِّدْق بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة , وَتَبِعَهُ اِبْن قُرْقُولٍ فِي \" الْمَطَالِع \". نَعَمْ هُوَ غَلَط فَقَدْ ضُبِطَ فِي جَمِيع كُتِبَ اللُّغَة بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ اِبْن بَطَّال : أَرْسَلَ أُسَامَة إِلَى عَلِيّ يَعْتَذِر عَنْ تَخَلُّفه عَنْهُ فِي حُرُوبه , وَيُعْلِمهُ أَنَّهُ مِنْ أَحَبّ النَّاس إِلَيْهِ , وَأَنَّهُ يُحِبّ مُشَارَكَته فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء , إِلَّا أَنَّهُ لَا يَرَى قِتَال الْمُسْلِم , قَالَ : وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ ذَلِكَ الرَّجُل - يَعْنِي الْمَاضِي ذِكْره فِي \" بَاب وَمَنْ أَحْيَاهَا \" فِي أَوَائِل الدِّيَات وَلَامَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبِ ذَلِكَ , آلَى عَلَى نَفْسه أَنْ لَا يُقَاتِل مُسْلِمًا. فَذَلِكَ سَبَب تَخَلُّفه عَنْ عَلِيّ فِي الْجَمَل وَصِفِّينَ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ اِبْن التِّين : إِنَّمَا مَنَعَ عَلِيًّا أَنْ يُعْطِي رَسُول أُسَامَة شَيْئًا لِأَنَّهُ لَعَلَّهُ سَأَلَهُ شَيْئًا مِنْ مَال اللَّه فَلَمْ يَرَ أَنْ يُعْطِيَهُ لِتَخَلُّفِهِ عَنْ الْقِتَال مَعَهُ , وَأَعْطَاهُ الْحَسَن وَالْحُسَيْن وَعَبْد اللَّه بْن جَعْفَر لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُجْلِسهُ عَلَى فَخِذه وَيُجْلِس الْحَسَن عَلَى الْفَخِذ الْآخَر وَيَقُول \" اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبّهُمَا \" كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبه. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا ) ‏ ‏هَذِهِ الْفَاء هِيَ الْفَصِيحَة وَالتَّقْدِير فَذَهَبْت إِلَى عَلِيّ فَبَلَّغْته ذَلِكَ فَلَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَجِئْت بِهَا - أَيْ الْمَقَالَة - فَأَخْبَرْته فَلَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا \". ‏ ‏قَوْله ( فَذَهَبْت إِلَى حَسَن وَحُسَيْن وَابْن جَعْفَر فَأَوْقَرُوا لِي رَاحِلَتِي ) ‏ ‏أَيْ حَمَلُوا لِي عَلَى رَاحِلَتِي مَا أَطَاقَتْ حَمْله , وَلَمْ يُعَيِّن فِي هَذِهِ الرِّوَايَة جِنْس مَا أَعْطَوْهُ وَلَا نَوْعه , وَالرَّاحِلَة الَّتِي صَلَحَتْ لِلرُّكُوبِ مِنْ الْإِبِل ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى , وَأَكْثَر مَا يُطْلَق الْوِقْر وَهُوَ بِالْكَسْرِ عَلَى مَا يَحْمِل الْبَغْل وَالْحِمَار , وَأَمَّا حَمْل الْبَعِير فَيُقَال لَهُ الْوَسْق , وَابْن جَعْفَر هُوَ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَبَّاد وَابْن أَبِي عُمَر الْمَذْكُورَة , وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا عَوَّضُوهُ مِنْ أَمْوَالهمْ مِنْ ثِيَاب وَنَحْوهَا قَدْر مَا تَحْمِلُهُ رَاحِلَته الَّتِي هُوَ رَاكِبهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6578",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا خَلَعَ ‏ ‏أَهْلُ الْمَدِينَةِ ‏ ‏يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ ‏ ‏جَمَعَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ وَلَا بَايَعَ فِي هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا كَانَتْ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( لَمَّا خَلَعَ أَهْل الْمَدِينَة يَزِيد بْن مُعَاوِيَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْعَبَّاس السَّرَّاج فِي تَارِيخ عَنْ أَحْمَد بْن مَنِيع وَزِيَاد بْن أَيُّوب عَنْ عَفَّانَ عَنْ صَخْر بْن جُوَيْرِيَة عَنْ نَافِع \" لَمَّا اِنْتَزَى أَهْل الْمَدِينَة مَعَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَخَلَعُوا يَزِيد بْن مُعَاوِيَة جَمَعَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر بَنِيهِ \" وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُؤَمَّل بْن إِسْمَاعِيل عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد فِي أَوَّله مِنْ الزِّيَادَة عَنْ نَافِع \" أَنَّ مُعَاوِيَة أَرَادَ اِبْن عُمَر عَلَى أَنْ يُبَايِع لِيَزِيدَ فَأَبَى وَقَالَ لَا أُبَايِع لِأَمِيرَيْنِ , فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَة بِمِائَةِ أَلْف دِرْهَم فَأَخَذَهَا , فَدَسَّ إِلَيْهِ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ مَا يَمْنَعك أَنْ تُبَايِع ؟ فَقَالَ : إِنَّ ذَاكَ لِذَاكَ - يَعْنِي عَطَاء ذَلِكَ الْمَال لِأَجْلِ وُقُوع الْمُبَايَعَة - إِنَّ دِينِي عِنْدِي إِذًا لَرَخِيصٌ , فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَة كَتَبَ اِبْن عُمَر إِلَى يَزِيد بِبَيْعَتِهِ , فَلَمَّا خَلَعَ أَهْل الْمَدِينَة \" فَذَكَرَهُ. قُلْت : وَكَانَ السَّبَب فِيهِ مَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ مُسْنَدًا أَنَّ يَزِيد بْن مُعَاوِيَة كَانَ أَمَّرَ عَلَى الْمَدِينَة اِبْن عَمّه عُثْمَان بْن مُحَمَّد بْن أَبِي سُفْيَان , فَأَوْفَدَ إِلَى يَزِيد جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة مِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن غَسِيل الْمَلَائِكَة حَنْظَلَة بْن أَبِي عَامِر وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي عَمْرو بْن حَفْص الْمَخْزُومِيّ فِي آخَرِينَ فَأَكْرَمَهُمْ وَأَجَازَهُمْ , فَرَجَعُوا فَأَظْهَرُوا عَيْبَهُ وَنَسَبُوهُ إِلَى شُرْب الْخَمْر وَغَيْر ذَلِكَ , ثُمَّ وَثَبُوا عَلَى عُثْمَان فَأَخْرَجُوهُ , وَخَلَعُوا يَزِيد بْن مُعَاوِيَة , فَبَلَغَ ذَلِكَ يَزِيد فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا مَعَ مُسْلِم بْن عُقْبَةَ الْمُرِّيِّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوهُمْ ثَلَاثًا فَإِنْ رَجَعُوا وَإِلَّا فَقَاتِلْهُمْ , فَإِذَا ظَهَرَتْ فَأَبِحْهَا لِلْجَيْشِ ثَلَاثًا ثُمَّ اُكْفُفْ عَنْهُمْ. فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ فَوَصَلَ فِي ذِي الْحِجَّة سَنَةَ ثَلَاثِينَ فَحَارَبُوهُ , وَكَانَ الْأَمِير عَلَى الْأَنْصَار عَبْد اللَّه بْن حَنْظَلَة وَعَلَى قُرَيْش عَبْد اللَّه بْن مُطِيع وَعَلَى غَيْرهمْ مِنْ الْقَبَائِل مَعْقِل بْن يَسَار الْأَشْجَعِيُّ , وَكَانُوا اِتَّخَذُوا خَنْدَقًا , فَلَمَّا وَقَعَتْ الْوَقْعَة اِنْهَزَمَ أَهْل الْمَدِينَة , فَقُتِلَ اِبْن حَنْظَلَة , وَفَرَّ اِبْن مُطِيع , وَأَبَاحَ مُسْلِم بْن عُقْبَةَ الْمَدِينَة ثَلَاثًا , فَقُتِلَ جَمَاعَة صَبْرًا , مِنْهُمْ مَعْقِل بْن سِنَان وَمُحَمَّد بْن أَبِي الْجَهْم اِبْن حُذَيْفَة وَيَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن زَمْعَةَ وَبَايَعَ الْبَاقِينَ عَلَى أَنَّهُمْ خَوَل لِيَزِيدَ. وَأَخْرَجَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي خَيْثَمَةَ بِسَنَدٍ صَحِيح إِلَى جُوَيْرِيَة بْن أَسْمَاء : سَمِعْت أَشْيَاخ أَهْل الْمَدِينَة يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ مُعَاوِيَة لَمَّا اُحْتُضِرَ دَعَا يَزِيد فَقَالَ لَهُ \" إِنَّ لَك مِنْ أَهْل الْمَدِينَة يَوْمًا , فَإِنْ فَعَلُوا فَارْمِهِمْ بِمُسْلِمِ بْن عُقْبَةَ فَإِنِّي عَرَفْت نَصِيحَته \" فَلَمَّا وَلِيَ يَزِيد وَفَدَ عَلَيْهِ عَبْد اللَّه بْن حَنْظَلَة وَجَمَاعَة فَأَكْرَمَهُمْ وَأَجَازَهُمْ , فَرَجَعَ فَحَرَّضَ النَّاس عَلَى يَزِيد وَعَابَهُ وَدَعَاهُمْ إِلَى خَلْع يَزِيد , فَأَجَابُوهُ. فَبَلَغَ يَزِيد فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ مُسْلِم بْن عُقْبَةَ , فَاسْتَقْبَلَهُمْ أَهْل الْمَدِينَة بِجُمُوعٍ كَثِيرَة , فَهَابَهُمْ أَهْل الشَّام وَكَرِهُوا قِتَالهمْ , فَلَمَّا نَشِبَ الْقِتَال سَمِعُوا فِي جَوْف الْمَدِينَة التَّكْبِير , وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي حَارِثَة أَدْخَلُوا قَوْمًا مِنْ الشَّامِيِّينَ مِنْ جَانِب الْخَنْدَق , فَتَرَكَ أَهْل الْمَدِينَة الْقِتَال وَدَخَلُوا الْمَدِينَة خَوْفًا عَلَى أَهْلهمْ , فَكَانَتْ الْهَزِيمَة , وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ وَبَايَعَ مُسْلِم النَّاس عَلَى أَنَّهُمْ خَوَل لِيَزِيدَ يَحْكُم فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وَأَهْلهمْ بِمَا شَاءَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سَعِيد بْن رُمَّانَة أَنَّ مُعَاوِيَة لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْت قَالَ لِيَزِيدَ قَدْ وَطَّأْت لَك الْبِلَاد وَمَهَّدْت لَك النَّاس وَلَسْت أَخَاف عَلَيْك إِلَّا أَهْل الْحِجَاز , فَإِنْ رَابَك مِنْهُمْ رَيْب فَوَجِّهْ إِلَيْهِمْ مُسْلِم بْن عُقْبَةَ فَإِنِّي قَدْ جَرَّبْته وَعَرَفْت نَصِيحَته , قَالَ فَلَمَّا كَانَ مِنْ خِلَافهمْ عَلَيْهِ مَا كَانَ دَعَاهُ فَوَجَّهَهُ فَأَبَاحَهَا ثَلَاثًا. ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى بَيْعَة يَزِيد وَأَنَّهُمْ أَعْبُد لَهُ قِنّ فِي طَاعَة اللَّه وَمَعْصِيَته. وَمِنْ رِوَايَة عُرْوَة بْن الزُّبَيْر قَالَ : لَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَة أَظْهَرَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر الْخِلَاف عَلَى يَزِيد بْن مُعَاوِيَة , فَوَجَّهَ يَزِيد مُسْلِم بْن عُقْبَةَ فِي جَيْش أَهْل الشَّام وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْدَأ بِقِتَالِ أَهْل الْمَدِينَة ثُمَّ يَسِير إِلَى اِبْن الزُّبَيْر بِمَكَّةَ , قَالَ فَدَخَلَ مُسْلِم بْن عُقْبَةَ الْمَدِينَة وَبِهَا بَقَايَا مِنْ الصَّحَابَة فَأَسْرَفَ فِي الْقَتْل , ثُمَّ سَارَ إِلَى مَكَّة فَمَاتَ فِي بَعْض الطَّرِيق. وَأَخْرَجَ يَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي تَارِيخه بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : جَاءَ تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة عَلَى رَأْس سِتِّينَ سَنَة ( وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَة لَآتَوْهَا ) يَعْنِي إِدْخَال بَنِي حَارِثَة أَهْل الشَّام عَلَى أَهْل الْمَدِينَة فِي وَقْعَة الْحِرَّة. قَالَ يَعْقُوب : وَكَانَتْ وَقْعَة الْحِرَّة فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَة ثَلَاث وَسِتِّينَ. ‏ ‏قَوْله ( حَشَمه ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة ثُمَّ الْمُعْجَمَة , قَالَ اِبْن التِّين : الْحَشَمَة الْعَصَبَة وَالْمُرَاد هُنَا خَدَمه وَمَنْ يَغْضَب لَهُ. وَفِي رِوَايَة صَخْر بْن جُوَيْرِيَة عَنْ نَافِع عِنْدَ أَحْمَد \" لَمَّا خَلَعَ النَّاس يَزِيد بْن مُعَاوِيَة جَمَعَ اِبْن عُمَر بَنِيهِ وَأَهْله ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ \". ‏ ‏قَوْله ( يُنْصَب لِكُلِّ غَادِر لِوَاء يَوْمَ الْقِيَامَة ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مُؤَمَّل \" بِقَدْرِ غَدْرَته \" وَزَادَ فِي رِوَايَة صَخْر \" فَقَالَ هَذِهِ غَدْرَة فُلَان \" أَيْ عَلَامَة غَدْرَته ; وَالْمُرَاد بِذَلِكَ شُهْرَته وَأَنْ يَفْتَضِح بِذَلِكَ عَلَى رُءُوس الْأَشْهَاد , وَفِيهِ تَعْظِيم الْغَدْر سَوَاء كَانَ مِنْ قِبَل الْآمِر أَوْ الْمَأْمُور وَهَذَا الْقَدْر هُوَ الْمَرْفُوع مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي \" بَاب إِثْم الْغَادِر لِلْبَرِّ وَالْفَاجِر \" فِي أَوَاخِر كِتَاب الْجِزْيَة وَالْمُوَادَعَة قُبَيْلَ بَدْء الْخَلْق. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى بَيْعِ اللَّه وَرَسُوله ) ‏ ‏أَيْ عَلَى شَرْط مَا أَمَرَ اللَّه وَرَسُوله بِهِ مِنْ بَيْعَة الْإِمَام , وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ بَايَعَ أَمِيرًا فَقَدْ أَعْطَاهُ الطَّاعَة وَأَخَذَ مِنْهُ الْعَطِيَّة فَكَانَ شَبِيه مَنْ بَاعَ سِلْعَة وَأَخَذَ ثَمَنَهَا , وَقِيلَ إِنَّ أَصْله أَنَّ الْعَرَب كَانَتْ إِذَا تَبَايَعَتْ تَصَافَقَتْ بِالْأَكُفِّ عِنْدَ الْعَقْد , وَكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ إِذَا تَحَالَفُوا , فَسَمَّوْا مُعَاهَدَة الْوُلَاة وَالْتِمَاسك فِيهِ بِالْأَيْدِي بَيْعَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُؤَمَّل وَصَخْر \" عَلَى بَيْعَة اللَّه \" وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَفَعَهُ \" مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَة يَده وَثَمَرَة قَلْبه فَلْيُطِعْهُ مَا اِسْتَطَاعَ , فَإِنْ جَاءَ أَحَد يُنَازِعهُ فَاضْرِبُوا عُنُق الْآخَر \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَا غَدْر أَعْظَم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة صَخْر بْن جُوَيْرِيَة عَنْ نَافِع الْمَذْكُور \" وَإِنَّ مِنْ أَعْظَم الْغَدْر بَعْدَ الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ أَنْ يُبَايِع رَجُل رَجُلًا عَلَى بَيْع اللَّه ثُمَّ يَنْكُث بَيْعَته \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يَنْصِب لَهُ الْقِتَال ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله , وَفِي رِوَايَة مُؤَمَّل \" نَصَبَ لَهُ يُقَاتِلهُ \". ‏ ‏قَوْله ( خَلَعَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُؤَمَّل \" خَلَعَ يَزِيد \" وَزَادَ \" أَوْ خَفَّ فِي هَذَا الْأَمْر \" وَفِي رِوَايَة صَخْر بْن جُوَيْرِيَة \" فَلَا يَخْلَعَنَّ أَحَد مِنْكُمْ يَزِيد وَلَا يَسْعَى فِي هَذَا الْأَمْر \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَا تَابَعَ فِي هَذَا الْأَمْر ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّة ثُمَّ مُوَحَّدَة , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّة. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا كَانَتْ الْفَيْصَل بَيْنِي وَبَيْنَهُ ) ‏ ‏أَيْ الْقَاطِعَة وَهِيَ فَيْعَل مِنْ فَصَلَ الشَّيْء إِذَا قَطَعَهُ , وَفِي رِوَايَة مُؤَمَّل \" فَيَكُون الْفَيْصَل فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ \" وَفِي رِوَايَة صَخْر بْن جُوَيْرِيَة \" فَيَكُون صَيْلَمًا بَيْنِي وَبَيْنَهُ \" وَالصَّيْلَم بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَة وَيَاء آخِر الْحُرُوف ثُمَّ لَامَ مَفْتُوحَة الْقَطِيعَة. وَفِي هَذَا الْحَدِيث وُجُوب طَاعَة الْإِمَام الَّذِي اِنْعَقَدَتْ لَهُ الْبَيْعَة وَالْمَنْع مِنْ الْخُرُوج عَلَيْهِ وَلَوْ جَارَ فِي حُكْمه وَأَنَّهُ لَا يَنْخَلِع بِالْفِسْقِ , وَقَدْ وَقَعَ فِي نُسْخَة شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ حَمْزَة بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّة الرَّجُل الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا ) الْآيَة أَنَّ اِبْن عُمَر قَالَ \" مَا وَجَدْت فِي نَفْسِي فِي شَيْء مِنْ أَمْر هَذِهِ الْأُمَّة مَا وَجَدْت فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أُقَاتِل هَذِهِ الْفِئَة الْبَاغِيَة كَمَا أَمَرَ اللَّه \" زَادَ يَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي تَارِيخه مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ الزُّهْرِيّ \" قَالَ حَمْزَة فَقُلْنَا لَهُ : وَمَنْ تَرَى الْفِئَة الْبَاغِيَة ؟ قَالَ : اِبْن الزُّبَيْر بَغَى عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم - يَعْنِي بَنِي أُمَيَّة - فَأَخْرَجَهُمْ مِنْ دِيَارهمْ وَنَكَثَ عَهْدَهُمْ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6579",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَوْفٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْمِنْهَالِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا كَانَ ‏ ‏ابْنُ زِيَادٍ ‏ ‏وَمَرْوَانُ ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏ ‏وَوَثَبَ ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏وَوَثَبَ الْقُرَّاءُ ‏ ‏بِالْبَصْرَةِ ‏ ‏فَانْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى ‏ ‏أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ‏ ‏حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ فِي دَارِهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ ‏ ‏عُلِّيَّةٍ ‏ ‏لَهُ مِنْ قَصَبٍ فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ فَأَنْشَأَ أَبِي يَسْتَطْعِمُهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا بَرْزَةَ ‏ ‏أَلَا تَرَى مَا وَقَعَ فِيهِ النَّاسُ فَأَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ ‏ ‏إِنِّي احْتَسَبْتُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّي أَصْبَحْتُ سَاخِطًا عَلَى أَحْيَاءِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏كُنْتُمْ عَلَى الْحَالِ الَّذِي عَلِمْتُمْ مِنْ الذِّلَّةِ وَالْقِلَّةِ وَالضَّلَالَةِ وَإِنَّ اللَّهَ أَنْقَذَكُمْ بِالْإِسْلَامِ ‏ ‏وَبِمُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى بَلَغَ بِكُمْ مَا تَرَوْنَ وَهَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَفْسَدَتْ بَيْنَكُمْ إِنَّ ذَاكَ الَّذِي ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُ إِلَّا عَلَى الدُّنْيَا وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُونَ إِلَّا عَلَى الدُّنْيَا وَإِنْ ذَاكَ الَّذِي ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُ إِلَّا عَلَى الدُّنْيَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَبُو شِهَاب ) ‏ ‏هُوَ عَبْد رَبّه بْن نَافِع وَعَوْف هُوَ الْأَعْرَابِيّ , وَالسَّنَد كُلّه بَصْرِيُّونَ إِلَّا اِبْن يُونُس , وَأَبُو الْمِنْهَال هُوَ سَيَّار بْن سَلَامَة. ‏ ‏قَوْله ( لَمَّا كَانَ اِبْن زِيَاد وَمَرْوَان بِالشَّامِ وَثَبَ اِبْن الزُّبَيْر بِمَكَّةَ وَوَثَبَ الْقُرَّاء بِالْبَصْرَةِ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّ وُثُوب اِبْن الزُّبَيْر وَقَعَ بَعْدَ قِيَام اِبْن زِيَاد وَمَرْوَان بِالشَّامِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي الْكَلَام حَذْف , وَتَحْرِيره مَا وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن زُرَيْعٍ عَنْ عَوْف قَالَ \" حَدَّثَنَا أَبُو الْمِنْهَال قَالَ : لَمَّا كَانَ زَمَن أُخْرِجَ اِبْن زِيَاد يَعْنِي مِنْ الْبَصْرَة وَثَبَ مَرْوَان بِالشَّامِ وَوَثَبَ اِبْن الزُّبَيْر بِمَكَّةَ وَوَثَبَ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ الْقُرَّاء بِالْبَصْرَةِ غُمَّ أَبِي غَمًّا شَدِيدًا \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ يَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي تَارِيخه مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ عَوْف وَلَفْظه \" وَثَبَ مَرْوَان بِالشَّامِ حَيْثُ وَثَبَ \" وَالْبَاقِي مِثْله , وَيُصَحِّح مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي شِهَاب بِأَنْ تُزَاد وَاو قَبْلَ قَوْله \" وَثَبَ اِبْن الزُّبَيْر \" فَإِنَّ اِبْن زِيَاد لَمَّا أُخْرِجَ مِنْ الْبَصْرَة تَوَجَّهَ إِلَى الشَّام فَقَامَ مَعَ مَرْوَان , وَقَدْ ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ بِأَسَانِيدِهِ مَا مُلَخَّصه : أَنَّ عُبَيْد اللَّه بْن زِيَاد كَانَ أَمِيرًا بِالْبَصْرَةِ لِيَزِيدَ بْن مُعَاوِيَة , وَأَنَّهُ لَمَّا بَلَغَتْهُ وَفَاته خَطَبَ لِأَهْلِ الْبَصْرَة وَذَكَرَ مَا وَقَعَ مِنْ الِاخْتِلَاف بِالشَّامِ , فَرَضِيَ أَهْل الْبَصْرَة أَنْ يَسْتَمِرّ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَجْتَمِع النَّاس عَلَى خَلِيفَة فَمَكَثَ عَلَى ذَلِكَ قَلِيلًا , ثُمَّ قَامَ سَلَمَة بْن ذُؤَيْب بْن عَبْد اللَّه الْيَرْبُوعِيُّ يَدْعُو إِلَى اِبْن الزُّبَيْر فَبَايَعَهُ جَمَاعَة , فَبَلَغَ ذَلِكَ اِبْن زِيَاد وَأَرَادَ مِنْهُمْ كَفَّ سَلَمَة عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ , فَلَمَّا خَشِيَ عَلَى نَفْسه الْقَتْل اِسْتَجَارَ بِالْحَارِثِ بْن قَيْس بْن سُفْيَان فَأَرْدَفَهُ لَيْلًا إِلَى أَنْ أَتَى بِهِ مَسْعُود بْن عَمْرو بْن عَدِيّ الْأَزْدِيَّ فَأَجَارَهُ , ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَ أَهْل الْبَصْرَة اِخْتِلَاف فَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث بْن نَوْفَل بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب الْمُلَقَّب بَبّه بِمُوَحَّدَتَيْنِ الثَّانِيَة ثَقِيلَة وَأُمّه هِنْد بِنْت أَبِي سُفْيَان , وَوَقَعَتْ الْحَرْب وَقَامَ مَسْعُود بِأَمْرِ عُبَيْد اللَّه بْن زِيَاد فَقُتِلَ مَسْعُود وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر فِي شَوَّال سَنَة أَرْبَع وَسِتِّينَ , فَبَلَغَ ذَلِكَ عُبَيْد اللَّه بْن زِيَاد فَهَرَبَ , فَتَبِعُوهُ وَانْتَبَهُوا مَا وَجَدُوا لَهُ , وَكَانَ مَسْعُود رَتَّبَ مَعَهُ مِائَة نَفْس يَحْرُسُونَهُ فَقَدِمُوا بِهِ الشَّام قَبْلَ أَنْ يُبْرِمُوا أَمْرهمْ فَوَجَدُوا مَرْوَان قَدْ هَمَّ أَنْ يَرْحَل إِلَى اِبْن الزُّبَيْر لِيُبَايِعَهُ وَيَسْتَأْمِنَ لِبَنِي أُمَيَّة , فَثَنَى رَأْيه عَنْ ذَلِكَ , وَجَمَعَ مَنْ كَانَ يَهْوَى بَنِي أُمَيَّة وَتَوَجَّهُوا إِلَى دِمَشْق وَقَدْ بَايَعَ الضَّحَّاك بْن قَيْس بِهَا لِابْنِ الزُّبَيْر , وَكَذَا النُّعْمَان بْن بَشِير بِحِمْص , وَكَذَا نَاتِل بِنُونٍ وَمُثَنَّاة اِبْن قَيْس بِفِلَسْطِين , وَلَمْ يَبْقَ عَلَى رَأْي الْأُمَوِيِّينَ إِلَّا حَسَّان بْن بَحْدَل بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَة وَزْن جَعْفَر وَهُوَ خَال يَزِيد بْن مُعَاوِيَة وَهُوَ بِالْأُرْدُنِّ فِيمَنْ أَطَاعَهُ , فَكَانَتْ الْوَقْعَة بَيْنَ مَرْوَان وَمَنْ مَعَهُ وَبَيْنَ الضَّحَّاك بْن قَيْس بِمَرْجِ رَاهِط , فَقُتِلَ الضَّحَّاك وَتَفَرَّقَ جَمْعه وَبَايَعُوا حِينَئِذٍ مَرْوَان بِالْخِلَافَةِ فِي ذِي الْقَعْدَة مِنْهَا. وَقَالَ أَبُو زُرْعَة الدِّمَشْقِيّ فِي تَارِيخه : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِر عَبْد الْأَعْلَى قَالَ : بُويِعَ لِمَرْوَانَ بْن الْحَكَم , بَايَعَ لَهُ أَهْل الْأُرْدُنّ وَطَائِفَة مِنْ أَهْل دِمَشْق , وَسَائِر النَّاس زُبَيْرِيُّونَ , ثُمَّ اِقْتَتَلَ مَرْوَان وَشُعْبَة بْن الزُّبَيْر بِمَرْجِ رَاهِط فَغَلَبَ مَرْوَان وَصَارَتْ لَهُ الشَّام وَمِصْر , وَكَانَتْ مُدَّته تِسْعَة أَشْهُر فَهَلَكَ بِدِمَشْقَ وَعَهِدَ لِعَبْدِ الْمَلِك. وَقَالَ خَلِيفَة بْن خَيَّاط فِي تَارِيخه : حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه وَأَبُو الْيَقْظَان وَغَيْرهمَا قَالُوا : قَدِمَ اِبْن الزِّيَاد الشَّام وَقَدْ بَايَعُوا اِبْن الزُّبَيْر مَا خَلَا أَهْل الْجَابِيَة , ثُمَّ سَارُوا إِلَى مَرْج رَاهِط فَذَكَرَ نَحْوه , وَهَذَا يَدْفَع مَا تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن بَطَّال أَنَّ اِبْن الزُّبَيْر بَايَعَ مَرْوَان ثُمَّ نَكَثَ. ‏ ‏قَوْله ( وَوَثَبَ الْقُرَّاء بِالْبَصْرَةِ ) ‏ ‏يُرِيد الْخَوَارِج , وَكَانُوا قَدْ ثَارُوا بِالْبَصْرَةِ بَعْدَ خُرُوج اِبْن زِيَاد وَرَئِيسهمْ نَافِع بْن الْأَزْرَق , ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى الْأَهْوَاز , وَقَدْ اِسْتَوْفَى خَبَرهمْ الطَّبَرِيُّ وَغَيْره , وَيُقَال إِنَّهُ أَرَادَ الَّذِينَ بَايَعُوا عَلَى قِتَال مَنْ قَتَلَ الْحُسَيْن وَسَارُوا مَعَ سُلَيْمَان بْن صُرَد وَغَيْره مِنْ الْبَصْرَة إِلَى جِهَة الشَّام فَلَقِيَهُمْ عُبَيْد اللَّه بْن زِيَاد فِي جَيْش الشَّام مِنْ قِبَل مَرْوَان فَقُتِلُوا بِعَيْنِ الْوَرْدَة , وَقَدْ قَصَّ قِصَّتَهُمْ الطَّبَرِيُّ وَغَيْره. ‏ ‏قَوْله ( فَانْطَلَقْت مَعَ أَبِي إِلَى أَبِي بَرْزَة الْأَسْلَمِيِّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْعٍ \" فَقَالَ لِي أَبِي وَكَانَ يُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا اِنْطَلِقْ بِنَا إِلَى هَذَا الرَّجُل مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَرْزَة الْأَسْلَمِيِّ , فَانْطَلَقْت مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ عَوْف \" فَقَالَ أَبِي اِنْطَلِقْ بِنَا لَا أَبَا لَك إِلَى هَذَا الرَّجُل مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَرْزَة \" وَعِنْدَ يَعْقُوب بْن سُفْيَان عَنْ سُكَيْن بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْمِنْهَال قَالَ \" دَخَلْت مَعَ أَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَة الْأَسْلَمِيِّ , وَإِنَّ فِي أُذُنَيَّ يَوْمَئِذٍ لِقُرْطَيْنِ وَإِنِّي لَغُلَامٌ. ‏ ‏قَوْله ( فِي ظِلّ عُلِّيَّة لَهُ مِنْ قَصَب ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْعٍ \" فِي يَوْم حَارّ شَدِيد الْحَرّ \" وَالْعُلِّيَّة بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَبِكَسْرِهَا وَكَسْر اللَّام وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة هِيَ الْغُرْفَةُ وَجَمْعهَا عَلَالِيّ , وَالْأَصْل عُلِّيْوَة فَأُبْدِلَتْ الْوَاو يَاء وَأُدْغِمَتْ , وَفِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك \" فِي ظِلّ عُلُّولَة \". ‏ ‏قَوْله ( يَسْتَطْعِمهُ الْحَدِيث ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِالْحَدِيثِ \" أَيْ يَسْتَفْتِحُ الْحَدِيث وَيَطْلُب مِنْهُ التَّحْدِيث. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي اِحْتَسَبْت عِنْدَ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَحْتَسِب \" وَكَذَا فِي رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْعٍ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَطْلُب بِسُخْطِهِ عَلَى الطَّوَائِفِ الْمَذْكُورِينَ مِنْ اللَّه الْأَجْر عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْحُبّ فِي اللَّه وَالْبُغْض فِي اللَّه مِنْ الْإِيمَان. ‏ ‏قَوْله ( سَاخِطًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ سُكَيْن \" لَائِمًا \". ‏ ‏قَوْله ( إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك \" الْعَرِيب \". ‏ ‏قَوْله ( كُنْتُمْ عَلَى الْحَال الَّذِي عَلِمْتُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْعٍ \" عَلَى الْحَال الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْهَا فِي جَاهِلِيَّتكُمْ \" ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّ اللَّه قَدْ أَنْقَذَكُمْ بِالْإِسْلَامِ وَبِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْعٍ \" وَإِنَّ اللَّه نَعَشَكُمْ \" بِفَتْحِ النُّون وَالْمُهْمَلَة ثُمَّ مُعْجَمَة , وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِل الِاعْتِصَام مِنْ رِوَايَة مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ عَوْف أَنَّ أَبَا الْمِنْهَال حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَرْزَة قَالَ \" إِنَّ اللَّه يُغْنِيكُمْ \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه هُوَ الْبُخَارِيّ : وَقَعَ هُنَا \" يُغْنِيكُمْ \" يَعْنِي بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الْمُعْجَمَة بَعْدَهَا نُون مَكْسُورَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة قَالَ وَإِنَّمَا هُوَ \" نَعَشَكُمْ \" يُنْظَر فِي أَصْل الِاعْتِصَام , كَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَمْلِيّ , وَوَقَعَ عِنْدَ اِبْن السَّكَن \" نَعَشَكُمْ \" عَلَى الصَّوَاب , وَمَعْنَى نَعَشَكُمْ رَفَعَكُمْ وَزْنه وَمَعْنَاهُ , وَقِيلَ عَضَّدَكُمْ وَقَوَّاكُمْ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ ذَاكَ الَّذِي بِالشَّامِ ) ‏ ‏زَادَ يَزِيد بْن زُرَيْعٍ \" يَعْنِي مَرْوَان \" وَفِي رِوَايَة سُكَيْن \" عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان \" وَالْأَوَّل أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَيْنَ أَظْهُركُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْعٍ وَابْن الْمُبَارَك نَحْوه \" إِنَّ الَّذِينَ حَوْلَكُمْ الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ قُرَّاؤُكُمْ \" وَفِي رِوَايَة سُكَيْن وَذَكَرَ نَافِع بْن الْأَزْرَق وَزَادَ فِي آخِرِهِ \" فَقَالَ أَبِي : فَمَا تَأْمُرنِي إِذًا ؟ فَإِنِّي لَا أَرَاك تَرَكْت أَحَدًا , قَالَ لَا أَرَى خَيْر النَّاس الْيَوْم إِلَّا عِصَابَة خِمَاص الْبُطُون مِنْ أَمْوَال النَّاس خِفَاف الظُّهُور مِنْ دِمَائِهِمْ \" وَفِي رِوَايَة سُكَيْن \" إِنَّ أَحَبّ النَّاس إِلَيَّ لَهَذِهِ الْعِصَابَة الْخَمِصَة بُطُونُهُمْ مِنْ أَمْوَال النَّاس الْخَفِيفَة ظُهُورهمْ مِنْ دِمَائِهِمْ \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَرْزَة كَانَ يَرَى الِانْعِزَال فِي الْفِتْنَة وَتَرْك الدُّخُول فِي كُلّ شَيْء مِنْ قِتَال الْمُسْلِمِينَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي طَلَب الْمُلْك. وَفِيهِ اِسْتِشَارَة أَهْل الْعِلْم وَالدِّين عِنْدَ نُزُول الْفِتَن وَبَذْل الْعَالِم النَّصِيحَة لِمَنْ يَسْتَشِيرهُ , وَفِيهِ الِاكْتِفَاء فِي إِنْكَار الْمُنْكَر بِالْقَوْلِ وَلَوْ فِي غَيْبَة مَنْ يُنْكِر عَلَيْهِ لِيَتَّعِظَ مَنْ يَسْمَعهُ فَيَحْذَر مِنْ الْوُقُوع فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّ ذَاكَ الَّذِي بِمَكَّةَ ) ‏ ‏زَادَ يَزِيد بْن زُرَيْعٍ \" يَعْنِي اِبْن الزُّبَيْرِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6580",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ وَالْيَوْمَ يَجْهَرُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ وَاصِل الْأَحْدَب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن حَيَّان بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة أَسَدِيّ كُوفِيّ يُقَال لَهُ بَيَّاع السَّابِرِيّ بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَة مِنْ طَبَقَة الْأَعْمَش وَلَكِنَّهُ قَدِيم الْمَوْت. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْم شَرّ مِنْهُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن الْحُسَيْن عَنْ آدَم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْم شَرّ مِنْهُمْ \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هُوَ مُتَعَلِّق بِمُقَدَّرٍ نَحْو النَّاس , إِذْ لَا يَجُوز أَنْ يُقَال إِنَّهُ مُتَعَلِّق بِالضَّمِيرِ الْقَائِم مَقَام الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ الضَّمِير لَا يَعْمَل. قَالَ اِبْن بَطَّال : إِنَّمَا كَانُوا شَرًّا مِمَّنْ قَبْلَهُمْ لِأَنَّ الْمَاضِينَ كَانُوا يُسِرُّونَ قَوْلهمْ فَلَا يَتَعَدَّى شَرّهمْ إِلَى غَيْرهمْ , وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَصَارُوا يَجْهَرُونَ بِالْخُرُوجِ عَلَى الْأَئِمَّة وَيُوقِعُونَ الشَّرّ بَيْنَ الْفِرَق فَيَتَعَدَّى ضَرَرهمْ لِغَيْرِهِمْ. قَالَ : وَمُطَابَقَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّ جَهْرهمْ بِالنِّفَاقِ وَشَهْر السِّلَاح عَلَى النَّاس هُوَ الْقَوْل بِخِلَافِ مَا بَذَلُوهُ مِنْ الطَّاعَة حِينَ بَايَعُوا أَوَّلًا مَنْ خَرَجُوا عَلَيْهِ آخِرًا اِنْتَهَى. وَقَالَ اِبْن التِّين : أَرَادَ أَنَّهُمْ أَظْهَرُوا مِنْ الشَّرّ مَا لَمْ يُظْهِر أُولَئِكَ , غَيْر أَنَّهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْكُفْرِ , وَإِنَّمَا هُوَ النَّفْث يَلْقَوْنَهُ بِأَفْوَاهِهِمْ فَكَانُوا يُعْرَفُونَ بِهِ. كَذَا قَالَ , وَيَشْهَد لِمَا قَالَ اِبْن بَطَّال مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ طَرِيق عَاصِم عَنْ أَبِي وَائِل \" قُلْت لِحُذَيْفَةَ : النِّفَاق الْيَوْم شَرّ أَمْ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى جَبْهَته وَقَالَ : أَوْهُ , هُوَ الْيَوْم ظَاهِر , إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَخْفُونَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6581",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الشَّعْثَاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي الشَّعْثَاء ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدَهَا مُثَلَّثَة وَاسْمه سُلَيْم بْن أَسْوَد الْمُحَارِبِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ حُذَيْفَة ) ‏ ‏لَمْ أَرَ لِأَبِي الشَّعْثَاء عَنْ حُذَيْفَة فِي الْكُتُب السِّتَّة إِلَّا هَذَا الْحَدِيث , وَلَمْ أَرَهُ إِلَّا مُعَنْعَنًا , وَكَأَنَّهُ تَسَمَّحَ فِيهِ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى حَدِيث زَيْد بْن وَهْب عَنْ حُذَيْفَة وَهُوَ الْمَذْكُور قَبْلَهُ , أَوْ ثَبْت عِنْدَهُ لَقِيَهُ حُذَيْفَة فِي غَيْر هَذَا. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّمَا كَانَ النِّفَاق ) ‏ ‏أَيْ مَوْجُودًا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي رِوَايَة يَحْيَى بْن آدَم عَنْ مِسْعَر عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" كَانَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَمَّا الْيَوْم فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْر بَعْدَ الْإِيمَان ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة \" فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْر أَوْ الْإِيمَان \" وَكَذَا حَكَى الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعه أَنَّهُمَا رِوَايَتَانِ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طُرُق عَنْ مِسْعَر \" فَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْم الْكُفْر بَعْدَ الْإِيمَان \" قَالَ وَزَادَ مُحَمَّد بْن بِشْر فِي رِوَايَته عَنْ مِسْعَر \" فَضَحِكَ عَبْد اللَّه قَالَ حَبِيب فَقُلْت لِأَبِي الشَّعْثَاء : مِمَّ ضَحِكَ عَبْد اللَّه ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي \". قُلْت : لَعَلَّهُ عَرَفَ مُرَاده فَتَبَسَّمَ تَعَجُّبًا مِنْ حِفْظه أَوْ فَهْمه , قَالَ اِبْن التِّين : كَانَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبهمْ , وَأَمَّا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ فَإِنَّهُ وُلِدَ فِي الْإِسْلَام وَعَلَى فِطْرَته فَمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ فَهُوَ مُرْتَدّ , وَلِذَلِكَ اِخْتَلَفَتْ أَحْكَام الْمُنَافِقِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ حُذَيْفَة لَمْ يُرِدْ نَفْي الْوُقُوع وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفْي اِتِّفَاق الْحُكْم , لِأَنَّ النِّفَاق إِظْهَار الْإِيمَان وَإِخْفَاء الْكُفْر , وَوُجُود ذَلِكَ مُمْكِن فِي كُلّ عَصْر , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفَ الْحُكْم لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَأَلَّفهُمْ وَيَقْبَل مَا أَظْهَرُوهُ مِنْ الْإِسْلَام وَلَوْ ظَهَرَ مِنْهُمْ اِحْتِمَال خِلَافه , وَأَمَّا بَعْدَهُ فَمَنْ أَظْهَرَ شَيْئًا فَإِنَّهُ يُؤَاخَذ بِهِ وَلَا يُتْرَك لِمَصْلَحَةِ التَّأَلُّف لِعَدَمِ الِاحْتِيَاج إِلَى ذَلِكَ , وَقِيلَ غَرَضه أَنَّ الْخُرُوج عَنْ طَاعَة الْإِمَام جَاهِلِيَّة وَلَا جَاهِلِيَّة فِي الْإِسْلَام , أَوْ تَفْرِيق لِلْجَمَاعَةِ فَهُوَ بِخِلَافِ قَوْل اللَّه تَعَالَى ( وَلَا تَفَرَّقُوا ) , وَكُلّ ذَلِكَ غَيْر مَسْتُور فَهُوَ كَالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَان. ‏"
    },
    {
        "id": "6582",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أُوَيْسٍ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي الزِّنَاد ) ‏ ‏وَافَقَ مَالِكًا شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ فِي أَثْنَاء حَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى يَمُرّ الرَّجُل بِقَبْرِ الرَّجُل فَيَقُول يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ ) ‏ ‏أَيْ كُنْت مَيِّتًا. قَالَ اِبْن بَطَّال : تُغْبَط أَهْل الْقُبُور وَتَمَنِّي الْمَوْت عِنْدَ ظُهُور الْفِتَن إِنَّمَا هُوَ خَوْف ذَهَاب الدِّين بِغَلَبَةِ الْبَاطِل وَأَهْله وَظُهُور الْمَعَاصِي وَالْمُنْكَر اِنْتَهَى. وَلَيْسَ هَذَا عَامًّا فِي حَقّ كُلّ أَحَد وَإِنَّمَا هُوَ خَاصّ بِأَهْلِ الْخَيْر , وَأَمَّا غَيْرهمْ فَقَدْ يَكُون لِمَا يَقَع لِأَحَدِهِمْ مِنْ الْمُصِيبَة فِي نَفْسه أَوْ أَهْله أَوْ دُنْيَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ شَيْء يَتَعَلَّق بِدِينِهِ , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ فِي رِوَايَة أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ مُسْلِم \" لَا تَذْهَب الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرّ الرَّجُل عَلَى الْقَبْر فَيَتَمَرَّغ عَلَيْهِ وَيَقُول : يَا لَيْتَنِي مَكَانَ صَاحِب هَذَا الْقَبْر , وَلَيْسَ بِهِ الدِّين إِلَّا الْبَلَاء \" وَذَكَرَ الرَّجُل فِيهِ لِلْغَالِبِ وَإِلَّا فَالْمَرْأَة يُتَصَوَّر فِيهَا ذَلِكَ , وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ مَا ذُكِرَ فِي رِوَايَة أَبِي حَازِم أَنَّهُ \" يَقَع الْبَلَاء وَالشِّدَّة حَتَّى يَكُون الْمَوْت الَّذِي هُوَ أَعْظَم الْمَصَائِب أَهْوَن عَلَى الْمَرْء فَيَتَمَنَّى أَهْوَن الْمُصِيبَتَيْنِ فِي اِعْتِقَاده \" وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيّ , وَذَكَرَهُ عِيَاض اِحْتِمَالًا , وَأَغْرَبَ بَعْض شُرَّاح \" الْمَصَابِيح \" فَقَالَ : الْمُرَاد بِالدِّينِ هُنَا الْعِبَادَة , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَتَمَرَّغ عَلَى الْقَبْر وَيَتَمَنَّى الْمَوْت فِي حَالَة لَيْسَ الْمُتَمَرِّغ فِيهَا مِنْ عَادَته وَإِنَّمَا الْحَامِل عَلَيْهِ الْبَلَاء , وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ حَمْل الدِّين عَلَى حَقِيقَته أَوْلَى , أَيْ لَيْسَ التَّمَنِّي وَالتَّمَرُّغ لِأَمْرٍ أَصَابَهُ مِنْ جِهَة الدِّين بَلْ مِنْ جِهَة الدُّنْيَا , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ. ظَنَّ بَعْضهمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مُعَارِض لِلنَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْت , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا فِي هَذَا أَنَّ هَذَا الْقَدْر سَيَكُونُ لِشِدَّةٍ تَنْزِل بِالنَّاسِ مِنْ فَسَاد الْحَال فِي الدِّين أَوْ ضَعْفه أَوْ خَوْف ذَهَابه لَا لِضَرَرٍ يَنْزِل فِي الْجِسْم , كَذَا قَالَ , وَكَأَنَّهُ يُرِيد أَنَّ النَّهْي عَنْ تَمَنِّي الْمَوْت هُوَ حَيْثُ يَتَعَلَّق بِضَرَرِ الْجِسْم , وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِضَرَرٍ يَتَعَلَّق بِالدِّينِ فَلَا. وَقَدْ ذَكَرَهُ عِيَاض اِحْتِمَالًا أَيْضًا وَقَالَ غَيْره : لَيْسَ بَيْنَ هَذَا الْخَبَر وَحَدِيث النَّهْي عَنْ تَمَنِّي الْمَوْت مُعَارَضَة , لِأَنَّ النَّهْي صَرِيح وَهَذَا إِنَّمَا فِيهِ إِخْبَار عَنْ شِدَّة سَتَحْصُلُ يَنْشَأ عَنْهَا هَذَا التَّمَنِّي , وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّض لِحُكْمِهِ , وَإِنَّمَا سِيقَ لِلْإِخْبَارِ عَمَّا سَيَقَعُ. قُلْت : وَيُمْكِن أَخْذ الْحُكْم مِنْ الْإِشَارَة فِي قَوْله \" وَلَيْسَ بِهِ الدِّين إِنَّمَا هُوَ الْبَلَاء \" فَإِنَّهُ سِيقَ مَسَاق الذَّمّ وَالْإِنْكَار , وَفِيهِ إِيمَاء إِلَى أَنَّهُ لَوْ فُعِلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الدِّين لَكَانَ مَحْمُودًا , وَيُؤَيِّدهُ ثُبُوت تَمَنِّي الْمَوْت عِنْدَ فَسَاد أَمْر الدِّين عَنْ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف. قَالَ النَّوَوِيّ لَا كَرَاهَة فِي ذَلِكَ بَلْ فَعَلَهُ خَلَائِق مِنْ السَّلَف مِنْهُمْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعِيسَى الْغِفَارِيّ وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَغَيْرهمْ. ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيّ : كَأَنَّ فِي الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْفِتَن وَالْمَشَقَّة الْبَالِغَة سَتَقَعُ حَتَّى يَخِفّ أَمْر الدِّين وَيَقِلّ الِاعْتِنَاء بِأَمْرِهِ وَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ اِعْتِنَاء إِلَّا بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَمَعَاشه نَفْسه وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ , وَمِنْ ثَمَّ عَظُمَ قَدْر الْعِبَادَة أَيَّام الْفِتْنَة كَمَا أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث مَعْقِل بْن يَسَار رَفَعَهُ \" الْعِبَادَة فِي الْهَرْج كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ \" وَيُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" حَتَّى يَمُرّ الرَّجُل بِقَبْرِ الرَّجُل \" أَنَّ التَّمَنِّي الْمَذْكُور إِنَّمَا يَحْصُل عِنْدَ رُؤْيَة الْقَبْر , وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا بَلْ فِيهِ إِشَارَة إِلَى قُوَّة هَذَا التَّمَنِّي لِأَنَّ الَّذِي يَتَمَنَّى الْمَوْت بِسَبَبِ الشِّدَّة الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَهُ قَدْ يَذْهَب ذَلِكَ التَّمَنِّي أَوْ يَخِفّ عِنْدَ مُشَاهَدَة الْقَبْر وَالْمَقْبُور فَيَتَذَكَّر هَوْل الْمَقَام فَيَضْعُف تَمَنِّيه , فَإِذَا تَمَادَى عَلَى ذَلِكَ دَلَّ عَلَى تَأَكُّد أَمْر تِلْكَ الشِّدَّة عِنْدَهُ حَيْثُ لَمْ يَصْرِفهُ مَا شَاهِده مِنْ وَحْشَة الْقَبْر وَتَذَكُّر مَا فِيهِ مِنْ الْأَهْوَال عَنْ اِسْتِمْرَاره عَلَى تَمَنِّي الْمَوْت. وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة قَالَ \" عُدْت أَبَا هُرَيْرَة فَقُلْت : اللَّهُمَّ اِشْفِ أَبَا هُرَيْرَة , فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَا تَرْجِعهَا , إِنْ اِسْتَطَعْت يَا أَبَا سَلَمَة فَمُتّ , وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْعُلَمَاء زَمَان الْمَوْت أَحَبّ إِلَى أَحَدهمْ مِنْ الذَّهَب الْأَحْمَر. وَلَيَأْتِيَنَّ أَحَدهمْ قَبْر أَخِيهِ فَيَقُول : لَيْتَنِي مَكَانَهُ \" وَفِي كِتَاب الْفِتَن مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ \" يُوشِك أَنْ تَمُرَّ الْجِنَازَة فِي السُّوق عَلَى الْجَمَاعَة فَيَرَاهَا الرَّجُل فَيَهُزّ رَأْسه فَيَقُول : يَا لَيْتَنِي مَكَانَ هَذَا , قُلْت : يَا أَبَا ذَرّ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ أَمْر عَظِيم , قَالَ : أَجَلْ \" ‏"
    },
    {
        "id": "6583",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ ‏ ‏دَوْسٍ ‏ ‏عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ وَذُو الْخَلَصَةِ طَاغِيَةُ ‏ ‏دَوْسٍ ‏ ‏الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ الزُّهْرِيّ ) ‏ ‏فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْ الْإِسْمَاعِيلِيّ \" حَدَّثَنِي الزُّهْرِيّ \". ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى تَضْطَرِب ) ‏ ‏أَيْ يَضْرِب بَعْضُهَا بَعْضًا. ‏ ‏قَوْله ( أَلَيَات ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَاللَّام جَمْع أَلْيَة بِالْفَتْحِ أَيْضًا مِثْل جَفْنَة وَجَفَنَات , وَالْأَلْيَةُ الْعَجِيزَة وَجَمْعهَا أَعْجَاز. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى ذِي الْخَلَصَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عِنْدَ مُسْلِم \" حَوْل ذِي الْخَلَصَة \". ‏ ‏قَوْله ( وَذُو الْخَلَصَة طَاغِيَة دَوْس ) ‏ ‏أَيْ صَنَمُهُمْ , وَقَوْله \" الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ \" كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ الْمَفْعُول. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر \" وَكَانَ صَنَمًا تَعْبُدهَا دَوْس \". ‏ ‏قَوْله ( فِي الْجَاهِلِيَّة ) ‏ ‏زَادَ مَعْمَر \" بِتَبَالَةَ \" وَتَبَالَة بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة وَبَعْدَ الْأَلِف لَام ثُمَّ هَاء تَأْنِيث قَرْيَة بَيْنَ الطَّائِف وَالْيَمَن بَيْنَهُمَا سِتَّة أَيَّام , وَهِيَ الَّتِي يُضْرَب بِهَا الْمَثَل فَيُقَال \" أَهْوَن مِنْ تَبَالَة عَلَى الْحَجَّاج \" وَذَلِكَ أَنَّهَا أَوَّل شَيْء وَلِيَهُ , فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا سَأَلَ مَنْ مَعَهُ عَنْهَا فَقَالَ : هِيَ وَرَاء تِلْكَ الْأَكَمَة. فَرَجَعَ فَقَالَ : لَا خَيْر فِي بَلَد يَسْتُرُهَا أَكَمَة , وَكَلَام صَاحِب \" الْمَطَالِع \" يَقْتَضِي أَنَّهُمَا مَوْضِعَانِ : وَأَنَّ الْمُرَاد فِي الْحَدِيث غَيْر تَبَالَة الْحَجَّاج , وَكَلَام يَاقُوت يَقْتَضِي أَنَّهَا هِيَ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرهَا فِي \" الْمُشْتَرَك \" وَعِنْدَ اِبْن حِبَّان مِنْ هَذَا الْوَجْه : قَالَ مَعْمَر أَنَّ عَلَيْهِ الْآنَ بَيْتًا مَبْنِيًّا مُغْلَقًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْط ذِي الْخَلَصَة فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِي أَنَّهُ وَاحِد أَوْ اِثْنَانِ. قَالَ اِبْن التِّين : فِيهِ الْإِخْبَار بِأَنَّ نِسَاء دَوْس يَرْكَبْنَ الدَّوَابّ مِنْ الْبُلْدَان إِلَى الصَّنَم الْمَذْكُور , فَهُوَ الْمُرَاد بِاضْطِرَابِ أَلَيَاتهنَّ. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُنَّ يَتَزَاحَمْنَ بِحَيْثُ تَضْرِب عَجِيزَة بَعْضهنَّ الْأُخْرَى عِنْدَ الطَّوَاف حَوْلَ الصَّنَم الْمَذْكُور. وَفِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تُدَافَع مَنَاكِب نِسَاء بَنِي عَامِر عَلَى ذِي الْخَلَصَة \" وَابْن عَدِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي مَعْشَر عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تُعْبَد اللَّاتَ وَالْعُزَّى \" قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا الْحَدِيث وَمَا أَشْبَهَهُ لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ أَنَّ الدِّين يَنْقَطِع كُلّه فِي جَمِيع أَقْطَار الْأَرْض حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْء , لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْإِسْلَام يَبْقَى إِلَى قِيَام السَّاعَة , إِلَّا أَنَّهُ يَضْعُف وَيَعُود غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث \" لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقّ \" الْحَدِيث قَالَ : فَتَبَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيث تَخْصِيص الْأَخْبَار الْأُخْرَى , وَأَنَّ الطَّائِفَة الَّتِي تَبْقَى عَلَى الْحَقّ تَكُون بِبَيْتِ الْمَقْدِس إِلَى أَنْ تَقُوم السَّاعَة. قَالَ فَبِهَذَا تَأْتَلِف الْأَخْبَار. قُلْت : لَيْسَ فِيمَا اِحْتَجَّ بِهِ تَصْرِيح إِلَى بَقَاء أُولَئِكَ إِلَى قِيَام السَّاعَة , وَإِنَّمَا فِيهِ \" حَتَّى يَأْتِي أَمْر اللَّه \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِأَمْرِ اللَّه مَا ذُكِرَ مِنْ قَبْض مَنْ بَقِيَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , وَظَوَاهِر الْأَخْبَار تَقْتَضِي أَنَّ الْمَوْصُوفِينَ بِكَوْنِهِمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِس أَنَّ آخِرهمْ مَنْ كَانَ مَعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام , ثُمَّ إِذَا بَعَثَ اللَّه الرِّيح الطَّيِّبَة فَقَبَضَتْ رُوح كُلّ مُؤْمِن لَمْ يَبْقَ إِلَّا شِرَار النَّاس. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود رَفَعَهُ \" لَا تَقُوم السَّاعَة إِلَّا عَلَى شِرَار النَّاس \" وَذَلِكَ إِنَّمَا يَقَع بَعْدَ طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا وَخُرُوج الدَّابَّة وَسَائِر الْآيَات الْعِظَام , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْآيَات الْعِظَام مِثْل السِّلْك إِذَا اِنْقَطَعَ تَنَاثَرَ الْخَرَز بِسُرْعَةٍ , وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَد وَفِي مُرْسَل أَبِي الْعَالِيَة \" الْآيَات كُلّهَا فِي سِتَّة أَشْهُر \" وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي \" ثَمَانِيَة أَشْهُر \" وَقَدْ أَوْرَدَ مُسْلِم عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ حَدِيث عَائِشَة مَا يُشِير إِلَى بَيَان الزَّمَان الَّذِي يَقَع فِيهِ ذَلِكَ وَلَفْظه \" لَا يَذْهَب اللَّيْل وَالنَّهَار حَتَّى تُعْبَد اللَّاتَ وَالْعُزَّى \" وَفِيهِ \" يَبْعَث اللَّه رِيحًا طَيِّبَة فَتَوَفَّى كُلّ مَنْ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل مِنْ إِيمَان فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْر فِيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِين آبَائِهِمْ \" وَعِنْدَهُ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَفَعَهُ \" يَخْرُج الدَّجَّال فِي أُمَّتِي \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَيَبْعَث اللَّه عِيسَى بْن مَرْيَم فَيَطْلُبهُ فَيُهْلِكهُ , ثُمَّ يَمْكُث النَّاس سَبْع سِنِينَ , ثُمَّ يُرْسِل اللَّه رِيحًا بَارِدَة مِنْ قِبَل الشَّام فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْه الْأَرْض أَحَد فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَيْر أَوْ إِيمَان إِلَّا قَبَضَتْهُ \" وَفِيهِ \" فَيَبْقَى شِرَار النَّاس فِي خِفَّة الطَّيْر وَأَحْلَام السِّبَاع لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا , فَيَتَمَثَّل لَهُمْ الشَّيْطَان فَيَأْمُرهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَان , ثُمَّ يُنْفَخ فِي الصُّوَر \" فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَاد بِأَمْرِ اللَّه فِي حَدِيث \" لَا تَزَال طَائِفَة \" وُقُوع الْآيَات الْعِظَام الَّتِي يَعْقُبهَا قِيَام السَّاعَة وَلَا يَتَخَلَّف عَنْهَا إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ رَفَعَهُ \" لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِل آخِرهمْ الدَّجَّال \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم , وَيُؤْخَذ مِنْهُ صِحَّة مَا تَأَوَّلْته , فَإِنَّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ الدَّجَّال يَكُونُونَ بَعْدَ قَتْله مَعَ عِيسَى , ثُمَّ يُرْسَل عَلَيْهِمْ الرِّيح الطَّيِّبَة فَلَا يَبْقَى بَعْدَهُمْ إِلَّا الشِّرَار كَمَا تَقَدَّمَ. وَوَجَدْت فِي هَذَا مُنَاظَرَة لِعُقْبَةَ بْن عَامِر وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ , فَأَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن شَمَّاسَة أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ \" لَا تَقُوم السَّاعَة إِلَّا عَلَى شِرَار الْخَلْق هُمْ شَرّ مِنْ أَهْل الْجَاهِلِيَّة , فَقَالَ عُقْبَة بْن عَامِر : عَبْد اللَّه أَعْلَم مَا يَقُول , وَأَمَّا أَنَا فَسَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : لَا تَزَال عِصَابَة مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْر اللَّه ظَاهِرِينَ لَا يَضُرّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيهِمْ السَّاعَة وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ \" فَقَالَ عَبْد اللَّه \" أَجَلْ , وَيَبْعَث اللَّه رِيحًا رِيحهَا رِيح الْمِسْك وَمَسّهَا مَسّ الْحَرِير فَلَا تَتْرُك أَحَدًا فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ إِيمَان إِلَّا قَبَضَتْهُ , ثُمَّ يَبْقَى شِرَار النَّاس فَعَلَيْهِمْ تَقُوم السَّاعَة \" فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث عُقْبَةَ \" حَتَّى تَأْتِيهِمْ السَّاعَة \" سَاعَتهمْ هُمْ وَهِيَ وَقْت مَوْتهمْ بِهُبُوبِ الرِّيح وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان شَيْء مِنْ هَذَا فِي أَوَاخِر الرِّقَاق عِنْدَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث طُلُوع الشَّمْس مِنْ الْمُغْرِب. ‏"
    },
    {
        "id": "6584",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْغَيْثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏قَحْطَانَ ‏ ‏يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْأُوَيْسِيّ , وَسُلَيْمَان هُوَ بْن بِلَال , وَثَوْر هُوَ بْن زَيْدٍ , وَأَبُو الْغَيْث هُوَ سَالِم , وَالسَّنَد كُلّه مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى يَخْرُج رَجُل مِنْ قَحْطَان ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل مَنَاقِب قُرَيْش , قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي التَّذْكِرَة : قَوْله \" يَسُوق النَّاس بِعَصَاهُ \" كِنَايَة عَنْ غَلَبَته عَلَيْهِمْ وَانْقِيَادهمْ لَهُ , وَلَمْ يُرِدْ نَفْس الْعَصَا , لَكِنْ فِي ذِكْرهَا إِشَارَة إِلَى خُشُونَته عَلَيْهِمْ وَعَسْفه بِهِمْ , قَالَ : وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ يَسُوقهُمْ بِعَصَاهُ حَقِيقَة كَمَا تُسَاق الْإِبِل وَالْمَاشِيَة لِشِدَّةِ عُنْفه وَعُدْوَانه , قَالَ : وَلَعَلَّهُ جَهْجَاه الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث الْآخَر وَأَصْل الْجَهْجَاه الصِّيَاح وَهِيَ صِفَة تُنَاسِب ذِكْر الْعَصَا. قُلْت : وَيَرُدّ هَذَا الِاحْتِمَال إِطْلَاق كَوْنه مِنْ قَحْطَان فَظَاهِره أَنَّهُ مِنْ الْأَحْرَار , وَتَقْيِيده فِي جَهْجَاه بِأَنَّهُ مِنْ الْمَوَالِي مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَكُون بَعْدَ الْمَهْدِيّ وَعَلَى سِيرَته وَأَنَّهُ لَيْسَ دُونَهُ. ثُمَّ وَجَدْت فِي كِتَاب \" التِّيجَان لِابْنِ هِشَام \" مَا يُعْرَف مِنْهُ - إِنْ ثَبَتَ - اِسْم الْقَحْطَانِيّ وَسِيرَته وَزَمَانه , فَذَكَرَ أَنَّ عِمْرَان بْن عَامِر كَانَ مَلِكًا مُتَوَّجًا وَكَانَ كَاهِنًا مُعَمِّرًا وَأَنَّهُ قَالَ لِأَخِيهِ عَمْرو بْن عَامِر الْمَعْرُوف بِمُزَيْقِيَا لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاة : إِنَّ بِلَادكُمْ سَتُخَرَّبُ , وَإِنَّ لِلَّهِ فِي أَهْل الْيَمَن سَخْطَتَيْنِ وَرَحْمَتَيْنِ : فَالسَّخْطَة الْأُولَى هَدْم سَدّ مَأْرَب وَتَخْرَب الْبِلَاد بِسَبَبِهِ , وَالثَّانِيَة غَلَبَة الْحَبَشَة عَلَى أَرْض الْيَمَن. وَالرَّحْمَة الْأُولَى بَعْثَة نَبِيّ مِنْ تِهَامَة اِسْمه مُحَمَّد يُرْسَل بِالرَّحْمَةِ وَيَغْلِب أَهْل الشِّرْك , وَالثَّانِيَة إِذَا خَرِبَ بَيْت اللَّه يَبْعَث اللَّه رَجُلًا يُقَال لَهُ شُعَيْب بْن صَالِح فَيُهْلِك مَنْ خَرَّبَهُ وَيُخْرِجهُمْ حَتَّى لَا يَكُون بِالدُّنْيَا إِيمَان إِلَّا بِأَرْضِ الْيَمَن اِنْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجّ أَنَّ الْبَيْت يُحَجّ بَعْدَ خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج , وَتَقَدَّمَ الْجَمْع بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيث \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى لَا يُحَجّ الْبَيْت وَأَنَّ الْكَعْبَة يُخَرِّبهَا ذُو السَّوِيقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَة \" فَيَنْتَظِم مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَبَشَة إِذَا خَرَّبَتْ الْبَيْت خَرَجَ عَلَيْهِمْ الْقَحْطَانِيّ فَأَهْلَكَهُمْ , وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ ذَلِكَ يَحُجُّونَ فِي زَمَن عِيسَى بَعْدَ خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَهَلَاكهمْ , وَأَنَّ الرِّيح الَّتِي تَقْبِص أَرْوَاح الْمُؤْمِنِينَ تَبْدَأ بِمَنْ بَقِيَ بَعْدَ عِيسَى وَيَتَأَخَّر أَهْل الْيَمَن بَعْدَهَا , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون هَذَا مِمَّا يُفَسَّر بِهِ قَوْله \" الْإِيمَان يَمَان \" أَيْ يَتَأَخَّر الْإِيمَان بِهَا بَعْدَ فَقْده مِنْ جَمِيع الْأَرْض. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم حَدِيث الْقَحْطَانِيّ عَقِب حَدِيث تَخْرِيب الْكَعْبَة ذُو السَّوِيقَتَيْنِ فَلَعَلَّهُ رَمَزَ إِلَى هَذَا , وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الْأَحْكَام فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة فِي الْخُلَفَاء الْإِثْنَى عَشَرَ شَيْء يَتَعَلَّق بِالْقَحْطَانِيِّ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ هُنَا : لَيْسَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ تَرْجَمَة الْبَاب فِي شَيْء. وَذَكَرَ اِبْن بَطَّال أَنَّ الْمُهَلَّب أَجَابَ بِأَنَّ وَجْهه أَنَّ الْقَحْطَانِيّ إِذَا قَامَ وَلَيْسَ مِنْ بَيْت النُّبُوَّة وَلَا مِنْ قُرَيْش الَّذِينَ جَعَلَ اللَّه فِيهِمْ الْخِلَافَة فَهُوَ مِنْ أَكْبَر تَغَيُّر الزَّمَان وَتَبْدِيل الْأَحْكَام بِأَنْ يُطَاع فِي الدِّين مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ اِنْتَهَى. وَحَاصِله أَنَّهُ مُطَابِق لِصَدْرِ التَّرْجَمَة وَهُوَ تَغَيُّر الزَّمَان , وَتَغَيُّره أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون فِيمَا يَرْجِع إِلَى الْفِسْق أَوْ الْكُفْر , وَغَايَته أَنْ يَنْتَهِي إِلَى الْكُفْر , فَقِصَّة الْقَحْطَانِيّ مُطَابِقَة لِلتَّغَيُّرِ بِالْفِسْقِ مَثَلًا , وَقِصَّة ذِي الْخَلَصَة لِلتَّغَيُّرِ بِالْكُفْرِ , وَاسْتُدِلَّ بِقَصِّهِ الْقَحْطَانِيّ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَة يَجُوز أَنْ تَكُون فِي غَيْر قُرَيْش , وَأَجَابَ اِبْن الْعَرَبِيّ بِأَنَّهُ إِنْذَار بِمَا يَكُون مِنْ الشَّرّ فِي آخِر الزَّمَان مِنْ تَسَوُّر الْعَامَّة عَلَى مَنَازِل الِاسْتِقَامَة , فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّة لِأَنَّهُ لَا يَدُلّ عَلَى الْمُدَّعِي , وَلَا يُعَارِض مَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّ الْأَئِمَّة مِنْ قُرَيْش اِنْتَهَى. وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي \" بَاب الْأُمَرَاء مِنْ قُرَيْش \" أَوَّل كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6585",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ ‏ ‏الْحِجَازِ ‏ ‏تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ ‏ ‏بِبُصْرَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب \". ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى تَخْرُج نَار مِنْ أَرْض الْحِجَاز ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" التَّذْكِرَة \" : قَدْ خَرَجَتْ نَار بِالْحِجَازِ بِالْمَدِينَةِ , وَكَانَ بَدْؤُهَا زَلْزَلَة عَظِيمَة فِي لَيْلَة الْأَرْبِعَاء بَعْدَ الْعَتَمَة الثَّالِث مِنْ جُمَادَى الْآخِرَة سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَاسْتَمَرَّتْ إِلَى ضُحَى النَّهَار يَوْمَ الْجُمُعَة فَسَكَنَتْ , وَظَهَرَتْ النَّار بِقُرَيْظَةَ بِطَرَفِ الْحِرَّة تَرَى فِي صُورَة الْبَلَد الْعَظِيم عَلَيْهَا سُوَر مُحِيط عَلَيْهِ شَرَارِيف وَأَبْرَاج وَمَآذِن , وَتَرَى رِجَال يَقُودُونَهَا , لَا تَمُرّ عَلَى جَبَل إِلَّا دَكَّتْهُ وَأَذَابَتْهُ , وَيَخْرُج مِنْ مَجْمُوع ذَلِكَ مِثْل النَّهَر أَحْمَر وَأَزْرَق لَهُ دَوِيّ كَدَوِيِّ الرَّعْد يَأْخُذ الصُّخُور بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَنْتَهِي إِلَى مَحَطّ الرَّكْب الْعِرَاقِيّ , وَاجْتَمَعَ مِنْ ذَلِكَ رَدْم صَارَ كَالْجَبَلِ الْعَظِيم , فَانْتَهَتْ النَّار إِلَى قُرْب الْمَدِينَة , وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يَأْتِي الْمَدِينَة نَسِيم بَارِد , وَشُوهِدَ لِهَذِهِ النَّار غَلَيَان كَغَلَيَانِ الْبَحْر , وَقَالَ لِي بَعْض أَصْحَابنَا : رَأَيْتهَا صَاعِدَة فِي الْهَوَاء مِنْ نَحْو خَمْسَة أَيَّام , وَسَمِعْت أَنَّهَا رُؤِيَتْ مِنْ مَكَّة وَمِنْ جِبَال بُصْرَى. وَقَالَ النَّوَوِيّ : تَوَاتَرَ الْعِلْم بِخُرُوجِ هَذِهِ النَّار عِنْدَ جَمِيع أَهْل الشَّام. وَقَالَ أَبُو شَامَة فِي \" ذَيْل الرَّوْضَتَيْنِ \" : وَرَدَتْ فِي أَوَائِل شَعْبَان سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ كَتَبَ مِنْ الْمَدِينَة الشَّرِيفَة فِيهَا شَرْح أَمْر عَظِيم حَدَثَ بِهَا فِيهِ تَصْدِيق لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ , فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث , قَالَ : فَأَخْبَرَنِي بَعْض مَنْ أَثِق بِهِ مِمَّنْ شَاهَدَهَا أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كَتَبَ بِتَيْمَاء عَلَى ضَوْئِهَا الْكُتُب , فَمِنْ الْكُتُب.. فَذَكَرَ نَحْو مَا تَقَدَّمَ , وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْض الْكُتُب : ظَهَرَ فِي أَوَّل جُمْعَة مِنْ جُمَادَى الْآخِرَة فِي شَرْقَيْ الْمَدِينَة نَار عَظِيمَة بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَة نِصْف يَوْم اِنْفَجَرَتْ مِنْ الْأَرْض وَسَالَ مِنْهَا وَادٍ مِنْ نَار حَتَّى حَاذَى جَبَل أُحُد. وَفِي كِتَاب آخَر : اِنْبَجَسَتْ الْأَرْض مِنْ الْحِرَّة بِنَارٍ عَظِيمَة يَكُون قَدْرهَا مِثْل مَسْجِد الْمَدِينَة وَهِيَ بِرَأْيِ الْعَيْن مِنْ الْمَدِينَة , وَسَالَ مِنْهَا وَادٍ يَكُون مِقْدَاره أَرْبَع فَرَاسِخ وَعَرْضه أَرْبَع أَمْيَال يَجْرِي عَلَى وَجْه الْأَرْض وَيَخْرُج مِنْهُ مِهَاد وَجِبَال صِغَار. وَفِي كِتَاب آخَر : ظَهَرَ ضَوْؤُهَا إِلَى أَنْ رَأَوْهَا مِنْ مَكَّة , قَالَ وَلَا أَقْدِر أَصِف عِظَمَهَا , وَلَهَا دَوِيّ. قَالَ أَبُو شَامَة : وَنَظَمَ النَّاس فِي هَذَا أَشْعَارًا , وَدَامَ أَمْرهَا أَشْهُرًا , ثُمَّ خَمَدَتْ. وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ النَّار الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث الْبَاب هِيَ الَّتِي ظَهَرَتْ بِنَوَاحِي الْمَدِينَة كَمَا فَهِمَهُ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره , وَأَمَّا النَّار الَّتِي تَحْشُر النَّاس فَنَار أُخْرَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْض بِلَاد الْحِجَاز فِي الْجَاهِلِيَّة نَحْو هَذِهِ النَّار الَّتِي ظَهَرَتْ بِنَوَاحِي الْمَدِينَة فِي زَمَن خَالِد بْن سِنَان الْعَبْسِيّ , فَقَامَ فِي أَمْرهَا حَتَّى أَخْمَدَهَا وَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي قِصَّة لَهُ ذَكَرَهَا أَبُو عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى فِي \" كِتَاب الْجَمَاجِم \" وَأَوْرَدَهَا الْحَاكِم فِي \" الْمُسْتَدْرَك \" مِنْ طَرِيق يَعْلَى بْن مَهْدِيّ عَنْ أَبِي عَوَانَة عَنْ أَبِي يُونُس عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْس يُقَال لَهُ خَالِد بْن سِنَان قَالَ لِقَوْمِهِ إِنِّي أُطْفِي عَنْكُمْ نَار الْحِدْثَان فَذَكَرَ الْقِصَّة وَفِيهَا فَانْطَلَقَ وَهِيَ تَخْرُج مِنْ شَقّ جَبَل مِنْ حَرَّة يُقَال لَهَا حَرَّة أَشْجَع فَذَكَرَ الْقِصَّة فِي دُخُوله الشَّقّ وَالنَّار كَأَنَّهَا جَبَل سَقَر \" فَضَرَبَهَا بِعَصَاهُ حَتَّى أَدْخَلَهَا وَخَرَجَ \" وَقَدْ أَوْرَدْت لِهَذِهِ الْقِصَّة طَرَفًا مِنْ تَرْجَمَته فِي كِتَابِي فِي الصَّحَابَة. ‏ ‏قَوْله ( تُضِيء أَعْنَاق الْإِبِل بِبُصْرَى ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : يَعْنِي مِنْ آخِرهَا يَبْلُغ ضَوْؤُهَا إِلَى الْإِبِل الَّتِي تَكُون بِبُصْرَى وَهِيَ مِنْ أَرْض الشَّام \" وَأَضَاءَ يَجِيء لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا , يُقَال أَضَاءَتْ النَّار وَأَضَاءَتْ النَّار غَيْرهَا \" وَبُصْرَى بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة مَقْصُور بَلَد بِالشَّامِ وَهِيَ حَوْرَان. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء : أَعْنَاق بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ تُضِيء مُتَعَدٍّ وَالْفَاعِل النَّار أَيْ تَجْعَل عَلَى أَعْنَاق الْإِبِل ضَوْءًا , قَالَ : وَلَوْ رَوَى بِالرَّفْعِ لَكَانَ مُتَّجِهًا أَيْ تُضِيء أَعْنَاق الْإِبِل بِهِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث آخَر \" أَضَاءَتْ لَهُ قُصُور الشَّام \" وَقَدْ وَرَدَتْ فِي هَذَا الْحَدِيث زِيَادَة مِنْ وَجْه آخَر أَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ فِي الْكَامِل مِنْ طَرِيق عُمَر بْن سَعِيد التَّنُوخِيّ عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب يَرْفَعهُ \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يَسِيل وَادٍ مِنْ أَوْدِيَة الْحِجَاز بِالنَّارِ تُضِيء لَهُ أَعْنَاق الْإِبِل بِبُصْرَى \" وَعُمَر ذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات وَلَيَّنَهُ اِبْن عَدِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ , وَهَذَا يَنْطَبِق عَلَى النَّار الْمَذْكُورَة الَّتِي ظَهَرَتْ فِي الْمِائَة السَّابِعَة. وَأَخْرَجَ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي آخِر حَدِيث حُذَيْفَة بْن أَسِيدٍ الَّذِي مَضَى التَّنْبِيه عَلَيْهِ \" وَسَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَخْرُج نَار مِنْ رُومَان أَوْ رَكُوبَة تُضِيء مِنْهَا أَعْنَاق الْإِبِل بِبُصْرَى \". قُلْت : وَرَكُوبَة ثَنِيَّة صَعْبَة الْمُرْتَقَى فِي طَرِيق الْمَدِينَة إِلَى الشَّام مَرَّ بِهَا النَّبِيّ فِي غَزْوَة تَبُوك ذَكَرَهُ الْبَكْرِيّ , وَرُومَان لَمْ يَذْكُرهُ الْبَكْرِيّ وَلَعَلَّ الْمُرَاد رُومَة الْبِئْر الْمَعْرُوفَة بِالْمَدِينَةِ , فَجَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث بَيْنَ النَّارَيْنِ وَأَنَّ إِحْدَاهُمَا تَقَع قَبْلَ قِيَام السَّاعَة مَعَ جُمْلَة الْأُمُور الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا الصَّادِق صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَالْأُخْرَى هِيَ الَّتِي يَعْقُبهَا قِيَام السَّاعَة بِغَيْرِ تَخَلُّل شَيْء آخَر , وَتَقَدُّم الثَّانِيَة عَلَى الْأُولَى فِي الذِّكْر لَا يَضُرّ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6586",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُقْبَةُ ‏ ‏وَحَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ يَحْسِرُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن سَعِيد الْكِنْدِيّ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو سَعِيد الْأَشَجّ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ وَصِفَته وَهُوَ مِنْ الطَّبَقَة الْوُسْطَى الثَّالِثَة مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ وَعَاشَ بَعْدَ الْبُخَارِيّ سَنَة وَاحِدَة , وَعُبَيْد اللَّه هُوَ اِبْن عُمَر بْن حَفْص بْن عَاصِم بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب الْعُمَرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ خُبَيْبِ بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ مُصَغَّر وَهُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن خُبَيْبِ بْن يَسَاف الْأَنْصَارِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ جَدّه حَفْص بْن عَاصِم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَالضَّمِير لِعُبَيْدِ اللَّه بْن عُمَر لَا لِشَيْخِهِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( يُوشِك ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة أَيْ يَقْرُب. ‏ ‏قَوْله ( أَنْ يَحْسِر ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه وَكَسْر ثَالِثه وَالْحَاء وَالسِّين مُهْمَلَتَانِ أَيْ يَنْكَشِف. ‏ ‏قَوْله ( الْفُرَات ) أَيْ النَّهَر الْمَشْهُور وَهُوَ بِالتَّاءِ الْمَجْرُورَة عَلَى الْمَشْهُور وَيُقَال يَجُوز أَنَّهُ يُكْتَب بِالْهَاءِ كَالتَّابُوتِ وَالتَّابُوه وَالْعَنْكَبُوت وَالْعَنْكَبُوه أَفَادَهُ الْكَمَال بْن الْعَدِيم فِي تَارِيخه نَقْلًا عَنْ إِبْرَاهِيم بْن أَحْمَد بْن اللَّيْث. ‏ ‏قَوْله ( فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئًا ) ‏ ‏هَذَا يُشْعِر بِأَنَّ الْأَخْذ مِنْهُ مُمْكِن , وَعَلَى هَذَا فَيَجُوز أَنْ يَكُون دَنَانِير وَيَجُوز أَنْ يَكُون قِطَعًا وَيَجُوز أَنْ يَكُون تِبْرًا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عُقْبَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن خَالِد , وَهُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَخْرَجَهُ هُوَ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان وَأَبِي الْقَاسِم الْبَغَوِيِّ وَالْفَضْل بْن عَبْد اللَّه الْمَخْلَدِيّ ثَلَاثَتهمْ عَنْ أَبِي سَعِيد الْأَشَجِّ عَنْ الشَّيْخَيْنِ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( وَحَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَاد ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ لِعُبَيْدِ اللَّه فِي هَذَا الْحَدِيث إِسْنَادَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( يَحْسِر جَبَل مِنْ ذَهَب ) ‏ ‏يَعْنِي أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ اِتَّفَقَتَا إِلَّا فِي قَوْله كَنْز فَقَالَ الْأَعْرَج جَبَل , وَقَدْ سَاقَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج الْحَدِيثَيْنِ بِسَنَدٍ وَاحِد مِنْ رِوَايَة بَكْر بْن أَحْمَد بْن مُقْبِل عَنْ أَبِي سَعِيد الْأَشَجّ وَفَرَّقَهُمَا وَلَفْظهمَا وَاحِد إِلَّا لَفْظ كَنْز وَجَبَل , وَتَسْمِيَته كَنْزًا بِاعْتِبَارِ حَاله قَبْلَ أَنْ يَنْكَشِف , وَتَسْمِيَته جَبَلًا لِلْإِشَارَةِ إِلَى كَثْرَته , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" تَقِيء الْأَرْض أَفْلَاذ كَبِدهَا أَمْثَال الْأُسْطُوَانِ مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة فَيَجِيء الْقَاتِل فَيَقُول : فِي هَذَا قُتِلْت , وَيَجِيء السَّارِق فَيَقُول : فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي , ثُمَّ يَدْعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا \" قَالَ اِبْن التِّين : إِنَّمَا نَهَى عَنْ الْأَخْذ مِنْهُ لِأَنَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يُؤْخَذ إِلَّا بِحَقِّهِ , قَالَ : وَمَنْ أَخَذَهُ وَكَثُرَ الْمَال نَدِمَ لِأَخْذِهِ مَا لَا يَنْفَعهُ , وَإِذَا ظَهَرَ جَبَل مِنْ ذَهَب كَسَدَ الذَّهَب وَلَمْ يُرَدْ. قُلْت : وَلَيْسَ الَّذِي قَالَهُ بِبَيِّنٍ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ النَّهْي عَنْ أَخْذه لَمَّا يَنْشَأ عَنْ أَخْذه مِنْ الْفِتْنَة وَالْقِتَال عَلَيْهِ وَقَوْله \" وَإِذَا ظَهَرَ جَبَل مِنْ ذَهَب إِلَخْ \" فِي مَقَام الْمَنْع , وَإِنَّمَا يَتِمّ مَا زَعَمَ مِنْ الْكَسَاد أَنْ لَوْ اِقْتَسَمَهُ النَّاس بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ وَوَسِعَهُمْ كُلّهمْ فَاسْتَغْنَوْا أَجْمَعِينَ فَحِينَئِذٍ تَبْطُل الرَّغْبَة فِيهِ , وَأَمَّا إِذَا حَوَاهُ قَوْم دُونَ قَوْم فَحِرْص مَنْ لَمْ يَحْصُل لَهُ مِنْهُ شَيْء بَاقٍ عَلَى حَاله , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْحِكْمَة فِي النَّهْي عَنْ الْأَخْذ مِنْهُ لِكَوْنِهِ يَقَع فِي آخِر الزَّمَان عِنْدَ الْحَشْر الْوَاقِع فِي الدُّنْيَا وَعِنْدَ عَدَم الظُّهُور أَوْ قِلَّته فَلَا يَنْتَفِع بِمَا أَخَذَ مِنْهُ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِدْخَال الْبُخَارِيّ لَهُ فِي تَرْجَمَة خُرُوج النَّار. ثُمَّ ظَهَرَ لِي رُجْحَان الِاحْتِمَال الْأَوَّل لِأَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" يَحْسِر الْفُرَات عَنْ جَبَل مِنْ ذَهَب فَيُقْتَل عَلَيْهِ النَّاس , فَيُقْتَل مِنْ كُلّ مِائَة تِسْعَة وَتِسْعُونَ , وَيَقُول كُلّ رَجُل مِنْهُمْ : لَعَلِّي أَكُون أَنَا الَّذِي أَنْجُو \" وَأَخْرَجَ مُسْلِم أَيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب قَالَ \" لَا يَزَال النَّاس مُخْتَلِفَة أَعْنَاقهمْ فِي طَلَب الدُّنْيَا \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول \" يُوشِك أَنْ يَحْسِر الْفُرَات عَنْ جَبَل مِنْ ذَهَب فَإِذَا سَمِعَ بِهِ النَّاس سَارُوا إِلَيْهِ , فَيَقُول مَنْ عِنْدَهُ لَئِنْ تَرَكْنَا النَّاس يَأْخُذُونَ مِنْهُ لَيَذْهَبَنَّ بِهِ كُلّه , قَالَ فَيَقْتَتِلُونَ عَلَيْهِ فَيُقْتَل مِنْ كُلّ مِائَة تِسْعَة وَتِسْعُونَ \" فَبَطَلَ مَا تَخَيَّلَهُ اِبْن التِّين , وَتَوَجَّهَ التَّعَقُّب عَلَيْهِ وَوَضَّحَ أَنَّ السَّبَب فِي النَّهْي عَنْ الْأَخْذ مِنْهُ مَا يَتَرَتَّب عَلَى طَلَب الْأَخْذ مِنْهُ مِنْ الِاقْتِتَال فَضْلًا عَنْ الْأَخْذ وَلَا مَانِع أَنْ يَكُون ذَلِكَ عِنْدَ خُرُوج النَّار لِلْمَحْشَرِ , لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ السَّبَب فِي النَّهْي عَنْ الْأَخْذ مِنْهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ عَنْ ثَوْبَانَ رَفَعَهُ قَالَ \" يُقْتَل عِنْدَ كَنْزكُمْ ثَلَاثَة كُلّهمْ اِبْن خَلِيفَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي الْمَهْدِيّ فَهَذَا إِنْ كَانَ الْمُرَاد بِالْكَنْزِ فِيهِ الْكَنْز الَّذِي فِي حَدِيث الْبَاب دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَقَع عِنْدَ ظُهُور الْمَهْدِيّ وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُول عِيسَى وَقَبْلَ خُرُوج النَّار جَزْمًا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْل حَدِيث الْبَاب إِلَى قَوْله \" مِنْ ذَهَب فَيَقْتَتِل عَلَيْهِ النَّاس فَيُقْتَل مِنْ كُلّ عَشْرَة تِسْعَة \" وَهِيَ رِوَايَة شَاذَّة , وَالْمَحْفُوظ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عِنْد مُسْلِم وَشَاهِده مِنْ حَدِيث أُبَيِّ بْن كَعْب \" مِنْ كُلّ مِائَة تِسْعَة وَتِسْعُونَ \" وَيُمْكِن الْجَمْع بِاخْتِلَافِ تَقْسِيم النَّاس إِلَى قِسْمَيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6587",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْبَدٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏تَصَدَّقُوا فَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَارِثَةُ ‏ ‏أَخُو ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏لِأُمِّهِ ‏ ‏قَالَهُ ‏ ‏أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُسَدَّد حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان عَنْ شُعْبَة , وَلِمُسَدَّدٍ فِيهِ شَيْخ آخَر أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق يُوسُف بْن يَعْقُوب الْقَاضِي عَنْ مُسَدَّد \" حَدَّثَنَا بِشْر بْن الْمُفَضَّل حَدَّثَنَا شُعْبَة \". ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مَعْبَد ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن خَالِد , تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة عَنْ آدَمَ \" حَدَّثَنَا شُعْبَة حَدَّثَنَا مَعْبَد بْن خَالِد \". ‏ ‏قَوْله ( حَارِثَة بْن وَهْبٍ ) ‏ ‏أَيْ الْخُزَاعِيّ. ‏ ‏قَوْله ( تَصَدَّقُوا فَسَيَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى أَلْفَاظه فِي أَوَائِل الزَّكَاة وَقَوْله قَالَ مُسَدَّد هُوَ شَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيثِ. ‏ ‏قَوْله ( يَمْشِي الرَّجُل بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِد مَنْ يَقْبَلهَا ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ كَمَا ذَكَرَ فِي خِلَافَة عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز فَلَا يَكُون مِنْ أَشْرَاط السَّاعَة , وَهُوَ نَظِير مَا وَقَعَ فِي حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم الَّذِي تَقَدَّمَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة وَفِيهِ \" وَلَئِنْ طَالَتْ بِك حَيَاة لَتَرَيَنَّ الرَّجُل يَخْرُج بِمِلْءِ كَفّه ذَهَبًا يَلْتَمِس مَنْ يَقْبَلهُ فَلَا يَجِد \" وَأَخْرَجَ يَعْقُوب اِبْن سُفْيَان فِي تَارِيخه مِنْ طَرِيق عُمَر بْن أَسِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن الْخَطَّاب بِسَنَدٍ جَيِّد قَالَ \" لَا وَاَللَّه مَا مَاتَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز حَتَّى جَعَلَ الرَّجُل يَأْتِينَا بِالْمَالِ الْعَظِيم فَيَقُول : اِجْعَلُوا هَذَا حَيْثُ تَرَوْنَ فِي الْفُقَرَاء فَمَا يَبْرَح حَتَّى يَرْجِع بِمَالِهِ يَتَذَكَّر مَنْ يَضَعهُ فِيهِمْ فَلَا يَجِد فَيَرْجِع بِهِ , قَدْ أَغْنَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز النَّاس \". قُلْت : وَهَذَا بِخِلَافِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي بَعْدَهُ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَة عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء حَدِيث \" لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِل فِيكُمْ اِبْن مَرْيَم - وَفِيهِ - وَيَفِيض الْمَال \" وَفِي رِوَايَة أُخْرَى \" حَتَّى لَا يَقْبَلهُ أَحَد \" فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد , وَالْأَوَّل أَرْجَح لِأَنَّ الَّذِي رَوَاهُ عَدِيّ ثَلَاثَة أَشْيَاء آمَن الطُّرُق , وَالِاسْتِيلَاء عَلَى كُنُوز كِسْرَى , وَفَقْد مَنْ يَقْبَل الصَّدَقَة مِنْ الْفُقَرَاء. فَذَكَرَ عَدِيّ أَنَّ الْأَوَّلَيْنِ وَقَعَا وَشَاهِدهمَا وَأَنَّ الثَّالِث سَيَقَعُ فَكَانَ كَذَلِكَ لَكِنْ بَعْدَ مَوْت عَدِيّ فِي زَمَن عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز , وَسَبَبه بَسْط عُمَر الْعَدْل وَإِيصَال الْحُقُوق لِأَهْلِهَا حَتَّى اِسْتَغْنَوْا وَأَمَّا فَيْض الْمَال الَّذِي يَقَع فِي زَمَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَسَبَبه كَثْرَة الْمَال وَقِلَّة النَّاس وَاسْتِشْعَارهمْ بِقِيَامِ السَّاعَة , وَبَيَان ذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي بَعْدَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( حَارِثَة ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن وَهْب صَحَابِيّ هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْلُهُ ( أَخُو عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ. ‏ ‏قَوْله ( لِأُمِّهِ ) ‏ ‏هِيَ أُمّ كُلْثُوم بِنْت جَرْوَل بْن مَالِك بْن الْمُسَيِّب بْن رَبِيعَة بْن أَصْرَم الْخُزَاعِيَّة ذَكَرَهَا اِبْن سَعْد قَالَ : وَكَانَ الْإِسْلَام فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عُمَر. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر ذَلِكَ فِي كِتَاب الشُّرُوط فِي آخِر \" بَاب الشُّرُوط فِي الْجِهَاد \" وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق حَدَّثَنَا حَارِثَة بْن وَهْب الْخُزَاعِيُّ وَكَانَتْ أُمّه تَحْتَ عُمَر فَوَلَدَتْ لَهُ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ \" صَلَّيْت خَلْفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" يَعْنِي فِي حَجَّة الْوَدَاع الْحَدِيث , وَأَصْله عِنْدَ مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة زُهَيْر , وَتَقَدَّمَ لِلْبُخَارَيَّ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق بِدُونِ الزِّيَادَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6588",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ وَحَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ لَا ‏ ‏أَرَبَ ‏ ‏لِي بِهِ وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ ‏ ‏يَعْنِي آمَنُوا أَجْمَعُونَ فَذَلِكَ حِينَ ‏ { ‏لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ‏} ‏وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ ‏ ‏يُلِيطُ ‏ ‏حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ الْأَعْرَج , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ لِهَذِهِ النُّسْخَة \" عَنْ الْأَعْرَج \" وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاء بَعْض هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد وَفِيهِ \" عَنْ عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج \". ‏ ‏قَوْله ( لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَقْتَتِل فِئَتَانِ ) ‏ ‏الْحَدِيث \" وَحَتَّى يُبْعَث دَجَّالُونَ \" الْحَدِيث \" وَحَتَّى يُقْبَض الْعِلْم إِلَخْ \" هَكَذَا سَاقَ هَذِهِ الْأَشْرَاط السَّبْعَة مَسَاق الْحَدِيث الْوَاحِد هُنَا , وَأَوْرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْث مِنْ طَرِيق شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة عَنْ أَبِيهِ فَقَالَ فِي كُلّ وَاحِد مِنْهَا \" وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" ثُمَّ قَالَ : أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ هَذِهِ الْأَحَادِيث السَّبْعَة عَنْ أَبِي الْيَمَان عَنْ شُعَيْب. قُلْت , فَسَمَّاهَا سَبْعَة مَعَ أَنَّ فِي بَعْضهَا أَكْثَر مِنْ وَاحِد كَقَوْلِهِ \" حَتَّى يُقْبَض الْعِلْم وَتَكْثُر الزَّلَازِل وَيَتَقَارَب الزَّمَان وَتَظْهَر الْفِتَن وَيَكْثُر الْهَرْج \" فَإِذَا فُصِّلَتْ زَادَتْ عَلَى الْعَشَرَة , وَقَدْ أَفْرَدَ الْبُخَارِيّ مِنْ هَذِهِ النُّسْخَة حَدِيث قَبْض الْعِلْم فَسَاقَهُ كَاَلَّذِي هُنَا فِي كِتَاب الِاسْتِسْقَاء ثُمَّ قَالَ \" وَحَتَّى يَكْثُر فِيكُمْ الْمَال فَيَفِيض \" اِقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَدْر مِنْهُ , ثُمَّ سَاقَهُ فِي كِتَاب الزَّكَاة بِتَمَامِهِ , وَذَكَرَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة بِهَذَا السَّنَد حَدِيث \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالهمْ الشَّعْر \" الْحَدِيث وَفِيهِ أَشْيَاء غَيْر ذَلِكَ مِنْ هَذَا النَّمَط , وَهَذِهِ الْمَذْكُورَات وَأَمْثَالهَا مِمَّا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ سَيَقَعُ بَعْدُ قَبْلَ أَنْ تَقُوم السَّاعَة , لَكِنَّهُ عَلَى أَقْسَام : ‏ ‏أَحَدهَا مَا وَقَعَ عَلَى وَفْق مَا قَالَ , ‏ ‏وَالثَّانِي مَا وَقَعَتْ مَبَادِيه وَلَمْ يَسْتَحِكُمْ , ‏ ‏وَالثَّالِث مَا لَمْ يَقَع مِنْهُ شَيْء وَلَكِنَّهُ سَيَقَعُ , فَالنَّمَط الْأَوَّل تَقَدَّمَ مُعْظَمه فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , وَقَدْ اِسْتَوْفَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \" الدَّلَائِل \" مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ بِالْأَسَانِيدِ الْمَقْبُولَة , وَالْمَذْكُور مِنْهُ هُنَا اِقْتِتَال الْفِئَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ وَظُهُور الْفِتَن وَكَثْرَة الْهَرْج وَتَطَاوُل النَّاس فِي الْبُنْيَان وَتَمَنِّي بَعْض النَّاس الْمَوْت وَقِتَال التُّرْك وَتَمَنِّي رُؤْيَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِمَّا وَرَدَ مِنْهُ حَدِيث الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَأْخُذ أُمَّتِي بِأَخْذِ الْقُرُون قَبْلَهَا \" الْحَدِيث وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام , وَلَهُ شَوَاهِد , وَمِنْ النَّمَط الثَّانِي تَقَارُب الزَّمَان وَكَثْرَة الزَّلَازِل وَخُرُوج الدَّجَّالِينَ الْكَذَّابِينَ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة فِي شَرْح حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي أَوَائِل كِتَاب الْفِتَن إِلَى مَا وَرَدَ فِي مَعْنَى تَقَارُب الزَّمَان , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ \" يَتَقَارَب الزَّمَان وَتَنْقُص السُّنُونَ وَالثَّمَرَات \" وَتَقَدَّمَ فِي \" بَاب ظُهُور الْفِتَن \". \" وَيُلْقَى الشُّحّ \" وَمِنْهَا حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى لَا يُقْسَم مِيرَاث وَلَا يُفْرَح بِغَنِيمَةٍ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَحَدِيث حُذَيْفَة بْن أَسِيدٍ الَّذِي نَبَّهْت عَلَيْهِ آنِفًا لَا يُنَافِي أَنَّ قَبْلَ السَّاعَة يَقَع عَشْر آيَات فَذَكَرَ مِنْهَا \" وَثَلَاثَة خُسُوف خَسْف بِالْمَشْرِقِ وَخَسْف بِالْمَغْرِبِ وَخَسْف بِجَزِيرَةِ الْعَرَب \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَذَكَرَ مِنْهَا الدُّخَان وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي سُورَة الدُّخَان , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث صُحَارَى بِضَمِّ الصَّاد وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ حَدِيث \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يُخْسَف بِقَبَائِلَ مِنْ الْعَرَب \" الْحَدِيث , وَقَدْ وُجِدَ الْخَسْف فِي مَوَاضِع , وَلَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْخُسُوفِ الثَّلَاثَة قَدْرًا زَائِدًا عَلَى مَا وُجِدَ كَأَنْ يَكُون أَعْظَم مِنْهُ مَكَانًا أَوْ قَدْرًا وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يَسُود كُلّ قَبِيلَة مُنَافِقُوهَا \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ , وَفِي لَفْظ \" رُذَّالُهَا \" وَأَخْرَجَ الْبَزَّار عَنْ أَبِي بَكْرَة نَحْوه , وَعِنْدَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" وَكَانَ زَعِيم الْقَوْم أَرْذَلهمْ وَسَادَ الْقَبِيلَة فَاسِقهمْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِذَا وُسِّدَ الْأَمْر إِلَى غَيْر أَهْله فَانْتَظِرْ السَّاعَة \" وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يَكُون الْوَلَد غَيْظًا , وَالْمَطَر قَيْظًا , وَتَفِيض الْأَيَّام فَيْضًا \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَعَنْ أُمّ الضِّرَاب مِثْله وَزَادَ \" وَيَجْتَرِئ الصَّغِير عَلَى الْكَبِير وَاللَّئِيم عَلَى الْكَرِيم وَيُخَرَّب عُمْرَان الدُّنْيَا وَيُعَمَّر خَرَابهَا \" وَمِنْ النَّمَط الثَّالِث طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا ; وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ طُرُق أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَفِي بَدْء الْخَلْق مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ وَحَدِيث \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يُقَاتِل الْمُسْلِمُونَ الْيَهُود فَيَقْتُلهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئ الْيَهُودِيّ وَرَاءَ الْحَجَر \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة مِنْ رِوَايَة أَبِي زُرْعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ حَدِيث الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر , وَمَضَى شَرْحه فِي عَلَامَات النُّبُوَّة وَأَنَّ ذَلِكَ يَقَع قَبْلَ الدَّجَّال كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيث سَمُرَة عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ , وَحَدِيث أَنَس \" أَنَّ أَمَام الدَّجَّال سُنُونَ خَدَّاعَات يُكَذَّب فِيهَا الصَّادِق وَيُصَدَّق فِيهَا الْكَاذِب وَيُخَوَّن فِيهَا الْأَمِين وَيُؤْتَمَن فِيهَا الْخَائِن وَيَتَكَلَّم فِيهَا الرُّوَيْبِضَة \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّار وَسَنَده جَيِّد , وَمِثْله لِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَفِيهِ \" قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَة ؟ قَالَ الرَّجُل التَّافِه يَتَكَلَّم فِي أَمْر الْعَامَّة \" وَحَدِيث سَمُرَة \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَرَوْا أُمُورًا عِظَامًا لَمْ تُحَدِّثُوا بِهَا أَنْفُسكُمْ \" وَفِي لَفْظ \" يَتَفَاقَم شَأْنهَا فِي أَنْفُسكُمْ وَتَسْأَلُونَ هَلْ كَانَ نَبِيّكُمْ ذَكَرَ لَكُمْ مِنْهَا ذِكْرًا \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَحَتَّى تَرَوْا الْجِبَال تَزُول عَنْ أَمَاكِنهَا \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ فِي حَدِيث طَوِيل وَأَصْله عِنْدَ التِّرْمِذِيّ دُونَ الْمَقْصُود مِنْهُ هُنَا , وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يُتَسَافَد فِي الطَّرِيق تَسَافُد الْحُمُر \" أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم , وَلِأَبِي يَعْلَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" لَا تَفْنَى هَذِهِ الْأُمَّة حَتَّى يَقُوم الرَّجُل إِلَى الْمَرْأَة فَيَفْتَرِشهَا فِي الطَّرِيق فَيَكُون خِيَارهمْ يَوْمَئِذٍ مَنْ يَقُول لَوْ وَارَيْنَاهَا وَرَاءَ هَذَا الْحَائِط \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ نَحْوه وَفِيهِ \" يَقُول أَمْثَلهمْ لَوْ اِعْتَزَلْتُمْ الطَّرِيق \" وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ قَوْله \" وَحَتَّى تَمُرّ الْمَرْأَة بِالْقَوْمِ فَيَقُوم إِلَيْهَا أَحَدُهُمْ فَيَرْفَع بِذَيْلِهَا كَمَا يَرْفَع ذَنَب النَّعْجَة فَيَقُول بَعْضهمْ أَلَا وَارَيْتهَا وَرَاءَ الْحَائِط , فَهُوَ يَوْمئِذٍ فِيهِمْ مِثْل أَبِي بَكْر وَعُمَر فِيكُمْ \" وَحَدِيث حُذَيْفَة بْن الْيَمَان عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ \" يَدْرُس الْإِسْلَام كَمَا يَدْرُس وَشْي الثَّوْب حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَام وَلَا صَلَاة وَلَا نُسُك وَلَا صَدَقَة , وَيَبْقَى طَوَائِف مِنْ النَّاس الشَّيْخ الْكَبِير وَالْعَجُوز الْكَبِيرَة وَيَقُولُونَ أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَة لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَنَحْنُ نَقُولهَا \" وَحَدِيث أَنَس \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى لَا يُقَال فِي الْأَرْض لَا إِلَه إِلَّا اللَّه \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد بِسَنَدٍ قَوِيّ , وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِم بِلَفْظِ \" اللَّه اللَّه \" وَلَهُ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" لَا تَقُوم السَّاعَة إِلَّا عَلَى شِرَار النَّاس \" وَلِأَحْمَدَ مِثْله مِنْ حَدِيث عِلْبَاء السُّلَمِيِّ بِكَسْرِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام بَعْدَهَا مُوَحَّدَة خَفِيفَة وَمَدّ بِلَفْظِ \" حُثَالَة \" بَدَلَ \" شِرَار \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ شَوَاهِده فِي \" بَاب إِذَا بَقِيَ حُثَالَة مِنْ النَّاس \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ \" لَا تَقُوم السَّاعَة عَلَى مُؤْمِن \" وَلِأَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يَأْخُذ اللَّه شَرِيطَته مِنْ أَهْل الْأَرْض , فَيَبْقَى عَجَاج لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا \" وَلِلطَّيَالِسِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يَرْجِع نَاس مِنْ أُمَّتِي إِلَى الْأَوْثَان يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّه \" وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثه فِي ذِكْر ذِي الْخَلَصَة قَرِيبًا , وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة \" وَيَبْقَى طَوَائِف مِنْ النَّاس الشَّيْخ الْكَبِير وَالْعَجُوز يَقُولُونَ أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَة لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَنَحْنُ نَقُولهَا \" وَلِمُسْلِمٍ وَأَحْمَد مِنْ حَدِيث ثَوْبَانَ \" وَلَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَلْحَق قَبَائِل مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ , وَحَتَّى تَعْبُد قَبَائِل مِنْ أُمَّتِي الْأَوْثَان \" وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ عَائِشَة \" لَا تَذْهَب الْأَيَّام وَاللَّيَالِي حَتَّى تُعْبَد اللَّات وَالْعُزَّى مِنْ دُونِ اللَّه \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" ثُمَّ يَبْعَث اللَّه رِيحًا طَيِّبَة فَيَتَوَفَّى بِهَا كُلّ مُؤْمِن فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ إِيمَان فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْر فِيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِين آبَائِهِمْ \" وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة بْن أَسِيدٍ شَاهِده وَفِيهِ أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْت عِيسَى بْن مَرْيَم \" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْره : الْأَشْرَاط مِنْهَا صِغَار وَقَدْ مَضَى أَكْثَرهَا وَمِنْهَا كِبَار سَتَأْتِي. قُلْت : وَهِيَ الَّتِي تَضَمَّنَهَا حَدِيث حُذَيْفَة بْن أَسِيدٍ عِنْدَ مُسْلِم وَهِيَ الدَّجَّال وَالدَّابَّة وَطُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا كَالْحَامِلِ الْمُتِمّ وَنُزُول عِيسَى بْن مَرْيَم وَخُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَالرِّيح الَّتِي تَهُبّ بَعْدَ مَوْت عِيسَى فَتَقْبِض أَرْوَاح الْمُؤْمِنِينَ \" وَقَدْ اِسْتَشْكَلُوا عَلَى ذَلِكَ حَدِيث \" لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقّ حَتَّى يَأْتِي أَمْر اللَّه \" فَإِنَّ ظَاهِر الْأَوَّل أَنَّهُ لَا يَبْقَى أَحَد مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَضْلًا عَنْ الْقَائِم بِالْحَقِّ , وَظَاهِر الثَّانِي الْبَقَاء , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" أَمْر اللَّه \" هُبُوب تِلْكَ الرِّيح فَيَكُون الظُّهُور قَبْلَ هُبُوبهَا , فَبِهَذَا الْجَمْع يَزُول الْإِشْكَال بِتَوْفِيقِ اللَّه تَعَالَى , فَأَمَّا بَعْدَ هُبُوبهَا فَلَا يَبْقَى إِلَّا الشِّرَار وَلَيْسَ فِيهِمْ مُؤْمِن فَعَلَيْهِمْ تَقُوم السَّاعَة , وَعَلَى هَذَا فَآخِر الْآيَات الْمُؤْذِنَة بِقِيَامِ السَّاعَة هُبُوب تِلْكَ الرِّيح , وَسَأَذْكُرُ فِي آخِر الْبَاب قَوْل عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام \" إِنَّ السَّاعَة حِينَئِذٍ تَكُون كَالْحَامِلِ الْمُتِمّ لَا يَدْرِي أَهْلهَا مَتَى تَضَع \". ‏ ‏( فَصْلٌ ) ‏ ‏وَأَمَّا قَوْله \" حَتَّى تَقْتَتِل فِئَتَانِ \" الْحَدِيث تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الرِّقَاق أَنَّ الْمُرَاد بِالْفِئَتَيْنِ عَلِيٌّ وَمَنْ مَعَهُ وَمُعَاوِيَة وَمَنْ مَعَهُ , وَيُؤْخَذ مِنْ تَسْمِيَتهمْ مُسْلِمِينَ مِنْ قَوْله دَعْوَتهمَا وَاحِدَة الرَّدّ عَلَى الْخَوَارِج وَمَنْ تَبِعَهُمْ فِي تَكْفِيرهمْ كُلًّا مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ , وَدَلَّ حَدِيث \" تَقْتُل عَمَّارًا الْفِئَة الْبَاغِيَة \" عَلَى أَنَّ عَلِيًّا كَانَ الْمُصِيب فِي تِلْكَ الْحَرْب لِأَنَّ أَصْحَاب مُعَاوِيَة قَتَلُوهُ , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّار بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ زَيْد بْن وَهْب قَالَ \" كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَة فَقَالَ : كَيْف أَنْتُمْ وَقَدْ خَرَجَ أَهْل دِينكُمْ يَضْرِب بَعْضهمْ وُجُوه بَعْض بِالسَّيْفِ ؟ قَالُوا. فَمَا تَأْمُرنَا ؟ قَالَ : اُنْظُرُوا الْفِرْقَة الَّتِي تَدْعُو إِلَى أَمْر عَلِيّ فَالْزَمُوهَا فَإِنَّهَا عَلَى الْحَقّ \" وَأَخْرَجَ يَعْقُوب بْن سُفْيَان بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ \" لَمَّا بَلَغَ مُعَاوِيَة غَلَبَة عَلِيّ عَلَى أَهْل الْجَمَل دَعَا إِلَى الطَّلَب بِدَمِ عُثْمَان فَأَجَابَهُ أَهْل الشَّام فَسَارَ إِلَيْهِ عَلِيّ فَالْتَقَيَا بِصِفِّينَ \" , وَقَدْ ذَكَرَ يَحْيَى بْن سُلَيْمَان الْجُعْفِيُّ أَحَد شُيُوخ الْبُخَارِيّ فِي \" كِتَاب صِفِّينَ \" فِي تَأْلِيفه بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ أَبِي مُسْلِم الْخَوْلَانِيّ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ : أَنْتَ تُنَازِع عَلِيًّا فِي الْخِلَافَة أَوْ أَنْتَ مِثْله ؟ قَالَ : لَا , وَإِنِّي لَأَعْلَم أَنَّهُ أَفْضَل مِنِّي وَأَحَقّ بِالْأَمْرِ , وَلَكِنْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عُثْمَان قُتِلَ مَظْلُومًا وَأَنَا اِبْن عَمّه وَوَلِيّه أَطْلُب بِدَمِهِ ؟ فَأْتُوا عَلِيًّا فَقُولُوا لَهُ يَدْفَع لَنَا قَتَلَة عُثْمَان , فَأَتَوْهُ فَكَلَّمُوهُ فَقَالَ : يَدْخُل فِي الْبَيْعَة وَيُحَاكِمهُمْ إِلَيَّ , فَامْتَنَعَ مُعَاوِيَة فَسَارَ عَلِيّ فِي الْجُيُوش مِنْ الْعِرَاق حَتَّى نَزَلَ بِصِفِّينَ , وَسَارَ مُعَاوِيَة حَتَّى نَزَلَ هُنَاكَ وَذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّة سَنَة سِتّ وَثَلَاثِينَ , فَتَرَاسَلُوا فَلَمْ يَتِمّ لَهُمْ أَمْر , فَوَقَعَ الْقِتَال إِلَى أَنْ قُتِلَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فِيمَا ذَكَرَ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخه نَحْو سَبْعِينَ أَلْفًا , وَقِيلَ كَانُوا أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , وَيُقَال كَانَ بَيْنَهُمْ أَكْثَر مِنْ سَبْعِينَ زَحْفًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح مَا زَادَهَا أَحْمَد وَغَيْره فِي حَدِيث سَهْل بْن حُنَيْفٍ الْمَذْكُور هُنَاكَ مِنْ قِصَّة التَّحْكِيم بِصِفِّينَ وَتَشْبِيه سَهْل بْن حُنَيْفٍ مَا وَقَعَ لَهُمْ بِهَا بِمَا وَقَعَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَة. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَبِي الرِّضَا سَمِعْت عَمَّارًا يَوْمَ صِفِّينَ يَقُول : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَنِفهُ الْحُور الْعِين فَلْيَتَقَدَّمْ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ مُحْتَسِبًا. وَمِنْ طَرِيق زِيَاد بْن الْحَارِث : كُنْت إِلَى جَنْب عَمَّار فَقَالَ رَجُل : كَفَرَ أَهْل الشَّام , فَقَالَ عَمَّار : لَا تَقُولُوا ذَلِكَ نَبِيّنَا وَاحِد , وَلَكِنَّهُمْ قَوْم حَادُوا عَنْ الْحَقّ فَحُقَّ عَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلهُمْ حَتَّى يَرْجِعُوا. وَذَكَرَ اِبْن سَعْد أَنَّ عُثْمَان لَمَّا قُتِلَ وَبُويِعَ عَلِيّ أَشَارَ اِبْن عَبَّاس عَلَيْهِ أَنْ يُقِرَّ مُعَاوِيَة عَلَى الشَّام حَتَّى يَأْخُذ لَهُ الْبَيْعَة ثُمَّ يَفْعَل فِيهِ مَا شَاءَ , فَامْتَنَعَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَة فَقَالَ : وَاَللَّه لَا أَلِي لَهُ شَيْئًا أَبَدًا. فَلَمَّا فَرَغَ عَلِيّ مِنْ أَهْل الْجَمَل أَرْسَلَ جَرِير بْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيَّ إِلَى مُعَاوِيَة يَدْعُوهُ إِلَى الدُّخُول فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاس فَامْتَنَعَ , فَأَرْسَلَ أَبَا مُسْلِم كَمَا تَقَدَّمَ فَلَمْ يَنْتَظِم الْأَمْر , وَسَارَ عَلِيّ فِي الْجُنُود إِلَى جِهَة مُعَاوِيَة فَالْتَقَيَا بِصِفِّينَ فِي الْعَشَر الْأُوَل مِنْ الْمُحَرَّم وَأَوَّل مَا اِقْتَتَلُوا فِي غُرَّة صَفَر , فَلَمَّا كَادَ أَهْل الشَّام أَنْ يُغْلَبُوا رَفَعُوا الْمَصَاحِف بِمَشُورَةِ عَمْرو بْن الْعَاصِ وَدَعَوْا إِلَى مَا فِيهَا , فَآلَ الْأَمْر إِلَى الْحَكَمَيْنِ فَجَرَى مَا جَرَى مِنْ اِخْتِلَافهمَا وَاسْتِبْدَاد مُعَاوِيَة بِمُلْكِ الشَّام وَاشْتِغَال عَلِيّ بِالْخَوَارِجِ وَعِنْدَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت : أَتَيْت أَبَا وَائِل فَقَالَ : كُنَّا بِصِفِّينَ , فَلَمَّا اِسْتَحَرَّ الْقَتْل بِأَهْلِ الشَّام قَالَ عَمْرو لِمُعَاوِيَةَ أَرْسِلْ إِلَى عَلِيّ الْمُصْحَف فَادْعُهُ إِلَى كِتَاب اللَّه فَإِنَّهُ لَا يَأْبَى عَلَيْك , فَجَاءَ بِهِ رَجُل فَقَالَ : بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَاب اللَّه ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَاب اللَّه لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيق مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) فَقَالَ عَلِيّ نَعَمْ أَنَا أَوْلَى بِذَلِكَ , فَقَالَ الْقُرَّاء الَّذِينَ صَارُوا بَعْدَ ذَلِكَ خَوَارِج : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مَا نَنْظُر بِهَؤُلَاءِ الْقَوْم , أَلَّا نَمْشِي عَلَيْهِمْ بِسُيُوفِنَا حَتَّى يَحْكُم اللَّه بَيْنَنَا ؟ فَقَالَ سَهْل بْن حُنَيْفٍ يَا أَيّهَا النَّاس اِتَّهِمُوا أَنْفُسكُمْ فَقَدْ رَأَيْتنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَة , فَذَكَرَ قِصَّة الصُّلْح مَعَ الْمُشْرِكِينَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْوَجْه عَنْ سَهْل بْن حُنَيْفٍ , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى قِصَّة التَّحْكِيم فِي \" بَاب قَتْل الْخَوَارِج وَالْمُلْحِدِينَ \" مِنْ كِتَاب اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ. وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن عَسَاكِر فِي تَرْجَمَة مُعَاوِيَة مِنْ طَرِيق اِبْن مَنْدَهْ ثُمَّ مِنْ طَرِيق أَبِي الْقَاسِم اِبْن أَخِي أَبِي زُرْعَة الرَّازِيِّ قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى عَمِّي فَقَالَ لَهُ إِنِّي أُبْغِض مُعَاوِيَة , قَالَ لَهُ لِمَ ؟ قَالَ لِأَنَّهُ قَاتَلَ عَلِيًّا بِغَيْرِ حَقّ ; فَقَالَ لَهُ أَبُو زُرْعَة : رَبّ مُعَاوِيَة رَبّ رَحِيم وَخَصْم مُعَاوِيَة خَصْم كَرِيم فَمَا دُخُولُك بَيْنَهُمَا ؟ ‏ ‏قَوْله ( وَحَتَّى يُبْعَث دَجَّالُونَ ) ‏ ‏جَمْع دَجَّال , وَسَيَأْتِي تَفْسِيره فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ , وَالْمُرَاد بِبَعْثِهِمْ إِظْهَارهمْ , لَا الْبَعْث بِمَعْنَى الرِّسَالَة. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ أَفْعَال الْعِبَاد مَخْلُوقَة لِلَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ جَمِيع الْأُمُور بِتَقْدِيرِهِ. ‏ ‏قَوْله ( قَرِيب مِنْ ثَلَاثِينَ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي بَعْض الْأَحَادِيث بِالْجَزْمِ , وَفِي بَعْضهَا بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَفِي بَعْضهَا بِتَحْرِيرِ ذَلِكَ , فَأَمَّا الْجَزْم فَفِي حَدِيث ثَوْبَانَ \" وَأَنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُم أَنَّهُ نَبِيّ وَأَنَا خَاتَم النَّبِيِّينَ لَا نَبِيّ بَعْدِي \" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَهُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَلَمْ يَسُقْ جَمِيعه , وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَة ثَلَاثُونَ دَجَّالًا كَذَّابًا \" وَفِي حَدِيث عَلِيّ عِنْدَ أَحْمَد وَنَحْوه وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ نَحْوه وَفِي حَدِيث سَمُرَة الْمُصَدَّر أَوَّله بِالْكُسُوفِ وَفِيهِ \" وَلَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يَخْرُج ثَلَاثُونَ كَذَّابًا آخِرهمْ الْأَعْوَر الدَّجَّال \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ , وَأَصْله عِنْدَ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ , وَفِي حَدِيث اِبْن الزُّبَيْر \" إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَة ثَلَاثِينَ كَذَّابًا مِنْهُمْ الْأَسْوَد الْعَنْسِيُّ صَاحِب صَنْعَاءَ وَصَاحِب الْيَمَامَة يَعْنِي مُسَيْلِمَةَ. قُلْت : وَخَرَجَ فِي زَمَن أَبِي بَكْر طُلَيْحَة بِالتَّصْغِيرِ اِبْن خُوَيْلِدٍ وَادَّعَى النُّبُوَّة ثُمَّ تَابَ وَرَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام , وَتَنَبَّأَتْ أَيْضًا سَجَاح ثُمَّ تَزَوَّجَهَا مُسَيْلِمَة ثُمَّ رَجَعَتْ بَعْدَهُ , وَأَمَّا الزِّيَادَة فَفِي لَفْظ لِأَحْمَدَ وَأَبِي يَعْلَى فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو ثَلَاثُونَ كَذَّابُونَ أَوْ أَكْثَر قُلْت : مَا آيَتهمْ ؟ قَالَ : يَأْتُونَكُمْ بِسُنَّةٍ لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهَا يُغَيِّرُونَ بِهَا سُنَّتكُمْ , فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاجْتَنِبُوهُمْ \" وَفِي رِوَايَة عَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يَخْرُج سَبْعُونَ كَذَّابًا \" وَسَنَدهَا ضَعِيف , وَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَنَس نَحْوه وَسَنَده ضَعِيف أَيْضًا , وَهُوَ مَحْمُول إِنْ ثَبَتَ عَلَى الْمُبَالَغَة فِي الْكَثْرَة لَا عَلَى التَّحْدِيد , وَأَمَّا التَّحْرِير فَفِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ حُذَيْفَة بِسَنَدٍ جَيِّد \" سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ دَجَّالُونَ سَبْعَة وَعِشْرُونَ مِنْهُمْ أَرْبَع نِسْوَة , وَإِنِّي خَاتَم النَّبِيِّينَ لَا نَبِيّ بَعْدِي \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ رِوَايَة الثَّلَاثِينَ بِالْجَزْمِ عَلَى طَرِيق جَبْر الْكَسْر , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب \" قَرِيب مِنْ ثَلَاثِينَ \". ‏ ‏قَوْله ( كُلّهمْ يَزْعُم أَنَّهُ رَسُول اللَّه ) ‏ ‏ظَاهِر فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَدَّعِي النُّبُوَّة , وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي قَوْله فِي آخِر الْحَدِيث الْمَاضِي \" وَإِنِّي خَاتَم النَّبِيِّينَ \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الَّذِينَ يَدَّعُونَ النُّبُوَّة مِنْهُمْ مَا ذُكِرَ مِنْ الثَّلَاثِينَ أَوْ نَحْوهَا وَأَنَّ مَنْ زَادَ عَلَى الْعَدَد الْمَذْكُور يَكُون كَذَّابًا فَقَطْ لَكِنْ يَدْعُو إِلَى الضَّلَالَة كَغُلَاةِ الرَّافِضَة وَالْبَاطِنِيَّة وَأَهْل الْوَحْدَة وَالْحُلُولِيَّة وَسَائِر الْفِرَق الدُّعَاة إِلَى مَا يُعْلَم بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ خِلَاف مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي حَدِيث عَلِيّ عِنْدَ أَحْمَد \" فَقَالَ عَلِيّ لِعَبْدِ اللَّه بْن الْكَوَّاء : وَإِنَّك لَمِنْهُمْ \" وَابْن الْكَوَّاء لَمْ يَدَّعِ النُّبُوَّة وَإِنَّمَا كَانَ يَغْلُو فِي الرَّفْض. ‏ ‏قَوْله ( وَحَتَّى يُقْبَض الْعِلْم ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم وَيَأْتِي أَيْضًا فِي \" كِتَاب الْأَحْكَام \". ‏ ‏قَوْله ( وَتَكْثُر الزَّلَازِل ) ‏ ‏قَدْ وَقَعَ فِي كَثِير مِنْ الْبِلَاد الشَّمَالِيَّة وَالشَّرْقِيَّة وَالْغَرْبِيَّة كَثِير مِنْ الزَّلَازِل وَلَكِنَّ الَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِكَثْرَتِهَا شُمُولهَا وَدَوَامهَا , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث سَلَمَة بْن نُفَيْلٍ عِنْدَ أَحْمَد \" وَبَيْن يَدَيْ السَّاعَة سَنَوَات الزَّلَازِل \" وَلَهُ عَنْ أَبِي سَعِيد \" تَكْثُر الصَّوَاعِق عِنْدَ اِقْتِرَاب السَّاعَة \". ‏ ‏قَوْله ( وَيَتَقَارَب الزَّمَان وَتَظْهَر الْفِتَن وَيَكْثُر الْهَرْج ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله ( وَحَتَّى يَكْثُر فِيكُمْ الْمَال فَيَفِيض ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الزَّكَاة وَالتَّقْيِيد بِقَوْلِهِ \" فِيكُمْ \" يُشْعِر بِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى زَمَن الصَّحَابَة فَيَكُون إِشَارَة إِلَى مَا وَقَعَ مِنْ الْفُتُوح وَاقْتِسَامهمْ أَمْوَال الْفُرْس وَالرُّوم وَيَكُون قَوْله \" فَيَفِيض حَتَّى يُهَمّ رَبّ الْمَال \" إِشَارَة إِلَى مَا وَقَعَ فِي زَمَن عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي زَمَنه أَنَّ الرَّجُل كَانَ يَعْرِض مَاله لِلصَّدَقَةِ فَلَا يَجِد مَنْ يَقْبَل صَدَقَته : وَيَكُون قَوْله \" وَحَتَّى يَعْرِضهُ فَيَقُول الَّذِي يَعْرِضهُ عَلَيْهِ : لَا أُرَبِّ لِي بِهِ \" إِشَارَة إِلَى مَا سَيَقَعُ فِي زَمَن عِيسَى بْن مَرْيَم. فَيَكُون فِي هَذَا الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى ثَلَاثَة أَحْوَال : ‏ ‏الْأُولَى إِلَى كَثْرَة الْمَال فَقَطْ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَن الصَّحَابَة وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ فِيهِ \" يَكْثُر فِيكُمْ \" وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عَوْف بْن مَالِك الَّذِي مَضَى فِي \" كِتَاب الْجِزْيَة \" ذَكَرَ عَلَامَة أُخْرَى مُبَايِنَة لِعَلَامَةِ الْحَالَة الثَّانِيَة فِي حَدِيث عَوْف بْن مَالِك رَفَعَهُ \" اُعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَة : مَوْتِي , ثُمَّ فَتْح بَيْت الْمَقْدِس , وَمَوْتَانِ ثُمَّ اِسْتِفَاضَة الْمَال حَتَّى يُعْطَى الرَّجُل مِنْهُ مِائَة دِينَار فَيَظَلّ سَاخِطًا \" الْحَدِيث. وَقَدْ أَشَرْت إِلَى شَيْء مِنْ هَذَا عِنْدَ شَرْحه ‏ ‏الْحَالَة الثَّانِيَة الْإِشَارَة إِلَى فَيْضه مِنْ الْكَثْرَة بِحَيْثُ أَنْ يَحْصُل اِسْتِغْنَاء كُلّ أَحَد عَنْ أَخْذ مَال غَيْره , وَكَانَ ذَلِكَ فِي آخِر عَصْر الصَّحَابَة وَأَوَّل عَصْر مَنْ بَعْدَهُمْ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ \" يُهَمّ رَبّ الْمَال \" وَذَلِكَ يَنْطَبِق عَلَى مَا وَقَعَ فِي زَمَن عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز. ‏ ‏الْحَالَة الثَّالِثَة فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى فَيْضه وَحُصُول الِاسْتِغْنَاء لِكُلِّ أَحَد حَتَّى يَهْتَمّ صَاحِب الْمَال بِكَوْنِهِ لَا يَجِد مَنْ يَقْبَل صَدَقَته وَيَزْدَاد بِأَنَّهُ يَعْرِضهُ عَلَى غَيْره وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقّ الصَّدَقَة فَيَأْبَى أَخْذه فَيَقُول لَا حَاجَة لِي فِيهِ : وَهَذَا فِي زَمَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا الْأَخِير خُرُوج النَّار وَاشْتِغَال النَّاس بِأَمْرِ الْحَشْر فَلَا يَلْتَفِت أَحَد حِينَئِذٍ إِلَى الْمَال بَلْ يَقْصِد أَنْ يَتَخَفَّف مَا اِسْتَطَاعَ. ‏ ‏قَوْله ( وَحَتَّى يَتَطَاوَل النَّاس فِي الْبُنْيَان ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْإِيمَان مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي سُؤَال جِبْرِيل عَنْ الْإِيمَان قَوْله فِي أَشْرَاط السَّاعَة وَيَتَطَاوَل النَّاس فِي الْبُنْيَان , وَهِيَ مِنْ الْعَلَامَات الَّتِي وَقَعَتْ عَنْ قُرْب فِي زَمَن النُّبُوَّة , وَمَعْنَى التَّطَاوُل فِي الْبُنْيَان أَنَّ كُلًّا مِمَّنْ كَانَ يَبْنِي بَيْتًا يُرِيد أَنْ يَكُون اِرْتِفَاعه أَعْلَى مِنْ اِرْتِفَاع الْآخَر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد الْمُبَاهَاة بِهِ فِي الزِّينَة وَالزَّخْرَفَة أَوْ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ , وَقَدْ وُجِدَ الْكَثِير مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ فِي اِزْدِيَاد. ‏ ‏قَوْله ( وَحَتَّى يَمُرّ الرَّجُل بِقَبْرِ الرَّجُل ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه قَبْلَ بِبَابَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( وَحَتَّى تَطْلُع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي آخِر كِتَاب الرِّقَاق : وَذَكَرْت هُنَاكَ مَا أَبْدَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ثُمَّ الْقُرْطُبِيّ اِحْتِمَالًا أَنَّ الزَّمَن الَّذِي لَا يَنْفَع نَفْسًا إِيمَانهَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَقْت طُلُوع الشَّمْس مِنْ الْمَغْرِب , ثُمَّ إِذَا تَمَادَتْ الْأَيَّام وَبَعُدَ الْعَهْد بِتِلْكَ الْآيَة عَادَ نَفْع الْإِيمَان وَالتَّوْبَة , وَذَكَرْت مَنْ جَزَمَ بِهَذَا الِاحْتِمَال وَبَيَّنْت أَوْجُه الرَّدّ عَلَيْهِ. ثُمَّ وَقَفْت عَلَى حَدِيث لِعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو ذَكَرَ فِيهِ طُلُوع الشَّمْس مِنْ الْمُغْرِب وَفِيهِ \" فَمِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا يَنْفَع نَفْسًا إِيمَانهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ \" الْآيَة , أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِم , وَهُوَ نَصّ فِي مَوْضِع النِّزَاع وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏ ‏قَوْله ( وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبهمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة سُفْيَان عَنْ أَبِي الزِّنَاد وَيَتَبَايَعَانِ الثَّوْب فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ حَتَّى تَقُوم وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْث مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن زِيَاد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة عَلَى رَجُلَيْنِ قَدْ نَشَرَا بَيْنَهُمَا ثَوْبًا يَتَبَايَعَانِهِ فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ \" وَنِسْبَة الثَّوْب إِلَيْهِمَا فِي الرِّوَايَة الْأُولَى بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَة فِي أَحَدهمَا وَالْمَجَاز فِي الْآخَر لِأَنَّ أَحَدهمَا مَالِك وَالْآخَر مُسْتَام , وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" يَتَبَايَعَانِهِ \" أَيْ يَتَسَاوَمَانِ فِيهِ مَالِكه وَاَلَّذِي يُرِيد شِرَاءَهُ فَلَا يَتِمّ بَيْنَهُمَا ذَلِكَ مِنْ بَغْتَة قِيَام السَّاعَة فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ , وَعِنْدَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" إِنَّ السَّاعَة تَقُوم عَلَى الرَّجُلَيْنِ وَهُمَا يَنْشُرَانِ الثَّوْب فَمَا يَطْوِيَانِهِ \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث عُقْبَةَ بْن عَامِر عِنْدَ الْحَاكِم لِهَذِهِ الْقِصَّة وَمَا بَعْدَهَا مُقَدِّمَة قَالَ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطْلُع عَلَيْكُمْ قَبْل السَّاعَة سَحَابَة سَوْدَاء مِنْ قِبَل الْمُغْرِب مِثْل التُّرْس , فَمَا تَزَال تَرْتَفِع حَتَّى تَمْلَأ السَّمَاء , ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ أَيّهَا النَّاس - ثَلَاثًا يَقُول فِي الثَّالِثَة - أَتَى أَمْر اللَّه. قَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَنْشُرَانِ الثَّوْب بَيْنَهُمَا فَمَا يَطْوِيَانِهِ \" الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ ) ‏ ‏أَيْ الرَّجُل. ‏ ‏قَوْله ( يَلِيط حَوْضه ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله مِنْ الثُّلَاثِيّ وَبِضَمِّهِ مِنْ الرُّبَاعِيّ وَالْمَعْنَى يُصْلِحهُ بِالطِّينِ وَالْمَدَر فَيَسُدّ شُقُوقه لِيَمْلَأهُ وَيَسْقِي مِنْهُ دَوَابّه يُقَال لَاطَ الْحَوْض يَلِيطهُ إِذْ أَصْلَحَهُ بِالْمَدَرِ وَنَحْوه , وَمِنْهُ قِيلَ اللَّائِط لِمَنْ يَفْعَل الْفَاحِشَة , وَجَاءَ فِي مُضَارِعه يَلُوط تَفْرِقَة بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَوْض. وَحَكَى الْقَزَّاز فِي الْحَوْض أَيْضًا يَلُوط , وَالْأَصْل فِي اللَّوْط اللُّصُوق وَمِنْهُ \" كَانَ عُمَر يَلِيط أَهْل الْجَاهِلِيَّة بِمَنْ اِدَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَام \" كَذَا قَالَ , وَاَلَّذِي يَتَبَادَر أَنَّ فَاعِل الْفَاحِشَة نُسِبَ إِلَى قَوْم لُوط وَاَللَّه أَعْلَم. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عُقْبَةَ بْن عَامِر الْمَذْكُور \" وَإِنَّ الرَّجُل لَيَمْدُر حَوْضه فَمَا يَسْقِي مِنْهُ شَيْئًا \" وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عِنْد الْحَاكِم وَأَصْله فِي مُسْلِم \" ثُمَّ يُنْفَخ فِي الصُّوَر فَيَكُون أَوَّل مَنْ يَسْمَعهُ رَجُل يَلُوط حَوْضه فَيُصْعَق \" فَفِي هَذَا بَيَان السَّبَب فِي كَوْنه لَا يَسْقِي مِنْ حَوْضه شَيْئًا , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم \" وَالرَّجُل يَلِيط فِي حَوْضه فَمَا يَصْدُر - أَيْ يَفْرُغ أَوْ يَنْفَصِل عَنْهُ - حَتَّى تَقُوم \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَا يُسْقَى فِيهِ ) ‏ ‏أَيْ تَقُوم الْقِيَامَة مِنْ قَبْل أَنْ يُسْتَقَى مِنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ ) ‏ ‏بِالضَّمِّ أَيْ لُقْمَته إِلَى فِيهِ ‏ ‏( فَلَا يَطْعَمهَا ) ‏ ‏أَيْ تَقُوم السَّاعَة مِنْ قَبْل أَنْ يَضَع لُقْمَته فِي فِيهِ , أَوْ مِنْ قَبْل أَنْ يَمْضُغهَا , أَوْ مِنْ قَبْل أَنْ يَبْتَلِعهَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْث مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن زِيَاد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" تَقُوم السَّاعَة عَلَى رَجُل أُكْلَتُهُ فِي فِيهِ يَلُوكهَا فَلَا يُسِيغهَا وَلَا يَلْفِظهَا \" وَهَذَا يُؤَيِّد الِاحْتِمَال الْأَخِير وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الرِّقَاق \" فِي \" بَاب طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا \" بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب طَرَف مِنْهُ وَهُوَ مِنْ قَوْله \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا \" وَذَكَرَ بَعْدَهُ \" وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبهمَا \" وَبَعْدَهُ \" وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة وَقَدْ اِنْصَرَفَ الرَّجُل بِلَبَنِ لِقْحَته فَلَا يَطْعَمهُ \" وَبَعْدَهُ \" وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة وَهُوَ يَلِيط حَوْضه \" وَبَعْدَهُ \" وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ \" فَزَادَ وَاحِدَة وَهِيَ الْحَلْب , وَمَا أَدْرِي لِمَ حَذَفَهَا هُنَا مَعَ أَنَّهُ أَوْرَدَ الْحَدِيث هُنَا بِتَمَامِهِ إِلَّا هَذِهِ الْجُمْلَة وَقَدْ أَوْرَدَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي جُمْلَة الْحَدِيث عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي ذَكَرْته فِي أَوَّل الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث , ثُمَّ وَجَدْتهَا ثَابِتَة فِي الْأَصْل فِي رِوَايَة كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ وَسَقَطَتْ لِأَبِي ذَرّ وَالْقَابِسِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَة بِشْر بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ \" بِلَبَنِ لِقْحَته مِنْ تَحْتهَا لَا يَطْعَمهُ \" وَأَخْرَجَ مَعَهُ الثَّلَاثَة الْأُخْرَى. وَاللِّقْحَة بِكَسْرِ اللَّام وَسُكُون الْقَاف بَعْدَهَا مُهْمَلَة النَّاقَة ذَات الدَّرّ , وَهِيَ إِذَا نُتِجَتْ لَقُوح شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة ثُمَّ لَبُون , وَهَذَا كُلّه إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْقِيَامَة تَقُوم بَغْتَة وَأَسْرَعهَا رَفْع اللُّقْمَة إِلَى الْفَم. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْهُ فِي آخِر \" كِتَاب الْفِتَن \" هَذِهِ الْأُمُور الْأَرْبَعَة إِلَّا رَفْع اللُّقْمَة مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد بِسَنَدِهِ هَذَا وَلَفْظه \" تَقُوم السَّاعَة وَالرَّجُل يَحْلُب اللِّقْحَة فَمَا يَصِل الْإِنَاء إِلَى فِيهِ حَتَّى تَقُوم , وَالرَّجُلَانِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْب , وَالرَّجُل يَلِيط فِي حَوْضه \" وَقَدْ ذَكَرْت لَفْظه فِيهِمَا. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مَا يُعْرَف مِنْهُ الْمُرَاد مِنْ التَّمْثِيل بِصَاحِبِ الْحَوْض وَلَفْظه \" ثُمَّ يُنْفَخ فِي الصُّوَر فَلَا يَسْمَعهُ أَحَد إِلَّا أَصْغَى , وَأَوَّل مَنْ يَسْمَعهُ رَجُل يَلُوط حَوْض إِبِله فَيُصْعَق \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَأَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ وَأَحْمَد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" لَمَّا كَانَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ إِبْرَاهِيم وَمُوسَى وَعِيسَى فَتَذَاكَرُوا السَّاعَة فَبَدَؤُا بِإِبْرَاهِيمَ فَسَأَلُوهُ عَنْهَا فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْهَا عِلْم , ثُمَّ سَأَلُوا مُوسَى فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْهَا عِلْم , فَرُدَّ الْحَدِيث إِلَى عِيسَى فَقَالَ : قَدْ عُهِدَ إِلَيَّ فِيمَا دُونَ وَجْبَتهَا , فَأَمَّا وَجْبَتهَا فَلَا يَعْلَمهَا إِلَّا اللَّه \" فَذَكَرَ خُرُوج الدَّجَّال , قَالَ : فَأُنْزَل إِلَيْهِ فَأَقْتُلهُ ثُمَّ ذَكَرَ خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج ثُمَّ دُعَاءَهُ بِمَوْتِهِمْ ثُمَّ بِإِرْسَالِ الْمَطَر فَيُلْقِي جِيَفهمْ فِي الْبَحْر ثُمَّ تُنْسَف الْجِبَال وَتُمَدّ الْأَرْض مَدّ الْأَدِيم , فَعُهِدَ إِلَيَّ إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَتْ السَّاعَة مِنْ النَّاس كَالْحَامِلِ الْمُتِمّ لَا يَدْرِي أَهْلهَا مَتَى تَفْجَؤُهُمْ بِوِلَادَتِهَا لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6589",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏قَيْسٌ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ‏ ‏مَا سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الدَّجَّالِ ‏ ‏أَكْثَرَ مَا سَأَلْتُهُ وَإِنَّهُ قَالَ لِي ‏ ‏مَا يَضُرُّكَ مِنْهُ قُلْتُ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ مَعَهُ جَبَلَ خُبْزٍ وَنَهَرَ مَاءٍ قَالَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان \" وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لِي الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة ) ‏ ‏عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن حُمَيْدٍ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ قَيْس بْن أَبِي حَازِم \" عَنْ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة \". ‏ ‏قَوْله ( مَا سَأَلَ أَحَد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الدَّجَّال مَا سَأَلْته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَكْثَر مِمَّا سَأَلْته \". ‏ ‏قَوْله ( وَأَنَّهُ قَالَ لِي مَا يَضُرّك مِنْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم قَالَ \" وَمَا يَنْصِبك مِنْهُ \" بِنُون وَصَاد مُهْمَلَة ثُمَّ مُوَحَّدَة مِنْ النَّصَب بِمَعْنَى التَّعَب , وَمِثْله عِنْده مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن هَارُون عَنْ إِسْمَاعِيل وَزَادَ \" فَقَالَ لِي أَيْ بُنَيّ وَمَا يَنْصِبك مِنْهُ \" وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيق هُشَيْمٍ عَنْ إِسْمَاعِيل \" وَمَا سُؤَالك عَنْهُ , أَيْ وَمَا سَبَب سُؤَالك عَنْهُ \" وَقَالَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج : مَعْنَى قَوْله مَا يَنْصِبك أَيْ مَا الَّذِي يَغُمّك مِنْهُ مِنْ الْغَمّ حَتَّى يَهُولُك أَمْره قُلْت وَهُوَ تَفْسِير بِاللَّازِمِ وَإِلَّا فَالنَّصَب التَّعَب وَزْنه وَمَعْنَاهُ وَيُطْلَق عَلَى الْمَرَض فِيهِ تَعَبًا. قَالَ اِبْن دُرَيْدٍ : يُقَال نَصَبَهُ الْمَرَض وَأَنْصَبَهُ , وَهُوَ تَغَيُّر الْحَال مِنْ تَعَب أَوْ وَجَع. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ) ‏ ‏هُوَ مُتَعَلِّق بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيره الْخَشْيَة مِنْهُ مَثَلًا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَهِيَ رِوَايَة مُسْلِم وَالضَّمِير فِي أَنَّهُمْ لِلنَّاسِ أَوْ لِأَهْلِ الْكِتَاب. ‏ ‏قَوْله ( جَبَل خُبْز ) ‏ ‏بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا زَاي وَالْمُرَاد أَنَّ مَعَهُ مِنْ الْخُبْز قَدْر الْجَبَل , وَأَطْلَقَ الْخُبْز وَأَرَادَ بِهِ أَصْله وَهُوَ الْقَمْح مَثَلًا , زَادَ فِي رِوَايَة هُشَيْمٍ عِنْد مُسْلِم \" مَعَهُ جِبَال مِنْ خُبْز وَلَحْم وَنَهَر مِنْ مَاء \" وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن حُمَيْدٍ \" إِنَّ مَعَهُ الطَّعَام وَالْأَنْهَار \" وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن هَارُون \" أَنَّ مَعَهُ الطَّعَام وَالشَّرَاب \". ‏ ‏قَوْله ( وَنَهَر مَاء ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْهَاء وَبِفَتْحِهَا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ بَلْ هُوَ أَهْوَن عَلَى اللَّه مِنْ ذَلِكَ ) ‏ ‏سَقَطَ لَفْظ \" بَلْ \" مِنْ رِوَايَة مُسْلِم. وَقَالَ عِيَاض : مَعْنَاهُ هُوَ أَهْوَن مِنْ أَنْ يَجْعَل مَا يَخْلُقهُ عَلَى يَدَيْهِ مُضِلًّا لِلْمُؤْمِنِينَ وَمُشَكِّكًا لِقُلُوبِ الْمُوقِنِينَ , بَلْ لِيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَيَرْتَاب الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض فَهُوَ مِثْل قَوْل الَّذِي يَقْتُلهُ مَا كُنْت أَشَدّ بَصِيرَةً مِنِّي فِيك , لَا أَنَّ قَوْله \" هُوَ أَهْوَن عَلَى اللَّه مِنْ ذَلِكَ \" أَنَّهُ لَيْسَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ مَعَهُ , بَلْ الْمُرَاد أَهْوَن مِنْ أَنْ يَجْعَل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ آيَة عَلَى صِدْقه , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ جَعَلَ فِيهِ آيَة ظَاهِرَة فِي كَذِبه وَكُفْره يَقْرَأهَا مَنْ قَرَأَ وَمَنْ لَا يَقْرَأ زَائِدَة عَلَى شَوَاهِد كَذِبه مَنْ حَدَثه وَنَقْصه. قُلْت : الْحَامِل عَلَى هَذَا التَّأْوِيل أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيث آخَر مَرْفُوع \" وَمَعَهُ جَبَل مِنْ خُبْز وَنَهْر مِنْ مَاء \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْث مِنْ طَرِيق جُنَادَةَ بْن أَبِي أُمَيَّة عَنْ مُجَاهِد قَالَ \" اِنْطَلَقْنَا إِلَى رَجُل مِنْ الْأَنْصَار فَقُلْنَا حَدِّثْنَا بِمَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدَّجَّال وَلَا تُحَدِّثنَا عَنْ غَيْره \" فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ \" تُمْطِر الْأَرْض وَلَا يُنْبِت الشَّجَر , وَمَعَهُ جَنَّة وَنَار فَنَاره جَنَّة وَجَنَّته نَار وَمَعَهُ جَبَل خُبْز \" الْحَدِيث بِطُولِهِ وَرِجَاله ثِقَات , وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ جُنَادَةَ عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار \" مَعَهُ جِبَال الْخُبْز وَأَنْهَار الْمَاء \" وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيث جَابِر \" مَعَهُ جِبَال مِنْ خُبْز وَالنَّاس فِي جَهْد إِلَّا مَنْ تَبِعَهُ , وَمَعَهُ نَهْرَانِ \" الْحَدِيث , فَدَلَّ مَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْله \" هُوَ أَهْوَن عَلَى اللَّه مِنْ ذَلِكَ \" لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ ظَاهِره وَأَنَّهُ لَا يُجْعَل عَلَى يَدَيْهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ , بَلْ هُوَ عَلَى التَّأْوِيل الْمَذْكُور , وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيث الثَّامِن أَنَّ مَعَهُ جَنَّة وَنَارًا , وَغَفَلَ الْقَاضِي اِبْن الْعَرَبِيّ فَقَالَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْمُغِيرَة عِنْد مُسْلِم لِمَا قَالَ لَهُ لَنْ يَضُرّك قَالَ : إِنَّ مَعَهُ مَاء وَنَارًا. قُلْت : وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي حَدِيث الْمُغِيرَة. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : أَخَذَ بِظَاهِرِ قَوْله \" هُوَ أَهْوَن عَلَى اللَّه مِنْ ذَلِكَ \" مَنْ رَدَّ مِنْ الْمُبْتَدِعَة الْأَحَادِيث الثَّابِتَة أَنَّ مَعَهُ جَنَّة وَنَارًا وَغَيْر ذَلِكَ قَالَ : وَكَيْف يَرُدّ بِحَدِيثٍ مُحْتَمَل مَا ثَبَتَ فِي غَيْره مِنْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة : فَلَعَلَّ الَّذِي جَاءَ فِي حَدِيث الْمُغِيرَة جَاءَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْره وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله \" هُوَ أَهْوَن \" أَيْ لَا يُجْعَل لَهُ ذَلِكَ حَقِيقَة وَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيل وَتَشْبِيه عَلَى الْأَبْصَار فَيَثْبُت الْمُؤْمِن وَيَزِلّ الْكَافِر , وَمَالَ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه إِلَى الْآخَر فَقَالَ : هَذَا لَا يُضَادّ خَبَر أَبِي مَسْعُود , بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَهْوَن عَلَى اللَّه مِنْ أَنْ يَكُون نَهْر مَاء يَجْرِي , فَإِنَّ الَّذِي مَعَهُ يَرَى أَنَّهُ مَاء وَلَيْسَ بِمَاءٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "6590",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أُرَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا وُهَيْب ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ وَأَيُّوب هُوَ السَّخْتِيَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عُمَر أَرَاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏الْقَائِل \" أَرَاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" هُوَ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ سَقَطَ قَوْله \" أَرَاهُ إِلَخْ \" لِلْمُسْتَمْلِيّ وَلِأَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي أَحْمَد الْجُرْجَانِيِّ فَصَارَتْ صُورَته مَوْقُوفًا , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَة أَحْمَد بْن مَنْصُور الرَّمَادِيّ عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل شَيْخ الْبُخَارِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى اِبْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ مُوسَى فَلَمْ يَذْكُر فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج عَنْ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَحْمَد بْن دَاوُدَ الْمَكِّيّ عَنْ مُوسَى وَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ أَيْضًا , وَاقْتَصَرَ الْمِزِّيّ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ وَغَيْره بِلَفْظِ \" أَرَاهُ \" وَالْحَدِيث فِي الْأَصْل مَرْفُوع فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي تَرْجَمَة عِيسَى بْن مَرْيَم مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عُقْبَةَ عَنْ نَافِع قَالَ \" قَالَ عَبْد اللَّه هُوَ اِبْن عُمَر ذَكَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن ظَهْرَانَيْ النَّاس الْمَسِيح الدَّجَّال \" فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث وَسِيَاقه هُنَاكَ أَتَمّ. ‏ ‏قَوْله ( أَعْوَر الْعَيْن الْيُمْنَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر أَبِي ذَرّ \" أَعْوَر عَيْن الْيُمْنَى \" بِغَيْرِ أَلِف وَلَام , وَمِثْله فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَة عِيسَى بِلَفْظِهِ \" أَعْوَر عَيْنه الْيُمْنَى \" وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهه وَالْبَحْث فِي إِعْرَابه. ‏ ‏قَوْله ( كَأَنَّهَا عِنَبَة طَافِيَة ) ‏ ‏يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْحَدِيث السَّادِس , هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِع عِنْد الْجَمِيع لَمْ يُذْكَر الْمَوْصُوف بِذَلِكَ , وَمِثْله فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ لَكِنْ قَالَ فِي آخِره \" يَعْنِي الدَّجَّال \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ فِي أَوَّله \" الدَّجَّال أَعْوَر عَيْن الْيُمْنَى \". ‏"
    },
    {
        "id": "6591",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَجِيءُ ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏حَتَّى يَنْزِلَ فِي نَاحِيَةِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏ثُمَّ تَرْجُفُ ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سَعْد بْن حَفْص ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْعَيْن , وَفِي بَعْض النَّسْخ بِكَسْرِهَا وَزِيَادَة يَاء وَهُوَ تَحْرِيفٌ. ‏ ‏قَوْله ( شَيْبَانُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن نَسَبَهُ عَبَّاس الدُّورِيُّ عَنْ سَعْد بْن حَفْص شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَيَحْيَى هُوَ اِبْن أَبِي كَثِير. ‏ ‏قَوْله ( يَجِيء الدَّجَّال حَتَّى يَنْزِل فِي نَاحِيَة الْمَدِينَة ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْآتِي بَعْدَ بَاب \" يَنْزِل بَعْض السِّبَاخ الَّتِي فِي الْمَدِينَة : وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ إِسْحَاق عَنْ أَنَس \" فَيَأْتِي سَبَخَة الْجُرُف فَيَضْرِب رِوَاقه فَيَخْرُج إِلَيْهِ كُلّ مُنَافِق وَمُنَافِقَة \" وَالْجُرُف بِضَمِّ الْجِيم وَالرَّاء بَعْدَهَا فَاء مَكَان بِطَرِيقِ الْمَدِينَة مِنْ جِهَة الشَّام عَلَى مِيل وَقِيلَ عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال , وَالْمُرَاد بِالرِّوَاقِ الْفُسْطَاط. وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ \" نَزَلَ عِنْدَ الطَّرِيق الْأَحْمَر عِنْدَ مُنْقَطَع السَّبَخَة \". ‏ ‏قَوْله ( تَرْجُف ثَلَاث رَجَفَات ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الدُّورِيّ \" فَتَرْجُف \" وَهِيَ أَوْجَه ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِر كِتَاب الْحَجّ مِنْ طَرِيق الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْحَاق أَتَمّ مِنْ هَذَا وَفِيهِ \" لَيْسَ مِنْ بَلَد إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّال , إِلَّا مَكَّة وَالْمَدِينَة \" وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ , وَالْجَمْع بَيْنَ قَوْله \" تَرْجُف ثَلَاث رَجَفَات \" وَبَيْنَ قَوْله فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِي هَذَا \" لَا يَدْخُل الْمَدِينَة رُعْب الْمَسِيح الدَّجَّال \" وَفِي حَدِيث مِحْجَن بْن الْأَدْرَع عِنْد أَحْمَد وَالْحَاكِم رَفَعَهُ \" يَجِيء الدَّجَّال فَيَصْعَد أُحُدًا فَيَتَطَلَّع فَيَنْظُر إِلَى الْمَدِينَة فَيَقُول لِأَصْحَابِهِ : أَلَا تَرَوْنَ إِلَى هَذَا الْقَصْر الْأَبْيَض ؟ هَذَا مَسْجِد أَحْمَد. ثُمَّ يَأْتِي الْمَدِينَة فَيَجِد بِكُلِّ نَقَب مِنْ نِقَابهَا مَلَكًا مُصْلِتًا سَيْفه , فَيَأْتِي سَبَخَة الْجُرُف فَيَضْرِب رِوَاقه. ثُمَّ تَرْجُف الْمَدِينَة ثَلَاث رَجَفَات فَلَا يَبْقَى مُنَافِق وَلَا مُنَافِقَة وَلَا فَاسِق وَلَا فَاسِقَة إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ فَتَخْلُص الْمَدِينَة , فَذَلِكَ يَوْم الْخَلَاص \" وَفِي حَدِيث أَبِي الطُّفَيْل عَنْ حُذَيْفَة بْن أَسِيدٍ الَّذِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ أَوَّل الْبَاب \" وَتُطْوَى لَهُ الْأَرْض طَيّ فَرْوَة الْكَبْش حَتَّى يَأْتِي الْمَدِينَة فَيَغْلِب عَلَى خَارِجهَا وَيُمْنَع دَاخِلهَا , ثُمَّ يَأْتِي إِيلْيَا فَيُحَاصِر عِصَابَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ \" وَحَاصِل مَا وَقَعَ بِهِ الْجَمْع أَنَّ الرُّعْب الْمَنْفِيّ هُوَ الْخَوْف وَالْفَزَع حَتَّى لَا يَحْصُل لِأَحَدٍ فِيهَا بِسَبَبِ نُزُوله قُرْبَهَا شَيْء مِنْهُ , أَوْ هُوَ عِبَارَة عَنْ غَايَته وَهُوَ غَلَبَته عَلَيْهَا , وَالْمُرَاد بِالرَّجْفَةِ الْأَرْفَاق وَهُوَ إِشَاعَة مَجِيئِهِ وَأَنَّهُ لَا طَاقَة لِأَحَدٍ بِهِ , فَيُسَارِع حِينَئِذٍ إِلَيْهِ مَنْ كَانَ يَتَّصِف بِالنِّفَاقِ أَوْ الْفِسْق , فَيَظْهَر حِينَئِذٍ تَمَام أَنَّهَا تُنْفَى خَبَثهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6592",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَدْخُلُ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏رُعْبُ ‏ ‏الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ‏ ‏وَلَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه إِلَخْ ) ‏ ‏ثَبَتَ هَذَا لِلْمُسْتَمْلِيّ وَحْده هُنَا وَسَقَطَ لِسَائِرِهِمْ , وَقَدْ مَضَى فِي آخِر كِتَاب الْحَجّ سَنَدًا وَمَتْنًا. وَإِبْرَاهِيم بْن سَعْد أَيْ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَسَعْد هُوَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ مُحَمَّد بْن بِشْر فِي السَّنَد الثَّانِي. ‏ ‏قَوْله ( لَا يَدْخُل الْمَدِينَة رُعْب الْمَسِيح الدَّجَّال ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْط الْمَسِيح فِي بَاب الدُّعَاء قَبْلَ السَّلَام مِنْ كِتَاب الصَّلَاة وَهُوَ قُبَيْل كِتَاب الْجُمُعَة , وَتَقَدَّمَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ مَنْ قَالَهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة صَحَّفَ , وَالْقَوْل فِي سَبَب تَسْمِيَته الْمَسِيح بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته هُنَا. وَحَكَى شَيْخنَا مَجْد الدِّين الشِّيرَازِيّ صَاحِب الْقَامُوس فِي اللُّغَة أَنَّهُ اِجْتَمَعَ لَهُ مِنْ الْأَقْوَال فِي سَبَب تَسْمِيَة الدَّجَّال الْمَسِيح خَمْسُونَ قَوْلًا , وَبَالَغَ الْقَاضِي اِبْن الْعَرَبِيّ فَقَالَ : ضَلَّ قَوْم فَرَوَوْهُ الْمَسِيخ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة , وَشَدَّدَ بَعْضهمْ السِّين لِيُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسِيح عِيسَى بْن مَرْيَم بِزَعْمِهِمْ , وَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ فِي الدَّجَّال \" مَسِيح الضَّلَالَة \" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ عِيسَى مَسِيح الْهُدَى , فَأَرَادَ هَؤُلَاءِ تَعْظِيم عِيسَى فَحَرَّفُوا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَة أَبْوَاب ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض : هَذَا يُؤَيِّد أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَنْقَابِ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة يَعْنِي ثَانِي أَحَادِيث الْبَاب الَّذِي يَلِيه الْأَبْوَاب وَفُوَّهَات الطَّرِيق. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى كُلّ بَاب مَلَكَانِ ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن بِشْر \" لِكُلِّ بَاب مَلَكَانِ \" وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ طَلْحَة بْن عَبْد اللَّه بْن عَوْف عَنْ عِيَاض بْن مُسَافِع عَنْ أَبِي بَكْرَة قَالَ \" أَكْثَرَ النَّاس فِي شَأْن مُسَيْلِمَة فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ كَذَّاب مِنْ ثَلَاثِينَ كَذَّابًا قَبْل الدَّجَّال , وَأَنَّهُ لَيْسَ بَلَد إِلَّا يَدْخُلهُ رُعْب الدَّجَّال إِلَّا الْمَدِينَة , عَلَى كُلّ نَقَب مِنْ أَنْقَابهَا مَلَكَانِ يَذُبَّانِ عَنْهَا رُعْب الْمَسِيح \". ‏"
    },
    {
        "id": "6593",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَدْخُلُ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏رُعْبُ ‏ ‏الْمَسِيحِ ‏ ‏لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ ‏ ‏قَالَ وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمْتُ ‏ ‏الْبَصْرَةَ ‏ ‏فَقَالَ لِي ‏ ‏أَبُو بَكْرَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد صَاحِبُ الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ صَالِح بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَهُوَ أَخُو سَعْد بْن إِبْرَاهِيمَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَدِمْت الْبَصْرَة ) ‏ ‏أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق ثُبُوت لِقَاء إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف لِأَبِي بَكْرَة لِأَنَّ إِبْرَاهِيم مَدَنِيّ وَقَدْ تُسْتَنْكَر رِوَايَته عَنْ أَبِي بَكْرَة لِأَنَّهُ نَزَلَ الْبَصْرَة مِنْ عَهْد عُمَر إِلَى أَنْ مَاتَ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرَة سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا ) ‏ ‏هَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ الْحَرَّانِيِّ عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بِهَذَا السَّنَد وَبَقِيَّته بَعْدَ قَوْله \" فَلَقِيت أَبَا بَكْرَة \" : فَقَالَ أَشْهَد لَسَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : \" كُلّ قَرْيَة يَدْخُلهَا فَزَع الدَّجَّال إِلَّا الْمَدِينَة يَأْتِيهَا لِيَدْخُلَهَا فَيَجِد عَلَى بَابهَا مَلَكًا مُصْلِتًا بِالسَّيْفِ فَيَرُدّهُ عَنْهَا \" قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ صَالِح إِلَّا اِبْن إِسْحَاق. قُلْت : وَصَالِح الْمَذْكُور ثِقَة مُقِلّ أَخْرَجَا لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثًا وَاحِدًا غَيْر هَذَا , وَقَوْله \" بِهَذَا \" يُرِيد أَصْل الْحَدِيث , وَإِلَّا فَبَيْنَ لَفْظ صَالِح بْن إِبْرَاهِيم وَلَفْظ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم مُغَايَرَات تَظْهَر مِنْ سِيَاقهمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6594",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ ‏ ‏الدَّجَّالَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي لَأُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ وَلَكِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْأُوَيْسِيّ , وَإِبْرَاهِيم هُوَ اِبْن سَعْد , وَصَالِح هُوَ اِبْن كَيْسَانَ , وَابْن شِهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاس فَأَثْنَى عَلَى اللَّه بِمَا هُوَ أَهْله ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّال ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا , وَطَوَّلَهُ فِي كِتَاب الْجِهَاد مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ بِهَذَا السَّنَد وَأَوَّله \" أَنَّ عُمَر اِنْطَلَقَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْط قِبَل اِبْن صَيَّاد \" الْقِصَّة بِطُولِهَا وَفِيهِ \" خَبَّأْت لَك خَبْئًا \" وَفِيهِ \" فَقَالَ عُمَر دَعْنِي يَا رَسُول اللَّه أَضْرِب عُنُقه \" ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قَالَ اِبْن عُمَر : \" اِنْطَلَقَ بَعْد ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُبَيّ بْن كَعْب إِلَى النَّخْل الَّتِي فِيهَا اِبْن صَيَّاد \" فَذَكَرَ الْقِصَّة الْأُخْرَى وَفِيهَا \" وَهُوَ مُضْطَجِع فِي قَطِيفَة \" وَفِيهَا \" لَوْ تَرَكْته بَيْنَ \" ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ \" قَالَ اِبْن عُمَر ثُمَّ قَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاس \" الْحَدِيث , فَجَمَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الْجِهَاد \" فِي \" بَاب كَيْف يُعْرَض الْإِسْلَام عَلَى الصَّبِيّ \" وَكَذَا صَنَعَ فِي \" كِتَاب الْأَدَب \" أَوْرَدَهُ فِيهِ مِنْ طَرِيق شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة عَنْ الزُّهْرِيّ , وَاقْتَصَرَ فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الْجَنَائِز \" عَلَى الْأَوَّلَيْنِ وَلَمْ يَذْكُر الثَّالِث أَوْرَدَهُ فِيهِ مِنْ طَرِيق يُونُس بْن يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيّ وَكَذَا صَنَعَ فِي الشَّهَادَات أَوْرَدَهُ فِيهِ مِنْ طَرِيق شُعَيْب وَقَدْ شَرَحْتهمَا هُنَاكَ , وَأَوْرَدَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ بِسَنَدِهِ فِي هَذَا الْبَاب بِتَمَامِهِ مُشْتَمِلًا عَلَى الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة. ‏ ‏قَوْله ( وَمَا مِنْ نَبِيّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمه ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مَعْمَر \" لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوح قَوْمه \" وَفِي حَدِيث أَبِي عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ \" لَمْ يَكُنْ نَبِيّ بَعْدَ نُوح إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمه الدَّجَّال \" وَعِنْدَ أَحْمَد \" لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحَ أُمَّته وَالنَّبِيُّونَ مِنْ بَعْدِهِ \" أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ اِبْن عُمَر , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ إِنْذَار نُوح قَوْمه بِالدَّجَّالِ مَعَ أَنَّ الْأَحَادِيث قَدْ ثَبَتَتْ أَنَّهُ يَخْرُج بَعْدَ أُمُور ذُكِرَتْ , وَأَنَّ عِيسَى يَقْتُلهُ بَعْدَ أَنْ يَنْزِل مِنْ السَّمَاء فَيَحْكُم بِالشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّة , وَالْجَوَاب أَنَّهُ كَانَ وَقْت خُرُوجه أَخْفَى عَلَى نُوح وَمَنْ بَعْدَهُ فَكَأَنَّهُمْ أُنْذِرُوا بِهِ وَلَمْ يَذْكُر لَهُمْ وَقْت خُرُوجه فَحَذَّرُوا قَوْمهمْ مِنْ فِتْنَته , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْض طُرُقه \" إِنْ يَخْرُج وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجه \" فَإِنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّن لَهُ وَقْت خُرُوجه وَعَلَامَاته , فَكَانَ يَجُوز أَنْ يَخْرُج فِي حَيَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَاله وَوَقْت خُرُوجه فَأَخْبَرَ بِهِ , فَبِذَلِكَ تَجْتَمِع الْأَخْبَار. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ إِنْذَار الْأَنْبِيَاء قَوْمهمْ بِأَمْرِ الدَّجَّال تَحْذِير مِنْ الْفِتَن وَطُمَأْنِينَة لَهَا حَتَّى لَا يُزَعْزِعهَا عَنْ حُسْن الِاعْتِقَاد , وَكَذَلِكَ تَقْرِيب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ زِيَادَة فِي التَّحْذِير , وَأَشَارَ مَعَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا عَلَى الْإِيمَان ثَابِتِينَ دَفَعُوا الشُّبَه بِالْيَقِينِ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَكِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيّ لِقَوْمِهِ ) ‏ ‏قِيلَ إِنَّ السِّرّ فِي اِخْتِصَاص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّنْبِيهِ الْمَذْكُور , مَعَ أَنَّهُ أَوْضَحَ الْأَدِلَّة فِي تَكْذِيب الدَّجَّال أَنَّ الدَّجَّال إِنَّمَا يَخْرُج فِي أُمَّته دُونَ غَيْرهَا مِمَّنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْأُمَم , وَدَلَّ الْخَبَر عَلَى أَنَّ عِلْم كَوْنه يَخْتَصّ خُرُوجه بِهَذِهِ الْأُمَّة كَانَ طُوِيَ عَنْ غَيْر هَذِهِ الْأُمَّة كَمَا طُوِيَ عَنْ الْجَمِيع عِلْم وَقْت قِيَام السَّاعَة. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ أَعْوَر وَأَنَّ اللَّه لَيْسَ بِأَعْوَرَ ) ‏ ‏إِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ أَنَّ أَدِلَّة الْحُدُوث فِي الدَّجَّال ظَاهِرَة لِكَوْنِ الْعَوَر أَثَر مَحْسُوس يُدْرِكهُ الْعَالِم وَالْعَامِّيّ وَمَنْ لَا يَهْتَدِي إِلَى الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة , فَإِذَا اِدَّعَى الرُّبُوبِيَّة وَهُوَ نَاقِص الْخِلْقَة وَالْإِلَه يَتَعَالَى عَنْ النَّقْص عُلِمَ أَنَّهُ كَاذِب , وَزَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة يُونُس وَالتِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَة مَعْمَر : قَالَ الزُّهْرِيّ فَأَخْبَرَنِي عَمْرو بْن ثَابِت الْأَنْصَارِيّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْض أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَئِذٍ لِلنَّاسِ وَهُوَ يُحَذِّرهُمْ \" تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَد مِنْكُمْ رَبّه حَتَّى يَمُوت \" وَعِنْدَ اِبْن مَاجَهْ نَحْو هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ , وَعِنْدَ الْبَزَّار مِنْ حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت , وَفِيهِ تَنْبِيه عَلَى أَنَّ دَعْوَاهُ الرُّبُوبِيَّة كَذِب لِأَنَّ رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى مُقَيَّدَة بِالْمَوْتِ وَالدَّجَّال يَدَّعِي أَنَّهُ اللَّه وَيَرَاهُ النَّاس مَعَ ذَلِكَ , وَفِي هَذَا الْحَدِيث رَدّ عَلَى مَنْ يَزْعُم أَنَّهُ يَرَى اللَّه تَعَالَى فِي الْيَقَظَة تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ وَلَا يَرِد عَلَى ذَلِكَ رُؤْيَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ لَيْلَة الْإِسْرَاء لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُ اللَّه تَعَالَى فِي الدُّنْيَا الْقُوَّة الَّتِي يُنْعِم بِهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6595",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ ‏ ‏بِالْكَعْبَةِ ‏ ‏فَإِذَا رَجُلٌ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏سَبْطُ ‏ ‏الشَّعَرِ ‏ ‏يَنْطُفُ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا ‏ ‏ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ ‏ ‏جَعْدُ ‏ ‏الرَّأْسِ أَعْوَرُ الْعَيْنِ كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ قَالُوا هَذَا ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ‏ ‏ابْنُ قَطَنٍ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏خُزَاعَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( عَنْ عُقَيْل ) ‏ ‏بِالضَّمِّ هُوَ اِبْن خَالِد. ‏ ‏قَوْله ( بَيْنَا أَنَا نَائِم أَطُوف بِالْكَعْبَةِ ) ‏ ‏زَادَ فِي ذِكْر عِيسَى مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَنْ أَحْمَد بْن مُحَمَّد الْمَكِّيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بِهَذَا السَّنَد إِلَى اِبْن عُمَر قَالَ \" لَا وَاَللَّه مَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِيسَى أَحْمَر , وَلَكِنْ قَالَ بَيْنَمَا \" الْحَدِيث وَزَادَ فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ اِبْن شِهَاب \" رَأَيْتنِي \" قَبْل قَوْله \" أَطُوف \" وَهُوَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاة , وَتَقَدَّمَ فِي التَّعْبِير مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" أَرَانِي اللَّيْلَة عِنْد الْكَعْبَة \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكُلّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهَا رُؤْيَا مَنَام , وَاَلَّذِي نَفَاهُ اِبْن عُمَر فِي هَذِهِ الرِّوَايَة جَاءَ عَنْهُ إِثْبَاته فِي رِوَايَة مُجَاهِد عَنْهُ قَالَ \" رَأَيْت عِيسَى وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيم فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَر جَعْد عَرِيض الصَّدْر , وَأَمَّا مُوسَى \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَتَقَدَّمَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي تَرْجَمَته مُسْتَوْفًى وَأَنَّ الصَّوَاب أَنَّ مُجَاهِدًا إِنَّمَا رَوَى هَذَا عَنْ اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا رَجُل آدَم ) ‏ ‏بِالْمَدِّ , فِي رِوَايَة مَالِك \" رَأَيْت رَجُلًا آدَم كَأَحْسَن مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْم الرِّجَال \" بِضَمِّ الْهَمْزَة وَسُكُون الدَّال. ‏ ‏قَوْله ( سَبِط الشَّعْر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة وَسُكُونهَا أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( يَنْطِف ) ‏ ‏بِكَسْرِ الطَّاء الْمُهْمَلَة ‏ ‏( أَوْ يُهْرَاق ) ‏ ‏كَذَا بِالشَّكِّ , وَلَمْ يَشُكّ فِي رِوَايَة شُعَيْب , وَزَادَ فِي رِوَايَة مَالِك \" لَهُ لِمَّة \" بِكَسْرِ اللَّام وَتَشْدِيد الْمِيم \" كَأَحْسَن مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ اللِّمَم \" وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَةَ عَنْ نَافِع \" تَضْرِب بِهِ لِمَّته بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ رَجْل الشَّعْر يَقْطُر رَأْسه مَاء \". ‏ ‏قَوْله ( قَدْ رَجَّلَهَا ) بِتَشْدِيدِ الْجِيم ( يَقْطُر مَاء ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب \" بَيْن رَجُلَيْنِ \" وَفِي رِوَايَة مَالِك \" مُتَّكِئًا عَلَى عَوَاتِق رَجُلَيْنِ يَطُوف بِالْبَيْتِ \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" وَرَأَيْت عِيسَى بْن مَرْيَم مَرْبُوع الْخَلْق إِلَى الْحُمْرَة وَالْبَيَاض سَبْط الرَّأْس \" زَادَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِنَحْوِهِ \" كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاس \" يَعْنِي الْحَمَّام , وَفِي رِوَايَة حَنْظَلَة عَنْ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر \" يَسْكُب رَأْسه أَوْ يَقْطُر \" وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم \" فَإِذَا أَقْرَب مَنْ رَأَيْت بِهِ شَبَهًا عُرْوَة بْن مَسْعُود \". ‏ ‏قَوْله ( قُلْت مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : اِبْن مَرْيَم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" فَسَأَلْت مَنْ هَذَا ؟ فَقِيلَ : الْمَسِيح اِبْن مَرْيَم \" وَفِي رِوَايَة حَنْظَلَة \" فَقَالُوا عِيسَى اِبْن مَرْيَم \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ ذَهَبْت أَلْتَفِت فَإِذَا رَجُل جَسِيم أَحْمَر جَعْد الرَّأْس أَعْوَر الْعَيْن ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مَالِك \" جَعْد قَطَط أَعْوَر \" وَزَادَ شُعَيْب \" أَعْوَر الْعَيْن الْيُمْنَى \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ أَوَّل الْبَاب , وَفِي رِوَايَة حَنْظَلَة \" وَرَأَيْت وَرَاءَهُ رَجُلًا أَحْمَر جَعْد الرَّأْس أَعْوَر الْعَيْن الْيُمْنَى \" فَفِي هَذِهِ الطُّرُق أَنَّهُ أَحْمَر وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ آدَم جَعْد , فَيُمْكِن أَنْ تَكُون أُدْمَته صَافِيَة , وَلَا يُنَافِي أَنْ يُوصَف مَعَ ذَلِكَ بِالْحُمْرَةِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأُدْم قَدْ تَحْمَرّ وَجْنَته. وَوَقَعَ فِي حَدِيث سَمُرَة عِنْد الطَّبَرَانِيِّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم \" مَمْسُوح الْعَيْن الْيُسْرَى كَأَنَّهَا عَيْن أَبِي يَحْيَى شَيْخ مِنْ الْأَنْصَار \" اِنْتَهَى. وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُثَنَّاة الْفَوْقَانِيَّة ضَبَطَهُ اِبْن مَاكُولَا عَنْ جَعْفَر الْمُسْتَغْفِرِيّ وَلَا يُعْرَف إِلَّا مِنْ هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( كَأَنَّ عَيْنه عِنَبَة طَافِيَة ) ‏ ‏بِيَاءٍ غَيْر مَهْمُوزَة أَيْ بَارِزَة , وَلِبَعْضِهِمْ بِالْهَمْزِ أَيْ ذَهَب ضَوْؤُهَا , قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : رَوَيْنَاهُ عَنْ الْأَكْثَر بِغَيْرِ هَمْز , وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْجُمْهُور وَجَزَمَ بِهِ الْأَخْفَش وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا نَاتِئَة نُتُوء حَبَّة الْعِنَب مِنْ بَيْن أَخَوَاتهَا , قَالَ وَضَبَطَهُ بَعْض الشُّيُوخ بِالْهَمْزِ وَأَنْكَرَهُ بَعْضهمْ وَلَا وَجْه لِإِنْكَارِهِ , فَقَدْ جَاءَ فِي آخَر أَنَّهُ مَمْسُوح الْعَيْن مَطْمُوسَة وَلَيْسَتْ جَحْرَاءَ وَلَا نَاتِئَة , وَهَذِهِ صِفَة حَبَّة الْعِنَب إِذَا سَالَ مَاؤُهَا , وَهُوَ يُصَحِّح رِوَايَة الْهَمْز. قُلْت : الْحَدِيث الْمَذْكُور عِنْد أَبِي دَاوُدَ يُوَافِقهُ حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت وَلَفْظه \" رَجُل قَصِير أَفْحَج \" بِفَاءٍ سَاكِنَة ثُمَّ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ جِيم مِنْ الْفَحَج وَهُوَ تَبَاعُد مَا بَيْنَ السَّاقَيْنِ أَوْ الْفَخِذَيْنِ , وَقِيلَ تَدَانِي صُدُور الْقَدَمَيْنِ مَعَ تَبَاعُد الْعَقِبَيْنِ , وَقِيلَ هُوَ الَّذِي فِي رِجْله اِعْوِجَاج , وَفِي الْحَدِيث الْمَذْكُور \" جَعْد أَعْوَر مَطْمُوس الْعَيْن لَيْسَتْ بِنَاتِئَةٍ \" بِنُونٍ وَمُثَنَّاة \" وَلَا جَحْرَاءَ \" بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة مَمْدُود أَيْ عَمِيقَة , وَبِتَقْدِيمِ الْحَاء أَيْ لَيْسَتْ مُتَصَلِّبَة , وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل \" مَمْسُوح الْعَيْن \" وَفِي حَدِيث سَمُرَة مِثْله وَكِلَاهُمَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَلَكِنْ فِي حَدِيثهمَا \" أَعْوَر الْعَيْن الْيُسْرَى \" وَمِثْله لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة , وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب \" أَعْوَر الْعَيْن الْيُمْنَى \" وَقَدْ اِتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر فَيَكُون أَرْجَح , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ اِبْن عَبْد الْبَرّ لَكِنْ جَمَعَ بَيْنهمَا الْقَاضِي عِيَاض فَقَالَ : تُصَحَّح الرِّوَايَتَانِ مَعًا بِأَنْ تَكُون الْمَطْمُوسَة وَالْمَمْسُوحَة هِيَ الْعَوْرَاء الطَّافِئَة بِالْهَمْزِ أَيْ الَّتِي ذَهَبَ ضَوْؤُهَا وَهِيَ الْعَيْن الْيُمْنَى كَمَا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر , وَتَكُون الْجَاحِظَة الَّتِي كَأَنَّهَا كَوْكَب وَكَأَنَّهَا نُخَاعَة فِي حَائِط هِيَ الطَّافِيَة بِلَا هَمْز وَهِيَ الْعَيْن الْيُسْرَى كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى , وَعَلَى هَذَا فَهُوَ أَعْوَر الْعَيْن الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى مَعًا فَكُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عَوْرَاء أَيْ مَعِيبَة , فَإِنَّ الْأَعْوَر مِنْ كُلّ شَيْء الْمَعِيب , وَكِلَا عَيْنَيْ الدَّجَّال مَعِيبَة فَإِحْدَاهُمَا مَعِيبَة بِذَهَابِ ضَوْئِهَا حَتَّى ذَهَبَ إِدْرَاكهَا , وَالْأُخْرَى بِنُتُوئِهَا اِنْتَهَى. قَالَ النَّوَوِيّ : هُوَ فِي نِهَايَة الْحُسْن. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" : حَاصِل كَلَام الْقَاضِي أَنَّ كُلّ وَاحِدَة مِنْ عَيْنَيْ الدَّجَّال عَوْرَاء إِحْدَاهُمَا بِمَا أَصَابَهَا حَتَّى ذَهَبَ إِدْرَاكهَا وَالْأُخْرَى بِأَصْلِ خَلْقهَا مَعِيبَة , لَكِنْ يُبْعِد هَذَا التَّأْوِيل أَنَّ كُلّ وَاحِدَة مِنْ عَيْنَيْهِ قَدْ جَاءَ وَصْفهَا فِي الرِّوَايَة بِمِثْلِ مَا وُصِفَتْ بِهِ الْأُخْرَى مِنْ الْعَوَر فَتَأَمَّلْهُ. وَأَجَابَ صَاحِبه الْقُرْطُبِيّ فِي التَّذْكِرَة بِأَنَّ الَّذِي تَأَوَّلَهُ الْقَاضِي صَحِيح , فَإِنَّ الْمَطْمُوسَة وَهِيَ الَّتِي لَيْسَتْ نَاتِئَة وَلَا جَحْرَاءَ هِيَ الَّتِي فَقَدَتْ الْإِدْرَاك , وَالْأُخْرَى وُصِفَتْ بِأَنَّ عَلَيْهَا ظَفَرَة غَلِيظَة وَهِيَ جِلْدَة تَغْشَى الْعَيْن وَإِذَا لَمْ تُقْطَع عَمِيَتْ الْعَيْن , وَعَلَى هَذَا فَالْعَوَر فِيهِمَا لِأَنَّ الظَّفَرَة مَعَ غِلَظهَا تَمْنَع الْإِدْرَاك أَيْضًا , فَيَكُون الدَّجَّال أَعْمَى أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ جَاءَ ذِكْر الظَّفَرَة فِي الْعَيْن الْيُمْنَى فِي حَدِيث سَفِينَة وَجَاءَ فِي الْعَيْن الشِّمَال فِي حَدِيث سَمُرَة فَاَللَّه أَعْلَم. قُلْت : وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخه بِقَوْلِهِ إِنَّ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا جَاءَ وَصْفهَا بِمِثْلِ مَا وُصِفَتْ الْأُخْرَى ثُمَّ قَالَ فِي \" التَّذْكِرَة \" يَحْتَمِل أَنْ تَكُون كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عَلَيْهَا ظَفَرَة فَإِنَّ فِي حَدِيث حُذَيْفَة أَنَّهُ مَمْسُوح الْعَيْن عَلَيْهَا ظَفَرَة غَلِيظَة قَالَ : وَإِذَا كَانَتْ الْمَمْسُوحَة عَلَيْهَا ظَفَرَة فَاَلَّتِي لَيْسَتْ كَذَلِكَ أَوْلَى , قَالَ : وَقَدْ فُسِّرَتْ الظَّفَرَة بِأَنَّهَا لَحْمَة كَالْعَلَقَةِ. قُلْت : وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْدَ أَحْمَد \" وَعَيْنه الْيُمْنَى عَوْرَاء جَاحِظَة لَا تَخْفَى كَأَنَّهَا نُخَاعَة فِي حَائِط مُجَصَّص , وَعَيْنه الْيُسْرَى كَأَنَّهَا كَوْكَب دُرِّيّ \" فَوَصَفَ عَيْنَيْهِ مَعًا , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي يَعْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْه \" أَعْوَر ذُو حَدَقَة جَاحِظَة لَا تَخْفَى كَأَنَّهَا كَوْكَب دُرِّيّ \" وَلَعَلَّهَا أَبْيَن لِأَنَّ الْمُرَاد بِوَصْفِهَا بِالْكَوْكَبِ شِدَّة اِتِّقَادهَا , وَهَذَا بِخِلَافِ وَصْفهَا بِالطَّمْسِ وَوَقَعَ فِي حَدِيث أُبَيِّ بْن كَعْب عِنْدَ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ \" إِحْدَى عَيْنَيْهِ كَأَنَّهَا زُجَاجَة خَضْرَاء \" وَهُوَ يُوَافِق وَصْفهَا بِالْكَوْكَبِ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث سَفِينَة عِنْدَ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ \" أَعْوَر عَيْنه الْيُسْرَى بِعَيْنِهِ الْيُمْنَى ظَفَرَة غَلِيظَة \" وَاَلَّذِي يَتَحَصَّل مِنْ مَجْمُوع الْأَخْبَار أَنَّ الصَّوَاب فِي طَافِيَة أَنَّهُ بِغَيْرِ هَمْز فَإِنَّهَا قُيِّدَتْ فِي رِوَايَة الْبَاب بِأَنَّهَا الْيُمْنَى \" وَصَرَّحَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل وَسَمُرَة وَأَبِي بَكْرَة بِأَنَّ عَيْنه الْيُسْرَى مَمْسُوحَة وَالطَّافِيَة هِيَ الْبَارِزَة وَهِيَ غَيْر الْمَمْسُوحَة , وَالْعَجَب مِمَّنْ يُجَوِّز رِوَايَة الْهَمْز فِي \" طَافِيَة \" وَعَدَمه مَعَ تَضَادّ الْمَعْنَى فِي حَدِيث وَاحِد فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَدِيثَيْنِ لَسَهُلَ الْأَمْر , وَأَمَّا الظَّفَرَة فَجَائِز أَنْ تَكُون فِي كِلَا عَيْنَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُضَادّ الطَّمْس وَلَا النُّتُوء , وَتَكُون الَّتِي ذَهَب ضَوْؤُهَا هِيَ الْمَطْمُوسَة وَالْمَعِيبَة مَعَ بَقَاء ضَوْئِهَا هِيَ الْبَارِزَة , وَتَشْبِيههَا بِالنُّخَاعَةِ فِي الْحَائِط الْمُجَصَّص فِي غَايَة الْبَلَاغَة , وَأَمَّا تَشْبِيههَا بِالزُّجَاجَةِ الْخَضْرَاء وَبِالْكَوْكَبِ الدُّرِّيّ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَحْدُث لَهُ فِي عَيْنه النُّتُوء يَبْقَى مَعَهُ الْإِدْرَاك فَيَكُون الدَّجَّال مِنْ هَذَا الْقَبِيل وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِي اِخْتِلَاف صِفَات الدَّجَّال بِمَا ذُكِرَ مِنْ النَّقْص بَيَان أَنَّهُ لَا يَدْفَع النَّقْص عَنْ نَفْسه كَيْف كَانَ , وَأَنَّهُ مَحْكُوم عَلَيْهِ فِي نَفْسه. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : الظَّفَرَة لَحْمَة تَنْبُت عِنْد الْمَاق , وَقِيلَ جِلْدَة تَخْرُج فِي الْعَيْن مِنْ الْجَانِب الَّذِي يَلِي الْأَنْف , وَلَا يَمْنَع أَنْ تَكُون فِي الْعَيْن السَّالِمَة بِحَيْثُ لَا تُوَارِي الْحَدَقَة بِأَسْرِهَا بَلْ تَكُون عَلَى حِدَتِهَا. ‏ ‏قَوْله ( هَذَا الدَّجَّال ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" قُلْت مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا \" وَكَذَا فِي رِوَايَة حَنْظَلَة , وَفِي رِوَايَة مَالِك \" فَقِيلَ الْمَسِيح الدَّجَّال \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الْقَائِل مُعَيَّنًا. ‏ ‏قَوْله ( أَقْرَب النَّاس بِهِ شَبَهًا اِبْن هَجَانِ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة شُعَيْب \" وَابْن هَجَانِ رَجُل مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِق مِنْ خُزَاعَة \" وَفِي رِوَايَة حَنْظَلَة \" أَشْبَه مَنْ رَأَيْت بِهِ اِبْن هَجَانِ \" وَزَادَ أَحْمَد بْن مُحَمَّد الْمَكِّيّ فِي رِوَايَته \" قَالَ الزُّهْرِيّ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّة \" وَقَدَّمْت هُنَاكَ سِيَاق نَسَبه إِلَى خُزَاعَة مِنْ فَوَائِد الدِّمْيَاطِيّ , وَسَأَذْكُرُ اِسْمه فِي آخِر الْبَاب مَعَ بَقِيَّة صِفَته إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَاسْتَشْكَلَ كَوْن الدَّجَّال يَطُوف بِالْبَيْتِ وَكَوْنه يَتْلُو عِيسَى بْن مَرْيَم , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ إِذَا رَآهُ يَذُوب , وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَة كَانَتْ فِي الْمَنَام , وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاء وَإِنْ كَانَتْ وَحْيًا لَكِنْ فِيهَا مَا يَقْبَل التَّعْبِير. وَقَالَ عِيَاض : لَا إِشْكَال فِي طَوَاف عِيسَى بِالْبَيْتِ , وَأَمَّا الدَّجَّال فَلَمْ يَقَع فِي رِوَايَة مَالِك أَنَّهُ طَافَ وَهِيَ أَثْبَت مِمَّنْ رَوَى طَوَافه. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّرْجِيح مَعَ إِمْكَان الْجَمْع مَرْدُود , لِأَنَّ سُكُوت مَالِك عَنْ نَافِع عَنْ ذِكْر الطَّوَاف لَا يَرُدّ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم , وَسَوَاء ثَبَتَ أَنَّهُ طَافَ أَمْ لَمْ يَطُفْ فَرُؤْيَته إِيَّاهُ بِمَكَّةَ مُشْكِلَة مَعَ ثُبُوت أَنَّهُ لَا يَدْخُل مَكَّة وَلَا الْمَدِينَة , وَقَدْ اِنْفَصَلَ عَنْهُ الْقَاضِي عِيَاض بِأَنَّ مَنْعه مِنْ دُخُولهَا إِنَّمَا هُوَ عِنْد خُرُوجه فِي آخِر الزَّمَان. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ مَا دَارَ بَيْنَ أَبِي سَعِيد وَبَيْنَ اِبْن صَيَّاد فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَنَّ اِبْن صَيَّاد قَالَ لَهُ أَلَمْ يَقُلْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ لَا يَدْخُل مَكَّة وَلَا الْمَدِينَة وَقَدْ خَرَجْت مِنْ الْمَدِينَة أُرِيد مَكَّة , فَتَأَوَّلَهُ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّ اِبْن صَيَّاد هُوَ الدَّجَّال , عَلَى أَنَّ الْمَنْع إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ يَخْرُج , وَكَذَا الْجَوَاب عَنْ مَشْيه وَرَاءَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام , ‏"
    },
    {
        "id": "6596",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ ‏ ‏الدَّجَّالِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة ‏ ‏\" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذ فِي صَلَاته مِنْ فِتْنَة الدَّجَّال \" ‏ ‏وَهُوَ مُخْتَصَر مِنْ حَدِيث تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي \" بَاب الدُّعَاء قَبْل السَّلَام \" وَهُوَ قُبَيْل كِتَاب الْجُمُعَة أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ بِهَذَا السَّنَد مُطَوَّلًا ثُمَّ قَالَ \" وَعَنْ الزُّهْرِيّ \" فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث هُنَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6597",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فِي ‏ ‏الدَّجَّالِ ‏ ‏إِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا فَنَارُهُ مَاءٌ بَارِدٌ وَمَاؤُهُ نَارٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي أَبِي ) ‏ ‏هُوَ عُثْمَان بْن جَبَلَةَ بِفَتْحِ الْجِيم وَالْمُوَحَّدَة اِبْن أَبِي رَوَّادٍ بِفَتْحِ الرَّاء وَتَشْدِيد الْوَاو. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَيْر , وَنُسِبَ عِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة فَقَالَ \" عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر \". ‏ ‏قَوْله ( رِبْعِيّ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَكَسْر الْعَيْن الْمُهْمَلَة اِسْم بِلَفْظِ النَّسَب , وَهُوَ اِبْن حِرَاش بِمُهْمَلَةٍ وَآخِره مُعْجَمَة , وَحُذَيْفَة هُوَ اِبْن الْيَمَان. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الدَّجَّال إِنَّ مَعَهُ ) ‏ ‏كَذَا ذَكَرَهُ شُعْبَة مُخْتَصَرًا , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّل ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ طَرِيق أَبِي عَوَانَة عَنْ عَبْد الْمَلِك عَنْ رِبْعِيٍّ قَالَ \" قَالَ عُقْبَة بْن عَمْرو لِحُذَيْفَةَ أَلَا تُحَدِّثْنَا مَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : سَمِعْته يَقُول إِنَّ مَعَ الدَّجَّال إِذَا خَرَجَ \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق شُعَيْب بْن صَفْوَان عَنْ عَبْد الْمَلِك. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ مَعَهُ مَاء وَنَارًا ) ‏ ‏عِنْدَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق نُعَيْم بْن أَبِي نُعَيْم بْن أَبِي هِنْد عَنْ رِبْعِيٍّ \" اِجْتَمَعَ حُذَيْفَة وَأَبُو مَسْعُود فَقَالَ حُذَيْفَة لَأَنَا بِمَا مَعَ الدَّجَّال أَعْلَم مِنْهُ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مَالِك الْأَشْجَعِيِّ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَة \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَنَا أَعْلَم بِمَا مَعَ الدَّجَّال مِنْهُ مَعَهُ نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ أَحَدهمَا رَأْي الْعَيْن مَاء أَبْيَض وَالْآخَر رَأْي الْعَيْن نَار تَأَجَّج \" وَفِي رِوَايَة شُعَيْب بْن صَفْوَان \" فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاس مَاء فَنَار تُحْرِق , وَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاس نَارًا فَمَاء بَارِد \" الْحَدِيث , وَفِي حَدِيث سَفِينَة عِنْدَ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ \" مَعَهُ وَادِيَانِ أَحَدهمَا جَنَّة وَالْآخَر نَار , فَنَاره جَنَّة وَجَنَّته نَار \" وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ \" وَإِنَّ مِنْ فِتْنَته أَنَّ مَعَهُ جَنَّة وَنَارًا فَنَاره جَنَّة وَجَنَّته نَار , فَمَنْ اُبْتُلِيَ بِنَارِهِ فَلْيَسْتَغِثْ بِاَللَّهِ وَلْيَقْرَأْ فَوَاتِح الْكَهْف فَتَكُون عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا \". ‏ ‏قَوْله فَنَاره مَاء بَارِد وَمَاؤُهُ نَار ) ‏ ‏زَادَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر فِي رِوَايَته \" فَلَا تَهْلِكُوا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مَالِك \" فَإِنْ أَدْرَكَهُ أَحَد فَلْيَأْتِ النَّهْر الَّذِي يَرَاهُ نَارًا وَلِيُغْمِض ثُمَّ لْيُطَأْطِئْ رَأْسه فَيَشْرَب \" وَفِي رِوَايَة شُعَيْب اِبْن صَفْوَان \" فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَرَاهُ نَارًا فَإِنَّهُ مَاء عَذْب طَيِّب \" وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة وَفِي حَدِيث أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَإِنَّهُ يَجِيء مَعَهُ مِثْل الْجَنَّة وَالنَّار , فَاَلَّتِي يَقُول إِنَّهَا الْجَنَّة هِيَ النَّار \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَهَذَا كُلّه يَرْجِع إِلَى اِخْتِلَاف الْمَرْئِيّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّائِي , فَإِمَّا أَنْ يَكُون الدَّجَّال سَاحِرًا فَيُخَيِّل الشَّيْء بِصُورَةِ عَكْسه , وَإِمَّا أَنْ يَجْعَل اللَّه بَاطِن الْجَنَّة الَّتِي يُسَخِّرهَا الدَّجَّال نَارًا وَبَاطِن النَّار جَنَّة , وَهَذَا الرَّاجِح. وَإِمَّا أَنْ يَكُون ذَلِكَ كِنَايَة عَنْ النِّعْمَة وَالرَّحْمَة بِالْجَنَّةِ وَعَنْ الْمِحْنَة وَالنِّقْمَة بِالنَّارِ , فَمَنْ أَطَاعَهُ فَأَنْعَمَ عَلَيْهِ بِجَنَّتِهِ يَئُولُ أَمْره إِلَى دُخُول نَار الْآخِرَة وَبِالْعَكْسِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ جُمْلَة الْمِحْنَة وَالْفِتْنَة فَيَرَى النَّاظِر إِلَى ذَلِكَ مِنْ دَهْشَته النَّار فَيَظُنّهَا جَنَّة وَبِالْعَكْسِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6598",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ ‏ ‏فِيهِ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس ) ‏ ‏يَأْتِي فِي التَّوْحِيد عَنْ حَفْص بْن عُمَر عَنْ شُعْبَة أَنْبَأَنَا قَتَادَةُ سَمِعْت أَنَسًا. ‏ ‏قَوْله ( مَا بُعِثَ نَبِيّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّته الْأَعْوَر الْكَذَّاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَفْص \" مَا بَعَثَ اللَّه مِنْ نَبِيّ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْحَدِيث الْخَامِس. ‏ ‏قَوْله ( أَلَا إِنَّهُ أَعْوَر ) ‏ ‏بِتَخْفِيفِ اللَّام وَهِيَ حَرْف تَنْبِيهٍ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّ رَبّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان الْحِكْمَة فِيهِ فِي الْحَدِيث الْخَامِس بِمَا فِيهِ مَقْنَع. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوب كَافِر ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَالْجُمْهُور \" مَكْتُوبًا \" وَلَا إِشْكَال فِيهِ لِأَنَّهُ إِمَّا اِسْم إِنَّ وَإِمَّا حَال , وَتَوْجِيه الْأَوَّل أَنَّهُ حَذَفَ اِسْم إِنَّ وَالْجُمْلَة بَعْدَهُ مُبْتَدَأ وَخَبَر فِي مَوْضِع خَبَر إِنَّ وَالِاسْم الْمَحْذُوف إِمَّا ضَمِير الشَّأْن أَوْ يَعُود عَلَى الدَّجَّال , وَيَجُوز أَنْ يَكُون كَافِر مُبْتَدَأ وَالْخَبَر بَيْنَ عَيْنَيْهِ , وَعِنْدَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة \" مَكْتُوب بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر \" وَمِنْ طَرِيق هِشَام عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنِي أَنَس بِلَفْظِ \" الدَّجَّال مَكْتُوب بَيْن عَيْنَيْهِ ك ف ر \" أَيْ كَافِر , وَمِنْ طَرِيق شُعَيْب بْن الْحَبْحَاب عَنْ أَنَس \" مَكْتُوب بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِر ثُمَّ تَهَجَّاهَا ك ف ر يَقْرَؤُهُ كُلّ مُسْلِم \" وَفِي رِوَايَة عُمَر بْن ثَابِت عَنْ بَعْض الصَّحَابَة \" يَقْرَؤُهُ كُلّ مَنْ كَرِهَ عَمَله \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ , وَهَذَا أَخَصّ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ. وَفِي حَدِيث أَبِي بَكْرَة عِنْد أَحْمَد \" يَقْرَؤُهُ الْأُمِّيّ وَالْكَاتِب \" وَنَحْوه فِي حَدِيث مُعَاذ عِنْد الْبَزَّار. وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ \" يَقْرَؤُهُ كُلّ مُؤْمِن كَاتِب وَغَيْر كَاتِب \" وَلِأَحْمَدَ عَنْ جَابِر \" مَكْتُوب بَيْن عَيْنَيْهِ كَافِر \" مُهَجَّاة وَمِثْله عِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِي قَوْله ك ف ر إِشَارَة إِلَى أَنَّ فِعْل وَفَاعِل مِنْ الْكُفْر إِنَّمَا يُكْتَب بِغَيْرِ أَلِف وَكَذَا هُوَ فِي رَسْم الْمُصْحَف وَإِنْ كَانَ أَهْل الْخَطّ أَثْبَتُوا فِي فَاعِل أَلِفًا فَذَاكَ لِزِيَادَةِ الْبَيَان , وَقَوْله \" يَقْرَؤُهُ كُلّ مُؤْمِن كَاتِب وَغَيْر كَاتِب \" إِخْبَار بِالْحَقِيقَةِ \" وَذَلِكَ أَنَّ الْإِدْرَاك فِي الْبَصَر يَخْلُقهُ اللَّه لِلْعَبْدِ كَيْف شَاءَ وَمَتَى شَاءَ , فَهَذَا يَرَاهُ الْمُؤْمِن بِغَيْرِ بَصَره وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِف الْكِتَابَة , وَلَا يَرَاهُ الْكَافِر وَلَوْ كَانَ يَعْرِف الْكِتَابَة كَمَا يَرَى الْمُؤْمِن الْأَدِلَّة بِعَيْنِ بَصِيرَته وَلَا يَرَاهَا الْكَافِر فَيَخْلُق اللَّه لِلْمُؤْمِنِ الْإِدْرَاك دُونَ تَعَلُّم لِأَنَّ ذَلِكَ الزَّمَان تَنْخَرِق فِيهِ الْعَادَات فِي ذَلِكَ \" وَيَحْتَمِل قَوْله يَقْرَؤُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَله أَنْ يُرَاد بِهِ الْمُؤْمِنُونَ عُمُومًا وَيَحْتَمِل أَنْ يَخْتَصّ بِبَعْضِهِمْ مِمَّنْ قَوِيَ إِيمَانه , وَقَالَ النَّوَوِيّ : الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ الْكِتَابَة الْمَذْكُورَة حَقِيقَة جَعَلَهَا اللَّه عَلَامَة قَاطِعَة بِكَذِبِ الدَّجَّال فَيُظْهِر اللَّه الْمُؤْمِن عَلَيْهَا وَيُخْفِيهَا عَلَى مَنْ أَرَادَ شَقَاوَته. وَحَكَى عِيَاض خِلَافًا وَأَنَّ بَعْضهمْ قَالَ \" هِيَ مَجَاز عَنْ سِمَة الْحُدُوث عَلَيْهِ \" وَهُوَ مَذْهَب ضَعِيف , وَلَا يَلْزَم مِنْ قَوْله \" يَقْرَؤُهُ كُلّ مُؤْمِن كَاتِب وَغَيْر كَاتِب \" أَنْ لَا تَكُون الْكِتَابَة حَقِيقَة بَلْ يُقَدِّر اللَّه عَلَى غَيْر الْكَاتِب عِلْم الْإِدْرَاك فَيَقْرَأ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ لَهُ مَعْرِفَة الْكِتَابَة , وَكَأَنَّ السِّرّ اللَّطِيف فِي أَنَّ الْكَاتِب وَغَيْر الْكَاتِب يَقْرَأ ذَلِكَ لِمُنَاسَبَةِ أَنَّ كَوْنه أَعْوَر يُدْرِكهُ كُلّ مَنْ رَآهُ فَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏الْحَدِيث الْعَاشِر وَالْحَادِيَ عَشَرَ , ‏ ‏قَوْله ( فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس ) ‏ ‏أَيْ يَدْخُل فِي الْبَاب حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس , فَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد أَصْل الْبَاب فَيَتَنَاوَل كَلَامه كُلّ شَيْء وَرَدَ مِمَّا يَتَعَلَّق بِالدَّجَّالِ مِنْ حَدِيث الْمَذْكُورِينَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد خُصُوص الْحَدِيث الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ أَنَّ كُلّ نَبِيّ أَنْذَرَ قَوْمه الدَّجَّال وَهُوَ أَقْرَب , فَمِمَّا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَة نُوح مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مِنْ رِوَايَة يَحْيَى اِبْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا أُحَدِّثكُمْ حَدِيثًا عَنْ الدَّجَّال مَا حَدَّثَ بِهِ نَبِيّ قَوْمه ؟ إِنَّهُ أَعْوَر , وَإِنَّهُ يَجِيء مَعَهُ تِمْثَال الْجَنَّة وَالنَّار , فَاَلَّتِي يَقُول إِنَّهَا الْجَنَّة هِيَ النَّار , وَإِنِّي أُنْذِركُمْ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ نُوح قَوْمه \" وَأَخْرَجَ الْبَزَّار بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" سَمِعْت أَبَا الْقَاسِم الصَّادِق الْمَصْدُوق يَقُول : يَخْرُج مَسِيح الضَّلَالَة فَيَبْلُغ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَبْلُغ مِنْ الْأَرْض فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا , فَيَلْقَى الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُ شِدَّة شَدِيدَة \" الْحَدِيث , وَمِمَّا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي الْمَلَائِكَة مِنْ طَرِيق أَبِي الْعَالِيَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ذِكْر صِفَة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَفِيهِ \" وَذَكَرَ أَنَّهُ رَأَى الدَّجَّال \" وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الدَّجَّال \" أَعْوَر هِجَان - بِكَسْرِ أَوَّله وَتَخْفِيف الْجِيم أَيْ أَبْيَض أَزْهَر - كَأَنَّ رَأْسه أَصَلَة أَشْبَهَ النَّاس بِعَبْدِ الْعُزَّى بْن قَطَن , فَأَمَّا هَلَكَ الْهُلَّك فَإِنَّ رَبّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ \" وَفِي لَفْظ لِلطَّبَرَانِيِّ \" ضَخْم فَيْلَمَانِيّ - بِفَتْحِ الْفَاء وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَفَتْح اللَّام وَبَعْدَ الْأَلِف نُون - أَيْ عَظِيم الْجُثَّة كَأَنَّ رَأْسه أَغْصَان شَجَرَة \" يُرِيد أَنَّ شَعْر رَأْسه كَثِير مُتَفَرِّق قَائِم \" أَشْبَه النَّاس بِعَبْدِ الْعُزَّى بْن قَطَن رَجُل مِنْ خُزَاعَة \" وَفِي حَدِيث النَّوَّاس بْن سَمْعَان عِنْدَ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ \" شَابّ قَطِط عَيْنه قَائِمَة \" وَلِابْنِ مَاجَهْ \" كَأَنَّ أَشْبَهه بِعَبْدِ الْعُزَّى بْن قَطَن \" وَعِنْد الْبَزَّار مِنْ حَدِيث الغلتان بْن عَاصِم \" أَجْلَى الْجَبْهَة عَرِيض النَّحْر مَمْسُوح الْعَيْن الْيُسْرَى كَأَنَّهُ عَبْد الْعُزَّى بْن قَطَن \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَة عِيسَى سِيَاق نَسَب عَبْد الْعُزَّى بْن قَطَن , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ أَحْمَدَ نَحْوه لَكِنْ قَالَ \" كَأَنَّهُ قَطَن بْن عَبْد الْعُزَّى \" وَزَادَ \" فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه هَلْ يَضُرّنِي شَبَهه ؟ قَالَ : لَا ; أَنْتَ مُؤْمِن وَهُوَ كَافِر \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة ضَعِيفَة فَإِنَّ فِي سَنَده الْمَسْعُودِيّ وَقَدْ اِخْتَلَطَ وَالْمَحْفُوظ أَنَّهُ عَبْد الْعُزَّى بْن قَطَن وَأَنَّهُ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّة كَمَا قَالَ الزُّهْرِيّ , وَاَلَّذِي قَالَ \" هَلْ يَضُرّنِي شَبَهه \" هُوَ أَكْتَم بْن أَبِي الْجَوْن , وَإِنَّمَا قَالَهُ فِي حَقّ عَمْرو بْن لَحْي كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّار فَرَأَيْت فِيهَا عَمْرو بْن لَحْي \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَأَشْبَه مَنْ رَأَيْت بِهِ أَكْتَم بْن أَبِي الْجَوْن. فَقَالَ أَكْتَم : يَا رَسُول اللَّه أَيَضُرُّنِي شَبَهه ؟ قَالَ : لَا ; إِنَّك مُسْلِم وَهُوَ كَافِر \" فَأَمَّا الدَّجَّال فَشَبَهه بِعَبْدِ الْعُزَّى بْن قَطَن وَشَبَه عَيْنه الْمَمْسُوحَة بِعَيْنِ أَبِي يَحْيَى الْأَنْصَارِيّ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَم , وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة عِنْد مُسْلِم \" جُفَال الشَّعْر \" وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيم وَتَخْفِيف الْفَاء أَيْ كَثِيره ‏"
    },
    {
        "id": "6599",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمًا حَدِيثًا طَوِيلًا عَنْ ‏ ‏الدَّجَّالِ ‏ ‏فَكَانَ فِيمَا يُحَدِّثُنَا بِهِ أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏يَأْتِي ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ ‏ ‏نِقَابَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏فَيَنْزِلُ بَعْضَ ‏ ‏السِّبَاخِ ‏ ‏الَّتِي تَلِي ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ وَهُوَ خَيْرُ النَّاسِ ‏ ‏أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ ‏ ‏فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدِيثَهُ فَيَقُولُ ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الْأَمْرِ فَيَقُولُونَ لَا فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ فَيَقُولُ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ فَيُرِيدُ ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏أَنْ يَقْتُلَهُ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( يَأْتِي الدَّجَّال ) ‏ ‏أَيْ إِلَى ظَاهِر الْمَدِينَة. ‏ ‏قَوْله ( فَيَنْزِل بَعْض السِّبَاخ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة جَمْع سَبَخَة بِفَتْحَتَيْنِ وَهِيَ الْأَرْض الرَّمِلَة الَّتِي لَا تُنْبِت لِمُلُوحَتِهَا , وَهَذِهِ الصِّفَة خَارِج الْمَدِينَة مِنْ غَيْر جِهَة الْحِرَّة. ‏ ‏قَوْله ( الَّتِي تَلِي الْمَدِينَة ) ‏ ‏أَيْ مِنْ قِبَل الشَّام. ‏ ‏قَوْله ( فَيَخْرُج إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُل هُوَ خَيْر النَّاس أَوْ مِنْ خِيَار النَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة صَالِح عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْد مُسْلِم \" أَوْ مِنْ خَيْر النَّاس \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الْوَدَّاك عَنْ أَبِي سَعِيد عِنْد مُسْلِم \" فَيَتَوَجَّه قِبَله رَجُل مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , فَيَلْقَاهُ مَسَالِح الدَّجَّال فَيَقُولُونَ أَوْ مَا تُؤْمِن بِرَبِّنَا ؟ فَيَقُول مَا بِرَبِّنَا خَفَاء , فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى الدَّجَّال بَعْدَ أَنْ يُرِيدُوا قَتْله , فَإِذَا رَآهُ قَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس هَذَا الدَّجَّال الَّذِي ذَكَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَفِي رِوَايَة عَطِيَّة \" فَيَدْخُل الْقُرَى كُلّهَا غَيْر مَكَّة وَالْمَدِينَة حُرِّمَتَا عَلَيْهِ , وَالْمُؤْمِنُونَ مُتَفَرِّقُونَ فِي الْأَرْض , فَيَجْمَعهُمْ اللَّه فَيَقُول رَجُل مِنْهُمْ : وَاَللَّه لَأَنْطَلِقَنَّ فَلَأَنْظُرَنَّ هَذَا الَّذِي أَنْذَرْنَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيَمْنَعهُ أَصْحَابه خَشْيَة أَنْ يُفْتَتَن بِهِ , فَيَأْتِي حَتَّى إِذَا أَتَى أَدْنَى مَسْلَحَة مِنْ مَسَالِحه أَخَذُوهُ فَسَأَلُوهُ مَا شَأْنه فَيَقُول : أُرِيدَ الدَّجَّال الْكَذَّاب \" فَيَكْتُبُونَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ فَيَقُول أَرْسِلُوا بِهِ إِلَيَّ , فَلَمَّا رَآهُ عَرَفَهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَيَقُول أَشْهَد أَنَّك الدَّجَّال الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَطِيَّة \" أَنْتَ الدَّجَّال الْكَذَّاب الَّذِي أَنْذَرَنَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَزَادَ \" فَيَقُول لَهُ الدَّجَّال لَتُطِيعنِي فِيمَا آمُرك بِهِ أَوْ لَأَشُقَّنَّكَ شَقَّتَيْنِ , فَيُنَادِي : يَا أَيّهَا النَّاس هَذَا الْمَسِيح الْكَذَّاب \". ‏ ‏قَوْله ( فَيَقُول الدَّجَّال أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْت هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْته هَلْ تَشُكُّونَ فِي الْأَمْر ؟ فَيَقُولُونَ : لَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَطِيَّة \" ثُمَّ يَقُول الدَّجَّال لِأَوْلِيَائِهِ \" وَهَذَا يُوَضِّح أَنَّ الَّذِي يُجِيبهُ بِذَلِكَ أَتْبَاعه , وَيَرُدّ قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ لَهُ ذَلِكَ تَقِيَّةً , أَوْ مُرَادهمْ لَا نَشُكّ أَيْ فِي كُفْرك وَبُطْلَان قَوْلك. ‏ ‏قَوْله ( فَيَقْتُلهُ ثُمَّ يُحْيِيه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْوَدَّاك \" فَيَأْمُر بِهِ الدَّجَّال فَيُشْبَح فَيُشْبَع ظَهْره وَبَطْنه ضَرْبًا \" فَيَقُول : أَمَا تُؤْمِن بِي ؟ فَيَقُول : أَنْتَ الْمَسِيح الْكَذَّاب , فَيُؤْمَر بِهِ فَيُوشَر بِالْمِيشَارِ مِنْ مَفْرِقه حَتَّى يُفَرِّق بَيْنَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ يَمْشِي الدَّجَّال بَيْنَ الْقِطْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُول : قُمْ , فَيَسْتَوِي قَائِمًا \" وَفِي حَدِيث النَّوَّاس بْن سَمْعَان عِنْد مُسْلِم \" فَيَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا فَيَضْرِبهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعهُ جَزْلَتَيْنِ , ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِل وَيَتَهَلَّل وَجْهه يَضْحَك \" وَفِي رِوَايَة عَطِيَّة \" فَيَأْمُر بِهِ فَيُمَدّ بِرِجْلَيْهِ ثُمَّ يَأْمُر بِحَدِيدَةٍ فَتُوضَع عَلَى عَجَب ذَنَبه ثُمَّ يَشُقّهُ شَقَّتَيْنِ , ثُمَّ قَالَ الدَّجَّال لِأَوْلِيَائِهِ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَحْيَيْت لَكُمْ هَذَا , أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَبّكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ , فَيَأْخُذ عَصًا فَضَرَبَ أَحَد شِقَّيْهِ فَاسْتَوَى قَائِمًا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَوْلِيَاؤُهُ صَدَّقُوهُ وَأَحَبُّوهُ وَأَيْقَنُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ رَبّهمْ \" وَعَطِيَّة ضَعِيف. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ هَذَا اِخْتِلَاف عَظِيم يَعْنِي فِي قَتْله بِالسَّيْفِ وَبِالْمِيشَارِ , قَالَ فَيُجْمَع بِأَنَّهُمَا رَجُلَانِ يَقْتُل كُلًّا مِنْهُمَا قِتْلَة غَيْر قِتْلَة الْآخَر , كَذَا قَالَ , وَالْأَصْل عَدَم التَّعَدُّد , وَرِوَايَة الْمِيشَار تُفَسِّر رِوَايَة الضَّرْب بِالسَّيْفِ , فَلَعَلَّ السَّيْف كَانَ فِيهِ فُلُول فَصَارَ كَالْمِيشَارِ وَأَرَادَ الْمُبَالَغَة فِي تَعْذِيبه بِالْقِتْلَةِ الْمَذْكُورَة , وَيَكُون قَوْله \" فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ \" مُفَسِّرًا لِقَوْلِهِ إِنَّهُ نَشَرَهُ وَقَوْله \" فَيَقْطَعهُ جَزْلَتَيْنِ \" إِشَارَة إِلَى آخِر أَمْره لِمَا يَنْتَهِي نَشْره. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَقَدْ وَقَعَ فِي قِصَّة الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِر أَنَّهُ وَضَعَ يَده فِي رَأْسه فَاقْتَلَعَهُ , وَفِي أُخْرَى فَأَضْجَعَهُ بِالسِّكِّينِ فَذَبَحَهُ , فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَرْجِيح إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى لِكَوْنِ الْقِصَّة وَاحِدَة. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْكَهْف بَيَان التَّوْفِيق بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَيْضًا بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فَإِنْ قِيلَ كَيْف يَجُوز أَنْ يُجْرِي اللَّه الْآيَة عَلَى يَد الْكَافِر ؟ فَإِنَّ إِحْيَاء الْمَوْتَى آيَة عَظِيمَة مِنْ آيَات الْأَنْبِيَاء فَكَيْف يَنَالهَا الدَّجَّال وَهُوَ كَذَّاب مُفْتَرٍ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّة ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهُ عَلَى سَبِيل الْفِتْنَة لِلْعِبَادِ إِذْ كَانَ عِنْدَهُمْ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مُبْطِل غَيْر مُحِقّ فِي دَعْوَاهُ وَهُوَ أَنَّهُ أَعْوَر مَكْتُوب عَلَى جَبْهَته كَافِر يَقْرَؤُهُ كُلّ مُسْلِم , فَدَعْوَاهُ دَاحِضَة مَعَ وَسْم الْكُفْر وَنَقْص الذَّات وَالْقَدْر , إِذْ لَوْ كَانَ إِلَهًا لَأَزَالَ ذَلِكَ عَنْ وَجْهه , وَآيَات الْأَنْبِيَاء سَالِمَة مِنْ الْمُعَارَضَة فَلَا يَشْتَبِهَانِ وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : لَا يَجُوز أَنْ تُعْطَى أَعْلَام الرُّسُل لِأَهْلِ الْكَذِب وَالْإِفْك فِي الْحَالَة الَّتِي لَا سَبِيل لِمَنْ عَايَنَ مَا أَتَى بِهِ فِيهَا إِلَّا الْفَصْل بَيْن الْمُحِقّ مِنْهُمْ وَالْمُبْطِل , فَأَمَّا إِذَا كَانَ لِمَنْ عَايَنَ ذَلِكَ السَّبِيل إِلَى عِلْم الصَّادِق مِنْ الْكَاذِب فَمَنْ ظَهَرَ ذَلِكَ عَلَى يَده فَلَا يُنْكِر إِعْطَاء اللَّه ذَلِكَ لِلْكَذَّابِينَ , فَهَذَا بَيَان الَّذِي أُعْطِيَهُ الدَّجَّال مِنْ ذَلِكَ فِتْنَة لِمَنْ شَاهَدَهُ وَمِحْنَة لِمَنْ عَايَنَهُ اِنْتَهَى. وَفِي الدَّجَّال مَعَ ذَلِكَ دَلَالَة بَيِّنَة لِمَنْ عَقَلَ عَلَى كَذِبه. لِأَنَّهُ ذُو أَجْزَاء مُؤَلَّفَة , وَتَأْثِير الصَّنْعَة فِيهِ ظَاهِر مَعَ ظُهُور الْآفَة بِهِ مِنْ عَوَر عَيْنَيْهِ , فَإِذَا دَعَا النَّاس إِلَى أَنَّهُ رَبّهمْ فَأَسْوَأ حَال مَنْ يَرَاهُ مِنْ ذَوِي الْعُقُول أَنْ يَعْلَم أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُسَوِّيَ خَلْق غَيْره وَيَعْدِلهُ وَيُحَسِّنهُ وَلَا يَدْفَع النَّقْص عَنْ نَفْسه , فَأَقَلّ مَا يَجِب أَنْ يَقُول : يَا مَنْ يَزْعُم أَنَّهُ خَالِق السَّمَاء وَالْأَرْض صَوِّرْ نَفْسك وَعَدِّلْهَا وَأَزِلْ عَنْهَا الْعَاهَة , فَإِنْ زَعَمَتْ أَنَّ الرَّبّ لَا يُحْدِث فِي نَفْسه شَيْئًا فَأَزِلْ مَا هُوَ مَكْتُوب بَيْنَ عَيْنَيْك. وَقَالَ الْمُهَلَّب : لَيْسَ فِي اِقْتِدَار الدَّجَّال عَلَى إِحْيَاء الْمَقْتُول الْمَذْكُور مَا يُخَالِف مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" هُوَ أَهْوَن عَلَى اللَّه مِنْ ذَلِكَ \" أَيْ مِنْ أَنْ يُمَكَّن مِنْ الْمُعْجِزَات تَمْكِينًا صَحِيحًا , فَإِنَّ اِقْتِدَاره عَلَى قَتْل الرَّجُل ثُمَّ إِحْيَائِهِ لَمْ يَسْتَمِرّ لَهُ فِيهِ وَلَا فِي غَيْره وَلَا اِسْتَضَرَّ بِهِ الْمَقْتُول إِلَّا سَاعَة تَأَلُّمه بِالْقَتْلِ مَعَ حُصُول ثَوَاب ذَلِكَ لَهُ , وَقَدْ لَا يَكُون وَجَدَ لِلْقَتْلِ أَلَمًا لِقُدْرَةِ اللَّه تَعَالَى عَلَى دَفْع ذَلِكَ عَنْهُ. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الَّذِي يَظْهَر عَلَى يَدَيْ الدَّجَّال مِنْ الْآيَات مِنْ إِنْزَال الْمَطَر وَالْخِصْب عَلَى مَنْ يُصَدِّقهُ وَالْجَدْب عَلَى مَنْ يُكَذِّبهُ وَاتِّبَاع كُنُوز الْأَرْض لَهُ وَمَا مَعَهُ مِنْ جَنَّة وَنَار وَمِيَاه تَجْرِي كُلّ ذَلِكَ مِحْنَة مِنْ اللَّه وَاخْتِبَار لِيَهْلِك الْمُرْتَاب وَيَنْجُو الْمُتَيَقِّن , وَذَلِكَ كُلّه أَمْر مَخُوف , وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا فِتْنَة أَعْظَم مِنْ فِتْنَة الدَّجَّال \" وَكَانَ يَسْتَعِيذ مِنْهَا فِي صَلَاته تَشْرِيعًا لِأُمَّتِهِ , وَأَمَّا قَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر عِنْد مُسْلِم \" غَيْر الدَّجَّال أَخْوَف لِي عَلَيْكُمْ \" فَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِلصَّحَابَةِ لِأَنَّ الَّذِي خَافَهُ عَلَيْهِمْ أَقْرَب إِلَيْهِمْ مِنْ الدَّجَّال فَالْقَرِيب الْمُتَيَقَّن وُقُوعه لِمَنْ يَخَاف عَلَيْهِ يَشْتَدّ الْخَوْف مِنْهُ عَلَى الْبَعِيد الْمَظْنُون وُقُوعه بِهِ وَلَوْ كَانَ أَشَدّ. ‏ ‏قَوْله ( فَيَقُول وَاَللَّه مَا كُنْت فِيك أَشَدّ بَصِيرَة مِنِّي الْيَوْم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْوَدَّاك \" مَا اِزْدَدْت فِيك إِلَّا بَصِيرَة \" ثُمَّ يَقُول \" يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّهُ لَا يَفْعَل بَعْدِي بِأَحَدٍ مِنْ النَّاس \" وَفِي رِوَايَة عَطِيَّة \" فَيَقُول لَهُ الدَّجَّال أَمَا تُؤْمِن بِي ؟ فَيَقُول : أَنَا الْآنَ أَشَدّ بَصِيرَة فِيك مِنِّي. ثُمَّ نَادَى فِي النَّاس : يَا أَيّهَا النَّاس هَذَا الْمَسِيح الْكَذَّاب , مَنْ أَطَاعَهُ فَهُوَ فِي النَّار , وَمَنْ عَصَاهُ فَهُوَ فِي الْجَنَّة \" وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّ الرَّجُل إِذَا قَالَ ذَلِكَ لِلدَّجَّالِ ذَابَ كَمَا يَذُوب الْمِلْح فِي الْمَاء , كَذَا قَالَ , وَالْمَعْرُوف أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُل لِلدَّجَّالِ إِذَا رَأَى عِيسَى بْن مَرْيَم. ‏ ‏قَوْله ( فَيُرِيد الدَّجَّال أَنْ يَقْتُلهُ فَلَا يُسَلَّط عَلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْوَدَّاك \" فَيَأْخُذهُ الدَّجَّال لِيَذْبَحَهُ فَيُجْعَل مَا بَيْنَ رَقَبَته إِلَى تَرْقُوَته نُحَاس فَلَا يَسْتَطِيع إِلَيْهِ سَبِيلًا \" وَفِي رِوَايَة عَطِيَّة \" فَقَالَ لَهُ الدَّجَّال : لَتُطِيعُنِي أَوْ لَأَذْبَحَنَّكَ , فَقَالَ : وَاَللَّه لَا أُطِيعك أَبَدًا , فَأَمَرَ بِهِ فَأُضْجِع فَلَا يَقْدِر عَلَيْهِ وَلَا يَتَسَلَّط عَلَيْهِ مَرَّة وَاحِدَة \" زَادَ فِي رِوَايَة عَطِيَّة \" فَأَخَذَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَأُلْقِيَ فِي النَّار وَهِيَ غَبْرَاء ذَات دُخَان \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الْوَدَّاك \" فَيَأْخُذ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَيَقْذِف بِهِ فَيَحْسِب النَّاس أَنَّهُ قَذَفَهُ إِلَى النَّار وَإِنَّمَا أُلْقِيَ فِي الْجَنَّة \" زَادَ فِي رِوَايَة عَطِيَّة \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَلِكَ الرَّجُل أَقْرَب أُمَّتِي مِنِّي وَأَرْفَعهُمْ دَرَجَة \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الْوَدَّاك \" هَذَا أَعْظَم شَهَادَة عِنْدَ رَبّ الْعَالَمِينَ \" وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَعَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ رِوَايَة حَجَّاج بْن أَرْطَاةَ عَنْ عَطِيَّة أَنَّهُ \" يَذْبَح ثَلَاث مَرَّات ثُمَّ يَعُود لِيَذْبَحهُ الرَّابِعَة فَيَضْرِب اللَّه عَلَى حَلْقه بِصَفِيحَةِ نُحَاس فَلَا يَسْتَطِيع ذَبْحه \" وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَفَعَهُ فِي ذِكْر الدَّجَّال \" يَدْعُو بِرَجُلٍ لَا يُسَلِّطهُ اللَّه إِلَّا عَلَيْهِ \" فَذَكَرَ نَحْو رِوَايَة أَبِي الْوَدَّاك وَفِي آخِره \" فَيَهْوِي إِلَيْهِ بِسَيْفِهِ فَلَا يَسْتَطِيعهُ فَيَقُول : أَخِّرُوهُ عَنِّي \" وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُعْتَمِر ثُمَّ يَدْعُو بِرَجُلٍ فِيمَا يَرَوْنَ فَيُؤْمَر بِهِ فَيُقْتَل ثُمَّ يَقْطَع أَعْضَاءَهُ كُلّ عُضْو عَلَى حِدَة فَيُفَرِّق بَيْنَهَا حَتَّى يَرَاهُ النَّاس ثُمَّ يَجْمَعهَا ثُمَّ يَضْرِب بِعَصَاهُ فَإِذَا هُوَ قَائِم فَيَقُول : أَنَا اللَّه الَّذِي أُمِيت وَأُحْيِي , قَالَ وَذَلِكَ كُلّه سِحْر سَحَرَ أَعْيُن النَّاس لَيْسَ يَعْمَل مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا , وَهُوَ سَنَد ضَعِيف جِدًّا. وَفِي رِوَايَة أَبِي يَعْلَى مِنْ الزِّيَادَة \" قَالَ أَبُو سَعِيد كُنَّا نَرَى ذَلِكَ الرَّجُل عُمَر بْن الْخَطَّاب لِمَا نَعْلَم مِنْ قُوَّته وَجَلَده \" وَوَقَعَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَقِب رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ \" قَالَ أَبُو إِسْحَاق : يُقَال إِنَّ هَذَا الرَّجُل هُوَ الْخَضِر \" كَذَا أَطْلَقَ فَظَنَّ الْقُرْطُبِيّ أَنَّ أَبَا إِسْحَاق الْمَذْكُور هُوَ السَّبِيعِيُّ أَحَد الثِّقَات مِنْ التَّابِعِينَ وَلَمْ يُصِبْ فِي ظَنّه فَإِنَّ السَّنَد الْمَذْكُور لَمْ يَجْرِ لِأَبِي إِسْحَاق فِيهِ ذِكْر , وَإِنَّمَا أَبُو إِسْحَاق الَّذِي قَالَ ذَلِكَ هُوَ إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن سُفْيَان الزَّاهِد رَاوِي صَحِيح مُسْلِم عَنْهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ عِيَاض وَالنَّوَوِيّ وَغَيْرهمَا وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقُرْطُبِيّ فِي تَذْكِرَته أَيْضًا قَبْلُ , فَكَأَنَّ قَوْله فِي الْمَوْضِع الثَّانِي السَّبِيعِيُّ سَبْق قَلَم , وَلَعَلَّ مُسْتَنَده فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ مَعْمَر فِي جَامِعه بَعْدَ ذِكْر هَذَا الْحَدِيث \" قَالَ مَعْمَر بَلَغَنِي أَنَّ الَّذِي يَقْتُل الدَّجَّال الْخَضِر \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر قَالَ \" كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ الْخَضِر \" وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ سَمِعْت مَنْ يَقُول : إِنَّ الَّذِي يَقْتُلهُ الدَّجَّال هُوَ الْخَضِر , وَهَذِهِ دَعْوَى لَا بُرْهَان لَهَا. قُلْت : وَقَدْ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَهُ بِمَا أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث أَبِي عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح رَفَعَهُ فِي ذِكْر الدَّجَّال \" لَعَلَّهُ أَنْ يُدْرِكهُ بَعْض مَنْ رَآنِي أَوْ سَمِعَ كَلَامِي \" الْحَدِيث. وَيُعَكِّر عَلَيْهِ قَوْله فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهَا \" شَابّ مُمْتَلِئ شَبَابًا \" وَيُمْكِن أَنْ يُجَاب بِأَنَّ مِنْ جُمْلَة خَصَائِص الْخَضِر أَنْ لَا يَزَال شَابًّا , وَيَحْتَاج إِلَى دَلِيل. ‏"
    },
    {
        "id": "6600",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏أَنْقَابِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث نُعَيْم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏\" عَلَى أَنْقَاب الْمَدِينَة مَلَائِكَة \" ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي فَضَائِل الْمَدِينَة أَوَاخِر \" كِتَاب الْحَجّ \" وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ مِنْ حَدِيث أَنَس \" لَيْسَ مِنْ بَلَد إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّال إِلَّا مَكَّة وَالْمَدِينَة \" وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر \" يَسِيح فِي الْأَرْض أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَرِد كُلّ بَلْدَة غَيْر هَاتَيْنِ الْبَلْدَتَيْنِ مَكَّة وَالْمَدِينَة حَرَّمَهُمَا اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ يَوْم مِنْ أَيَّامه كَالسَّنَةِ وَيَوْم كَالشَّهْرِ وَيَوْم كَالْجُمْعَةِ وَبَقِيَّة أَيَّامه كَأَيَّامِكُمْ هَذِهِ \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَهُوَ عِنْد أَحْمَد بِنَحْوِهِ بِسَنَدٍ جَيِّد وَلَفْظه \" تُطْوَى لَهُ الْأَرْض فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ طَيْبَة \" الْحَدِيث وَأَصْله عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث النَّوَّاس بْن سَمْعَان بِلَفْظِ \" قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه فَمَا لُبْثه فِي الْأَرْض ؟ قَالَ : أَرْبَعُونَ يَوْمًا \" فَذَكَرَهُ وَزَادَ \" قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه فَذَلِكَ الْيَوْم الَّذِي كَالسَّنَةِ يَكْفِينَا فِيهِ صَلَاة يَوْم , قَالَ : لَا اِقْدُرُوا لَهُ قَدْره. قُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه وَمَا إِسْرَاعه فِي الْأَرْض ؟ قَالَ : كَالْغَيْثِ اِسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيح \" وَلَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" يَخْرُج الدَّجَّال فِي أُمَّتِي فَيَمْكُث أَرْبَعِينَ , لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا \" الْحَدِيث , وَالْجَزْم بِأَنَّهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا مُقَدَّم عَلَى هَذَا التَّرْدِيد , فَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بِلَفْظِ \" يَخْرُج - يَعْنِي الدَّجَّال - فَيَمْكُث فِي الْأَرْض أَرْبَعِينَ صَبَاحًا يَرِد فِيهَا كُلّ مَنْهَل إِلَّا الْكَعْبَة وَالْمَدِينَة وَبَيْت الْمَقْدِس \" الْحَدِيث وَوَقَعَ فِي حَدِيث سَمُرَة الْمُشَار إِلَيْهِ قَبْلُ \" يَظْهَر عَلَى الْأَرْض كُلّهَا إِلَّا الْحَرَمَيْنِ وَبَيْت الْمَقْدِس فَيَحْصُر الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ ثُمَّ يُهْلِكهُ اللَّه \" وَفِي حَدِيث جُنَادَةَ بْن أَبِي أُمَيَّة \" أَتَيْنَا رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار مِنْ الصَّحَابَة قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أُنْذِركُمْ الْمَسِيح \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" يَمْكُث فِي الْأَرْض أَرْبَعِينَ صَبَاحًا , يَبْلُغ سُلْطَانه كُلّ مَنْهَل , لَا يَأْتِي أَرْبَعَة مَسَاجِد الْكَعْبَة وَمَسْجِد الرَّسُول وَمَسْجِد الْأَقْصَى وَالطُّور \" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَرِجَاله ثِقَات. ‏"
    },
    {
        "id": "6601",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏يَأْتِيهَا ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏فَيَجِدُ الْمَلَائِكَةَ يَحْرُسُونَهَا فَلَا يَقْرَبُهَا ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏قَالَ وَلَا الطَّاعُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس , ‏ ‏قَوْله ( يَأْتِيهَا الدَّجَّال ) ‏ ‏أَيْ الْمَدِينَة ‏ ‏( فَيَجِد الْمَلَائِكَة يَحْرُسُونَهَا ) ‏ ‏فِي حَدِيث مِحْجَن بْن الْأَدْرَع عِنْد أَحْمَد وَالْحَاكِم فِي ذِكْر الْمَدِينَة \" وَلَا يَدْخُلهَا الدَّجَّال إِنْ شَاءَ اللَّه كُلَّمَا أَرَادَ دُخُولهَا تَلَقَّاهُ بِكُلِّ نَقَب مِنْ أَنْقَابهَا مَلَك مُصْلِت سَيْفَهُ يَمْنَعهُ عَنْهَا \" وَعِنْد الْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَبِي عَبْد اللَّه الْقَرَّاظ سَمِعْت سَعْد بْن مَالِك وَأَبَا هُرَيْرَة يَقُولَانِ \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأَهْلِ الْمَدِينَة \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" إِلَّا أَنَّ الْمَلَائِكَة مُشْتَبِكَة بِالْمَلَائِكَةِ , عَلَى كُلّ نَقَب مِنْ أَنْقَابهَا مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا لَا يَدْخُلهَا الطَّاعُون وَلَا الدَّجَّال \" قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : يُجْمَع بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْله \" عَلَى كُلّ نَقَب مَلَكَانِ \" أَنَّ سَيْف أَحَدهمَا مَسْلُول وَالْآخَر بِخِلَافِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَلَا يَقْرَبهَا الدَّجَّال وَلَا الطَّاعُون إِنْ شَاءَ اللَّه ) ‏ ‏قِيلَ هَذَا الِاسْتِثْنَاء مُحْتَمِل لِلتَّعْلِيقِ وَمُحْتَمِل لِلتَّبَرُّكِ وَهُوَ أَوْلَى , وَقِيلَ إِنَّهُ يَتَعَلَّق بِالطَّاعُونِ فَقَطْ وَفِيهِ نَظَر , وَحَدِيث مِحْجَن بْن الْأَدْرَع الْمَذْكُور آنِفًا يُؤَيِّد أَنَّهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث حُجَّة لِأَهْلِ السُّنَّة فِي صِحَّة وُجُود الدَّجَّال وَأَنَّهُ شَخْص مُعَيَّن يَبْتَلِي اللَّه بِهِ الْعِبَاد وَيُقْدِرهُ عَلَى أَشْيَاء كَإِحْيَاءِ الْمَيِّت الَّذِي يَقْتُلهُ وَظُهُور الْخِصْب وَالْأَنْهَار وَالْجَنَّة وَالنَّار وَاتِّبَاع كُنُوز الْأَرْض لَهُ وَأَمْره السَّمَاء فَتُمْطِر وَالْأَرْض فَتُنْبِت وَكُلّ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّه , ثُمَّ يُعْجِزهُ اللَّه فَلَا يَقْدِر عَلَى قَتْل ذَلِكَ الرَّجُل وَلَا غَيْره , ثُمَّ يُبْطِل أَمْره وَيَقْتُلهُ عِيسَى بْن مَرْيَم وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْض الْخَوَارِج وَالْمُعْتَزِلَة وَالْجَهْمِيَّة فَأَنْكَرُوا وُجُوده وَرَدُّوا الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة , وَذَهَبَ طَوَائِف مِنْهُمْ كَالْجُبَّائِيِّ إِلَى أَنَّهُ صَحِيح الْوُجُود لَكِنْ كُلّ الَّذِي مَعَهُ مَخَارِيق وَخَيَالَات لَا حَقِيقَة لَهَا , وَأَلْجَأَهُمْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا مَعَهُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَة لَمْ يُوثَق بِمُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاء , وَهُوَ غَلَط مِنْهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ النُّبُوَّة فَتَكُون الْخَوَارِق تَدُلّ عَلَى صِدْقه , وَإِنَّمَا اِدَّعَى الْإِلَهِيَّة وَصُورَة حَاله تُكَذِّبهُ لِعَجْزِهِ وَنَقْصه فَلَا يَغْتَرّ بِهِ إِلَّا رَعَاع النَّاس إِمَّا لِشِدَّةِ الْحَاجَة وَالْفَاقَة وَإِمَّا تَقِيَّة وَخَوْفًا مِنْ أَذَاهُ وَشَرّه مَعَ سُرْعَة مُرُوره فِي الْأَرْض فَلَا يَمْكُث حَتَّى يَتَأَمَّل الضُّعَفَاء حَاله , فَمَنْ صَدَّقَهُ فِي تِلْكَ الْحَال لَمْ يَلْزَم مِنْهُ بُطْلَان مُعْجِزَات الْأَنْبِيَاء , وَلِهَذَا يَقُول لَهُ الَّذِي يُحْيِيه بَعْد أَنْ يَقْتُلهُ \" مَا اِزْدَدْت فِيك إِلَّا بَصِيرَة \". قُلْت : وَلَا يُعَكِّر عَلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ أَنَّهُ \" يَبْدَأ فَيَقُول أَنَا نَبِيّ , ثُمَّ يُثَنِّي فَيَقُول أَنَا رَبّكُمْ \" فَإِنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ , إِنَّمَا يُظْهِر الْخَوَارِق بَعْد قَوْله الثَّانِي. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ الْمَذْكُور \" وَإِنَّ مِنْ فِتْنَته أَنْ يَقُول لِلْأَعْرَابِيِّ : أَرَأَيْت إِنْ بَعَثْت لَك أَبَاك وَأُمّك أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبّك ؟ فَيَقُول نَعَمْ , فَيُمَثَّل لَهُ شَيْطَانَانِ فِي صُورَة أَبِيهِ وَأُمّه يَقُولَانِ لَهُ : يَا بُنَيّ اِتَّبِعْهُ فَإِنَّهُ رَبّك , وَإِنَّ مِنْ فِتْنَته أَنْ يَمُرّ بِالْحَيِّ فَيُكَذِّبُونَهُ فَلَا تَبْقَى لَهُمْ سَائِمَة إِلَّا هَلَكَتْ , وَيَمُرّ بِالْحَيِّ فَيُصَدِّقُونَهُ فَيَأْمُر السَّمَاء أَنْ تُمْطِر وَالْأَرْض أَنْ تُنْبِت فَتُمْطِر وَتُنْبِت حَتَّى تَرُوح مَوَاشِيهمْ مِنْ يَوْمهمْ ذَلِكَ أَسْمَن مَا كَانَتْ وَأَعْظَم وَأَمَدَّهُ خَوَاصِر وَأَدَرَّهُ ضُرُوعًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "6602",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَتْهُ عَنْ ‏ ‏أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَزِعًا يَقُولُ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيْلٌ ‏ ‏لِلْعَرَبِ ‏ ‏مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ ‏ ‏رَدْمِ ‏ ‏يَأْجُوجَ ‏ ‏وَمَأْجُوجَ ‏ ‏مِثْلُ هَذِهِ وَحَلَّقَ بِإِصْبَعَيْهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا قَالَتْ ‏ ‏زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ إِذَا كَثُرَ ‏ ‏الْخُبْثُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أُوَيْس عَبْد اللَّه الْأَصْبَحِيّ , وَأَخُوهُ هُوَ أَبُو بَكْر عَبْد الْحَمِيد , وَسُلَيْمَان هُوَ اِبْن بِلَال. وَمُحَمَّد بْن أَبِي عَتِيق نُسِبَ لِجَدِّهِ وَهُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي عَتِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن اِبْن أَبِي بَكْرَة , وَهَذَا السَّنَد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَهُوَ أَنْزَل مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ بِدَرَجَتَيْنِ , وَيُقَال إِنَّهُ أَطْوَل سَنَدًا فِي الْبُخَارِيّ فَإِنَّهُ تُسَاعِيّ , وَغَفَلَ الزَّرْكَشِيُّ فَقَالَ : فِيهِ أَرْبَع نِسْوَة صَحَابِيَّات , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ , بَلْ فِيهِ ثَلَاثَة كَمَا قَدَّمْت إِيضَاحه فِي أَوَائِل الْفِتَن فِي \" بَاب قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيْل لِلْعَرَبِ \" وَذَكَرْت هُنَاكَ الِاخْتِلَاف عَلَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ فِي زِيَادَة حَبِيبَة بِنْت أُمّ حَبِيبَة فِي الْإِسْنَاد. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَزِعًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء وَكَسْر الزَّاي , فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ \" اِسْتَيْقَظَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّوْم مُحْمَرًّا وَجْهه يَقُول \" فَيُجْمَع عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ اِسْتَيْقَظَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزِعًا , وَكَانَتْ حُمْرَة وَجْهه مِنْ ذَلِكَ الْفَزَع , وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن كَثِير عَنْ الزُّهْرِيّ عِنْد أَبِي عَوَانَة فَقَالَ \" فَزِعًا مُحْمَرًّا وَجْهه \". ‏ ‏قَوْله ( وَيْل لِلْعَرَبِ مِنْ شَرّ قَدْ اِقْتَرَبَ ) ‏ ‏خُصَّ الْعَرَب بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا حِينَئِذٍ مُعْظَم مَنْ أَسْلَمَ , وَالْمُرَاد بِالشَّرِّ مَا وَقَعَ بَعْدَهُ مِنْ قَتْل عُثْمَان , ثُمَّ تَوَالَتْ الْفِتَن حَتَّى صَارَتْ الْعَرَب بَيْن الْأُمَم كَالْقَصْعَةِ بَيْنَ الْأَكَلَة كَمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيث الْآخَر \" يُوشِك أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الْأُمَم كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَة عَلَى قَصْعَتهَا \" وَأَنَّ الْمُخَاطَب بِذَلِكَ الْعَرَب , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالشَّرِّ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة \" مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَة مِنْ الْفِتَن وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِن \" فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الْفُتُوح الَّتِي فُتِحَتْ بَعْدَهُ فَكَثُرَتْ الْأَمْوَال فِي أَيْدِيهمْ فَوَقَعَ التَّنَافُس الَّذِي جَرَّ الْفِتَن , وَكَذَلِكَ التَّنَافُس عَلَى الْإِمْرَة , فَإِنَّ مُعْظَم مَا أَنْكَرُوهُ عَلَى عُثْمَان تَوْلِيَة أَقَارِبه مِنْ بَنِي أُمَيَّة وَغَيْرهمْ حَتَّى أَفْضَى ذَلِكَ أَنْ قَتْله , وَتَرَتَّبَ عَلَى قَتْله مِنْ الْقِتَال بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَا اُشْتُهِرَ وَاسْتَمَرَّ. ‏ ‏قَوْله ( فُتِحَ الْيَوْم مِنْ رَدْم يَأْجُوج وَمَأْجُوج ) ‏ ‏الْمُرَاد بِالرَّدْمِ السَّدّ الَّذِي بَنَاهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ , وَقَدْ قَدَّمْت صِفَته فِي تَرْجَمَته مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. ‏ ‏قَوْله ( مِثْل هَذِهِ وَحَلَّقَ بِأُصْبُعَيْهِ الْإِبْهَام وَاَلَّتِي تَلِيهَا ) ‏ ‏أَيْ جَعَلَهُمَا مِثْل الْحَلَقَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ \" وَعَقَدَ سُفْيَان تِسْعِينَ أَوْ مِائَة \" وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن كَثِير عَنْ الزُّهْرِيّ عِنْد أَبِي عَوَانَة وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِثْل هَذِهِ \" وَعَقَدَ تِسْعِينَ \" وَلَمْ يُعَيِّن الَّذِي عَقَدَ أَيْضًا , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ عَمْرو النَّاقِد عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ \" وَعَقَدَ سُفْيَان عَشَرَة \" وَلِابْنِ حِبَّان مِنْ طَرِيق شُرَيْحِ بْن يُونُس عَنْ سُفْيَان \" وَحَلَّقَ بِيَدِهِ عَشَرَة \" وَلَمْ يُعَيِّن أَنَّ الَّذِي حَلَّقَ هُوَ سُفْيَان , وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ بِدُونِ ذِكْر الْعَقْد , وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة مِنْ رِوَايَة شُعَيْب وَفِي تَرْجَمَة ذِي الْقَرْنَيْنِ مِنْ طَرِيق عُقَيْل , وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْدَهُ \" وَعَقَدَ وُهَيْب تِسْعِينَ \" وَهُوَ عِنْد مُسْلِم أَيْضًا , قَالَ عِيَاض وَغَيْره : هَذِهِ الرِّوَايَات مُتَّفِقَة إِلَّا قَوْله عَشَرَة. قُلْت : وَكَذَا الشَّكّ فِي الْمِائَة لِأَنَّ صِفَاتهَا عِنْد أَهْل الْمَعْرِفَة بِعَقْدِ الْحِسَاب مُخْتَلِفَة وَإِنْ اِتَّفَقَتْ فِي أَنَّهَا تُشْبِه الْحَلْقَة , فَعَقْد الْعَشَرَة أَنْ يُجْعَل طَرَف السَّبَّابَة الْيُمْنَى فِي بَاطِن طَيّ عُقْدَة الْإِبْهَام الْعُلْيَا وَعَقْد التِّسْعِينَ أَنْ يُجْعَل طَرَف السَّبَّابَة الْيُمْنَى فِي أَصْلهَا وَيَضُمّهَا ضَمًّا مُحْكَمًا بِحَيْثُ تَنْطَوِي عُقْدَتَاهَا حَتَّى تَصِير مِثْل الْحَيَّة الْمُطَوِّقَة. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ صُورَته أَنْ يَجْعَل السَّبَّابَة فِي وَسَط الْإِبْهَام , وَرَدَّهُ اِبْن التِّين بِمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ الْمَعْرُوف وَعَقْد الْمِائَة مِثْل عَقْد التِّسْعِينَ لَكِنْ بِالْخِنْصَرِ الْيُسْرَى , فَعَلَى هَذَا فَالتِّسْعُونَ وَالْمِائَة مُتَقَارِبَانِ , وَلِذَلِكَ وَقَعَ فِيهِمَا الشَّكّ. وَأَمَّا الْعَشَرَة فَمُغَايِرَة لَهُمَا. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : لَعَلَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مُتَقَدِّم فَزَادَ الْفَتْح بَعْدَهُ الْقَدْر الْمَذْكُور فِي حَدِيث زَيْنَب. قُلْت : وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَصْف الْمَذْكُور مِنْ أَصْل الرِّوَايَة لَاتُّجِهَ , وَلَكِنَّ الِاخْتِلَاف فِيهِ مِنْ الرُّوَاة عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَرِوَايَة مَنْ رَوَى عَنْهُ تِسْعِينَ أَوْ مِائَة أَتْقَن وَأَكْثَر مِنْ رِوَايَة مَنْ رَوَى عَشَرَة , وَإِذَا اِتَّحَدَ مَخْرَج الْحَدِيث وَلَا سِيَّمَا فِي أَوَاخِر الْإِسْنَاد بَعْد الْحَمْل عَلَى التَّعَدُّد جِدًّا. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِي الْإِشَارَة الْمَذْكُورَة دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْلَم عَقْد الْحِسَاب حَتَّى أَشَارَ بِذَلِكَ لِمَنْ يَعْرِفهُ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُعَارِض قَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر \" إِنَّا أُمَّة لَا نَحْسُب وَلَا نَكْتُب \" فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا جَاءَ لِبَيَانِ صُورَة مُعَيَّنَة خَاصَّة. قُلْت : وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَال الْمُرَاد بِنَفْيِ الْحِسَاب مَا يَتَعَانَاهُ أَهْل صِنَاعَته مِنْ الْجَمْع وَالْفَذْلَكَة وَالضَّرْب وَنَحْو ذَلِكَ , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ \" وَلَا نَكْتُب \" وَأَمَّا عَقْد الْحِسَاب فَإِنَّهُ اِصْطِلَاح لِلْعَرَبِ تَوَاضَعُوهُ بَيْنهمْ لِيَسْتَغْنَوْا بِهِ عَنْ التَّلَفُّظ , وَكَانَ أَكْثَر اِسْتِعْمَالهمْ لَهُ عِنْد الْمُسَاوَمَة فِي الْبَيْع فَيَضَع أَحَدهمَا يَده فِي يَد الْآخَر فَيَفْهَمَانِ الْمُرَاد مِنْ غَيْر تَلَفُّظ لِقَصْدِ سَتْر ذَلِكَ عَنْ غَيْرهمَا مِمَّنْ يَحْضُرهُمَا , فَشَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْر مَا فُتِحَ مِنْ السَّدّ بِصِفَةٍ مَعْرُوفَة عِنْدهمْ , وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاء التَّشْبِيه بِهَذِهِ الْعُقُود وَمِنْ ظَرِيف مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ النَّظْم فِي ذَلِكَ قَوْل بَعْض الْأُدَبَاء : - ‏ ‏رُبَّ بُرْغُوث لَيْلَة بِتّ مِنْهُ ‏ ‏وَفُؤَادِي فِي قَبْضَة التِّسْعِينَ ‏ ‏أَسَرَتْهُ يَد الثَّلَاثِينَ حَتَّى ‏ ‏ذَاقَ طَعْم الْحَمَام فِي السَّبْعِينَ ‏ ‏وَعَقْد الثَّلَاثِينَ أَنْ يُضَمّ طَرَف الْإِبْهَام إِلَى طَرَف السَّبَّابَة مِثْل مَنْ يُمْسِك شَيْئًا لَطِيفًا كَالْإِبْرَةِ وَكَذَلِكَ الْبُرْغُوث. وَعَقْد السَّبْعِينَ أَنْ يَجْعَل طَرَف ظُفْر الْإِبْهَام بَيْنَ عُقْدَتَيْ السَّبَّابَة مِنْ بَاطِنهَا وَيَلْوِي طَرَف السَّبَّابَة عَلَيْهَا مِثْل نَاقِد الدِّينَار عِنْد النَّقْد , وَقَدْ جَاءَ فِي خَبَر مَرْفُوع \" إِنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج يَحْفِرُونَ السَّدّ كُلّ يَوْم \" وَهُوَ فِيمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم وَصَحَّحَاهُ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ أَبِي رَافِع عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ فِي السَّدّ \" يَحْفِرُونَهُ كُلّ يَوْم حَتَّى إِذَا كَادُوا يَخْرِقُونَهُ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ اِرْجِعُوا فَسَتَخْرِقُونَهُ غَدًا فَيُعِيدهُ اللَّه كَأَشَدّ مَا كَانَ , حَتَّى إِذَا بَلَغَ مُدَّتهمْ وَأَرَادَ اللَّه أَنْ يَبْعَثهُمْ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ اِرْجِعُوا فَسَتَخْرِقُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّه وَاسْتَثْنَى , قَالَ فَيَرْجِعُونَ فَيَجِدُونَهُ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ فَيَخْرِقُونَهُ فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاس \" الْحَدِيث. قُلْت : أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم مِنْ رِوَايَة أَبِي عَوَانَة وَعَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة وَابْن حِبَّان مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ كُلّهمْ عَنْ قَتَادَةَ وَرِجَاله رِجَال الصَّحِيح إِلَّا أَنَّ قَتَادَةَ مُدَلِّس , وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضهمْ عَنْهُ فَأَدْخَلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَة أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ , لَكِنْ وَقَعَ التَّصْرِيح فِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ قَتَادَةَ بِأَنَّ أَبَا رَافِع حَدَّثَهُ وَهُوَ فِي صَحِيح اِبْن حِبَّان , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَةَ قَالَ \" حَدَّثَ أَبُو رَافِع \" وَلَهُ طَرِيق آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق عَاصِم عَنْ أَبِي صَالِح عَنْهُ لَكِنَّهُ مَوْقُوف \" قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِي هَذَا الْحَدِيث ثَلَاث آيَات : ‏ ‏الْأُولَى أَنَّ اللَّه مَنَعَهُمْ أَنْ يُوَالُوا الْحَفْر لَيْلًا وَنَهَارًا , ‏ ‏الثَّانِيَة مَنَعَهُمْ أَنْ يُحَاوِلُوا الرُّقِيّ عَلَى السَّدّ بِسُلَّمٍ أَوْ آلَة فَلَمْ يُلْهِمهُمْ ذَلِكَ وَلَا عَلَّمَهُمْ إِيَّاهُ وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون أَرْضهمْ لَا خَشَب فِيهَا وَلَا آلَات تَصْلُح لِذَلِكَ. قُلْت : وَهُوَ مَرْدُود , فَإِنَّ فِي خَبَرهمْ عِنْدَ وَهْب فِي الْمُبْتَدَأ أَنَّ لَهُمْ أَشْجَارًا وَزُرُوعًا وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآلَات فَالْأَوَّل أَوْلَى. وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق اِبْن عَمْرو بْن أَوْس عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ \" أَنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج لَهُمْ نِسَاء يُجَامِعُونَ مَا شَاءُوا وَشَجَر يُلَقِّحُونَ مَا شَاءُوا \" الْحَدِيث. ‏ ‏الثَّالِثَة أَنَّهُ صَدَّهُمْ عَنْ أَنْ يَقُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّه حَتَّى يَجِيء الْوَقْت الْمَحْدُود. قُلْت : وَفِيهِ أَنَّ فِيهِمْ أَهْل صِنَاعَة وَأَهْل وِلَايَة وَسَلَاطَة وَرَعِيَّة تُطِيع مَنْ فَوْقَهَا , وَأَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَعْرِف اللَّه وَيُقِرّ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَته , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون تِلْكَ الْكَلِمَة تَجْرِي عَلَى لِسَان ذَلِكَ الْوَالِي مِنْ غَيْر أَنْ يَعْرِف مَعْنَاهَا فَيَحْصُل الْمَقْصُود بِبَرَكَتِهَا. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق كَعْب الْأَحْبَار نَحْو حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَقَالَ فِيهِ \" فَإِذَا بَلَغَ الْأَمْر أَلْقَى عَلَى بَعْض أَلْسِنَتهمْ نَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه غَدًا فَنَفْرُغ مِنْهُ \" وَأَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة نَحْو حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَفِيهِ \" فَيُصْبِحُونَ وَهُوَ أَقْوَى مِنْهُ بِالْأَمْسِ حَتَّى يُسَلِّم رَجُل مِنْهُمْ حِينَ يُرِيد اللَّه أَنْ يَبْلُغ أَمْره فَيَقُول الْمُؤْمِن غَدًا نَفْتَحهُ إِنْ شَاءَ اللَّه , فَيُصْبِحُونَ ثُمَّ يَغْدُونَ عَلَيْهِ فَيُفْتَح \" الْحَدِيث وَسَنَده ضَعِيف جِدًّا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَتْ زَيْنَب بِنْت جَحْش ) ‏ ‏هَذَا يُخَصِّص رِوَايَة سُلَيْمَان بْن كَثِير بِلَفْظِ \" قَالُوا أَنَهْلِكُ \" وَيُعَيِّن أَنَّ اللَّافِظ بِهَذَا السُّؤَال هِيَ زَيْنَب بِنْت جَحْش رَاوِيَة الْحَدِيثِ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَهْلِكُ ) ‏ ‏بِكَسْرِ اللَّام فِي رِوَايَة يَزِيد بْن الْأَصَمّ عَنْ مَيْمُونَة عَنْ زَيْنَب بِنْت جَحْش فِي نَحْو هَذَا الْحَدِيث \" فُرِجَ اللَّيْلَة مِنْ رَدْم يَأْجُوج وَمَأْجُوج فُرْجَة , قُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَيُعَذِّبُنَا اللَّه وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ \". ‏ ‏قَوْله ( وَفِينَا الصَّالِحُونَ ) ‏ ‏كَأَنَّهَا أَخَذَتْ ذَلِكَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ( وَمَا كَانَ اللَّه لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ). ‏ ‏قَوْله ( قَالَ : نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَث ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة ثُمَّ مُثَلَّثَة , فَسَّرُوهُ بِالزِّنَا وَبِأَوْلَادِ الزِّنَا وَبِالْفُسُوقِ وَالْفُجُور , وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُ قَابَلَهُ بِالصَّلَاحِ. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِيهِ الْبَيَان بِأَنَّ الْخَيِّر يَهْلِك بِهَلَاكِ الشِّرِّير إِذَا لَمْ يُغَيِّر عَلَيْهِ خُبْثه , وَكَذَلِكَ إِذَا غَيَّرَ عَلَيْهِ لَكِنْ حَيْثُ لَا يُجْدِي ذَلِكَ وَيُصِرّ الشِّرِّير عَلَى عَمَله السَّيِّئ ; وَيَفْشُو ذَلِكَ وَيَكْثُر حَتَّى يَعُمّ الْفَسَاد فَيَهْلِك حِينَئِذٍ الْقَلِيل وَالْكَثِير , ثُمَّ يُحْشَر كُلّ أَحَد عَلَى نِيَّته. وَكَأَنَّهَا فَهِمَتْ مِنْ فَتْح الْقَدْر الْمَذْكُور مِنْ الرَّدْم أَنَّ الْأَمْر إِنْ تَمَادَى عَلَى ذَلِكَ اِتَّسَعَ الْخَرْق بِحَيْثُ يَخْرُجُونَ , وَكَانَ عِنْدَهَا عِلْم أَنَّ فِي خُرُوجهمْ عَلَى النَّاس إِهْلَاكًا عَامًّا لَهُمْ وَقَدْ وَرَدَ فِي حَالهمْ عِنْدَ خُرُوجهمْ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث النَّوَّاس بْن سَمْعَان بَعْدَ ذِكْر الدَّجَّال وَقَتْله عَلَى يَد عِيسَى قَالَ \" ثُمَّ يَأْتِيه قَوْم قَدْ عَصَمَهُمْ اللَّه مِنْ الدَّجَّال فَيَمْسَح وُجُوههمْ وَيُحَدِّثهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّة , فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّه إِلَى عِيسَى أَنِّي قَدْ أَخْرَجْت عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّور , وَيَبْعَث اللَّه يَأْجُوج وَمَأْجُوج فَيَمُرّ أَوَائِلهمْ عَلَى بُحَيْرَة طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا وَيَمُرّ آخِرهمْ فَيَقُولُونَ : لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّة مَاء , وَيَحْصُر عِيسَى نَبِيّ اللَّه وَأَصْحَابه حَتَّى يَكُون رَأْس الثَّوْر لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَة دِينَار , فَيَرْغَب عِيسَى نَبِيّ اللَّه وَأَصْحَابه إِلَى اللَّه فَيُرْسِل عَلَيْهِمْ النَّغَف - بِفَتْحِ النُّون وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة ثُمَّ فَاء - فِي رِقَابهمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى , بِفَتْحِ الْفَاء وَسُكُون الرَّاء بَعْدَهَا مُهْمَلَة مَقْصُور كَمَوْتِ نَفْس وَاحِدَة ; ثُمَّ يَهْبِط عِيسَى نَبِيّ اللَّه وَأَصْحَابه إِلَى الْأَرْض فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْض مَوْضِع شِبْر إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمهمْ وَنَتْنهمْ , فَيَرْغَب نَبِيّ اللَّه عِيسَى وَأَصْحَابه إِلَى اللَّه , فَيُرْسِل طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْت فَتَحْمِلهُمْ فَتَطْرَحهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّه , ثُمَّ يُرْسِل اللَّه مَطَرًا لَا يَكُنُّ مِنْهُ مَدَر وَلَا وَبَر , فَيَغْسِل الْأَرْض حَتَّى يَتْرُكهَا كَالزَّلَفَةِ , ثُمَّ يُقَال لِلْأَرْضِ أَنَبْتِي ثَمَرَتك وَرُدِّي بَرَكَتَك , فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُل الْعِصَابَة مِنْ الرُّمَّانَة وَيَسْتَظِلُّونَ تَحْتَهَا , فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّه رِيحًا طَيِّبَة فَتَأْخُذهُمْ تَحْتَ آبَاطهمْ فَتَقْبِض رُوح كُلّ مُؤْمِن وَمُسْلِم , فَيَبْقَى شِرَار النَّاس يَتَهَارَجُونَ تَهَارُجَ الْحُمُر , فَعَلَيْهِمْ تَقُوم السَّاعَة \". قُلْت : وَالزَّلَفَة بِفَتْحِ الزَّاي وَاللَّام وَقِيلَ بِتَسْكِينِهَا وَقِيلَ بِالْقَافِ هِيَ الْمِرْآة بِكَسْرِ الْمِيم , وَقِيلَ الْمَصْنَع الَّذِي يُتَّخَذ لِجَمْعِ الْمَاء , وَالْمُرَاد أَنَّ الْمَاء يَعُمّ جَمِيع الْأَرْض فَيُنَظِّفهَا حَتَّى تَصِير بِحَيْثُ يَرَى الرَّائِي وَجْهه فِيهَا. وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ أَيْضًا \" فَيَقُولُونَ لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِي الْأَرْض , هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِي السَّمَاء , فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ إِلَى السَّمَاء فَيَرُدّهَا اللَّه عَلَيْهِمْ مَخْضُوبَة دَمًا \" وَأَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْوه فِي قِصَّة يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَسَنَده صَحِيح , وَعِنْد عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" فَلَا يَمُرُّونَ بِشَيْءٍ إِلَّا أَهْلَكُوهُ \" وَمِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد رَفَعَهُ \" يُفْتَح يَأْجُوج وَمَأْجُوج فَيَعُمُّونَ الْأَرْض , وَتَنْحَاز مِنْهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَيَظْهَرُونَ عَلَى أَهْل الْأَرْض ; فَيَقُول قَائِلهمْ : هَؤُلَاءِ أَهْل الْأَرْض قَدْ فَرَغْنَا مِنْهُمْ فَيَهُزّ آخِر حَرْبَته إِلَى السَّمَاء فَتَرْجِع مُخَضَّبَة بِالدَّمِ , فَيَقُولُونَ قَدْ قَتَلْنَا أَهْل السَّمَاء , فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ دَوَابّ كَنَغَفِ الْجَرَاد فَتَأْخُذ بِأَعْنَاقِهِمْ فَيَمُوتُونَ مَوْت الْجَرَاد يَرْكَب بَعْضهمْ بَعْضًا \". ‏"
    },
    {
        "id": "6603",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُفْتَحُ ‏ ‏الرَّدْمُ ‏ ‏رَدْمُ ‏ ‏يَأْجُوجَ ‏ ‏وَمَأْجُوجَ ‏ ‏مِثْلُ هَذِهِ وَعَقَدَ ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏تِسْعِينَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وُهَيْب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن خَالِد , وَابْن طَاوُسٍ هُوَ عَبْد اللَّهِ. ‏ ‏قَوْله ( يُفْتَح الرَّدْم ) ‏ ‏كَذَا هُنَا , وَتَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَة ذِي الْقَرْنَيْنِ عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم عَنْ وُهَيْب \" فُتِحَ \" بِضَمِّ الْفَاء وَكَسْر الْمُثَنَّاة وَهِيَ رِوَايَة أَحْمَد عَنْ عَفَّانَ عَنْ وُهَيْب. ‏ ‏قَوْله ( مِثْل هَذِهِ وَعَقَدَ وُهَيْب تِسْعِينَ ) ‏ ‏أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ عَنْ وُهَيْب فَقَالَ فِيهِ \" وَعَقَدَ تِسْعِينَ \" وَلَمْ يُعَيِّن الَّذِي عَقَدَ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مَرْفُوع , وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَة عَفَّانَ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ الَّذِي عَقَدَ تِسْعِينَ هُوَ وُهَيْب ; وَهُوَ مُوَافِق لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث أُمّ حَبِيبَة مِنْ رِوَايَة شُرَيْحِ بْن يُونُس عِنْد اِبْن حِبَّان , وَسَبَقَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ مُفَصَّلًا , وَقَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْل أَوَّل حَدِيث أُمّ حَبِيبَة لَكِنْ فِيهِ زِيَادَة رَوَاهَا الْأَعْمَش عَنْ سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ الْأَعْمَش لَا أَرَاهُ إِلَّا قَدْ رَفَعَهُ \" وَيْل لِلْعَرَبِ مِنْ شَرّ قَدْ اِقْتَرَبَ , أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَده \" قَالَ أَحْمَد : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد حَدَّثَنَا الْأَعْمَش بِهَذَا , قَالَ وَوَقَفَهُ أَبُو مُعَاوِيَة يَعْنِي عَنْ الْأَعْمَش بِهَذَا السَّنَد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ \" كِتَاب الْفِتَن \" مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى مِائَة حَدِيث وَحَدِيث , الْمَوْصُول مِنْهَا سَبْعَة وَثَمَانُونَ وَالْبَاقِيَة مُعَلَّقَات وَمُتَابَعَات , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانُونَ وَالْخَالِص إِحْدَى وَعِشْرُونَ وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" شَرّ النَّاس مَنْ تُدْرِكُهُمْ السَّاعَة وَهُمْ أَحْيَاء \" وَحَدِيث أَنَس \" لَا يَأْتِي زَمَان إِلَّا وَاَلَّذِي بَعْدَهُ شَرّ مِنْهُ \" وَحَدِيث عَمَّار وَابْن مَسْعُود فِي قِصَّة الْجَمَل , وَحَدِيث أَبِي بَرْزَة فِي الْإِنْكَار عَلَى مَنْ يُقَاتِل لِلدُّنْيَا , وَحَدِيث حُذَيْفَة فِي الْمُنَافِقِينَ , وَحَدِيثه فِي النِّفَاق , وَحَدِيث أَنَس فِي الْمَدِينَة لَا يَدْخُلهَا الدَّجَّال وَلَا الطَّاعُون إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدَهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَثَرًا , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6604",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. وَيُونُس هُوَ اِبْن يَزِيدَ. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه ) ‏ ‏هَذِهِ الْجُمْلَة مُنْتَزَعَة مِنْ قَوْله تَعَالَى ( مَنْ يُطِعْ الرَّسُول فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه ) أَيْ لِأَنِّي لَا آمُر إِلَّا بِمَا أَمَرَ اللَّه بِهِ , فَمَنْ فَعَلَ مَا آمُرهُ بِهِ فَإِنَّمَا أَطَاعَ مَنْ أَمَرَنِي أَنْ آمُرهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى لِأَنَّ اللَّه أَمَرَ بِطَاعَتِي فَمَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ أَمْر اللَّه لَهُ بِطَاعَتِي , وَفِي الْمَعْصِيَة كَذَلِكَ. وَالطَّاعَة هِيَ الْإِتْيَان بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَالِانْتِهَاء عَنْ الْمَنْهِيّ عَنْهُ , وَالْعِصْيَان بِخِلَافِهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هَمَّام وَالْأَعْرَج وَغَيْرهمَا عِنْدَ مُسْلِم \" وَمَنْ أَطَاعَ الْأَمِير \" وَيُمْكِن رَدّ اللَّفْظَيْنِ لِمَعْنًى وَاحِد , فَإِنَّ كُلّ مَنْ يَأْمُر بِحَقٍّ وَكَانَ عَادِلًا فَهُوَ أَمِير الشَّارِع لِأَنَّهُ تَوَلَّى بِأَمْرِهِ وَبِشَرِيعَتِهِ , وَيُؤَيِّدهُ تَوْحِيد الْجَوَاب فِي الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ قَوْله \" فَقَدْ أَطَاعَنِي \" أَيْ عَمِلَ بِمَا شَرَعْته , وَكَأَنَّ الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص أَمِيره بِالذِّكْرِ أَنَّهُ الْمُرَاد وَقْت الْخِطَاب , وَلِأَنَّهُ سَبَب وُرُود الْحَدِيث. وَأَمَّا الْحُكْم فَالْعِبْرَة بِعُمُومِ اللَّفْظ لَا بِخُصُوصِ السَّبَب. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام أَيْضًا \" وَمَنْ يُطِعْ الْأَمِير فَقَدْ أَطَاعَنِي \" بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَة , وَكَذَا \" وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِير فَقَدْ عَصَانِي \" وَهُوَ أَدْخَل فِي إِرَادَة تَعْمِيم مَنْ خُوطِبَ وَمَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ. قَالَ اِبْن التِّين : قِيلَ كَانَتْ قُرَيْش وَمَنْ يَلِيهَا مِنْ الْعَرَب لَا يَعْرِفُونَ الْإِمَارَة فَكَانُوا يَمْتَنِعُونَ عَلَى الْأُمَرَاء , فَقَالَ هَذَا الْقَوْل يُحِثُّهُمْ عَلَى طَاعَة مَنْ يُؤَمِّرهُمْ عَلَيْهِمْ وَالِانْقِيَاد لَهُمْ إِذَا بَعَثَهُمْ فِي السَّرَايَا وَإِذَا وَلَّاهُمْ الْبِلَاد فَلَا يَخْرُجُوا عَلَيْهِمْ لِئَلَّا تَفْتَرِق الْكَلِمَة. قُلْت : هِيَ عِبَارَة الشَّافِعِيّ فِي \" الْأُمّ \" ذَكَرَهُ فِي سَبَب نُزُولهَا , وَعَجِبْت لِبَعْضِ شُيُوخنَا الشُّرَّاح مِنْ الشَّافِعِيَّة كَيْف قَنَعَ بِنِسْبَةِ هَذَا الْكَلَام إِلَى اِبْن التِّين مُعَبِّرًا عَنْهُ بِصِيغَةِ \" قِيلَ \" وَابْن التِّين إِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ كَلَام الْخَطَّابِيِّ , وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد وَأَبِي يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر \" قَالَ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَر مِنْ أَصْحَابه فَقَالَ : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه وَإِنَّ مِنْ طَاعَة اللَّه طَاعَتِي قَالُوا : بَلَى نَشْهَد , قَالَ فَإِنَّ مِنْ طَاعَتِي أَنْ تُطِيعُوا أُمَرَاءَكُمْ \" وَفِي لَفْظ \" أَئِمَّتَكُمْ \". وَفِي الْحَدِيث وُجُوب طَاعَة وُلَاة الْأُمُور وَهِيَ مُقَيَّدَة بِغَيْرِ الْأَمْر بِالْمَعْصِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْفِتَن , وَالْحِكْمَة فِي الْأَمْر بِطَاعَتِهِمْ الْمُحَافَظَة عَلَى اِتِّفَاق الْكَلِمَة لِمَا فِي الِافْتِرَاق مِنْ الْفَسَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "6605",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ أَبِي أُوَيْس. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا وَكَذَا فِي الْعِتْق مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ عُبَيْد اللَّه اِبْن عُمَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر كَذَلِكَ , وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن دِينَار عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر بِهَذَا فَقَالَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ أَبَا لُبَابَة بْن عَبْد الْمُنْذِر أَخْبَرَهُ فَذَكَرَ حَدِيث النَّهْي عَنْ قَتْل الْجِنَان الَّتِي فِي الْبُيُوت وَقَالَ \" كُلّكُمْ رَاعٍ \" الْحَدِيث , هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي مُسْنَد أَبِي لُبَابَة , وَلَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْعِتْق أَيْضًا مِنْ رِوَايَة سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَذَكَرَ حَدِيث الْبَاب , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ‏ ‏قَوْلَهُ \" وَقَالَ \" ‏ ‏مَعْطُوف عَلَى اِبْن عُمَر لَا عَلَى أَبِي لُبَابَة , وَثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَد اِبْن عُمَر لَا مِنْ مُرْسَلِهِ. ‏ ‏قَوْله ( أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ , وَ \" أَلَا \" بِتَخْفِيفِ اللَّام حَرْف اِفْتِتَاح , وَسَقَطَتْ مِنْ رِوَايَة نَافِع وَسَالِم عَنْ اِبْن عُمَر , وَالرَّاعِي هُوَ الْحَافِظ الْمُؤْتَمَن الْمُلْتَزِم صَلَاح مَا اُؤْتُمِنَ عَلَى حِفْظه فَهُوَ مَطْلُوب بِالْعَدْلِ فِيهِ وَالْقِيَام بِمَصَالِحِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَالْإِمَام الَّذِي عَلَى النَّاس ) ‏ ‏أَيْ الْإِمَام الْأَعْظَم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر الْمَاضِيَة فِي الْعِتْق \" فَالْأَمِير \" بَدَلَ الْإِمَام \" وَكَذَا فِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي النِّكَاح , وَلَمْ يَقُلْ \" الَّذِي عَلَى النَّاسِ \". ‏ ‏قَوْله ( رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُول عَنْ رَعِيَّته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ الْمَاضِيَة فِي الْجُمُعَة \" الْإِمَام رَاعِ وَمَسْئُول عَنْ رَعِيَّته \" وَكَذَا فِي الْجَمِيع بِحَذْفِ \" وَهُوَ \" وَهِيَ مُقَدَّرَة , وَثَبَتَتْ فِي الِاسْتِقْرَاض. ‏ ‏قَوْله ( وَالرَّجُل رَاعٍ عَلَى أَهْل بَيْته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَالِم \" فِي أَهْل بَيْته \". ‏ ‏قَوْله ( وَالْمَرْأَة رَاعِيَة عَلَى أَهْل بَيْت زَوْجهَا وَوَلَده ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر \" عَلَى بَيْت بَعْلهَا \" وَفِي رِوَايَة سَالِم \" فِي بَيْت زَوْجهَا \" وَمِثْله لِمُوسَى لَكِنْ قَالَ \" عَلَى \". ‏ ‏قَوْله ( وَعَبْد الرَّجُل رَاعٍ عَلَى مَال سَيِّده ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَالِم \" وَالْخَادِم رَاعٍ فِي مَال سَيِّده \" وَفِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه \" وَالْعَبْد \" بَدَل الْخَادِم , وَزَادَ سَالِم فِي رِوَايَته \" وَحَسِبْت أَنَّهُ قَالَ \" وَفِي رِوَايَة الِاسْتِقْرَاض \" سَمِعْت هَؤُلَاءِ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْسِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَالرَّجُل رَاعٍ فِي مَال أَبِيهِ وَمَسْئُول عَنْ رَعِيَّته \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ : اِشْتَرَكُوا أَيْ الْإِمَام وَالرَّجُل وَمَنْ ذُكِرَ فِي التَّسْمِيَة أَيْ فِي الْوَصْف بِالرَّاعِي وَمَعَانِيهمْ مُخْتَلِفَة , فَرِعَايَة الْإِمَام الْأَعْظَم حِيَاطَة الشَّرِيعَة بِإِقَامَةِ الْحُدُود وَالْعَدْل فِي الْحُكْم , وَرِعَايَة الرَّجُل أَهْله سِيَاسَته لِأَمْرِهِمْ وَإِيصَالهمْ حُقُوقهمْ , وَرِعَايَة الْمَرْأَة تَدْبِير أَمْر الْبَيْت وَالْأَوْلَاد وَالْخَدَم وَالنَّصِيحَة لِلزَّوْجِ فِي كُلّ ذَلِكَ , وَرِعَايَة الْخَادِم حِفْظ مَا تَحْتَ يَده وَالْقِيَام بِمَا يَجِب عَلَيْهِ مِنْ خِدْمَته. ‏ ‏قَوْله ( أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلّكُمْ مَسْئُول عَنْ رَعِيَّته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَيُّوب فِي النِّكَاح مِثْله , وَفِي رِوَايَة سَالِم فِي الْجُمُعَة \" وَكُلّكُمْ \" وَفِي الِاسْتِقْرَاض \" فَكُلّكُمْ \" وَمِثْله فِي رِوَايَة نَافِع. قَالَ الطِّيبِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الرَّاعِي لَيْسَ مَطْلُوبًا لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا أُقِيمَ لِحِفْظِ مَا اِسْتَرْعَاهُ الْمَالِكُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَصَرَّف إِلَّا بِمَا أَذِنَ الشَّارِع فِيهِ وَهُوَ تَمْثِيل لَيْسَ فِي الْبَاب أَلْطَف وَلَا أَجْمَع وَلَا أَبْلَغ مِنْهُ , فَإِنَّهُ أَجْمَلَ أَوَّلًا ثُمَّ فَصَّلَ وَأَتَى بِحَرْفِ التَّنْبِيه مُكَرَّرًا , قَالَ وَالْفَاء فِي قَوْله \" أَلَا فَكُلّكُمْ \" جَوَاب شَرْط مَحْذُوف , وَخَتَمَ مَا يُشْبِه الْفَذْلَكَة إِشَارَة إِلَى اِسْتِيفَاء التَّفْصِيل. وَقَالَ غَيْره دَخَلَ فِي هَذَا الْعُمُوم الْمُنْفَرِد الَّذِي لَا زَوْج لَهُ وَلَا خَادِم وَلَا وَلَد فَإِنَّهُ يَصْدُق عَلَيْهِ أَنَّهُ رَاعٍ عَلَى جَوَارِحه حَتَّى يَعْمَل الْمَأْمُورَات وَيَجْتَنِب الْمَنْهِيَّات فِعْلًا وَنُطْقًا وَاعْتِقَادًا فَجَوَارِحه وَقُوَاهُ وَحَوَاسّه رَعِيَّته , وَلَا يَلْزَم مِنْ الِاتِّصَاف بِكَوْنِهِ رَاعِيًا أَنْ لَا يَكُون مَرْعِيًّا بِاعْتِبَارٍ آخَر. وَجَاءَ فِي حَدِيث أَنَس مِثْل حَدِيث اِبْن عُمَر فَزَادَ فِي آخِره \" فَأَعِدُّوا لِلْمَسْأَلَةِ جَوَابًا , قَالُوا : وَمَا جَوَابهَا ؟ قَالَ : أَعْمَال الْبِرّ \" أَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي \" الْأَوْسَط \" وَسَنَده حَسَن , وَلَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَا مِنْ رَاعٍ إِلَّا يُسْأَل يَوْمَ الْقِيَامَة أَقَامَ أَمْر اللَّه أَمْ أَضَاعَهُ \" وَلِابْنِ عَدِيّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَنَس \" إِنَّ اللَّه سَائِل كُلّ رَاعٍ عَمَّا اِسْتَرْعَاهُ حَفِظَ ذَلِكَ أَوْ ضَيَّعَهُ \" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّف يُؤَاخَذ بِالتَّقْصِيرِ فِي أَمْر مَنْ هُوَ فِي حُكْمه , وَتَرْجَمَ لَهُ فِي النِّكَاح \" بَاب قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا \" وَعَلَى أَنَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَصَرَّف فِي مَال سَيِّده بِإِذْنِهِ وَكَذَا الْمَرْأَة وَالْوَلَد , وَتَرْجَمَ لِكَرَاهَةِ التَّطَاوُل عَلَى الرَّقِيق وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهه هُنَاكَ وَفِي هَذَا الْحَدِيث بَيَان كَذِب الْخَبَر الَّذِي اِفْتَرَاهُ بَعْض الْمُتَعَصِّبِينَ لِبَنِي أُمَيَّةَ قَرَأْت فِي \" كِتَاب الْقَضَاء \" لِأَبِي عَلِيّ الْكَرَابِيسِيّ أَنْبَأَنَا الشَّافِعِيّ عَنْ عَمّه هُوَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ قَالَ دَخَلَ اِبْن شِهَاب عَلَى الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك فَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيث \" إِنَّ اللَّه إِذَا اِسْتَرْعَى عَبْدًا الْخِلَافَة كَتَبَ لَهُ الْحَسَنَات وَلَمْ يَكْتُب لَهُ السَّيِّئَات \" فَقَالَ لَهُ : هَذَا كَذِب , ثُمَّ تَلَا ( يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاك خَلِيفَةً فِي الْأَرْض - إِلَى قَوْله - بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَاب ) فَقَالَ الْوَلِيد : إِنَّ النَّاس لَيُغْرُونَنَا عَنْ دِيننَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6606",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَلَغَ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏وَهُوَ عِنْدَهُ فِي وَفْدٍ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ ‏ ‏قَحْطَانَ ‏ ‏فَغَضِبَ فَقَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يُحَدِّثُونَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا تُوثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأُولَئِكَ جُهَّالُكُمْ فَإِيَّاكُمْ وَالْأَمَانِيَّ الَّتِي تُضِلُّ أَهْلَهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏نُعَيْمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( كَانَ مُحَمَّد بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم يُحَدِّث ) ‏ ‏قَالَ صَالِح جَزْرَة الْحَافِظ : لَمْ يَقُلْ أَحَد فِي رِوَايَته عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن جُبَيْر , إِلَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة نُعَيْم بْن حَمَّاد عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك \" يَعْنِي الَّتِي ذَكَرَهَا الْبُخَارِيّ عَقِبَ هَذَا \" قَالَ صَالِح : وَلَا أَصْل لَهُ مِنْ حَدِيث اِبْن الْمُبَارَك , وَكَانَتْ عَادَة الزُّهْرِيّ إِذَا لَمْ يَسْمَع الْحَدِيث يَقُول : كَانَ فُلَان يُحَدِّث وَتَعَقَّبَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق يَعْقُوب بْن سُفْيَان عَنْ حَجَّاج بْن أَبِي مَنِيع الرُّصَافِيّ عَنْ جَدّه عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم , وَأَخْرَجَهُ الْحَسَن بْن رَشِيق فِي فَوَائِده مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن وَهْب عَنْ اِبْن لَهِيعَة عَنْ عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن جُبَيْر. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ بَلَغَ مُعَاوِيَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الَّذِي بَلَّغَهُ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( وَهُمْ عِنْده ) ‏ ‏أَيْ مُحَمَّد بْن جُبَيْر وَمَنْ كَانَ وَفَدَ مَعَهُ عَلَى مُعَاوِيَة بِالشَّامِ حِينَئِذٍ , وَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَمَّا بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ عِنْدَمَا سَلَّمَ لَهُ الْحَسَن بْن عَلِيّ , فَأَرْسَلَ أَهْل الْمَدِينَة جَمَاعَة مِنْهُمْ إِلَيْهِ لِيُبَايِعُوهُ. ‏ ‏قَوْله ( فِي وَفْد مِنْ قُرَيْش ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى أَسْمَائِهِمْ ; قَالَ اِبْن التِّين : وَفَدَ فُلَان عَلَى الْأَمِير أَيْ وَرَدَ رَسُولًا , وَالْوَفْد بِالسُّكُونِ جَمْع وَافِد كَصَحْبٍ وَصَاحِب. قُلْت : وَرَوَيْنَاهُ فِي \" فَوَائِد أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيّ \" قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن مَعِين حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَان عَنْ شُعَيْب فَقَالَ فِيهِ عَنْ مُحَمَّد بْن جُبَيْر أَيْضًا , وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَد الشَّامِيِّينَ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَة بِشْر بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْعَاصِ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ يَكُون مَلِك مِنْ قَحْطَان ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى لَفْظ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ فِي ذَلِكَ وَهَلْ هُوَ مَرْفُوع أَوْ مَوْقُوف , وَقَدْ مَضَى فِي الْفِتَن قَرِيبًا مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يَخْرُج رَجُل مِنْ قَحْطَان يَسُوق النَّاس بِعَصَاهُ \" أَوْرَدَهُ فِي بَاب \" تَغْيِير الزَّمَان حَتَّى تُعْبَد الْأَوْثَان \" وَفِي ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى أَنَّ مُلْك الْقَحْطَانِيّ يَقَع فِي آخِر الزَّمَان عِنْد قَبْض أَهْل الْإِيمَان وَرُجُوع كَثِير مِمَّنْ يَبْقَى بَعْدهمْ إِلَى عِبَاده الْأَوْثَان وَهُمْ الْمُعَبَّر عَنْهُمْ بِشِرَارِ النَّاس الَّذِينَ تَقُوم عَلَيْهِمْ السَّاعَة كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره هُنَاكَ , وَذَكَرْت لَهُ هُنَاكَ شَاهِدًا مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر , فَإِنْ كَانَ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مَرْفُوعًا مُوَافِقًا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهِ أَصْلًا , وَإِنْ كَانَ لَمْ يَرْفَعهُ وَكَانَ فِيهِ قَدْر زَائِد يُشْعِر بِأَنَّ خُرُوج الْقَحْطَانِيّ يَكُون فِي أَوَائِل الْإِسْلَام فَمُعَاوِيَة مَعْذُور فِي إِنْكَار ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَقَدْ ذَكَرْت نُبْذَة مِنْ أَخْبَار الْقَحْطَانِيّ فِي شَرْح حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْفِتَن. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : سَبَب إِنْكَار مُعَاوِيَة أَنَّهُ حَمَلَ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَلَى ظَاهِره , وَقَدْ يَكُون مَعْنَاهُ أَنَّ قَحْطَانِيًّا يَخْرُج فِي نَاحِيَة مِنْ النَّوَاحِي فَلَا يُعَارِض حَدِيث مُعَاوِيَة , وَالْمُرَاد بِالْأَمْرِ فِي حَدِيث مُعَاوِيَة الْخِلَافَة كَذَا قَالَ , وَنُقِلَ عَنْ الْمُهَلَّب أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُون مَلِك يَغْلِب عَلَى النَّاس مِنْ غَيْر أَنْ يَكُون خَلِيفَة , وَإِنَّمَا أَنْكَرَ مُعَاوِيَة خَشْيَة أَنْ يَظُنّ أَحَد أَنَّ الْخِلَافَة تَجُوز فِي غَيْر قُرَيْش , فَلَمَّا خَطَبَ بِذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْم عِنْدَهُمْ كَذَلِكَ إِذْ لَمْ يُنْقَل أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ. قُلْت : وَلَا يَلْزَم مِنْ عَدَم إِنْكَارهمْ صِحَّة إِنْكَار مُعَاوِيَة مَا ذَكَرَهُ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , فَقَدْ قَالَ اِبْن التِّين الَّذِي أَنْكَرَهُ مُعَاوِيَة فِي حَدِيثه مَا يُقَوِّيه لِقَوْلِهِ \" مَا أَقَامُوا الدِّين \" فَرُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يُقِيمهُ فَيَتَسَلَّط الْقَحْطَانِيّ عَلَيْهِ وَهُوَ كَلَام مُسْتَقِيم. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يُحَدِّثُونَ أَحَادِيث لَيْسَتْ فِي كِتَاب اللَّه وَلَا تُؤْثَر ) ‏ ‏أَيْ تُنْقَل ‏ ‏( عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي هَذَا الْكَلَام أَنَّ مُعَاوِيَة كَانَ يُرَاعِي خَاطِر عَمْرو بْن الْعَاصِ , فَمَا آثَرَ أَنْ يَنُصَّ عَلَى تَسْمِيَة وَلَده بَلْ نَسَبَ ذَلِكَ إِلَى رِجَال بِطَرِيقِ الْإِبْهَام , وَمُرَاده بِذَلِكَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَمَنْ وَقَعَ مِنْهُ التَّحْدِيث بِمَا يُضَاهِي ذَلِكَ , وَقَوْله \" لَيْسَتْ فِي كِتَاب اللَّه \" أَيْ الْقُرْآن , وَهُوَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ تَنْصِيص عَلَى أَنَّ شَخْصًا بِعَيْنِهِ أَوْ بِوَصْفِهِ يَتَوَلَّى الْمُلْك فِي هَذِهِ الْأُمَّة الْمُحَمَّدِيَّة , وَقَوْله \" لَا يُؤْثَر \" فِيهِ تَقْوِيَة , لِأَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو لَمْ يَرْفَع الْحَدِيث الْمَذْكُور إِذْ لَوْ رَفَعَهُ لَمْ يَتِمّ نَفْي مُعَاوِيَة أَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤْثَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَة لَمْ يُحَدِّث بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور حِينَئِذٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَتَوَقَّى مِثْل ذَلِكَ كَثِيرًا , وَإِنَّمَا يَقَع مِنْهُ التَّحْدِيث بِهِ فِي حَالَة دُون حَالَة وَحَيْثُ يَأْمَن الْإِنْكَار عَلَيْهِ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاد مُعَاوِيَة غَيْر عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فَلَا يَكُون ذَلِكَ نَصًّا عَلَى أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو لَمْ يَرْفَعهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَأُولَئِكَ جُهَّالكُمْ ) ‏ ‏أَيْ الَّذِينَ يَتَحَدَّثُونَ بِأُمُورٍ مِنْ أُمُور الْغَيْب لَا يَسْتَنِدُونَ فِيهَا إِلَى الْكِتَاب وَلَا السُّنَّة. ‏ ‏قَوْلُهُ ( فَإِيَّاكُمْ وَالْأَمَانِيّ ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ وَيَجُوز التَّخْفِيف. ‏ ‏قَوْله ( الَّتِي تُضِلّ أَهْلهَا ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّل \" تُضِلّ \" مِنْ الرُّبَاعِيّ وَ \" أَهْلَهَا \" بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة. وَرُوِيَ بِفَتْحِ أَوَّل تُضِلّ وَرَفْع أَهْلهَا \" وَالْأَمَانِيّ \" جَمْع أَمْنِيَّة رَاجِع إِلَى التَّمَنِّي , وَسَيَأْتِي تَفْسِيره فِي آخِر \" كِتَاب الْأَحْكَام \" وَمُنَاسَبَة ذِكْر ذَلِكَ تَحْذِير مَنْ يَسْمَع مِنْ الْقَحْطَانِيِّينَ مِنْ التَّمَسُّك بِالْخَبَرِ الْمَذْكُور فَتُحَدِّثهُ نَفْسه أَنْ يَكُون هُوَ الْقَحْطَانِيّ , وَقَدْ تَكُون لَهُ قُوَّة وَعَشِيرَة فَيَطْمَع فِي الْمُلْك وَيَسْتَنِد إِلَى هَذَا الْحَدِيث فَيَضِلّ لِمُخَالَفَتِهِ الْحُكْم الشَّرْعِيّ فِي أَنَّ الْأَئِمَّة مِنْ قُرَيْش. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنِّي سَمِعْت ) ‏ ‏لِمَا أَنْكَرَ وَحَذَّرَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّن مُسْتَنَده فِي ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ هَذَا الْأَمْر فِي قُرَيْش ) ‏ ‏قَدْ ذَكَرْت شَوَاهِد هَذَا الْمَتْن فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ. ‏ ‏قَوْلُهُ ( لَا يُعَادِيهِمْ أَحَد إِلَّا كَبَّهُ اللَّه فِي النَّار عَلَى وَجْهه ) ‏ ‏أَيْ لَا يُنَازِعهُمْ أَحَد فِي الْأَمْر إِلَّا كَانَ مَقْهُورًا فِي الدُّنْيَا مُعَذَّبًا فِي الْآخِرَة. ‏ ‏قَوْله ( مَا أَقَامُوا الدِّين ) ‏ ‏أَيْ مُدَّة إِقَامَتهمْ أُمُور الدِّين , قِيلَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَفْهُومه فَإِذَا لَمْ يُقِيمُوهُ لَا يُسْمَع لَهُمْ , وَقِيلَ يَحْتَمِل أَنْ لَا يُقَام عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوز إِبْقَاؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ذَكَرَهُمَا اِبْن التِّين , ثُمَّ قَالَ \" وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ أَيْ الْخَلِيفَة إِذَا دَعَا إِلَى كُفْر أَوْ بِدْعَة أَنَّهُ يُقَام عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا إِذَا غَصَبَ الْأَمْوَال وَسَفَكَ الدِّمَاء وَانْتَهَكَ هَلْ يُقَام عَلَيْهِ أَوْ لَا \" اِنْتَهَى. وَمَا اِدَّعَاهُ مِنْ الْإِجْمَاع عَلَى الْقِيَام فِيمَا إِذَا دَعَا الْخَلِيفَة إِلَى الْبِدْعَة مَرْدُود , إِلَّا إِنْ حَمَلَ عَلَى بِدْعَة تُؤَدِّي إِلَى صَرِيح الْكُفْر , وَإِلَّا فَقَدْ دَعَا الْمَأْمُون وَالْمُعْتَصِم وَالْوَاثِق إِلَى بِدْعَة الْقَوْل بِخَلْقِ الْقُرْآن وَعَاقَبُوا الْعُلَمَاء مِنْ أَجْلِهَا بِالْقَتْلِ وَالضَّرْب وَالْحَبْس وَأَنْوَاع الْإِهَانَة وَلَمْ يَقُلْ أَحَد بِوُجُوبِ الْخُرُوج عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ , وَدَامَ الْأَمْر بِضْع عَشْرَةَ سَنَة حَتَّى وَلِيَ الْمُتَوَكِّل الْخِلَافَة فَأَبْطَلَ الْمِحْنَة وَأَمَرَ بِإِظْهَارِ السُّنَّة ؟ وَمَا نَقَلَهُ مِنْ الِاحْتِمَال فِي قَوْله \" مَا أَقَامُوا الدِّين \" خِلَاف مَا تَدُلّ عَلَيْهِ الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ الدَّالَّة عَلَى الْعَمَل بِمَفْهُومِهِ أَوْ أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يُقِيمُوا الدِّين يَخْرُج الْأَمْر عَنْهُمْ. وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيث أَبِي بَكْر الصِّدِّيق نَظِير مَا وَقَعَ فِي حَدِيث مُعَاوِيَة ذَكَرَهُ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فِي \" الْكِتَاب الْكَبِير \" فَذَكَرَ قِصَّة سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَة وَبَيْعَة أَبِي بَكْر وَفِيهَا \" فَقَالَ أَبُو بَكْر : وَإِنَّ هَذَا الْأَمْر فِي قُرَيْش مَا أَطَاعُوا اللَّه وَاسْتَقَامُوا عَلَى أَمْره \" وَقَدْ جَاءَتْ الْأَحَادِيث الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا عَلَى ثَلَاثَة أَنْحَاء : ‏ ‏الْأَوَّل وَعِيدهمْ بِاللَّعْنِ إِذَا لَمْ يُحَافِظُوا عَلَى الْمَأْمُور بِهِ كَمَا فِي الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرْتهَا فِي الْبَاب الَّذِي قَبْلَهُ حَيْثُ قَالَ \" الْأُمَرَاء مِنْ قُرَيْش مَا فَعَلُوا ثَلَاثًا : مَا حَكَمُوا فَعَدَلُوا \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَمَنْ لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ مِنْهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَة اللَّه \" وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي خُرُوج الْأَمْر عَنْهُمْ. ‏ ‏الثَّانِي وَعِيدهمْ بِأَنْ يُسَلِّط عَلَيْهِمْ مَنْ يُبَالِغ فِي أَذِيَّتهمْ , فَعِنْدَ أَحْمَد وَأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود رَفَعَهُ \" يَا مَعْشَرَ قُرَيْش إِنَّكُمْ أَهْل هَذَا الْأَمْر مَا لَمْ تُحْدِثُوا , فَإِذَا غَيَّرْتُمْ بَعَثَ اللَّه عَلَيْكُمْ مَنْ يَلْحَاكُمْ كَمَا يُلْحَى الْقَضِيب \" وَرِجَاله ثِقَات , إِلَّا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ بْن مَسْعُود عَنْ عَمّ أَبِيهِ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَلَمْ يُدْرِكْهُ , هَذِهِ رِوَايَة صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْد اللَّه , وَخَالَفَهُ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت فَرَوَاهُ عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ عَنْ أَبِي مَسْعُود الْأَنْصَارِيّ وَلَفْظه \" لَا يَزَال هَذَا الْأَمْر فِيكُمْ وَأَنْتُمْ وُلَاته \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَفِي سَمَاع عُبَيْد اللَّه مِنْ أَبِي مَسْعُود نَظَر مَبْنِيّ عَلَى الْخِلَاف فِي سَنَة وَفَاته وَلَهُ شَاهِد مِنْ مُرْسَل عَطَاء بْن يَسَار أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقه بِسَنَدٍ صَحِيح إِلَى عَطَاء وَلَفْظه \" قَالَ لِقُرَيْشٍ : أَنْتُمْ أَوْلَى النَّاس بِهَذَا الْأَمْر مَا كُنْتُمْ عَلَى الْحَقّ , إِلَّا أَنْ تَعْدِلُوا عَنْهُ فَتُلْحَوْنَ كَمَا تُلْحَى هَذِهِ الْجَرِيدَة \" وَلَيْسَ فِي هَذَا أَيْضًا تَصْرِيح بِخُرُوجِ الْأَمْر عَنْهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إِشْعَار بِهِ. ‏ ‏الثَّالِث الْإِذْن فِي الْقِيَام عَلَيْهِمْ وَقِتَالهمْ وَالْإِيذَان بِخُرُوجِ الْأَمْر عَنْهُمْ كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث ثَوْبَانَ رَفَعَهُ \" اِسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ مَا اِسْتَقَامُوا لَكُمْ , فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِيمُوا فَضَعُوا سُيُوفكُمْ عَلَى عَوَاتِقكُمْ فَأُبِيدُوا خَضْرَاءَهُمْ , فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَكُونُوا زَرَّاعِينَ أَشْقِيَاء \" وَرِجَاله ثِقَات , إِلَّا أَنَّ فِيهِ اِنْقِطَاعًا لِأَنَّ رَاوِيه سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد لَمْ يَسْمَع مِنْ ثَوْبَانَ. وَلَهُ شَاهِد فِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير بِمَعْنَاهُ. وَأَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ حَدِيث ذِي مِخْبَر بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْمُوَحَّدَة بَعْدهمَا رَاء وَهُوَ اِبْن أَخِي النَّجَاشِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" كَانَ هَذَا الْأَمْر فِي حِمْيَر فَنَزَعَهُ اللَّه مِنْهُمْ وَصَيَّرَهُ فِي قُرَيْش وَسَيَعُودُ إِلَيْهِمْ \" وَسَنَده جَيِّد وَهُوَ شَاهِد قَوِيّ لِحَدِيثِ الْقَحْطَانِيّ , فَإِنَّ حِمْيَر يَرْجِع نَسَبهَا إِلَى قَحْطَان , وَبِهِ يَقْوَى أَنَّ مَفْهُوم حَدِيث مُعَاوِيَة مَا أَقَامُوا الدِّين أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يُقِيمُوا الدِّين خَرَجَ الْأَمْر عَنْهُمْ , وَيُؤْخَذ مِنْ بَقِيَّة الْأَحَادِيث أَنَّ خُرُوجه عَنْهُمْ إِنَّمَا يَقَع بَعْدَ إِيقَاع مَا هُدِّدُوا بِهِ مِنْ اللَّعْن أَوَّلًا وَهُوَ الْمُوجِب لِلْخِذْلَانِ وَفَسَاد التَّدْبِير , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي صَدْر الدَّوْلَة الْعَبَّاسِيَّة , ثُمَّ التَّهْدِيد بِتَسْلِيطِ مَنْ يُؤْذِيهِمْ عَلَيْهِمْ , وَوُجِدَ ذَلِكَ فِي غَلَبَة مَوَالِيهمْ بِحَيْثُ صَارُوا مَعَهُمْ كَالصَّبِيِّ الْمَحْجُور عَلَيْهِ يَقْتَنِع بِلَذَّاتِهِ وَيُبَاشِر الْأُمُور غَيْره , ثُمَّ اِشْتَدَّ الْخَطْب فَغَلَبَ عَلَيْهِمْ الدَّيْلَم فَضَايَقُوهُمْ فِي كُلّ شَيْء حَتَّى لَمْ يَبْقَ لِلْخَلِيفَةِ إِلَّا الْخُطْبَة , وَاقْتَسَمَ الْمُتَغَلِّبُونَ الْمَمَالِك فِي جَمِيع الْأَقَالِيم , ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِمْ طَائِفَة بَعْدَ طَائِفَة حَتَّى اُنْتُزِعَ الْأَمْر مِنْهُمْ فِي جَمِيع الْأَقْطَار وَلَمْ يَبْقَ لِلْخَلِيفَةِ إِلَّا مُجَرَّد الِاسْم فِي بَعْض الْأَمْصَار. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ نُعَيْم بْن حَمَّاد عَنْ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن جُبَيْر ) يَعْنِي عَنْ مُعَاوِيَة بِهِ , وَقَدْ رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي مُعْجَم الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِير وَالْأَوْسَط قَالَ حَدَّثَنَا بَكْر بْن سَهْل حَدَّثَنَا نُعَيْم بْن حَمَّاد فَذَكَرَهُ مِثْل رِوَايَة شُعَيْب , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْله فَغَضِبَ \" فَقَالَ سَمِعْت \" وَلَمْ يَذْكُر مَا قَبْلَ قَوْله سَمِعْت , وَقَالَ فِي رِوَايَته \" كُبَّ عَلَى وَجْهه \" بِضَمِّ الْكَاف مَبْنِيًّا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , قَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ مَعْمَر إِلَّا اِبْن الْمُبَارَك تَفَرَّدَ بِهِ نُعَيْم وَكَذَا أَخْرَجَهُ الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" عَنْ نُعَيْم وَقَالَ \" كَبَّهُ اللَّه \". ‏"
    },
    {
        "id": "6607",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏يَقُولُ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏مَا بَقِيَ مِنْهُمْ اثْنَانِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6608",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَآخَرُ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا شِهَاب بْن عَبَّاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعَبْدِيُّ , وَإِبْرَاهِيم بْن حُمَيْدٍ هُوَ الرُّؤَاسِيّ بِضَمِّ الرَّاء وَتَخْفِيف الْهَمْزَة ثُمَّ مُهْمَلَة , وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد , وَقَيْس هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود , وَالسَّنَد كُلّه كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( لَا حَسَد إِلَّا فِي اِثْنَتَيْنِ ) ‏ ‏رَجُلٍ بِالْجَرِّ وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى الِاسْتِئْنَاف وَالنَّصْب بِإِضْمَارِ أَعْنِي. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى هَلَكَته ) ‏ ‏بِفَتَحَاتٍ أَيْ عَلَى إِهْلَاكه أَيْ إِنْفَاقه ( فِي الْحَقِّ ) ‏ ‏قَوْله ( وَآخَر آتَاهُ اللَّه حِكْمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد الْمَاضِيَة فِي كِتَاب الْعِلْم \" وَرَجُل آتَاهُ اللَّه الْحِكْمَة \" وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى هُنَاكَ وَأَنَّ الْمُرَاد بِالْحِكْمَةِ الْقُرْآن فِي حَدِيث اِبْن عُمَر , أَوْ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ , وَضَابِطهَا مَا مَنَعَ الْجَهْل وَزَجَرَ عَنْ الْقُبْح. قَالَ اِبْن الْمُنِير : الْمُرَاد بِالْحَسَدِ هُنَا الْغِبْطَة , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالنَّفْيِ حَقِيقَته وَإِلَّا لَزِمَ الْخُلْف , لِأَنَّ النَّاس حَسَدُوا فِي غَيْر هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ وَغَبَطُوا مَنْ فِيهِ سِوَاهُمَا فَلَيْسَ هُوَ خَبَرًا , وَإِنَّمَا الْمُرَاد بِهِ الْحُكْم وَمَعْنَاهُ حَصْر الْمَرْتَبَة الْعُلْيَا مِنْ الْغِبْطَة فِي هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ فَكَأَنَّهُ قَالَ هُمَا آكَد الْقُرُبَات الَّتِي يُغْبَط بِهَا , وَلَيْسَ الْمُرَاد نَفْي أَصْل الْغِبْطَة مِمَّا سِوَاهُمَا فَيَكُون مِنْ مَجَاز التَّخْصِيص , أَيْ لَا غِبْطَة كَامِلَة التَّأْكِيد لِتَأْكِيدِ أَجْر مُتَعَلَّقهَا إِلَّا الْغِبْطَة بِهَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْخَصْلَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ هُنَا غِبْطَة لَا حَسَد ; لَكِنْ قَدْ يُطْلَق أَحَدهمَا عَلَى الْآخَر , أَوْ الْمَعْنَى لَا حَسَد إِلَّا فِيهِمَا , وَمَا فِيهِمَا لَيْسَ بِحَسَدٍ فَلَا حَسَد فَهُوَ كَمَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى ( لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الْمَوْتَة الْأُولَى ) وَفِي الْحَدِيث التَّرْغِيب فِي وِلَايَة الْقَضَاء لِمَنْ اِسْتَجْمَعَ شُرُوطه وَقَوِيَ عَلَى أَعْمَال الْحَقّ وَوَجَدَ لَهُ أَعْوَانًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَنَصْر الْمَظْلُوم وَأَدَاء الْحَقّ لِمُسْتَحِقِّهِ وَكَفّ يَد الظَّالِم وَالْإِصْلَاح بَيْن النَّاس وَكُلّ ذَلِكَ مِنْ الْقُرُبَات , وَلِذَلِكَ تَوَلَّاهُ الْأَنْبِيَاء وَمَنْ بَعْدهمْ مِنْ الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ , وَمِنْ ثَمَّ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ فُرُوض الْكِفَايَة , لِأَنَّ أَمْر النَّاس لَا يَسْتَقِيم بِدُونِهِ , فَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيّ : أَنَّ أَبَا بَكْر لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَة وَلَّى عُمَر الْقَضَاء , وَبِسَنَدٍ آخَر قَوِيّ أَنَّ عُمَر اِسْتَعْمَلَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَلَى الْقَضَاء , وَكَتَبَ عُمَر إِلَى عُمَّاله : اُسْتُعْمِلُوا صَالِحِيكُمْ عَلَى الْقَضَاء وَأَكْفُوهُمْ. وَبِسَنَدٍ آخَر لَيِّن أَنَّ مُعَاوِيَة سَأَلَ أَبَا الدَّرْدَاء وَكَانَ يَقْضِي بِدِمَشْقَ , مَنْ لِهَذَا الْأَمْر بَعْدَك , قَالَ فَضَالَة بْن عُبَيْد : وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَكَابِر الصَّحَابَة وَفُضَلَائِهِمْ. وَإِنَّمَا فَرَّ مِنْهُ مَنْ فَرَّ خَشْيَة الْعَجْز عَنْهُ وَعِنْد عَدَم الْمُعِين عَلَيْهِ. وَقَدْ يَتَعَارَض أَمْر حَيْثُ يَقَع تَوْلِيَة مَنْ يَشْتَدّ بِهِ الْفَسَاد إِذَا ا اِمْتَنَعَ الْمُصْلِح وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. وَهَذَا حَيْثُ يَكُون هُنَاكَ غَيْره , وَمِنْ ثَمَّ كَانَ السَّلَف يَمْتَنِعُونَ مِنْهُ وَيَفِرُّونَ إِذَا طُلِبُوا لَهُ. ‏ ‏وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُسْتَحَبّ لِمَنْ اِسْتَجْمَعَ شَرَائِطه وَقَوِيَ عَلَيْهِ أَوْ لَا ؟ وَالثَّانِي قَوْل الْأَكْثَر لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَر وَالْغَرَر , وَلِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ التَّشْدِيد. وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْعِلْم وَكَانَ خَامِلًا بِحَيْثُ لَا يُحْمَل عَنْهُ الْعِلْم أَوْ كَانَ مُحْتَاجًا وَلِلْقَاضِي رِزْق مِنْ جِهَة لَيْسَتْ بِحَرَامٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ لِيَرْجِع إِلَيْهِ فِي الْحُكْم بِالْحَقِّ وَيَنْتَفِع بِعِلْمِهِ , وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا فَالْأَوْلَى لَهُ الْإِقْبَال عَلَى الْعِلْم وَالْفَتْوَى , وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَد مَنْ يَقُوم مَقَامه فَإِنَّهُ يَتَعَيَّن عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مِنْ فُرُوض الْكِفَايَة لَا يَقْدِر عَلَى الْقِيَام بِهِ غَيْره فَيَتَعَيَّن عَلَيْهِ. وَعَنْ أَحْمَد : لَا يَأْثَم لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا أَضَرَّ بِهِ نَفَعَ غَيْره وَلَا سِيَّمَا مَنْ لَا يُمْكِنهُ عَمَل الْحَقّ لِانْتِشَارِ الظُّلْم. ‏"
    },
    {
        "id": "6609",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي التَّيَّاحِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي التَّيَّاح ) ‏ ‏بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَة وَتَحْتَانِيَّة مُشَدَّدَة وَآخِره مُهْمَلَة وَهُوَ يَزِيد بْن حُمَيْدٍ الضُّبَعِيُّ , وَتَقَدَّمَ فِي الصَّلَاة مِنْ وَجْه آخَر التَّصْرِيح بِقَوْلِ شُعْبَة \" حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاح \". ‏ ‏قَوْله ( اِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُثَنَّاة عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ أَيْ جُعِلَ عَامِلًا بِأَنْ أُمِّرَ إِمَارَة عَامَّة عَلَى الْبَلَد مَثَلًا أَوْ وَلِيَ فِيهَا وِلَايَة خَاصَّة كَالْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاة أَوْ جِبَايَة الْخَرَاج أَوْ مُبَاشَرَة الْحَرْب , فَقَدْ كَانَ فِي زَمَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ مَنْ يَجْتَمِع لَهُ الْأُمُور الثَّلَاثَة وَمَنْ يَخْتَصّ بِبَعْضِهَا. ‏ ‏قَوْله ( حَبَشِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة بَعْدهَا مُعْجَمَة مَنْسُوب إِلَى الْحَبَشَة , وَمَضَى فِي الصَّلَاة فِي \" بَاب إِمَامَة الْعَبْد \" عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان بِلَفْظِ \" اِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ حَبَشِيّ \" وَفِيهِ بَعْدَ بَاب مِنْ رِوَايَة غُنْدَر عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ , قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي ذَرّ \" اِسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ \" وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق غُنْدَر عَنْ شُعْبَة بِإِسْنَادٍ آخَر إِلَى أَبِي ذَرّ أَنَّهُ اِنْتَهَى إِلَى الرَّبَذَةِ فَإِذَا عَبْد يَؤُمُّهُمْ فَذَهَبَ يَتَأَخَّر لِأَجْلِ أَبِي ذَرّ فَقَالَ أَبُو ذَرّ \" أَوْصَانِي خَلِيلِي \" فَذَكَرَ نَحْوه. وَظَهَرَتْ بِهَذِهِ الرِّوَايَة الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص أَبِي ذَرّ بِالْأَمْرِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث آخَر الْأَمْر بِذَلِكَ عُمُومًا ; وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيث أُمّ الْحُصَيْن \" اِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَلَوْ اُسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْد يَقُودكُمْ بِكِتَابِ اللَّه \". ‏ ‏قَوْله ( كَأَنَّ رَأْسه زَبِيبَة ) ‏ ‏وَاحِدَة الزَّبِيب الْمَأْكُول الْمَعْرُوف الْكَائِن مِنْ الْعِنَب إِذَا جَفَّ , وَإِنَّمَا شَبَّهَ رَأْس الْحَبَشِيّ بِالزَّبِيبَةِ لِتَجَمُّعِهَا وَلِكَوْنِ شَعْره أَسْوَد , وَهُوَ تَمْثِيل فِي الْحَقَارَة وَبَشَاعَة الصُّورَة وَعَدَم الِاعْتِدَاد بِهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب الصَّلَاة \" وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب قَالَ : قَوْله \" اِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا \" لَا يُوجِب أَنْ يَكُون الْمُسْتَعْمَل لِلْعَبْدِ إِلَّا إِمَام قُرَشِيّ , لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِمَامَة لَا تَكُون إِلَّا فِي قُرَيْش , وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُون فِي الْعَبِيد. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يُسَمَّى عَبْدًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ قَبْلَ الْعِتْق , وَهَذَا كُلّه إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَكُون بِطَرِيقِ الِاخْتِيَار , وَأَمَّا لَوْ تَغَلَّبَ عَبْد حَقِيقَة بِطَرِيقِ الشَّوْكَة فَإِنَّ طَاعَته تَجِب إِخْمَادًا لِلْفِتْنَةِ مَا لَمْ يَأْمُر بِمَعْصِيَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره , وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّ الْإِمَام الْأَعْظَم إِذَا اِسْتَعْمَلَ الْعَبْد الْحَبَشِيّ عَلَى إِمَارَة بَلَد مَثَلًا وَجَبَتْ طَاعَته , وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْعَبْد الْحَبَشِيّ يَكُون هُوَ الْإِمَام الْأَعْظَم. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ يُضْرَب الْمَثَل بِمَا لَا يَقَع فِي الْوُجُود , يَعْنِي وَهَذَا مِنْ ذَاكَ أَطْلَقَ الْعَبْد الْحَبَشِيّ مُبَالَغَة فِي الْأَمْر بِالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يُتَصَوَّر شَرْعًا أَنْ يَلِيَ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6610",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجَعْدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَجَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَرْوِيهِ قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَكَرِهَهُ فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَيَمُوتُ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَمَّاد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن زَيْد , وَالْجَعْد هُوَ أَبُو عُثْمَان , وَأَبُو رَجَاء هُوَ الْعُطَارِدِيُّ , وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا السَّنَد فِي أَوَائِل الْفِتَنِ. ‏ ‏قَوْله ( يَرْوِيه ) ‏ ‏هُوَ فِي مَعْنَى قَوْله عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ كَذَلِكَ فِي أَوَائِل الْفِتَن مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَارِث عَنْ الْجَعْد وَتَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6611",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏نَافِعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ , وَعَبْد اللَّه صَحَابِيٌّ هُوَ اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ \". ‏ ‏قَوْله ( مَا لَمْ يُؤْمَر بِمَعْصِيَةٍ ) ‏ ‏هَذَا يُقَيِّد مَا أُطْلِقَ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ مِنْ الْأَمْر بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ , وَمِنْ الصَّبْر عَلَى مَا يَقَع مِنْ الْأَمِير مِمَّا يُكْرَه , وَالْوَعِيد عَلَى مُفَارَقَة الْجَمَاعَة. ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا أَمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْع وَلَا طَاعَة ) ‏ ‏أَيْ لَا يَجِب ذَلِكَ بَلْ يَحْرُم عَلَى مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الِامْتِنَاع , وَفِي حَدِيث مُعَاذ عِنْدَ أَحْمَد \" لَا طَاعَة لِمَنْ لَمْ يُطِعْ اللَّه \" وَعِنْدَهُ وَعِنْدَ الْبَزَّار فِي حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ وَالْحَكَم اِبْن عَمْرو الْغِفَارِيّ \" لَا طَاعَة فِي مَعْصِيَة اللَّه \" وَسَنَده قَوِيّ , وَفِي حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت عِنْدَ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ \" لَا طَاعَة لِمَنْ عَصَى اللَّه تَعَالَى \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي هَذَا الْكَلَام عَلَى حَدِيث عُبَادَةَ فِي الْأَمْر بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة \" إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا \" بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته وَهُوَ فِي \" كِتَاب الْفِتَن \" وَمُلَخَّصه أَنَّهُ يَنْعَزِل بِالْكُفْرِ إِجْمَاعًا \" فَيَجِب عَلَى كُلّ مُسْلِم الْقِيَام فِي ذَلِكَ , فَمَنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ فَلَهُ الثَّوَاب , وَمَنْ دَاهَنَ فِعْلَيْهِ الْإِثْم , وَمَنْ عَجَزَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْهِجْرَة مِنْ تِلْكَ الْأَرْض. الْحَدِيث الرَّابِع. ‏"
    },
    {
        "id": "6612",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَرِيَّةً وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ تُطِيعُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ قَدْ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا جَمَعْتُمْ حَطَبًا وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا فَجَمَعُوا حَطَبًا فَأَوْقَدُوا نَارًا فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِرَارًا مِنْ النَّارِ أَفَنَدْخُلُهَا فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَمَدَتْ النَّارُ وَسَكَنَ غَضَبُهُ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏هُوَ السُّلَمِيُ , وَعَلِيّ هُوَ اِبْن أَبِي طَالِبٍ. ‏ ‏قَوْله ( وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ وَالْجَوَاب عَمَّنْ غَلَّطَ رَاوِيه فِي \" كِتَاب الْمَغَازِي \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَوْقِدُوا نَارًا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ , وَتَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْمَغَازِي وَالْأَحْكَام أَنَّ أَمِيرهمْ غَضِبَ مِنْهُمْ فَقَالَ أَوْقِدُوا نَارًا , ‏ ‏وَقَوْله \" قَدْ عَزَمْت عَلَيْكُمْ لَمَا \" ‏ ‏بِالتَّخْفِيفِ وَجَاءَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّثْقِيل إِنَّهَا بِمَعْنَى \" إِلَّا \" وَقَوْله \" خَمَدَتْ \" بِالْمُعْجَمَةِ وَفَتْح الْمِيم وَضُبِطَ فِي بَعْض الرِّوَايَات بِكَسْرِ الْمِيم لَا يُعْرَف فِي اللُّغَة قَالَهُ اِبْن التِّين. قَالَ : وَمَعْنَى خَمَدَتْ سَكَنَ لَهَبهَا وَإِنْ لَمْ يُطْفَأ جَمْرهَا فَإِنْ طَفِئَ قِيلَ هَمَدَتْ. وَقَوْله \" لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا \" قَالَ الدَّاوُدِيُّ : يُرِيد تِلْكَ النَّار لِأَنَّهُمْ يَمُوتُونَ بِتَحْرِيقِهَا فَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا أَحْيَاء , قَالَ : وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالنَّارِ نَار جَهَنَّم وَلَا أَنَّهُمْ مُخَلَّدُونَ فِيهَا لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة \" يَخْرُج مِنْ النَّار مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ إِيمَان \" قَالَ : وَهَذَا مِنْ الْمَعَارِيض الَّتِي فِيهَا مَنْدُوحَة , يُرِيد أَنَّهُ سِيقَ مَسَاق الزَّجْر وَالتَّخْوِيف لِيَفْهَمَ السَّامِع أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ خُلِّدَ فِي النَّار , وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الزَّجْر وَالتَّخْوِيف , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَوْجِيهَات فِي \" كِتَاب الْمَغَازِي \" وَكَذَا قَوْله \" إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف \" وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب سَرِيَّة عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة \" مِنْ \" كِتَاب الْمَغَازِي \" وَتَقَدَّمَ شَيْء مِنْهُ أَيْضًا فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء فِي قَوْله ( أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ ) وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَقْصِد دُخُولهمْ النَّار حَقِيقَةً وَإِنَّمَا أَشَارَ لَهُمْ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ طَاعَة الْأَمِير وَاجِبَة وَمَنْ تَرَكَ الْوَاجِب دَخَلَ النَّار , فَإِذَا شَقَّ عَلَيْكُمْ دُخُول هَذِهِ النَّار فَكَيْف بِالنَّارِ الْكُبْرَى , وَكَأَنَّ قَصْده أَنَّهُ لَوْ رَأَى مِنْهُمْ الْجِدّ فِي وُلُوجهَا لَمَنَعَهُمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "6613",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ ‏ ‏لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ مَسْأَلَة ) ‏ ‏أَيْ سُؤَالٍ. ‏ ‏قَوْله ( وُكِلْت إِلَيْهَا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْوَاو وَكَسْر الْكَاف مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا وَسُكُون اللَّام , وَمَعْنَى الْمُخَفَّف أَيْ صُرِفَ إِلَيْهَا وَمَنْ وُكِلَ إِلَى نَفْسه هَلَكَ , وَمِنْهُ فِي الدُّعَاء \" وَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفْسِي \" وَوَكَلَ أَمْره إِلَى فُلَان صَرَفَهُ إِلَيْهِ ; وَوَكَّلَهُ بِالتَّشْدِيدِ اِسْتَحْفَظَهُ , وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ مَنْ طَلَبَ الْإِمَارَة فَأُعْطِيَهَا تُرِكَتْ إِعَانَته عَلَيْهَا مِنْ أَجْل حِرْصه , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ طَلَب مَا يَتَعَلَّق بِالْحُكْمِ مَكْرُوه فَيَدْخُل فِي الْإِمَارَة الْقَضَاء وَالْحِسْبَة وَنَحْو ذَلِكَ وَأَنَّ مَنْ حَرَصَ عَلَى ذَلِكَ لَا يُعَان , وَيُعَارِضهُ فِي الظَّاهِر مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" مَنْ طَلَبَ قَضَاء الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْله جَوْره فَلَهُ الْجَنَّة , وَمَنْ غَلَبَ جَوْره عَدْله فَلَهُ النَّار \" وَالْجَمْع بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه لَا يُعَان بِسَبَبِ طَلَبه أَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْهُ الْعَدْل إِذَا وَلِيَ \" أَوْ يُحْمَل الطَّلَب هُنَا عَلَى الْقَصْد وَهُنَاكَ عَلَى التَّوْلِيَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى \" إِنَّا لَا نُوَلِّي مَنْ حَرَصَ \" وَلِذَلِكَ عَبَّرَ فِي مُقَابِله بِالْإِعَانَةِ , فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ اللَّه عَوْن عَلَى عَمَله لَا يَكُون فِيهِ كِفَايَة لِذَلِكَ الْعَمَل فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَاب سُؤَاله , وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ وِلَايَة لَا تَخْلُو مِنْ الْمَشَقَّة , فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ اللَّه إِعَانَة تَوَرَّطَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ وَخَسِرَ دُنْيَاهُ وَعُقْبَاهُ , فَمَنْ كَانَ ذَا عَقْل لَمْ يَتَعَرَّض لِلطَّلَبِ أَصْلًا , بَلْ إِذَا كَانَ كَافِيًا وَأُعْطِيهَا مِنْ غَيْر مَسْأَلَة فَقَدْ وَعَدَهُ الصَّادِق بِالْإِعَانَةِ , وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَضْل. قَالَ الْمُهَلَّب : جَاءَ تَفْسِير الْإِعَانَة عَلَيْهَا فِي حَدِيث بِلَال بْن مِرْدَاس عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ أَنَس رَفَعَهُ \" مَنْ طَلَبَ الْقَضَاء وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ بِالشُّفَعَاءِ وُكِلَ إِلَى نَفْسه , وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدهُ \" أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُنْذِر. قُلْت : وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي عَوَانَة عَنْ عَبْد الْأَعْلَى الثَّعْلَبِيّ , وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق أَبِي عَوَانَة وَمِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل عَنْ عَبْد الْأَعْلَى فَأَسْقَطَ خَيْثَمَةَ مِنْ السَّنَد , قَالَ التِّرْمِذِيّ. وَرِوَايَة أَبِي عَوَانَة أَصَحّ , وَقَالَ فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة حَدِيث حَسَن غَرِيب , وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق إِسْرَائِيل وَصَحَّحَهُ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اِبْن مَعِين لَيَّنَ خَيْثَمَةَ وَضَعَّفَ عَبْد الْأَعْلَى , وَكَذَا قَالَ الْجُمْهُور فِي عَبْد الْأَعْلَى : لَيْسَ بِقَوِيٍّ. قَالَ الْمُهَلَّب : وَفِي مَعْنَى الْإِكْرَاه عَلَيْهِ أَنْ يُدْعَى إِلَيْهِ فَلَا يَرَى نَفْسه أَهْلًا لِذَلِكَ هَيْبَةً لَهُ وَخَوْفًا مِنْ الْوُقُوع فِي الْمَحْذُور فَإِنَّهُ يُعَان عَلَيْهِ إِذَا دَخَلَ فِيهِ , وَيُسَدَّد ; وَالْأَصْل فِيهِ أَنَّ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّه , وَقَالَ اِبْن التِّين : هُوَ مَحْمُول عَلَى الْغَالِب , وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ يُوسُف ( اِجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض ) وَقَالَ سُلَيْمَان ( وَهْب لِي مُلْكًا ) قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي غَيْر الْأَنْبِيَاء ‏"
    },
    {
        "id": "6614",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ ‏ ‏لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6615",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَوْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏هَكَذَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي ذِئْب مَرْفُوعًا , وَأَدْخَلَ عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر بَيْنَ سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة رَجُلًا وَلَمْ يَرْفَعهُ , وَابْن أَبِي ذِئْب أَتْقَن مِنْ عَبْد الْحَمِيد وَأَعْرَف بِحَدِيثِ الْمَقْبُرِيِّ مِنْهُ فَرِوَايَته هِيَ الْمُعْتَمَدَة , وَعَقَّبَهُ الْبُخَارِيّ بِطَرِيقِ عَبْد الْحَمِيد إِشَارَة مِنْهُ إِلَى إِمْكَان تَصْحِيح الْقَوْلَيْنِ فَلَعَلَّهُ كَانَ عِنْد سَعِيد عَنْ عُمَر بْن الْحَكَم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَوْقُوفًا عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْهُ عَبْد الْحَمِيد ; وَكَانَ عِنْده عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِغَيْرِ وَاسِطَة مَرْفُوعًا , إِذْ وُجِدَتْ عِنْدَ كُلّ مِنْ الرَّاوِيَيْنِ عَنْ سَعِيد زِيَادَة ; وَرِوَايَة الْوَقْف لَا تُعَارِض رِوَايَة الرَّفْع لِأَنَّ الرَّاوِي قَدْ يَنْشَط فَيُسْنِد وَقَدْ لَا يَنْشَط فَيَقِف. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الرَّاء وَيَجُوز فَتْحهَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شَبَابَةَ عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب \" سَتُعْرِضُونَ \" بِالْعَيْنِ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهَا خَطَأ. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى الْإِمَارَة ) ‏ ‏دَخَلَ فِيهِ الْإِمَارَة الْعُظْمَى وَهِيَ الْخِلَافَة , وَالصُّغْرَى وَهِيَ الْوِلَايَة عَلَى بَعْض الْبِلَاد , وَهَذَا إِخْبَار مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعه فَوَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ. ‏ ‏قَوْله ( وَسَتَكُونُ نَدَامَة. يَوْمَ الْقِيَامَة ) ‏ ‏أَيْ لِمَنْ لَمْ يَعْمَل فِيهَا بِمَا يَنْبَغِي , وَزَادَ رِوَايَة شَبَابَةَ \" وَحَسْرَة \" وَيُوَضِّح ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عَوْف بْن مَالِك بِلَفْظِ \" أَوَّلهَا مَلَامَة ; وَثَانِيهَا نَدَامَة , وَثَالِثهَا عَذَاب يَوْمَ الْقِيَامَة , إِلَّا مَنْ عَدَلَ \" وَفِي الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَط مِنْ رِوَايَة شَرِيك عَنْ عَبْد اللَّه اِبْن عِيسَى عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ شَرِيك : لَا أَدْرِي رَفَعَهُ أَمْ لَا \" قَالَ \" \" الْإِمَارَة أَوَّلهَا نَدَامَة , وَأَوْسَطهَا غَرَامَة , وَآخِرهَا عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة \" وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث شَدَّاد بْن أَوْس رَفَعَهُ بِلَفْظِ \" أَوَّلهَا مَلَامَة وَثَانِيهَا نَدَامَة \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت رَفَعَهُ \" نِعْمَ الشَّيْء الْإِمَارَة لِمَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَحِلِّهَا , وَبِئْسَ الشَّيْء الْإِمَارَة لِمَنْ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقّهَا تَكُون عَلَيْهِ حَسْرَة يَوْم الْقِيَامَة \" وَهَذَا يُقَيِّد مَا أُطْلِقَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ , وَيُقَيِّدهُ أَيْضًا مَا أَخْرَجَ مُسْلِم عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي ؟ قَالَ : إِنَّك ضَعِيف , وَإِنَّهَا أَمَانَة , وَإِنَّهَا يَوْم الْقِيَامَة خِزْي وَنَدَامَة إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا \" قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا أَصْل عَظِيم فِي اِجْتِنَاب الْوِلَايَة وَلَا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيهِ ضَعْف. وَهُوَ فِي حَقّ مَنْ دَخَلَ فِيهَا بِغَيْرِ أَهْلِيَّة وَلَمْ يَعْدِل فَإِنَّهُ يَنْدَم عَلَى مَا فَرَّطَ مِنْهُ إِذَا جُوزِيَ بِالْخِزْيِ يَوْم الْقِيَامَة , وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَهْلًا وَعَدَلَ فِيهَا فَأَجْره عَظِيم كَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَار , وَلَكِنْ فِي الدُّخُول فِيهَا خَطَر عَظِيم , وَلِذَلِكَ اِمْتَنَعَ الْأَكَابِر مِنْهَا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( فَنِعْمَ الْمُرْضِعَة وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَة ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيّ : نِعْمَ الْمُرْضِعَة أَيْ الدُّنْيَا , وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَة أَيْ بَعْدَ الْمَوْت , لِأَنَّهُ يَصِير إِلَى الْمُحَاسَبَة عَلَى ذَلِكَ , فَهُوَ كَاَلَّذِي يُفْطَم قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْنِي فَيَكُون فِي ذَلِكَ هَلَاكه. وَقَالَ غَيْره : نِعْمَ الْمُرْضِعَة لِمَا فِيهَا مِنْ حُصُول الْجَاه وَالْمَال وَنَفَاذ الْكَلِمَة وَتَحْصِيل اللَّذَّات الْحِسِّيَّة وَالْوَهْمِيَّة حَال حُصُولهَا , وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَة عِنْدَ الِانْفِصَال عَنْهَا بِمَوْتٍ أَوْ غَيْره وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا التَّبِعَات فِي الْآخِرَة. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏أُلْحِقَتْ التَّاء فِي \" بِئْسَ \" دُونَ نِعْمَ , وَالْحُكْم فِيهِمَا إِذَا كَانَ فَاعِلهمَا مُؤَنَّثًا جَوَاز الْإِلْحَاق وَتَرْكه , فَوَقَعَ التَّفَنُّن فِي هَذَا الْحَدِيث بِحَسَبِ ذَلِكَ \" وَقَالَ الطِّيبِيُّ : إِنَّمَا لَمْ يُلْحِقهَا بِنِعْمَ لِأَنَّ الْمُرْضِعَة مُسْتَعَارَة لِلْإِمَارَةِ وَتَأْنِيثهَا غَيْر حَقِيقِيّ فَتَرَكَ إِلْحَاق التَّاء بِهَا وَإِلْحَاقهَا بِئْسَ نَظَرًا إِلَى كَوْن الْإِمَارَة حِينَئِذٍ دَاهِيَة دَهْيَاء. قَالَ : وَإِنَّمَا أُتِيَ بِالتَّاءِ فِي الْفَاطِمَة وَالْمُرْضِعَة إِشَارَة إِلَى تَصْوِير تَيْنِك الْحَالَتَيْنِ الْمُتَجَدِّدَتَيْنِ فِي الْإِرْضَاع وَالْفِطَام. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ مُحَمَّد بْن بَشَّار ) ‏ ‏هُوَ بِنْدَارٌ , وَوَقَعَ فِي مُسْتَخْرَج أَبِي نُعَيْم أَنَّ الْبُخَارِيّ قَالَ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار \" وَعَبْد اللَّه بْن حِمْرَان هُوَ بَصْرِيّ صَدُوق وَقَدْ قَالَ اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات : يُخْطِئ وَمَا لَهُ فِي الصَّحِيح إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع. وَعَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر هُوَ الْمَدَنِيّ لَمْ يُخَرِّج لَهُ الْبُخَارِيّ إِلَّا تَعْلِيقًا , وَعُمَر بْن الْحَكَم أَيْ اِبْن ثَوْبَانَ مَدَنِيّ ثِقَة أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيّ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع تَعْلِيقًا , كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصِّيَام. ‏ ‏قَوْلُهُ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏أَيْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6616",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ قَوْمِي فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَهُ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّا لَا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى ‏ ‏( وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالرَّاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ وَذَكَرْت شَرْحه هُنَاكَ. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الَّذِي يَنَالهُ الْمُتَوَلِّي عَنْ النَّعْمَاء وَالسَّرَّاء دُونَ مَا يَنَالهُ مِنْ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء , إِمَّا بِالْعَزْلِ فِي الدُّنْيَا فَيَصِير خَامِلًا وَإِمَّا بِالْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَة وَذَلِكَ أَشَدّ , نَسْأَل اللَّه الْعَفْو. قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيّ : فَلَا يَنْبَغِي لِعَاقِلٍ أَنْ يَفْرَحَ بِلَذَّةٍ يَعْقُبهَا حَسَرَات , قَالَ الْمُهَلَّب : الْحِرْص عَلَى الْوِلَايَة هُوَ السَّبَب فِي اِقْتِتَال النَّاس عَلَيْهَا حَتَّى سُفِكَتْ الدِّمَاء وَاسْتُبِيحَتْ الْأَمْوَال وَالْفُرُوج وَعَظُمَ الْفَسَاد فِي الْأَرْض بِذَلِكَ وَوَجْه النَّدَم أَنَّهُ قَدْ يُقْتَل أَوْ يُعْزَل أَوْ يَمُوت فَيَنْدَم عَلَى الدُّخُول فِيهَا لِأَنَّهُ يُطَالَب بِالتَّبِعَاتِ الَّتِي اِرْتَكَبَهَا وَقَدْ فَاتَهُ مَا حَرَصَ عَلَيْهِ بِمُفَارَقَتِهِ , قَالَ : وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ كَأَنْ يَمُوت الْوَالِي وَلَا يُوجَد بَعْده مَنْ يَقُوم بِالْأَمْرِ غَيْره , وَإِذَا لَمْ يَدْخُل فِي ذَلِكَ يَحْصُل الْفَسَاد بِضَيَاعِ الْأَحْوَال. قُلْت : وَهَذَا لَا يُخَالِف مَا فُرِضَ فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ الْحُصُول بِالطَّلَبِ أَوْ بِغَيْرِ طَلَب بَلْ فِي التَّعْبِير بِالْحِرْصِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ مَنْ قَامَ بِالْأَمْرِ عِنْد خَشْيَة الضَّيَاع يَكُون كَمَنْ أُعْطِيَ بِغَيْرِ سُؤَال لِفَقْدِ الْحِرْص غَالِبًا عَمَّنْ هَذَا شَأْنه. وَقَدْ يُغْتَفَر الْحِرْص فِي حَقّ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ يَصِير وَاجِبًا عَلَيْهِ , وَتَوْلِيَة الْقَضَاء عَلَى الْإِمَام فَرْض عَيْن وَعَلَى الْقَاضِي فَرْض كِفَايَة إِذَا كَانَ هُنَاكَ غَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "6617",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَشْهَبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ ‏ ‏عَادَ ‏ ‏مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ ‏ ‏فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مَعْقِلٌ ‏ ‏إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَبُو الْأَشْهَب ) ‏ ‏هُوَ جَعْفَر بْن حِبَّان بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْحَسَن ) ‏ ‏هُوَ الْبَصْرِيّ , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق شَيْبَانَ عَنْ أَبِي الْأَشْهَب \" حَدَّثَنَا الْحَسَن \". ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ عُبَيْد اللَّه بْن زِيَاد ) ‏ ‏يَعْنِي أَمَّ الْبَصْرَة فِي زَمَن مُعَاوِيَة وَوَلَده يَزِيد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام الْمَذْكُورَة بَعْد هَذِهِ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْحَسَن حَضَرَ ذَلِكَ مِنْ عُبَيْد اللَّه بْن زِيَاد عِنْد مَعْقِل. ‏ ‏قَوْله ( عَادَ مَعْقِل بْن يَسَار ) ‏ ‏بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة خَفِيفَة هُوَ الْمُزَنِيُّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور. ‏ ‏قَوْله ( فِي مَرَضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ ) ‏ ‏كَانَتْ وَفَاة مَعْقِل بِالْبَصْرَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْأَوْسَط مَا بَيْن السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ وَذَلِكَ فِي خِلَافَة يَزِيد بْن مُعَاوِيَةَ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَهُ مَعْقِل : إِنِّي مُحَدِّثك حَدِيثًا سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم عَنْ شَيْبَانَ بْن فَرُّوخ عَنْ أَبِي الْأَشْهَب \" لَوْ عَلِمْت أَنَّ لِي حَيَاة مَا حَدَّثْتُك \". ‏ ‏قَوْله ( يَسْتَرْعِيه اللَّه ) ‏ ‏فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ \" اِسْتَرْعَاهُ \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ يَحُطْهَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّ الْحَاء وَسُكُون الطَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ يَكْلَؤُهَا أَوْ يَصُنْهَا وَزْنه وَمَعْنَاهُ وَالِاسْم الْحِيَاطَة يُقَال حَاطَهُ إِذَا اِسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَأَحَاطَ بِهِ مِثْله. ‏ ‏قَوْله ( بِنُصْحِهِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِهَاءِ الضَّمِير , وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" بِالنَّصِيحَةِ \" وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَة شَيْبَانَ \" يَمُوت يَوْم يَمُوت وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( لَمْ يَجِد ) ‏ ‏فِي نُسْخَة الصَّغَانِيِّ \" إِلَّا لَمْ يَجِد \" بِزِيَادَةِ إِلَّا ‏ ‏( رَائِحَة الْجَنَّة ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل \" وَعَرْفهَا يُوجَد يَوْمَ الْقِيَامَة مِنْ مَسِيرَة سَبْعِينَ عَامًا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" إِلَّا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة \" وَلَهُ مِثْله مِنْ طَرِيق يُونُس بْن عُبَيْد عَنْ الْحَسَن , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ مَفْهُومُ الْحَدِيث أَنَّهُ يَجِدهَا , وَهُوَ عَكْس الْمَقْصُود , وَالْجَوَاب أَنَّ \" إِلَّا \" مُقَدَّرَة أَيْ إِلَّا لَمْ يَجِد , وَالْخَبَر مَحْذُوف وَالتَّقْدِير مَا مِنْ عَبْد فَعَلَ كَذَا إِلَّا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة وَلَمْ يَجِد رَائِحَة الْجَنَّة اِسْتِئْنَاف كَالْمُفَسِّرِ لَهُ , أَوْ لَيْسَتْ مَا لِلنَّفْيِ , وَجَازَتْ زِيَادَة مِنْ لِلتَّأْكِيدِ فِي الْإِثْبَات عِنْدَ بَعْض النُّحَاة , وَقَدْ ثَبَتَ \" إِلَّا \" فِي بَعْض النُّسَخ. قُلْت : لَمْ يَقَع الْجَمْع بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ الْمُتَوَعَّد بِهِمَا فِي طَرِيق وَاحِدَة , فَقَوْله \" لَمْ يَجِد رَائِحَة الْجَنَّة \" وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْأَشْهَب , وَقَوْله \" حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة \" وَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام , فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْأَصْل فِي الْحَدِيث الْجَمْع بَيْن اللَّفْظَيْنِ فَحَفِظَ بَعْض مَا لَمْ يَحْفَظ بَعْض وَهُوَ مُحْتَمَل , لَكِنَّ الظَّاهِر أَنَّهُ لَفْظ وَاحِد تَصَرَّفَتْ فِيهِ الرُّوَاة. وَزَادَ مُسْلِم فِي آخِره قَالَ \" أَلَا كُنْت حَدَّثْتنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْم ؟ قَالَ : لَمْ أَكُنْ لِأُحَدِّثَك \" قِيلَ سَبَب ذَلِكَ هُوَ مَا وَصَفَهُ بِهِ الْحَسَن الْبَصْرِيّ مِنْ سَفْك الدِّمَاء , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم \" لَوْلَا أَنِّي مَيِّت مَا حَدَّثْتُك \" فَكَأَنَّهُ كَانَ يَخْشَى بَطْشه , فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ الْمَوْت أَرَادَ أَنْ يَكُفَّ بِذَلِكَ بَعْض شَرّه عَنْ الْمُسْلِمِينَ , وَإِلَى ذَلِكَ وَقَعَتْ الْإِشَارَة فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي الْمَلِيح \" أَنَّ عُبَيْد اللَّه بْن زِيَاد عَادَ مَعْقِل بْن يَسَار \" فَقَالَ لَهُ مَعْقِل : \" لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْت مَا حَدَّثْتُك \" وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِير مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ الْحَسَن قَالَ \" لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا عُبَيْد اللَّه بْن زِيَاد أَمِيرًا أَمَّرَهُ عَلَيْنَا مُعَاوِيَة غُلَامًا سَفِيهًا يَسْفِك الدِّمَاء سَفْكًا شَدِيدًا وَفِينَا عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل الْمُزَنِيُّ , فَدَخَلَ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْم فَقَالَ لَهُ : اِنْتَهِ عَمَّا أَرَاك تَصْنَع , فَقَالَ لَهُ : وَمَا أَنْتَ وَذَاكَ ؟ قَالَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِد فَقُلْنَا لَهُ : مَا كُنْت تَصْنَع بِكَلَامِ هَذَا السَّفِيه عَلَى رُءُوس النَّاس ؟ فَقَالَ إِنَّهُ كَانَ عِنْدِي عِلْم فَأَحْبَبْت أَنْ لَا أَمُوت حَتَّى أَقُول بِهِ عَلَى رُءُوس النَّاس , ثُمَّ قَامَ فَمَا لَبِثَ أَنْ مَرِضَ مَرَضه الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَأَتَاهُ عُبَيْد اللَّه بْن زِيَاد يَعُودهُ \" فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث الْبَاب , فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْقِصَّة وَقَعَتْ لِلصَّحَابِيَّيْنِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6618",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏زَائِدَةُ ‏ ‏ذَكَرَهُ عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْنَا ‏ ‏مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ ‏ ‏نَعُودُهُ فَدَخَلَ عَلَيْنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مَعْقِلٌ ‏ ‏أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( قَالَ زَائِدَة ذَكَرَهُ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ بِحَذْفٍ قَالَ الثَّانِيَة وَالتَّقْدِير : قَالَ الْحُسَيْن الْجُعْفِيُّ قَالَ زَائِدَة ذَكَرَهُ أَيْ الْحَدِيث الَّذِي سَيَأْتِي هِشَام وَهُوَ اِبْن حَسَّان , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ الْقَاسِم بْن زَكَرِيَّا عَنْ الْحُسَيْن الْجُعْفِيِّ بِالْعَنْعَنَةِ فِي جَمِيع السَّنَد , وَحَاصِل الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ أَثْبَتَ الْغِشّ فِي إِحْدَاهُمَا , وَنَفَى النَّصِيحَة فِي الْأُخْرَى فَكَأَنَّهُ لَا وَاسِطَة بَيْنَهُمَا , وَيَحْصُل ذَلِكَ بِظُلْمِهِ لَهُمْ بِأَخْذِ أَمْوَالهمْ أَوْ سَفْك دِمَائِهِمْ أَوْ اِنْتَهَاك أَعْرَاضهمْ وَحَبْس حُقُوقهمْ وَتَرْك تَعْرِيفهمْ مَا يَجِب عَلَيْهِمْ فِي أَمْر دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ وَبِإِهْمَالِ إِقَامَة الْحُدُود فِيهِمْ وَرَدْع الْمُفْسِدِينَ مِنْهُمْ وَتَرْك حِمَايَتهمْ وَنَحْو ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَهُ مَعْقِل أُحَدِّثُك حَدِيثًا ) ‏ ‏قَدْ ذَكَرْت زِيَادَة أَبِي الْمَلِيح عِنْدَ مُسْلِم. ‏ ‏قَوْله ( مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّة مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَخْ ) ‏ ‏وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْمَلِيح \" مَا مِنْ أَمِير \" بَدَلَ \" وَالٍ \" وَقَالَ فِيهِ \" ثُمَّ لَا يَجِدّ لَهُ \" بِجِيمٍ وَدَال مُشَدَّدَة مِنْ الْجِدّ بِالْكَسْرِ ضِدّ الْهَزْل , وَقَالَ فِيهِ \" إِلَّا لَمْ يَدْخُل مَعَهُمْ الْجَنَّة \" وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَط \" فَلَمْ يَعْدِل فِيهِمْ إِلَّا كَبَّهُ اللَّه عَلَى وَجْهه فِي النَّار \" قَالَ اِبْن التِّين : يَلِي جَاءَ عَلَى غَيْر الْقِيَاس لِأَنَّ مَاضِيه وَلِيَ بِالْكَسْرِ وَمُسْتَقْبَله يَوْلِي بِالْفَتْحِ وَهُوَ مِثْل وَرِثَ يَرِث. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا وَعِيد شَدِيد عَلَى أَئِمَّة الْجَوْر فَمَنْ ضَيَّعَ مَنْ اِسْتَرْعَاهُ اللَّه أَوْ خَانَهُمْ أَوْ ظَلَمَهُمْ فَقَدْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ الطَّلَب بِمَظَالِم الْعِبَاد \" يَوْم الْقِيَامَة \" فَكَيْف يَقْدِر عَلَى التَّحَلُّل مِنْ ظُلْم أُمَّة عَظِيمَة وَمَعْنَى \" حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة \" أَيْ أَنْفَذَ اللَّه عَلَيْهِ الْوَعِيد وَلَمْ يَرْضَ عَنْهُ الْمَظْلُومِينَ. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ نَحْوه قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا فِي حَقّ الْكَافِر لِأَنَّ الْمُؤْمِن لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَصِيحَة. قُلْت : وَهُوَ اِحْتِمَال بَعِيد جِدًّا , وَالتَّعْلِيل مَرْدُود , فَالْكَافِر أَيْضًا قَدْ يَكُون نَاصِحًا فِيمَا تَوَلَّاهُ وَلَا يَمْنَعهُ ذَلِكَ الْكُفْر. وَقَالَ غَيْره : يُحْمَل عَلَى الْمُسْتَحِلّ , وَالْأَوْلَى أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى غَيْر الْمُسْتَحِلّ وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الزَّجْر وَالتَّغْلِيظ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ بِلَفْظِ \" لَمْ يَدْخُل مَعَهُمْ الْجَنَّة \" وَهُوَ يُؤَيِّد أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة وَقْت دُونَ وَقْت : وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْفَاء فِي قَوْله \" فَلَمْ يَحُطَّهَا \" وَفِي قَوْله \" فَيَمُوت \" مِثْل اللَّام فِي قَوْله ( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ) وَقَوْله وَهُوَ غَاشّ \" قَيْد لِلْفِعْلِ مَقْصُود بِالذِّكْرِ يُرِيد أَنَّ اللَّه إِنَّمَا وَلَّاهُ عَلَى عِبَاده لِيُدِيمَ لَهُمْ النَّصِيحَة لَا لِيَغُشَّهُمْ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى ذَلِكَ , فَلَمَّا قَلَبَ الْقَضِيَّة اِسْتَحَقَّ أَنْ يُعَاقَبَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6619",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجُرَيْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَرِيفٍ أَبِي تَمِيمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهِدْتُ ‏ ‏صَفْوَانَ ‏ ‏وَجُنْدَبًا ‏ ‏وَأَصْحَابَهُ وَهُوَ يُوصِيهِمْ فَقَالُوا هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَيْئًا قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقْ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالُوا أَوْصِنَا فَقَالَ إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنْ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ دَمٍ ‏ ‏أَهْرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏مَنْ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جُنْدَبٌ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ ‏ ‏جُنْدَبٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( خَالِد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الطَّحَّان. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْجُرَيْرِيِّ ) ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيم هُوَ سَعِيد بْن إِيَاس , وَلَمْ يُخَرِّج الْبُخَارِيّ لِلْعَبَّاسِ الْجُرَيْرِيِّ شَيْئًا وَهُوَ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَة , وَخَالِد الطَّحَّان مَعْدُود فِيمَنْ سَمِعَ مِنْ سَعِيد الْجُرَيْرِيِّ قَبْلَ الِاخْتِلَاط , وَكَانَتْ وَفَاة الْجُرَيْرِيِّ سَنَة أَرْبَع وَأَرْبَعِينَ وَمِائَة وَاخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْته بِثَلَاثِ سِنِينَ , وَقَالَ أَبُو عُبَيْد الْآجُرِّيُّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ : مَنْ أَدْرَكَ أَيُّوب فَسَمَاعه مِنْ الْجُرَيْرِيِّ جَيِّد. قُلْت : وَخَالِد قَدْ أَدْرَكَ أَيُّوب فَإِنَّ أَيُّوب لَمَّا مَاتَ كَانَ خَالِد الْمَذْكُور اِبْن إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ طَرِيف ) ‏ ‏بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَة وَزْن عَظِيم. ‏ ‏قَوْله ( أَبِي تَمِيمَة ) ‏ ‏بِالْمُثَنَّاةِ وَزْن عَظِيمَة , هُوَ اِبْن مُجَالِد بِضَمِّ الْمِيم وَتَخْفِيف الْجِيم الْهُجَيْمِيّ بِالْجِيمِ مُصَغَّر نِسْبَة إِلَى بَنِي الْهُجَيْم بَطْن مِنْ تَمِيم وَكَانَ مَوْلَاهُمْ , وَهُوَ بَصْرِيّ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة إِلَّا هَذَا الْحَدِيث , وَلَهُ حَدِيث آخَر تَقَدَّمَ فِي الْأَدَب مِنْ رِوَايَته عَنْ أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( شَهِدْت صَفْوَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُحْرِز بْن زِيَاد التَّابِعِيّ الثِّقَة الْمَشْهُور مِنْ أَهْل الْبَصْرَة. ‏ ‏قَوْله ( وَجُنْدُبًا ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيُّ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُور وَكَانَ مِنْ أَهْل الْكُوفَة ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْبَصْرَة قَالَهُ الْكِلَابَاذِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( وَأَصْحَابه ) ‏ ‏أَيْ أَصْحَاب صَفْوَان. ‏ ‏قَوْله ( وَهُوَ ) ‏ ‏أَيْ جُنْدُب ‏ ‏( يُوصِيهِمْ ) ‏ ‏ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَاف بِلَفْظِ \" شَهِدْت صَفْوَان وَأَصْحَابه وَجُنْدُبًا يُوصِيهِمْ \" وَوَقَعَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ طَرِيق خَالِد بْن عَبْد اللَّه بْن مُحْرِز عَنْ عَمّه صَفْوَان بْن مُحْرِز أَنَّ جُنْدُب بْن عَبْد اللَّه بَعَثَ إِلَى عَسْعَسَ بْن سَلَامَة زَمَن فِتْنَة اِبْن الزُّبَيْر فَقَالَ : اِجْمَعْ لِي نَفَرًا مِنْ إِخْوَانِي حَتَّى أُحَدِّثُهُمْ , فَذَكَرَ الْقِصَّة فِي تَحْدِيثه لَهُمْ بِقِصَّةِ الَّذِي حَمَلَ عَلَى رَجُل فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَقَتَلَهُ , وَأَظُنّ أَنَّ الْقِصَّتَيْنِ وَاحِدَة , وَيَجْمَعهُمَا أَنَّهُ حَذَّرَهُمْ مِنْ التَّعَرُّض لِقَتْلِ الْمُسْلِم , وَزَمَن فِتْنَة اِبْن الزُّبَيْر كَانَتْ عَقِبَ مَوْت يَزِيد بْن مُعَاوِيَة. وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم عَنْ صَفْوَان بْن مُحْرِز عَنْ جُنْدُب بْن عَبْد اللَّه أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ فَقَالَ : اِئْتِنِي بِنَفَرٍ مِنْ قُرَّاء الْقُرْآن وَلْيَكُونُوا شُيُوخًا , قَالَ فَأَتَيْته بِنَافِعِ بْن الْأَزْرَق وَأَبِي بِلَال مِرْدَاس وَنَفَر مَعَهُمَا سِتَّة أَوْ ثَمَانِيَة فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُر الْحَدِيث. قُلْت : وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي تَمِيمَة أَنَّهُ اِنْطَلَقَ مَعَ جُنْدُب إِلَى الْبَصْرَة فَقَالَ : هَلْ كُنْت تُدَارِس أَحَدًا الْقُرْآن ؟ قُلْت : نَعَمْ , قَالَ فَائْتِنِي بِهِمْ , قَالَ فَأَتَيْته بِنَافِعٍ وَأَبِي بِلَال مِرْدَاس وَنَجْدَة وَصَالِح بْن مِشْرَحٍ فَأَنْشَأَ يُحَدِّث. قُلْت : وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة مِنْ رُءُوس الْخَوَارِج الَّذِينَ خَرَجُوا إِلَى مَكَّة لِنَصْرِ اِبْن الزُّبَيْر لَمَّا جَهَّزَ إِلَيْهِ يَزِيد بْن مُعَاوِيَة الْجُيُوش فَشَهِدُوا مَعَهُ الْحِصَار الْأَوَّل , فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْخَبَر بِمَوْتِ يَزِيد بْن مُعَاوِيَة سَأَلُوا اِبْن الزُّبَيْر عَنْ ‏ ‏قَوْله فِي عُثْمَان فَأَثْنَى عَلَيْهِ فَغَضِبُوا وَفَارَقُوهُ , فَحَجُّوا. وَخَرَجَ نَجْدَة بِالْيَمَامَةِ فَغَلَبَ عَلَيْهَا وَعَلَى بَعْض بِلَاد الْحِجَاز , وَخَرَجَ نَافِع بْن الْأَزْرَق بِالْعِرَاقِ فَدَامَتْ فِتْنَته مُدَّة. وَأَمَّا أَبُو بِلَال مِرْدَاس فَكَانَ خَرَجَ عَلَى عُبَيْد اللَّه بْن زِيَاد قَبْلَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّه بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة ) ‏ ‏قُلْت تَقَدَّمَ هَذَا الْمَتْن مِنْ حَدِيث جُنْدُب مِنْ وَجْه آخَر مَعَ شَرْحه فِي \" بَاب الرِّيَاء وَالسُّمْعَة \" مِنْ \" كِتَاب الرِّقَاق \" وَفِيهِ \" وَمَنْ رَايَا \" وَلَمْ يَقَع فِيهِ مَقْصُود هَذَا الْبَاب. ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّه عَلَيْهِ ) ‏ ‏كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ , وَلِلسَّرَخْسِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ \" وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقْ اللَّه عَلَيْهِ \" بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَة وَبِفَكِّ الْقَاف فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَحْمَد بْن زُهَيْر التَّسَتُّرِيّ عَنْ إِسْحَاق بْن شَاهِين شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشُقُّ اللَّه عَلَيْهِ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالُوا : أَوْصِنَا , فَقَالَ : إِنَّ أَوَّل مَا يُنْتِن مِنْ الْإِنْسَان بَطْنه ) ‏ ‏يَعْنِي بَعْد الْمَوْت , وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة صَفْوَان بْن مُحْرِز عَنْ جُنْدُب وَلَفْظه \" وَاعْلَمُوا أَنَّ أَوَّل مَا يُنْتِن مِنْ أَحَدكُمْ إِذَا مَاتَ بَطْنه \". ‏ ‏قَوْله ( فَمَنْ اِسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُل إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة صَفْوَان \" فَلَا يُدْخِل بَطْنه إِلَّا طَيِّبًا \" هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ هَذَا الْوَجْه مَوْقُوفًا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَن - هُوَ الْبَصْرِيّ - عَنْ جُنْدُب مَوْقُوفًا , وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق صَفْوَان بْن مُحْرِز وَسِيَاقه يَحْتَمِل الرَّفْع وَالْوَقْف فَإِنَّهُ صُدِّرَ بِقَوْلِهِ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول مَنْ سَمَّعَ \" الْحَدِيث \" وَاعْلَمُوا أَنَّ أَوَّل مَا يُنْتِن \" وَيُنْتِن بِنُونٍ وَمُثَنَّاة وَضَمّ أَوَّله مِنْ الرُّبَاعِيّ وَمَاضِيه أَنْتَنَ وَنَتَنَ وَالنَّتْن الرَّائِحَة الْكَرِيهَة. ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ اِسْتَطَاعَ أَنْ لَا يُحَال بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّة بِمِلْءِ كَفّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يَحُول \" وَبِلَفْظِ \" مِلْء \" بِغَيْرِ مُوَحَّدَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ \" كَفّه \". ‏ ‏قَوْله ( مِنْ دَم هَرَاقَهُ ) ‏ ‏أَيْ صَبَّهُ ‏ ‏( فَلْيَفْعَلْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : وَقَعَ فِي رِوَايَتنَا \" أَهْرَاقَهُ \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْرهَا. قُلْت : هِيَ لِمَنْ عَدَا أَبَا ذَرّ , كَذَا وَقَعَ هَذَا الْمَتْن أَيْضًا مَوْقُوفًا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق صَفْوَان بْن مُحْرِز وَمِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَن عَنْ جُنْدُب مَوْقُوفًا , وَزَادَ الْحَسَن بَعْدَ قَوْله يُهْرِيقهُ \" كَأَنَّمَا يَذْبَح دَجَاجَة , كُلَّمَا تَقَدَّمَ لِبَابٍ مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ \" وَوَقَعَ مَرْفُوعًا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم عَنْ الْحَسَن عَنْ جُنْدُب وَلَفْظه \" تَعْلَمُونَ أَنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : لَا يَحُولَنَّ بَيْن أَحَدكُمْ وَبَيْن الْجَنَّة وَهُوَ يَرَاهَا مِلْء كَفّ دَم مِنْ مُسْلِم أَهْرَاقَهُ بِغَيْرِ حِلِّهِ \" وَهَذَا لَوْ لَمْ يَرِد مُصَرَّحًا بِرَفْعِهِ لَكَانَ فِي حُكْم الْمَرْفُوع لِأَنَّهُ لَا يُقَال بِالرَّأْيِ , وَهُوَ وَعِيد شَدِيد لِقَتْلِ الْمُسْلِم بِغَيْرِ حَقّ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فِي مَعْنَى قَوْله \" مِلْء كَفّ مِنْ دَم \" هُوَ عِبَارَة عَنْ مِقْدَار دَم إِنْسَان وَاحِد , كَذَا قَالَ وَمِنْ أَيْنَ هَذَا الْحَصْر ؟ وَالْمُتَبَادِر أَنَّ ذِكْر مِلْء الْكَفّ كَالْمِثَالِ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ لَكَانَ الْحُكْم كَذَلِكَ. وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث الْأَعْمَش عَنْ أَبِي تَمِيمَة \" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحُولَنَّ بَيْن أَحَدكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّة \" فَذَكَرَ نَحْو رِوَايَة الْجُرَيْرِيِّ وَزَادَ فِي آخِره \" قَالَ فَبَكَى الْقَوْم , فَقَالَ جُنْدُب : لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطّ قَوْمًا أَحَقّ بِالنَّجَاةِ مِنْ هَؤُلَاءِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ \" قُلْت : وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي تَصْدِيره كَلَامه بِحَدِيثِ \" مَنْ سَمَّعَ \" وَكَأَنَّهُ تَفَرَّسَ فِيهِمْ ذَلِكَ , وَلِهَذَا قَالَ \" إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ \" وَلَقَدْ صَدَقَتْ فِرَاسَته فَإِنَّهُمْ لَمَّا خَرَجُوا بَذَلُوا السَّيْف فِي الْمُسْلِمِينَ وَقَتَلُوا الرِّجَال وَالْأَطْفَال وَعَظُمَ الْبَلَاء بِهِمْ , كَمَا تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي \" كِتَاب الْمُحَارِبِينَ \" قَالَ اِبْن بَطَّال : الْمُشَاقَّة فِي اللُّغَة مُشْتَقَّة مِنْ الشِّقَاق وَهُوَ الْخِلَاف , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُول مِنْ بَعْدِمَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ) وَالْمُرَاد بِالْحَدِيثِ النَّهْي عَنْ الْقَوْل الْقَبِيح فِي الْمُؤْمِنِينَ وَكَشْف مُسَاوِيهمْ وَعُيُوبهمْ وَتَرْك مُخَالَفَة سَبِيل الْمُؤْمِنِينَ وَلُزُوم جَمَاعَتهمْ وَالنَّهْي عَنْ إِدْخَال الْمَشَقَّة عَلَيْهِمْ وَالْإِضْرَار بِهِمْ , قَالَ صَاحِب الْعَيْن : شَقَّ الْأَمْر عَلَيْك مَشَقَّة أَضَرَّ بِك اِنْتَهَى وَظَاهِره أَنَّهُ جَعَلَ الْمَشَقَّة وَالْمُشَاقَّة بِمَعْنًى وَاحِد , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ جَوَّزَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا أَنْ تَكُون الْمَشَقَّة مِنْ الْإِضْرَار فَيَحْمِل النَّاس عَلَى مَا يَشُقّ عَلَيْهِمْ , وَأَنْ تَكُون مِنْ الشِّقَاق وَهُوَ الْخِلَاف وَمُفَارَقَة الْجَمَاعَة وَهُوَ أَنْ يَكُون فِي شِقّ أَيْ نَاحِيَة عَنْ الْجَمَاعَة , وَرَجَّحَ الدَّاوُدِيُّ الثَّانِي , وَمِنْ الْأَوَّل قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث عَائِشَة \" اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْر أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَوَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث. قُلْت : لِأَبِي عَبْد اللَّه مَنْ يَقُول سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُنْدُب ؟ قَالَ : نَعَمْ جُنْدُب اِنْتَهَى. وَأَبُو عَبْد اللَّه الْمَذْكُور هُوَ الْمُصَنِّف , وَالسَّائِل لَهُ الْفَرَبْرِيّ , وَقَدْ خَلَتْ رِوَايَة النَّسَفِيِّ عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ سِيقَ مِنْ الطُّرُق الَّتِي أَوْرَدْتهَا مَا يُصَرِّح بِأَنَّ جُنْدُبًا هُوَ الْقَائِل , وَلَيْسَ فِيمَنْ سُمِّيَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة أَحَد مِنْ الصَّحَابَة غَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "6620",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا أَنَا وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَارِجَانِ مِنْ الْمَسْجِدِ فَلَقِيَنَا رَجُلٌ عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا أَعْدَدْتَ لَهَا فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ ‏ ‏أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد عَنْ أَنَس فِي الَّذِي سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَتَى السَّاعَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَالِم فِي \" كِتَاب الْأَدَب \" مَشْرُوحًا , وَقَوْله هُنَا \" فَلَقِينَا رَجُل عِنْد سُدَّة الْمَسْجِد \" السُّدَّة بِضَمِّ السِّين وَتَشْدِيد الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ هِيَ بَاب الدَّار \" وَقِيلَ لِإِسْمَاعِيلَ بْن عَبْد الرَّحْمَن : السُّدِّيّ \" لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيع الْمَقَانِع عِنْدَ سُدَّة مَسْجِد الْكُوفَة وَهِيَ مَا يَبْقَى مِنْ الطَّاق الْمَسْدُود , وَقِيلَ هِيَ الْمِظَلَّة عَلَى الْبَاب \" لِوِقَايَةِ الْمَطَر وَالشَّمْس \" وَقِيلَ هِيَ الْبَاب نَفْسه وَقِيلَ عَتَبَته وَقِيلَ السَّاحَة أَمَام الْبَاب. وَقَوْله \" مَا أَعْدَدْت لَهَا \" كَذَا لِأَبِي , ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ \" عَدَّدْت \" وَهُوَ بِالتَّشْدِيدِ مِثْل ( جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ) أَيْ هَيَّأَهُ , وَقَوْله \" اِسْتَكَانَ \" أَيْ خَضَعَ وَهُوَ اِسْتَفْعَلَ مِنْ السُّكُون الدَّالّ عَلَى الْخُضُوع. قَالَ اِبْن التِّين : لَعَلَّ سَبَب سُؤَال الرَّجُل عَنْ السَّاعَة إِشْفَاقًا مِمَّا يَكُون فِيهَا , وَلَوْ سَأَلَ اِسْتِعْجَالًا لَدَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى ( يَسْتَعْجِل بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ) وَقَوْله \" كَبِير عَمَل \" بِالْمُوَحَّدَةِ لِلْأَكْثَرِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ لِبَعْضِهِمْ ; قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي حَدِيث أَنَس جَوَاز سُكُوت الْعَالِم عَنْ جَوَاب السَّائِل وَالْمُسْتَفْتِي إِذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَة لَا تُعْرَف , أَوْ كَانَتْ مِمَّا لَا حَاجَة بِالنَّاسِ إِلَيْهَا , أَوْ كَانَتْ مِمَّا يُخْشَى مِنْهَا الْفِتْنَة. أَوْ سُوء التَّأْوِيل. وَنُقِلَ عَنْ الْمُهَلَّب الْفُتْيَا فِي الطَّرِيق وَعَلَى الدَّابَّة , وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ التَّوَاضُع , فَإِنْ كَانَتْ لِضَعِيفٍ فَهُوَ مَحْمُود وَإِنْ كَانَتْ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْل الدُّنْيَا أَوْ لِمَنْ يُخْشَى لِسَانه فَهُوَ مَكْرُوه. قُلْت : وَالْمِثَال الثَّانِي لَيْسَ بِجَيِّدٍ فَقَدْ يَتَرَتَّب عَلَى الْمَسْئُول مِنْ ذَلِكَ ضَرَر فَيُجِيب لِيَأْمَنَ شَرّه فَيَكُون هَذِهِ الْحَالَة مَحْمُودًا قَالَ : وَاخْتُلِفَ فِي الْقَضَاء سَائِرًا أَوْ مَاشِيًا فَقَالَ أَشْهَب : لَا بَأْس بِهِ إِذَا لَمْ يَشْغَلهُ عَنْ الْفَهْم. وَقَالَ سَحْنُون : لَا يَنْبَغِي. وَقَالَ اِبْن حَبِيب : لَا بَأْس بِمَا كَانَ يَسِيرًا , وَأَمَّا الِابْتِدَاء بِالنَّظَرِ وَنَحْوه فَلَا. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَهُوَ حَسَن. وَقَوْل أَشْهَب أَشْبَهَ بِالدَّلِيلِ. وَقَالَ اِبْن التِّين : لَا يَجُوز الْحُكْم فِي الطَّرِيق فِيمَا يَكُون غَامِضًا كَذَا أَطْلَقَ وَالْأَشْبَه التَّفْصِيل. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : لَا تَصِحّ حُجَّة مَنْ مَنَعَ الْكَلَام فِي الْعِلْم فِي الطَّرِيق , وَأَمَّا الْحِكَايَة الَّتِي تُحْكَى عَنْ مَالِك فِي تَعْزِيره الْحَاكِم الَّذِي سَأَلَهُ فِي الطَّرِيق ثُمَّ حَدَّثَهُ فَكَانَ يَقُول : وَدِدْت لَوْ زَادَنِي سِيَاطًا وَزَادَنِي تَحْدِيثًا , فَلَا يَصِحّ. ثُمَّ قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يُفَرَّق بَيْنَ حَالَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَالَة غَيْره , فَإِنَّ غَيْره فِي مَظِنَّة أَنْ يَتَشَاغَل بِلَغْوِ الطُّرُقَات وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" كِتَاب الْعِلْم \" تَرْجَمَة الْفُتْيَا عَلَى الدَّابَّة , وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر الطَّوِيل فِي حَجَّة الْوَدَاع عِنْدَ مُسْلِم \" وَطَافَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَته لِيَرَاهُ النَّاس وَلِيُشْرِفَ لَهُمْ لِيَسْأَلُوهُ \" وَالْأَحَادِيث فِي سُؤَال الصَّحَابَة وَهُوَ سَائِر مَاشِيًا وَرَاكِبًا كَثِيرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6621",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ تَعْرِفِينَ فُلَانَةَ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرَّ بِهَا وَهِيَ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ ‏ ‏اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي فَقَالَتْ إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ خِلْوٌ مِنْ مُصِيبَتِي قَالَ فَجَاوَزَهَا وَمَضَى فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ فَقَالَ مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ مَا عَرَفْتُهُ قَالَ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فَجَاءَتْ إِلَى بَابِهِ فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا عَرَفْتُكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة الْمَرْأَة الَّتِي جَاءَتْ تَعْتَذِر عَنْ قَوْلهَا \" إِلَيْك عَنِّي \" لَمَّا أَمَرَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَجَدَهَا تَبْكِي عِنْد قَبْر - بِالصَّبْرِ , فَفِي الْحَدِيث \" فَجَاءَتْ إِلَى بَابه فَلَمْ تَجِد عَلَيْهِ بَوَّابًا \". ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ الصَّبْر عِنْدَ أَوَّل صَدْمَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا \" إِنَّ الصَّبْر عِنْد الصَّدْمَة الْأُولَى \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب زِيَارَة الْقُبُور \" مِنْ \" كِتَاب الْجَنَائِز \" وَأَنَّ الْمَرْأَة لَمْ تُسَمَّ , وَأَنَّ الْمَقْبُور كَانَ وَلَدهَا وَلَمْ يُسَمَّ أَيْضًا , وَأَنَّ الَّذِي ذَكَرَ لَهَا أَنَّ الَّذِي خَاطَبَهَا هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْفَضْل بْن الْعَبَّاس. وَوَقَعَ هُنَا أَنَّ أَنَس بْن مَالِك قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْله : هَلْ تَعْرِفِينَ فُلَانَة , يَعْنِي صَاحِبَة هَذِهِ الْقِصَّة , وَلَمْ أَعْرِف اِسْم الْمَرْأَة الَّتِي مِنْ أَهْل أَنَس أَيْضًا , وَقَوْلهَا \" إِلَيْك عَنِّي \" أَيْ كُفَّ نَفْسك وَدَعْنِي , وَقَوْلهَا \" فَإِنَّك خِلْو \" بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام أَيْ خَال مِنْ هَمِّي قَالَ الْمُهَلَّب : لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَوَّاب رَاتِب , يَعْنِي فَلَا يَرِد مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى أَنَّهُ كَانَ بَوَّابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا جَلَسَ عَلَى الْقُفّ , قَالَ : فَالْجَمْع بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي شُغْل مِنْ أَهْله وَلَا اِنْفِرَاد لِشَيْءٍ مِنْ أَمْره أَنَّهُ كَانَ يَرْفَع حِجَابه بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاس وَيَبْرُز لِطَالِبِ الْحَاجَة إِلَيْهِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : دَلَّ حَدِيث عُمَر حِينَ اِسْتَأْذَنَ لَهُ الْأَسْوَد - يَعْنِي فِي قِصَّة حَلِفه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَدْخُل عَلَى نِسَائِهِ شَهْرًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاح - أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي وَقْت خَلْوَته بِنَفْسِهِ يَتَّخِذ بَوَّابًا , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاسْتَأْذَنَ عُمَر لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى قَوْله \" يَا رَبَاح اِسْتَأْذِنْ لِي \". قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَب اِسْتِئْذَان عُمَر أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُون وَجَدَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ اِبْنَته فَأَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَ ذَلِكَ بِاسْتِئْذَانِهِ عَلَيْهِ , فَلَمَّا أَذِنَ لَهُ اِطْمَأَنَّ وَتَبَسَّطَ فِي الْقَوْل كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ مُلَخَّصًا لِمَا تَقَدَّمَ : مَعْنَى ‏ ‏قَوْله \" لَمْ يَجِد عَلَيْهِ بَوَّابًا \" أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّاب رَاتِب , أَوْ فِي حُجْرَته الَّتِي كَانَتْ مَسْكَنًا لَهُ , أَوْ لَمْ يَكُنْ الْبَوَّاب بِتَعْيِينِهِ بَلْ بَاشَرَا ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمَا , يَعْنِي أَبَا مُوسَى وَرَبَاحًا. قُلْت : الْأَوَّل كَافٍ , وَفِي الثَّانِي نَظَر لِأَنَّهُ إِذَا اِنْتَفَى فِي الْحُجْرَة مَعَ كَوْنهَا مَظِنَّة الْخَلْوَة فَانْتِفَاؤُهُ فِي غَيْرهَا أَوْلَى , وَإِنْ أَرَادَ إِثْبَات الْبَوَّاب فِي الْحُجْرَة دُونَ غَيْرهَا كَانَ بِخِلَافِ حَدِيث الْبَاب , فَإِنَّ الْمَرْأَة إِنَّمَا جَاءَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي مَنْزِل سَكَنه فَلَمْ تَجِد عَلَيْهِ بَوَّابًا , وَفِي الثَّالِث أَيْضًا نَظَر لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِير أَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ مِنْ قِبَل أَنْفُسهمَا بِغَيْرِ أَمْره لَكِنَّ تَقْرِيره لَهُمَا عَلَى ذَلِكَ يُفِيد مَشْرُوعِيَّته , فَيُمْكِن أَنْ يُؤْخَذ مِنْهُ الْجَوَاز مُطْلَقًا , وَيُمْكِن أَنْ يُقَيَّد بِالْحَاجَةِ وَهُوَ الْأَوْلَى وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَشْرُوعِيَّة الْحِجَاب لِلْحُكَّامِ فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة : يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ لَا يَتَّخِذ حَاجِبًا , وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَازه , وَحُمِلَ الْأَوَّل عَلَى زَمَن سُكُون النَّاس وَاجْتِمَاعهمْ عَلَى الْخَيْر وَطَوَاعِيَتهمْ لِلْحَاكِمِ , وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ يُسْتَحَبّ ذَلِكَ حِينَئِذٍ لِيُرَتِّبَ الْخُصُوم وَيَمْنَع الْمُسْتَطِيل وَيَدْفَع الشِّرِّير , وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ قَالَ : الَّذِي أَحْدَثَهُ بَعْض الْقُضَاة مِنْ شِدَّة الْحُجَّاب وَإِدْخَال بِطَائِقِ الْخُصُوم لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْل السَّلَف اِنْتَهَى. فَأَمَّا اِتِّخَاذ الْحَاجِب فَقَدْ ثَبَتَ فِي قِصَّة عُمَر فِي مُنَازَعَة الْعَبَّاس وَعَلِيّ أَنَّهُ كَانَ لَهُ حَاجِب يُقَال لَهُ يَرْفَا وَمَضَى ذَلِكَ فِي فَرْض الْخُمُس وَاضِحًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ جَوَازه بِغَيْرِ وَقْت جُلُوسه لِلنَّاسِ لِفَصْلِ الْأَحْكَام. وَمِنْهُمْ مَنْ عَمَّمَ الْجَوَاز كَمَا مَضَى. وَأَمَّا الْبَطَائِق فَقَالَ اِبْن التِّين : إِنْ كَانَ مُرَاده الْبَطَائِق الَّتِي فِيهَا الْإِخْبَار بِمَا جَرَى فَصَحِيح , يَعْنِي أَنَّهُ حَادِث قَالَ : وَأَمَّا الْبَطَائِق الَّتِي تُكْتَب لِلسَّبَقِ لِيَبْدَأ بِالنَّظَرِ خُصُومَة مَنْ سَبَقَ فَهُوَ مِنْ الْعَدْل فِي الْحُكْم. وَقَالَ غَيْره : وَظِيفَة الْبَوَّاب أَوْ الْحَاجِب أَنْ يُطَالِع الْحَاكِم بِحَالِ مَنْ حَضَرَ وَلَا سِيَّمَا مِنْ الْأَعْيَان \" لِاحْتِمَالِ أَنْ يَجِيء مُخَاصِمًا وَالْحَاكِم يَظُنّ أَنَّهُ جَاءَ زَائِرًا فَيُعْطِيه حَقّه مِنْ الْإِكْرَام الَّذِي لَا يَجُوز لِمَنْ يَجِيء مُخَاصِمًا \" وَإِيصَال الْخَبَر لِلْحَاكِمِ بِذَلِكَ إِمَّا بِالْمُشَافَهَةِ وَإِمَّا بِالْمُكَاتَبَةِ وَيُكْرَه دَوَام الِاحْتِجَاب وَقَدْ يَحْرُم فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ أَبِي مَرْيَم الْأَسَدِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ \" سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَنْ وَلَّاهُ اللَّه مِنْ أَمْر النَّاس شَيْئًا فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتهمْ اِحْتَجَبَ اللَّه عَنْ حَاجَته يَوْم الْقِيَامَة \" وَفِي هَذَا الْحَدِيث وَعِيد شَدِيد لِمَنْ كَانَ حَاكِمًا بَيْنَ النَّاس فَاحْتَجَبَ عَنْهُمْ لِغَيْرِ عُذْر , لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَأْخِير إِيصَال الْحُقُوق أَوْ تَضْيِيعهَا. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبّ تَقْدِيم الْأَسْبَق فَالْأَسْبَق وَالْمُسَافِر عَلَى الْمُقِيم وَلَا سِيَّمَا إِنْ خَشِيَ فَوَات الرُّفْقَة , وَأَنَّ مَنْ اِتَّخَذَ بَوَّابًا أَوْ حَاجِبًا أَنْ يَتَّخِذهُ ثِقَة عَفِيفًا أَمِينًا عَارِفًا حَسَنَ الْأَخْلَاق عَارِفًا بِمَقَادِير النَّاس. ‏"
    },
    {
        "id": "6622",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الذُّهْلِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَنْصَارِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثُمَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ ‏ ‏كَانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ مِنْ الْأَمِيرِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خَالِد ) ‏ ‏قَالَ الْحَاكِم وَالْكِلَابَاذِيّ : أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ فَلَمْ يُصَرِّح بِهِ وَإِنَّمَا يَقُول \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد \" وَتَارَة \" مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه \" فَيَنْسُبهُ لِجَدِّهِ وَتَارَة \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خَالِد \" فَكَأَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى جَدّ أَبِيهِ لِأَنَّهُ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن خَالِد بْن فَارِس. قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ وَقَعَ مَنْسُوبًا فِي حَدِيث آخَر أَخْرَجَهُ عِنْد الْأَكْثَر فِي الطِّبّ \" عَنْ مُحَمَّد بْن خَالِد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن وَهْب بْن عَطِيَّة \" فَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خَالِد الذُّهْلِيُّ \" وَكَذَا هُوَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيِّ , وَأَخْرَجَ اِبْن الْجَارُود الْحَدِيث الْمَذْكُور عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ عَنْ مُحَمَّد بْن وَهْب الْمَذْكُور , وَقَالَ خَلَف فِي \" الْأَطْرَاف \" : هُوَ مُحَمَّد بْن خَالِد بْن جَبَلَةَ الرَّافِقِيّ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن عَسَاكِر فَقَالَ : عِنْدِي أَنَّهُ الذُّهْلِيُّ. وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي \" التَّهْذِيب \" : قَوْل خَلَف إِنَّهُ الرَّافِقِيّ لَيْسَ بِشَيْءٍ. قُلْت : قَدْ ذَكَرَ أَبُو أَحْمَد بْن عَدِيّ فِي شُيُوخ الْبُخَارِيّ مُحَمَّد بْن خَالِد بْن جَبَلَةَ , لَكِنْ عَرَّفَهُ بِرِوَايَتِهِ عَنْهُ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , وَالْحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ وَقَعَ فِي التَّوْحِيد لَكِنْ قَالَ فِيهِ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خَالِد \" فَقَطْ وَلَمْ يَنْسُبهُ لِجَدِّهِ جَبَلَةَ , وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَالْمُوَحَّدَة. وَلَا لِبَلَدِهِ الرَّافِقَة وَهِيَ بِفَاءٍ ثُمَّ قَاف. وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا فِي شُيُوخ الْبُخَارِيّ مُحَمَّد بْن خَالِد الرَّافِقِيّ , وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنْهُ فَنَسَبَهُ لِجَدِّهِ فَقَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن جَبَلَةَ فَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي تَرْجَمَته هُوَ مُحَمَّد بْن خَالِد بْن جَبَلَةَ الرَّافِقِيّ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن خَالِد عَنْ مُحَمَّد بْن مُوسَى بْن أَعْيَن حَدِيثًا فَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي \" التَّهْذِيب \" : قِيلَ هُوَ الرَّافِقِيّ , وَقِيلَ هُوَ الذُّهْلِيُّ وَهُوَ أَشْبَهَ وَسَقَطَ مُحَمَّد بْن خَالِد مِنْ هَذَا السَّنَد مِنْ أَطْرَاف أَبِي مَسْعُود فَقَالَ ( خ ) فِي الْأَحْكَام عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ نَفْسه عَنْ أَبِيهِ , قَالَ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" : كَذَا قَالَ أَبُو مَسْعُود , يَعْنِي وَالصَّوَاب مَا وَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ أَنَّ بَيْنَ الْبُخَارِيّ وَبَيْنَ الْأَنْصَارِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث وَاسِطَة وَهُوَ مُحَمَّد بْن خَالِد الْمَذْكُور , وَبِهِ جَزَمَ خَلَف فِي \" الْأَطْرَاف \" أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَم. قُلْت : وَيُؤَيِّد كَوْنه عَنْ الذُّهْلِيِّ أَنَّ التِّرْمِذِيّ أَخْرَجَهُ فِي الْمَنَاقِب عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى وَهُوَ الذُّهْلِيُّ بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ ) ‏ ‏هَكَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ \" حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيّ مُحَمَّد \" فَقَدَّمَ النِّسْبَة عَلَى الِاسْم وَلَمْ يُسَمِّ أَبَاهُ. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي أَبِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي زَيْد \" حَدَّثَنَا \" وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى بْن عَبْد اللَّه بْن أَنَس , وَثُمَامَة شَيْخه هُوَ عَمّ أَبِيهِ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ عَنْ الْأَنْصَارِيّ بِلَا وَاسِطَة عِدَّة أَحَادِيث فِي الزَّكَاة وَالْقِصَاص وَغَيْرهمَا , وَرُوِيَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ فِي عِدَّة فِي الِاسْتِسْقَاء وَفِي بَدْء الْخَلْق وَفِي شُهُود الْمَلَائِكَة بَدْرًا وَغَيْرهَا. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ قَيْس بْن سَعْد ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْمَرْوَزِيِّ \" اِبْن عُبَادَةَ \" وَهُوَ الْأَنْصَارِيّ الْخَزْرَجِيّ الَّذِي كَانَ وَالِده رَئِيس الْخَزْرَج. وَصَنِيع التِّرْمِذِيّ يُوهِم أَنَّهُ قَيْس بْن سَعْد بْن مُعَاذ , فَإِنَّهُ أَخْرَجَ حَدِيث الْبَاب فِي مَنَاقِب سَعْد بْن مُعَاذ فَلَا يُغْتَرّ بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ يَكُون بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَائِدَة تَكْرَار لَفْظ الْكَوْن إِرَادَة بَيَان الدَّوَام وَالِاسْتِمْرَار اِنْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّان وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم وَغَيْرهمْ مِنْ طُرُق عَنْ الْأَنْصَارِيّ بِلَفْظِ \" كَانَ قَيْس بْن سَعْد بَيْن يَدَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة. ‏ ‏قَوْله ( بِمَنْزِلَةِ صَاحِب الشُّرُطَة مِنْ الْأَمِير ) ‏ ‏زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ مُحَمَّد بْن مَرْزُوق عَنْ الْأَنْصَارِيّ \" لِمَا يُنَفِّذ مِنْ أُمُوره \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة مُدْرَجَة مِنْ كَلَام الْأَنْصَارِيّ , بَيَّنَ ذَلِكَ التِّرْمِذِيّ , فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيث عَنْ مُحَمَّد بْن مَرْزُوق إِلَى قَوْله \" الْأَمِير \" ثُمَّ قَالَ \" قَالَ الْأَنْصَارِيّ لِمَا يَلِي مِنْ أُمُوره \" وَقَدْ خَلَتْ سَائِر الرِّوَايَات عَنْهَا , وَقَدْ تَرْجَمَ اِبْن حِبَّان لِهَذَا الْحَدِيث \" اِحْتِرَاز الْمُصْطَفَى مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي مَجْلِسه إِذَا دَخَلُوا عَلَيْهِ \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ الْحَدِيث أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لِقَيْسِ بْن سَعْد عَلَى سَبِيل الْوَظِيفَة الرَّاتِبَة , وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الْأَنْصَارِيّ رَاوِي الْحَدِيث ; لَكِنْ يُعَكِّر عَلَيْهِ مَا زَادَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ حَدَّثَنَا الْهَيْثَم بْن خَلَف عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عَنْ الْأَنْصَارِيّ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ ثُمَامَة , قَالَ الْأَنْصَارِيّ : وَلَا أَعْلَمهُ إِلَّا عَنْ أَنَس قَالَ \" لَمَّا قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَيْس بْن سَعْد فِي مُقَدِّمَته بِمَنْزِلَةِ صَاحِب الشُّرْطَة مِنْ الْأَمِير , فَكَلَّمَ سَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَيْس أَنْ يَصْرِفَهُ مِنْ الْمَوْضِع الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ مَخَافَة أَنْ يُقْدِم عَلَى شَيْء فَصَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ \" ثُمَّ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي يَعْلَى وَمُحَمَّد بْن أَبِي سُوَيْدٍ جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عَنْ الْأَنْصَارِيّ بِمِثْلِ لَفْظ مُحَمَّد بْن مَرْزُوق بِدُونِ الزِّيَادَة الَّتِي فِي آخِره , قَالَ : وَلَمْ يَشُكّ فِي كَوْنه عَنْ أَنَس. قُلْت : وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق بِشْر بْن آدَم اِبْن بِنْت السَّمَّان عَنْ الْأَنْصَارِيّ لَكِنْ لَمْ يَنْفَرِد الْهَيْثَم وَلَا شَيْخه مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى بِالزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَة , فَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَهْ فِي \" الْمَعْرِفَة \" عَنْ مُحَمَّد بْن عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم الرَّازِيُّ عَنْ الْأَنْصَارِيّ بِطُولِهِ , فَكَأَنَّ الْقَدْر الْمُحَقَّق وَصْله مِنْ الْحَدِيث هُوَ الَّذِي اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيّ , وَأَكْثَر مَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيث , وَأَمَّا الزِّيَادَة فَكَانَ الْأَنْصَارِيّ يَتَرَدَّد فِي وَصْلهَا , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوتهَا فَلَمْ يَقَع ذَلِكَ لِقَيْسِ بْن سَعْد إِلَّا فِي تِلْكَ الْمَرَّة وَلَمْ يَسْتَمِرّ مَعَ ذَلِكَ فِيهَا. وَالشُّرُطَة بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا شُرُطِيّ بِضَمَّتَيْنِ وَقَدْ تُفْتَح الرَّاء فِيهِمَا هُمْ أَعْوَان الْأَمِير , وَالْمُرَاد بِصَاحِبِ الشُّرُطَة كَبِيرهمْ , فَقِيلَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ رُذَالَة الْجُنْد , وَمِنْهُ فِي حَدِيث الزَّكَاة \" وَلَا الشُّرَط اللَّئِيمَة \" أَيْ رَدِيء الْمَال , وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ الْأَشِدَّاء الْأَقْوِيَاء مِنْ الْجُنْد , مِنْهُ فِي حَدِيث الْمَلَاحِم \" وَتُشْتَرَط شُرُطَة لِلْمَوْتِ \" أَيْ مُتَعَاقِدُونَ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا وَلَوْ مَاتُوا. قَالَ الْأَزْهَرِيّ : شُرَط كُلّ شَيْء خِيَاره وَمِنْهُ الشُّرَط لِأَنَّهُمْ نُخْبَة الْجُنْد. وَقِيلَ هُمْ أَوَّل طَائِفَة تَتَقَدَّم الْجَيْش وَتَشْهَد الْوَقْعَة , وَقِيلَ سُمُّوا شُرَطًا لِأَنَّ لَهُمْ عَلَامَات يُعْرَفُونَ بِهَا مِنْ هَيْئَة وَمَلْبَس وَهُوَ اِخْتِيَار الْأَصْمَعِيّ , وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ أَعَدُّوا أَنْفُسهمْ لِذَلِكَ يُقَال أَشَرَطَ فُلَان نَفْسه لِأَمْرِ كَذَا إِذَا أَعَدَّهَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْد , وَقِيلَ مَأْخُوذ مِنْ الشَّرِيط وَهُوَ الْحَبْل الْمُبْرَم لِمَا فِيهِ مِنْ الشِّدَّة. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَتْ مُطَابَقَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ فَأَشَارَ الْكَرْمَانِيُّ إِلَى أَنَّهَا تُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" دُونَ الْحَاكِم \" لِأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَ , وَهَذَا جَيِّد إِنْ سَاعَدَتْهُ اللُّغَة , وَعَلَى هَذَا فَكَأَنَّ قَيْسًا كَانَ مِنْ وَظِيفَته أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِهِ سَوَاء كَانَ خَاصًّا أَمْ عَامًا , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون \" دُونَ \" بِمَعْنَى \" غَيْر \" قَالَ : وَهُوَ الَّذِي يَحْتَمِلهُ الْحَدِيث الثَّانِي لَا غَيْر. قُلْت : فَيَلْزَم أَنْ يَكُون اِسْتَعْمَلَ فِي التَّرْجَمَة \" دُونَ \" فِي مَعْنَيَيْنِ. وَفِي الْحَدِيث تَشْبِيه مَا مَضَى بِمَا حَدَثَ بَعْدَهُ , لِأَنَّ صَاحِب الشُّرُطَة لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي الْعَهْد النَّبَوِيّ عِنْدَ أَحَد مِنْ الْعُمَّال \" وَإِنَّمَا حَدَثَ فِي دَوْلَة بَنِي أُمَيَّة فَأَرَادَ أَنَس تَقْرِيب حَال قَيْس بْن سَعْد عِنْد السَّامِعِينَ فَشَبَّهَهُ بِمَا يَعْهَدُونَهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6623",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى هُوَ الْقَطَّانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَهُ وَأَتْبَعَهُ ‏ ‏بِمُعَاذٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ وَأَتْبَعَهُ بِمُعَاذ ) ‏ ‏هَذِهِ قِطْعَة مِنْ حَدِيث طَوِيل تَقَدَّمَ فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ بِهَذَا السَّنَد وَأَوَّله \" أَقْبَلْت وَمَعِي رَجُلَانِ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ \" الْحَدِيث , وَفِيهِ بَعْدَ قَوْله لَا نَسْتَعْمِل عَلَى عَمَلنَا مَنْ أَرَادَهُ \" وَلَكِنْ اِذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى , ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذ بْن جَبَل \" وَفِيهِ قِصَّة الْيَهُودِيّ الَّذِي أَسْلَمَ ثُمَّ اِرْتَدَّ , وَهِيَ الَّتِي اِقْتَصَرَ عَلَيْهَا هُنَا بَعْدَ هَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6624",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ فَأَتَى ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ‏ ‏وَهُوَ عِنْدَ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ مَا لِهَذَا قَالَ أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ قَالَ ‏ ‏لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَحْبُوب ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ اِبْن الْحَسَن بْن هِلَال , بَصْرِيّ وَاسْمه مُحَمَّد وَمَحْبُوب لَقَب لَهُ وَهُوَ بِهِ أَشْهَر , وَهُوَ مُخْتَلَف الِاحْتِجَاج بِهِ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع وَهُوَ فِي حُكْم الْمُتَابَعَة لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حُمَيْدِ بْن هِلَال. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا خَالِد ) ‏ ‏هُوَ الْحَذَّاءُ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ. ثُمَّ تَهَوَّدَ ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ مُسْتَوْفًى. ‏ ‏قَوْله ( لَا أَجْلِس حَتَّى أَقْتُلهُ قَضَاء اللَّه وَرَسُوله ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ \" فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ \" وَبِذَلِكَ يَتِمّ مُرَاد التَّرْجَمَة وَالرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحُدُود لَا يُقِيمهَا عُمَّال الْبِلَاد إِلَّا بَعْدَ مُشَاوَرَة الْإِمَام الَّذِي وَلَّاهُمْ. قَالَ اِبْن بَطَّال : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا الْبَاب فَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ حُكْمه حُكْم الْوَكِيل لَا يُطْلِق يَده إِلَّا فِيمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ , وَحُكْمه عِنْدَ غَيْرهمْ حُكْم الْوَصِيّ لَهُ التَّصَرُّف فِي كُلّ شَيْء وَيُطْلِق يَده عَلَى النَّظَر فِي جَمِيع الْأَشْيَاء إِلَّا مَا اِسْتُثْنِيَ. وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ أَنَّ الْحُدُود لَا يُقِيمهَا إِلَّا أُمَرَاء الْأَمْصَار وَلَا يُقِيمهَا عَامِل السَّوَاد وَلَا نَحْوه. وَنَقَلَ اِبْن الْقَاسِم \" لَا تُقَام الْحُدُود فِي الْمِيَاه بَلْ تُجْلَب إِلَى الْأَمْصَار , وَلَا يُقَام الْقِصَاص فِي الْقَتْل فِي مِصْر كُلّهَا إِلَّا بِالْفُسْطَاطِ , يَعْنِي لِكَوْنِهَا مَنْزِل مُتَوَلِّي مِصْر \" قَالَ : أَوْ يَكْتُب إِلَى وَالِي الْفُسْطَاط بِذَلِكَ أَيْ يَسْتَأْذِنهُ. وَقَالَ أَشْهَب : بَلْ مَنْ فَوَّضَ لَهُ الْوَالِي ذَلِكَ مِنْ عُمَّال الْمِيَاه جَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ. وَعَنْ الشَّافِعِيّ نَحْوه. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَالْحُجَّة فِي الْجَوَاز حَدِيث مُعَاذ فَإِنَّهُ قَتَلَ الْمُرْتَدّ دُونَ أَنْ يَرْفَع أَمْره إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏"
    },
    {
        "id": "6625",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏قَالَ كَتَبَ ‏ ‏أَبُو بَكْرَةَ ‏ ‏إِلَى ابْنِهِ وَكَانَ ‏ ‏بِسِجِسْتَانَ ‏ ‏بِأَنْ لَا تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( كَتَبَ أَبُو بَكْرَة ) ‏ ‏يَعْنِي وَالِد عَبْد الرَّحْمَن الرَّاوِي الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( إِلَى اِبْنه ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا غَيْر مُسَمًّى , وَوَقَعَ فِي أَطْرَاف الْمِزِّيّ \" إِلَى اِبْنه عُبَيْد اللَّه \" وَقَدْ سُمِّيَ فِي رِوَايَة مُسْلِم وَلَكِنْ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي عَوَانَة عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْ عَبْد الرَّحْمَن قَالَ \" كَتَبَ أَبِي وَكَتَبْت لَهُ إِلَى عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بَكْرَة \" وَوَقَعَ فِي الْعُمْدَة \" كَتَبَ أَبِي وَكَتَبْت لَهُ إِلَى اِبْنه عُبَيْد اللَّه وَقَدْ سُمِّيَ إِلَخْ \" وَهُوَ مُوَافِق لِسِيَاقِ مُسْلِم إِلَّا أَنَّهُ زَادَ لَفْظ \" اِبْنه \" قِيلَ مَعْنَاهُ كَتَبَ أَبُو بَكْرَة بِنَفْسِهِ مَرَّة وَأَمَرَ وَلَده عَبْد الرَّحْمَن أَنْ يَكْتُب لِأَخِيهِ فَكَتَبَ لَهُ مَرَّة أُخْرَى. قُلْت : وَلَا يَتَعَيَّن ذَلِكَ , بَلْ الَّذِي يَظْهَر أَنَّ قَوْله \" كَتَبَ أَبِي \" أَيْ أَمَرَ بِالْكِتَابَةِ , وَقَوْله \" وَكَتَبْت لَهُ \" أَيْ بَاشَرْت الْكِتَابَة الَّتِي أَمَرَ بِهَا , وَالْأَصْل عَدَم التَّعَدُّد , وَيُؤَيِّدهُ ‏ ‏قَوْله فِي الْمَتْن الْمَكْتُوب \" إِنِّي سَمِعْت \" فَإِنَّ هَذِهِ الْعِبَارَة لِأَبِي بَكْرَة لَا لِابْنِهِ عَبْد الرَّحْمَن , فَإِنَّهُ لَا صُحْبَة لَهُ وَهُوَ أَوَّل مَوْلُود وُلِدَ بِالْبَصْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَام عَلَى قَوْل أَبِي بَكْرَة \" لَوْ دَخَلُوا عَلَيَّ مَا جَهَشْت لَهُمْ بِقَصَبَةٍ \". ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ بِسِجِسْتَانَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ \" وَهِيَ جُمْلَة حَالِيَّة وَسِجِسْتَان بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَالْجِيم عَلَى الصَّحِيح بَعْدهمَا مُثَنَّاة سَاكِنَة وَهِيَ إِلَى جِهَة الْهِنْد بَيْنهَا وَبَيْن كَرْمَان مِائَة فَرْسَخ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فَرْسَخًا مَفَازَة لَيْسَ فِيهَا مَاء وَيُنْسَب إِلَيْهَا سِجِسْتَانِيّ وَسِجِزْتِيّ بِزَايٍ بَدَل السِّين الثَّانِيَة وَالتَّاء وَهُوَ عَلَى غَيْر قِيَاس , وَسِجِسْتَان لَا تُصْرَف لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَة أَوْ زِيَادَة الْأَلِف وَالنُّون , قَالَ اِبْن سَعْد فِي الطَّبَقَات : كَانَ زِيَاد فِي وِلَايَته عَلَى الْعِرَاق قَرَّبَ أَوْلَاد أَخِيهِ لِأُمِّهِ أَبِي بَكْرَة وَشَرَّفَهُمْ وَأَقْطَعَهُمْ وَوَلَّى عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر سِجِسْتَانَ , قَالَ وَمَاتَ أَبُو بَكْرَة فِي وِلَايَة زِيَاد. ‏ ‏قَوْله ( أَنْ لَا تَقْضِي بَيْنَ اِثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" أَنْ لَا تَحْكُم \". ‏ ‏قَوْله ( لَا يَقْضِيَنَّ حَكَم بَيْن اِثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" لَا يَحْكُم أَحَد \" وَالْبَاقِي سَوَاء , وَفِي رِوَايَة الشَّافِعِيّ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر بِسَنَدِهِ \" لَا يَقْضِي الْقَاضِي أَوْ لَا يَحْكُم الْحَاكِم بَيْنَ اِثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان \" وَلَمْ يَذْكُر الْقِصَّة. وَالْحَكَم بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ الْحَاكِم , وَقَدْ يُطْلَق عَلَى الْقَيِّم بِمَا يُسْنَد إِلَيْهِ. قَالَ الْمُهَلَّب : سَبَب هَذَا النَّهْي أَنَّ الْحُكْم حَالَة الْغَضَب قَدْ يَتَجَاوَز بِالْحَاكِمِ إِلَى غَيْر الْحَقّ فَمُنِعَ , وَبِذَلِكَ قَالَ فُقَهَاء الْأَمْصَار. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِيهِ النَّهْي عَنْ الْحُكْم حَالَة الْغَضَب لِمَا يَحْصُل بِسَبَبِهِ مِنْ التَّغَيُّر الَّذِي يَخْتَلّ بِهِ النَّظَر فَلَا يَحْصُل اِسْتِيفَاء الْحُكْم عَلَى الْوَجْه قَالَ : وَعَدَّاهُ الْفُقَهَاء بِهَذَا الْمَعْنَى إِلَى كُلّ مَا يَحْصُل بِهِ تَغَيُّر الْفِكْر كَالْجُوعِ وَالْعَطَش الْمُفْرِطَيْنِ وَغَلَبَة النُّعَاس وَسَائِر مَا يَتَعَلَّق بِهِ الْقَلْب تَعَلُّقًا يَشْغَلهُ عَنْ اِسْتِيفَاء النَّظَر , وَهُوَ قِيَاس مَظِنَّة عَلَى مَظِنَّة , وَكَأَنَّ الْحِكْمَة فِي الِاقْتِصَار عَلَى ذِكْر الْغَضَب لِاسْتِيلَائِهِ عَلَى النَّفْس وَصُعُوبَة مُقَاوَمَته بِخِلَافِ غَيْره. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيف عَنْ أَبِي سَعِيد رَفَعَهُ \" لَا يَقْضِ الْقَاضِي إِلَّا وَهُوَ شَبْعَان رَيَّان \" وَقَوْل الشَّيْخ \" وَهُوَ قِيَاس مَظِنَّة عَلَى مَظِنَّة \" صَحِيح , وَهُوَ اِسْتِنْبَاط مَعْنًى دَلَّ عَلَيْهِ النَّصّ فَإِنَّهُ لَمَّا نَهَى عَنْ الْحُكْم حَالَة الْغَضَب فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْحُكْم لَا يَكُون إِلَّا فِي حَالَة اِسْتِقَامَة الْفِكْر , فَكَانَتْ عِلَّة النَّهْي الْمَعْنَى الْمُشْتَرَك وَهُوَ تَغَيُّر الْفِكْر , وَالْوَصْف بِالْغَضَبِ يُسَمَّى عِلَّة بِمَعْنَى أَنَّهُ مُشْتَمِل عَلَيْهِ فَأُلْحِقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ كَالْجَائِعِ \" قَالَ الشَّافِعِيّ فِي \" الْأُمّ \" : أَكْرَه لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُم وَهُوَ جَائِع أَوْ تَعِب أَوْ مَشْغُول الْقَلْب فَإِنَّ ذَلِكَ يُغَيِّر الْقَلْب \". ‏ ‏( فَرْعٌ ) : ‏ ‏لَوْ خَالَفَ فَحَكَمَ فِي حَال الْغَضَب صَحَّ إِنْ صَادَفَ الْحَقّ مَعَ الْكَرَاهَة , هَذَا قَوْل الْجُمْهُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى لِلزُّبَيْرِ بِشِرَاجِ الْحَرَّة بَعْدَ أَنْ أَغْضَبَهُ خَصْم الزُّبَيْر , لَكِنْ لَا حُجَّة فِيهِ لِرَفْعِ الْكَرَاهَة عَنْ غَيْره لِعِصْمَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَقُول فِي الْغَضَب إِلَّا كَمَا يَقُول فِي الرِّضَا. قَالَ النَّوَوِيّ فِي حَدِيث اللُّقَطَة : \" فِيهِ جَوَاز الْفَتْوَى فِي حَال الْغَضَب \" وَكَذَلِكَ الْحُكْم وَيَنْفُذ وَلَكِنَّهُ مَعَ الْكَرَاهَة فِي حَقِّنَا وَلَا يُكْرَه فِي حَقّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ لَا يُخَاف عَلَيْهِ فِي الْغَضَب مَا يُخَاف عَلَى غَيْره , وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي الْحُكْمِ قَبْلَ وُصُوله فِي الْغَضَب إِلَى تَغَيُّر الْفِكْر , وَيُؤْخَذ مِنْ الْإِطْلَاق أَنَّهُ لَا فَرْق بَيْنَ مَرَاتِب الْغَضَب وَلَا أَسْبَابه , وَكَذَا أَطْلَقَهُ الْجُمْهُور , وَفَصَّلَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ فَقَيَّدَا الْكَرَاهَة بِمَا إِذَا كَانَ الْغَضَب لِغَيْرِ اللَّه , وَاسْتَغْرَبَ الرُّويَانِيّ هَذَا التَّفْصِيل وَاسْتَبْعَدَهُ غَيْره لِمُخَالَفَتِهِ لِظَوَاهِر الْحَدِيث وَلِلْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ نُهِيَ عَنْ الْحُكْم حَال الْغَضَب , وَقَالَ بَعْض الْحَنَابِلَة لَا يَنْفُذ الْحُكْم فِي حَالَة الْغَضَب لِثُبُوتِ النَّهْي عَنْهُ وَالنَّهْي يَقْتَضِي الْفَسَاد \" وَفَصَّلَ بَعْضهمْ بَيْن أَنْ يَكُون الْغَضَب طَرَأَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ اِسْتَبَانَ لَهُ الْحُكْم فَلَا يُؤَثِّر وَإِلَّا فَهُوَ مَحَلّ الْخِلَاف , وَهُوَ تَفْصِيل مُعْتَبَر \" وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : أَدْخَلَ الْبُخَارِيّ حَدِيث أَبِي بَكْرَة الدَّالّ عَلَى الْمَنْع ثُمَّ حَدِيث أَبِي مَسْعُود الدَّالّ عَلَى الْجَوَاز تَنْبِيهًا مِنْهُ عَلَى طَرِيق الْجَمْع بِأَنْ يَجْعَل الْجَوَاز خَاصًّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوُجُودِ الْعِصْمَة فِي حَقّه وَالْأَمْن مِنْ التَّعَدِّي , أَوْ أَنَّ غَضَبه إِنَّمَا كَانَ لِلْحَقِّ فَمَنْ كَانَ فِي مِثْل حَاله جَازَ وَإِلَّا مُنِعَ , وَهُوَ كَمَا قِيلَ فِي شَهَادَة الْعَدُوّ إِنْ كَانَتْ دُنْيَوِيَّة رُدَّتْ وَإِنْ كَانَتْ دِينِيَّة لَمْ تُرَدّ قَالَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد وَغَيْره. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الْكِتَابَة بِالْحَدِيثِ كَالسَّمَاعِ مِنْ الشَّيْخ فِي وُجُوب الْعَمَل , وَأَمَّا فِي الرِّوَايَة فَمَنَعَ مِنْهَا قَوْم إِذَا تَجَرَّدَتْ عَنْ الْإِجَازَة , وَالْمَشْهُور الْجَوَاز. نَعَمْ الصَّحِيح عِنْدَ الْأَدَاء أَنْ لَا يُطْلَق الْإِخْبَار بَلْ يَقُول كَتَبَ إِلَيَّ أَوْ كَاتَبَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي فِي كِتَابه , وَفِيهِ ذِكْر الْحُكْم مَعَ دَلِيله فِي التَّعْلِيم , وَيَجِيء مِثْله فِي الْفَتْوَى. وَفِيهِ شَفَقَة الْأَب عَلَى وَلَده وَإِعْلَامه بِمَا يَنْفَعهُ وَتَحْذِيره مِنْ الْوُقُوع فِيمَا يُنْكَر. وَفِيهِ نَشْر الْعِلْم لِلْعَمَلِ بِهِ وَالِاقْتِدَاء وَإِنْ لَمْ يُسْأَل الْعَالِم عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6626",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَاللَّهِ لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ ‏ ‏فُلَانٍ ‏ ‏مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فِيهَا قَالَ فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ‏ ‏إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُوجِزْ فَإِنَّ فِيهِمْ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك. ‏ ‏قَوْله ( جَاءَ رَجُل ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي \" بَاب تَخْفِيف الْإِمَام \" مِنْ أَبْوَاب الْإِمَامَة أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ , وَوَهِمَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ حَزْم بْن كَعْب وَإِنَّ الْمُرَاد هُنَا بِفُلَانٍ هُوَ مُعَاذ بْن جَبَل , وَتَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث هُنَاكَ مُسْتَوْفًى , وَتَقَدَّمَ الْقَوْل فِي الْغَضَب فِي \" بَاب الْغَضَب فِي الْمَوْعِظَة \" مِنْ \" كِتَاب الْعِلْم \". ‏"
    },
    {
        "id": "6627",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الْكَرْمَانِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ هُوَ الزُّهْرِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد الْأَيْلِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( فَتَغَيَّظَ فِيهِ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" عَلَيْهِ \" وَالضَّمِير فِي قَوْله \" فِيهِ \" يَعُود لِلْفِعْلِ الْمَذْكُور وَهُوَ الطَّلَاق الْمَوْصُوف , وَفِي \" عَلَيْهِ \" لِلْفَاعِلِ وَهُوَ اِبْن عُمَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث مَشْرُوحًا فِي \" كِتَاب الطَّلَاقِ \" ‏"
    },
    {
        "id": "6628",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏جَاءَتْ ‏ ‏هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ ‏ ‏خِبَاءٍ ‏ ‏أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ ‏ ‏خِبَائِكَ ‏ ‏وَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ ‏ ‏خِبَاءٍ ‏ ‏أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ ‏ ‏خِبَائِكَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَتْ إِنَّ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ ‏ ‏رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ حَرَجٍ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا قَالَ لَهَا ‏ ‏لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ مِنْ مَعْرُوفٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَا كَانَ عَلَى ظَهْر الْأَرْض أَهْل خِبَاء أَحَبّ إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة فِي الْمَنَاقِب وَالْكَلَام عَلَيْهِ , وَتَقَدَّمَ شَرْح مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي \" كِتَاب النَّفَقَات \" وَفِيهِ بَيَان اِسْتِدْلَال مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز حُكْم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ وَرَدّ قَوْل الْمُسْتَدِلّ بِهِ عَلَى الْحُكْم عَلَى الْغَائِب. قَالَ اِبْن بَطَّال : اِحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُم بِعِلْمِهِ بِحَدِيثِ الْبَاب فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى لَهَا بِوُجُوبِ النَّفَقَة لَهَا وَلِوَلَدِهَا لِعِلْمِهِ بِأَنَّهَا زَوْجَة أَبِي سُفْيَان وَلَمْ يَلْتَمِس عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَة , وَمِنْ حَيْثُ النَّظَر أَنَّ عِلْمه أَقْوَى مِنْ الشَّهَادَة لِأَنَّهُ يَتَيَقَّن مَا عَلِمَهُ , وَالشَّهَادَة قَدْ تَكُون كَذِبًا , وَحُجَّة مَنْ مَنَعَ قَوْله حَدِيث أُمّ سَلَمَة \" إِنَّمَا أَقْضِي لَهُ بِمَا أَسْمَع \" وَلَمْ يَقُلْ بِمَا أَعْلَم. وَقَالَ لَلْحَضْرَمِيّ \" شَاهِدَاك أَوْ يَمِينه \" وَفِيهِ \" وَلَيْسَ لَك إِلَّا ذَلِكَ \" وَلِمَا يُخْشَى مِنْ قُضَاة السُّوء أَنْ يَحْكُم أَحَدهمْ بِمَا شَاءَ وَيُحِيل عَلَى عِلْمه اِحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا بِالتُّهْمَةِ , وَاحْتَجَّ مَنْ فَصَّلَ بِأَنَّ الَّذِي عَلِمَهُ الْحَاكِم قَبْلَ الْقَضَاء كَانَ عَلَى طَرِيق الشَّهَادَة فَلَوْ حَكَمَ بِهِ لَحَكَمَ بِشَهَادَةِ نَفْسه فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَضَى بِدَعْوَاهُ عَلَى غَيْره , وَأَيْضًا فَيَكُون كَالْحَاكِمِ بِشَاهِدٍ وَاحِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَعْلِيل آخَر وَأَمَّا فِي حَال الْقَضَاء فَفِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة \" فَإِنَّمَا أَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْو مَا أَسْمَع \" وَلَمْ يُفَرِّق بَيْن سَمَاعه مِنْ شَاهِد أَوْ مُدَّعٍ , وَسَيَأْتِي تَفْصِيل الْمَذَاهِب فِي الْحُكْم بِالْعِلْمِ فِي \" بَاب الشَّهَادَة تَكُون عِنْدَ الْحَاكِم فِي وِلَايَة الْقَضَاء \" وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : لَمْ يَتَعَرَّض اِبْن بَطَّال لِمَقْصُودِ الْبَاب , وَذَلِكَ أَنَّ الْبُخَارِيّ اِحْتَجَّ لِجَوَازِ الْحُكْم بِالْعِلْمِ بِقِصَّةِ هِنْد , فَكَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يَتَعَقَّب ذَلِكَ بِأَنْ لَا دَلِيل فِيهِ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَج الْفُتْيَا وَكَلَام الْمُفْتِي يَتَنَزَّل عَلَى تَقْدِير صِحَّة إِنْهَاء الْمُسْتَفْتِي , فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ يَمْنَعك حَقَّك جَازَ لَك اِسْتِيفَاؤُهُ مَعَ الْإِمْكَان. قَالَ : وَقَدْ أَجَابَ بَعْضهمْ بِأَنَّ الْأَغْلَب مِنْ أَحْوَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْم وَالْإِلْزَام , فَيَجِب تَنْزِيل لَفْظه \" عَلَيْهِ \" لَكِنْ يَرُدّ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذَكَرَ فِي قِصَّة هِنْد أَنَّهُ يَعْلَم صِدْقهَا , بَلْ ظَاهِر الْأَمْر أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع هَذِهِ الْقِصَّة إِلَّا مِنْهَا فَكَيْف يَصِحّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى حُكْم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ ؟. قُلْت : وَمَا اِدَّعَى نَفْيه بَعِيد , فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْلَم صِدْقهَا لَمْ يَأْمُرهَا بِالْأَخْذِ ; وَاطِّلَاعه عَلَى صِدْقهَا مُمْكِن بِالْوَحْيِ دُونَ مَنْ سِوَاهُ فَلَا بُدَّ مِنْ سَبْق عِلْم , وَيُؤَيِّد اِطِّلَاعه عَلَى حَالهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَذْكُرَ مَا ذَكَرَتْ مِنْ الْمُصَاهَرَة , وَلِأَنَّهُ قَبِلَ قَوْلهَا إِنَّهَا زَوْجَة أَبِي سُفْيَان بِغَيْرِ بَيِّنَة وَاكْتَفَى فِيهِ بِالْعِلْمِ , وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ فُتْيَا لَقَالَ مَثَلًا تَأْخُذ , فَلَمَّا أَتَى بِصِيغَةِ الْأَمْر بِقَوْلِهِ \" خُذِي \" دَلَّ عَلَى الْحُكْم , وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد فِي \" بَاب الْقَضَاء عَلَى الْغَائِب \" ثُمَّ قَالَ اِبْن الْمُنِير أَيْضًا : لَوْ كَانَ حُكْمًا لَاسْتَدْعَى مَعْرِفَة الْمَحْكُوم بِهِ , وَالْوَاقِع أَنَّ الْمَحْكُوم بِهِ غَيْر مُعَيَّن , كَذَا قَالَ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6629",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَكْتُبَ إِلَى ‏ ‏الرُّومِ ‏ ‏قَالُوا إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا ‏ ‏فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِهِ وَنَقْشُهُ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( لَمَّا أَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْتُب إِلَى الرُّوم ) ‏ ‏كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَة سِتّ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي شَرْح حَدِيث أَبِي سُفْيَان الطَّوِيل الْمُذْكُو فِي بَدْء الْوَحْيِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا ) ‏ ‏لَمْ أَعْرِف اِسْم الْقَائِل بِعَيْنِهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَاتَّخَذَ خَاتَمًا إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر اللِّبَاس , وَجُمْلَة مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ التَّرْجَمَة بِآثَارِهَا ثَلَاثَة أَحْكَام : الشَّهَادَة عَلَى الْخَطّ , \" وَكِتَاب الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي \" وَالشَّهَادَة عَلَى الْإِقْرَار بِمَا فِي الْكِتَاب. ‏ ‏وَظَاهِر صَنِيع الْبُخَارِيّ جَوَاز جَمِيع ذَلِكَ , فَأَمَّا الْحُكْم الْأَوَّل فَقَالَ اِبْن بَطَّال : اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الشَّهَادَة لَا تَجُوز لِلشَّاهِدِ إِذَا رَأَى خَطّه إِلَّا إِذَا تَذَكَّرَ تِلْكَ الشَّهَادَة , فَإِنْ كَانَ لَا يَحْفَظهَا فَلَا يَشْهَد , فَإِنَّهُ مَنْ شَاءَ اِنْتَقَشَ خَاتَمًا وَمَنْ شَاءَ كَتَبَ كِتَابًا , وَقَدْ فُعِلَ مِثْله فِي أَيَّام عُثْمَان فِي قِصَّة مَذْكُورَة فِي سَبَب قَتْله , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى ( إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وَأَجَازَ مَالِك الشَّهَادَة عَلَى الْخَطّ , وَنَقَلَ اِبْن شَعْبَان عَنْ اِبْن وَهْب أَنَّهُ قَالَ : لَا آخُذ بِقَوْلِ مَالِك فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : خَالَفَ مَالِكًا جَمِيع الْفُقَهَاء فِي ذَلِكَ وَعَدُّوا قَوْله فِي ذَلِكَ شُذُوذًا , لِأَنَّ الْخَطّ قَدْ يُشْبِه الْخَطّ , وَلَيْسَتْ شَهَادَة عَلَى قَوْل مِنْهُ وَلَا مُعَايَنَة. وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَارِث : الشَّهَادَة عَلَى الْخَطّ خَطَأ , فَقَدْ قَالَ مَالِك فِي رَجُل قَالَ : سَمِعْت فُلَانًا يَقُول رَأَيْت فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا أَوْ طَلَّقَ اِمْرَأَته أَوْ قَذَفَ : لَا يَشْهَد عَلَى شَهَادَته إِلَّا إِنْ أَشْهَدَهُ. قَالَ : فَالْخَطّ أَبْعَد مِنْ هَذَا وَأَضْعَف , قَالَ : وَالشَّهَادَة عَلَى الْخَطّ فِي الْحَقِيقَة اِسْتِشْهَاد الْمَوْتَى , وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم : لَا يُقْضَى فِي دَهْرنَا بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطّ ; لِأَنَّ النَّاس قَدْ أَحْدَثُوا ضُرُوبًا مِنْ الْفُجُور. وَقَدْ قَالَ مَالِك : يَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقَضِيَّةٌ عَلَى نَحْو مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُور. وَقَدْ كَانَ النَّاس فِيمَا مَضَى يُجِيزُونَ الشَّهَادَة عَلَى خَاتَم الْقَاضِي ثُمَّ رَأَى مَالِك أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوز فَهَذِهِ أَقْوَال الْجَمَاعَة مِنْ أَئِمَّة الْمَالِكِيَّة تُوَافِق الْجُمْهُور. وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْكَرَابِيسِيُّ فِي \" كِتَاب أَدَب الْقَضَاء \" لَهُ أَجَازَ الشَّهَادَة عَلَى الْخَطّ قَوْم لَا نَظَر لَهُمْ , فَإِنَّ الْكُتَّاب يُشَبِّهُونَ الْخَطّ بِالْخَطِّ حَتَّى يُشْكِل ذَلِكَ عَلَى أَعْلَمهُمْ اِنْتَهَى , وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي ذَلِكَ الْعَصْر فَكَيْف بِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ وَهُمْ أَكْثَر مُسَارَعَة إِلَى الشَّرّ مِمَّنْ مَضَى وَأَدَقّ نَظَرًا فِيهِ وَأَكْثَر هُجُومًا عَلَيْهِ , وَأَمَّا الْحُكْم الثَّانِي فَقَالَ اِبْن بَطَّال : اِخْتَلَفُوا فِي \" كُتُب الْقُضَاة \" فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى الْجَوَاز , وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّة الْحُدُود , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ , وَاَلَّذِي اِحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيّ عَلَى الْحَنَفِيَّة قَوِيّ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَالًا إِلَّا بَعْدَ ثُبُوت الْقَتْل قَالَ : وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْقُضَاة مِنْ التَّابِعِينَ مِنْ إِجَازَة ذَلِكَ حُجَّتهمْ فِيهِ ظَاهِرَة مِنْ الْحَدِيث , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى الْمُلُوك وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ أَشْهَدَ أَحَدًا عَلَى كِتَابه. قَالَ : ثُمَّ أَجْمَعَ فُقَهَاء الْأَمْصَار عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سَوَّار وَابْن أَبِي لَيْلَى مِنْ اِشْتِرَاط الشُّهُود لِمَا دَخَلَ النَّاس مِنْ الْفَسَاد فَاحْتِيطَ لِلدِّمَاءِ وَالْأَمْوَال. وَقَدْ رَوَى عَبْد اللَّه بْن نَافِع عَنْ مَالِك قَالَ : كَانَ مِنْ أَمْر النَّاس الْقَدِيم إِجَازَة الْخَوَاتِيم حَتَّى أَنَّ الْقَاضِي لَيَكْتُب لِلرَّجُلِ الْكِتَاب , فَمَا يَزِيد عَلَى خَتْمه فَيُعْمَل بِهِ , حَتَّى اُتُّهِمُوا فَصَارَ لَا يُقْبَل إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ. ‏ ‏وَأَمَّا الْحُكْم الثَّالِث فَقَالَ اِبْن بَطَّال : اِخْتَلَفُوا إِذَا أَشْهَدَ الْقَاضِي شَاهِدَيْنِ عَلَى مَا كَتَبَهُ وَلَمْ يَقْرَأهُ عَلَيْهِمَا وَلَا عَرَّفَهُمَا بِمَا فِيهِ , فَقَالَ مَالِك : يَجُوز ذَلِكَ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ : لَا يَجُوز لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا ) قَالَ : وَحُجَّة مَالِك أَنَّ الْحَاكِم إِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ كِتَابه فَالْغَرَض مِنْ الشَّهَادَة عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَ الْقَاضِي الْمَكْتُوب إِلَيْهِ أَنَّ هَذَا \" كِتَاب الْقَاضِي \" إِلَيْهِ , وَقَدْ يَثْبُت عِنْدَ الْقَاضِي مِنْ أُمُور النَّاس مَا لَا يَجِب أَنْ يَعْلَمهُ كُلّ أَحَد كَالْوَصِيَّةِ إِذَا ذَكَرَ الْمُوصِي مَا فَرَّطَ فِيهِ مَثَلًا. قَالَ : وَقَدْ أَجَازَ مَالِك أَيْضًا أَنْ يَشْهَدَا عَلَى الْوَصِيَّة الْمَخْتُومَة وَعَلَى الْكِتَاب الْمَطْوِيّ , وَيَقُولَانِ لِلْحَاكِمِ نَشْهَد عَلَى إِقْرَاره بِمَا فِي هَذَا الْكِتَاب , وَالْحُجَّة فِي ذَلِكَ كُتُب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عُمَّاله مِنْ غَيْر أَنْ يَقْرَأهَا عَلَى مَنْ حَمَلَهَا ; وَهِيَ مُشْتَمِلَة عَلَى الْأَحْكَام وَالسُّنَن. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : يُسْتَفَاد مِنْ حَدِيث أَنَس أَنَّ الْكِتَاب إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُومًا فَالْحُجَّة بِمَا فِيهِ قَائِمَة لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يَكْتُب إِلَيْهِمْ , وَإِنَّمَا اِتَّخَذَ الْخَاتَم لِقَوْلِهِمْ إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ الْكِتَاب إِلَّا إِذَا كَانَ مَخْتُومًا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ \" كِتَاب الْقَاضِي \" حُجَّة مَخْتُومًا كَانَ أَوْ غَيْر مَخْتُوم. وَاخْتُلِفَ فِي الْحُكْم بِالْخَطِّ الْمُجَرَّد كَأَنْ يَرَى الْقَاضِي خَطّه بِالْحُكْمِ فَيَطْلُب مِنْهُ الْمَحْكُوم لَهُ الْعَمَل بِهِ , فَالْأَكْثَر لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُم حَتَّى يَتَذَكَّرَ الْوَاقِعَة كَمَا فِي الشَّاهِد وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ ; وَقِيلَ : إِنْ كَانَ الْمَكْتُوب فِي حِرْز الْحَاكِم أَوْ الشَّاهِد مُنْذُ حُكِمَ فِيهِ أَوْ تَحَمَّلَ إِلَى أَنْ طُلِبَ مِنْهُ الْحُكْم أَوْ الشَّهَادَة جَازَ وَلَوْ لَمْ يَتَذَكَّر وَإِلَّا فَلَا , وَقِيلَ : إِذَا تَيَقُّن أَنَّهُ خَطّه سَاغَ لَهُ الْحُكْم وَالشَّهَادَة وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّر , وَالْأَوْسَط أَعْدَل الْمَذَاهِب وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُف وَمُحَمَّد وَرِوَايَة عَنْ أَحْمَد رَجَّحَهَا كَثِير مِنْ أَتْبَاعه , وَالْأَوَّل قَوْل مَالِك وَرِوَايَة عَنْ أَحْمَد. قَالَ اِبْن الْمُنِير : لَمْ يَتَعَرَّض الشَّارِح لِمَقْصُودِ الْبَاب لِأَنَّ الْبُخَارِيّ اِسْتَدَلَّ عَلَى الْخَطّ بِكِتَابِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الرُّوم وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُول : إِنَّ مَضْمُون \" الْكِتَاب \" دُعَاؤُهُمْ إِلَى الْإِسْلَام وَذَلِكَ أَمْر قَدْ اِشْتَهَرَ لِثُبُوتِ الْمُعْجِزَة وَالْقَطْع بِصِدْقِهِ فِيمَا دَعَا إِلَيْهِ , فَلَمْ يَلْزَمهُمْ بِمُجَرَّدِ الْخَطّ فَإِنَّهُ عِنْدَ الْقَائِل بِهِ إِنَّمَا يُفِيد ظَنًّا , وَالْإِسْلَام لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالظَّنِّ إِجْمَاعًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلْم حَصَلَ بِمَضْمُونِ الْخَطّ مَقْرُونًا بِالتَّوَاتُرِ السَّابِق عَلَى الْكِتَاب , فَكَانَ الْكِتَاب كَالتَّذْكِرَةِ وَالتَّوْكِيد فِي الْإِنْذَار , مَعَ أَنَّ حَامِل الْكِتَاب قَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِطَّلَعَ عَلَى مَا فِيهِ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ. وَالْحَقّ أَنَّ الْعُمْدَة عَلَى أَمْره الْمَعْلُوم مَعَ قَرَائِن الْحَال الْمُصَاحِبَة لِحَامِلِ الْكِتَاب , وَمَسْأَلَة الشَّهَادَة عَلَى الْخَطّ مَفْرُوضَة فِي الِاكْتِفَاء بِمُجَرَّدِ الْخَطّ , قَالَ : وَالْفَرْق بَيْن الشَّهَادَة عَلَى الْخَطّ وَبَيْن \" كِتَاب الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي \" فِي أَنَّ الْقَائِل بِالْأَوَّلِ أَقَلّ مِنْ الْقَائِل بِالثَّانِي تَطَرُّق الِاحْتِمَال فِي الْأَوَّل وَنُدُورهُ فِي الثَّانِي لِبُعْدِ اِحْتِمَال التَّزْوِير عَلَى الْقَاضِي وَلَا سِيَّمَا حَيْثُ تُمْكِنُ الْمُرَاجَعَة , وَلِذَلِكَ شَاعَ الْعَمَل بِهِ فِيمَا بَيْنَ الْقُضَاة وَنُوَّابهمْ وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6630",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ابْنُ أُخْتِ نَمِرٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّعْدِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فِي خِلَافَتِهِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَلِيَ مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالًا فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعُمَالَةَ كَرِهْتَهَا فَقُلْتُ بَلَى فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَمَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ قُلْتُ إِنَّ لِي أَفْرَاسًا وَأَعْبُدًا وَأَنَا بِخَيْرٍ وَأُرِيدُ أَنْ تَكُونَ عُمَالَتِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لَا تَفْعَلْ فَإِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الَّذِي أَرَدْتَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا فَقُلْتُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ وَإِلَّا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا فَقُلْتُ أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ وَمَالَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( اِبْن أُخْت نَمِر ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْمِيم بَعْدهَا رَاء , هُوَ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور , تَقَدَّمَ ذِكْره مِرَارًا مِنْ أَقْرَبهَا فِي الْحُدُود , وَأَدْرَكَ مِنْ زَمَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتّ سِنِينَ وَحَفِظَ عَنْهُ , وَهُوَ مِنْ أَوَاخِر الصَّحَابَة مَوْتًا , وَآخِر مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ بِالْمَدِينَةِ , وَقِيلَ مَحْمُود بْن الرَّبِيع , وَقِيلَ مَحْمُود بْن لَبِيد. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ حُوَيْطِب بْن عَبْد الْعُزَّى ) ‏ ‏أَيْ اِبْن أَبِي قَيْس بْن عَبْد شَمْس الْقُرَشِيّ الْعَامِرِيّ , كَانَ مِنْ أَعْيَان قُرَيْش , وَأَسْلَمَ فِي الْفَتْح , وَكَانَ حَمِيد الْإِسْلَام , وَكَانَتْ وَفَاته بِالْمَدِينَةِ سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ مِنْ الْهِجْرَة وَهُوَ اِبْن مِائَة وَعِشْرِينَ سَنَة ; وَهُوَ مِمَّنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَاشَ سِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَام تَجَوُّزًا , وَلَا يَتِمّ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِزَمَانِ الْإِسْلَام أَوَّل الْبَعْثَة فَيَكُون عَاشَ فِيهَا سَبْعًا وَسِتِّينَ , أَوْ الْهِجْرَة فَيَكُون عَاشَ فِيهِ أَرْبَعًا وَخَمْسِينَ , أَوْ زَمَن إِسْلَامه هُوَ فَيَكُون سِتًّا وَأَرْبَعِينَ , وَالْأَوَّل أَقْرَب إِلَى الْإِطْلَاق عَلَى طَرِيقَة جَبْر الْكَسْر تَارَة وَإِلْغَائِهِ أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ عَبْد اللَّه بْن السَّعْدِيّ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن وَقْدَان بْن عَبْد شَمْس , وَيُقَال اِسْم أَبِيهِ عُمَر وَوَقْدَان جَدّه \" وَيُقَال قُدَامَةَ بَدَل وَقْدَان , وَعَبْد شَمْس هُوَ اِبْن عَبْدُود بْن نَصْر بْن مَالِك بْن حَسْل بْن عَامِر \" وَهُوَ أَيْضًا مِنْ بَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ مِنْ قُرَيْش , وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ اِبْن السَّعْدِيّ لِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْد \" وَمَاتَ عَبْد اللَّه بِالْمَدِينَةِ سَنَة سَبْع وَخَمْسِينَ بَعْدَ حُوَيْطِب الرَّاوِي عَنْهُ بِثَلَاثِ سِنِينَ , وَيُقَال بَلْ مَاتَ فِي خِلَافَة عُمَر وَالْأَوَّل أَقْوَى \" وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ بُكَيْرِ بْن الْأَشَجّ عَنْ بُسْر بْن سَعِيد عَنْ اِبْن السَّاعِدِيِّ , وَخَالَفَهُ عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ بُكَيْرٍ فَقَالَ \" عَنْ اِبْن السَّعْدِيّ \" وَهُوَ الْمَحْفُوظ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏أَخْرَجَ مُسْلِم أَيْضًا هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ السَّائِب بْن يَزِيد عَنْ عَبْد اللَّه بْن السَّعْدِيّ عَنْ عُمَر , فَلَمْ يَسُقْ لَفْظه بَلْ أَحَالَ عَلَى سِيَاق رِوَايَة سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ , وَسَقَطَ مِنْ السَّنَد حُوَيْطِب بْن عَبْد الْعُزَّى بَيْن السَّائِب وَابْن السَّعْدِيّ , وَوَهِمَ الْمِزِّيُّ فِي \" الْأَطْرَاف \" تَبَعًا لِخَلَفٍ فَأَثْبَتَ حُوَيْطِب بْن عَبْد الْعُزَّى فِي السَّنَد فِي رِوَايَة مُسْلِم , وَزَعَمَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَته \" اِبْن السَّاعِدِيّ \" بِزِيَادَةِ أَلِف \" وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي شَيْء مِنْ نُسَخ صَحِيح مُسْلِم لَا إِثْبَات حُوَيْطِب وَلَا الْأَلِف فِي السَّاعِدِيّ \" وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى سُقُوط حُوَيْطِب مِنْ سَنَد مُسْلِم أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ وَالْمَازِرِيّ وَعِيَاض وَغَيْرهمْ , وَلَكِنَّهُ ثَابِت فِي رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث فِي غَيْر كِتَاب مُسْلِم أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج , وَوَقَعَ عِنْدَ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق سَلَامَة عَنْ عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب \" حَدَّثَنِي السَّائِب أَنَّ حُوَيْطِبًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن سَعْد بْن أَبِي سَرْح أَخْبَرَهُ \" فَذَكَرَهُ , وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ سَلَامَة قَالَهُ الرَّهَاوِيّ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَر فِي خِلَافَته فَقَالَ لَهُ عُمَر : أَلَمْ أُحَدِّث ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الدَّال. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّك تَلِي مِنْ أَعْمَال النَّاس ) ‏ ‏أَيْ الْوِلَايَات مِنْ إِمْرَة أَوْ قَضَاء , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة بُسْر بْن سَعِيد عِنْد مُسْلِم \" اِسْتَعْمَلَنِي عُمَر عَلَى الصَّدَقَة \" فَعَيَّنَ الْوِلَايَةَ. ‏ ‏قَوْله ( الْعُمَالَة ) ‏ ‏بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمِيم أَيْ أُجْرَة الْعَمَل , وَأَمَّا الْعَمَالَة بِفَتْحِ الْعَيْن فَهِيَ نَفْس الْعَمَل. ‏ ‏قَوْله ( مَا تُرِيد إِلَى ذَلِكَ ) ‏ ‏أَيْ مَا غَايَة قَصْدك بِهَذَا الرَّدّ. وَقَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ \" وَأُرِيد أَنْ تَكُون عُمَالَتِي صَدَقَة عَلَى الْمُسْلِمِينَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت : إِنَّ لِي أَفْرَاسًا ) ‏ ‏بِفَاءٍ وَمُهْمَلَة جَمْع فَرَس. ‏ ‏قَوْله ( وَأَعْبُدًا ) ‏ ‏لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ بِمُثَنَّاةٍ بَدَل الْمُوَحَّدَة جَمْع عَتِيد وَهُوَ الْمَال الْمُدَّخَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيره فِي \" كِتَاب الزَّكَاة \". وَوَقَعَ عِنْد اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب أَنَّ عُمَر أَعْطَى اِبْن السَّعْدِيّ أَلْف دِينَار , فَذَكَرَ بَقِيَّة الْحَدِيث نَحْو الَّذِي هُنَا , وَرَوَيْنَاهُ الْجُزْء الثَّالِث مِنْ \" فَوَائِد أَبِي بَكْر النَّيْسَابُورِيّ \" الزِّيَادَات مِنْ طَرِيق عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن السَّعْدِيّ قَالَ \" قَدِمْت عَلَى عُمَر فَأَرْسَلَ إِلَيَّ أَلْف دِينَار , فَرَدَدْتهَا وَقُلْت أَنَا عَنْهَا غَنِيّ \" فَذَكَرَهُ أَيْضًا بِنَحْوِهِ , وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ قَدْر الْعُمَالَة الْمَذْكُورَة. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنِّي كُنْت أَرَدْت الَّذِي أَرَدْت ) ‏ ‏بِالْفَتْحِ عَلَى الْخِطَاب. ‏ ‏قَوْله ( يُعْطِينِي الْعَطَاء ) ‏ ‏أَيْ الْمَال الَّذِي يَقْسِمهُ الْإِمَام فِي الْمَصَالِح , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة بُسْر بْن سَعِيد عِنْد مُسْلِم \" فَإِنِّي عَمِلْت عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَمَّلَنِي بِتَشْدِيدِ الْمِيم أَيْ أَعْطَانِي أُجْرَة عَمَلِي فَقُلْت مِثْل قَوْلك \". ‏ ‏قَوْله ( فَأَقُول أَعْطِهِ أَفْقَر إِلَيْهِ مِنِّي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَالِم \" فَأَقُول يَا رَسُول اللَّه \" وَالْبَاقِي سَوَاء. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : جَازَ الْفَصْل بَيْنَ أَفْعَل التَّفْضِيل وَبَيْنَ كَلِمَة \" مِنْ \" لِأَنَّ الْفَاصِل لَيْسَ أَجْنَبِيًّا بَلْ هُوَ أَلْصَق بِهِ مِنْ الصِّلَة لِأَنَّهُ يَحْتَاج إِلَيْهِ بِحَسَبِ جَوْهَر اللَّفْظ , وَالصِّلَة مُحْتَاج إِلَيْهَا بِحَسَبِ الصِّيغَة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَالِم بْن عَبْد اللَّه \" أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ \" بِلَفْظِ \" أَوْ \" بَدَل الْوَاو , وَهُوَ أَمْر إِرْشَاد عَلَى الصَّحِيح. قَالَ اِبْن بَطَّال : أَشَارَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُمَر بِالْأَفْضَلِ , لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَأْجُورًا بِإِيثَارِهِ لِعَطَائِهِ عَنْ نَفْسه مَنْ هُوَ أَفْقَر إِلَيْهِ مِنْهُ فَإِنَّ أَخْذه لِلْعَطَاءِ وَمُبَاشَرَته لِلصَّدَقَةِ بِنَفْسِهِ أَعْظَم لِأَجْرِهِ , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى عَظِيم فَضْل الصَّدَقَة بَعْدَ التَّمَوُّل لِمَا فِي النُّفُوس مِنْ الشُّحّ عَلَى الْمَال. ‏ ‏قَوْله ( غَيْر مُشْرِف ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَكَسْر الرَّاء بَعْدهَا فَاء أَيْ مُتَطَلِّع إِلَيْهِ , يُقَال أَشْرَفَ الشَّيْء عَلَاهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي \" كِتَاب الزَّكَاة \" فِي \" بَاب مِنْ أَعْطَاهُ اللَّه شَيْئًا مِنْ غَيْر مَسْأَلَة \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَا سَائِل ) ‏ ‏أَيْ طَالِب , قَالَ النَّوَوِيّ : فِيهِ النَّهْي عَنْ السُّؤَال , وَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى النَّهْي عَنْهُ لِغَيْرِ الضَّرُورَة , وَاخْتُلِفَ فِي مَسْأَلَة الْقَادِر عَلَى الْكَسْب وَالْأَصَحّ التَّحْرِيم , وَقِيلَ يُبَاح بِثَلَاثِ شُرُوط : أَنْ لَا يُذِلّ نَفْسه , وَلَا يُلِحّ فِي السُّؤَال , وَلَا يُؤْذِي الْمَسْئُول , فَإِنْ فُقِدَ شَرْط مِنْ هَذِهِ الشُّرُوط فَهِيَ حَرَام بِالِاتِّفَاقِ. ‏ ‏قَوْله ( فَخُذْهُ وَإِلَّا فَلَا تُتْبِعهُ نَفْسك ) ‏ ‏أَيْ إِنْ لَمْ يَجِيء إِلَيْك فَلَا تَطْلُبهُ بَلْ اُتْرُكْهُ وَلَيْسَ الْمُرَاد مَنْعه مِنْ الْإِيثَار , بَلْ لِأَنَّ أَخْذه ثُمَّ مُبَاشَرَته الصَّدَقَة بِنَفْسِهِ أَعْظَم لِأَجْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا الْحَدِيث مَنْقَبَة لِعُمَرَ وَبَيَان فَضْله وَزُهْده وَإِيثَاره. قُلْت : وَكَذَا لِابْنِ السَّعْدِيّ فَقَدْ طَابَقَ فِعْله فِعْل عُمَر سَوَاء , وَفِي سَنَد الزُّهْرِيّ عَنْ السَّائِب أَرْبَعَة مِنْ الصَّحَابَة فِي نَسَق السَّائِب وَحُوَيْطِب وَابْن السَّعْدِيّ وَعُمَر , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى ذَلِكَ فِي الْبَاب الْمَذْكُور مِنْ \" كِتَاب الزَّكَاة \" وَذَكَرْت أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ الزُّهْرِيّ , وَأَوْهَمَ كَلَام الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" أَنَّ رِوَايَة شُعَيْب وَعَمْرو بْن الْحَارِث مُتَّفِقَتَانِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ حُوَيْطِب بْن عَبْد الْعُزَّى سَقَطَ مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن الْحَارِث عِنْد مُسْلِم , وَقَدْ وَقَعَتْ الْمُقَارَضَة لِمُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيّ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الرُّبَاعِيَّيْنِ , فَأَوْرَدَ مُسْلِم الرُّبَاعِيّ الَّذِي فِي سَنَده أَرْبَع نِسْوَة بِتَمَامِ الْأَرْبَع , وَأَوْرَدَهُ الْبُخَارِيّ بِنُقْصَانِ وَاحِدَة تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل \" كِتَاب الْفِتَن \" وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيّ الرُّبَاعِيّ الَّذِي فِي سَنَده أَرْبَعَة رِجَال بِتَمَامِ الْأَرْبَعَة , وَأَوْرَدَهُ مُسْلِم بِنُقْصَانِ رَجُل , وَهَذَا مِنْ لَطَائِف مَا اِتُّفِقَ. وَقَدْ وَافَقَ شُعَيْبًا عَلَى زِيَادَة حُوَيْطِب فِي السَّنَد الزُّبَيْدِيّ عِنْد النَّسَائِيِّ وَسُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عِنْده وَمَعْمَر عِنْد الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَده ثَلَاثَتهمْ عَنْ الزُّهْرِيّ , وَقَدْ جَزَمَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن بِأَنَّ السَّائِب لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ اِبْن السَّعْدِيّ , قَالَ النَّوَوِيّ : رَوَيْنَا عَنْ الْحَافِظ عَبْد الْقَادِر الرَّهَاوِيّ فِي كِتَابه الرُّبَاعِيَّات أَنَّ الزُّبَيْدِيّ وَشُعَيْب بْن حَمْزَة وَعُقَيْل بْن خَالِد وَيُونُس بْن يَزِيد وَعَمْرو بْن الْحَارِث رَوَوْهُ عَنْ الزُّهْرِيّ بِذِكْرِ حُوَيْطِب , ثُمَّ ذَكَرَ طُرُقهمْ بِأَسَانِيدَ مُطَوَّلَة. قَالَ : وَرَوَاهُ النُّعْمَان بْن رَاشِد عَنْ الزُّهْرِيّ فَأَسْقَطَ ذِكْر حُوَيْطِب , وَاخْتُلِفَ عَلَى مَعْمَر فَرَوَاهُ اِبْن الْمُبَارَك عَنْهُ كَالنُّعْمَانِ , وَرَوَاهُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَمُوسَى بْن أَعْيَن عَنْهُ كَالْجَمَاعَةِ , وَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر فَأَسْقَطَ اِثْنَيْنِ جَعَلَهُ عَنْ السَّائِب عَنْ عُمَر , قَالَ : وَالصَّحِيح الْأَوَّل. قُلْت : وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُون سُقُوط حُوَيْطِب مِنْ رِوَايَة مُسْلِم وَهْمًا مِنْهُ أَوْ مِنْ شَيْخه , وَإِلَّا فَذِكْره ثَابِت مِنْ رِوَايَة غَيْره كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ نَظَمَ بَعْضهمْ السَّنَد الْمَذْكُور فِي بَيْتَيْنِ فَقَالَ : ‏ ‏وَفِي الْعُمَالَة إِسْنَاد بِأَرْبَعَةٍ ‏ ‏مِنْ الصَّحَابَة فِيهِ عَنْهُمْ ظَهَرَا ‏ ‏السَّائِب بْن زَيْد عَنْ حُوَيْطِب ‏ ‏عَبْد اللَّه حَدَّثَهُ بِذَلِكَ عَنْ عُمَرَا ‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ حَدَّثَنِي سَالِم ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور أَوَّلًا إِلَى الزُّهْرِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرو بْن مَنْصُور عَنْ أَبِي الْيَمَان شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بِالسَّنَدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ إِلَى عُمَر , وَأَمَّا مُسْلِم فَإِنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب سَاقَهُ عَلَى رِوَايَة سَالِم عَنْ أَبِيهِ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِرِوَايَةِ اِبْن شِهَاب عَنْ السَّائِب بْن يَزِيد فَقَالَ مِثْل ذَلِكَ , وَلَيْسَ بَيْن السِّيَاقَيْنِ تَفَاوُت إِلَّا فِي قِصَّة اِبْن السَّعْدِيّ عَنْ عُمَر فَلَمْ يَسُقْهَا مُسْلِم وَإِلَّا مَا بَيَّنْته , وَزَادَ سَالِم \" فَمِنْ أَجْل ذَلِكَ كَانَ اِبْن عُمَر لَا يَسْأَل أَحَدًا شَيْئًا وَلَا يَرُدّ شَيْئًا أُعْطِيَهُ \" قُلْت : وَهَذَا بِعُمُومِهِ ظَاهِر فِي أَنَّهُ كَانَ لَا يَرُدّ مَا فِيهِ شُبْهَة , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَقْبَل هَدَايَا الْمُخْتَار بْن أَبِي عُبَيْد الثَّقَفِيّ وَهُوَ أَخُو صَفِيَّة زَوْج اِبْن عُمَر بِنْت أَبِي عُبَيْد , وَكَانَ الْمُخْتَار غَلَبَ عَلَى الْكُوفَة وَطَرَدَ عُمَّال عَبْد اللَّه اِبْن الزُّبَيْر وَأَقَامَ أَمِيرًا عَلَيْهَا مُدَّة فِي غَيْر طَاعَة خَلِيفَة وَتَصَرَّفَ فِيمَا يَتَحَصَّل مِنْهَا مِنْ الْمَال عَلَى مَا يَرَاهُ , وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ اِبْن عُمَر يَقْبَل هَدَايَاهُ وَكَانَ مُسْتَنَده أَنَّ لَهُ حَقًّا فِي بَيْت الْمَال فَلَا يَضُرّهُ عَلَى أَيّ كَيْفِيَّة وَصَلَ إِلَيْهِ , أَوْ كَانَ يَرَى أَنَّ التَّبِعَة فِي ذَلِكَ عَلَى الْآخِذ الْأَوَّل , أَوْ أَنَّ لِلْمُعْطَى الْمَذْكُور مَالًا آخَر فِي الْجُمْلَة وَحَقًّا مَا فِي الْمَال الْمَذْكُور , فَلَمَّا لَمْ يَتَمَيَّز وَأَعْطَاهُ لَهُ عَنْ طِيب نَفْس دَخَلَ فِي عُمُوم قَوْله \" مَا أَتَاك مِنْ هَذَا الْمَال مِنْ غَيْر سُؤَال وَلَا اِسْتِشْرَاف فَخُذْهُ \" فَرَأَى أَنَّهُ لَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا عَلِمَهُ حَرَامًا مَحْضًا قَالَ الطَّبَرِيُّ : فِي حَدِيث عُمَر الدَّلِيل الْوَاضِح عَلَى أَنَّ لِمَنْ شُغِلَ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَال الْمُسْلِمِينَ أَخْذ الرِّزْق عَلَى عَمَله ذَلِكَ كَالْوُلَاةِ وَالْقُضَاة وَجُبَاة الْفَيْء وَعُمَّال الصَّدَقَة وَشَبَههمْ , لِإِعْطَاءِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَر الْعُمَالَة عَلَى عَمَله , وَذَكَرَ اِبْن الْمُنْذِر أَنَّ زَيْد بْن ثَابِت كَانَ يَأْخُذ الْأَجْر عَلَى الْقَضَاء , وَاحْتَجَّ أَبُو عُبَيْد فِي جَوَاز ذَلِكَ بِمَا فَرَضَ اللَّه لِلْعَامِلِينَ عَلَى الصَّدَقَة وَجَعَلَ لَهُمْ مِنْهَا حَقًّا لِقِيَامِهِمْ وَسَعْيهمْ فِيهَا , وَحَكَى الطَّبَرِيُّ عَنْ الْعُلَمَاء هَلْ الْأَمْر فِي قَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث \" خُذْهُ وَتَمَوَّلْهُ \" لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلنَّدْبِ , ثَالِثهَا إِنْ كَانَتْ الْعَطِيَّة مِنْ السُّلْطَان فَهِيَ حَرَام أَوْ مَكْرُوهَة أَوْ مُبَاحَة , وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْره فَمُسْتَحَبَّة. قَالَ النَّوَوِيّ : وَالصَّحِيح أَنَّهُ إِنْ غَلَبَ الْحَرَام حَرُمَتْ , وَكَذَا إِنْ كَانَ مَعَ عَدَم الِاسْتِحْقَاق وَإِنْ لَمْ يَغْلِب الْحَرَام وَكَانَ الْآخِذ مُسْتَحِقًّا فَيُبَاح , وَقِيلَ يُنْدَب فِي عَطِيَّة السُّلْطَان دُون غَيْره وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَحَدِيث اِبْن السَّعْدِيّ حُجَّة فِي جَوَاز أَرْزَاق الْقُضَاة مِنْ وُجُوههَا. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : فِي الْحَدِيث أَنَّ أَخْذ مَا جَاءَ مِنْ الْمَال عَنْ غَيْر سُؤَال أَفْضَل مِنْ تَرْكه لِأَنَّهُ يَقَع فِي إِضَاعَة الْمَال , وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنِير بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْإِضَاعَة فِي شَيْء لِأَنَّ الْإِضَاعَة التَّبْذِير بِغَيْرِ وَجْه صَحِيح , وَأَمَّا التَّرْك تَوْفِيرًا عَلَى الْمُعْطَى تَنْزِيهًا عَنْ الدُّنْيَا وَتَحَرُّجًا أَنْ لَا يَكُون قَائِمًا بِالْوَظِيفَةِ عَلَى وَجْههَا فَلَيْسَ مِنْ الْإِضَاعَة. ثُمَّ قَالَ : وَالْوَجْه فِي تَعْلِيل الْأَفْضَلِيَّة أَنَّ الْآخِذ أَعْوَن فِي الْعَمَل وَأَلْزَم لِلنَّصِيحَةِ مِنْ التَّارِك , لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَأْخُذ كَانَ عِنْد نَفْسه مُتَطَوِّعًا بِالْعَمَلِ فَقَدْ لَا يَجِدّ جِدَّه مَنْ أَخَذَ رُكُونًا إِلَى أَنَّهُ غَيْر مُلْتَزِم بِخِلَافِ الَّذِي يَأْخُذ فَإِنَّهُ يَكُون مُسْتَشْعِرًا بِأَنَّ الْعَمَل وَاجِب عَلَيْهِ فَيَجِدّ جِدَّه فِيهَا. وَقَالَ اِبْن التِّين : وَفِي هَذَا الْحَدِيث كَرَاهَة أَخْذ الرِّزْق عَلَى الْقَضَاء مَعَ الِاسْتِغْنَاء وَأَنَّ الْمَال طَيِّبًا , كَذَا قَالَ : قَالَ وَفِيهِ جَوَاز الصَّدَقَة بِمَا لَمْ يُقْبَض إِذَا كَانَ لِلْمُتَصَدِّقِ وَاجِبًا , وَلَكِنَّ قَوْله \" خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ \" يَدُلّ عَلَى أَنَّ التَّصَدُّق بِهِ إِنَّمَا يَكُون بَعْد الْقَبْض , لِأَنَّ الْمَال إِذَا مَلَكَهُ الْإِنْسَان وَتَصَدَّقَ بِهِ طَيِّبَة بِهِ نَفْسه كَانَ أَفْضَل مِنْ تَصَدُّقه بِهِ قَبْل قَبْضه , لِأَنَّ الَّذِي يَحْصُل بِيَدِهِ هُوَ أَحْرَص عَلَيْهِ مِمَّا لَمْ يَدْخُل فِي يَده , فَإِنْ اِسْتَوَتْ عِنْد أَحَد الْحَالَانِ فَمَرْتَبَته أَعْلَى , وَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِأَخْذِهِ وَبَيَّنَ لَهُ جَوَاز تَمَوُّله إِنْ أَحَبَّ أَوْ التَّصَدُّق بِهِ. قَالَ : وَذَهَبَ بَعْض الصُّوفِيَّة إِلَى أَنَّ الْمَال إِذَا جَاءَ بِغَيْرِ سُؤَال فَلَمْ يَقْبَلهُ فَإِنَّ الرَّادّ لَهُ يُعَاقَب بِحِرْمَانِ الْعَطَاء. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي \" الْمُفْهِم \" فِيهِ ذَمّ التَّطَلُّع إِلَى مَا فِي أَيْدِي الْأَغْنِيَاء وَالتَّشَوُّف إِلَى فُضُوله وَأَخْذه مِنْهُمْ , وَهِيَ حَالَة مَذْمُومَة تَدُلّ عَلَى شِدَّة الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا وَالرُّكُون إِلَى التَّوَسُّع فِيهَا , فَنَهَى الشَّارِع عَنْ الْأَخْذ عَلَى هَذِهِ الصُّورَة الْمَذْمُومَة قَمْعًا لِلنَّفْسِ وَمُخَالَفَة لَهَا فِي هَوَاهَا اِنْتَهَى. وَتَقَدَّمَتْ سَائِر مَبَاحِثه وَفَوَائِده فِي الْبَاب الْمَذْكُور مِنْ \" كِتَاب الزَّكَاة \" وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏"
    },
    {
        "id": "6631",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏شَهِدْتُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا ‏",
        "sharh": "رِوَايَة سُفْيَان وَهُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ : قَالَ الزُّهْرِيّ \" عَنْ سَهْل بْن سَعْد \" فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا وَلَفْظه \" شَهِدْت الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَأَنَا اِبْن خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَة فُرِّقَ بَيْنَهُمَا \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي كِتَاب اللِّعَان مُطَوَّلًا وَتَقَدَّمَتْ فَوَائِده هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6632",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏أَخِي ‏ ‏بَنِي سَاعِدَةَ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ ‏",
        "sharh": "رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي اِبْن شِهَاب وَهُوَ الزُّهْرِيّ فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا أَيْضًا وَلَفْظه \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار جَاءَ \" فَذَكَرَهُ إِلَى قَوْله \" أَيَقْتُلُهُ فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِد \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا وَشَرْحه هُنَاكَ أَيْضًا. قَالَ اِبْن بَطَّال : اِسْتَحَبَّ الْقَضَاء فِي الْمَسْجِد طَائِفَة , وَقَالَ مَالِك هُوَ الْأَمْر الْقَدِيم , لِأَنَّهُ يَصِل إِلَى الْقَاضِي فِيهِ الْمَرْأَة وَالضَّعِيف , وَإِذَا كَانَ فِي مَنْزِله لَمْ يَصِل إِلَيْهِ النَّاس لِإِمْكَانِ الِاحْتِجَاب قَالَ : وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق : وَكَرِهَتْ ذَلِكَ طَائِفَة , وَكَتَبَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز إِلَى الْقَاسِم بْن عَبْد الرَّحْمَن أَنْ لَا تَقْضِي فِي الْمَسْجِد فَإِنَّهُ يَأْتِيك الْحَائِض وَالْمُشْرِك. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : أَحَبّ إِلَيَّ أَنْ يُقْضَى فِي غَيْر الْمَسْجِد لِذَلِكَ. وَقَالَ الْكَرَابِيسِيُّ : كَرِهَ بَعْضهمْ الْحُكْم فِي الْمَسْجِد مِنْ أَجْل أَنَّهُ قَدْ يَكُون الْحُكْم بَيْن مُسْلِم وَمُشْرِك فَيَدْخُل الْمُشْرِك الْمَسْجِد , قَالَ وَدُخُول الْمُشْرِك الْمَسْجِد مَكْرُوه , وَلَكِنَّ الْحُكْم بَيْنَهُمْ لَمْ يَزَلْ مِنْ صَنِيع السَّلَف فِي مَسْجِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْره. ثُمَّ سَاقَ فِي ذَلِكَ آثَارًا كَثِيرَة. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَحَدِيث سَهْل بْن سَعْد حُجَّة لِلْجَوَازِ , وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى صِيَانَة الْمَسْجِد. وَقَدْ قَالَ مَالِك : كَانَ مَنْ مَضَى يَجْلِسُونَ فِي رِحَاب الْمَسْجِد إِمَّا فِي مَوْضِع الْجَنَائِز وَإِمَّا فِي رَحَبَة دَار مَرْوَان , قَالَ : وَإِنِّي لَأَسْتَحِبّ ذَلِكَ فِي الْأَمْصَار لِيَصِلَ إِلَيْهِ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ وَالْحَائِض وَالضَّعِيف , وَهُوَ أَقْرَب إِلَى التَّوَاضُع وَقَالَ اِبْن الْمُنِير لِرَحَبَةِ الْمَسْجِد حُكْم الْمَسْجِد إِلَّا إِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَة عَنْهُ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهَا كَانَتْ مُنْفَصِلَة عَنْهُ , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون جُلُوس الْقَاضِي فِي الرَّحْبَة الْمُتَّصِلَة وَقِيَام الْخُصُوم خَارِجًا عَنْهَا أَوْ فِي الرَّحَبَة الْمُتَّصِلَة , وَكَأَنَّ التَّابِعِيّ الْمَذْكُور يَرَى أَنَّ الرَّحَبَة لَا تُعْطَى حُكْم الْمَسْجِد وَلَوْ اِتَّصَلَتْ بِالْمَسْجِدِ , وَهُوَ خِلَاف مَشْهُور , فَقَدْ وَقَعَ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي حُكْم رَحَبَة الْمَسْجِد اِخْتِلَاف فِي التَّعْرِيف مَعَ اِتِّفَاقهمْ عَلَى صِحَّة صَلَاة مَنْ فِي الرَّحَبَة الْمُتَّصِلَة بِالْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ مَنْ فِي الْمَسْجِد قَالَ : وَالْفَرْق بَيْنَ الْحَرِيم وَالرَّحَبَة أَنَّ لِكُلِّ مَسْجِد حَرِيمًا وَلَيْسَ لِكُلِّ مَسْجِد رَحَبَة , فَالْمَسْجِد الَّذِي يَكُون أَمَامه قِطْعَة مِنْ الْبُقْعَة هِيَ الرَّحَبَة وَهِيَ الَّتِي لَهَا حُكْم الْمَسْجِد. وَالْحَرِيم هُوَ الَّذِي يُحِيط بِهَذِهِ الرَّحَبَة وَبِالْمَسْجِدِ , وَإِنْ كَانَ سُور الْمَسْجِد مُحِيطًا بِجَمِيعِ الْبُقْعَة فَهُوَ مَسْجِد بِلَا رَحَبَة وَلَكِنْ لَهُ حَرِيم كَالدُّورِ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَسَكَتَ عَمَّا إِذَا بَنَى صَاحِب الْمَسْجِد قِطْعَة مُنْفَصِلَة عَنْ الْمَسْجِد هَلْ هِيَ رَحَبَة تُعْطَى حُكْم الْمَسْجِد ؟ وَعَمَّا إِذَا كَانَ فِي الْحَائِط الْقِبْلِيّ مِنْ الْمَسْجِد رِحَاب بِحَيْثُ لَا تَصِحّ صَلَاة مَنْ صَلَّى فِيهَا خَلْف إِمَام الْمَسْجِد هَلْ تُعْطَى حُكْم الْمَسْجِد , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُعْطَى حُكْم الْمَسْجِد فَتَصِحّ الصَّلَاة فِي الْأُولَى وَيَصِحّ الِاعْتِكَاف فِي الثَّانِيَة , وَقَدْ يُفَرَّق حُكْم الرَّحَبَة مِنْ الْمَسْجِد فِي جَوَاز اللَّغَط وَنَحْوه فِيهَا بِخِلَافِ الْمَسْجِد مَعَ إِعْطَائِهَا حُكْم الْمَسْجِد فِي الصَّلَاة فِيهَا , فَقَدْ أَخْرَجَ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ مِنْ طَرِيق سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ \" بَنَى عُمَر إِلَى جَانِب الْمَسْجِد رَحَبَة فَسَمَّاهَا الْبَطْحَاء فَكَانَ يَقُول : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْغَط أَوْ يُنْشِد شِعْرًا أَوْ يَرْفَع صَوْتًا فَلْيَخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الرَّحَبَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "6633",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعًا قَالَ أَبِكَ جُنُونٌ قَالَ لَا قَالَ ‏ ‏اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏مَنْ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ بِالْمُصَلَّى ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَمَعْمَرٌ ‏ ‏وَابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الرَّجْمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( رَوَاهُ يُونُس وَمَعْمَر وَابْن جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ جَابِر ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّهُمْ خَالَفُوا عُقَيْلًا فِي الصَّحَابِيّ , فَإِنَّهُ جَعَلَ أَصْل الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَقَوْل اِبْن شِهَاب \" أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه : كُنْت فِيمَنْ رَجَمَهُ بِالْمُصَلَّى \" وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا الْحَدِيث كُلّه عَنْ جَابِر , وَرِوَايَة مَعْمَر وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْحُدُود , وَكَذَلِكَ رِوَايَة يُونُس , وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ فَوَصَلَهَا وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهَا هُنَاكَ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ عَقِبَ رِوَايَة مَعْمَر \" لَمْ يَقُلْ يُونُس وَابْن جُرَيْجٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ \" وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى هُنَاكَ وَلِلَّهِ الْحَمْد. قَالَ اِبْن بَطَّال : ذَهَبَ إِلَى الْمَنْع مِنْ إِقَامَة الْحُدُود فِي الْمَسْجِد الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَأَجَازَهُ الشَّعْبِيّ وَابْن أَبِي لَيْلَى , وَقَالَ مَالِك : لَا بَأْس بِالضَّرْبِ بِالسِّيَاطِ الْيَسِيرَة , فَإِذَا كَثُرَتْ الْحُدُود فَلْيَكُنْ ذَلِكَ خَارِجَ الْمَسْجِد. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَقَوْل مَنْ نَزَّهَ الْمَسْجِد عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى , وَفِي الْبَاب حَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ فِي النَّهْي عَنْ إِقَامَة الْحُدُود فِي الْمَسَاجِد اِنْتَهَى. وَالْمَشْهُور فِيهِ حَدِيث مَكْحُول عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء وَوَاثِلَة وَأَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا \" جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" وَإِقَامَة حُدُودِكُمْ \" أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّات , وَأَصْله فِي اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث وَاثِلَة فَقَطْ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر الْحُدُود وَسَنَده ضَعِيف , وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر رَفَعَهُ \" خِصَال لَا تَنْبَغِي فِي الْمَسْجِد : لَا يُتَّخَذ طَرِيقًا \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَلَا يُضْرَب فِيهِ حَدّ \" وَسَنَده ضَعِيف أَيْضًا. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : مَنْ كَرِهَ إِدْخَال الْمَيِّت الْمَسْجِد لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ خَشْيَة أَنْ يَخْرُج مِنْهُ شَيْء أَوْلَى بِأَنْ يَقُول لَا يُقَام الْحَدّ فِي الْمَسْجِد , إِذْ لَا يُؤْمَن خُرُوج الدَّم مِنْ الْمَجْلُود , وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون فِي الْقَتْل أَوْلَى بِالْمَنْعِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6634",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6635",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُحَمَّدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏حُنَيْنٍ ‏ ‏مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ فَقُمْتُ لِأَلْتَمِسَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلِي فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لِي فَجَلَسْتُ ثُمَّ بَدَا لِي فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ سِلَاحُ هَذَا الْقَتِيلِ الَّذِي يَذْكُرُ عِنْدِي قَالَ فَأَرْضِهِ مِنْهُ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏كَلَّا لَا يُعْطِهِ أُصَيْبِغَ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏وَيَدَعَ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَدَّاهُ إِلَيَّ فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافًا فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ ‏ ‏قَالَ لِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اللَّيْثِ ‏ ‏فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَدَّاهُ إِلَيَّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَهْلُ ‏ ‏الْحِجَازِ ‏ ‏الْحَاكِمُ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ شَهِدَ بِذَلِكَ فِي وِلَايَتِهِ أَوْ قَبْلَهَا وَلَوْ أَقَرَّ خَصْمٌ عِنْدَهُ لِآخَرَ بِحَقٍّ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ حَتَّى يَدْعُوَ بِشَاهِدَيْنِ فَيُحْضِرَهُمَا إِقْرَارَهُ ‏ ‏وَقَالَ بَعْضُ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏الْعِرَاقِ ‏ ‏مَا سَمِعَ أَوْ رَآهُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ قَضَى بِهِ وَمَا كَانَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَقْضِ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ بَلْ يَقْضِي بِهِ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ وَإِنَّمَا يُرَادُ مِنْ الشَّهَادَةِ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ فَعِلْمُهُ أَكْثَرُ مِنْ الشَّهَادَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْأَمْوَالِ وَلَا يَقْضِي فِي غَيْرِهَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الْقَاسِمُ ‏ ‏لَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُمْضِيَ قَضَاءً بِعِلْمِهِ دُونَ عِلْمِ غَيْرِهِ ‏ ‏مَعَ أَنَّ عِلْمَهُ أَكْثَرُ مِنْ شَهَادَةِ غَيْرِهِ وَلَكِنَّ فِيهِ تَعَرُّضًا لِتُهَمَةِ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَإِيقَاعًا لَهُمْ فِي الظُّنُونِ ‏ ‏وَقَدْ كَرِهَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الظَّنَّ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا هَذِهِ ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ أَهْل الْحِجَاز : الْحَاكِم لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ , شَهِدَ بِذَلِكَ فِي وِلَايَته أَوْ قَبْلَهَا ) ‏ ‏هُوَ قَوْل مَالِك , قَالَ أَبُو عَلِيّ الْكَرَابِيسِيُّ : لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِمَا عَلِمَ لِوُجُودِ التُّهْمَة , إِذْ لَا يُؤْمَن عَلَى التَّقِيّ أَنْ يَتَطَرَّق إِلَيْهِ التُّهْمَة قَالَ : وَأَظُنّهُ ذَهَبَ إِلَى مَا رَوَاهُ اِبْن شِهَاب عَنْ زُبَيْد بْن الصَّلْت \" أَنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق قَالَ : لَوْ وَجَدْت رَجُلًا عَلَى حَدّ مَا أَقَمْته عَلَيْهِ حَتَّى يَكُون مَعِي غَيْرِي \" ثُمَّ سَاقَهُ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ : وَلَا أَحْسِب مَالِكًا ذَهَبَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيث , فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَلَّدَ أَكْثَر هَذِهِ الْأُمَّة فَضْلًا وَعِلْمًا. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَهَبَ إِلَى الْأَثَر الْمُقَدَّم ذِكْره عَنْ عُمَر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , قَالَ : وَيَلْزَم مَنْ أَجَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِي بِعِلْمِهِ مُطْلَقًا أَنَّهُ لَوْ عَمَدَ إِلَى رَجُل مَسْتُور لَمْ يُعْهَد مِنْهُ فُجُور قَطُّ أَنْ يَرْجُمهُ وَيَدَّعِي أَنَّهُ رَآهُ يَزْنِي , أَوْ يُفَرِّق بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَته وَيَزْعُم أَنَّهُ سَمِعَهُ يُطَلِّقهَا , أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَمَته وَيَزْعُم أَنَّهُ سَمِعَهُ يَعْتِقهَا , فَإِنَّ هَذَا الْبَاب لَوْ فُتِحَ لَوَجَدَ كُلّ قَاضٍ السَّبِيل إِلَى قَتْل عَدُوّهُ وَتَفْسِيقه وَالتَّفْرِيق بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يُحِبّ , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيّ : لَوْلَا قُضَاة السُّوء لَقُلْت إِنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُم بِعِلْمِهِ اِنْتَهَى. وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الزَّمَان الْأَوَّل فَمَا الظَّنّ بِالْمُتَأَخِّرِ , فَيَتَعَيَّن حَسْم مَادَّة تَجْوِيز الْقَضَاء بِالْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَان الْمُتَأَخِّرَة لِكَثْرَةِ مَنْ يَتَوَلَّى الْحُكْم مِمَّنْ لَا يُؤْمَن عَلَى ذَلِكَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَلَوْ أَقَرَّ خَصْم عِنْده لِآخَرَ بِحَقٍّ فِي مَجْلِس الْقَضَاء فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ فِي قَوْل بَعْضهمْ حَتَّى يَدْعُو بِشَاهِدَيْنِ فَيُحْضِرهُمَا إِقْرَاره ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : مَا ذُكِرَ عَنْ عُمَر وَعَبْد الرَّحْمَن هُوَ قَوْل مَالِك وَأَكْثَر أَصْحَابه. ‏ ‏وَقَالَ بَعْض أَصْحَابه : يَحْكُم بِمَا عَلِمَهُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ أَحَد الْخَصْمَيْنِ عِنْدَهُ فِي مَجْلِس الْحُكْم. وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : وَأَشْهَب لَا يَقْضِي بِمَا يَقَع عِنْده فِي مَجْلِس الْحُكْم إِلَّا إِذَا شَهِدَ بِهِ عِنْده. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : مَذْهَب مَالِك أَنَّ مَنْ حَكَمَ بِعِلْمِهِ يَقْضِي عَلَى الْمَشْهُور , إِلَّا إِنْ كَانَ عِلْمه حَادِثًا بَعْد الشُّرُوع فِي الْمُحَاكَمَة فَقَوْلَانِ , وَأَمَّا مَا أَقَرَّ بِهِ عِنْده فِي مَجْلِس الْحُكْم فَيَحْكُم مَا لَمْ يُنْكِر الْخَصْم بَعْد إِقْرَاره وَقَبْل الْحُكْم عَلَيْهِ فَإِنَّ اِبْن الْقَاسِم قَالَ : لَا يَحْكُم عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَيَكُون شَاهِدًا. وَقَالَ اِبْن الْمَاجِشُونِ : يَحْكُم بِعِلْمِهِ. وَفِي الْمَذْهَب تَفَارِيع طَوِيلَة فِي ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ اِبْن الْمُنِير : وَقَوْل مَنْ قَالَ لَا بُدَّ أَنْ يَشْهَد عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِس شَاهِدَانِ يُؤَوَّل إِلَى الْحُكْم بِالْإِقْرَارِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يُؤَدِّيَا أَوْ لَا ; إِنْ أَدَّيَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْأَعْذَار , فَإِنْ أُعْذِر اُحْتِيجَ إِلَى الْإِثْبَات وَتَسَلْسَلَتْ الْقَضِيَّة , وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ رَجَعَ إِلَى الْحُكْم بِالْإِقْرَارِ , وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّيَا كَالْعَدَمِ. وَأَجَابَ غَيْره أَنَّ فَائِدَة ذَلِكَ رَدْع الْخَصْم عَنْ الْإِنْكَار , لِأَنَّهُ إِذَا عَرَفَ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَشْهَد اِمْتَنَعَ مِنْ الْإِنْكَار خَشْيَة التَّعْزِير , بِخِلَافِ مَا إِذَا أَمِنَ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعِرَاق : مَا سَمِعَ أَوْ رَآهُ فِي مَجْلِس الْقَضَاء قَضَى بِهِ وَمَا كَانَ فِي غَيْره لَمْ يَقْضِ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ يُحْضِرُهُمَا إِقْرَاره ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله مِنْ الرُّبَاعِيّ. قُلْت : وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَمَنْ تَبِعَهُ , وَيُوَافِقهُمْ مُطَرِّف وَابْن الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغ وَسَحْنُون مِنْ الْمَالِكِيَّة. قَالَ اِبْن التِّين : وَجَرَى بِهِ الْعَمَل , وَيُوَافِقهُ مَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْن سِيرِينَ قَالَ : \" اِعْتَرَفَ رَجُل عِنْد شُرَيْحٍ بِأَمْرٍ ثُمَّ أَنْكَرَهُ فَقَضَى عَلَيْهِ بِاعْتِرَافِهِ , فَقَالَ : أَتَقْضِي عَلَيَّ بِغَيْرِ بَيِّنَة \" فَقَالَ شَهِدَ عَلَيْك اِبْن أُخْت خَالَتك , يَعْنِي نَفْسه. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ يَقْضِي بِهِ ; لِأَنَّهُ مُؤْتَمَن ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم اِسْم مَفْعُول , وَإِنَّمَا يُرَاد بِالشَّهَادَةِ مَعْرِفَة الْحَقّ , فَعِلْمه أَكْبَر مِنْ الشَّهَادَة وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُف وَمَنْ تَبِعَهُ وَوَافَقَهُمْ الشَّافِعِيّ. قَالَ أَبُو عَلِيّ الْكَرَابِيسِيُّ قَالَ الشَّافِعِيّ بِمِصْرَ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُ : إِنْ كَانَ الْقَاضِي عَدْلًا لَا يَحْكُم بِعِلْمِهِ فِي حَدّ وَلَا قِصَاص إِلَّا مَا أُقِرَّ بِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَحْكُم بِعِلْمِهِ فِي كُلّ الْحُقُوق مِمَّا عَلِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاء أَوْ بَعْدَمَا وَلِيَ , فَقَيَّدَ ذَلِكَ بِكَوْنِ الْقَاضِي عَدْلًا إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ رُبَّمَا وَلِيَ الْقَضَاء مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ بِطَرِيقِ التَّغَلُّب. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ بَعْضهمْ ) ‏ ‏يَعْنِي أَهْل الْعِرَاق ( يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْأَمْوَال وَلَا يَقْضِي غَيْرهَا ) هُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَبِي يُوسُف فِيمَا نَقَلَهُ الْكَرَابِيسِيُّ عَنْهُ إِذَا رَأَى الْحَاكِم رَجُلًا يَزْنِي مَثَلًا لَمْ يَقْضِ بِعِلْمِهِ حَتَّى تَكُون بَيِّنَة تَشْهَد بِذَلِكَ عِنْدَهُ , وَهِيَ رِوَايَة عَنْ أَحْمَد , قَالَ أَبُو حَنِيفَة : الْقِيَاس أَنَّهُ يَحْكُم فِي ذَلِكَ كُلّه بِعِلْمِهِ , وَلَكِنْ أَدَّعِ الْقِيَاس وَأَسْتَحْسِن أَنْ لَا يَقْضِي فِي ذَلِكَ بِعِلْمِهِ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي فِي قَبُول الشَّاهِد وَرَدّه بِمَا يَعْلَمهُ مِنْهُ مِنْ تَجْرِيح أَوْ تَزْكِيَة. وَمُحَصَّل الْآرَاء فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة سَبْعَة , ثَالِثهَا فِي زَمَن قَضَائِهِ خَاصَّةً , رَابِعهَا فِي مَجْلِس حُكْمه , خَامِسُهَا فِي الْأَمْوَال دُونَ غَيْرهَا , سَادِسهَا مِثْلُهُ وَفِي الْقَذْف أَيْضًا وَهُوَ عَنْ بَعْض الْمَالِكِيَّة , سَابِعهَا فِي كُلّ شَيْء إِلَّا فِي الْحُدُود وَهَذَا هُوَ الرَّاجِح عِنْدَ الشَّافِعِيَّة. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لَا يَقْضِي الْحَاكِم بِعِلْمِهِ , وَالْأَصْل فِيهِ عِنْدَنَا الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْكُم بِعِلْمِهِ فِي الْحُدُود , ثُمَّ أَحْدَثَ بَعْض الشَّافِعِيَّة قَوْلًا مُخَرَّجًا أَنَّهُ يَجُوز فِيهَا أَيْضًا حِينَ رَأَوْا أَنَّهَا لَازِمَة لَهُمْ , كَذَا قَالَ فَجَرَى عَلَى عَادَته فِي التَّهْوِيل وَالْإِقْدَام عَلَى نَقْل الْإِجْمَاع مَعَ شُهْرَة الِاخْتِلَاف. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ الْقَاسِم : لَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقْضِي قَضَاء بِعِلْمِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ يَمْضِي. ‏ ‏قَوْله ( دُونَ عِلْم غَيْره ) ‏ ‏أَيْ إِذَا كَانَ وَحْده عَالِمًا بِهِ لَا غَيْره. ‏ ‏قَوْله ( وَلَكِنَّ ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ وَفِي نُسْخَة بِالتَّخْفِيفِ وَتَعَرُّض بِالرَّفْعِ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِيقَاعًا ) ‏ ‏عَطْف عَلَى تَعَرُّضًا أَوْ نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول مَعَهُ وَالْعَامِل فِيهِ مُتَعَلَّق الظَّرْف , وَالْقَاسِم الْمَذْكُور كُنْت أَظُنّهُ أَنَّهُ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق أَحَد الْفُقَهَاء السَّبْعَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة لِأَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ فِي الْفُرُوع الْفِقْهِيَّة اِنْصَرَفَ الذِّهْن إِلَيْهِ , لَكِنْ رَأَيْت فِي رِوَايَة عَنْ أَبِي ذَرّ أَنَّهُ الْقَاسِم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَهُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْره قَرِيبًا فِي \" بَاب الشَّهَادَة عَلَى الْخَطّ \" فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ أَصْحَابه الْكُوفِيِّينَ وَوَافَقَ أَهْل الْمَدِينَة فِي هَذَا الْحُكْم وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( وَقَدْ كَرِهَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظَّنّ فَقَالَ : إِنَّمَا هَذِهِ صَفِيَّة ) ‏ ‏هُوَ طَرَف مِنْ الْحَدِيث الَّذِي وَصَلَهُ بَعْدُ , وَقَوْله فِي الطَّرِيق الْمَوْصُولَة عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن أَيْ اِبْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَهُوَ الْمُلَقَّب بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6636",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَتَتْهُ ‏ ‏صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ‏ ‏فَلَمَّا رَجَعَتْ انْطَلَقَ مَعَهَا فَمَرَّ بِهِ رَجُلَانِ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَدَعَاهُمَا فَقَالَ إِنَّمَا هِيَ ‏ ‏صَفِيَّةُ ‏ ‏قَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏مَجْرَى الدَّمِ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏وَابْنُ مُسَافِرٍ ‏ ‏وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ ‏ ‏وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ يَعْنِي ابْنَ حُسَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفِيَّةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَتْهُ صَفِيَّة بِنْت حُيَيٍّ ) ‏ ‏هَذَا صُورَته مُرْسَل , وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ \" رَوَاهُ شُعَيْب وَابْن مُسَافِر وَابْن أَبِي عَتِيق وَإِسْحَاق بْن يَحْيَى عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عَلِيّ - أَيْ اِبْن الْحُسَيْن - عَنْ صَفِيَّة \" يَعْنِي فَوَصَلُوهُ , فَتُحْمَل رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَلَى أَنَّ عَلِيّ بْن حُسَيْن تَلَقَّاهُ عَنْ صَفِيَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْل ذَلِكَ فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ مَعَ شَرْح حَدِيث صَفِيَّة مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب الِاعْتِكَاف \" فَإِنَّهُ سَاقَهُ هُنَاكَ تَامًّا وَأَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا. وَرِوَايَة شُعَيْب وَهُوَ اِبْن أَبِي حَمْزَة وَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي الِاعْتِكَاف أَيْضًا وَفِي \" كِتَاب الْأَدَب \" وَرِوَايَة اِبْن مُسَافِر وَهُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن مُسَافِر الْفَهْمِيُّ وَصَلَهَا أَيْضًا فِي الصَّوْم وَفِي فَرْض الْخُمُس , وَرِوَايَة اِبْن أَبِي عَتِيق وَهُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَصَلَهَا الْمُصَنِّف فِي الِاعْتِكَاف وَأَوْرَدَهَا فِي الْأَدَب أَيْضًا مَقْرُونَة بِرِوَايَةِ شُعَيْب وَرِوَايَة إِسْحَاق بْن يَحْيَى وَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" وَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيّ أَيْضًا مَعْمَر فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي وَصْله وَإِرْسَاله تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي صِفَة إِبْلِيس مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ وَمُرْسَلًا فِي فَرْض الْخُمُس مِنْ رِوَايَة هِشَام بْن يُوسُف عَنْ مَعْمَر وَأَوْرَدَهَا النَّسَائِيُّ مَوْصُولَة مِنْ رِوَايَة مُوسَى بْن أَعْيَن عَنْ مَعْمَر وَمُرْسَلَة مِنْ رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك عَنْهُ وَوَصَلَهُ أَيْضًا عَنْ الزُّهْرِيّ عُثْمَان اِبْن عُمَر بْن مُوسَى التَّيْمِيُّ عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَأَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحه , وَعَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق عِنْد أَبِي عَوَانَة أَيْضًا , وَهُشَيْمٌ عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور وَآخَرُونَ. وَوَجْه الِاسْتِدْلَال بِحَدِيثِ صَفِيَّة لِمَنْ مَنَعَ الْحُكْم بِالْعِلْمِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ أَنْ يَقَع فِي قَلْب الْأَنْصَارِيِّينَ مِنْ وَسْوَسَة الشَّيْطَان شَيْء , فَمُرَاعَاة نَفْي التُّهْمَة عَنْهُ مَعَ عِصْمَته تَقْتَضِي مُرَاعَاة نَفْي التُّهْمَة عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَنْ رَأَى لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُم بِعِلْمِهِ \" بَيَان حُجَّة مَنْ أَجَازَ وَمَنْ مَنَعَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته هُنَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6637",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْعَقَدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا فَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏إِنَّهُ يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا الْبِتْعُ فَقَالَ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏وَأَبُو دَاوُدَ ‏ ‏وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏وَوَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( بَشِّرَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله ( وَتَطَاوَعَا ) ‏ ‏أَيْ تَوَافَقَا فِي الْحُكْم وَلَا تَخْتَلِفَا لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى اِخْتِلَاف أَتْبَاعكُمَا , فَيُفْضِي إِلَى الْعَدَاوَة ثُمَّ الْمُحَارَبَة , وَالْمَرْجِع فِي الِاخْتِلَاف إِلَى مَا جَاءَ فِي \" الْكِتَاب وَالسُّنَّة \" كَمَا قَالَ تَعَالَى ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُول ) وَسَيَأْتِي مَزِيد بَيَان لِذَلِكَ فِي \" كِتَاب الِاعْتِصَام \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ النَّضْر وَأَبُو دَاوُدَ وَيَزِيد بْن هَارُون وَوَكِيع عَنْ شُعْبَة عَنْ سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه ) ‏ ‏يَعْنِي مَوْصُولًا , وَرِوَايَة النَّضْر وَأَبِي دَاوُدَ وَوَكِيع تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهَا فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي فِي \" بَاب بَعْث أَبِي مُوسَى وَمُعَاذ إِلَى الْيَمَن \" وَرِوَايَة يَزِيد بْن هَارُون وَصَلَهَا أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيُّ , قَالَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره : فِي الْحَدِيث الْحَضّ عَلَى الِاتِّفَاق لِمَا فِيهِ مِنْ ثَبَات الْمَحَبَّة وَالْأُلْفَة وَالتَّعَاوُن عَلَى الْحَقّ , وَفِيهِ جَوَاز نَصْب قَاضِيَيْنِ فِي بَلَد وَاحِد فَيَقْعُد كُلّ مِنْهُمَا فِي نَاحِيَة. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَكَهُمَا فِيمَا وَلَّاهُمَا , فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي تَوْلِيَة اِثْنَيْنِ قَاضِيَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ فِي الْوِلَايَة كَذَا جَزَمَ بِهِ ; قَالَ : وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا نَفَذَ حُكْم كُلّ مِنْهُمَا فِيهِ , لَكِنْ قَالَ اِبْن الْمُنِير : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَلَّاهُمَا لِيَشْتَرِكَا فِي الْحُكْم فِي كُلّ وَاقِعَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَسْتَقِلّ كُلّ مِنْهُمَا بِمَا يَحْكُم بِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَمَل يَخُصّهُ وَاَللَّه أَعْلَم كَيْف كَانَ. وَقَالَ اِبْن التِّين : الظَّاهِر اِشْتِرَاكهمَا , لَكِنْ جَاءَ فِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّهُ أَقَرَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَاف , وَالْمِخْلَاف الْكُورَة , وَكَانَ الْيَمَن مِخْلَافَيْنِ. قُلْت : وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد , وَالرِّوَايَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا تَقَدَّمَتْ فِي غَزْوَة حُنَيْن بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور , وَتَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ إِذَا سَارَ فِي عَمَله زَارَ رَفِيقه , وَكَانَ عَمَل مُعَاذ النُّجُود وَمَا تَعَالَى مِنْ بِلَاد الْيَمَن , وَعَمَل أَبِي مُوسَى التَّهَائِم وَمَا اِنْخَفَضَ مِنْهَا , فَعَلَى هَذَا فَأَمَرَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمَا بِأَنْ يَتَطَاوَعَا وَلَا يَتَخَالَفَا مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا اِتَّفَقَتْ قَضِيَّة يَحْتَاج الْأَمْر فِيهَا إِلَى اِجْتِمَاعهمَا , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَة , وَلَا يَلْزَم مِنْ قَوْله \" تَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا \" أَنْ يَكُونَا شَرِيكَيْنِ كَمَا اِسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن الْعَرَبِيّ. وَقَالَ أَيْضًا : فَإِذَا اِجْتَمَعَا فَإِنْ اِتَّفَقَا فِي الْحُكْم وَإِلَّا تَبَاحَثَا حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَى الصَّوَاب وَإِلَّا رَفَعَا الْأَمْر لِمَنْ فَوْقَهُمَا. وَفِي الْحَدِيث الْأَمْر بِالتَّيْسِيرِ فِي الْأُمُور وَالرِّفْق بِالرَّعِيَّةِ وَتَحْبِيب الْإِيمَان إِلَيْهِمْ وَتَرْك الشِّدَّة لِئَلَّا تَنْفِر قُلُوبهمْ وَلَا سِيَّمَا فِيمَنْ كَانَ قَرِيب الْعَهْد بِالْإِسْلَامِ أَوْ قَارَبَ حَدّ التَّكْلِيف مِنْ الْأَطْفَال لِيَتَمَكَّنَ الْإِيمَان مِنْ قَلْبه وَيَتَمَرَّن عَلَيْهِ , وَكَذَلِكَ الْإِنْسَان فِي تَدْرِيب نَفْسه عَلَى الْعَمَل إِذَا صَدَقَتْ إِرَادَته لَا يُشَدِّد عَلَيْهَا بَلْ يَأْخُذهَا بِالتَّدْرِيجِ وَالتَّيْسِير حَتَّى إِذَا أَنِسَتْ بِحَالَةٍ دَاوَمَتْ عَلَيْهَا نَقَلَهَا لِحَالٍ آخَرَ وَزَادَ عَلَيْهَا أَكْثَر مِنْ الْأُولَى حَتَّى يَصِل إِلَى قَدْر اِحْتِمَالهَا وَلَا يُكَلِّفهَا بِمَا لَعَلَّهَا تَعْجِز عَنْهُ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة الزِّيَارَة وَإِكْرَام الزَّائِر وَأَفْضَلِيَّة مُعَاذ فِي الْفِقْه عَلَى أَبِي مُوسَى , وَقَدْ جَاءَ \" أَعْلَمكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَام مُعَاذ بْن جَبَل \" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره مِنْ حَدِيث أَنَس. ‏"
    },
    {
        "id": "6638",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فُكُّوا ‏ ‏الْعَانِيَ ‏ ‏وَأَجِيبُوا الدَّاعِيَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى ‏ ‏( فُكُّوا الْعَانِيَ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُون هُوَ الْأَسِير \" وَأَجِيبُوا الدَّاعِيَ \" وَهُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث تَقَدَّمَ فِي الْوَلِيمَة وَغَيْرهَا بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا. قَالَ اِبْن بَطَّال : عَنْ مَالِك , لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُجِيب الدَّعْوَة إِلَّا فِي الْوَلِيمَة خَاصَّة , ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَكَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ , وَالتَّرْك أَحَبّ إِلَيْنَا لِأَنَّهُ أَنْزَه , إِلَّا أَنْ يَكُون لِأَخٍ فِي اللَّه أَوْ خَالِص قَرَابَة أَوْ مَوَدَّة. وَكَرِهَ مَالِك لِأَهْلِ الْفَضْل أَنْ يُجِيبُوا كُلّ مَنْ دَعَاهُمْ اِنْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيل أَحْكَام إِجَابَة الدَّعْوَة فِي الْوَلِيمَة وَغَيْرهَا بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته. ‏"
    },
    {
        "id": "6639",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَجُلًا مِنْ ‏ ‏بَنِي أَسْدٍ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ ‏ ‏ابْنُ الْأُتَبِيَّةِ ‏ ‏عَلَى صَدَقَةٍ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏أَيْضًا فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ ‏ ‏فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ هَذَا لَكَ وَهَذَا لِي فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَصَّهُ عَلَيْنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حُمَيْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعَ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنِي وَسَلُوا ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏فَإِنَّهُ سَمِعَهُ مَعِي ‏ ‏وَلَمْ يَقُلْ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏سَمِعَ أُذُنِي ‏ { ‏خُوَارٌ ‏} ‏صَوْتٌ ‏ ‏وَالْجُؤَارُ مِنْ ‏ { ‏تَجْأَرُونَ ‏} ‏كَصَوْتِ الْبَقَرَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الزُّهْرِيّ ) ‏ ‏قَدْ ذَكَرَ فِي آخِره مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ سُفْيَان سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيّ وَهُوَ قَوْله \" قَالَ سُفْيَان قَصَّهُ عَلَيْنَا الزُّهْرِيّ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيقه , وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَان قَالَ قَصَّهُ عَلَيْنَا الزُّهْرِيّ وَحَفِظْنَاهُ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور : أَخْبَرَنِي عُرْوَة. ‏ ‏قَوْله ( اِسْتَعْمَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسْد ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَة , كَذَا وَقَعَ هُنَا وَهُوَ يُوهِم أَنَّهُ بِفَتْحِ السِّين نِسْبَةً إِلَى بَنِي أَسَد بْن خُزَيْمَةَ الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة أَوْ إِلَى بَنِي أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى بَطْن مِنْ قُرَيْش. وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا قُلْت إِنَّهُ يُوهِمهُ لِأَنَّ الْأَزْدِيَّ تُلَازِمهُ الْأَلِف وَاللَّام فِي الِاسْتِعْمَال أَسْمَاء وَأَنْسَابًا , بِخِلَافِ بَنِي أَسْد فَبِغَيْرِ أَلِف وَلَام فِي الِاسْم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ هُنَا \" مِنْ بَنِي الْأَسْد \" بِزِيَادَةِ الْأَلِف وَاللَّام وَلَا إِشْكَال فِيهَا مَعَ سُكُون السِّين , وَقَدْ وَقَعَ فِي الْهِبَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الْجُعْفِيِّ عَنْ سُفْيَان \" اِسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ \" وَكَذَا قَالَ أَحْمَد وَالْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ سُفْيَان وَمِثْله لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي بَكْر اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره عَنْ سُفْيَان , وَفِي نُسْخَة بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة بَدَل الزَّاي , ثُمَّ وَجَدْت مَا يُزِيل الْإِشْكَال إِنْ ثَبَتَ , وَذَلِكَ أَنَّ أَصْحَاب الْأَنْسَاب ذَكَرُوا أَنَّ فِي الْأَزْدِ بَطْنًا يُقَال لَهُمْ بَنُو أَسَد بِالتَّحْرِيكِ يُنْسَبُونَ إِلَى أَسَد بْن شُرَيْك بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا اِبْن مَالِك بْن عَمْرو بْن مَالِك بْن فَهْم , وَبَنُو فَهْم بَطْن شَهِير مِنْ الْأَزْدِ فَيَحْتَمِل أَنَّ اِبْن الْأُتْبِيَّة كَانَ مِنْهُمْ فَيَصِحّ أَنْ يُقَال فِيهِ الْأَزْدِيُّ بِسُكُونِ الزَّاي وَالْأَسْدِيّ بِسُكُونِ السِّين وَبِفَتْحِهَا مِنْ بَنِي أَسَد بِفَتْحِ السِّين وَمِنْ بَنِي الْأَزْدِ أَوْ الْأَسْد بِالسُّكُونِ فِيهِمَا لَا غَيْرُ , وَذَكَرُوا مِمَّنْ يُنْسَب كَذَلِكَ مُسَدَّدًا شَيْخ الْبُخَارِيّ. ‏ ‏قَوْله ( يُقَال لَهُ اِبْن الْأُتْبِيَّة ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْمُثَنَّاة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة , وَفِي الْهَامِش بِاللَّامِ بَدَل الْهَمْزَة , كَذَلِكَ وَوَقَعَ كَالْأَوَّلِ لِسَائِرِهِمْ وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي الْهِبَة , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم بِاللَّامِ الْمَفْتُوحَة ثُمَّ الْمُثَنَّاة السَّاكِنَة وَبَعْضهمْ يَفْتَحهَا , وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ بِاللَّامِ أَوْ بِالْهَمْزَةِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي \" بَاب مُحَاسَبَة الْإِمَام عُمَّاله \" بِالْهَمْزَةِ , وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ بِاللَّامِ , وَقَالَ عِيَاض : ضَبَطَهُ الْأَصِيلِيُّ بِخَطِّهِ فِي هَذَا الْبَاب بِضَمِّ اللَّام وَسُكُون الْمُثَنَّاة , وَكَذَا قَيَّدَهُ اِبْن السَّكَن , قَالَ : وَهُوَ الصَّوَاب , وَكَذَا قَالَ اِبْن السَّمْعَانِيّ اِبْن اللُّتَبِيَّة بِضَمِّ اللَّام وَفَتْح الْمُثَنَّاة وَيُقَال بِالْهَمْزِ بَدَل اللَّام , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اِسْمه عَبْد اللَّه وَاللُّتْبِيَّة أُمّه لَمْ نَقِف عَلَى تَسْمِيَتهَا. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى صَدَقَة ) ‏ ‏وَقَعَ فِي الْهِبَة \" عَلَى الصَّدَقَة \" وَكَذَا لِمُسْلِمٍ , وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة تَعْيِين مَنْ اُسْتُعْمِلَ عَلَيْهِمْ. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ : هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عِنْد مُسْلِم \" فَجَاءَ بِالْمَالِ فَدَفَعَهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَذَا مَالُكُمْ وَهَذِهِ هَدِيَّة أُهْدِيَتْ لِي \" وَفِي رِوَايَة هِشَام الْآتِيَة قَرِيبًا \" فَلَمَّا جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَاسَبَهُ قَالَ : هَذَا الَّذِي لَكُمْ , وَهَذِهِ هَدِيَّة أُهْدِيَتْ لِي \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الزِّنَاد عَنْ عُرْوَة عِنْد مُسْلِم \" فَجَاءَ بِسَوَادٍ كَثِير \" وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْوَاو \" فَجَعَلَ يَقُول هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي \" وَأَوَّلُهُ عِنْد أَبِي عَوَانَة \" بَعَثَ مُصَدِّقًا إِلَى الْيَمَن \" فَذَكَرَهُ. وَالْمُرَاد بِالسَّوَادِ الْأَشْيَاء الْكَثِيرَة وَالْأَشْخَاص الْبَارِزَة مِنْ حَيَوَان وَغَيْره , وَلَفْظ السَّوَاد يُطْلَق عَلَى كُلّ شَخْص وَلِأَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَأَرْسَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَتَوَفَّى مِنْهُ \" وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة \" فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ \" أَيْ أَمَرَ مَنْ يُحَاسِبهُ وَيَقْبِض مِنْهُ , وَفِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم أَيْضًا \" فَجَعَلَ يَقُول هَذَا لَكُمْ وَهَذَا لِي \" حَتَّى مَيَّزَهُ \" قَالَ يَقُولُونَ مِنْ أَيْنَ هَذَا لَك ؟ قَالَ : أُهْدِيَ لِي , فَجَاءُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا أَعْطَاهُمْ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَر ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة هِشَام قَبْلَ ذَلِكَ \" فَقَالَ أَلَا جَلَسْت فِي بَيْت أَبِيك وَبَيْت أُمّك حَتَّى تَأْتِيك هَدِيَّتك إِنْ كُنْت صَادِقًا ؟ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ سُفْيَان : أَيْضًا فَصَعِدَ الْمِنْبَر ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ سُفْيَان كَانَ تَارَة يَقُول \" قَامَ \" وَتَارَة \" صَعِدَ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب \" ثُمَّ قَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّة بَعْدَ الصَّلَاة \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عِنْد مُسْلِم \" ثُمَّ قَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الزِّنَاد عِنْد أَبِي نُعَيْم \" فَصَعِدَ الْمِنْبَر وَهُوَ مُغْضَبٌ \". ‏ ‏قَوْله ( مَا بَالُ الْعَامِل نَبْعَثهُ فَيَأْتِي فَيَقُول ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يَقُول \" بِحَذْفِ الْفَاء , وَفِي رِوَايَة شُعَيْب \" فَمَا بَالُ الْعَامِل نَسْتَعْمِلهُ فَيَأْتِينَا فَيَقُول \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة \" فَإِنِّي أَسْتَعْمِل الرَّجُل مِنْكُمْ عَلَى أُمُور مِمَّا وَلَّانِي اللَّه \". ‏ ‏قَوْله ( هَذَا لَك وَهَذَا لِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد \" هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي \" وَفِي رِوَايَة هِشَام \" فَيَقُول هَذَا الَّذِي لَكُمْ وَهَذِهِ هَدِيَّة أُهْدِيَتْ لِي \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي رِوَايَة أَبِي الزِّنَاد مِنْ الزِّيَادَة. ‏ ‏قَوْله ( فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْت أَبِيهِ وَأُمّه فَيَنْظُر أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا ) ‏ ‏؟ فِي رِوَايَة هِشَام \" حَتَّى تَأْتِيه هَدِيَّته إِنْ كَانَ صَادِقًا \". ‏ ‏قَوْله ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل \" كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُورِ \". ‏ ‏قَوْله ( لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة ) ‏ ‏يَعْنِي لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ يَحُوزُهُ لِنَفْسِهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه اِبْن مُحَمَّد \" لَا يَأْخُذ أَحَد مِنْهَا شَيْئًا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة \" لَا يَنَال أَحَد مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي الزِّنَاد عِنْد أَبِي عَوَانَة \" لَا يَغُلّ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ \" وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب عِنْد الْمُصَنِّف وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ كِلَاهُمَا بِلَفْظِ \" لَا يَغُلّ \" بِضَمِّ الْغَيْن الْمُعْجَمَة مِنْ الْغُلُول وَأَصْله الْخِيَانَة فِي الْغَنِيمَة , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي كُلّ خِيَانَة. ‏ ‏قَوْله ( يَحْمِلهُ عَلَى رَقَبَته ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر \" عَلَى عُنُقه \" وَفِي رِوَايَة هِشَام \" لَا يَأْخُذ أَحَدكُمْ مِنْهَا شَيْئًا \" قَالَ هِشَام \" بِغَيْرِ حَقّه \" وَلَمْ يَقَع قَوْله \" قَالَ هِشَام \" عِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة الْمَذْكُورَة , وَأَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَة اِبْن نُمَيْر عَنْ هِشَام بِدُونِ قَوْله \" بِغَيْرِ حَقّه \" وَهَذَا مُشْعِر بِإِدْرَاجِهَا. ‏ ‏قَوْله ( إِنْ كَانَ ) ‏ ‏أَيْ الَّذِي غَلَّهُ ‏ ‏( بَعِيرًا لَهُ رُغَاء ) ‏ ‏بِضَمِّ الرَّاء وَتَخْفِيف الْمُعْجَمَة مَعَ الْمَدّ هُوَ صَوْت الْبَعِيرِ. ‏ ‏قَوْله ( خُوَار ) ‏ ‏يَأْتِي ضَبْطُهُ. ‏ ‏قَوْله ( أَوْ شَاة تَيْعَر ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة الْفَوْقَانِيَّة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدَهَا مُهْمَلَة مَفْتُوحَة وَيَجُوز كَسْرهَا , وَوَقَعَ عِنْدَ اِبْن التِّين \" أَوْ شَاة لَهَا يُعَار \" وَيُقَال \" يَعَار \" قَالَ وَقَالَ الْقَزَّاز : هُوَ يَعَار بِغَيْرِ شَكّ يَعْنِي بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَتَخْفِيف الْمُهْمَلَة وَهُوَ صَوْت الشَّاة الشَّدِيد \" قَالَ : وَالْيُعَار لَيْسَ بِشَيْءٍ كَذَا فِيهِ وَكَذَا لَمْ أَرَهُ هُنَا فِي شَيْء مِنْ نُسَخ الصَّحِيح , وَقَالَ غَيْره : الْيُعَار بِضَمِّ أَوَّله صَوْت الْمَعْز , يَعَرَتْ الْعَنْز تَيْعَر بِالْكَسْرِ وَبِالْفَتْحِ يُعَارًا إِذَا صَاحَتْ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبِطَيْهِ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد \" عُفْرَة إِبْطه \" بِالْإِفْرَادِ , وَلِأَبِي ذَرّ \" عَفَر \" بِفَتْحِ أَوَّله وَلِبَعْضِهِمْ بِفَتْحِ الْفَاء أَيْضًا بِلَا هَاء , وَكَالْأَوَّلِ فِي رِوَايَة شُعَيْب بِلَفْظِ \" حَتَّى إِنَّا لَنَنْظُر إِلَى \" وَالْعُفْرَة بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْفَاء تَقَدَّمَ شَرْحهَا فِي \" كِتَاب الصَّلَاة \" وَحَاصِله أَنَّ الْعَفَر بَيَاض لَيْسَ بِالنَّاصِعِ. ‏ ‏قَوْله ( أَلَا ) ‏ ‏بِالتَّخْفِيفِ ‏ ‏( هَلْ بَلَّغْت ) ‏ ‏بِالتَّشْدِيدِ ‏ ‏( ثَلَاثًا ) ‏ ‏أَيْ أَعَادَهَا ثَلَاث مَرَّات. وَفِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد فِي الْهِبَة \" اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت , اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت ثَلَاثًا \" وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" قَالَ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت مَرَّتَيْنِ \" وَمِثْله لِأَبِي دَاوُدَ وَلَمْ يَقُلْ \" مَرَّتَيْنِ \" وَصَرَّحَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ بِالثَّالِثَةِ \" اللَّهُمَّ بَلَّغْت \" وَالْمُرَاد بَلَّغْت حُكْم اللَّه إِلَيْكُمْ اِمْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى لَهُ ( بَلِّغْ ) وَإِشَارَة إِلَى مَا يَقَع فِي الْقِيَامَة مِنْ سُؤَال الْأُمَم هَلْ بَلَّغَهُمْ أَنْبِيَاؤُهُمْ مَا أُرْسِلُوا بِهِ إِلَيْهِمْ. ‏ ‏قَوْله ( وَزَادَ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ مِنْ مَقُول سُفْيَان وَلَيْسَ تَعْلِيقًا مِنْ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَان \" حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ وَهِشَام بْن عُرْوَة قَالَا حَدَّثَنَا عُرْوَة بْن الزُّبَيْر \" وَسَاقَهُ عَنْهُمَا مَسَاقًا وَاحِدًا وَقَالَ فِي آخِره \" قَالَ سُفْيَان : زَادَ فِيهِ هِشَام \". ‏ ‏قَوْله ( سَمِعَ أُذُنِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمِيم وَأُذُنِي بِالْإِفْرَادِ بِقَرِينَةِ قَوْله \" وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنِي \" قَالَ عِيَاض : بِسُكُونِ الصَّاد الْمُهْمَلَة وَالْمِيم وَفَتْح الرَّاء وَالْعَيْن لِلْأَكْثَرِ وَحُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ قَالَ الْعَرَب تَقُول سَمُعَ أُذُنِي زَيْدًا بِضَمِّ الْعَيْن , قَالَ عِيَاض وَاَلَّذِي فِي تَرْك الْحِيَل وَجْهه النَّصْب عَلَى الْمَصْدَر لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُر الْمَفْعُول وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي تَرْك الْحِيَل وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" بَصْر وَسَمْع \" بِالسُّكُونِ فِيهِمَا وَالتَّثْنِيَة فِي أُذُنَيَّ وَعَيْنَيَّ , وَعِنْده فِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر بَصِرَ عَيْنَايَ وَسَمِعَ أُذُنَايَ , وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ هِشَام عِنْد أَبِي عَوَانَة \" بَصُرَ عَيْنَا أَبِي حُمَيْدٍ وَسَمِعَ أُذُنَاهُ \". قُلْت : وَهَذَا يَتَعَيَّن أَنْ يَكُون بِضَمِّ الصَّاد وَكَسْر الْمِيم وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي الزِّنَاد عَنْ عُرْوَة قُلْت لِأَبِي حُمَيْدٍ أَسَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ مِنْ فِيهِ إِلَى أُذُنِي , قَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَاهُ إِنَّنِي أَعْلَمهُ عِلْمًا يَقِينًا لَا أَشُكّ فِي عِلْمِي بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَسَلُوا زَيْد بْن ثَابِت فَإِنَّهُ سَمِعَهُ مَعِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ \" فَإِنَّهُ كَانَ حَاضِرًا مَعِي \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْ هِشَام \" يَشْهَد عَلَى مَا أَقُول زَيْد بْن ثَابِت يَحُكّ مَنْكِبه مَنْكِبِي , رَأَى مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْل الَّذِي رَأَيْت وَشَهِدَ مِثْل الَّذِي شَهِدْت \" وَقَدْ ذَكَرْت فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور أَنِّي لَمْ أَجِدهُ مِنْ حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت. ‏ ‏قَوْله ( وَلَمْ يَقُلْ الزُّهْرِيّ سَمِعَ أُذُنِي ) ‏ ‏هُوَ مَقُول سُفْيَانَ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( خُوَار صَوْت , وَالْجُؤَار مِنْ تَجْأَرُونَ كَصَوْتِ الْبَقَرَة ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ هُنَا وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْأَوَّل بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة يُفَسِّر قَوْله فِي حَدِيث أَبِي حُمَيْدٍ \" بَقَرَة لَهَا خُوَار \" وَهُوَ فِي الرِّوَايَة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَلِبَعْضِهِمْ بِالْجِيمِ , وَأَشَارَ إِلَى مَا فِي سُورَة طَه { عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار } وَهُوَ صَوْت الْعِجْل , وَيُسْتَعْمَل فِي غَيْر الْبَقَر مِنْ الْحَيَوَان. وَأَمَّا قَوْله \" وَالْجُؤَار \" فَهُوَ بِضَمِّ الْجِيم وَوَاو مَهْمُوزَة وَيَجُوز تَسْهِيلهَا , وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ \" يَجْأَرُونَ \" إِلَى مَا فِي سُورَة قَدْ أَفْلَحَ { بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : أَيْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتهمْ كَمَا يَجْأَر الثَّوْر. وَالْحَاصِل أَنَّهُ بِالْجِيمِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة بِمَعْنًى , إِلَّا أَنَّهُ بِالْخَاءِ لِلْبَقَرِ وَغَيْرهَا مِنْ الْحَيَوَان وَبِالْجِيمِ لِلْبَقَرِ وَالنَّاس قَالَ اللَّه تَعَالَى { فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ } وَفِي قِصَّة مُوسَى \" لَهُ جُؤَار إِلَى اللَّه بِالتَّلْبِيَةِ \" أَيْ صَوْت عَالٍ , وَهُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ أَبِي الْعَالِيَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقِيلَ أَصْله فِي الْبَقَر وَاسْتُعْمِلَ فِي النَّاس , وَلَعَلَّ الْمُصَنِّف أَشَارَ أَيْضًا إِلَى قِرَاءَة الْأَعْمَش , عِجْلًا جَسَدًا لَهُ جُؤَار بِالْجِيمِ , وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَنَّ الْإِمَام يَخْطُب فِي الْأُمُور الْمُهِمَّة , وَاسْتِعْمَال \" أَمَّا بَعْدُ \" فِي الْخُطْبَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَة , وَمَشْرُوعِيَّة مُحَاسَبَة الْمُؤْتَمَن , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي الزَّكَاة , وَمَنْع الْعُمَّال مِنْ قَبُول الْهَدِيَّة مِمَّنْ لَهُ عَلَيْهِ حُكْم وَتَقَدَّمَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي تَرْك الْحِيَل , وَمَحَلّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَأْذَن لَهُ الْإِمَام فِي ذَلِكَ , لِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة قَيْس بْن أَبِي حَازِم عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل قَالَ \" بَعَثَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَن فَقَالَ : لَا تُصِيبَنَّ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِي فَإِنَّهُ غُلُول \" وَقَالَ الْمُهَلَّب : فِيهِ أَنَّهَا إِذَا أَخَذْت تَجْعَل فِي بَيْت الْمَال وَلَا يَخْتَصّ الْعَامّ مِنْهَا إِلَّا بِمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ الْإِمَام , وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اِبْن اللُّتْبِيَّة أَخَذَ مِنْهُ مَا ذَكَرَ أَنَّهُ أُهْدِيَ لَهُ وَهُوَ ظَاهِر السِّيَاق , وَلَا سِيَّمَا فِي رِوَايَة مَعْمَر قَبْلُ , وَلَكِنْ لَمْ أَرَ ذَلِكَ صَرِيحًا. وَنَحْوه قَوْل اِبْن قُدَامَةَ فِي \" الْمُغْنِي \" لَمَّا ذَكَرَ الرِّشْوَة : وَعَلَيْهِ رَدّهَا لِصَاحِبِهَا وَيَحْتَمِل أَنْ تُجْعَل فِي بَيْت الْمَال , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُر اِبْن اللُّتْبِيَّة بِرَدِّ الْهَدِيَّة الَّتِي أُهْدِيَتْ لَهُ لِمَنْ أَهْدَاهَا. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : يَلْحَق بِهَدِيَّةِ الْعَامِل الْهَدِيَّة لِمَنْ لَهُ دَيْن مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْن , وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يُحَاسَب بِذَلِكَ مِنْ دَيْنه. وَفِيهِ إِبْطَال كُلّ طَرِيق يَتَوَصَّل بِهَا مَنْ يَأْخُذ الْمَال إِلَى مُحَابَاة الْمَأْخُوذ مِنْهُ وَالِانْفِرَاد بِالْمَأْخُوذِ. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : يُؤْخَذ مِنْ قَوْله \" هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْت أَبِيهِ وَأُمّه \" جَوَاز قَبُول الْهَدِيَّة مِمَّنْ كَانَ يُهَادِيه قَبْلَ ذَلِكَ , كَذَا قَالَ , وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الْعَادَة. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ رَأَى مُتَأَوِّلًا أَخْطَأَ فِي تَأْوِيل يَضُرّ مَنْ أَخَذَ بِهِ أَنْ يُشْهِر الْقَوْل لِلنَّاسِ وَيُبَيِّن خَطَأَهُ لِيَحْذَرَ مِنْ الِاغْتِرَار بِهِ. وَفِيهِ جَوَاز تَوْبِيخ الْمُخْطِئ , وَاسْتِعْمَال الْمَفْضُول فِي الْإِمَارَة وَالْإِمَامَة وَالْأَمَانَة مَعَ وُجُود مَنْ هُوَ أَفْضَل مِنْهُ وَفِيهِ اِسْتِشْهَاد الرَّاوِي وَالنَّاقِل بِقَوْلِ مَنْ يُوَافِقهُ لِيَكُونَ أَوْقَع فِي نَفْس السَّامِع وَأَبْلَغ فِي طُمَأْنِينَته وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6640",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏نَافِعًا ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏أَبِي حُذَيْفَةَ ‏ ‏يَؤُمُّ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏الْأَوَّلِينَ ‏ ‏وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏مَسْجِدِ قُبَاءٍ ‏ ‏فِيهِمْ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏وَأَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏وَزَيْدٌ ‏ ‏وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( كَانَ سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ التَّعْرِيف بِهِ فِي الرَّضَاع. ‏ ‏قَوْله ( يَؤُمّ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ) ‏ ‏أَيْ الَّذِينَ سَبَقُوا بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ. ‏ ‏قَوْله ( فِيهِمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَأَبُو سَلَمَة ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد الْأَسَد الْمَخْزُومِيّ زَوْج أُمّ سَلَمَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَيْد أَيْ اِبْن حَارِثَة وَعَامِر بْن رَبِيعَة أَيْ الْعَنَزِيّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون بَعْدَهَا زَاي وَهُوَ مَوْلَى عُمَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" كِتَاب الصَّلَاة \" فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر , لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ الْعَصَبَة مَوْضِع بِقُبَاءَ قَبْلَ مَقْدِم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَؤُمّهُمْ سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة وَكَانَ أَكْثَرهمْ قُرْآنًا , فَأَفَادَ سَبَب تَقْدِيمه لِلْإِمَامَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى هُنَاكَ فِي \" بَاب إِمَامَة الْمَوْلَى \" وَالْجَوَاب عَنْ اِسْتِشْكَال عَدّ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق فِيهِمْ لِأَنَّهُ إِنَّمَا هَاجَرَ صُحْبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ مَقْدِم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرْت جَوَاب الْبَيْهَقِيِّ بِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَالِم اِسْتَمَرَّ يَؤُمّهُمْ بَعْدَ أَنْ تَحَوَّلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة وَنَزَلَ بِدَارِ أَبِي أَيُّوب قَبْل بِنَاء مَسْجِده بِهَا , فَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال فَكَانَ أَبُو بَكْر يُصَلِّي خَلْفه إِذَا جَاءَ إِلَى قُبَاءَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة \" مِنْ حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب \" أَوَّل مَنْ قَدَّمَ عَلَيْنَا مُصْعَب بْن عُمَيْر وَابْن أُمّ مَكْتُوم وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاس , ثُمَّ قَدِمَ بِلَال وَسَعْد وَعَمَّار , ثُمَّ قَدِمَ عُمَر بْن الْخَطَّاب فِي عِشْرِينَ \" وَذَكَرْت هُنَاكَ أَنَّ اِبْن إِسْحَاق سَمَّى مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفْسًا وَأَنَّ الْبَقِيَّة يَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا مِنْ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اِبْن جُرَيْجٍ , وَذَكَرْت هُنَاكَ الِاخْتِلَاف فِيمَنْ قَدِمَ مُهَاجِرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّ الرَّاجِح أَنَّهُ أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الْأَسَد , فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُل أَبُو بَكْر وَلَا أَبُو سَلَمَة فِي الْعِشْرِينَ الْمَذْكُورِينَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَوَّل الْهِجْرَة أَنَّ اِبْن إِسْحَاق ذَكَرَ أَنَّ عَامِر بْن رَبِيعَة أَوَّل مَنْ هَاجَرَ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ حَدِيث الْبَاب لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتَمّ بِسَالِمٍ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ سَالِم. وَمُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة تَقْدِيم سَالِم وَهُوَ مَوْلًى عَلَى مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْأَحْرَار فِي إِمَامَة الصَّلَاة , وَمَنْ كَانَ رِضًا فِي أَمْر الدِّين فَهُوَ رِضًا فِي أُمُور الدُّنْيَا , فَيَجُوز أَنْ يُوَلَّى الْقَضَاء وَالْإِمْرَة عَلَى الْحَرْب وَعَلَى جِبَايَة الْخَرَاج , وَأَمَّا الْإِمَامَة الْعُظْمَى فَمِنْ شُرُوط صِحَّتهَا أَنْ يَكُون الْإِمَام قُرَشِيًّا , وَقَدْ مَضَى الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي أَوَّل \" كِتَاب الْأَحْكَام \" وَيَدْخُل فِي هَذَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي الطُّفَيْل أَنَّ نَافِع بْن عَبْد الْحَارِث لَقِيَ عُمَر بِعُسْفَانَ وَكَانَ عُمَر اِسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَكَّة فَقَالَ : مَنْ اِسْتَعْمَلْت عَلَيْهِمْ ؟ فَقَالَ : اِبْن أَبْزَى يَعْنِي اِبْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : اِسْتَعْمَلْت عَلَيْهِمْ مَوْلًى ! قَالَ : إِنَّهُ قَارِئ لِكِتَابِ اللَّه عَالِم بِالْفَرَائِضِ , فَقَالَ عُمَر : إِنَّ نَبِيّكُمْ قَدْ قَالَ \" إِنَّ اللَّه يَرْفَع بِهَذَا الْكِتَاب أَقْوَامًا وَيَضَع بِهِ آخَرِينَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6641",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمِّهِ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ ‏ ‏وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَاهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ حِينَ أَذِنَ لَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فِي عِتْقِ سَبْيِ ‏ ‏هَوَازِنَ ‏ ‏إِنِّي لَا أَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُقْبَةَ , وَالسَّنَد كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اِبْن شِهَاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن فُلَيْحٍ عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَةَ \" قَالَ لِي اِبْن شِهَاب \" أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْم. ‏ ‏قَوْله ( حِينَ أَذِنَ لَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فِي عِتْق سَبْي هَوَازِن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن فُلَيْحٍ \" حَتَّى أَذِنَ لَهُ \" بِالْأَفْرَادِ وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَبِي نُعَيْم , وَوَجْه الْأَوَّل أَنَّ الضَّمِير لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ تَبِعَهُ أَوْ مَنْ أَقَامَهُ فِي ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْقِطْعَة مُقْتَطَعَة مِنْ قِصَّة السَّبْي الَّذِي غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي وَقْعَة حُنَيْنٍ \" وَنُسِبُوا إِلَى هَوَازِن لِأَنَّهُمْ كَانُوا رَأْس تِلْكَ الْوَقْعَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ وَتَفْصِيل الْأَمْر فِيهِ فِي وَقْعَة حُنَيْنٍ , وَأَخْرَجَهَا هُنَاكَ مُطَوَّلَة مِنْ رِوَايَة عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب وَفِيهِ \" وَإِنِّي رَأَيْت أَنِّي أَرُدّ إِلَيْهِمْ سَبْيهمْ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ , وَفِيهِ فَقَالَ النَّاس قَدْ طَيَّبَنَا ذَلِكَ لِرَسُول اللَّه فَقَالَ إِنَّا لَا نَدْرِي إِلَخْ \". ‏ ‏قَوْله ( مَنْ أَذِنَ فِيكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مِنْكُمْ \" وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ النَّاس قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ مَا يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ نِسْبَة الْإِذْن وَغَيْره إِلَيْهِمْ حَقِيقَة : وَلَكِنَّ سَبَب ذَلِكَ مُخْتَلِف فَالْأَغْلَب الْأَكْثَر طَابَتْ أَنْفُسهمْ أَنْ يَرُدُّوا السَّبْي لِأَهْلِهِ بِغَيْرِ عِوَض , وَبَعْضهمْ رَدَّهُ بِشَرْطِ التَّعْوِيض , وَمَعْنَى \" طَيَّبُوا \" وَهُوَ بِالتَّشْدِيدِ حَمَلُوا أَنْفُسهمْ عَلَى تَرْك السَّبَايَا حَتَّى طَابَتْ بِذَلِكَ , يُقَال طَيَّبْت نَفْسِي بِكَذَا إِذَا حَمَلْتهَا عَلَى السَّمَاح بِهِ مِنْ غَيْر إِكْرَاه فَطَابَتْ بِذَلِكَ , وَيُقَال طَيَّبْت بِنَفْسِ فُلَان إِذَا كَلَّمْته بِكَلَامٍ يُوَافِقهُ , وَقِيلَ هُوَ مِنْ قَوْلهمْ طَابَ الشَّيْء إِذَا صَارَ حَلَالًا , وَإِنَّمَا عَدَّاهُ بِالتَّضْعِيفِ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله \" فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّب ذَلِكَ \" أَيْ يَجْعَلهُ حَلَالًا , وَقَوْلهمْ \" طَيَّبْنَا \" فَيُحْمَل عَلَيْهِ قَوْل الْعُرَفَاء أَنَّهُمْ طَيَّبُوا. قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة إِقَامَة الْعُرَفَاء لِأَنَّ الْإِمَام لَا يُمْكِنهُ أَنْ يُبَاشِر جَمِيع الْأُمُور بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاج إِلَى إِقَامَة مَنْ يُعَاوِنهُ لِيَكْفِيَهُ مَا يُقِيمهُ فِيهِ , قَالَ : وَالْأَمْر وَالنَّهْي إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الْجَمِيع يَقَع التَّوَكُّل فِيهِ مِنْ بَعْضهمْ فَرُبَّمَا وَقَعَ التَّفْرِيط , فَإِذَا أَقَامَ عَلَى كُلّ قَوْم عَرِيفًا لَمْ يَسَع كُلّ أَحَد إِلَّا الْقِيَام بِمَا أُمِرَ بِهِ. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير فِي الْحَاشِيَة يُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز الْحُكْم بِالْإِقْرَارِ بِغَيْرِ إِشْهَاد , فَإِنَّ الْعُرَفَاء مَا أَشْهَدُوا عَلَى كُلّ فَرْد فَرْد شَاهِدَيْنِ بِالرِّضَا , وَإِنَّمَا أَقَرَّ النَّاس عِنْدَهُمْ وَهُمْ نُوَّاب لِلْإِمَامِ فَاعْتَبَرَ ذَلِكَ وَفِيهِ أَنَّ الْحَاكِم يَرْفَع حُكْمه إِلَى حَاكِم آخَر مُشَافَهَة فَيُنْفِذهُ إِذَا كَانَ كُلّ مِنْهُمَا فِي مَحَلّ وِلَايَته. قُلْت : وَقَعَ فِي سِيَر الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أَبَا رُهْم الْغِفَارِيّ كَانَ يَطُوف عَلَى الْقَبَائِل حَتَّى جَمَعَ الْعُرَفَاء وَاجْتَمَعَ الْأُمَنَاء عَلَى قَوْل وَاحِد. وَفِيهِ أَنَّ الْخَبَر الْوَارِد فِي ذَمّ الْعُرَفَاء لَا يَمْنَح إِقَامَة الْعُرَفَاء لِأَنَّهُ مَحْمُول - إِنْ ثَبَتَ - عَلَى أَنَّ الْغَالِب عَلَى الْعُرَفَاء الِاسْتِطَالَة وَمُجَاوَزَة الْحَدّ وَتَرْك الْإِنْصَاف الْمُفْضِي إِلَى الْوُقُوع فِي الْمَعْصِيَة , وَالْحَدِيث الْمَذْكُور أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق الْمِقْدَام بْن مَعْدِ يكَرِب رَفَعَهُ \" الْعَرَافَة حَقّ , وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ عَرِيف , وَالْعُرَفَاء فِي النَّار \" وَلِأَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق عَبَّاد بْن أَبِي عَلِيّ عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" وَيْل لِلْأُمَرَاءِ , وَيْل لِلْعُرَفَاءِ \" قَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْله \" وَالْعُرَفَاء فِي النَّار \" ظَاهِر أُقِيمَ مَقَام الضَّمِير يُشْعِر بِأَنَّ الْعَرَافَة عَلَى خَطَر , وَمَنْ بَاشَرَهَا غَيْر آمِن مِنْ الْوُقُوع فِي الْمَحْذُور الْمُفْضِي إِلَى الْعَذَاب , فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ نَارًا } فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُون عَلَى حَذَر مِنْهَا لِئَلَّا يَتَوَرَّط فِيمَا يُؤَدِّيه إِلَى النَّار. قُلْت : وَيُؤَيِّد هَذَا التَّأْوِيل الْحَدِيث الْآخَر حَيْثُ تَوَعَّدَ الْأُمَرَاء بِمَا تَوَعَّدَ بِهِ الْعُرَفَاء , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ كُلّ مَنْ يَدْخُل فِي ذَلِكَ لَا يَسْلَم وَأَنَّ الْكُلّ عَلَى خَطَر , وَالِاسْتِثْنَاء مُقَدَّر فِي الْجَمِيع. وَأَمَّا قَوْله \" الْعَرَافَة حَقّ \" فَالْمُرَاد بِهِ أَصْل نَصْبهمْ , فَإِنَّ الْمَصْلَحَة تَقْتَضِيه لِمَا يَحْتَاج إِلَيْهِ الْأَمِير مِنْ الْمُعَاوَنَة عَلَى مَا يَتَعَاطَاهُ بِنَفْسِهِ , وَيَكْفِي فِي الِاسْتِدْلَال لِذَلِكَ وُجُودهمْ فِي الْعَهْد النَّبَوِيّ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "6642",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ أُنَاسٌ ‏ ‏لِابْنِ عُمَرَ ‏ ‏إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى سُلْطَانِنَا فَنَقُولُ لَهُمْ خِلَافَ مَا نَتَكَلَّمُ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ قَالَ ‏ ‏كُنَّا نَعُدُّهَا نِفَاقًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( قَالَ أُنَاس لِابْنِ عُمَر ) ‏ ‏قُلْت سُمِّيَ مِنْهُمْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَمُجَاهِد وَأَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ , وَوَقَعَ عِنْد الْحَسَن بْن سُفْيَان مِنْ طَرِيق مُعَاذ عَنْ عَاصِم عَنْ أَبِيهِ \" دَخَلَ رَجُل عَلَى اِبْن عُمَر \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّا نَدْخُل عَلَى سُلْطَاننَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ عَنْ عَاصِم \" سَلَاطِينِنَا \" بِصِيغَةِ الْجَمْعِ. ‏ ‏قَوْله ( فَنَقُول لَهُمْ ) ‏ ‏أَيْ نُثْنِي عَلَيْهِمْ , فِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ فَنَتَكَلَّم بَيْن أَيْدِيهمْ بِشَيْءٍ وَوَقَعَ عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق أَبِي الشَّعْثَاء قَالَ دَخَلَ قَوْم عَلَى اِبْن عُمَر فَوَقَعُوا فِي يَزِيد بْن مُعَاوِيَة فَقَالَ : \" أَتَقُولُونَ هَذَا فِي وُجُوههمْ ؟ قَالُوا بَلْ نَمْدَحهُمْ وَنُثْنِي عَلَيْهِمْ \" وَفِي رِوَايَة عُرْوَة بْن الزُّبَيْر عِنْد الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة وَالْبَيْهَقِيِّ قَالَ \" أَتَيْت اِبْن عُمَر فَقُلْت إِنَّا نَجْلِس إِلَى أَئِمَّتنَا هَؤُلَاءِ فَيَتَكَلَّمُونَ فِي شَيْء نَعْلَم أَنَّ الْحَقّ غَيْره فَنُصَدِّقهُمْ , فَقَالَ : كُنَّا نَعُدّ هَذَا نِفَاقًا , فَلَا أَدْرِي كَيْف هُوَ عِنْدكُمْ \" لَفْظ الْبَيْهَقِيِّ فِي رِوَايَة الْحَارِث \" يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن إِنَّا نَدْخُل عَلَى الْإِمَام يَقْضِي بِالْقَضَاءِ نَرَاهُ جَوْرًا فَنَقُول تَقَبَّلَ اللَّه , فَقَالَ : إِنَّا نَحْنُ مُعَاشِر مُحَمَّد \" فَذَكَرَ نَحْوه. وَفِي \" كِتَاب الْإِيمَان لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عُمَر الْأَصْبَهَانِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَرِيب الْهَمْدَانِيِّ \" قُلْت لِابْنِ عُمَر \" فَذَكَرَ نَحْوه وَعَرِيب بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَة وَزْن عَظِيم , وَلِلْخَرَائِطِيِّ فِي \" الْمَسَاوِي \" مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ \" قُلْت لِابْنِ عُمَر : إِنَّا نَدْخُل عَلَى أُمَرَائِنَا فَنَمْدَحهُمْ , فَإِذَا خَرَجْنَا قُلْنَا لَهُمْ خِلَاف ذَلِكَ فَقَالَ كُنَّا نَعُدّ هَذَا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِفَاقًا \" وَفِي مُسْنَد مُسَدَّد مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد عَنْ مُجَاهِد \" أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى اِبْن عُمَر فَقَالَ لَهُ : كَيْف أَنْتُمْ وَأَبُو أُنَيْس الضَّحَّاك بْن قَيْس قَالَ : إِذَا لَقِينَاهُ قُلْنَا لَهُ مَا يُحِبّ , وَإِذَا وَلَّيْنَا عَنْهُ قُلْنَا لَهُ غَيْر ذَلِكَ , قَالَ : ذَاكَ مَا كُنَّا نَعُدّهُ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النِّفَاق \" وَفِي الْأَوْسَط لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق الشَّيْبَانِيّ يَعْنِي أَبَا إِسْحَاق وَسُلَيْمَان بْن فَيْرُوز الْكُوفِيّ. ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا نَعُدّهَا ) ‏ ‏بِضَمِّ الْعَيْن مِنْ الْعَدّ هَكَذَا اِخْتَصَرَهُ أَبُو ذَرّ , وَلَهُ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" نَعُدّ هَذَا \" وَعِنْد غَيْر أَبِي ذَرّ مِثْله وَزَادُوا \" نِفَاقًا \" وَعِنْد اِبْن بَطَّال \" ذَلِكَ \" بَدَل \" هَذَا وَمِثْله لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن هَارُون عَنْ عَاصِم بْن مُحَمَّد \" وَعِنْده \" مِنْ النِّفَاق \" وَزَادَ : قَالَ عَاصِم : فَسَمِعَنِي أَخِي - يَعْنِي عُمَر - أُحَدِّث بِهَذَا الْحَدِيث \" فَقَالَ : قَالَ أَبِي قَالَ اِبْن عُمَر عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَده عَنْ عَاصِم بْن مُحَمَّد إِلَى قَوْله \" نِفَاقًا \" قَالَ عَاصِم : فَحَدَّثَنِي أَخِي عَنْ أَبِي أَنَّ اِبْن عُمَر قَالَ \" كُنَّا نَعُدّهُ نِفَاقًا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَوَقَعَ فِي \" الْأَطْرَاف لِلْمِزِّيِّ \" مَا نَصّه \" خ فِي الْأَحْكَام عَنْ أَبِي نُعَيْم عَنْ عَاصِم بْن مُحَمَّد بْن زَيْد عَنْ أَبِيهِ بِهِ \" قَالَ وَرَوَاهُ مُعَاذ بْن مُعَاذ عَنْ عَاصِم وَقَالَ فِي آخِره \" فَحَدَّثْت بِهِ أَخِي عُمَر فَقَالَ : إِنَّ أَبَاك كَانَ يَزِيد فِيهِ : فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ قَوْله \" وَقَالَ مُعَاذ إِلَى آخِره : لَمْ يَذْكُرهُ أَبُو مَسْعُود , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون نَقَلَهُ مِنْ كِتَاب خَلَف , وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات الَّتِي وَقَعَتْ لَنَا عَنْ الْفَرَبْرِيِّ وَلَا غَيْره عَنْ الْبُخَارِيّ وَقَدْ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : عَقِبَ الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة لَيْسَ فِي حَدِيث الْبُخَارِيّ \" عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه \". ‏"
    },
    {
        "id": "6643",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِرَاكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب ) ‏ ‏هُوَ الْمِصْرِيّ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عِرَاك ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَآخِره كَاف هُوَ اِبْن مَالِك الْغِفَارِيّ الْمَدَنِيّ , فَالسَّنَد دَائِر بَيْنَ مِصْرِيّ وَمَدَنِيّ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ شَرّ النَّاس ذُو الْوَجْهَيْنِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي \" بَاب مَا قِيلَ فِي ذِي الْوَجْهَيْنِ \" مِنْ \" كِتَاب الْأَدَب \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" مِنْ شَرّ النَّاس \" وَتَقَدَّمَ شَرْحه وَسَائِر فَوَائِده هُنَاكَ. وَتَعَرَّضَ اِبْن بَطَّال هُنَا لِذِكْرِ مَا يُعَارِض ظَاهِره مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي اِسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ \" بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَة , فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْقَوْل \" وَتَكَلَّمَ عَلَى الْجَمْع بَيْنَهُمَا , وَحَاصِله أَنَّهُ حَيْثُ ذَمَّهُ كَانَ لِقَصْدِ التَّعْرِيف بِحَالِهِ وَحَيْثُ تَلَقَّاهُ بِالْبِشْرِ كَانَ لِتَأْلِيفِهِ أَوْ لِاتِّقَاءِ شَرّه , فَمَا قَصَدَ بِالْحَالَتَيْنِ إِلَّا نَفْع الْمُسْلِمِينَ. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ لَمْ يَصِفهُ فِي حَال لِقَائِهِ بِأَنَّهُ فَاضِل وَلَا صَالِح , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ أَيْضًا فِي \" بَاب لَمْ يَكُنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا \" مِنْ \" كِتَاب الْأَدَب \" وَتَقَدَّمَ فِيهِ أَيْضًا بَيَان مَا يَجُوز مِنْ الِاغْتِيَاب فِي \" بَاب آخَر بَعْدَ ذَلِكَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6644",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏هِنْدًا ‏ ‏قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ ‏ ‏رَجُلٌ شَحِيحٌ فَأَحْتَاجُ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ قَالَ ‏ ‏خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6645",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّ ‏ ‏أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهَا ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَأَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَتْرُكْهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6646",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ ‏ ‏زَمْعَةَ ‏ ‏مِنِّي فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏فَقَالَ ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ فَقَامَ إِلَيْهِ ‏ ‏عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏فَقَالَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ‏ ‏أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ لَكَ يَا ‏ ‏عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ‏ ‏احْتَجِبِي مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ ‏ ‏بِعُتْبَةَ ‏ ‏فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6647",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏وَالْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَحْلِفُ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ مَالًا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ‏} ‏الْآيَةَ ‏ ‏فَجَاءَ ‏ ‏الْأَشْعَثُ ‏ ‏وَعَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏يُحَدِّثُهُمْ ‏ ‏فَقَالَ فِيَّ نَزَلَتْ وَفِي رَجُلٍ خَاصَمْتُهُ فِي بِئْرٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَكَ بَيِّنَةٌ قُلْتُ لَا قَالَ فَلْيَحْلِفْ قُلْتُ إِذًا يَحْلِفُ فَنَزَلَتْ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "قَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا الْحَدِيث حُجَّة فِي أَنَّ حُكْم الْحَاكِم فِي الظَّاهِر لَا يُحِلّ الْحَرَام وَلَا يُبِيح الْمَحْظُور , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَذَّرَ أُمَّته عُقُوبَة مَنْ اِقْتَطَعَ مِنْ حَقّ أَخِيهِ شَيْئًا بِيَمِينٍ فَاجِرَة , وَالْآيَة الْمَذْكُورَة مِنْ أَشَدّ وَعِيد جَاءَ فِي الْقُرْآن , فَيُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَحَيَّلَ عَلَى أَخِيهِ وَتَوَصَّلَ إِلَى شَيْء مِنْ حَقّه بِالْبَاطِلِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلّ لَهُ لِشِدَّةِ الْإِثْم فِيهِ , قَالَ اِبْن الْمُنِير : وَجْه دُخُول هَذِهِ التَّرْجَمَة فِي الْقِصَّة مَعَ أَنَّهُ لَا فَرْق بَيْنَ الْبِئْر وَالدَّار وَالْعَبْد حَتَّى تَرْجَمَ عَلَى الْبِئْر وَحْدَهَا , أَنَّهُ أَرَادَ الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَاء لَا يُمْلَك , فَحَقَّقَ بِالتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ يُمْلَك لِوُقُوعِ الْحُكْم بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ فِيهَا , اِنْتَهَى. وَفِيهِ نَظَر مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : أَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِر فِي التَّرْجَمَة عَلَى الْبِئْر بَلْ قَالَ وَنَحْوهَا , وَالثَّانِي : لَوْ اِقْتَصَرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّة عَلَى مَنْ مَنَعَ بَيْع الْمَاء لِأَنَّهُ يَجُوز بَيْع الْبِئْر وَلَا يَدْخُل الْمَاء , وَلَيْسَ فِي الْخَبَر تَصْرِيح بِالْمَاءِ فَكَيْف يَصِحّ الرَّدّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6648",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ عَنْ ‏ ‏أُمِّهَا ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَمِعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَلَبَةَ خِصَامٍ عِنْدَ بَابِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضًا أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ أَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ وَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَدَعْهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6649",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ ‏ ‏دُبُرٍ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ فَبَاعَهُ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَرْسَلَ بِثَمَنِهِ إِلَيْهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6650",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏فَطُعِنَ فِي إِمَارَتِهِ وَقَالَ ‏ ‏إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمْرَةِ وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( فَطُعِنَ فِي إِمَارَته ) ‏ ‏بِضَمِّ الطَّاء عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَقَوْله \" إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَته فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَة أَبِيهِ \" أَيْ إِنْ طَعَنْتُمْ فِيهِ فَأُخْبِركُمْ بِأَنَّكُمْ طَعَنْتُمْ مِنْ قَبْل فِي أَبِيهِ , وَالتَّقْدِير \" إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَته فَقَدْ أَثِمْتُمْ بِذَلِكَ \" لِأَنَّ طَعْنكُمْ بِذَلِكَ لَيْسَ حَقًّا كَمَا كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَة أَبِيهِ وَظَهَرَتْ كِفَايَته وَصَلَاحِيَته لِلْإِمَارَةِ , وَأَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهَا فَلَمْ يَكُنْ لِطَعْنِكُمْ مُسْتَنَد , فَلِذَلِكَ لَا اِعْتِبَار بِطَعْنِكُمْ فِي إِمَارَة وَلَده , وَلَا اِلْتِفَات إِلَيْهِ وَقَدْ قِيلَ \" إِنَّمَا طَعَنُوا فِيهِ لِكَوْنِهِ مَوْلًى \" وَقِيلَ \" إِنَّمَا كَانَ الطَّاعِن فِيهِ مَنْ يُنْسَب إِلَى النِّفَاق \" وَفِيهِ نَظَر , لِأَنَّ مِنْ جُمْلَة مَنْ سُمِّيَ مِمَّنْ طَعَنَ فِيهِ عَيَّاش بِتَحْتَانِيَّةٍ وَشِين مُعْجَمَة اِبْن أَبِي رَبِيعَة الْمَخْزُومِيّ , وَكَانَ مِنْ مُسْلِمَة الْفَتْح لَكِنَّهُ كَانَ مِنْ فُضَلَاء الصَّحَابَة , فَعَلَى هَذَا فَالْخِطَاب بِقَوْلِهِ \" إِنْ تَطْعَنُوا لِعُمُومِ الطَّاعِنِينَ \" سَوَاء اِتَّحَدَ الطَّاعِن فِيهِمَا أَمْ اِخْتَلَفَ , وَقَوْله \" إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا \" أَيْ مُسْتَحِقًّا وَقَوْله \" لِلْإِمْرَةِ \" بِكَسْرِ الْهَمْزَة , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لِلْإِمَارَةِ \" وَهُمَا بِمَعْنًى. ‏"
    },
    {
        "id": "6651",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ ‏ ‏الْأَلَدُّ الْخَصِمُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6652",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَالِدًا ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو عَبْدِ اللَّهِ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏بَنِي جَذِيمَةَ ‏ ‏فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا فَقَالُوا ‏ ‏صَبَأْنَا ‏ ‏صَبَأْنَا ‏ ‏فَجَعَلَ ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏يَقْتُلُ وَيَأْسِرُ وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ فَأَمَرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَسِيرَهُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏مَرَّتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مَحْمُود ) ‏ ‏هُوَ اِبْن غَيْلَان , وَقَوْله \" وَحَدَّثَنِي أَبُو عَبْد اللَّه نُعَيْم بْن حَمَّاد \" كَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ اِبْن عُمَر , وَلِغَيْرِهِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه وَهُوَ الْمُصَنِّف \" حَدَّثَنِي نُعَيْم \" وَسَاقَ غَيْر أَبِي ذَرّ أَيْضًا السَّنَد إِلَى قَوْله عَنْ اِبْن عُمَر بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدًا وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق بِسَنَدِهِ إِلَى سَالِم - وَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر - عَنْ أَبِيهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي الْمَغَازِي فِي \" بَاب بَعْث خَالِد إِلَى بَنِي جُذَيْمَة \" وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا صَنَعَ خَالِد \" يَعْنِي مِنْ قَتْله الَّذِينَ قَالُوا : صَبَأْنَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَفْسِرهُمْ عَنْ مُرَادهمْ بِذَلِكَ الْقَوْل , فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى تَصْوِيب فِعْل اِبْن عُمَر وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَرْكهمْ مُتَابَعَة خَالِد عَلَى قَتْل مَنْ أَمَرَهُمْ بِقَتْلِهِمْ مِنْ الْمَذْكُورِينَ بِهِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْحِكْمَة فِي تَبَرُّئِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِعْل خَالِد مَعَ كَوْنه لَمْ يُعَاقِبهُ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا أَنْ يَعْرِف أَنَّهُ لَمْ يَأْذَن لَهُ فِي ذَلِكَ خَشْيَة أَنْ يَعْتَقِد أَحَد أَنَّهُ كَانَ بِإِذْنِهِ , وَلِيَنْزَجِر غَيْر خَالِد بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ مِثْل فِعْله ا ه مُلَخَّصًا , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : الْإِثْم وَإِنْ كَانَ سَاقِطًا عَنْ الْمُجْتَهِد فِي الْحُكْم إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ بِخِلَافِ جَمَاعَة أَهْل الْعِلْم , لَكِنَّ الضَّمَان لَازِم لِلْمُخْطِئِ عِنْد الْأَكْثَر مَعَ الِاخْتِلَاف , هَلْ يَلْزَم ذَلِكَ عَاقِلَة الْحَاكِم أَمْ بَيْت الْمَال , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي \" كِتَاب الدِّيَات \" وَاَلَّذِي يَظْهَر : أَنَّ التَّبَرُّؤ مِنْ الْفِعْل لَا يَسْتَلْزِم إِثْم فَاعِله وَلَا إِلْزَامه الْغَرَامَة , فَإِنَّ إِثْم الْمُخْطِئ مَرْفُوع وَإِنْ كَانَ فِعْله لَيْسَ بِمَحْمُودٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "6653",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ الْمَدَنِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ قِتَالٌ بَيْنَ ‏ ‏بَنِي عَمْرٍو ‏ ‏فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَتَاهُمْ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَأَذَّنَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏وَأَقَامَ وَأَمَرَ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَتَقَدَّمَ وَجَاءَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فِي الصَّلَاةِ فَشَقَّ النَّاسَ حَتَّى قَامَ خَلْفَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَتَقَدَّمَ فِي الصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ قَالَ وَصَفَّحَ الْقَوْمُ وَكَانَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَلْتَفِتْ حَتَّى يَفْرُغَ فَلَمَّا رَأَى التَّصْفِيحَ لَا يُمْسَكُ عَلَيْهِ الْتَفَتَ فَرَأَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَلْفَهُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِيَدِهِ أَنْ ‏ ‏امْضِهْ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَلَبِثَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏هُنَيَّةً يَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ مَشَى الْقَهْقَرَى فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَلِكَ تَقَدَّمَ فَصَلَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالنَّاسِ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏مَا مَنَعَكَ إِذْ أَوْمَأْتُ إِلَيْكَ أَنْ لَا تَكُونَ مَضَيْتَ قَالَ لَمْ يَكُنْ ‏ ‏لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ ‏ ‏أَنْ يَؤُمَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ لِلْقَوْمِ إِذَا رَابَكُمْ أَمْرٌ فَلْيُسَبِّحْ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّحْ النِّسَاءُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( كَانَ قِتَال بَيْن بَنِي عَمْرو ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ أَبِي حَازِم الْمَاضِيَة فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرو بْن عَوْف لِيُصْلِح بَيْنَهُمْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى هُنَاكَ وَذَكَرَهُ هُنَاكَ بِلَفْظِ \" فَلْيُصَفِّقْ وَالتَّصْفِيق \" وَوَقَعَ هُنَا بِلَفْظِ \" فَلْيُصَفِّحْ وَالتَّصْفِيح \" وَهُمَا بِمَعْنًى وَقَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيق \" فَلَمَّا حَضَرَتْ صَلَاة الْعَصْر فَأَذَّنَ وَأَقَامَ \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ جَوَاب الْفَاء فِي قَوْله \" فَلَمَّا \" مَحْذُوف سَوَاء كَانَتْ لِمَا شَرْطِيَّة أَوْ ظَرْفِيَّة وَالتَّقْدِير \" جَاءَ الْمُؤَذِّن \" قُلْت : إِنَّمَا اِخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَمْرو بْن عَوْف عَنْ حَمَّاد فَقَالَ فِيهِ بَعْدَ قَوْله \" ثُمَّ أَتَاهُمْ لِيُصْلِح بَيْنَهُمْ فَقَالَ لِبِلَالٍ إِنْ حَضَرَتْ صَلَاة الْعَصْر وَلَمْ آتِك فَمُرْ أَبَا بَكْر فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ , فَلَمَّا حَضَرَتْ الْعَصْر أَذَّنَ بِلَال ثُمَّ أَقَامَ \" فَذَكَرَهُ , وَقَوْله \" أَنْ أَمْضِهِ \" فِعْل أَمْر بِالْمُضِيِّ وَالْهَاء لِلسَّكْتِ , وَقَوْله \" هَكَذَا \" أَيْ إِشَارَة إِلَيْهِ بِالْمُكْثِ فِي مَكَانه , وَقَوْله \" يَحْمَد اللَّه \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَحَمِدَ اللَّه \" بِالْفَاءِ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّة وَفِي قَوْله \" لَمْ يَكُنْ لِابْنِ أَبِي قُحَافَة \" هَضْم لِنَفْسِهِ وَتَوَاضُع حَيْثُ لَمْ يَقُلْ لِي وَلَا لِأَبِي بَكْر وَعَادَة الْعَرَب إِذَا عَظَّمَتْ الرَّجُل ذَكَرَتْهُ بِاسْمِهِ وَكُنْيَته أَوْ لَقَبه , وَفِي غَيْر ذَلِكَ تَنْسُبهُ إِلَى أَبِيهِ وَلَا تُسَمِّيه , قَالَ اِبْن الْمُنِير : فِقْه التَّرْجَمَة التَّنْبِيه عَلَى جَوَاز مُبَاشَرَة الْحَاكِم الصُّلْح بَيْنَ الْخُصُوم وَلَا يُعَدّ ذَلِكَ تَصْحِيفًا فِي الْحُكْم , وَعَلَى جَوَاز ذَهَاب الْحَاكِم إِلَى مَوْضِع الْخُصُوم لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمْ إِمَّا عِنْدَ عِظَم الْخَطْب وَإِمَّا لِيَكْشِفَ مَا لَا يُحَاط بِهِ إِلَّا بِالْمُعَايَنَةِ , وَلَا يُعَدّ ذَلِكَ تَخْصِيصًا وَلَا تَمْيِيزًا وَلَا وَهَنًا. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه لَمْ يَقُلْ هَذَا الْحَرْف \" يَا بِلَال فَمُرْ أَبَا بَكْر \" غَيْر حَمَّاد. ‏"
    },
    {
        "id": "6654",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو ثَابِتٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ إِلَيَّ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏لِمَقْتَلِ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏الْيَمَامَةِ ‏ ‏وَعِنْدَهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ ‏ ‏اسْتَحَرَّ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْيَمَامَةِ ‏ ‏بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ ‏ ‏يَسْتَحِرَّ ‏ ‏الْقَتْلُ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَإِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ قَالَ ‏ ‏زَيْدٌ ‏ ‏فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ بِأَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا كَلَّفَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ يَحُثُّ مُرَاجَعَتِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرَ ‏ ‏وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَيَا فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُبِ وَالرِّقَاعِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ فَوَجَدْتُ فِي آخِرِ سُورَةِ ‏ ‏التَّوْبَةِ ‏ { ‏لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ‏} ‏إِلَى آخِرِهَا مَعَ ‏ ‏خُزَيْمَةَ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أَبِي خُزَيْمَةَ ‏ ‏فَأَلْحَقْتُهَا فِي سُورَتِهَا وَكَانَتْ الصُّحُفُ عِنْدَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ عِنْدَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ ‏ ‏حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏اللِّخَافُ ‏ ‏يَعْنِي الْخَزَفَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت فِي قِصَّته مَعَ أَبِي بَكْر وَعُمَر فِي جَمْع الْقُرْآن , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي فَضَائِل الْقُرْآن , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْل أَبِي بَكْر لِزَيْدٍ \" إِنَّك رَجُل شَابّ عَاقِل لَا نَتَّهِمك \" وَقَوْله فِي آخِره قَالَ \" مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه \" بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ شَيْخ الْبُخَارِيّ الَّذِي رَوَى عَنْهُ هَذَا الْحَدِيث فَسَّرَ \" اللِّخَاف \" الَّتِي ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْحَدِيث , وَهِيَ بِكَسْرِ اللَّام وَتَخْفِيف الْخَاء الْمُعْجَمَة بِالْخَزَفِ , وَهِيَ بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالزَّاي بَعْدَهَا فَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي تَفْسِيرهَا هُنَاكَ , وَحَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب فِي هَذَا الْحَدِيث \" أَنَّ الْعَقْل أَصْل الْخِلَال الْمَحْمُودَة \" لِأَنَّهُ لَمْ يَصِف زَيْدًا بِأَكْثَرَ مِنْ الْعَقْل وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِائْتِمَانِهِ وَرَفْع التُّهْمَة عَنْهُ. قُلْت : وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ أَبَا بَكْر ذَكَرَ عَقِبَ الْوَصْف الْمَذْكُور \" وَقَدْ كُنْت تَكْتُب الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَمِنْ ثَمَّ اِكْتَفَى بِوَصْفِهِ \" بِالْعَقْلِ \" لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَثْبُت أَمَانَته وَكِفَايَته وَعَقْله لَمَا اِسْتَكْتَبَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْي وَإِنَّمَا وَصَفَهُ \" بِالْعَقْلِ وَعَدَم الِاتِّهَام \" دُونَ مَا عَدَاهُمَا إِشَارَة إِلَى اِسْتِمْرَار ذَلِكَ لَهُ , وَإِلَّا فَمُجَرَّد قَوْله \" لَا نَتَّهِمك \" مَعَ قَوْله \" عَاقِل \" , لَا يَكْفِي فِي ثُبُوت الْكِفَايَة وَالْأَمَانَة فَكَمْ مِنْ بَارِع فِي الْعَقْل وَالْمَعْرِفَة وُجِدَتْ مِنْهُ الْخِيَانَة قَالَ وَفِيهِ \" اِتِّخَاذ الْكَاتِب لِلسُّلْطَانِ وَالْقَاضِي \" وَأَنَّ مَنْ سَبَقَ لَهُ عِلْم بِأَمْرٍ يَكُون أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْره إِذَا وَقَعَ , وَعِنْد الْبَيْهَقِيِّ بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَكْتَبَ عَبْد اللَّه بْن الْأَرْقَم , فَكَانَ يَكْتُب لَهُ إِلَى الْمُلُوك فَبَلَغَ مِنْ أَمَانَته عِنْدَهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرهُ أَنْ يَكْتُب وَيَخْتِم وَلَا يَقْرَؤُهُ , ثُمَّ اِسْتَكْتَبَ زَيْد بْن ثَابِت فَكَانَ يَكْتُب الْوَحْي وَيَكْتُب إِلَى الْمُلُوك , وَكَانَ إِذَا غَابَا كَتَبَ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب وَكَتَبَ لَهُ أَيْضًا أَحْيَانًا جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة \" وَمِنْ طَرِيق عِيَاض الْأَشْعَرِيّ عَنْ أَبِي مُوسَى \" أَنَّهُ اِسْتَكْتَبَ نَصْرَانِيًّا فَانْتَهَرَهُ عُمَر \" وَقَرَأَ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء } الْآيَة. فَقَالَ أَبُو مُوسَى \" وَاَللَّه مَا تَوَلَّيْته وَإِنَّمَا كَانَ يَكْتُب \" فَقَالَ : \" أَمَا وَجَدْت فِي أَهْل الْإِسْلَام مَنْ يَكْتُب لَا تُدْنِهِمْ إِذْ أَقْصَاهُمْ اللَّه , وَلَا تَأْتَمِنهُمْ إِذْ خَوَّنَهُمْ اللَّه , وَلَا تُعِزَّهُمْ بَعْدَ أَنْ أَذَلَّهُمْ اللَّه \". ‏"
    },
    {
        "id": "6655",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي لَيْلَى ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ‏ ‏هُوَ وَرِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ ‏ ‏وَمُحَيِّصَةَ ‏ ‏خَرَجَا إِلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ فَأُخْبِرَ ‏ ‏مُحَيِّصَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏قُتِلَ وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ ‏ ‏أَوْ عَيْنٍ ‏ ‏فَأَتَى ‏ ‏يَهُودَ ‏ ‏فَقَالَ أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ قَالُوا مَا قَتَلْنَاهُ وَاللَّهِ ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ وَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ ‏ ‏حُوَيِّصَةُ ‏ ‏وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ ‏ ‏وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ ‏ ‏فَذَهَبَ لِيَتَكَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ ‏ ‏بِخَيْبَرَ ‏ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِمُحَيِّصَةَ ‏ ‏كَبِّرْ كَبِّرْ يُرِيدُ السِّنَّ فَتَكَلَّمَ ‏ ‏حُوَيِّصَةُ ‏ ‏ثُمَّ تَكَلَّمَ ‏ ‏مُحَيِّصَةُ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَيْهِمْ بِهِ فَكُتِبَ مَا قَتَلْنَاهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِحُوَيِّصَةَ ‏ ‏وَمُحَيِّصَةَ ‏ ‏وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ قَالُوا لَا قَالَ أَفَتَحْلِفُ لَكُمْ ‏ ‏يَهُودُ ‏ ‏قَالُوا لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ عِنْدِهِ مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ الدَّارَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏فَرَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة فِي قِصَّة عَبْد اللَّه بْن سَهْل وَقَتْله بِخَيْبَرَ وَقِيَام حُوَيِّصَة وَمَنْ مَعَهُ فِي ذَلِكَ , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" فَكَتَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ - أَيْ إِلَى أَهْل خَيْبَرَ - بِهِ \" أَيْ بِالْخَبَرِ الَّذِي نُقِلَ إِلَيْهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه مَعَ شَرْح الْحَدِيث فِي \" بَاب الْقَسَامَة \" وَقَوْله هُنَا \" فَكَتَبَ \" مَا قَتَلْنَاهُ , فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَكَتَبُوا \" بِصِيغَةِ الْجَمْع وَهُوَ أَوْلَى وَوَجَّهَ الْكَرْمَانِيُّ الْأَوَّل بِأَنَّ الْمُرَاد بِهِ \" الْحَيّ الْمُسَمَّى بِالْيَهُودِ \" قَالَ وَفِيهِ تَكَلُّف. قُلْت : وَأَقْرَب مِنْهُ أَنْ يُرَاد \" الْكَاتِب عَنْهُمْ \" لِأَنَّ الَّذِي يُبَاشِر الْكِتَابَة إِنَّمَا هُوَ وَاحِد فَالتَّقْدِير \" فَكَتَبَ كَاتِبهمْ \" قَالَ اِبْن الْمُنِير : لَيْسَ فِي الْحَدِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى نَائِبه وَلَا إِلَى أَمِينه وَإِنَّمَا كَتَبَ إِلَى الْخُصُوم أَنْفُسهمْ لَكِنْ يُؤْخَذ مِنْ مَشْرُوعِيَّة مَكَاتَبَة الْخُصُوم وَالْبِنَاء عَلَى ذَلِكَ جَوَاز مُكَاتَبَة النُّوَّاب وَالْكُتَّاب فِي حَقّ غَيْرهمْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6656",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ‏ ‏قَالَا ‏ ‏جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ صَدَقَ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَقَالُوا لِي عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ فَفَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَقَالُوا إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ أَمَّا الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَمَّا أَنْتَ يَا ‏ ‏أُنَيْسُ ‏ ‏لِرَجُلٍ فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا فَغَدَا عَلَيْهَا ‏ ‏أُنَيْسٌ ‏ ‏فَرَجَمَهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6657",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏هِرَقْلَ ‏ ‏أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ لِلتُّرْجُمَانِ قُلْ لَهُ إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سُفْيَان فِي قِصَّة هِرَقْلَ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي بَدْء الْوَحْي بِهَذَا السَّنَد مُطَوَّلًا وَالْغَرَض مِنْهُ. قَوْله \" ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُ \" إِلَخْ. قَالَ اِبْن بَطَّال : لَمْ يُدْخِل الْبُخَارِيّ حَدِيث هِرَقْل حُجَّةً عَلَى جَوَاز التُّرْجُمَان الْمُشْتَرَك , لِأَنَّ تُرْجُمَان هِرَقْل كَانَ عَلَى دِين قَوْمه , وَإِنَّمَا أَدْخَلَهُ لِيَدُلّ عَلَى أَنَّ التُّرْجُمَان كَانَ يَجْرِي عِنْدَ الْأُمَم مَجْرَى الْخَبَر لَا مَجْرَى الشَّهَادَة. وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : وَجْه الدَّلِيل مِنْ قِصَّة هِرَقْل مَعَ أَنَّ فِعْله لَا يُحْتَجّ بِهِ أَنَّ مِثْل هَذَا صَوَاب مِنْ رَأْيه لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّا أَوْرَدَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّة صَوَاب مُوَافِق لِلْحَقِّ , فَمَوْضِع الدَّلِيل تَصْوِيب حَمَلَة الشَّرِيعَة لِهَذَا وَأَمْثَاله مِنْ رَأْيه وَحُسْن تَفَطُّنه وَمُنَاسَبَة اِسْتِدْلَاله وَإِنْ كَانَ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّقَاوَة , اِنْتَهَى. وَتَكْمِلَة هَذَا أَنْ يُقَال : \" يُؤْخَذ مِنْ صِحَّة اِسْتِدْلَاله فِيمَا يَتَعَلَّق بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَة أَنَّهُ كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى شَرَائِع الْأَنْبِيَاء \" فَتُحْمَل تَصَرُّفَاته عَلَى وَفْق الشَّرِيعَة الَّتِي كَانَ مُتَمَسِّكًا بِهَا , كَمَا سَأَذْكُرُهُ مِنْ عِنْدِ الْكَرْمَانِيِّ , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ مُسْتَنَد الْبُخَارِيّ تَقْرِير اِبْن عَبَّاس وَهُوَ مِنْ الْأَئِمَّة الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ عَلَى ذَلِكَ ; وَمِنْ ثَمَّ اِحْتَجَّ بِاكْتِفَائِهِ بِتَرْجَمَةِ أَبِي جَمْرَة لَهُ , فَالْأَثَرَانِ رَاجِعَانِ لِابْنِ عَبَّاس أَحَدهمَا مِنْ تَصَرُّفه وَالْآخَر مِنْ تَقْرِيره , وَإِذَا اِنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ فِعْل عُمَر وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَة وَلَمْ يُنْقَل عَنْ غَيْرهمْ خِلَافه قَوِيَتْ الْحُجَّة ; وَلَمَّا نَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ كَلَام اِبْن بَطَّال تَعَقَّبَهُ بِأَنْ قَالَ \" أَقُول وَجْه الِاحْتِجَاج أَنَّهُ كَانَ يَعْنِي هِرَقْل نَصْرَانِيًّا , وَشَرْع مَنْ قَبْلَنَا حُجَّة لَنَا مَا لَمْ يُنْسَخ \" قَالَ وَعَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّهُ أَسْلَمَ , فَالْأَمْر ظَاهِر. قُلْت : بَلْ هُوَ أَشَدّ إِشْكَالًا لِأَنَّهُ لَا حُجَّة فِي فِعْله عِنْد أَحَد إِذْ لَيْسَ صَحَابِيًّا وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَسْلَمَ فَالْمُعْتَمَد مَا تَقَدَّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ اِبْن بَطَّال : \" أَجَازَ الْأَكْثَر تَرْجَمَة وَاحِد \" وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن \" لَا بُدَّ مِنْ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُل وَامْرَأَتَيْنِ \" وَقَالَ الشَّافِعِيّ \" هُوَ كَالْبَيِّنَةِ \" وَعَنْ مَالِك رِوَايَتَانِ قَالَ : وَحُجَّة الْأَوَّل تَرْجَمَة زَيْد بْن ثَابِت وَحْدَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي جَمْرَة لِابْنِ عَبَّاس وَأَنَّ التُّرْجُمَان لَا يَحْتَاج إِلَى أَنْ يَقُول أَشْهَد بَلْ يَكْفِيه مُجَرَّد الْإِخْبَار وَهُوَ تَفْسِير مَا يَسْمَعهُ مِنْ الَّذِي يُتَرْجِم عَنْهُ وَنَقَلَ الْكَرَابِيسِيُّ عَنْ مَالِك وَالشَّافِعِيّ \" الِاكْتِفَاء بِتُرْجُمَانٍ وَاحِد \" وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة \" الِاكْتِفَاء بِوَاحِدٍ \" وَعَنْ أَبِي يُوسُف \" اِثْنَيْنِ \" وَعَنْ زُفَر \" لَا يَجُوز أَقَلّ مِنْ اِثْنَيْنِ \" وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ الْحَقّ أَنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يُحَرِّر هَذِهِ الْمَسْأَلَة إِذْ لَا نِزَاع لِأَحَدٍ \" أَنَّهُ يَكْفِي تُرْجُمَان وَاحِد عِنْدَ الْإِخْبَار وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اِثْنَيْنِ عِنْد الشَّهَادَة \" فَيَرْجِع الْخِلَاف إِلَى أَنَّهَا إِخْبَار أَوْ شَهَادَة , فَلَوْ سَلَّمَ الشَّافِعِيّ أَنَّهَا إِخْبَار لَمْ يُشْتَرَط الْعَدَد ; وَلَوْ سَلَّمَ الْحَنَفِيّ أَنَّهَا شَهَادَة لَقَالَ بِالْعَدَدِ , وَالصُّوَر الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب كُلّهَا إِخْبَارَات , أَمَّا الْمَكْتُوبَات فَظَاهِر , وَأَمَّا قِصَّة الْمَرْأَة وَقَوْل أَبِي جَمْرَة فَأَظْهَرَ فَلَا مَحَلّ لِأَنْ يُقَال عَلَى سَبِيل الِاعْتِرَاض , وَقَالَ بَعْض النَّاس : بَلْ الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ أَوْجَه فَإِنَّهُ نَصَبَ الْأَدِلَّة فِي غَيْر مَا تَرْجَمَ عَلَيْهِ وَهُوَ تَرْجَمَة الْحَاكِم إِذْ لَا حُكْم فِيمَا اِسْتَدَلَّ بِهِ , اِنْتَهَى. وَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يُقَال فِي حَقّه إِنَّهُ مَا حُرِّرَ فَإِنَّ أَصْل مَا اِحْتَجَّ بِهِ \" اِكْتِفَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَرْجَمَةِ زَيْد بْن ثَابِت وَاكْتِفَائِهِ بِهِ وَحْدَهُ \" وَإِذَا اِعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي قِرَاءَة الْكُتُب الَّتِي تَرِد , وَفِي كِتَابَة مَا يُرْسِلهُ إِلَى مَنْ يُكَاتِبهُ , اِلْتَحَقَ بِهِ اِعْتِمَاده عَلَيْهِ فِيمَا يُتَرْجِم لَهُ عَمَّنْ حَضَرَ مِنْ أَهْل ذَلِكَ اللِّسَان , فَإِذَا اِكْتَفَى بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ وَأَكْثَر تِلْكَ الْأُمُور يَشْتَمِل عَلَى تِلْكَ الْأَحْكَام وَقَدْ يَقَع فِيمَا طَرِيقه مِنْهَا الْإِخْبَار مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْحُكْم فَكَيْف لَا تَتَّجِه الْحُجَّة بِهِ لِلْبُخَارِيِّ وَكَيْف يُقَال إِنَّهُ مَا حَرَّرَ الْمَسْأَلَة وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ فِي الْأَحْكَام \" ذَكَرَ اِتِّخَاذ مُتَرْجِم وَالِاكْتِفَاء بِوَاحِدٍ \" وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت وَمَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عُمَر وَعَنْ اِبْن عَبَّاس ثُمَّ قَالَ : اِحْتَجَّ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيث مَنْ ذَهَبَ إِلَى جَوَاز الِاقْتِصَار عَلَى مُتَرْجِم وَاحِد وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ. وَأَمَّا قِصَّة الْمَرْأَة مَعَ عُمَر , فَظَاهِر السِّيَاق \" أَنَّهَا كَانَتْ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْحُكْمِ \" لِأَنَّهُ دَرَأَ الْحَدّ عَنْ الْمَرْأَة لِجَهْلِهَا بِتَحْرِيمِ الزِّنَا بَعْد أَنْ اِدَّعَى عَلَيْهَا وَكَادَ يُقِيم عَلَيْهَا الْحَدّ \" وَاكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِإِخْبَارِ وَاحِد يُتَرْجِم لَهُ عَنْ لِسَانهَا \" وَأَمَّا قِصَّة أَبِي جَمْرَة مَعَ اِبْن عَبَّاس وَقِصَّة هِرَقْل فَإِنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا فِي مَقَام الْإِخْبَار الْمَحْض فَلَعَلَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَهُمَا اِسْتِظْهَارًا وَتَأْكِيدًا , وَأَمَّا دَعْوَاهُ أَنَّ الشَّافِعِيّ لَوْ سَلَّمَ أَنَّهَا إِخْبَار لَمَا اِشْتَرَطَ الْعَدَد إِلَخْ فَصَحِيح , وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَع مِنْ نَصْب الْخِلَاف مَعَ مَنْ يَشْتَرِط الْعَدَد , وَأَقَلّ مَا فِيهِ \" إِنَّهُ إِطْلَاق فِي مَوْضِع التَّقْيِيد \" فَيَحْتَاج إِلَى التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَإِلَى ذَلِكَ يُشِير الْبُخَارِيّ \" بِتَقْيِيدِهِ بِالْحَاكِمِ فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ غَيْر الْحَاكِم يَكْتَفِي بِالْوَاحِدِ لِأَنَّهُ إِخْبَار مَحْض وَلَيْسَ النِّزَاع فِيهِ وَإِنَّمَا النِّزَاع فِيمَا يَقَع عِنْدَ الْحَاكِم فَإِنَّ غَالِبه يَئُولُ إِلَى الْحُكْم وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ يَقُول \" إِنَّ تَصَرُّف الْحَاكِم بِمُجَرَّدِهِ حُكْم \" وَقَدْ قَالَ اِبْن الْمُنْذِر \" الْقِيَاس يَقْتَضِي اِشْتِرَاط الْعَدَد فِي الْأَحْكَام , لِأَنَّ كُلّ شَيْء غَابَ عَنْ الْحَاكِم لَا يُقْبَل فِيهِ إِلَّا الْبَيِّنَة الْكَامِلَة \" وَالْوَاحِد لَيْسَ بَيِّنَة كَامِلَة حَتَّى يُضَمّ إِلَيْهِ كَمَال النِّصَاب , غَيْر أَنَّ الْحَدِيث إِذَا صَحَّ سَقَطَ النَّظَر وَفِي الِاكْتِفَاء بِزَيْدِ بْن ثَابِت وَحْدَهُ حُجَّة ظَاهِرَة لَا يَجُوز خِلَافهَا اِنْتَهَى. وَيُمْكِن أَنْ يُجَاب أَنْ لَيْسَ غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْحُكَّام فِي ذَلِكَ مِثْله لِإِمْكَانِ اِطِّلَاعه عَلَى مَا غَابَ عَنْهُ بِالْوَحْيِ بِخِلَافِ غَيْره بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَكْثَر مِنْ وَاحِد , فَمَهْمَا كَانَ طَرِيقه الْإِخْبَار يَكْتَفِي فِيهِ بِالْوَاحِدِ , وَمَهْمَا كَانَ طَرِيقه الشَّهَادَة لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اِسْتِيفَاء النِّصَاب , وَقَدْ نَقَلَ الْكَرَابِيسِيُّ \" أَنَّ الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ وَالْمُلُوك بَعْدهمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَّا تُرْجُمَان وَاحِد \" وَقَدْ نَقَلَ اِبْن التِّين مِنْ رِوَايَة اِبْن عَبْد الْحَكَم \" لَا يُتَرْجِم إِلَّا حُرّ عَدْل \" وَإِذَا أَقَرَّ الْمُتَرْجِم بِشَيْءٍ فَأَحَبّ إِلَيَّ أَنْ يَسْمَع ذَلِكَ مِنْهُ شَاهِدَانِ وَيَرْفَعَانِ ذَلِكَ إِلَى الْحَاكِم. ‏"
    },
    {
        "id": "6658",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اسْتَعْمَلَ ‏ ‏ابْنَ الْأُتَبِيَّةِ ‏ ‏عَلَى صَدَقَاتِ ‏ ‏بَنِي سُلَيْمٍ ‏ ‏فَلَمَّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَحَاسَبَهُ قَالَ هَذَا الَّذِي لَكُمْ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَبَيْتِ أُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَخَطَبَ النَّاسَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ رِجَالًا مِنْكُمْ عَلَى أُمُورٍ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ فَيَأْتِي أَحَدُكُمْ فَيَقُولُ هَذَا لَكُمْ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَبَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَوَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏بِغَيْرِ حَقِّهِ ‏ ‏إِلَّا جَاءَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا فَلَأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللَّهَ رَجُلٌ بِبَعِيرٍ لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةٍ تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ‏",
        "sharh": "وَقَوْله حَدَّثَنَا مُحَمَّد حَدَّثَنَا عَبْدَةُ ‏ ‏\" مُحَمَّد \" ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَّامٍ , ‏ ‏\" وَعَبْدَة \" ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان , وَقَوْله \" فَهَلَّا \" فِي رِوَايَة غَيْر الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ \" أَلَا \" بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَهُمَا بِمَعْنًى ; وَالْمَقْصُود هُنَا قَوْله \" فَلَمَّا جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَاسَبَهُ \" أَيْ عَلَى مَا قَبَضَ وَصَرَفَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6659",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ ‏ ‏وَمُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏قَوْلَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏وَمُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ ‏ ‏وَسَعِيدُ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏قَوْلَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏صَفْوَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَا بَعَثَ اللَّه مِنْ نَبِيّ وَلَا اِسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة صَفْوَان بْن سُلَيْم \" مَا بَعَثَ اللَّه مِنْ نَبِيّ وَلَا بَعْدَهُ مِنْ خَلِيفَة \" وَالرِّوَايَة الَّتِي فِي الْبَاب تُفَسِّر الْمُرَاد بِهَذَا , وَأَنَّ الْمُرَاد يَبْعَث الْخَلِيفَة اِسْتِخْلَافه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ وَمُعَاوِيَة بْن سَلَّامٍ \" مَا مِنْ وَالٍ \" وَهِيَ أَعَمّ. ‏ ‏قَوْله ( بِطَانَة تَأْمُرهُ بِالْمَعْرُوفِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُلَيْمَان \" بِالْخَيْرِ \" وَفِي رِوَايَة مُعَاوِيَة بْن سَلَّامٍ \" بِطَانَة تَأْمُرهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنْ الْمُنْكَر \" وَهِيَ تُفَسِّر الْمُرَاد بِالْخَيْرِ. ‏ ‏قَوْله ( وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ ) ‏ ‏بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَضَاد مُعْجَمَة ثَقِيلَة أَيْ \" تُرَغِّبهُ فِيهِ \" وَتُؤَكِّدُهُ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَبِطَانَة تَأْمُرهُ بِالشَّرِّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ \" وَبِطَانَة لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا \" وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ هَذَا التَّقْسِيم بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ وَإِنْ جَازَ عَقْلًا , أَنْ يَكُون فِيمَنْ يُدَاخِلهُ مَنْ يَكُون مِنْ أَهْل الشَّرّ لَكِنَّهُ لَا يُتَصَوَّر مِنْهُ أَنْ يَصْغَى إِلَيْهِ , وَلَا يَعْمَل بِقَوْلِهِ لِوُجُودِ الْعِصْمَة , وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي بَقِيَّة الْحَدِيث الْإِشَارَة إِلَى سَلَامَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ \" فَالْمَعْصُوم مَنْ عَصَمَ اللَّه تَعَالَى \" فَلَا يَلْزَم مِنْ وُجُود مَنْ يُشِير عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّرِّ أَنْ يَقْبَل مِنْهُ , وَقِيلَ \" الْمُرَاد بِالْبِطَانَتَيْنِ فِي حَقّ النَّبِيّ الْمَلَك وَالشَّيْطَان \" وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَلَكِنَّ اللَّه أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ \" وَقَوْله \" لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا \" أَيْ لَا تُقَصِّر فِي إِفْسَاد أَمْره لِعَمَلِ مَصْلَحَتهمْ , وَهُوَ اِقْتِبَاس مِنْ قَوْله تَعَالَى { لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ أَشْهَب أَنَّهُ \" يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَتَّخِذ مَنْ يَسْتَكْشِف لَهُ أَحْوَال النَّاس فِي السِّرّ , وَلْيَكُنْ ثِقَة مَأْمُونًا فَطِنًا عَاقِلًا \" لِأَنَّ الْمُصِيبَة إِنَّمَا تَدْخُل عَلَى الْحَاكِم الْمَأْمُون مِنْ قَبُوله قَوْل مَنْ لَا يَوْثُق بِهِ إِذَا كَانَ هُوَ حَسَن الظَّنّ بِهِ فَيَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَتَثَبَّتَ فِي مِثْل ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( فَالْمَعْصُوم مَنْ عَصَمَ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة بَعْضهمْ \" مَنْ عَصَمَهُ اللَّه \" بِزِيَادَةِ الضَّمِير وَهُوَ مُقَدَّر فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ وَمُعَاوِيَة بْن سَلَّامٍ \" وَمَنْ وُقِيَ شَرّهَا فَقَدْ وُقِيَ \" وَهُوَ مِنْ الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا , وَفِي رِوَايَة صَفْوَان بْن سُلَيْم \" فَمَنْ وُقِيَ بِطَانَة السُّوء فَقَدْ وُقِيَ , وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّل , وَالْمُرَاد بِهِ إِثْبَات الْأُمُور كُلّهَا لِلَّهِ تَعَالَى : فَهُوَ الَّذِي يَعْصِم مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ \" فَالْمَعْصُوم مَنْ عَصَمَهُ اللَّه لَا مَنْ عَصَمَتْهُ نَفْسه \" إِذْ لَا يُوجَد مَنْ تَعْصِمهُ نَفْسه حَقِيقَة إِلَّا إِنْ كَانَ اللَّه عَصَمَهُ , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ ثَمَّ قِسْمًا ثَالِثًا وَهُوَ : أَنَّ مَنْ يَلِي أُمُور النَّاس قَدْ يَقْبَل مِنْ بِطَانَة الْخَيْر دُون بِطَانَة الشَّرّ دَائِمًا , وَهَذَا اللَّائِق بِالنَّبِيِّ , وَمِنْ ثَمَّ عَبَّرَ فِي آخِر الْحَدِيث بِلَفْظَةِ \" الْعِصْمَة \" وَقَدْ يَقْبَل مِنْ بِطَانَة الشَّرّ دُونَ بِطَانَةِ الْخَيْر , وَهَذَا قَدْ يُوجَد وَلَا سِيَّمَا مِمَّنْ يَكُون كَافِرًا , وَقَدْ يَقْبَل مِنْ هَؤُلَاءِ تَارَة وَمِنْ هَؤُلَاءِ تَارَة , فَإِنْ كَانَ عَلَى حَدّ سَوَاء فَلَمْ يَتَعَرَّض لَهُ فِي الْحَدِيث لِوُضُوحِ الْحَال فِيهِ وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَب عَلَيْهِ الْقَبُول مِنْ أَحَدهمَا فَهُوَ مُلْحَق بِهِ إِنْ خَيْرًا فَخَيْر وَإِنْ شَرًّا فَشَرّ , وَفِي مَعْنَى حَدِيث الْبَاب حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعًا \" مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ عَمَلًا فَأَرَادَ اللَّه بِهِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ \" قَالَ اِبْن التِّين \" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْبِطَانَتَيْنِ الْوَزِيرَيْنِ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَلَك وَالشَّيْطَان \" وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ \" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْبِطَانَتَيْنِ النَّفْس الْأَمَّارَة بِالسُّوءِ وَالنَّفْس اللَّوَّامَة الْمُحَرِّضَة عَلَى الْخَيْر \" إِذْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قُوَّة مَلَكِيَّة وَقُوَّة حَيَوَانِيَّة اِنْتَهَى. وَالْحَمْل عَلَى الْجَمِيع أَوْلَى إِلَّا أَنَّهُ جَائِز أَنْ لَا يَكُون لِبَعْضِهِمْ إِلَّا الْبَعْض , وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ \" الْبِطَانَة : الْأَوْلِيَاء وَالْأَصْفِيَاء \" وَهُوَ مَصْدَر وُضِعَ مَوْضِع الِاسْم يَصْدُق عَلَى الْوَاحِد وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْع مُذَكَّرًا وَمُؤَنَّثًا. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال ‏ ‏( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ ‏ ‏( أَخْبَرَنِي اِبْن شِهَاب بِهَذَا ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَيُّوب بْن سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي أُوَيْس عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال قَالَ : قَالَ يَحْيَى بْن سَعِيد أَخْبَرَنِي اِبْن شِهَاب قَالَ : فَذَكَرَ مِثْله. ‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ اِبْن أَبِي عَتِيق وَمُوسَى عَنْ اِبْن شِهَاب مِثْله ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى يَحْيَى بْن سَعِيد وَابْن أَبِي عَتِيق هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي عَتِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَمُوسَى هُوَ اِبْن عُقْبَةَ , قَالَ : الْكَرْمَانِيُّ : رَوَى سُلَيْمَان عَنْ الثَّلَاثَة , لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَرْوِيّ فِي الطَّرِيق الْأَوَّل هُوَ الْمَذْكُور بِعَيْنِهِ , وَفِي الثَّانِي هُوَ مِثْله. قُلْت : وَلَا يَظْهَر بَيْنَ هَذَيْنِ فَرْق , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْإِفْرَاد أَنَّ سُلَيْمَان سَاقَ لَفْظ يَحْيَى ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَة الْآخَرَيْنِ وَأَحَالَ بِلَفْظِهِمَا عَلَيْهِ فَأَوْرَدَهُ الْبُخَارِيّ عَلَى وَفْقه , وَقَدْ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن أَبِي أُوَيْس عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي عَتِيق وَمُوسَى بْن عُقْبَةَ بِهِ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْحَسَن الْمَخْزُومِيّ عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْهُمَا بِهِ , وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن الْمَخْزُومِيّ ضَعِيف جِدًّا كَذَّبَهُ مَالِك , وَهُوَ أَحَد الْمَوَاضِع الَّتِي يُسْتَدَلّ بِهَا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَخْرَج لَا يَطَّرِد كَوْن رِجَاله مِنْ رِجَال الصَّحِيح. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ شُعَيْب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَمْزَة , عَنْ الزُّهْرِيّ إِلَخْ وَقَوْله \" قَوْله \" يَعْنِي إِنَّهُ لَمْ يَرْفَعهُ , بَلْ جَعَلَهُ مِنْ كَلَام أَبِي سَعِيد , وَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْع الْخَافِض أَيْ \" مِنْ قَوْله \" وَرِوَايَة شُعَيْب هَذِهِ الْمَوْقُوفَة وَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي جَمْعه حَدِيث الزُّهْرِيّ وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : لَمْ تَقَع بِيَدِي. قُلْت : وَقَدْ رَوَيْنَاهَا فِي فَوَائِد عَلِيّ بْن مُحَمَّد الْجِكَّانِيّ : بِكَسْرِ الْجِيم وَتَشْدِيد الْكَاف ثُمَّ نُون , عَنْ أَبِي الْيَمَان مَرْفُوعَة. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمُعَاوِيَة بْن سَلَّامٍ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيّ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّهُمَا خَالَفَا مَنْ تَقَدَّمَ فَجَعَلَاهُ \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بَدَل أَبِي سَعِيد \" وَخَالَفَا شُعَيْبًا أَيْضًا فِي وَقْفه فَرَفَعَاهُ , فَأَمَّا رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ فَوَصَلَهَا أَحْمَد وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة عَبْد الْحَمِيد بْن حَبِيبٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ , فَقَالَ عَنْ الزُّهْرِيّ وَيَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. قُلْت : فَعَلَى هَذَا فَلَعَلَّ الْوَلِيد حَمَلَ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَلَى رِوَايَة يَحْيَى , فَكَأَنَّهُ عِنْد يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَعِنْد الزُّهْرِيّ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَعِيد فَلَعَلَّ الْأَوْزَاعِيّ حَدَّثَ بِهِ مَجْمُوعًا فَظَنَّ الرَّاوِي \" عَنْهُ \" أَنَّهُ \" عِنْدَهُ \" عَنْ كُلّ مِنْهُمَا بِالطَّرِيقَيْنِ فَلَمَّا أَفْرَدَ أَحَد الطَّرِيقَيْنِ اِنْقَلَبَتْ عَلَيْهِ , لَكِنَّ رِوَايَة مَعْمَر الَّتِي بَعْدَهَا قَدْ تَدْفَع هَذَا الِاحْتِمَال , وَيُقَرِّب أَنَّهُ عِنْدَ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْهُمَا جَمِيعًا , وَقَدْ قِيلَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن بَدَل أَبِي سَلَمَة أَخْرَجَهُ إِسْحَاق فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق الْفَضْل بْن يُونُس عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ , وَالْفَضْل صَدُوق , وَقَالَ اِبْن حِبَّان : لَمَّا ذَكَرَهُ فِي \" الثِّقَات \" رُبَّمَا أَخْطَأَ فَكَانَ هَذَا مِنْ ذَاكَ , وَأَمَّا رِوَايَة مُعَاوِيَة بْنِ سَلَّامٍ , وَهُوَ بِتَشْدِيدِ اللَّام فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مَعْمَر - بِالتَّشْدِيدِ أَيْضًا - اِبْن يَعْمُرَ بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الْمُهْمَلَة , حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة بْن سَلَّامٍ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَة أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اِبْن أَبِي حُسَيْن وَسَعِيد بْن زِيَاد عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي سَعِيد قَوْله ) ‏ ‏أَيْ وَقَفَاهُ أَيْضًا , وَابْن أَبِي حُسَيْن هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حُسَيْن النَّوْفَلِيُّ الْمَكِّيّ , وَسَعِيد بْن زِيَاد هُوَ الْأَنْصَارِيّ الْمَدَنِيّ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , رَوَى عَنْ جَابِر وَحَدِيثه عَنْهُ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ , وَمَا لَهُ رَاوٍ إِلَّا سَعِيد بْن أَبِي هِلَال , وَقَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم الرَّازِيُّ مَجْهُول , وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ ذِكْر إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر : حَدَّثَنِي صَفْوَان عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي أَيُّوب ) ‏ ‏أَمَّا عُبَيْد اللَّه فَهُوَ الْمِصْرِيّ , وَاسْم أَبِي جَعْفَر يَسَار بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُهْمَلَة خَفِيفَة , وَعُبَيْد اللَّه تَابِعِيّ صَغِير , وَقَدْ وَصَلَ هَذِهِ الطَّرِيق النَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر ; حَدَّثَنَا صَفْوَان بْن سُلَيْم هُوَ الْمَدَنِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ فَذَكَرَهُ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مُحَصَّل مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ أَنَّ الْحَدِيث مَرْفُوع مِنْ رِوَايَة ثَلَاثَة أَنْفُس مِنْ الصَّحَابَة اِنْتَهَى , وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ صُورَة الْوَاقِعَة , وَأَمَّا عَلَى طَرِيقَة الْمُحَدِّثِينَ فَهُوَ حَدِيث وَاحِد , وَاخْتُلِفَ عَلَى التَّابِعِيّ فِي صَحَابِيّه فَأَمَّا صَفْوَان فَجَزَمَ بِأَنَّهُ عَنْ أَبِي أَيُّوب , وَأَمَّا الزُّهْرِيّ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ هَلْ هُوَ أَبُو سَعِيد أَوْ أَبُو هُرَيْرَة , وَأَمَّا الِاخْتِلَاف فِي وَقْفه وَرَفْعه فَلَا تَأْثِير لَهُ لِأَنَّ مِثْله لَا يُقَال مِنْ قِبَل الِاجْتِهَاد , فَالرِّوَايَة الْمَوْقُوفَة لَفْظًا مَرْفُوعَة حُكْمًا , وَيُرَجَّح كَوْنه عَنْ أَبِي سَعِيد مُوَافَقَة اِبْن أَبِي حُسَيْن وَسَعِيد بْن زِيَاد لِمَنْ قَالَ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي سَعِيد. وَإِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا الزُّهْرِيّ وَصَفْوَان فَالزُّهْرِيّ أَحْفَظ مِنْ صَفْوَان بِدَرَجَاتٍ , فَمِنْ ثَمَّ يَظْهَر قُوَّة نَظَر الْبُخَارِيّ فِي إِشَارَته إِلَى تَرْجِيح طَرِيق أَبِي سَعِيد فَلِذَلِكَ سَاقَهَا مَوْصُولَة وَأَوْرَدَ الْبَقِيَّة بِصِيَغِ التَّعْلِيق إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْخِلَاف الْمَذْكُور لَا يَقْدَح فِي صِحَّة الْحَدِيث , إِمَّا عَلَى الطَّرِيقَة الَّتِي بَيَّنْتهَا مِنْ التَّرْجِيح , وَإِمَّا عَلَى تَجْوِيز أَنْ يَكُون الْحَدِيث عِنْد أَبِي سَلَمَة عَلَى الْأَوْجُه الثَّلَاثَة , وَمَعَ ذَلِكَ فَطَرِيق أَبِي سَعِيد أَرْجَح وَاَللَّه أَعْلَم , وَوَجَدْت فِي \" الْأَدَب الْمُفْرَد \" لِلْبُخَارِيِّ مَا يَتَرَجَّح بِهِ رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْ أَبِي سَلَمَة كَذَلِكَ فِي آخِر حَدِيث طَوِيل ‏"
    },
    {
        "id": "6660",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت \" بَايَعْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة \" الْحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل \" كِتَاب الْفِتَن \" مُسْتَوْفًى. ‏"
    },
    {
        "id": "6661",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏خَرَجَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارُ ‏ ‏يَحْفِرُونَ ‏ ‏الْخَنْدَقَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ ‏ ‏الْآخِرَهْ ‏ ‏فَاغْفِرْ ‏ ‏لِلْأَنْصَارِ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرَهْ ‏ ‏فَأَجَابُوا ‏ ‏نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا ‏ ‏مُحَمَّدَا ‏ ‏عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْله \" نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا عَلَى الْجِهَاد مَا بَقِينَا أَبَدًا \". وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمَّ مِمَّا هُنَا مَشْرُوحًا فِي \" غَزْوَة الْخَنْدَق \" مِنْ \" كِتَاب الْمَغَازِي \". ‏"
    },
    {
        "id": "6662",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا إِذَا ‏ ‏بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْبَيْعَة عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة وَفِيهِ يَقُول لَنَا \" فِيمَا اِسْتَطَعْتُمْ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالسَّرَخْسِيّ \" فِيمَا اِسْتَطَعْت \" بِالْإِفْرَادِ , وَالْأَوَّل هُوَ الَّذِي فِي الْمُوَطَّأ وَهُوَ يُقَيِّد مَا أُطْلِقَ فِي الْحَدِيثَيْنِ قَبْلَهُ وَكَذَلِكَ حَدِيث جَرِير وَهُوَ الرَّابِع , وَسَيَّار فِي السَّنَد بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة هُوَ اِبْن وَرْدَانَ , وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عُمَر فَذَكَرَ لَهُ طَرِيقًا قَبْلَ حَدِيث جَرِير وَآخَر بَعْدَهُ وَفِيهِمَا مَعًا \" أَقَرَّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة عَلَى سُنَّة اللَّه وَسُنَّة رَسُوله مَا اِسْتَطَعْت \" وَهُوَ مُنْتَزَع مِنْ حَدِيثه الْأَوَّل , فَالثَّلَاثَة فِي حُكْم حَدِيث وَاحِد , وَقَوْله فِي رِوَايَة مُسَدَّد عَنْ يَحْيَى هُوَ الْقَطَّان , أَنَّ اِبْن عُمَر قَالَ \" إِنِّي أُقِرّ \" إِلَخْ بَيَّنَ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن عَلِيّ أَنَّهُ كَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عَبْد الْمَلِك وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي آخِره \" وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ \" فَهُوَ إِخْبَار مِنْ اِبْن عُمَر عَنْ بَنِيهِ بِأَنَّهُ سَبَقَ مِنْهُمْ الْإِقْرَار الْمَذْكُور بِحَضْرَتِهِ ; كَتَبَ بِهِ اِبْن عُمَر إِلَى عَبْد الْمَلِك وَقَوْله \" قَدْ أَقَرُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ \" زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق بِنْدَار عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَان فِي آخِره \" وَالسَّلَام \" وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْد اللَّه بْن عُمَر إِلَى عَبْد اللَّه عَبْد الْمَلِك أَمِير الْمُؤْمِنِينَ \" إِنِّي أُقِرّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة \" إِلَخْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سُفْيَان بِلَفْظِ \" رَأَيْت اِبْن عُمَر يَكْتُب , وَكَانَ إِذَا كَتَبَ يَكْتُب : بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم. أَمَّا بَعْدُ ; فَإِنِّي أُقِرّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة لِعَبْدِ اللَّه عَبْد الْمَلِك \" وَقَالَ فِي آخِره أَيْضًا \" وَالسَّلَام \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَالَ أَوَّلًا \" إِلَيْهِ \" وَثَانِيًا \" إِلَى عَبْد الْمَلِك \" ثُمَّ بِالْعَكْسِ وَلَيْسَ تَكْرَارًا , وَالثَّانِي هُوَ الْمَكْتُوب لَا الْمَكْتُوب إِلَيْهِ أَيْ كَتَبَ هَذَا , وَهُوَ إِلَى عَبْد الْمَلِك , وَتَقْدِيره \" مِنْ اِبْن عُمَر إِلَى عَبْد الْمَلِك \" وَقَوْله \" حَيْثُ اِجْتَمَعَ النَّاس عَلَى عَبْد الْمَلِك \" يُرِيد اِبْن مَرْوَان بْن الْحَكَم , وَالْمُرَاد بِالِاجْتِمَاعِ اِجْتِمَاع الْكَلِمَة وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ مُفَرَّقَة , وَكَانَ فِي الْأَرْض قَبْلَ ذَلِكَ اِثْنَانِ كُلّ مِنْهُمَا يُدَّعَى لَهُ بِالْخِلَافَةِ , وَهُمَا عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان وَعَبْد اللَّه اِبْن الزُّبَيْر , فَأَمَّا اِبْن الزُّبَيْر فَكَانَ أَقَامَ بِمَكَّةَ وَعَاذَ بِالْبَيْتِ بَعْدَ مَوْت مُعَاوِيَة , وَامْتَنَعَ مِنْ الْمُبَايَعَة لِيَزِيدَ بْن مُعَاوِيَة , فَجَهَّزَ إِلَيْهِ يَزِيد الْجُيُوش مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَمَاتَ يَزِيد وَجُيُوشه مُحَاصِرُونَ اِبْن الزُّبَيْر , وَلَمْ يَكُنْ اِبْن الزُّبَيْر اِدَّعَى الْخِلَافَة حَتَّى مَاتَ يَزِيد فِي رَبِيع الْأَوَّل سَنَة أَرْبَع وَسِتِّينَ , فَبَايَعَهُ النَّاس بِالْخِلَافَةِ بِالْحِجَازِ , وَبَايَعَ أَهْل الْآفَاق لِمُعَاوِيَةَ بْن يَزِيد بْن مُعَاوِيَة فَلَمْ يَعِشْ إِلَّا نَحْو أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَمَاتَ , فَبَايَعَ مُعْظَم الْآفَاق لِعَبْدِ اللَّه بْن الزُّبَيْر وَانْتَظَمَ لَهُ مُلْك الْحِجَاز وَالْيَمَن وَمِصْر وَالْعِرَاق وَالْمَشْرِق كُلّه وَجَمِيع بِلَاد الشَّام حَتَّى دِمَشْق , وَلَمْ يَتَخَلَّف عَنْ بَيْعَته إِلَّا جَمِيع بَنِي أُمَيَّة وَمَنْ يَهْوَى هَوَاهُمْ وَكَانُوا بِفِلَسْطِينَ , فَاجْتَمَعُوا عَلَى مَرْوَان بْن الْحَكَم فَبَايَعُوهُ بِالْخِلَافَةِ , وَخَرَجَ بِمَنْ أَطَاعَهُ إِلَى جِهَة دِمَشْق وَالضَّحَّاك بْن قَيْس قَدْ بَايَعَ فِيهَا لِابْنِ الزُّبَيْر , فَاقْتَتَلُوا \" بِمَرْجِ رَاهِط \" فَقُتِلَ الضَّحَّاك وَذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّة مِنْهَا وَغَلَبَ مَرْوَان عَلَى الشَّام , ثُمَّ لَمَّا اِنْتَظَمَ لَهُ مُلْك الشَّام كُلّه تَوَجَّهَ إِلَى مِصْر فَحَاصَرَ بِهَا عَبْد الرَّحْمَن بْن جَحْدَر عَامِل اِبْن الزُّبَيْر حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهَا فِي رَبِيع الْآخِر سَنَة خَمْس وَسِتِّينَ ثُمَّ مَاتَ فِي سَنَته , فَكَانَتْ مُدَّة مُلْكه سِتَّة أَشْهُر ; وَعَهِدَ إِلَى اِبْنه عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان فَقَامَ مَقَامه وَكَمُلَ لَهُ مُلْك الشَّام وَمِصْر وَالْمَغْرِب , وَلِابْنِ الزُّبَيْر مُلْك الْحِجَاز وَالْعِرَاق وَالْمَشْرِق إِلَّا أَنَّ الْمُخْتَار بْن أَبِي عُبَيْد غَلَبَ عَلَى الْكُوفَة , وَكَانَ يَدْعُو إِلَى الْمَهْدِيّ مِنْ أَهْل الْبَيْت فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ نَحْو السَّنَتَيْنِ , ثُمَّ سَارَ إِلَيْهِ مُصْعَب بْن الزُّبَيْر أَمِير الْبَصْرَة لِأَخِيهِ فَحَاصَرَهُ حَتَّى قُتِلَ فِي شَهْر رَمَضَان سَنَة سَبْع وَسِتِّينَ , وَانْتَظَمَ أَمْر الْعِرَاق كُلّه لِابْنِ الزُّبَيْر فَدَامَ ذَلِكَ إِلَى سَنَة إِحْدَى وَسَبْعِينَ , فَسَارَ عَبْد الْمَلِك إِلَى مُصْعَب فَقَاتَلَهُ حَتَّى قَتَلَهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا وَمَلَكَ الْعِرَاق كُلّه , وَلَمْ يَبْقَ مَعَ اِبْن الزُّبَيْر إِلَّا الْحِجَاز وَالْيَمَن فَقَطْ , فَجَهَّزَ إِلَيْهِ عَبْد الْمَلِك الْحَجَّاج فَحَاصَرَهُ فِي سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ إِلَى أَنْ قُتِلَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَة ثَلَاث وَسَبْعِينَ , وَكَانَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر فِي تِلْكَ الْمُدَّة اِمْتَنَعَ أَنْ يُبَايِع لِابْنِ الزُّبَيْر أَوْ لِعَبْدِ الْمَلِك كَمَا كَانَ اِمْتَنَعَ أَنْ يُبَايِع لِعَلِيٍّ أَوْ مُعَاوِيَة , ثُمَّ بَايَعَ لِمُعَاوِيَةَ لَمَّا اِصْطَلَحَ مَعَ الْحَسَن بْن عَلِيّ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاس , وَبَايَعَ لِابْنِهِ يَزِيد بَعْدَ مَوْت مُعَاوِيَة لِاجْتِمَاعِ النَّاس عَلَيْهِ , ثُمَّ اِمْتَنَعَ مِنْ الْمُبَايَعَة لِأَحَدٍ حَالَ الِاخْتِلَاف إِلَى أَنْ قُتِلَ اِبْن الزُّبَيْر وَانْتَظَمَ الْمُلْك كُلّه لِعَبْدِ الْمَلِك فَبَايَعَ لَهُ حِينَئِذٍ , فَهَذَا مَعْنَى قَوْله \" لَمَّا اِجْتَمَعَ النَّاس عَلَى عَبْد الْمَلِك \" وَأَخْرَجَ يَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي تَارِيخه مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن حَرْب الْعَبْدِيِّ قَالَ \" بَعَثُوا إِلَى اِبْن عُمَر لَمَّا بُويِعَ اِبْن الزُّبَيْر فَمَدَّ يَدَهُ وَهِيَ تَرْعُدُ فَقَالَ : وَاَللَّه مَا كُنْت لِأُعْطِيَ بَيْعَتِي فِي فُرْقَة , وَلَا أَمْنَعهَا مِنْ جَمَاعَة \" ثُمَّ لَمْ يَلْبَث اِبْن عُمَر أَنْ تُوُفِّيَ فِي تِلْكَ السَّنَة بِمَكَّةَ , وَكَانَ عَبْد الْمَلِك وَصَّى الْحَجَّاج أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فِي مَنَاسِك الْحَجّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي \" كِتَاب الْحَجّ \" فَدَسَّ الْحَجَّاج عَلَيْهِ الْحَرْبَة الْمَسْمُومَة , كَمَا تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي \" كِتَاب الْعِيدَيْنِ \" فَكَانَ ذَلِكَ سَبَب مَوْتِهِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6663",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ شَهِدْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏حَيْثُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏قَالَ كَتَبَ ‏ ‏إِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مَا اسْتَطَعْتُ وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6664",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سَيَّارٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَايَعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَلَقَّنَنِي فِيمَا اسْتَطَعْتُ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6665",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا بَايَعَ النَّاسُ ‏ ‏عَبْدَ الْمَلِكِ ‏ ‏كَتَبَ إِلَيْهِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏إِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَعْتُ وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا بِذَلِكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6666",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِسَلَمَةَ ‏ ‏عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏الْحُدَيْبِيَةِ ‏ ‏قَالَ عَلَى الْمَوْتِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَلَمَة \" فِي الْمُبَايَعَة عَلَى الْمَوْت \" ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي \" كِتَاب الْجِهَاد \" فِي بَاب الْبَيْعَة عَلَى الْحَرْبِ أَنْ لَا يَفِرُّوا. ‏"
    },
    {
        "id": "6667",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلَّاهُمْ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا فَقَالَ لَهُمْ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ وَلَكِنَّكُمْ إِنْ شِئْتُمْ اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمْ فَجَعَلُوا ذَلِكَ إِلَى ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَلَمَّا وَلَّوْا ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَمْرَهُمْ فَمَالَ النَّاسُ عَلَى ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَتَّى مَا أَرَى أَحَدًا مِنْ النَّاسِ يَتْبَعُ أُولَئِكَ الرَّهْطَ وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ وَمَالَ النَّاسُ عَلَى ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي حَتَّى إِذَا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَصْبَحْنَا مِنْهَا فَبَايَعْنَا ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمِسْوَرُ ‏ ‏طَرَقَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏بَعْدَ ‏ ‏هَجْعٍ ‏ ‏مِنْ اللَّيْلِ فَضَرَبَ الْبَابَ حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَقَالَ أَرَاكَ نَائِمًا فَوَاللَّهِ مَا اكْتَحَلْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِكَبِيرِ نَوْمٍ انْطَلِقْ فَادْعُ ‏ ‏الزُّبَيْرَ ‏ ‏وَسَعْدًا ‏ ‏فَدَعَوْتُهُمَا لَهُ فَشَاوَرَهُمَا ثُمَّ دَعَانِي فَقَالَ ادْعُ لِي ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏فَدَعَوْتُهُ فَنَاجَاهُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ ثُمَّ قَامَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ عَلَى طَمَعٍ وَقَدْ كَانَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏يَخْشَى مِنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏شَيْئًا ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏فَدَعَوْتُهُ فَنَاجَاهُ حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمُؤَذِّنُ بِالصُّبْحِ فَلَمَّا صَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ كَانَ حَاضِرًا مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارِ ‏ ‏وَأَرْسَلَ إِلَى ‏ ‏أُمَرَاءِ ‏ ‏الْأَجْنَادِ وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ مَعَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ يَا ‏ ‏عَلِيُّ ‏ ‏إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ ‏ ‏بِعُثْمَانَ ‏ ‏فَلَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا فَقَالَ أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ فَبَايَعَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَبَايَعَهُ النَّاسُ ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارُ ‏ ‏وَأُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ وَالْمُسْلِمُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَة ) ‏ ‏بِالْجِيمِ مُصَغَّر جَارِيَة هُوَ اِبْن أَسْمَاء الضُّبَعِيُّ وَهُوَ عَمّ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَسْمَاء الرَّاوِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ الرَّهْط الَّذِينَ وَلَّاهُمْ عُمَر ) ‏ ‏أَيْ عَيَّنَهُمْ فَجَعَلَ الْخِلَافَة شُورَى بَيْنَهُمْ أَيْ وَلَّاهُمْ التَّشَاوُر فِيمَنْ يُعْقَد لَهُ الْخِلَافَة مِنْهُمْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي \" مَنَاقِب عُثْمَان \" فِي الْحَدِيث الطَّوِيل الَّذِي أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن مَيْمُون الْأَوْدِيّ أَحَد كِبَار التَّابِعِينَ فِي ذِكْر قَتْل عُمَر , وَقَوْلهمْ لِعُمَرَ - لَمَّا طَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَة - اِسْتَخْلِفْ فَقَالَ \" مَا أَحَد أَحَقّ بِهَذَا الْأَمْر مِنْ هَؤُلَاءِ الرَّهْط فَسَمَّى : عَلِيًّا وَعُثْمَان وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وَسَعْدًا وَعَبْد الرَّحْمَن \" وَفِيهِ \" فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ دَفْنه اِجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ الرَّهْط \" وَأَوْرَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي \" غَرَائِب مَالِك \" مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن عَامِر عَنْ جُوَيْرِيَة مُطَوَّلًا وَأَوَّله عِنْده \" لَمَّا طُعِنَ عُمَر قِيلَ لَهُ : اِسْتَخْلِفْ قَالَ , وَقَدْ رَأَيْت مِنْ حِرْصهمْ مَا رَأَيْت - إِلَى أَنْ قَالَ - هَذَا الْأَمْر بَيْنَ سِتَّة رَهْط مِنْ قُرَيْش , فَذَكَرَهُمْ وَبَدَأَ بِعُثْمَانَ ثُمَّ قَالَ : وَعَلِيّ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَالزُّبَيْر وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , وَانْتَظِرُوا أَخَاكُمْ طَلْحَة ثَلَاثًا , فَإِنْ قَدِمَ فِيهِمْ فَهُوَ شَرِيكهمْ فِي الْأَمْر. وَقَالَ : إِنَّ النَّاس لَنْ يَعْدُوكُمْ أَيّهَا الثَّلَاثَة , فَإِنْ كُنْت يَا عُثْمَان فِي شَيْء مِنْ أَمْر النَّاس فَاتَّقِ اللَّه , وَلَا تَحْمِلَنَّ بَنِي أُمَيَّة وَبَنِي أَبِي مُعَيْط عَلَى رِقَاب النَّاس , وَإِنْ كُنْت يَا عَلِيّ فَاتَّقِ اللَّه وَلَا تَحْمِلَنَّ بَنِي هَاشِم عَلَى رِقَاب النَّاس , وَإِنْ كُنْت يَا عَبْد الرَّحْمَن فَاتَّقِ اللَّه وَلَا تَحْمِلَنَّ أَقَارِبك عَلَى رِقَاب النَّاس , قَالَ : وَيَتَّبِع الْأَقَلّ الْأَكْثَر , وَمَنْ تَأَمَّرَ مِنْ غَيْر أَنْ يُؤَمَّر فَاقْتُلُوهُ \" قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : أَغْرَبَ سَعِيد بْن عَامِر عَنْ جُوَيْرِيَة بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ , وَقَدْ رَوَاهُ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَسْمَاء عَنْ عَمّه فَلَمْ يَذْكُرهَا , يُشِير إِلَى رِوَايَة الْبُخَارِيّ , قَالَ وَتَابَعَ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ وَسَعِيد بْن الزُّبَيْر وَحَبِيب ثَلَاثَتهمْ عَنْ مَالِك. قُلْت : وَسَاقَ الثَّلَاثَة لَكِنَّ رِوَايَة حَبِيب مُخْتَصَرَة وَالْآخَرِينَ مُوَافِقَتَانِ لِرِوَايَةِ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَسْمَاء , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن سَعْد بِسَنَدٍ صَحِيح مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : دَخَلَ الرَّهْط عَلَى عُمَر قَبْلَ أَنْ يَنْزِل بِهِ , فَسَمَّى السِّتَّة. فَذَكَرَ قِصَّة , إِلَى أَنْ قَالَ \" فَإِنَّمَا الْأَمْر إِلَى سِتَّة : إِلَى عَبْد الرَّحْمَن وَعُثْمَان وَعَلِيّ وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وَسَعْد \" وَكَانَ طَلْحَة غَائِبًا فِي أَمْوَاله بِالسَّرَاةِ , وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَرَاء خَفِيفَة , بِلَاد مَعْرُوفَة بَيْنَ الْحِجَاز وَالشَّام , فَبَدَأَ فِي هَذِهِ بِعَبْدِ الرَّحْمَن قَبْل الْجَمِيع وَبِعُثْمَانَ قَبْلَ عَلِيّ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي السِّيَاق الْأَوَّل لَمْ يَقْصِد التَّرْتِيب. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ لَهُمْ عَبْد الرَّحْمَن إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي \" مَنَاقِب عُثْمَان \" بِأَتَمَّ مِنْ سِيَاقه وَفِيهِ مَا يَدُلّ عَلَى حُضُور طَلْحَة , وَأَنَّ سَعْدًا جَعَلَ أَمْره إِلَى عَبْد الرَّحْمَن , وَالزُّبَيْر إِلَى عَلِيّ , وَطَلْحَة إِلَى عُثْمَان وَفِيهِ قَوْل عَبْد الرَّحْمَن أَيّكُمْ يَبْرَأ مِنْ هَذَا الْأَمْر وَيَكُون لَهُ الِاخْتِيَار فِيمَنْ بَقِيَ , فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَتُرْوَى بَعْدَ ذَلِكَ فِي عُثْمَان أَوْ عَلِيّ , وَقَوْله \" أُنَافِسكُمْ \" بِالنُّونِ وَالْفَاء الْمُهْمَلَة أَيْ أُنَازِعكُمْ فِيهِ , إِذْ لَيْسَ لِي فِي الِاسْتِقْلَال فِي الْخِلَافَة رَغْبَة , وَقَوْله \" عَنْ هَذَا الْأَمْر \" أَيْ مِنْ جِهَته وَلِأَجْلِهِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" عَلَى \" بَدَل \" عَنْ \" وَهِيَ أَوْجَه. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا وَلَّوْا عَبْد الرَّحْمَن أَمْرهمْ ) ‏ ‏يَعْنِي أَمْر الِاخْتِيَار مِنْهُمْ. ‏ ‏قَوْله ( فَمَالَ النَّاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد بْن عَامِر فَانْثَالَ النَّاس , وَهِيَ بِنُونٍ وَمُثَلَّثَة أَيْ قَصَدُوهُ كُلّهمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْء وَأَصْل \" النَّثْل \" الصَّبّ يُقَال \" نَثَلَ كِنَانَته \" أَيْ صَبَّ مَا فِيهَا مِنْ السِّهَامِ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا يَطَأ عَقِبَهُ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْر الْقَاف بَعْدَهَا مُوَحَّدَة أَيْ \" يَمْشِي خَلْفَهُ \" وَهِيَ كِنَايَة عَنْ الْإِعْرَاض. ‏ ‏قَوْله ( وَمَالَ النَّاس عَلَى عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏أَعَادَهَا لِبَيَانِ سَبَب الْمَيْل وَهُوَ قَوْله \" يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي \" زَادَ الزُّبَيْدِيّ فِي رِوَايَته عَنْ الزُّهْرِيّ \" يُشَاوِرُونَهُ وَيُنَاجُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي , لَا يَخْلُو بِهِ رَجُل ذُو رَأْي فَيَعْدِل بِعُثْمَانَ أَحَدًا \". ‏ ‏قَوْله ( بَعْدَ هَجْع ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَاء وَسُكُون الْجِيم بَعْدَهَا عَيْن مُهْمَلَة أَيْ \" بَعْد طَائِفَة مِنْ اللَّيْل \" يُقَال : لَقِيته بَعْد هَجْع مِنْ اللَّيْل كَمَا تَقُول بَعْد هَجْعَة وَالْهَجْع وَالْهَجْعَة وَالْهَجِيع وَالْهُجُوع بِمَعْنًى , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" التَّارِيخ الصَّغِير \" مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ بِلَفْظِ \" بَعْدَ هَجِيع \" بِوَزْنِ عَظِيمٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَوَاَللَّهِ مَا اِكْتَحَلْت هَذِهِ الثَّلَاث ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِيّ \" اللَّيْلَة \" وَيُؤَيِّد الْأَوَّل قَوْله فِي رِوَايَة سَعِيد بْن عَامِر \" وَاَللَّه مَا حَمَلْت فِيهَا غَمْضًا مُنْذُ ثَلَاث \" وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فِي هَذِهِ اللَّيَالِي \" وَقَوْله \" بِكَثِيرِ نَوْم \" بِالْمُثَلَّثَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا , وَهُوَ مُشْعِر بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْعِب اللَّيْل سَهَرًا بَلْ نَامَ لَكِنْ يَسِيرًا مِنْهُ \" وَالِاكْتِحَال \" كِنَايَة عَنْ دُخُول النَّوْم جَفْن الْعَيْن كَمَا يَدْخُلهَا الْكُحْل وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يُونُس \" مَا ذَاقَتْ عَيْنَايَ كَثِير النَّوْم \". ‏ ‏قَوْله ( فَادْعُ الزُّبَيْر وَسَعْدًا , فَدَعَوْتهمَا لَهُ فَشَاوَرَهُمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" فَسَارَّهُمَا \" بِمُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيد الرَّاء , وَلَمْ أَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة لِطَلْحَةَ ذِكْرًا فَلَعَلَّهُ كَانَ شَاوَرَهُ قَبْلَهُمَا. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْل ) ‏ ‏بِالْمُوَحَّدَةِ سَاكِنَة وَتَشْدِيد الرَّاء وَمَعْنَاهُ \" اِنْتَصَفَ \" وَبَهْرَة كُلّ شَيْء وَسَطه , وَقِيلَ مُعْظَمه وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ فِي \" كِتَاب الصَّلَاة \" زَادَ سَعِيد بْن عَامِر فِي رِوَايَتِهِ \" فَجَعَلَ يُنَاجِيه تَرْتَفِع أَصْوَاتُهُمَا أَحْيَانًا فَلَا يَخْفَى عَلَيَّ شَيْء مِمَّا يَقُولَانِ وَيُخْفِيَانِ أَحْيَانًا \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَامَ عَلِيّ مِنْ عِنْده وَهُوَ عَلَى طَمَع ) ‏ ‏أَيْ أَنْ يُوَلِّيَهُ , وَقَوْله \" وَقَدْ كَانَ عَبْد الرَّحْمَن يَخْشَى مِنْ عَلِيّ شَيْئًا \" قَالَ اِبْن هُبَيْرَةَ : أَظُنّهُ أَشَارَ إِلَى الدَّعَايَة الَّتِي كَانَتْ فِي عَلِيّ أَوْ نَحْوهَا , وَلَا يَجُوز أَنْ يُحْمَل عَلَى أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن خَافَ مِنْ عَلِيّ عَلَى نَفْسه. قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ خَافَ إِنْ بَايَعَ لِغَيْرِهِ أَنْ لَا يُطَاوِعهُ , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ فِيمَا بَعْدُ \" فَلَا تَجْعَل عَلَى نَفْسك سَبِيلًا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن عَامِر \" فَأَصْبَحْنَا وَمَا أَرَاهُ يُبَايَع إِلَّا لِعَلِيٍّ \" يَعْنِي مِمَّا ظَهَرَ لَهُ مِنْ قَرَائِن تَقْدِيمه. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَالَ اُدْعُ لِي عُثْمَان ) ‏ ‏ظَاهِر فِي أَنَّهُ تَكَلَّمَ مَعَ عَلِيّ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة قَبْلَ عُثْمَان , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن عَامِر عَكْس ذَلِكَ , وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ أَوَّلًا \" اِذْهَبْ فَادْعُ عُثْمَان \" وَفِيهِ \" فَخَلَا بِهِ \" وَفِيهِ \" لَا أَفْهَم مِنْ قَوْلهمَا شَيْئًا \" فَإِمَّا أَنْ تَكُون إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهْمًا , وَإِمَّا أَنْ يَكُون ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَمَرَّة بَدَأَ بِهَذِهِ وَمَرَّة بَدَأَ بِهَذَا. ‏ ‏قَوْله ( وَأَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاء الْأَجْنَاد وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّة مَعَ عُمَر ) ‏ ‏أَيْ قَدِمُوا إِلَى مَكَّة فَحَجُّوا مَعَ عُمَر وَرَافَقُوهُ إِلَى الْمَدِينَة , وَهُمْ مُعَاوِيَة أَمِير الشَّام , وَعُمَيْر بْن سَعِيد أَمِير حِمْص , وَالْمُغِيرَة بْن شُعْبَة أَمِير الْكُوفَة , وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَمِير الْبَصْرَة , وَعَمْرو بْن الْعَاصِ أَمِير مِصْرَ. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا أَجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ \" جَلَسَ عَبْد الرَّحْمَن عَلَى الْمِنْبَر \" وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن عَامِر \" فَلِمَا صَلَّى صُهَيْب بِالنَّاسِ صَلَاة الصُّبْح , جَاءَ عَبْد الرَّحْمَن يَتَخَطَّى حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَر , فَجَاءَهُ رَسُول سَعْد يَقُول لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ : اِرْفَعْ رَأْسَك وَانْظُرْ لِأُمَّةِ مُحَمَّد وَبَايِعْ لِنَفْسِك \". ‏ ‏قَوْله ( أَمَّا بَعْدُ ) ‏ ‏زَادَ سَعِيد بْن عَامِر \" فَأَعْلَنَ عَبْد الرَّحْمَن فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ , ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ , يَا عَلِيّ إِنِّي نَظَرْت فِي أَمْر النَّاس فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ \" أَيْ لَا يَجْعَلُونَ لَهُ مُسَاوِيًا بَلْ يُرَجِّحُونَهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَلَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسك سَبِيلًا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْمَلَامَة إِذَا لَمْ تُوَافِق الْجَمَاعَة , وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن لَمْ يَتَرَدَّد عِنْدَ الْبَيْعَة فِي عُثْمَانَ , لَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن مَيْمُون التَّصْرِيح بِأَنَّهُ \" بَدَأَ بِعَلِيٍّ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَقَالَ : لَك قَرَابَة مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقِدَم فِي الْإِسْلَام مَا قَدْ عَلِمْت , وَاَللَّه عَلَيْك لَئِنْ أَمَّرْتُك لَتَعْدِلَنَّ , وَلَئِنْ أَمَّرْت عُثْمَان لَتَسْمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ , ثُمَّ خَلَا بِالْآخَرِ فَقَالَ لَهُ مِثْل ذَلِكَ , فَلَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاق قَالَ : اِرْفَعْ يَدك يَا عُثْمَان فَبَايَعَهُ وَبَايَعَ لَهُ عَلِيّ \" وَطَرِيق الْجَمْع بَيْنَهُمَا أَنَّ عَمْرو بْن مَيْمُون حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظهُ الْآخَر وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْآخَر حَفِظَهُ لَكِنْ طَوَى بَعْض الرُّوَاة ذِكْرَهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ فِي اللَّيْل لَمَّا تَكَلَّمَ مَعَهُمَا وَاحِد بَعْدَ وَاحِد , فَأَخَذَ عَلَى كُلّ مِنْهُمَا الْعَهْد وَالْمِيثَاق , فَلَمَّا أَصْبَحَ عَرَضَ عَلَى عَلِيّ فَلَمْ يُوَافِقهُ عَلَى بَعْض الشُّرُوط , وَعَرَضَ عَلَى عُثْمَان فَقَبِلَ , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة عَاصِم بْن بَهْدَلَة عَنْ أَبِي وَائِل قَالَ : قُلْت لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف كَيْف بَايَعْتُمْ عُثْمَان وَتَرَكْتُمْ عَلِيًّا فَقَالَ \" مَا ذَنْبِي بَدَأْت بِعَلِيٍّ فَقُلْت لَهُ أُبَايِعك عَلَى كِتَاب اللَّه وَسُنَّة رَسُوله وَسِيرَة أَبِي بَكْر وَعُمَر , فَقَالَ فِيمَا اِسْتَطَعْت وَعَرَضْتهَا عَلَى عُثْمَان فَقَبِلَ \" أَخْرَجَهُ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي زِيَادَات الْمُسْنَد عَنْ سُفْيَان بْن وَكِيع عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْهُ , وَسُفْيَان بْن وَكِيع ضَعِيف. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق زَائِدَة عَنْ عَاصِم عَنْ أَبِي وَائِل قَالَ : قَالَ الْوَلِيد بْن عُقْبَةَ لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف : مَا لَك جَفَوْت أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يَعْنِي عُثْمَان فَذَكَرَ قِصَّة وَفِيهَا قَوْل عُثْمَان , وَأَمَّا قَوْله : سِيرَة عُمَر فَإِنِّي لَا أُطِيقهَا وَلَا هُوَ , وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ بَايَعَهُ عَلَى أَنْ يَسِيرَ سِيرَةَ عُمَر فَعَاتَبَهُ عَلَى تَرْكهَا وَيُمْكِن أَنْ يَأْخُذ مِنْ هَذَا ضَعْف رِوَايَة سُفْيَان بْن وَكِيع إِذْ لَوْ كَانَ اِسْتَخْلَفَ بِشَرْطِ أَنْ يَسِير بِسِيرَةِ عُمَر لَمْ يَكُنْ مَا أَجَابَ بِهِ عُذْرًا فِي التَّرْك , قَالَ اِبْن التِّين وَإِنَّمَا قَالَ لِعَلِيٍّ ذَلِكَ دُونَ مَنْ سِوَاهُ , لِأَنَّ غَيْره لَمْ يَكُنْ يَطْمَع فِي الْخِلَافَة مَعَ وُجُوده وَوُجُود عُثْمَان , وَسُكُوت مَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْل الشُّورَى وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار وَأُمَرَاء الْأَجْنَاد دَلِيل عَلَى تَصْدِيقهمْ عَبْد الرَّحْمَن فِيمَا قَالَ وَعَلَى الرِّضَا بِعُثْمَانَ. قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق حَارِثَة بْن مُضَرِّب قَالَ \" حَجَجْت فِي خِلَافَة عُمَر فَلَمْ أَرَهُمْ يَشُكُّونَ أَنَّ الْخَلِيفَة بَعْدَهُ عُثْمَان \" وَأَخْرَجَ يَعْقُوب بْن شَبَّة فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق صَحِيح إِلَى حُذَيْفَة قَالَ : قَالَ لِي عُمَر مَنْ تَرَى قَوْمك يُؤَمِّرُونَ بَعْدِي. قَالَ. قُلْت : قَدْ نَظَرَ النَّاس إِلَى عُثْمَان وَشَهَرُوهُ لَهَا. وَأَخْرَجَ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمه وَخَيْثَمَة فِي \" فَضَائِل الصَّحَابَة \" بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ حَارِثَة بْن مُضَرِّب , حَجَجْت مَعَ عُمَر فَكَانَ الْحَادِي يَحْدُو أَنَّ الْأَمِير بَعْدَهُ عُثْمَان بْن عَفَّانَ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ ) ‏ ‏أَيْ \" عَبْد الرَّحْمَن \" مُخَاطِبًا لِعُثْمَانَ ‏ ‏( أُبَايِعك عَلَى سُنَّة اللَّه وَسُنَّة رَسُوله وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ فَبَايَعَهُ عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏فِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره فَقَالَ : نَعَمْ , فَبَايَعَهُ عَبْد الرَّحْمَن. وَأَخْرَجَ الذُّهْلِيُّ فِي \" الزُّهْرِيَّات \" وَابْن عَسَاكِر فِي \" تَرْجَمَة عُثْمَان \" مِنْ طَرِيقه ثُمَّ مِنْ رِوَايَة عِمْرَان بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الْعَزِيز بْن عُمَر الزُّهْرِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" كُنْت أَعْلَم النَّاس بِأَمْرِ الشُّورَى لِأَنِّي كُنْت رَسُول عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف \" فَذَكَرَ الْقِصَّة وَفِي آخِره. فَقَالَ : هَلْ أَنْتَ يَا عَلِيّ مُبَايِعِي إِنْ وَلَّيْتُك هَذَا الْأَمْر عَلَى سُنَّة اللَّه وَسُنَّة رَسُوله وَسُنَّة الْمَاضِينَ قَبْلُ ؟ قَالَ : لَا , وَلَكِنْ عَلَى طَاقَتِي , فَأَعَادَهَا ثَلَاثًا. فَقَالَ عُثْمَان : أَنَا يَا أَبَا مُحَمَّد أُبَايِعُك عَلَى ذَلِكَ , قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَامَ عَبْد الرَّحْمَن وَاعْتَمَّ وَلَبِسَ السَّيْف فَدَخَلَ الْمَسْجِد ثُمَّ رَقَى الْمِنْبَر فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى عُثْمَان فَبَايَعَهُ \" فَعَرَفْت أَنَّ خَالِي أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَمْرهمَا فَأَعْطَاهُ أَحَدهمَا وَثِيقَة وَمَنَعَهُ الْآخَر إِيَّاهَا , وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّة الْأَخِيرَة عَلَى جَوَاز تَقْلِيد الْمُجْتَهِد , وَأَنَّ عُثْمَان وَعَبْد الرَّحْمَن كَانَا يَرَيَانِ ذَلِكَ بِخِلَافِ عَلِيّ , وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَهُ وَهُمْ الْجُمْهُور بِأَنَّ الْمُرَاد بِالسِّيرَةِ مَا يَتَعَلَّق بِالْعَدْلِ وَنَحْوه لَا التَّقْلِيد فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة. وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى جَوَاز تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَاد اِحْتَمَلَ أَنْ يُرَاد بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمَا فِيمَا لَمْ يَظْهَر لِلتَّابِعِ فِيهِ الِاجْتِهَاد فَيَعْمَل بِقَوْلِهِمَا لِلضَّرُورَةِ , قَالَ الطَّبَرِيُّ : لَمْ يَكُنْ فِي أَهْل الْإِسْلَام أَحَد لَهُ مِنْ الْمَنْزِلَة فِي الدِّين وَالْهِجْرَة وَالسَّابِقَة وَالْعَقْل وَالْعِلْم وَالْمَعْرِفَة بِالسِّيَاسَةِ مَا لِلسِّتَّةِ الَّذِينَ جَعَلَ عُمَر الْأَمْر شُورَى بَيْنَهُمْ , فَإِنْ قِيلَ كَانَ بَعْض هَؤُلَاءِ السِّتَّة أَفْضَل مِنْ بَعْض وَكَانَ رَأَى عُمَر أَنَّ الْأَحَقّ بِالْخِلَافَةِ أَرْضَاهُمْ دِينًا , وَأَنَّهُ لَا تَصِحّ وِلَايَة الْمَفْضُول مَعَ وُجُود الْفَاضِل , فَالْجَوَاب أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالْأَفْضَلِ مِنْهُمْ لَكَانَ قَدْ نَصَّ عَلَى اِسْتِخْلَافه , وَهُوَ قَصَدَ أَنْ لَا يَتَقَلَّد الْعُهْدَة فِي ذَلِكَ ; فَجَعَلَهَا فِي سِتَّة مُتَقَارِبِينَ فِي الْفَضْل , لِأَنَّهُ يَتَحَقَّق أَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى تَوْلِيَة الْمَفْضُول , وَلَا يَأْلُونَ الْمُسْلِمِينَ نُصْحًا فِي النَّظَر وَالشُّورَى , وَأَنَّ الْمَفْضُول مِنْهُمْ لَا يَتَقَدَّم عَلَى الْفَاضِل , وَلَا يَتَكَلَّم فِي مَنْزِلَة وَغَيْره أَحَقّ بِهَا مِنْهُ , وَعَلِمَ رِضَا الْأُمَّة بِمَنْ رَضِيَ بِهِ السِّتَّة. وَيُؤْخَذ مِنْهُ بُطْلَان قَوْل الرَّافِضَة وَغَيْرهمْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَة فِي أَشْخَاص بِأَعْيَانِهِمْ , إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا أَطَاعُوا عُمَر فِي جَعْلهَا شُورَى , وَلَقَالَ قَائِل مِنْهُمْ مَا وَجْه التَّشَاوُر فِي أَمْر كُفِينَاهُ بِبَيَانِ اللَّه لَنَا عَلَى لِسَان رَسُولِهِ , فَفِي رِضَا الْجَمِيع بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْعَهْد فِي الْإِمَامَة أَوْصَاف مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ اِسْتَحَقَّهَا , وَإِدْرَاكهَا يَقَع بِالِاجْتِهَادِ , وَفِيهِ أَنَّ الْجَمَاعَة الْمَوْثُوق بِدِيَانَتِهِمْ إِذَا عَقَدُوا عَقْد الْخِلَافَة لِشَخْصٍ بَعْد التَّشَاوُر وَالِاجْتِهَاد لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَحِلّ ذَلِكَ الْعَقْد , إِذْ لَوْ كَانَ الْعَقْد لَا يَصِحّ إِلَّا بِاجْتِمَاعِ الْجَمِيع , لَقَالَ قَائِل لَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ هَؤُلَاءِ السِّتَّة , فَلَمَّا لَمْ يَعْتَرِض مِنْهُمْ مُعْتَرِض بَلْ رَضُوا وَبَايَعُوا , دَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَاهُ , اِنْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ كِتَاب اِبْن بَطَّال , وَيَتَحَصَّل مِنْهُ جَوَاب مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ أَنَّ عُمَر كَانَ يَرَى جَوَاز وِلَايَة الْمَفْضُول مَعَ وُجُود الْفَاضِل , وَاَلَّذِي يَظْهَر مِنْ سِيرَة عُمَر فِي أُمَرَائِهِ الَّذِينَ كَانَ يُؤَمِّرهُمْ فِي الْبِلَاد , أَنَّهُ كَانَ لَا يُرَاعِي الْأَفْضَل فِي الدِّين فَقَطْ بَلْ يُضَمّ إِلَيْهِ مَزِيد الْمَعْرِفَة بِالسِّيَاسَةِ مَعَ اِجْتِنَاب مَا يُخَالِف الشَّرْع مِنْهَا , فَلِأَجْلِ هَذَا اِسْتَخْلَفَ مُعَاوِيَة وَالْمُغِيرَة بْن شُعْبَة وَعَمْرو بْن الْعَاصِ مَعَ وُجُود مَنْ هُوَ أَفْضَل مِنْ كُلّ مِنْهُمْ فِي أَمْر الدِّين وَالْعِلْم , كَأَبِي الدَّرْدَاء فِي الشَّام وَابْن مَسْعُود فِي الْكُوفَة , وَفِيهِ أَنَّ الشُّرَكَاء فِي الشَّيْء إِذَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ التَّنَازُع فِي أَمْر مِنْ الْأُمُور يُسْنِدُونَ أَمْرهمْ إِلَى وَاحِد لِيَخْتَارَ لَهُمْ بَعْدَ أَنْ يُخْرِج نَفْسه مِنْ ذَلِكَ الْأَمْر , وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أُسْنِدَ إِلَيْهِ ذَلِكَ يَبْذُل وُسْعه فِي الِاخْتِيَار , وَيَهْجُر أَهْله وَلَيْله اِهْتِمَامًا بِمَا هُوَ فِيهِ حَتَّى يُكْمِلهُ , وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : فِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ الْوَكِيل الْمُفَوَّض لَهُ أَنْ يُوَكِّل وَإِنْ لَمْ يُنَصّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ , لِأَنَّ الْخَمْسَة أَسْنَدُوا الْأَمْر لِعَبْدِ الرَّحْمَن وَأَفْرَدُوهُ بِهِ فَاسْتَقَلَّ مَعَ أَنَّ عُمَر لَمْ يَنُصّ لَهُمْ عَلَى الِانْفِرَاد , قَالَ : وَفِيهِ تَقْوِيَة لِقَوْلِ الشَّافِعِيّ فِي الْمَسْأَلَة الْفُلَانِيَّة قَوْلَانِ , أَيْ اِنْحَصَرَ الْحَقّ عِنْدِي فِيهِمَا , وَأَنَا فِي مُهْلَة النَّظَر فِي التَّعْيِين , وَفِيهِ أَنَّ إِحْدَاث قَوْل زَائِد عَلَى مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ لَا يَجُوز , وَهُوَ كَإِحْدَاثِ سَابِع فِي أَهْل الشُّورَى , قَالَ وَفِي تَأْخِير عَبْد الرَّحْمَن مُؤَامَرَة عُثْمَان عَنْ مُؤَامَرَة عَلِيّ سِيَاسَة حَسَنَة , مُنْتَزَعَة مِنْ تَأْخِير يُوسُف تَفْتِيش رَحْل أَخِيهِ فِي قِصَّة الصَّاع , إِبْعَادًا لِلتُّهْمَةِ وَتَغْطِيَة لِلْحَدْسِ , لِأَنَّهُ رَأَى أَنْ لَا يَنْكَشِف اِخْتِيَاره لِعُثْمَانَ قَبْلَ وُقُوع الْبَيْعَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6668",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَايَعْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَقَالَ لِي ‏ ‏يَا ‏ ‏سَلَمَةُ ‏ ‏أَلَا تُبَايِعُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَايَعْتُ فِي الْأَوَّلِ قَالَ وَفِي الثَّانِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَلَمَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْبَيْعَة \" فِي الْحَرْب مِنْ \" كِتَاب الْجِهَاد \" مِنْ رِوَايَة الْمَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم , حَدَّثَنَا يَزِيد بْن أَبِي عُبَيْد عَنْ سَلَمَة بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاق وَفِيهِ بَايَعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عَدَلْت إِلَى ظِلّ شَجَرَة فَلَمَّا خَفَّ النَّاس قَالَ \" يَا اِبْن الْأَكْوَع أَلَا تُبَايِع \". ‏ ‏قَوْله ( قَدْ بَايَعَتْ فِي الْأَوَّل قَالَ وَفِي الثَّانِي ) ‏ ‏وَالْمُرَاد بِذَلِكَ الْوَقْت , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فِي الْأُولَى \" بِالتَّأْنِيثِ قَالَ \" وَفِي الثَّانِيَة \" وَالْمُرَاد السَّاعَة أَوْ الطَّائِفَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَكِّيّ \" فَقُلْت قَدْ بَايَعْت يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : وَأَيْضًا فَبَايَعْته الثَّانِيَة وَزَادَ فَقُلْت لَهُ : يَا أَبَا مُسْلِم عَلَى أَيّ شَيْء كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ , قَالَ : عَلَى الْمَوْت \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ هُنَاكَ , وَقَالَ الْمُهَلَّب فِيمَا ذَكَرَهُ اِبْن بَطَّال أَرَادَ أَنْ يُؤَكِّد بَيْعَة سَلَمَة لِعِلْمِهِ بِشُجَاعَتِهِ وَعَنَائِهِ فِي الْإِسْلَام وَشُهْرَته بِالثَّبَاتِ , فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِتَكْرِيرِ الْمُبَايَعَة لِيَكُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَضِيلَة. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَلَمَة لَمَّا بَادَرَ إِلَى الْمُبَايَعَة ثُمَّ قَعَدَ قَرِيبًا , وَاسْتَمَرَّ النَّاس يُبَايِعُونَ إِلَى أَنْ خَفُّوا , أَرَادَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ أَنْ يُبَايِع لِتَتَوَالَى الْمُبَايَعَة مَعَهُ وَلَا يَقَع فِيهَا تَخَلُّل , لِأَنَّ الْعَادَة فِي مَبْدَأ كُلّ أَمْر أَنْ يَكْثُر مَنْ يُبَاشِرهُ فَيَتَوَالَى , فَإِذَا تَنَاهَى قَدْ يَقَع بَيْنَ مَنْ يَجِيء آخِرًا تَخَلُّل , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ اِخْتِصَاص سَلَمَة بِمَا ذُكِرَ وَالْوَاقِع أَنَّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْن بَطَّال مِنْ حَال سَلَمَة فِي الشُّجَاعَة وَغَيْرهَا لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ بَعْدُ , لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْهُ بَعْد ذَلِكَ فِي \" غَزْوَة ذِي قِرْد \" حَيْثُ اِسْتَعَادَ السَّرْح الَّذِي كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَغَارُوا عَلَيْهِ فَاسْتَلَبَ ثِيَابهمْ , وَكَانَ آخِر أَمْره أَنْ أَسْهَمَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْم الْفَارِس وَالرَّاجِل , فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَال تَفَرَّسَ فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فَبَايَعَهُ مَرَّتَيْنِ , وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ سَيَقُومُ فِي الْحَرْب مَقَام رَجُلَيْنِ فَكَانَ كَذَلِكَ , وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : يُسْتَفَاد مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ إِعَادَة لَفْظ الْعَقْد فِي النِّكَاح وَغَيْره لَيْسَ فَسْخًا لِلْعَقْدِ الْأَوَّل خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ مِنْ الشَّافِعِيَّة. ‏ ‏قُلْت : الصَّحِيح عِنْدهمْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فَسْخًا كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6669",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَصَابَهُ ‏ ‏وَعْكٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَقِلْنِي ‏ ‏بَيْعَتِي فَأَبَى ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ ‏ ‏أَقِلْنِي ‏ ‏بَيْعَتِي فَأَبَى فَخَرَجَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏كَالْكِيرِ ‏ ‏تَنْفِي ‏ ‏خَبَثَهَا ‏ ‏وَيَنْصَعُ ‏ ‏طِيبُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّ أَعْرَابِيًّا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَى اِسْمه فِي \" فَضْل الْمَدِينَة أَوَاخِرَ الْحَجّ \". ‏ ‏قَوْله ( عَلَى الْإِسْلَام ) ‏ ‏ظَاهِر فِي أَنَّ طَلَبه الْإِقَالَة كَانَ فِيمَا يَتَعَلَّق بِنَفْسِ الْإِسْلَام , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي شَيْء مِنْ عَوَارِضه كَالْهِجْرَةِ , وَكَانَتْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت وَاجِبَة , وَوَقَعَ الْوَعِيد عَلَى مَنْ رَجَعَ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ هِجْرَته , كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ قَرِيبًا \" وَالْوَعْك \" بِفَتْحِ الْوَاو وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَقَدْ تُفْتَح بَعْدَهَا كَاف الْحُمَّى وَقِيلَ أَلَمُهَا وَقِيلَ إِرْعَادهَا. وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : أَصْله شِدَّة الْحَرّ , فَأُطْلِقَ عَلَى حَرّ الْحُمَّى وَشِدَّتهَا. ‏ ‏قَوْله ( أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي \" فَضْل الْمَدِينَة \" مِنْ رِوَايَة الثَّوْرِيّ عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر أَنَّهُ أَعَادَ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَكَذَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَاب. ‏ ‏قَوْله ( فَخَرَجَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْمَدِينَة رَاجِعًا إِلَى الْبَدْوِ. ‏ ‏قَوْله ( الْمَدِينَة كَالْكِيرِ إِلَخْ ) ‏ ‏ذَكَرَ عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد فِي \" كِتَاب الْأَسْبَاب \" لَهُ عِنْد ذِكْر حَدِيث الْمَدِينَة \" تَنْفِي الْخَبَث كَمَا تَنْفِي النَّار خَبَث الْحَدِيد \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّة وَفِيهِ نَظَر , وَالْأَشْبَه أَنَّهُ قَالَهُ \" فِي قِصَّة الَّذِينَ رَجَعُوا عَنْ الْقِتَال مَعَهُ يَوْمَ أُحُد \" كَمَا تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي غَزْوَة أُحُد مِنْ \" كِتَاب الْمَغَازِي \". ‏ ‏قَوْله ( تَنْفِي ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ‏ ‏( خَبَثهَا ) ‏ ‏بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَة مَفْتُوحَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( وَتَنْصَع ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ضَبْطه فِي فَضْل الْمَدِينَة وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ , قَالَ اِبْن التِّين : إِنَّمَا اِمْتَنَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِقَالَته لِأَنَّهُ لَا يُعِين عَلَى مَعْصِيَة , لِأَنَّ الْبَيْعَة فِي أَوَّل الْأَمْر كَانَتْ عَلَى أَنْ لَا يَخْرُج مِنْ الْمَدِينَة إِلَّا بِإِذْنٍ فَخُرُوجه عِصْيَان. قَالَ : وَكَانَتْ الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة فَرْضًا قَبْلَ فَتْح مَكَّة عَلَى كُلّ مَنْ أَسْلَمَ وَمَنْ لَمْ يُهَاجِر لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ مُوَالَاة , لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ) فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّة قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْح \" فَفِي هَذَا إِشْعَار بِأَنَّ مُبَايَعَة الْأَعْرَابِيّ الْمَذْكُور كَانَتْ قَبْلَ الْفَتْح , وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : ظَاهِر الْحَدِيث ذَمّ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَة وَهُوَ مُشْكِل فَقَدْ خَرَجَ مِنْهَا جَمْع كَثِير مِنْ الصَّحَابَة وَسَكَنُوا غَيْرهَا مِنْ الْبِلَاد , وَكَذَا مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْفُضَلَاء. وَالْجَوَاب أَنَّ الْمَذْمُوم مَنْ خَرَجَ عَنْهَا كَرَاهَة فِيهَا وَرَغْبَة عَنْهَا , كَمَا فَعَلَ الْأَعْرَابِيّ الْمَذْكُور وَأَمَّا الْمُشَار إِلَيْهِمْ فَإِنَّمَا خَرَجُوا لِمَقَاصِدَ صَحِيحَة كَنَشْرِ الْعِلْم وَفَتْح بِلَاد الشِّرْك وَالْمُرَابَطَة فِي الثُّغُور وَجِهَاد الْأَعْدَاء وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ عَلَى اِعْتِقَاد فَضْل الْمَدِينَة وَفَضْل سُكْنَاهَا , وَسَيَأْتِي شَيْء مِنْ هَذَا فِي \" كِتَاب الِاعْتِصَام \" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6670",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ ‏ ‏وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ ‏ ‏زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هُوَ صَغِيرٌ فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ وَكَانَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَة عَنْ جَمِيع أَهْله ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن هِشَام الْمَذْكُور , وَهَذَا الْأَثَر الْمَوْقُوف صَحِيح بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور إِلَى عَبْد اللَّه , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحُكْم الْمَذْكُور فِي \" بَاب الْأُضْحِيَّة عَنْ الْمُسَافِر وَالنِّسَاء \" وَالنَّقْل عَمَّنْ قَالَ \" لَا يُجْزِئ أُضْحِيَّة الرَّجُل عَنْ نَفْسه وَعَنْ أَهْل بَيْته \" وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ مَعَ أَنَّ مِنْ عَادَته أَنَّهُ يَحْذِف الْمَوْقُوفَات غَالِبًا , لِأَنَّ الْمَتْن قَصِير , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ عَبْد اللَّه بْن هِشَام عَاشَ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَانًا بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ لَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِهِ مِنْ ذَلِكَ فِي \" كِتَاب الدَّعَوَات \". ‏"
    },
    {
        "id": "6671",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَصَابَ ‏ ‏الْأَعْرَابِيَّ ‏ ‏وَعْكٌ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَأَتَى الْأَعْرَابِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏أَقِلْنِي ‏ ‏بَيْعَتِي فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ ‏ ‏أَقِلْنِي ‏ ‏بَيْعَتِي فَأَبَى ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ ‏ ‏أَقِلْنِي ‏ ‏بَيْعَتِي فَأَبَى فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏كَالْكِيرِ ‏ ‏تَنْفِي ‏ ‏خَبَثَهَا ‏ ‏وَيَنْصَعُ ‏ ‏طِيبُهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6672",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَاهُ إِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَفِ لَهُ وَرَجُلٌ يُبَايِعُ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ فَأَخَذَهَا وَلَمْ يُعْطَ بِهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي حَمْزَة ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي هُوَ مُحَمَّد بْن مَيْمُون السُّكَّرِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي صَالِح ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد عَنْ الْأَعْمَش \" سَمِعْت أَبَا صَالِح يَقُول سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي \" كِتَاب الشُّرْب \". ‏ ‏قَوْله ( ثَلَاثَة لَا يُكَلِّمهُمْ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَة ) ‏ ‏زَادَ جَرِير عَنْ الْأَعْمَش \" وَلَا يَنْظُر إِلَيْهِمْ \" وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَته \" يَوْم الْقِيَامَة \" وَقَدْ مَرَّ فِي الشَّهَادَات وَفِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد \" لَا يَنْظُر اللَّه إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَة \" وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَته وَلَا يُكَلِّمهُمْ وَثَبَتَ الْجَمِيع لِأَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عِنْد مُسْلِم عَلَى وَفْق الْآيَة الَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ , وَقَالَ : فِي آخِر الْحَدِيث. ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّه وَأَيْمَانهمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ) يَعْنِي إِلَى آخِر الْآيَة. ‏ ‏قَوْله ( رَجُل عَلَى فَضْل مَاء بِالطَّرِيقِ يَمْنَع مِنْهُ اِبْن السَّبِيل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد \" رَجُل كَانَ لَهُ فَضْل مَاء مَنَعَهُ مِنْ اِبْن السَّبِيل \" وَالْمَقْصُود وَاحِد وَإِنْ تَغَايَرَ الْمَفْهُومَانِ لِتَلَازُمِهِمَا لِأَنَّهُ إِذَا مَنَعَهُ مِنْ الْمَاء فَقَدْ مَنَعَ الْمَاء مِنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" كِتَاب الشُّرْب \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" بِالْفَلَاةِ \" وَهِيَ الْمُرَاد بِالطَّرِيقِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة. وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار عَنْ أَبِي صَالِح فِي الشُّرْب أَيْضًا. وَرَجُل مَنَعَ فَضْل مَاء فَيَقُول اللَّه تَعَالَى لَهُ \" الْيَوْم أَمْنَعُك فَضْلِي كَمَا مَنَعْت فَضْل مَا لَمْ تَعْمَل يَدَاك \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشِّرْب أَيْضًا , وَتَقَدَّمَ شَيْء مِنْ فَوَائِده فِي \" كِتَاب تَرْك الْحِيَل \". ‏ ‏قَوْله ( وَرَجُل بَايَعَ إِمَامًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد \" إِمَامَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( إِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيد وَفَّى لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد \" رِضًا \". ‏ ‏قَوْله ( وَإِلَّا لَمْ يَفِ لَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد \" سَخِطَ \". ‏ ‏قَوْله ( وَرَجُل بَايَعَ رَجُلًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالسَّرَخْسِيّ \" يُبَايِع \" بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَة , وَفِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد \" أَقَامَ سِلْعَة بَعْدَ الْعَصْر \" وَفِي رِوَايَة جَرِير \" وَرَجُل سَاوَمَ رَجُلًا سِلْعَة بَعْدَ الْعَصْر \". ‏ ‏قَوْله ( فَحَلَفَ بِاَللَّهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد فَقَالَ : وَاَللَّه الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ. ‏ ‏قَوْله ( لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا ) ‏ ‏وَقَعَ مَضْبُوطًا بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الطَّاء عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَكَذَا قَوْله فِي آخِر الْحَدِيث \" وَلَمْ يُعْطَ \" بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الطَّاء , وَفِي بَعْضهَا بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالطَّاء عَلَى الْبِنَاء لِلْفَاعِلِ وَالضَّمِير لِلْحَالِفِ وَهِيَ أَرْجَح , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد بِلَفْظِ \" لَقَدْ أُعْطِيت بِهَا \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة ; فَحَلَفَ لَهُ بِاَللَّهِ \" لَأَخَذَهَا بِكَذَا \" أَيْ لَقَدْ أَخَذَهَا , وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن دِينَار عَنْ أَبِي صَالِح \" لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَى \" وَضُبِطَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالطَّاء , وَفِي بَعْضهَا بِضَمِّ أَوَّله كَسْر الطَّاء , وَالْأَوَّل أَرْجَح. ‏ ‏قَوْله ( فَصَدَّقَهُ وَأَخَذَهَا ) ‏ ‏أَيْ الْمُشْتَرِي ‏ ‏( وَلَمْ يُعْطِ بِهَا ) ‏ ‏أَيْ الْقَدْر الَّذِي حَلَفَ أَنَّهُ أَعْطَى عِوَضَهَا , وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" فَصَدَّقَهُ \" وَهُوَ عَلَى غَيْر ذَلِكَ. ‏ ‏تَنْبِيهَانِ : ‏ ‏أَحَدهمَا خَالَفَ الْأَعْمَش فِي سِيَاق هَذَا الْمَتْن عَمْرو بْن دِينَار عَنْ أَبِي صَالِح فَمَضَى فِي الشُّرْب وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْو صَدْر حَدِيث الْبَاب وَقَالَ فِيهِ \" وَرَجُل عَلَى سِلْعَة \" الْحَدِيث \" وَرَجُل مَنَعَ فَضْل مَاء \" الْحَدِيث \" وَرَجُل حَلَفَ عَلَى يَمِين كَاذِبَة بَعْدَ الْعَصْر لِيَقْتَطِع بِهَا مَال رَجُل مُسْلِم \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ ذِكْر عِوَض الرَّجُل الثَّانِي وَهُوَ الْمُبَايِع لِلْإِمَامِ آخِر , وَهُوَ الْحَالِف لِيَقْتَطِع مَال الْمُسْلِم وَلَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافٍ , لِأَنَّ التَّخْصِيص بِعَدَدٍ لَا يَنْفِي مَا زَادَ عَلَيْهِ اِنْتَهَى , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كُلّ مِنْ الرَّاوِيَيْنِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَر , لِأَنَّ الْمُجْتَمِع مِنْ الْحَدِيثَيْنِ أَرْبَع خِصَال , وَكُلّ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ مُصَدَّر بِثَلَاثَةٍ , فَكَأَنَّهُ كَانَ فِي الْأَصْل أَرْبَعَة , فَاقْتَصَرَ كُلّ مِنْ الرَّاوِيَيْنِ عَلَى وَاحِد ضَمَّهُ مَعَ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ تَوَافَقَا عَلَيْهِمَا فَصَارَ فِي رِوَايَة كُلّ مِنْهُمَا ثَلَاثَة , وَيُؤَيِّدهُ مَا سَيَأْتِي فِي التَّنْبِيه الثَّانِي. ‏ ‏ثَانِيهمَا : أَخْرَجَ مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة الْأَعْمَش أَيْضًا لَكِنْ عَنْ شَيْخ لَهُ آخَر بِسِيَاقٍ آخَر , فَذَكَرَ مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة وَوَكِيع جَمِيعًا عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة كَصَدْرِ حَدِيث الْبَاب , لَكِنْ قَالَ : \" شَيْخ زَانٍ وَمَلِك كَذَّاب وَعَائِل مُسْتَكْبِر \" وَالظَّاهِر أَنَّ هَذَا حَدِيث آخَر أَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه عَنْ الْأَعْمَش فَقَالَ عَنْ سُلَيْمَان بْن مُسْهِر , عَنْ خَرْشَة بْن الْحُرّ , عَنْ أَبِي ذَرّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" ثَلَاثَة لَا يُكَلِّمهُمْ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَة : الْمَنَّان الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مَنَّهُ , وَالْمُنْفِق سِلْعَته بِالْحَلِفِ الْفَاجِر , وَالْمُسْبِل إِزَاره \" وَلَيْسَ هَذَا الِاخْتِلَاف عَلَى الْأَعْمَش فِيهِ بِقَادِحٍ , لِأَنَّهَا ثَلَاثَة أَحَادِيث عِنْده بِثَلَاثَةِ طُرُق , وَيَجْتَمِع مِنْ مَجْمُوع هَذِهِ الْأَحَادِيث تِسْع خِصَال وَيَحْتَمِل أَنْ تَبْلُغ عَشْرًا ; لِأَنَّ الْمُنْفِق سِلْعَته بِالْحَلِفِ الْكَاذِب , مُغَايِر لِلَّذِي حَلَفَ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا ; لِأَنَّ هَذَا خَاصّ بِمَنْ يَكْذِب فِي أَخْبَار الشِّرَاء , وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَعَمّ مِنْهُ فَتَكُون خَصْلَة أُخْرَى , قَالَ النَّوَوِيّ قِيلَ مَعْنَى \" لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّه \" تَكْلِيم مَنْ رَضَا عَنْهُ بِإِظْهَارِ الرِّضَا بَلْ بِكَلَامٍ يَدُلّ عَلَى السُّخْط , وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّهُ يُعْرِض عَنْهُمْ , وَقِيلَ لَا يُكَلِّمهُمْ كَلَامًا يَسُرُّهُمْ , وَقِيلَ لَا يُرْسِل إِلَيْهِمْ الْمَلَائِكَة بِالتَّحِيَّةِ وَمَعْنَى لَا يَنْظُر إِلَيْهِمْ : يُعْرِض عَنْهُمْ , وَمَعْنَى نَظَره لِعِبَادِهِ : رَحْمَته لَهُمْ وَلُطْفه بِهِمْ , وَمَعْنَى لَا يُزَكِّيهِمْ : لَا يُطَهِّرهُمْ مِنْ الذُّنُوب وَقِيلَ لَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ , وَالْمُرَاد بِابْنِ السَّبِيل : الْمُسَافِر الْمُحْتَاج إِلَى الْمَاء , لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ الْحَرْبِيّ وَالْمُرْتَدّ إِذَا أَصَرَّا عَلَى الْكُفْر , فَلَا يَجِب بَذْل الْمَاء لَهُمَا , وَخَصَّ بَعْد الْعَصْر بِالْحَلِفِ لِشَرَفِهِ بِسَبَبِ اِجْتِمَاع مَلَائِكَة اللَّيْل وَالنَّهَار وَغَيْر ذَلِكَ , وَأَمَّا الَّذِي بَايَعَ الْإِمَام بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَة فَاسْتِحْقَاقه هَذَا الْوَعِيد لِكَوْنِهِ غَشَّ إِمَام الْمُسْلِمِينَ ; وَمَنْ لَازَمَ غِشّ الْإِمَام غَشَّ الرَّعِيَّة لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسَبُّب إِلَى إِثَاره الْفِتْنَة , وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَّبَع عَلَى ذَلِكَ , اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : خَصَّ وَقْت الْعَصْر بِتَعْظِيمِ الْإِثْم فِيهِ , وَإِنْ كَانَتْ الْيَمِين الْفَاجِرَة مُحَرَّمَة فِي كُلّ وَقْت , لِأَنَّ اللَّه عَظَّمَ شَأْن هَذَا الْوَقْت بِأَنْ جَعَلَ الْمَلَائِكَة تَجْتَمِع فِيهِ وَهُوَ وَقْت خِتَام الْأَعْمَال , وَالْأُمُور بِخَوَاتِيمِهَا فَغَلُظَتْ الْعُقُوبَة فِيهِ لِئَلَّا يُقْدِم عَلَيْهَا تَجَرُّؤًا , فَإِنَّ مَنْ تَجَرَّأَ عَلَيْهَا فِيهِ اِعْتَادَهَا فِي غَيْره , وَكَانَ السَّلَف يَحْلِفُونَ بَعْد الْعَصْر ; وَجَاءَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيث أَيْضًا , وَفِي الْحَدِيث وَعِيد شَدِيد فِي نَكْث الْبَيْعَة , وَالْخُرُوج عَلَى الْإِمَام لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَفَرُّق الْكَلِمَة , وَلِمَا فِي الْوَفَاء مِنْ تَحْصِين الْفُرُوج وَالْأَمْوَال وَحَقْن الدِّمَاء , وَالْأَصْل فِي مُبَايَعَة الْإِمَام أَنْ يُبَايِعهُ عَلَى أَنْ يَعْمَل بِالْحَقِّ وَيُقِيم الْحُدُود وَيَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَر , فَمَنْ جَعَلَ مُبَايَعَته لِمَالٍ يُعْطَاهُ دُونَ مُلَاحَظَة الْمَقْصُود فِي الْأَصْل فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا وَدَخَلَ فِي الْوَعِيد الْمَذْكُور وَحَاقَ بِهِ إِنْ لَمْ يَتَجَاوَز اللَّه عَنْهُ , وَفِيهِ أَنَّ كُلّ عَمَل لَا يُقْصَد بِهِ وَجْه اللَّه وَأُرِيدَ بِهِ عَرَض الدُّنْيَا فَهُوَ فَاسِد وَصَاحِبه آثِم , وَاَللَّه الْمُوَفِّق. ‏"
    },
    {
        "id": "6673",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ فِي مَجْلِسٍ ‏ ‏تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ ‏",
        "sharh": "\" 10735 \" حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت فِي مُبَايَعَتهمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِثْل مَا فِي هَذِهِ الْآيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" كِتَاب الْأَيْمَان \" أَوَائِل الْكِتَاب وَوَقَعَ فِي بَعْض , طُرُقه عَنْ عُبَادَةَ قَالَ \" أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاء أَنْ لَا نُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا نَسْرِق وَلَا نَزْنِي \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق الْأَشْعَث الصَّنْعَانِيّ عَنْ عُبَادَةَ وَإِلَى هَذِهِ الطَّرِيق أَشَارَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة قَالَ اِبْن الْمُنِير أَدْخَلَ حَدِيث عُبَادَةَ فِي تَرْجَمَة بَيْعَة النِّسَاء لِأَنَّهَا وَرَدَتْ فِي الْقُرْآن فِي حَقّ النِّسَاء فَعُرِفَتْ بِهِنَّ , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَتْ فِي الرِّجَال , ‏"
    },
    {
        "id": "6674",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُبَايِعُ النِّسَاءَ بِالْكَلَامِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ‏ { ‏لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ‏} ‏قَالَتْ وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدَ امْرَأَةٍ إِلَّا امْرَأَةً يَمْلِكُهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَايِع النِّسَاء بِالْكَلَامِ بِهَذِهِ الْآيَة ( لَا يُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب إِلَى عَائِشَة قَالَتْ. \" جَاءَتْ فَاطِمَة بِنْت عُتْبَةَ - أَيْ اِبْن رَبِيعَة بْن عَبْد شَمْس أُخْت هِنْد بِنْت عُتْبَةَ - تُبَايِع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَزْنِي , فَوَضَعَتْ يَدهَا عَلَى رَأْسهَا حَيَاءً , فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَة : بَايِعِي أَيَّتهَا الْمَرْأَة , فَوَاَللَّهِ مَا بَايَعْنَاهُ إِلَّا عَلَى هَذَا قَالَتْ : فَنَعَمْ إِذًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث فِي تَفْسِير سُورَة الْمُمْتَحَنَة وَفِي أَوَّل هَذَا الْحَدِيث هُنَاكَ زِيَادَة غَيْر الزِّيَادَة الَّتِي ذَكَرْتهَا هُنَا مِنْ عِنْد الْبَزَّار. ‏ ‏قَوْله ( قَالَتْ وَمَا مَسَّتْ يَد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَد اِمْرَأَة إِلَّا اِمْرَأَة يَمْلِكُهَا ) ‏ ‏هَذَا الْقَدْر أَفْرَدَهُ النَّسَائِيُّ فَأَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب بِلَفْظِ لَكِنْ مَا مَسَّ وَقَالَ : يَد اِمْرَأَة قَطُّ , وَكَذَا أَفْرَدَهُ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيّ بِلَفْظِ , مَا مَسَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ اِمْرَأَة قَطُّ , إِلَّا أَنْ يَأْخُذ عَلَيْهَا فَإِذَا أَخَذَ عَلَيْهَا فَأَعْطَتْهُ قَالَ : اِذْهَبِي فَقَدْ بَايَعْتُك أَخْرَجَهُ مُسْلِم قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع وَتَقْدِير الْكَلَام مَا مَسَّ يَد اِمْرَأَة قَطُّ وَلَكِنْ يَأْخُذ عَلَيْهَا الْبَيْعَة. ثُمَّ يَقُول لَهَا اِذْهَبِي إِلَخْ. قَالَ : وَهَذَا التَّقْدِير مُصَرَّح بِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى فَلَا بُدَّ مِنْهُ اِنْتَهَى. وَقَدْ ذَكَرْت فِي تَفْسِير الْمُمْتَحَنَة مَنْ خَالَفَ ظَاهِر مَا قَالَتْ عَائِشَة , مِنْ اِقْتِصَاره فِي مُبَايَعَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّسَاء عَلَى الْكَلَام ; وَمَا وَرَدَ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِحَائِلٍ أَيْ بِوَاسِطَةٍ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته , وَيُعَكِّر عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ مِنْ التَّقْدِير , وَقَدْ يُؤْخَذ مِنْ قَوْل أُمّ عَطِيَّة فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْدَهُ فَقَبَضَتْ اِمْرَأَة يَدَهَا , أَنَّ بَيْعَة النِّسَاء كَانَتْ أَيْضًا بِالْأَيْدِي فَتُخَالِفُ مَا نُقِلَ عَنْ عَائِشَة مِنْ هَذَا الْحَصْر , وَأُجِيبَ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْحَائِل , وَيَحْتَمِل أَنَّهُنَّ كُنَّ يُشِرْنَ بِأَيْدِيهِنَّ عِنْد الْمُبَايَعَة بِلَا مُمَاسَّة , وَقَدْ أَخْرَجَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ أَسْمَاء بِنْت يَزِيد مَرْفُوعًا إِنِّي لَا أُصَافِح النِّسَاء وَفِي الْحَدِيث أَنَّ كَلَام الْأَجْنَبِيَّة مُبَاح سَمَاعه وَأَنَّ صَوْتهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ , وَمَنَعَ لَمْس بَشَرَة الْأَجْنَبِيَّة مِنْ غَيْر ضَرُورَة لِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6675",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ عَطِيَّةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏بَايَعْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَرَأَ عَلَيْنَا ‏ { ‏أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ‏} ‏وَنَهَانَا عَنْ النِّيَاحَةِ فَقَبَضَتْ امْرَأَةٌ مِنَّا يَدَهَا فَقَالَتْ فُلَانَةُ أَسْعَدَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَذَهَبَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ فَمَا وَفَتْ امْرَأَةٌ إِلَّا ‏ ‏أُمُّ سُلَيْمٍ ‏ ‏وَأُمُّ الْعَلَاءِ ‏ ‏وَابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ امْرَأَةُ مُعَاذٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏ابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ ‏ ‏وَامْرَأَةُ مُعَاذٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَيُّوب ) ‏ ‏هُوَ السَّخْتِيَانِيُّ وَ ‏ ‏( حَفْصَة ) ‏ ‏هِيَ بِنْت سِيرِينَ أُخْت مُحَمَّد وَالسَّنَد كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَتَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث أُمّ عَطِيَّة هَذَا فِي \" كِتَاب الْجَنَائِز \" مُسْتَوْفًى , وَفِيهِ تَسْمِيَة النِّسْوَة الْمَذْكُورَات فِي هَذَا الْحَدِيث , وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِالْكَلَامِ عَلَى قَوْلهَا أَسْعَدَتْنِي فِي تَفْسِير سُورَةِ الْمُمْتَحَنَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6676",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ بَايِعْنِي عَلَى الْإِسْلَامِ فَبَايَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ثُمَّ جَاءَ الْغَدَ مَحْمُومًا فَقَالَ ‏ ‏أَقِلْنِي ‏ ‏فَأَبَى فَلَمَّا وَلَّى قَالَ ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏كَالْكِيرِ ‏ ‏تَنْفِي ‏ ‏خَبَثَهَا ‏ ‏وَيَنْصَعُ ‏ ‏طِيبُهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي قِصَّة الْأَعْرَابِيّ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ قَرِيبًا فِي \" بَاب بَيْعَة الْأَعْرَابِيّ \" وَوَرَدَ فِي الْوَعِيد عَلَى نَكْث الْبَيْعَة حَدِيث اِبْن عُمَر \" لَا أَعْلَم غَدْرًا أَعْظَم مِنْ أَنْ يُبَايِع رَجُل عَلَى بَيْع اللَّه وَرَسُوله. ثُمَّ يَنْصِب لَهُ الْقِتَال \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الْفِتَن \" وَجَاءَ نَحْوه عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ \" مَنْ أَعْطَى بَيْعَة ثُمَّ نَكَثَهَا لَقِيَ اللَّه وَلَيْسَتْ مَعَهُ يَمِينه \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّد وَفِيهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" الصَّلَاة كَفَّارَة إِلَّا مِنْ ثَلَاث : الشِّرْك بِاَللَّهِ وَنَكْث الصَّفْقَة \" الْحَدِيث. وَفِيهِ تَفْسِير نَكْث الصَّفْقَة \" أَنْ تُعْطِي رَجُلًا بَيْعَتَك ثُمَّ تُقَاتِلُهُ \" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6677",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏وَارَأْسَاهْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏وَا ‏ ‏ثُكْلِيَاهْ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي وَلَوْ كَانَ ذَاكَ لَظَلَلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَلْ أَنَا ‏ ‏وَارَأْسَاهْ لَقَدْ هَمَمْتُ أَوْ أَرَدْتُ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَابْنِهِ فَأَعْهَدَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ ثُمَّ قُلْتُ يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ الْأَنْصَارِيّ وَالسَّنَد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِالسَّنَدِ فِي \" كِتَاب كَفَّارَة الْمَرَض \" وَتَقَدَّمَ الْكَثِيرُ مِنْ فَوَائِد الْمَتْن هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَعْهَد ) ‏ ‏أَيْ أُعَيِّن الْقَائِم بِالْأَمْرِ بَعْدِي , هَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الْبُخَارِيّ فَتَرْجَمَ بِهِ , وَإِنْ كَانَ الْعَهْد أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عُرْوَة عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ \" اُدْعِي لِي أَبَاك وَأَخَاك حَتَّى أَكْتُب كِتَابًا وَقَالَ فِي آخَر وَيَأْبَى اللَّه وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْر وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" اُدْعِي لِي أَبَا بَكْر أَكْتُب كِتَابًا فَإِنِّي أَخَاف أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَأْبَى اللَّه وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْر \" وَفِي رِوَايَة لِلْبَزَّارِ \" مَعَاذ اللَّه أَنْ تَخْتَلِف النَّاس عَلَى أَبِي بَكْر \" فَهَذَا يُرْشِد إِلَى أَنَّ الْمُرَاد الْخِلَافَة , وَأَفْرَطَ الْمُهَلَّب فَقَالَ : فِيهِ دَلِيل قَاطِع فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر , وَالْعَجَب أَنَّهُ قَرَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَخْلِف. ‏"
    },
    {
        "id": "6678",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قِيلَ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏أَلَا تَسْتَخْلِفُ قَالَ ‏ ‏إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدْ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ رَاغِبٌ رَاهِبٌ وَدِدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ مِنْهَا كَفَافًا لَا لِي وَلَا عَلَيَّ لَا أَتَحَمَّلُهَا حَيًّا وَلَا مَيِّتًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ \" وَمُحَمَّد بْن يُوسُفَ \" الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ الْفِرْيَابِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( قِيلَ لِعُمَرَ أَلَا تَسْتَخْلِف ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر \" حَضَرْت أَبِي حِينَ أُصِيبَ قَالُوا اِسْتَخْلِفْ \" وَأَوْرَدَ مِنْ وَجْه آخَر أَنَّ قَائِل ذَلِكَ هُوَ اِبْن عُمَر رَاوِي الْحَدِيث , أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ \" أَنَّ حَفْصَة قَالَتْ لَهُ : أَعَلِمْت أَنَّ أَبَاك غَيْر مُسْتَخْلِف ؟ قَالَ : فَحَلَفْت أَنْ أُكَلِّمهُ فِي ذَلِكَ \" فَذَكَرَ الْقِصَّة وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ : \" لَوْ كَانَ لَك رَاعِي غَنَم ثُمَّ جَاءَك وَتَرَكَهَا لَرَأَيْت أَنْ قَدْ ضَيَّعَ , فَرِعَايَة النَّاس أَشَدّ \" وَفِيهِ قَوْل عُمَر فِي جَوَاب ذَلِكَ \" إِنَّ اللَّه يَحْفَظُ دِينَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( إِنْ أَسْتَخْلِفْ إِلَخْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَالِم \" إِنْ لَا أَسْتَخْلِف فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَخْلِف , وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ أَبَا بَكْر قَدْ اِسْتَخْلَفَ \" قَالَ عَبْد اللَّه \" فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ ذَكَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْر فَعَلِمْت أَنَّهُ لَمْ يَعْدِل بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا , وَأَنَّهُ غَيْر مُسْتَخْلِف \" وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد اللَّه وَأَظُنّهُ اِبْن عُمَيْر قَالَ : قَالَ أُنَاس لِعُمَرَ أَلَا تَعْهَد ؟ قَالَ : أَيّ ذَلِكَ آخُذ فَقَدْ تَبَيَّنَ لِي أَنَّ الْفِعْل وَالتَّرْك وَهُوَ مُشْكِل وَيُزِيلهُ أَنَّ دَلِيل التَّرْك مِنْ فِعْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِح , وَدَلِيل الْفِعْل يُؤْخَذ مِنْ عَزْمه الَّذِي حَكَتْهُ عَائِشَة فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْلَهُ. وَهُوَ لَا يَعْزِم إِلَّا عَلَى جَائِز , فَكَأَنَّ عُمَر قَالَ : إِنْ أَسْتَخْلِف فَقَدْ عَزَمَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الِاسْتِخْلَاف فَدَلَّ عَلَى جَوَازه وَإِنْ أَتْرُك فَقَدْ تَرَكَ فَدَلَّ عَلَى جَوَازه , وَفَهِمَ أَبُو بَكْر مِنْ عَزْمه الْجَوَاز فَاسْتَعْمَلَهُ , وَاتَّفَقَ النَّاس عَلَى قَبُوله , قَالَهُ اِبْن الْمُنِير. ‏ ‏قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ عُمَر رَجَحَ عِنْدَهُ التَّرْك , لِأَنَّهُ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ الْعَزْم وَهُوَ يُشْبِه عَزْمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّمَتُّع فِي الْحَجّ , وَفِعْله الْإِفْرَاد فَرُجِّحَ الْإِفْرَاد. ‏ ‏قَوْله ( فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ قَالَ رَاغِب وَرَاهِب ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : يَحْتَمِل أَمْرَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّ الَّذِينَ أَثْنَوْا عَلَيْهِ إِمَّا رَاغِب فِي حُسْن رَأْيِي فِيهِ وَتَقَرُّبِي لَهُ , وَإِمَّا رَاهِب مِنْ إِظْهَار مَا يُضْمِرهُ مِنْ كَرَاهَته , أَوْ الْمَعْنَى رَاغِب فِيمَا عِنْدِي وَرَاهِب مِنِّي , أَوْ الْمُرَاد النَّاس رَاغِب فِي الْخِلَافَة وَرَاهِب مِنْهَا , فَإِنْ وَلَّيْت الرَّاغِب فِيهَا خَشِيت أَنْ لَا يُعَان عَلَيْهَا , وَإِنْ وَلَّيْت الرَّاهِب مِنْهَا خَشِيت أَنْ لَا يَقُوم بِهَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض تَوْجِيهًا آخَر : إِنَّهُمَا وَصْفَانِ لِعُمَرَ أَيْ رَاغِب فِيمَا عِنْدَ اللَّه , رَاهِب مِنْ عِقَابه , فَلَا أُعَوِّل عَلَى ثَنَائِكُمْ وَذَلِكَ يَشْغَلنِي عَنْ الْعِنَايَة بِالِاسْتِخْلَافِ عَلَيْكُمْ. ‏ ‏قَوْله ( وَدِدْت أَنِّي نَجَوْت مِنْهَا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الْخِلَافَة ‏ ‏( كَفَافًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْكَاف وَتَخْفِيف الْفَاء أَيْ مَكْفُوفًا عَنِّي شَرّهَا وَخَيْرهَا. وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيث بِقَوْلِهِ \" لَا لِي وَلَا عَلَيَّ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْو هَذَا مِنْ قَوْل عُمَر فِي مَنَاقِبه فِي مُرَاجَعَته لِأَبِي مُوسَى فِيمَا عَمِلُوهُ بَعْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" لَوَدِدْت لَوْ أَنَّ حَظِّي مِنْهَا الْكَفَاف \". ‏ ‏قَوْله ( لَا أَتَحَمَّلهَا حَيًّا وَمَيِّتًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" أَتَحَمَّل أَمْركُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا \" وَهُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار حُذِفَتْ مِنْهُ أَدَاته , وَقَدْ بَيَّنَ عُذْره فِي ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمَّا أَثَّرَ فِيهِ قَوْل عَبْد اللَّه بْن عُمَر حَيْثُ مَثَّلَ لَهُ أَمْر النَّاس بِالْغَنَمِ مَعَ الرَّاعِي خَصَّ الْأَمْر بِالسِّتَّةِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْتَارُوا مِنْهُمْ وَاحِدًا , وَإِنَّمَا خَصَّ السِّتَّة لِأَنَّهُ اِجْتَمَعَ فِي كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ أَمْرَانِ كَوْنه مَعْدُودًا فِي أَهْل بَدْر , وَمَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ , وَقَدْ صَرَّحَ بِالثَّانِي الْحَدِيث الْمَاضِي فِي مَنَاقِب عُثْمَان , وَأَمَّا الْأَوَّل فَأَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى عَنْ عُمَر قَالَ هَذَا الْأَمْر فِي أَهْل بَدْر مَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَد , ثُمَّ فِي أَهْل أُحُد. ثُمَّ فِي كَذَا , وَلَيْسَ فِيهَا لِطَلِيقٍ وَلَا لِمُسْلِمَةِ الْفَتْح شَيْء. وَهَذَا مَصِير مِنْهُ إِلَى اِعْتِبَار تَقْدِيم الْأَفْضَل فِي الْخِلَافَة , قَالَ اِبْن بَطَّال مَا حَاصِله \" أَنَّ عُمَر سَلَكَ فِي هَذَا الْأَمْر مَسْلَكًا مُتَوَسِّطًا خَشْيَة الْفِتْنَة \" فَرَأَى أَنَّ الِاسْتِخْلَاف أَضْبَط لِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ , فَجَعَلَ الْأَمْر مَعْقُودًا مَوْقُوفًا عَلَى السِّتَّة لِئَلَّا يَتْرُك الِاقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر , فَأَخَذَ مِنْ فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَفًا وَهُوَ تَرْك التَّعْيِين , وَمِنْ فِعْل أَبِي بَكْر طَرَفًا وَهُوَ الْعَقْد لِأَحَدِ السِّتَّة وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. ‏ ‏قَالَ : وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة دَلِيل عَلَى جَوَاز عَقْد الْخِلَافَة مِنْ الْإِمَام الْمُتَوَلِّي لِغَيْرِهِ بَعْدَهُ , وَأَنَّ أَمْره فِي ذَلِكَ جَائِز عَلَى عَامَّة الْمُسْلِمِينَ لِإِطْبَاقِ الصَّحَابَة وَمَنْ مَعَهُمْ عَلَى الْعَمَل بِمَا عَهِدَهُ أَبُو بَكْر لِعُمَرَ , وَكَذَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي قَبُول عَهْد عُمَر إِلَى السِّتَّة , قَالَ : وَهُوَ شَبِيه بِإِيصَاءِ الرَّجُل عَلَى وَلَده لِكَوْنِ نَظَره فِيمَا يَصْلُح أَتَمّ مِنْ غَيْره فَكَذَلِكَ الْإِمَام , اِنْتَهَى. وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ جَزَمَ كَالطَّبَرِيِّ , وَقَبْله بَكْر بْن أُخْت عَبْد الْوَاحِد وَبَعْده اِبْن حَزْم بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْر قَالَ : وَوَجْهه جَزْم عُمَر بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَخْلِف , لَكِنْ تَمَسَّكَ مَنْ خَالَفَهُ بِإِطْبَاقِ النَّاس عَلَى تَسْمِيَة أَبِي بَكْر خَلِيفَة رَسُول اللَّه , وَاحْتَجَّ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ صَحِيح مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ قَيْس بْن أَبِي حَازِم \" رَأَيْت عُمَر يَجْلِس النَّاس وَيَقُول اِسْمَعُوا لِخَلِيفَةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قُلْت : وَنَظِيره مَا فِي الْحَدِيث الْخَامِس مِنْ قَوْل أَبِي بَكْر \" حَتَّى يَرَى اللَّه خَلِيفَة نَبِيّه \" وَرُدَّ بِأَنَّ الصِّيغَة يَحْتَمِل أَنْ تَكُون مِنْ مَفْعُول وَمِنْ فَاعِل فَلَا حُجَّة فِيهَا , وَيَتَرَجَّح كَوْنهَا مِنْ فَاعِل جَزَمَ عُمَر بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَخْلِف وَمُوَافَقَة اِبْن عُمَر لَهُ عَلَى ذَلِكَ , فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى \" خَلِيفَة رَسُول اللَّه \" الَّذِي خَلَفَهُ فَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ فَسُمِّيَ خَلِيفَة رَسُول اللَّه لِذَلِكَ وَأَنَّ عُمَر أَطْلَقَ عَلَى أَبِي بَكْر خَلِيفَة رَسُول اللَّه بِمَعْنَى أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيث الْبَاب , وَغَيْره مِنْ الْأَدِلَّة وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْء مِنْهَا تَصْرِيح لَكِنَّ مَجْمُوعهَا يُؤْخَذ مِنْهُ ذَلِكَ , فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ خِلَاف لِمَا رَوَى اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر , وَكَذَا فِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنْ الرَّاوَنْدِيَّة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى الْعَبَّاس وَعَلَى قَوْل الرَّوَافِض كُلّهَا أَنَّهُ نَصَّ عَلَى عَلِيّ. وَوَجْه الرَّدّ عَلَيْهِمْ إِطْبَاق الصَّحَابَة عَلَى مُتَابَعَة أَبِي بَكْر ثُمَّ عَلَى طَاعَته فِي مُبَايَعَة عُمَر , ثُمَّ عَلَى الْعَمَل بِعَهْدِ عُمَر فِي الشُّورَى , وَلَمْ يَدَّعِ الْعَبَّاس وَلَا عَلِيّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهِدَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ , وَقَالَ النَّوَوِيّ وَغَيْره : أَجْمَعُوا عَلَى اِنْعِقَاد الْخِلَافَة بِالِاسْتِخْلَافِ , وَعَلَى اِنْعِقَادهَا بِعَقْدِ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد لِإِنْسَانٍ حَيْثُ لَا يَكُون هُنَاكَ اِسْتِخْلَاف غَيْره , وَعَلَى جَوَاز جَعْل الْخَلِيفَة الْأَمْر شُورَى بَيْنَ عَدَد مَحْصُور أَوْ غَيْره , وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِب نَصْب خَلِيفَة , وَعَلَى أَنَّ وُجُوبَهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ , وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ كَالْأَصَمِّ وَبَعْض الْخَوَارِج فَقَالُوا : يَجِب نَصْب الْخَلِيفَة. وَخَالَفَ بَعْض الْمُعْتَزِلَة فَقَالُوا : يَجِب بِالْعَقْلِ لَا بِالشَّرْعِ , وَهُمَا بَاطِلَانِ. أَمَّا الْأَصَمّ فَاحْتَجَّ بِبَقَاءِ الصَّحَابَة بِلَا خَلِيفَة مُدَّة التَّشَاوُر أَيَّام السَّقِيفَة وَأَيَّام الشُّورَى بَعْدَ مَوْت عُمَر , وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُطْبِقُوا عَلَى التَّرْك بَلْ كَانُوا سَاعِينَ فِي نَصْب الْخَلِيفَة , آخِذِينَ فِي النَّظَر فِيمَنْ يَسْتَحِقّ عَقْدَهَا لَهُ , وَيَكْفِي فِي الرَّدّ عَلَى الْأَصَمّ أَنَّهُ مَحْجُوج بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْله , وَأَمَّا الْقَوْل الْآخَر فَفَسَاده ظَاهِر لِأَنَّ الْعَقْل لَا مَدْخَل لَهُ فِي الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم وَلَا التَّحْسِين وَالتَّقْبِيح وَإِنَّمَا يَقَع ذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَة اِنْتَهَى , وَفِي قَوْل الْمَذْكُور مُدَّة التَّشَاوُر أَيَّام السَّقِيفَة خَدْش يَظْهَر مِنْ الْحَدِيث الَّذِي بَعْده , وَأَنَّهُمْ بَايَعُوا أَبَا بَكْر فِي أَوَّل يَوْم لِتَصْرِيحِهِ فِيهِ بِأَنَّ عُمَر خَطَبَ الْغَد مِنْ يَوْم تُوُفِّيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ أَبَا بَكْر فَقَالَ \" فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ \" وَكَانَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَة فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْوَفَاة النَّبَوِيَّة وَعَقْد الْخِلَافَة لِأَبِي بَكْر إِلَّا دُونَ الْيَوْم وَاللَّيْلَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاح ذَلِكَ فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6679",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏الْآخِرَةَ حِينَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَلِكَ الْغَدَ مِنْ يَوْمٍ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَتَشَهَّدَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏صَامِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ قَالَ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى يَدْبُرَنَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ آخِرَهُمْ ‏ ‏فَإِنْ يَكُ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ مَاتَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نُورًا تَهْتَدُونَ بِهِ هَدَى اللَّهُ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَإِنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثَانِيَ اثْنَيْنِ فَإِنَّهُ أَوْلَى الْمُسْلِمِينَ بِأُمُورِكُمْ فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي ‏ ‏سَقِيفَةِ ‏ ‏بَنِي سَاعِدَةَ ‏ ‏وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ عَلَى الْمِنْبَرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ اصْعَدْ الْمِنْبَرَ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَبَايَعَهُ النَّاسُ عَامَّةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّهُ سَمِعَ خُطْبَة عُمَر الْآخِرَة حِينَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَر وَذَلِكَ الْغَد مِنْ يَوْم تُوُفِّيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذَا الَّذِي حَكَاهُ أَنَس أَنَّهُ شَاهَدَهُ وَسَمِعَهُ كَانَ بَعْد عَقْد الْبَيْعَة لِأَبِي بَكْر فِي سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَة كَمَا سَبَقَ بَسْطه وَبَيَانه فِي \" بَاب رَجْم الْحُبْلَى مِنْ الزِّنَا \" وَذَكَرَ هُنَاكَ أَنَّهُ بَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ ثُمَّ الْأَنْصَار فَكَأَنَّهُمْ لَمَّا أَنْهَوْا الْأَمْر هُنَاكَ وَحَصَلَتْ الْمُبَايَعَة لِأَبِي بَكْر جَاءُوا إِلَى الْمَسْجِد النَّبَوِيّ فَتَشَاغَلُوا بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ ذَكَرَ عُمَر لِمَنْ لَمْ يَحْضُر عَقْد الْبَيْعَة فِي سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَة مَا وَقَعَ هُنَاكَ , ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى مُبَايَعَة أَبِي بَكْر فَبَايَعَهُ حِينَئِذٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا , وَكُلّ ذَلِكَ فِي يَوْم وَاحِد , وَلَا يَقْدَح فِيهِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَنَّ عُمَر قَالَ : أَمَّا بَعْدُ , فَإِنِّي قُلْت لَكُمْ أَمْس مَقَالَة \" لِأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّ خُطْبَته الْمَذْكُورَة كَانَتْ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ كَذَلِكَ , وَزَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" قُلْت لَكُمْ , أَمْس مَقَالَة \" وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ كَمَا قُلْت وَاَللَّه مَا وَجَدْت الَّذِي قُلْت لَكُمْ فِي كِتَاب اللَّه وَلَا فِي عَهْد عَهِدَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ رَجَوْت أَنْ يَعِيش \" إِلَخْ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ ) ‏ ‏يَعْنِي \" عُمَر \" ‏ ‏( كُنْت أَرْجُو أَنْ يَعِيش رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَدْبُرنَا ) ‏ ‏ضَبَطَهُ اِبْن بَطَّال وَغَيْره بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الدَّال وَضَمّ الْمُوَحَّدَة , أَيْ \" يَكُون آخِرَنَا \" قَالَ الْخَلِيل : دَبَرْت الشَّيْء دَبْرًا أَتْبَعْته , وَدَبَرَنِي فُلَان : جَاءَ خَلْفِي. وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْخَبَر بِقَوْلِهِ \" يُرِيد بِذَلِكَ أَنْ يَكُون آخِرهمْ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُقَيْل \" وَلَكِنْ رَجَوْت أَنْ يَعِيش رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يُدَبِّر أَمَرْنَا \" وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَة وَعَلَى هَذَا فَيَقْرَأ الَّذِي فِي الْأَصْل كَذَلِكَ , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ يُدَبِّرَنَا : يُدَبِّر أَمَرْنَا لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عُقَيْل أَيْضًا \" حَتَّى يَكُون رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخِرنَا \" وَهَذَا كُلّه قَالَهُ عُمَر مُعْتَذِرًا عَمَّا سَبَقَ مِنْهُ حَيْثُ خَطَبَ قَبْل أَبِي بَكْر حِين مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ \" إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ \" وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ وَاضِحًا. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنْ يَكُ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ ) ‏ ‏هُوَ بَقِيَّة كَلَام عُمَر , وَزَادَ فِي رِوَايَة عُقَيْل , فَاخْتَارَ اللَّه لِرَسُولِهِ الَّذِي يَبْقَى عَلَى الَّذِي عِنْدَكُمْ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّ اللَّه قَدْ جَعَلَ بَيْنَ أَظْهُركُمْ نُورًا تَهْتَدُونَ بِهِ بِمَا هَدَى اللَّه مُحَمَّدًا ) ‏ ‏يَعْنِي \" الْقُرْآن \" وَوَقَعَ بَيَانه فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ فِي أَوَائِل الِاعْتِصَام بِلَفْظِ \" وَهَذَا الْكِتَاب الَّذِي هَدَى اللَّه بِهِ رَسُولكُمْ فَخُذُوا بِهِ تَهْتَدُوا كَمَا هَدَى اللَّه بِهِ رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" وَهَدَى اللَّه بِهِ مُحَمَّدًا فَاعْتَصِمُوا بِهِ تَهْتَدُوا فَإِنَّمَا هَدَى اللَّه مُحَمَّدًا بِهِ \" وَفِي رِوَايَة عُقَيْل \" قَدْ جَعَلَ بَيْنَ أَظْهُركُمْ كِتَابه الَّذِي هَدَى بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخُذُوا بِهِ تَهْتَدُوا \". ‏ ‏قَوْله ( وَأَنَّ أَبَا بَكْر صَاحِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين قَدَّمَ الصُّحْبَة لِشَرَفِهَا , وَلَمَّا كَانَ غَيْره قَدْ يُشَارِكهُ فِيهَا عَطَفَ عَلَيْهَا مَا اِنْفَرَدَ بِهِ أَبُو بَكْر وَهُوَ كَوْنه \" ثَانِيَ اِثْنَيْنِ \" وَهِيَ أَعْظَم فَضَائِله الَّتِي اِسْتَحَقَّ بِهَا أَنْ يَكُون الْخَلِيفَة مِنْ بَعْدِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلِذَلِكَ قَالَ \" وَإِنَّهُ أَوْلَى النَّاس بِأُمُورِكُمْ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ وَكَانَ طَائِفَة إِلَخْ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى بَيَان السَّبَب فِي هَذِهِ الْمُبَايَعَة , وَإِنَّهُ لِأَجْلِ مَنْ لَمْ يَحْضُر فِي سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَة. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَتْ بَيْعَة الْعَامَّة عَلَى الْمِنْبَر ) ‏ ‏أَيْ فِي الْيَوْم الْمَذْكُور , وَهُوَ صَبِيحَة الْيَوْم الَّذِي بُويِعَ فِيهِ فِي سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَةَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت عُمَر يَقُول لِأَبِي بَكْر يَوْمَئِذٍ اِصْعَدْ الْمِنْبَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" لَقَدْ رَأَيْت عُمَر يُزْعِج أَبَا بَكْر إِلَى الْمِنْبَر إِزْعَاجًا \" ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" حَتَّى أَصْعَدَهُ الْمِنْبَر \" قَالَ اِبْن التِّين : سَبَب إِلْحَاح عُمَر فِي ذَلِكَ لِيُشَاهِد أَبَا بَكْر مَنْ عَرَفَهُ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفهُ , اِنْتَهَى. وَكَانَ تَوَقُّف أَبِي بَكْر فِي ذَلِكَ مِنْ تَوَاضُعه وَخَشْيَته. ‏ ‏قَوْله ( فَبَايَعَهُ النَّاس عَامَّةً ) ‏ ‏أَيْ كَانَتْ الْبَيْعَة الثَّانِيَة أَعَمّ وَأَشْهَر وَأَكْثَر مِنْ الْمُبَايَعَة الَّتِي وَقَعَتْ فِي سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَة. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى بَيَان ذَلِكَ عِنْدَ شَرْح أَصْل بَيْعَة أَبِي بَكْر مِنْ \" كِتَاب الْحُدُود \" ‏"
    },
    {
        "id": "6680",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏امْرَأَةٌ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْتَ قَالَ ‏ ‏إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جُبَيْر بْن مُطْعِم الَّذِي فِيهِ \" إِنْ لَمْ تَجِدِينِي , فَأْتِي أَبَا بَكْر \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَّل مَنَاقِب أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَسَيَأْتِي شَيْء مِمَّا يَتَعَلَّق بِهِ فِي \" كِتَاب الِاعْتِصَام \". ‏"
    },
    {
        "id": "6681",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ لِوَفْدِ ‏ ‏بُزَاخَةَ ‏ ‏تَتْبَعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ حَتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏أَمْرًا يَعْذِرُونَكُمْ بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ الْقَطَّان , وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي بَكْر قَالَ لِوَفْدِ بُزَاخَةَ ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهُ قَالَ وَلَفْظه \" أَنَّهُ \" يَحْذِفُونَهَا كَثِيرًا مِنْ الْخَطّ , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ سُفْيَان عَنْ قَيْس بْن مُسْلِم عَنْ طَارِق قَالَ : جَاءَ وَفْد بُزَاخَةَ فَذَكَرَ الْقِصَّة \" وَبُزَاخَة \" بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَتَخْفِيف الزَّاي وَبَعْدَ الْأَلِف خَاء مُعْجَمَة وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَهْدِيّ الْمَذْكُورَة مِنْ أَسَد وَغَطَفَان , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أُخْرَى ذَكَرَهَا اِبْن بَطَّال , وَهُمْ مِنْ طَيِّئ وَأَسَد قَبِيلَة كَبِيرَة يُنْسَبُونَ إِلَى أَسَد بْن خُزَيْمَةَ بْن مُدْرِكَة وَهُمْ إِخْوَة كِنَانَة بْن خُزَيْمَةَ أَصْل قُرَيْش وَغَطَفَان قَبِيلَة كَبِيرَة يُنْسَبُونَ إِلَى غَطَفَان بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة ثُمَّ الْمُهْمَلَة بَعْدَهَا فَاء , اِبْن سَعْد بْن قَيْس عَيْلَان بْن مُضَر , وَطَيِّئ بِفَتْحِ الطَّاء الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْيَاء آخِر الْحُرُوف بَعْدَهَا أُخْرَى مَهْمُوزَةٌ وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْقَبَائِل اِرْتَدُّوا بَعْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتَّبَعُوا طُلَيْحَة بْن خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيَّ , وَكَانَ قَدْ اِدَّعَى النُّبُوَّة بَعْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَطَاعُوهُ لِكَوْنِهِ مِنْهُمْ فَقَاتَلَهُمْ خَالِد بْن الْوَلِيد بَعْد أَنْ فَرَغَ مِنْ مُسَيْلِمَة بِالْيَمَامَةِ , فَلَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِمْ بَعَثُوا وَفْدهمْ إِلَى أَبِي بَكْر , وَقَدْ ذَكَرَ قِصَّتهمْ الطَّبَرِيُّ وَغَيْره فِي أَخْبَار الرِّدَّة وَمَا وَقَعَ مِنْ مُقَاتَلَة الصَّحَابَة لَهُمْ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْد الْبَكْرِيّ فِي \" مُعْجَم الْأَمَاكِن \" أَنَّ بُزَاخَةَ مَاء لِطَيِّئٍ عَنْ الْأَصْمَعِيّ وَلِبَنِي أَسَد عَنْ أَبِي عَمْرو يَعْنِي الشَّيْبَانِيّ , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هِيَ رَمْلَة مِنْ وَرَاء النِّبَاج , اِنْتَهَى. \" وَالنِّبَاج \" بِنُونٍ وَمُوَحَّدَة خَفِيفَة ثُمَّ جِيم مَوْضِع فِي طَرِيق الْحَاجّ مِنْ الْبَصْرَة. ‏ ‏قَوْله ( تَتَّبِعُونَ أَذْنَاب الْإِبِل إِلَخْ ) ‏ ‏كَذَا ذَكَرَ الْبُخَارِيّ هَذِهِ الْقِطْعَة مِنْ الْخَبَر مُخْتَصَرَة , وَلَيْسَ غَرَضه مِنْهَا إِلَّا قَوْل أَبِي بَكْر خَلِيفَة نَبِيّه , وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَى ذَلِكَ فِي الْحَدِيث الثَّالِث , وَقَدْ أَوْرَدَهَا أَبُو بَكْر الْبَرْقَانِيّ فِي مُسْتَخْرَجه , وَسَاقَهَا الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْع بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ , وَلَفْظه الْحَدِيث الْحَادِي عَشَرَ مِنْ أَفْرَاد الْبُخَارِيّ عَنْ طَارِق بْن شِهَاب قَالَ \" جَاءَ وَفْد بُزَاخَةَ مِنْ أَسَد وَغَطَفَان إِلَى أَبِي بَكْر يَسْأَلُونَهُ الصُّلْح , فَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ الْحَرْب الْمُجْلِيَة وَالسِّلْم الْمُخْزِيَة , فَقَالُوا : هَذِهِ الْمُجْلِيَة قَدْ عَرَفْنَاهَا فَمَا الْمُخْزِيَة , قَالَ : نَنْزِع مِنْكُمْ الْحَلْقَة وَالْكُرَاع وَنَغْنَم مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ , وَتَرُدُّونَ عَلَيْنَا مَا أَصَبْتُمْ مِنَّا وَتَدُونَ لَنَا قَتْلَانَا , وَيَكُون قَتْلَاكُمْ فِي النَّار , وَتَتْرُكُونَ أَقْوَامًا يَتَّبِعُونَ أَذْنَاب الْإِبِل حَتَّى يُرِي اللَّه خَلِيفَة رَسُوله وَالْمُهَاجِرِينَ أَمْرًا يَعْذُرُونَكُمْ بِهِ , فَعَرَضَ أَبُو بَكْر مَا قَالَ عَلَى الْقَوْم , فَقَامَ عُمَر فَقَالَ : قَدْ رَأَيْت رَأْيًا وَسَنُشِيرُ عَلَيْك , أَمَّا مَا ذَكَرْت - فَذَكَرَ الْحُكْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ - قَالَ : فَنِعْمَ مَا ذَكَرْت , وَأَمَّا تَدُونَ قَتْلَانَا وَيَكُون قَتْلَاكُمْ فِي النَّار , فَإِنَّ قَتْلَانَا قَاتَلَتْ عَلَى أَمْر اللَّه , وَأُجُورهَا عَلَى اللَّه لَيْسَتْ لَهَا دِيَات \" قَالَ : فَتَتَابَعَ الْقَوْم عَلَى مَا قَالَ عُمَر. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : اِخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيّ فَذَكَرَ طَرَفًا مِنْهُ وَهُوَ قَوْله لَهُمْ \" يَتَّبِعُونَ أَذْنَاب الْإِبِل - إِلَى قَوْله - يَعْذُرُونَكُمْ بِهِ \" وَأَخْرَجَهُ بِطُولِهِ الْبَرْقَانِيّ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ ذَلِكَ الْقَدْر مِنْهُ , اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَذَكَرَهُ اِبْن بَطَّال مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ بِهَذَا السَّنَد مُطَوَّلًا أَيْضًا لَكِنْ قَالَ فِيهِ : \" وَفْد بُزَاخَةَ وَهُمْ مِنْ طَيِّئ \" وَقَالَ فِيهِ \" فَخَطَبَ أَبُو بَكْر النَّاس \" فَذَكَرَ مَا قَالُوا , وَقَالَ : وَالْبَاقِي سَوَاء , \" وَالْمُجْلِيَة \" بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون الْجِيم بَعْدَهَا لَام مَكْسُورَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة مِنْ الْجَلَاء بِفَتْحِ الْجِيم وَتَخْفِيف اللَّام مَعَ الْمَدّ وَمَعْنَاهَا : الْخُرُوج عَنْ جَمِيع الْمَال. وَ \" الْمُخْزِيَة \" بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَزَاي بِوَزْنِ الَّتِي قَبْلَهَا : مَأْخُوذَة مِنْ الْخِزْي , وَمَعْنَاهَا : الْقَرَار عَلَى الذُّلّ وَالصَّغَار , وَ \" الْحَلْقَة \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام بَعْدَهَا قَاف : السِّلَاح , وَ \" الْكُرَاع \" بِضَمِّ الْكَاف عَلَى الصَّحِيح وَبِتَخْفِيفِ الرَّاء : جَمِيع الْخَيْل. وَفَائِدَة نَزْع ذَلِكَ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَبْقَى لَهُمْ شَوْكَة لِيَأْمَنَ النَّاس مِنْ جِهَتهمْ , وَقَوْله \" وَنَغْنَم مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ \" أَيْ يَسْتَمِرّ ذَلِكَ لَنَا غَنِيمَة نَقْسِمهَا عَلَى الْفَرِيضَة الشَّرْعِيَّة وَلَا نَرُدّ عَلَيْكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا , وَقَوْله \" وَتَرُدُّونَ عَلَيْنَا مَا أَصَبْتُمْ مِنَّا \" أَيْ مَا اِنْتَهَبْتُمُوهُ مِنْ عَسْكَر الْمُسْلِمِينَ فِي حَالَة الْمُحَارَبَة , وَقَوْله \" تَدُونَ \" بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَتَخْفِيف الدَّال الْمَضْمُومَة : أَيْ تَحْمِلُونَ إِلَيْنَا دِيَاتِهِمْ , وَقَوْله \" قَتْلَاكُمْ فِي النَّار \" أَيْ لَا دِيَات لَهُمْ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُمْ مَاتُوا عَلَى شِرْكهمْ , فَقُتِلُوا بِحَقٍّ فَلَا دِيَة لَهُمْ , وَقَوْله وَ \" تُتْرَكُونَ \" بِضَمِّ أَوَّله , \" وَيَتَّبِعُونَ أَذْنَاب الْإِبِل \" أَيْ فِي رِعَايَتهَا لِأَنَّهُمْ إِذَا نُزِعَتْ مِنْهُمْ آلَة الْحَرْب رَجَعُوا أَعْرَابًا فِي الْبَوَادِي لَا عَيْش لَهُمْ إِلَّا مَا يَعُود عَلَيْهِمْ مِنْ مَنَافِع إِبِلهمْ , قَالَ اِبْن بَطَّال : كَانُوا اِرْتَدُّوا ثُمَّ تَابُوا , فَأَوْفَدُوا رُسُلهمْ إِلَى أَبِي بَكْر يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ فَأَحَبَّ أَبُو بَكْر أَنْ لَا يَقْضِيَ بَيْنَهُمْ إِلَّا بَعْدَ الْمُشَاوَرَة فِي أَمْرهمْ , فَقَالَ لَهُمْ : اِرْجِعُوا وَاتَّبِعُوا أَذْنَاب الْإِبِل فِي الصَّحَارِي , اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِالْغَايَةِ الَّتِي أَنْظَرَهُمْ إِلَيْهَا أَنْ تَظْهَر تَوْبَتهمْ وَصَلَاحهمْ بِحُسْنِ إِسْلَامهمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "6682",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏يَكُونُ اثْنَا عَشَرَ أَمِيرًا ‏ ‏فَقَالَ كَلِمَةً لَمْ أَسْمَعْهَا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏إِنَّهُ قَالَ ‏ ‏كُلُّهُمْ مِنْ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة كَرِيمَة \" حَدَّثَنِي \" بِالْإِفْرَادِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَبْد الْمَلِك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ \" عِنْد مُسْلِم عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْرٍ \". ‏ ‏قَوْله ( يَكُون اِثْنَا عَشَرَ أَمِيرًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ الْمَذْكُورَة \" لَا يَزَال أَمْر النَّاس مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمْ اِثْنَا عَشَرَ رَجُلًا \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ كَلِمَة لَمْ أَسْمَعهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان , ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيَّ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَبِي إِنَّهُ قَالَ كُلّهمْ مِنْ قُرَيْش ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" فَسَأَلْت أَبِي مَاذَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : كُلّهمْ مِنْ قُرَيْش \" وَوَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ جَابِر بْن سَمُرَة سَبَب خَفَاء الْكَلِمَة الْمَذْكُورَة عَلَى جَابِر وَلَفْظه \" لَا يَزَال هَذَا الدِّين عَزِيزًا إِلَى اِثَّنَى عَشَرَ خَلِيفَة قَالَ : فَكَبَّرَ النَّاس وَضَجُّوا , فَقَالَ : كَلِمَة خَفِيَّة فَقُلْت لِأَبِي : يَا أَبَتِ مَا قَالَ \" فَذَكَرَهُ , وَأَصْلُهُ عِنْد مُسْلِم دُونَ قَوْله \" فَكَبَّرَ النَّاس وَضَجُّوا \" وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيّ مِنْ وَجْه آخَرَ فِي آخِره : فَالْتَفَتَ فَإِذَا أَنَا بِعُمَرَ بْن الْخَطَّاب وَأَبَى فِي أُنَاسٍ فَأَثْبَتُوا إِلَيَّ الْحَدِيث , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق حُصَيْنٍ بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ جَابِر بْن سَمُرَة قَالَ \" دَخَلْت مَعَ أَبِي عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ \" إِنَّ هَذَا الْأَمْر لَا يَنْقَضِي حَتَّى يَمْضِي فِيهِمْ اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَة \" وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق سِمَاك بْن حَرْب عَنْ جَابِر بْن سَمُرَة بِلَفْظِ \" لَا يَزَال الْإِسْلَام عَزِيزًا إِلَى اِثَّنَى عَشَرَ خَلِيفَة \" وَمِثْله عِنْده مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ جَابِر بْن سَمُرَة وَزَادَ فِي رِوَايَة عَنْهُ \" مَنِيعًا \" وَعُرِفَ بِهَذِهِ الرِّوَايَة مَعْنَى قَوْله فِي رِوَايَة سُفْيَان \" مَاضِيًا \" أَيْ مَاضِيًا أَمْرُ الْخَلِيفَة فِيهِ , وَمَعْنَى قَوْله \" عَزِيزًا \" قَوِيًّا وَمَنِيعًا بِمَعْنَاهُ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ عِنْد الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيِّ نَحْو حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة بِلَفْظِ \" لَا يَزَال أَمْرُ أُمَّتِي صَالِحًا \" وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد بْن سَعِيد عَنْ جَابِر بْن سَمُرَة نَحْوه قَالَ : وَزَادَ \" فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَنْزِله أَتَتْهُ قُرَيْش فَقَالُوا , ثُمَّ يَكُونُ مَاذَا ؟ قَالَ : الْهَرْج \" وَأَخْرَجَ الْبَزَّار هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ وَجْه آخَرَ فَقَالَ فِيهَا \" ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِله فَأَتَيْته فَقُلْت : ثُمَّ يَكُونُ مَاذَا ؟ قَالَ الْهَرْج \" قَالَ اِبْنِ بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب : لَمْ أَلْقَ أَحَدًا يَقْطَع فِي هَذَا الْحَدِيث - يَعْنِي بِشَيْءٍ مُعَيَّن - فَقَوْم قَالُوا يَكُونُونَ بِتَوَالِي إِمَارَتهمْ , وَقَوْم قَالُوا يَكُونُونَ فِي زَمَن وَاحِد , كُلّهمْ يَدَّعِي الْإِمَارَة. قَالَ وَاَلَّذِي يَغْلِب عَلَى الظَّنّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَخْبَرَ بِأَعَاجِيبَ تَكُونُ بَعْدَهُ مِنْ الْفِتَنِ , حَتَّى يَفْتَرِق النَّاس فِي وَقْت وَاحِد عَلَى اِثَّنَى عَشَرَ أَمِيرًا , قَالَ : وَلَوْ أَرَادَ غَيْر هَذَا لَقَالَ يَكُونُ اِثْنَا عَشَرَ أَمِيرًا يَفْعَلُونَ كَذَا , فَلَمَّا أَعْرَاهُمْ مِنْ الْخَبَر عَرَفْنَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي زَمَن وَاحِد اِنْتَهَى , وَهُوَ كَلَامُ مَنْ لَمْ يَقِف عَلَى شَيْء مِنْ طُرُق الْحَدِيث غَيْر الرِّوَايَة الَّتِي وَقَعَتْ فِي الْبُخَارِيّ هَكَذَا مُخْتَصَرَة , وَقَدْ عَرَفْت مِنْ الرِّوَايَات الَّتِي ذَكَرْتهَا مِنْ عِنْد مُسْلِم وَغَيْره , أَنَّهُ ذَكَرَ الصِّفَة الَّتِي تَخْتَصّ بِوِلَايَتِهِمْ وَهُوَ كَوْن الْإِسْلَام عَزِيزًا مَنِيعًا , وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى صِفَة أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ كُلّهمْ يَجْتَمِع عَلَيْهِ النَّاس , كَمَا وَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِر بْن سَمُرَة بِلَفْظِ \" لَا يَزَال هَذَا الدِّين قَائِمًا حَتَّى يَكُونَ عَلَيْكُمْ اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَة كُلّهمْ تَجْتَمِع عَلَيْهِ الْأُمَّة \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ الْأَسْوَد بْن سَعِيد عَنْ جَابِر بْن سَمُرَة بِلَفْظِ \" لَا تَضُرّهُمْ عَدَاوَة مَنْ عَادَاهُمْ \" وَقَدْ لَخَصَّ الْقَاضِي عِيَاض ذَلِكَ فَقَالَ : تَوَجَّهَ عَلَى هَذَا الْعَدَد سُؤَالَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُعَارِض ظَاهِرِ قَوْله فِي حَدِيث سَفِينَة يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ اِبْنِ حِبَّان وَغَيْره \" الْخِلَافَة بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَة , ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا \" لِأَنَّ الثَّلَاثِينَ سَنَة لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلَّا الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَأَيَّام الْحَسَنِ بْن عَلِيّ. وَالثَّانِي أَنَّهُ وَلِيَ الْخِلَافَة أَكْثَرُ مِنْ هَذَا الْعَدَد , قَالَ : وَالْجَوَاب عَنْ الْأَوَّل أَنَّهُ أَرَادَ فِي حَدِيث سَفِينَة \" خِلَافَة النُّبُوَّة \" وَلَمْ يُقَيِّدهُ فِي حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة بِذَلِكَ. وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ \" لَا يَلِي إِلَّا اِثْنَا عَشَرَ \" وَإِنَّمَا قَالَ : يَكُونُ \" اِثْنَا عَشَرَ \" وَقَدْ وَلِيَ هَذَا الْعَدَد وَلَا يَمْنَع ذَلِكَ الزِّيَادَة عَلَيْهِمْ , قَالَ : وَهَذَا إِنْ جُعِلَ اللَّفْظ وَاقِعًا عَلَى كُلّ مَنْ وَلِيَ , وَإِلَّا فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُ الْمُرَاد مَنْ يَسْتَحِقّ الْخِلَافَة مِنْ أَئِمَّة الْعَدْل , وَقَدْ مَضَى مِنْهُمْ الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَلَا بُدَّ مِنْ تَمَام الْعِدَّة قَبْل قِيَام السَّاعَة , وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي زَمَن وَاحِد يَفْتَرِق النَّاس عَلَيْهِمْ , وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمِائَة الْخَامِسَة فِي الْأَنْدَلُس وَحْدَهَا سِتَّة أَنْفُس كُلّهمْ يَتَسَمَّى بِالْخِلَافَةِ , وَمَعَهُمْ صَاحِبِ مِصْرَ وَالْعَبَّاسِيَّة بِبَغْدَادَ إِلَى مَنْ كَانَ يَدَّعِي الْخِلَافَة فِي أَقْطَار الْأَرْض مِنْ الْعَلَوِيَّة وَالْخَوَارِج , قَالَ وَيُعَضِّد هَذَا التَّأْوِيل قَوْله فِي حَدِيث آخَرَ فِي مُسْلِم \" سَتَكُونُ خُلَفَاء فَيَكْثُرُونَ \" قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُ الْمُرَاد أَنْ يَكُونَ \" الِاثْنَا عَشَرَ \" فِي مُدَّة عِزَّة الْخِلَافَة وَقُوَّة الْإِسْلَام وَاسْتِقَامَة أُمُوره وَالِاجْتِمَاع عَلَى مَنْ يَقُوم بِالْخِلَافَةِ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي بَعْض الطُّرُق \" كُلّهمْ تَجْتَمِع عَلَيْهِ الْأُمَّة \" وَهَذَا قَدْ وُجِدَ فِيمَنْ اِجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاس إِلَى أَنْ اِضْطَرَبَ أَمْرُ بَنِي أُمَيَّة وَوَقَعَتْ بَيْنهمْ الْفِتْنَة زَمَن الْوَلِيد بْن يَزِيد , فَاتَّصَلَتْ بَيْنهمْ إِلَى أَنْ قَامَتْ الدَّوْلَة الْعَبَّاسِيَّة فَاسْتَأْصَلُوا أَمْرهمْ , وَهَذَا الْعَدَد مَوْجُود صَحِيح إِذَا اُعْتُبِرَ , قَالَ : وَقَدْ يَحْتَمِل وُجُوهًا أُخَر , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ نَبِيّه اِنْتَهَى. وَالِاحْتِمَال الَّذِي قَبْل هَذَا وَهُوَ اِجْتِمَاع اِثَّنَى عَشَرَ فِي عَصْر وَاحِد كُلّهمْ يَطْلُب الْخِلَافَة هُوَ الَّذِي اِخْتَارَهُ الْمُهَلَّب كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ ذَكَرْت وَجْه الرَّدّ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَرِد إِلَّا قَوْله \" كُلّهمْ يَجْتَمِع عَلَيْهِ النَّاس \" فَإِنَّ فِي وَجُودهمْ فِي عَصْر وَاحِد يُوجَد عَيْن الِافْتِرَاق , فَلَا يَصِحّ أَنْ يَكُونُ الْمُرَاد , وَيُؤَيِّد مَا وَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْبَزَّار مِنْ حَدِيث اِبْنِ مَسْعُود بِسَنَدٍ حَسَن \" أَنَّهُ سُئِلَ كَمْ يَمْلِك هَذِهِ الْأُمَّة مِنْ خَلِيفَة ؟ \" فَقَالَ : سَأَلْنَا عَنْهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ \" اِثْنَا عَشَرَ كَعِدَّةِ نُقَبَاء بَنِي إِسْرَائِيل \" وَقَالَ اِبْنِ الْجَوْزِيّ : فِي \" كَشْف الْمُشْكِل \" قَدْ أَطَلْت الْبَحْث عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث وَتَطَلَّبْت مَظَانّه وَسَأَلْت عَنْهُ فَلَمْ أَقَعْ عَلَى الْمَقْصُود بِهِ لِأَنَّ أَلْفَاظه مُخْتَلِفَة وَلَا أَشُكُّ أَنَّ التَّخْلِيط فِيهَا مِنْ الرُّوَاة , ثُمَّ وَقَعَ لِي فِيهِ شَيْء وَجَدْت الْخَطَّابِيّ بَعْد ذَلِكَ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ , ثُمَّ وَجَدْت كَلَامًا لِأَبِي الْحُسَيْن بْن الْمُنَادِي وَكَلَامًا لِغَيْرِهِ , فَأَمَّا الْوَجْه الْأَوَّل فَإِنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا يَكُونُ بَعْده وَبَعْد أَصْحَابه وَأَنَّ حُكْم أَصْحَابه مُرْتَبِط بِحُكْمِهِ. فَأَخْبَرَ عَنْ الْوِلَايَات الْوَاقِعَة بَعْدهمْ , فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى عَدَد الْخُلَفَاء مِنْ بَنِي أُمَيَّة , وَكَأَنَّ قَوْله \" لَا يَزَال الدِّين - أَيْ الْوِلَايَة - إِلَى أَنْ يَلِيَ اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَة \" ثُمَّ يَنْتَقِل إِلَى صِفَة أُخْرَى أَشَدَّ مِنْ الْأُولَى , وَأَوَّلِ بَنِي أُمَيَّة يَزِيد بْنِ مُعَاوِيَة وَآخِرهمْ مَرْوَان الْحِمَار وَعِدَّتهمْ ثَلَاثَة عَشَرَ , وَلَا يُعَدّ عُثْمَان وَمُعَاوِيَة وَلَا اِبْنِ الزُّبَيْر , لِكَوْنِهِمْ صَحَابَة فَإِذَا أَسْقَطْنَا مِنْهُمْ مَرْوَان بْن الْحَكَم لِلِاخْتِلَافِ فِي صُحْبَته , أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَغَلِّبًا بَعْدَ أَنْ اِجْتَمَعَ النَّاس عَلَى عَبْد اللَّه بْنِ الزُّبَيْر صَحَّتْ الْعِدَّة , وَعِنْد خُرُوج الْخِلَافَة مِنْ بَنِي أُمَيَّة وَقَعَتْ الْفِتَنُ الْعَظِيمَة وَالْمَلَاحِم الْكَثِيرَة حَتَّى اِسْتَقَرَّتْ دَوْلَة بَنِي الْعَبَّاس فَتَغَيَّرَتْ الْأَحْوَال عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ تَغَيُّرًا بَيِّنًا , قَالَ : وَيُؤَيِّد هَذَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث اِبْنِ مَسْعُود رَفَعَهُ \" تَدُور رَحَى الْإِسْلَام لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتّ وَثَلَاثِينَ أَوْ سَبْع وَثَلَاثِينَ , فَإِنْ هَلَكُوا فَسَبِيل مَنْ هَلَكَ , وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينهمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا \" زَادَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْخَطَابِيّ فَقَالُوا : سِوَى مَا مَضَى ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ \" رَحَى الْإِسْلَام \" كِنَايَة عَنْ الْحَرْب شَبَههَا بِالرَّحَى الَّتِي تَطْحَنُ الْحَبّ لِمَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ تَلَف الْأَرْوَاح , وَالْمُرَاد بِالدِّينِ فِي قَوْله \" يَقُمْ لَهُمْ دِينهمْ \" الْمُلْك , قَالَ فَيُشْبِه أَنْ يَكُونُ إِشَارَة إِلَى مُدَّة بَنِي أُمَيَّة فِي الْمُلْك وَانْتِقَاله عَنْهُمْ إِلَى بَنِي الْعَبَّاس , فَكَانَ مَا بَيْن اِسْتِقْرَار الْمُلْك لِبَنِي أُمَيَّة وَظُهُور الْوَهَن فِيهِ , نَحْو مِنْ سَبْعِينَ سَنَة. قُلْت : لَكِنْ يُعَكِّر عَلَيْهِ أَنَّ مِنْ اِسْتِقْرَار الْمُلْك لِبَنِي أُمَيَّة عِنْد اِجْتِمَاع النَّاس عَلَى مُعَاوِيَة سَنَة إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ إِلَى أَنْ زَالَتْ دَوْلَة بَنِي أُمَيَّة فَقُتِلَ مَرْوَان بْن مُحَمَّد فِي أَوَائِل سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة أَزْيَدَ مِنْ تِسْعِينَ سَنَة , ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْخَطِيب أَبِي بَكْر الْبَغْدَادِيّ قَوْله \" تَدُور رَحَى الْإِسْلَام \" مَثَل يُرِيد أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّة إِذَا اِنْتَهَتْ حَدَثَ فِي الْإِسْلَام أَمْرٌ عَظِيم يُخَاف بِسَبَبِهِ عَلَى أَهْله الْهَلَاك يُقَال لِلْأَمْرِ إِذَا تَغَيَّرَ وَاسْتَحَالَ : دَارَتْ رَحَاهُ , قَالَ : وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى اِنْتِقَاض مُدَّة الْخِلَافَة , وَقَوْله \" يَقُمْ لَهُمْ دِينهمْ \" أَيْ مُلْكُهُمْ وَكَانَ مِنْ وَقْت اِجْتِمَاع النَّاس عَلَى مُعَاوِيَة إِلَى اِنْتِقَاض مُلْك بَنِي أُمَيَّة نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ , قَالَ اِبْنِ الْجَوْزِيّ : وَيُؤَيِّد هَذَا التَّأْوِيل مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ رَفَعَهُ \" إِذَا مَلَكَ اِثْنَا عَشَرَ مِنْ بَنِي كَعْب بْن لُؤَيّ كَانَ النُّقُف وَالنِّقَاف إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" اِنْتَهَى , وَ \" النَّقْف \" ظَهَرَ لِي أَنَّهُ بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْقَاف وَهُوَ كَسْر الْهَامَة عَنْ الدِّمَاغ , وَالنِّقَاف بِوَزْنِ فِعَال مِثْله وَكُنِّيَ بِذَلِكَ عَنْ الْقَتْل وَالْقِتَال , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي بَعْض طُرُق جَابِر بْن سَمُرَة \" ثُمَّ يَكُونُ الْهَرْج \" وَأَمَّا صَاحِبِ النِّهَايَة فَضَبَطَهُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة بَدَلَ النُّون وَفَسَّرَهُ بِالْجَدِّ الشَّدِيد فِي الْخِصَام , وَلَمْ أَرَ فِي اللُّغَة تَفْسِيره بِذَلِكَ بَلْ مَعْنَاهُ \" الْفِطْنَة وَالْحَذْق \" وَنَحْو ذَلِكَ وَفِي قَوْله \" مِنْ بَنِي كَعْب بْن لُؤَيّ \" إِشَارَة إِلَى كَوْنهمْ مِنْ قُرَيْش , لِأَنَّ لُؤَيًّا هُوَ اِبْنِ غَالِبِ بْن فِهْر وَفِيهِمْ جِمَاع قُرَيْش , وَقَدْ يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ غَيْرهمْ يَكُونُ مِنْ غَيْر قُرَيْش , فَتَكُونُ فِيهِ إِشَارَة إِلَى الْقَحْطَانِيّ الْمُقَدَّم ذِكْره فِي \" كِتَاب الْفِتَنِ \" قَالَ : وَأَمَّا الْوَجْه الثَّانِي فَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن بْن الْمُنَادِي : فِي الْجُزْء الَّذِي جَمَعَهُ فِي الْمَهْدِيّ يَحْتَمِل فِي مَعْنَى حَدِيث \" يَكُونُ اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَة \" أَنْ يَكُونَ هَذَا بَعْد الْمَهْدِيّ الَّذِي يَخْرُج فِي آخِر الزَّمَان فَقَدْ وَجَدْت فِي \" كِتَاب دَانْيَال \" إِذَا مَاتَ الْمَهْدِيّ مَلَكَ بَعْدَهُ خَمْسَة رِجَال مِنْ وَلَدِ السَّبْط الْأَكْبَر , ثُمَّ خَمْسَة مِنْ وَلَدِ السَّبْط الْأَصْغَر ; ثُمَّ يُوصِي آخِرهمْ بِالْخِلَافَةِ لِرَجُلٍ مِنْ وَلَدِ السَّبْط الْأَكْبَر , ثُمَّ يَمْلِك بَعْده وَلَدُهُ فَيَتِمّ بِذَلِكَ اِثْنَا عَشَرَ مَلِكًا ; كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ إِمَام مَهْدِيّ , قَالَ اِبْنِ الْمُنَادِي وَفِي رِوَايَة أَبِي صَالِحٍ عَنْ اِبْنِ عَبَّاس \" الْمَهْدِيّ اِسْمُهُ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه وَهُوَ رَجُل رَبْعَة مُشْرَب بِحُمْرَةٍ يُفَرِّج اللَّه بِهِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّة كُل كَرْب , وَيَصْرِف بِعَدْلِهِ كُلّ جَوْر , ثُمَّ يَلِي الْأَمْر بَعْده اِثْنَا عَشَرَ رَجُلًا , سِتَّة مِنْ وَلَدِ الْحَسَنِ , وَخَمْسَة مِنْ وَلَدِ الْحُسَيْن , وَآخَر مِنْ غَيْرهمْ ; ثُمَّ يَمُوت فَيَفْسُد الزَّمَان \" وَعَنْ كَعْب الْأَحْبَار \" يَكُونُ اِثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا , ثُمَّ يَنْزِل رُوحُ اللَّه , فَيَقْتُل الدَّجَّال \" قَالَ : وَالْوَجْه الثَّالِث أَنَّ الْمُرَاد وُجُود اِثْنَى عَشَرَ خَلِيفَة فِي جَمِيع مُدَّة الْإِسْلَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة يَعْمَلُونَ بِالْحَقِّ وَإِنْ لَمْ تَتَوَالَ أَيَّامهمْ , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسَدَّد فِي مُسْنَده الْكَبِير مِنْ طَرِيق أَبِي بَحْر , أَنَّ أَبَا الْجَلْد حَدَّثَهُ \" أَنَّهُ لَا تَهْلِك هَذِهِ الْأُمَّة حَتَّى يَكُونَ مِنْهَا اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَة كُلّهمْ يَعْمَل بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ , مِنْهُمْ رَجُلَانِ مِنْ أَهْل بَيْت مُحَمَّد , يَعِيش أَحَدُهُمَا أَرْبَعِينَ سَنَة , وَالْآخَر ثَلَاثِينَ سَنَة \" وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" ثُمَّ يَكُونُ الْهَرْج \" أَيْ الْفِتَنُ الْمُؤْذِنَة بِقِيَامِ السَّاعَة , مِنْ خُرُوج الدَّجَّال ثُمَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج , إِلَى أَنْ تَنْقَضِي الدُّنْيَا. اِنْتَهَى كَلَامُ اِبْنِ الْجَوْزِيّ مُلَخَّصًا بِزِيَادَاتٍ يَسِيرَة. وَالْوَجْهَانِ الْأَوَّل وَالْآخَر قَدْ اِشْتَمَلَ عَلَيْهِمَا كَلَامُ الْقَاضِي عِيَاض , فَكَأَنَّهُ مَا وَقَفَ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّ فِي كَلَامِهِ زِيَادَة لَمْ يَشْتَمِل عَلَيْهَا كَلَامُهُ , وَيَنْتَظِم مِنْ مَجْمُوع مَا ذَكَرَاهُ أَوْجُهٌ , أَرْجَحُهَا الثَّالِث مِنْ أَوْجُهِ الْقَاضِي لِتَأْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث الصَّحِيحَة \" كُلّهمْ يَجْتَمِع عَلَيْهِ النَّاس \" وَإِيضَاح ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَاد بِالِاجْتِمَاعِ اِنْقِيَادهمْ لِبَيْعَتِهِ , وَاَلَّذِي وَقَعَ أَنَّ النَّاس اِجْتَمَعُوا عَلَى أَبِي بَكْر ثُمَّ عُمَر ثُمَّ عُثْمَان ثُمَّ عَلِيّ إِلَى أَنْ وَقَعَ أَمْرُ الْحَكَمَيْنِ فِي صِفِّين , فَسُمِّيَ مُعَاوِيَة يَوْمَئِذٍ بِالْخِلَافَةِ , ثُمَّ اِجْتَمَعَ النَّاس عَلَى مُعَاوِيَة عِنْدَ صُلْح الْحَسَنِ , ثُمَّ اِجْتَمَعُوا عَلَى وَلَدِهِ يَزِيد وَلَمْ يَنْتَظِم لِلْحُسَيْنِ أَمْرٌ بَلْ قُتِلَ قَبْل ذَلِكَ , ثُمَّ لَمَّا مَاتَ يَزِيد وَقَعَ الِاخْتِلَاف إِلَى أَنْ اِجْتَمَعُوا عَلَى عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان بَعْد قَتْل اِبْنِ الزُّبَيْر , ثُمَّ اِجْتَمَعُوا عَلَى أَوْلَاده الْأَرْبَعَة : الْوَلِيد ثُمَّ سُلَيْمَان ثُمَّ يَزِيد ثُمَّ هِشَام , وَتَخَلَّلَ بَيْن سُلَيْمَان وَيَزِيد عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز , فَهَؤُلَاءِ سَبْعَة بَعْد الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ , وَالثَّانِي عَشَرَ هُوَ الْوَلِيد بْن يَزِيد بْن عَبْد الْمَلِك اِجْتَمَعَ النَّاس عَلَيْهِ لَمَّا مَاتَ عَمُّهُ هِشَام , فَوَلِيَ نَحْوَ أَرْبَعِ سِنِينَ ثُمَّ قَامُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ , وَانْتَشَرَتْ الْفِتَنُ وَتَغَيَّرَتْ الْأَحْوَال مِنْ يَوْمِئِذٍ وَلَمْ يَتَّفِق أَنْ يَجْتَمِع النَّاس عَلَى خَلِيفَة بَعْد ذَلِكَ , لِأَنَّ يَزِيد بْن الْوَلِيد الَّذِي قَامَ عَلَى اِبْنِ عَمِّهِ الْوَلِيد بْن يَزِيد لَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ بَلْ ثَارَ عَلَيْهِ قَبْل أَنْ يَمُوت اِبْنُ عَمِّ أَبِيهِ مَرْوَان بْن مُحَمَّد بْن مَرْوَان \" وَلَمَّا مَاتَ يَزِيد وَلِيَ أَخُوهُ إِبْرَاهِيم فَغَلَبَهُ مَرْوَان , ثُمَّ ثَارَ عَلَى مَرْوَان بَنُو الْعَبَّاس إِلَى أَنْ قُتِلَ , ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ خُلَفَاء بَنِي الْعَبَّاس أَبُو الْعَبَّاس السَّفَّاح , وَلَمْ تَطُلْ مُدَّته مَعَ كَثْرَة مَنْ ثَارَ عَلَيْهِ , ثُمَّ وَلِيَ أَخُوهُ الْمَنْصُور فَطَالَتْ مُدَّته , لَكِنْ خَرَجَ عَنْهُمْ الْمَغْرِب الْأَقْصَى بِاسْتِيلَاءِ الْمَرْوَانِيِّينَ عَلَى الْأَنْدَلُس , وَاسْتَمَرَّتْ فِي أَيْدِيهمْ مُتَغَلِّبِينَ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ تَسَمَّوْا بِالْخِلَافَةِ بَعْد ذَلِكَ , وَانْفَرَطَ الْأَمْر فِي جَمِيع أَقْطَار الْأَرْض إِلَى أَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْخِلَافَة إِلَّا الِاسْم فِي بَعْض الْبِلَاد , بَعْد أَنْ كَانُوا فِي أَيَّام بَنِي عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان يُخْطَب لِلْخَلِيفَةِ فِي جَمِيع أَقْطَار الْأَرْض شَرْقًا وَغَرْبًا وَشِمَالًا وَيَمِينًا مِمَّا غَلَبَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ , وَلَا يَتَوَلَّى أَحَدٌ فِي بَلَدٍ مِنْ الْبِلَاد كُلّهَا الْإِمَارَة عَلَى شَيْء مِنْهَا إِلَّا بِأَمْرِ الْخَلِيفَة , وَمَنْ نَظَرَ فِي أَخْبَارهمْ عَرَفَ صِحَّة ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" ثُمَّ يَكُونُ الْهَرْج \" يَعْنِي الْقَتْل النَّاشِئ عَنْ الْفِتَنِ وُقُوعًا فَاشِيًّا يَفْشُو وَيَسْتَمِرّ وَيَزْدَاد عَلَى مَدَى الْأَيَّام , وَكَذَا كَانَ وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. وَالْوَجْه الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْنِ الْمُنَادِي لَيْسَ بِوَاضِحٍ , وَيُعَكِّر عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق قَيْس بْن جَابِر الصَّدَفِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ \" سَيَكُونُ مِنْ بَعْدِي خُلَفَاء , ثُمَّ مِنْ بَعْد الْخُلَفَاء أُمَرَاء وَمِنْ بَعْد الْأُمَرَاء مُلُوك , وَمِنْ بَعْد الْمُلُوك جَبَابِرَة , ثُمَّ يَخْرُج رَجُل مِنْ أَهْل بَيْتِي يَمْلَأ الْأَرْض عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا ثُمَّ يُؤَمَّر الْقَحْطَانِيّ فَوَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا هُوَ دُونه \" فَهَذَا يَرِد عَلَى مَا نَقَلَهُ اِبْنِ الْمُنَادِي مِنْ \" كِتَاب دَانْيَال \" وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ فَوَاهٍ جِدًّا , وَكَذَا عَنْ كَعْب وَأَمَّا مُحَاوَلَة اِبْنِ الْجَوْزِيّ الْجَمْع بَيْن حَدِيث \" تَدُور رَحَى الْإِسْلَام \" وَحَدِيث الْبَاب ظَاهِرُ التَّكَلُّف , وَالتَّفْسِير الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ الْخَطَّابِيُّ , ثُمَّ الْخَطِيب بَعِيد , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" تَدُور رَحَى الْإِسْلَام \" أَنْ تَدُوم عَلَى الِاسْتِقَامَة , وَأَنَّ اِبْتِدَاء ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الْبَعْثَة النَّبَوِيَّة فَيَكُونُ اِنْتِهَاء الْمُدَّة بِقَتْلِ عُمَر فِي ذِي الْحِجَّة سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْهِجْرَة , فَإِذَا اِنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ اِثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَة وَسِتَّة أَشْهُر مِنْ الْمَبْعَث فِي رَمَضَانَ كَانَتْ الْمُدَّة خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَة وَسِتَّة أَشْهُر , فَيَكُونُ ذَلِكَ جَمِيع الْمُدَّة النَّبَوِيَّة وَمُدَّة الْخَلِيفَتَيْنِ بَعْده خَاصَّة , وَيُؤَيِّد حَدِيث حُذَيْفَة الْمَاضِي قَرِيبًا الَّذِي يُشِير إِلَى أَنَّ بَابِ الْأَمْنِ مِنْ الْفِتْنَة يُكْسَر بِقَتْلِ عُمَر , فَيُفْتَح بَابِ الْفِتَنِ وَكَانَ الْأَمْر عَلَى مَا ذُكِرَ , وَأَمَّا قَوْله فِي بَقِيَّة الْحَدِيث \" فَإِنْ يَهْلِكُوا فَسَبِيل مَنْ هَلَكَ , وَإِنْ لَمْ يَقُمْ لَهُمْ دِينهمْ يَقُمْ سَبْعِينَ سَنَة \" فَيَكُونُ الْمُرَاد بِذَلِكَ اِنْقِضَاء أَعْمَارهمْ , وَتَكُونُ الْمُدَّة سَبْعِينَ سَنَة إِذَا حَصَلَ اِبْتِدَاؤُهَا مِنْ أَوَّلِ سَنَة ثَلَاثِينَ عِنْد اِنْقِضَاء سِتّ سِنِينَ مِنْ خِلَافَة عُثْمَان , فَإِنَّ اِبْتِدَاء الطَّعْن فِيهِ إِلَى أَنْ آلَ الْأَمْر إِلَى قَتْله كَانَ بَعْدَ سِتّ سِنِينَ مَضَتْ مِنْ خِلَافَته , وَعِنْد اِنْقِضَاء السَّبْعِينَ لَمْ يَبْقَ مِنْ الصَّحَابَة أَحَدٌ , فَهَذَا الَّذِي يَظْهَر لِي فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث , وَلَا تَعَرُّض فِيهِ لِمَا يَتَعَلَّق بِاثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَة , وَعَلَى تَقْدِير ذَلِكَ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَل قَوْله \" يَكُونُ بَعْدِي اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَة \" عَلَى حَقِيقَة الْبَعْدِيَّة , فَإِنَّ جَمِيع مَنْ وَلِيَ الْخِلَافَة مِنْ الصِّدِّيق إِلَى عُمَرَ بْن عَبْد الْعَزِيز أَرْبَعَةَ عَشَرَ نَفْسًا , مِنْهُمْ اِثْنَانِ لَمْ تَصِحّ وِلَايَتهمَا وَلَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُمَا وَهُمَا : مُعَاوِيَة بْن يَزِيد وَمَرْوَان بْن الْحَكَم , وَالْبَاقُونَ اِثْنَا عَشَرَ نَفْسًا عَلَى الْوَلَاء كَمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَتْ وَفَاة عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز سَنَة إِحْدَى وَمِائَة , وَتَغَيَّرَتْ الْأَحْوَال بَعْدَهُ , وَانْقَضَى الْقَرْن الْأَوَّل الَّذِي هُوَ خَيْر الْقُرُون , وَلَا يَقْدَح فِي ذَلِكَ قَوْله \" يَجْتَمِع عَلَيْهِمْ النَّاس \" لِأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى الْأَكْثَر الْأَغْلَب , لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَة لَمْ تُفْقَد مِنْهُمْ إِلَّا فِي الْحَسَنِ بْن عَلِيّ وَعَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر مَعَ صِحَّة وِلَايَتهمَا , وَالْحُكْم بِأَنَّ مَنْ خَالَفَهُمَا لَمْ يَثْبُت اِسْتِحْقَاقه إِلَّا بَعْدَ تَسْلِيم الْحَسَنِ وَبَعْد قَتْل اِبْنِ الزُّبَيْر وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَكَانَتْ الْأُمُور فِي غَالِبِ أَزْمِنَة هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ مُنْتَظِمَة وَإِنْ وُجِدَ فِي بَعْض مُدَّتهمْ خِلَاف ذَلِكَ , فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاسْتِقَامَة نَادِر وَاَللَّه أَعْلَمُ , وَقَدْ تَكَلَّمَ اِبْنِ حِبَّان عَلَى مَعْنَى حَدِيث \" تَدُور رَحَى الْإِسْلَام \" فَقَالَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَدُور رَحَى الْإِسْلَام لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتّ وَثَلَاثِينَ. ‏ ‏اِنْتِقَال أَمْر الْخِلَافَة إِلَى بَنِي أُمَيَّة , وَذَلِكَ أَنَّ قِيَام مُعَاوِيَة عَنْ عَلِيّ بِصِفِّينَ حَتَّى وَقَعَ التَّحْكِيم هُوَ مَبْدَأ مُشَارَكَة بَنِي أُمَيَّة ; ثُمَّ اِسْتَمَرَّ الْأَمْر فِي بَنِي أُمَيَّة مِنْ يَوْمِئِذٍ سَبْعِينَ سَنَةً , فَكَانَ أَوَّل مَا ظَهَرَتْ دُعَاة بَنِي الْعَبَّاس بِخُرَاسَانَ سَنَة سِتّ وَمِائَة وَسَاقَ ذَلِكَ بِعِبَارَةٍ طَوِيلَة عَلَيْهِ فِيهَا مُؤَاخَذَات كَثِيرَة أَوَّلهَا : دَعْوَاهُ أَنَّ قِصَّة الْحَكَمَيْنِ كَانَتْ فِي أَوَاخِر سَنَة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ خِلَاف مَا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَاب الْأَخْبَار , فَإِنَّهَا كَانَتْ بَعْد وَقْعَة صِفِّينَ بِعِدَّة أَشْهُر وَكَانَتْ سَنَة سَبْع وَثَلَاثِينَ وَاَلَّذِي قَدَّمْته أَوْلَى بِأَنْ يُحْمَل الْحَدِيث عَلَيْهِ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6683",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ يُحْتَطَبُ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6684",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏وَكَانَ قَائِدَ ‏ ‏كَعْبٍ ‏ ‏مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏تَبُوكَ ‏ ‏فَذَكَرَ حَدِيثَهُ ‏ ‏وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6685",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا يَكْرَهُونَ أَنْ يَتَخَلَّفُوا بَعْدِي وَلَا أَجِدُ مَا ‏ ‏أَحْمِلُهُمْ ‏ ‏مَا تَخَلَّفْتُ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6686",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏وَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ فَكَانَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُهُنَّ ثَلَاثًا أَشْهَدُ بِاللَّهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6687",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَوْ كَانَ عِنْدِي ‏ ‏أُحُدٌ ‏ ‏ذَهَبًا لَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا يَأْتِيَ عَلَيَّ ثَلَاثٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ لَيْسَ شَيْءٌ أَرْصُدُهُ فِي دَيْنٍ عَلَيَّ أَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6688",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَحَلَلْتُ مَعَ النَّاسِ حِينَ حَلُّوا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6689",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَبِيبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَبَّيْنَا بِالْحَجِّ وَقَدِمْنَا ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ نَطُوفَ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏وَبِالصَّفَا ‏ ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏وَأَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً وَنَحِلَّ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ قَالَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدٍ مِنَّا هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَطَلْحَةَ ‏ ‏وَجَاءَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏مَعَهُ الْهَدْيُ فَقَالَ أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا نَنْطَلِقُ إِلَى ‏ ‏مِنًى ‏ ‏وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَحَلَلْتُ قَالَ وَلَقِيَهُ ‏ ‏سُرَاقَةُ ‏ ‏وَهُوَ يَرْمِي ‏ ‏جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَنَا هَذِهِ خَاصَّةً قَالَ لَا بَلْ لِأَبَدٍ قَالَ وَكَانَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏قَدِمَتْ مَعَهُ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَهِيَ حَائِضٌ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ ‏ ‏تَنْسُكَ ‏ ‏الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ وَلَا تُصَلِّي حَتَّى تَطْهُرَ فَلَمَّا نَزَلُوا ‏ ‏الْبَطْحَاءَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجَّةٍ قَالَ ثُمَّ أَمَرَ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ‏ ‏أَنْ يَنْطَلِقَ مَعَهَا إِلَى ‏ ‏التَّنْعِيمِ ‏ ‏فَاعْتَمَرَتْ عُمْرَةً فِي ذِي الْحَجَّةِ بَعْدَ أَيَّامِ الْحَجِّ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6690",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏أَرِقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ ‏ ‏لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ السِّلَاحِ قَالَ مَنْ هَذَا قَالَ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ أَحْرُسُكَ فَنَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى سَمِعْنَا غَطِيطَهُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ‏ ‏بِوَادٍ وَحَوْلِي ‏ ‏إِذْخِرٌ ‏ ‏وَجَلِيلُ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَرِقَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الرَّاء أَيْ \" سَهِرَ \" وَزْنه وَمَعْنَاهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي بَاب الْحِرَاسَة فِي الْغَزْو مَعَ شَرْحه , وَقَوْله \" مَنْ هَذَا ؟ قِيلَ سَعْد \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" قَالَ سَعْد \" وَهُوَ أَوْلَى فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَاد بِلَفْظِ \" فَقَالَ أَنَا سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص \" وَيُسْتَفَاد مِنْهُ تَعْيِينه. ‏ ‏تَنْبِيه : ‏ ‏ذَكَرْت فِي \" بَاب الْحِرَاسَة \" مِنْ \" كِتَاب الْجِهَاد \" مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَقِيق \" عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْرَس حَتَّى نَزَلَتْ : \" وَاَللَّهُ يَعْصِمُك مِنْ النَّاس \" وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يُحْرَس بَعْد ذَلِكَ بِنَاء عَلَى سَبْق نُزُول الْآيَة لَكِنْ وَرَدَ فِي عِدَّة أَخْبَار أَنَّهُ حُرِسَ فِي بَدْر وَفِي أُحُد وَفِي الْخَنْدَق وَفِي رُجُوعه مِنْ خَيْبَرَ وَفِي وَادِي الْقُرَى وَفِي عَمْرَة الْقَضِيَّة وَفِي حُنَيْنٍ , فَكَأَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ مُتَرَاخِيَة عَنْ وَقْعَة حُنَيْنٍ , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِير مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد \" كَانَ الْعَبَّاس فِيمَنْ يَحْرُس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة تَرَكَ \" وَالْعَبَّاس إِنَّمَا لَازَمَهُ بَعْد فَتْح مَكَّة , فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْد حُنَيْنٍ , وَحَدِيث حِرَاسَته لَيْلَة حُنَيْنٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث سَهْل بْن الْحَنْظَلِيَّة أَنَّ أَنَس بْن أَبِي مَرْثَد حَرَسَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ اللَّيْلَة وَتَتَبَّعَ بَعْضهمْ أَسْمَاء مَنْ حَرَسَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَمَعَ مِنْهُمْ سَعْد بْن مُعَاذ وَمُحَمَّد بْنُ مَسْلَمَةَ وَالزُّبَيْر وَأَبُو أَيُّوب وَذَكْوَان بْن عَبْد الْقَيْس وَالْأَدْرَع السُّلَمِيُ وَابْن الْأَدْرَع وَاسْمه مِحْجَن وَيُقَال سَلَمَة وَعَبَّاد بْنُ بِشْر وَالْعَبَّاس وَأَبُو رَيْحَانَة وَلَيْسَ كُلّ وَاحِد مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الْوَقَائِع الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرهَا حَرَسَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْده , بَلْ ذُكِرَ فِي مُطْلَق الْحَرَس فَأَمْكَنَ أَنْ يَكُون خَاصًّا بِهِ كَأَبِي أَيُّوب حِين بِنَائِهِ بِصَفِيَّةَ بَعْدَ الرُّجُوع مِنْ خَيْبَرَ وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُون حَرَسَ أَهْل تِلْكَ الْغَزْوَة كَأَنَسِ بْن أَبِي مَرْثَد , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَتْ عَائِشَة قَالَ بِلَال : أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَة , إِلَخْ ) ‏ ‏هَذَا حَدِيث آخَر تَقَدَّمَ مَوْصُولًا بِتَمَامِهِ فِي مَقْدِم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ \" كِتَاب الْهِجْرَة \" وَمَوْضِع الدَّلَالَة مِنْهُ قَوْلهَا فَأَخْبَرْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِذَلِكَ اِقْتَصَرَ مِنْ الْحَدِيث عَلَيْهَا وَاَلَّذِي فِي الرِّوَايَة الْمَوْصُولَة قَالَتْ عَائِشَة : فَجِئْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْته. ‏"
    },
    {
        "id": "6691",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَحَاسُدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يَقُولُ لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ فَيَقُولُ لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَقُول لَوْ أُوتِيت ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ الْقَائِل وَظَاهِره الَّذِي أُوتِيَ الْقُرْآن وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ السَّامِع وَأَفْصَحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي \" فَضَائِل الْقُرْآن \" وَلَفْظه ; فَسَمِعَهُ جَار لَهُ فَقَالَ : لَيْتَنِي أُوتِيت إِلَخْ , وَلَفْظ هَذِهِ الرِّوَايَة أَدْخَل فِي التَّمَنِّي لَكِنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَته فِي الْإِشَارَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6692",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا تَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ لَتَمَنَّيْتُ ‏",
        "sharh": "وَقَوْله ‏ ‏\" عَاصِم \" ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان الْمَعْرُوف بِالْأَحْوَلِ وَقَدْ سَمِعَ مِنْ أَنَس , وَرُبَّمَا أَدْخَلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَة كَهَذَا , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد عَنْ عَاصِم عَنْ النَّضْر بْن أَنَس قَالَ قَالَ أَنَس , وَأَنَس يَوْمَئِذٍ حَيّ , فَذَكَرَهُ. وَقَوْله \" لَا تَمَنَّوْا \" بِفَتْحِ أَوَّله وَثَانِيه وَثَالِثه مُشَدَّدًا وَهِيَ عَلَى حَذْف إِحْدَى التَّاءَيْنِ , وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَا تَتَمَنَّوْا \" وَزَادَ فِي رِوَايَة ثَابِت الْمَذْكُورَة عَنْ أَنَس \" لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدكُمْ الْمَوْت لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ \" الْحَدِيث. وَقَدْ مَضَى الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" كِتَاب الْمَرْضَى \" وَأَوْرَدَ نَحْوه مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْبٍ عَنْ أَنَس فِي \" كِتَاب الدَّعَوَات \" وَ \" مُحَمَّد \" ‏"
    },
    {
        "id": "6693",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏قَالَ أَتَيْنَا ‏ ‏خَبَّابَ بْنَ الْأَرَتِّ ‏ ‏نَعُودُهُ وَقَدْ اكْتَوَى سَبْعًا فَقَالَ ‏ ‏لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏\" مُحَمَّد \" ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَّامٍ وَ ‏ ‏\" عَبْدَةَ \" ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان وَ ‏ ‏\" اِبْن أَبِي خَالِد \" ‏ ‏هُوَ إِسْمَاعِيل وَ ‏ ‏\" قَيْس \" ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَالسَّنَد كُلّه كُوفِيُّونَ إِلَّا شَيْخ الْبُخَارِيّ وَقَدْ مَضَى الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" كِتَاب الْمَرْضَى \" ‏"
    },
    {
        "id": "6694",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُبَيْدٍ اسْمُهُ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ ‏",
        "sharh": "وَقَوْله ‏ ‏\" عَنْ الزُّهْرِيّ \" ‏ ‏كَذَا لِهِشَامِ بْن يُوسُف عَنْ مَعْمَر , وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ هَمَّام بْن مُنَبِّه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالطَّرِيقَانِ مَحْفُوظَانِ لِمَعْمَرٍ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ , وَتَابَعَهُ فِيهِ عَنْ الزُّهْرِيّ , شُعَيْب وَابْن أَبِي حَفْصَة وَيُونُس بْن يَزِيد , وَقَوْله \" عَنْ أَبِي عُبَيْد \" هُوَ سَعْد بْن عُبَيْد مَوْلَى اِبْن أَزْهَر وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم اِبْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيّ فَقَالَ : عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , لَكِنْ قَالَ النَّسَائِيُّ إِنَّ الْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب. ‏ ‏قَوْله ( لَا يَتَمَنَّى ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَفْظِ النَّفْي , وَالْمُرَاد بِهِ النَّهْي أَوْ هُوَ لِلنَّهْيِ وَأُشْبِعَتْ الْفَتْحَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَا يَتَمَنَّيَنَّ \" بِزِيَادَةِ نُون التَّأْكِيد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام الْمُشَار إِلَيْهَا لَا يَتَمَنَّ أَحَدكُمْ الْمَوْت , وَلَا يَدْعُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيه \" فَجَمَعَ فِي النَّهْي عَنْ ذَلِكَ بَيْنَ الْقَصْد وَالنُّطْق , وَفِي قَوْله \" قَبْلَ أَنْ يَأْتِيه \" إِشَارَة إِلَى الزَّجْر عَنْ كَرَاهِيَته إِذَا حَضَرَ لِئَلَّا يَدْخُل فِيمَنْ كَرِهَ لِقَاء اللَّه تَعَالَى , وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ حُضُور أَجَله \" اللَّهُمَّ أَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى \" وَكَلَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَمَا خُيِّرَ بَيْنَ الْبَقَاء فِي الدُّنْيَا وَالْمَوْت فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّه وَقَدْ خَطَبَ بِذَلِكَ وَفَهِمَهُ عَنْهُ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْمَنَاقِب , وَحِكْمَة النَّهْي عَنْ ذَلِكَ أَنَّ فِي طَلَب الْمَوْت قَبْلَ حُلُوله نَوْع اِعْتِرَاض وَمُرَاغَمَة لِلْقَدَرِ وَإِنْ كَانَتْ الْآجَال لَا تَزِيد وَلَا تَنْقُص , فَإِنَّ تَمَنِّي الْمَوْت لَا يُؤَثِّر فِي زِيَادَتهَا وَلَا نَقْصهَا , وَلَكِنَّهُ أَمْر قَدْ غُيِّبَ عَنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" كِتَاب الْفِتَن \" مَا يَدُلّ عَلَى ذَمّ ذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يَمُرّ الرَّجُل بِقَبْرِ الرَّجُل يَقُول يَا لَيْتَنِي مَكَانه وَلَيْسَ بِهِ الدِّين إِلَّا الْبَلَاء \" , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي \" بَاب تَمَنِّي الْمَرِيض الْمَوْت مِنْ كِتَاب الْمَرْضَى \" قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْحَدِيث التَّصْرِيح بِكَرَاهَةِ تَمَنِّي الْمَوْت لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ مِنْ فَاقَة أَوْ مِحْنَة بِعَدُوٍّ وَنَحْوه مِنْ مَشَاقّ الدُّنْيَا , فَأَمَّا إِذَا خَافَ ضَرَرًا أَوْ فِتْنَة فِي دِينه فَلَا كَرَاهَة فِيهِ لِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ فَعَلَهُ خَلَائِق مِنْ السَّلَف بِذَلِكَ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ خَالَفَ فَلَمْ يَصْبِر عَلَى الضُّرّ وَتَمَنَّى الْمَوْت لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فَلْيَقُلْ الدُّعَاء الْمَذْكُور. قُلْت : ظَاهِر الْحَدِيث الْمَنْع مُطْلَقًا وَالِاقْتِصَار عَلَى الدُّعَاء مُطْلَقًا , لَكِنَّ الَّذِي قَالَهُ الشَّيْخ لَا بَأْس بِهِ لِمَنْ وَقَعَ مِنْهُ التَّمَنِّي لِيَكُونَ عَوْنًا عَلَى تَرْك التَّمَنِّي. ‏ ‏قَوْله ( إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَاد وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يُسْتَعْتَب ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا وَهُوَ عَلَى تَقْدِير عَامِل نَصْب نَحْو يَكُون , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِالرَّفْعِ فِيهِمَا , وَكَذَا فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد الْمَذْكُورَة وَهِيَ وَاضِحَة , وَقَوْله \" يُسْتَعْتَب \" أَيْ يَسْتَرْضِي اللَّه بِالْإِقْلَاعِ وَالِاسْتِغْفَار وَالِاسْتِعْتَاب طَلَب الْإِعْتَاب وَالْهَمْزَة لِلْإِزَالَةِ أَيْ يَطْلُب إِزَالَة الْعِتَاب , عَاتَبَهُ : لَامَهُ , وَأَعْتَبَهُ : أَزَالَ عِتَابه : قَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَهُوَ مِمَّا جَاءَ عَلَى غَيْر الْقِيَاس إِذْ الِاسْتِفْعَال إِنَّمَا يَنْبَنِي مِنْ الثُّلَاثِيّ لَا مِنْ الْمَزِيد فِيهِ اِنْتَهَى , وَظَاهِر الْحَدِيث اِنْحِصَار حَال الْمُكَلَّف فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ , وَبَقِيَ قِسْم ثَالِث وَهُوَ أَنْ يَكُون مُخَلِّطًا فَيَسْتَمِرّ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَزِيد إِحْسَانًا أَوْ يَزِيد إِسَاءَة أَوْ يَكُون مُحْسِنًا فَيَنْقَلِب مُسِيئًا أَوْ يَكُون مُسِيئًا فَيَزْدَاد إِسَاءَة , وَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِب لِأَنَّ غَالِب حَال الْمُؤْمِنِينَ ذَلِكَ , وَلَا سِيَّمَا وَالْمُخَاطَب بِذَلِكَ شِفَاهًا الصَّحَابَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ مَبْسُوطًا مَعَ شَرْحه هُنَاكَ , وَقَدْ خَطَرَ لِي فِي مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى تَغْبِيط الْمُحْسِن بِإِحْسَانِهِ وَتَحْذِير الْمُسِيء مِنْ إِسَاءَته , فَكَأَنَّهُ يَقُول : مَنْ كَانَ مُحْسِنًا فَلْيَتْرُكْ تَمَنِّي الْمَوْت وَلْيَسْتَمِرَّ عَلَى إِحْسَانه وَالِازْدِيَاد مِنْهُ , وَمَنْ كَانَ مُسِيئًا فَلْيَتْرُكْ تَمَنِّي الْمَوْت وَلْيُقْلِعْ عَنْ الْإِسَاءَة لِئَلَّا يَمُوت عَلَى إِسَاءَته فَيَكُون عَلَى خَطَر , وَأَمَّا مَنْ عَدَا ذَلِكَ مِمَّنْ تَضَمَّنَهُ التَّقْسِيم فَيُؤْخَذ حُكْمه مِنْ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ إِذْ لَا اِنْفِكَاك عَنْ أَحَدهمَا وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏تَنْبِيه : ‏ ‏أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ فِي \" كِتَاب الْأَدَب \" فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" إِذَا تَمَنَّى أَحَدكُمْ فَلْيَنْظُرْ مَا يَتَمَنَّى فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يُعْطَى وَهُوَ عِنْده \" مِنْ رِوَايَة عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَيْسَ عَلَى شَرْطه فَلَمْ يُعَرِّج عَلَيْهِ فِي الصَّحِيح. ‏"
    },
    {
        "id": "6695",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شُعْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ يَقُولُ ‏ ‏لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا نَحْنُ وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا إِنَّ ‏ ‏الْأُلَى ‏ ‏وَرُبَّمَا قَالَ ‏ ‏الْمَلَا قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا أَبَيْنَا يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( قَبْل ذَلِكَ وَلَقَدْ رَأَيْته وَارَى التُّرَاب ) ‏ ‏بِسُكُونِ الْأَلِف وَفَتْح الرَّاء بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي مِنْ الْمُوَارَاة , أَيْ \" غَطَّى \" وَزْنه وَمَعْنَاهُ كَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا الْكُشْمِيهَنِيّ فَوَقَعَ فِي رِوَايَته \" وَإِنَّ التُّرَاب لَمُوَارٍ \". ‏ ‏قَوْله ( بَيَاض بَطْنه ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا الْكُشْمِيهَنِيّ فَقَالَ \" بَيَاض إِبْطَيْهِ \" تَثْنِيَة الْإِبِط وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْمَغَازِي حَتَّى \" اِغْبَرَّ بَطْنه \" وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" رَأَيْته يَنْقُل مِنْ تُرَاب الْخَنْدَق , حَتَّى وَارَى عَنِّي التُّرَاب جِلْدَة بَطْنه \" فَسَمِعْته يَرْتَجِز بِكَلِمَاتِ اِبْن رَوَاحَة , يَعْنِي عَبْد اللَّه الشَّاعِر الْأَنْصَارِيّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَة خَيْبَر أَنَّهُ مِنْ شِعْر عَامِر بْن الْأَكْوَع , وَذَكَرْت وَجْه الْجَمْع بَيْنهمَا هُنَاكَ وَمَا فِي الْأَبْيَات الْمَذْكُورَة مِنْ زِحَاف وَتَوْجِيهه. وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِحُكْمِ الشِّعْر إِنْشَادًا وَإِنْشَاء فِي حَقّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَقّ مَنْ دُونه فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الْأَدَب \" بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى , قَالَ اِبْن بَطَّال \" لَوْلَا \" عِنْد الْعَرَب يَمْتَنِع بِهَا الشَّيْء لِوُجُودِ غَيْره تَقُول \" لَوْلَا زَيْد مَا صِرْت إِلَيْك \" أَيْ كَانَ مَصِيرِي إِلَيْك مِنْ أَجْل زَيْد وَكَذَلِكَ \" لَوْلَا اللَّه مَا اِهْتَدَيْنَا \" أَيْ كَانَتْ هِدَايَتنَا مِنْ قِبَل اللَّه تَعَالَى وَقَالَ الرَّاغِب لِوُقُوعِ غَيْره , وَيَلْزَم خَبَره الْحَذْف وَيُسْتَغْنَى بِجَوَابِهِ عَنْ الْخَبَر \" قَالَ \" وَتَجِيء بِمَعْنَى \" هَلَّا \" نَحْو \" لَوْلَا أَرْسَلْت إِلَيْنَا رَسُولًا \" وَمِثْله \" لَوْمَا \" بِالْمِيمِ بَدَل اللَّام وَقَالَ اِبْن هِشَام \" لَوْلَا \" تَجِيء عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه أَحَدهَا : أَنْ تَدْخُل عَلَى جُمْلَة لِتَرْبِط اِمْتِنَاع الثَّانِيَة بِوُجُودِ الْأُولَى نَحْو \" لَوْلَا زَيْد لَأَكْرَمْتُك \" أَيْ لَوْلَا وُجُودهُ , وَأَمَّا حَدِيث \" لَوْلَا أَنْ أَشُقّ \" فَالتَّقْدِير \" لَوْلَا مَخَافَة أَنْ أَشُقّ \" لَأَمَرْت أَمْر إِيجَاب وَإِلَّا لَانْعَكَسَ مَعْنَاهَا , إِذْ الْمُمْتَنِع الْمَشَقَّة ; وَالْمَوْجُود الْأَمْر. وَالْوَجْه الثَّانِي : أَنَّهَا تَجِيء \" لِلْحَضِّ \" وَهُوَ طَلَب بِحَثٍّ وَإِزْعَاج و \" لِلْعَرْضِ \" وَهُوَ طَلَب بِلِينٍ وَأَدَب , فَتَخْتَصّ بِالْمُضَارِعِ نَحْو ( لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّه ) وَالْوَجْه الثَّالِث : أَنَّهَا تَجِيء \" لِلتَّوْبِيخِ وَالتَّنَدُّم \" فَتَخْتَصّ بِالْمَاضِي نَحْو ( لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء ) أَيْ \" هَلَّا \" اِنْتَهَى , وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيّ فِي الْغَرِيبِينَ أَنَّهَا تَجِيء بِمَعْنَى \" لِمَ لَا \" وَجَعَلَ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَة آمَنَتْ ) وَالْجُمْهُور أَنَّهَا مِنْ الْقِسْم الثَّالِث وَمَوْقِع الْحَدِيث مِنْ التَّرْجَمَة أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَة إِذَا عَلَّقَ بِهَا الْقَوْل الْحَقّ , لَا يَمْنَع بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلَّقَ بِهَا مَا لَيْسَ بِحَقٍّ , كَمَنْ يَفْعَل شَيْئًا فَيَقَع فِي مَحْذُور فَيَقُول : لَوْلَا فَعَلْت كَذَا مَا كَانَ كَذَا , فَلَوْ حَقَّقَ لَعَلِمَ أَنَّ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّه لَا بُدّ مِنْ وُقُوعه , سَوَاء فَعَلَ أَمْ تَرَكَ فَقَوْلهَا وَاعْتِقَاد مَعْنَاهَا يُفْضِي إِلَى التَّكْذِيب بِالْقَدَرِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6696",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَكَانَ كَاتِبًا لَهُ ‏ ‏قَالَ كَتَبَ إِلَيْهِ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6697",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ ذَكَرَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ ‏ ‏أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا امْرَأَةً مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ قَالَ لَا تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلَنَتْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْقَاسِم بْن مُحَمَّد قَالَ : \" ذَكَرَ اِبْن عَبَّاس الْمُتَلَاعِنَيْنِ \" الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب اللِّعَان \" وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" لَوْ كُنْت رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَة \" الْحَدِيثَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6698",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَعْتَمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْعِشَاءِ فَخَرَجَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَالَ الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ يَقُولُ ‏ ‏لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي ‏ ‏أَوْ عَلَى النَّاسِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏أَيْضًا عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالصَّلَاةِ هَذِهِ السَّاعَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخَّرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَذِهِ الصَّلَاةَ فَجَاءَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَقَدَ النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ فَخَرَجَ وَهُوَ يَمْسَحُ الْمَاءَ عَنْ شِقِّهِ يَقُولُ إِنَّهُ لَلْوَقْتُ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏لَيْسَ فِيهِ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَمَّا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏رَأْسُهُ يَقْطُرُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏يَمْسَحُ الْمَاءَ عَنْ شِقِّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏إِنَّهُ لَلْوَقْتُ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْنٌ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن الْمَدِينِيّ ‏ ‏\" وَسُفْيَان \" ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ ‏ ‏وَ \" عَمْرو \" ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار ‏ ‏وَ \" عَطَاء \" ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاحٍ. ‏ ‏قَوْله : ( اِعْتَمَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْح الْمَتْن فِي \" كِتَاب الصَّلَاة \" مُسْتَوْفًى وَهُوَ مِنْ رِوَايَة عَمْرو عَنْ عَطَاء مُرْسَل , وَمِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس مُسْنَد ; كَمَا بَيَّنَهُ سُفْيَان وَهُوَ الْقَائِل : قَالَ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء إِلَخْ , وَهُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ , وَسِيَاق الْحُمَيْدِيِّ لَهُ فِي مُسْنَده أَوْضَح مِنْ سِيَاق عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ , فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ سُفْيَان قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو عَنْ عَطَاء , قَالَ سُفْيَان وَحَدَّثَنَاهُ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس , فَسَاقَ الْحَدِيث ثُمَّ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : كَانَ سُفْيَان رُبَّمَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيث عَنْ عَمْرو وَابْن جُرَيْجٍ فَأَدْرَجَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس , فَإِذَا ذَكَرَ فِيهِ الْخَبَر فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَوْ سَمِعْت أَخْبَرَ بِهَذَا يَعْنِي عَنْ عَمْرو عَنْ عَطَاء مُرْسَلًا وَعَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس مَوْصُولًا. قُلْت : وَقَدْ رَوَاهُ عَلِيّ هُنَا بِالْعَنْعَنَةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَصَلَهُ فَلَمْ يُدْرِجهُ , وَزَادَ فِيهِ تَفْصِيل سِيَاق الْمَتْن عَنْهُمَا أَيْضًا حَيْثُ قَالَ أَمَّا عَمْرو فَقَالَ : \" رَأْسه يَقْطُر \" وَقَالَ اِبْن جُرَيْجٍ \" يَمْسَح الْمَاء عَنْ شِقّه \" إِلَخْ , وَقَوْله : وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر إِلَخْ يُرِيد أَنَّ مُحَمَّد بْن مُسْلِم وَهُوَ الطَّائِفِيّ رَوَاهُ عَنْ عَمْرو , وَهُوَ اِبْن دِينَار عَنْ عَطَاء مَوْصُولًا بِذِكْرِ اِبْن عَبَّاس فِيهِ , وَهُوَ مُخَالِف لِتَصْرِيحِ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو بِأَنَّ حَدِيثَهُ عَنْ عَطَاء لَيْسَ فِيهِ اِبْن عَبَّاس فَهَذَا يُعَدّ مِنْ أَوْهَام الطَّائِفِيّ , وَهُوَ مَوْصُوف بِسُوءِ الْحِفْظ وَقَدْ وَصَلَ حَدِيثه الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْهُ هَكَذَا , وَذَكَرَ أَنَّ مِنْ جُمْلَة مَنْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ سُفْيَان مُدْرَجًا كَمَا قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : عَبْد الْأَعْلَى بْن حَمَّاد وَأَحْمَد بْن عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ وَأَبُو خَيْثَمَةَ , وَأَنَّ عَبْدَةَ بْن عَبْد الرَّحِيم وَعَمَّار بْن الْحَسَن رَوَيَاهُ عَنْ سُفْيَان فَاقْتَصَرَا عَلَى طَرِيق عَمْرو وَذَكَرَا فِيهِ اِبْن عَبَّاس فَوَهِمَا فِي ذَلِكَ أَشَدّ مِنْ وَهْم عَبْد الْأَعْلَى. وَأَنَّ اِبْن أَبِي عُمَر رَوَاهُ فِي مَوْضِعَيْنِ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ مُفَصَّلًا عَلَى الصَّوَاب. قُلْت : وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّد بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَان مُفَصَّلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6699",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ ‏",
        "sharh": "\" 10776 \" حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَوْلَا أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ \" هَكَذَا ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا مِنْ رِوَايَة جَعْفَر بْن رَبِيعَة وَهُوَ الْمِصْرِيّ , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن وَهُوَ الْأَعْرَج , وَنَسَبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة شُعَيْب بْن اللَّيْث عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مَا هُنَاكَ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْر هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيق. وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمِزِّيّ فِي \" الْأَطْرَاف \" فَزَادَ فِيهِ \" عِنْد كُلّ صَلَاة \" وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي هَذِهِ الطَّرِيق عِنْدَ أَحَد مِمَّنْ أَخْرَجَهَا وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ عِنْد الْبُخَارِيّ فِي رِوَايَة مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج , أَوْرَدَهُ فِي \" كِتَاب الْجُمُعَة \" وَنَسَبَهُ الْمِزِّيّ إِلَى الصَّلَاة بِغَيْرِ قَيْد الْجُمُعَة وَهُوَ مِمَّا يَتَعَقَّب عَلَيْهِ أَيْضًا , وَعِنْدَهُ فِيهِ مَعَ بَدَل \" عِنْد \" وَثَبَتَ عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ عِنْد مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى هَذَا الْمَتْن مُسْتَوْفًى هُنَاكَ وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏ ‏( تَنْبِيه ) : ‏ ‏وَقَعَ هُنَا فِي نُسْخَة الصَّغَانِيِّ : تَابَعَهُ سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس وَهُوَ خَطَأ. وَالصَّوَاب مَا وَقَعَ عِنْد غَيْره ذَكَرَ هَذَا عَقِبَ حَدِيث أَنَس الْمَذْكُور عَقِبَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6700",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَاصَلَ ‏ ‏النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏آخِرَ الشَّهْرِ ‏ ‏وَوَاصَلَ ‏ ‏أُنَاسٌ مِنْ النَّاسِ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَوْ مُدَّ ‏ ‏بِيَ الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ ‏ ‏الْمُتَعَمِّقُونَ ‏ ‏تَعَمُّقَهُمْ إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ مُغِيرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" فِي النَّهْي عَنْ الْوِصَال \" ذَكَرَ مِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ وَهُوَ الطَّوِيل عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب الصِّيَام \" وَقَوْله : \" تَابَعَهُ سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ ثَابِت \" إِلَخْ. وَصَلَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي النَّضْر عَنْ سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة \" وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي مُسْنَد عَبْد بْن حُمَيْدٍ \" وَوَقَعَ هَذَا التَّعْلِيق فِي رِوَايَة كَرِيمَة سَابِقًا عَلَى حَدِيث حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس فَصَارَ كَأَنَّهُ طَرِيق أُخْرَى مُعَلَّقَة لِحَدِيثِ \" لَوْلَا أَنْ أَشُقّ \" وَهُوَ غَلَط فَاحِش , وَالصَّوَاب ثُبُوته هُنَا كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْبَاقِينَ , ‏"
    },
    {
        "id": "6701",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْوِصَالِ ‏ ‏قَالُوا فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ أَيُّكُمْ مِثْلِي إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا ‏ ‏وَاصَلَ ‏ ‏بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ فَقَالَ لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْمَعْنَى وَفِيهِ : \" فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا وَاصَلَ بِهِمْ \" الْحَدِيث. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" الصِّيَام \" أَيْضًا. وَقَوْله فِي السَّنَد وَقَالَ اللَّيْث \" حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد \" يَعْنِي اِبْن مُسَافِر الْفَهْمِيُّ أَمِير مِصْر وَطَرِيقه الْمَذْكُورَة وَصَلَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي بَعْض فَوَائِده مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6702",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَشْعَثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏سَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجَدْرِ ‏ ‏أَمِنَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏هُوَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ قُلْتُ فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا قَالَ فَعَلَ ذَاكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏وَأَنْ أَلْصِقْ بَابَهُ فِي الْأَرْضِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي الْجَدْر بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الدَّال وَالْمُرَاد الْحِجْر بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْجِيم وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الْحَجّ \" مُسْتَوْفًى. وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا \" وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمك حَدِيث عَهْد بِالْجَاهِلِيَّةِ وَأَخَاف أَنْ تُنْكِر قُلُوبهمْ أَنْ أُدْخِل الْجَدْر فِي الْبَيْت \" كَذَا وَقَعَ مَحْذُوف الْجَوَاب وَتَقْدِيره \" لَفَعَلْت \". ‏"
    },
    {
        "id": "6703",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏أَوْ شِعْبَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت اِمْرَأَ مِنْ الْأَنْصَار \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" وَلَوْ سَلَكَ النَّاس وَادِيًا أَوْ شِعْبًا \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ عِنْدَ شَرْح حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد الْمَذْكُور هُنَا بَعْدَهُ , وَهُوَ الْحَدِيث الثَّامِن. ‏"
    },
    {
        "id": "6704",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَشِعْبَهَا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏أَبُو التَّيَّاحِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الشِّعْبِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي بَعْض ذَلِكَ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مُعَلَّقًا قَائِلًا تَابَعَهُ أَبُو التَّيَّاح عَنْ أَنَس فِي الشُّعَب ; يَعْنِي فِي قَوْله : \" لَوْ سَلَكَ النَّاس وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْت وَادِيَ الْأَنْصَار أَوْ شِعْبهمْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ أَيْضًا بَعْد حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد الْمُشَار إِلَيْهِ مَعَ الْكَلَام عَلَيْهِ , وَتَقَدَّمَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار وَلِلَّهِ الْحَمْد. قَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِير مَقْصُود الْبُخَارِيّ بِالتَّرْجَمَةِ وَأَحَادِيثهَا أَنَّ النُّطْق بِلَوْ لَا يُكْرَه عَلَى الْإِطْلَاق , وَإِنَّمَا يُكْرَه فِي شَيْء مَخْصُوص يُؤْخَذ ذَلِكَ مِنْ قَوْله \" مِنْ اللَّوْ \" فَأَشَارَ إِلَى \" التَّبْعِيض \" وَوُرُودهَا فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَلِذَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْد ذِكْر حَدِيث \" وَإِيَّاكَ وَاللَّوْ \" دَلَّ قَوْل اللَّه تَعَالَى لِنَبِيِّهِ أَنْ يَقُول ( وَلَوْ كُنْت أَعْلَم الْغَيْب ) وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَوْ اِسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اِسْتَدْبَرْت \" وَقَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر \" وَرَجُل يَقُول لَوْ أَنَّ اللَّه آتَانِي مِثْل مَا آتَى فُلَانًا لَعَمِلْت مِثْل مَا عَمِلَ \" عَلَى أَنَّ \" لَوْ \" لَيْسَتْ مَكْرُوهَة فِي كُلّ الْأَشْيَاء وَدَلَّ قَوْله تَعَالَى عَنْ الْمُنَافِقِينَ ( لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الْأَمْر شَيْء ) وَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ( لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتكُمْ ) عَلَى مَا يُبَاح مِنْ ذَلِكَ قَالَ \" وَوَجَدْنَا الْعَرَب تَذُمّ اللَّوْ وَتُحَذِّر مِنْهُ \" فَتَقُول احْذَر اللَّوْ وَإِيَّاكَ وَلَوْ , يُرِيدُونَ قَوْله \" لَوْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا خَيْر لَعَمِلْته \" وَفِي حَدِيث سَلْمَان \" الْإِيمَان بِالْقَدَرِ : أَنْ تَعْلَم أَنَّ مَا أَصَابَك لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَك وَمَا أَخْطَأَك لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَك , وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ أَصَابَك لَوْ فَعَلْت كَذَا \" أَيْ لَكَانَ كَذَا. قَالَ السُّبْكِيُّ : وَقَدْ تَأَمَّلْت اِقْتِرَان قَوْله \" اِحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعك \" بِقَوْلِهِ \" وَإِيَّاكَ وَاللَّوْ \" فَوَجَدْت الْإِشَارَة إِلَى مَحَلّ لَوْ الْمَذْمُومَة وَهِيَ نَوْعَانِ : أَحَدهمَا فِي الْحَال مَا دَامَ فِعْل الْخَيْر مُمْكِنًا فَلَا يُتْرَك لِأَجْلِ فَقْد شَيْء آخَرَ , فَلَا تَقُول \" لَوْ أَنَّ كَذَا كَانَ مَوْجُودًا لَفَعَلْت كَذَا \" مَعَ قُدْرَته عَلَى فِعْله وَلَوْ لَمْ يُوجَد ذَاكَ , بَلْ يَفْعَل الْخَيْر وَيَحْرِص عَلَى عَدَم فَوَاته وَالثَّانِي مَنْ فَاتَهُ أَمْر مِنْ أُمُور الدُّنْيَا فَلَا يَشْغَل نَفْسه بِالتَّلَهُّفِ عَلَيْهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِاعْتِرَاض عَلَى الْمَقَادِير وَتَعْجِيل تَحَسُّر لَا يُغْنِي شَيْئًا وَيَشْتَغِل بِهِ عَنْ اِسْتِدْرَاك مَا لَعَلَّهُ يُجْدِي , فَالذَّمّ رَاجِع فِيمَا يَئُول فِي الْحَال إِلَى التَّفْرِيط وَفِيمَا يَئُول فِي الْمَاضِي إِلَى الِاعْتِرَاض عَلَى الْقَدْر وَهُوَ أَقْبَح مِنْ الْأَوَّل , فَإِنْ اِنْضَمَّ إِلَيْهِ الْكَذِب فَهُوَ أَقْبَح , مِثْل قَوْل الْمُنَافِقِينَ ( لَوْ اِسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ) وَقَوْلهمْ ( لَوْ نَعْلَم قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ) وَكَذَا قَوْلهمْ ( لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ) ثُمَّ قَالَ وَكُلّ مَا فِي الْقُرْآن مِنْ لَوْ الَّتِي مِنْ كَلَام اللَّه تَعَالَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتكُمْ ) , ( وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوج مُشِيدَة ) وَنَحْوهمَا فَهُوَ صَحِيح لِأَنَّهُ تَعَالَى عَالِم بِهِ , وَأَمَّا الَّتِي لِلرَّبْطِ فَلَيْسَ الْكَلَام فِيهَا وَلَا الْمَصْدَرِيَّة إِلَّا إِنْ كَانَ مُتَعَلَّقهَا مَذْمُومًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَدَّ كَثِير مِنْ أَهْل الْكِتَاب لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْد إِيمَانكُمْ كُفَّارًا ) لِأَنَّ الَّذِي وَدُّوهُ وَقَعَ خِلَافه. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6705",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَيْنَا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَفِيقًا فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدْ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا أَوْ قَدْ اشْتَقْنَا سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ ‏ ‏ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مَالِك بْن الْحُوَيْرِثِ بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَلَّثَة مُصَغَّر اِبْن حَشِيش بِمُهْمَلَةٍ وَمُعْجَمَتَيْنِ وَزْن عَظِيم , وَيُقَال اِبْن أَشْيَم بِمُعْجَمَةٍ وَزْن أَحْمَر مِنْ بَنِي سَعْد بْن لَيْث بْن بَكْر بْن عَبْد مَنَاة بْن كِنَانَة حِجَازِيّ سَكَنَ الْبَصْرَة وَمَاتَ بِهَا سَنَة أَرْبَعَة وَسَبْعِينَ بِتَقْدِيمِ السِّين عَلَى الصَّوَاب. ‏ ‏قَوْله ( عَبْد الْوَهَّاب ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ \" وَأَيُّوب \" هُوَ السَّخْتِيَانِيُّ وَالسَّنَدُ كُلّه بَصْرِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( أَتَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏أَيْ وَافِدِينَ عَلَيْهِ سَنَة الْوُفُود , وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن سَعْد مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ وِفَادَة بَنِي لَيْث رَهْط مَالِك بْن الْحُوَيْرِثِ الْمَذْكُور كَانَتْ قَبْل غَزْوَة تَبُوك وَكَانَتْ تَبُوك فِي شَهْر رَجَب سَنَة تِسْع ‏ ‏قَوْله ( وَنَحْنُ شَبَبَة ) ‏ ‏بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ وَفَتَحَات جَمْع شَابّ وَهُوَ مَنْ كَانَ دُونَ الْكُهُولَة , وَتَقَدَّمَ بَيَان أَوَّل الْكُهُولَة , فِي \" كِتَاب الْأَحْكَام \" وَفِي رِوَايَة وُهَيْب فِي الصَّلَاة \" أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَر مِنْ قَوْمِي \" وَالنَّفَر عَدَد لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه وَهُوَ مِنْ ثَلَاثَة إِلَى عَشَرَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة فِي الصَّلَاة \" أَنَا وَصَاحِب لِي \" وَجَمَعَ الْقُرْطُبِيّ بِاحْتِمَالِ تَعَدُّد الْوِفَادَة وَهُوَ ضَعِيف لِأَنَّ مَخْرَج الْحَدِيثَيْنِ وَاحِد وَالْأَصْل عَدَم التَّعَدُّد , وَالْأَوْلَى فِي الْجَمْع أَنَّهُمْ حِينَ أَذِنَ لَهُمْ فِي السَّفَر كَانُوا جَمِيعًا , فَلَعَلَّ مَالِكًا وَرَفِيقه عَادَ إِلَى تَوْدِيعه فَأَعَادَ عَلَيْهِمَا بَعْض مَا أَوْصَاهُمْ بِهِ تَأْكِيدًا , وَأَفَادَ ذَلِكَ زِيَادَة بَيَان أَقَلّ مَا تَنْعَقِد بِهِ الْجَمَاعَة. ‏ ‏قَوْله ( مُتَقَارِبُونَ ) ‏ ‏أَيْ فِي السِّنّ بَلْ فِي أَعَمّ مِنْهُ , فَقَدْ وَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق مَسْلَمَةَ بْن مُحَمَّد عَنْ خَالِد الْحَذَّاء \" وَكُنَّا يَوْمَئِذٍ مُتَقَارِبِينَ فِي الْعِلْم \" وَلِمُسْلِمٍ \" كُنَّا مُتَقَارِبِينَ فِي الْقِرَاءَة \" وَمِنْ هَذِهِ الزِّيَادَة يُؤْخَذ الْجَوَاب عَنْ كَوْنه قَدَّمَ الْأَسَنّ , فَلَيْسَ الْمُرَاد تَقْدِيمه عَلَى الْأَقْرَأ بَلْ فِي حَال الِاسْتِوَاء فِي الْقِرَاءَة وَلَمْ يَسْتَحْضِر الْكَرْمَانِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَة فَقَالَ يُؤْخَذ اِسْتِوَاؤُهُمْ فِي الْقِرَاءَة مِنْ الْقِصَّة لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا وَهَاجَرُوا مَعًا وَصَحِبُوا وَلَازَمُوا عِشْرِينَ لَيْلَة فَاسْتَوَوْا فِي الْأَخْذ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِم الِاسْتِوَاء فِي الْعِلْم لِلتَّفَاوُتِ فِي الْفَهْم إِذْ لَا تَنْصِيص عَلَى الِاسْتِوَاء. ‏ ‏قَوْله ( رَقِيقًا ) ‏ ‏بِقَافَيْنِ , وَبِفَاءٍ ثُمَّ قَاف , ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْد رُوَاة الْبُخَارِيّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ , وَعِنْدَ رُوَاة مُسْلِم بِقَافَيْنِ فَقَطْ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى الْمَقْصُود هُنَا. ‏ ‏قَوْله ( اِشْتَهَيْنَا أَهْلنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَهْلِينَا \" بِكَسْرِ اللَّام وَزِيَادَة يَاء وَهُوَ جَمْع أَهْل , وَيُجْمَع مُكَسَّرًا عَلَى أَهَالٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَة مُخَفَّفًا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة فِي الصَّلَاة \" اِشْتَقْنَا إِلَى أَهْلنَا \" بَدَلَ \" اِشْتَهَيْنَا أَهْلنَا \" وَفِي رِوَايَة وُهَيْب \" فَلَمَّا رَأَى شَوْقنَا إِلَى أَهْلنَا \" وَالْمُرَاد بِأَهْلِ كُلّ مِنْهُمْ زَوْجَته أَوْ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( سَأَلَنَا ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ الْمَذْكُورِينَ. ‏ ‏قَوْله ( اِرْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ ) ‏ ‏إِنَّمَا أَذِنَ لَهُمْ فِي الرُّجُوع لِأَنَّ الْهِجْرَة كَانَتْ قَدْ اِنْقَطَعَتْ بِفَتْحِ مَكَّةَ فَكَانَتْ الْإِقَامَة بِالْمَدِينَةِ بِاخْتِيَارِ الْوَافِد فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْكُنهَا وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْجِع بَعْدَ أَنْ يَتَعَلَّم مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ ) ‏ ‏بِصِيغَةِ الْأَمْر ضِدّ النَّهْي , وَالْمُرَاد بِهِ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّهْي عَنْ الشَّيْء أَمْر بِفِعْلِ خِلَاف مَا نُهِيَ عَنْهُ اِتِّفَاقًا , وَعَطَفَ الْأَمْر عَلَى التَّعْلِيم لِكَوْنِهِ أَخَصّ مِنْهُ أَوْ هُوَ اِسْتِئْنَاف كَأَنَّ سَائِلًا قَالَ : مَاذَا نُعَلِّمهُمْ ؟ فَقَالَ مُرُوهُمْ بِالطَّاعَاتِ وَكَذَا وَكَذَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة \" مُرُوهُمْ فَلْيُصَلُّوا صَلَاة كَذَا فِي حِينِ كَذَا وَصَلَاة كَذَا فِي حِينِ كَذَا \" فَعُرِفَ بِذَلِكَ الْمَأْمُور الْمُبْهَم فِي رِوَايَة الْبَاب , وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق بَيَان الْأَوْقَات فِي حَدِيث مَالِك بْن الْحُوَيْرِثِ فَكَأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِشُهْرَتِهَا عِنْدهمْ. ‏ ‏قَوْله ( وَذَكَرَ أَشْيَاء أَحْفَظهَا وَلَا أَحْفَظهَا ) ‏ ‏قَائِل هَذَا هُوَ أَبُو قِلَابَةَ رَاوِي الْخَبَر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أُخْرَى \" أَوْ لَا أَحْفَظهَا \" وَهُوَ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ. ‏ ‏قَوْله ( وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ) ‏ ‏أَيْ وَمِنْ جُمْلَة الْأَشْيَاء الَّتِي يَحْفَظهَا أَبُو قِلَابَةَ عَنْ مَالِك قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة وُهَيْب \" وَصَلُّوا \" فَقَطْ وَنُسِبَتْ إِلَى الِاخْتِصَار وَتَمَام الْكَلَام هُوَ الَّذِي وَقَعَ هُنَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا تَامًّا فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة فِي \" كِتَاب الْأَدَب \" قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد اِسْتَدَلَّ كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء فِي مَوَاضِع كَثِيرَة عَلَى الْوُجُوب بِالْفِعْلِ مَعَ هَذَا الْقَوْل , وَهُوَ \" صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي \" قَالَ وَهَذَا إِذَا أُخِذَ مُفْرَدًا عَنْ ذِكْر سَبَبه وَسِيَاقه أَشْعَرَ بِأَنَّهُ خِطَاب لِلْأُمَّةِ بِأَنْ يُصَلُّوا كَمَا كَانَ يُصَلِّي , فَيَقْوَى الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى كُلّ فِعْل ثَبَتَ أَنَّهُ فَعَلَهُ فِي الصَّلَاة , لَكِنَّ هَذَا الْخِطَاب إِنَّمَا وَقَعَ لِمَالِكِ بْن الْحُوَيْرِثِ وَأَصْحَابه بِأَنْ يُوقِعُوا الصَّلَاة عَلَى الْوَجْه الَّذِي رَأَوْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيه , نَعَمْ يُشَارِكهُمْ فِي الْحُكْم جَمِيع الْأُمَّة بِشَرْطِ أَنْ يَثْبُت اِسْتِمْرَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِعْل ذَلِكَ الشَّيْء الْمُسْتَدَلّ بِهِ دَائِمًا حَتَّى يَدْخُل تَحْتَ الْأَمْر وَيَكُون وَاجِبًا , وَبَعْض ذَلِكَ مَقْطُوع بِاسْتِمْرَارِهِ عَلَيْهِ وَأَمَّا مَا لَمْ يَدُلّ دَلِيل عَلَى وُجُوده فِي تِلْكَ الصَّلَوَات الَّتِي تَعَلَّقَ الْأَمْر بِإِيقَاعِ الصَّلَاة عَلَى صِفَتهَا , فَلَا نَحْكُم بِتَنَاوُلِ الْأَمْر لَهُ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاة ) ‏ ‏أَيْ دَخَلَ وَقْتُهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدكُمْ ) ‏ ‏هُوَ مَوْضِع التَّرْجَمَة وَقَدْ تَقَدَّمَ سَائِر شَرْحه فِي \" أَبْوَاب الْأَذَان \" وَفِي \" أَبْوَاب الْإِمَامَة \" بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6706",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذَانُ ‏ ‏بِلَالٍ ‏ ‏مِنْ سَحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أَوْ قَالَ يُنَادِي لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ وَلَيْسَ الْفَجْرُ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَجَمَعَ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏كَفَّيْهِ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَمَدَّ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان ‏ ‏وَ \" التَّيْمِيُّ \" ‏ ‏هُوَ سُلَيْمَان بْن طَرْخَان ‏ ‏وَ \" أَبُو عُثْمَان \" ‏ ‏هُوَ النَّهْدِيُّ وَالسَّنَد كُلّه إِلَى اِبْن مَسْعُود بَصْرِيُّونَ , ‏ ‏وَقَوْله \" وَلَيْسَ الْفَجْر أَنْ يَقُول هَكَذَا وَجَمَعَ يَحْيَى كَفَّيْهِ \" ‏ ‏يَحْيَى هُوَ الْقَطَّان رَاوِيه , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" بَاب الْأَذَان \" قَبْل الْفَجْر مِنْ أَبْوَاب الْأَذَان مِنْ طَرِيق زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة عَلَى سُلَيْمَان , وَفِيهِ \" وَلَيْسَ الْفَجْر أَنْ تَقُول هَكَذَا وَقَالَ : بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى فَوْقُ \" وَبَيَّنْت هُنَاكَ أَنَّ أَصْل الرِّوَايَة بِالْإِشَارَةِ الْمَقْرُونَة بِالْقَوْلِ , وَأَنَّ الرُّوَاة عَنْ سُلَيْمَان تَصَرَّفُوا فِي حِكَايَة الْإِشَارَة , وَاسْتَوْفَيْت هُنَاكَ الْكَلَام عَلَى شَرْحه بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله فِيهِ \" مِنْ سُحُوره \" وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ \" مِنْ سُجُوده \" بِجِيمٍ وَدَال وَهُوَ تَحْرِيف. ‏"
    },
    {
        "id": "6707",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ‏ ‏ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي نِدَاء بِلَال بِلَيْلٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْبَاب الْمَذْكُور أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6708",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَكَمِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الظُّهْرَ خَمْسًا فَقِيلَ أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ ‏ ‏وَمَا ذَاكَ قَالُوا صَلَّيْتَ خَمْسًا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن مَسْعُود فِي صَلَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ خَمْسًا وَالْحَكَم فِي السَّنَد هُوَ اِبْن عُتَيْبَة بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة مُصَغَّر , وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخَعِيُّ , وَعَلْقَمَة هُوَ اِبْن قَيْس وَقَوْله \" فَقِيلَ لَهُ أَزِيدَ فِي الصَّلَاة \" تَقَدَّمَ أَنَّ قَائِل ذَلِكَ جَمَاعَتهمْ , وَأَنَّهُ بَعْد أَنْ سَلَّمَ تَسَارَرُوا فَقَالَ \" مَا شَأْنكُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاة ؟ \" وَلَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين الْمُخَاطِب لَهُ بِذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ سَائِر مَبَاحِثه هُنَاكَ بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى. قَالَ اِبْن التِّين : بَوَّبَ لِخَبَرِ الْوَاحِد وَهَذَا الْخَبَر لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ لِأَنَّ الْمُخْبِرِينَ لَهُ بِذَلِكَ جَمَاعَة اِنْتَهَى , وَسَيَأْتِي جَوَابه فِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث الَّذِي بَعْدَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6709",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْصَرَفَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏ذُو الْيَدَيْنِ ‏ ‏أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ فَقَالَ أَصَدَقَ ‏ ‏ذُو الْيَدَيْنِ ‏ ‏فَقَالَ النَّاسُ نَعَمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ ثُمَّ رَفَعَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة ذِي الْيَدَيْنِ فِي سُجُود السَّهْو , ‏ ‏وَمُحَمَّد ‏ ‏فِي السَّنَد هُوَ اِبْن سِيرِينَ وَفِيهِ \" فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاة \" وَفِيهِ ‏ ‏\" فَقَالَ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ النَّاس نَعَمْ \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَبْوَاب سُجُود السَّهْو أَيْضًا. وَوَجْه إِيرَاد هَذَا الْحَدِيث وَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي إِجَازَة خَبَر الْوَاحِد التَّنْبِيه عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا لَمْ يَقْنَع فِي الْإِخْبَار بِسَهْوِهِ بِخَبَرِ وَاحِد لِأَنَّهُ عَارَضَ فِعْل نَفْسه. فَلِذَلِكَ اِسْتَفْهَمَ فِي قِصَّة ذِي الْيَدَيْنِ , فَلَمَّا أَخْبَرَهُ الْجَمُّ الْغَفِير بِصِدْقِهِ رَجَعَ إِلَيْهِمْ , وَفِي الْقِصَّة الَّتِي قَبْلَهَا أَخْبَرُوهُ كُلّهمْ وَهَذَا عَلَى طَرِيقَة مَنْ يَرَى رُجُوع الْإِمَام فِي السَّهْو إِلَى أَخْبَار مَنْ يُفِيد خَبَره الْعِلْم عِنْده وَهُوَ رَأْي الْبُخَارِيّ , وَلِذَلِكَ أَوْرَدَ الْخَبَرَيْنِ هُنَا بِخِلَافِ مَنْ يَحْمِل الْأَمْر عَلَى أَنَّهُ تَذَكَّرَ فَلَا يَتَّجِه إِيرَاده فِي هَذَا الْمَحَلّ وَالْعِلْم عِنْد اللَّه , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ لَمْ يَخْرُج عَنْ كَوْنه خَبَر الْوَاحِد وَإِنْ كَانَ قَدْ صَارَ يُفِيد الْعِلْم بِسَبَبِ مَا حَفَّهُ مِنْ الْقَرَائِن , وَقَالَ غَيْره إِنَّمَا اِسْتَثْبَتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَبَر ذِي الْيَدَيْنِ لِأَنَّهُ اِنْفَرَدَ دُون مَنْ صَلَّى مَعَهُ بِمَا ذُكِرَ مَعَ كَثْرَتهمْ , فَاسْتَبْعَدَ حِفْظَهُ دُونَهُمْ وَجَوَّزَ عَلَيْهِ الْخَطَأ وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ رَدّ خَبَر الْوَاحِد مُطْلَقًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6710",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا النَّاسُ ‏ ‏بِقُبَاءٍ ‏ ‏فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏ ‏فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏فَاسْتَدَارُوا إِلَى ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي \" تَحْوِيل الْقِبْلَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَبْوَاب اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة فِي أَوَائِل \" كِتَاب الصَّلَاة \" وَالْحُجَّة مِنْهُ بِالْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِد ظَاهِرَة لِأَنَّ الصَّحَابَة الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَى جِهَة بَيْت الْمَقْدِس تَحَوَّلُوا عَنْهُ بِخَبَرِ الَّذِي قَالَ لَهُمْ إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِل الْكَعْبَة فَصَدَّقُوا خَبَره وَعَمِلُوا بِهِ فِي تَحَوُّلهمْ عَنْ جِهَة بَيْت الْمَقْدِس , وَهِيَ شَامِيَّة إِلَى جِهَة الْكَعْبَة , وَهِيَ يَمَانِيَّة عَلَى الْعَكْس مِنْ الَّتِي قَبْلهَا , وَاعْتَرَضَ بَعْضهمْ بِأَنَّ خَبَر الْمَذْكُور أَفَادَهُمْ الْعِلْم بِصِدْقِهِ لِمَا عِنْدهمْ مِنْ قَرِينَة اِرْتِقَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُقُوع ذَلِكَ لِتَكَرُّرِ دُعَائِهِ بِهِ وَالْبَحْث إِنَّمَا هُوَ فِي خَبَر الْوَاحِد إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ الْقَرِينَة , وَالْجَوَاب أَنَّهُ إِذَا سُلِّمَ أَنَّهُمْ اِعْتَمَدُوا عَلَى خَبَر الْوَاحِد كَفَى فِي صِحَّة الِاحْتِجَاج بِهِ وَالْأَصْل عَدَم الْقَرِينَة , وَأَيْضًا فَلَيْسَ الْعَمَل بِالْخَبَرِ الْمَحْفُوف بِالْقَرِينَةِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَيَصِحّ الِاحْتِجَاج بِهِ عَلَى مَنْ اِشْتَرَطَ الْعَدَد وَأَطْلَقَ , وَكَذَا مَنْ اِشْتَرَطَ الْقَطْع , وَقَالَ إِنَّ خَبَر الْوَاحِد لَا يُفِيد إِلَّا الظَّنّ مَا لَمْ يَتَوَاتَر. ‏"
    },
    {
        "id": "6711",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏صَلَّى نَحْوَ ‏ ‏بَيْتِ الْمَقْدِسِ ‏ ‏سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ‏} ‏فَوُجِّهَ نَحْوَ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏وَصَلَّى مَعَهُ رَجُلٌ الْعَصْرَ ثُمَّ خَرَجَ فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالَ هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنَّهُ قَدْ وُجِّهَ إِلَى ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فَانْحَرَفُوا وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب فِي تَحْوِيل الْقِبْلَة أَيْضًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الْعِلْم \" وَفِي أَبْوَاب اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة أَيْضًا وَبَيَّنْت هُنَاكَ أَنَّ الرَّاجِح أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَ فِي حَدِيث الْبَرَاء بِالتَّحْوِيلِ لَمْ يُعْرَف اِسْمه , ‏ ‏\" وَيَحْيَى \" ‏ ‏شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ هُوَ اِبْن مُوسَى الْبَلْخِيُّ , \" ‏ ‏\" وَإِسْرَائِيل \" ‏ ‏هُوَ اِبْن يُونُس , ‏ ‏\" وَأَبُو إِسْحَاق \" ‏ ‏هُوَ السَّبِيعِيُّ وَهُوَ جَدّ إِسْرَائِيل الْمَذْكُور. ‏"
    },
    {
        "id": "6712",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أَسْقِي ‏ ‏أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ‏ ‏وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏شَرَابًا مِنْ فَضِيخٍ وَهُوَ تَمْرٌ فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو طَلْحَةَ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَنَسُ ‏ ‏قُمْ إِلَى هَذِهِ الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ لَنَا فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى انْكَسَرَتْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" كُنْت أَسْقِي أَبَا طَلْحَة وَأَبَا عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح \" الْحَدِيث , وَفِيهِ \" فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ : إِنَّ الْخَمْر قَدْ حُرِّمَتْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب الْأَشْرِبَة \" وَأَنَّ الْآتِي الْمَذْكُور لَمْ يُسَمَّ وَأَنَّ مِنْ جُمْلَة مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه \" فَوَاَللَّهِ مَا سَأَلُوا عَنْهَا وَلَا رَاجَعُوهَا بَعْد خَبَر الرَّجُل \" وَهُوَ حُجَّة قَوِيَّة فِي قَبُول خَبَر الْوَاحِد لِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا بِهِ نَسْخ الشَّيْء الَّذِي كَانَ مُبَاحًا حَتَّى أَقْدَمُوا مِنْ أَجْله عَلَى تَحْرِيمه وَالْعَمَل بِمُقْتَضَى ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6713",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صِلَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِأَهْلِ ‏ ‏نَجْرَانَ ‏ ‏لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ فَاسْتَشْرَفَ لَهَا ‏ ‏أَصْحَابُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَبَعَثَ ‏ ‏أَبَا عُبَيْدَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث حُذَيْفَة وَأَبُو إِسْحَاق فِي السَّنَد هُوَ السَّبِيعِيُّ وَشَيْخه صِلَة بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف اللَّام هُوَ اِبْن زُفَر يُكَنَّى أَبَا الْعَلَاء كُوفِيّ عَبْسِيّ بِالْمُوَحَّدَةِ مِنْ رَهْط حُذَيْفَة. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ لِأَهْلِ نَجْرَانَ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانه فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي مَعَ شَرْحه , وَقَوْله \" اِسْتَشْرَفَ \" بِمُعْجَمَةٍ بَعْد مُهْمَلَة أَيْ تَطَلَّعُوا إِلَيْهَا وَرَغِبُوا فِيهَا بِسَبَبِ الْوَصْف الْمَذْكُور. ‏"
    },
    {
        "id": "6714",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ‏ ‏أَبُو عُبَيْدَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" لِكُلِّ أُمَّة أَمِين \" تَقَدَّمَ أَيْضًا مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6715",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏إِذَا غَابَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَشَهِدْتُهُ أَتَيْتُهُ بِمَا يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَإِذَا غِبْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَشَهِدَهُ أَتَانِي بِمَا يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُمَر ‏ ‏\" كَانَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار \" ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَان اِسْمه فِي \" كِتَاب الْعِلْم \" وَالْقَدْر الْمَذْكُور هُنَا طَرَف مِنْ حَدِيث سَاقَهُ بِتَمَامِهِ فِي تَفْسِير سُورَة التَّحْرِيم وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ عُمَر كَانَ يَقْبَل خَبَر الشَّخْص الْوَاحِد , وَقَوْله \" وَإِذَا غِبْت وَشَهِدَ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ \" وَشَهِدَهُ \" أَيْ حَضَرَ مَا يَكُون عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ نَقَلَ بَعْض الْعُلَمَاء لِقَبُولِ خَبَر الْوَاحِد أَنَّ كُلّ صَاحِب وَتَابِع سُئِلَ عَنْ نَازِلَة فِي الدِّين فَأَخْبَرَ السَّائِل بِمَا عِنْدَهُ فِيهَا مِنْ الْحُكْم , أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِط عَلَيْهِ أَحَد مِنْهُمْ أَنْ لَا يَعْمَل بِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَسْأَل غَيْره , فَضْلًا عَنْ أَنْ يَسْأَل الْكَوَافّ , بَلْ كَانَ كُلّ مِنْهُمْ يُخْبِرهُ بِمَا عِنْده فَيَعْمَل بِمُقْتَضَاهُ وَلَا يُنْكِر عَلَيْهِ ذَلِكَ , فَدَلَّ عَلَى اِتِّفَاقهمْ عَلَى وُجُوب الْعَمَل بِخَبَرِ الْوَاحِد. ‏"
    },
    {
        "id": "6716",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زُبَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏فَأَوْقَدَ نَارًا وَقَالَ ادْخُلُوهَا فَأَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا فَرَرْنَا مِنْهَا فَذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا ‏ ‏لَوْ دَخَلُوهَا لَمْ يَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَالَ لِلْآخَرِينَ لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر \" الْمَغَازِي \" وَتَقَدَّمَ الْقَوْل فِي وُجُوب طَاعَة الْأَمِير فِيمَا فِيهِ طَاعَة , لَا فِيمَا فِيهِ مَعْصِيَة فِي أَوَائِل \" الْأَحْكَام \". وَقَوْله فِيهِ \" لَا طَاعَة فِي الْمَعْصِيَة \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فِي مَعْصِيَة \" وَخَفِيَتْ مُطَابَقَة هَذَا الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ عَلَى اِبْن التِّين فَقَالَ لَيْسَ فِيهِ مَا بَوَّبَ لَهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُطِيعُوهُ فِي دُخُول النَّار. قُلْت : لَكِنَّهُمْ كَانُوا مُطِيعِينَ لَهُ فِي غَيْر ذَلِكَ وَبِهِ يَتِمّ الْمُرَاد. ‏"
    },
    {
        "id": "6717",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ ‏ ‏أَخْبَرَاهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6718",
        "content": "‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ قَامَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْأَعْرَابِ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ لَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْ فَقَالَ إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا ‏ ‏وَالْعَسِيفُ الْأَجِيرُ ‏ ‏فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْمَ وَأَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ أَمَّا الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ فَرُدُّوهَا وَأَمَّا ابْنُكَ فَعَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَمَّا أَنْتَ يَا ‏ ‏أُنَيْسُ ‏ ‏لِرَجُلٍ مِنْ ‏ ‏أَسْلَمَ ‏ ‏فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَغَدَا عَلَيْهَا ‏ ‏أُنَيْسٌ ‏ ‏فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَزَيْد بْن خَالِد فِي \" قِصَّة الْعَسِيف \" أَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَة \" صَالِح \" وَهُوَ اِبْن كَيْسَانَ وَمِنْ رِوَايَة \" شُعْبَة \" وَهُوَ اِبْن أَبِي حَمْزَة كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيّ \" وَيَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم \" فِي السَّنَد الْأَوَّل هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب الْمُحَارِبِينَ \" وَبَيَّنْت فِيهِ الَّذِي قَالَ \" وَالْعَسِيف الْأَجِير \" وَأَنَّهُ مَدْرَج فِي هَذِهِ الطَّرِيق قَالَ اِبْن الْقَيِّم فِي الرَّدّ عَلَى مَنْ رَدَّ خَبَر الْوَاحِد إِذَا كَانَ زَائِدًا عَلَى الْقُرْآن , مَا مُلَخَّصه : السُّنَّة مَعَ الْقُرْآن عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه ‏ ‏أَحَدهَا أَنْ تُوَافِقهُ مِنْ كُلّ وَجْه فَيَكُون مِنْ تَوَارُد الْأَدِلَّة , ‏ ‏ثَانِيهَا أَنْ تَكُون بَيَانًا لِمَا أُرِيدَ بِالْقُرْآنِ , ‏ ‏ثَالِثهَا أَنْ تَكُون دَالَّة عَلَى حُكْم سَكَتَ عَنْهُ الْقُرْآن , وَهَذَا ثَالِث يَكُون حُكْمًا مُبْتَدَأ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَجِب طَاعَته فِيهِ وَلَوْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُطَاع إِلَّا فِيمَا وَافَقَ الْقُرْآن , لَمْ تَكُنْ لَهُ طَاعَة خَاصَّة , وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ( مَنْ يُطِعْ الرَّسُول فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه ) وَقَدْ تَنَاقَضَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَا يُقْبَل الْحُكْم الزَّائِد عَلَى الْقُرْآن إِلَّا إِنْ كَانَ مُتَوَاتِرًا أَوْ مَشْهُورًا. فَقَدْ قَالُوا بِتَحْرِيمِ الْمَرْأَة عَلَى عَمَّتهَا وَخَالَتهَا , وَتَحْرِيم مَا يَحْرُم مِنْ النَّسَب بِالرَّضَاعَةِ , وَخِيَار الشَّرْط وَالشُّفْعَة وَالرَّهْن فِي الْحَضَر , وَمِيرَاث الْجَدَّة , وَتَخْيِير الْأَمَة إِذَا عَتَقَتْ , وَمَنْع الْحَائِض مِنْ الصَّوْم وَالصَّلَاة وَوُجُوب الْكَفَّارَة عَلَى مَنْ جَامَعَ وَهُوَ صَائِم فِي رَمَضَان , وَوُجُوب إِحْدَاد الْمُعْتَدَّة عَنْ الْوَفَاة , وَتَجْوِيز الْوُضُوء بِنَبِيذِ التَّمْر , وَإِيجَاب الْوِتْر وَأَنَّ أَقَلّ الصَّدَاق عَشَرَة دَرَاهِم , وَتَوْرِيث بِنْت الِابْن السُّدُس مَعَ الْبِنْت , وَاسْتِبْرَاء الْمَسْبِيَّة بِحَيْضَةٍ , وَأَنَّ أَعْيَان بَنِي الْأُمّ يَتَوَارَثُونَ , وَلَا يُقَاد الْوَالِد بِالْوَلَدِ , وَأَخْذ الْجِزْيَة مِنْ الْمَجُوس , وَقَطْع رِجْل السَّارِق فِي الثَّانِيَة , وَتَرْك الِاقْتِصَاص مِنْ الْجُرْح قَبْل الِانْدِمَال , وَالنَّهْي عَنْ بَيْع الْكَالِئ بِالْكَالِئِ , وَغَيْرهمَا مِمَّا يَطُول شَرْحه , وَهَذِهِ الْأَحَادِيث كُلّهَا آحَاد وَبَعْضهَا ثَابِت وَبَعْضهَا غَيْر ثَابِت وَلَكِنَّهُمْ قَسَّمُوهَا إِلَى ثَلَاثَة أَقْسَام وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفَاصِيل يَطُول شَرْحهَا , وَمَحَلّ بَسْطهَا أُصُول الْفِقْه , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏"
    },
    {
        "id": "6719",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَدِينِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَدَبَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏النَّاسَ يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏فَانْتَدَبَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏ثَلَاثًا فَقَالَ ‏ ‏لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ وَحَوَارِيَّ ‏ ‏الزُّبَيْرُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَفِظْتُهُ مِنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏وَقَالَ لَهُ ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏حَدِّثْهُمْ عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏فَإِنَّ الْقَوْمَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ تُحَدِّثَهُمْ عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏فَقَالَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏فَتَابَعَ بَيْنَ أَحَادِيثَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرًا ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏فَإِنَّ ‏ ‏الثَّوْرِيَّ ‏ ‏يَقُولُ يَوْمَ ‏ ‏قُرَيْظَةَ ‏ ‏فَقَالَ كَذَا حَفِظْتُهُ مِنْهُ كَمَا أَنَّكَ جَالِسٌ يَوْمَ ‏ ‏الْخَنْدَقِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏هُوَ يَوْمٌ وَاحِدٌ وَتَبَسَّمَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر وَهُوَ الْحَدِيث الرَّابِع عَشَرَ مِنْ إِجَازَة خَبَر الْوَاحِد ; وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الْجِهَاد \" ‏ ‏وَقَوْله \" حَفِظْته مِنْ اِبْن الْمُنْكَدِر \" ‏ ‏يَعْنِي مُحَمَّدًا \" وَقَالَ لَهُ أَيُّوب \" يَعْنِي السَّخْتِيَانِيّ \" يَا أَبَا بَكْر \" هِيَ كُنْيَة مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر وَيُكَنَّى أَيْضًا أَبَا عَبْد اللَّه وَلَهُ أَخ آخَر يُقَال لَهُ أَبُو بَكْر بْن الْمُنْكَدِر اِسْمه كُنْيَته , وَقَوْله \" نَدَبَ \" أَيْ دَعَا وَطَلَبَ ; وَقَوْله \" اِنْتَدَبَ \" أَيْ أَجَابَ فَأَسْرَعَ , وَقَوْله \" فَتَتَابَعَ \" كَذَا لَهُمْ بِمُثَنَّاتَيْنِ , وَلِلكُشْمِيهَنِيّ \" فَتَابَعَ \" بِتَاءٍ وَاحِدَة , وَقَوْله \" بَيْنَ أَحَادِيث \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَرْبَعَة أَحَادِيث \". ‏ ‏قَوْله ( قُلْت لِسُفْيَانَ ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عُيَيْنَةَ وَالْقَائِل هُوَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ شَيْخ الْبُخَارِيِّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّ الثَّوْرِيّ يَقُول يَوْمَ قُرَيْظَة ) ‏ ‏قُلْت لَمْ أَرَهُ عِنْدَ أَحَد مِمَّنْ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر بِلَفْظِ \" يَوْمَ قُرَيْظَة \" إِلَّا عِنْدَ اِبْن مَاجَهْ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ عَلِيّ بْن مُحَمَّد عَنْ وَكِيع كَذَلِكَ فَلَعَلَّ اِبْن الْمَدِينِيّ حَمَلَهُ عَنْ وَكِيع فَقَالَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" الْجِهَاد \" عَنْ أَبِي نُعَيْم , وَفِي \" الْمَغَازِي \" عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي \" الْمَنَاقِب \" وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق وَكِيع وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ , وَمُسْلِم أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة كُلّهمْ عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ بِهَذِهِ الْقِصَّة , فَأَمَّا مُسْلِم فَلَمْ يَسُقْ لَفْظه بَلْ أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ , وَأَمَّا الْبُخَارِيّ فَقَالَ فِي كُلّ مِنْهُمَا يَوْم الْأَحْزَاب وَكَذَا الْبَاقُونَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْم الْخَنْدَق \" مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ بَنِي قُرَيْظَة \" فَلَعَلَّ هَذَا سَبَب الْوَهْم ثُمَّ وَجَدْت الْإِسْمَاعِيلِيّ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّمَا طَلَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَق خَبَر بَنِي قُرَيْظَة ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيق فُلَيْح بْن سُلَيْمَان عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر قَالَ \" نَدَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْخَنْدَق مَنْ يَأْتِيه بِخَبَرِ بَنِي قُرَيْظَة \" قَالَ فَالْحَدِيث صَحِيح يَعْنِي تُحْمَل رِوَايَة مَنْ قَالَ يَوْم قُرَيْظَة أَيْ الْيَوْم الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْلَم فِيهِ خَبَرهمْ لَا الْيَوْم الَّذِي غَزَاهُمْ فِيهِ وَذَلِكَ مُرَاد سُفْيَان بِقَوْلِهِ إِنَّهُ \" يَوْم وَاحِد \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ ‏ ‏( هُوَ يَوْم وَاحِد ) ‏ ‏يَعْنِي \" يَوْم الْخَنْدَق وَيَوْم قُرَيْظَة \" وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحّ عَلَى إِطْلَاق الْيَوْم عَلَى الزَّمَان الَّذِي يَقَع فِيهِ الْأَمْر الْكَبِير سَوَاء قَلَّتْ أَيَّامه أَوْ كَثُرَتْ كَمَا يُقَال \" يَوْم الْفَتْح \" وَيُرَاد بِهِ الْأَيَّام الَّتِي أَقَامَ فِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة لَمَّا فَتَحَهَا وَكَذَا وَقْعَة الْخَنْدَق دَامَتْ أَيَّامًا آخِرهَا لَمَّا اِنْصَرَفَتْ الْأَحْزَاب وَرَجَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه إِلَى مَنَازِلهمْ جَاءَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام بَيْنَ الظُّهْر وَالْعَصْر فَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَة فَخَرَجُوا وَقَالَ \" لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَد الْعَصْر إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَة \" ثُمَّ حَاصَرَهُمْ أَيَّامًا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْم سَعْد بْن مُعَاذ , وَقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيع ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي \" كِتَاب الْمَغَازِي \". ‏"
    },
    {
        "id": "6720",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ حَائِطًا وَأَمَرَنِي بِحِفْظِ الْبَابِ فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فَقَالَ ‏ ‏ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَإِذَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏ثُمَّ جَاءَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَالَ ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ ثُمَّ جَاءَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏فَقَالَ ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي اِسْتِئْذَانه عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ فِي الْحَائِط لِأَبِي بَكْر , ثُمَّ لِعُمَرَ ثُمَّ لِعُثْمَانَ وَفِي كُلّ مِنْهُمَا قَالَ \" اِئْذَنْ لَهُ \" وَهُوَ الْحَدِيث الْخَامِس عَشَرَ , ‏"
    },
    {
        "id": "6721",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ فَقُلْتُ ‏ ‏قُلْ هَذَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَأَذِنَ لِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُمَر فِي قِصَّة الْمَشْرُبَة , وَفِيهِ فَقُلْت أَيْ لِلْغُلَامِ الْأَسْوَد \" قُلْ هَذَا عُمَر بْن الْخَطَّاب فَأَذِنَ لِي \" وَهُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث طَوِيل تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة التَّحْرِيم وَهُوَ السَّادِس عَشَرَ , وَأَرَادَ الْبُخَارِيّ أَنَّ صِيغَة يُؤْذَن لَكُمْ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ تَصِحّ لِلْوَاحِدِ فَمَا فَوْقَهُ , وَأَنَّ الْحَدِيث الصَّحِيح بَيَّنَ الِاكْتِفَاء بِالْوَاحِدِ عَلَى مُقْتَضَى مَا تَنَاوَلَهُ لَفْظ الْآيَة فَيَكُون فِيهِ حُجَّة لِقَبُولِ خَبَر الْوَاحِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي \" الْمَنَاقِب \" وَتَقَدَّمَ شَرْح مَا يَتَعَلَّق بِآيَةِ الِاسْتِئْذَان مُسْتَوْعَبًا فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب , وَقَالَ اِبْن التِّين قَوْله هُنَا فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى \" وَأَمَرَنِي بِحِفْظِ الْبَاب \" مُغَايِر لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة \" وَلَمْ يَأْمُرنِي بِحِفْظِهِ \" فَأَحَدهمَا وَهْم. قُلْت : بَلْ هُمَا جَمِيعًا مَحْفُوظَانِ فَالنَّفْي كَانَ فِي أَوَّل مَا جَاءَ \" فَدَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَائِط فَجَلَسَ أَبُو مُوسَى فِي الْبَاب , وَقَالَ لَأَكُونَنَّ الْيَوْم بَوَّاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَقَوْله \" وَلَمْ يَأْمُرنِي بِحِفْظِهِ \" كَانَ فِي تِلْكَ الْحَالَة ثُمَّ لَمَّا جَاءَ أَبُو بَكْر وَاسْتَأْذَنَ لَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْذَن لَهُ أَمَرَهُ حِينَئِذٍ بِحِفْظِ الْبَاب , تَقْرِيرًا لَهُ عَلَى مَا فَعَلَهُ وَرِضًا بِهِ , إِمَّا تَصْرِيحًا فَيَكُون الْأَمْر لَهُ بِذَلِكَ حَقِيقَة , وَإِمَّا لِمُجَرَّدِ التَّقْرِير فَيَكُون الْأَمْر مَجَازًا , وَعَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ لَا وَهْم , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَوْجِيه آخَر فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6722",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏يَدْفَعُهُ عَظِيمُ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏فَلَمَّا قَرَأَهُ ‏ ‏كِسْرَى ‏ ‏مَزَّقَهُ فَحَسِبْتُ أَنَّ ‏ ‏ابْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏قَالَ فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يُونُس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد الْأَيْلِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعهُ إِلَى عَظِيم الْبَحْرَيْنِ ) ‏ ‏كَذَا هُنَا وَالضَّمِير فِي قَوْله \" فَأَمَرَهُ \" لِلْمَبْعُوثِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله \" بَعَثَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي , وَإِنَّ الرَّسُول عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة السَّهْمِيّ الَّذِي تَقَدَّمَتْ قِصَّته قَرِيبًا فِي السَّرِيَّة , وَقَوْله \" فَحَسِبْت أَنَّ اِبْن الْمُسَيِّب \" الْقَائِل هُوَ اِبْن شِهَاب كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله ( أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّق ) ‏ ‏فِيهِ تَلْمِيح بِمَا أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ فَعَلَ بِأَهْلِ سَبَأ وَأَجَابَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الدَّعْوَة , فَسَلَّطَ شِيرَوَيْهِ عَلَى وَالِده كِسْرَى أبرويز الَّذِي مَزَّقَ الْكِتَاب فَقَتَلَهُ , وَمَلَكَ بَعْده فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ وَالْقِصَّة مَشْهُورَة. ‏ ‏تَنْبِيه : ‏ ‏وَقَعَ لِلزَّرْكَشِيِّ هُنَا خَبْط , فَإِنَّهُ قَالَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى كَذَا وَقَعَ فِي الْأُمَّهَات وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ \" دِحْيَة \" بَعْد قَوْله \" بَعَثَ \" وَالصَّوَاب إِثْبَاته وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ تَعْلِيقًا فَقَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس \" بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِحْيَة بِكِتَابِهِ إِلَى عَظِيم بُصْرَى أَنْ يَدْفَعهُ إِلَى قَيْصَر \" وَهُوَ الصَّوَاب اِنْتَهَى , وَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ الْقِصَّتَيْنِ وَاحِدَة وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ كَوْنهمَا مِنْ رِوَايَة اِبْن عَبَّاس ; وَالْحَقّ أَنَّ الْمَبْعُوث لِعَظِيمِ بُصْرَى هُوَ دِحْيَة , وَالْمَبْعُوث لِعَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة فَقَدْ سُمِّيَ فِي غَيْرهَا وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الدَّلِيل عَلَى الْمُغَايَرَة بَيْنَهُمَا إِلَّا بُعْد مَا بَيْنَ بُصْرَى وَالْبَحْرَيْنِ فَإِنَّ بَيْنهمَا نَحْو شَهْر , وَبُصْرَى كَانَتْ فِي مَمْلَكَة هِرَقْل مَلِك الرُّوم , وَالْبَحْرَيْنِ كَانَتْ فِي مَمْلَكَة كِسْرَى مَلِك الْفُرْس , وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَى ذَلِكَ مَعَ وُضُوحه خَشْيَة أَنْ يَغْتَرّ بِهِ مَنْ لَيْسَ لَهُ اِطِّلَاع عَلَى ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6723",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لِرَجُلٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَسْلَمَ ‏ ‏أَذِّنْ فِي قَوْمِكَ ‏ ‏أَوْ فِي النَّاسِ ‏ ‏يَوْمَ عَاشُورَاءَ أَنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع فِي صِيَام يَوْم عَاشُورَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الصِّيَام \" وَ ‏ ‏\" يَحْيَى \" ‏ ‏الْمَذْكُور فِي السَّنَد هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان , ‏ ‏\" وَالرَّجُل مِنْ أَسْلَم \" ‏ ‏هُوَ هِنْد بْن أَسْمَاء بْن حَارِثَة كَمَا تَقَدَّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6724",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏النَّضْرُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي جَمْرَةَ ‏ ‏قَالَ كَانَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏يُقْعِدُنِي عَلَى سَرِيرِهِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لِي إِنَّ ‏ ‏وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ ‏ ‏لَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ مَنْ الْوَفْدُ قَالُوا ‏ ‏رَبِيعَةُ ‏ ‏قَالَ مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ أَوْ الْقَوْمِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارَ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ وَنُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا فَسَأَلُوا عَنْ الْأَشْرِبَةِ فَنَهَاهُمْ عَنْ ‏ ‏أَرْبَعٍ وَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ قَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَأَظُنُّ فِيهِ صِيَامُ رَمَضَانَ وَتُؤْتُوا مِنْ الْمَغَانِمِ الْخُمُسَ وَنَهَاهُمْ عَنْ ‏ ‏الدُّبَّاءِ ‏ ‏وَالْحَنْتَمِ ‏ ‏وَالْمُزَفَّتِ ‏ ‏وَالنَّقِيرِ ‏ ‏وَرُبَّمَا قَالَ ‏ ‏الْمُقَيَّرِ ‏ ‏قَالَ احْفَظُوهُنَّ وَأَبْلِغُوهُنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَحَدَّثَنِي إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ كَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ فَأَغْنَى عَنْ تَرَدُّد الْكَرْمَانِيِّ هَلْ هُوَ إِسْحَاق بْن مَنْصُور أَوْ اِبْن إِبْرَاهِيم , وَ \" النَّضْر \" هُوَ اِبْن شُمَيْلٍ \" وَأَبُو جَمْرَةَ \" بِالْجِيمِ. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ اِبْن عَبَّاس يُقْعِدنِي عَلَى سَرِيره ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ السَّبَب فِي ذَلِكَ فِي بَاب تُرْجُمَان الْحَاكِم وَإِنَّهُ كَانَ يُتَرْجِم بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاس لِمَا يَسْتَفْتُونَهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَده أَنَّ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ وَعَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس قَالَا \" حَدَّثَنَا شُعْبَةُ \" فَذَكَرَهُ وَفِيهِ \" يُجْلِسنِي مَعَهُ عَلَى السَّرِير فَأُتَرْجِم بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاس \". ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ وَفْد عَبْد الْقَيْس ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْح قِصَّتهمْ فِي \" كِتَاب الْإِيمَان \" ثُمَّ فِي \" كِتَاب الْأَشْرِبَة \" وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله فِي آخِره \" اِحْفَظُوهُنَّ وَأَبْلِغُوهُنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ \" فَإِنَّ الْأَمْر بِذَلِكَ يَتَنَاوَل كُلّ فَرْد , فَلَوْلَا أَنَّ الْحُجَّة تَقُوم بِتَبْلِيغِ الْوَاحِد مَا حَضَّهُمْ عَلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6725",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ ‏ ‏قَالَ قَالَ لِي ‏ ‏الشَّعْبِيُّ ‏ ‏أَرَأَيْتَ حَدِيثَ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَاعَدْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏قَرِيبًا مِنْ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَيْرَ هَذَا قَالَ كَانَ نَاسٌ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيهِمْ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏فَذَهَبُوا يَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمٍ فَنَادَتْهُمْ ‏ ‏امْرَأَةٌ ‏ ‏مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ فَأَمْسَكُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كُلُوا أَوْ اطْعَمُوا فَإِنَّهُ حَلَالٌ أَوْ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ شَكَّ فِيهِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ تَوْبَةَ ) ‏ ‏بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَة وَسُكُون الْوَاو بَعْدَهَا مُوَحَّدَة هُوَ \" اِبْن كَيْسَانَ \" يُسَمَّى أَبَا الْمُوَرِّع بِتَشْدِيدِ الرَّاء وَالْإِهْمَال وَ \" الْعَنْبَرِيّ \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة بَيْنَهُمَا نُون سَاكِنَة نِسْبَة إِلَى بَنِي الْعَنْبَر بَطْن شَهِير مِنْ بَنِي تَمِيم. ‏ ‏قَوْله ( أَرَأَيْت حَدِيث الْحَسَن ) ‏ ‏أَيْ الْبَصْرِيّ , وَالرُّؤْيَا هُنَا بَصَرِيَّة , وَالِاسْتِفْهَام لِلْإِنْكَارِ , كَانَ الشَّعْبِيّ يُنْكِر عَلَى مَنْ يُرْسِل الْأَحَادِيث عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْحَامِل لِفَاعِلِ ذَلِكَ طَلَب الْإِكْثَار مِنْ التَّحْدِيث عَنْهُ وَإِلَّا لَكَانَ يَكْتَفِي بِمَا سَمِعَهُ مَوْصُولًا , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ مُرَاد الشَّعْبِيّ أَنَّ الْحَسَن مَعَ كَوْنه تَابِعِيًّا كَانَ يُكْثِر الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَابْن عُمَر مَعَ كَوْنه صَحَابِيًّا يَحْتَاط وَيُقِلّ مِنْ ذَلِكَ مَهْمَا أَمْكَنَ. قُلْت : وَكَأَنَّ اِبْن عُمَر اِتَّبَعَ رَأْي أَبِيهِ فِي ذَلِكَ. فَإِنَّهُ كَانَ يَحُضّ عَلَى قِلَّة التَّحْدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَجْهَيْنِ ‏ ‏أَحَدُهُمَا : خَشْيَة الِاشْتِغَال عَنْ تَعَلُّم الْقُرْآن وَتَفَهُّم مَعَانِيه , ‏ ‏وَالثَّانِي : خَشْيَة أَنْ يُحَدِّث عَنْهُ بِمَا لَمْ يَقُلْهُ , لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَكْتُبُونَ فَإِذَا طَالَ الْعَهْد لَمْ يُؤْمَن النِّسْيَان وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور بِسَنَدٍ آخَر صَحِيح عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ قَرَظَة بْن كَعْب عَنْ عُمَر قَالَ \" أَقِلُّوا الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا شَرِيككُمْ \" وَتَقَدَّمَ شَيْء مِمَّا يَتَعَلَّق بِهَذَا فِي \" كِتَاب الْعِلْم \" وَقَوْله \" وَقَاعِدَة اِبْن عُمَر \" الْجُمْلَة حَالِيَّة وَالْمُرَاد أَنَّهُ جَلَسَ مَعَهُ الْمُدَّة الْمَذْكُورَة , وَقَوْله \" قَرِيبًا مِنْ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَة وَنِصْف \" وَوَقَعَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن أَبِي السَّفَر عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ \" جَالَسْت اِبْن عُمَر سَنَة \" فَيُجْمَع بِأَنَّ مُدَّة مُجَالَسَته كَانَتْ سَنَة وَكَسْرًا فَأَلْغَى الْكَسْر تَارَةً وَجَبَرَهُ أُخْرَى , وَكَانَ الشَّعْبِيّ جَاوَرَ بِالْمَدِينَةِ أَوْ بِمَكَّةَ وَإِلَّا فَهُوَ كُوفِيّ , وَابْن عُمَر لَمْ تَكُنْ لَهُ إِقَامَة بِالْكُوفَةِ. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ أَسْمَعهُ يُحَدِّث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْر هَذَا ) ‏ ‏أَشَارَ إِلَى الْحَدِيث الَّذِي يُرِيد أَنْ يَذْكُرهُ وَكَأَنَّهُ اِسْتَحْضَرَهُ بِذِهْنِهِ إِذْ ذَاكَ. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ سَعْد فَذَهَبُوا يَأْكُلُونَ مِنْ لَحْم ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَ الْقِصَّة مُخْتَصَرَة , وَأَوْرَدَهَا فِي الذَّبَائِح مُبَيَّنَة , وَتَقَدَّمَ لَفْظه هُنَاكَ , وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُعَاذ عَنْ شُعْبَة \" فَأَتَوْا بِلَحْمِ ضَبّ \". ‏ ‏قَوْله ( فَنَادَتْهُمْ اِمْرَأَة مِنْ بَعْض أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هِيَ مَيْمُونَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي \" كِتَاب الْأَطْعِمَة \". ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُ حَلَال أَوْ قَالَ لَا بَأْس بِهِ شَكَّ فِيهِ ) ‏ ‏هُوَ قَوْل شُعْبَة وَاَلَّذِي شَكَّ فِي أَيّ اللَّفْظَيْنِ قَالَ : هُوَ تَوْبَة الرَّاوِي عَنْ اِبْن عُمَر بَيَّنَ ذَلِكَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر فِي رِوَايَته عَنْ شُعْبَة , أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى لَحْم الضَّبّ فِي \" كِتَاب الصَّيْد وَالذَّبَائِح \" مُسْتَوْفًى فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر فِي الضَّبّ لَا أُحِلّهُ وَلَا أُحَرِّمهُ , وَأَنَّهَا لَا تُخَالِف قَوْله هُنَا فَإِنَّهُ حَلَال \" وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي \" أَيْ لَيْسَ مِنْ الْمَأْلُوف لَهُ فَلِذَلِكَ تَرَكَ أَكْله لَا لِكَوْنِهِ حَرَامًا. ‏ ‏خَاتِمَة : ‏ ‏اِشْتَمَلَ \" كِتَاب الْأَحْكَام \" وَمَا بَعْدَهُ مِنْ التَّمَنِّي وَإِجَازَة خَبَر الْوَاحِد مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى مِائَة حَدِيث وَثَلَاثَة وَسِتِّينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا وَمَا فِي حُكْمه سَبْعَة وَثَلَاثُونَ طَرِيقًا وَسَائِرهَا مَوْصُول , الْمُكَرَّر مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَة حَدِيث وَتِسْعَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا ; وَالْخَالِص أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا شَارَكَهُ مُسْلِم فِي تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ \" وَحَدِيث أَبِي أَيُّوب فِي الْبِطَانَة , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِيهَا وَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي بَيْعَة عَبْد الْمَلِك وَحَدِيث عُمَر فِي بَيْعَة أَبِي بَكْر الثَّانِيَة , وَحَدِيث أَبِي بَكْر فِي قِصَّة وَفْد بُزَاخَةَ. وَفِي التَّمَنِّي سَبْعَة وَعِشْرُونَ حَدِيثًا كُلّهَا مُكَرَّرَة مِنْهَا سِتَّة طُرُق مُعَلَّقَة وَفِي خَبَر الْوَحْد اِثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا كُلّهَا مُكَرَّرَة مِنْهَا طَرِيق وَاحِد مُعَلَّق وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدَهُمْ ثَمَانِيَة وَخَمْسُونَ أَثَرًا , وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6726",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مِسْعَرٍ ‏ ‏وَغَيْرِهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أَنَّ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا ‏} ‏لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ يَوْمَ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مِسْعَرٍ ‏ ‏وَمِسْعَرٌ ‏ ‏قَيْسًا ‏ ‏وَقَيْسٌ ‏ ‏طَارِقًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان عَنْ مِسْعَر وَغَيْره ) ‏ ‏أَمَّا \" سُفْيَان \" فَهُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ وَ \" مِسْعَر \" هُوَ اِبْن كِدَام بِكَسْرِ الْكَاف وَتَخْفِيف الدَّال , وَ \" الْغَيْر \" الَّذِي أُبْهِمَ مَعَهُ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سُفْيَان الثَّوْرِيّ , فَإِنَّ أَحْمَد أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَته عَنْ \" قَيْس بْن مُسْلِم \" وَهُوَ الْجَدَلِيّ بِفَتْحِ الْجِيم وَالْمُهْمَلَة كُوفِيّ يُكَنَّى أَبَا عَمْرو , كَانَ عَابِدًا ثِقَة ثَبْتًا وَقَدْ نُسِبَ إِلَى الْإِرْجَاء , وَفِي الرُّوَاة قَيْس بْن مُسْلِم آخَر لَكِنَّهُ شَامِيّ غَيْر مَشْهُور , رَوَى عَنْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت وَحَدِيثه عَنْهُ فِي \" كِتَاب خَلْق الْأَفْعَال \" لِلْبُخَارِيِّ وَ \" طَارِق بْن شِهَاب \" هُوَ الْأَحْمَسِيُّ مَعْدُود فِي الصَّحَابَة لِأَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ كَبِير لَكِنْ لَمْ يَثْبُت لَهُ مِنْهُ سَمَاع. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ رَجُل مِنْ الْيَهُود ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" كِتَاب الْإِيمَان \" وَفِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة مَعَ شَرْح سَائِر الْحَدِيث , وَحَاصِل جَوَاب عُمَر \" أَنَّا اِتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْم عِيدًا \" عَلَى وَفْق مَا ذَكَرْت. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعَ سُفْيَان مِسْعَرًا وَمِسْعَر قَيْسًا وَقَيْس طَارِقًا ) ‏ ‏هُوَ كَلَام الْبُخَارِيّ يُشِير إِلَى أَنَّ الْعَنْعَنَة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا السَّنَد مَحْمُولَة عِنْده عَلَى السَّمَاع لِاطِّلَاعِهِ عَلَى سَمَاع كُلّ مِنْهُمْ مِنْ شَيْخه , وَقَوْله سُبْحَانه ( الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينَكُمْ ) ظَاهِره يَدُلّ عَلَى أَنَّ أُمُور الدِّين كَمُلَتْ عِنْد هَذِهِ الْمَقَالَة وَهِيَ قَبْلَ مَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ ثَمَانِينَ يَوْمًا فَعَلَى هَذَا لَمْ يَنْزِل بَعْد ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَام شَيْء وَفِيهِ نَظَر , وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَة إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْإِكْمَالِ مَا يَتَعَلَّق بِأُصُولِ الْأَرْكَان لَا مَا يَتَفَرَّع عَنْهَا , وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُتَمَسَّك لِمُنْكِرِي الْقِيَاس , وَيُمْكِن دَفْع حُجَّتهمْ عَلَى تَقْدِير تَسْلِيم الْأَوَّل بِأَنَّ اِسْتِعْمَال الْقِيَاس فِي الْحَوَادِث مُتَلَقًّى مِنْ أَمْر الْكِتَاب , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا عُمُوم قَوْله تَعَالَى ( وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُول فَخُذُوهُ ) وَقَدْ وَرَدَ أَمْره بِالْقِيَاسِ وَتَقْرِيره عَلَيْهِ فَانْدَرَجَ فِي عُمُوم مَا وُصِفَ بِالْكَمَالِ , وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْك الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) قَالَ أَنْزَلَ سُبْحَانه وَتَعَالَى كَثِيرًا مِنْ الْأُمُور مُجْمَلًا , فَفَسَّرَ نَبِيّه مَا احْتِيجَ إِلَيْهِ فِي وَقْته وَمَا لَمْ يَقَع فِي وَقْته وَكَلَ تَفْسِيره إِلَى الْعُلَمَاء بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أُولِي الْأَمْر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ). ‏"
    },
    {
        "id": "6727",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏الْغَدَ حِينَ بَايَعَ الْمُسْلِمُونَ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏وَاسْتَوَى عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَشَهَّدَ قَبْلَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَمَّا بَعْدُ فَاخْتَارَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الَّذِي عِنْدَهُ عَلَى الَّذِي عِنْدَكُمْ وَهَذَا الْكِتَابُ الَّذِي هَدَى اللَّهُ بِهِ رَسُولَكُمْ فَخُذُوا بِهِ تَهْتَدُوا وَإِنَّمَا هَدَى اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ سَمِعَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الْغَد حِين بَايَعَ الْمُسْلِمُونَ أَبَا بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ) ‏ ‏حِين يَتَعَلَّق بِسَمِعَ , وَاَلَّذِي يَتَعَلَّق بِالْغَدِ مَحْذُوف وَتَقْدِيره مِنْ وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي بَاب الِاسْتِخْلَاف فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الْأَحْكَام \" وَسِيَاقه هُنَاكَ أَتَمّ , وَزَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَاخْتَارَ اللَّه لِرَسُولِهِ الَّذِي عِنْده عَلَى الَّذِي عِنْدكُمْ \" أَيْ الَّذِي عِنْده مِنْ الثَّوَاب وَالْكَرَامَة عَلَى الَّذِي عِنْدكُمْ مِنْ النَّصَب. ‏"
    },
    {
        "id": "6728",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ضَمَّنِي إِلَيْهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الْعِلْم \" وَبَيَان مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ التَّأْوِيل وَيَأْتِي مَعْنَى التَّأْوِيل فِي بَاب قَوْله تَعَالَى ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ) مِنْ \" كِتَاب التَّوْحِيد \" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6729",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَوْفًا ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا الْمِنْهَالِ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا بَرْزَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يُغْنِيكُمْ ‏ ‏أَوْ نَعَشَكُمْ ‏ ‏بِالْإِسْلَامِ ‏ ‏وَبِمُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَعَ هَاهُنَا يُغْنِيكُمْ وَإِنَّمَا هُوَ نَعَشَكُمْ يُنْظَرُ فِي أَصْلِ كِتَابِ ‏ ‏الِاعْتِصَامِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي بَرْزَة وَهُوَ مُخْتَصَر مِنْ الْحَدِيث الطَّوِيل الْمَذْكُور فِي أَوَائِل \" كِتَاب الْفِتَن \" فِي بَاب \" إِذَا قَالَ عِنْد قَوْم شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى هُنَاكَ , وَقَوْله هُنَا \" إِنَّ اللَّه يُغْنِيكُمْ بِالْإِسْلَامِ \" كَذَا وَقَعَ بِضَمِّ أَوَّله ثُمَّ غَيْن مُعْجَمَة سَاكِنَة ثُمَّ نُون وَنَبَّهَ \" أَبُو عَبْد اللَّه \" وَهُوَ الْمُصَنِّف عَلَى أَنَّ الصَّوَاب بِنُونٍ ثُمَّ عَيْن مُهْمَلَة مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ شِين مُعْجَمَة. ‏ ‏قَوْله ( يَنْظُر فِي أَصْل كِتَاب الِاعْتِصَام ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ صَنَّفَ \" كِتَاب الِاعْتِصَام \" مُفْرَدًا وَكَتَبَ مِنْهُ هُنَا مَا يَلِيق بِشَرْطِهِ فِي هَذَا الْكِتَاب كَمَا صَنَعَ فِي \" كِتَاب الْأَدَب الْمُفْرَد \" فَلَمَّا رَأَى هَذِهِ اللَّفْظَة مُغَايِرَة لِمَا عِنْده أَنَّهُ الصَّوَاب أَحَالَ عَلَى مُرَاجَعَة ذَلِكَ الْأَصْل وَكَأَنَّهُ كَانَ فِي هَذِهِ الْحَالَة غَائِبًا عَنْهُ فَأَمَرَ بِمُرَاجَعَتِهِ وَأَنْ يُصْلَح مِنْهُ وَقَدْ وَقَعَ لَهُ نَحْو هَذَا فِي تَفْسِير ( أَنَقَضَ ظَهْرك ) وَنَبَّهْت عَلَيْهِ فِي تَفْسِير سُورَة ( أَلَمْ نَشْرَح ) وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّ ذِكْر حَدِيث أَبِي بَرْزَة هَذَا هُنَا إِنَّمَا يُسْتَفَاد مِنْهُ تَثْبِيتُ خَبَر الْوَاحِد وَهُوَ غَفْلَة مِنْهُ , فَإِنَّ حُكْم تَثْبِيت خَبَر الْوَاحِد اِنْقَضَى وَعَقَّبَ بِالِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّة وَمُنَاسَبَة حَدِيث أَبِي بَرْزَة لِلِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ مِنْ قَوْله \" إِنَّ اللَّه نَعَشَكُمْ بِالْكِتَابِ \" ظَاهِرَة جِدًّا وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6730",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏كَتَبَ إِلَى ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ‏ ‏يُبَايِعُهُ وَأُقِرُّ لَكَ بِذَلِكَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَعْتُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي مُكَاتَبَته لِعَبْدِ الْمَلِك بِالْبَيْعَةِ لَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمّ مِنْ هَذَا السِّيَاق مَعَ شَرْحه فِي بَاب كَيْف يُبَايَع الْإِمَام مِنْ أَوَاخِر \" كِتَاب الْأَحْكَام \" وَمِنْ ثَمَّ يَظْهَر الْمَعْطُوف عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ هُنَا \" وَأَقَرَّ لَك \" وَبَيَّنْت هُنَاكَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد قَتْل عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا اِسْتِعْمَال سُنَّة اللَّه وَرَسُوله فِي جَمِيع الْأُمُور ‏"
    },
    {
        "id": "6731",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنْتُمْ ‏ ‏تَلْغَثُونَهَا أَوْ تَرْغَثُونَهَا أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( فَوُضِعَتْ فِي يَدَيّ ) ‏ ‏أَيْ الْمَفَاتِيح وَتَقَدَّمَ تَفْسِير الْمُرَاد بِهَا فِي بَاب النَّفْخ فِي الْمَنَام مِنْ \" كِتَاب التَّعْبِير \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور أَوَّلًا وَقَوْله \" فَذَهَبَ \" أَيْ مَاتَ , وَقَوْله \" وَأَنْتُمْ تَلْغَثُونَهَا أَوْ تَرْغَثُونَهَا أَوْ كَلِمَة تُشْبِههَا \" فَالْأُولَى بِلَامٍ سَاكِنَة ثُمَّ غَيْن مُعْجَمَة مَفْتُوحَة ثُمَّ مُثَلَّثَة وَالثَّانِيَة مِثْلهَا لَكِنْ بَدَل اللَّام رَاء وَهِيَ مِنْ الرَّغْث كِنَايَة عَنْ سَعَة الْعَيْش وَأَصْله مِنْ رَغَثَ الْجَدْي أُمّه إِذَا اِرْتَضَعَ مِنْهَا وَأَرْغَثَتْهُ هِيَ أَرْضَعَتْهُ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ رَغُوث وَأَمَّا بِاللَّامِ فَقِيلَ إِنَّهَا لُغَة فِيهَا وَقِيلَ تَصْحِيف وَقِيلَ مَأْخُوذَة مِنْ اللَّغِيث بِوَزْنِ عَظِيم وَهُوَ الطَّعَام الْمَخْلُوط بِالشَّعِيرِ , ذَكَرَهُ صَاحِب الْمُحْكَم عَنْ ثَعْلَب وَالْمُرَاد يَأْكُلُونَهَا كَيْفَمَا اِتَّفَقَ وَفِيهِ بُعْدٌ , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : وَأَمَّا اللَّغْث بِاللَّامِ فَلَمْ أَجِدهُ فِيمَا تَصَفَّحْت مِنْ اللُّغَة اِنْتَهَى , وَوَجَدْت فِي حَاشِيَة مِنْ كِتَابه هُمَا لُغَتَانِ صَحِيحَتَانِ فَصِيحَتَانِ مَعْنَاهُمَا الْأَكْل بِالنَّهَمِ وَأَفَادَ الشَّيْخ مُغَلْطَاي عَنْ كِتَاب \" الْمُنْتَهَى \" لِأَبِي الْمَعَالِي اللُّغَوِيّ لَغَث طَعَامه وَلَعَث بِالْغَيْنِ وَالْعَيْن أَيْ الْمُعْجَمَة وَالْمُهْمَلَة إِذَا فَرَّقَهُ , قَالَ وَالْغَيْث مَا يَبْقَى فِي الْكَيْل مِنْ الْحَبّ , فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى وَأَنْتُمْ تَأْخُذُونَ الْمَال فَتُفَرِّقُونَهُ بَعْد أَنْ تَحُوزُوهُ وَاسْتَعَارَ لِلْمَالِ مَا لِلطَّعَامِ لِأَنَّ الطَّعَام أَهَمّ مَا يُقْتَنَى لِأَجْلِهِ الْمَال , وَزَعَمَ أَنَّ فِي بَعْض نُسَخ الصَّحِيح وَأَنْتُمْ تَلْعَقُونَهَا بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ قَاف. قُلْت : وَهُوَ تَصْحِيف وَلَوْ كَانَ لَهُ بَعْض اِتِّجَاهٍ , وَالثَّالِثَة جَاءَتْ مِنْ رِوَايَة عَقِيل فِي \" كِتَاب الْجِهَاد \" بِلَفْظِ تَنْتَثِلُونَهَا بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ نُون سَاكِنَة ثُمَّ مُثَنَّاة وَلِبَعْضِهِمْ بِحَذْفِ الْمُثَنَّاة الثَّانِيَة مِنْ النَّثْل بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْمُثَلَّثَة وَهُوَ الِاسْتِخْرَاج نَثَلَ كِنَانَته اِسْتَخْرَجَ مَا فِيهَا مِنْ السِّهَام , وَجِرَابه نَفَضَ مَا فِيهِ وَالْبِئْر أَخْرَجَ تُرَابهَا فَمَعْنَى تَنْتَثِلُونَهَا تَسْتَخْرِجُونَ مَا فِيهَا وَتَتَمَتَّعُونَ بِهِ , قَالَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ هَذَا الْمَحْفُوظ فِي هَذَا الْحَدِيث , قَالَ النَّوَوِيّ : يَعْنِي مَا فُتِحَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الدُّنْيَا وَهُوَ يَشْمَل الْغَنَائِم وَالْكُنُوز , وَعَلَى الْأَوَّل اِقْتَصَرَ الْأَكْثَر وَوَقَعَ عِنْد بَعْض رُوَاة مُسْلِم بِالْمِيمِ بَدَل النُّون الْأُولَى وَهُوَ تَحْرِيفٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "6732",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنْ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ أُومِنَ أَوْ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنِّي أَكْثَرُهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيُّ وَاسْم أَبِي سَعِيد كَيْسَانَ. ‏ ‏قَوْله ( مَا مِثْله أُومِنَ أَوْ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَر ) ‏ ‏أَوْ شَكّ مِنْ الرَّاوِي , فَالْأُولَى بِضَمِّ الْهَمْزَة وَسُكُون الْوَاو وَكَسْر الْمِيم مِنْ الْأَمْن , وَالثَّانِيَة بِالْمَدِّ وَفَتْح الْمِيم مِنْ الْإِيمَان , وَحَكَى اِبْن قَرْقُولٍ أَنَّ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْمِيم بِغَيْرِ مَدّ مِنْ الْأَمَان وَصَوَّبَهَا اِبْن التِّين فَلَمْ يُصِبْ , وَقَوْله \" وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيته \" فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" أُوتِيت \" بِحَذْفِ الْهَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِل فَضَائِل الْقُرْآن بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى , وَمَعْنَى الْحَصْر فِي قَوْله \" إِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيته \" أَنَّ الْقُرْآن أَعْظَم الْمُعْجِزَات وَأَفْيَدُهَا وَأَدْوَمُهَا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الدَّعْوَة وَالْحُجَّة وَدَوَام الِانْتِفَاع بِهِ إِلَى آخِر الدَّهْر , فَلَمَّا كَانَ لَا شَيْء يُقَارِبهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُسَاوِيه كَانَ مَا عَدَاهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَأَنْ لَمْ يَقَع , قِيلَ يُؤْخَذ مِنْ إِيرَاد الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث عَقِب الَّذِي قَبْله أَنَّ الرَّاجِح عِنْده أَنَّ الْمُرَاد بِجَوَامِع الْكَلِم الْقُرْآن وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ , فَإِنَّ دُخُول الْقُرْآن فِي قَوْله \" بُعِثْت بِجَوَامِع الْكَلِم \" لَا شَكّ فِيهِ وَإِنَّمَا النِّزَاع هَلْ يَدْخُل غَيْره مِنْ كَلَامه مِنْ غَيْر الْقُرْآن ؟ وَقَدْ ذَكَرُوا مِنْ أَمْثِلَة جَوَامِع الْكَلَام فِي الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) وَقَوْله ( وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ ) إِلَى غَيْر ذَلِكَ وَمِنْ أَمْثِلَة جَوَامِع الْكَلِم مِنْ الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة حَدِيث عَائِشَة \" كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ \" وَحَدِيث \" كُلّ شَرْط لَيْسَ فِي كِتَاب اللَّه فَهُوَ بَاطِلٌ \" مُتَّفَق عَلَيْهِمَا , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اِسْتَطَعْتُمْ \" وَسَيَأْتِي شَرْحه قَرِيبًا , وَحَدِيث الْمِقْدَام \" مَا مَلَأ اِبْن آدَم وِعَاء شَرًّا مِنْ بَطْنه \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَة وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُر بِالتَّتَبُّعِ , إِنَّمَا يُسَلَّم ذَلِكَ فِيمَا لَمْ تَتَصَرَّف الرُّوَاة فِي أَلْفَاظه , وَالطَّرِيق إِلَى مَعْرِفَة ذَلِكَ أَنْ تَقِلّ مَخَارِج الْحَدِيث وَتَتَّفِق أَلْفَاظه , وَإِلَّا فَإِنَّ مَخَارِج الْحَدِيث إِذَا كَثُرَتْ قَلَّ أَنْ تَتَّفِق أَلْفَاظه لِتَوَارُدِ أَكْثَر الرُّوَاة عَلَى الِاقْتِصَار عَلَى الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى بِحَسْب مَا يَظْهَر لِأَحَدِهِمْ أَنَّهُ وَافٍ بِهِ , وَالْحَامِل لِأَكْثَرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَكْتُبُونَ وَيَطُول الزَّمَان فَيَتَعَلَّق الْمَعْنَى بِالذِّهْنِ فَيَرْتَسِم فِيهِ وَلَا يَسْتَحْضِر اللَّفْظ فَيُحَدِّث بِالْمَعْنَى لِمَصْلَحَةِ التَّبْلِيغ , ثُمَّ يَظْهَر مِنْ سِيَاق مَا هُوَ أَحْفَظ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُوَفِّ بِالْمَعْنَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6733",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَاصِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ جَلَسْتُ إِلَى ‏ ‏شَيْبَةَ ‏ ‏فِي هَذَا الْمَسْجِدِ قَالَ جَلَسَ إِلَيَّ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فِي مَجْلِسِكَ هَذَا ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قُلْتُ مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ قَالَ لِمَ قُلْتُ لَمْ يَفْعَلْهُ صَاحِبَاكَ قَالَ هُمَا الْمَرْءَانِ يُقْتَدَى بِهِمَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَمْرو بْن عَبَّاس ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَة هُوَ الْبَاهِلِيّ بَصْرِيّ يُكْنَى أَبَا عُثْمَان مِنْ طَبَقَة عَلِيّ بْنِ الْمَدِينِيّ , و \" عَبْد الرَّحْمَن \" هُوَ اِبْن مَهْدِيّ و \" سُفْيَان \" هُوَ الثَّوْرِيّ و \" وَاصِل \" هُوَ اِبْن حِبَّان وَتَقَدَّمَ تَصْرِيح الثَّوْرِيّ عَنْهُ بِالتَّحْدِيثِ فِي \" كِتَاب الْحَجّ \" و \" أَبُو وَائِل \" هُوَ شَقِيق بْن سَلَمَة. ‏ ‏قَوْله ( جَلَسْت إِلَى شَيْبَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُثْمَان بْن طَلْحَة الْعَبْدَرِيّ حَاجِب الْكَعْبَة وَقَدْ تَقَدَّمَ نَسَبه عِنْد شَرْح حَدِيثه فِي بَاب كِسْوَة الْكَعْبَة مِنْ \" كِتَاب الْحَجّ \" وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث عِنْد الْبُخَارِيّ وَحْده , ‏ ‏قَوْله ( أَنْ لَا أَدْعُ فِيهَا ) ‏ ‏الضَّمِير لِلْكَعْبَةِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ لِأَنَّ الْمُرَاد بِالْمَسْجِدِ فِي قَوْل أَبِي وَائِل \" جَلَسْت إِلَى شَيْبَة فِي هَذَا الْمَسْجِد \" نَفْس الْكَعْبَة فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَيْهَا فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة الْحَجّ فِي هَذَا الْحَدِيث \" عَلَى كُرْسِيّ فِي الْكَعْبَة \" أَيْ عِنْد بَابهَا كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَة الْحَجَبَة ; قَالَ اِبْن بَطَّال : أَرَادَ عُمَر قِسْمَة الْمَال فِي مَصَالِح الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا ذَكَّرَهُ شَيْبَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْر بَعْده لَمْ يَتَعَرَّضَا لَهُ لَمْ يَسْعَهُ خِلَافهمَا , وَرَأَى أَنَّ الِاقْتِدَاء بِهِمَا وَاجِب. قُلْت : وَتَمَامه أَنَّ تَقْرِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَزَّل مَنْزِلَة حُكْمه بِاسْتِمْرَارِ مَا تَرَكَ تَغْيِيره فَيَجِب الِاقْتِدَاء بِهِ فِي ذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ( وَاتَّبِعُوهُ ) وَأَمَّا أَبُو بَكْر فَدَلَّ عَدَم تَعَرُّضه عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَظْهَر لَهُ مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مِنْ فِعْله مَا يُعَارِض التَّقْرِير الْمَذْكُور , وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ لَفَعَلَهُ لَا سِيَّمَا مَعَ اِحْتِيَاجه لِلْمَالِ لِقِلَّتِهِ فِي مُدَّته فَيَكُون عُمَر مَعَ وُجُود كَثْرَة الْمَال فِي أَيَّامه أَوْلَى بِعَدَمِ التَّعَرُّض. ‏"
    },
    {
        "id": "6734",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏الْأَعْمَشَ ‏ ‏فَقَالَ عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ مِنْ السَّمَاءِ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ وَنَزَلَ الْقُرْآنُ فَقَرَءُوا الْقُرْآنَ وَعَلِمُوا مِنْ السُّنَّةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث حُذَيْفَة فِي الْأَمَانَة تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي \" كِتَاب الْفِتَن \". ‏"
    },
    {
        "id": "6735",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏مُرَّةَ الْهَمْدَانِيَّ ‏ ‏يَقُولُ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَ ‏ { ‏إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَمْرو بْن مُرَّة ) ‏ ‏هُوَ الْجَمَلِيّ بِفَتْحِ الْجِيم وَتَخْفِيف الْمِيم و \" مُرَّة \" شَيْخه هُوَ اِبْن شَرَاحِيلَ وَيُقَال لَهُ مُرَّة الطَّيِّب بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ الْهَمْدَانِيُّ بِسُكُونِ الْمِيم , وَلَيْسَ هُوَ وَالِد عَمْرو الرَّاوِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَأَحْسَن الْهَدْي هَدْي مُحَمَّد ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْهَاء وَسُكُون الدَّالّ لِلْأَكْثَرِ , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ بِضَمِّ الْهَاء مَقْصُور وَمَعْنَى الْأَوَّل الْهَيْئَة وَالطَّرِيقَة وَالثَّانِي ضِدّ الضَّلَال. ‏ ‏قَوْله ( وَشَرّ الْأُمُور مُحْدَثَاتهَا إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي \" كِتَاب الْأَدَب \" وَذَكَرْت مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْبُخَارِيّ اِخْتَصَرَهُ هُنَاكَ وَمِمَّا أُنَبِّه عَلَيْهِ هُنَا قَبْل شَرْح هَذِهِ الزِّيَادَة أَنَّ ظَاهِر سِيَاق هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ مَوْقُوف , لَكِنَّ الْقَدْر الَّذِي لَهُ حُكْم الرَّفْع مِنْهُ قَوْله \" وَأَحْسَن الْهَدْي هَدْي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" فَإِنَّ فِيهِ إِخْبَارًا عَنْ صِفَة مِنْ صِفَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَحَد أَقْسَام الْمَرْفُوع وَقَلَّ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ , وَهُوَ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ لِتَخْرِيجِ الْمُصَنِّفِينَ الْمُقْتَصِرِينَ عَلَى الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي شَمَائِله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ أَكْثَرهَا يَتَعَلَّق بِصِفَةِ خَلْقه وَذَاته كَوَجْهِهِ وَشَعْره , وَكَذَا بِصِفَةِ خُلُقه كَحِلْمِهِ وَصَفْحه , وَهَذَا مُنْدَرِج فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْحَدِيث الْمَذْكُور جَاءَ عَنْ اِبْن مَسْعُود مُصَرَّحًا فِيهِ بِالرَّفْعِ مِنْ وَجْه آخَر , أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن لَكِنْ لَيْسَ هُوَ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر مَرْفُوعًا أَيْضًا بِزِيَادَةٍ فِيهِ , وَلَيْسَ هُوَ عَلَى شَرْطه أَيْضًا , وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي \" كِتَاب الْأَدَب \" فِي بَاب الْهَدْي الصَّالِح , و \" الْمُحْدَثَات \" بِفَتْحِ الدَّالّ جَمْع مُحْدَثَة وَالْمُرَاد بِهَا مَا أُحْدِث , وَلَيْسَ لَهُ أَصْل فِي الشَّرْع وَيُسَمَّى فِي عُرْف الشَّرْع \" بِدْعَة \" وَمَا كَانَ لَهُ أَصْل يَدُلّ عَلَيْهِ الشَّرْع فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ , فَالْبِدْعَة فِي عُرْف الشَّرْع مَذْمُومَة بِخِلَافِ اللُّغَة فَإِنَّ كُلّ شَيْء أُحْدِث عَلَى غَيْر مِثَال يُسَمَّى بِدْعَة سَوَاء كَانَ مَحْمُودًا أَوْ مَذْمُومًا , وَكَذَا الْقَوْل فِي الْمُحْدَثَة وَفِي الْأَمْر الْمُحْدَث الَّذِي وَرَدَ فِي حَدِيث عَائِشَة \" مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمَرْنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدّ \" كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحه وَمَضَى بَيَان ذَلِكَ قَرِيبًا فِي \" كِتَاب الْأَحْكَام \" وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر الْمُشَار إِلَيْهِ \" وَكُلّ بِدْعَة ضَلَالَة \" وَفِي حَدِيث الْعِرْبَاض بْن سَارِيَة \" وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَات الْأُمُور فَإِنَّ كُلّ بِدْعَة ضَلَالَة \" وَهُوَ حَدِيث أَوَّله \" وَعَظَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَة بَلِيغَة \" فَذَكَرَهُ وَفِيهِ هَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن مَاجَهْ وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِم , وَهَذَا الْحَدِيث فِي الْمَعْنَى قَرِيب مِنْ حَدِيث عَائِشَة الْمُشَار إِلَيْهِ وَهُوَ مِنْ جَوَامِع الْكَلِم قَالَ الشَّافِعِيّ \" الْبِدْعَة بِدْعَتَانِ : مَحْمُودَة وَمَذْمُومَة , فَمَا وَافَقَ السُّنَّة فَهُوَ مَحْمُود وَمَا خَالَفَهَا فَهُوَ مَذْمُوم \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن الْجُنَيْد عَنْ الشَّافِعِيّ , وَجَاءَ عَنْ الشَّافِعِيّ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَنَاقِبه قَالَ \" الْمُحْدَثَات ضَرْبَانِ مَا أُحْدِث يُخَالِف كِتَابًا أَوْ سُنَّة أَوْ أَثَرًا أَوْ إِجْمَاعًا فَهَذِهِ بِدْعَة الضَّلَال , وَمَا أُحْدِث مِنْ الْخَيْر لَا يُخَالِف شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهَذِهِ مُحْدَثَة غَيْر مَذْمُومَة \" اِنْتَهَى. وَقَسَّمَ بَعْض الْعُلَمَاء الْبِدْعَة إِلَى الْأَحْكَام الْخَمْسَة وَهُوَ وَاضِح , وَثَبَتَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ : قَدْ أَصْبَحْتُمْ عَلَى الْفِطْرَة وَإِنَّكُمْ سَتُحْدِثُونَ وَيُحْدَث لَكُمْ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مُحْدَثَة فَعَلَيْكُمْ بِالْهَدْيِ الْأَوَّل , فَمِمَّا حَدَثَ تَدْوِين الْحَدِيث ثُمَّ تَفْسِير الْقُرْآن ثُمَّ تَدْوِين الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّة الْمُوَلَّدَة عَنْ الرَّأْي الْمَحْض ثُمَّ تَدْوِين مَا يَتَعَلَّق بِأَعْمَالِ الْقُلُوب , فَأَمَّا الْأَوَّل فَأَنْكَرَهُ عُمَر وَأَبُو مُوسَى وَطَائِفَة وَرَخَّصَ فِيهِ الْأَكْثَرُونَ وَأَمَّا الثَّانِي فَأَنْكَرَهُ جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ كَالشَّعْبِيِّ , وَأَمَّا الثَّالِث فَأَنْكَرَهُ الْإِمَام أَحْمَد وَطَائِفَة يَسِيرَة وَكَذَا اِشْتَدَّ إِنْكَار أَحْمَد لِلَّذِي بَعْده , وَمِمَّا حَدَثَ أَيْضًا تَدْوِين الْقَوْل فِي أُصُول الدِّيَانَات فَتَصَدَّى لَهَا الْمُثْبِتَة وَالنُّفَاة , فَبَالَغَ الْأَوَّل حَتَّى شَبَّهَ وَبَالِغ الثَّانِي حَتَّى عَطَّلَ , وَاشْتَدَّ إِنْكَار السَّلَف لِذَلِكَ كَأَبِي حَنِيفَة وَأَبِي يُوسُف وَالشَّافِعِيّ , وَكَلَامُهمْ فِي ذَمّ أَهْل الْكَلَام مَشْهُور , وَسَبَبه أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِيمَا سَكَتَ عَنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , وَثَبَتَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَعُمَر شَيْء مِنْ الْأَهْوَاء - يَعْنِي بِدَع الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض وَالْقَدَرِيَّة - وَقَدْ تَوَسَّعَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْقُرُون الثَّلَاثَة الْفَاضِلَة فِي غَالِب الْأُمُور الَّتِي أَنْكَرَهَا أَئِمَّة التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعهمْ , وَلَمْ يَقْتَنِعُوا بِذَلِكَ حَتَّى مَزَجُوا مَسَائِل الدِّيَانَة بِكَلَامِ الْيُونَان , وَجَعَلُوا كَلَام الْفَلَاسِفَة أَصْلًا يَرُدُّونَ إِلَيْهِ مَا خَالَفَهُ مِنْ الْآثَار بِالتَّأْوِيلِ وَلَوْ كَانَ مُسْتَكْرَهًا , ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتَّى زَعَمُوا أَنَّ الَّذِي رَتَّبُوهُ هُوَ أَشْرَفُ الْعُلُوم وَأَوْلَاهَا بِالتَّحْصِيلِ , وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَسْتَعْمِل مَا اِصْطَلَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ عَامِّيٌّ جَاهِل , فَالسَّعِيد مَنْ تَمَسَّكَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَف وَاجْتَنَبَ مَا أَحْدَثَهُ الْخَلَف , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهُ بُدّ فَلْيَكْتَفِ مِنْهُ بِقَدْرِ الْحَاجَة , وَيَجْعَل الْأَوَّل الْمَقْصُود بِالْأَصَالَةِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ غُضَيْف بْن الْحَارِث قَالَ بَعَثَ إِلَيَّ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان فَقَالَ : إِنَّا قَدْ جَمَعْنَا النَّاس عَلَى رَفْع الْأَيْدِي عَلَى الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة , وَعَلَى الْقَصَص بَعْد الصُّبْح وَالْعَصْر , فَقَالَ : أَمَّا إِنَّهُمَا أَمْثَل بِدَعكُمْ عِنْدِي وَلَسْت بِمُجِيبِكُمْ إِلَى شَيْء مِنْهُمَا لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِنْ السُّنَّة مِثْلُهَا ; فَتَمَسُّكٌ بِسَنَةِ خَيْرٌ مِنْ إِحْدَاثِ بِدْعَةٍ \". اِنْتَهَى وَإِذَا كَانَ هَذَا جَوَاب هَذَا الصَّحَابِيّ فِي أَمْر لَهُ أَصْل فِي السُّنَّة فَمَا ظَنَّك بِمَا لَا أَصْل لَهُ فِيهَا , فَكَيْف بِمَا يَشْتَمِل عَلَى مَا يُخَالِفهَا. وَقَدْ مَضَى فِي \" كِتَاب الْعِلْم \" أَنَّ اِبْن مَسْعُود كَانَ يُذَكِّر الصَّحَابَة كُلّ خَمِيس لِئَلَّا يَمَلُّوا وَمَضَى فِي \" كِتَاب الرِّقَاق \" أَنَّ اِبْن عَبَّاس قَالَ : حَدِّثْ النَّاس كُلّ جُمْعَة فَإِنْ أَبَيْت فَمَرَّتَيْنِ , وَنَحْوه وَصِيَّة عَائِشَة لِعُبَيْدِ بْن عُمَيْر , وَالْمُرَاد بِالْقَصَصِ التَّذْكِير وَالْمَوْعِظَة , وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَجْعَلهُ رَاتِبًا كَخُطْبَةِ الْجُمُعَة بَلْ بِحَسْب الْحَاجَة , وَأَمَّا قَوْله فِي حَدِيث الْعِرْبَاض \" فَإِنَّ كُلّ بِدْعَة ضَلَالَة \" بَعْد قَوْله \" وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَات الْأُمُور \" فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُحْدَث يُسَمَّى بِدْعَة وَقَوْله \" كُلّ بِدْعَة ضَلَالَة \" قَاعِدَة شَرْعِيَّة كُلِّيَّة بِمَنْطُوقِهَا وَمَفْهُومهَا , أَمَّا مَنْطُوقهَا فَكَأَنْ يُقَال \" حُكْم كَذَا بِدْعَة وَكُلّ بِدْعَة ضَلَالَة \" فَلَا تَكُون مِنْ الشَّرْع لِأَنَّ الشَّرْع كُلّه هَدْي , فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ الْحَكَم الْمَذْكُور بِدْعَة صَحَّتْ الْمُقَدِّمَتَانِ , وَأَنْتَجَتَا الْمَطْلُوب , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" كُلّ بِدْعَة ضَلَالَة \" مَا أُحْدِث وَلَا دَلِيل لَهُ مِنْ الشَّرْع بِطَرِيقِ خَاصّ وَلَا عَامّ. وَقَوْله فِي آخِر حَدِيث اِبْن مَسْعُود ( إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) أَرَادَ خَتْم مَوْعِظَته بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآن يُنَاسِب الْحَال. وَقَالَ اِبْن عَبْد السَّلَام : فِي أَوَاخِر \" الْقَوَاعِد \" الْبِدْعَة خَمْسَة أَقْسَام \" فَالْوَاجِبَة \" كَالِاشْتِغَالِ بِالنَّحْوِ الَّذِي يُفْهَم بِهِ كَلَام اللَّه وَرَسُوله لِأَنَّ حِفْظ الشَّرِيعَة وَاجِب , وَلَا يَتَأَتَّى إِلَّا بِذَلِكَ فَيَكُون مِنْ مُقَدَّمَة الْوَاجِب , وَكَذَا شَرْح الْغَرِيب وَتَدْوِين أُصُول الْفِقْه وَالتَّوَصُّل إِلَى تَمْيِيز الصَّحِيح وَالسَّقِيم \" وَالْمُحَرَّمَة \" مَا رَتَّبَهُ مَنْ خَالَفَ السُّنَّة مِنْ الْقَدَرِيَّة وَالْمُرْجِئَة وَالْمُشَبِّهَة \" وَالْمَنْدُوبَة \" كُلّ إِحْسَان لَمْ يُعْهَد عَيْنُهُ فِي الْعَهْد النَّبَوِيّ كَالِاجْتِمَاعِ عَلَى التَّرَاوِيح وَبِنَاء الْمَدَارِس وَالرُّبَط وَالْكَلَام فِي التَّصَوُّف الْمَحْمُود وَعَقْد مَجَالِس الْمُنَاظَرَة إِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ وَجْه اللَّه \" وَالْمُبَاحَة \" كَالْمُصَافَحَةِ عَقِب صَلَاة الصُّبْح وَالْعَصْر , وَالتَّوَسُّع فِي الْمُسْتَلَذَّات مِنْ أَكْل وَشُرْب وَمَلْبَس وَمَسْكَن. وَقَدْ يَكُون بَعْض ذَلِكَ مَكْرُوهًا أَوْ خِلَاف الْأَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6736",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَزَيْد بْن خَالِد الْجُهَنِيّ فِي قِصَّة الْعَسِيف قَالَا كُنَّا عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ \" لَأَقْضِيَنَّ بَيْنكُمَا بِكِتَابِ اللَّه \" وَهَذَا يُوهِم أَنَّ الْخِطَاب لَهُمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا هُوَ لِوَالِدِ الْعَسِيف وَاَلَّذِي اِسْتَأْجَرَهُ لَمَّا تَحَاكَمَا بِسَبَبِ زِنَا الْعَسِيف بِامْرَأَةِ الَّذِي اِسْتَأْجَرَهُ , وَالْقَدْر الْمَذْكُور هُنَا طَرَف مِنْ الْقِصَّة الْمَذْكُورَة , وَاقْتَصَرَ الْبُخَارِيّ هُنَا عَلَيْهِ لِدُخُولِهِ فِي غَرَضه مِنْ أَنَّ السُّنَّة يُطْلَق عَلَيْهَا \" كِتَاب اللَّه \" لِأَنَّهَا بِوَحْيِهِ وَتَقْدِيره , لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ مَعَ شَرْح الْحَدِيث فِي \" كِتَاب الْمُحَارِبِينَ \" الْمُتَعَلِّق بِبَيَانِ الْحُدُود. ‏"
    },
    {
        "id": "6737",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( فُلَيْح ) ‏ ‏بِالْفَاءِ وَالْمُهْمَلَة مُصَغَّر هُوَ اِبْن سُلَيْمَان الْمَدَنِيّ , وَشَيْخه \" هِلَال بْن عَلِيّ \" هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ اِبْن أَبِي مَيْمُونَة. ‏ ‏قَوْله ( كُلّ أُمَّتِي يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا مَنْ أَبَى ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة أَيْ اِمْتَنَعَ وَظَاهِره أَنَّ الْعُمُوم مُسْتَمِرّ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ لَا يَمْتَنِع مِنْ دُخُول الْجَنَّة وَلِذَلِكَ قَالُوا \" وَمَنْ يَأْبَى \" فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ إِسْنَاد الِامْتِنَاع إِلَيْهِمْ عَنْ الدُّخُول مَجَاز عَنْ الِامْتِنَاع عَنْ سُنَّته وَهُوَ عِصْيَان الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْأَحْكَام حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا مَرْفُوعًا \" مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه \" وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ \" لَتَدْخُلُنَّ الْجَنَّة إِلَّا مَنْ أَبَى وَشَرَدَ عَلَى اللَّه شِرَاد الْبَعِير \" وَسَنَده عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ , وَلَهُ شَاهِد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَسَنَده جَيِّد , وَالْمَوْصُوف بِالْإِبَاءِ وَهُوَ الِامْتِنَاع إِنْ كَانَ كَافِرًا فَهُوَ لَا يَدْخُل الْجَنَّة أَصْلًا وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَالْمُرَاد مَنْعه مِنْ دُخُولهَا مَعَ أَوَّل دَاخِل إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6738",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادَةَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ ‏ ‏وَأَثْنَى عَلَيْهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَوْ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ نَائِمٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ نَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ ‏ ‏إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ فَقَالُوا إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ نَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ فَقَالُوا مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنْ الْمَأْدُبَةِ وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلْ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ الْمَأْدُبَةِ فَقَالُوا أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ نَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ فَقَالُوا فَالدَّارُ الْجَنَّةُ وَالدَّاعِي ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَنْ أَطَاعَ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَى ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَدْ عَصَى اللَّهَ ‏ ‏وَمُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏لَيْثٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مُحَمَّد بْن عُبَادَةَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة , وَاسْم جَدّه الْبَخْتَرِيّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق , ثِقَة وَاسِطِيّ يُكْنَى أَبَا جَعْفَر مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث وَآخَر تَقَدَّمَ فِي \" كِتَاب الْأَدَب \" وَهُوَ مِنْ الطَّبَقَة الرَّابِعَة مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , و \" يَزِيد \" شَيْخه هُوَ اِبْن هَارُون , ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سَلِيم بْن حَيَّان وَأَثْنَى عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَمَّا سَلِيم فَبِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَزْن عَظِيم وَأَبُوهُ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة وَالْقَائِل \" وَأَثْنَى عَلَيْهِ \" هُوَ مُحَمَّد وَفَاعِل أَثْنَى هُوَ يَزِيد. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ حَدَّثَنَا أَوْ سَمِعْت ) ‏ ‏الْقَائِل ذَلِكَ سَعِيد بْن مِينَاء وَالشَّاكّ هُوَ سَلِيم بْن حَيَّان , شَكَّ فِي أَيّ الصِّيغَتَيْنِ قَالَهَا شَيْخه سَعِيد , وَيَجُوز فِي جَابِر أَنْ يُقْرَأ بِالنَّصْبِ وَبِالرَّفْعِ وَالنَّصْب أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله ( جَاءَتْ مَلَائِكَة ) ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى أَسْمَائِهِمْ وَلَا أَسْمَاء بَعْضهمْ , وَلَكِنْ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي هِلَال الْمُعَلَّقَة عَقِب هَذَا عِنْد التِّرْمِذِيّ أَنَّ الَّذِي حَضَرَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة جِبْرِيل وَمِيكَائِيل , وَلَفْظه \" خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنَّ جِبْرِيل عِنْد رَأْسِي وَمِيكَائِيل عِنْد رِجْلَيَّ \" فَيَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ مَعَ كُلّ مِنْهُمَا غَيْره. وَاقْتَصَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى مَنْ بَاشَرَ الْكَلَام مِنْهُمْ اِبْتِدَاء وَجَوَابًا , وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد التِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَسَّدَ فَخِذه فَرَقَدَ , وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ ; قَالَ فَبَيْنَا أَنَا قَاعِد إِذْ أَنَا بِرِجَالٍ عَلَيْهِمْ ثِيَاب بِيض , اللَّه أَعْلَم بِمَا بِهِمْ مِنْ الْجَمَال , فَجَلَسَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ عِنْد رَأْس رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَطَائِفَة مِنْهُمْ عِنْد رِجْلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا قَالَ فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ لَفْظ \" قَالَ \" مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ بَعْضهمْ إِنَّهُ نَائِم إِلَى قَوْله يَقْظَان ) ‏ ‏قَالَ الرَّامَهُرْمُزِيّ هَذَا تَمْثِيل يُرَاد بِهِ حَيَاة الْقَلْب وَصِحَّة خَوَاطِره , يُقَال رَجُل يَقِظ إِذَا كَانَ ذَكِيّ الْقَلْب ; وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود فَقَالُوا بَيْنهمْ : مَا رَأَيْنَا عَبْدًا قَطُّ أُوتِيَ مِثْل مَا أُوتِيَ هَذَا النَّبِيّ , إِنَّ عَيْنَيْهِ تَنَامَانِ وَقَلْبه يَقْظَان , اِضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا , وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي هِلَال ,. فَقَالَ أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ اِضْرِبْ لَهُ مَثَلًا , فَقَالَ \" اِسْمَعْ سَمِعَ أُذُنك وَاعْقِلْ عَقَل قَلْبُك إِنَّمَا مَثَلك \" وَنَحْوه فِي حَدِيث رَبِيعَة الْجَرْشِيّ عِنْد الطَّبَرَانِيّ زَادَ أَحْمَد فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود فَقَالُوا اِضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا وَنُؤَوِّل أَوْ نَضْرِب وَأَوِّلُوا , وَفِيهِ لِيَعْقِلْ قَلْبُك. ‏ ‏قَوْله ( مَثَلَهُ كَمَثَلِ رَجُل بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَة ) ‏ ‏فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" مَثَل سَيِّد بَنَى قَصْرًا \" وَفِي رِوَايَة أَحْمَد \" بُنْيَانًا حَصِينًا ثُمَّ جَعَلَ مَأْدُبَة فَدَعَا النَّاس إِلَى طَعَامه وَشَرَابه , فَمَنْ أَجَابَهُ أَكَلَ مِنْ طَعَامه وَشَرِبَ مِنْ شَرَابه وَمَنْ لَمْ يُجِبْهُ عَاقَبَهُ - أَوْ قَالَ - عَذَّبَهُ \" وَفِي رِوَايَة أَحْمَد \" عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا \" وَالْمَأْدُبَة بِسُكُونِ الْهَمْزَة وَضَمّ الدَّالّ بَعْدهَا مُوَحَّدَة وَحُكِيَ الْفَتْح , وَقَالَ اِبْن التِّين : عَنْ أَبِي عَبْد الْمَلِك الضَّمّ وَالْفَتْح لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ , وَقَالَ الرَّامَهُرْمُزِيّ نَحْوه فِي حَدِيث \" الْقُرْآن مَأْدُبَة اللَّه \" قَالَ : وَقَالَ لِي أَبُو مُوسَى الْحَامِض : مَنْ قَالَهُ بِالضَّمِّ أَرَادَ الْوَلِيمَة , وَمَنْ قَالَهُ بِالْفَتْحِ أَرَادَ أَدَب اللَّه الَّذِي أَدَّبَ بِهِ عِبَاده. قُلْت : فَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّن الضَّمّ. ‏ ‏قَوْله ( وَبَعَثَ دَاعِيًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سَعِيد \" ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النَّاس إِلَى طَعَامه فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ الرَّسُول وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ بَعْضهمْ أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهُهَا ) ‏ ‏قِيلَ يُؤْخَذ مِنْهُ حُجَّة لِأَهْلِ التَّعْبِير أَنَّ التَّعْبِير إِذَا وَقَعَ فِي الْمَنَام اِعْتُمِدَ عَلَيْهِ \" قَالَ اِبْن بَطَّال : قَوْله \" أَوِّلُوهَا لَهُ \" يَدُلّ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَا عَلَى مَا عُبِّرَتْ فِي النَّوْم \" اِنْتَهَى. وَفِيهِ نَظَر لِاحْتِمَالِ الِاخْتِصَاص بِهَذِهِ الْقِصَّة لِكَوْنِ الرَّائِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَرْئِيّ الْمَلَائِكَة , فَلَا يَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي حَقّ غَيْرهمْ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ بَعْضهمْ إِنَّهُ نَائِمٌ ) ‏ ‏هَكَذَا وَقَعَ ثَالِث مَرَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالُوا الدَّار الْجَنَّة ) ‏ ‏أَيْ الْمُمَثَّل بِهَا زَادَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي هِلَال \" فَاَللَّه هُوَ الْمَلِك وَالدَّار الْإِسْلَام وَالْبَيْت الْجَنَّة وَأَنْتَ يَا مُحَمَّد رَسُول اللَّه \" وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد أَحْمَد \" أَمَّا السَّيِّد فَهُوَ رَبّ الْعَالَمِينَ , وَأَمَّا الْبُنْيَان فَهُوَ الْإِسْلَام وَالطَّعَام الْجَنَّة وَمُحَمَّد الدَّاعِي \" فَمَنْ اِتَّبَعَهُ كَانَ فِي الْجَنَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه ) ‏ ‏أَيْ لِأَنَّهُ رَسُول صَاحِب الْمَأْدُبَة فَمَنْ أَجَابَهُ وَدَخَلَ فِي دَعَوْته أَكَلَ مِنْ الْمَأْدُبَة , وَهُوَ كِنَايَة عَنْ دُخُول الْجَنَّة وَوَقَعَ بَيَان ذَلِكَ فِي رِوَايَة سَعِيد وَلَفْظه \" وَأَنْتَ يَا مُحَمَّد رَسُول اللَّه فَمَنْ أَجَابَك دَخَلَ الْإِسْلَام , وَمَنْ دَخَلَ الْإِسْلَام دَخَلَ الْجَنَّة , وَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّة أَكَلَ مَا فِيهَا \" ‏ ‏قَوْله ( وَمُحَمَّد فَرَّقَ بَيْن النَّاس ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ بِتَشْدِيدِ الرَّاء فِعْلًا مَاضِيًا , وَلِغَيْرِهِ بِسُكُونِ الرَّاء وَالتَّنْوِين وَكِلَاهُمَا مُتَّجَه , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْ هَذَا التَّمْثِيل تَشْبِيه الْمُفْرَد بِالْمُفْرَدِ , بَلْ تَشْبِيه الْمُرَكَّب بِالْمُرَكَّبِ , مَعَ قَطْع النَّظَر عَنْ مُطَابَقَة الْمُفْرَدَات مِنْ الطَّرَفَيْنِ اِنْتَهَى , وَقَدْ وَقَعَ فِي غَيْر هَذِهِ الطَّرِيق مَا يَدُلّ عَلَى الْمُطَابَقَة الْمَذْكُورَة , زَادَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" فَلَمَّا اِسْتَيْقَظَ قَالَ : سَمِعْت مَا قَالَ هَؤُلَاءِ , هَلْ تَدْرِي مَنْ هُمْ ؟. قُلْت : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم , قَالَ هُمْ الْمَلَائِكَة , وَالْمَثَل الَّذِي ضَرَبُوا الرَّحْمَنُ بَنَى الْجَنَّة وَدَعَا إِلَيْهَا عِبَاده \" الْحَدِيث. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي \" كِتَاب الْمَنَاقِب \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَلِيم بْن حَيَّان بِهَذَا الْإِسْنَاد \" قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلِي وَمَثَل الْأَنْبِيَاء كَرَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَكْمَلَهَا وَأَحْسَنهَا إِلَّا مَوْضِع لَبِنَة \" الْحَدِيث , وَهُوَ حَدِيث آخَر وَتَمْثِيل آخَر , فَالْحَدِيث الَّذِي فِي الْمَنَاقِب يَتَعَلَّق بِالنُّبُوَّةِ وَكَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَم النَّبِيِّينَ , وَهَذَا يَتَعَلَّق بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَام وَبِأَحْوَالِ مَنْ أَجَابَ أَوْ اِمْتَنَعَ , وَقَدْ وَهَمَ مَنْ خَلَطَهُمَا كَأَبِي نُعَيْم فِي \" الْمُسْتَخْرَج \" فَإِنَّهُ لَمَّا ضَاقَ عَلَيْهِ مَخْرَج حَدِيث الْبَاب وَلَمْ يَجِدهُ مَرْوِيًّا عِنْده أَوْرَدَ حَدِيث اللَّبِنَة ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُمَا حَدِيث وَاحِد وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا بَيَّنْته , وَسَلِمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِدهُ فِي مَرْوِيَّاته أَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَته عَنْ الْفَرَبْرِيّ بِالْإِجَازَةِ عَنْ الْبُخَارِيّ بِسَنَدِهِ , وَقَدْ رَوَى يَزِيد بْن هَارُون بِهَذَا السَّنَد حَدِيث اللَّبِنَة أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخ فِي \" كِتَاب الْأَمْثَال \" مِنْ طَرِيق أَحْمَد اِبْن سِنَان الْوَاسِطِيِّ عَنْهُ , وَسَاقَ بِهَذَا السَّنَد حَدِيث \" مَثَلِي وَمَثَلكُمْ كَمَثَلِ رَجُل أَوْقَدَ نَارًا \" الْحَدِيث , لَكِنَّهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة لَا عَنْ جَابِر وَقَدْ ذَكَرَ الرَّامَهُرْمُزِيّ , حَدِيث الْبَاب فِي \" كِتَاب الْأَمْثَال \" مُعَلَّقًا فَقَالَ : وَرَوَى يَزِيد اِبْن هَارُون فَسَاقَ السَّنَد وَلَمْ يُوَصِّل سَنَده بِيَزِيد وَأَوْرَدَ مَعْنَاهُ مِنْ مُرْسَل الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ قُتَيْبَة عَنْ لَيْث ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن سَعْد ‏ ‏( عَنْ خَالِد ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن يَزِيد وَهُوَ أَبُو عَبْد الرَّحِيم الْمِصْرِيّ أَحَد الثِّقَات. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال عَنْ جَابِر قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَكَذَا اِقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَدْر مِنْ الْحَدِيث وَظَاهِره أَنَّ بَقِيَّة الْحَدِيث مِثْله , وَقَدْ بَيَّنْت مَا بَيْنهمَا مِنْ الِاخْتِلَاف , وَقَدْ وَصَلَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ قُتَيْبَة بِهَذَا السَّنَد وَوَصَلَهُ أَيْضًا الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان , وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق أَبِي الْعَبَّاس السَّرَّاج , كِلَاهُمَا عَنْ قُتَيْبَة وَنَسَب السَّرَّاج فِي رِوَايَته اللَّيْث وَشَيْخه كَمَا ذَكَرْته , قَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْد تَخْرِيجه : هَذَا حَدِيث مُرْسَل , سَعِيد بْن أَبِي هِلَال لَمْ يُدْرِك جَابِر بْن عَبْد اللَّه. قُلْت : وَفَائِدَة إِيرَاد الْبُخَارِيّ لَهُ رَفْع التَّوَهُّم عَمَّنْ يَظُنّ أَنَّ طَرِيق سَعِيد بْن مِينَاء مَوْقُوفَة , لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح بِرَفْعِ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى بِهَذِهِ الطَّرِيق لِتَصْرِيحِهَا ; ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ وَجَاءَ مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْنَادٍ أَصَحّ مِنْ هَذَا. قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ اِبْن مَسْعُود , ثُمَّ سَاقَهُ بِسَنَدِهِ إِلَى اِبْن مَسْعُود وَصَحَّحَهُ , وَقَدْ بَيَّنْت مَا فِيهِ أَيْضًا بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى. وَوَصَفَ التِّرْمِذِيّ لَهُ بِأَنَّهُ مُرْسَل : يُرِيد أَنَّهُ مُنْقَطِع بَيْن سَعِيد وَجَابِر , وَقَدْ اِعْتَضَدَ هَذَا الْمُنْقَطِع بِحَدِيثِ رَبِيعَة الْجَرْشِيّ عِنْد الطَّبَرَانِيّ فَإِنَّهُ بِنَحْوِ سِيَاقه وَسَنَده جَيِّد , وَسَعِيد بْن أَبِي هِلَال غَيْر سَعِيد بْن مِينَاء الَّذِي فِي السَّنَد الْأَوَّل , وَكُلّ مِنْهُمَا مَدَنِيّ لَكِنَّ اِبْن مِينَاء تَابِعِيّ بِخِلَافِ اِبْن أَبِي هِلَال , وَالْجَمْع بَيْنهمَا إِمَّا بِتَعَدُّدِ الْمَرْئِيّ وَهُوَ وَاضِح أَوْ بِأَنَّهُ مَنَام وَاحِد حَفِظَ فِيهِ بَعْض الرُّوَاة مَا لَمْ يَحْفَظ غَيْره , وَتَقَدَّمَ طَرِيق الْجَمْع بَيْن اِقْتِصَاره عَلَى جِبْرِيل وَمِيكَائِيل فِي حَدِيث وَذِكْره الْمَلَائِكَة بِصِيغَةِ الْجَمْع فِي الْجَانِبَيْنِ الدَّالّ عَلَى الْكَثْرَة فِي آخِر , وَظَاهِر رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي هِلَال أَنَّ الرُّؤْيَا كَانَتْ فِي بَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ \" خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ إِنِّي رَأَيْت فِي الْمَنَام \" وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد أَنْ خَرَجَ إِلَى الْجِنّ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ , ثُمَّ أَغْفَى عِنْد الصُّبْح فَجَاءُوا إِلَيْهِ حِينَئِذٍ , وَيُجْمَع بِأَنَّ الرُّؤْيَا كَانَتْ عَلَى مَا وَصَف اِبْن مَسْعُود , فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَنْزِله خَرَجَ عَلَى أَصْحَابه فَقَصَّهَا , وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَلَيْسَ بَيْنهمَا مُنَافَاة إِذْ وَصْف الْمَلَائِكَة بِرِجَالٍ حِسَان , يُشِير إِلَى أَنَّهُمْ تَشَكَّلُوا بِصُورَةِ الرِّجَال , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ يُوسُف بْن مِهْرَانَ عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْو أَوَّل حَدِيث سَعِيد بْن أَبِي هِلَال لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ الْمَلَكَيْنِ , وَسَاقَ الْمَثَل عَلَى غَيْر سِيَاق مَنْ تَقَدَّمَ قَالَ : إِنَّ مَثَل هَذَا وَمَثَل أُمَّته , كَمَثَلِ قَوْم سَفْر اِنْتَهَوْا إِلَى رَأْس مَفَازَة فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مِنْ الزَّاد مَا يَقْطَعُونَ بِهِ الْمَفَازَة وَلَا مَا يَرْجِعُونَ بِهِ , فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُمْ رَجُل فَقَالَ أَرَأَيْتُمْ إِنْ وَرَدْت بِكُمْ رِيَاضًا مُعْشِبَة وَحِيَاضًا رُوَاء , أَتَتَّبِعُونَنِي ؟ قَالُوا : نَعَمْ ; فَانْطَلَقَ بِهِمْ فَأَوْرَدَهُمْ , فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا وَسَمِنُوا , فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ بَيْن أَيْدِيكُمْ رِيَاضًا هِيَ أَعْشَبَ مِنْ هَذِهِ , وَحِيَاضًا أَرْوَى مِنْ هَذِهِ فَاتَّبِعُونِي , فَقَالَتْ طَائِفَة صَدَقَ وَاَللَّه لَنَتَّبِعَنَّهُ , وَقَالَتْ طَائِفَة قَدْ رَضِينَا بِهَذَا نُقِيم عَلَيْهِ \" وَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا قَوِيَ الْحَمْل عَلَى التَّعَدُّد إِمَّا لِلْمَنَامِ وَإِمَّا لِضَرْبِ الْمَثَل , وَلَكِنَّ عَلِيّ بْن زَيْد ضَعِيف مِنْ قِبَل حِفْظه. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود : إِنَّ الْمَقْصُود \" الْمَأْدُبَة \" وَهُوَ مَا يُؤْكَل وَيُشْرَب فَفِيهِ رَدّ عَلَى الصُّوفِيَّة الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا مَطْلُوب فِي الْجَنَّة إِلَّا الْوِصَال , وَالْحَقّ أَنْ لَا وِصَال لَنَا إِلَّا بِانْقِضَاءِ الشَّهَوَات الْجُثْمَانِيَّة وَالنَّفْسَانِيَّة وَالْمَحْسُوسَة وَالْمَعْقُولَة وَجِمَاع ذَلِكَ كُلّه فِي الْجَنَّة اِنْتَهَى , وَلَيْسَ مَا اِدَّعَاهُ مِنْ الرَّدّ بِوَاضِحٍ , قَالَ وَفِيهِ مَنْ أَجَابَ الدَّعْوَة أُكْرِمَ وَمَنْ لَمْ يُجِبْهَا أُهِينَ , وَهُوَ خِلَاف قَوْلهمْ مَنْ دَعَوْنَاهُ فَلَمْ يُجِبْنَا فَلَهُ الْفَضْل عَلَيْنَا فَإِنْ أَجَابَنَا فَلَنَا الْفَضْل عَلَيْهِ. فَإِنَّهُ مَقْبُول فِي النَّظَر , وَأَمَّا حُكْم الْعَبْد مَعَ الْمَوْلَى فَهُوَ كَمَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "6739",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا فَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا فَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ \" وَإِبْرَاهِيم \" هُوَ النَّخَعِيُّ \" وَهَمَّام \" هُوَ اِبْن الْحَارِث , وَرِجَال السَّنَد كُلّهمْ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( يَا مَعْشَر الْقُرَّاء ) ‏ ‏بِضَمِّ الْقَاف وَتَشْدِيد الرَّاء مَهْمُوز جَمْع قَارِئ , وَالْمُرَاد بِهِمْ الْعُلَمَاء بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّة الْعُبَّاد , وَسَيَأْتِي إِيضَاحه فِي الْحَدِيث الْحَادِيَ عَشَر. ‏ ‏قَوْله ( اِسْتَقِيمُوا ) ‏ ‏أَيْ اُسْلُكُوا طَرِيق الِاسْتِقَامَة وَهِيَ كِنَايَة عَنْ التَّمَسُّك بِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى فِعْلًا وَتَرْكًا , وَقَوْله فِيهِ \" سَبَقْتُمْ \" هُوَ بِفَتْحِ أَوَّله كَمَا جَزَمَ بِهِ اِبْن التِّين وَحَكَى غَيْره ضَمَّهُ , وَالْأَوَّل الْمُعْتَمَد زَادَ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيُّ عَنْ أَبِي نُعَيْم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" فَإِنْ اِسْتَقَمْتُمْ فَقَدْ سَبَقْتُمْ \" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج وَقَوْله \" سَبْقًا بَعِيدًا \" أَيْ ظَاهِرًا وَوَصْفه بِالْبُعْدِ لِأَنَّهُ غَايَة شَأْو السَّابِقِينَ , وَالْمُرَاد أَنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ مَنْ أَدْرَكَ أَوَائِل الْإِسْلَام فَإِذَا تَمَسَّكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّة سَبَقَ إِلَى كُلّ خَيْر , لِأَنَّ مَنْ جَاءَ بَعْده إِنْ عَمِلَ بِعَمَلِهِ لَمْ يَصِل إِلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ سَبْقِهِ إِلَى الْإِسْلَام , وَإِلَّا فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ حِسًّا وَحُكْمًا. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا ) ‏ ‏أَيْ خَالَفْتُمْ الْأَمْر الْمَذْكُور , وَكَلَام حُذَيْفَة مُنْتَزَع مِنْ قَوْله تَعَالَى ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) وَاَلَّذِي لَهُ حُكْم الرَّفْع مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة هَذَا الْإِشَارَة إِلَى فَضْل السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار الَّذِينَ مَضَوْا عَلَى الِاسْتِقَامَة فَاسْتَشْهَدُوا بَيْن يَدَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَاشُوا بَعْده عَلَى طَرِيقَته فَاسْتَشْهَدُوا أَوْ مَاتُوا عَلَى فُرُشهمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "6740",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو كُرَيْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ فَالنَّجَاءَ فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ ‏ ‏فَأَدْلَجُوا ‏ ‏فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنْ الْحَقِّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي \" النَّذِير الْعُرْيَان \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي بَاب الِانْتِهَاء عَنْ الْمَعَاصِي مِنْ \" كِتَاب الرِّقَاق \" و \" بُرَيْد \" بِمُوَحَّدَةٍ وَرَاء مُصَغَّر هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي بُرْدَة و \" أَبُو بُرْدَة \" شَيْخه هُوَ جَدّه وَهُوَ اِبْن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6741",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏لَيْثٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاسْتُخْلِفَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏بَعْدَهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لِأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏وَعَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏اللَّيْثِ ‏ ‏عَنَاقًا ‏ ‏وَهُوَ أَصَحُّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة أَبِي بَكْر فِي قِتَال أَهْل الرِّدَّة وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله ( فِي آخِره قَالَ اِبْن بُكَيْر ) ‏ ‏يَعْنِي يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن بُكَيْر الْمِصْرِيّ ‏ ‏( وَعَبْد اللَّه ) ‏ ‏يَعْنِي كَاتِب اللَّيْث وَهُوَ أَبُو صَالِح إِلَخْ , وَمُرَاده أَنَّ قُتَيْبَة حَدَّثَهُ عَنْ اللَّيْث بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور فِيهِ بِلَفْظِ \" لَوْ مَنَعُونِي كَذَا \" وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" كَذَا وَكَذَا \" وَحَدَّثَهُ بِهِ يَحْيَى وَعَبْد اللَّه عَنْ اللَّيْث بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور بِلَفْظِ \" عَنَاقًا \" وَقَوْله \" وَهُوَ أَصَحّ \" أَيْ مِنْ رِوَايَة مِنْ رَوَى \" عِقَالًا \" كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي \" كِتَاب الزَّكَاة \" أَوْ أَبْهَمَهُ كَاَلَّذِي وَقَعَ هُنَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6742",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ ‏ ‏فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ ‏ ‏الْحُرِّ بْنِ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجْلِسِ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا فَقَالَ ‏ ‏عُيَيْنَةُ ‏ ‏لِابْنِ أَخِيهِ يَا ابْنَ أَخِي هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ فَتَسْتَأْذِنَ لِي عَلَيْهِ قَالَ سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَاسْتَأْذَنَ ‏ ‏لِعُيَيْنَةَ ‏ ‏فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏ابْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا ‏ ‏الْجَزْلَ ‏ ‏وَمَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ فَغَضِبَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يَقَعَ بِهِ فَقَالَ ‏ ‏الْحُرُّ ‏ ‏يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ ‏} ‏وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ فَوَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ وَاسْم \" أَبِي أُوَيْس \" عَبْد اللَّه الْمَدَنِيّ الْأَصْبَحِيّ , و \" اِبْن وَهْب \" هُوَ عَبْد اللَّه الْمِصْرِيّ و \" يُونُس \" هُوَ اِبْن يَزِيد الْأَيْلِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( قَدِمَ عُيَيْنَةَ ) ‏ ‏بِتَحْتَانِيَّةِ وَنُون مُصَغَّرًا ‏ ‏( اِبْن حِصْن ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْحَاء وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ نُون ‏ ‏( اِبْن حُذَيْفَة بْن بَدْر ) ‏ ‏يَعْنِي الْفَزَارِيَّ مَعْدُود فِي الصَّحَابَة , وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة مَوْصُوفًا بِالشُّجَاعَةِ وَالْجَهْل وَالْجَفَاء , وَلَهُ ذِكْر فِي \" الْمَغَازِي \" ثُمَّ أَسْلَمَ فِي الْفَتْح وَشَهِدَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُنَيْنًا فَأَعْطَاهُ مَعَ الْمُؤَلَّفَة وَإِيَّاهُ عَنَى الْعَبَّاس بْن مِرْدَاس السُّلَمِيّ بِقَوْلِهِ : ‏ ‏أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْب الْعَبِيد ‏ ‏بَيْن عُيَيْنَة وَالْأَقْرَع ‏ ‏وَلَهُ ذِكْر مَعَ الْأَقْرَع بْن حَابِس سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي \" بَاب مَا يُكْرَه مِنْ التَّعَمُّق \" وَلَهُ قِصَّة مَعَ أَبِي بَكْر وَعُمَر حِين سَأَلَ أَبَا بَكْر أَنْ يُعْطِيهِ أَرْضًا يُقْطِعهُ إِيَّاهَا فَمَنَعَهُ عُمَر , وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي \" التَّارِيخ الصَّغِير \" وَسَمَّاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" الْأَحْمَق الْمُطَاع \" وَكَانَ عُيَيْنَة مِمَّنْ وَافَقَ طُلَيْحَة الْأَسَدِيَّ لَمَّا اِدَّعَى النُّبُوَّة , فَلَمَّا غَلَبَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فِي قِتَال أَهْل الرِّدَّة فَرَّ طُلَيْحَة وَأُسِرَ عُيَيْنَةَ , فَأُتِيَ بِهِ أَبُو بَكْر فَاسْتَتَابَهُ فَتَابَ , وَكَانَ قُدُومه إِلَى الْمَدِينَة عَلَى عُمَر بَعْد أَنْ اِسْتَقَامَ أَمْره وَشَهِدَ الْفُتُوح , وَفِيهِ مِنْ جَفَاء الْأَعْرَاب شَيْءٌ. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى اِبْن أَخِيهِ الْحُرّ ) ‏ ‏بِلَفْظِ ضِدّ الْعَبْد , و \" قَيْس \" وَالِد الْحُرّ لَمْ أَرَ لَهُ ذِكْرًا فِي الصَّحَابَة , وَكَأَنَّهُ مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّة , وَالْحُرّ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَة أَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن وَابْن شَاهِينَ , وَفِي الْعُتْبِيَّة عَنْ مَالِك قَدِمَ عُيَيْنَة بْنُ حِصْن الْمَدِينَة , فَنَزَلَ عَلَى اِبْن أَخ لَهُ أَعْمَى فَبَاتَ يُصَلِّي فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى الْمَسْجِد فَقَالَ عُيَيْنَة كَانَ اِبْن أَخِي عِنْدِي أَرْبَعِينَ سَنَّة لَا يُطِيعنِي , فَمَا أَسْرَعَ مَا أَطَاعَ قُرَيْشًا , وَفِي هَذَا إِشْعَار بِأَنَّ أَبَاهُ مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّة. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ مِنْ النَّفَر الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَر ) ‏ ‏بَيَّنَ بَعْد ذَلِكَ السَّبَبَ ‏ ‏بِقَوْله ( وَكَانَ الْقُرَّاء ) ‏ ‏أَيْ الْعُلَمَاء الْعُبَّاد ‏ ‏( أَصْحَاب مَجْلِس عُمَر ) ‏ ‏فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُرّ كَانَ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ , وَتَقَدَّمَ فِي آخِر سُورَة الْأَعْرَاف ضَبْط قَوْله \" أَوْ شُبَّانًا \" وَأَنَّهُ بِالْوَجْهَيْنِ , وَقَوْله \" وَمُشَاوَرَته \" بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَبِفَتْحِ الْوَاو وَيَجُوز كَسْرهَا. ‏ ‏قَوْله ( هَلْ لَك وَجْه عِنْد هَذَا الْأَمِير ) ‏ ‏هَذَا مِنْ جُمْلَة جَفَاء عُيَيْنَة إِذْ كَانَ مِنْ حَقّه أَنْ يَنْعَتهُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّهُ لَا يَعْرِف مَنَازِل الْأَكَابِر. ‏ ‏قَوْله ( فَتَسْتَأْذِن لِي عَلَيْهِ ) ‏ ‏أَيْ فِي خَلْوَة , وَإِلَّا فَعُمَر كَانَ لَا يَحْتَجِب إِلَّا وَقْت خَلَوْته وَرَاحَته , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ لَهُ سَأَسْتَأْذِنُ لَك عَلَيْهِ , أَيْ حَتَّى تَجْتَمِع بِهِ وَحْدَك. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اِبْن عَبَّاس فَاسْتَأْذَنَ لِعُيَيْنَةَ ) ‏ ‏أَيْ الْحُرّ , وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ يَا اِبْن الْخَطَّاب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ الْمَاضِيَة فِي آخِر تَفْسِير الْأَعْرَاف , فَقَالَ : هِيْ , بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُون وَفِي بَعْضهَا \" هِيْهِ \" بِكَسْرِ الْهَاءَيْنِ بَيْنهمَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة , قَالَ النَّوَوِيّ بَعْد أَنْ ضَبَطَهَا هَكَذَا : هِيْ , كَلِمَة تُقَال فِي الِاسْتِزَادَة وَيُقَال بِالْهَمْزَةِ بَدَل الْهَاء الْأُولَى , وَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ قَاسِم بْن ثَابِت فِي \" الدَّلَائِل \" كَمَا نَقَلَهُ صَاحِب الْمَشَارِق فَقَالَ فِي قَوْل اِبْن الزُّبَيْر إِيهًا قَوْله \" إِيه \" بِهَمْزِ مَكْسُور مَعَ التَّنْوِين كَلِمَة اِسْتِزَادَة مِنْ حَدِيث لَا يُعْرَف , وَتَقُول \" إِيهًا عَنَّا \" بِالنَّصْبِ أَيْ كُفَّ , قَالَ وَقَالَ يَعْقُوب يَعْنِي اِبْن السِّكِّيت تَقُول لِمَنْ اِسْتَزَدْته , مِنْ عَمَل أَوْ حَدِيث \" إِيه \" فَإِنْ وَصَلْت نَوَّنْت فَقُلْت \" إِيهٍ حَدِّثْنَا \" وَحَكَاهُ كَذَا فِي النِّهَايَة وَزَادَ فَإِذَا قُلْت \" إِيهًا \" بِالنَّصْبِ فَهُوَ أَمْر بِالسُّكُوتِ , وَقَالَ اللَّيْث قَدْ تَكُون كَلِمَة اِسْتِزَادَة وَقَدْ تَكُون كَلِمَة زَجْر كَمَا قَالَ : إِيهِ عَنَّا أَيْ كُفَّ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هِيهِ هُنَا بِكَسْرِ الْهَاء الْأُولَى , وَفِي بَعْض النُّسَخ بِهَمْزَةٍ بَدَلهَا وَهُوَ مِنْ أَسْمَاء الْأَفْعَال , تُقَال لِمَنْ تَسْتَزِيدهُ , كَذَا قَالَ وَلَمْ يَضْبِط الْهَاء الثَّانِيَة , ثُمَّ قَالَ وَفِي بَعْض النُّسَخ هِيَ بِحَذْفِ الْهَاء الثَّانِيَة وَالْمَعْنَى وَاحِد , أَوْ هُوَ ضَمِير لِمَحْذُوفِ أَيْ هِيَ دَاهِيَة أَوْ الْقِصَّة هَذِهِ اِنْتَهَى , وَاقْتَصَرَ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن فِي شَرْحه عَلَى قَوْله \" هِيَ يَا اِبْن الْخَطَّاب \" بِمَعْنَى التَّهْدِيد لَهُ وَوَقَعَ فِي تَنْقِيح الزَّرْكَشِيّ فَقَالَ \" هِئَ يَا اِبْن الْخَطَّاب \" بِكَسْرِ الْهَاء وَآخِره هَمْزَة مَفْتُوحَة , تَقُول لِلرَّجُلِ إِذَا اِسْتَزَدْته \" هِيهِ وَإِيه \" اِنْتَهَى , وَقَوْله وَآخِره هَمْزَة مَفْتُوحَة لَا وَجْه لَهُ وَلَعَلَّهُ مِنْ النَّاسِخ أَوْ سَقَطَ مِنْ كَلَامه شَيْء , وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه السِّيَاق أَنَّهُ أَرَادَ بِهَذِهِ الْكَلِمَة الزَّجْر وَطَلَب الْكَفّ لَا الِازْدِيَاد , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْء مِنْ الْكَلَام عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَة فِي مَنَاقِب عُمَر وَقَوْله \" يَا اِبْن الْخَطَّاب \" هَذَا أَيْضًا مِنْ جَفَائِهِ حَيْثُ خَاطَبَهُ بِهَذِهِ الْمُخَاطَبَة وَقَوْله \" وَاَللَّه مَا تُعْطِينَا الْجَزْل \" بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الزَّاي بَعْدهَا لَام أَيْ الْكَثِير , وَأَصْل الْجَزْل مَا عَظُمَ مِنْ الْحَطَب. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا تَحْكُم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة غَيْر الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَمَا \" بِالْمِيمِ بَدَل اللَّام. ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يَقَع بِهِ ) ‏ ‏أَيْ يَضْرِبهُ , وَفِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي التَّفْسِير \" حَتَّى هَمَّ بِهِ \" وَفِي رِوَايَة فِيهِ \" حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِع بِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ الْحُرّ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب الْمَذْكُورَة \" فَقَالَ لَهُ الْحُرّ \" وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق بِشْر بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" فَقَالَ الْحُرّ بْن قَيْس. قُلْت : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ \" وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُون مِنْ رِوَايَة اِبْن عَبَّاس عَنْ الْحُرّ , وَأَنَّهُ مَا حَضَرَ الْقِصَّة بَلْ حَمَلَهَا عَنْ صَاحِبهَا وَهُوَ الْحُرّ , وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَرْجَم لِلْحُرِّ فِي رِجَال الْبُخَارِيّ وَلَمْ أَرَ مَنْ فَعَلَهُ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اللَّه قَالَ لِنَبِيِّهِ ) ‏ ‏فَذَكَرَ الْآيَة ثُمَّ قَالَ : وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ , أَيْ فَأَعْرِضْ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَوَاَللَّهِ مَا جَاوَزَهَا ) ‏ ‏هُوَ كَلَام اِبْن عَبَّاس فِيمَا أَظُنّ وَجَزَمَ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن بِأَنَّهُ كَلَام الْحُرّ وَهُوَ مُحْتَمِل وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمُشَار إِلَيْهَا , وَمَعْنَى \" مَا جَاوَزَهَا \" مَا عَمِلَ بِغَيْرِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بَلْ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهَا وَلِذَلِكَ قَالَ \" وَكَانَ وَقَّافًا عِنْد كِتَاب اللَّه \" أَيْ يَعْمَل بِمَا فِيهِ وَلَا يَتَجَاوَزهُ , وَفِي هَذَا تَقْوِيَة لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَكْثَر أَنَّ هَذِهِ الْآيَة مُحْكَمَة , قَالَ الطَّبَرِيُّ بَعْد أَنْ أَوْرَدَ أَقْوَال السَّلَف فِي ذَلِكَ وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَة بِآيَةِ الْقِتَال , وَالْأَوْلَى بِالصَّوَابِ أَنَّهَا غَيْر مَنْسُوخَة لِأَنَّ اللَّه أَتْبَع ذَلِكَ تَعْلِيمه نَبِيّه مُحَاجَّة الْمُشْرِكِينَ وَلَا دَلَالَة عَلَى النَّسْخ , فَكَأَنَّهَا نَزَلَتْ لِتَعْرِيفِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِشْرَة مَنْ لَمْ يُؤْمَر بِقِتَالِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَوْ أُرِيدَ بِهِ تَعْلِيم الْمُسْلِمِينَ , وَأَمْرهمْ بِأَخْذِ الْعَفْو مِنْ أَخْلَاقهمْ فَيَكُون تَعْلِيمًا مِنْ اللَّه لِخَلْقِهِ صِفَة عِشْرَة بَعْضهمْ بَعْضًا فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ , فَأَمَّا الْوَاجِب فَلَا بُدّ مِنْ عَمَله فِعْلًا أَوْ تَرْكًا اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ الرَّاغِب \" خُذْ الْعَفْو \" مَعْنَاهُ خُذْ مَا سَهُلَ تَنَاوُله , وَقِيلَ تَعَاطَ الْعَفْو مَعَ النَّاس , وَالْمَعْنَى خُذْ مَا عُفِيَ لَك مِنْ أَفْعَال النَّاس وَأَخْلَاقهمْ وَسَهُلَ مِنْ غَيْر كُلْفَة وَلَا تَطْلُب مِنْهُمْ الْجَهْد وَمَا يَشُقّ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْفِرُوا , وَهُوَ كَحَدِيثِ \" يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا \" وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : ‏ ‏خُذِي الْعَفْو مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ‏ ‏وَلَا تَنْطِقِي فِي سَوْأَتِي حِين أَغْضَبُ ‏ ‏وَأَخْرَجَ اِبْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ حَدِيث جَابِر وَأَحْمَد مِنْ حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة \" سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِنَّ رَبّك يَأْمُرك أَنْ تَصِل مَنْ قَطَعَك وَتُعْطِي مَنْ حَرَمك وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَك فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا أَدُلّكُمْ عَلَى أَشْرَف أَخْلَاق الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ؟ قَالُوا : وَمَا ذَاكَ , فَذَكَرَهُ قَالَ الطِّيبِيُّ : مَا مُلَخَّصه أَمَرَ اللَّه نَبِيّه فِي هَذِهِ الْآيَة بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق فَأَمَرَ أُمَّته بِنَحْوِ مَا أَمَرَهُ اللَّه بِهِ , وَمُحَصَّلهمَا الْأَمْر بِحُسْنِ الْمُعَاشَرَة مَعَ النَّاس وَبَذْل الْجَهْد فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِمْ وَالْمُدَارَاة مَعَهُمْ وَالْإِغْضَاء عَنْهُمْ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَعْنَى الْعُرْف الْمَأْمُور بِهِ فِي الْآيَة مُسْتَوْفًى فِي التَّفْسِير. ‏"
    },
    {
        "id": "6743",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏أَتَيْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏حِينَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ وَالنَّاسُ قِيَامٌ وَهِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي فَقُلْتُ مَا لِلنَّاسِ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ فَقَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ فَقُلْتُ آيَةٌ قَالَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ نَعَمْ فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَرَهُ إِلَّا وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ ‏ ‏الدَّجَّالِ ‏ ‏فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ ‏ ‏أَوْ الْمُسْلِمُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ ‏ ‏فَيَقُولُ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ فَأَجَبْنَاهُ وَآمَنَّا فَيُقَالُ نَمْ صَالِحًا عَلِمْنَا أَنَّكَ مُوقِنٌ وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوْ الْمُرْتَابُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ ‏ ‏أَسْمَاءُ ‏ ‏فَيَقُولُ لَا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حِين خَسَفَتْ الشَّمْس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" كَسَفَتْ \" وَقَوْله \" فَأَجَبْنَاهُ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا \" أَيْ فَأَجَبْنَا مُحَمَّدًا وَآمَنَّا بِمَا جَاءَ بِهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر هَذَا مُسْتَوْفًى فِي صَلَاة الْكُسُوف. ‏"
    },
    {
        "id": "6744",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس كَمَا جَزَمَ بِهِ الْحَافِظ أَبُو إِسْمَاعِيل الْهَرَوِيُّ , وَذَكَرَ فِي كِتَابه ذَمّ الْكَلَام أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ مَالِك , وَتَابَعَهُ عَلَى رِوَايَته عَنْ مَالِك عَبْد اللَّه بْن وَهْب كَذَا قَالَ , وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ مَعَهُمَا إِسْحَاق بْن مُحَمَّد الْفَرَوِيّ وَعَبْد الْعَزِيز الْأُوَيْسِيّ وَهُمَا مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَأَخْرَجَهُ فِي غَرَائِب مَالِك الَّتِي لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّأ مِنْ طُرُق هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة وَمِنْ طَرِيق أَبِي قُرَّة مُوسَى بْن طَارِق , وَمِنْ طَرِيق الْوَلِيد بْنِ مُسْلِم , وَمِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن الْحَسَن الشَّيْبَانِيِّ صَاحِب أَبِي حَنِيفَة , ثَلَاثَتهمْ عَنْ مَالِك أَيْضًا فَكَمُلُوا سَبْعَة , وَلَمْ يُخْرِج الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع مِنْ رِوَايَة مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة الْمُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَسُفْيَان وَأَبُو عَوَانَة مِنْ رِوَايَة وَرْقَاء ثَلَاثَتهمْ عَنْ أَبِي الزِّنَاد وَمُسْلِم مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَأَبِي مَسْلَمَة ابْن عَبْد الرَّحْمَن , وَمِنْ رِوَايَة هَمَّام بْن مُنَبِّه , وَمِنْ رِوَايَة أَبِي صَالِح , وَمِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن زِيَاد , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي صَالِح كُلّهمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَتهمْ مِنْ فَائِدَة زَائِدَة. ‏ ‏قَوْله ( دَعُونِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" ذَرُونِي \" وَهِيَ بِمَعْنَى دَعُونِي وَذَكَرَ مُسْلِم سَبَب هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد اِبْن زِيَاد فَقَالَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" خَطَبَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاس قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا , فَقَالَ رَجُل : أَكُلّ عَام يَا رَسُول اللَّه ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا , فَقَالَ رَسُول اللَّه : لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اِسْتَطَعْتُمْ , ثُمَّ قَالَ ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ \" الْحَدِيث وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مُخْتَصَرًا وَزَادَ فِيهِ فَنَزَلَتْ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) وَلَهُ شَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرِيِّ فِي التَّفْسِير , وَفِيهِ \" لَوْ قُلْت نَعَمْ , لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ لَمَا اِسْتَطَعْتُمْ فَاتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ \" الْحَدِيث وَفِيهِ فَأَنْزَلَ اللَّه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِنْ تُبْدَ لَكُمْ ) الْآيَة وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِيمَا يَتَعَلَّق بِالسُّؤَالِ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( مَا تَرَكْتُكُمْ ) ‏ ‏أَيْ مُدَّة تَرْكِي إِيَّاكُمْ بِغَيْرِ أَمْر بِشَيْءٍ وَلَا نَهْي عَنْ شَيْء , وَإِنَّمَا غَايَرَ بَيْن اللَّفْظَيْنِ لِأَنَّهُمْ أَمَاتُوا الْفِعْل الْمَاضِي وَاسْم الْفَاعِل مِنْهُمَا وَاسْم مَفْعُولهمَا وَأَثْبَتُوا الْفِعْل الْمُضَارِع وَهُوَ \" يَذَر \" وَفِعْل الْأَمْر وَهُوَ \" ذَرْ \" وَمِثْله دَعْ وَيَدْعُ وَلَكِنْ سَمِعَ وَدَعْ كَمَا قُرِئَ بِهِ فِي الشَّاذّ فِي قَوْله تَعَالَى ( مَا وَدَعْك رَبُّك وَمَا قَلَى ) قَرَأَ بِذَلِكَ إِبْرَاهِيم بْنُ أَبِي عَبْلَة وَطَائِفَة , وَقَالَ الشَّاعِر : ‏ ‏وَنَحْنُ وَدَعْنَا آل عَمْرو بْن عَامِر ‏ ‏فَرَائِس أَطْرَاف الْمُثَقَّفَة السَّمَر ‏ ‏وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّفَنُّن فِي الْعِبَارَة , وَإِلَّا لَقَالَ اُتْرُكُونِي , وَالْمُرَاد بِهَذَا الْأَمْر تَرْك السُّؤَال عَنْ شَيْء لَمْ يَقَع خَشْيَة أَنْ يَنْزِل بِهِ وُجُوبه أَوْ تَحْرِيمه , وَعَنْ كَثْرَة السُّؤَال لِمَا فِيهِ غَالِبًا مِنْ التَّعَنُّت , وَخَشْيَة أَنْ تَقَع الْإِجَابَة بِأَمْرٍ يُسْتَثْقَل , فَقَدْ يُؤَدِّي لِتَرْكِ الِامْتِثَال فَتَقَع الْمُخَالَفَة , قَالَ اِبْن فَرَج مَعْنَى قَوْله \" ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ \" لَا تُكْثِرُوا مِنْ الِاسْتِفْصَال عَنْ الْمَوَاضِع الَّتِي تَكُون مُفِيدَة لِوَجْهِ مَا ظَهَرَ وَلَوْ كَانَتْ صَالِحَة لِغَيْرِهِ , كَمَا أَنَّ قَوْله \" حُجُّوا \" وَإِنْ كَانَ صَالِحًا لِلتَّكْرَارِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى بِمَا يَصْدُق عَلَيْهِ اللَّفْظ وَهُوَ الْمَرَّة فَإِنَّ الْأَصْل عَدَم الزِّيَادَة , وَلَا تُكْثِرُوا التَّنْقِيب عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى مِثْل مَا وَقَعَ لِبَنِي إِسْرَائِيل , إِذْ أُمِرُوا أَنْ يَذْبَحُوا الْبَقَرَة فَلَوْ ذَبَحُوا أَيّ بَقَرَة كَانَتْ لَامْتَثَلُوا وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ , وَبِهَذَا تَظْهَر مُنَاسَبَة قَوْله \" فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ \" إِلَى آخِره بِقَوْلِهِ \" ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ \" وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّار وَابْن أَبِي حَاتِم فِي تَفْسِيره مِنْ طَرِيق أَبِي رَافِع عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا \" لَوْ اِعْتَرَضَ بَنُو إِسْرَائِيل أَدْنَى بَقَرَة فَذَبَحُوهَا لَكَفَتْهُمْ , وَلَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّه عَلَيْهِمْ \" وَفِي السَّنَد عَبَّاد بْنُ مَنْصُور وَحَدِيثه مِنْ قَبِيل الْحَسَن وَأَوْرَدَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ اِبْن عَبَّاس مَوْقُوفًا وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَة مَقْطُوعًا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنْ لَا حُكْم قَبْل وُرُود الشَّرْع وَأَنَّ الْأَصْل فِي الْأَشْيَاء عَدَم الْوُجُوب. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّمَا أَهْلَكَ ) ‏ ‏بِفَتَحَاتٍ وَقَالَ بَعْد ذَلِكَ سُؤَالهمْ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِل أَهْلَكَ , وَفِي رِوَايَة غَيْر الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أُهْلِكَ \" بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر اللَّام وَقَالَ بَعْد ذَلِكَ \" بِسُؤَالِهِمْ \" أَيْ بِسَبَبِ سُؤَالهمْ , وَقَوْله \" وَاخْتِلَافهمْ \" بِالرَّفْعِ وَبِالْجَرِّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام عِنْد أَحْمَد بِلَفْظِ \" فَإِنَّمَا هَلَكَ \" وَفِيهِ بِسُؤَالِهِمْ وَيَتَعَيَّن الْجَرّ فِي \" وَاخْتِلَافهمْ \" وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ \" فَإِنَّمَا هَلَكَ \" وَفِيهِ \" سُؤَالهمْ \" وَيَتَعَيَّن الرَّفْع فِي \" وَاخْتِلَافهمْ \" وَأَمَّا قَوْل النَّوَوِيّ فِي \" أَرْبَعِينِهِ \" وَاخْتِلَافهمْ بِرَفْعِ الْفَاء لَا بِكَسْرِهَا فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ الرِّوَايَة الَّتِي ذَكَرَهَا وَهِيَ الَّتِي مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْء فَاجْتَنِبُوهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن زِيَاد \" فَانْتَهُوا عَنْهُ \" هَكَذَا رَأَيْت هَذَا الْأَمْر عَلَى تِلْكَ الْمُقَدِّمَة وَالْمُنَاسَبَة فِيهِ ظَاهِرَة , وَوَقَعَ فِي أَوَّل رِوَايَة الزُّهْرِيِّ الْمُشَار إِلَيْهَا \" مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ \" فَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا النَّوَوِيّ فِي الْأَرْبَعِينَ , وَعَزَا الْحَدِيث لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِم , فَتَشَاغَلَ بَعْض شُرَّاح الْأَرْبَعِينَ بِمُنَاسَبَةِ تَقْدِيم النَّهْي عَلَى مَا عَدَاهُ وَلَمْ يَعْلَم أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة , وَأَنَّ اللَّفْظ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيّ هُنَا أَرْجَح مِنْ حَيْثُ الصِّنَاعَة الْحَدِيثِيَّةِ لِأَنَّهُمَا اِتَّفَقَا عَلَى إِخْرَاج طَرِيق أَبِي الزِّنَاد دُون طَرِيق الزُّهْرِيِّ وَإِنْ كَانَ سَنَد الزُّهْرِيِّ مِمَّا عُدَّ فِي أَصَحّ الْأَسَانِيد , فَإِنَّ سَنَد أَبِي الزِّنَاد أَيْضًا مِمَّا عُدَّ فِيهَا فَاسْتَوَيَا , وَزَادَتْ رِوَايَة أَبِي الزِّنَاد اِتِّفَاق الشَّيْخَيْنِ , وَظَنَّ الْقَاضِي تَاج الدِّين فِي شَرْح الْمُخْتَصَر أَنَّ الشَّيْخَيْنِ اِتَّفَقَا عَلَى هَذَا اللَّفْظ , فَقَالَ : بَعْد قَوْل اِبْن الْحَاجِب النَّدْب أَيْ اِحْتَجَّ مَنْ قَالَ إِنَّ الْأَمْر لِلنَّدْبِ بِقَوْلِهِ \" إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اِسْتَطَعْتُمْ \" فَقَالَ الشَّارِح : رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَلَفْظهمَا \" وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اِسْتَطَعْتُمْ \" وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ لَفْظ مُسْلِم وَحْده وَلَكِنَّهُ اِغْتَرَّ بِمَا سَاقَهُ النَّوَوِيّ فِي الْأَرْبَعِينَ , ثُمَّ إِنَّ هَذَا النَّهْي عَامّ فِي جَمِيع الْمَنَاهِي , وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا يُكْرَه الْمُكَلَّف عَلَى فِعْله كَشُرْبِ الْخَمْر وَهَذَا عَلَى رَأْي الْجُمْهُور , وَخَالَفَ قَوْم فَتَمَسَّكُوا بِالْعُمُومِ فَقَالُوا : الْإِكْرَاهُ عَلَى اِرْتِكَاب الْمَعْصِيَة لَا يُبِيحهَا , وَالصَّحِيح عَدَم الْمُؤَاخَذَة إِذَا وُجِدَتْ صُورَة الْإِكْرَاه الْمُعْتَبَرَة , وَاسْتَثْنَى بَعْض الشَّافِعِيَّة مِنْ ذَلِكَ الزِّنَا , فَقَالَ : لَا يُتَصَوَّر الْإِكْرَاهُ عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ التَّمَادِي فِيهِ , وَإِلَّا فَلَا مَانِع أَنْ يُنْعِظ الرَّجُل بِغَيْرِ سَبَب فَيُكْرَه عَلَى الْإِيلَاج حِينَئِذٍ فَيُولِج فِي الْأَجْنَبِيَّة , فَإِنَّ مِثْل ذَلِكَ لَيْسَ بِمُحَالٍ , وَلَوْ فَعَلَهُ مُخْتَارًا لَكَانَ زَانِيًا فَتَصَوَّر الْإِكْرَاه عَلَى الزِّنَا , وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ لَا يَجُوز التَّدَاوِي بِشَيْءٍ مُحَرَّم كَالْخَمْرِ , وَلَا دَفْع الْعَطَش بِهِ , وَلَا إِسَاغَة لُقْمَة مَنْ غَصَّ بِهِ ; وَالصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة جَوَاز الثَّالِث حِفْظًا لِلنَّفْسِ فَصَارَ كَأَكْلِ الْمَيْتَة لِمَنْ اُضْطُرَّ , بِخِلَافِ التَّدَاوِي فَإِنَّهُ ثَبَتَ النَّهْي عَنْهُ نَصًّا , فَفِي مُسْلِم عَنْ وَائِل رَفَعَهُ إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاء , وَلِأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء رَفَعَهُ \" وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ \" وَلَهُ عَنْ أُمّ سَلَمَة مَرْفُوعًا إِنَّ اللَّه لَمْ يَجْعَل شِفَاء أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا , وَأَمَّا الْعَطَش فَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِع بِشُرْبِهَا وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّدَاوِي وَاللَّهُ أَعْلَم , وَالتَّحْقِيق أَنَّ الْأَمْر بِاجْتِنَابِ الْمَنْهِيّ عَلَى عُمُومه مَا لَمْ يُعَارِضهُ إِذْن فِي اِرْتِكَاب مَنْهِيّ كَأَكْلِ الْمَيْتَة لِلْمُضْطَرِّ , وَقَالَ الْفَاكِهَانِيّ لَا يُتَصَوَّر اِمْتِثَال اِجْتِنَاب الْمَنْهِيّ حَتَّى يَتْرُك جَمِيعه , فَلَوْ اِجْتَنَبَ بَعْضه لَمْ يُعَدّ مُمْتَثِلًا بِخِلَافِ الْأَمْر - يَعْنِي الْمُطْلَق - فَإِنَّ مَنْ أَتَى بِأَقَلّ مَا يَصْدُق عَلَيْهِ الِاسْم كَانَ مُمْتَثِلًا اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَدْ أَجَابَ هُنَا اِبْن فَرَج بِأَنَّ النَّهْي يَقْتَضِي الْأَمْر فَلَا يَكُون مُمْتَثِلًا لِمُقْتَضَى النَّهْي حَتَّى لَا يَفْعَل وَاحِدًا مِنْ آحَاد مَا يَتَنَاوَلهُ النَّهْي بِخِلَافِ الْأَمْر فَإِنَّهُ عَلَى عَكْسه وَمِنْ ثَمَّ نَشَأَ الْخِلَافُ , هَلْ الْأَمْر بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ , وَبِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" بِأَمْرٍ \" , ( فَأْتُوا مِنْهُ مَا اِسْتَطَعْتُمْ ) أَيْ اِفْعَلُوا قَدْر اِسْتِطَاعَتكُمْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ \" وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ \" وَفِي رِوَايَة هَمَّام الْمُشَار إِلَيْهَا \" وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالْأَمْرِ فَائْتَمِرُوا مَا اِسْتَطَعْتُمْ \" وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن زِيَاد \" فَافْعَلُوا \" قَالَ النَّوَوِيّ هَذَا مِنْ جَوَامِع الْكَلِم وَقَوَاعِد الْإِسْلَام , وَيَدْخُل فِيهِ كَثِير مِنْ الْأَحْكَام كَالصَّلَاةِ لِمَنْ عَجَزَ عَنْ رُكْن مِنْهَا أَوْ شَرْط فَيَأْتِي بِالْمَقْدُورِ , وَكَذَا الْوُضُوء , وَسَتْر الْعَوْرَة , وَحِفْظ بَعْض الْفَاتِحَة , وَإِخْرَاج بَعْض زَكَاة الْفِطْر لِمَنْ لَمْ يَقْدِر عَلَى الْكُلّ , وَالْإِمْسَاك فِي رَمَضَان لِمَنْ أَفْطَرَ بِالْعُذْرِ ثُمَّ قَدَرَ فِي أَثْنَاء النَّهَار إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِل الَّتِي يَطُول شَرْحهَا , وَقَالَ غَيْره فِيهِ أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ بَعْض الْأُمُور لَا يَسْقُط عَنْهُ الْمَقْدُور , وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْض الْفُقَهَاء بِأَنَّ الْمَيْسُور لَا يَسْقُط بِالْمَعْسُورِ , كَمَا لَا يَسْقُط مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَرْكَان الصَّلَاة بِالْعَجْزِ عَنْ غَيْره , وَتَصِحّ تَوْبَة الْأَعْمَى عَنْ النَّظَر الْمُحَرَّم , وَالْمَجْبُوب عَنْ الزِّنَا , لِأَنَّ الْأَعْمَى وَالْمَجْبُوب قَادِرَانِ عَلَى النَّدَم فَلَا يَسْقُط عَنْهُمَا بِعَجْزِهِمَا عَنْ الْعَزْم عَلَى عَدَم الْعَوْد , إِذْ لَا يُتَصَوَّر مِنْهُمَا الْعَوْد عَادَة فَلَا مَعْنَى لِلْعَزْمِ عَلَى عَدَمه , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ أُمِرَ بِشَيْءٍ فَعَجَزَ عَنْ بَعْضه فَفَعَلَ الْمَقْدُور أَنَّهُ يَسْقُط عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ , وَبِذَلِكَ اِسْتَدَلَّ الْمُزَنِيُّ عَلَى أَنَّ \" مَا وَجَبَ أَدَاؤُهُ لَا يَجِب قَضَاؤُهُ \" وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الصَّحِيح أَنَّ الْقَضَاء بِأَمْرٍ جَدِيد , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ اِعْتِنَاء الشَّرْع بِالْمَنْهِيَّاتِ فَوْق اِعْتِنَائِهِ بِالْمَأْمُورَاتِ , لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الِاجْتِنَاب فِي الْمَنْهِيَّات وَلَوْ مَعَ الْمَشَقَّة فِي التَّرْك , وَقَيَّدَ فِي الْمَأْمُورَات بِقَدْرِ الطَّاقَة , وَهَذَا مَنْقُول عَنْ الْإِمَام أَحْمَد فَإِنْ قِيلَ إِنَّ الِاسْتِطَاعَة مُعْتَبَرَة فِي النَّهْي أَيْضًا إِذْ ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا ) فَجَوَابه أَنَّ الِاسْتِطَاعَة تُطْلَق بِاعْتِبَارَيْنِ , كَذَا قِيلَ وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ التَّقْيِيد فِي الْأَمْر بِالِاسْتِطَاعَةِ لَا يَدُلّ عَلَى الْمُدَّعَى مِنْ الِاعْتِنَاء بِهِ ; بَلْ هُوَ مِنْ جِهَة الْكَفّ إِذْ كُلّ أَحَد قَادِر عَلَى الْكَفّ لَوْلَا دَاعِيَة الشَّهْوَة مَثَلًا , فَلَا يُتَصَوَّر عَدَم الِاسْتِطَاعَة عَنْ الْكَفّ بَلْ كُلّ مُكَلَّف قَادِر عَلَى التَّرْك , بِخِلَافِ الْفِعْل فَإِنَّ الْعَجْز عَنْ تَعَاطِيه مَحْسُوس , فَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَ فِي الْأَمْر بِحَسْب الِاسْتِطَاعَة دُون النَّهْي , وَعَبَّرَ الطُّوفِيّ فِي هَذَا الْمَوْضِع بِأَنَّ تَرْك الْمَنْهِيّ عَنْهُ عِبَارَة عَنْ اِسْتِصْحَاب حَال عَدَمه أَوْ الِاسْتِمْرَار عَلَى عَدَمه , وَفِعْل الْمَأْمُور بِهِ عِبَارَة عَنْ إِخْرَاجه مِنْ الْعَدَم إِلَى الْوُجُود , وَقَدْ نُوزِعَ بِأَنَّ الْقُدْرَة عَلَى اِسْتِصْحَاب عَدَم الْمَنْهِيّ عَنْهُ قَدْ تَتَخَلَّف , وَاسْتُدِلَّ لَهُ بِجَوَازِ أَكْل الْمُضْطَرّ الْمَيْتَة , وَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّهْي فِي هَذَا عَارَضَهُ الْإِذْن بِالتَّنَاوُلِ فِي تِلْكَ الْحَالَة. وَقَالَ اِبْن فَرَج فِي \" شَرْح الْأَرْبَعِينَ \" قَوْله \" فَاجْتَنِبُوهُ \" هُوَ عَلَى إِطْلَاقه حَتَّى يُوجَد مَا يُبِيحهُ , كَأَكْلِ الْمَيْتَة عِنْد الضَّرُورَة وَشُرْب الْخَمْر عِنْد الْإِكْرَاه , وَالْأَصْل فِي ذَلِكَ جَوَاز التَّلَفُّظ بِكَلِمَةِ الْكُفْر إِذَا كَانَ الْقَلْب مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآن اِنْتَهَى. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُكَلَّف فِي ذَلِكَ كُلّه لَيْسَ مَنْهِيًّا فِي تِلْكَ الْحَال , وَأَجَابَ الْمَاوَرْدِيّ بِأَنَّ الْكَفّ عَنْ الْمَعَاصِي تَرْكٌ وَهُوَ سَهْل , وَعَمَل الطَّاعَة فِعْل وَهُوَ يَشُقّ , فَلِذَلِكَ لَمْ يُبَحْ اِرْتِكَاب الْمَعْصِيَة وَلَوْ مَعَ الْعُذْر لِأَنَّهُ تَرْك , وَالتَّرْك لَا يَعْجِز الْمَعْذُور عَنْهُ ; وَأَبَاحَ تَرْك الْعَمَل بِالْعُذْرِ لِأَنَّ الْعَمَل قَدْ يَعْجِز الْمَعْذُور عَنْهُ , وَادَّعَى بَعْضهمْ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ( فَاتَّقُوا اللَّه مَا اِسْتَطَعْتُمْ ) يَتَنَاوَل اِمْتِثَال الْمَأْمُور وَاجْتِنَاب الْمَنْهِيّ وَقَدْ قَيَّدَ بِالِاسْتِطَاعَةِ وَاسْتَوَيَا , فَحِينَئِذٍ يَكُون الْحِكْمَة فِي تَقْيِيد الْحَدِيث بِالِاسْتِطَاعَةِ فِي جَانِب الْأَمْر دُون النَّهْي أَنَّ الْعَجْز يَكْثُر تَصَوُّره فِي الْأَمْر بِخِلَافِ النَّهْي فَإِنَّ تَصَوُّر الْعَجْز فِيهِ مَحْصُور فِي الِاضْطِرَار , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ( فَاتَّقُوا اللَّه مَا اِسْتَطَعْتُمْ ) نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ) وَالصَّحِيح أَنْ لَا نَسْخ بَلْ الْمُرَاد بِحَقِّ تُقَاته اِمْتِثَال أَمْره وَاجْتِنَاب نَهْيه مَعَ الْقُدْرَة لَا مَعَ الْعَجْز , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَكْرُوه يَجِب اِجْتِنَابه لِعُمُومِ الْأَمْر بِاجْتِنَابِ الْمَنْهِيّ عَنْهُ فَشَمَلَ الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب , وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْله \" فَاجْتَنِبُوهُ \" يُعْمَل بِهِ فِي الْإِيجَاب وَالنَّدْب بِالِاعْتِبَارَيْنِ , وَيَجِيء مِثْل هَذَا السُّؤَال وَجَوَابه فِي الْجَانِب الْآخِر وَهُوَ الْأَمْر , وَقَالَ الْفَاكِهَانِيّ النَّهْيُ يَكُون تَارَة مَعَ الْمَانِع مِنْ النَّقِيض وَهُوَ الْمُحَرَّم , وَتَارَة لَا مَعَهُ وَهُوَ الْمَكْرُوه , وَظَاهِر الْحَدِيث يَتَنَاوَلهُمَا وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُبَاح لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ , لِأَنَّ التَّأْكِيد فِي الْفِعْل إِنَّمَا يُنَاسِب الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب , وَكَذَا عَكْسُهُ , وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَنْ قَالَ الْمُبَاح مَأْمُور بِهِ لَمْ يُرِدْ الْأَمْر بِمَعْنَى الطَّلَب وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ وَهُوَ الْإِذْن , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَمْر لَا يَقْتَضِي التَّكْرَار وَلَا عَدَمه , وَقِيلَ يَقْتَضِيه وَقِيلَ يَتَوَقَّف فِيمَا زَادَ عَلَى مَرَّة ; وَحَدِيث الْبَاب قَدْ يُتَمَسَّك بِهِ لِذَلِكَ لِمَا فِي سَبَبه أَنَّ السَّائِل قَالَ فِي الْحَجّ أَكُلّ عَام ؟ فَلَوْ كَانَ مُطْلَقه يَقْتَضِي التَّكْرَار أَوْ عَدَمه لَمْ يَحْسُن السُّؤَال وَلَا الْعِنَايَة بِالْجَوَابِ , وَقَدْ يُقَال إِنَّمَا سَأَلَ اِسْتِظْهَارًا وَاحْتِيَاطًا , وَقَالَ الْمَازِرِيّ يُحْتَمَل أَنْ يُقَال إِنَّ التَّكْرَار إِنَّمَا اِحْتُمِلَ مِنْ جِهَة أَنَّ الْحَجّ فِي اللُّغَة قَصْد فِيهِ تَكْرَار فَاحْتَمَلَ عِنْد السَّائِل التَّكْرَار مِنْ جِهَة اللُّغَة لَا مِنْ صِيغَة الْأَمْر , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ بِإِيجَابِ الْعُمْرَة لِأَنَّ الْأَمْر بِالْحَجِّ إِذَا كَانَ مَعْنَاهُ تَكْرَار قَصْد الْبَيْت بِحُكْمِ اللُّغَة وَالِاشْتِقَاق , وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْإِجْمَاع أَنَّ الْحَجّ لَا يَجِب إِلَّا مَرَّة فَيَكُون الْعَوْد إِلَيْهِ مَرَّة أُخْرَى دَالًّا عَلَى وُجُوب الْعُمْرَة , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْتَهِد فِي الْأَحْكَام لِقَوْلِهِ \" وَلَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ \" وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون أُوحِيَ إِلَيْهِ ذَلِكَ فِي الْحَال , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ جَمِيع الْأَشْيَاء عَلَى الْإِبَاحَة حَتَّى يَثْبُت الْمَنْع مِنْ قِبَل الشَّارِع , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى النَّهْي عَنْ كَثْرَة الْمَسَائِل وَالتَّعَمُّق فِي ذَلِكَ , قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي \" شَرْح السُّنَّة \" الْمَسَائِل عَلَى وَجْهَيْنِ ‏ ‏أَحَدهمَا : مَا كَانَ عَلَى وَجْه التَّعْلِيم لِمَا يُحْتَاج إِلَيْهِ مِنْ أَمْر الدِّين فَهُوَ جَائِز بَلْ مَأْمُور بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) الْآيَة , وَعَلَى ذَلِكَ تَتَنَزَّل أَسْئِلَةُ الصَّحَابَة عَنْ الْأَنْفَال وَالْكَلَالَة وَغَيْرِهِمَا , ‏ ‏ثَانِيهمَا : مَا كَانَ عَلَى وَجْه التَّعَنُّت وَالتَّكَلُّف وَهُوَ الْمُرَاد فِي هَذَا الْحَدِيث وَاَللَّه أَعْلَم , وَيُؤَيِّدهُ وُرُود الزَّجْر فِي الْحَدِيث عَنْ ذَلِكَ وَذَمّ السَّلَف , فَعِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث مُعَاوِيَة \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْأُغْلُوطَات \" قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ هِيَ شِدَاد الْمَسَائِل , وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَيْضًا \" إِنَّ اللَّه إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْرِم عَبْده بَرَكَة الْعِلْم أَلْقَى عَلَى لِسَانه الْمَغَالِيط , فَلَقَدْ رَأَيْتهمْ أَقَلّ النَّاس عِلْمًا \" وَقَالَ اِبْن وَهْب سَمِعْت مَالِكًا يَقُول \" الْمِرَاء فِي الْعِلْم يُذْهِب بِنُورِ الْعِلْم مِنْ قَلْب الرَّجُل \" وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ \" كَانَ النَّهْي عَنْ السُّؤَال فِي الْعَهْد النَّبَوِيّ خَشْيَة أَنْ يَنْزِل مَا يَشُقّ عَلَيْهِمْ , فَأَمَّا بَعْد فَقَدْ أُمِنَ ذَلِكَ لَكِنَّ أَكْثَر النَّقْل عَنْ السَّلَف بِكَرَاهَةِ الْكَلَام فِي الْمَسَائِل الَّتِي لَمْ تَقَع \" قَالَ \" وَإِنَّهُ لَمَكْرُوه إِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا إِلَّا لِلْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ فَرَّعُوا وَمَهَّدُوا فَنَفَعَ اللَّه مَنْ بَعْدهمْ بِذَلِكَ , وَلَا سِيَّمَا مَعَ ذَهَاب الْعُلَمَاء وَدُرُوس الْعِلْم \" اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون مَحَلّ الْكَرَاهَة لِلْعَالِمِ إِذَا شَغَلَهُ ذَلِكَ عَمَّا هُوَ أَعَمّ مِنْهُ , وَكَانَ يَنْبَغِي تَلْخِيص مَا يَكْثُر وُقُوعه مُجَرَّدًا عَمَّا يَنْدُر , وَلَا سِيَّمَا فِي الْمُخْتَصَرَات لِيَسْهُل تَنَاوُله وَاللَّهُ الْمُسْتَعَان. وَفِي الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى الِاشْتِغَال بِالْأَهَمِّ الْمُحْتَاج إِلَيْهِ عَاجِلًا عَمَّا لَا يُحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْحَال فَكَأَنَّهُ قَالَ : عَلَيْكُمْ بِفِعْلِ الْأَوَامِر وَاجْتِنَاب النَّوَاهِي فَاجْعَلُوا اِشْتِغَالكُمْ بِهَا عِوَضًا عَنْ الِاشْتِغَال بِالسُّؤَالِ عَمَّا لَمْ يَقَع. فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَبْحَث عَمَّا جَاءَ عَنْ اللَّه وَرَسُوله ثُمَّ يَجْتَهِد فِي تَفَهُّم ذَلِكَ وَالْوُقُوف عَلَى الْمُرَاد بِهِ. ثُمَّ يَتَشَاغَل بِالْعَمَلِ بِهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْعِلْمِيَّات يَتَشَاغَل بِتَصْدِيقِهِ وَاعْتِقَاد حَقِّيَّته , وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَمَلِيَّات بَذَلَ وُسْعه فِي الْقِيَام بِهِ فِعْلًا وَتَرْكًا , فَإِنْ وَجَدَ وَقْتًا زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ فَلَا بَأْس بِأَنْ يَصْرِفهُ فِي الِاشْتِغَال بِتَعَرُّفِ حُكْم مَا سَيَقَعُ عَلَى قَصْد الْعَمَل بِهِ أَنْ لَوْ وَقَعَ , فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ الْهِمَّة مَصْرُوفَة عِنْد سَمَاع الْأَمْر وَالنَّهْي إِلَى فَرْض أُمُور قَدْ تَقَع وَقَدْ لَا تَقَع مَعَ الْإِعْرَاض عَنْ الْقِيَام بِمُقْتَضَى مَا سَمِعَ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يَدْخُل فِي النَّهْي , فَالتَّفَقُّه فِي الدِّين إِنَّمَا يُحْمَد إِذَا كَانَ لِلْعَمَلِ لَا لِلْمِرَاءِ وَالْجِدَال. وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6745",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أَيُّوب كَذَا وَقَعَ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , و \" أَبِي نُعَيْم \" وَهُوَ الْخُزَاعِيّ الْمِصْرِيّ يُكْنَى أَبَا يَحْيَى , وَاسْم أَبِي أَيُّوب مِقْلَاص بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَآخِره مُهْمَلَة كَانَ سَعِيد ثِقَة ثَبْتًا , وَقَالَ اِبْن يُونُس كَانَ فَقِيهًا , وَنُقِلَ عَنْ اِبْن وَهْب أَنَّهُ قَالَ فِيهِ كَانَ فَهِمًا. قُلْت : وَرِوَايَته عَنْ عَقِيل وَهُوَ اِبْن خَالِد تَدْخُل فِي رِوَايَة الْأَقْرَان فَإِنَّهُ مِنْ طَبَقَته , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة مَعْمَر وَيُونُس وَابْن عُيَيْنَةَ وَإِبْرَاهِيم بْن سَعْد كُلّهمْ عَنْ اِبْن شِهَاب , وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد ثُمَّ اِبْن عُيَيْنَةَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ يُونُس أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدًا. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ أَعْظَم الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" إِنَّ أَعْظَم الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا \" قَالَ الطِّيبِيُّ فِيهِ مِنْ الْمُبَالَغَة أَنَّهُ جَعَلَهُ عَظِيمًا ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ \" جُرْمًا \" لِيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ نَفْسه جُرْمِ , قَالَ وَقَوْله \" فِي الْمُسْلِمِينَ \" أَيْ فِي حَقّهمْ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ شَيْء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة سُفْيَان \" أَمْرٍ \". ‏ ‏قَوْله ( لَمْ يُحَرَّم ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم عَلَى النَّاس وَلَهُ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن سَعْد , لَمْ يُحَرَّم عَلَى الْمُسْلِمِينَ , وَلَهُ فِي رِوَايَة مَعْمَر \" رَجُل سَأَلَ عَنْ شَيْء وَنَقَّرَ عَنْهُ \" وَهُوَ بِفَتْحِ النُّون وَتَشْدِيد الْقَاف بَعْدهَا رَاء أَيْ بَالَغَ فِي الْبَحْث عَنْهُ وَالِاسْتِقْصَاء. ‏ ‏قَوْله ( فَحُرِّمَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيد الرَّاء , وَزَادَ مُسْلِم \" عَلَيْهِمْ \" وَلَهُ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان \" عَلَى النَّاس \" وَأَخْرَجَ الْبَزَّار مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , قَالَ : كَانَ النَّاس يَتَسَاءَلُونَ عَنْ الشَّيْء مِنْ الْأَمْر فَيَسْأَلُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حَلَال فَلَا يَزَالُونَ يَسْأَلُونَهُ عَنْهُ حَتَّى يُحَرَّم عَلَيْهِمْ , قَالَ اِبْن بَطَّال : عَنْ الْمُهَلَّب ظَاهِر الْحَدِيث يَتَمَسَّك بِهِ الْقَدَرِيَّة فِي أَنَّ اللَّه يَفْعَل شَيْئًا مِنْ أَجْل شَيْء وَلَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ هُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير ; فَهُوَ فَاعِل السَّبَب وَالْمُسَبَّب كُلّ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِهِ , وَلَكِنَّ الْحَدِيث مَحْمُول عَلَى التَّحْذِير مِمَّا ذَكَرَ , فَعِظَم جُرْم مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْكَارِهِينَ لِفِعْلِهِ وَقَالَ غَيْره أَهْل السُّنَّة لَا يُنْكِرُونَ إِمْكَان التَّعْلِيل وَإِنَّمَا يُنْكِرُونَ وُجُوبه , فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُون الْمُقَدَّر الشَّيْء الْفُلَانِيّ تَتَعَلَّق بِهِ الْحُرْمَة إِنْ سُئِلَ عَنْهُ فَقَدْ سَبَقَ الْقَضَاء بِذَلِكَ لَا أَنَّ السُّؤَال عِلَّة لِلتَّحْرِيمِ , وَقَالَ اِبْن التِّين : قِيلَ الْجُرْم اللَّاحِق بِهِ إِلْحَاق الْمُسْلِمِينَ الْمَضَرَّة لِسُؤَالِهِ وَهِيَ مَنْعهمْ التَّصَرُّف فِيمَا كَانَ حَلَالًا قَبْل مَسْأَلَته , وَقَالَ عِيَاض الْمُرَاد بِالْجُرْمِ هُنَا الْحَدَث عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَا الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْإِثْم الْمُعَاقَب عَلَيْهِ , لِأَنَّ السُّؤَال كَانَ مُبَاحًا , وَلِهَذَا قَالَ : سَلُونِي , وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ فَقَالَ هَذَا الْجَوَاب ضَعِيف بَلْ بَاطِل , وَالصَّوَاب الَّذِي قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالتَّيْمِيّ وَغَيْرهمَا أَنَّ الْمُرَاد بِالْجُرْمِ الْإِثْم وَالذَّنْب وَحَمَلُوهُ عَلَى مَنْ سَأَلَ تَكَلُّفًا وَتَعَنُّتًا فِيمَا لَا حَاجَة لَهُ بِهِ إِلَيْهِ , وَسَبَب تَخْصِيصه ثُبُوت الْأَمْر بِالسُّؤَالِ عَمَّا يُحْتَاج إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْر ) فَمَنْ سَأَلَ عَنْ نَازِلَة وَقَعَتْ لَهُ لِضَرُورَتِهِ إِلَيْهَا فَهُوَ مَعْذُور فَلَا إِثْم عَلَيْهِ وَلَا عَتْب , فَكُلّ مِنْ الْأَمْر بِالسُّؤَالِ وَالزَّجْر عَنْهُ مَخْصُوص بِجِهَةٍ غَيْر الْأُخْرَى , قَالَ : وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَنْ عَمِلَ شَيْئًا أَضَرَّ بِهِ غَيْره كَانَ آثِمًا , وَسَبَكَ مِنْهُ الْكَرْمَانِيُّ سُؤَالًا وَجَوَابًا , فَقَالَ : السُّؤَال لَيْسَ بِجَرِيمَةٍ , وَلَئِنْ كَانَتْ فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ , وَلَئِنْ كَانَتْ فَلَيْسَ بِأَكْبَر الْكَبَائِر. وَجَوَابه أَنَّ السُّؤَال عَنْ الشَّيْء بِحَيْثُ يَصِير سَبَبًا لِتَحْرِيمِ شَيْء مُبَاح هُوَ أَعْظَم الْجُرْم , لِأَنَّهُ صَارَ سَبَبًا لِتَضْيِيقِ الْأَمْر عَلَى جَمِيع الْمُكَلَّفِينَ , فَالْقَتْل مَثَلًا كَبِيرَة , وَلَكِنْ مَضَرَّته رَاجِعَة إِلَى الْمَقْتُول وَحْده , أَوْ إِلَى مَنْ هُوَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ , بِخِلَافِ صُورَة الْمَسْأَلَة فَضَرَرهَا عَامّ لِلْجَمِيعِ , وَتَلَقَّى هَذَا الْأَخِير مِنْ الطِّيبِيّ اِسْتِدْلَالًا وَتَمْثِيلًا , وَيَنْبَغِي أَنْ يُضَاف إِلَيْهِ أَنَّ السُّؤَال الْمَذْكُور إِنَّمَا صَارَ كَذَلِكَ بَعْد ثُبُوت النَّهْي عَنْهُ. فَالْإِقْدَام عَلَيْهِ حَرَام فَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْإِثْم وَيَتَعَدَّى ضَرَره بِعِظَمِ الْإِثْم وَاَللَّه أَعْلَم. وَيُؤَيِّد مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجَمَاعَة مِنْ تَأْوِيل الْحَدِيث الْمَذْكُور مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن زِيَاد \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ الْحَجّ أَفِي كُلّ عَام ؟ لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ ثُمَّ تَرَكْتُمْ لَضَلَلْتُمْ \" وَلَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي عِيَاض عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" وَلَوْ تَرَكْتُمُوهُ لَكَفَرْتُمْ \" وَبِسَنَدٍ حَسَن عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مِثْله , وَأَصْله فِي مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِدُونِ الزِّيَادَة , وَإِطْلَاق الْكُفْر إِمَّا عَلَى مَنْ جَحَدَ الْوُجُوب فَهُوَ عَلَى ظَاهِره , وَإِمَّا عَلَى مَنْ تَرَكَ مَعَ الْإِقْرَار فَهُوَ عَلَى سَبِيل الزَّجْر وَالتَّغْلِيظ , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ عِظَم الذَّنْب بِحَيْثُ يَجُوز وَصْف مَنْ كَانَ السَّبَب فِي وُقُوعه بِأَنَّهُ وَقَعَ فِي أَعْظَم الذُّنُوب , كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره وَاللَّهُ أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الْأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة حَتَّى يَرِدَ الشَّرْعُ بِخِلَافِ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6746",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَفَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا النَّضْرِ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيهَا ‏ ‏لَيَالِيَ حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ لَيْلَةً فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ ‏ ‏مَا زَالَ بِكُمْ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَنْصُور لِقَوْلِهِ حَدَّثَنَا عَفَّان ; وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ إِنَّمَا يَقُول \" أَنَا \" وَلِأَنَّ أَبَا نُعَيْم أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ عَفَّانَ , وَلَوْ كَانَ فِي مُسْنَد إِسْحَاق لَمَا عَدَلَ عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( اِتَّخَذَ حُجْرَة ) ‏ ‏بِالرَّاءِ لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي بِالزَّايِ وَهُمَا بِمَعْنًى. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ صَنِيعكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" صُنْعكُمْ \" بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون النُّون وَهُمَا بِمَعْنًى , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْض مَنْ شَرَحَ هَذَا الْحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي قَبْل بَاب إِيجَاب التَّكْبِير , فَذَكَرَ \" أَبْوَاب صِفَة الصَّلَاة \" وَسَاقَهُ هُنَاكَ عَنْ عَبْد الْأَعْلَى عَنْ وُهَيْب , وَتَقَدَّمَتْ سَائِر فَوَائِده فِي شَرْح حَدِيث عَائِشَة فِي مَعْنَاهُ فِي \" بَاب تَرْك قِيَام اللَّيْل \" مِنْ أَبْوَاب التَّهَجُّد وَلِلَّهِ الْحَمْد , وَاَلَّذِي يَتَعَلَّق بِهَذِهِ التَّرْجَمَة مِنْ هَذَا الْحَدِيث مَا يُفْهَم مِنْ إِنْكَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا صَنَعُوا مِنْ تَكَلُّف مَا لَمْ يَأْذَن لَهُمْ فِيهِ مِنْ التَّجْمِيع فِي الْمَسْجِد فِي صَلَاة اللَّيْل. ‏"
    },
    {
        "id": "6747",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ غَضِبَ وَقَالَ ‏ ‏سَلُونِي فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبِي قَالَ أَبُوكَ ‏ ‏حُذَافَةُ ‏ ‏ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبِي فَقَالَ أَبُوكَ ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏شَيْبَةَ ‏ ‏فَلَمَّا رَأَى ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ الْغَضَبِ قَالَ إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى قَالَ \" سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشْيَاء كَرِهَهَا فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ الْمَسْأَلَة غَضِبَ \" عُرِفَ مِنْ هَذِهِ الْأَسْئِلَة مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْمَائِدَة فِي بَيَان الْمَسَائِل الْمُرَادَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء ) وَمِنْهَا سُؤَال مَنْ سَأَلَ \" أَيْنَ نَاقَتِي \" وَسُؤَال مَنْ سَأَلَ عَنْ الْبَحِيرَة وَالسَّائِبَة , وَسُؤَال مَنْ سَأَلَ عَنْ وَقْت السَّاعَة وَسُؤَال مَنْ سَأَلَ عَنْ الْحَجّ أَيَجِبُ كُلّ عَام وَسُؤَال مَنْ سَأَلَ أَنْ يُحَوِّل الصَّفَا ذَهَبًا وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس مِنْ رِوَايَة هِشَام وَغَيْره عَنْ قَتَادَةَ عَنْهُ فِي الدَّعَوَات وَفِي الْفِتَن : سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَحْفُوهُ بِالْمَسْأَلَةِ , وَمَعْنَى أَحْفُوهُ وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاء : أَكْثَرُوا عَلَيْهِ حَتَّى جَعَلُوهُ كَالْحَافِي , يُقَال أَحْفَاهُ فِي السُّؤَال إِذَا أَلَحَّ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ سَلُونِي ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَنَس الْمَذْكُور فَصَعِدَ الْمِنْبَر فَقَالَ \" لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْء إِلَّا بَيَّنْته لَكُمْ \" وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن بَشِير عَنْ قَتَادَةَ عِنْد أَبِي حَاتِم , فَخَرَجَ ذَات يَوْم حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَر \" وَبَيَّنَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْبَاب وَقْت وُقُوع ذَلِكَ وَأَنَّهُ بَعْد أَنْ صَلَّى الظُّهْر , وَلَفْظه \" خَرَجَ حِين زَاغَتْ الشَّمْس فَصَلَّى الظُّهْر فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَر فَذَكَرَ السَّاعَة ثُمَّ قَالَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَل عَنْ شَيْء فَلْيَسْأَلْ عَنْهُ فَذَكَرَ نَحْوه \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَامَ رَجُل فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَنْ أَبِي ) ‏ ‏بَيَّنَ فِي حَدِيث أَنَس مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ اِسْمه , وَفِي رِوَايَة قَتَادَةَ سَبَب سُؤَاله , قَالَ : فَقَامَ رَجُل كَانَ إِذَا لَاحَى - أَيْ خَاصَمَ - دُعِيَ إِلَى غَيْر أَبِيهِ , وَذَكَرْت اِسْم السَّائِل الثَّانِي , وَأَنَّهُ سَعْد وَإِنِّي نَقَلْته مِنْ تَرْجَمَة سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح مِنْ تَمْهِيد اِبْن عَبْد الْبَرّ وَزَادَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ الْآتِيَة بَعْد حَدِيثَيْنِ , فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُل فَقَالَ : أَيْنَ مُدْخَلِي يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ النَّار , وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذَا الرَّجُل فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق , كَأَنَّهُمْ أَبْهَمُوهُ عَمْدًا لِلسَّتْرِ عَلَيْهِ ولِلطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي فِرَاس الْأَسْلَمِيّ نَحْوه وَزَادَ \" وَسَأَلَهُ رَجُل فِي الْجَنَّة أَنَا ؟ قَالَ فِي الْجَنَّة \" وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذَا الْآخَر , وَنَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ رِوَايَة مُسْلِم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطْبَته , لَا يَسْأَلنِي أَحَد عَنْ شَيْء إِلَّا أَخْبَرْته , وَلَوْ سَأَلَنِي عَنْ أَبِيهِ , فَقَامَ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة وَذَكَرَ فِيهِ عِتَاب أُمّه لَهُ وَجَوَابه. وَذَكَرَ فِيهِ \" فَقَامَ رَجُل فَسَأَلَ عَنْ الْحَجّ \" فَذَكَرَهُ وَفِيهِ فَقَامَ سَعْد مَوْلَى شَيْبَة فَقَالَ : مَنْ أَنَا يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ أَنْتَ سَعْد بْن سَالِم مَوْلَى شَيْبَة , وَفِيهِ فَقَامَ رَجُل مِنْ بَنِي أَسَد فَقَالَ : أَيْنَ أَنَا ؟ قَالَ فِي النَّار. فَذَكَرَ قِصَّة عُمَر قَالَ : فَنَزَلَتْ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء ) الْآيَة \" وَنَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَة السُّؤَال \" وَبِهَذِهِ الزِّيَادَة يَتَّضِح أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة سَبَب نُزُول ( لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) فَإِنَّ الْمُسَاءَة فِي حَقّ هَذَا جَاءَتْ صَرِيحَة , بِخِلَافِهَا فِي حَقّ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة فَإِنَّهَا بِطَرِيقِ الْجَوَاز , أَيْ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ فِي نَفْس الْأَمْر لَمْ يَكُنْ لِأَبِيهِ فَبَيَّنَ أَبَاهُ الْحَقِيقِيّ لَافْتَضَحَتْ أُمّه , كَمَا صَرَّحَتْ بِذَلِكَ أُمّه حِين عَاتَبَتْهُ عَلَى هَذَا السُّؤَال كَمَا تَقَدَّمَ فِي \" كِتَاب الْفِتَن \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا رَأَى عُمَر مَا بِوَجْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْغَضَب ) ‏ ‏بَيَّنَ فِي حَدِيث أَنَس أَنَّ الصَّحَابَة كُلّهمْ فَهِمُوا ذَلِكَ , فَفِي رِوَايَة هِشَام \" فَإِذَا كُلّ رَجُل لَافًّا رَأْسه فِي ثَوْبه يَبْكِي \" وَزَادَ فِي رِوَايَة سَعِيد اِبْن بَشِير \" وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ بَيْن يَدَيْ أَمْر قَدْ حَضَرَ \" وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن أَنَس عَنْ أَنَس الْمَاضِيَة فِي تَفْسِير الْمَائِدَة \" فَغَضُّوا رُءُوسهمْ لَهُمْ خَنِين \" زَادَ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه \" فَمَا أَتَى عَلَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم كَانَ أَشَدّ مِنْهُ \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ : إِنَّا نَتُوب إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ \" فَبَرَكَ عُمَر عَلَى رُكْبَته فَقَالَ : رَضِينَا بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا \" وَفِي رِوَايَة قَتَادَةَ مِنْ الزِّيَادَة \" نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ شَرّ الْفِتَن \" وَفِي مُرْسَل السُّدِّيّ عِنْد الطَّبَرِيِّ فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة \" فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَر فَقَبَّلَ رِجْله وَقَالَ : رَضِينَا بِاَللَّهِ رَبًّا \". فَذَكَرَ مِثْله وَزَادَ \" وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا , فَاعْفُ عَفَا اللَّه عَنْك فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى رَضِيَ \" وَفِي هَذَا الْحَدِيث غَيْر مَا يَتَعَلَّق بِالتَّرْجَمَةِ , مُرَاقَبَة الصَّحَابَة أَحْوَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشِدَّة إِشْفَاقهمْ إِذَا غَضِبَ , خَشْيَة أَنْ يَكُون لِأَمْرٍ يَعُمّ فَيَعُمّهُمْ , وَإِدْلَال عُمَر عَلَيْهِ , وَجَوَاز تَقْبِيل رِجْل الرَّجُل , وَجَوَاز الْغَضَب فِي الْمَوْعِظَة , وَبُرُوك الطَّالِب بَيْن يَدَيْ مَنْ يَسْتَفِيد مِنْهُ , وَكَذَا التَّابِع بَيْن يَدَيْ الْمَتْبُوع إِذَا سَأَلَهُ فِي حَاجَة , وَمَشْرُوعِيَّة التَّعَوُّذ مِنْ الْفِتَن عِنْد وُجُود شَيْء قَدْ يَظْهَر مِنْهُ قَرِينَة وُقُوعهَا , وَاسْتِعْمَال الْمُزَاوَجَة فِي الدُّعَاء فِي قَوْله \" اُعْفُ عَفَا اللَّه عَنْك \" وَإِلَّا فَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْفُوّ عَنْهُ قَبْل ذَلِكَ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ سُئِلَ مَالِك عَنْ مَعْنَى النَّهْي عَنْ كَثْرَة السُّؤَال , فَقَالَ مَا أَدْرِي أَنَهَى عَنْ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ السُّؤَال عَنْ النَّوَازِل , أَوْ عَنْ مَسْأَلَة النَّاس الْمَال , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : الظَّاهِر الْأَوَّل , وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا مَعْنَى لِلتَّفْرِقَةِ بَيْن كَثْرَته وَقِلَّته لَا حَيْثُ يَجُوز وَلَا حَيْثُ لَا يَجُوز قَالَ : وَقِيلَ كَانُوا يَسْأَلُونَ عَنْ الشَّيْء وَيُلِحُّونَ فِيهِ إِلَى أَنْ يُحَرَّم , قَالَ : وَأَكْثَر الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْمُرَاد كَثْرَة السُّؤَال عَنْ النَّوَازِل وَالْأُغْلُوطَات وَالتَّوْلِيدَات كَذَا قَالَ : وَقَدْ تَقَدَّمَ الْإِلْمَام بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي \" كِتَاب الْعِلْم \". ‏"
    },
    {
        "id": "6748",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ ‏ ‏قَالَ كَتَبَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْمُغِيرَةِ ‏ ‏اكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَتَبَ إِلَيْهِ إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ وَكَتَبَ إِلَيْهِ إِنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدِ الْبَنَاتِ وَمَنْعٍ وَهَاتِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل و ‏ ‏\" عَبْد الْمَلِك \" ‏ ‏هُوَ اِبْن عُمَيْر. ‏ ‏قَوْله ( وَكَتَبَ إِلَيْهِ ) ‏ ‏هُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله \" فَكَتَبَ إِلَيْهِ \" وَهُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَفْرَدَ كَثِير مِنْ الرُّوَاة أَحَد الْحَدِيثَيْنِ عَنْ الْآخَر , وَالْغَرَض مِنْ إِيرَاده هُنَا أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَة السُّؤَال , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي الْمُرَاد بِكَثْرَةِ السُّؤَال فِي \" كِتَاب الرِّقَاق \" هَلْ هُوَ خَاصّ بِالْمَالِ أَوْ بِالْأَحْكَامِ أَوْ لِأَعَمّ مِنْ ذَلِكَ وَالْأَوْلَى حَمْله عَلَى الْعُمُوم لَكِنْ فِيمَا لَيْسَ لِلسَّائِلِ بِهِ اِحْتِيَاج كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْره , وَتَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث الْأَوَّل فِي الدَّعَوَات , وَالثَّانِي فِي الرِّقَاق. ‏"
    },
    {
        "id": "6749",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا عِنْدَ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّفِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَنَس كُنَّا عِنْد عُمَر فَقَالَ : نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّف ) ‏ ‏هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا. وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيّ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس أَنَّ عُمَر قَرَأَ ( وَفَاكِهَة وَأَبًّا ) فَقَالَ : مَا الْأَبّ ؟ ثُمَّ قَالَ مَا كُلِّفْنَا أَوْ قَالَ مَا أُمِرْنَا بِهَذَا. قُلْت : هُوَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة هِشَام عَنْ ثَابِت وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق يُونُس بْنِ عُبَيْد عَنْ ثَابِت بِلَفْظِ : \" أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُمَر بْن الْخَطَّاب عَنْ قَوْله ( وَفَاكِهَة وَأَبًّا ) مَا الْأَبّ ؟ فَقَالَ عُمَر : نُهِينَا عَنْ التَّعَمُّق وَالتَّكَلُّف \" وَهَذَا أَوْلَى أَنْ يُكْمَل بِهِ الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ , وَأَوْلَى مِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق أَبِي مُسْلِم الْكَجِّيّ عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ , وَلَفْظه عَنْ أَنَس : \" كُنَّا عِنْد عُمَر وَعَلَيْهِ قَمِيص فِي ظَهْره أَرْبَع رِقَاع , فَقَرَأَ : ( وَفَاكِهَة وَأَبًّا ) فَقَالَ : هَذِهِ الْفَاكِهَة قَدْ عَرَفْنَاهَا فَمَا الْأَبّ ؟ ثُمَّ قَالَ : مَهْ نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّف \" وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيره عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب بِهَذَا السَّنَد مِثْله سَوَاء , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ سُلَيْمَان بْن حَرْب عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة بَدَل حَمَّاد بْن زَيْد , وَقَالَ بَعْد قَوْله فَمَا الْأَبّ , ثُمَّ قَالَ : يَا اِبْن أُمّ عُمَر إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّف وَمَا عَلَيْك أَنْ لَا تَدْرِي مَا الْأَبّ. وَسُلَيْمَان بْن حَرْب سَمِعَ مِنْ الْحَمَّادَيْنِ لَكِنَّهُ اِخْتَصَّ بِحَمَّادِ بْن زَيْد فَإِذَا أَطْلَقَ قَوْله حَدَّثَنَا حَمَّاد فَهُوَ اِبْن زَيْد وَإِذَا رَوَى عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة نَسَبَهُ , وَأَخْرَجَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَس أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَر يَقُول ( فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا ) الْآيَة , إِلَى قَوْله وَأَبًّا قَالَ كُلّ هَذَا قَدْ عَرَفْنَاهُ فَمَا الْأَبّ ؟ ثُمَّ رَمَى عَصًا كَانَتْ فِي يَده ثُمَّ قَالَ : هَذَا لَعَمْر اللَّه التَّكَلُّف \" اِتَّبِعُوا مَا بُيِّنَ لَكُمْ مِنْ هَذَا الْكِتَاب \" وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ فِي آخِره \" اِتَّبِعُوا مَا بُيِّنَ لَكُمْ فِي الْكِتَاب \" وَفِي لَفْظ \" مَا بُيِّنَ لَكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِهِ وَمَا لَا فَدَعُوهُ \" وَأَخْرَجَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد \" أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُمَر عَنْ فَاكِهَة وَأَبًّا فَلَمَّا رَآهُمْ عُمَر يَقُولُونَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالدِّرَّةِ \" وَمِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ قَالَ \" قَرَأَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق وَفَاكِهَة وَأَبًّا فَقِيلَ مَا الْأَب ؟ فَقِيلَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ أَبُو بَكْر إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّف , أَيّ أَرْض تُقِلُّنِي أَوْ أَيّ سَمَاء تُظِلُّنِي إِذَا قُلْت فِي كِتَاب اللَّه بِمَا لَا أَعْلَم \" وَهَذَا مُنْقَطِع بَيْن النَّخَعِيِّ وَالصِّدِّيق وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ \" أَنَّ أَبَا بَكْر سُئِلَ عَنْ الْأَبّ مَا هُوَ فَقَالَ : أَيّ سَمَاء تُظِلّنِي \" فَذَكَرَ مِثْله , وَهُوَ مُنْقَطِع أَيْضًا لَكِنَّ أَحَدهمَا يُقَوِّي الْآخَر وَأَخْرَجَ الْحَاكِم فِي تَفْسِير آل عِمْرَان مِنْ الْمُسْتَدْرَك مِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس قَالَ : قَرَأَ عُمَر \" وَفَاكِهَة وَأَبًّا \" فَقَالَ بَعْضهمْ كَذَا وَقَالَ بَعْضهمْ كَذَا فَقَالَ عُمَر : دَعُونَا مِنْ هَذَا آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْد رَبّنَا , وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مُوسَى بْنِ أَنَس نَحْوه وَمِنْ طَرِيق مُعَاوِيَة بْن قُرَّة وَمِنْ طَرِيق قَتَادَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَنَس كَذَلِكَ وَقَدْ جَاءَ أَنَّ اِبْن عَبَّاس فَسَّرَ \" الْأَبّ \" عِنْد عُمَر فَأَخْرَجَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : كَانَ عُمَر يُدْنِي اِبْن عَبَّاس فَذَكَرَ نَحْو الْقِصَّة الْمَاضِيَة فِي تَفْسِير ( إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه ) وَفِي آخِرهَا وَقَالَ تَعَالَى ( إِنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا ) إِلَى قَوْله ( وَأَبًّا ) قَالَ : فَالسَّبْعَة رِزْق لِبَنِي آدَم \" وَالْأَبّ مَا تَأْكُل الْأَنْعَام \" وَلَمْ يَذْكُر أَنَّ عُمَر أَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عَاصِم بْن كُلَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ \" الْأَبّ مَا تُنْبِتهُ الْأَرْض مِمَّا تَأْكُلهُ الدَّوَابّ , وَلَا يَأْكُلهُ النَّاس \" وَأَخْرَجَ عَنْ عِدَّة مِنْ التَّابِعِينَ نَحْو , ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيق عَلِيّ اِبْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس بِسَنَدٍ صَحِيح قَالَ \" الْأَب الثِّمَار الرَّطْبَة \" وَهَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم بِلَفْظِ \" وَفَاكِهَة وَأَبًّا \" قَالَ : الثِّمَار الرَّطْبَة , وَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْهُ وَالْيَابِسَة , فَقَدْ أَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس بِسَنَدٍ حَسَن \" الْأَبّ الْحَشِيش لِلْبَهَائِمِ \" وَفِيهِ قَوْل آخَر أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيق عَطَاء قَالَ : كُلّ شَيْء يَنْبُت عَلَى وَجْه الْأَرْض فَهُوَ أَبّ , فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ الْعَامّ بَعْد الْخَاصّ , وَمِنْ طَرِيق الضَّحَّاك قَالَ : الْأَبّ كُلّ شَيْء أَنْبَتَتْ الْأَرْض سِوَى الْفَاكِهَة , وَهَذَا أَعَمّ مِنْ الْأَوَّل , وَذَكَرَ بَعْض أَهْل اللُّغَة أَنَّ الْأَبّ مُطْلَق الْمَرْعَى , وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : ‏ ‏لَهُ دَعْوَة مَيْمُونَة رِيحهَا الصَّبَا ‏ ‏بِهَا يُنْبِت اللَّه الْحَصِيدَة وَالْأَبَا ‏ ‏وَقِيلَ الْأَبّ \" يَابِس الْفَاكِهَة \" وَقِيلَ إِنَّهُ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ , وَيُؤَيِّدهُ خَفَاؤُهُ عَلَى مِثْل أَبِي بَكْر وَعُمَر. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏فِي إِخْرَاج الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث فِي آخِر الْبَاب مَصِير مِنْهُ إِلَى أَنَّ قَوْل الصَّحَابِيّ \" أُمِرْنَا وَنُهِينَا \" فِي حُكْم الْمَرْفُوع وَلَوْ لَمْ يُضِفْهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمِنْ ثَمَّ اِقْتَصَرَ عَلَى قَوْله \" نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّف \" وَحَذَفَ الْقِصَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "6750",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَرَجَ حِينَ زَاغَتْ الشَّمْسُ فَصَلَّى الظُّهْرَ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ السَّاعَةَ وَذَكَرَ أَنَّ بَيْنَ يَدَيْهَا أُمُورًا عِظَامًا ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ عَنْهُ فَوَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْبُكَاءَ وَأَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ يَقُولَ سَلُونِي فَقَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ أَيْنَ مَدْخَلِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ النَّارُ فَقَامَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ ‏ ‏فَقَالَ مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَبُوكَ ‏ ‏حُذَافَةُ ‏ ‏قَالَ ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ سَلُونِي سَلُونِي فَبَرَكَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ‏ ‏وَبِمُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَسُولًا قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ وَأَنَا أُصَلِّي فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس وَهُوَ فِي مَعْنَى الْحَدِيث الرَّابِع , وَقَدْ مَضَى شَرْحه أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظ مَعْمَر , وَفِي بَاب وَقْت الظُّهْر مِنْ \" كِتَاب الصَّلَاة \" بِلَفْظِ شُعَيْب وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ , وَوَقَعَ هُنَا \" فَأَكْثَر الْأَنْصَار الْبُكَاء \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ , وَفِي رِوَايَة غَيْره \" فَأَكْثَر النَّاس \" وَهِيَ الصَّوَاب , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر وَغَيْره وَوَقَعَ هُنَا \" فَذَكَرَ السَّاعَة وَذَكَرَ أَنَّ بَيْن يَدَيْهَا أُمُورًا عِظَامًا \" وَفِي رِوَايَة شُعَيْب , وَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا وَزَادَ هُنَا \" فَقَامَ رَجُل فَقَالَ : أَيْنَ مُدْخَلِي \" إِلَخْ , وَوَقَعَ هُنَا \" وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا \" وَفِي رِوَايَة شُعَيْب \" وَمُحَمَّد نَبِيًّا \" وَوَقَعَ هُنَا \" فَسَكَتَ حِين قَالَ ذَلِكَ عُمَر ثُمَّ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْلَى \" وَسَقَطَ هَذَا كُلّه مِنْ رِوَايَة شُعَيْب قَالَ الْمُبَرِّد : يُقَال لِلرَّجُلِ إِذَا أَفْلَتَ مِنْ مُعْضِلَة أَوْلَى لَك , أَيْ كِدْت تَهْلِك , وَقَالَ غَيْره هِيَ بِمَعْنَى التَّهْدِيد وَالْوَعِيد. ‏"
    },
    {
        "id": "6751",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَجُلٌ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ أَبِي قَالَ ‏ ‏أَبُوكَ فُلَانٌ وَنَزَلَتْ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس أَيْضًا مِنْ رِوَايَة اِبْنه مُوسَى عَنْهُ وَأَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6752",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَبَابَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَرْقَاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولُوا هَذَا اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ‏",
        "sharh": "\" 10843 \" ‏ ‏قَوْله ( وَرْقَاء ) ‏ ‏بِقَافِ مَمْدُود هُوَ اِبْن عُمَر الْيَشْكُرِيّ وَشَيْخه \" عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن \" هُوَ اِبْن مَعْمَر بْن حَزْم الْأَنْصَارِيّ أَبُو طُوَالَة بِضَمِّ الطَّاء الْمُهْمَلَة مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ. ‏ ‏قَوْله ( لَنْ يَبْرَح النَّاس يَتَسَاءَلُونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" يَسْأَلُونَ \" وَعِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَة عُرْوَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ \". ‏ ‏قَوْله ( هَذَا اللَّه خَالِق كُلّ شَيْء ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُرْوَة \" هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ \" وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا وَهُوَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ رِوَايَة عُرْوَة أَيْضًا \" يَأْتِي الشَّيْطَان الْعَبْد أَوْ أَحَدكُمْ فَيَقُول مَنْ خَلْق كَذَا وَكَذَا حَتَّى يَقُول مَنْ خَلْق رَبّك ؟ \" وَفِي لَفْظ لِمُسْلِمٍ \" مَنْ خَلَقَ السَّمَاء مَنْ خَلَقَ الْأَرْض ؟ فَيَقُول اللَّهُ \" وَلِأَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث خُزَيْمَةَ اِبْن ثَابِت مِثْله , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" حَتَّى يَقُولُوا هَذَا اللَّهُ خَلَقَنَا \" وَلَهُ فِي رِوَايَة يَزِيد اِبْن الْأَصَمّ عَنْهُ \" حَتَّى يَقُولُوا اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْء \" وَفِي رِوَايَة الْمُخْتَار بْن فُلْفُل عَنْ أَنَس \" عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ أُمَّتك لَا تَزَال تَقُول مَا كَذَا وَكَذَا حَتَّى يَقُولُوا هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْق \" وَلِلْبَزَّارِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" لَا يَزَال النَّاس يَقُولُونَ كَانَ اللَّه قَبْل كُلّ شَيْء فَمَنْ قَبْله \" قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ , قَوْله \" هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْق \" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا مَفْعُولًا وَالْمَعْنَى حَتَّى يُقَال هَذَا الْقَوْل وَأَنْ يَكُون مُبْتَدَأ حُذِفَ خَبَرُهُ , أَيْ هَذَا الْأَمْر قَدْ عُلِمَ , وَعَلَى اللَّفْظ الْأَوَّل يَعْنِي رِوَايَة أَنَس عِنْد مُسْلِم \" هَذَا اللَّه \" مُبْتَدَأ وَخَبَر أَوْ \" هَذَا \" مُبْتَدَأ و \" اللَّه \" عَطْف بَيَان و \" خَلَقَ الْخَلْق \" خَبَره قَالَ الطِّيبِيُّ : وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَلَكِنَّ تَقْدِيره هَذَا مُقَرَّر مَعْلُوم وَهُوَ أَنَّ اللَّه خَلَقَ الْخَلْق وَهُوَ شَيْء , وَكُلّ شَيْء مَخْلُوق فَمَنْ خَلَقَهُ فَيَظْهَر تَرْتِيب مَا بَعْد الْفَاء عَلَى مَا قَبْلهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَمَنْ خَلَقَ اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة بَدْء الْخَلْق \" مَنْ خَلَقَ رَبّك \" وَزَادَ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ وَلْيَنْتَهِ , وَفِي لَفْظ لِمُسْلِمٍ \" فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ آمَنْت بِاَللَّهِ \" وَزَادَ فِي أُخْرَى و \" رُسُله \" وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ الزِّيَادَة فَقُولُوا ( اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ ) السُّورَة \" ثُمَّ لِيَتْفُلْ عَنْ يَسَاره ثُمَّ لِيَسْتَعِذْ \" وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث \" عَائِشَة فَإِذَا وَجَدَ أَحَدكُمْ ذَلِكَ فَلْيَقُلْ آمَنْت بِاَللَّهِ وَرَسُوله \" فَإِنَّ ذَلِكَ يَذْهَب عَنْهُ , وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْو الْأَوَّل وَزَادَ \" فَبَيْنَمَا أَنَا فِي الْمَسْجِد إِذْ جَاءَنِي نَاس مِنْ الْأَعْرَاب \" فَذَكَرَ سُؤَالهمْ عَنْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ رَمَاهُمْ بِالْحَصَا وَقَالَ \" صَدَقَ خَلِيلِي \" وَلَهُ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" صَدَقَ اللَّه وَرَسُوله \" قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي حَدِيث أَنَس الْإِشَارَة إِلَى ذَمّ كَثْرَة السُّؤَال لِأَنَّهَا تُفْضِي إِلَى الْمَحْذُور كَالسُّؤَالِ الْمَذْكُور , فَإِنَّهُ لَا يَنْشَأ إِلَّا عَنْ جَهْل مُفْرِط , وَقَدْ وَرَدَ بِزِيَادَةٍ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" لَا يَزَال الشَّيْطَان يَأْتِي أَحَدكُمْ فَيَقُول مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُول مَنْ خَلَقَ اللَّه , فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدكُمْ فَلْيَقُلْ آمَنْت بِاَللَّهِ \" وَفِي رِوَايَة \" ذَاكَ صَرِيح الْإِيمَان \" وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَ الصَّحَابِيّ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" جَاءَ نَاس إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَصْحَابه فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه إِنَّا نَجِد فِي أَنْفُسنَا الشَّيْء يَعْظُم أَنْ نَتَكَلَّم بِهِ مَا نُحِبّ أَنَّ لَنَا الدُّنْيَا وَأَنَا تَكَلَّمْنَا بِهِ , فَقَالَ أَوَ قَدْ وَجَدْتُمُوهُ ؟ ذَاكَ صَرِيح الْإِيمَان \" وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس \" جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي أُحَدِّث نَفْسِي بِالْأَمْرِ لَأَنْ أَكُون حُمَمَة أَحَبّ إِلَيَّ مَنْ أَنْ أَتَكَلَّم بِهِ \" قَالَ \" الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي رَدّ أَمْره إِلَى الْوَسْوَسَة \" ثُمَّ نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ الْمُرَاد بِصَرِيحِ الْإِيمَان هُوَ الَّذِي يَعْظُم فِي نُفُوسهمْ إِنْ تَكَلَّمُوا بِهِ , وَيَمْنَعهُمْ مِنْ قَبُول مَا يُلْقِي الشَّيْطَان , فَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَتَعَاظَم فِي أَنْفُسهمْ حَتَّى أَنْكَرُوهُ , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ الْوَسْوَسَة نَفْسهَا صَرِيح الْإِيمَان بَلْ هِيَ مِنْ قِبَل الشَّيْطَان وَكَيْده , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْله \" نَجِد فِي أَنْفُسنَا الشَّيْء \" أَيْ الْقَبِيح , نَحْو مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث أَنَس وَأَبِي هُرَيْرَة , وَقَوْله \" يَعْظُم أَنْ نَتَكَلَّم بِهِ \" أَيْ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يَلِيق أَنْ نَعْتَقِدهُ , وَقَوْله \" ذَاكَ صَرِيح الْإِيمَان \" أَيْ عِلْمكُمْ بِقَبِيحِ تِلْكَ الْوَسَاوِس وَامْتِنَاع قَبُولكُمْ وَوُجُودكُمْ النَّفْرَة عَنْهَا دَلِيل عَلَى خُلُوص إِيمَانكُمْ , فَإِنَّ الْكَافِر يُصِرّ عَلَى مَا فِي قَلْبه مِنْ الْمُحَال وَلَا يَنْفِر عَنْهُ , وَقَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر \" فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ وَلْيَنْتَهِ \" أَيْ يَتْرُك التَّفَكُّر فِي ذَلِكَ الْخَاطِر وَيَسْتَعِيذ بِاَللَّهِ إِذَا لَمْ يَزُلْ عَنْهُ التَّفَكُّر , وَالْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعِلْم بِاسْتِغْنَاءِ اللَّه تَعَالَى عَنْ كُلّ مَا يُوَسْوِسهُ الشَّيْطَان أَمْر ضَرُورِيّ لَا يَحْتَاج لِلِاحْتِجَاجِ وَالْمُنَاظَرَة , فَإِنْ وَقَعَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ وَسْوَسَة الشَّيْطَان وَهِيَ غَيْر مُتَنَاهِيَة فَمَهْمَا عُورِضَ بِحُجَّةِ يَجِد مَسْلَكًا آخَر مِنْ الْمُغَالَطَة وَالِاسْتِرْسَال فَيُضَيِّع الْوَقْت إِنْ سَلِمَ مِنْ فِتْنَته , فَلَا تَدْبِير فِي دَفْعه أَقْوَى مِنْ الْإِلْجَاء إِلَى اللَّه تَعَالَى بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَان نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ ) الْآيَة , وَقَالَ فِي شَرْح الْحَدِيث الَّذِي فِيهِ \" فَلْيَقُلْ اللَّه الْأَحَد \" الصِّفَات الثَّلَاث مُنَبِّهَة عَلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَجُوز أَنْ يَكُون مَخْلُوقًا , أَمَّا أَحَد فَمَعْنَاهُ الَّذِي لَا ثَانِي لَهُ وَلَا مِثْل , فَلَوْ فُرِضَ مَخْلُوقًا لَمْ يَكُنْ أَحَدًا عَلَى الْإِطْلَاق. وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي شَرْح حَدِيث عَائِشَة فِي أَوَّل \" كِتَاب التَّوْحِيد \" , وَقَالَ الْمُهَلَّب : قَوْله صَرِيح الْإِيمَان , يَعْنِي الِانْقِطَاع فِي إِخْرَاج الْأَمْر إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ , فَلَا بُدّ عِنْد ذَلِكَ مِنْ إِيجَاب خَالِق لَا خَالِق لَهُ لِأَنَّ الْمُتَفَكِّر الْعَاقِل يَجِد لِلْمَخْلُوقَاتِ كُلّهَا خَالِقًا لِأَثَرِ الصَّنْعَة فِيهَا وَالْحَدَث الْجَارِي عَلَيْهَا وَالْخَالِق بِخِلَافِ هَذِهِ الصِّفَة فَوَجَبَ أَنْ يَكُون لِكُلٍّ مِنْهَا خَالِق لَا خَالِق لَهُ فَهَذَا هُوَ صَرِيح الْإِيمَان , لَا الْبَحْث الَّذِي هُوَ مِنْ كَيْد الشَّيْطَان الْمُؤَدِّي إِلَى الْحِيرَة , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : فَإِنْ قَالَ الْمُوَسْوِس فَمَا الْمَانِع أَنْ يَخْلُق الْخَالِقُ نَفْسَهُ , قِيلَ لَهُ هَذَا يَنْقُضُ , بَعْضه بَعْضًا , لِأَنَّك أَثْبَتَ خَالِقًا وَأَوْجَبْت وُجُوده ثُمَّ قُلْت : يَخْلُق نَفْسه فَأَوْجَبْت عَدَمه , وَالْجَمْع بَيْن كَوْنه مَوْجُودًا مَعْدُومًا فَاسِد لِتَنَاقُضِهِ , لِأَنَّ الْفَاعِل يَتَقَدَّم وُجُوده عَلَى وُجُود فِعْله فَيَسْتَحِيل كَوْن نَفْسه فِعْلًا لَهُ. وَهَذَا وَاضِح فِي حَلّ هَذِهِ الشُّبْهَة وَهُوَ يُفْضِي إِلَى صَرِيح الْإِيمَان اِنْتَهَى مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا. وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ مُسْلِم فَعَزْوُهُ إِلَيْهِ أَوْلَى ; وَلَفْظه \" إِنَّا نَجِد فِي أَنْفُسنَا مَا يَتَعَاظَم أَحَدنَا أَنْ يَتَكَلَّم بِهِ , قَالَ وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ قَالُوا نَعَمْ قَالَ ذَاكَ صَرِيح الْإِيمَان \" وَأَخْرَجَ بَعْده مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوَسْوَسَة فَقَالَ : تِلْكَ مَحْض الْإِيمَان \" وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَقَالَ اِبْن التِّين \" لَوْ جَازَ لِمُخْتَرِعِ الشَّيْء أَنْ يَكُون لَهُ مُخْتَرِع لَتَسَلْسَلَ فَلَا بُدّ مِنْ الِانْتِهَاء إِلَى مُوجِد قَدِيم , وَالْقَدِيم مَنْ لَا يَتَقَدَّمهُ شَيْء وَلَا يَصِحّ عَدَمه , وَهُوَ فَاعِل لَا مَفْعُول , وَهُوَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى \" وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ \" ثَبَتَ أَنَّ مَعْرِفَة اللَّه بِالدَّلِيلِ فَرْض عَيْن أَوْ كِفَايَة , وَالطَّرِيق إِلَيْهَا بِالسُّؤَالِ عَنْهَا مُتَعَيِّنٌ لِأَنَّهَا مُقَدِّمَتهَا \" لَكِنْ لَمَّا عُرِفَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْخَالِق غَيْر مَخْلُوق أَوْ بِالْكَسْبِ الَّذِي يُقَارِب الصِّدْق كَانَ السُّؤَال عَنْ ذَلِكَ تَعَنُّتًا فَيَكُون الذَّمّ يَتَعَلَّق بِالسُّؤَالِ الَّذِي يَكُون عَلَى سَبِيل التَّعَنُّت وَإِلَّا فَالتَّوَصُّل إِلَى مَعْرِفَة ذَلِكَ وَإِزَالَة الشُّبْهَة عَنْهُ صَرِيح الْإِيمَان , إِذْ لَا بُدّ مِنْ الِانْقِطَاع إِلَى مَنْ لَا يَكُون لَهُ خَالِق دَفْعًا لِلتَّسَلْسُلِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْو هَذَا فِي صِفَة إِبْلِيس مِنْ \" بَدْء الْخَلْق \" وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ ثُبُوت الْوُجُوب يَأْتِي الْبَحْث فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي أَوَّل \" كِتَاب التَّوْحِيد \" وَيُقَال إِنَّ نَحْو هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَقَعَتْ فِي زَمَن الرَّشِيد فِي قِصَّة لَهُ مَعَ صَاحِب الْهِنْد , وَأَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ هَلْ يَقْدِر الْخَالِق أَنْ يَخْلُق مِثْله فَسَأَلَ أَهْل الْعِلْم , فَبَدَرَ شَابٌّ فَقَالَ : هَذَا السُّؤَال مُحَال لِأَنَّ الْمَخْلُوق مُحْدَث وَالْمُحْدَثُ لَا يَكُون مِثْل الْقَدِيم , فَاسْتَحَالَ أَنْ يُقَال يَقْدِر أَنْ يَخْلُق مِثْله أَوْ لَا يَقْدِر , كَمَا يَسْتَحِيل أَنْ يُقَال فِي الْقَادِر الْعَالِم يَقْدِر أَنْ يَصِير عَاجِزًا جَاهِلًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6753",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَرْثٍ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏فَقَالَ بَعْضُهُمْ سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَسْأَلُوهُ لَا يُسْمِعُكُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا ‏ ‏يَا ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏حَدِّثْنَا عَنْ الرُّوحِ فَقَامَ سَاعَةً يَنْظُرُ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَتَأَخَّرْتُ عَنْهُ حَتَّى صَعِدَ الْوَحْيُ ثُمَّ قَالَ ‏ { ‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ‏}",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي سُؤَال الْيَهُود عَنْ الرُّوح , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِير سُورَة سُبْحَان وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" فَقَامَ سَاعَة فَنَظَرَ , فَعَرَفْت أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَتَأَخَّرْت حَتَّى صَعِدَ الْوَحْي \" ظَاهِر فِي أَنَّهُ أَجَابَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت وَهُوَ يَرُدّ عَلَى مَا وَقَعَ فِي مَغَازِي مُوسَى بْن عُقْبَة , وَسِيَر سُلَيْمَان التَّيْمِيّ أَنَّ جَوَابه تَأَخَّرَ ثَلَاثَة أَيَّام وَفِي سِيرَة اِبْن إِسْحَاق , أَنَّهُ تَأَخَّرَ خَمْسَة عَشَر يَوْمًا , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي شَيْء مِنْهُ بَعْد أَرْبَعَة أَبْوَاب إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6754",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اتَّخَذَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَنَبَذَهُ وَقَالَ إِنِّي لَنْ أَلْبَسَهُ أَبَدًا فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ اِبْن عُمَر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي نُعَيْم بِسَنَدِهِ سَمِعْت اِبْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( فَاتَّخَذَ النَّاس خَوَاتِيم مِنْ ذَهَبَ ) ‏ ‏وَفِيهِ \" فَنَبَذَهُ وَقَالَ : إِنِّي لَمْ أَلْبَسهُ أَبَدًا فَنَبَذَ النَّاس خَوَاتِيمهمْ \" اِقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْمِثَال لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَأَسِّيهمْ بِهِ فِي الْفِعْل وَالتَّرْك , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح مَا يَتَعَلَّق بِخَاتَمِ الذَّهَب فِي \" كِتَاب اللِّبَاس \" قَالَ اِبْن بَطَّال بَعْد أَنْ حَكَى الِاخْتِلَاف فِي أَفْعَاله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مُحْتَجًّا لِمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ بِحَدِيثِ الْبَاب , لِأَنَّهُ خَلَعَ خَاتَمه فَخَلَعُوا خَوَاتِمهمْ , وَنَزَعَ نَعْله فِي الصَّلَاة فَنَزَعُوا , وَلَمَّا أَمَرَهُمْ عَام الْحُدَيْبِيَة بِالتَّحَلُّلِ وَتَأَخَّرُوا عَنْ الْمُبَادَرَة رَجَاء أَنْ يَأْذَن لَهُمْ فِي الْقِتَال وَأَنْ يُنْصَرُوا فَيُكْمِلُوا عُمْرَتهمْ , قَالَتْ لَهُ أُمّ سَلَمَة اُخْرُجْ إِلَيْهِمْ وَاحْلِقْ وَاذْبَحْ فَفَعَلَ فَتَابَعُوهُ مُسْرِعِينَ , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْفِعْل أَبْلَغ مِنْ الْقَوْل , وَلَمَّا نَهَاهُمْ عَنْ الْوِصَال قَالُوا إِنَّك تُوَاصِل , فَقَالَ : إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى فَلَوْلَا أَنَّ لَهُمْ الِاقْتِدَاء بِهِ لَقَالَ : وَمَا فِي مُوَاصَلَتِي مَا يُبِيح لَكُمْ الْوِصَال , لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ وَبَيَّنَ لَهُمْ وَجْه اِخْتِصَاصه بِالْمُوَاصَلَةِ اِنْتَهَى. وَلَيْسَ فِي جَمِيع مَا ذَكَرَهُ مَا يَدُلّ عَلَى الْمُدَّعَى مِنْ الْوُجُوب , بَلْ عَلَى مُطْلَق التَّأَسِّي بِهِ وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6755",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا ‏ ‏تُوَاصِلُوا ‏ ‏قَالُوا إِنَّكَ ‏ ‏تُوَاصِلُ ‏ ‏قَالَ إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ‏ ‏الْوِصَالِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَوَاصَلَ ‏ ‏بِهِمْ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَيْنِ أَوْ لَيْلَتَيْنِ ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ ‏",
        "sharh": "فِي النَّهْي عَنْ الْوِصَال \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الصِّيَام \" وَقَوْله هُنَا \" لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَال لَزِدْتُكُمْ \" وَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس الْمَاضِي فِي \" كِتَاب التَّمَنِّي \" , وَلَوْ مُدَّ لِي فِي الشَّهْر لَوَاصَلْت وِصَالًا يَدَع الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقهمْ , وَإِلَى هَذِهِ الرِّوَايَة أَشَارَ فِي التَّرْجَمَة لَكِنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَته فِي إِيرَاد مَا لَا يُنَاسِب التَّرْجَمَة ظَاهِرًا إِذَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه مَا يُعْطِي ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْو هَذَا فِي \" كِتَاب الصِّيَام \" بِزِيَادَةٍ فِيهِ وَقَوْله \" كَالْمُنْكِي \" بِضَمِّ الْمِيم وَسُكُون النُّون وَبَعْد الْكَاف يَاء سَاكِنَة مِنْ النِّكَايَة , كَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيّ وَعَنْ الْمُسْتَمْلِي بِرَاءٍ بَدَل الْيَاء مِنْ الْإِنْكَار , وَعَلَى هَذَا فَاللَّام فِي لَهُمْ بِمَعْنَى عَلَى وَعَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ النُّون وَتَشْدِيد الْكَاف الْمَكْسُورَة بَعْدهَا لَام مِنْ النَّكَال وَهِيَ رِوَايَة الْبَاقِينَ , وَقَدْ مَضَى فِي \" كِتَاب الصِّيَام \" مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ \" كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِين أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا \". ‏"
    },
    {
        "id": "6756",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏قَالَ خَطَبَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ آجُرٍّ وَعَلَيْهِ سَيْفٌ فِيهِ صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَقَالَ ‏ ‏وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ يُقْرَأُ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ فَنَشَرَهَا فَإِذَا فِيهَا أَسْنَانُ الْإِبِلِ وَإِذَا فِيهَا ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏حَرَمٌ مِنْ ‏ ‏عَيْرٍ ‏ ‏إِلَى كَذَا فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَإِذَا فِيهِ ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَإِذَا فِيهَا مَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي أَبِي ) ‏ ‏هُوَ يَزِيد بْن شَرِيك التَّيْمِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( خَطَبَنَا عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب عَلَى مِنْبَر مِنْ آجُرّ ) ‏ ‏بِالْمَدِّ وَضَمّ الْجِيم هُوَ الطُّوب الْمَشْوِيّ وَيُقَال بِمَدِّ وَزِيَادَة وَاو , وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ. ‏ ‏قَوْله ( فَنَشَرَهَا ) ‏ ‏أَيْ فَتَحَهَا. ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا فِيهَا ) ‏ ‏يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلِيّ دَفَعَهَا لِمَنْ قَرَأَهَا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَرَأَهَا بِنَفْسِهِ. ‏ ‏قَوْله ( الْمَدِينَة حَرَمٌ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْح مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ فِي أَوَاخِر الْحَجّ مُسْتَوْعَبًا. ‏ ‏قَوْله ( ذِمَّة الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ أَيْضًا فِي الْجِزْيَة وَالْمُوَادَعَة , وَقَوْله \" فَمَنْ أَخْفَرَ \" بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَأَلِف أَيْ غَدَرَ بِهِ , وَالْهَمْزَة لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ أَزَالَ عَنْهُ الْخَفْر وَهُوَ السِّتْر. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْن مَوَالِيه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِهِ فِي الْفَرَائِض , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الْفَرَائِض \" أَنَّ الصَّحِيفَة الْمَذْكُورَة تَشْتَمِل عَلَى أَشْيَاء غَيْر هَذِهِ مِنْ الْقِصَاص وَالْعَفْو وَغَيْر ذَلِكَ , وَالْغَرَض بِإِيرَادِ الْحَدِيث هُنَا لَعْنُ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا , فَإِنَّهُ وَإِنْ قَيَّدَ فِي الْخَبَر بِالْمَدِينَةِ فَالْحُكْم عَامّ فِيهَا وَفِي غَيْرهَا إِذَا كَانَ مِنْ مُتَعَلِّقَات الدِّين , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ فِي بَاب حَرَم الْمَدِينَة فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الْحَجّ \" وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ مُنَاسَبَة حَدِيث عَلِيّ لِلتَّرْجَمَةِ لَعَلَّهُ مِنْ جِهَة أَنَّهُ يُسْتَفَاد مِنْ قَوْل عَلِيّ \" مَا عِنْدنَا مِنْ كِتَاب يُقْرَأ \" إِلَخْ تَبْكِيت مَنْ تَنَطَّعَ فِي الْكَلَام وَجَاءَ بِغَيْرِ مَا فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة كَذَا قَالَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6757",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏صَنَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏شَيْئًا تَرَخَّصَ فِيهِ وَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ فَوَاللَّهِ إِنِّي أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْأَعْمَش حَدَّثَنَا مُسْلِم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن صُبَيْح بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَة مُصَغَّرًا وَآخِره مُهْمَلَة , وَهُوَ أَبُو الضُّحَى مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اسْمِه , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَة جَرِير عَنْ الْأَعْمَش فَقَالَ عَنْ أَبِي الضُّحَى بِهِ وَهَذَا يُغْنِي عَنْ قَوْل الْكَرْمَانِيِّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن صُبَيْح , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن أَبِي عِمْرَان الْبَطِين , فَإِنَّهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ مَسْرُوق وَيَرْوِي عَنْهُمَا الْأَعْمَش , وَالسَّنَد الْمَذْكُور إِلَى مَسْرُوق كُلّهمْ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ عِدَّة طُرُق عَنْ الْأَعْمَش بِسَنَدِهِ عَنْ عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله ( تَرَخَّصَ فِيهِ وَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْم ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَاب مَنْ لَمْ يُوَاجِه النَّاس مِنْ \" كِتَاب الْأَدَب \" هَذَا الْحَدِيث بِسَنَدِهِ وَمَتْنه , وَشَرَحْته هُنَاكَ , وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا أَنَّ الْخَيْر فِي الِاتِّبَاع سَوَاء كَانَ ذَلِكَ فِي الْعَزِيمَة أَوْ الرُّخْصَة , وَأَنَّ اِسْتِعْمَال الرُّخْصَة بِقَصْدِ الِاتِّبَاع فِي الْمَحَلّ الَّذِي وَرَدَتْ أَوْلَى مِنْ اِسْتِعْمَال الْعَزِيمَة بَلْ رُبَّمَا كَانَ اِسْتِعْمَال الْعَزِيمَة حِينَئِذٍ مَرْجُوحًا كَمَا فِي إِتْمَام الصَّلَاة فِي السَّفَر ; وَرُبَّمَا كَانَ مَذْمُومًا إِذَا كَانَ رَغْبَة عَنْ السُّنَّة كَتَرْكِ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ , وَأَوْمَأَ اِبْن بَطَّال إِلَى أَنَّ الَّذِي تَنَزَّهُوا عَنْهُ الْقُبْلَة لِلصَّائِمِ. وَقَالَ غَيْره لَعَلَّهُ الْفِطْر فِي السَّفَر , وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّ التَّنَزُّه عَمَّا تَرَخَّصَ فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَعْظَم الذُّنُوب , لِأَنَّهُ يَرَى نَفْسه أَتْقَى لِلَّهِ مِنْ رَسُوله وَهَذَا إِلْحَادٌ. قُلْت : لَا شَكّ فِي إِلْحَاد مَنْ اِعْتَقَدَ ذَلِكَ , وَلَكِنَّ الَّذِي اِعْتَلَّ بِهِ مَنْ أُشِير إِلَيْهِمْ فِي الْحَدِيث أَنَّهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ , أَيْ فَإِذَا تَرَخَّصَ فِي شَيْء لَمْ يَكُنْ مِثْل غَيْره مِمَّنْ لَمْ يُغْفَر لَهُ ذَلِكَ فَيَحْتَاج الَّذِي لَمْ يُغْفَر لَهُ إِلَى الْأَخْذ بِالْعَزِيمَةِ وَالشِّدَّة لِيَنْجُوَ , فَأَعْلَمهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ أَخْشَى النَّاس لِلَّهِ وَأَتْقَاهُمْ , فَمهمَا فَعَلَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَزِيمَة وَرُخْصَة فَهُوَ فِيهِ فِي غَايَة التَّقْوَى وَالْخَشْيَة , لَمْ يَحْمِلهُ التَّفَضُّل بِالْمَغْفِرَةِ عَلَى تَرْك الْجِدّ فِي الْعَمَل قِيَامًا بِالشُّكْرِ وَمَهْمَا تَرَخَّصَ فِيهِ فَإِنَّمَا هُوَ لِلْإِعَانَةِ عَلَى الْعَزِيمَة لِيَعْمَلهَا بِنَشَاطٍ , وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ \" أَعْلَمهُمْ \" إِلَى الْقُوَّة الْعِلْمِيَّة , وَبِقَوْلِهِ \" أَشَدّهمْ لَهُ خَشْيَة \" إِلَى الْقُوَّة الْعَمَلِيَّة أَيْ أَنَا أَعْلَمهُمْ بِالْفَضْلِ وَأَوْلَاهُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6758",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَعُمَرُ ‏ ‏لَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَفْدُ ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏أَشَارَ أَحَدُهُمَا ‏ ‏بِالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ التَّمِيمِيِّ الْحَنْظَلِيِّ أَخِي ‏ ‏بَنِي مُجَاشِعٍ ‏ ‏وَأَشَارَ الْآخَرُ بِغَيْرِهِ فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏إِنَّمَا أَرَدْتَ خِلَافِي فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَزَلَتْ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏عَظِيمٌ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏بَعْدُ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏إِذَا حَدَّثَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَارِ لَمْ يُسْمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن أَبِي مُلَيْكَة فِي قِصَّة أَبِي بَكْر وَعُمَر فِي تَأْمِير الْأَقْرَع بْن حَابِس أَوْ الْقَعْقَاع بْنِ مَعْبَد عَلَى بَنِي تَمِيم , وَفِيهِ نَزَلَتْ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتكُمْ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِير سُورَة الْحُجُرَات , وَأَنَّ الْمَقْصُود مِنْهُ قَوْله تَعَالَى فِي أَوَّل السُّورَة ( لَا تُقَدِّمُوا بَيْن يَدَيْ اللَّه وَرَسُوله ) وَمِنْ هُنَا تَظْهَر مُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ وَقَالَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيث مُرْسَل لَمْ يَتَّصِل مِنْهُ سِوَى شَيْء يَسِير وَمَنْ نَظَرَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْحُجُرَات اِسْتَغْنَى بِمَا فِيهِ عَنْ تَعَقَّبَ كَلَامه , وَقَوْله \" وَقَالَ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة قَالَ اِبْن الزُّبَيْر \" هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور قَبْله , وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْحُجُرَات بَعْد قَوْله فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتكُمْ ) الْآيَة , فَقَالَ اِبْن الزُّبَيْر فَذَكَرَهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَكَانَ عُمَر بَعْد , وَلَمْ يَذْكُر ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ - يَعْنِي أَبَا بَكْر إِذَا حَدَّثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ ) هَكَذَا فَصَلَ بَيْن قَوْله \" فَكَانَ عُمَر \" فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَبَيْن قَوْله \" إِذَا حَدَّثَ بِهَذِهِ الْجُمْلَة \" وَهِيَ \" وَلَمْ يَذْكُر ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ \" وَأَخَّرَهَا فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة فِي الْحُجُرَات وَلَفْظه \" فَمَا كَانَ يَسْمَع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَسْتَفْهِمهُ وَلَمْ يَذْكُر ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ \". ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَار ) ‏ ‏أَمَّا \" السِّرَار \" فَبِكَسْرِ السِّين الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الرَّاء أَيْ الْكَلَام السِّرّ وَمِنْهُ الْمُسَارَرَة , وَأَمَّا قَوْله \" كَأَخِي \" فَقَالَ اِبْن الْأَثِير مَعْنَى قَوْله \" كَأَخِي السِّرَار \" كَصَاحِبِ السِّرَار قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَنَقَلَ عَنْ ثَعْلَب أَنَّ الْمَعْنَى كَالسِّرَارِ , وَلَفْظ \" أَخِي \" صِلَة , قَالَ وَالْمَعْنَى كَالْمُنَاجَى سِرًّا اِنْتَهَى , وَقَالَ صَاحِب الْفَائِق لَوْ قِيلَ إِنَّ مَعْنَى قَوْله كَأَخِي السِّرَار كَالْمُسَارِر لَكَانَ وَجْهًا وَالْكَاف فِي مَحَلّ نَصْب عَلَى الْحَال , وَعَلَى مَا مَضَى تَكُون صِفَة لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف ; وَقَوْله \" لَا يَسْمَعهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمهُ \" تَأْكِيد لِمَعْنَى قَوْله كَأَخِي السِّرَار أَيْ يَخْفِض صَوْته وَيُبَالِغ حَتَّى يَحْتَاج إِلَى اِسْتِفْهَامه عَنْ بَعْض كَلَامه وَقَالَ فِي الْفَائِق الضَّمِير فِي يَسْمَعهُ لِلْكَافِ إِنْ جُعِلَتْ صِفَة لِلْمَصْدَرِ وَهُوَ مَنْصُوب الْمَحَلّ عَلَى الْوَصْفِيَّة , فَإِنْ أُعْرِبَتْ حَالًا فَالضَّمِير لَهَا أَيْضًا إِنْ قُدِّرَ مُضَافًا وَلَيْسَ قَوْله لَا يَسْمَعهُ حَالًا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَكَاكَةِ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6759",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ فِي مَرَضِهِ ‏ ‏مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏قُلْتُ إِنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعْ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ فَمُرْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ فَقَالَ مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِحَفْصَةَ ‏ ‏قُولِي إِنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعْ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ فَمُرْ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَفَعَلَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏مُرُوا ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ فَقَالَتْ ‏ ‏حَفْصَةُ ‏ ‏لِعَائِشَةَ ‏ ‏مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي أَمْر أَبِي بَكْر بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَفِيهِ مُرَاجَعَة عَائِشَة وَحَفْصَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة مِنْ \" كِتَاب الصَّلَاة \" وَالْمَقْصُود مِنْهُ بَيَان ذَمّ الْمُخَالَفَة , وَقَالَ اِبْن التِّين وَفِيهِ أَنَّ أَوَامِرَهُ عَلَى الْوُجُوب , وَأَنَّ فِي مُرَاجَعَته فِيمَا يَأْمُر بِهِ بَعْض الْمَكْرُوه قُلْت : وَلَيْسَ مَا اِدَّعَاهُ مِنْ دَلِيل الْوُجُوب ظَاهِرًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6760",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏عُوَيْمِرٌ الْعَجْلَانِيُّ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ ‏ ‏فَقَالَ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَيَقْتُلُهُ أَتَقْتُلُونَهُ بِهِ سَلْ لِي يَا ‏ ‏عَاصِمُ ‏ ‏رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَسَأَلَهُ فَكَرِهَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا فَرَجَعَ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَرِهَ الْمَسَائِلَ فَقَالَ ‏ ‏عُوَيْمِرٌ ‏ ‏وَاللَّهِ لَآتِيَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَاءَ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْقُرْآنَ خَلْفَ ‏ ‏عَاصِمٍ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ قَدْ ‏ ‏أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكُمْ قُرْآنًا فَدَعَا بِهِمَا فَتَقَدَّمَا فَتَلَاعَنَا ثُمَّ قَالَ ‏ ‏عُوَيْمِرٌ ‏ ‏كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَفَارَقَهَا وَلَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِفِرَاقِهَا فَجَرَتْ السُّنَّةُ فِي ‏ ‏الْمُتَلَاعِنَيْنِ ‏ ‏وَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏انْظُرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ قَصِيرًا مِثْلَ وَحَرَةٍ فَلَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ كَذَبَ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ ‏ ‏أَسْحَمَ ‏ ‏أَعْيَنَ ذَا ‏ ‏أَلْيَتَيْنِ ‏ ‏فَلَا أَحْسِبُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى الْأَمْرِ الْمَكْرُوهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي قِصَّة الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب اللِّعَان \" وَالْمَقْصُود مِنْهُ هُنَا \" فَكَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَعَابَ \" بِحَذْفِ الْمَفْعُول. ‏"
    },
    {
        "id": "6761",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ النَّصْرِيُّ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ‏ ‏ذَكَرَ لِي ‏ ‏ذِكْرًا مِنْ ذَلِكَ فَدَخَلْتُ عَلَى ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ انْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏أَتَاهُ حَاجِبُهُ ‏ ‏يَرْفَا ‏ ‏فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي ‏ ‏عُثْمَانَ ‏ ‏وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَالزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعْدٍ ‏ ‏يَسْتَأْذِنُونَ قَالَ نَعَمْ فَدَخَلُوا فَسَلَّمُوا وَجَلَسُوا فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏فَأَذِنَ لَهُمَا قَالَ ‏ ‏الْعَبَّاسُ ‏ ‏يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ الظَّالِمِ اسْتَبَّا فَقَالَ الرَّهْطُ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏وَأَصْحَابُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ فَقَالَ اتَّئِدُوا أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَفْسَهُ ‏ ‏قَالَ الرَّهْطُ قَدْ قَالَ ذَلِكَ فَأَقْبَلَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ذَلِكَ قَالَا نَعَمْ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَإِنِّي مُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي هَذَا الْمَالِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ ‏ { ‏مَا ‏ ‏أَفَاءَ ‏ ‏اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ ‏} ‏الْآيَةَ فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ وَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَبَثَّهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ وَكَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ فَعَمِلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِذَلِكَ حَيَاتَهُ أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَقَالُوا نَعَمْ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏لِعَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏أَنْشُدُكُمَا اللَّهَ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ قَالَا نَعَمْ ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَبَضَهَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ وَأَقْبَلَ عَلَى ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏تَزْعُمَانِ أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فِيهَا كَذَا وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ فِيهَا صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏فَقُلْتُ أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكِ وَأَتَانِي هَذَا يَسْأَلُنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا فَقُلْتُ إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبِمَا عَمِلَ فِيهَا ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَبِمَا عَمِلْتُ فِيهَا مُنْذُ وَلِيتُهَا وَإِلَّا فَلَا تُكَلِّمَانِي فِيهَا فَقُلْتُمَا ادْفَعْهَا إِلَيْنَا بِذَلِكَ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ قَالَ الرَّهْطُ نَعَمْ فَأَقْبَلَ عَلَى ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏وَعَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ قَالَا نَعَمْ قَالَ أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ فَوَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث مَالِك بْن أَوْس فِي قِصَّة الْعَبَّاس وَعَلِيّ وَمُنَازَعَتهمَا عِنْد عُمَر فِي صَدَقَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي فَرْض الْخُمُس وَالْمَقْصُود مِنْهُ هُنَا بَيَان كَرَاهِيَة التَّنَازُع , وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْل عُثْمَان وَمَنْ مَعَهُ \" يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ اِقْضِ بَيْنهمَا وَأَرِحْ أَحَدهمَا مِنْ الْآخَر \" فَإِنَّ الظَّنّ بِهِمَا أَنَّهُمَا لَمْ يَتَنَازَعَا إِلَّا وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مُسْتَنَد فِي أَنَّ الْحَقّ بِيَدِهِ دُون الْآخَر , فَأَفْضَى ذَلِكَ بِهِمَا إِلَى الْمُخَاصَمَة ثُمَّ الْمُحَاكَمَة الَّتِي لَوْلَا التَّنَازُع لَكَانَ اللَّائِق بِهِمَا خِلَاف ذَلِكَ , وَقَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيق \" اِتَّئِدُوا \" بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاة بَعْدهَا هَمْزَة مَكْسُورَة أَيْ اِسْتَمْهِلُوا , وَقَوْله \" أَنْشُدكُمْ بِاَللَّهِ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَنْشُدكُمْ اللَّه \" بِحَذْفِ الْبَاء وَهُوَ جَائِز , وَقَوْله \" مَا اِحْتَازَهَا \" بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الزَّاي ولِلْكُشْمِيهَنِيّ بِالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الرَّاء وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَقَوْله \" وَكَانَ يُنْفِق \" ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَكَانَ \" بِالْفَاءِ وَهُوَ أَوْلَى , وَقَوْله \" فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيّ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" ثُمَّ أَقْبَلَ \" وَقَوْله \" تَزْعُمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْر فِيهَا كَذَا \" هَكَذَا هُنَا وَقَعَ بِالْإِبْهَامِ , وَقَدْ بَيَّنْت فِي شَرْح الرِّوَايَة الْمَاضِيَة فِي فَرْض الْخُمُس أَنَّ تَفْسِير ذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم , وَخَلَتْ الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة عَنْ ذَلِكَ إِبْهَامًا وَتَفْسِيرًا , وَيُؤْخَذ مِمَّا سَأَذْكُرُهُ عَنْ الْمَازِرِيّ وَغَيْره مِنْ تَأْوِيل كَلَام الْعَبَّاس مَا يُجَاب بِهِ عَنْ ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. قَالَ اِبْن بَطَّال فِي أَحَادِيث الْبَاب مَا تَرْجَمَ لَهُ مِنْ كَرَاهِيَة التَّنَطُّع وَالتَّنَازُع لِإِشَارَتِهِ إِلَى ذَمّ مَنْ اِسْتَمَرَّ عَلَى الْوِصَال بَعْد النَّهْي , وَلِإِشَارَةِ عَلِيّ إِلَى ذَمّ مَنْ غَلَا فِيهِ فَادَّعَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّهُ بِأُمُورٍ مِنْ عِلْم الدِّيَانَة دُون غَيْره ; وَإِشَارَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَمّ مَنْ شَدَّدَ فِيمَا تَرَخَّصَ فِيهِ وَفِي قِصَّة بَنِي تَمِيم ذَمّ التَّنَازُع الْمُؤَدِّي إِلَى التَّشَاجُر وَنِسْبَة أَحَدهمَا الْآخَر إِلَى قَصْد مُخَالَفَته , فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى ذَمّ كُلّ حَالَة تَئُول بِصَاحِبِهَا إِلَى اِفْتِرَاق الْكَلِمَة أَوْ الْمُعَادَاة , وَفِي حَدِيث عَائِشَة إِشَارَة إِلَى ذَمّ التَّعَسُّف فِي الْمَعَانِي الَّتِي خَشِيَتْهَا مِنْ قِيَام أَبِي بَكْر مَقَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ اِبْن التِّين مَعْنَى قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" اِسْتَبَّا \" أَيْ نَسَبَ كُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا الْآخَر إِلَى أَنَّهُ ظَلَمَهُ , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِقَوْلِهِ \" اِقْضِ بَيْنِي وَبَيْن هَذَا الظَّالِم \" قَالَ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَظْلِم النَّاس وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا تَأَوَّلَهُ فِي خُصُوص هَذِهِ الْقِصَّة وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ عَلِيًّا سَبَّ الْعَبَّاس بِغَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ صِنْو أَبِيهِ , وَلَا أَنَّ الْعَبَّاس سَبَّ عَلِيًّا بِغَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعْرِف فَضْله وَسَابِقَته , وَقَالَ الْمَازِرِيّ هَذَا اللَّفْظ لَا يَلِيق بِالْعَبَّاسِ وَحَاشَا عَلِيًّا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ سَهْو مِنْ الرُّوَاة , وَإِنْ كَانَ لَا بُدّ مِنْ صِحَّته فَلْيُؤَوَّلْ بِأَنَّ الْعَبَّاس تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَعْتَقِد ظَاهِره مُبَالَغَة فِي الزَّجْر وَرَدْعًا لِمَا يَعْتَقِد أَنَّهُ مُخْطِئ فِيهِ , وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِرهُ عَلَيْهِ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة لَا الْخَلِيفَة وَلَا غَيْره , مَعَ تَشَدُّدهمْ فِي إِنْكَار الْمُنْكَر , وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُمْ فَهِمُوا بِقَرِينَةِ الْحَال أَنَّهُ لَا يُرِيد بِهِ الْحَقِيقَة , اِنْتَهَى وَقَدْ مَضَى بَعْض هَذَا فِي شَرْح الْحَدِيث فِي فَرْض الْخُمُس , وَفِيهِ أَنَّنِي لَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذِهِ الْقِصَّة عَلَى كَلَام لِعَلِيٍّ فِي ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ الْمَفْهُوم مِنْ قَوْله \" اِسْتَبَّا \" بِالتَّثْنِيَةِ أَنْ يَكُون وَقَعَ مِنْهُ فِي حَقّ الْعَبَّاس كَلَام , وَقَالَ غَيْره حَاشَا عَلِيًّا أَنْ يَكُون ظَالِمًا وَالْعَبَّاس أَنْ يَكُون ظَالِمًا , بِنِسْبَةِ الظُّلْم إِلَى عَلِيّ وَلَيْسَ بِظَالِمٍ وَقِيلَ فِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره أَيْ هَذَا الظَّالِم إِنْ لَمْ يُنْصِف , أَوْ التَّقْدِير \" هَذَا كَالظَّالِمِ \" وَقِيلَ هِيَ كَلِمَة تُقَال فِي الْغَضَب لَا يُرَاد بِهَا حَقِيقَتهَا , وَقِيلَ لَمَّا كَانَ الظُّلْم يُفَسَّر بِأَنَّهُ وَضْع الشَّيْء فِي غَيْر مَوْضِعه تَنَاوَلَ الذَّنْب الْكَبِير وَالصَّغِير , وَتَنَاوَلَ الْخَصْلَة الْمُبَاحَة الَّتِي لَا تَلِيق عُرْفًا فَيُحْمَل الْإِطْلَاق عَلَى الْأَخِيرَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ ‏"
    },
    {
        "id": "6762",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِأَنَسٍ ‏ ‏أَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ قَالَ ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏مُوسَى بْنُ أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ أَوْ آوَى مُحْدِثًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مُوسَى بْن أَنَس ) ‏ ‏ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ الصَّوَاب عَنْ عَاصِم عَنْ النَّضْر بْن أَنَس لَا عَنْ مُوسَى , قَالَ : وَالْوَهْم فِيهِ مِنْ الْبُخَارِيّ أَوْ شَيْخه , قَالَ عِيَاض : وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَلَى الصَّوَاب. قُلْت : إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ قَالَ عَنْ النَّضْر فَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَإِنَّهُ إِنَّمَا قَالَ لَمَّا أَخْرَجَهُ عَنْ حَامِد بْن عُمَيْر عَنْ عَبْد الْوَاحِد عَنْ عَاصِم عَنْ اِبْن أَنَس , فَإِنْ كَانَ عِيَاض أَرَادَ أَنَّ الْإِبْهَام صَوَاب فَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ , وَاَلَّذِي سَمَّاهُ النَّضْر هُوَ مُسَدَّد عَنْ عَبْد الْوَاحِد كَذَا أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَده , وَأَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيقه , وَقَدْ رَوَاهُ عَمْرو بْن أَبِي قَيْس عَنْ عَاصِم فَبَيَّنَ أَنَّ بَعْضه عِنْده عَنْ أَنَس نَفْسه , وَبَعْضه عَنْ النَّضْر بْن أَنَس عَنْ أَبِيهِ , أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي مُسْتَخْرَجه , وَأَبُو الشَّيْخ فِي \" كِتَاب التَّرْهِيب \" جَمِيعًا مِنْ طَرِيقه عَنْ عَاصِم عَنْ أَنَس , قَالَ عَاصِم وَلَمْ أَسْمَع مِنْ أَنَس \" أَوْ آوَى مُحْدِثًا \" فَقُلْت لِلنَّضْرِ مَا سَمِعْت هَذَا , يَعْنِي الْقَدْر الزَّائِد مِنْ أَنَس , قَالَ لَكِنِّي سَمِعْته مِنْهُ أَكْثَر مِنْ مِائَة مَرَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيثَيْ عَلِيّ وَأَنَس فِي أَوَاخِر الْحَجّ فِي أَوَّل فَضَائِل الْمَدِينَة فِي بَاب حَرَم الْمَدِينَة , وَذَكَرْت هُنَاكَ رِوَايَة مِنْ رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَة عَنْ عَاصِم عَنْ أَنَس بِدُونِ الْوَاسِطَة , وَأَنَّهُ مَدْرَج وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق , قَالَ اِبْن بَطَّال : دَلَّ الْحَدِيث عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فِي غَيْر الْمَدِينَة , أَنَّهُ غَيْر مُتَوَعَّد بِمِثْلِ مَا تَوَعَّدَ بِهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ , وَإِنْ كَانَ قَدْ عُلِمَ أَنَّ مَنْ آوَى أَهْل الْمَعَاصِي أَنَّهُ يُشَارِكهُمْ فِي الْإِثْم فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ فِعْل قَوْم وَعَمَلهمْ اِلْتَحَقَ بِهِمْ , وَلَكِنْ خُصَّتْ الْمَدِينَة بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهَا لِكَوْنِهَا مَهْبِط الْوَحْي وَمَوْطِن الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام , وَمِنْهَا اِنْتَشَرَ الدِّين فِي أَقْطَار الْأَرْض فَكَانَ لَهَا بِذَلِكَ مَزِيد فَضْل عَلَى غَيْرهَا , وَقَالَ غَيْره , السِّرّ فِي تَخْصِيص الْمَدِينَة بِالذِّكْرِ أَنَّهَا كَانَتْ إِذْ ذَاكَ مَوْطِن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَارَتْ مَوْضِع الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6763",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ ‏ ‏وَغَيْرُهُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ حَجَّ عَلَيْنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ‏ ‏فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِعُ الْعِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعًا وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ فَحَدَّثْتُ بِهِ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ إِنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏حَجَّ بَعْدُ فَقَالَتْ يَا ابْنَ أُخْتِي انْطَلِقْ إِلَى ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَاسْتَثْبِتْ لِي مِنْهُ الَّذِي حَدَّثْتَنِي عَنْهُ فَجِئْتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَحَدَّثَنِي بِهِ كَنَحْوِ مَا حَدَّثَنِي فَأَتَيْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏فَأَخْبَرْتُهَا فَعَجِبَتْ فَقَالَتْ وَاللَّهِ لَقَدْ حَفِظَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن تَلِيد ) ‏ ‏بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ لَام وَزْن عَظِيم , وَهُوَ سَعِيد بْن عِيسَى بْن تَلِيد نُسِبَ إِلَى جَدّه يُكْنَى أَبَا عِيسَى بْن عُنَي , بِمُهْمَلَةٍ , ثُمَّ نُون مُصَغَّر , وَهُوَ مِنْ الْمِصْرِيِّينَ الثِّقَات الْفُقَهَاء وَكَانَ يَكْتُب لِلْحُكَّامِ. ‏ ‏قَوْله ( عَبْد الرَّحْمَن بْن شُرَيْحٍ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو شُرَيْحٍ الْإِسْكَنْدَرَانِيّ بِمُعْجَمَةٍ أَوَّله وَمُهْمَلَة آخِره , وَهُوَ مِمَّنْ وَافَقَتْ كُنْيَتُهُ اِسْمَ أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَغَيْره ) ‏ ‏هُوَ اِبْن لَهِيعَة أَبْهَمَهُ الْبُخَارِيّ لِضَعْفِهِ , وَجَعَلَ الِاعْتِمَاد عَلَى رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن , لَكِنْ ذَكَرَ الْحَافِظ أَبُو الْفَضْل مُحَمَّد بْن طَاهِر فِي الْجُزْء الَّذِي جَمَعَهُ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث مُعَاذ بْن جَبَل فِي الْقِيَاس أَنَّ عَبْد اللَّه بْن وَهْب حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ وَابْن لَهِيعَة جَمِيعًا , لَكِنَّهُ قَدَّمَ لَفْظ اِبْن لَهِيعَة وَهُوَ مِثْل اللَّفْظ الَّذِي هُنَا ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَة أَبِي شُرَيْحٍ فَقَالَ بِذَلِكَ. قُلْت : وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي بَاب الْعِلْم مِنْ رِوَايَة سَحْنُون عَنْ اِبْن وَهْب عَنْ اِبْن لَهِيعَة فَسَاقَهُ , ثُمَّ قَالَ اِبْن وَهْب : وَأَخْبَرَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن شُرَيْحٍ عَنْ أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بِذَلِكَ , قَالَ اِبْن طَاهِر : مَا كُنَّا نَدْرِي هَلْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ بِذَلِكَ اللَّفْظ وَالْمَعْنَى أَوْ الْمَعْنَى فَقَطْ , حَتَّى وَجَدْنَا مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ عَنْ حَرْمَلَة بْن يَحْيَى عَنْ اِبْن وَهْب عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن شُرَيْحٍ وَحْده , فَسَاقَهُ بِلَفْظٍ مُغَايِر لِلَّفْظِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ , قَالَ فَعُرِفَ أَنَّ اللَّفْظ الَّذِي حَذَفَهُ الْبُخَارِيّ هُوَ لَفْظ عَبْد الرَّحْمَن بْنِ شُرَيْحٍ الَّذِي أَبْرَزَهُ هُنَا , وَاَلَّذِي أَوْرَدَهُ هُوَ لَفْظ الْغَيْر الَّذِي أَبْهَمَهُ اِنْتَهَى. وَسَأَذْكُرُ تَفَاوُتهمَا وَلَيْسَ بَيْنهمَا فِي الْمَعْنَى كَبِير أَمْر , وَكُنْت أَظُنّ أَنَّ مُسْلِمًا حَذَفَ ذِكْر اِبْن لَهِيعَة عَمْدًا لِضَعْفِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن شُرَيْحٍ , حَتَّى وَجَدْت الْإِسْمَاعِيلِيّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق حَرْمَلَة بِغَيْرِ ذِكْر اِبْن لَهِيعَةَ , فَعَرَفْت أَنَّ اِبْن وَهْب هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْمَعهُمَا تَارَة وَيُفْرِد اِبْن شُرَيْحٍ تَارَة وَعِنْد اِبْن وَهْب فِيهِ شَيْخَانِ آخَرَانِ بِسَنَدٍ آخَر أَخْرَجَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي بَيَان الْعِلْم مِنْ طَرِيق سَحْنُون حَدَّثَنَا اِبْن وَهْب حَدَّثَنَا مَالِك وَسَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة بِاللَّفْظِ الْمَشْهُور , وَقَدْ ذَكَرْت فِي بَاب الْعِلْم أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مَشْهُور عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ , رَوَاهُ عَنْ هِشَام أَكْثَر مِنْ سَبْعِينَ نَفْسًا وَأَقُول هُنَا إِنَّ أَبَا الْقَاسِم عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَافِظ أَبِي عَبْد اللَّه بْن مَنْدَهْ ذَكَرَ فِي \" كِتَاب التَّذْكِرَة \" أَنَّ الَّذِينَ رَوَوْهُ عَنْ الْحَافِظ هِشَام أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ ; وَسَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ فَزَادُوا عَلَى أَرْبَعمِائَةِ نَفْس وَسَبْعِينَ نَفْسًا , مِنْهُمْ مِنْ الْكِبَار شُعْبَة وَمَالِك وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْن جُرَيْجٍ وَمِسْعَر وَأَبُو حَنِيفَة وَسَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة وَالْحَمَّادَانِ وَمَعْمَر , بَلْ أَكْبَر وَمِنْهُمْ مِثْل يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ وَمُوسَى بْن عُقْبَة وَالْأَعْمَش وَمُحَمَّد بْن عَجْلَان وَأَيُّوب وَبُكَيْر بْن عَبْد اللَّه بْنِ الْأَشَجّ وَصَفْوَان بْن سُلَيْم وَأَبُو مَعْشَر وَيَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَعُمَارَة بْن غَزِيَّةَ وَهَؤُلَاءِ الْعَشَرَة كُلّهمْ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , وَهُمْ مِنْ أَقْرَانه , وَوَافَقَ هِشَامًا عَلَى رِوَايَته عَنْ عُرْوَة أَبُو الْأَسْوَد مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن النَّوْفَلِي الْمَعْرُوف بِيَتِيمِ عُرْوَة , وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ اِبْن لَهِيعَة وَأَبُو شُرَيْحٍ وَرَوَاهُ عَنْ عُرْوَة أَيْضًا وَلَدَاهُ يَحْيَى وَعُثْمَان وَأَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن وَهُوَ مِنْ أَقْرَانه , وَالزُّهْرِيّ وَوَافَقَ عُرْوَة عَلَى رِوَايَته عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ عُمَر بْن الْحَكَم بْن ثَوْبَانِ , أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقه وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه لَكِنْ قَالَ بِمِثْلِ حَدِيث هِشَام بْن عُرْوَة , وَكَأَنَّهُ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَة جَرِير بْن عَبْد الْحَمِيد عَنْ هِشَام , وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَة بَعْض مَنْ ذُكِرَ مِنْ فَائِدَة زَائِدَة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي الْأَسْوَد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم بِسَنَدِهِ إِلَى اِبْن شُرَيْحٍ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَد حَدَّثَهُ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عُرْوَة ) ‏ ‏زَادَ حَرْمَلَة فِي رِوَايَته \" اِبْن الزُّبَيْرِ \". ‏ ‏قَوْله ( حَجَّ عَلَيْنَا ) ‏ ‏أَيْ مَرَّ عَلَيْنَا حَاجًّا ‏ ‏( عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فَسَمِعْته يَقُول سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" قَالَتْ لِي عَائِشَة يَا اِبْن أُخْتِي بَلَغَنِي أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مَارًّا بِنَا إِلَى الْحَجّ فَالْقَهُ فَسْئَلْهُ فَإِنَّهُ قَدْ حَمَلَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمًا كَثِيرًا , قَالَ فَلَقِيته فَسَأَلْته عَنْ أَشْيَاء يَذْكُرهَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ فِيمَا ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \". ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اللَّه لَا يَنْزِع الْعِلْم بَعْد أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِي والْكُشْمِيهَنِيّ \" أَعْطَاهُمُوهُ \" بِالْهَاءِ ضَمِير الْغَيْبَة بَدَل الْكَاف , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَرْمَلَة \" لَا يَنْتَزِع الْعِلْم مِنْ النَّاس اِنْتِزَاعًا \" وَفِي رِوَايَة هِشَام الْمَاضِيَة فِي \" كِتَاب الْعِلْم \" مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْهُ \" إِنَّ اللَّه لَا يَقْبِض الْعِلْم اِنْتِزَاعًا يَنْتَزِعهُ مِنْ الْعِبَاد \" وَفِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَام \" مِنْ قُلُوب الْعِبَاد \" أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده عَنْهُ , وَفِي رِوَايَة جَرِير عَنْ هِشَام عِنْد مُسْلِم مِثْله لَكِنْ قَالَ \" مِنْ النَّاس \" وَهُوَ الْوَارِد فِي أَكْثَر الرِّوَايَات , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ هِشَام عِنْد الطَّبَرَانِيّ \" إِنَّ اللَّه لَا يَنْزِع الْعِلْم اِنْتِزَاعًا , يَنْتَزِعهُ مِنْهُمْ بَعْد أَنْ أَعْطَاهُمْ \" وَلَمْ يَذْكُر عَلَى مَنْ يَعُود الضَّمِير , وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ هِشَام عِنْد الطَّبَرَانِيّ \" إِنَّ اللَّه لَا يَنْزِع الْعِلْم مِنْ صُدُور النَّاس بَعْد أَنْ يُعْطِيهِمْ إِيَّاهُ \" وَأَظُنّ عَبْد اللَّه بْنَ عَمْرو إِنَّمَا حَدَّثَ بِهَذَا جَوَابًا عَنْ سُؤَال مَنْ سَأَلَهُ عَنْ الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو أُمَامَةَ قَالَ : لَمَّا كَانَ فِي حِجَّة الْوَدَاع قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَمَل آدَم فَقَالَ \" يَا أَيّهَا النَّاس خُذُوا مِنْ الْعِلْم قَبْل أَنْ يُقْبَض , وَقَبْل أَنْ يُرْفَع مِنْ الْأَرْض \" الْحَدِيث وَفِي آخِره \" أَلَا إِنَّ ذَهَاب الْعِلْم ذَهَاب حَمَلَته \" ثَلَاث مَرَّات أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارِمِيُّ , فَبَيَّنَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّ الَّذِي وَرَدَ فِي قَبْض الْعِلْم وَرَفْع الْعِلْم إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْكَيْفِيَّة الَّتِي ذَكَرَهَا , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ قَاسِم بْن أَصْبُغ وَمِنْ طَرِيقه اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ عُمَر سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة يُحَدِّث بِحَدِيثِ \" يُقْبَض الْعِلْم \" فَقَالَ \" إِنَّ قَبْض الْعِلْم لَيْسَ شَيْئًا يُنْزَع مِنْ صُدُور الرِّجَال , لَكِنَّهُ فِنَاء الْعُلَمَاء \" وَهُوَ عِنْد أَحْمَد وَالْبَزَّار مِنْ هَذَا الْوَجْه. ‏ ‏قَوْله ( وَلَكِنْ يَنْتَزِعهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْض الْعُلَمَاء بِعِلْمِهِمْ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ وَالتَّقْدِير يَنْتَزِعهُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاء مَعَ عِلْمهمْ , فَفِيهِ بَعْض قَلْب ; وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَرْمَلَة \" وَلَكِنْ يَقْبِض الْعُلَمَاء فَيَرْفَع الْعِلْم مَعَهُمْ \" وَفِي رِوَايَة هِشَام \" وَلَكِنْ يَقْبِض الْعِلْم بِقَبْضِ الْعُلَمَاء \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر \" وَلَكِنَّ ذَهَابهمْ قَبْضُ الْعِلْم \" وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَة. ‏ ‏قَوْله ( فَيَبْقَى نَاس جُهَّال ) ‏ ‏هُوَ بِفَتْحِ أَوَّل يَبْقَى وَفِي رِوَايَة حَرْمَلَة \" وَيُبْقِي فِي النَّاس رُءُوسًا جُهَّالًا \" وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّل يَبْقَى وَتَقَدَّمَ فِي \" كِتَاب الْعِلْم \" ضَبْط \" رُءُوسًا \" هَلْ هُوَ بِصِيغَةِ جَمْع رَأْس وَهِيَ رِوَايَة الْأَكْثَر أَوْ رَئِيس وَفِي رِوَايَة هِشَام \" حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ \" هَذِهِ رِوَايَة أَبِي ذَرّ مِنْ طَرِيق مَالِك وَلِغَيْرِهِ \" لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اِتَّخَذَ النَّاس رُءُوسًا جُهَّالًا \" وَفِي رِوَايَة جَرِير عِنْد مُسْلِم \" حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُك عَالِمًا \" وَكَذَا فِي رِوَايَة صَفْوَان بْن سُلَيْمٍ عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَهِيَ تُؤَيِّد الرِّوَايَة الثَّانِيَة , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَجْلَان \" حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِم \" وَكَذَا فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ هِشَام , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْنِ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عِنْد الطَّبَرَانِيّ \" فَيَصِير لِلنَّاسِ رُءُوس جُهَّال \" وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عِنْده : بَعْد أَنْ يُعْطِيهِمْ إِيَّاهُ , لَكِنْ يَذْهَب الْعُلَمَاء كُلَّمَا ذَهَبَ عَالِم ذَهَبَ بِمَا مَعَهُ مِنْ الْعِلْم حَتَّى يَبْقَى مَنْ لَا يَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ فَيَضِلُّونَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله ‏ ‏( وَيُضِلُّونَ ) ‏ ‏بِضَمِّهِ , وَفِي رِوَايَة حَرْمَلَة \" يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ \" وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَجْلَان \" يَسْتَفْتُونَهُمْ فَيُفْتُونَهُمْ \" وَالْبَاقِي مِثْله , وَفِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة \" فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْم فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا \" وَهِيَ رِوَايَة الْأَكْثَر , وَخَالَفَ الْجَمِيع قَيْس بْن الرَّبِيع وَهُوَ صَدُوق ضُعِّفَ مِنْ قِبَل حِفْظه , فَرَوَاهُ عَنْ هِشَام بِلَفْظِ : لَمْ يَزَلْ أَمْر بَنِي إِسْرَائِيل مُعْتَدِلًا , حَتَّى نَشَأَ فِيهِمْ أَبْنَاء سَبَايَا الْأُمَم فَأَفْتَوْا بِالرَّأْيِ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا , أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَقَالَ تَفَرَّدَ بِهِ قَيْس , قَالَ : وَالْمَحْفُوظ بِهَذَا اللَّفْظ مَا رَوَاهُ غَيْره عَنْ هِشَام فَأَرْسَلَهُ. قُلْت : وَالْمُرْسَل الْمَذْكُور أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيّ فِي النَّوَادِر وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَل مِنْ طَرِيقه , عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَهُ , كَرِوَايَةِ قَيْس سَوَاء. ‏ ‏قَوْله ( فَحَدَّثْت بِهِ عَائِشَة ) ‏ ‏زَادَ حَرْمَلَة فِي رِوَايَته , فَلَمَّا حَدَّثْت عَائِشَة بِذَلِكَ أَعْظَمَتْ ذَلِكَ وَأَنْكَرَتْهُ , وَقَالَتْ أَحَدَّثَك أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول هَذَا. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ إِنَّ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو حَجّ بَعْدُ فَقَالَتْ يَا اِبْن أُخْتِي اِنْطَلِقْ إِلَى عَبْد اللَّه فَاسْتَثْبِتْ لِي مِنْهُ الَّذِي حَدَّثْتنِي عَنْهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَرْمَلَة أَنَّهُ حَجّ مِنْ السَّنَة الْمُقْبِلَة وَلَفْظه قَالَ عُرْوَة : حَتَّى إِذَا كَانَ قَابِل قَالَتْ لَهُ : إِنَّ اِبْن عَمْرو قَدْ قَدِمَ فَالْقَهُ ثُمَّ فَاتِحْهُ حَتَّى تَسْأَلَهُ عَنْ الْحَدِيث الَّذِي ذَكَرَهُ لَك فِي الْعِلْم. ‏ ‏قَوْله ( فَجِئْته فَسَأَلْته : فِي رِوَايَة حَرْمَلَة ) ‏ ‏, \" فَلَقِيته \". ‏ ‏قَوْله ( فَحَدَّثَنِي بِهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَرْمَلَة \" فَذَكَرَهُ لِي \" ‏ ‏قَوْله ( كَنَحْوِ مَا حَدَّثَنِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَرْمَلَة \" بِنَحْوِ مَا حَدَّثَنِي بِهِ فِي مَرَّته الْأُولَى \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان اِبْن عُيَيْنَةَ الْمَوْصُولَة \" قَالَ عُرْوَة ثُمَّ لَبِثْت سَنَة ثُمَّ لَقِيت عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فِي الطَّوَاف فَسَأَلْته فَأَخْبَرَنِي بِهِ فَأَفَادَ أَنَّ لِقَاءَهُ إِيَّاهُ فِي الْمَرَّة الثَّانِيَة كَانَ بِمَكَّة \" وَكَأَنَّ عُرْوَة كَانَ حَجّ فِي تِلْكَ السَّنَة مِنْ الْمَدِينَة وَحَجَّ عَبْد اللَّه مِنْ مِصْر فَبَلَغَ عَائِشَة وَيَكُون قَوْلهَا قَدْ قَدِمَ أَيْ مِنْ مِصْر طَالِبًا لِمَكَّة لَا أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَة , إِذْ لَوْ دَخَلَهَا لَلَقِيَهُ عُرْوَة بِهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون عَائِشَة حَجَّتْ تِلْكَ السَّنَة وَحَجّ مَعَهَا عُرْوَة فَقَدِمَ عَبْد اللَّه بَعْدُ , فَلَقِيَهُ عُرْوَة بِأَمْرِ عَائِشَة. ‏ ‏قَوْله ( فَعَجِبَتْ فَقَالَتْ وَاَللَّه لَقَدْ حَفِظَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَرْمَلَة \" فَلَمَّا أَخْبَرْتهَا بِذَلِكَ قَالَتْ مَا أَحْسَبهُ إِلَّا صَدَقَ أَرَاهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيْئًا وَلَمْ يَنْقُص \". قُلْت : وَرِوَايَة الْأَصْل تَحْتَمِل أَنَّ عَائِشَة كَانَ عِنْدهَا عِلْم مِنْ الْحَدِيث , وَظَنَّتْ أَنَّهُ زَادَ فِيهِ أَوْ نَقَصَ فَلَمَّا حَدَّثَ بِهِ ثَانِيًا كَمَا حَدَّثَ بِهِ أَوَّلًا , تَذَكَّرَتْ أَنَّهُ عَلَى وَفْق مَا كَانَتْ سَمِعَت , وَلَكِنَّ رِوَايَة حَرْمَلَة الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا أَنَّهَا أَنْكَرَتْ ذَلِكَ وَأَعْظَمَتْهُ ظَاهِرَة فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدهَا مِنْ الْحَدِيث عِلْم , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تَسْتَدِلّ عَلَى أَنَّهُ حَفِظَهُ إِلَّا كَوْنه حَدَّثَ بِهِ بَعْد سَنَة كَمَا حَدَّثَ بِهِ أَوَّلًا لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُص. قَالَ عِيَاض : لَمْ تَتَّهِم عَائِشَة عَبْد اللَّه وَلَكِنْ لَعَلَّهَا نَسَبَتْ إِلَيْهِ أَنَّهُ مِمَّا قَرَأَهُ مِنْ الْكُتُب الْقَدِيمَة لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ طَالَعَ كَثِيرًا مِنْهَا , وَمِنْ ثَمَّ قَالَتْ \" أَحَدَّثَك أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول هَذَا \" اِنْتَهَى , وَعَلَى هَذَا فَرِوَايَة مَعْمَر لَهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو هِيَ الْمُعْتَمَدَة وَهِيَ فِي مُصَنَّف عَبْد الرَّزَّاق , وَعِنْد أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقه وَلَكِنَّ التِّرْمِذِيّ لَمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة عَبْدَة بْن سُلَيْمَان عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة قَالَ : رَوَى الزُّهْرِيُّ هَذَا الْحَدِيث عَنْ عُرْوَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَعَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة , وَهَذِهِ الرِّوَايَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا رِوَايَة يُونُس بْنِ يَزِيد عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة , أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه وَالْبَزَّار مِنْ طَرِيق شُبَيْب بْن سَعِيد عَنْ يُونُس , وَشُبَيْب فِي حِفْظه شَيْء وَقَدْ شَذَّ بِذَلِكَ , وَلَمَّا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ أَرْدَفَهُ بِرِوَايَةِ مَعْمَر عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ عُرْوَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ \" أَشْهَد أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَرْفَع اللَّه الْعِلْم بِقَبْضِهِ وَلَكِنْ يَقْبِض الْعُلَمَاء \" الْحَدِيث ; وَقَالَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ فِي بَيَان الْعِلْم رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق أَيْضًا عَنْ مَعْمَر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة بِمَعْنَى حَدِيث مَالِك. قُلْت : وَرِوَايَة يَحْيَى أَخْرَجَهَا الطَّيَالِسِيُّ عَنْ هِشَام الدَّسْتُوَائِيّ عَنْهُ , وَوَجَدْت عَنْ الزُّهْرِيِّ فِيهِ سَنَدًا آخَر أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط مِنْ طَرِيق الْعَلَاء بْن سُلَيْمَان الرَّقِّيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَذَكَرَ مِثْل رِوَايَة هِشَام سَوَاء , لَكِنْ زَادَ بَعْد قَوْله \" وَأَضَلُّوا عَنْ سَوَاء السَّبِيل \" وَالْعَلَاء بْنُ سُلَيْمَان ضَعَّفَهُ اِبْنِ عَدِيٍّ وَأَوْرَدَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ رِوَايَة حَرْمَلَة الَّتِي مَضَتْ وَسَنَده ضَعِيف , وَمِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ بِلَفْظِ \" يَقْبِض اللَّه الْعُلَمَاء , وَيَقْبِض الْعِلْم مَعَهُمْ , فَتَنْشَأ أَحْدَاث يَنْزُو بَعْضهمْ عَلَى بَعْض نَزْو الْعِير عَلَى الْعِير , وَيَكُونُ الشَّيْخ فِيهِمْ مُسْتَضْعَفًا \" وَسَنَده ضَعِيف وَأَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء. قَوْله \" رَفْع الْعِلْم ذَهَاب الْعُلَمَاء \" وَعَنْ حُذَيْفَة \" قَبْضُ الْعِلْم قَبْضُ الْعُلَمَاء \" وَعِنْد أَحْمَد عَنْ اِبْنِ مَسْعُود قَالَ \" هَلْ تَدْرُونَ مَا ذَهَاب الْعِلْم ؟ ذَهَاب الْعُلَمَاء \" وَأَفَادَ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ أَوَّلًا وَقْت تَحْدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيث , وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ مِنْ الْفَائِدَة الزَّائِدَة \" أَنَّ بَقَاء الْكُتُب بَعْد رَفْع الْعِلْم بِمَوْتِ الْعُلَمَاء لَا يُغْنِي مَنْ لَيْسَ بِعَالِمٍ شَيْئًا \" فَإِنَّ فِي بَقِيَّته \" فَسَأَلَهُ أَعْرَابِيّ فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه كَيْف يُرْفَع الْعِلْم مِنَّا وَبَيْن أَظْهُرنَا الْمَصَاحِف , وَقَدْ تَعَلَّمْنَا مَا فِيهَا وَعَلَّمْنَاهَا أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا وَخَدَمَنَا , فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسه وَهُوَ مُغْضَب فَقَالَ : وَهَذِهِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى بَيْن أَظْهُرهمْ الْمَصَاحِف , لَمْ يَتَعَلَّقُوا مِنْهَا بِحَرْفٍ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ \" وَلِهَذِهِ الزِّيَادَة شَوَاهِد مِنْ حَدِيث عَوْف بْن مَالِك وَابْنِ عَمْرو وَصَفْوَان بْن عَسَّال وَغَيْرهمْ , وَهِيَ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالطَّبَرَانِيِّ وَالدَّارِمِيّ وَالْبَزَّار بِأَلْفَاظِ مُخْتَلِفَة , وَفِي جَمِيعهَا هَذَا الْمَعْنَى , وَقَدْ فَسَّرَ عُمَر قَبْض الْعِلْم بِمَا وَقَعَ تَفْسِيره بِهِ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن الْأَصَمّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَفِيهِ \" وَيُرْفَع الْعِلْم \" فَسَمِعَهُ عُمَر فَقَالَ : \" أَمَا إنَّهُ لَيْسَ يُنْزَع مِنْ صُدُور الْعُلَمَاء وَلَكِنْ بِذَهَابِ الْعُلَمَاء \" وَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عِنْد عُمَر مَرْفُوعًا , فَيَكُونُ شَاهِدًا قَوِيًّا لِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى جَوَاز خُلُوّ الزَّمَان عَنْ مُجْتَهِد , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور خِلَافًا لِأَكْثَر الْحَنَابِلَة , وَبَعْض مِنْ غَيْرهمْ لِأَنَّهُ صَرِيح فِي رَفْع الْعِلْم بِقَبْضِ الْعُلَمَاء , وَفِي تَرْئِيس أَهْل الْجَهْل وَمِنْ لَازِمِهِ الْحُكْم بِالْجَهْلِ , وَإِذَا اِنْتَفَى الْعِلْم وَمَنْ يَحْكُم بِهِ اِسْتَلْزَمَ اِنْتِفَاء الِاجْتِهَاد وَالْمُجْتَهِد , وَعُورِضَ هَذَا بِحَدِيثِ \" لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيهِمْ أَمْرُ اللَّه \" وَفِي لَفْظ \" حَتَّى تَقُوم السَّاعَة - أَوْ - حَتَّى يَأْتِي أَمْرُ اللَّه \" وَمَضَى فِي الْعِلْم كَالْأَوَّلِ بِغَيْرِ شَكّ , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقّ حَتَّى يَأْتِي أَمْرُ اللَّه \" وَلَمْ يَشُكّ وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَأُجِيبَ أَوَّلًا بِأَنَّهُ ظَاهِر فِي عَدَم الْخُلُوّ لَا فِي نَفْي الْجَوَاز , وَثَانِيًا بِأَنَّ الدَّلِيل لِلْأَوَّلِ أَظْهَر لِلتَّصْرِيحِ بِقَبْضِ الْعِلْم تَارَة وَبِرَفْعِهِ أُخْرَى بِخِلَافِ الثَّانِي , وَعَلَى تَقْدِير التَّعَارُض فَيَبْقَى أَنَّ الْأَصْل عَدَم الْمَانِع. قَالُوا الِاجْتِهَاد فَرْض كِفَايَة , فَيَسْتَلْزِم اِنْتِفَاؤُهُ الِاتِّفَاق عَلَى الْبَاطِل , وَأُجِيبَ بِأَنَّ بَقَاء فَرْض الْكِفَايَة مَشْرُوط بِبَقَاءِ الْعُلَمَاء , فَأَمَّا إِذَا قَامَ الدَّلِيل عَلَى اِنْقِرَاض الْعُلَمَاء فَلَا لِأَنَّ بِفَقْدِهِمْ تَنْتَفِي الْقُدْرَة وَالتَّمَكُّن مِنْ الِاجْتِهَاد , وَإِذَا اِنْتَفَى أَنْ يَكُون مَقْدُورًا لَمْ يَقَع التَّكْلِيف بِهِ , هَكَذَا اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ جَمَاعَة : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ : تَغَيُّر الزَّمَان حَتَّى تُعْبَد الْأَوْثَان , فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الْفِتَنِ \" مَا يُشِير إِلَى أَنَّ مَحَلّ وُجُود ذَلِكَ عِنْد فَقْد الْمُسْلِمِينَ بِهُبُوبِ الرِّيح الَّتِي تَهُبّ بَعْد نُزُول عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام , فَلَا يَبْقَى أَحَد فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ الْإِيمَان إِلَّا قَبَضَتْهُ وَيَبْقَى شِرَار النَّاس , فَعَلَيْهِمْ تَقُوم السَّاعَة , وَهُوَ بِمَعْنَاهُ عِنْد مُسْلِم كَمَا بَيَّنْته هُنَاكَ فَلَا يَرِد اِتِّفَاق الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَرْك فَرْض الْكِفَايَة وَالْعَمَل بِالْجَهْلِ لِعَدَمِ وُجُودهمْ , وَهُوَ الْمُعَبَّر عَنْهُ بِقَوْلِهِ \" حَتَّى يَأْتِي أَمْرُ اللَّه \" وَأَمَّا الرِّوَايَة بِلَفْظِ \" حَتَّى تَقُوم السَّاعَة \" فَهِيَ مَحْمُولَة عَلَى إِشْرَافهَا بِوُجُودِ آخِر أَشْرَاطهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا بِأَدِلَّتِهِ فِي الْبَاب الْمَذْكُور , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم عَنْ حُذَيْفَة رَفَعَهُ \" يَدْرُس الْإِسْلَام كَمَا يَدْرُس وَشْيُ الثَّوْب \" إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث , وَجَوَّزَ الطَّبَرِيُّ أَنْ يُضْمَر فِي كُلّ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ الْمَحَلّ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ تِلْكَ الطَّائِفَة , فَالْمَوْصُوفُونَ بِشِرَارِ النَّاس الَّذِينَ يَبْقَوْنَ بَعْد أَنْ تَقْبِض الرِّيح مَنْ تَقْبِضهُ , يَكُونُونَ مَثَلًا بِبَعْضِ الْبِلَاد كَالْمَشْرِقِ الَّذِي هُوَ أَصْل الْفِتَنِ , وَالْمَوْصُوفُونَ بِأَنَّهُمْ عَلَى الْحَقّ يَكُونُونَ مَثَلًا بِبَعْضِ الْبِلَاد كَبَيْتِ الْمَقْدِس لِقَوْلِهِ فِي حَدِيث مُعَاذ \" إِنَّهُمْ بِالشَّامِ \" وَفِي لَفْظ \" بِبَيْتِ الْمَقْدِس \" وَمَا قَالَهُ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا يَرُدّهُ قَوْله فِي حَدِيث أَنَس فِي صَحِيح مُسْلِم \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى لَا يُقَال فِي الْأَرْض اللَّه اللَّه \" إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرهَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَيُمْكِن أَنْ تَنْزِل هَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى التَّرْتِيب فِي الْوَاقِع فَيَكُونُ أَوَّلًا : رَفْع الْعِلْم بِقَبْضِ الْعُلَمَاء الْمُجْتَهِدِينَ الِاجْتِهَاد الْمُطْلَق ثُمَّ الْمُقَيَّد , ثَانِيًا : فَإِذَا لَمْ يَبْقَ مُجْتَهِد اِسْتَوَوْا فِي التَّقْلِيد لَكِنْ رُبَّمَا كَانَ بَعْض الْمُقَلِّدِينَ أَقْرَب إِلَى بُلُوغ دَرَجَة الِاجْتِهَاد الْمُقَيَّد مِنْ بَعْض , وَلَا سِيَّمَا إِنْ فَرَّعْنَا عَلَى جَوَاز تَجَزُّؤ الِاجْتِهَاد وَلَكِنْ لِغَلَبَةِ الْجَهْل يُقَدِّم أَهْل الْجَهْل أَمْثَالهمْ , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ \" اِتَّخَذَ النَّاس رُءُوسًا جُهَّالًا \" وَهَذَا لَا يَنْفِي تَرْئِيس بَعْض مَنْ لَمْ يَتَّصِف بِالْجَهْلِ التَّامّ , كَمَا لَا يَمْتَنِع تَرْئِيس مَنْ يُنْسَب إِلَى الْجَهْل فِي الْجُمْلَة فِي زَمَن أَهْل الِاجْتِهَاد , وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ فِي \" كِتَاب الْعِلْم \" مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن وَهْب سَمِعْت خَلَّاد بْن سَلْمَان الْحَضْرَمِيّ يَقُول حَدَّثَنَا دَرَّاج أَبُو السَّمْح يَقُول \" يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان يُسَمِّن الرَّجُل رَاحِلَته حَتَّى يَسِير عَلَيْهَا فِي الْأَمْصَار يَلْتَمِس مَنْ يُفْتِيه بِسُنَّةٍ قَدْ عَمِلَ بِهَا , فَلَا يَجِد إِلَّا مَنْ يُفْتِيه بِالظَّنِّ \" فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد الْأَغْلَب الْأَكْثَر فِي الْحَالَيْنِ , وَقَدْ وُجِدَ هَذَا مُشَاهَدًا ثُمَّ يَجُوز أَنْ يَقْبِض أَهْل تِلْكَ الصِّفَة وَلَا يَبْقَى إِلَّا الْمُقَلَّد الصِّرْف , وَحِينَئِذٍ يُتَصَوَّر خُلُوّ الزَّمَان عَنْ مُجْتَهِد حَتَّى فِي بَعْض الْأَبْوَاب بَلْ فِي بَعْض الْمَسَائِل , وَلَكِنْ يَبْقَى مَنْ لَهُ نِسْبَة إِلَى الْعِلْم فِي الْجُمْلَة , ثُمَّ يَزْدَاد حِينَئِذٍ غَلَبَة الْجَهْل وَتَرْئِيس أَهْله , ثُمَّ يَجُوز أَنْ يُقْبَض أُولَئِكَ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَد , وَذَلِكَ جَدِير بِأَنْ يَكُون عِنْد خُرُوج الدَّجَّال أَوْ بَعْد مَوْت عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام , وَحِينَئِذٍ يُتَصَوَّر خُلُوّ الزَّمَان عَمَّنْ يُنْسَب إِلَى الْعِلْم أَصْلًا , ثُمَّ تَهُبّ الرِّيح فَتُقْبَض كُلّ مُؤْمِن , وَهُنَاكَ يَتَحَقَّق خُلُوّ الْأَرْض عَنْ مُسْلِم فَضْلًا عَنْ عَالِمِ فَضْلًا عَنْ مُجْتَهِد وَيَبْقَى شِرَار النَّاس , فَعَلَيْهِمْ تَقُوم السَّاعَة , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل \" كِتَاب الْفِتَنِ \" كَثِير مِنْ الْمَبَاحِث وَالنُّقُول الْمُتَعَلِّقَة بِقَبْضِ الْعِلْم وَاللَّهُ الْمُسْتَعَان. وَفِي الْحَدِيث الزَّجْر عَنْ تَرْئِيس الْجَاهِل لِمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ الْمَفْسَدَة. وَقَدْ يَتَمَسَّك بِهِ مَنْ لَا يُجِيز تَوْلِيَة الْجَاهِل بِالْحُكْمِ , وَلَوْ كَانَ عَاقِلًا عَفِيفًا , لَكِنْ إِذَا دَارِ الْأَمْر بَيْن الْعَالَم الْفَاسِق وَالْجَاهِل الْعَفِيف , فَالْجَاهِل الْعَفِيف أَوْلَى لِأَنَّ وَرَعه يَمْنَعهُ عَنْ الْحُكْم بِغَيْرِ عِلْم فَيَحْمِلهُ عَلَى الْبَحْث وَالسُّؤَال. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا حَضّ أَهْل الْعِلْم وَطَلَبَته عَلَى أَخْذِ بَعْضهمْ عَنْ بَعْض , وَفِيهِ شَهَادَة بَعْضهمْ لِبَعْضِ بِالْحِفْظِ وَالْفَضْل , وَفِيهِ حَضّ الْعَالِم طَالِبِهِ عَلَى الْأَخْذ عَنْ غَيْره لِيَسْتَفِيدَ مَا لَيْسَ عِنْده , وَفِيهِ التَّثَبُّت فِيمَا يُحَدِّث بِهِ الْمُحَدِّث إِذَا قَامَتْ قَرِينَة الذُّهُول وَمُرَاعَاة الْفَاضِل مِنْ جِهَة قَوْل عَائِشَة \" اِذْهَبْ إِلَيْهِ فَفَاتِحْهُ \" حَتَّى تَسْأَلهُ عَنْ الْحَدِيث وَلَمْ تَقُلْ لَهُ سَلْهُ عَنْهُ اِبْتِدَاء خَشْيَة مِنْ اِسْتِيحَاشه , وَقَالَ اِبْنِ بَطَّال التَّوْفِيق بَيْن الْآيَة وَالْحَدِيث فِي ذَمِّ الْعَمَل بِالرَّأْيِ وَبَيْن مَا فَعَلَهُ السَّلَف مِنْ اِسْتِنْبَاط الْأَحْكَام , أَنَّ نَصَّ الْآيَة ذَمُّ الْقَوْل بِغَيْرِ عِلْم , فَخَصَّ بِهِ مَنْ تَكَلَّمَ بِرَأْيٍ مَحْمُود عَنْ اِسْتِنَاد إِلَى أَصْلٍ , وَمَعْنَى الْحَدِيث ذَمّ مَنْ أَفْتَى مَعَ الْجَهْل , وَلِذَلِكَ وَصَفَهُمْ بِالضَّلَالِ وَالْإِضْلَال , وَإِلَّا فَقَدْ مَدَحَ مَنْ اِسْتَنْبَطَ مِنْ الْأَصْل لِقَوْلِهِ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ , فَالرَّأْي إِذَا كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى أَصْلٍ مِنْ الْكِتَاب أَوْ السُّنَّة أَوْ الْإِجْمَاع فَهُوَ الْمَحْمُود , وَإِذَا كَانَ لَا يَسْتَنِد إِلَى شَيْء مِنْهَا فَهُوَ الْمَذْمُوم , قَالَ وَحَدِيث سَهْل بْن حُنَيْف وَعُمَر بْن الْخَطَّاب وَإِنْ كَانَ يَدُلّ عَلَى ذَمِّ الرَّأْي لَكِنَّهُ مَخْصُوص بِمَا إِذَا كَانَ مُعَارِضًا لِلنَّصِّ , فَكَأَنَّهُ قَالَ اِتَّهِمُوا الرَّأْي إِذَا خَالَفَ السُّنَّة , كَمَا وَقَعَ لَنَا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّحَلُّلِ فَأَحْبَبْنَا الِاسْتِمْرَار عَلَى الْإِحْرَام , وَأَرَدْنَا الْقِتَال لِنُكْمِل نُسُكنَا وَنَقْهَر عَدُوّنَا , وَخَفِيَ عَنَّا حِينَئِذٍ مَا ظَهَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا حُمِدَتْ عَقِبَاهُ , وَعُمَر هُوَ الَّذِي كَتَبَ إِلَى شُرَيْحٍ \" اُنْظُرْ مَا تَبَيَّنَ لَك مِنْ كِتَاب اللَّه فَلَا تَسْأَل عَنْهُ أَحَدًا , فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَك مِنْ كِتَاب اللَّه فَاتَّبِعْ فِيهِ سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَك مِنْ السُّنَّة فَاجْتَهِدْ فِيهِ رَأْيك \" هَذِهِ رِوَايَة سَيَّار عَنْ الشَّعْبِيّ وَفِي رِوَايَة الشَّيْبَانِيِّ عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّ عُمَر كَتَبَ إِلَيْهِ نَحْوِهِ , وَقَالَ فِي آخِره \" اِقْضِ بِمَا فِي كِتَاب اللَّه , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِمَا فِي سُنَّة رَسُول اللَّه , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ شِئْت فَتَقَدَّمْ وَإِنْ شِئْت فَتَأَخَّرْ , وَلَا أَرَى التَّأَخُّر إِلَّا خَيْرًا لَك \" فَهَذَا عُمَر أَمَرَ بِالِاجْتِهَادِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرَّأْي الَّذِي ذَمَّهُ مَا خَالَفَ الْكِتَاب أَوْ السُّنَّة , وَأَخْرَجَ اِبْنِ أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْنِ مَسْعُود نَحْوِ حَدِيث عُمَر مِنْ رِوَايَة الشَّيْبَانِيِّ , وَقَالَ فِي آخِره \" فَإِنْ جَاءَهُ مَا لَيْسَ فِي ذَلِكَ فَلْيَجْتَهِدْ رَأْيه فَإِنَّ الْحَلَال بَيِّنٌ وَالْحَرَام بَيِّنٌ , فَدَعْ مَا يَرِيبك إِلَى مَا لَا يَرِيبك \". ‏"
    },
    {
        "id": "6764",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو حَمْزَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏الْأَعْمَشَ ‏ ‏قَالَ سَأَلْتُ ‏ ‏أَبَا وَائِلٍ ‏ ‏هَلْ شَهِدْتَ ‏ ‏صِفِّينَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ ‏ ‏فَسَمِعْتُ ‏ ‏سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ‏ ‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ ‏ ‏أَبِي جَنْدَلٍ ‏ ‏وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَيْهِ لَرَدَدْتُهُ وَمَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا إِلَى أَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرَ هَذَا الْأَمْرِ قَالَ وَقَالَ ‏ ‏أَبُو وَائِلٍ ‏ ‏شَهِدْتُ ‏ ‏صِفِّينَ ‏ ‏وَبِئْسَتْ ‏ ‏صِفُّونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْدَانِ ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان , وَعَبْدَانِ لَقَب و \" أَبُو حَمْزَة \" بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الزَّاي هُوَ السُّكَّرِيّ وَسَاقَ الْمَتْن عَلَى لَفْظ أَبِي عَوَانَة لِأَنَّهُ سَاقَ لَفْظ عَبْدَانِ فِي \" كِتَاب الْجِزْيَة \" وَوَقَعَتْ رِوَايَة أَبِي عَوَانَة مُقَدَّمَة عَلَى رِوَايَة أَبِي حَمْزَة , وَسَاقَ الْمَتْن ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَة أَبِي حَمْزَة , وَفِي آخِره فَسَمِعْت سَهْل بْن حُنَيْف يَقُول ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ سَهْل بْن حُنَيْف يَا أَيّهَا النَّاس ) ‏ ‏قَدْ تَقَدَّمَ بَيَان سَبَب خُطْبَته بِذَلِكَ فِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح , وَبَيَان الْمُرَاد بِقَوْلِ سَهْل يَوْم أَبِي جَنْدَل , وَقَوْله \" يُفْظِعنَا \" بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَة الْمَكْسُورَة بَعْد الْفَاء السَّاكِنَة , أَيْ يُوقِعنَا فِي أَمْر فَظِيع , وَهُوَ الشَّدِيد فِي الْقُبْح وَنَحْوه. وَقَوْله \" إِلَّا أَسْهَلْنَ \" بِسُكُونِ اللَّام بَعْد الْهَاء وَالنُّون الْمَفْتُوحَتَيْنِ , وَالْمَعْنَى أَنْزَلَتْنَا فِي السَّهْل مِنْ الْأَرْض أَيْ أَفْضَيْنَ بِنَا , وَهُوَ كِنَايَة عَنْ التَّحَوُّل مِنْ الشِّدَّة إِلَى الْفَرَج , وَقَوْله \" بِنَا \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِهَا \" وَمُرَاد سَهْل أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا وَقَعُوا فِي شِدَّة يَحْتَاجُونَ فِيهَا إِلَى الْقِتَال فِي الْمَغَازِي وَالثُّبُوت وَالْفُتُوح الْعُمَرِيَّة , عَمَدُوا إِلَى سُيُوفهمْ فَوَضَعُوهَا عَلَى عَوَاتِقهمْ , وَهُوَ كِنَايَة عَنْ الْجِدّ فِي الْحَرْب , فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ اِنْتَصَرُوا , وَهُوَ الْمُرَاد بِالنُّزُولِ فِي السَّهْل , ثُمَّ اِسْتَثْنَى الْحَرْب الَّتِي وَقَعَتْ بِصِفِّينَ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ إِبْطَاء النَّصْر وَشِدَّة الْمُعَارَضَة مِنْ حِجَج الْفَرِيقَيْنِ , إِذْ حُجَّة عَلِيّ وَمَنْ مَعَهُ مَا شَرَعَ لَهُمْ مِنْ قِتَال أَهْل الْبَغْي حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى الْحَقّ , وَحُجَّة مُعَاوِيَة وَمَنْ مَعَهُ مَا وَقَعَ مِنْ قَتْل عُثْمَان مَظْلُومًا , وَوُجُود قَتَلَته بِأَعْيَانِهِمْ فِي الْعَسْكَر الْعِرَاقِيّ فَعَظُمَتْ الشُّبْهَة حَتَّى اِشْتَدَّ الْقِتَال وَكَثُرَ الْقَتْل فِي الْجَانِبَيْنِ , إِلَى أَنْ وَقَعَ التَّحْكِيم فَكَانَ مَا كَانَ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ أَبُو وَائِل شَهِدْت صِفِّينَ وَبِئْسَ صِفِّينَ ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَلِغَيْرِهِ \" وَبِئْسَ صِفُّونَ \" وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ مِثْله وَلَكِنْ قَالَ \" وَبِئْسَ الصِّفُّون \" بِزِيَادَةِ أَلْف وَلَامَ وَالْمَشْهُور فِي صِفِّينَ كَسْر الصَّادِ الْمُهْمَلَة وَبَعْضهمْ فَتَحَهَا وَجَزَمَ بِالْكَسْرِ جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة وَالْفَاء مَكْسُورَة مُثْقَلَة اِتِّفَاقًا , وَالْأَشْهَر فِيهَا بِالْيَاءِ قَبْل النُّون كَمَارِدِينَ وَفِلَسْطِين وَقِنِّسْرِينَ وَغَيْرهَا , وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْدَلَ الْيَاء وَاوًا فِي الْأَحْوَال , وَعَلَى هَاتَيْنِ اللُّغَتَيْنِ فَإِعْرَابهَا إِعْرَاب غِسْلِين وَعُرْبُون , وَمِنْهُمْ مَنْ أَعْرَبَهَا إِعْرَاب جَمْع الْمُذَكَّر السَّالِم فَتَتَصَرَّفُ بِحَسْب الْعَوَامِل , مِثْل ( لَفِي عِلِّيِّينَ , وَمَا أَدْرَاك مَا عِلِّيُّونَ ) وَمِنْهُمْ مَنْ فَتَحَ النُّون مَعَ الْوَاو لُزُومًا نَقَلَ كُلّ ذَلِكَ اِبْن مَالِك وَلَمْ يَذْكُر فَتْح النُّون مَعَ الْيَاء لُزُومًا وَقَوْله \" اِتَّهِمُوا رَأْيكُمْ عَلَى دِينكُمْ \" أَيْ لَا تَعْمَلُوا فِي أَمْر الدِّين بِالرَّأْيِ الْمُجَرَّد الَّذِي لَا يَسْتَنِد إِلَى أَصْل مِنْ الدِّين , وَهُوَ كَنَحْوِ قَوْل عَلِيّ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَن \" لَوْ كَانَ الدِّين بِالرَّأْيِ لَكَانَ مَسْح أَسْفَل الْخُفّ أَوْلَى مِنْ أَعْلَاهُ \" وَالسَّبَب فِي قَوْل سَهْل ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ , أَنَّ أَهْل الشَّام لَمَّا اِسْتَشْعَرُوا أَنَّ أَهْل الْعِرَاق شَارَفُوا \" أَنْ يَغْلِبُوهُمْ , وَكَانَ أَكْثَر أَهْل الْعِرَاق مِنْ الْقُرَّاء الَّذِينَ يُبَالِغُونَ فِي التَّدَيُّن , وَمِنْ ثَمَّ صَارَ مِنْهُمْ الْخَوَارِج الَّذِينَ مَضَى ذِكْرهمْ , فَأَنْكَرُوا عَلَى عَلِيّ وَمَنْ أَطَاعَهُ الْإِجَابَة إِلَى التَّحْكِيم , فَاسْتَنَدَ عَلِيّ إِلَى قِصَّة الْحُدَيْبِيَة وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَابَ قُرَيْشًا إِلَى الْمُصَالَحَة مَعَ ظُهُور غَلَبَته لَهُمْ , وَتَوَقَّفَ بَعْضُ الصَّحَابَة أَوَّلًا حَتَّى ظَهَرَ لَهُمْ أَنَّ الصَّوَاب مَا أَمَرَهُمْ بِهِ , كَمَا مَضَى بَيَانه مُفَصَّلًا فِي الشُّرُوط , وَأَوَّلَ الْكَرْمَانِيُّ كَلَام سَهْل بْن حُنَيْف بِحَسَب مَا اِحْتَمَلَهُ اللَّفْظ فَقَالَ : كَأَنَّهُمْ اِتَّهَمُوا سَهْلًا بِالتَّقْصِيرِ فِي الْقِتَال حِينَئِذٍ , فَقَالَ لَهُمْ : بَلْ اِتَّهِمُوا أَنْتُمْ رَأْيكُمْ فَإِنِّي لَا أُقَصِّرُ كَمَا لَمْ أَكُنْ مُقَصِّرًا يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَقْت الْحَاجَة , فَكَمَا تَوَقَّفْت يَوْم الْحُدَيْبِيَة مِنْ أَجْل أَنِّي لَا أُخَالِف حُكْم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ أَتَوَقَّف الْيَوْم لِأَجْلِ مَصْلَحَة الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَر نَحْو قَوْل سَهْل وَلَفْظه \" اِتَّقُوا الرَّأْي فِي دِينكُمْ \" أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَل هَكَذَا مُخْتَصَرًا , وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَالطَّبَرِيّ وَالطَّبَرَانِيُّ مُطَوَّلًا بِلَفْظِ \" اِتَّهِمُوا الرَّأْي عَلَى الدِّين ; فَلَقَدْ رَأَيْتنِي أَرُدّ أَمْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْيِي اِجْتِهَادًا , فَوَاَللَّهِ مَا آلُو عَنْ الْحَقّ \" وَذَلِكَ يَوْم أَبِي جَنْدَل حَتَّى قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" تَرَانِي أَرْضَى وَتَأْبَى \" وَالْحَاصِل أَنَّ الْمَصِير إِلَى الرَّأْي إِنَّمَا يَكُون عِنْد فَقْد النَّصّ , وَإِلَى هَذَا يُومِئ قَوْل الشَّافِعِيّ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح إِلَى أَحْمَد بْن حَنْبَل سَمِعْت الشَّافِعِيّ يَقُول الْقِيَاس عِنْد الضَّرُورَة , وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ الْعَامِل بِرَأْيِهِ عَلَى ثِقَة مِنْ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَى الْمُرَاد مِنْ الْحُكْم فِي نَفْس الْأَمْر , وَإِنَّمَا عَلَيْهِ بَذْل الْوُسْع فِي الِاجْتِهَاد لِيُؤْجَر وَلَوْ أَخْطَأَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق , وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَل , وَابْن عَبْد الْبَرّ فِي بَيَان الْعِلْم عَنْ جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ كَالْحَسَنِ وَابْن سِيرِينَ وَشُرَيْح وَالشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيِّ بِأَسَانِيد جِيَاد , ذَمّ الْقَوْل بِالرَّأْيِ الْمُجَرَّد وَيَجْمَع ذَلِكَ كُلّه حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" لَا يُؤْمِن أَحَدكُمْ حَتَّى يَكُون هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْت بِهِ \" أَخْرَجَهُ الْحَسَن بْن سُفْيَان وَغَيْره , وَرِجَاله ثِقَات وَقَدْ صَحَّحَهُ النَّوَوِي فِي آخِر الْأَرْبَعِينَ , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ عَمْرو بْن حُرَيْث عَنْ عُمَر قَالَ \" إِيَّاكُمْ وَأَصْحَاب الرَّأْي فَإِنَّهُمْ أَعْدَاء السُّنَن , أَعْيَتْهُمْ الْأَحَادِيث أَنْ يَحْفَظُوهَا , فَقَالُوا بِالرَّأْيِ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا \" فَظَاهِر فِي أَنَّهُ أَرَادَ ذَمّ مَنْ قَالَ بِالرَّأْيِ مَعَ وُجُود النَّصّ مِنْ الْحَدِيث لِإِغْفَالِهِ التَّنْقِيب عَلَيْهِ فَهَذَا يُلَام , وَأَوْلَى مِنْهُ بِاللَّوْمِ مَنْ عَرَفَ النَّصّ وَعَمِلَ , بِمَا عَارَضَهُ مِنْ الرَّأْي , وَتَكَلَّفَ لِرَدِّهِ بِالتَّأْوِيلِ وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَة وَتَكَلَّفَ الْقِيَاس وَاللَّهُ أَعْلَم. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي بَيَان الْعِلْم بَعْد أَنْ سَاقَ آثَارًا كَثِيرَة فِي ذَمّ الرَّأْي مَا مُلَخَّصه : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الرَّأْي الْمَقْصُود إِلَيْهِ بِالذَّمِّ فِي هَذِهِ الْآثَار مَرْفُوعهَا وَمَوْقُوفهَا وَمَقْطُوعهَا , فَقَالَتْ طَائِفَة : هُوَ الْقَوْل فِي الِاعْتِقَاد بِمُخَالَفَةِ السُّنَن لِأَنَّهُمْ اِسْتَعْمَلُوا آرَاءَهُمْ وَأَقْيِسَتهمْ فِي رَدّ الْأَحَادِيث , حَتَّى طَعَنُوا فِي الْمَشْهُور مِنْهَا الَّذِي بَلَغَ التَّوَاتُر كَأَحَادِيث الشَّفَاعَة , وَأَنْكَرُوا أَنْ يَخْرُج أَحَد مِنْ النَّار بَعْد أَنْ يَدْخُلهَا , وَأَنْكَرُوا الْحَوْض وَالْمِيزَان وَعَذَاب الْقَبْر , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ كَلَامهمْ فِي الصِّفَات وَالْعِلْم وَالنَّظَر , وَقَالَ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم : الرَّأْي الْمَذْمُوم الَّذِي لَا يَجُوز النَّظَر فِيهِ وَلَا الِاشْتِغَال بِهِ , هُوَ مَا كَانَ فِي نَحْو ذَلِكَ مِنْ ضُرُوب الْبِدَع , ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل قَالَ : لَا تَكَاد تَرَى أَحَدًا نَظَرَ فِي الرَّأْي إِلَّا وَفِي قَلْبه دَغَل , قَالَ : وَقَالَ جُمْهُور أَهْل الْعِلْم الرَّأْي الْمَذْمُوم فِي الْآثَار الْمَذْكُورَة , هُوَ الْقَوْل فِي الْأَحْكَام بِالِاسْتِحْسَانِ , وَالتَّشَاغُل بِالْأُغْلُوطَاتِ وَرَدّ الْفُرُوع بَعْضهَا إِلَى بَعْض دُون رَدّهَا إِلَى أُصُول السُّنَن وَأَضَافَ كَثِير مِنْهُمْ إِلَى ذَلِكَ مَنْ يَتَشَاغَل بِالْإِكْثَارِ مِنْهَا قَبْل وُقُوعهَا لِمَا يَلْزَم مِنْ الِاسْتِغْرَاق فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْطِيل السُّنَن , وَقَوَّى اِبْن عَبْد الْبَرّ هَذَا الْقَوْل الثَّانِي وَاحْتَجَّ لَهُ , ثُمَّ قَالَ : لَيْسَ أَحَد مِنْ عُلَمَاء الْأُمَّة يَثْبُتُ عِنْده حَدِيث عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَّا بِادِّعَاءِ نَسْخ أَوْ مُعَارَضَة أَثَر غَيْره أَوْ إِجْمَاع أَوْ عَمَل يَجِب عَلَى أَصْله الِانْقِيَاد إِلَيْهِ أَوْ طَعَنَ فِي سَنَده , وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَسَقَطَتْ عَدَالَته فَضْلًا عَنْ أَنْ يُتَّخَذ إِمَامًا , وَقَدْ أَعَاذَهُمْ اللَّه تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ , ثُمَّ خَتَمَ الْبَاب بِمَا بَلَغَهُ عَنْ سَهْل بْن عَبْد اللَّه التَّسْتُرِيّ الزَّاهِد الْمَشْهُور قَالَ : مَا أَحْدَثَ أَحَدٌ فِي الْعِلْم شَيْئًا إِلَّا سُئِلَ عَنْهُ يَوْم الْقِيَامَة فَإِنْ وَافَقَ السُّنَّة سَلِمَ وَإِلَّا فَلَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6765",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَرِضْتُ فَجَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَعُودُنِي ‏ ‏وَأَبُو بَكْرٍ ‏ ‏وَهُمَا مَاشِيَانِ فَأَتَانِي وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ ‏ ‏فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرُبَّمَا قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏فَقُلْتُ أَيْ رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي قَالَ فَمَا أَجَابَنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ ‏ ‏آيَةُ الْمِيرَاثِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6766",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏جَاءَتْ ‏ ‏امْرَأَةٌ ‏ ‏إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ فَقَالَ اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا فَاجْتَمَعْنَ فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلَاثَةً إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنْ النَّارِ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ اثْنَيْنِ قَالَ فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد : فِي سُؤَال الْمَرْأَة قَدْ ذَهَبَ الرِّجَال بِحَدِيثِك , وَفِيهِ \" فَأَتَاهُنَّ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّه \" وَفِيهِ ثُمَّ قَالَ \" مَا مِنْكُنَّ اِمْرَأَة تُقَدِّم بَيْن يَدَيْهَا مِنْ وَلَدهَا ثَلَاثَة \" وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَّل \" كِتَاب الْجَنَائِز \" وَفِي الْعِلْم ‏ ‏وَقَوْله \" جَاءَتْ اِمْرَأَة \" ‏ ‏لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون هِيَ أَسْمَاء بِنْت زَيْد بْن السَّكَن ‏ ‏وَقَوْله هُنَا \" فَأَتَاهُنَّ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّه \" ‏ ‏تَقَدَّمَ هُنَاكَ بِلَفْظِ \" فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ فَأَمَرَهُنَّ فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ \" فَذَكَرَ نَحْو مَا هُنَا وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ طُرُقه بَيَان مَا عَلَّمَهُنَّ , لَكِنْ يُمْكِن أَنْ يُؤْخَذ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْآخَر الْمَاضِي فِي \" كِتَاب الزَّكَاة \" وَفِيهِ \" فَمَرَّ عَلَى النِّسَاء فَقَالَ : يَا مَعْشَر النِّسَاء تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَر أَهْل النَّار \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَقَامَتْ اِمْرَأَة فَقَالَتْ لِمَ \" وَفِيهِ \" أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة مِثْل نِصْف شَهَادَة الرَّجُل , وَأَلْيَس إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ \" وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى هُنَاكَ , وَأَنَّ الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة هِيَ أَسْمَاء قَالَ الْكَرْمَانِيُّ مَوْضِع التَّرْجَمَة مِنْ الْحَدِيث قَوْله \" كُنَّ لَهَا حِجَابًا مِنْ النَّار \" فَإِنَّهُ أَمْر تَوْقِيفِيٌّ لَا يُعْلَم إِلَّا مِنْ قِبَل اللَّه تَعَالَى لَا دَخْل لِلْقِيَاسِ وَالرَّأْي فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6767",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى ) ‏ ‏هُوَ الْعَبْسِيّ بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَة الْكُوفِيّ مِنْ كِبَار شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَهُوَ مِنْ أَتْبَاع التَّابِعِينَ وَشَيْخه فِي هَذَا الْحَدِيث \" إِسْمَاعِيل \" هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد تَابِعِيٌّ مَشْهُور , وَشَيْخ إِسْمَاعِيل \" قَيْس \" هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ , وَهُوَ مُخَضْرَم أَدْرَكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَرَهُ وَلِهَذَا الْإِسْنَاد حُكْم الثُّلَاثِيَّات وَإِنْ كَانَ رُبَاعِيًّا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْد عَلَامَات النُّبُوَّة بِبَابَيْنِ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ إِسْمَاعِيل أَنْزَلَ مِنْ هَذَا بِدَرَجَةٍ , وَرِجَال سَنَد الْبَاب كُلّهمْ كُوفِيُّونَ لِأَنَّ الْمُغِيرَة وَلِيَ إِمْرَة الْكُوفَة غَيْر مَرَّة وَكَانَتْ وَفَاته بِهَا وَقَدْ اِتَّفَقَ الرُّوَاة عَنْ إِسْمَاعِيل عَلَى أَنَّهُ عَنْ قَيْس عَنْ الْمُغِيرَة , وَخَالَفَهُمْ أَبُو مُعَاوِيَة فَقَالَ عَنْ سَعِيد بَدَل الْمُغِيرَة فَأَوْرَدَهُ أَبُو إِسْمَاعِيل الْهَرَوِيُّ فِي ذَمّ الْكَلَام , وَقَالَ الصَّوَاب قَوْل الْجَمَاعَة عَنْ الْمُغِيرَة , وَحَدِيث سَعْد عِنْد مُسْلِم لَكِنْ مِنْ طَرِيق اِبْن عُثْمَان عَنْ سَعْد. ‏ ‏قَوْله ( لَا تَزَال ) ‏ ‏بِالْمُثَنَّاةِ أَوَّله وَفِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَرْوَان الْفَزَارِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيل \" لَنْ يَزَال قَوْم \" وَهَذِهِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْبَاقِي مِثْله لَكِنْ زَادَ \" ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاس \". ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى يَأْتِيهِمْ أَمْر اللَّه وَهُمْ ظَاهِرُونَ ) ‏ ‏أَيْ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ أَيْ غَالِبُونَ , أَوْ الْمُرَاد بِالظُّهُورِ أَنَّهُمْ غَيْر مُسْتَتِرِينَ بَلْ مَشْهُورُونَ وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة \" لَنْ يَبْرَح هَذَا الدِّين قَائِمًا تُقَاتِل عَلَيْهِ عِصَابَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُوم السَّاعَة \" وَلَهُ فِي حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر \" لَا تَزَال عِصَابَة مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْر اللَّه قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ لَا يَضُرّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيهِمْ السَّاعَة \" وَقَدْ ذَكَرْت الْجَمْع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث \" لَا تَقُوم السَّاعَة إِلَّا عَلَى شِرَار النَّاس \" فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الْفِتَن \" وَالْقِصَّة الَّتِي أَخْرَجَهَا مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو \" لَا تَقُوم السَّاعَة إِلَّا عَلَى شِرَار الْخَلْق , هُمْ شَرّ مِنْ أَهْل الْجَاهِلِيَّة , لَا يَدْعُونَ اللَّه بِشَيْءٍ إِلَّا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ \" وَمُعَارَضَة عُقْبَة بْن عَامِر بِهَذَا الْحَدِيث فَقَالَ عَبْد اللَّه أَجَلّ , ثُمَّ يَبْعَث اللَّه رِيحًا كَرِيحِ الْمِسْك , فَلَا تَتْرُك نَفْسًا فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ إِيمَان إِلَّا قَبَضَتْهُ \" ثُمَّ يَبْقَى شِرَار النَّاس عَلَيْهِمْ تَقُوم السَّاعَة \" وَقَدْ أَشَرْت إِلَى هَذَا قَرِيبًا إِلَى الْكَلَام عَلَى حَدِيث \" قَبْض الْعِلْم \" وَأَنَّ هَذَا أَوْلَى مَا يُتَمَسَّك بِهِ فِي الْجَمْع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ , وَذَكَرْت مَا نَقَلَهُ اِبْن بَطَّال عَنْ الطَّبَرِيِّ فِي الْجَمْع بَيْنهمَا , أَنَّ شِرَار النَّاس الَّذِينَ تَقُوم عَلَيْهِمْ السَّاعَة يَكُونُونَ بِمَوْضِعٍ مَخْصُوص , وَأَنَّ مَوْضِعًا آخَر يَكُون بِهِ طَائِفَة يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقّ لَا يَضُرّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ , ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ نَحْو حَدِيث الْبَاب , وَزَادَ فِيهِ \" قِيلَ يَا رَسُول اللَّه وَأَيْنَ هُمْ ؟ قَالَ بِبَيْتِ الْمَقْدِس \" وَأَطَالَ فِي تَقْرِير ذَلِكَ وَذَكَرْت أَنَّ الْمُرَاد بِأَمْرِ اللَّه : هُبُوب تِلْكَ الرِّيح وَأَنَّ الْمُرَاد بِقِيَامِ السَّاعَة : سَاعَتهمْ وَأَنَّ الْمُرَاد بِاَلَّذِينَ يَكُونُونَ بِبَيْتِ الْمَقْدِس : الَّذِينَ يَحْصُرهُمْ الدَّجَّال إِذَا خَرَجَ فَيَنْزِل عِيسَى إِلَيْهِمْ فَيَقْتُل الدَّجَّال , وَيَظْهَر الدِّين فِي زَمَن عِيسَى , ثُمَّ بَعْد مَوْت عِيسَى تَهُبّ الرِّيح الْمَذْكُورَة , فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد فِي الْجَمْع , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6768",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏حُمَيْدٌ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ‏ ‏يَخْطُبُ قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا ‏ ‏يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِي اللَّهُ وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس \" وَابْن وَهْب \" هُوَ عَبْد اللَّه و \" يُونُس \" هُوَ اِبْن يَزِيد و \" حُمَيْدُ \" هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان يَخْطُب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُمَيْر بْن هَانِئ \" سَمِعْت مُعَاوِيَة عَلَى الْمِنْبَر يَقُول \" وَقَدْ مَضَى فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن الْأَصَمّ \" سَمِعْت مُعَاوِيَة \" وَذَكَرَ حَدِيثًا وَلَمْ أَسْمَعهُ \" رَوَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِنْبَره حَدِيثًا غَيْره \" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ‏ ‏قَوْله ( مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّين ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا فِي \" كِتَاب الْعِلْم \" وَقَوْله \" وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِم وَيُعْطِي اللَّه \" تَقَدَّمَ فِي الْعِلْم بِلَفْظِ \" وَاللَّهُ الْمُعْطِي \" وَفِي فَرْض الْخُمُس مِنْ وَجْه آخَر \" وَاَللَّه الْمُعْطِي وَأَنَا الْقَاسِم \" وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( وَلَنْ يَزَال أَمْر هَذِهِ الْأُمَّة مُسْتَقِيمًا حَتَّى تَقُوم السَّاعَة أَوْ حَتَّى يَأْتِي أَمْر اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عُمَيْر بْن هَانِئ \" لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي قَائِمَة بِأَمْرِ اللَّه \" وَتَقَدَّمَ بَعْد بَابَيْنِ مِنْ بَاب عَلَامَات النُّبُوَّة مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ \" لَا يَزَال مِنْ أُمَّتِي أُمَّة قَائِمَة بِأَمْرِ اللَّه , لَا يَضُرّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيهِمْ أَمْر اللَّه وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ \" وَزَادَ قَالَ عُمَيْر فَقَالَ مَالِك بْن يُخَامِر قَالَ مُعَاذ \" وَهُمْ بِالشَّامِ \" وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن الْأَصَمّ \" وَلَا تَزَال عِصَابَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \" قَالَ صَاحِب الْمَشَارِق فِي قَوْله \" لَا يَزَال أَهْل الْغَرْب \" يَعْنِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي بَعْض طُرُق مُسْلِم وَهِيَ بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء , ذَكَرَ يَعْقُوب بْن شَيْبَة عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ قَالَ : الْمُرَاد بِالْغَرْبِ , الدَّلْو أَيْ الْعَرَب بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابهَا لَا يَسْتَقِي بِهَا أَحَد غَيْرهمْ لَكِنْ فِي حَدِيث مُعَاذ وَهُمْ أَهْل الشَّام فَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِالْغَرْبِ الْبَلَد لِأَنَّ الشَّام غَرْبِيّ الْحِجَاز كَذَا قَالَ : لَيْسَ بِوَاضِحٍ , وَوَقَعَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث \" الْمَغْرِب \" بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَهَذَا يَرُدّ تَأْوِيل الْغَرْب بِالْعَرَبِ , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون بَعْض رُوَاته نَقَلَهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَهِمَهُ أَنَّ الْمُرَاد الْإِقْلِيم لَا صِفَة بَعْض أَهْله , وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْغَرْبِ أَهْل الْقُوَّة وَالِاجْتِهَاد فِي الْجِهَاد , يُقَال فِي لِسَانه غَرْب بِفَتْحِ ثُمَّ سُكُون أَيْ حِدَّة , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ عِنْد أَحْمَد أَنَّهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِس , وَأَضَافَ بَيْت إِلَى الْمَقْدِس , ولِلطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث النَّهْدِيِّ نَحْوه , وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْأَوْسَط لِلطَّبَرَانِيِّ \" يُقَاتِلُونَ عَلَى أَبْوَاب دِمَشْق وَمَا حَوْلهَا , وَعَلَى أَبْوَاب بَيْت الْمَقْدِس وَمَا حَوْله , لَا يَضُرّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة \". قُلْت : وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن الْأَخْبَار بِأَنَّ الْمُرَاد قَوْم يَكُونُونَ بِبَيْتِ الْمَقْدِس , وَهِيَ شَامِيَّة وَيَسْقُونَ بِالدَّلْوِ , وَتَكُون لَهُمْ قُوَّة فِي جِهَاد الْعَدُوّ وَحِدَّةٌ وَجِدٌّ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏اِتَّفَقَ الشُّرَّاح عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْله \" عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ \" أَنَّ الْمُرَاد عُلُوّهُمْ عَلَيْهِمْ بِالْغَلَبَةِ وَأَبْعَدَ مَنْ أَبْدَعَ فَرَدَّ عَلَى مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ مَنْقَبَة لِأَهْلِ الْغَرْب أَنَّهُ مَذَمَّة لِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقّ \" أَنَّهُمْ غَالِبُونَ لَهُ وَأَنَّ الْحَقّ بَيْن أَيْدِيهمْ كَالْمَيِّتِ , وَأَنَّ الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ ذَمّ الْغَرْب وَأَهْله لَا مَدْحهمْ , قَالَ النَّوَوِيّ فِيهِ أَنَّ الْإِجْمَاع حُجَّة , ثُمَّ قَالَ يَجُوز أَنْ تَكُون الطَّائِفَة جَمَاعَة مُتَعَدِّدَة مِنْ أَنْوَاع الْمُؤْمِنِينَ. مَا بَيْن شُجَاع وَبَصِير بِالْحَرْبِ وَفَقِيه وَمُحَدِّث وَمُفَسِّر وَقَائِم بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر وَزَاهِد وَعَابِد , وَلَا يَلْزَم أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمَعِينَ فِي بَلَد وَاحِد , بَلْ يَجُوز اِجْتِمَاعهمْ فِي قُطْر وَاحِد وَافْتِرَاقهمْ فِي أَقْطَار الْأَرْض , وَيَجُوز أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي الْبَلَد الْوَاحِد وَأَنْ يَكُونُوا فِي بَعْض مِنْهُ دُون بَعْض , وَيَجُوز إِخْلَاء الْأَرْض كُلّهَا مِنْ بَعْضهمْ أَوَّلًا فَأَوَّلًا إِلَى أَنْ لَا يَبْقَى إِلَّا فِرْقَة وَاحِدَة بِبَلَدٍ وَاحِد فَإِذَا اِنْقَرَضُوا جَاءَ أَمْر اللَّه , اِنْتَهَى مُلَخَّصًا مَعَ زِيَادَة فِيهِ , وَنَظِير مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ مَا حَمَلَ عَلَيْهِ بَعْض الْأَئِمَّة حَدِيث \" إِنَّ اللَّه يَبْعَث لِهَذِهِ الْأَمَة عَلَى رَأْس كُلّ مِائَة سَنَة مَنْ يُجَدِّد لَهَا دِينهَا \" أَنَّهُ لَا يَلْزَم أَنْ يَكُون فِي رَأْس كُلّ مِائَة سَنَة وَاحِد فَقَطْ بَلْ يَكُون الْأَمْر فِيهِ كَمَا ذَكَرَ فِي الطَّائِفَة وَهُوَ مُتَّجَه , فَإِنَّ اِجْتِمَاع الصِّفَات الْمُحْتَاج إِلَى تَجْدِيدهَا لَا يَنْحَصِر فِي نَوْع مِنْ أَنْوَاع الْخَيْر , وَلَا يَلْزَم أَنَّ جَمِيع خِصَال الْخَيْر كُلّهَا فِي شَخْص وَاحِد , إِلَّا أَنْ يُدَّعَى ذَلِكَ فِي عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز , فَإِنَّهُ كَانَ الْقَائِم بِالْأَمْرِ عَلَى رَأْس الْمِائَة الْأُولَى بِاتِّصَافِهِ بِجَمِيعِ صِفَات الْخَيْر وَتَقَدُّمه فِيهَا ; وَمِنْ ثَمَّ أَطْلَقَ أَحْمَد أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ الْحَدِيث عَلَيْهِ , وَأَمَّا مَنْ جَاءَ بَعْده فَالشَّافِعِيّ وَإِنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِالصِّفَاتِ الْجَمِيلَة , إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْقَائِم بِأَمْرِ الْجِهَاد وَالْحُكْم بِالْعَدْلِ , فَعَلَى هَذَا كُلّ مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عِنْد رَأْس الْمِائَة هُوَ الْمُرَاد سَوَاء تَعَدَّدَ أَمْ لَا ‏"
    },
    {
        "id": "6769",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ‏ { ‏أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ‏} ‏قَالَ أَعُوذُ بِوَجْهِكَ فَلَمَّا نَزَلَتْ ‏ { ‏أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ‏} ‏قَالَ هَاتَانِ أَهْوَنُ أَوْ أَيْسَرُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6770",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا أَلْوَانُهَا قَالَ حُمْرٌ قَالَ هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ قَالَ إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا قَالَ فَأَنَّى تُرَى ذَلِكَ جَاءَهَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِرْقٌ نَزَعَهَا قَالَ وَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي ‏ ‏الِانْتِفَاءِ مِنْهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6771",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ أَفَأَحُجَّ عَنْهَا قَالَ ‏ ‏نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ قَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ اقْضُوا اللَّهَ الَّذِي لَهُ فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6772",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَآخَرُ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" لَا حَسَد إِلَّا فِي اِثْنَتَيْنِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ سَنَدًا وَمَتْنًا فِي أَوَّل \" كِتَاب الْأَحْكَام \" وَتَرْجَمَ لَهُ أَجْر مَنْ قَضَى بِالْحِكْمَةِ , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ ثَمَّةَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6773",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِمْلَاصِ ‏ ‏الْمَرْأَةِ هِيَ الَّتِي يُضْرَبُ بَطْنُهَا فَتُلْقِي جَنِينًا فَقَالَ أَيُّكُمْ سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيهِ شَيْئًا فَقُلْتُ أَنَا فَقَالَ مَا هُوَ قُلْتُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏فِيهِ ‏ ‏غُرَّةٌ ‏ ‏عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ فَقَالَ لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَجِيئَنِي بِالْمَخْرَجِ فِيمَا قُلْتَ فَخَرَجْتُ فَوَجَدْتُ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ ‏ ‏فَجِئْتُ بِهِ فَشَهِدَ مَعِي أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ فِيهِ ‏ ‏غُرَّةٌ ‏ ‏عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث الْمُغِيرَة قَالَ \" سَأَلَ عُمَر عَنْ إِمْلَاص الْمَرْأَة \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر الدِّيَات أَخْرَجَهُ عَالِيًا عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , وَمِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ هِشَام , ‏ ‏وَقَوْله هُنَا \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد \" ‏ ‏هُوَ اِبْن سَلَّامٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ اِبْن السَّكَن , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي النِّكَاح حَدِيثًا عَنْ مُحَمَّد بْن سَلَّامٍ مَنْسُوبًا لِأَبِيهِ عِنْد الْجَمِيع عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة , فَهَذِهِ قَرِينَة تُؤَيِّد قَوْل اِبْن السَّكَن وَاحْتِمَال كَوْنه مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى بَعِيد , وَإِنْ كَانَ أَخْرَجَ فِي الطَّهَارَة عَنْ مُحَمَّد بْن خَازِم بِمُعْجَمَتَيْنِ حَدِيثًا وَهُوَ أَبُو مُعَاوِيَة , لَكِنَّ الْمُهْمَل إِنَّمَا يُحْمَل عَلَى مَنْ يَكُون لِمَنْ أَهْمَلَهُ بِهِ اِخْتِصَاص , وَاخْتِصَاص الْبُخَارِيّ بِمُحَمَّدِ بْن سَلَّامٍ مَشْهُور , ‏ ‏وَقَوْله فِي آخِره \" تَابَعَهُ اِبْن أَبِي الزِّنَاد \" ‏ ‏يَعْنِي عَبْد الرَّحْمَن ‏ ‏( عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن ذَكْوَانَ وَهُوَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَر وَسَقَطَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عُرْوَة عَنْ الْمُغِيرَة ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ الصَّوَاب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَهُوَ غَلَط , فَقَدْ رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا عَنْ الْبُخَارِيّ نَفْسه , وَهُوَ فِي الْجُزْء الثَّالِث عَشْر مِنْ فَوَائِد الْأَصْبَهَانِيِّين عَنْ الْمُحَامِلِيّ , قَالَ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْبُخَارِيّ , حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه الْأُوَيْسِيّ , حَدَّثَنِي بْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَة عَنْ الْمُغِيرَة \" وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْنِ أَبِي الزِّنَاد , وَلَمْ يُنَبِّه الْحُمَيْدِيّ فِي الْجَمْع , وَلَا الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَاف , وَلَا أَحَد مِنْ الشُّرَّاح عَلَى هَذَا الْمَوْضِع , قَالَ اِبْن بَطَّال : لَا يَجُوز لِلْقَاضِي الْحُكْم إِلَّا بَعْد طَلَب حُكْم الْحَادِثَة مِنْ الْكِتَاب أَوْ السُّنَّة , فَإِنْ عَدِمَهُ رَجَعَ إِلَى الْإِجْمَاع فَإِنْ لَمْ يَجِدهُ نَظَرَ هَلْ يَصِحّ الْحَمْل عَلَى بَعْض الْأَحْكَام الْمُقَرَّرَة لِعِلَّةٍ تَجْمَع بَيْنهمَا , فَإِنْ وَجَدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْقِيَاس عَلَيْهَا , إِلَّا إِنْ عَارَضَتْهَا عِلَّة أُخْرَى فَيَلْزَمهُ التَّرْجِيح , فَإِنْ لَمْ يَجِد عِلَّة اِسْتَدَلَّ بِشَوَاهِد الْأُصُول وَغَلَبَة الِاشْتِبَاه , فَإِنْ لَمْ يَتَوَجَّه لَهُ شَيْء مِنْ ذَلِكَ رَجَعَ إِلَى حُكْم الْعَقْل , قَالَ : هَذَا قَوْل اِبْن الطَّيِّب , يَعْنِي أَبَا بَكْر الْبَاقِلَّانِيّ , ثُمَّ أَشَارَ إِلَى إِنْكَار كَلَامه الْأَخِير بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء ) وَقَدْ عَلِمَ الْجَمِيع بِأَنَّ النُّصُوص لَمْ تُحِطْ بِجَمِيعِ الْحَوَادِث فَعَرَفْنَا أَنَّ اللَّه قَدْ أَبَانَ حُكْمهَا بِغَيْرِ طَرِيق النَّصّ وَهُوَ الْقِيَاس , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) لِأَنَّ الِاسْتِنْبَاط هُوَ الِاسْتِخْرَاج وَهُوَ بِالْقِيَاسِ , لِأَنَّ النَّصّ ظَاهِر , ثُمَّ ذَكَرَ فِي الرَّدّ عَلَى مُنْكِرِي الْقِيَاس وَأَلْزَمهُمْ التَّنَاقُض , لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِمْ إِذَا لَمْ يُوجَد النَّصّ الرُّجُوع إِلَى الْإِجْمَاع. قَالَ : فَيَلْزَمهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى تَرْك الْقَوْل بِالْقِيَاسِ وَلَا سَبِيل لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ , فَوَضَح أَنَّ الْقِيَاس إِنَّمَا يُنْكَر إِذَا اُسْتُعْمِلَ مَعَ وُجُود النَّصّ أَوْ الْإِجْمَاع لَا عِنْد فَقْد النَّصّ وَالْإِجْمَاع. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏"
    },
    {
        "id": "6774",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ الْقُرُونِ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏كَفَارِسَ ‏ ‏وَالرُّومِ ‏ ‏فَقَالَ وَمَنْ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْمَقْبُرِيِّ ) ‏ ‏هُوَ سَعِيد وَسَمَّاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته عَنْ إِبْرَاهِيم بْن شَرِيك عَنْ أَحْمَد بْنِ يُونُس شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَأْخُذ أُمَّتِي بِأَخْذِ الْقُرُون قَبْلهَا ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَة وَأَلِف مَهْمُوزَة وَخَاء مُعْجَمَة ثُمَّ مُعْجَمَة , وَالْأَخْذ بِفَتْحِ الْأَلِف وَسُكُون الْخَاء عَلَى الْأَشْهَر هُوَ السِّيرَة , يُقَال أَخَذَ فُلَان بِأَخْذِ فُلَان أَيْ سَارَ بِسِيرَتِهِ , وَمَا أَخَذَ أَخْذه , أَيْ مَا فَعَلَ فِعْله وَلَا قَصَدَ قَصْده , وَقِيلَ الْأَلِف مُثَلَّثَة وَقَرَأَهُ بَعْضهمْ \" أَخَذ \" بِفَتْحِ الْخَاء جَمْع إِخْذَة بِكَسْرِ أَوَّله مِثْل كِسْرَة كِسَر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ عَلَى مَا حَكَاهُ اِبْن بَطَّال \" بِمَا أَخَذَ الْقُرُون \" بِمُوَحَّدَةٍ وَمَا الْمَوْصُولَة , وَأَخَذَ بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي , وَهِيَ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيِّ \" مَأْخَذ \" بِمِيمِ مَفْتُوحَة وَهَمْزَة سَاكِنَة , و \" الْقُرُون \" جَمْع قَرْن بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون الرَّاء الْأُمَّةُ مِنْ النَّاس , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن نَافِع عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب \" الْأُمَم وَالْقُرُون \". ‏ ‏قَوْله ( شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا ذِرَاعًا \". ‏ ‏قَوْله ( فَقِيلَ يَا رَسُول اللَّه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد الصَّمَد بْن النُّعْمَان عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب \" فَقَالَ رَجُل \" وَلَمْ أَقِف عَلَيْهِ مُسَمًّى. ‏ ‏قَوْله ( كَفَارِسِ وَالرُّوم ) ‏ ‏يَعْنِي الْأُمَّتَيْنِ الْمَشْهُورَتَيْنِ فِي ذَلِكَ الْوَقْت , وَهُمْ الْفُرْس فِي مَلِكهمْ كِسْرَى , وَالرُّوم فِي مَلِكهمْ قَيْصَر وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمَذْكُورَة \" كَمَا فَعَلَتْ فَارِسُ وَالرُّومُ \". ‏ ‏قَوْله ( وَمَنْ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ ) ‏ ‏أَيْ فَارِس وَالرُّوم , لِكَوْنِهِمْ كَانُوا إِذْ ذَاكَ أَكْبَر مُلُوك الْأَرْض وَأَكْثَرهمْ رَعِيَّة وَأَوْسَعَهُمْ بِلَادًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6775",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عُمَرَ الصَّنْعَانِيُّ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏الْيَهُودُ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏قَالَ فَمَنْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْعَزِيز ) ‏ ‏هُوَ الرَّمْلِيّ ‏ ‏\" وَأَبُو عُمَر الصَّنْعَانِيُّ \" ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ نُون هُوَ حَفْص بْنُ مَيْسَرَة , ‏ ‏وَقَوْله \" مِنْ الْيَمَن \" ‏ ‏أَيْ هُوَ رَجُل مِنْ الْيَمَن أَيْ هُوَ مِنْ صَنْعَاء الْيَمَن لَا مِنْ صَنْعَاء الشَّام , وَقِيلَ الْمُرَاد أَصْله مِنْ الْيَمَن وَهُوَ مِنْ صَنْعَاء الشَّام وَنَزَلَ عَسْقَلَان. ‏ ‏قَوْله ( لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ السِّين لِلْأَكْثَرِ , وَقَالَ اِبْن التِّين قَرَأْنَاهُ بِضَمِّهَا , وَقَالَ الْمُهَلَّب بِالْفَتْحِ أَوْلَى لِأَنَّهُ الَّذِي يُسْتَعْمَل فِيهِ الذِّرَاع وَالشِّبْر وَهُوَ الطَّرِيق. قُلْت : وَلَيْسَ اللَّفْظ الْأَخِير بِبَعِيدٍ مِنْ ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( شِبْرًا شِبْرًا , وَذِرَاعًا ذِرَاعًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ \" عَكْس الَّذِي قَبْله , قَالَ عِيَاض الشِّبْر وَالذِّرَاع وَالطَّرِيق وَدُخُول الْجُحْر تَمْثِيلٌ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي كُلّ شَيْء مِمَّا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ وَذَمَّهُ. ‏ ‏قَوْله ( جُحْر ) ‏ ‏بِضَمِّ الْجِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة , و \" الضَّبّ \" الْحَيَوَان الْمَعْرُوف تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل. ‏ ‏قَوْله ( قُلْنَا ) ‏ ‏لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِين الْقَائِل. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ فَمَنْ ) ‏ ‏هُوَ اِسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَالتَّقْدِير : فَمَنْ هُمْ غَيْر أُولَئِكَ , وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث الْمُسْتَوْرِد بْن شَدَّاد رَفَعَهُ \" لَا تَتْرُك هَذِهِ الْأُمَّة شَيْئًا مِنْ سُنَن الْأَوَّلِينَ حَتَّى تَأْتِيَهُ \" وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عِنْد الشَّافِعِيّ بِسَنَدٍ صَحِيح \" لَتَرْكَبُنَّ سُنَّة مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ حُلْوهَا وَمُرّهَا \" قَالَ اِبْن بَطَّال : أَعْلَمَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أُمَّته سَتَتَّبِعُ الْمُحْدَثَات مِنْ الْأُمُور وَالْبِدَع وَالْأَهْوَاء كَمَا وَقَعَ لِلْأُمَمِ قَبْلهمْ , وَقَدْ أَنْذَرَ فِي أَحَادِيث كَثِيرَة بِأَنَّ الْآخِر شَرّ , وَالسَّاعَة لَا تَقُوم إِلَّا عَلَى شِرَار النَّاس , وَأَنَّ الدِّين إِنَّمَا يَبْقَى قَائِمًا عِنْد خَاصَّة مِنْ النَّاس. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ مُعْظَم مَا أَنْذَرَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَيَقَعُ بَقِيَّة ذَلِكَ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مُغَايِر لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيد لِأَنَّ الْأَوَّل فَسَّرَ بِفَارِسَ وَالرُّوم , وَالثَّانِي بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , لَكِنَّ الرُّوم نَصَارَى وَقَدْ كَانَ فِي الْفُرْس يَهُود , أَوْ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْمِثَال لِأَنَّهُ قَالَ فِي السُّؤَال كَفَارِسَ اِنْتَهَى. وَذَكَرَ عَلَيْهِ جَوَابه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ \" وَمَنْ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ \" لِأَنَّ ظَاهِره الْحَصْر فِيهِمْ , وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَاد حَصْر النَّاس الْمَعْهُود مِنْ الْمَتْبُوعِينَ. ‏ ‏قُلْت : وَوَجْهه أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بُعِثَ كَانَ مُلْك الْبِلَاد مُنْحَصِرًا فِي الْفُرْس وَالرُّوم وَجَمِيع مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ الْأُمَم مِنْ تَحْت أَيْدِيهمْ أَوْ كَلَا شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ , فَصَحَّ الْحَصْر بِهَذَا الِاعْتِبَار , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْجَوَاب اِخْتَلَفَ بِحَسَب الْمَقَام , فَحَيْثُ قَالَ فَارِس وَالرُّوم كَانَ هُنَاكَ قَرِينَة تَتَعَلَّق بِالْحُكْمِ بَيْن النَّاس وَسِيَاسَة الرَّعِيَّة , وَحَيْثُ قِيلَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى كَانَ هُنَاكَ قَرِينَة تَتَعَلَّق بِأُمُورِ الدِّيَانَات أُصُولهَا وَفُرُوعهَا , وَمِنْ ثَمَّ كَانَ فِي الْجَوَاب عَنْ الْأَوَّل \" وَمَنْ النَّاس إِلَّا أُولَئِكَ \" وَأَمَّا الْجَوَاب فِي الثَّانِي بِالْإِبْهَامِ فَيُؤَيِّد الْحَمْل الْمَذْكُور وَأَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَة تَتَعَلَّق بِمَا ذَكَرْت , وَاسْتَدَلَّ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي بَاب ذَمّ الْقَوْل بِالرَّأْيِ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْر أَصْل بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ جَامِع اِبْن وَهْب \" أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْن أَيُّوب عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُول \" لَمْ يَزَلْ أَمْر بَنِي إِسْرَائِيل مُسْتَقِيمًا حَتَّى حَدَثَ فِيهِمْ الْمُوَلَّدُونَ أَبْنَاء سَبَايَا الْأُمَم فَأَحْدَثُوا فِيهِمْ الْقَوْل بِالرَّأْيِ وَأَضَلُّوا بَنِي إِسْرَائِيل \" قَالَ : وَكَانَ أَبِي يَقُول \" السُّنَنَ السُّنَنَ فَإِنَّ السُّنَن قِوَام الدِّين \" وَعَنْ اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي بَكْر بْن مُضَر عَمَّنْ سَمِعَ اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيّ وَهُوَ يَذْكُر مَا وَقَعَ النَّاس فِيهِ مِنْ الرَّأْي وَتَرْكهمْ السُّنَن , فَقَالَ \" إِنَّ الْيَهُود وَالنَّصَارَى إِنَّمَا اِنْسَلَخُوا مِنْ الْعِلْم الَّذِي كَانَ بِأَيْدِيهِمْ حِين اِسْتَقَلُّوا الرَّأْي وَأَخَذُوا فِيهِ \" وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيق مَكْحُول عَنْ أَنَس \" قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه مَتَى يُتْرَك الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر ؟ قَالَ إِذَا ظَهَرَ فِيكُمْ مَا ظَهَرَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل , إِذَا ظَهَرَ الْإِدْهَان فِي خِيَاركُمْ وَالْفُحْش فِي شِرَاركُمْ , وَالْمُلْك فِي صِغَاركُمْ , وَالْفِقْه فِي رُذَالِكُمْ \" وَفِي مُصَنَّف قَاسِم بْن أَصْبَغ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عُمَر \" فَسَاد الدِّين إِذَا جَاءَ الْعِلْم مِنْ قِبَل الصَّغِير اِسْتَعْصَى عَلَيْهِ الْكَبِير , وَصَلَاح النَّاس إِذَا جَاءَ الْعِلْم مِنْ قِبَل الْكَبِير تَابَعَهُ عَلَيْهِ الصَّغِير \" وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْد أَنَّ الْمُرَاد بِالصِّغَرِ فِي هَذَا صِغَر الْقَدْر لَا السِّنّ , وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6776",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا وَرُبَّمَا قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏مِنْ دَمِهَا لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ أَوَّلًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6777",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِيِّ ‏ ‏أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ ‏ ‏وَعْكٌ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏فَجَاءَ الْأَعْرَابِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏أَقِلْنِي ‏ ‏بَيْعَتِي فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ ‏ ‏أَقِلْنِي ‏ ‏بَيْعَتِي فَأَبَى ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ ‏ ‏أَقِلْنِي ‏ ‏بَيْعَتِي فَأَبَى فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏كَالْكِيرِ ‏ ‏تَنْفِي ‏ ‏خَبَثَهَا ‏ ‏وَيَنْصَعُ ‏ ‏طِيبُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس. ‏ ‏قَوْله ( السَّلَمِيّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَاللَّام. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ أَعْرَابِيًّا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي اِسْمه وَفِي أَيّ شَيْء اِسْتَقَالَ مِنْهُ , وَضَبْط يَنْصَعُ فِي أَوَاخِر الْحَجّ فِي فَضْل الْمَدِينَة , وَكَذَا قَوْله \" كَالْكِيرِ \" مَعَ سَائِر شَرْحه وَلِلَّهِ الْحَمْد. قَالَ اِبْن بَطَّال : عَنْ الْمُهَلَّب فِيهِ تَفْضِيل الْمَدِينَة عَلَى غَيْرهَا بِمَا خَصَّهَا اللَّهُ بِهِ مِنْ أَنَّهَا تَنْفِي الْخَبَث , وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْل بِحُجِّيَّةِ إِجْمَاع أَهْل الْمَدِينَة , وَتُعُقِّبَ بِقَوْلِ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّ الْحَدِيث دَالٌّ عَلَى فَضْل الْمَدِينَة , وَلَكِنْ لَيْسَ الْوَصْف الْمَذْكُور عَامًّا لَهَا فِي جَمِيع الْأَزْمِنَة , بَلْ هُوَ خَاصّ بِزَمَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخْرُج مِنْهَا رَغْبَة عَنْ الْإِقَامَة مَعَهُ إِلَّا مَنْ لَا خَيْر فِيهِ , وَقَالَ عِيَاض نَحْوه , وَأَيَّدَهُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم \" لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَنْفِي الْمَدِينَة شِرَارهَا , كَمَا يَنْفِي الْكِير خَبَث الْفِضَّة \" قَالَ : وَالنَّار إِنَّمَا تُخْرِج الْخَبَث وَالرَّدِيء , وَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَة بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَة مِنْ خِيَار الصَّحَابَة , وَقَطَنُوا غَيْرهَا وَمَاتُوا خَارِجًا عَنْهَا , كَابْنِ مَسْعُود وَأَبِي مُوسَى وَعَلِيّ أَوْ أَبِي ذَرّ وَعَمَّار وَحُذَيْفَة وَعُبَادَةَ بْن الصَّامِت وَأَبِي عُبَيْدَة وَمُعَاذ وَأَبِي الدَّرْدَاء وَغَيْرهمْ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِزَمَنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَيْدِ الْمَذْكُور , ثُمَّ يَقَع تَمَام إِخْرَاج الرَّدِيء مِنْهَا فِي زَمَن مُحَاصَرَة الدَّجَّال , كَمَا تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ وَاضِحًا فِي آخَر \" كِتَاب الْفِتَن \" وَفِيهِ : فَلَا يَبْقَى مُنَافِق وَلَا مُنَافِقَة إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ , فَذَلِكَ يَوْم الْخَلَاص. ‏"
    },
    {
        "id": "6778",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أُقْرِئُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ‏ ‏فَلَمَّا كَانَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏بِمِنًى ‏ ‏لَوْ شَهِدْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَاهُ رَجُلٌ قَالَ إِنَّ فُلَانًا يَقُولُ لَوْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَبَايَعْنَا فُلَانًا فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏لَأَقُومَنَّ الْعَشِيَّةَ فَأُحَذِّرَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ قُلْتُ لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ يَغْلِبُونَ عَلَى مَجْلِسِكَ فَأَخَافُ أَنْ لَا يُنْزِلُوهَا عَلَى وَجْهِهَا فَيُطِيرُ بِهَا كُلُّ مُطِيرٍ فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏دَارَ الْهِجْرَةِ وَدَارَ السُّنَّةِ فَتَخْلُصَ ‏ ‏بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏ ‏وَالْأَنْصَارِ ‏ ‏فَيَحْفَظُوا مَقَالَتَكَ وَيُنْزِلُوهَا عَلَى وَجْهِهَا فَقَالَ وَاللَّهِ لَأَقُومَنَّ بِهِ فِي أَوَّلِ مَقَامٍ أَقُومُهُ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَدِمْنَا ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ فِيمَا أُنْزِلَ آيَةُ الرَّجْمِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس كُنْت أُقْرِئ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف الْحَدِيث فِي خُطْبَة عُمَر الَّذِي تَقَدَّمَ بِطُولِهِ مَشْرُوحًا فِي بَاب رَجْم الْحُبْلَى مِنْ \" الْحُدُود \" وَذَكَرَ هُنَا مِنْهُ طَرَفًا , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا مَا يَتَعَلَّق بِوَصْفِ الْمَدِينَة بِدَارِ الْهِجْرَة وَدَار السُّنَّة وَمَأْوَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار وَقَوْله فِيهِ \" فَلَمَّا كَانَ آخِر حَجَّة حَجَّهَا عُمَر فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن \" جَوَاب لَمَّا مَحْذُوف , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه وَهُوَ \" فَلَمَّا رَجَعَ عَبْد الرَّحْمَن مِنْ عِنْد عُمَر لَقِيَنِي فَقَالَ \" وَقَوْله فِيهِ \" قَالَ اِبْن عَبَّاس \" هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَقَوْله \" فَقَدِمْنَا الْمَدِينَة فَقَالَ إِنَّ اللَّه بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ \" حَذَفَ مِنْهُ قِطْعَة كَبِيرَة بَيْن قَوْله \" فَقَدِمْنَا الْمَدِينَة \" وَبَيْن قَوْله \" قَالَ \" إِلَخْ. تَقَدَّمَ بَيَانهَا هُنَاكَ , وَفِيهَا قِصَّة مَعَ سَعِيد بْن زَيْد وَخُرُوج عُمَر يَوْم الْجُمُعَة وَخُطْبَته بِطُولِهَا , وَقَدْ أَدْخَلَ كَثِير مِمَّنْ يَقُول بِحُجِّيَّةِ إِجْمَاع أَهْل الْمَدِينَة هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي مَسْأَلَة إِجْمَاع الصَّحَابَة , وَذَلِكَ حَيْثُ يَقُول : لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا التَّنْزِيل , وَحَضَرُوا الْوَحْي وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَهُمَا مَسْأَلَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ وَالْقَوْل بِأَنَّ إِجْمَاع الصَّحَابَة حُجَّة أَقْوَى مِنْ الْقَوْل بِأَنَّ إِجْمَاع أَهْل الْمَدِينَة حُجَّة , وَالرَّاجِح أَنَّ أَهْل الْمَدِينَة مِمَّنْ بَعْد الصَّحَابَة إِذَا اِتَّفَقُوا عَلَى شَيْء كَانَ الْقَوْل بِهِ أَقْوَى مِنْ الْقَوْل بِغَيْرِهِ , إِلَّا أَنْ يُخَالِف نَصًّا مَرْفُوعًا , كَمَا أَنَّهُ يُرَجَّح بِرِوَايَتِهِمْ لِشُهْرَتِهِمْ بِالتَّثَبُّتِ فِي النَّقْل وَتَرْك التَّدْلِيس , وَاَلَّذِي يَخْتَصّ بِهَذَا الْبَاب الْقَوْل بِحُجِّيَّةِ قَوْل أَهْل الْمَدِينَة إِذَا اِتَّفَقُوا , وَأَمَّا ثُبُوت فَضْل الْمَدِينَة وَأَهْلهَا , وَغَالِب مَا ذَكَرَ فِي الْبَاب فَلَيْسَ بِقَوَيّ فِي الِاسْتِدْلَال عَلَى هَذَا الْمَطْلُوب. ‏"
    },
    {
        "id": "6779",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ كُنَّا عِنْدَ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانِ مِنْ كَتَّانٍ فَتَمَخَّطَ فَقَالَ ‏ ‏بَخْ ‏ ‏بَخْ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَتَمَخَّطُ فِي الْكَتَّانِ ‏ ‏لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَأَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى حُجْرَةِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏مَغْشِيًّا عَلَيَّ فَيَجِيءُ ‏ ‏الْجَائِي فَيَضَعْ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي وَيُرَى أَنِّي مَجْنُونٌ وَمَا بِي مِنْ جُنُونٍ مَا بِي إِلَّا الْجُوعُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُحَمَّد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سِيرِينَ , وَوَقَعَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَنْ قُتَيْبَة عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد. ‏ ‏قَوْله ( ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانِ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الشِّين الْمُعْجَمَة الثَّقِيلَة بَعْدهَا قَاف , أَيْ مَصْبُوغَانِ بِالْمِشْقِ بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة , وَهُوَ الطِّين الْأَحْمَر , وَقَوْله \" بَخٍ بَخٍ \" بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَة مُكَرَّر كَلِمَة تَعَجُّب وَمَدْح وَفِيهَا لُغَات , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي بَاب كَيْف كَانَ عَيْش النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ \" كِتَاب الرِّقَاق \" وَالْغَرَض مِنْهُ. قَوْله \" وَإِنِّي لَأَخِرُّ مَا بَيْن الْمِنْبَر وَالْحُجْرَة \" هُوَ مَكَان الْقَبْر الشَّرِيف , وَقَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب وَجْه دُخُوله فِي التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَمَّا صَبَرَ عَلَى الشِّدَّة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا مِنْ أَجْل مُلَازَمَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلَب الْعِلْم , جُوزِيَ بِمَا اِنْفَرَدَ بِهِ مِنْ كَثْرَة مَحْفُوظه وَمَنْقُوله مِنْ الْأَحْكَام وَغَيْرهَا , وَذَلِكَ بِبَرَكَةِ صَبْره عَلَى الْمَدِينَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6780",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ ‏ ‏قَالَ سُئِلَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَشَهِدْتَ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ وَلَوْلَا مَنْزِلَتِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ مِنْ الصِّغَرِ فَأَتَى الْعَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ ‏ ‏كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ ‏ ‏فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا وَلَا إِقَامَةً ثُمَّ أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ فَجَعَلَ النِّسَاءُ يُشِرْنَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ فَأَمَرَ ‏ ‏بِلَالًا ‏ ‏فَأَتَاهُنَّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي شُهُوده الْعِيد مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي صَلَاة الْعِيد وَسِيَاقه هُنَاكَ أَتَمّ , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا ذِكْر الْمُصَلَّى , حَيْثُ قَالَ : فَأَتَى الْعَلَم الَّذِي عِنْد دَار كَثِير بْنِ الصَّلْت , وَالدَّار الْمَذْكُورَة بُنِيَتْ بَعْد الْعَهْد النَّبَوِيّ وَإِنَّمَا عُرِفَ بِهَا لِشُهْرَتِهَا , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : عَنْ الْمُهَلَّب شَاهِد التَّرْجَمَة قَوْل اِبْن عَبَّاس وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْ الصِّغَر مَا شَهِدْته لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ صَغِير أَهْل الْمَدِينَة وَكَبِيرهمْ , وَنِسَاءَهُمْ وَخَدَمَهُمْ ضَبَطُوا الْعِلْم مُعَايَنَة مِنْهُمْ فِي مَوَاطِن الْعَمَل مِنْ شَارِعهَا الْمُبَيِّن عَنْ اللَّه تَعَالَى وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ هَذِهِ الْمَنْزِلَة , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْل اِبْن عَبَّاس \" مِنْ الصِّغَر مَا شَهِدْته \" إِشَارَة مِنْهُ إِلَى أَنَّ الصِّغَر مَظِنَّة عَدَم الْوُصُول إِلَى الْمَقَام الَّذِي شَاهَدَ فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى سَمِعَ كَلَامه وَسَائِر مَا قَصَّهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّة , لَكِنْ لَمَّا كَانَ اِبْن عَمّه وَخَالَته أُمّ الْمُؤْمِنِينَ وَصَلَ بِذَلِكَ إِلَى الْمَنْزِلَة الْمَذْكُورَة , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَصِل. وَيُؤْخَذ مِنْهَا نَفْي التَّعْمِيم الَّذِي اِدَّعَاهُ الْمُهَلَّب , وَعَلَى تَقْدِير تَسْلِيمه فَهُوَ خَاصّ بِمَنْ شَاهَدَ ذَلِكَ وَهُمْ الصَّحَابَة فَلَا يُشَارِكهُمْ فِيهِمْ مَنْ بَعْدهمْ بِمُجَرَّدِ كَوْنه مِنْ أَهْل الْمَدِينَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6781",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يَأْتِي ‏ ‏قُبَاءً ‏ ‏مَاشِيًا وَرَاكِبًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي \" إِتْيَان قُبَاء \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر الصَّلَاة , وَفِيهِ زِيَادَة عَنْ اِبْن عُمَر , قَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب : الْمُرَاد مِنْ هَذَا الْحَدِيث مُعَايَنَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاشِيًا وَرَاكِبًا فِي قَصْده مَسْجِد قُبَاء , وَهُوَ مَشْهَد مِنْ مَشَاهِده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِغَيْرِ الْمَدِينَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6782",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏ادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي وَلَا تَدْفِنِّي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْبَيْتِ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُزَكَّى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ هِشَام ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , وَوَقَعَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَة جُوَيْرِيَةَ بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِي أُسَامَة عِنْد أَبِي نُعَيْم. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَائِشَة قَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْن الزُّبَيْر ) ‏ ‏أَيْ أَنَّهَا قَالَتْ : ‏ ‏قَوْله ( مَعَ صَوَاحِبِي ) ‏ ‏جَمْع صَاحِبَة تُرِيد أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَبْدَة بْنِ سُلَيْمَان عَنْ هِشَام بِالْبَقِيعِ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا تَدْفِنِّي مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَيْت ) ‏ ‏يُعَارِضُهُ فِي الظَّاهِر قَوْلهَا فِي قِصَّة دَفْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُزَكَّى ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْكَاف الثَّقِيلَة عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , أَيْ أَنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ أَحَد بِمَا لَيْسَ فِيَّ , بَلْ بِمُجَرَّدِ كَوْنِي مَدْفُونَة عِنْده دُون سَائِر نِسَائِهِ فَيَظُنّ أَنِّي خُصِصْت بِذَلِكَ مِنْ دُونهنَّ , لِمَعْنًى فِيَّ لَيْسَ فِيهِنَّ وَهَذَا مِنْهَا فِي غَايَة التَّوَاضُع. ‏"
    },
    {
        "id": "6783",
        "content": "‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏أَرْسَلَ إِلَى ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏ائْذَنِي لِي أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ فَقَالَتْ إِي وَاللَّهِ قَالَ وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهَا مِنْ الصَّحَابَةِ قَالَتْ لَا وَاللَّهِ لَا أُوثِرُهُمْ بِأَحَدٍ أَبَدًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الَّذِي قَبْله , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي أُسَامَة مَوْصُولًا \" أَنَّ عُمَر أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَة \" هَذَا صُورَته الْإِرْسَال , لِأَنَّ عُرْوَة لَمْ يُدْرِك زَمَن إِرْسَال عُمَر إِلَى عَائِشَة , لَكِنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْ عَائِشَة فَيَكُون مَوْصُولًا. ‏ ‏قَوْلُهُ ( مَعَ صَاحِبِي ) ‏ ‏بِالتَّثْنِيَةِ. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَتْ : إِيْ وَاَللَّهِ , قَالَ : وَكَانَ الرَّجُل إِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهَا مِنْ الصَّحَابَة ) ‏ ‏هُوَ مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ الرَّجُل , وَلَفْظ الرِّسَالَة مَحْذُوف وَتَقْدِيره يَسْأَلهَا أَنْ يُدْفَن مَعَهُمْ , وَجَوَاب الشَّرْط \" قَالَتْ \" إِلَخْ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَتْ لَا وَاَللَّهِ لَا أُوثِرُهُمْ بِأَحَدٍ أَبَدًا ) ‏ ‏بِالْمُثَلَّثَةِ مِنْ الْإِيثَار , قَالَ اِبْن التِّين : كَذَا وَقَعَ , وَالصَّوَاب \" لَا أُوثِرُ أَحَدًا بِهِمْ أَبَدًا \" قَالَ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن : وَلَمْ يَظْهَر لِي وَجْه صَوَابه اِنْتَهَى , وَكَأَنَّهُ يَقُول إِنَّهُ مَقْلُوب وَهُوَ كَذَلِكَ , وَبِذَلِكَ صَرَّحَ صَاحِب الْمَطَالِع ثُمَّ الْكَرْمَانِيُّ قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد لَا أُثِيرهُمْ بِأَحَدٍ , أَيْ لَا أَنْبُشُهُمْ لِدَفْنِ أَحَد , وَالْبَاء بِمَعْنَى اللَّام وَاسْتَشْكَلَهُ اِبْن التِّين بِقَوْلِهَا فِي قِصَّة عُمَر \" لَأُوثِرَنَّهُ عَلَى نَفْسِي \" وَأَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الَّذِي آثَرَتْه بِهِ الْمَكَان الَّذِي دُفِنَ فِيهِ مِنْ وَرَاء قَبْر أَبِيهَا بِقُرْبِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَلِكَ لَا يَنْفِي وُجُود مَكَان آخَر فِي الْحُجْرَة. قُلْت : وَذَكَرَ اِبْن سَعْد مِنْ طُرُق أَنَّ الْحَسَن بْن عَلِيّ أَوْصَى أَخَاهُ أَنْ يَدْفِنهُ عِنْدهمْ إِنْ لَمْ يَقَع بِذَلِكَ فِتْنَة , فَصَدَّهُ عَنْ ذَلِكَ بَنُو أُمَيَّة فَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ , وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْنِ سَلَام قَالَ مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة \" صِفَة مُحَمَّد وَعِيسَى بْن مَرْيَم عَلَيْهِمَا السَّلَام يُدْفَن مَعَهُ \" قَالَ أَبُو دَاوُدَ أَحَد رُوَاته : وَقَدْ بَقِيَ فِي الْبَيْت مَوْضِع قَبْر , وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ \" يُدْفَن عِيسَى مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَعُمَر , فَيَكُون قَبْرًا رَابِعًا قَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب إِنَّمَا كَرِهَتْ عَائِشَة أَنْ تُدْفَن مَعَهُمْ خَشْيَة أَنْ يَظُنّ أَحَد أَنَّهَا أَفْضَل الصَّحَابَة بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ فَقَدْ سَأَلَ الرَّشِيد مَالِكًا عَنْ مَنْزِلَة أَبِي بَكْر وَعُمَر مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاته فَقَالَ : كَمَنْزِلَتِهِمَا مِنْهُ بَعْد مَمَاته , فَزَكَّاهُمَا بِالْقُرْبِ مَعَهُ فِي الْبُقْعَة الْمُبَارَكَة وَالتُّرْبَة الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا , فَاسْتُدِلَّ عَلَى أَنَّهُمَا أَفْضَل الصَّحَابَة بِاخْتِصَاصِهِمَا بِذَلِكَ , وَقَدْ اِحْتَجَّ أَبُو بَكْر الْأَبْهَرِيّ الْمَالِكِيّ بِأَنَّ الْمَدِينَة أَفْضَل مِنْ مَكَّة بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْلُوق مِنْ تُرْبَة الْمَدِينَة وَهُوَ أَفْضَل الْبَشَر , فَكَانَتْ تُرْبَته أَفْضَل التُّرَب اِنْتَهَى. وَكَوْن تُرْبَته أَفْضَل التُّرَب لَا نِزَاع فِيهِ , وَإِنَّمَا النِّزَاع هَلْ يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُون الْمَدِينَة أَفْضَل مِنْ مَكَّة ؟ لِأَنَّ الْمُجَاوِر لِلشَّيْءِ لَوْ ثَبَتَ لَهُ جَمِيع مَزَايَاهُ لَكِنْ لِمَا جَاوَرَ ذَلِكَ الْمُجَاوِر نَحْو ذَلِكَ , فَيَلْزَم أَنْ يَكُون مَا جَاوَرَ الْمَدِينَة أَفْضَل مِنْ مَكَّة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ اِتِّفَاقًا , كَذَا أَجَابَ بِهِ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ وَفِيهِ نَظَر. ‏"
    },
    {
        "id": "6784",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏يُصَلِّي الْعَصْرَ فَيَأْتِي ‏ ‏الْعَوَالِيَ ‏ ‏وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏وَبُعْدُ ‏ ‏الْعَوَالِيَ ‏ ‏أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَيُّوب بْن سُلَيْمَان ) ‏ ‏أَيْ اِبْن بِلَال الْمَدَنِيّ وَالسَّنَد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَلَمْ يَسْمَع أَيُّوب مِنْ أَبِيهِ بَلْ حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ وَهُوَ مُقِلٌّ , وَوَثَّقَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره , وَزَعَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّهُ ضَعِيف فَوَهَمَ , وَإِنَّمَا الضَّعِيف آخَر وَافَقَ اِسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ. ‏ ‏قَوْله ( فَيَأْتِي الْعَوَالِي ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي \" كِتَاب الْمَوَاقِيت \" مَعَ شَرْحه. ‏ ‏قَوْله ( زَادَ اللَّيْث عَنْ يُونُس ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَنَس \" وَيُونُس \" هُوَ اِبْن يَزِيد الْأَيْلِيُّ , وَهَذِهِ الطَّرِيق وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن صَالِح كَاتِب اللَّيْث , \" حَدَّثَنِي اللَّيْث عَنْ يُونُس أَخْبَرَنِي اِبْن شِهَاب عَنْ أَنَس \" فَذَكَرَ الْحَدِيث بِتَمَامِهِ وَزَادَ فِي آخِره \" وَبُعْدُ الْعَوَالِي مِنْ الْمَدِينَة عَلَى أَرْبَعَة أَمْيَال \". ‏ ‏قَوْله ( وَبُعْدُ الْعَوَالِي أَرْبَعَة أَمْيَال أَوْ ثَلَاثَة ) ‏ ‏كَأَنَّهُ شَكٌّ مِنْهُ فَإِنَّهُ عِنْده \" عَنْ أَبِي صَالِح \" وَهُوَ عَلَى عَادَته يُورِد لَهُ فِي الشَّوَاهِد وَالتَّتِمَّات , وَلَا يُحْتَجّ بِهِ فِي الْأُصُول قَالَ اِبْن بَطَّال : عَنْ الْمُهَلَّب مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ بَيْن الْعَوَالِي وَمَسْجِد الْمَدِينَة لِلْمَاشِي شَيْئًا مُعَلَّمًا مِنْ مَعَالِم مَا بَيْن الصَّلَاتَيْنِ يَسْتَغْنِي الْمَاشِي فِيهَا يَوْم الْغَيْم عَنْ مَعْرِفَة الشَّمْس , وَذَلِكَ مَعْدُوم فِي سَائِر الْأَرْض قَالَ فَإِذَا كَانَتْ مَقَادِير الزَّمَان مُعَيَّنَة بِالْمَدِينَةِ بِمَكَانِ بَلَد لِلْعَيَانِ يَنْقُلهُ الْعُلَمَاء إِلَى أَهْل الْآفَاق لِيَتَمَثَّلُوهُ فِي أَقَاصِي الْبُلْدَان فَكَيْف يُسَاوِيهِمْ أَهْل بَلَد غَيْرهَا , وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ يُغْنِي إِيرَاده عَنْهُ عَنْ تَكَلُّف الْبَحْث مَعَهُ فِيهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏"
    },
    {
        "id": "6785",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْجُعَيْدِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمْ الْيَوْمَ وَقَدْ زِيدَ فِيهِ سَمِعَ ‏ ‏الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْجُعَيْدَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث السَّائِب بْن يَزِيد فِي ذِكْر الصَّاع وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب كَفَّارَة الْأَيْمَان \" وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" مُدَّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمْ الْيَوْم \" وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ \" مُدّ وَثُلُث \" وَهُوَ عَلَى طَرِيق مِنْ يَكْتُب الْمَنْصُوب بِغَيْرِ أَلْف , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : أَوْ يَكُون فِي كَانَ ضَمِير الشَّأْن فَيَرْتَفِع عَلَى الْخَبَر , وَمُنَاسَبَة هَذَا الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ قَدْر الصَّاع مِمَّا اِجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْل الْحَرَمَيْنِ بَعْد الْعَهْد النَّبَوِيّ وَاسْتَمَرَّ , فَلَمَّا زَادَ بَنُو أُمَيَّة فِي الصَّاع لَمْ يَتْرُكُوا اِعْتِبَار الصَّاع النَّبَوِيّ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ التَّقْدِير بِالصَّاعِ مِنْ زَكَاة الْفِطْر وَغَيْرهَا بَلْ اِسْتَمَرُّوا عَلَى اِعْتِبَاره فِي ذَلِكَ وَإِنْ اِسْتَعْمَلُوا الصَّاع الزَّائِد فِي شَيْء غَيْر مَا وَقَعَ فِيهِ التَّقْدِير بِالصَّاعِ , كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ مَالِك وَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف فِي الْقِصَّة الْمَشْهُورَة , وَقَوْله \" وَقَدْ زِيدَ فِيهِ \" زَادَ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فِي زَمَن عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز \". ‏ ‏قَوْله ( سَمِعَ الْقَاسِم بْن مَالِك الْجُعَيْد ) ‏ ‏يُشِير إِلَى مَا تَقَدَّمَ فِي كَفَّارَة الْأَيْمَان عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ الْقَاسِم حَدَّثَنَا الْجُعَيْد , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة \" زِيَاد بْن أَيُّوب عَنْ الْقَاسِم بْن مَالِك قَالَ : أَنْبَأَنَا الْجُعَيْد \" أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6786",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏أَهْلَ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس \" فِي الدُّعَاء لِأَهْلِ الْمَدِينَة بِالْبَرَكَةِ فِي صَاعهمْ وَمُدّهمْ \" تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْبُيُوع وَفِي كَفَّارَة الْأَيْمَان , وَقَوْله فِي آخِره \" يَعْنِي أَهْل الْمَدِينَة \" قَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب دُعَاؤُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَدِينَة فِي صَاعهمْ وَمُدّهمْ , خَصَّهُمْ مِنْ الْبَرَكَة مَا اِضْطَرَّ أَهْل الْآفَاق إِلَى قَصْدهمْ فِي ذَلِكَ الْمِعْيَار الْمُدَّعُو لَهُ بِالْبَرَكَةِ , لِيَجْعَلُوهُ طَرِيقَة مُتَّبَعَة فِي مَعَاشهمْ , وَأَدَاء مَا فَرَضَ اللَّه عَلَيْهِمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "6787",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو ضَمْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا ‏ ‏فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ تُوضَعُ الْجَنَائِزُ عِنْدَ الْمَسْجِدِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر \" فِي قِصَّة الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا \" تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْمُحَارِبِينَ , وَسِيَاقه هُنَاكَ أَتَمّ. وَقَوْله \" حَيْثُ تُوضَع الْجَنَائِز \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَفْظِ الْفِعْل الْمُضَارِع , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي \" مَوْضِع الْجَنَائِز \". ‏"
    },
    {
        "id": "6788",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏الْمُطَّلِبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَلَعَ لَهُ ‏ ‏أُحُدٌ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ اللَّهُمَّ إِنَّ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَرَّمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ ‏ ‏لَابَتَيْهَا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏سَهْلٌ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏أُحُدٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي أُحُد \" هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ \" وَفِيهِ \" أَنَّ إِبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْوَجْه مِنْ طَرِيق مَالِك فِي غَزْوَة أُحُد هَكَذَا مُخْتَصَرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمّ مِنْ هَذَا السِّيَاق فِي الْجِهَاد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَمْرو , وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّق بِشَرْحِ مَا ذَكَرَ هُنَا فِي آخِر الْحَجّ. ‏ ‏قَوْله ( تَابَعَهُ سَهْل عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُحُد ) ‏ ‏يُشِير إِلَى مَا ذَكَرَهُ فِي \" كِتَاب الزَّكَاة \" مِنْ حَدِيث سَهْل بْن سَعْد قَالَ \" أُحُدٌ جَبَل يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ \" أَوْرَدَهُ مُعَلَّقًا لِسُلَيْمَان بْن بِلَال بِسَنَدِهِ إِلَى سَهْل عَقِب حَدِيث اِبْن حُمَيْدٍ السَّاعِدِيّ , وَمَضَى شَرْح الْمَتْن فِي آخِر غَزْوَة أُحُد. ‏"
    },
    {
        "id": "6789",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو غَسَّانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلٍ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ جِدَارِ الْمَسْجِدِ مِمَّا يَلِي ‏ ‏الْقِبْلَةَ وَبَيْنَ الْمِنْبَرِ مَمَرُّ الشَّاةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث سَهْل بْن سَعْد \" أَنَّهُ كَانَ بَيْن جِدَار الْمَسْجِد مِمَّا يَلِي الْقِبْلَة وَبَيْن الْمِنْبَر مَمَرّ الشَّاة \" أَيْ قَدْر مَا تَمْر فِيهِ الشَّاة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِل الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "6790",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَا بَيْن بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَة \" تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي فَضْل الْمَدِينَة , وَقَوْله عَنْ حَفْص بْن عَاصِم فِي رِوَايَة رَوْح بْن عُبَادَةَ \" عَنْ مَالِك عَنْ حَبِيب أَنَّ حَفْص بْن عَاصِم حَدَّثَهُ \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَفِي حَدِيث مَالِك وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقه وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة مَالِك بِنُزُولِهِ دَرَجَة , وَ \" عَمْرو بْن عَلِيّ \" شَيْخه فِيهِ هُوَ الْفَلَّاس. و \" اِبْن مَهْدِيّ \" هُوَ عَبْد الرَّحْمَن أَحَد الْأَئِمَّة الْحُفَّاظ , وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيث فِي الْمُوَطَّأ عِنْد أَحَد مِنْ الرُّوَاة إِلَّا مَعْن بْن عِيسَى فِيمَا قِيلَ فَقَطْ ; وَرَوَاهُ عَنْ مَالِك خَارِج الْمُوَطَّأ , فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهِ \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَقَطْ , وَهَذِهِ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَحْده , الَّتِي اِقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْبُخَارِيّ , صَرَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَنَّهُ رَوَاهَا عَنْ مَالِك هَكَذَا وَحْده , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعِيد , وَهَذِهِ رِوَايَة مَعْن بْن عِيسَى وَمُطَرِّف وَالْوَلِيد بْن مُسْلِم , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَوْ أَبِي سَعِيد , بِالشَّكِّ وَهَذِهِ رِوَايَة الْقَعْنَبِيّ وَالتِّنِّيسِيّ وَالشَّافِعِيّ وَالزَّعْفَرَانِيّ , وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى رَوْح بْن عُبَادَةَ وَمَعْن بْنِ عِيسَى فَقِيلَ بِالشَّكِّ وَقِيلَ بِالْجَمْعِ , اِنْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ كَلَام الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6791",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَابَقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ الْخَيْلِ فَأُرْسِلَتْ الَّتِي ‏ ‏ضُمِّرَتْ ‏ ‏مِنْهَا وَأَمَدُهَا إِلَى ‏ ‏الْحَفْيَاءِ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ ‏ ‏وَالَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ أَمَدُهَا ‏ ‏ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ ‏ ‏إِلَى مَسْجِدِ ‏ ‏بَنِي زُرَيْقٍ ‏ ‏وَأَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر \" فِي الْمُسَابَقَة بَيْن الْخَيْل \" تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الْجِهَاد \" , و \" الْحَفْيَاء \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْفَاء بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة , مَكَان مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ يُمَدّ وَيُقْصَر وَرُبَّمَا قُدِّمَت الْيَاء عَلَى الْفَاء \" وَبَنُو زُرَيْق \" مِنْ الْأَنْصَار بِتَقْدِيمِ الزَّاي عَلَى الرَّاء مُصَغَّر , وَقَوْله هُنَا \" فَأُرْسِلَتْ \" بِضَمِّ الْهَمْزَة بِلَفْظِ الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَأَرْسَلَ \" بِفَتْحِ الْهَمْزَة , وَالْفَاعِل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ بِأَمْرِهِ ; قَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب فِي حَدِيث سَهْل : فِي مِقْدَار مَا بَيْن الْجِدَار وَالْمِنْبَر سُنَّة مُتَّبَعَة فِي مَوْضِع الْمِنْبَر لِيَدْخُل إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِع , وَمَسَافَة مَا بَيْن الْحَفْيَاء وَالثَّنِيَّة لِمُسَابَقَةِ الْخَيْل سُنَّة مُتَّبَعَة , يَكُون ذَلِكَ الْقَدْر مَيْدَانًا لِلْخَيْلِ الْمُضْمَرَة عِنْد السِّبَاق. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) ‏ ‏أَوْرَدَ أَبُو ذَرّ هَذَا الْحَدِيث مِنْ هَذَا الْوَجْه مُخْتَصَرًا مِنْ الْمَتْن مِنْ قَوْله \" وَأَمَدهَا \" إِلَخْ وَسَاقَهُ غَيْره , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيْرهَا عَقِبه \" حَدَّثَنَا قُتَيْبَة حَدَّثَنَا اللَّيْث عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر \" ثُمَّ قَالَ \" حَدَّثَنِي إِسْحَاق أَخْبَرْنَا عِيسَى وَابْن إِدْرِيس \" فَذَكَرَ حَدِيث عُمَر فِي الْأَشْرِبَة , وَقَدْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ عَلَى بَعْض الشَّارِحِينَ فَظَنَّ أَنَّهُ سَاقَ هَذَا السَّنَد لِلْمَتْنِ الَّذِي بَعْده , وَهِيَ رِوَايَة اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر فِي الْأَشْرِبَة وَهُوَ غَلَط فَاحِش , فَإِنَّ حَدِيث عُمَر مِنْ أَفْرَاد الشَّعْبِيّ \" عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر \" وَأَمَّا رِوَايَة اللَّيْث عَنْ نَافِع فَتَتَعَلَّق بِالْمُسَابَقَةِ , فَهِيَ مُتَابَعَة لِرِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاء عَنْ نَافِع , وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّف فِي الْجِهَاد مِنْ طَرِيق اللَّيْث أَيْضًا وَسَبَقَ لَفْظه هُنَاكَ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا عَنْ قُتَيْبَة , وَقَدْ أَغْفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَاف ذِكْر الْبُخَارِيّ فِي تَخْرِيج هَذِهِ الطَّرِيق عَنْ قُتَيْبَة , وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْر رِوَايَة أَحْمَد بْن يُونُس عَنْ اللَّيْث , وَذَكَرَ أَنَّ مُسْلِمًا وَالنَّسَائِيَّ أَخْرَجَاهَا عَنْ قُتَيْبَة , وَسَبَب هَذَا الْغَلَط الْإِجْحَاف فِي الِاخْتِصَار , فَلَوْ كَانَ قَالَ بَعْد قَوْله \" عَنْ اِبْن عُمَر \" مَثَلًا فَذَكَرَهُ أَوْ بِهَذَا أَوْ بِهِ لَارْتَفَعَ الْإِشْكَال. ‏"
    },
    {
        "id": "6792",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏لَيْثٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏وَابْنُ إِدْرِيسَ ‏ ‏وَابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَيَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْنِ رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم وَالْكَلَابَاذِيّ وَغَيْرهمَا \" وَابْن إِدْرِيس \" اِسْمه عَبْد اللَّه \" وَابْن أَبِي غَنِيَّة \" بِمُعْجَمَةٍ وَنُون بِوَزْنِ عَطِيَّة , وَهُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي غَنِيَّة الْخُزَاعِيّ و \" أَبُو حَيَّان \" هُوَ يَحْيَى بْن سَعِيد بْن حِبَّان وَالسَّنَد كُلّه كُوفِيُّونَ إِلَّا إِسْحَاق وَابْن عُمَر. ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت عُمَر عَلَى مِنْبَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا اِقْتَصَرَ مِنْ الْحَدِيث عَلَى هَذَا الْقَدْر لِكَوْنِهِ الَّذِي يَحْتَاج إِلَيْهِ هُنَا وَهُوَ ذِكْر الْمِنْبَر وَتَقَدَّمَ فِي الْأَشْرِبَة مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ أَبِي حَيَّان , فَزَادَ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر , وَهِيَ مِنْ خَمْسَة أَشْيَاء , الْحَدِيث وَمَضَى هُنَاكَ مَشْرُوحًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6793",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ‏ ‏خَطَبَنَا عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنِي السَّائِب بْن يَزِيد ) ‏ ‏هُوَ الصَّحَابِيُّ الْمَعْرُوفُ , وَتَقَدَّمَ لَهُ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَان بْن عَفَّانَ خَطِيبًا عَلَى مِنْبَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَكَذَا اِقْتَصَرَ مِنْ الْحَدِيث عَلَى هَذَا الْقَدْر , وَبَيَّضَ لَهُ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه فَذَكَرَ مَا عِنْد الْبُخَارِيّ فَقَطْ , وَلَمْ يُوصِلهُ مِنْ طَرِيقه وَلَا مِنْ غَيْرهَا , وَقَوْله \" خَطِيبًا \" هُوَ حَال مِنْ عُثْمَان , وَفِي بَعْض الرِّوَايَات \" خَطَبَنَا \" بِنُونِ لَفْظ الْفِعْل الْمَاضِي , وَبَقِيَّة الْحَدِيث أَوْهَمَ صَنِيع الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّهُ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْأَذَانِ الَّذِي زَادَهُ عُثْمَان , فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ هُنَا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء يَتَعَلَّق بِخُطْبَةِ عُثْمَان عَلَى الْمِنْبَر , وَالْحَقّ أَنَّهُ حَدِيث آخَر , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْد فِي \" كِتَاب الْأَمْوَال \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ , فَزَادَ فِيهِ يَقُول \" هَذَا شَهْر زَكَاتكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْن فَلْيُؤَدِّهِ \" الْحَدِيث , وَهُوَ فِي أَوَاخِر الرُّبْع الرَّابِع مِنْهُ , وَنَقَلَ فِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد أَنَّهُ أَرَادَ شَهْر رَمَضَان , قَالَ أَبُو عُبَيْد وَجَاءَ مِنْ وَجْه آخَر أَنَّهُ شَهْر اللَّه الْمُحَرَّم. قُلْت : وَقَعَ قَرِيب مِنْ ذَلِكَ فِي حَدِيث أَنَس مِنْ وَجْه ضَعِيف , وَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي جُزْء الْفَلَكِيّ بِلَفْظِ \" كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا دَخَلَ شَعْبَان أَكَبُّوا عَلَى الْمَصَاحِف , وَأَخْرَجُوا الزَّكَاة , وَدَعَا الْوُلَاة أَهْل السُّجُون \" الْحَدِيث مَوْقُوف. قَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ سُنَّة مُتَّبَعَة بِأَنَّ الْخَلِيفَة يَخْطُب عَلَى الْمِنْبَر فِي الْأُمُور الْمُهِمَّة , لَا يُخَافِتهَا لِتَصِل الْمَوْعِظَة إِلَى أَسْمَاع النَّاس إِذَا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ اِنْتَهَى. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمِنْبَر النَّبَوِيّ بَقِيَ إِلَى ذَلِكَ الْعَهْد وَلَمْ يَتَغَيَّر بِزِيَادَةٍ وَلَا نَقْص , وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْره أَنَّهُ بَقِيَ بَعْد ذَلِكَ زَمَانًا آخَر. ‏"
    },
    {
        "id": "6794",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏كَانَ يُوضَعُ لِي وَلِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏الْمِرْكَنُ ‏ ‏فَنَشْرَعُ فِيهِ جَمِيعًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد الْأَعْلَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الْأَعْلَى السَّامِيُّ بِالْمُهْمَلَةِ الْبَصْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( هَذَا الْمِرْكَن ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفَتْح الْكَاف بَعْدهَا نُون , قَالَ الْخَلِيل شِبْه تَوْر مِنْ آدَم , وَقَالَ غَيْره شِبْه حَوْض مِنْ نُحَاس , وَأَبْعَدَ مَنْ فَسَّرَهُ بِالْإِجَّانَةِ بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَتَشْدِيد الْجِيم ثُمَّ نُون ; لِأَنَّهُ فَسَّرَ الْغَرِيب بِمِثْلِهِ , وَالْإِجَّانَة هِيَ الَّتِي يُقَال لَهَا الْقِصْرِيَّة وَهِيَ بِكَسْرِ الْقَاف , وَقَوْلهَا \" فَنَشْرَع فِيهِ جَمِيعًا \" أَيْ نَتَنَاوَل مِنْهُ بِغَيْرِ إِنَاء , وَأَصْله الْوُرُود لِلشُّرْبِ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي كُلّ حَالَة يَتَنَاوَل فِيهَا الْمَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ مَعَ شَرْح الْحَدِيث فِي \" كِتَاب الطَّهَارَة \" قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ سُنَّة مُتَّبَعَة لِبَيَانِ مِقْدَار مَا يَكْفِي الزَّوْج وَالْمَرْأَة إِذَا اِغْتَسَلَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6795",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَالَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏وَقُرَيْشٍ ‏ ‏فِي دَارِي الَّتِي ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏وَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي سُلَيْمٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس مِنْ رِوَايَة عَاصِم الْأَحْوَل عَنْهُ فِي الْمُخَالَفَة بَيْن قُرَيْش وَالْأَنْصَار , وَفِي الْقُنُوت شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أَحْيَاء مِنْ بَنِي سَلِيم , وَقَدْ اِخْتَصَرَهُ مِنْ حَدِيثَيْنِ كُلّ مِنْهُمَا أَتَمّ مِمَّا ذَكَرَهُ هُنَا , وَقَدْ مَضَى شَرْح الْأَوَّل فِي \" كِتَاب الْأَدَب \" وَبَيَان الْفَرْق بَيْن الْإِخَاء وَالْحِلْف , وَمَضَى شَرْح الثَّانِي فِي \" كِتَاب الْوِتْر \" وَفِيهِ بَيَان الْوَقْت وَالسَّبَب الَّذِي قَنَتَ فِيهِ , وَمَضَى فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة بِئْر مَعُونَة بَيَان أَسْمَاء الْأَحْيَاء الْمَذْكُورِينَ مِنْ بَنِي سَلِيم. ‏"
    },
    {
        "id": "6796",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو كُرَيْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بُرَيْدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏قَالَ قَدِمْتُ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏ ‏فَلَقِيَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏فَقَالَ لِي ‏ ‏انْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِلِ ‏ ‏فَأَسْقِيَكَ فِي قَدَحٍ شَرِبَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَتُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَسَقَانِي سَوِيقًا وَأَطْعَمَنِي تَمْرًا وَصَلَّيْتُ فِي مَسْجِدِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( بُرَيْد ) ‏ ‏بِمُوَحَّدَةٍ وَرَاء مُهْمَلَة اِبْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي بُرْدَة بْن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( قَدِمْت الْمَدِينَة فَلَقِيَنِي عَبْد اللَّه بْن سَلَام ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد عَبْد الرَّزَّاق بَيَان سَبَب قُدُوم أَبِي بُرْدَة إِلَى الْمَدِينَة وَبَيَان زَمَان قُدُومه , فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِي بُرْدَة قَالَ : أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى عَبْد اللَّه بْن سَلَام لِأَتَعَلَّمَ مِنْهُ فَسَأَلَنِي مَنْ أَنْتَ فَأَخْبَرْته فَرَحَّبَ بِي. ‏ ‏قَوْله ( اِنْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِل ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" مَعِي \" وَالْأَلِف وَاللَّام بَدَل مِنْ الْإِضَافَة , أَيْ تَعَالَ مَعِي إِلَى مَنْزِلِي , وَقَدْ مَضَى فِي مَنَاقِب عَبْد اللَّه بْن سَلَام مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي بُرْدَة \" أَتَيْت الْمَدِينَة فَلَقِيت عَبْد اللَّه بْنَ سَلَام , فَقَالَ : أَلَا تَجِيء فَأُطْعِمك وَتَدْخُل فِي بَيْتِي \". ‏ ‏قَوْله ( فَانْطَلَقْت مَعَهُ فَأَسْقَانِي سَوِيقًا وَأَطْعَمَنِي تَمْرًا ) ‏ ‏قَدْ مَضَى فِي مَنَاقِب عَبْد اللَّه بْن سَلَام مِنْ طَرِيق سَعِيد بْنِ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ \" أَلَا تَجِيء فَأُطْعِمك سَوِيقًا وَتَمْرًا \" فَكَأَنَّهُ اِسْتَعْمَلَ الْإِطْعَام بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيل عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاء , لِأَنَّهُ إِمَّا مِنْ الِاكْتِفَاء وَإِمَّا مِنْ التَّضْمِين , وَلَا يَحْتَاج لِذَلِكَ هُنَا لِأَنَّ الطَّعَام يُسْتَعْمَل فِي الْأَكْل وَالشُّرْب , وَقَدْ بَيَّنَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَنَّهُ أَسْقَاهُ السَّوِيق. ‏ ‏قَوْله ( وَصَلَّيْت فِي مَسْجِده ) ‏ ‏زَادَ فِي مَنَاقِب عَبْد اللَّه بْن سَلَام ذِكْر الرِّبَا وَأَنَّ مَنْ اِقْتَرَضَ قَرْضًا فَتَقَاضَاهُ إِذَا حَلَّ فَأَهْدَى لَهُ الْمَدْيُون هَدِيَّة كَانَتْ مِنْ جُمْلَة الرِّبَا , وَتَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ , وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة أَيْضًا , كَمَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي كُرَيْب شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ عَنْ الَّذِي تَقَدَّمَ , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي أَحْمَد مُحَمَّد بْن يُوسُف السَّكَنْدَرِيّ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ , وَقَدْ جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَاف بِمَا قُلْته فَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ حَذَفَهَا وَثَبَتَ فِي رِوَايَة سَعِيد الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا نَحْو ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6797",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عِكْرِمَةُ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي وَهُوَ ‏ ‏بِالْعَقِيقِ ‏ ‏أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُمَر \" صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَك \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الْحَجّ \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ هَارُون بْن إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا عَلِيُّ عُمْرَة فِي حَجَّة ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ هَارُون خَالَفَ سَعِيد بْن الرَّبِيع فِي قَوْله فِي آخِره \" وَقُلْ عُمْرَة وَحَجَّة \" بِوَاوِ الْعَطْف فَقَالَ عُمَر فِي حَجَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ مِنْ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير شَيْخ عَلِيّ بْن الْمُبَارَك فِيهِ بِلَفْظِ \" عُمْرَة فِي حَجَّة \" وَرِوَايَة هَارُون هَذِهِ وَقَعَتْ لَنَا مَوْصُولَة فِي مُسْنَد عَبْد بْنِ حُمَيْدٍ , وَفِي أَخْبَار الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة لِعُمَر بْن شَبَّة كِلَاهُمَا عَنْ هَارُون بْن إِسْمَاعِيل الْخَزَّاز بِمُعْجَمَاتٍ , وَيَجُوز فِي قَوْله عُمْرَة وَحَجَّة الرَّفْع وَالنَّصْب. ‏"
    },
    {
        "id": "6798",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏وَقَّتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَرْنًا ‏ ‏لِأَهْلِ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏وَالْجُحْفَةَ ‏ ‏لِأَهْلِ ‏ ‏الشَّأْمِ ‏ ‏وَذَا الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏لِأَهْلِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَلِأَهْلِ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏يَلَمْلَمُ ‏ ‏وَذُكِرَ ‏ ‏الْعِرَاقُ ‏ ‏فَقَالَ لَمْ يَكُنْ ‏ ‏عِرَاقٌ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْمَوَاقِيت تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا , وَبَيَان مَنْ بَلَّغَ اِبْن عُمَر مِيقَات يَلَمْلَم. ‏ ‏وَ \" مُحَمَّد بْن يُوسُف \" ‏ ‏شَيْخه فِيهِ هُوَ الْفِرْيَابِيّ. وَشَيْخه ‏ ‏\" سُفْيَان \" ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ وَقَوْله فِي آخِره ‏ ‏\" وَذُكِرَ الْعِرَاق , فَقَالَ لَمْ يَكُنْ عِرَاق يَوْمَئِذٍ \" ‏ ‏\" ذُكِرَ \" بِضَمِّ أَوَّله مَبْنِيّ لِلْمَجْهُولِ وَلَمْ يُسَمَّ , وَالْمُجِيب هُوَ اِبْن عُمَر , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" فَقِيلَ لَهُ الْعِرَاق قَالَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ عِرَاق \" وَقَوْله \" لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ \" أَيْ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ بِلَاد الْعِرَاق كُلّهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْت كَانَتْ بِأَيْدِي كِسْرَى وَعُمَّاله مِنْ الْفُرْس وَالْعَرَب فَكَأَنَّهُ قَالَ لَمْ يَكُنْ أَهْل الْعِرَاق مُسْلِمِينَ حِينَئِذٍ حَتَّى يُوَقِّت لَهُمْ وَيُعَكِّر عَلَى هَذَا الْجَوَاب ذِكْر أَهْل الشَّام فَلَعَلَّ مُرَاد اِبْن عُمَر نَفْي الْعِرَاقَيْنِ وَهُمَا الْمِصْرَانِ الْمَشْهُورَانِ الْكُوفَة وَالْبَصْرَة وَكُلّ مِنْهُمَا إِنَّمَا صَارَ مِصْرًا جَامِعًا بَعْد فَتْح الْمُسْلِمِينَ بِلَاد الْفُرْس ‏"
    },
    {
        "id": "6799",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفُضَيْلُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ أُرِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ ‏ ‏بِذِي الْحُلَيْفَةِ ‏ ‏فَقِيلَ لَهُ إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أُرِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسه بِذِي الْحُلَيْفَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الْحَجّ \" وَبَقِيَّته تُوَافِق حَدِيث عُمَر الْمَذْكُور قَبْله بِحَدِيثٍ , قَالَ اِبْن بَطَّال : عَنْ الْمُهَلَّب غَرَض الْبُخَارِيّ بِهَذَا الْبَاب وَأَحَادِيثه تَفْضِيل الْمَدِينَة بِمَا خَصَّهَا اللَّه بِهِ مِنْ مَعَالِم الدِّين , وَأَنَّهَا دَار الْوَحْي مَهْبِط الْمَلَائِكَة بِالْهُدَى وَالرَّحْمَة , وَشَرَّفَ اللَّهُ بُقْعَتهَا بِسُكْنَى رَسُوله , وَجَعَلَ فِيهَا قَبْره وَمِنْبَره وَبَيْنهمَا رَوْضَة مِنْ رِيَاض الْجَنَّة , ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِمَا تَقَدَّمَ نَقْله عَنْهُ , وَالْبَحْث فِيهِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته , وَحَذَفْت مَا بَعْد الْحَدِيث الْعَاشِر مِنْ كَلَامه لِقِلَّةِ جَدْوَاهُ , وَقَدْ ظَهَرَ عِنْوَانه فِيمَا ذَكَرْته عَنْهُ فِي الْأَحَادِيث الْعَشَرَة الْأُولَى وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق , وَفَضْل الْمَدِينَة ثَابِت لَا يَحْتَاج إِلَى إِقَامَة دَلِيل خَاصّ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيث فِي فَضْلهَا فِي آخِر الْحَجّ مَا فِيهِ شِفَاء , وَإِنَّمَا الْمُرَاد هُنَا تَقَدُّم أَهْلهَا فِي الْعِلْم عَلَى غَيْرهمْ , فَإِنْ كَانَ الْمُرَاد بِذَلِكَ تَقْدِيمهمْ فِي بَعْض الْأَعْصَار , وَهُوَ الْعَصْر الَّذِي كَانَ فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقِيمًا بِهَا فِيهِ وَالْعَصْر الَّذِي بَعْده مِنْ قَبْل أَنْ يَتَفَرَّق الصَّحَابَة فِي الْأَمْصَار , فَلَا شَكّ فِي تَقْدِيم الْعَصْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى غَيْرهمْ وَهُوَ الَّذِي يُسْتَفَاد مِنْ أَحَادِيث الْبَاب وَغَيْرهَا , وَإِنْ كَانَ الْمُرَاد اِسْتِمْرَار ذَلِكَ لِجَمِيعِ مَنْ سَكَنَهَا فِي كُلّ عَصْر فَهُوَ مَحَلّ النِّزَاع , وَلَا سَبِيل إِلَى تَعْمِيم الْقَوْل بِذَلِكَ , لِأَنَّ الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة مِنْ بَعْد زَمَن الْأَئِمَّة الْمُجْتَهِدِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِالْمَدِينَةِ مَنْ فَاقَ وَاحِدًا مِنْ غَيْرهَا فِي الْعِلْم وَالْفَضْل فَضْلًا عَنْ جَمِيعهمْ , بَلْ سَكَنَهَا مِنْ أَهْل الْبِدْعَة الشَّنْعَاء مَنْ لَا يُشَكّ فِي سُوء نِيَّته وَخُبْث طَوِيَّته كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6800",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فِي الْأَخِيرَةِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ الْعَنْ ‏ ‏فُلَانًا وَفُلَانًا ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك ‏ ‏و \" سَالِم \" ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حِبَّان بْن مُوسَى عَنْ اِبْن الْمُبَارَك فِي تَفْسِير آل عِمْرَان \" حَدَّثَنِي سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر \". ‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِي صَلَاة الْفَجْر , وَرَفَعَ رَأْسه ) ‏ ‏الْجُمْلَة حَالِيَّة , أَيْ قَالَ ذَلِكَ حَال رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوع. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اللَّهُمَّ رَبّنَا وَلَك الْحَمْد ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ جَعَلَ ذَلِكَ الْقَوْل كَالْفِعْلِ اللَّازِم , أَيْ يَفْعَل الْقَوْل الْمَذْكُور أَوْ هُنَاكَ شَيْء مَحْذُوف. قُلْت : لَمْ يَذْكُر تَقْدِيره وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِمَعْنَى قَائِلًا , أَوْ لَفْظ قَالَ الْمَذْكُور زَائِدًا , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة حِبَّان بْن مُوسَى بِلَفْظِ \" أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ رَأْسه مِنْ الرُّكُوع فِي الرَّكْعَة الْأَخِيرَة مِنْ صَلَاة الْفَجْر يَقُول اللَّهُمَّ \" وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَحَلّ الْقُنُوت عِنْد رَفْع الرَّأْس مِنْ الرُّكُوع لَا قَبْل الرُّكُوع , وَقَوْله \" قَالَ اللَّهُمَّ رَبّنَا وَلَك الْحَمْد \" مُعَيَّن لِكَوْنِ الرَّفْع مِنْ الرُّكُوع لِأَنَّهُ ذِكْر الِاعْتِدَال , وَقَوْله \" فِي الْأَخِيرَة \" أَيْ الرَّكْعَة الْأَخِيرَة وَهِيَ الثَّانِيَة مِنْ صَلَاة الصُّبْح , كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة حِبَّان بْن مُوسَى وَظَنَّ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ قَوْله فِي الْآخِرَة مُتَعَلِّق بِالْحَمْدِ , وَأَنَّهُ بَقِيَّة الذِّكْر الَّذِي قَالَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِاعْتِدَال , فَقَالَ فَإِنْ قُلْت مَا وَجْه التَّخْصِيص بِالْآخِرَةِ مَعَ أَنَّ لَهُ الْحَمْد فِي الدُّنْيَا , ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ نَعِيم الْآخِرَة أَشْرَف , فَالْحَمْد عَلَيْهِ هُوَ الْحَمْد حَقِيقَة , أَوْ الْمُرَاد بِالْآخِرَةِ الْعَاقِبَة أَيْ مَآل كُلّ الْحُمُود إِلَيْهِ اِنْتَهَى. وَلَيْسَ لَفْظ \" فِي الْآخِرَة \" مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ هُوَ مِنْ كَلَام اِبْن عُمَر , ثُمَّ يُنْظَر فِي جَمْعه الْحَمْد عَلَى حُمُود , ‏ ‏قَوْله ( فُلَانًا وَفُلَانًا ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يَعْنِي رَعْلًا وَذَكْوَان وَوَهَمَ فِي ذَلِكَ , وَإِنَّمَا سَمَّى نَاسًا بِأَعْيَانِهِمْ لَا الْقَبَائِل كَمَا بَيَّنْته فِي تَفْسِير آل عِمْرَان. ‏"
    },
    {
        "id": "6801",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَرَقَهُ ‏ ‏وَفَاطِمَةَ ‏ ‏عَلَيْهَا السَّلَام ‏ ‏بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُمْ ‏ ‏أَلَا تُصَلُّونَ فَقَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا ثُمَّ سَمِعَهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهُوَ يَقُولُ ‏ { ‏وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ‏} ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏يُقَالُ مَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ وَيُقَالُ ‏ { ‏الطَّارِقُ ‏} ‏النَّجْمُ وَ ‏ { ‏الثَّاقِبُ ‏} ‏الْمُضِيءُ يُقَالُ أَثْقِبْ نَارَكَ لِلْمُوقِدِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( طَرَقَهُ وَفَاطِمَة ) ‏ ‏زَادَ شُعَيْب \" لَيْلَة \" ‏ ‏قَوْله ( أَلَا تُصَلُّونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" أَلَا تُصَلِّيَانِ \" بِالتَّثْنِيَةِ , وَالْأَوَّل مَحْمُول عَلَى ضَمّ مَنْ يَتْبَعهُمَا إِلَيْهِمَا أَوْ لِلتَّعْظِيمِ أَوْ لِأَنَّ أَقَلّ الْجَمْع اِثْنَانِ , وَقَوْله \" حِين قَالَ لَهُ ذَلِكَ \" فِيهِ اِلْتِفَات , وَمَضَى فِي رِوَايَة شُعَيْب بِلَفْظِ \" حِين قُلْت لَهُ \" وَكَذَا قَوْله \" سَمِعَهُ \" فِي رِوَايَة شُعَيْب \" سَمِعْته \" وَقَوْله \" وَهُوَ مُدْبِرٌ \" بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْمُوَحَّدَة أَيْ مُوَلٍّ بِتَشَدُّدِ اللَّام كَمَا فِي رِوَايَة شُعَيْب , وَوَقَعَ هُنَا عِنْد الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَهُوَ مُنْصَرِف \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمُصَنِّف ( يُقَال مَا أَتَاك لَيْلًا فَهُوَ طَارِق ) كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَسَقَطَ لِلنَّسَفِيِّ وَثَبَتَ لِلْبَاقِينَ لَكِنْ بِدُونِ \" يُقَال \" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي سُورَة الطَّارِق. ‏"
    },
    {
        "id": "6802",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏انْطَلِقُوا إِلَى ‏ ‏يَهُودَ ‏ ‏فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا ‏ ‏بَيْتَ الْمِدْرَاسِ ‏ ‏فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَادَاهُمْ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ ‏ ‏يَهُودَ ‏ ‏أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا فَقَالُوا قَدْ بَلَّغْتَ يَا ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏قَالَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَلِكَ أُرِيدُ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا فَقَالُوا قَدْ بَلَّغْتَ يَا ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَلِكَ أُرِيدُ ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ فَقَالَ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَعِيد ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( بَيْت الْمِدْرَاس ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" كِتَاب الْإِكْرَاه \" قَرِيبًا , وَقَوْله فِي آخِره \" ذَلِكَ أُرِيدَ \" بِضَمِّ أَوَّله بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَة مِنْ الْإِرَادَة : أَيْ أُرِيدَ أَنْ تُقِرُّوا بِأَنِّي بَلَّغْت , لِأَنَّ التَّبْلِيغ هُوَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيّ فِيمَا ذَكَرَهُ الْقَابِسِيّ بِفَتْحِ أَوَّله وَبِزَايٍ مُعْجَمَة , وَأَطْبَقُوا عَلَى أَنَّهُ تَصْحِيف لَكِنْ وَجَّهَهُ بَعْضهمْ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أُكَرِّرُ مَقَالَتِي مُبَالَغَة فِي التَّبْلِيغ , قَالَ الْمُهَلَّب : بَعْد أَنْ قَرَّرَ أَنَّهُ يَتَعَلَّق بِالرُّكْنِ الثَّانِي مِنْ التَّرْجَمَة وَجْه ذَلِكَ أَنَّهُ بَلَّغَ الْيَهُود وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَام وَالِاعْتِصَام بِهِ , فَقَالُوا بَلَّغْت وَلَمْ يُذْعِنُوا لِطَاعَتِهِ فَبَالَغَ فِي تَبْلِيغهمْ وَكَرَّرَهُ , وَهَذِهِ مُجَادَلَة بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن , وَهُوَ فِي ذَلِكَ مُوَافِق لِقَوْلِ مُجَاهِد أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ لَمْ يُؤْمِن مِنْهُمْ وَلَهُ عَهْد , أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ , وَعَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ قَالَ : الْمُرَاد \" مِمَّنْ ظَلَمَ مِنْهُمْ \" مَنْ اِسْتَمَرَّ عَلَى أَمْره , وَعَنْ قَتَادَةَ هِيَ مَنْسُوخَة بِآيَةِ السَّيْف اِنْتَهَى , وَاَلَّذِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ مُجَاهِد \" إِنْ قَالُوا شَرًّا فَقُولُوا خَيْرًا إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَانْتَصِرُوا مِنْهُمْ \" وَبِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْف \" قَالَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ مَنْ قَاتَلَ وَلَمْ يُعْطِ الْجِزْيَة \" وَأَخْرَجَ بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : هُمْ أَهْل الْحَرْب مَنْ لَا عَهْد لَهُ جَادِلْهُ بِالسَّيْفِ , وَمِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ الْمُرَاد : مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب نَهَى عَنْ مُجَادَلَتهمْ فِيمَا يُحَدِّثُونَ بِهِ مِنْ الْكِتَاب , لَعَلَّهُ يَكُون حَقًّا لَا تَعْلَمهُ أَنْتَ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُجَادِل إِلَّا الْمُقِيم مِنْهُمْ عَلَى دِينه , وَبِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ قَتَادَةَ هِيَ مَنْسُوخَة بِآيَةِ بَرَاءَة , أَنْ يُقَاتَلُوا حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه أَوْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَة , وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ قَوْل مَنْ قَالَ : الْمُرَاد مَنْ اِمْتَنَعَ مِنْ أَدَاء الْجِزْيَة , قَالَ : وَمَنْ أَدَّاهَا وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ بِاسْتِمْرَارِهِ عَلَى كُفْره , لَكِنَّ الْمُرَاد فِي هَذَا الْآيَة : مَنْ ظَلَمَ أَهْل الْإِسْلَام فَحَارَبَهُمْ وَامْتَنَعَ مِنْ الْإِسْلَام \" أَوْ بَذَلَ الْجِزْيَة وَرَدٌّ عَلَى مَنْ اِدَّعَى النَّسْخ , لِكَوْنِهِ لَا يَثْبُت إِلَّا بِدَلِيلٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ , وَحَاصِل مَا رَجَّحَهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِمُجَادَلَةِ أَهْل الْكِتَاب بِالْبَيَانِ وَالْحُجَّة بِطَرِيقِ الْإِنْصَاف مِمَّنْ عَانَدَ مِنْهُمْ , فَمَفْهُوم الْآيَة : جَوَاز مُجَادَلَته بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَن وَهِيَ الْمُجَادَلَة بِالسَّيْفِ وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6803",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُجَاءُ ‏ ‏بِنُوحٍ ‏ ‏يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ ‏ ‏هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ يَا رَبِّ فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ فَيَقُولُ مَنْ شُهُودُكَ فَيَقُولُ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَأُمَّتُهُ فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ‏} ‏قَالَ عَدْلًا ‏ { ‏لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ‏} ‏وَعَنْ ‏ ‏جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَذَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة ) ‏ ‏قَالَ الْأَعْمَش هُوَ بِحَذْفِ \" قَالَ \" الثَّانِيَة وَقَوْله فِي آخِره \" وَعَنْ جَعْفَر بْن عَوْن \" هُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله \" أَبُو أُسَامَة \" وَالْقَائِل هُوَ إِسْحَاق بْن مَنْصُور فَرَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي أُسَامَة بِصِيغَةِ التَّحْدِيث , وَعَنْ جَعْفَر بْن عَوْن بِالْعَنْعَنَةِ , وَهَذَا مُقْتَضَى صَنِيع صَاحِب الْأَطْرَاف وَأَمَّا أَبُو نُعَيْم فَجَزَمَ بِأَنَّ رِوَايَة جَعْفَر بْن عَوْن مُعَلَّقَة , فَقَالَ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي مَسْعُود الرَّاوِي عَنْ أَبِي أُسَامَة وَحْده , وَمِنْ طَرِيق بُنْدَار \" عَنْ جَعْفَر بْن عَوْن \" وَحْده , أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ إِسْحَاق بْن مَنْصُور بْن أَبِي أُسَامَة , وَذَكَرَهُ عَنْ جَعْفَر اِبْنُ عَوْن بِلَا وَاسِطَة اِنْتَهَى , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة بُنْدَار وَقَالَ إِنَّهُ مُخْتَصَر , وَأَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش مُطَوَّلًا , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة مَقْرُونَة بِرِوَايَةِ جَرِير بْن عَبْد الْحَمِيد فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة , وَسَاقَهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظ جَرِير , وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ , وَفِيهِ بَيَان أَنَّ الشَّهَادَة لَا تَخُصّ قَوْمَ نُوح بَلْ تَعُمّ الْأُمَمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6804",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَخِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏يُحَدِّثُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏وَأَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏حَدَّثَاهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏أَخَا ‏ ‏بَنِي عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ ‏ ‏وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَكُلُّ تَمْرِ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏هَكَذَا قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنْ الْجَمْعِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَفْعَلُوا وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَخِيهِ ) ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْر وَاسْمه عَبْد الْحَمِيد , وَلِإِسْمَاعِيل فِي هَذَا الْحَدِيث شَيْخ آخَر كَمَا تَقَدَّمَ فِي آخَر غَزْوَة خَيْبَر عَنْ إِسْمَاعِيل عَنْ مَالِك , وَنَزَلَ إِسْمَاعِيل فِي هَذَا السَّنَد دَرَجَة , ‏ ‏و \" سُلَيْمَان \" ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال ‏ ‏و \" عَبْد الْمَجِيد \" ‏ ‏بِتَقْدِيمِ الْمِيم عَلَى الْجِيم , وَذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّ سُلَيْمَان سَقَطَ مِنْ أَصْل الْفَرَبْرِيّ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو زَيْد الْمَرْوَزِيُّ , قَالَ : وَالصَّوَاب إِثْبَاته فَإِنَّهُ لَا يَتَّصِل السَّنَد إِلَّا بِهِ , وَقَدْ ثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن مَعْقِل النَّسَفِيِّ , قَالَ : وَكَذَا لَمْ يَكُنْ فِي كِتَاب اِبْن السَّكَن , وَلَا عِنْد أَبِي أَحْمَد الْجُرْجَانِيّ قُلْت : وَهُوَ ثَابِت عِنْدنَا فِي النُّسْخَة الْمُعْتَمَدَة مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ شُيُوخه الثَّلَاثَة عَنْ الْفَرَبْرِيّ , وَكَذَا فِي سَائِر النُّسَخ الَّتِي اِتَّصَلَتْ لَنَا عَنْ الْفَرَبْرِيّ , فَكَأَنَّهَا سَقَطَتْ مِنْ نُسْخَة أَبِي زَيْد فَظَنَّ سُقُوطهَا مِنْ أَصْل شَيْخه , وَقَدْ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج بِأَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَهُ عَنْ إِسْمَاعِيل عَنْ أَخِيهِ عَنْ سُلَيْمَان , وَهُوَ يَرْوِيه عَنْ أَبِي أَحْمَد الْجُرْجَانِيّ عَنْ الْفَرَبْرِيّ. وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن السَّكَن فَلَمْ أَقِف عَلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله ( بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن النَّجَّار بَطْن مِنْ الْأَوْس , وَاسْم هَذَا الْمَبْعُوث \" سَوَاد \" بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْوَاو \" اِبْن غَزِيَّةَ \" بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة كَسْر الزَّاي مُشَدَّدًا , وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِر الْبُيُوع وَتَقَدَّمَ شَرْح الْمَتْن فِي الْمَغَازِي , وَفِي هَذَا السِّيَاق هُنَا زِيَادَة قَوْله \" وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ أَوْ بِيعُوا هَذَا \" إِلَى آخِره , وَالْمَذْكُور هُنَاكَ قَوْله \" وَلَكِنْ بِعْ \" إِلَى آخِره , وَمُطَابَقَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّ الصَّحَابِيّ اِجْتَهَدَ فِيمَا فَعَلَ فَرَدَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَهَاهُ عَمَّا فَعَلَ وَعَذَرَهُ لِاجْتِهَادِهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُقْبَة بْن عَبْد الْغَافِر عَنْ أَبِي سَعِيد فِي غَيْر هَذِهِ الْقِصَّة لَكِنْ فِي نَظِير الْحُكْم , فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّهْ , عَيْن الرِّبَا لَا تَفْعَل. ‏"
    },
    {
        "id": "6805",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ الْمَكِّيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قَيْسٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ ‏ ‏قَالَ فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ‏ ‏أَبَا بَكْرِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ‏ ‏فَقَالَ هَكَذَا حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن الْحَارِث ) ‏ ‏هُوَ التَّيْمِيُّ تَابِعِيّ مَدَنِيّ ثِقَة مَشْهُور وَلِأَبِيهِ صُحْبَة , ‏ ‏\" وَبُسْر \" ‏ ‏بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة ‏ ‏\" وَأَبُو قَيْس \" ‏ ‏مَوْلَى عَمْرو بْن الْعَاصِ لَا يُعْرَف اِسْمه كَذَا قَالَهُ الْبُخَارِيّ وَتَبِعَهُ الْحَاكِم أَبُو أَحْمَد , وَجَزَمَ اِبْن يُونُس فِي تَارِيخ مِصْر بِأَنَّهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن ثَابِت وَهُوَ أُعْرَف بِالْمِصْرِيِّينَ مِنْ غَيْره , وَنَقَلَ عَنْ مُحَمَّد بْن سَحْنُون أَنَّهُ سَمَّى أَبَاهُ الْحَكَم وَخَطَّأَهُ فِي ذَلِكَ , وَحَكَى الدِّمْيَاطِيّ أَنَّ اِسْمه سَعْد وَعَزَاهُ لِمُسْلِمٍ فِي الْكُنَى , وَقَدْ رَاجَعْت نُسَخًا مِنْ الْكُنَى لِمُسْلِمٍ فَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِيهَا , مِنْهَا نُسْخَة بِخَطِّ الدَّارَقُطْنِيِّ الْحَافِظ , وَقَرَأْت بِخَطِّ \" الْمُنْذِرِيِّ \" وَقَعَ عِنْد السَّبْتِيّ يَعْنِي اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه \" عَنْ أَبِي قَابُوس \" بَدَل أَبِي قَيْس كَذَا جَزَمَ بِهِ وَقَدْ رَاجَعْت عِدَّة نُسَخ مِنْ صَحِيح اِبْن حِبَّان فَوَجَدْت فِيهَا \" عَنْ أَبِي قَيْس \" إِحْدَاهَا صَحَّحَهَا اِبْن عَسَاكِر وَفِي السَّنَد أَرْبَعَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ , أَوَّلهمْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه وَهُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ الْهَادِ وَمَا لِأَبِي قَيْس فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا حَكَمَ الْحَاكِم فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَحْمَد \" فَأَصَابَ \" قَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَكَذَا وَقَعَ فِي الْحَدِيث بَدَأَ بِالْحُكْمِ قَبْل الِاجْتِهَاد , وَالْأَمْر بِالْعَكْسِ فَإِنَّ الِاجْتِهَاد يَتَقَدَّم الْحُكْم إِذْ لَا يَجُوز الْحُكْم قَبْل الِاجْتِهَاد اِتِّفَاقًا , لَكِنَّ التَّقْدِير فِي قَوْله \" إِذَا حَكَمَ \" إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْكُم فَعِنْد ذَلِكَ يَجْتَهِد , قَالَ وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ أَهْل الْأُصُول قَالُوا : يَجِب عَلَى الْمُجْتَهِد أَنْ يُجَدِّد النَّظَر عِنْد وُقُوع النَّازِلَة , وَلَا يَعْتَمِد عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَظْهَر لَهُ خِلَاف غَيْره اِنْتَهَى , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْفَاء تَفْسِيرِيَّة لَا تَعْقِيبِيَّة وَقَوْله \" فَأَصَابَ \" أَيْ صَادَفَ مَا فِي نَفْس الْأَمْر مِنْ حُكْم اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أَخْطَأَ ) ‏ ‏أَيْ ظَنَّ أَنَّ الْحَقّ فِي جِهَة , فَصَادَفَ أَنَّ الَّذِي فِي نَفْس الْأَمْر بِخِلَافِ ذَلِكَ , فَالْأَوَّل لَهُ أَجْرَانِ : أَجْر الِاجْتِهَاد وَأَجْر الْإِصَابَة. وَالْآخَر لَهُ أَجْر الِاجْتِهَاد فَقَطْ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى وُقُوع الْخَطَأ فِي الِاجْتِهَاد فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة \" إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضكُمْ أَنْ يَكُون أَلْحَن بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْض \" وَأَخْرَجَ لِحَدِيثِ الْبَاب سَبَبًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَمْرو بْن الْعَاصِ مِنْ طَرِيق وَلَده عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْهُ , \" قَالَ : جَاءَ رَجُلَانِ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَصِمَانِ فَقَالَ لِعَمْرو اِقْضِ بَيْنهمَا يَا عَمْرو , قَالَ : أَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنِّي يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : وَإِنْ كَانَ قَالَ فَإِذَا قَضَيْت بَيْنهمَا فَمَا لِي \" فَذَكَرَ نَحْوه لَكِنْ قَالَ : فِي الْإِصَابَة \" فَلَك عَشْرُ حَسَنَات \" وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر نَحْوه بِغَيْرِ قِصَّة بِلَفْظِ \" فَلَك عَشَرَة أُجُور \" وَفِي سَنَد كُلّ مِنْهُمَا ضَعْف , وَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْم مِنْ أُبْهِم فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ فَحَدَّثْت بِهَذَا الْحَدِيث أَبَا بَكْر بْن عَمْرو بْن حَزْم ) ‏ ‏الْقَائِل فَحَدَّثْت هُوَ \" يَزِيد بْن عَبْد اللَّه \" أَحَد رُوَاته , وَأَبُو بَكْر بْن عَمْرو نُسِبَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة لِجَدِّهِ وَهُوَ أَبُو بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم , وَثَبَتَ ذِكْره فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ رِوَايَة الدَّاوُدِيّ عَنْ يَزِيد , وَنَسَبَهُ فَقَالَ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن أُسَامَة بْن الْهَادِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏يُرِيدُ بِمِثْلِ حَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُطَّلِب ) ‏ ‏أَيْ اِبْن عَبْد اللَّه بْن حَنْطَب الْمَخْزُومِيّ قَاضِي الْمَدِينَة وَكُنْيَته أَبُو طَالِب وَهُوَ مِنْ أَقْرَان مَالِك وَمَاتَ قَبْله , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع الْوَاحِد الْمُعَلَّق , وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر هُوَ وَالِد الرَّاوِي الْمَذْكُور فِي السَّنَد الَّذِي قَبْله أَبُو بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم وَكَانَ قَاضِي الْمَدِينَة أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله \" عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" يُرِيد أَنَّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر خَالَفَ أَبَاهُ فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي سَلَمَة وَأَرْسَلَ الْحَدِيث الَّذِي وَصَلَهُ , وَقَدْ وَجَدْت لِيَزِيدَ بْن الْهَادِ فِيهِ مُتَابِعًا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَأَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيقه عَنْ مَعْمَر عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَذَكَرَ الْحَدِيث مِثْله بِغَيْرِ قِصَّة وَفِيهِ \" فَلَهُ أَجْرَانِ اِثْنَانِ \" قَالَ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ تَعَلَّقَ بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ قَالَ إِنَّ الْحَقّ فِي جِهَة وَاحِدَة لِلتَّصْرِيحِ بِتَخْطِئَةِ وَاحِد لَا بِعَيْنِهِ , قَالَ وَهِيَ نَازِلَة فِي الْخِلَاف عَظِيمَة , وَقَالَ الْمَازِرِيّ تَمَسَّكَ بِهِ كُلّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْحَقّ فِي طَرَفَيْنِ , وَمَنْ قَالَ إِنَّ كُلّ مُجْتَهِد مُصِيب , أَمَّا الْأُولَى فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلٌّ مُصِيبًا لَمْ يُطْلِق عَلَى أَحَدهمَا الْخَطَأ لِاسْتِحَالَةِ النَّقِيضَيْنِ فِي حَالَة وَاحِدَة ; وَأَمَّا الْمُصَوِّبَة فَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لَهُ أَجْرًا فَلَوْ كَانَ لَمْ يُصِبْ لَمْ يُؤْجَر , وَأَجَابُوا عَنْ إِطْلَاق الْخَطَأ فِي الْخَبَر عَلَى مَنْ ذَهَلَ عَنْ النَّصّ أَوْ اِجْتَهَدَ فِيمَا لَا يَسُوغ الِاجْتِهَاد فِيهِ مِنْ الْقَطْعِيَّات فِيمَا خَالَفَ الْإِجْمَاع فَإِنَّ مِثْل هَذَا إِنْ اُتُّفِقَ لَهُ الْخَطَأ فِيهِ نَسَخَ حُكْمه وَفَتْوَاهُ وَلَوْ اِجْتَهَدَ بِالْإِجْمَاعِ , وَهُوَ الَّذِي يَصِحّ عَلَيْهِ إِطْلَاق الْخَطَأ , وَأَمَّا مَنْ اِجْتَهَدَ فِي قَضِيَّة لَيْسَ فِيهَا نَصّ وَلَا إِجْمَاع فَلَا يُطْلَق عَلَيْهِ الْخَطَأ , وَأَطَالَ الْمَازِرِي ّفِي تَقْرِير ذَلِكَ وَالِانْتِصَار لَهُ , وَخَتَمَ كَلَامه بِأَنْ قَالَ إِنَّ مَنْ قَالَ إِنَّ الْحَقّ فِي طَرَفَيْنِ هُوَ قَوْل أَكْثَر أَهْل التَّحْقِيق مِنْ الْفُقَهَاء وَالْمُتَكَلِّمِينَ ; وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَإِنْ حَكَى عَنْ كُلّ مِنْهُمْ اِخْتِلَاف فِيهِ. قُلْت : وَالْمَعْرُوف عَنْ الشَّافِعِيّ الْأَوَّل , قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهِم : الْحُكْم الْمَذْكُور يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصّ بِالْحَاكِمِ بَيْن الْخَصْمَيْنِ , لِأَنَّ هُنَاكَ حَقًّا مُعَيَّنًا فِي نَفْس الْأَمْر يَتَنَازَعهُ الْخَصْمَانِ , فَإِذَا قَضَى بِهِ لِأَحَدِهِمَا بَطَلَ حَقّ الْآخِر قَطْعًا , وَأَحَدهمَا فِيهِ مُبْطِل لَا مَحَالَة , وَالْحَاكِم لَا يَطَّلِع عَلَى ذَلِكَ فَهَذِهِ الصُّورَة لَا يَخْتَلِف فِيهَا أَنَّ الْمُصِيب وَاحِد لِكَوْنِ الْحَقّ فِي طَرَف وَاحِد , وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصّ الْخِلَاف بِأَنَّ الْمُصِيب وَاحِد , إِذْ كُلُّ مُجْتَهِد مُصِيبٌ بِالْمَسَائِلِ الَّتِي يُسْتَخْرَج الْحَقّ مِنْهَا بِطَرِيقِ الدَّلَالَة , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : عِنْدِي فِي هَذَا الْحَدِيث فَائِدَة زَائِدَة حَامُوا عَلَيْهَا فَلَمْ يُسْقَوْا وَهِيَ : أَنَّ الْأَجْر عَلَى الْعَمَل الْقَاصِر عَلَى الْعَامِل وَاحِد , وَالْأَجْر عَلَى الْعَمَل الْمُتَعَدِّي يُضَاعَف , فَإِنَّهُ يُؤْجَر فِي نَفْسه وَيَنْجَرُّ لَهُ كُلُّ مَا يَتَعَلَّق بِغَيْرِهِ مِنْ جِنْسه فَإِذَا قَضَى بِالْحَقِّ وَأَعْطَاهُ لِمُسْتَحِقِّهِ ثَبَتَ لَهُ أَجْر اِجْتِهَاده وَجَرَى لَهُ مِثْل أَجْر مُسْتَحِقّ الْحَقّ , فَلَوْ كَانَ أَحَد الْخَصْمَيْنِ أَلْحَن بِحُجَّتِهِ مِنْ الْآخَر فَقَضَى لَهُ - وَالْحَقّ فِي نَفْس الْأَمْر لِغَيْرِهِ - كَانَ لَهُ أَجْر الِاجْتِهَاد فَقَطْ. قُلْت : وَتَمَامه أَنْ يُقَال : وَلَا يُؤَاخَذ بِإِعْطَاءِ الْحَقّ لِغَيْرِ مُسْتَحِقّه لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّد ذَلِكَ بَلْ وِزْر الْمَحْكُوم لَهُ قَاصِر عَلَيْهِ , وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ أَنْ يَبْذُل وُسْعه فِي الِاجْتِهَاد وَهُوَ مِنْ أَهْله , وَإِلَّا فَقَدْ يَلْحَق بِهِ الْوِزْر إِنْ أَخَلَّ بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6806",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ‏ ‏قَالَ اسْتَأْذَنَ ‏ ‏أَبُو مُوسَى ‏ ‏عَلَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولًا فَرَجَعَ فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏ائْذَنُوا لَهُ فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا قَالَ فَأْتِنِي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَقَالُوا لَا يَشْهَدُ إِلَّا أَصَاغِرُنَا فَقَامَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ‏ ‏فَقَالَ قَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا فَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلْهَانِي ‏ ‏الصَّفْقُ ‏ ‏بِالْأَسْوَاقِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6807",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏يَقُولُ أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى مِلْءِ بَطْنِي وَكَانَ ‏ ‏الْمُهَاجِرُونَ ‏ ‏يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ وَكَانَتْ ‏ ‏الْأَنْصَارُ ‏ ‏يَشْغَلُهُمْ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَشَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ذَاتَ يَوْمٍ وَقَالَ ‏ ‏مَنْ يَبْسُطْ رِدَاءَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي ثُمَّ يَقْبِضْهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي فَبَسَطْتُ بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيَّ فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة يُكْثِر الْحَدِيث ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَالِك \" إِنَّ النَّاس يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَة عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" كَانَ اِبْن شِهَاب يَذْكُر قِيلَ هَذَا حَدِيثه عَنْ عُرْوَة أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : أَلَا يُعْجِبك أَبُو هُرَيْرَة جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِب حُجْرَتِي يُحَدِّث , يُسْمِعُنِي ذَلِكَ وَلَوْ أَدْرَكْته لَرَدَدْت عَلَيْهِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَسْرُد الْحَدِيث كَسَرْدِكُمْ , فَذَكَرَ الْحَدِيث. ثُمَّ يَقُول : قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب \" قَالَ : يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَدْ أَكْثَرَ \" هَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب. وَحَدِيث عَائِشَة تَقَدَّمَ فِي التَّرْجَمَة النَّبَوِيَّة مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ يُونُس بْن يَزِيد مُعَلَّقًا , وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ , وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي الْجَنَائِز مِنْ طَرِيق جَرِير بْن حَازِم عَنْ نَافِع قَالَ \" حَدَّثَ اِبْن عُمَر أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة يَقُول \" فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي فَضْل اِتِّبَاع الْجَنَائِز فَقَالَ اِبْن عُمَر \" أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَة فَصَدَّقَتْ عَائِشَةُ أَبَا هُرَيْرَة \" أَيْ فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور , وَقَوْله \" عَلَى \" يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ \" يُكْثِرُ \" وَلَوْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ \" الْحَدِيث \" لَقَالَ عَنْ. ‏ ‏قَوْله ( وَاَللَّهُ الْمَوْعِدُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحهَا فِي \" كِتَاب الْمُزَارَعَة \" زَادَ شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة فِي رِوَايَته : وَيَقُولُونَ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , فِي رِوَايَة يُونُس عِنْد مُسْلِم مِثْل أَحَادِيثه وَزَادَ : سَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ فِي الْمُزَارَعَة نَحْو هَذَا وَنَبَّهْت عَلَى ذَلِكَ فِي \" كِتَاب الْعِلْم \". ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي كُنْت اِمْرَأً مِسْكِينًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم \" رَجُلًا \". ‏ ‏قَوْله ( أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم أَخْدُمُ. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى مِلْء بَطْنِي ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم وَبِهَمْزَةٍ آخِره أَيْ بِسَبَبِ شِبَعِي , أَيْ إِنَّ السَّبَب الْأَصْلِيّ الَّذِي اِقْتَضَى لَهُ كَثْرَة الْحَدِيث عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلَازَمَته لَهُ لِيَجِدَ مَا يَأْكُلهُ , لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْء يَتَّجِر فِيهِ , وَلَا أَرْض يَزْرَعهَا وَلَا يَعْمَل فِيهَا , فَكَانَ لَا يَنْقَطِع عَنْهُ خَشْيَة أَنْ يَفُوتهُ الْقُوت , فَيَحْصُل فِي هَذِهِ الْمُلَازَمَة مِنْ سَمَاع الْأَقْوَال وَرِوَايَة الْأَفْعَال مَا لَا يَحْصُل لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يُلَازِمهُ مُلَازَمَته , وَأَعَانَهُ عَلَى اِسْتِمْرَار حِفْظه لِذَلِكَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ الدَّعْوَة النَّبَوِيَّة لَهُ بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلهُمْ الصَّفْق بِالْأَسْوَاقِ ) ‏ ‏فِي وَرَايَة يُونُس \" وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنْ الْمُهَاجِرِينَ \". ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَتْ الْأَنْصَار يَشْغَلهُمْ الْقِيَام عَلَى أَمْوَالهمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة يُونُس \" وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنْ الْأَنْصَار كَانَ يَشْغَلهُمْ عَمَل أَرْضهمْ \" وَفِي رِوَايَة شُعَيْب \" عَمَل أَمْوَالهمْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ قَرِيبًا , وَزَادَ فِي رِوَايَة يُونُس \" فَيَشْهَد إِذَا غَابُوا وَيَحْفَظ إِذَا نَسُوا \". وَفِي رِوَايَة شُعَيْب \" وَكُنْت اِمْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِين الصُّفَّة أَعِي حَيْثُ يَنْسَوْنَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَشَهِدْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات يَوْم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" وَقَدْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث يُحَدِّثُهُ \". ‏ ‏قَوْله ( مَنْ يَبْسُط رِدَاءَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَنْ بَسَطَ \" بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ يَنْسَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَلَنْ يَنْسَى \" وَنَقَلَ اِبْن التِّين أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة \" فَلَنْ يَنْسَ \" بِالنُّونِ وَبِالْجَزْمِ , وَذَكَرَ أَنَّ الْقَزَّاز نَقَلَ عَنْ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ : أَنَّ مِنْ الْعَرَب مَنْ يَجْزِم بِلَنْ قَالَ : وَمَا وَجَدْت لَهُ شَاهِدًا , وَأَقَرَّهُ اِبْن التِّين وَمَنْ تَبِعَهُ , وَقَدْ ذَكَرَ غَيْره لِذَلِكَ شَاهِدًا وَهُوَ قَوْل الشَّاعِر : ‏ ‏لَنْ يَخِبْ الْيَوْم مِنْ رَجَائِك مَنْ ‏ ‏حَرَّكَ مِنْ دُون بَابك الْحَلَقَة ‏ ‏وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ يَصِحّ أَنْ يَكُون فِي الْأَصْل \" لَمْ \" الْجَازِمَة فَتَغَيَّرَتْ بِلَنْ , لَكِنْ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ الشَّاعِر قَصَدَ \" لَنْ \" لِكَوْنِهَا أَبْلَغ هُنَا فِي الْمَدْح مِنْ لَمْ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَتَقَدَّمَ فِي بَاب الْأَمْن مِنْ \" كِتَاب التَّعْبِير \" تَوْجِيه اِبْن مَالِك لِنَظِيرِ هَذَا فِي قَوْل \" لَنْ تُرَع \" وَحِكَايَته عَنْ الْكِسَائِيّ أَنَّ الْجَزْم بِلَنْ لُغَة لِبَعْضِ الْعَرَب , ‏ ‏قَوْله ( فَبَسَطْت بُرْدَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعَيْب \" نَمِرَة \" وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرهَا فِي أَوَّل الْبُيُوع , وَذَكَرَ فِي الْعِلْم بَيَان الِاخْتِلَاف فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" مَا نَسِيت شَيْئًا سَمِعْته مِنْهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6808",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏قَالَ رَأَيْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ‏ ‏ابْنَ الصَّائِدِ الدَّجَّالُ ‏ ‏قُلْتُ تَحْلِفُ بِاللَّهِ قَالَ ‏ ‏إِنِّي سَمِعْتُ ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن حُمَيْدٍ ) ‏ ‏هُوَ خُرَاسَانِيّ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو عَبْد اللَّه بْن مَنْدَهْ فِي رِجَال الْبُخَارِيّ , وَذَكَرَ اِبْن رَشِيد فِي فَوَائِد رِحْلَته , وَالْمِزِّيّ فِي التَّهْذِيب أَنَّ فِي بَعْض النُّسَخ الْقَدِيمَة مِنْ الْبُخَارِيّ \" حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن حُمَيْدٍ صَاحِب لَنَا \" حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيث وَعُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ فِي الْأَحْيَاء , وَذَكَرَ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي الْجَرْح وَالتَّعْدِيل \" حَمَّاد بْن حُمَيْدٍ \" نَزِيل عَسْقَلَان رَوَى عَنْ بِشْر بْن بَكْر وَأَبِي ضَمْرَة وَغَيْرهمَا وَسَمِعَ مِنْهُ أَبُو حَاتِم وَقَالَ شَيْخِي فَزَعَمَ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ فِي رِجَال الْبُخَارِيّ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيّ هُنَا وَهُوَ بَعِيد , وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم حَدِيث الْبَاب عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ بِلَا وَاسِطَة , وَهُوَ أَحَد الْأَحَادِيث الَّتِي نَزَلَ فِيهَا الْبُخَارِيّ عَنْ مُسْلِم , أَخْرَجَهَا مُسْلِم عَنْ شَيْخ وَأَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ بِوَاسِطَةٍ بَيْنه وَبَيْن ذَلِكَ الشَّيْخ وَهِيَ أَرْبَعَة أَحَادِيث لَيْسَ فِي الصَّحِيح غَيْرهَا بِطَرِيقِ التَّصْرِيح , وَفِيهِ عِدَّة أَحَادِيث نَحْو الْأَرْبَعِينَ مِمَّا يَتَنَزَّل مَنْزِلَة ذَلِكَ , وَقَدْ أَفْرَدْتهَا فِي جُزْء جَمَعْت مَا وَقَعَ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ ذَلِكَ فَكَانَ أَضْعَاف أَضْعَاف مَا وَقَعَ لِمُسْلِمٍ , وَذَلِكَ أَنَّ مُسْلِمًا فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَة بَاقٍ عَلَى الرِّوَايَة عَنْ الطَّبَقَة الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَة مِنْ شُيُوخه , وَأَمَّا الْبُخَارِيّ فَإِنَّهُ نَزَلَ فِيهَا عَنْ طَبَقَتِهِ الْعَالِيَة بِدَرَجَتَيْنِ , مِثَال ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْبُخَارِيّ إِذَا رَوَى حَدِيث شُعْبَة عَالِيًا كَانَ بَيْنه وَبَيْنه رَاوٍ وَاحِد , وَقَدْ أَدْخَلَ بَيْنه وَبَيْن شُعْبَة فِيهِ ثَلَاثَة , وَأَمَّا مُسْلِم فَلَا يَرْوِي حَدِيث شُعْبَة بِأَقَلّ مِنْ وَاسِطَتَيْنِ. وَالْحَدِيث الثَّانِي مِنْ الْأَرْبَعَة مَضَى فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْفَال , أَخْرَجَهُ عَنْ أَحْمَد وَعَنْ مُحَمَّد بْن النَّضْر النَّيْسَابُورِيَّيْنِ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ أَيْضًا عَنْ أَبِيهِ عَنْ شُعْبَة بِسَنَدٍ آخَر , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ نَفْسه. ‏ ‏وَالْحَدِيث الثَّالِث أَخْرَجَهُ فِي آخِر الْمَغَازِي عَنْ أَحْمَد بْن الْحَسَن التِّرْمِذِيّ عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ مُعْتَمِر بْنِ سُلَيْمَان عَنْ كَهْمَس بْن الْحَسَن عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ فِي عَدَد الْغَزَوَات , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَحْمَد بْنِ حَنْبَل بِهَذَا السَّنَد بِلَا وَاسِطَة. وَالْحَدِيث الرَّابِع وَقَعَ فِي \" كِتَاب كَفَّارَة الْأَيْمَان \" عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم , وَهُوَ الْحَافِظ الْمَعْرُوف بِصَاعِقَة عَنْ دَاوُدَ بْن رَشِيد عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ أَبِي غَسَّان مُحَمَّد بْن مُطَرِّف عَنْ زَيْد بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ بْن سَعِيد بْن مَرْجَانَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي فَضْل الْعِتْق , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ دَاوُدَ بْن رَشِيد نَفْسه وَهَذَا مِمَّا نَزَلَ فِيهِ الْبُخَارِيّ عَنْ طَبَقَته دَرَجَتَيْنِ , لِأَنَّهُ يَرْوِي حَدِيث بْنِ غَسَّان بِوَاسِطَةٍ وَاحِدَة كَسَعِيدِ بْن أَبِي مَرْيَم , وَهُنَا بَيْنهمَا ثَلَاث وَسَائِط , وَقَدْ أَشَرْت لِكُلِّ حَدِيث مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَة فِي مَوْضِعه , وَجَمَعْتهَا هُنَا تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ , وَعُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ أَيْ اِبْن مُعَاذ بْن نَصْر بْن حَسَّان الْعَنْبَرِيّ , وَسَعْد بْنُ إِبْرَاهِيم أَيْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَرِوَايَته عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر مِنْ الْأَقْرَان لِأَنَّهُ مِنْ طَبَقَته. ‏ ‏قَوْله ( رَأَيْت جَابِر بْن عَبْد اللَّه يَحْلِف ) ‏ ‏أَيْ شَاهَدْته حِين حَلَفَ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ اِبْن الصَّيَّاد ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَة , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن بَطَّال مِثْله لَكِنْ بِغَيْرِ آلَف وَلَام وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسْلِم وَلِلْبَاقِينَ \" اِبْن الصَّائِد \" بِوَزْنِ الظَّالِم. ‏ ‏( تَحْلِف بِاَللَّهِ قَالَ إِنِّي سَمِعْت عُمَر , إِلَخْ ) ‏ ‏كَأَنَّ جَابِرًا لَمَّا سَمِعَ عُمَر يَحْلِف عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ , فَهِمَ مِنْهُ الْمُطَابَقَة , وَلَكِنْ بَقِيَ أَنَّ شَرْط الْعَمَل بِالتَّقْرِيرِ أَنْ لَا يُعَارِضهُ التَّصْرِيح بِخِلَافِهِ , فَمَنْ قَالَ أَوْ فَعَلَ بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَأَقَرَّهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْجَوَاز , فَإِنْ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِفْعَلْ خِلَاف ذَلِكَ دَلَّ عَلَى نَسْخِ ذَلِكَ التَّقْرِير , إِلَّا إِنْ ثَبَتَ دَلِيل الْخُصُوصِيَّة , قَالَ اِبْنِ بَطَّال بَعْد أَنْ قَرَّرَ دَلِيل جَابِر فَإِنْ قِيلَ تَقَدَّمَ يَعْنِي كَمَا فِي الْجَنَائِز أَنَّ عُمَر قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّة اِبْنِ الصَّيَّاد \" دَعْنِي أَضْرِب عُنُقه , فَقَالَ : إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَنْ تُسَلَّط عَلَيْهِ \" فَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي أَمْره , يَعْنِي فَلَا يَدُلّ سُكُوته عَنْ إِنْكَاره عِنْد حَلِف عُمَر عَلَى أَنَّهُ هُوَ , قَالَ وَعَنْ ذَلِكَ جَوَابَانِ , أَحَدهمَا أَنَّ التَّرْدِيد كَانَ قَبْل أَنْ يُعْلِمهُ اللَّه تَعَالَى بِأَنَّهُ هُوَ الدَّجَّال , فَلَمَّا أَعْلَمَهُ لَمْ يُنْكِر عَلَى عُمَر حَلِفه. وَالثَّانِي : أَنَّ الْعَرَب قَدْ تُخْرِج الْكَلَام مَخْرَج الشَّكّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْخَبَر شَكّ , فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ تَلَطُّف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُمَر فِي صَرْفه عَنْ قَتْله اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. ثُمَّ ذَكَرَ مَا وَرَدَ عَنْ غَيْر جَابِر , مِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ اِبْنِ صَيَّاد هُوَ الدَّجَّال , كَالْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ اِبْنِ عُمَر قَالَ : \" لَقِيت اِبْنِ صَيَّاد يَوْمًا وَمَعَهُ رَجُل مِنْ الْيَهُود , فَإِذَا عَيْنه قَدْ طَفِئَتْ وَهِيَ خَارِجَة مِثْل عَيْن الْجَمَل , فَلَمَّا رَأَيْتهَا قُلْت : أَنْشُدك اللَّه يَا اِبْنِ صَيَّاد مَتَى طَفِئَتْ عَيْنك ؟ قَالَ لَا أَدْرِي وَالرَّحْمَن. قُلْت : كَذَبْت لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسك , قَالَ فَمَسَحَهَا وَنَخَرَ ثَلَاثًا , فَزَعَمَ الْيَهُودِيّ أَنِّي ضَرَبْت بِيَدَيَّ صَدْره , وَقُلْت لَهُ : اِخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُو قَدَرك. فَذَكَرْت ذَلِكَ لِحَفْصَةَ , فَقَالَتْ حَفْصَة : اِجْتَنِبْ هَذَا الرَّجُل فَإِنَّمَا يُتَحَدَّث أَنَّ الدَّجَّال يَخْرُج عِنْد غَضْبَة يَغْضَبُهَا \" اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث بِمَعْنَاهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْنِ عُمَر وَلَفْظه \" لَقِيته مَرَّتَيْنِ \" فَذَكَرَ الْأُولَى ثُمَّ قَالَ \" لَقِيته لُقْيَة أُخْرَى وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنه , فَقُلْت مَتَى فَعَلَتْ عَيْنك مَا أَرَى ؟ قَالَ مَا أَدْرِي , قُلْت : لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسك , قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّه جَعَلَهَا فِي عَصَاك هَذِهِ , وَنَخَرَ كَأَشَدّ نَخِير حِمَار سَمِعْت , فَزَعَمَ أَصْحَابِي أَنِّي ضَرَبْته بِعَصًا كَانَتْ مَعِي حَتَّى تَكَسَّرَتْ , وَأَنَا وَاَللَّه مَا شَعَرْت \" قَالَ : وَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَة فَحَدَّثَهَا فَقَالَتْ مَا تُرِيد إِلَيْهِ ؟ أَلَم تَسْمَع أَنَّهُ قَدْ قَالَ : إِنَّ أَوَّل مَا يَبْعَثهُ عَلَى النَّاس غَضَب يَغْضَبهُ , ثُمَّ قَالَ اِبْنِ بَطَّال : فَإِنْ قِيلَ هَذَا أَيْضًا يَدُلّ عَلَى التَّرَدُّد فِي أَمْره فَالْجَوَاب أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ الشَّكّ فِي أَنَّهُ الدَّجَّال الَّذِي يَقْتُلهُ عِيسَى بْن مَرْيَم , فَلَمْ يَقَع الشَّكّ فِي أَنَّهُ أَحَد الدَّجَّالِينَ الْكَذَّابِينَ الَّذِينَ أَنْذَرَ بِهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله \" إِنَّ بَيْن يَدَيْ السَّاعَة دَجَّالِينَ كَذَّابِينَ \" يَعْنِي الْحَدِيث الَّذِي مَضَى مَعَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الْفِتَنِ \" اِنْتَهَى , وَمُحَصَّله عَدَم تَسْلِيم الْجَزْم بِأَنَّهُ الدَّجَّال , فَيَعُود السُّؤَال الْأَوَّل عَنْ جَوَاب حَلِف عُمَر ثُمَّ جَابِر عَلَى أَنَّهُ الدَّجَّال الْمَعْهُود , لَكِنْ فِي قِصَّة حَفْصَة وَابْنِ عُمَر دَلِيل عَلَى أَنَّهُمَا أَرَادَا الدَّجَّال الْأَكْبَر وَاللَّام فِي الْقِصَّة الْوَارِدَة عَنْهُمَا لِلْعَهْدِ لَا لِلْجِنْسِ , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع قَالَ كَانَ اِبْنِ عُمَر يَقُول وَاَللَّه مَا أَشُكَّ أَنَّ الْمَسِيح الدَّجَّال هُوَ اِبْنِ صَيَّاد , وَوَقَعَ لِابْنِ صَيَّاد مَعَ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ قِصَّة أُخْرَى تَتَعَلَّق بِأَمْرِ الدَّجَّال , فَأَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ أَبِي نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ \" صَحِبَنِي اِبْنِ صَيَّاد إِلَى مَكَّة فَقَالَ لِي : مَاذَا لَقِيت مِنْ النَّاس يَزْعُمُونَ أَنِّي الدَّجَّال , أَلَسْت سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول إِنَّهُ لَا يُولَد لَهُ , قُلْت : بَلَى. قَالَ : فَإِنَّهُ قَدْ وُلِدَ لِي , قَالَ أَوْ لَسْت سَمِعْته يَقُول لَا يَدْخُل الْمَدِينَة وَلَا مَكَّة , قُلْت بَلَى. قَالَ : فَقَدْ وُلِدْت بِالْمَدِينَةِ وَهَا أَنَا أُرِيدَ مَكَّة \" وَمِنْ طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ : أَخَذَتْنِي مِنْ اِبْنِ صَيَّاد دَمَامَة , فَقَالَ : هَذَا عَذَرْت النَّاس مَا لِي وَأَنْتُمْ يَا أَصْحَاب مُحَمَّد , أَلَم يَقُلْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَعْنِي الدَّجَّال يَهُودِيّ وَقَدْ أَسْلَمْت \" فَذَكَرَ نَحْوه وَمِنْ طَرِيق الْجَرِيرِيّ عَنْ أَبِي نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد \" خَرَجْنَا حُجَّاجًا وَمَعَنَا اِبْنِ صَيَّاد فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا وَتَفَرَّقَ النَّاس , وَبَقِيت أَنَا وَهُوَ , فَاسْتَوْحَشْت مِنْهُ وَحْشَة شَدِيدَة مِمَّا يُقَال فِيهِ. فَقُلْت : الْحَرّ شَدِيد فَلَوْ وَضَعْت ثِيَابك تَحْت تِلْكَ الشَّجَرَة فَفَعَلَ , فَرُفِعَتْ لَنَا غَنَم فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِعُسٍّ فَقَالَ اِشْرَبْ يَا أَبَا سَعِيد , فَقُلْت إِنَّ الْحَرّ شَدِيد وَمَا بِي إِلَّا أَنْ أَكْرَهْ أَنِّي أَشْرَب مِنْ يَدِهِ , فَقَالَ : لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آخُذ حَبْلًا فَأُعَلِّقهُ بِشَجَرَةٍ ثُمَّ أَخْتَنِق بِهِ , مِمَّا يَقُول لِي النَّاس يَا أَبَا سَعِيد مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مَعْشَر الْأَنْصَار. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ قَالَ أَبُو سَعِيد \" حَتَّى كِدْت أَعْذُرهُ \" وَفِي آخِر كُلّ مِنْ الطُّرُق الثَّلَاثَة أَنَّهُ قَالَ \" إِنِّي لَأَعْرِفهُ وَأَعْرِف مَوْلِده وَأَيْنَ هُوَ الْآن \" قَالَ أَبُو سَعِيد : فَقُلْت لَهُ تَبًّا لَك سَائِر الْيَوْم , لَفْظ الْجَرِيرِيّ وَأَجَابَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ قِصَّة اِبْنِ صَيَّاد بَعْد أَنْ ذَكَرَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْكُث أَبُو الدَّجَّال ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَد لَهُمَا ثُمَّ يُولَد لَهُمَا غُلَام أَعْوَر أَضَرّ شَيْء وَأَقَلّه نَفْعًا وَنَعَتَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ , قَالَ : فَسَمِعْنَا بِمَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْيَهُود , فَذَهَبْت أَنَا وَالزُّبَيْر بْن الْعَوَامّ فَدَخَلْنَا عَلَى أَبَوَيْهِ , فَإِذَا النَّعْت فَقُلْنَا هَلْ لَكُمَا مِنْ وَلَدٍ قَالَا مَكَثْنَا ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَد لَنَا ثُمَّ وُلِدَ لَنَا غُلَام أَضَرّ شَيْء وَأَقَلّه نَفْعًا \" الْحَدِيث. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ. قُلْت : وَيُوهِي حَدِيثه أَنَّ أَبَا بَكْرَة إِنَّمَا أَسْلَمَ لَمَّا نَزَلَ مِنْ الطَّائِف حِين حُوصِرَتْ سَنَة ثَمَان مِنْ الْهِجْرَة , وَفِي حَدِيث اِبْنِ عُمَر الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَوَجَّهَ إِلَى النَّخْل الَّتِي فِيهَا اِبْنِ صَيَّاد كَانَ اِبْنِ صَيَّاد يَوْمَئِذٍ كَالْمُحْتَلِمِ , فَمَتَى يُدْرِك أَبُو بَكْرَة زَمَان مَوْلِده بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ لَمْ يَسْكُنْ الْمَدِينَة إِلَّا قَبْل الْوَفَاة النَّبَوِيَّة بِسَنَتَيْنِ , فَكَيْف يَتَأَتَّى أَنْ يَكُون فِي الزَّمَن النَّبَوِيّ كَالْمُحْتَلِمِ , فَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ هُوَ الْمُعْتَمَد وَلَعَلَّ الْوَهْم وَقَعَ فِيمَا يَقْتَضِي تَرَاخِي مَوْلِد اِبْنِ صَيَّاد أَوَّلًا , وَهْم فِيهِ بَلْ يَحْتَمِل قَوْله \" بَلَغَنَا أَنَّهُ وُلِدَ لِلْيَهُودِ مَوْلُود \" عَلَى تَأَخُّر الْبَلَاغ وَإِنْ كَانَ مَوْلِده كَانَ سَابِقًا عَلَى ذَلِكَ بِمُدَّةٍ , بِحَيْثُ يَأْتَلِف مَعَ حَدِيث اِبْنِ عُمَر الصَّحِيح , ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لَيْسَ فِي حَدِيث جَابِر أَكْثَر مِنْ سُكُوت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَلِف عُمَر , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي أَمْره ثُمَّ جَاءَهُ الثَّبْت مِنْ اللَّه تَعَالَى بِأَنَّهُ غَيْره عَلَى مَا تَقْتَضِيه قِصَّة تَمِيم الدَّارِيّ , وَبِهِ تَمَسَّك مَنْ جَزَمَ بِأَنَّ الدَّجَّال غَيْر اِبْنِ صَيَّاد وَطَرِيقه أَصَحّ , وَتَكُونُ الصِّفَة الَّتِي فِي اِبْنِ صَيَّاد وَافَقَتْ مَا فِي الدَّجَّال. قُلْت : قِصَّة تَمِيم أَخْرَجَهَا مُسْلِم مِنْ حَدِيث فَاطِمَة بِنْتِ قَيْس \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ , فَذَكَرَ أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيّ رَكِبَ فِي سَفِينَة مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمه , فَلَعِبَ بِهِمْ الْمَوْج شَهْرًا ثُمَّ نَزَلُوا إِلَى جَزِيرَة فَلَقِيتهمْ دَابَّة كَثِيرَةِ الشَّعْر فَقَالَتْ لَهُمْ : أَنَا الْجَسَّاسَة , وَدَلَّتْهُمْ عَلَى رَجُل فِي الدَّيْر , قَالَ فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا فَدَخَلْنَا الدَّيْر فَإِذَا فِيهِ أَعْظَم إِنْسَان رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا , وَأَشَدّه وَثَاقًا مَجْمُوعَة يَدَاهُ إِلَى عُنُقه بِالْحَدِيدِ , فَقُلْنَا وَيْلك مَا أَنْتَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَفِيهِ أَنَّهُ سَأَلَهُمْ عَنْ نَبِيّ الْأُمِّيِّينَ هَلْ بُعِثَ , وَأَنَّهُ قَالَ إِنْ يُطِيعُوهُ فَهُوَ خَيْر لَهُمْ , وَأَنَّهُ سَأَلَهُمْ عَنْ بُحَيْرَة طَبَرِيَّة , وَعَنْ عَيْن زُغَر وَعَنْ نَخْلِ بَيْسَان , وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ إِنِّي مُخْبِركُمْ عَنِّي أَنَا الْمَسِيح , وَإِنِّي أُوشِك أَنْ يُؤْذَن لِي فِي الْخُرُوج فَأَخْرُج فَأَسِير فِي الْأَرْض , فَلَا أَدَعُ قَرْيَة إِلَّا هَبَطْتهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَة , غَيْر مَكَّة وَطَيْبَة , وَفِي بَعْض طُرُقه عِنْد الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ شَيْخ , وَسَنَدهَا صَحِيح قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فِيهِ أَنَّ الدَّجَّال الْأَكْبَر الَّذِي يَخْرُج فِي آخِر الزَّمَان غَيْر اِبْنِ صَيَّاد , وَكَانَ اِبْنِ صَيَّاد أَحَد الدَّجَّالِينَ الْكَذَّابِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُرُوجِهِمْ , وَقَدْ خَرَجَ أَكْثَرهمْ وَكَانَ الَّذِينَ يَجْزِمُونَ بِابْنِ صَيَّاد هُوَ الدَّجَّال لَمْ يَسْمَعُوا بِقِصَّةِ تَمِيم , وَإِلَّا فَالْجَمْع بَيْنهمَا بَعِيد جِدًّا إِذْ كَيْفَ يَلْتَئِم أَنْ يَكُون مَنْ كَانَ فِي أَثْنَاء الْحَيَاة النَّبَوِيَّة شِبْه الْمُحْتَلِم , وَيَجْتَمِع بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْأَلهُ أَنْ يَكُونَ فِي آخِرهَا شَيْخًا كَبِيرًا مَسْجُونًا فِي جَزِيرَة مِنْ جَزَائِر الْبَحْر مُوثَقًا بِالْحَدِيدِ يَسْتَفْهِم عَنْ خَبَرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ خَرَجَ أَوْ لَا ؟ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَل عَلَى عَدَم الِاطِّلَاع , أَمَّا عُمَر فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْهُ قَبْل أَنْ يَسْمَع قِصَّة تَمِيم , ثُمَّ لَمَّا سَمِعَهَا لَمْ يَعُدْ إِلَى الْحَلِف الْمَذْكُور. وَأَمَّا جَابِر فَشَهِدَ حَلِفه عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَصْحَبَ مَا كَانَ اِطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ عُمَر بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة الْوَلِيد بْنِ عَبْد اللَّه بْن جَمِيع عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ جَابِر , فَذَكَرَ قِصَّة الْجَسَّاسَة وَالدَّجَّال بِنَحْوِ قِصَّة تَمِيم , قَالَ : قَالَ - أَيْ الْوَلِيد - فَقَالَ لِي اِبْنِ أَبِي سَلَمَة : إِنَّ فِي هَذَا شَيْئًا مَا حَفِظْته , قَالَ شَهِدَ جَابِر أَنَّهُ اِبْنُ صَيَّاد , قُلْت : فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ , قَالَ : وَإِنْ مَاتَ. ‏ ‏قُلْت : فَإِنَّهُ أَسْلَمَ , قَالَ : وَإِنْ أَسْلَمَ. قُلْت : فَإِنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَة , قَالَ وَإِنْ دَخَلَ الْمَدِينَة اِنْتَهَى. وَابْنِ أَبِي مَسْلَمَة , اِسْمه عُمَر فِيهِ مَقَال وَلَكِنَّ حَدِيثه حَسَن , وَيُتَعَقَّب بِهِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ جَابِرًا لَمْ يَطَّلِع عَلَى قِصَّة تَمِيم ; وَقَدْ تَكَلَّمَ اِبْنِ دَقِيق الْعِيد عَلَى مَسْأَلَة التَّقْرِير فِي أَوَائِل \" شَرْح الْإِلْمَام \" فَقَالَ : مَا مُلَخَّصه إِذَا أَخْبَرَ بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرِ لَيْسَ فِيهِ حُكْم شَرْعِيّ , فَهَلْ يَكُونُ سُكُوته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلِيلًا عَلَى مُطَابَقَة مَا فِي الْوَاقِع كَمَا وَقَعَ لِعُمَر فِي حَلِفه عَلَى اِبْنِ صَيَّاد هُوَ الدَّجَّال فَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ , فَهَلْ يَدُلّ عَدَم إِنْكَاره عَلَى أَنَّ اِبْنِ صَيَّاد هُوَ الدَّجَّال كَمَا فَهِمَهُ جَابِر , حَتَّى صَارَ يَحْلِف عَلَيْهِ وَيَسْتَنِد إِلَى حَلِف عُمَر أَوْ لَا يَدُلّ , فِيهِ نَظَر. قَالَ : وَالْأَقْرَب عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَدُلّ , لِأَنَّ مَأْخَذ الْمَسْأَلَة وَمَنَاطهَا هُوَ الْعِصْمَة مِنْ التَّقْرِير عَلَى بَاطِل , وَذَلِكَ يَتَوَقَّف عَلَى تَحَقُّق الْبُطْلَان , وَلَا يَكْفِي فِيهِ عَدَم تَحَقُّق الصِّحَّة , إِلَّا أَنْ يَدَّعِي مُدَّعٍ أَنَّهُ يَكْفِي فِي وُجُوب الْبَيَان عَدَم تَحَقُّق الصِّحَّة فَيَحْتَاج إِلَى دَلِيل وَهُوَ عَاجِز عَنْهُ , نَعَمْ التَّقْرِير يُسَوِّغ الْحَلِف عَلَى ذَلِكَ عَلَى غَلَبَة الظَّنّ لِعَدَمِ تَوَقُّف ذَلِكَ عَلَى الْعِلْم اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَلَا يَلْزَم مِنْ عَدَم تَحَقُّق الْبُطْلَانِ أَنْ يَكُون السُّكُوت مُسْتَوْفِي الطَّرَفَيْنِ , بَلْ يَجُوز أَنْ يَكُون الْمَحْلُوف عَلَيْهِ مِنْ قِسْم خِلَاف الْأَوْلَى , قَالَ الْخَطَّابِيُّ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي أَمْرِ اِبْنِ صَيَّاد بَعْد كِبَره , فَرُوِيَ أَنَّهُ تَابَ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْل وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ , وَأَنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا الصَّلَاة عَلَيْهِ كَشَفُوا وَجْهه حَتَّى يَرَاهُ النَّاس , وَقِيلَ لَهُمْ اِشْهَدُوا , وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاء قِصَّة اِبْنِ صَيَّاد مُشْكِلَة , وَأَمْره مُشْتَبِه لَكِنْ لَا شَكَّ أَنَّهُ دَجَّال مِنْ الدَّجَاجِلَة , وَالظَّاهِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِي أَمْره بِشَيْءٍ , وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ بِصِفَاتِ الدَّجَّال. وَكَانَ فِي اِبْنِ صَيَّاد قَرَائِن مُحْتَمِلَة , فَلِذَلِكَ كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقْطَع فِي أَمْره بِشَيْءٍ بَلْ قَالَ لِعُمَر \" لَا خَيْر لَك فِي قَتْله \" الْحَدِيث وَأَمَّا اِحْتِجَاجَاته هُوَ بِأَنَّهُ مُسْلِم إِلَى سَائِر مَا ذَكَرَ فَلَا دَلَالَة فِيهِ عَلَى دَعْوَاهُ , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ صِفَاته وَقْت خُرُوجه آخِر الزَّمَان قَالَ : وَمِنْ جُمْلَة مَا فِي قِصَّته قَوْله لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُول اللَّه \" وَقَوْله \" أَنَّهُ يَأْتِيه صَادِقٌ وَكَاذِبٌ \" وَقَوْله \" إِنَّهُ تَنَامُ عَيْنه وَلَا يَنَام قَلْبه \" وَقَوْله \" إِنَّهُ يَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاء , وَأَنَّهُ لَا يَكْرَه أَنْ يَكُون الدَّجَّال , وَأَنَّهُ يَعْرِفهُ وَيَعْرِف مَوْلِده وَمَوْضِعه وَأَيْنَ هُوَ الْآن \" قَالَ : وَأَمَّا إِسْلَامه وَحَجّه وَجِهَاده فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّهُ غَيْر الدَّجَّال , لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخْتَم لَهُ بِالشَّرِّ , فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم الْأَصْبَهَانِيّ فِي تَارِيخ أَصْبَهَان مَا يُؤَيِّد كَوْن اِبْنِ صَيَّاد هُوَ الدَّجَّال , فَسَاقَ مِنْ طَرِيق شُبَيْل بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَة مُصَغَّرًا آخِره لَام , اِبْنِ عَرْزَة بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ زَاي بِوَزْنِ ضَرْبَة , عَنْ حَسَّان بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَمَّا اِفْتَتَحْنَا أَصْبَهَان كَانَ بَيْن عَسْكَرِنَا وَبَيْن الْيَهُودِيَّة فَرْسَخ , فَكُنَّا نَأْتِيهَا فَنَمْتَار مِنْهَا , فَأَتَيْتهَا يَوْمًا فَإِذَا الْيَهُود يَزْفِنُونَ وَيَضْرِبُونَ , فَسَأَلْت صَدِيقًا لِي مِنْهُمْ فَقَالَ مَلِكُنَا الَّذِي نَسْتَفْتِح بِهِ عَلَى الْعَرَب يَدْخُل فَبِتّ عِنْده عَلَى سَطْح فَصَلَّيْت الْغَدَاة \" فَلَمَّا طَلَعَتْ الشَّمْس إِذَا لِرَهْجٍ مِنْ قِبَل الْعَسْكَر فَنَظَرْت , فَإِذَا رَجُل عَلَيْهِ قُبَّة مِنْ رَيْحَان وَالْيَهُود يَزْفِنُونَ وَيَضْرِبُونَ , فَنَظَرْت فَإِذَا هُوَ اِبْنِ صَيَّاد , فَدَخَلَ الْمَدِينَة فَلَمْ يَعُدْ حَتَّى السَّاعَة. قُلْت : وَعَبْد الرَّحْمَن بْنُ حَسَّان مَا عَرَفْته وَالْبَاقُونَ ثِقَات , وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ جَابِر قَالَ \" فَقَدْنَا اِبْنِ صَيَّاد يَوْم الْحَرَّة \" وَبِسَنَدٍ حَسَن , مَضَى التَّنْبِيه عَلَيْهِ فَقِيلَ إِنَّهُ مَاتَ. قُلْت : وَهَذَا يُضَعِّف مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ , وَأَنَّهُمْ صَلَّوْا عَلَيْهِ وَكَشَفُوا عَنْ وَجْهه , وَلَا يَلْتَئِم خَبَرُ جَابِر هَذَا مَعَ خَبَرِ حَسَّان بْن عَبْد الرَّحْمَن , لِأَنَّ فَتْح أَصْبَهَان كَانَ فِي خِلَافَة عُمَر كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخهَا , وَبَيْن قَتْل عُمَر وَوَقْعَة الْحَرَّة نَحْو أَرْبَعِينَ سَنَة وَيُمْكِن الْحَمْل عَلَى أَنَّ الْقِصَّة إِنَّمَا شَاهَدَهَا وَالِد حَسَّان بَعْد فَتْح أَصْبَهَان بِهَذِهِ الْمُدَّة , وَيَكُونُ جَوَاب لِمَا فِي قَوْله لَمَّا اِفْتَتَحْنَا أَصْبَهَان مَحْذُوفًا تَقْدِيره : صِرْت أَتَعَاهَدهَا وَأَتَرَدَّد إِلَيْهَا فَجَرَتْ قِصَّة اِبْنِ صَيَّاد , فَلَا يَتَّحِد زَمَان فَتْحهَا وَزَمَان دُخُولهَا اِبْن صَيَّاد. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط مِنْ حَدِيث فَاطِمَة بِنْتِ قَيْس مَرْفُوعًا : إِنَّ الدَّجَّال يَخْرُج مِنْ أَصْبَهَان ; وَمِنْ حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ حِين أَخْرَجَهُ أَحْمَد بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَنَس : لَكِنَّ عِنْده مِنْ يَهُودِيَّة أَصْبَهَان , قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخ أَصْبَهَان كَانَتْ الْيَهُودِيَّة مِنْ جُمْلَة قُرَى أَصْبَهَان , وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ الْيَهُودِيَّة لِأَنَّهَا كَانَتْ تَخْتَصّ بِسُكْنَى الْيَهُود قَالَ : وَلَمْ تَزَلْ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ مَصَّرَهَا أَيُّوب بْن زِيَاد أَمِيرِ مِصْر فِي زَمَن الْمَهْدِيّ بْن الْمَنْصُور , فَسَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ وَبَقِيَتْ لِلْيَهُودِ مِنْهَا قِطْعَة مُنْفَرِدَة , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا قَالَ \" يَتْبَع الدَّجَّال سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ يَهُود أَصْبَهَان \" فَلَعَلَّهَا كَانَتْ يَهُودِيَّة أَصْبَهَان , يُرِيد الْبَلَد الْمَذْكُور لَا أَنَّ الْمُرَاد جَمِيع أَهْل أَصْبَهَان يَهُود , وَأَنَّ الْقَدْر الَّذِي يَتْبَع الدَّجَّال مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا , وَذَكَرَ نُعَيْم بْن حَمَّاد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِي \" كِتَاب الْفِتَنِ \" أَحَادِيث تَتَعَلَّق بِالدَّجَّالِ وَخُرُوجه إِذَا ضُمَّتْ إِلَى مَا سَبَقَ ذِكْره فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الْفِتَنِ \" اِنْتَظَمَتْ مِنْهَا لَهُ تَرْجَمَة تَامَّة , مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق جُبَيْر بْن نُفَيْر وَشُرَيْح بْن عُبَيْد وَعَمْرو بْن الْأَسْوَد وَكَثِير بْن مُرَّة , قَالُوا جَمِيعًا \" الدَّجَّال لَيْسَ هُوَ إِنْسَانُ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان مُوثَق بِسَبْعِينَ حَلْقَة فِي بَعْض جَزَائِر الْيَمَن , لَا يَعْلَم مَنْ أَوْثَقَهُ سُلَيْمَان النَّبِيّ أَوْ غَيْره , فَإِذَا آنَ ظُهُوره فَكَّ اللَّه عَنْهُ كُلّ عَام حَلْقَة. فَإِذَا بَرَزَ أَتَتْهُ أَتَان عَرْض مَا بَيْن أُذُنَيْهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا فَيَضَع عَلَى ظَهْرهَا مِنْبَرًا مِنْ نُحَاسٍ وَيَقْعُد عَلَيْهِ وَيَتْبَعهُ قَبَائِل الْجِنّ يُخْرِجُونَ لَهُ خَزَائِن الْأَرْض \" قُلْت : وَهَذَا لَا يُمْكِن مَعَهُ كَوْن اِبْنِ صَيَّاد هُوَ الدَّجَّال , وَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ مَعَ كَوْنهمْ ثِقَات تَلَقَّوْا ذَلِكَ مِنْ بَعْض كُتُب أَهْل الْكِتَاب. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق كَعْب الْأَحْبَار أَنَّ الدَّجَّال تَلِدُهُ أُمُّهُ بِقُوص مِنْ أَرْضِ مِصْر , قَالَ وَبَيْن مَوْلِده وَمَخْرَجه ثَلَاثُونَ سَنَة , قَالَ وَلَمْ يَنْزِل خَبَرُهُ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل , وَإِنَّمَا هُوَ فِي بَعْض كُتُب الْأَنْبِيَاء اِنْتَهَى. وَأَخْلِقْ بِهَذَا الْخَبَر أَنْ يَكُون بَاطِلًا , فَإِنَّ الْحَدِيث الصَّحِيح أَنَّ كُلّ نَبِيّ قَبْل نَبِيّنَا أَنْذَرَ قَوْمه الدَّجَّال. وَكَوْنه يُولَد قَبْل مَخْرَجه بِالْمُدَّةِ الْمَذْكُورَة مُخَالِف لِكَوْنِهِ اِبْنِ صَيَّاد وَلِكَوْنِهِ مُوثَقًا فِي جَزِيرَة مِنْ جَزَائِر الْبَحْر. وَذَكَرَ اِبْنُ وَصِيف الْمُؤَرِّخ أَنَّ الدَّجَّال مِنْ وَلَد شَقّ الْكَاهِن الْمَشْهُور , قَالَ وَقَالَ بَلْ هُوَ شَقّ نَفْسه أَنْظَرَهُ اللَّه وَكَانَتْ أُمّه جِنِّيَّة عَشِقَتْ أَبَاهُ فَأَوْلَدَهَا , وَكَانَ الشَّيْطَان يَعْمَل لَهُ الْعَجَائِب فَأَخَذَهُ سُلَيْمَان فَحَبَسَهُ فِي جَزِيرَة مِنْ جَزَائِر الْبَحْر , وَهَذَا أَيْضًا فِي غَايَة الْوَهْي , وَأَقْرَب مَا يُجْمَع بِهِ بَيْن مَا تَضَمَنَّهُ حَدِيث تَمِيم وَكَوْن اِبْنِ صَيَّاد هُوَ الدَّجَّال أَنَّ الدَّجَّال بِعَيْنِهِ هُوَ الَّذِي شَاهَدَهُ تَمِيم مُوثَقًا , وَأَنَّ اِبْنِ صَيَّاد شَيْطَان تَبَدَّى فِي صُورَة الدَّجَّال فِي تِلْكَ الْمُدَّة إِلَى أَنْ تَوَجَّهَ إِلَى أَصْبَهَان فَاسْتَتَرَ مَعَ قَرِينه إِلَى أَنْ تَجِيء الْمُدَّة الَّتِي قَدَّرَ اللَّه تَعَالَى خُرُوجه فِيهَا , وَلِشِدَّةِ اِلْتِبَاس الْأَمْر فِي ذَلِكَ سَلَكَ الْبُخَارِيّ مَسْلَكَ التَّرْجِيح فَاقْتَصَرَ عَلَى حَدِيث جَابِر عَنْ عُمَر فِي اِبْنِ صَيَّاد , وَلَمْ يُخْرِج حَدِيث فَاطِمَة بِنْتِ قَيْس فِي قِصَّة تَمِيم , وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ غَرِيب فَرْد وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ رَوَاهُ مَعَ فَاطِمَة بِنْتِ قَيْس أَبُو هُرَيْرَة وَعَائِشَة وَجَابِر , أَمَّا أَبُو هُرَيْرَة فَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ رِوَايَة عَامِر الشَّعْبِيّ عَنْ الْمُحْرِز بْن أَبِي هُرَيْرَة عَنْ أَبِيهِ بِطُولِهِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُخْتَصَرًا وَابْن مَاجَهْ عَقِب رِوَايَة الشَّعْبِيّ عَنْ فَاطِمَة , قَالَ الشَّعْبِيّ : فَلَقِيت الْمُحْرِز فَذَكَرَهُ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ \" اِسْتَوَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَر فَقَالَ حَدَّثَنِي تَمِيم - فَرَأَى تَمِيمًا فِي نَاحِيَة الْمَسْجِد - فَقَالَ يَا تَمِيم حَدِّثْ النَّاس بِمَا حَدَّثْتنِي \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَإِذَا أَحَد مَنْخَرَيْهِ مَمْدُود وَإِحْدَى عَيْنَيْهِ مَطْمُوسَة \" الْحَدِيث وَفِيهِ \" لَأَطَأَنَّ الْأَرْض بِقَدَمَيّ هَاتَيْنِ إِلَّا مَكَّة وَطَابَا \" وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة فَهُوَ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ \" ثُمَّ لَقِيت الْقَاسِم بْن مُحَمَّد فَقَالَ : أَشْهَد عَلَى عَائِشَة حَدَّثَتْنِي بِمَا حَدَّثَتْك فَاطِمَة بِنْتِ قَيْس \". وَأَمَّا حَدِيث جَابِر فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَن مِنْ رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عَنْ جَابِر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات يَوْم عَلَى الْمِنْبَر أَنَّهُ بَيْنَمَا أُنَاسٌ يَسِيرُونَ فِي الْبَحْر فَنَفِدَ طَعَامهمْ فَرُفِعَتْ لَهُمْ جَزِيرَة فَخَرَجُوا يُرِيدُونَ الْخَبَر فَلَقِيَتْهُمْ الْجَسَّاسَة \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ سُؤَالهمْ عَنْ نَخْلِ بَيْسَان , وَفِيهِ أَنَّ جَابِرًا شَهِدَ أَنَّهُ اِبْنِ صَيَّاد , فَقُلْت إِنَّهُ قَدْ مَاتَ قَالَ وَإِنْ مَاتَ , قُلْت : فَإِنَّهُ أَسْلَمَ قَالَ : وَإِنْ أَسْلَمَ , قُلْت : فَإِنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَة قَالَ : وَإِنْ دَخَلَ الْمَدِينَة , وَفِي كَلَامِ جَابِر إِشَارَة إِلَى أَنَّ أَمْره مُلَبَّس وَأَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُون مَا ظَهَرَ مِنْ أَمْره إِذْ ذَاكَ لَا يُنَافِي مَا تَوَقَّعَ مِنْهُ بَعْد خُرُوجه فِي آخِرِ الزَّمَان , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرٍّ \" لَأَنْ أَحْلِف عَشْر مِرَار أَنَّ اِبْنِ صَيَّاد هُوَ الدَّجَّال , أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِف وَاحِدَة أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ \" وَسَنَدُهُ صَحِيح وَمِنْ حَدِيث اِبْنِ مَسْعُود نَحْوُهُ لَكِنْ قَالَ \" سَبْعًا \" بَدَل عَشْر مَرَّات أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ; وَفِي الْحَدِيث جَوَاز الْحَلِف بِمَا يَغْلِب عَلَى الظَّنّ , وَمِنْ صُوَره الْمُتَّفَق عَلَيْهَا عِنْد الشَّافِعِيَّة وَمَنْ تَبِعَهُمْ أَنَّ مَنْ وَجَدَ بِخَطِّ أَبِيهِ الَّذِي يَعْرِفهُ أَنَّ لَهُ عِنْد شَخْص مَالًا وَغَلَبَ عَلَى ظَنّه صِدْقه أَنَّ لَهُ إِذَا طَالَبَهُ , وَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِين أَنْ يَحْلِف عَلَى الْبَتّ أَنَّهُ يَسْتَحِقّ قَبْض ذَلِكَ مِنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6809",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ ‏ ‏وِزْرٌ ‏ ‏فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي ‏ ‏مَرْجٍ ‏ ‏أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي ‏ ‏طِيَلِهَا ‏ ‏ذَلِكَ مِنْ ‏ ‏الْمَرْجِ ‏ ‏أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ ‏ ‏طِيَلَهَا ‏ ‏فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا ‏ ‏أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ وَهِيَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَجْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ ‏ ‏وِزْرٌ ‏ ‏وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْحُمُرِ قَالَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ ‏ ‏الْفَاذَّةَ ‏ ‏الْجَامِعَةَ ‏ { ‏فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" الْخَيْل لِثَلَاثَةٍ \" وَقَدْ مَضَى شَرْحه فِي \" كِتَاب الْجِهَاد \". ‏ ‏قَوْله ( وَسُئِلَ ) ‏ ‏أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْم السَّائِل عَنْ ذَلِكَ يُمْكِن أَنْ يُفَسَّر بِصَعْصَعَةَ بْن مُعَاوِيَة عَمّ الْأَحْنَف التَّمِيمِيّ , وَحَدِيثه فِي ذَلِكَ عِنْد النَّسَائِيِّ فِي التَّفْسِير , وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَلَفْظه \" قَدِمْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْته يَقُول مَنْ يَعْمَل مِثْقَال ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ - إِلَى آخَر السُّورَة - قَالَ مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَسْمَع غَيْرهَا حَسْبِي حَسْبِي \" وَحَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب أَنَّ هَذَا الْحَدِيث حُجَّة فِي إِثْبَات الْقِيَاس , وَفِيهِ نَظَر تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ عِنْد شَرْحه فِي \" كِتَاب الْجِهَاد \" وَأَشَرْت إِلَيْهِ فِي بَاب تَعْلِيم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّته. ‏"
    },
    {
        "id": "6810",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏امْرَأَةً ‏ ‏سَأَلَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيُّ الْبَصْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَتْنِي ‏ ‏أُمِّي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ الْحَيْضِ كَيْفَ تَغْتَسِلُ مِنْهُ قَالَ ‏ ‏تَأْخُذِينَ ‏ ‏فِرْصَةً ‏ ‏مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِينَ بِهَا قَالَتْ كَيْفَ أَتَوَضَّأُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَوَضَّئِي قَالَتْ كَيْفَ أَتَوَضَّأُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَوَضَّئِينَ بِهَا قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏فَعَرَفْتُ الَّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَذَبْتُهَا إِلَيَّ فَعَلَّمْتُهَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ غَيْر مَنْسُوب , وَصَنِيع اِبْن السَّكَن يَقْتَضِي أَنَّهُ اِبْن مُوسَى الْبَلْخِيّ , وَتَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي \" كِتَاب الطَّهَارَة \" وَجَزَمَ الْكَلَابَاذِي وَمَنْ تَبِعَهُ كَالْبَيْهَقِيِّ بِأَنَّهُ اِبْن جَعْفَر الْبِيكَنْدِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ مَنْصُور بْن عَبْد الرَّحْمَن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده عَنْ سُفْيَان حَدَّثَنَا مَنْصُور وَهُوَ عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق الْحُمَيْدِيّ و \" عَبْد الرَّحْمَن \" وَالِد مَنْصُور الْمَذْكُور هُوَ اِبْن طَلْحَة بْن الْحَارِث عَنْ اِبْن طَلْحَة بْن أَبِي طَلْحَة بْن عَبْد الدَّار الْعَبْدَرِيّ الْحَجَبِيّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي \" كِتَاب الْحَيْض \" وَوَقَعَ هُنَا \" مَنْصُور بْن عَبْد الرَّحْمَن اِبْن شَيْبَة \" وَشَيْبَة إِنَّمَا هُوَ جَدّ مَنْصُور لِأُمِّهِ , لِأَنَّ اِسْم أُمّه صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة بْن عُثْمَان بْن أَبِي طَلْحَة الْحَجَبِيّ , وَعَلَى هَذَا فَيُكْتَب اِبْن شَيْبَة بِالْأَلِفِ وَيُعْرَب إِعْرَاب مَنْصُور لَا إِعْرَاب عَبْد الرَّحْمَن وَقَدْ تَفَطَّنَ لِذَلِكَ الْكَرْمَانِيُّ هُنَا وَلِصَفِيَّة وَلِأَبِيهَا صُحْبَة. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ اِمْرَأَة سَأَلَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏كَذَا ذَكَرَ مِنْ الْمَتْن أَوَّله ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى السَّنَد الثَّانِي , وَمُحَمَّد بْن عُقْبَة شَيْخه هُوَ الشَّيْبَانِيُّ يُكْنَى أَبَا عَبْد اللَّه فِيمَا جَزَمَ بِهِ الْكَلَابَاذِي ; وَحَكَى الْمِزِّيُّ أَنَّهُ يُكْنَى أَبَا جَعْفَر وَهُوَ كُوفِيّ , قَالَ أَبُو حَاتِم لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ رَوَى عَنْهُ مَعَ الْبُخَارِيّ يَعْقُوب بْن سُفْيَان وَأَبُو كُرَيْب وَآخَرُونَ وَوَثَّقَهُ مطين وَابْن عَدِيٍّ وَغَيْرهمَا قَالَ اِبْن حِبَّان مَاتَ سَنَة خَمْس عَشْرَة. قُلْت : فَهُوَ مِنْ قُدَمَاء شُيُوخ الْبُخَارِيّ مَا لَهُ عِنْده سِوَى هَذَا الْمَوْضِع فِيمَا ذَكَرَ الْكَلَابَاذِي لَكِنَّهُ مُتَعَقَّب بِأَنَّ لَهُ مَوْضِعًا آخَر , تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَة وَآخَر فِي غَزْوَة الْمُرَيْسِيعِ , وَلَهُ فِي الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة عِنْده مُتَابِع , فَمَا أَخْرَجَ لَهُ شَيْئًا اِسْتِقْلَالًا وَلَكِنَّهُ سَاقَ الْمَتْن هُنَا عَلَى لَفْظه , وَأَمَّا لَفْظ اِبْن عُيَيْنَةَ فِيهِ فَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَة , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّ اِسْم الْمَرْأَة السَّائِلَة أَسْمَاء بِنْت شَكَل بِمُعْجَمَةٍ وَكَافٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ لَام , وَقِيلَ اِسْم أَبِيهَا غَيْر ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ مَعَ سَائِر شَرْحه , قَالَ اِبْن بَطَّال : لَمْ تَفْهَم السَّائِلَة غَرَض النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْرِف أَنَّ تَتَبُّع الدَّم بِالْفِرْصَةِ يُسَمَّى تَوَضُّؤًا إِذَا اِقْتَرَنَ بِذِكْرِ الدَّم وَالْأَذَى , وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مِمَّا يُسْتَحَى مِنْ ذِكْره ; فَفَهِمَتْ عَائِشَة غَرَضه فَبَيَّنْت لِلْمَرْأَةِ مَا خَفِيَ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ , وَحَاصِله أَنَّ الْمُجْمَل يُوقَف عَلَى بَيَانه مِنْ الْقَرَائِن وَتَخْتَلِف الْأَفْهَام فِي إِدْرَاكه , وَقَدْ عَرَّفَ أَئِمَّة الْأُصُول الْمُجْمَل بِمَا لَمْ تَتَّضِح دَلَالَته وَيَقَع فِي اللَّفْظ الْمُفْرَد كَالْقُرْءِ لِاحْتِمَالِهِ الطُّهْر وَالْحَيْض , وَفِي الْمُرَكَّب مِثْل أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَة النِّكَاح لِاحْتِمَالِهِ الزَّوْج وَالْوَلِيّ , وَمِنْ الْمُفْرَد الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة مِثْل { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام } فَقِيلَ هُوَ مُجْمَل لِصَلَاحِيَّتِهِ لِكُلِّ صَوْم وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { شَهْر رَمَضَان } وَنَحْوه حَدِيث الْبَاب فِي قَوْله \" تَوَضَّئِي \" فَإِنَّهُ وَقَعَ بَيَانه لِلسَّائِلَةِ بِمَا فَهِمَتْهُ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا وَأُقِرَّتْ عَلَى ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6811",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أُمَّ حُفَيْدٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ ‏ ‏أَهْدَتْ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سَمْنًا وَأَقِطًا وَأَضُبًّا فَدَعَا بِهِنَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأُكِلْنَ عَلَى مَائِدَتِهِ فَتَرَكَهُنَّ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَالْمُتَقَذِّرِ لَهُنَّ وَلَوْ كُنَّ حَرَامًا مَا أُكِلْنَ عَلَى مَائِدَتِهِ وَلَا أَمَرَ بِأَكْلِهِنَّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس. ‏ ‏قَوْله ( أُمّ حُفَيْدٍ ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةِ وَفَاء مُصَغَّر اِسْمهَا هُزَيْلَة بِزَايٍ مُصَغَّر بِنْت الْحَارِثَة الْهِلَالِيَّة أُخْت مَيْمُونَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , وَهِيَ خَالَة اِبْن عَبَّاس وَخَالَة خَالِد بْن الْوَلِيد , وَاسْم أُمّ كُلّ مِنْهُمَا لُبَابَة بِضَمِّ اللَّام وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة وَبَعْد الْأَلِف أُخْرَى. ‏ ‏قَوْله ( وَأَضُبًّا ) ‏ ‏بِضَمِّ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة جَمْع ضَبّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْإِفْرَادِ. ‏ ‏قَوْله ( كَالْمُتَقَذِّرِ لَهُنَّ ) ‏ ‏بِقَافِ وَمُعْجَمَة فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَهُ \" وَكَذَا فِي قَوْله \" مَا أَكَلْنَ \" وَتَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب الْأَطْعِمَة \". ‏"
    },
    {
        "id": "6812",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا ‏ ‏أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا ‏ ‏وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ وَإِنَّهُ أُتِيَ ‏ ‏بِبَدْرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏يَعْنِي طَبَقًا فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا فَسَأَلَ عَنْهَا فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنْ الْبُقُولِ فَقَالَ قَرِّبُوهَا فَقَرَّبُوهَا إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا قَالَ كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عُفَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ وَهْبٍ ‏ ‏بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ ‏ ‏وَلَمْ يَذْكُرِ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏وَأَبُو صَفْوَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏قِصَّةَ الْقِدْرِ ‏ ‏فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَوْ فِي الْحَدِيثِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَلْيَقْعُدْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَوْ لِيَقْعُد \" بِزِيَادَةِ الْأَلِف فِي أَوَّله. ‏ ‏قَوْله ( أُتِيَ بِبَدْرٍ قَالَ اِبْن وَهْب يَعْنِي طَبَقًا ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِسَنَدِ الْحَدِيث الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( فَقَرَّبُوهَا إِلَى بَعْض أَصْحَابه كَانَ مَعَهُ ) ‏ ‏هُوَ مَنْقُول بِالْمَعْنَى لِأَنَّ لَفْظه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" قَرِّبُوهَا لِأَبِي أَيُّوب \" فَكَأَنَّ الرَّاوِي لَمْ يَحْفَظهُ فَكَنَّى عَنْهُ بِذَلِكَ , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ لَا يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَيَّنَهُ فَفِيهِ اِلْتِفَات , لِأَنَّ نَسَق الْعِبَارَة أَنْ يَقُول \" إِلَى بَعْض أَصْحَابِي \" وَيُؤَيِّد أَنَّهُ مِنْ كَلَام الرَّاوِي قَوْله بَعْده \" كَانَ مَعَهُ \". ‏ ‏قَوْله ( فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلهَا ) ‏ ‏فَاعِل كَرِهَ هُوَ أَبُو أَيُّوب وَفِيهِ حَذْف تَقْدِيره \" فَلَمَّا رَآهُ اِمْتَنَعَ مِنْ أَكْلهَا وَأَمَرَ بِتَقْرِيبِهَا إِلَيْهِ , كَرِهَ أَكْلهَا \" وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّقْدِير \" فَلَمَّا رَآهُ لَمْ يَأْكُل مِنْهَا كَرِهَ أَكْلهَا \" وَكَانَ أَبُو أَيُّوب اِسْتَدَلَّ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } عَلَى مَشْرُوعِيَّة مُتَابَعَته فِي جَمِيع أَفْعَاله \" فَلَمَّا اِمْتَنَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَكْل تِلْكَ الْبُقُول تَأَسَّى بِهِ فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْه تَخْصِيصه فَقَالَ : إِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي \" وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم فِي رِوَايَة لَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب كَمَا تَقَدَّمَ فِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الصَّلَاة \" قَبْل \" كِتَاب الْجُمُعَة \" إِنِّي أَخَاف أَنْ أُوذِيَ صَاحِبِي , وَعِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ إِنِّي أَسْتَحْيِي مِنْ مَلَائِكَة اللَّه وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ \" قَالَ اِبْن بَطَّال قَوْله \" قَرِّبُوهَا \" نَصّ عَلَى جَوَاز الْأَكْل , وَكَذَا قَوْله \" فَإِنِّي أُنَاجِي \" إِلَخْ. قُلْت : وَتَكْمِلَته مَا ذَكَرْته وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَفْضِيل الْمَلَك عَلَى الْبَشَر وَفِيهِ نَظَر , لِأَنَّ الْمُرَاد بِمَنْ كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَاجِيهِ مَنْ يَنْزِل عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ وَهُوَ فِي الْأَغْلَب الْأَكْثَر جِبْرِيل , وَلَا يَلْزَم مِنْ وُجُود دَلِيل يَدُلّ عَلَى أَفْضَلِيَّة جِبْرِيل عَلَى مِثْل أَبِي أَيُّوب أَنْ يَكُون أَفْضَل مِمَّنْ هُوَ أَفْضَل مِنْ أَبِي أَيُّوب , وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ نَبِيًّا , وَلَا يَلْزَم مِنْ تَفْضِيل بَعْض الْأَفْرَاد عَلَى بَعْض تَفْضِيل جَمِيع الْجِنْس عَلَى جَمِيع الْجِنْس. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ اِبْن عُفَيْر ) ‏ ‏هُوَ سَعِيد بْن كَثِير بْن عُفَيْر بِمُهْمَلَةٍ وَفَاء مُصَغَّر نُسِبَ لِجَدِّهِ وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ صَرَّحَ بِتَحْدِيثِهِ لَهُ فِي الْمَكَان الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظه , وَسَاقَ عَنْ أَحْمَد بْن صَالِح الَّذِي سَاقَهُ هُنَا قِطْعَة مِنْهُ , وَزَادَ هُنَاكَ عَنْ اللَّيْث وَأَبِي صَفْوَان طَرَفًا مِنْهُ مُعَلَّقًا وَذَكَرْت هُنَاكَ مَنْ وَصَلَهُمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6813",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏وَعَمِّي ‏ ‏قَالَا حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ فَأَمَرَهَا بِأَمْرٍ فَقَالَتْ أَرَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ أَجِدْكَ قَالَ ‏ ‏إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ ‏ ‏زَادَ لَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْتَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبِي وَعَمِّي ) ‏ ‏اِسْم عَمّه يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , قَالَ الدِّمْيَاطِيّ مَاتَ يَعْقُوب سَنَة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ أَصْغَر مِنْ أَخِيهِ سَعْد , اِنْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيّ وَاتَّفَقَا عَلَى أَخِيهِ اِنْتَهَى , وَظَنَّ بَعْض مَنْ نَقَلَ كَلَامه أَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله أَخِيهِ لِيَعْقُوب , وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُون اِتَّفَقَا عَلَى التَّخْرِيج لِسَعْدٍ , ثُمَّ اِعْتَرَضَ بِأَنَّ الْوَاقِع خِلَافه وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ , وَالِاعْتِرَاض سَاقِط , وَالضَّمِير إِنَّمَا هُوَ لِسَعْدٍ وَالْمُتَّفَق عَلَيْهِ يَعْقُوب , وَالضَّمِير فِي قَوْله لِأَقْرَب مَذْكُور وَهُوَ سَعِيد لَا لِيَعْقُوب الْمُحَدَّث عَنْهُ أَوَّلًا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَا حَدَّثَنَا أَبِي ) ‏ ‏أَيْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا ذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ اِمْرَأَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ عَنْ مَنَاقِب الصِّدِّيق شَرْح الْحَدِيث وَأَنَّهَا لَمْ تُسَمَّ ‏ ‏قَوْله ( زَادَ لَنَا الْحُمَيْدِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد إِلَخْ ) ‏ ‏يُرِيد بِالسَّنَدِ الَّذِي قَبْله وَالْمَتْن كُلّه , وَالْمَزِيد هُوَ قَوْله \" كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْت \" وَقَدْ مَضَى فِي مَنَاقِب الصِّدِّيق بِلَفْظِ \" حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيّ وَمُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه قَالَا حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْنُ سَعْد \" وَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ وَفِيهِ الزِّيَادَة , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا قَالَ زَادَنَا , وَزَادَ لَنَا , وَكَذَا زَادَنِي , وَزَادَ لِي , وَيَلْتَحِق بِهِ , قَالَ لَنَا , وَقَالَ لِي , وَمَا أَشْبَههَا , فَهُوَ كَقَوْلِهِ : حَدَّثَنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَنْهُ سَمَاعًا لِأَنَّهُ لَا يَسْتَجِيزهَا فِي الْإِجَازَة وَمَحَلّ الرَّدّ مَا يُشْعِر بِهِ كَلَام الْقَائِل مِنْ التَّعْمِيم , وَقَدْ وُجِدَ لَهُ فِي مَوْضِع زَادَنَا حَدَّثَنَا , وَذَلِكَ لَا يَدْفَع اِحْتِمَال أَنَّهُ كَانَ يَسْتَجِيز فِي الْإِجَازَة أَنْ يَقُول : قَالَ لَنَا , وَلَا يَسْتَجِيز : حَدَّثَنَا , قَالَ اِبْن بَطَّال : اِسْتَدَلَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِظَاهِرِ قَوْلهَا \" فَإِنْ لَمْ أَجِدك \" أَنَّهَا أَرَادَتْ الْمَوْت فَأَمَرَهَا بِإِتْيَانِ أَبِي بَكْر , قَالَ وَكَأَنَّهُ اِقْتَرَنَ بِسُؤَالِهَا حَالَة أَفْهَمَتْ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَنْطِق بِهَا قُلْت : وَإِلَى ذَلِكَ وَقَعَتْ الْإِشَارَة فِي الطَّرِيق الْمَذْكُورَة هُنَا الَّتِي فِيهَا \" كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْت \" لَكِنْ قَوْلهَا \" فَإِنْ لَمْ أَجِدك \" أَعَمّ فِي النَّفْي مِنْ حَال الْحَيَاة وَحَال الْمَوْت ; وَدَلَالَته لَهَا عَلَى أَبِي بَكْر مُطَابِق لِذَلِكَ الْعُمُوم , وَقَوْل بَعْضهمْ هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْر هُوَ الْخَلِيفَة بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحِيح لَكِنْ بِطَرِيقِ الْإِشَارَة لَا التَّصْرِيح , وَلَا يُعَارِض جَزْم عُمَر بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَخْلِف لِأَنَّ مُرَاده نَفْي النَّصّ عَلَى ذَلِكَ صَرِيحًا وَاللَّهُ أَعْلَم. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ مُنَاسَبَة هَذَا الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى خِلَافَة أَبِي بَكْر , وَمُنَاسَبَة الْحَدِيث الَّذِي قَبْله لِأَنَّهُ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَلَك يَتَأَذَّى بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَة. قُلْت : فِي هَذَا الثَّانِي نَظَر لِأَنَّهُ قَالَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث \" فَإِنَّ الْمَلَائِكَة تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَم \" فَهَذَا حُكْم يُعْرَف بِالنَّصِّ , وَالتَّرْجَمَة حُكْم يُعْرَف بِالِاسْتِدْلَالِ , فَاَلَّذِي قَالَهُ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر مُسْتَقِيم بِخِلَافِ هَذَا , وَاَلَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ مِنْ اِسْتِدْلَال أَبِي أَيُّوب عَلَى كَرَاهِيَة أَكْل الثُّوم بِامْتِنَاعِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَة عُمُوم التَّأَسِّي أَقْرَب مِمَّا قَالَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6814",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَهْلُ الْكِتَابِ ‏ ‏يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تُصَدِّقُوا ‏ ‏أَهْلَ الْكِتَابِ ‏ ‏وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ ‏ ‏إِلَيْكُمْ ‏ ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( كَانَ أَهْل الْكِتَاب يَقْرَءُونَ التَّوْرَاة بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَد وَالْمَتْن فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة , وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِأَهْلِ الْكِتَاب الْيَهُود لَكِنَّ الْحُكْم عَامّ فَيَتَنَاوَل النَّصَارَى , ‏ ‏قَوْله ( لَا تُصَدِّقُوا أَهْل الْكِتَاب وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ ) ‏ ‏هَذَا لَا يُعَارِض حَدِيث التَّرْجَمَة فَإِنَّهُ نَهَى عَنْ السُّؤَال وَهَذَا نَهَى عَنْ التَّصْدِيق وَالتَّكْذِيب , فَيُحْمَل الثَّانِي عَلَى مَا إِذَا بَدَأَهُمْ أَهْل الْكِتَاب بِالْخَبَرِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيه النَّهْي عَنْ التَّصْدِيق وَالتَّكْذِيب فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6815",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَيْفَ تَسْأَلُونَ ‏ ‏أَهْلَ الْكِتَابِ ‏ ‏عَنْ شَيْءٍ وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحْدَثُ تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ وَقَدْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ ‏ ‏أَهْلَ الْكِتَابِ ‏ ‏بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ وَغَيَّرُوهُ وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ الْكِتَابَ وَقَالُوا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنْ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا يَسْأَلُكُمْ عَنْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعْد بْن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُورُ قَرِيبًا. ‏ ‏قَوْله ( كَيْف تَسْأَلُونَ أَهْل الْكِتَاب عَنْ شَيْء ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الشَّهَادَات \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة \" عَنْ كُتُبهمْ \". ‏ ‏قَوْله ( وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رَسُوله أَحْدَثُ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا هُنَا وَتَقَدَّمَ بِلَفْظِ \" أَحْدَثُ الْكُتُب \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عِكْرِمَة \" وَعِنْدكُمْ كِتَاب اللَّه أَحْدَثُ الْكُتُب عَهْدًا بِاَللَّهِ \" وَتَقَدَّمَ تَوْجِيه أَحْدَثُ وَيَأْتِي وَقَوْله \" لَا يَنْهَاكُمْ \" اِسْتِفْهَام مَحْذُوف الْأَدَاة بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَات \" أَوْ لَا يَنْهَاكُمْ \" وَقَوْله \" عَنْ مَسْأَلَتهمْ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" عَنْ مُسَاءَلَتهمْ \" بِضَمِّ أَوَّله بِوَزْنِ الْمُفَاعَلَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6816",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏سَلَّامًا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج , وَقَوْله فِي آخِره \" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه سَمِعَ عَبْد الرَّحْمَن \" يَعْنِي اِبْن مَهْدِيّ الْمَذْكُور فِي السَّنَد سَلَّامًا يَعْنِي بِتَشْدِيدِ اللَّام وَهُوَ اِبْن أَبِي مُطِيع , وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَنْ عَمْرو بْن عَلِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَّام بْن أَبِي مُطِيع , وَوَقَعَ هَذَا الْكَلَام لِلْمُسْتَمْلِي وَحْده. ‏"
    },
    {
        "id": "6817",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَارُونَ الْأَعْوَرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عِمْرَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُنْدَبٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ يَزِيد بْن هَارُون إِلَخْ ) ‏ ‏وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ يَزِيد بْن هَارُون لَكِنْ قَالَ عَنْ هَمَّام , ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي النُّعْمَان عَنْ هَارُون الْأَعْوَر , وَتَقَدَّمَ فِي آخِر فَضَائِل الْقُرْآن بَيَان الِاخْتِلَاف عَلَى أَبِي عِمْرَان فِي سَنَد هَذَا الْحَدِيث مَعَ شَرْح الْحَدِيث , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مَاتَ يَزِيد بْن هَارُون سَنَة سِتّ وَمِائَتَيْنِ , فَالظَّاهِر أَنَّ رِوَايَة الْبُخَارِيّ عَنْهُ تَعْلِيق اِنْتَهَى. وَهَذَا لَا يَتَوَقَّف فِيهِ مَنْ اِطَّلَعَ عَلَى تَرْجَمَة الْبُخَارِيّ , فَإِنَّهُ لَمْ يَرْحَلْ مِنْ بُخَارَى إِلَّا بَعْد مَوْت يَزِيد بْنِ هَارُون بِمُدَّةٍ. ‏"
    },
    {
        "id": "6818",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا حُضِرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏إِنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمْ الْقُرْآنُ فَحَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَاخْتَصَمُوا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ ‏ ‏وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ قُومُوا عَنِّي قَالَ ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقُولُ إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَاخْتَلَفَ أَهْل الْبَيْت : اِخْتَصَمُوا ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَهُوَ تَفْسِير لِاخْتَلَفُوا وَلِغَيْرِهِ \" وَاخْتَصَمُوا \" بِالْوَاوِ الْعَاطِفَة وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي آخِر الْمَغَازِي. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عُبَيْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي \" كِتَاب الْعِلْم \" وَفِي أَوَاخِر الْمَغَازِي فِي بَاب الْوَفَاة النَّبَوِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "6819",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ البُرْسَانِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فِي أُنَاسٍ مَعَهُ قَالَ أَهْلَلْنَا ‏ ‏أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي الْحَجِّ خَالِصًا لَيْسَ مَعَهُ عُمْرَةٌ قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏فَقَدِمَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ نَحِلَّ وَقَالَ ‏ ‏أَحِلُّوا وَأَصِيبُوا مِنْ النِّسَاءِ قَالَ ‏ ‏عَطَاءٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ فَبَلَغَهُ أَنَّا نَقُولُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏إِلَّا خَمْسٌ أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا فَنَأْتِي ‏ ‏عَرَفَةَ ‏ ‏تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَذْيَ قَالَ وَيَقُولُ ‏ ‏جَابِرٌ ‏ ‏بِيَدِهِ هَكَذَا وَحَرَّكَهَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ فَحِلُّوا فَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا الْمَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ عَطَاء وَقَالَ جَابِر قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه , وَقَالَ مُحَمَّد بْن بَكْر حَدَّثَنَا اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاء سَمِعْت جَابِر بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏أَمَّا قَوْله \" وَقَالَ جَابِر \" فَهُوَ مَعْطُوف عَلَى شَيْء مَحْذُوف يَظْهَر مِمَّا تَقَدَّمَ فِي بَاب \" مَنْ أَهَلَّ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَإِهْلَالِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مِنْ \" كِتَاب الْحَجّ , وَفِي بَاب \" بَعْث عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَن , مِنْ أَوَاخِر كِتَاب الْمَغَازِي بِهَذَيْنِ السَّنَدَيْنِ مُعَلَّقًا وَمَوْصُولًا , وَلَفْظه \" أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا أَنْ يُقِيم عَلَى إِحْرَامه ) فَذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّة ثُمَّ قَالَ وَقَالَ جَابِر : أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ خَالِصًا , وَأَمَّا التَّعْلِيق فَوَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ الطَّرِيق الْمَذْكُورَة عَنْ مُحَمَّد بْن بَكْر وَخَرَّجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ , وَأَفَادَتْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن بَكْر التَّصْرِيح بِسَمَاعِ عَطَاء مِنْ جَابِر , وَقَوْله \" فِي أُنَاس مَعَهُ \" فِيهِ اِلْتِفَات وَنَسَق الْكَلَام أَنْ يَقُول مَعِي , وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة يَحْيَى الْقَطَّان , وَقَوْله : أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ خَالِصًا لَيْسَ مَعَهُ عُمْرَة. هُوَ مَحْمُول عَلَى مَا كَانُوا ابْتَدَؤُا بِهِ ثُمَّ وَقَعَ الْإِذْن بِإِدْخَالِ الْعُمْرَة عَلَى الْحَجّ وَبِفَسْخِ الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة فَصَارُوا عَلَى ثَلَاثَة أَنْحَاء مِثْل مَا قَالَتْ عَائِشَة ( مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ , وَمِنَّا مَنْ جَمَعَ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مَشْرُوحًا فِي \" كِتَاب الْحَجّ \" وَقَوْله \" وَقَالَ عَطَاء عَنْ جَابِر \" هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( صُبْح رَابِعَة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي حَدِيث أَنَس فِي الْبَاب الْمُشَار إِلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عَطَاء قَالَ جَابِر ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَقَوْله \" وَقَالَ مُحَمَّد بْن بَكْر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ \" هُوَ مَوْصُول عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَمْ يَعْزِم عَلَيْهِمْ ) ‏ ‏أَيْ فِي جِمَاع نِسَائِهِمْ أَيْ لِأَنَّ الْأَمْر الْمَذْكُور إِنَّمَا كَانَ لِلْإِبَاحَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ جَابِر : وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَاب الْمَذْكُور قَالُوا أَيّ الْحِلّ قَالَ : الْحِلُّ كُلُّهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَبَلَغَهُ أَنَّا نَقُول لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْننَا وَبَيْن عَرَفَة إِلَّا خَمْس لَيَالٍ ) ‏ ‏أَيْ أَوَّلهَا لَيْلَة الْأَحَد وَآخِرهَا لَيْلَة الْخَمِيس ; لِأَنَّ تَوَجُّههمْ مِنْ مَكَّة كَانَ عَشِيَّة الْأَرْبِعَاء فَبَاتُوا لَيْلَة الْخَمِيس بِمِنًى وَدَخَلُوا عَرَفَة يَوْم الْخَمِيس. ‏ ‏قَوْله ( فَنَأْتِي عَرَفَة تَقْطُر مَذَاكِيرُنَا الْمَذْيَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" الْمَنِيّ \" وَكَذَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد بِلَفْظِ ( فَيَرُوح أَحَدُنَا إِلَى مِنًى وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا \" وَإِنَّمَا ذَكَرَ مِنًى ; لِأَنَّهُمْ يَتَوَجَّهُونَ إِلَيْهَا قَبْل تَوَجُّههمْ إِلَى عَرَفَة. ‏ ‏قَوْله ( وَيَقُول جَابِر بِيَدِهِ هَكَذَا وَحَرَّكَهَا ) ‏ ‏أَيْ أَمَالَهَا , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد بِلَفْظِ : فَقَالَ جَابِر بِكَفِّهِ. أَيْ أَشَارَ بِكَفِّهِ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذِهِ الْإِشَارَة لِكَيْفِيَّةِ التَّقَطُّر وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِلَى مَحَلّ التَّقَطُّر وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ : يَقُول جَابِر كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يَده يُحَرِّكُهَا , وَهَذَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَرْفُوعًا. ‏ ‏قَوْل ( فَقَامَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة حَمَّاد خَطِيبًا فَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّ أَقْوَامًا يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا. ‏ ‏قَوْله ( قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَصْدَقكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَمَّاد \" وَاَللَّهِ لَأَنَا أَبَرّ وَأَتْقَى لِلَّهِ مِنْهُمْ \". ‏ ‏قَوْله ( وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْت كَمَا تَحِلُّونَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ لَأَحْلَلْت , وَكَذَا مَضَى فِي بَاب ( عُمْرَة التَّنْعِيم مِنْ طَرِيق حَبِيب الْمُعَلِّم \" عَنْ عَطَاء عَنْ جَابِر وَهُمَا لُغَتَانِ : حَلَّ وَأَحَلَّ وَتَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث هُنَاكَ , إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِيهِ كَلَام جَابِر بِتَمَامِهِ وَلَا الْخُطْبَة. ‏ ‏قَوْل ( فَحِلُّوا ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِصِيغَةِ الْأَمْر مِنْ حَلَّ. ‏ ‏وَقَوْله ( فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَأَحْلَلْنَا ‏"
    },
    {
        "id": "6820",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحُسَيْنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ بُرَيْدَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَبْد الْوَارِث ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد ‏ ‏\" وَحُسَيْن \" ‏ ‏هُوَ اِبْن ذَكْوَانَ الْمُعَلِّم , وَوَقَعَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَ ‏ ‏( اِبْن بُرَيْدَةَ , هُوَ عَبْد اللَّه وَ \" عَبْد اللَّه الْمُزَنِيُّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مُغَفَّل بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاء الثَّقِيلَة , وَوَقَعَ بَيَانه فِي ( كِتَاب الصَّلَاة \" وَبَيَّنَ الْإِسْمَاعِيلِيّ سَبَب الِاقْتِصَار عَلَى قَوْله عَنْ عَبْد اللَّه دُون ذِكْر أَبِيهِ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عُبَيْد بْن حَسَّان عَنْ عَبْد الْوَارِث فَقَالَ فِيهِ : \" عَنْ عَبْد اللَّه الْمُزَنِيِّ ) كَاَلَّذِي هُنَا وَقَالَ : كَتَبْته فَنَسِيته لَا أَدْرِي اِبْن مُغَفَّل أَوْ اِبْن مَعْقِل أَيْ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاء أَوْ الْمُهْمَلَة وَالْقَاف , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث فِي بَاب كَمْ بَيْن الْأَذَان وَالْإِقَامَة مِنْ \" كِتَاب الصَّلَاة \" وَمَوْضِع التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْله فِي آخِره \" لِمَنْ شَاءَ \" فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْأَمْر حَقِيقَة فِي الْوُجُوب فَلِذَلِكَ أَرْدَفَهُ بِمَا يَدُلّ عَلَى التَّخْيِير بَيْن الْفِعْل وَالتَّرْك فَكَانَ ذَلِكَ صَارِفًا لِلْحَمْلِ عَلَى الْوُجُوب. ‏ ‏قَوْله ( خَشْيَة أَنْ يَتَّخِذهَا النَّاس سُنَّة ) ‏ ‏أَيْ طَرِيقَة لَازِمَة لَا يَجُوز تَرْكهَا , أَوْ سُنَّة رَاتِبَة يُكْرَه تَرْكهَا وَلَيْسَ الْمُرَاد مَا يُقَابِل الْوُجُوب لِمَا تَقَدَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6821",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأُوَيْسِيُّ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏وَابْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ ‏ ‏وَعُبَيْدُ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ ‏ ‏الْإِفْكِ ‏ ‏مَا قَالُوا قَالَتْ وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏ ‏حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْأَلُهُمَا وَهُوَ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ فَأَمَّا ‏ ‏أُسَامَةُ ‏ ‏فَأَشَارَ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ وَأَمَّا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَقَالَ لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ وَسَلْ ‏ ‏الْجَارِيَةَ ‏ ‏تَصْدُقْكَ فَقَالَ هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ قَالَتْ مَا رَأَيْتُ أَمْرًا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا ‏ ‏جَارِيَةٌ ‏ ‏حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ‏ ‏مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا فَذَكَرَ بَرَاءَةَ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6822",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الْغَسَّانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ ‏ ‏مَا تُشِيرُونَ عَلَيَّ فِي قَوْمٍ يَسُبُّونَ أَهْلِي مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُوءٍ قَطُّ وَعَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ ‏ ‏قَالَ لَمَّا أُخْبِرَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏بِالْأَمْرِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَهْلِي فَأَذِنَ لَهَا وَأَرْسَلَ مَعَهَا الْغُلَامَ وَقَالَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏سُبْحَانَكَ ‏ { ‏مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مَا تُشِيرُونَ عَلَيَّ ) ‏ ‏هَكَذَا هُنَا بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَام , وَتَقَدَّمَ فِي طَرِيق أَبِي أُسَامَة بِصِيغَةِ الْأَمْر \" أَشِيرُوا عَلَيَّ \" وَالْحَاصِل أَنَّهُ اِسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَفْعَل بِمَنْ قَذَفَ عَائِشَة , فَأَشَارَ عَلَيْهِ سَعْد بْن مُعَاذ وَأُسَيْد بْن حُضَيْرٍ بِأَنَّهُمْ وَاقِفُونَ عِنْد أَمْره مُوَافِقُونَ لَهُ فِيمَا يَقُول وَيَفْعَل , وَوَقَعَ النِّزَاع فِي ذَلِكَ بَيْن السَّعْدَيْنِ , فَلَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي بِبَرَاءَتِهَا أَقَامَ حَدّ الْقَذْف عَلَى مَنْ وَقَعَ مِنْهُ. وَقَوْله \" يَسُبُّونَ أَهْلِي \" كَذَا هُنَا بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَة الثَّقِيلَة مِنْ السَّبّ , وَتَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير بِلَفْظِ \" أَبْنُوا \" بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ نُون , وَتَقَدَّمَ تَفْسِيره هُنَاكَ وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالسَّبِّ. ‏ ‏قَوْله ( مَا عَلِمْت عَلَيْهِمْ مِنْ سُوء قَطُّ ) ‏ ‏يَعْنِي أَهْله وَجَمَعَ بِاعْتِبَارِ لَفْظ الْأَهْل , وَالْقِصَّة إِنَّمَا كَانَتْ لِعَائِشَة وَحْدهَا لَكِنْ لَمَّا كَانَ يَلْزَم مِنْ سَبّهَا سَبّ أَبَوَيْهَا وَمَنْ هُوَ بِسَبِيلٍ مِنْهَا ; وَكُلّهمْ كَانُوا بِسَبَبِ عَائِشَة مَعْدُودِينَ فِي أَهْله صَحَّ الْجَمْع , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيث الْهِجْرَة الطَّوِيل قَوْل أَبِي بَكْر \" إِنَّمَا هُمْ أَهْلك يَا رَسُول اللَّه \" يَعْنِي عَائِشَة وَأُمّهَا وَأَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر. ‏ ‏قَوْله ( وَعَنْ عُرْوَة ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَقَوْله \" أُخْبِرَتْ \" بِضَمِّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَسْمِيَة مَنْ أَخْبَرَهَا بِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَهْلِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة \" أَرْسِلْنِي إِلَى بَيْت أَبِي \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار إِلَخْ ) ‏ ‏وَقَعَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ أَبُو أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيقه , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَد الشَّامِيِّينَ وَأَبُو بَكْر الْآجُرِّيّ فِي طُرُق حَدِيث الْإِفْك , مِنْ طَرِيق عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة , وَتَقَدَّمَ فِي شَرْحه فِي التَّفْسِير أَنَّ أُسَامَة بْن زَيْد قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا لَكِنْ لَيْسَ هُوَ أَنْصَارِيًّا , وَفِي رِوَايَتنَا فِي فَوَائِد مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْمَعْرُوف بِابْنِ أَخِي مِيمِي مِنْ مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَغَيْره , وَكَانَ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَمِعَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَالَا سُبْحَانك هَذَا بُهْتَان عَظِيم , زَيْد بْن حَارِثَة وَأَبُو أَيُّوب , وَزَيْد أَيْضًا لَيْسَ أَنْصَارِيًّا , وَفِي تَفْسِير سُنَيْد مِنْ مُرْسَل سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّ سَعْد بْنَ مُعَاذ لَمَّا سَمِعَ مَا قِيلَ فِي أَمْر عَائِشَة قَالَ \" سُبْحَانك هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ \" وَفِي الْإِكْلِيل لِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيق الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ ذَلِكَ , وَحُكِيَ عَنْ الْمُبْهَمَات لِابْنِ بَشْكُوَال وَلَمْ أَرَهُ أَنَا فِيهَا أَنَّ قَتَادَةَ بْن النُّعْمَان قَالَ ذَلِكَ \" فَإِنْ ثَبَتَ فَقَدْ اِجْتَمَعَ مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ سِتَّة : أَرْبَعَة مِنْ الْأَنْصَار وَمُهَاجِرِّيَانِ \". ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ فِي هَذِهِ الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة تَقْدِيم وَتَأْخِير وَالْخَطْبُ فِيهَا سَهْلٌ ‏ ‏( خَاتِمَةٌ ) : ‏ ‏اِشْتَمَلَ \" كِتَاب الِاعْتِصَام \" مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة وَمَا فِي حُكْمهَا عَلَى مِائَة وَسَبْعَة وَعِشْرِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْمُتَابَعَة سِتَّة وَعِشْرُونَ حَدِيثًا وَسَائِرهَا مَوْصُول , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَة حَدِيث وَعَشَرَة أَحَادِيث وَالْبَاقِي خَالِص , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , كُلّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّة إِلَّا مَنْ أَبَى , وَحَدِيث عُمَر : نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّف , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : فِي مَأْخَذ الْقُرُون , وَحَدِيث عَائِشَة : فِي الرِّفْق وَحَدِيثهَا : لَا أُزَكَّى بِهِ ; وَحَدِيث عُثْمَان : فِي الْخُطْبَة , وَحَدِيث أَبِي سَلَمَة الْمُرْسَل : فِي الِاجْتِهَاد , وَحَدِيث : الْمُشَاوَرَة فِي الْخُرُوج إِلَى أُحُد , وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدهمْ سِتَّة عَشَر أَثَرًا وَاللَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى الْهَادِي إِلَى الصَّوَاب ‏"
    },
    {
        "id": "6823",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْبَدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏إِلَى ‏ ‏الْيَمَنِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مُعَاذ بْن جَبَل فِي بَعْثه إِلَى الْيَمَن , أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ الْأُولَى أَعْلَى مِنْ الثَّانِيَة , وَقَدْ أَوْرَدَ الطَّرِيق الْعَالِيَة فِي ( كِتَاب الزَّكَاة ) وَسَاقَهَا هُنَاكَ عَلَى لَفْظ أَبِي عَاصِم رَاوِيهَا , وَذَكَرَهُ هُنَاكَ مِنْ وَجْه آخَر بِنُزُولٍ , وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي الْأَسْوَد شَيْخه فِي هَذَا الْبَاب هُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي الْأَسْوَد يُنْسَب إِلَى جَدّه وَاسْمه حُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَد , وَ \" الْفَضْل بْن الْعَلَاء \" يُكَنَّى أَبَا الْعَلَاء وَيُقَال أَبُو الْعَبَّاس وَهُوَ كُوفِيّ نَزَلَ الْبَصْرَة وَثَّقَهُ عَلِيُّ بْن الْمَدِينِيّ , وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ شَيْخ يُكْتَب حَدِيثه , وَقَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِهِ بَأْس , وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : كَثِير الْوَهْم. قُلْت : وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع وَقَدْ قَرَنَهُ بِغَيْرِهِ وَلَكِنَّهُ سَاقَ الْمَتْن هُنَا عَلَى لَفْظه. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي مَعْبَد ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة ثُمَّ مُوَحَّدَة , وَفِي بَعْض النُّسَخ عَنْ أَبِي سَعِيد وَهُوَ تَصْحِيف , وَكَأَنَّ الْمِيم اِنْفَتَحَتْ فَصَارَتْ تُشْبِه السِّين. ‏"
    },
    {
        "id": "6824",
        "content": "‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا مَعْبَدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ‏ ‏إِلَى نَحْوِ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏قَالَ لَهُ ‏ ‏إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ ‏ ‏كَرَائِمَ ‏ ‏أَمْوَالِ النَّاسِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت اِبْن عَبَّاس لَمَّا بَعَثَ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِحَذْفٍ. ‏ ‏( قَالَ أَوْ يَقُول ) ‏ ‏وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَة بِحَذْفِهِ خَطًّا وَيُقَال يُشْتَرَط النُّطْق بِهِ. ‏ ‏قَوْله ( لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذ بْن جَبَل إِلَى نَحْو أَهْل الْيَمَن ) ‏ ‏أَيْ إِلَى جِهَة أَهْل الْيَمَن , وَهَذِهِ الرِّوَايَة تُقَيِّدُ الرِّوَايَة الْمُطْلَقَة بِلَفْظِ \" حِين بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَن \" فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ لَفْظ الْيَمَن مِنْ بَاب حَذْف الْمُضَاف وَإِقَامَة الْمُضَاف إِلَيْهِ مَقَامه , أَوْ مِنْ إِطْلَاق الْعَامّ وَإِرَادَة الْخَاصّ , أَوْ لِكَوْنِ اِسْم الْجِنْس يُطْلَق عَلَى بَعْضه كَمَا يُطْلَق عَلَى كُلّه , وَالرَّاجِح أَنَّهُ مِنْ حَمْل الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ هَذِهِ الرِّوَايَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَاب بَعْث أَبِي مُوسَى وَمُعَاذ إِلَى الْيَمَن فِي أَوَاخِر \" الْمَغَازِي \" مِنْ رِوَايَة أَبِي بُرْدَة بْن أَبِي مُوسَى , وَبَعَثَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَاف قَالَ \" وَالْيَمَن مِخْلَافَانِ \" وَتَقَدَّمَ ضَبْط الْمِخْلَاف وَشَرْحه هُنَاكَ , ثُمَّ قَوْله \" إِلَى أَهْل الْيَمَن \" مِنْ إِطْلَاق الْكُلّ وَإِرَادَة الْبَعْض ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا بَعَثَهُ إِلَى بَعْضهمْ لَا إِلَى جَمِيعهمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْخَبَر عَلَى عُمُومه فِي الدَّعْوَى إِلَى الْأُمُور الْمَذْكُورَة وَإِنْ كَانَتْ إِمْرَة مُعَاذ إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى جِهَة مِنْ الْيَمَن مَخْصُوصَة. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّك تَقْدَمُ عَلَى قَوْم مِنْ أَهْل الْكِتَاب ) ‏ ‏هُمْ الْيَهُود , وَكَانَ اِبْتِدَاء دُخُول الْيَهُودِيَّة الْيَمَن فِي زَمَن أَسْعَد ذِي كَرِب وَهُوَ تُبَّع الْأَصْغَر كَمَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق مُطَوَّلًا فِي السِّيرَة , فَقَامَ الْإِسْلَام وَبَعْض أَهْل الْيَمَن عَلَى الْيَهُودِيَّة , وَدَخَلَ دِين النَّصْرَانِيَّة إِلَى الْيَمَن بَعْد ذَلِكَ لَمَّا غَلَبَتْ الْحَبَشَة عَلَى الْيَمَن , وَكَانَ مِنْهُمْ إِبْرَهَة صَاحِب الْفِيل الَّذِي غَزَا مَكَّة وَأَرَادَ هَدْم الْكَعْبَة حَتَّى أَجْلَاهُمْ عَنْهَا سَيْف بْن ذِي يَزَن , كَمَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق مَبْسُوطًا أَيْضًا , وَلَمْ يَبْقَ بَعْد ذَلِكَ بِالْيَمَنِ أَحَد مِنْ النَّصَارَى أَصْلًا إِلَّا بِنَجْرَان وَهِيَ بَيْن مَكَّة وَالْيَمَن , وَبَقِيَ بِبَعْضِ بِلَادهَا قَلِيل مِنْ الْيَهُود. ‏ ‏قَوْله ( فَلْيَكُنْ أَوَّل مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّه فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ ) ‏ ‏مَضَى فِي وَسَط الزَّكَاة مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة عَنْ يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بِلَفْظِ \" فَلْيَكُنْ أَوَّل مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَة اللَّه فَإِذَا عَرَفُوا اللَّه \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ الشَّيْخ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَنْهُ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ أَوَّل وَاجِب الْمَعْرِفَة كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى الْإِتْيَان بِشَيْءٍ مِنْ الْمَأْمُورَات عَلَى قَصْد الِامْتِثَال , وَلَا الِانْكِفَاف عَنْ شَيْء مِنْ الْمَنْهِيَّات عَلَى قَصْد الِانْزِجَار إِلَّا بَعْد مَعْرِفَة الْآمِر وَالنَّاهِي , وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمَعْرِفَة لَا تَتَأَتَّى إِلَّا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَال , وَهُوَ مُقَدِّمَة الْوَاجِب فَيَجِب فَيَكُون أَوَّل وَاجِب النَّظَر , وَذَهَبَ إِلَى هَذَا طَائِفَة كَابْنِ فَوْرَك , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّظَر ذُو أَجْزَاء يَتَرَتَّب بَعْضهَا عَلَى بَعْض , فَيَكُون أَوَّل وَاجِب جُزْء مِنْ النَّظَر وَهُوَ مَحْكِيّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْر بْن الطَّيِّب وَعَنْ الْأُسْتَاذ أَبِي إِسْحَاق الْإِسْفَرَايِينِيّ أَوَّل وَاجِب الْقَصْد إِلَى النَّظَر , وَجَمَعَ بَعْضهمْ بَيْن هَذِهِ الْأَقْوَال بِأَنَّ مَنْ قَالَ أَوَّل وَاجِب الْمَعْرِفَة أَرَادَ طَلَبًا وَتَكْلِيفًا , وَمَنْ قَالَ النَّظَر أَوْ الْقَصْد أَرَادَ اِمْتِثَالًا ; لِأَنَّهُ يُسَلَّم أَنَّهُ وَسِيلَة إِلَى تَحْصِيل الْمَعْرِفَة , فَيَدُلّ ذَلِكَ عَلَى سَبْق وُجُوب الْمَعْرِفَة , وَقَدْ ذَكَرْت فِي \" كِتَاب الْإِيمَان \" مَنْ أَعْرَضَ عَنْ هَذَا مِنْ أَصْله وَتَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا } وَحَدِيث \" كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة \" فَإِنَّ ظَاهِر الْآيَة وَالْحَدِيث أَنَّ الْمَعْرِفَة حَاصِلَة بِأَصْلِ الْفِطْرَة , وَأَنَّ الْخُرُوج عَنْ ذَلِكَ يَطْرَأ عَلَى الشَّخْص لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام \" فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ \" وَقَدْ وَافَقَ أَبُو جَعْفَر السِّمْنَانِيّ وَهُوَ مِنْ رُءُوس الْأَشَاعِرَة عَلَى هَذَا وَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَة بَقِيَتْ فِي مَقَالَة الْأَشْعَرِيّ مِنْ مَسَائِل الْمُعْتَزِلَة ; وَتَفَرَّعَ عَلَيْهَا أَنَّ الْوَاجِب عَلَى كُلّ أَحَد مَعْرِفَة اللَّه بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّة عَلَيْهِ , وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي التَّقْلِيد فِي ذَلِكَ اِنْتَهَى. وَقَرَأْت فِي جُزْء مِنْ كَلَام شَيْخ شَيْخنَا الْحَافِظ صَلَاح الدِّين الْعَلَائِيّ مَا مُلَخَّصه : أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَة مِمَّا تَنَاقَضَتْ فِيهَا الْمَذَاهِب وَتَبَايَنَتْ بَيْن مُفْرِط وَمُفَرِّط وَمُتَوَسِّط , فَالطَّرَف الْأَوَّل قَوْل مَنْ قَالَ يَكْفِي التَّقْلِيد الْمَحْض فِي إِثْبَات وُجُود اللَّه تَعَالَى وَنَفْي الشَّرِيك عَنْهُ , وَمِمَّنْ نُسِبَ إِلَيْهِ إِطْلَاق ذَلِكَ عُبَيْد اللَّه بْن الْحَسَن الْعَنْبَرِيّ وَجَمَاعَة مِنْ الْحَنَابِلَة وَالظَّاهِرِيَّة , وَمِنْهُمْ مَنْ بَالَغَ فَحَرَّمَ النَّظَر فِي الْأَدِلَّة وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا ثَبَتَ عَنْ الْأَئِمَّة الْكِبَار مِنْ ذَمّ الْكَلَام كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه. وَالطَّرَف الثَّانِي : قَوْل مَنْ وَقَفَ صِحَّة إِيمَان كُلّ أَحَد عَلَى مَعْرِفَة الْأَدِلَّة مِنْ عِلْم الْكَلَام , وَنُسِبَ ذَلِكَ لِأَبِي إِسْحَاق الْإِسْفَرَايِينِيّ , وَقَالَ الْغَزَالِيّ : أَسْرَفَتْ طَائِفَة فَكَفَّرُوا عَوَامّ الْمُسْلِمِينَ , وَزَعَمُوا أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِف الْعَقَائِد الشَّرْعِيَّة بِالْأَدِلَّةِ الَّتِي حَرَّرُوهَا فَهُوَ كَافِر , فَضَيَّقُوا رَحْمَة اللَّه الْوَاسِعَة وَجَعَلُوا الْجَنَّة مُخْتَصَّة بِشِرْذِمَةٍ يَسِيرَة مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ , وَذَكَرَ نَحْوه أَبُو الْمُظَفَّر بْن السَّمْعَانِيّ وَأَطَالَ فِي الرَّدّ عَلَى قَائِله , وَنَقَلَ عَنْ أَكْثَر أَئِمَّة الْفَتْوَى أَنَّهُمْ قَالُوا : لَا يَجُوز أَنْ تُكَلِّف الْعَوَامّ اِعْتِقَاد الْأُصُول بِدَلَائِلِهَا ; لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّة أَشَدّ مِنْ الْمَشَقَّة فِي تَعَلُّم الْفُرُوع الْفِقْهِيَّة. ‏ ‏وَأَمَّا الْمَذْهَب الْمُتَوَسِّط فَذَكَرَهُ وَسَأَذْكُرُهُ مُلَخَّصًا بَعْد هَذَا , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهِم : فِي شَرْح حَدِيث \" أَبْغَض الرِّجَال إِلَى اللَّه الْأَلَدُّ الْخَصِمُ \" الَّذِي تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَثْنَاء \" كِتَاب الْأَحْكَام \" وَهُوَ فِي أَوَائِل \" كِتَاب الْعِلْم \" مِنْ صَحِيح مُسْلِم , هَذَا الشَّخْص الَّذِي يَبْغَضهُ اللَّه هُوَ الَّذِي يَقْصِد بِخُصُومَتِهِ مُدَافَعَة الْحَقّ وَرَدّه بِالْأَوْجُهِ الْفَاسِدَة وَالشُّبَه الْمُوهِمَة , وَأَشَدّ ذَلِكَ الْخُصُومَة فِي أُصُول الدِّين , كَمَا يَقَع لِأَكْثَر الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُعْرِضِينَ عَنْ الطُّرُق الَّتِي أَرْشَدَ إِلَيْهَا كِتَاب اللَّه وَسُنَّة رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَف أُمَّته , إِلَى طُرُق مُبْتَدَعَة وَاصْطِلَاحَات مُخْتَرَعَة وَقَوَانِين جَدَلِيَّة وَأُمُور صِنَاعِيَّة مَدَار أَكْثَرهَا عَلَى آرَاء سُوفِسْطَائِيَّة , أَوْ مُنَاقَضَات لَفْظِيَّة يَنْشَأ بِسَبَبِهَا عَلَى الْآخِذ فِيهَا شُبَه رُبَّمَا يَعْجِز عَنْهَا , وَشُكُوك يَذْهَب الْإِيمَان مَعَهَا , وَأَحْسَنهمْ اِنْفِصَالًا عَنْهَا أَجَدْلهمْ لَا أَعْلَمهُمْ , فَكَمْ مِنْ عَالِم بِفَسَادِ الشُّبْهَة لَا يَقْوَى عَلَى حَلّهَا , وَكَمْ مِنْ مُنْفَصِل عَنْهَا لَا يُدْرِك حَقِيقَة عِلْمهَا ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ اِرْتَكَبُوا أَنْوَاعًا مِنْ الْمُحَال لَا يَرْتَضِيهَا الْبُلْه وَلَا الْأَطْفَال , لَمَّا بَحَثُوا عَنْ تَحَيُّز الْجَوَاهِر وَالْأَلْوَان وَالْأَحْوَال , فَأَخَذُوا فِيمَا أَمْسَكَ عَنْهُ السَّلَف الصَّالِح مِنْ كَيْفِيَّات تَعَلُّقَات صِفَات اللَّه تَعَالَى وَتَعْدِيدهَا وَاتِّحَادهَا فِي نَفْسهَا , وَهَلْ هِيَ الذَّات أَوْ غَيْرهَا وَفِي الْكَلَام : هَلْ هُوَ مُتَّحِد أَوْ مُنْقَسِم , وَعَلَى الثَّانِي : هَلْ يَنْقَسِم بِالنَّوْعِ أَوْ الْوَصْف , وَكَيْف تَعَلَّقَ فِي الْأَزَل بِالْمَأْمُورِ مَعَ كَوْنه حَادِثًا , ثُمَّ إِذَا اِنْعَدَمَ الْمَأْمُور هَلْ يَبْقَى التَّعَلُّق , وَهَلْ الْأَمْر لِزَيْدٍ بِالصَّلَاةِ مَثَلًا هُوَ نَفْس الْأَمْر لِعَمْرٍو بِالزَّكَاةِ إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا اِبْتَدَعُوهُ مِمَّا لَمْ يَأْمُر بِهِ الشَّارِع وَسَكَتَ عَنْهُ الصَّحَابَة وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلهمْ , بَلْ نَهَوْا عَنْ الْخَوْض فِيهَا لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ بَحْثٌ عَنْ كَيْفِيَّة مَا لَا تُعْلَم كَيْفِيَّته بِالْعَقْلِ ; لِكَوْنِ الْعُقُول لَهَا حَدّ تَقِف عِنْده , وَلَا فَرْق بَيْن الْبَحْث عَنْ كَيْفِيَّة الذَّات وَكَيْفِيَّة الصِّفَات , وَمَنْ تَوَقَّفَ فِي هَذَا فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ حُجِبَ عَنْ كَيْفِيَّة نَفْسه مَعَ وُجُودهَا , وَعَنْ كَيْفِيَّة إِدْرَاك مَا يُدْرِك بِهِ فَهُوَ عَنْ إِدْرَاك غَيْره أَعْجَز , وَغَايَة عِلْم الْعَالِم أَنْ يَقْطَع بِوُجُودِ فَاعِل لِهَذِهِ الْمَصْنُوعَات مُنَزَّه عَنْ الشَّبِيه مُقَدَّس عَنْ النَّظِير مُتَّصِف بِصِفَاتِ الْكَمَال , ثُمَّ مَتَى ثَبَتَ النَّقْل عَنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَوْصَافه وَأَسْمَائِهِ قَبِلْنَاهُ وَاعْتَقَدْنَاهُ وَسَكَتْنَا عَمَّا عَدَاهُ , كَمَا هُوَ طَرِيق السَّلَف , وَمَا عَدَاهُ لَا يَأْمَن صَاحِبه مِنْ الزَّلَل , وَيَكْفِي فِي الرَّدْع عَنْ الْخَوْض فِي طُرُق الْمُتَكَلِّمِينَ مَا ثَبَتَ عَنْ الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمِينَ كَعُمَر بْنِ عَبْد الْعَزِيز وَمَالِك بْن أَنَس وَالشَّافِعِيّ , وَقَدْ قَطَعَ بَعْض الْأَئِمَّة بِأَنَّ الصَّحَابَة لَمْ يَخُوضُوا فِي الْجَوْهَر وَالْعَرَض وَمَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ مِنْ مَبَاحِث الْمُتَكَلِّمِينَ , فَمَنْ رَغِبَ عَنْ طَرِيقهمْ فَكَفَاهُ ضَلَالًا , قَالَ : وَأَفْضَى الْكَلَام بِكَثِيرٍ مِنْ أَهْله إِلَى الشَّكّ , وَبِبَعْضِهِمْ إِلَى الْإِلْحَاد وَبِبَعْضِهِمْ إِلَى التَّهَاوُن بِوَظَائِف الْعِبَادَات , وَسَبَب ذَلِكَ إِعْرَاضهمْ عَنْ نُصُوص الشَّارِع وَتَطَلُّبهمْ حَقَائِق الْأُمُور مِنْ غَيْره , وَلَيْسَ فِي قُوَّة الْعَقْل مَا يُدْرِك مَا فِي نُصُوص الشَّارِع مِنْ الْحِكَم الَّتِي اِسْتَأْثَرَ بِهَا , وَقَدْ رَجَعَ كَثِير مِنْ أَئِمَّتهمْ عَنْ طَرِيقهمْ , حَتَّى جَاءَ عَنْ إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ قَالَ \" رَكِبْت الْبَحْر الْأَعْظَم , وَغُصْت فِي كُلّ شَيْء نَهَى عَنْهُ أَهْل الْعِلْم فِي طَلَب الْحَقّ فِرَارًا مِنْ التَّقْلِيد وَالْآن فَقَدْ رَجَعْت وَاعْتَقَدْت مَذْهَب السَّلَف \" هَذَا كَلَامه أَوْ مَعْنَاهُ وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ عِنْد مَوْته \" يَا أَصْحَابنَا لَا تَشْتَغِلُوا بِالْكَلَامِ , فَلَوْ عَرَفْت أَنَّهُ يَبْلُغ بِي مَا بَلَغْت مَا تَشَاغَلْت بِهِ \" إِلَى أَنْ قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَام إِلَّا مَسْأَلَتَانِ هُمَا مِنْ مَبَادِئِهِ لَكَانَ حَقِيقًا بِالذَّمِّ : إِحْدَاهُمَا قَوْل بَعْضهمْ إِنَّ أَوَّل وَاجِب الشَّكّ إِذْ هُوَ اللَّازِم عَنْ وُجُوب النَّظَر أَوْ الْقَصْد إِلَى النَّظَر , وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْإِمَام بِقَوْلِهِ : رَكِبْت الْبَحْر. ثَانِيَتهمَا قَوْل جَمَاعَة مِنْهُمْ إِنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِف اللَّه بِالطُّرُقِ الَّتِي رَتَّبُوهَا وَالْأَبْحَاث الَّتِي حَرَّرُوهَا لَمْ يَصِحّ إِيمَانه , حَتَّى لَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى بَعْضهمْ أَنَّ هَذَا يَلْزَم مِنْهُ تَكْفِير أَبِيك وَأَسْلَافك وَجِيرَانك , فَقَالَ لَا تُشَنِّعُ عَلَيَّ بِكَثْرَةِ أَهْل النَّار , قَالَ وَقَدْ رَدَّ بَعْض مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِمَا عَلَى مَنْ قَالَ بِهِمَا بِطَرِيقٍ مِنْ الرَّدّ النَّظَرِيّ وَهُوَ خَطَأ مِنْهُ , فَإِنَّ الْقَائِل بِالْمَسْأَلَتَيْن كَافِر شَرْعًا , لِجَعْلِهِ الشَّكّ فِي اللَّه وَاجِبًا , وَمُعْظَم الْمُسْلِمِينَ كُفَّارًا حَتَّى يَدْخُل فِي عُمُوم كَلَامه السَّلَف الصَّالِح مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَهَذَا مَعْلُوم الْفَسَاد مِنْ الدِّين بِالضَّرُورَةِ , وَإِلَّا فَلَا يُوجَد فِي الشَّرْعِيَّات ضَرُورِيّ , وَخَتَمَ الْقُرْطُبِيّ كَلَامه بِالِاعْتِذَارِ عَنْ إِطَالَة النَّفَس فِي هَذَا الْمَوْضِع لِمَا شَاعَ بَيْن النَّاس مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَة حَتَّى اِغْتَرَّ بِهَا كَثِير مِنْ الْأَغْمَار فَوَجَبَ بَذْل النَّصِيحَة , وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاء اِنْتَهَى. وَقَالَ الْآمِدِيُّ فِي أَبْكَار الْأَفْكَار : ذَهَبَ أَبُو هَاشِم مِنْ الْمُعْتَزِلَة إِلَى أَنَّ مَنْ لَا يَعْرِف اللَّه بِالدَّلِيلِ فَهُوَ كَافِر ; لِأَنَّ ضِدّ الْمَعْرِفَة النَّكِرَة وَالنَّكِرَة كُفْر , قَالَ : وَأَصْحَابنَا مُجْمِعُونَ عَلَى خِلَافه وَإِنَّمَا اِخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ الِاعْتِقَاد مُوَافِقًا لَكِنْ عَنْ غَيْر دَلِيل , فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّ صَاحِبه مُؤْمِن عَاصٍ بِتَرْكِ النَّظَر الْوَاجِب , وَمِنْهُمْ مَنْ اِكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الِاعْتِقَاد الْمُوَافِق وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ دَلِيل وَسَمَّاهُ عِلْمًا , وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَم مِنْ حُصُول الْمَعْرِفَة بِهَذَا الطَّرِيق وُجُوب النَّظَر , وَقَالَ غَيْره : مَنْ مَنَعَ التَّقْلِيد وَأَوْجَبَ الِاسْتِدْلَال لَمْ يُرِدْ التَّعَمُّق فِي طَرِيق الْمُتَكَلِّمِينَ , بَلْ اِكْتَفَى بِمَا لَا يَخْلُو عَنْهُ مَنْ نَشَأَ بَيْن الْمُسْلِمِينَ مِنْ الِاسْتِدْلَال بِالْمَصْنُوعِ عَلَى الصَّانِع , وَغَايَته أَنَّهُ يَحْصُل فِي الذِّهْن مُقَدِّمَات ضَرُورِيَّة تَتَأَلَّف تَأَلُّفًا صَحِيحًا وَتُنْتِج الْعِلْم ; لَكِنَّهُ لَوْ سُئِلَ كَيْف حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ مَا اِهْتَدَى لِلتَّعْبِيرِ بِهِ , وَقِيلَ الْأَصْل فِي هَذَا كُلّه الْمَنْع مِنْ التَّقْلِيد فِي أُصُول الدِّين وَقَدْ اِنْفَصَلَ بَعْض الْأَئِمَّة عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالتَّقْلِيدِ أَخْذ قَوْل الْغَيْر بِغَيْرِ حُجَّة , وَمَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ حُجَّة بِثُبُوتِ النُّبُوَّة حَتَّى حَصَلَ لَهُ الْقَطْع بِهَا , فَمَهْمَا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَقْطُوعًا عِنْده بِصِدْقِهِ فَإِذَا اِعْتَقَدَهُ لَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذ بِقَوْلِ غَيْره بِغَيْرِ حُجَّة , وَهَذَا مُسْتَنَد السَّلَف قَاطِبَة فِي الْأَخْذ بِمَا ثَبَتَ عِنْدهمْ مِنْ آيَات الْقُرْآن وَأَحَادِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَتَعَلَّق بِهَذَا الْبَاب , فَآمَنُوا بِالْمُحْكَمِ مِنْ ذَلِكَ وَفَوَّضُوا أَمْر الْمُتَشَابِه مِنْهُ إِلَى رَبّهمْ , وَإِنَّمَا قَالَ مَنْ قَالَ إِنَّ مَذْهَب الْخَلَف أَحْكَم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّدّ عَلَى مَنْ لَمْ يُثْبِت النُّبُوَّة , فَيَحْتَاج مَنْ يُرِيد رُجُوعه إِلَى الْحَقّ أَنْ يُقِيم عَلَيْهِ الْأَدِلَّة إِلَى أَنْ يُذْعِن فَيُسَلِّم أَوْ يُعَانِد فَيَهْلِك , بِخِلَافِ الْمُؤْمِن فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاج فِي أَصْل إِيمَانه إِلَى ذَلِكَ , وَلَيْسَ سَبَب الْأَوَّل إِلَّا جَعْل الْأَصْل عَدَم الْإِيمَان فَلَزِمَ إِيجَاب النَّظَر الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَعْرِفَة وَإِلَّا فَطَرِيق السَّلَف أَسْهَل مِنْ هَذَا كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحه مِنْ الرُّجُوع إِلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوص حَتَّى يَحْتَاج إِلَى مَا ذَكَرَ مِنْ إِقَامَة الْحُجَّة عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ , فَاخْتَلَطَ الْأَمْر عَلَى مَنْ اِشْتَرَطَ ذَلِكَ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَان. وَاحْتَجَّ بَعْض مَنْ أَوْجَبَ الِاسْتِدْلَال بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ذَمّ التَّقْلِيد , وَذَكَرُوا الْآيَات وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَمّ التَّقْلِيد , وَبِأَنَّ كُلّ أَحَد قَبْل الِاسْتِدْلَال لَا يَدْرِي أَيّ الْأَمْرَيْنِ هُوَ الْهَدْي , وَبِأَنَّ كُلّ مَا لَا يَصِحّ إِلَّا بِالدَّلِيلِ فَهُوَ دَعْوَى لَا يُعْمَل بِهَا , وَبِأَنَّ الْعِلْم اِعْتِقَاد الشَّيْء عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ ضَرُورَة أَوْ اِسْتِدْلَال وَكُلّ مَا لَمْ يَكُنْ عِلْمًا فَهُوَ جَهْل , وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَهُوَ ضَالٌّ. ‏ ‏وَالْجَوَاب عَنْ الْأَوَّل أَنَّ الْمَذْمُوم مِنْ التَّقْلِيد أَخْذ قَوْل الْغَيْر بِغَيْرِ حُجَّة , وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ حُكْم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّه أَوْجَبَ اِتِّبَاعه فِي كُلّ مَا يَقُول , وَلَيْسَ الْعَمَل فِيمَا أَمَرَ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ دَاخِلًا تَحْت التَّقْلِيد الْمَذْمُوم اِتِّفَاقًا , وَأَمَّا مَنْ دُونه مِمَّنْ اِتَّبَعَهُ فِي قَوْل قَالَهُ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْهُ لَمْ يَقُلْ هُوَ بِهِ فَهُوَ الْمُقَلِّد الْمَذْمُوم , بِخِلَافِ مَا لَوْ اِعْتَقَدَ ذَلِكَ فِي خَبَرِ اللَّه وَرَسُوله فَإِنَّهُ يَكُونُ مَمْدُوحًا , وَأَمَّا اِحْتِجَاجهمْ بِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدْرِي قَبْل الِاسْتِدْلَال أَيّ الْأَمْرَيْنِ هُوَ الْهُدَى فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ , بَلْ مِنْ النَّاس مَنْ تَطْمَئِنّ نَفْسه وَيَنْشَرِح صَدْره لِلْإِسْلَامِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَة , وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَقَّف عَلَى الِاسْتِدْلَال , فَاَلَّذِي ذَكَرُوهُ هُمْ أَهْل الشِّقّ الثَّانِي , فَيَجِب عَلَيْهِ النَّظَر لِيَقِيَ نَفْسه النَّار لِقَوْلِهِ تَعَالَى { قُوا أَنْفُسكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } وَيَجِب عَلَى كُلّ مَنْ اِسْتَرْشَدَهُ أَنْ يُرْشِدهُ وَيُبَرْهِن لَهُ الْحَقّ وَعَلَى هَذَا مَضَى السَّلَف الصَّالِح مِنْ عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْده. وَأَمَّا مَنْ اِسْتَقَرَّتْ نَفْسه إِلَى تَصْدِيق الرَّسُول وَلَمْ تُنَازِعهُ نَفْسه إِلَى طَلَب دَلِيل تَوْفِيقًا مِنْ اللَّه وَتَيْسِيرًا فَهُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه فِي حَقِّهِمْ { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبكُمْ } الْآيَة. وَقَالَ { فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَح صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ } الْآيَة وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مُقَلِّدِينَ لِآبَائِهِمْ وَلَا لِرُؤَسَائِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ لَوْ كَفَرَ آبَاؤُهُمْ أَوْ رُؤَسَاؤُهُمْ لَمْ يُتَابِعُوهُمْ بَلْ يَجِدُونَ النُّفْرَة عَنْ كُلّ مَنْ سَمِعُوا عَنْهُ مَا يُخَالِف الشَّرِيعَة وَأَمَّا الْآيَات وَالْأَحَادِيث فَإِنَّمَا وَرَدَتْ فِي حَقِّ الْكُفَّار الَّذِينَ اِتَّبَعُوا مَنْ نُهُوا عَنْ اِتِّبَاعه وَتَرَكُوا اِتِّبَاع مَنْ أُمِرُوا بِاتِّبَاعِهِ. وَإِنَّمَا كَلَّفَهُمْ اللَّه الْإِتْيَان بِبُرْهَانٍ عَلَى دَعْوَاهُمْ بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَرِد قَطُّ أَنَّهُ أَسْقَطَ اِتِّبَاعهمْ حَتَّى يَأْتُوا بِالْبُرْهَانِ. وَكُلّ مَنْ خَالَفَ اللَّه وَرَسُوله فَلَا بُرْهَان لَهُ أَصْلًا وَإِنَّمَا كُلِّفَ الْإِتْيَان بِالْبُرْهَانِ تَبْكِيتًا وَتَعْجِيزًا. وَأَمَّا مَنْ اِتَّبَعَ الرَّسُول فِيمَا جَاءَ بِهِ فَقَدْ اِتَّبَعَ الْحَقّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ وَقَامَتْ الْبَرَاهِين عَلَى صِحَّته , سَوَاء عَلِمَ هُوَ بِتَوْجِيهِ ذَلِكَ الْبُرْهَان أَمْ لَا. وَقَوْل مَنْ قَالَ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّه ذَكَرَ الِاسْتِدْلَال وَأَمَرَ بِهِ مُسَلَّمٌ لَكِنْ هُوَ فِعْل حَسَن مَنْدُوب لِكُلِّ مَنْ أَطَاقَهُ , وَوَاجِب عَلَى كُلّ مَنْ لَمْ تَسْكُنْ نَفْسه إِلَى التَّصْدِيق كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. وَقَالَ غَيْره قَوْل مَنْ قَالَ طَرِيقَة السَّلَف أَسْلَمَ وَطَرِيقَة الْخَلَف أَحْكَم لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ طَرِيقَة السَّلَف مُجَرَّد الْإِيمَان بِأَلْفَاظِ الْقُرْآن وَالْحَدِيث مِنْ غَيْر فِقْه فِي ذَلِكَ , وَأَنَّ طَرِيقَة الْخَلَف هِيَ اِسْتِخْرَاج مَعَانِي النُّصُوص الْمَصْرُوفَة عَنْ حَقَائِقهَا بِأَنْوَاعِ الْمَجَازَات , فَجَمَعَ هَذَا الْقَائِل بَيْن الْجَهْل بِطَرِيقَةِ السَّلَف وَالدَّعْوَى فِي طَرِيقَة الْخَلَف , وَلَيْسَ الْأَمْر كَمَا ظَنَّ , بَلْ السَّلَف فِي غَايَة الْمَعْرِفَة بِمَا يَلِيق بِاَللَّهِ تَعَالَى , وَفِي غَايَة التَّعْظِيم لَهُ وَالْخُضُوع لِأَمْرِهِ وَالتَّسْلِيم لِمُرَادِهِ , وَلَيْسَ مَنْ سَلَكَ طَرِيق الْخَلَف وَاثِقًا بِأَنَّ الَّذِي يَتَأَوَّلهُ هُوَ الْمُرَاد وَلَا يُمْكِنهُ الْقَطْع بِصِحَّةِ تَأْوِيله , وَأَمَّا قَوْلهمْ فِي الْعِلْم فَزَادُوا فِي التَّعْرِيف عَنْ ضَرُورَة أَوْ اِسْتِدْلَال وَتَعْرِيف الْعِلْم , اِنْتَهَى عِنْد قَوْله عَلَيْهِ : فَإِنْ أَبَوْا إِلَّا الزِّيَادَة فَلْيَزْدَادُوا عَنْ تَيْسِير اللَّه لَهُ ذَلِكَ وَخَلْقه ذَلِكَ الْمُعْتَقِد فِي قَلْبه , وَإِلَّا فَاَلَّذِي زَادُوهُ هُوَ مَحَلّ النِّزَاع فَلَا دَلَالَة فِيهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. وَقَالَ أَبُو الْمُظَفَّر بْن السَّمْعَانِيّ تَعَقَّبَ بَعْض أَهْل الْكَلَام قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ السَّلَف مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَمْ يَعْتَنُوا بِإِيرَادِ دَلَائِل الْعَقْل فِي التَّوْحِيد بِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَغِلُوا بِالتَّعْرِيفَاتِ فِي أَحْكَام الْحَوَادِث وَقَدْ قَبِلَ الْفُقَهَاء ذَلِكَ وَاسْتَحْسَنُوهُ فَدَوَّنُوهُ فِي كُتُبهمْ , فَكَذَلِكَ عِلْم الْكَلَام , وَيَمْتَاز عِلْم الْكَلَام بِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الرَّدّ عَلَى الْمُلْحِدِينَ وَأَهْل الْأَهْوَاء , وَبِهِ تَزُول الشُّبْهَة عَنْ أَهْل الزَّيْغ وَيَثْبُت الْيَقِين لِأَهْلِ الْحَقّ , وَقَدْ عَلِمَ الْكُلّ أَنَّ الْكِتَاب لَمْ تُعْلَم حَقِيقَته , وَالنَّبِيّ لَمْ يَثْبُت صِدْقهُ إِلَّا بِأَدِلَّةِ الْعَقْل , وَأَجَابَ : أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ الشَّارِع وَالسَّلَف الصَّالِح نَهَوْا عَنْ الِابْتِدَاع وَأَمَرُوا بِالِاتِّبَاعِ , وَصَحَّ عَنْ السَّلَف أَنَّهُمْ نَهَوْا عَنْ عِلْم الْكَلَام وَعَدُّوهُ ذَرِيعَة لِلشَّكِّ وَالِارْتِيَاب. وَأَمَّا الْفُرُوع فَلَمْ يَثْبُت عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ النَّهْي عَنْهَا إِلَّا مَنْ تَرَكَ النَّصّ الصَّحِيح وَقَدَّمَ عَلَيْهِ الْقِيَاس , وَأَمَّا مَنْ اِتَّبَعَ النَّصّ وَقَاسَ عَلَيْهِ فَلَا يُحْفَظ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّة السَّلَف إِنْكَار ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْحَوَادِث فِي الْمُعَامَلَات لَا تَنْقَضِي وَبِالنَّاسِ حَاجَة إِلَى مَعْرِفَة الْحُكْم , فَمِنْ ثَمَّ تَوَارَدُوا عَلَى اِسْتِحْبَاب الِاشْتِغَال بِذَلِكَ بِخِلَافِ عِلْم الْكَلَام. وَأَمَّا ثَانِيًا : فَإِنَّ الدِّين كَمُلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } فَإِذَا كَانَ أَكْمَلَهُ وَأَتَمَّهُ وَتَلَقَّاهُ الصَّحَابَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعْتَقَدَهُ مَنْ تَلَقَّى عَنْهُمْ وَاطْمَأَنَّتْ بِهِ نُفُوسهمْ فَأَيّ حَاجَة بِهِمْ إِلَى تَحْكِيم الْعُقُول وَالرُّجُوع إِلَى قَضَايَاهَا وَجَعْلهَا أَصْلًا , وَالنُّصُوص الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة تُعْرَض عَلَيْهَا فَتَارَة يُعْمَل بِمَضْمُونِهَا , وَتَارَة تُحَرَّف عَنْ مَوَاضِعهَا لِتُوَافِق الْعُقُول. وَإِذَا كَانَ الدِّين قَدْ كَمُلَ فَلَا تَكُونُ الزِّيَادَة فِيهِ إِلَّا نُقْصَانًا فِي الْمَعْنَى , مِثْل زِيَادَة أُصْبُع فِي الْيَد فَإِنَّهَا تُنْقِص قِيمَة الْعَبْد الَّذِي يَقَع بِهِ ذَلِكَ , وَقَدْ تَوَسَّطَ بَعْض الْمُتَكَلِّمِينَ فَقَالَ : لَا يَكْفِي التَّقْلِيد بَلْ لَا بُدّ مِنْ دَلِيل يَنْشَرِح بِهِ الصَّدْر , وَتَحْصُل بِهِ الطُّمَأْنِينَة الْعِلْمِيَّة , وَلَا يُشْتَرَط أَنْ يَكُون بِطَرِيقِ الصِّنَاعَة الْكَلَامِيَّة بَلْ يَكْفِي فِي حَقِّ كُلّ أَحَدٍ بِحَسَب مَا يَقْتَضِيه فَهْمه اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْره مِنْ تَقْلِيد النُّصُوص كَافٍ فِي هَذَا الْقَدْر , وَقَالَ بَعْضهمْ الْمَطْلُوب مِنْ كُلّ أَحَد التَّصْدِيق الْجَزْمِيّ الَّذِي لَا رَيْب مَعَهُ بِوُجُودِ اللَّه تَعَالَى وَالْإِيمَان بِرُسُلِهِ وَبِمَا جَاءُوا بِهِ كَيْفَمَا حَصَلَ وَبِأَيِّ طَرِيق إِلَيْهِ يُوَصِّل , وَلَوْ كَانَ عَنْ تَقْلِيد مَحْض إِذَا سَلِمَ مِنْ التَّزَلْزُل. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة الْفَتْوَى وَمَنْ قَبْلهمْ مِنْ أَئِمَّة السَّلَف , وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَوْل فِي أَصْلِ الْفِطْرَة وَبِمَا تَوَاتَرَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ الصَّحَابَة أَنَّهُمَا حَكَمُوا بِإِسْلَامِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ جُفَاة الْعَرَب مِمَّنْ كَانَ يَعْبُد الْأَوْثَان , فَقَبِلُوا مِنْهُمْ الْإِقْرَار بِالشَّهَادَتَيْنِ , وَالْتِزَام أَحْكَام الْإِسْلَام مِنْ غَيْر إِلْزَام بِتَعَلُّمِ الْأَدِلَّة , وَإِنْ كَانَ كَثِير مِنْهُمْ إِنَّمَا أَسْلَمَ لِوُجُودِ دَلِيل مَا , فَأَسْلَمَ بِسَبَبِ وُضُوحه لَهُ , فَالْكَثِير مِنْهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا طَوْعًا مِنْ غَيْر تَقَدُّم اِسْتِدْلَال , بَلْ بِمُجَرَّدِ مَا كَانَ عِنْدهمْ مِنْ أَخْبَار أَهْل الْكِتَاب بِأَنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ وَيَنْتَصِر عَلَى مَنْ خَالَفَهُ , فَلَمَّا ظَهَرَتْ لَهُمْ الْعَلَامَات فِي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَادَرُوا إِلَى الْإِسْلَام , وَصَدَّقُوهُ فِي شَيْء قَالَهُ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَغَيْرهمَا , وَكَثِير مِنْهُمْ كَانَ يُؤْذَن لَهُ فِي الرُّجُوع إِلَى مَعَاشه مِنْ رِعَايَة الْغَنَم وَغَيْرهَا , وَكَانَتْ أَنْوَار النُّبُوَّة وَبَرَكَاتهَا تَشْمَلهُمْ فَلَا يَزَالُونَ يَزْدَادُونَ إِيمَانًا وَيَقِينًا. وَقَالَ أَبُو الْمُظَفَّر بْن السَّمْعَانِيّ أَيْضًا مَا مُلَخَّصه : إِنَّ الْعَقْل لَا يُوجِب شَيْئًا وَلَا يُحَرِّم شَيْئًا , وَلَا حَظَّ لَهُ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَلَوْ لَمْ يَرِد الشَّرْع بِحُكْم مَا وَجَبَ عَلَى أَحَدٍ شَيْء , لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَث رَسُولًا ) وَقَوْله ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّة بَعْد الرُّسُل ) وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآيَات , فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ دَعْوَة رُسُل اللَّه عَلَيْهِمْ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِنَّمَا كَانَتْ لِبَيَانِ الْفُرُوع , لَزِمَهُ أَنْ يَجْعَل الْعَقْل هُوَ الدَّاعِي إِلَى اللَّه دُونِ الرَّسُول وَيَلْزَمهُ أَنْ وُجُود الرَّسُول وَعَدَمه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدُّعَاء إِلَى اللَّه سَوَاء , وَكَفَى بِهَذَا ضَلَالًا. وَنَحْنُ لَا نُنْكِر أَنَّ الْعَقْل يُرْشِد إِلَى التَّوْحِيد وَإِنَّمَا نُنْكِر أَنَّهُ يَسْتَقِلّ بِإِيجَابِ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَصِحّ إِسْلَام إِلَّا بِطَرِيقِهِ , مَعَ قَطْع النَّظَر عَنْ السَّمْعِيَّات لِكَوْنِ ذَلِكَ خِلَاف مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَات الْكِتَاب وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الَّتِي تَوَاتَرَتْ وَلَوْ بِالطَّرِيقِ الْمَعْنَوِيّ , وَلَوْ كَانَ يَقُول أُولَئِكَ لَبَطَلَتْ السَّمْعِيَّات الَّتِي لَا مَجَال لِلْعَقْلِ فِيهَا أَوْ أَكْثَرهَا , بَلْ يَجِب الْإِيمَان بِمَا ثَبَتَ مِنْ السَّمْعِيَّات , فَإِنْ عَقَلْنَاهُ فَبِتَوْفِيقِ اللَّه وَإِلَّا اِكْتَفَيْنَا بِاعْتِقَادِ حَقِيقَته عَلَى وَفْق مُرَاد اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى اِنْتَهَى. وَيُؤَيِّد كَلَامَهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ اِبْنِ عَبَّاس \" أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْشُدك اللَّه , اللَّه أَرْسَلَك أَنْ نَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنْ نَدَع اللَّاتَ وَالْعُزَّى ؟ قَالَ : نَعَمْ فَأَسْلَمَ \" وَأَصْله فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قِصَّة ضِمَام بْن ثَعْلَبَة , وَفِي حَدِيث عَمْرو بْن عَبْسَة عِنْد مُسْلِم أَنَّهُ \" أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا أَنْتَ ؟ قَالَ : نَبِيّ اللَّه. قُلْت : اللَّه أَرْسَلَك ؟ قَالَ : نَعَمْ. قُلْت : بِأَيِّ شَيْء ؟ قَالَ : أُوَحِّد اللَّه لَا أُشْرِك بِهِ شَيْئًا \" الْحَدِيث , وَفِي حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد فِي قِصَّة قَتْله الَّذِي قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدِيث الْمِقْدَاد فِي مَعْنَاهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَا فِي \" كِتَاب الدِّيَات \" وَفِي كُتُب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْل وَكِسْرَى وَغَيْرهمَا مِنْ الْمُلُوك يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْحِيد , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَار الْمُتَوَاتِرَة التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ الدَّالّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزِدْ فِي دُعَائِهِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْ يُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ وَحْده وَيُصَدِّقُوهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ عَنْهُ , فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبِلَ مِنْهُ سَوَاء كَانَ إِذْعَانه عَنْ تَقَدُّم نَظَر أَمْ لَا , وَمَنْ تَوَقَّفَ مِنْهُمْ نَبَّهَهُ حِينَئِذٍ عَلَى النَّظَر , أَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّة إِلَى أَنْ يُذْعِن أَوْ يَسْتَمِرّ عَلَى عِنَاده. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" كِتَاب الِاعْتِقَاد \" : سَلَكَ بَعْض أَئِمَّتنَا فِي إِثْبَات الصَّانِع وَحُدُوث الْعَالَم طَرِيق الِاسْتِدْلَال بِمُعْجِزَاتِ الرِّسَالَة فَإِنَّهَا أَصْل فِي وُجُوب قَبُول مَا دَعَا إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَعَلَى هَذَا الْوَجْه وَقَعَ إِيمَان الَّذِينَ اِسْتَجَابُوا لِلرُّسُلِ , ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّة النَّجَاشِيّ وَقَوْل جَعْفَر بْن أَبِي طَالِبِ لَهُ \" بَعَثَ اللَّه إِلَيْنَا رَسُولًا نَعْرِف صِدْقه فَدَعَانَا إِلَى اللَّه وَتَلَا عَلَيْنَا تَنْزِيلًا مِنْ اللَّه لَا يُشْبِههُ شَيْء فَصَدَّقْنَاهُ وَعَرَفْنَا أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْحَقّ \" الْحَدِيث بِطُولِهِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْنِ خُزَيْمَةَ فِي \" كِتَاب الزَّكَاة \" مِنْ صَحِيحه مِنْ رِوَايَة اِبْنِ إِسْحَاق وَحَاله مَعْرُوفَة وَحَدِيثه فِي دَرَجَة الْحَسَنِ , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فَاسْتَدَلُّوا بِإِعْجَازِ الْقُرْآن عَلَى صِدْق النَّبِيّ , فَآمَنُوا بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ إِثْبَات الصَّانِع وَوِجْدَانِيَّته وَحُدُوث الْعَالَم وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُرْآن وَغَيْره , وَاكْتِفَاء غَالِبِ مَنْ أَسْلَمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مَشْهُور فِي الْأَخْبَار , فَوَجَبَ تَصْدِيقه فِي كُلّ شَيْء ثَبَتَ عَنْهُ بِطَرِيقِ السَّمْع , وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَقْلِيدًا بَلْ هُوَ اِتِّبَاع وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ اِسْتَدَلَّ مَنْ اِشْتَرَطَ النَّظَر بِالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ , وَلَا حُجَّة فِيهَا ; لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَشْتَرِط النَّظَر لَمْ يُنْكِر أَصْل النَّظَر , وَإِنَّمَا أَنْكَرَ تَوَقُّف الْإِيمَان عَلَى وُجُود النَّظَر بِالطُّرُقِ الْكَلَامِيَّة , إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ التَّرْغِيب فِي النَّظَر جَعْله شَرْطًا , وَاسْتَدَلَّ بَعْضهمْ بِأَنَّ التَّقْلِيد لَا يُفِيد الْعِلْم إِذْ لَوْ أَفَادَهُ لَكَانَ الْعِلْم حَاصِلًا لِمَنْ قَلَّدَ فِي قِدَم الْعَالَم وَلِمَنْ قَلَّدَ فِي حُدُوثه , وَهُوَ مُحَال لِإِفْضَائِهِ إِلَى الْجَمْع بَيْن النَّقِيضَيْنِ , وَهَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى فِي تَقْلِيد غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَمَّا تَقْلِيده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ فَلَا يَتَنَاقَض أَصْلًا وَاعْتَذَرَ بَعْضهمْ عَنْ اِكْتِفَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَة بِإِسْلَامِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْأَعْرَاب مِنْ غَيْر نَظَر بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِضَرُورَةِ الْمَبَادِئ. وَأَمَّا بَعْد تَقَرُّر الْإِسْلَام وَشُهْرَته فَيَجِب الْعَمَل بِالْأَدِلَّةِ وَلَا يَخْفَى ضَعْف هَذَا الِاعْتِذَار وَالْعَجَب أَنَّ مَنْ اِشْتَرَطَ ذَلِكَ مِنْ أَهْل الْكَلَام يُنْكِرُونَ التَّقْلِيد وَهُمْ أَوَّل دَاعٍ إِلَيْهِ حَتَّى اِسْتَقَرَّ فِي الْأَذْهَان أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ قَاعِدَة مِنْ الْقَوَاعِد الَّتِي أَصَّلُوهَا فَهُوَ مُبْتَدِع وَلَوْ لَمْ يَفْهَمهَا وَلَمْ يَعْرِف مَأْخَذهَا وَهَذَا هُوَ مَحْض التَّقْلِيد فَآلَ أَمْرهمْ إِلَى تَكْفِير مَنْ قَلَّدَ الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي مَعْرِفَة اللَّه تَعَالَى وَالْقَوْل بِإِيمَانِ مَنْ قَلَّدَهُمْ وَكَفَى بِهَذَا ضَلَالًا وَمَا مِثْلهمْ إِلَّا كَمَا قَالَ بَعْض السَّلَف : إِنَّهُمْ كَمَثَلِ قَوْم كَانُوا سَفْرًا فَوَقَعُوا فِي فَلَاة لَيْسَ فِيهَا مَا يَقُوم بِهِ الْبَدَن مِنْ الْمَأْكُول وَالْمَشْرُوب وَرَأَوْا فِيهَا طُرُقًا شَتَّى فَانْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ فَقِسْم وَجَدُوا مَنْ قَالَ لَهُمْ أَنَا عَارِف بِهَذِهِ الطُّرُق وَطَرِيق النَّجَاة مِنْهَا وَاحِدَة فَاتَّبِعُونِي فِيهَا تَنْجُوا فَتَبِعُوهُ فَنَجَوْا , وَتَخَلَّفَتْ عَنْهُ طَائِفَة فَأَقَامُوا إِلَى أَنْ وَقَفُوا عَلَى أَمَارَة ظَهَرَ لَهُمْ أَنَّ فِي الْعَمَل بِهَا النَّجَاة فَعَمِلُوا بِهَا فَنَجَوْا وَقِسْم هَجَمُوا بِغَيْرِ مُرْشِد وَلَا أَمَارَة فَهَلَكُوا , فَلَيْسَتْ نَجَاة مَنْ اِتَّبَعَ الْمُرْشِد بِدُونِ نَجَاة مَنْ أَخَذَ بِالْأَمَارَةِ إِنْ لَمْ تَكُنْ أَوْلَى مِنْهَا , وَنَقَلْت مِنْ جُزْء الْحَافِظ صَلَاح الدِّين الْعَلَائِيّ يُمْكِن أَنْ يُفَصَّل فَيُقَال : مَنْ لَا أَهْلِيَّة لَهُ لِفَهْمِ شَيْء مِنْ الْأَدِلَّة أَصْلًا وَحَصَلَ لَهُ الْيَقِين التَّامّ بِالْمَطْلُوبِ إِمَّا بِنَشْأَتِهِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لِنُورِ يَقْذِفهُ اللَّه فِي قَلْبه , فَإِنَّهُ يُكْتَفَى مِنْهُ بِذَلِكَ , وَمَنْ فِيهِ أَهْلِيَّة لِفَهْمِ الْأَدِلَّة لَمْ يُكْتَفَ مِنْهُ إِلَّا بِالْإِيمَانِ عَنْ دَلِيل , وَمَعَ ذَلِكَ فَدَلِيل كُلّ أَحَدٍ بِحَسْبِهِ وَتَكْفِي الْأَدِلَّة الْمُجْمَلَة الَّتِي تَحْصُل بِأَدْنَى نَظَر , وَمَنْ حَصَلَتْ عِنْده شُبْهَة وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعَلُّم إِلَى أَنْ تَزُول عَنْهُ , قَالَ : فَبِهَذَا يَحْصُل الْجَمْع بَيْن كَلَامِ الطَّائِفَة الْمُتَوَسِّطَة , وَأَمَّا مَنْ غَلَا فَقَالَ لَا يَكْفِي إِيمَان الْمُقَلِّد فَلَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ , لِمَا يَلْزَم مِنْهُ مِنْ الْقَوْل بِعَدَمِ إِيمَان أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ , وَكَذَا مَنْ غَلَا أَيْضًا فَقَالَ لَا يَجُوز النَّظَر فِي الْأَدِلَّة لِمَا يَلْزَم مِنْهُ مِنْ أَنَّ أَكَابِر السَّلَف لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْل النَّظَر اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ \" فَإِذَا عَرَفُوا اللَّه \" بِأَنَّ مَعْرِفَة اللَّه بِحَقِيقَةِ كُنْهه مُمْكِنَة لِلْبَشَرِ , فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا بِمَا عَرَّفَ بِهِ نَفْسه مِنْ وُجُوده وَصِفَاته اللَّائِقَة مِنْ الْعِلْم وَالْقُدْرَة وَالْإِرَادَة مَثَلًا , وَتَنْزِيهه عَنْ كُلّ نَقِيصَة كَالْحُدُوثِ فَلَا بَأْس بِهِ , فَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ فَإِنَّهُ غَيْر مَعْلُوم لِلْبَشَرِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) فَإِذَا حُمِلَ قَوْله \" فَإِذَا عَرَفُوا اللَّه \" عَلَى ذَلِكَ كَانَ وَاضِحًا مَعَ أَنَّ الِاحْتِجَاج بِهِ يَتَوَقَّف عَلَى الْجَزْم بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَطَقَ بِهَذِهِ اللَّفْظَة وَفِيهِ نَظَر ; لِأَنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة وَرُوَاة هَذَا الْحَدِيث اِخْتَلَفُوا : هَلْ وَرَدَ الْحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ أَوْ بِغَيْرِهِ ؟ فَلَمْ يَقُلْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِلَفْظ مِنْهَا , وَمَعَ اِحْتِمَال أَنْ يَكُون هَذَا اللَّفْظ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة لَا يَتِمّ الِاسْتِدْلَال , وَقَدْ بَيَّنْت فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الزَّكَاة \" أَنَّ الْأَكْثَر رَوَوْهُ بِلَفْظِ \" فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه , فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ \" وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ \" فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّه , فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ \" وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ \" فَادْعُهُمْ إِلَى عِبَادَة اللَّه , فَإِذَا عَرَفُوا اللَّه \" وَوَجْه الْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ الْمُرَاد بِالْعِبَادَةِ : التَّوْحِيد , وَالْمُرَاد بِالتَّوْحِيدِ : الْإِقْرَار بِالشَّهَادَتَيْنِ , وَالْإِشَارَة بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إِلَى التَّوْحِيد , وَقَوْله : فَإِذَا عَرَفُوا اللَّه أَيْ عَرَفُوا تَوْحِيد اللَّه , وَالْمُرَاد بِالْمَعْرِفَةِ الْإِقْرَار وَالطَّوَاعِيَة فَبِذَلِكَ يُجْمَع بَيْن هَذِهِ الْأَلْفَاظ الْمُخْتَلِفَة فِي الْقِصَّة الْوَاحِدَة وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. وَفِي حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس فِي الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ الِاقْتِصَار فِي الْحُكْم بِإِسْلَامِ الْكَافِر إِذَا أَقَرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ , فَإِنَّ مِنْ لَازِمِ الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَرَسُوله التَّصْدِيق بِكُلِّ مَا ثَبَتَ عَنْهُمَا وَالْتِزَام ذَلِكَ , فَيَحْصُل ذَلِكَ لِمَنْ صَدَّقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنْ بَعْض الْمُبْتَدِعَة مِنْ إِنْكَار شَيْء مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَقْدَح فِي صِحَّة الْحُكْم الظَّاهِر ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَعَ تَأْوِيل فَظَاهِر , وَإِنْ كَانَ عِنَادًا قَدَحَ فِي صِحَّة الْإِسْلَام , فَيُعَامَل بِمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كَإِجْرَاءِ أَحْكَام الْمُرْتَدّ وَغَيْر ذَلِكَ. وَفِيهِ قَبُول خَبَرِ الْوَاحِد وَوُجُوب الْعَمَل بِهِ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مِثْل خَبَرِ مُعَاذ حَفَّتْهُ قَرِينَة أَنَّهُ فِي زَمَن نُزُول الْوَحْي فَلَا يَسْتَوِي مَعَ سَائِر أَخْبَار الْآحَاد , وَقَدْ مَضَى فِي بَابِ إِجَازَة خَبَرِ الْوَاحِد مَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته , وَفِيهِ أَنَّ الْكَافِر إِذَا صَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَان الْإِسْلَام كَالصَّلَاةِ مَثَلًا يَصِير بِذَلِكَ مُسْلِمًا , وَبَالَغَ مَنْ قَالَ كُلّ شَيْء يُكَفَّر بِهِ الْمُسْلِم إِذَا جَحَدَهُ يَصِير الْكَافِر بِهِ مُسْلِمًا إِذَا اِعْتَقَدَهُ , وَالْأَوَّل أَرْجَحُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْجُمْهُور , وَهَذَا فِي الِاعْتِقَاد أَمَّا الْفِعْل لَوْ صَلَّى فَلَا يُحْكَم بِإِسْلَامِهِ وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ ; لِأَنَّ الْفِعْل لَا عُمُوم لَهُ , فَيَدْخُلهُ اِحْتِمَال الْعَبَث وَالِاسْتِهْزَاء. وَفِيهِ وُجُوب أَخْذِ الزَّكَاة مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ , وَقَهْر الْمُمْتَنِع عَلَى بَذْلهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ جَاحِدًا , فَإِنْ كَانَ مَعَ اِمْتِنَاعه ذَا شَوْكَة قُوتِلَ , وَإِلَّا فَإِنْ أَمْكَنَ تَعْزِيره عَلَى الِامْتِنَاع عُزِّرَ بِمَا يَلِيق بِهِ , وَقَدْ وَرَدَ عَنْ تَعْزِيره بِالْمَالِ حَدِيث بَهْز بْن حَكِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا وَلَفْظه \" وَمَنْ مَنَعَهَا - يَعْنِي الزَّكَاة - فَإِنَّا آخِذُوهَا , وَشَطْر مَالِهِ عَزْمَة مِنْ عَزَمَات رَبِّنَا \" الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْنِ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِم , وَأَمَّا اِبْنِ حِبَّان فَقَالَ فِي تَرْجَمَة بَهْز بْن حَكِيم : لَوْلَا هَذَا الْحَدِيث لَأَدْخَلْته فِي \" كِتَاب الثِّقَات \" وَأَجَابَ مَنْ صَحَّحَهُ وَلَمْ يَعْمَل بِهِ بِأَنَّ الْحُكْم الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ مَنْسُوخ وَأَنَّ الْأَمْر كَانَ أَوَّلًا كَذَلِكَ ثُمَّ نُسِخَ , وَضَعَّفَ النَّوَوِيّ هَذَا الْجَوَاب مِنْ جِهَة أَنَّ الْعُقُوبَة بِالْمَالِ لَا تُعْرَف أَوَّلًا حَتَّى يَتِمّ دَعْوَى النَّسْخ وَلِأَنَّ النَّسْخ لَا يَثْبُت إِلَّا بِشَرْطِهِ كَمَعْرِفَةِ التَّارِيخ وَلَا يُعْرَف ذَلِكَ , وَاعْتَمَدَ النَّوَوِيّ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْنِ حِبَّان مِنْ تَضْعِيف بَهْز وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ; لِأَنَّهُ مُوَثَّق عِنْد الْجُمْهُور حَتَّى قَالَ إِسْحَاق بْن مَنْصُور عَنْ يَحْيَى بْن مَعِين : بَهْز بْن حَكِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ صَحِيح إِذَا كَانَ دُونَ بَهْز ثِقَة , وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : تَكَلَّمَ فِيهِ شُعْبَة وَهُوَ ثِقَة عِنْد أَهْل الْحَدِيث , وَقَدْ حَسَّنَ لَهُ التِّرْمِذِيّ عِدَّة أَحَادِيث , وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاق وَالْبُخَارِيّ خَارِجَ الصَّحِيح وَعَلَّقَ لَهُ فِي الصَّحِيح , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الْآجُرِّيّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ وَهُوَ عِنْدِي حُجَّة لَا عِنْد الشَّافِعِيّ فَإِنْ اِعْتَمَدَ مَنْ قَلَّدَ الشَّافِعِيّ عَلَى هَذَا كَفَاهُ , وَيُؤَيِّدهُ إِطْبَاق فُقَهَاء الْأَمْصَار عَلَى تَرْك الْعَمَل بِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُ مُعَارِضًا رَاجِحًا , وَقَوْل مَنْ قَالَ بِمُقْتَضَاهُ يُعَدّ فِي نُدْرَة الْمُخَالِف وَقَدْ دَلَّ خَبَر الْبَاب أَيْضًا عَلَى أَنَّ الَّذِي يَقْبِض الزَّكَاة الْإِمَام أَوْ مَنْ أَقَامَهُ لِذَلِكَ , وَقَدْ أَطْبَقَ الْفُقَهَاء بَعْد ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِأَرْبَابِ الْأَمْوَال الْبَاطِنَة مُبَاشَرَة الْإِخْرَاج , وَشَذَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الدَّفْع إِلَى الْإِ"
    },
    {
        "id": "6825",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَصِينٍ ‏ ‏وَالْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ ‏ ‏سَمِعَا ‏ ‏الْأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏مُعَاذُ ‏ ‏أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي حَصِين ) ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله وَاسْمه عُثْمَان بْن عَاصِم الْأَسَدِيُّ , وَالْأَشْعَث بْن سُلَيْم , هُوَ أَشْعَث بْن أَبِي الشَّعْثَاء الْمُحَارِبِيّ , وَأَبُوهُ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اِسْمه. ‏ ‏قَوْله ( أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّه عَلَى الْعِبَاد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب الرِّقَاق \" وَدُخُوله فِي هَذَا الْبَاب مِنْ قَوْله لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا فَإِنَّهُ الْمُرَاد بِالتَّوْحِيدِ , قَالَ اِبْن التِّين : يُرِيد بِقَوْلِهِ \" حَقّ الْعِبَاد عَلَى اللَّه \" حَقًّا عُلِمَ مِنْ جِهَة الشَّرْع لَا بِإِيجَابِ الْعَقْل فَهُوَ كَالْوَاجِبِ فِي تَحْقِيق وُقُوعه أَوْ هُوَ عَلَى جِهَة الْمُقَابَلَة وَالْمُشَاكَلَة , كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ). ‏"
    },
    {
        "id": "6826",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ ‏ ‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ‏ ‏يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَتَقَدَّمَ الْمَتْن فِي فَضْل ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) فِي \" كِتَاب فَضَائِل الْقُرْآن \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مَالِك مَشْرُوحًا , وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِمَا صَرَّحَ بِهِ مِنْ وَصْف اللَّه تَعَالَى بِالْأَحَدِيَّة كَمَا فِي الَّذِي بَعْده , وَقَوْله هُنَا \" زَادَ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر \" تَقَدَّمَ هُنَاكَ بِزِيَادَةِ رَاوٍ فِي أَوَّله , فَقَالَ : وَزَادَ أَبُو مَعْمَر \" حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر \" وَكَذَا وَقَعَ هُنَا فِي بَعْض النُّسَخ , وَفِي بَعْضهَا وَقَالَ أَبُو مَعْمَر , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ الِاخْتِلَاف فِي الْمُرَاد بِأَبِي مَعْمَر هَذَا وَتَسْمِيَة مَنْ وَصَلَهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6827",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي هِلَالٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏حَدَّثَهُ عَنْ ‏ ‏أُمِّهِ ‏ ‏عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَكَانَتْ فِي حَجْرِ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعَثَ رَجُلًا عَلَى ‏ ‏سَرِيَّةٍ ‏ ‏وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ ‏ ‏بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ‏ ‏فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَمْرَة عَنْ عَائِشَة فِيمَا يَتَعَلَّق بِسُورَةِ الْإِخْلَاص أَيْضًا ; وَقَدْ تَقَدَّمَ مُعَلَّقًا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآن. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن صَالِح ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج وَأَبُو مَسْعُود فِي الْأَطْرَاف , وَوَقَعَ فِي الْأَطْرَاف لِلْمِزِّيِّ أَنَّ فِي بَعْض النُّسَخ \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن صَالِح \". قُلْت : وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ تَبَعًا لِخَلَفٍ فِي الْأَطْرَاف قَالَ خَلَف : وَمُحَمَّد هَذَا أَحْسَبهُ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيَّ , وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ بَعْد أَنْ سَاقَ الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة حَرْمَلَة عَنْ اِبْن وَهْب ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ \" عَنْ مُحَمَّد \" بِلَا خَبَر عَنْ أَحْمَد بْن صَالِح , فَكَأَنَّهُ وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ \" قَالَ مُحَمَّد \" وَعَلَى رِوَايَة الْأَكْثَر فَمُحَمَّد هُوَ الْبُخَارِيّ الْمُصَنِّف , وَالْقَائِل \" قَالَ مُحَمَّد \" هُوَ مُحَمَّد الْفَرَبْرِيّ وَذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ هَذَا اِحْتِمَالًا. قُلْت : وَيَحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى إِبْدَاء النُّكْتَة فِي إِفْصَاح الْفَرَبْرِيّ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث دُون غَيْره مِنْ الْأَحَادِيث الْمَاضِيَة وَالْآتِيَة. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْحَارِث الْمِصْرِيّ وَ \" اِبْن أَبِي هِلَال \" هُوَ سَعِيد وَسَمَّاهُ مُسْلِم فِي رِوَايَته. ‏ ‏قَوْله ( بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّة ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي بَاب الْجَمْع بَيْن السُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَة مِنْ \" كِتَاب الصَّلَاة \" بَيَان الِاخْتِلَاف فِي تَسْمِيَته \" وَهَلْ بَيْنه وَبَيْن الَّذِي كَانَ يَؤُمّ قَوْمه فِي مَسْجِد قُبَاء مُغَايَرَة أَوْ هُمَا وَاحِد وَبَيَان مَا يَتَرَجَّح مِنْ ذَلِكَ \". ‏ ‏قَوْله ( فَيَخْتِم بِقُلْ هُوَ اللَّه أَحَد ) ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ بِغَيْرِهَا ثُمَّ يَقْرَؤُهَا فِي كُلّ رَكْعَة وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ يَخْتِم بِهَا آخِر قِرَاءَته فَيَخْتَصّ بِالرَّكْعَةِ الْأَخِيرَة , وَعَلَى الْأَوَّل فَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز الْجَمْع بَيْن سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَة اِنْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي الْبَاب الْمَذْكُور مِنْ \" كِتَاب الصَّلَاة \" بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ. ‏ ‏قَوْله ( لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَن ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين إِنَّمَا قَالَ إِنَّهَا صِفَة الرَّحْمَن ; لِأَنَّ فِيهَا أَسْمَاءَهُ وَصِفَاته , وَأَسْمَاؤُهُ مُشْتَقَّة مِنْ صِفَاته , وَقَالَ غَيْره : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الصَّحَابِيّ الْمَذْكُور قَالَ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا لِشَيْءٍ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَّا بِطَرِيقِ النُّصُوصِيَّةِ وَإِمَّا بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاط , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \" كِتَاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات \" بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ اِبْن عَبَّاس \" أَنَّ الْيَهُود أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا صِفْ لَنَا رَبّك الَّذِي تَعْبُد \" فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) إِلَى آخِرهَا , فَقَالَ \" هَذِهِ صِفَة رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ \" وَعَنْ أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ : قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُنْسُبْ لَنَا رَبّك , فَنَزَلَتْ سُورَة الْإِخْلَاص الْحَدِيث , وَهُوَ عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ فِي \" كِتَاب التَّوْحِيد \" وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم \" وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْء يُولَد إِلَّا يَمُوت وَلَيْسَ شَيْء يَمُوت إِلَّا يُورَث , وَاللَّهُ لَا يَمُوت وَلَا يُورَث , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَبَه وَلَا عِدْل , وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ \". قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : مَعْنَى قَوْله \" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ \" لَيْسَ كَهُوَ شَيْء , قَالَهُ أَهْل اللُّغَة قَالَ : وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ ) يُرِيد بِاَلَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس , قَالَ : وَالْكَاف فِي قَوْله \" كَمِثْلِهِ \" لِلتَّأْكِيدِ , فَنَفَى اللَّه عَنْهُ الْمِثْلِيَّة بِآكَد مَا يَكُون مِنْ النَّفْي , وَأَنْشَدَ لِوَرَقَة بْن نَوْفَل فِي زَيْد بْن عَمْرو بْن نُفَيْل مِنْ أَبْيَات : \" وَدِينُك دِينٌ لَيْسَ دِينٌ كَمِثْلِهِ \" ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ( وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى ) يَقُول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء , وَفِي قَوْله ( هَلْ تَعْلَم لَهُ سَمِيًّا ) هَلْ تَعْلَم لَهُ شَبَهًا أَوْ مِثْلًا , وَفِي حَدِيث الْبَاب حُجَّة لِمَنْ أَثْبَتَ أَنَّ لِلَّهِ صِفَة وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , وَشَذَّ اِبْن حَزْم فَقَالَ هَذِهِ لَفْظَة اِصْطَلَحَ عَلَيْهَا أَهْل الْكَلَام مِنْ الْمُعْتَزِلَة وَمَنْ تَبِعَهُمْ , وَلَمْ تَثْبُت عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَد مِنْ أَصْحَابه , فَإِنْ اِعْتَرَضُوا بِحَدِيثِ الْبَاب فَهُوَ مِنْ أَفْرَاد سَعِيد بْن أَبِي هِلَال وَفِيهِ ضَعْف , قَالَ : وَعَلَى تَقْدِير صِحَّته فَقُلْ هُوَ اللَّه أَحَد صِفَة الرَّحْمَن كَمَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيث , وَلَا يُزَاد عَلَيْهِ بِخِلَافِ الصِّفَة الَّتِي يُطْلِقُونَهَا فَإِنَّهَا فِي لُغَة الْعَرَب لَا تُطْلَق إِلَّا عَلَى جَوْهَر أَوْ عَرَض كَذَا قَالَ , وَسَعِيد مُتَّفَق عَلَى الِاحْتِجَاج بِهِ فَلَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ فِي تَضْعِيفه , وَكَلَامه الْأَخِير مَرْدُود بِاتِّفَاقِ الْجَمِيع عَلَى إِثْبَات الْأَسْمَاء الْحُسْنَى , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) وَقَالَ بَعْد أَنْ ذَكَرَ مِنْهَا عِدَّة أَسْمَاء فِي آخِر سُورَة الْحَشْر ( لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) وَالْأَسْمَاء الْمَذْكُورَة فِيهَا بِلُغَةِ الْعَرَب صِفَات فَفِي إِثْبَات أَسْمَائِهِ إِثْبَات صِفَاته ; لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ حَيّ مَثَلًا فَقَدْ وُصِفَ بِصِفَةٍ زَائِدَة عَلَى الذَّات وَهِيَ صِفَة الْحَيَاة , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَوَجَبَ الِاقْتِصَار عَلَى مَا يُنْبِئُ عَنْ وُجُود الذَّات فَقَطْ , وَقَدْ قَالَهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى ( سُبْحَان رَبّك رَبّ الْعِزَّة عَمَّا يَصِفُونَ ) فَنَزَّهَ نَفْسه عَمَّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِنْ صِفَة النَّقْص , وَمَفْهُومه أَنَّ وَصْفه بِصِفَةِ الْكَمَال مَشْرُوع , وَقَدْ قَسَّمَ الْبَيْهَقِيُّ وَجَمَاعَة مِنْ أَئِمَّة السُّنَّة جَمِيع الْأَسْمَاء الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن وَفِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدهمَا صِفَات ذَاته وَهِيَ مَا اِسْتَحَقَّهُ فِيمَا لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَال , وَالثَّانِي صِفَات فِعْله : وَهِيَ مَا اِسْتَحَقَّهُ فِيمَا لَا يَزَال دُون الْأَزَل , قَالَ وَلَا يَجُوز وَصْفه إِلَّا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَاب وَالسُّنَّة الصَّحِيحَة الثَّابِتَة أَوْ أُجْمِعَ عَلَيْهِ , ثُمَّ مِنْهُ مَا اِقْتَرَنَتْ بِهِ دَلَالَة الْعَقْل كَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَة وَالْعِلْم وَالْإِرَادَة وَالسَّمْع وَالْبَصَر وَالْكَلَام مِنْ صِفَات ذَاته , وَكَالْخَلْقِ وَالرِّزْق وَالْإِحْيَاء وَالْإِمَاتَة وَالْعَفْو وَالْعُقُوبَة مِنْ صِفَات فِعْله , وَمِنْهُ مَا ثَبَتَ بِنَصِّ الْكِتَاب وَالسُّنَّة كَالْوَجْهِ وَالْيَد وَالْعَيْن مِنْ صِفَات ذَاته , وَكَالِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُول وَالْمَجِيء مِنْ صِفَات فِعْله , فَيَجُوز إِثْبَات هَذِهِ الصِّفَات لَهُ لِثُبُوتِ الْخَبَر بِهَا عَلَى وَجْه يَنْفِي عَنْهُ التَّشْبِيه , فَصِفَة ذَاته لَمْ تَزَلْ مَوْجُودَة بِذَاتِهِ وَلَا تَزَال , وَصِفَة فِعْله ثَابِتَة عَنْهُ وَلَا يَحْتَاج فِي الْفِعْل إِلَى مُبَاشَرَة ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون ) وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهِم : اِشْتَمَلَتْ ( قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد ) عَلَى اِسْمَيْنِ يَتَضَمَّنَانِ جَمِيع أَوْصَاف الْكَمَال : وَهُمَا الْأَحَد وَالصَّمَد , فَإِنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَحَدِيَّة الذَّات الْمُقَدَّسَة الْمَوْصُوفَة بِجَمِيعِ أَوْصَاف الْكَمَال , فَإِنَّ الْوَاحِد وَالْأَحَد وَإِنْ رَجَعَا إِلَى أَصْل وَاحِد فَقَدْ اِفْتَرَقَا اِسْتِعْمَالًا وَعُرْفًا , فَالْوَحْدَة رَاجِعَة إِلَى نَفْي التَّعَدُّد وَالْكَثْرَة , وَالْوَاحِد أَصْل الْعَدَد مِنْ غَيْر تَعَرُّض لِنَفْيِ مَا عَدَاهُ وَالْأَحَد يَثْبُت مَدْلُوله وَيَتَعَرَّض لِنَفْيِ مَا سِوَاهُ , وَلِهَذَا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي النَّفْي وَيَسْتَعْمِلُونَ الْوَاحِد فِي الْإِثْبَات , يُقَال مَا رَأَيْت أَحَدًا وَرَأَيْت وَاحِدًا فَالْأَحَد فِي أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى مُشْعِر بِوُجُودِهِ الْخَاصّ بِهِ الَّذِي لَا يُشَارِكهُ فِيهِ غَيْره , وَأَمَّا الصَّمَد فَإِنَّهُ يَتَضَمَّن جَمِيع أَوْصَاف الْكَمَال ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ الَّذِي اِنْتَهَى سُؤْدُده بِحَيْثُ يُصْمَد إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِج كُلّهَا وَهُوَ لَا يَتِمّ حَقِيقَة إِلَّا لِلَّهِ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد قَوْله \" لِأَنَّهَا صِفَة الرَّحْمَن \" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاده أَنَّ فِيهَا ذِكْر صِفَة الرَّحْمَن كَمَا لَوْ ذُكِرَ وَصْف فَعَبَّرَ عَنْ الذِّكْر بِأَنَّهُ الْوَصْف وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَفْس الْوَصْف وَيَحْتَمِل غَيْر ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَخْتَصّ ذَلِكَ بِهَذِهِ السُّورَة لَكِنْ لَعَلَّ تَخْصِيصهَا بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا صِفَات اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى فَاخْتَصَّتْ بِذَلِكَ دُون غَيْرهَا. ‏ ‏قَوْله ( أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّه يُحِبُّهُ ) ‏ ‏قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَب مَحَبَّة اللَّه لَهُ مَحَبَّته لِهَذِهِ السُّورَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامه ; لِأَنَّ مَحَبَّته لِذِكْرِ صِفَات الرَّبّ دَالَّة عَلَى صِحَّة اِعْتِقَاده , قَالَ الْمَازِرِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ : مَحَبَّة اللَّه لِعِبَادِهِ إِرَادَته ثَوَابهمْ وَتَنْعِيمهمْ , وَقِيلَ : هِيَ نَفْس الْإِثَابَة وَالتَّنْعِيم , وَمَحَبَّتهمْ لَهُ لَا يَبْعُد فِيهَا الْمَيْل مِنْهُمْ إِلَيْهِ وَهُوَ مُقَدَّس عَنْ الْمَيْل , وَقِيلَ : مَحَبَّتهمْ لَهُ اِسْتِقَامَتهمْ عَلَى طَاعَته , وَالتَّحْقِيق أَنَّ الِاسْتِقَامَة ثَمَرَة الْمَحَبَّة وَحَقِيقَة الْمَحَبَّة لَهُ مَيْلهمْ إِلَيْهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ سُبْحَانه الْمَحَبَّة مِنْ جَمِيع وُجُوههَا اِنْتَهَى. وَفِيهِ نَظَر لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِطْلَاق فِي مَوْضِع التَّقْيِيد , وَقَالَ اِبْن التِّين : مَعْنَى مَحَبَّة الْمَخْلُوقِينَ لِلَّهِ إِرَادَتهمْ أَنْ يَنْفَعهُمْ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهِم : مَحَبَّة اللَّه لِعَبْدِهِ تَقْرِيبه لَهُ وَإِكْرَامه وَلَيْسَتْ بِمَيْلٍ وَلَا غَرَض كَمَا هِيَ مِنْ الْعَبْد , وَلَيْسَتْ مَحَبَّة الْعَبْد لِرَبِّهِ نَفْس الْإِرَادَة بَلْ هِيَ شَيْء زَائِد عَلَيْهَا , فَإِنَّ الْمَرْء يَجِد مِنْ نَفْسه أَنَّهُ يُحِبّ مَا لَا يَقْدِر عَلَى اِكْتِسَابه وَلَا عَلَى تَحْصِيله , وَالْإِرَادَة هِيَ الَّتِي تُخَصِّصُ الْفِعْل بِبَعْضِ وُجُوهه الْجَائِزَة وَيُحِسّ مِنْ نَفْسه أَنَّهُ يُحِبّ الْمَوْصُوفِينَ بِالصِّفَاتِ الْجَمِيلَة وَالْأَفْعَال الْحَسَنَة كَالْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاء وَالْكُرَمَاء وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّق لَهُ بِهِمْ إِرَادَة مُخَصِّصَة , وَإِذَا صَحَّ الْفَرْق فَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى مَحْبُوب لِمُحِبِّيهِ عَلَى حَقِيقَة الْمَحَبَّة كَمَا هُوَ مَعْرُوف عِنْد مَنْ رَزَقَهُ اللَّه شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ , فَنَسْأَل اللَّه تَعَالَى أَنْ يَجْعَلنَا مِنْ مُحِبِّيهِ الْمُخْلِصِينَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الْمَحَبَّة وَالْبُغْض عِنْد بَعْض أَصْحَابنَا مِنْ صِفَات الْفِعْل , فَمَعْنَى مَحَبَّته إِكْرَام مَنْ أَحَبَّهُ وَمَعْنَى بُغْضه إِهَانَته , وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْمَدْح وَالذَّمّ فَهُوَ مِنْ قَوْله , وَقَوْله مِنْ كَلَامه , وَكَلَامه مِنْ صِفَات ذَاته فَيَرْجِع إِلَى الْإِرَادَة , فَمَحَبَّته الْخِصَال الْمَحْمُودَة , وَفَاعِلهَا يَرْجِع إِلَى إِرَادَته إِكْرَامه , وَبُغْضه الْخِصَال الْمَذْمُومَة , وَفَاعِلهَا يَرْجِع إِلَى إِرَادَته إِهَانَته. ‏"
    },
    {
        "id": "6828",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ‏ ‏وَأَبِي ظَبْيَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6829",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ يَدْعُوهُ إِلَى ابْنِهَا فِي الْمَوْتِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ فَأَعَادَتْ الرَّسُولَ أَنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا فَقَامَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَامَ مَعَهُ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ‏ ‏فَدُفِعَ الصَّبِيُّ إِلَيْهِ وَنَفْسُهُ ‏ ‏تَقَعْقَعُ ‏ ‏كَأَنَّهَا فِي ‏ ‏شَنٍّ ‏ ‏فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏سَعْدٌ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا قَالَ هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6830",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي حَمْزَة ) ‏ ‏بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي هُوَ السُّكَّرِيّ وَفِي السَّنَد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ كُلّهمْ كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّه ) ‏ ‏الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الْأَدَب \" وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله هُنَا \" وَيَرْزُقهُمْ \" وَقَوْله \" يَدْعُونَ \" بِسُكُونِ الدَّال وَجَاءَ تَشْدِيدهَا , قَالَ اِبْن بَطَّال : تَضَمَّنَ هَذَا الْبَاب صِفَتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى : صِفَة ذَات , وَصِفَة فِعْل , فَالرِّزْق فِعْل مِنْ أَفْعَاله تَعَالَى فَهُوَ مِنْ صِفَات فِعْله ; لِأَنَّ رَازِقًا يَقْتَضِي مَرْزُوقًا , وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى كَانَ وَلَا مَرْزُوق وَكُلّ مَا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ فَهُوَ مُحْدَثٌ وَاَللَّه سُبْحَانه مَوْصُوف بِأَنَّهُ الرَّزَّاق وَوَصَفَ نَفْسه بِذَلِكَ قَبْل خَلْق الْخَلْق , بِمَعْنَى أَنَّهُ سَيَرْزُقُ إِذَا خَلَقَ الْمَرْزُوقِينَ , وَالْقُوَّة مِنْ صِفَات الذَّات وَهِيَ بِمَعْنَى الْقُدْرَة , وَلَمْ يَزَلْ سُبْحَانه وَتَعَالَى ذَا قُوَّة وَقُدْرَة , وَلَمْ تَزَلْ قُدْرَته مَوْجُودَة قَائِمَة بِهِ مُوجِبَة لَهُ حُكْم الْقَادِرِينَ. وَالْمَتِين بِمَعْنَى الْقَوِيّ وَهُوَ فِي اللُّغَة الثَّابِت الصَّحِيح وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الْقَوِيّ التَّامّ الْقُدْرَة لَا يُنْسَب إِلَيْهِ عَجْز فِي حَالَة مِنْ الْأَحْوَال , وَيَرْجِع مَعْنَاهُ إِلَى الْقُدْرَة وَالْقَادِر , هُوَ الَّذِي لَهُ الْقُدْرَة الشَّامِلَة وَالْقُدْرَة صِفَة لَهُ قَائِمَة بِذَاتِهِ , وَالْمُقْتَدِر هُوَ التَّامّ الْقُدْرَة الَّذِي لَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ شَيْء. وَفِي الْحَدِيث رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّهُ قَادِر بِنَفْسِهِ لَا بِقُدْرَةٍ ; لِأَنَّ الْقُوَّة بِمَعْنَى الْقُدْرَة , وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ( ذُو الْقُوَّة ) وَزَعَمَ الْمُعْتَزِلِيّ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ ذُو الْقُوَّة : الشَّدِيد الْقُوَّة وَالْمَعْنَى فِي وَصْفه بِالْقُوَّةِ وَالْمَتَانَة أَنَّهُ الْقَادِر الْبَلِيغ الِاقْتِدَار , فَجَرَى عَلَى طَرِيقهمْ فِي أَنَّ الْقُدْرَة نَفْسِيَّة , خِلَافًا لِقَوْلِ أَهْل السُّنَّة إِنَّهَا صِفَة قَائِمَة بِهِ مُتَعَلِّقَة بِكُلِّ مَقْدُور وَقَالَ غَيْره : كَوْن الْقُدْرَة قَدِيمَة وَإِفَاضَة الرِّزْق حَادِثَة لَا يَتَنَافَيَانِ ; لِأَنَّ الْحَادِث هُوَ التَّعَلُّق وَكَوْنه رَزَقَ الْمَخْلُوق بَعْد وُجُوده لَا يَسْتَلْزِم التَّغَيُّر فِيهِ ; لِأَنَّ التَّغَيُّر فِي التَّعَلُّق فَإِنَّ قُدْرَته لَمْ تَكُنْ مُتَعَلِّقَة بِإِعْطَاءِ الرِّزْق بَلْ بِكَوْنِهِ سَيَقَعُ , ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنْ غَيْر أَنْ تَتَغَيَّر الصِّفَة فِي نَفْس الْأَمْر , وَمِنْ ثَمَّ نَشَأَ الِاخْتِلَاف : هَلْ الْقُدْرَة مِنْ صِفَات الذَّات أَوْ مِنْ صِفَات الْأَفْعَال ؟ فَمَنْ نَظَرَ فِي الْقُدْرَة إِلَى الِاقْتِدَار عَلَى إِيجَاد الرِّزْق قَالَ هِيَ صِفَة ذَات قَدِيمَة , وَمَنْ نَظَرَ إِلَى تَعَلُّق الْقُدْرَة قَالَ هِيَ صِفَة فِعْل حَادِثَة , وَلَا اِسْتِحَالَة فِي ذَلِكَ فِي الصِّفَات الْفِعْلِيَّة وَالْإِضَافِيَّة بِخِلَافِ الذَّاتِيَّة , وَقَوْله فِي الْحَدِيث \" أَصْبَر \" أَفْعَل تَفْضِيل مِنْ الصَّبْر وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى سُبْحَانه وَتَعَالَى : الصَّبُور وَمَعْنَاهُ الَّذِي لَا يُعَاجِل الْعُصَاة بِالْعُقُوبَةِ , وَهُوَ قَرِيب مِنْ مَعْنَى الْحَلِيم , وَالْحَلِيم أَبْلَغ فِي السَّلَامَة مِنْ الْعُقُوبَة , وَالْمُرَاد بِالْأَذَى أَذَى رُسُله وَصَالِحِي عِبَاده لِاسْتِحَالَةِ تَعَلُّق أَذَى الْمَخْلُوقِينَ بِهِ لِكَوْنِهِ صِفَة نَقْص وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلّ نَقْص , وَلَا يُؤَخِّر النِّقْمَة قَهْرًا بَلْ تَفَضُّلًا , وَتَكْذِيب الرُّسُل فِي نَفْي الصَّاحِبَة وَالْوَلَد عَنْ اللَّه أَذًى لَهُمْ , فَأُضِيفَ الْأَذَى لِلَّهِ تَعَالَى لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْإِنْكَار عَلَيْهِمْ وَالِاسْتِعْظَام لِمَقَالَتِهِمْ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّه وَرَسُوله لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ) فَإِنَّ مَعْنَاهُ يُؤْذُونَ أَوْلِيَاء اللَّه وَأَوْلِيَاء رَسُوله , فَأُقِيم الْمُضَاف مَقَام الْمُضَاف إِلَيْهِ , قَالَ اِبْن الْمُنِير وَجْه مُطَابَقَة الْآيَة لِلْحَدِيثِ اِشْتِمَاله عَلَى صِفَتَيْ الرِّزْق وَالْقُوَّة الدَّالَّة عَلَى الْقُدْرَة , أَمَّا الرِّزْق فَوَاضِح مِنْ قَوْله ( وَيَرْزُقهُمْ ) وَأَمَّا الْقُوَّة فَمِنْ قَوْله ( أَصْبَر ) فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى الْقُدْرَة عَلَى الْإِحْسَان إِلَيْهِمْ مَعَ إِسَاءَتهمْ , بِخِلَافِ طَبْع الْبَشَر فَإِنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَى الْإِحْسَان إِلَى الْمُسِيء إِلَّا مِنْ جِهَة تَكَلُّفه ذَلِكَ شَرْعًا , وَسَبَب ذَلِكَ أَنَّ خَوْف الْفَوْت يَحْمِلهُ عَلَى الْمُسَارَعَة إِلَى الْمُكَافَأَة بِالْعُقُوبَةِ , وَاللَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى قَادِر عَلَى ذَلِكَ حَالًا وَمَآلًا لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَلَا يَفُوتُهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6831",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا ‏ ‏تَغِيضُ ‏ ‏الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلَّا اللَّهُ وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ ‏",
        "sharh": "وَقَوْله فِي أَوَّل حَدِيث اِبْن عُمَر \" مَفَاتِيح الْغَيْب - إِلَى أَنْ قَالَ - لَا يَعْلَم مَا تَغِيض الْأَرْحَام إِلَّا اللَّه \" فَوَقَعَ فِي مُعْظَم الرِّوَايَات \" لَا يَعْلَم مَا فِي الْأَرْحَام إِلَّا اللَّه \" وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان عَلَى أَقْوَال : فَقِيلَ مَا يَنْقُص مِنْ الْخِلْقَة وَمَا يَزْدَاد فِيهَا , وَقِيلَ مَا يَنْقُص مِنْ التِّسْعَة الْأَشْهُر فِي الْحَمْل وَمَا يَزْدَاد فِي النِّفَاس إِلَى السِّتِّينَ , وَقِيلَ مَا يَنْقُص بِظُهُورِ الْحَيْض فِي الْحَبَل بِنَقْصِ الْوَلَد وَمَا يَزْدَاد عَلَى التِّسْعَة الْأَشْهُر بِقَدْرِ مَا حَاضَتْ , وَقِيلَ مَا يَنْقُص فِي الْحَمْل بِانْقِطَاعِ الْحَيْض وَمَا يَزْدَاد بِدَمِ النِّفَاس مِنْ بَعْد الْوَضْع , وَقِيلَ مَا يَنْقُص مِنْ الْأَوْلَاد قَبْلُ وَمَا يَزْدَاد مِنْ الْأَوْلَاد بَعْدُ , وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْنُ أَبِي جَمْرَة نَفَعَ اللَّه بِهِ اِسْتَعَارَ لِلْغَيْبِ مَفَاتِيح اِقْتِدَاء بِمَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَاب الْعَزِيز ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْب ) وَلِيُقَرِّب الْأَمْر عَلَى السَّامِع ; لِأَنَّ أُمُور الْغَيْب لَا يُحْصِيهَا إِلَّا عَالِمهَا وَأَقْرَبُ الْأَشْيَاء إِلَى الِاطِّلَاع عَلَى مَا غَابَ الْأَبْوَاب , وَالْمَفَاتِيح أَيْسَر الْأَشْيَاء لِفَتْحِ الْبَاب فَإِذَا كَانَ أَيْسَر الْأَشْيَاء لَا يُعْرَف مَوْضِعهَا فَمَا فَوْقهَا أَحْرَى أَنْ لَا يُعْرَف قَالَ وَالْمُرَاد بِنَفْيِ الْعِلْم عَنْ الْغَيْب الْحَقِيقِيّ فَإِنَّ لِبَعْضِ الْغُيُوب أَسْبَابًا قَدْ يُسْتَدَلّ بِهَا عَلَيْهَا لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ حَقِيقِيًّا قَالَ فَلَمَّا كَانَ جَمِيع مَا فِي الْوُجُود مَحْصُورًا فِي عِلْمه شَبَّهَهُ الْمُصْطَفَى بِالْمَخَازِنِ وَاسْتَعَارَ لِبَابِهَا الْمِفْتَاح وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ) قَالَ وَالْحِكْمَة فِي جَعْلهَا خَمْسًا الْإِشَارَة إِلَى حَصْر الْعَوَالِم فِيهَا فَفِي قَوْله ( وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَام ) إِشَارَة إِلَى مَا يَزِيد فِي النَّفْس وَيَنْقُص وَخَصَّ الرَّحِم بِالذِّكْرِ لِكَوْنِ الْأَكْثَر يَعْرِفُونَهَا بِالْعَادَةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَنَفَى أَنْ يَعْرِف أَحَد حَقِيقَتهَا فَغَيْرهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَفِي قَوْله وَلَا يَعْلَم مَتَى يَأْتِي الْمَطَر إِشَارَة إِلَى أُمُور الْعَالَم الْعُلْوِيّ وَخَصَّ الْمَطَر مَعَ أَنَّ لَهُ أَسْبَابًا قَدْ تَدُلّ بِجَرْيِ الْعَادَة عَلَى وُقُوعه لَكِنَّهُ مِنْ غَيْر تَحْقِيق , وَفِي قَوْله \" وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْض تَمُوتُ \" إِشَارَة إِلَى أُمُور الْعَالَم السُّفْلِيّ مَعَ أَنَّ عَادَة أَكْثَر النَّاس أَنْ يَمُوت بِبَلَدِهِ وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ حَقِيقَة بَلْ لَوْ مَاتَ فِي بَلَده لَا يُعْلَم فِي أَيّ بُقْعَة يُدْفَن مِنْهَا وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَقْبَرَة لِأَسْلَافِهِ بَلْ قَبْر أَعَدَّهُ هُوَ لَهُ وَفِي قَوْله \" وَلَا يَعْلَم مَا فِي غَد إِلَّا اللَّهُ \" إِشَارَة إِلَى أَنْوَاع الزَّمَان وَمَا فِيهَا مِنْ الْحَوَادِث وَعَبَّرَ بِلَفْظِ غَد لِتَكُونَ حَقِيقَته أَقْرَب الْأَزْمِنَة وَإِذَا كَانَ مَعَ قُرْبِهِ لَا يَعْلَم حَقِيقَة مَا يَقَع فِيهِ مَعَ إِمْكَان الْأَمَارَة وَالْعَلَامَة فَمَا بَعُدَ عَنْهُ أَوْلَى , وَفِي قَوْله \" وَلَا يَعْلَم مَتَى تَقُوم السَّاعَة إِلَّا اللَّه \" إِشَارَة إِلَى عُلُوم الْآخِرَة فَإِنَّ يَوْم الْقِيَامَة أَوَّلهَا وَإِذَا نَفَى عِلْم الْأَقْرَب اِنْتَفَى عِلْم مَا بَعْده فَجَمَعَتْ الْآيَة أَنْوَاع الْغُيُوب وَأَزَالَتْ جَمِيع الدَّعَاوِي الْفَاسِدَة وَقَدْ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ( فَلَا يُظْهِر عَلَى غَيْبه أَحَدًا , إِلَّا مَنْ اِرْتَضَى مِنْ رَسُول ) أَنَّ الِاطِّلَاع عَلَى شَيْء مِنْ هَذِهِ الْأُمُور لَا يَكُون إِلَّا بِتَوْفِيقٍ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6832",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ وَهُوَ يَقُولُ ‏ { ‏لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ‏} ‏وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ وَهُوَ يَقُولُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6833",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُغِيرَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَقُولُ السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي \" التَّشَهُّد \" وَسَنَده كُلّه كُوفِيُّونَ \" وَأَحْمَد بْن يُونُس \" هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس الْيَرْبُوعِيّ نُسِبَ لِجَدِّهِ وَ \" زُهَيْر \" هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة الْجُعْفِيُّ وَ \" مُغِيرَة \" هُوَ اِبْن مِقْسَم الضَّبِّيّ \" وَشَقِيق بْن سَلَمَة \" هُوَ أَبُو وَائِل مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ وَبِاسْمِهِ مَعًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن يَحْيَى الْحَلْوَانِيّ عَنْ أَحْمَد بْن يُونُس فَقَالَ \" حَدَّثَنَا زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة حَدَّثَنَا مُغِيرَة الضَّبِّيّ \" وَسَاقَ الْمَتْن مِثْله سَوَاء , وَضَاقَ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيّ مَخْرَجه فَاكْتَفَى بِرِوَايَةِ \" عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ جَرِير بْن عَبْد الْحَمِيد عَنْ مُغِيرَة \" وَسَاقَهُ نَحْوه مِنْ رِوَايَة زُهَيْر , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ مُغِيرَة بِسَنَدِهِ , وَقَوْله فِي الْمَتْن \" فَنَقُول السَّلَامُ عَلَى اللَّه \" هَكَذَا اِخْتَصَرَهُ مُغِيرَة , وَزَادَ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش \" مِنْ عِبَاده \" وَفِي لَفْظ مَضَى فِي الِاسْتِئْذَان \" قَبْل عِبَاده السَّلَام عَلَى جِبْرِيل \" إِلَخْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي \" كِتَاب الصَّلَاة \" فِي أَوَاخِر صِفَة الصَّلَاة مِنْ قَبْل \" كِتَاب الْجُمُعَة \" وَلِلَّهِ الْحَمْد. ‏"
    },
    {
        "id": "6834",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏وَالزُّبَيْدِيُّ ‏ ‏وَابْنُ مُسَافِرٍ ‏ ‏وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏مِثْلَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" يَقْبِض اللَّه الْأَرْض يَوْم الْقِيَامَة وَيَطْوِي السَّمَاء بِيَمِينِهِ , ثُمَّ يَقُول أَنَا الْمَلِك أَيْنَ مُلُوك الْأَرْض \" أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة \" يُونُس \" وَهُوَ اِبْن يَزِيد عَنْ اِبْن شِهَاب بِسَنَدِهِ , ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ شُعَيْب وَالزُّبَيْدِيّ وَابْن مُسَافِر وَإِسْحَاق بْن يَحْيَى عَنْ الزُّهْرِيِّ وَعَنْ أَبِي سَلَمَة مِثْله , كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرّ وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ لَفْظ \" مِثْله \" وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ أَبَا سَلَمَة أَرْسَلَهُ بَلْ مُرَاده أَنَّهُ اُخْتُلِفَ عَلَى \" اِبْن شِهَاب \" وَهُوَ الزُّهْرِيُّ فِي شَيْخه فَقَالَ يُونُس هُوَ سَعِيد بْنُ الْمُسَيِّب وَقَالَ الْبَاقُونَ أَبُو سَلَمَة وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَرْوِيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَأَمَّا رِوَايَة \" شُعَيْب \" وَهُوَ اِبْن أَبِي حَمْزَة الْحِمْصِيُّ فَسَتَأْتِي فِي الْبَاب الْمُشَار إِلَيْهِ فِي الْحَدِيث الْمُعَلَّق آنِفًا , فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ \" وَقَالَ أَبُو الْيَمَان أَنَا شُعَيْب \" فَذَكَرَ طَرَفًا مِنْ الْمَتْن , وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ قَالَ \" حَدَّثَنَا الْحَكَم بْن نَافِع \" وَهُوَ أَبُو الْيَمَان فَذَكَرَهُ , وَفِيهِ \" سَمِعْت أَبَا سَلَمَة يَقُول قَالَ أَبُو هُرَيْرَة \" وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي \" كِتَاب التَّوْحِيد \" مِنْ صَحِيحه \" عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ عَنْ أَبِي الْيَمَان \" وَأَمَّا رِوَايَة \" الزُّبَيْدِيّ \" بِضَمِّ الزَّاي بَعْدهَا مُوَحَّدَة , وَهُوَ مُحَمَّد بْن الْوَلِيد الْحِمْصِيُّ فَوَصَلَهَا اِبْن خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن سَالِم عَنْهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَأَمَّا طَرِيق \" اِبْن مُسَافِر \" وَهُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن مُسَافِر الْفَهْمِيّ أَمِير مِصْر نُسِبَ لِجَدِّهِ فَتَقَدَّمَتْ مَوْصُولَة فِي تَفْسِير سُورَة الزُّمَر , مِنْ طَرِيق اللَّيْث بْن سَعْد عَنْهُ كَذَلِكَ , وَأَمَّا رِوَايَة \" إِسْحَاق بْن يَحْيَى \" وَهُوَ الْكَلْبِيّ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّات , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَافَقَ الْجَمَاعَة عُبَيْد اللَّه بْن زِيَاد الرُّصَافِيّ فِي أَبِي سَلَمَة. قُلْت : وَأَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق الصَّدَفِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ , وَنَقَلَ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَحْفُوظَانِ اِنْتَهَى. وَصَنِيع الْبُخَارِيّ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الَّذِي تَقْتَضِيه الْقَوَاعِد تَرْجِيح رِوَايَة شُعَيْب لِكَثْرَةِ مَنْ تَابَعَهُ لَكِنَّ يُونُس كَانَ مِنْ خَوَاصّ الزُّهْرِيِّ الْمُلَازِمِينَ لَهُ , قَالَ اِبْن بَطَّال : قَوْله تَعَالَى ( مَلِك النَّاس ) دَاخِل فِي مَعْنَى التَّحِيَّات لِلَّهِ أَيْ الْمُلْك لِلَّهِ , وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَقُولُوا التَّحِيَّات لِلَّهِ اِمْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبّه ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس مَلِك النَّاس ) وَوَصْفُهُ بِأَنَّهُ ( مَلِك النَّاس ) يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون بِمَعْنَى الْقُدْرَة فَيَكُون صِفَة ذَات , وَأَنْ يَكُون بِمَعْنَى الْقَهْر وَالصَّرْف عَمَّا يُرِيدُونَ فَيَكُون صِفَة فِعْل , قَالَ : وَفِي الْحَدِيث إِثْبَات الْيَمِين صِفَة لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ صِفَات ذَاته وَلَيْسَتْ جَارِحَة خِلَافًا لِلْمُجَسِّمَةِ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَالْكَلَام عَلَى الْيَمِين يَأْتِي فِي الْبَاب الْمُشَار إِلَيْهِ وَلَمْ يُعَرِّج عَلَى التَّوْفِيق بَيْن الْحَدِيث وَالتَّرْجَمَة , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا قَالَهُ شَيْخه نُعَيْم بْن حَمَّاد الْخُزَاعِيّ , قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي \" كِتَاب الرَّدّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ \" وَجَدْت فِي كِتَاب أَبِي عُمَر نُعَيْم بْن حَمَّاد قَالَ : يُقَال لِلْجَهْمِيَّةِ أَخْبِرُونَا عَنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى بَعْد فَنَاء خَلْقه ( لِمَنْ الْمُلْك الْيَوْم ) فَلَا يُجِيبهُ أَحَد فَيَرُدُّ عَلَى نَفْسه ( لِلَّهِ الْوَاحِد الْقَهَّار ) وَذَلِكَ بَعْد اِنْقِطَاع أَلْفَاظ خَلْقه بِمَوْتِهِمْ أَفَهَذَا مَخْلُوق اِنْتَهَى. وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّه يَخْلُق كَلَامًا فَيَسْمَعهُ مَنْ شَاءَ بِأَنَّ الْوَقْت الَّذِي يَقُول فِيهِ ( لِمَنْ الْمُلْك الْيَوْم ) لَا يَبْقَى حِينَئِذٍ مَخْلُوق حَيًّا , فَيُجِيب نَفْسه فَيَقُول ( لِلَّهِ الْوَاحِد الْقَهَّار ) فَثَبَتَ أَنَّهُ يَتَكَلَّم بِذَلِكَ وَكَلَامه صِفَة مِنْ صِفَات ذَاته فَهُوَ غَيْر مَخْلُوق , وَعَنْ أَحْمَد بْن سَلَمَة عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ , قَالَ صَحَّ أَنَّ اللَّه يَقُول بَعْد فَنَاء خَلْقه ( لِمَنْ الْمُلْك الْيَوْم ) فَلَا يُجِيبُهُ أَحَد فَيَقُول لِنَفْسِهِ ( لِلَّهِ الْوَاحِد الْقَهَّار ) قَالَ وَوَجَدْت فِي كِتَاب عِنْد أَبِي عَنْ هِشَام بْن عُبَيْد اللَّه الرَّازِيِّ قَالَ \" إِذَا مَاتَ الْخَلْق وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا اللَّه وَقَالَ ( لِمَنْ الْمُلْك الْيَوْم ) فَلَا يُجِيبهُ أَحَد فَيَرُدُّ عَلَى نَفْسه فَيَقُول لِلَّهِ الْوَاحِد الْقَهَّار \" قَالَ فَلَا يَشُكّ أَحَد أَنَّ هَذَا كَلَام اللَّه وَلَيْسَ بِوَحْيٍ إِلَى أَحَد ; لِأَنَّهُ لَمْ تَبْقَ نَفْس فِيهَا رُوح إِلَّا وَقَدْ ذَاقَتْ الْمَوْت , وَاَللَّه هُوَ الْقَائِل وَهُوَ الْمُجِيب لِنَفْسِهِ. قُلْت : وَفِي حَدِيث الصُّور الطَّوِيل الَّذِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الرِّقَاق \" فِي صِفَة الْحَشْر \" فَإِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا اللَّه كَانَ آخِرًا كَمَا كَانَ أَوَّلًا طَوَى السَّمَاء وَالْأَرْض ثُمَّ دَحَاهَا ثُمَّ تَلَقَّفَهُمَا ثُمَّ قَالَ أَنَا الْجَبَّار ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ لِمَنْ الْمُلْك الْيَوْم ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ لِنَفْسِهِ لِلَّهِ الْوَاحِد الْقَهَّار \" قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى ( يَوْم هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّه مِنْهُمْ شَيْء , لِمَنْ الْمُلْك الْيَوْم ) يَعْنِي يَقُول اللَّه لِمَنْ الْمُلْك فَتَرَكَ ذِكْر ذَلِكَ اِسْتِغْنَاء لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ قَالَ : وَقَوْله \" لِلَّهِ الْوَاحِد الْقَهَّار \" ذَكَرَ أَنَّ الرَّبّ جَلَّ جَلَاله هُوَ الْقَائِل ذَلِكَ مُجِيبًا لِنَفْسِهِ , ثُمَّ ذَكَرَ الرِّوَايَة بِذَلِكَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏"
    },
    {
        "id": "6835",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَقُولُ ‏ ‏أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَبُو مَعْمَر ) ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو الْمِنْقَرِيّ بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفَتْح الْقَاف , وَ \" عَبْد الْوَارِث \" هُوَ اِبْن سَعِيد , وَ \" حُسَيْن الْمُعَلِّم \" هُوَ اِبْن ذَكْوَانَ وَ \" يَحْيَى بْن يَعْمَر \" بِفَتْحِ أَوَّله وَالْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَيْنهمَا وَيَجُوز ضَمُّ مِيمه. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ يَقُول أَعُوذ بِعِزَّتِك الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ ) ‏ ‏قَالَ الْكَرْمَانِيُّ الْعَائِد لِلْمَوْصُولِ مَحْذُوف ; لِأَنَّ الْمُخَاطَب نَفْس الْمَرْجُوع إِلَيْهِ فَيَحْصُل الِارْتِبَاط. وَمِثْله : \" أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَره \" ; لِأَنَّ نَسَق الْكَلَام سَمَّتْهُ أُمُّهُ. ‏ ‏قَوْله ( الَّذِي لَا يَمُوت ) ‏ ‏بِلَفْظِ الْغَائِب لِلْأَكْثَرِ وَفِي بَعْضهَا بِلَفْظِ الْخِطَابِ. ‏ ‏قَوْله ( وَالْجِنّ وَالْإِنْس يَمُوتُونَ ) ‏ ‏اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَة لَا تَمُوت وَلَا حُجَّة فِيهِ ; لِأَنَّهُ مَفْهُوم لَقَب وَلَا اِعْتِبَار لَهُ , وَعَلَى تَقْدِيره فَيُعَارِضهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ , وَهُوَ عُمُوم قَوْله تَعَالَى ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْههُ ) مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِع مِنْ دُخُولهمْ فِي مُسَمَّى الْجِنّ لِجَامِعِ مَا بَيْنهمْ مِنْ الِاسْتِتَار عَنْ عُيُون الْإِنْس , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الدَّعَوَات وَفِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور فِي الْبَاب الْمُشَار إِلَيْهِ مِنْهُ , ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث أَنَس مِنْ ثَلَاثَة أَوْجُه عَنْ قَتَادَةَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظ شُعْبَة فِي تَفْسِير ق , وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظ \" خَلِيفَة \" وَهُوَ اِبْن خَيَّاط الْبَصْرِيّ , وَلَقَبه شَبَاب بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة وَآخِره مُوَحَّدَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْهُ \" لَا يَزَال يُلْقَى فِي النَّار \" وَفِي رِوَايَة \" سَعِيد \" وَهُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة , وَ \" سُلَيْمَان \" هُوَ التَّيْمِيُّ وَالِد مُعْتَمِر كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ \" لَا يَزَال يُلْقَى فِيهَا \" وَالضَّمِير فِي هَذِهِ الرِّوَايَة لِغَيْرِ مَذْكُور قَبْله , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , وَمِنْ طَرِيق أَبِي الْأَشْعَث عَنْ الْمُعْتَمِر بِهَذَيْنِ السَّنَدَيْنِ , وَفِي أَوَّله \" لَا تَزَال جَهَنَّم يُلْقَى فِيهَا \". ‏"
    },
    {
        "id": "6836",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَرَمِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَا يَزَالُ يُلْقَى فِي النَّارِ ‏ ‏ح ‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏مُعْتَمِرٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا ‏ { ‏وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ‏} ‏حَتَّى يَضَعَ فِيهَا ‏ ‏رَبُّ الْعَالَمِينَ ‏ ‏قَدَمَهُ ‏ ‏فَيَنْزَوِي ‏ ‏بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ تَقُولُ قَدْ قَدْ بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ وَلَا تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَتَّى يَضَع فِيهَا رَبّ الْعَالَمِينَ قَدَمه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي الْأَشْعَث \" حَتَّى يَضَع اللَّه فِيهَا قَدَمه \" وَفِي رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء عَنْ سَعِيد عِنْد مُسْلِم \" حَتَّى يَضَع فِيهَا رَبّ الْعِزَّة \" وَلَمْ يَقَع فِي رِوَايَة شُعْبَة بَيَان مَنْ يَضَع , وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة ق مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" فَيَضَع الرَّبّ قَدَمه عَلَيْهَا \" وَذُكِرَ فِيهِ شَرْحه , وَذُكِرَ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ الرِّجْل وَشَرْحه أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( وَتَقُول قَدْ قَدْ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون الدَّال وَبِكَسْرِهَا أَيْضًا بِغَيْرِ إِشْبَاع , وَذَكَرَ اِبْن التِّين أَنَّهَا رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة ق ذِكْر مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ \" قِدْنِي \" وَمَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ \" قَطْ قَطْ \" وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِيهَا أَيْضًا وَشَرْح مَعَانِيهَا مَعَ بَقِيَّة الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( بِعِزَّتِك وَكَرَمك ) ‏ ‏كَذَا ثَبَتَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة يَزِيد بْن زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء عَنْ سَعِيد عِنْد مُسْلِم بِدُونِ قَوْله وَكَرَمك , وَيُؤْخَذ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّة الْحَلِف بِكَرَمِ اللَّه كَمَا شُرِعَ الْحَلِفُ بِعِزَّةِ اللَّهِ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا تَزَال الْجَنَّة تَفْضُلُ ) ‏ ‏كَذَا لَهُمْ بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمُضَارِع , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَة وَفَاء مَفْتُوحَة وَضَاد مُعْجَمَة سَاكِنَة وَكَأَنَّ الْبَاء لِلْمُصَاحَبَةِ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : رَوَى الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث مِنْ ثَلَاث طُرُق الْأُولَى : عَنْ شَيْخه يَعْنِي \" اِبْن أَبِي الْأَسْوَد \" وَاسْمه عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بِالتَّحْدِيثِ , وَالثَّانِيَة : بِالْقَوْلِ يَعْنِي قَوْله \" وَقَالَ لِي خَلِيفَة \" وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيد فِيهِ بِالْقَوْلِ الْمُصَاحِب لِحَرْفِ الْجَرّ لِلْفَرْقِ بَيْنه وَبَيْن الْقَوْل الْمُجَرَّد , قَالَ وَالثَّالِث : بِالتَّعْلِيقِ يَنْبَغِي قَوْله \" وَعَنْ مُعْتَمِر \" ; لِأَنَّ هَذَا الثَّالِث لَيْسَ تَعْلِيقًا بَلْ هُوَ مَوْصُول مَعْطُوف عَلَى قَوْله \" حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ \" فَالتَّقْدِير وَقَالَ لِي خَلِيفَة عَنْ مُعْتَمِر , وَبِهَذَا جَزَمَ أَصْحَاب الْأَطْرَاف , قَالَ الْمِزِّيُّ : حَدِيث \" لَا تَزَال يُلْقَى \" الْحَدِيث خ فِي التَّوْحِيد , قَالَ لِي خَلِيفَة عَنْ مُعْتَمِر عَنْ أَبِيهِ , وَقَالَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج بَعْد تَخْرِيجه \" رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ خَلِيفَة عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيد وَعَنْ الْمُعْتَمِر عَنْ أَبِيهِ قَالَ \" وَحَدِيث سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ غَيْر مَرْفُوع. قُلْت : وَكَذَا لَمْ يُصَرِّح الْإِسْمَاعِيلِيّ بِرَفْعِهِ لِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَشْعَث عَنْ الْمُعْتَمِر. ‏"
    },
    {
        "id": "6837",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَدْعُو مِنْ اللَّيْلِ ‏ ‏اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قَوْلُكَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ لِي غَيْرُكَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏بِهَذَا وَقَالَ أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6838",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي سَفَرٍ فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا فَقَالَ ‏ ‏ارْبَعُوا ‏ ‏عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَقَالَ لِي يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ ‏ ‏قُلْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ أَوْ قَالَ أَلَا أَدُلُّكَ بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي عُثْمَان ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن مُلّ النَّهْدِيّ وَالسَّنَد كُلّه بَصْرِيُّونَ وَقَدْ مَضَى شَرْح الْمَتْن فِي \" كِتَاب الدَّعَوَات \" وَقَوْله \" أَرْبِعُوا \" بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة أَيْ اُرْفُقُوا بِضَمِّ الْفَاء وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَته بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَأَنَّهُ فِي كُتُب أَهْل اللُّغَة وَبَعْض كُتُب الْحَدِيث بِفَتْحِهَا , وَقَوْله \" فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ \" إِلَخْ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ لَوْ جَاءَتْ الرِّوَايَة \" لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا أَعْمَى \" لَكَانَ أَظْهَر فِي الْمُنَاسَبَة لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَائِب كَالْأَعْمَى فِي عَدَم الرُّؤْيَة نَفَى لَازِمَهُ لِيَكُونَ أَبْلَغَ وَأَشْمَل , وَزَادَ \" قَرِيبًا \" ; لِأَنَّ الْبَعِيد وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْمَع وَيُبْصِر لَكِنَّهُ لِبُعْدِهِ قَدْ لَا يَسْمَع وَلَا يُبْصِر , وَلَيْسَ الْمُرَاد قُرْب الْمَسَافَة ; لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ الْحُلُول كَمَا لَا يَخْفَى وَمُنَاسَبَة الْغَائِب ظَاهِرَة مِنْ أَجْل النَّهْي عَنْ رَفْع الصَّوْت , قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذَا الْحَدِيث نَفْي الْآفَة الْمَانِعَة مِنْ السَّمْع وَالْآفَة الْمَانِعَة مِنْ النَّظَر , وَإِثْبَات كَوْنه سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا , يَسْتَلْزِم أَنْ لَا تَصِحّ أَضْدَاد هَذِهِ الصِّفَات عَلَيْهِ وَقَوْله فِي آخِره \" أَوْ قَالَ أَلَا أَدُلُّك \" شَكّ مِنْ الرَّاوِي هَلْ قَالَ يَا عَبْد اللَّه بْن قَيْس \" قُلْ لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ , فَإِنَّهَا كَنْز مِنْ كُنُوز الْجَنَّة \" أَوْ قَالَ يَا عَبْد اللَّه بْن قَيْس \" أَلَا أَدُلُّك \" وَقَوْله بَعْد قَوْله أَلَا أَدُلُّك بِهِ , أَيْ بِبَقِيَّةِ الْخَبَر وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الدَّعَوَات فِي بَاب الدُّعَاء \" إِذَا عَلَا عَقَبَة \" فَسَاقَ الْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِهِ وَقَالَ : بَعْد قَوْله \" أَلَا أَدُلُّك عَلَى كَلِمَة هِيَ كَنْز مِنْ كُنُوز الْجَنَّة , لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6839",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْخَيْرِ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي قَالَ قُلْ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مِنْ عِنْدِكَ مَغْفِرَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّ أَبَا بَكْر يَعْنِي الصِّدِّيق قَالَ \" يَا رَسُول اللَّه عَلِّمْنِي دُعَاء \" الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر صِفَة الصَّلَاة وَفِي الدَّعَوَات مَعَ شَرْحه وَبَيَان مَنْ جَعَلَهُ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَد أَبِي بَكْر , وَأَشَارَ اِبْن بَطَّال إِلَى أَنَّ مُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ دُعَاء أَبِي بَكْر لَمَّا عَلَّمَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّه سَمِيع لِدُعَائِهِ وَمُجَازِيه عَلَيْهِ , وَقَالَ غَيْره : حَدِيث أَبِي بَكْر لَيْسَ مُطَابِقًا لِلتَّرْجَمَةِ إِذْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْر صِفَتَيْ السَّمْع وَالْبَصَر لَكِنَّهُ ذَكَرَ لَازِمهمَا مِنْ جِهَة أَنَّ فَائِدَة الدُّعَاء إِجَابَة الدَّاعِي لِمَطْلُوبِهِ فَلَوْلَا أَنَّ سَمْعه سُبْحَانه يَتَعَلَّق بِالسِّرِّ كَمَا يَتَعَلَّق بِالْجَهْرِ لَمَا حَصَلَتْ فَائِدَة الدُّعَاء أَوْ كَانَ يُقَيِّدهُ بِمَنْ يَجْهَر بِدُعَائِهِ. اِنْتَهَى مِنْ كَلَام اِبْن الْمُنِير مُلَخَّصًا وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَمَّا كَانَ بَعْض الذُّنُوب مِمَّا يُسْمَع وَبَعْضهَا مِمَّا يُبْصَر لَمْ تَقَع مَغْفِرَته إِلَّا بَعْد الْإِسْمَاع وَالْإِبْصَار. ‏ ‏تَنْبِيهٌ : ‏ ‏الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَات ظُلْمًا كَثِيرًا بِالْمُثَلَّثَةِ وَوَقَعَ هُنَا لِلْقَابِسِيِّ بِالْمُوَحَّدَةِ , الْحَدِيث الرَّابِع حَدِيث عَائِشَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6840",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏حَدَّثَتْهُ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏نَادَانِي قَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَتَانِي فَقَالَ : إِنَّ اللَّه قَدْ سَمِعَ قَوْل قَوْمك وَمَا رَدُّوا عَلَيْك ) ‏ ‏هَكَذَا ذَكَرَ هَذَا الْقَدْر مِنْهُ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ , وَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ فِي بَدْء الْخَلْق وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ , وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا قَوْله \" إِنَّ اللَّه قَدْ سَمِعَ \" وَقَوْله \" مَا رَدُّوا عَلَيْك \" أَيْ أَجَابُوك وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ رَدَّهُمْ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ التَّوْحِيد بِعَدَمِ قَبُولهمْ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْمَقْصُود مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَحَادِيث إِثْبَات صِفَتَيْ السَّمْع وَالْبَصَر وَهُمَا صِفَتَانِ قَدِيمَتَانِ مِنْ الصِّفَات الذَّاتِيَّة وَعِنْد حُدُوث الْمَسْمُوع وَالْمُبْصَر يَقَع التَّعَلُّق , وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَة فَقَالُوا إِنَّهُ سَمِيع يَسْمَع كُلّ مَسْمُوع وَبَصِير يُبْصِر كُلّ مُبْصَر فَادَّعَوْا أَنَّهُمَا صِفَتَانِ حَادِثَتَانِ , وَظَوَاهِر الْآيَات وَالْأَحَادِيث تَرُدُّ عَلَيْهِمْ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏"
    },
    {
        "id": "6841",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْنُ بْنُ عِيسَى ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ ‏ ‏يُحَدِّثُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ ‏ ‏يَقُولُ أَخْبَرَنِي ‏ ‏جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِيُّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ ‏ ‏الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُهُمْ السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ ‏ ‏إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الْأَمْرَ ثُمَّ تُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ خَيْرًا لِي فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ قَالَ أَوْ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر يُحَدِّث عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن ) ‏ ‏أَيْ اِبْن الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَكَانَ عَبْد اللَّه كَبِير بَنِي هَاشِم فِي وَقْته قَالَ اِبْن سَعْد كَانَ مِنْ الْعُبَّاد وَلَهُ عَارِضَة وَهَيْئَة , وَقَالَ مُصْعَب الزُّبَيْدِيّ : مَا كَانَ عُلَمَاء الْمَدِينَة يُكْرِمُونَ أَحَدًا مَا يُكْرِمُونَهُ , وَوَثَّقَهُ اِبْن مَعِين وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرهمَا , وَهُوَ مِنْ صِغَار التَّابِعِينَ , رَوَى عَنْ عَمّ جَدّه عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب ; وَلَهُ رِوَايَة عَنْ أُمّه فَاطِمَة بِنْت الْحُسَيْن وَعَنْ غَيْرهَا , وَمَاتَ فِي حَبْس الْمَنْصُور سَنَة ثَلَاث وَأَرْبَعِينَ وَمِائَة وَلَهُ خَمْس وَسَبْعُونَ سَنَة , وَلَيْسَ لَهُ ذِكْر فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ أَفْصَحَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الْمَوَالِي بِالْوَاقِعِ فِي حَال تَحَمُّله , وَلَمْ يَتَصَرَّف فِيهِ بِأَنْ يَقُول حَدَّثَنِي وَلَا أَخْبَرَنِي لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ فَقَالَ \" حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر \" وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ اِعْتِرَاض لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر لَمْ يَقْصِدهُ بِالتَّحْدِيثِ , وَقَدْ سَلَكَ فِي ذَلِكَ النَّسَائِيُّ وَالْبَرْقَانِيّ مَسْلَك التَّحَرِّي , فَكَانَ النَّسَائِيُّ فِيمَا سَمِعَهُ فِي الْحَالَة الَّتِي لَمْ يَقْصِدهُ الْمُحَدِّث فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ , لَا يَقُول حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا وَلَا سَمِعْت بَلْ يَقُول فُلَان قَرَأَهُ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَع , وَكَانَ الْبَرْقَانِيّ يَقُول : سَمِعْت فُلَانًا يَقُول , وَجَوَّزَ الْأَكْثَر إِطْلَاق التَّحْدِيث وَالْإِخْبَار لِكَوْنِ الْمَقْصُود بِالتَّحْدِيثِ مِنْ جِنْس مَنْ سَمِعَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا فَيَجُوز ذَلِكَ عِنْدهمْ لَكِنْ بِصِيغَةِ الْجَمْع فَيَقُول حَدَّثَنَا أَيْ حَدَّثَ قَوْمًا أَنَا فِيهِمْ فَسَمِعْت ذَلِكَ مِنْهُ حِين حَدَّثَ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدنِي بِالتَّحْدِيثِ وَعَلَى هَذَا فَيَمْتَنِع بِالْإِفْرَادِ بِأَنْ يَقُول مَثَلًا \" حَدَّثَنِي \" بَلْ وَيَمْتَنِع فِي الِاصْطِلَاح أَيْضًا ; لِأَنَّهُ مَخْصُوص بِمَنْ سَمِعَ وَحْده مِنْ لَفْظ الشَّيْخ , وَمِنْ ثَمَّ كَانَ التَّعْبِير بِالسَّمَاعِ أَصْرَح الصِّيَغ لِكَوْنِهِ أَدَلّ عَلَى الْوَاقِع , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث الْبَاب فِي صَلَاة اللَّيْل وَفِي الدَّعَوَات مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الْمَوَالِي ذَكَرَهُ فِي كُلّ مِنْهُمَا بِالْعَنْعَنَةِ , قَالَ \" عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر \" وَلَمْ يَقُلْ سَمِعْت وَلَا حَدَّثَنَا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَهُوَ جَائِز ; لِأَنَّهَا صِيغَة مُحْتَمِلَة فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة تَعَيُّن أَحَد الِاحْتِمَالَيْنِ , وَهُوَ التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ , وَلِهَذَا نَزَلَ فِيهِ الْبُخَارِيّ دَرَجَة ; لِأَنَّهُ عِنْده فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بِوَاسِطَةِ وَاحِد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن ; وَهُنَا وَقَعَ بَيْنه وَبَيْن عَبْد الرَّحْمَن اِثْنَانِ , لَكِنْ سَهَّلَ عَلَيْهِ النُّزُولَ تَحْصِيلُ فَائِدَة الِاطِّلَاع عَلَى الْوَاقِع وَفِيهَا تَصْرِيج عَبْد الرَّحْمَن بِالسَّمَاعِ فِي مَوْضِع الْعَنْعَنَة , فَأَمَّا مَنْ يُخْشَى مِنْ الِانْقِطَاع الَّذِي تَحْتَمِلهُ الْعَنْعَنَة , وَقَدْ وَقَعَ لِي مِنْ رِوَايَة خَالِد بْن مَخْلَدٍ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن قَالَ : سَمِعْت مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر يُحَدِّث عَنْ جَابِر أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَخَالِد مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , فَيَحْتَمِل أَنْ لَا يَكُون سَمِعَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيث مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح بِمَا صَرَّحَتْ بِهِ الرِّوَايَة النَّازِلَة مِنْ تَسْمِيَة الْمَقْصُود بِالتَّحْدِيثِ وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن , وَقَوْله فِي الْخَبَر \" وَأَسْتَقْدِرُك بِقُدْرَتِك \" الْبَاء لِلِاسْتِعَانَةِ أَوْ لِلْقَسَمِ أَوْ لِلِاسْتِعْطَافِ , وَمَعْنَاهُ أَطْلُب مِنْك أَنْ تَجْعَل لِي قُدْرَة عَلَى الْمَطْلُوب , وَقَوْله \" فَاقْدُرْهُ \" بِضَمِّ الدَّالّ وَيَجُوز كَسْرهَا أَيْ نَجِّزْهُ لِي \" وَرَضِّنِي \" بِتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَة أَيْ اِجْعَلْنِي بِذَلِكَ رَاضِيًا فَلَا أَنْدَم عَلَى طَلَبه وَلَا عَلَى وُقُوعه لِأَنِّي لَا أَعْلَم عَاقِبَته وَإِنْ كُنْت حَال طَلَبه رَاضِيًا بِهِ وَقَوْله \" وَيُسَمِّيه بِعَيْنِهِ \" فِي رِوَايَة خَالِد بْن مَخْلَدٍ \" فَيُسَمِّيه مَا كَانَ مِنْ شَيْء \" يَعْنِي أَيّ شَيْء كَانَ وَقَوْله \" ثُمَّ لِيَقُلْ \" ظَاهِر فِي أَنَّ الدُّعَاء الْمَذْكُور يَكُون بَعْد الْفَرَاغ مِنْ الصَّلَاة وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّرْتِيب فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِأَذْكَارِ الصَّلَاة وَدُعَائِهَا فَيَقُولهُ بَعْد الْفَرَاغ وَقَبْل السَّلَام , وَقَدْ تَقَدَّمَ سَائِر فَوَائِده فِي \" كِتَاب الدَّعَوَات \". ‏"
    },
    {
        "id": "6842",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَحْلِفُ ‏ ‏لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ الْوَاسِطِيُّ نَزِيل بَغْدَاد يُكَنَّى أَبَا عُثْمَان , وَيُلَقَّب سَعْدَوَيْهِ وَكَانَ أَحَد الْحُفَّاظ \" وَابْن الْمُبَارَك \" هُوَ عَبْد اللَّه الْإِمَام الْمَشْهُور وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب فِي \" كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور \" وَكَذَا الْآيَة وَيُسْتَفَاد مِنْهُمَا أَنَّ أَعْرَاض الْقُلُوب مِنْ إِرَادَة وَغَيْرهَا تَقَع بِخَلْقِ اللَّه تَعَالَى , وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ أَجَازَ تَسْمِيَة اللَّه تَعَالَى بِمَا ثَبَتَ فِي الْخَبَر , وَلَوْ لَمْ يَتَوَاتَر , وَجَوَاز اِشْتِقَاق الِاسْم لَهُ تَعَالَى مِنْ الْفِعْل الثَّابِت , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ عِنْد ذِكْر الْأَسْمَاء الْحُسْنَى مِنْ \" كِتَاب الدَّعَوَات \" وَمَعْنَى قَوْله ( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ ) نُصَرِّفُهَا بِمَا شِئْنَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره , وَقَالَ الْمُعْتَزِلِيّ مَعْنَاهُ نَطْبَعُ عَلَيْهَا فَلَا يُؤْمِنُونَ وَالطَّبْع عِنْدهمْ التَّرْك , فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا \" نَتْرُكُهُمْ وَمَا اِخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ \" وَلَيْسَ هَذَا مَعْنَى التَّقْلِيب فِي لُغَة الْعَرَب ; وَلِأَنَّ اللَّه تَمَدَّحَ بِالِانْفِرَادِ بِذَلِكَ , وَلَا مُشَارَكَة لَهُ فِيهِ , فَلَا يَصِحّ تَفْسِير الطَّبْع بِالتَّرْكِ فَالطَّبْع عِنْد أَهْل السُّنَّة خَلْق الْكُفْر فِي قَلْب الْكَافِر وَاسْتِمْرَاره عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَمُوت فَمَعْنَى الْحَدِيث : أَنَّ اللَّه يَتَصَرَّف فِي قُلُوب عِبَاده بِمَا شَاءَ لَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ شَيْء مِنْهَا وَلَا تَفُوتهُ إِرَادَة وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : فِي نِسْبَة تَقَلُّب الْقُلُوب إِلَى اللَّه إِشْعَار بِأَنَّهُ يَتَوَلَّى قُلُوب عِبَاده وَلَا يَكِلهَا إِلَى أَحَد مِنْ خَلْقه , وَفِي دُعَائِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينك \" إِشَارَة إِلَى شُمُول ذَلِكَ لِلْعِبَادِ حَتَّى الْأَنْبِيَاء وَرَفْع تَوَهُّم مَنْ يَتَوَهَّم أَنَّهُمْ يُسْتَثْنَوْنَ مِنْ ذَلِكَ , وَخَصَّ نَفْسه بِالذِّكْرِ إِعْلَامًا بِأَنَّ نَفْسه الزَّكِيَّة إِذَا كَانَتْ مُفْتَقِرَة إِلَى أَنْ تَلْجَأ إِلَى اللَّه سُبْحَانه فَافْتِقَار غَيْرهَا مِمَّنْ هُوَ دُونه أَحَقّ بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6843",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ‏ { ‏أَحْصَيْنَاهُ ‏} ‏حَفِظْنَاهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( اِسْمًا ) ‏ ‏قِيلَ مَعْنَاهُ تَسْمِيَةً وَحِينَئِذٍ لَا مَفْهُوم لِهَذَا الْعَدَد بَلْ لَهُ أَسْمَاء كَثِيرَة غَيْر هَذِهِ. ‏ ‏قَوْله ( أَحْصَيْنَاهُ حَفِظْنَاهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ وَعَلَى مَعْنَى الْإِحْصَاء وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ فِي \" كِتَاب الدَّعَوَات \" قَالَ الْأَصِيلِيّ : الْإِحْصَاء لِلْأَسْمَاءِ الْعَمَل بِهَا لَا عَدّهَا وَحِفْظهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَقَع لِلْكَافِرِ الْمُنَافِق كَمَا فِي حَدِيث الْخَوَارِج يَقْرَءُونَ الْقُرْآن لَا يُجَاوِز حَنَاجِرهمْ , وَقَالَ اِبْن بَطَّال الْإِحْصَاء يَقَع بِالْقَوْلِ وَيَقَع بِالْعَمَلِ فَاَلَّذِي بِالْعَمَلِ أَنَّ لِلَّهِ أَسْمَاء يَخْتَصّ بِهَا كَالْأَحَدِ وَالْمُتَعَال وَالْقَدِير وَنَحْوهَا , فَيَجِب الْإِقْرَار بِهَا وَالْخُضُوع عِنْدهَا , وَلَهُ أَسْمَاء يُسْتَحَبّ الِاقْتِدَاء بِهَا فِي مَعَانِيهَا : كَالرَّحِيمِ وَالْكَرِيم وَالْعَفُوّ وَنَحْوهَا , فَيُسْتَحَبّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَحَلَّى بِمَعَانِيهَا لِيُؤَدِّيَ حَقّ الْعَمَل بِهَا فَبِهَذَا يَحْصُل الْإِحْصَاء الْعَمَلِيّ , وَأَمَّا الْإِحْصَاء الْقَوْلِيّ فَيَحْصُل بِجَمْعِهَا وَحِفْظهَا وَالسُّؤَال بِهَا وَلَوْ شَارَكَ الْمُؤْمِن غَيْره فِي الْعَدّ وَالْحِفْظ , فَإِنَّ الْمُؤْمِن يَمْتَاز عَنْهُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَل بِهَا. وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي \" كِتَاب الرَّدّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ \" : ذَكَرَ نُعَيْم بْن حَمَّاد أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ قَالُوا : إِنَّ أَسْمَاء اللَّه مَخْلُوقَة ; لِأَنَّ الِاسْم غَيْر الْمُسَمَّى , وَادَّعَوْا أَنَّ اللَّه كَانَ وَلَا وُجُود لِهَذِهِ الْأَسْمَاء , ثُمَّ خَلَقَهَا ثُمَّ تَسَمَّى بِهَا , قَالَ فَقُلْنَا لَهُمْ : إِنَّ اللَّه قَالَ ( سَبِّحْ اِسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى ) وَقَالَ ( ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ) فَأَخْبَرَ أَنَّهُ الْمَعْبُود وَدَلَّ كَلَامه عَلَى اِسْمه بِمَا دَلَّ بِهِ عَلَى نَفْسه , فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اِسْم اللَّه مَخْلُوق فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ اللَّه أَمَرَ نَبِيّه أَنْ يُسَبِّح مَخْلُوقًا , وَنُقِلَ عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ الْجَهْمِيَّةِ أَنَّ جَهْمًا قَالَ : لَوْ قُلْت إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَة وَتِسْعِينَ اِسْمًا لَعَبَدْت تِسْعَة وَتِسْعِينَ إِلَهًا , قَالَ فَقُلْنَا لَهُمْ : إِنَّ اللَّه أَمَرَ عِبَاده أَنْ يَدْعُوهُ بِأَسْمَائِهِ , فَقَالَ ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) وَالْأَسْمَاء جَمْع أَقَلّه ثَلَاثَة وَلَا فَرْق فِي الزِّيَادَة عَلَى الْوَاحِد بَيْن الثَّلَاثَة وَبَيْن التِّسْعَة وَالتِّسْعِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6844",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ فِرَاشَهُ فَلْيَنْفُضْهُ ‏ ‏بِصَنِفَةِ ‏ ‏ثَوْبِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلْيَقُلْ بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَزَادَ ‏ ‏زُهَيْرٌ ‏ ‏وَأَبُو ضَمْرَةَ ‏ ‏وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏ابْنُ عَجْلَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْقَوْل عِنْد النَّوْم وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الدَّعَوَات وَفِيهِ \" بِاسْمِك رَبِّي وَضَعْت جَنْبِي , وَبِك أَرْفَعُهُ \" قَالَ اِبْن بَطَّال : أَضَافَ الْوَضْع إِلَى الِاسْم , وَالرَّفْع إِلَى الذَّات فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالِاسْمِ الذَّات وَبِالذَّاتِ يُسْتَعَان فِي الرَّفْع وَالْوَضْع لَا بِاللَّفْظِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ‏ ‏قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِب مَالِك بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طُرُق إِلَى \" عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه \" وَهُوَ الْأُوَيْسِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ \" لَا أَعْلَم أَحَدًا أَسْنَدَهُ عَنْ مَالِك إِلَّا الْأُوَيْسِيّ \" وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَانَ عَنْ مَالِك عَنْ سَعِيد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا. ‏ ‏قَوْله ( فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبه ) ‏ ‏الصَّنِفَة : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر النُّون بَعْدهَا فَاء طُرَّته , وَقِيلَ طَرَفه , وَقِيلَ جَانِبه , وَقِيلَ حَاشِيَته الَّتِي فِيهَا هُدْبه , وَقَالَ فِي النِّهَايَة طَرَفه الَّذِي يَلِي طُرَّته. قُلْت : وَتَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَات بِلَفْظِ \" دَاخِلَة إِزَاره \" وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ مَعْنَاهَا , فَالْأَوْلَى هُنَا أَنْ يُقَال الْمُرَاد طَرَفه الَّذِي مِنْ الدَّاخِل جَمْعًا بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ. ‏ ‏قَوْله ( ثَلَاث مَرَّات ) ‏ ‏هَكَذَا زَادَهَا مَالِك فِي الرِّوَايَتَيْنِ الْمَوْصُولَة وَالْمُرْسَلَة وَتَابَعَهُ عَبْد اللَّه بْن عُمَر بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَة , وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنهمَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة عَنْ الْأُوَيْسِيّ عَنْهُمَا , وَحَذَفَ الْبُخَارِيّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر الْعُمَرِيّ لِضَعْفِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَى مَالِك , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي جَوَاز حَذْف الضَّعِيف , وَالِاقْتِصَار عَلَى الثِّقَة إِذَا اِشْتَرَكَا فِي الرِّوَايَة فِي \" كِتَاب الِاعْتِصَام \" , وَصَنِيع الْبُخَارِيّ يَقْتَضِي الْجَوَاز لَكِنْ لَمْ يَطَّرِد لَهُ فِي ذَلِكَ عَمَل فَإِنَّهُ حَذَفَهُ تَارَة كَمَا هُنَا , وَأَثْبَتَهُ أُخْرَى لَكِنْ كَنَّى عَنْهُ اِبْن فُلَان كَمَا مَضَى التَّنْبِيه عَلَيْهِ هُنَاكَ , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُ حَيْثُ حَذَفَهُ كَانَ اللَّفْظ الَّذِي سَاقَهُ لِلَّذِي اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْآخَر. ‏ ‏قَوْله ( فَاغْفِرْ لَهَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَات بِلَفْظِ \" فَارْحَمْهَا \" وَجَمَعَ بَيْنهمَا إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ , أَخْرَجَهُ الْمُخْلِص فِي أَوَاخِر الْأَوَّل مِنْ فَوَائِده. ‏ ‏قَوْله عَقِبه ‏ ‏( تَابَعَهُ يَحْيَى ) ‏ ‏يُرِيد اِبْن سَعِيد الْقَطَّان وَ \" عُبَيْد اللَّه \" هُوَ اِبْن عُمَر الْعُمَرِيّ , وَ \" سَعِيد \" هُوَ الْمَقْبُرِيُّ , وَ \" زُهَيْر \" هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة , وَ \" أَبُو ضَمْرَة \" هُوَ أَنَس بْن عِيَاض , وَالْمُرَاد بِإِيرَادِ هَذِهِ التَّعَالِيق بَيَان الِاخْتِلَاف عَلَى سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ هَلْ رَوَى الْحَدِيث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَا وَاسِطَة أَوْ بِوَاسِطَةِ أَبِيهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان مَنْ وَصَلَهَا كُلّهَا فِي \" كِتَاب الدَّعَوَات \". ‏"
    },
    {
        "id": "6845",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا وَأَمُوتُ وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث حُذَيْفَة وَأَبِي ذَرّ فِي الْقَوْل عِنْد النَّوْم أَيْضًا وَفِيهِ \" اللَّهُمَّ بِاسْمِك أَحْيَا وَأَمُوت \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا فِي الدَّعَوَات. ‏"
    },
    {
        "id": "6846",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ ‏ ‏بِاسْمِكَ نَمُوتُ وَنَحْيَا فَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث حُذَيْفَة وَأَبِي ذَرّ فِي الْقَوْل عِنْد النَّوْم أَيْضًا وَفِيهِ \" اللَّهُمَّ بِاسْمِك أَحْيَا وَأَمُوت \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا فِي الدَّعَوَات. ‏"
    },
    {
        "id": "6847",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ فَقَالَ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرُّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْقَوْل عِنْد الْجِمَاع وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب النِّكَاح \" وَقَوْله \" فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّر بَيْنهمَا وَلَد \" الْمُرَاد إِنْ كَانَ قُدِّرَ ; لِأَنَّ التَّقْدِير أَزَلِيٌّ لَكِنْ عَبَّرَ بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَة بِالنِّسْبَةِ لِلتَّعَلُّقِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6848",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُضَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قُلْتُ أُرْسِلُ كِلَابِي الْمُعَلَّمَةَ قَالَ ‏ ‏إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَأَمْسَكْنَ فَكُلْ وَإِذَا رَمَيْتَ ‏ ‏بِالْمِعْرَاضِ ‏ ‏فَخَزَقَ فَكُلْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَدِيٍّ فِي الصَّيْد , قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الذَّبَائِح. ‏"
    },
    {
        "id": "6849",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَا هُنَا أَقْوَامًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِشِرْكٍ يَأْتُونَا ‏ ‏بِلُحْمَانٍ لَا نَدْرِي يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَا قَالَ ‏ ‏اذْكُرُوا أَنْتُمْ اسْمَ اللَّهِ وَكُلُوا ‏ ‏تَابَعَهُ ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ‏ ‏وَأُسَامَةُ بْنُ حَفْصٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي الْأَمْر بِالتَّسْمِيَةِ عِنْد الْأَكْل , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الذَّبَائِح أَيْضًا , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" تَابَعَهُ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن \" ‏ ‏هُوَ الطُّفَاوِيّ , ‏ ‏وَ \" عَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد \" ‏ ‏هُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ , ‏ ‏وَ \" أُسَامَة بْن حَفْص \" ‏ ‏هُوَ الْمَدَنِيّ , وَتَقَدَّمَ فِي الذَّبَائِح بَيَان مَنْ وَصَلَهَا , وَطَرِيق الدَّرَاوَرْدِيِّ وَصَلَهَا مُحَمَّد بْن أَبِي عُمَر الْعَدَنِيّ فِي مُسْنَده عَنْهُ , وَتَقَدَّمَ الْقَوْل فِي هَذَا السَّنَد بِأَشْبَعَ مِنْ هَذَا هُنَاكَ. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏أَحَدهمَا وَقَعَ قَوْله \" تَابَعَهُ \" إِلَخْ هُنَا عَقِب حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمُبْدَأ بِذِكْرِهِ فِي هَذَا الْبَاب عِنْد كَرِيمَة وَالْأَصِيلِيّ وَغَيْرهمَا وَالصَّوَاب مَا وَقَعَ عِنْد أَبِي ذَرّ وَغَيْره أَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ عَقِب حَدِيث عَائِشَة وَهُوَ سَادِس أَحَادِيث الْبَاب. ثَانِيهمَا : وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" أَنَّ هُنَا أَقْوَامًا حَدِيثًا عَهْدُهُمْ بِالشِّرْكِ يَأْتُونَا \" كَذَا فِيهِ بِنُونٍ وَاحِدَة وَهِيَ لُغَة مَنْ يَحْذِف النُّون مَعَ الرَّفْع , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ يَكُون بِتَشْدِيدِ النُّون مُرَاعَاة لِلُّغَةِ الْمَشْهُورَة ; لَكِنَّ التَّشْدِيد فِي مِثْل هَذَا قَلِيل. ‏"
    },
    {
        "id": "6850",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ضَحَّى النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِكَبْشَيْنِ يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي الْأُضْحِيَّة بِكَبْشَيْنِ , وَفِيهِ \" فَسَمَّى وَكَبَّرَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْأَضَاحِيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6851",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُنْدَبٍ ‏ ‏أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ النَّحْرِ صَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ ‏ ‏مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جُنْدُب فِي مَنْع الذَّبْح فِي الْعِيد قَبْل الصَّلَاة , وَفِيهِ قَوْله \" فَلْيَذْبَحْ بِسْمِ اللَّه \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الضَّحَايَا أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6852",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَرْقَاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر \" لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ \" تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور , قَالَ نُعَيْم بْن حَمَّاد فِي الرَّدّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ : دَلَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيث يَعْنِي الْوَارِدَة فِي الِاسْتِعَاذَة بِأَسْمَاءِ اللَّه وَكَلِمَاته , وَالسُّؤَال بِهَا مِثْل أَحَادِيث الْبَاب , وَحَدِيث عَائِشَة , وَأَبِي سَعِيد \" بِسْمِ اللَّه أَرْقِيك \" وَكِلَاهُمَا عِنْد مُسْلِم , وَفِي الْبَاب عَنْ عُبَادَةَ وَمَيْمُونَة وَأَبِي هُرَيْرَة وَغَيْرهمْ عِنْد النَّسَائِيِّ وَغَيْره بِأَسَانِيد جِيَاد , عَلَى أَنَّ الْقُرْآن غَيْر مَخْلُوق إِذْ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَمْ يَسْتَعِذْ بِهَا إِذْ لَا يُسْتَعَاذ بِمَخْلُوقٍ , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ ) وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَإِذَا اِسْتَعَذْت فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ \" وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد فِي \" كِتَاب السُّنَّة \" قَالَتْ الْجَهْمِيَّةُ لِمَنْ قَالَ : إِنَّ اللَّه لَمْ يَزَلْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاته , قُلْتُمْ بِقَوْلِ النَّصَارَى حَيْثُ جَعَلُوا مَعَهُ غَيْره , فَأَجَابُوا بِأَنَّا نَقُول إِنَّهُ وَاحِد بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاته , فَلَا نَصِف إِلَّا وَاحِدًا بِصِفَاتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْت وَحِيدًا ) وَصَفَهُ بِالْوَحْدَةِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ لِسَان وَعَيْنَانِ وَأُذُنَانِ وَسَمْع وَبَصَر وَلَمْ يَخْرُج بِهَذِهِ الصِّفَات عَنْ كَوْنه وَاحِدًا وَلِلَّهِ الْمَثَل الْأَعْلَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6853",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ ‏ ‏حَلِيفٌ ‏ ‏لِبَنِي زُهْرَةَ ‏ ‏وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَشَرَةً مِنْهُمْ ‏ ‏خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏فَأَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏ابْنَةَ الْحَارِثِ ‏ ‏أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ ‏ ‏الْحَرَمِ ‏ ‏لِيَقْتُلُوهُ قَالَ ‏ ‏خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ‏ ‏عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي ‏ ‏وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ‏ ‏يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ ‏ ‏شِلْوٍ ‏ ‏مُمَزَّعِ ‏ ‏فَقَتَلَهُ ‏ ‏ابْنُ الْحَارِثِ ‏ ‏فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ يَوْمَ أُصِيبُوا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6854",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَقِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنْ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث ‏ ‏\" عَبْد اللَّه \" ‏ ‏وَهُوَ اِبْن مَسْعُود \" مَا مِنْ أَحَد أَغْيَر مِنْ اللَّه - وَفِيهِ - وَمَا أَحَد أَحَبّ إِلَيْهِ الْمَدْح مِنْ اللَّه \" كَذَا وَقَعَ هُنَا مُخْتَصَرًا , وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام مِنْ طَرِيق \" أَبِي وَائِل \" وَهُوَ شَقِيق بْن سَلَمَة الْمَذْكُور هُنَا أَتَمّ مِنْهُ , وَهَذَا الْحَدِيث مَدَاره فِي الصَّحِيحَيْنِ عَلَى أَبِي وَائِل , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد النَّخَعِيِّ عَنْ اِبْن مَسْعُود نَحْوه , وَزَادَ فِيهِ \" وَلَا أَحَد أَحَبّ إِلَيْهِ الْعُذْر مِنْ اللَّه مِنْ أَجْل ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكُتُب وَأَرْسَلَ الرُّسُل \" وَهَذِهِ الزِّيَادَة عِنْد الْمُصَنِّف فِي حَدِيث الْمُغِيرَة الْآتِي فِي بَاب \" لَا شَخْص أَغْيَر مِنْ اللَّه \" قَالَ اِبْن بَطَّال فِي هَذِهِ الْآيَات وَالْأَحَادِيث إِثْبَات النَّفْس لِلَّهِ , وَلِلنَّفْسِ مَعَانٍ , وَالْمُرَاد يَنْفَس اللَّه ذَاته وَلَيْسَ بِأَمْرٍ مَزِيد عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُون هُوَ , وَأَمَّا قَوْله \" أَغْيَر مِنْ اللَّه \" فَسَبَقَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي \" كِتَاب الْكُسُوف \" وَقِيلَ غَيْرَة اللَّه كَرَاهَة إِتْيَان الْفَوَاحِش , أَيْ عَدَم رِضَاهُ بِهَا لَا التَّقْدِير , وَقِيلَ الْغَضَب لَازِم الْغَيْرَة وَلَازِم الْغَضَب إِرَادَة إِيصَال الْعُقُوبَة وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَيْسَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود هَذَا ذِكْر النَّفْس , وَلَعَلَّهُ أَقَامَ اِسْتِعْمَال أَحَد مَقَام النَّفْس لِتَلَازُمِهِمَا فِي صِحَّة اِسْتِعْمَال كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مَقَام الْآخَر , ثُمَّ قَالَ : وَالظَّاهِر أَنَّ هَذَا الْحَدِيث كَانَ قَبْل هَذَا الْبَاب فَنَقَلَهُ النَّاسِخ إِلَى هَذَا الْبَاب اِنْتَهَى , وَكُلّ هَذَا غَفْلَة عَنْ مُرَاد الْبُخَارِيّ , فَإِنَّ ذِكْر النَّفْس ثَابِت فِي هَذَا الْحَدِيث الَّذِي أَوْرَدَهُ , وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقَع فِي هَذِهِ الطَّرِيق لَكِنَّهُ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ كَعَادَتِهِ , فَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام بِلَفْظِ \" لَا شَيْء \" وَفِي تَفْسِير سُورَة الْأَعْرَاف بِلَفْظِ \" وَلَا أَحَد \" ثُمَّ اِتَّفَقَا عَلَى \" أَحَبّ إِلَيْهِ الْمَدْح مِنْ اللَّه \" وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسه , وَهَذَا الْقَدْر هُوَ الْمُطَابِق لِلتَّرْجَمَةِ وَقَدْ كَثُرَ مِنْهُ أَنْ يُتَرْجِم بِبَعْضِ مَا وَرَدَ فِي طُرُق الْحَدِيث الَّذِي يُورِدهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَدْر مَوْجُودًا فِي تِلْكَ التَّرْجَمَة. وَقَدْ سَبَقَ الْكَرْمَانِيّ إِلَى نَحْو ذَلِكَ اِبْنَ الْمُنِير فَقَالَ : تَرْجَمَ عَلَى ذِكْر النَّفْس فِي حَقّ الْبَارِي وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث الْأَوَّل لِلنَّفْسِ ذِكْر , فَوَجْه مُطَابَقَته أَنَّهُ صَدَّرَ الْكَلَام بِأَحَدٍ , وَأَحَد الْوَاقِع فِي النَّفْي عِبَارَة عَنْ النَّفْس عَلَى وَجْه مَخْصُوص بِخِلَافِ أَحَد الْوَاقِع فِي قَوْله تَعَالَى ( قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد ) اِنْتَهَى , وَخَفِيَ عَلَيْهِ مَا خَفِيَ عَلَى الْكَرْمَانِيِّ مَعَ أَنَّهُ تَفَطَّنَ لِمِثْلِ ذَلِكَ فِي بَعْض الْمَوَاضِع , ثُمَّ قَالَ اِبْن الْمُنِير : قَوْل الْقَائِل مَا فِي الدَّار أَحَد لَا يُفْهَم مِنْهُ إِلَّا نَفْي الْأَنَاسِيّ , وَلِهَذَا كَانَ قَوْلهمْ مَا فِي الدَّار أَحَد إِلَّا زَيْدًا اِسْتِثْنَاء مِنْ الْجِنْس وَمُقْتَضَى الْحَدِيث إِطْلَاقه عَلَى اللَّه ; لِأَنَّهُ لَوْلَا صِحَّة الْإِطْلَاق مَا اِنْتَظَمَ الْكَلَام كَمَا يَنْتَظِم \" مَا أَحَد أَعْلَم مِنْ زَيْد \" فَإِنَّ زَيْدًا مِنْ الْأَحَدِينَ بِخِلَافِ مَا أَحَد أَحْسَن مِنْ ثَوْبِي فَإِنَّهُ لَيْسَ مُنْتَظِمًا ; لِأَنَّ الثَّوْب لَيْسَ مِنْ الْأَحَدِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6855",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى الْعَرْشِ ‏ ‏إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( كَتَبَ فِي كِتَابه وَهُوَ يَكْتُب عَلَى نَفْسه ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَسَقَطَتْ الْوَاو لِغَيْرِهِ , وَعَلَى الْأَوَّل فَالْجُمْلَة حَالِيَّة , وَعَلَى الثَّانِي فَيَكْتُب عَلَى نَفْسه بَيَان لِقَوْلِهِ \" كَتَبَ \" وَالْمَكْتُوب هُوَ قَوْله \" إِنَّ رَحْمَتِي \" إِلَخْ , وَقَوْله \" وَهُوَ \" أَيْ الْمَكْتُوب وَضْع بِفَتْحٍ فَسُكُون أَيْ مَوْضُوع , وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي الْجَمْع لِلْحُمَيْدِيِّ بِلَفْظِ مَوْضُوع وَهِيَ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فِيمَا أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي حَمْزَة الْمَذْكُور فِي السَّنَد وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي وَاسْمه مُحَمَّد بْن مَيْمُون السُّكَّرِيّ , وَحَكَى عِيَاض عَنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَضَعَ بِالْفَتْحِ عَلَى أَنَّهُ فِعْل مَاضٍ مَبْنِيّ لِلْفَاعِلِ , وَرَأَيْته فِي نُسْخَة مُعْتَمَدَة بِكَسْرِ الضَّاد مَعَ التَّنْوِين , وَقَدْ مَضَى شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي أَوَائِل بَدْء الْخَلْق , وَيَأْتِي شَيْء مِنْ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب ( وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء ) وَفِي بَاب ( بَلْ هُوَ قُرْآن مَجِيد فِي لَوْح مَحْفُوظ ) أَوَاخِر الْكِتَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَأَمَّا قَوْله \" عِنْده \" فَقَالَ اِبْن بَطَّال عِنْد فِي اللُّغَة لِلْمَكَانِ , وَاَللَّه مُنَزَّهٌ عَنْ الْحُلُول فِي الْمَوَاضِع ; لِأَنَّ الْحُلُول عَرَض يَفْنَى وَهُوَ حَادِث وَالْحَادِث لَا يَلِيق بِاَللَّهِ , فَعَلَى هَذَا قِيلَ مَعْنَاهُ إِنَّهُ سَبَقَ عِلْمه بِإِثَابَةِ مَنْ يَعْمَل بِطَاعَتِهِ وَعُقُوبَة مَنْ يَعْمَل بِمَعْصِيَتِهِ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده \" أَنَا عِنْد ظَنّ عَبْدِي بِي \" وَلَا مَكَان هُنَاكَ قَطْعًا , وَقَالَ الرَّاغِب عِنْد لَفْظ مَوْضُوع لِلْقُرْبِ وَيُسْتَعْمَل فِي الْمَكَان وَهُوَ الْأَصْل , وَيُسْتَعْمَل فِي الِاعْتِقَاد , تَقُول : عِنْدِي فِي كَذَا كَذَا أَيْ أَعْتَقِدهُ , وَيُسْتَعْمَل فِي الْمَرْتَبَة وَمِنْهُ ( أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ ) وَأَمَّا قَوْله ( إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِنْدك ) فَمَعْنَاهُ مِنْ حُكْمك , وَقَالَ اِبْن التِّين مَعْنَى الْعِنْدِيَّة فِي هَذَا الْحَدِيث الْعِلْم بِأَنَّهُ مَوْضُوع عَلَى الْعَرْش , وَأَمَّا كَتْبه فَلَيْسَ لِلِاسْتِعَانَةِ لِئَلَّا يَنْسَاهُ فَإِنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَنْهُ شَيْء وَإِنَّمَا كَتَبَهُ مِنْ أَجْل الْمَلَائِكَة الْمُوَكَّلِينَ بِالْمُكَلَّفِينَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6856",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ‏ ‏أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ‏ ‏بَاعًا ‏ ‏وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَقُول اللَّه تَعَالَى أَنَا عِنْد ظَنّ عَبْدِي بِي ) ‏ ‏أَيْ قَادِر عَلَى أَنْ أَعْمَلَ بِهِ مَا ظَنَّ أَنِّي عَامِل بِهِ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَفِي السِّيَاق إِشَارَة إِلَى تَرْجِيح جَانِب الرَّجَاء عَلَى الْخَوْف وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ جِهَة التَّسْوِيَة فَإِنَّ الْعَاقِل إِذَا سَمِعَ ذَلِكَ لَا يَعْدِل إِلَى ظَنّ إِيقَاع الْوَعِيد وَهُوَ جَانِب الْخَوْف ; لِأَنَّهُ لَا يَخْتَارهُ لِنَفْسِهِ بَلْ يَعْدِل إِلَى ظَنّ وُقُوع الْوَعْد وَهُوَ جَانِب الرَّجَاء وَهُوَ كَمَا قَالَ أَهْل التَّحْقِيق مُقَيَّد بِالْمُحْتَضِرِ وَيُؤَيِّد ذَلِكَ حَدِيث \" لَا يَمُوتَنَّ أَحَدكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِن الظَّنّ بِاَللَّهِ \" وَهُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر. وَأَمَّا قَبْل ذَلِكَ فَفِي الْأَوَّل أَقْوَال ثَالِثهَا الِاعْتِدَال وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : الْمُرَاد بِالظَّنِّ هُنَا الْعِلْم وَهُوَ كَقَوْلِهِ ( وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأ مِنْ اللَّه إِلَّا إِلَيْهِ ) وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهِم قِيلَ مَعْنَى ظَنّ عَبْدِي بِي ظَنّ الْإِجَابَة عِنْد الدُّعَاء وَظَنّ الْقَبُول عِنْد التَّوْبَة وَظَنّ الْمَغْفِرَة عِنْد الِاسْتِغْفَار وَظَنّ الْمُجَازَاة عِنْد فِعْل الْعِبَادَة بِشُرُوطِهَا تَمَسُّكًا بِصَادِقِ وَعْده , وَقَالَ : وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر : اُدْعُوا اللَّه وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ. قَالَ : وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَجْتَهِد فِي الْقِيَام بِمَا عَلَيْهِ مُوقِنًا بِأَنَّ اللَّه يَقْبَلهُ وَيَغْفِر لَهُ ; لِأَنَّهُ وَعَدَ بِذَلِكَ وَهُوَ لَا يُخْلِف الْمِيعَاد فَإِنْ اِعْتَقَدَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ اللَّه لَا يَقْبَلهَا وَأَنَّهَا لَا تَنْفَعهُ فَهَذَا هُوَ الْيَأْس مِنْ رَحْمَة اللَّه وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِر , وَمَنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ وُكِلَ إِلَى مَا ظَنَّ كَمَا فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث الْمَذْكُور \" فَلْيَظُنَّ بِي عَبْدِي مَا شَاءَ \" قَالَ : وَأَمَّا ظَنّ الْمَغْفِرَة مَعَ الْإِصْرَار فَذَلِكَ مَحْض الْجَهْل وَالْغِرَّة وَهُوَ يَجُرّ إِلَى مَذْهَب الْمُرْجِئَة. ‏ ‏قَوْله ( وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي ) ‏ ‏أَيْ بِعِلْمِي وَهُوَ كَقَوْلِهِ ( إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَع وَأَرَى ) وَالْمَعِيَّة الْمَذْكُورَة أَخَصّ مِنْ الْمَعِيَّة الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى ( مَا يَكُون مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رَابِعهمْ - إِلَى قَوْله - إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ) وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة مَعْنَاهُ فَأَنَا مَعَهُ حَسَب مَا قَصَدَ مِنْ ذِكْره لِي قَالَ : ثُمَّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الذِّكْر بِاللِّسَانِ فَقَطْ أَوْ بِالْقَلْبِ فَقَطْ أَوْ بِهِمَا أَوْ بِامْتِثَالِ الْأَمْر وَاجْتِنَاب النَّهْي , قَالَ وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ الْإِخْبَار أَنَّ الذِّكْر عَلَى نَوْعَيْنِ أَحَدهمَا مَقْطُوع لِصَاحِبِهِ بِمَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْخَبَر وَالثَّانِي عَلَى خَطَر , قَالَ : وَالْأَوَّل يُسْتَفَاد مِنْ قَوْله تَعَالَى ( فَمَنْ يَعْمَل مِثْقَال ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ ) وَالثَّانِي مِنْ الْحَدِيث الَّذِي فِيهِ \" مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر لَمْ يَزْدَدْ مِنْ اللَّه إِلَّا بُعْدًا \" لَكِنْ إِنْ كَانَ فِي حَال الْمَعْصِيَة يَذْكُر اللَّه بِخَوْفٍ وَوَجَلٍ مِمَّا هُوَ فِيهِ فَإِنَّهُ يُرْجَى لَهُ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسه ذَكَرْته فِي نَفْسِي ) ‏ ‏أَيْ إِنْ ذَكَرَنِي بِالتَّنْزِيهِ وَالتَّقْدِيس سِرًّا ذَكَرْته بِالثَّوَابِ وَالرَّحْمَة سِرًّا. وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِثْل قَوْله تَعَالَى ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُركُمْ ) وَمَعْنَاهُ اُذْكُرُونِي بِالتَّعْظِيمِ أَذْكُركُمْ بِالْإِنْعَامِ وَقَالَ تَعَالَى ( وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر ) أَيْ أَكْبَر الْعِبَادَات فَمَنْ ذَكَرَهُ وَهُوَ خَائِف آمَنَهُ أَوْ مُسْتَوْحِش آنَسَهُ قَالَ تَعَالَى ( أَلَا بِذِكْرِ اللَّه تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ). ‏ ‏قَوْله ( وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَاللَّام مَهْمُوز أَيْ جَمَاعَة ‏ ‏( ذَكَرْته فِي مَلَأ خَيْر مِنْهُمْ ) ‏ ‏قَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم : يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الذِّكْر الْخَفِيّ أَفْضَل مِنْ الذِّكْر الْجَهْرِيّ وَالتَّقْدِير : إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسه ذَكَرْته بِثَوَابٍ لَا أُطْلِعُ عَلَيْهِ أَحَدًا وَإِنْ ذَكَرَنِي جَهْرًا ذَكَرْته بِثَوَابٍ أُطْلِع عَلَيْهِ الْمَلَأ الْأَعْلَى وَقَالَ اِبْن بَطَّال : هَذَا نَصّ فِي أَنَّ الْمَلَائِكَة أَفْضَل مِنْ بَنِي آدَم وَهُوَ مَذْهَب جُمْهُور أَهْل الْعِلْم وَعَلَى ذَلِكَ شَوَاهِد مِنْ الْقُرْآن مِثْل ( إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ ) وَالْخَالِد أَفْضَل مِنْ الْفَانِي فَالْمَلَائِكَة أَفْضَل مِنْ بَنِي آدَم وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْرُوف عَنْ جُمْهُور أَهْل السُّنَّة أَنَّ صَالِحِي بَنِي آدَم أَفْضَل مِنْ سَائِر الْأَجْنَاس وَاَلَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى تَفْضِيل الْمَلَائِكَة الْفَلَاسِفَة ثُمَّ الْمُعْتَزِلَة وَقَلِيل مِنْ أَهْل السُّنَّة مِنْ أَهْل التَّصَوُّف وَبَعْض أَهْل الظَّاهِر فَمِنْهُمْ مَنْ فَاضَلَ بَيْن الْجِنْسَيْنِ فَقَالُوا حَقِيقَة الْمَلَك أَفْضَل مِنْ حَقِيقَة الْإِنْسَان ; لِأَنَّهَا نُورَانِيَّة وَخَيِّرَة وَلَطِيفَة مَعَ سَعَة الْعِلْم وَالْقُوَّة وَصَفَاء الْجَوْهَر وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِم تَفْضِيل كُلّ فَرْد عَلَى كُلّ فَرْد لِجَوَازِ أَنْ يَكُون فِي بَعْض الْأَنَاسِيّ مَا فِي ذَلِكَ وَزِيَادَة وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْخِلَاف بِصَالِحِي الْبَشَر وَالْمَلَائِكَة وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِالْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْمَلَائِكَة عَلَى غَيْر الْأَنْبِيَاء وَمِنْهُمْ مَنْ فَضَلَّهُمْ عَلَى الْأَنْبِيَاء أَيْضًا إِلَّا عَلَى نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمِنْ أَدِلَّة تَفْضِيل النَّبِيّ عَلَى الْمَلَك أَنَّ اللَّه أَمَرَ الْمَلَائِكَة بِالسُّجُودِ لِآدَم عَلَى سَبِيل التَّكْرِيم لَهُ حَتَّى قَالَ إِبْلِيس ( أَرَأَيْت هَذَا الَّذِي كَرَّمْت عَلَيَّ ) وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ( لِمَا خَلَقْت بِيَدَيَّ ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِشَارَة إِلَى الْعِنَايَة بِهِ وَلَمْ يَثْبُت ذَلِكَ لِلْمَلَائِكَةِ , وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ اللَّه اِصْطَفَى آدَم وَنُوحًا وَآل إِبْرَاهِيم وَآل عِمْرَان عَلَى الْعَالَمِينَ ) وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الْأَرْض ) فَدَخَلَ فِي عُمُومه الْمَلَائِكَة , وَالْمُسَخَّر لَهُ أَفْضَل مِنْ الْمُسَخَّر ; وَلِأَنَّ طَاعَة الْمَلَائِكَة بِأَصْلِ الْخِلْقَة وَطَاعَة الْبَشَر غَالِبًا مَعَ الْمُجَاهَدَة لِلنَّفْسِ لِمَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ مِنْ الشَّهْوَة وَالْحِرْص وَالْهَوَى وَالْغَضَب , فَكَانَتْ عِبَادَتهمْ أَشَقّ , وَأَيْضًا فَطَاعَة الْمَلَائِكَة بِالْأَمْرِ الْوَارِد عَلَيْهِمْ وَطَاعَة الْبَشَر بِالنَّصِّ تَارَة وَبِالِاجْتِهَادِ تَارَة وَالِاسْتِنْبَاط تَارَة فَكَانَتْ أَشَقّ ; وَلِأَنَّ الْمَلَائِكَة سَلِمَتْ مِنْ وَسْوَسَة الشَّيَاطِين وَإِلْقَاء الشُّبَه وَالْإِغْوَاء الْجَائِزَة عَلَى الْبَشَر وَلِأَنَّ الْمَلَائِكَة تُشَاهِد حَقَائِق الْمَلَكُوت وَالْبَشَر لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ إِلَّا بِالْإِعْلَامِ فَلَا يَسْلَم مِنْهُمْ مِنْ إِدْخَال الشُّبْهَة مِنْ جِهَة تَدْبِير الْكَوَاكِب وَحَرَكَة الْأَفْلَاك إِلَّا الثَّابِت عَلَى دِينه وَلَا يَتِمّ ذَلِكَ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَة وَمُجَاهَدَات كَثِيرَة , وَأَمَّا أَدِلَّة الْآخَرِينَ فَقَدْ قِيلَ إِنَّ حَدِيث الْبَاب أَقْوَى مَا اسْتُدِلَّ بِهِ لِذَلِكَ لِلتَّصْرِيحِ بِقَوْلِهِ فِيهِ فِي مَلَأ خَيْر مِنْهُمْ وَالْمُرَاد بِهِمْ الْمَلَائِكَة , حَتَّى قَالَ بَعْض الْغُلَاة فِي ذَلِكَ وَكَمْ مِنْ ذَاكِر لِلَّهِ فِي مَلَأ فِيهِمْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فِي مَلَأ خَيْر مِنْهُمْ , وَأَجَابَ بَعْض أَهْل السُّنَّة بِأَنَّ الْخَبَر الْمَذْكُور لَيْسَ نَصًّا وَلَا صَرِيحًا فِي الْمُرَاد بَلْ يَطْرُقهُ اِحْتِمَال أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْمَلَأِ الَّذِينَ هُمْ خَيْر مِنْ الْمَلَأ الذَّاكِر الْأَنْبِيَاء وَالشُّهَدَاء فَإِنَّهُمْ أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ فَلَمْ يَنْحَصِر ذَلِكَ فِي الْمَلَائِكَة , وَأَجَابَ آخَر وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْأَوَّل بِأَنَّ الْخَيْرِيَّة إِنَّمَا حَصَلَتْ بِالذَّاكِرِ وَالْمَلَأ مَعًا فَالْجَانِب الَّذِي فِيهِ رَبّ الْعِزَّة خَيْر مِنْ الْجَانِب الَّذِي لَيْسَ هُوَ فِيهِ بِلَا اِرْتِيَاب فَالْخَيْرِيَّة حَصَلَتْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَجْمُوعِ عَلَى الْمَجْمُوع وَهَذَا الْجَوَاب ظَهَرَ لِي وَظَنَنْت أَنَّهُ مُبْتَكَر. ثُمَّ رَأَيْته فِي كَلَام الْقَاضِي كَمَال الدِّين بْن الزَّمَلْكَانِيّ فِي الْجُزْء الَّذِي جَمَعَهُ فِي الرَّفِيق الْأَعْلَى فَقَالَ : إِنَّ اللَّه قَابَلَ ذِكْر الْعَبْد فِي نَفْسه بِذِكْرِهِ لَهُ فِي نَفْسه , وَقَابَلَ ذِكْر الْعَبْد فِي الْمَلَأ بِذِكْرِهِ لَهُ فِي الْمَلَأ فَإِنَّمَا صَارَ الذِّكْر فِي الْمَلَإِ الثَّانِي خَيْرًا مِنْ الذِّكْر فِي الْأَوَّل ; لِأَنَّ اللَّه وَهُوَ الذَّاكِر فِيهِمْ وَالْمَلَأ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ وَاَللَّه فِيهِمْ أَفْضَل مِنْ الْمَلَإِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ وَلَيْسَ اللَّه فِيهِمْ , وَمِنْ أَدِلَّة الْمُعْتَزِلَة تَقْدِيم الْمَلَائِكَة فِي الذِّكْر فِي قَوْله تَعَالَى ( مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَته وَرُسُله - شَهِدَ اللَّه أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وَأُولُوا الْعِلْم - اللَّه يَصْطَفِي مِنْ الْمَلَائِكَة رُسُلًا وَمِنْ النَّاس ) وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مُجَرَّد التَّقْدِيم فِي الذِّكْر لَا يَسْتَلْزِم التَّفْضِيل ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْحَصِر فِيهِ بَلْ لَهُ أَسْبَاب أُخْرَى كَالتَّقْدِيمِ بِالزَّمَانِ فِي مِثْل قَوْله ( وَمِنْك وَمِنْ نُوح وَإِبْرَاهِيم ) فَقَدَّمَ نُوحًا عَلَى إِبْرَاهِيم لِتَقَدُّمِ زَمَان نُوح مَعَ أَنَّ إِبْرَاهِيم أَفْضَل وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ( لَنْ يَسْتَنْكِف الْمَسِيح أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَة الْمُقَرَّبُونَ ) وَبَالَغَ الزَّمَخْشَرِيّ فَادَّعَى أَنَّ دَلَالَتهَا لِهَذَا الْمَطْلُوب قَطْعِيَّة بِالنِّسْبَةِ لِعِلْمِ الْمَعَانِي فَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ( وَلَا الْمَلَائِكَة الْمُقَرَّبُونَ ) أَيْ وَلَا مَنْ هُوَ أَعْلَى قَدْرًا مِنْ الْمَسِيح , وَهُمْ الْمَلَائِكَة الْكَرُوبِيُّونَ الَّذِينَ حَوْل الْعَرْش , كَجِبْرِيل وَمِيكَائِيل وَإِسْرَافِيل , قَالَ : وَلَا يَقْتَضِي عِلْم الْمَعَانِي غَيْر هَذَا مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْكَلَام إِنَّمَا سِيقَ لِلرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى لِغُلُوِّهِمْ فِي الْمَسِيح , فَقِيلَ لَهُمْ : لَنْ يَتَرَفَّع فِيهِ الْمَسِيح عَنْ الْعُبُودِيَّة وَلَا مَنْ هُوَ أَرْفَع دَرَجَة مِنْهُ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا , وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّرَقِّي لَا يَسْتَلْزِم التَّفْضِيل الْمُتَنَازَع فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَب الْمَقَام , وَذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَلَائِكَة وَالْمَسِيح عُبِدَ مِنْ دُون اللَّه , فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الْمَسِيح الَّذِي تُشَاهِدُونَهُ لَمْ يَتَكَبَّر عَنْ عِبَادَة اللَّه , وَكَذَلِكَ مَنْ غَابَ عَنْكُمْ مِنْ الْمَلَائِكَة لَا يَتَكَبَّر , وَالنُّفُوس لِمَا غَابَ عَنْهَا أَهَيْب مِمَّنْ تُشَاهِدهُ ; وَلِأَنَّ الصِّفَات الَّتِي عَبَدُوا الْمَسِيح لِأَجْلِهَا مِنْ الزُّهْد فِي الدُّنْيَا وَالِاطِّلَاع عَلَى الْمُغَيَّبَات وَإِحْيَاء الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّه مَوْجُودَة فِي الْمَلَائِكَة , فَإِنْ كَانَتْ تُوجِب عِبَادَته فَهِيَ مُوجِبَة لِعِبَادَتِهِمْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى , وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ عِبَادَة اللَّه تَعَالَى , وَلَا يَلْزَم مِنْ هَذَا التَّرَقِّي ثُبُوت الْأَفْضَلِيَّة الْمُتَنَازَع فِيهَا , وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ اِحْتَجَّ بِهَذَا الْعَطْف مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَلَائِكَة أَفْضَل مِنْ الْأَنْبِيَاء , وَقَالَ هِيَ مُسَاقَة لِلرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى فِي رَفْع الْمَسِيح عَنْ مَقَام الْعُبُودِيَّة , وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُون الْمَعْطُوف عَلَيْهِ أَعْلَى دَرَجَة مِنْهُ حَتَّى يَكُون عَدَم اِسْتِنْكَافهمْ كَالدَّلِيلِ عَلَى عَدَم اِسْتِنْكَافه , وَجَوَابه أَنَّ الْآيَة سِيقَتْ لِلرَّدِّ عَلَى عَبَدَة الْمَسِيح وَالْمَلَائِكَة , فَأُرِيد بِالْعَطْفِ الْمُبَالَغَة بِاعْتِبَارِ الْكَثْرَة دُون التَّفْضِيل , كَقَوْلِ الْقَائِل أَصْبَحَ الْأَمِير لَا يُخَالِفهُ رَئِيس وَلَا مَرْءُوس , وَعَلَى تَقْدِير إِرَادَة التَّفْضِيل فَغَايَته تَفْضِيل الْمُقَرَّبِينَ مِمَّنْ حَوْل الْعَرْش , بَلْ مَنْ هُوَ أَعْلَى رُتْبَة مِنْهُمْ عَلَى الْمَسِيح , وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِم فَضْل أَحَد الْجِنْسَيْنِ عَلَى الْآخَر مُطْلَقًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : لَا تَتِمّ لَهُمْ الدَّلَالَة إِلَّا إِنْ سُلِّمَ أَنَّ الْآيَة سِيقَتْ لِلرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى فَقَطْ فَيَصِحُّ : لَنْ يَتَرَفَّع الْمَسِيح عَنْ الْعُبُودِيَّة وَلَا مَنْ هُوَ أَرْفَع مِنْهُ , وَاَلَّذِي يَدَّعِي ذَلِكَ يَحْتَاج إِلَى إِثْبَات أَنَّ النَّصَارَى تَعْتَقِد تَفْضِيل الْمَلَائِكَة عَلَى الْمَسِيح , وَهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ بَلْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ الْإِلَهِيَّة فَلَا يَتِمّ اِسْتِدْلَال مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ , قَالَ وَسِيَاقه الْآيَة مِنْ أُسْلُوب التَّتْمِيم وَالْمُبَالَغَة لَا لِلتَّرَقِّي , وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدَّمَ قَوْله ( إِنَّمَا اللَّه إِلَه وَاحِد - إِلَى قَوْله - وَكِيلًا ) فَقَرَّرَ الْوَحْدَانِيَّة وَالْمَالِكِيَّة وَالْقُدْرَة التَّامَّة , ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِعَدَمِ الِاسْتِنْكَاف , فَالتَّقْدِير لَا يَسْتَحِقّ مَنْ اِتَّصَفَ بِذَلِكَ أَنْ يَسْتَكْبِر عَلَيْهِ الَّذِي تَتَّخِذُونَهُ أَيّهَا النَّصَارَى إِلَهًا لِاعْتِقَادِكُمْ فِيهِ الْكَمَال وَلَا الْمَلَائِكَة الَّذِينَ اِتَّخَذَهَا غَيْركُمْ آلِهَة لِاعْتِقَادِهِمْ فِيهِمْ الْكَمَال. قُلْت : وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْبَغَوِيُّ مُلَخَّصًا , وَلَفْظه لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ رَفْعًا لِمَقَامِهِمْ عَلَى مَقَام عِيسَى بَلْ رَدًّا عَلَى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَة آلِهَة فَرَدَّ عَلَيْهِمْ كَمَا رَدَّ عَلَى النَّصَارَى الَّذِينَ يَدَّعُونَ التَّثْلِيث , وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ( قُلْ لَا أَقُول لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِن اللَّه , وَلَا أَعْلَم الْغَيْب , وَلَا أَقُول لَكُمْ إِنِّي مَلَك ) فَنَفَى أَنْ يَكُون مَلَكًا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أَفْضَل , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا نَفَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ طَلَبُوا مِنْهُ الْخَزَائِن وَعِلْم الْغَيْب ; وَأَنْ يَكُون بِصِفَةِ الْمَلَك مِنْ تَرْك الْأَكْل وَالشُّرْب وَالْجِمَاع , وَهُوَ مِنْ نَمَط إِنْكَارهمْ أَنْ يُرْسِل اللَّه بَشَرًا مِثْلهمْ فَنَفَى عَنْهُ أَنَّهُ مَلَك , وَلَا يَسْتَلْزِم ذَلِكَ التَّفْضِيل , وَمِنْهَا أَنَّهُ سُبْحَانه لَمَّا وَصَفَ جِبْرِيل وَمُحَمَّدًا , قَالَ فِي جِبْرِيل ( إِنَّهُ لَقَوْل رَسُول كَرِيم ) وَقَالَ فِي حَقّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَمَا صَاحِبكُمْ بِمَجْنُونٍ ) وَبَيْن الْوَصْفَيْنِ بَوْنٌ بَعِيدٌ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا سِيقَ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الَّذِي يَأْتِيه شَيْطَان فَكَانَ وَصْف جِبْرِيل بِذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ وَصَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع بِمِثْلِ مَا وَصَفَ بِهِ جِبْرِيل هُنَا وَأَعْظَم مِنْهُ , وَقَدْ أَفْرَطَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي سُوء الْأَدَب هُنَا , وَقَالَ كَلَامًا يَسْتَلْزِم تَنْقِيص الْمَقَام الْمُحَمَّدِيّ , وَبَالَغَ الْأَئِمَّة فِي الرَّدّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ زَلَّاته الشَّنِيعَة. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالسَّرَخْسِيّ \" بِشِبْرٍ \" بِزِيَادَةِ مُوَحَّدَة فِي أَوَّله , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي أَوَاخِر \" كِتَاب التَّوْحِيد \" فِي بَاب ذِكْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِوَايَته عَنْ رَبّه. ‏"
    },
    {
        "id": "6857",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ‏} ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعُوذُ بِوَجْهِكَ فَقَالَ ‏ { ‏أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ‏} ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَعُوذُ بِوَجْهِكَ قَالَ ‏ { ‏أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا ‏} ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَذَا أَيْسَرُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَابِر فِي نُزُول قَوْله تَعَالَى ( قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا ) الْآيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام , وَقَوْله فِي آخِره \" هَذَا أَيْسَر \" فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن \" هَذِهِ \" وَسَقَطَ لَفْظ الْإِشَارَة مِنْ رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَالْمُرَاد مِنْهُ حَدِيث جَابِر فِي نُزُول قَوْله تَعَالَى ( قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا ) الْآيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام , وَقَوْله فِي آخِره \" هَذَا أَيْسَر \" فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن \" هَذِهِ \" وَسَقَطَ لَفْظ الْإِشَارَة مِنْ رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" أَعُوذ بِوَجْهِك \" قَالَ اِبْن بَطَّال : فِي هَذِهِ الْآيَة وَالْحَدِيث دَلَالَة عَلَى أَنَّ لِلَّهِ وَجْهًا وَهُوَ مِنْ صِفَة ذَاته , وَلَيْسَ بِجَارِحَةٍ وَلَا كَالْوُجُوهِ الَّتِي نُشَاهِدهَا مِنْ الْمَخْلُوقِينَ , كَمَا نَقُول إِنَّهُ عَالِم وَلَا نَقُول إِنَّهُ كَالْعُلَمَاءِ الَّذِينَ نُشَاهِدهُمْ , وَقَالَ غَيْره : دَلَّتْ الْآيَة عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالتَّرْجَمَةِ الذَّات الْمُقَدَّسَة , وَلَوْ كَانَتْ صِفَة مِنْ صِفَات الْفِعْل لَشَمَلَهَا الْهَلَاك كَمَا شَمَلَ غَيْرهَا مِنْ الصِّفَات وَهُوَ مُحَال , وَقَالَ الرَّاغِب : أَصْل الْوَجْه الْجَارِحَة الْمَعْرُوفَة , وَلَمَّا كَانَ الْوَجْه أَوَّل مَا يُسْتَقْبَل وَهُوَ أَشْرَف مَا فِي ظَاهِر الْبَدَن , اُسْتُعْمِلَ فِي مُسْتَقْبَل كُلّ شَيْء وَفِي مَبْدَئِهِ وَفِي إِشْرَاقه , فَقِيلَ وَجْه النَّهَار , وَقِيلَ وَجْه كَذَا أَيْ ظَاهِره , وَرُبَّمَا أُطْلِقَ الْوَجْه عَلَى الذَّات كَقَوْلِهِمْ كَرَّمَ اللَّه وَجْهه , وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبّك ذُو الْجَلَال وَالْإِكْرَام ) وَقَوْله ( كُلّ شَيْء هَالِك إِلَّا وَجْهه ) وَقِيلَ : إِنَّ لَفْظ الْوَجْه صِلَة , وَالْمَعْنَى كُلّ شَيْء هَالِك إِلَّا هُوَ وَكَذَا ( وَيَبْقَى وَجْه رَبّك ) وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْوَجْهِ الْقَصْد , أَيْ يَبْقَى مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهه. قُلْت : وَهَذَا الْأَخِير نُقِلَ عَنْ سُفْيَان وَغَيْره وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا وَرَدَ فِيهِ فِي أَوَّل تَفْسِير سُورَة الْقَصَص وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ قِيلَ الْمُرَاد بِالْوَجْهِ فِي الْآيَة وَالْحَدِيث الذَّات أَوْ الْوُجُود أَوْ لَفْظه زَائِد أَوْ الْوَجْه الَّذِي لَا كَالْوُجُوهِ , لِاسْتِحَالَةِ حَمْله عَلَى الْعُضْو الْمَعْرُوف , فَتَعَيَّنَ التَّأْوِيل أَوْ التَّفْوِيض , وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : تَكَرَّرَ ذِكْر الْوَجْه فِي الْقُرْآن وَالسُّنَّة الصَّحِيحَة , وَهُوَ فِي بَعْضهَا صِفَة ذَات كَقَوْلِهِ : إِلَّا رِدَاء الْكِبْرِيَاء عَلَى وَجْهه وَهُوَ مَا فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي مُوسَى , وَفِي بَعْضهَا بِمَعْنَى مِنْ أَجْل كَقَوْلِهِ ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّه ) وَفِي بَعْضهَا بِمَعْنَى الرِّضَا كَقَوْلِهِ ( يُرِيدُونَ وَجْهه ) , ( إِلَّا اِبْتِغَاء وَجْه رَبّه الْأَعْلَى ) وَلَيْسَ الْمُرَاد الْجَارِحَة جَزْمًا وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6858",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جُوَيْرِيَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ذُكِرَ ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ وَإِنَّ ‏ ‏الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ‏ ‏أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6859",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَ قَوْمَهُ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6860",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَفَّانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏فِي ‏ ‏غَزْوَةِ ‏ ‏بَنِي الْمُصْطَلِقِ ‏ ‏أَنَّهُمْ أَصَابُوا ‏ ‏سَبَايَا ‏ ‏فَأَرَادُوا أَنْ يَسْتَمْتِعُوا بِهِنَّ وَلَا يَحْمِلْنَ فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْعَزْلِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَزَعَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إِلَّا اللَّهُ خَالِقُهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6861",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَجْمَعُ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ فَيَقُولُونَ لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا فَيَأْتُونَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فَيَقُولُونَ يَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏أَمَا تَرَى النَّاسَ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكَ وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَهَا وَلَكِنْ ائْتُوا ‏ ‏نُوحًا ‏ ‏فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَيَأْتُونَ ‏ ‏نُوحًا ‏ ‏فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ وَلَكِنْ ائْتُوا ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَيَأْتُونَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطَايَاهُ الَّتِي أَصَابَهَا وَلَكِنْ ائْتُوا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا فَيَأْتُونَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ وَلَكِنْ ائْتُوا ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَتَهُ وَرُوحَهُ فَيَأْتُونَ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَلَكِنْ ائْتُوا ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَبْدًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَيَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يُقَالُ لِي ‏ ‏ارْفَعْ ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏وَقُلْ يُسْمَعْ وَسَلْ ‏ ‏تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يُقَالُ ارْفَعْ ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏وَقُلْ يُسْمَعْ وَسَلْ ‏ ‏تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا رَبِّي ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يُقَالُ ارْفَعْ ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏قُلْ يُسْمَعْ وَسَلْ ‏ ‏تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا ثُمَّ أَشْفَعْ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَقُولُ يَا رَبِّ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ مِنْ الْخَيْرِ ذَرَّةً ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي الشَّفَاعَة وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الرِّقَاق \" وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْل أَهْل الْمَوْقِف لِآدَم \" خَلَقَك اللَّه بِيَدِهِ \". ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُعَاذ بْن فَضَالَة ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْفَاء وَالضَّاد الْمُعْجَمَة , وَحَكَى بَعْضهمْ ضَمّ الْفَاء وَ \" هِشَام \" شَيْخه هُوَ الدَّسْتَوَائِيّ , وَقَوْله \" عَنْ أَنَس \" تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة فِي الرِّقَاق إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه بِلَفْظِ \" حَدَّثَنَا أَنَس \". ‏ ‏قَوْله ( يُجْمَع الْمُؤْمِنُونَ يَوْم الْقِيَامَة كَذَلِكَ ) ‏ ‏هَكَذَا لِلْجَمِيعِ وَأَظُنّ أَوَّل هَذِهِ الْكَلِمَة لَام , وَالْإِشَارَة لِيَوْمِ الْقِيَامَة أَوْ لِمَا يُذْكَر بَعْد , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُعَاذ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ \" يَجْمَع اللَّه الْمُؤْمِنِينَ يَوْم الْقِيَامَة فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ \" وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَةَ \" يَهْتَمُّونَ - أَوْ - يُلْهَمُونَ لِذَلِكَ \" بِالشَّكِّ وَسَيَأْتِي فِي بَاب ( وُجُوه يَوْمَئِذٍ نَاضِرَة ) مِنْ رِوَايَة هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ \" حَتَّى يُهِمُّوا بِذَلِكَ \" وَقَوْله هُنَا \" اِشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّك \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ الْمَذْكُور فِي غَيْر هَذِهِ الطَّرِيق , وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرّ عَنْ غَيْر الْكُشْمِيهَنِيِّ \" شَفِّعْ \" بِكَسْرِ الْفَاء الثَّقِيلَة , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ هُوَ مِنْ التَّشْفِيع , وَمَعْنَاهُ قَبُول الشَّفَاعَة لَيْسَ هُوَ الْمُرَاد هُنَا , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّثْقِيل لِلتَّكْثِيرِ أَوْ لِلْمُبَالَغَةِ. وَقَوْله \" لَسْت هُنَاكَ \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَلِأَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيّ \" هُنَاكُمْ \" وَقَوْله \" فَيُؤْذَن لِي \" فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَيُؤْذَن لِي \" بِالْوَاوِ وَقَوْله \" قُلْ يُسْمَع \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَلِأَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيّ والْكُشْمِيهَنِيّ بِالْفَوْقَانِيَّةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَقَوْله \" سَلْ تُعْطَهُ \" لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِيّ \" تُعْطَ \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِلَا هَاء. ‏"
    },
    {
        "id": "6862",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا ‏ ‏يَغِيضُهَا ‏ ‏نَفَقَةٌ ‏ ‏سَحَّاءُ ‏ ‏اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَقَالَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ وَقَالَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ طَرِيق أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَجِ. ‏ ‏قَوْله ( يَد اللَّه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة هُود فِي أَوَّل هَذَا الْحَدِيث مِنْ الزِّيَادَة \" أَنْفِقْ أُنْفِق عَلَيْك \" وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة أَيْضًا فِي رِوَايَة هَمَّام لَكِنْ سَاقَهَا فِيهِ مُسْلِم وَأَفْرَدَهَا الْبُخَارِيّ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَاب ( يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَام اللَّه ) وَوَقَعَ فِيهَا بَدَل يَد اللَّه \" يَمِين اللَّه \" وَيُتَعَقَّب بِهَا عَلَى مَنْ فَسَّرَ الْيَد هُنَا بِالنِّعْمَةِ , وَأَبْعَد مِنْهُ مَنْ فَسَّرَهَا بِالْخَزَائِنِ وَقَالَ أَطْلَقَ الْيَد عَلَى الْخَزَائِن لِتَصَرُّفِهَا فِيهَا. ‏ ‏قَوْله ( مَلْأَى ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون اللَّام وَهَمْزَة مَعَ الْقَصْر تَأْنِيث مَلْآن وَوَقَعَ بِلَفْظِ \" مَلْآن \" فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ وَقِيلَ هِيَ غَلَط وَوَجَّهَهَا بَعْضهمْ بِإِرَادَةِ الْيَمِين فَإِنَّهَا تُذَكَّر وَتُؤَنَّث , وَكَذَلِكَ الْكَفّ , وَالْمُرَاد مِنْ قَوْله مَلْأَى أَوْ مَلْآن لَازِمه وَهُوَ أَنَّهُ فِي غَايَة الْغِنَى وَعِنْده مِنْ الرِّزْق مَا لَا نِهَايَة لَهُ فِي عِلْم الْخَلَائِق. ‏ ‏قَوْله ( لَا يَغِيضهَا ) ‏ ‏بِالْمُعْجَمَتَيْنِ بِفَتْحِ أَوَّله أَيْ لَا يُنْقِصهَا , يُقَال غَاضَ الْمَاء يَغِيض إِذَا نَقَصَ. ‏ ‏قَوْله ( سَحَّاء ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ مُثَقَّل مَمْدُود أَيْ دَائِمَة الصَّبّ , يُقَال سَحَّ بِفَتْحِ أَوَّله مُثَقَّل يَسِحّ بِكَسْرِ السِّين فِي الْمُضَارِع وَيَجُوز ضَمّهَا , وَضُبِطَ فِي مُسْلِم \" سَحًّا \" بِلَفْظِ الْمَصْدَر. ‏ ‏قَوْله ( اللَّيْل وَالنَّهَار ) ‏ ‏بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْف أَيْ فِيهِمَا وَيَجُوز الرَّفْع , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ \" سَحَّ اللَّيْل وَالنَّهَار \" بِالْإِضَافَةِ وَفَتْح الْحَاء وَيَجُوز ضَمّهَا. ‏ ‏قَوْله ( أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ ) ‏ ‏تَنْبِيه عَلَى وُضُوح ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ بَصِيرَة. ‏ ‏قَوْله ( مُنْذُ خَلَقَ اللَّه السَّمَاوَات وَالْأَرْض ) ‏ ‏سَقَطَ لَفْظ الْجَلَالَة لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ رِوَايَة هَمَّامٍ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ ) ‏ ‏أَيْ يَنْقُص , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام \" لَمْ يَنْقُص مَا فِي يَمِينه \" قَالَ الطِّيبِيُّ يَجُوز أَنْ تَكُون مَلْأَى وَلَا يَغِيضهَا \" وَسَحَّاء وَأَرَأَيْت \" أَخْبَارًا مُتَرَادِفَة لِيَدِ اللَّه , وَيَجُوز أَنْ تَكُون الثَّلَاثَة أَوْصَافًا لِمَلْأَى وَيَجُوز أَنْ يَكُون \" أَرَأَيْتُمْ \" اِسْتِئْنَافًا فِيهِ مَعْنَى التَّرَقِّي , كَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ مَلْأَى أَوْهَمَ جَوَاز النُّقْصَان فَأُزِيلَ بِقَوْلِهِ لَا يَغِيضهَا شَيْء , وَقَدْ يَمْتَلِئ الشَّيْء وَلَا يَغِيض , فَقِيلَ سَحَّاء إِشَارَة إِلَى الْغَيْض وَقَرَنَهُ بِمَا يَدُلّ عَلَى الِاسْتِمْرَار مِنْ ذِكْر اللَّيْل وَالنَّهَار ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِمَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ظَاهِر غَيْر خَافٍ عَلَى ذِي بَصَر وَبَصِيرَة بَعْد أَنْ اِشْتَمَلَ مِنْ ذِكْر اللَّيْل وَالنَّهَار بِقَوْلِهِ أَرَأَيْتُمْ عَلَى تَطَاوُل الْمُدَّة ; لِأَنَّهُ خِطَاب عَامّ وَالْهَمْزَة فِيهِ لِلتَّقْرِيرِ , قَالَ وَهَذَا الْكَلَام إِذَا أَخَذْتَهُ بِجُمْلَتِهِ مِنْ غَيْر نَظَر إِلَى مُفْرَدَاته أَبَانَ زِيَادَة الْغِنَى وَكَمَال السَّعَة وَالنِّهَايَة فِي الْجُود وَالْبَسْط فِي الْعَطَاء. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عَرْشه عَلَى الْمَاء ) ‏ ‏سَقَطَ لَفْظ \" قَالَ \" مِنْ رِوَايَة هَمَّام , وَمُنَاسَبَة ذِكْر الْعَرْش هُنَا أَنَّ السَّامِع يَتَطَلَّع مِنْ قَوْله \" خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض \" مَا كَانَ قَبْل ذَلِكَ , فَذَكَرَ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ عَرْشه قَبْل خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض عَلَى الْمَاء كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ الْمَاضِي فِي بَدْء الْخَلْق بِلَفْظِ \" كَانَ اللَّه وَلَمْ يَكُنْ شَيْء قَبْله وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض \". ‏ ‏قَوْله ( وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْمِيزَان يَخْفِض وَيَرْفَع ) ‏ ‏أَيْ يَخْفِض الْمِيزَان وَيَرْفَعهَا , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمِيزَان مَثَل , وَالْمُرَاد الْقِسْمَة بَيْن الْخَلْق , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ يَخْفِض وَيَرْفَع , وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : مَعْنَى الْمِيزَان أَنَّهُ قَدَّرَ الْأَشْيَاء وَوَقَّتَهَا وَحَدَّدَهَا فَلَا يَمْلِك أَحَد نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مِنْهُ وَبِهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام \" وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْفَيْض أَوْ الْقَبْض \" الْأُولَى بِفَاءٍ وَتَحْتَانِيَّة وَالثَّانِيَة بِقَافٍ وَمُوَحَّدَة , كَذَا لِلْبُخَارِيِّ بِالشَّكِّ وَلِمُسْلِمٍ بِالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَة بِلَا شَكّ , وَعَنْ بَعْض رُوَاته فِيمَا حَكَاهُ عِيَاض بِالْفَاءِ وَالتَّحْتَانِيَّة وَالْأَوَّل أَشْهَر , قَالَ عِيَاض الْمُرَاد بِالْقَبْضِ قَبْض الْأَرْوَاح بِالْمَوْتِ , وَبِالْفَيْضِ الْإِحْسَان بِالْعَطَاءِ وَقَدْ يَكُون بِمَعْنَى الْمَوْت , يُقَال : فَاضَتْ نَفْسه إِذَا مَاتَ , وَيُقَال بِالضَّادِ وَبِالظَّاءِ ا ه , وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّر بِمَعْنَى الْمِيزَان لِيُوَافِق رِوَايَة الْأَعْرَج الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب فَإِنَّ الَّذِي يُوزَن بِالْمِيزَانِ يَخِفّ وَيَرْجَح , فَكَذَلِكَ مَا يُقْبَض , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْقَبْضِ الْمَنْع ; لِأَنَّ الْإِعْطَاء قَدْ ذُكِرَ فِي قَوْله قَبْل ذَلِكَ سَحَّاء اللَّيْل وَالنَّهَار , فَيَكُون مِثْل قَوْله تَعَالَى ( وَاَللَّهُ يَقْبِض وَيَبْسُط ) وَوَقَعَ فِي حَدِيث النَّوَّاس بْن سَمْعَان عِنْد مُسْلِم وَسَيَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي أَوَاخِر الْبَاب \" الْمِيزَان بِيَدِ الرَّحْمَن يَرْفَع أَقْوَامًا وَيَضَع آخَرِينَ \" وَفِي حَدِيث أَبِي مُوسَى عِنْد مُسْلِم وَابْن حِبَّان \" إِنَّ اللَّه لَا يَنَام وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنَام يَخْفِض الْقِسْط وَيَرْفَعهُ \" وَظَاهِره أَنَّ الْمُرَاد بِالْقِسْطِ الْمِيزَان , وَهُوَ مِمَّا يُؤَيِّد أَنَّ الضَّمِير الْمُسْتَتِر فِي قَوْله يَخْفِض وَيَرْفَع لِلْمِيزَانِ كَمَا بَدَأْت الْكَلَام بِهِ , قَالَ الْمَازِرِيّ : ذَكَرَ الْقَبْض وَالْبَسْط وَإِنْ كَانَتْ الْقُدْرَة وَاحِدَة لِتَفْهِيمِ الْعِبَاد أَنَّهُ يَفْعَل بِهَا الْمُخْتَلِفَات , وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ \" بِيَدِهِ الْأُخْرَى \" إِلَى أَنَّ عَادَة الْمُخَاطَبِينَ تَعَاطِي الْأَشْيَاء بِالْيَدَيْنِ مَعًا , فَعَبَّرَ عَنْ قُدْرَته عَلَى التَّصَرُّف بِذِكْرِ الْيَدَيْنِ لِتَفْهِيمِ الْمَعْنَى الْمُرَاد بِمَا اِعْتَادُوهُ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ لَفْظ الْبَسْط لَمْ يَقَع فِي الْحَدِيث , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ فَهِمَهُ مِنْ مُقَابِله كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6863",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمِّي ‏ ‏الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَرْضَ وَتَكُونُ السَّمَوَاتُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ ‏ ‏رَوَاهُ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏سَالِمًا ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( مُقَدَّم بْن مُحَمَّد ) ‏ ‏تَقَدَّمَ ذِكْره وَذِكْر عَمّه فِي تَفْسِير سُورَة النُّور. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اللَّه يَقْبِض يَوْم الْقِيَامَة الْأَرْض ) ‏ ‏فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمَاضِي فِي بَاب قَوْله مَلِك النَّاس \" يَقْبِض اللَّه الْأَرْض وَيَطْوِي السَّمَاوَات بِيَمِينِهِ \" وَفِي رِوَايَة عُمَر بْن حَمْزَة الَّتِي يَأْتِي التَّنْبِيه عَلَى مَنْ وَصَلَهَا \" يَطْوِي اللَّه السَّمَاوَات يَوْم الْقِيَامَة ثُمَّ يَأْخُذهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى , وَيَطْوِي الْأَرْض ثُمَّ يَأْخُذهُنَّ بِشِمَالِهِ \" وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ بَدَل قَوْله بِشِمَالِهِ \" بِيَدِهِ الْأُخْرَى \" وَزَادَ فِي رِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْ أُسَامَة بْن زَيْد عَنْ نَافِع وَأَبِي حَازِم عَنْ اِبْن عُمَر \" فَيَجْعَلهُمَا فِي كَفّه ثُمَّ يَرْمِي بِهِمَا كَمَا يَرْمِي الْغُلَام بِالْكُرَّةِ \". ‏ ‏قَوْله ( وَيَقُول أَنَا الْمَلِك ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة عُمَر بْن حَمْزَة \" أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ \". ‏ ‏قَوْله ( رَوَاهُ سَعِيد عَنْ مَالِك ) ‏ ‏يَعْنِي عَنْ نَافِع وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِب مَالِك وَأَبُو الْقَاسِم اللَّالَكَائِيّ فِي السُّنَّة مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر الشَّافِعِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن خَالِد الْآجُرِّيّ عَنْ سَعِيد وَهُوَ اِبْن دَاوُدَ بْن أَبِي زَنْبَر بِفَتْحِ الزَّاي وَسُكُون النُّون بَعْدهَا مُوَحَّدَة مَفْتُوحَة ثُمَّ رَاء , وَهُوَ مَدَنِيّ سَكَنَ بَغْدَاد وَحَدَّثَ بِالرَّيِّ , وَكُنْيَته أَبُو عُثْمَان وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ فِي \" كِتَاب الْأَدَب الْمُفْرَد \" وَتَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَة , وَقَالَ فِي رِوَايَته : إِنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَخْبَرَهُ , وَقَدْ رَوَى عَنْ مَالِك مِمَّنْ اِسْمه سَعِيد أَيْضًا سَعِيد بْن كَثِير بْن عُفَيْر وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَلَكِنْ لَمْ نَجِد هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَته , وَصَرَّحَ الْمِزِّيُّ وَجَمَاعَة بِأَنَّ الَّذِي عَلَّقَ لَهُ الْبُخَارِيّ هُنَا هُوَ الزُّبَيْرِيّ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ عُمَر بْن حَمْزَة ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرهُ فِي الِاسْتِسْقَاء , وَشَيْخه سَالِم هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَمّ عُمَر الْمَذْكُور , وَحَدِيثه هَذَا وَصَلَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرهمَا مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْهُ , قَالَ الْبَيْهَقِيّ : تَفَرَّدَ بِذِكْرِ الشِّمَال فِيهِ عُمَر بْن حَمْزَة , وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ اِبْن عُمَر أَيْضًا نَافِع وَعُبَيْد اللَّه بْن مِقْسَم بِدُونِهَا , وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَغَيْره عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ , وَثَبَتَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَفَعَهُ \" الْمُقْسِطُونَ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى مَنَابِر مِنْ نُور عَنْ يَمِين الرَّحْمَن , وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين \" وَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" قَالَ آدَم اِخْتَرْت يَمِين رَبِّي , وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِين \" وَسَاقَ مِنْ طَرِيق أَبِي يَحْيَى الْقَتَّات بِقَافٍ وَمُثَنَّاة ثَقِيلَة وَبَعْد الْأَلِف مُثَنَّاة أَيْضًا عَنْ مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ( وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ ) قَالَ \" وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ \" أَوَّل مَا خَلَقَ اللَّه الْقَلَم فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين \" وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهِم : كَذَا جَاءَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة بِإِطْلَاقِ لَفْظ الشِّمَال عَلَى يَد اللَّه تَعَالَى عَلَى الْمُقَابَلَة الْمُتَعَارَفَة وَفِي حَقّنَا وَفِي أَكْثَر الرِّوَايَات وَقَعَ التَّحَرُّز عَنْ إِطْلَاقهَا عَلَى اللَّه حَتَّى قَالَ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين لِئَلَّا يُتَوَهَّم نَقْص فِي صِفَته سُبْحَانه وَتَعَالَى ; لِأَنَّ الشِّمَال فِي حَقّنَا أَضْعَف مِنْ الْيَمِين , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ ذَهَبَ بَعْض أَهْل النَّظَر إِلَى أَنَّ الْيَد صِفَة لَيْسَتْ جَارِحَة , وَكُلّ مَوْضِع جَاءَ ذِكْرهَا فِي الْكِتَاب أَوْ السُّنَّة الصَّحِيحَة فَالْمُرَاد تَعَلُّقهَا بِالْكَائِنِ الْمَذْكُور مَعَهَا كَالطَّيِّ وَالْأَخْذ وَالْقَبْض وَالْبَسْط وَالْقَبُول وَالشُّحّ وَالْإِنْفَاق وَغَيْر ذَلِكَ تَعَلُّق الصِّفَة بِمُقْتَضَاهَا مِنْ غَيْر مُمَاسَّة , وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَشْبِيه بِحَالٍ , وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَأْوِيل ذَلِكَ بِمَا يَلِيق بِهِ اِنْتَهَى. وَسَيَأْتِي كَلَام الْخَطَّابِيّ فِي ذَلِكَ فِي بَاب قَوْله تَعَالَى ( تَعْرُج الْمَلَائِكَة وَالرُّوح إِلَيْهِ ) ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ أَبُو الْيَمَان أَخْبَرَنَا شُعَيْب إِلَخْ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب قَوْله تَعَالَى ( مَلِك النَّاس ). ‏"
    },
    {
        "id": "6864",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏وَسُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ يَهُودِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَتَّى بَدَتْ ‏ ‏نَوَاجِذُهُ ‏ ‏ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏وَزَادَ فِيهِ ‏ ‏فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ وَ ‏ ‏\" مَنْصُور \" ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , ‏ ‏\" وَسُلَيْمَان \" ‏ ‏هُوَ الْأَعْمَش ‏ ‏وَ \" إِبْرَاهِيم \" ‏ ‏هُوَ النَّخَعِيُّ ‏ ‏وَ \" عَبِيدَة \" ‏ ‏بِفَتْحِ أَوَّله هُوَ اِبْن عَمْرو وَقَدْ تَابَعَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ مَنْصُور عَلَى قَوْله عَبِيدَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ مَنْصُور كَمَا مَضَى فِي تَفْسِير سُورَة الزُّمَر , وَفُضَيْل بْن عِيَاض الْمَذْكُور بَعْده , وَجَرِير بْن عَبْد الْحَمِيد عِنْد مُسْلِم , وَخَالَفَهُ عَنْ الْأَعْمَش فِي قَوْله عَبِيدَة حَفْص بْن غِيَاث الْمَذْكُور فِي الْبَاب , وَجَرِير وَأَبُو مُعَاوِيَة وَعِيسَى بْن يُونُس عِنْد مُسْلِم وَمُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , فَقَالُوا كُلّهمْ عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة بَدَل عَبِيدَة , وَتَصَرُّف الشَّيْخَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْد الْأَعْمَش عَلَى الْوَجْهَيْنِ , وَأَمَّا اِبْن خُزَيْمَةَ فَقَالَ هُوَ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة , وَفِي رِوَايَة مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَبِيدَة وَهُمَا صَحِيحَانِ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّان رَاوِيه عَنْ الثَّوْرِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( وَزَادَ فِيهِ فُضَيْل بْن عِيَاض ) ‏ ‏هُوَ مَوْصُول , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّق , وَقَدْ وَصَلَهُ مُسْلِم عَنْ أَحْمَد بْن يُونُس عَنْ فُضَيْلٍ. ‏ ‏قَوْله ( أَنَّ يَهُودِيًّا جَاءَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلْقَمَة \" جَاءَ رَجُل مِنْ أَهْل الْكِتَاب \" وَفِي رِوَايَة فُضَيْلِ بْن عِيَاض عِنْد مُسْلِم \" جَاءَ حَبْر \" بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَة , زَادَ شَيْبَانُ فِي رِوَايَته \" مِنْ الْأَحْبَار \". ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ يَا مُحَمَّد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلْقَمَة \" يَا أَبَا الْقَاسِم \" وَجَمَعَ بَيْنهمَا فِي رِوَايَة فُضَيْلٍ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اللَّه يُمْسِك السَّمَاوَات ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شَيْبَانَ \" يَجْعَل \" بَدَل يُمْسِك وَزَادَ فُضَيْلٌ \" يَوْم الْقِيَامَة \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" أَبَلَغَك يَا أَبَا الْقَاسِم أَنَّ اللَّه يَحْمِل الْخَلَائِق \". ‏ ‏قَوْله ( وَالشَّجَر عَلَى إِصْبَع ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة عَلْقَمَة \" وَالثَّرَى \" وَفِي رِوَايَة شَيْبَانَ \" الْمَاء وَالثَّرَى \" وَفِي رِوَايَة فُضَيْلِ بْن عِيَاض \" الْجِبَال وَالشَّجَر عَلَى إِصْبَع , وَالْمَاء وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَع \". ‏ ‏قَوْله ( وَالْخَلَائِق ) ‏ ‏أَيْ مَنْ لَمْ يَتَقَدَّم لَهُ ذِكْر , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة فُضَيْلٍ وَشَيْبَان \" وَسَائِر الْخَلْق \" وَزَادَ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ مُحَمَّد بْن خَلَّاد عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان عَنْ الْأَعْمَش فَذَكَرَ الْحَدِيث , قَالَ مُحَمَّد : عَدَّهَا عَلَيْنَا يَحْيَى بِإِصْبَعِهِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل فِي \" كِتَاب السُّنَّة \" عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد وَقَالَ : وَجَعَلَ يَحْيَى يُشِير بِإِصْبَعِهِ يَضَع إِصْبَعًا عَلَى إِصْبَع حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرهَا , وَرَوَاهُ أَبُو بَكْر الْخَلَّال فِي \" كِتَاب السُّنَّة \" عَنْ أَبِي بَكْر الْمَرْوَزِيِّ عَنْ أَحْمَد , وَقَالَ : رَأَيْت أَبَا عَبْد اللَّه يُشِير بِإِصْبَع إِصْبَع , وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد التِّرْمِذِيّ \" مَرَّ يَهُودِيّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا يَهُودِيّ حَدِّثْنَا فَقَالَ كَيْف تَقُول : يَا أَبَا الْقَاسِم إِذَا وَضَعَ اللَّه السَّمَاوَات عَلَى ذِهِ وَالْأَرْضِينَ عَلَى ذِهِ وَالْمَاء عَلَى ذِهِ وَالْجِبَال عَلَى ذِهِ وَسَائِر الْخَلْق عَلَى ذِهِ \" وَأَشَارَ \" أَبُو جَعْفَر \" يَعْنِي أَحَد رُوَاته بِخِنْصَرٍ أَوَّلًا ثُمَّ تَابَعَ حَتَّى بَلَغَ الْإِبْهَام , قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حَسَن غَرِيب صَحِيح وَوَقَعَ فِي مُرْسَل مَسْرُوق عِنْد الْهَرَوِيِّ مَرْفُوعًا نَحْو هَذِهِ الزِّيَادَة. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ يَقُول أَنَا الْمَلِك ) ‏ ‏كَرَّرَهَا عَلْقَمَة فِي رِوَايَته وَزَادَ فُضَيْلٌ فِي رِوَايَته \" قَبْلهَا ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ \". ‏ ‏قَوْله ( فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَلْقَمَة \" فَرَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ \" وَمِثْله فِي رِوَايَة جَرِير وَلَفْظه \" وَلَقَدْ رَأَيْت \". ‏ ‏قَوْله ( حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذه ) ‏ ‏جَمْع نَاجِذ بِنُونٍ وَجِيم مَكْسُورَة ثُمَّ ذَال مُعْجَمَة وَهُوَ مَا يَظْهَر عِنْد الضَّحِك مِنْ الْأَسْنَان وَقِيلَ هِيَ الْأَنْيَاب وَقِيلَ الْأَضْرَاس وَقِيلَ الدَّوَاخِل مِنْ الْأَضْرَاس الَّتِي فِي أَقْصَى الْحَلْق , زَادَ شَيْبَانُ بْن عَبْد الرَّحْمَن \" تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْر \" وَفِي رِوَايَة فُضَيْلٍ الْمَذْكُورَة هُنَا \" تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لَهُ \" وَعِنْد مُسْلِم \" تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْر تَصْدِيقًا لَهُ \" وَفِي رِوَايَة جَرِير عِنْده \" وَتَصْدِيقًا لَهُ \" بِزِيَادَةِ وَاو , وَأَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَة إِسْرَائِيل عَنْ مَنْصُور \" حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذه تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ \" وَقَالَ اِبْن بَطَّال لَا يُحْمَل ذِكْر الْإِصْبَع عَلَى الْجَارِحَة بَلْ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ صِفَة مِنْ صِفَات الذَّات لَا تُكَيَّفُ وَلَا تُحَدَّدُ \" وَهَذَا يُنْسَب لِلْأَشْعَرِيّ \" وَعَنْ اِبْن فَوْرَكٍ يَجُوز أَنْ يَكُون الْإِصْبَع خَلْقًا يَخْلُقهُ اللَّه فَيُحَمِّلهُ اللَّه مَا يَحْمِل الْإِصْبَع , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ الْقُدْرَة وَالسُّلْطَان , كَقَوْلِ الْقَائِل مَا فُلَان إِلَّا بَيْن إِصْبَعِي إِذَا أَرَادَ الْإِخْبَار عَنْ قُدْرَته عَلَيْهِ , وَأَيَّدَ اِبْن التِّين الْأَوَّل بِأَنَّهُ قَالَ عَلَى إِصْبَع وَلَمْ يَقُلْ عَلَى إِصْبَعَيْهِ , قَالَ اِبْن بَطَّال : وَحَاصِل الْخَبَر أَنَّهُ ذَكَرَ الْمَخْلُوقَات وَأَخْبَرَ عَنْ قُدْرَة اللَّه عَلَى جَمِيعهَا فَضَحِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصْدِيقًا لَهُ وَتَعَجُّبًا مِنْ كَوْنه يَسْتَعْظِم ذَلِكَ فِي قُدْرَة اللَّه تَعَالَى , وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي جَنْب مَا يَقْدِر عَلَيْهِ بِعَظِيمٍ , وَلِذَلِكَ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) الْآيَة أَيْ لَيْسَ قَدْره فِي الْقُدْرَة عَلَى مَا يَخْلُق عَلَى الْحَدّ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْوَهْم , وَيُحِيط بِهِ الْحَصْر ; لِأَنَّهُ تَعَالَى يَقْدِر عَلَى إِمْسَاك مَخْلُوقَاته عَلَى غَيْر شَيْء كَمَا هِيَ الْيَوْم , قَالَ تَعَالَى ( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَنْ تَزُولَا ) وَقَالَ ( رَفَعَ السَّمَاوَات بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ) وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمْ يَقَع ذِكْر الْإِصْبَع فِي الْقُرْآن وَلَا فِي حَدِيث مَقْطُوع بِهِ , وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْيَد لَيْسَتْ بِجَارِحَةٍ حَتَّى يُتَوَهَّم مِنْ ثُبُوتهَا ثُبُوت الْأَصَابِع بَلْ هُوَ تَوْقِيف أَطْلَقَهُ الشَّارِع فَلَا يُكَيَّف وَلَا يُشَبَّه , وَلَعَلَّ ذِكْر الْأَصَابِع مِنْ تَخْلِيط الْيَهُودِيّ , فَإِنَّ الْيَهُود مُشَبِّهَة وَفِيمَا يَدَّعُونَهُ مِنْ التَّوْرَاة أَلْفَاظ تَدْخُل فِي بَاب التَّشْبِيه وَلَا تَدْخُل فِي مَذَاهِب الْمُسْلِمِينَ , وَأَمَّا ضَحِكه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْل الْحَبْر فَيَحْتَمِل الرِّضَا وَالْإِنْكَار , وَأَمَّا قَوْل الرَّاوِي \" تَصْدِيقًا \" لَهُ فَظَنّ مِنْهُ وَحُسْبَان , وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيث مِنْ عِدَّة طُرُق لَيْسَ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَة , وَعَلَى تَقْدِير صِحَّتهَا فَقَدْ يُسْتَدَلّ بِحُمْرَةِ الْوَجْه عَلَى الْخَجَل , وَبِصُفْرَتِهِ عَلَى الْوَجَل , وَيَكُون الْأَمْر بِخِلَافِ ذَلِكَ , فَقَدْ تَكُون الْحُمْرَة لِأَمْرٍ حَدَثَ فِي الْبَدَن كَثَوَرَانِ الدَّم , وَالصُّفْرَة لِثَوَرَان خُلِطَ مِنْ مِرَار وَغَيْره , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون ذَلِكَ مَحْفُوظًا فَهُوَ مَحْمُول عَلَى تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ( وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ ) أَيْ قُدْرَته عَلَى طَيّهَا , وَسُهُولَة الْأَمْر عَلَيْهِ فِي جَمْعهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَمَعَ شَيْئًا فِي كَفّه وَاسْتَقَلَّ بِحَمْلِهِ مِنْ غَيْر أَنْ يَجْمَع كَفّه عَلَيْهِ بَلْ يُقِلّهُ بِبَعْضِ أَصَابِعه , وَقَدْ جَرَى فِي أَمْثَالهمْ فُلَان يُقِلّ - كَذَا - بِإِصْبَعِهِ وَيَعْمَلهُ بِخِنْصَرِهِ اِنْتَهَى مُلَخَّصًا , وَقَدْ تَعَقَّبَ بَعْضهمْ إِنْكَار وُرُود الْأَصَابِع لِوُرُودِهِ فِي عِدَّة أَحَادِيث كَالْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم \" إِنَّ قَلْب اِبْن آدَم بَيْن إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِع الرَّحْمَن \" وَلَا يَرِد عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَفَى الْقَطْع , قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهِم قَوْله \" إِنَّ اللَّه يُمْسِك \" إِلَى آخِر الْحَدِيث , هَذَا كُلّه قَوْل الْيَهُودِيّ وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ التَّجْسِيم وَأَنَّ اللَّه شَخْص ذُو جَوَارِح كَمَا يَعْتَقِدهُ غُلَاة الْمُشَبِّهَة مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة , وَضَحِكُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّعَجُّبِ مِنْ جَهْل الْيَهُودِيّ , وَلِهَذَا قَرَأَ عِنْد ذَلِكَ ( وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره ) أَيْ مَا عَرَفُوهُ حَقّ مَعْرِفَته وَلَا عَظَّمُوهُ حَقّ تَعْظِيمه فَهَذِهِ الرِّوَايَة هِيَ الصَّحِيحَة الْمُحَقَّقَة , وَأَمَّا مَنْ زَادَ \" وَتَصْدِيقًا لَهُ \" فَلَيْسَتْ بِشَيْءٍ فَإِنَّهَا مِنْ قَوْل الرَّاوِي وَهِيَ بَاطِلَة ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَدِّق الْمُحَال وَهَذِهِ الْأَوْصَاف فِي حَقّ اللَّه مُحَال ; إِذْ لَوْ كَانَ ذَا يَد وَأَصَابِع وَجَوَارِح كَانَ كَوَاحِدٍ مِنَّا فَكَانَ يَجِب لَهُ مِنْ الِافْتِقَار وَالْحُدُوث وَالنَّقْص وَالْعَجْز مَا يَجِب لَنَا , وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُون إِلَهًا إِذْ لَوْ جَازَتْ الْإِلَهِيَّة لِمَنْ هَذِهِ صِفَته لَصَحَّتْ لِلدَّجَّالِ وَهُوَ مُحَال , فَالْمُفْضِي إِلَيْهِ كَذِب فَقَوْل الْيَهُودِيّ كَذِب وَمُحَال , وَلِذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّه فِي الرَّدّ عَلَيْهِ ( وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره ) وَإِنَّمَا تَعَجَّبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَهْله فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّ ذَلِكَ التَّعَجُّب تَصْدِيق وَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَإِنْ قِيلَ قَدْ صَحَّ حَدِيث \" إِنَّ قُلُوب بَنِي آدَم بَيْن إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِع الرَّحْمَن \" فَالْجَوَاب أَنَّهُ إِذَا جَاءَنَا مِثْل هَذَا فِي الْكَلَام الصَّادِق تَأَوَّلْنَاهُ أَوْ تَوَقَّفْنَا فِيهِ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّن وَجْهه مَعَ الْقَطْع بِاسْتِحَالَةِ ظَاهِره لِضَرُورَةِ صِدْق مَنْ دَلَّتْ الْمُعْجِزَة عَلَى صِدْقه , وَأَمَّا إِذَا جَاءَ عَلَى لِسَان مَنْ يَجُوز عَلَيْهِ الْكَذِب بَلْ عَلَى لِسَان مَنْ أَخْبَرَ الصَّادِق عَنْ نَوْعه بِالْكَذِبِ وَالتَّحْرِيف كَذَّبْنَاهُ وَقَبَّحْنَاهُ , ثُمَّ لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرَّحَ بِتَصْدِيقِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ فِي الْمَعْنَى بَلْ فِي اللَّفْظ الَّذِي نَقَلَهُ مِنْ كِتَابه عَنْ نَبِيّه , وَنَقْطَع بِأَنَّ ظَاهِره غَيْر مُرَاد اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَهَذَا الَّذِي نَحَا إِلَيْهِ أَخِيرًا أَوْلَى مِمَّا اِبْتَدَأَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الطَّعْن عَلَى ثِقَات الرُّوَاة وَرَدّ الْأَخْبَار الثَّابِتَة , وَلَوْ كَانَ الْأَمْر عَلَى خِلَاف مَا فَهِمَهُ الرَّاوِي بِالظَّنِّ لَلَزِمَ مِنْهُ تَقْرِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْبَاطِل وَسُكُوته عَنْ الْإِنْكَار وَحَاشَا لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ , وَقَدْ اِشْتَدَّ إِنْكَار اِبْن خُزَيْمَةَ عَلَى مَنْ اِدَّعَى أَنَّ الضَّحِك الْمَذْكُور كَانَ عَلَى سَبِيل الْإِنْكَار , فَقَالَ بَعْد أَنْ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيث فِي \" كِتَاب التَّوْحِيد \" مِنْ صَحِيحه بِطَرِيقِهِ قَدْ أَجَلَّ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يُوصَف رَبّه بِحَضْرَتِهِ بِمَا لَيْسَ هُوَ مِنْ صِفَاته فَيَجْعَل بَدَل الْإِنْكَار وَالْغَضَب عَلَى الْوَاصِف ضَحِكًا , بَلْ لَا يُوصِف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْوَصْف مَنْ يُؤْمِن بِنُبُوَّتِهِ , وَقَدْ وَقَعَ الْحَدِيث الْمَاضِي فِي الرِّقَاق عَنْ أَبِي سَعِيد - رَفَعَهُ \" تَكُون الْأَرْض يَوْم الْقِيَامَة خُبْزَة وَاحِدَة يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّار بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّؤُ أَحَدُكُمْ خُبْزَته \" الْحَدِيث , وَفِيهِ أَنَّ يَهُودِيًّا دَخَلَ فَأَخْبَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَنَظَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَصْحَابه ثُمَّ ضَحِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6865",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏يَقُولُ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالشَّجَرَ ‏ ‏وَالثَّرَى ‏ ‏عَلَى إِصْبَعٍ وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ ‏ ‏نَوَاجِذُهُ ‏ ‏ثُمَّ قَرَأَ ‏ { ‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ‏}",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6866",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَرَّادٍ ‏ ‏كَاتِبِ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ ‏ ‏مُصْفَحٍ ‏ ‏فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَلَا أَحَد أَحَبّ إِلَيْهِ الْعُذْر مِنْ اللَّه وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ بَعَثَ الْمُنْذِرِينَ وَالْمُبَشِّرِينَ ) ‏ ‏يَعْنِي الرُّسُل , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم \" بَعَثَ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ \" وَهِيَ أَوْضَح , وَلَهُ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" وَلِذَلِكَ أَنْزَلَ الْكُتُب وَالرُّسُل \" أَيْ وَأَرْسَلَ الرُّسُل , قَالَ اِبْن بَطَّال : هُوَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَة عَنْ عِبَاده وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَات ) فَالْعُذْر فِي هَذَا الْحَدِيث التَّوْبَة وَالْإِنَابَة كَذَا قَالَ , وَقَالَ عِيَاض : الْمَعْنَى بَعَثَ الْمُرْسَلِينَ لِلْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَار لِخَلْقِهِ قَبْل أَخْذهمْ بِالْعُقُوبَةِ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( لِئَلَّا يَكُون لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّة بَعْد الرُّسُل ) وَحَكَى الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهِم عَنْ بَعْض أَهْل الْمَعَانِي قَالَ : إِنَّمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا أَحَد أَحَبّ إِلَيْهِ الْعُذْر مِنْ اللَّه \" عَقِب قَوْله \" لَا أَحَد أَغْيَر مِنْ اللَّه \" مُنَبِّهًا لِسَعْدِ بْن عُبَادَةَ عَلَى أَنَّ الصَّوَاب خِلَاف مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ , وَرَادِعًا لَهُ عَلَى الْإِقْدَام عَلَى قَتْل مَنْ يَجِدهُ مَعَ اِمْرَأَته , فَكَأَنَّهُ قَالَ إِذَا كَانَ اللَّه مَعَ كَوْنه أَشَدّ غَيْرَة مِنْك يُحِبّ الْإِعْذَار , وَلَا يُؤَاخِذ إِلَّا بَعْد الْحُجَّة , فَكَيْف تُقْدِمُ أَنْتَ عَلَى الْقَتْل فِي تِلْكَ الْحَالَة ؟. ‏ ‏قَوْله ( وَلَا أَحَد أَحَبّ إِلَيْهِ ) ‏ ‏يَجُوز فِي \" أَحَبّ \" الرَّفْع وَالنَّصْب كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحُدُود. ‏ ‏قَوْله ( الْمِدْحَة مِنْ اللَّه ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيم مَعَ هَاء التَّأْنِيث وَبِفَتْحِهَا مَعَ حَذْف الْهَاء , وَالْمَدْح الثَّنَاء بِذِكْرِ أَوْصَاف الْكَمَال وَالْأَفْضَال , قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ. ‏ ‏قَوْله ( وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ وَعَدَ اللَّه الْجَنَّة ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ أَحَد الْمَفْعُولَيْنِ لِلْعِلْمِ بِهِ , وَالْمُرَاد بِهِ مَنْ أَطَاعَهُ وَفِي رِوَايَة مُسْلِم \" وَعَدَ الْجَنَّة \" بِإِضْمَارِ الْفَاعِل وَهُوَ اللَّه , قَالَ اِبْن بَطَّال : أَرَادَ بِهِ الْمَدْح مِنْ عِبَاده بِطَاعَتِهِ وَتَنْزِيهه عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ وَالثَّنَاء عَلَيْهِ بِنِعَمِهِ لِيُجَازِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : ذَكَرَ الْمَدْح مَقْرُونًا بِالْغَيْرَةِ وَالْعُذْر تَنْبِيهًا لِسَعْدٍ عَلَى أَنْ لَا يَعْمَل بِمُقْتَضَى غَيْرَته , وَلَا يُعَجِّل بَلْ يَتَأَنَّى وَيَتَرَفَّق وَيَتَثَبَّت , حَتَّى يَحْصُل عَلَى وَجْه الصَّوَاب فَيَنَال كَمَال الثَّنَاء وَالْمَدْح وَالثَّوَاب لِإِيثَارِهِ الْحَقّ وَقَمْع نَفْسه وَغَلَبَتهَا عِنْد هَيَجَانهَا , وَهُوَ نَحْو قَوْله \" الشَّدِيد مَنْ يَمْلِك نَفْسه عِنْد الْغَضَب \" وَهُوَ حَدِيث صَحِيح مُتَّفَق عَلَيْهِ , وَقَالَ عِيَاض : مَعْنَى قَوْله \" وَعَدَ الْجَنَّة \" أَنَّهُ لَمَّا وَعَدَ بِهَا وَرَغَّبَ فِيهَا كَثُرَ السُّؤَال لَهُ وَالطَّلَب إِلَيْهِ وَالثَّنَاء عَلَيْهِ , قَالَ وَلَا يُحْتَجّ بِهَذَا عَلَى جَوَاز اِسْتِجْلَاب الْإِنْسَان الثَّنَاء عَلَى نَفْسه فَإِنَّهُ مَذْمُوم وَمَنْهِيّ عَنْهُ بِخِلَافِ حُبّه لَهُ فِي قَلْبه إِذَا لَمْ يَجِد مِنْ ذَلِكَ بُدًّا فَإِنَّهُ لَا يُذَمّ بِذَلِكَ , فَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى مُسْتَحِقّ لِلْمَدْحِ بِكَمَالِهِ ; وَالنَّقْص لِلْعَبْدِ لَازِم وَلَوْ اِسْتَحَقَّ الْمَدْح مِنْ جِهَة مَا لَكِنَّ الْمَدْح يُفْسِد قَلْبه وَيُعَظِّمهُ فِي نَفْسه حَتَّى يَحْتَقِر غَيْره , وَلِهَذَا جَاءَ \" اُحْثُوا فِي وُجُوه الْمَدَّاحِينَ التُّرَاب \" وَهُوَ حَدِيث صَحِيح أَخْرَجَهُ مُسْلِم. ‏"
    },
    {
        "id": "6867",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِرَجُلٍ ‏ ‏أَمَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ قَالَ نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا لِسُوَرٍ سَمَّاهَا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6868",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو حَمْزَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنِّي عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏فَقَالَ اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا ‏ ‏بَنِي تَمِيمٍ ‏ ‏قَالُوا بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏فَقَالَ اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا ‏ ‏أَهْلَ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا ‏ ‏بَنُو تَمِيمٍ ‏ ‏قَالُوا قَبِلْنَا جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ مَا كَانَ قَالَ ‏ ‏كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ يَا ‏ ‏عِمْرَانُ ‏ ‏أَدْرِكْ نَاقَتَكَ فَقَدْ ذَهَبَتْ فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا فَإِذَا السَّرَابُ يَنْقَطِعُ دُونَهَا وَايْمُ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ وَقَوْله فِي السَّنَد ‏ ‏\" أَنْبَأَنَا أَبُو حَمْزَة \" ‏ ‏هُوَ السُّكَّرِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَاب : وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ عَنْ أَبِي حَمْزَة , وَقَوْله عَنْ جَامِع بْن شَدَّاد تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق فِي رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش \" حَدَّثَنَا جَامِع \" وَجَامِع هَذَا يُكَنَّى أَبَا صَخْرَة. ‏ ‏قَوْله ( إِنِّي عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَفْص \" دَخَلْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَقَلْت نَاقَتِي بِالْبَابِ فَأَتَاهُ نَاس مِنْ بَنِي تَمِيم \" وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ , فَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى مَنْ وَحَّدَ بَيْن هَذِهِ الْقِصَّة وَبَيْن الْقِصَّة الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيث أَبِي بُرْدَة بْن أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ : \" كُنْت عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة وَمَعَهُ بِلَال , فَأَتَاهُ أَعْرَابِيّ فَقَالَ أَلَا تُنْجِز لِي مَا وَعَدْتنِي ؟ فَقَالَ لَهُ أَبْشِرْ , فَقَالَ : قَدْ أَكْثَرْت عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَال كَهَيْئَةِ الْغَضْبَان فَقَالَ : رَدَّ الْبُشْرَى , فَاقْبَلَا أَنْتُمَا , قَالَا قَبِلْنَا \" الْحَدِيث فَفَسَّرَ الْقَائِل مَعَ بَنِي تَمِيم \" بَشَّرْتنَا فَأَعْطِنَا \" بِهَذَا الْأَعْرَابِيّ , وَفَسَّرَ أَهْل الْيَمَن بِأَبِي مُوسَى وَوَجْه التَّعَقُّب التَّصْرِيح فِي قِصَّة أَبِي مُوسَى بِأَنَّ الْقِصَّة كَانَتْ بِالْجِعْرَانَةِ , وَظَاهِر قِصَّة عِمْرَان أَنَّهَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ فَافْتَرَقَا وَزَعَمَ اِبْن الْجَوْزِيّ أَنَّ الْقَائِل \" أَعْطِنَا \" هُوَ الْأَقْرَع بْن حَابِس التَّمِيمِيّ. ‏ ‏قَوْله ( إِذْ جَاءَهُ قَوْم مِنْ بَنِي تَمِيم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَاصِم عَنْ الثَّوْرِيّ فِي الْمَغَازِي \" جَاءَتْ بَنُو تَمِيم إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى إِرَادَة بَعْضهمْ وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَثِير عَنْهُ فِي بَدْء الْخَلْق \" جَاءَ نَفَر مِنْ بَنِي تَمِيم \" وَالْمُرَاد وَفْد تَمِيم جَاءَ صَرِيحًا عِنْد اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق مُؤَمِّل بْن إِسْمَاعِيل عَنْ سُفْيَان \" جَاءَ وَفْد بَنِي تَمِيم \". ‏ ‏قَوْله ( اِقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيم ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي عَاصِم \" أَبْشِرُوا يَا بَنِي تَمِيم \" وَالْمُرَاد بِهَذِهِ الْبِشَارَة أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ نَجَا مِنْ الْخُلُود فِي النَّار , ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ يَتَرَتَّب جَزَاؤُهُ عَلَى وَفْق عَمَله إِلَّا أَنْ يَعْفُو اللَّه , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : بَشَّرَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَقْتَضِي دُخُول الْجَنَّة حَيْثُ عَرَّفَهُمْ أُصُول الْعَقَائِد الَّتِي هِيَ الْمَبْدَأ وَالْمَعَاد وَمَا بَيْنهمَا كَذَا قَالَ , وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّعْرِيف هُنَا لِأَهْلِ الْيَمَن وَذَلِكَ ظَاهِر مِنْ سِيَاق الْحَدِيث , وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ قَالَ : فِي قَوْل بَنِي تَمِيم جِئْنَاك لِنَتَفَقَّه فِي الدِّين دَلِيل عَلَى أَنَّ إِجْمَاع الصَّحَابَة لَا يَنْعَقِد بِأَهْلِ الْمَدِينَة وَحْدهَا , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الصَّوَاب أَنَّهُ قَوْل أَهْل الْيَمَن لَا بَنِي تَمِيم , وَهُوَ كَمَا قَالَ اِبْن التِّين لَكِنْ وَقَعَ عِنْد اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق أَبِي عُبَيْدَة بْن مَعْن عَنْ الْأَعْمَش بِهَذَا السَّنَد مَا نَصُّهُ : \" دَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَمِيم فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه جِئْنَاك لِنَتَفَقَّه فِي الدِّين وَنَسْأَلك عَنْ أَوَّل هَذَا الْأَمْر \" وَلَمْ يَذْكُر أَهْل الْيَمَن وَهُوَ خَطَأ مِنْ هَذَا الرَّاوِي كَأَنَّهُ اِخْتَصَرَ الْحَدِيث فَوَقَعَ فِي هَذَا الْوَهْم. ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة حَفْص \" مَرَّتَيْنِ \" وَزَادَ فِي رِوَايَة الثَّوْرِيّ عَنْ جَامِع فِي الْمَغَازِي \" فَقَالُوا أَمَا إِذْ بَشَّرْتنَا فَأَعْطِنَا \" وَفِيهَا \" فَتَغَيَّرَ وَجْهه \" وَفِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة عَنْ الْأَعْمَش عِنْد أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج \" فَكَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ ذَلِكَ \" وَفِي أُخْرَى فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق سُفْيَان أَيْضًا \" فَرُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهه \" وَفِيهَا \" فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه بَشَّرْتنَا \" وَهُوَ دَالّ عَلَى إِسْلَامهمْ وَإِنَّمَا رَامُوا الْعَاجِل , وَسَبَب غَضَبه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتِشْعَاره بِقِلَّةِ عِلْمهمْ لِكَوْنِهِمْ عَلَّقُوا آمَالهمْ بِعَاجِلِ الدُّنْيَا الْفَانِيَة وَقَدَّمُوا ذَلِكَ عَلَى التَّفَقُّه فِي الدِّين الَّذِي يُحَصِّل لَهُمْ ثَوَاب الْآخِرَة الْبَاقِيَة , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : دَلَّ قَوْلهمْ \" بَشَّرْتنَا \" عَلَى أَنَّهُمْ قَبِلُوا فِي الْجُمْلَة لَكِنْ طَلَبُوا مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا , وَإِنَّمَا نَفَى عَنْهُمْ الْقَبُول الْمَطْلُوب لَا مُطْلَق الْقَبُول , وَغَضِبَ حَيْثُ لَمْ يَهْتَمُّوا بِالسُّؤَالِ عَنْ حَقَائِق كَلِمَة التَّوْحِيد وَالْمَبْدَأ وَالْمَعَاد وَلَمْ يَعْتَنُوا بِضَبْطِهَا وَلَمْ يَسْأَلُوا عَنْ مُوجِبَاتهَا وَالْمُوَصِّلَات إِلَيْهَا , قَالَ الطِّيبِيُّ : لَمَّا لَمْ يَكُنْ جُلّ اِهْتِمَامهمْ إِلَّا بِشَأْنِ الدُّنْيَا , قَالُوا \" بَشَّرْتنَا فَأَعْطِنَا \" فَمِنْ ثَمَّ قَالَ إِذْ لَمْ يَقْبَلهَا بَنُو تَمِيم. ‏ ‏قَوْله ( فَدَخَلَ نَاس مِنْ أَهْل الْيَمَن ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَفْص \" ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي عَاصِم \" فَجَاءَهُ نَاس مِنْ أَهْل الْيَمَن \". ‏ ‏قَوْله ( قَالُوا قَبِلْنَا ) ‏ ‏زَادَ أَبُو عَاصِم وَأَبُو نُعَيْم \" يَا رَسُول اللَّه \" وَكَذَا عِنْد اِبْن حِبَّان مِنْ رِوَايَة شَيْبَانَ بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ جَامِع. ‏ ‏قَوْله ( جِئْنَاك لِنَتَفَقَّه فِي الدِّين وَلِنَسْأَلك عَنْ أَوَّل هَذَا الْأَمْر مَا كَانَ ) ‏ ‏هَذِهِ الرِّوَايَة أَتَمّ الرِّوَايَات الْوَاقِعَة عِنْد الْمُصَنِّف , وَحَذَفَ ذَلِكَ كُلّه فِي بَعْضهَا أَوْ بَعْضه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ \" قَالُوا : قَدْ بَشَّرْتنَا فَأَخْبِرْنَا عَنْ أَوَّل هَذَا الْأَمْر كَيْف كَانَ \" وَلَمْ أَعْرِف اِسْم قَائِل ذَلِكَ مِنْ أَهْل الْيَمَن , وَالْمُرَاد بِالْأَمْرِ فِي قَوْلهمْ \" هَذَا الْأَمْر \" تَقَدَّمَ بَيَانه فِي بَدْء الْخَلْق. ‏ ‏قَوْله ( كَانَ اللَّه وَلَمْ يَكُنْ شَيْء قَبْله ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق بِلَفْظِ \" وَلَمْ يَكُنْ شَيْء غَيْره \" وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" كَانَ اللَّه قَبْل كُلّ شَيْء \" وَهُوَ بِمَعْنَى \" كَانَ اللَّه وَلَا شَيْء مَعَهُ \" وَهِيَ أَصَرْح فِي الرَّدّ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ حَوَادِث لَا أَوَّل لَهَا مِنْ رِوَايَة الْبَاب , وَهِيَ مِنْ مُسْتَشْنَع الْمَسَائِل الْمَنْسُوبَة لِابْنِ تَيْمِيَةَ , وَوَقَفْت فِي كَلَام لَهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيث يُرَجِّح الرِّوَايَة الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب عَلَى غَيْرهَا , مَعَ أَنَّ قَضِيَّة الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ تَقْتَضِي حَمْل هَذِهِ عَلَى الَّتِي فِي بَدْء الْخَلْق لَا الْعَكْس , وَالْجَمْع يُقَدَّم عَلَى التَّرْجِيح بِالِاتِّفَاقِ , قَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْله وَلَمْ يَكُنْ شَيْء قَبْله. حَال , وَفِي الْمَذْهَب الْكُوفِيّ خَبَر , وَالْمَعْنَى يُسَاعِدهُ إِذْ التَّقْدِير كَانَ اللَّه مُنْفَرِدًا , وَقَدْ جَوَّزَ الْأَخْفَش دُخُول الْوَاو فِي خَبَر كَانَ وَأَخَوَاتهَا نَحْو : كَانَ زَيْد وَأَبُوهُ قَائِم , عَلَى جَعْل الْجُمْلَة خَبَرًا مَعَ الْوَاو تَشْبِيهًا لِلْخَبَرِ بِالْحَالِ , وَمَالَ التُّورْبَشْتِيُّ إِلَى أَنَّهُمَا جُمْلَتَانِ مُسْتَقِلَّتَانِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي بَدْء الْخَلْق , وَقَالَ الطِّيبِيُّ لَفْظَة \" كَانَ \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِحَسَب حَال مَدْخُولهَا , فَالْمُرَاد بِالْأَوَّلِ الْأَزَلِيَّة وَالْقِدَم , وَبِالثَّانِي الْحُدُوث بَعْد الْعَدَم , ثُمَّ قَالَ : فَالْحَاصِل أَنَّ عَطْف قَوْله ( وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء ) عَلَى قَوْله \" كَانَ اللَّه \" مِنْ بَاب الْإِخْبَار عَنْ حُصُول الْجُمْلَتَيْنِ فِي الْوُجُود وَتَفْوِيض التَّرْتِيب إِلَى الذِّهْن قَالُوا : وَفِيهِ بِمَنْزِلَةِ ثُمَّ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ ‏ ‏قَوْله ( وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء ) ‏ ‏مَعْطُوف عَلَى قَوْله كَانَ اللَّه وَلَا يَلْزَم مِنْهُ الْمَعِيَّة إِذْ اللَّازِم مِنْ الْوَاو الْعَاطِفَة الِاجْتِمَاع فِي أَصْل الثُّبُوت وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ تَقْدِيم وَتَأْخِير , قَالَ غَيْره وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ شَيْء غَيْره وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ قَوْله \" وَلَمْ يَكُنْ شَيْء غَيْره \" لِنَفْيِ تَوَهُّم الْمَعِيَّة قَالَ الرَّاغِب كَانَ عِبَارَة عَمَّا مَضَى مِنْ الزَّمَان ; لَكِنَّهَا فِي كَثِير مِنْ وَصْف اللَّه تَعَالَى تُنْبِئ عَنْ مَعْنَى الْأَزَلِيَّة كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَكَانَ اللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا ) قَالَ وَمَا اُسْتُعْمِلَ مِنْهُ فِي وَصْف شَيْء مُتَعَلِّقًا بِوَصْفٍ لَهُ هُوَ مَوْجُود فِيهِ فَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْف لَازِم لَهُ أَوْ قَلِيل الِانْفِكَاك عَنْهُ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَكَانَ الشَّيْطَان لِرَبِّهِ كَفُورًا ) وَقَوْله ( وَكَانَ الْإِنْسَان كَفُورًا ) وَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الزَّمَن الْمَاضِي جَازَ أَنْ يَكُون الْمُسْتَعْمَل عَلَى حَاله , وَجَازَ أَنْ يَكُون قَدْ تَغَيَّرَ , نَحْو : كَانَ فُلَان كَذَا ثُمَّ صَارَ كَذَا , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَالَم حَادِث ; لِأَنَّ قَوْله \" وَلَمْ يَكُنْ شَيْء غَيْره \" ظَاهِر فِي ذَلِكَ فَإِنَّ كُلّ شَيْء سِوَى اللَّه وُجِدَ بَعْد أَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا. ‏ ‏قَوْله ( أَدْرِكْ نَاقَتك فَقَدْ ذَهَبَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة \" اِنْحَلَّتْ نَاقَتك مِنْ عِقَالهَا \" وَزَادَ فِي آخِر الْحَدِيث \" فَلَا أَدْرِي مَا كَانَ بَعْد ذَلِكَ \" أَيْ مِمَّا قَالَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْمِلَة لِذَلِكَ الْحَدِيث. قُلْت : وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الْمَسَانِيد عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة عَلَى نَظِير هَذِهِ الْقِصَّة الَّتِي ذَكَرَهَا عِمْرَان , وَلَوْ وُجِدَ ذَلِكَ لَأَمْكَنَ أَنْ يُعْرَف مِنْهُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ عِمْرَان , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اُتُّفِقَ أَنَّ الْحَدِيث اِنْتَهَى عِنْد قِيَامه. ‏ ‏قَوْله ( وَاَيْم اللَّه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحُهَا فِي \" كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور \". ‏ ‏قَوْله ( لَوَدِدْت أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ ) ‏ ‏الْوُدّ الْمَذْكُور تَسَلَّطَ عَلَى مَجْمُوع ذَهَابهَا وَعَدَم قِيَامه لَا عَلَى أَحَدهمَا فَقَطْ ; لِأَنَّ ذَهَابهَا كَانَ قَدْ تَحَقَّقَ بِانْفِلَاتِهَا , وَالْمُرَاد بِالذَّهَابِ الْفَقْد الْكُلِّيّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6869",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلْأَى لَا ‏ ‏يَغِيضُهَا ‏ ‏نَفَقَةٌ ‏ ‏سَحَّاءُ ‏ ‏اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِي يَمِينِهِ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْفَيْضُ أَوْ الْقَبْضُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِنَّ يَمِين اللَّه مَلْأَى \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه قَبْل بَابَيْنِ , وَقَوْله هُنَا \" وَعَرْشه عَلَى الْمَاء \" وَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ \" وَالْعَرْش عَلَى الْمَاء \" وَظَاهِره أَنَّهُ كَذَلِكَ حِين التَّحْدِيث بِذَلِكَ ; وَظَاهِر الْحَدِيث الَّذِي قَبْله أَنَّ الْعَرْش كَانَ عَلَى الْمَاء قَبْل خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَيُجْمَع بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلَى الْمَاء وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالْمَاءِ مَاء الْبَحْر بَلْ هُوَ مَاء تَحْت الْعَرْش كَمَا شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ جَاءَ بَيَان ذَلِكَ فِي حَدِيث ذَكَرْته فِي أَوَائِل الْبَاب , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى الْبَحْر , بِمَعْنَى أَنَّ أَرْجُل حَمَلَته فِي الْبَحْر كَمَا وَرَدَ فِي بَعْض الْآثَار , مِمَّا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق السُّدِّيّ عَنْ أَبِي مَالِك فِي قَوْله تَعَالَى ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَات وَالْأَرْض ) قَالَ إِنَّ الصَّخْرَة الَّتِي الْأَرْض السَّابِعَة عَلَيْهَا وَهِيَ مُنْتَهَى الْخَلْق عَلَى أَرْجَائِهَا أَرْبَعَة مِنْ الْمَلَائِكَة , لِكُلِّ أَحَد مِنْهُمْ أَرْبَعَة أَوْجُه وَجْه إِنْسَان وَأَسَد وَثَوْر وَنِسْر , فَهُمْ قِيَام عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطُوا بِالْأَرَضِينَ وَالسَّمَاوَات رُءُوسهمْ تَحْت الْكُرْسِيّ وَالْكُرْسِيّ تَحْت الْعَرْش , وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ الطَّوِيل الَّذِي صَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان \" أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَا أَبَا ذَرّ مَا السَّمَاوَات السَّبْع مَعَ الْكُرْسِيّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاة بِأَرْضٍ فَلَاة وَفَضْل الْعَرْش عَلَى الْكُرْسِيّ كَفَضْلِ الْفَلَاة عَلَى الْحَلْقَة \" وَلَهُ شَاهِد عَنْ مُجَاهِد أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور فِي التَّفْسِير بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6870",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ ‏ ‏زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ‏ ‏يَشْكُو فَجَعَلَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ قَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ قَالَ فَكَانَتْ ‏ ‏زَيْنَبُ ‏ ‏تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تَقُولُ زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ ‏ ‏وَعَنْ ‏ ‏ثَابِتٍ ‏ { ‏وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ ‏} ‏نَزَلَتْ فِي شَأْنِ ‏ ‏زَيْنَبَ ‏ ‏وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَحْمَد ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ غَيْر مَنْسُوب وَذَكَرَ أَبُو نَصْر الْكَلَابَاذِيّ أَنَّهُ أَحْمَد بْن يَسَار الْمَرْوَزِيُّ , وَقَالَ الْحَاكِم : هُوَ أَحْمَد بْن نَصْر النَّيْسَابُورِيّ , يَعْنِي الْمَذْكُور فِي سُورَة الْأَنْفَال وَشَيْخه فِيهِ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْمُقَدَّمِيّ قَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيّ فِي \" كِتَاب الصَّلَاة \" بِغَيْرِ وَاسِطَة , وَجَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج بِأَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْمُقَدَّمِيّ وَلَمْ يَذْكُر وَاسِطَة , وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ طَرَفًا مِنْهُ فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى قِصَّة زَيْنَب بِنْت جَحْش وَزَيْد بْن حَارِثَة هُنَاكَ مَبْسُوطًا. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ أَنَس لَوْ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ ) ‏ ‏ظَاهِره أَنَّهُ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , لَكِنْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْهُ نَزَلَتْ ( وَتُخْفِي فِي نَفْسك مَا اللَّه مُبْدِيه ) فِي شَأْن زَيْنَب بِنْت جَحْش وَكَانَ زَيْد يَشْكُو وَهَمَّ بِطَلَاقِهَا يَسْتَأْمِر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ ( أَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجك وَاتَّقِ اللَّه ) وَهَذَا الْقَدْر هُوَ الْمَذْكُور فِي آخِر الْحَدِيث هُنَا بِلَفْظِ \" وَعَنْ ثَابِت وَتُخْفِي فِي نَفْسك \" إِلَخْ , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ مَوْصُول أَنَّهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ , وَأَمَّا قَوْله \" لَوْ كَانَ كَاتِمًا \" إِلَخْ , فَلَمْ أَرَهُ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع مَوْصُولًا عَنْ أَنَس , وَذَكَرَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ نَسَبَ قَوْله \" لَوْ كَانَ كَاتِمًا لَكَتَمَ قِصَّة زَيْنَب \" إِلَى عَائِشَة , قَالَ وَعَنْ غَيْرهَا \" لَكَتَمَ عَبَسَ وَتَوَلَّى \" , قُلْت : قَدْ ذَكَرْت فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب حَدِيث عَائِشَة قَالَتْ \" لَوْ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِمًا شَيْئًا مِنْ الْوَحْي \" الْحَدِيث , وَأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ ثُمَّ وَجَدْته فِي مُسْنَد الْفِرْدَوْس مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة مِنْ لَفْظه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَوْ كُنْت كَاتِمًا شَيْئًا مِنْ الْوَحْي \" الْحَدِيث , وَاقْتَصَرَ عِيَاض فِي الشِّفَاء عَلَى نِسْبَتهَا إِلَى عَائِشَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَأَغْفَلَ حَدِيث أَنَس هَذَا وَهُوَ عِنْد الْبُخَارِيّ , وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْد تَخْرِيج حَدِيث عَائِشَة , وَفِي الْبَاب عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَأَشَارَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ وَأَمَّا الرِّوَايَة الْأُخْرَى فِي عَبَسَ وَتَوَلَّى فَلَمْ أَرَهَا إِلَّا عِنْد عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ أَحَد الضُّعَفَاء , أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْن أَبِي حَاتِم عَنْهُ قَالَ \" كَانَ يُقَال لَوْ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِنْ الْوَحْي لَكَتَمَ هَذَا عَنْ نَفْسه \" وَذَكَرَ قِصَّة اِبْن أُمّ مَكْتُوم وَنُزُول عَبَسَ وَتَوَلَّى اِنْتَهَى , وَقَدْ أَخْرَجَ الْقِصَّة التِّرْمِذِيّ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرِيّ وَالْحَاكِم مَوْصُولَة عَنْ عَائِشَة وَلَيْسَ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَة , وَأَخْرَجَهَا مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلَة وَهُوَ الْمَحْفُوظ عَنْ هِشَام , وَتَفَرَّدَ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأُمَوِيّ بِوَصْلِهِ عَنْ هِشَام , وَأَخْرَجَهَا اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة كَذَلِكَ بِدُونِهَا , وَكَذَا مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ , وَأَوْرَدَهَا عَبْد بْن حُمَيْدٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ مُرْسَل قَتَادَةَ وَمُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَأَبِي مَالِك الْغِفَارِيّ وَالضَّحَّاك وَالْحَكَم وَغَيْرهمْ , وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أَحَد مِنْهُمْ هَذِهِ الزِّيَادَة , وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ فَكَانَتْ زَيْنَب تَفْخَر عَلَى أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى قَوْلهَا - وَزَوَّجَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ فَوْق سَبْع سَمَاوَات ) ‏ ‏أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عَارِم بْن الْفَضْل عَنْ حَمَّاد بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظِ \" نَزَلَتْ فِي زَيْنَب بِنْت جَحْش : فَلَمَّا قَضَى زَيْد مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا الْآيَة , وَكَانَتْ تَفْخَر \" إِلَخْ ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَة عِيسَى بْن طَهْمَانَ عَنْ أَنَس فِي ذَلِكَ وَهُوَ آخِر مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيح مِنْ ثُلَاثِيَّات الْبُخَارِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ لِعِيسَى حَدِيث آخَر فِي اللِّبَاس لَكِنَّهُ لَيْسَ ثُلَاثِيًّا وَلَفْظه هُنَا \" وَكَانَتْ تَفْخَر عَلَى نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ تَقُول : إِنَّ اللَّه أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاء \" وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْفِرْيَابِيّ وَأَبِي قُتَيْبَة عَنْ عِيسَى \" أَنْتُنَّ أَنْكَحَكُنَّ آبَاؤُكُنَّ \" وَهَذَا الْإِطْلَاق مَحْمُول عَلَى الْبَعْض , وَإِلَّا فَالْمُحَقَّق أَنَّ الَّتِي زَوَّجَهَا أَبُوهَا مِنْهُنَّ عَائِشَة وَحَفْصَة فَقَطْ , وَفِي سَوْدَة وَزَيْنَب بِنْت خُزَيْمَةَ وَجُوَيْرِيَةَ اِحْتِمَال , وَأَمَّا أُمّ سَلَمَة وَأُمّ حَبِيبَة وَصَفِيَّة وَمَيْمُونَة فَلَمْ يُزَوِّج وَاحِدَة مِنْهُنَّ أَبُوهَا , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن سَعْد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس بِلَفْظِ \" قَالَتْ زَيْنَب يَا رَسُول اللَّه إِنِّي لَسْت كَأَحَدٍ مِنْ نِسَائِك , لَيْسَتْ مِنْهُنَّ اِمْرَأَة إِلَّا زَوَّجَهَا أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ أَهْلهَا غَيْرِي \" وَسَنَده ضَعِيف مِنْ وَجْه آخَر مَوْصُول عَنْ أُمّ سَلَمَة \" قَالَتْ زَيْنَب مَا أَنَا كَأَحَدٍ مِنْ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُنَّ زُوِّجْنَ بِالْمُهُورِ زَوَّجَهُنَّ الْأَوْلِيَاء , وَأَنَا زَوَّجَنِي اللَّه وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْزَلَ اللَّه فِي الْكِتَاب \" وَفِي مُرْسَل الشَّعْبِيّ \" قَالَتْ زَيْنَب يَا رَسُول اللَّه أَنَا أَعْظَم نِسَائِك عَلَيْك حَقًّا , أَنَا خَيْرهنَّ مَنْكِحًا وَأَكْرَمهنَّ سَفِيرًا وَأَقْرَبهنَّ رَحِمًا فَزَوَّجَنِيك الرَّحْمَن مِنْ فَوْق عَرْشه , وَكَانَ جِبْرِيل هُوَ السَّفِير بِذَلِكَ , وَأَنَا اِبْنَة عَمَّتك وَلَيْسَ لَك مِنْ نِسَائِك قَرِيبَة غَيْرِي \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو الْقَاسِم الطَّحَاوِيُّ فِي \" كِتَاب الْحُجَّة وَالتِّبْيَان \" لَهُ. ‏ ‏قَوْله ( مِنْ فَوْق سَبْع سَمَاوَات ) فِي رِوَايَة عِيسَى بْن طَهْمَانَ عَنْ أَنَس الْمَذْكُورَة عَقِب هَذَا \" وَكَانَتْ تَقُول إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاء \" وَسَنَده هَذِهِ آخِر الثُّلَاثِيَّات الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْبُخَارِيّ , وَتَقَدَّمَ لِعِيسَى بْن طَهْمَانَ حَدِيث آخَر غَيْر ثُلَاثِيّ تَكَلَّمَ فِيهِ اِبْن حِبَّان بِكَلَامٍ لَمْ يَقْبَلُوهُ مِنْهُ , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة \" وَأَطْعَمَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ خُبْزًا وَلَحْمًا \" يَعْنِي فِي وَلِيمَتهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه وَاضِحًا فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب. ‏ ‏قَوْله ( فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد , بَعْد قَوْله سَبْع سَمَاوَات , وَعَنْ ثَابِت وَتُخْفِي فِي نَفْسك إِلَخْ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ مُرْسَلًا لَيْسَ فِيهِ أَنَس , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة يَعْلَى بْن مَنْصُور عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد مَوْصُولًا بِذِكْرِ أَنَس فِيهِ , وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَحْمَد بْن عَبْدَة مَوْصُولًا , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان لُوَيْن عَنْ حَمَّاد مَوْصُولًا أَيْضًا وَقَدْ بَيَّنَ سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس كَيْفِيَّة تَزْوِيج زَيْنَب \" قَالَ : لَمَّا اِنْقَضَتْ عِدَّة زَيْنَب قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدٍ اُذْكُرْهَا عَلَيَّ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ قَوْله \" فِي السَّمَاء \" ظَاهِره غَيْر مُرَاد , إِذْ اللَّه مُنَزَّهٌ عَنْ الْحُلُول فِي الْمَكَان , لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ جِهَة الْعُلُوّ أَشْرَف مِنْ غَيْرهَا أَضَافَهَا إِلَيْهِ إِشَارَة إِلَى عُلُوّ الذَّات وَالصِّفَات , وَبِنَحْوِ هَذَا أَجَابَ غَيْره عَنْ الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة مِنْ الْفَوْقِيَّة وَنَحْوهَا , قَالَ الرَّاغِب \" فَوْق \" يُسْتَعْمَل فِي الْمَكَان وَالزَّمَان وَالْجِسْم وَالْعَدَد وَالْمَنْزِلَة وَالْقَهْر , ‏ ‏فَالْأَوَّل : بِاعْتِبَارِ الْعُلُوّ وَيُقَابِلهُ تَحْت نَحْو ( قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلِكُمْ ) ‏ ‏وَالثَّانِي : بِاعْتِبَارِ الصُّعُود وَالِانْحِدَار , نَحْو ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَل مِنْكُمْ ) , ‏ ‏وَالثَّالِث : فِي الْعَدَد نَحْو ( فَإِنْ كُنَّ نِسَاء فَوْق اِثْنَتَيْنِ ) , ‏ ‏الرَّابِع فِي الْكِبَر وَالصِّغَر , كَقَوْلِهِ ( بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ) , ‏ ‏وَالْخَامِس : يَقَع تَارَة بِاعْتِبَارِ الْفَضِيلَة الدُّنْيَوِيَّة , نَحْو ( وَرَفَعْنَا بَعْضهمْ فَوْق بَعْض دَرَجَاتٍ ) , أَوْ الْأُخْرَوِيَّة نَحْو ( وَاَلَّذِينَ اِتَّقُوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة ) , ‏ ‏وَالسَّادِس : نَحْو قَوْله ( وَهُوَ الْقَاهِر فَوْق عِبَادِهِ - يَخَافُونَ رَبّهمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ) اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6871",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَزَلَتْ ‏ ‏آيَةُ الْحِجَابِ ‏ ‏فِي ‏ ‏زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏ ‏وَأَطْعَمَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ خُبْزًا وَلَحْمًا وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّ اللَّهَ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاءِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6872",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ ‏ ‏إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا قَضَى الْخَلْق كَتَبَ عِنْده فَوْق عَرْشه إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَاب ( وَيُحَذِّركُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ ) وَيَأْتِي بَعْض الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب قَوْله تَعَالَى ( فِي لَوْح مَحْفُوظ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُرَاد بِالْكِتَابِ أَحَد شَيْئَيْنِ : إِمَّا الْقَضَاء الَّذِي قَضَاهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( كَتَبَ اللَّه لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) أَيْ قَضَى ذَلِكَ , قَالَ وَيَكُون مَعْنَى قَوْله \" فَوْق الْعَرْش \" أَيْ عِنْده عِلْم ذَلِكَ فَهُوَ لَا يَنْسَاهُ وَلَا يُبَدِّلهُ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فِي كِتَاب لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ). وَإِمَّا اللَّوْح الْمَحْفُوظ الَّذِي فِيهِ ذِكْر أَصْنَاف الْخَلْق وَبَيَان أُمُورهمْ وَآجَالهمْ وَأَرْزَاقهمْ وَأَحْوَالهمْ , وَيَكُون مَعْنَى \" فَهُوَ عِنْده فَوْق الْعَرْش \" أَيْ ذَكَرَهُ وَعَلِمَهُ وَكُلّ ذَلِكَ جَائِز فِي التَّخْرِيج , عَلَى أَنَّ الْعَرْش خَلْق مَخْلُوق تَحْمِلهُ الْمَلَائِكَة , فَلَا يَسْتَحِيل أَنْ يُمَاسُّوا الْعَرْش إِذَا حَمَلُوهُ , وَإِنْ كَانَ حَامِل الْعَرْش وَحَامِل حَمَلَته هُوَ اللَّه , وَلَيْسَ قَوْلنَا إِنَّ اللَّه عَلَى الْعَرْش أَيْ مُمَاسّ لَهُ أَوْ مُتَمَكِّن فِيهِ أَوْ مُتَحَيِّز فِي جِهَة مِنْ جِهَاته بَلْ هُوَ خَبَر جَاءَ بِهِ التَّوْقِيف , فَقُلْنَا لَهُ بِهِ وَنَفَيْنَا عَنْهُ التَّكْيِيف إِذْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. وَقَوْله \" فَوْق عَرْشه \" صِفَة الْكِتَاب , وَقِيلَ إِنَّ فَوْق هُنَا بِمَعْنَى دُون , كَمَا جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى ( بَعُوضَة فَمَا فَوْقهَا ) وَهُوَ بَعِيدٌ , وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة يُؤْخَذ مِنْ كَوْن الْكِتَاب الْمَذْكُور فَوْق الْعَرْش أَنَّ الْحِكْمَة اِقْتَضَتْ أَنْ يَكُون الْعَرْش حَامِلًا لِمَا شَاءَ اللَّه مِنْ أَثَر حِكْمَة اللَّه وَقُدْرَته وَغَامِض غَيْبه لِيَسْتَأْثِر هُوَ بِذَلِكَ مِنْ طَرِيق الْعِلْم وَالْإِحَاطَة , فَيَكُون مِنْ أَكْبَر الْأَدِلَّة عَلَى اِنْفِرَاده بِعِلْمِ الْغَيْب , قَالَ : وَقَدْ يَكُون ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ ( الرَّحْمَن عَلَى الْعَرْش اِسْتَوَى ) أَيْ مَا شَاءَهُ مِنْ قُدْرَته وَهُوَ كِتَابه الَّذِي وَضَعَهُ فَوْق الْعَرْش. ‏"
    },
    {
        "id": "6873",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏هِلَالٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَبِّئُ النَّاسَ بِذَلِكَ قَالَ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي فِيهِ \" إِنَّ فِي الْجَنَّة مِائَة دَرَجَة أَعَدَّهَا اللَّه لِلْمُجَاهِدِينَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْجِهَاد مَعَ الْكَلَام عَلَى ‏ ‏قَوْله ( كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّه ) ‏ ‏وَأَنَّ مَعْنَاهُ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ( كَتَبَ رَبّكُمْ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَة ) وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ لَازِم لَهُ ; لِأَنَّهُ لَا آمِر لَهُ وَلَا نَاهِي يُوجِب عَلَيْهِ مَا يَلْزَمهُ الْمُطَالَبَة بِهِ , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ إِنْجَاز مَا وَعَدَ بِهِ مِنْ الثَّوَاب , وَهُوَ لَا يُخْلِف الْمِيعَاد , ‏ ‏وَأَمَّا قَوْله \" مِائَة دَرَجَة \" ‏ ‏فَلَيْسَ فِي سِيَاقه التَّصْرِيح بِأَنَّ الْعَدَد الْمَذْكُور هُوَ جَمِيع دَرَج الْجَنَّة مِنْ غَيْر زِيَادَة إِذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِيهَا وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْمَرْفُوع الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّان , وَيُقَال لِصَاحِبِ الْقُرْآن اِقْرَأْ وَارْقَ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْت تُرَتِّل فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَك عِنْد آخِر آيَة تَقْرَؤُهَا وَعَدَد آيِ الْقُرْآن أَكْثَر مِنْ سِتَّة آلَاف وَمِائَتَيْنِ , وَالْخُلْف فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْكُسُور , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" كُلّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنهمَا كَمَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض \" ‏ ‏اِخْتَلَفَ الْخَبَر الْوَارِد فِي قَدْر مَسَافَة مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض , وَذَكَرَ هُنَاكَ مَا وَرَدَ فِي التِّرْمِذِيّ أَنَّهَا مِائَة عَام وَفِي الطَّبَرَانِيّ خَمْسمِائَة , وَيُزَاد هُنَا مَا أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي التَّوْحِيد مِنْ صَحِيحه وَابْن أَبِي عَاصِم فِي \" كِتَاب السُّنَّة \" عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : بَيْن السَّمَاء الدُّنْيَا وَاَلَّتِي تَلِيهَا خَمْسمِائَةِ عَام , وَبَيْن كُلّ سَمَاء خَمْسمِائَةِ عَام. وَفِي رِوَايَة \" وَغِلَظ كُلّ سَمَاء مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام , وَبَيْن السَّابِعَة وَبَيْن الْكُرْسِيّ خَمْسمِائَةِ عَام , وَبَيْن الْكُرْسِيّ وَبَيْن الْمَاء خَمْسمِائَةِ عَام , وَالْعَرْش فَوْق الْمَاء وَاَللَّه فَوْق الْعَرْش وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أَعْمَالكُمْ \" وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ مَرْفُوعًا نَحْوه دُون قَوْله وَبَيْن السَّابِعَة وَالْكُرْسِيّ إِلَخْ , وَزَادَ فِيهِ \" وَمَا بَيْن السَّمَاء السَّابِعَة إِلَى الْعَرْش مِثْل جَمِيع ذَلِكَ \" وَفِي حَدِيث الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِم مَرْفُوعًا \" هَلْ تَدْرُونَ بُعْد مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض ؟ قُلْنَا لَا , قَالَ : إِحْدَى أَوْ اِثْنَتَانِ أَوْ ثَلَاث وَسَبْعُونَ , قَالَ وَمَا فَوْقهَا مِثْل ذَلِكَ حَتَّى عَدَّ سَبْع سَمَاوَات , ثُمَّ فَوْق السَّمَاء السَّابِعَة الْبَحْر أَسْفَله مِنْ أَعْلَاهُ مِثْل مَا بَيْن سَمَاء إِلَى سَمَاء , ثُمَّ فَوْقه ثَمَانِيَة أَوْعَالٍ مَا بَيْن أَظْلَافهنَّ وَرُكَبهنَّ مِثْل مَا بَيْن سَمَاء إِلَى سَمَاء ثُمَّ الْعَرْش فَوْق ذَلِكَ بَيْن أَسْفَله وَأَعْلَاهُ مِثْل مَا بَيْن سَمَاء إِلَى سَمَاء ثُمَّ اللَّه فَوْق ذَلِكَ \" وَالْجَمْع بَيْن اِخْتِلَاف هَذَا الْعَدَد فِي هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ أَنْ تُحْمَل الْخَمْسمِائَةِ عَلَى السَّيْر الْبَطِيء كَسَيْرِ الْمَاشِي عَلَى هِينَته , وَتُحْمَل السَّبْعِينَ عَلَى السَّيْر السَّرِيع كَسَيْرِ السُّعَاة , وَلَوْلَا التَّحْدِيد بِالزِّيَادَةِ عَلَى السَّبْعِينَ لَحَمَلْنَا السَّبْعِينَ عَلَى الْمُبَالَغَة , فَلَا تُنَافِي الْخَمْسمِائَةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَاب عَنْ الْفَوْقِيَّة فِي الَّذِي قَبْله. ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ وَفَوْقه عَرْش الرَّحْمَن ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنَصْبِ فَوْق عَلَى الظَّرْفِيَّة , وَيُؤَيِّدهُ الْأَحَادِيث الَّتِي قَبْل هَذَا , وَحَكَى فِي الْمَشَارِق أَنَّ الْأَصِيلِيّ ضَبَطَهُ بِالرَّفْعِ بِمَعْنَى أَعْلَاهُ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ فِي الْمَطَالِع , وَقَالَ إِنَّمَا قَيَّدَهُ الْأَصِيلِيّ بِالنَّصْبِ كَغَيْرِهِ , وَالضَّمِير فِي قَوْله فَوْقه لِلْفِرْدَوْسِ , وَقَالَ اِبْن التِّين : بَلْ هُوَ رَاجِع إِلَى الْجَنَّة كُلّهَا , وَتُعُقِّبَ بِمَا فِي آخِر الْحَدِيث هُنَا وَمِنْهُ \" تَفَجَّر أَنْهَار الْجَنَّة \" فَإِنَّ الضَّمِير لِلْفِرْدَوْسِ جَزْمًا وَلَا يَسْتَقِيم أَنْ يَكُون لِلْجِنَانِ كُلّهَا وَإِنْ كَانَ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَمِنْهَا تَفَجَّر \" ; لِأَنَّهَا خَطَأ فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن وَسُفْيَان عَنْ إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ \" وَمِنْهُ \" بِالضَّمِيرِ الْمُذَكَّر. ‏"
    },
    {
        "id": "6874",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مُعَاوِيَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ هُوَ التَّيْمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏جَالِسٌ فَلَمَّا غَرَبَتْ الشَّمْسُ قَالَ يَا ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّهَا تَذْهَبُ تَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا ثُمَّ قَرَأَ ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا فِي قِرَاءَةِ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي ذَرّ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي بَدْء الْخَلْق وَفِي تَفْسِير سُورَة يس , وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا إِثْبَات أَنَّ الْعَرْش مَخْلُوق ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ لَهُ فَوْقًا وَتَحْتًا وَهُمَا مِنْ صِفَات الْمَخْلُوقَات وَقَدْ تَقَدَّمَ صِفَة طُلُوع الشَّمْس مِنْ الْمَغْرِب فِي بَاب قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ \" مِنْ كِتَاب الرِّقَاق قَالَ اِبْن بَطَّال : اِسْتِئْذَان الشَّمْس مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّه يَخْلُق فِيهَا حَيَاة يُوجَد الْقَوْل عِنْدهَا ; لِأَنَّ اللَّه قَادِر عَلَى إِحْيَاء الْجَمَاد وَالْمَوَات , وَقَالَ غَيْره : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الِاسْتِئْذَان أُسْنِدَ إِلَيْهَا مَجَازًا , وَالْمُرَاد مَنْ هُوَ مُوَكَّل بِهَا مِنْ الْمَلَائِكَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6875",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ السَّبَّاقِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ قَالَ ‏ ‏أَرْسَلَ إِلَيَّ ‏ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ ‏فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ ‏ ‏أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ ‏ ‏لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ ‏ { ‏لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ‏} ‏حَتَّى خَاتِمَةِ ‏ ‏بَرَاءَةٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏بِهَذَا وَقَالَ مَعَ ‏ ‏أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ ‏",
        "sharh": "حَدِيث زَيْد بْن ثَابِت فِي جَمْع الْقُرْآن وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي فَضَائِل الْقُرْآن , وَالْمُرَاد مِنْهُ آخِر سُورَة بَرَاءَة الْمُشَار إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَنْفُسكُمْ - إِلَى قَوْله - وَهُوَ رَبّ الْعَرْش الْعَظِيم ) ; لِأَنَّهُ أَثْبَتَ أَنَّ لِلْعَرْشِ رَبًّا فَهُوَ مَرْبُوب وَكُلّ مَرْبُوب مَخْلُوق , وَمُوسَى شَيْخه فِيهِ هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل وَإِبْرَاهِيم شَيْخ شَيْخه فِي السَّنَد الْأَوَّل هُوَ اِبْن سَعْد , وَرِوَايَة اللَّيْث الْمُعَلَّقَة تَقَدَّمَ ذِكْر مَنْ وَصَلَهَا فِي تَفْسِير سُورَة بَرَاءَة , وَرِوَايَته الْمُسْنَدَة تَقَدَّمَ سِيَاقهَا فِي فَضَائِل الْقُرْآن مَعَ شَرْح الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "6876",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَالِيَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ عِنْدَ ‏ ‏الْكَرْبِ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَلِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي دُعَاء الْكَرْب وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الدَّعَوَات \" , ‏ ‏وَ \" سَعِيد \" ‏ ‏فِي سَنَده هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة ‏ ‏\" وَأَبُو الْعَالِيَة \" ‏ ‏هُوَ الرِّيَاحِيّ بِكَسْرِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّة خَفِيفَة وَاسْمه رُفَيْع بِفَاءٍ مُصَغَّر , وَأَمَّا \" أَبُو الْعَالِيَة الْبَرَّاء \" بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الرَّاء فَاسْمه زِيَاد بْن فَيْرُوز , وَرِوَايَته عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي أَبْوَاب تَقْصِير الصَّلَاة. ‏"
    },
    {
        "id": "6877",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ النَّاسُ ‏ ‏يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِذَا أَنَا ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏الْمَاجِشُونُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ فَإِذَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏آخِذٌ بِالْعَرْشِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا , وَتَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَد الَّذِي هُنَا تَامًّا فِي \" كِتَاب الْأَشْخَاص \" ‏ ‏وَقَوْله \" وَقَالَ الْمَاجِشُون \" ‏ ‏بِكَسْرِ الْجِيم وَضَمّ الْمُعْجَمَة , هُوَ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة \" وَعَبْد اللَّه بْن الْفَضْل \" أَيْ اِبْن الْعَبَّاس بْن رَبِيعَة بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب الْهَاشِمِيّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي سَلَمَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف قَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ فِي الْأَطْرَاف وَتَبِعَهُ جَمَاعَة مِنْ الْمُحَدِّثِينَ , إِنَّمَا رَوَى الْمَاجِشُون هَذَا عَنْ عَبْد اللَّه بْنِ الْفَضْل عَنْ الْأَعْرَج لَا عَنْ أَبِي سَلَمَة , وَحَكَمُوا عَلَى الْبُخَارِيّ بِالْوَهْمِ فِي قَوْله عَنْ أَبِي سَلَمَة , وَحَدِيث الْأَعْرَج الَّذِي أُشِيرَ إِلَيْهِ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مِنْ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة الْمَاجِشُون كَمَا قَالُوا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي الْفَضَائِل وَالنَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيقه , وَلَكِنْ تَحَرَّرَ لِي أَنَّ لِعَبْدِ اللَّه بْن الْفَضْل فِي هَذَا الْحَدِيث شَيْخَيْنِ , فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَده عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْفَضْل عَنْ أَبِي سَلَمَة طَرَفًا مِنْ هَذَا الْحَدِيث , وَظَهَرَ لِي أَنَّ قَوْل مَنْ قَالَ \" عَنْ الْمَاجِشُونِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْفَضْل عَنْ الْأَعْرَج \" أَرْجَح , وَمِنْ ثَمَّ وَصَلَهَا الْبُخَارِيّ وَعَلَّقَ الْأُخْرَى , فَإِنْ سَلَكْنَا سَبِيل الْجَمْع اِسْتَغْنَى عَنْ التَّرْجِيح وَإِلَّا فَلَا اِسْتِدْرَاك عَلَى الْبُخَارِيّ فِي الْحَالَيْنِ , وَكَذَا لَا تَعَقُّب عَلَى اِبْن الصَّلَاح فِي تَفْرِقَته بَيْن مَا يَقُول فِيهِ الْبُخَارِيّ : قَالَ فُلَان جَازِمًا , فَيَكُون مَحْكُومًا بِصِحَّتِهِ بِخِلَافِ مَا لَا يَجْزِم بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُون جَازِمًا بِصِحَّتِهِ , وَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْض مَنْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِهَذَا الْمِثَال فَقَالَ : جَزَمَ بِهَذِهِ الرِّوَايَة وَهِيَ وَهْم , وَقَدْ عُرِفَ مِمَّا حَرَّرْته الْجَوَاب عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاض , وَتَقَدَّمَ شَرْح الْمَتْن فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي قِصَّة مُوسَى , وَقَدْ سَاقَهُ هُنَاكَ بِتَمَامِهِ بِسَنَدِ الْحَدِيث هُنَا. ‏ ‏تَكْمِلَةٌ : ‏ ‏وَقَعَ فِي مُرْسَل قَتَادَةَ أَنَّ الْعَرْش مِنْ يَاقُوتَة حَمْرَاء , أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْهُ فِي قَوْله ( وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء ) قَالَ هَذَا بَدْء خَلْقه قَبْل أَنْ يَخْلُق السَّمَاء وَعَرْشه مِنْ يَاقُوتَة حَمْرَاء , وَلَهُ شَاهِد عَنْ سَهْل بْن سَعْد مَرْفُوع لَكِنَّ سَنَده ضَعِيف. ‏"
    },
    {
        "id": "6878",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ فَيَقُولُ ‏ ‏كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ تَصَدَّقَ ‏ ‏بِعَدْلِ ‏ ‏تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا الطَّيِّبُ فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ ‏ ‏فُلُوَّهُ ‏ ‏حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏وَرْقَاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا الطَّيِّبُ ‏",
        "sharh": "عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل \" كِتَاب الصَّلَاة وَإِسْمَاعِيل \" شَيْخه هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْله فِيهِ ثُمَّ يَعْرُج الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِظَوَاهِر أَحَادِيث الْبَاب مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحَقَّ سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي جِهَة الْعُلُوّ , وَقَدْ ذَكَرْت مَعْنَى الْعُلُوّ فِي حَقّه جَلَّ وَعَلَا فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ خَالِد بْن مَخْلَدٍ ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ , وَوَقَعَ عِنْد الْخَطَّابِيّ فِي شَرْحه قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه الْبُخَارِيّ \" حَدَّثَنَا خَالِد بْن مَخْلَدٍ \". ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال الْمَدَنِيّ الْمَشْهُور , وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو بَكْر الْجَوْزَقِيّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ , قَالَ \" حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس الدَّغُولِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُعَاذ السُّلَمِيّ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِد بْن مَخْلَدٍ \" فَذَكَرَهُ مِثْل رِوَايَة الْبُخَارِيّ سَوَاء وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه عَنْ مُحَمَّد بْن مُعَاذ وَبَيَّضَ لَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج , ثُمَّ قَالَ \" رَوَاهُ \" فَقَالَ \" وَقَالَ خَالِد بْن مَخْلَدٍ \" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَحْمَد بْن عُثْمَان عَنْ خَالِد بْن مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَان بْنِ بِلَال , لَكِنْ خَالَفَ فِي شَيْخ سُلَيْمَان فَقَالَ \" عَنْ سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ \" كَمَا أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي أَوَائِل الزَّكَاة , وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجه عَنْ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا فَأَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْنِ دِينَار عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي صَالِح , وَهَذِهِ الرِّوَايَة هِيَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لِلْبُخَارِيِّ فِي \" كِتَاب الزَّكَاة \" وَدَلَّتْ الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة وَمُوَافَقَة الْجَوْزَقِيّ لَهَا عَلَى أَنَّ لِخَالِد فِيهِ شَيْخَيْنِ , كَمَا أَنَّ لِعَبْدِ اللَّه بْن دِينَار فِيهِ شَيْخَيْنِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْلِيق الَّذِي بَعْده. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ وَرْقَاء ) ‏ ‏يَعْنِي اِبْن عُمَر ‏ ‏( عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ سَعِيد بْن يَسَار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَصْعَد إِلَى اللَّه إِلَّا الطَّيِّب ) ‏ ‏يُرِيد أَنَّ رِوَايَة وَرْقَاء مُوَافِقَة لِرِوَايَةِ سُلَيْمَان إِلَّا فِي شَيْخ شَيْخهمَا , فَعِنْد سُلَيْمَان أَنَّهُ عَنْ أَبِي صَالِح وَعِنْد وَرْقَاء أَنَّهُ عَنْ سَعِيد بْن يَسَار هَذَا فِي السَّنَد , وَأَمَّا فِي الْمَتْن فَظَاهِره أَنَّهُمَا سَوَاء , إِلَّا فِي قَوْله \" الطَّيِّب \" فَإِنَّهُ فِي رِوَايَة وَرْقَاء \" طَيِّب \" بِغَيْرِ أَلِف وَلَام وَقَدْ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي النَّضْر هَاشِم بْن الْقَاسِم عَنْ وَرْقَاء فَوَقَعَ عِنْده الطَّيِّب , وَقَالَ فِي آخِره \" مِثْل أُحُد \" عِوَض قَوْله فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة \" مِثْل الْجَبَل \" وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة \" يَتَقَبَّلهَا \" وَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يَقْبَلهَا \" مُخَفَّفًا بِغَيْرِ مُثَنَّاة وَهِيَ رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ , وَقَوْله \" يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ \" وَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا \" وَهِيَ رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ وَالْبَاقِي سَوَاء , وَقَدْ ذَكَرْت فِي الزَّكَاة أَنِّي لَمْ أَقِف عَلَى رِوَايَة وَرْقَاء هَذِهِ الْمُعَلَّقَة ثُمَّ وَجَدْتهَا بَعْد ذَلِكَ عِنْد كِتَابَتِي هُنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْمَتْن لَهُ \" كِتَاب الزَّكَاة \" وَلَهُ الْحَمْد , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : ذِكْر الْيَمِين فِي هَذَا الْحَدِيث مَعْنَاهُ حُسْن الْقَبُول فَإِنَّ الْعَادَة قَدْ جَرَتْ مِنْ ذَوِي الْأَدَب بِأَنْ تُصَان الْيَمِين عَنْ مَسّ الْأَشْيَاء الدَّنِيئَة وَإِنَّمَا تُبَاشَر بِهَا الْأَشْيَاء الَّتِي لَهَا قَدْر وَمَزِيَّة وَلَيْسَ فِيمَا يُضَاف إِلَى اللَّه تَعَالَى مِنْ صِفَة الْيَدَيْنِ شِمَال ; لِأَنَّ الشِّمَال لِمَحَلِّ النَّقْص فِي الضَّعِيف وَقَدْ رُوِيَ \" كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين \" وَلَيْسَ الْيَد عِنْدنَا الْجَارِحَة إِنَّمَا هِيَ صِفَة جَاءَ بِهَا التَّوْقِيف فَنَحْنُ نُطْلِقهَا عَلَى مَا جَاءَتْ وَلَا نُكَيِّفهَا وَهَذَا مَذْهَب أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة اِنْتَهَى. وَقَدْ مَضَى بَعْض مَا يُتَعَقَّب بِهِ كَلَامه فِي بَاب \" قَوْله لِمَا خَلَقْت بِيَدَيَّ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6879",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَالِيَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ عِنْدَ ‏ ‏الْكَرْبِ ‏ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي دُعَاء الْكَرْب. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. ‏"
    },
    {
        "id": "6880",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نُعْمٍ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏أَبِي نُعْمٍ ‏ ‏شَكَّ ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بُعِثَ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِذُهَيْبَةٍ ‏ ‏فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةٍ ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي نُعْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَعَثَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏وَهُوَ ‏ ‏بِالْيَمَنِ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِذُهَيْبَةٍ ‏ ‏فِي تُرْبَتِهَا فَقَسَمَهَا بَيْنَ ‏ ‏الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ ‏ ‏ثُمَّ أَحَدِ ‏ ‏بَنِي مُجَاشِعٍ ‏ ‏وَبَيْنَ ‏ ‏عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ ‏ ‏وَبَيْنَ ‏ ‏عَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ ‏ ‏ثُمَّ أَحَدِ ‏ ‏بَنِي كِلَابٍ ‏ ‏وَبَيْنَ ‏ ‏زَيْدِ الْخَيْلِ الطَّائِيِّ ‏ ‏ثُمَّ أَحَدِ ‏ ‏بَنِي نَبْهَانَ ‏ ‏فَتَغَيَّظَتْ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏وَالْأَنْصَارُ ‏ ‏فَقَالُوا يُعْطِيهِ ‏ ‏صَنَادِيدَ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏نَجْدٍ ‏ ‏وَيَدَعُنَا قَالَ إِنَّمَا ‏ ‏أَتَأَلَّفُهُمْ ‏ ‏فَأَقْبَلَ رَجُلٌ ‏ ‏غَائِرُ ‏ ‏الْعَيْنَيْنِ ‏ ‏نَاتِئُ ‏ ‏الْجَبِينِ ‏ ‏كَثُّ ‏ ‏اللِّحْيَةِ مُشْرِفُ ‏ ‏الْوَجْنَتَيْنِ ‏ ‏مَحْلُوقُ الرَّأْسِ فَقَالَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏اتَّقِ اللَّهَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَمَنْ يُطِيعُ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُهُ فَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي فَسَأَلَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ قَتْلَهُ أُرَاهُ ‏ ‏خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ‏ ‏فَمَنَعَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ مِنْ ‏ ‏ضِئْضِئِ ‏ ‏هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا ‏ ‏يُجَاوِزُ ‏ ‏حَنَاجِرَهُمْ ‏ ‏يَمْرُقُونَ ‏ ‏مِنْ الْإِسْلَامِ ‏ ‏مُرُوقَ ‏ ‏السَّهْمِ مِنْ ‏ ‏الرَّمِيَّةِ ‏ ‏يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ ‏ ‏الْأَوْثَانِ ‏ ‏لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ‏ ‏عَادٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ , عَنْ سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ وَأَبُوهُ هُوَ سَعِيد بْن مَسْرُوق وَابْن أَبِي نُعْمٍ هُوَ بِضَمِّ النُّون وَسُكُون الْمُهْمَلَة , اِسْمه عَبْد الرَّحْمَن وَاَلَّذِي وَقَعَ عِنْد قَبِيصَة شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ مِنْ الشَّكّ , هَلْ هُوَ أَبُو نُعْم أَوْ اِبْن أَبِي نُعْم ؟ لَمْ يُتَابَع عَلَيْهِ قَبِيصَة وَإِنَّمَا أَوْرَدَ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَقِب رِوَايَة قَبِيصَة مَعَ نُزُولهَا وَعُلُوّ رِوَايَة قَبِيصَة لِخُلُوِّ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق مِنْ الشَّكّ , وَقَدْ مَضَى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَنْ مُحَمَّد بْن كَثِير عَنْ سُفْيَان بِالْجَزْمِ , وَمَضَى شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب الْفِتَن \" وَقَوْله \" بُعِثَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذُهَيْبَةٍ \" كَذَا فِيهِ \" بُعِثَ \" عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَبَيَّنَهُ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق بِقَوْلِهِ بَعَثَ عَلِيّ وَهُوَ اِبْن أَبِي طَالِب ( وَهُوَ فِي الْيَمَن ) وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِالْيَمَنِ \". وَقَوْله \" فَقَسَّمَهَا بَيْن الْأَقْرَع بْن حَابِس الْحَنْظَلِيّ ثُمَّ أَحَد بَنِي مُجَاشِع \" بِجِيمٍ خَفِيفَة وَشِين مُعْجَمَة مَكْسُورَة ( وَبَيْن عُيَيْنَةَ ) بِمُهْمَلَةٍ وَنُون مُصَغَّر , اِبْن بَدْر الْفَزَارِيِّ وَبَيْن عَلْقَمَة بْن عُلَاثَة بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف اللَّام بَعْدهَا مُثَلَّثَة ( الْعَامِرِيّ ثُمَّ أَحَد بَنِي كِلَاب وَبَيْن زَيْد الْخَيْل الطَّائِيّ ثُمَّ أَحَد بَنِي نَبْهَان ) وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة كَانُوا مِنْ الْمُؤَلَّفَة , وَكُلّ مِنْهُمْ رَئِيس قَوْمه \" فَأَمَّا الْأَقْرَع \" فَهُوَ اِبْن حَابِس بِمُهْمَلَتَيْنِ وَبِمُوَحَّدَةٍ , اِبْن عِقَال بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَقَاف خَفِيفَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَسَبه فِي تَفْسِير سُورَة الْحُجُرَات وَلَهُ ذِكْر فِي قَسْم الْغَنِيمَة يَوْم حُنَيْنٍ قَالَ الْمُبَرِّد كَانَ فِي صَدْر الْإِسْلَام رَئِيس خِنْدَف وَكَانَ مَحَلّه فِيهَا مَحَلّ عُيَيْنَةَ بْن حِصْن فِي قَيْس وَقَالَ الْمَرْزُبَانِيّ , هُوَ أَوَّل مَنْ حَرَّمَ الْقِمَار وَقِيلَ كَانَ سَنُوطًا أَعْرَج مَعَ قَرَعه وَعَوَره وَكَانَ يَحْكُم فِي الْمَوَاسِم وَهُوَ آخِر الْحُكَّام مِنْ بَنِي تَمِيم وَيُقَال إِنَّهُ كَانَ مِمَّنْ دَخَلَ مِنْ الْعَرَب فِي الْمَجُوسِيَّة , ثُمَّ أَسْلَمَ وَشَهِدَ الْفُتُوح وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَرْمُوكِ , وَقِيلَ بَلْ عَاشَ إِلَى خِلَافَة عُثْمَان فَأُصِيبَ بِالْجَوْزَجَانِ. وَأَمَّا \" عُيَيْنَة بْن بَدْر \" فَنُسِبَ إِلَى جَدّ أَبِيهِ , وَهُوَ عُيَيْنَة بْن حِصْن بْن حُذَيْفَة بْن بَدْر بْنِ عَمْرو بْن لَوْذَان بْن ثَعْلَبَة بْن عَدِيّ بْن فَزَارَة وَكَانَ رَئِيس قَيْس فِي أَوَّل الْإِسْلَام وَكُنْيَته أَبُو مَالِك , وَقَدْ مَضَى لَهُ ذِكْر فِي أَوَائِل الِاعْتِصَام وَسَمَّاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَحْمَق الْمُطَاع , وَارْتَدَّ مَعَ طُلَيْحَة ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِسْلَام , وَأَمَّا عَلْقَمَة فَهُوَ اِبْن عُلَاثَة بْن عَوْف بْن الْأَحْوَص بْن جَعْفَر بْن كِلَاب بْن رَبِيعَة بْن عَامِر بْن صَعْصَعَة , وَكَانَ رَئِيس بَنِي كِلَاب مَعَ عَامِر بْن الطُّفَيْل , وَكَانَا يَتَنَازَعَانِ الشَّرَف فِيهِمْ وَيَتَفَاخَرَانِ , وَلَهُمَا فِي ذَلِكَ أَخْبَار شَهِيرَة , وَقَدْ مَضَى فِي بَاب بَعْث عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى الْيَمَن مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي بِلَفْظِ \" وَالرَّابِع \" إِمَّا قَالَ عَلْقَمَة بْن عُلَاثَة وَإِمَّا قَالَ عَامِر بْن الطُّفَيْل , وَكَانَ عَلْقَمَة حَلِيمًا عَاقِلًا , لَكِنْ كَانَ عَامِر أَكْثَر مِنْهُ عَطَاء , وَارْتَدَّ عَلْقَمَة مَعَ مَنْ اِرْتَدَّ ثُمَّ عَادَ وَمَاتَ فِي خِلَافَة عُمَر بِحَوْرَان , وَمَاتَ عَامِر بْن الطُّفَيْل عَلَى شِرْكه فِي الْحَيَاة النَّبَوِيَّة. وَأَمَّا زَيْد الْخَيْل فَهُوَ اِبْن مُهَلْهَل بْن زَيْد بْن مِنْهَب بْن عَبْد بْن رُضَا بِضَمِّ الرَّاء وَتَخْفِيف الْمُعْجَمَة وَقِيلَ لَهُ زَيْد الْخَيْل لِعِنَايَتِهِ بِهَا , وَيُقَال لَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَب أَكْثَر خَيْلًا مِنْهُ , وَكَانَ شَاعِرًا خَطِيبًا شُجَاعًا جَوَادًا , وَسَمَّاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْد الْخَيْر بِالرَّاءِ بَدَل اللَّام لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْخَيْر , وَقَدْ ظَهَرَ أَثَر ذَلِكَ , فَإِنَّهُ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَام فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُقَال بَلْ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَة عُمَر , قَالَ اِبْن دُرَيْدٍ كَانَ مِنْ الْخَطَّاطِينَ يَعْنِي مِنْ طُوله , وَكَانَ عَلَى صَدَقَات بَنِي أَسَد فَلَمْ يَرْتَدّ مَعَ مَنْ اِرْتَدَّ. ‏ ‏قَوْله ( فَتَغَيَّظَتْ قُرَيْش ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ الْغَيْظ , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْحَمَوِيِّ \" فَتَغَضَّبَتْ \" بِضَادٍ مُعْجَمَة بِغَيْرِ أَلِف بَعْدهَا مُوَحَّدَة مِنْ الْغَضَب وَكَذَا لِلنَّسَفِيِّ , وَقَدْ مَضَى فِي قِصَّة عَادَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سُفْيَان بِلَفْظِ \" فَغَضِبَتْ قُرَيْش وَالْأَنْصَار \". ‏ ‏قَوْله ( إِنَّمَا أَتَأَلَّفهُمْ ) ‏ ‏فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْمَغَازِي \" أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِين مَنْ فِي السَّمَاء \" وَبِهَذَا تَظْهَر مُنَاسَبَة هَذَا الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ ; لَكِنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَته فِي إِدْخَال الْحَدِيث فِي الْبَاب لِلَفْظَةِ \" تَكُون \" فِي بَعْض طُرُقه هِيَ الْمُنَاسِبَة لِذَلِكَ الْبَاب يُشِير إِلَيْهَا وَيُرِيد بِذَلِكَ شَحْذ الْأَذْهَان وَالْبَعْث عَلَى كَثْرَة الِاسْتِحْضَار , وَقَدْ حَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي بَكْر الضُّبَعِيِّ قَالَ : الْعَرَب تَضَع \" فِي \" مَوْضِع \" عَلَى \" كَقَوْلِهِ ( فَسِيحُوا فِي الْأَرْض ) وَقَوْله ( وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوع النَّخْل ) فَكَذَلِكَ قَوْله ( مَنْ فِي السَّمَاء ) أَيْ عَلَى الْعَرْش فَوْق السَّمَاء كَمَا صَحَّتْ الْأَخْبَار بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6881",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي ذَرٍّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ قَوْلِهِ ‏ { ‏وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ‏} ‏قَالَ ‏ ‏مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي ذَرّ فِي قَوْله تَعَالَى ( وَالشَّمْس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ) أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , قَالَ اِبْن الْمُنِير : جَمِيع الْأَحَادِيث فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة مُطَابِقَة لَهَا إِلَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا قَوْله \" رَبّ الْعَرْش \" وَمُطَابَقَته وَاَللَّه أَعْلَم مِنْ جِهَة أَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى بُطْلَان قَوْل مَنْ أَثْبَتَ الْجِهَة أَخْذًا مِنْ قَوْله ( ذِي الْمَعَارِج ) فَفُهِمَ أَنَّ الْعُلُوّ الْفَوْقِيّ مُضَاف إِلَى اللَّه تَعَالَى , فَبَيَّنَ الْمُصَنِّف أَنَّ الْجِهَة الَّتِي يَصْدُق عَلَيْهَا أَنَّهَا سَمَاء وَالْجِهَة الَّتِي يَصْدُق عَلَيْهَا أَنَّهَا عَرْش كُلّ مِنْهُمَا مَخْلُوق مَرْبُوب مُحْدَث , وَقَدْ كَانَ اللَّه قَبْل ذَلِكَ وَغَيْره , فَحَدَثَتْ هَذِهِ الْأَمْكِنَة , وَقِدَمه يُحِيل وَصْفه بِالتَّحَيُّزِ فِيهَا وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6882",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ ‏ ‏وَهُشَيْمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَالَ ‏ ‏إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا ‏ ‏تُضَامُونَ ‏ ‏فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَافْعَلُوا ‏",
        "sharh": "حَدِيث جَرِير ذَكَرَهُ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا مِنْ ثَلَاثَة أَوْجُهٍ. ‏ ‏قَوْله ( خَالِد أَوْ هُشَيْم ) ‏ ‏كَذَا فِي نُسْخَة مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِيّ بِالشَّكِّ وَفِي أُخْرَى بِالْوَاوِ وَكَذَا لِلْبَاقِينَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ إِسْمَاعِيل ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي خَالِدٍ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ قَيْس ) ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم وَنُسِبَ فِي رِوَايَة مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة عَنْ إِسْمَاعِيل الْمُشَار إِلَيْهَا. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ جَرِير ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَرْوَان الْمَذْكُورَة \" وَسَمِعْت جَرِير بْن عَبْد اللَّه \" وَفِي رِوَايَة بَيَان فِي الْبَاب عَنْ قَيْس \" حَدَّثَنَا جَرِير \". ‏ ‏قَوْله ( كُنَّا جُلُوسًا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة جَرِير عَنْ إِسْمَاعِيل فِي تَفْسِير سُورَة ق \" كُنَّا جُلُوسًا لَيْلَة مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \". ‏ ‏قَوْله ( لَيْلَة الْبَدْر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة إِسْحَاق \" لَيْلَة أَرْبَع عَشْرَة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة بَيَان الْمَذْكُورَة \" خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْبَدْر فَقَالَ \" وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ الْقَوْل لَهُمْ صَدَرَ مِنْهُ بَعْد أَنْ جَلَسُوا عِنْده. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبّكُمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر وَأَبِي أُسَامَة وَوَكِيع عَنْ إِسْمَاعِيل عِنْد مُسْلِم \" إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ عَلَى رَبّكُمْ فَتَرَوْنَهُ \" وَفِي رِوَايَة أَبِي شِهَاب \" إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبّكُمْ عِيَانًا \" هَكَذَا اِقْتَصَرَ أَبُو شِهَاب عَلَى هَذَا الْقَدْر مِنْ الْحَدِيث لِلْأَكْثَرِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ فِي أَوَّله \" خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْبَدْر فَقَالَ \" وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق خَلَف بْن هِشَام عَنْ أَبِي شِهَاب كَالْأَكْثَرِ , وَمِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن زِيَاد الْبَلَدِيّ عَنْ أَبِي شِهَاب مُطَوَّلًا , وَاسْم \" أَبِي شِهَاب \" هَذَا عَبْد رَبّه بْن نَافِع الْحَنَّاط بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون , وَاسْم الرَّاوِي عَنْهُ عَاصِم بْن يُوسُف كَانَ خَيَّاطًا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالتَّحْتَانِيَّة , قَالَ الطَّبَرِيُّ : تَفَرَّدَ أَبُو شِهَاب عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد بِقَوْلِهِ \" عِيَانًا \" وَهُوَ حَافِظ مُتْقِن مِنْ ثِقَات الْمُسْلِمِينَ اِنْتَهَى. وَذَكَرَ شَيْخ الْإِسْلَام الْهَرَوِيُّ فِي كِتَابه الْفَارُوق أَنَّ زَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ إِسْمَاعِيل بِهَذَا اللَّفْظ وَسَاقَهُ مِنْ رِوَايَة \" أَكْثَر مِنْ سِتِّينَ نَفْسًا \" عَنْ إِسْمَاعِيل بِلَفْظٍ وَاحِد كَالْأَوَّلِ. ‏ ‏قَوْله ( لَا تُضَامُونَ ) ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّله وَتَخْفِيف الْمِيم لِلْأَكْثَرِ وَفِيهِ رِوَايَات أُخْرَى تَقَدَّمَ بَيَانهَا فِي بَاب الصِّرَاط جِسْر جَهَنَّم مِنْ \" كِتَاب الرِّقَاق \" وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : سَمِعْت الشَّيْخ الْإِمَام أَبَا الطَّيِّب سَهْل بْن مُحَمَّد الصُّعْلُوكِيّ يَقُول فِي إِمْلَائِهِ فِي قَوْله \" لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَته \" بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد مَعْنَاهُ لَا تَجْتَمِعُونَ لِرُؤْيَتِهِ فِي جِهَة وَلَا يُضَمّ بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض , وَمَعْنَاهُ بِفَتْحِ التَّاء كَذَلِكَ وَالْأَصْل لَا تَتَضَامُّونَ فِي رُؤْيَته بِاجْتِمَاع فِي جِهَة وَبِالتَّخْفِيفِ مِنْ الضَّيْم , وَمَعْنَاهُ لَا تُظْلَمُونَ فِيهِ بِرُؤْيَةِ بَعْضكُمْ دُون بَعْض فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ فِي جِهَاتكُمْ كُلّهَا وَهُوَ مُتَعَالٍ عَنْ الْجِهَة وَالتَّشْبِيه بِرُؤْيَةِ الْقَمَر لِلرُّؤْيَةِ دُون تَشْبِيه الْمَرْئِيّ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6883",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ الْيَرْبُوعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6884",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَائِدَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ ‏ ‏إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا ‏ ‏تُضَامُونَ ‏ ‏فِي رُؤْيَتِهِ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6885",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّاسَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏هَلْ ‏ ‏تُضَارُّونَ ‏ ‏فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا شَافِعُوهَا ‏ ‏أَوْ مُنَافِقُوهَا شَكَّ ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا فَإِذَا جَاءَنَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُهَا وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَفِي جَهَنَّمَ ‏ ‏كَلَالِيبُ ‏ ‏مِثْلُ شَوْكِ ‏ ‏السَّعْدَانِ ‏ ‏هَلْ رَأَيْتُمْ ‏ ‏السَّعْدَانَ ‏ ‏قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ ‏ ‏السَّعْدَانِ ‏ ‏غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ الْمُوبَقُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ أَوْ الْمُوثَقُ بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمْ الْمُخَرْدَلُ أَوْ الْمُجَازَى أَوْ نَحْوُهُ ثُمَّ يَتَجَلَّى حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مِمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَهُ مِمَّنْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ بِأَثَرِ السُّجُودِ تَأْكُلُ النَّارُ ابْنَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ قَدْ ‏ ‏امْتُحِشُوا ‏ ‏فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ تَحْتَهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَيَبْقَى رَجُلٌ مِنْهُمْ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ هُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنْ النَّارِ فَإِنَّهُ قَدْ ‏ ‏قَشَبَنِي ‏ ‏رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ‏ ‏ذَكَاؤُهَا ‏ ‏فَيَدْعُو اللَّهَ بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَهُ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ فَيَقُولُ لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ ثُمَّ يَقُولُ أَيْ رَبِّ قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ أَبَدًا وَيْلَكَ يَا ابْنَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏مَا أَغْدَرَكَ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ وَيَدْعُو اللَّهَ حَتَّى يَقُولَ هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ فَيَقُولُ لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ وَيُعْطِي مَا شَاءَ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا قَامَ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ ‏ ‏انْفَهَقَتْ ‏ ‏لَهُ الْجَنَّةُ فَرَأَى مَا فِيهَا مِنْ ‏ ‏الْحَبْرَةِ ‏ ‏وَالسُّرُورِ فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ ثُمَّ يَقُولُ أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ فَيَقُولُ اللَّهُ أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ فَيَقُولُ وَيْلَكَ يَا ابْنَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏مَا أَغْدَرَكَ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ لَا أَكُونَنَّ أَشْقَى خَلْقِكَ فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ مِنْهُ فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ قَالَ لَهُ ادْخُلْ الْجَنَّةَ فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللَّهُ لَهُ ‏ ‏تَمَنَّهْ فَسَأَلَ رَبَّهُ وَتَمَنَّى حَتَّى إِنَّ اللَّهَ لَيُذَكِّرُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا حَتَّى انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ ‏ ‏وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ‏ ‏مَعَ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا حَتَّى إِذَا حَدَّثَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ‏ ‏وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ يَا ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏مَا حَفِظْتُ إِلَّا قَوْلَهُ ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ قَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ‏ ‏أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَوْلَهُ ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" إِنَّ النَّاس قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه هَلْ نَرَى رَبّنَا يَوْم الْقِيَامَة ؟ فَقَالَ : هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْس لَيْسَ دُونهَا سَحَاب \" الْحَدِيث بِطُولِهِ وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب الرِّقَاق \" وَوَقَعَ هُنَا فِي قَوْله \" فَإِذَا جَاءَ رَبّنَا عَرَفْنَاهُ \" فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ \" فَإِذَا جَاءَنَا \" وَيَحْتَاج إِلَى تَأَمُّل , وَفِي قَوْله \" أَوَّل مَنْ يُجِيز \" فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" يَجِيء \" مِنْ الْمَجِيء وَفِي قَوْله \" وَيُعْطِي رَبّه \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَيُعْطِي اللَّه \" وَفِي قَوْله \" أَيْ رَبّ لَا أَكُون \" فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" لَا أَكُونَنَّ \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة لِذَلِكَ وَغَيْره فِي شَرْح الْحَدِيث. ‏"
    },
    {
        "id": "6886",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ ‏ ‏هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ إِذَا كَانَتْ صَحْوًا قُلْنَا لَا قَالَ فَإِنَّكُمْ لَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا ثُمَّ قَالَ يُنَادِي مُنَادٍ لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ وَأَصْحَابُ الْأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ وَغُبَّرَاتٌ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ فَيُقَالُ ‏ ‏لِلْيَهُودِ ‏ ‏مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ ‏ ‏عُزَيْرَ ‏ ‏ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ فَمَا تُرِيدُونَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا فَيُقَالُ اشْرَبُوا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ ثُمَّ يُقَالُ ‏ ‏لِلنَّصَارَى ‏ ‏مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ فَيَقُولُونَ كُنَّا نَعْبُدُ ‏ ‏الْمَسِيحَ ‏ ‏ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ فَمَا تُرِيدُونَ فَيَقُولُونَ نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا فَيُقَالُ اشْرَبُوا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ فَيُقَالُ لَهُمْ مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ فَيَقُولُونَ فَارَقْنَاهُمْ وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ الْيَوْمَ وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا قَالَ فَيَأْتِيهِمْ الْجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا فَلَا يُكَلِّمُهُ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ فَيَقُولُ هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ فَيَقُولُونَ السَّاقُ فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ ‏ ‏طَبَقًا ‏ ‏وَاحِدًا ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْجَسْرُ قَالَ ‏ ‏مَدْحَضَةٌ ‏ ‏مَزِلَّةٌ ‏ ‏عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ ‏ ‏وَكَلَالِيبُ ‏ ‏وَحَسَكَةٌ ‏ ‏مُفَلْطَحَةٌ ‏ ‏لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ تَكُونُ ‏ ‏بِنَجْدٍ ‏ ‏يُقَالُ لَهَا ‏ ‏السَّعْدَانُ ‏ ‏الْمُؤْمِنُ عَلَيْهَا ‏ ‏كَالطَّرْفِ ‏ ‏وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ ‏ ‏وَالرِّكَابِ ‏ ‏فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ ‏ ‏وَمَكْدُوسٌ ‏ ‏فِي نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِي مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ وَإِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فِي إِخْوَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ وَيُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ فَيَأْتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَءُوا ‏ { ‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ‏} ‏فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ بَقِيَتْ شَفَاعَتِي فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدْ ‏ ‏امْتُحِشُوا ‏ ‏فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتَيْهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ وَإِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ اللُّؤْلُؤُ فَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمْ الْخَوَاتِيمُ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ فَيُقَالُ لَهُمْ لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُهِمُّوا بِذَلِكَ فَيَقُولُونَ لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا فَيَأْتُونَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فَيَقُولُونَ أَنْتَ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ لِتَشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا قَالَ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ قَالَ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ أَكْلَهُ مِنْ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا وَلَكِنْ ائْتُوا ‏ ‏نُوحًا ‏ ‏أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَيَأْتُونَ ‏ ‏نُوحًا ‏ ‏فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَكِنْ ائْتُوا ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ ‏ ‏قَالَ فَيَأْتُونَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَيَقُولُ إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ كَذَبَهُنَّ وَلَكِنْ ائْتُوا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا قَالَ فَيَأْتُونَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَيَقُولُ إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ قَتْلَهُ النَّفْسَ وَلَكِنْ ائْتُوا ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَرُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ قَالَ فَيَأْتُونَ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَلَكِنْ ائْتُوا ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَيَأْتُونِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي فَيَقُولُ ارْفَعْ ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ قَالَ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏وَسَمِعْتُهُ ‏ ‏أَيْضًا يَقُولُ ‏ ‏فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَعُودُ الثَّانِيَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ ارْفَعْ ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ قَالَ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ قَالَ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ ارْفَعْ ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ ‏ ‏تُعْطَهْ قَالَ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ قَالَ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ قَالَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ‏ { ‏عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ‏} ‏قَالَ ‏ ‏وَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي مَعْنَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِطُولِهِ , وَتَقَدَّمَ شَرْحه أَيْضًا هُنَاكَ , وَقَوْله فِي سَنَده عَنْ زَيْد هُوَ اِبْن أَسْلَمَ , \" وَعَطَاء \" هُوَ اِبْن يَسَار , وَقَوْله فِيهِ \" وَأَصْحَاب آلِهَة مَعَ آلِهَتهمْ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" إِلَههمْ \" بِالْإِفْرَادِ وَقَوْله \" مَا يُجْلِسكُمْ \" بِالْجِيمِ وَاللَّام مِنْ الْجُلُوس أَيْ يُقْعِدكُمْ عَنْ الذَّهَاب , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَا يَحْبِسُكُمْ \" بِالْحَاءِ وَالْمُوَحَّدَة مِنْ الْحَبْس أَيْ يَمْنَعكُمْ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ , وَقَوْله فِيهِ \" فَيَأْتِيهِمْ اللَّه فِي صُورَة \" اِسْتَدَلَّ اِبْن قُتَيْبَة بِذِكْرِ الصُّورَة عَلَى أَنَّ لِلَّهِ صُورَة لَا كَالصُّوَرِ كَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَيْء لَا كَالْأَشْيَاءِ وَتَعَقَّبُوهُ , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : تَمَسَّكَ بِهِ الْمُجَسِّمَة فَأَثْبَتُوا لِلَّهِ صُورَة , وَلَا حُجَّة لَهُمْ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون بِمَعْنَى الْعَلَامَة وَضَعَهَا اللَّه لَهُمْ دَلِيلًا عَلَى مَعْرِفَته كَمَا يُسَمَّى الدَّلِيل وَالْعَلَامَة صُورَة وَكَمَا تَقُول : صُورَة حَدِيثك كَذَا وَصُورَة الْأَمْر كَذَا وَالْحَدِيث وَالْأَمْر لَا صُورَة لَهُمَا حَقِيقَة , وَأَجَازَ غَيْره أَنَّ الْمُرَاد بِالصُّورَةِ الصِّفَة , وَإِلَيْهِ مَيْل الْبَيْهَقِيِّ , وَنَقَلَ اِبْن التِّين أَنَّ مَعْنَاهُ صُورَة الِاعْتِقَاد , وَأَجَازَ الْخَطَّابِيّ أَنْ يَكُون الْكَلَام خَرَجَ عَلَى وَجْه الْمُشَاكَلَة لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْر الشَّمْس وَالْقَمَر وَالطَّوَاغِيت , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْط هَذَا هُنَاكَ , وَكَذَا قَوْله \" نَعُوذ بِك \" وَقَالَ غَيْره فِي قَوْله فِي الصُّورَة الَّتِي يَعْرِفُونَهَا : يَحْتَمِل أَنْ يُشِير بِذَلِكَ إِلَى مَا عَرَفُوهُ حِين أَخْرَجَ ذُرِّيَّة آدَم مِنْ صُلْبه ثُمَّ أَنْسَاهُمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ يُذَكِّرُهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَة , وَقَوْله \" فَإِذَا رَأَيْنَا رَبّنَا عَرَفْنَاهُ \" قَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب : إِنَّ اللَّه يَبْعَث لَهُمْ مَلَكًا لِيَخْتَبِرهُمْ فِي اِعْتِقَاد صِفَات رَبّهمْ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء فَإِذَا قَالَ لَهُمْ أَنَا رَبّكُمْ رَدُّوا عَلَيْهِ لِمَا رَأَوْا عَلَيْهِ مِنْ صِفَة الْمَخْلُوق , فَقَوْله \" فَإِذَا جَاءَ رَبّنَا عَرَفْنَاهُ \" أَيْ إِذَا ظَهَرَ لَنَا فِي مُلْك لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِهِ وَعَظَمَة لَا تُشْبِه شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاته فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ أَنْتَ رَبّنَا , قَالَ : وَأَمَّا قَوْله \" هَلْ بَيْنكُمْ وَبَيْنه عَلَامَة تَعْرِفُونَهَا , فَيَقُولُونَ السَّاق \" فَهَذَا يَحْتَمِل أَنَّ اللَّه عَرَّفَهُمْ عَلَى أَلْسِنَة الرُّسُل مِنْ الْمَلَائِكَة أَوْ الْأَنْبِيَاء أَنَّ اللَّه جَعَلَ لَهُمْ عَلَامَة تَجَلِّيه السَّاق , وَذَلِكَ أَنَّهُ يَمْتَحِنهُمْ بِإِرْسَالِ مَنْ يَقُول لَهُمْ أَنَا رَبّكُمْ وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِت ) وَهِيَ وَإِنْ وَرَدَ أَنَّهَا فِي عَذَاب الْقَبْر فَلَا يَبْعُد أَنْ تَتَنَاوَل يَوْم الْمَوْقِف أَيْضًا , قَالَ : وَأَمَّا السَّاق فَجَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ( يَوْم يُكْشَف عَنْ سَاق ) قَالَ عَنْ شِدَّة مِنْ الْأَمْر , وَالْعَرَب تَقُول : قَامَتْ الْحَرْب عَلَى سَاق إِذَا اِشْتَدَّتْ , وَمِنْهُ : ‏ ‏قَدْ سَنَّ أَصْحَابك ضَرْب الْأَعْنَاق ‏ ‏وَقَامَتْ الْحَرْب بِنَا عَلَى سَاق ‏ ‏وَجَاءَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي تَفْسِيرهَا عَنْ نُور عَظِيم قَالَ اِبْن فَوْرَكٍ : مَعْنَاهُ مَا يَتَجَدَّد لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْفَوَائِد وَالْأَلْطَاف. وَقَالَ الْمُهَلَّب : كَشْف السَّاق لِلْمُؤْمِنِينَ رَحْمَة وَلِغَيْرِهِمْ نِقْمَة. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَهَيَّبَ كَثِير مِنْ الشُّيُوخ الْخَوْض فِي مَعْنَى السَّاق , وَمَعْنَى قَوْل اِبْن عَبَّاس إِنَّ اللَّه يَكْشِف عَنْ قُدْرَته الَّتِي تَظْهَر بِهَا الشِّدَّة. وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ الْأَثَر الْمَذْكُور عَنْ اِبْن عَبَّاس بِسَنَدَيْنِ كُلّ مِنْهُمَا حَسَن , وَزَادَ : إِذَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ شَيْء مِنْ الْقُرْآن فَأَتْبِعُوهُ مِنْ الشِّعْر وَذَكَرَ الرَّجَز الْمُشَار إِلَيْهِ , وَأَنْشَدَ الْخَطَّابِيُّ فِي إِطْلَاق السَّاق عَلَى الْأَمْر الشَّدِيد \" فِي سَنَة قَدْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقهَا \" وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : يُرِيد يَوْم الْقِيَامَة , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ يُطْلَق وَيُرَاد النَّفْس , وَقَوْله فِيهِ \" وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُد لِلَّهِ رِيَاء وَسُمْعَة فَيَذْهَب كَيْمَا يَسْجُد فَيَعُود ظَهْره طَبَقًا وَاحِدًا \" ذَكَرَ الْعَلَّامَة جَمَال الدِّين بْن هِشَام فِي الْمُغْنِي أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْمَوْضِع \" كَيْمَا \" مُجَرَّدَة وَلَيْسَ بَعْدهَا لَفْظ يَسْجُد فَقَالَ بَعْد أَنْ حَكَى عَنْ الْكُوفِيِّينَ : إِنَّ كَيْ نَاصِبَة دَائِمًا , قَالَ وَيَرُدّهُ قَوْلهمْ كَيْمَه كَمَا يَقُولُونَ لِمَه , وَأَجَابُوا بِأَنَّ التَّقْدِير كَيْ تَفْعَل مَاذَا , وَيَلْزَمهُمْ كَثْرَة الْحَذْف وَإِخْرَاج مَا الِاسْتِفْهَامِيَّة عَنْ الصَّدْر وَحَذْف أَلِفهَا فِي غَيْر الْجَرّ , وَحَذْف الْفِعْل الْمَنْصُوب مَعَ بَقَاء عَامِل النَّصْب وَكُلّ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُت , نَعَمْ وَقَعَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ فِي تَفْسِير ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَة ) فَيَذْهَب كَيْمَا فَيَعُود ظَهْره طَبَقًا وَاحِدًا , أَيْ كَيْمَا يَسْجُد , وَهُوَ غَرِيب جِدًّا لَا يَحْتَمِل الْقِيَاس عَلَيْهِ اِنْتَهَى كَلَامه. وَكَأَنَّهُ وَقَعَتْ لَهُ نُسْخَة سَقَطَتْ مِنْهَا هَذِهِ اللَّفْظَة ; لَكِنَّهَا ثَابِتَة فِي جَمِيع النُّسَخ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا حَتَّى أَنَّ اِبْن بَطَّال ذَكَرَهَا بِلَفْظِ \" كَيْ يَسْجُد \" بِحَذْفِ مَا , وَكَلَام اِبْن هِشَام يُوهِمُ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَوْرَدَهُ فِي التَّفْسِير , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ذَكَرَهَا هُنَا فَقَطْ , وَقَوْله فِيهِ \" فَيَعُود ظَهْره طَبَقًا وَاحِدًا \" قَالَ اِبْن بَطَّال تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَجَازَ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق مِنْ الْأَشَاعِرَة وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقِصَّةِ أَبِي لَهَب , وَأَنَّ اللَّه كَلَّفَهُ الْإِيمَان بِهِ مَعَ إِعْلَامه بِأَنَّهُ يَمُوت عَلَى الْكُفْر وَيَصْلَى نَارًا ذَات لَهَب , قَالَ : وَمَنَعَ الْفُقَهَاء مِنْ ذَلِكَ وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَا يُكَلِّف اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا ) وَأَجَابُوا عَنْ السُّجُود بِأَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ إِلَيْهِ تَبْكِيتًا إِذْ أَدْخَلُوا أَنْفُسهمْ فِي الْمُؤْمِنِينَ السَّاجِدِينَ فِي الدُّنْيَا فَدُعُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى السُّجُود فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ فَأَظْهَرَ اللَّه بِذَلِكَ نِفَاقهمْ وَأَخْزَاهُمْ , قَالَ : وَمِثْله مِنْ التَّبْكِيت مَا يُقَال لَهُمْ بَعْد ذَلِكَ ( اِرْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا ) وَلَيْسَ فِي هَذَا تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق بَلْ إِظْهَار خِزْيهمْ , وَمِثْله مَنْ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِد شَعِيرَة فَإِنَّهَا لِلزِّيَادَةِ فِي التَّوْبِيخ وَالْعُقُوبَة اِنْتَهَى. وَلَمْ يَجِب عَنْ قِصَّة أَبِي لَهَب وَقَدْ اِدَّعَى بَعْضهمْ أَنَّ مَسْأَلَة تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق لَمْ تَقَع إِلَّا بِالْإِيمَانِ فَقَطْ , وَهِيَ مَسْأَلَة طَوِيلَة الذَّيْل لَيْسَ هَذَا مَوْضِع ذِكْرهَا , وَقَوْله \" قَالَ مَدْحَضَة مَزِلَّة \" بِفَتْحِ الْمِيم وَكَسْر الزَّاي وَيَجُوز فَتْحهَا وَتَشْدِيد اللَّام , قَالَ : أَيْ مَوْضِع الزَّلَل وَيُقَال بِالْكَسْرِ فِي الْمَكَان وَبِالْفَتْحِ فِي الْمَقَال , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا الدَّحْض الزَّلَق , لِيَدْحَضُوا لِيَزْلَقُوا زَلَقًا لَا يَثْبُت فِيهِ قَدَم , وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ لَهُمْ فِي تَفْسِير سُورَة الْكَهْف , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ الْكَلَام عَلَيْهِ , وَقَوْله \" عَلَيْهِ خَطَاطِيف وَكَلَالِيب \" تَقَدَّمَ بَيَانه , وَقَوْله \" وَحَسَكَة \" بِفَتْحِ الْحَاء وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ قَالَ صَاحِب التَّهْذِيب وَغَيْره الْحَسَك نَبَات لَهُ ثَمَر خَشِن يَتَعَلَّق بِأَصْوَافِ الْغَنَم وَرُبَّمَا اُتُّخِذَ مِثْله مِنْ حَدِيد وَهُوَ مِنْ آلَات الْحَرْب , وَقَوْله \" مُفَلْطَحَة \" بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْفَاء وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا طَاء ثُمَّ حَاء مُهْمَلَتَانِ كَذَا وَقَعَ عِنْد الْأَكْثَر , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مُطَلْفَحَة \" بِتَقْدِيمِ الطَّاء وَتَأْخِير الْفَاء وَاللَّام قَبْلهَا وَلِبَعْضِهِمْ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِتَقْدِيمِ الْحَاء عَلَى الطَّاء وَالْأَوَّل هُوَ الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة وَهُوَ الَّذِي فِيهِ اِتِّسَاع وَهُوَ عَرِيض , يُقَال : فَلْطَحَ الْقُرْص بَسَطَهُ وَعَرَّضَهُ , وَقَوْله شَوْكَة عَقِيفَة بِالْقَافِ ثُمَّ الْفَاء وَزْن عَظِيمَة , وَلِبَعْضِهِمْ عُقَيْفَاء بِصِيغَةِ التَّصْغِير مَمْدُود. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏قَرَأْت فِي تَنْقِيح الزَّرْكَشِيّ وَقَعَ هُنَا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد بَعْد شَفَاعَة الْأَنْبِيَاء فَيَقُول اللَّه : بَقِيَتْ شَفَاعَتِي فَيُخْرِجُ مِنْ النَّار مَنْ لَمْ يَعْمَل خَيْرًا , وَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضهمْ فِي تَجْوِيز إِخْرَاج غَيْر الْمُؤْمِنِينَ مِنْ النَّار وَرُدَّ بِوَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة ضَعِيفَة ; لِأَنَّهَا غَيْر مُتَّصِلَة كَمَا قَالَ عَبْد الْحَقّ فِي الْجَمْع , وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَاد بِالْخَيْرِ الْمَنْفِيّ مَا زَادَ عَلَى أَصْل الْإِقْرَار بِالشَّهَادَتَيْنِ , كَمَا تَدُلّ عَلَيْهِ بَقِيَّة الْأَحَادِيث هَكَذَا قَالَ , وَالْوَجْه الْأَوَّل غَلَط مِنْهُ فَإِنَّ الرِّوَايَة مُتَّصِلَة هُنَا , وَأَمَّا نِسْبَة ذَلِكَ لِعَبْدِ الْحَقّ فَغَلَط عَلَى غَلَط ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ إِلَّا فِي طَرِيق أُخْرَى وَقَعَ فِيهَا : أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة خَرْدَل مِنْ خَيْر. قَالَ : هَذِهِ الرِّوَايَة غَيْر مُتَّصِلَة , وَلَمَّا سَاقَ حَدِيث أَبِي سَعِيد الَّذِي فِي هَذَا الْبَاب سَاقَهُ بِلَفْظِ الْبُخَارِيّ وَلَمْ يَتَعَقَّبهُ بِأَنَّهُ غَيْر مُتَّصِل وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَتَعَقَّبْنَاهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا اِنْقِطَاع فِي السَّنَد أَصْلًا , ثُمَّ إِنَّ لَفْظ حَدِيث أَبِي سَعِيد هُنَا لَيْسَ كَمَا سَاقَهُ الزَّرْكَشِيّ وَإِنَّمَا فِيهِ : فَيَقُول الْجَبَّار بَقِيَتْ شَفَاعَتِي فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدْ امْتُحِشُوا , ثُمَّ قَالَ فِي آخِره : فَيَقُول أَهْل الْجَنَّة هَؤُلَاءِ عُتَقَاء الرَّحْمَن أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّة بِغَيْرِ عَمَل عَمِلُوهُ وَلَا خَيْر قَدَّمُوهُ , فَيَجُوز أَنْ يَكُون الزَّرْكَشِيّ ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى. ‏ ‏حَدِيث أَنَس فِي الشَّفَاعَة وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي بَاب صِفَة الْجَنَّة وَالنَّار مِنْ \" كِتَاب الرِّقَاق \" وَقَوْله هُنَا \" وَقَالَ حَجَّاج بْن مِنْهَال : حَدَّثَنَا هَمَّام \" كَذَا عِنْد الْجَمِيع إِلَّا فِي رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ عَنْ الْفَرَبْرِيّ , فَقَالَ فِيهَا \" حَدَّثَنَا حَجَّاج \" وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْنِ أَسْلَمَ الطُّوسِيِّ قَالَا \" حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن مِنْهَال \" فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ وَسَاقُوا الْحَدِيث كُلّه إِلَّا النَّسَفِيّ فَسَاقَ مِنْهُ إِلَى قَوْله \" خَلَقَك اللَّه بِيَدِهِ \" ثُمَّ قَالَ \" فَذَكَرَ الْحَدِيث \" وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْحَمَوِيِّ نَحْوه لَكِنْ قَالَ \" وَذَكَرَ الْحَدِيث بِطُولِهِ \" بَعْد قَوْله \" حَتَّى يُهِمُّوا بِذَلِكَ \" وَنَحْوه لِلْكُشْمِيهَنِيِّ. وَقَوْله فِيهِ \" ثَلَاث كَذِبَات \" فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" ثَلَاث كَلِمَات \" وَقَوْله \" فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَاره فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا يُوهِم الْمَكَان وَاَللَّه مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ فِي دَاره الَّذِي اِتَّخَذَهَا لِأَوْلِيَائِهِ وَهِيَ الْجَنَّة وَهِيَ دَار السَّلَام , وَأُضِيفَتْ إِلَيْهِ إِضَافَة تَشْرِيف مِثْل بَيْت اللَّه وَحَرَم اللَّه , وَقَوْله فِيهِ \" قَالَ قَتَادَةُ سَمِعْته يَقُول فَأُخْرِجهُمْ \" هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَسَمِعْته أَيْضًا يَقُول \" وَلِلْمُسْتَمْلِيّ \" وَسَمِعْته يَقُول : فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ \" الْأَوَّل بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَضَمّ الرَّاء وَالثَّانِي بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الرَّاء. ‏"
    },
    {
        "id": "6887",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمِّي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَرْسَلَ إِلَى ‏ ‏الْأَنْصَارِ ‏ ‏فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ وَقَالَ لَهُمْ ‏ ‏اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس : اِصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْا اللَّه وَرَسُوله فَإِنِّي عَلَى الْحَوْض. ‏ ‏قَوْله فِي السَّنَد ( حَدَّثَنِي عَمِّي ) ‏ ‏هُوَ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد وَأَبُوهُ هُوَ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَلِيَعْقُوب فِيهِ شَيْخ آخَر أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقه أَيْضًا عَنْ اِبْن أَخِي اِبْن شِهَاب عَنْ عَمّه وَهِيَ أَعْلَى مِنْ رِوَايَته إِيَّاهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ‏ ‏\" صَالِح \" ‏ ‏وَهُوَ اِبْن كَيْسَانَ عَنْ اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيِّ. ‏ ‏قَوْله ( أَرْسَلَ إِلَى الْأَنْصَار فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّة ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَالَ فِي أَوَّله \" لَمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَى رَسُوله مَا أَفَاءَ مِنْ أَمْوَال هَوَازِن \" ثُمَّ أَحَالَ بِبَقِيَّتِهِ عَلَى الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ \" فَطَفِقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْش \" فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي مُعَاتَبَتهمْ , وَفِي آخِره \" فَقَالُوا بَلَى يَا رَسُول اللَّه رَضِينَا , قَالَ فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ بَعْدِي أَثَرَة شَدِيدَة فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْا اللَّه وَرَسُوله , فَإِنِّي عَلَى الْحَوْض \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ وَسَاقَهُ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن عَاصِم أَتَمَّ مِنْهُ , وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى هُنَاكَ بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى. وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله \" حَتَّى تَلْقَوْا اللَّه وَرَسُوله \" فَإِنَّهَا زِيَادَة لَمْ تَقَع فِي بَقِيَّة الطُّرُق , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْفِتَن مِنْ رِوَايَة أَنَس عَنْ أُسَيْد بْن الْحُضَيْرِ فِي قِصَّة فِيهَا \" فَسَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَة فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي \" وَتَرْجَمَ لَهُ فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار : بَاب قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي لِلْأَنْصَارِ \" اِصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْض \" قَالَ الرَّاغِب : اللِّقَاء مُقَابَلَة الشَّيْء وَمُصَادَفَته , لَقِيَهُ يَلْقَاهُ وَيُقَال أَيْضًا فِي الْإِدْرَاك بِالْحِسِّ وَبِالْبَصِيرَةِ , وَمِنْهُ ( وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ ) وَمُلَاقَاة اللَّه يُعَبَّر بِهَا عَنْ الْمَوْت وَعَنْ يَوْم الْقِيَامَة , وَقِيلَ لِيَوْمِ الْقِيَامَة يَوْم التَّلَاقِي لِالْتِقَاءِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6888",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ جُرَيْجٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا تَهَجَّدَ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ وَلِقَاؤُكَ الْحَقُّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ خَاصَمْتُ وَبِكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ‏ ‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏وَأَبُو الزُّبَيْرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏طَاوُسٍ ‏ ‏قَيَّامُ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُجَاهِدٌ ‏ { ‏الْقَيُّومُ ‏} ‏الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ‏ ‏وَقَرَأَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏الْقَيَّامُ ‏ ‏وَكِلَاهُمَا مَدْحٌ ‏",
        "sharh": "عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الدُّعَاء عِنْد قِيَام اللَّيْل وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل \" كِتَاب التَّهَجُّد \" مُسْتَوْفًى , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" وَلِقَاءَك حَقّ \" وَقَدْ ذَكَرْت مَا يَتَعَلَّق بِاللِّقَاءِ فِي الَّذِي قَبْله ‏ ‏\" وَسُفْيَان \" ‏ ‏فِي سَنَده هُوَ الثَّوْرِيّ , ‏ ‏\" وَسُلَيْمَان \" ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي مُسْلِم , وَقَوْله فِيهِ \" وَقَالَ قَيْس بْن سَعْد وَأَبُو الزُّبَيْر عَنْ طَاوُسٍ قِيَام \" يُرِيد أَنَّ قَيْس بْن سَعْد رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس , فَوَقَعَ عِنْده بَدَل قَوْله : أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَات وَالْأَرْض : \" أَنْتَ قَيَّام السَّمَاوَات وَالْأَرْض \" وَكَذَلِكَ أَبُو الزُّبَيْر عَنْ طَاوُسٍ وَطَرِيق قَيْس وَصَلَهَا مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عِمْرَان بْنِ مُسْلِم عَنْ قَيْس وَلَمْ يَسُوقَا لَفْظه وَسَاقَهَا النَّسَائِيُّ كَذَلِكَ وَأَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج , وَرِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر وَصَلَهَا مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْهُ وَأَخْرَجَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيقه وَلَفْظه : \" قَيَّام السَّمَاوَات وَالْأَرْض \". ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ مُجَاهِد : الْقَيُّوم : الْقَائِم عَلَى شَيْء ) ‏ ‏وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيّ فِي تَفْسِيره عَنْ وَرْقَاء عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد بِهَذَا , قَالَ الْحَلِيمِيّ : الْقَيُّوم الْقَائِم عَلَى كُلّ شَيْء مِنْ خَلْقه يُدَبِّرهُ بِمَا يُرِيد , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة بْن الْمُثَنَّى : الْقَيُّوم فَيْعُول وَهُوَ الْقَائِم الَّذِي لَا يَزُول , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْقَيُّوم نَعْت لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْقِيَام عَلَى كُلّ شَيْء فَهُوَ الْقَيِّم عَلَى كُلّ شَيْء بِالرِّعَايَةِ لَهُ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَرَأَ عُمَر الْقَيَّام ) ‏ ‏قُلْت تَقَدَّمَ ذِكْر مَنْ وَصَلَهُ عَنْ عُمَر فِي تَفْسِير سُورَة نُوح. ‏ ‏قَوْله ( وَكِلَاهُمَا مَدْح ) ‏ ‏أَيْ الْقَيُّوم وَالْقَيَّام ; لِأَنَّهُمَا مِنْ صِيَغ الْمُبَالَغَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6889",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَيْثَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ وَلَا حِجَابٌ يَحْجُبُهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم \" مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبّه لَيْسَ بَيْنه وَبَيْنه تُرْجُمَان \" وَقَوْله فِي سَنَده عَنْ خَيْثَمَةَ فِي رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش : حَدَّثَنِي خَيْثَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن كَمَا تَقَدَّمَ فِي \" كِتَاب الرِّقَاق \" وَسِيَاقه هُنَاكَ أَتَمّ , وَسَيَأْتِي أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَعْمَش وَقَوْله \" وَلَا حِجَاب يَحْجُبهُ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَلَا حَاجِب \" قَالَ اِبْن بَطَّال مَعْنَى رَفْع الْحِجَاب إِزَالَة الْآفَة مِنْ أَبْصَار الْمُؤْمِنِينَ الْمَانِعَة لَهُمْ مِنْ الرُّؤْيَة فَيَرَوْنَهُ لِارْتِفَاعِهَا عَنْهُمْ بِخَلْقِ ضِدّهَا فِيهِمْ , وَيُشِير إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى فِي حَقّ الْكُفَّار ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبّهمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) وَقَالَ الْحَافِظ صَلَاح الدِّين الْعَلَائِيّ فِي شَرْح قَوْله فِي قِصَّة مُعَاذ \" وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنهَا وَبَيْن اللَّه حِجَاب \" الْمُرَاد بِالْحَاجِبِ وَالْحِجَاب نَفْي الْمَانِع مِنْ الرُّؤْيَة كَمَا نَفَى عَدَم إِجَابَة دُعَاء الْمَظْلُوم ثُمَّ اِسْتَعَارَ الْحِجَاب لِلرَّدِّ فَكَانَ نَفْيه دَلِيلًا عَلَى ثُبُوت الْإِجَابَة وَالتَّعْبِير بِنَفْيِ الْحِجَاب أَبْلَغ مِنْ التَّعْبِير بِالْقَبُولِ ; لِأَنَّ الْحِجَاب مِنْ شَأْنه الْمَنْع مِنْ الْوُصُول إِلَى الْمَقْصُود فَاسْتُعِيرَ نَفْيه لِعَدَمِ الْمَنْع , وَيَتَخَرَّج كَثِير مِنْ أَحَادِيث الصِّفَات عَلَى الِاسْتِعَارَة التَّخْيِيلِيَّة , وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِك شَيْئَانِ فِي وَصْف ثُمَّ يُعْتَمَد لَوَازِم أَحَدهمَا حَيْثُ تَكُون جِهَة الِاشْتِرَاك وَصْفًا فَيَثْبُت كَمَاله فِي الْمُسْتَعَار بِوَاسِطَةِ شَيْء آخَر فَيَثْبُت ذَلِكَ لِلْمُسْتَعَارِ مُبَالَغَة فِي إِثْبَات الْمُشْتَرَك , قَالَ : وَبِالْحَمْلِ عَلَى هَذِهِ الِاسْتِعَارَة التَّخْيِيلِيَّة يَحْصُل التَّخَلُّص مِنْ مَهَاوِي التَّجَسُّم , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالْحِجَابِ اِسْتِعَارَة مَحْسُوس لِمَعْقُولٍ ; لِأَنَّ الْحِجَاب حِسِّيّ وَالْمَنْع عَقْلِيّ , قَالَ : وَقَدْ وَرَدَ ذِكْر الْحِجَاب فِي عِدَّة أَحَادِيث صَحِيحَة وَاللَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَمَّا يَحْجُبهُ إِذْ الْحِجَاب إِنَّمَا يُحِيط بِمُقَدَّرٍ مَحْسُوس ; وَلَكِنَّ الْمُرَاد بِحِجَابِهِ مَنْعه أَبْصَار خَلْقه وَبَصَائِرهمْ بِمَا شَاءَ مَتَى شَاءَ كَيْف شَاءَ , وَإِذَا شَاءَ كَشَفَ ذَلِكَ عَنْهُمْ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده \" وَمَا بَيْن الْقَوْم وَبَيْن أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبّهمْ إِلَّا رِدَاء الْكِبْرِيَاء عَلَى وَجْهه \" فَإِنَّ ظَاهِره لَيْسَ مُرَادًا قَطْعًا فَهِيَ اِسْتِعَارَة جَزْمًا وَقَدْ يَكُون الْمُرَاد بِالْحِجَابِ فِي بَعْض الْأَحَادِيث الْحِجَاب الْحِسِّيّ لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى , وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ فِي شَرْح حَدِيث أَبِي مُوسَى عِنْد مُسْلِم \" حِجَابه النُّور لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهه مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ \" أَنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ حِجَابه خِلَاف الْحُجُب الْمَعْهُودَة فَهُوَ مُحْتَجِبٌ عَنْ الْخَلْق بِأَنْوَارِ عِزّه وَجَلَاله وَأَشِعَّة عَظَمَته وَكِبْرِيَائِهِ , وَذَلِكَ هُوَ الْحِجَاب الَّذِي تُدْهَش دُونه الْعُقُول وَتُبْهَت الْأَبْصَار وَتَتَحَيَّر الْبَصَائِر , فَلَوْ كَشَفَهُ فَتَجَلَّى لِمَا وَرَاءَهُ بِحَقَائِق الصُّدُفَات وَعَظَمَة الذَّات لَمْ يَبْقَ مَخْلُوق إِلَّا اِحْتَرَقَ , وَلَا مَنْظُور إِلَّا اِضْمَحَلَّ , وَأَصْل الْحِجَاب السَّتْر الْحَائِل بَيْن الرَّائِي وَالْمَرْئِيّ , وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا مَنْع الْأَبْصَار مِنْ الرُّؤْيَة لَهُ بِمَا ذُكِرَ فَقَامَ ذَلِكَ الْمَنْع مَقَام السِّتْر الْحَائِل فَعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ , وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ نُصُوص الْكِتَاب وَالسُّنَّة أَنَّ الْحَالَة الْمُشَار إِلَيْهَا فِي هَذَا الْحَدِيث هِيَ فِي دَار الدُّنْيَا الْمُعَدَّة لِلْفَنَاءِ دُون دَار الْآخِرَة الْمُعَدَّة لِلْبَقَاءِ , وَالْحِجَاب فِي هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره يَرْجِع إِلَى الْخَلْق ; لِأَنَّهُمْ هُمْ الْمَحْجُوبُونَ عَنْهُ , وَقَالَ النَّوَوِيّ : أَصْل الْحِجَاب الْمَنْع مِنْ الرُّؤْيَة , وَالْحِجَاب فِي حَقِيقَة اللُّغَة السِّتْر , وَإِنَّمَا يَكُون فِي الْأَجْسَام وَاللَّهُ سُبْحَانه مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ , فَعُرِفَ أَنَّ الْمُرَاد الْمَنْع مِنْ رُؤْيَته وَذَكَرَ النُّور ; لِأَنَّهُ يَمْنَع مِنْ الْإِدْرَاك فِي الْعَادَة لِشُعَاعِهِ , وَالْمُرَاد بِالْوَجْهِ الذَّات وَبِمَا اِنْتَهَى إِلَيْهِ بَصَره جَمِيع الْمَخْلُوقَات ; لِأَنَّهُ سُبْحَانه مُحِيط بِجَمِيعِ الْكَائِنَات. ‏"
    },
    {
        "id": "6890",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عِمْرَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى ‏ ‏\" وَعَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد الصَّمَد \" ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الصَّمَد الْعَمِّيّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمِيم , \" وَأَبُو عِمْرَان \" هُوَ عَبْد الْمَلِك بْن حَبِيب الْجَوْنِيّ , \" وَأَبُو بَكْر \" هُوَ اِبْن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي تَفْسِير سُورَة الرَّحْمَن. ‏ ‏قَوْله ( جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَب آنِيَتهمَا وَمَا فِيهِمَا , وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّة آنِيَتهمَا وَمَا فِيهِمَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيِّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَمَّاد : لَا أَعْلَمهُ إِلَّا قَدْ رَفَعَهُ قَالَ : \" جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبَ لِلْمُقَرَّبِينَ وَمِنْ دُونهمَا جَنَّتَانِ مِنْ وَرِق لِأَصْحَابِ الْيَمِين \" أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْن أَبِي حَاتِم وَرِجَاله ثِقَات وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَا حَكَيْته عَلَى التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمِنْ دُونهمَا جَنَّتَانِ ) الدُّنُوّ بِمَعْنَى الْقُرْب لَا أَنَّهُمَا دُون الْجَنَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ قَبْلهمَا , وَصَرَّحَ جَمَاعَة بِأَنَّ الْأُولَيَيْنِ أَفْضَل مِنْ الْأُخْرَيَيْنِ , وَعَكَسَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ , وَالْحَدِيث حُجَّة لِلْأَوَّلِينَ , قَالَ الطَّبَرِيُّ : اُخْتُلِفَ فِي قَوْله ( وَمِنْ دُونهمَا جَنَّتَانِ ) فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ فِي الدَّرَجَة , وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَاهُ فِي الْفَضْل , وَقَوْله جَنَّتَانِ إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى ( وَمِنْ دُونهمَا جَنَّتَانِ ) وَتَفْسِير لَهُ , وَهُوَ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف أَيْ هُمَا جَنَّتَانِ , وَآنِيَتهمَا مُبْتَدَأ , وَمِنْ فِضَّة خَبَره , قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فَاعِل فِضَّة كَمَا قَالَ اِبْن مَالِك مَرَرْت بِوَاد إِبِل كُلّه , أَنَّ كُلّه فَاعِل أَيْ جَنَّتَانِ مُفَضَّض آنِيَتهمَا اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بَدَل اِشْتِمَال , وَظَاهِر الْأَوَّل أَنَّ الْجَنَّتَيْنِ مِنْ ذَهَب لَا فِضَّة فِيهِمَا وَبِالْعَكْسِ , وَيُعَارِضهُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه حَدِّثْنَا عَنْ الْجَنَّة مَا بِنَاؤُهَا ؟ قَالَ : لَبِنَة مِنْ ذَهَب وَلَبِنَة مِنْ فِضَّة , الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان , وَلَهُ شَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَسَنَده حَسَن وَآخَر عَنْ أَبِي سَعِيد أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَلَفْظه \" خَلَقَ اللَّه الْجَنَّة لَبِنَة مِنْ ذَهَب وَلَبِنَة مِنْ فِضَّة \" الْحَدِيث , وَيُجْمَع بِأَنَّ الْأَوَّل صِفَة مَا فِي كُلّ جَنَّة مِنْ آنِيَة وَغَيْرهَا , وَالثَّانِي صِفَة حَوَائِط الْجِنَان كُلّهَا , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْث فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" أَنَّ اللَّه أَحَاطَ حَائِط الْجَنَّة لَبِنَة مِنْ ذَهَب وَلَبِنَة مِنْ فِضَّة \" وَعَلَى هَذَا فَقَوْله \" آنِيَتهمَا وَمَا فِيهِمَا \" بَدَل مِنْ قَوْله \" مِنْ ذَهَب \" وَيَتَرَجَّح الِاحْتِمَال الثَّانِي. ‏ ‏قَوْله ( وَمَا بَيْن الْقَوْم وَبَيْن أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبّهمْ إِلَّا رِدَاء الْكِبْرِيَاء عَلَى وَجْهه ) ‏ ‏قَالَ الْمَازِرِيّ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَاطِب الْعَرَب بِمَا تَفْهَم وَيُخْرِج لَهُمْ الْأَشْيَاء الْمَعْنَوِيَّة إِلَى الْحِسّ لِيُقَرِّبَ تَنَاوُلهمْ لَهَا , فَعَبَّرَ عَنْ زَوَال الْمَوَانِع وَرَفْعه عَنْ الْأَبْصَار بِذَلِكَ , وَقَالَ عِيَاض : كَانَتْ الْعَرَب تَسْتَعْمِل الِاسْتِعَارَة كَثِيرًا , وَهُوَ أَرْفَع أَدَوَات بَدِيع فَصَاحَتهَا وَإِيجَازهَا , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( جَنَاح الذُّلّ ) فَمُخَاطَبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ بِرِدَاءِ الْكِبْرِيَاء عَلَى وَجْهه وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى , وَمَنْ لَمْ يَفْهَم ذَلِكَ تَاهَ فَمَنْ أَجْرَى الْكَلَام عَلَى ظَاهِره أَفْضَى بِهِ الْأَمْر إِلَى التَّجْسِيم وَمَنْ لَمْ يَتَّضِح لَهُ وَعَلِمَ أَنَّ اللَّه مُنَزَّهٌ عَنْ الَّذِي يَقْتَضِيه ظَاهِرهَا إِمَّا أَنْ يُكَذِّب نَقَلَتهَا وَإِمَّا أَنْ يُؤَوِّلهَا كَأَنْ يَقُول اِسْتَعَارَ لِعَظِيمِ سُلْطَان اللَّه وَكِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَته وَهَيْبَته وَجَلَاله الْمَانِع إِدْرَاك أَبْصَار الْبَشَر مَعَ ضَعْفهَا لِذَلِكَ رِدَاء الْكِبْرِيَاء , فَإِذَا شَاءَ تَقْوِيَة أَبْصَارهمْ وَقُلُوبهمْ كَشَفَ عَنْهُمْ حِجَاب هَيْبَته وَمَوَانِع عَظَمَته اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْله \" عَلَى وَجْهه \" : حَال مِنْ رِدَاء الْكِبْرِيَاء , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْمُتَشَابِهَات فَإِمَّا مُفَوَّض وَإِمَّا مُتَأَوَّل بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْوَجْهِ الذَّات , وَالرِّدَاء صِفَة مِنْ صِفَة الذَّات اللَّازِمَة الْمُنَزَّهَة عَمَّا يُشْبِه الْمَخْلُوقَات , ثُمَّ اِسْتَشْكَلَ ظَاهِره بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ رُؤْيَة اللَّه غَيْر وَاقِعَة , وَأَجَابَ بِأَنَّ مَفْهُومه بَيَان قُرْب النَّظَر إِذْ رِدَاء الْكِبْرِيَاء لَا يَكُون مَانِعًا مِنْ الرُّؤْيَة فَعَبَّرَ عَنْ زَوَال الْمَانِع عَنْ الْإِبْصَار بِإِزَالَةِ الْمُرَاد اِنْتَهَى. وَحَاصِله : أَنَّ رِدَاء الْكِبْرِيَاء مَانِع عَنْ الرُّؤْيَة فَكَأَنَّ فِي الْكَلَام حَذْفًا تَقْدِيره بَعْد قَوْله إِلَّا رِدَاء الْكِبْرِيَاء : فَإِنَّهُ يَمُنّ عَلَيْهِمْ بِرَفْعِهِ فَيَحْصُل لَهُمْ الْفَوْز بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ , فَكَأَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا تَبَوَّؤُا مَقَاعِدهمْ مِنْ الْجَنَّة لَوْلَا مَا عِنْدهمْ مِنْ هَيْبَة ذِي الْجَلَال لَمَا حَالَ بَيْنهمْ وَبَيْن الرُّؤْيَة حَائِل , فَإِذَا أَرَادَ إِكْرَامهمْ حَفَّهُمْ بِرَأْفَتِهِ وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِتَقْوِيَتِهِمْ عَلَى النَّظَر إِلَيْهِ سُبْحَانه , ثُمَّ وَجَدْت فِي حَدِيث صُهَيْبٍ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة ) مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِرِدَاءِ الْكِبْرِيَاء فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى الْحِجَاب الْمَذْكُور فِي حَدِيث صُهَيْبٍ , وَأَنَّهُ سُبْحَانه يَكْشِف لِأَهْلِ الْجَنَّة إِكْرَامًا لَهُمْ , وَالْحَدِيث عِنْد مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان وَلَفْظ مُسْلِم \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة , يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهنَا وَتُدْخِلنَا الْجَنَّة ؟ قَالَ : فَيَكْشِف لَهُمْ الْحِجَاب فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْهُ , ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَقِب حَدِيث أَبِي مُوسَى , وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى تَأْوِيله بِهِ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : فِي الْمُفْهِم الرِّدَاء اِسْتِعَارَة كَنَّى بِهَا عَنْ الْعَظَمَة كَمَا فِي الْحَدِيث الْآخَر \" الْكِبْرِيَاء رِدَائِي وَالْعَظَمَة إِزَارِي \" وَلَيْسَ الْمُرَاد الثِّيَاب الْمَحْسُوسَة ; لَكِنَّ الْمُنَاسَبَة أَنَّ الرِّدَاء وَالْإِزَار لَمَّا كَانَا مُتَلَازِمَيْنِ لِلْمُخَاطَبِ مِنْ الْعَرَب عَبَّرَ عَنْ الْعَظَمَة وَالْكِبْرِيَاء بِهِمَا , وَمَعْنَى حَدِيث الْبَاب أَنَّ مُقْتَضَى عِزَّة اللَّه وَاسْتِغْنَائِهِ أَنْ لَا يَرَاهُ أَحَد لَكِنَّ رَحْمَته لِلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَضَتْ أَنْ يُرِيَهُمْ وَجْهه كَمَالًا لِلنِّعْمَةِ , فَإِذَا زَالَ الْمَانِع فَعَلَ مَعَهُمْ خِلَاف مُقْتَضَى الْكِبْرِيَاء فَكَأَنَّهُ رَفَعَ عَنْهُمْ حِجَابًا كَانَ يَمْنَعهُمْ , وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَلِيّ وَغَيْره فِي قَوْله تَعَالَى ( وَلَدَيْنَا مَزِيد ) قَالَ هُوَ النَّظَر إِلَى وَجْه اللَّهِ. ‏ ‏قَوْله ( فِي جَنَّة عَدْن ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : لَا تَعَلُّق لِلْمُجَسِّمَةِ فِي إِثْبَات الْمَكَان لِمَا ثَبَتَ مِنْ اِسْتِحَالَة أَنْ يَكُون سُبْحَانه جِسْمًا أَوْ حَالًا فِي مَكَان , فَيَكُون تَأْوِيل الرِّدَاء : الْآفَة الْمَوْجُودَة لِأَبْصَارِهِمْ الْمَانِعَة لَهُمْ مِنْ رُؤْيَته , وَإِزَالَتهَا فِعْل مِنْ أَفْعَاله يَفْعَلهُ فِي مَحَلّ رُؤْيَتهمْ فَلَا يَرَوْنَهُ مَا دَامَ ذَلِكَ الْمَانِع مَوْجُودًا , فَإِذَا فَعَلَ الرُّؤْيَة زَالَ ذَلِكَ الْمَانِع وَسَمَّاهُ رِدَاء لِتَنَزُّلِهِ فِي الْمَنْع مَنْزِلَة الرِّدَاء الَّذِي يَحْجُب الْوَجْه عَنْ رُؤْيَته فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ الرِّدَاء مَجَازًا , وَقَوْله \" فِي جَنَّة عَدْن \" رَاجِع إِلَى الْقَوْم , وَقَالَ عِيَاض مَعْنَاهُ رَاجِع إِلَى النَّاظِرِينَ أَيْ وَهُمْ فِي جَنَّة عَدْن لَا إِلَى اللَّه فَإِنَّهُ لَا تَحْوِيه الْأَمْكِنَة سُبْحَانه , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ يَتَعَلَّق بِمَحْذُوفٍ فِي مَوْضِع الْحَال مِنْ الْقَوْم مِثْل كَائِنِينَ , فِي جَنَّة عَدْن , وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْله \" فِي جَنَّة عَدْن مُتَعَلِّق بِمَعْنَى الِاسْتِقْرَار فِي الظَّرْف فَيُقَيَّد بِالْمَفْهُومِ اِنْتِفَاء هَذَا الْحَصْر فِي غَيْر الْجَنَّة , وَإِلَيْهِ أَشَارَ التُّورْبَشْتِيُّ بِقَوْلِهِ : يُشِير إِلَى أَنَّ الْمُؤْمِن إِذَا تَبَوَّأَ مَقْعَده وَالْحُجُب مُرْتَفِعَة وَالْمَوَانِع الَّتِي تَحْجُب عَنْ النَّظَر إِلَى رَبّه مُضْمَحِلَّة إِلَّا مَا يَصُدّهُمْ مِنْ الْهَيْبَة كَمَا قِيلَ : ‏ ‏أَشْتَاقهُ فَإِذَا بَدَا ‏ ‏أَطْرَقْت مِنْ إِجْلَاله ‏ ‏فَإِذَا حَفَّهُمْ بِرَأْفَتِهِ وَرَحْمَته رَفَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ تَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ. ‏"
    },
    {
        "id": "6891",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَعْيَنَ ‏ ‏وَجَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا ‏ ‏خَلَاقَ ‏ ‏لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "عَنْ \" عَبْد اللَّه \" وَهُوَ اِبْنُ مَسْعُود. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عَبْد اللَّه ) ‏ ‏وَهُوَ اِبْن مَسْعُود رَاوِيه , وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. ‏ ‏قَوْله ( مِصْدَاقه ) ‏ ‏أَيْ الْحَدِيث , وَمِصْدَاق بِكَسْرِ أَوَّله مِفْعَال مِنْ الصِّدْق بِمَعْنَى الْمُوَافَقَة. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ - إِلَى أَنْ قَالَ - وَلَا يُكَلِّمهُمْ اللَّه الْآيَة ) ‏ ‏كَذَا لِأَبِي ذَرّ وَغَيْره وَالْمُرَاد هُنَا مِنْ هَذِهِ الْآيَة قَوْله بَعْده ( وَلَا يَنْظُر إِلَيْهِمْ ) وَيُؤْخَذ مِنْهُ تَفْسِير قَوْله \" لَقِيَ اللَّه وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان \" وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْغَضَب سَبَب لِمَنْعِ الْكَلَام , وَالرُّؤْيَة وَالرِّضَا سَبَب لِوُجُودِهِمَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي \" كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور \". ‏"
    },
    {
        "id": "6892",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عَمْرو ) ‏ ‏هُوَ اِبْن دِينَار الْمَكِّيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث سَنَدًا وَمَتْنًا فِي \" كِتَاب الشُّرْب \" وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر الْأَحْكَام. ‏"
    },
    {
        "id": "6893",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَ ذَا الْحَجَّةِ قُلْنَا بَلَى قَالَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ قُلْنَا بَلَى قَالَ فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ قُلْنَا بَلَى قَالَ ‏ ‏فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ ‏ ‏عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ أَلَا لِيُبْلِغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ ‏ ‏فَكَانَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏إِذَا ذَكَرَهُ قَالَ صَدَقَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ ‏ ‏أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي بَكْرَة ‏ ‏\" وَعَبْد الْوَهَّاب \" ‏ ‏فِي سَنَده هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ , ‏ ‏\" وَأَيُّوب \" ‏ ‏هُوَ السِّخْتِيَانِيّ , ‏ ‏\" وَمُحَمَّد \" ‏ ‏هُوَ اِبْن سِيرِينَ , ‏ ‏\" وَابْن أَبِي بَكْرَة \" ‏ ‏هُوَ عَبْد الرَّحْمَن كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ فِي \" كِتَاب الْحَجّ \" وَالسَّنَد كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِعَيْنِهِ فِي بَدْء الْخَلْق وَفِي الْمَغَازِي , وَأَغْفَلَ الْمِزِّيُّ ذِكْر هَذَا السَّنَد فِي التَّوْحِيد وَفِي الْمَغَازِي وَهُوَ ثَابِت فِيهِمَا , وَزَعَمَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي التَّفْسِير عَنْ أَبِي مُوسَى وَلَمْ أَرَهُ فِي التَّفْسِير مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر مِنْهُ فِي بَدْء الْخَلْق إِلَّا قِطْعَة يَسِيرَة إِلَى قَوْله : \" وَشَعْبَان \" وَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ فِي الْمَغَازِي , \" وَهُنَا \" إِلَّا أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ وَسَطه هُنَا عِنْد أَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيّ , قَوْله قَالَ : \" فَأَيّ يَوْم هَذَا - إِلَى قَوْله - قَالَ فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُفَرَّقًا , أَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِأَوَّلِهِ وَهُوَ \" أَنَّ الزَّمَان قَدْ اِسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ \" فَفِي تَفْسِير سُورَة بَرَاءَة , وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْبَلَد الْحَرَام. فَفِي بَاب الْخُطْبَة أَيَّام مِنًى مِنْ \" كِتَاب الْحَجّ \" وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِالنَّهْيِ عَنْ ضَرْب بَعْضهمْ رِقَاب بَعْض فَفِي \" كِتَاب الْفِتَن \" , وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِالْحَثِّ عَلَى التَّبْلِيغ فَفِي \" كِتَاب الْعِلْم \" وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا قَوْله \" وَسَتَلْقَوْنَ رَبّكُمْ فَيَسْأَلكُمْ عَنْ أَعْمَالكُمْ \" وَقَدْ ذَكَرْت مَا فُسِّرَ بِهِ اللِّقَاء فِي الْحَدِيث الْخَامِس , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏ ‏( تَكْمِلَةٌ ) : ‏ ‏جَمَعَ الدَّارَقُطْنِيُّ طُرُق الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فِي الْآخِرَة فَزَادَتْ عَلَى الْعِشْرِينَ , وَتَبِعَهَا اِبْن الْقَيِّم فِي حَادِي الْأَرْوَاح فَبَلَغَتْ الثَّلَاثِينَ وَأَكْثَرهَا جِيَاد , وَأَسْنَدَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ يَحْيَى بْن مَعِين قَالَ عِنْدِي سَبْعَة عَشَر حَدِيثًا فِي الرُّؤْيَة صِحَاحٌ. ‏"
    },
    {
        "id": "6894",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَاحِدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَاصِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عُثْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُسَامَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ابْنٌ لِبَعْضِ بَنَاتِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْضِي فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا فَأَرْسَلَ ‏ ‏إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ فَأَقْسَمَتْ عَلَيْهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقُمْتُ مَعَهُ ‏ ‏وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ‏ ‏وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ‏ ‏وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ‏ ‏فَلَمَّا دَخَلْنَا نَاوَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الصَّبِيَّ وَنَفْسُهُ ‏ ‏تَقَلْقَلُ ‏ ‏فِي صَدْرِهِ حَسِبْتُهُ قَالَ كَأَنَّهَا ‏ ‏شَنَّةٌ ‏ ‏فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ‏ ‏أَتَبْكِي فَقَالَ إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي أَوَائِل \" كِتَاب التَّوْحِيد \" وَقَوْله \" إِنَّمَا يَرْحَم اللَّهُ \" فِيهِ إِثْبَات صِفَة الرَّحْمَة لَهُ وَهُوَ مَقْصُود التَّرْجَمَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6895",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَعْقُوبُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اخْتَصَمَتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَى رَبّهِمَا فَقَالَتْ الْجَنَّةُ يَا رَبِّ مَا لَهَا لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَقَالَتْ النَّارُ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏أُوثِرْتُ ‏ ‏بِالْمُتَكَبِّرِينَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي وَقَالَ لِلنَّارِ أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا قَالَ فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ فَيُلْقَوْنَ فِيهَا فَ ‏ { ‏تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ‏} ‏ثَلَاثًا حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَمْتَلِئُ وَيُرَدُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ قَطْ قَطْ قَطْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" اِخْتَصَمَتْ الْجَنَّة وَالنَّار \" ‏ ‏وَ \" يَعْقُوب \" ‏ ‏فِي سَنَده هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث الْخَامِس مِنْ الْبَاب قَبْله , \" وَالْأَعْرَج \" هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن هُرْمُز , وَلَيْسَ لِصَالِحِ بْن كَيْسَانَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( اِخْتَصَمَتْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة الْمُتَقَدِّمَة فِي سُورَة ق \" تَحَاجَّتْ \" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج \" اِحْتَجَّتْ \" وَكَذَا لَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَكَذَا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْده قَالَ الطِّيبِيُّ : تَحَاجَّتْ أَصْله تَحَاجَجْت وَهُوَ مُفَاعَلَة مِنْ الْحِجَاج وَهُوَ الْخِصَام وَزْنه وَمَعْنَاهُ , يُقَال : حَاجَجْته مُحَاجَجَة وَمُحَاجَّة وَحِجَاجًا أَيْ غَالَبْته بِالْحُجَّةِ وَمِنْهُ \" فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى \" لَكِنَّ حَدِيث الْبَاب لَمْ يَظْهَر فِيهِ غَلَبَة وَاحِد مِنْهُمَا. قُلْت : إِنَّمَا وِزَان \" فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى \" لَوْ جَاءَ تَحَاجَّتْ الْجَنَّة وَالنَّار فَحَاجَّتْ الْجَنَّة النَّار , وَإِلَّا فَلَا يَلْزَم مِنْ وُقُوع الْخِصَام الْغَلَبَة , قَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب : يَجُوز أَنْ يَكُون هَذَا الْخِصَام حَقِيقَة بِأَنْ يَخْلُق اللَّه فِيهِمَا حَيَاة وَفَهْمًا وَكَلَامًا وَاَللَّه قَادِر عَلَى كُلّ شَيْء , وَيَجُوز أَنْ يَكُون هَذَا مَجَازًا كَقَوْلِهِمْ \" اِمْتَلَأَ الْحَوْض وَقَالَ قُطْنِيّ \" وَالْحَوْض لَا يَتَكَلَّم وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِبَارَة عَنْ اِمْتِلَائِهِ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّنْ يَنْطِق لَقَالَ ذَلِكَ , وَكَذَا فِي قَوْل النَّار ( هَلْ مِنْ مَزِيد ) قَالَ وَحَاصِل اِخْتِصَاصهمَا اِفْتِخَار أَحَدهمَا عَلَى الْأُخْرَى بِمَنْ يَسْكُنهَا فَتَظُنّ النَّار أَنَّهَا بِمَنْ أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ عُظَمَاء الدُّنْيَا أَبَرّ عِنْد اللَّه مِنْ الْجَنَّة , وَتَظُنّ الْجَنَّة أَنَّهَا بِمَنْ أَسْكَنَهَا مِنْ أَوْلِيَاء اللَّه تَعَالَى أَبَرّ عِنْد اللَّه , فَأُجِيبَتَا بِأَنَّهُ لَا فَضْل لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْأُخْرَى مِنْ طَرِيق مَنْ يَسْكُنهُمَا , وَفِي كِلَاهُمَا شَائِبَة شِكَايَة إِلَى رَبّهمَا إِذْ لَمْ تَذْكُر كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا إِلَّا مَا اِخْتَصَّتْ بِهِ , وَقَدْ رَدَّ اللَّه الْأَمْر فِي ذَلِكَ إِلَى مَشِيئَته , وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَام النَّوَوِيّ فِي هَذَا فِي تَفْسِير ق , وَقَالَ صَاحِب الْمُفْهِم : يَجُوز أَنْ يَخْلُق اللَّه ذَلِكَ الْقَوْل فِيمَا شَاءَ مِنْ أَجْزَاء الْجَنَّة وَالنَّار ; لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَط عَقْلًا فِي الْأَصْوَات أَنْ يَكُون مَحَلّهَا حَيًّا عَلَى الرَّاجِح وَلَوْ سَلَّمْنَا الشَّرْط لَجَازَ أَنْ يَخْلُق اللَّه فِي بَعْض أَجْزَائِهِمَا الْجَمَادِيَّة حَيَاة لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَإِنَّ الدَّار الْآخِرَة لَهِيَ الْحَيَوَان ) إِنَّ كُلّ مَا فِي الْجَنَّة حَيّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ بِلِسَانِ الْحَال وَالْأَوَّل أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَتْ الْجَنَّة يَا رَبّ مَا لَهَا ) ‏ ‏فِيهِ اِلْتِفَات ; لِأَنَّ نَسَق الْكَلَام أَنْ تَقُول مَا لِي , وَقَدْ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة هَمَّام مَا لِي , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزِّنَاد. ‏ ‏قَوْله ( إِلَّا ضُعَفَاء النَّاس وَسَقَطهُمْ ) ‏ ‏زَادَ مُسْلِم \" وَعَجَزهمْ \" وَفِي رِوَايَة لَهُ \" وَغَرَثهمْ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْمُرَاد بِالضُّعَفَاءِ فِي تَفْسِير ق , وَسَقَطهمْ بِفَتْحَتَيْنِ جَمْع سَاقِط وَهُوَ النَّازِل الْقَدْر الَّذِي لَا يُؤْبَه لَهُ , وَسَقَط الْمَتَاع رَدِيئُهُ وَعَجَزهمْ بِفَتْحَتَيْنِ أَيْضًا جَمْع عَاجِز ضَبَطَهُ عِيَاض , وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّهُ يَلْزَم أَنْ يَكُون بِتَاءِ التَّأْنِيث كَكَاتِبٍ وَكَتَبَة وَسُقُوط التَّاء فِي هَذَا الْجَمْع نَادِر , قَالَ : وَالصَّوَاب بِضَمِّ أَوَّله وَتَشْدِيد الْجِيم مِثْل : شَاهِد وَشُهَّد , وَأَمَّا \" غَرَثهمْ \" فَهُوَ بِمُعْجَمَةٍ وَمُثَلَّثَة جَمْع غَرْثَان أَيْ جَيْعَان , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ بِكَسْرِ أَوَّله وَتَشْدِيد الرَّاء ثُمَّ مُثَنَّاة أَيْ غَفَلَتهُمْ , وَالْمُرَاد بِهِ أَهْل الْإِيمَان الَّذِينَ لَمْ يَتَفَطَّنُوا لِلشُّبَهِ , وَلَمْ تُوَسْوِس لَهُمْ الشَّيَاطِين بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ أَهْل عَقَائِد صَحِيحَة وَإِيمَان ثَابِت وَهُمْ الْجُمْهُور , وَأَمَّا أَهْل الْعِلْم وَالْمَعْرِفَة فَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ قَلِيل. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَتْ النَّار فَقَالَ لِلْجَنَّةِ ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ هُنَا مُخْتَصَرًا قَالَ اِبْن بَطَّال : سَقَطَ قَوْل النَّار هُنَا مِنْ جَمِيع النُّسَخ وَهُوَ مَحْفُوظ فِي الْحَدِيث , رَوَاهُ اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك بِلَفْظِ أُوثِرْت بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ. قُلْت : هُوَ فِي غَرَائِب مَالِك لِلدَّارَقُطْنِيّ وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة وَرْقَاء عَنْ أَبِي الزِّنَاد وَلَهُ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان عَنْ أَبِي الزِّنَاد \" يَدْخُلنِي الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ \" وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" مَا لِي لَا يَدْخُلنِي إِلَّا \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد \" فَقَالَتْ النَّار فِيَّ \" أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَسَاقَ مُسْلِم سَنَده. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ اللَّه تَعَالَى لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي ) ‏ ‏زَادَ أَبُو الزِّنَاد فِي رِوَايَته \" أَرْحَم بِك مَنْ أَشَاء مِنْ عِبَادِي \" وَكَذَا لِهَمَّامٍ. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ لِلنَّارِ أَنْتِ عَذَابِي أُصِيب بِك مَنْ أَشَاء ) ‏ ‏زَادَ أَبُو الزِّنَاد \" مِنْ عِبَادِي \". ‏ ‏قَوْله ( مِلْؤُهَا ) ‏ ‏بِكَسْرِ أَوَّله وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا هَمْزَةٌ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَمَّا الْجَنَّة فَإِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِنْ خَلْقه أَحَدًا وَأَنَّهُ يُنْشِئ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاء ) ‏ ‏قَالَ أَبُو الْحَسَن الْقَابِسِيّ : الْمَعْرُوف فِي هَذَا الْمَوْضِع أَنَّ اللَّه يُنْشِئ لِلْجَنَّةِ خَلْقًا وَأَمَّا النَّار فَيَضَع فِيهَا قَدَمه قَالَ : وَلَا أَعْلَم فِي شَيْء مِنْ الْأَحَادِيث أَنَّهُ يُنْشِئ لِلنَّارِ خَلْقًا إِلَّا هَذَا اِنْتَهَى. وَقَدْ مَضَى فِي تَفْسِير سُورَة ق مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" يُقَال لِجَهَنَّم هَلْ اِمْتَلَأْت وَتَقُول هَلْ مِنْ مَزِيد فَيَضَع الرَّبّ عَلَيْهَا قَدَمه فَتَقُول قَطْ قَطْ \" وَمِنْ طَرِيق هَمَّام بِلَفْظِ \" فَأَمَّا النَّار فَلَا تَمْتَلِئ حَتَّى يَضَع رِجْله فَتَقُول قَطْ قَطْ فَهُنَاكَ تَمْتَلِئ وَيَزْوِي بَعْضهَا إِلَى بَعْض وَلَا يَظْلِم اللَّهُ مِنْ خَلْقه أَحَدًا \" وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ بَيَان اِخْتِلَافهمْ فِي الْمُرَاد بِالْقَدَمِ مُسْتَوْفًى , وَأَجَابَ عِيَاض بِأَنَّ أَحَد مَا قِيلَ فِي تَأْوِيل الْقَدَم أَنَّهُمْ قَوْم تَقَدَّمَ فِي عِلْم اللَّه أَنَّهُ يَخْلُقهُمْ قَالَ : فَهَذَا مُطَابِق لِلْإِنْشَاءِ , وَذِكْر الْقَدَم بَعْد الْإِنْشَاء يُرَجِّح أَنْ يَكُونَا مُتَغَايِرَيْنِ , وَعَنْ الْمُهَلَّب قَالَ فِي هَذِهِ الزِّيَادَة حُجَّة لِأَهْلِ السُّنَّة فِي قَوْلهمْ إِنَّ لِلَّهِ أَنْ يُعَذِّب مَنْ لَمْ يُكَلِّفهُ لِعِبَادَتِهِ فِي الدُّنْيَا ; لِأَنَّ كُلّ شَيْء مِلْكه فَلَوْ عَذَّبَهُمْ لَكَانَ غَيْر ظَالِم اِنْتَهَى. وَأَهْل السُّنَّة إِنَّمَا تَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ) وَ ( يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) وَغَيْر ذَلِكَ , وَهُوَ عِنْدهمْ مِنْ جِهَة الْجَوَاز , وَأَمَّا الْوُقُوع فَفِيهِ نَظَر , وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث حُجَّة لِلِاخْتِلَافِ فِي لَفْظه وَلِقَبُولِهِ التَّأْوِيل , وَقَدْ قَالَ جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة : إِنَّ هَذَا الْمَوْضِع مَقْلُوب , وَجَزَمَ اِبْن الْقَيِّم بِأَنَّهُ غَلَط وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَخْبَرَ بِأَنَّ جَهَنَّم تَمْتَلِئ مِنْ إِبْلِيس وَأَتْبَاعه وَكَذَا أَنْكَرَ الرِّوَايَة شَيْخنَا الْبُلْقِينِيُّ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ( وَلَا يَظْلِم رَبُّك أَحَدًا ) ثُمَّ قَالَ وَحَمْله عَلَى أَحْجَار تُلْقَى فِي النَّار أَقْرَب مِنْ حَمْله عَلَى ذِي رُوح يُعَذَّب بِغَيْرِ ذَنْب اِنْتَهَى , وَيُمْكِن اِلْتِزَام أَنْ يَكُونُوا مِنْ ذَوِي الْأَرْوَاح وَلَكِنْ لَا يُعَذَّبُونَ كَمَا فِي الْخَزَنَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالْإِنْشَاءِ اِبْتِدَاء إِدْخَال الْكُفَّار النَّار , وَعَبَّرَ عَنْ اِبْتِدَاء الْإِدْخَال بِالْإِنْشَاءِ فَهُوَ إِنْشَاء الْإِدْخَال لَا الْإِنْشَاء بِمَعْنَى اِبْتِدَاء الْخَلْق بِدَلِيلِ قَوْله \" فَيُلْقَوْنَ فِيهَا وَتَقُول هَلْ مِنْ مَزِيد \" وَأَعَادَهَا ثَلَاث مَرَّات ثُمَّ قَالَ \" حَتَّى يَضَع فِيهَا قَدَمه فَحِينَئِذٍ تَمْتَلِئ \" فَاَلَّذِي يَمْلَؤُهَا حَتَّى تَقُول حَسْبِي هُوَ الْقَدَم كَمَا هُوَ صَرِيح الْخَبَر وَتَأْوِيل الْقَدَم قَدْ تَقَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَم , وَقَدْ أَيَّدَ اِبْن أَبِي جَمْرَة حَمْله عَلَى غَيْر ظَاهِره بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبّهمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) إِذْ لَوْ كَانَ عَلَى ظَاهِره لَكَانَ أَهْل النَّار فِي نَعِيم الْمُشَاهَدَة كَمَا يَتَنَعَّم أَهْل الْجَنَّة بِرُؤْيَةِ رَبّهمْ ; لِأَنَّ مُشَاهَدَة الْحَقّ لَا يَكُون مَعَهَا عَذَاب , وَقَالَ عِيَاض يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله عِنْد ذِكْر الْجَنَّة فَإِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِنْ خَلْقه أَحَدًا أَنَّهُ يُعَذِّب مَنْ يَشَاء غَيْر ظَالِم لَهُ كَمَا قَالَ أُعَذِّب بِك مَنْ أَشَاء , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَاجِعًا إِلَى تَخَاصُم أَهْل الْجَنَّة وَالنَّار , فَإِنَّ الَّذِي جَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَدْل وَحِكْمَة وَبِاسْتِحْقَاقِ كُلّ مِنْهُمْ مِنْ غَيْر أَنْ يَظْلِم أَحَدًا , وَقَالَ غَيْره : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّلْمِيح بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْر مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ) فَعَبَّرَ عَنْ تَرْك تَضْيِيع الْأَجْر بِتَرْكِ الظُّلْم , وَالْمُرَاد أَنَّهُ يُدْخِل مَنْ أَحْسَنَ الْجَنَّة الَّتِي وَعَدَ الْمُتَّقِينَ بِرَحْمَتِهِ , وَقَدْ قَالَ لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي وَقَالَ ( إِنَّ رَحْمَة اللَّه قَرِيب مِنْ الْمُحْسِنِينَ ) وَبِهَذَا تَظْهَر مُنَاسَبَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى , وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى اِتِّسَاع الْجَنَّة وَالنَّار بِحَيْثُ تَسَع كُلّ مَنْ كَانَ وَمَنْ يَكُون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَتَحْتَاج إِلَى زِيَادَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِر الرِّقَاق أَنَّ آخِر مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة يُعْطَى مِثْل الدُّنْيَا وَعَشَرَة أَمْثَالهَا , وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : يُؤْخَذ مِنْ الْحَدِيث أَنَّ الْأَشْيَاء تُوصَف بِغَالِبِهَا ; لِأَنَّ الْجَنَّة قَدْ يَدْخُلُهَا غَيْر الضُّعَفَاء وَالنَّار قَدْ يَدْخُلُهَا غَيْر الْمُتَكَبِّرِينَ , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ حَمَلَ قَوْل النَّار ( هَلْ مِنْ مَزِيد ) عَلَى أَنَّهُ اِسْتِفْهَام إِنْكَار وَأَنَّهَا لَا تَحْتَاج إِلَى زِيَادَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6896",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيُصِيبَنَّ أَقْوَامًا ‏ ‏سَفْعٌ ‏ ‏مِنْ النَّارِ بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا عُقُوبَةً ثُمَّ يُدْخِلُهُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ يُقَالُ لَهُمْ الْجَهَنَّمِيُّونَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سَفْع ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْفَاء ثُمَّ مُهْمَلَة هُوَ أَثَر تَغَيُّر الْبَشَرَة فَيَبْقَى فِيهَا بَعْضُ سَوَاد. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ هَمَّام حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَس ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي \" كِتَاب الرِّقَاق \" مَعَ شَرْحه وَأَرَادَ بِهِ هُنَا أَنَّ الْعَنْعَنَة الَّتِي فِي طَرِيق هِشَام مَحْمُولَة عَلَى السَّمَاع بِدَلِيلِ رِوَايَة هَمَّام وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6897",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ حَبْرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالشَّجَرَ وَالْأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ أَنَا الْمَلِكُ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ { ‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ‏}",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اللَّه يَضَع السَّمَاوَات عَلَى إِصْبَع الْحَدِيث ) ‏ ‏وَمَضَى هُنَاكَ بِلَفْظِ \" إِنَّ اللَّه يُمْسِك \" وَهُوَ الْمُطَابِق لِلتَّرْجَمَةِ لَكِنْ جَرَى عَلَى عَادَته فِي الْإِشَارَة وَذَكَرَ فِيهِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الْأَعْمَش , وَفِيهِ تَصْرِيحه بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ \" إِبْرَاهِيم \" وَهُوَ النَّخَعِيُّ , \" وَمُوسَى \" شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ هُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج , وَقَوْله جَاءَ حَبْر بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَيَجُوز كَسْرهَا , بَعْدهَا مُوَحَّدَة سَاكِنَة ثُمَّ رَاء وَاحِد الْأَحْبَار , وَذَكَرَ صَاحِب الْمَشَارِق أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات \" جَاءَ جِبْرِيل \" قَالَ وَهُوَ تَصْحِيف فَاحِش , وَهُوَ كَمَا قَالَ فَقَدْ مَضَى فِي الْبَاب الْمُشَار إِلَيْهِ \" جَاءَ رَجُل \" وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا \" أَنَّ يَهُودِيًّا جَاءَ \" وَلِمُسْلِمٍ \" جَاءَ حَبْر مِنْ الْيَهُود \" فَعُرِفَ أَنَّ مَنْ قَالَ جِبْرِيل فَقَدْ صَحَّفَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6898",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏كُرَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بِتُّ فِي بَيْتِ ‏ ‏مَيْمُونَةَ ‏ ‏لَيْلَةً وَالنَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عِنْدَهَا لِأَنْظُرَ كَيْفَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِاللَّيْلِ فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ أَوْ بَعْضُهُ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَرَأَ ‏ { ‏إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏لِأُولِي ‏ ‏الْأَلْبَابِ ‏} ‏ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ ‏ ‏وَاسْتَنَّ ‏ ‏ثُمَّ صَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ أَذَّنَ ‏ ‏بِلَالٌ ‏ ‏بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ ‏",
        "sharh": "قَوْله فِي الْحَدِيث ‏ ‏( فَلَمَّا كَانَ ثُلُث اللَّيْل الْأَخِير أَوْ بَعْضه ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَوْ نِصْفه \" بِنُونٍ وَمُهْمَلَة وَفَاء وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير آل عِمْرَان بِهَذَا السَّنَد وَالْمَتْن لَكِنْ لَمْ يَذْكُر فِيهِ هَذِهِ اللَّفْظَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6899",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ ‏ ‏إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏\" إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي \" ‏ ‏وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي بَاب قَوْله تَعَالَى ( وَيُحَذِّركُمْ اللَّهُ نَفْسه ) وَأَشَارَ بِهِ إِلَى تَرْجِيح الْقَوْل بِأَنَّ الرَّحْمَة مِنْ صِفَات الذَّات لِكَوْنِ الْكَلِمَة مِنْ صِفَات الذَّات فَمَهْمَا اُسْتُشْكِلَ فِي إِطْلَاق السَّبْق فِي صِفَة الرَّحْمَة جَاءَ مِثْله فِي صِفَة الْكَلِمَة , وَمَهْمَا أُجِيبَ بِهِ عَنْ قَوْله سَبَقَتْ كَلِمَتنَا حَصَلَ بِهِ الْجَوَاب عَنْ قَوْله \" سَبَقَتْ رَحْمَتِي \" وَقَدْ غَفَلَ عَنْ مُرَاده مَنْ قَالَ دَلَّ وَصْف الرَّحْمَة بِالسَّبْقِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ صِفَات الْفِعْل , وَقَدْ سَبَقَ فِي شَرْح الْحَدِيث قَوْل مَنْ قَالَ : الْمُرَاد بِالرَّحْمَةِ إِرَادَة إِيصَال الثَّوَاب , وَبِالْغَضَبِ إِرَادَة إِيصَال الْعُقُوبَة. فَالسَّبْق حِينَئِذٍ بَيْن مُتَعَلِّقَيْ الْإِرَادَة فَلَا إِشْكَال , وَقَوْله فِي أَوَّل الْحَدِيث \" لَمَّا قَضَى اللَّه الْخَلْق \" أَيْ خَلَقَهُمْ , وَكُلّ صَنْعَة مُحْكَمَة مُتْقَنَة فَهِيَ قَضَاء , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( إِذَا قَضَى أَمْرًا ). ‏"
    },
    {
        "id": "6900",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ‏ ‏أَنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ يَكُونُ ‏ ‏عَلَقَةً ‏ ‏مِثْلَهُ ثُمَّ يَكُونُ ‏ ‏مُضْغَةً ‏ ‏مِثْلَهُ ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى لَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" حَدَّثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِق الْمَصْدُوق \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب الْقَدَر \" وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا قَوْله \" فَيَسْبِق عَلَيْهِ الْكِتَاب \" وَفِيهِ مِنْ الْبَحْث مَا تَقَدَّمَ فِي الَّذِي قَبْله , وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ قَالَ : فِي هَذَا الْحَدِيث رَدّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّه لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِجَمِيعِ كَلَامه لِقَوْلِهِ : \" فَيُؤْمَر بِأَرْبَعِ كَلِمَات \" ; لِأَنَّ الْأَمْر بِالْكَلِمَاتِ إِنَّمَا يَقَع عِنْد التَّخْلِيق , وَكَذَا قَوْله \" ثُمَّ يَنْفُخ فِيهِ الرُّوح \" وَهُوَ إِنَّمَا يَقَع بِقَوْلِهِ \" كُنْ \" وَهُوَ مِنْ كَلَامه سُبْحَانه , قَالَ : وَيَرُدّ قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَوْ شَاءَ لَعَذَّبَ أَهْل الطَّاعَة , وَوَجْه الرَّدّ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صِفَة الْحَكِيم أَنْ يَتَبَدَّل عِلْمه , وَقَدْ عَلِمَ فِي الْأَزَل مَنْ يَرْحَم وَمَنْ يُعَذِّب , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّهُمَا كَلَام أَهْل السُّنَّة وَلَمْ يَحْتَجّ لَهُمْ , وَوَجْه الرَّدّ عَلَى مَا اِدَّعَاهُ الدَّاوُدِيّ أَمَّا الْأَوَّل : فَالْآمِر إِنَّمَا هُوَ الْمَلَك وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ يَتَلَقَّاهُ مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ , وَأَمَّا الثَّانِي : فَالْمُرَاد لَوْ قُدِّرَ ذَلِكَ فِي الْأَزَل لَوَقَعَ فَلَا يَلْزَم مَا قَالَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6901",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا فَنَزَلَتْ ‏ { ‏وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا ‏} ‏إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ كَانَ هَذَا الْجَوَابَ ‏ ‏لِمُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي نُزُول قَوْله تَعَالَى ( وَمَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْرِ رَبّك ) وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة مَرْيَم , وَزَادَ هُنَا قَالَ : \" كَانَ هَذَا الْجَوَاب لِمُحَمَّدٍ \" ولِلْكُشْمِيهَنِيّ هَذَا \" كَانَ الْجَوَاب لِمُحَمَّدٍ \" وَالْأَمْر فِي قَوْله هُنَا ( بِأَمْرِ رَبّك ) بِمَعْنَى الْإِذْن أَيْ مَا نَتَنَزَّل إِلَى الْأَرْض إِلَّا بِإِذْنِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْوَحْيِ وَالْبَاء لِلْمُصَاحَبَةِ , وَيَجِيء فِي قَوْل جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ( بِأَمْرِ رَبّك ) الْبَحْث الَّذِي تَقَدَّمَ قَبْله عَنْ الدَّاوُدِيّ وَجَوَابه. ‏"
    },
    {
        "id": "6902",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وَكِيعٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي حَرْثٍ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏ ‏وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى ‏ ‏عَسِيبٍ ‏ ‏فَمَرَّ بِقَوْمٍ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَسْأَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ فَسَأَلُوهُ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى ‏ ‏الْعَسِيبِ ‏ ‏وَأَنَا خَلْفَهُ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَقَالَ ‏ { ‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ‏} ‏فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ قَدْ قُلْنَا لَكُمْ لَا تَسْأَلُوهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي نُزُول قَوْله تَعَالَى ( وَيَسْأَلُونَك عَنْ الرُّوح ) ‏ ‏\" وَيَحْيَى \" ‏ ‏شَيْخه فِيهِ هُوَ اِبْن جَعْفَر وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي التَّفْسِير وَيَأْتِي شَيْء مِنْهُ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , ‏ ‏وَقَوْله \" فَظَنَنْت أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ \" ‏ ‏يَأْتِي فِي الَّذِي بَعْده بِلَفْظِ \" فَعَلِمْت \" فَقِيلَ أَطْلَقَ الْعِلْم وَأَرَادَ الظَّنّ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَقِيلَ ظَنَّ أَوَّلًا ثُمَّ تَحَقَّقَ آخِرًا فَإِطْلَاق الظَّنّ بِاعْتِبَارِ أَوَّل مَا رَآهُ وَإِطْلَاق الْعِلْم بِاعْتِبَارِ آخِر الْحَال. ‏"
    },
    {
        "id": "6903",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" تَكَفَّلَ اللَّه لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيله \" وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا قَوْله \" وَتَصْدِيق كَلِمَاته \" أَيْ الْوَارِدَة فِي الْقُرْآن بِالْحَثِّ عَلَى الْجِهَاد وَمَا وَعَدَ فِيهِ مِنْ الثَّوَاب وَشَيْخه إِسْمَاعِيل فِيهِ هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس وَتَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَد فِي فَرْض الْخُمُس وَتَقَدَّمَ فِي شَرْحه فِي \" كِتَاب الْجِهَاد \" وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهِ أَيْضًا بَعْد بَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "6904",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى \" مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَة اللَّه هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيل اللَّه \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْجِهَاد وَالْمُرَاد هُنَا بِقَوْلِهِ \" كَلِمَة اللَّه هِيَ الْعُلْيَا \" كَلِمَة التَّوْحِيد أَيْ كَلِمَة تَوْحِيد اللَّه وَهِيَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( قُلْ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُمْ ) الْآيَة وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْكَلِمَةِ الْقَضِيَّة قَالَ الرَّاغِب : كُلّ قَضِيَّة تُسَمَّى كَلِمَة سَوَاء كَانَتْ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا وَالْمُرَاد هُنَا حُكْمه وَشَرْعه. ‏"
    },
    {
        "id": "6905",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَيْسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْمُغِيرَة وَقَوْله فِيهِ عَنْ ‏ ‏\" إِسْمَاعِيل \" ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي خَالِد ‏ ‏\" وَقَيْس \" ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي حَازِم , وَالْغَرَض مِنْهُ وَمِنْ الَّذِي بَعْده ‏ ‏قَوْله \" حَتَّى يَأْتِيهِمْ أَمْر اللَّه \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْمُرَاد بِهِ عِنْد شَرْحه فِي \" ‏ ‏كِتَاب الِاعْتِصَام \" وَقَالَ اِبْن بَطَّال : الْمُرَاد بِأَمْرِ اللَّه فِي هَذَا الْحَدِيث السَّاعَة وَالصَّوَاب أَمْر اللَّه بِقِيَامِ السَّاعَة فَيَرْجِع إِلَى حُكْمه وَقَضَائِهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6906",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ جَابِرٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ مَا يَضُرُّهُمْ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏وَهُمْ ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏هَذَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏وَهُمْ ‏ ‏بِالشَّأْمِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مُعَاوِيَة فِي ذَلِكَ وَفِيهِ رِوَايَة مَالِك بْن يُخَامِر بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّة وَتَخْفِيف الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكَسْر الْمِيم عَنْ مُعَاذ وَهُمْ بِالشَّامِ , وَذَكَرَ مُعَاوِيَة عَنْهُ ذَلِكَ وَقَوْله فِيهِ \" وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ \" وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ \" حِذَاهُمْ \" بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة ثُمَّ ذَال مُعْجَمَة بَعْدهَا أَلِف لَيِّنَة , قَالَ : وَلَهَا وَجْه , يَعْنِي مَنْ جَاوَرَهُمْ مِمَّنْ لَا يُوَافِقهُمْ , قَالَ : وَلَكِنَّ الصَّوَاب بِفَتْحِ الْحَاء الْمُعْجَمَة وَبِاللَّامِ مِنْ الْخِذْلَان , وَ \" اِبْن جَابِر \" الْمَذْكُور فِيهِ هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن جَابِر نُسِبَ لِجَدِّهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6907",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَقَفَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏مُسَيْلِمَةَ ‏ ‏فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ ‏ ‏لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ ‏ ‏لَيَعْقِرَنَّكَ ‏ ‏اللَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي شَأْن مُسَيْلِمَة ذَكَرَ مِنْهُ طَرَفًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي مَعَ شَرْحه , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله : وَلَنْ يَعْدُو أَمْر اللَّه فِيك أَيْ مَا قَدَّرَهُ عَلَيْك مِنْ الشَّقَاء أَوْ السَّعَادَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6908",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْوَاحِدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلْقَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي بَعْضِ حَرْثِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى ‏ ‏عَسِيبٍ ‏ ‏مَعَهُ فَمَرَرْنَا عَلَى نَفَرٍ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَسْأَلُوهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَنَسْأَلَنَّهُ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ‏ ‏مَا الرُّوحُ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَقَالَ ‏ { ‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ‏} ‏وَمَا أُوتُوا مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي سُؤَال الْيَهُود عَنْ الرُّوح , ‏ ‏وَقَوْله ( قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْر رَبِّي ) ‏ ‏تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرُّوح قَدِيمَة زَعْمًا أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَمْرِ هُنَا الْأَمْر الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى ( أَلَا لَهُ الْخَلْق وَالْأَمْر ) وَهُوَ فَاسِد فَإِنَّ الْأَمْر وَرَدَ فِي الْقُرْآن لِمَعَانٍ يَتَبَيَّن الْمُرَاد بِكُلٍّ مِنْهَا مِنْ سِيَاق الْكَلَام وَسَيَأْتِي فِي بَاب ( وَاللَّه خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) مَا يَتَعَلَّق بِالْأَمْرِ الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) وَأَنَّهُ بِمَعْنَى الطَّلَب الَّذِي هُوَ أَحَد أَنْوَاع الْكَلَام , وَأَمَّا الْأَمْر فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود هَذَا فَإِنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمَأْمُور كَمَا يُقَال الْخَلْق وَيُرَاد بِهِ الْمَخْلُوق وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث فَفِي تَفْسِير السُّدِّيّ عَنْ أَبِي مَالِك عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَنْ غَيْره فِي قَوْله تَعَالَى ( قُلْ الرُّوح مِنْ أَمْر رَبِّي ) يَقُول هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَيْسَ هُوَ شَيْءٌ مِنْ أَمْر اللَّه , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالرُّوحِ الْمَسْئُول عَنْهَا هَلْ هِيَ الرُّوح الَّتِي تَقُوم بِهَا الْحَيَاة أَوْ الرُّوح الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى ( يَوْم يَقُوم الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ) وَفِي قَوْله تَعَالَى ( تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ) وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِالثَّانِي بِأَنَّ السُّؤَال إِنَّمَا يَقَع فِي الْعَادَة عَمَّا لَا يُعْرَف إِلَّا بِالْوَحْيِ , وَالرُّوح الَّتِي بِهَا الْحَيَاة قَدْ تَكَلَّمَ النَّاس فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا , بِخِلَافِ الرُّوح الْمَذْكُور فَإِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا عِلْم لَهُمْ بِهِ بَلْ هِيَ مِنْ عِلْم الْغَيْب بِخِلَافِ الْأُولَى , وَقَدْ أَطْلَقَ اللَّهُ لَفْظ الرُّوح عَلَى الْوَحْي فِي قَوْله تَعَالَى ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْك رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) وَفِي قَوْله ( يُلْقِي الرُّوح مِنْ أَمْره عَلَى مَنْ يَشَاء ) وَعَلَى الْقُوَّة وَالثَّبَات وَالنَّصْر فِي قَوْله تَعَالَى ( وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) وَعَلَى جِبْرِيل فِي عِدَّة آيَات وَعَلَى عِيسَى بْن مَرْيَم وَلَمْ يَقَع فِي الْقُرْآن تَسْمِيَة رُوح بَنِي آدَم رُوحًا بَلْ سَمَّاهَا نَفْسًا فِي قَوْله : النَّفْس الْمُطَمْئِنَة , وَالنَّفْس الْأَمَارَة بِالسُّوءِ , وَالنَّفْس اللَّوَّامَة , وَأَخْرِجُوا أَنْفُسكُمْ , وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا , كُلّ نَفْس ذَائِقَة الْمَوْت , وَتَمَسَّكَ مَنْ زَعَمَ بِأَنَّهَا قَدِيمَة بِإِضَافَتِهَا إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي قَوْله تَعَالَى ( وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي ) وَلَا حُجَّة فِيهِ ; لِأَنَّ الْإِضَافَة تَقَع عَلَى صِفَة تَقُوم بِالْمَوْصُوفِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَة , وَعَلَى مَا يَنْفَصِل عَنْهُ كَبَيْتِ اللَّه وَنَاقَة اللَّه فَقَوْله : رُوح اللَّه , مِنْ هَذَا الْقَبِيل. الثَّانِي : وَهِيَ إِضَافَة تَخْصِيص وَتَشْرِيف وَهِيَ فَوْق الْإِضَافَة الْعَامَّة الَّتِي بِمَعْنَى الْإِيجَاد فَالْإِضَافَة عَلَى ثَلَاث مَرَاتِب : إِضَافَة إِيجَاد وَإِضَافَة تَشْرِيف وَإِضَافَة صِفَة , وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَى أَنَّ الرُّوح مَخْلُوقَة عُمُوم قَوْله تَعَالَى : \" اللَّه خَالِق كُلّ شَيْء \" \" وَهُوَ رَبّ كُلّ شَيْء \" \" رَبّكُمْ وَرَبّ آبَائِكُمْ الْأَوَّلِينَ \" , وَالْأَرْوَاح مَرْبُوبَة وَكُلّ مَرْبُوب مَخْلُوق رَبّ الْعَالَمِينَ , وَقَوْله تَعَالَى لِزَكَرِيَّا : ( وَقَدْ خَلَقْتُك مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ) وَهَذَا الْخِطَاب لِجَسَدِهِ وَرُوحه مَعًا , وَمِنْهُ قَوْله ( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِينٌ مِنْ الدَّهْر لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) وَقَوْله تَعَالَى ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ) سَوَاء قُلْنَا إِنَّ قَوْله خَلْقنَا يَتَنَاوَل الْأَرْوَاح وَالْأَجْسَاد مَعًا أَوْ الْأَرْوَاح فَقَطْ , وَمِنْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ \" كَانَ اللَّه وَلَمْ يَكُنْ شَيْء غَيْره \" وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي \" كِتَاب بَدْء الْخَلْق \" وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاق عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَة مَخْلُوقُونَ وَهُمْ أَرْوَاح , وَحَدِيث \" الْأَرْوَاح جُنُود مُجَنَّدَة \" وَالْجُنُود الْمُجَنَّدَة لَا تَكُون إِلَّا مَخْلُوقَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيث وَشَرْحُهُ فِي \" كِتَاب الْأَدَب \" وَحَدِيث أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ بِلَالًا قَالَ لَمَّا نَامُوا فِي الْوَادِي : يَا رَسُول اللَّه أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك , وَالْمُرَاد بِالنَّفْسِ الرُّوح قَطْعًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيث \" إِنَّ اللَّه قَبَضَ أَرْوَاحكُمْ حِين شَاءَ \" الْحَدِيث , كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ( اللَّه يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِين مَوْتهَا ) الْآيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة فَوَائِد هَذَا الْحَدِيث فِي سُورَة سُبْحَان , وَقَوْله فِي آخِره ( وَمَا أُوتُوا مِنْ الْعِلْم إِلَّا قَلِيلًا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَمَا أُوتِيتُمْ \" عَلَى وَفْق الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة وَيُؤَيِّد الْأَوَّل قَوْله فِي بَقِيَّته : قَالَ الْأَعْمَش هَكَذَا فِي قِرَاءَتنَا , قَالَ اِبْن بَطَّال : غَرَضه الرَّدّ عَلَى الْمُعْتَزِلَة فِي زَعْمهمْ أَنَّ أَمْر اللَّه مَخْلُوق , فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْر هُوَ قَوْله تَعَالَى لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُون بِأَمْرِهِ لَهُ وَأَنَّ أَمْره وَقَوْله بِمَعْنًى وَاحِد , وَأَنَّهُ يَقُول كُنْ حَقِيقَة , وَأَنَّ الْأَمْر غَيْر الْخَلْق لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ بِالْوَاوِ اِنْتَهَى. وَسَيَأْتِي مَزِيد لِهَذَا فِي بَاب : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ). ‏"
    },
    {
        "id": "6909",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمُشَار إِلَيْهِ قَرِيبًا \" تَكَفَّلَ اللَّه لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيله \" وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْله \" وَتَصْدِيق كَلِمَته \" وَوَقَعَ فِي نُسْخَة مِنْ طَرِيق أَبِي ذَرّ \" وَكَلِمَات \" بِصِيغَةِ الْجَمْع قَالَ اِبْن التِّين : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِكَلِمَاتِهِ الْأَوَامِر الْوَارِدَة بِالْجِهَادِ وَمَا وَعَدَ عَلَيْهِ مِنْ الثَّوَاب , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهَا أَلْفَاظ الشَّهَادَتَيْنِ وَأَنَّ تَصْدِيقه بِهَا يُثْبِت فِي نَفْسه عَدَاوَة مَنْ كَذَّبَهُمَا وَالْحِرْص عَلَى قَتْله وَقَوْله ( خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ) تَقَدَّمَ بَيَان السِّتَّة فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي تَفْسِير حم فُصِّلَتْ , وَقَوْله ( يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار ) أَيْ وَيُغْشِي النَّهَار اللَّيْل فَحَذَفَ لِدَلَالَةِ السِّيَاق عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْله ( يُولِج اللَّيْل فِي النَّهَار وَيُولِج النَّهَار فِي اللَّيْل ) وَالْغَرَض مِنْ الْآيَة قَوْله ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) وَسَيَأْتِي بَسْط الْقَوْل فِيهِ فِي أَوَاخِر هَذَا الْكِتَاب فِي بَاب \" وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ \" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَحَذَفَ اِبْن بَطَّال هَذَا الْبَاب وَمَا فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6910",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا دَعَوْتُمْ اللَّهَ فَاعْزِمُوا فِي الدُّعَاءِ وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس : إِذَا دَعَوْتُمْ اللَّه فَاعْزِمُوا فِي الدُّعَاء أَيْ اِجْزِمُوا وَلَا تَرَدَّدُوا , مِنْ عَزَمْت عَلَى الشَّيْء إِذَا صَمَّمْت عَلَى فِعْله , وَقِيلَ : عَزْم الْمَسْأَلَة الْجَزْم بِهَا مِنْ غَيْر ضَعْف فِي الطَّلَب , وَقِيلَ هُوَ حُسْن الظَّنّ بِاَللَّهِ فِي الْإِجَابَة وَالْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ فِي التَّعْلِيق صُورَة الِاسْتِغْنَاء عَنْ الْمَطْلُوب مِنْهُ وَعَنْ الْمَطْلُوب , وَقَوْله \" لَا مُسْتَكْرِه لَهُ \" أَيْ ; لِأَنَّ التَّعْلِيق يُوهِم إِمْكَان إِعْطَائِهِ عَلَى غَيْر الْمَشِيئَة وَلَيْسَ بَعْد الْمَشِيئَة إِلَّا الْإِكْرَاه وَاَللَّه لَا مُكْرِهَ لَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الدَّعَوَات \". ‏"
    },
    {
        "id": "6911",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَبْدُ الْحَمِيدِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ‏ ‏عَلَيْهِمَا السَّلَام ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏أَخْبَرَهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏طَرَقَهُ ‏ ‏وَفَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةً فَقَالَ لَهُمْ ‏ ‏أَلَا تُصَلُّونَ قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَيَقُولُ ‏ { ‏وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ‏}",
        "sharh": "حَدِيث عَلِيّ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب التَّهَجُّد \" وَمَوْضِع الدَّلَالَة مِنْهُ قَوْل عَلِيّ : إِنَّمَا أَنْفُسنَا بِيَدِ اللَّه فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثنَا بَعَثَنَا وَأَقَرَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ , ‏ ‏وَقَوْله \" فَقَالَ لَهُمْ \" وَكَذَا قَوْل عَلِيّ \" يَبْعَثنَا \" ‏ ‏إِشَارَة إِلَى نَفْسه وَإِلَى مَنْ عِنْده , ‏ ‏وَقَوْله فِيهِ \" حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل \" ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس وَأَخُوهُ ‏ ‏\" عَبْد الْحَمِيد \" ‏ ‏هُوَ أَبُو بَكْر مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ أَكْثَر مِنْ اِسْمه , ‏ ‏وَ \" سُلَيْمَان \" ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال وَقَدْ سَمِعَ إِسْمَاعِيل بْن سُلَيْمَان بِلَا وَاسِطَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي عِدَّة مَوَاضِع. ‏"
    },
    {
        "id": "6912",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ يَفِيءُ وَرَقُهُ مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ ‏ ‏تُكَفِّئُهَا ‏ ‏فَإِذَا سَكَنَتْ اعْتَدَلَتْ وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ ‏ ‏يُكَفَّأُ بِالْبَلَاءِ ‏ ‏وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ ‏ ‏الْأَرْزَةِ ‏ ‏صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً حَتَّى يَقْصِمَهَا اللَّهُ إِذَا شَاءَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" مَثَل الْمُؤْمِن كَمَثَلِ خَامَة الزَّرْع \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الرِّقَاق , وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْله فِي آخِره \" يَقْصِمهَا اللَّه إِذَا شَاءَ \" أَيْ فِي الْوَقْت الَّذِي سَبَقَتْ إِرَادَته أَنْ يَقْصِمهُ فِيهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6913",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولَ ‏ ‏إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أُعْطِيَ ‏ ‏أَهْلُ التَّوْرَاةِ ‏ ‏التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُعْطِيَ ‏ ‏أَهْلُ الْإِنْجِيلِ ‏ ‏الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى صَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُعْطِيتُمْ الْقُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِيتُمْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ قَالَ ‏ ‏أَهْلُ التَّوْرَاةِ ‏ ‏رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَقَلُّ عَمَلًا وَأَكْثَرُ أَجْرًا قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَا فَقَالَ فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر \" إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ مِنْ قَبْلكُمْ مِنْ الْأُمَم \" بِطُولِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الصَّلَاة وَذُكِرَ لِقَوْلِهِ فِي آخِره \" ذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاء \" وَلِلْإِشَارَةِ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إِلَى جَمِيع الثَّوَاب لَا إِلَى الْقَدْر الَّذِي يُقَابِل الْعَمَل كَمَا يَزْعُم أَهْل الِاعْتِزَال. ‏"
    },
    {
        "id": "6914",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ الْمُسْنَدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي إِدْرِيسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي رَهْطٍ فَقَالَ ‏ ‏أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ وَطَهُورٌ وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَذَلِكَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت فِي الْمُبَايَعَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الْإِيمَان \" أَوَائِل الْكِتَاب وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا قَوْله \" وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّه فَذَلِكَ إِلَى اللَّه إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6915",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏كَانَ لَهُ سِتُّونَ امْرَأَةً فَقَالَ لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِي فَلْتَحْمِلْنَ كُلُّ امْرَأَةٍ وَلْتَلِدْنَ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَطَافَ عَلَى نِسَائِهِ فَمَا وَلَدَتْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَلَدَتْ شِقَّ غُلَامٍ قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ كَانَ ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏اسْتَثْنَى لَحَمَلَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ فَوَلَدَتْ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : فِي قَوْل سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام \" لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَة عَلَى نِسَائِي \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِي عَدَد نِسَائِهِ , وَذَكَرَهُ هُنَا بِلَفْظِ \" لَوْ كَانَ سُلَيْمَان اِسْتَثْنَى لَحَمَلَتْ كُلّ اِمْرَأَة مِنْهُنَّ \" , أَيْ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّه , كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى , وَإِطْلَاق الِاسْتِثْنَاء عَلَى قَوْل إِنْ شَاءَ اللَّه بِحَسَب اللُّغَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6916",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ فَقَالَ ‏ ‏لَا بَأْسَ عَلَيْكَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ طَهُورٌ بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَنَعَمْ إِذًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْأَعْرَابِيّ الَّذِي قَالَ \" بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُور \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الطِّبّ وَذَكَرَهُ لِقَوْلِهِ \" طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّه \". ‏"
    },
    {
        "id": "6917",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ سَلَامٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُصَيْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏حِينَ نَامُوا عَنْ الصَّلَاةِ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ وَرَدَّهَا حِينَ شَاءَ فَقَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَتَوَضَّئُوا إِلَى أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَابْيَضَّتْ فَقَامَ فَصَلَّى ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ : حِين نَامُوا عَنْ الصَّلَاة إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِين شَاءَ وَرَدَّهَا حِين شَاءَ , ذَكَرَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا وَتَقَدَّمَ بِأَتَمّ مِنْهُ فِي بَاب الْأَذَان بَعْد ذَهَاب الْوَقْت مِنْ \" كِتَاب الصَّلَاة \". ‏"
    },
    {
        "id": "6918",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏وَالْأَعْرَجِ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَخِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سُلَيْمَانَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏فَقَالَ الْمُسْلِمُ وَالَّذِي اصْطَفَى ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏عَلَى الْعَالَمِينَ فِي قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ وَالَّذِي اصْطَفَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَلَى الْعَالَمِينَ فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ الْيَهُودِيَّ فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏بَاطِشٌ ‏ ‏بِجَانِبِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : فِي قِصَّة الْمُسْلِم الَّذِي لَطَمَ الْيَهُودِيّ أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ , وَذَكَرَهُ لِقَوْلِهِ فِيهِ \" أَوْ كَانَ مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّه \" وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَوْله تَعَالَى ( فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّه ) وَقَدْ تَقَدَّمَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6919",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي عِيسَى ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏ ‏يَأْتِيهَا ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏فَيَجِدُ الْمَلَائِكَةَ يَحْرُسُونَهَا فَلَا يَقْرَبُهَا ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏وَلَا الطَّاعُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي الْمَدِينَة وَفِيهِ : وَلَا الطَّاعُون إِنْ شَاءَ اللَّه , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الْفِتَن \" وَشَيْخه إِسْحَاق بْن أَبِي عِيسَى لَيْسَ لَهُ إِلَّا هَذِهِ الرِّوَايَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6920",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ فَأُرِيدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَخْتَبِيَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِل \" كِتَاب الدَّعَوَات \". ‏"
    },
    {
        "id": "6921",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ جَمِيلٍ اللَّخْمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ فَنَزَعْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَنْزِعَ ثُمَّ أَخَذَهَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ‏ ‏فَنَزَعَ ‏ ‏ذَنُوبًا ‏ ‏أَوْ ‏ ‏ذَنُوبَيْنِ ‏ ‏وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ أَخَذَهَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا ‏ ‏فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنْ النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ حَتَّى ‏ ‏ضَرَبَ النَّاسُ حَوْلَهُ بِعَطَنٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيثه بَيْنَا أَنَا نَائِم رَأَيْتنِي عَلَى قَلِيب فَنَزَعْت مَا شَاءَ اللَّه , الْحَدِيث. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي مَنَاقِب عُمَر , وَفِي الْفِتَن وَيَسَرَة شَيْخه بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَالْمُهْمَلَة بِوَزْنِ بَشَرَة بِمُوَحَّدَةٍ وَمُعْجَمَة وَقَوْله فِي السَّنَد : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيِّ وَخَالَفَهُ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ فَقَالَ \" عَنْ صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ \" زَادَ \" بَيْن إِبْرَاهِيم وَالزُّهْرِيّ صَالِحًا \" أَخْرَجَهُ مُسْلِم نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو مَسْعُود وَقَدْ تَعَقَّبَهُ قَبْله الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : إِنَّمَا يُعْرَف عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ صَالِح عَنْ الزُّهْرِيِّ ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَة جَمَاعَة عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد كَذَلِكَ , وَقَالَ يَبْعُدُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْغَلَط , وَقَالَ الْبَرْقَانِيّ : فِي كُلّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيم أَدْخَلَ بَيْنه وَبَيْن الزُّهْرِيِّ صَالِحًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6922",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏بُرَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ وَرُبَّمَا قَالَ جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَالَ ‏ ‏اشْفَعُوا ‏ ‏فَلْتُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى : اِشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَد وَالْمَتْن فِي \" كِتَاب الْأَدَب \" وَشُرِحَ هُنَاكَ , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" وَيَقْضِي اللَّه عَلَى لِسَان رَسُوله مَا شَاءَ أَيْ يُظْهِر اللَّهُ عَلَى لِسَان رَسُوله بِالْوَحْيِ أَوْ الْإِلْهَام مَا قَدَّرَهُ فِي عِلْمه بِأَنَّهُ سَيَقَعُ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6923",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ ‏ ‏وَليَعْزِمْ ‏ ‏مَسْأَلَتَهُ إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا مُكْرِهُ لَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : لَا يَقُلْ أَحَدكُمْ اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي إِنْ شِئْت , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي \" كِتَاب الدَّعَوَات \" مَعَ حَدِيث أَنَس الْمُبْدَأ بِذِكْرِهِ فِي هَذَا الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "6924",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو حَفْصٍ عَمْرٌو ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏تَمَارَى ‏ ‏هُوَ ‏ ‏وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ ‏ ‏فِي ‏ ‏صَاحِبِ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏أَهُوَ ‏ ‏خَضِرٌ ‏ ‏فَمَرَّ بِهِمَا ‏ ‏أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ ‏ ‏فَدَعَاهُ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ إِنِّي ‏ ‏تَمَارَيْتُ ‏ ‏أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي ‏ ‏صَاحِبِ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَذْكُرُ شَأْنَهُ قَالَ نَعَمْ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏بَيْنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فِي مَلَإٍ مِنْ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ فَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏لَا فَأُوحِيَ إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏بَلَى عَبْدُنَا ‏ ‏خَضِرٌ ‏ ‏فَسَأَلَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ فَكَانَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏يَتْبَعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ ‏ ‏فَتَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏لِمُوسَى ‏ { ‏أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا ‏ ‏أَنْسَانِيهِ ‏ ‏إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏ذَلِكَ مَا كُنَّا ‏ ‏نَبْغِي ‏ ‏فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا ‏ ‏قَصَصًا ‏ } ‏فَوَجَدَا ‏ ‏خَضِرًا ‏ ‏وَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب فِي صَاحِب مُوسَى وَالْخَضِر , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي التَّفْسِير , وَتَقَدَّمَ شَيْء مِنْهُ فِي \" كِتَاب الْعِلْم \" وَشَيْخه عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد هُوَ الْمُسْنَدِيّ , وَشَيْخ الْمُسْنَدِيّ أَبُو حَفْص عَمْرو بِفَتْحِ الْعَيْن هُوَ اِبْن أَبِي سَلَمَة التِّنِّيسِيّ بِمُثَنَّاةٍ وَنُون ثَقِيلَة مَكْسُورَة , وَأَبُو سَلَمَة أَبُوهُ لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْله فِيهِ حِكَايَة عَنْ مُوسَى سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّه صَابِرًا , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ قَوْل ذَلِكَ يُرْجَى فِيهِ النَّجْح وَوُقُوع الْمَطْلُوب غَالِبًا وَقَدْ يَتَخَلَّف ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُقَدِّر اللَّه وُقُوعه كَمَا سَيَأْتِي مِثَاله فِي الْحَدِيث الْآخَر. ‏"
    },
    {
        "id": "6925",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَنْزِلُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ‏ ‏بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ ‏ ‏حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ يُرِيدُ ‏ ‏الْمُحَصَّبَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : نَنْزِل غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّه بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمّ مِنْ هَذَا فِي \" كِتَاب الْحَجّ \" وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ أَيْضًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6926",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَبَّاسِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏حَاصَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَهْلَ ‏ ‏الطَّائِفِ ‏ ‏فَلَمْ يَفْتَحْهَا فَقَالَ ‏ ‏إِنَّا ‏ ‏قَافِلُونَ ‏ ‏غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ نَقْفُلُ وَلَمْ نَفْتَحْ قَالَ فَاغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ فَغَدَوْا فَأَصَابَتْهُمْ جِرَاحَاتٌ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّا ‏ ‏قَافِلُونَ ‏ ‏غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَكَأَنَّ ذَلِكَ أَعْجَبَهُمْ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر : حَاصَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّائِف , الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْغَزَوَات وَبَيَان الِاخْتِلَاف عَلَى أَبِي الْعَبَّاس تَابِعَيْهِ هَلْ هُوَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر بِضَمِّ الْعَيْن أَوْ بِفَتْحِهَا وَبَيَان الصَّوَاب مِنْ ذَلِكَ , وَذُكِرَ هُنَا لِقَوْلِهِ إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّه مَرَّتَيْنِ فَمَا قَفَلُوا فِي الْأُولَى وَقَفَلُوا فِي الثَّانِيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6927",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى ‏ ‏صَفْوَانٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏غَيْرُهُ ‏ ‏صَفْوَانٍ ‏ ‏يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ ‏ ‏فَإِذَا ‏ { ‏فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ‏} ‏قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏وَحَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏بِهَذَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَعَمْ قُلْتُ ‏ ‏لِسُفْيَانَ ‏ ‏إِنَّ إِنْسَانًا ‏ ‏رَوَى عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَرْفَعُهُ أَنَّهُ قَرَأَ فُرِّغَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏هَكَذَا قَرَأَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏وَهِيَ قِرَاءَتُنَا ‏",
        "sharh": "‏ ‏( حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه ) ‏ ‏هُوَ الْمَدِينِيّ ‏ ‏\" وَسُفْيَان \" ‏ ‏هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَد وَالْمَتْن فِي تَفْسِير سُورَة الْحِجْر وَسِيَاقه هُنَاكَ أَتَمّ , وَتَقَدَّمَ مُعْظَم شَرْحه هُنَاكَ. ‏ ‏قَوْله ( يَبْلُغ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة سَبَأ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا قَضَى اللَّه الْأَمْر فِي السَّمَاء ) ‏ ‏وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْمَذْكُور أَوَّلًا \" إِذَا تَكَلَّمَ اللَّه بِالْوَحْيِ \" وَكَذَا فِي حَدِيث النَّوَّاس بْن سَمْعَان عِنْد الطَّبَرَانِيّ. ‏ ‏قَوْله ( ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَة بِأَجْنِحَتِهَا ) ‏ ‏فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود \" سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاء الصَّلْصَلَة \". ‏ ‏قَوْله ( خُضْعَانًا ) ‏ ‏مَصْدَر كَقَوْلِهِ غُفْرَانًا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ , وَقَالَ غَيْره هُوَ جَمْع خَاضِع. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ ‏ ‏( وَقَالَ غَيْره صَفْوَان يَنْفُذهُمْ ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض ضَبَطُوهُ بِفَتْحِ الْفَاء مِنْ صَفْوَان , وَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى وَإِنَّمَا أَرَادَ لِغَيْرِ الْمُبْهَم , قَوْله يَنْفُذهُمْ وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمّ الْفَاء أَيْ يَعُمّهُمْ. قُلْت : وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زَيْد عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ بِهَذِهِ الزِّيَادَة وَلَكِنْ لَا يُفَسَّر بِهِ الْغَيْر الْمَذْكُور ; لِأَنَّ الْمُرَاد بِهِ غَيْر سُفْيَان , وَذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِلَفْظِ صَفْوَان يَنْفُذ فِيهِمْ ذَلِكَ بِزِيَادَةِ لَفْظ الْإِنْفَاذ أَيْ يَنْفُذ اللَّه ذَلِكَ الْقَوْل إِلَى الْمَلَائِكَة , أَوْ مِنْ النُّفُوذ أَيْ يَنْفُذ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ أَوْ عَلَيْهِمْ , ثُمَّ قَالَ وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد غَيْر سُفْيَان , قَالَ : إِنَّ صَفْوَان بِفَتْحِ الْفَاء فَالِاخْتِلَاف فِي الْفَتْح وَالسُّكُون , وَيَنْفُذهُمْ غَيْر مُخْتَصّ بِالْغَيْرِ بَلْ مُشْتَرِك بَيْن سُفْيَان وَغَيْره اِنْتَهَى. وَسِيَاق عَلِيّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة يُخَالِف هَذَا الِاحْتِمَال لَكِنْ قَدْ وَقَعَتْ زِيَادَة \" يَنْفُذهُمْ \" فِي الرِّوَايَة الَّتِي ذَكَرْتهَا وَهِيَ عَنْ سُفْيَان فَيَقْوَى مَا قَالَ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عَلِيّ وَحَدَّثَنَا سُفْيَان - إِلَى قَوْله - قَالَ نَعَمْ ) ‏ ‏\" عَلِيّ \" هُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ الْمَذْكُور , وَمُرَاده أَنَّ اِبْن عُيَيْنَةَ كَانَ يَسُوق السَّنَد مَرَّة بِالْعَنْعَنَةِ وَمَرَّة بِالتَّحْدِيثِ وَالسَّمَاع فَاسْتَثْبَتَهُ عَلِيٌّ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ نَعَمْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه الْمَذْكُور فِي تَفْسِير سُورَة الْحِجْر بِصِيغَةِ التَّصْرِيح فِي جَمِيع السَّنَد , وَكَذَا عَنْ الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَان فِي تَفْسِير سَبَأ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ الْمَدِينِيّ أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ إِنْسَانًا رَوَى عَنْ عَمْرو بْن دِينَار - إِلَى أَنْ قَالَ - أَنَّهُ فَرَغَ ) ‏ ‏هُوَ بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَة وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة وَزْن الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة , وَقَدْ ذَكَرْت فِي تَفْسِير سُورَة سَبَأ مَنْ قَرَأَهَا كَذَلِكَ وَوَقَعَ لِلْأَكْثَرِ هُنَا كَالْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَة وَالسِّيَاق يُؤَيِّد الْأَوَّل , وَقَوْله قَالَ سُفْيَان هَكَذَا قَرَأَ \" عَمْرو \" يَعْنِي اِبْن دِينَار. ‏ ‏قَوْله ( فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لَا ) ‏ ‏أَيْ سَمِعَهُ مِنْ عِكْرِمَة أَوْ قَرَأَهَا كَذَلِكَ مِنْ قِبَل نَفْسه بِنَاء عَلَى أَنَّهَا قِرَاءَته وَقَوْل سُفْيَان وَهِيَ قِرَاءَتنَا يُرِيد نَفْسه وَمَنْ تَابَعَهُ. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ فِي تَفْسِير سُورَة الْحِجْر بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور هُنَا بَعْد قَوْله \" وَهُوَ الْعَلِيّ الْكَبِير \" فَسَمِعَهَا مُسْتَرِقُو السَّمْع هَكَذَا إِلَى آخِر مَا ذُكِرَ مِنْ ذَلِكَ , وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّن أَنَّ التَّفْزِيع الْمَذْكُور يَقَع لِلْمَلَائِكَةِ وَأَنَّ الضَّمِير فِي قُلُوبهمْ لِلْمَلَائِكَةِ لَا لِلْكُفَّارِ بِخِلَافِ مَا جَزَمَ بِهِ مَنْ قَدَّمْت ذِكْره مِنْ الْمُفَسِّرِينَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث النَّوَّاس بْن سَمْعَان الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ مَا نَصّه \" أَخَذَتْ أَهْل السَّمَاوَات مِنْهُ رِعْدَة خَوْفًا مِنْ اللَّه وَخَرُّوا سُجَّدًا , فَيَكُون أَوَّل مَنْ يَرْفَع رَأْسه جِبْرِيل فَيُكَلِّمهُ اللَّه بِمَا أَرَادَ فَيَمْضِي بِهِ عَلَى الْمَلَائِكَة مِنْ سَمَاء إِلَى سَمَاء \" وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن مَرْدَوَيْهِ \" كَمَرِّ السِّلْسِلَة عَلَى الصَّفْوَان فَلَا يَنْزِل عَلَى أَهْل السَّمَاء إِلَّا صُعِقُوا فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبهمْ \" إِلَى آخِر الْآيَة ثُمَّ يَقُول : يَكُون الْعَام كَذَا فَيَسْمَعهُ الْجِنّ , وَعِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق بَهْز بْن حَكِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه \" لَمَّا نَزَلَ جِبْرِيل بِالْوَحْيِ فَزِعَ أَهْل السَّمَاء لِانْحِطَاطِهِ , وَسَمِعُوا صَوْت الْوَحْي كَأَشَدّ مَا يَكُون مِنْ صَوْت الْحَدِيد عَلَى الصَّفَا فَيَقُولُونَ : يَا جِبْرِيل بِمَ أُمِرْت \" الْحَدِيث وَعِنْده وَعِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس \" لَمْ تَكُنْ قَبِيلَة مِنْ الْجِنّ إِلَّا وَلَهُمْ مَقَاعِد لِلسَّمْعِ , فَكَانَ إِذَا نَزَلَ الْوَحْي سَمِعَ الْمَلَائِكَة صَوْتًا كَصَوْتِ الْحَدِيدَة أَلْقَيْتهَا عَلَى الصَّفَا فَإِذَا سَمِعَتْ الْمَلَائِكَة ذَلِكَ خَرُّوا سُجَّدًا , فَلَمْ يَرْفَعُوا حَتَّى يَنْزِل فَإِذَا نَزَلَ قَالُوا : مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ ؟ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَكُون فِي السَّمَاء قَالُوا الْحَقّ , وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَكُون فِي الْأَرْض مِنْ غَيْث أَوْ مَوْت تَكَلَّمُوا فِيهِ فَسَمِعَتْ الشَّيَاطِين فَيَنْزِلُونَ عَلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنْ الْإِنْس \" وَفِي لَفْظ فَيَقُولُونَ يَكُون الْعَام كَذَا فَيَسْمَعهُ الْجِنّ فَتُحَدِّثهُ الْكَهَنَة , وَفِي لَفْظ \" يَنْزِل الْأَمْر إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا لَهُ وَقْعَة كَوَقْعِ السِّلْسِلَة عَلَى الصَّخْرَة فَيَفْزَع لَهُ جَمِيع أَهْل السَّمَاوَات \" الْحَدِيث , فَهَذِهِ الْأَحَادِيث ظَاهِرَة جِدًّا فِي أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الدُّنْيَا بِخِلَافِ قَوْل مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الْمُفَسِّرِينَ الَّذِينَ أَقْدَمُوا عَلَى الْجَزْم بِأَنَّ الضَّمِير لِلْكُفَّارِ وَأَنَّ ذَلِكَ يَقَع يَوْم الْقِيَامَة مُخَالِفِينَ لِمَا صَحَّ مِنْ الْحَدِيث النَّبَوِيّ مِنْ أَجْل خَفَاء مَعْنَى الْغَايَة فِي قَوْله \" حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبهمْ \" وَفِي الْحَدِيث إِثْبَات الشَّفَاعَة وَأَنْكَرَهَا الْخَوَارِج وَالْمُعْتَزِلَة , وَهِيَ أَنْوَاع أَثْبَتَهَا أَهْل السُّنَّة مِنْهَا الْخَلَاص مِنْ هَوْل الْمَوْقِف وَهِيَ خَاصَّة بِمُحَمَّدٍ رَسُول اللَّه الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ وَاضِحًا فِي الرِّقَاق , وَهَذِهِ لَا يُنْكِرهَا أَحَد مِنْ فِرَق الْأُمَّة , وَمِنْهَا الشَّفَاعَة فِي قَوْم يَدْخُلُونَ الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب , وَخَصَّ هَذِهِ الْمُعْتَزِلَة بِمَنْ لَا تَبِعَة عَلَيْهِ وَمِنْهَا الشَّفَاعَة فِي رَفْع الدَّرَجَات , وَلَا خِلَاف فِي وُقُوعهَا , وَمِنْهَا الشَّفَاعَة فِي إِخْرَاج قَوْم مِنْ النَّار عُصَاة أُدْخِلُوهَا بِذُنُوبِهِمْ وَهَذِهِ الَّتِي أَنْكَرُوهَا , وَقَدْ ثَبَتَتْ بِهَا الْأَخْبَار الْكَثِيرَة , وَأَطْبَقَ أَهْل السُّنَّة عَلَى قَبُولهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏"
    },
    {
        "id": "6928",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَتَغَنَّى ‏ ‏بِالْقُرْآنِ وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ يُرِيدُ أَنْ يَجْهَرَ بِهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي التَّغَنِّي بِالْقُرْآنِ , وَقَدْ مَضَى شَرْحه فِي فَضَائِل الْقُرْآن , وَقَوْله فِي آخِره \" وَقَالَ صَاحِب لَهُ يَجْهَر بِهِ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يَجْهَر بِالْقُرْآنِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه هُنَاكَ , وَسَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب مِنْ وَجْه آخَر مُدْرَجًا , وَأَشَارَ بِإِيرَادِهِ هُنَا إِلَى حَدِيث فَضَالَة بْن عُبَيْد الَّذِي أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة مَيْسَرَة مَوْلَى فَضَالَة عَنْ فَضَالَة بْن عُبَيْد قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَلَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَشَدُّ أَذَنًا إِلَى الرَّجُل الْحَسَن الصَّوْت بِالْقُرْآنِ مِنْ صَاحِب الْقَيْنَة إِلَى قَيْنَته \" وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي خَلْق أَفْعَال الْعِبَاد عَنْ مَيْسَرَة , وَقَوْله \" أَذَنًا \" بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْمُعْجَمَة أَيْ اِسْتِمَاعًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6929",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ اللَّهُ ‏ ‏يَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ فَيُنَادَى بِصَوْتٍ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي بَعْث النَّار ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر الرِّقَاق , ‏ ‏وَقَوْله \" يَقُول اللَّه يَا آدَم \" ‏ ‏فِي رِوَايَة التَّفْسِير \" يَقُول اللَّه يَوْم الْقِيَامَة يَا آدَم \". ‏ ‏قَوْله ( فَيُنَادِي بِصَوْتٍ إِنَّ اللَّه يَأْمُرك أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتك بَعْثًا إِلَى النَّار ) ‏ ‏هَذَا آخِر مَا أَوْرَدَ مِنْهُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيق , وَقَدْ أَخْرَجَهُ بِتَمَامِهِ فِي تَفْسِير سُورَة الْحَجّ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور هُنَا وَوَقَعَ \" فَيُنَادِي \" مَضْبُوطًا لِلْأَكْثَرِ بِكَسْرِ الدَّال , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ بِفَتْحِهَا عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ وَلَا مَحْذُور فِي رِوَايَة الْجُمْهُور , فَإِنَّ قَرِينَة قَوْله \" إِنَّ اللَّه يَأْمُرك \" تَدُلّ ظَاهِرًا عَلَى أَنَّ الْمُنَادِي مَلَك يَأْمُرهُ اللَّه بِأَنْ يُنَادِي بِذَلِكَ , وَقَدْ طَعَنَ أَبُو الْحَسَن بْن الْفَضْل فِي صِحَّة هَذِهِ الطَّرِيق , وَذَكَرَ كَلَامهمْ فِي حَفْص بْن غِيَاث , وَأَنَّهُ اِنْفَرَدَ بِهَذَا اللَّفْظ عَنْ الْأَعْمَش , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَقَدْ وَافَقَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الْمُحَارِبِيّ عَنْ الْأَعْمَش أَخْرَجَهُ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي كِتَاب السُّنَّة لَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمُحَارِبِيّ , وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب خَلْق أَفْعَال الْعِبَاد عَلَى أَنَّ اللَّه يَتَكَلَّم كَيْف شَاءَ وَأَنَّ أَصْوَات الْعِبَاد مُؤَلَّفَة حَرْفًا حَرْفًا فِيهَا التَّطْرِيب - بِالْهَمْزِ - وَالتَّرْجِيع , بِحَدِيثِ أُمّ سَلَمَة ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيق يَعْلَى بْن مَمْلَك بِفَتْحِ الْمِيم وَاللَّام بَيْنهمَا مِيم سَاكِنَة ثُمَّ كَاف , أَنَّهُ سَأَلَ أُمّ سَلَمَة عَنْ قِرَاءَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَاته فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَفِيهِ وَنَعَتَتْ قِرَاءَته فَإِذَا قِرَاءَته حَرْفًا حَرْفًا وَهَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا , وَاخْتَلَفَ أَهْل الْكَلَام فِي أَنَّ كَلَام اللَّه هَلْ هُوَ بِحَرْفٍ وَصَوْت أَوْ لَا , فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَة : لَا يَكُون الْكَلَام إِلَّا بِحَرْفٍ وَصَوْت وَالْكَلَام الْمَنْسُوب إِلَى اللَّه قَائِم بِالشَّجَرَةِ , وَقَالَتْ الْأَشَاعِرَة كَلَام اللَّه لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلَا صَوْت وَأَثْبَتَتْ الْكَلَام النَّفْسِيّ , وَحَقِيقَته مَعْنًى قَائِم بِالنَّفْسِ وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ عَنْهُ الْعِبَارَة كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْعَجَمِيَّة , وَاخْتِلَافهَا لَا يَدُلّ عَلَى اِخْتِلَاف الْمُعَبَّر عَنْهُ , وَالْكَلَام النَّفْسِيّ هُوَ ذَلِكَ الْمُعَبَّر عَنْهُ , وَأَثْبَتَتْ الْحَنَابِلَة أَنَّ اللَّه مُتَكَلِّم بِحَرْفٍ وَصَوْت , أَمَّا الْحُرُوف فَلِلتَّصْرِيحِ بِهَا فِي ظَاهِر الْقُرْآن , وَأَمَّا الصَّوْت فَمَنْ مَنَعَ قَالَ : إِنَّ الصَّوْت هُوَ الْهَوَاء الْمُنْقَطِع الْمَسْمُوع مِنْ الْحَنْجَرَة , وَأَجَابَ مَنْ أَثْبَتَهُ بِأَنَّ الصَّوْت الْمَوْصُوف بِذَلِكَ هُوَ الْمَعْهُود مِنْ الْآدَمِيِّينَ كَالسَّمْعِ وَالْبَصَر , وَصِفَات الرَّبّ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَم الْمَحْذُور الْمَذْكُور مَعَ اِعْتِقَاد التَّنْزِيه وَعَدَم التَّشْبِيه , وَأَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُون مِنْ غَيْر الْحَنْجَرَة فَلَا يَلْزَم التَّشْبِيه , وَقَدْ قَالَ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن حَنْبَل فِي كِتَاب السُّنَّة : سَأَلْت أَبِي عَنْ قَوْم يَقُولُونَ لَمَّا كَلَّمَ اللَّه مُوسَى لَمْ يَتَكَلَّم بِصَوْتٍ , فَقَالَ لِي أَبِي : بَلْ تَكَلَّمَ بِصَوْتٍ , هَذِهِ الْأَحَادِيث تُرْوَى كَمَا جَاءَتْ وَذَكَرَ حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَغَيْره. ‏"
    },
    {
        "id": "6930",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي فَضْل خَدِيجَة , وَفِيهِ \" وَلَقَدْ أَمَرَهُ اللَّه \" فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالسَّرَخْسِيّ \" وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ \". ‏ ‏قَوْله ( بِبَيْتٍ مِنْ الْجَنَّة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّة \" وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَنَاقِب. ‏"
    },
    {
        "id": "6931",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الصَّمَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ‏ ‏إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏ثُمَّ يُنَادِي ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فِي السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَيُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ اِبْن مَنْصُور وَتَرَدَّدَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ بَيْنه وَبَيْن إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ , وَإِنَّمَا جَزَمْت بِهِ لِقَوْلِهِ حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد فَإِنَّ إِسْحَاق لَا يَقُول إِلَّا أَخْبَرَنَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث الثَّانِي مِنْ بَاب مَا يُكْرَه مِنْ كَثْرَة السُّؤَال فِي \" كِتَاب الِاعْتِصَام \" نَحْو هَذَا وَ \" عَبْد الصَّمَد \" هُوَ اِبْن عَبْد الْوَارِث , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا السَّنَد فِي \" كِتَاب الطَّهَارَة \" حَدِيث آخَر وَقَدْ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج بِأَنَّ \" إِسْحَاق \" الْمَذْكُور فِيهِ هُوَ اِبْن مَنْصُور , وَتَكَلَّمْت عَلَى سَنَده هُنَاكَ وَهُوَ فِي بَاب الْمَاء الَّذِي يُغْسَل بِهِ شَعْر الْإِنْسَان. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ اللَّه قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا ) ‏ ‏كَذَا هُنَا بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمَاضِي , وَفِي رِوَايَة نَافِع عَنْ أَبِي هُرَيْرَة الْمَاضِيَة فِي الْأَدَب \" إِنَّ اللَّه يُحِبّ فُلَانًا \" بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَة , وَفِي الْأَوَّل إِشَارَة إِلَى سَبْق الْمَحَبَّة عَلَى النِّدَاء , وَفِي الثَّانِي إِشَارَة إِلَى اِسْتِمْرَار ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ فِي \" كِتَاب الْأَدَب \" قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : فِي تَعْبِيره عَنْ كَثْرَة الْإِحْسَان بِالْحُبِّ تَأْنِيس الْعِبَاد وَإِدْخَال الْمَسَرَّة عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْعَبْد إِذَا سَمِعَ عَنْ مَوْلَاهُ أَنَّهُ يُحِبّهُ حَصَلَ عَلَى أَعْلَى السُّرُور عِنْده وَتَحَقَّقَ بِكُلِّ خَيْر , ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى لِمَنْ فِي طَبْعه فُتُوَّة وَمُرُوءَة وَحُسْن إِنَابَة كَمَا قَالَ تَعَالَى ( وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ) وَأَمَّا مَنْ فِي نَفْسه رُعُونَة وَلَهُ شَهْوَة غَالِبَة فَلَا يَرُدُّهُ إِلَّا الزَّجْر بِالتَّعْنِيفِ وَالضَّرْب , قَالَ : وَفِي تَقْدِيم الْأَمْر بِذَلِكَ لِجِبْرِيل قَبْل غَيْره مِنْ الْمَلَائِكَة إِظْهَار لِرَفِيعِ مَنْزِلَته عِنْد اللَّه تَعَالَى عَلَى غَيْره مِنْهُمْ , قَالَ : وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى تَوْفِيَة أَعْمَال الْبِرّ عَلَى اِخْتِلَاف أَنْوَاعهَا فَرْضهَا وَسُنَّتهَا , وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَيْضًا كَثْرَة التَّحْذِير عَنْ الْمَعَاصِي وَالْبِدَع ; لِأَنَّهَا مَظِنَّة السَّخَط وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏"
    },
    {
        "id": "6932",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَتَعَاقَبُونَ ‏ ‏فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ ‏ ‏كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ \" الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل \" كِتَاب الصَّلَاة \" وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" فَيَسْأَلهُمْ وَهُوَ أَعْلَم بِهِمْ \" أَيْ مِنْ الْمَلَائِكَة , وَلَيْسَ فِي رِوَايَة مَالِك الْمَذْكُورَة هُنَا التَّصْرِيح بِتَسْمِيَةِ الَّذِي يَسْأَل , وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ فِي بَعْض طُرُقه فِي الصَّلَاة بِلَفْظِ \" فَيَسْأَلهُمْ رَبّهمْ \" وَهِيَ مِنْ رِوَايَة مَالِك أَيْضًا , وَالْمَشْهُور عِنْد جُمْهُور رُوَاة مَالِك حَذْفهَا , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَيَسْأَلهُمْ رَبُّهُمْ \" وَقَدْ ذَكَرْت لَفْظه هُنَاكَ , وَتَقَدَّمَ الْقَوْل فِي الْعُرُوج فِي بَاب تَعْرُجُ الْمَلَائِكَة وَالرُّوح إِلَيْهِ قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6933",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏وَاصِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمَعْرُورِ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا ذَرٍّ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَانِي ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ وَاصِل ) ‏ ‏هُوَ الْمَعْرُوف بِالْأَحْدَبِ وَالْمَعْرُور بِمُهْمَلَاتٍ. ‏ ‏قَوْله ( أَتَانِي جِبْرِيل فَبَشَّرَنِي ) ‏ ‏هُوَ طَرَف مِنْ حَدِيث تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ مَشْرُوحًا فِي كِتَاب الرِّقَاق. ‏ ‏قَوْله ( وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَإِنْ سَرَقَ وَزَنَى \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَفِي مُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ غُمُوض , وَكَأَنَّهُ مِنْ جِهَة أَنَّ جِبْرِيل إِنَّمَا يُبَشِّر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرٍ يَتَلَقَّاهُ عَنْ رَبّه عَزَّ وَجَلَّ , فَكَأَنَّ اللَّه سُبْحَانه قَالَ لَهُ : بَشِّرْ مُحَمَّدًا بِأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّته لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة فَبَشَّرَهُ بِذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6934",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْأَحْوَصِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا فُلَانُ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ ‏ ‏اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ فِي لَيْلَتِكَ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ أَجْرًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث الْبَرَاء فِي الْقَوْل عِنْد النَّوْم , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب الْأَدْعِيَة \" وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" آمَنْت بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت \". ‏"
    },
    {
        "id": "6935",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ الْأَحْزَابِ ‏ ‏اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اهْزِمْ الْأَحْزَابَ وَزَلْزِلْ بِهِمْ ‏ ‏زَادَ ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الْجِهَاد \" وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا \" اللَّهُمَّ مُنْزِل الْكِتَاب \" وَقَوْله فِي آخِره \" وَزَلْزِلْهُمْ \" فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" وَزَلْزِلْ بِهِمْ \". ‏ ‏قَوْله ( زَادَ الْحُمَيْدِيّ : حَدَّثَنَا سُفْيَان إِلَى آخِر السَّنَد ) ‏ ‏مُرَاده بِالزِّيَادَةِ التَّصْرِيح الْوَاقِع فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ لِسُفْيَان وَإِسْمَاعِيل وَعَبْد اللَّه , بِخِلَافِ رِوَايَة قُتَيْبَة فَإِنَّهَا بِالْعَنْعَنَةِ فِي الثَّلَاثَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده هَكَذَا , وَأَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيقه , وَقَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ قُتَيْبَة وَالْحُمَيْدِيّ وَظَاهِره أَنَّ الْبُخَارِيّ جَمَعَ بَيْنهمَا فِي سِيَاقه وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6936",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هُشَيْمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ { ‏وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ‏} ‏قَالَ أُنْزِلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُتَوَارٍ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَكَانَ إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ فَسَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ‏} { ‏لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ‏} ‏حَتَّى يَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ ‏ { ‏وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ‏} ‏عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ ‏ { ‏وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ‏} ‏أَسْمِعْهُمْ وَلَا تَجْهَرْ حَتَّى يَأْخُذُوا عَنْكَ الْقُرْآنَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ( وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ) أُنْزِلَتْ وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَارٍ بِمَكَّة الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي آخِر تَفْسِير سُورَة سُبْحَان , وَالْمُرَاد مِنْهُ هُنَا قَوْله \" أُنْزِلَتْ \" وَالْآيَات الْمُصَرِّحَة بِلَفْظِ الْإِنْزَال وَالتَّنْزِيل فِي الْقُرْآن كَثِيرَة , قَالَ الرَّاغِب : الْفَرْق بَيْن الْإِنْزَال وَالتَّنْزِيل فِي وَصْف الْقُرْآن وَالْمَلَائِكَة أَنَّ التَّنْزِيل يَخْتَصّ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يُشِير إِلَى إِنْزَاله مُتَفَرِّقًا وَمَرَّة بَعْد أُخْرَى , وَالْإِنْزَال أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقَدْر ) قَالَ الرَّاغِب : عَبَّرَ بِالْإِنْزَالِ دُون التَّنْزِيل ; لِأَنَّ الْقُرْآن نَزَلَ دَفْعَة وَاحِدَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا ثُمَّ نَزَلَ بَعْد ذَلِكَ شَيْئًا فَشَيْئًا , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( حم وَالْكِتَاب الْمُبِين إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة ) وَمِنْ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ( وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأهُ عَلَى النَّاس عَلَى مُكْثٍ , وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ) وَيُؤَيِّد التَّفْصِيل قَوْله تَعَالَى ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَالْكِتَاب الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُوله وَالْكِتَاب الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْل ) فَإِنَّ الْمُرَاد بِالْكِتَابِ الْأَوَّل الْقُرْآن وَبِالثَّانِي مَا عَدَاهُ , وَالْقُرْآن نَزَلَ نُجُومًا إِلَى الْأَرْض بِحَسَب الْوَقَائِع بِخِلَافِ غَيْره مِنْ الْكُتُب , وَيَرِد عَلَى التَّفْصِيل الْمَذْكُور قَوْله تَعَالَى ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآن جُمْلَة وَاحِدَة ) وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَطْلَقَ نُزِّلَ مَوْضِع أَنْزَلَ , قَالَ : وَلَوْلَا هَذَا التَّأْوِيل لَكَانَ مُتَدَافِعًا لِقَوْلِهِ \" جُمْلَة وَاحِدَة \" , وَهَذَا بَنَاهُ هَذَا الْقَائِل عَلَى أَنَّ نُزِّلَ بِالتَّشْدِيدِ يَقْتَضِي التَّفْرِيق فَاحْتَاجَ إِلَى اِدِّعَاء مَا ذَكَرَ , وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ غَيْره : إِنَّ الضَّعِيف لَا يَسْتَلْزِم حَقِيقَة التَّكْثِير بَلْ يَرِد لِلتَّعْظِيمِ , وَهُوَ فِي حُكْم التَّكْثِير مَعْنًى فَبِهَذَا يُدْفَع الْإِشْكَال. ‏"
    },
    {
        "id": "6937",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ ‏يُؤْذِينِي ابْنُ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. قَوْله ( قَالَ اللَّه يُؤْذِينِي اِبْن آدَم يَسُبُّ الدَّهْر ) الْحَدِيث وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا إِثْبَات إِسْنَاد الْقَوْل إِلَيْهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى وَقَوْله \" يُؤْذِينِي \" أَيْ يَنْسُبُ إِلَيَّ مَا لَا يَلِيق بِي , وَتَقَدَّمَ لَهُ تَوْجِيه آخَر فِي تَفْسِير سُورَة الْجَاثِيَة مَعَ سَائِر مَبَاحِثه وَهُوَ مِنْ الْأَحَادِيث الْقُدْسِيَّة , وَكَذَا مَا بَعْده إِلَى آخِر الْخَامِس. ‏"
    },
    {
        "id": "6938",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ ‏الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي وَالصَّوْمُ ‏ ‏جُنَّةٌ ‏ ‏وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا. قَوْله ( يَقُول اللَّه تَعَالَى : الصَّوْم لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ) وَفِيهِ \" وَالصَّوْم جُنَّة , وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ \" وَفِيهِ \" وَلَخُلُوفُ فَم الصَّائِم \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب الصِّيَام \" وَقَوْله فِي السَّنَد \" ‏ ‏حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم \" ‏ ‏يُرِيد الْفَضْل بْن دُكَيْنِ الْكُوفِيّ الْحَافِظ الْمَشْهُور الْقَدِيم , وَلَيْسَ هُوَ الْحَافِظ الْمُتَأَخِّر صَاحِب الْحِلْيَة وَالْمُسْتَخْرَج , ‏ ‏وَقَوْله \" حَدَّثَنَا الْأَعْمَش \" ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا لِأَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن فَوَقَعَ عِنْده \" حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا سُفْيَان - وَهُوَ الثَّوْرِيّ - حَدَّثَنَا الْأَعْمَش \" زَادَ فِيهِ الثَّوْرِيّ قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : وَالصَّوَاب قَوْل مَنْ خَالَفَهُ مِنْ سَائِر الرُّوَاة , وَرَأَيْت فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ عَنْ أَبِي الْمَرْوَزِيّ \" حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم \" أُرَاهُ \" حَدَّثَنَا سُفْيَان الثَّوْرِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد \" فَحَذَفَ لَفْظ قَالَ بَيْن قَوْله \" أُرَاهُ , وَحَدَّثَنَا \" وَأُرَاهُ بِضَمِّ الْهَمْزَة أَيْ أَظُنّهُ , وَأَبُو نُعَيْم سَمِعَ مِنْ الْأَعْمَش وَمِنْ السُّفْيَانَيْنِ عَنْ الْأَعْمَش لَكِنَّ سُفْيَان الْمَذْكُور هُنَا هُوَ الثَّوْرِيّ جَزْمًا , وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوت ذَلِكَ فَقَائِل \" أُرَاهُ \" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْبُخَارِيّ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَنْ دُونه وَهُوَ الرَّاجِح , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ رِوَايَة الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة عَنْ أَبِي نُعَيْم عَنْ الْأَعْمَش بِدُونِ الْوَاسِطَة وَهَذَا مِنْ أَعْلَى مَا وَقَعَ لِأَبِي نُعَيْم مِنْ الْعَوَالِي فِي هَذَا الْجَامِع الصَّحِيح. ‏"
    },
    {
        "id": "6939",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ بَيْنَمَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ ‏ ‏يَحْثِي ‏ ‏فِي ثَوْبِهِ فَنَادَى رَبُّهُ يَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قَالَ بَلَى يَا رَبِّ وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا فِي اِغْتِسَال أَيُّوب عَلَيْهِ السَّلَام عُرْيَانًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" كِتَاب الطَّهَارَة \" وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله \" فَنَادَاهُ رَبُّهُ \" إِلَى آخِره. ‏"
    },
    {
        "id": "6940",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا , ‏ ‏قَوْله ( يَتَنَزَّل رَبُّنَا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَنَّاةٍ وَتَشْدِيد , وَلِأَبِي ذَرّ عَنْ الْمُسْتَمْلِيّ وَالسَّرَخْسِيّ \" يَنْزِل \" بِحَذْفِ التَّاء وَالتَّخْفِيف , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب التَّهَجُّد \" فِي بَاب الدُّعَاء فِي الصَّلَاة فِي آخِر اللَّيْل , وَتَرْجَمَ لَهُ فِي الدَّعَوَات \" الدُّعَاء نِصْف اللَّيْل \" وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ مُنَاسَبَة التَّرْجَمَة لِحَدِيثِ الْبَاب مَعَ أَنَّ لَفْظه \" حِين يَبْقَى ثُلُث اللَّيْل \" وَمَضَى بَيَان الِاخْتِلَاف فِيمَا يَتَعَلَّق بِأَحَادِيث الصِّفَات فِي أَوَائِل \" كِتَاب التَّوْحِيد \" فِي بَاب وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله \" فَيَقُول مَنْ يَدْعُونِي \" إِلَى آخِره وَهُوَ ظَاهِر فِي الْمُرَاد سَوَاء كَانَ الْمُنَادِي بِهِ مَلَكًا بِأَمْرِهِ أَوْ لَا ; لِأَنَّ الْمُرَاد إِثْبَات نِسْبَة الْقَوْل إِلَيْهِ وَهِيَ حَاصِلَة عَلَى كُلّ مِنْ الْحَالَتَيْنِ , وَقَدْ نَبَّهْت عَلَى مَنْ أَخْرَجَ الزِّيَادَة الْمُصَرِّحَة بِأَنَّ اللَّه يَأْمُر مَلَكًا فَيُنَادِي فِي \" كِتَاب التَّهَجُّد \" وَتَأْوِيل اِبْن حَزْم النُّزُول بِأَنَّهُ فِعْل يَفْعَلهُ اللَّه فِي سَمَاء الدُّنْيَا كَالْفَتْحِ لِقَبُولِ الدُّعَاء وَأَنَّ تِلْكَ السَّاعَة مِنْ مَظَانّ الْإِجَابَة وَهُوَ مَعْهُود فِي اللُّغَة , تَقُول : فُلَان نَزَلَ لِي عَنْ حَقّه بِمَعْنَى وَهَبَهُ , قَالَ : وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهَا صِفَة فِعْل تَعْلِيقه بِوَقْتٍ مَحْدُود وَمَنْ لَمْ يَزَلْ لَا يَتَعَلَّق بِالزَّمَانِ فَصَحَّ أَنَّهُ فِعْل حَادِث , وَقَدْ عَقَدَ شَيْخ الْإِسْلَام أَبُو إِسْمَاعِيل الْهَرَوِيُّ وَهُوَ مِنْ الْمُبَالِغِينَ فِي الْإِثْبَات حَتَّى طَعَنَ فِيهِ بَعْضهمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي كِتَابه الْفَارُوق بَابًا لِهَذَا الْحَدِيث , وَأَوْرَدَهُ مِنْ طُرُق كَثِيرَة ثُمَّ ذَكَرَهُ مِنْ طُرُق زَعَمَ أَنَّهَا لَا تَقْبَل التَّأْوِيل مِثْل حَدِيث عَطَاء مَوْلَى أُمّ صَبِيَّة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ \" إِذَا ذَهَبَ ثُلُث اللَّيْل \" وَذَكَرَ الْحَدِيث وَزَادَ \" فَلَا يَزَال بِهَا حَتَّى يَطْلُع الْفَجْر فَيَقُول هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَاب لَهُ \" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه وَهُوَ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَفِيهِ اِخْتِلَاف , وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود وَفِيهِ \" فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْر صَعِدَ إِلَى الْعَرْش \" أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَهُوَ مِنْ رِوَايَة إِبْرَاهِيم الْهِجْرِيّ وَفِيهِ مَقَال , وَأَخْرَجَهُ أَبُو إِسْمَاعِيل مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ \" جَاءَ رَجُل مِنْ بَنِي سُلَيْم إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عَلِّمْنِي \" فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ \" فَإِذَا اِنْفَجَرَ الْفَجْر صَعِدَ \" وَهُوَ مِنْ رِوَايَة عَوْن بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ بْن مَسْعُود عَنْ عَمّ أَبِيهِ وَلَمْ يَسْمَع مِنْهُ , وَمِنْ حَدِيث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت وَفِي آخِره \" ثُمَّ يَعْلُو رَبّنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ \" وَهُوَ مِنْ رِوَايَة إِسْحَاق بْن يَحْيَى عَنْ عُبَادَةَ وَلَمْ يَسْمَع مِنْهُ , وَمِنْ حَدِيث جَابِر وَفِيهِ \" ثُمَّ يَعْلُو رَبّنَا إِلَى السَّمَاء الْعُلْيَا إِلَى كُرْسِيّه \" وَهُوَ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْجَعْفَرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَلَمَة بْن أَسْلَمَ وَفِيهِمَا مَقَال , وَمِنْ حَدِيث أَبِي الْخَطَّاب \" أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِتْر \" فَذَكَرَ الْوِتْر وَفِي آخِره \" حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْر اِرْتَفَعَ \" وَهُوَ مِنْ رِوَايَة ثُوَيْر بْن أَبِي فَاخِتَة وَهُوَ ضَعِيف , فَهَذِهِ الطُّرُق كُلّهَا ضَعِيفَة وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوتهَا لَا يُقْبَل قَوْله أَنَّهَا لَا تَقْبَل التَّأْوِيل فَإِنَّ مُحَصَّلهَا ذِكْر الصُّعُود بَعْد النُّزُول فَكَمَا قَبِلَ النُّزُول التَّأْوِيل لَا يَمْنَع قَبُول الصُّعُود التَّأْوِيل , وَالتَّسْلِيم أَسْلَمُ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَم. وَقَدْ أَجَادَ هُوَ فِي قَوْله فِي آخِر كِتَابه فَأَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ مِنْ الصِّفَات وَكُلّهَا مِنْ التَّقْرِيب لَا مِنْ التَّمْثِيل , وَفِي مَذَاهِب الْعَرَب سَعَة , يَقُولُونَ أَمْر بَيِّنٌ كَالشَّمْسِ وَجَوَاد كَالرِّيحِ وَحَقّ كَالنَّهَارِ , وَلَا تُرِيد تَحْقِيق الِاشْتِبَاه وَإِنَّمَا تُرِيد تَحْقِيق الْإِثْبَات وَالتَّقْرِيب عَلَى الْأَفْهَام , فَقَدْ عَلِمَ مَنْ عَقَلَ أَنَّ الْمَاء أَبْعَد الْأَشْيَاء شَبَهًا بِالصَّخْرِ , وَاَللَّه يَقُول ( فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ ) فَأَرَادَ الْعِظَم وَالْعُلُوّ لَا الشَّبَه فِي الْحَقِيقَة , وَالْعَرَب تُشَبِّهُ الصُّورَة بِالشَّمْسِ وَالْقَمَر , وَاللَّفْظ بِالسِّحْرِ , وَالْمَوَاعِيد الْكَاذِبَة بِالرِّيَاحِ , وَلَا تَعُدّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَذِبًا وَلَا تُوجِب حَقِيقَة وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6941",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْأَعْرَجَ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم الْقِيَامَة , وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ اللَّه أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْك ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي الْحِكْمَة فِي تَصْدِيره هَذَا الْحَدِيث بِقَوْلِهِ \" نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ \" فِي \" كِتَاب الدِّيَات \" فِي بَاب مَنْ أَخَذَ حَقّه أَوْ اِقْتَصَّ , وَحَاصِله أَنَّهُ أَوَّل حَدِيث فِي النُّسْخَة فَكَانَ الْبُخَارِيّ أَحْيَانًا إِذَا سَاقَ مِنْهَا حَدِيثًا ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ أَوَّل حَدِيث فِيهَا ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيث الَّذِي يُرِيد إِيرَاده , وَأَحْيَانًا لَا يَصْنَع ذَلِكَ , وَقَدْ وَقَعَ لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ كُلّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ , فَإِنَّ هَذَا الْقَدْر وَهُوَ قَوْله \" أَنْفِقْ أُنْفِق عَلَيْك \" طَرَف مِنْ حَدِيث طَوِيل أَوْرَدَهُ بِتَمَامِهِ فِي تَفْسِير سُورَة هُود , وَفِيهِ \" وَقَالَ : يَد اللَّه مَلْأَى لَا يَغِيضهَا نَفَقَة \" الْحَدِيث بِتَمَامِهِ , وَاقْتَطَعَ هَذَا الْقَدْر فَسَاقَهُ فِي بَاب قَوْله تَعَالَى \" لِمَا خَلَقْت بِيَدَيَّ \" فَذَكَرَ أَوَّله \" يَد اللَّه مَلْأَى \" وَلَمْ يَذْكُر أَوَّله \" نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ \" وَلَا \" أَنْفِقْ أُنْفِق عَلَيْك \" وَاقْتَصَرَ مِنْهُ هُنَا عَلَى هَذَا الْقَدْر , وَوَقَعَ فِي الْأَطْرَاف لِلْمِزِّيِّ فِي تَرْجَمَة شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة لِلْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِير وَفِي التَّوْحِيد بِجَمِيعِهِ عَنْ أَبِي الْيَمَان عَنْ شُعَيْب اِنْتَهَى , وَالْمَفْهُوم مِنْ إِطْلَاقه أَنَّهُ فِي التَّوْحِيد نَظِير مَا فِي التَّفْسِير وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَالْغَرَض مِنْ هَذَا الْحَدِيث نِسْبَة هَذَا الْقَوْل إِلَى اللَّه سُبْحَانه وَهُوَ قَوْله \" أَنْفِقْ أُنْفِق عَلَيْك \" وَهُوَ مِنْ الْأَحَادِيث الْقُدْسِيَّة. ‏"
    },
    {
        "id": "6942",
        "content": "‏ ‏وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ اللَّهُ ‏ ‏أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6943",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هَذِهِ ‏ ‏خَدِيجَةُ ‏ ‏أَتَتْكَ بِإِنَاءٍ فِيهِ طَعَامٌ أَوْ إِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ فَأَقْرِئْهَا مِنْ رَبِّهَا السَّلَامَ وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ لَا ‏ ‏صَخَبَ ‏ ‏فِيهِ وَلَا ‏ ‏نَصَبَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( اِبْن فُضَيْلٍ ) ‏ ‏هُوَ مُحَمَّد. ‏ ‏قَوْله ( عُمَارَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن الْقَعْقَاع بْن شُبْرُمَةَ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ هَذِهِ خَدِيجَة ) ‏ ‏كَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا , وَالْقَائِل جِبْرِيل كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَاب تَزْوِيج خَدِيجَة فِي أَوَاخِر الْمَنَاقِب عَنْ قُتَيْبَة بْن سَعِيد عَنْ مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ بِهَذَا السَّنَد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : أَتَى جِبْرِيل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه هَذِهِ خَدِيجَة إِلَى آخِره , وَبِهَذَا يَظْهَر أَنَّ جَزْم الْكَرْمَانِيِّ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث مَوْقُوف غَيْر مَرْفُوع مَرْدُودٌ. ‏ ‏قَوْله ( أَتَتْك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ هُنَا \" تَأْتِيك \" بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمُضَارِع وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ بِلَفْظِ \" أَتَتْ \" بِغَيْرِ ضَمِيرٍ. ‏ ‏قَوْله ( بِإِنَاءٍ فِيهِ طَعَام أَوْ إِنَاء أَوْ شَرَاب ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَصِيلِيّ وَأَبِي ذَرّ , وَفِي رِوَايَة لِأَبِي ذَرّ \" أَوْ إِنَاء فِيهِ شَرَاب \" وَكَذَا لِلْبَاقِينَ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ بِلَفْظِ \" إِدَام أَوْ طَعَام أَوْ شَرَاب \" وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ قَوْله \" بِإِنَاءٍ فِيهِ طَعَام أَوْ إِنَاء \" شَكّ مِنْ الرَّاوِي هَلْ قَالَ فِيهِ طَعَام أَوْ قَالَ إِنَاء فَقَطْ لَمْ يَذْكُر مَا فِيهِ , وَيَجُوز فِي قَوْله \" أَوْ شَرَاب \" الرَّفْع وَالْجَرّ. ‏ ‏قَوْله ( فَأَقْرِئْهَا ) ‏ ‏زَادَ فِي رِوَايَة قُتَيْبَة \" فَإِذَا هِيَ أَتَتْك فَاقْرَأْ عَلَيْهَا \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه فِي الْبَاب الْمَذْكُور وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله \" فَأَقْرِئْهَا مِنْ رَبّهَا السَّلَام \" وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ حَدِيث عَائِشَة وَفِيهِ \" وَأَمَرَهُ اللَّه أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَب \" وَتَقَدَّمَ شَرْح الْمُرَاد بِالْقَصَبِ وَمُطَابَقَته لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة اِقْرَأْ السَّلَام فَإِنَّهُ بِمَعْنَى التَّسْلِيم عَلَيْهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6944",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ قَالَ اللَّهُ ‏ ‏أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : قَالَ اللَّهُ أَعْدَدْت لِعِبَادِي وَهُوَ مِنْ الْأَحَادِيث الْقُدْسِيَّة , وَالْإِضَافَة فِي قَوْله تَعَالَى : لِعِبَادِي لِلتَّشْرِيفِ , وَتَقَدَّمَ شَرْحه فِي تَفْسِير سُورَة السَّجْدَة وَسِيَاقه هُنَاكَ أَتَمّ. ‏"
    },
    {
        "id": "6945",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَحْمُودٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏طَاوُسًا ‏ ‏أَخْبَرَهُ أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا تَهَجَّدَ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ أَنْتَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ وَلِقَاؤُكَ الْحَقُّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الدُّعَاء فِي التَّهَجُّد فِي اللَّيْل وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَاب قَوْله تَعَالَى ( خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ ) أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله \" وَقَوْلك الْحَقّ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَقِّ اللَّازِم الثَّابِت. ‏"
    },
    {
        "id": "6946",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الزُّهْرِيَّ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ ‏ ‏وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ‏ ‏وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏وَلَكِنِّي وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ فِي بَرَاءَتِي وَحْيًا يُتْلَى وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ ‏} ‏الْعَشْرَ الْآيَاتِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الْإِفْك ذَكَرَ مِنْهُ طَرَفًا , وَقَدْ ذَكَرَ مِنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد قِطَعًا يَسِيرَة فِي سِتَّة مَوَاضِع مِنْهَا فِي الْجِهَاد وَالشَّهَادَات وَالتَّفْسِير وَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ فِي الشَّهَادَات وَفِي تَفْسِير سُورَة النُّور وَتَقَدَّمَ شَرْحه فِيهَا , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْلهَا \" وَاَللَّه مَا كُنْت أَظُنّ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كَانَ يُنَزِّل فِي بَرَاءَتِي وَحْيًا يُتْلَى \" وَمُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَة مِنْ قَوْلهَا \" يَتَكَلَّم اللَّه \". ‏"
    },
    {
        "id": "6947",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ يَقُولُ اللَّهُ ‏ ‏إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَقُول اللَّه تَعَالَى : إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَل سَيِّئَة فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلهَا ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الرِّقَاق فِي بَاب \" مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ سَيِّئَة \" وَهُوَ مِنْ الْأَحَادِيث الْقُدْسِيَّة أَيْضًا , وَكَذَا الْأَرْبَعَة بَعْده , وَمُنَاسَبَته لِلْبَابِ ظَاهِرَة أَيْضًا , وَقَوْله \" فَإِذَا عَمِلَهَا \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَإِنْ \" وَقَوْله فِي آخِره \" إِلَى سَبْعمِائَة \" زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيّ \" ضِعْف \" وَهِيَ ثَابِتَة لِلْجَمِيعِ فِي آخِر حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الرِّقَاق , وَاسْتَدَلَّ بِمَفْهُومِ الْغَايَة فِي قَوْله \" فَلَا تَكْتُبُوهَا حَتَّى يَعْمَلهَا \" وَبِمَفْهُومِ الشَّرْط فِي قَوْله \" فَإِذَا عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا \" مَنْ قَالَ : إِنَّ الْعَزْم عَلَى فِعْل الْمَعْصِيَة لَا يُكْتَب سَيِّئَة حَتَّى يَقَع الْعَمَل وَلَوْ بِالشُّرُوعِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6948",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتْ الرَّحِمُ فَقَالَ مَهْ قَالَتْ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ فَقَالَ ‏ ‏أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ قَالَتْ بَلَى يَا رَبِّ قَالَ فَذَلِكِ لَكِ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ { ‏فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا فِيمَا يَتَعَلَّق بِالرَّحِمِ وَفِيهِ قَالَ \" أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَك \" وَفِيهِ \" قَالَتْ : بَلَى يَا رَبّ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَائِل \" كِتَاب الْأَدَب \" , ‏ ‏وَ \" إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه \" ‏ ‏شَيْخه هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , ‏ ‏وَ \" سُلَيْمَان \" ‏ ‏هُوَ اِبْن بِلَال , وَصَرَّحَ إِسْمَاعِيل بِتَحْدِيثِهِ لَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ حَدِيث فِي بَاب الْمَشِيئَة وَالْإِرَادَة أَدْخَلَ فِيهِ أَخَاهُ بَيْنه وَبَيْن سُلَيْمَان الْمَذْكُور , قَالَ النَّوَوِيّ : الرَّحِم الَّتِي تُوصَل وَتُقْطَع إِنَّمَا هِيَ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي لَا يَتَأَتَّى مِنْهَا الْكَلَام إِذْ هِيَ قَرَابَة تَجْمَعهَا رَحِم وَاحِدَة فَيَتَّصِل بَعْضهَا بِبَعْضٍ , فَالْمُرَاد تَعْظِيم شَأْنهَا وَبَيَان فَضِيلَة مَنْ وَصَلَهَا وَإِثْم مَنْ قَطَعَهَا فَوَرَدَ الْكَلَام عَلَى عَادَة الْعَرَب فِي اِسْتِعْمَال الِاسْتِعَارَات , وَقَالَ غَيْره يَجُوز حَمْله عَلَى ظَاهِره وَتَجَسُّد الْمَعَانِي غَيْر مُمْتَنِع فِي الْقُدْرَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6949",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُطِرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ قَالَ اللَّهُ ‏ ‏أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏حَدِيث \" زَيْد بْن خَالِد \" ‏ ‏وَهُوَ الْجُهَنِيّ ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيث مَضَى بِتَمَامِهِ فِي آخِر الِاسْتِسْقَاء مَعَ شَرْحه , ‏ ‏وَ \" سُفْيَان \" ‏ ‏فِيهِ هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , ‏ ‏وَ \" صَالِح \" ‏ ‏هُوَ اِبْن كَيْسَانَ , ‏ ‏وَ \" عُبَيْد اللَّه \" ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَةَ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَة وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَبَّاد وَأَبُو نُعَيْم مِنْ رِوَايَة إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ثَلَاثَتهمْ عَنْ سُفْيَان وَذَكَرْت مَا فِي سِيَاقه مِنْ فَائِدَة هُنَاكَ , وَقَوْله هُنَا \" مُطِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" بِضَمِّ الْمِيم أَيْ وَقَعَ الْمَطَر بِدُعَائِهِ أَوْ نُسِبَ ذَلِكَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ مَنْ عَدَاهُ كَانَ تَبَعًا لَهُ يُقَال مَطَرَتْ السَّمَاء وَأَمْطَرَتْ بِمَعْنًى وَاحِد , وَقِيلَ مَطَرَتْ فِي الرَّحْمَة وَأَمْطَرَتْ فِي الْعَذَاب , وَقِيلَ مَطَرَتْ فِي اللَّازِم وَأَمْطَرَتْ فِي الْمُتَعَدِّي. ‏"
    },
    {
        "id": "6950",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ قَالَ اللَّهُ ‏ ‏إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي بَابَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاء اللَّه مِنْ \" كِتَاب الرِّقَاق \" بِعَوْنِ اللَّه تَعَالَى , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ بَعْد أَنْ أَوْرَدَ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي تَخْصِيص ذَلِكَ بِوَقْتِ الْوَفَاة النَّبَوِيَّة : دَلَّتْ هَذِهِ الْآثَار أَنَّ ذَلِكَ عِنْد حُضُور الْمَوْت وَمُعَايَنَة مَا هُنَالِكَ وَذَلِكَ حِين لَا تُقْبَل تَوْبَة التَّائِب إِنْ لَمْ يَتُبْ قَبْل ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "6951",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ قَالَ اللَّهُ ‏ ‏أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( قَالَ اللَّه أَنَا عِنْد ظَنّ عَبْدِي بِي ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل التَّوْحِيد فِي بَاب : وَيُحَذِّركُمْ اللَّه نَفْسه مِنْ رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَأَوَّله \" يَقُول اللَّه \" وَزَادَ \" وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي \" الْحَدِيث , وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى. ‏"
    },
    {
        "id": "6952",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْرَجِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ فَإِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ وَاذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ثُمَّ قَالَ لِمَ فَعَلْتَ قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ فَغَفَرَ لَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا فِي قِصَّة الَّذِي أَمَرَ بِأَنْ يُحَرِّقُوهُ إِذَا مَاتَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الرِّقَاق , وَمِنْ قَبْل ذَلِكَ فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل وَيَأْتِي شَيْء مِنْهُ فِي آخِر هَذَا الْبَاب , وَقَوْله \" فِي هَذِهِ الطَّرِيق \" قَالَ رَجُل لَمْ يَعْمَل خَيْرًا قَطُّ إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ , فِيهِ اِلْتِفَاتٌ وَنَسَق الْكَلَام أَنْ يَقُول : إِذَا مُتّ فَحَرِّقُونِي , وَقَوْله \" فَأَمَرَ اللَّه الْبَحْر لِيَجْمَع \" فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ والْكُشْمِيهَنِيّ \" فَجَمَعَ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6953",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَمْرَةَ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ وَرُبَّمَا قَالَ أَصَبْتُ فَاغْفِرْ لِي فَقَالَ رَبُّهُ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ أَوْ أَصَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ أَصَابَ ذَنْبًا قَالَ قَالَ رَبِّ أَصَبْتُ أَوْ قَالَ أَذْنَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلَاثًا فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق ) ‏ ‏هُوَ السَّرْمَارِيّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَبِكَسْرِهَا وَبِسُكُونِ الرَّاء , تَقَدَّمَ بَيَانه فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل ‏ ‏وَ \" عَمْرو بْن عَاصِم \" ‏ ‏هُوَ الْكُلَابِيُّ الْبَصْرِيّ يُكَنَّى أَبَا عُثْمَان وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ الْبُخَارِيّ بِلَا وَاسِطَة فِي \" كِتَاب الصَّلَاة \" وَغَيْرهَا , فَنَزَلَ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا السَّنَد بِالنِّسْبَةِ لِهَمَّامٍ دَرَجَة , وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْحَدِيث لِمُسْلِمٍ عَالِيًا فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ إِسْحَاق , نَعَمْ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق هَمَّام نَازِلًا كَالْبُخَارِيِّ , ‏ ‏وَ \" إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه \" ‏ ‏هُوَ اِبْن أَبِي طَلْحَة الْأَنْصَارِيّ التَّابِعِيّ الْمَشْهُور , \" وَعَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَمْرَة \" تَابِعِيّ جَلِيل مِنْ أَهْل الْمَدِينَة , لَهُ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَشَرَة أَحَادِيث غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَاسْم أَبِيهِ كُنْيَته وَهُوَ أَنْصَارِيّ صَحَابِيّ , وَيُقَال إِنَّ لِعَبْدِ الرَّحْمَن رُؤْيَة , وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَة وَلَهُمْ عَبْد الرَّحْمَن اِبْن أَبِي عَمْرَة آخَر أَدْرَكَهُ مَالِك , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي عَمْرَة نُسِبَ لِجَدِّهِ. قُلْت : فَعَلَى هَذَا هُوَ اِبْن أَخِي الرَّاوِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ أَذْنَبَ ذَنْبًا ) ‏ ‏كَذَا تَكَرَّرَ هَذَا الشَّكّ فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَلَمْ يَقَع فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة وَلَفْظه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبّه عَزَّ وَجَلَّ قَالَ \" أَذْنَبَ عَبْد ذَنْبًا \" وَكَذَا فِي بَقِيَّة الْمَوَاضِع. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ رَبُّهُ أَعَلِمَ ) ‏ ‏بِهَمْزَةِ اِسْتِفْهَام وَالْفِعْل الْمَاضِي. ‏ ‏قَوْله ( وَيَأْخُذ بِهِ ) ‏ ‏أَيْ يُعَاقِب فَاعِلَهُ , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد \" وَيَأْخُذ بِالذَّنْبِ \". ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ ) ‏ ‏أَيْ مِنْ الزَّمَان وَسَقَطَ هَذَا مِنْ رِوَايَة حَمَّادٍ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَمَّادٍ ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ. ‏ ‏قَوْله ( فِي آخِره غَفَرْت لِعَبْدِي ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَمَّاد \" اِعْمَلْ مَا شِئْت فَقَدْ غَفَرْت لَك \" قَالَ اِبْن بَطَّال فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْمُصِرّ عَلَى الْمَعْصِيَة فِي مَشِيئَة اللَّه تَعَالَى إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ مُغَلِّبًا الْحَسَنَة الَّتِي جَاءَ بِهَا وَهِيَ اِعْتِقَاده أَنَّ لَهُ رَبًّا خَالِقًا يُعَذِّبهُ وَيَغْفِر لَهُ وَاسْتِغْفَاره إِيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالهَا وَلَا حَسَنَة أَعْظَم مِنْ التَّوْحِيد , فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ اِسْتِغْفَاره رَبّه تَوْبَة مِنْهُ قُلْنَا لَيْسَ الِاسْتِغْفَار أَكْثَر مِنْ طَلَب الْمَغْفِرَة , وَقَدْ يَطْلُبهَا الْمُصِرّ وَالتَّائِب وَلَا دَلِيل فِي الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ تَائِب مِمَّا سَأَلَ الْغُفْرَان عَنْهُ ; لِأَنَّ حَدّ التَّوْبَة الرُّجُوع عَنْ الذَّنْب وَالْعَزْم أَنْ لَا يَعُود إِلَيْهِ وَالْإِقْلَاع عَنْهُ وَالِاسْتِغْفَار بِمُجَرَّدِهِ لَا يُفْهَم مِنْهُ ذَلِكَ اِنْتَهَى , وَقَالَ غَيْره : شُرُوط التَّوْبَة ثَلَاثَة : الْإِقْلَاع وَالنَّدَم وَالْعَزْم عَلَى أَنْ لَا يَعُود , وَالتَّعْبِير بِالرُّجُوعِ عَنْ الذَّنْب لَا يُفِيد مَعْنَى النَّدَم بَلْ هُوَ إِلَى مَعْنَى الْإِقْلَاع أَقْرَب وَقَالَ بَعْضهمْ : يَكْفِي فِي التَّوْبَة تَحَقُّق النَّدَم عَلَى وُقُوعه مِنْهُ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِم الْإِقْلَاع عَنْهُ وَالْعَزْم عَلَى عَدَم الْعَوْد فَهُمَا نَاشِئَانِ عَنْ النَّدَم لَا أَصْلَانِ مَعَهُ وَمِنْ ثُمَّ جَاءَ الْحَدِيث : \" النَّدَم تَوْبَة \" وَهُوَ حَدِيث حَسَن مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَنَس وَصَحَّحَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ فِي بَاب التَّوْبَة مِنْ أَوَائِل \" كِتَاب الدَّعَوَات \" مُسْتَوْفًى , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهِم : يَدُلّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى عَظِيم فَائِدَة الِاسْتِغْفَار وَعَلَى عَظِيم فَضْل اللَّه وَسَعَة رَحْمَته وَحِلْمه وَكَرَمِهِ ; لَكِنَّ هَذَا الِاسْتِغْفَار هُوَ الَّذِي ثَبَتَ مَعْنَاهُ فِي الْقَلْب مُقَارِنًا لِلِّسَانِ لِيَنْحَلّ بِهِ عَقْد الْإِصْرَار وَيَحْصُل مَعَهُ النَّدَم فَهُوَ تَرْجَمَة لِلتَّوْبَةِ , وَيَشْهَد لَهُ حَدِيث : خِيَاركُمْ كُلّ مُفْتَن تَوَّاب , وَمَعْنَاهُ الَّذِي يَتَكَرَّر مِنْهُ الذَّنْب وَالتَّوْبَة فَكُلَّمَا وَقَعَ فِي الذَّنْب عَادَ إِلَى التَّوْبَة لَا مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّه بِلِسَانِهِ وَقَلْبه مُصِرّ عَلَى تِلْكَ الْمَعْصِيَة , فَهَذَا الَّذِي اِسْتِغْفَاره يَحْتَاج إِلَى الِاسْتِغْفَار. قُلْت : وَيَشْهَد لَهُ مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا \" التَّائِب مِنْ الذَّنْب كَمَنْ لَا ذَنْب لَهُ , وَالْمُسْتَغْفِر مِنْ الذَّنْب وَهُوَ مُقِيم عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ \" وَالرَّاجِح أَنَّ قَوْله \" وَالْمُسْتَغْفِر \" إِلَى آخِره مَوْقُوف وَأَوَّله عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَسَنَده حَسَن , وَحَدِيث \" خِيَاركُمْ كُلّ مُفْتَن تَوَّاب \" ذَكَرَهُ فِي مُسْنَد الْفِرْدَوْس عَنْ عَلِيّ قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَفَائِدَة هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْعَوْد إِلَى الذَّنْب وَإِنْ كَانَ أَقْبَح مِنْ اِبْتِدَائِهِ ; لِأَنَّهُ اِنْضَافَ إِلَى مُلَابَسَة الذَّنْب نَقْض التَّوْبَة ; لَكِنَّ الْعَوْد إِلَى التَّوْبَة أَحْسَن مِنْ اِبْتِدَائِهَا ; لِأَنَّهُ اِنْضَافَ إِلَيْهَا مُلَازَمَة الطَّلَب مِنْ الْكَرِيم وَالْإِلْحَاح فِي سُؤَاله وَالِاعْتِرَاف بِأَنَّهُ لَا غَافِر لِلذَّنْبِ سِوَاهُ , قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْحَدِيث : إِنَّ الذُّنُوب وَلَوْ تَكَرَّرَتْ مِائَة مَرَّة بَلْ أَلْفًا وَأَكْثَر وَتَابَ فِي كُلّ مَرَّة قُبِلَتْ تَوْبَته أَوْ تَابَ عَنْ الْجَمِيع تَوْبَة وَاحِدَة صَحَّتْ تَوْبَته , وَقَوْله : \" اِعْمَلْ مَا شِئْت \" مَعْنَاهُ مَا دُمْت تُذْنِب فَتَتُوب غَفَرْت لَك , وَذَكَرَ فِي \" كِتَاب الْأَذْكَار \" عَنْ الرَّبِيع بْن خَيْثَمٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَقُلْ : أَسْتَغْفِر اللَّه وَأَتُوب إِلَيْهِ فَيَكُون ذَنْبًا وَكَذِبًا إِنْ لَمْ تَفْعَل بَلْ قُلْ : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ , قَالَ النَّوَوِيّ هَذَا حَسَن , وَأَمَّا كَرَاهِيَة أَسْتَغْفِر اللَّه وَتَسْمِيَته كَذِبًا فَلَا يُوَافَق عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَعْنَى أَسْتَغْفِر اللَّه أَطْلُب مَغْفِرَته وَلَيْسَ هَذَا كَذِبًا , قَالَ وَيَكْفِي فِي رَدّه حَدِيث اِبْن مَسْعُود بِلَفْظِ : مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِر اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ الْقَيُّوم وَأَتُوب إِلَيْهِ غُفِرَتْ ذُنُوبه وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنْ الزَّحْف , أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم. قُلْت : هَذَا فِي لَفْظ أَسْتَغْفِر اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ الْقَيُّوم , وَأَمَّا أَتُوب إِلَيْهِ فَهُوَ الَّذِي عَنَى الرَّبِيع رَحِمَهُ اللَّه أَنَّهُ كَذِب وَهُوَ كَذَلِكَ إِذَا قَالَهُ وَلَمْ يَفْعَل التَّوْبَة كَمَا قَالَ , وَفِي الِاسْتِدْلَال لِلرَّدِّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود نَظَر لِجَوَازِ أَنْ يَكُون الْمُرَاد مِنْهُ مَا إِذَا قَالَهَا وَفَعَلَ شُرُوط التَّوْبَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الرَّبِيع قَصَدَ مَجْمُوع اللَّفْظَيْنِ لَا خُصُوص أَسْتَغْفِر اللَّه فَيَصِحّ كَلَامه كُلّه وَاَللَّه أَعْلَم. وَرَأَيْت فِي الْحَلَبِيَّات لِلسُّبْكِيّ الْكَبِير : الِاسْتِغْفَار طَلَب الْمَغْفِرَة إِمَّا بِاللِّسَانِ أَوْ بِالْقَلْبِ أَوْ بِهِمَا , فَالْأَوَّل فِيهِ نَفْع ; لِأَنَّهُ خَيْر مِنْ السُّكُوت ; وَلِأَنَّهُ يَعْتَاد قَوْل الْخَيْر , وَالثَّانِي نَافِع جِدًّا , وَالثَّالِث أَبْلَغ مِنْهُمَا لَكِنَّهُمَا لَا يُمَحِّصَانِ الذَّنْب حَتَّى تُوجَد التَّوْبَة , فَإِنَّ الْعَاصِي الْمُصِرّ يَطْلُب الْمَغْفِرَة وَلَا يَسْتَلْزِم ذَلِكَ وُجُود التَّوْبَة مِنْهُ , إِلَى أَنْ قَالَ : وَاَلَّذِي ذَكَرْته مِنْ أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِغْفَار هُوَ غَيْر مَعْنَى التَّوْبَة هُوَ بِحَسَب وَضْع اللَّفْظ ; لَكِنَّهُ غَلَبَ عِنْد كَثِير مِنْ النَّاس أَنَّ لَفْظ أَسْتَغْفِرُ اللَّه مَعْنَاهُ التَّوْبَة فَمَنْ كَانَ ذَلِكَ مُعْتَقَدَهُ فَهُوَ يُرِيد التَّوِيَة لَا مَحَالَة , ثُمَّ قَالَ : وَذَكَرَ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّ التَّوْبَة لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالِاسْتِغْفَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَأَنْ اِسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) وَالْمَشْهُور أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6954",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ سَلَفَ ‏ ‏أَوْ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ‏ ‏قَالَ كَلِمَةً ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا فَلَمَّا حَضَرَتْ الْوَفَاةُ قَالَ لِبَنِيهِ أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ قَالُوا خَيْرَ أَبٍ قَالَ فَإِنَّهُ لَمْ ‏ ‏يَبْتَئِرْ ‏ ‏أَوْ لَمْ ‏ ‏يَبْتَئِزْ ‏ ‏عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا وَإِنْ يَقْدِرْ اللَّهُ عَلَيْهِ يُعَذِّبْهُ فَانْظُرُوا إِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا فَاسْحَقُونِي ‏ ‏أَوْ قَالَ ‏ ‏اَلْإِسْكَنْدَرِيَّة ‏ ‏فَإِذَا كَانَ يَوْمُ رِيحٍ عَاصِفٍ فَأَذْرُونِي فِيهَا فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي فَفَعَلُوا ثُمَّ أَذْرَوْهُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كُنْ فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ قَائِمٌ قَالَ اللَّهُ أَيْ عَبْدِي مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ قَالَ مَخَافَتُكَ أَوْ ‏ ‏فَرَقٌ ‏ ‏مِنْكَ قَالَ فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ عِنْدَهَا وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا ‏ ‏فَحَدَّثْتُ بِهِ ‏ ‏أَبَا عُثْمَانَ ‏ ‏فَقَالَ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ ‏ ‏سَلْمَانَ ‏ ‏غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ فِيهِ أَذْرُونِي فِي الْبَحْرِ أَوْ كَمَا حَدَّثَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏وَقَالَ لَمْ ‏ ‏يَبْتَئِرْ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏وَقَالَ لَمْ ‏ ‏يَبْتَئِزْ ‏ ‏فَسَّرَهُ ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏لَمْ يَدَّخِرْ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي قِصَّة الَّذِي أَمَرَ أَنْ يُحَرِّقُوهُ وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي الْخَامِس عَشَر. ‏ ‏قَوْله ( مُعْتَمِر سَمِعْت أَبِي ) ‏ ‏هُوَ سُلَيْمَان بْن طَرْخَانَ التَّيْمِيُّ وَالسَّنَد كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَفِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عُقْبَة بْن عَبْد الْغَافِر ) ‏ ‏فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ \" سَمِعْت عُقْبَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الرِّقَاق مَعَ سَائِر شَرْحه وَقَوْله , \" أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ سَلَفَ - أَوْ - فِيمَنْ كَانَ قَبْلكُمْ \" شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَوَقَعَ عِنْد الْأَصِيلِي \" قَبْلهمْ \" وَقَدْ مَضَى فِي الرِّقَاق عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ مُعْتَمِر بِلَفْظِ \" ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ سَلَف قَبْلكُمْ \" وَلَمْ يَشُكّ وَقَوْله \" قَالَ كَلِمَة \" يَعْنِي أَعْطَاهُ اللَّه مَالًا , فِي رِوَايَة مُوسَى \" آتَاهُ اللَّه مَالًا وَوَلَدًا \" ‏ ‏وَقَوْله \" أَيّ أَب كُنْت لَكُمْ \" ‏ ‏قَالَ أَبُو الْبَقَاء هُوَ بِنَصْبِ أَيّ عَلَى أَنَّهُ خَبَر كُنْت , وَجَازَ تَقْدِيمه لِكَوْنِهِ اِسْتِفْهَامًا وَيَجُوز الرَّفْع وَجَوَابهمْ بِقَوْلِهِمْ ‏ ‏\" خَيْر أَب \" ‏ ‏الْأَجْوَد النَّصْب عَلَى تَقْدِير كُنْت خَيْر أَب فَيُوَافِق مَا هُوَ جَوَاب عَنْهُ , وَيَجُوز الرَّفْع بِتَقْدِيرِ : أَنْتَ خَيْر أَب , ‏ ‏وَقَوْله \" فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ أَوْ لَمْ يَبْتَئِزْ \" ‏ ‏تَقَدَّمَ عَزْو هَذَا الشَّكّ أَنَّهَا بِالرَّاءِ أَوْ بِالزَّايِ لِرِوَايَةِ أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ تَبَعًا لِلْقَاضِي عِيَاض , وَقَدْ وَجَدْتهَا هُنَا فِيمَا عِنْدنَا مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ شُيُوخه , ‏ ‏وَقَوْله \" فَاسْحَقُونِي \" ‏ ‏أَوْ قَالَ \" فَاسْحَكُونِي \" فِي رِوَايَة مُوسَى مِثْله لَكِنْ قَالَ \" أَوْ قَالَ فَاسْهَكُونِي \" بِالْهَاءِ بَدَل الْحَاء الْمُهْمَلَة وَالشَّكّ هَلْ قَالَهَا بِالْقَافِ أَوْ الْكَاف , قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي رِوَايَة أُخْرَى \" فَاسْحَلُونِي \" يَعْنِي بِاللَّامِ ثُمَّ قَالَ مَعْنَاهُ أَبْرِدُونِي بِالسَّحْلِ وَهُوَ الْمِبْرَد , وَيُقَال لِلْبُرَادَةِ سُحَالَة وَأَمَّا اسْحَكُونِي بِالْكَافِ فَأَصْلُهُ السَّحْق , فَأُبْدِلَتْ الْقَاف كَافًا وَمِثْله السَّهَك بِالْهَاءِ وَالْكَاف , وَقَوْله فِي آخِره \" قَالَ فَحَدَّثْت بِهِ أَبَا عُثْمَان \" الْقَائِل هُوَ سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ وَذَهِلَ الْكَرْمَانِيُّ فَجَزَمَ بِأَنَّهُ قَتَادَةُ ‏ ‏وَ \" أَبُو عُثْمَان \" ‏ ‏هُوَ النَّهْدِيّ , ‏ ‏وَقَوْله \" سَمِعْت هَذَا مِنْ سَلْمَان \" ‏ ‏إِلَى آخِره \" سَلْمَان \" هُوَ الْفَارِسِيّ وَأَبُو عُثْمَان مَعْرُوف بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ , وَقَدْ أَغْفَلَ الْمِزِّيُّ ذِكْر هَذَا الْحَدِيث مِنْ مُسْنَد سَلْمَان فِي الْأَطْرَاف وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي الرِّقَاق وَنَبَّهْت عَلَى صِفَة تَخْرِيج الْإِسْمَاعِيلِيّ لَهُ , ‏ ‏وَقَوْله \" حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا مُعْتَمِر وَقَالَ لَمْ يَبْتَئِر \" ‏ ‏أَيْ بِالرَّاءِ لَمْ يَشُكّ وَقَدْ سَاقَهُ بِتَمَامِهِ فِي الرِّقَاق عَنْ \" مُوسَى \" الْمَذْكُور وَهُوَ اِبْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيّ , وَسَاقَ فِي آخِر رِوَايَته حَدِيث سَلْمَان أَيْضًا كَذَلِكَ وَقَوْله بَعْده وَقَالَ لِي خَلِيفَة هُوَ اِبْن خَيَّاط , وَسَقَطَ لِلْأَكْثَرِ لَفْظ لِي \" حَدَّثَنَا مُعْتَمِر لَمْ يَبْتَئِر \" يَعْنِي بِالْحَدِيثِ بِكَمَالِهِ ; وَلَكِنَّهُ قَالَ \" لَمْ يَبْتَئِزْ \" بِالزَّايِ , وَقَوْله فَسَّرَهُ قَتَادَةُ \" لَمْ يَدَّخِر \" وَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة خَلِيفَة دُون رِوَايَة مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي الْأَسْوَد , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ الْعَنْبَرِيّ عَنْ مُعْتَمِر وَذَكَرَ فِيهِ تَفْسِير قَتَادَةَ هَذَا , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ رِوَايَة إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الشَّهِيدِيّ عَنْ مُعْتَمِر , وَقَدْ اِسْتَوْعَبْت اِخْتِلَاف أَلْفَاظ النَّاقِلِينَ لِهَذَا الْخَبَر فِي هَذِهِ اللَّفْظَة فِي كِتَاب الرِّقَاق بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏"
    },
    {
        "id": "6955",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏حُمَيْدٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ شُفِّعْتُ فَقُلْتُ يَا رَبِّ أَدْخِلْ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ ‏ ‏خَرْدَلَةٌ ‏ ‏فَيَدْخُلُونَ ثُمَّ أَقُولُ أَدْخِلْ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيْءٍ فَقَالَ ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي الشَّفَاعَة أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا ثُمَّ مُطَوَّلًا وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الرِّقَاق. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا يُوسُف بْن رَاشِد ) ‏ ‏هُوَ يُوسُف بْن مُوسَى بْن رَاشِد الْقَطَّان الْكُوفِيّ نَزِيل بَغْدَاد نِسْبَة لِجَدِّهِ وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِأَبِيهِ أَشْهَر , وَلَهُمْ شَيْخ آخَر يُقَال لَهُ يُوسُف بْن مُوسَى التَّسْتُرِيّ نَزِيل الرَّيّ أَصْغَر مِنْ الْقَطَّان , وَشَيْخه أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه هُوَ أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس يُنْسَب لِجَدِّهِ كَثِيرًا وَأَبُو بَكْر بْن عَيَّاش هُوَ الْمُقْرِئ , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ عَنْ أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش حَدِيثًا غَيْر هَذَا بِغَيْرِ وَاسِطَة بَيْنه وَبَيْن أَحْمَد , وَتَقَدَّمَ فِي بَاب الْغِنَى غِنَى النَّفْس فِي كِتَاب الرِّقَاق. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة شُفِّعْت ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ أَوَّله مُشَدَّدًا ولِلْكُشْمِيهَنِيّ بِفَتْحِهِ مُخَفَّفًا. ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت يَا رَبّ أَدْخِلْ الْجَنَّة مَنْ كَانَ فِي قَلْبه خَرْدَلَة ) ‏ ‏هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَفِي الَّتِي بَعْدهَا أَنَّ اللَّه سُبْحَانه هُوَ الَّذِي يَقُول ذَلِكَ وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي سَائِر الْأَخْبَار , قَالَ اِبْن التِّين هَذَا فِيهِ كَلَام الْأَنْبِيَاء مَعَ الرَّبّ لَيْسَ كَلَام الرَّبّ مَعَ الْأَنْبِيَاء. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أَقُول ) ‏ ‏ذَكَرَ اِبْن التِّين أَنَّهُ وَقَعَ عِنْده بِلَفْظِ \" ثُمَّ نَقُول \" بِالنُّونِ , قَالَ وَلَا أَعْلَم مَنْ رَوَاهُ بِالْيَاءِ فَإِنْ كَانَ رُوِيَ بِالْيَاءِ طَابَقَ التَّبْوِيب , أَيْ ثُمَّ يَقُول اللَّه وَيَكُون جَوَابًا عَنْ اِعْتِرَاض الدَّاوُدِيّ حَيْثُ قَالَ قَوْله ثُمَّ أَقُول خِلَاف لِسَائِرِ الرِّوَايَات فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ اللَّه أَمَرَهُ أَنْ يُخْرِج. قُلْت : وَفِيهِ نَظَر وَالْمَوْجُود عِنْد أَكْثَر الرُّوَاة : ثُمَّ أَقُول بِالْهَمْزَةِ كَمَا لِأَبِي ذَرّ , وَاَلَّذِي أَظُنّ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه كَعَادَتِهِ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق أَبِي عَاصِم أَحْمَد بْن جَوَّاس بِفَتْحِ الْجِيم وَالتَّشْدِيد عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش وَلَفْظه \" أشْفَع يَوْم الْقِيَامَة , فَيُقَال لِي لَك مَنْ فِي قَلْبه شَعِيرَة , وَلَك مَنْ فِي قَلْبه خَرْدَلَة , وَلَك مَنْ فِي قَلْبه شَيْء \" فَهَذَا مِنْ كَلَام الرَّبّ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُمْكِن التَّوْفِيق بَيْنهمَا بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَل عَنْ ذَلِكَ أَوَّلًا فَيُجَاب إِلَى ذَلِكَ ثَانِيًا , فَوَقَعَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ذِكْر السُّؤَال وَفِي الْبَقِيَّة ذِكْر الْإِجَابَة , وَقَوْله فِي الْأُولَى \" مَنْ كَانَ فِي قَلْبه أَدْنَى شَيْء \" قَالَ الدَّاوُدِيّ هَذَا زَائِد عَلَى سَائِر الرِّوَايَات , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُفَسَّر فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة حَيْثُ جَاءَ فِيهَا \" أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل مِنْ إِيمَان \" قَالَ الْكَرْمَانِيُّ قَوْله \" أَدْنَى أَدْنَى \" التَّكْرِير لِلتَّأْكِيدِ وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد التَّوْزِيع عَلَى الْحَبَّة وَالْخَرْدَل أَيْ أَقَلّ حَبَّة مِنْ أَقَلّ خَرْدَلَة مِنْ الْإِيمَان , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ صِحَّة الْقَوْل بِتَجَزُّءِ الْإِيمَان وَزِيَادَته وَنُقْصَانه , وَقَوْله \" قَالَ أَنَس : كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى أَصَابِع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" يَعْنِي قَوْله أَدْنَى شَيْء وَكَأَنَّهُ يَضُمّ أَصَابِعه وَيُشِير بِهَا , وَقَوْله \" فَأَخْرِجْهُ مِنْ النَّار مِنْ النَّار مِنْ النَّار \" التَّكْرِير لِلتَّأْكِيدِ أَيْضًا لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ لِلنَّظَرِ إِلَى الْأُمُور الثَّلَاثَة مِنْ الْحَبَّة وَالْخَرْدَلَة وَالْإِيمَان أَوْ جَعْل أَيْضًا لِلنَّارِ مَرَاتِب. قُلْت : سَقَطَ تَكْرِير قَوْله مِنْ النَّار عِنْد مُسْلِم وَمَنْ ذَكَرْت مَعَهُ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد هَذِهِ وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب الرِّقَاق \" وَقَوْله فِيهِ فَذَهَبْنَا مَعَنَا بِثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ إِلَيْهِ يَسْأَلهُ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَسَأَلَهُ \" بِفَاءٍ وَصِيغَة الْفِعْل الْمَاضِي , قَالَ اِبْن التِّين : فِيهِ تَقْدِيم الرَّجُل الَّذِي هُوَ مِنْ خَاصَّة الْعَالِم لِيَسْأَلهُ , وَفِي قَوْله \" فَإِذَا هُوَ فِي قَصْره \" قَالَ اِبْن التِّين فِيهِ اِتِّخَاذ الْقَصْر لِمَنْ كَثُرَتْ ذُرِّيَّته , وَقَوْله \" فَوَافَقْنَا \" كَذَا لَهُمْ بِحَذْفِ الْمَفْعُول , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَوَافَقْنَاهُ \" وَقَوْله \" مَاجَ النَّاس \" أَيْ اِخْتَلَطُوا , يُقَال : مَاجَ الْبَحْر أَيْ اِضْطَرَبَتْ أَمْوَاجه , وَقَوْله \" فَإِنَّهُ كَلِيم اللَّه \" كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ \" فَإِنَّهُ كَلَّمَ اللَّه \" بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي , وَقَوْله \" فَيُقَال يَا مُحَمَّد \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَيَقُول \" فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6956",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اجْتَمَعْنَا نَاسٌ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏الْبَصْرَةِ ‏ ‏فَذَهَبْنَا إِلَى ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏وَذَهَبْنَا مَعَنَا ‏ ‏بِثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ‏ ‏إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ لَنَا عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ فَإِذَا هُوَ فِي قَصْرِهِ فَوَافَقْنَاهُ ‏ ‏يُصَلِّي الضُّحَى فَاسْتَأْذَنَّا فَأَذِنَ لَنَا وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى فِرَاشِهِ فَقُلْنَا ‏ ‏لِثَابِتٍ ‏ ‏لَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ أَوَّلَ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ فَقَالَ يَا ‏ ‏أَبَا حَمْزَةَ ‏ ‏هَؤُلَاءِ إِخْوَانُكَ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ ‏ ‏الْبَصْرَةِ ‏ ‏جَاءُوكَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ فَقَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ‏ ‏مَاجَ ‏ ‏النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ فَيَأْتُونَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فَيَقُولُونَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ ‏ ‏بِإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَإِنَّهُ ‏ ‏خَلِيلُ الرَّحْمَنِ ‏ ‏فَيَأْتُونَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ فَيَأْتُونَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ ‏ ‏بِعِيسَى ‏ ‏فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ فَيَأْتُونَ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ ‏ ‏بِمُحَمَّدٍ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَأْتُونِي فَأَقُولُ أَنَا لَهَا فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الْآنَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيَقُولُ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيَقُولُ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْ النَّارِ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏قُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا لَوْ مَرَرْنَا ‏ ‏بِالْحَسَنِ ‏ ‏وَهُوَ مُتَوَارٍ فِي مَنْزِلِ ‏ ‏أَبِي خَلِيفَةَ ‏ ‏فَحَدَّثْنَاهُ بِمَا حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏ ‏فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَنَا فَقُلْنَا لَهُ يَا ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏فَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا فِي الشَّفَاعَةِ فَقَالَ ‏ ‏هِيهْ فَحَدَّثْنَاهُ بِالْحَدِيثِ فَانْتَهَى إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَ ‏ ‏هِيهْ فَقُلْنَا لَمْ يَزِدْ لَنَا عَلَى هَذَا فَقَالَ لَقَدْ حَدَّثَنِي وَهُوَ جَمِيعٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَمْ كَرِهَ أَنْ تَتَّكِلُوا قُلْنَا يَا ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ ‏ ‏فَحَدِّثْنَا فَضَحِكَ وَقَالَ خُلِقَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا مَا ذَكَرْتُهُ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدَّثَنِي كَمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ قَالَ ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ وَسَلْ ‏ ‏تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَقُولُ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( وَهُوَ مُتَوَارٍ فِي مَنْزِل أَبِي خَلِيفَة ) ‏ ‏هُوَ حَجَّاج بْن عَتَّاب الْعَبْدِيّ الْبَصْرِيّ وَالِد عُمَر بْن أَبِي خَلِيفَة , سَمَّاهُ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَتَبِعَهُ الْحَاكِم أَبُو أَحْمَد فِي الْكُنَى. ‏ ‏قَوْله ( وَهُوَ جَمِيع ) ‏ ‏أَيْ مُجْتَمِع الْعَقْل وَهُوَ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ لَمْ يَدْخُل فِي الْكِبْر الَّذِي هُوَ مَظِنَّة تَفَرُّق الذِّهْن وَحُدُوث اِخْتِلَاط الْحِفْظ , وَقَوْله \" فَحَدَّثْنَاهُ \" بِسُكُونِ الْمُثَلَّثَة وَحَذْف الضَّمِير , وَقَوْله \" قُلْنَا يَا أَبَا سَعِيد \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَقُلْنَا \" قَالَ اِبْن التِّين قَالَ هُنَا \" لَسْت لَهَا \" وَفِي غَيْره \" لَسْت هُنَاكُمْ \" قَالَ : وَأَسْقُط هُنَا ذِكْر نُوح وَزَادَ \" فَأَقُول أَنَا لَهَا \" وَزَادَ \" فَأَقُول أُمَّتِي أُمَّتِي \" قَالَ الدَّاوُدِيّ لَا أَرَاهُ مَحْفُوظًا ; لِأَنَّ الْخَلَائِق اِجْتَمَعُوا وَاسْتَشْفَعُوا وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد هَذِهِ الْأُمَّة خَاصَّة لَمْ تَذْهَب إِلَى غَيْر نَبِيّهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد الْجَمِيع وَإِذَا كَانَتْ الشَّفَاعَة لَهُمْ فِي فَصْل الْقَضَاء فَكَيْف يَخُصّهَا بِقَوْلِهِ أُمَّتِي أُمَّتِي , ثُمَّ قَالَ : وَأَوَّل هَذَا الْحَدِيث لَيْسَ مُتَّصِلًا بِآخِرِهِ بَلْ بَقِيَ بَيْن طَلَبهمْ الشَّفَاعَة وَبَيْن قَوْله فَاشْفَعْ أُمُور كَثِيرَة مِنْ أُمُور الْقِيَامَة. قُلْت : وَقَدْ بَيَّنْت الْجَوَاب عَنْ هَذَا الْإِشْكَال عِنْد شَرْح الْحَدِيث بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته هُنَا وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْقَاضِي عِيَاض بِأَنَّ مَعْنِي الْكَلَام فَيُؤْذَن لَهُ فِي الشَّفَاعَة الْمَوْعُود بِهَا فِي فَصْل الْقَضَاء , وَقَوْله \" وَيُلْهِمنِي \" اِبْتِدَاء كَلَام آخَر وَبَيَان لِلشَّفَاعَةِ الْأُخْرَى الْخَاصَّة بِأُمَّتِهِ , وَفِي السِّيَاق اِخْتِصَار وَادَّعَى الْمُهَلَّب أَنَّ قَوْله \" فَأَقُول يَا رَبّ أُمَّتِي \" مِمَّا زَادَ سُلَيْمَان بْن حَرْب عَلَى سَائِر الرُّوَاة كَذَا قَالَ , وَهُوَ اِجْتِرَاء عَلَى الْقَوْل بِالظَّنِّ الَّذِي لَا يَسْتَنِد إِلَى دَلِيل فَإِنَّ سُلَيْمَان بْن حَرْب لَمْ يَنْفَرِد بِهَذِهِ الزِّيَادَة بَلْ رَوَاهَا مَعَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عِنْد مُسْلِم وَكَذَا أَبُو الرَّبِيع الزُّهْرَانِيّ عِنْد مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ , وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِم لَفْظه وَيَحْيَى بْن حَبِيب بْن عَرَبِيّ عِنْد النَّسَائِيِّ فِي التَّفْسِير وَمُحَمَّد بْن عُبَيْد بْن حَسَّاب وَمُحَمَّد بْن سُلَيْمَان لُوَيْن كِلَاهُمَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ كُلّهمْ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد شَيْخ سُلَيْمَان بْن حَرْب فِيهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَة , وَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي هَذَا الْمَوْضِع مِنْ حَدِيث الشَّفَاعَة فِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة الْمَاضِيَة فِي \" كِتَاب الرِّقَاق \" وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6957",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْوًا فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ ادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ رَبِّ الْجَنَّةُ مَلْأَى فَيَقُولُ لَهُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَكُلُّ ذَلِكَ يُعِيدُ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ مَلْأَى فَيَقُولُ إِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ مِرَارٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خَالِد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مُحَمَّد بْن مَخْلَدٍ \" وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب , وَلَمْ يَذْكُر أَحَد مِمَّنْ صَنَّفَ فِي رِجَال الْبُخَارِيّ وَلَا فِي رِجَال الْكُتُب السِّتَّة أَحَدًا اِسْمه مُحَمَّد بْن مَخْلَدٍ , وَالْمَعْرُوف مُحَمَّد بْنُ خَالِد , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ هُوَ \" الذُّهْلِيُّ \" وَهُوَ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن خَالِد بْن فَارِس نُسِبَ لِجَدِّ أَبِيهِ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْحَاكِم وَالْكَلَابَاذِيّ وَأَبُو مَسْعُود , وَقِيلَ مُحَمَّد بْن خَالِد بْن جَبَلَةَ الرَّافِعِيّ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو أَحْمَد اِبْن عَدِيٍّ وَخَلَف الْوَاسِطِيُّ فِي الْأَطْرَاف , وَقَدْ رَوَى هُنَا عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيل بِالْوَاسِطَةِ , وَرَوَى عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيل بِلَا وَاسِطَة عِدَّة أَحَادِيث , مِنْهَا فِي الْمَغَازِي وَالتَّفْسِير وَالْفَرَائِض , وَ \" مَنْصُور \" فِي السَّنَد هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر , وَ \" إِبْرَاهِيم \" هُوَ النَّخَعِيُّ , وَ \" عَبِيدَة \" بِفَتْحِ أَوَّله هُوَ اِبْن عَمْرو السَّلْمَانِيّ , وَ \" عَبْد اللَّه \" هُوَ اِبْن مَسْعُود , وَرِجَال سَنَد هَذَا إِلَى عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى كُوفِيُّونَ. ‏ ‏قَوْله ( إِنَّ آخِر أَهْل الْجَنَّة دُخُولًا الْجَنَّة ) ‏ ‏الْحَدِيث ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا وَقَدْ مَضَى بِتَمَامِهِ مَشْرُوحًا فِي الرِّقَاق , وَقَوْله \" كُلّ ذَلِكَ يُعِيد عَلَيْهِ الْجَنَّة \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَكُلّ ذَلِكَ \" وَقَوْله \" فِي آخِره عَشْر مِرَار \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" عَشْر مَرَّات \". ‏"
    },
    {
        "id": "6958",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عِيسَى بْنُ يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَيْثَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْأَعْمَشُ ‏ ‏وَحَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏خَيْثَمَةَ ‏ ‏مِثْلَهُ وَزَادَ فِيهِ وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبّه , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الرِّقَاق \" وَقَوْله \" قَالَ الْأَعْمَش وَحَدَّثَنِي عَمْرو بْن مُرَّة \" هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الَّذِي قَبْله إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6959",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبِيدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏جَاءَ حَبْرٌ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَعَلَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْمَاءَ ‏ ‏وَالثَّرَى ‏ ‏عَلَى إِصْبَعٍ وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ‏ ‏تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ ‏ ‏ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ‏ ‏إِلَى قَوْلِهِ ‏ ‏يُشْرِكُونَ ‏}",
        "sharh": "حَدِيث \" عَبْد اللَّه \" وَهُوَ اِبْن مَسْعُود قَالَ : جَاءَ حَبْر مِنْ الْيَهُود فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي بَاب قَوْل اللَّه تَعَالَى ( لِمَا خَلَقْت بِيَدَيَّ ) وَتَقَدَّمَ كَلَام الْخَطَّابِيّ فِي إِنْكَاره تَارَة وَفِي تَأْوِيله أُخْرَى , وَقَالَ أَيْضًا : الِاسْتِدْلَال بِالتَّبَسُّمِ وَالضَّحِك فِي مِثْل هَذَا الْأَمْر الْعَظِيم غَيْر سَائِغ مَعَ تَكَافُؤ وَجْهَيْ الدَّلَالَة الْمُتَعَارِضَيْنِ فِيهِ , وَلَوْ صَحَّ الْخَبَر لَكَانَ ظَاهِر اللَّفْظ مِنْهُ مُتَأَوَّلًا عَلَى نَوْع مِنْ الْمَجَاز وَضَرْب مِنْ التَّمْثِيل مِمَّا جَرَتْ عَادَة الْكَلَام بَيْن النَّاس فِي عُرْف تَخَاطُبهمْ فَيَكُون الْمَعْنَى أَنَّ قُدْرَته عَلَى طَيّهَا وَسُهُولَة الْأَمْر فِي جَمْعهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَمَعَ شَيْئًا فِي كَفّه فَاسْتَخَفَّ حَمْله فَلَمْ يَشْتَمِل عَلَيْهِ بِجَمِيعِ كَفّه لَكِنَّهُ أَقَلَّهُ بِبَعْضِ أَصَابِعه , وَقَدْ يَقُول الْإِنْسَان فِي الْأَمْر الشَّاقّ إِذَا أُضِيفَ إِلَى الْقَوِيّ : إِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ بِإِصْبَعٍ أَوْ إِنَّهُ يُقِلّهُ بِخِنْصَرِهِ , ثُمَّ قَالَ : وَالظَّاهِر أَنَّ هَذَا مِنْ تَخْلِيط الْيَهُود وَتَحْرِيفهمْ , إِنَّ ضَحِكَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِنَّمَا كَانَ عَلَى مَعْنَى التَّعَجُّب وَالنَّكِير لَهُ وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6960",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏رَجُلًا ‏ ‏سَأَلَ ‏ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏ ‏كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ فِي النَّجْوَى قَالَ يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ أَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ وَيَقُولُ عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شَيْبَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏صَفْوَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَدْنُو أَحَدكُمْ مِنْ رَبّه ) ‏ ‏قَالَ اِبْن التِّين : يَعْنِي يَقْرُب مِنْ رَحْمَته , وَهُوَ سَائِغ فِي اللُّغَة يُقَال : فُلَان قَرِيب مِنْ فُلَان وَيُرَاد الرُّتْبَة , وَمِثْله ( إِنَّ رَحْمَة اللَّه قَرِيب مِنْ الْمُحْسِنِينَ ) وَقَوْله \" فَيَضَع كَنَفه \" بِفَتْحِ الْكَاف وَالنُّون بَعْدهَا فَاء الْمُرَاد بِالْكَنَفِ السِّتْر , وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا بِذَلِكَ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ مُحَمَّد بْن سَوَاء عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ فِي آخِر الْحَدِيث : قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك : كَنَفه سِتْره أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي كِتَاب خَلْق أَفْعَال الْعِبَاد , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تُحِيط بِهِ عِنَايَته التَّامَّة , وَمَنْ رَوَاهُ بِالْمُثَنَّاةِ الْمَكْسُورَة فَقَدْ صَحَّفَ عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ جَمْع مِنْ الْعُلَمَاء. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ آدَم حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن إِلَى آخِره ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَة لِتَصْرِيحِ قَتَادَةَ فِيهَا بِقَوْلِهِ : حَدَّثَنَا صَفْوَان وَهَكَذَا ذَكَرَهُ عَنْ آدَم فِي كِتَاب خَلْق أَفْعَال الْعِبَاد. ‏ ‏( تَنْبِيهَانِ ) : ‏ ‏أَحَدهمَا لَيْسَ فِي أَحَادِيث الْبَاب كَلَام الرَّبّ مَعَ الْأَنْبِيَاء إِلَّا فِي حَدِيث أَنَس وَسَائِر أَحَادِيث الْبَاب فِي كَلَام الرَّبّ مَعَ غَيْر الْأَنْبِيَاء , وَإِذَا ثَبَتَ كَلَامه مَعَ غَيْر الْأَنْبِيَاء فَوُقُوعه لِلْأَنْبِيَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. الثَّانِي : تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث الْأَوَّل مَا يَتَعَلَّق بِالتَّرْجَمَةِ , وَأَمَّا الثَّانِي فَيَخْتَصّ بِالرُّكْنِ الثَّانِي مِنْ التَّرْجَمَة وَهُوَ قَوْله وَغَيْرهمْ , وَأَمَّا سَائِرهَا فَهُوَ شَامِلٌ لِلْأَنْبِيَاءِ وَلِغَيْرِ الْأَنْبِيَاء عَلَى وَفْق التَّرْجَمَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6961",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُقَيْلٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏احْتَجَّ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏وَمُوسَى ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏أَنْتَ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏الَّذِي أَخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ مِنْ الْجَنَّةِ قَالَ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏أَنْتَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏الَّذِي ‏ ‏اصْطَفَاكَ ‏ ‏اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَكَلَامِهِ ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ‏ ‏فَحَجَّ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏مُوسَى ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : اِحْتَجَّ آدَم وَمُوسَى , وَقَدْ مَضَى شَرْحه فِي كِتَاب الْقَدَر , وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْله \" أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اِصْطَفَاك اللَّه بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامه \" ولِلْكُشْمِيهَنِيّ \" وَبِكَلَامِهِ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6962",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُجْمَعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا فَيَأْتُونَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فَيَقُولُونَ لَهُ أَنْتَ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ الْمَلَائِكَةَ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا فَيَقُولُ لَهُمْ لَسْتُ هُنَاكُمْ فَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي الشَّفَاعَة أَوْرَدَ مِنْهُ طَرَفًا مِنْ أَوَّله إِلَى قَوْله فِي ذِكْر آدَم \" وَيَذْكُر لَهُمْ خَطِيئَته الَّتِي أَصَابَ \" وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب الرِّقَاق \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : أَرَادَ ذِكْر مُوسَى قَالُوا لَهُ وَكَلَّمَك اللَّه فَلَمْ يَذْكُرهُ. قُلْت : جَرَى عَلَى عَادَته فِي الْإِشَارَة , وَقَدْ مَضَى فِي تَفْسِير الْبَقَرَة عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم شَيْخه هُنَا وَسَاقَهُ فِيهِ بِطُولِهِ , وَفِيهِ \" اِئْتُوا مُوسَى عَبْدًا كَلَّمَهُ اللَّه وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاة \" الْحَدِيث , وَمَضَى أَيْضًا فِي \" كِتَاب التَّوْحِيد \" هَذَا فِي بَاب قَوْل اللَّه تَعَالَى ( لِمَا خَلَقْت بِيَدَيَّ ) عَنْ مُعَاذ بْن فَضَالَة عَنْ هِشَام بِهَذَا السَّنَد وَسَاقَ الْحَدِيث بِطُولِهِ أَيْضًا , وَفِيهِ \" اِئْتُوا مُوسَى عَبْدًا آتَاهُ اللَّه التَّوْرَاة وَكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا \" وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي بَكْر الصِّدِّيق فِي الشَّفَاعَة الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَغَيْره وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَة وَغَيْره \" فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيم فَيَقُول اِنْطَلِقُوا إِلَى مُوسَى فَإِنَّ اللَّه كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا \" وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب خَلْق أَفْعَال الْعِبَاد مِنْهُ هَذَا الْقَدْر تَعْلِيقًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6963",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ ‏ ‏أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ ‏ ‏وَهُوَ نَائِمٌ فِي ‏ ‏الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ‏ ‏فَقَالَ أَوَّلُهُمْ أَيُّهُمْ هُوَ فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ هُوَ خَيْرُهُمْ فَقَالَ آخِرُهُمْ خُذُوا خَيْرَهُمْ فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى ‏ ‏فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ وَتَنَامُ عَيْنُهُ ‏ ‏وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ فَوَضَعُوهُ عِنْدَ ‏ ‏بِئْرِ زَمْزَمَ ‏ ‏فَتَوَلَّاهُ مِنْهُمْ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فَشَقَّ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى ‏ ‏لَبَّتِهِ ‏ ‏حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ ‏ ‏زَمْزَمَ ‏ ‏بِيَدِهِ حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ ثُمَّ أُتِيَ ‏ ‏بِطَسْتٍ ‏ ‏مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ ‏ ‏تَوْرٌ ‏ ‏مِنْ ذَهَبٍ مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ ‏ ‏يَعْنِي عُرُوقَ حَلْقِهِ ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ مَنْ هَذَا فَقَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قَالُوا وَمَنْ مَعَكَ قَالَ ‏ ‏مَعِيَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏قَالَ وَقَدْ بُعِثَ قَالَ نَعَمْ قَالُوا فَمَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ لَا يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ فَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏هَذَا أَبُوكَ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏وَقَالَ مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِي نِعْمَ ‏ ‏الِابْنُ أَنْتَ فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِنَهَرَيْنِ ‏ ‏يَطَّرِدَانِ ‏ ‏فَقَالَ مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قَالَ هَذَا النِّيلُ وَالْفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ ‏ ‏وَزَبَرْجَدٍ ‏ ‏فَضَرَبَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ أَذْفَرُ قَالَ مَا هَذَا يَا ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قَالَ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي خَبَأَ لَكَ رَبُّكَ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ الْأُولَى مَنْ هَذَا قَالَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قَالُوا وَمَنْ مَعَكَ قَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالُوا وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قَالُوا مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ وَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى الرَّابِعَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ‏ ‏كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ فَأَوْعَيْتُ مِنْهُمْ ‏ ‏إِدْرِيسَ ‏ ‏فِي الثَّانِيَةِ ‏ ‏وَهَارُونَ ‏ ‏فِي الرَّابِعَةِ وَآخَرَ فِي الْخَامِسَةِ لَمْ أَحْفَظْ اسْمَهُ ‏ ‏وَإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فِي السَّادِسَةِ ‏ ‏وَمُوسَى ‏ ‏فِي السَّابِعَةِ بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ عَلَيَّ أَحَدٌ ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى وَدَنَا لِلْجَبَّارِ رَبِّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ هَبَطَ حَتَّى بَلَغَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَاحْتَبَسَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏مَاذَا عَهِدَ إِلَيْكَ رَبُّكَ قَالَ عَهِدَ إِلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ قَالَ إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ فَعَلَا بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ فَقَالَ وَهُوَ مَكَانَهُ يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ هَذَا فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَاحْتَبَسَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏إِلَى رَبِّهِ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ ثُمَّ احْتَبَسَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عِنْدَ الْخَمْسِ فَقَالَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏وَاللَّهِ لَقَدْ رَاوَدْتُ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏قَوْمِي عَلَى أَدْنَى مِنْ هَذَا فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ أَجْسَادًا وَقُلُوبًا وَأَبْدَانًا وَأَبْصَارًا وَأَسْمَاعًا فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ كُلَّ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏لِيُشِيرَ عَلَيْهِ وَلَا يَكْرَهُ ذَلِكَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏فَرَفَعَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ فَقَالَ يَا رَبِّ إِنَّ أُمَّتِي ضُعَفَاءُ أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ فَخَفِّفْ عَنَّا فَقَالَ الْجَبَّارُ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏قَالَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ قَالَ إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ كَمَا فَرَضْتُهُ عَلَيْكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ قَالَ فَكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَهِيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ وَهِيَ خَمْسٌ عَلَيْكَ فَرَجَعَ إِلَى ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ كَيْفَ فَعَلْتَ فَقَالَ خَفَّفَ عَنَّا أَعْطَانَا بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَدْ وَاللَّهِ رَاوَدْتُ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَدْ وَاللَّهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ قَالَ فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ قَالَ وَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي ‏ ‏مَسْجِدِ الْحَرَامِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَنَس فِي الْمِعْرَاج أَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَة شَرِيك بْن عَبْد اللَّه أَيْ اِبْن أَبِي نَمِر بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْمِيم وَهُوَ مَدَنِيّ تَابِعِيّ يُكَنَّى أَبَا عَبْد اللَّه وَهُوَ أَكْبَر مِنْ شَرِيك بْن عَبْد اللَّه النَّخَعِيِّ الْقَاضِي , وَقَدْ أَوْرَدَ بَعْض هَذَا الْحَدِيث فِي التَّرْجَمَة النَّبَوِيَّة , وَأَوْرَدَ حَدِيث الْإِسْرَاء مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَس عَنْ أَبِي ذَرّ فِي أَوَائِل \" كِتَاب الصَّلَاة \" وَأَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْ أَنَس عَنْ مَالِك بْن صَعْصَعَة فِي بَدْء الْخَلْق وَفِي أَوَائِل الْبَعْثَة قَبْل الْهِجْرَة وَشَرَحْته هُنَاكَ , وَأَخَّرْت مَا يَتَعَلَّق بِرِوَايَةِ شَرِيك هَذِهِ هُنَا لِمَا اِخْتَصَّتْ بِهِ مِنْ الْمُخَالَفَات. ‏ ‏قَوْله ( لَيْلَة أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَسْجِد الْكَعْبَة , أَنَّهُ جَاءَ ثَلَاثَة نَفَر قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" إِذْ جَاءَ \" بَدَل أَنَّهُ جَاءَهُ , وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَالنَّفَر الثَّلَاثَة لَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَتهمْ صَرِيحًا لَكِنَّهُمْ مِنْ الْمَلَائِكَة , وَأَخْلَق بِهِمْ أَنْ يَكُونُوا مَنْ ذُكِرَ فِي حَدِيث جَابِر الْمَاضِي فِي أَوَائِل الِاعْتِصَام بِلَفْظِ \" جَاءَتْ مَلَائِكَة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَائِم , فَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّهُ نَائِم , وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّ الْعَيْن نَائِمَة وَالْقَلْب يَقْظَان \" وَبَيَّنْت هُنَاكَ أَنَّ مِنْهُمْ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل ثُمَّ وَجَدْت التَّصْرِيح بِتَسْمِيَتِهِمَا فِي رِوَايَة مَيْمُون بْن سِيَاهٍ عَنْ أَنَس عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَلَفْظه \" فَأَتَاهُ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل فَقَالَا أَيّهمْ - وَكَانَتْ قُرَيْش تَنَام حَوْل الْكَعْبَة - فَقَالَا أُمِرْنَا بِسَيِّدِهِمْ ثُمَّ ذَهَبَا ثُمَّ جَاءَا وَهُمْ ثَلَاثَة فَأَلْقُوهُ فَقَلَبُوهُ لِظَهْرِهِ \" وَقَوْله \" وَقَبْل \" قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ , أَنْكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ وَابْن حَزْم وَعَبْد الْحَقّ وَالْقَاضِي عِيَاض وَالنَّوَوِيّ وَعِبَارَة النَّوَوِيّ : وَقَعَ فِي رِوَايَة شَرِيك - يَعْنِي هَذِهِ - أَوْهَام أَنْكَرَهَا الْعُلَمَاء ‏ ‏أَحَدهَا : قَوْله \" قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ \" وَهُوَ غَلَط لَمْ يُوَافَق عَلَيْهِ , وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء أَنَّ فَرْض الصَّلَاة كَانَ لَيْلَة الْإِسْرَاء فَكَيْف يَكُون قَبْل الْوَحْي اِنْتَهَى. وَصَرَّحَ الْمَذْكُورُونَ بِأَنَّ شَرِيكًا تَفَرَّدَ بِذَلِكَ , وَفِي دَعْوَى التَّفَرُّد نَظَر فَقَدْ وَافَقَهُ كَثِير بْن خُنَيْسٍ بِمُعْجَمَةٍ وَنُون مُصَغَّر عَنْ أَنَس كَمَا أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن يَحْيَى بْن سَعِيد الْأُمَوِيّ فِي \" كِتَاب الْمَغَازِي \" مِنْ طَرِيقه. ‏ ‏قَوْله ( وَهُوَ نَائِم فِي الْمَسْجِد الْحَرَام ) ‏ ‏قَدْ أَكَّدَ هَذَا بِقَوْلِهِ فِي آخِر الْحَدِيث \" فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام \" وَنَحْوه مَا وَقَعَ فِي حَدِيث مَالِك بْن صَعْصَعَة \" بَيْن النَّائِم وَالْيَقْظَان \" وَقَدْ قَدَّمْت وَجْه الْجَمْع بَيْن مُخْتَلَف الرِّوَايَات فِي شَرْح الْحَدِيث. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَوَّلُهُمْ أَيُّهُمْ هُوَ ) ‏ ‏فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ كَانَ نَائِمًا بَيْن جَمَاعَة أَقَلّهمْ اِثْنَانِ وَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ كَانَ نَائِمًا مَعَهُ حِينَئِذٍ حَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَّلِب عَمّه وَجَعْفَر بْن أَبِي طَالِب اِبْن عَمّه. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ أَحَدهمْ خُذُوا خَيْرهمْ فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَة ) ‏ ‏الضَّمِير الْمُسْتَتِر فِي كَانَتْ لِمَحْذُوفٍ وَكَذَا خَبَر كَانَ وَالتَّقْدِير : فَكَانَتْ الْقِصَّة الْوَاقِعَة تِلْكَ اللَّيْلَة مَا ذُكِرَ هُنَا. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ يَرَهُمْ ) ‏ ‏أَيْ بَعْد ذَلِكَ ‏ ‏( حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَة أُخْرَى ) ‏ ‏وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمُدَّة الَّتِي بَيْن الْمَجِيئَيْنِ فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ الْمَجِيء الثَّانِي كَانَ بَعْد أَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ وَحِينَئِذٍ وَقَعَ الْإِسْرَاء وَالْمِعْرَاج وَقَدْ سَبَقَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ عِنْد شَرْحه , وَإِذَا كَانَ بَيْن الْمَجِيئَيْنِ مُدَّة فَلَا فَرْق فِي ذَلِكَ بَيْن أَنْ تَكُون تِلْكَ الْمُدَّة لَيْلَة وَاحِدَة أَوْ لَيَالِي كَثِيرَة أَوْ عِدَّة سِنِينَ وَبِهَذَا يَرْتَفِع الْإِشْكَال عَنْ رِوَايَة شَرِيك وَيَحْصُل بِهِ الْوِفَاق أَنَّ الْإِسْرَاء كَانَ فِي الْيَقَظَة بَعْد الْبَعْثَة وَقَبْل الْهِجْرَة وَيَسْقُط تَشْنِيع الْخَطَّابِيّ وَابْن حَزْم وَغَيْرهمَا بِأَنَّ شَرِيكًا خَالَفَ الْإِجْمَاع فِي دَعْوَاهُ أَنَّ الْمِعْرَاج كَانَ قَبْل الْبَعْثَة وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّهُ كَانَ بَيْن اللَّيْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَتَاهُ فِيهِمَا الْمَلَائِكَة سَبْع وَقِيلَ ثَمَان وَقِيلَ تِسْع وَقِيلَ عَشْر وَقِيلَ ثَلَاثَة عَشَر فَيُحْمَل عَلَى إِرَادَة السِّنِينَ لَا كَمَا فَهِمَهُ الشَّارِح الْمَذْكُور أَنَّهَا لَيَالٍ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن الْقَيِّم فِي هَذَا الْحَدِيث نَفْسه وَأَقْوَى مَا يُسْتَدَلّ بِهِ أَنَّ الْمِعْرَاج بَعْد الْبَعْثَة قَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث نَفْسه أَنَّ جِبْرِيل قَالَ لِبَوَّابِ السَّمَاء إِذْ قَالَ لَهُ أَبُعِثَ ؟ قَالَ : نَعَمْ. فَإِنَّهُ ظَاهِر فِي أَنَّ الْمِعْرَاج كَانَ بَعْد الْبَعْثَة فَيَتَعَيَّن مَا ذَكَرْته مِنْ التَّأْوِيل وَأَقَلّه قَوْله فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام , فَإِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِره جَازَ أَنْ يَكُون نَامَ بَعْد أَنْ هَبَطَ مِنْ السَّمَاء فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام , وَجَازَ أَنْ يُؤَوَّل قَوْله اِسْتَيْقَظَ أَيْ أَفَاقَ مِمَّا كَانَ فِيهِ فَإِنَّهُ كَانَ إِذَا أُوحِيَ إِلَيْهِ يَسْتَغْرِق فَإِذَا اِنْتَهَى رَجَعَ إِلَى حَالَته الْأُولَى , فَكَنَّى عَنْهُ بِالِاسْتِيقَاظِ. ‏ ‏قَوْله ( فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ وَتَنَام عَيْنُهُ وَلَا يَنَام قَلْبه وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاء ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي التَّرْجَمَة النَّبَوِيَّة. ‏ ‏قَوْله ( فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى اِحْتَمَلُوهُ ) ‏ ‏تَقَدَّمَ وَجْه الْجَمْع بَيْن هَذَا وَبَيْن قَوْله فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ \" فُرِجَ سَقْف بَيْتِي \" وَقَوْله فِي حَدِيث مَالِك بْن صَعْصَعَة بِأَنَّهُ كَانَ فِي الْحَطِيم عِنْد شَرْحه بِنَاءً عَلَى اِتِّحَاد قِصَّة الْإِسْرَاء , أَمَّا إِنْ قُلْنَا : إِنَّ الْإِسْرَاء كَانَ مُتَعَدِّدًا فَلَا إِشْكَال أَصْلًا. ‏ ‏قَوْله ( فَشَقَّ جِبْرِيل مَا بَيْن نَحْره إِلَى لَبَّته ) ‏ ‏بِفَتْحِ اللَّام وَتَشْدِيد الْمُوَحَّدَة وَهِيَ مَوْضِع الْقِلَادَة مِنْ الصَّدْر , وَمِنْ هُنَاكَ تُنْحَر الْإِبِل , وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْد شَرْحه الرَّدّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ شَقَّ الصَّدْر عِنْد الْإِسْرَاء وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَقَعَ وَهُوَ صَغِير , وَبَيَّنْت أَنَّهُ ثَبَتَ كَذَلِكَ فِي غَيْر رِوَايَة شَرِيك فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ , وَأَنَّ شَقَّ الصَّدْر وَقَعَ أَيْضًا عِنْد الْبَعْثَة كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَده وَأَبُو نُعَيْم وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة , وَذَكَرَ أَبُو بِشْر الدُّولَابِيّ بِسَنَدِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي الْمَنَام أَنَّ بَطْنه أُخْرِجَ ثُمَّ أُعِيدَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِخَدِيجَة الْحَدِيث. وَتَقَدَّمَ بَيَان الْحِكْمَة فِي تَعَدُّد ذَلِكَ وَوَقَعَ شَقّ الصَّدْر الْكَرِيم أَيْضًا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة حِين كَانَ اِبْن عَشْر سِنِينَ وَهُوَ عِنْد عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي زِيَادَات الْمُسْنَد , وَتَقَدَّمَ الْإِلْمَام بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي التَّرْجَمَة النَّبَوِيَّة , وَوَقَعَ فِي الشِّفَاء أَنَّ جِبْرِيل قَالَ لَمَّا غَسَلَ قَلْبه : قَلْب سَدِيد فِيهِ عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أَتَى بِطَسْتٍ مَحْشُوًّا ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِالنَّصْبِ وَأُعْرِبَ بِأَنَّهُ حَال مِنْ الضَّمِير الْجَارّ وَالْمَجْرُور , وَالتَّقْدِير بِطَسْت كَائِن مِنْ ذَهَب فَنُقِلَ الضَّمِير مِنْ اِسْم الْفَاعِل إِلَى الْجَارّ وَالْمَجْرُور , وَتَقَدَّمَ فِي \" كِتَاب الصَّلَاة \" بِلَفْظِ \" مَحْشُوٍّ \" بِالْجَرِّ عَلَى الصِّفَة لَا إِشْكَال فِيهِ , وَأَمَّا قَوْله \" إِيمَانًا \" فَمَنْصُوب عَلَى التَّمْيِيز , وَقَوْله \" وَحِكْمَة \" مَعْطُوف عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَب فِيهِ تَوْر مِنْ ذَهَب ) التَّوْر بِمُثَنَّاةٍ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي \" كِتَاب الْوُضُوء \" وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْر الطَّسْت , وَأَنَّهُ كَانَ دَاخِل الطَّسْت , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الصَّلَاة فِي شَرْح حَدِيث أَبِي ذَرّ فِي الْإِسْرَاء أَنَّهُمَا غَسَلُوهُ بِمَاءِ زَمْزَم , فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة مَحْفُوظَة اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون أَحَدهمَا فِيهِ مَاء زَمْزَم وَالْآخَر هُوَ الْمَحْشُوّ بِالْإِيمَانِ , وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون التَّوْر ظَرْف الْمَاء وَغَيْره , وَالطَّسْت لِمَا يُصَبّ فِيهِ عِنْد الْغَسْل صِيَانَة لَهُ عَنْ التَّبَدُّد فِي الْأَرْض وَجَرْيًا عَلَى الْعَادَة فِي الطَّسْت وَمَا يُوضَع فِيهِ الْمَاء. ‏ ‏قَوْله ( فَحَشَا بِهِ صَدْره ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَحَشَا \" بِفَتْحِ الْحَاء وَالشِّين. \" وَصَدْره \" بِالنَّصْبِ وَلِغَيْرِهِ بِضَمِّ الْحَاء وَكَسْر الشِّين وَصَدْره بِالرَّفْعِ. ‏ ‏قَوْله ( وَلَغَادِيدَهُ ) ‏ ‏بِغَيْنٍ مُعْجَمَة فَسَّرَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِأَنَّهَا عُرُوق حَلْقه , وَقَالَ أَهْل اللُّغَة هِيَ اللَّحْمَات الَّتِي بَيْن الْحَنَك وَصَفْحَة الْعُنُق , وَأَحَدهَا لُغْدُود وَلِغْدِيد , وَيُقَال لَهُ أَيْضًا لُغْد وَجَمْعه أَلْغَاد. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا ) ‏ ‏إِنْ كَانَتْ الْقِصَّة مُتَعَدِّدَة فَلَا إِشْكَال وَإِنْ كَانَتْ مُتَّحِدَة فَفِي هَذَا السِّيَاق حَذْف تَقْدِيره ثُمَّ أَرْكَبَهُ الْبُرَاق إِلَى بَيْت الْمَقْدِس , ثُمَّ أَتَى بِالْمِعْرَاجِ كَمَا فِي حَدِيث مَالِك بْن صَعْصَعَة \" فَغُسِلَ بِهِ قَلْبِي ثُمَّ حُشِيَ ثُمَّ أُعِيد ثُمَّ أُتِيت بِدَابَّةٍ فَحُمِلْت عَلَيْهِ فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيل حَتَّى أَتَى السَّمَاء الدُّنْيَا \" وَفِي سِيَاقه أَيْضًا حَذْف تَقْدِيره \" حَتَّى أَتَى بِي بَيْت الْمَقْدِس ثُمَّ أَتَى بِالْمِعْرَاجِ \" كَمَا فِي رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس رَفَعَهُ : \" أُتِيت بِالْبُرَاقِ فَرَكِبْته حَتَّى أَتَى بِي بَيْت الْمَقْدِس فَرَبَطْته , ثُمَّ دَخَلْت الْمَسْجِد فَصَلَّيْت فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاء \". ‏ ‏قَوْله ( فَاسْتَبْشَرَ بِهِ أَهْل السَّمَاء ) ‏ ‏كَأَنَّهُمْ كَانُوا أُعْلِمُوا أَنَّهُ سَيُعْرَجُ بِهِ فَكَانُوا مُتَرَقِّبِينَ لِذَلِكَ. ‏ ‏قَوْله ( لَا يَعْلَم أَهْل السَّمَاء بِمَا يُرِيد ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مَا يُرِيد \" ( اللَّه بِهِ فِي الْأَرْض حَتَّى يُعْلِمهُمْ ) أَيْ عَلَى لِسَان مَنْ شَاءَ كَجِبْرِيل. ‏ ‏قَوْله ( فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاء الدُّنْيَا بِنَهَرَيْنِ يَطَّرِدَانِ ) ‏ ‏أَيْ يَجْرِيَانِ , وَظَاهِر هَذَا يُخَالِف حَدِيث مَالِك بْن صَعْصَعَة , فَإِنَّ فِيهِ بَعْد ذِكْر سِدْرَة الْمُنْتَهَى \" فَإِذَا فِي أَصْلهَا أَرْبَعَة أَنْهَار \" وَيُجْمَع بِأَنَّ أَصْل نَبْعهمَا مِنْ تَحْت سِدْرَة الْمُنْتَهَى وَمَقَرّهمَا فِي السَّمَاء الدُّنْيَا وَمِنْهَا يَنْزِلَانِ إِلَى الْأَرْض , وَوَقَعَ هُنَا \" النِّيل وَالْفُرَات عُنْصُرهَا \" وَالْعُنْصُر بِضَمِّ الْعَيْن وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنهمَا نُون سَاكِنَة هُوَ الْأَصْل. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاء الدُّنْيَا فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَر عَلَيْهِ قَصْر مِنْ لُؤْلُؤ وَزَبَرْجَد فَضَرَبَ يَده ) ‏ ‏أَيْ فِي النَّهَر ‏ ‏( فَإِذَا هُوَ ) ‏ ‏أَيْ طِينه ‏ ‏( مِسْك أَذْفَر قَالَ مَا هَذَا يَا جِبْرِيل ؟ قَالَ : هَذَا الْكَوْثَر الَّذِي خَبَأَ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة مَهْمُوز أَيْ ادَّخَرَ ( لَك رَبّك ) وَهَذَا مِمَّا يُسْتَشْكَل مِنْ رِوَايَة شَرِيك فَإِنَّ الْكَوْثَر فِي الْجَنَّة وَالْجَنَّة فِي السَّمَاء السَّابِعَة , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ حَدِيث حُمَيْدٍ الطَّوِيل عَنْ أَنَس رَفَعَهُ \" دَخَلْت الْجَنَّة فَإِذَا أَنَا بِنَهَرٍ حَافَّتَاهُ خِيَام اللُّؤْلُؤ فَضَرَبْت بِيَدَي فِي مَجْرَى مِائَة فَإِذَا مِسْك أَذْفَر فَقَالَ جِبْرِيل هَذَا الْكَوْثَر الَّذِي أَعْطَاك اللَّه تَعَالَى \" وَأَصْل هَذَا الْحَدِيث عِنْد الْبُخَارِيّ بِنَحْوِهِ , وَقَدْ مَضَى فِي التَّفْسِير مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ أَنَس لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْر الْجَنَّة , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ قَتَادَةَ وَلَفْظه \" لَمَّا عُرِجَ بِنَبِيِّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَ لَهُ فِي الْجَنَّة نَهَر \" الْحَدِيث , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون فِي هَذَا الْمَوْضِع شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره : ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاء الدُّنْيَا إِلَى السَّابِعَة فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ. ‏ ‏قَوْله ( كُلّ سَمَاء فِيهَا أَنْبِيَاء قَدْ سَمَّاهُمْ فَوَعَيْت مِنْهُمْ إِدْرِيس فِي الثَّانِيَة , وَهَارُون فِي الرَّابِعَة , وَآخَر فِي الْخَامِسَة وَلَمْ أَحْفَظ اِسْمه , وَإِبْرَاهِيم فِي السَّادِسَة , وَمُوسَى فِي السَّابِعَة ) ‏ ‏كَذَا فِي رِوَايَة شَرِيك , وَفِي حَدِيث الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَس عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ أَنَس فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَات آدَم وَإِدْرِيس وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيم , وَلَمْ يَثْبُت كَيْف مَنَازِلهمْ غَيْر أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَم فِي السَّمَاء الدُّنْيَا , وَإِبْرَاهِيم فِي السَّمَاء السَّادِسَة اِنْتَهَى. وَهَذَا مُوَافِق لِرِوَايَةِ شَرِيك فِي إِبْرَاهِيم وَهُمَا مُخَالِفَانِ لِرِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس عَنْ مَالِك بْن صَعْصَعَة , وَقَدْ قَدَّمْت فِي شَرْحه أَنَّ الْأَكْثَر وَافَقُوا قَتَادَةَ وَسِيَاقه يَدُلّ عَلَى رُجْحَان رِوَايَته فَإِنَّهُ ضَبَطَ اِسْم كُلّ نَبِيّ وَالسَّمَاء الَّتِي هُوَ فِيهَا وَوَافَقَهُ ثَابِت عَنْ أَنَس وَجَمَاعَة ذَكَرْتهمْ هُنَاكَ فَهُوَ الْمُعْتَمَد لَكِنْ إِنْ قُلْنَا إِنَّ الْقِصَّة تَعَدَّدَتْ فَلَا تَرْجِيح وَلَا إِشْكَال. ‏ ‏قَوْله ( وَمُوسَى فِي السَّابِعَة بِفَضْلِ كَلَامه لِلَّهِ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِتَفْضِيلِ كَلَام اللَّه \" وَهِيَ رِوَايَة الْأَكْثَر , وَهِيَ مُرَاد التَّرْجَمَة وَالْمُطَابِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنِّي اِصْطَفَيْتُك عَلَى النَّاس بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي ) وَهَذَا التَّعْلِيق يَدُلّ عَلَى أَنَّ شَرِيكًا ضَبَطَ كَوْن مُوسَى فِي السَّمَاء السَّابِعَة , وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ حَدِيث أَبِي ذَرّ يُوَافِقهُ ; لَكِنَّ الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَات أَنَّ الَّذِي فِي السَّابِعَة هُوَ إِبْرَاهِيم , وَأَكَّدَ ذَلِكَ فِي حَدِيث مَالِك بْن صَعْصَعَة بِأَنَّهُ كَانَ مُسْنِدًا ظَهْره إِلَى الْبَيْت الْمَعْمُور فَمَعَ التَّعَدُّد لَا إِشْكَال وَمَعَ الِاتِّحَاد فَقَدْ جُمِعَ بِأَنَّ مُوسَى كَانَ فِي حَالَة الْعُرُوج فِي السَّادِسَة وَإِبْرَاهِيم فِي السَّابِعَة عَلَى ظَاهِر حَدِيث مَالِك بْن صَعْصَعَة وَعِنْد الْهُبُوط كَانَ مُوسَى فِي السَّابِعَة ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِي الْقِصَّة أَنَّ إِبْرَاهِيم كَلَّمَهُ فِي شَيْء مِمَّا يَتَعَلَّق بِمَا فَرَضَ اللَّه عَلَى أُمَّته مِنْ الصَّلَاة كَمَا كَلَّمَهُ مُوسَى , وَالسَّمَاء السَّابِعَة هِيَ أَوَّل شَيْء اِنْتَهَى إِلَيْهِ حَالَة الْهُبُوط فَنَاسَبَ أَنْ يَكُون مُوسَى بِهَا ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَاطَبَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ فِي جَمِيع الرِّوَايَات , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَقِيَ مُوسَى فِي السَّادِسَة فَأُصْعِدَ مَعَهُ إِلَى السَّابِعَة تَفْضِيلًا لَهُ عَلَى غَيْره مِنْ أَجْل كَلَام اللَّه تَعَالَى , وَظَهَرَتْ فَائِدَة ذَلِكَ فِي كَلَامه مَعَ الْمُصْطَفَى فِيمَا يَتَعَلَّق بِأَمْرِ أُمَّته فِي الصَّلَاة , وَقَدْ أَشَارَ النَّوَوِيّ إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ مُوسَى رَبّ لَمْ أَظُنّ أَنْ تَرْفَع عَلَيَّ أَحَدًا ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة فِي تَرْفَع وَأَحَدًا بِالنَّصْبِ , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَنْ يُرْفَع \" بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّة أَوَّله وَاحِد بِالرَّفْعِ , قَالَ اِبْن بَطَّال : فَهِمَ مُوسَى مِنْ اِخْتِصَاصه بِكَلَامِ اللَّه تَعَالَى لَهُ فِي الدُّنْيَا دُون غَيْره مِنْ الْبَشَر لِقَوْلِهِ ( إِنِّي اِصْطَفَيْتُك عَلَى النَّاس بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي ) أَنَّ الْمُرَاد بِالنَّاسِ هُنَا الْبَشَر كُلّهمْ وَأَنَّهُ اِسْتَحَقَّ بِذَلِكَ أَنْ لَا يُرْفَع أَحَد عَلَيْهِ , فَلَمَّا فَضَّلَ اللَّه مُحَمَّدًا عَلَيْهِ عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ الْمَقَام الْمَحْمُود وَغَيْره اِرْتَفَعَ عَلَى مُوسَى وَغَيْره بِذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ الِاخْتِلَاف فِي أَنَّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء كَلَّمَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ وَاسِطَة أَوْ بِوَاسِطَةٍ , وَالْخِلَاف فِي وُقُوع الرُّؤْيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَيْنِ رَأْسه أَوْ بِعَيْنِ قَلْبه فِي الْيَقَظَة أَوْ فِي الْمَنَام , وَقَدْ مَضَى بَيَان الِاخْتِلَاف فِي ذَلِكَ فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْق ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه حَتَّى جَاءَ سِدْرَة الْمُنْتَهَى ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة شَرِيك وَهُوَ مِمَّا خَالَفَ فِيهِ غَيْره , فَإِنَّ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ سِدْرَة الْمُنْتَهَى فِي السَّابِعَة , وَعِنْد بَعْضهمْ فِي السَّادِسَة , وَقَدْ قَدَّمْت وَجْه الْجَمْع بَيْنهمَا عِنْد شَرْحه , وَلَعَلَّ فِي السِّيَاق تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا , وَكَانَ ذِكْر سِدْرَة الْمُنْتَهَى قَبْل ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْق ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ \" ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْت بِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيف الْأَقْلَام \" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِير الْمُسْتَوَى وَالصَّرِيف عِنْد شَرْحه فِي أَوَّل \" كِتَاب الصَّلَاة \" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَيْمُون بْن سِيَاهٍ عَنْ أَنَس عِنْد الطَّبَرِيِّ بَعْد ذِكْر إِبْرَاهِيم فِي السَّابِعَة \" فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ \" فَذَكَرَ أَمْر الْكَوْثَر قَالَ \" ثُمَّ خَرَجَ إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى \" وَهَذَا مُوَافِق لِلْجُمْهُورِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ الْعُلُوّ الْبَالِغ لِسِدْرَةِ الْمُنْتَهَى صِفَة أَعْلَاهَا وَمَا تَقَدَّمَ صِفَة أَصْلهَا. ‏ ‏قَوْله ( وَدَنَا الْجَبَّار رَبّ الْعِزَّة فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَاب قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَيْمُون الْمَذْكُورَة \" فَدَنَا رَبّك عَزَّ وَجَلَّ فَكَانَ قَاب قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى \" قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَيْسَ فِي هَذَا الْكِتَاب - يَعْنِي صَحِيح الْبُخَارِيّ - حَدِيث أَشْنَع ظَاهِرًا وَلَا أَشْنَع مَذَاقًا مِنْ هَذَا الْفَصْل فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَحْدِيد الْمَسَافَة بَيْن أَحَد الْمَذْكُورَيْنِ وَبَيْن الْآخَر وَتَمْيِيز مَكَان كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا , هَذَا إِلَى مَا فِي التَّدَلِّي مِنْ التَّشْبِيه وَالتَّمْثِيل لَهُ بِالشَّيْءِ الَّذِي تَعَلَّقَ مِنْ فَوْق إِلَى أَسْفَل , قَالَ : فَمَنْ لَمْ يَبْلُغهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيث إِلَّا هَذَا الْقَدْر مَقْطُوعًا عَنْ غَيْره وَلَمْ يَعْتَبِرهُ بِأَوَّلِ الْقِصَّة وَآخِرهَا اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ وَجْهه وَمَعْنَاهُ وَكَانَ قُصَارَاهُ مَا رَدَّ الْحَدِيث مِنْ أَصْله , وَأَمَّا الْوُقُوع فِي التَّشْبِيه وَهُمَا خُطَّتَانِ مَرْغُوب عَنْهُمَا , وَأَمَّا مَنْ اعْتَبَرَ أَوَّل الْحَدِيث بِآخِرِهِ فَإِنَّهُ يَزُول عَنْهُ الْإِشْكَال فَإِنَّهُ مُصَرَّح فِيهِمَا بِأَنَّهُ كَانَ رُؤْيَا لِقَوْلِهِ فِي أَوَّله \" وَهُوَ نَائِم \" وَفِي آخِره \" اِسْتَيْقَظَ \" وَبَعْض الرُّؤْيَا مَثَل يُضْرَب لِيُتَأَوَّل عَلَى الْوَجْه الَّذِي يَجِب أَنْ يُصْرَف إِلَيْهِ مَعْنَى التَّعْبِير فِي مِثْله , وَبَعْض الرُّؤْيَا لَا يَحْتَاج إِلَى ذَلِكَ بَلْ يَأْتِي كَالْمُشَاهَدَةِ. قُلْت : وَهُوَ كَمَا قَالَ , وَلَا اِلْتِفَات إِلَى مَنْ تَعَقَّبَ كَلَامه بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح : إِنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء وَحْي فَلَا يَحْتَاج إِلَى تَعْبِير ; لِأَنَّهُ كَلَام مَنْ لَمْ يُمْعِن النَّظَر فِي هَذَا الْمَحَلّ , فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \" كِتَاب التَّعْبِير \" أَنَّ بَعْض مَرْأَى الْأَنْبِيَاء يَقْبَل التَّعْبِير , وَتَقَدَّمَ مِنْ أَمْثِلَة ذَلِكَ قَوْل الصَّحَابَة لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رُؤْيَة الْقَمِيص فَمَا أَوَّلْته يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : الدِّين , وَفِي رُؤْيَة اللَّبَن ؟ قَالَ : الْعِلْم , إِلَى غَيْر ذَلِكَ لَكِنْ جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ فِي الْمَنَام مُتَعَقَّب بِمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره قَبْل , ثُمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مُشِيرًا إِلَى رَفْع الْحَدِيث مِنْ أَصْله بِأَنَّ الْقِصَّة بِطُولِهَا إِنَّمَا هِيَ حِكَايَة يَحْكِيهَا أَنَس مِنْ تِلْقَاء نَفْسه لَمْ يَعْزُهَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَقَلَهَا عَنْهُ وَلَا أَضَافَهَا إِلَى قَوْله , فَحَاصِل الْأَمْر فِي النَّقْل أَنَّهَا مِنْ جِهَة الرَّاوِي إِمَّا مِنْ أَنَس وَإِمَّا مِنْ شَرِيك فَإِنَّهُ كَثِير التَّفَرُّد بِمَنَاكِير الْأَلْفَاظ الَّتِي لَا يُتَابِعهُ عَلَيْهَا سَائِر الرُّوَاة اِنْتَهَى , وَمَا نَفَاهُ مِنْ أَنَّ أَنَسًا لَمْ يُسْنِد هَذِهِ الْقِصَّة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَأْثِير لَهُ , فَأَدْنَى أَمْره فِيهَا أَنْ يَكُون مُرْسَل صَحَابِيّ فَإِمَّا أَنْ يَكُون تَلَقَّاهَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَنْ صَحَابِيّ تَلَقَّاهَا عَنْهُ , وَمِثْل مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ لَا يُقَال بِالرَّأْيِ فَيَكُون لَهَا حُكْم الرَّفْع , وَلَوْ كَانَ لِمَا ذَكَرَهُ تَأْثِير لَمْ يُحْمَل حَدِيث أَحَد رَوَى مِثْل ذَلِكَ عَلَى الرَّفْع أَصْلًا وَهُوَ خِلَاف عَمَل الْمُحَدِّثِينَ قَاطِبَة , فَالتَّعْلِيل بِذَلِكَ مَرْدُود , ثُمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ نِسْبَة التَّدَلِّي لِلْجَبَّارِ عَزَّ وَجَلَّ مُخَالِف لِعَامَّةِ السَّلَف وَالْعُلَمَاء وَأَهْل التَّفْسِير مَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُمْ وَمَنْ تَأَخَّرَ , قَالَ : وَاَلَّذِي قِيلَ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال. ‏ ‏أَحَدهَا : أَنَّهُ دَنَا جِبْرِيل مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَدَلَّى أَيْ تَقَرَّبَ مِنْهُ , وَقِيلَ هُوَ عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير : أَيْ تَدَلَّى فُلَانًا ; لِأَنَّ التَّدَلِّي بِسَبَبِ الدُّنُوّ , الثَّانِي تَدَلَّى لَهُ جِبْرِيل بَعْد الِانْتِصَاب وَالِارْتِفَاع حَتَّى رَآهُ مُتَدَلِّيًا كَمَا رَآهُ مُرْتَفِعًا , وَذَلِكَ مِنْ آيَات اللَّه حَيْثُ أَقْدَرَهُ عَلَى أَنْ يَتَدَلَّى فِي الْهَوَاء مِنْ غَيْر اِعْتِمَاد عَلَى شَيْء وَلَا تَمَسُّك بِشَيْءٍ , الثَّالِث : دَنَا جِبْرِيل فَتَدَلَّى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدًا لِرَبِّهِ تَعَالَى شُكْرًا عَلَى مَا أَعْطَاهُ , قَالَ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَنَس مِنْ غَيْر طَرِيق شَرِيك فَلَمْ يَذْكُر فِيهِ هَذِهِ الْأَلْفَاظ الشَّنِيعَة , وَذَلِكَ مِمَّا يُقَوِّي الظَّنّ أَنَّهَا صَادِرَة مِنْ جِهَة شَرِيك اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَ الْأُمَوِيّ فِي مَغَازِيه وَمِنْ طَرِيقه الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَة أُخْرَى ) قَالَ دَنَا مِنْهُ رَبّه , وَهَذَا سَنَد حَسَن وَهُوَ شَاهِد قَوِيّ لِرِوَايَةِ شَرِيك , ثُمَّ قَالَ الْخَطَّابِيّ : وَفِي هَذَا الْحَدِيث لَفْظَة أُخْرَى تَفَرَّدَ بِهَا شَرِيك أَيْضًا لَمْ يَذْكُرهَا غَيْره وَهِيَ قَوْله : \" فَعَلَا بِهِ - يَعْنِي جِبْرِيل - إِلَى الْجَبَّار تَعَالَى فَقَالَ وَهُوَ مَكَانه : يَا رَبّ خَفِّفْ عَنَّا \" قَالَ وَالْمَكَان لَا يُضَاف إِلَى اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ مَكَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَقَامه الْأَوَّل الَّذِي قَامَ فِيهِ قَبْل هُبُوطه اِنْتَهَى , وَهَذَا الْأَخِير مُتَعَيَّن وَلَيْسَ فِي السِّيَاق تَصْرِيح بِإِضَافَةِ الْمَكَان إِلَى اللَّه تَعَالَى , وَأَمَّا مَا جَزَمَ بِهِ مِنْ مُخَالَفَة السَّلَف وَالْخَلَف لِرِوَايَةِ شَرِيك عَنْ أَنَس فِي التَّدَلِّي فَفِيهِ نَظَر , فَقَدْ ذَكَرْت مَنْ وَافَقَهُ , وَقَدْ نَقَلَ الْقُرْطُبِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ \" دَنَا اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى \" قَالَ وَالْمَعْنَى دَنَا أَمْره وَحُكْمه , وَأَصْلُ التَّدَلِّي النُّزُول إِلَى الشَّيْء حَتَّى يَقْرُب مِنْهُ , قَالَ : وَقِيلَ تَدَلَّى الرَّفْرَف لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَلَسَ عَلَيْهِ , ثُمَّ دَنَا مُحَمَّد مِنْ رَبّه اِنْتَهَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم مَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيث فِي أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" رَآهُ \" أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى جِبْرِيل لَهُ سِتّمِائَةِ جَنَاح , وَمَضَى بَسْط الْقَوْل فِي ذَلِكَ هُنَاكَ , وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ نَحْو ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : فَاتَّفَقَتْ رِوَايَات هَؤُلَاءِ عَلَى ذَلِكَ , وَيُعَكِّر عَلَيْهِ قَوْله بَعْد ذَلِكَ \" فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى \" ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْحَسَن أَنَّ الضَّمِير فِي عَبْده لِجِبْرِيل , وَالتَّقْدِير : فَأَوْحَى اللَّه إِلَى جِبْرِيل , وَعَنْ الْفَرَّاء التَّقْدِير : فَأَوْحَى جِبْرِيل إِلَى عَبْد اللَّه مُحَمَّد مَا أَوْحَى , وَقَدْ أَزَالَ الْعُلَمَاء إِشْكَاله فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض فِي الشِّفَاء : إِضَافَة الدُّنُوّ وَالْقُرْب إِلَى اللَّه تَعَالَى أَوْ مِنْ اللَّه لَيْسَ دُنُوّ مَكَان وَلَا قُرْب زَمَان وَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبَانَة لِعَظِيمِ مَنْزِلَته وَشَرِيف رُتْبَته , وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ تَأْنِيس لِنَبِيِّهِ وَإِكْرَام لَهُ , وَيُتَأَوَّل فِيهِ مَا قَالُوهُ فِي حَدِيث : يَنْزِل رَبُّنَا إِلَى السَّمَاء , وَكَذَا فِي حَدِيث : مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْت مِنْهُ ذِرَاعًا , وَقَالَ غَيْره : الدُّنُوّ مَجَاز عَنْ الْقُرْب الْمَعْنَوِيّ لِإِظْهَارِ عَظِيم مَنْزِلَته عِنْد رَبّه تَعَالَى , وَالتَّدَلِّي طَلَب زِيَادَة الْقُرْب , وَقَابَ قَوْسَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِبَارَة عَنْ لُطْف الْمَحَلّ وَإِيضَاح الْمَعْرِفَة وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّه إِجَابَة سُؤَاله وَرَفْع دَرَجَته , وَقَالَ عَبْد الْحَقّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ زَادَ فِيهِ - يَعْنِي شَرِيكًا - زِيَادَة مَجْهُولَة وَأَتَى فِيهِ بِأَلْفَاظِ غَيْر مَعْرُوفَة , وَقَدْ رَوَى الْإِسْرَاء جَمَاعَة مِنْ الْحُفَّاظ فَلَمْ يَأْتِ أَحَد مِنْهُمْ بِمَا أَتَى بِهِ شَرِيك , وَشَرِيك لَيْسَ بِالْحَافِظِ وَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّد بْن حَزْم فِيمَا حَكَاهُ الْحَافِظ أَبُو الْفَضْل بْن طَاهِر فِي جُزْء جَمَعَهُ سَمَّاهُ \" الِانْتِصَار لِأَيَامَى الْأَمْصَار \" فَنَقَلَ فِيهِ عَنْ الْحُمَيْدِيّ عَنْ اِبْن حَزْم قَالَ : لَمْ نَجِد لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِم فِي كِتَابَيْهِمَا شَيْئًا لَا يَحْتَمِل مَخْرَجًا إِلَّا حَدِيثَيْنِ ثُمَّ غَلَبَهُ فِي تَخْرِيجه الْوَهْم مَعَ إِتْقَانهمَا وَصِحَّة مَعْرِفَتهمَا فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث , وَقَالَ : فِيهِ أَلْفَاظ مُعْجَمَة وَالْآفَة مِنْ شَرِيك مِنْ ذَلِكَ قَوْله قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَأَنَّهُ حِينَئِذٍ فُرِضَ عَلَيْهِ الصَّلَاة قَالَ : وَهَذَا لَا خِلَاف بَيْن أَحَد مِنْ أَهْل الْعِلْم إِنَّمَا كَانَ قَبْل الْهِجْرَة بِسَنَةٍ وَبَعْد أَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِنَحْوِ اِثْنَتَيْ عَشْرَة سَنَة , ثُمَّ قَوْله \" إِنَّ الْجَبَّار دَنَا فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَاب قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى \" وَعَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا تَقُول : إِنَّ الَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى جِبْرِيل اِنْتَهَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ , وَقَالَ أَبُو الْفَضْل بْن طَاهِر : تَعْلِيل الْحَدِيث بِتَفَرُّدِ شَرِيك , وَدَعْوَى اِبْن حَزْم أَنَّ الْآفَة مِنْهُ شَيْء لَمْ يُسْبَق إِلَيْهِ فَإِنَّ شَرِيكًا قَبِلَهُ أَئِمَّة الْجَرْح وَالتَّعْدِيل وَوَثَّقُوهُ وَرَوَوْا عَنْهُ وَأَدْخَلُوا حَدِيثه فِي تَصَانِيفهمْ وَاحْتَجُّوا بِهِ , وَرَوَى عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد الدَّوْرَقِيّ وَعُثْمَان الدَّارِمِيُّ وَعَبَّاس الدَّوْرِيّ عَنْ يَحْيَى بْن مَعِين لَا بَأْس بِهِ , وَقَالَ اِبْن عَدِيٍّ مَشْهُور مِنْ أَهْل الْمَدِينَة حَدَّثَ عَنْهُ مَالِك وَغَيْره مِنْ الثِّقَات , وَحَدِيثه إِذَا رَوَى عَنْهُ ثِقَة لَا بَأْس بِهِ إِلَّا أَنْ يَرْوِي عَنْهُ ضَعِيف , قَالَ اِبْن طَاهِر : وَحَدِيثه هَذَا رَوَاهُ عَنْهُ ثِقَة وَهُوَ سُلَيْمَان بْن بِلَال , قَالَ وَعَلَى تَقْدِير تَسْلِيم تَفَرُّده قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ لَا يَقْتَضِي طَرْح حَدِيثه فَوَهْم الثِّقَة فِي مَوْضِع مِنْ الْحَدِيث لَا يُسْقِط جَمِيع الْحَدِيث وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْوَهْم لَا يَسْتَلْزِم اِرْتِكَاب مَحْذُور وَلَوْ تُرِكَ حَدِيث مَنْ وَهَمَ فِي تَارِيخ لَتُرِكَ حَدِيث جَمَاعَة مِنْ أَئِمَّة الْمُسْلِمِينَ , وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُول بَعْد أَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ فَقَالَ قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ اِنْتَهَى , وَقَدْ سَبَقَ إِلَى التَّنْبِيه عَلَى مَا فِي رِوَايَة شَرِيك مِنْ الْمُخَالَفَة مُسْلِم فِي صَحِيحه فَإِنَّهُ قَالَ بَعْد أَنْ سَاقَ سَنَده وَبَعْض الْمَتْن , ثُمَّ قَالَ : فَقَدَّمَ وَأَخَّرَ وَزَادَ وَنَقَصَ وَسَبَقَ اِبْن حَزْم أَيْضًا إِلَى الْكَلَام فِي شَرِيك أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ كَمَا قَدَّمْته , وَقَالَ فِيهِ النَّسَائِيُّ وَأَبُو مُحَمَّد بْن الْجَارُود : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ , وَكَانَ يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان لَا يُحَدِّث عَنْهُ , نَعَمْ قَالَ مُحَمَّد بْن سَعْد وَأَبُو دَاوُدَ : ثِقَة فَهُوَ مُخْتَلَف فِيهِ فَإِذَا تَفَرَّدَ عُدَّ مَا يَنْفَرِد بِهِ شَاذًّا وَكَذَا مُنْكَرًا عَلَى رَأْي مَنْ يَقُول : الْمُنْكَر وَالشَّاذّ شَيْء وَاحِد , وَالْأَوْلَى اِلْتِزَام وُرُود الْمَوَاضِع الَّتِي خَالَفَ فِيهَا غَيْره , وَالْجَوَاب عَنْهَا إِمَّا بِدَفْعِ تَفَرُّده وَإِمَّا بِتَأْوِيلِهِ عَلَى وِفَاق الْجَمَاعَة , وَمَجْمُوع مَا خَالَفَتْ فِيهِ رِوَايَة شَرِيك غَيْره مِنْ الْمَشْهُورِينَ عَشَرَة أَشْيَاء بَلْ تَزِيد عَلَى ذَلِكَ , ‏ ‏الْأَوَّل : أَمْكِنَة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي السَّمَاوَات وَقَدْ أَفْصَحَ بِأَنَّهُ لَمْ يَضْبِط مَنَازِلهمْ وَقَدْ وَافَقَهُ الزُّهْرِيُّ فِي بَعْض مَا ذَكَرَ كَمَا سَبَقَ فِي أَوَّل \" كِتَاب الصَّلَاة \". ‏ ‏وَالثَّانِي : كَوْن الْمِعْرَاج قَبْل الْبَعْثَة وَقَدْ سَبَقَ الْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ , وَأَجَابَ بَعْضهمْ عَنْ قَوْله \" قَبْل أَنْ يُوحَى \" بِأَنَّ الْقَبْلِيَّة هُنَا فِي أَمْر مَخْصُوص وَلَيْسَتْ مُطْلَقَة وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون الْمَعْنَى قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْن الْإِسْرَاء وَالْمِعْرَاج مَثَلًا أَيْ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَغْتَة قَبْل أَنْ يُنْذَر بِهِ , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي حَدِيث الزُّهْرِيِّ : فُرِجَ سَقْف بَيْتِي , ‏ ‏الثَّالِث : كَوْنه مَنَامًا وَقَدْ سَبَقَ الْجَوَاب عَنْهُ أَيْضًا بِمَا فِيهِ غُنْيَةٌ. ‏ ‏الرَّابِع : مُخَالَفَته فِي مَحَلّ سِدْرَة الْمُنْتَهَى وَأَنَّهَا فَوْق السَّمَاء السَّابِعَة بِمَا لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه , وَالْمَشْهُور أَنَّهَا فِي السَّابِعَة أَوْ السَّادِسَة كَمَا تَقَدَّمَ. ‏ ‏الْخَامِس : مُخَالَفَته فِي النَّهَرَيْنِ وَهُمَا النِّيل وَالْفُرَات وَأَنَّ عُنْصُرهمَا فِي السَّمَاء الدُّنْيَا وَالْمَشْهُور فِي غَيْر رِوَايَته أَنَّهُمَا فِي السَّمَاء السَّابِعَة وَأَنَّهُمَا مِنْ تَحْت سِدْرَة الْمُنْتَهَى , ‏ ‏السَّادِس : شَقّ الصَّدْر عِنْد الْإِسْرَاء وَقَدْ وَافَقَتْهُ رِوَايَة غَيْره كَمَا بَيَّنْت ذَلِكَ فِي شَرْح رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْ أَنَس عَنْ مَالِك بْن صَعْصَعَة , وَقَدْ أَشَرْت إِلَيْهِ أَيْضًا هُنَا. ‏ ‏السَّابِع : ذَكَرَ نَهَر الْكَوْثَر فِي السَّمَاء الدُّنْيَا , وَالْمَشْهُور فِي الْحَدِيث أَنَّهُ فِي الْجَنَّة كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ , ‏ ‏الثَّامِن : نِسْبَة الدُّنُوّ وَالتَّدَلِّي إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَالْمَشْهُور فِي الْحَدِيث أَنَّهُ جِبْرِيل كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ , ‏ ‏التَّاسِع : تَصْرِيحه بِأَنَّ اِمْتِنَاعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الرُّجُوع إِلَى سُؤَال رَبّه التَّخْفِيف كَانَ عِنْد الْخَامِسَة , وَمُقْتَضَى رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس أَنَّهُ كَانَ بَعْد التَّاسِعَةِ , ‏ ‏الْعَاشِر : قَوْله \" فَعَلَا بِهِ الْجَبَّار فَقَالَ وَهُوَ مَكَانَهُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ , ‏ ‏الْحَادِي عَشَر : رُجُوعه بَعْد الْخَمْس , وَالْمَشْهُور فِي الْأَحَادِيث أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَمَرَهُ بِالرُّجُوعِ بَعْد أَنْ اِنْتَهَى التَّخْفِيف إِلَى الْخَمْس فَامْتَنَعَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. ‏ ‏الثَّانِي عَشَر : زِيَادَة ذِكْر التَّوْر فِي الطَّسْت , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ فَهَذِهِ أَكْثَر مِنْ عَشَرَة مَوَاضِع فِي هَذَا الْحَدِيث لَمْ أَرَهَا مَجْمُوعَة فِي كَلَام أَحَد مِمَّنْ تَقَدَّمَ , وَقَدْ بَيَّنْت فِي كُلّ وَاحِد إِشْكَال مَنْ اِسْتَشْكَلَهُ وَالْجَوَاب عَنْهُ إِنْ أَمْكَنَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق , وَقَدْ جَزَمَ اِبْن الْقَيِّم فِي الْهَدْي بِأَنَّ فِي رِوَايَة شَرِيك عَشَرَة أَوْهَام لَكِنْ عَدَّ مُخَالَفَته لِمَحَالّ الْأَنْبِيَاء أَرْبَعَة مِنْهَا وَأَنَا جَعَلْتهَا وَاحِدَة فَعَلَى طَرِيقَته تَزِيد الْعِدَّة ثَلَاثَة وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏ ‏قَوْله ( مَاذَا عَهِدَ إِلَيْك رَبّك ) ‏ ‏أَيْ أَمَرَك أَوْ أَوْصَاك ‏ ‏( قَالَ عَهِدَ إِلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاة ) ‏ ‏فِيهِ حَذْف تَقْدِيره عَهِدَ إِلَيَّ أَنْ أُصَلِّي وَآمُر أُمَّتِي أَنْ يُصَلُّوا خَمْسِينَ صَلَاة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان اِخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فِي هَذَا الْمَوْضِع فِي أَوَّل \" كِتَاب الصَّلَاة \". ‏ ‏قَوْله ( فَالْتَفَتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِبْرِيل كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرهُ فِي ذَلِكَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيل أَيْ نَعَمْ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة \" أَنْ نَعَمْ \" وَأَنْ بِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيف مُفَسِّرَة فَهِيَ فِي الْمَعْنَى هُنَا مِثْل أَيْ وَهِيَ بِالتَّخْفِيفِ. ‏ ‏قَوْله ( إِنْ شِئْت ) ‏ ‏يُقَوِّي مَا ذَكَرْته فِي \" كِتَاب الصَّلَاة \" أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِمَ أَنَّ الْأَمْر بِالْخَمْسِينَ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيل الْحَتْم. ‏ ‏قَوْله ( فَعَلَا بِهِ إِلَى الْجَبَّار ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مَا فِيهِ عِنْد شَرْح قَوْله فَتَدَلَّى , وَقَوْله \" فَقَالَ وَهُوَ مَكَانه \" تَقَدَّمَ أَيْضًا بَحْث الْخَطَّابِيّ فِيهِ وَجَوَابه. ‏ ‏قَوْله ( وَاَللَّه لَقَدْ رَاوَدْت بَنِي إِسْرَائِيل قَوْمِي عَلَى أَدْنَى مِنْ هَذِهِ ) ‏ ‏أَيْ الْخَمْس , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مِنْ هَذَا \" أَيْ الْقَدْر ( فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ ) أَمَّا قَوْله \" رَاوَدْت \" فَهُوَ مِنْ الرَّوْد مِنْ رَادَ يَرُود إِذَا طَلَبَ الْمَرْعَى وَهُوَ الرَّائِد , ثُمَّ اُشْتُهِرَ فِيمَا يُرِيد الرِّجَال مِنْ النِّسَاء , وَاسْتُعْمِلَ فِي كُلّ مَطْلُوب وَأَمَّا قَوْله \" أَدْنَى \" فَالْمُرَاد بِهِ أَقَلّ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة يَزِيد بْن أَبِي مَالِك عَنْ أَنَس فِي تَفْسِير اِبْن مَرْدَوَيْهِ تَعْيِين ذَلِكَ وَلَفْظه : فَرَضَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل صَلَاتَانِ فَمَا قَامُوا بِهِمَا. ‏ ‏قَوْله ( فَأُمَّتُك ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَأُمَّتك \" , ‏ ‏( أَضْعَف أَجْسَادًا ) ‏ ‏أَيْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل. ‏ ‏قَوْله ( أَضْعَف أَجْسَادًا وَقُلُوبًا وَأَبْدَانًا ) ‏ ‏الْأَجْسَام وَالْأَجْسَاد سَوَاء , وَالْجِسْم وَالْجَسَد جَمِيع الشَّخْص وَالْأَجْسَام أَعَمّ مِنْ الْأَبْدَان ; لِأَنَّ الْبَدَن مِنْ الْجَسَد مَا سِوَى الرَّأْس وَالْأَطْرَاف , وَقِيلَ الْبَدَن أَعَالِي الْجَسَد دُون أَسَافِله. ‏ ‏قَوْله ( كُلّ ذَلِكَ يَلْتَفِت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِبْرِيل ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يَتَلَفَّت \" بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاة وَتَشْدِيد الْفَاء. ‏ ‏قَوْله ( فَرَفَعَهُ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" يَرْفَعهُ \" وَالْأَوَّل أَوْلَى. ‏ ‏قَوْله ( عِنْد الْخَامِسَة ) ‏ ‏هَذَا التَّنْصِيص عَلَى الْخَامِسَة عَلَى أَنَّهَا الْأَخِيرَة يُخَالِف رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس أَنَّهُ وَضَعَ عَنْهُ كُلّ مَرَّة خَمْسًا وَأَنَّ الْمُرَاجَعَة كَانَتْ تِسْع مَرَّات , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ وَرُجُوع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد تَقْرِير الْخَمْس لِطَلَبِ التَّخْفِيف مِمَّا وَقَعَ مِنْ تَفَرُّدَاتِ شَرِيك فِي هَذِهِ الْقِصَّة , وَالْمَحْفُوظ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُوسَى فِي الْأَخِيرَة اِسْتَحْيَيْت مِنْ رَبِّي , وَهَذَا أَصَرْحُ بِأَنَّهُ رَاجِعٌ فِي الْأَخِيرَة \" وَأَنَّ الْجَبَّار سُبْحَانه وَتَعَالَى قَالَ لَهُ : يَا مُحَمَّد , قَالَ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْك , قَالَ : إِنَّهُ لَا يُبَدَّل الْقَوْلُ لَدَيَّ \" وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ الدَّاوُدِيّ فِيمَا نَقَلَهُ اِبْن التِّين فَقَالَ : الرُّجُوع الْأَخِير لَيْسَ بِثَابِتٍ وَاَلَّذِي فِي الرِّوَايَات أَنَّهُ قَالَ \" اِسْتَحْيَيْت مِنْ رَبِّي فَنُودِيَ أَمْضَيْت فَرِيضَتِي وَخَفَّفْت عَنْ عِبَادِي \" وَقَوْله هُنَا \" فَقَالَ مُوسَى اِرْجِعْ إِلَى رَبّك \" قَالَ الدَّاوُدِيّ كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ مُوسَى قَالَ لَهُ : اِرْجِعْ إِلَى رَبّك بَعْد أَنْ قَالَ : لَا يُبَدَّل الْقَوْل لَدَيَّ. وَلَا يَثْبُت لِتَوَاطُئِ الرِّوَايَات عَلَى خِلَافه , وَمَا كَانَ مُوسَى لِيَأْمُرهُ بِالرُّجُوعِ بَعْد أَنْ يَقُول اللَّه تَعَالَى لَهُ ذَلِكَ اِنْتَهَى , وَأَغْفَلَ الْكَرْمَانِيُّ رِوَايَة ثَابِت فَقَالَ إِذَا خُفِّفَتْ فِي كُلّ مَرَّة عَشَرَة كَانَتْ الْأَخِيرَة سَادِسَة فَيُمْكِن أَنْ يُقَال لَيْسَ فِيهِ حَصْر لِجَوَازِ أَنْ يُخَفِّف بِمَرَّةٍ وَاحِدَة خَمْس عَشْرَة أَوْ أَقَلّ أَوْ أَكْثَر. ‏ ‏قَوْله ( لَا يُبَدَّل الْقَوْل لَدَيَّ ) ‏ ‏تَمَسَّكَ مَنْ أَنْكَرَ النَّسْخ وَرُدَّ بِأَنَّ النَّسْخ بَيَان اِنْتِهَاء الْحُكْم فَلَا يَلْزَم مِنْهُ تَبْدِيل الْقَوْل. ‏ ‏قَوْله فِي الْأَخِيرَة ( قَدْ وَاَللَّه رَاوَدْت إِلَخْ ) ‏ ‏رَاوَدْت يَتَعَلَّق بِقَدْ وَالْقَسَم مُقْحَم بَيْنهمَا لِإِرَادَةِ التَّأْكِيد فَقَدْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ \" وَاَللَّه لَقَدْ رَاوَدْت بَنِي إِسْرَائِيل \". ‏ ‏قَوْله ( قَالَ فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّه ) ‏ ‏ظَاهِر السِّيَاق أَنَّ مُوسَى هُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ عَقِب قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ وَاَللَّه اِسْتَحْيَيْت مِنْ رَبِّي مِمَّا اِخْتَلَفْت إِلَيْهِ , قَالَ : فَاهْبِطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ , بَلْ الَّذِي قَالَ لَهُ فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّه هُوَ جِبْرِيل , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الدَّاوُدِيّ. ‏ ‏قَوْله ( فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام ) ‏ ‏قَالَ الْقُرْطُبِيّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِسْتِيقَاظًا مِنْ نَوْمَة نَامَهَا بَعْد الْإِسْرَاء ; لِأَنَّ إِسْرَاءَهُ لَمْ يَكُنْ طُول لَيْلَته وَإِنَّمَا كَانَ فِي بَعْضهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى أَفَقْت مِمَّا كُنْت فِيهِ مِمَّا خَامَرَ بَاطِنه مِنْ مُشَاهَدَة الْمَلَأ الْأَعْلَى ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَات رَبّه الْكُبْرَى ) فَلَمْ يَرْجِع إِلَى حَال بَشَرِيَّته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام , وَأَمَّا قَوْله فِي أَوَّله \" بَيْنَا أَنَا نَائِم \" فَمُرَاده فِي أَوَّل الْقِصَّة وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ اِبْتَدَأَ نَوْمه فَأَتَاهُ الْمَلَك فَأَيْقَظَهُ , وَفِي قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى \" بَيْنَا أَنَا بَيْن النَّائِم وَالْيَقْظَان أَتَانِي الْمَلَك \" إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ اِسْتَحْكَ"
    },
    {
        "id": "6964",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ وَهْبٍ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ ‏ ‏يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ فَيَقُولُ أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد \" أَنَّ اللَّه يَقُول لِأَهْلِ الْجَنَّة يَا أَهْل الْجَنَّة \" الْحَدِيث , وَفِيهِ فَيَقُول : أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الرِّقَاق \" فِي بَاب صِفَة الْجَنَّة وَالنَّار , قَالَ اِبْن بَطَّال : اِسْتَشْكَلَ بَعْضهمْ هَذَا ; لِأَنَّهُ يُوهِم أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْخَط عَلَى أَهْل الْجَنَّة وَهُوَ خِلَاف ظَوَاهِر الْقُرْآن , كَقَوْلِهِ ( خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ لَهُمْ الْأَمْن وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) وَأَجَابَ بِأَنَّ إِخْرَاج الْعِبَاد مِنْ الْعَدَم إِلَى الْوُجُود مِنْ تَفَضُّله وَإِحْسَانه , وَكَذَلِكَ تَنْجِيز مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنْ الْجَنَّة وَالنَّعِيم مِنْ تَفَضُّله وَإِحْسَانه , وَأَمَّا دَوَام ذَلِكَ فَزِيَادَة مِنْ فَضْله عَلَى الْمُجَازَاة لَوْ كَانَتْ لَازِمَة , وَمَعَاذ اللَّه أَنْ يَجِب عَلَيْهِ شَيْء فَلَمَّا كَانَتْ الْمُجَازَاة لَا تَزِيد فِي الْعَادَة عَلَى الْمُدَّة وَمُدَّة الدُّنْيَا مُتَنَاهِيَة جَازَ أَنْ تَتَنَاهَى مُدَّة الْمُجَازَاة فَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالدَّوَامِ فَارْتَفَعَ الْإِشْكَال جُمْلَة اِنْتَهَى مُلَخَّصًا , وَقَالَ غَيْره : ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ الرِّضَا أَفْضَل مِنْ اللِّقَاء وَهُوَ مُشْكِل وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَر أَنَّ الرِّضَا أَفْضَل مِنْ كُلّ شَيْء وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الرِّضَا أَفْضَل مِنْ الْعَطَاء , وَعَلَى تَقْدِير التَّسْلِيم فَاللِّقَاء مُسْتَلْزِم لِلرِّضَا فَهُوَ مِنْ إِطْلَاق اللَّازِم وَإِرَادَة الْمَلْزُوم , كَذَا نَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : الْمُرَاد حُصُول أَنْوَاع الرِّضْوَان وَمِنْ جُمْلَتهَا اللِّقَاء فَلَا إِشْكَال , قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي حَمْزَة : فِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز إِضَافَة الْمَنْزِل لِسَاكِنِهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَصْل لَهُ فَإِنَّ الْجَنَّة مِلْك اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَقَدْ أَضَافَهَا لِسَاكِنِهَا بِقَوْلِهِ يَا أَهْل الْجَنَّة , قَالَ : وَالْحِكْمَة فِي ذِكْر دَوَام رِضَاهُ بَعْد الِاسْتِقْرَار أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ بِهِ قَبْل الِاسْتِقْرَار لَكَانَ خَبَرًا مِنْ بَاب عِلْم الْيَقِين , فَأَخْبَرَ بِهِ بَعْد الِاسْتِقْرَار لِيَكُونَ مِنْ بَاب عَيْن الْيَقِين , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّة أَعْيُن ) قَالَ : وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَاطَب أَحَد بِشَيْءٍ حَتَّى يَكُون عِنْده مَا يَسْتَدِلّ بِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ عَلَى بَعْضه , وَكَذَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ لَا يَأْخُذ مِنْ الْأُمُور إِلَّا قَدْر مَا يَحْمِلهُ , وَفِيهِ الْأَدَب فِي السُّؤَال لِقَوْلِهِمْ : وَأَيّ شَيْء أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا شَيْئًا أَفْضَل مِمَّا هُمْ فِيهِ فَاسْتَفْهَمُوا عَمَّا لَا عِلْم لَهُمْ بِهِ , وَفِيهِ أَنَّ الْخَيْر كُلّه وَالْفَضْل وَالِاغْتِبَاط إِنَّمَا هُوَ فِي رِضَا اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى , وَكُلّ شَيْء مَا عَدَاهُ وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ أَنْوَاعه فَهُوَ مِنْ أَثَره , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى رِضَا كُلّ مِنْ أَهْل الْجَنَّة بِحَالِهِ مَعَ اِخْتِلَاف مَنَازِلهمْ وَتَنْوِيع دَرَجَاتهمْ ; لِأَنَّ الْكُلّ أَجَابُوا بِلَفْظِ وَاحِد وَهُوَ \" أَعْطَيْتنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقك \" وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. ‏"
    },
    {
        "id": "6965",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏فُلَيْحٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِلَالٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى دُونَكَ يَا ابْنَ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَجِدُ هَذَا إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْل الْجَنَّة اِسْتَأْذَنَ رَبّه \" فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ \" يَسْتَأْذِن رَبّه فِي الزَّرْعِ \". ‏ ‏قَوْله ( فَأُحِبُّ أَنْ أَزْرَع فَأَسْرَعَ ) ‏ ‏فِيهِ حَذْف تَقْدِيره فَأَذِنَ لَهُ فَزَرَعَ فَأَسْرَعَ. ‏ ‏قَوْله ( فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعك شَيْء ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَة مِنْ الشِّبَع , وَلِلْمُسْتَمْلِيّ \" لَا يَسَعَك شَيْء \" بِالْمُهْمَلَةِ بِغَيْرِ مُوَحَّدَة مِنْ الْوُسْع. ‏ ‏قَوْله ( فَقَالَ الْأَعْرَابِيّ يَا رَسُول اللَّه لَا تَجِد هَذَا إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَاب زَرْع ) ‏ ‏قَالَ الدَّاوُدِيّ قَوْله \" قُرَشِيًّا \" وَهْم ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأَكْثَرِهِمْ زَرْع. قُلْت : وَتَعْلِيله يَرُدّ عَلَى نَفْيه الْمُطْلَق فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِبَعْضِهِمْ زَرْعًا صَدَقَ قَوْله أَنَّ الزَّارِع الْمَذْكُور مِنْهُمْ , وَاسْتَشْكَلَ قَوْله لَا يُشْبِعك شَيْء بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صِفَة الْجَنَّة ( إِنَّ لَك أَنْ لَا تَجُوع فِيهَا وَلَا تَعْرَى ) وَأُجِيبَ بِأَنَّ نَفْي الشِّبَع لَا يُوجِب الْجُوع ; لِأَنَّ بَيْنهمَا وَاسِطَة وَهِيَ الْكِفَايَة , وَأَكْل أَهْل الْجَنَّة لِلتَّنَعُّمِ وَالِاسْتِلْذَاذ لَا عَنْ الْجُوع , وَاخْتُلِفَ فِي الشِّبَع فِيهَا وَالصَّوَاب أَنْ لَا شِبَع فِيهَا إِذْ لَوْ كَانَ لَمَنَعَ دَوَام أَكْل الْمُسْتَلِذّ , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ \" لَا يُشْبِعك شَيْء \" جِنْس الْآدَمِيّ , وَمَا طُبِعَ عَلَيْهِ فَهُوَ فِي طَلَب الِازْدِيَاد إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الْمُزَارَعَة \" بِعَوْنِ اللَّه تَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6966",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَأَلْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قُلْتُ إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قَالَ ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قَالَ ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن مَسْعُود تَقَدَّمَ شَرْحه فِي بَاب إِثْم الزُّنَاة مِنْ \" كِتَاب الْحُدُود \" وَذَكَرْت مَا فِي سَنَده مِنْ الِاخْتِلَاف عَلَى أَبِي وَائِل , وَالْمُرَاد هُنَا الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ زَعْم أَنَّهُ يَخْلُق فِعْل نَفْسه يَكُون كَمَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا , وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ الْوَعِيد الشَّدِيد فَيَكُون اِعْتِقَاده حَرَامًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6967",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْحُمَيْدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَنْصُورٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُجَاهِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏اجْتَمَعَ عِنْدَ ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ ‏ ‏أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ ‏ ‏كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ فَقَالَ أَحَدُهُمْ أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ قَالَ الْآخَرُ يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا وَقَالَ الْآخَرُ إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏ { ‏وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6968",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَيْفَ تَسْأَلُونَ ‏ ‏أَهْلَ الْكِتَابِ ‏ ‏عَنْ كُتُبِهِمْ وَعِنْدَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ أَقْرَبُ الْكُتُبِ عَهْدًا بِاللَّهِ تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ ‏ ‏يُشَبْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( كَيْف تَسْأَلُونَ أَهْل الْكِتَاب عَنْ كُتُبهمْ ) ‏ ‏هَذِهِ رِوَايَة عِكْرِمَة عَنْهُ وَرِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه وَهُوَ اِبْن عُتْبَةَ عَنْهُ \" يَا مَعْشَر الْمُسْلِمِينَ كَيْف تَسْأَلُونَ أَهْل الْكِتَاب عَنْ شَيْءٍ \". ‏ ‏قَوْله ( وَعِنْدَكُمْ كِتَاب اللَّه أَقْرَب الْكُتُب عَهْدًا بِاَللَّهِ ) ‏ ‏هَذِهِ رِوَايَة عِكْرِمَة وَرِوَايَة عُبَيْد اللَّه \" وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْكُمْ أَحْدَث الْأَخْبَار بِاَللَّهِ أَيْ أَقْرَبهَا نُزُولًا إِلَيْكُمْ وَأَخْبَارًا مِنْ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى وَقَدْ جَرَى الْبُخَارِيّ عَلَى عَادَته فِي الْإِشَارَة إِلَى اللَّفْظ الَّذِي يُرِيدهُ وَإِيرَاده لَفْظًا آخَر غَيْره فَإِنَّهُ أَوْرَدَ أَثَر اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ \" أَقْرَب \" وَهُوَ عِنْده فِي الْمَوْضِع الْآخَر بِلَفْظِ \" أَحْدَث \" وَهُوَ أَلْيَق بِمُرَادِهِ هُنَا وَقَدْ جَاءَ نَظِير هَذَا الْوَصْف مِنْ كَلَام كَعْب الْأَحْبَار مَنْسُوبًا إِلَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى فَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ عَاصِم بْن بَهْدَلَة عَنْ مُغِيث بْن سُمَيّ قَالَ قَالَ كَعْب عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ أَحْدَث الْكُتُب عَهْدًا بِالرَّحْمَنِ , زَادَ فِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْ كَعْب : وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ فِي التَّوْرَاة : يَا مُوسَى إِنِّي مُنَزِّل عَلَيْك تَوْرَاة حَدِيثَة أَفْتَح بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا. ‏ ‏قَوْله ( تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ ) ‏ ‏هَذَا آخِر حَدِيث عِكْرِمَة وَقَوْله \" لَمْ يُشَبْ \" بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الشِّين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة , أَيْ لَمْ يُخَالِطهُ غَيْره , وَزَادَ عُبَيْد اللَّه فِي رِوَايَته \" وَقَدْ حَدَّثَكُمْ اللَّه أَنَّ أَهْل الْكِتَاب قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُب اللَّه وَغَيَّرُوا إِلَخْ \" يُشِير إِلَى قَوْله ( فَوَيْل لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَاب بِأَيْدِيهِمْ - إِلَى - يَكْسِبُونَ ) وَقَوْله \" لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ \" فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" لِيَشْتَرُوا بِهِ \" وَقَوْله \" عَنْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ \" فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" إِلَيْكُمْ \" وَقَوْله \" جَاءَكُمْ مِنْ الْعِلْم \" إِسْنَاد الْمَجِيء إِلَى الْعِلْم كَإِسْنَادِ النَّهْي إِلَيْهِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6969",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شُعَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ ‏ ‏أَهْلَ الْكِتَابِ ‏ ‏عَنْ شَيْءٍ وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ بِاللَّهِ مَحْضًا لَمْ ‏ ‏يُشَبْ ‏ ‏وَقَدْ حَدَّثَكُمْ اللَّهُ أَنَّ ‏ ‏أَهْلَ الْكِتَابِ ‏ ‏قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَغَيَّرُوا فَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ الْكُتُبَ قَالُوا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلًا أَوَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنْ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( فَلَا وَاَللَّه مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَسْأَلكُمْ ) ‏ ‏فِيهِ تَأْكِيد الْخَبَر بِالْقَسَمِ \" وَكَأَنَّهُ يَقُول : لَا يَسْأَلُونَكُمْ عَنْ شَيْء مَعَ عِلْمهمْ بِأَنَّ كِتَابكُمْ لَا تَحْرِيف فِيهِ , فَكَيْف تَسْأَلُونَهُمْ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ كِتَابَهُمْ مُحَرَّفٌ \". ‏"
    },
    {
        "id": "6970",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ‏ { ‏لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ‏} ‏قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعَالِجُ ‏ ‏مِنْ التَّنْزِيلِ شِدَّةً وَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَقَالَ لِي ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحَرِّكُهُمَا فَقَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ‏} ‏قَالَ جَمْعُهُ فِي صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَؤُهُ ‏ { ‏فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ‏} ‏قَالَ فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ قَالَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَتَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قَرَأَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَمَا أَقْرَأَهُ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ( لَا تُحَرِّك بِهِ لِسَانك ) قَالَ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِج مِنْ التَّنْزِيل شِدَّة , الْحَدِيث وَهُوَ مِنْ أَوْضَح الْأَدِلَّة عَلَى أَنَّ الْقُرْآن يُطْلَق وَيُرَاد بِهِ الْقِرَاءَة , فَإِنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ قُرْآنًا فِي الْآيَتَيْنِ الْقِرَاءَة لَا نَفْس الْقُرْآن , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي بَدْء الْوَحْي , قَالَ اِبْن بَطَّال : غَرَضه فِي هَذَا الْبَاب أَنَّ تَحْرِيك اللِّسَان وَالشَّفَتَيْنِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآن عَمَل لَهُ يُؤْجَر عَلَيْهِ , ‏ ‏وَقَوْله ( فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنه ) ‏ ‏فِيهِ إِضَافَة الْفِعْل إِلَى اللَّه تَعَالَى وَالْفَاعِل لَهُ مَنْ يَأْمُرهُ بِفِعْلِهِ , فَإِنَّ الْقَارِئ لِكَلَامِهِ تَعَالَى عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ جِبْرِيل , فَفِيهِ بَيَان لِكُلِّ مَا أَشْكَلَ مِنْ كُلّ فِعْل يُنْسَب إِلَى اللَّه تَعَالَى مِمَّا لَا يَلِيق بِهِ فِعْله مِنْ الْمَجِيء وَالنُّزُول وَنَحْو ذَلِكَ اِنْتَهَى , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ مُرَاد الْبُخَارِيّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الْمَوْصُول وَالْمُعَلَّق الرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قِرَاءَة الْقَارِئ قَدِيمَة فَأَبَانَ أَنَّ حَرَكَة لِسَان الْقَارِئ بِالْقُرْآنِ مِنْ فِعْل الْقَارِئ بِخِلَافِ الْمَقْرُوء فَإِنَّهُ كَلَام اللَّه الْقَدِيم كَمَا أَنَّ حَرَكَة لِسَان ذَاكِر اللَّه حَادِثَة مِنْ فِعْله , وَالْمَذْكُور وَهُوَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى قَدِيم وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِالتَّرَاجِمِ الَّتِي تَأْتِي بَعْد هَذَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6971",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هُشَيْمٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏أَبُو بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ‏ { ‏وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ‏} ‏قَالَ نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُخْتَفٍ ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ فَإِذَا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ‏} ‏أَيْ بِقِرَاءَتِكَ فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ ‏ { ‏وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ‏} ‏عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ ‏ { ‏وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ‏}",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي نُزُول قَوْله تَعَالَى ( وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ) وَفِي آخِره : فَقَالَ اللَّه لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك أَيْ بِقِرَاءَتِك , ‏"
    },
    {
        "id": "6972",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ‏ { ‏وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ‏} ‏فِي الدُّعَاءِ ‏",
        "sharh": "وَحَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا فِي تَفْسِير سُبْحَان. ‏"
    },
    {
        "id": "6973",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْحَاقُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ جُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ ‏ ‏وَزَادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ ‏",
        "sharh": "وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ , وَزَادَ غَيْره , يَجْهَر بِهِ , أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ حَدَّثَنَا اِبْن شِهَاب وَقَدْ مَضَى فِي فَضَائِل الْقُرْآن , وَفِي بَاب قَوْل اللَّه تَعَالَى ( وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة عِنْده إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) مِنْ طَرِيق عَقِيل عَنْ اِبْن شِهَاب بِلَفْظِ \" مَا أَذِنَ اللَّه لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ ) وَقَالَ صَاحِب لَهُ \" يَجْهَر بِهِ \" وَسَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة بِلَفْظِ \" مَا أَذِنَ اللَّه لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَن الصَّوْت بِالْقُرْآنِ يَجْهَر بِهِ فَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْغَيْر الْمُبْهَم فِي حَدِيث الْبَاب وَهُوَ الصَّاحِب الْمُبْهَم فِي رِوَايَة \" عَقِيل \" هُوَ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ , وَالْحَدِيث وَاحِد إِلَّا أَنَّ بَعْضهمْ رَوَاهُ بِلَفْظِ \" مَا أَذِنَ اللَّه \" وَبَعْضهمْ رَوَاهُ بِلَفْظِ \" لَيْسَ مِنَّا \" وَ \" إِسْحَاق \" شَيْخه فِيهِ هُوَ اِبْن مَنْصُور , وَقَالَ الْحَاكِم بْن نَصْر وَرَجَّحَ الْأَوَّل أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ وَ \" أَبُو عَاصِم \" هُوَ النَّبِيل وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ قَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَة وَأَقْرَب ذَلِكَ فِي أَوَّل حَدِيث مِنْ كِتَاب التَّوْحِيد. ‏"
    },
    {
        "id": "6974",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تَحَاسُدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ فَيَقُولُ لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ ‏",
        "sharh": "ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة لَا تَحَاسُد إِلَّا فِي اِثْنَتَيْنِ : رَجُل آتَاهُ اللَّه الْقُرْآن فَهُوَ يَتْلُوهُ , ‏"
    },
    {
        "id": "6975",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏مِرَارًا لَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ الْخَبَرَ وَهُوَ مِنْ صَحِيحِ حَدِيثِهِ ‏",
        "sharh": "وَحَدِيث سَالِم عَنْ \" أَبِيهِ \" وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر : لَا حَسَد إِلَّا فِي اِثْنَتَيْنِ رَجُل آتَاهُ اللَّه الْقُرْآن فَهُوَ يَقُوم بِهِ , وَقَدْ مَضَى شَرْح الْمَتْن فِي فَضَائِل الْقُرْآن , وَقَوْله \" سَمِعْت مِنْ سُفْيَان مِرَارًا \" هُوَ كَلَام \" عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه \" وَهُوَ اِبْن الْمَدِينِيّ شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَقَوْله \" لَمْ أَسْمَعهُ يَذْكُر الْخَبَر \" أَيْ مَا سَمِعَهُ مِنْهُ إِلَّا بِالْعَنْعَنَةِ. ‏ ‏قَوْله ( وَهُوَ مِنْ صَحِيح حَدِيثه ) ‏ ‏قُلْت قَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي يَعْلَى عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا \" سُفْيَان \" هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم بِهِ قَالَ اِبْن الْمُنِير دَلَّتْ أَحَادِيث الْبَاب الَّذِي قَبْله عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَة فِعْل الْقَارِئ وَأَنَّهَا تُسَمَّى تَغَنِّيًا , وَهَذَا هُوَ الْحَقّ اِعْتِقَادًا لَا إِطْلَاقًا حَذَرًا مِنْ الْإِيهَام وَفِرَارًا مِنْ الِابْتِدَاع بِمُخَالَفَةِ السَّلَف فِي الْإِطْلَاق وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ نَقَلَ عَنِّي أَنِّي قُلْت لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فَقَدْ كَذَبَ , وَإِنَّمَا قُلْت إِنَّ أَفْعَال الْعِبَاد مَخْلُوقَة , قَالَ : وَقَدْ قَارَبَ الْإِفْصَاح فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة بِمَا رَمَزَ إِلَيْهِ فِي الَّتِي قَبْلهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6976",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ ‏ ‏وَزِيَادُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْمُغِيرَةُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا أَنَّهُ ‏ ‏مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْل ( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عُبَيْد اللَّه الثَّقَفِيّ ) ‏ ‏كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ \" عَنْ أَبِي زَيْد سَعِيد بْن عَبْد اللَّه \" بِفَتْحِ الْعَيْن وَسُكُون الْمُوَحَّدَة قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ وَكَذَا كَانَ فِي نُسْخَة أَبِي مُحَمَّد الْأَصِيلِيّ إِلَّا أَنَّهُ أَصْلَحَهُ \" عُبَيْد اللَّه \" بِالتَّصْغِيرِ وَقَالَ هُوَ سَعِيد بْن عُبَيْد اللَّه بْن جُبَيْر بْن حَيَّة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ جُبَيْر بْن حَيَّة ) ‏ ‏بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة وَ \" جُبَيْر \" هُوَ وَالِدُ زِيَاد بْن جُبَيْر الرَّاوِي عَنْهُ. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ الْمُغِيرَة ) ‏ ‏هُوَ اِبْن شُعْبَة. ‏ ‏قَوْله ( أَخْبَرَنَا نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رِسَالَة رَبّنَا أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّة ) ‏ ‏هَذَا الْقَدْر هُوَ الْمَرْفُوع مِنْ الْحَدِيث , وَقَدْ مَضَى بِطُولِهِ وَشَوَاهِده فِي \" كِتَاب الْجِزْيَة \" وَبَيَان الِاخْتِلَاف فِي ضَبْط الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان الْمَذْكُور فِي سَنَده بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته. ‏"
    },
    {
        "id": "6977",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَتَمَ شَيْئًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّعْبِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَتَمَ شَيْئًا مِنْ الْوَحْيِ فَلَا تُصَدِّقْهُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ‏ { ‏يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ‏}",
        "sharh": "قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ إِسْمَاعِيل عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : مَنْ حَدَّثَك أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا , وَقَالَ مُحَمَّد حَدَّثَنَا أَبُو عَامِر الْعَقَدِيّ حَدَّثَنَا عَنْ شُعْبَة إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد ) أَمَّا ‏ ‏\" مُحَمَّد بْن يُوسُف \" ‏ ‏فَهُوَ الْفِرْيَابِيّ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج ‏ ‏وَأَمَّا \" سُفْيَان \" ‏ ‏فَهُوَ الثَّوْرِيّ , ‏ ‏وَأَمَّا \" إِسْمَاعِيل \" ‏ ‏فَهُوَ اِبْن أَبِي خَالِد الْمَذْكُور فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة , ‏ ‏وَأَمَّا \" مُحَمَّد \" ‏ ‏الْمَذْكُور أَوَّل الرِّوَايَة الثَّانِيَة فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ مُحَمَّد بْن يُوسُف الْفِرْيَابِيّ الْمَذْكُور فِي الرِّوَايَة الْأُولَى فَيَكُون مَوْصُولًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون غَيْره فَيَكُون مُعَلَّقًا وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيع الْمِزِّيّ , وَأَمَّا أَبُو نُعَيْم فَقَالَ فِي الْمُسْتَخْرَج \" رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّد عَنْ أَبِي عَامِر \" وَمُقْتَضَاة أَنْ يَكُون وَقَعَ عِنْده حَدَّثَنَا مُحَمَّد أَوْ قَالَ لِي مُحَمَّد ; لِأَنَّ عَادَته إِذَا وَقَعَ بِصِيغَةِ قَالَ مُجَرَّدَة أَنْ يَقُول أَخْرَجَهُ بِلَا رِوَايَة يَعْنِي صِيغَة صَرِيحَة , وَ \" أَبُو عَامِر الْعَقَدِيّ \" هُوَ عَبْد الْمَلِك بْن عَمْرو , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَحْمَد بْن ثَابِت عَنْ أَبِي عَامِر الْعَقَدِيّ مِثْل مَا سَاقَهُ الْبُخَارِيّ وَزَادَ \" مَنْ حَدَّثَك أَنَّ اللَّه رَآهُ أَحَد مِنْ خَلْقه فَلَا تُصَدِّقهُ , إِنَّ اللَّه يَقُول لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار \" وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْقَدْر مُفْرَدًا فِي بَاب قَوْل اللَّه تَعَالَى ( عَالِم الْغَيْب فَلَا يُظْهِر عَلَى غَيْبه أَحَدًا ) فِي \" كِتَاب التَّوْحِيد \" هَذَا عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف بِهَذَا السَّنَد وَزَادَ \" مَنْ حَدَّثَك أَنَّهُ يَعْلَم الْغَيْب \" الْحَدِيث وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة كَذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى قِصَّة الرُّؤْيَة وَالْغَيْب هُنَاكَ وَكُلّ مَا أُنْزِلَ عَلَى الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ طَرَفَانِ طَرَف الْأَخْذ مِنْ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَقَدْ مَضَى فِي الْبَاب السَّابِق , وَطَرَف الْأَدَاء لِلْأُمَّةِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالتَّبْلِيغِ وَهُوَ الْمَقْصُود هُنَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6978",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْأَعْمَشِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ ‏ ‏أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قَالَ ثُمَّ أَيْ قَالَ ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قَالَ ثُمَّ أَيْ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهَا ‏ { ‏وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث ‏ ‏\" عَبْد اللَّه \" ‏ ‏هُوَ اِبْن مَسْعُود ‏ ‏\" أَيّ الذَّنْب أَكْبَر \" ‏ ‏تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَاب قَوْله تَعَالَى ( فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا ) وَزَادَ فِي آخِره هُنَا فَأَنْزَلَ اللَّه تَصْدِيقهَا ( وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر ) إِلَى آخِر الْآيَة وَمُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ التَّبْلِيغ عَلَى نَوْعَيْنِ : ‏ ‏أَحَدهمَا : وَهُوَ الْأَصْل أَنْ يُبَلِّغهُ بِعَيْنِهِ وَهُوَ خَاصّ بِمَا يُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ وَهُوَ الْقُرْآن , ‏ ‏وَثَانِيهمَا : أَنْ يُبَلِّغ مَا يُسْتَنْبَط مِنْ أُصُول مَا تَقَدَّمَ إِنْزَاله فَيَنْزِل عَلَيْهِ مُوَافَقَته فِيمَا اِسْتَنْبَطَهُ إِمَّا بِنَصِّهِ وَإِمَّا بِمَا يَدُلّ عَلَى مُوَافَقَته بِطَرِيقِ الْأَوْلَى كَهَذِهِ الْآيَة فَإِنَّهَا اِشْتَمَلَتْ عَلَى الْوَعِيد الشَّدِيد فِي حَقّ مَنْ أَشْرَكَ وَهِيَ مُطَابِقَة لِلنَّصِّ , وَفِي حَقّ مَنْ قَتَلَ النَّفْس بِغَيْرِ حَقّ وَهِيَ مُطَابِقَة لِلْحَدِيثِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ; لِأَنَّ الْقَتْل بِغَيْرِ حَقّ وَإِنْ كَانَ عَظِيمًا لَكِنَّ قَتَلَ الْوَلَد أَشَدّ قُبْحًا فِي قَتْل مَنْ لَيْسَ بِوَلَدٍ , وَكَذَا الْقَوْل فِي الزُّنَاة فَإِنَّ الزِّنَا بِحَلِيلَةِ الْجَار أَعْظَم قُبْحًا مِنْ مُطْلَق الزِّنَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِنْزَال هَذِهِ الْآيَة سَابِقًا عَلَى إِخْبَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ لَكِنْ لَمْ يَسْمَعهَا الصَّحَابِيّ إِلَّا بَعْد ذَلِكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كُلّ مِنْ الْأُمُور الثَّلَاثَة نَزَلَ تَعْظِيم الْإِثْم فِيهِ سَابِقًا وَلَكِنْ اِخْتَصَّتْ هَذِهِ الْآيَة بِمَجْمُوعِ الثَّلَاثَة فِي سِيَاق وَاحِد مَعَ الِاقْتِصَار عَلَيْهَا فَيَكُون الْمُرَاد بِالتَّصْدِيقِ الْمُوَافَقَة فِي الِاقْتِصَار عَلَيْهَا , فَعَلَى هَذَا فَمُطَابَقَة الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَة جِدًّا وَاَللَّه أَعْلَم , وَاسْتَدَلَّ أَبُو الْمُظَفَّر بْن السَّمْعَانِيّ بِآيَاتِ الْبَاب وَأَحَادِيثه عَلَى فَسَاد طَرِيقَة الْمُتَكَلِّمِينَ فِي تَقْسِيم الْأَشْيَاء إِلَى جِسْم وَجَوْهَر وَعَرَض , قَالُوا : فَالْجِسْم مَا اِجْتَمَعَ مِنْ الِافْتِرَاق , وَالْجَوْهَر : مَا حَمَلَ الْعَرَض , وَالْعَرَض : مَا لَا يَقُوم بِنَفْسِهِ , وَجَعَلُوا الرُّوح مِنْ الْأَعْرَاض , وَرَدُّوا الْأَخْبَار فِي خَلْق الرُّوح قَبْل الْجَسَد وَالْعَقْل قَبْل الْخَلْق , وَاعْتَمَدُوا عَلَى حَدْسهمْ وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ نَظَرهمْ ثُمَّ يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ النُّصُوص فَمَا وَافَقَهُ قَبِلُوهُ وَمَا خَالَفَهُ رَدُّوهُ , ثُمَّ سَاقَ هَذِهِ الْآيَات وَنَظَائِرهَا مِنْ الْأَمْر بِالتَّبْلِيغِ , قَالَ : وَكَانَ مِمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ التَّوْحِيد بَلْ هُوَ أَصْل مَا أُمِرَ بِهِ فَلَمْ يَتْرُك شَيْئًا مِنْ أُمُور الدِّين أُصُوله وَقَوَاعِده وَشَرَائِعه إِلَّا بَلَّغَهُ ثُمَّ لَمْ يَدَعْ إِلَّا الِاسْتِدْلَال بِمَا تَمَسَّكُوا بِهِ مِنْ الْجَوْهَر وَالْعَرَض , وَلَا يُوجَد عَنْهُ وَلَا عَنْ أَحَد مِنْ أَصْحَابه مِنْ ذَلِكَ حَرْف وَاحِد فَمَا فَوْقه , فَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ ذَهَبُوا خِلَاف مَذْهَبهمْ وَسَلَكُوا غَيْر سَبِيلهمْ بِطَرِيقٍ مُحْدَث مُخْتَرَع لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَصْحَابه رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ , وَيَلْزَم مِنْ سُلُوكه الْعَوْد عَلَى السَّلَف بِالطَّعْنِ وَالْقَدْح وَنِسْبَتهمْ إِلَى قِلَّة الْمَعْرِفَة وَاشْتِبَاه الطُّرُق فَالْحَذَر مِنْ الِاشْتِغَال بِكَلَامِهِمْ وَالِاكْتِرَاث بِمَقَالَاتِهِمْ فَإِنَّهَا سَرِيعَة التَّهَافُت كَثِيرَة التَّنَاقُض , وَمَا مِنْ كَلَام تَسْمَعهُ لِفِرْقَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا وَتَجِد لِخُصُومِهِمْ عَلَيْهِ كَلَامًا يُوَازِنهُ أَوْ يُقَارِبهُ , فَكُلٌّ بِكُلٍّ مُقَابَلٌ وَبَعْضٌ بِبَعْضٍ مُعَارَضٌ وَحَسْبك مِنْ قَبِيح مَا يَلْزَم مِنْ طَرِيقَتهمْ أَنَّا إِذَا جَرَيْنَا عَلَى مَا قَالُوهُ وَأَلْزَمْنَا النَّاس بِمَا ذَكَرُوهُ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ تَكْفِير الْعَوَامّ جَمِيعًا ; لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا الِاتِّبَاع الْمُجَرَّد وَلَوْ عُرِضَ عَلَيْهِمْ هَذَا الطَّرِيق مَا فَهِمَهُ أَكْثَرهمْ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَصِير مِنْهُمْ صَاحِب نَظَر , وَإِنَّمَا غَايَة تَوْحِيدهمْ اِلْتِزَام مَا وَجَدُوا عَلَيْهِ أَئِمَّتهمْ فِي عَقَائِد الدِّين وَالْعَضّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَالْمُوَاظَبَة عَلَى وَظَائِف الْعِبَادَات وَمُلَازَمَة الْأَذْكَار بِقُلُوبٍ سَلِيمَة طَاهِرَة عَنْ الشُّبَه وَالشُّكُوك فَتَرَاهُمْ لَا يَحِيدُونَ عَمَّا اِعْتَقَدُوهُ وَلَوْ قُطِّعُوا إِرْبًا إِرْبًا , فَهَنِيئًا لَهُمْ هَذَا الْيَقِين وَطُوبَى لَهُمْ هَذِهِ السَّلَامَة فَإِذَا كَفَرَ هَؤُلَاءِ وَهُمْ السَّوَاد الْأَعْظَم وَجُمْهُور الْأُمَّة فَمَا هَذَا إِلَّا طَيّ بِسَاط الْإِسْلَام وَهَدْم مَنَار الدِّين وَاللَّهُ الْمُسْتَعَان. ‏"
    },
    {
        "id": "6979",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏سَالِمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَنْ ‏ ‏سَلَفَ ‏ ‏مِنْ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أُوتِيَ ‏ ‏أَهْلُ التَّوْرَاةِ ‏ ‏التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا ‏ ‏قِيرَاطًا ‏ ‏قِيرَاطًا ‏ ‏ثُمَّ أُوتِيَ ‏ ‏أَهْلُ الْإِنْجِيلِ ‏ ‏الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى صُلِّيَتْ الْعَصْرُ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا ‏ ‏قِيرَاطًا ‏ ‏قِيرَاطًا ‏ ‏ثُمَّ أُوتِيتُمْ الْقُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَأُعْطِيتُمْ ‏ ‏قِيرَاطَيْنِ ‏ ‏قِيرَاطَيْنِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏أَهْلُ الْكِتَابِ ‏ ‏هَؤُلَاءِ أَقَلُّ مِنَّا عَمَلًا وَأَكْثَرُ أَجْرًا قَالَ اللَّهُ ‏ ‏هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَ \" عَبْدَان \" ‏ ‏شَيْخه هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان ‏ ‏\" وَعَبْد اللَّه \" ‏ ‏هُوَ اِبْن الْمُبَارَك ‏ ‏وَ \" يُونُس \" ‏ ‏هُوَ اِبْن يَزِيد ‏ ‏وَ \" سَالِم \" ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَقَوْله فِيهِ \" حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْس \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" حَتَّى غُرُوب الشَّمْس \" وَقَوْله \" هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقّكُمْ مِنْ شَيْء \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" شَيْئًا \" قَالَ اِبْن بَطَّال : مَعْنَى هَذَا الْبَاب كَاَلَّذِي قَبْله أَنَّ كُلّ مَا يُنْشِئهُ الْإِنْسَان مِمَّا يُؤْمَر بِهِ مِنْ صَلَاة أَوْ حَجّ أَوْ جِهَاد وَسَائِر الشَّرَائِع عَمَل يُجَازَى عَلَى فِعْله وَيُعَاقَب عَلَى تَرْكه إِنْ أُنْفِذَ الْوَعِيد اِنْتَهَى , وَلَيْسَ غَرَض الْبُخَارِيّ هُنَا بَيَان مَا يَتَعَلَّق بِالْوَعِيدِ بَلْ مَا أَشَرْت إِلَيْهِ قَبْل , وَتَشَاغَلَ اِبْن التِّين بِبَعْضِ مَا يَتَعَلَّق بِلَفْظِ حَدِيث اِبْن عُمَر فَنَقَلَ عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ أَنْكَرَ قَوْله فِي الْحَدِيث أَنَّهُمْ أُعْطُوا قِيرَاطًا وَتَمَسَّكَ بِمَا فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى أَنَّهُمْ قَالُوا لَا حَاجَة لَنَا فِي أَجْرك , ثُمَّ قَالَ : لَعَلَّ هَذَا فِي طَائِفَة أُخْرَى وَهُمْ مَنْ آمَنَ بِنَبِيِّهِ قَبْل بَعْثَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا الْأَخِير هُوَ الْمُعْتَمَد وَقَدْ أَوْضَحْته بِشَوَاهِدِهِ فِي كِتَاب الْمَوَاقِيت وَفِي تَشَاغُل مَنْ شَرَحَ هَذَا الْكِتَاب بِمِثْلِ هَذَا هُنَا إِعْرَاض عَنْ مَقْصُود الْمُصَنِّف هُنَا , وَحَقّ الشَّارِح بَيَان مَقَاصِد الْمُصَنِّف تَقْرِيرًا وَإِنْكَارًا وَبِاَللَّهِ الْمُسْتَعَان ‏"
    },
    {
        "id": "6980",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏سُلَيْمَانُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْوَلِيدِ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَسَدِيُّ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ مَسْعُودٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ ‏ ‏الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي سُلَيْمَان ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ حَرْب. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْوَلِيد وَحَدَّثَنِي عَبَّاد ) ‏ ‏أَمَّا \" الْوَلِيد \" فَهُوَ اِبْن الْعَيْزَار الْمَذْكُور فِي السَّنَد الثَّانِي , وَالْقَائِل \" وَحَدَّثَنِي عَبَّاد \" هُوَ الْبُخَارِيّ وَعَبَّاد شَيْخه هَذَا مَذْكُور بِالرَّفْضِ وَلَكِنَّهُ مَوْصُوف بِالصِّدْقِ وَلَيْسَ لَهُ عِنْد الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظه , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظ شُعْبَة فِي بَاب فَضْل الصَّلَاة لِوَقْتِهَا فِي أَبْوَاب الْمَوَاقِيت مِنْ \" كِتَاب الصَّلَاة \" وَفِيهِ \" ثُمَّ أَيّ ثُمَّ أَيّ \" فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَوَّله سَأَلْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيّ الْعَمَل أَحَبّ إِلَى اللَّه وَعُرِفَ مِنْهُ تَسْمِيَة الْمُبْهَم فِي هَذِهِ الرِّوَايَة حَيْثُ قَالَ فِيهَا إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيّ الْأَعْمَال أَفْضَل ؟ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الرَّاوِي حَدَّثَ بِهِ بِالْمَعْنَى فَأَبْهَمَ السَّائِل ذُهُولًا عَنْ أَنَّهُ الرَّاوِي كَمَا حَذَفَ مِنْ صُورَة السُّؤَال التَّرْتِيب فِي قَوْله قُلْت : ثُمَّ أَيّ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن مَسْعُود حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَالْأَوَّل أَقْرَب \" وَأَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيُّ \" شَيْخ الْوَلِيد بْن الْعَيْزَار هُوَ سَعْد بْن إِيَاس أَحَد كِبَار التَّابِعِينَ \" وَالشَّيْبَانِيُّ \" الرَّاوِي عَنْ الْعَيْزَار هُوَ أَبُو إِسْحَاق الْكُوفِيّ وَاسْمه سُلَيْمَان وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير , وَفِي السَّنَد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق وَرِجَال سَنَده كُلّهمْ كُوفِيُّونَ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الْمَوْصِلِيّ عَنْ عَبَّاد بْن الْعَوَّام فَقَالَ فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي إِسْحَاق يَعْنِي الشَّيْبَانِيَّ , وَقَالَ فِيهِ سَأَلَ رَجُل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ : سَأَلْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْأَعْمَال أَيّهَا أَفْضَل ؟ فَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّد الِاحْتِمَال الْأَوَّل وَأَنَّ الرَّاوِي لَمْ يَضْبِط اللَّفْظ , وَشُعْبَة أَتْقَن مِنْ الشَّيْبَانِيِّ وَأَضْبَط لِأَلْفَاظِ الْحَدِيث فَرِوَايَته هِيَ الْمُعْتَمَدَة وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6981",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَالٌ فَأَعْطَى قَوْمًا وَمَنَعَ آخَرِينَ فَبَلَغَهُ أَنَّهُمْ عَتَبُوا فَقَالَ ‏ ‏إِنِّي أُعْطِي الرَّجُلَ وَأَدَعُ الرَّجُلَ وَالَّذِي ‏ ‏أَدَعُ ‏ ‏أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الَّذِي أُعْطِي أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ ‏ ‏الْجَزَعِ ‏ ‏وَالْهَلَعِ ‏ ‏وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْغِنَى وَالْخَيْرِ مِنْهُمْ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏عَمْرٌو ‏ ‏مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حُمْرَ النَّعَمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ الْحَسَن ) ‏ ‏هُوَ الْبَصْرِيّ وَالسَّنَد كُلّه بَصْرِيُّونَ , وَ \" عَمْرو بْن تَغْلِب , بِالْمُثَنَّاةِ الْمَفْتُوحَة وَالْمُعْجَمَة السَّاكِنَة وَاللَّام الْمَكْسُورَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة هُوَ النَّمَرِيّ بِفَتْحِ الْمِيم وَالنُّون وَالتَّخْفِيف , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح حَدِيثه هَذَا فِي فَرْض الْخُمُس , وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله فِيهِ \" لِمَا فِي قُلُوبهمْ مِنْ الْجَزَع وَالْهَلَع \" قَالَ اِبْن بَطَّال : مُرَاده فِي هَذَا الْبَاب إِثْبَات خَلْق اللَّه تَعَالَى لِلْإِنْسَانِ بِأَخْلَاقِهِ مِنْ الْهَلَع وَالصَّبْر وَالْمَنْع وَالْإِعْطَاء , وَقَدْ اِسْتَثْنَى اللَّه الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتهمْ دَائِمُونَ لَا يَضْجَرُونَ بِتَكَرُّرِهَا عَلَيْهِمْ وَلَا يَمْنَعُونَ حَقّ اللَّه فِي أَمْوَالهمْ ; لِأَنَّهُمْ يَحْتَسِبُونَ بِهَا الثَّوَاب وَيَكْسِبُونَ بِهَا التِّجَارَة الرَّابِحَة فِي الْآخِرَة , وَهَذَا يُفْهَم مِنْهُ أَنَّ مَنْ اِدَّعَى لِنَفْسِهِ قُدْرَة وَحَوْلًا بِالْإِمْسَاكِ وَالشُّحّ وَالضَّجَر مِنْ الْفَقْر وَقِلَّة الصَّبْر لِقَدَرِ اللَّه تَعَالَى لَيْسَ بِعَالِمٍ وَلَا عَابِد ; لِأَنَّ مَنْ اِدَّعَى أَنَّ لَهُ قُدْرَة عَلَى نَفْع نَفْسه أَوْ دَفْع الضُّرّ عَنْهَا فَقَدْ اِفْتَرَى اِنْتَهَى مُلَخَّصًا , وَأَوَّله كَافٍ فِي الْمُرَاد فَإِنَّ قَصْد الْبُخَارِيّ أَنَّ الصِّفَات الْمَذْكُورَة بِخَلْقِ اللَّه تَعَالَى فِي الْإِنْسَان لَا أَنَّ الْإِنْسَان يَخْلُقهَا بِفِعْلِهِ , وَفِيهِ أَنَّ الرِّزْق فِي الدُّنْيَا لَيْسَ عَلَى قَدْر الْمَرْزُوق فِي الْآخِرَة , وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّمَا تَقَع الْعَطِيَّة وَالْمَنْع بِحَسَب السِّيَاسَة الدُّنْيَوِيَّة , فَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي مَنْ يَخْشَى عَلَيْهِ الْجَزَع وَالْهَلَع لَوْ مُنِعَ , وَيَمْنَع مَنْ يَثِقُ بِصَبْرِهِ وَاحْتِمَاله وَقَنَاعَته بِثَوَابِ الْآخِرَة , وَفِيهِ أَنَّ الْبَشَر جُبِلُوا عَلَى حُبّ الْعَطَاء وَبُغْض الْمَنْع وَالْإِسْرَاع إِلَى إِنْكَار ذَلِكَ قَبْل الْفِكْرَة فِي عَاقِبَته إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّه , وَفِيهِ أَنَّ الْمَنْع قَدْ يَكُون خَيْرًا لِلْمَمْنُوعِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الصَّحَابِيّ \" مَا أُحِبّ أَنَّ لِي بِتِلْكَ الْكَلِمَة حُمْر النَّعَم \" وَالْبَاء فِي قَوْله \" بِتِلْكَ \" لِلْبَدَلِيَّةِ أَيْ مَا أُحِبّ أَنَّ لِي بَدَل كَلِمَته النَّعَم الْحُمْر ; لِأَنَّ الصِّفَة الْمَذْكُورَة تَدُلّ عَلَى قُوَّة إِيمَانه الْمُفْضِي بِهِ لِدُخُولِ الْجَنَّة , وَثَوَاب الْآخِرَة خَيْر وَأَبْقَى , وَفِيهِ اِسْتِئْلَاف مَنْ يُخْشَى جَزَعه أَوْ يُرْجَى بِسَبَبِ إِعْطَائِهِ طَاعَة مَنْ يَتَّبِعهُ وَالِاعْتِذَار إِلَى مَنْ ظَنَّ ظَنًّا وَالْأَمْر بِخِلَافِهِ ‏"
    },
    {
        "id": "6982",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو زَيْدٍ سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْهَرَوِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ ‏ ‏إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ‏ ‏بَاعًا ‏ ‏وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْن عَبْد الرَّحِيم ) ‏ ‏هُوَ أَبُو يَحْيَى الْبَغْدَادِيّ الْمُلَقَّب صَاعِقَة , وَأَبُو زَيْد مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ قَدْ حَدَّثَ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَة فِي بَاب إِذَا رَأَى الْمُحْرِمُونَ صَيْدًا فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الْحَجّ \" وَكَذَا فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ‏ ‏هَذِهِ رِوَايَة قَتَادَةَ وَخَالَفَهُ سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ كَمَا فِي الْحَدِيث الثَّانِي , فَقَالَ \" عَنْ أَنَس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة \" فَالْأَوَّل مُرْسَل صَحَابِيّ. ‏ ‏قَوْله ( يَرْوِيه عَنْ رَبّه عَزَّ وَجَلَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَمِنْ طَرِيق حَجَّاج بْن مُحَمَّد كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَة سَمِعْت قَتَادَةَ يُحَدِّث عَنْ أَنَس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَبّكُمْ , وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ \" عَنْ شُعْبَة \" وَمِنْ طَرِيقه أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم \" يَقُول اللَّه \" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ قَوْله \" قَالَ رَبّكُمْ \" وَقَوْله \" يَرْوِيه عَنْ رَبّكُمْ \" سَوَاء أَيْ فِي الْمَعْنَى. ‏ ‏قَوْله ( إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْد إِلَيَّ شِبْرًا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ \" مِنِّي \" وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ \" إِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي عَبْدِي \" وَالْأَصْل هُنَا الْإِتْيَان بِمِنْ , لَكِنْ يُفِيد اِسْتِعْمَال \" إِلَى \" بِمَعْنَى الِانْتِهَاء فَهُوَ أَبْلَغُ. ‏ ‏قَوْله ( تَقَرَّبْت إِلَيْهِ ذِرَاعًا , وَإِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" مِنِّي \" وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ وَالطَّيَالِسِيّ. ‏ ‏قَوْله ( ذِرَاعًا تَقَرَّبْت مِنْهُ بَاعًا , وَإِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْته هَرْوَلَة ) ‏ ‏لَمْ يَقَع \" وَإِذَا أَتَانِي \" إِلَخْ فِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال : وَصَفَ سُبْحَانه نَفْسه بِأَنَّهُ يَتَقَرَّب إِلَى عَبْده وَوَصَفَ الْعَبْد بِالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَوَصَفَهُ بِالْإِتْيَانِ وَالْهَرْوَلَة كُلّ ذَلِكَ يَحْتَمِل الْحَقِيقَة وَالْمَجَاز فَحَمْلهَا عَلَى الْحَقِيقَة يَقْتَضِي قَطْع الْمَسَافَات وَتَدَانِي الْأَجْسَام وَذَلِكَ فِي حَقّه تَعَالَى مُحَال فَلَمَّا اِسْتَحَالَتْ الْحَقِيقَة تَعَيَّنَ الْمَجَاز لِشُهْرَتِهِ فِي كَلَام الْعَرَب فَيَكُون وَصْف الْعَبْد بِالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ شِبْرًا وَذِرَاعًا وَإِتْيَانه وَمَشْيه مَعْنَاهُ التَّقَرُّب إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ وَأَدَاء مُفْتَرَضَاته وَنَوَافِله وَيَكُون تَقَرُّبه سُبْحَانه مِنْ عَبْده وَإِتْيَانه وَالْمَشْي عِبَارَة عَنْ إِثْبَاته عَلَى طَاعَته وَتَقَرُّبه مِنْ رَحْمَته , وَيَكُون قَوْله أَتَيْته هَرْوَلَة أَيْ أَتَاهُ ثَوَابِي مُسْرِعًا , وَنُقِلَ عَنْ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ إِنَّمَا مَثَّلَ الْقَلِيل مِنْ الطَّاعَة بِالشِّبْرِ مِنْهُ وَالضَّعْف مِنْ الْكَرَامَة وَالثَّوَاب بِالذِّرَاعِ فَجَعَلَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مَبْلَغ كَرَامَته لِمَنْ أَدْمَنَ عَلَى طَاعَته أَنَّ ثَوَاب عَمَله لَهُ عَلَى عَمَله الضَّعْف وَأَنَّ الْكَرَامَة مُجَاوَزَة حَدّه إِلَى مَا يُثِيبهُ اللَّه تَعَالَى , وَقَالَ اِبْن التِّين الْقُرْب هُنَا نَظِير مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى ( فَكَانَ قَاب قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) فَإِنَّ الْمُرَاد بِهِ قُرْب الرُّتْبَة وَتَوْفِير الْكَرَامَة وَالْهَرْوَلَة كِنَايَة عَنْ سُرْعَة الرَّحْمَة إِلَيْهِ وَرِضَا اللَّه عَنْ الْعَبْد وَتَضْعِيف الْأَجْر , قَالَ : وَالْهَرْوَلَة ضَرْب مِنْ الْمَشْي السَّرِيع وَهِيَ دُون الْعَدْو وَقَالَ صَاحِب الْمَشَارِق الْمُرَاد بِمَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيث سُرْعَة قَبُول تَوْبَة اللَّه لِلْعَبْدِ أَوْ تَيْسِير طَاعَته وَتَقْوِيَته عَلَيْهَا وَتَمَام هِدَايَته وَتَوْفِيقه وَاللَّهُ أَعْلَم بِمُرَادِهِ. وَقَالَ الرَّاغِب قُرْب الْعَبْد مِنْ اللَّه التَّخْصِيص بِكَثِيرٍ مِنْ الصِّفَات الَّتِي يَصِحّ أَنْ يُوصَف اللَّه بِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى الْحَدّ الَّذِي يُوصَف بِهِ اللَّه تَعَالَى نَحْو الْحِكْمَة وَالْعِلْم وَالْحِلْم وَالرَّحْمَة وَغَيْرهَا , وَذَلِكَ يَحْصُل بِإِزَالَةِ الْقَاذُورَات الْمَعْنَوِيَّة مِنْ الْجَهْل وَالطَّيْش وَالْغَضَب وَغَيْرهَا بِقَدْرِ طَاقَة الْبَشَر وَهُوَ قُرْب رُوحَانِيّ لَا بَدَنِيّ , وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْد مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْت مِنْهُ ذِرَاعًا. ‏"
    },
    {
        "id": "6983",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏التَّيْمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رُبَّمَا ذَكَرَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ‏ ‏بَاعًا ‏ ‏أَوْ بُوعًا ‏ ‏وَقَالَ ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَنَسًا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَحْيَى ) ‏ ‏هُوَ اِبْنُ سَعِيد الْقَطَّان وَ \" التَّيْمِيُّ \" هُوَ سُلَيْمَان بْن طَرْخَانَ. ‏ ‏قَوْله ( رُبَّمَا ذَكَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْد مِنِّي ) ‏ ‏كَذَا لِلْجَمِيعِ لَيْسَ فِيهِ الرِّوَايَة عَنْ اللَّه تَعَالَى , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن خَلَّاد عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان , وَأَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْمُقَدَّمِيّ عَنْ يَحْيَى فَقَالَ فِيهِ \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ذَكَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ مُسْلِم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا \" يَحْيَى \" هُوَ اِبْن سَعِيد وَابْن أَبِي عَدِيٍّ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَان فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ \" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ \". ‏ ‏قَوْل ( وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْت مِنْهُ بَاعًا أَوْ بُوعًا ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَاب قَوْل اللَّه تَعَالَى ( وَيُحَذِّركُمْ اللَّه نَفْسه ) بِغَيْرِ شَكّ مِنْ رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : أَنَا عِنْد ظَنّ عَبْدِي بِي , فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ : وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْت إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْت إِلَيْهِ بَاعًا , وَوَقَعَ ذِكْر الْهَرْوَلَة فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ الَّذِي أَوَّله رَفَعَهُ : يَقُول اللَّه تَعَالَى مَنْ عَمِلَ حَسَنَة فَجَزَاؤُهُ عَشْر أَمْثَالهَا , وَفِيهِ \" وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ شِبْرًا \" الْحَدِيث , وَفِي آخِره : وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْته هَرْوَلَة وَمَنْ أَتَانِي بِقُرَابِ الْأَرْض خَطِيئَة لَمْ يُشْرِك بِي شَيْئًا جَعَلْتهَا لَهُ مَغْفِرَة أَخْرَجَهُ مُسْلِم , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْبَاع مَعْرُوف وَهُوَ قَدْر مَدّ الْيَدَيْنِ , وَأَمَّا الْبَوْع بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة فَهُوَ مَصْدَر بَاعَ يَبُوع بَوْعًا قَالَ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِضَمِّ الْبَاء جَمْع بَاع مِثْل دَار وَدُور , وَأَغْرَبَ النَّوَوِيّ فَقَالَ الْبَاع وَالْبَوْع بِالضَّمِّ وَالْفَتْح كُلّه بِمَعْنًى , فَإِنْ أَرَادَ مَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَإِلَّا لَمْ يُصَرِّح أَحَد بِأَنَّ الْبُوع بِالضَّمِّ وَالْبَاع بِمَعْنًى وَاحِد , وَقَالَ الْبَاجِيّ الْبَاع طُول ذِرَاعَيْ الْإِنْسَان وَعَضُدَيْهِ وَعَرْض صَدْره وَذَلِكَ قَدْر أَرْبَعَة أَذْرُع وَهُوَ مِنْ الدَّوَابّ قَدْر خَطْوهَا فِي الْمَشْي وَهُوَ مَا بَيْن قَوَائِمهَا , وَزَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة \" وَإِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْته هَرْوَلَة \" وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ : وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي بُوعًا أَتَيْته هَرْوَلَة. ‏ ‏قَوْله ( وَقَالَ مُعْتَمِر ) ‏ ‏هُوَ اِبْن سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ الْمَذْكُور وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان التَّصْرِيح بِالرِّوَايَةِ فِيهِ عَنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَقَدْ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْره مِنْ رِوَايَة الْمُعْتَمِر كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَبّه عَزَّ وَجَلَّ ) كَذَا سَقَطَ مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ عَنْ السَّرَخْسِيّ والْكُشْمِيهَنِيّ لَفْظَة \" عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَثَبَتَتْ لِلْمُسْتَمْلِيّ وَالْبَاقِينَ وَقَالَ عِيَاض عَنْ الْأَصِيلِيّ لَمْ يَكُنْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِتَاب الْفَرَبْرِيّ , وَقَدْ أَلْحَقَهَا عَبْدُوس. قُلْت : وَثَبَتَتْ عِنْد مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى عَنْ الْمُعْتَمِر وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه لَكِنَّهُ أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَة مُحَمَّد بْن بَشَّار وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْقَاسِم بْن زَكَرِيَّا عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى فَقَالَ فِي سِيَاقه \" عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنِي أَنَس أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة حَدَّثَهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ رَبّه تَعَالَى , وَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِر قَالَ حَدَّثَ أَبِي عَنْ أَنَس أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة حَدَّثَهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ رَبّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى , وَوَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الشَّهِيد حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِر عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبّه عَزَّ وَجَلَّ , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُتَوَكِّل الْعَسْقَلَانِيّ حَدَّثَنَا مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان حَدَّثَنِي أَبِي أَخْبَرَنِي أَنَس بْن مَالِك عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْد مِنِّي شِبْرًا , فَذَكَرَهُ وَقَالَ فِيهِ \" بَاعًا \" وَلَمْ يَشُكّ , وَفِي آخِره \" أَتَيْته هَرْوَلَة \" وَزَادَ \" وَإِنْ هَرْوَلَ سَعَيْت إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَسْرَع بِالْمَغْفِرَةِ \" قَالَ الْبَرْقَانِيّ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ فِي مُسْتَخْرَجه مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن سُفْيَان : لَمْ أَجِد هَذِهِ الزِّيَادَة فِي حَدِيث غَيْره يَعْنِي مُحَمَّد بْن الْمُتَوَكِّل اِنْتَهَى , وَهُوَ صَدُوق عَارِف بِالْحَدِيثِ عِنْده غَرَائِب وَأَفْرَاد وَهُوَ مِنْ شُيُوخ أَبِي دَاوُدَ فِي السُّنَن وَالْقَوْل فِي مَعْنَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مِثْل مُضَاعَفَة الثَّوَاب يَقْبَل مَنْ أَقْبَلَ نَحْو آخِر قَدْر شِبْر فَاسْتَقْبَلَهُ بِقَدْرِ ذِرَاع , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ التَّوْفِيق لَهُ بِالْعَمَلِ الَّذِي يُقِرِّبهُ مِنْهُ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَمَّا قَامَتْ الْبَرَاهِين عَلَى اِسْتِحَالَة هَذِهِ الْأَشْيَاء فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى وَجَبَ أَنْ يَكُون الْمَعْنَى : مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِطَاعَةٍ قَلِيلَة جَازَيْته بِثَوَابٍ كَثِير وَكُلَّمَا زَادَ فِي الطَّاعَة أَزِيد فِي الثَّوَاب وَإِنْ كَانَتْ كَيْفِيَّة إِتْيَانه بِالطَّاعَةِ بِطَرِيقِ التَّأَنِّي يَكُون كَيْفِيَّة إِتْيَانِي بِالثَّوَابِ بِطَرِيقِ الْإِسْرَاع , وَالْحَاصِل أَنَّ الثَّوَاب رَاجِح عَلَى الْعَمَل بِطَرِيقِ الْكَيْف وَالْكَمّ وَلَفْظ الْقُرْب وَالْهَرْوَلَة مَجَاز عَلَى سَبِيل الْمُشَاكَلَة أَوْ الِاسْتِعَارَة أَوْ إِرَادَة لَوَازِمهَا. ‏"
    },
    {
        "id": "6984",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ قَالَ ‏ ‏لِكُلِّ عَمَلٍ ‏ ‏كَفَّارَةٌ ‏ ‏وَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا ‏ ‏أَجْزِي ‏ ‏بِهِ ‏ ‏وَلَخُلُوفُ ‏ ‏فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث مُحَمَّد بْن زِيَاد وَهُوَ الْجُمَحِيُّ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِيه عَنْ رَبّكُمْ قَالَ : لِكُلِّ عَمَل كَفَّارَة وَالصَّوْم لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ , فِي رِوَايَة \" مُحَمَّد بْن جَعْفَر \" وَهُوَ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة يَرْوِيه عَنْ رَبّه عَزَّ وَجَلَّ : لِكُلِّ عَمَل كَفَّارَة إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ , أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ وَأَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق غُنْدَر وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي الْجَعْد وَمِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ \" لِكُلِّ عَمَل كَفَّارَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الصِّيَام \". ‏"
    },
    {
        "id": "6985",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏ح ‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏خَلِيفَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الْعَالِيَةِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ ‏ ‏لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ ‏ ‏يُونُسَ بْنِ مَتَّى ‏ ‏وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي الْعَالِيَة وَهُوَ رُفَيْع بِفَاءٍ مُصَغَّر الرِّيَاحِيّ بِكَسْرِ الرَّاء بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة ثُمَّ حَاء مُهْمَلَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبّه , أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق شُعْبَة وَمِنْ طَرِيق \" سَعْد \" وَهُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْهُ وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظ سَعِيد , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَة يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَنْ حَفْص بْن عُمَر بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور هُنَا , وَلَفْظه : عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ , فَذَكَرَهُ وَأَخْرَجَهُ فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ شُعْبَة كَذَلِكَ وَصَرَّحَ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَلَفْظه \" عَنْ أَبِي الْعَالِيَة حَدَّثَنِي اِبْن عَمّ نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" يَعْنِي اِبْن عَبَّاس قَالَ أَبُو دَاوُدَ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ عَنْ حَفْص بْن عُمَر عَنْ شُعْبَة لَمْ يَسْمَع قَتَادَةُ مِنْ أَبِي الْعَالِيَة إِلَّا ثَلَاثَة أَحَادِيث , وَفِي مَوْضِع آخَر أَرْبَعَة أَحَادِيث هَذَا أَحَدهَا. قُلْت : قَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن جَعْفَر غُنْدَر عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ \" سَمِعْت أَبَا الْعَالِيَة وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ شُعْبَة وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق عَنْ شُعْبَة فِيهِ عَنْ رَبّه وَلَا عَنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي آخِر تَفْسِير النِّسَاء مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَمِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا \" لَيْسَ فِيهِ عَنْ رَبّه \" وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيّ قَالَ أَكْثَر الرِّوَايَات لَيْسَ فِيهَا \" فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبّه \" فَإِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا فَهُوَ مِمَّنْ سِوَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَاقَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ كَمَا مَضَى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَهُوَ وَارِدٌ سَوَاء كَانَ فِي الرِّوَايَة عَنْ رَبّه أَوْ لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِ مَا يُوهِمُهُ كَلَامُهُ. ‏"
    },
    {
        "id": "6986",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏شَبَابَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمَ الْفَتْحِ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ ‏ ‏أَوْ مِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏فَرَجَّعَ ‏ ‏فِيهَا قَالَ ثُمَّ قَرَأَ ‏ ‏مُعَاوِيَةُ ‏ ‏يَحْكِي قِرَاءَةَ ‏ ‏ابْنِ مُغَفَّلٍ ‏ ‏وَقَالَ لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْكُمْ ‏ ‏لَرَجَّعْتُ ‏ ‏كَمَا ‏ ‏رَجَّعَ ‏ ‏ابْنُ مُغَفَّلٍ ‏ ‏يَحْكِي النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ ‏ ‏لِمُعَاوِيَةَ ‏ ‏كَيْفَ كَانَ ‏ ‏تَرْجِيعُهُ ‏ ‏قَالَ آ آ آ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي سُرَيْج ) ‏ ‏وَهُوَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيم , وَهُوَ أَحْمَد بْن عُمَر فَقِيلَ هُوَ اِسْم أَبِي سُرَيْج وَقِيلَ أَبُو سُرَيْج جَدّ أَحْمَد , وَأَحْمَد يُكَنَّى أَبَا جَعْفَر. ‏ ‏قَوْله ( عَبْد اللَّه بْن الْمُغَفَّل ) ‏ ‏بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْفَاء , وَفِي رِوَايَة حَجَّاج بْن مِنْهَال عَنْ شُعْبَة \" أَخْبَرَنِي أَبُو إِيَاس \" وَهُوَ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة \" سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن الْمُغَفَّل \" تَقَدَّمَ فِي فَضَائِل الْقُرْآن. ‏ ‏قَوْله ( سُورَة الْفَتْح أَوْ مِنْ سُورَةِ الْفَتْح ) ‏ ‏فِي رِوَايَة حَجَّاج \" سُورَة الْفَتْح \" وَلَمْ يَشُكّ. ‏ ‏قَوْله ( فَرَجَّعَ فِيهَا ) ‏ ‏بِتَشْدِيدِ الْجِيم أَيْ رَدَّدَ الصَّوْت فِي الْحَلْق وَالْجَهْر بِالْقَوْلِ مُكَرِّرًا بَعْد خَفَائِهِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة آدَم عَنْ شُعْبَة , وَهُوَ يَقْرَأ \" سُورَة الْفَتْح أَوْ مِنْ سُورَة الْفَتْح \" قِرَاءَة لَيِّنَة يُرَجِّع فِيهَا \" أَخْرَجَهُ فِي فَضَائِل الْقُرْآن أَيْضًا. ‏ ‏قَوْله ( ثُمَّ قَرَأَ مُعَاوِيَة ) ‏ ‏اِبْن قُرَّة ‏ ‏( يَحْكِي قِرَاءَة اِبْن مُغَفَّل ) ‏ ‏هُوَ كَلَام شُعْبَة , وَظَاهِره أَنَّ مُعَاوِيَة قَرَأَ وَرَجَّعَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم فِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح عَنْ شُعْبَة قَالَ مُعَاوِيَة : لَوْ شِئْت أَنْ أَحْكِي لَكُمْ قِرَاءَته لَفَعَلْت , وَفِي غَزْوَة الْفَتْح عَنْ أَبِي الْوَلِيد عَنْ شُعْبَة لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِع النَّاس حَوْلِي لَرَجَّعْت كَمَا رَجَّعَ , وَهَذَا ظَاهِره أَنَّهُ لَمْ يُرَجِّع وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَيُحْمَل الْأَوَّل عَلَى أَنَّهُ حَكَى الْقِرَاءَة دُون التَّرْجِيع بِدَلِيلِ قَوْله فِي آخِره كَيْف كَانَ تَرْجِيعه , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ شُعْبَة فَقَالَ فِيهِ قَالَ مُعَاوِيَة : لَوْلَا أَنْ أَخْشَى أَنْ يَجْتَمِع عَلَيْكُمْ النَّاس لَحَكَيْت لَكُمْ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل مَا حَكَى عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ‏ ‏قَوْله ( فَقُلْت لِمُعَاوِيَةَ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن قُرَّة وَالْقَائِل شُعْبَةُ. ‏ ‏قَوْله ( كَيْف كَانَ تَرْجِيعه قَالَ آ آ آ ثَلَاث مَرَّات ) ‏ ‏قَالَ اِبْن بَطَّال فِي هَذَا الْحَدِيث إِجَازَة الْقِرَاءَة بِالتَّرْجِيعِ وَالْأَلْحَان الْمُلَذِّذَة لِلْقُلُوبِ بِحُسْنِ الصَّوْت , وَقَوْل مُعَاوِيَة \" لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِع النَّاس \" يُشِير إِلَى أَنَّ الْقِرَاءَة بِالتَّرْجِيعِ تَجْمَع نُفُوس النَّاس إِلَى الْإِصْغَاء وَتَسْتَمِيلهَا بِذَلِكَ حَتَّى لَا تَكَاد تَصْبِر عَنْ اِسْتِمَاع التَّرْجِيع الْمَشُوب بِلَذَّةِ الْحِكْمَة الْمُهَيِّمَة , وَفِي قَوْله آ بِمَدِّ الْهَمْزَة وَالسُّكُوت دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُرَاعِي فِي قِرَاءَته الْمَدّ وَالْوَقْف اِنْتَهَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا كُلّه فِي أَوَاخِر فَضَائِل الْقُرْآن فِي بَاب التَّرْجِيع , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون حِكَايَة صَوْته عِنْد هَزّ الرَّاحِلَة كَمَا يَعْتَرِي رَافِع صَوْته إِذَا كَانَ رَاكِبًا مِنْ اِنْضِغَاط صَوْته وَتَقْطِيعه لِأَجْلِ هَزّ الْمَرْكُوب وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَجْه دُخُول حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل فِي هَذَا الْبَاب أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَيْضًا يَرْوِي الْقُرْآن عَنْ رَبّه كَذَا قَالَ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الرِّوَايَة عَنْ الرَّبّ أَعَمّ مِنْ أَنْ تَكُون قُرْآنًا أَوْ غَيْره بِدُونِ الْوَاسِطَة وَبِالْوَاسِطَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادِر هُوَ مَا كَانَ بِغَيْرِ الْوَاسِطَة وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6987",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ ‏ ‏أَهْلُ الْكِتَابِ ‏ ‏يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تُصَدِّقُوا ‏ ‏أَهْلَ الْكِتَابِ ‏ ‏وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا ‏ { ‏آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة \" حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار \" ذَكَرَهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي تَفْسِير الْبَقَرَة , وَفِي بَاب لَا تَسْأَلُوا أَهْل الْكِتَاب عَنْ شَيْء مِنْ \" كِتَاب الِاعْتِصَام \" وَهُنَا وَهُوَ مِنْ نَوَادِر مَا وَقَعَ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكَاد يُخْرِج الْحَدِيث فِي مَكَانَيْنِ فَضْلًا عَنْ ثَلَاثَة بِسِيَاقٍ وَاحِد بَلْ يَتَصَرَّف فِي الْمَتْن بِالِاخْتِصَارِ وَالِاقْتِصَار وَبِالتَّمَامِ , وَفِي السَّنَد بِالْوَصْلِ وَالتَّعْلِيق مِنْ جَمِيع أَوْجُهه , وَفِي الرُّوَاة بِسِيَاقِهِ عَنْ رَاوٍ غَيْر الْآخَر فَبِحَسَب ذَلِكَ لَا يَكُون مُكَرَّرًا عَلَى الْإِطْلَاق وَيَنْدُر لَهُ مَا وَقَعَ هُنَا وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ غَالِبًا حَيْثُ يَكُون الْمَتْن قَصِيرًا وَالسَّنَد فَرْدًا , وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَام عَلَى بَعْضه فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة قَالَ اِبْن بَطَّال : اِسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ قَالَ تَجُوز قِرَاءَة الْقُرْآن بِالْفَارِسِيَّةِ , وَأَيَّدَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى حَكَى قَوْل الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام كَنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَام وَغَيْره مِمَّنْ لَيْسَ عَرَبِيًّا بِلِسَانِ الْقُرْآن وَهُوَ عَرَبِيّ مُبِين وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ( لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) وَالْإِنْذَار إِنَّمَا يَكُون بِمَا يَفْهَمُونَهُ مِنْ لِسَانهمْ , فَقِرَاءَة أَهْل كُلّ لُغَة بِلِسَانِهِمْ حَتَّى يَقَع لَهُمْ الْإِنْذَار بِهِ , قَالَ : وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ الصَّلَاة وَالسَّلَام مَا نَطَقُوا إِلَّا بِمَا حَكَى اللَّه عَنْهُمْ فِي الْقُرْآن سَلَّمْنَا , وَلَكِنْ يَجُوز أَنْ يَحْكِي اللَّه قَوْلهمْ بِلِسَانِ الْعَرَب ثُمَّ يَتَعَبَّدنَا بِتِلَاوَتِهِ عَلَى مَا أَنْزَلَهُ , ثُمَّ نَقَلَ الِاخْتِلَاف فِي إِجْزَاء صَلَاة مَنْ قَرَأَ فِيهَا بِالْفَارِسِيِّ وَمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ عِنْد الْعَجْز دُون الْإِمْكَان وَعَمَّمَ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ , وَاَلَّذِي يَظْهَر التَّفْصِيل فَإِنْ كَانَ الْقَارِئ قَادِرًا عَلَى التِّلَاوَة بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ فَلَا يَجُوز لَهُ الْعُدُول عَنْهُ وَلَا تُجْزِئُ صَلَاته وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا وَإِنْ كَانَ خَارِج الصَّلَاة فَلَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ الْقِرَاءَة بِلِسَانِهِ ; لِأَنَّهُ مَعْذُور وَبِهِ حَاجَة إِلَى حِفْظ مَا يَجِب عَلَيْهِ فِعْلًا وَتَرْكًا وَإِنْ كَانَ دَاخِل الصَّلَاة فَقَدْ جَعَلَ الشَّارِع لَهُ بَدَلًا وَهُوَ الذِّكْر وَكُلّ كَلِمَة مِنْ الذِّكْر لَا يَعْجِز عَنْ النُّطْق بِهَا مَنْ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ فَيَقُولهَا وَيُكَرِّرهَا فَتُجْزِئ عَنْ الَّذِي يَجِب عَلَيْهِ قِرَاءَته فِي الصَّلَاة حَتَّى يَتَعَلَّم , وَعَلَى هَذَا فَمَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَام أَوْ أَرَادَ الدُّخُول فِيهِ فَقُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآن فَلَمْ يَفْهَمهُ فَلَا بَأْس أَنْ يُعَرَّب لَهُ لِتَعْرِيفِ أَحْكَامه أَوْ لِتَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّة فَيَدْخُل فِيهِ , وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال لِهَذِهِ الْمَسْأَلَة بِهَذَا الْحَدِيث وَهُوَ قَوْله \" إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْل الْكِتَاب \" فَهُوَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِره أَنَّ ذَلِكَ بِلِسَانِهِمْ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِلِسَانِ الْعَرَب فَلَا يَكُون نَصًّا فِي الدَّلَالَة , ثُمَّ الْمُرَاد بِإِيرَادِ هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب لَيْسَ مَا تَشَاغَلَ بِهِ اِبْن بَطَّال وَإِنَّمَا الْمُرَاد مِنْهُ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ أَهْل الْكِتَاب إِنْ صَدَقُوا فِيمَا فَسَّرُوا مِنْ كِتَابهمْ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ عَلَى طَرِيق التَّعْبِير عَمَّا أُنْزِلَ وَكَلَام اللَّه وَاحِد لَا يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ اللُّغَات , فَبِأَيِّ لِسَان قُرِئَ فَهُوَ كَلَام اللَّه , ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى ( لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) يَعْنِي وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْعَجَم وَغَيْرهمْ , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ يَكُون لَا يَعْرِف الْعَرَبِيَّة فَإِذَا بَلَغَهُ مَعْنَاهُ بِلِسَانِهِ فَهُوَ لَهُ نَذِير , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى هَذِهِ الْآيَة فِي أَوَّل الْبَاب الَّذِي قَبْل هَذَا بِثَلَاثَةِ أَبْوَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "6988",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُسَدَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏قَدْ زَنَيَا فَقَالَ ‏ ‏لِلْيَهُودِ ‏ ‏مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا قَالُوا ‏ ‏نُسَخِّمُ ‏ ‏وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا قَالَ ‏ { ‏فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏} ‏فَجَاءُوا فَقَالُوا ‏ ‏لِرَجُلٍ ‏ ‏مِمَّنْ يَرْضَوْنَ يَا ‏ ‏أَعْوَرُ ‏ ‏اقْرَأْ فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ قَالَ ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهِ ‏ ‏آيَةُ الرَّجْمِ ‏ ‏تَلُوحُ فَقَالَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏إِنَّ عَلَيْهِمَا ‏ ‏الرَّجْمَ ‏ ‏وَلَكِنَّا ‏ ‏نُكَاتِمُهُ ‏ ‏بَيْنَنَا فَأَمَرَ بِهِمَا ‏ ‏فَرُجِمَا ‏ ‏فَرَأَيْتُهُ ‏ ‏يُجَانِئُ ‏ ‏عَلَيْهَا الْحِجَارَةَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عُمَر فِي رَجْم الْيَهُودِيَّيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الْحُدُود \" وَ \" إِسْمَاعِيل \" فِي السَّنَد هُوَ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن مِقْسَم الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّةَ وَ \" أَيُّوب \" هُوَ السِّخْتِيَانِيّ , وَقَوْله فِيهِ \" فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ أَعْوَر اِقْرَأْ \" كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ وَهُوَ مَجْرُور بِالْفَتْحَةِ صِفَة رَجُل , وَفِي رِوَايَة غَيْره \" يَا أَعْوَر \" وَهُوَ بِالرَّفْعِ وَقَوْله \" فَوَضَعَ يَده عَلَيْهَا \" أَيْ عَلَى آيَة الرَّجْم , وَعِنْد الْكُشْمِيهَنِيِّ \" عَلَيْهِ \" أَيْ عَلَى الْمَوْضِع. ‏ ‏قَوْله ( قَالَ اِرْفَعْ يَدك ) ‏ ‏كَذَا أَبْهَمَ الْقَائِل وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ عَبْد اللَّه بْن سَلَام , وَالْوَاضِع هُوَ عَبْد اللَّه بْن صُورِيَّا , وَقَوْله \" نَتَكَاتَمهُ \" أَيْ الرَّجْم , وَعِنْد الْكُشْمِيهَنِيِّ \" نَتَكَاتَمهَا \" أَيْ الْآيَة. ‏"
    },
    {
        "id": "6989",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يَزِيدَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( اِبْن أَبِي حَازِم ) ‏ ‏هُوَ عَبْد الْعَزِيز بْن سَلَمَة بْن دِينَار وَ \" يَزِيد \" شَيْخه هُوَ اِبْن الْهَادِ , وَ \" مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم \" هُوَ التَّيْمِيُّ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي بَاب : وَأَسِرُّوا قَوْلكُمْ أَوْ اِجْهَرُوا بِهِ مِنْ \" كِتَاب التَّوْحِيد \". ‏"
    },
    {
        "id": "6990",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ‏ ‏وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ‏ ‏وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ ‏ ‏وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ حَدِيثِ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ ‏ ‏الْإِفْكِ ‏ ‏مَا قَالُوا وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ الْحَدِيثِ قَالَتْ ‏ ‏فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ يُبَرِّئُنِي وَلَكِنِّي وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ ‏ ‏أَحْقَرَ ‏ ‏مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ { ‏إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا ‏ ‏بِالْإِفْكِ ‏ ‏عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ‏} ‏الْعَشْرَ الْآيَاتِ كُلَّهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا فِي قِصَّة الْإِفْك , ذَكَرَ مِنْهُ طَرَفًا مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن بُكَيْر عَنْ اللَّيْث عَنْ \" يُونُس \" هُوَ اِبْن يَزِيد عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ مَشَايِخه وَفِيهِ \" وَلَكِنْ وَاَللَّه \" وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" وَلَكِنِّي وَاَللَّه مَا كُنْت أَظُنّ أَنَّ اللَّه يُنْزِل فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى \" فَأَنْزَلَ اللَّه ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ ) الْعَشْر الْآيَات كُلّهَا , هَكَذَا اِقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَدْر مِنْهُ وَتَقَدَّمَ بِطُولِهِ فِي تَفْسِير سُورَة النُّور مَعَ شَرْحه , وَقَدْ أَوْرَدَ هَذَا الْقَدْر مِنْ هَذَا الْحَدِيث فِي بَاب قَوْله ( يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَام اللَّه ) مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يُونُس , وَذَكَرَهُ فِي خَلْق أَفْعَال الْعِبَاد مِنْ طُرُق أُخْرَى عَنْ اِبْن شِهَاب , ثُمَّ قَالَ : فَبَيَّنَتْ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّ الْإِنْذَار مِنْ اللَّه وَأَنَّ النَّاس يَتْلُونَهُ , ثُمَّ ذَكَرَ عِدَّة آيَات فِيهَا ذِكْر التِّلَاوَة , ثُمَّ قَالَ فَبَيَّنَ سُبْحَانه وَتَعَالَى أَنَّ التِّلَاوَة مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ , وَأَنَّ الْوَحْي مِنْ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6991",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو نُعَيْمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مِسْعَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ‏ ‏أُرَاهُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏الْبَرَاءَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ ‏ { ‏وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ‏} ‏فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( يَقْرَأ فِي الْعِشَاء وَالتِّين ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" بِالتِّينِ فَمَا سَمِعْت أَحَدًا أَحْسَن صَوْتًا أَوْ قِرَاءَة مِنْهُ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الصَّلَاة \" وَمُرَاده مِنْهُ هُنَا بَيَان اِخْتِلَاف الْأَصْوَات بِالْقِرَاءَةِ مِنْ جِهَة النَّغَمِ. ‏"
    },
    {
        "id": "6992",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُشَيْمٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي بِشْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مُتَوَارِيًا ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏ ‏وَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَإِذَا سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ جَاءَ بِهِ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ { ‏وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ‏}",
        "sharh": "حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي نُزُول قَوْله تَعَالَى ( وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُبْحَان , وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَاب قَوْله تَعَالَى ( وَأَسِرُّوا قَوْلكُمْ أَوْ اِجْهَرُوا بِهِ ) وَمُرَاده مِنْهُ هُنَا بَيَان اِخْتِلَاف الْأَصْوَات بِالْجَهْرِ وَالْإِسْرَار. ‏"
    },
    {
        "id": "6993",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِسْمَاعِيلُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مَالِكٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ ‏ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ لَهُ ‏ ‏إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ ‏ ‏لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي سَعِيد : لَا يَسْمَع مَدَى صَوْت الْمُؤَذِّن جِنّ وَلَا إِنْس وَلَا شَيْء إِلَّا شَهِدَ لَهُ الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الْأَذَان \" وَمُرَاده مِنْهُ هُنَا بَيَان اِخْتِلَاف الْأَصْوَات بِالرَّفْعِ وَالْخَفْض وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَجْه مُنَاسَبَته أَنَّ رَفْع الْأَصْوَات بِالْقُرْآنِ أَحَقّ بِالشَّهَادَةِ لَهُ وَأَوْلَى. ‏"
    },
    {
        "id": "6994",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَبِيصَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي ‏ ‏حَجْرِي ‏ ‏وَأَنَا حَائِضٌ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سُفْيَان ) ‏ ‏هُوَ الثَّوْرِيّ وَ \" مَنْصُور \" هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن الشَّيْبِيّ , وَأُمُّهُ هِيَ صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة مِنْ صِغَار الصَّحَابَة. ‏ ‏قَوْله ( يَقْرَأ الْقُرْآن وَرَأْسه فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِض ) ‏ ‏تَقَدَّمَ شَرْحه فِي \" كِتَاب الْحَيْض \" وَتَقَدَّمَ بَيَان الْمُرَاد بِهِ مِنْ كَلَام اِبْن الْمُنِير وَمِنْهُ يَظْهَر وَجْه مُنَاسَبَة ذِكْره فِي هَذَا الْبَاب. ‏"
    },
    {
        "id": "6995",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُقَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏عُرْوَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ‏ ‏وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ ‏ ‏حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ ‏ ‏يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَكِدْتُ ‏ ‏أُسَاوِرُهُ ‏ ‏فِي الصَّلَاةِ فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ ‏ ‏فَلَبَبْتُهُ ‏ ‏بِرِدَائِهِ فَقُلْتُ مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ قَالَ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ كَذَبْتَ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا فَقَالَ ‏ ‏أَرْسِلْهُ ‏ ‏اقْرَأْ يَا ‏ ‏هِشَامُ ‏ ‏فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏اقْرَأْ يَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏فَقَرَأْتُ الَّتِي أَقْرَأَنِي فَقَالَ كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ ‏ ‏إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى ‏ ‏سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ‏ ‏فَاقْرَءُوا مَا ‏ ‏تَيَسَّرَ ‏ ‏مِنْهُ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "6996",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو مَعْمَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَارِثِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَزِيدُ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عِمْرَانَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيمَا يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ قَالَ ‏ ‏كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ‏",
        "sharh": "حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ \" قُلْت يَا رَسُول اللَّه فِيمَ يَعْمَل الْعَامِلُونَ ؟ قَالَ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ \" وَهُوَ مُخْتَصَر مِنْ حَدِيث سَبَقَ فِي كِتَاب الْقَدَر فِيهِ \" عَنْ عِمْرَان قَالَ قَالَ : رَجُل يَا رَسُول اللَّه أَيُعْرَفُ أَهْل الْجَنَّة مِنْ أَهْل النَّار قَالَ نَعَمْ. قَالَ : فَلِمَ يَعْمَل الْعَامِلُونَ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ وَ \" يَزِيد \" شَيْخ عَبْد الْوَارِث فِيهِ هُوَ الْمَعْرُوف بِالرِّشْك , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيد الرِّشْك فَذَكَرَهُ , ‏"
    },
    {
        "id": "6997",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏غُنْدَرٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَنْصُورٍ ‏ ‏وَالْأَعْمَشِ ‏ ‏سَمِعَا ‏ ‏سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ كَانَ فِي جَنَازَةٍ فَأَخَذَ عُودًا فَجَعَلَ ‏ ‏يَنْكُتُ ‏ ‏فِي الْأَرْضِ فَقَالَ ‏ ‏مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ أَوْ مِنْ الْجَنَّةِ قَالُوا أَلَا نَتَّكِلُ قَالَ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ‏ { ‏فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ‏} ‏الْآيَةَ ‏",
        "sharh": "وَحَدِيث عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَفِيهِ \" وَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد إِلَّا كُتِبَ مَقْعَده مِنْ النَّار أَوْ مِنْ الْجَنَّة \" وَتَقَدَّمَ شَرْحه هُنَاكَ أَيْضًا وَفِيهِ \" وَفِي حَدِيث عِمْرَان الَّذِي قَبْله كُلٌّ مُيَسَّرٌ \" قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة فِي شَرْح حَدِيث أَبِي سَعِيد الْمَذْكُور فِي بَاب كَلَام اللَّه مَعَ أَهْل الْجَنَّة فِيهِ نِدَاء اللَّه تَعَالَى لِأَهْلِ الْجَنَّة بِقَرِينَةِ جَوَابهمْ \" بِلَبَّيْكَ وَسَعْدَيْك \" وَالْمُرَاجَعَة بِقَوْلِهِ \" هَلْ رَضِيتُمْ \" وَقَوْلهمْ \" وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى \" وَقَوْله \" أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَل \" وَقَوْلهمْ \" يَا رَبّنَا وَأَيّ شَيْء أَفْضَل \" وَقَوْله \" أُحِلّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي \" فَإِنَّ ذَلِكَ كُلّه يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي كَلَّمَهُمْ وَكَلَامه قَدِيم أَزَلِيّ مُيَسَّر بِلُغَةِ الْعَرَب , وَالنَّظَر فِي كَيْفِيَّته مَمْنُوع وَلَا نَقُول بِالْحُلُولِ فِي الْمُحْدَث وَهِيَ الْحُرُوف وَلَا أَنَّهُ دَلَّ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ , بَلْ الْإِيمَان بِأَنَّهُ مُنَزَّل حَقٌّ مُيَسَّر بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّة صِدْقٌ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : حَاصِل الْكَلَام أَنَّهُمْ قَالُوا إِذَا كَانَ الْأَمْر مُقَدَّرًا فَلْنَتْرُكْ الْمَشَقَّة فِي الْعَمَل الَّذِي مِنْ أَجْلهَا سُمِّيَ بِالتَّكْلِيفِ , وَحَاصِل الْجَوَاب أَنَّ كُلّ مَنْ خُلِقَ لِشَيْءٍ يُسِّرَ لِعَمَلِهِ فَلَا مَشَقَّة مَعَ التَّيْسِير , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ أَرَادُوا أَنْ يَتَّخِذُوا مَا سَبَقَ حُجَّة فِي تَرْك الْعَمَل فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ هُنَا أَمْرَيْنِ لَا يُبْطِل أَحَدهمَا الْآخَر : بَاطِن وَهُوَ مَا اِقْتَضَاهُ حُكْم الرُّبُوبِيَّة , وَظَاهِر وَهُوَ السِّمَة اللَّازِمَة بِحَقِّ الْعُبُودِيَّة وَهُوَ أَمَارَة لِلْعَاقِبَةِ فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْعَمَل فِي الْعَاجِل يَظْهَر أَثَره فِي الْآجِل وَأَنَّ الظَّاهِر لَا يُتْرَك لِلْبَاطِنِ. قُلْت : وَكَأَنَّ مُنَاسَبَة هَذَا الْبَاب لِمَا قَبْله مِنْ جِهَة الِاشْتِرَاك فِي لَفْظ التَّيْسِير وَاَللَّه أَعْلَم. ‏"
    },
    {
        "id": "6998",
        "content": "‏ ‏و قَالَ لِي ‏ ‏خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي رَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَمَّا ‏ ‏قَضَى ‏ ‏اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ غَلَبَتْ ‏ ‏أَوْ قَالَ ‏ ‏سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( سَمِعْت أَبِي ) ‏ ‏هُوَ سُلَيْمَانُ بْن طَرْخَانَ التَّيْمِيُّ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي رَافِع ) ‏ ‏كَذَا وَقَعَ بِالْعَنْعَنَةِ وَفِي السَّنَد الَّذِي بَعْده التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ مِنْ قَتَادَةَ وَأَبِي رَافِع عِنْد مُسْلِمٍ وَكَذَا بِالسَّمَاعِ لِأَبِي رَافِع وَأَبِي هُرَيْرَة. ‏ ‏قَوْله ( لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْق ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" لَمَّا خَلَقَ \". ‏ ‏قَوْله ( غَلَبَتْ أَوْ قَالَ سَبَقَتْ ) ‏ ‏كَذَا بِالشَّكِّ وَفِي الَّتِي بَعْدَهَا بِالْجَزْمِ سَبَقَتْ. ‏ ‏قَوْله ( فَهُوَ عِنْده فَوْق الْعَرْش ) ‏ ‏تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى قَوْله \" عِنْده \" فِي بَاب وَيُحَذِّركُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ , وَعَلَى قَوْله \" فَوْق الْعَرْش \" فِي بَاب وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء , وَتَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث أَيْضًا وَالْغَرَض مِنْهُ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَوْق الْعَرْش. ‏"
    },
    {
        "id": "6999",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي غَالِبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعْتَمِرٌ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏أَبِي ‏ ‏يَقُولُ حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَا رَافِعٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ ‏ ‏إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي غَالِب ) ‏ ‏فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ \" حَدَّثَنَا \" وَهُوَ قُومَسِيٌّ نَزَلَ بَغْدَاد , وَيُقَال لَهُ الطَّيَالِسِيُّ وَكَانَ حَافِظًا مِنْ أَقْرَان الْبُخَارِيّ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْره فِي بَاب الْأَخْذ بِالْيَدِ مِنْ \" كِتَاب الِاسْتِئْذَان \" وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد دَرَجَة بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ مُعْتَمِر فَإِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْهُ الْكَثِير بِوَاسِطَةِ وَاحِد فَعِنْده فِي الْعِلْم وَالْجِهَاد وَالدَّعَوَات وَالْأَشْرِبَة وَالصُّلْح وَاللِّبَاس عِدَّة أَحَادِيث أَخْرَجَهَا مُسَدَّد عَنْ مُعْتَمِر , وَدَرَجَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ قَتَادَةَ فَإِنَّهُ عِنْده الْكَثِير مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْهُ بِوَاسِطَةِ وَاحِد عَنْ شُعْبَة وَقَدْ سَمِعَ مِنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ وَالْأَنْصَارِيّ سَمِعَ مِنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ وَلَكِنْ لَمْ يُخَرِّج الْبُخَارِيّ هَذِهِ التَّرْجَمَة فِي الْجَامِع , وَ \" مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل \" شَيْخ مُحَمَّد بْن أَبِي غَالِب بَصْرِيّ يُقَال لَهُ اِبْن أَبِي سَمِينَة بِمُهْمَلَة وَنُون وَزْن عَظِيمَة مِنْ الطَّبَقَة الثَّالِثَة مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ فِي التَّارِيخ بِلَا وَاسِطَة وَلَمْ أَرَ عَنْهُ فِي الْجَامِع شَيْئًا إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ مَنْ حَدَّثَ عَنْ الْبُخَارِيّ مِثْل صَالِح بْن مُحَمَّد الْحَافِظ الْمُلَقَّب جَزَرَة بِفَتْحِ الْجِيم وَالزَّاي وَمُوسَى بْن هَارُون وَغَيْرهمَا. ‏"
    },
    {
        "id": "7000",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الْوَهَّابِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَيُّوبُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي قِلَابَةَ ‏ ‏وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَهْدَمٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ ‏ ‏جُرْمٍ ‏ ‏وَبَيْنَ ‏ ‏الْأَشْعَرِيِّينَ ‏ ‏وُدٌّ وَإِخَاءٌ فَكُنَّا عِنْدَ ‏ ‏أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ‏ ‏فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏بَنِي تَيْمِ اللَّهِ ‏ ‏كَأَنَّهُ مِنْ ‏ ‏الْمَوَالِي ‏ ‏فَدَعَاهُ إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ لَا آكُلُهُ فَقَالَ ‏ ‏هَلُمَّ ‏ ‏فَلْأُحَدِّثْكَ عَنْ ذَاكَ إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏نَفَرٍ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الْأَشْعَرِيِّينَ ‏ ‏نَسْتَحْمِلُهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بِنَهْبِ ‏ ‏إِبِلٍ فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ أَيْنَ ‏ ‏النَّفَرُ ‏ ‏الْأَشْعَرِيُّونَ ‏ ‏فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ‏ ‏ذَوْدٍ ‏ ‏غُرِّ ‏ ‏الذُّرَى ‏ ‏ثُمَّ انْطَلَقْنَا قُلْنَا مَا صَنَعْنَا حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنْ لَا يَحْمِلَنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا ثُمَّ حَمَلَنَا تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَمِينَهُ وَاللَّهِ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ فَقَالَ لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ ‏ ‏وَتَحَلَّلْتُهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي قِصَّة الَّذِينَ طَلَبُوا الْحُمْلَان فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسْت أَنَا أَحْمِلكُمْ وَلَكِنَّ اللَّه حَمَلَكُمْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحهفِي \" كِتَاب الْإِيمَان \" وَ \" عَبْد الْوَهَّاب \" فِي السَّنَد هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ وَلَيْسَ هُوَ وَالِد عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْوَهَّاب الْعَبْدَرِيّ الْحَجَبِيّ الرَّاوِي عَنْهُ هُنَا , \" وَالْقَاسِم التَّمِيمِيّ \" هُوَ اِبْن عَاصِم وَ \" زَهْدَم \" هُوَاِبْن مُضَرَّب بِتَشْدِيدِ الرَّاء , وَقَوْله \" يَأْكُل فَقَذَرْته \" زَادَ الْكُشْمِيهَنِيّ \" يَأْكُل شَيْئًا \" وَقَوْله \" فَحَلَفْت لَا آكُلهُ \" فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" أَنْ لَا آكُلهُ \" وَقَوْله \" فَلَأُحَدِّثُك \" وَقَعَ لِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ \" فَلَأُحَدِّثَنَّك \" بِالنُّونِ الْمُؤَكَّدَة , وَالْمُرَاد مِنْهُ نِسْبَة الْحَمْل إِلَى اللَّه تَعَالَى وَإِنْ كَانَ الَّذِي بَاشَرَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى )وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ قَرِيبًا. ‏"
    },
    {
        "id": "7001",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَاصِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ ‏ ‏قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏قَدِمَ ‏ ‏وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالُوا إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ ‏ ‏مُضَرَ ‏ ‏وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي أَشْهُرٍ حُرُمٍ فَمُرْنَا ‏ ‏بِجُمَلٍ ‏ ‏مِنْ الْأَمْرِ إِنْ عَمِلْنَا بِهِ دَخَلْنَا الْجَنَّةَ وَنَدْعُو إِلَيْهَا مَنْ وَرَاءَنَا قَالَ ‏ ‏آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَتُعْطُوا مِنْ الْمَغْنَمِ ‏ ‏الْخُمُسَ ‏ ‏وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ لَا تَشْرَبُوا فِي ‏ ‏الدُّبَّاءِ ‏ ‏وَالنَّقِيرِ ‏ ‏وَالظُّرُوفِ ‏ ‏الْمُزَفَّتَةِ ‏ ‏وَالْحَنْتَمَةِ ‏",
        "sharh": "حَدِيث وَفْدِ عَبْد الْقَيْس. ‏ ‏قَوْله ( أَبُو عَاصِم ) ‏ ‏هُوَ الضَّحَّاك بْن مَخْلَدٍ الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بِالنَّبِيلِ بِنُونٍ وَمُوَحَّدَة وَزْن عَظِيم , وَهُوَ مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَة فِي \" كِتَاب الزَّكَاة \" وَغَيْره وَهُنَا بِوَاسِطَةٍ وَكَذَلِكَ فِي عِدَّة مَوَاضِع. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا قُرَّة بْن خَالِد ) ‏ ‏قَالَ عِيَاض سَقَطَ مِنْ رِوَايَة أَبِي زَيْد الْمَرْوَزِيِّ وَثَبَتَ لِغَيْرِهِ وَأَلْحَقهُ عَبْدُوس فِي رِوَايَته يَعْنِي \" عَنْ الْمَرْوَزِيِّ \" وَنَقَلَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ أَنَّ أَبَا زَيْد قَالَ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ \" أَظُنّ بَيْنهمَا قُرَّة بْن خَالِد \" قَالَ أَبُو عَلِيّ وَمَا هُوَ بِالظَّنِّ وَلَكِنَّهُ يَقِين وَبِهِ يَتَّصِل الْإِسْنَاد. ‏ ‏قَوْله ( قُلْت لِابْنِ عَبَّاس فَقَالَ قَدِمَ وَفْد عَبْد الْقَيْس ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة لَمْ يَذْكُر مَقُول قُلْت وَبَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي عَامِر عَبْدالْمَلِك بْن عَمْرو الْعَقَدِيّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْقَاف عَنْ قُرَّة بْن خَالِد فَقَالَ فِي رِوَايَته : حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَة قَالَ قُلْت لِابْنِ عَبَّاس إِنَّ لِي جَرَّة أَنْتَبِذ فِيهَا فَأَشْرَبهُ حُلْوًا لَوْ أَكْثَرْت مِنْهُ فَجَالَسْت الْقَوْم لَخَشِيت أَنْ أَفْتَضِح فَقَالَ قَدِمَ وَفْد عَبْد الْقَيْس , وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم طَرِيق أَبِي عَامِر لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظه وَلَمْ يَقِف الْكَرْمَانِيُّ عَلَى هَذَا فَقَالَ التَّقْدِير قُلْت لِابْنِعَبَّاس حَدِّثْنَا إِمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا عَنْ قِصَّة وَفْد عَبْد الْقَيْس فَجَعَلَ مَقُول قُلْت طَلَب التَّحْدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي \" كِتَاب الْإِيمَان \" وَمَا يَتَعَلَّق مِنْهُ بِالْأَشْرِبَةِ فِي \" كِتَاب الْأَشْرِبَة \" وَتَقَدَّمَ جَوَاب الْإِشْكَال عَنْ تَفْسِير الْإِيمَان بِالْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّة مَعَ أَنَّهُ فِعْل الْقَلْب , وَعَنْ الْحِكْمَة فِي قَوْله \" وَأَنْ تَعْطُوا الْخُمُس \" وَلَمْ يَقُلْ وَإِعْطَاء الْخُمُس عَلَى نَسَق مَا تَقَدَّمَ , وَعَنْ سُقُوط ذِكْر الصَّوْم فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مَعَ كَوْنه ثَابِتًا فِي غَيْرهَا , وَالتَّنْبِيه عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ ذِكْر الْحَجّ فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث مِنْ هَذَا الْوَجْه مِنْ رِوَايَة قُرَّة بْن خَالِد. ‏"
    },
    {
        "id": "7002",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏اللَّيْثُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ‏",
        "sharh": "قَالَ اِبْن بَطَّال قَوْله فِي حَدِيث عَائِشَة وَغَيْره \" يُقَال لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ \" إِنَّمَا نَسَبَ خَلْقهَا إِلَيْهِمْ تَقْرِيعًا لَهُمْ بِمُضَاهَاتِهِمْ اللَّه تَعَالَى فِي خَلْقه فَبَكَّتَهُمْ بِأَنْ قَالَ إِذَا شَابَهْتُمْ بِمَا صَوَّرْتُمْ مَخْلُوقَات اللَّه تَعَالَى فَأَحْيُوهَا كَمَا أَحْيَا هُوَ مَا خَلَقَ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ أَسْنَدَ الْخَلْق إِلَيْهِمْ صَرِيحًا وَهُوَ خِلَاف التَّرْجَمَة لَكِنَّ الْمُرَاد كَسْبهمْ , فَأَطْلَقَ لَفْظ الْخَلْق عَلَيْهِمْ اِسْتِهْزَاء أَوْ ضَمَّنَ \" خَلَقْتُمْ \" مَعْنَى صَوَّرْتُمْ تَشْبِيهًا بِالْخَلْقِ , أَوْ أَطْلَقَ بِنَاء عَلَى زَعْمهمْ فِيهِ. قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ مُنَاسَبَة ذِكْر حَدِيث الْمُصَوِّرِينَ لِتَرْجَمَةِ هَذَا الْبَاب مِنْ جِهَة أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَخْلُق فِعْل نَفْسه لَوْ صَحَّتْ دَعْوَاهُ لَمَا وَقَعَ الْإِنْكَار عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُصَوِّرِينَ فَلَمَّا كَانَ أَمْرهمْ بِنَفْخِ الرُّوح فِيمَا صَوَّرُوهُ أَمْر تَعْجِيز وَنِسْبَة الْخَلْق إِلَيْهِمْ إِنَّمَا هِيَ عَلَى سَبِيل التَّهَكُّم وَالِاسْتِهْزَاء دَلَّ عَلَى فَسَاد قَوْل مَنْ نَسَبَ خَلْق فِعْله إِلَيْهِ اِسْتِقْلَالًا وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى. ثُمَّ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ :هَذِهِ الْأَحَادِيث تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْعَمَل مَنْسُوب إِلَى الْعَبْد ; لِأَنَّ مَعْنَى الْكَسْب اِعْتِبَار الْجِهَتَيْنِ فَيُسْتَفَاد الْمَطْلُوب مِنْهَا وَلَعَلَّ غَرَض الْبُخَارِيّ فِي تَكْثِير هَذَا النَّوْع فِي الْبَاب وَغَيْره بَيَان جَوَاز مَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ \" لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق \" إِنْ صَحَّ عَنْهُ. قُلْت : قَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاق فَقَالَ \" كُلّ مَنْ نَقَلَ عَنِّي أَنِّي قُلْت لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ , وَإِنَّمَا قُلْت أَفْعَال الْعِبَاد مَخْلُوقَة \" أَخْرَجَ ذَلِكَ غُنْجَار فِي تَرْجَمَة الْبُخَارِيّمِنْ تَارِيخ بُخَارَى بِسَنَدٍ صَحِيح إِلَى مُحَمَّد بْن نَصْر الْمَرْوَزِيِّ الْإِمَام الْمَشْهُور أَنَّهُ سَمِعَ الْبُخَارِيّ يَقُول ذَلِكَ , وَمِنْ طَرِيق أَبِي عُمَر وَأَحْمَد بْن نَصْر النَّيْسَابُورِيّ الْخَفَّاف أَنَّهُ سَمِعَ الْبُخَارِيّ يَقُول ذَلِكَ. ‏"
    },
    {
        "id": "7003",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَيُّوبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ‏",
        "sharh": ""
    },
    {
        "id": "7004",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏سَمِعَ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ ‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً ‏",
        "sharh": "‏ ‏وَ \" مُحَمَّد بْن الْعَلَاء \" ‏ ‏فِي أَوَّل سَنَد حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هُوَ أَبُو كُرَيْب وَهُوَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَر , وَابْن فُضَيْلٍ : هُوَمُحَمَّد وَ \" عُمَارَة \" هُوَ اِبْن الْقَعْقَاع بْن شُبْرُمَةَ , وَقَدْ مَضَى فِي \" كِتَاب اللِّبَاس \" مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عُمَارَة وَفِيهِ قِصَّة لِأَبِي هُرَيْرَة وَمَضَى شَرْحه هُنَاكَ , وَقَوْله \" وَمَنْ ذَهَبَ \" أَيْ قَصَدَ , وَقَوْله \" يَخْلُق كَخَلْقِي \" نَسَبَ الْخَلْق إِلَيْهِمْ عَلَى سَبِيل الِاسْتِهْزَاء أَوْ التَّشْبِيه فِيالصُّورَة فَقَطْ , وَقَوْله \" فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّة أَوْ شَعِيرَة \" أَمْر بِمَعْنَى التَّعْجِيز وَهُوَ عَلَى سَبِيل التَّرَقِّي فِيالْحَقَارَة أَوْ التَّنَزُّل فِي الْإِلْزَام , وَالْمُرَاد بِالذَّرَّةِ إِنْ كَانَ النَّمْلَة فَهُوَ مِنْ تَعْذِيبهمْ وَتَعْجِيزهمْ بِخَلْقِ الْحَيَوَان تَارَة وَبِخَلْقِ الْجَمَاد أُخْرَى , وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْهَبَاء فَهُوَ بِخَلْقِ مَا لَيْسَ لَهُ جِرْم مَحْسُوس تَارَة وَبِمَا لَهُ جِرْم أُخْرَى , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون \" أَوْ \" شَكًّا مِنْ الرَّاوِي ‏"
    },
    {
        "id": "7005",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هَمَّامٌ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏قَتَادَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَنَسٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ‏ ‏كَالْأُتْرُجَّةِ ‏ ‏طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ ‏ ‏الْحَنْظَلَةِ ‏ ‏طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا ‏",
        "sharh": "حَدِيث \" أَبِي مُوسَى \" وَهُوَ الْأَشْعَرِيّ مَثَل الْمُؤْمِن , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَالسَّنَد كُلّه بَصْرِيُّونَ وَمُطَابَقَته لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَة وَمُنَاسَبَتهَا لِمَا قَبْلهَا مِنْ الْأَبْوَاب أَنَّ التِّلَاوَة مُتَفَاوِتَة بِتَفَاوُتِ التَّالِي فَيَدُلّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ عَمَله , وَقَالَ اِبْن بَطَّال : مَعْنَى هَذَا الْبَاب أَنَّ قِرَاءَة الْفَاجِر وَالْمُنَافِق لَا تَرْتَفِع إِلَى اللَّه وَلَا تَزْكُو عِنْده وَإِنَّمَا يَزْكُو عِنْده مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهه وَكَانَعَنْ نِيَّة التَّقَرُّب إِلَيْهِ , وَشَبَّهَهُ بِالرَّيْحَانَةِ حِين لَمْ يَنْتَفِع بِبَرَكَةِ الْقُرْآن وَلَمْ يَفُزْ بِحَلَاوَةِ أَجْره فَلَمْ يُجَاوِز الطِّيب مَوْضِع الصَّوْت وَهُوَ الْحَلْق وَلَا اِتَّصَلَ بِالْقَلْبِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّين. ‏"
    },
    {
        "id": "7006",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامٌ ‏ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَنْبَسَةُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏أَخْبَرَنِي ‏ ‏يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏ ‏قَالَتْ ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْكُهَّانِ ‏ ‏فَقَالَ إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ ‏ ‏فَيُقَرْقِرُهَا ‏ ‏فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ ‏ ‏كَقَرْقَرَةِ ‏ ‏الدَّجَاجَةِ فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَلِيّ ) ‏ ‏هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن الْمَدِينِيّ ‏ ‏وَ \" هِشَام \" ‏ ‏هُوَ اِبْن يُوسُف الصَّنْعَانِيُّ ‏ ‏وَ \" يُونُس \" ‏ ‏فِي السَّنَد الثَّانِي هُوَ اِبْن زَيْد , ‏ ‏وَ \" اِبْن شِهَاب \" ‏ ‏فِيهِ هُوَ الزُّهْرِيُّ الْمَذْكُور فِي الْأَوَّل , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ طَرِيق عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه الْمَدِينِيّ فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الطِّبّ \" فِي بَاب الْكِهَانَة , وَنَسَبه فِيهَا وَنَسَب شَيْخه كَمَا ذَكَرْت وَسَاقَ الْمَتْن عَلَى لَفْظه هُنَاكَ , وَوَقَعَ عِنْده أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْن عُرْوَة بْن الزُّبَيْر أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر. ‏ ‏قَوْله ( سَأَلَ أُنَاس ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" نَاس \" وَهُمَا بِمَعْنًى ; وَقَوْله هُنَا \" يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ يَكُون حَقًّا \" فِي رِوَايَة مَعْمَر \" إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَنَا أَحْيَانًا بِشَيْءٍ فَيَكُون حَقًّا \". ‏ ‏قَوْله ( يَخْطَفهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ \" يَحْفَظُهَا \" بِحَاءٍ مُهْمَلَة وَظَاء مُشَالَة وَالْفَاء قَبْلهَا مِنْ الْحِفْظ. ‏ ‏قَوْله ( فَيُقَرْقِرُهَا ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مَعْمَر \" فَيُقِرُّهَا \" بِتَشْدِيدِ الرَّاء. ‏ ‏قَوْله ( كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ \" الزُّجَاجَة \" بِضَمِّ الزَّاي , وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْبَاب الْمَذْكُور وَمُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ تَعَرَّضَ لَهُ اِبْن بَطَّال وَلَخَصَّهُ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ لِمُشَابَهَةِ الْكَاهِن بِالْمُنَافِقِ مِنْ جِهَة أَنَّهُ لَا يَنْتَفِع بِالْكَلِمَةِ الصَّادِقَة لِغَلَبَةِ الْكَذِب عَلَيْهِ وَلِفَسَادِ حَاله , كَمَا أَنَّ الْمُنَافِق لَا يَنْتَفِع بِقِرَاءَتِهِ لِفَسَادِ عَقِيدَته , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي مِنْ مُرَاد الْبُخَارِيّ أَنَّ تَلَفُّظ الْمُنَافِق بِالْقُرْآنِ كَمَا يَتَلَفَّظ بِهِ الْمُؤْمِن فَتَخْتَلِف تِلَاوَتهمَا وَالْمَتْلُوّ وَاحِد , فَلَوْ كَانَ الْمَتْلُوّ عَيْن التِّلَاوَة لَمْ يَقَع فِيهِ تَخَالُف وَكَذَلِكَ الْكَاهِن فِي تَلَفُّظه بِالْكَلِمَةِ مِنْ الْوَحْي الَّتِي يُخْبِرهُ بِهَا الْجِنِّيّمِمَّا يَخْتَطِفهُ مِنْ الْمَلَك تَلَفُّظه بِهَا , وَتَلَفُّظ الْجِنِّيّ مُغَايِر لِتَلَفُّظِ الْمَلَك فَتَفَاوَتَا. ‏"
    },
    {
        "id": "7007",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ ‏ ‏يُحَدِّثُ عَنْ ‏ ‏مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ ‏ ‏قِبَلِ ‏ ‏الْمَشْرِقِ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا ‏ ‏يُجَاوِزُ ‏ ‏تَرَاقِيَهُمْ ‏ ‏يَمْرُقُونَ ‏ ‏مِنْ الدِّينِ كَمَا ‏ ‏يَمْرُقُ ‏ ‏السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ قِيلَ مَا ‏ ‏سِيمَاهُمْ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سِيمَاهُمْ ‏ ‏التَّحْلِيقُ ‏ ‏أَوْ قَالَ ‏ ‏التَّسْبِيدُ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( عَنْ مَعْبَد بْن سِيرِينَ ) ‏ ‏هُوَ أَخُو مُحَمَّد وَهُوَ أَكْبَر مِنْهُ وَالسَّنَد كُلّه بَصْرِيُّونَ إِلَّا الصَّحَابِيّ وَقَدْ دَخَلَ الْبَصْرَة. ‏ ‏قَوْله ( يَخْرُج نَاس مِنْ قِبَل الْمَشْرِق ) ‏ ‏تَقَدَّمَ فِي \" كِتَاب الْفِتَن \" أَنَّهُمْ الْخَوَارِج وَبَيَان مَبْدَأ أَمْرهمْ وَمَا وَرَدَ فِيهِمْ , وَكَانَ اِبْتِدَاء خُرُوجهمْ فِي الْعِرَاق وَهِيَ مِنْ جِهَة الْمَشْرِق بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَكَّة الْمُشَرَّفَة. ‏ ‏قَوْله ( لَا يُجَاوِز تَرَاقِيهمْ ) ‏ ‏جَمْع تَرْقُوَة بِفَتْحِ أَوَّله وَسُكُون الرَّاء وَضَمّ الْقَاف وَفَتْح الْوَاو وَهِيَ الْعَظْم الَّذِي بَيْن نَقْرَة النَّحْر وَالْعَاتِق , وَذَكَرَهُ فِي التَّرْجَمَة بِلَفْظِ \" حَنَاجِرهمْ \" جَمْع حَنْجَرَة وَهِيَ الْحُلْقُوم , وَتَقَدَّمَ بَيَان الْحُلْقُوم فِي أَوَاخِر \" كِتَاب الْعِلْم \" وَقَدْ رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَن اِبْن أَبِي نُعْم عَنْ أَبِي سَعِيد بِلَفْظِ حَنَاجِرهمْ , وَتَقَدَّمَ فِي بَاب قَوْله تَعَالَى ( تَعْرُج الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) مِنْ \" كِتَاب التَّوْحِيد \". ‏ ‏قَوْله ( قِيلَ مَا سِيمَاهُمْ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة أَيْ عَلَامَتهمْ وَالسَّائِل عَنْ ذَلِكَ لَمْأَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِ. ‏ ‏قَوْله ( التَّحْلِيق أَوْ قَالَ التَّسْبِيد ) ‏ ‏شَكّ مِنْ الرَّاوِي وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَة بِمَعْنَى التَّحْلِيق , وَقِيلَ أَبْلَغ مِنْهُوَهُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِئْصَال وَقِيلَ إِنْ نَبَتَ بَعْد أَيَّام وَقِيلَ هُوَ تَرْك دَهْن الشَّعْر وَغَسْله , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ فِيهِ إِشْكَال وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَم مِنْ وُجُود الْعَلَامَة وُجُود ذِي الْعَلَامَة فَيَسْتَلْزِم أَنَّ كُلّ مَنْ كَانَ مَحْلُوق الرَّأْس فَهُوَ مِنْ الْخَوَارِج وَالْأَمْر بِخِلَافِ ذَلِكَ اِتِّفَاقًاثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ السَّلَف كَانُوا لَا يَحْلِقُونَ رُءُوسهمْ إِلَّا لِلنُّسُكِ أَوْ فِي الْحَاجَة , وَالْخَوَارِج اِتَّخَذُوهُ دَيْدَنًا فَصَارَ شِعَارًا لَهُمْ وَعُرِفُوا بِهِ قَالَ وَيَحْتَمِل أَنْيُرَاد بِهِ حَلْق الرَّأْس وَاللِّحْيَة وَجَمِيع شُعُورهمْ وَأَنْ يُرَاد بِهِ الْإِفْرَاط فِي الْقَتْل وَالْمُبَالَغَة فِي الْمُخَالَفَة فِي أَمْر الدِّيَانَة. قُلْت : الْأَوَّل بَاطِل ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقَع مِنْ الْخَوَارِج وَالثَّانِي مُحْتَمَل لَكِنَّ طُرُق الْحَدِيث الْمُتَكَاثِرَة كَالصَّرِيحَةِ فِي إِرَادَة حَلْق الرَّأْس , وَالثَّالِث كَالثَّانِي وَاللَّهُ أَعْلَم. ‏ ‏( تَنْبِيهٌ ) : ‏ ‏وَقَعَ لِابْنِ بَطَّال فِي وَصْف الْخَوَارِج خَبْط أَرَدْت التَّنْبِيه عَلَيْهِ لِئَلَّا يَغْتَرّ بِهِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : يُمْكِن أَنْ يَكُون هَذَا الْحَدِيث فِي قَوْم عَرَفَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَحْيِ أَنَّهُمْ خَرَجُوا بِبِدْعَتِهِمْ عَنْ الْإِسْلَام إِلَى الْكُفْر وَهُمْ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيّ بِالنَّهْرَوَانِ حِين قَالُوا إِنَّك رَبّنَا فَاغْتَاظَ عَلَيْهِمْ وَأَمَرَ بِهِمْ فَحُرِّقُوا بِالنَّارِ فَزَادَهُمْ ذَلِكَ فِتْنَة وَقَالُوا الْآن تَيَقَّنَّا أَنَّكرَبّنَا إِذْ لَا يُعَذِّب بِالنَّارِ إِلَّا اللَّه اِنْتَهَى , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْقِصَّة لِعَلِيٍّ فِي الْفِتَن وَلَيْسَتْ لِلْخَوَارِجِ وَإِنَّمَا هِيَ لِلزَّنَادِقَةِ كَمَا وَقَعَمُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْض طُرُقه , وَوَقَعَ فِي شَرْح الْوَجِيز لِلرَّافِعِيِّ عِنْد ذِكْر الْخَوَارِج قَالَ هُمْ فِرْقَة مِنْ الْمُبْتَدِعَة خَرَجُوا عَلَى عَلِيّ حَيْثُ اِعْتَقَدُوا أَنَّهُ يَعْرِف قَتَلَة عُثْمَان وَيَقْدِر عَلَيْهِمْ وَلَا يَقْتَصّ مِنْهُمْ لِرِضَاهُ بِقَتْلِهِ وَمُوَاطَأَته إِيَّاهُمْ , وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَنْ أَتَى كَبِيرَة فَقَدْ كَفَرَ وَاسْتَحَقَّ الْخُلُود فِي النَّار وَيَطْعَنُونَ لِذَلِكَ فِي الْأَئِمَّة اِنْتَهَى , وَلَيْسَ الْوَصْف الْأَوَّل فِي كَلَامه وَصْف الْخَوَارِج الْمُبْتَدِعَة وَإِنَّمَا هُوَ وَصْف النَّوَاصِب أَتْبَاع مُعَاوِيَة بِصِفِّين , وَأَمَّا الْخَوَارِج فَمِنْ مُعْتَقَدِهِمْ تَكْفِيرُ عُثْمَان وَأَنَّهُقُتِلَ بِحَقٍّ , وَلَمْ يَزَالُوا مَعَ عَلِيّ حَتَّى وَقَعَ التَّحْكِيم بِصِفِّين فَأَنْكَرُوا التَّحْكِيم وَخَرَجُوا عَلَى عَلِيّ وَكَفَّرُوهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِمْ مَبْسُوطًا فِي \" كِتَاب الْفِتَن \". ‏"
    },
    {
        "id": "7008",
        "content": "‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي زُرْعَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ ‏",
        "sharh": "‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِشْكَاب ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَآخِره مُوَحَّدَة غَيْر مُنْصَرِف ; لِأَنَّهُ أَعْجَمِيّ وَقِيلَ بَلْ عَرَبِيّ فَيَنْصَرِف وَهُوَ لَقَب , وَاسْمه مَجْمَع وَقِيلَ مَعْمَر وَقِيلَ عُبَيْد اللَّه وَكُنْيَة أَحْمَد أَبُو عَبْد اللَّه وَهُوَ الصَّفَّار الْحَضْرَمِيّ نَزِيل مِصْر , قَالَ الْبُخَارِيّ : آخِر مَا لَقِيته بِمِصْر سَنَة سَبْع عَشْرَة وَأَرَّخَ اِبْن حِبَّان وَفَاته فِيهَا , وَقَالَ اِبْن يُونُس : مَاتَ سَنَة سَبْع عَشْرَة أَوْ ثَمَان عَشْرَة. قُلْت : وَلَيْسَ بَيْنه وَبَيْن عَلِيّ بْن إِشْكَاب وَلَا مُحَمَّد بْن إِشْكَاب قَرَابَة. ‏ ‏قَوْله ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ ) ‏ ‏أَيْ اِبْن غَزْوَانَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الزَّاي وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيث إِلَّا مِنْ طَرِيقه بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَات وَفِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَمُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَابْن حِبَّان كُلّهمْ مِنْ طَرِيقه قَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن صَحِيح غَرِيب. قُلْت : وَجْه الْغَرَابَة فِيهِ مَا ذَكَرْته مِنْ تَفَرُّد مُحَمَّد بْنِ فُضَيْلٍ وَشَيْخه وَشَيْخ شَيْخه وَصَاحِبَيْهِ. ‏ ‏قَوْله ( عَنْ عُمَارَة ) ‏ ‏فِي رِوَايَة قُتَيْبَة \" عَنْ اِبْن فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا عُمَارَة \" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور. ‏ ‏قَوْله ( كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَن ) ‏ ‏كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِتَقْدِيمِ \" حَبِيبَتَانِ \" وَتَأْخِير \" ثَقِيلَتَانِ \" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَات وَفِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور بِتَقْدِيمِ \" خَفِيفَتَانِ \" وَتَأْخِير \" حَبِيبَتَانِ \" وَهِيَ رِوَايَة مُسْلِم عَنْ زُهَيْر بْن حَرْب وَمُحَمَّد بْنِ عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر وَأَبِي كُرَيْب وَمُحَمَّد بْن طَرِيف وَكَذَا عِنْد الْبَاقِينَ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْره وَمَنْ سَيَأْتِي عَنْ شُيُوخهمْ , وَفِي قَوْله \" كَلِمَتَانِ \" إِطْلَاق كَلِمَة عَلَى الْكَلَام وَهُوَ مِثْل كَلِمَة الْإِخْلَاص وَكَلِمَة الشَّهَادَة , وَقَوْله \" كَلِمَتَانِ \" هُوَ الْخَبَر وَ \" حَبِيبَتَانِ \" وَمَا بَعْدهَا صِفَة وَالْمُبْتَدَأ سُبْحَان اللَّه إِلَى آخِره وَالنُّكْتَة فِي تَقْدِيم الْخَبَر تَشْوِيق السَّامِع إِلَى الْمُبْتَدَأ وَكُلَّمَا طَالَ الْكَلَام فِي وَصْف الْخَبَر حَسُنَ تَقْدِيمه ; لِأَنَّ كَثْرَة الْأَوْصَاف الْجَمِيلَة تَزِيد السَّامِع شَوْقًا , وَقَوْله \" حَبِيبَتَانِ \" أَيْ مَحْبُوبَتَانِ , وَالْمَعْنَى : مَحْبُوب قَائِلهمَا , وَمَحَبَّة اللَّه لِلْعَبْدِ تَقَدَّمَ مَعْنَاهَا فِي \" كِتَاب الرِّقَاق \" وَقَوْله \" ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَان \" هُوَ مَوْضِع التَّرْجَمَة ; لِأَنَّهُ مُطَابِق لِقَوْلِهِ : وَأَنَّ أَعْمَال بَنِي آدَم تُوزَن , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَإِنْ قِيلَ فَعِيل بِمَعْنَى مَفْعُول يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مَوْصُوفه مَعَهُ , فَلِمَ عَدَلَ عَنْ التَّذْكِير إِلَى التَّأْنِيث ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ جَائِز لَا وَاجِب وَأَيْضًا فَهُوَ فِي الْمُفْرَد لَا الْمُثَنَّى سَلَّمْنَا لَكِنْ أَنَّثَ لِمُنَاسَبَةِ الثَّقِيلَتَيْنِ وَالْخَفِيفَتَيْنِ أَوْ ; لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْفَاعِل لَا الْمَفْعُول وَالتَّاء لِنَقْلِ اللَّفْظَة مِنْ الْوَصْفِيَّة إِلَى الِاسْمِيَّة وَقَدْ يُطْلَق عَلَى مَا لَمْ يَقَع لَكِنَّهُ مُتَوَقَّع كَمَنْ يَقُول خُذْ : ذَبِيحَتك لِلشَّاةِ الَّتِي لَمْ تُذْبَح فَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهَا الْفِعْل فَهِيَ ذَبِيح حَقِيقَة , وَخَصَّ لَفْظ الرَّحْمَن بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُود مِنْ الْحَدِيث بَيَان سَعَة رَحْمَة اللَّه تَعَالَى عَلَى عِبَاده حَيْثُ يُجَازِي عَلَى الْعَمَل الْقَلِيل بِالثَّوَابِ الْكَثِير. ‏ ‏قَوْله ( خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَان ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَان ) ‏ ‏وَصَفَهُمَا بِالْخِفَّةِ وَالثِّقَل لِبَيَانِ قِلَّة الْعَمَل وَكَثْرَة الثَّوَاب وَفِي هَذِهِ الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة سَجْع مُسْتَعْذَب وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَات بَيَان الْجَائِز مِنْهُ وَالْمَنْهِيّ عَنْهُ وَكَذَا فِي الْحُدُود فِي حَدِيث سَجْع كَسَجْعِ الْكُهَّان , وَالْحَاصِل أَنَّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ مَا كَانَ مُتَكَلَّفًا أَوْ مُتَضَمِّنًا لِبَاطِلٍ لَا مَا جَاءَ عَفْوًا عَنْ غَيْر قَصْد إِلَيْهِ , وَقَوْله \" خَفِيفَتَانِ \" فِيهِ إِشَارَة إِلَى قِلَّة كَلَامهمَا وَأَحْرُفهمَا وَرَشَاقَتهمَا , قَالَ الطِّيبِيُّ : الْخِفَّة مُسْتَعَارَة لِلسُّهُولَةِ وَشَبَّهَ سُهُولَة جَرَيَانهَا عَلَى اللِّسَان بِمَا خَفَّ عَلَى الْحَامِل مِنْ بَعْض الْأَمْتِعَة فَلَا تُتْعِبهُ كَالشَّيْءِ الثَّقِيل , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ سَائِر التَّكَالِيف صَعْبَة شَاقَّة عَلَى النَّفْس ثَقِيلَة وَهَذِهِ سَهْلَة عَلَيْهَا مَعَ أَنَّهَا تُثْقِل الْمِيزَان كَثِقَلِ الشَّاقّ مِنْ التَّكَالِيف , وَقَدْ سُئِلَ بَعْض السَّلَف عَنْ سَبَب ثِقَل الْحَسَنَة وَخِفَّة السَّيِّئَة ؟ فَقَالَ : لِأَنَّ الْحَسَنَة حَضَرَتْ مَرَارَتُهَا وَغَابَتْ حَلَاوَتُهَا فَثَقُلَتْ فَلَا يَحْمِلَنَّك ثِقَلُهَا عَلَى تَرْكهَا , وَالسَّيِّئَة حَضَرَتْ حَلَاوَتُهَا وَغَابَتْ مَرَارَتُهَا فَلِذَلِكَ خَفَّتْ فَلَا يَحْمِلَنَّك خِفَّتُهَا عَلَى اِرْتِكَابهَا. ‏ ‏قَوْله ( سُبْحَان اللَّه ) ‏ ‏تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي بَاب فَضْلِ التَّسْبِيح مِنْ \" كِتَاب الدَّعَوَات \". ‏ ‏قَوْله ( وَبِحَمْدِهِ ) ‏ ‏قِيلَ الْوَاو لِلْحَالِ وَالتَّقْدِير : أُسَبِّح اللَّه مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِي لَهُ مِنْ أَجْل تَوْفِيقه وَقِيلَ : عَاطِفَة وَالتَّقْدِير أُسَبِّح اللَّه وَأَتَلَبَّس بِحَمْدِهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْحَمْد مُضَافًا لِلْفَاعِلِ وَالْمُرَاد مِنْ الْحَمْد لَازِمه أَوْ مَا يُوجِب الْحَمْد مِنْ التَّوْفِيق وَنَحْوه , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْبَاء مُتَعَلِّقَة بِمَحْذُوف مُتَقَدِّم وَالتَّقْدِير وَأُثْنِي عَلَيْهِ بِحَمْدِهِ فَيَكُون \" سُبْحَان اللَّه \" جُمْلَة مُسْتَقِلَّة وَ \" بِحَمْدِهِ \" جُمْلَة أُخْرَى , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي حَدِيث : سُبْحَانك اللَّهُمَّ رَبّنَا وَبِحَمْدِك أَيْ بِقُوَّتِك الَّتِي هِيَ نِعْمَة تُوجِب عَلَيَّ حَمْدك سَبَّحْتُك لَا بِحَوْلِي وَبِقُوَّتِي كَأَنَّهُ يُرِيد أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا أُقِيمَ فِيهِ السَّبَب مَقَام الْمُسَبَّب , وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَات عَنْ مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَلَى ثُبُوت وَبِحَمْدِهِ إِلَّا أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَة زُهَيْر بْن حَرْب وَأَحْمَد بْن عَبْدَة وَأَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَالْحُسَيْن بْن عَلِيّ بْن الْأَسْوَد عَنْهُ لَمْ يَقُلْ أَكْثَرهمْ \" وَبِحَمْدِهِ \". قُلْت : وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ رِوَايَة زُهَيْر بْن حَرْب عِنْد الشَّيْخَيْنِ وَعِنْد مُسْلِم عَنْ بَقِيَّة مَنْ سَمَّيْت مِنْ شُيُوخه وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ يُوسُف بْن عِيسَى وَالنَّسَائِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن آدَم وَأَحْمَد بْن حَرْب وَابْن مَاجَهْ عَنْ عَلِيّ بْن مُحَمَّد وَعَلِيّ بْن الْمُنْذِر وَأَبُو عَوَانَة عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن سَمُرَة الْأَحْمَسِيّ وَابْن حِبَّان أَيْضًا مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر كُلّهمْ عَنْ مُحَمَّد بْنِ فُضَيْلٍ كَأَنَّهَا سَقَطَتْ مِنْ رِوَايَة أَبِي بَكْر وَأَحْمَد بْن عَبْدَة وَالْحُسَيْن. ‏ ‏قَوْله ( سُبْحَان اللَّه الْعَظِيم ) ‏ ‏هَكَذَا عِنْد الْأَكْثَر بِتَقْدِيمِ \" سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ \" عَلَى \" سُبْحَان اللَّه الْعَظِيم \" وَتَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَات عَنْ زُهَيْر بْن حَرْب بِتَقْدِيمِ \" سُبْحَان اللَّه الْعَظِيم \" عَلَى \" سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ \" وَكَذَا هُوَ عِنْد أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ وَكَذَا عِنْد جَمِيع مَنْ سَمَّيْته قَبْل , وَقَدْ وَقَعَ لِي بِعُلُوٍّ فِي \" كِتَاب الدُّعَاء \" لِمُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن الْمُنْذِر عَنْهُ بِثُبُوتِ \" وَبِحَمْدِهِ \" وَتَقْدِيم \" سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ \" قَالَ اِبْن بَطَّال هَذِهِ الْفَضَائِل الْوَارِدَة فِي فَضْل الذِّكْر إِنَّمَا هِيَ لِأَهْلِ الشَّرَف فِي الدِّين وَالْكَمَال كَالطَّهَارَةِ مِنْ الْحَرَام وَالْمَعَاصِي الْعِظَام فَلَا تَظُنّ أَنَّ مَنْ أَدْمَنَ الذِّكْر وَأَصَرَّ عَلَى مَا شَاءَهُ مِنْ شَهَوَاته وَانْتَهَكَ دِين اللَّه وَحُرُمَاته أَنَّهُ يَلْتَحِق بِالْمُطَهَّرِينَ الْمُقَدَّسِينَ وَيَبْلُغ مَنَازِلهمْ بِكَلَامٍ أَجْرَاهُ عَلَى لِسَانه لَيْسَ مَعَهُ تَقْوَى وَلَا عَمَل صَالِح , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ صِفَات اللَّه وُجُودِيَّة كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَة وَهِيَ صِفَات الْإِكْرَام وَعَدَمِيَّة كَلَا شَرِيك لَهُ وَلَا مِثْل لَهُ وَهِيَ صِفَات الْجَلَال فَالتَّسْبِيح إِشَارَة إِلَى صِفَات الْجَلَال وَالتَّحْمِيد إِشَارَة إِلَى صِفَات الْإِكْرَام وَتَرْك التَّقْيِيد مُشْعِر بِالتَّعْمِيمِ , وَالْمَعْنَى أُنَزِّهُهُ عَنْ جَمِيع النَّقَائِص وَأَحْمَدهُ بِجَمِيعِ الْكَمَالَات , قَالَ : وَالنَّظْم الطَّبِيعِيّ يَقْتَضِي تَقْدِيم التَّحْلِيَة عَلَى التَّخْلِيَة فَقَدَّمَ التَّسْبِيح الدَّالّ عَلَى التَّخَلِّي عَلَى التَّحْمِيد الدَّالّ عَلَى التَّحَلِّي وَقَدَّمَ لَفْظ اللَّه ; لِأَنَّهُ اِسْم الذَّات الْمُقَدَّسَة الْجَامِع لِجَمِيعِ الصِّفَات وَالْأَسْمَاء الْحُسْنَى , وَوَصَفَهُ بِالْعَظِيمِ ; لِأَنَّهُ الشَّامِل لِسَلْبِ مَا لَا يَلِيق بِهِ وَإِثْبَات مَا يَلِيق بِهِ إِذْ الْعَظَمَة الْكَامِلَة مُسْتَلْزِمَة لِعَدَمِ النَّظِير وَالْمَثِيل وَنَحْو ذَلِكَ , وَكَذَا الْعِلْم بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَات وَالْقُدْرَة عَلَى جَمِيع الْمَقْدُورَات وَنَحْو ذَلِكَ , وَذَكَرَ التَّسْبِيح مُتَلَبِّسًا بِالْحَمْدِ لِيُعْلَم ثُبُوت الْكَمَال لَهُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَكَرَّرَهُ تَأْكِيدًا وَلِأَنَّ الِاعْتِنَاء بِشَأْنِ التَّنْزِيه أَكْثَر مِنْ جِهَة كَثْرَة الْمُخَالِفِينَ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْقُرْآن بِعِبَارَات مُخْتَلِفَة نَحْو سُبْحَان وَسَبِّحْ بِلَفْظِ الْأَمْر وَسَبَّحَ بِلَفْظِ الْمَاضِي وَيُسَبِّح بِلَفْظِ الْمُضَارِع وَلِأَنَّ التَّنْزِيهَات تُدْرَك بِالْعَقْلِ بِخِلَافِ الْكَمَالَات فَإِنَّهَا تَقْصُر عَنْ إِدْرَاك حَقَائِقهَا كَمَا قَالَ بَعْض الْمُحَقِّقِينَ : الْحَقَائِق الْإِلَهِيَّة لَا تُعْرَف إِلَّا بِطَرِيقِ السَّلْب كَمَا فِي الْعِلْم لَا يُدْرَك مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِجَاهِلٍ , وَأَمَّا مَعْرِفَة حَقِيقَة عِلْمه فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ , وَقَالَ شَيْخنَا شَيْخ الْإِسْلَام سِرَاج الدِّين الْبُلْقِينِيُّ فِي كَلَامه عَلَى مُنَاسَبَة أَبْوَاب صَحِيح الْبُخَارِيّ الَّذِي نَقَلْته عَنْهُ فِي أَوَاخِر الْمُقَدَّمَة : لَمَّا كَانَ أَصْل الْعِصْمَة أَوَّلًا وَآخِرًا هُوَ تَوْحِيد اللَّه فَخَتَمَ بِكِتَابِ التَّوْحِيد , وَكَانَ آخِر الْأُمُور الَّتِي يَظْهَر بِهَا الْمُفْلِح مِنْ الْخَاسِر ثِقَل الْمَوَازِين وَخِفَّتهَا فَجَعَلَهُ آخِر تَرَاجِم الْكِتَاب , فَبَدَأَ بِحَدِيثِ \" الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ \" وَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا , وَخَتَمَ بِأَنَّ الْأَعْمَال تُوزَن يَوْم الْقِيَامَة , وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَثْقُل مِنْهَا مَا كَانَ بِالنِّيَّةِ الْخَالِصَة لِلَّهِ تَعَالَى , وَفِي الْحَدِيث الَّذِي ذَكَرَهُ تَرْغِيب وَتَخْفِيف , وَحَثّ عَلَى الذِّكْر الْمَذْكُور لِمَحَبَّةِ الرَّحْمَن لَهُ وَالْخِفَّة بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَتَعَلَّق بِالْعَمَلِ وَالثِّقَل بِالنِّسْبَةِ لِإِظْهَارِ الثَّوَاب , وَجَاءَ تَرْتِيب هَذَا الْحَدِيث عَلَى أُسْلُوب عَظِيم وَهُوَ أَنَّ حُبّ الرَّبّ سَابِق وَذِكْر الْعَبْد وَخِفَّة الذِّكْر عَلَى لِسَانه تَالٍ ثُمَّ بَيَّنَ مَا فِيهِمَا مِنْ الثَّوَاب الْعَظِيم النَّافِع يَوْم الْقِيَامَة اِنْتَهَى مُلَخَّصًا , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : تَقَدَّمَ فِي أَوَّل \" كِتَاب التَّوْحِيد \" بَيَان تَرْتِيب أَبْوَاب الْكِتَاب وَأَنَّ الْخَتْم بِمَبَاحِث كَلَام اللَّه ; لِأَنَّهُ مَدَار الْوَحْي , وَبِهِ تَثْبُت الشَّرَائِع وَلِهَذَا اِفْتَتَحَ بِبَدْءِ الْوَحْي وَالِانْتِهَاء إِلَى مَا مِنْهُ الِابْتِدَاء وَنِعْمَ الْخَتْم بِهَا وَلَكِنَّ ذِكْر هَذَا الْبَاب لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ بَلْ هُوَ لِإِرَادَةِ أَنْ يَكُون آخِر الْكَلَام التَّسْبِيح وَالتَّحْمِيد , كَمَا أَنَّهُ ذَكَرَ حَدِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ فِي أَوَّل الْكِتَاب لِإِرَادَةِ بَيَان إِخْلَاصه فِيهِ كَذَا قَالَ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ قَصَدَ خَتْم كِتَابه بِمَا دَلَّ عَلَى وَزْن الْأَعْمَال ; لِأَنَّهُ آخِر آثَار التَّكْلِيف فَإِنَّهُ لَيْسَ بَعْد الْوَزْن إِلَّا الِاسْتِقْرَار فِي أَحَد الدَّارَيْنِ إِلَى أَنْ يُرِيد اللَّه إِخْرَاج مَنْ قَضَى بِتَعْذِيبِهِ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ فَيَخْرُجُونَ مِنْ النَّار بِالشَّفَاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَأَشَارَ أَيْضًا إِلَى أَنَّهُ وَضَعَ كِتَابه قِسْطَاسًا وَمِيزَانًا يُرْجَع إِلَيْهِ , وَأَنَّهُ سَهْل عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَفِيهِ إِشْعَار بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّف فِي حَالَتَيْهِ أَوَّلًا وَآخِرًا , تَقَبَّلَ اللَّه تَعَالَى مِنْهُ وَجَزَاهُ أَفْضَل الْجَزَاء. قُلْت : وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ الْحَثّ عَلَى إِدَامَة هَذَا الذِّكْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَاب فَضْل التَّسْبِيح مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة حَدِيث آخَر لَفْظه : مَنْ قَالَ \" سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ \" فِي يَوْمه مِائَة مَرَّة حُطَّتْ خَطَايَاهُ , وَإِنْ كَانَتْ مِثْل زَبَد الْبَحْر , وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي قَوْل \" سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ \" وَحْدهَا فَإِذَا اِنْضَمَّتْ إِلَيْهَا الْكَلِمَة الْأُخْرَى فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهَا تُفِيد تَحْصِيل الثَّوَاب الْجَزِيل الْمُنَاسِب لَهَا , كَمَا أَنَّ مَنْ قَالَ الْكَلِمَة الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَهُ خَطَايَا مَثَلًا فَإِنَّهُ يَحْصُل لَهُ مِنْ الثَّوَاب مَا يُوَازِن ذَلِكَ , وَفِيهِ إِيرَاد الْحُكْم الْمُرَغَّب فِي فِعْله بِلَفْظِ الْخَبَر ; لِأَنَّ الْمَقْصُود مِنْ سِيَاق هَذَا الْحَدِيث الْأَمْر بِمُلَازَمَةِ الذِّكْر الْمَذْكُور , وَفِيهِ تَقْدِيم الْمُبْتَدَأ عَلَى الْخَبَر كَمَا مَضَى فِي قَوْله \" كَلِمَتَانِ \" وَفِيهِ مِنْ الْبَدِيع : الْمُقَابَلَة وَالْمُنَاسَبَة وَالْمُوَازَنَة فِي السَّجْع ; لِأَنَّهُ قَالَ \" حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَن \" وَلَمْ يَقُلْ لِلرَّحْمَنِ لِمُوَازَنَةِ قَوْله \" عَلَى اللِّسَان \" وَعَدَّى كُلًّا مِنْ الثَّلَاثَة بِمَا يَلِيق بِهِ وَفِيهِ إِشَارَة اِمْتِثَال قَوْله تَعَالَى ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبّك ) وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى عَنْ الْمَلَائِكَة فِي عِدَّة آيَات أَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهمْ , وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي ذَرّ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيّ الْكَلَام أَحَبّ إِلَى اللَّه قَالَ مَا اِصْطَفَى اللَّه لِمَلَائِكَتِهِ سُبْحَان رَبِّي وَبِحَمْدِهِ سُبْحَان رَبِّي وَبِحَمْدِهِ , وَفِي لَفْظ لَهُ أَنَّ أَحَبّ الْكَلَام إِلَى اللَّه سُبْحَانه : سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ. ‏"
    }
]